Al-Bahr Al-Muhit — البقرة 2:151 – البقرة 2:174
المحتويات
البقرة 2:151
﴿كَما أرْسَلْنا فِيكُمْ﴾: الكافُ هُنا لِلتَّشْبِيهِ، وهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى أنَّها نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ. واخْتُلِفَ في تَقْدِيرِهِ، فَقِيلَ التَّقْدِيرُ: ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم إتْمامًا مِثْلَ إتْمامِ إرْسالِ الرَّسُولِ فِيكم. ومُتَعَلِّقُ الإتْمامَيْنِ مُخْتَلِفٌ، فالإتْمامُ الأوَّلُ بِالثَّوابِ في الآخِرَةِ، والإتْمامُ الثّانِي بِإرْسالِ الرَّسُولِ إلَيْنا في الدُّنْيا. أوِ الإتْمامُ الأوَّلُ بِإجابَةِ الدَّعْوَةِ الأُولى لِإبْراهِيمَ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]، والإتْمامُ الثّانِي بِإجابَةِ الدَّعْوَةِ الثّانِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩]، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: ولَعَلَّكم تَهْتَدُونَ اهْتِداءً مِثْلَ إرْسالِنا فِيكم رَسُولًا، ويَكُونُ تَشْبِيهُ الهِدايَةِ بِالإرْسالِ في التَّحَقُّقِ والثُّبُوتِ، أيِ اهْتِداءً ثابِتًا مُتَحَقِّقًا، كَتَحَقُّقِ إرْسالِنا وثُبُوتِهِ. وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، أيْ جَعْلًا مِثْلَ ما أرْسَلْنا، وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ، وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا؛ لِكَثْرَةِ الفَصْلِ المُؤْذِنِ بِالِانْقِطاعِ. وقِيلَ: الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن نِعْمَتِي، أيْ: ﴿ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠] مُشَبِّهَةً إرْسالَنا فِيكم رَسُولًا، أيْ مُشَبِّهَةً نِعْمَةَ الإرْسالِ، فَيَكُونُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ. وقِيلَ: الكافُ مُنْقَطِعَةٌ مِنَ الكَلامِ قَبْلَها، ومُتَعَلِّقَةٌ بِالكَلامِ بَعْدَها، والتَّقْدِيرُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَما (p-٤٤٤)ذَكَرْتُكم بِإرْسالِ الرَّسُولِ، فاذْكُرُونِي بِالطّاعَةِ أذْكُرْكم بِالثَّوابِ. انْتَهى. فَيَكُونُ عَلى تَقْدِيرِ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وعَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيِ اذْكُرُونِي ذِكْرًا مِثْلَ ذِكْرِنا لَكم بِالإرْسالِ، ثُمَّ صارَ مِثْلَ ذِكْرِ إرْسالِنا، ثُمَّ حُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ. وهَذا كَما تَقُولُ: كَما أتاكَ فُلانٌ فائْتِهِ بِكَرَمِكَ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وعَطاءٍ والكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ، وهو اخْتِيارُ الأخْفَشِ والزَّجّاجِ وابْنِ كَيْسانَ والأصَمِّ، والمَعْنى: أنَّكم كُنْتُمْ عَلى حالَةٍ لا تَقْرَءُونَ كِتابًا، ولا تَعْرِفُونَ رَسُولًا، ومُحَمَّدٌ ﷺ رَجُلٌ مِنكم، أتاكم بِأعْجَبِ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِهِ فَقالَ: ”كَما أوْلَيْتُكم هَذِهِ النِّعْمَةَ وجَعَلْتُها لَكم دَلِيلًا، فاذْكُرُونِي بِالشُّكْرِ، أذْكُرْكم بِرَحْمَتِي“، ويُؤَكِّدُهُ: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤] . ويُحْتَمَلُ عَلى هَذا الوَجْهِ، بَلْ يَظْهَرُ، وهو إذا عَلِقَتْ بِما بَعْدَها أنْ، لا تَكُونُ الكافُ لِلتَّشْبِيهِ بَلْ لِلتَّعْلِيلِ، وهو مَعْنًى مَقُولٌ فِيها إنَّها تُرَدُّ لَهُ، وحُمِلَ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لا تَشْتُمُ النّاسَ كَما لا تُشْتَمُ
أيْ: واذْكُرُوهُ لِهِدايَتِهِ إيّاكم، ولا تَشْتُمِ النّاسَ لِكَوْنِكَ لا تُشْتَمُ، أيِ امْتَنِعْ مِن شَتْمِ النّاسِ لِامْتِناعِ النّاسِ مِن شَتْمِكَ. وما: في كَما، مَصْدَرِيَّةٌ، وأبْعَدَ مَن زَعَمَ أنَّها مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، ورَسُولًا بَدَلٌ مِنهُ، والتَّقْدِيرُ: كالَّذِي أرْسَلْناهُ رَسُولًا، إذْ يَبْعُدُ تَقْرِيرُ هَذا التَّقْدِيرِ مَعَ الكَلامِ الَّذِي قَبْلَهُ، ومَعَ الكَلامِ الَّذِي بَعْدَهُ، وفِيهِ وُقُوعُ ما عَلى آحادِ مَن يَعْقِلُ. وكَذَلِكَ جَعَلَ ما كافَّةً؛ لِأنَّهُ لا يَذْهَبُ إلى ذَلِكَ إلّا حَيْثُ لا يُمْكِنُ أنْ يَنْسَبِكَ مِنها مَعَ ما بَعْدَها مَصْدَرٌ؛ لِوِلايَتِها الجُمَلَ الِاسْمِيَّةَ، نَحْوَ قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎لَعَمْرُكَ إنَّنِي وأبا حُمَيْدٍ ∗∗∗ كَما النَّشْوانُ والرَّجُلُ الحَلِيمُ
وقَوْلُ مَن قالَ إنَّ: ”كَما أرْسَلْنا“، مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ، قَدْ رَدَّهُ أبُو مُحَمَّدٍ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، قالَ: لِأنَّ الأمْرَ إذا كانَ لَهُ جَوابٌ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ ما قَبْلَهُ لِاشْتِغالِهِ بِجَوابِهِ، قالَ: لَوْ قُلْتُ كَما أحْسَنْتُ إلَيْكَ فَأكْرِمْنِي أُكْرِمْكَ، لَمْ تَتَعَلَّقِ الكافُ مِن كَما بِأكْرِمْنِي، لِأنَّ لَهُ جَوابًا، ولَكِنْ تَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ آخَرَ أوْ بِمُضْمَرٍ، وكَذَلِكَ: ”فاذْكُرُونِي أذْكُرْكم“، هو أمْرٌ لَهُ جَوابٌ، فَلا تَتَعَلَّقُ كَما بِهِ، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ إلّا عَلى التَّشْبِيهِ بِالشَّرْطِ الَّذِي يُجاوَبُ بِجَوابَيْنِ، وهو قَوْلُكَ: إذا أتاكَ فُلانٌ فائْتِهِ تُرْضِهِ، فَتَكُونُ كَما وفاذْكُرُونِي جَوابَيْنِ لِلْأمْرِ، والأوَّلُ أفْصَحُ وأشْهَرُ. وتَقُولُ: كَما أحْسَنْتُ إلَيْكَ فَأكْرِمْنِي، يَصِحُّ أنْ يَجْعَلَ الكافَ مُتَعَلِّقَةً بِأكْرِمْنِي؛ إذْ لا جَوابَ لَهُ. انْتَهى كَلامُهُ. ورَجَّحَ مَكِّيٌّ قَوْلَ مَن قالَ إنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِما قَبْلَها، وهو: ﴿ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠]، لِأنَّ سِياقَ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَعْنى: ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم بِبَيانِ مِلَّةِ أبِيكم إبْراهِيمَ، كَما أجَبْنا دَعْوَتَهُ فِيكم، فَأرْسَلْنا إلَيْكم رَسُولًا مِنكم يَتْلُو. وما ذَهَبَ إلَيْهِ مَكِّيٌّ مِن إبْطالِ أنْ تَكُونَ كَما مُتَعَلِّقَةً بِما بَعْدَها مِنَ الوَجْهِ الَّذِي ذُكِرَ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ الكافَ إمّا أنْ تَكُونَ لِلتَّشْبِيهِ أوْ لِلتَّعْلِيلِ. فَإنْ كانَتْ لِلتَّشْبِيهِ، فَتَكُونُ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، ويَجُوزُ تَقَدُّمُ ذَلِكَ المَصْدَرِ عَلى الفِعْلِ، مِثالُ ذَلِكَ: أكْرِمْنِي إكْرامًا مِثْلَ إكْرامِي السّابِقِ لَكَ أُكْرِمُكَ، فَيَجُوزُ تَقْدِيمُ هَذا المَصْدَرِ. وإنْ كانَتْ لِلتَّعْلِيلِ، فَيَجُوزُ أيْضًا تَقَدُّمُ ذَلِكَ عَلى الفِعْلِ، مِثالُ ذَلِكَ: أكْرِمْنِي لِإكْرامِي لَكَ أُكْرِمْكَ، لا نَعْلَمُ خِلافًا في جَوازِ تَقْدِيمِ هَذا المَصْدَرِ وهَذِهِ العِلَّةِ عَلى الفِعْلِ العامِلِ فِيهِما، وتَجْوِيزُ مَكِّيٍّ ذَلِكَ عَلى التَّشْبِيهِ بِالشَّرْطِ الَّذِي يُجاوِبُ بِجَوابَيْنِ وتَسْمِيَتُهُ، كَما وفاذْكُرُونِي جَوابَيْنِ لِلْأمْرِ، لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأنَّ كَما لَيْسَ بِجَوابٍ، ولِأنَّ ذَلِكَ التَّشْبِيهَ فاسِدٌ؛ لِأنَّ المَصْدَرَ لا يُشْبِهُ الجَوابَ، وكَذَلِكَ التَّعْلِيلُ. أمّا المَصْدَرُ التَّشْبِيهِيُّ، فَهو وصْفٌ في الفِعْلِ المَأْمُورِ بِهِ، (p-٤٤٥)فَلَيْسَ مُتَرَتَّبًا عَلى وُقُوعِ مُطْلَقِ الفِعْلِ، بَلْ لا يَقَعُ الفِعْلُ إلّا بِذَلِكَ الوَصْفِ. وعَلى هَذا لا يُشْبِهُ الجَوابَ؛ لِأنَّ الجَوابَ مُتَرَتِّبٌ عَلى نَفْسِ وُقُوعِ الفِعْلِ. وأمّا التَّعْلِيلُ فَكَذَلِكَ أيْضًا لَيْسَ مُتَرَتِّبًا عَلى وُقُوعِ الفِعْلِ، بَلِ الفِعْلُ مُتَرَتِّبٌ عَلى وُجُودِ العِلَّةِ، فَهو نَقِيضُ الجَوابِ؛ لِأنَّ الجَوابَ مُتَرَتِّبٌ عَلى وُقُوعِ الفِعْلِ، والعِلَّةُ مُتَرَتِّبٌ عَلَيْها وُجُودُ الفِعْلِ، فَلا تَشْبِيهَ بَيْنِهِما، وإنَّما يُخْدَشُ عِنْدِي في تَعَلُّقِ كَما بِقَوْلِهِ: ”فاذْكُرُونِي“، هو الفاءُ؛ لِأنَّ ما بَعْدَ الفاءِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها، ولَوْلا الفاءُ لَكانَ التَّعَلُّقُ واضِحًا، وتَبْعُدُ زِيادَةُ الفاءِ. فَبِهَذا يَظْهَرُ تَعَلُّقُ كَما بِما قَبْلَها، ويَكُونُ في ذَلِكَ تَشْبِيهُ إتْمامِ هَذِهِ النِّعْمَةِ الحادِثَةِ مِنَ الهِدايَةِ لِاسْتِقْبالِ قِبْلَةِ الصَّلاةِ الَّتِي هي عَمُودُ الإسْلامِ.
وأفْضَلُ الأعْمالِ وأدَلُّ الدَّلائِلِ عَلى الِاسْتِمْساكِ بِشَرِيعَةِ الإسْلامِ، بِإتْمامِ النِّعْمَةِ السّابِقَةِ، بِإرْسالِ الرَّسُولِ المُتَّصِفِ بِكَوْنِهِ مِنهم إلى سائِرِ الأوْصافِ الَّتِي وصَفَهُ تَعالى بِها، وجَعَلَ ذَلِكَ إتْمامًا لِلنِّعْمَةِ في الحالَيْنِ؛ لِأنَّ اسْتِقْبالَ الكَعْبَةِ ثانِيًا أمْرٌ لا يُزادُ عَلَيْهِ شَيْءٌ يَنْسَخُهُ، فَهي آخِرُ القِبْلاتِ المُتَوَجَّهِ إلَيْها في الصَّلاةِ. كَما أنَّ إرْسالَ مُحَمَّدٍ ﷺ هو آخِرُ إرْسالاتِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إذْ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ، وهو خاتَمُ النَّبِيِّينَ. فَشَبَّهَ إتْمامَ تِلْكَ النِّعْمَةِ الَّتِي هي كَمالُ نِعْمَةِ اسْتِقْبالِ القِبَلِ، بِهَذا الإتْمامِ الَّذِي هو كَمالُ إرْسالِ الرُّسُلِ. وفي إتْمامِ هاتَيْنِ النِّعْمَتَيْنِ عِزُّ لِلْعَرَبِ، وشَرَفٌ واسْتِمالَةٌ لِقُلُوبِهِمْ، إذْ كانَ الرَّسُولُ مِنهم، والقِبْلَةُ الَّتِي يَسْتَقْبِلُونَها في الصَّلاةِ بَيْنَهُمُ الَّذِي يَحُجُّونَهُ قَدِيمًا وحَدِيثًا ويُعَظِّمُونَهُ.
﴿رَسُولًا مِنكُمْ﴾: فِيهِ اعْتِناءٌ بِالعَرَبِ، إذْ كانَ الإرْسالُ فِيهِمْ، والرَّسُولُ مِنهم، وإنْ كانَتْ رِسالَتُهُ عامَّةً. وكَذَلِكَ جاءَ ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ﴾ [الجمعة: ٢]، ويُشْعِرُ هَذا الِامْتِنانُ بِأنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ أنْ يُرْسَلَ ولا يُبْعَثَ في العَرَبِ رَسُولٌ غَيْرُ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ ولِذَلِكَ أفْرَدَهُ فَقالَ: (رَسُولًا مِنهم)، ووَصَفَهُ بِأوْصافٍ كُلُّها مُعْجِزٌ لَهم، وهي كَوْنُهُ مِنهم، وتالِيًا عَلَيْهِمْ آياتِ اللَّهِ، ومُزَكِّيًا لَهم، ومُعَلِّمًا لَهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ وما لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ. وقَدَّمَ كَوْنَهُ مِنهم، أيْ يَعْرِفُونَهُ شَخْصًا ونَسَبًا ومَوْلِدًا ومَنشَأً؛ لِأنَّ مَعْرِفَةَ ذاتِ الشَّخْصِ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى مَعْرِفَةِ ما يَصْدُرُ مِن أفْعالِهِ. وأتى ثانِيًا بِصِفَةِ تِلاوَةِ الآياتِ إلَيْهِ تَعالى؛ لِأنَّها هي المُعْجِزَةُ الدّالَّةُ عَلى صِدْقِهِ، الباقِيَةُ إلى الأبَدِ. وأضافَ الآياتِ إلَيْهِ تَعالى؛ لِأنَّها كَلامُهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - ومِن تِلاوَتِهِ تُسْتَفادُ العِباداتُ ومَجامِعُ الأخْلاقِ الشَّرِيفَةِ، وتَنْبُعُ العُلُومُ. وأتى ثالِثًا بِصِفَةِ التَّزْكِيَةِ، وهي التَّطْهِيرُ مِن أنْجاسِ الضَّلالِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ ناشِئٌ عَنْ إظْهارِ المُعْجِزِ لِمَن أرادَ اللَّهُ تَعالى تَوْفِيقَهُ وقَبُولَهُ لِلْحَقِّ. وأتى رابِعًا بِصِفَةِ تَعْلِيمِ الكِتابِ والحِكْمَةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ ناشِئٌ عَنْ تَطْهِيرِ الإنْسانِ، بِاتِّباعِ النَّبِيِّ ﷺ، فَيُعَلِّمُهُ إذْ ذاكَ ويُفْهِمُهُ ما انْطَوى عَلَيْهِ كِتابُ اللَّهِ تَعالى، وما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ الإلَهِيَّةُ. وأتى بِهَذِهِ الصِّفاتِ فِعْلًا مُضارِعًا لِيَدُلَّ بِذَلِكَ عَلى التَّجَدُّدِ؛ لِأنَّ التِّلاوَةَ والتَّزْكِيَةَ والتَّعْلِيمَ تَتَجَدَّدُ دائِمًا. وأمّا الصِّفَةُ الأوْلى - وهي كَوْنُهُ مِنهم - فَلَيْسَتْ بِمُتَجَدِّدَةٍ، بَلْ هو وصْفٌ ثابِتٌ لَهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الأوْصافِ في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] بِأشْبَعَ مِن هَذا، فَلْيُنْظَرْ هُناكَ.
وخَتَمَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿ويُعَلِّمُكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾، وهو ذِكْرُ عامٍّ بَعْدَ خاصٍّ؛ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ الكِتابَ ولا الحِكْمَةَ. وفَسَّرَ بَعْضُهم ذَلِكَ بِأنَّ الَّذِي لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ: قَصَصُ مَن سَلَفَ، وقَصَصُ ما يَأْتِي مِنَ الغُيُوبِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ قَدَّمَ التَّزْكِيَةَ عَلى التَّعْلِيمِ، وفي دُعاءِ إبْراهِيمَ قَدَّمَ التَّعْلِيمَ عَلى التَّزْكِيَةِ؛ وذَلِكَ لِاخْتِلافِ المُرادِ بِالتَّزْكِيَةِ. فالظّاهِرُ أنَّ المُرادَ هُنا هو التَّطْهِيرُ مِنَ الكُفْرِ، كَما شَرَحْناهُ، وهُناكَ هو الشَّهادَةُ بِأنَّهم خِيارٌ أزْكِياءُ، وذَلِكَ مُتَأخِّرٌ عَنْ تَعْلِيمِ الشَّرائِعِ والعَمَلِ بِها.
﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ﴾: أيِ اذْكُرُونِي بِالطّاعَةِ، أذْكُرْكم بِالثَّوابِ والمَغْفِرَةِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، أوْ بِالدُّعاءِ والتَّسْبِيحِ ونَحْوِهِ، قالَهُ الرَّبِيعُ والسُّدِّيُّ. وقالَ عِكْرِمَةُ: يَقُولُ اللَّهُ: ”يا ابْنَ آدَمَ، اذْكُرْنِي بَعْدَ صَلاةِ الصُّبْحِ ساعَةً، وبَعْدَ صَلاةِ العَصْرِ ساعَةً؛ وأنا أكْفِيكَ ما بَيْنَهُما، أوِ اثْنُوا عَلَيَّ، أُثْنِ (p-٤٤٦)عَلَيْكم“ . وقَدْ جاءَ هَذا المَعْنى في الحَدِيثِ الطَّوِيلِ في قَوْلِهِ ﷺ: «إنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةً يَطُوفُونَ في الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أهْلَ الذِّكْرِ» . وفِيهِ: «ما يَقُولُ عِبادِي ؟ قالُوا: ”يُسَبِّحُونَكَ ويَحْمَدُونَكَ ويُمَجِّدُونَكَ“» . وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيِ اذْكُرُوا نِعْمَتِي أذْكُرْكم بِالزِّيادَةِ. وقَدْ جاءَ التَّصْرِيحُ بِالنِّعْمَةِ في قَوْلِهِ: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ [البقرة: ١٢٢] . وقِيلَ: الذِّكْرُ بِاللِّسانِ وبِالقَلْبِ عِنْدَ الأوامِرِ والنَّواهِي. وقِيلَ: اذْكُرُونِي بِتَوْحِيدِي وتَصْدِيقِ نَبِيِّي. وقِيلَ: بِما فَرَضْتُ عَلَيْكم، أوْ نَدَبْتُكم إلَيْهِ؛ أذْكُرْكم، أيْ أُجازِكم عَلى ذَلِكَ. وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى هَذا، وهو قَوْلُ سَعِيدٍ، فاذْكُرُونِي بِالطّاعَةِ أذْكُرْكم بِالثَّوابِ. وقِيلَ: فاذْكُرُونِي في الرَّخاءِ بِالطّاعَةِ والدُّعاءِ، أذْكُرْكم في البَلاءِ بِالعَطِيَّةِ والنَّعْماءِ، قالَهُ ابْنُ حَجَرٍ. وقِيلَ: اذْكُرُونِي بِالسُّؤالِ أذْكُرْكم بِالنَّوالِ، أوِ اذْكُرُونِي بِالتَّوْبَةِ أذْكُرْكم بِالعَفْوِ عَنِ الحَوْبَةِ، أوِ اذْكُرُونِي في الدُّنْيا أذْكُرْكم في الآخِرَةِ، أوِ اذْكُرُونِي في الخَلَواتِ أذْكُرْكم في الفَلَواتِ، أوِ اذْكُرُونِي بِمَحامِدِي أذْكُرْكم بِهِدايَتِي، أوِ اذْكُرُونِي بِالصِّدْقِ والإخْلاصِ أذْكُرْكم بِالخَلاصِ ومَزِيدِ الِاخْتِصاصِ، أوِ اذْكُرُونِي بِالمُوافَقاتِ أذْكُرْكم بِالكَراماتِ، أوِ اذْكُرُونِي بِتَرْكِ كُلِّ حَظٍّ أذْكُرْكم بِأنْ أُقِيمَكم بِحَقِّي بَعْدَ فَنائِكم عَنْكم، أوِ اذْكُرُونِي بِقَطْعِ العَلائِقِ أذْكُرْكم بِنَعْتِ الحَقائِقِ، أوِ اذْكُرُونِي لِمَن لَقِيتُمُوهُ أذْكُرْكم لِكُلِّ مَن خاطَبْتُهُ، قالَ: ومَن ذَكَرَنِي في مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ في مَلَأٍ خَيْرٍ مِنهُ، أوِ اذْكُرُونِي أذْكُرْكم، أحِبُّونِي أُحِبُّكم، أوِ اذْكُرُونِي بِالتَّذَلُّلِ أذْكُرْكم بِالتَّفَضُّلِ، أوِ اذْكُرُونِي بِقُلُوبِكم أذْكُرْكم بِتَحْقِيقِ مَطْلُوبِكم، أوِ اذْكُرُونِي عَلى البابِ مِن حَيْثُ الخِدْمَةِ أذْكُرْكم عَلى بِساطِ القُرْبِ بِإكْمالِ النِّعْمَةِ، أوِ اذْكُرُونِي بِتَصْفِيَةِ السَّرْدِ أذْكُرْكم بِتَوْفِيَةِ البِرِّ، أوِ اذْكُرُونِي في حالِ سُرُورِكم أذْكُرْكم في قُبُورِكم، أوِ اذْكُرُونِي وأنْتُمْ بِوَصْفِ السَّلامَةِ أذْكُرْكم يَوْمَ القِيامَةِ يَوْمَ لا تَنْفَعُ النَّدامَةُ، أوِ اذْكُرُونِي بِالرَّهْبَةِ بِالرَّغْبَةِ. وقالَ القُشَيْرِيُّ: فاذْكُرُونِي أذْكُرْكم، الذِّكْرُ اسْتِغْراقُ الذّاكِرِ في شُهُودِ المَذْكُورِ، ثُمَّ اسْتِهْلاكُهُ في وُجُودِ المَذْكُورِ حَتّى لا يَبْقى مِنهُ إلّا أثَرٌ يُذْكَرُ، فَيُقالُ: قَدْ كانَ فُلانٌ. قالَ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ [الذاريات: ١٦] . وإنَّما الدُّنْيا حَدِيثٌ حَسَنٌ فَكُنْ حَدِيثًا حَسَنًا لِمَن وعى، قالَ الشّاعِرُ:
؎إنَّما الدُّنْيا مَحاسِنُها ∗∗∗ طَيِّبُ ما يَبْقى مِنَ الخَبَرِ
وفِي المُنْتَخَبِ ما مُلَخَّصُهُ: الذِّكْرُ يَكُونُ بِاللِّسانِ، وهو: الحَمْدُ، والتَّسْبِيحُ، والتَّمْجِيدُ، وقِراءَةُ كُتُبِ اللَّهِ؛ وبِالقَلْبِ، وهو: الفِكْرُ في الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى التَّكالِيفِ، والأحْكامِ، والأمْرِ، والنَّهْيِ، والوَعْدِ، والوَعِيدِ، والفِكْرِ في الصِّفاتِ الإلَهِيَّةِ، والفِكْرِ في أسْرارِ مَخْلُوقاتِ اللَّهِ تَعالى حَتّى تَصِيرَ كُلُّ ذَرَّةٍ كالمِرْآةِ المَجْلُوَّةِ المُحاذِيَةِ لِعالَمِ التَّقْدِيسِ، فَإذا نَظَرَ العَبْدُ إلَيْها انْعَكَسَ شُعاعُ بَصَرِهِ مِنها إلى عالَمِ الجَلالِ، وبِالجَوارِحِ، بِأنْ تَكُونَ مُسْتَغْرِقَةً في الأعْمالِ المَأْمُورِ بِها، خالِيَةً عَنِ الأعْمالِ المَنهِيِّ عَنْها. وعَلى هَذا الوَجْهِ، سَمّى اللَّهُ الصَّلاةَ ذِكْرًا بِقَوْلِهِ: ﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] . انْتَهى. وقالُوا: الذِّكْرُ هو تَنْبِيهُ القَلْبِ لِلْمَذْكُورِ والتَّيَقُّظُ لَهُ، وأُطْلِقَ عَلى اللِّسانِ لِدَلالَتِهِ عَلى ذَلِكَ. ولَمّا كَثُرَ إطْلاقُهُ عَلَيْهِ، صارَ هو السّابِقَ إلى الفَهْمِ. فالذِّكْرُ بِاللِّسانِ سِرِّيٌّ وجَهْرِيٌّ، والذِّكْرِ بِالقَلْبِ دائِمٌ ومُتَحَلِّلٌ، وبِهِما أيْضًا دائِمٌ ومُتَحَلِّلٌ. فَبِاللِّسانِ ذِكْرُ عامَّةِ المُؤْمِنِينَ، وهو أدْنى مَراتِبِ الذِّكْرِ، وقَدْ سَمّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ”ذِكْرًا“ . خَرَّجَ ابْنُ ماجَهْ «أنَّ أعْرابِيًّا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنْ شَرائِعَ الإسْلامِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ، فَأنْبِئْنِي مِنها بِشَيْءٍ أتَشَبَّثُ بِهِ، قالَ: ”لا يَزالُ لِسانُكَ رَطْبًا مِن ذِكْرِ اللَّهِ“»، وخَرَّجَ أيْضًا قالَ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعالى أنا مَعَ عَبْدِي إذا هو ذَكَرَنِي وتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتاهُ» . وسُئِلَ أبُو عُثْمانَ، فَقِيلَ لَهُ: نَذْكُرُ اللَّهَ ولا نَجِدُ في قُلُوبِنا حَلاوَةً، فَقالَ: احْمَدُوا اللَّهَ عَلى أنْ زَيَّنَ جارِحَةً مِن جَوارِحِكم بِطاعَتِهِ، وبِالقَلْبِ هو ذِكْرُ العارِفِينَ وخَواصِّ المُؤْمِنِينَ، وقَدْ سَمّاهُ النَّبِيُّ ﷺ (p-٤٤٧)ذِكْرًا، ومَعْناهُ اسْتِقْرارُ الذِّكْرِ فِيهِ حَتّى لا يَخْطُرَ فِيهِ غَيْرُ المَذْكُورِ: قالَ الشّاعِرُ:
؎سِواكَ بِبالِي لا يَخْطُرُ ∗∗∗ إذا ما نَسِيتُكَ مَن أذْكُرُ
وبِهِما: هو ذِكْرُ خَواصِّ المُؤْمِنِينَ، وهَذِهِ ثَلاثُ المَقاماتِ، أدْوَمُها أفْضَلُها. انْتَهى.
وقَدْ طالَ بِنا الكَلامُ في هَذِهِ الجُمْلَةِ، وتَرَكْنا أشْياءَ مِمّا ذَكَرَهُ النّاسُ، وهَذِهِ التَّقْيِيداتُ والتَّفْسِيراتُ الَّتِي فُسِّرَ بِها الذِّكْرُ، لا يَدُلُّ اللَّفْظُ عَلى شَيْءٍ مِنها، ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ مِنَ المُفَسِّرِينَ لَهُ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ وجَوازِ أنْ يَكُونَ المُرادَ. وأمّا دَلالَةُ اللَّفْظِ فَهي طَلَبُ مُطْلَقِ الذِّكْرِ، والَّذِي يَتَبادَرُ إلَيْهِ الذِّهْنُ هو الذِّكْرُ اللِّسانِيُّ. والذِّكْرُ اللِّسانِيُّ لا يَكُونُ ذِكْرَ لَفْظِ الجَلالَةِ مُفْرَدًا مِن غَيْرِ إسْنادٍ، بَلْ لا بُدَّ مِن إسْنادٍ، وأوْلاها الأذْكارُ المَرْوِيَّةُ في الآثارِ، والمُشارُ إلَيْها في القُرْآنِ. وقَدْ جاءَ التَّرْغِيبُ في ذِكْرِ جُمْلَةٍ مِنها، والوَعْدُ عَلى ذِكْرِها بِالثَّوابِ الجَزِيلِ. وتِلْكَ الأذْكارُ تَتَضَمَّنُ: الثَّناءَ عَلى اللَّهِ، والحَمْدَ لَهُ، والمَدْحَ لِجَلالِهِ، والتِماسَ الخَيْرِ مِن عِنْدِهِ. فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالذِّكْرِ، وأمَرَ العَبْدَ بِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: عَظِّمُوا اللَّهَ، وأثْنُوا عَلَيْهِ بِالألْفاظِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ. وسُمِّيَ الثَّوابُ المُتَرَتِّبُ عَلى ذَلِكَ ذِكْرًا، فَقالَ: ”﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ﴾“ عَلى سَبِيلِ المُقابَلَةِ، لَمّا كانَ نَتِيجَةَ الذِّكْرِ وناشِئًا عَنْهُ سَمّاهُ ذِكْرًا.
﴿واشْكُرُوا لِي﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الشُّكْرِ، وعَدّاهُ هُنا بِاللّامِ، وكَذَلِكَ ﴿أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤]، وهو مِنَ الأفْعالِ الَّتِي ذُكِرَ أنَّها تارَةً تَتَعَدّى بِحَرْفِ جَرٍّ، وتارَةً تَتَعَدّى بِنَفْسِها، كَما قالَ عَمْرُو بْنُ لَجاءٍ التَّمِيمِيُّ:
؎هم جَمَعُوا بُؤْسِي ونُعْمِي عَلَيْكم ∗∗∗ فَهَلّا شَكَرْتَ القَوْمَ إذْ لَمْ تُقابِلْ
وفِي إثْباتِ هَذا النَّوْعِ مِنِ الفِعْلِ، وهو أنْ يَكُونَ يَتَعَدّى تارَةً بِنَفْسِهِ، وتارَةً بِحَرْفِ جَرٍّ، بِحَقِّ الوَضْعِ، فِيهِما خِلافٌ. وقالُوا: إذا قُلْتَ: شَكَرْتُ لِزَيْدٍ، فالتَّقْدِيرُ: شَكَرْتُ لِزَيْدٍ صَنِيعَهُ، فَجَعَلُوهُ مِمّا يَتَعَدّى لِواحِدٍ بِحَرْفِ جَرٍّ ولِآخَرَ بِنَفْسِهِ. ولِذَلِكَ فَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا المَوْضِعَ بِقَوْلِهِ: واشْكُرُوا لِي ما أنْعَمْتُ بِهِ عَلَيْكم. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: واشْكُرُوا لِي، واشْكُرُونِي بِمَعْنى واحِدٍ، ولِي أفْصَحُ وأشْهَرُ مَعَ الشُّكْرِ ومَعْناهُ: نِعْمَتِي وأيادِيَّ، وكَذَلِكَ إذا قُلْتَ: شَكَرْتُكَ، فالمَعْنى: شَكَرْتُ لَكَ صَنِيعَكَ وذَكَرْتُهُ، فَحَذَفَ المُضافَ، إذْ مَعْنى الشُّكْرِ: ذِكْرُ اليَدِ وذِكْرُ مُسْدِيها مَعًا، فَما حُذِفَ مِن ذَلِكَ فَهو اخْتِصارٌ لِدَلالَةِ ما بَقِيَ عَلى ما حُذِفَ، انْتَهى كَلامُهُ، ويَحْتاجُ، كَوْنُهُ يَتَعَدّى لِواحِدٍ بِنَفْسِهِ، ولِلْآخَرِ بِحَرْفِ جَرٍّ، فَتَقُولُ: شَكَرْتُ لِزَيْدٍ صَنِيعَهُ، لِسَماعٍ مِنَ العَرَبِ، وحِينَئِذٍ يُصارُ إلَيْهِ.
﴿ولا تَكْفُرُونِ﴾: وهو مِن كُفْرِ النِّعْمَةِ، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ ولا تَكْفُرُوا نِعْمَتِي. ولَوْ كانَ مِنَ الكُفْرِ ضِدِّ الإيمانِ، لَكانَ: ولا تَكْفُرُوا، أوْ ولا تَكْفُرُوا بِي. وهَذِهِ النُّونُ نُونُ الوِقايَةِ، حُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ بَعْدَها تَخْفِيفًا لِتَناسُبَ الفَواصِلِ. قِيلَ: المَعْنى واشْكُرُوا لِي بِالطّاعَةِ، ولا تَكْفُرُونِ بِالمَعْصِيَةِ. وقِيلَ: مَعْنى الشُّكْرِ هُنا: الِاعْتِرافُ بِحَقِّ المُنْعِمِ، والثَّناءِ عَلَيْهِ، ولِذَلِكَ قابَلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكْفُرُونِ﴾ . وهُنا ثَلاثُ جُمَلٍ: جُمْلَةُ الأمْرِ بِالذِّكْرِ، وجُمْلَةُ الأمْرِ بِالشُّكْرِ، وجُمْلَةُ النَّهْيِ عَنِ الكُفْرانِ. فَبُدِئَ أوَّلًا بِجُمْلَةِ الذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الثَّناءُ والمَدْحُ العامُّ والحَمْدُ لَهُ تَعالى، وذُكِرَ لَهُ جَوابٌ مُتَرَتِّبٌ عَلَيْهِ. وثَنّى بِجُمْلَةِ الشُّكْرِ؛ لِأنَّهُ ثَناءٌ عَلى شَيْءٍ خاصٍّ، وقَدِ انْدَرَجَ تَحْتَ الأوَّلِ، فَهو بِمَنزِلَةِ التَّوْكِيدِ، فَلَمْ يَحْتَجْ إلى جَوابٍ. وخَتَمَ بِجُمْلَةِ النَّهْيِ؛ لِأنَّهُ لَمّا أُمِرَ بِالشُّكْرِ، لَمْ يَكُنِ اللَّفْظُ لِيَدُلَّ عَلى عُمُومِ الأزْمانِ، ولا يُمْكِنُ التَّكْلِيفُ بِاسْتِحْضارِ الشُّكْرِ في كُلِّ زَمانٍ، فَقَدْ يُذْهَلُ الإنْسانُ عَنْ ذَلِكَ في كَثِيرٍ مِنَ الأوْقاتِ. ونَهى عَنِ الكُفْرانِ؛ لِأنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الِامْتِناعَ مِنَ المَنهِيِّ عَنْهُ في كُلِّ الأزْمانِ، وذَلِكَ مُمْكِنٌ؛ لِأنَّهُ مِن بابِ التُّرُوكِ. وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ عَلى أنَّهُ إذا كانَ أمْرٌ ونَهْيٌ، بُدِئَ بِالأمْرِ. وذَكَرْنا الحِكْمَةَ في ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وآمِنُوا بِما أنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِما مَعَكم ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة: ٤١]، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا.
البقرة 2:152
﴿كَما أرْسَلْنا فِيكُمْ﴾: الكافُ هُنا لِلتَّشْبِيهِ، وهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى أنَّها نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ. واخْتُلِفَ في تَقْدِيرِهِ، فَقِيلَ التَّقْدِيرُ: ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم إتْمامًا مِثْلَ إتْمامِ إرْسالِ الرَّسُولِ فِيكم. ومُتَعَلِّقُ الإتْمامَيْنِ مُخْتَلِفٌ، فالإتْمامُ الأوَّلُ بِالثَّوابِ في الآخِرَةِ، والإتْمامُ الثّانِي بِإرْسالِ الرَّسُولِ إلَيْنا في الدُّنْيا. أوِ الإتْمامُ الأوَّلُ بِإجابَةِ الدَّعْوَةِ الأُولى لِإبْراهِيمَ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]، والإتْمامُ الثّانِي بِإجابَةِ الدَّعْوَةِ الثّانِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩]، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: ولَعَلَّكم تَهْتَدُونَ اهْتِداءً مِثْلَ إرْسالِنا فِيكم رَسُولًا، ويَكُونُ تَشْبِيهُ الهِدايَةِ بِالإرْسالِ في التَّحَقُّقِ والثُّبُوتِ، أيِ اهْتِداءً ثابِتًا مُتَحَقِّقًا، كَتَحَقُّقِ إرْسالِنا وثُبُوتِهِ. وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، أيْ جَعْلًا مِثْلَ ما أرْسَلْنا، وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ، وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا؛ لِكَثْرَةِ الفَصْلِ المُؤْذِنِ بِالِانْقِطاعِ. وقِيلَ: الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن نِعْمَتِي، أيْ: ﴿ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠] مُشَبِّهَةً إرْسالَنا فِيكم رَسُولًا، أيْ مُشَبِّهَةً نِعْمَةَ الإرْسالِ، فَيَكُونُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ. وقِيلَ: الكافُ مُنْقَطِعَةٌ مِنَ الكَلامِ قَبْلَها، ومُتَعَلِّقَةٌ بِالكَلامِ بَعْدَها، والتَّقْدِيرُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَما (p-٤٤٤)ذَكَرْتُكم بِإرْسالِ الرَّسُولِ، فاذْكُرُونِي بِالطّاعَةِ أذْكُرْكم بِالثَّوابِ. انْتَهى. فَيَكُونُ عَلى تَقْدِيرِ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وعَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيِ اذْكُرُونِي ذِكْرًا مِثْلَ ذِكْرِنا لَكم بِالإرْسالِ، ثُمَّ صارَ مِثْلَ ذِكْرِ إرْسالِنا، ثُمَّ حُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ. وهَذا كَما تَقُولُ: كَما أتاكَ فُلانٌ فائْتِهِ بِكَرَمِكَ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وعَطاءٍ والكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ، وهو اخْتِيارُ الأخْفَشِ والزَّجّاجِ وابْنِ كَيْسانَ والأصَمِّ، والمَعْنى: أنَّكم كُنْتُمْ عَلى حالَةٍ لا تَقْرَءُونَ كِتابًا، ولا تَعْرِفُونَ رَسُولًا، ومُحَمَّدٌ ﷺ رَجُلٌ مِنكم، أتاكم بِأعْجَبِ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِهِ فَقالَ: ”كَما أوْلَيْتُكم هَذِهِ النِّعْمَةَ وجَعَلْتُها لَكم دَلِيلًا، فاذْكُرُونِي بِالشُّكْرِ، أذْكُرْكم بِرَحْمَتِي“، ويُؤَكِّدُهُ: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤] . ويُحْتَمَلُ عَلى هَذا الوَجْهِ، بَلْ يَظْهَرُ، وهو إذا عَلِقَتْ بِما بَعْدَها أنْ، لا تَكُونُ الكافُ لِلتَّشْبِيهِ بَلْ لِلتَّعْلِيلِ، وهو مَعْنًى مَقُولٌ فِيها إنَّها تُرَدُّ لَهُ، وحُمِلَ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لا تَشْتُمُ النّاسَ كَما لا تُشْتَمُ
أيْ: واذْكُرُوهُ لِهِدايَتِهِ إيّاكم، ولا تَشْتُمِ النّاسَ لِكَوْنِكَ لا تُشْتَمُ، أيِ امْتَنِعْ مِن شَتْمِ النّاسِ لِامْتِناعِ النّاسِ مِن شَتْمِكَ. وما: في كَما، مَصْدَرِيَّةٌ، وأبْعَدَ مَن زَعَمَ أنَّها مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، ورَسُولًا بَدَلٌ مِنهُ، والتَّقْدِيرُ: كالَّذِي أرْسَلْناهُ رَسُولًا، إذْ يَبْعُدُ تَقْرِيرُ هَذا التَّقْدِيرِ مَعَ الكَلامِ الَّذِي قَبْلَهُ، ومَعَ الكَلامِ الَّذِي بَعْدَهُ، وفِيهِ وُقُوعُ ما عَلى آحادِ مَن يَعْقِلُ. وكَذَلِكَ جَعَلَ ما كافَّةً؛ لِأنَّهُ لا يَذْهَبُ إلى ذَلِكَ إلّا حَيْثُ لا يُمْكِنُ أنْ يَنْسَبِكَ مِنها مَعَ ما بَعْدَها مَصْدَرٌ؛ لِوِلايَتِها الجُمَلَ الِاسْمِيَّةَ، نَحْوَ قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎لَعَمْرُكَ إنَّنِي وأبا حُمَيْدٍ ∗∗∗ كَما النَّشْوانُ والرَّجُلُ الحَلِيمُ
وقَوْلُ مَن قالَ إنَّ: ”كَما أرْسَلْنا“، مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ، قَدْ رَدَّهُ أبُو مُحَمَّدٍ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، قالَ: لِأنَّ الأمْرَ إذا كانَ لَهُ جَوابٌ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ ما قَبْلَهُ لِاشْتِغالِهِ بِجَوابِهِ، قالَ: لَوْ قُلْتُ كَما أحْسَنْتُ إلَيْكَ فَأكْرِمْنِي أُكْرِمْكَ، لَمْ تَتَعَلَّقِ الكافُ مِن كَما بِأكْرِمْنِي، لِأنَّ لَهُ جَوابًا، ولَكِنْ تَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ آخَرَ أوْ بِمُضْمَرٍ، وكَذَلِكَ: ”فاذْكُرُونِي أذْكُرْكم“، هو أمْرٌ لَهُ جَوابٌ، فَلا تَتَعَلَّقُ كَما بِهِ، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ إلّا عَلى التَّشْبِيهِ بِالشَّرْطِ الَّذِي يُجاوَبُ بِجَوابَيْنِ، وهو قَوْلُكَ: إذا أتاكَ فُلانٌ فائْتِهِ تُرْضِهِ، فَتَكُونُ كَما وفاذْكُرُونِي جَوابَيْنِ لِلْأمْرِ، والأوَّلُ أفْصَحُ وأشْهَرُ. وتَقُولُ: كَما أحْسَنْتُ إلَيْكَ فَأكْرِمْنِي، يَصِحُّ أنْ يَجْعَلَ الكافَ مُتَعَلِّقَةً بِأكْرِمْنِي؛ إذْ لا جَوابَ لَهُ. انْتَهى كَلامُهُ. ورَجَّحَ مَكِّيٌّ قَوْلَ مَن قالَ إنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِما قَبْلَها، وهو: ﴿ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠]، لِأنَّ سِياقَ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَعْنى: ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم بِبَيانِ مِلَّةِ أبِيكم إبْراهِيمَ، كَما أجَبْنا دَعْوَتَهُ فِيكم، فَأرْسَلْنا إلَيْكم رَسُولًا مِنكم يَتْلُو. وما ذَهَبَ إلَيْهِ مَكِّيٌّ مِن إبْطالِ أنْ تَكُونَ كَما مُتَعَلِّقَةً بِما بَعْدَها مِنَ الوَجْهِ الَّذِي ذُكِرَ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ الكافَ إمّا أنْ تَكُونَ لِلتَّشْبِيهِ أوْ لِلتَّعْلِيلِ. فَإنْ كانَتْ لِلتَّشْبِيهِ، فَتَكُونُ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، ويَجُوزُ تَقَدُّمُ ذَلِكَ المَصْدَرِ عَلى الفِعْلِ، مِثالُ ذَلِكَ: أكْرِمْنِي إكْرامًا مِثْلَ إكْرامِي السّابِقِ لَكَ أُكْرِمُكَ، فَيَجُوزُ تَقْدِيمُ هَذا المَصْدَرِ. وإنْ كانَتْ لِلتَّعْلِيلِ، فَيَجُوزُ أيْضًا تَقَدُّمُ ذَلِكَ عَلى الفِعْلِ، مِثالُ ذَلِكَ: أكْرِمْنِي لِإكْرامِي لَكَ أُكْرِمْكَ، لا نَعْلَمُ خِلافًا في جَوازِ تَقْدِيمِ هَذا المَصْدَرِ وهَذِهِ العِلَّةِ عَلى الفِعْلِ العامِلِ فِيهِما، وتَجْوِيزُ مَكِّيٍّ ذَلِكَ عَلى التَّشْبِيهِ بِالشَّرْطِ الَّذِي يُجاوِبُ بِجَوابَيْنِ وتَسْمِيَتُهُ، كَما وفاذْكُرُونِي جَوابَيْنِ لِلْأمْرِ، لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأنَّ كَما لَيْسَ بِجَوابٍ، ولِأنَّ ذَلِكَ التَّشْبِيهَ فاسِدٌ؛ لِأنَّ المَصْدَرَ لا يُشْبِهُ الجَوابَ، وكَذَلِكَ التَّعْلِيلُ. أمّا المَصْدَرُ التَّشْبِيهِيُّ، فَهو وصْفٌ في الفِعْلِ المَأْمُورِ بِهِ، (p-٤٤٥)فَلَيْسَ مُتَرَتَّبًا عَلى وُقُوعِ مُطْلَقِ الفِعْلِ، بَلْ لا يَقَعُ الفِعْلُ إلّا بِذَلِكَ الوَصْفِ. وعَلى هَذا لا يُشْبِهُ الجَوابَ؛ لِأنَّ الجَوابَ مُتَرَتِّبٌ عَلى نَفْسِ وُقُوعِ الفِعْلِ. وأمّا التَّعْلِيلُ فَكَذَلِكَ أيْضًا لَيْسَ مُتَرَتِّبًا عَلى وُقُوعِ الفِعْلِ، بَلِ الفِعْلُ مُتَرَتِّبٌ عَلى وُجُودِ العِلَّةِ، فَهو نَقِيضُ الجَوابِ؛ لِأنَّ الجَوابَ مُتَرَتِّبٌ عَلى وُقُوعِ الفِعْلِ، والعِلَّةُ مُتَرَتِّبٌ عَلَيْها وُجُودُ الفِعْلِ، فَلا تَشْبِيهَ بَيْنِهِما، وإنَّما يُخْدَشُ عِنْدِي في تَعَلُّقِ كَما بِقَوْلِهِ: ”فاذْكُرُونِي“، هو الفاءُ؛ لِأنَّ ما بَعْدَ الفاءِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها، ولَوْلا الفاءُ لَكانَ التَّعَلُّقُ واضِحًا، وتَبْعُدُ زِيادَةُ الفاءِ. فَبِهَذا يَظْهَرُ تَعَلُّقُ كَما بِما قَبْلَها، ويَكُونُ في ذَلِكَ تَشْبِيهُ إتْمامِ هَذِهِ النِّعْمَةِ الحادِثَةِ مِنَ الهِدايَةِ لِاسْتِقْبالِ قِبْلَةِ الصَّلاةِ الَّتِي هي عَمُودُ الإسْلامِ.
وأفْضَلُ الأعْمالِ وأدَلُّ الدَّلائِلِ عَلى الِاسْتِمْساكِ بِشَرِيعَةِ الإسْلامِ، بِإتْمامِ النِّعْمَةِ السّابِقَةِ، بِإرْسالِ الرَّسُولِ المُتَّصِفِ بِكَوْنِهِ مِنهم إلى سائِرِ الأوْصافِ الَّتِي وصَفَهُ تَعالى بِها، وجَعَلَ ذَلِكَ إتْمامًا لِلنِّعْمَةِ في الحالَيْنِ؛ لِأنَّ اسْتِقْبالَ الكَعْبَةِ ثانِيًا أمْرٌ لا يُزادُ عَلَيْهِ شَيْءٌ يَنْسَخُهُ، فَهي آخِرُ القِبْلاتِ المُتَوَجَّهِ إلَيْها في الصَّلاةِ. كَما أنَّ إرْسالَ مُحَمَّدٍ ﷺ هو آخِرُ إرْسالاتِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إذْ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ، وهو خاتَمُ النَّبِيِّينَ. فَشَبَّهَ إتْمامَ تِلْكَ النِّعْمَةِ الَّتِي هي كَمالُ نِعْمَةِ اسْتِقْبالِ القِبَلِ، بِهَذا الإتْمامِ الَّذِي هو كَمالُ إرْسالِ الرُّسُلِ. وفي إتْمامِ هاتَيْنِ النِّعْمَتَيْنِ عِزُّ لِلْعَرَبِ، وشَرَفٌ واسْتِمالَةٌ لِقُلُوبِهِمْ، إذْ كانَ الرَّسُولُ مِنهم، والقِبْلَةُ الَّتِي يَسْتَقْبِلُونَها في الصَّلاةِ بَيْنَهُمُ الَّذِي يَحُجُّونَهُ قَدِيمًا وحَدِيثًا ويُعَظِّمُونَهُ.
﴿رَسُولًا مِنكُمْ﴾: فِيهِ اعْتِناءٌ بِالعَرَبِ، إذْ كانَ الإرْسالُ فِيهِمْ، والرَّسُولُ مِنهم، وإنْ كانَتْ رِسالَتُهُ عامَّةً. وكَذَلِكَ جاءَ ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ﴾ [الجمعة: ٢]، ويُشْعِرُ هَذا الِامْتِنانُ بِأنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ أنْ يُرْسَلَ ولا يُبْعَثَ في العَرَبِ رَسُولٌ غَيْرُ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ ولِذَلِكَ أفْرَدَهُ فَقالَ: (رَسُولًا مِنهم)، ووَصَفَهُ بِأوْصافٍ كُلُّها مُعْجِزٌ لَهم، وهي كَوْنُهُ مِنهم، وتالِيًا عَلَيْهِمْ آياتِ اللَّهِ، ومُزَكِّيًا لَهم، ومُعَلِّمًا لَهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ وما لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ. وقَدَّمَ كَوْنَهُ مِنهم، أيْ يَعْرِفُونَهُ شَخْصًا ونَسَبًا ومَوْلِدًا ومَنشَأً؛ لِأنَّ مَعْرِفَةَ ذاتِ الشَّخْصِ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى مَعْرِفَةِ ما يَصْدُرُ مِن أفْعالِهِ. وأتى ثانِيًا بِصِفَةِ تِلاوَةِ الآياتِ إلَيْهِ تَعالى؛ لِأنَّها هي المُعْجِزَةُ الدّالَّةُ عَلى صِدْقِهِ، الباقِيَةُ إلى الأبَدِ. وأضافَ الآياتِ إلَيْهِ تَعالى؛ لِأنَّها كَلامُهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - ومِن تِلاوَتِهِ تُسْتَفادُ العِباداتُ ومَجامِعُ الأخْلاقِ الشَّرِيفَةِ، وتَنْبُعُ العُلُومُ. وأتى ثالِثًا بِصِفَةِ التَّزْكِيَةِ، وهي التَّطْهِيرُ مِن أنْجاسِ الضَّلالِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ ناشِئٌ عَنْ إظْهارِ المُعْجِزِ لِمَن أرادَ اللَّهُ تَعالى تَوْفِيقَهُ وقَبُولَهُ لِلْحَقِّ. وأتى رابِعًا بِصِفَةِ تَعْلِيمِ الكِتابِ والحِكْمَةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ ناشِئٌ عَنْ تَطْهِيرِ الإنْسانِ، بِاتِّباعِ النَّبِيِّ ﷺ، فَيُعَلِّمُهُ إذْ ذاكَ ويُفْهِمُهُ ما انْطَوى عَلَيْهِ كِتابُ اللَّهِ تَعالى، وما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ الإلَهِيَّةُ. وأتى بِهَذِهِ الصِّفاتِ فِعْلًا مُضارِعًا لِيَدُلَّ بِذَلِكَ عَلى التَّجَدُّدِ؛ لِأنَّ التِّلاوَةَ والتَّزْكِيَةَ والتَّعْلِيمَ تَتَجَدَّدُ دائِمًا. وأمّا الصِّفَةُ الأوْلى - وهي كَوْنُهُ مِنهم - فَلَيْسَتْ بِمُتَجَدِّدَةٍ، بَلْ هو وصْفٌ ثابِتٌ لَهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الأوْصافِ في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] بِأشْبَعَ مِن هَذا، فَلْيُنْظَرْ هُناكَ.
وخَتَمَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿ويُعَلِّمُكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾، وهو ذِكْرُ عامٍّ بَعْدَ خاصٍّ؛ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ الكِتابَ ولا الحِكْمَةَ. وفَسَّرَ بَعْضُهم ذَلِكَ بِأنَّ الَّذِي لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ: قَصَصُ مَن سَلَفَ، وقَصَصُ ما يَأْتِي مِنَ الغُيُوبِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ قَدَّمَ التَّزْكِيَةَ عَلى التَّعْلِيمِ، وفي دُعاءِ إبْراهِيمَ قَدَّمَ التَّعْلِيمَ عَلى التَّزْكِيَةِ؛ وذَلِكَ لِاخْتِلافِ المُرادِ بِالتَّزْكِيَةِ. فالظّاهِرُ أنَّ المُرادَ هُنا هو التَّطْهِيرُ مِنَ الكُفْرِ، كَما شَرَحْناهُ، وهُناكَ هو الشَّهادَةُ بِأنَّهم خِيارٌ أزْكِياءُ، وذَلِكَ مُتَأخِّرٌ عَنْ تَعْلِيمِ الشَّرائِعِ والعَمَلِ بِها.
﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ﴾: أيِ اذْكُرُونِي بِالطّاعَةِ، أذْكُرْكم بِالثَّوابِ والمَغْفِرَةِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، أوْ بِالدُّعاءِ والتَّسْبِيحِ ونَحْوِهِ، قالَهُ الرَّبِيعُ والسُّدِّيُّ. وقالَ عِكْرِمَةُ: يَقُولُ اللَّهُ: ”يا ابْنَ آدَمَ، اذْكُرْنِي بَعْدَ صَلاةِ الصُّبْحِ ساعَةً، وبَعْدَ صَلاةِ العَصْرِ ساعَةً؛ وأنا أكْفِيكَ ما بَيْنَهُما، أوِ اثْنُوا عَلَيَّ، أُثْنِ (p-٤٤٦)عَلَيْكم“ . وقَدْ جاءَ هَذا المَعْنى في الحَدِيثِ الطَّوِيلِ في قَوْلِهِ ﷺ: «إنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةً يَطُوفُونَ في الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أهْلَ الذِّكْرِ» . وفِيهِ: «ما يَقُولُ عِبادِي ؟ قالُوا: ”يُسَبِّحُونَكَ ويَحْمَدُونَكَ ويُمَجِّدُونَكَ“» . وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيِ اذْكُرُوا نِعْمَتِي أذْكُرْكم بِالزِّيادَةِ. وقَدْ جاءَ التَّصْرِيحُ بِالنِّعْمَةِ في قَوْلِهِ: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ [البقرة: ١٢٢] . وقِيلَ: الذِّكْرُ بِاللِّسانِ وبِالقَلْبِ عِنْدَ الأوامِرِ والنَّواهِي. وقِيلَ: اذْكُرُونِي بِتَوْحِيدِي وتَصْدِيقِ نَبِيِّي. وقِيلَ: بِما فَرَضْتُ عَلَيْكم، أوْ نَدَبْتُكم إلَيْهِ؛ أذْكُرْكم، أيْ أُجازِكم عَلى ذَلِكَ. وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى هَذا، وهو قَوْلُ سَعِيدٍ، فاذْكُرُونِي بِالطّاعَةِ أذْكُرْكم بِالثَّوابِ. وقِيلَ: فاذْكُرُونِي في الرَّخاءِ بِالطّاعَةِ والدُّعاءِ، أذْكُرْكم في البَلاءِ بِالعَطِيَّةِ والنَّعْماءِ، قالَهُ ابْنُ حَجَرٍ. وقِيلَ: اذْكُرُونِي بِالسُّؤالِ أذْكُرْكم بِالنَّوالِ، أوِ اذْكُرُونِي بِالتَّوْبَةِ أذْكُرْكم بِالعَفْوِ عَنِ الحَوْبَةِ، أوِ اذْكُرُونِي في الدُّنْيا أذْكُرْكم في الآخِرَةِ، أوِ اذْكُرُونِي في الخَلَواتِ أذْكُرْكم في الفَلَواتِ، أوِ اذْكُرُونِي بِمَحامِدِي أذْكُرْكم بِهِدايَتِي، أوِ اذْكُرُونِي بِالصِّدْقِ والإخْلاصِ أذْكُرْكم بِالخَلاصِ ومَزِيدِ الِاخْتِصاصِ، أوِ اذْكُرُونِي بِالمُوافَقاتِ أذْكُرْكم بِالكَراماتِ، أوِ اذْكُرُونِي بِتَرْكِ كُلِّ حَظٍّ أذْكُرْكم بِأنْ أُقِيمَكم بِحَقِّي بَعْدَ فَنائِكم عَنْكم، أوِ اذْكُرُونِي بِقَطْعِ العَلائِقِ أذْكُرْكم بِنَعْتِ الحَقائِقِ، أوِ اذْكُرُونِي لِمَن لَقِيتُمُوهُ أذْكُرْكم لِكُلِّ مَن خاطَبْتُهُ، قالَ: ومَن ذَكَرَنِي في مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ في مَلَأٍ خَيْرٍ مِنهُ، أوِ اذْكُرُونِي أذْكُرْكم، أحِبُّونِي أُحِبُّكم، أوِ اذْكُرُونِي بِالتَّذَلُّلِ أذْكُرْكم بِالتَّفَضُّلِ، أوِ اذْكُرُونِي بِقُلُوبِكم أذْكُرْكم بِتَحْقِيقِ مَطْلُوبِكم، أوِ اذْكُرُونِي عَلى البابِ مِن حَيْثُ الخِدْمَةِ أذْكُرْكم عَلى بِساطِ القُرْبِ بِإكْمالِ النِّعْمَةِ، أوِ اذْكُرُونِي بِتَصْفِيَةِ السَّرْدِ أذْكُرْكم بِتَوْفِيَةِ البِرِّ، أوِ اذْكُرُونِي في حالِ سُرُورِكم أذْكُرْكم في قُبُورِكم، أوِ اذْكُرُونِي وأنْتُمْ بِوَصْفِ السَّلامَةِ أذْكُرْكم يَوْمَ القِيامَةِ يَوْمَ لا تَنْفَعُ النَّدامَةُ، أوِ اذْكُرُونِي بِالرَّهْبَةِ بِالرَّغْبَةِ. وقالَ القُشَيْرِيُّ: فاذْكُرُونِي أذْكُرْكم، الذِّكْرُ اسْتِغْراقُ الذّاكِرِ في شُهُودِ المَذْكُورِ، ثُمَّ اسْتِهْلاكُهُ في وُجُودِ المَذْكُورِ حَتّى لا يَبْقى مِنهُ إلّا أثَرٌ يُذْكَرُ، فَيُقالُ: قَدْ كانَ فُلانٌ. قالَ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ [الذاريات: ١٦] . وإنَّما الدُّنْيا حَدِيثٌ حَسَنٌ فَكُنْ حَدِيثًا حَسَنًا لِمَن وعى، قالَ الشّاعِرُ:
؎إنَّما الدُّنْيا مَحاسِنُها ∗∗∗ طَيِّبُ ما يَبْقى مِنَ الخَبَرِ
وفِي المُنْتَخَبِ ما مُلَخَّصُهُ: الذِّكْرُ يَكُونُ بِاللِّسانِ، وهو: الحَمْدُ، والتَّسْبِيحُ، والتَّمْجِيدُ، وقِراءَةُ كُتُبِ اللَّهِ؛ وبِالقَلْبِ، وهو: الفِكْرُ في الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى التَّكالِيفِ، والأحْكامِ، والأمْرِ، والنَّهْيِ، والوَعْدِ، والوَعِيدِ، والفِكْرِ في الصِّفاتِ الإلَهِيَّةِ، والفِكْرِ في أسْرارِ مَخْلُوقاتِ اللَّهِ تَعالى حَتّى تَصِيرَ كُلُّ ذَرَّةٍ كالمِرْآةِ المَجْلُوَّةِ المُحاذِيَةِ لِعالَمِ التَّقْدِيسِ، فَإذا نَظَرَ العَبْدُ إلَيْها انْعَكَسَ شُعاعُ بَصَرِهِ مِنها إلى عالَمِ الجَلالِ، وبِالجَوارِحِ، بِأنْ تَكُونَ مُسْتَغْرِقَةً في الأعْمالِ المَأْمُورِ بِها، خالِيَةً عَنِ الأعْمالِ المَنهِيِّ عَنْها. وعَلى هَذا الوَجْهِ، سَمّى اللَّهُ الصَّلاةَ ذِكْرًا بِقَوْلِهِ: ﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] . انْتَهى. وقالُوا: الذِّكْرُ هو تَنْبِيهُ القَلْبِ لِلْمَذْكُورِ والتَّيَقُّظُ لَهُ، وأُطْلِقَ عَلى اللِّسانِ لِدَلالَتِهِ عَلى ذَلِكَ. ولَمّا كَثُرَ إطْلاقُهُ عَلَيْهِ، صارَ هو السّابِقَ إلى الفَهْمِ. فالذِّكْرُ بِاللِّسانِ سِرِّيٌّ وجَهْرِيٌّ، والذِّكْرِ بِالقَلْبِ دائِمٌ ومُتَحَلِّلٌ، وبِهِما أيْضًا دائِمٌ ومُتَحَلِّلٌ. فَبِاللِّسانِ ذِكْرُ عامَّةِ المُؤْمِنِينَ، وهو أدْنى مَراتِبِ الذِّكْرِ، وقَدْ سَمّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ”ذِكْرًا“ . خَرَّجَ ابْنُ ماجَهْ «أنَّ أعْرابِيًّا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنْ شَرائِعَ الإسْلامِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ، فَأنْبِئْنِي مِنها بِشَيْءٍ أتَشَبَّثُ بِهِ، قالَ: ”لا يَزالُ لِسانُكَ رَطْبًا مِن ذِكْرِ اللَّهِ“»، وخَرَّجَ أيْضًا قالَ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعالى أنا مَعَ عَبْدِي إذا هو ذَكَرَنِي وتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتاهُ» . وسُئِلَ أبُو عُثْمانَ، فَقِيلَ لَهُ: نَذْكُرُ اللَّهَ ولا نَجِدُ في قُلُوبِنا حَلاوَةً، فَقالَ: احْمَدُوا اللَّهَ عَلى أنْ زَيَّنَ جارِحَةً مِن جَوارِحِكم بِطاعَتِهِ، وبِالقَلْبِ هو ذِكْرُ العارِفِينَ وخَواصِّ المُؤْمِنِينَ، وقَدْ سَمّاهُ النَّبِيُّ ﷺ (p-٤٤٧)ذِكْرًا، ومَعْناهُ اسْتِقْرارُ الذِّكْرِ فِيهِ حَتّى لا يَخْطُرَ فِيهِ غَيْرُ المَذْكُورِ: قالَ الشّاعِرُ:
؎سِواكَ بِبالِي لا يَخْطُرُ ∗∗∗ إذا ما نَسِيتُكَ مَن أذْكُرُ
وبِهِما: هو ذِكْرُ خَواصِّ المُؤْمِنِينَ، وهَذِهِ ثَلاثُ المَقاماتِ، أدْوَمُها أفْضَلُها. انْتَهى.
وقَدْ طالَ بِنا الكَلامُ في هَذِهِ الجُمْلَةِ، وتَرَكْنا أشْياءَ مِمّا ذَكَرَهُ النّاسُ، وهَذِهِ التَّقْيِيداتُ والتَّفْسِيراتُ الَّتِي فُسِّرَ بِها الذِّكْرُ، لا يَدُلُّ اللَّفْظُ عَلى شَيْءٍ مِنها، ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ مِنَ المُفَسِّرِينَ لَهُ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ وجَوازِ أنْ يَكُونَ المُرادَ. وأمّا دَلالَةُ اللَّفْظِ فَهي طَلَبُ مُطْلَقِ الذِّكْرِ، والَّذِي يَتَبادَرُ إلَيْهِ الذِّهْنُ هو الذِّكْرُ اللِّسانِيُّ. والذِّكْرُ اللِّسانِيُّ لا يَكُونُ ذِكْرَ لَفْظِ الجَلالَةِ مُفْرَدًا مِن غَيْرِ إسْنادٍ، بَلْ لا بُدَّ مِن إسْنادٍ، وأوْلاها الأذْكارُ المَرْوِيَّةُ في الآثارِ، والمُشارُ إلَيْها في القُرْآنِ. وقَدْ جاءَ التَّرْغِيبُ في ذِكْرِ جُمْلَةٍ مِنها، والوَعْدُ عَلى ذِكْرِها بِالثَّوابِ الجَزِيلِ. وتِلْكَ الأذْكارُ تَتَضَمَّنُ: الثَّناءَ عَلى اللَّهِ، والحَمْدَ لَهُ، والمَدْحَ لِجَلالِهِ، والتِماسَ الخَيْرِ مِن عِنْدِهِ. فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالذِّكْرِ، وأمَرَ العَبْدَ بِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: عَظِّمُوا اللَّهَ، وأثْنُوا عَلَيْهِ بِالألْفاظِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ. وسُمِّيَ الثَّوابُ المُتَرَتِّبُ عَلى ذَلِكَ ذِكْرًا، فَقالَ: ”﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ﴾“ عَلى سَبِيلِ المُقابَلَةِ، لَمّا كانَ نَتِيجَةَ الذِّكْرِ وناشِئًا عَنْهُ سَمّاهُ ذِكْرًا.
﴿واشْكُرُوا لِي﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الشُّكْرِ، وعَدّاهُ هُنا بِاللّامِ، وكَذَلِكَ ﴿أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤]، وهو مِنَ الأفْعالِ الَّتِي ذُكِرَ أنَّها تارَةً تَتَعَدّى بِحَرْفِ جَرٍّ، وتارَةً تَتَعَدّى بِنَفْسِها، كَما قالَ عَمْرُو بْنُ لَجاءٍ التَّمِيمِيُّ:
؎هم جَمَعُوا بُؤْسِي ونُعْمِي عَلَيْكم ∗∗∗ فَهَلّا شَكَرْتَ القَوْمَ إذْ لَمْ تُقابِلْ
وفِي إثْباتِ هَذا النَّوْعِ مِنِ الفِعْلِ، وهو أنْ يَكُونَ يَتَعَدّى تارَةً بِنَفْسِهِ، وتارَةً بِحَرْفِ جَرٍّ، بِحَقِّ الوَضْعِ، فِيهِما خِلافٌ. وقالُوا: إذا قُلْتَ: شَكَرْتُ لِزَيْدٍ، فالتَّقْدِيرُ: شَكَرْتُ لِزَيْدٍ صَنِيعَهُ، فَجَعَلُوهُ مِمّا يَتَعَدّى لِواحِدٍ بِحَرْفِ جَرٍّ ولِآخَرَ بِنَفْسِهِ. ولِذَلِكَ فَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا المَوْضِعَ بِقَوْلِهِ: واشْكُرُوا لِي ما أنْعَمْتُ بِهِ عَلَيْكم. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: واشْكُرُوا لِي، واشْكُرُونِي بِمَعْنى واحِدٍ، ولِي أفْصَحُ وأشْهَرُ مَعَ الشُّكْرِ ومَعْناهُ: نِعْمَتِي وأيادِيَّ، وكَذَلِكَ إذا قُلْتَ: شَكَرْتُكَ، فالمَعْنى: شَكَرْتُ لَكَ صَنِيعَكَ وذَكَرْتُهُ، فَحَذَفَ المُضافَ، إذْ مَعْنى الشُّكْرِ: ذِكْرُ اليَدِ وذِكْرُ مُسْدِيها مَعًا، فَما حُذِفَ مِن ذَلِكَ فَهو اخْتِصارٌ لِدَلالَةِ ما بَقِيَ عَلى ما حُذِفَ، انْتَهى كَلامُهُ، ويَحْتاجُ، كَوْنُهُ يَتَعَدّى لِواحِدٍ بِنَفْسِهِ، ولِلْآخَرِ بِحَرْفِ جَرٍّ، فَتَقُولُ: شَكَرْتُ لِزَيْدٍ صَنِيعَهُ، لِسَماعٍ مِنَ العَرَبِ، وحِينَئِذٍ يُصارُ إلَيْهِ.
﴿ولا تَكْفُرُونِ﴾: وهو مِن كُفْرِ النِّعْمَةِ، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ ولا تَكْفُرُوا نِعْمَتِي. ولَوْ كانَ مِنَ الكُفْرِ ضِدِّ الإيمانِ، لَكانَ: ولا تَكْفُرُوا، أوْ ولا تَكْفُرُوا بِي. وهَذِهِ النُّونُ نُونُ الوِقايَةِ، حُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ بَعْدَها تَخْفِيفًا لِتَناسُبَ الفَواصِلِ. قِيلَ: المَعْنى واشْكُرُوا لِي بِالطّاعَةِ، ولا تَكْفُرُونِ بِالمَعْصِيَةِ. وقِيلَ: مَعْنى الشُّكْرِ هُنا: الِاعْتِرافُ بِحَقِّ المُنْعِمِ، والثَّناءِ عَلَيْهِ، ولِذَلِكَ قابَلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكْفُرُونِ﴾ . وهُنا ثَلاثُ جُمَلٍ: جُمْلَةُ الأمْرِ بِالذِّكْرِ، وجُمْلَةُ الأمْرِ بِالشُّكْرِ، وجُمْلَةُ النَّهْيِ عَنِ الكُفْرانِ. فَبُدِئَ أوَّلًا بِجُمْلَةِ الذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الثَّناءُ والمَدْحُ العامُّ والحَمْدُ لَهُ تَعالى، وذُكِرَ لَهُ جَوابٌ مُتَرَتِّبٌ عَلَيْهِ. وثَنّى بِجُمْلَةِ الشُّكْرِ؛ لِأنَّهُ ثَناءٌ عَلى شَيْءٍ خاصٍّ، وقَدِ انْدَرَجَ تَحْتَ الأوَّلِ، فَهو بِمَنزِلَةِ التَّوْكِيدِ، فَلَمْ يَحْتَجْ إلى جَوابٍ. وخَتَمَ بِجُمْلَةِ النَّهْيِ؛ لِأنَّهُ لَمّا أُمِرَ بِالشُّكْرِ، لَمْ يَكُنِ اللَّفْظُ لِيَدُلَّ عَلى عُمُومِ الأزْمانِ، ولا يُمْكِنُ التَّكْلِيفُ بِاسْتِحْضارِ الشُّكْرِ في كُلِّ زَمانٍ، فَقَدْ يُذْهَلُ الإنْسانُ عَنْ ذَلِكَ في كَثِيرٍ مِنَ الأوْقاتِ. ونَهى عَنِ الكُفْرانِ؛ لِأنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الِامْتِناعَ مِنَ المَنهِيِّ عَنْهُ في كُلِّ الأزْمانِ، وذَلِكَ مُمْكِنٌ؛ لِأنَّهُ مِن بابِ التُّرُوكِ. وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ عَلى أنَّهُ إذا كانَ أمْرٌ ونَهْيٌ، بُدِئَ بِالأمْرِ. وذَكَرْنا الحِكْمَةَ في ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وآمِنُوا بِما أنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِما مَعَكم ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة: ٤١]، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا.
البقرة 2:153
(p-٤٤٨)﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾، قِيلَ: سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا: سَيَرْجِعُ مُحَمَّدٌ إلى دِينِنا، كَما رَجَعَ إلى قِبْلَتِنا. هَزَّهم بِهَذا النِّداءِ المُتَضَمِّنِ هَذا الوَصْفَ الشَّرِيفَ، وهو الإيمانُ مَجْعُولًا فِعْلًا ماضِيًا في صِلَةِ الَّذِينَ، دالًّا عَلى الثُّبُوتِ والِالتِباسِ بِهِ في تَقَدُّمِ زَمانِهِمْ، لِيَكُونُوا أدْعى لِقَبُولِ ما يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِنَ الأمْرِ والتَّكْلِيفِ الشّاقِّ؛ لِأنَّ الصَّبْرَ والصَّلاةَ هُما رُكْنا الإسْلامِ. فالصَّبْرُ قَصْرُ النَّفْسِ عَلى المَكارِهِ والتَّكالِيفِ الشّاقَّةِ، وهو أمْرٌ قَلْبِيٌّ؛ والصَّلاةُ ثَمَرَتُهُ، وهي مِن أشَقِّ التَّكالِيفِ لِتَكَرُّرِها. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّهم سَمِعُوا مِن طَعْنِ الكُفّارِ عَلى التَّوَجُّهِ إلى الكَعْبَةِ والصَّلاةِ إلَيْها أذًى كَثِيرًا، فَأُمِرُوا عِنْدَ ذَلِكَ بِالِاسْتِعانَةِ بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ. وقَدْ قَيَّدَ بَعْضُهُمُ الصَّبْرَ هُنا: بِأنَّهُ الصَّبْرُ عَلى أذى الكُفّارِ بِالطَّعْنِ عَلى التَّحَوُّلِ والصَّلاةِ إلى الكَعْبَةِ، وبَعْضُهم بِالصَّبْرِ عَلى أداءِ الفَرائِضِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وبَعْضِهِمْ قالَ: هو كِنايَةٌ عَنِ الصَّوْمِ، ومِنهُ قِيلَ لِرَمَضانَ: شَهْرُ الصَّبْرِ، وبَعْضُهم قالَ: هو كِنايَةٌ عَنِ الجِهادِ لِقَوْلِهِ: بَعْدُ: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ﴾، وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ. والأوْلى ما قَدَّمْناهُ مِن عُمُومِ اللَّفْظِ، فَتَنْدَرِجُ هَذِهِ الأفْرادُ تَحْتَهُ. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ - أنَّهُ قالَ: الصَّبْرُ مِنِ الإيمانِ بِمَنزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الجَسَدِ، ولا خَيْرَ في جَسَدٍ لا رَأْسَ لَهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامَ عَلى شَرْحِ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ .
﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾: أيْ بِالمَعُونَةِ والتَّأْيِيدِ، كَما قالَ: ”اهْجُهم ورُوحُ القُدُسِ مَعَكَ“ . وقالَ تَعالى: ﴿لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ [التوبة: ٤٠]، ومَن كانَ اللَّهُ مَعَهُ فَهو الغالِبُ، ولَمّا كانَتِ الصَّلاةُ ناشِئَةً عَنِ الصَّبْرِ، وصارَ الصَّبْرُ أصْلًا لِجَمِيعِ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾، فانْدَرَجَ المُصَلُّونَ تَحْتَ الصّابِرِينَ انْدِراجَ الفَرْعِ تَحْتَ الأصْلِ. وأمّا قَوْلُهُ هُناكَ: ﴿وإنَّها لَكَبِيرَةٌ إلّا عَلى الخاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]، فَأعادَ الضَّمِيرَ عَلَيْها عَلى ظاهِرِ الكَلامِ؛ لِأنَّها أشْرَفُ وأشَقُّ نَتائِجِ الصَّبْرِ.
﴿ولا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ بَلْ أحْياءٌ ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾، قِيلَ: سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ قِيلَ لِمَن قُتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ: ماتَ فُلانٌ وذَهَبَ عَنْهُ نَعِيمُ الدُّنْيا ولَذَّتُها، فَأُنْزِلَتْ. نُهُوا عَنْ قَوْلِهِمْ عَنِ الشُّهَداءِ أمْواتٌ، وأخْبَرَ تَعالى أنَّهم أحْياءٌ، وارْتِفاعُ أمْواتٍ وأحْياءٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هم أمْواتٌ، بَلْ هم أحْياءٌ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَلْ أحْياءٌ، مُنْدَرِجًا تَحْتَ قَوْلٍ مُضْمَرٍ، أيْ بَلْ قُولُوا هم أحْياءٌ. لَكِنْ يُرَجَّحُ الوَجْهُ الأوَّلُ، وهو أنَّهُ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى قَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾؛ لِأنَّ مَعْناهُ: أنَّ حَياتَهم لا شُعُورَ لَكم بِها، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ حَقِيقَةُ المَوْتِ والحَياةِ. وقِيلَ: ذَلِكَ مَجازٌ. واخْتَلَفُوا فَقِيلَ: أمْواتٌ بِانْقِطاعِ الذِّكْرِ، بَلْ أحْياءٌ بِبَقائِهِ وثُبُوتِ الأجْرِ. وكانَتِ العَرَبُ تُسَمِّي مَن لا يَبْقى لَهُ ذِكْرٌ بَعْدَ مَوْتِهِ كالوَلَدِ وغَيْرِهِ مَيِّتًا. وقِيلَ: أمْواتٌ بِالضَّلالِ، بَلْ أحْياءٌ بِالطّاعَةِ والهُدى، كَما قالَ: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] . وإذا حُمِلَ المَوْتُ والحَياةُ عَلى الحَقِيقَةِ فاخْتَلَفُوا، فَقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ النَّهْيِ عَنْ قَوْلِ الجاهِلِيَّةِ: إنَّهم لا يُبْعَثُونَ، فالمَعْنى: أنَّهم سَيَحْيَوْنَ بِالبَعْثِ، فَيُثابُونَ ثَوابَ الشُّهَداءِ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ. وأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ عَلى أنَّهم أحْياءٌ في الوَقْتِ. ومَعْنى هَذِهِ الحَياةِ: بَقاءُ أرْواحِهِمْ دُونَ أجْسادِهِمْ؛ إذْ أجْسادُهم نُشاهِدُ فَسادَها وفَنائَها. واسْتَدَلُّوا عَلى بَقاءِ الأرْواحِ بِعَذابِ القَبْرِ، وبِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ مَعْناهُ: لا تَشْعُرُونَ بِكَيْفِيَّةِ حَياتِهِمْ. ولَوْ كانَ المَعْنى بِإحْياءٍ أنَّهم سَيَحْيَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ، أوْ أنَّهم عَلى هُدًى ونُورٍ، لَمْ يَظْهَرْ لِنَفْيِ الشُّعُورِ مَعْنًى، إذْ هو خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وهم قَدْ عَلِمُوا بِالبَعْثِ، وبِأنَّهم كانُوا عَلى هُدًى. فَلا يُقالُ فِيهِ: ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ؛ لِأنَّهم قَدْ شَعَرُوا بِهِ وبِقَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٧٠] .
وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ النّاسِ إلى أنَّ الشَّهِيدَ حَيُّ الجَسَدِ والرُّوحِ، ولا يَقْدَحُ في ذَلِكَ عَدَمُ الشُّعُورِ بِهِ مِنَ الحَيِّ غَيْرِهِ. فَنَحْنُ نَراهم عَلى صِفَةِ الأمْواتِ وهم أحْياءٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ (p-٤٤٩)﴾ [النمل: ٨٨]، وكَما تَرى النّائِمَ عَلى هَيْئَتِهِ، وهو يَرى في مَنامِهِ ما يَنْعَمُ بِهِ أوْ يَتَألَّمُ بِهِ. ونَقَلَ السُّهَيْلِيُّ في كِتابِ (دَلائِلِ النُّبُوَّةِ) مِن تَأْلِيفِهِ، حِكايَةً عَنْ بَعْضِ الصَّحابَةِ، أنَّهُ حَفَرَ في مَكانٍ، فانْفَتَحَتْ طاقَةٌ، فَإذا شَخْصٌ جالِسٌ عَلى سَرِيرٍ وبَيْنَ يَدَيْهِ مُصْحَفٌ يَقْرَأُ فِيهِ وأمامَهُ رَوْضَةٌ خَضْراءُ، وذَلِكَ بِأُحُدٍ، وعَلِمَ أنَّهُ مِنَ الشُّهَداءِ؛ لِأنَّهُ رَأى في صَفْحَةِ وجْهِهِ جُرْحًا. وإذا ثَبَتَ أنَّ الشُّهَداءَ أحْياءٌ، إمّا أرْواحُهم، وإمّا أجْسادُهم وأرْواحُهم، فاخْتُلِفَ في مُسْتَقَرِّها. فَقِيلَ: قُبُورُهم يُرْزَقُونَ فِيها. وقِيلَ: في قِبابٍ بِيضٍ في الجَنَّةِ يُرْزَقُونَ فِيها، قالَهُ أبُو بَشّارٍ السُّلَمِيُّ. وقِيلَ: في طَيْرٍ بِيضٍ تَأْكُلُ مِن ثِمارِ الجَنَّةِ ومَساكِنُهم سِدْرَةُ المُنْتَهى، قالَهُ قَتادَةُ. وقِيلَ: يَأْكُلُونَ مِن ثَمَرِ الجَنَّةِ ويَجِدُونَ رِيحَها، ولَيْسُوا فِيها، قالَهُ مُجاهِدٌ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «الشُّهَداءُ عَلى نَهْرٍ بِبابِ الجَنَّةِ في قُبَّةٍ خَضْراءَ» . ورُوِيَ: في رَوْضَةٍ خَضْراءَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ رِزْقُهم مِنَ الجَنَّةِ بُكْرَةً وعَشِيًّا. ورُوِيَ عَنْهُ ﷺ: «أنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ في طَيْرٍ خُضْرٍ تُعَلَّقُ مِن ثَمَرِ الجَنَّةِ، وأنَّهم في قَنادِيلَ مِن ذَهَبٍ، وأنَّهم في قُبَّةٍ خَضْراءَ» . وإذا صَحَّ ذَلِكَ فَهي أحْوالٌ لِطَوائِفَ مِنَ الشُّهَداءِ، أوْ في أوْقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ. والجُمْهُورُ: عَلى أنَّهم في الجَنَّةِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ ﷺ لِأُمِّ حارِثَةَ: ”إنَّهم في الفِرْدَوْسِ“ . ومَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ: أنَّ الأرْواحَ لا تَفْنى، وأنَّها باقِيَةٌ بَعْدَ خُرُوجِها مِنَ البَدَنِ. فَأرْواحُ أهْلِ السَّعادَةِ مُنَعَّمَةٌ إلى يَوْمِ الدِّينِ، وأرْواحُ أهْلِ الشَّقاوَةِ مُعَذَّبَةٌ إلى يَوْمِ الدِّينِ.
والفَرْقُ بَيْنَ الشَّهِيدِ وغَيْرِهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ إنَّما هو الرِّزْقُ، فَضَّلَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ، وقالَ تَعالى في حَقِّ الكُفّارِ: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦] . وقالَ الحَسَنُ: الشُّهَداءُ أحْياءٌ عِنْدَ اللَّهِ، تُعْرَضُ أرْزاقُهم عَلى أرْواحِهِمْ، فَيَصِلُ إلَيْهِمُ الرَّوْحُ والفَرَحُ، كَما تُعْرَضُ النّارُ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ غُدْوَةً وعَشِيًّا، فَيَصِلُ إلَيْهِمُ الوَجَعُ. وقالُوا: يَجُوزُ أنْ يَجْمَعَ اللَّهُ مِن أجْزاءِ الشَّهِيدِ جُمْلَةً فَيُحْيِيها ويُوصِلَ إلَيْها النَّعِيمَ، وإنْ كانَتْ في حَجْمِ الذَّرَّةِ. ولَمْ تَتَعَرَّضِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ لِرِزْقِ أرْواحِ الشُّهَداءِ ولا لِمُسْتَقَرِّها، وإنَّما جَرى ذِكْرُ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ، اتِّباعًا لِلْمُفَسِّرِينَ، حَيْثُ تَكَلَّمُوا في ذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ، وإلّا فَمَظِنَّةُ الكَلامِ عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، حَيْثُ ذَكَرَ العِنْدِيَّةَ والرِّزْقَ، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾، العُمُومُ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في شُهَداءِ بَدْرٍ، كانُوا أرْبَعَةَ عَشَرَ، ولا يُخَصَّصُ هَذا العُمُومُ بِهَذا السَّبَبِ، بَلِ العِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ تَسْلِيَةٌ لِأقْرِباءِ الشُّهَداءِ وإخْوانِهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِذِكْرِ أنَّهم أحْياءٌ، فَهم مَغْبُوطُونَ لا مَحْزُونٌ عَلَيْهِمْ.
﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ ونَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ والأنْفُسِ والثَّمَراتِ﴾: تَقَدَّمَ أنَّ الِابْتِلاءَ: هو الِاخْتِبارُ، لِيُعْلَمُ ما يَكُونُ مِن حالِ المُخْتَبَرِ، وهَذا مُسْتَحِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى، وإنَّما مَعْناهُ هُنا: الإجابَةُ، والضَّمِيرُ الَّذِي لِلْخِطابِ. قِيلَ: هو لِلصَّحابَةِ فَقَطْ، قالَهُ عَطاءٌ. خاطَبَهم بِذَلِكَ بَعْدَ الهِجْرَةِ، وأخْبَرَهم بِذَلِكَ قَبْلَ وُقُوعِهِ تَطْمِينًا لِقُلُوبِهِمْ؛ لِأنَّهُ إذا تَقَدَّمَ العِلْمُ بِالواقِعِ، كانَ قَدِ اسْتَعَدَّ لَهُ، بِخِلافِ الأشْياءِ الَّتِي تُفاجِئُ، فَإنَّها أصْعَبُ عَلى النَّفْسِ، وزِيادَةَ ثَوابٍ وأجْرٍ عَلى ما يَحْصُلُ لَهم مِنِ انْتِظارِ المُصِيبَةِ، وإخْبارًا بِمُغَيَّبٍ يَقَعُ وفْقَ ما أخْبَرَ، وتَمْيِيزًا لِمَن أسْلَمَ مُرِيدًا وجْهَ اللَّهِ مِمَّنْ نافَقَ، وازْدِيادَ إخْلاصٍ في حالِ البَلاءِ عَلى إخْلاصِهِ في حالِ العافِيَةِ، وحَمْلًا لِمَن لَمْ يُسْلِمْ عَلى النَّظَرِ في دَلائِلَ الإسْلامِ، إذْ رَأى هَؤُلاءِ المُبْتَلِينَ صابِرِينَ عَلى دِينِهِمْ ثابِتِي الجَأْشِ فِيهِ، مَعْ ما ابْتُلُوا بِهِ. وقِيلَ: هَؤُلاءِ أهْلُ مَكَّةَ، خاطَبَهم بِذَلِكَ إعْلامًا أنَّهُ أجابَ دَعْوَةَ نَبِيَّهُ ﷺ فِيهِمْ، ولِيَبْقُوا يَتَوَقَّعُونَ المُصِيبَةَ، فَتُضاعَفُ عَلَيْهِمُ المُصِيباتُ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لِلْأُمَّةِ، ويَكُونُ آخِرَ الزَّمانِ، قالَ كَعْبٌ: يَأْتِي عَلى النّاسِ زَمانٌ لا تَحْمِلُ النَّخْلَةُ إلّا ثَمَرَةً، يَكُونُ هَذا الإخْبارُ تَحْذِيرًا ومَوْعِظَةً عَلى الرُّكُونِ إلى الدُّنْيا وزَهْرَتِها، ويَكُونُ إخْبارًا بِالمُغَيَّباتِ. وقِيلَ: الخِطابُ لا يُرادُ بِهِ مُعَيَّنٌ، بَلْ هو عامٌّ، لا يَتَقَيَّدُ بِزَمانٍ ولا (p-٤٥٠)بِمُخاطَبٍ خاصٍّ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولَنُصِيبَنَّ بِكَذا، فَيَكُونُ في ذَلِكَ تَحْذِيرٌ، وأنَّهُ لِلصَّحابَةِ وغَيْرِهِمْ.
وهَذِهِ الآيَةُ لَها تَعَلُّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] الآيَةَ، وقَبْلَها: ﴿واشْكُرُوا لِي﴾ [البقرة: ١٥٢]، والشُّكْرُ يُوجِبُ زِيادَةَ النِّعَمِ، والِابْتِلاءُ بِما ذُكِرَ يُنافِيهِ ظاهِرًا، وتَوْجِيهُهُ أنَّ إتْمامَ الشَّرائِعِ إتْمامٌ لِلنِّعْمَةِ ولِذَلِكَ يُوجِبُ الشُّكْرَ، والقِيامُ بِتِلْكَ الشَّرائِعِ لا يُمْكِنُ إلّا بِتَحَمُّلِ المَشاقِّ، فَأمَرَ فِيها بِالصَّبْرِ، وأنَّهُ أنْعَمَ عَلَيْهِ أوَّلًا فَشَكَرَ، وابْتُلِيَ ثانِيًا فَصَبَرَ، لِيَنالَ دَرَجَتَيِ الشُّكْرِ والصَّبْرِ، فَيَكْمُلُ إيمانُهُ. كَما رُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «الإيمانُ نِصْفانِ: نِصْفٌ صَبْرٌ، ونِصْفٌ شُكْرٌ» . بِشَيْءٍ: مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾، والباءُ فِيهِ لِلْإلْصاقِ، وأفْرَدَهُ لِيَدُلَّ عَلى التَّقْلِيلِ، إذْ لَوْ جَمَعَهُ فَقالَ: بِأشْياءَ، لاحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ ضُرُوبًا مِن كُلِّ واحِدٍ مِمّا بَعْدَهُ. وقَدْ قَرَأ الضَّحّاكُ: بِأشْياءَ، فَلا يَكُونُ حَذْفٌ فِيما بَعْدَها، فَيَكُونُ ”مِن“ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، بِخِلافِ قِراءَةِ الجُمْهُورِ: بِشَيْءٍ، فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ حَذْفٍ أيْ شَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ، وشَيْءٍ مِنَ الجُوعِ، وشَيْءٍ مِن نَقْصٍ. والمَعْنى في هَذِهِ القِراءَةِ: ولَنَبْلُوَنَّكم بِطَرَفٍ مِن كَذا وكَذا. والخَوْفُ: خَوْفُ العَدُوِّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَدْ حَصَلَ الخَوْفُ الشَّدِيدُ في وقْعَةِ الأحْزابِ. وقالَ الشّافِعِيُّ: هو خَوْفُ اللَّهِ تَعالى. والجُوعُ: القَحْطُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، عَبَّرَ بِالمُسَبَّبِ عَنِ السَّبَبِ. وقِيلَ: الجُوعُ: الفَقْرُ، عَبَّرَ بِالمُسَبَّبِ عَنِ السَّبَبِ أيْضًا. وقالَ الشّافِعِيُّ: هو صِيامُ شَهْرِ رَمَضانَ. ونَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ: بِالخُسْرانِ والهَلاكِ. وقالَ الشّافِعِيُّ: بِالصَّدَقاتِ. والأنْفُسِ: بِالقَتْلِ والمَوْتِ. وقالَ الشّافِعِيُّ: بِالأمْراضِ، وقِيلَ: بِالشَّيْبِ. والثَّمَراتِ: يَعْنِي الجَوائِحَ في الثَّمَراتِ، وقِلَّةَ النَّباتِ، وانْقِطاعَ البَرَكاتِ. وقالَ القَفّالُ: قَدْ يَكُونُ نَقْصُها بِالجُدُوبِ، وقَدْ يَكُونُ بِتَرْكِ عِمارَةِ الضِّياعِ لِلِاشْتِغالِ بِالجِهادِ، وقَدْ يَكُونُ بِالإنْفاقِ عَلى مَن يَرِدُ مِنَ الوُفُودِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقِيلَ: بِظُهُورِ العَدُوِّ عَلَيْهِمْ. وقالَ الشّافِعِيُّ: والثَّمَراتُ: مَوْتُ الأوْلادِ؛ لِأنَّ ولَدَ الرَّجُلِ ثَمَرَةُ قَلْبِهِ. وفي حَدِيثِ أبِي مُوسى، «أنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ إذا ماتَ ولَدُ العَبْدِ: ”أقَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤادِهِ“» ؟ .
وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ: مُؤَنُ الجِهادِ وكُلَفُهُ، فالخَوْفُ مِنَ العَدُوِّ، والجُوعُ بِهِ وبِالأسْفارِ إلَيْهِ، ونَقْصُ الأمْوالِ بِالنَّفَقاتِ فِيهِ، والأنْفُسِ بِالقَتْلِ، والثَّمَراتِ بِإصابَةِ العَدُوِّ لَها، أوِ الغَفْلَةِ عَنْها بِسَبَبِ الجِهادِ. انْتَهى كَلامُهُ. وعَطَفَ ”ونَقْصٍ“ عَلى قَوْلِهِ: ”بِشَيْءٍ“، أيْ: ولَنَمْتَحِنَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ وبِنَقْصٍ، ويُحَسِّنُ العَطْفُ تَنْكِيرَها، عَلى أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الخَوْفِ والجُوعِ فَيَكُونَ تَقْدِيرُهُ: وشَيْءٍ مِن نَقْصٍ. ومِنَ الأمْوالِ: مُتَعَلِّقٌ بِنَقْصٍ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرُ نَقَصَ، وهو يَتَعَدّى إلى واحِدٍ، وقَدْ حُذِفَ، أيْ: ونَقْصِ شَيْءٍ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِنَقْصٍ. وتَكُونَ مِن لِابْتِداءِ الغايَةِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِذَلِكَ المَحْذُوفِ، أيْ ونَقْصِ شَيْءٍ مِنَ الأمْوالِ، وتَكُونُ مِن إذْ ذاكَ لِلتَّبْعِيضِ. وقالُوا: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن عِنْدَ الأخْفَشِ زائِدَةً، أيْ ونَقْصِ الأمْوالِ والأنْفُسِ والثَّمَراتِ. وأتى بِالجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ مُقْسِمًا عَلَيْها، تَأْكِيدًا لِوُقُوعِ الِابْتِلاءِ، وإسْنادُ الفِعْلِ إلَيْهِ صَرِيحٌ في إضافَةِ أسْبابِ البَلايا إلَيْهِ. وأنَّ هَذِهِ المِحَنَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ووَعْدَهُ بِها المُؤْمِنِينَ يَدُلُّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ عُقُوباتٍ، بَلْ إذا قارَنَها الصَّبْرُ أفادَتْ دَرَجَةً عالِيَةً في الدِّينِ. وجاءَ هَذا التَّرْتِيبُ في العَطْفِ عَلى سَبِيلِ التَّرَقِّي: فَأخْبَرَ أوَّلًا بِالِابْتِلاءِ بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ، وهو تَوَقُّعُ ما يَرِدُ مِنَ المَكْرُوهِ. ثُمَّ انْتَقَلَ مِنهُ إلى الِابْتِلاءِ بِشَيْءٍ مِنَ الجُوعِ، وهو أشَدُّ مِنَ الخَوْفِ بِأيِّ تَفْسِيرٍ فُسِّرَ بِهِ مِنَ القَحْطِ، أوِ الفَقْرِ، أوِ الحاجَةِ إلى الأكْلِ، إلّا عَلى تَفْسِيرِ الشّافِعِيِّ، وهو صَوْمُ رَمَضانَ. ولا تَرَقِّيَ بَيْنَ نَقْصٍ وشَيْءٍ، عَلى ما اخْتارَهُ مِن عَطْفِ نَقْصٍ عَلى بِشَيْءٍ، بَلِ التَّرَقِّي في العَطْفِ بَعْدَ ”ونَقْصٍ“ فَبَدَأ أوَّلًا بِالأمْوالِ، ثُمَّ تَرَقّى إلى الأنْفُسِ. وأمّا ”والثَّمَراتِ“، فَجاءَ كالتَّخْصِيصِ بَعْدَ التَّعْمِيمِ؛ لِأنَّها تَنْدَرِجُ تَحْتَ الأمْوالِ، فَلا تَرَقِّيَ فِيها.
﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾: خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، أوْ لِكُلِّ مَن تَتَأتّى مِنهُ البِشارَةُ، أيْ عَلى الجِهادِ بِالنَّصْرِ، أوْ عَلى الطّاعَةِ بِالجَزاءِ، (p-٤٥١)أوْ عَلى المَصائِبِ بِالثَّوابِ، أقْوالٌ: والأحْسَنُ عَدَمُ التَّقْيِيدِ، أيْ كُلُّ مَن صَبَرَ صَبْرًا مَحْمُودًا شَرْعًا، فَهو مُنْدَرِجٌ في الصّابِرِينَ. قالُوا: والصَّبْرُ مِن خَواصِّ الإنْسانِ؛ لِأنَّهُ يَتَعارَضُ فِيهِ العَقْلُ والشَّهْوَةُ، وهو بَدَنِيٌّ. وهو: إمّا فِعْلِيٌّ، كَتَعاطِي الأعْمالِ الشّاقَّةِ، وإمّا احْتِمالٌ، كالصَّبْرِ عَلى الضَّرْبِ الشَّدِيدِ، ونَفْسِيٌّ، وهو قَمْعُ النَّفْسِ عَنْ مُشْتَهَياتِ الطَّبْعِ. فَإنْ كانَ مِن شَهْوَةِ الفَرْجِ والبَطْنِ، سُمِّيَ عِفَّةً. وإنْ كانَ مِنِ احْتِمالِ مَكْرُوهٍ، اخْتَلَفَتْ أسامِيهِ بِاخْتِلافِ المَكْرُوهِ. فَفي المُصِيبَةِ يُقْتَصَرُ عَلَيْهِ بِاسْمِ الصَّبْرِ، ويُضادُّهُ الجَزَعُ. وإنْ كانَ في الغِنى، سُمِّيَ ضَبْطَ النَّفْسِ، ويُضادُّهُ البَطَرُ. وإنْ كانَ في حَرْبٍ، سُمِّيَ شَجاعَةً، ويُضادُّهُ الجُبْنُ. وإنْ كانَ في نائِبَةٍ مُضْجِرَةٍ، سُمِّي سَعَةَ صَدْرٍ، ويُضادُّهُ الضَّجَرُ. وإنْ كانَ في إخْفاءِ كَلامٍ، سُمِّيَ كِتْمانًا، ويُضادُّهُ الإعْلانُ. وإنْ كانَ في فُضُولِ الدُّنْيا، سُمِّيَ زُهْدًا، ويُضادُّهُ الحِرْصُ. وإنْ كانَ عَلى يَسِيرٍ مِنَ المالِ، سُمِّي قَناعَةً، ويُضادُّهُ الشَّرَهُ. وقَدْ جَمَعَ اللَّهُ أقْسامَ ذَلِكَ وسَمّى جَمِيعَها صَبْرًا، فَقالَ: ﴿والصّابِرِينَ في البَأْساءِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، أيِ المُصِيبَةِ، والضَّرّاءِ أيِ الفَقْرِ ﴿وحِينَ البَأْسِ﴾ [البقرة: ١٧٧] أيِ المُحارَبَةِ. قالَ القَفّالُ: لَيْسَ الصَّبْرُ أنْ لا يَجِدَ الإنْسانُ ألَمَ المَكْرُوهِ، ولا أنْ لا يَكْرَهَ ذَلِكَ، إنَّما هو حَمْلُ النَّفْسِ عَلى تَرْكِ إظْهارِ الجَزَعِ، وإنْ ظَهَرَ دَمْعُ عَيْنٍ، أوْ تَغَيُّرُ لَوْنٍ، ولَوْ ظَهَرَ مِنهُ أوَّلُ ما لا يُعَدُّ مَعَهُ صابِرًا ثُمَّ صَبَرَ، لَمْ يُعَدَّ ذَلِكَ إلّا سِلْوانًا.
﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ﴾: يَجُوزُ في: ”الَّذِينَ“ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى النَّعْتِ لِلصّابِرِينَ، وهو ظاهِرُ الإعْرابِ، أوْ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ، فَيَكُونُ مَقْطُوعًا، أوْ مَرْفُوعًا عَلى إضْمارِ هم، عَلى وجْهَيْنِ: إمّا عَلى القَطْعِ، وإمّا عَلى الِاسْتِئْنافِ، كَأنَّهُ جَوابٌ لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: مَنِ الصّابِرُونَ ؟ قِيلَ: هُمُ الَّذِينَ إذا. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ الَّذِينَ مُبْتَدَأً، وأُولَئِكَ عَلَيْهِمْ خَبَرُهُ، وهو مُحْتَمَلٌ. مُصِيبَةٌ: اسْمُ فاعِلٍ مِن أصابَتْ، وصارَ لَها اخْتِصاصٌ بِالشَّيْءِ المَكْرُوهِ، وصارَتْ كِنايَةً عَنِ الدّاهِيَةِ، فَجَرَتْ مَجْرى الأسْماءِ ووَلِيَتِ العَوامِلَ. وأصابَتْهم: مُصِيبَةٌ مِنَ التَّجْنِيسِ المُغايِرِ، وهو أنْ يَكُونَ إحْدى الكَلِمَتَيْنِ اسْمًا والأُخْرى فِعْلًا، ومِنهُ: ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ [النجم: ٥٧]؛ ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١] . والمُصِيبَةُ: كُلُّ ما أذى المُؤْمِنَ في نَفْسٍ أوْ مالٍ أوْ أهْلٍ، صَغُرَتْ أوْ كَبُرَتْ، حَتّى انْطِفاءِ المِصْباحِ لِمَن يَحْتاجُهُ يُسَمّى مُصِيبَةً. ورُوِيَ ذَلِكَ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أنَّهُ اسْتَرْجَعَ عِنْدَ انْطِفاءِ مِصْباحِهِ» . والمَعْنى في إذا هُنا: عَلى التَّكْرارِ والعُمُومِ. وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا ذِكْرُ الخِلافِ في إذا، أتَدُلُّ عَلى التَّكْرارِ، أمْ وُضِعَتْ لِلْمَرَّةِ الواحِدَةِ ؟ قَوْلانِ لِلنَّحْوِيِّينَ.
﴿قالُوا إنّا لِلَّهِ﴾: ”قالُوا“: جَوابُ إذا، والشَّرْطُ وجَوابُهُ صِلَةٌ لِلَّذِينَ. ”وإنّا“: أصْلُهُ إنَّنا؛ لِأنَّها إنْ دَخَلَتْ عَلى الضَّمِيرِ المَنصُوبِ المُتَّصِلِ، فَحُذِفَتْ نُونٌ مِن إنَّ. ويَنْبَغِي أنْ تَكُونَ المَحْذُوفَةُ هي الثّانِيَةَ؛ لِأنَّها ظَرْفٌ، ولِأنَّها عُهِدَ فِيها الحَذْفُ إذا خُفِّفَتْ، فَقالُوا: إنْ زَيْدٌ لَقائِمٌ، وهو حَذْفٌ هُنا لِاجْتِماعِ الأمْثالِ، فَلِذَلِكَ عَمِلَتْ، إذْ لَوْ كانَ مِنَ الحَذْفِ لا لِهَذِهِ العِلَّةِ؛ لانْفَصَلَ الضَّمِيرُ وارْتَفَعَ ولَمْ تَعْمَلْ؛ لِأنَّها إذا خُفِّفَتْ هَذا التَّخْفِيفَ لَمْ تَعْمَلْ في الضَّمِيرِ. ولِلَّهِ: مَعْناهُ الإقْرارُ بِالمُلْكِ والعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ، فَهو المُتَصَرِّفُ فِينا بِما يُرِيدُ مِنَ الأُمُورِ.
﴿وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾: إقْرارٌ بِالبَعْثِ وتَنْبِيهٌ عَلى مُصِيبَةِ المَوْتِ الَّتِي هي أعْظَمُ المَصائِبِ، وتَذْكِيرٌ أنَّ ما أصابَ الإنْسانَ دُونَها فَهو قَرِيبٌ يَنْبَغِي أنْ يَصِيرَ لَهُ. ولِلْمُفَسِّرِينَ في هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ المَقُولَتَيْنِ أقْوالٌ: أحَدُها: أنَّ نُفُوسَنا وأمْوالَنا وأهْلِينا لِلَّهِ لا يَظْلِمُنا فِيما يَصْنَعُهُ بِنا. الثّانِي: أسْلَمْنا الأمْرَ لِلَّهِ ورَضِينا بِقَضائِهِ، ﴿وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ يَعْنِي: لِلْبَعْثِ لِثَوابِ المُحْسِنِ ومُعاقَبَةِ المُسِيءِ. الثّالِثُ: راجِعُونَ إلَيْهِ في جَبْرِ المُصابِ وإجْزالِ الثَّوابِ. الرّابِعُ: أنَّ مَعْناهُ إقْرارٌ بِالمَمْلَكَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا لِلَّهِ﴾، وإقْرارٌ بِالهَلَكَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ .
وفِي المُنْتَخَبِ ما مُلَخَّصُهُ: أنَّ إسْنادَ الإصابَةِ إلى المُصِيبَةِ، لا إلى اللَّهِ تَعالى، لِيَعُمَّ ما كانَ مِنَ اللَّهِ وما كانَ مِن غَيْرِهِ. فَما كانَ مِنَ اللَّهِ فَهو داخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿إنّا لِلَّهِ﴾؛ لِأنَّ في الإقْرارِ بِالعُبُودِيَّةِ تَفْوِيضًا لِلْأُمُورِ إلَيْهِ، وما كانَ مِن غَيْرِهِ فَتَكْلِيفُهُ أنْ يَرْجِعَ إلى اللَّهِ في الإنْصافِ (p-٤٥٢)مِنهُ، ولا يَتَعَدّى، كَأنَّهُ في الأوَّلِ ﴿إنّا لِلَّهِ﴾، يُدَبِّرُ كَيْفَ يَشاءُ، وفي الثّانِي: ﴿وإنّا إلَيْهِ﴾، يُنْصِفُ لَنا كَيْفَ يَشاءُ. وقِيلَ: ﴿إنّا لِلَّهِ﴾، دَلِيلٌ عَلى الرِّضا بِما نَزَلَ بِهِ في الحالِ، ﴿وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾، دَلِيلٌ عَلى الرِّضا في الحالِ بِكُلِّ ما سَيَنْزِلُ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ. واشْتَمَلَتِ الآيَةُ عَلى فَرْضٍ ونَفْلٍ. فالفَرْضُ: التَّسْلِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ، والرِّضا بِقَدَرِهِ، والصَّبْرُ عَلى أداءِ فَرائِضِهِ. والنَّفْلُ: إظْهارُ القَوْلِ ﴿إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾، وفي إظْهارِهِ فَوائِدُ مِنها: غَيْظُ الكُفّارِ لِعِلْمِهِمْ بِجِدِّهِ في طاعَةِ اللَّهِ.
﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ﴾، أُولَئِكَ مُبْتَدَأٌ، وصَلَواتٌ: ارْتِفاعُها عَلى الفاعِلِ بِالجارِّ والمَجْرُورِ، أيْ: أُولَئِكَ مُسْتَقِرَّةٌ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ، فَيَكُونُ قَدْ أخْبَرَ عَنِ المُبْتَدَأِ بِالمُفْرَدِ، وهَذا أوْلى مِن جَعْلِ صَلَواتٍ مُبْتَدَأً، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ خَبَرِهِ. والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ خَبَرِ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ إخْبارًا عَنِ المُبْتَدَأِ بِالجُمْلَةِ. والصَّلاةُ مِنَ اللَّهِ: المَغْفِرَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ أوِ الثَّناءُ، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ، أوِ الغُفْرانُ والثَّناءُ الحَسَنُ، قالَهُ الزَّجّاجُ. والرَّحْمَةُ: قِيلَ هي الصَّلَواتُ، كُرِّرَتْ تَأْكِيدًا لَمّا اخْتَلَفَ اللَّفْظُ، كَقَوْلِهِ ﴿رَأْفَةً ورَحْمَةً﴾ [الحديد: ٢٧] . وقِيلَ: ”الرَّحْمَةُ“: كَشْفُ الكُرْبَةِ وقَضاءُ الحاجَةِ. وقالَ عُمَرُ: نِعْمَ العَدْلانِ ونِعْمَ العِلاوَةُ، وتَلا: ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهُمْ﴾ الآيَةَ، يَعْنِي بِالعَدْلَيْنِ: الصَّلَواتِ والرَّحْمَةَ، وبِالعِلاوَةِ: الِاهْتِداءَ. وفي قَوْلِهِ: أُولَئِكَ، اسْمُ الإشارَةِ المَوْضُوعُ لِلْبُعْدِ دَلالَةً عَلى بُعْدِ هَذِهِ الرُّتْبَةِ، كَما جاءَ: ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] . والكِنايَةُ عَنْ حُصُولِ الغُفْرانِ والثَّناءِ بِقَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ﴾ بِحَرْفِ عَلى، إشارَةً إلى أنَّهم مُنْغَمِسُونَ في ذَلِكَ، قَدْ غَشِيَتْهم وتَجَلَّلَتْهم، وهو أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ لَهم. وجَمَعَ صَلَواتٍ، لِيَدُلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مُطْلَقَ صَلاةٍ، بَلْ صَلاةٌ بَعْدَ صَلاةٍ، ونُكِّرَتْ لِأنَّهُ لا يُرادُ العُمُومُ. ووَصَفَها بِكَوْنِها مِن رَبِّهِمْ، لِيَدُلَّ بِمِن عَلى ابْتِدائِها مِنَ اللَّهِ، أيْ تَنْشَأُ تِلْكَ الصَّلَواتُ وتَبْتَدِئُ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِن تَبْعِيضِيَّةً، فَيَكُونُ ثَمَّ حَذْفَ مُضافٍ، أيْ ”صَلَواتٌ مِن صَلَواتِ رَبِّهِمْ“ . وأتى بِلَفْظِ الرَّبِّ، لِما فِيهِ مِن دَلالَةِ التَّرْبِيَةِ والنَّظَرِ لِلْعَبْدِ فِيما يُصْلِحُهُ ويُرَبِّهِ بِهِ. وإنْ كانَ أُرِيدَ بِالرَّحْمَةِ الصَّلَواتُ، فَلا يَحْتاجُ إلى تَقْيِيدٍ بِصِفَةٍ مَحْذُوفَةٍ؛ لِأنَّها قَدْ تَقَيَّدَتْ. وإنْ كانَ أُرِيدَ بِها ما يُغايِرُ الصَّلَواتِ، فَيُقَدَّرُ: ورَحْمَةٌ مِنهُ، فَيَكُونُ قَدْ حُذِفَتِ الصِّفَةُ لِما تَقَدَّمَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: (مِن رَبِّهِمْ)، مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: (عَلَيْهِمْ)، فَلا يَكُونُ صِفَةً، بَلْ يَكُونُ مَعْمُولًا لِلرّافِعِ لِصَلَواتٍ، وتَرَتَّبَ عَلى مَقامِ الصَّبْرِ ومَقالِ هَذِهِ الكَلِماتِ الدّالَّةِ عَلى التَّفْوِيضِ لِلَّهِ تَعالى، هَذا الجَزاءُ الجَزِيلُ والثَّناءُ الجَمِيلُ.
وقَدْ جاءَ في السُّنَّةِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «مَنِ اسْتَرْجَعَ عِنْدَ المُصِيبَةِ، جَبَرَ اللَّهُ مُصِيبَتَهُ، وأحْسَنَ عُقْباهُ، وجَعَلَ لَهُ خَلَفًا صالِحًا يَرْضاهُ» . وفي حَدِيثٍ آخَرَ: «مَن تَذَكَّرَ مُصِيبَتَهُ، فَأحْدَثَ اسْتِرْجاعًا، وإنْ تَقادَمَ عَهْدُها، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مِنَ الأجْرِ مِثْلَهُ يَوْمَ أُصِيبَ» . وحَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ مَشْهُورٌ، حَيْثُ أخْلَفَها اللَّهُ عَنْ أبِي سَلَمَةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: ما أُعْطِيَ أحَدٌ في المُصِيبَةِ ما أُعْطِيَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ، ولَوْ أُعْطِيها أحَدٌ قَبْلَها لِأُعْطِيَها يَعْقُوبُ. ألا تَرى كَيْفَ قالَ حِينَ فَقَدَ يُوسُفَ ؟ ﴿ياأسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤] .
﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾: إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ عَنْهم بِالهِدايَةِ، ومَن أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ بِالهِدايَةِ فَلَنْ يَضِلَّ أبَدًا. وهَذِهِ جُمْلَةٌ ثابِتَةٌ تَدُلُّ عَلى الِاعْتِناءِ بِأمْرِ المُخْبَرِ عَنْهُ، إذْ كُلُّ وصْفٍ لَهُ يَبْرُزُ في جُمْلَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ. وبُدِئَ بِالجُمْلَةِ الأُولى؛ لِأنَّها أهَمُّ في حُصُولِ الثَّوابِ المُتَرَتِّبِ عَلى الوَصْفِ الَّذِي قَبْلَهُ، وأُخِّرَتْ هَذِهِ؛ لِأنَّها تَنَزَّلَتْ مِمّا قَبْلَها مَنزِلَةَ العِلَّةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ القَوْلَ المُتَرَتِّبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الجَزاءُ الجَزِيلُ لا يَصْدُرُ إلّا عَمَّنْ سَبَقَتْ هِدايَتُهُ. وأُكِّدَ بِقَوْلِهِ: ”هم“ .، وبِالألِفِ واللّامِ، كَأنَّ الهِدايَةَ انْحَصَرَتْ فِيهِمْ وبِاسْمِ الفاعِلِ، لِيَدُلَّ عَلى الثُّبُوتِ؛ لِأنَّ الهِدايَةَ لَيْسَتْ مِنَ الأفْعالِ المُتَجَدِّدَةِ وقْتًا بَعْدَ وقْتٍ فَيُخْبَرُ عَنْها بِالفِعْلِ، بَلْ هي وصْفٌ ثابِتٌ. وقِيلَ: ”المُهْتَدُونَ“ في اسْتِحْقاقِ الثَّوابِ وإجْزالِ الأجْرِ. وقِيلَ: إلى تَسْهِيلِ المُصابِ وتَخْفِيفِ الحُزْنِ. وقِيلَ: إلى الِاسْتِرْجاعِ. وقِيلَ: إلى الحَقِّ والصَّوابِ، وهَذِهِ التَّقْيِيداتُ لا دَلالَةَ عَلَيْها في (p-٤٥٣)اللَّفْظِ، فالأوْلى الحَمْلُ عَلى الهِدايَةِ الَّتِي هي الإيمانُ، ونَظِيرُ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ قَوْلُهُ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥] . والكَلامُ في إعْرابِ: ”هُمُ المُهْتَدُونَ“، كالكَلامِ عَلى: ”هُمُ المُفْلِحُونَ“، وقَدْ تَقَدَّمَ.
(وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ الكَرِيمَةُ) مَزِيدَ التَّوْكِيدِ في الأمْرِ بِتَوْلِيَةِ وجْهِهِ مِن حَيْثُ خَرَجَ ﷺ شَطْرَ المَسْجِدِ، وبِتَوْلِيَتِهِمْ وُجُوهَهم شَطْرَهُ لِلِاعْتِناءِ بِأمْرِ نَسْخِ القِبْلَةِ، حَيْثُ كانَ النَّسْخُ صَعْبًا عَلى النُّفُوسِ، حَيْثُ ألِفُوا أمْرًا، وأُمِرُوا بِتَرْكِهِ والِانْتِقالِ إلى غَيْرِهِ، وخُصُوصًا عِنْدَ مَن لا يَرى النَّسْخَ. فَلِذَلِكَ كُرِّرَ وأنَّهُ تَعالى أمَرَ بِذَلِكَ وفِعْلِهِ؛ لِانْتِفاءِ حُجَجِ النّاسِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ إذا كانَ بِأمْرٍ مِنهُ تَعالى لَمْ تَبْقَ لِأحَدٍ حُجَّةٌ عَلى مُمْتَثِلِ أمْرِ اللَّهِ؛ لِأنَّ أمْرَ اللَّهِ ثانِيًا كَأمْرِهِ أوَّلًا. وهو قَدْ أمَرَ أوَّلًا بِاسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ، وأمَرَ آخِرًا بِاسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ. فَلا فَرْقَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، ولا حُجَّةَ لِمَن خالَفَ. واسْتَثْنى مِنَ النّاسِ مَن ظَلَمَ؛ لِأنَّهُ لا تَنْقَطِعُ حُجَجُهُ وإنْ كانَتْ باطِلَةً، ولا تَشْغِيباتُهُ وتَمْوِيهاتُهُ؛ لِأنَّهُ قامَ بِهِ وصْفٌ يَمْنَعُهُ مِن إدْراكِ الحَقِّ والبَلْجُ بِهِ، ثُمَّ أمَرَهم تَعالى بِخَشْيَتِهِ، ونَهاهم عَنْ خَشْيَةِ النّاسِ؛ لِأنَّهم إذا خَشُوا اللَّهَ تَعالى امْتَثَلُوا أوامِرَهُ واجْتَنِبُوا مَناهِيَهُ. وعَطَفَ عَلى تِلْكَ العِلَّةِ عِلَّةً أُخْرى، وهي إتْمامُ النِّعْمَةِ بِاسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ إذْ في ذَلِكَ اتِّباعُ أبِيكم إبْراهِيمَ، والرُّجُوعُ إلى المَأْلُوفِ، ولِتَحْصِيلِ الهِدايَةِ. وشَبَّهَ هَذا الإتْمامَ بِإتْمامِ نِعْمَةِ إرْسالِ الرَّسُولِ مِنهم فِيهِمْ، إذْ هَذِهِ النِّعْمَةُ هي الأصْلُ، وهي مَنبَعُ النِّعَمِ والهِدايَةِ، ثُمَّ وصَفَ المُرْسَلُ إلَيْهِمْ بِتِلْكَ الأوْصافِ الجَلِيلَةِ الَّتِي رُزِقُوا مِنها الحَظَّ الأكْمَلَ، وهي تِلاوَةُ الكِتابِ عَلَيْهِمْ: ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١] فَكَيْفَ بِمَزِيدِ التَّزْكِيَةِ والتَّعْلِيمِ اللَّذَيْنِ بِهِما تَحْصُلُ الطَّهارَةُ مَنِ الأرْجاسِ، والحَياةُ السَّرْمَدِيَّةُ في النّاسِ ؟
؎أخُو العِلْمِ حَيٌّ خالِدٌ بَعْدَ مَوْتِهِ وأوْصالُهُ تَحْتَ التُّرابِ رَمِيمُ
وقالَ آخَرٌ:
؎مَحَلُّ العَلَمِ لا يَأْوِي تُرابًا ∗∗∗ ولا يَبْلى عَلى الزَّمَنِ القَدِيمِ
ثُمَّ أمَرَهم تَعالى بِالذِّكْرِ لِهَذِهِ النِّعَمِ لِئَلّا يَنْسَوْها، وبِالشُّكْرِ عَلَيْها لِأنْ يَزِيدَهم مِنَ النِّعَمِ، ثُمَّ نَهاهم عَنْ كُفْرانِها؛ لِأنَّ كُفْرانَ النِّعَمِ يَقْتَضِي زَوالَها واسْتِحْقاقَ العَذابِ الشَّدِيدِ عَلَيْهِ. ثُمَّ نادى مَنِ اتَّصَفَ بِالإيمانِ، وهو ثانِي نِداءٍ لِلْمُؤْمِنِينَ في هَذِهِ السُّورَةِ، لِيُقْبِلُوا عَلى ما يَأْمُرُهم بِهِ. فَأمَرَهم بِالِاسْتِعانَةِ بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ؛ لِأنَّ الِاسْتِعانَةَ بِهِما تُحَصِّلُ سَعادَةَ الدُّنْيا والآخِرَةِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ مَعَ مَن صَبَرَ ثُمَّ نَهاهم عَنْ أنْ يَقُولُوا لِلشُّهَداءِ إنَّهم أمْواتٌ، وأخْبَرَ أنَّهم أحْياءٌ، فَوَجَبَ تَصْدِيقُ ما أخْبَرَ بِهِ، وذَكَرَ أنّا لا نَشْعُرُ نَحْنُ بِحَياتِهِمْ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يَبْتَلِيهِمْ بِما يَظْهَرُ مِنهم فِيهِ الصَّبْرُ، وهو شَيْءٌ مِنَ البَلايا الَّتِي ذَكَرَها تَعالى. ثُمَّ أمَرَ نَبِيَّهُ أنْ يُبَشِّرَ الصّابِرِينَ عَلى ما ابْتُلُوا بِهِ، المُسَلِّمِينَ لِقَضاءِ اللَّهِ اعْتِقادًا وقَوْلًا صَرِيحًا أنَّهم عَبِيدُ اللَّهِ ومَمالِيكُهُ، وإلَيْهِ مَآبُهم ومَرْجِعُهم، يَتَصَرَّفُ فِيهِمْ كَما أرادَ. ثُمَّ خَتَمَ ذَلِكَ بِأنَّ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذا الوَصْفِ، فَعَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ الصَّلاةُ والرَّحْمَةُ، وهو المُهْتَدِي الَّذِي ثَبَتَتْ هِدايَتُهُ ورَسَخَتْ.
البقرة 2:154
(p-٤٤٨)﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾، قِيلَ: سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا: سَيَرْجِعُ مُحَمَّدٌ إلى دِينِنا، كَما رَجَعَ إلى قِبْلَتِنا. هَزَّهم بِهَذا النِّداءِ المُتَضَمِّنِ هَذا الوَصْفَ الشَّرِيفَ، وهو الإيمانُ مَجْعُولًا فِعْلًا ماضِيًا في صِلَةِ الَّذِينَ، دالًّا عَلى الثُّبُوتِ والِالتِباسِ بِهِ في تَقَدُّمِ زَمانِهِمْ، لِيَكُونُوا أدْعى لِقَبُولِ ما يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِنَ الأمْرِ والتَّكْلِيفِ الشّاقِّ؛ لِأنَّ الصَّبْرَ والصَّلاةَ هُما رُكْنا الإسْلامِ. فالصَّبْرُ قَصْرُ النَّفْسِ عَلى المَكارِهِ والتَّكالِيفِ الشّاقَّةِ، وهو أمْرٌ قَلْبِيٌّ؛ والصَّلاةُ ثَمَرَتُهُ، وهي مِن أشَقِّ التَّكالِيفِ لِتَكَرُّرِها. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّهم سَمِعُوا مِن طَعْنِ الكُفّارِ عَلى التَّوَجُّهِ إلى الكَعْبَةِ والصَّلاةِ إلَيْها أذًى كَثِيرًا، فَأُمِرُوا عِنْدَ ذَلِكَ بِالِاسْتِعانَةِ بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ. وقَدْ قَيَّدَ بَعْضُهُمُ الصَّبْرَ هُنا: بِأنَّهُ الصَّبْرُ عَلى أذى الكُفّارِ بِالطَّعْنِ عَلى التَّحَوُّلِ والصَّلاةِ إلى الكَعْبَةِ، وبَعْضُهم بِالصَّبْرِ عَلى أداءِ الفَرائِضِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وبَعْضِهِمْ قالَ: هو كِنايَةٌ عَنِ الصَّوْمِ، ومِنهُ قِيلَ لِرَمَضانَ: شَهْرُ الصَّبْرِ، وبَعْضُهم قالَ: هو كِنايَةٌ عَنِ الجِهادِ لِقَوْلِهِ: بَعْدُ: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ﴾، وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ. والأوْلى ما قَدَّمْناهُ مِن عُمُومِ اللَّفْظِ، فَتَنْدَرِجُ هَذِهِ الأفْرادُ تَحْتَهُ. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ - أنَّهُ قالَ: الصَّبْرُ مِنِ الإيمانِ بِمَنزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الجَسَدِ، ولا خَيْرَ في جَسَدٍ لا رَأْسَ لَهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامَ عَلى شَرْحِ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ .
﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾: أيْ بِالمَعُونَةِ والتَّأْيِيدِ، كَما قالَ: ”اهْجُهم ورُوحُ القُدُسِ مَعَكَ“ . وقالَ تَعالى: ﴿لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ [التوبة: ٤٠]، ومَن كانَ اللَّهُ مَعَهُ فَهو الغالِبُ، ولَمّا كانَتِ الصَّلاةُ ناشِئَةً عَنِ الصَّبْرِ، وصارَ الصَّبْرُ أصْلًا لِجَمِيعِ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾، فانْدَرَجَ المُصَلُّونَ تَحْتَ الصّابِرِينَ انْدِراجَ الفَرْعِ تَحْتَ الأصْلِ. وأمّا قَوْلُهُ هُناكَ: ﴿وإنَّها لَكَبِيرَةٌ إلّا عَلى الخاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]، فَأعادَ الضَّمِيرَ عَلَيْها عَلى ظاهِرِ الكَلامِ؛ لِأنَّها أشْرَفُ وأشَقُّ نَتائِجِ الصَّبْرِ.
﴿ولا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ بَلْ أحْياءٌ ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾، قِيلَ: سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ قِيلَ لِمَن قُتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ: ماتَ فُلانٌ وذَهَبَ عَنْهُ نَعِيمُ الدُّنْيا ولَذَّتُها، فَأُنْزِلَتْ. نُهُوا عَنْ قَوْلِهِمْ عَنِ الشُّهَداءِ أمْواتٌ، وأخْبَرَ تَعالى أنَّهم أحْياءٌ، وارْتِفاعُ أمْواتٍ وأحْياءٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هم أمْواتٌ، بَلْ هم أحْياءٌ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَلْ أحْياءٌ، مُنْدَرِجًا تَحْتَ قَوْلٍ مُضْمَرٍ، أيْ بَلْ قُولُوا هم أحْياءٌ. لَكِنْ يُرَجَّحُ الوَجْهُ الأوَّلُ، وهو أنَّهُ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى قَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾؛ لِأنَّ مَعْناهُ: أنَّ حَياتَهم لا شُعُورَ لَكم بِها، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ حَقِيقَةُ المَوْتِ والحَياةِ. وقِيلَ: ذَلِكَ مَجازٌ. واخْتَلَفُوا فَقِيلَ: أمْواتٌ بِانْقِطاعِ الذِّكْرِ، بَلْ أحْياءٌ بِبَقائِهِ وثُبُوتِ الأجْرِ. وكانَتِ العَرَبُ تُسَمِّي مَن لا يَبْقى لَهُ ذِكْرٌ بَعْدَ مَوْتِهِ كالوَلَدِ وغَيْرِهِ مَيِّتًا. وقِيلَ: أمْواتٌ بِالضَّلالِ، بَلْ أحْياءٌ بِالطّاعَةِ والهُدى، كَما قالَ: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] . وإذا حُمِلَ المَوْتُ والحَياةُ عَلى الحَقِيقَةِ فاخْتَلَفُوا، فَقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ النَّهْيِ عَنْ قَوْلِ الجاهِلِيَّةِ: إنَّهم لا يُبْعَثُونَ، فالمَعْنى: أنَّهم سَيَحْيَوْنَ بِالبَعْثِ، فَيُثابُونَ ثَوابَ الشُّهَداءِ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ. وأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ عَلى أنَّهم أحْياءٌ في الوَقْتِ. ومَعْنى هَذِهِ الحَياةِ: بَقاءُ أرْواحِهِمْ دُونَ أجْسادِهِمْ؛ إذْ أجْسادُهم نُشاهِدُ فَسادَها وفَنائَها. واسْتَدَلُّوا عَلى بَقاءِ الأرْواحِ بِعَذابِ القَبْرِ، وبِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ مَعْناهُ: لا تَشْعُرُونَ بِكَيْفِيَّةِ حَياتِهِمْ. ولَوْ كانَ المَعْنى بِإحْياءٍ أنَّهم سَيَحْيَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ، أوْ أنَّهم عَلى هُدًى ونُورٍ، لَمْ يَظْهَرْ لِنَفْيِ الشُّعُورِ مَعْنًى، إذْ هو خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وهم قَدْ عَلِمُوا بِالبَعْثِ، وبِأنَّهم كانُوا عَلى هُدًى. فَلا يُقالُ فِيهِ: ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ؛ لِأنَّهم قَدْ شَعَرُوا بِهِ وبِقَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٧٠] .
وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ النّاسِ إلى أنَّ الشَّهِيدَ حَيُّ الجَسَدِ والرُّوحِ، ولا يَقْدَحُ في ذَلِكَ عَدَمُ الشُّعُورِ بِهِ مِنَ الحَيِّ غَيْرِهِ. فَنَحْنُ نَراهم عَلى صِفَةِ الأمْواتِ وهم أحْياءٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ (p-٤٤٩)﴾ [النمل: ٨٨]، وكَما تَرى النّائِمَ عَلى هَيْئَتِهِ، وهو يَرى في مَنامِهِ ما يَنْعَمُ بِهِ أوْ يَتَألَّمُ بِهِ. ونَقَلَ السُّهَيْلِيُّ في كِتابِ (دَلائِلِ النُّبُوَّةِ) مِن تَأْلِيفِهِ، حِكايَةً عَنْ بَعْضِ الصَّحابَةِ، أنَّهُ حَفَرَ في مَكانٍ، فانْفَتَحَتْ طاقَةٌ، فَإذا شَخْصٌ جالِسٌ عَلى سَرِيرٍ وبَيْنَ يَدَيْهِ مُصْحَفٌ يَقْرَأُ فِيهِ وأمامَهُ رَوْضَةٌ خَضْراءُ، وذَلِكَ بِأُحُدٍ، وعَلِمَ أنَّهُ مِنَ الشُّهَداءِ؛ لِأنَّهُ رَأى في صَفْحَةِ وجْهِهِ جُرْحًا. وإذا ثَبَتَ أنَّ الشُّهَداءَ أحْياءٌ، إمّا أرْواحُهم، وإمّا أجْسادُهم وأرْواحُهم، فاخْتُلِفَ في مُسْتَقَرِّها. فَقِيلَ: قُبُورُهم يُرْزَقُونَ فِيها. وقِيلَ: في قِبابٍ بِيضٍ في الجَنَّةِ يُرْزَقُونَ فِيها، قالَهُ أبُو بَشّارٍ السُّلَمِيُّ. وقِيلَ: في طَيْرٍ بِيضٍ تَأْكُلُ مِن ثِمارِ الجَنَّةِ ومَساكِنُهم سِدْرَةُ المُنْتَهى، قالَهُ قَتادَةُ. وقِيلَ: يَأْكُلُونَ مِن ثَمَرِ الجَنَّةِ ويَجِدُونَ رِيحَها، ولَيْسُوا فِيها، قالَهُ مُجاهِدٌ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «الشُّهَداءُ عَلى نَهْرٍ بِبابِ الجَنَّةِ في قُبَّةٍ خَضْراءَ» . ورُوِيَ: في رَوْضَةٍ خَضْراءَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ رِزْقُهم مِنَ الجَنَّةِ بُكْرَةً وعَشِيًّا. ورُوِيَ عَنْهُ ﷺ: «أنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ في طَيْرٍ خُضْرٍ تُعَلَّقُ مِن ثَمَرِ الجَنَّةِ، وأنَّهم في قَنادِيلَ مِن ذَهَبٍ، وأنَّهم في قُبَّةٍ خَضْراءَ» . وإذا صَحَّ ذَلِكَ فَهي أحْوالٌ لِطَوائِفَ مِنَ الشُّهَداءِ، أوْ في أوْقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ. والجُمْهُورُ: عَلى أنَّهم في الجَنَّةِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ ﷺ لِأُمِّ حارِثَةَ: ”إنَّهم في الفِرْدَوْسِ“ . ومَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ: أنَّ الأرْواحَ لا تَفْنى، وأنَّها باقِيَةٌ بَعْدَ خُرُوجِها مِنَ البَدَنِ. فَأرْواحُ أهْلِ السَّعادَةِ مُنَعَّمَةٌ إلى يَوْمِ الدِّينِ، وأرْواحُ أهْلِ الشَّقاوَةِ مُعَذَّبَةٌ إلى يَوْمِ الدِّينِ.
والفَرْقُ بَيْنَ الشَّهِيدِ وغَيْرِهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ إنَّما هو الرِّزْقُ، فَضَّلَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ، وقالَ تَعالى في حَقِّ الكُفّارِ: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦] . وقالَ الحَسَنُ: الشُّهَداءُ أحْياءٌ عِنْدَ اللَّهِ، تُعْرَضُ أرْزاقُهم عَلى أرْواحِهِمْ، فَيَصِلُ إلَيْهِمُ الرَّوْحُ والفَرَحُ، كَما تُعْرَضُ النّارُ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ غُدْوَةً وعَشِيًّا، فَيَصِلُ إلَيْهِمُ الوَجَعُ. وقالُوا: يَجُوزُ أنْ يَجْمَعَ اللَّهُ مِن أجْزاءِ الشَّهِيدِ جُمْلَةً فَيُحْيِيها ويُوصِلَ إلَيْها النَّعِيمَ، وإنْ كانَتْ في حَجْمِ الذَّرَّةِ. ولَمْ تَتَعَرَّضِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ لِرِزْقِ أرْواحِ الشُّهَداءِ ولا لِمُسْتَقَرِّها، وإنَّما جَرى ذِكْرُ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ، اتِّباعًا لِلْمُفَسِّرِينَ، حَيْثُ تَكَلَّمُوا في ذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ، وإلّا فَمَظِنَّةُ الكَلامِ عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، حَيْثُ ذَكَرَ العِنْدِيَّةَ والرِّزْقَ، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾، العُمُومُ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في شُهَداءِ بَدْرٍ، كانُوا أرْبَعَةَ عَشَرَ، ولا يُخَصَّصُ هَذا العُمُومُ بِهَذا السَّبَبِ، بَلِ العِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ تَسْلِيَةٌ لِأقْرِباءِ الشُّهَداءِ وإخْوانِهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِذِكْرِ أنَّهم أحْياءٌ، فَهم مَغْبُوطُونَ لا مَحْزُونٌ عَلَيْهِمْ.
﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ ونَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ والأنْفُسِ والثَّمَراتِ﴾: تَقَدَّمَ أنَّ الِابْتِلاءَ: هو الِاخْتِبارُ، لِيُعْلَمُ ما يَكُونُ مِن حالِ المُخْتَبَرِ، وهَذا مُسْتَحِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى، وإنَّما مَعْناهُ هُنا: الإجابَةُ، والضَّمِيرُ الَّذِي لِلْخِطابِ. قِيلَ: هو لِلصَّحابَةِ فَقَطْ، قالَهُ عَطاءٌ. خاطَبَهم بِذَلِكَ بَعْدَ الهِجْرَةِ، وأخْبَرَهم بِذَلِكَ قَبْلَ وُقُوعِهِ تَطْمِينًا لِقُلُوبِهِمْ؛ لِأنَّهُ إذا تَقَدَّمَ العِلْمُ بِالواقِعِ، كانَ قَدِ اسْتَعَدَّ لَهُ، بِخِلافِ الأشْياءِ الَّتِي تُفاجِئُ، فَإنَّها أصْعَبُ عَلى النَّفْسِ، وزِيادَةَ ثَوابٍ وأجْرٍ عَلى ما يَحْصُلُ لَهم مِنِ انْتِظارِ المُصِيبَةِ، وإخْبارًا بِمُغَيَّبٍ يَقَعُ وفْقَ ما أخْبَرَ، وتَمْيِيزًا لِمَن أسْلَمَ مُرِيدًا وجْهَ اللَّهِ مِمَّنْ نافَقَ، وازْدِيادَ إخْلاصٍ في حالِ البَلاءِ عَلى إخْلاصِهِ في حالِ العافِيَةِ، وحَمْلًا لِمَن لَمْ يُسْلِمْ عَلى النَّظَرِ في دَلائِلَ الإسْلامِ، إذْ رَأى هَؤُلاءِ المُبْتَلِينَ صابِرِينَ عَلى دِينِهِمْ ثابِتِي الجَأْشِ فِيهِ، مَعْ ما ابْتُلُوا بِهِ. وقِيلَ: هَؤُلاءِ أهْلُ مَكَّةَ، خاطَبَهم بِذَلِكَ إعْلامًا أنَّهُ أجابَ دَعْوَةَ نَبِيَّهُ ﷺ فِيهِمْ، ولِيَبْقُوا يَتَوَقَّعُونَ المُصِيبَةَ، فَتُضاعَفُ عَلَيْهِمُ المُصِيباتُ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لِلْأُمَّةِ، ويَكُونُ آخِرَ الزَّمانِ، قالَ كَعْبٌ: يَأْتِي عَلى النّاسِ زَمانٌ لا تَحْمِلُ النَّخْلَةُ إلّا ثَمَرَةً، يَكُونُ هَذا الإخْبارُ تَحْذِيرًا ومَوْعِظَةً عَلى الرُّكُونِ إلى الدُّنْيا وزَهْرَتِها، ويَكُونُ إخْبارًا بِالمُغَيَّباتِ. وقِيلَ: الخِطابُ لا يُرادُ بِهِ مُعَيَّنٌ، بَلْ هو عامٌّ، لا يَتَقَيَّدُ بِزَمانٍ ولا (p-٤٥٠)بِمُخاطَبٍ خاصٍّ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولَنُصِيبَنَّ بِكَذا، فَيَكُونُ في ذَلِكَ تَحْذِيرٌ، وأنَّهُ لِلصَّحابَةِ وغَيْرِهِمْ.
وهَذِهِ الآيَةُ لَها تَعَلُّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] الآيَةَ، وقَبْلَها: ﴿واشْكُرُوا لِي﴾ [البقرة: ١٥٢]، والشُّكْرُ يُوجِبُ زِيادَةَ النِّعَمِ، والِابْتِلاءُ بِما ذُكِرَ يُنافِيهِ ظاهِرًا، وتَوْجِيهُهُ أنَّ إتْمامَ الشَّرائِعِ إتْمامٌ لِلنِّعْمَةِ ولِذَلِكَ يُوجِبُ الشُّكْرَ، والقِيامُ بِتِلْكَ الشَّرائِعِ لا يُمْكِنُ إلّا بِتَحَمُّلِ المَشاقِّ، فَأمَرَ فِيها بِالصَّبْرِ، وأنَّهُ أنْعَمَ عَلَيْهِ أوَّلًا فَشَكَرَ، وابْتُلِيَ ثانِيًا فَصَبَرَ، لِيَنالَ دَرَجَتَيِ الشُّكْرِ والصَّبْرِ، فَيَكْمُلُ إيمانُهُ. كَما رُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «الإيمانُ نِصْفانِ: نِصْفٌ صَبْرٌ، ونِصْفٌ شُكْرٌ» . بِشَيْءٍ: مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾، والباءُ فِيهِ لِلْإلْصاقِ، وأفْرَدَهُ لِيَدُلَّ عَلى التَّقْلِيلِ، إذْ لَوْ جَمَعَهُ فَقالَ: بِأشْياءَ، لاحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ ضُرُوبًا مِن كُلِّ واحِدٍ مِمّا بَعْدَهُ. وقَدْ قَرَأ الضَّحّاكُ: بِأشْياءَ، فَلا يَكُونُ حَذْفٌ فِيما بَعْدَها، فَيَكُونُ ”مِن“ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، بِخِلافِ قِراءَةِ الجُمْهُورِ: بِشَيْءٍ، فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ حَذْفٍ أيْ شَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ، وشَيْءٍ مِنَ الجُوعِ، وشَيْءٍ مِن نَقْصٍ. والمَعْنى في هَذِهِ القِراءَةِ: ولَنَبْلُوَنَّكم بِطَرَفٍ مِن كَذا وكَذا. والخَوْفُ: خَوْفُ العَدُوِّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَدْ حَصَلَ الخَوْفُ الشَّدِيدُ في وقْعَةِ الأحْزابِ. وقالَ الشّافِعِيُّ: هو خَوْفُ اللَّهِ تَعالى. والجُوعُ: القَحْطُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، عَبَّرَ بِالمُسَبَّبِ عَنِ السَّبَبِ. وقِيلَ: الجُوعُ: الفَقْرُ، عَبَّرَ بِالمُسَبَّبِ عَنِ السَّبَبِ أيْضًا. وقالَ الشّافِعِيُّ: هو صِيامُ شَهْرِ رَمَضانَ. ونَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ: بِالخُسْرانِ والهَلاكِ. وقالَ الشّافِعِيُّ: بِالصَّدَقاتِ. والأنْفُسِ: بِالقَتْلِ والمَوْتِ. وقالَ الشّافِعِيُّ: بِالأمْراضِ، وقِيلَ: بِالشَّيْبِ. والثَّمَراتِ: يَعْنِي الجَوائِحَ في الثَّمَراتِ، وقِلَّةَ النَّباتِ، وانْقِطاعَ البَرَكاتِ. وقالَ القَفّالُ: قَدْ يَكُونُ نَقْصُها بِالجُدُوبِ، وقَدْ يَكُونُ بِتَرْكِ عِمارَةِ الضِّياعِ لِلِاشْتِغالِ بِالجِهادِ، وقَدْ يَكُونُ بِالإنْفاقِ عَلى مَن يَرِدُ مِنَ الوُفُودِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقِيلَ: بِظُهُورِ العَدُوِّ عَلَيْهِمْ. وقالَ الشّافِعِيُّ: والثَّمَراتُ: مَوْتُ الأوْلادِ؛ لِأنَّ ولَدَ الرَّجُلِ ثَمَرَةُ قَلْبِهِ. وفي حَدِيثِ أبِي مُوسى، «أنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ إذا ماتَ ولَدُ العَبْدِ: ”أقَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤادِهِ“» ؟ .
وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ: مُؤَنُ الجِهادِ وكُلَفُهُ، فالخَوْفُ مِنَ العَدُوِّ، والجُوعُ بِهِ وبِالأسْفارِ إلَيْهِ، ونَقْصُ الأمْوالِ بِالنَّفَقاتِ فِيهِ، والأنْفُسِ بِالقَتْلِ، والثَّمَراتِ بِإصابَةِ العَدُوِّ لَها، أوِ الغَفْلَةِ عَنْها بِسَبَبِ الجِهادِ. انْتَهى كَلامُهُ. وعَطَفَ ”ونَقْصٍ“ عَلى قَوْلِهِ: ”بِشَيْءٍ“، أيْ: ولَنَمْتَحِنَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ وبِنَقْصٍ، ويُحَسِّنُ العَطْفُ تَنْكِيرَها، عَلى أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الخَوْفِ والجُوعِ فَيَكُونَ تَقْدِيرُهُ: وشَيْءٍ مِن نَقْصٍ. ومِنَ الأمْوالِ: مُتَعَلِّقٌ بِنَقْصٍ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرُ نَقَصَ، وهو يَتَعَدّى إلى واحِدٍ، وقَدْ حُذِفَ، أيْ: ونَقْصِ شَيْءٍ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِنَقْصٍ. وتَكُونَ مِن لِابْتِداءِ الغايَةِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِذَلِكَ المَحْذُوفِ، أيْ ونَقْصِ شَيْءٍ مِنَ الأمْوالِ، وتَكُونُ مِن إذْ ذاكَ لِلتَّبْعِيضِ. وقالُوا: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن عِنْدَ الأخْفَشِ زائِدَةً، أيْ ونَقْصِ الأمْوالِ والأنْفُسِ والثَّمَراتِ. وأتى بِالجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ مُقْسِمًا عَلَيْها، تَأْكِيدًا لِوُقُوعِ الِابْتِلاءِ، وإسْنادُ الفِعْلِ إلَيْهِ صَرِيحٌ في إضافَةِ أسْبابِ البَلايا إلَيْهِ. وأنَّ هَذِهِ المِحَنَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ووَعْدَهُ بِها المُؤْمِنِينَ يَدُلُّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ عُقُوباتٍ، بَلْ إذا قارَنَها الصَّبْرُ أفادَتْ دَرَجَةً عالِيَةً في الدِّينِ. وجاءَ هَذا التَّرْتِيبُ في العَطْفِ عَلى سَبِيلِ التَّرَقِّي: فَأخْبَرَ أوَّلًا بِالِابْتِلاءِ بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ، وهو تَوَقُّعُ ما يَرِدُ مِنَ المَكْرُوهِ. ثُمَّ انْتَقَلَ مِنهُ إلى الِابْتِلاءِ بِشَيْءٍ مِنَ الجُوعِ، وهو أشَدُّ مِنَ الخَوْفِ بِأيِّ تَفْسِيرٍ فُسِّرَ بِهِ مِنَ القَحْطِ، أوِ الفَقْرِ، أوِ الحاجَةِ إلى الأكْلِ، إلّا عَلى تَفْسِيرِ الشّافِعِيِّ، وهو صَوْمُ رَمَضانَ. ولا تَرَقِّيَ بَيْنَ نَقْصٍ وشَيْءٍ، عَلى ما اخْتارَهُ مِن عَطْفِ نَقْصٍ عَلى بِشَيْءٍ، بَلِ التَّرَقِّي في العَطْفِ بَعْدَ ”ونَقْصٍ“ فَبَدَأ أوَّلًا بِالأمْوالِ، ثُمَّ تَرَقّى إلى الأنْفُسِ. وأمّا ”والثَّمَراتِ“، فَجاءَ كالتَّخْصِيصِ بَعْدَ التَّعْمِيمِ؛ لِأنَّها تَنْدَرِجُ تَحْتَ الأمْوالِ، فَلا تَرَقِّيَ فِيها.
﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾: خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، أوْ لِكُلِّ مَن تَتَأتّى مِنهُ البِشارَةُ، أيْ عَلى الجِهادِ بِالنَّصْرِ، أوْ عَلى الطّاعَةِ بِالجَزاءِ، (p-٤٥١)أوْ عَلى المَصائِبِ بِالثَّوابِ، أقْوالٌ: والأحْسَنُ عَدَمُ التَّقْيِيدِ، أيْ كُلُّ مَن صَبَرَ صَبْرًا مَحْمُودًا شَرْعًا، فَهو مُنْدَرِجٌ في الصّابِرِينَ. قالُوا: والصَّبْرُ مِن خَواصِّ الإنْسانِ؛ لِأنَّهُ يَتَعارَضُ فِيهِ العَقْلُ والشَّهْوَةُ، وهو بَدَنِيٌّ. وهو: إمّا فِعْلِيٌّ، كَتَعاطِي الأعْمالِ الشّاقَّةِ، وإمّا احْتِمالٌ، كالصَّبْرِ عَلى الضَّرْبِ الشَّدِيدِ، ونَفْسِيٌّ، وهو قَمْعُ النَّفْسِ عَنْ مُشْتَهَياتِ الطَّبْعِ. فَإنْ كانَ مِن شَهْوَةِ الفَرْجِ والبَطْنِ، سُمِّيَ عِفَّةً. وإنْ كانَ مِنِ احْتِمالِ مَكْرُوهٍ، اخْتَلَفَتْ أسامِيهِ بِاخْتِلافِ المَكْرُوهِ. فَفي المُصِيبَةِ يُقْتَصَرُ عَلَيْهِ بِاسْمِ الصَّبْرِ، ويُضادُّهُ الجَزَعُ. وإنْ كانَ في الغِنى، سُمِّيَ ضَبْطَ النَّفْسِ، ويُضادُّهُ البَطَرُ. وإنْ كانَ في حَرْبٍ، سُمِّيَ شَجاعَةً، ويُضادُّهُ الجُبْنُ. وإنْ كانَ في نائِبَةٍ مُضْجِرَةٍ، سُمِّي سَعَةَ صَدْرٍ، ويُضادُّهُ الضَّجَرُ. وإنْ كانَ في إخْفاءِ كَلامٍ، سُمِّيَ كِتْمانًا، ويُضادُّهُ الإعْلانُ. وإنْ كانَ في فُضُولِ الدُّنْيا، سُمِّيَ زُهْدًا، ويُضادُّهُ الحِرْصُ. وإنْ كانَ عَلى يَسِيرٍ مِنَ المالِ، سُمِّي قَناعَةً، ويُضادُّهُ الشَّرَهُ. وقَدْ جَمَعَ اللَّهُ أقْسامَ ذَلِكَ وسَمّى جَمِيعَها صَبْرًا، فَقالَ: ﴿والصّابِرِينَ في البَأْساءِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، أيِ المُصِيبَةِ، والضَّرّاءِ أيِ الفَقْرِ ﴿وحِينَ البَأْسِ﴾ [البقرة: ١٧٧] أيِ المُحارَبَةِ. قالَ القَفّالُ: لَيْسَ الصَّبْرُ أنْ لا يَجِدَ الإنْسانُ ألَمَ المَكْرُوهِ، ولا أنْ لا يَكْرَهَ ذَلِكَ، إنَّما هو حَمْلُ النَّفْسِ عَلى تَرْكِ إظْهارِ الجَزَعِ، وإنْ ظَهَرَ دَمْعُ عَيْنٍ، أوْ تَغَيُّرُ لَوْنٍ، ولَوْ ظَهَرَ مِنهُ أوَّلُ ما لا يُعَدُّ مَعَهُ صابِرًا ثُمَّ صَبَرَ، لَمْ يُعَدَّ ذَلِكَ إلّا سِلْوانًا.
﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ﴾: يَجُوزُ في: ”الَّذِينَ“ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى النَّعْتِ لِلصّابِرِينَ، وهو ظاهِرُ الإعْرابِ، أوْ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ، فَيَكُونُ مَقْطُوعًا، أوْ مَرْفُوعًا عَلى إضْمارِ هم، عَلى وجْهَيْنِ: إمّا عَلى القَطْعِ، وإمّا عَلى الِاسْتِئْنافِ، كَأنَّهُ جَوابٌ لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: مَنِ الصّابِرُونَ ؟ قِيلَ: هُمُ الَّذِينَ إذا. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ الَّذِينَ مُبْتَدَأً، وأُولَئِكَ عَلَيْهِمْ خَبَرُهُ، وهو مُحْتَمَلٌ. مُصِيبَةٌ: اسْمُ فاعِلٍ مِن أصابَتْ، وصارَ لَها اخْتِصاصٌ بِالشَّيْءِ المَكْرُوهِ، وصارَتْ كِنايَةً عَنِ الدّاهِيَةِ، فَجَرَتْ مَجْرى الأسْماءِ ووَلِيَتِ العَوامِلَ. وأصابَتْهم: مُصِيبَةٌ مِنَ التَّجْنِيسِ المُغايِرِ، وهو أنْ يَكُونَ إحْدى الكَلِمَتَيْنِ اسْمًا والأُخْرى فِعْلًا، ومِنهُ: ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ [النجم: ٥٧]؛ ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١] . والمُصِيبَةُ: كُلُّ ما أذى المُؤْمِنَ في نَفْسٍ أوْ مالٍ أوْ أهْلٍ، صَغُرَتْ أوْ كَبُرَتْ، حَتّى انْطِفاءِ المِصْباحِ لِمَن يَحْتاجُهُ يُسَمّى مُصِيبَةً. ورُوِيَ ذَلِكَ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أنَّهُ اسْتَرْجَعَ عِنْدَ انْطِفاءِ مِصْباحِهِ» . والمَعْنى في إذا هُنا: عَلى التَّكْرارِ والعُمُومِ. وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا ذِكْرُ الخِلافِ في إذا، أتَدُلُّ عَلى التَّكْرارِ، أمْ وُضِعَتْ لِلْمَرَّةِ الواحِدَةِ ؟ قَوْلانِ لِلنَّحْوِيِّينَ.
﴿قالُوا إنّا لِلَّهِ﴾: ”قالُوا“: جَوابُ إذا، والشَّرْطُ وجَوابُهُ صِلَةٌ لِلَّذِينَ. ”وإنّا“: أصْلُهُ إنَّنا؛ لِأنَّها إنْ دَخَلَتْ عَلى الضَّمِيرِ المَنصُوبِ المُتَّصِلِ، فَحُذِفَتْ نُونٌ مِن إنَّ. ويَنْبَغِي أنْ تَكُونَ المَحْذُوفَةُ هي الثّانِيَةَ؛ لِأنَّها ظَرْفٌ، ولِأنَّها عُهِدَ فِيها الحَذْفُ إذا خُفِّفَتْ، فَقالُوا: إنْ زَيْدٌ لَقائِمٌ، وهو حَذْفٌ هُنا لِاجْتِماعِ الأمْثالِ، فَلِذَلِكَ عَمِلَتْ، إذْ لَوْ كانَ مِنَ الحَذْفِ لا لِهَذِهِ العِلَّةِ؛ لانْفَصَلَ الضَّمِيرُ وارْتَفَعَ ولَمْ تَعْمَلْ؛ لِأنَّها إذا خُفِّفَتْ هَذا التَّخْفِيفَ لَمْ تَعْمَلْ في الضَّمِيرِ. ولِلَّهِ: مَعْناهُ الإقْرارُ بِالمُلْكِ والعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ، فَهو المُتَصَرِّفُ فِينا بِما يُرِيدُ مِنَ الأُمُورِ.
﴿وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾: إقْرارٌ بِالبَعْثِ وتَنْبِيهٌ عَلى مُصِيبَةِ المَوْتِ الَّتِي هي أعْظَمُ المَصائِبِ، وتَذْكِيرٌ أنَّ ما أصابَ الإنْسانَ دُونَها فَهو قَرِيبٌ يَنْبَغِي أنْ يَصِيرَ لَهُ. ولِلْمُفَسِّرِينَ في هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ المَقُولَتَيْنِ أقْوالٌ: أحَدُها: أنَّ نُفُوسَنا وأمْوالَنا وأهْلِينا لِلَّهِ لا يَظْلِمُنا فِيما يَصْنَعُهُ بِنا. الثّانِي: أسْلَمْنا الأمْرَ لِلَّهِ ورَضِينا بِقَضائِهِ، ﴿وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ يَعْنِي: لِلْبَعْثِ لِثَوابِ المُحْسِنِ ومُعاقَبَةِ المُسِيءِ. الثّالِثُ: راجِعُونَ إلَيْهِ في جَبْرِ المُصابِ وإجْزالِ الثَّوابِ. الرّابِعُ: أنَّ مَعْناهُ إقْرارٌ بِالمَمْلَكَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا لِلَّهِ﴾، وإقْرارٌ بِالهَلَكَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ .
وفِي المُنْتَخَبِ ما مُلَخَّصُهُ: أنَّ إسْنادَ الإصابَةِ إلى المُصِيبَةِ، لا إلى اللَّهِ تَعالى، لِيَعُمَّ ما كانَ مِنَ اللَّهِ وما كانَ مِن غَيْرِهِ. فَما كانَ مِنَ اللَّهِ فَهو داخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿إنّا لِلَّهِ﴾؛ لِأنَّ في الإقْرارِ بِالعُبُودِيَّةِ تَفْوِيضًا لِلْأُمُورِ إلَيْهِ، وما كانَ مِن غَيْرِهِ فَتَكْلِيفُهُ أنْ يَرْجِعَ إلى اللَّهِ في الإنْصافِ (p-٤٥٢)مِنهُ، ولا يَتَعَدّى، كَأنَّهُ في الأوَّلِ ﴿إنّا لِلَّهِ﴾، يُدَبِّرُ كَيْفَ يَشاءُ، وفي الثّانِي: ﴿وإنّا إلَيْهِ﴾، يُنْصِفُ لَنا كَيْفَ يَشاءُ. وقِيلَ: ﴿إنّا لِلَّهِ﴾، دَلِيلٌ عَلى الرِّضا بِما نَزَلَ بِهِ في الحالِ، ﴿وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾، دَلِيلٌ عَلى الرِّضا في الحالِ بِكُلِّ ما سَيَنْزِلُ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ. واشْتَمَلَتِ الآيَةُ عَلى فَرْضٍ ونَفْلٍ. فالفَرْضُ: التَّسْلِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ، والرِّضا بِقَدَرِهِ، والصَّبْرُ عَلى أداءِ فَرائِضِهِ. والنَّفْلُ: إظْهارُ القَوْلِ ﴿إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾، وفي إظْهارِهِ فَوائِدُ مِنها: غَيْظُ الكُفّارِ لِعِلْمِهِمْ بِجِدِّهِ في طاعَةِ اللَّهِ.
﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ﴾، أُولَئِكَ مُبْتَدَأٌ، وصَلَواتٌ: ارْتِفاعُها عَلى الفاعِلِ بِالجارِّ والمَجْرُورِ، أيْ: أُولَئِكَ مُسْتَقِرَّةٌ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ، فَيَكُونُ قَدْ أخْبَرَ عَنِ المُبْتَدَأِ بِالمُفْرَدِ، وهَذا أوْلى مِن جَعْلِ صَلَواتٍ مُبْتَدَأً، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ خَبَرِهِ. والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ خَبَرِ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ إخْبارًا عَنِ المُبْتَدَأِ بِالجُمْلَةِ. والصَّلاةُ مِنَ اللَّهِ: المَغْفِرَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ أوِ الثَّناءُ، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ، أوِ الغُفْرانُ والثَّناءُ الحَسَنُ، قالَهُ الزَّجّاجُ. والرَّحْمَةُ: قِيلَ هي الصَّلَواتُ، كُرِّرَتْ تَأْكِيدًا لَمّا اخْتَلَفَ اللَّفْظُ، كَقَوْلِهِ ﴿رَأْفَةً ورَحْمَةً﴾ [الحديد: ٢٧] . وقِيلَ: ”الرَّحْمَةُ“: كَشْفُ الكُرْبَةِ وقَضاءُ الحاجَةِ. وقالَ عُمَرُ: نِعْمَ العَدْلانِ ونِعْمَ العِلاوَةُ، وتَلا: ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهُمْ﴾ الآيَةَ، يَعْنِي بِالعَدْلَيْنِ: الصَّلَواتِ والرَّحْمَةَ، وبِالعِلاوَةِ: الِاهْتِداءَ. وفي قَوْلِهِ: أُولَئِكَ، اسْمُ الإشارَةِ المَوْضُوعُ لِلْبُعْدِ دَلالَةً عَلى بُعْدِ هَذِهِ الرُّتْبَةِ، كَما جاءَ: ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] . والكِنايَةُ عَنْ حُصُولِ الغُفْرانِ والثَّناءِ بِقَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ﴾ بِحَرْفِ عَلى، إشارَةً إلى أنَّهم مُنْغَمِسُونَ في ذَلِكَ، قَدْ غَشِيَتْهم وتَجَلَّلَتْهم، وهو أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ لَهم. وجَمَعَ صَلَواتٍ، لِيَدُلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مُطْلَقَ صَلاةٍ، بَلْ صَلاةٌ بَعْدَ صَلاةٍ، ونُكِّرَتْ لِأنَّهُ لا يُرادُ العُمُومُ. ووَصَفَها بِكَوْنِها مِن رَبِّهِمْ، لِيَدُلَّ بِمِن عَلى ابْتِدائِها مِنَ اللَّهِ، أيْ تَنْشَأُ تِلْكَ الصَّلَواتُ وتَبْتَدِئُ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِن تَبْعِيضِيَّةً، فَيَكُونُ ثَمَّ حَذْفَ مُضافٍ، أيْ ”صَلَواتٌ مِن صَلَواتِ رَبِّهِمْ“ . وأتى بِلَفْظِ الرَّبِّ، لِما فِيهِ مِن دَلالَةِ التَّرْبِيَةِ والنَّظَرِ لِلْعَبْدِ فِيما يُصْلِحُهُ ويُرَبِّهِ بِهِ. وإنْ كانَ أُرِيدَ بِالرَّحْمَةِ الصَّلَواتُ، فَلا يَحْتاجُ إلى تَقْيِيدٍ بِصِفَةٍ مَحْذُوفَةٍ؛ لِأنَّها قَدْ تَقَيَّدَتْ. وإنْ كانَ أُرِيدَ بِها ما يُغايِرُ الصَّلَواتِ، فَيُقَدَّرُ: ورَحْمَةٌ مِنهُ، فَيَكُونُ قَدْ حُذِفَتِ الصِّفَةُ لِما تَقَدَّمَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: (مِن رَبِّهِمْ)، مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: (عَلَيْهِمْ)، فَلا يَكُونُ صِفَةً، بَلْ يَكُونُ مَعْمُولًا لِلرّافِعِ لِصَلَواتٍ، وتَرَتَّبَ عَلى مَقامِ الصَّبْرِ ومَقالِ هَذِهِ الكَلِماتِ الدّالَّةِ عَلى التَّفْوِيضِ لِلَّهِ تَعالى، هَذا الجَزاءُ الجَزِيلُ والثَّناءُ الجَمِيلُ.
وقَدْ جاءَ في السُّنَّةِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «مَنِ اسْتَرْجَعَ عِنْدَ المُصِيبَةِ، جَبَرَ اللَّهُ مُصِيبَتَهُ، وأحْسَنَ عُقْباهُ، وجَعَلَ لَهُ خَلَفًا صالِحًا يَرْضاهُ» . وفي حَدِيثٍ آخَرَ: «مَن تَذَكَّرَ مُصِيبَتَهُ، فَأحْدَثَ اسْتِرْجاعًا، وإنْ تَقادَمَ عَهْدُها، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مِنَ الأجْرِ مِثْلَهُ يَوْمَ أُصِيبَ» . وحَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ مَشْهُورٌ، حَيْثُ أخْلَفَها اللَّهُ عَنْ أبِي سَلَمَةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: ما أُعْطِيَ أحَدٌ في المُصِيبَةِ ما أُعْطِيَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ، ولَوْ أُعْطِيها أحَدٌ قَبْلَها لِأُعْطِيَها يَعْقُوبُ. ألا تَرى كَيْفَ قالَ حِينَ فَقَدَ يُوسُفَ ؟ ﴿ياأسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤] .
﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾: إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ عَنْهم بِالهِدايَةِ، ومَن أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ بِالهِدايَةِ فَلَنْ يَضِلَّ أبَدًا. وهَذِهِ جُمْلَةٌ ثابِتَةٌ تَدُلُّ عَلى الِاعْتِناءِ بِأمْرِ المُخْبَرِ عَنْهُ، إذْ كُلُّ وصْفٍ لَهُ يَبْرُزُ في جُمْلَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ. وبُدِئَ بِالجُمْلَةِ الأُولى؛ لِأنَّها أهَمُّ في حُصُولِ الثَّوابِ المُتَرَتِّبِ عَلى الوَصْفِ الَّذِي قَبْلَهُ، وأُخِّرَتْ هَذِهِ؛ لِأنَّها تَنَزَّلَتْ مِمّا قَبْلَها مَنزِلَةَ العِلَّةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ القَوْلَ المُتَرَتِّبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الجَزاءُ الجَزِيلُ لا يَصْدُرُ إلّا عَمَّنْ سَبَقَتْ هِدايَتُهُ. وأُكِّدَ بِقَوْلِهِ: ”هم“ .، وبِالألِفِ واللّامِ، كَأنَّ الهِدايَةَ انْحَصَرَتْ فِيهِمْ وبِاسْمِ الفاعِلِ، لِيَدُلَّ عَلى الثُّبُوتِ؛ لِأنَّ الهِدايَةَ لَيْسَتْ مِنَ الأفْعالِ المُتَجَدِّدَةِ وقْتًا بَعْدَ وقْتٍ فَيُخْبَرُ عَنْها بِالفِعْلِ، بَلْ هي وصْفٌ ثابِتٌ. وقِيلَ: ”المُهْتَدُونَ“ في اسْتِحْقاقِ الثَّوابِ وإجْزالِ الأجْرِ. وقِيلَ: إلى تَسْهِيلِ المُصابِ وتَخْفِيفِ الحُزْنِ. وقِيلَ: إلى الِاسْتِرْجاعِ. وقِيلَ: إلى الحَقِّ والصَّوابِ، وهَذِهِ التَّقْيِيداتُ لا دَلالَةَ عَلَيْها في (p-٤٥٣)اللَّفْظِ، فالأوْلى الحَمْلُ عَلى الهِدايَةِ الَّتِي هي الإيمانُ، ونَظِيرُ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ قَوْلُهُ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥] . والكَلامُ في إعْرابِ: ”هُمُ المُهْتَدُونَ“، كالكَلامِ عَلى: ”هُمُ المُفْلِحُونَ“، وقَدْ تَقَدَّمَ.
(وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ الكَرِيمَةُ) مَزِيدَ التَّوْكِيدِ في الأمْرِ بِتَوْلِيَةِ وجْهِهِ مِن حَيْثُ خَرَجَ ﷺ شَطْرَ المَسْجِدِ، وبِتَوْلِيَتِهِمْ وُجُوهَهم شَطْرَهُ لِلِاعْتِناءِ بِأمْرِ نَسْخِ القِبْلَةِ، حَيْثُ كانَ النَّسْخُ صَعْبًا عَلى النُّفُوسِ، حَيْثُ ألِفُوا أمْرًا، وأُمِرُوا بِتَرْكِهِ والِانْتِقالِ إلى غَيْرِهِ، وخُصُوصًا عِنْدَ مَن لا يَرى النَّسْخَ. فَلِذَلِكَ كُرِّرَ وأنَّهُ تَعالى أمَرَ بِذَلِكَ وفِعْلِهِ؛ لِانْتِفاءِ حُجَجِ النّاسِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ إذا كانَ بِأمْرٍ مِنهُ تَعالى لَمْ تَبْقَ لِأحَدٍ حُجَّةٌ عَلى مُمْتَثِلِ أمْرِ اللَّهِ؛ لِأنَّ أمْرَ اللَّهِ ثانِيًا كَأمْرِهِ أوَّلًا. وهو قَدْ أمَرَ أوَّلًا بِاسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ، وأمَرَ آخِرًا بِاسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ. فَلا فَرْقَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، ولا حُجَّةَ لِمَن خالَفَ. واسْتَثْنى مِنَ النّاسِ مَن ظَلَمَ؛ لِأنَّهُ لا تَنْقَطِعُ حُجَجُهُ وإنْ كانَتْ باطِلَةً، ولا تَشْغِيباتُهُ وتَمْوِيهاتُهُ؛ لِأنَّهُ قامَ بِهِ وصْفٌ يَمْنَعُهُ مِن إدْراكِ الحَقِّ والبَلْجُ بِهِ، ثُمَّ أمَرَهم تَعالى بِخَشْيَتِهِ، ونَهاهم عَنْ خَشْيَةِ النّاسِ؛ لِأنَّهم إذا خَشُوا اللَّهَ تَعالى امْتَثَلُوا أوامِرَهُ واجْتَنِبُوا مَناهِيَهُ. وعَطَفَ عَلى تِلْكَ العِلَّةِ عِلَّةً أُخْرى، وهي إتْمامُ النِّعْمَةِ بِاسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ إذْ في ذَلِكَ اتِّباعُ أبِيكم إبْراهِيمَ، والرُّجُوعُ إلى المَأْلُوفِ، ولِتَحْصِيلِ الهِدايَةِ. وشَبَّهَ هَذا الإتْمامَ بِإتْمامِ نِعْمَةِ إرْسالِ الرَّسُولِ مِنهم فِيهِمْ، إذْ هَذِهِ النِّعْمَةُ هي الأصْلُ، وهي مَنبَعُ النِّعَمِ والهِدايَةِ، ثُمَّ وصَفَ المُرْسَلُ إلَيْهِمْ بِتِلْكَ الأوْصافِ الجَلِيلَةِ الَّتِي رُزِقُوا مِنها الحَظَّ الأكْمَلَ، وهي تِلاوَةُ الكِتابِ عَلَيْهِمْ: ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١] فَكَيْفَ بِمَزِيدِ التَّزْكِيَةِ والتَّعْلِيمِ اللَّذَيْنِ بِهِما تَحْصُلُ الطَّهارَةُ مَنِ الأرْجاسِ، والحَياةُ السَّرْمَدِيَّةُ في النّاسِ ؟
؎أخُو العِلْمِ حَيٌّ خالِدٌ بَعْدَ مَوْتِهِ وأوْصالُهُ تَحْتَ التُّرابِ رَمِيمُ
وقالَ آخَرٌ:
؎مَحَلُّ العَلَمِ لا يَأْوِي تُرابًا ∗∗∗ ولا يَبْلى عَلى الزَّمَنِ القَدِيمِ
ثُمَّ أمَرَهم تَعالى بِالذِّكْرِ لِهَذِهِ النِّعَمِ لِئَلّا يَنْسَوْها، وبِالشُّكْرِ عَلَيْها لِأنْ يَزِيدَهم مِنَ النِّعَمِ، ثُمَّ نَهاهم عَنْ كُفْرانِها؛ لِأنَّ كُفْرانَ النِّعَمِ يَقْتَضِي زَوالَها واسْتِحْقاقَ العَذابِ الشَّدِيدِ عَلَيْهِ. ثُمَّ نادى مَنِ اتَّصَفَ بِالإيمانِ، وهو ثانِي نِداءٍ لِلْمُؤْمِنِينَ في هَذِهِ السُّورَةِ، لِيُقْبِلُوا عَلى ما يَأْمُرُهم بِهِ. فَأمَرَهم بِالِاسْتِعانَةِ بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ؛ لِأنَّ الِاسْتِعانَةَ بِهِما تُحَصِّلُ سَعادَةَ الدُّنْيا والآخِرَةِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ مَعَ مَن صَبَرَ ثُمَّ نَهاهم عَنْ أنْ يَقُولُوا لِلشُّهَداءِ إنَّهم أمْواتٌ، وأخْبَرَ أنَّهم أحْياءٌ، فَوَجَبَ تَصْدِيقُ ما أخْبَرَ بِهِ، وذَكَرَ أنّا لا نَشْعُرُ نَحْنُ بِحَياتِهِمْ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يَبْتَلِيهِمْ بِما يَظْهَرُ مِنهم فِيهِ الصَّبْرُ، وهو شَيْءٌ مِنَ البَلايا الَّتِي ذَكَرَها تَعالى. ثُمَّ أمَرَ نَبِيَّهُ أنْ يُبَشِّرَ الصّابِرِينَ عَلى ما ابْتُلُوا بِهِ، المُسَلِّمِينَ لِقَضاءِ اللَّهِ اعْتِقادًا وقَوْلًا صَرِيحًا أنَّهم عَبِيدُ اللَّهِ ومَمالِيكُهُ، وإلَيْهِ مَآبُهم ومَرْجِعُهم، يَتَصَرَّفُ فِيهِمْ كَما أرادَ. ثُمَّ خَتَمَ ذَلِكَ بِأنَّ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذا الوَصْفِ، فَعَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ الصَّلاةُ والرَّحْمَةُ، وهو المُهْتَدِي الَّذِي ثَبَتَتْ هِدايَتُهُ ورَسَخَتْ.
البقرة 2:155
(p-٤٤٨)﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾، قِيلَ: سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا: سَيَرْجِعُ مُحَمَّدٌ إلى دِينِنا، كَما رَجَعَ إلى قِبْلَتِنا. هَزَّهم بِهَذا النِّداءِ المُتَضَمِّنِ هَذا الوَصْفَ الشَّرِيفَ، وهو الإيمانُ مَجْعُولًا فِعْلًا ماضِيًا في صِلَةِ الَّذِينَ، دالًّا عَلى الثُّبُوتِ والِالتِباسِ بِهِ في تَقَدُّمِ زَمانِهِمْ، لِيَكُونُوا أدْعى لِقَبُولِ ما يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِنَ الأمْرِ والتَّكْلِيفِ الشّاقِّ؛ لِأنَّ الصَّبْرَ والصَّلاةَ هُما رُكْنا الإسْلامِ. فالصَّبْرُ قَصْرُ النَّفْسِ عَلى المَكارِهِ والتَّكالِيفِ الشّاقَّةِ، وهو أمْرٌ قَلْبِيٌّ؛ والصَّلاةُ ثَمَرَتُهُ، وهي مِن أشَقِّ التَّكالِيفِ لِتَكَرُّرِها. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّهم سَمِعُوا مِن طَعْنِ الكُفّارِ عَلى التَّوَجُّهِ إلى الكَعْبَةِ والصَّلاةِ إلَيْها أذًى كَثِيرًا، فَأُمِرُوا عِنْدَ ذَلِكَ بِالِاسْتِعانَةِ بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ. وقَدْ قَيَّدَ بَعْضُهُمُ الصَّبْرَ هُنا: بِأنَّهُ الصَّبْرُ عَلى أذى الكُفّارِ بِالطَّعْنِ عَلى التَّحَوُّلِ والصَّلاةِ إلى الكَعْبَةِ، وبَعْضُهم بِالصَّبْرِ عَلى أداءِ الفَرائِضِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وبَعْضِهِمْ قالَ: هو كِنايَةٌ عَنِ الصَّوْمِ، ومِنهُ قِيلَ لِرَمَضانَ: شَهْرُ الصَّبْرِ، وبَعْضُهم قالَ: هو كِنايَةٌ عَنِ الجِهادِ لِقَوْلِهِ: بَعْدُ: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ﴾، وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ. والأوْلى ما قَدَّمْناهُ مِن عُمُومِ اللَّفْظِ، فَتَنْدَرِجُ هَذِهِ الأفْرادُ تَحْتَهُ. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ - أنَّهُ قالَ: الصَّبْرُ مِنِ الإيمانِ بِمَنزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الجَسَدِ، ولا خَيْرَ في جَسَدٍ لا رَأْسَ لَهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامَ عَلى شَرْحِ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ .
﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾: أيْ بِالمَعُونَةِ والتَّأْيِيدِ، كَما قالَ: ”اهْجُهم ورُوحُ القُدُسِ مَعَكَ“ . وقالَ تَعالى: ﴿لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ [التوبة: ٤٠]، ومَن كانَ اللَّهُ مَعَهُ فَهو الغالِبُ، ولَمّا كانَتِ الصَّلاةُ ناشِئَةً عَنِ الصَّبْرِ، وصارَ الصَّبْرُ أصْلًا لِجَمِيعِ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾، فانْدَرَجَ المُصَلُّونَ تَحْتَ الصّابِرِينَ انْدِراجَ الفَرْعِ تَحْتَ الأصْلِ. وأمّا قَوْلُهُ هُناكَ: ﴿وإنَّها لَكَبِيرَةٌ إلّا عَلى الخاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]، فَأعادَ الضَّمِيرَ عَلَيْها عَلى ظاهِرِ الكَلامِ؛ لِأنَّها أشْرَفُ وأشَقُّ نَتائِجِ الصَّبْرِ.
﴿ولا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ بَلْ أحْياءٌ ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾، قِيلَ: سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ قِيلَ لِمَن قُتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ: ماتَ فُلانٌ وذَهَبَ عَنْهُ نَعِيمُ الدُّنْيا ولَذَّتُها، فَأُنْزِلَتْ. نُهُوا عَنْ قَوْلِهِمْ عَنِ الشُّهَداءِ أمْواتٌ، وأخْبَرَ تَعالى أنَّهم أحْياءٌ، وارْتِفاعُ أمْواتٍ وأحْياءٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هم أمْواتٌ، بَلْ هم أحْياءٌ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَلْ أحْياءٌ، مُنْدَرِجًا تَحْتَ قَوْلٍ مُضْمَرٍ، أيْ بَلْ قُولُوا هم أحْياءٌ. لَكِنْ يُرَجَّحُ الوَجْهُ الأوَّلُ، وهو أنَّهُ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى قَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾؛ لِأنَّ مَعْناهُ: أنَّ حَياتَهم لا شُعُورَ لَكم بِها، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ حَقِيقَةُ المَوْتِ والحَياةِ. وقِيلَ: ذَلِكَ مَجازٌ. واخْتَلَفُوا فَقِيلَ: أمْواتٌ بِانْقِطاعِ الذِّكْرِ، بَلْ أحْياءٌ بِبَقائِهِ وثُبُوتِ الأجْرِ. وكانَتِ العَرَبُ تُسَمِّي مَن لا يَبْقى لَهُ ذِكْرٌ بَعْدَ مَوْتِهِ كالوَلَدِ وغَيْرِهِ مَيِّتًا. وقِيلَ: أمْواتٌ بِالضَّلالِ، بَلْ أحْياءٌ بِالطّاعَةِ والهُدى، كَما قالَ: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] . وإذا حُمِلَ المَوْتُ والحَياةُ عَلى الحَقِيقَةِ فاخْتَلَفُوا، فَقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ النَّهْيِ عَنْ قَوْلِ الجاهِلِيَّةِ: إنَّهم لا يُبْعَثُونَ، فالمَعْنى: أنَّهم سَيَحْيَوْنَ بِالبَعْثِ، فَيُثابُونَ ثَوابَ الشُّهَداءِ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ. وأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ عَلى أنَّهم أحْياءٌ في الوَقْتِ. ومَعْنى هَذِهِ الحَياةِ: بَقاءُ أرْواحِهِمْ دُونَ أجْسادِهِمْ؛ إذْ أجْسادُهم نُشاهِدُ فَسادَها وفَنائَها. واسْتَدَلُّوا عَلى بَقاءِ الأرْواحِ بِعَذابِ القَبْرِ، وبِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ مَعْناهُ: لا تَشْعُرُونَ بِكَيْفِيَّةِ حَياتِهِمْ. ولَوْ كانَ المَعْنى بِإحْياءٍ أنَّهم سَيَحْيَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ، أوْ أنَّهم عَلى هُدًى ونُورٍ، لَمْ يَظْهَرْ لِنَفْيِ الشُّعُورِ مَعْنًى، إذْ هو خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وهم قَدْ عَلِمُوا بِالبَعْثِ، وبِأنَّهم كانُوا عَلى هُدًى. فَلا يُقالُ فِيهِ: ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ؛ لِأنَّهم قَدْ شَعَرُوا بِهِ وبِقَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٧٠] .
وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ النّاسِ إلى أنَّ الشَّهِيدَ حَيُّ الجَسَدِ والرُّوحِ، ولا يَقْدَحُ في ذَلِكَ عَدَمُ الشُّعُورِ بِهِ مِنَ الحَيِّ غَيْرِهِ. فَنَحْنُ نَراهم عَلى صِفَةِ الأمْواتِ وهم أحْياءٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ (p-٤٤٩)﴾ [النمل: ٨٨]، وكَما تَرى النّائِمَ عَلى هَيْئَتِهِ، وهو يَرى في مَنامِهِ ما يَنْعَمُ بِهِ أوْ يَتَألَّمُ بِهِ. ونَقَلَ السُّهَيْلِيُّ في كِتابِ (دَلائِلِ النُّبُوَّةِ) مِن تَأْلِيفِهِ، حِكايَةً عَنْ بَعْضِ الصَّحابَةِ، أنَّهُ حَفَرَ في مَكانٍ، فانْفَتَحَتْ طاقَةٌ، فَإذا شَخْصٌ جالِسٌ عَلى سَرِيرٍ وبَيْنَ يَدَيْهِ مُصْحَفٌ يَقْرَأُ فِيهِ وأمامَهُ رَوْضَةٌ خَضْراءُ، وذَلِكَ بِأُحُدٍ، وعَلِمَ أنَّهُ مِنَ الشُّهَداءِ؛ لِأنَّهُ رَأى في صَفْحَةِ وجْهِهِ جُرْحًا. وإذا ثَبَتَ أنَّ الشُّهَداءَ أحْياءٌ، إمّا أرْواحُهم، وإمّا أجْسادُهم وأرْواحُهم، فاخْتُلِفَ في مُسْتَقَرِّها. فَقِيلَ: قُبُورُهم يُرْزَقُونَ فِيها. وقِيلَ: في قِبابٍ بِيضٍ في الجَنَّةِ يُرْزَقُونَ فِيها، قالَهُ أبُو بَشّارٍ السُّلَمِيُّ. وقِيلَ: في طَيْرٍ بِيضٍ تَأْكُلُ مِن ثِمارِ الجَنَّةِ ومَساكِنُهم سِدْرَةُ المُنْتَهى، قالَهُ قَتادَةُ. وقِيلَ: يَأْكُلُونَ مِن ثَمَرِ الجَنَّةِ ويَجِدُونَ رِيحَها، ولَيْسُوا فِيها، قالَهُ مُجاهِدٌ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «الشُّهَداءُ عَلى نَهْرٍ بِبابِ الجَنَّةِ في قُبَّةٍ خَضْراءَ» . ورُوِيَ: في رَوْضَةٍ خَضْراءَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ رِزْقُهم مِنَ الجَنَّةِ بُكْرَةً وعَشِيًّا. ورُوِيَ عَنْهُ ﷺ: «أنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ في طَيْرٍ خُضْرٍ تُعَلَّقُ مِن ثَمَرِ الجَنَّةِ، وأنَّهم في قَنادِيلَ مِن ذَهَبٍ، وأنَّهم في قُبَّةٍ خَضْراءَ» . وإذا صَحَّ ذَلِكَ فَهي أحْوالٌ لِطَوائِفَ مِنَ الشُّهَداءِ، أوْ في أوْقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ. والجُمْهُورُ: عَلى أنَّهم في الجَنَّةِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ ﷺ لِأُمِّ حارِثَةَ: ”إنَّهم في الفِرْدَوْسِ“ . ومَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ: أنَّ الأرْواحَ لا تَفْنى، وأنَّها باقِيَةٌ بَعْدَ خُرُوجِها مِنَ البَدَنِ. فَأرْواحُ أهْلِ السَّعادَةِ مُنَعَّمَةٌ إلى يَوْمِ الدِّينِ، وأرْواحُ أهْلِ الشَّقاوَةِ مُعَذَّبَةٌ إلى يَوْمِ الدِّينِ.
والفَرْقُ بَيْنَ الشَّهِيدِ وغَيْرِهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ إنَّما هو الرِّزْقُ، فَضَّلَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ، وقالَ تَعالى في حَقِّ الكُفّارِ: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦] . وقالَ الحَسَنُ: الشُّهَداءُ أحْياءٌ عِنْدَ اللَّهِ، تُعْرَضُ أرْزاقُهم عَلى أرْواحِهِمْ، فَيَصِلُ إلَيْهِمُ الرَّوْحُ والفَرَحُ، كَما تُعْرَضُ النّارُ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ غُدْوَةً وعَشِيًّا، فَيَصِلُ إلَيْهِمُ الوَجَعُ. وقالُوا: يَجُوزُ أنْ يَجْمَعَ اللَّهُ مِن أجْزاءِ الشَّهِيدِ جُمْلَةً فَيُحْيِيها ويُوصِلَ إلَيْها النَّعِيمَ، وإنْ كانَتْ في حَجْمِ الذَّرَّةِ. ولَمْ تَتَعَرَّضِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ لِرِزْقِ أرْواحِ الشُّهَداءِ ولا لِمُسْتَقَرِّها، وإنَّما جَرى ذِكْرُ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ، اتِّباعًا لِلْمُفَسِّرِينَ، حَيْثُ تَكَلَّمُوا في ذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ، وإلّا فَمَظِنَّةُ الكَلامِ عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، حَيْثُ ذَكَرَ العِنْدِيَّةَ والرِّزْقَ، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾، العُمُومُ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في شُهَداءِ بَدْرٍ، كانُوا أرْبَعَةَ عَشَرَ، ولا يُخَصَّصُ هَذا العُمُومُ بِهَذا السَّبَبِ، بَلِ العِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ تَسْلِيَةٌ لِأقْرِباءِ الشُّهَداءِ وإخْوانِهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِذِكْرِ أنَّهم أحْياءٌ، فَهم مَغْبُوطُونَ لا مَحْزُونٌ عَلَيْهِمْ.
﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ ونَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ والأنْفُسِ والثَّمَراتِ﴾: تَقَدَّمَ أنَّ الِابْتِلاءَ: هو الِاخْتِبارُ، لِيُعْلَمُ ما يَكُونُ مِن حالِ المُخْتَبَرِ، وهَذا مُسْتَحِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى، وإنَّما مَعْناهُ هُنا: الإجابَةُ، والضَّمِيرُ الَّذِي لِلْخِطابِ. قِيلَ: هو لِلصَّحابَةِ فَقَطْ، قالَهُ عَطاءٌ. خاطَبَهم بِذَلِكَ بَعْدَ الهِجْرَةِ، وأخْبَرَهم بِذَلِكَ قَبْلَ وُقُوعِهِ تَطْمِينًا لِقُلُوبِهِمْ؛ لِأنَّهُ إذا تَقَدَّمَ العِلْمُ بِالواقِعِ، كانَ قَدِ اسْتَعَدَّ لَهُ، بِخِلافِ الأشْياءِ الَّتِي تُفاجِئُ، فَإنَّها أصْعَبُ عَلى النَّفْسِ، وزِيادَةَ ثَوابٍ وأجْرٍ عَلى ما يَحْصُلُ لَهم مِنِ انْتِظارِ المُصِيبَةِ، وإخْبارًا بِمُغَيَّبٍ يَقَعُ وفْقَ ما أخْبَرَ، وتَمْيِيزًا لِمَن أسْلَمَ مُرِيدًا وجْهَ اللَّهِ مِمَّنْ نافَقَ، وازْدِيادَ إخْلاصٍ في حالِ البَلاءِ عَلى إخْلاصِهِ في حالِ العافِيَةِ، وحَمْلًا لِمَن لَمْ يُسْلِمْ عَلى النَّظَرِ في دَلائِلَ الإسْلامِ، إذْ رَأى هَؤُلاءِ المُبْتَلِينَ صابِرِينَ عَلى دِينِهِمْ ثابِتِي الجَأْشِ فِيهِ، مَعْ ما ابْتُلُوا بِهِ. وقِيلَ: هَؤُلاءِ أهْلُ مَكَّةَ، خاطَبَهم بِذَلِكَ إعْلامًا أنَّهُ أجابَ دَعْوَةَ نَبِيَّهُ ﷺ فِيهِمْ، ولِيَبْقُوا يَتَوَقَّعُونَ المُصِيبَةَ، فَتُضاعَفُ عَلَيْهِمُ المُصِيباتُ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لِلْأُمَّةِ، ويَكُونُ آخِرَ الزَّمانِ، قالَ كَعْبٌ: يَأْتِي عَلى النّاسِ زَمانٌ لا تَحْمِلُ النَّخْلَةُ إلّا ثَمَرَةً، يَكُونُ هَذا الإخْبارُ تَحْذِيرًا ومَوْعِظَةً عَلى الرُّكُونِ إلى الدُّنْيا وزَهْرَتِها، ويَكُونُ إخْبارًا بِالمُغَيَّباتِ. وقِيلَ: الخِطابُ لا يُرادُ بِهِ مُعَيَّنٌ، بَلْ هو عامٌّ، لا يَتَقَيَّدُ بِزَمانٍ ولا (p-٤٥٠)بِمُخاطَبٍ خاصٍّ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولَنُصِيبَنَّ بِكَذا، فَيَكُونُ في ذَلِكَ تَحْذِيرٌ، وأنَّهُ لِلصَّحابَةِ وغَيْرِهِمْ.
وهَذِهِ الآيَةُ لَها تَعَلُّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] الآيَةَ، وقَبْلَها: ﴿واشْكُرُوا لِي﴾ [البقرة: ١٥٢]، والشُّكْرُ يُوجِبُ زِيادَةَ النِّعَمِ، والِابْتِلاءُ بِما ذُكِرَ يُنافِيهِ ظاهِرًا، وتَوْجِيهُهُ أنَّ إتْمامَ الشَّرائِعِ إتْمامٌ لِلنِّعْمَةِ ولِذَلِكَ يُوجِبُ الشُّكْرَ، والقِيامُ بِتِلْكَ الشَّرائِعِ لا يُمْكِنُ إلّا بِتَحَمُّلِ المَشاقِّ، فَأمَرَ فِيها بِالصَّبْرِ، وأنَّهُ أنْعَمَ عَلَيْهِ أوَّلًا فَشَكَرَ، وابْتُلِيَ ثانِيًا فَصَبَرَ، لِيَنالَ دَرَجَتَيِ الشُّكْرِ والصَّبْرِ، فَيَكْمُلُ إيمانُهُ. كَما رُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «الإيمانُ نِصْفانِ: نِصْفٌ صَبْرٌ، ونِصْفٌ شُكْرٌ» . بِشَيْءٍ: مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾، والباءُ فِيهِ لِلْإلْصاقِ، وأفْرَدَهُ لِيَدُلَّ عَلى التَّقْلِيلِ، إذْ لَوْ جَمَعَهُ فَقالَ: بِأشْياءَ، لاحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ ضُرُوبًا مِن كُلِّ واحِدٍ مِمّا بَعْدَهُ. وقَدْ قَرَأ الضَّحّاكُ: بِأشْياءَ، فَلا يَكُونُ حَذْفٌ فِيما بَعْدَها، فَيَكُونُ ”مِن“ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، بِخِلافِ قِراءَةِ الجُمْهُورِ: بِشَيْءٍ، فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ حَذْفٍ أيْ شَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ، وشَيْءٍ مِنَ الجُوعِ، وشَيْءٍ مِن نَقْصٍ. والمَعْنى في هَذِهِ القِراءَةِ: ولَنَبْلُوَنَّكم بِطَرَفٍ مِن كَذا وكَذا. والخَوْفُ: خَوْفُ العَدُوِّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَدْ حَصَلَ الخَوْفُ الشَّدِيدُ في وقْعَةِ الأحْزابِ. وقالَ الشّافِعِيُّ: هو خَوْفُ اللَّهِ تَعالى. والجُوعُ: القَحْطُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، عَبَّرَ بِالمُسَبَّبِ عَنِ السَّبَبِ. وقِيلَ: الجُوعُ: الفَقْرُ، عَبَّرَ بِالمُسَبَّبِ عَنِ السَّبَبِ أيْضًا. وقالَ الشّافِعِيُّ: هو صِيامُ شَهْرِ رَمَضانَ. ونَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ: بِالخُسْرانِ والهَلاكِ. وقالَ الشّافِعِيُّ: بِالصَّدَقاتِ. والأنْفُسِ: بِالقَتْلِ والمَوْتِ. وقالَ الشّافِعِيُّ: بِالأمْراضِ، وقِيلَ: بِالشَّيْبِ. والثَّمَراتِ: يَعْنِي الجَوائِحَ في الثَّمَراتِ، وقِلَّةَ النَّباتِ، وانْقِطاعَ البَرَكاتِ. وقالَ القَفّالُ: قَدْ يَكُونُ نَقْصُها بِالجُدُوبِ، وقَدْ يَكُونُ بِتَرْكِ عِمارَةِ الضِّياعِ لِلِاشْتِغالِ بِالجِهادِ، وقَدْ يَكُونُ بِالإنْفاقِ عَلى مَن يَرِدُ مِنَ الوُفُودِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقِيلَ: بِظُهُورِ العَدُوِّ عَلَيْهِمْ. وقالَ الشّافِعِيُّ: والثَّمَراتُ: مَوْتُ الأوْلادِ؛ لِأنَّ ولَدَ الرَّجُلِ ثَمَرَةُ قَلْبِهِ. وفي حَدِيثِ أبِي مُوسى، «أنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ إذا ماتَ ولَدُ العَبْدِ: ”أقَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤادِهِ“» ؟ .
وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ: مُؤَنُ الجِهادِ وكُلَفُهُ، فالخَوْفُ مِنَ العَدُوِّ، والجُوعُ بِهِ وبِالأسْفارِ إلَيْهِ، ونَقْصُ الأمْوالِ بِالنَّفَقاتِ فِيهِ، والأنْفُسِ بِالقَتْلِ، والثَّمَراتِ بِإصابَةِ العَدُوِّ لَها، أوِ الغَفْلَةِ عَنْها بِسَبَبِ الجِهادِ. انْتَهى كَلامُهُ. وعَطَفَ ”ونَقْصٍ“ عَلى قَوْلِهِ: ”بِشَيْءٍ“، أيْ: ولَنَمْتَحِنَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ وبِنَقْصٍ، ويُحَسِّنُ العَطْفُ تَنْكِيرَها، عَلى أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الخَوْفِ والجُوعِ فَيَكُونَ تَقْدِيرُهُ: وشَيْءٍ مِن نَقْصٍ. ومِنَ الأمْوالِ: مُتَعَلِّقٌ بِنَقْصٍ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرُ نَقَصَ، وهو يَتَعَدّى إلى واحِدٍ، وقَدْ حُذِفَ، أيْ: ونَقْصِ شَيْءٍ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِنَقْصٍ. وتَكُونَ مِن لِابْتِداءِ الغايَةِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِذَلِكَ المَحْذُوفِ، أيْ ونَقْصِ شَيْءٍ مِنَ الأمْوالِ، وتَكُونُ مِن إذْ ذاكَ لِلتَّبْعِيضِ. وقالُوا: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن عِنْدَ الأخْفَشِ زائِدَةً، أيْ ونَقْصِ الأمْوالِ والأنْفُسِ والثَّمَراتِ. وأتى بِالجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ مُقْسِمًا عَلَيْها، تَأْكِيدًا لِوُقُوعِ الِابْتِلاءِ، وإسْنادُ الفِعْلِ إلَيْهِ صَرِيحٌ في إضافَةِ أسْبابِ البَلايا إلَيْهِ. وأنَّ هَذِهِ المِحَنَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ووَعْدَهُ بِها المُؤْمِنِينَ يَدُلُّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ عُقُوباتٍ، بَلْ إذا قارَنَها الصَّبْرُ أفادَتْ دَرَجَةً عالِيَةً في الدِّينِ. وجاءَ هَذا التَّرْتِيبُ في العَطْفِ عَلى سَبِيلِ التَّرَقِّي: فَأخْبَرَ أوَّلًا بِالِابْتِلاءِ بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ، وهو تَوَقُّعُ ما يَرِدُ مِنَ المَكْرُوهِ. ثُمَّ انْتَقَلَ مِنهُ إلى الِابْتِلاءِ بِشَيْءٍ مِنَ الجُوعِ، وهو أشَدُّ مِنَ الخَوْفِ بِأيِّ تَفْسِيرٍ فُسِّرَ بِهِ مِنَ القَحْطِ، أوِ الفَقْرِ، أوِ الحاجَةِ إلى الأكْلِ، إلّا عَلى تَفْسِيرِ الشّافِعِيِّ، وهو صَوْمُ رَمَضانَ. ولا تَرَقِّيَ بَيْنَ نَقْصٍ وشَيْءٍ، عَلى ما اخْتارَهُ مِن عَطْفِ نَقْصٍ عَلى بِشَيْءٍ، بَلِ التَّرَقِّي في العَطْفِ بَعْدَ ”ونَقْصٍ“ فَبَدَأ أوَّلًا بِالأمْوالِ، ثُمَّ تَرَقّى إلى الأنْفُسِ. وأمّا ”والثَّمَراتِ“، فَجاءَ كالتَّخْصِيصِ بَعْدَ التَّعْمِيمِ؛ لِأنَّها تَنْدَرِجُ تَحْتَ الأمْوالِ، فَلا تَرَقِّيَ فِيها.
﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾: خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، أوْ لِكُلِّ مَن تَتَأتّى مِنهُ البِشارَةُ، أيْ عَلى الجِهادِ بِالنَّصْرِ، أوْ عَلى الطّاعَةِ بِالجَزاءِ، (p-٤٥١)أوْ عَلى المَصائِبِ بِالثَّوابِ، أقْوالٌ: والأحْسَنُ عَدَمُ التَّقْيِيدِ، أيْ كُلُّ مَن صَبَرَ صَبْرًا مَحْمُودًا شَرْعًا، فَهو مُنْدَرِجٌ في الصّابِرِينَ. قالُوا: والصَّبْرُ مِن خَواصِّ الإنْسانِ؛ لِأنَّهُ يَتَعارَضُ فِيهِ العَقْلُ والشَّهْوَةُ، وهو بَدَنِيٌّ. وهو: إمّا فِعْلِيٌّ، كَتَعاطِي الأعْمالِ الشّاقَّةِ، وإمّا احْتِمالٌ، كالصَّبْرِ عَلى الضَّرْبِ الشَّدِيدِ، ونَفْسِيٌّ، وهو قَمْعُ النَّفْسِ عَنْ مُشْتَهَياتِ الطَّبْعِ. فَإنْ كانَ مِن شَهْوَةِ الفَرْجِ والبَطْنِ، سُمِّيَ عِفَّةً. وإنْ كانَ مِنِ احْتِمالِ مَكْرُوهٍ، اخْتَلَفَتْ أسامِيهِ بِاخْتِلافِ المَكْرُوهِ. فَفي المُصِيبَةِ يُقْتَصَرُ عَلَيْهِ بِاسْمِ الصَّبْرِ، ويُضادُّهُ الجَزَعُ. وإنْ كانَ في الغِنى، سُمِّيَ ضَبْطَ النَّفْسِ، ويُضادُّهُ البَطَرُ. وإنْ كانَ في حَرْبٍ، سُمِّيَ شَجاعَةً، ويُضادُّهُ الجُبْنُ. وإنْ كانَ في نائِبَةٍ مُضْجِرَةٍ، سُمِّي سَعَةَ صَدْرٍ، ويُضادُّهُ الضَّجَرُ. وإنْ كانَ في إخْفاءِ كَلامٍ، سُمِّيَ كِتْمانًا، ويُضادُّهُ الإعْلانُ. وإنْ كانَ في فُضُولِ الدُّنْيا، سُمِّيَ زُهْدًا، ويُضادُّهُ الحِرْصُ. وإنْ كانَ عَلى يَسِيرٍ مِنَ المالِ، سُمِّي قَناعَةً، ويُضادُّهُ الشَّرَهُ. وقَدْ جَمَعَ اللَّهُ أقْسامَ ذَلِكَ وسَمّى جَمِيعَها صَبْرًا، فَقالَ: ﴿والصّابِرِينَ في البَأْساءِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، أيِ المُصِيبَةِ، والضَّرّاءِ أيِ الفَقْرِ ﴿وحِينَ البَأْسِ﴾ [البقرة: ١٧٧] أيِ المُحارَبَةِ. قالَ القَفّالُ: لَيْسَ الصَّبْرُ أنْ لا يَجِدَ الإنْسانُ ألَمَ المَكْرُوهِ، ولا أنْ لا يَكْرَهَ ذَلِكَ، إنَّما هو حَمْلُ النَّفْسِ عَلى تَرْكِ إظْهارِ الجَزَعِ، وإنْ ظَهَرَ دَمْعُ عَيْنٍ، أوْ تَغَيُّرُ لَوْنٍ، ولَوْ ظَهَرَ مِنهُ أوَّلُ ما لا يُعَدُّ مَعَهُ صابِرًا ثُمَّ صَبَرَ، لَمْ يُعَدَّ ذَلِكَ إلّا سِلْوانًا.
﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ﴾: يَجُوزُ في: ”الَّذِينَ“ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى النَّعْتِ لِلصّابِرِينَ، وهو ظاهِرُ الإعْرابِ، أوْ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ، فَيَكُونُ مَقْطُوعًا، أوْ مَرْفُوعًا عَلى إضْمارِ هم، عَلى وجْهَيْنِ: إمّا عَلى القَطْعِ، وإمّا عَلى الِاسْتِئْنافِ، كَأنَّهُ جَوابٌ لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: مَنِ الصّابِرُونَ ؟ قِيلَ: هُمُ الَّذِينَ إذا. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ الَّذِينَ مُبْتَدَأً، وأُولَئِكَ عَلَيْهِمْ خَبَرُهُ، وهو مُحْتَمَلٌ. مُصِيبَةٌ: اسْمُ فاعِلٍ مِن أصابَتْ، وصارَ لَها اخْتِصاصٌ بِالشَّيْءِ المَكْرُوهِ، وصارَتْ كِنايَةً عَنِ الدّاهِيَةِ، فَجَرَتْ مَجْرى الأسْماءِ ووَلِيَتِ العَوامِلَ. وأصابَتْهم: مُصِيبَةٌ مِنَ التَّجْنِيسِ المُغايِرِ، وهو أنْ يَكُونَ إحْدى الكَلِمَتَيْنِ اسْمًا والأُخْرى فِعْلًا، ومِنهُ: ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ [النجم: ٥٧]؛ ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١] . والمُصِيبَةُ: كُلُّ ما أذى المُؤْمِنَ في نَفْسٍ أوْ مالٍ أوْ أهْلٍ، صَغُرَتْ أوْ كَبُرَتْ، حَتّى انْطِفاءِ المِصْباحِ لِمَن يَحْتاجُهُ يُسَمّى مُصِيبَةً. ورُوِيَ ذَلِكَ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أنَّهُ اسْتَرْجَعَ عِنْدَ انْطِفاءِ مِصْباحِهِ» . والمَعْنى في إذا هُنا: عَلى التَّكْرارِ والعُمُومِ. وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا ذِكْرُ الخِلافِ في إذا، أتَدُلُّ عَلى التَّكْرارِ، أمْ وُضِعَتْ لِلْمَرَّةِ الواحِدَةِ ؟ قَوْلانِ لِلنَّحْوِيِّينَ.
﴿قالُوا إنّا لِلَّهِ﴾: ”قالُوا“: جَوابُ إذا، والشَّرْطُ وجَوابُهُ صِلَةٌ لِلَّذِينَ. ”وإنّا“: أصْلُهُ إنَّنا؛ لِأنَّها إنْ دَخَلَتْ عَلى الضَّمِيرِ المَنصُوبِ المُتَّصِلِ، فَحُذِفَتْ نُونٌ مِن إنَّ. ويَنْبَغِي أنْ تَكُونَ المَحْذُوفَةُ هي الثّانِيَةَ؛ لِأنَّها ظَرْفٌ، ولِأنَّها عُهِدَ فِيها الحَذْفُ إذا خُفِّفَتْ، فَقالُوا: إنْ زَيْدٌ لَقائِمٌ، وهو حَذْفٌ هُنا لِاجْتِماعِ الأمْثالِ، فَلِذَلِكَ عَمِلَتْ، إذْ لَوْ كانَ مِنَ الحَذْفِ لا لِهَذِهِ العِلَّةِ؛ لانْفَصَلَ الضَّمِيرُ وارْتَفَعَ ولَمْ تَعْمَلْ؛ لِأنَّها إذا خُفِّفَتْ هَذا التَّخْفِيفَ لَمْ تَعْمَلْ في الضَّمِيرِ. ولِلَّهِ: مَعْناهُ الإقْرارُ بِالمُلْكِ والعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ، فَهو المُتَصَرِّفُ فِينا بِما يُرِيدُ مِنَ الأُمُورِ.
﴿وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾: إقْرارٌ بِالبَعْثِ وتَنْبِيهٌ عَلى مُصِيبَةِ المَوْتِ الَّتِي هي أعْظَمُ المَصائِبِ، وتَذْكِيرٌ أنَّ ما أصابَ الإنْسانَ دُونَها فَهو قَرِيبٌ يَنْبَغِي أنْ يَصِيرَ لَهُ. ولِلْمُفَسِّرِينَ في هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ المَقُولَتَيْنِ أقْوالٌ: أحَدُها: أنَّ نُفُوسَنا وأمْوالَنا وأهْلِينا لِلَّهِ لا يَظْلِمُنا فِيما يَصْنَعُهُ بِنا. الثّانِي: أسْلَمْنا الأمْرَ لِلَّهِ ورَضِينا بِقَضائِهِ، ﴿وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ يَعْنِي: لِلْبَعْثِ لِثَوابِ المُحْسِنِ ومُعاقَبَةِ المُسِيءِ. الثّالِثُ: راجِعُونَ إلَيْهِ في جَبْرِ المُصابِ وإجْزالِ الثَّوابِ. الرّابِعُ: أنَّ مَعْناهُ إقْرارٌ بِالمَمْلَكَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا لِلَّهِ﴾، وإقْرارٌ بِالهَلَكَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ .
وفِي المُنْتَخَبِ ما مُلَخَّصُهُ: أنَّ إسْنادَ الإصابَةِ إلى المُصِيبَةِ، لا إلى اللَّهِ تَعالى، لِيَعُمَّ ما كانَ مِنَ اللَّهِ وما كانَ مِن غَيْرِهِ. فَما كانَ مِنَ اللَّهِ فَهو داخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿إنّا لِلَّهِ﴾؛ لِأنَّ في الإقْرارِ بِالعُبُودِيَّةِ تَفْوِيضًا لِلْأُمُورِ إلَيْهِ، وما كانَ مِن غَيْرِهِ فَتَكْلِيفُهُ أنْ يَرْجِعَ إلى اللَّهِ في الإنْصافِ (p-٤٥٢)مِنهُ، ولا يَتَعَدّى، كَأنَّهُ في الأوَّلِ ﴿إنّا لِلَّهِ﴾، يُدَبِّرُ كَيْفَ يَشاءُ، وفي الثّانِي: ﴿وإنّا إلَيْهِ﴾، يُنْصِفُ لَنا كَيْفَ يَشاءُ. وقِيلَ: ﴿إنّا لِلَّهِ﴾، دَلِيلٌ عَلى الرِّضا بِما نَزَلَ بِهِ في الحالِ، ﴿وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾، دَلِيلٌ عَلى الرِّضا في الحالِ بِكُلِّ ما سَيَنْزِلُ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ. واشْتَمَلَتِ الآيَةُ عَلى فَرْضٍ ونَفْلٍ. فالفَرْضُ: التَّسْلِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ، والرِّضا بِقَدَرِهِ، والصَّبْرُ عَلى أداءِ فَرائِضِهِ. والنَّفْلُ: إظْهارُ القَوْلِ ﴿إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾، وفي إظْهارِهِ فَوائِدُ مِنها: غَيْظُ الكُفّارِ لِعِلْمِهِمْ بِجِدِّهِ في طاعَةِ اللَّهِ.
﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ﴾، أُولَئِكَ مُبْتَدَأٌ، وصَلَواتٌ: ارْتِفاعُها عَلى الفاعِلِ بِالجارِّ والمَجْرُورِ، أيْ: أُولَئِكَ مُسْتَقِرَّةٌ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ، فَيَكُونُ قَدْ أخْبَرَ عَنِ المُبْتَدَأِ بِالمُفْرَدِ، وهَذا أوْلى مِن جَعْلِ صَلَواتٍ مُبْتَدَأً، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ خَبَرِهِ. والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ خَبَرِ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ إخْبارًا عَنِ المُبْتَدَأِ بِالجُمْلَةِ. والصَّلاةُ مِنَ اللَّهِ: المَغْفِرَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ أوِ الثَّناءُ، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ، أوِ الغُفْرانُ والثَّناءُ الحَسَنُ، قالَهُ الزَّجّاجُ. والرَّحْمَةُ: قِيلَ هي الصَّلَواتُ، كُرِّرَتْ تَأْكِيدًا لَمّا اخْتَلَفَ اللَّفْظُ، كَقَوْلِهِ ﴿رَأْفَةً ورَحْمَةً﴾ [الحديد: ٢٧] . وقِيلَ: ”الرَّحْمَةُ“: كَشْفُ الكُرْبَةِ وقَضاءُ الحاجَةِ. وقالَ عُمَرُ: نِعْمَ العَدْلانِ ونِعْمَ العِلاوَةُ، وتَلا: ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهُمْ﴾ الآيَةَ، يَعْنِي بِالعَدْلَيْنِ: الصَّلَواتِ والرَّحْمَةَ، وبِالعِلاوَةِ: الِاهْتِداءَ. وفي قَوْلِهِ: أُولَئِكَ، اسْمُ الإشارَةِ المَوْضُوعُ لِلْبُعْدِ دَلالَةً عَلى بُعْدِ هَذِهِ الرُّتْبَةِ، كَما جاءَ: ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] . والكِنايَةُ عَنْ حُصُولِ الغُفْرانِ والثَّناءِ بِقَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ﴾ بِحَرْفِ عَلى، إشارَةً إلى أنَّهم مُنْغَمِسُونَ في ذَلِكَ، قَدْ غَشِيَتْهم وتَجَلَّلَتْهم، وهو أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ لَهم. وجَمَعَ صَلَواتٍ، لِيَدُلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مُطْلَقَ صَلاةٍ، بَلْ صَلاةٌ بَعْدَ صَلاةٍ، ونُكِّرَتْ لِأنَّهُ لا يُرادُ العُمُومُ. ووَصَفَها بِكَوْنِها مِن رَبِّهِمْ، لِيَدُلَّ بِمِن عَلى ابْتِدائِها مِنَ اللَّهِ، أيْ تَنْشَأُ تِلْكَ الصَّلَواتُ وتَبْتَدِئُ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِن تَبْعِيضِيَّةً، فَيَكُونُ ثَمَّ حَذْفَ مُضافٍ، أيْ ”صَلَواتٌ مِن صَلَواتِ رَبِّهِمْ“ . وأتى بِلَفْظِ الرَّبِّ، لِما فِيهِ مِن دَلالَةِ التَّرْبِيَةِ والنَّظَرِ لِلْعَبْدِ فِيما يُصْلِحُهُ ويُرَبِّهِ بِهِ. وإنْ كانَ أُرِيدَ بِالرَّحْمَةِ الصَّلَواتُ، فَلا يَحْتاجُ إلى تَقْيِيدٍ بِصِفَةٍ مَحْذُوفَةٍ؛ لِأنَّها قَدْ تَقَيَّدَتْ. وإنْ كانَ أُرِيدَ بِها ما يُغايِرُ الصَّلَواتِ، فَيُقَدَّرُ: ورَحْمَةٌ مِنهُ، فَيَكُونُ قَدْ حُذِفَتِ الصِّفَةُ لِما تَقَدَّمَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: (مِن رَبِّهِمْ)، مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: (عَلَيْهِمْ)، فَلا يَكُونُ صِفَةً، بَلْ يَكُونُ مَعْمُولًا لِلرّافِعِ لِصَلَواتٍ، وتَرَتَّبَ عَلى مَقامِ الصَّبْرِ ومَقالِ هَذِهِ الكَلِماتِ الدّالَّةِ عَلى التَّفْوِيضِ لِلَّهِ تَعالى، هَذا الجَزاءُ الجَزِيلُ والثَّناءُ الجَمِيلُ.
وقَدْ جاءَ في السُّنَّةِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «مَنِ اسْتَرْجَعَ عِنْدَ المُصِيبَةِ، جَبَرَ اللَّهُ مُصِيبَتَهُ، وأحْسَنَ عُقْباهُ، وجَعَلَ لَهُ خَلَفًا صالِحًا يَرْضاهُ» . وفي حَدِيثٍ آخَرَ: «مَن تَذَكَّرَ مُصِيبَتَهُ، فَأحْدَثَ اسْتِرْجاعًا، وإنْ تَقادَمَ عَهْدُها، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مِنَ الأجْرِ مِثْلَهُ يَوْمَ أُصِيبَ» . وحَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ مَشْهُورٌ، حَيْثُ أخْلَفَها اللَّهُ عَنْ أبِي سَلَمَةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: ما أُعْطِيَ أحَدٌ في المُصِيبَةِ ما أُعْطِيَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ، ولَوْ أُعْطِيها أحَدٌ قَبْلَها لِأُعْطِيَها يَعْقُوبُ. ألا تَرى كَيْفَ قالَ حِينَ فَقَدَ يُوسُفَ ؟ ﴿ياأسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤] .
﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾: إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ عَنْهم بِالهِدايَةِ، ومَن أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ بِالهِدايَةِ فَلَنْ يَضِلَّ أبَدًا. وهَذِهِ جُمْلَةٌ ثابِتَةٌ تَدُلُّ عَلى الِاعْتِناءِ بِأمْرِ المُخْبَرِ عَنْهُ، إذْ كُلُّ وصْفٍ لَهُ يَبْرُزُ في جُمْلَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ. وبُدِئَ بِالجُمْلَةِ الأُولى؛ لِأنَّها أهَمُّ في حُصُولِ الثَّوابِ المُتَرَتِّبِ عَلى الوَصْفِ الَّذِي قَبْلَهُ، وأُخِّرَتْ هَذِهِ؛ لِأنَّها تَنَزَّلَتْ مِمّا قَبْلَها مَنزِلَةَ العِلَّةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ القَوْلَ المُتَرَتِّبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الجَزاءُ الجَزِيلُ لا يَصْدُرُ إلّا عَمَّنْ سَبَقَتْ هِدايَتُهُ. وأُكِّدَ بِقَوْلِهِ: ”هم“ .، وبِالألِفِ واللّامِ، كَأنَّ الهِدايَةَ انْحَصَرَتْ فِيهِمْ وبِاسْمِ الفاعِلِ، لِيَدُلَّ عَلى الثُّبُوتِ؛ لِأنَّ الهِدايَةَ لَيْسَتْ مِنَ الأفْعالِ المُتَجَدِّدَةِ وقْتًا بَعْدَ وقْتٍ فَيُخْبَرُ عَنْها بِالفِعْلِ، بَلْ هي وصْفٌ ثابِتٌ. وقِيلَ: ”المُهْتَدُونَ“ في اسْتِحْقاقِ الثَّوابِ وإجْزالِ الأجْرِ. وقِيلَ: إلى تَسْهِيلِ المُصابِ وتَخْفِيفِ الحُزْنِ. وقِيلَ: إلى الِاسْتِرْجاعِ. وقِيلَ: إلى الحَقِّ والصَّوابِ، وهَذِهِ التَّقْيِيداتُ لا دَلالَةَ عَلَيْها في (p-٤٥٣)اللَّفْظِ، فالأوْلى الحَمْلُ عَلى الهِدايَةِ الَّتِي هي الإيمانُ، ونَظِيرُ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ قَوْلُهُ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥] . والكَلامُ في إعْرابِ: ”هُمُ المُهْتَدُونَ“، كالكَلامِ عَلى: ”هُمُ المُفْلِحُونَ“، وقَدْ تَقَدَّمَ.
(وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ الكَرِيمَةُ) مَزِيدَ التَّوْكِيدِ في الأمْرِ بِتَوْلِيَةِ وجْهِهِ مِن حَيْثُ خَرَجَ ﷺ شَطْرَ المَسْجِدِ، وبِتَوْلِيَتِهِمْ وُجُوهَهم شَطْرَهُ لِلِاعْتِناءِ بِأمْرِ نَسْخِ القِبْلَةِ، حَيْثُ كانَ النَّسْخُ صَعْبًا عَلى النُّفُوسِ، حَيْثُ ألِفُوا أمْرًا، وأُمِرُوا بِتَرْكِهِ والِانْتِقالِ إلى غَيْرِهِ، وخُصُوصًا عِنْدَ مَن لا يَرى النَّسْخَ. فَلِذَلِكَ كُرِّرَ وأنَّهُ تَعالى أمَرَ بِذَلِكَ وفِعْلِهِ؛ لِانْتِفاءِ حُجَجِ النّاسِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ إذا كانَ بِأمْرٍ مِنهُ تَعالى لَمْ تَبْقَ لِأحَدٍ حُجَّةٌ عَلى مُمْتَثِلِ أمْرِ اللَّهِ؛ لِأنَّ أمْرَ اللَّهِ ثانِيًا كَأمْرِهِ أوَّلًا. وهو قَدْ أمَرَ أوَّلًا بِاسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ، وأمَرَ آخِرًا بِاسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ. فَلا فَرْقَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، ولا حُجَّةَ لِمَن خالَفَ. واسْتَثْنى مِنَ النّاسِ مَن ظَلَمَ؛ لِأنَّهُ لا تَنْقَطِعُ حُجَجُهُ وإنْ كانَتْ باطِلَةً، ولا تَشْغِيباتُهُ وتَمْوِيهاتُهُ؛ لِأنَّهُ قامَ بِهِ وصْفٌ يَمْنَعُهُ مِن إدْراكِ الحَقِّ والبَلْجُ بِهِ، ثُمَّ أمَرَهم تَعالى بِخَشْيَتِهِ، ونَهاهم عَنْ خَشْيَةِ النّاسِ؛ لِأنَّهم إذا خَشُوا اللَّهَ تَعالى امْتَثَلُوا أوامِرَهُ واجْتَنِبُوا مَناهِيَهُ. وعَطَفَ عَلى تِلْكَ العِلَّةِ عِلَّةً أُخْرى، وهي إتْمامُ النِّعْمَةِ بِاسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ إذْ في ذَلِكَ اتِّباعُ أبِيكم إبْراهِيمَ، والرُّجُوعُ إلى المَأْلُوفِ، ولِتَحْصِيلِ الهِدايَةِ. وشَبَّهَ هَذا الإتْمامَ بِإتْمامِ نِعْمَةِ إرْسالِ الرَّسُولِ مِنهم فِيهِمْ، إذْ هَذِهِ النِّعْمَةُ هي الأصْلُ، وهي مَنبَعُ النِّعَمِ والهِدايَةِ، ثُمَّ وصَفَ المُرْسَلُ إلَيْهِمْ بِتِلْكَ الأوْصافِ الجَلِيلَةِ الَّتِي رُزِقُوا مِنها الحَظَّ الأكْمَلَ، وهي تِلاوَةُ الكِتابِ عَلَيْهِمْ: ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١] فَكَيْفَ بِمَزِيدِ التَّزْكِيَةِ والتَّعْلِيمِ اللَّذَيْنِ بِهِما تَحْصُلُ الطَّهارَةُ مَنِ الأرْجاسِ، والحَياةُ السَّرْمَدِيَّةُ في النّاسِ ؟
؎أخُو العِلْمِ حَيٌّ خالِدٌ بَعْدَ مَوْتِهِ وأوْصالُهُ تَحْتَ التُّرابِ رَمِيمُ
وقالَ آخَرٌ:
؎مَحَلُّ العَلَمِ لا يَأْوِي تُرابًا ∗∗∗ ولا يَبْلى عَلى الزَّمَنِ القَدِيمِ
ثُمَّ أمَرَهم تَعالى بِالذِّكْرِ لِهَذِهِ النِّعَمِ لِئَلّا يَنْسَوْها، وبِالشُّكْرِ عَلَيْها لِأنْ يَزِيدَهم مِنَ النِّعَمِ، ثُمَّ نَهاهم عَنْ كُفْرانِها؛ لِأنَّ كُفْرانَ النِّعَمِ يَقْتَضِي زَوالَها واسْتِحْقاقَ العَذابِ الشَّدِيدِ عَلَيْهِ. ثُمَّ نادى مَنِ اتَّصَفَ بِالإيمانِ، وهو ثانِي نِداءٍ لِلْمُؤْمِنِينَ في هَذِهِ السُّورَةِ، لِيُقْبِلُوا عَلى ما يَأْمُرُهم بِهِ. فَأمَرَهم بِالِاسْتِعانَةِ بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ؛ لِأنَّ الِاسْتِعانَةَ بِهِما تُحَصِّلُ سَعادَةَ الدُّنْيا والآخِرَةِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ مَعَ مَن صَبَرَ ثُمَّ نَهاهم عَنْ أنْ يَقُولُوا لِلشُّهَداءِ إنَّهم أمْواتٌ، وأخْبَرَ أنَّهم أحْياءٌ، فَوَجَبَ تَصْدِيقُ ما أخْبَرَ بِهِ، وذَكَرَ أنّا لا نَشْعُرُ نَحْنُ بِحَياتِهِمْ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يَبْتَلِيهِمْ بِما يَظْهَرُ مِنهم فِيهِ الصَّبْرُ، وهو شَيْءٌ مِنَ البَلايا الَّتِي ذَكَرَها تَعالى. ثُمَّ أمَرَ نَبِيَّهُ أنْ يُبَشِّرَ الصّابِرِينَ عَلى ما ابْتُلُوا بِهِ، المُسَلِّمِينَ لِقَضاءِ اللَّهِ اعْتِقادًا وقَوْلًا صَرِيحًا أنَّهم عَبِيدُ اللَّهِ ومَمالِيكُهُ، وإلَيْهِ مَآبُهم ومَرْجِعُهم، يَتَصَرَّفُ فِيهِمْ كَما أرادَ. ثُمَّ خَتَمَ ذَلِكَ بِأنَّ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذا الوَصْفِ، فَعَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ الصَّلاةُ والرَّحْمَةُ، وهو المُهْتَدِي الَّذِي ثَبَتَتْ هِدايَتُهُ ورَسَخَتْ.
البقرة 2:156
(p-٤٤٨)﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾، قِيلَ: سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا: سَيَرْجِعُ مُحَمَّدٌ إلى دِينِنا، كَما رَجَعَ إلى قِبْلَتِنا. هَزَّهم بِهَذا النِّداءِ المُتَضَمِّنِ هَذا الوَصْفَ الشَّرِيفَ، وهو الإيمانُ مَجْعُولًا فِعْلًا ماضِيًا في صِلَةِ الَّذِينَ، دالًّا عَلى الثُّبُوتِ والِالتِباسِ بِهِ في تَقَدُّمِ زَمانِهِمْ، لِيَكُونُوا أدْعى لِقَبُولِ ما يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِنَ الأمْرِ والتَّكْلِيفِ الشّاقِّ؛ لِأنَّ الصَّبْرَ والصَّلاةَ هُما رُكْنا الإسْلامِ. فالصَّبْرُ قَصْرُ النَّفْسِ عَلى المَكارِهِ والتَّكالِيفِ الشّاقَّةِ، وهو أمْرٌ قَلْبِيٌّ؛ والصَّلاةُ ثَمَرَتُهُ، وهي مِن أشَقِّ التَّكالِيفِ لِتَكَرُّرِها. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّهم سَمِعُوا مِن طَعْنِ الكُفّارِ عَلى التَّوَجُّهِ إلى الكَعْبَةِ والصَّلاةِ إلَيْها أذًى كَثِيرًا، فَأُمِرُوا عِنْدَ ذَلِكَ بِالِاسْتِعانَةِ بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ. وقَدْ قَيَّدَ بَعْضُهُمُ الصَّبْرَ هُنا: بِأنَّهُ الصَّبْرُ عَلى أذى الكُفّارِ بِالطَّعْنِ عَلى التَّحَوُّلِ والصَّلاةِ إلى الكَعْبَةِ، وبَعْضُهم بِالصَّبْرِ عَلى أداءِ الفَرائِضِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وبَعْضِهِمْ قالَ: هو كِنايَةٌ عَنِ الصَّوْمِ، ومِنهُ قِيلَ لِرَمَضانَ: شَهْرُ الصَّبْرِ، وبَعْضُهم قالَ: هو كِنايَةٌ عَنِ الجِهادِ لِقَوْلِهِ: بَعْدُ: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ﴾، وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ. والأوْلى ما قَدَّمْناهُ مِن عُمُومِ اللَّفْظِ، فَتَنْدَرِجُ هَذِهِ الأفْرادُ تَحْتَهُ. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ - أنَّهُ قالَ: الصَّبْرُ مِنِ الإيمانِ بِمَنزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الجَسَدِ، ولا خَيْرَ في جَسَدٍ لا رَأْسَ لَهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامَ عَلى شَرْحِ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ .
﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾: أيْ بِالمَعُونَةِ والتَّأْيِيدِ، كَما قالَ: ”اهْجُهم ورُوحُ القُدُسِ مَعَكَ“ . وقالَ تَعالى: ﴿لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ [التوبة: ٤٠]، ومَن كانَ اللَّهُ مَعَهُ فَهو الغالِبُ، ولَمّا كانَتِ الصَّلاةُ ناشِئَةً عَنِ الصَّبْرِ، وصارَ الصَّبْرُ أصْلًا لِجَمِيعِ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾، فانْدَرَجَ المُصَلُّونَ تَحْتَ الصّابِرِينَ انْدِراجَ الفَرْعِ تَحْتَ الأصْلِ. وأمّا قَوْلُهُ هُناكَ: ﴿وإنَّها لَكَبِيرَةٌ إلّا عَلى الخاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]، فَأعادَ الضَّمِيرَ عَلَيْها عَلى ظاهِرِ الكَلامِ؛ لِأنَّها أشْرَفُ وأشَقُّ نَتائِجِ الصَّبْرِ.
﴿ولا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ بَلْ أحْياءٌ ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾، قِيلَ: سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ قِيلَ لِمَن قُتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ: ماتَ فُلانٌ وذَهَبَ عَنْهُ نَعِيمُ الدُّنْيا ولَذَّتُها، فَأُنْزِلَتْ. نُهُوا عَنْ قَوْلِهِمْ عَنِ الشُّهَداءِ أمْواتٌ، وأخْبَرَ تَعالى أنَّهم أحْياءٌ، وارْتِفاعُ أمْواتٍ وأحْياءٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هم أمْواتٌ، بَلْ هم أحْياءٌ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَلْ أحْياءٌ، مُنْدَرِجًا تَحْتَ قَوْلٍ مُضْمَرٍ، أيْ بَلْ قُولُوا هم أحْياءٌ. لَكِنْ يُرَجَّحُ الوَجْهُ الأوَّلُ، وهو أنَّهُ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى قَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾؛ لِأنَّ مَعْناهُ: أنَّ حَياتَهم لا شُعُورَ لَكم بِها، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ حَقِيقَةُ المَوْتِ والحَياةِ. وقِيلَ: ذَلِكَ مَجازٌ. واخْتَلَفُوا فَقِيلَ: أمْواتٌ بِانْقِطاعِ الذِّكْرِ، بَلْ أحْياءٌ بِبَقائِهِ وثُبُوتِ الأجْرِ. وكانَتِ العَرَبُ تُسَمِّي مَن لا يَبْقى لَهُ ذِكْرٌ بَعْدَ مَوْتِهِ كالوَلَدِ وغَيْرِهِ مَيِّتًا. وقِيلَ: أمْواتٌ بِالضَّلالِ، بَلْ أحْياءٌ بِالطّاعَةِ والهُدى، كَما قالَ: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] . وإذا حُمِلَ المَوْتُ والحَياةُ عَلى الحَقِيقَةِ فاخْتَلَفُوا، فَقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ النَّهْيِ عَنْ قَوْلِ الجاهِلِيَّةِ: إنَّهم لا يُبْعَثُونَ، فالمَعْنى: أنَّهم سَيَحْيَوْنَ بِالبَعْثِ، فَيُثابُونَ ثَوابَ الشُّهَداءِ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ. وأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ عَلى أنَّهم أحْياءٌ في الوَقْتِ. ومَعْنى هَذِهِ الحَياةِ: بَقاءُ أرْواحِهِمْ دُونَ أجْسادِهِمْ؛ إذْ أجْسادُهم نُشاهِدُ فَسادَها وفَنائَها. واسْتَدَلُّوا عَلى بَقاءِ الأرْواحِ بِعَذابِ القَبْرِ، وبِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ مَعْناهُ: لا تَشْعُرُونَ بِكَيْفِيَّةِ حَياتِهِمْ. ولَوْ كانَ المَعْنى بِإحْياءٍ أنَّهم سَيَحْيَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ، أوْ أنَّهم عَلى هُدًى ونُورٍ، لَمْ يَظْهَرْ لِنَفْيِ الشُّعُورِ مَعْنًى، إذْ هو خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وهم قَدْ عَلِمُوا بِالبَعْثِ، وبِأنَّهم كانُوا عَلى هُدًى. فَلا يُقالُ فِيهِ: ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ؛ لِأنَّهم قَدْ شَعَرُوا بِهِ وبِقَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٧٠] .
وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ النّاسِ إلى أنَّ الشَّهِيدَ حَيُّ الجَسَدِ والرُّوحِ، ولا يَقْدَحُ في ذَلِكَ عَدَمُ الشُّعُورِ بِهِ مِنَ الحَيِّ غَيْرِهِ. فَنَحْنُ نَراهم عَلى صِفَةِ الأمْواتِ وهم أحْياءٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ (p-٤٤٩)﴾ [النمل: ٨٨]، وكَما تَرى النّائِمَ عَلى هَيْئَتِهِ، وهو يَرى في مَنامِهِ ما يَنْعَمُ بِهِ أوْ يَتَألَّمُ بِهِ. ونَقَلَ السُّهَيْلِيُّ في كِتابِ (دَلائِلِ النُّبُوَّةِ) مِن تَأْلِيفِهِ، حِكايَةً عَنْ بَعْضِ الصَّحابَةِ، أنَّهُ حَفَرَ في مَكانٍ، فانْفَتَحَتْ طاقَةٌ، فَإذا شَخْصٌ جالِسٌ عَلى سَرِيرٍ وبَيْنَ يَدَيْهِ مُصْحَفٌ يَقْرَأُ فِيهِ وأمامَهُ رَوْضَةٌ خَضْراءُ، وذَلِكَ بِأُحُدٍ، وعَلِمَ أنَّهُ مِنَ الشُّهَداءِ؛ لِأنَّهُ رَأى في صَفْحَةِ وجْهِهِ جُرْحًا. وإذا ثَبَتَ أنَّ الشُّهَداءَ أحْياءٌ، إمّا أرْواحُهم، وإمّا أجْسادُهم وأرْواحُهم، فاخْتُلِفَ في مُسْتَقَرِّها. فَقِيلَ: قُبُورُهم يُرْزَقُونَ فِيها. وقِيلَ: في قِبابٍ بِيضٍ في الجَنَّةِ يُرْزَقُونَ فِيها، قالَهُ أبُو بَشّارٍ السُّلَمِيُّ. وقِيلَ: في طَيْرٍ بِيضٍ تَأْكُلُ مِن ثِمارِ الجَنَّةِ ومَساكِنُهم سِدْرَةُ المُنْتَهى، قالَهُ قَتادَةُ. وقِيلَ: يَأْكُلُونَ مِن ثَمَرِ الجَنَّةِ ويَجِدُونَ رِيحَها، ولَيْسُوا فِيها، قالَهُ مُجاهِدٌ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «الشُّهَداءُ عَلى نَهْرٍ بِبابِ الجَنَّةِ في قُبَّةٍ خَضْراءَ» . ورُوِيَ: في رَوْضَةٍ خَضْراءَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ رِزْقُهم مِنَ الجَنَّةِ بُكْرَةً وعَشِيًّا. ورُوِيَ عَنْهُ ﷺ: «أنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ في طَيْرٍ خُضْرٍ تُعَلَّقُ مِن ثَمَرِ الجَنَّةِ، وأنَّهم في قَنادِيلَ مِن ذَهَبٍ، وأنَّهم في قُبَّةٍ خَضْراءَ» . وإذا صَحَّ ذَلِكَ فَهي أحْوالٌ لِطَوائِفَ مِنَ الشُّهَداءِ، أوْ في أوْقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ. والجُمْهُورُ: عَلى أنَّهم في الجَنَّةِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ ﷺ لِأُمِّ حارِثَةَ: ”إنَّهم في الفِرْدَوْسِ“ . ومَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ: أنَّ الأرْواحَ لا تَفْنى، وأنَّها باقِيَةٌ بَعْدَ خُرُوجِها مِنَ البَدَنِ. فَأرْواحُ أهْلِ السَّعادَةِ مُنَعَّمَةٌ إلى يَوْمِ الدِّينِ، وأرْواحُ أهْلِ الشَّقاوَةِ مُعَذَّبَةٌ إلى يَوْمِ الدِّينِ.
والفَرْقُ بَيْنَ الشَّهِيدِ وغَيْرِهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ إنَّما هو الرِّزْقُ، فَضَّلَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ، وقالَ تَعالى في حَقِّ الكُفّارِ: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦] . وقالَ الحَسَنُ: الشُّهَداءُ أحْياءٌ عِنْدَ اللَّهِ، تُعْرَضُ أرْزاقُهم عَلى أرْواحِهِمْ، فَيَصِلُ إلَيْهِمُ الرَّوْحُ والفَرَحُ، كَما تُعْرَضُ النّارُ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ غُدْوَةً وعَشِيًّا، فَيَصِلُ إلَيْهِمُ الوَجَعُ. وقالُوا: يَجُوزُ أنْ يَجْمَعَ اللَّهُ مِن أجْزاءِ الشَّهِيدِ جُمْلَةً فَيُحْيِيها ويُوصِلَ إلَيْها النَّعِيمَ، وإنْ كانَتْ في حَجْمِ الذَّرَّةِ. ولَمْ تَتَعَرَّضِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ لِرِزْقِ أرْواحِ الشُّهَداءِ ولا لِمُسْتَقَرِّها، وإنَّما جَرى ذِكْرُ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ، اتِّباعًا لِلْمُفَسِّرِينَ، حَيْثُ تَكَلَّمُوا في ذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ، وإلّا فَمَظِنَّةُ الكَلامِ عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، حَيْثُ ذَكَرَ العِنْدِيَّةَ والرِّزْقَ، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾، العُمُومُ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في شُهَداءِ بَدْرٍ، كانُوا أرْبَعَةَ عَشَرَ، ولا يُخَصَّصُ هَذا العُمُومُ بِهَذا السَّبَبِ، بَلِ العِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ تَسْلِيَةٌ لِأقْرِباءِ الشُّهَداءِ وإخْوانِهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِذِكْرِ أنَّهم أحْياءٌ، فَهم مَغْبُوطُونَ لا مَحْزُونٌ عَلَيْهِمْ.
﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ ونَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ والأنْفُسِ والثَّمَراتِ﴾: تَقَدَّمَ أنَّ الِابْتِلاءَ: هو الِاخْتِبارُ، لِيُعْلَمُ ما يَكُونُ مِن حالِ المُخْتَبَرِ، وهَذا مُسْتَحِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى، وإنَّما مَعْناهُ هُنا: الإجابَةُ، والضَّمِيرُ الَّذِي لِلْخِطابِ. قِيلَ: هو لِلصَّحابَةِ فَقَطْ، قالَهُ عَطاءٌ. خاطَبَهم بِذَلِكَ بَعْدَ الهِجْرَةِ، وأخْبَرَهم بِذَلِكَ قَبْلَ وُقُوعِهِ تَطْمِينًا لِقُلُوبِهِمْ؛ لِأنَّهُ إذا تَقَدَّمَ العِلْمُ بِالواقِعِ، كانَ قَدِ اسْتَعَدَّ لَهُ، بِخِلافِ الأشْياءِ الَّتِي تُفاجِئُ، فَإنَّها أصْعَبُ عَلى النَّفْسِ، وزِيادَةَ ثَوابٍ وأجْرٍ عَلى ما يَحْصُلُ لَهم مِنِ انْتِظارِ المُصِيبَةِ، وإخْبارًا بِمُغَيَّبٍ يَقَعُ وفْقَ ما أخْبَرَ، وتَمْيِيزًا لِمَن أسْلَمَ مُرِيدًا وجْهَ اللَّهِ مِمَّنْ نافَقَ، وازْدِيادَ إخْلاصٍ في حالِ البَلاءِ عَلى إخْلاصِهِ في حالِ العافِيَةِ، وحَمْلًا لِمَن لَمْ يُسْلِمْ عَلى النَّظَرِ في دَلائِلَ الإسْلامِ، إذْ رَأى هَؤُلاءِ المُبْتَلِينَ صابِرِينَ عَلى دِينِهِمْ ثابِتِي الجَأْشِ فِيهِ، مَعْ ما ابْتُلُوا بِهِ. وقِيلَ: هَؤُلاءِ أهْلُ مَكَّةَ، خاطَبَهم بِذَلِكَ إعْلامًا أنَّهُ أجابَ دَعْوَةَ نَبِيَّهُ ﷺ فِيهِمْ، ولِيَبْقُوا يَتَوَقَّعُونَ المُصِيبَةَ، فَتُضاعَفُ عَلَيْهِمُ المُصِيباتُ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لِلْأُمَّةِ، ويَكُونُ آخِرَ الزَّمانِ، قالَ كَعْبٌ: يَأْتِي عَلى النّاسِ زَمانٌ لا تَحْمِلُ النَّخْلَةُ إلّا ثَمَرَةً، يَكُونُ هَذا الإخْبارُ تَحْذِيرًا ومَوْعِظَةً عَلى الرُّكُونِ إلى الدُّنْيا وزَهْرَتِها، ويَكُونُ إخْبارًا بِالمُغَيَّباتِ. وقِيلَ: الخِطابُ لا يُرادُ بِهِ مُعَيَّنٌ، بَلْ هو عامٌّ، لا يَتَقَيَّدُ بِزَمانٍ ولا (p-٤٥٠)بِمُخاطَبٍ خاصٍّ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولَنُصِيبَنَّ بِكَذا، فَيَكُونُ في ذَلِكَ تَحْذِيرٌ، وأنَّهُ لِلصَّحابَةِ وغَيْرِهِمْ.
وهَذِهِ الآيَةُ لَها تَعَلُّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] الآيَةَ، وقَبْلَها: ﴿واشْكُرُوا لِي﴾ [البقرة: ١٥٢]، والشُّكْرُ يُوجِبُ زِيادَةَ النِّعَمِ، والِابْتِلاءُ بِما ذُكِرَ يُنافِيهِ ظاهِرًا، وتَوْجِيهُهُ أنَّ إتْمامَ الشَّرائِعِ إتْمامٌ لِلنِّعْمَةِ ولِذَلِكَ يُوجِبُ الشُّكْرَ، والقِيامُ بِتِلْكَ الشَّرائِعِ لا يُمْكِنُ إلّا بِتَحَمُّلِ المَشاقِّ، فَأمَرَ فِيها بِالصَّبْرِ، وأنَّهُ أنْعَمَ عَلَيْهِ أوَّلًا فَشَكَرَ، وابْتُلِيَ ثانِيًا فَصَبَرَ، لِيَنالَ دَرَجَتَيِ الشُّكْرِ والصَّبْرِ، فَيَكْمُلُ إيمانُهُ. كَما رُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «الإيمانُ نِصْفانِ: نِصْفٌ صَبْرٌ، ونِصْفٌ شُكْرٌ» . بِشَيْءٍ: مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾، والباءُ فِيهِ لِلْإلْصاقِ، وأفْرَدَهُ لِيَدُلَّ عَلى التَّقْلِيلِ، إذْ لَوْ جَمَعَهُ فَقالَ: بِأشْياءَ، لاحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ ضُرُوبًا مِن كُلِّ واحِدٍ مِمّا بَعْدَهُ. وقَدْ قَرَأ الضَّحّاكُ: بِأشْياءَ، فَلا يَكُونُ حَذْفٌ فِيما بَعْدَها، فَيَكُونُ ”مِن“ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، بِخِلافِ قِراءَةِ الجُمْهُورِ: بِشَيْءٍ، فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ حَذْفٍ أيْ شَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ، وشَيْءٍ مِنَ الجُوعِ، وشَيْءٍ مِن نَقْصٍ. والمَعْنى في هَذِهِ القِراءَةِ: ولَنَبْلُوَنَّكم بِطَرَفٍ مِن كَذا وكَذا. والخَوْفُ: خَوْفُ العَدُوِّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَدْ حَصَلَ الخَوْفُ الشَّدِيدُ في وقْعَةِ الأحْزابِ. وقالَ الشّافِعِيُّ: هو خَوْفُ اللَّهِ تَعالى. والجُوعُ: القَحْطُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، عَبَّرَ بِالمُسَبَّبِ عَنِ السَّبَبِ. وقِيلَ: الجُوعُ: الفَقْرُ، عَبَّرَ بِالمُسَبَّبِ عَنِ السَّبَبِ أيْضًا. وقالَ الشّافِعِيُّ: هو صِيامُ شَهْرِ رَمَضانَ. ونَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ: بِالخُسْرانِ والهَلاكِ. وقالَ الشّافِعِيُّ: بِالصَّدَقاتِ. والأنْفُسِ: بِالقَتْلِ والمَوْتِ. وقالَ الشّافِعِيُّ: بِالأمْراضِ، وقِيلَ: بِالشَّيْبِ. والثَّمَراتِ: يَعْنِي الجَوائِحَ في الثَّمَراتِ، وقِلَّةَ النَّباتِ، وانْقِطاعَ البَرَكاتِ. وقالَ القَفّالُ: قَدْ يَكُونُ نَقْصُها بِالجُدُوبِ، وقَدْ يَكُونُ بِتَرْكِ عِمارَةِ الضِّياعِ لِلِاشْتِغالِ بِالجِهادِ، وقَدْ يَكُونُ بِالإنْفاقِ عَلى مَن يَرِدُ مِنَ الوُفُودِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقِيلَ: بِظُهُورِ العَدُوِّ عَلَيْهِمْ. وقالَ الشّافِعِيُّ: والثَّمَراتُ: مَوْتُ الأوْلادِ؛ لِأنَّ ولَدَ الرَّجُلِ ثَمَرَةُ قَلْبِهِ. وفي حَدِيثِ أبِي مُوسى، «أنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ إذا ماتَ ولَدُ العَبْدِ: ”أقَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤادِهِ“» ؟ .
وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ: مُؤَنُ الجِهادِ وكُلَفُهُ، فالخَوْفُ مِنَ العَدُوِّ، والجُوعُ بِهِ وبِالأسْفارِ إلَيْهِ، ونَقْصُ الأمْوالِ بِالنَّفَقاتِ فِيهِ، والأنْفُسِ بِالقَتْلِ، والثَّمَراتِ بِإصابَةِ العَدُوِّ لَها، أوِ الغَفْلَةِ عَنْها بِسَبَبِ الجِهادِ. انْتَهى كَلامُهُ. وعَطَفَ ”ونَقْصٍ“ عَلى قَوْلِهِ: ”بِشَيْءٍ“، أيْ: ولَنَمْتَحِنَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ وبِنَقْصٍ، ويُحَسِّنُ العَطْفُ تَنْكِيرَها، عَلى أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الخَوْفِ والجُوعِ فَيَكُونَ تَقْدِيرُهُ: وشَيْءٍ مِن نَقْصٍ. ومِنَ الأمْوالِ: مُتَعَلِّقٌ بِنَقْصٍ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرُ نَقَصَ، وهو يَتَعَدّى إلى واحِدٍ، وقَدْ حُذِفَ، أيْ: ونَقْصِ شَيْءٍ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِنَقْصٍ. وتَكُونَ مِن لِابْتِداءِ الغايَةِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِذَلِكَ المَحْذُوفِ، أيْ ونَقْصِ شَيْءٍ مِنَ الأمْوالِ، وتَكُونُ مِن إذْ ذاكَ لِلتَّبْعِيضِ. وقالُوا: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن عِنْدَ الأخْفَشِ زائِدَةً، أيْ ونَقْصِ الأمْوالِ والأنْفُسِ والثَّمَراتِ. وأتى بِالجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ مُقْسِمًا عَلَيْها، تَأْكِيدًا لِوُقُوعِ الِابْتِلاءِ، وإسْنادُ الفِعْلِ إلَيْهِ صَرِيحٌ في إضافَةِ أسْبابِ البَلايا إلَيْهِ. وأنَّ هَذِهِ المِحَنَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ووَعْدَهُ بِها المُؤْمِنِينَ يَدُلُّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ عُقُوباتٍ، بَلْ إذا قارَنَها الصَّبْرُ أفادَتْ دَرَجَةً عالِيَةً في الدِّينِ. وجاءَ هَذا التَّرْتِيبُ في العَطْفِ عَلى سَبِيلِ التَّرَقِّي: فَأخْبَرَ أوَّلًا بِالِابْتِلاءِ بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ، وهو تَوَقُّعُ ما يَرِدُ مِنَ المَكْرُوهِ. ثُمَّ انْتَقَلَ مِنهُ إلى الِابْتِلاءِ بِشَيْءٍ مِنَ الجُوعِ، وهو أشَدُّ مِنَ الخَوْفِ بِأيِّ تَفْسِيرٍ فُسِّرَ بِهِ مِنَ القَحْطِ، أوِ الفَقْرِ، أوِ الحاجَةِ إلى الأكْلِ، إلّا عَلى تَفْسِيرِ الشّافِعِيِّ، وهو صَوْمُ رَمَضانَ. ولا تَرَقِّيَ بَيْنَ نَقْصٍ وشَيْءٍ، عَلى ما اخْتارَهُ مِن عَطْفِ نَقْصٍ عَلى بِشَيْءٍ، بَلِ التَّرَقِّي في العَطْفِ بَعْدَ ”ونَقْصٍ“ فَبَدَأ أوَّلًا بِالأمْوالِ، ثُمَّ تَرَقّى إلى الأنْفُسِ. وأمّا ”والثَّمَراتِ“، فَجاءَ كالتَّخْصِيصِ بَعْدَ التَّعْمِيمِ؛ لِأنَّها تَنْدَرِجُ تَحْتَ الأمْوالِ، فَلا تَرَقِّيَ فِيها.
﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾: خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، أوْ لِكُلِّ مَن تَتَأتّى مِنهُ البِشارَةُ، أيْ عَلى الجِهادِ بِالنَّصْرِ، أوْ عَلى الطّاعَةِ بِالجَزاءِ، (p-٤٥١)أوْ عَلى المَصائِبِ بِالثَّوابِ، أقْوالٌ: والأحْسَنُ عَدَمُ التَّقْيِيدِ، أيْ كُلُّ مَن صَبَرَ صَبْرًا مَحْمُودًا شَرْعًا، فَهو مُنْدَرِجٌ في الصّابِرِينَ. قالُوا: والصَّبْرُ مِن خَواصِّ الإنْسانِ؛ لِأنَّهُ يَتَعارَضُ فِيهِ العَقْلُ والشَّهْوَةُ، وهو بَدَنِيٌّ. وهو: إمّا فِعْلِيٌّ، كَتَعاطِي الأعْمالِ الشّاقَّةِ، وإمّا احْتِمالٌ، كالصَّبْرِ عَلى الضَّرْبِ الشَّدِيدِ، ونَفْسِيٌّ، وهو قَمْعُ النَّفْسِ عَنْ مُشْتَهَياتِ الطَّبْعِ. فَإنْ كانَ مِن شَهْوَةِ الفَرْجِ والبَطْنِ، سُمِّيَ عِفَّةً. وإنْ كانَ مِنِ احْتِمالِ مَكْرُوهٍ، اخْتَلَفَتْ أسامِيهِ بِاخْتِلافِ المَكْرُوهِ. فَفي المُصِيبَةِ يُقْتَصَرُ عَلَيْهِ بِاسْمِ الصَّبْرِ، ويُضادُّهُ الجَزَعُ. وإنْ كانَ في الغِنى، سُمِّيَ ضَبْطَ النَّفْسِ، ويُضادُّهُ البَطَرُ. وإنْ كانَ في حَرْبٍ، سُمِّيَ شَجاعَةً، ويُضادُّهُ الجُبْنُ. وإنْ كانَ في نائِبَةٍ مُضْجِرَةٍ، سُمِّي سَعَةَ صَدْرٍ، ويُضادُّهُ الضَّجَرُ. وإنْ كانَ في إخْفاءِ كَلامٍ، سُمِّيَ كِتْمانًا، ويُضادُّهُ الإعْلانُ. وإنْ كانَ في فُضُولِ الدُّنْيا، سُمِّيَ زُهْدًا، ويُضادُّهُ الحِرْصُ. وإنْ كانَ عَلى يَسِيرٍ مِنَ المالِ، سُمِّي قَناعَةً، ويُضادُّهُ الشَّرَهُ. وقَدْ جَمَعَ اللَّهُ أقْسامَ ذَلِكَ وسَمّى جَمِيعَها صَبْرًا، فَقالَ: ﴿والصّابِرِينَ في البَأْساءِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، أيِ المُصِيبَةِ، والضَّرّاءِ أيِ الفَقْرِ ﴿وحِينَ البَأْسِ﴾ [البقرة: ١٧٧] أيِ المُحارَبَةِ. قالَ القَفّالُ: لَيْسَ الصَّبْرُ أنْ لا يَجِدَ الإنْسانُ ألَمَ المَكْرُوهِ، ولا أنْ لا يَكْرَهَ ذَلِكَ، إنَّما هو حَمْلُ النَّفْسِ عَلى تَرْكِ إظْهارِ الجَزَعِ، وإنْ ظَهَرَ دَمْعُ عَيْنٍ، أوْ تَغَيُّرُ لَوْنٍ، ولَوْ ظَهَرَ مِنهُ أوَّلُ ما لا يُعَدُّ مَعَهُ صابِرًا ثُمَّ صَبَرَ، لَمْ يُعَدَّ ذَلِكَ إلّا سِلْوانًا.
﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ﴾: يَجُوزُ في: ”الَّذِينَ“ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى النَّعْتِ لِلصّابِرِينَ، وهو ظاهِرُ الإعْرابِ، أوْ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ، فَيَكُونُ مَقْطُوعًا، أوْ مَرْفُوعًا عَلى إضْمارِ هم، عَلى وجْهَيْنِ: إمّا عَلى القَطْعِ، وإمّا عَلى الِاسْتِئْنافِ، كَأنَّهُ جَوابٌ لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: مَنِ الصّابِرُونَ ؟ قِيلَ: هُمُ الَّذِينَ إذا. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ الَّذِينَ مُبْتَدَأً، وأُولَئِكَ عَلَيْهِمْ خَبَرُهُ، وهو مُحْتَمَلٌ. مُصِيبَةٌ: اسْمُ فاعِلٍ مِن أصابَتْ، وصارَ لَها اخْتِصاصٌ بِالشَّيْءِ المَكْرُوهِ، وصارَتْ كِنايَةً عَنِ الدّاهِيَةِ، فَجَرَتْ مَجْرى الأسْماءِ ووَلِيَتِ العَوامِلَ. وأصابَتْهم: مُصِيبَةٌ مِنَ التَّجْنِيسِ المُغايِرِ، وهو أنْ يَكُونَ إحْدى الكَلِمَتَيْنِ اسْمًا والأُخْرى فِعْلًا، ومِنهُ: ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ [النجم: ٥٧]؛ ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١] . والمُصِيبَةُ: كُلُّ ما أذى المُؤْمِنَ في نَفْسٍ أوْ مالٍ أوْ أهْلٍ، صَغُرَتْ أوْ كَبُرَتْ، حَتّى انْطِفاءِ المِصْباحِ لِمَن يَحْتاجُهُ يُسَمّى مُصِيبَةً. ورُوِيَ ذَلِكَ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أنَّهُ اسْتَرْجَعَ عِنْدَ انْطِفاءِ مِصْباحِهِ» . والمَعْنى في إذا هُنا: عَلى التَّكْرارِ والعُمُومِ. وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا ذِكْرُ الخِلافِ في إذا، أتَدُلُّ عَلى التَّكْرارِ، أمْ وُضِعَتْ لِلْمَرَّةِ الواحِدَةِ ؟ قَوْلانِ لِلنَّحْوِيِّينَ.
﴿قالُوا إنّا لِلَّهِ﴾: ”قالُوا“: جَوابُ إذا، والشَّرْطُ وجَوابُهُ صِلَةٌ لِلَّذِينَ. ”وإنّا“: أصْلُهُ إنَّنا؛ لِأنَّها إنْ دَخَلَتْ عَلى الضَّمِيرِ المَنصُوبِ المُتَّصِلِ، فَحُذِفَتْ نُونٌ مِن إنَّ. ويَنْبَغِي أنْ تَكُونَ المَحْذُوفَةُ هي الثّانِيَةَ؛ لِأنَّها ظَرْفٌ، ولِأنَّها عُهِدَ فِيها الحَذْفُ إذا خُفِّفَتْ، فَقالُوا: إنْ زَيْدٌ لَقائِمٌ، وهو حَذْفٌ هُنا لِاجْتِماعِ الأمْثالِ، فَلِذَلِكَ عَمِلَتْ، إذْ لَوْ كانَ مِنَ الحَذْفِ لا لِهَذِهِ العِلَّةِ؛ لانْفَصَلَ الضَّمِيرُ وارْتَفَعَ ولَمْ تَعْمَلْ؛ لِأنَّها إذا خُفِّفَتْ هَذا التَّخْفِيفَ لَمْ تَعْمَلْ في الضَّمِيرِ. ولِلَّهِ: مَعْناهُ الإقْرارُ بِالمُلْكِ والعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ، فَهو المُتَصَرِّفُ فِينا بِما يُرِيدُ مِنَ الأُمُورِ.
﴿وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾: إقْرارٌ بِالبَعْثِ وتَنْبِيهٌ عَلى مُصِيبَةِ المَوْتِ الَّتِي هي أعْظَمُ المَصائِبِ، وتَذْكِيرٌ أنَّ ما أصابَ الإنْسانَ دُونَها فَهو قَرِيبٌ يَنْبَغِي أنْ يَصِيرَ لَهُ. ولِلْمُفَسِّرِينَ في هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ المَقُولَتَيْنِ أقْوالٌ: أحَدُها: أنَّ نُفُوسَنا وأمْوالَنا وأهْلِينا لِلَّهِ لا يَظْلِمُنا فِيما يَصْنَعُهُ بِنا. الثّانِي: أسْلَمْنا الأمْرَ لِلَّهِ ورَضِينا بِقَضائِهِ، ﴿وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ يَعْنِي: لِلْبَعْثِ لِثَوابِ المُحْسِنِ ومُعاقَبَةِ المُسِيءِ. الثّالِثُ: راجِعُونَ إلَيْهِ في جَبْرِ المُصابِ وإجْزالِ الثَّوابِ. الرّابِعُ: أنَّ مَعْناهُ إقْرارٌ بِالمَمْلَكَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا لِلَّهِ﴾، وإقْرارٌ بِالهَلَكَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ .
وفِي المُنْتَخَبِ ما مُلَخَّصُهُ: أنَّ إسْنادَ الإصابَةِ إلى المُصِيبَةِ، لا إلى اللَّهِ تَعالى، لِيَعُمَّ ما كانَ مِنَ اللَّهِ وما كانَ مِن غَيْرِهِ. فَما كانَ مِنَ اللَّهِ فَهو داخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿إنّا لِلَّهِ﴾؛ لِأنَّ في الإقْرارِ بِالعُبُودِيَّةِ تَفْوِيضًا لِلْأُمُورِ إلَيْهِ، وما كانَ مِن غَيْرِهِ فَتَكْلِيفُهُ أنْ يَرْجِعَ إلى اللَّهِ في الإنْصافِ (p-٤٥٢)مِنهُ، ولا يَتَعَدّى، كَأنَّهُ في الأوَّلِ ﴿إنّا لِلَّهِ﴾، يُدَبِّرُ كَيْفَ يَشاءُ، وفي الثّانِي: ﴿وإنّا إلَيْهِ﴾، يُنْصِفُ لَنا كَيْفَ يَشاءُ. وقِيلَ: ﴿إنّا لِلَّهِ﴾، دَلِيلٌ عَلى الرِّضا بِما نَزَلَ بِهِ في الحالِ، ﴿وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾، دَلِيلٌ عَلى الرِّضا في الحالِ بِكُلِّ ما سَيَنْزِلُ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ. واشْتَمَلَتِ الآيَةُ عَلى فَرْضٍ ونَفْلٍ. فالفَرْضُ: التَّسْلِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ، والرِّضا بِقَدَرِهِ، والصَّبْرُ عَلى أداءِ فَرائِضِهِ. والنَّفْلُ: إظْهارُ القَوْلِ ﴿إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾، وفي إظْهارِهِ فَوائِدُ مِنها: غَيْظُ الكُفّارِ لِعِلْمِهِمْ بِجِدِّهِ في طاعَةِ اللَّهِ.
﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ﴾، أُولَئِكَ مُبْتَدَأٌ، وصَلَواتٌ: ارْتِفاعُها عَلى الفاعِلِ بِالجارِّ والمَجْرُورِ، أيْ: أُولَئِكَ مُسْتَقِرَّةٌ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ، فَيَكُونُ قَدْ أخْبَرَ عَنِ المُبْتَدَأِ بِالمُفْرَدِ، وهَذا أوْلى مِن جَعْلِ صَلَواتٍ مُبْتَدَأً، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ خَبَرِهِ. والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ خَبَرِ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ إخْبارًا عَنِ المُبْتَدَأِ بِالجُمْلَةِ. والصَّلاةُ مِنَ اللَّهِ: المَغْفِرَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ أوِ الثَّناءُ، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ، أوِ الغُفْرانُ والثَّناءُ الحَسَنُ، قالَهُ الزَّجّاجُ. والرَّحْمَةُ: قِيلَ هي الصَّلَواتُ، كُرِّرَتْ تَأْكِيدًا لَمّا اخْتَلَفَ اللَّفْظُ، كَقَوْلِهِ ﴿رَأْفَةً ورَحْمَةً﴾ [الحديد: ٢٧] . وقِيلَ: ”الرَّحْمَةُ“: كَشْفُ الكُرْبَةِ وقَضاءُ الحاجَةِ. وقالَ عُمَرُ: نِعْمَ العَدْلانِ ونِعْمَ العِلاوَةُ، وتَلا: ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهُمْ﴾ الآيَةَ، يَعْنِي بِالعَدْلَيْنِ: الصَّلَواتِ والرَّحْمَةَ، وبِالعِلاوَةِ: الِاهْتِداءَ. وفي قَوْلِهِ: أُولَئِكَ، اسْمُ الإشارَةِ المَوْضُوعُ لِلْبُعْدِ دَلالَةً عَلى بُعْدِ هَذِهِ الرُّتْبَةِ، كَما جاءَ: ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] . والكِنايَةُ عَنْ حُصُولِ الغُفْرانِ والثَّناءِ بِقَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ﴾ بِحَرْفِ عَلى، إشارَةً إلى أنَّهم مُنْغَمِسُونَ في ذَلِكَ، قَدْ غَشِيَتْهم وتَجَلَّلَتْهم، وهو أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ لَهم. وجَمَعَ صَلَواتٍ، لِيَدُلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مُطْلَقَ صَلاةٍ، بَلْ صَلاةٌ بَعْدَ صَلاةٍ، ونُكِّرَتْ لِأنَّهُ لا يُرادُ العُمُومُ. ووَصَفَها بِكَوْنِها مِن رَبِّهِمْ، لِيَدُلَّ بِمِن عَلى ابْتِدائِها مِنَ اللَّهِ، أيْ تَنْشَأُ تِلْكَ الصَّلَواتُ وتَبْتَدِئُ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِن تَبْعِيضِيَّةً، فَيَكُونُ ثَمَّ حَذْفَ مُضافٍ، أيْ ”صَلَواتٌ مِن صَلَواتِ رَبِّهِمْ“ . وأتى بِلَفْظِ الرَّبِّ، لِما فِيهِ مِن دَلالَةِ التَّرْبِيَةِ والنَّظَرِ لِلْعَبْدِ فِيما يُصْلِحُهُ ويُرَبِّهِ بِهِ. وإنْ كانَ أُرِيدَ بِالرَّحْمَةِ الصَّلَواتُ، فَلا يَحْتاجُ إلى تَقْيِيدٍ بِصِفَةٍ مَحْذُوفَةٍ؛ لِأنَّها قَدْ تَقَيَّدَتْ. وإنْ كانَ أُرِيدَ بِها ما يُغايِرُ الصَّلَواتِ، فَيُقَدَّرُ: ورَحْمَةٌ مِنهُ، فَيَكُونُ قَدْ حُذِفَتِ الصِّفَةُ لِما تَقَدَّمَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: (مِن رَبِّهِمْ)، مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: (عَلَيْهِمْ)، فَلا يَكُونُ صِفَةً، بَلْ يَكُونُ مَعْمُولًا لِلرّافِعِ لِصَلَواتٍ، وتَرَتَّبَ عَلى مَقامِ الصَّبْرِ ومَقالِ هَذِهِ الكَلِماتِ الدّالَّةِ عَلى التَّفْوِيضِ لِلَّهِ تَعالى، هَذا الجَزاءُ الجَزِيلُ والثَّناءُ الجَمِيلُ.
وقَدْ جاءَ في السُّنَّةِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «مَنِ اسْتَرْجَعَ عِنْدَ المُصِيبَةِ، جَبَرَ اللَّهُ مُصِيبَتَهُ، وأحْسَنَ عُقْباهُ، وجَعَلَ لَهُ خَلَفًا صالِحًا يَرْضاهُ» . وفي حَدِيثٍ آخَرَ: «مَن تَذَكَّرَ مُصِيبَتَهُ، فَأحْدَثَ اسْتِرْجاعًا، وإنْ تَقادَمَ عَهْدُها، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مِنَ الأجْرِ مِثْلَهُ يَوْمَ أُصِيبَ» . وحَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ مَشْهُورٌ، حَيْثُ أخْلَفَها اللَّهُ عَنْ أبِي سَلَمَةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: ما أُعْطِيَ أحَدٌ في المُصِيبَةِ ما أُعْطِيَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ، ولَوْ أُعْطِيها أحَدٌ قَبْلَها لِأُعْطِيَها يَعْقُوبُ. ألا تَرى كَيْفَ قالَ حِينَ فَقَدَ يُوسُفَ ؟ ﴿ياأسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤] .
﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾: إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ عَنْهم بِالهِدايَةِ، ومَن أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ بِالهِدايَةِ فَلَنْ يَضِلَّ أبَدًا. وهَذِهِ جُمْلَةٌ ثابِتَةٌ تَدُلُّ عَلى الِاعْتِناءِ بِأمْرِ المُخْبَرِ عَنْهُ، إذْ كُلُّ وصْفٍ لَهُ يَبْرُزُ في جُمْلَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ. وبُدِئَ بِالجُمْلَةِ الأُولى؛ لِأنَّها أهَمُّ في حُصُولِ الثَّوابِ المُتَرَتِّبِ عَلى الوَصْفِ الَّذِي قَبْلَهُ، وأُخِّرَتْ هَذِهِ؛ لِأنَّها تَنَزَّلَتْ مِمّا قَبْلَها مَنزِلَةَ العِلَّةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ القَوْلَ المُتَرَتِّبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الجَزاءُ الجَزِيلُ لا يَصْدُرُ إلّا عَمَّنْ سَبَقَتْ هِدايَتُهُ. وأُكِّدَ بِقَوْلِهِ: ”هم“ .، وبِالألِفِ واللّامِ، كَأنَّ الهِدايَةَ انْحَصَرَتْ فِيهِمْ وبِاسْمِ الفاعِلِ، لِيَدُلَّ عَلى الثُّبُوتِ؛ لِأنَّ الهِدايَةَ لَيْسَتْ مِنَ الأفْعالِ المُتَجَدِّدَةِ وقْتًا بَعْدَ وقْتٍ فَيُخْبَرُ عَنْها بِالفِعْلِ، بَلْ هي وصْفٌ ثابِتٌ. وقِيلَ: ”المُهْتَدُونَ“ في اسْتِحْقاقِ الثَّوابِ وإجْزالِ الأجْرِ. وقِيلَ: إلى تَسْهِيلِ المُصابِ وتَخْفِيفِ الحُزْنِ. وقِيلَ: إلى الِاسْتِرْجاعِ. وقِيلَ: إلى الحَقِّ والصَّوابِ، وهَذِهِ التَّقْيِيداتُ لا دَلالَةَ عَلَيْها في (p-٤٥٣)اللَّفْظِ، فالأوْلى الحَمْلُ عَلى الهِدايَةِ الَّتِي هي الإيمانُ، ونَظِيرُ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ قَوْلُهُ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥] . والكَلامُ في إعْرابِ: ”هُمُ المُهْتَدُونَ“، كالكَلامِ عَلى: ”هُمُ المُفْلِحُونَ“، وقَدْ تَقَدَّمَ.
(وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ الكَرِيمَةُ) مَزِيدَ التَّوْكِيدِ في الأمْرِ بِتَوْلِيَةِ وجْهِهِ مِن حَيْثُ خَرَجَ ﷺ شَطْرَ المَسْجِدِ، وبِتَوْلِيَتِهِمْ وُجُوهَهم شَطْرَهُ لِلِاعْتِناءِ بِأمْرِ نَسْخِ القِبْلَةِ، حَيْثُ كانَ النَّسْخُ صَعْبًا عَلى النُّفُوسِ، حَيْثُ ألِفُوا أمْرًا، وأُمِرُوا بِتَرْكِهِ والِانْتِقالِ إلى غَيْرِهِ، وخُصُوصًا عِنْدَ مَن لا يَرى النَّسْخَ. فَلِذَلِكَ كُرِّرَ وأنَّهُ تَعالى أمَرَ بِذَلِكَ وفِعْلِهِ؛ لِانْتِفاءِ حُجَجِ النّاسِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ إذا كانَ بِأمْرٍ مِنهُ تَعالى لَمْ تَبْقَ لِأحَدٍ حُجَّةٌ عَلى مُمْتَثِلِ أمْرِ اللَّهِ؛ لِأنَّ أمْرَ اللَّهِ ثانِيًا كَأمْرِهِ أوَّلًا. وهو قَدْ أمَرَ أوَّلًا بِاسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ، وأمَرَ آخِرًا بِاسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ. فَلا فَرْقَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، ولا حُجَّةَ لِمَن خالَفَ. واسْتَثْنى مِنَ النّاسِ مَن ظَلَمَ؛ لِأنَّهُ لا تَنْقَطِعُ حُجَجُهُ وإنْ كانَتْ باطِلَةً، ولا تَشْغِيباتُهُ وتَمْوِيهاتُهُ؛ لِأنَّهُ قامَ بِهِ وصْفٌ يَمْنَعُهُ مِن إدْراكِ الحَقِّ والبَلْجُ بِهِ، ثُمَّ أمَرَهم تَعالى بِخَشْيَتِهِ، ونَهاهم عَنْ خَشْيَةِ النّاسِ؛ لِأنَّهم إذا خَشُوا اللَّهَ تَعالى امْتَثَلُوا أوامِرَهُ واجْتَنِبُوا مَناهِيَهُ. وعَطَفَ عَلى تِلْكَ العِلَّةِ عِلَّةً أُخْرى، وهي إتْمامُ النِّعْمَةِ بِاسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ إذْ في ذَلِكَ اتِّباعُ أبِيكم إبْراهِيمَ، والرُّجُوعُ إلى المَأْلُوفِ، ولِتَحْصِيلِ الهِدايَةِ. وشَبَّهَ هَذا الإتْمامَ بِإتْمامِ نِعْمَةِ إرْسالِ الرَّسُولِ مِنهم فِيهِمْ، إذْ هَذِهِ النِّعْمَةُ هي الأصْلُ، وهي مَنبَعُ النِّعَمِ والهِدايَةِ، ثُمَّ وصَفَ المُرْسَلُ إلَيْهِمْ بِتِلْكَ الأوْصافِ الجَلِيلَةِ الَّتِي رُزِقُوا مِنها الحَظَّ الأكْمَلَ، وهي تِلاوَةُ الكِتابِ عَلَيْهِمْ: ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١] فَكَيْفَ بِمَزِيدِ التَّزْكِيَةِ والتَّعْلِيمِ اللَّذَيْنِ بِهِما تَحْصُلُ الطَّهارَةُ مَنِ الأرْجاسِ، والحَياةُ السَّرْمَدِيَّةُ في النّاسِ ؟
؎أخُو العِلْمِ حَيٌّ خالِدٌ بَعْدَ مَوْتِهِ وأوْصالُهُ تَحْتَ التُّرابِ رَمِيمُ
وقالَ آخَرٌ:
؎مَحَلُّ العَلَمِ لا يَأْوِي تُرابًا ∗∗∗ ولا يَبْلى عَلى الزَّمَنِ القَدِيمِ
ثُمَّ أمَرَهم تَعالى بِالذِّكْرِ لِهَذِهِ النِّعَمِ لِئَلّا يَنْسَوْها، وبِالشُّكْرِ عَلَيْها لِأنْ يَزِيدَهم مِنَ النِّعَمِ، ثُمَّ نَهاهم عَنْ كُفْرانِها؛ لِأنَّ كُفْرانَ النِّعَمِ يَقْتَضِي زَوالَها واسْتِحْقاقَ العَذابِ الشَّدِيدِ عَلَيْهِ. ثُمَّ نادى مَنِ اتَّصَفَ بِالإيمانِ، وهو ثانِي نِداءٍ لِلْمُؤْمِنِينَ في هَذِهِ السُّورَةِ، لِيُقْبِلُوا عَلى ما يَأْمُرُهم بِهِ. فَأمَرَهم بِالِاسْتِعانَةِ بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ؛ لِأنَّ الِاسْتِعانَةَ بِهِما تُحَصِّلُ سَعادَةَ الدُّنْيا والآخِرَةِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ مَعَ مَن صَبَرَ ثُمَّ نَهاهم عَنْ أنْ يَقُولُوا لِلشُّهَداءِ إنَّهم أمْواتٌ، وأخْبَرَ أنَّهم أحْياءٌ، فَوَجَبَ تَصْدِيقُ ما أخْبَرَ بِهِ، وذَكَرَ أنّا لا نَشْعُرُ نَحْنُ بِحَياتِهِمْ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يَبْتَلِيهِمْ بِما يَظْهَرُ مِنهم فِيهِ الصَّبْرُ، وهو شَيْءٌ مِنَ البَلايا الَّتِي ذَكَرَها تَعالى. ثُمَّ أمَرَ نَبِيَّهُ أنْ يُبَشِّرَ الصّابِرِينَ عَلى ما ابْتُلُوا بِهِ، المُسَلِّمِينَ لِقَضاءِ اللَّهِ اعْتِقادًا وقَوْلًا صَرِيحًا أنَّهم عَبِيدُ اللَّهِ ومَمالِيكُهُ، وإلَيْهِ مَآبُهم ومَرْجِعُهم، يَتَصَرَّفُ فِيهِمْ كَما أرادَ. ثُمَّ خَتَمَ ذَلِكَ بِأنَّ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذا الوَصْفِ، فَعَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ الصَّلاةُ والرَّحْمَةُ، وهو المُهْتَدِي الَّذِي ثَبَتَتْ هِدايَتُهُ ورَسَخَتْ.
البقرة 2:157
(p-٤٤٨)﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾، قِيلَ: سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا: سَيَرْجِعُ مُحَمَّدٌ إلى دِينِنا، كَما رَجَعَ إلى قِبْلَتِنا. هَزَّهم بِهَذا النِّداءِ المُتَضَمِّنِ هَذا الوَصْفَ الشَّرِيفَ، وهو الإيمانُ مَجْعُولًا فِعْلًا ماضِيًا في صِلَةِ الَّذِينَ، دالًّا عَلى الثُّبُوتِ والِالتِباسِ بِهِ في تَقَدُّمِ زَمانِهِمْ، لِيَكُونُوا أدْعى لِقَبُولِ ما يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِنَ الأمْرِ والتَّكْلِيفِ الشّاقِّ؛ لِأنَّ الصَّبْرَ والصَّلاةَ هُما رُكْنا الإسْلامِ. فالصَّبْرُ قَصْرُ النَّفْسِ عَلى المَكارِهِ والتَّكالِيفِ الشّاقَّةِ، وهو أمْرٌ قَلْبِيٌّ؛ والصَّلاةُ ثَمَرَتُهُ، وهي مِن أشَقِّ التَّكالِيفِ لِتَكَرُّرِها. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّهم سَمِعُوا مِن طَعْنِ الكُفّارِ عَلى التَّوَجُّهِ إلى الكَعْبَةِ والصَّلاةِ إلَيْها أذًى كَثِيرًا، فَأُمِرُوا عِنْدَ ذَلِكَ بِالِاسْتِعانَةِ بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ. وقَدْ قَيَّدَ بَعْضُهُمُ الصَّبْرَ هُنا: بِأنَّهُ الصَّبْرُ عَلى أذى الكُفّارِ بِالطَّعْنِ عَلى التَّحَوُّلِ والصَّلاةِ إلى الكَعْبَةِ، وبَعْضُهم بِالصَّبْرِ عَلى أداءِ الفَرائِضِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وبَعْضِهِمْ قالَ: هو كِنايَةٌ عَنِ الصَّوْمِ، ومِنهُ قِيلَ لِرَمَضانَ: شَهْرُ الصَّبْرِ، وبَعْضُهم قالَ: هو كِنايَةٌ عَنِ الجِهادِ لِقَوْلِهِ: بَعْدُ: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ﴾، وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ. والأوْلى ما قَدَّمْناهُ مِن عُمُومِ اللَّفْظِ، فَتَنْدَرِجُ هَذِهِ الأفْرادُ تَحْتَهُ. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ - أنَّهُ قالَ: الصَّبْرُ مِنِ الإيمانِ بِمَنزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الجَسَدِ، ولا خَيْرَ في جَسَدٍ لا رَأْسَ لَهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامَ عَلى شَرْحِ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ .
﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾: أيْ بِالمَعُونَةِ والتَّأْيِيدِ، كَما قالَ: ”اهْجُهم ورُوحُ القُدُسِ مَعَكَ“ . وقالَ تَعالى: ﴿لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ [التوبة: ٤٠]، ومَن كانَ اللَّهُ مَعَهُ فَهو الغالِبُ، ولَمّا كانَتِ الصَّلاةُ ناشِئَةً عَنِ الصَّبْرِ، وصارَ الصَّبْرُ أصْلًا لِجَمِيعِ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾، فانْدَرَجَ المُصَلُّونَ تَحْتَ الصّابِرِينَ انْدِراجَ الفَرْعِ تَحْتَ الأصْلِ. وأمّا قَوْلُهُ هُناكَ: ﴿وإنَّها لَكَبِيرَةٌ إلّا عَلى الخاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]، فَأعادَ الضَّمِيرَ عَلَيْها عَلى ظاهِرِ الكَلامِ؛ لِأنَّها أشْرَفُ وأشَقُّ نَتائِجِ الصَّبْرِ.
﴿ولا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ بَلْ أحْياءٌ ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾، قِيلَ: سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ قِيلَ لِمَن قُتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ: ماتَ فُلانٌ وذَهَبَ عَنْهُ نَعِيمُ الدُّنْيا ولَذَّتُها، فَأُنْزِلَتْ. نُهُوا عَنْ قَوْلِهِمْ عَنِ الشُّهَداءِ أمْواتٌ، وأخْبَرَ تَعالى أنَّهم أحْياءٌ، وارْتِفاعُ أمْواتٍ وأحْياءٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هم أمْواتٌ، بَلْ هم أحْياءٌ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَلْ أحْياءٌ، مُنْدَرِجًا تَحْتَ قَوْلٍ مُضْمَرٍ، أيْ بَلْ قُولُوا هم أحْياءٌ. لَكِنْ يُرَجَّحُ الوَجْهُ الأوَّلُ، وهو أنَّهُ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى قَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾؛ لِأنَّ مَعْناهُ: أنَّ حَياتَهم لا شُعُورَ لَكم بِها، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ حَقِيقَةُ المَوْتِ والحَياةِ. وقِيلَ: ذَلِكَ مَجازٌ. واخْتَلَفُوا فَقِيلَ: أمْواتٌ بِانْقِطاعِ الذِّكْرِ، بَلْ أحْياءٌ بِبَقائِهِ وثُبُوتِ الأجْرِ. وكانَتِ العَرَبُ تُسَمِّي مَن لا يَبْقى لَهُ ذِكْرٌ بَعْدَ مَوْتِهِ كالوَلَدِ وغَيْرِهِ مَيِّتًا. وقِيلَ: أمْواتٌ بِالضَّلالِ، بَلْ أحْياءٌ بِالطّاعَةِ والهُدى، كَما قالَ: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] . وإذا حُمِلَ المَوْتُ والحَياةُ عَلى الحَقِيقَةِ فاخْتَلَفُوا، فَقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ النَّهْيِ عَنْ قَوْلِ الجاهِلِيَّةِ: إنَّهم لا يُبْعَثُونَ، فالمَعْنى: أنَّهم سَيَحْيَوْنَ بِالبَعْثِ، فَيُثابُونَ ثَوابَ الشُّهَداءِ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ. وأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ عَلى أنَّهم أحْياءٌ في الوَقْتِ. ومَعْنى هَذِهِ الحَياةِ: بَقاءُ أرْواحِهِمْ دُونَ أجْسادِهِمْ؛ إذْ أجْسادُهم نُشاهِدُ فَسادَها وفَنائَها. واسْتَدَلُّوا عَلى بَقاءِ الأرْواحِ بِعَذابِ القَبْرِ، وبِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ مَعْناهُ: لا تَشْعُرُونَ بِكَيْفِيَّةِ حَياتِهِمْ. ولَوْ كانَ المَعْنى بِإحْياءٍ أنَّهم سَيَحْيَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ، أوْ أنَّهم عَلى هُدًى ونُورٍ، لَمْ يَظْهَرْ لِنَفْيِ الشُّعُورِ مَعْنًى، إذْ هو خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وهم قَدْ عَلِمُوا بِالبَعْثِ، وبِأنَّهم كانُوا عَلى هُدًى. فَلا يُقالُ فِيهِ: ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ؛ لِأنَّهم قَدْ شَعَرُوا بِهِ وبِقَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٧٠] .
وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ النّاسِ إلى أنَّ الشَّهِيدَ حَيُّ الجَسَدِ والرُّوحِ، ولا يَقْدَحُ في ذَلِكَ عَدَمُ الشُّعُورِ بِهِ مِنَ الحَيِّ غَيْرِهِ. فَنَحْنُ نَراهم عَلى صِفَةِ الأمْواتِ وهم أحْياءٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ (p-٤٤٩)﴾ [النمل: ٨٨]، وكَما تَرى النّائِمَ عَلى هَيْئَتِهِ، وهو يَرى في مَنامِهِ ما يَنْعَمُ بِهِ أوْ يَتَألَّمُ بِهِ. ونَقَلَ السُّهَيْلِيُّ في كِتابِ (دَلائِلِ النُّبُوَّةِ) مِن تَأْلِيفِهِ، حِكايَةً عَنْ بَعْضِ الصَّحابَةِ، أنَّهُ حَفَرَ في مَكانٍ، فانْفَتَحَتْ طاقَةٌ، فَإذا شَخْصٌ جالِسٌ عَلى سَرِيرٍ وبَيْنَ يَدَيْهِ مُصْحَفٌ يَقْرَأُ فِيهِ وأمامَهُ رَوْضَةٌ خَضْراءُ، وذَلِكَ بِأُحُدٍ، وعَلِمَ أنَّهُ مِنَ الشُّهَداءِ؛ لِأنَّهُ رَأى في صَفْحَةِ وجْهِهِ جُرْحًا. وإذا ثَبَتَ أنَّ الشُّهَداءَ أحْياءٌ، إمّا أرْواحُهم، وإمّا أجْسادُهم وأرْواحُهم، فاخْتُلِفَ في مُسْتَقَرِّها. فَقِيلَ: قُبُورُهم يُرْزَقُونَ فِيها. وقِيلَ: في قِبابٍ بِيضٍ في الجَنَّةِ يُرْزَقُونَ فِيها، قالَهُ أبُو بَشّارٍ السُّلَمِيُّ. وقِيلَ: في طَيْرٍ بِيضٍ تَأْكُلُ مِن ثِمارِ الجَنَّةِ ومَساكِنُهم سِدْرَةُ المُنْتَهى، قالَهُ قَتادَةُ. وقِيلَ: يَأْكُلُونَ مِن ثَمَرِ الجَنَّةِ ويَجِدُونَ رِيحَها، ولَيْسُوا فِيها، قالَهُ مُجاهِدٌ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «الشُّهَداءُ عَلى نَهْرٍ بِبابِ الجَنَّةِ في قُبَّةٍ خَضْراءَ» . ورُوِيَ: في رَوْضَةٍ خَضْراءَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ رِزْقُهم مِنَ الجَنَّةِ بُكْرَةً وعَشِيًّا. ورُوِيَ عَنْهُ ﷺ: «أنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ في طَيْرٍ خُضْرٍ تُعَلَّقُ مِن ثَمَرِ الجَنَّةِ، وأنَّهم في قَنادِيلَ مِن ذَهَبٍ، وأنَّهم في قُبَّةٍ خَضْراءَ» . وإذا صَحَّ ذَلِكَ فَهي أحْوالٌ لِطَوائِفَ مِنَ الشُّهَداءِ، أوْ في أوْقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ. والجُمْهُورُ: عَلى أنَّهم في الجَنَّةِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ ﷺ لِأُمِّ حارِثَةَ: ”إنَّهم في الفِرْدَوْسِ“ . ومَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ: أنَّ الأرْواحَ لا تَفْنى، وأنَّها باقِيَةٌ بَعْدَ خُرُوجِها مِنَ البَدَنِ. فَأرْواحُ أهْلِ السَّعادَةِ مُنَعَّمَةٌ إلى يَوْمِ الدِّينِ، وأرْواحُ أهْلِ الشَّقاوَةِ مُعَذَّبَةٌ إلى يَوْمِ الدِّينِ.
والفَرْقُ بَيْنَ الشَّهِيدِ وغَيْرِهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ إنَّما هو الرِّزْقُ، فَضَّلَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ، وقالَ تَعالى في حَقِّ الكُفّارِ: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦] . وقالَ الحَسَنُ: الشُّهَداءُ أحْياءٌ عِنْدَ اللَّهِ، تُعْرَضُ أرْزاقُهم عَلى أرْواحِهِمْ، فَيَصِلُ إلَيْهِمُ الرَّوْحُ والفَرَحُ، كَما تُعْرَضُ النّارُ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ غُدْوَةً وعَشِيًّا، فَيَصِلُ إلَيْهِمُ الوَجَعُ. وقالُوا: يَجُوزُ أنْ يَجْمَعَ اللَّهُ مِن أجْزاءِ الشَّهِيدِ جُمْلَةً فَيُحْيِيها ويُوصِلَ إلَيْها النَّعِيمَ، وإنْ كانَتْ في حَجْمِ الذَّرَّةِ. ولَمْ تَتَعَرَّضِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ لِرِزْقِ أرْواحِ الشُّهَداءِ ولا لِمُسْتَقَرِّها، وإنَّما جَرى ذِكْرُ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ، اتِّباعًا لِلْمُفَسِّرِينَ، حَيْثُ تَكَلَّمُوا في ذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ، وإلّا فَمَظِنَّةُ الكَلامِ عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، حَيْثُ ذَكَرَ العِنْدِيَّةَ والرِّزْقَ، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾، العُمُومُ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في شُهَداءِ بَدْرٍ، كانُوا أرْبَعَةَ عَشَرَ، ولا يُخَصَّصُ هَذا العُمُومُ بِهَذا السَّبَبِ، بَلِ العِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ تَسْلِيَةٌ لِأقْرِباءِ الشُّهَداءِ وإخْوانِهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِذِكْرِ أنَّهم أحْياءٌ، فَهم مَغْبُوطُونَ لا مَحْزُونٌ عَلَيْهِمْ.
﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ ونَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ والأنْفُسِ والثَّمَراتِ﴾: تَقَدَّمَ أنَّ الِابْتِلاءَ: هو الِاخْتِبارُ، لِيُعْلَمُ ما يَكُونُ مِن حالِ المُخْتَبَرِ، وهَذا مُسْتَحِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى، وإنَّما مَعْناهُ هُنا: الإجابَةُ، والضَّمِيرُ الَّذِي لِلْخِطابِ. قِيلَ: هو لِلصَّحابَةِ فَقَطْ، قالَهُ عَطاءٌ. خاطَبَهم بِذَلِكَ بَعْدَ الهِجْرَةِ، وأخْبَرَهم بِذَلِكَ قَبْلَ وُقُوعِهِ تَطْمِينًا لِقُلُوبِهِمْ؛ لِأنَّهُ إذا تَقَدَّمَ العِلْمُ بِالواقِعِ، كانَ قَدِ اسْتَعَدَّ لَهُ، بِخِلافِ الأشْياءِ الَّتِي تُفاجِئُ، فَإنَّها أصْعَبُ عَلى النَّفْسِ، وزِيادَةَ ثَوابٍ وأجْرٍ عَلى ما يَحْصُلُ لَهم مِنِ انْتِظارِ المُصِيبَةِ، وإخْبارًا بِمُغَيَّبٍ يَقَعُ وفْقَ ما أخْبَرَ، وتَمْيِيزًا لِمَن أسْلَمَ مُرِيدًا وجْهَ اللَّهِ مِمَّنْ نافَقَ، وازْدِيادَ إخْلاصٍ في حالِ البَلاءِ عَلى إخْلاصِهِ في حالِ العافِيَةِ، وحَمْلًا لِمَن لَمْ يُسْلِمْ عَلى النَّظَرِ في دَلائِلَ الإسْلامِ، إذْ رَأى هَؤُلاءِ المُبْتَلِينَ صابِرِينَ عَلى دِينِهِمْ ثابِتِي الجَأْشِ فِيهِ، مَعْ ما ابْتُلُوا بِهِ. وقِيلَ: هَؤُلاءِ أهْلُ مَكَّةَ، خاطَبَهم بِذَلِكَ إعْلامًا أنَّهُ أجابَ دَعْوَةَ نَبِيَّهُ ﷺ فِيهِمْ، ولِيَبْقُوا يَتَوَقَّعُونَ المُصِيبَةَ، فَتُضاعَفُ عَلَيْهِمُ المُصِيباتُ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لِلْأُمَّةِ، ويَكُونُ آخِرَ الزَّمانِ، قالَ كَعْبٌ: يَأْتِي عَلى النّاسِ زَمانٌ لا تَحْمِلُ النَّخْلَةُ إلّا ثَمَرَةً، يَكُونُ هَذا الإخْبارُ تَحْذِيرًا ومَوْعِظَةً عَلى الرُّكُونِ إلى الدُّنْيا وزَهْرَتِها، ويَكُونُ إخْبارًا بِالمُغَيَّباتِ. وقِيلَ: الخِطابُ لا يُرادُ بِهِ مُعَيَّنٌ، بَلْ هو عامٌّ، لا يَتَقَيَّدُ بِزَمانٍ ولا (p-٤٥٠)بِمُخاطَبٍ خاصٍّ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولَنُصِيبَنَّ بِكَذا، فَيَكُونُ في ذَلِكَ تَحْذِيرٌ، وأنَّهُ لِلصَّحابَةِ وغَيْرِهِمْ.
وهَذِهِ الآيَةُ لَها تَعَلُّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] الآيَةَ، وقَبْلَها: ﴿واشْكُرُوا لِي﴾ [البقرة: ١٥٢]، والشُّكْرُ يُوجِبُ زِيادَةَ النِّعَمِ، والِابْتِلاءُ بِما ذُكِرَ يُنافِيهِ ظاهِرًا، وتَوْجِيهُهُ أنَّ إتْمامَ الشَّرائِعِ إتْمامٌ لِلنِّعْمَةِ ولِذَلِكَ يُوجِبُ الشُّكْرَ، والقِيامُ بِتِلْكَ الشَّرائِعِ لا يُمْكِنُ إلّا بِتَحَمُّلِ المَشاقِّ، فَأمَرَ فِيها بِالصَّبْرِ، وأنَّهُ أنْعَمَ عَلَيْهِ أوَّلًا فَشَكَرَ، وابْتُلِيَ ثانِيًا فَصَبَرَ، لِيَنالَ دَرَجَتَيِ الشُّكْرِ والصَّبْرِ، فَيَكْمُلُ إيمانُهُ. كَما رُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «الإيمانُ نِصْفانِ: نِصْفٌ صَبْرٌ، ونِصْفٌ شُكْرٌ» . بِشَيْءٍ: مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾، والباءُ فِيهِ لِلْإلْصاقِ، وأفْرَدَهُ لِيَدُلَّ عَلى التَّقْلِيلِ، إذْ لَوْ جَمَعَهُ فَقالَ: بِأشْياءَ، لاحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ ضُرُوبًا مِن كُلِّ واحِدٍ مِمّا بَعْدَهُ. وقَدْ قَرَأ الضَّحّاكُ: بِأشْياءَ، فَلا يَكُونُ حَذْفٌ فِيما بَعْدَها، فَيَكُونُ ”مِن“ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، بِخِلافِ قِراءَةِ الجُمْهُورِ: بِشَيْءٍ، فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ حَذْفٍ أيْ شَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ، وشَيْءٍ مِنَ الجُوعِ، وشَيْءٍ مِن نَقْصٍ. والمَعْنى في هَذِهِ القِراءَةِ: ولَنَبْلُوَنَّكم بِطَرَفٍ مِن كَذا وكَذا. والخَوْفُ: خَوْفُ العَدُوِّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَدْ حَصَلَ الخَوْفُ الشَّدِيدُ في وقْعَةِ الأحْزابِ. وقالَ الشّافِعِيُّ: هو خَوْفُ اللَّهِ تَعالى. والجُوعُ: القَحْطُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، عَبَّرَ بِالمُسَبَّبِ عَنِ السَّبَبِ. وقِيلَ: الجُوعُ: الفَقْرُ، عَبَّرَ بِالمُسَبَّبِ عَنِ السَّبَبِ أيْضًا. وقالَ الشّافِعِيُّ: هو صِيامُ شَهْرِ رَمَضانَ. ونَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ: بِالخُسْرانِ والهَلاكِ. وقالَ الشّافِعِيُّ: بِالصَّدَقاتِ. والأنْفُسِ: بِالقَتْلِ والمَوْتِ. وقالَ الشّافِعِيُّ: بِالأمْراضِ، وقِيلَ: بِالشَّيْبِ. والثَّمَراتِ: يَعْنِي الجَوائِحَ في الثَّمَراتِ، وقِلَّةَ النَّباتِ، وانْقِطاعَ البَرَكاتِ. وقالَ القَفّالُ: قَدْ يَكُونُ نَقْصُها بِالجُدُوبِ، وقَدْ يَكُونُ بِتَرْكِ عِمارَةِ الضِّياعِ لِلِاشْتِغالِ بِالجِهادِ، وقَدْ يَكُونُ بِالإنْفاقِ عَلى مَن يَرِدُ مِنَ الوُفُودِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقِيلَ: بِظُهُورِ العَدُوِّ عَلَيْهِمْ. وقالَ الشّافِعِيُّ: والثَّمَراتُ: مَوْتُ الأوْلادِ؛ لِأنَّ ولَدَ الرَّجُلِ ثَمَرَةُ قَلْبِهِ. وفي حَدِيثِ أبِي مُوسى، «أنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ إذا ماتَ ولَدُ العَبْدِ: ”أقَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤادِهِ“» ؟ .
وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ: مُؤَنُ الجِهادِ وكُلَفُهُ، فالخَوْفُ مِنَ العَدُوِّ، والجُوعُ بِهِ وبِالأسْفارِ إلَيْهِ، ونَقْصُ الأمْوالِ بِالنَّفَقاتِ فِيهِ، والأنْفُسِ بِالقَتْلِ، والثَّمَراتِ بِإصابَةِ العَدُوِّ لَها، أوِ الغَفْلَةِ عَنْها بِسَبَبِ الجِهادِ. انْتَهى كَلامُهُ. وعَطَفَ ”ونَقْصٍ“ عَلى قَوْلِهِ: ”بِشَيْءٍ“، أيْ: ولَنَمْتَحِنَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ وبِنَقْصٍ، ويُحَسِّنُ العَطْفُ تَنْكِيرَها، عَلى أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الخَوْفِ والجُوعِ فَيَكُونَ تَقْدِيرُهُ: وشَيْءٍ مِن نَقْصٍ. ومِنَ الأمْوالِ: مُتَعَلِّقٌ بِنَقْصٍ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرُ نَقَصَ، وهو يَتَعَدّى إلى واحِدٍ، وقَدْ حُذِفَ، أيْ: ونَقْصِ شَيْءٍ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِنَقْصٍ. وتَكُونَ مِن لِابْتِداءِ الغايَةِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِذَلِكَ المَحْذُوفِ، أيْ ونَقْصِ شَيْءٍ مِنَ الأمْوالِ، وتَكُونُ مِن إذْ ذاكَ لِلتَّبْعِيضِ. وقالُوا: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن عِنْدَ الأخْفَشِ زائِدَةً، أيْ ونَقْصِ الأمْوالِ والأنْفُسِ والثَّمَراتِ. وأتى بِالجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ مُقْسِمًا عَلَيْها، تَأْكِيدًا لِوُقُوعِ الِابْتِلاءِ، وإسْنادُ الفِعْلِ إلَيْهِ صَرِيحٌ في إضافَةِ أسْبابِ البَلايا إلَيْهِ. وأنَّ هَذِهِ المِحَنَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ووَعْدَهُ بِها المُؤْمِنِينَ يَدُلُّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ عُقُوباتٍ، بَلْ إذا قارَنَها الصَّبْرُ أفادَتْ دَرَجَةً عالِيَةً في الدِّينِ. وجاءَ هَذا التَّرْتِيبُ في العَطْفِ عَلى سَبِيلِ التَّرَقِّي: فَأخْبَرَ أوَّلًا بِالِابْتِلاءِ بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ، وهو تَوَقُّعُ ما يَرِدُ مِنَ المَكْرُوهِ. ثُمَّ انْتَقَلَ مِنهُ إلى الِابْتِلاءِ بِشَيْءٍ مِنَ الجُوعِ، وهو أشَدُّ مِنَ الخَوْفِ بِأيِّ تَفْسِيرٍ فُسِّرَ بِهِ مِنَ القَحْطِ، أوِ الفَقْرِ، أوِ الحاجَةِ إلى الأكْلِ، إلّا عَلى تَفْسِيرِ الشّافِعِيِّ، وهو صَوْمُ رَمَضانَ. ولا تَرَقِّيَ بَيْنَ نَقْصٍ وشَيْءٍ، عَلى ما اخْتارَهُ مِن عَطْفِ نَقْصٍ عَلى بِشَيْءٍ، بَلِ التَّرَقِّي في العَطْفِ بَعْدَ ”ونَقْصٍ“ فَبَدَأ أوَّلًا بِالأمْوالِ، ثُمَّ تَرَقّى إلى الأنْفُسِ. وأمّا ”والثَّمَراتِ“، فَجاءَ كالتَّخْصِيصِ بَعْدَ التَّعْمِيمِ؛ لِأنَّها تَنْدَرِجُ تَحْتَ الأمْوالِ، فَلا تَرَقِّيَ فِيها.
﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾: خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، أوْ لِكُلِّ مَن تَتَأتّى مِنهُ البِشارَةُ، أيْ عَلى الجِهادِ بِالنَّصْرِ، أوْ عَلى الطّاعَةِ بِالجَزاءِ، (p-٤٥١)أوْ عَلى المَصائِبِ بِالثَّوابِ، أقْوالٌ: والأحْسَنُ عَدَمُ التَّقْيِيدِ، أيْ كُلُّ مَن صَبَرَ صَبْرًا مَحْمُودًا شَرْعًا، فَهو مُنْدَرِجٌ في الصّابِرِينَ. قالُوا: والصَّبْرُ مِن خَواصِّ الإنْسانِ؛ لِأنَّهُ يَتَعارَضُ فِيهِ العَقْلُ والشَّهْوَةُ، وهو بَدَنِيٌّ. وهو: إمّا فِعْلِيٌّ، كَتَعاطِي الأعْمالِ الشّاقَّةِ، وإمّا احْتِمالٌ، كالصَّبْرِ عَلى الضَّرْبِ الشَّدِيدِ، ونَفْسِيٌّ، وهو قَمْعُ النَّفْسِ عَنْ مُشْتَهَياتِ الطَّبْعِ. فَإنْ كانَ مِن شَهْوَةِ الفَرْجِ والبَطْنِ، سُمِّيَ عِفَّةً. وإنْ كانَ مِنِ احْتِمالِ مَكْرُوهٍ، اخْتَلَفَتْ أسامِيهِ بِاخْتِلافِ المَكْرُوهِ. فَفي المُصِيبَةِ يُقْتَصَرُ عَلَيْهِ بِاسْمِ الصَّبْرِ، ويُضادُّهُ الجَزَعُ. وإنْ كانَ في الغِنى، سُمِّيَ ضَبْطَ النَّفْسِ، ويُضادُّهُ البَطَرُ. وإنْ كانَ في حَرْبٍ، سُمِّيَ شَجاعَةً، ويُضادُّهُ الجُبْنُ. وإنْ كانَ في نائِبَةٍ مُضْجِرَةٍ، سُمِّي سَعَةَ صَدْرٍ، ويُضادُّهُ الضَّجَرُ. وإنْ كانَ في إخْفاءِ كَلامٍ، سُمِّيَ كِتْمانًا، ويُضادُّهُ الإعْلانُ. وإنْ كانَ في فُضُولِ الدُّنْيا، سُمِّيَ زُهْدًا، ويُضادُّهُ الحِرْصُ. وإنْ كانَ عَلى يَسِيرٍ مِنَ المالِ، سُمِّي قَناعَةً، ويُضادُّهُ الشَّرَهُ. وقَدْ جَمَعَ اللَّهُ أقْسامَ ذَلِكَ وسَمّى جَمِيعَها صَبْرًا، فَقالَ: ﴿والصّابِرِينَ في البَأْساءِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، أيِ المُصِيبَةِ، والضَّرّاءِ أيِ الفَقْرِ ﴿وحِينَ البَأْسِ﴾ [البقرة: ١٧٧] أيِ المُحارَبَةِ. قالَ القَفّالُ: لَيْسَ الصَّبْرُ أنْ لا يَجِدَ الإنْسانُ ألَمَ المَكْرُوهِ، ولا أنْ لا يَكْرَهَ ذَلِكَ، إنَّما هو حَمْلُ النَّفْسِ عَلى تَرْكِ إظْهارِ الجَزَعِ، وإنْ ظَهَرَ دَمْعُ عَيْنٍ، أوْ تَغَيُّرُ لَوْنٍ، ولَوْ ظَهَرَ مِنهُ أوَّلُ ما لا يُعَدُّ مَعَهُ صابِرًا ثُمَّ صَبَرَ، لَمْ يُعَدَّ ذَلِكَ إلّا سِلْوانًا.
﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ﴾: يَجُوزُ في: ”الَّذِينَ“ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى النَّعْتِ لِلصّابِرِينَ، وهو ظاهِرُ الإعْرابِ، أوْ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ، فَيَكُونُ مَقْطُوعًا، أوْ مَرْفُوعًا عَلى إضْمارِ هم، عَلى وجْهَيْنِ: إمّا عَلى القَطْعِ، وإمّا عَلى الِاسْتِئْنافِ، كَأنَّهُ جَوابٌ لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: مَنِ الصّابِرُونَ ؟ قِيلَ: هُمُ الَّذِينَ إذا. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ الَّذِينَ مُبْتَدَأً، وأُولَئِكَ عَلَيْهِمْ خَبَرُهُ، وهو مُحْتَمَلٌ. مُصِيبَةٌ: اسْمُ فاعِلٍ مِن أصابَتْ، وصارَ لَها اخْتِصاصٌ بِالشَّيْءِ المَكْرُوهِ، وصارَتْ كِنايَةً عَنِ الدّاهِيَةِ، فَجَرَتْ مَجْرى الأسْماءِ ووَلِيَتِ العَوامِلَ. وأصابَتْهم: مُصِيبَةٌ مِنَ التَّجْنِيسِ المُغايِرِ، وهو أنْ يَكُونَ إحْدى الكَلِمَتَيْنِ اسْمًا والأُخْرى فِعْلًا، ومِنهُ: ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ [النجم: ٥٧]؛ ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١] . والمُصِيبَةُ: كُلُّ ما أذى المُؤْمِنَ في نَفْسٍ أوْ مالٍ أوْ أهْلٍ، صَغُرَتْ أوْ كَبُرَتْ، حَتّى انْطِفاءِ المِصْباحِ لِمَن يَحْتاجُهُ يُسَمّى مُصِيبَةً. ورُوِيَ ذَلِكَ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أنَّهُ اسْتَرْجَعَ عِنْدَ انْطِفاءِ مِصْباحِهِ» . والمَعْنى في إذا هُنا: عَلى التَّكْرارِ والعُمُومِ. وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا ذِكْرُ الخِلافِ في إذا، أتَدُلُّ عَلى التَّكْرارِ، أمْ وُضِعَتْ لِلْمَرَّةِ الواحِدَةِ ؟ قَوْلانِ لِلنَّحْوِيِّينَ.
﴿قالُوا إنّا لِلَّهِ﴾: ”قالُوا“: جَوابُ إذا، والشَّرْطُ وجَوابُهُ صِلَةٌ لِلَّذِينَ. ”وإنّا“: أصْلُهُ إنَّنا؛ لِأنَّها إنْ دَخَلَتْ عَلى الضَّمِيرِ المَنصُوبِ المُتَّصِلِ، فَحُذِفَتْ نُونٌ مِن إنَّ. ويَنْبَغِي أنْ تَكُونَ المَحْذُوفَةُ هي الثّانِيَةَ؛ لِأنَّها ظَرْفٌ، ولِأنَّها عُهِدَ فِيها الحَذْفُ إذا خُفِّفَتْ، فَقالُوا: إنْ زَيْدٌ لَقائِمٌ، وهو حَذْفٌ هُنا لِاجْتِماعِ الأمْثالِ، فَلِذَلِكَ عَمِلَتْ، إذْ لَوْ كانَ مِنَ الحَذْفِ لا لِهَذِهِ العِلَّةِ؛ لانْفَصَلَ الضَّمِيرُ وارْتَفَعَ ولَمْ تَعْمَلْ؛ لِأنَّها إذا خُفِّفَتْ هَذا التَّخْفِيفَ لَمْ تَعْمَلْ في الضَّمِيرِ. ولِلَّهِ: مَعْناهُ الإقْرارُ بِالمُلْكِ والعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ، فَهو المُتَصَرِّفُ فِينا بِما يُرِيدُ مِنَ الأُمُورِ.
﴿وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾: إقْرارٌ بِالبَعْثِ وتَنْبِيهٌ عَلى مُصِيبَةِ المَوْتِ الَّتِي هي أعْظَمُ المَصائِبِ، وتَذْكِيرٌ أنَّ ما أصابَ الإنْسانَ دُونَها فَهو قَرِيبٌ يَنْبَغِي أنْ يَصِيرَ لَهُ. ولِلْمُفَسِّرِينَ في هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ المَقُولَتَيْنِ أقْوالٌ: أحَدُها: أنَّ نُفُوسَنا وأمْوالَنا وأهْلِينا لِلَّهِ لا يَظْلِمُنا فِيما يَصْنَعُهُ بِنا. الثّانِي: أسْلَمْنا الأمْرَ لِلَّهِ ورَضِينا بِقَضائِهِ، ﴿وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ يَعْنِي: لِلْبَعْثِ لِثَوابِ المُحْسِنِ ومُعاقَبَةِ المُسِيءِ. الثّالِثُ: راجِعُونَ إلَيْهِ في جَبْرِ المُصابِ وإجْزالِ الثَّوابِ. الرّابِعُ: أنَّ مَعْناهُ إقْرارٌ بِالمَمْلَكَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا لِلَّهِ﴾، وإقْرارٌ بِالهَلَكَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ .
وفِي المُنْتَخَبِ ما مُلَخَّصُهُ: أنَّ إسْنادَ الإصابَةِ إلى المُصِيبَةِ، لا إلى اللَّهِ تَعالى، لِيَعُمَّ ما كانَ مِنَ اللَّهِ وما كانَ مِن غَيْرِهِ. فَما كانَ مِنَ اللَّهِ فَهو داخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿إنّا لِلَّهِ﴾؛ لِأنَّ في الإقْرارِ بِالعُبُودِيَّةِ تَفْوِيضًا لِلْأُمُورِ إلَيْهِ، وما كانَ مِن غَيْرِهِ فَتَكْلِيفُهُ أنْ يَرْجِعَ إلى اللَّهِ في الإنْصافِ (p-٤٥٢)مِنهُ، ولا يَتَعَدّى، كَأنَّهُ في الأوَّلِ ﴿إنّا لِلَّهِ﴾، يُدَبِّرُ كَيْفَ يَشاءُ، وفي الثّانِي: ﴿وإنّا إلَيْهِ﴾، يُنْصِفُ لَنا كَيْفَ يَشاءُ. وقِيلَ: ﴿إنّا لِلَّهِ﴾، دَلِيلٌ عَلى الرِّضا بِما نَزَلَ بِهِ في الحالِ، ﴿وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾، دَلِيلٌ عَلى الرِّضا في الحالِ بِكُلِّ ما سَيَنْزِلُ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ. واشْتَمَلَتِ الآيَةُ عَلى فَرْضٍ ونَفْلٍ. فالفَرْضُ: التَّسْلِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ، والرِّضا بِقَدَرِهِ، والصَّبْرُ عَلى أداءِ فَرائِضِهِ. والنَّفْلُ: إظْهارُ القَوْلِ ﴿إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾، وفي إظْهارِهِ فَوائِدُ مِنها: غَيْظُ الكُفّارِ لِعِلْمِهِمْ بِجِدِّهِ في طاعَةِ اللَّهِ.
﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ﴾، أُولَئِكَ مُبْتَدَأٌ، وصَلَواتٌ: ارْتِفاعُها عَلى الفاعِلِ بِالجارِّ والمَجْرُورِ، أيْ: أُولَئِكَ مُسْتَقِرَّةٌ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ، فَيَكُونُ قَدْ أخْبَرَ عَنِ المُبْتَدَأِ بِالمُفْرَدِ، وهَذا أوْلى مِن جَعْلِ صَلَواتٍ مُبْتَدَأً، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ خَبَرِهِ. والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ خَبَرِ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ إخْبارًا عَنِ المُبْتَدَأِ بِالجُمْلَةِ. والصَّلاةُ مِنَ اللَّهِ: المَغْفِرَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ أوِ الثَّناءُ، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ، أوِ الغُفْرانُ والثَّناءُ الحَسَنُ، قالَهُ الزَّجّاجُ. والرَّحْمَةُ: قِيلَ هي الصَّلَواتُ، كُرِّرَتْ تَأْكِيدًا لَمّا اخْتَلَفَ اللَّفْظُ، كَقَوْلِهِ ﴿رَأْفَةً ورَحْمَةً﴾ [الحديد: ٢٧] . وقِيلَ: ”الرَّحْمَةُ“: كَشْفُ الكُرْبَةِ وقَضاءُ الحاجَةِ. وقالَ عُمَرُ: نِعْمَ العَدْلانِ ونِعْمَ العِلاوَةُ، وتَلا: ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهُمْ﴾ الآيَةَ، يَعْنِي بِالعَدْلَيْنِ: الصَّلَواتِ والرَّحْمَةَ، وبِالعِلاوَةِ: الِاهْتِداءَ. وفي قَوْلِهِ: أُولَئِكَ، اسْمُ الإشارَةِ المَوْضُوعُ لِلْبُعْدِ دَلالَةً عَلى بُعْدِ هَذِهِ الرُّتْبَةِ، كَما جاءَ: ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] . والكِنايَةُ عَنْ حُصُولِ الغُفْرانِ والثَّناءِ بِقَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ﴾ بِحَرْفِ عَلى، إشارَةً إلى أنَّهم مُنْغَمِسُونَ في ذَلِكَ، قَدْ غَشِيَتْهم وتَجَلَّلَتْهم، وهو أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ لَهم. وجَمَعَ صَلَواتٍ، لِيَدُلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مُطْلَقَ صَلاةٍ، بَلْ صَلاةٌ بَعْدَ صَلاةٍ، ونُكِّرَتْ لِأنَّهُ لا يُرادُ العُمُومُ. ووَصَفَها بِكَوْنِها مِن رَبِّهِمْ، لِيَدُلَّ بِمِن عَلى ابْتِدائِها مِنَ اللَّهِ، أيْ تَنْشَأُ تِلْكَ الصَّلَواتُ وتَبْتَدِئُ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِن تَبْعِيضِيَّةً، فَيَكُونُ ثَمَّ حَذْفَ مُضافٍ، أيْ ”صَلَواتٌ مِن صَلَواتِ رَبِّهِمْ“ . وأتى بِلَفْظِ الرَّبِّ، لِما فِيهِ مِن دَلالَةِ التَّرْبِيَةِ والنَّظَرِ لِلْعَبْدِ فِيما يُصْلِحُهُ ويُرَبِّهِ بِهِ. وإنْ كانَ أُرِيدَ بِالرَّحْمَةِ الصَّلَواتُ، فَلا يَحْتاجُ إلى تَقْيِيدٍ بِصِفَةٍ مَحْذُوفَةٍ؛ لِأنَّها قَدْ تَقَيَّدَتْ. وإنْ كانَ أُرِيدَ بِها ما يُغايِرُ الصَّلَواتِ، فَيُقَدَّرُ: ورَحْمَةٌ مِنهُ، فَيَكُونُ قَدْ حُذِفَتِ الصِّفَةُ لِما تَقَدَّمَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: (مِن رَبِّهِمْ)، مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: (عَلَيْهِمْ)، فَلا يَكُونُ صِفَةً، بَلْ يَكُونُ مَعْمُولًا لِلرّافِعِ لِصَلَواتٍ، وتَرَتَّبَ عَلى مَقامِ الصَّبْرِ ومَقالِ هَذِهِ الكَلِماتِ الدّالَّةِ عَلى التَّفْوِيضِ لِلَّهِ تَعالى، هَذا الجَزاءُ الجَزِيلُ والثَّناءُ الجَمِيلُ.
وقَدْ جاءَ في السُّنَّةِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «مَنِ اسْتَرْجَعَ عِنْدَ المُصِيبَةِ، جَبَرَ اللَّهُ مُصِيبَتَهُ، وأحْسَنَ عُقْباهُ، وجَعَلَ لَهُ خَلَفًا صالِحًا يَرْضاهُ» . وفي حَدِيثٍ آخَرَ: «مَن تَذَكَّرَ مُصِيبَتَهُ، فَأحْدَثَ اسْتِرْجاعًا، وإنْ تَقادَمَ عَهْدُها، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مِنَ الأجْرِ مِثْلَهُ يَوْمَ أُصِيبَ» . وحَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ مَشْهُورٌ، حَيْثُ أخْلَفَها اللَّهُ عَنْ أبِي سَلَمَةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: ما أُعْطِيَ أحَدٌ في المُصِيبَةِ ما أُعْطِيَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ، ولَوْ أُعْطِيها أحَدٌ قَبْلَها لِأُعْطِيَها يَعْقُوبُ. ألا تَرى كَيْفَ قالَ حِينَ فَقَدَ يُوسُفَ ؟ ﴿ياأسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤] .
﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾: إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ عَنْهم بِالهِدايَةِ، ومَن أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ بِالهِدايَةِ فَلَنْ يَضِلَّ أبَدًا. وهَذِهِ جُمْلَةٌ ثابِتَةٌ تَدُلُّ عَلى الِاعْتِناءِ بِأمْرِ المُخْبَرِ عَنْهُ، إذْ كُلُّ وصْفٍ لَهُ يَبْرُزُ في جُمْلَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ. وبُدِئَ بِالجُمْلَةِ الأُولى؛ لِأنَّها أهَمُّ في حُصُولِ الثَّوابِ المُتَرَتِّبِ عَلى الوَصْفِ الَّذِي قَبْلَهُ، وأُخِّرَتْ هَذِهِ؛ لِأنَّها تَنَزَّلَتْ مِمّا قَبْلَها مَنزِلَةَ العِلَّةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ القَوْلَ المُتَرَتِّبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الجَزاءُ الجَزِيلُ لا يَصْدُرُ إلّا عَمَّنْ سَبَقَتْ هِدايَتُهُ. وأُكِّدَ بِقَوْلِهِ: ”هم“ .، وبِالألِفِ واللّامِ، كَأنَّ الهِدايَةَ انْحَصَرَتْ فِيهِمْ وبِاسْمِ الفاعِلِ، لِيَدُلَّ عَلى الثُّبُوتِ؛ لِأنَّ الهِدايَةَ لَيْسَتْ مِنَ الأفْعالِ المُتَجَدِّدَةِ وقْتًا بَعْدَ وقْتٍ فَيُخْبَرُ عَنْها بِالفِعْلِ، بَلْ هي وصْفٌ ثابِتٌ. وقِيلَ: ”المُهْتَدُونَ“ في اسْتِحْقاقِ الثَّوابِ وإجْزالِ الأجْرِ. وقِيلَ: إلى تَسْهِيلِ المُصابِ وتَخْفِيفِ الحُزْنِ. وقِيلَ: إلى الِاسْتِرْجاعِ. وقِيلَ: إلى الحَقِّ والصَّوابِ، وهَذِهِ التَّقْيِيداتُ لا دَلالَةَ عَلَيْها في (p-٤٥٣)اللَّفْظِ، فالأوْلى الحَمْلُ عَلى الهِدايَةِ الَّتِي هي الإيمانُ، ونَظِيرُ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ قَوْلُهُ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥] . والكَلامُ في إعْرابِ: ”هُمُ المُهْتَدُونَ“، كالكَلامِ عَلى: ”هُمُ المُفْلِحُونَ“، وقَدْ تَقَدَّمَ.
(وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ الكَرِيمَةُ) مَزِيدَ التَّوْكِيدِ في الأمْرِ بِتَوْلِيَةِ وجْهِهِ مِن حَيْثُ خَرَجَ ﷺ شَطْرَ المَسْجِدِ، وبِتَوْلِيَتِهِمْ وُجُوهَهم شَطْرَهُ لِلِاعْتِناءِ بِأمْرِ نَسْخِ القِبْلَةِ، حَيْثُ كانَ النَّسْخُ صَعْبًا عَلى النُّفُوسِ، حَيْثُ ألِفُوا أمْرًا، وأُمِرُوا بِتَرْكِهِ والِانْتِقالِ إلى غَيْرِهِ، وخُصُوصًا عِنْدَ مَن لا يَرى النَّسْخَ. فَلِذَلِكَ كُرِّرَ وأنَّهُ تَعالى أمَرَ بِذَلِكَ وفِعْلِهِ؛ لِانْتِفاءِ حُجَجِ النّاسِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ إذا كانَ بِأمْرٍ مِنهُ تَعالى لَمْ تَبْقَ لِأحَدٍ حُجَّةٌ عَلى مُمْتَثِلِ أمْرِ اللَّهِ؛ لِأنَّ أمْرَ اللَّهِ ثانِيًا كَأمْرِهِ أوَّلًا. وهو قَدْ أمَرَ أوَّلًا بِاسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ، وأمَرَ آخِرًا بِاسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ. فَلا فَرْقَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، ولا حُجَّةَ لِمَن خالَفَ. واسْتَثْنى مِنَ النّاسِ مَن ظَلَمَ؛ لِأنَّهُ لا تَنْقَطِعُ حُجَجُهُ وإنْ كانَتْ باطِلَةً، ولا تَشْغِيباتُهُ وتَمْوِيهاتُهُ؛ لِأنَّهُ قامَ بِهِ وصْفٌ يَمْنَعُهُ مِن إدْراكِ الحَقِّ والبَلْجُ بِهِ، ثُمَّ أمَرَهم تَعالى بِخَشْيَتِهِ، ونَهاهم عَنْ خَشْيَةِ النّاسِ؛ لِأنَّهم إذا خَشُوا اللَّهَ تَعالى امْتَثَلُوا أوامِرَهُ واجْتَنِبُوا مَناهِيَهُ. وعَطَفَ عَلى تِلْكَ العِلَّةِ عِلَّةً أُخْرى، وهي إتْمامُ النِّعْمَةِ بِاسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ إذْ في ذَلِكَ اتِّباعُ أبِيكم إبْراهِيمَ، والرُّجُوعُ إلى المَأْلُوفِ، ولِتَحْصِيلِ الهِدايَةِ. وشَبَّهَ هَذا الإتْمامَ بِإتْمامِ نِعْمَةِ إرْسالِ الرَّسُولِ مِنهم فِيهِمْ، إذْ هَذِهِ النِّعْمَةُ هي الأصْلُ، وهي مَنبَعُ النِّعَمِ والهِدايَةِ، ثُمَّ وصَفَ المُرْسَلُ إلَيْهِمْ بِتِلْكَ الأوْصافِ الجَلِيلَةِ الَّتِي رُزِقُوا مِنها الحَظَّ الأكْمَلَ، وهي تِلاوَةُ الكِتابِ عَلَيْهِمْ: ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١] فَكَيْفَ بِمَزِيدِ التَّزْكِيَةِ والتَّعْلِيمِ اللَّذَيْنِ بِهِما تَحْصُلُ الطَّهارَةُ مَنِ الأرْجاسِ، والحَياةُ السَّرْمَدِيَّةُ في النّاسِ ؟
؎أخُو العِلْمِ حَيٌّ خالِدٌ بَعْدَ مَوْتِهِ وأوْصالُهُ تَحْتَ التُّرابِ رَمِيمُ
وقالَ آخَرٌ:
؎مَحَلُّ العَلَمِ لا يَأْوِي تُرابًا ∗∗∗ ولا يَبْلى عَلى الزَّمَنِ القَدِيمِ
ثُمَّ أمَرَهم تَعالى بِالذِّكْرِ لِهَذِهِ النِّعَمِ لِئَلّا يَنْسَوْها، وبِالشُّكْرِ عَلَيْها لِأنْ يَزِيدَهم مِنَ النِّعَمِ، ثُمَّ نَهاهم عَنْ كُفْرانِها؛ لِأنَّ كُفْرانَ النِّعَمِ يَقْتَضِي زَوالَها واسْتِحْقاقَ العَذابِ الشَّدِيدِ عَلَيْهِ. ثُمَّ نادى مَنِ اتَّصَفَ بِالإيمانِ، وهو ثانِي نِداءٍ لِلْمُؤْمِنِينَ في هَذِهِ السُّورَةِ، لِيُقْبِلُوا عَلى ما يَأْمُرُهم بِهِ. فَأمَرَهم بِالِاسْتِعانَةِ بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ؛ لِأنَّ الِاسْتِعانَةَ بِهِما تُحَصِّلُ سَعادَةَ الدُّنْيا والآخِرَةِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ مَعَ مَن صَبَرَ ثُمَّ نَهاهم عَنْ أنْ يَقُولُوا لِلشُّهَداءِ إنَّهم أمْواتٌ، وأخْبَرَ أنَّهم أحْياءٌ، فَوَجَبَ تَصْدِيقُ ما أخْبَرَ بِهِ، وذَكَرَ أنّا لا نَشْعُرُ نَحْنُ بِحَياتِهِمْ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يَبْتَلِيهِمْ بِما يَظْهَرُ مِنهم فِيهِ الصَّبْرُ، وهو شَيْءٌ مِنَ البَلايا الَّتِي ذَكَرَها تَعالى. ثُمَّ أمَرَ نَبِيَّهُ أنْ يُبَشِّرَ الصّابِرِينَ عَلى ما ابْتُلُوا بِهِ، المُسَلِّمِينَ لِقَضاءِ اللَّهِ اعْتِقادًا وقَوْلًا صَرِيحًا أنَّهم عَبِيدُ اللَّهِ ومَمالِيكُهُ، وإلَيْهِ مَآبُهم ومَرْجِعُهم، يَتَصَرَّفُ فِيهِمْ كَما أرادَ. ثُمَّ خَتَمَ ذَلِكَ بِأنَّ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذا الوَصْفِ، فَعَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ الصَّلاةُ والرَّحْمَةُ، وهو المُهْتَدِي الَّذِي ثَبَتَتْ هِدايَتُهُ ورَسَخَتْ.
البقرة 2:158
﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ فَمَن حَجَّ البَيْتَ أوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما ومَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى مِن بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ في الكِتابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا وبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أتُوبُ عَلَيْهِمْ وأنا التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٠] ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [البقرة: ١٦١] ﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ [البقرة: ١٦٢] ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ لا إلَهَ إلّا هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣] ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّمَواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ وما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِن ماءٍ فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ وتَصْرِيفِ الرِّياحِ والسَّحابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ولَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا إذْ يَرَوْنَ العَذابَ أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وأنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العَذابِ﴾ [البقرة: ١٦٥] ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ورَأوُا العَذابَ وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ [البقرة: ١٦٦] ﴿وقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأ مِنهم كَما تَبَرَّءُوا مِنّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ [البقرة: ١٦٧] .
(p-٤٥٤)الصَّفا: ألِفُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ واوٍ لِقَوْلِهِمْ: صَفْوانٌ، ولِاشْتِقاقِهِ مِنَ الصَّفْوِ، وهو الخالِصُ. وقِيلَ: هو اسْمُ جِنْسٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُفْرَدِهِ تاءُ التَّأْنِيثِ، ومُفْرَدُهُ صَفاةٌ. وقِيلَ: هو اسْمٌ مُفْرَدٌ يُجْمَعُ عَلى فُعُولٍ وأفْعالٍ، قالُوا: صَفِيٌّ وأصْفاءٌ. مِثْلُ: قِفِيٌّ وأقْفاءٌ. وتُضُمُّ الصّادُ في فُعُولٍ وتُكْسَرُ، كَعِصِيٍّ، وهو الحَجَرُ الأمْلَسُ. وقِيلَ: الحَجَرُ الَّذِي لا يُخالِطُهُ غَيْرُهُ مِن طِينٍ، أوْ تُرابٍ يَتَّصِلُ بِهِ، وهو الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الِاشْتِقاقُ. وقِيلَ: هو الصَّخْرَةُ العَظِيمَةُ. المَرْوَةُ: واحِدَةُ المَرْوِ، وهو اسْمُ جِنْسٍ، قالَ:
؎فَتَرى المَرْوَ إذا ما هَجَّرَتْ عَنْ يَدَيْها كالفَراشِ المُشْفَتِّرِ
وقالُوا: مَرَواتٍ في جَمْعِ مَرْوَةٍ، وهو القِياسُ في جَمْعِ تَصْحِيحِ مَرْوَةٍ، وهي الحِجارَةُ الصِّغارُ الَّتِي فِيها لِينٌ. وقِيلَ: الحِجارَةُ الصَّلْبَةُ. وقِيلَ: الصِّغارُ المُرْهَفَةُ الأطْرافِ. وقِيلَ: الحِجارَةُ السُّودُ. وقِيلَ: البِيضُ. وقِيلَ: البِيضُ الصَّلْبَةُ. والصَّفا والمَرْوَةُ في الآيَةِ: عَلَمانِ لِجَبَلَيْنِ مَعْرُوفَيْنِ، والألِفُ واللّامُ لَزِمَتا فِيهِما لِلْغَلَبَةِ، كَهُما في البَيْتِ: لِلْكَعْبَةِ، والنَّجْمِ: لِلثُّرَيّا، الشَّعائِرُ: جَمَعَ شَعِيرَةٍ أوْ شَعارَةٍ. قالَ الهَرَوِيُّ: سَمِعْتُ الأزْهَرِيَّ يَقُولُ: هي العَلائِمُ الَّتِي نَدَبَ اللَّهُ إلَيْها، وأمَرَ بِالقِيامِ بِها. وقالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ ما كانَ مِن مَوْقِفٍ ومَشْهَدٍ ومَسْعًى ومَذْبَحٍ. وقَدْ تَقَدَّمَتْ لَنا هَذِهِ المادَّةُ، أعْنِي مادَّةَ شَعَرَ، أيْ أدْرَكَ وعَلِمَ. وتَقُولُ العَرَبُ: بَيْتُنا شِعارٌ: أيْ عَلامَةٌ، ومِنهُ إشْعارُ الهَدْيِ. الحَجُّ: القَصْدُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى. قالَ الرّاجِزُ:
؎لَراهِبٌ يَحُجُّ بَيْتَ المَقْدِسْ ∗∗∗ في مَنقَلٍ وبَرْجَدٍ وبُرْنُسْ
والِاعْتِمارُ: الزِّيارَةُ. وقِيلَ: القَصْدُ، ثُمَّ صارَ الحَجُّ والعُمْرَةُ عَلَمَيْنِ لِقَصْدِ البَيْتِ وزِيارَتِهِ لِلنُّسُكَيْنِ المَعْرُوفَيْنِ، وهُما في المَعانِي: كالبَيْتِ والنَّجْمِ في الأعْيانِ. وقَدْ تَقَدَّمَتْ هاتانِ المادَّتانِ في يُحاجُّوكم وفي ”يَعْمُرُ“ . الجُناحُ: المَيْلُ إلى المَأْثَمِ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى الإثْمِ. يُقالُ: جَنَحَ إلى كَذا جُنُوحًا: مالَ، ومِنهُ جُنْحُ اللَّيْلِ: مَيْلُهُ بِظُلْمَتِهِ، وجَناحُ الطّائِرِ. تَطَوَّعَ: تَفَعَّلَ مِنَ الطَّوْعِ، وهو الِانْقِيادُ. اللَّيْلُ: قِيلَ هو اسْمُ جِنْسٍ، مِثْلُ: تَمْرَةٍ وتَمْرٍ، والصَّحِيحُ أنَّهُ مُفْرَدٌ، ولا يُحْفَظُ جَمْعٌ لِلَّيْلِ، وأخْطَأ مَن ظَنَّ أنَّ اللَّيالِيَ جَمْعُ اللَّيْلِ، بَلِ اللَّيالِي جَمْعُ لَيْلَةٍ، وهو جَمْعٌ غَرِيبٌ، ونَظِيرُهُ: كَيْكَةُ والكَياكِي، والكَيْكَةُ: البَيْضَةُ، كَأنَّهم تَوَهَّمُوا أنَّهُما لَيْلاهُ وكَيْكاهُ، ويَدُلُّ عَلى هَذا التَّوَهُّمِ قَوْلُهم في تَصْغِيرِ لَيْلَةٍ: لُيَيْلَةً، وقَدْ صَرَّحُوا بِلَيْلاةٍ في الشِّعْرِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎فِي كُلِّ يَوْمٍ وبِكُلِّ لَيْلاةٍ
عَلى أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الألِفُ إشْباعًا نَحْوَ:
؎أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ العَقْرابِ
وقالَ ابْنُ فارِسٍ: بَعْضُ الطَّيْرِ يُسَمّى لَيْلًا، ويُقالُ: إنَّهُ ولَدُ الحُبارى. وأمّا النَّهارُ: فَجَمْعُهُ نَهَرٌ وأنْهِرَةٌ، كَقَذَلٍ وأقْذِلَةٍ، وهُما جَمْعانِ مَقِيسانِ فِيهِ. وقِيلَ: النَّهارُ مُفْرَدٌ لا يُجْمَعُ؛ لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ المَصْدَرِ، كَقَوْلِكَ: الضِّياءُ يَقَعُ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ، ولَيْسَ بِصَحِيحٍ. قالَ الشّاعِرُ:
؎لَوْلا الثَّرِيدانِ هَلَكْنا بِالضُّمَرِ ∗∗∗ ثَرِيدُ لَيْلٍ وثَرِيدٌ بِالنَّهَرِ
ويُقالُ: رَجُلٌ نَهَرٌ، إذا كانَ يَعْمَلُ في النَّهارِ، وفِيهِ مَعْنى النَّسَبِ. قالُوا: والنَّهارُ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ - لِعَدِيٍّ: ”إنَّما هو بَياضُ النَّهارِ وسَوادُ اللَّيْلِ“، يَعْنِي في (p-٤٥٥)قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] . وظاهِرُ اللُّغَةِ أنَّهُ مِن وقْتِ الإسْفارِ. وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: ويَغْلِبُ أوَّلُ النَّهارِ طُلُوعَ الشَّمْسِ. زادَ النَّضْرُ: ولا يُعَدُّ ما قَبْلَ ذَلِكَ مِنَ النَّهارِ. وقالَ الزَّجّاجُ، في (كُتُبِ الأنْواءِ): أوَّلُ النَّهارِ ذُرُورُ الشَّمْسِ، واسْتَدَلَّ بِقَوْلِ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ:
؎والشَّمْسُ تَطْلُعُ كُلَّ آخَرِ لَيْلَةٍ ∗∗∗ حَمْراءَ يُصْبِحُ لَوْنُها يَتَوَرَّدُ
وقالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ:
؎وجاعِلُ الشَّمْسِ مِصْرًا لا خَفاءَ بِهِ ∗∗∗ بَيْنَ النَّهارِ وبَيْنَ اللَّيْلِ قَدْ فَصَلا
والمِصْرُ: القَطْعُ. وأنْشَدَ الكِسائِيُّ:
؎إذا طَلَعَتْ شَمْسُ النَّهارِ فَإنَّها ∗∗∗ أمارَةُ تَسْلِيمِي عَلَيْكِ فَوَدِّعِي
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مِن طُلُوعِ الشَّمْسِ إلى غُرُوبِها نَهارٌ، ومِنَ الفَجْرِ إلى طُلُوعِها مُشْتَرَكٌ بَيْنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ. وقَدْ تَقَدَّمَتْ مادَّةُ نَهَرَ في قَوْلِهِ: (تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ) . الفُلْكُ: السُّفُنُ، ويَكُونُ مُفْرَدًا وجَمْعًا. وزَعَمُوا أنَّ حَرَكاتِهِ في الجَمْعِ لَيْسَتْ حَرَكاتِهِ في المُفْرَدِ، وإذا اسْتُعْمِلَ مُفْرَدًا ثُنِّيَ، قالُوا: فَلَكانِ. وقِيلَ: إذا أُرِيدَ بِهِ الجَمْعُ، فَهو اسْمُ جَمْعٍ، والَّذِي نَذْهَبُ إلَيْهِ أنَّهُ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ المُفْرَدِ والجَمْعِ، وأنَّ حَرَكاتِهِ في الجَمْعِ حَرَكاتُهُ في المُفْرِدِ، ولا تُقَدَّرُ بِغَيْرِها. وإذا كانَ مُفْرَدًا فَهو مُذَكَّرٌ، كَما قالَ: ﴿فِي الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [الشعراء: ١١٩] . وقالُوا: ويُؤَنَّثُ تَأْنِيثَ المُفْرَدِ، قالَ: ﴿والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي﴾ [البقرة: ١٦٤]، ولا حُجَّةَ في هَذا، إذْ يَكُونُ هُنا اسْتُعْمِلَ جَمْعًا، فَهو مِن تَأْنِيثِ الجَمْعِ، والجَمْعُ يُوصَفُ بِالَّتِي، كَما تُوصَفُ بِهِ المُؤَنَّثَةُ. وقِيلَ: واحِدُ الفُلْكِ فَلَكٌ، كَأُسْدٍ وأسَدٍ، وأصْلُهُ مِنَ الدَّوَرانِ، ومِنهُ: فَلَكُ السَّماءِ الَّذِي تَدُورُ فِيهِ النُّجُومُ، وفَلَكَةُ المِغْزَلِ، وفَلَكَةُ الجارِيَةِ: اسْتِدْرارُ نَهْدِها. بَثَّ: نَشَرَ وفَرَّقَ وأظْهَرَ. قالَ الشّاعِرُ:
؎وفِي الأرْضِ مَبْثُوثًا شُجاعٌ وعَقْرَبُ
ومُضارِعُهُ: يَبُثُّ، عَلى القِياسِ في كُلِّ ثُلاثِيٍّ مُضَعَّفٍ مُتَعَدٍّ أنَّهُ يَفْعُلُ إلّا ما شَذَّ. الدّابَّةُ: اسْمٌ لِكُلِّ حَيَوانٍ، ورُدَّ قَوْلُ مَن أخْرَجَ مِنهُ الطَّيْرَ بِقَوْلِ عَلْقَمَةَ:
؎كَأنَّهم صابَتْ عَلَيْهِمْ سَحابَةٌ ∗∗∗ صَواعِقُها لِطَيْرِهِنَّ دَبِيبُ
ويَقُولُ الأعْشى:
؎دَبِيبَ قَطا البَطْحاءِ في كُلِّ مَنهَلِ
وفِعْلُهُ: دَبَّ يَدِبُّ، وهَذا قِياسُهُ؛ لِأنَّهُ لازِمٌ، وسُمِعَ فِيهِ يَدُبُّ بِضَمِّ عَيْنِ الكَلِمَةِ، والهاءُ في الدّابَّةِ لِلتَّأْنِيثِ، إمّا عَلى مَعْنى نَفْسِ دابَّةٍ، وإمّا لِلْمُبالَغَةِ، لِكَثْرَةِ وُقُوعِ هَذا الفِعْلِ، وتُطْلَقُ عَلى الذَّكَرِ والأُنْثى. التَّصْرِيفُ: مَصْدَرُ صَرَفَ، ومَعْناهُ: راجِعٌ لِلصَّرْفِ، وهو الرَّدُّ. صَرَفْتُ زَيْدًا عَنْ كَذا: رَدَدْتُهُ. الرِّياحُ: جَمْعُ رِيحٍ، جَمْعُ تَكْسِيرٍ، وياؤُهُ واوٌ؛ لِأنَّها مِن راحَ يَرُوحُ، وقُلِبَتْ ياءً لِكَسْرَةِ ما قَبْلَها، وحِينَ زالَ مُوجِبُ القَلْبِ - وهو الكَسْرُ - ظَهَرَتِ الواوُ، وقالُوا: أرْواحٌ، كَجَمْعِ الرُّوحِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎أرَبَّتْ بِها الأرْواحُ كُلَّ عَشِيَّةٍ ∗∗∗ فَلَمْ يَبْقَ إلّا آلُ نُؤْيٍ مُنَضَّدِ
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَدْ لَحَنَ في هَذِهِ اللَّفْظَةِ عُمارَةُ بْنُ عَقِيلِ بْنِ بِلالِ بْنِ جَرِيرٍ، فاسْتَعْمَلَ الأرْياحَ في شِعْرِهِ، ولَحَنَ في ذَلِكَ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: إنَّ الأرْياحَ لا يَجُوزُ، فَقالَ لَهُ عُمارَةُ: ألا تَسْمَعَ قَوْلَهم: رِياحٌ ؟ فَقالَ لَهُ أبُو حاتِمٍ: هَذا خِلافُ ذَلِكَ، فَقالَ لَهُ: صَدَقْتَ ورَجَعَ. انْتَهى. وفي مَحْفُوظِي قَدِيمًا أنِ الأرْياحَ جاءَتْ في شِعْرِ بَعْضِ فُصَحاءِ العَرَبِ الَّذِينَ يُسْتَشْهَدُ بِكَلامِهِمْ، كَأنَّهم بَنَوْهُ عَلى المُفْرَدِ، وإنْ كانَتْ عِلَّةُ القَلْبِ مَفْقُودَةً في الجَمْعِ، كَما قالُوا: عِيدٌ وأعْيادٌ، وإنَّما ذَلِكَ مِنَ العَوْدِ، لَكِنَّهُ لَمّا لَزِمَ البَدَلَ جَعَلَهُ كالحَرْفِ الأصْلِيِّ. والسَّحابُ: اسْمُ جِنْسٍ، المُفْرَدُ سَحابَةٌ، سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ يَنْسَحِبُ، كَما يُقالُ لَهُ: حَبى؛ لِأنَّهُ يَحْبُو، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ. التَّسْخِيرُ: هو (p-٤٥٦)التَّذْلِيلُ وجُعِلَ الشَّيْءُ داخِلًا تَحْتَ الطَّوْعِ. قالَ الرّاغِبُ: التَّسْخِيرُ: القَهْرُ عَلى الفِعْلِ، وهو أبْلَغُ مِنَ الإكْراهِ. الحُبُّ: مَصْدَرُ حَبَّ يَحِبُّ، وقِياسُ مُضارِعِهِ يُحِبُّ بِالضَّمِّ؛ لِأنَّهُ مِنَ المُضاعَفِ المُتَعَدِّي، وقِياسُ المَصْدَرِ الحَبُّ بِفَتْحِ الحاءِ، ويُقالُ: أحَبَّ، بِمَعْنى: حَبَّ، وهو أكْثَرُ مِنهُ، ومَحْبُوبٌ أكْثَرُ مِن مُحِبٍّ، ومُحِبٌّ أكْثَرُ مِن حابَّ، وقَدْ جاءَ جَمْعُ الحُبِّ لِاخْتِلافِ أنْواعِهِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ثَلاثَةُ أحْبابٍ فَحُبُّ عَلاقَةٍ ∗∗∗ وحُبُّ تِمِلّاقٍ وحُبٌّ هو القَتْلُ
والحُبُّ: إناءٌ يُجْعَلُ فِيهِ الماءَ. الجَمِيعُ: فَعِيلٌ مِنَ الجَمْعِ، وكَأنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ، فَلِذَلِكَ يُتْبَعُ تارَةً بِالمُفْرَدِ: ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٤]، وتارَةً بِالجَمْعِ: ﴿جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٣٢]، ويَنْتَصِبُ حالًا: جاءَ زَيْدٌ وعَمْرٌو جَمِيعًا، ويُؤَكَّدُ بِهِ بِمَعْنى كُلِّهِمْ: جاءَ القَوْمُ جَمِيعُهم، أيْ كُلُّهم، ولا يَدُلُّ عَلى الِاجْتِماعِ في الزَّمانِ، إنَّما يَدُلُّ عَلى الشُّمُولِ في نِسْبَةِ الفِعْلِ. تَبَرَّأ: تَفَعَّلَ، مِن قَوْلِهِمْ: بَرِئْتُ مِنَ الدِّينِ. بَراءَةً: وهو الخُلُوصُ والِانْفِصالُ والبُعْدُ. تَقَطَّعَ: تَفَعَّلَ مِنَ القَطْعِ، وهو مَعْرُوفٌ. الأسْبابُ: جَمَعَ سَبَبٍ، وهو الوَصْلَةُ إلى المَوْضِعِ والحاجَةِ مِن بابٍ، أوْ مَوَدَّةٍ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ. قِيلَ: وقَدْ تُطْلَقُ الأسْبابُ عَلى الحَوادِثِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ومَن هابَ أسْبابَ المَنِيَةِ يَلْقَها ∗∗∗ ولَوْ رامَ أسْبابَ السَّماءِ بِسُلَّمِ
وأصْلُ السَّبَبِ: الحَبْلُ، وقِيلَ: الَّذِي يُصْعَدُ بِهِ، وقِيلَ: الرّابِطُ المُوصِلُ. الكَرَّةُ: العَوْدَةُ إلى الحالَةِ الَّتِي كانَ فِيها، والفِعْلُ كَرَّ يَكِرُّ كَرًّا، قالَ الشّاعِرُ:
؎أكُرُّ عَلى الكَتِيبَةِ لا أُبالِي ∗∗∗ أحَتْفِي كانَ فِيها أمْ سِواها
الحَسْرَةُ: شِدَّةُ النَّدَمِ، وهو تَألُّمُ القَلْبِ بِانْحِسارِهِ عَنْ مِأمُولِهِ.
﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾، سَبَبُ النُّزُولِ: أنَّ الأنْصارَ كانُوا يَحُجُّونَ لِمَناةَ، وكانَتْ مَناةُ خَزَفًا وحَدِيدًا، وكانُوا يَتَحَرَّجُونَ أنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ سَألُوا، فَأُنْزِلَتْ. وخُرِّجَ هَذا السَّبَبُ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما. وقَدْ ذُكِرَ في التَّحَرُّجِ عَنِ الطَّوافِ بَيْنَهُما أقْوالٌ. (ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها): أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أثْنى عَلى الصّابِرِينَ، وكانَ الحَجُّ مِنَ الأعْمالِ الشّاقَّةِ المُفْنِيَةِ لِلْمالِ والبَدَنِ وكانَ أحَدَ أرْكانِ الإسْلامِ، ناسَبَ ذِكْرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ. والصَّفا والمَرْوَةُ، كَما ذَكَرْنا، قِيلَ: عَلَمانِ لِهَذَيْنِ الجَبَلَيْنِ، والأعْلامُ لا يُلْحَظُ فِيها تَذْكِيرُ اللَّفْظِ ولا تَأْنِيثُهُ؛ ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ: طَلْحَةُ وهِنْدٌ ؟ وقَدْ نَقَلُوا أنَّ قَوْمًا قالُوا: ذُكِّرَ الصَّفا؛ لِأنَّ آدَمَ وقَفَ عَلَيْهِ، وأُنِّثَتِ المَرْوَةُ؛ لِأنَّ حَوّاءَ وقَفَتْ عَلَيْها. وقالَ الشَّعْبِيُّ: كانَ عَلى الصَّفا صَنَمٌ يُدْعى إسافًا، وعَلى المَرْوَةِ صَنَمٌ يُدْعى نائِلَةَ، فاطَّرَدَ ذَلِكَ في التَّذْكِيرِ والتَّأْنِيثِ، وقُدِّمَ المُذَكَّرُ. نَقَلَ القَوْلَيْنِ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَوْلا أنَّ ذَلِكَ دُوِّنَ في كِتابٍ ما ذَكَرْتُهُ. ولِبَعْضِ الصُّوفِيَّةِ وبَعْضِ أهْلِ البَيْتِ كَلامٌ مَنقُولٌ عَنْهم في الصَّفا والمَرْوَةِ، رَغِبْنا عَنْ ذِكْرِهِ. ولَيْسَ الجَبَلانِ لِذاتِهِما مِن شَعائِرِ اللَّهِ، بَلْ ذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ إنَّ طَوافَ الصَّفا والمَرْوَةِ، ومَعْنى مِن شَعائِرِ اللَّهِ: مَعالِمِهِ. وإذا قُلْنا: مَعْنى مِن شَعائِرِ اللَّهِ مِن مَواضِعِ عِبادَتِهِ، فَلا يُحْتاجُ إلى حَذْفِ مُضافٍ في الأوَّلِ، بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ في الجَرِّ. ولَمّا كانَ الطَّوافُ بَيْنَهُما لَيْسَ عِبادَةً مُسْتَقِلَّةً، إنَّما يَكُونُ عِبادَةً إذا كانَ بَعْضَ حَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ. بَيَّنَ تَعالى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن حَجَّ البَيْتَ أوِ اعْتَمَرَ﴾، ومَن شَرْطِيَّةٌ.
﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما﴾، قَرَأ الجُمْهُورُ: أنْ يَطَّوَّفَ. وقَرَأ أنَسٌ وابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ سِيرِينَ وشَهْرٌ: أنْ لا، وكَذَلِكَ هي في مُصْحَفِ أُبَيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ، وخَرَجَ ذَلِكَ عَلى زِيادَةِ لا، نَحْوَ: (”ما مَنَعَكَ أنْ لا تَسْجُدَ“) ؟ وقَوْلُهُ:
؎وما ألُومُ البِيضَ أنْ لا تَسَخَّرا ∗∗∗ إذا رَأيْنَ الشَّمَطَ القَفَنْدَرا
فَتَتَّحِدُ مَعْنى القِراءَتَيْنِ، ولا يَلْزَمُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ رَفْعَ الجُناحِ في فِعْلِ الشَّيْءِ هو رَفْعٌ في تَرْكِهِ؛ إذْ هو تَخْيِيرٌ بَيْنَ (p-٤٥٧)الفِعْلِ والتَّرْكِ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يَتَراجَعا﴾ [البقرة: ٢٣٠] . فَعَلى هَذا تَكُونُ لا عَلى بابِها لِلنَّفْيِ، وتَكُونُ قِراءَةُ الجُمْهُورِ فِيها رَفْعُ الجُناحِ في فِعْلِ الطَّوافِ نَصًّا، وفي هَذِهِ رَفْعُ الجُناحِ في التَّرْكِ نَصًّا، وكِلْتا القِراءَتَيْنِ تَدُلُّ عَلى التَّخْيِيرِ بَيْنَ الفِعْلِ والتَّرْكِ، فَلَيْسَ الطَّوافُ بِهِما واجِبًا، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأنَسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، وأحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، فِيما نَقَلَ عَنْهُ أبُو طالِبٍ، وأنَّهُ لا شَيْءَ عَلى مَن تَرَكَهُ، عَمْدًا كانَ أوْ سَهْوًا، ولا يَنْبَغِي أنْ يَتْرُكَهُ. ومَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ رُكْنٌ، كالشّافِعِيِّ وأحْمَدَ ومالِكٍ، في مَشْهُورِ مَذْهَبِهِ، أوْ واجِبٌ يُجْبَرُ بِالدَّمِ، كالثَّوْرِيِّ وأبِي حَنِيفَةِ، أوْ إنْ تَرَكَ أكْثَرَ مِن ثَلاثَةِ أشْواطٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ، أوْ ثَلاثَةً فَأقَلَّ فَعَلَيْهِ لِكُلِّ شَوْطٍ إطْعامُ مِسْكِينٍ، كَأبِي حَنِيفَةَ في بَعْضِ الرِّواياتِ، يَحْتاجُ إلى نَصٍّ جَلِيٍّ يَنْسَخُ هَذا النَّصَّ القُرْآنِيَّ. وقَوْلُ عائِشَةَ لِعُرْوَةَ حِينَ قالَ لَها: أرَأيْتِ قَوْلَ اللَّهِ: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما﴾، فَما نَرى عَلى أحَدٍ شَيْئًا ؟ فَقالَتْ: يا عُرَيَّةُ، كَلّا، لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَقالَ: فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ لا يَطَّوَّفَ بِهِما. كَلامٌ لا يُخْرِجُ اللَّفْظَ عَمّا دَلَّ عَلَيْهِ مِن رَفْعِ الإثْمِ عَمَّنْ طافَ بِهِما، ولا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى وُجُوبِ الطَّوافِ؛ لِأنَّ مَدْلُولَ اللَّفْظِ إباحَةُ الفِعْلِ، وإذا كانَ مُباحًا كُنْتَ مُخَيَّرًا بَيْنَ فِعْلِهِ وتَرْكِهِ. وظاهِرُ هَذا الطَّوافِ أنْ يَكُونَ بِالصَّفا والمَرْوَةِ، فَمَن سَعى بَيْنَهُما مِن غَيْرِ صُعُودٍ عَلَيْهِما، لَمْ يُعَدَّ طائِفًا. ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى مُطْلَقِ الطَّوافِ، لا عَلى كَيْفِيَّةٍ، ولا عَدَدٍ. واتَّفَقَ عُلَماءُ الأمْصارِ عَلى أنَّ الرَّمَلَ في السَّعْيِ سُنَةٌ. ورَوى عَطاءٌ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مَن شاءَ سَعى بِمَسِيلِ مَكَّةَ، ومَن شاءَ لَمْ يَسْعَ، وإنَّما يَعْنِي الرَّمَلَ في بَطْنِ الوادِي. وكانَ عُمَرُ يَمْشِي بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ وقالَ: إنْ مَشَيْتُ، فَقَدْ رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْشِي، وإنْ سَعَيْتُ، فَقَدْ رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْعى. وسَعى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُما لِيُرِيَ المُشْرِكِينَ قُوَّتَهُ. فَيُحْتَمَلُ أنْ يَزُولَ الحُكْمُ بِزَوالِ سَبَبِهِ، ويُحْتَمَلَ مَشْرُوعِيَّتُهُ دائِمًا، وإنْ زالَ السَّبَبُ، والرُّكُوبُ في السَّعْيِ بَيْنَهُما مَكْرُوهٌ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ وأصْحابِهِ، ولا يَجُوزُ عِنْدَ مالِكٍ الرُّكُوبُ في السَّعْيِ، ولا في الطَّوافِ بِالبَيْتِ، إلّا مِن عُذْرٍ، وعَلَيْهِ إذْ ذاكَ دَمٌ. وإنْ طافَ راكِبًا بِغَيْرِ عُذْرٍ، أعادَ إنْ كانَ بِحَضْرَةِ البَيْتِ، وإلّا أهْدى. وشَكَتْ أُمُّ سَلَمَةَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «طُوفِي مِن وراءِ النّاسِ وأنْتِ راكِبَةٌ» . ولَمْ يَجِئْ في هَذا الحَدِيثِ أنَّهُ أمَرَها بِدَمٍ. وفَرَّقَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ فَقالَ: إنْ طافَ عَلى ظَهْرِ بَعِيرٍ أجْزاهُ، أوْ عَلى ظَهْرِ إنْسانٍ لَمْ يُجْزِهِ. وكَوْنُ الضَّمِيرِ مُثَنّى في قَوْلِهِ: ”بِهِما“، لا يُدْلِ عَلى البَداءَةِ بِالصَّفا، بَلِ الظّاهِرُ أنَّهُ لَوْ بَدَأ بِالمَرْوَةِ في السَّعْيِ أجْزَأهُ، ومَشْرُوعِيَّةُ السَّعْيِ، عَلى قَوْلِ كافَّةِ العُلَماءِ، البَداءَةُ بِالصَّفا. فَإنْ بَدَأ بِالمَرْوَةِ، فَمَذْهَبُ مالِكٍ، ومَشْهُورُ مَذْهَبِ أبِي حَنِيفَةَ، أنَّهُ يُلْغى ذَلِكَ الشَّوْطُ، فَإنْ لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَجْزِهِ. ورُوِيَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ أيْضًا: إنْ لَمْ يُلْغِهِ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ، نَزَّلَهُ بِمَنزِلَةِ التَّرْتِيبِ في أعْضاءِ الوُضُوءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”يَطَّوَّفَ“، وأصْلُهُ يَتَطَوَّفُ، وفي الماضِي كانَ أصْلُهُ تَطَوَّفَ، ثُمَّ أُدْغِمَ التّاءُ في الطّاءِ، فاحْتاجَ إلى اجْتِلابِ هَمْزَةِ الوَصْلِ؛ لِأنَّ المُدْغَمَ في الشَّيْءِ لا بُدَّ مِن تَسْكِينِهِ، فَصارَ اطَّوَّفَ، وجاءَ مُضارِعُهُ يَطَّوَّفُ، فانْحَذَفَتْ هَمْزَةُ الوَصْلِ لِتَحْصِينِ الحَرْفِ المُدْغَمِ بِحَرْفِ المُضارَعَةِ. وقَرَأ أبُو حَمْزَةَ: أنْ يَطُوفَ بِهِما، مَن طافَ يَطُوفُ، وهي قِراءَةٌ ظاهِرَةٌ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو السَّمالِ: يُطافُ بِهِما، وأصْلُهُ: يَطْتَوِفُ، يَفْتَعِلُ، وماضِيهِ: اطْتَوَفَ افْتَعَلَ، تَحَرَّكَتِ الواوُ، وانْفَتَحَ ما قَبْلَها، فَقُلِبَتْ ألِفًا، وأُدْغِمَتِ الطّاءُ في التّاءِ بَعْدَ قَلْبِ التّاءِ طاءً، كَما قَلَبُوا في اطَّلَبَ، فَهو مُطَّلِبٌ، فَصارَ: اطّافَ، وجاءَ مُضارِعُهُ: يَطّافُ، كَما جاءَ يَطَّلِبُ: ومَصْدَرُ اطَّوَّفَ: اطِّوافًا، ومَصْدَرُ اطّافَ: اطِّيافًا، عادَتِ الواوُ إلى أصْلِها؛ لِأنَّ مُوجِبَ إعْلالِها قَدْ زالَ، ثُمَّ قُلِبَتْ ياءً لِكَسْرَةِ ما قَبْلَها، كَما قالُوا: اعْتَدّا اعْتِيادًا، وأنْ يَطَّوَّفَ أصْلُهُ، في أنْ يَطَّوَّفَ، أيْ لا إثْمَ عَلَيْهِ في الطَّوافِ بِهِما، فَحَذَفَ الحَرْفَ مَعَ أنْ، وحَذْفُهُ قِياسٌ مَعَها إذا لَمْ يُلْبَسْ، وفِيهِ الخِلافُ السّابِقُ، أمَوْضِعُها بَعْدَ الحَذْفِ (p-٤٥٨)جَرٌّ أمْ نَصْبٌ ؟ وجَوَّزَ بَعْضُ مَن لا يُحْسِنُ عِلْمَ النَّحْوِ أنْ يَكُونَ: ”أنْ يَطَّوَّفَ“، في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى أنْ يَكُونَ خَبَرًا أيْضًا، قالَ التَّقْدِيرُ: فَلا جُناحَ الطَّوافُ بِهِما، وأنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والتَّقْدِيرُ: فَلا جُناحَ عَلَيْهِ في حالِ تَطَوُّفِهِ بِهِما، قالَ: والعامِلُ في الحالِ العامِلُ في الجَرِّ، وهي حالٌ مِنَ الهاءِ في عَلَيْهِ. وهَذانِ القَوْلانِ ساقِطانِ، ولَوْلا تَسْطِيرُهُما في بَعْضِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ لَما ذَكَرْتُهُما.
﴿ومَن تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾: التَّطَوُّعُ: ما تَتَرَغَّبُ بِهِ مِن ذاتِ نَفْسِكَ مِمّا لا يَجِبُ عَلَيْكَ؛ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ في حَدِيثِ ضِمامٍ: «هَلْ عَلَيَّ غَيْرُها ؟ قالَ: ”لا، إلّا أنْ تَطَوَّعَ“»، أيْ تَتَبَرَّعَ. هَذا هو الظّاهِرُ، فَيَكُونُ المُرادُ التَّبَرُّعَ بِأيِّ فِعْلِ طاعَةٍ كانَ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ؛ أوْ بِالنَّفْلِ عَلى واجِبِ الطَّوافِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، أوْ بِالعُمْرَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ؛ أوْ بِالحَجِّ والعُمْرَةِ بَعْدَ قَضاءِ الواجِبِ عَلَيْهِ، أوْ بِالسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ، وهَذا قَوْلُ مَن أسْقَطَ وُجُوبَ السَّعْيِ، لَمّا فَهِمَ الإباحَةَ في التَّطَوُّفِ بِهِما مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما﴾، حَمَلَ هَذا عَلى الطَّوافِ بِهِما، كَأنَّهُ قِيلَ: ومَن تَبَرَّعَ بِالطَّوافِ بَيْنَهُما، أوْ بِالسَّعْيِ في الحَجَّةِ الثّانِيَةِ الَّتِي هي غَيْرُ واجِبَةٍ، أقْوالٌ سِتَّةٌ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: تَطَوَّعَ فِعْلًا ماضِيًا هُنا، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهو خَيْرٌ لَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤]، فَيَحْتَمِلُ مَن أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي، ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: يَطَوَّعْ مُضارِعًا مَجْزُومًا بِمَنِ الشَّرْطِيَّةِ، وافَقَهُما زَيْدٌ ورُوَيْسٌ في الأوَّلِ مِنهُما، وانْتِصابُ خَيْرًا عَلى المَفْعُولِ بَعْدَ إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ بِخَيْرٍ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَرَأ: يَتَطَوَّعُ بِخَيْرٍ. ويَطَّوَّعُ أصْلُهُ: يَتَطَوَّعُ، كَقِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ، فَأُدْغِمَ. وأجازُوا جَعْلَ خَيْرًا نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ ومَن يَتَطَوَّعْ تَطَوُّعًا خَيْرًا.
﴿فَإنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ﴾: هَذِهِ الجُمْلَةُ جَوابُ الشَّرْطِ. وإذا كانَتْ مَن مَوْصُولَةً في احْتِمالِ أحَدِ وجْهَيْ مَن في قِراءَةِ مَن قَرَأ تَطَوَّعَ فِعْلًا ماضِيًا، فَهي جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ خَبَرِ المُبْتَدَأِ؛ لِأنَّ تَطَوَّعَ إذْ ذاكَ تَكُونُ صِلَةً. وشُكْرُ اللَّهِ العَبْدَ بِأحَدِ مَعْنَيَيْنِ: إمّا بِالثَّوابِ، وإمّا بِالثَّناءِ. وعِلْمُهُ هُنا هو عِلْمُهُ بِقَدْرِ الجَزاءِ الَّذِي لِلْعَبْدِ عَلى فِعْلِ الطّاعَةِ، أوْ بِنِيَّتِهِ وإخْلاصِهِ في العَمَلِ. وقَدْ وقَعَتِ الصِّفَتانِ هُنا المَوْقِعَ الحَسَنَ؛ لِأنَّ التَّطَوُّعَ بِالخَيْرِ يَتَضَمَّنُ الفِعْلَ والقَصْدَ، فَناسَبَ ذِكْرَ الشُّكْرِ بِاعْتِبارِ الفِعْلِ، وذِكْرَ العِلْمِ بِاعْتِبارِ القَصْدِ، وأُخِّرَتْ صِفَةُ العِلْمِ، وإنْ كانَتْ مُتَقَدِّمَةً، عَلى الشُّكْرِ، كَما أنَّ النِّيَّةَ مُقَدَّمَةٌ عَلى الفِعْلِ لِتَواخِي رُءُوسِ الآيِ.
البقرة 2:159
﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى﴾: الآيَةَ نَزَلَتْ في أهْلِ الكِتابِ وكِتْمانِهِمْ آيَةَ الرَّجْمِ وأمْرِ النَّبِيِّ ﷺ . وذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ: أنَّ مُعاذًا سَألَ اليَهُودَ عَمّا في التَّوْراةِ مِن ذِكْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَكَتَمُوهُ إيّاهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ. والكاتِمُونَ هم أحْبارُ اليَهُودِ وعُلَماءُ النَّصارى، وعَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ وأحْبارُ اليَهُودِ: كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، وكَعْبُ بْنُ أسَدٍ، وابْنُ صُورِيّا، وزَيْدُ بْنُ التّابُوهِ. ”ما أنْزَلْنا“: فِيهِ خُرُوجٌ مِن ظاهِرٍ إلى ضَمِيرِ مُتَكَلِّمٍ. و”البَيِّناتِ“: هي الحُجَجُ الدّالَّةُ عَلى نُبُوَّتِهِ ﷺ . ”والهُدى“: الأمْرُ بِاتِّباعِهِ، أوِ البَيِّناتُ والهُدى واحِدٌ، والجَمْعُ بَيْنَهُما تَوْكِيدٌ، وهو ما أبانَ عَنْ نُبُوَّتِهِ وهَدى إلى اتِّباعِهِ. أوِ ”البَيِّناتُ“: الرَّجْمُ والحُدُودُ وسائِرُ الأحْكامِ، والهُدى: أمْرُ مُحَمَّدٍ ﷺ - ونَعْتُهُ واتِّباعُهُ. وتَتَعَلَّقُ مَن بِمَحْذُوفٍ؛ لِأنَّهُ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ كائِنًا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى.
﴿مِن بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ في الكِتابِ﴾: الضَّمِيرُ المَنصُوبُ في بَيَّناهُ عائِدٌ عَلى المَوْصُولِ الَّذِي هو: ”ما أنْزَلْنا“، وضَمِيرُ الصِّلَةِ مَحْذُوفٌ، أيْ ما أنْزَلْناهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”بَيَّنّاهُ“ مُطابِقَةً لِقَوْلِهِ: ”أنْزَلْنا“ . وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: بَيَّنَهُ: جَعَلَهُ ضَمِيرَ مُفْرَدٍ غائِبٍ، وهو التِفاتٌ مِن ضَمِيرِ مُتَكَلِّمٍ إلى ضَمِيرِ غائِبٍ. و”النّاسُ“ هُنا: أهْلُ الكِتابِ، والكِتابُ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، وقِيلَ: النّاسُ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، والكِتابُ: القُرْآنُ. والأوْلى والأظْهَرُ: عُمُومُ الآيَةِ في الكاتِمِينَ، وفي النّاسِ، وفي الكِتابِ؛ وإنْ نَزَلَتْ عَلى سَبَبٍ خاصٍّ، فَهي تَتَناوَلُ (p-٤٥٩)كُلَّ مَن كَتَمَ عِلْمًا مِن دِينِ اللَّهِ يُحْتاجُ إلى بَثِّهِ ونَشْرِهِ، وذَلِكَ مُفَسَّرٌ في قَوْلِهِ ﷺ: «مَن سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أُلْجِمَ يَوْمَ القِيامَةِ بِلِجامٍ مِن نارٍ»، وذَلِكَ إذا كانَ لا يَخافُ عَلى نَفْسِهِ في بَثِّهِ. وقَدْ فَهِمَ الصَّحابَةُ مِن هَذِهِ الآيَةِ العُمُومَ، وهُمُ العَرَبُ الفُصَّحُ المَرْجُوعُ إلَيْهِمْ في فَهْمِ القُرْآنِ. كَما رُوِيَ عَنْ عُثْمانَ وأبِي هُرَيْرَةَ وغَيْرِهِما: لَوْلا آيَةٌ في كِتابِ اللَّهِ ما حَدَّثْتُكم. وقَدِ امْتَنَعَ أبُو هُرَيْرَةَ مِن تَحْدِيثِهِ بِبَعْضِ ما يَخافُ مِنهُ فَقالَ: لَوْ بَثَثْتُهُ لَقُطِعَ هَذا البُلْعُومُ. وظاهِرُ الآيَةِ اسْتِحْقاقُ اللَّعْنَةِ عَلى مَن كَتَمَ ما أنْزَلَ اللَّهُ، وإنْ لَمْ يُسْألْ عَنْهُ، بَلْ يَجِبُ التَّعْلِيمُ والتَّبْيِينُ، وإنْ لَمْ يَسْألُوا، ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] . وقالَ الإمامُ أبُو مُحَمَّدٍ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ بْنِ حَزْمٍ القُرْطُبِيُّ، فِيما سَمِعَ مِنهُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أبِي نَصْرٍ الحُمَيْدِيُّ الحافِظُ: الحَظُّ لِمَن آثَرَ العِلْمَ وعَرَفَ فَضْلَهُ أنْ يَسْتَعْمِلَهُ جُهْدَهُ ويُقْرِئَهُ بِقَدْرِ طاقَتِهِ ويُحَقِّقَهُ ما أمْكَنَهُ، بَلْ لَوْ أمْكَنَهُ أنْ يَهْتِفَ بِهِ عَلى قَوارِعِ طُرُقِ المارَّةِ ويَدْعُو إلَيْهِ في شارِعِ السّابِلَةِ ويُنادِي عَلَيْهِ في مَجامِعِ السَّيّارَةِ، بَلْ لَوْ تَيَسَّرَ لَهُ أنْ يَهَبَ المالَ لِطُلّابِهِ ويُجْرِيَ الأُجُورَ لِمُقْتَبِسِيهِ ويُعْظِمَ الأجْعالَ لِلْباحِثِينَ عَنْهُ ويُسَنِّيَ مَراتِبَ أهْلِهِ صابِرًا في ذَلِكَ عَلى المَشَقَّةِ والأذى، لَكانَ ذَلِكَ حَظًّا جَزِيلًا وعَمَلًا جَيِّدًا وسَعْدًا كَرِيمًا وإحْياءً لِلْعِلْمِ، وإلّا فَقَدَ دَرَسَ وطُمِسَ ولَمْ يَبْقَ مِنهُ إلّا آثارٌ لَطِيفَةٌ وأعْلامٌ دائِرَةٌ. انْتَهى كَلامُهُ.
﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ﴾: هَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ. واسْتَحَقُّوا هَذا الأمْرَ الفَظِيعَ مِن لَعْنَةِ اللَّهِ ولَعْنَةِ اللّاعِنِينَ عَلى هَذا الذَّنْبِ العَظِيمِ، وهو كِتْمانُ ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى، وقَدْ بَيَّنَهُ وأوْضَحَهُ لِلنّاسِ بِحَيْثُ لا يَقَعُ فِيهِ لَبْسٌ، فَعَمَدُوا إلى هَذا الواضِحِ البَيِّنِ فَكَتَمُوهُ، فاسْتَحَقُّوا بِذَلِكَ هَذا العِقابَ. وجاءَ بِأُولَئِكَ - اسْمِ الإشارَةِ البَعِيدِ، - تَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ الوَصْفِ القَبِيحِ، وأبْرَزَ الخَبَرَ في صُورَةِ جُمْلَتَيْنِ تَوْكِيدًا وتَعْظِيمًا، وأتى بِالفِعْلِ المُضارِعِ المُقْتَضِي التَّجَدُّدَ لِتَجَدُّدِ مُقْتَضِيهِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ .
ولِذَلِكَ أتى صِلَةُ ”الَّذِينَ“ فِعْلًا مُضارِعًا لِيَدُلَّ أيْضًا عَلى التَّجَدُّدِ؛ لِأنَّ بَقاءَهم عَلى الكِتْمانِ هو تَجَدُّدُ كِتْمانٍ. وجاءَ بِالجُمْلَةِ المُسْنَدُ فِيها الفِعْلُ إلى اللَّهِ؛ لِأنَّهُ هو المُجازِي عَلى ما اجْتَرَحُوهُ مِنَ الذَّنْبِ. وجاءَتِ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ؛ لِأنَّ لَعْنَةَ اللّاعِنِينَ مُتَرَتِّبَةٌ عَلى لَعْنَةِ اللَّهِ لِلْكاتِمِينَ. وأُبْرِزَ اسْمُ الجَلالَةِ بِلَفْظِ اللَّهِ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ، إذْ لَوْ جَرى عَلى نَسَقِ الكَلامِ السّابِقِ؛ لَكانَ أُولَئِكَ يَلْعَنُهم، لَكِنَّ في إظْهارِ هَذا الِاسْمِ مِنَ الفَخامَةِ ما لا يَكُونُ في الضَّمِيرِ. و”اللّاعِنُونَ“: كُلُّ مَن يَتَأتّى مِنهُمُ اللَّعْنُ، وهُمُ المَلائِكَةُ ومُؤْمِنُو الثَّقَلَيْنِ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ؛ أوْ كُلُّ شَيْءٍ مِن حَيَوانٍ وجَمادٍ غَيْرِ الثَّقَلَيْنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والبَراءُ بْنُ عازِبٍ، إذا وُضِعَ في قَبْرِهِ وعُذِّبَ فَصاحَ، إذْ يَسْمَعُهُ كُلُّ شَيْءٍ إلّا الثَّقَلَيْنِ؛ أوِ البَهائِمُ والحَشَراتُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ، وذَلِكَ لِما يُصِيبُهم مِنَ الجَدْبِ بِذُنُوبِ عُلَماءِ السُّوءِ الكاتِمِينَ، أوِ الطّارِدُونَ لَهم إلى النّارِ حِينَ يَسُوقُونَهم إلَيْها؛ لِأنَّ اللَّعْنَ هو الطَّرْدُ؛ أوِ المَلائِكَةُ؛ قالَهُ قَتادَةُ؛ أوِ المُتَلاعِنُونَ، إذا لَمْ يَسْتَحِقَّ أحَدٌ مِنهُمُ اللَّعْنَ انْصَرَفَ إلى اليَهُودِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ؛ والأظْهَرُ القَوْلُ الأوَّلُ. ومَن أطْلَقَ ”اللّاعِنُونَ“ عَلى ما لا يَعْقِلُ أجْراهُ مَجْرى ما يَعْقِلُ، إذْ صَدَرَتْ مِنهُ اللَّعْنَةُ، وهي مِن فِعْلِ مَن يَعْقِلُ، وذَلِكَ لِجَمْعِهِ بِالواوِ والنُّونِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿ويَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ﴾، ضَرْبٌ مِنَ البَدِيعِ، وهو التَّجْنِيسُ المُغايِرُ، وهو أنْ يَكُونَ إحْدى الكَلِمَتَيْنِ اسْمًا والأُخْرى فِعْلًا.
(إلّا الَّذِينَ تابُوا): هَذا اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، ومَعْنى تابُوا عَنِ الكُفْرِ إلى الإسْلامِ، أوْ عَنِ الكِتْمانِ إلى الإظْهارِ. (وأصْلَحُوا) ما أفْسَدُوا مِن قُلُوبِهِمْ بِمُخالَطَةِ الكُفْرِ لَها، أوْ ما أفْسَدُوا مِن أحْوالِهِمْ مَعَ اللَّهِ، أوْ أصْلَحُوا قَوْمَهم بِالإرْشادِ إلى الإسْلامِ بَعْدَ الإضْلالِ. (وبَيَّنُوا): أيِ الحَقَّ الَّذِي كَتَمُوهُ، أوْ صِدْقَ تَوْبَتِهِمْ بِكَسْرِ الخَمْرِ وإراقَتِها، أوْ ما في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، أوِ اعْتَرَفُوا بِتَلْبِيسِهِمْ وزُورِهِمْ، أوْ ما أحْدَثُوا مِن تَوْبَتِهِمْ، لِيَمْحُوا سَيِّئَةَ الكُفْرِ عَنْهم (p-٤٦٠)ويُعْرَفُوا بِضِدٍّ ما كانُوا يُعْرَفُونَ بِهِ، ويَقْتَدِي بِهِمْ غَيْرُهم مِنَ المُفْسِدِينَ. (فَأُولَئِكَ): إشارَةٌ إلى مَن جَمَعَ هَذِهِ الأوْصافَ مِنَ التَّوْبَةِ والإصْلاحِ والتَّبْيِينِ.
﴿أتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾: أيْ أعْطِفُ عَلَيْهِمْ، ومَن تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ لا تَلْحَقُهُ لَعْنَةٌ.
﴿وأنا التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ في هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ، وخَتَمَ بِهِما تَرْغِيبًا في التَّوْبَةِ وإشْعارًا بِأنَّ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ هُما لَهُ، فَمَن رَجَعَ إلَيْهِ عَطَفَ عَلَيْهِ ورَحِمَهُ.
وذَكَرُوا في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الأحْكامِ جُمْلَةً، مِنها أنَّ كِتْمانَ العِلْمِ حَرامٌ، يَعْنُونَ عِلْمَ الشَّرِيعَةِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ما أنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ﴾، وبِشَرْطِ أنْ يَكُونَ المُعَلِّمُ لا يَخْشى عَلى نَفْسِهِ، وأنْ يَكُونَ مُتَعَيِّنًا لِذَلِكَ. فَإنْ لَمْ يَكُنْ مِن أُمُورِ الشَّرائِعِ فَلا تَحَرُّجَ في كَتْمِها. رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أنَّهُ قالَ: ما أنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لا تَبْلُغُهُ عُقُولُهم إلّا كانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً. ورُوِيَ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «حَدِّثِ النّاسَ بِما يَفْهَمُونَ، أتُحِبُّونَ أنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ ورَسُولُهُ ؟» قالُوا: والمَنصُوصُ عَلَيْهِ مِنَ الشَّرائِعِ والمُسْتَنْبَطُ مِنهُ في الحُكْمِ سَواءٌ، وإنْ خَشِيَ عَلى نَفْسِهِ فَلا يُحَرَّجُ عَلَيْهِ، كَما فَعَلَ أبُو هُرَيْرَةَ، وإنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ، ما لَمْ يُسْألْ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ، ومِنها: تَحْرِيمُ الأُجْرَةِ عَلى تَعْلِيمِ العِلْمِ، وقَدْ أجازَهُ بَعْضُ العُلَماءِ. ومِنها: أنَّ الكافِرَ لا يَجُوزُ تَعْلِيمُهُ القُرْآنَ حَتّى يُسْلِمَ، ولا تَعْلِيمُ الخَصْمِ حُجَّةً عَلى خَصْمِهِ لِيَقْطَعَ بِها مالَهُ، ولا السُّلْطانَ تَأْوِيلًا يَتَطَرَّقُ بِهِ إلى مَكارِهِ الرَّعِيَّةِ، ولا تَعْلِيمُ الرُّخَصِ إذا عَلِمَ أنَّها تُجْعَلُ طَرِيقًا إلى ارْتِكابِ المَحْظُوراتِ وتَرْكِ الواجِباتِ. ومِنها: وُجُوبُ قَبُولِ خَبَرِ الواحِدِ؛ لِأنَّهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ البَيانُ إلّا وقَدْ وجَبَ عَلَيْهِمْ قَبُولُ قَوْلِهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ مِنَ البَيِّناتِ والهُدى يَعُمُّ المَنصُوصَ والمُسْتَنْبَطَ. وجَوازُ لَعْنِ مَن ماتَ كافِرًا، وقالَ بَعْضُ السَّلَفِ: لا فائِدَةَ في لَعْنِ مَن ماتَ أوْ جُنَّ مِنَ الكُفّارِ، وجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى جَوازِ لَعْنِ الكُفّارِ جُمْلَةً مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ. وقالَ بَعْضُهم بِوُجُوبِها، وأمّا الكافِرُ المُعَيَّنُ فَجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ لَعْنُهُ. وقَدْ لَعَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قُومًا بِأعْيانِهِمْ. وقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: الصَّحِيحُ عِنْدِي جَوازُ لَعْنِهِ. وذَكَرَ ابْنُ العَرَبِيِّ الِاتِّفاقَ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ لَعْنُ العاصِي والمُتَجاهِرِ بِالكَبائِرِ مِنَ المُسْلِمِينَ. وذَكَرَ بَعْضُ العُلَماءِ فِيهِ خِلافًا، وبَعْضُهم تَفْصِيلًا. فَأجازَهُ قَبْلَ إقامَةِ الحَدِّ عَلَيْهِ. ومِنها: أنَّ التَّوْبَةَ المُعْتَبَرَةَ شَرَّعا أنْ يُظْهِرَ التّائِبُ خِلافَ ما كانَ عَلَيْهِ في الأوَّلِ، فَإنْ كانَ مُرْتَدًّا، فَبِالرُّجُوعِ إلى الإسْلامِ وإظْهارِ شَرائِعِهِ، أوْ عاصِيًا، فَبِالرُّجُوعِ إلى العَمَلِ الصّالِحِ ومُجانَبَةِ أهْلِ الفَسادِ. وأمّا التَّوْبَةُ بِاللِّسانِ فَقَطْ، أوْ عَنْ ذَنْبٍ واحِدٍ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِتَوْبَةٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في التَّوْبَةِ مُشَبَّعًا.
البقرة 2:160
﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى﴾: الآيَةَ نَزَلَتْ في أهْلِ الكِتابِ وكِتْمانِهِمْ آيَةَ الرَّجْمِ وأمْرِ النَّبِيِّ ﷺ . وذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ: أنَّ مُعاذًا سَألَ اليَهُودَ عَمّا في التَّوْراةِ مِن ذِكْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَكَتَمُوهُ إيّاهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ. والكاتِمُونَ هم أحْبارُ اليَهُودِ وعُلَماءُ النَّصارى، وعَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ وأحْبارُ اليَهُودِ: كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، وكَعْبُ بْنُ أسَدٍ، وابْنُ صُورِيّا، وزَيْدُ بْنُ التّابُوهِ. ”ما أنْزَلْنا“: فِيهِ خُرُوجٌ مِن ظاهِرٍ إلى ضَمِيرِ مُتَكَلِّمٍ. و”البَيِّناتِ“: هي الحُجَجُ الدّالَّةُ عَلى نُبُوَّتِهِ ﷺ . ”والهُدى“: الأمْرُ بِاتِّباعِهِ، أوِ البَيِّناتُ والهُدى واحِدٌ، والجَمْعُ بَيْنَهُما تَوْكِيدٌ، وهو ما أبانَ عَنْ نُبُوَّتِهِ وهَدى إلى اتِّباعِهِ. أوِ ”البَيِّناتُ“: الرَّجْمُ والحُدُودُ وسائِرُ الأحْكامِ، والهُدى: أمْرُ مُحَمَّدٍ ﷺ - ونَعْتُهُ واتِّباعُهُ. وتَتَعَلَّقُ مَن بِمَحْذُوفٍ؛ لِأنَّهُ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ كائِنًا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى.
﴿مِن بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ في الكِتابِ﴾: الضَّمِيرُ المَنصُوبُ في بَيَّناهُ عائِدٌ عَلى المَوْصُولِ الَّذِي هو: ”ما أنْزَلْنا“، وضَمِيرُ الصِّلَةِ مَحْذُوفٌ، أيْ ما أنْزَلْناهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”بَيَّنّاهُ“ مُطابِقَةً لِقَوْلِهِ: ”أنْزَلْنا“ . وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: بَيَّنَهُ: جَعَلَهُ ضَمِيرَ مُفْرَدٍ غائِبٍ، وهو التِفاتٌ مِن ضَمِيرِ مُتَكَلِّمٍ إلى ضَمِيرِ غائِبٍ. و”النّاسُ“ هُنا: أهْلُ الكِتابِ، والكِتابُ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، وقِيلَ: النّاسُ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، والكِتابُ: القُرْآنُ. والأوْلى والأظْهَرُ: عُمُومُ الآيَةِ في الكاتِمِينَ، وفي النّاسِ، وفي الكِتابِ؛ وإنْ نَزَلَتْ عَلى سَبَبٍ خاصٍّ، فَهي تَتَناوَلُ (p-٤٥٩)كُلَّ مَن كَتَمَ عِلْمًا مِن دِينِ اللَّهِ يُحْتاجُ إلى بَثِّهِ ونَشْرِهِ، وذَلِكَ مُفَسَّرٌ في قَوْلِهِ ﷺ: «مَن سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أُلْجِمَ يَوْمَ القِيامَةِ بِلِجامٍ مِن نارٍ»، وذَلِكَ إذا كانَ لا يَخافُ عَلى نَفْسِهِ في بَثِّهِ. وقَدْ فَهِمَ الصَّحابَةُ مِن هَذِهِ الآيَةِ العُمُومَ، وهُمُ العَرَبُ الفُصَّحُ المَرْجُوعُ إلَيْهِمْ في فَهْمِ القُرْآنِ. كَما رُوِيَ عَنْ عُثْمانَ وأبِي هُرَيْرَةَ وغَيْرِهِما: لَوْلا آيَةٌ في كِتابِ اللَّهِ ما حَدَّثْتُكم. وقَدِ امْتَنَعَ أبُو هُرَيْرَةَ مِن تَحْدِيثِهِ بِبَعْضِ ما يَخافُ مِنهُ فَقالَ: لَوْ بَثَثْتُهُ لَقُطِعَ هَذا البُلْعُومُ. وظاهِرُ الآيَةِ اسْتِحْقاقُ اللَّعْنَةِ عَلى مَن كَتَمَ ما أنْزَلَ اللَّهُ، وإنْ لَمْ يُسْألْ عَنْهُ، بَلْ يَجِبُ التَّعْلِيمُ والتَّبْيِينُ، وإنْ لَمْ يَسْألُوا، ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] . وقالَ الإمامُ أبُو مُحَمَّدٍ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ بْنِ حَزْمٍ القُرْطُبِيُّ، فِيما سَمِعَ مِنهُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أبِي نَصْرٍ الحُمَيْدِيُّ الحافِظُ: الحَظُّ لِمَن آثَرَ العِلْمَ وعَرَفَ فَضْلَهُ أنْ يَسْتَعْمِلَهُ جُهْدَهُ ويُقْرِئَهُ بِقَدْرِ طاقَتِهِ ويُحَقِّقَهُ ما أمْكَنَهُ، بَلْ لَوْ أمْكَنَهُ أنْ يَهْتِفَ بِهِ عَلى قَوارِعِ طُرُقِ المارَّةِ ويَدْعُو إلَيْهِ في شارِعِ السّابِلَةِ ويُنادِي عَلَيْهِ في مَجامِعِ السَّيّارَةِ، بَلْ لَوْ تَيَسَّرَ لَهُ أنْ يَهَبَ المالَ لِطُلّابِهِ ويُجْرِيَ الأُجُورَ لِمُقْتَبِسِيهِ ويُعْظِمَ الأجْعالَ لِلْباحِثِينَ عَنْهُ ويُسَنِّيَ مَراتِبَ أهْلِهِ صابِرًا في ذَلِكَ عَلى المَشَقَّةِ والأذى، لَكانَ ذَلِكَ حَظًّا جَزِيلًا وعَمَلًا جَيِّدًا وسَعْدًا كَرِيمًا وإحْياءً لِلْعِلْمِ، وإلّا فَقَدَ دَرَسَ وطُمِسَ ولَمْ يَبْقَ مِنهُ إلّا آثارٌ لَطِيفَةٌ وأعْلامٌ دائِرَةٌ. انْتَهى كَلامُهُ.
﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ﴾: هَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ. واسْتَحَقُّوا هَذا الأمْرَ الفَظِيعَ مِن لَعْنَةِ اللَّهِ ولَعْنَةِ اللّاعِنِينَ عَلى هَذا الذَّنْبِ العَظِيمِ، وهو كِتْمانُ ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى، وقَدْ بَيَّنَهُ وأوْضَحَهُ لِلنّاسِ بِحَيْثُ لا يَقَعُ فِيهِ لَبْسٌ، فَعَمَدُوا إلى هَذا الواضِحِ البَيِّنِ فَكَتَمُوهُ، فاسْتَحَقُّوا بِذَلِكَ هَذا العِقابَ. وجاءَ بِأُولَئِكَ - اسْمِ الإشارَةِ البَعِيدِ، - تَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ الوَصْفِ القَبِيحِ، وأبْرَزَ الخَبَرَ في صُورَةِ جُمْلَتَيْنِ تَوْكِيدًا وتَعْظِيمًا، وأتى بِالفِعْلِ المُضارِعِ المُقْتَضِي التَّجَدُّدَ لِتَجَدُّدِ مُقْتَضِيهِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ .
ولِذَلِكَ أتى صِلَةُ ”الَّذِينَ“ فِعْلًا مُضارِعًا لِيَدُلَّ أيْضًا عَلى التَّجَدُّدِ؛ لِأنَّ بَقاءَهم عَلى الكِتْمانِ هو تَجَدُّدُ كِتْمانٍ. وجاءَ بِالجُمْلَةِ المُسْنَدُ فِيها الفِعْلُ إلى اللَّهِ؛ لِأنَّهُ هو المُجازِي عَلى ما اجْتَرَحُوهُ مِنَ الذَّنْبِ. وجاءَتِ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ؛ لِأنَّ لَعْنَةَ اللّاعِنِينَ مُتَرَتِّبَةٌ عَلى لَعْنَةِ اللَّهِ لِلْكاتِمِينَ. وأُبْرِزَ اسْمُ الجَلالَةِ بِلَفْظِ اللَّهِ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ، إذْ لَوْ جَرى عَلى نَسَقِ الكَلامِ السّابِقِ؛ لَكانَ أُولَئِكَ يَلْعَنُهم، لَكِنَّ في إظْهارِ هَذا الِاسْمِ مِنَ الفَخامَةِ ما لا يَكُونُ في الضَّمِيرِ. و”اللّاعِنُونَ“: كُلُّ مَن يَتَأتّى مِنهُمُ اللَّعْنُ، وهُمُ المَلائِكَةُ ومُؤْمِنُو الثَّقَلَيْنِ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ؛ أوْ كُلُّ شَيْءٍ مِن حَيَوانٍ وجَمادٍ غَيْرِ الثَّقَلَيْنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والبَراءُ بْنُ عازِبٍ، إذا وُضِعَ في قَبْرِهِ وعُذِّبَ فَصاحَ، إذْ يَسْمَعُهُ كُلُّ شَيْءٍ إلّا الثَّقَلَيْنِ؛ أوِ البَهائِمُ والحَشَراتُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ، وذَلِكَ لِما يُصِيبُهم مِنَ الجَدْبِ بِذُنُوبِ عُلَماءِ السُّوءِ الكاتِمِينَ، أوِ الطّارِدُونَ لَهم إلى النّارِ حِينَ يَسُوقُونَهم إلَيْها؛ لِأنَّ اللَّعْنَ هو الطَّرْدُ؛ أوِ المَلائِكَةُ؛ قالَهُ قَتادَةُ؛ أوِ المُتَلاعِنُونَ، إذا لَمْ يَسْتَحِقَّ أحَدٌ مِنهُمُ اللَّعْنَ انْصَرَفَ إلى اليَهُودِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ؛ والأظْهَرُ القَوْلُ الأوَّلُ. ومَن أطْلَقَ ”اللّاعِنُونَ“ عَلى ما لا يَعْقِلُ أجْراهُ مَجْرى ما يَعْقِلُ، إذْ صَدَرَتْ مِنهُ اللَّعْنَةُ، وهي مِن فِعْلِ مَن يَعْقِلُ، وذَلِكَ لِجَمْعِهِ بِالواوِ والنُّونِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿ويَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ﴾، ضَرْبٌ مِنَ البَدِيعِ، وهو التَّجْنِيسُ المُغايِرُ، وهو أنْ يَكُونَ إحْدى الكَلِمَتَيْنِ اسْمًا والأُخْرى فِعْلًا.
(إلّا الَّذِينَ تابُوا): هَذا اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، ومَعْنى تابُوا عَنِ الكُفْرِ إلى الإسْلامِ، أوْ عَنِ الكِتْمانِ إلى الإظْهارِ. (وأصْلَحُوا) ما أفْسَدُوا مِن قُلُوبِهِمْ بِمُخالَطَةِ الكُفْرِ لَها، أوْ ما أفْسَدُوا مِن أحْوالِهِمْ مَعَ اللَّهِ، أوْ أصْلَحُوا قَوْمَهم بِالإرْشادِ إلى الإسْلامِ بَعْدَ الإضْلالِ. (وبَيَّنُوا): أيِ الحَقَّ الَّذِي كَتَمُوهُ، أوْ صِدْقَ تَوْبَتِهِمْ بِكَسْرِ الخَمْرِ وإراقَتِها، أوْ ما في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، أوِ اعْتَرَفُوا بِتَلْبِيسِهِمْ وزُورِهِمْ، أوْ ما أحْدَثُوا مِن تَوْبَتِهِمْ، لِيَمْحُوا سَيِّئَةَ الكُفْرِ عَنْهم (p-٤٦٠)ويُعْرَفُوا بِضِدٍّ ما كانُوا يُعْرَفُونَ بِهِ، ويَقْتَدِي بِهِمْ غَيْرُهم مِنَ المُفْسِدِينَ. (فَأُولَئِكَ): إشارَةٌ إلى مَن جَمَعَ هَذِهِ الأوْصافَ مِنَ التَّوْبَةِ والإصْلاحِ والتَّبْيِينِ.
﴿أتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾: أيْ أعْطِفُ عَلَيْهِمْ، ومَن تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ لا تَلْحَقُهُ لَعْنَةٌ.
﴿وأنا التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ في هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ، وخَتَمَ بِهِما تَرْغِيبًا في التَّوْبَةِ وإشْعارًا بِأنَّ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ هُما لَهُ، فَمَن رَجَعَ إلَيْهِ عَطَفَ عَلَيْهِ ورَحِمَهُ.
وذَكَرُوا في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الأحْكامِ جُمْلَةً، مِنها أنَّ كِتْمانَ العِلْمِ حَرامٌ، يَعْنُونَ عِلْمَ الشَّرِيعَةِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ما أنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ﴾، وبِشَرْطِ أنْ يَكُونَ المُعَلِّمُ لا يَخْشى عَلى نَفْسِهِ، وأنْ يَكُونَ مُتَعَيِّنًا لِذَلِكَ. فَإنْ لَمْ يَكُنْ مِن أُمُورِ الشَّرائِعِ فَلا تَحَرُّجَ في كَتْمِها. رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أنَّهُ قالَ: ما أنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لا تَبْلُغُهُ عُقُولُهم إلّا كانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً. ورُوِيَ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «حَدِّثِ النّاسَ بِما يَفْهَمُونَ، أتُحِبُّونَ أنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ ورَسُولُهُ ؟» قالُوا: والمَنصُوصُ عَلَيْهِ مِنَ الشَّرائِعِ والمُسْتَنْبَطُ مِنهُ في الحُكْمِ سَواءٌ، وإنْ خَشِيَ عَلى نَفْسِهِ فَلا يُحَرَّجُ عَلَيْهِ، كَما فَعَلَ أبُو هُرَيْرَةَ، وإنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ، ما لَمْ يُسْألْ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ، ومِنها: تَحْرِيمُ الأُجْرَةِ عَلى تَعْلِيمِ العِلْمِ، وقَدْ أجازَهُ بَعْضُ العُلَماءِ. ومِنها: أنَّ الكافِرَ لا يَجُوزُ تَعْلِيمُهُ القُرْآنَ حَتّى يُسْلِمَ، ولا تَعْلِيمُ الخَصْمِ حُجَّةً عَلى خَصْمِهِ لِيَقْطَعَ بِها مالَهُ، ولا السُّلْطانَ تَأْوِيلًا يَتَطَرَّقُ بِهِ إلى مَكارِهِ الرَّعِيَّةِ، ولا تَعْلِيمُ الرُّخَصِ إذا عَلِمَ أنَّها تُجْعَلُ طَرِيقًا إلى ارْتِكابِ المَحْظُوراتِ وتَرْكِ الواجِباتِ. ومِنها: وُجُوبُ قَبُولِ خَبَرِ الواحِدِ؛ لِأنَّهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ البَيانُ إلّا وقَدْ وجَبَ عَلَيْهِمْ قَبُولُ قَوْلِهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ مِنَ البَيِّناتِ والهُدى يَعُمُّ المَنصُوصَ والمُسْتَنْبَطَ. وجَوازُ لَعْنِ مَن ماتَ كافِرًا، وقالَ بَعْضُ السَّلَفِ: لا فائِدَةَ في لَعْنِ مَن ماتَ أوْ جُنَّ مِنَ الكُفّارِ، وجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى جَوازِ لَعْنِ الكُفّارِ جُمْلَةً مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ. وقالَ بَعْضُهم بِوُجُوبِها، وأمّا الكافِرُ المُعَيَّنُ فَجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ لَعْنُهُ. وقَدْ لَعَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قُومًا بِأعْيانِهِمْ. وقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: الصَّحِيحُ عِنْدِي جَوازُ لَعْنِهِ. وذَكَرَ ابْنُ العَرَبِيِّ الِاتِّفاقَ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ لَعْنُ العاصِي والمُتَجاهِرِ بِالكَبائِرِ مِنَ المُسْلِمِينَ. وذَكَرَ بَعْضُ العُلَماءِ فِيهِ خِلافًا، وبَعْضُهم تَفْصِيلًا. فَأجازَهُ قَبْلَ إقامَةِ الحَدِّ عَلَيْهِ. ومِنها: أنَّ التَّوْبَةَ المُعْتَبَرَةَ شَرَّعا أنْ يُظْهِرَ التّائِبُ خِلافَ ما كانَ عَلَيْهِ في الأوَّلِ، فَإنْ كانَ مُرْتَدًّا، فَبِالرُّجُوعِ إلى الإسْلامِ وإظْهارِ شَرائِعِهِ، أوْ عاصِيًا، فَبِالرُّجُوعِ إلى العَمَلِ الصّالِحِ ومُجانَبَةِ أهْلِ الفَسادِ. وأمّا التَّوْبَةُ بِاللِّسانِ فَقَطْ، أوْ عَنْ ذَنْبٍ واحِدٍ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِتَوْبَةٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في التَّوْبَةِ مُشَبَّعًا.
البقرة 2:161
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾: لَمّا ذَكَرَ حالَ مَن كَتَمَ العِلْمَ وحالَ مَن تابَ، ذَكَرَ حالَ مَن ماتَ مُصِرًّا عَلى الكُفْرِ، وبالَغَ في اللَّعْنَةِ، بِأنْ جَعَلَها مُسْتَعْلِيَةً عَلَيْهِ، وقَدْ تَجَلَّلَتْهُ وغَشِيَتْهُ، فَهو تَحْتَها، وهي عامَّةٌ في كُلِّ مَن كانَ كَذَلِكَ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: هي مُخْتَصَّةٌ بِالَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزِلَ اللَّهُ في الآيَةِ قَبْلُ، وذَلِكَ أنَّهُ ذَكَرَ حالَ الكاتِمِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ حالَ التّائِبِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ حالَ مَن ماتَ مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ مِنهم. ولِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّ الكاتِمِينَ مَلْعُونُونَ في الدُّنْيا حالَ الحَياةِ، ذَكَرَ أنَّهم مَلْعُونُونَ أيْضًا بَعْدَ المَماتِ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (وهم كُفّارٌ)، جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، وواوُ الحالِ في مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ إثْباتُها أفْصَحُ مِن حَذْفِها، خِلافًا لِمَن جَعَلَ حَذْفَها شاذًّا، وهو الفَرّاءُ، وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وبَيانُ ذَلِكَ في عِلْمِ النَّحْوِ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ خَبَرُ إنَّ، ولَعْنَةُ اللَّهِ مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ عَلَيْهِمْ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ خَبْرٌ عَنْ أُولَئِكَ. والأحْسَنُ أنْ يَكُونَ لَعْنَةُ فاعِلًا بِالمَجْرُورِ قَبْلَهُ؛ لِأنَّهُ قَدِ اعْتَمَدَ بِكَوْنِهِ لِذِي خَبَرٍ، فَيُرْفَعُ ما بَعْدَهُ عَلى الفاعِلِيَّةِ، فَتَكُونُ قَدْ أخْبَرَتْ عَنْ أُولَئِكَ بِمُفْرَدٍ، بِخِلافِ الإعْرابِ الأوَّلِ، فَإنَّكَ أخْبَرْتَ عَنْهُ بِجُمْلَةٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾، بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى اسْمِ اللَّهِ. وقَرَأ الحَسَنُ: ”والمَلائِكَةُ (p-٤٦١)والنّاسُ أجْمَعُونَ“، بِالرَّفْعِ. وخَرَّجَ هَذِهِ القِراءَةَ جَمِيعُ مَن وقَفْنا عَلى كَلامِهِ مِنَ المُعْرِبِينَ والمُفَسِّرِينَ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَوْضِعِ اسْمِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ عِنْدَهم في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى المَصْدَرِ، وقَدَّرُوهُ: أنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ، أوْ أنْ يَلْعَنَهُمُ اللَّهُ.
وهَذا الَّذِي جَوَّزُوهُ لَيْسَ بِجائِزٍ عَلى ما تَقَرَّرَ في العَطْفِ عَلى المَوْضِعِ، مِن أنَّ شَرْطَهُ أنْ يَكُونَ ثَمَّ طالِبًا ومُحْرِزًا لِلْمَوْضِعِ لا يَتَغَيَّرُ، هَذا إذا سَلَّمْنا أنَّ لَعْنَةً هُنا مِنَ المَصادِرِ الَّتِي تَعْمَلُ، وأنَّهُ يَنْحَلُّ لِأنْ والفِعْلِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ هَذا المَصْدَرَ لا يَنْحَلُّ لِأنْ والفِعْلِ؛ لِأنَّهُ لا يُرادُ بِهِ العِلاجُ. وكانَ المَعْنى: أنَّ عَلَيْهِمُ اللَّعْنَةَ المُسْتَقِرَّةَ مِنَ اللَّهِ عَلى الكُفّارِ، أُضِيفَتْ إلى اللَّهِ عَلى سَبِيلِ التَّخْصِيصِ لا عَلى سَبِيلِ الحُدُوثِ. ونَظِيرُ ذَلِكَ: ﴿ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]، لَيْسَ المَعْنى ألا أنْ يَلْعَنَ اللَّهُ عَلى الظّالِمِينَ، وقَوْلُهم لَهُ ذَكاءُ الحُكَماءِ. لَيْسَ المَعْنى هُنا عَلى الحُدُوثِ وتَقْدِيرُ المَصْدَرَيْنِ مُنْحَلَّيْنِ لِأنْ والفِعْلِ، بَلْ صارَ ذَلِكَ عَلى مَعْنى قَوْلِهِمْ: لَهُ وجْهٌ وجْهُ القَمَرِ، ولَهُ شُجاعَةٌ شُجاعَةُ الأسَدِ، فَأضَفْتَ الشَّجاعَةَ لِلتَّخْصِيصِ والتَّعْرِيفِ، لا عَلى مَعْنى أنْ يَشْجَعَ الأسَدُ. ولَئِنْ سَلَّمْنا أنَّهُ يَتَقَدَّرُ هَذا المَصْدَرُ، أعْنِي لَعْنَةُ اللَّهِ بِأنْ والفِعْلِ، فَهو كَما ذَكَرْناهُ لا مُحْرِزَ لِلْمَوْضِعِ؛ لِأنَّهُ لا طالِبَ لَهُ؛ ألا تَرى أنَّكَ لَوْ رَفَعْتَ الفاعِلَ بَعْدَ ذِكْرِ المَصْدَرِ لَمْ يَجُزْ حَتّى تُنَوِّنَ المَصْدَرَ ؟ فَقَدْ تَغَيَّرَ المَصْدَرُ بِتَنْوِينِهِ، ولِذَلِكَ حَمَلَ سِيبَوَيْهِ قَوْلَهم: هَذا ضارَبُ زَيْدٍ غَدًا وعَمْرًا، عَلى إضْمارِ فِعْلٍ: أيْ ويَضْرِبُ عَمْرًا، ولَمْ يَجُزْ حَمْلُهُ عَلى مَوْضِعِ زَيْدٍ؛ لِأنَّهُ لا مُحْرِزَ لِلْمَوْضِعِ. ألا تَرى أنَّكَ لَوْ نَصَبْتَ زَيْدًا لَقُلْتَ: هَذا ضارَبٌ زَيْدًا وتُنَوِّنُ ؟ وهَذا أيْضًا عَلى تَسْلِيمِ مَجِيءِ الفاعِلِ مَرْفُوعًا بَعْدَ المَصْدَرِ المُنَوَّنِ، فَهي مَسْألَةُ خِلافٍ. البَصْرِيُّونَ يُجِيزُونَ ذَلِكَ فَيَقُولُونَ: عَجِبْتُ مِن ضَرْبِ زِيدٍ عَمْرًا. والفَرّاءُ يَقُولُ: لا يَجُوزُ ذَلِكَ، بَلْ إذا نُوِّنَ المَصْدَرَ لَمْ يَجِئْ بَعْدَهُ فاعِلٌ مَرْفُوعٌ. والصَّحِيحُ مَذْهَبُ الفَرّاءِ، ولَيْسَ لِلْبَصْرِيِّينَ حُجَّةٌ عَلى إثْباتِ دَعْواهم مِنَ السَّماعِ، بَلْ أثْبَتُوا ذَلِكَ بِالقِياسِ عَلى أنْ والفِعْلِ. فَمَنعُ هَذا التَّوْجِيهِ الَّذِي ذَكَرُوهُ ظاهِرٌ؛ لِأنّا نَقُولُ: لا نُسَلِّمُ أنَّهُ مَصْدَرٌ يَنْحَلُّ لِأنْ والفِعْلِ، فَيَكُونُ عامِلًا. سَلَّمْنا، لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّ لِلْمَجْرُورِ بَعْدَهُ مَوْضِعًا. سَلَّمْنا، لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّهُ يَجُوزُ العَطْفُ عَلَيْهِ. وتَتَخَرَّجُ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى وُجُوهٍ غَيْرِ الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرُوهُ. أوَّلاها: أنَّهُ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ لَمّا لَمْ يُمْكِنُ العَطْفُ، التَّقْدِيرُ: وتَلْعَنُهُمُ المَلائِكَةُ، كَما (p-٤٦٢)خَرَّجَ سِيبَوَيْهِ في: هَذا ضارَبٌ زَيْدٍ وعَمْرًا: أنَّهُ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ: ويَضْرِبُ عَمْرًا. الثّانِي: أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى لَعْنَةِ اللَّهِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ لَعْنَةِ اللَّهِ ولَعْنَةِ المَلائِكَةِ، فَلَمّا حُذِفَ المُضافُ أُعْرِبَ المُضافُ إلَيْهِ بِإعْرابِهِ نَحْوَ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] . الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً حُذِفَ خَبَرُهُ لِفَهْمِ المَعْنى، أيْ والمَلائِكَةُ والنّاسُ أجْمَعُونَ يَلْعَنُونَهم. وظاهِرُ قَوْلِهِ: ”والنّاسِ أجْمَعِينَ“ العُمُومُ، فَقِيلَ ذَلِكَ يَكُونُ في القِيامَةِ، إذْ يَلْعَنُ بَعْضُهم بَعْضًا، ويَلْعَنُهُمُ اللَّهُ والمَلائِكَةُ والمُؤْمِنُونَ، فَصارَ عامًّا، وبِهِ قالَ أبُو العالِيَةِ. وقِيلَ: أرادَ بِالنّاسِ مَن يُعْتَدُّ بِلَعْنَتِهِ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ خاصَّةً، وبِهِ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وقَتادَةُ، والرَّبِيعُ، ومُقاتِلٌ. وقِيلَ: الكافِرُونَ يَلْعَنُونَ أنْفُسَهم مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، فَيَقُولُونَ في الدُّنْيا ”لَعَنَ اللَّهُ الكافِرَ“، فَيَتَأتّى العُمُومُ بِهَذا الِاعْتِبارِ، بَدَأ - تَعالى - بِنَفْسِهِ، وناهِيكَ بِذَلِكَ طَرْدًا وإبْعادًا.
﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٠]، فَلَعْنَةُ اللَّهِ هي الَّتِي تَجُرُّ لَعْنَةَ المَلائِكَةِ والنّاسِ؛ ألا تَرى إلى قَوْلِ بَعْضِ الصَّحابَةِ: وما لِي لا ألْعَنُ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ ؟ وكَما رُوِيَ عَنْ أحْمَدَ، أنَّ ابْنَهُ سَألَهُ: هَلْ يَلْعَنُ وذَكَرَ شَخْصًا مُعَيَّنًا ؟ فَقالَ لِابْنِهِ: يا بُنَيَّ، هَلْ رَأيْتَنِي ألْعَنُ شَيْئًا قَطُّ ؟ ثُمَّ قالَ: وما لِي لا ألْعَنَ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ ؟ قالَ فَقُلْتُ: يا أبَتِ، وأيْنَ لَعْنَةُ اللَّهِ ؟ قالَ: قالَ تَعالى: ﴿ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] . ثُمَّ ثَنّى بِالمَلائِكَةِ، لِما في النُّفُوسِ مِن عِظَمِ شَأْنِهِمْ وعُلُوِّ مَنزِلَتِهِمْ وطَهارَتِهِمْ. ثُمَّ ثَلَّثَ بِالنّاسِ؛ لِأنَّهم مِن جِنْسِهِمْ، فَهو شاقٌّ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ مُفاجَأةَ المُماثِلِ مَن يَدَّعِي المُماثَلَةَ بِالمَكْرُوهِ أشُقُّ، بِخِلافِ صُدُورِ ذَلِكَ مِنَ الأعْلى.
(خالِدِينَ فِيها): أيْ في اللَّعْنَةِ، وهو الظّاهِرُ، إذْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ما يَعُودُ عَلَيْها في اللَّفْظِ إلّا اللَّعْنَةُ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى النّارِ، أُضْمِرَتْ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْها، ولِكَثْرَةِ ما جاءَ في القُرْآنِ مِن قَوْلِهِ: (خالِدِينَ فِيها)، وهو عائِدٌ عَلى النّارِ، ولِدَلالَةِ اللَّعْنَةِ عَلى النّارِ؛ لِأنَّ كُلَّ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ فَهو في النّارِ.
﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾: سَبَقَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ تِلْوَ قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ﴾ [البقرة: ٨٦] الآيَةَ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا. إلّا أنَّ الجُمْلَةَ مِن قَوْلِهِ: (لا يُخَفَّفُ) هي في مَوْضِعِ نَصْبٍ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في ”خالِدِينَ“، أيْ غَيْرُ مُخَفَّفٍ عَنْهُمُ العَذابُ. فَهي حالٌ مُتَداخِلَةٌ، أيْ حالٌ مِن حالٍ؛ لِأنَّ ”خالِدِينَ“ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في عَلَيْهِمْ. ومَن أجازَ تَعَدِّيَ العامِلِ إلى حالَيْنِ لِذِي حالٍ واحِدٍ، أجازَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (لا يُخَفَّفُ)، حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في عَلَيْهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”لا يُخَفَّفُ“ جُمْلَةٌ اسْتِئْنافِيَّةٌ، فَلا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ. وفي آخِرِ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ، هُناكَ: ”ولا يُنْصَرُونَ“، نَفى عَنْهُمُ النَّصْرَ، وهُنا: ”ولا هم يُنْظُرُونَ“، نَفى الإنْظارَ، وهو تَأْخِيرُ العَذابِ.
البقرة 2:162
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾: لَمّا ذَكَرَ حالَ مَن كَتَمَ العِلْمَ وحالَ مَن تابَ، ذَكَرَ حالَ مَن ماتَ مُصِرًّا عَلى الكُفْرِ، وبالَغَ في اللَّعْنَةِ، بِأنْ جَعَلَها مُسْتَعْلِيَةً عَلَيْهِ، وقَدْ تَجَلَّلَتْهُ وغَشِيَتْهُ، فَهو تَحْتَها، وهي عامَّةٌ في كُلِّ مَن كانَ كَذَلِكَ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: هي مُخْتَصَّةٌ بِالَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزِلَ اللَّهُ في الآيَةِ قَبْلُ، وذَلِكَ أنَّهُ ذَكَرَ حالَ الكاتِمِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ حالَ التّائِبِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ حالَ مَن ماتَ مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ مِنهم. ولِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّ الكاتِمِينَ مَلْعُونُونَ في الدُّنْيا حالَ الحَياةِ، ذَكَرَ أنَّهم مَلْعُونُونَ أيْضًا بَعْدَ المَماتِ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (وهم كُفّارٌ)، جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، وواوُ الحالِ في مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ إثْباتُها أفْصَحُ مِن حَذْفِها، خِلافًا لِمَن جَعَلَ حَذْفَها شاذًّا، وهو الفَرّاءُ، وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وبَيانُ ذَلِكَ في عِلْمِ النَّحْوِ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ خَبَرُ إنَّ، ولَعْنَةُ اللَّهِ مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ عَلَيْهِمْ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ خَبْرٌ عَنْ أُولَئِكَ. والأحْسَنُ أنْ يَكُونَ لَعْنَةُ فاعِلًا بِالمَجْرُورِ قَبْلَهُ؛ لِأنَّهُ قَدِ اعْتَمَدَ بِكَوْنِهِ لِذِي خَبَرٍ، فَيُرْفَعُ ما بَعْدَهُ عَلى الفاعِلِيَّةِ، فَتَكُونُ قَدْ أخْبَرَتْ عَنْ أُولَئِكَ بِمُفْرَدٍ، بِخِلافِ الإعْرابِ الأوَّلِ، فَإنَّكَ أخْبَرْتَ عَنْهُ بِجُمْلَةٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾، بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى اسْمِ اللَّهِ. وقَرَأ الحَسَنُ: ”والمَلائِكَةُ (p-٤٦١)والنّاسُ أجْمَعُونَ“، بِالرَّفْعِ. وخَرَّجَ هَذِهِ القِراءَةَ جَمِيعُ مَن وقَفْنا عَلى كَلامِهِ مِنَ المُعْرِبِينَ والمُفَسِّرِينَ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَوْضِعِ اسْمِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ عِنْدَهم في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى المَصْدَرِ، وقَدَّرُوهُ: أنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ، أوْ أنْ يَلْعَنَهُمُ اللَّهُ.
وهَذا الَّذِي جَوَّزُوهُ لَيْسَ بِجائِزٍ عَلى ما تَقَرَّرَ في العَطْفِ عَلى المَوْضِعِ، مِن أنَّ شَرْطَهُ أنْ يَكُونَ ثَمَّ طالِبًا ومُحْرِزًا لِلْمَوْضِعِ لا يَتَغَيَّرُ، هَذا إذا سَلَّمْنا أنَّ لَعْنَةً هُنا مِنَ المَصادِرِ الَّتِي تَعْمَلُ، وأنَّهُ يَنْحَلُّ لِأنْ والفِعْلِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ هَذا المَصْدَرَ لا يَنْحَلُّ لِأنْ والفِعْلِ؛ لِأنَّهُ لا يُرادُ بِهِ العِلاجُ. وكانَ المَعْنى: أنَّ عَلَيْهِمُ اللَّعْنَةَ المُسْتَقِرَّةَ مِنَ اللَّهِ عَلى الكُفّارِ، أُضِيفَتْ إلى اللَّهِ عَلى سَبِيلِ التَّخْصِيصِ لا عَلى سَبِيلِ الحُدُوثِ. ونَظِيرُ ذَلِكَ: ﴿ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]، لَيْسَ المَعْنى ألا أنْ يَلْعَنَ اللَّهُ عَلى الظّالِمِينَ، وقَوْلُهم لَهُ ذَكاءُ الحُكَماءِ. لَيْسَ المَعْنى هُنا عَلى الحُدُوثِ وتَقْدِيرُ المَصْدَرَيْنِ مُنْحَلَّيْنِ لِأنْ والفِعْلِ، بَلْ صارَ ذَلِكَ عَلى مَعْنى قَوْلِهِمْ: لَهُ وجْهٌ وجْهُ القَمَرِ، ولَهُ شُجاعَةٌ شُجاعَةُ الأسَدِ، فَأضَفْتَ الشَّجاعَةَ لِلتَّخْصِيصِ والتَّعْرِيفِ، لا عَلى مَعْنى أنْ يَشْجَعَ الأسَدُ. ولَئِنْ سَلَّمْنا أنَّهُ يَتَقَدَّرُ هَذا المَصْدَرُ، أعْنِي لَعْنَةُ اللَّهِ بِأنْ والفِعْلِ، فَهو كَما ذَكَرْناهُ لا مُحْرِزَ لِلْمَوْضِعِ؛ لِأنَّهُ لا طالِبَ لَهُ؛ ألا تَرى أنَّكَ لَوْ رَفَعْتَ الفاعِلَ بَعْدَ ذِكْرِ المَصْدَرِ لَمْ يَجُزْ حَتّى تُنَوِّنَ المَصْدَرَ ؟ فَقَدْ تَغَيَّرَ المَصْدَرُ بِتَنْوِينِهِ، ولِذَلِكَ حَمَلَ سِيبَوَيْهِ قَوْلَهم: هَذا ضارَبُ زَيْدٍ غَدًا وعَمْرًا، عَلى إضْمارِ فِعْلٍ: أيْ ويَضْرِبُ عَمْرًا، ولَمْ يَجُزْ حَمْلُهُ عَلى مَوْضِعِ زَيْدٍ؛ لِأنَّهُ لا مُحْرِزَ لِلْمَوْضِعِ. ألا تَرى أنَّكَ لَوْ نَصَبْتَ زَيْدًا لَقُلْتَ: هَذا ضارَبٌ زَيْدًا وتُنَوِّنُ ؟ وهَذا أيْضًا عَلى تَسْلِيمِ مَجِيءِ الفاعِلِ مَرْفُوعًا بَعْدَ المَصْدَرِ المُنَوَّنِ، فَهي مَسْألَةُ خِلافٍ. البَصْرِيُّونَ يُجِيزُونَ ذَلِكَ فَيَقُولُونَ: عَجِبْتُ مِن ضَرْبِ زِيدٍ عَمْرًا. والفَرّاءُ يَقُولُ: لا يَجُوزُ ذَلِكَ، بَلْ إذا نُوِّنَ المَصْدَرَ لَمْ يَجِئْ بَعْدَهُ فاعِلٌ مَرْفُوعٌ. والصَّحِيحُ مَذْهَبُ الفَرّاءِ، ولَيْسَ لِلْبَصْرِيِّينَ حُجَّةٌ عَلى إثْباتِ دَعْواهم مِنَ السَّماعِ، بَلْ أثْبَتُوا ذَلِكَ بِالقِياسِ عَلى أنْ والفِعْلِ. فَمَنعُ هَذا التَّوْجِيهِ الَّذِي ذَكَرُوهُ ظاهِرٌ؛ لِأنّا نَقُولُ: لا نُسَلِّمُ أنَّهُ مَصْدَرٌ يَنْحَلُّ لِأنْ والفِعْلِ، فَيَكُونُ عامِلًا. سَلَّمْنا، لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّ لِلْمَجْرُورِ بَعْدَهُ مَوْضِعًا. سَلَّمْنا، لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّهُ يَجُوزُ العَطْفُ عَلَيْهِ. وتَتَخَرَّجُ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى وُجُوهٍ غَيْرِ الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرُوهُ. أوَّلاها: أنَّهُ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ لَمّا لَمْ يُمْكِنُ العَطْفُ، التَّقْدِيرُ: وتَلْعَنُهُمُ المَلائِكَةُ، كَما (p-٤٦٢)خَرَّجَ سِيبَوَيْهِ في: هَذا ضارَبٌ زَيْدٍ وعَمْرًا: أنَّهُ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ: ويَضْرِبُ عَمْرًا. الثّانِي: أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى لَعْنَةِ اللَّهِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ لَعْنَةِ اللَّهِ ولَعْنَةِ المَلائِكَةِ، فَلَمّا حُذِفَ المُضافُ أُعْرِبَ المُضافُ إلَيْهِ بِإعْرابِهِ نَحْوَ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] . الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً حُذِفَ خَبَرُهُ لِفَهْمِ المَعْنى، أيْ والمَلائِكَةُ والنّاسُ أجْمَعُونَ يَلْعَنُونَهم. وظاهِرُ قَوْلِهِ: ”والنّاسِ أجْمَعِينَ“ العُمُومُ، فَقِيلَ ذَلِكَ يَكُونُ في القِيامَةِ، إذْ يَلْعَنُ بَعْضُهم بَعْضًا، ويَلْعَنُهُمُ اللَّهُ والمَلائِكَةُ والمُؤْمِنُونَ، فَصارَ عامًّا، وبِهِ قالَ أبُو العالِيَةِ. وقِيلَ: أرادَ بِالنّاسِ مَن يُعْتَدُّ بِلَعْنَتِهِ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ خاصَّةً، وبِهِ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وقَتادَةُ، والرَّبِيعُ، ومُقاتِلٌ. وقِيلَ: الكافِرُونَ يَلْعَنُونَ أنْفُسَهم مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، فَيَقُولُونَ في الدُّنْيا ”لَعَنَ اللَّهُ الكافِرَ“، فَيَتَأتّى العُمُومُ بِهَذا الِاعْتِبارِ، بَدَأ - تَعالى - بِنَفْسِهِ، وناهِيكَ بِذَلِكَ طَرْدًا وإبْعادًا.
﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٠]، فَلَعْنَةُ اللَّهِ هي الَّتِي تَجُرُّ لَعْنَةَ المَلائِكَةِ والنّاسِ؛ ألا تَرى إلى قَوْلِ بَعْضِ الصَّحابَةِ: وما لِي لا ألْعَنُ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ ؟ وكَما رُوِيَ عَنْ أحْمَدَ، أنَّ ابْنَهُ سَألَهُ: هَلْ يَلْعَنُ وذَكَرَ شَخْصًا مُعَيَّنًا ؟ فَقالَ لِابْنِهِ: يا بُنَيَّ، هَلْ رَأيْتَنِي ألْعَنُ شَيْئًا قَطُّ ؟ ثُمَّ قالَ: وما لِي لا ألْعَنَ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ ؟ قالَ فَقُلْتُ: يا أبَتِ، وأيْنَ لَعْنَةُ اللَّهِ ؟ قالَ: قالَ تَعالى: ﴿ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] . ثُمَّ ثَنّى بِالمَلائِكَةِ، لِما في النُّفُوسِ مِن عِظَمِ شَأْنِهِمْ وعُلُوِّ مَنزِلَتِهِمْ وطَهارَتِهِمْ. ثُمَّ ثَلَّثَ بِالنّاسِ؛ لِأنَّهم مِن جِنْسِهِمْ، فَهو شاقٌّ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ مُفاجَأةَ المُماثِلِ مَن يَدَّعِي المُماثَلَةَ بِالمَكْرُوهِ أشُقُّ، بِخِلافِ صُدُورِ ذَلِكَ مِنَ الأعْلى.
(خالِدِينَ فِيها): أيْ في اللَّعْنَةِ، وهو الظّاهِرُ، إذْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ما يَعُودُ عَلَيْها في اللَّفْظِ إلّا اللَّعْنَةُ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى النّارِ، أُضْمِرَتْ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْها، ولِكَثْرَةِ ما جاءَ في القُرْآنِ مِن قَوْلِهِ: (خالِدِينَ فِيها)، وهو عائِدٌ عَلى النّارِ، ولِدَلالَةِ اللَّعْنَةِ عَلى النّارِ؛ لِأنَّ كُلَّ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ فَهو في النّارِ.
﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾: سَبَقَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ تِلْوَ قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ﴾ [البقرة: ٨٦] الآيَةَ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا. إلّا أنَّ الجُمْلَةَ مِن قَوْلِهِ: (لا يُخَفَّفُ) هي في مَوْضِعِ نَصْبٍ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في ”خالِدِينَ“، أيْ غَيْرُ مُخَفَّفٍ عَنْهُمُ العَذابُ. فَهي حالٌ مُتَداخِلَةٌ، أيْ حالٌ مِن حالٍ؛ لِأنَّ ”خالِدِينَ“ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في عَلَيْهِمْ. ومَن أجازَ تَعَدِّيَ العامِلِ إلى حالَيْنِ لِذِي حالٍ واحِدٍ، أجازَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (لا يُخَفَّفُ)، حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في عَلَيْهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”لا يُخَفَّفُ“ جُمْلَةٌ اسْتِئْنافِيَّةٌ، فَلا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ. وفي آخِرِ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ، هُناكَ: ”ولا يُنْصَرُونَ“، نَفى عَنْهُمُ النَّصْرَ، وهُنا: ”ولا هم يُنْظُرُونَ“، نَفى الإنْظارَ، وهو تَأْخِيرُ العَذابِ.
البقرة 2:163
﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ الآيَةَ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في كُفّارِ قُرَيْشٍ، قالُوا: يا مُحَمَّدُ، صِفْ وانْسِبْ لَنا رَبَّكَ، فَنَزَلَتْ سُورَةُ الإخْلاصِ وهَذِهِ الآيَةُ. ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ كانَ في الكَعْبَةِ، وقِيلَ حَوْلَها، ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ صَنَمًا يَعْبُدُونَها مِن دُونِ اللَّهِ، فَنَزَلَتْ. وظاهِرُ الخِطابِ أنَّهُ لِجَمِيعِ المَخْلُوقاتِ المُتَصَوَّرُ مِنهُمُ العِبادَةُ، فَهو إعْلامٌ لَهم بِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِمَن قالَ: صِفْ لَنا رَبَّكَ وانْسِبْهُ، أوْ خِطابًا لِمَن يَعْبُدُ مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ مِن صَنَمٍ ووَثَنٍ ونارٍ. وإلَهٌ: خَبَرٌ عَنْ إلَهِكم، وواحِدٌ: صِفَتُهُ، وهو الخَبَرُ في المَعْنى لِجَوازِ الِاسْتِغْناءِ عَنْ إلَهٍ، ومَنعِ الِاقْتِصارِ عَلَيْهِ، فَهو شَبِيهٌ بِالحالِ المُوَطِّئَةِ، كَقَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ رَجُلًا صالِحًا. والواحِدُ المُرادُ بِهِ نَفْيُ النَّظِيرِ أوِ القَدِيمِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ مَعَهُ في الأزَلِ شَيْءٌ، أوِ الَّذِي لا أبْعاضَ لَهُ ولا أجْزاءَ، أوِ المُتَوَحِّدُ في اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ. أقْوالٌ أرْبَعَةٌ أظْهَرُها الأوَّلُ. تَقُولُ: فُلانٌ واحِدٌ في عَصْرِهِ، أيْ لا نَظِيرَ لَهُ ولا شَبِيهَ، ولَيْسَ المَعْنى هُنا بِواحِدٍ مَبْدَأ العَدَدِ.
(لا إلَهَ إلّا هو): تَوْكِيدٌ لِمَعْنى الوَحْدانِيَّةِ ونَفْيُ الإلَهِيَّةِ عَنْ غَيْرِهِ. وهي جُمْلَةٌ جاءَتْ لِنَفْيِ كُلِّ فَرْدٍ مِنَ الآلِهَةِ، ثُمَّ حَصَرَ ذَلِكَ المَعْنى فِيهِ - تَبارَكَ وتَعالى -، فَدَلَّتِ الآيَةُ الأُولى عَلى نِسْبَةِ الواحِدِيَّةِ إلَيْهِ تَعالى، (p-٤٦٣)ودَلَّتِ الثّانِيَةُ عَلى حَصْرِ الإلَهِيَّةِ فِيهِ مِنَ اللَّفْظِ النّاصِّ عَلى ذَلِكَ، وإنْ كانَتِ الآيَةُ الأوْلى تَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ مَن ثَبَتَتْ لَهُ الواحِدِيَّةُ ثَبَتَتْ لَهُ الإلَهِيَّةُ.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى إعْرابِ الِاسْمِ بَعْدَ ”لا“ في قَوْلِهِ: (لا رَيْبَ فِيهِ)، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، وهو بَدَلٌ مِنَ اسْمِ ”لا“ عَلى المَوْضِعِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا. كَما جازَ ذَلِكَ في قَوْلِكَ: زَيْدٌ ما العالِمُ إلّا هو؛ لِأنَّ ”لا“ لا تَعْمَلُ في المَعارِفِ، هَذا إذا فَرَّعْنا عَلى أنَّ الخَبَرَ بَعْدَ ”لا“ الَّتِي يُبْنى الِاسْمُ مَعَها هو مَرْفُوعٌ بِها، وأمّا إذا فَرَّعْنا عَلى أنَّ الخَبَرَ لَيْسَ مَرْفُوعًا بِها، بَلْ هو خَبَرُ المُبْتَدَأِ الَّذِي هو ”لا“ مَعَ المَبْنِيِّ مَعَها، وهو مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، فَلا يَجُوزُ أيْضًا؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ جَعْلُ المُبْتَدَأِ نَكِرَةً، والخَبَرِ مَعْرِفَةً، وهو عَكْسُ ما اسْتَقَرَّ في اللِّسانِ العَرَبِيِّ. وتَقْرِيرُ البَدَلِ فِيهِ أيْضًا مُشْكِلٌ عَلى قَوْلِهِمْ: إنَّهُ بَدَلٌ مِن إلَهٍ؛ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ عَلى تَقْدِيرِ تَكْرارِ العامِلِ، لا تَقُولُ: لا رَجُلَ إلّا زِيدٌ. والَّذِي يَظْهَرُ لِي فِيهِ أنَّهُ لَيْسَ بَدَلًا مِن ”إلَهٍ“ ولا مِن رَجُلٍ في قَوْلِكَ: لا رَجُلَ إلّا زِيدٌ، إنَّما هو بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في الخَبَرِ المَحْذُوفِ، فَإذا قُلْنا: لا رَجُلَ إلّا زِيدٌ، فالتَّقْدِيرُ: لا رَجُلٌ كائِنٌ أوْ مَوْجُودٌ إلّا زِيدَ. كَما تَقُولُ: ما أحَدٌ يَقُومُ إلّا زِيدٌ، فَزَيْدٌ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ”يَقُومُ“ لا مِن ”أحَدٍ“، وعَلى هَذا يَتَمَشّى ما ورَدَ مِن هَذا البابِ، فَلَيْسَ بَدَلًا عَلى مَوْضِعِ اسْمِ لا، وإنَّما هو بَدَلٌ مَرْفُوعٌ مِن ضَمِيرٍ مَرْفُوعٍ، ذَلِكَ الضَّمِيرُ هو عائِدٌ عَلى اسْمِ لا. ولَوْلا تَصْرِيحُ النَّحْوِيِّينَ أنَّهُ بَدَلٌ عَلى المَوْضِعِ مِنَ اسْمِ لا، لَتَأوَّلْنا كَلامَهم عَلى أنَّهم يُرِيدُونَ بِقَوْلِهِمْ بَدَلٌ مِنَ اسْمِ لا، أيْ مِنَ الضَّمِيرِ العائِدِ عَلى اسْمِ لا. قالَ بَعْضُهم: وقَدْ ذُكِرَ أنَّ هو بَدَلٌ مِن إلَهٍ عَلى المَحَلِّ، قالَ: ولا يَجُوزُ فِيهِ النَّصْبُ هاهُنا؛ لِأنَّ الرَّفْعَ يَدُلُّ عَلى الِاعْتِمادِ عَلى الثّانِي، والمَعْنى في الآيَةِ عَلى ذَلِكَ، والنَّصْبُ عَلى أنَّ الِاعْتِمادَ عَلى الأوَّلِ. انْتَهى كَلامُهُ.
ولا فَرْقَ في المَعْنى بَيْنَ: ما قامَ القَوْمُ إلّا زِيدٌ، وإلّا زِيدًا، مِن حَيْثُ أنَّ زَيْدًا مُسْتَثْنًى مِن جِهَةِ المَعْنى. إلّا أنَّهم فَرَّقُوا مِن حَيْثُ الإعْرابُ، فَأعْرَبُوا ما كانَ تابِعًا لِما قَبْلَهُ بَدَلًا، وأعْرَبُوا هَذا مَنصُوبًا عَلى الِاسْتِثْناءِ، غَيْرَ أنَّ الإتْباعَ أوْلى لِلْمُشاكَلَةِ اللَّفْظِيَّةِ، والنَّصْبُ جائِزٌ، ولا نَعْلَمُ في ذَلِكَ خِلافًا.
وقالَ في المُنْتَخَبِ: لَمّا قالَ تَعالى: ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾، أمْكَنَ أنْ يَخْطُرَ بِبالِ أحَدٍ أنْ يَقُولَ: هَبْ أنَّ إلَهَنا واحِدٌ، فَلَعَلَّ إلَهَ غَيْرِنا مُغايِرٌ لِإلَهِنا، فَلا جَرَمَ أزالَ ذَلِكَ الوَهْمَ بِبَيانِ التَّوْحِيدِ المُطْلَقِ فَقالَ: ”لا إلَهَ إلّا هو“ . فَقَوْلُهُ: ”لا إلَهَ“ يَقْتَضِي النَّفْيَ العامَّ الشّامِلَ، فَإذا قالَ بَعْدَهُ: إلّا اللَّهُ، أفادَ التَّوْحِيدَ التّامَّ المُطْلَقَ المُحَقَّقَ. ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في الكَلامِ حَذْفٌ، كَما يَقُولُهُ النَّحْوِيُّونَ، والتَّقْدِيرُ: لا إلَهَ لَنا، أوْ في الوُجُودِ، إلّا اللَّهُ؛ لِأنَّ هَذا غَيْرُ مُطابِقٍ لِلتَّوْحِيدِ الحَقِّ؛ لِأنَّهُ إنْ كانَ المَحْذُوفُ لَنا، كانَ تَوْحِيدًا لِإلَهِنا لا تَوْحِيدًا لِلْإلَهِ المُطْلَقِ، فَحِينَئِذٍ لا يَبْقى بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾، وبَيْنَ قَوْلِهِ: (لا إلَهَ إلّا هو) فَرْقٌ فَيَكُونُ ذَلِكَ تَكْرارًا مَحْضًا، وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ. وأمّا إنْ كانَ المَحْذُوفُ في الوُجُودِ، كانَ هَذا نَفْيًا لِوُجُودِ الإلَهِ الثّانِي. أمّا لَوْ لَمْ يُضْمَرْ، كانَ نَفْيًا لِماهِيَّةِ الإلَهِ الثّانِي، ومَعْلُومٌ أنَّ نَفْيَ الماهِيَّةِ أقْوى في التَّوْحِيدِ الصِّرْفِ مِن نَفْيِ الوُجُودِ، فَكانَ إجْراءُ الكَلامِ عَلى ظاهِرِهِ، والإعْراضُ عَنْ هَذا الإضْمارِ أوْلى، وإنَّما قَدَّمَ النَّفْيَ عَلى الإثْباتِ، لِغَرَضِ إثْباتِ التَّوْحِيدِ ونَفْيِ الشُّرَكاءِ والأنْدادِ. انْتَهى الكَلامُ.
قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أبِي الفَضْلِ المُرْسِيُّ في (رَيِّ الظَّمْآنِ): هَذا كَلامُ مَن لا يَعْرِفُ لِسانَ العَرَبِ. فَإنَّ لا إلَهَ في مَوْضِعِ المُبْتَدَأِ، عَلى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ، وعِنْدَ غَيْرِهِ اسْمُ ”لا“، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ، لا بُدَّ مِن خَبَرٍ لِلْمُبْتَدَأِ أوْ لِلا، فَما قالَهُ مِنَ الِاسْتِغْناءِ عَنِ الإضْمارِ فاسِدٌ. وأمّا قَوْلُهُ: إذا لَمْ يُضْمَرْ كانَ نَفْيًا لِلْماهِيَّةِ، قُلْنا: نَفْيُ الماهِيَّةِ هو نَفْيُ الوُجُودِ؛ لِأنَّ نَفْيَ الماهِيَّةِ لا يُتَصَوَّرُ عِنْدَنا إلّا مَعَ الوُجُودِ، فَلا فَرْقَ عِنْدَهُ بَيْنَ لا ماهِيَّةَ ولا وُجُودَ، وهَذا مَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ، خِلافًالِلْمُعْتَزِلَةِ، فَإنَّهم يُثْبِتُونَ الماهِيَّةَ عَرِيَّةً عَنِ الوُجُودِ، والدَّلِيلُ يَأْبى ذَلِكَ. انْتَهى كَلامُهُ، وما قالَهُ مِن تَقْدِيرِ خَبَرِ ”لا“ لا بُدَّ مِنهُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ”لا إلَهَ“، كَلامٌ، فَمِن حَيْثُ هو كَلامٌ، لا بُدَّ فِيهِ مِن مُسْنَدٍ ومَسْنَدٍ إلَيْهِ. فالمُسْنَدُ إلَيْهِ هو إلَهٌ، والمَسْنَدُ هو الكَوْنُ المُطْلَقُ، ولِذَلِكَ ساغَ حَذْفُهُ، كَما (p-٤٦٤)ساغَ بَعْدَ قَوْلِهِمْ: لَوْلا زَيْدٌ لَأكْرَمْتُكَ، إذْ تَقْدِيرُهُ: لَوْلا زَيْدٌ مَوْجُودٌ؛ لِأنَّها جُمْلَةٌ تَعْلِيقِيَّةٌ، أوْ شَرْطِيَّةٌ عِنْدَ مَن يُطْلِقَ عَلَيْها ذَلِكَ، فَلا بُدَّ فِيها مِن مُسْنَدٍ ومُسْنَدٍ إلَيْهِ، ولِذَلِكَ نَقَلُوا أنَّ الخَبَرَ بَعْدَ لا، إذا عُلِمَ، كَثُرَ حَذْفُهُ عِنْدَ الحِجازِيِّينَ، ووَجَبَ حَذْفُهُ عِنْدَ التَّمِيمِيِّينَ. وإذا كانَ الخَبَرُ كَوْنًا مُطْلَقًا كانَ مَعْلُومًا؛ لِأنَّهُ إذا دَخَلَ النَّفْيُ المُرادُ بِهِ نَفْيَ العُمُومِ، فالمُتَبادِرُ إلى الذِّهْنِ هو نَفْيُ الوُجُودِ؛ لِأنَّهُ لا تَنْتَفِي الماهِيَّةُ إلّا بِانْتِفاءِ وجُودِها، بِخِلافِ الكَوْنِ المُقَيَّدِ، فَإنَّهُ لا يَتَبادَرُ الذِّهْنُ إلى تَعْيِينِهِ، فَلِذَلِكَ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ نَحْوُ: لا رَجُلَ يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ إلّا زَيْدٌ، إلّا إنْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ قَرِينَةٌ مِن خارِجٍ فَيُعْلَمُ، فَيَجُوزُ حَذْفُهُ.
(الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ): ذَكَرَ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ مُنَبِّهًا بِهِما عَلى اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ لَهُ؛ لِأنَّ مِنَ ابْتَدَأكَ بِالرَّحْمَةِ إنْشاءً بَشَرًا سَوِيًّا عاقِلًا وتَرْبِيَةً في دارِ الدُّنْيا مَوْعُودًا الوَعْدَ الصِّدْقِ بِحُسْنِ العاقِبَةِ في الآخِرَةِ، جَدِيرٌ بِعِبادَتِكَ لَهُ والوُقُوفِ عِنْدَ أمْرِهِ ونَهْيِهِ، وأطْمَعَكَ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ في سِعَةِ رَحْمَتِهِ. وجاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَقِيبَ آيَةٍ مَخْتُومَةٍ بِاللَّعْنَةِ والعَذابِ لِمَن ماتَ غَيْرَ مُوَحِّدٍ لَهُ تَعالى، إذْ غالِبُ القُرْآنِ أنَّهُ إذا ذُكِرَتْ آيَةُ عَذابٍ، ذُكِرَتْ آيَةُ رَحْمَةٍ، وإذا ذُكِرَتْ آيَةُ رَحْمَةٍ، ذُكِرَتْ آيَةُ عَذابٍ. وتَقَدَّمَ شَرْحُ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. ويَجُوزُ ارْتِفاعُ الرَّحْمَنِ عَلى البَدَلِ مِن هو، وعَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، وعَلى أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ لِقَوْلِهِ: ”وإلَهُكم“، فَيَكُونُ قَدْ قَضى هَذا المُبْتَدَأ ثَلاثَةَ أخْبارٍ: إلَهٌ واحِدٌ خَبَرٌ، ولا إلَهَ إلّا هو خَبَرٌ ثانٍ، والرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ خَبَرٌ ثالِثٌ. ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا لِهو هَذِهِ المَذْكُورَةِ؛ لِأنَّ المُسْتَثْنى هُنا لَيْسَ بِجُمْلَةٍ، بِخِلافِ قَوْلِكَ: ما مَرَرْتُ بِرَجُلٍ إلّا هو أفْضَلُ مِن زَيْدٍ. قالُوا: ولا يَجُوزُ أنْ يَرْتَفِعَ عَلى الصِّفَةِ لِهو؛ لِأنَّ المُضْمَرَ لا يُوصَفُ. انْتَهى. وهو جائِزٌ عَلى مَذْهَبِ الكِسائِيِّ، إذا كانَتِ الصِّفَةُ لِلْمَدْحِ، وكانَ الضَّمِيرُ لِلْغائِبِ. وأهْمَلَ ابْنُ مالِكٍ القَيْدَ الأوَّلَ، فَأطْلَقَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ يُجِيزُ وصْفَ الضَّمِيرِ الغائِبِ. رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إنَّ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمِ، وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ لا إلَهَ إلّا هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ» .
البقرة 2:164
﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾: رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ (وإلَهُكم) الآيَةَ، قالَتْ كُفّارُ قُرَيْشٍ: كَيْفَ يَسَعُ النّاسَ إلَهٌ واحِدٌ ؟ فَنَزَلَ: (إنَّ في خَلْقِ) . ولَمّا تَقَدَّمَ وصْفُهُ تَعالى بِالوَحْدانِيَّةِ واخْتِصاصُهُ بِالإلَهِيَّةِ، اسْتَدَلَّ بِهَذا الخَلْقِ الغَرِيبِ والبِناءِ العَجِيبِ اسْتِدْلالًا بِالأثَرِ عَلى المُؤَثِّرِ، وبِالصَّنْعَةِ عَلى الصّانِعِ، وعَرَّفَهم طَرِيقَ النَّظَرِ، وفِيمَ يَنْظُرُونَ. فَبَدَأ أوَّلًا بِذِكْرِ العالَمِ العُلْوِيِّ فَقالَ: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ﴾ . وخَلْقُها: إيجادُها واخْتِراعُها، أوْ خَلْقُها وتَرْكِيبُ أجْرامِها وائْتِلافُ أجْزائِها مِن قَوْلِهِمْ: خَلْقُ فُلانٍ حَسَنٌ: أيْ خِلْقَتُهُ وشَكْلُهُ. وقِيلَ: خَلْقٌ هُنا زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: إنَّ في السَّماواتِ والأرْضِ؛ لِأنَّ الخَلْقَ إرادَةُ تَكْوِينِ الشَّيْءِ. والآياتُ في المَشاهِدِ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ، لا في الإرادَةِ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ زِيادَةَ الأسْماءِ لَمْ تَثْبُتْ في اللِّسانِ، ولِأنَّ الخَلْقَ لَيْسَ هو الإرادَةُ، بَلِ الخَلْقُ ناشِئٌ عَنِ الإرادَةِ. قالُوا: وجَمَعَ السَّماواتِ؛ لِأنَّها أجْناسٌ، كُلُّ سَماءٍ مِن جِنْسٍ غَيْرِ جِنْسِ الأُخْرى، ووَحَّدَ الأرْضَ؛ لِأنَّها كُلَّها مِن تُرابٍ. وبَدَأ بِذِكْرِ السَّماءِ لِشَرَفِها وعِظَمِ ما احْتَوَتْ عَلَيْهِ مِنَ الأفْلاكِ والأمْلاكِ والعَرْشِ والكُرْسِيِّ وغَيْرِ ذَلِكَ، وآياتُها: ارْتِفاعُها مِن غَيْرِ عَمَدٍ تَحْتَها، ولا عَلائِقَ مِن فَوْقِها، ثُمَّ ما فِيها مِنَ النَّيِّرِينَ، الشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ السَّيّارَةِ والكَواكِبِ الزّاهِرَةِ، شارِقَةٍ وغارِبَةٍ، نَيِّرَةٍ ومَمْحُوَّةٍ، وعِظَمِ أجْرامِها وارْتِفاعِها، حَتّى قالَ أرْبابُ الهَيْئَةِ: إنَّ الشَّمْسَ قَدْرُ الأرْضِ مِائَةٍ وأرْبَعٍ وسِتِّينَ مَرَّةً، وإنَّ أصْغَرَ نَجْمٍ في السَّماءِ قَدْرُ الأرْضِ سَبْعِ مَرّاتٍ، وإنَّ الأفْلاكَ عَظِيمَةُ الأجْرامِ، قَدْ ذَكَرَ أرْبابُ عِلْمِ الهَيْئَةِ مَقادِيرَها، وإنَّها سَبْعَةُ أفْلاكٍ، يَجْمَعُها الفَلَكُ المُحِيطُ. وقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «أطَّتِ السَّماءُ وحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ، لَيْسَ فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا وفِيهِ مَلَكٌ ساجِدٌ» . وصَحَّ (p-٤٦٥)أيْضًا. «أنَّ البَيْتَ المَعْمُورَ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفًا، لا يَعُودُونَ إلَيْهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ”» . وآيَةُ الأرْضِ: بَسْطُها، لا دِعامَةَ مِن تَحْتِها ولا عَلائِقَ مِن فَوْقِها، وأنْهارُها ومِياهُها وجِبالُها ورَواسِيها وشَجَرُها وسَهْلُها ووَعْرُها ومَعادِنُها، واخْتِصاصُ كُلِّ مَوْضِعٍ مِنها بِما هُيِّئَ لَهُ، ومَنافِعُ نَباتِها ومَضارُّها. وذَكَرَ أرْبابُ الهَيْئَةِ أنَّ الأرْضَ نُقْطَةٌ في وسَطِ الدّائِرَةِ لَيْسَ لَها جِهَةٌ، وأنَّ البِحارَ مُحِيطَةٌ بِها، والهَواءَ مُحِيطٌ بِالماءِ، والنّارَ مُحِيطَةٌ بِالهَواءِ، والأفْلاكَ وراءَ ذَلِكَ. وقَدْ ذَكَرَ القاضِي أبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الطَّيِّبِ الباقِلّانِيُّ في كِتابِهِ المَعْرُوفِ (بِالدَّقائِقِ) خِلافًا عَنِ النّاسِ المُتَقَدِّمِينَ: هَلِ الأرْضُ واقِفَةٌ أمْ مُتَحَرِّكَةٌ ؟ وفي كُلِّ قَوْلٍ مِن هَذَيْنِ مَذاهِبُ كَثِيرَةٌ في السَّبَبِ المُوجِبِ لِوُقُوفِها، أوْ لِتَحَرُّكِها. وكَذَلِكَ تَكَلَّمُوا عَلى جِرْمِ السَّماواتِ ولَوْنِها وعِظَمِها وأبْراجِها، وذَكَرَ مَذاهِبَ لِلْمُنَجِّمِينَ والمانَوِيَّةِ، وتَخالِيطَ كَثِيرَةً. والَّذِي تَكَلَّمَ عَلَيْهِ أهْلُ الهَيْئَةِ هو شَيْءٌ اسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِعُقُولِهِمْ، ولَيْسَ في الشَّرْعِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ. والمُعْتَمَدُ عَلَيْهِ أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ لا يَعْلَمُ حَقِيقَةَ خَلْقِها إلّا اللَّهُ تَعالى، ومَن أطْلَعَهُ اللَّهُ عَلى شَيْءٍ مِنها بِالوَحْيِ ﴿أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]، ﴿وأحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٨] .
﴿واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾: اخْتِلافُهُما بِإقْبالِ هَذا وإدْبارِ هَذا، أوِ اخْتِلافُهُما بِالأوْصافِ في النُّورِ والظُّلْمَةِ، والطُّولِ والقِصَرِ، أوْ تَساوِيهِما، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ. وقُدِّمَ اللَّيْلُ عَلى النَّهارِ لِسَبْقِهِ في الخَلْقِ، قالَ تَعالى: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ﴾ [يس: ٣٧] . وقالَ قَوْمٌ: إنَّ النُّورَ سابِقٌ عَلى الظُّلْمَةِ، وعَلى هَذا الخِلافِ انْبَنى الخِلافُ في لَيْلَةِ اليَوْمِ. فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ: تَكُونُ لَيْلَةُ اليَوْمِ هي الَّتِي قَبْلَهُ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ؛ وعَلى القَوْلِ الثّانِي: لَيْلَةُ اليَوْمِ هي اللَّيْلَةُ الَّتِي تَلِيهِ، وكَذَلِكَ يَنْبَنِي عَلى اخْتِلافِهِمْ في النَّهارِ اخْتِلافُهم في مَسْألَةِ: لَوْ حَلَفَ لا يُكَلِّمُ زَيْدًا نَهارًا.
﴿والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ﴾: أوَّلُ مَن عَمِلَ الفُلْكَ نُوحٌ - عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ - وقالَ لَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ضَعْها عَلى جُؤْجُؤِ الطّائِرِ. فالسَّفِينَةُ طائِرٌ مَقْلُوبٌ، والماءُ في أسْفَلِها نَظِيرُ الهَواءِ في أعْلاها، قالَهُ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ. وآيَتُها تَسْخِيرُ اللَّهِ إيّاها حَتّى تَجْرِيَ عَلى وجْهِ الماءِ، ووُقُوفُها فَوْقَهُ مَعَ ثِقَلِها وتَبْلِيغِها المَقاصِدَ. ولَوْ رَمَيْتَ في البَحْرِ حَصاةً لَغَرِقَتْ. ووَصَفَها بِهَذِهِ الصِّفَةِ مِنَ الجَرَيانِ؛ لِأنَّها آيَتُها العُظْمى، وجَعَلَ الصِّفَةَ مَوْصُولًا، صِلَتُهُ تَجْرِي: فِعْلٌ مُضارِعٌ يَدُلُّ عَلى تَجَدُّدِ ذَلِكَ الوَصْفِ لَها في كُلِّ وقْتٍ يُرادُ مِنها. وذَكَرَ مَكانَ تِلْكَ الصِّفَةِ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، إذْ مِنَ المَعْلُومِ أنَّها لا تَجْرِي إلّا في البَحْرِ. والألِفُ واللّامُ فِيهِ لِلْجِنْسِ، وأسْنَدَ الجَرَيانَ لِلْفُلْكِ عَلى سَبِيلِ التَّوَسُّعِ، وكانَ لَها مِن ذاتِها صِفَةٌ مُقْتَضِيَةٌ لِلْجَرْيِ.
﴿بِما يَنْفَعُ النّاسَ﴾: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ“ ما ”مَوْصُولَةً، أيْ تَجْرِي مَصْحُوبَةً بِالأعْيانِ الَّتِي تَنْفَعُ النّاسَ مِن أنْواعِ المَتاجِرِ والبَضائِعِ المَنقُولَةِ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ، فَتَكُونُ الباءُ لِلْحالِ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ“ ما ”مَصْدَرِيَّةً، أيْ يَنْتَفِعُ النّاسُ في تِجاراتِهِمْ وأسْفارِهِمْ لِلْغَزْوِ والحَجِّ وغَيْرِهِما، فَتَكُونُ الباءُ لِلسَّبَبِ. واقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ النَّفْعِ، وإنْ كانَتْ تَجْرِي بِما يَضُرُّ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَها في مَعْرِضِ الِامْتِنانِ.
﴿وما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِن ماءٍ﴾: أيْ مِن جِهَةِ السَّماءِ.“ مِنَ ”الأوْلى لِابْتِداءِ الغايَةِ تَتَعَلَّقُ بِأنْزَلَ، وفي أنْزَلَ ضَمِيرُ نَصْبٍ عائِدٌ عَلى ما، أيْ والَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ. و“ مِنَ ”الثّانِيَةُ مَعَ ما بَعْدَها بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: (مِنَ السَّماءِ)، بَدَلُ اشْتِمالٍ، فَهو عَلى نِيَّةِ تَكْرارِ العامِلِ، أوْ لِبَيانِ الجِنْسِ عِنْدَ مَن يُثْبِتُ لَها هَذا المَعْنى، أوْ لِلتَّبْعِيضِ، وتَتَعَلَّقُ بِأنْزَلَ. ولا يُقالُ: كَيْفَ تَتَعَلَّقُ بِأنْزَلَ“ مِنَ ”الأُولى والثّانِيَةُ؛ لِأنَّ مَعْنَيَيْهِما مُخْتَلِفانِ.
﴿فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾: عَطْفٌ عَلى صِلَةِ ما، - الَّذِي هو أنْزَلَ - بِالفاءِ المُقْتَضِيَةِ لِلتَّعْقِيبِ وسُرْعَةِ النَّباتِ، وبِهِ عائِدٌ عَلى المَوْصُولِ. وكَنّى بِالإحْياءِ عَنْ ظُهُورِ ما أوْدَعَ فِيها مِنَ النَّباتِ، وبِالمَوْتِ عَنِ اسْتِقْرارِ ذَلِكَ فِيها وعَدَمِ ظُهُورِهِ. وهُما كِنايَتانِ غَرِيبَتانِ؛ لِأنَّ ما بَرَزَ مِنها بِالمَطَرِ جَعَلَ تَعالى فِيهِ القُوَّةَ الغاذِيَةَ والنّامِيَةَ والمُحَرِّكَةَ، وما لَمْ يَظْهَرْ فَهو كامِنٌ فِيها، كَأنَّهُ (p-٤٦٦)دَفِينٌ فِيها، ولَهِيَ لَهُ قَبْرٌ.
﴿وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ﴾: إنْ قُدِّرَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةً عَلى ما قَبْلَها مِنَ الصِّلَتَيْنِ، احْتاجَتْ إلى ضَمِيرٍ يَعُودُ عَلى المَوْصُولِ؛ لِأنَّ الضَّمِيرَ في“ فِيها ”عائِدٌ عَلى الأرْضِ وتَقْدِيرُهُ: وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ. لَكِنَّ حَذْفَ هَذا الضَّمِيرِ، إذا كانَ مَجْرُورًا بِالحَرْفِ، لَهُ شَرْطٌ، وهو أنْ يَدْخُلَ عَلى المَوْصُولِ، أوِ المَوْصُوفِ بِالمَوْصُولِ، أوِ المُضافِ إلى المَوْصُولِ حَرْفُ جَرٍّ، مِثْلُ ما دَخَلَ عَلى الضَّمِيرِ لَفْظًا ومَعْنًى، وأنْ يَتَّحِدَ ما تَعَلَّقَ بِهِ الحَرْفانِ لَفْظًا ومَعْنًى، وأنْ لا يَكُونَ ذَلِكَ المَجْرُورُ العائِدُ عَلى المَوْصُولِ وجارِّهِ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وأنْ لا يَكُونَ مَحْصُورًا، ولا في مَعْنى المَحْصُورِ، وأنْ يَكُونَ مُتَعَيِّنًا لِلرَّبْطِ. وهَذا الشَّرْطُ مَفْقُودٌ هُنا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ) قَوْلَهُ: (وبَثَّ فِيها)، عَطْفٌ عَلى أنْزَلَ أمْ أحْيا ؟ (قُلْتُ): الظّاهِرُ أنَّهُ عَطْفٌ عَلى أنْزَلَ داخِلٌ تَحْتِ حُكْمِ الصِّلَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (فَأحْيا بِهِ الأرْضَ) عَطْفٌ عَلى أنْزَلَ، فاتَّصَلَ بِهِ وصارا جَمِيعًا كالشَّيْءِ الواحِدِ، وكَأنَّهُ قِيلَ: وما أنْزَلَ في الأرْضِ مِن ماءٍ وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ. ويَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى أحْيا عَلى مَعْنى فَأحْيا بِالمَطَرِ الأرْضَ وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ؛ لِأنَّهم يَنْمُونَ بِالخِصْبِ ويَعِيشُونَ بِالحَياةِ. انْتَهى كَلامُهُ، ولا طائِلَ تَحْتَهُ. وكَيْفَما قَدَّرْتَ مِن تَقْدِيرَيْهِ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ في قَوْلِهِ: ﴿وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ﴾ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى المَوْصُولِ، سَواءٌ أعَطَفْتَهُ عَلى أنْزَلَ، أوْ عَلى فَأحْيا؛ لِأنَّ كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ في صِلَةِ المَوْصُولِ. والَّذِي يَتَخَرَّجُ عَلى الآيَةِ، أنَّها عَلى حَذْفِ مَوْصُولٍ لِفَهْمِ المَعْنى مَعْطُوفٍ عَلى ما مِن قَوْلِهِ: (وما أنْزَلَ)، التَّقْدِيرُ: وما بَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أعْظَمَ في الآياتِ؛ لِأنَّ ما بَثَّ تَعالى في الأرْضِ مِن كُلِّ دابَّةٍ فِيهِ آياتٌ عَظِيمَةٌ في أشْكالِها وصِفاتِها وأحْوالِها وانْتِقالاتِها ومَضارِّها ومَنافِعِها وعَجائِبِها، وما أُودِعَ في كُلِّ شَكْلٍ مِنها مِنَ الأسْرارِ العَجِيبَةِ ولَطائِفِ الصَّنْعَةِ الغَرِيبَةِ، وذَلِكَ مِنِ الفِيلِ إلى الذَّرَّةِ، وما أوْجَدَ تَعالى في البَحْرِ مِن عَجائِبِ المَخْلُوقاتِ المُبايِنَةِ لِأشْكالِ البَرِّ. فَمِثْلُ هَذا يَنْبَغِي إفْرادُهُ بِالذِّكْرِ، لا أنَّهُ يُجْعَلَ مَنسُوقًا في ضِمْنِ شَيْءٍ آخَرَ وحَذْفُ المَوْصُولِ الِاسْمِيِّ، غَيْرَ أنَّ“ ألْ ”عِنْدَ مَن يَذْهَبُ إلى اسْمِيَّتِها لِفَهْمِ المَعْنى جائِزٌ شائِعٌ في كَلامِ العَرَبِ، وإنْ كانَ البَصْرِيُّونَ لا يَقِيسُونَهُ، فَقَدْ قاسَهُ غَيْرُهم، قالَ بَعْضُ طَيِّءٍ:
؎ما الَّذِي دَأْبُهُ احْتِياطٌ وحَزْمٌ وهَواهُ أطاعَ مُسْتَوَيانِ
أيْ: والَّذِي أطاعَ، وقالَ حَسّانٌ:
؎أمَن يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ مِنكم ∗∗∗ ويَمْدَحُهُ ويَنْصُرُهُ سَواءُ
أيْ: ومَن يَمْدَحُهُ، وقالَ آخَرُ:
؎فَواللَّهِ ما نِلْتُمْ وما نِيلَ مِنكُمُ ∗∗∗ بِمُعْتَدِلٍ وُفِّقَ ولا مُتَقارِبِ
يُرِيدُ: ما الَّذِي نِلْتُمْ وما نِيلَ مِنكم، وقَدْ حُمِلَ عَلى حَذْفِ المَوْصُولِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنا وأُنْزِلَ إلَيْكُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦]، أيْ والَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكم لِيُطابِقَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿والكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي أنْزَلَ مِن قَبْلُ﴾ [النساء: ١٣٦] . وقَدْ يَتَمَشّى التَّقْدِيرُ الأوَّلُ عَلى ارْتِكابِ حَذْفِ الضَّمِيرِ لِفَهْمِ المَعْنى، وإنْ لَمْ يُوجَدْ شَرْطُ جَوازِ حَذْفِهِ، وقَدْ جاءَ ذَلِكَ في أشْعارِهِمْ، قالَ:
؎وإنَّ لِسانِي شَهْدَةٌ يُشْتَفى بِها ∗∗∗ وهو عَلى مَن صَبَّهُ اللَّهُ عَلْقَمُ
يُرِيدُ: مَن صَبَّهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، وقالَ:
؎لَعَلَّ الَّذِي أصْعَدَتْنِي أنْ تَرُدَّنِي ∗∗∗ إلى الأرْضِ إنْ لَمْ يُقَدِّرِ الخَيْرَ قادِرُ
(p-٤٦٧)يُرِيدُ: أصْعَدَتْنِي بِهِ. فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ (مِن كُلِّ دابَّةٍ) في مَوْضِعِ المَفْعُولِ، و“ مِن ”تَبْعِيضِيَّةٌ. وعَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ، يَجُوزُ أنْ تَكُونَ زائِدَةً، و“ كُلِّ دابَّةٍ ”هو نَفْسُ المَفْعُولِ، وعَلى حَذْفِ المَوْصُولِ يَكُونُ مَفْعُولُ“ بَثَّ ”مَحْذُوفًا، أيْ: وبَثَّهُ، وتَكُونُ“ مِن ”حالِيَّةً، أيْ: كائِنًا مِن كُلِّ دابَّةٍ، فَهي تَبْعِيضِيَّةٌ، أوْ لِبَيانِ الجِنْسِ عِنْدَ مَن يَرى ذَلِكَ. (وتَصْرِيفِ الرِّياحِ) في هُبُوبِها قُبُولًا ودُبُورًا وجَنُوبًا وشَمالًا، وفي أوْصافِها حارَّةً وبارِدَةً ولَيِّنَةً وعاصِفَةً وعَقِيمًا ولِواقِحَ ونَكْباءَ، وهي الَّتِي تَأْتِي بَيْنَ مَهَبَّيْ رِيحَيْنِ. وقِيلَ: تارَةً بِالرَّحْمَةِ، وتارَةً بِالعَذابِ. وقِيلَ: تَصْرِيفُها أنْ تَأْتِيَ السُّفُنَ الكِبارَ بِقَدْرِ ما يَحْمِلُها، والصِّغارَ كَذَلِكَ، ويَصْرِفُ عَنْها ما يَضُرُّ بِها، ولا اعْتِبارَ بِكِبَرِ القُلُوعِ ولا صِغَرِها، فَإنَّها لَوْ جاءَتْ جَسَدًا واحِدًا لَصَدَمَتِ القُلُوعَ وأغْرَقَتْ.
وقَدْ تَكَلَّمُوا في أنْواعِ الرِّيحِ واشْتِقاقِ أسْمائِها وفي طَبائِعِها، وفِيما جاءَ فِيها مِنَ الآثارِ، وفِيما قِيلَ فِيها مِنَ الشِّعْرِ، ولَيْسَ ذَلِكَ مِن غَرَضِنا. والرِّيحُ جِسْمٌ لَطِيفٌ شَفّافٌ غَيْرُ مَرْئِيٍّ، ومِن آياتِهِ ما جَعَلَ اللَّهُ فِيهِ مِنَ القُوَّةِ الَّتِي تَقْلَعُ الأشْجارَ وتَعْفِي الآثارَ وتَهْدِمُ الدِّيارَ وتُهْلِكُ الكُفّارَ، وتَرْبِيَةِ الزَّرْعِ وتَنْمِيَتِهِ واشْتِدادِهِ بِها، وسُوقِ السَّحابِ إلى البَلَدِ الماحِلِ. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في إفْرادِ الرِّيحِ وجَمْعِهِ في أحَدَ عَشَرَ مَوْضِعًا. هَذا، وفي الشَّرِيعَةِ وفي الأعْرافِ: (يُرْسِلُ الرِّياحَ)، و﴿اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ﴾ [إبراهيم: ١٨]، و﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢]، و﴿تَذْرُوهُ الرِّياحُ﴾ [الكهف: ٤٥]، وفي الفُرْقانِ: ﴿أرْسَلَ الرِّياحَ﴾ [الفرقان: ٤٨]، ﴿ومَن يُرْسِلُ الرِّياحَ﴾ [النمل: ٦٣]، وفي الرُّومِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ﴾ [الروم: ٤٨]، وفي فاطِرٍ: ﴿أرْسَلَ الرِّياحَ﴾ [فاطر: ٩]، وفي الشُّورى: ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ﴾ [الشورى: ٣٣] . فَأفْرَدَ حَمْزَةُ إلّا في الفُرْقانِ، والكِسائِيُّ إلّا في الحِجْرِ، وجَمْعَ نافِعٌ الجَمِيعَ، والعَرَبِيّانِ إَلّا في إبْراهِيمَ والشُّورى، وابْنُ كَثِيرٍ في البَقَرَةِ والحِجْرِ والكَهْفِ والشَّرِيعَةِ فَقَطْ. وفي مُصْحَفِ حَفْصَةَ هُنا“ وتَصْرِيفِ الأرْواحِ ”. ولَمْ يَخْتَلِفُوا في تَوْحِيدِ ما لَيْسَ فِيهِ ألِفٌ ولامٌ. وجاءَتْ في القُرْآنِ مَجْمُوعَةً مَعَ الرَّحْمَةِ مُفْرَدَةً مَعَ العَذابِ، إلّا في يُونُسَ في قَوْلِهِ: ﴿وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢] . وفي الحَدِيثِ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْها رِياحًا ولا تَجْعَلْها رِيحًا» . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ:؛ لِأنَّ رِيحَ العَذابِ شَدِيدَةٌ مُلْتَئِمَةُ الأجْزاءِ كَأنَّها جِسْمٌ واحِدٌ، ورِيحُ الرَّحْمَةِ لَيِّنَةٌ مُنْقَطِعَةٌ، فَلِذَلِكَ هي رِياحٌ، وهو مَعْنى يَنْشُرُ، وأُفْرِدَتْ مَعَ الفُلْكِ؛ لِأنَّ رِيحَ اجْراءِ السُّفُنِ إنَّما هي واحِدَةٌ مُتَّصِلَةٌ. ثُمَّ وُصِفَتْ بِالطَّيِّبِ فَزالَ الِاشْتِراكُ بَيْنَها وبَيْنَ رِيحِ العَذابِ، انْتَهى. ومَن قَرَأ بِالتَّوْحِيدِ، فَإنَّهُ يُرِيدُ الجِنْسَ، فَهو كَقِراءَةِ الجَمْعِ. والرِّياحُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، فَيَكُونُ“ تَصْرِيفِ ”مَصْدَرًا مُضافًا لِلْفاعِلِ، أيْ“ وتَصْرِيفِ الرِّياحِ السَّحابَ أوْ غَيْرَهُ مِمّا لَها فِيهِ تَأْثِيرٌ بِإذْنِ اللَّهِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، فَيَكُونُ المَصْدَرُ في المَعْنى مُضافًا إلى الفاعِلِ، وفي اللَّفْظِ مُضافًا إلى المَفْعُولِ، أيْ وتَصْرِيفِ اللَّهِ الرِّياحَ.
﴿والسَّحابِ المُسَخَّرِ﴾، تَسْخِيرُهُ: بَعْثُهُ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ. وقِيلَ: تَسْخِيرُهُ: ثُبُوتُهُ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ بِلا عَلاقَةٍ تُمْسِكُهُ. ووُصِفَ السَّحابُ هُنا بِالمُسَخَّرِ، وهو مُفْرَدٌ؛ لِأنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، وفِيهِ لُغَتانِ: التَّذْكِيرُ: كَهَذا وكَقَوْلِهِ: ﴿أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠]، والتَّأْنِيثُ عَلى مَعْنى تَأْنِيثِ الجَمْعِ، فَتارَةً يُوصَفُ بِما يُوصَفُ بِهِ الواحِدَةُ المُؤَنَّثَةُ، وتارَةً يُوصَفُ بِما يُوصَفُ بِهِ الجَمْعُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا أقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا﴾ [الأعراف: ٥٧] . قالَ كَعْبُ الأحْبارِ: السَّحابُ غِرْبالُ المَطَرِ، ولَوْلا السَّحابُ لَأفْسَدَ المَطَرُ ما يَقَعُ عَلَيْهِ مِنَ الأرْضِ. فَقِيلَ: السَّحابُ يَأْخُذُ المَطَرَ مِنَ السَّماءِ، وقِيلَ: يَغْتَرِفُهُ مِن بِحارِ الأرْضِ، وقِيلَ: يَخْلُقُهُ اللَّهُ فِيهِ، ولِلْفَلاسِفَةِ فِيهِ أقْوالٌ. وجُعِلَ مُسَخَّرًا بِاعْتِبارِ إمْساكِهِ الماءَ، إذِ الماءُ ثَقِيلٌ، فَبَقاؤُهُ في جَوِّ الهَواءِ هو عَلى خِلافِ ما طُبِعَ عَلَيْهِ، وتَقْدِيرُهُ بِالمِقْدارِ المَعْلُومِ الَّذِي فِيهِ المَصْلَحَةُ، يَأْتِي بِهِ اللَّهُ في وقْتِ الحاجَةِ، ويَرُدُّهُ عِنْدَ زَوالِ الحاجَةِ، أوْ (p-٤٦٨)سُوقُهُ بِواسِطَةِ تَحْرِيكِ الرِّيحِ إلى حَيْثُ أرادَ اللَّهُ تَعالى. وفي كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأوْجُهِ اسْتِدْلالٌ عَلى الوَحْدانِيَّةِ.
﴿بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾: انْتِصابُ ”بَيْنَ“ عَلى الظَّرْفِ، والعامِلُ فِيهِ المُسَخَّرُ، أيْ سُخِّرَ بَيْنَ كَذا وكَذا، أوْ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ كائِنًا بَيْنَ، فَيَكُونُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في المُسَخَّرِ. (لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ): دَخَلَتِ اللّامُ عَلى اسْمِ إنَّ لِحَيْلُولَةِ الخَبَرِ بَيْنَهُ وبَيْنَها، إذْ لَوْ كانَ يَلِيها، ما جازَ دُخُولُها، وهي لامُ التَّوْكِيدِ، فَصارَ في الجُمْلَةِ حَرْفا تَأْكِيدٍ: إنَّ واللّامُ. ولِقَوْمٍ: في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، أيْ كائِنَةً لِقَوْمٍ. والجُمْلَةُ صِفَةٌ لِقَوْمٍ؛ لِأنَّهُ لا يَتَفَكَّرُ في هَذِهِ الآياتِ العَظِيمَةِ إلّا مَن كانَ عاقِلًا، فَإنَّهُ يُشاهَدُ مِن هَذِهِ الآيَةِ ما يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى، وانْفِرادِهِ بِالإلَهِيَّةِ، وعَظِيمِ قُدْرَتِهِ، وباهِرِ حِكْمَتِهِ. وقَدْ أُثِرَ في الأثَرِ: ويْلٌ لِمَن قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ فَمَجَّ بِها، أيْ لَمْ يَتَفَكَّرْ فِيها ولَمْ يَعْتَبِرْ بِها.
(ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها)، هو أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ واحِدٌ، وأنَّهُ مُنْفَرِدٌ بِالإلَهِيَّةِ، لَمْ يَكْتَفِ بِالإخْبارِ حَتّى أوْرَدَ دَلائِلَ الِاعْتِبارِ. ثُمَّ مَعَ كَوْنِها دَلائِلَ، بَلْ هي نِعَمٌ مِنَ اللَّهِ عَلى عِبادِهِ، فَكانَتْ أوْضَحَ لِمَن يَتَأمَّلُ وأبْهَرَ لِمَن يَعْقِلُ، إذِ التَّنْبِيهُ عَلى ما فِيهِ النَّفْعُ باعِثٌ عَلى الفِكْرِ. لَكِنْ لا تَنْفَعُ هَذِهِ الدَّلائِلُ إلّا عِنْدَ مَن كانَ مُتَمَكِّنًا مِنَ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ بِالعَقْلِ المَوْهُوبِ مِن عِنْدِ المَلِكِ الوَهّابِ، وهَذِهِ الأشْياءُ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ ثَمانِيَةٌ، وإنْ جَعَلْنا: ”وبَثَّ فِيها“، عَلى حَذْفِ مَوْصُولٍ، كَما قَدَّرْناهُ في أحَدِ التَّخْرِيجَيْنِ، كانَتْ تِسْعَةً، وهي بِاعْتِبارٍ تَصِيرُ إلى أرْبَعَةٍ: خَلْقٌ، واخْتِلافٌ، وإنْزالُ ماءٍ، وتَصْرِيفٌ.
فَبَدَأ أوَّلًا بِالخَلْقِ؛ لِأنَّهُ الآيَةُ العُظْمى والدَّلالَةُ الكُبْرى عَلى الإلَهِيَّةِ، إذْ ذَلِكَ إبْرازٌ واخْتِراعٌ لِمَوْجُودٍ مِنَ العَدَمِ الصِّرْفِ.
﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧] ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ [النحل: ٢٠] . ودَلِيلُ الخَلْقِ عَلى جَمِيعِ الصِّفاتِ الذّاتِيَّةِ، مِن واجِبِيَّةِ الوُجُودِ والوَحْدَةِ والحَياةِ والعِلْمِ والقُدْرَةِ والإرادَةِ، وقَدَّمَ السَّماواتِ عَلى الأرْضِ لِعَظَمِ خَلْقِها، أوْ لِسَبْقِهِ عَلى خَلْقِ الأرْضِ عِنْدَ مَن يَرى ذَلِكَ.
ثُمَّ أعْقَبَ ذِكْرَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ بِاخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وهو أمْرٌ ناشِئٌ عَنْ بَعْضِ الجَواهِرِ العُلْوِيَّةِ النَّيِّرَةِ الَّتِي تَضَمَّنَتْها السَّماواتُ. ثُمَّ أعْقَبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ الفُلْكِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى اللَّيْلِ والنَّهارِ، كَأنَّهُ قالَ ”واخْتِلافِ الفُلْكِ“، أيْ ذَهابِها مَرَّةً كَذا ومَرَّةً كَذا عَلى حَسَبِ ما تُحَرِّكُها المَقادِيرُ الإلَهِيَّةُ، وهو أمْرٌ ناشِئٌ عَنْ بَعْضِ الأجْرامِ السُّفْلِيَّةِ الجامِدَةِ الَّتِي تَضَمَّنَتْها الأرْضُ.
ثُمَّ أعْقَبَ ذَلِكَ بِأُمُورٍ اشْتَرَكَ فِيها العالَمُ العُلْوِيُّ والعالَمُ السُّفْلِيُّ، وهو إنْزالُ الماءِ مِنَ السَّماءِ، ونَشْرُ ما كانَ دَفِينًا في الأرْضِ بِالأحْياءِ. وجاءَ هَذا المُشْتَرَكُ مُقَدَّمًا فِيهِ السَّبَبُ عَلى المُسَبَّبِ، فَلِذَلِكَ أعْقَبَ بِالفاءِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى السَّبَبِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ.
ثُمَّ خَتَمَ ذَلِكَ بِما لا يَتِمُّ ما تَقَدَّمَهُ مِن ذِكْرِ جَرَيانِ الفُلْكِ وإنْزالِ الماءِ وإحْياءِ المَواتِ إلّا بِهِ، وهو تَصْرِيفُ الرِّياحِ والسَّحابِ. وقَدَّمَ الرِّياحَ عَلى السَّحابِ، لِتَقَدُّمِ ذِكْرِ الفُلْكِ، وتَأخَّرَ السَّحابُ لِتَأخُّرِ إنْزالِ الماءِ في الذِّكْرِ عَلى جَرَيانِ الفُلْكِ.
فانْظُرْ إلى هَذا التَّرْتِيبِ الغَرِيبِ في الذِّكْرِ، حَيْثُ بَدَأ أوَّلًا بِاخْتِراعِ السَّماواتِ والأرْضِ، ثُمَّ ثَنّى بِذِكْرِ ما نَشَأ عَنِ العالَمِ العُلْوِيِّ، ثُمَّ أتى ثالِثًا بِذِكْرِ ما نَشَأ عَنِ العالَمِ السُّفْلِيِّ، ثُمَّ أتى بِالمُشْتَرِكِ. ثُمَّ خَتَمَ ذَلِكَ بِما لا تَتِمُّ النِّعْمَةُ لِلْإنْسانِ إلّا بِهِ، وهو التَّصْرِيفُ المَشْرُوحُ.
وهَذِهِ الآياتُ ذَكَرَها تَعالى عَلى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ مُدْرَكٌ بِالبَصائِرِ، وقِسْمٌ مُدْرَكٌ بِالأبْصارِ. فَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ مُدْرَكٌ بِالعُقُولِ، وما بَعْدَ ذَلِكَ مُشاهَدٌ لِلْأبْصارِ. والمَشاهَدُ بِالأبْصارِ انْتِسابُهُ إلى واجِبِ الوُجُودِ، مُسْتَدَلٌّ عَلَيْهِ بِالعُقُولِ، فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: (لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)، (p-٤٦٩)ولَمْ يَقُلْ: لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُبْصِرُونَ، تَغْلِيبًا لِحُكْمِ العَقْلِ؛ إذْ مَآلُ ما يُشاهَدُ بِالبَصَرِ راجِعٌ بِالعَقْلِ نِسْبَتُهُ إلى اللَّهِ تَعالى.
البقرة 2:165
﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مَن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا﴾: لَمّا قَرَّرَ تَعالى التَّوْحِيدَ بِالدَّلائِلِ الباهِرَةِ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ مَن لَمْ يُوَفَّقْ، واتِّخاذُهُ الأنْدادَ مِن دُونِ اللَّهِ، لِيُظْهِرَ تَفاوُتَ ما بَيْنَ المَنهَجَيْنِ. والضِّدُّ يُظْهِرُ حُسْنُهُ الضِّدُّ، وأنَّهُ مَعَ وُضُوحِ هَذِهِ الآياتِ، لَمْ يُشاهِدْ هَذا الضّالُّ شَيْئًا مِنها. ولَفْظُ النّاسُ عامٌّ، والأحْسَنُ حَمْلُهُ عَلى الطّائِفَتَيْنِ مِن أهْلِ الكِتابِ وعَبَدَةِ الأوْثانِ. فالأنْدادُ، بِاعْتِبارِ أهْلِ الكِتابِ هم رُؤَساؤُهم وأحْبارُهم، اتَّبَعُوا ما رَتَّبُوهُ لَهم مِن أمْرٍ ونَهْيٍ، وإنْ خالَفَ أمْرَ اللَّهِ ونَهْيَهُ. قالَ تَعالى: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] . والأنْدادُ، بِاعْتِبارِ عِبادَةِ الأوْثانِ هي الأصْنامُ، اتَّخَذُوها آلِهَةً وعَبَدُوها مِن دُونِ اللَّهِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالنّاسِ الخُصُوصُ. فَقِيلَ: أهْلُ الكِتابِ. وقِيلَ: عُبّادُ الأوْثانِ، والأوْلى القَوْلُ الأوَّلُ. ورُجِّحَ كَوْنُهم أهْلَ الكِتابِ بِقَوْلِهِ: يُحِبُّونَهم، فَأتى بِضَمِيرِ العُقَلاءِ، وبِاسْتِبْعادِ مَحَبَّةِ الأصْنامِ، وبِقَوْلِهِ: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ورَأوُا العَذابَ﴾ [البقرة: ١٦٦]، والتَّبَرُّؤُ لا يُناسِبُ إلّا العُقَلاءَ. و”مِن“: مُبْتَدَأٌ مَوْصُولٌ، أوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، وأفْرَدَ يَتَّخِذُ حَمْلًا عَلى لَفْظِ مِن، و”مِن دُونِ اللَّهِ“ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”يَتَّخِذُ“، و”دُونَ“ هُنا بِمَعْنى غَيْرِ، وأصْلُها أنْ تَكُونَ ظَرْفَ مَكانٍ، وهي نادِرَةُ التَّصَرُّفِ إذْ ذاكَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: و”مِن دُونِ“: لَفْظٌ يُعْطِي غَيْبَةَ ما يُضافُ إلَيْهِ دُونَ عَنِ القَضِيَّةِ الَّتِي فِيها الكَلامُ، وتَفْسِيرُ دُونَ بِسِوى، أوْ بِغَيْرِ، لا يَطَّرِدُ. انْتَهى. تَقُولُ: فَعَلْتُ هَذا مِن دُونِكَ، أيْ وأنْتَ غائِبٌ. وتَقُولُ: اتَّخَذْتُ مِنكَ صَدِيقًا، واتَّخَذْتُ مِن دُونِكَ صَدِيقًا. فالَّذِي يُفْهَمُ مِن هَذا أنَّهُ اتَّخَذَ مِن شَخْصِ غَيْرِهِ صَدِيقًا. وتَقُولُ: قامَ القَوْمُ دُونَ زَيْدٍ. فالَّذِي يُفْهَمُ مِن هَذا: أنَّ المَعْنى أنَّ زَيْدًا لَمْ يَقُمْ، فَدَلالَتُها دَلالَةُ ”غَيْرَ“ في هَذا. والَّذِي ذَكَرَ النَّحْوِيُّونَ، هو ما ذَكَرْتُ لَكَ مِن كَوْنِها تَكُونُ ظَرْفَ مَكانٍ، وأنَّها قَلِيلَةُ التَّصَرُّفِ نادِرَتُهُ. وقَدْ حَكى سِيبَوَيْهِ أيْضًا أنَّها تَكُونُ بِمَعْنى رَدِيءٍ، تَقُولُ: هَذا ثَوْبٌ دُونَ أيْ رَدِيءٌ، فَإذا كانَتْ ظَرْفًا، دَلَّتْ عَلى انْحِطاطِ المَكانِ، فَتَقُولُ: قَعَدَ زَيْدٌ دُونَكَ، فالمَعْنى: قَعَدَ زَيْدٌ مَكانًا دُونَ مَكانِكَ، أيْ مُنْحَطًّا عَنْ مَكانِكَ. وكَذَلِكَ إذا أرَدْتَ بِدُونِ الظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ تَقُولُ: زِيدٌ دُونَ عَمْرٍو في الشَّرَفِ، تُرِيدُ المَكانَةَ لا المَكانَ. (ووَجْهُ اسْتِعْمالِها بِمَعْنى ”غَيْرَ“ انْتِقالُها عَنِ الظَّرْفِيَّةِ فِيهِ خَفاءٌ ونَحْنُ نُوَضِّحُهُ) فَنَقُولُ: إذا قُلْتَ: اتَّخَذْتُ مِن دُونِكَ صَدِيقًا، فَأصْلُهُ: اتَّخَذْتُ مِن جِهَةٍ ومَكانٍ دُونَ جِهَتِكَ ومَكانِكَ صَدِيقًا، فَهو ظَرْفٌ مَجازِيٌّ. وإذا كانَ المَكانُ المُتَّخَذُ مِنهُ الصَّدِيقُ مَكانُكَ وجِهَتُكَ مُنْحَطَّةٌ عَنْهُ وهي دُونُهُ، لَزِمَ أنْ يَكُونَ غَيْرًا؛ لِأنَّهُ لَيْسَ إيّاهُ، ثُمَّ حَذَفْتَ المُضافَ وأقَمْتَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ مَعَ كَوْنِهِ غَيْرًا، فَصارَتْ دَلالَتُهُ دَلالَةَ غَيْرٍ بِهَذا التَّرْتِيبِ، لا أنَّهُ مَوْضُوعٌ في أصْلِ اللُّغَةِ لِذَلِكَ. وانْتَصَبَ ”أنْدادًا“ هُنا عَلى المَفْعُولِ بِـ يَتَّخِذُ، وهي هُنا مُتَعَدِّيَةٌ إلى واحِدٍ، نَحْوَ قَوْلِكَ: اتَّخَذْتُ مِنكَ صَدِيقًا، وهي افْتَعَلَ مِنَ الأخْذِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى النِّدِّ وعَلى اتَّخَذَ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ: الأنْدادُ: الرُّؤَساءُ المُتَّبَعُونَ، يُطِيعُونَهم في مَعاصِي اللَّهِ تَعالى. وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: الأنْدادُ: الأوْثانُ، وجاءَ الضَّمِيرُ في يُحِبُّونَهم ضَمِيرُ مَن يَعْقِلُ. وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا أنَّ الأوْلى أنْ تَكُونَ الأنْدادُ: المَجْمُوعَ مِنَ الأوْثانِ والرُّؤَساءِ، وتَكُونُ الآيَةُ عامَّةً. وجاءَ التَّغْلِيبُ لِمَن يَعْقِلُ في الضَّمِيرِ في: (يُحِبُّونَهم)، أيْ يُعَظِّمُونَهم ويَخْضَعُونَ لَهم. والجُمْلَةُ مِن ”يُحِبُّونَهم“ صِفَةٌ لِلْأنْدادِ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في يَتَّخِذُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِفَةً لِمَن، إذا جَعَلْتَها نَكِرَةً مَوْصُوفَةً. وجازَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ في يُحِبُّونَهم ضَمِيرَ أنْدادٍ، أوْ ضَمِيرَ مَن، وأعادَ الضَّمِيرَ عَلى مَن جَمْعًا عَلى المَعْنى، إذْ قَدْ تَقَدَّمَ الحَمْلُ عَلى اللَّفْظِ في يَتَّخِذُ، إذْ أفْرَدَ الضَّمِيرَ، وقَدْ وقَعَ الفَصْلُ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ، وهو شَرْطٌ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ.
﴿كَحُبِّ اللَّهِ﴾، الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، إمّا عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ الحُبِّ المَحْذُوفِ، عَلى رَأْيِ سِيبَوَيْهِ، أوْ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ (p-٤٧٠)مَحْذُوفٍ، عَلى رَأْيِ جُمْهُورِ المُعْرِبِينَ، التَّقْدِيرُ: عَلى الأوَّلِ يُحِبُّونَهُمُوهُ، أيِ الحُبُّ مُشْبِهًا حُبَّ اللَّهِ، وعَلى الثّانِي تَقْدِيرُهُ: حُبًّا مِثْلَ حُبِّ اللَّهِ، والمَصْدَرُ مُضافٌ لِلْمَفْعُولِ المَنصُوبِ، والفاعِلُ مَحْذُوفٌ، التَّقْدِيرُ: كَحُبِّهِمُ اللَّهَ، أوْ كَحُبِّ المُؤْمِنِينَ اللَّهَ، والمَعْنى أنَّهم سَوَّوْا بَيْنَ الحُبَّيْنِ، حُبِّ الأنْدادِ وحُبِّ اللَّهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: حُبٌّ: مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ في اللَّفْظِ، وهو عَلى التَّقْدِيرِ مُضافٌ إلى الفاعِلِ المُضْمَرِ، تَقْدِيرُهُ: كَحُبِّكُمُ اللَّهَ، أوْ كَحُبِّهِمْ، حَسْبَما قَدَّرَ كُلَّ وجْهٍ مِنهُما فِرْقَةٌ. انْتَهى كَلامُهُ. فَقَوْلُهُ: مُضافٌ إلى الفاعِلِ المُضْمَرِ، لا يَعْنِي أنَّ المَصْدَرَ أُضْمِرَ فِيهِ الفاعِلُ، وإنَّما سَمّاهُ مُضْمَرًا لِما قَدَّرَهُ كَحُبِّكم أوْ كَحُبِّهِمْ، فَأبْرَزَهُ مُضْمَرًا حِينَ أظْهَرَ تَقْدِيرَهُ، أوْ يَعْنِي بِالمُضْمَرِ المَحْذُوفَ، وهو مَوْجُودٌ في اصْطِلاحِ النَّحْوِيِّينَ، أعْنِي أنْ يُسَمّى الحَذْفُ إضْمارًا. وإنَّما قُلْتُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ مِنَ النَّحْوِيِّينَ مَن زَعَمَ أنَّ الفاعِلَ مَعَ المَصْدَرِ لا يُحْذَفُ، وإنَّما يَكُونُ مُضْمَرًا في المَصْدَرِ. ورُدَّ ذَلِكَ بِأنَّ المَصْدَرَ هو اسْمُ جِنْسٍ، كالزَّيْتِ والقَمْحِ، وأسْماءُ الأجْناسِ لا يُضْمَرُ فِيها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَحُبِّ اللَّهِ: كَتَعْظِيمِ اللَّهِ والخُضُوعِ لَهُ، أيْ كَما يُحِبُّ اللَّهُ، عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِنَ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ، وإنَّما اسْتَغْنى عَنْ ذِكْرِ مَن يُحِبُّهُ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ مُلْبِسٍ. وقِيلَ: كَحُبِّهِمُ اللَّهَ، أيْ يُسَوُّونَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ في مَحَبَّتِهِمْ؛ لِأنَّهم كانُوا يُقِرُّونَ بِاللَّهِ ويَتَقَرَّبُونَ إلَيْهِ، ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] . انْتَهى كَلامُهُ. واخْتارَ كَوْنَ المَصْدَرِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وهي مَسْألَةُ خِلافٍ. أيَجُوزُ أنْ يُعْتَقَدَ في المَصْدَرِ أنَّهُ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ ؟ فَيَجُوزُ: عَجِبْتُ مِن ضَرْبِ زِيدٍ، عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، ثُمَّ يُضافُ إلَيْهِ، أمْ لا يَجُوزُ ذَلِكَ ؟ فِيهِ ثَلاثَةُ مَذاهِبَ، يَفْصِلُ في الثّالِثِ بَيْنَ أنْ يَكُونَ المَصْدَرُ مِن فِعْلٍ لَمْ يُبْنَ إلّا لِلْمَفْعُولِ نَحْوَ: عَجِبْتُ مِن جُنُونٍ بِالعِلْمِ زِيدٍ؛ لِأنَّهُ مِن جُنِنْتَ الَّتِي لَمْ تُبْنَ إلّا لِلْمَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، أوْ مِن فِعْلٍ يَجُوزُ أنْ يُبْنى لِلْفاعِلِ، ويَجُوزُ أنْ يُبْنى لِلْمَفْعُولِ فَيَجُوزُ في الأوَّلِ، ويَمْتَنِعُ في الثّانِي، وأصَحُّها المَنعُ مُطْلَقًا. وتَقْرِيرُ هَذا كُلِّهِ في النَّحْوِ. وقَدْ رَدَّ الزَّجّاجُ قَوْلَ مَن قَدَّرَ فاعِلَ المَصْدَرِ المُؤْمِنِينَ، أوْ ضَمِيرَهم، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةَ، وأبِي العالِيَةِ، وابْنِ زَيْدٍ، ومُقاتِلٍ، والفَرّاءِ، والمُبَرِّدِ، وقالَ: لَيْسَ بِشَيْءٍ، والدَّلِيلُ عَلى نَقْضِهِ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدُ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾، ورُجِّحَ أنْ يَكُونَ فاعِلُ المَصْدَرِ ضَمِيرَ المُتَّخِذِينَ، أيْ يُحِبُّونَ الأصْنامَ كَما يُحِبُّونَ اللَّهَ؛ لِأنَّهم أشْرَكُوها مَعَ اللَّهِ تَعالى، فَسَوَّوْا بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ أوْثانِهِمْ في المَحَبَّةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ ولَطِيفِ فِطْرَتِهِ وذِلَّةِ الأصْنامِ وقِلَّتِها. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ: يَحِبُّونَهم، بِفَتْحِ الياءِ، وهي لُغَةٌ، وفي المَثَلِ السّائِرِ: مِن حَبَّ طَبَّ، وجاءَ مُضارِعُهُ عَلى يَحِبُّ، بِكَسْرِ العَيْنِ شُذُوذًا؛ لِأنَّهُ مُضاعَفٌ مُتَعَدٍّ، وقِياسُهُ أنْ يَكُونَ مَضْمُومَ العَيْنِ نَحْوَ: مَدَّهُ يَمُدُّهُ، وجَرَّ يَجُرُّهُ.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾: قالَ الرّاغِبُ: الحُبُّ أصْلُهُ مِنَ المَحَبَّةِ، حَبَبْتُهُ: أصَبْتُ حَبَّةَ قَلْبَهُ، وأصَبْتُهُ بِحَبَّةِ القَلْبِ، وهي في اللَّفْظِ فُعْلٌ، وفي الحَقِيقَةِ انْفِعالٌ. وإذا اسْتُعْمِلَ في اللَّهِ، فالمَعْنى: أصابَ حَبَّةَ قَلْبِ عَبْدِهِ، فَجَعَلَها مَصُونَةً عَنِ الهَوى والشَّيْطانِ وسائِرِ أعْداءِ اللَّهِ. انْتَهى. وقالَ عَبْدُ الجَبّارِ: حُبُّ العَبْدِ لِلَّهِ: تَعْظِيمُهُ والتَّمَسُّكُ بِطاعَتِهِ، وحُبُّ اللَّهِ العَبْدَ: إرادَةُ الثَّناءِ عَلَيْهِ وإثابَتُهُ. وأصْلُ الحُبِّ في اللُّغَةِ: اللُّزُومُ؛ لِأنَّ المُحِبَّ يَلْزَمُ حَبِيبَهُ ما أمْكَنَ. اهـ. والمُفَضَّلُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ، وهُمُ المُتَّخِذُونَ الأنْدادَ، ومُتَعَلِّقُ الحُبِّ الثّانِي فِيهِ خِلافٌ. فَقِيلَ: مَعْنى ”أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ“: أيْ مِنهم لِلَّهِ؛ لِأنَّ حُبَّهم لِلَّهِ بِواسِطَةٍ، قالَهُ الحَسَنُ؛ أوْ مِنهم لِأوْثانِهِمْ، قالَهُ غَيْرُهُ. ومُقْتَضى التَّمْيِيزِ بِالأشَدِّيَّةِ، إفْرادُ المُؤْمِنِينَ لَهُ بِالمَحَبَّةِ، أوْ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِمُوجِبِ الحُبِّ، أوْ لِمَحَبَّتِهِمْ إيّاهُ بِالغَيْبِ، أوْ لِشَهادَتِهِ تَعالى لَهم بِالمَحَبَّةِ، إذْ قالَ تَعالى: ﴿يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، أوْ لِإقْبالِ المُؤْمِنِ عَلى رَبِّهِ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ والشِّدَّةِ والرَّخاءِ، أوْ لِعَدَمِ انْتِقالِهِ عَنْ مَوْلاهُ ولا يَخْتارُ عَلَيْهِ سِواهُ، أوْ لِعِلْمِهِ بِأنَّ اللَّهَ خالِقُ الصَّنَمِ وهو الضّارُّ النّافِعُ، أوْ لِكَوْنِ حُبِّهِ بِالعَقْلِ والدَّلِيلِ، أوْ لِامْتِثالِهِ أمْرَهُ حَتّى في القِيامَةِ حِينَ يَأْمُرُ اللَّهُ تَعالى مَن عَبَدَهُ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا أنْ يَقْتَحِمَ النّارَ، فَيُبادِرُونَ إلَيْهِ، (p-٤٧١)فَتَبْرُدُ عَلَيْهِمُ النّارُ، فَيُنادِي مُنادٍ تَحْتَ العَرْشِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾، ويَأْمُرُ مَن عَبَدَ الأصْنامَ أنْ يَدْخُلَ مَعَهُمُ النّارَ فَيَجْزَعُونَ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ. تِسْعَةُ أقْوالٍ ثَبَتَتْ نَقائِضُها ومُقابِلاتُها لِمُتَّخِذِ الأنْدادِ. وهَذِهِ كُلُّها خَصائِصُ مَيَّزَ اللَّهُ بِها المُؤْمِنِينَ في حُبِّهِ عَلى الكافِرِينَ، فَذَكَرَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ خِصِّيصَةً. والمَجْمُوعُ هو المُقْتَضِي لِتَمْيِيزِ الحُبِّ، فَلا تَبايُنَ بَيْنَ الأقْوالِ عَلى هَذا؛ لِأنَّ كُلَّ قَوْلٍ مِنها لَيْسَ عَلى جِهَةِ الحَصْرِ فِيهِ، إنَّما هو مِثالٌ مِن أمْثِلَةِ مُقْتَضى التَّمْيِيزِ.
وقالَ في المُنْتَخَبِ جُمْهُورُ المُتَكَلِّمِينَ: عَلى أنَّ المَحَبَّةَ نَوْعٌ مِن أنْواعِ الإرادَةِ، لا تَعَلُّقَ لَها إلّا بِالجائِزاتِ، فَيَسْتَحِيلُ تَعَلُّقُ المَحَبَّةِ بِذاتِ اللَّهِ وصِفاتِهِ. فَإذا قُلْنا: يُحِبُّ اللَّهَ، فَمَعْناهُ: يُحِبُّ طاعَةَ اللَّهِ وخِدْمَتَهُ وثَوابَهُ وإحْسانَهُ. وحَكى عَنْ قَوْمٍ سَمّاهم هو بِالعارِفِينَ أنَّهم قالُوا: نُحِبُّ اللَّهَ لِذاتِهِ، كَما نُحِبُّ اللَّذَّةَ لِذاتِها؛ لِأنَّهُ تَعالى مَوْصُوفٌ بِالكَمالِ، والكَمالُ مَحْبُوبٌ لِذاتِهِ. انْتَهى كَلامُهُ. وعَدَلَ في أفْعَلِ التَّفْضِيلِ عَنْ أحَبَّ إلى ”أشَدُّ حُبًّا“، لِما تَقَرَّرَ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ أنَّ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ وفِعْلَ التَّعَجُّبِ مِن وادٍ واحِدٍ. وأنْتَ لَوْ قُلْتَ: ما أحَبَّ زَيْدًا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَعَجُّبًا مِن فِعْلِ الفاعِلِ، إنَّما يَكُونُ تَعَجُّبًا مِن فِعْلِ المَفْعُولِ، ولا يَجُوزَ أنْ يُتَعَجَّبَ مِنِ الفِعْلِ الواقِعِ بِالمَفْعُولِ، فَيَنْتَصِبَ المَفْعُولُ بِهِ كانْتِصابِ الفاعِلِ. لا تَقُولُ: ما أضْرِبَ زَيْدًا، عَلى أنَّ زَيْدًا حَلَّ بِهِ الضَّرْبُ. وإذا تَقَرَّرَ هَذا، فَلا يَجُوزُ ”زَيْدٌ أحَبُّ لِعَمْرٍو؛ لِأنَّهُ يَكُونُ المَعْنى: أنَّ زَيْدًا هو المَحْبُوبُ لِعَمْرٍو. فَلَمّا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ، عَدَلَ إلى التَّعَجُّبِ وأفْعَلُ التَّفْضِيلِ بِما يُسَوَّغُ مِنهُ ذَلِكَ، فَتَقُولُ: ما أشَدَّ حُبَّ زِيدٍ لِعَمْرٍو، وزَيْدٌ أشَدُّ حُبًّا لِعَمْرٍو مِن خالِدٍ لِجَعْفَرٍ. عَلى أنَّهم قَدْ شَذُّوا فَقالُوا: ما أحَبَّهُ إلَيَّ، فَتَعَجَّبُوا مِن فِعْلِ المَفْعُولِ عَلى جِهَةِ الشُّذُوذِ، ولَمْ يَكُنِ القُرْآنُ لِيَأْتِيَ عَلى الشّاذِّ في الِاسْتِعْمالِ والقِياسِ، ويَعْدِلَ عَلى الصَّحِيحِ الفَصِيحِ. وانْتِصابُ حُبًّا عَلى التَّمْيِيزِ، وهو مِنَ التَّمْيِيزِ المَنقُولِ مِنَ المُبْتَدَأِ، تَقْدِيرُهُ: حُبُّهم لِلَّهِ أشَدُّ مِن حُبِّ أُولَئِكَ لِلَّهِ، أوْ لِأنْدادِهِمْ عَلى اخْتِلافِ القَوْلَيْنِ.
﴿ولَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا إذْ يَرَوْنَ العَذابَ أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وأنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العَذابِ﴾: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: وإذْ تَرَوْنَ، بِالتّاءِ مِن فَوْقُ أنَّ القُوَّةَ، وأنَّ بِفَتْحِهِما. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: إذْ يُرَوْنَ، بِضَمِّ الياءِ. وقَرَأ الباقُونَ: بِالفَتْحِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وشَيْبَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ: ولَوْ تَرى، بِالتّاءِ مِن فَوْقُ“ إنَّ القُوَّةَ ”، وإنَّ بِكَسْرِهِما. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ: ولَوْ يَرى، بِالياءِ مِن أسْفَلُ أنَّ القُوَّةَ، وأنَّ بِفَتْحِهِما. وقَرَأتْ طائِفَةٌ: ولَوْ يَرى، بِالياءِ مِن أسْفَلُ إنَّ القُوَّةَ، وإنَّ بِكَسْرِهِما. ولَوْ هُنا حَرْفُ لِما كانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ، فَلا بُدَّ لَها مِن جَوابٍ، واخْتُلِفَ في تَقْدِيرِهِ. فَمِنهم مَن قَدَّرَهُ قَبْلَ أنَّ القُوَّةَ، فَيَكُونُ أنَّ القُوَّةَ مَعْمُولًا لِذَلِكَ الجَوابِ، التَّقْدِيرُ: عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالتّاءِ مِن فَوْقُ، لَعَلِمْتَ أيُّها السّامِعُ أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا، أوْ لَعَلِمْتَ يا مُحَمَّدُ أنْ كانَ المُخاطَبُ في“ ولَوْ تَرى ”لَهُ. وقَدْ كانَ ﷺ عَلِمَ ذَلِكَ، ولَكِنْ خُوطِبَ، والمُرادُ أُمَّتُهُ، فَإنَّ فِيهِمْ مَن يَحْتاجُ لِتَقْوِيَةِ عِلْمِهِ بِمُشاهَدَةِ مِثْلِ هَذا. ومَن قَرَأ بِالكَسْرِ قَدَّرَ الجَوابَ: لَقُلْتَ إنَّ القُوَّةَ عَلى اخْتِلافِ القَوْلَيْنِ في المُخاطَبِ بِقَوْلِهِ: ولَوْ تَرى مَن هو ؟ أهْوَ السّامِعُ أمِ النَّبِيُّ ﷺ ؟ أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: لاسْتَعْظَمْتَ حالَهم. وأنَّ القُوَّةَ، وإنْ كانَتْ مَكْسُورَةً، فِيها مَعْنى التَّعْلِيلِ مِثْلُ: لَوْ قَدِمْتَ عَلى زَيْدٍ لَأحْسَنَ إلَيْكَ، إنَّهُ مُكْرِمٌ لَلضِّيفانِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَقْدِيرُ ذَلِكَ: ولَوْ تَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا، في حالِ رُؤْيَتِهِمُ العَذابَ وفَزَعِهِمْ مِنهُ واسْتِعْظامِهِمْ لَهُ، لَأقَرُّوا أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ. فالجَوابُ مُضْمَرٌ عَلى هَذا النَّحْوِ مِنَ المَعْنى، وهو العامِلُ في إنَّ انْتَهى. وفِيهِ مُناقَشَةٌ، وهو قَوْلُهُ: في حالِ رُؤْيَتِهِمُ العَذابَ. وكانَ يَنْبَغِي أنْ يُقَدَّرَ بِمُرادِفِ؛ إذْ وهو قَوْلُهُ: في وقْتِ رُؤْيَتِهِمُ العَذابَ، وأيْضًا فَقَدَّرَ جَوابَ لَوْ، وهو غَيْرُ مُتَرَتِّبٍ عَلى ما يَلِي لَوْ؛ لِأنَّ رُؤْيَةَ السّامِعِ، أوِ النَّبِيِّ ﷺ الظّالِمِينَ في وقْتِ رُؤْيَتِهِمْ، لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْها إقْرارُهم أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا صارَ نَظِيرَ قَوْلِكَ: يا زَيْدُ لَوْ تَرى عَمْرًا في وقْتِ ضَرْبِهِ لَأقَرَّ أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلَيْهِ، وإقْرارُهُ بِقُدْرَةِ اللَّهِ لَيْسَتْ (p-٤٧٢)مُتَرَتِّبَةً عَلى رُؤْيَةِ زَيْدٍ. وعَلى مَن قَرَأ: ولَوْ يَرى، بِالياءِ مِن أسْفَلُ وفَتَحَ أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُ الجَوابِ: لَعَلِمُوا أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا، وإنْ كانَ فاعِلُ يَرى هو الَّذِينَ ظَلَمُوا، وإنْ كانَ ضَمِيرًا يُقَدَّرُ ولَوْ يَرى هو، أيِ السّامِعُ، كانَ التَّقْدِيرُ: لَعَلِمَ أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا. ومِنهم مَن قَدَّرَ الجَوابَ مَحْذُوفًا بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿وأنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العَذابِ﴾، وهو قَوْلُ أبِي الحَسَنِ الأخْفَشِ، وأبِي العَبّاسِ المُبَرِّدِ، وتَقْدِيرُهُ: عَلى قِراءَةِ“ ولَوْ تَرى ”بِالخِطابِ، لاسْتَعْظَمْتَ ما حَلَّ بِهِمْ، وعَلى قِراءَةِ“ ولَوْ يَرى ”لِلْغائِبِ، فَإنْ كانَ فِيهِ ضَمِيرُ السّامِعِ كانَ التَّقْدِيرُ: لاسْتَعْظَمَ ذَلِكَ، وإنْ كانَ الَّذِينَ ظَلَمُوا هو الفاعِلَ، كانَ التَّقْدِيرُ: لاسْتَعْظَمُوا ما حَلَّ بِهِمْ. وإذا كانَ الجَوابُ مُقَدَّرًا آخَرَ الكَلامَ، وكانَتْ أنَّ مَفْتُوحَةً، فَتَوْجِيهُ فَتْحِها عَلى تَقْدِيرَيْنِ: أحَدُهُما أنْ تَكُونَ مَعْمُولَةً لِيَرى في قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالياءِ، أيْ ولَوْ رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا. وأمّا مَن قَرَأ بِالتّاءِ، فَتَكُونُ أنَّ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ، أيْ؛ لِأنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا، ومَن كَسَرَ إنَّ مَعَ قِراءَةِ التّاءِ في تَرى، وقَدَّرَ الجَوابَ آخِرَ الكَلامِ، فَهي وإنْ كانَتْ مَكْسُورَةً عَلى مَعْنى المَفْتُوحَةٍ، دالَّةٌ عَلى التَّعْلِيلِ، تَقُولُ: لا تُهِنْ زَيْدًا إنَّهُ عالِمٌ، ولا تُكْرِمُ عَمْرًا إنَّهُ جاهِلٌ، فَهي عَلى مَعْنى المَفْتُوحَةِ مِنَ التَّعْلِيلِ، وتَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ كَأنَّها مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ لَوْ وجَوابِها المَحْذُوفِ. وأمّا قِراءَةُ مَن قَرَأ بِالياءِ مِن أسْفَلُ وكَسَرَ الهَمْزَتَيْنِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَعْمُولَةً لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ هو جَوابُ لَوْ، أيْ لَقالُوا إنَّ القُوَّةَ، أوْ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِئْنافِ والجَوابُ مَحْذُوفٌ، أيْ لاسْتَعْظَمُوا ذَلِكَ، ومَفْعُولُ تَرى مَحْذُوفٌ، أيْ ولَوْ رَأى الظّالِمُونَ حالَهم. وتَرى في قَوْلِهِ:“ ولَوْ تَرى ”، يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بَصَرِيَّةً، وهو قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ عِرْفانِيَّةً. وإذا جُعِلَتْ أنَّ مَعْمُولَةً لِيَرى، جازَ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى عَلِمَ التَّعْدِيَةِ إلى اثْنَيْنِ، سَدَّتْ أنَّ مَسَدَّهُما، عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ. والَّذِينَ ظَلَمُوا، إشارَةٌ إلى مُتَّخِذِي الأنْدادِ، ونَبَّهَ عَلى العِلِّيَّةِ، أوْ يَكُونُ عامًّا، فَيَنْدَرِجُ فِيهِ هَؤُلاءِ وغَيْرُهم مِنَ الكُفّارِ. ولَكِنَّ سِياقَ ما بَعْدَهُ يُرْشِدُ إلى أنَّهم مُتَّخِذُو الأنْدادِ. وقِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ:“ إذْ يَرَوْنَ ”مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، هو مِن أرَيْتَ المَنقُولَةِ مِن رَأيْتَ، بِمَعْنى أبْصَرْتَ. ودَخَلَتْ إذْ - وهي لِلظَّرْفِ الماضِي - في أثْناءِ هَذِهِ المُسْتَقْبِلاتِ؛ تَقْرِيبًا لِلْأمْرِ وتَصْحِيحًا لِوُقُوعِهِ، كَما يَقَعُ الماضِي مَوْقِعَ المُسْتَقْبَلِ في قَوْلِهِ: ﴿ونادى أصْحابُ النّارِ﴾ [الأعراف: ٥٠]، وكَما جاءَ:
؎بَقَّيْتُ وفْرِي وانْحَرَفْتُ عَنِ العُلى ولَقِيتُ أضْيافِي بِوَجْهِ عَبُوسِ
؛ لِأنَّهُ عَلَّقَ ذَلِكَ عَلى مُسْتَقْبَلٍ، وهو قَوْلُهُ:
؎إنْ لَمْ أشُنَّ عَلى ابْنِ هِنْدٍ غارَةً ∗∗∗ لَمْ تَخْلُ يَوْمًا مِن نِهابِ نُفُوسِ
وحَذْفُ جَوابِ لَوْ، لَفَهْمِ المَعْنى، كَثِيرٌ في القُرْآنِ، وفي لِسانِ العَرَبِ. قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ﴾ [سبإ: ٥١]، ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧]، ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ [الرعد: ٣١]، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎وجَدِّكَ لَوْ شَيْءٌ أتانا رَسُولُهُ ∗∗∗ سِواكَ ولَكِنْ لَمْ نَجِدْ لَكَ مَدْفَعا
هَذا ما يَقْتَضِيهِ البَحْثُ في هَذِهِ الآيَةِ مِن جِهَةِ الإعْرابِ، ونَحْنُ نَذْكُرُ مِن كَلامِ المُفَسِّرِينَ. قالَ عَطاءٌ: المَعْنى: ولَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا يَوْمَ القِيامَةِ، إذْ يَرَوْنَ العَذابَ حِينَ تَخْرُجُ إلَيْهِمْ جَهَنَّمُ مِن مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عامٍ تَلْتَقِطُهم كَما يَلْتَقِطُ الحَمامُ الحَبَّةَ، لَعَلِمُوا أنَّ القُوَّةَ والقُدْرَةَ لِلَّهِ جَمِيعًا. وقِيلَ: لَوْ يَعْلَمُونَ في الدُّنْيا ما يَعْلَمُونَهُ، إذْ يَرَوْنَ العَذابَ، لَأقَرُّوا بِأنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا، أيْ لَتَبَرَّءُوا مِنَ الأنْدادِ، والثّانِيَةُ مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ. وقالَ التَّبْرِيزِيُّ: لَوِ اعْتَقَدُوا أنَّ اللَّهَ يَقْدِرُ ويَقْوى عَلى تَعْذِيبِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، لامْتَنَعُوا عَمّا يُوجِبُ الجَزاءَ بِالعَذابِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَوْ يَعْلَمُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ ارْتَكَبُوا الظُّلْمَ العَظِيمَ بِشِرْكِهِمْ، أنَّ القُدْرَةَ كُلَّها لِلَّهِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِنِ العِقابِ والثَّوابِ دُونَ أنْدادِهِمْ، ويَعْلَمُونَ شِدَّةَ عِقابِهِ لِلظّالِمِينَ، إذْ عايَنُوا العَذابَ يَوْمَ القِيامَةِ، لَكانَ مِنهم ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ الوَصْفِ مِنَ النَّدَمِ والحَسْرَةِ (p-٤٧٣)ووُقُوعِ الظُّلْمِ بِظُلْمِهِمْ وضَلالِهِمْ. انْتَهى كَلامُهُ. وحَكى الرّاغِبُ: أنَّ بَعْضَهم زَعَمَ أنَّ القُوَّةَ بَدَلٌ مِنَ الَّذِينَ، قالَ: وهو ضَعِيفٌ. انْتَهى. ويَصِيرُ المَعْنى: ولَوْ تَرى قُوَّةَ اللَّهِ وقُدْرَتَهُ عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا. وقالَ في المُنْتَخَبِ: قِراءَةُ الياءِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ أوْلى مِن قِراءَةِ التّاءِ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ والمُسْلِمِينَ قَدْ عَلِمُوا قَدْرَ ما يُشاهِدُهُ الكُفّارُ ويُعايِنُونَهُ مِنَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ، أمّا المُتَوَعِّدُونَ فَإنَّهم لَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ، فَوَجَبَ إسْنادُ الفِعْلِ إلَيْهِمْ. انْتَهى. ولا فَرْقَ عِنْدَنا بَيْنَ القِراءَتَيْنِ، أعْنِي التّاءَ والياءَ؛ لِأنَّهُما مُتَواتِرَتانِ. وانْتِصابُ جَمِيعًا عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في العامِلِ في الجارِّ والمَجْرُورِ. والقُوَّةُ هُنا مَصْدَرٌ أُرِيدَ بِهِ الجِنْسُ، التَّقْدِيرُ: أنَّ القُوى مُسْتَقِرَّةٌ لِلَّهِ جَمِيعًا، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ القُوَّةِ؛ لِأنَّ العامِلَ في القُوَّةِ أنَّ، وأنَّ لا تَعْمَلُ في الأحْوالِ. وهَذا التَّرْكِيبُ أبْلَغُ هُنا مِن أنْ لَوْ قُلْتَ: إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ، إذْ تَدُلُّ هُنا عَلى الإخْبارِ عَنْهُ بِهَذا الوَصْفِ. و“ أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ " تَدُلُّ عَلى أنَّ جَمِيعَ أنْواعِ القُوى ثابِتَةٌ مُسْتَقِرَّةٌ لَهُ تَعالى، وتَأخَّرَ وصْفُهُ تَعالى بِأنَّهُ شَدِيدُ العَذابِ عَنْ ذَلِكَ؛ لِأنَّ شِدَّةَ العَذابِ هي مِن آثارِ القُوَّةِ.
البقرة 2:166
﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ورَأوُا العَذابَ وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾: لَمّا ذَكَرَ مُتَّخِذِي الأنْدادِ ذَكَرَ أنَّ عِبادَتَهم لَهم وإفْناءَ أعْمارِهِمْ في طاعَتِهِمْ، مُعْتَقِدِينَ أنَّهم سَبَبُ نَجاتِهِمْ، لَمْ تُغْنِ شَيْئًا، وأنَّهم حِينَ صارُوا أحْوَجَ إلَيْهِمْ، تَبَرَّءُوا مِنهم. و”إذْ“: بَدَلٌ مِن: ”إذْ يَرَوْنَ العَذابَ“ . وقِيلَ: مَعْمُولَةٌ لِقَوْلِهِ: ”شَدِيدُ العَذابِ“ . وقِيلَ: لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ اذْكُرُوا الَّذِينَ اتَّبَعُوا، هم رُؤَساؤُهم وقادَتُهُمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوهم في أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعَطاءٌ وأبُو العالِيَةِ وقَتادَةُ والرَّبِيعُ ومُقاتِلٌ والزَّجّاجُ، أوِ الشَّياطِينُ الَّذِينَ كانُوا يُوَسْوِسُونَ ويُرُونَهُمُ الحَسَنَ قَبِيحًا والقَبِيحَ حَسَنًا، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ أيْضًا والسُّدِّيُّ؛ أوْ عامٌّ في كُلِّ مَتْبُوعٍ، وهو الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ اللَّفْظِ. وقِراءَةُ الجُمْهُورِ: ”اتُّبِعُوا“ الأوَّلُ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والثّانِي مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقِراءَةُ مُجاهِدٍ بِالعَكْسِ. فَعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ: تَبَرَّأ المَتْبُوعُونَ بِالنَّدَمِ عَلى الكُفْرِ، أوْ بِالعَجْزِ عَنِ الدَّفْعِ، أوْ بِالقَوْلِ: إنّا لَمْ نُضِلَّ هَؤُلاءِ، بَلْ كَفَرُوا بِإرادَتِهِمْ وتَعَلَّقَ العِقابُ عَلَيْهِمْ بِكُفْرِهِمْ، ولَمْ يَتَأتَّ ما حاوَلُوهُ مِن تَعْلِيقِ ذُنُوبِهِمْ عَلى مَن أضَلَّهم. أقْوالٌ ثَلاثَةٌ، الأخِيرُ أظْهَرُها، وهو أنْ يَكُونَ التَّبَرُّؤُ بِالقَوْلِ. قالَ تَعالى: ﴿تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣] . وتَبَرُّؤُ التّابِعِينَ هو انْفِصالُهم عَنْ مَتْبُوعِيهِمْ والنَّدَمُ عَلى عِبادَتِهِمْ، إذْ لَمْ يُجْدِ عَنْهم يَوْمَ القِيامَةِ شَيْئًا، ولَمْ يَدْفَعْ عَنْهم مِن عَذابِ اللَّهِ، ورَأوُا العَذابَ، الظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ، هي وما بَعْدَها، قَدْ عُطِفَتا عَلى تَبَرَّأ، فَهُما داخِلانِ في حَيِّزِ الظَّرْفِ. وقِيلَ: الواوُ لِلْحالِ فِيهِما، والعامِلُ تَبَرَّأ، أيْ تَبَرَّءُوا في حالِ رُؤْيَتِهِمُ العَذابَ وتَقَطُّعِ الأسْبابِ بِهِمْ، لِأنَّها حالَةٌ يَزْدادُ فِيها الخَوْفُ والتَّنَصُّلُ مِمَّنْ كانَ سَبَبًا في العَذابِ. وقِيلَ: الواوُ لِلْحالِ في: ”ورَأوُا العَذابَ“، ولِلْعَطْفِ في: ”وتَقَطَّعَتْ“ عَلى تَبَرَّأ، وهو اخْتِيارُ الزَّمَخْشَرِيِّ.
﴿وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾: كِنايَةٌ عَنْ أنَّ لا مَنجى لَهم مِنَ العَذابِ، ولا مُخَلِّصَ، ولا تَعَلُّقَ بِشَيْءٍ يُخَلِّصُ مِن عَذابِ اللَّهِ، وهو عامٌّ في كُلِّ ما يُمْكِنُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ. ولِلْمُفَسِّرِينَ في الأسْبابِ أقْوالٌ: الوَصَلاتُ عَنْ قَتادَةَ، والأرْحامُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُرَيْجٍ، أوِ الأعْمالُ المُتْلَزَمَةُ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ والسُّدِّيِّ، أوِ العُهُودُ عَنْ مُجاهِدٍ وأبِي رَوْقٍ، أوْ وصَلاتُ الكُفْرِ، أوْ مَنازِلُهم مِنَ الدُّنْيا في الجاهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوْ أسْبابُ النَّجاةِ، أوِ المَوَدّاتُ. والظّاهِرُ دُخُولُ الجَمِيعِ في الأسْبابِ؛ لِأنَّهُ لَفْظٌ عامٌّ. وفي هَذِهِ الجُمَلِ مِن أنْواعِ البَدِيعِ نَوْعٌ يُسَمّى التَّرْصِيعَ، وهو أنْ يَكُونَ الكَلامُ مَسْجُوعًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلّا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، وهو في القُرْآنِ كَثِيرٌ، وهو في هَذِهِ الآيَةِ في مَوْضِعَيْنِ. أحَدُهُما: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾، وهو مُحَسِّنٌ الحَذْفَ لِضَمِيرِ المَوْصُولِ في قَوْلِهِ: ”اتَّبَعُوا“، إذْ لَوْ جاءَ اتَّبَعُوهم، لَفاتَ هَذا النَّوْعُ مِنَ البَدِيعِ. والمَوْضِعُ الثّانِي: ﴿ورَأوُا العَذابَ وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾، ومِثالُ ذَلِكَ في الشِّعْرِ قَوْلُ أبِي الطِّيبِ:(p-٤٧٤)
؎فِي تاجِهِ قَمَرٌ في ثَوْبِهِ بَشَرٌ في دِرْعِهِ أسَدٌ تَدْمى أظافِرُهُ
وقَوْلُنا مِن قَصِيدٍ عارَضْنا بِهِ بانَتْ سُعادُ:
؎فالنَّحْرُ مَرْمَرَةٌ والنَّشْرُ عَنْبَرَةٌ ∗∗∗ والثَّغْرُ جَوْهَرَةٌ والرِّيقُ مَعْسُولُ
﴿وقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأ مِنهم كَما تَبَرَّءُوا مِنّا﴾، المَعْنى: أنَّهم تَمَنَّوُا الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا حَتّى يُطِيعُوا اللَّهَ ويَتَبَرَّءُوا مِنهم في الآخِرَةِ إذا حُشِرُوا جَمِيعًا، مِثْلَ ما تَبَرَّأ المَتْبُوعُونَ أوَّلًا مِنهم. ولَوْ هُنا: لِلتَّمَنِّي. قِيلَ: ولَيْسَتِ الَّتِي لِما كانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ، ولِذَلِكَ جاءَ جَوابُها بِالفاءِ في قَوْلِهِ: (فَنَتَبَرَّأُ)، كَما جاءَ جَوابُ لَيْتَ في قَوْلِهِ: ﴿يالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَأفُوزَ﴾ [النساء: ٧٣]، وكَما جاءَ في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎فَلَوْ نُبِشَ المَقابِرُ عَنْ كُلَيْبٍ ∗∗∗ فَتُخْبِرُ بِالذَّنائِبِ أيُّ زِيرِ
والصَّحِيحُ أنَّ لَوْ هَذِهِ هي الَّتِي لِما كانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ، وأُشْرِبَتْ مَعْنى التَّمَنِّي، ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَ هَذا البَيْتِ جَوابُها، وهو قَوْلُهُ:
؎بِيَوْمِ الشَّعْثَمَيْنِ لَقَرَّ عَيْنًا ∗∗∗ وكَيْفَ لِقاءُ مَن تَحْتَ القُبُورِ
وأنَّ مَفْتُوحَةً بَعْدَ لَوْ، كَما فُتِحَتْ بَعْدَ لَيْتَ في نَحْوِ قَوْلِهِ:
؎يا لَيْتَ أنّا ضَمَّنا سَفِينَهُ ∗∗∗ حَتّى يَعُودَ البَحْرُ كَيْنُونَهُ
ويَنْبَغِي أنْ يُسْتَثْنى مِنَ المَواضِعِ الَّتِي تَنْتَصِبُ بِإضْمارِ أنَّ بَعْدَ الجَوابِ بِالفاءِ، وأنَّها إذا سَقَطَتِ الفاءُ انْجَزَمَ الفِعْلُ هَذا المَوْضِعَ؛ لِأنَّ النَّحْوِيِّينَ إنَّما اسْتَثْنَوْا جَوابَ النَّفْيِ فَقَطْ، فَيَنْبَغِي أنْ يُسْتَثْنى هَذا المَوْضِعُ أيْضًا؛ لِأنَّهُ لَمْ يُسْمَعِ الجَزْمُ في الفِعْلِ الواقِعِ جَوابًا لِلَوِ الَّتِي أُشْرِبَتْ مَعْنى التَّمَنِّي إذا حُذِفَتِ الفاءُ؛ والسَّبَبُ في ذَلِكَ أنَّ كَوْنَها مُشْرَبَةً مَعْنى التَّمَنِّي لَيْسَ أصْلَها، وإنَّما ذَلِكَ بِالحَمْلِ عَلى حَرْفِ التَّمَنِّي الَّذِي هو لَيْتَ، والجَزْمُ في جَوابِ لَيْتَ بَعْدَ حَذْفِ الفاءِ، إنَّما هو لِتَضَمُّنِها مَعْنى الشَّرْطِ، أوْ دَلالَتِها عَلى كَوْنِهِ مَحْذُوفًا بَعْدَها، عَلى اخْتِلافِ القَوْلَيْنِ، فَصارَتْ لَوْ فَرْعَ فَرْعٍ، فَضَعُفَ ذَلِكَ فِيها. والكافُ في ”كَما“ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، إمّا نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أوْ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ المَصْدَرِ المَحْذُوفِ عَلى القَوْلَيْنِ السّابِقَيْنِ، في غَيْرِما مَوْضِعٍ مِن هَذا الكِتابِ. وما في ”كَما“ مَصْدَرِيَّةٌ، التَّقْدِيرُ: تَبَرَّءُوا مِثْلَ تَبَرُّئِهِمْ أوْ فَنَتَبَرَّأهُ، أيْ فَنَتَبَرَّأ التَّبَرُّؤَ مُشابِهًا لِتَبَرُّئِهِمْ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الكافُ مِن قَوْلِهِ ”كَما“ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى النَّعْتِ، إمّا لِمَصْدَرٍ أوْ لِحالٍ، تَقْدِيرُها: مُتَبَرِّئِينَ كَما، انْتَهى كَلامُهُ. أمّا قَوْلُهُ عَلى النَّعْتِ إمّا لِمَصْدَرٍ فَهو كَلامٌ واضِحٌ، وهو الإعْرابُ المَشْهُورُ في مِثْلِ هَذا. وأمّا قَوْلُهُ: أوْ لِحالٍ، تَقْدِيرُها: مُتَبَرِّئِينَ كَما - فَغَيْرُ واضِحٍ، لِأنّا لَوْ صَرَّحْنا بِهَذِهِ الحالِ، لَما كانَ كَما مَنصُوبًا عَلى النَّعْتِ لِمُتَبَرِّئِينَ؛ لِأنَّ الكافَ الدّاخِلَةَ عَلى ما المَصْدَرِيَّةِ هي مِن صِفاتِ الفِعْلِ، لا مِن صِفاتِ الفاعِلِ. وإذا كانَ كَذَلِكَ، لَمْ يَنْتَصِبْ عَلى النَّعْتِ لِلْحالِ؛ لِأنَّ الحالَ هُنا مِن صِفاتِ الفاعِلِ، ولا حاجَةَ لِتَقْدِيرِ هَذِهِ الحالِ، لِأنَّها إذْ ذاكَ تَكُونُ حالًا مُؤَكِّدَةً، ولا نَرْتَكِبُ كَوْنَ الحالِ مُؤَكَّدَةً إلّا إذا كانَتْ مَلْفُوظًا بِها، أمّا أنْ تُقَدَّرَ حالًا ونَجْعَلَها مُؤَكَّدَةً، فَلا حاجَةَ إلى ذَلِكَ. وأيْضًا فالتَّوْكِيدُ يُنافِي الحَذْفَ؛ لِأنَّ ما جِيءَ بِهِ لِتَقْوِيَةِ الشَّيْءِ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ أيْضًا. فَلَوْ صُرِّحَ بِهَذِهِ الحالِ لِما ساغَ في كَما إلّا أنْ تَكُونَ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أوْ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في الحالِ المُصَرَّحِ بِها، مِثالُ ذَلِكَ: هم مُحْسِنُونَ إلَيَّ كَما أحْسَنُوا إلى زَيْدٍ، فَكَما أحْسَنُوا لَيْسَ مِن صِفاتِ مُحْسِنِينَ، إنَّما هو مِن صِفاتِ الإحْسانِ، التَّقْدِيرُ عَلى الإعْرابِ المَشْهُورِ إحْسانًا مِثْلَ إحْسانِهِمْ إلى زَيْدٍ.
﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ﴾: الكافُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ في مَوْضِعِ رَفْعِ، وقَدَّرُوهُ الأمْرُ كَذَلِكَ، أوْ حَشْرُهم كَذَلِكَ، وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي زِيادَةَ الكافِ وحَذْفَ مُبْتَدَأٍ، وكِلاهُما عَلى خِلافِ الأصْلِ. والظّاهِرُ أنَّ الكافَ عَلى بابِها مِنَ التَّشْبِيهِ، وأنَّ التَّقْدِيرَ: (p-٤٧٥)مِثْلُ إراءَتِهِمْ تِلْكَ الأهْوالَ، ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ﴾، فَيَكُونُ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، فَيَكُونُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ. وجَعَلَ صاحِبُ المُنْتَخَبِ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِ: ”كَذَلِكَ“، إشارَةً إلى تَبَرُّؤِ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ. والأجْوَدُ تَشْبِيهُ الإراءَةِ بالأِراءَةِ، وجَوَّزُوا في يُرِيهِمْ أنْ تَكُونَ بَصَرِيَّةً عُدِّيَتْ بِالهَمْزَةِ، فَتَكُونُ ”حَسَراتٍ“ مَنصُوبًا عَلى الحالِ، وأنْ تَكُونَ قَلْبِيَّةً، فَتَكُونُ مَفْعُولًا ثالِثًا، قالُوا: ويَكُونُ ثَمَّ حَذَفُ مُضافٍ، أيْ عَلى تَفْرِيطِهِمْ. وتَحَسَّرَ: يَتَعَدّى بِعَلى، تَقُولُ: تَحَسَّرْتُ عَلى كَذا، فَعَلى هُنا مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ”حَسَراتٍ“ . ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، فالعامِلُ مَحْذُوفٌ، أيْ حَسَراتٍ كائِنَةٍ عَلَيْهِمْ، وعَلى تُشْعِرُ بِأنَّ الحَسَراتِ مُسْتَعْلِيَةٌ عَلَيْهِمْ. و”أعْمالَهم“، قِيلَ: هي الأعْمالُ الَّتِي صَنَعُوها، وأُضِيفَتْ إلَيْهِمْ مِن حَيْثُ عَمِلُوها، وأنَّهم مَأْخُوذُونَ بِها. وهَذا عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ الرَّبِيعِ وابْنِ زَيْدٍ: أنَّها الأعْمالُ السَّيِّئَةُ الَّتِي ارْتَكَبُوها، فَوَجَبَ بِهِمْ بِها النّارُ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ والسُّدِّيُّ: المَعْنى أعْمالُهُمُ الصّالِحَةُ الَّتِي تَرَكُوها، فَفاتَتْهُمُ الجَنَّةُ، وأُضِيفَتْ إلَيْهِمْ مِن حَيْثُ كانُوا مَأْمُورِينَ بِها. قالَ السُّدِّيُّ: تُرْفَعُ لَهُمُ الجَنَّةُ فَيَنْظُرُونَ إلى بُيُوتِهِمْ فِيها، لَوْ أطاعُوا اللَّهَ تَعالى، فَيُقالُ لَهم: تِلْكَ مَساكِنُكم لَوْ أطَعْتُمُ اللَّهَ تَعالى، ثُمَّ تُقَسَّمُ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ فَيَرِثُونَهم، فَذَلِكَ حِينَ يَنْدَمُونَ. وهَذا مَعْنى قَوْلِ بَعْضِهِمْ، إنَّ أعْمالَهم قَدْ أحْبَطَ ثَوابَها كُفْرُهم؛ لِأنَّ الكافِرَ لا يُثابُ مَعَ كُفْرِهِ. ألا تَرى إلى «قَوْلِهِ ﷺ، وقَدْ ذُكِرَ لَهُ أنَّ ابْنَ جُدْعانَ كانَ يَصِلُ الرَّحِمَ ويُطْعِمُ المِسْكِينَ، وسُئِلَ: هَلْ ذَلِكَ نافِعُهُ ؟ قالَ: ”لا يَنْفَعُهُ، إنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ“»، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ( ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] . وقِيلَ: المَعْنى أعْمالُهُمُ الَّتِي تَقَرَّبُوا بِها إلى رُؤَسائِهِمْ مِن تَعْظِيمِهِمْ والِانْقِيادِ لِأمْرِهِمْ. والظّاهِرُ أنَّها الأعْمالُ الَّتِي اتَّبَعُوا فِيها رُؤَساءَهم وقادَتَهم، وهي الكُفْرُ والمَعاصِي. وكانَتْ حَسْرَةً عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم رَأوْها مَسْطُورَةً في صَحائِفِهِمْ، وتَيَقَّنُوا الجَزاءَ عَلَيْها، وكانَ يُمْكِنُهم تَرْكُها والعُدُولُ عَنْها، لَوْ شاءَ اللَّهُ.
﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾: هَذا يَدُلُّ عَلى دُخُولِ النّارِ، إذْ لا يُقالُ: ما زِيدٌ بِخارِجٍ مِن كَذا إلّا بَعْدَ الدُّخُولِ. ولَمْ يَتَقَدَّمْ في الآيَةِ نَصٌّ عَلى دُخُولِهِمْ، إنَّما تَقَدَّمَ رُؤْيَتُهُمُ العَذابَ ومُفاوَضَةٌ بِسَبَبِ تَبَرُّؤِ المَتْبُوعِينَ مِنَ الأتْباعِ، وجاءَ الخَبَرُ مَصْحُوبًا بِالباءِ الدّالَّةِ عَلى التَّوْكِيدِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هم بِمَنزِلَتِهِ في قَوْلِهِ:
؎هم يَفْرِشُونَ اللَّبْدَ كُلَّ طَمْرَهْ
فِي دَلالَتِهِ عَلى قُوَّةِ أمْرِهِمْ فِيما أُسْنِدَ إلَيْهِمْ، لا عَلى الِاخْتِصاصِ. انْتَهى كَلامُهُ، وفِيهِ دَسِيسَةُ اعْتِزالٍ؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يَدُلُّ عَلى الِاخْتِصاصِ، لا يَكُونُ فِيهِ رَدٌّ لِقَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، إنَّ الفاسِقَ يَخْلُدُ في النّارِ ولا يَخْرُجُ مِنها. وأمّا قَوْلُ صاحِبِ المُنْتَخَبِ: إنَّ الأصْحابَ احْتَجُّوا عَلى أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ مِن أهْلِ القِبْلَةِ، إلى آخَرِ كَلامِهِ، فَهو غَيْرُ مُسَلَّمٍ، ولا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى شَيْءٍ مِنَ المَذْهَبَيْنِ؛ لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: ما زَيْدٌ بِمُنْطَلِقٍ، وإنَّ ”ما“ في ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى نَفْيِ انْطِلاقِ زِيدٍ، وأمّا أنَّ في ذَلِكَ دَلالَةً عَلى اخْتِصاصِهِ بِنَفْيِ الِانْطِلاقِ، أوْ مُشارَكَةِ غَيْرِهِ لَهُ في نَفْيِ الِانْطِلاقِ، فَلا إنَّما يُفْهَمُ ذَلِكَ، أعْنِي الِاخْتِصاصَ بِنَفْيِ الخُرُوجِ مِنَ النّارِ، إذِ المُشارَكَةُ في ذَلِكَ مِن دَلِيلٍ خارِجٍ، وهَلِ النَّفْيُ إلّا مُرَكَّبٌ عَلى الإيجابِ ؟ فَإذا قُلْتَ: زِيدٌ مُنْطَلِقٌ، فَلَيْسَ في هَذا دَلِيلٌ عَلى شَيْءٍ مِنَ الِاخْتِصاصِ، ولا شَيْءٍ مِنَ المُشارَكَةِ، فَكَذَلِكَ النَّفْيُ، وكَوْنُهُ قابِلًا لِلْخُصُومَةِ والِاشْتِراكِ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ. ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: زِيدٌ مُنْطَلِقٌ لا غَيْرَهُ، وزَيْدٌ مُنْطَلِقٌ مَعَ غَيْرِهِ ؟
(وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ الشَّرِيفَةُ) إخْبارَهُ تَعالى بِأنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن مَعالِمِهِ الَّتِي جَعَلَها مَحْمَلًا لِعِبادَتِهِ، وإنْ كانَ قَدْ سَبَقَ غِشْيانُ المُشْرِكِينَ لَها، وتَقَرُّبُهم بِالأصْنامِ عَلَيْها. وصَرَّحَ بِرَفْعِ الإثْمِ عَمَّنْ طافَ بِهِما مِمَّنْ حَجَّ أوِ اعْتَمَرَ. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ مَن تَبَرَّعَ بِخَيْرٍ، فَإنَّ اللَّهَ شاكِرٌ لِفِعْلِهِ، عَلِيمٌ بِنِيَّتِهِ، لَمّا كانَ التَّطَوُّعُ يَشْتَمِلُ عَلى فِعْلٍ ونِيَّةٍ، خَتَمَ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ المُتَناسِبَتَيْنِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَمَّنْ كَتَمَ ما أنْزِلَ اللَّهُ مِن (p-٤٧٦)الحُكْمِ الإلَهِيِّ مِن بَعْدِ ما بَيَّنَهُ في كِتابِهِ لَعَنَهُ اللَّهُ ومَلائِكَتُهُ ومَن يُسَوَّغُ مِنهُ اللَّعْنُ مِن صالِحِي عِبادِهِ. ثُمَّ اسْتَثْنى مَن تابَ وأصْلَحُ، وبَيَّنَ ما كَتَمَ. ولَمْ يَكْتَفِ بِالتَّوْبَةِ فَقَطْ حَتّى أضافَ إلَيْها الإصْلاحَ؛ لِأنَّ كَتْمَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِن أعْظَمِ الإفْسادِ، إذْ فِيهِ حَمْلُ النّاسِ عَلى غَيْرِ المِنهَجِ الشَّرْعِيِّ. وأضافَ التَّبْيِينَ لِما كَتَمَ حَتّى يَتَّضِحَ لِلنّاسِ وُضُوحًا بَيِّنًا ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالِ، وأنَّهُ أقْلَعَ عَنْ ذَلِكَ، وسَلَكَ نَقِيضَ فِعْلِهِ الأوَّلِ، فَكانَ ذَلِكَ أدْعى لِزَوالِ ما قَرَّرَ أوَّلًا مِن كِتْمانِ الحَقِّ، وبِضِدِّها تَتَبَيَّنُ الأشْياءُ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنْ هَؤُلاءِ المُسْتَثْنِينَ أنَّهُ يَتُوبُ عَلَيْهِمْ، وأنَّهُ تَعالى لا يَتَعاظَمُ عِنْدَهُ ذَنْبٌ، وإنْ كانَ أعْظَمَ الذُّنُوبِ، إذا تابَ العَبْدُ مِنهُ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ التَّوّابُ الرَّحِيمُ، بِصِفَتِي المُبالَغَةِ الَّتِي في فَعّالٍ وفَعِيلٍ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى حالَ المُؤْمِنِينَ المُتَّسِمِينَ بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ والحَجِّ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أعْمالِ البِرِّ، وحالَ مَنِ ارْتَكَبَ المَعاصِيَ، ثُمَّ أقْلَعَ عَنْ ذَلِكَ وتابَ إلى اللَّهِ. ذَكَرَ حالَ مَن وافى عَلى الكُفْرِ، وأنَّهُ تَحْتَ لَعْنَةِ اللَّهِ ومَلائِكَتِهِ والنّاسِ، وأنَّهم خالِدُونَ في اللَّعْنَةِ، غَيْرُ مُخَفَّفٍ عَنْهُمُ العَذابُ، ولا مُرْجَؤُنَ إلى وقْتٍ. ثُمَّ لَمّا كانَ كُفْرُ مُعْظَمِ الكُفّارِ إنَّما هو لِاتِّخاذِهِمْ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً ”﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾ [ص: ٥]“ ؟ ”﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦]“ ؟ ”﴿وقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]“، وفي الحَدِيثِ: ”أنَّهم يُسْألُونَ فَيَقُولُونَ كُنّا نَعْبُدُ عُزَيْرًا.
أخْبَرَ تَعالى أنَّ الإلَهَ هو واحِدٌ لا يَتَعَدَّدُ ولا يَتَجَزَّأُ، ولا لَهُ مَثِيلٌ في صِفاتِهِ. ثُمَّ حَصَرَ الإلَهِيَّةَ فِيهِ، فَتَضْمَنَ ذَلِكَ أنَّهُ هو المُثِيبُ المُعاقِبُ، فَوَصَفَ نَفْسَهُ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ مِنَ الرَّحْمانِيَّةِ والرَّحِيمِيَّةِ. ثُمَّ أخَذَ في ذِكْرِ ما يَدُلُّ عَلى الوَحْدانِيَّةِ والِانْفِرادِ بِالإلَهِيَّةِ. فَبَدَأ بِذِكْرِ اخْتِراعِ الأفْلاكِ العُلْوِيَّةِ، والجِرْمِ الكَثِيفِ الأرْضِيِّ، وما يَكُونُ فِيهِما مِنَ اخْتِلافِ ما بِهِ السُّكُونُ والحَرَكَةُ، مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ النّاشِئَيْنِ عَمّا أوْدَعَ اللَّهُ تَعالى في العالَمِ العُلْوِيِّ، واخْتِلافِ الفُلْكِ ذاهِبَةً وآيِبَةً بِما يَنْفَعُ النّاسُ النّاشِئُ ذَلِكَ عَمّا أُودِعَ في العالَمِ السُّفْلِيِّ، وما يَكُونُ مُشْتَرِكًا بَيْنَ العالَمَيْنِ، مِن إنْزالِ الماءِ، وتَشَقُّقِ الأرْضِ بِالنَّباتِ، وانْتِشارِ العالَمِ فِيها. ولَمّا ذَكَرَ أشْياءَ في الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ، وأشْياءَ في الجِرْمِ الأرْضِيِّ، ذَكَرَ شَيْئًا مِمّا هو بَيْنَ الجِرْمَيْنِ، وهو تَصْرِيفُ الرِّياحِ والسَّحابِ، إذْ كانَ بِذَلِكَ تَتِمُّ النِّعْمَةَ المُقْتَضِيَةَ لِصَلاحِ العالِمِ في مَنافِعِهِمُ البَحْرِيَّةِ والبَرِّيَّةِ. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ هَذا كُلَّهُ هي آياتٌ لِلْعاقِلِ، تَدُلُّهُ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى واخْتِصاصِهِ بِالإلَهِيَّةِ، إذْ مَن عَبَدُوهُ مِن دُونِ اللَّهِ يَعْلَمُونَ قَطْعًا أنَّهُ لا يُمْكِنُهُ اقْتِدارٌ عَلى شَيْءٍ ما مِمّا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآياتُ، وأنَّهم بَعْضُ ما حَوَتْهُ الدّائِرَةُ العُلْوِيَّةُ والدّائِرَةُ السُّفْلِيَّةُ، وأنَّ نِسْبَتَهم إلى مَن لَمْ يَعْبُدُوهُ مِن سائِرِ المَخْلُوقاتِ نِسْبَةٌ واحِدَةٌ في الِافْتِقارِ والتَّغَيُّرِ، فَلا مَزِيَّةَ لَهم عَلى غَيْرِهِمْ إلّا عِنْدَ مَن سُلِبَ نُورَ العَقْلِ، وغَشِيتْهُ ظُلُماتُ الجَهْلِ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى، بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ البَيِّناتِ الواضِحاتِ الدّالَّةِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ واسْتِحْقاقِ العِبادَةِ، أنَّ مِنَ النّاسِ مُتَّخِذِي أنْدادٍ، وأنَّهم يُؤْثِرُونَهم ويُحِبُّونَهم مِثْلَ مَحِبَّةِ اللَّهِ، فَهم يُسَوُّونَ بَيْنَ الخالِقِ والمَخْلُوقِ في المَحَبَّةِ،“ أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ ”. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ مِنَ المُؤْمِنِينَ أشَدَّ حُبًّا لِلَّهِ مِن هَؤُلاءِ لِأصْنامِهِمْ. ثُمَّ خاطَبَ مَن خاطَبَ بِقَوْلِهِ:“ ولَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا "، حِينَ عايَنُوا نَتِيجَةَ اتِّخاذِهِمُ الأنْدادَ، وهو العَذابُ الحالُّ بِهِمْ، أيْ: لَرَأيْتَ أمْرًا عَظِيمًا. ثُمَّ نَبَّهَ عَلى أنَّ أنْدادَهم لا طاقَةَ لَها ولا قُوَّةَ بِدَفْعِ العَذابِ عَمَّنِ اتَّخَذُوهم؛ لِأنَّ جَمِيعَ القُوى والقُدَرِ هي لِلَّهِ تَعالى. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى تَبَرُّؤَ المَتْبُوعِينَ مِنَ التّابِعِينَ وقْتَ رُؤْيَةِ العَذابِ وزالَتِ المَوَدّاتُ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم، وأنَّ التّابِعِينَ تَمَنَّوُا الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا حَتّى يُؤْمِنُوا ويَتَبَرَّءُوا مِن مَتْبُوعِيِهِمْ حَيْثُ لا يَنْفَعُ التَّمَنِّي ولا يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ، فَهو تَمَنٍّ مُسْتَحِيلٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ حَكَمَ وأمْضى أنْ لا عَوْدَةَ إلى الدُّنْيا. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّهم بَعْدَ رُؤْيَتِهِمُ العَذابَ وتَقَطُّعِ الأسْبابِ، أراهم أعْمالَهم نَداماتٍ حَيْثُ لا يَنْفَعُ النَّدَمُ، لِيَتَضاعَفَ بِذَلِكَ الألَمُ. ثُمَّ خَتَمَ ذَلِكَ بِما خَتَمَ لَهم مِنَ العَذابِ السَّرْمَدِيِّ والشَّقاءِ الأبَدِيِّ. نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن (p-٤٧٧)سَطا نِقْماتِهِ، ونَسْتَنْزِلُ مِن كَرَمِهِ العَمِيمِ نَشْرَ رَحَماتِهِ.
البقرة 2:167
﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ورَأوُا العَذابَ وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾: لَمّا ذَكَرَ مُتَّخِذِي الأنْدادِ ذَكَرَ أنَّ عِبادَتَهم لَهم وإفْناءَ أعْمارِهِمْ في طاعَتِهِمْ، مُعْتَقِدِينَ أنَّهم سَبَبُ نَجاتِهِمْ، لَمْ تُغْنِ شَيْئًا، وأنَّهم حِينَ صارُوا أحْوَجَ إلَيْهِمْ، تَبَرَّءُوا مِنهم. و”إذْ“: بَدَلٌ مِن: ”إذْ يَرَوْنَ العَذابَ“ . وقِيلَ: مَعْمُولَةٌ لِقَوْلِهِ: ”شَدِيدُ العَذابِ“ . وقِيلَ: لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ اذْكُرُوا الَّذِينَ اتَّبَعُوا، هم رُؤَساؤُهم وقادَتُهُمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوهم في أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعَطاءٌ وأبُو العالِيَةِ وقَتادَةُ والرَّبِيعُ ومُقاتِلٌ والزَّجّاجُ، أوِ الشَّياطِينُ الَّذِينَ كانُوا يُوَسْوِسُونَ ويُرُونَهُمُ الحَسَنَ قَبِيحًا والقَبِيحَ حَسَنًا، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ أيْضًا والسُّدِّيُّ؛ أوْ عامٌّ في كُلِّ مَتْبُوعٍ، وهو الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ اللَّفْظِ. وقِراءَةُ الجُمْهُورِ: ”اتُّبِعُوا“ الأوَّلُ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والثّانِي مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقِراءَةُ مُجاهِدٍ بِالعَكْسِ. فَعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ: تَبَرَّأ المَتْبُوعُونَ بِالنَّدَمِ عَلى الكُفْرِ، أوْ بِالعَجْزِ عَنِ الدَّفْعِ، أوْ بِالقَوْلِ: إنّا لَمْ نُضِلَّ هَؤُلاءِ، بَلْ كَفَرُوا بِإرادَتِهِمْ وتَعَلَّقَ العِقابُ عَلَيْهِمْ بِكُفْرِهِمْ، ولَمْ يَتَأتَّ ما حاوَلُوهُ مِن تَعْلِيقِ ذُنُوبِهِمْ عَلى مَن أضَلَّهم. أقْوالٌ ثَلاثَةٌ، الأخِيرُ أظْهَرُها، وهو أنْ يَكُونَ التَّبَرُّؤُ بِالقَوْلِ. قالَ تَعالى: ﴿تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣] . وتَبَرُّؤُ التّابِعِينَ هو انْفِصالُهم عَنْ مَتْبُوعِيهِمْ والنَّدَمُ عَلى عِبادَتِهِمْ، إذْ لَمْ يُجْدِ عَنْهم يَوْمَ القِيامَةِ شَيْئًا، ولَمْ يَدْفَعْ عَنْهم مِن عَذابِ اللَّهِ، ورَأوُا العَذابَ، الظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ، هي وما بَعْدَها، قَدْ عُطِفَتا عَلى تَبَرَّأ، فَهُما داخِلانِ في حَيِّزِ الظَّرْفِ. وقِيلَ: الواوُ لِلْحالِ فِيهِما، والعامِلُ تَبَرَّأ، أيْ تَبَرَّءُوا في حالِ رُؤْيَتِهِمُ العَذابَ وتَقَطُّعِ الأسْبابِ بِهِمْ، لِأنَّها حالَةٌ يَزْدادُ فِيها الخَوْفُ والتَّنَصُّلُ مِمَّنْ كانَ سَبَبًا في العَذابِ. وقِيلَ: الواوُ لِلْحالِ في: ”ورَأوُا العَذابَ“، ولِلْعَطْفِ في: ”وتَقَطَّعَتْ“ عَلى تَبَرَّأ، وهو اخْتِيارُ الزَّمَخْشَرِيِّ.
﴿وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾: كِنايَةٌ عَنْ أنَّ لا مَنجى لَهم مِنَ العَذابِ، ولا مُخَلِّصَ، ولا تَعَلُّقَ بِشَيْءٍ يُخَلِّصُ مِن عَذابِ اللَّهِ، وهو عامٌّ في كُلِّ ما يُمْكِنُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ. ولِلْمُفَسِّرِينَ في الأسْبابِ أقْوالٌ: الوَصَلاتُ عَنْ قَتادَةَ، والأرْحامُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُرَيْجٍ، أوِ الأعْمالُ المُتْلَزَمَةُ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ والسُّدِّيِّ، أوِ العُهُودُ عَنْ مُجاهِدٍ وأبِي رَوْقٍ، أوْ وصَلاتُ الكُفْرِ، أوْ مَنازِلُهم مِنَ الدُّنْيا في الجاهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوْ أسْبابُ النَّجاةِ، أوِ المَوَدّاتُ. والظّاهِرُ دُخُولُ الجَمِيعِ في الأسْبابِ؛ لِأنَّهُ لَفْظٌ عامٌّ. وفي هَذِهِ الجُمَلِ مِن أنْواعِ البَدِيعِ نَوْعٌ يُسَمّى التَّرْصِيعَ، وهو أنْ يَكُونَ الكَلامُ مَسْجُوعًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلّا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، وهو في القُرْآنِ كَثِيرٌ، وهو في هَذِهِ الآيَةِ في مَوْضِعَيْنِ. أحَدُهُما: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾، وهو مُحَسِّنٌ الحَذْفَ لِضَمِيرِ المَوْصُولِ في قَوْلِهِ: ”اتَّبَعُوا“، إذْ لَوْ جاءَ اتَّبَعُوهم، لَفاتَ هَذا النَّوْعُ مِنَ البَدِيعِ. والمَوْضِعُ الثّانِي: ﴿ورَأوُا العَذابَ وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾، ومِثالُ ذَلِكَ في الشِّعْرِ قَوْلُ أبِي الطِّيبِ:(p-٤٧٤)
؎فِي تاجِهِ قَمَرٌ في ثَوْبِهِ بَشَرٌ في دِرْعِهِ أسَدٌ تَدْمى أظافِرُهُ
وقَوْلُنا مِن قَصِيدٍ عارَضْنا بِهِ بانَتْ سُعادُ:
؎فالنَّحْرُ مَرْمَرَةٌ والنَّشْرُ عَنْبَرَةٌ ∗∗∗ والثَّغْرُ جَوْهَرَةٌ والرِّيقُ مَعْسُولُ
﴿وقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأ مِنهم كَما تَبَرَّءُوا مِنّا﴾، المَعْنى: أنَّهم تَمَنَّوُا الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا حَتّى يُطِيعُوا اللَّهَ ويَتَبَرَّءُوا مِنهم في الآخِرَةِ إذا حُشِرُوا جَمِيعًا، مِثْلَ ما تَبَرَّأ المَتْبُوعُونَ أوَّلًا مِنهم. ولَوْ هُنا: لِلتَّمَنِّي. قِيلَ: ولَيْسَتِ الَّتِي لِما كانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ، ولِذَلِكَ جاءَ جَوابُها بِالفاءِ في قَوْلِهِ: (فَنَتَبَرَّأُ)، كَما جاءَ جَوابُ لَيْتَ في قَوْلِهِ: ﴿يالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَأفُوزَ﴾ [النساء: ٧٣]، وكَما جاءَ في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎فَلَوْ نُبِشَ المَقابِرُ عَنْ كُلَيْبٍ ∗∗∗ فَتُخْبِرُ بِالذَّنائِبِ أيُّ زِيرِ
والصَّحِيحُ أنَّ لَوْ هَذِهِ هي الَّتِي لِما كانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ، وأُشْرِبَتْ مَعْنى التَّمَنِّي، ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَ هَذا البَيْتِ جَوابُها، وهو قَوْلُهُ:
؎بِيَوْمِ الشَّعْثَمَيْنِ لَقَرَّ عَيْنًا ∗∗∗ وكَيْفَ لِقاءُ مَن تَحْتَ القُبُورِ
وأنَّ مَفْتُوحَةً بَعْدَ لَوْ، كَما فُتِحَتْ بَعْدَ لَيْتَ في نَحْوِ قَوْلِهِ:
؎يا لَيْتَ أنّا ضَمَّنا سَفِينَهُ ∗∗∗ حَتّى يَعُودَ البَحْرُ كَيْنُونَهُ
ويَنْبَغِي أنْ يُسْتَثْنى مِنَ المَواضِعِ الَّتِي تَنْتَصِبُ بِإضْمارِ أنَّ بَعْدَ الجَوابِ بِالفاءِ، وأنَّها إذا سَقَطَتِ الفاءُ انْجَزَمَ الفِعْلُ هَذا المَوْضِعَ؛ لِأنَّ النَّحْوِيِّينَ إنَّما اسْتَثْنَوْا جَوابَ النَّفْيِ فَقَطْ، فَيَنْبَغِي أنْ يُسْتَثْنى هَذا المَوْضِعُ أيْضًا؛ لِأنَّهُ لَمْ يُسْمَعِ الجَزْمُ في الفِعْلِ الواقِعِ جَوابًا لِلَوِ الَّتِي أُشْرِبَتْ مَعْنى التَّمَنِّي إذا حُذِفَتِ الفاءُ؛ والسَّبَبُ في ذَلِكَ أنَّ كَوْنَها مُشْرَبَةً مَعْنى التَّمَنِّي لَيْسَ أصْلَها، وإنَّما ذَلِكَ بِالحَمْلِ عَلى حَرْفِ التَّمَنِّي الَّذِي هو لَيْتَ، والجَزْمُ في جَوابِ لَيْتَ بَعْدَ حَذْفِ الفاءِ، إنَّما هو لِتَضَمُّنِها مَعْنى الشَّرْطِ، أوْ دَلالَتِها عَلى كَوْنِهِ مَحْذُوفًا بَعْدَها، عَلى اخْتِلافِ القَوْلَيْنِ، فَصارَتْ لَوْ فَرْعَ فَرْعٍ، فَضَعُفَ ذَلِكَ فِيها. والكافُ في ”كَما“ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، إمّا نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أوْ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ المَصْدَرِ المَحْذُوفِ عَلى القَوْلَيْنِ السّابِقَيْنِ، في غَيْرِما مَوْضِعٍ مِن هَذا الكِتابِ. وما في ”كَما“ مَصْدَرِيَّةٌ، التَّقْدِيرُ: تَبَرَّءُوا مِثْلَ تَبَرُّئِهِمْ أوْ فَنَتَبَرَّأهُ، أيْ فَنَتَبَرَّأ التَّبَرُّؤَ مُشابِهًا لِتَبَرُّئِهِمْ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الكافُ مِن قَوْلِهِ ”كَما“ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى النَّعْتِ، إمّا لِمَصْدَرٍ أوْ لِحالٍ، تَقْدِيرُها: مُتَبَرِّئِينَ كَما، انْتَهى كَلامُهُ. أمّا قَوْلُهُ عَلى النَّعْتِ إمّا لِمَصْدَرٍ فَهو كَلامٌ واضِحٌ، وهو الإعْرابُ المَشْهُورُ في مِثْلِ هَذا. وأمّا قَوْلُهُ: أوْ لِحالٍ، تَقْدِيرُها: مُتَبَرِّئِينَ كَما - فَغَيْرُ واضِحٍ، لِأنّا لَوْ صَرَّحْنا بِهَذِهِ الحالِ، لَما كانَ كَما مَنصُوبًا عَلى النَّعْتِ لِمُتَبَرِّئِينَ؛ لِأنَّ الكافَ الدّاخِلَةَ عَلى ما المَصْدَرِيَّةِ هي مِن صِفاتِ الفِعْلِ، لا مِن صِفاتِ الفاعِلِ. وإذا كانَ كَذَلِكَ، لَمْ يَنْتَصِبْ عَلى النَّعْتِ لِلْحالِ؛ لِأنَّ الحالَ هُنا مِن صِفاتِ الفاعِلِ، ولا حاجَةَ لِتَقْدِيرِ هَذِهِ الحالِ، لِأنَّها إذْ ذاكَ تَكُونُ حالًا مُؤَكِّدَةً، ولا نَرْتَكِبُ كَوْنَ الحالِ مُؤَكَّدَةً إلّا إذا كانَتْ مَلْفُوظًا بِها، أمّا أنْ تُقَدَّرَ حالًا ونَجْعَلَها مُؤَكَّدَةً، فَلا حاجَةَ إلى ذَلِكَ. وأيْضًا فالتَّوْكِيدُ يُنافِي الحَذْفَ؛ لِأنَّ ما جِيءَ بِهِ لِتَقْوِيَةِ الشَّيْءِ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ أيْضًا. فَلَوْ صُرِّحَ بِهَذِهِ الحالِ لِما ساغَ في كَما إلّا أنْ تَكُونَ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أوْ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في الحالِ المُصَرَّحِ بِها، مِثالُ ذَلِكَ: هم مُحْسِنُونَ إلَيَّ كَما أحْسَنُوا إلى زَيْدٍ، فَكَما أحْسَنُوا لَيْسَ مِن صِفاتِ مُحْسِنِينَ، إنَّما هو مِن صِفاتِ الإحْسانِ، التَّقْدِيرُ عَلى الإعْرابِ المَشْهُورِ إحْسانًا مِثْلَ إحْسانِهِمْ إلى زَيْدٍ.
﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ﴾: الكافُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ في مَوْضِعِ رَفْعِ، وقَدَّرُوهُ الأمْرُ كَذَلِكَ، أوْ حَشْرُهم كَذَلِكَ، وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي زِيادَةَ الكافِ وحَذْفَ مُبْتَدَأٍ، وكِلاهُما عَلى خِلافِ الأصْلِ. والظّاهِرُ أنَّ الكافَ عَلى بابِها مِنَ التَّشْبِيهِ، وأنَّ التَّقْدِيرَ: (p-٤٧٥)مِثْلُ إراءَتِهِمْ تِلْكَ الأهْوالَ، ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ﴾، فَيَكُونُ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، فَيَكُونُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ. وجَعَلَ صاحِبُ المُنْتَخَبِ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِ: ”كَذَلِكَ“، إشارَةً إلى تَبَرُّؤِ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ. والأجْوَدُ تَشْبِيهُ الإراءَةِ بالأِراءَةِ، وجَوَّزُوا في يُرِيهِمْ أنْ تَكُونَ بَصَرِيَّةً عُدِّيَتْ بِالهَمْزَةِ، فَتَكُونُ ”حَسَراتٍ“ مَنصُوبًا عَلى الحالِ، وأنْ تَكُونَ قَلْبِيَّةً، فَتَكُونُ مَفْعُولًا ثالِثًا، قالُوا: ويَكُونُ ثَمَّ حَذَفُ مُضافٍ، أيْ عَلى تَفْرِيطِهِمْ. وتَحَسَّرَ: يَتَعَدّى بِعَلى، تَقُولُ: تَحَسَّرْتُ عَلى كَذا، فَعَلى هُنا مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ”حَسَراتٍ“ . ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، فالعامِلُ مَحْذُوفٌ، أيْ حَسَراتٍ كائِنَةٍ عَلَيْهِمْ، وعَلى تُشْعِرُ بِأنَّ الحَسَراتِ مُسْتَعْلِيَةٌ عَلَيْهِمْ. و”أعْمالَهم“، قِيلَ: هي الأعْمالُ الَّتِي صَنَعُوها، وأُضِيفَتْ إلَيْهِمْ مِن حَيْثُ عَمِلُوها، وأنَّهم مَأْخُوذُونَ بِها. وهَذا عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ الرَّبِيعِ وابْنِ زَيْدٍ: أنَّها الأعْمالُ السَّيِّئَةُ الَّتِي ارْتَكَبُوها، فَوَجَبَ بِهِمْ بِها النّارُ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ والسُّدِّيُّ: المَعْنى أعْمالُهُمُ الصّالِحَةُ الَّتِي تَرَكُوها، فَفاتَتْهُمُ الجَنَّةُ، وأُضِيفَتْ إلَيْهِمْ مِن حَيْثُ كانُوا مَأْمُورِينَ بِها. قالَ السُّدِّيُّ: تُرْفَعُ لَهُمُ الجَنَّةُ فَيَنْظُرُونَ إلى بُيُوتِهِمْ فِيها، لَوْ أطاعُوا اللَّهَ تَعالى، فَيُقالُ لَهم: تِلْكَ مَساكِنُكم لَوْ أطَعْتُمُ اللَّهَ تَعالى، ثُمَّ تُقَسَّمُ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ فَيَرِثُونَهم، فَذَلِكَ حِينَ يَنْدَمُونَ. وهَذا مَعْنى قَوْلِ بَعْضِهِمْ، إنَّ أعْمالَهم قَدْ أحْبَطَ ثَوابَها كُفْرُهم؛ لِأنَّ الكافِرَ لا يُثابُ مَعَ كُفْرِهِ. ألا تَرى إلى «قَوْلِهِ ﷺ، وقَدْ ذُكِرَ لَهُ أنَّ ابْنَ جُدْعانَ كانَ يَصِلُ الرَّحِمَ ويُطْعِمُ المِسْكِينَ، وسُئِلَ: هَلْ ذَلِكَ نافِعُهُ ؟ قالَ: ”لا يَنْفَعُهُ، إنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ“»، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ( ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] . وقِيلَ: المَعْنى أعْمالُهُمُ الَّتِي تَقَرَّبُوا بِها إلى رُؤَسائِهِمْ مِن تَعْظِيمِهِمْ والِانْقِيادِ لِأمْرِهِمْ. والظّاهِرُ أنَّها الأعْمالُ الَّتِي اتَّبَعُوا فِيها رُؤَساءَهم وقادَتَهم، وهي الكُفْرُ والمَعاصِي. وكانَتْ حَسْرَةً عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم رَأوْها مَسْطُورَةً في صَحائِفِهِمْ، وتَيَقَّنُوا الجَزاءَ عَلَيْها، وكانَ يُمْكِنُهم تَرْكُها والعُدُولُ عَنْها، لَوْ شاءَ اللَّهُ.
﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾: هَذا يَدُلُّ عَلى دُخُولِ النّارِ، إذْ لا يُقالُ: ما زِيدٌ بِخارِجٍ مِن كَذا إلّا بَعْدَ الدُّخُولِ. ولَمْ يَتَقَدَّمْ في الآيَةِ نَصٌّ عَلى دُخُولِهِمْ، إنَّما تَقَدَّمَ رُؤْيَتُهُمُ العَذابَ ومُفاوَضَةٌ بِسَبَبِ تَبَرُّؤِ المَتْبُوعِينَ مِنَ الأتْباعِ، وجاءَ الخَبَرُ مَصْحُوبًا بِالباءِ الدّالَّةِ عَلى التَّوْكِيدِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هم بِمَنزِلَتِهِ في قَوْلِهِ:
؎هم يَفْرِشُونَ اللَّبْدَ كُلَّ طَمْرَهْ
فِي دَلالَتِهِ عَلى قُوَّةِ أمْرِهِمْ فِيما أُسْنِدَ إلَيْهِمْ، لا عَلى الِاخْتِصاصِ. انْتَهى كَلامُهُ، وفِيهِ دَسِيسَةُ اعْتِزالٍ؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يَدُلُّ عَلى الِاخْتِصاصِ، لا يَكُونُ فِيهِ رَدٌّ لِقَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، إنَّ الفاسِقَ يَخْلُدُ في النّارِ ولا يَخْرُجُ مِنها. وأمّا قَوْلُ صاحِبِ المُنْتَخَبِ: إنَّ الأصْحابَ احْتَجُّوا عَلى أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ مِن أهْلِ القِبْلَةِ، إلى آخَرِ كَلامِهِ، فَهو غَيْرُ مُسَلَّمٍ، ولا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى شَيْءٍ مِنَ المَذْهَبَيْنِ؛ لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: ما زَيْدٌ بِمُنْطَلِقٍ، وإنَّ ”ما“ في ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى نَفْيِ انْطِلاقِ زِيدٍ، وأمّا أنَّ في ذَلِكَ دَلالَةً عَلى اخْتِصاصِهِ بِنَفْيِ الِانْطِلاقِ، أوْ مُشارَكَةِ غَيْرِهِ لَهُ في نَفْيِ الِانْطِلاقِ، فَلا إنَّما يُفْهَمُ ذَلِكَ، أعْنِي الِاخْتِصاصَ بِنَفْيِ الخُرُوجِ مِنَ النّارِ، إذِ المُشارَكَةُ في ذَلِكَ مِن دَلِيلٍ خارِجٍ، وهَلِ النَّفْيُ إلّا مُرَكَّبٌ عَلى الإيجابِ ؟ فَإذا قُلْتَ: زِيدٌ مُنْطَلِقٌ، فَلَيْسَ في هَذا دَلِيلٌ عَلى شَيْءٍ مِنَ الِاخْتِصاصِ، ولا شَيْءٍ مِنَ المُشارَكَةِ، فَكَذَلِكَ النَّفْيُ، وكَوْنُهُ قابِلًا لِلْخُصُومَةِ والِاشْتِراكِ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ. ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: زِيدٌ مُنْطَلِقٌ لا غَيْرَهُ، وزَيْدٌ مُنْطَلِقٌ مَعَ غَيْرِهِ ؟
(وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ الشَّرِيفَةُ) إخْبارَهُ تَعالى بِأنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن مَعالِمِهِ الَّتِي جَعَلَها مَحْمَلًا لِعِبادَتِهِ، وإنْ كانَ قَدْ سَبَقَ غِشْيانُ المُشْرِكِينَ لَها، وتَقَرُّبُهم بِالأصْنامِ عَلَيْها. وصَرَّحَ بِرَفْعِ الإثْمِ عَمَّنْ طافَ بِهِما مِمَّنْ حَجَّ أوِ اعْتَمَرَ. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ مَن تَبَرَّعَ بِخَيْرٍ، فَإنَّ اللَّهَ شاكِرٌ لِفِعْلِهِ، عَلِيمٌ بِنِيَّتِهِ، لَمّا كانَ التَّطَوُّعُ يَشْتَمِلُ عَلى فِعْلٍ ونِيَّةٍ، خَتَمَ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ المُتَناسِبَتَيْنِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَمَّنْ كَتَمَ ما أنْزِلَ اللَّهُ مِن (p-٤٧٦)الحُكْمِ الإلَهِيِّ مِن بَعْدِ ما بَيَّنَهُ في كِتابِهِ لَعَنَهُ اللَّهُ ومَلائِكَتُهُ ومَن يُسَوَّغُ مِنهُ اللَّعْنُ مِن صالِحِي عِبادِهِ. ثُمَّ اسْتَثْنى مَن تابَ وأصْلَحُ، وبَيَّنَ ما كَتَمَ. ولَمْ يَكْتَفِ بِالتَّوْبَةِ فَقَطْ حَتّى أضافَ إلَيْها الإصْلاحَ؛ لِأنَّ كَتْمَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِن أعْظَمِ الإفْسادِ، إذْ فِيهِ حَمْلُ النّاسِ عَلى غَيْرِ المِنهَجِ الشَّرْعِيِّ. وأضافَ التَّبْيِينَ لِما كَتَمَ حَتّى يَتَّضِحَ لِلنّاسِ وُضُوحًا بَيِّنًا ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالِ، وأنَّهُ أقْلَعَ عَنْ ذَلِكَ، وسَلَكَ نَقِيضَ فِعْلِهِ الأوَّلِ، فَكانَ ذَلِكَ أدْعى لِزَوالِ ما قَرَّرَ أوَّلًا مِن كِتْمانِ الحَقِّ، وبِضِدِّها تَتَبَيَّنُ الأشْياءُ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنْ هَؤُلاءِ المُسْتَثْنِينَ أنَّهُ يَتُوبُ عَلَيْهِمْ، وأنَّهُ تَعالى لا يَتَعاظَمُ عِنْدَهُ ذَنْبٌ، وإنْ كانَ أعْظَمَ الذُّنُوبِ، إذا تابَ العَبْدُ مِنهُ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ التَّوّابُ الرَّحِيمُ، بِصِفَتِي المُبالَغَةِ الَّتِي في فَعّالٍ وفَعِيلٍ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى حالَ المُؤْمِنِينَ المُتَّسِمِينَ بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ والحَجِّ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أعْمالِ البِرِّ، وحالَ مَنِ ارْتَكَبَ المَعاصِيَ، ثُمَّ أقْلَعَ عَنْ ذَلِكَ وتابَ إلى اللَّهِ. ذَكَرَ حالَ مَن وافى عَلى الكُفْرِ، وأنَّهُ تَحْتَ لَعْنَةِ اللَّهِ ومَلائِكَتِهِ والنّاسِ، وأنَّهم خالِدُونَ في اللَّعْنَةِ، غَيْرُ مُخَفَّفٍ عَنْهُمُ العَذابُ، ولا مُرْجَؤُنَ إلى وقْتٍ. ثُمَّ لَمّا كانَ كُفْرُ مُعْظَمِ الكُفّارِ إنَّما هو لِاتِّخاذِهِمْ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً ”﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾ [ص: ٥]“ ؟ ”﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦]“ ؟ ”﴿وقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]“، وفي الحَدِيثِ: ”أنَّهم يُسْألُونَ فَيَقُولُونَ كُنّا نَعْبُدُ عُزَيْرًا.
أخْبَرَ تَعالى أنَّ الإلَهَ هو واحِدٌ لا يَتَعَدَّدُ ولا يَتَجَزَّأُ، ولا لَهُ مَثِيلٌ في صِفاتِهِ. ثُمَّ حَصَرَ الإلَهِيَّةَ فِيهِ، فَتَضْمَنَ ذَلِكَ أنَّهُ هو المُثِيبُ المُعاقِبُ، فَوَصَفَ نَفْسَهُ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ مِنَ الرَّحْمانِيَّةِ والرَّحِيمِيَّةِ. ثُمَّ أخَذَ في ذِكْرِ ما يَدُلُّ عَلى الوَحْدانِيَّةِ والِانْفِرادِ بِالإلَهِيَّةِ. فَبَدَأ بِذِكْرِ اخْتِراعِ الأفْلاكِ العُلْوِيَّةِ، والجِرْمِ الكَثِيفِ الأرْضِيِّ، وما يَكُونُ فِيهِما مِنَ اخْتِلافِ ما بِهِ السُّكُونُ والحَرَكَةُ، مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ النّاشِئَيْنِ عَمّا أوْدَعَ اللَّهُ تَعالى في العالَمِ العُلْوِيِّ، واخْتِلافِ الفُلْكِ ذاهِبَةً وآيِبَةً بِما يَنْفَعُ النّاسُ النّاشِئُ ذَلِكَ عَمّا أُودِعَ في العالَمِ السُّفْلِيِّ، وما يَكُونُ مُشْتَرِكًا بَيْنَ العالَمَيْنِ، مِن إنْزالِ الماءِ، وتَشَقُّقِ الأرْضِ بِالنَّباتِ، وانْتِشارِ العالَمِ فِيها. ولَمّا ذَكَرَ أشْياءَ في الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ، وأشْياءَ في الجِرْمِ الأرْضِيِّ، ذَكَرَ شَيْئًا مِمّا هو بَيْنَ الجِرْمَيْنِ، وهو تَصْرِيفُ الرِّياحِ والسَّحابِ، إذْ كانَ بِذَلِكَ تَتِمُّ النِّعْمَةَ المُقْتَضِيَةَ لِصَلاحِ العالِمِ في مَنافِعِهِمُ البَحْرِيَّةِ والبَرِّيَّةِ. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ هَذا كُلَّهُ هي آياتٌ لِلْعاقِلِ، تَدُلُّهُ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى واخْتِصاصِهِ بِالإلَهِيَّةِ، إذْ مَن عَبَدُوهُ مِن دُونِ اللَّهِ يَعْلَمُونَ قَطْعًا أنَّهُ لا يُمْكِنُهُ اقْتِدارٌ عَلى شَيْءٍ ما مِمّا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآياتُ، وأنَّهم بَعْضُ ما حَوَتْهُ الدّائِرَةُ العُلْوِيَّةُ والدّائِرَةُ السُّفْلِيَّةُ، وأنَّ نِسْبَتَهم إلى مَن لَمْ يَعْبُدُوهُ مِن سائِرِ المَخْلُوقاتِ نِسْبَةٌ واحِدَةٌ في الِافْتِقارِ والتَّغَيُّرِ، فَلا مَزِيَّةَ لَهم عَلى غَيْرِهِمْ إلّا عِنْدَ مَن سُلِبَ نُورَ العَقْلِ، وغَشِيتْهُ ظُلُماتُ الجَهْلِ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى، بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ البَيِّناتِ الواضِحاتِ الدّالَّةِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ واسْتِحْقاقِ العِبادَةِ، أنَّ مِنَ النّاسِ مُتَّخِذِي أنْدادٍ، وأنَّهم يُؤْثِرُونَهم ويُحِبُّونَهم مِثْلَ مَحِبَّةِ اللَّهِ، فَهم يُسَوُّونَ بَيْنَ الخالِقِ والمَخْلُوقِ في المَحَبَّةِ،“ أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ ”. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ مِنَ المُؤْمِنِينَ أشَدَّ حُبًّا لِلَّهِ مِن هَؤُلاءِ لِأصْنامِهِمْ. ثُمَّ خاطَبَ مَن خاطَبَ بِقَوْلِهِ:“ ولَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا "، حِينَ عايَنُوا نَتِيجَةَ اتِّخاذِهِمُ الأنْدادَ، وهو العَذابُ الحالُّ بِهِمْ، أيْ: لَرَأيْتَ أمْرًا عَظِيمًا. ثُمَّ نَبَّهَ عَلى أنَّ أنْدادَهم لا طاقَةَ لَها ولا قُوَّةَ بِدَفْعِ العَذابِ عَمَّنِ اتَّخَذُوهم؛ لِأنَّ جَمِيعَ القُوى والقُدَرِ هي لِلَّهِ تَعالى. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى تَبَرُّؤَ المَتْبُوعِينَ مِنَ التّابِعِينَ وقْتَ رُؤْيَةِ العَذابِ وزالَتِ المَوَدّاتُ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم، وأنَّ التّابِعِينَ تَمَنَّوُا الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا حَتّى يُؤْمِنُوا ويَتَبَرَّءُوا مِن مَتْبُوعِيِهِمْ حَيْثُ لا يَنْفَعُ التَّمَنِّي ولا يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ، فَهو تَمَنٍّ مُسْتَحِيلٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ حَكَمَ وأمْضى أنْ لا عَوْدَةَ إلى الدُّنْيا. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّهم بَعْدَ رُؤْيَتِهِمُ العَذابَ وتَقَطُّعِ الأسْبابِ، أراهم أعْمالَهم نَداماتٍ حَيْثُ لا يَنْفَعُ النَّدَمُ، لِيَتَضاعَفَ بِذَلِكَ الألَمُ. ثُمَّ خَتَمَ ذَلِكَ بِما خَتَمَ لَهم مِنَ العَذابِ السَّرْمَدِيِّ والشَّقاءِ الأبَدِيِّ. نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن (p-٤٧٧)سَطا نِقْماتِهِ، ونَسْتَنْزِلُ مِن كَرَمِهِ العَمِيمِ نَشْرَ رَحَماتِهِ.
البقرة 2:168
﴿ياأيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالًا طَيِّبًا ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿إنَّما يَأْمُرُكم بِالسُّوءِ والفَحْشاءِ وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩] ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠] ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إلّا دُعاءً ونِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١] ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم واشْكُرُوا لِلَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢] ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣] ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ ويَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ ما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ إلّا النّارَ ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٤] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى والعَذابَ بِالمَغْفِرَةِ فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ [البقرة: ١٧٥] ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الكِتابَ بِالحَقِّ وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا في الكِتابِ لَفي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ [البقرة: ١٧٦] .
الحَلالُ: مُقابِلُ الحَرامِ ومُقابِلُ المُحَرَّمِ. يُقالُ شَيْءٌ حَلالٌ: أيْ سائِغٌ الِانْتِفاعُ بِهِ، وشَيْءٌ حَرامٌ: مَمْنُوعٌ مِنهُ، ورَجُلٌ حَلالٌ: أيْ لَيْسَ بِمُحْرِمٍ. قِيلَ: وسُمِّيَ حَلّالًا؛ لِانْحِلالِ عَقْدِ المَنعِ مِنهُ، والفِعْلُ مِنهُ حَتّى يَحِلَّ، بِكَسْرِ الحاءِ في المُضارِعِ، عَلى قِياسِ الفِعْلِ المُضاعَفِ اللّازِمِ. ويُقالُ: هَذا حَلٌّ، أيْ حَلالٌ، ويُقالُ: حَلَّ بَلَّ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، وحَلَّ بِالمَكانِ: نَزَلَ بِهِ، ومُضارِعُهُ جاءَ بِضَمِّ الحاءِ وكَسْرِها، وحَلَّ عَلَيْهِ الدَّيْنُ: حانَ وقْتَ أدائِهِ. الخُطْوَةُ، بِضَمِّ الخاءِ: ما بَيْنَ قَدَمَيِ الماشِي مِنَ الأرْضِ، والخَطْوَةُ، بِفَتْحِها: المَرَّةُ مِنَ المَصْدَرِ. يُقالُ: خَطا يَخْطُ خَطْوًا: مَشى. ويُقالُ: هو واسِعُ الخَطْوِ. فالخُطْوَةُ بِالضَّمِّ، عِبارَةٌ عَنِ المَسافَةِ الَّتِي يَخْطُو فِيها، كالغُرْفَةِ والقَبْضَةِ، وهُما عِبارَتانِ عَنِ الشَّيْءِ المَعْرُوفِ والمَقْبُوضِ، وفي جَمْعِها بِالألِفِ والياءِ لُغًى ثَلاثٌ: إسْكانُ الطّاءِ كَحالِها في المُفْرَدِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ وناسٍ مِن قِيسٍ، وضَمَّةُ الطّاءِ اتِّباعًا لِضَمَّةِ الخاءِ، وفَتْحُ الطّاءِ. ويُجْمَعُ تَكْسِيرًا عَلى خُطًى، وهو قِياسٌ مُطَّرِدٌ في فِعْلَةٍ الِاسْمِ. الفَحْشاءُ: مَصْدَرٌ كالبَأْساءِ، وهو فَعْلاءٌ مِنَ الفُحْشِ، وهو قُبْحُ المَنظَرِ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎وجِيدٍ كَجِيدِ الرِّيمِ لَيْسَ بِفاحِشٍ إذا هي نَصَّتْهُ ولا بِمُعَطَّلِ
ثُمَّ تُوُسِّعَ فِيهِ حَتّى صارَ يُسْتَعْمَلُ فِيما يُسْتَقْبَحُ مِنَ المَعانِي. ألْفى: وجَدَ، وفي تَعَدِّيها إلى مَفْعُولَيْنِ خِلافٌ، ومَن مَنَعَ جَعْلَ الثّانِي حالًا، والأصَحُّ كَوْنُهُ مَفْعُولًا لِمَجِيئِهِ مَعْرِفَةً، وتَأْوِيلُهُ عَلى زِيادَةِ الألِفِ واللّامِ عَلى خِلافِ الأصْلِ. النَّعِيقُ: دُعاءُ الرّاعِي وتَصْوِيتُهُ بِالغَنَمِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎فانْعَقْ بِضَأْنِكَ يا جَرِيرُ فَإنَّما ∗∗∗ مَنَّتْكَ نَفْسُكَ في الخَلاءِ ضَلالا
ويُقالُ: نَعَقَ المُؤَذِّنُ، ويُقالُ: نَعَقَ يَنْعَقُ نَعِيقًا ونُعاقًا ونَعْقًا، وأمّا نَغَقَ الغُرابُ، فَبِالغَيْنِ المُعْجَمَةِ. وقِيلَ أيْضًا: يُقالُ بِالمُهْمِلَةِ في الغُرابِ. النِّداءُ: مَصْدَرُ نادى، كالقِتالِ مَصْدَرُ قاتَلَ، وهو بِكَسْرِ النُّونِ، وقَدْ تُضَمُّ. قِيلَ: وهو مُرادِفٌ لِلدُّعاءِ، وقِيلَ: مُخْتَصٌّ بِالجَهْرِ، وقِيلَ: بِالبُعْدِ، وقِيلَ: بِغَيْرِ المُعَيَّنِ. ويُقالُ: فُلانٌ أنْدى صَوْتًا مِن فُلانٍ، أيْ أقْوى وأشَدُّ وأبْعَدُ مَذْهَبًا. اللَّحْمُ: مَعْرُوفٌ. يُقالُ: لَحُمَ الرَّجُلُ لِحامَةً، فَهو لَحِيمٌ: ضَخْمٌ. ولَحَمَ يَلْحَمُ، فَهو لَحِمٌ: اشْتاقَ إلى اللَّحْمِ. ولَحَمَ النّاسَ يُلْحِمُهم: أطْعَمَهُمُ اللَّحْمَ، فَهو لاحِمٌ. وألْحَمَ، فَهو مُلْحِمٌ: كَثُرَ عِنْدَهُ اللَّحْمُ. الخِنْزِيرُ: حَيَوانٌ مَعْرُوفٌ، ونُونُهُ أصْلِيَّةٌ، فَهو فِعْلِيلٌ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ نُونَهُ زائِدَةٌ، وأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن خَزَرِ العَيْنِ؛ لِأنَّهُ كَذَلِكَ يَنْظُرُ. يُقالُ: تَخازَرَ الرَّجُلُ: ضَيَّقَ جَفْنَهُ لِيُحَدِّدَ النَّظَرَ، والخَزَرُ: ضِيَقُ العَيْنِ وصِغَرُها، ويُقالُ: رَجُلٌ أخْزَرُ: بَيِّنُ الخَزَرِ. وقِيلَ: هو النَّظَرُ بِمُؤَخَّرِ العَيْنِ، فَيَكُونُ كالتَّشَوُّشِ. الإهْلالُ: رَفْعُ الصَّوْتِ، ومِنهُ الإهْلالُ بِالتَّلْبِيَةِ، ومِنهُ سُمِّيَ الهِلالُ لِارْتِفاعِ الصَّوْتِ (p-٤٧٨)عِنْدَ رُؤْيَتِهِ، ويُقالُ: أهَلَّ الهِلالُ واسْتَهَلَّ، ويُقالُ: أهَلَّ بِكَذا: رَفَعَ صَوْتَهُ. قالَ ابْنُ أحْمَرَ:
؎يُهِلُّ بِالفَدْفَدِ رُكْبانُنا ∗∗∗ كَما يُهِلُّ الرّاكِبُ المُعْتَمِرْ
وقالَ النّابِغَةُ:
؎أوْ دُرَّةٍ صَدَفِيَّةٍ غَوّاصُها ∗∗∗ بَهِجٌ مَتى تَرَهُ يُهِلُّ ويَسْجُدُ
ومِنهُ: إهْلالُ الصَّبِيِّ واسْتِهْلالُهُ، وهو صِياحُهُ عِنْدَ وِلادَتِهِ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎يَضْحَكُ الذِّئْبُ لِقَتْلى هُذَيْلٍ ∗∗∗ وتَرى الذِّئْبَ لَها يَسْتَهِلُّ
البَطْنُ: مَعْرُوفٌ، وجَمْعُهُ عَلى فُعُولٍ قِياسٌ، ويُجْمَعُ أيْضًا عَلى بُطْنانٍ، ويُقالُ: بَطَنَ الأمْرُ يَبْطُنُ، إذا خَفِيَ. وبَطُنَ الرَّجُلُ، فَهو بَطِينٌ: كَبُرَ بَطْنُهُ. والبِطْنَةُ: امْتِلاءُ البَطْنِ بِالطَّعامِ. ويُقالُ: البِطْنَةُ تُذْهِبُ الفِطْنَةَ.
﴿ياأيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالًا طَيِّبًا ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾: هَذا ثانِي نِداءٍ وقَعَ في سُورَةِ البَقَرَةِ بِقَوْلِهِ: ”يا أيُّها النّاسُ“، ولَفْظُهُ عامٌّ. قالَ الحَسَنُ: نَزَلَتْ في كُلِّ مَن حَرَّمَ عَلى نَفْسِهِ شَيْئًا لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ عَلَيْهِ. ورَوى الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ وغَيْرُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في ثَقِيفٍ وخُزاعَةَ وبَنِي الحارِثِ بْنِ كَعْبٍ، قالَهُ النَّقّاشُ. وقِيلَ: في ثَقِيفٍ وخُزاعَةَ وعامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ. قِيلَ: وبَنِي مُدْلِجٍ، حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ، وحَرَّمُوا البَحِيرَةَ والسَّوائِبَ والوَصِيلَةَ والِحامَ. فَإنْ صَحَّ هَذا، كانَ السَّبَبُ خاصًّا واللَّفْظُ عامًّا، والعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ. (ومُناسَبَةُ هَذا لِما قَبْلَهُ)، أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ التَّوْحِيدَ ودَلائِلَهُ، وما لِلتّائِبِينَ والعاصِينَ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ إنْعامِهِ عَلى الكافِرِ والمُؤْمِنِ، لِيَدُلَّ أنَّ الكُفْرَ لا يُؤْثَرُ في قَطْعِ الإنْعامِ. وقالَ المَرْوَزِيُّ: لَمّا حَذَّرَ المُؤْمِنِينَ مَن حالِ مَن يَصِيرُ عَمَلُهُ عَلَيْهِ حَسْرَةً، أمَرَهم بِأكْلِ الحَلالِ؛ لِأنَّ مَدارَ الطّاعَةِ عَلَيْهِ. ”كُلُوا“: أمْرُ إباحَةٍ وتَسْوِيغٍ؛ لِأنَّهُ تَعالى هو المُوجِدُ لِلْأشْياءِ، فَهو المُتَصَرِّفُ فِيها عَلى ما يُرِيدُ.
”﴿مِمّا في الأرْضِ﴾“ مِن: تَبْعِيضِيَّةٌ، وما: مَوْصُولَةٌ، ومِن: في مَوْضِعِ المَفْعُولِ، نَحْوَ: أكَلْتُ مِنَ الرَّغِيفِ، و”حَلالًا“: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَقِرِّ في الصِّلَةِ المُنْتَقَلِ مِنَ العامِلِ فِيها إلَيْهِ. وقالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: ”حَلالًا“: نَعْتٌ لِمَفْعُولِ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ ”شَيْئًا حَلّالًا“، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا بَعِيدٌ ولَمْ يُبَيِّنَ وجْهَ بُعْدِهِ، وبُعْدُهُ أنَّهُ مِمّا حُذِفَ المَوْصُوفِ، وصِفَتُهُ غَيْرُ خاصَّةٍ؛ لِأنَّ الحَلالَ يَتَّصِفُ بِهِ المَأْكُولُ وغَيْرُ المَأْكُولِ. وإذا كانَتِ الصِّفَةُ هَكَذا، لَمْ يَجُزْ حَذْفُ المَوْصُوفِ وإقامَتُها مَقامَهُ. وأجازَ قَوْمٌ أنْ يَنْتَصِبَ حَلالًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ”بِكُلُوا“، وبِهِ ابْتَدَأ الزَّمَخْشَرِيُّ. ويَكُونُ عَلى هَذا الوَجْهِ ”مِن“ لِابْتِداءِ الغايَةِ مُتَعَلِّقَةً بِكُلُوا، أوْ مُتَعَلِّقَةً بِمَحْذُوفٍ، فَيَكُونُ حالًا، والتَّقْدِيرُ: كُلُوا حَلالًا مِمّا في الأرْضِ. فَلَمّا قُدِّمَتِ الصِّفَةُ صارَتْ حالًا، فَتَعَلَّقَتْ بِمَحْذُوفٍ، كَما كانَتْ صِفَةً تَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَقْصِدُ الكَلامِ لا يُعْطِي أنْ تَكُونَ حَلالًا مَفْعُولًا بِكُلُوا، تَأمَّلْ. انْتَهى.
”طَيِّبًا“: انْتَصَبَ صِفَةً لِقَوْلِهِ: ”حَلالًا“، إمّا مُؤَكَّدَةً؛ لِأنَّ مَعْناهُ ومَعْنى ”حَلالًا“ واحِدٌ، وهو قَوْلُ مالِكٍ وغَيْرِهِ، وإمّا مُخَصَّصَةً؛ لِأنَّ مَعْناهُ مُغايِرٌ لِمَعْنى الحَلالِ وهو المُسْتَلَذُّ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ وغَيْرِهِ. ولِذَلِكَ يُمْنَعُ أكْلُ الحَيَوانِ القَذِرِ وكُلُّ ما هو خَبِيثٌ. وقِيلَ: انْتَصَبَ طَيِّبًا عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ أكْلًا طَيِّبًا، وهو خِلافُ الظّاهِرِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ طَيِّبًا حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في كُلُوا تَقْدِيرُهُ: مُسْتَطْيِبِينَ، وهَذا فاسِدٌ في اللَّفْظِ والمَعْنى. أمّا اللَّفْظُ فَلِأنَّ طَيِّبًا اسْمُ فاعِلٍ ولَيْسَ بِمُطابِقٍ لِلضَّمِيرِ؛ لِأنَّ الضَّمِيرَ جَمْعٌ، وطَيِّبٌ مُفْرَدٌ، ولَيْسَ طَيِّبٌ بِمَصْدَرٍ، فَيُقالُ: لا يَلْزَمُ المُطابَقَةُ. وأمّا المَعْنى: فَلِأنَّ طَيِّبًا مُغايِرٌ لِمَعْنى مُسْتَطْيِبِينَ؛ لِأنَّ الطَّيِّبَ مِن صِفاتِ المَأْكُولِ، والمُسْتَطْيَبُ مِن صِفاتِ الآكِلِ. تَقُولُ: طابَ لِزَيْدِ الطَّعامُ، ولا تَقُولُ: طابَ زَيْدٌ الطَّعامَ، في مَعْنى اسْتَطابَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في قَوْلِهِ: ”طَيِّبًا“: طاهِرًا مِن كُلِّ شُبْهَةٍ. وقالَ السَّجاوَنْدِيُّ: ”حَلالًا“ مُطْلَقَ الشَّرْعِ، ”طَيِّبًا“ مُسْتَلَذَّ الطَّبْعِ. وقالَ في (p-٤٧٩)المُنْتَخَبِ ما مُلَخَّصُهُ: الحَلالُ: الَّذِي انْحَلَّتْ عَنْهُ عُقْدَةُ الخَطَرِ، إمّا لِكَوْنِهِ حَرامًا لِجِنْسِهِ كالمَيْتَةِ، وإمّا لا لِجِنْسِهِ كَمِلْكِ الغَيْرِ، إذْ لَمْ يُأْذَنْ في أكْلِهِ. والطَّيِّبُ لُغَةً الطّاهِرُ، والحَلّالُ يُوصَفُ بِأنَّهُ طَيِّبٌ، كَما أنَّ الحَرامَ يُوصَفُ بِأنَّهُ خَبِيثٌ، والأصْلُ في الطِّيبِ ما يُسْتَلَذُّ، ووُصِفَ بِهِ الطّاهِرُ والحَلالُ عَلى جِهَةِ التَّشْبِيهِ؛ لِأنَّ النَّجِسَ تَكْرَهُهُ النَّفْسُ، والحَرامَ لا يُسْتَلَذُّ؛ لِأنَّ الشَّرْعَ مَنَعَ مِنهُ. انْتَهى. والثّابِتُ في اللُّغَةِ: أنَّ الطَّيِّبَ هو الطّاهِرُ مِنَ الدَّنَسِ. قالَ:
؎والطَّيِّبُونَ مَعاقِدَ الأُزْرِ
:
وقالَ آخَرُ:
؎ولِيَ الأصْلُ الَّذِي في مِثْلِهِ ∗∗∗ يُصْلِحُ الآبِرُ زَرْعَ المُؤْتَبِرْ
؎طَيِّبُو الباءَةِ سَهْلٌ ولَهم ∗∗∗ سُبُلٌ إنْ شِئْتَ في وحْشٍ وعِرْ
وقالَ الحَسَنُ: الحَلالُ الطَّيِّبُ: هو ما لا يُسْئَلُ عَنْهُ يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الحَلالُ الَّذِي لا تَبِعَةَ فِيهِ في الدُّنْيا ولا وبالَ في الآخِرَةِ. وقِيلَ: الحَلالُ ما يُجَوِّزُهُ المُفْتِي، والطَّيِّبُ ما يَشْهَدُ لَهُ القَلْبُ بِالحِلِّ. وقَدِ اسْتَدَلَّ مَن قالَ بِأنَّ الأصْلَ في الأشْياءِ الحَظْرُ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ الأشْياءَ مِلْكُ اللَّهِ تَعالى، فَلا بُدَّ مِن إذْنِهِ فِيما يُتَناوَلُ مِنها، وما عَدا ما لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ يَبْقى عَلى الحَظْرِ. وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ ما جَمَعَ الوَصْفَيْنِ الحِلِّ والطَّيِّبِ مِمّا في الأرْضِ، فَهو مَأْذُونٌ في أكْلِهِ. إمّا تَمَلُّكُهُ والتَّصَدُّقُ بِهِ، أوِ ادِّخارُهُ، أوْ سائِرُ الِانْتِفاعاتِ بِهِ غَيْرَ الأكْلِ، فَلا تَدُلُّ عَلَيْهِ الآيَةُ. فَإمّا أنْ يَجُوزَ ذَلِكَ بِنَصٍّ آخَرَ، أوْ إجْماعٍ عِنْدَ مَن لا يَرى القِياسَ، أوْ بِالقِياسِ عَلى الأكْلِ عِنْدَ مَن يَقُولُ بِالقِياسِ.
﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ وقُنْبُلٌ وحَفْصٌ وعَبّاسٌ، عَنْ أبِي عَمْرٍو والبَرْجَمِيِّ، عَنْ أبِي بَكْرٍ: بِضَمِّ الخاءِ والطّاءِ وبِالواوِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: بِضَمِّ الخاءِ وإسْكانِ الطّاءِ وبِالواوِ. وقَرَأ أبُو السَّمالِ: خُطَواتِ، بِضَمِّ الخاءِ وفَتْحِ الطّاءِ وبِالواوِ. وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ هَذِهِ لُغًى ثَلاثٌ في جَمْعِ خُطْوَةٍ. ونَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ والسَّجاوِنْدِيُّ أنَّ أبا السَّمالِ قَرَأ: خَطَواتٍ، بِفَتْحِ الخاءِ والطّاءِ وبِالواوِ، جَمْعَ خَطْوَةٍ، وهي المَرَّةُ مِنَ الخَطْوِ. وقَرَأ عَلِيٌّ وقَتادَةٌ والأعْمَشُ وسَلامٌ: خُطُؤاتِ، بِضَمِّ الخاءِ والطّاءِ والهَمْزَةِ، واخْتُلِفَ في تَوْجِيهِ هَذِهِ القِراءَةِ، فَقِيلَ: الهَمْزَةُ أصْلٌ، وهو مِنَ الخَطَأِ جَمْعُ خَطَأةٍ، إنْ كانَ سُمِعَ، وإلّا فَتَقْدِيرًا. ومِمَّنْ قالَ إنَّهُ مِنَ الخَطَأِ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشِ، وفَسَّرَهُ مُجاهِدٌ خَطاياهُ، وتَفْسِيرُهُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ فَسَّرَ بِالمُرادِفِ، أوْ فَسَّرَ بِالمَعْنى. وقِيلَ: هو جَمْعُ خُطْوَةٍ، لَكِنَّهُ تَوَهَّمَ ضَمَّةَ الطّاءِ أنَّها عَلى الواوِ فَهَمَزَ؛ لِأنَّ مِثْلَ ذَلِكَ قَدْ يُهْمَزُ. قالَ مَعْناهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: والنَّهْيُ عَنِ اتِّباعِ خُطُواتِ الشَّيْطانِ كِنايَةٌ عَنْ تَرْكِ الِاقْتِداءِ بِهِ، وعَنِ اتِّباعِ ما سَنَّ مِنَ المَعاصِي. يُقالُ: اتَّبَعَ زَيْدٌ خُطُواتِ عَمْرٍو ووَطِئَ عَلى عَقِبَيْهِ، إذْ سَلَكَ مَسْلَكَهُ في أحْوالِهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خُطُواتُهُ أعْمالُهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: خَطاياهُ. وقالَ السُّدِّيُّ: طاعَتُهُ. وقالَ أبُو مِجْلَزٍ: النُّذُورُ في المَعاصِي. وقِيلَ: ما يَنْقُلُهم إلَيْهِ مِن مَعْصِيَةٍ إلى مَعْصِيَةٍ، حَتّى يَسْتَوْعِبُوا جَمِيعَ المَعاصِي، مَأْخُوذٌ مِن خَطْوِ القَدَمِ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ. وقالَ الزَّجّاجُ وابْنُ قُتَيْبَةَ: طُرُقَهُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مُحَقَّراتُ الذُّنُوبِ. وقالَ المُؤَرِّخُ آثارُهُ، وقالَ عَطاءٌ: زَلّاتُهُ، وهَذِهِ أقْوالٌ مُتَقارِبَةُ المَعْنى صَدَرَتْ مِن قائِلِها عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ. والمَعْنى بِها كُلِّها النَّهْيُ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وكَأنَّهُ تَعالى لَمّا أباحَ لَهُمُ الأكْلَ مِنَ الحَلالِ الطَّيِّبِ، نَهاهم عَنْ مَعاصِي اللَّهِ وعَنِ التَّخَطِّي إلى أكْلِ الحَرامِ؛ لِأنَّ الشَّيْطانَ يُلْقِي إلى المَرْءِ ما يَجْرِي مَجْرى الشُّبْهَةِ، فَيُزَيِّنُ بِذَلِكَ ما لا يَحِلُّ، فَزَجَرَ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ. والشَّيْطانُ هَنا إبْلِيسُ، والنَّهْيُ هُنا عَنِ اتِّباعِ كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِنَ المَعاصِي، لا أنَّ ذَلِكَ يُفِيدُ الجَمْعَ، فَلا يَكُونُ نَهْيًا عَنِ المُفْرَدِ.
﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾: تَعْلِيلٌ لِسَبَبِ هَذا التَّحْذِيرِ مِنَ اتِّباعِ الشَّيْطانِ؛ لِأنَّ مَن ظَهَرَتْ عَداوَتُهُ واسْتَبانَتْ، فَهو جَدِيرٌ بِأنْ لا يُتَّبَعَ في شَيْءٍ وأنْ يُفَرَّ مِنهُ، فَإنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِكْرٌ إلّا في إرْداءِ عَدُوِّهِ.
البقرة 2:169
﴿إنَّما يَأْمُرُكم بِالسُّوءِ والفَحْشاءِ﴾: لَمّا أخْبَرَ أنَّهُ عَدُوٌّ، أخَذَ يَذْكُرُ ثَمَرَةَ العَداوَةِ وما نَشَأ عَنْها، وهو أمْرُهُ بِما ذَكَرَ. (p-٤٨٠)وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ”إنَّما“ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١١] . وفي الخِلافِ فِيها: أتُفِيدُ الحَصْرَ أمْ لا ؟ وأمْرُ الشَّيْطانِ، إمّا بِقَوْلِهِ في زَمَنِ الكَهَنَةِ وحَيْثُ يُتَصَوَّرُ، وإمّا بِوَسْوَسَتِهِ وإغْوائِهِ. فَإذا أُطِيعَ، نَفَذَ أمْرُهُ بِالسُّوءِ، أيْ بِما يَسُوءُ في العُقْبى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: السُّوءُ ما لا حَدَّ لَهُ. والفَحْشاءُ، قالَ السُّدِّيُّ: هي الزِّنا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلُّ ما بَلَغَ حَدّا مِنَ الحُدُودِ؛ لِأنَّهُ يَتَفاحَشُ حِينَئِذٍ. وقِيلَ: ما تَفاحَشَ ذِكْرُهُ. وقِيلَ: ما قَبُحَ قَوْلًا أوْ فِعْلًا. وقالَ طاوُسٌ: ما لا يُعْرَفُ في شَرِيعَةٍ ولا سُنَّةٍ. وقالَ عَطاءٌ: هي البُخْلُ.
﴿وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾، قالَ الطَّبَرِيُّ: يُرِيدُ بِهِ ما حَرَّمُوا مِنَ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ ونَحْوِهِ، وجَعَلُوهُ شَرْعًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو قَوْلُهم هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ، ويَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ ما يُضافُ إلى اللَّهِ مِمّا لا يَجُوزُ عَلَيْهِ. انْتَهى. قِيلَ: وظاهِرُ هَذا تَحْرِيمُ القَوْلِ في دِينِ اللَّهِ بِما لا يَعْلَمُهُ القائِلُ مِن دِينِ اللَّهِ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ الرَّأْيُ والأقْيِسَةُ والشَّبَهِيَّةُ والِاسْتِحْسانُ. قالُوا: وفي هَذِهِ الآيَةِ إشارَةٌ إلى ذَمِّ مَن قَلَّدَ الجاهِلَ واتَّبَعَ حُكْمَهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ كانَ الشَّيْطانُ آمِرًا مَعَ قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] ؟ قُلْتُ: شَبَّهَ تَزْيِينِهِ وبَعْثَهُ عَلى الشَّرِّ بِأمْرِ الآمِرِ، كَما تَقُولُ: أمَرَتْنِي نَفْسِي بِكَذا، وتَحُثُّهُ رَمَزَ إلى أنَّكم فِيهِ بِمَنزِلَةِ المَأْمُورِينَ لِطاعَتِكم لَهُ وقَبُولِكم وساوِسَهُ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿ولَآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ﴾ [النساء: ١١٩] ﴿ولَآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩] . وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ النَّفْسَ لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣] لَمّا كانَ الإنْسانُ يُطْعِمُها ويُعْطِيها ما اشْتَهَتْ. انْتَهى كَلامُهُ.
﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾: الضَّمِيرُ في لَهم عائِدٌ عَلى كَفّارِ العَرَبِ؛ لِأنَّ هَذا كانَ وصْفَهم، وهو الِاقْتِداءُ بِآبائِهِمْ، ولِذَلِكَ قالُوا لِأبِي طالِبٍ، حِينَ احْتُضِرَ: أتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ ؟ ذَكَّرُوهُ بِدِينِ أبِيهِ ومَذْهَبِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ، وهم أشَدُّ النّاسِ اتِّباعًا لِأسْلافِهِمْ. وقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى ”مَن“، مِن قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا﴾ [البقرة: ١٦٥]، وهو بَعِيدٌ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: هو عائِدٌ عَلى النّاسِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النّاسُ كُلُوا﴾ [البقرة: ١٦٨] وهَذا هو الظّاهِرُ، ويَكُونُ ذَلِكَ مِن بابِ الِالتِفاتِ، وحِكْمَتُهُ أنَّهم أُبْرِزُوا في صُورَةِ الغائِبِ الَّذِي يُتَعَجَّبُ مِن فِعْلِهِ، حَيْثُ دُعِيَ إلى اتِّباعِ شَرِيعَةِ اللَّهِ الَّتِي هي الهُدى والنُّورُ. فَأجابَ بِاتِّباعِ شَرِيعَةِ أبِيهِ، وكَأنَّهُ يُقالُ: هَلْ رَأيْتُمْ أسْخَفَ رَأْيًا وأعْمى بَصِيرَةً مِمَّنْ دُعِيَ إلى اتِّباعِ القُرْآنِ المُنَزَّلِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَرَدَّ ذَلِكَ وأضْرَبَ عَنْهُ ؟ وأثْبَتَ أنَّهُ يَتَّبِعَ ما وُجَدَ عَلَيْهِ أباهُ ؟ وفي هَذا دَلالَةٌ عَلى ذَمِّ التَّقْلِيدِ، وهو قَبُولُ الشَّيْءِ بِلا دَلِيلٍ ولا حُجَّةٍ. وحَكى ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ الإجْماعَ مُنْعَقِدٌ عَلى إبْطالِهِ في العَقائِدِ. وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ ما كانَ عَلَيْهِ آباؤُهم هو مُخالِفٌ لِما أنْزَلَ اللَّهُ، فاتِّباعُ أبْنائِهِمْ لِآبائِهِمْ تَقْلِيدٌ في ضَلالٍ. وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ دِينَ اللَّهِ هو اتِّباعُ ما أنْزَلَ اللَّهُ؛ لِأنَّهم لَمْ يُؤْمَرُوا إلّا بِهِ. والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ”وإذا“، التَّكْرارُ. وبَنى قِيلَ لَمّا لَمْ يُسَمِّ فاعِلَهُ؛ لِأنَّهُ أخْصَرَ؛ لِأنَّهُ لَوْ ذُكِرَ الآمِرُونَ لَطالَ الكَلامُ؛ لِأنَّ الآمِرَ بِذَلِكَ هو الرَّسُولُ ومَن يَتَّبِعُهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ. وفي قَوْلِهِ: (ما أنْزَلَ اللَّهُ) إعْلامٌ بِتَعْظِيمِ ما أمَرُوهم بِاتِّباعِهِ أنْ نَسَبَ إنْزالَهُ إلى اللَّهِ الَّذِي هو المُشَرِّعُ لِلشَّرائِعِ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يُتَلَقّى بِالقَبُولِ ولا يُعارَضَ بِاتِّباعِ آبائِهِمْ رُءُوسِ الضَّلالَةِ. وأدْغَمَ الكِسائِيُّ لامَ بَلْ في نُونِ نَتَّبِعُ، وأظْهَرَ ذَلِكَ غَيْرُهُ. وبَلْ هُنا عاطِفَةٌ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ، التَّقْدِيرُ: لا نَتَّبِعُ ما أنْزَلَ اللَّهُ، ﴿بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ . ولا يَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ . وعَلَيْهِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ”ألْفَيْنا“، ولَيْسَتْ هُنا مُتَعَدِّيَةً إلى اثْنَيْنِ؛ لِأنَّها بِمَعْنى وجَدَ الَّتِي بِمَعْنى أصابَ.
﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾: الهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ المَصْحُوبِ بِالتَّوْبِيخِ والإنْكارِ والتَّعَجُّبِ مِن حالِهِمْ، وأمّا الواوُ بَعْدَ الهَمْزَةِ، فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الواوُ لِلْحالِ، ومَعْناهُ: أيَتَّبِعُونَهم، ولَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا مِنَ الدِّينِ ولا يَهْتَدُونَ لِلصَّوابِ ؟ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الواوُ لِعَطْفِ جُمْلَةِ كَلامٍ عَلى (p-٤٨١)جُمْلَةٍ؛ لِأنَّ غايَةَ الفَسادِ في الِالتِزامِ أنْ يَقُولُوا: نَتَّبِعُ آباءَنا ولَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ، فَقَرَّرُوا عَلى التِزامِ هَذا، أيْ هَذِهِ حالُ آبائِهِمْ. انْتَهى كَلامُهُ. وظاهِرُ قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّ الواوَ لِلْحالِ، مُخالِفٌ لِقَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ إنَّها لِلْعَطْفِ؛ لِأنَّ واوَ الحالِ لَيْسَتْ لِلْعَطْفِ.
والجَمْعُ بَيْنَهُما أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ المَصْحُوبَةَ بِلَوْ في مِثْلِ هَذا السِّياقِ، هي جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ. فَإذا قالَ: اضْرِبْ زَيْدًا ولَوْ أحْسَنَ إلَيْكَ، المَعْنى: وإنْ أحْسَنَ، وكَذَلِكَ: اعْطُوا السّائِلَ ولَوْ جاءَ عَلى فَرَسٍ؛ رُدُّوا السّائِلَ ولَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، المَعْنى فِيها: وإنْ. وتَجِيءُ لَوْ هُنا تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ما بَعْدَها لَمْ يَكُنْ يُناسِبُ ما قَبْلَها، لَكِنَّها جاءَتْ لِاسْتِقْصاءِ الأحْوالِ الَّتِي يَقَعُ فِيها الفِعْلُ، ولِتَدُلَّ عَلى أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ وُجُودُ الفِعْلِ في كُلِّ حالٍ، حَتّى في هَذِهِ الحالِ الَّتِي لا تُناسِبُ الفِعْلَ. ولِذَلِكَ لا يَجُوزُ: اضْرِبْ زَيْدًا ولَوْ أساءَ إلَيْكَ، ولا أعْطُوا السّائِلَ ولَوْ كانَ مُحْتاجًا، ولا رُدُّوا السّائِلَ ولَوْ بِمِائَةِ دِينارٍ. فَإذا تَقَرَّرَ هَذا، فالواوُ في ”ولَوْ“ في المُثُلِ الَّتِي ذَكَرْناها عاطِفَةٌ عَلى حالٍ مُقَدَّرَةٍ، والعَطْفُ عَلى الحالِ حالٌ، فَصَحَّ أنْ يُقالَ: إنَّها لِلْحالِ مِن حَيْثُ أنَّها عَطَفَتْ جُمْلَةً حالِيَّةً عَلى حالٍ مُقَدَّرَةٍ. والجُمْلَةُ المَعْطُوفَةُ عَلى الحالِ حالٌ، وصَحَّ أنْ يُقالَ: إنَّها لِلْعَطْفِ مِن حَيْثُ ذَلِكَ العَطْفُ، والمَعْنى: واللَّهُ أعْلَمُ إنْكارُ اتِّباعِ آبائِهِمْ في كُلِّ حالٍ، حَتّى في الحالَةِ الَّتِي لا تُناسِبُ أنْ يُتَّبَعُوا فِيها، وهي تَلَبُّسُهم بِعَدَمِ العَقْلِ وعَدَمِ الهِدايَةِ. ولِذَلِكَ لا يَجُوزُ حَذْفُ هَذِهِ الواوِ الدّاخِلَةِ عَلى لَوْ، إذا كانَتْ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ما بَعْدَها لَمْ يَكُنْ يُناسِبُ ما قَبْلَها. وإنْ كانَتِ الجُمْلَةُ الواقِعَةُ حالًا فِيها ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى ذِي الحالِ؛ لِأنَّ مَجِيئَها عارِيَةً مِنَ الواوِ يُؤْذِنُ بِتَقْيِيدِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ بِهَذِهِ الحالِ، فَهو يُنافِي اسْتِغْراقَ الأحْوالِ حَتّى هَذِهِ الحالِ. فَهُما مَعْنَيانِ مُخْتَلِفانِ، والفَرْقُ ظاهِرٌ بَيْنَ: أكْرِمْ زَيْدًا لَوْ جَفاكَ، أيْ إنْ جَفاكَ، وبَيْنَ أكْرِمْ زَيْدًا ولَوْ جَفاكَ. وانْتِصابُ شَيْئًا عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: عَلى المَفْعُولِ بِهِ فَعَمَّ جَمِيعَ المَعْقُولاتِ؛ لِأنَّها نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ فَتَعُمُّ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ نَفْيُ الوَحْدَةِ فَيَكُونُ المَعْنى لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا بَلْ أشْياءً. والثّانِي: أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَصْدَرِ، أيْ شَيْئًا مِنَ العَقْلِ، وإذا انْتَفى انْتَفى سائِرُ العُقُولِ، وقَدَّمَ نَفْيَ العَقْلِ؛ لِأنَّهُ الَّذِي تَصْدُرُ عَنْهُ جَمِيعُ التَّصَرُّفاتِ، وأخَّرَ نَفْيَ الهِدايَةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مُتَرَتِّبٌ عَلى نَفْيِ العَقْلِ؛ لِأنَّ الهِدايَةَ لِلصَّوابِ هي ناشِئَةٌ عَنِ العَقْلِ، وعَدَمُ العَقْلِ عَدَمٌ لَها.
البقرة 2:170
﴿إنَّما يَأْمُرُكم بِالسُّوءِ والفَحْشاءِ﴾: لَمّا أخْبَرَ أنَّهُ عَدُوٌّ، أخَذَ يَذْكُرُ ثَمَرَةَ العَداوَةِ وما نَشَأ عَنْها، وهو أمْرُهُ بِما ذَكَرَ. (p-٤٨٠)وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ”إنَّما“ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١١] . وفي الخِلافِ فِيها: أتُفِيدُ الحَصْرَ أمْ لا ؟ وأمْرُ الشَّيْطانِ، إمّا بِقَوْلِهِ في زَمَنِ الكَهَنَةِ وحَيْثُ يُتَصَوَّرُ، وإمّا بِوَسْوَسَتِهِ وإغْوائِهِ. فَإذا أُطِيعَ، نَفَذَ أمْرُهُ بِالسُّوءِ، أيْ بِما يَسُوءُ في العُقْبى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: السُّوءُ ما لا حَدَّ لَهُ. والفَحْشاءُ، قالَ السُّدِّيُّ: هي الزِّنا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلُّ ما بَلَغَ حَدّا مِنَ الحُدُودِ؛ لِأنَّهُ يَتَفاحَشُ حِينَئِذٍ. وقِيلَ: ما تَفاحَشَ ذِكْرُهُ. وقِيلَ: ما قَبُحَ قَوْلًا أوْ فِعْلًا. وقالَ طاوُسٌ: ما لا يُعْرَفُ في شَرِيعَةٍ ولا سُنَّةٍ. وقالَ عَطاءٌ: هي البُخْلُ.
﴿وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾، قالَ الطَّبَرِيُّ: يُرِيدُ بِهِ ما حَرَّمُوا مِنَ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ ونَحْوِهِ، وجَعَلُوهُ شَرْعًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو قَوْلُهم هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ، ويَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ ما يُضافُ إلى اللَّهِ مِمّا لا يَجُوزُ عَلَيْهِ. انْتَهى. قِيلَ: وظاهِرُ هَذا تَحْرِيمُ القَوْلِ في دِينِ اللَّهِ بِما لا يَعْلَمُهُ القائِلُ مِن دِينِ اللَّهِ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ الرَّأْيُ والأقْيِسَةُ والشَّبَهِيَّةُ والِاسْتِحْسانُ. قالُوا: وفي هَذِهِ الآيَةِ إشارَةٌ إلى ذَمِّ مَن قَلَّدَ الجاهِلَ واتَّبَعَ حُكْمَهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ كانَ الشَّيْطانُ آمِرًا مَعَ قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] ؟ قُلْتُ: شَبَّهَ تَزْيِينِهِ وبَعْثَهُ عَلى الشَّرِّ بِأمْرِ الآمِرِ، كَما تَقُولُ: أمَرَتْنِي نَفْسِي بِكَذا، وتَحُثُّهُ رَمَزَ إلى أنَّكم فِيهِ بِمَنزِلَةِ المَأْمُورِينَ لِطاعَتِكم لَهُ وقَبُولِكم وساوِسَهُ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿ولَآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ﴾ [النساء: ١١٩] ﴿ولَآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩] . وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ النَّفْسَ لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣] لَمّا كانَ الإنْسانُ يُطْعِمُها ويُعْطِيها ما اشْتَهَتْ. انْتَهى كَلامُهُ.
﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾: الضَّمِيرُ في لَهم عائِدٌ عَلى كَفّارِ العَرَبِ؛ لِأنَّ هَذا كانَ وصْفَهم، وهو الِاقْتِداءُ بِآبائِهِمْ، ولِذَلِكَ قالُوا لِأبِي طالِبٍ، حِينَ احْتُضِرَ: أتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ ؟ ذَكَّرُوهُ بِدِينِ أبِيهِ ومَذْهَبِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ، وهم أشَدُّ النّاسِ اتِّباعًا لِأسْلافِهِمْ. وقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى ”مَن“، مِن قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا﴾ [البقرة: ١٦٥]، وهو بَعِيدٌ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: هو عائِدٌ عَلى النّاسِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النّاسُ كُلُوا﴾ [البقرة: ١٦٨] وهَذا هو الظّاهِرُ، ويَكُونُ ذَلِكَ مِن بابِ الِالتِفاتِ، وحِكْمَتُهُ أنَّهم أُبْرِزُوا في صُورَةِ الغائِبِ الَّذِي يُتَعَجَّبُ مِن فِعْلِهِ، حَيْثُ دُعِيَ إلى اتِّباعِ شَرِيعَةِ اللَّهِ الَّتِي هي الهُدى والنُّورُ. فَأجابَ بِاتِّباعِ شَرِيعَةِ أبِيهِ، وكَأنَّهُ يُقالُ: هَلْ رَأيْتُمْ أسْخَفَ رَأْيًا وأعْمى بَصِيرَةً مِمَّنْ دُعِيَ إلى اتِّباعِ القُرْآنِ المُنَزَّلِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَرَدَّ ذَلِكَ وأضْرَبَ عَنْهُ ؟ وأثْبَتَ أنَّهُ يَتَّبِعَ ما وُجَدَ عَلَيْهِ أباهُ ؟ وفي هَذا دَلالَةٌ عَلى ذَمِّ التَّقْلِيدِ، وهو قَبُولُ الشَّيْءِ بِلا دَلِيلٍ ولا حُجَّةٍ. وحَكى ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ الإجْماعَ مُنْعَقِدٌ عَلى إبْطالِهِ في العَقائِدِ. وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ ما كانَ عَلَيْهِ آباؤُهم هو مُخالِفٌ لِما أنْزَلَ اللَّهُ، فاتِّباعُ أبْنائِهِمْ لِآبائِهِمْ تَقْلِيدٌ في ضَلالٍ. وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ دِينَ اللَّهِ هو اتِّباعُ ما أنْزَلَ اللَّهُ؛ لِأنَّهم لَمْ يُؤْمَرُوا إلّا بِهِ. والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ”وإذا“، التَّكْرارُ. وبَنى قِيلَ لَمّا لَمْ يُسَمِّ فاعِلَهُ؛ لِأنَّهُ أخْصَرَ؛ لِأنَّهُ لَوْ ذُكِرَ الآمِرُونَ لَطالَ الكَلامُ؛ لِأنَّ الآمِرَ بِذَلِكَ هو الرَّسُولُ ومَن يَتَّبِعُهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ. وفي قَوْلِهِ: (ما أنْزَلَ اللَّهُ) إعْلامٌ بِتَعْظِيمِ ما أمَرُوهم بِاتِّباعِهِ أنْ نَسَبَ إنْزالَهُ إلى اللَّهِ الَّذِي هو المُشَرِّعُ لِلشَّرائِعِ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يُتَلَقّى بِالقَبُولِ ولا يُعارَضَ بِاتِّباعِ آبائِهِمْ رُءُوسِ الضَّلالَةِ. وأدْغَمَ الكِسائِيُّ لامَ بَلْ في نُونِ نَتَّبِعُ، وأظْهَرَ ذَلِكَ غَيْرُهُ. وبَلْ هُنا عاطِفَةٌ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ، التَّقْدِيرُ: لا نَتَّبِعُ ما أنْزَلَ اللَّهُ، ﴿بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ . ولا يَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ . وعَلَيْهِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ”ألْفَيْنا“، ولَيْسَتْ هُنا مُتَعَدِّيَةً إلى اثْنَيْنِ؛ لِأنَّها بِمَعْنى وجَدَ الَّتِي بِمَعْنى أصابَ.
﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾: الهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ المَصْحُوبِ بِالتَّوْبِيخِ والإنْكارِ والتَّعَجُّبِ مِن حالِهِمْ، وأمّا الواوُ بَعْدَ الهَمْزَةِ، فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الواوُ لِلْحالِ، ومَعْناهُ: أيَتَّبِعُونَهم، ولَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا مِنَ الدِّينِ ولا يَهْتَدُونَ لِلصَّوابِ ؟ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الواوُ لِعَطْفِ جُمْلَةِ كَلامٍ عَلى (p-٤٨١)جُمْلَةٍ؛ لِأنَّ غايَةَ الفَسادِ في الِالتِزامِ أنْ يَقُولُوا: نَتَّبِعُ آباءَنا ولَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ، فَقَرَّرُوا عَلى التِزامِ هَذا، أيْ هَذِهِ حالُ آبائِهِمْ. انْتَهى كَلامُهُ. وظاهِرُ قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّ الواوَ لِلْحالِ، مُخالِفٌ لِقَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ إنَّها لِلْعَطْفِ؛ لِأنَّ واوَ الحالِ لَيْسَتْ لِلْعَطْفِ.
والجَمْعُ بَيْنَهُما أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ المَصْحُوبَةَ بِلَوْ في مِثْلِ هَذا السِّياقِ، هي جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ. فَإذا قالَ: اضْرِبْ زَيْدًا ولَوْ أحْسَنَ إلَيْكَ، المَعْنى: وإنْ أحْسَنَ، وكَذَلِكَ: اعْطُوا السّائِلَ ولَوْ جاءَ عَلى فَرَسٍ؛ رُدُّوا السّائِلَ ولَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، المَعْنى فِيها: وإنْ. وتَجِيءُ لَوْ هُنا تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ما بَعْدَها لَمْ يَكُنْ يُناسِبُ ما قَبْلَها، لَكِنَّها جاءَتْ لِاسْتِقْصاءِ الأحْوالِ الَّتِي يَقَعُ فِيها الفِعْلُ، ولِتَدُلَّ عَلى أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ وُجُودُ الفِعْلِ في كُلِّ حالٍ، حَتّى في هَذِهِ الحالِ الَّتِي لا تُناسِبُ الفِعْلَ. ولِذَلِكَ لا يَجُوزُ: اضْرِبْ زَيْدًا ولَوْ أساءَ إلَيْكَ، ولا أعْطُوا السّائِلَ ولَوْ كانَ مُحْتاجًا، ولا رُدُّوا السّائِلَ ولَوْ بِمِائَةِ دِينارٍ. فَإذا تَقَرَّرَ هَذا، فالواوُ في ”ولَوْ“ في المُثُلِ الَّتِي ذَكَرْناها عاطِفَةٌ عَلى حالٍ مُقَدَّرَةٍ، والعَطْفُ عَلى الحالِ حالٌ، فَصَحَّ أنْ يُقالَ: إنَّها لِلْحالِ مِن حَيْثُ أنَّها عَطَفَتْ جُمْلَةً حالِيَّةً عَلى حالٍ مُقَدَّرَةٍ. والجُمْلَةُ المَعْطُوفَةُ عَلى الحالِ حالٌ، وصَحَّ أنْ يُقالَ: إنَّها لِلْعَطْفِ مِن حَيْثُ ذَلِكَ العَطْفُ، والمَعْنى: واللَّهُ أعْلَمُ إنْكارُ اتِّباعِ آبائِهِمْ في كُلِّ حالٍ، حَتّى في الحالَةِ الَّتِي لا تُناسِبُ أنْ يُتَّبَعُوا فِيها، وهي تَلَبُّسُهم بِعَدَمِ العَقْلِ وعَدَمِ الهِدايَةِ. ولِذَلِكَ لا يَجُوزُ حَذْفُ هَذِهِ الواوِ الدّاخِلَةِ عَلى لَوْ، إذا كانَتْ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ما بَعْدَها لَمْ يَكُنْ يُناسِبُ ما قَبْلَها. وإنْ كانَتِ الجُمْلَةُ الواقِعَةُ حالًا فِيها ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى ذِي الحالِ؛ لِأنَّ مَجِيئَها عارِيَةً مِنَ الواوِ يُؤْذِنُ بِتَقْيِيدِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ بِهَذِهِ الحالِ، فَهو يُنافِي اسْتِغْراقَ الأحْوالِ حَتّى هَذِهِ الحالِ. فَهُما مَعْنَيانِ مُخْتَلِفانِ، والفَرْقُ ظاهِرٌ بَيْنَ: أكْرِمْ زَيْدًا لَوْ جَفاكَ، أيْ إنْ جَفاكَ، وبَيْنَ أكْرِمْ زَيْدًا ولَوْ جَفاكَ. وانْتِصابُ شَيْئًا عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: عَلى المَفْعُولِ بِهِ فَعَمَّ جَمِيعَ المَعْقُولاتِ؛ لِأنَّها نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ فَتَعُمُّ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ نَفْيُ الوَحْدَةِ فَيَكُونُ المَعْنى لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا بَلْ أشْياءً. والثّانِي: أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَصْدَرِ، أيْ شَيْئًا مِنَ العَقْلِ، وإذا انْتَفى انْتَفى سائِرُ العُقُولِ، وقَدَّمَ نَفْيَ العَقْلِ؛ لِأنَّهُ الَّذِي تَصْدُرُ عَنْهُ جَمِيعُ التَّصَرُّفاتِ، وأخَّرَ نَفْيَ الهِدايَةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مُتَرَتِّبٌ عَلى نَفْيِ العَقْلِ؛ لِأنَّ الهِدايَةَ لِلصَّوابِ هي ناشِئَةٌ عَنِ العَقْلِ، وعَدَمُ العَقْلِ عَدَمٌ لَها.
البقرة 2:171
﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إلّا دُعاءً ونِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَعْقِلُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ، إذا أُمِرُوا بِاتِّباعِ ما أنْزَلَ اللَّهُ، أعْرَضُوا عَنْ ذَلِكَ ورَجَعُوا إلى ما ألِفُوهُ مِنَ اتِّباعِ الباطِلِ الَّذِي نَشَئُوا عَلَيْهِ ووَجَدُوا عَلَيْهِ آباءَهم، ولَمْ يَتَدَبَّرُوا ما يُقالُ لَهم، وصَمُّوا عَنْ سَماعِ الحَقِّ، وخَرِسُوا عَنِ النُّطْقِ بِهِ، وعَمُوا عَنْ إبْصارِ النُّورِ السّاطِعِ النَّبَوِيِّ. ذَكَرَ هَذا التَّشْبِيهَ العَجِيبَ في هَذِهِ الآيَةِ مُنَبِّهًا عَلى حالَةِ الكافِرِ في تَقْلِيدِهِ أباهُ ومُحَقِّرًا نَفْسَهُ، إذْ صارَ هو في رُتْبَةِ البَهِيمَةِ، أوْ في رُتْبَةِ داعِيها، عَلى الخِلافِ الَّذِي سَيَأْتِي في هَذا التَّشْبِيهِ.
وهَذِهِ الآيَةُ لا بُدَّ في فَهْمِ مَعْناها مِن تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ. واخْتَلَفُوا، فَمِنهم مَن قالَ: المَثَلُ مَضْرُوبٌ بِتَشْبِيهِ الكافِرِ بِالنّاعِقِ. ومِنهم مَن قالَ: هو مَضْرُوبٌ بِتَشْبِيهِ الكافِرِ بِالمَنعُوقِ بِهِ، ومِنهم مَن قالَ: هو مَضْرُوبٌ بِتَشْبِيهِ داعِي الكافِرِ بِالنّاعِقِ، ومِنهم مَن قالَ: هو مَضْرُوبٌ بِتَشْبِيهِ الدّاعِي والكافِرِ بِالنّاعِقِ والمَنعُوقِ بِهِ. فَعَلى أنَّ المَثَلَ مَضْرُوبٌ بِتَشْبِيهِ الكافِرِ بِالنّاعِقِ، قِيلَ: يَكُونُ التَّقْدِيرُ: ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في قِلَّةِ فَهْمِهِمْ وعَقْلِهِمْ، كَمَثَلِ الرُّعاةِ يُكَلِّمُونَ البَهْمَ، والبَهْمُ لا تَعْقِلُ شَيْئًا. وقِيلَ: يَكُونُ التَّقْدِيرُ: ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في دُعائِهِمْ آلِهَتَهُمُ الَّتِي لا تَفْقَهُ دُعاءَهم، كَمَثَلِ النّاعِقِ بِغَنَمِهِ، فَلا يَنْتَفِعُ مِن نَعِيقِهِ بِشَيْءٍ غَيْرَ أنَّهُ في عَناءٍ ونِداءٍ، وكَذَلِكَ الكافِرُ لَيْسَ لَهُ مِن دُعائِهِ الآلِهَةَ وعِبادَتِهِ الأوْثانَ إلّا العَناءُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَدْ ذُكِرَ هَذا القَوْلُ، إلّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا دُعاءً ونِداءً﴾ لا يُساعِدُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ الأصْنامَ لا تَسْمَعُ شَيْئًا. انْتَهى كَلامُهُ. ولَحَظَ الزَّمَخْشَرِيُّ في هَذا القَوْلِ تَمامَ التَّشْبِيهِ مِن كُلِّ جِهَةٍ، فَكَما (p-٤٨٢)أنَّ المَنعُوقَ بِهِ لا يَسْمَعُ إلّا دُعاءً ونِداءً، فَكَذَلِكَ مَدْعُوُّ الكافِرِ مِنَ الصَّنَمِ، والصَّنَمُ لا يَسْمَعُ، فَضَعُفَ عِنْدَهُ هَذا القَوْلُ. ونَحْنُ نَقُولُ: التَّشْبِيهُ وقَعَ في مُطْلَقِ الدُّعاءِ، لا في خُصُوصِيّاتِ المَدْعُوِّ، فَشُبِّهَ الكافِرُ في دُعائِهِ الصَّنَمَ بِالنّاعِقِ بِالبَهِيمَةِ، لا في خُصُوصِيّاتِ المَنعُوقِ بِهِ. وقِيلَ في هَذا القَوْلِ، أعْنِي قَوْلَ مَن قالَ التَّقْدِيرُ: ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في دُعائِهِمْ آلِهَتَهم وأصْنامَهم أنَّ النّاعِقَ هُنا لَيْسَ المُرادُ بِهِ النّاعِقَ بِالبَهائِمِ مِنَ الضَّأْنِ أوْ غَيْرِها، وإنَّما المُرادُ بِهِ الصّائِحُ في جَوْفِ الجِبالِ، فَيُجِيبُهُ مِنها صَوْتٌ يُقالُ لَهُ الصَّدا، يُجِيبُهُ ولا يَنْفَعُهُ. فالمَعْنى: بِما لا يَسْمَعُ مِنهُ النّاعِقُ إلّا دُعاءَهُ ونِداءَهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. فَعَلى القَوْلَيْنِ السّابِقَيْنِ يَكُونُ الفاعِلُ بِيَسْمَعُ ضَمِيرًا يَعُودُ عَلى ما، وهو المَنعُوقُ بِهِ. وعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ الفاعِلُ ضَمِيرًا عائِدًا عَلى الَّذِي يَنْعِقُ، ويَكُونُ الضَّمِيرُ العائِدُ عَلى ما الرّابِطُ لِلصِّلَةِ بِالمَوْصُولِ مَحْذُوفًا لِفَهْمِ المَعْنى تَقْدِيرُهُ: بِما لا يَسْمَعُ مِنهُ، ولَيْسَ فِيهِ شُرُوطُ جَوازِ الحَذْفِ؛ لِأنَّ الضَّمِيرَ مَجْرُورٌ بِحَرْفِ جَرِّ المَوْصُولِ بِغَيْرِهِ. واخْتَلَفَ ما يَتَعَلَّقانِ بِهِ، فالحَرْفُ الأوَّلُ باءٌ تَعَلَّقَتْ بِيَنْعِقُ، والثّانِي مِن تَعَلَّقَ بِيَسْمَعُ. وقَدْ جاءَ في كَلامِهِمْ مِثْلُ هَذا، قالَ: وقِيلَ المُرادُ بِـ”الَّذِينَ كَفَرُوا“: المَتْبُوعُونَ لا التّابِعُونَ، ومَعْناهُ: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في دُعائِهِمْ أتْباعِهِمْ، وكَوْنُ أتْباعِهِمْ لا يَحْصُلُ لَهم مِنهم إلّا الخَيْبَةُ والخُسْرانُ، كَمَثَلِ النّاعِقِ بِالغَنَمِ. وأمّا القَوْلُ عَلى أنَّ المَثَلَ مَضْرُوبٌ بِتَشْبِيهِ الكافِرِ بِالمَنعُوقِ بِهِ، وهو البَهائِمُ الَّتِي لا تَعْقِلُ مِثْلُ: الإبِلِ، والبَقَرِ، والغَنَمِ، والحَمِيرِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ والحَسَنِ والرَّبِيعِ والسُّدِّيِّ. وأكْثَرِ المُفَسِّرِينَ اخْتَلَفُوا في تَقْدِيرِ مُصَحِّحِ هَذا التَّشْبِيهِ، فَقِيلَ التَّقْدِيرُ: ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في دُعائِهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى وعَدَمِ سَماعِهِمْ إيّاهُ كَمَثَلِ بَهائِمِ الَّذِي يَنْعِقُ، فَهو عَلى حَذْفِ قَيْدٍ في الأوَّلِ، وحَذْفِ مُضافٍ مِنَ الثّانِي. وقِيلَ التَّقْدِيرُ: ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في عَدَمِ فَهْمِهِمْ عَنِ اللَّهِ وعَنْ رَسُولِهِ، كَمَثَلِ المَنعُوقِ بِهِ مِنَ البَهائِمِ الَّتِي لا تَفْقَهُ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ غَيْرَ الصَّوْتِ. فَيُرادُ بِالَّذِي يَنْعِقُ الَّذِي يُنْعَقُ بِهِ، فَيَكُونُ هَذا مِنَ المَقْلُوبِ عِنْدَهم. قالُوا: كَما تَقُولُ: دَخَلَ الخاتَمُ في يَدِي والخُفُّ في رِجْلِي. وكَقَوْلِهِمْ: عَرَضَ الحَوْضَ عَلى النّاقَةِ، وأوْرَدُوا مِمّا ذَكَرُوا أنَّهُ مَقْلُوبُ جُمْلَةٍ. وذَهَبَ إلى هَذا التَّفْسِيرِ أبُو عُبَيْدَةَ والفَرّاءُ وجَماعَةٌ، ويَنْبَغِي أنْ يُنَزَّهَ القُرْآنُ عَنْهُ؛ لِأنَّ الصَّحِيحَ أنَّ القَلْبَ لا يَكُونُ إلّا في الشِّعْرِ، أوْ إنْ جاءَ في الكَلامِ فَهو مِنِ القِلَّةِ بِحَيْثُ لا يُقاسُ عَلَيْهِ. وأمّا القَوْلُ عَلى أنَّ المَثَلَ مَضْرُوبٌ بِتَشْبِيهِ داعِي الكافِرِ بِالنّاعِقِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هو عَلى تَقْدِيرِ: ومَثَلُ داعِي الَّذِينَ كَفَرُوا. فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، فَلا يَكُونُ مِن تَشْبِيهِ الكافِرِ بِالنّاعِقِ، ولا بِالمَنعُوقِ، وإنَّما يَكُونُ مِن بابِ تَشْبِيهِ داعِي الكافِرِ في دُعائِهِ إيّاهُ بِالنّاعِقِ بِالبَهائِمِ، في كَوْنِ الكافِرِ لا يَفْهَمُ مِمّا يُخاطِبُهُ بِهِ داعِيهِ إلّا دَوِيَّ الصَّوْتِ دُونَ إلْقاءِ ذِهْنٍ ولا فِكْرٍ، فَهو شَبِيهٌ بِالنّاعِقِ بِالبَهِيمَةِ الَّتِي لا تَسْمَعُ مِنَ النّاعِقِ بِها إلّا دُعاءَهُ ونِداءَهُ، ولا تَفْهَمُ شَيْئًا آخَرَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِما لا يَسْمَعُ الأصَمُّ الأصْلَخُ، الَّذِي لا يَسْمَعُ مِن كَلامِ الرّافِعِ صَوْتَهُ بِكَلامِهِ إلّا النِّداءَ والصَّوْتَ لا غَيْرَ، مِن غَيْرِ فَهْمٍ لِلْحُرُوفِ. وأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ المَثَلَ مَضْرُوبٌ بِتَشْبِيهِ الدّاعِي والكافِرِ بِالنّاعِقِ والمَنعُوقِ بِهِ، فَهو الَّذِي اخْتارَهُ سِيبَوَيْهِ في الآيَةِ. أنَّ المَعْنى: مَثَلُكَ يا مُحَمَّدُ ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا، كَمَثَلِ النّاعِقِ والمَنعُوقِ بِهِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في كَلامِ سِيبَوَيْهِ فَقِيلَ: هو تَفْسِيرُ مَعْنًى لا تَفْسِيرُ إعْرابٍ، وقِيلَ: هو تَفْسِيرُ إعْرابٍ، وهو أنَّ في الكَلامِ حَذْفَيْنِ: حَذْفٌ مِنَ الأوَّلِ، وهو حَذْفُ داعِيهِمْ، وقَدْ أُثْبِتَ نَظِيرُهُ في الثّانِي، وحَذْفٌ مِنَ الثّانِي، وهو حَذْفُ المَنعُوقِ بِهِ، وقَدْ أُثْبِتَ نَظِيرُهُ في الأوَّلِ؛ فَشَبَّهَ داعِيَ الكُفّارِ بِراعِي الغَنَمِ في مُخاطَبَتِهِ مَن لا يَفْهَمُ عَنْهُ، وشَبَّهَ الكُفّارَ بِالغَنَمِ في كَوْنِهِمْ لا يَسْمَعُونَ مِمّا دُعُوا إلَيْهِ إلّا أصْواتًا، ولا يَعْرِفُونَ ما وراءَها. وفي هَذا الوَجْهِ حَذْفٌ (p-٤٨٣)كَثِيرٌ، إذْ فِيهِ حَذْفُ مَعْطُوفَيْنِ، إذِ التَّقْدِيرُ الصِّناعِيُّ: ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا وداعِيهِمْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ والمَنعُوقِ بِهِ. وذَهَبَ إلى تَقْرِيرِ هَذا الوَجْهِ جَماعَةٌ مِن أصْحابِنا، مِنهُمُ الأُسْتاذُ أبُو بَكْرِ بْنُ طاهِرٍ وتِلْمِيذُهُ أبُو الحَسَنِ بْنُ خَرُوفٍ، والأُسْتاذُ أبُو عَلِيٍّ الشَّنْلُوبِينُ وقالُوا: إنَّ العَرَبَ تَسْتَحْسِنُهُ، وإنَّهُ مِن بَدِيعِ كَلامِها، ومِثالُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ﴾ [النمل: ١٢] التَّقْدِيرُ: وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَدْخُلُ، وأخْرِجْها تَخْرُجْ بَيْضاءُ، فَحَذَفَ تَدْخُلُ لِدَلالَةِ ”تَخْرُجْ“، وحَذَفَ وأخْرِجْها لِدَلالَةِ ”وأدْخِلْ“، قالُوا: ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وإنِّي لَتَعْرُونِي لِذِكْراكِ فَتْرَةٌ كَما انْتَفَضَ العُصْفُورُ بَلَّلَهُ القَطْرُ
لَمْ يُرِدْ أنْ يُشَبِّهَ فَتْرَتَهُ بِانْتِفاضِ العُصْفُورِ حِينَ يَبُلُّهُ القَطْرُ، لِكَوْنِهِما حَرَكَةً وسُكُونًا، فَهُما ضِدّانِ، ولَكِنَّ تَقْدِيرُهُ: إنِّي إذا ذَكَرْتُكِ عَرانِي انْتِفاضٌ ثُمَّ أفْتُرُ، كَما أنَّ العُصْفُورَ إذا بَلَّلَهُ القَطْرُ عَراهُ فَتْرَةٌ ثُمَّ يَنْتَفِضُ، غَيْرَ أنَّ وجِيبَ قَلْبِهِ واضْطِرابِهِ قَبْلَ الفَتْرَةِ، وفَتْرَةُ العُصْفُورِ قَبْلَ انْتِفاضِهِ. وهَذِهِ الأقْوالُ كُلُّها في التَّشْبِيهِ، إنَّما هي عَلى مُراعاةِ تَشْبِيهِ مُفْرَدٍ بِمُفْرَدٍ، ومُقابَلَةُ جُزْءٍ مِنَ الكَلامِ السّابِقِ بِجُزْءٍ مِنَ الكَلامِ المُشَبَّهِ بِهِ. وأمّا إذا كانَ التَّشْبِيهُ مِن بابِ تَشْبِيهِ الجُمْلَةِ بِالجُمْلَةِ، فَلا يُراعى في ذَلِكَ مُقابَلَةُ الألْفاظِ المُفْرَدَةِ، بَلْ يُنْظَرُ فِيهِ إلى المَعْنى. وعَلى هَذا الضَّرْبِ مِنَ التَّشْبِيهِ حَمَلَ الآيَةَ أبُو القاسِمِ الرّاغِبُ، قالَ الرّاغِبُ: فَلَمّا شَبَّهَ قِصَّةَ الكافِرِينَ في إعْراضِهِمْ عَنِ الدّاعِي لَهم إلى الحَقِّ بِقِصَّةِ النّاعِقِ، قَدَّمَ ذِكْرَ النّاعِقِ لِيَبْنِيَ عَلَيْهِ ما يَكُونُ مِنهُ ومِنَ المَنعُوقِ بِهِ. وعَلى هَذا ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٦١]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [آل عمران: ١١٧] . فَهَذِهِ تِسْعَةُ أقْوالٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ.
وقَدْ بَقِيَ شَيْءٌ مِنَ الكَلامِ عَلَيْها، فَنَقُولُ: و”مَثَلُ الَّذِينَ“ مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ ”كَمَثَلِ“، والكافُ لِلتَّشْبِيهِ. شَبَّهَ الصِّفَةَ بِالصِّفَةِ، أيْ صِفَتُهم كَصِفَةِ الَّذِي يَنْعِقُ. ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ الكافَ زائِدَةٌ، فَقَوْلُهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ الصِّفَةَ لَيْسَتْ عَيْنَ الصِّفَةِ، فَلا بُدَّ مِنَ الكافِ الَّتِي تُعْطِي التَّشْبِيهَ. بَلْ لَوْ جاءَ دُونَ الكافِ لَكُنّا نَعْتَقِدُ حَذْفَها؛ لِأنَّ بِهِ تَصْحِيحَ المَعْنى. والَّذِي يَنْعِقُ، لا يُرادُ بِهِ مُفْرَدٌ، بَلِ المُرادُ الجِنْسُ. وتَقَدَّمَ أنَّ المُرادَ: كالنّاعِقِ بِالبَهائِمِ، أوْ كالمُصَوِّتِ في الجِبالِ الَّذِي لا يُجِيبُهُ مِنها إلّا الصَّدا، أوْ كالمُصَوِّتِ بِالأصَمِّ الأصْلَخِ، أوِ كالمَنعُوقِ بِهِ، فَيَكُونُ مِن بابِ القَلْبِ. وقِيلَ: كالمُصَوِّتِ بِشَيْءٍ بَعِيدٍ مِنهُ، فَهو لا يَسْمَعُ مِن أجْلِ البُعْدِ، فَلَيْسَ لِلْمُصَوِّتِ مِن ذَلِكَ إلّا النِّداءُ الَّذِي يُنْصِبُهُ ويُتْعِبُهُ. وقِيلَ: وقَعَ التَّشْبِيهُ بِالرّاعِي لِلضَّأْنِ؛ لِأنَّها مِن أبْلَهِ الحَيَوانِ، فَهي تُحَمِّقُ راعِيَها. وفي المَثَلِ: أحْمَقُ مِن راعِي ضَأْنٍ ثَمانِينَ. وقالَ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةَ لِمالِكِ بْنِ عَوْفٍ يَوْمَ هَوازِنَ: راعِي ضَأْنٍ واللَّهِ؛ لِأنَّهُ لَمّا جاءَ إلى قِتالِ النَّبِيِّ ﷺ أمَرَ هَوازِنَ ومَن كانَ مَعَهم أنْ يَحْمِلُوا مَعَهُمُ المالَ والنِّساءَ، فَلَمّا لَقِيَهُ دُرَيْدٌ قالَ: أراكَ سُقْتَ المالَ والنِّساءَ ؟ فَقالَ: يُقاتِلُونَ عَنْ أمْوالِهِمْ وحَرِيمِهِمْ. فَقالَ لَهُ دُرَيْدٌ: أمِنتَ أنْ تَكُونَ عَلَيْكَ راعِيَ ضَأْنٍ واللَّهِ لا أصْحَبْتُكَ، وقالَ الشّاعِرُ:
؎أصْبَحْتُ هُزْءًا لِراعِي الضَّأْنِ يَهْزَأُ بِي ∗∗∗ ماذا يَرِيبُكَ مِنِّي راعِيَ الضَّأْنِ
”إلّا دُعاءً ونِداءً“: هَذا اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ؛ لِأنَّ قَبْلَهُ فِعْلٌ مَبْنِيٌّ مُتَعَدٍّ لَمْ يَأْخُذْ مَفْعُولَهُ. وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّهُ لَيْسَ اسْتِثْناءً مُفَرَّغًا وأنْ ”إلّا“ زائِدَةٌ، والدُّعاءُ والنِّداءُ مَنفِيٌّ سَماعُهُما، والتَّقْدِيرُ: بِما لا يَسْمَعُ دُعاءً ولا نِداءً، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ القَوْلَ بِزِيادَةِ ”إلّا“ قَوْلٌ بِلا دَلِيلٍ. وقَدْ ذَهَبَ الأصْمَعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ:
؎حَراجِيجَ ما تَنْفَكُّ إلّا مُناخَةً ∗∗∗ عَلى الخَسْفِ أوْ نَرْمِي بِها بَلَدًا قَفْرا
وضَعُفَ قَوْلُهُ في ذَلِكَ، ولَمْ يُثْبِتْ زِيادَةَ إلّا في مَكانٍ مَقْطُوعٍ بِهِ، فَنُثْبِتُ لَها الزِّيادَةَ، وأوْرَدَ بَعْضُهم هُنا سُؤالًا فَقالَ: فَإنْ قِيلَ قَوْلُهُ: ”لا يَسْمَعُ إلّا دُعاءً ونِداءً“، لَيْسَ المَسْمُوعُ إلّا الدُّعاءَ والنِّداءَ، فَكَيْفَ ذَمَّهم بِأنَّهم (p-٤٨٤)لا يَسْمَعُونَ إلّا الدُّعاءَ ؟ وكَأنَّهُ قِيلَ: لا يَسْمَعُونَ إلّا المَسْمُوعَ، وهَذا لا يَجُوزُ. فالجَوابُ: أنَّ في الكَلامِ إيجازًا، وإنَّما المَعْنى: لا يَفْهَمُونَ مَعانِيَ ما يُقالُ لَهم، كَما لا يُمَيِّزُ البَهائِمُ بَيْنَ مَعانِي الألْفاظِ الَّتِي لا تُصَوِّتُ بِها، وإنَّما يَفْهَمُ شَيْئًا يَسِيرًا، وقَدْ أدْرَكَتْهُ بِطُولِ المُمارَسَةِ وكَثْرَةِ المُعاوَدَةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَيْسَ لَهم إلّا سَماعُ النِّداءِ دُونَ إدْراكِ المَعانِي والأعْراضِ. انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: إنَّما ثَنّى فَقالَ: ”﴿إلّا دُعاءً ونِداءً﴾“؛ لِأنَّ الدُّعاءَ طَلَبُ الفِعْلِ والنِّداءَ إجابَةُ الصَّوْتِ.
﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الكَلِمِ.
﴿فَهم لا يَعْقِلُونَ﴾: لَمّا تَقَرَّرَ فَقْدُهم لِمَعانِي هَذِهِ الحَواسِّ، قَضى بِأنَّهم لا يَعْقِلُونَ. كَما قالَ أبُو المَعالِي وغَيْرُهُ: العَقْلُ عُلُومٌ ضَرُورِيَّةٌ يُعْطِيها هَذِهِ الحَواسَّ، إذْ لا بُدَّ في كَسْبِها مِنَ الحَواسِّ. انْتَهى. قِيلَ: والمُرادُ العَقْلُ الِاكْتِسابِيُّ؛ لِأنَّ العَقْلَ المَطْبُوعَ كانَ حاصِلًا لَهم، والعَقْلُ عَقْلانِ: مَطْبُوعٌ ومَكْسُوبٌ. ولَمّا كانَ الطَّرِيقُ لِاكْتِسابِ العَقْلِ المُكْتَسَبِ هو الِاسْتِعانَةُ بِهَذِهِ القُوى الثَّلاثِ، كانَ إعْراضُهم عَنْها فَقْدًا لِلْعَقْلِ المُكْتَسَبِ، ولِهَذا قِيلَ: مَن فَقَدَ حِسّا فَقَدْ فَقَدَ عَقْلًا.
البقرة 2:172
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾: لَمّا أباحَ تَعالى لِعِبادِهِ أكْلَ ما في الأرْضِ مِنَ الحَلالِ الطَّيِّبِ، وكانَتْ وُجُوهُ الحَلالِ كَثِيرَةً، بَيَّنَ لَهم ما حَرَّمَ عَلَيْهِمْ، لِكَوْنِهِ أقَلَّ. فَلَمّا بَيَّنَ ما حَرَّمَ، بَقِيَ ما سِوى ذَلِكَ عَلى التَّحْلِيلِ حَتّى يَرِدَ مَنعٌ آخَرُ. وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ ﷺ لَمّا سُئِلَ عَمّا يَلْبَسُ المُحْرِمُ فَقالَ: «لا يَلْبَسُ القَمِيصَ ولا السَّراوِيلَ»، فَعَدَلَ عَنْ ذِكْرِ المُباحِ إلى ذِكْرِ المَحْظُورِ، لِكَثْرَةِ المُباحِ وقِلَّةِ المَحْظُورِ، وهَذا مِنِ الإيجازِ البَلِيغِ. و”الَّذِينَ آمَنُوا“: جَمْعُ مَن آمَنَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أهْلُ المَدِينَةِ، فاللَّفْظُ عامٌّ والمُرادُ خاصٌّ. وقِيلَ: هَذا الخِطابُ مُؤَكِّدًا لِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٨] . ولَمّا كانَ لَفْظُ النّاسِ يَعُمُّ المُؤْمِنَ والكافِرَ مَيَّزَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ بِهَذا النِّداءِ، تَشْرِيفًا لَهم وتَنْبِيهًا عَلى خُصُوصِيَّتِهِمْ. وظاهِرُ ”كُلُوا“: الأمْرُ بِالأكْلِ المَعْهُودِ. وقِيلَ: المُرادُ الِانْتِفاعُ بِهِ، ونَبَّهَ بِالأكْلِ عَلى وُجُوهِ الِانْتِفاعِ، إذْ كانَ الأكْلُ أعْظَمَها، إذْ بِهِ تَقُومُ البِنْيَيِّنَةُ. قِيلَ: وهَذا أقْرَبُ إلى المَعْنى؛ لِأنَّهُ تَعالى ما خَصَّ الحِلَّ والحُرْمَةَ بِالمَأْكُولاتِ، بَلْ بِسائِرِ ما يُنْتَفَعُ بِهِ مِن أكْلٍ وشُرْبٍ ولُبْسٍ وغَيْرِ ذَلِكَ. والطَّيِّباتُ. قِيلَ: الحَلالُ، وقِيلَ: المُسْتَلَذُّ المُسْتَطابُ، لَكِنْ بِشَرْطِ أنْ (p-٤٨٥)يَكُونُ حَلالًا. وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا الشَّرْطُ في قَوْلِهِ: ﴿كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨]، فَصارَ هَذا الأمْرُ الثّانِي مِثْلَ الأوَّلِ في أنَّ مُتَعَلِّقَةَ المُسْتَلَذَّ الحَلالَ. ”ما رَزَقْناكم“: فِيهِ إسْنادُ الرِّزْقِ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ بِنُونِ العَظَمَةِ، لِما في الرِّزْقِ مِنَ الِامْتِنانِ والإحْسانِ. وإذا فَسَّرَ الطَّيِّباتِ بِالحَلالِ، كانَ في ذَلِكَ دَلالَةً عَلى أنَّ ما رَزَقَهُ اللَّهُ يَنْقَسِمُ إلى حَلالٍ وإلى حَرامٍ، بِخِلافِ ما ذَهَبَتْ إلَيْهِ المُعْتَزِلَةُ، مِن أنَّ الرِّزْقَ لا يَكُونُ إلّا حَلالًا. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الرِّزْقِ في أوَّلِ السُّورَةِ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا. ومَن مَنَعَ أنْ يَكُونَ الرِّزْقُ حَرامًا قالَ: المُرادُ كُلُوا مِن مُسْتَلَذِّ ما رَزَقْناكم، وهو الحَلالُ، أمَرَ بِذَلِكَ وأباحَهُ تَعالى دَفْعًا لِمَن يَتَوَهَّمُ أنَّ التَّنَوُّعَ في المَطاعِمِ والتَّفَنُّنَ في إطابَتِها مَمْنُوعٌ مِنهُ، فَكانَ تَخْصِيصُ المُسْتَلَذِّ بِالذِّكْرِ لِهَذا المَعْنى.
﴿واشْكُرُوا لِلَّهِ﴾: هَذا مِنَ الِالتِفاتِ، إذْ خَرَجَ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ إلى اسْمِ الغائِبِ، وحِكْمَةُ ذَلِكَ ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّ هَذا الِاسْمَ الظّاهِرَ مُتَضَمِّنٌ لِجَمِيعِ الأوْصافِ الَّتِي مِنها وصْفُ الإنْعامِ والزِّرْقِ والشُّكْرِ، لَيْسَ عَلى هَذا الإذْنُ الخاصُّ، بَلْ يَشْكُرُ عَلى سائِرِ الإنْعاماتِ والإامْتِناناتِ الَّتِي مِنها هَذا الِامْتِنانُ الخاصُّ. وجاءَ هُنا تَعْدِيَةُ الشُّكْرِ بِاللّامِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ.
(وتَضَمَّنَتْ) هَذِهِ الآيَةُ أمْرَيْنِ: الأوَّلُ: (كُلُوا)، قالُوا: وهو عِنْدَ دَفْعِ الضَّرَرِ واجِبٌ، ومَعَ الضَّيْفِ مَندُوبٌ إلَيْهِ، وإذا خَلا عَنِ العَوارِضِ كانَ مُباحًا، وكَذا هو في الآيَةِ. والثّانِي: ﴿واشْكُرُوا لِلَّهِ﴾، وهو أمْرٌ ولَيْسَ بِإباحَةٍ. قِيلَ: ولا يُمْكِنُ القَوْلُ بِوُجُوبِ الشُّكْرِ؛ لِأنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ بِالقَلْبِ، أوْ بِاللِّسانِ، أوْ بِالجَوارِحِ. فَبِالقَلْبِ هو العِلْمُ بِصُدُورِ النِّعْمَةِ مِنَ المُنْعِمِ، أوِ العَزْمُ عَلى تَعْظِيمِهِ بِاللِّسانِ، أوِ الجَوارِحِ. أمّا ذَلِكَ العِلْمُ فَهو مِن لَوازِمِ كَمالِ العَقْلِ، فَإنَّ العاقِلَ لا يَنْسى ذَلِكَ. فَإذا كانَ ذَلِكَ العِلْمُ ضَرُورِيًّا، فَكَيْفَ يُمْكِنُ إيجابُهُ ؟ وأمّا العَزْمُ عَلى تَعْظِيمِهِ بِاللِّسانِ والجَوارِحِ، فَذَلِكَ العَزْمُ القَلْبِيُّ تابِعٌ لِلْإقْرارِ اللِّسانِيِّ والعَمَلِ بِالجَوارِحِ. فَإذا بَيَّنّا أنَّهُما لا يَجِبانِ، كانَ العَزْمُ بِأنْ لا يَجِبَ أوْلى. وأمّا الشُّكْرُ بِاللِّسانِ، فَإمّا أنْ يُفَسَّرَ بِالِاعْتِرافِ لَهُ بِكَوْنِهِ مُنْعِمًا، أوْ بِالثَّناءِ عَلَيْهِ. فَهَذا غَيْرُ واجِبٍ بِالِاتِّفاقِ، بَلْ هو مِن بابِ المَندُوباتِ. وأمّا الشُّكْرُ بِالجَوارِحِ والأعْضاءِ فَهو أنْ يَأْتِيَ بِأفْعالٍ دالَّةٍ عَلى تَعْظِيمِهِ، وذَلِكَ أيْضًا غَيْرُ واجِبٍ. وقالَ غَيْرُ هَذا القائِلِ الَّذِي تَلَخَّصَ أنَّهُ يَجِبُ اعْتِقادُ كَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لِلتَّعْظِيمِ، وإظْهارُ ذَلِكَ بِاللِّسانِ أوْ سائِرِ الأفْعالِ إنْ وُجِدَتْ هُناكَ. وهَذا البَحْثُ في وُجُوبِ الشُّكْرِ أوْ عَدَمِ وُجُوبِهِ، كانَ يُناسِبُ في أوَّلِ شُكْرِ أمْرٍ بِهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿واشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢] .
﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾: مَن ذَهَبَ إلى أنَّ مَعْناها مَعْنى إذْ، فَقَوْلُهُ ضَعِيفٌ، وهو قَوْلٌ كُوفِيٌّ، ولا يُرادُ بِالشَّرْطِ هُنا إلّا التَّثَبُّتُ والهَزُّ لِلنُّفُوسِ، وكَأنَّ المَعْنى: العِبادَةُ لَهُ واجِبَةٌ، فالشُّكْرُ لَهُ واجِبٌ، وذَلِكَ كَما تَقُولُ لِمَن هو مُتَحَقِّقُ العُبُودِيَّةِ: إنْ كُنْتَ عَبْدِي فَأطِعْنِي، لا تُرِيدُ بِذَلِكَ التَّعْلِيقَ المَحْضَ، بَلْ تُبْرِزُهُ في صُورَةِ التَّعْلِيقِ لِيَكُونَ أدْعى لِلطّاعَةِ وأهَزَّ لَها. وقِيلَ: عَبَّرَ بِالعِبادَةِ عَنِ العِرْفانِ، كَما قالَ: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] . قِيلَ: مَعْناهُ لِيَعْرِفُونِ، فَيَكُونُ المَعْنى: اشْكُرُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ عارِفِينَ بِهِ وبِنِعَمِهِ، وذَلِكَ مِن إطْلاقِ الأثَرِ عَلى المُؤَثِّرِ. وقِيلَ: عَبَّرَ بِالعِبادَةِ عَنْ إرادَةِ العِبادَةِ، أيِ اشْكُرُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ عِبادَتَهُ؛ لِأنَّ الشُّكْرَ رَأْسُ العِباداتِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنْ صَحَّ أنَّكم تَخْتَصُّونَهُ بِالعِبادَةِ وتُقِرُّونَ أنَّهُ مَوْلى النِّعَمِ. وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ «يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ”إنِّي والجِنَّ والإنْسَ في نَبَأٍ عَظِيمٍ: أخْلُقُ ويُعْبَدُ غَيْرِي، وأرْزُقُ ويُشْكَرُ غَيْرِي“» . انْتَهى كَلامُهُ. وإيّا هُنا مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ، وقُدِّمَ لِكَوْنِ العامِلِ فِيهِ وقَعَ رَأْسَ آيَةٍ، ولِلِاهْتِمامِ بِهِ والتَّعْظِيمِ لِشَأْنِهِ؛ لِأنَّهُ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، كَما في قَوْلِكَ: ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، وهَذا مِنَ المَوْضِعِ الَّتِي يَجِبُ فِيها انْفِصالُ الضَّمِيرِ، وهو إذا تَقَدَّمَ عَلى العامِلِ أوْ تَأخَّرَ، لَمْ (p-٤٨٦)يَنْفَصِلْ إلّا في ضَرُورَةٍ، قالَ:
؎إلَيْكَ حَتّى بَلَغْتُ إيّا كا
البقرة 2:173
﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ”إنَّما“ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١١] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”حَرَّمَ“ مُسْنَدًا إلى ضَمِيرِ اسْمِ اللَّهِ، وما بَعْدَهُ نُصِبَ، فَتَكُونُ ما مُهَيِّئَةً في إنَّما. هَيَّأتْ إنَّ لِوِلايَتِها الجُمْلَةَ الفِعْلِيَّةَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِرَفْعِ ”المَيْتَةِ“ وما بَعْدَها، فَتَكُونُ ما مَوْصُولَةً اسْمَ إنَّ، والعائِدُ عَلَيْها مَحْذُوفٌ، أيْ إنَّ الَّذِي حَرَّمَهُ اللَّهُ المَيْتَةَ، وما بَعْدَها خَبَرُ إنَّ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: ”حُرِّمَ“ مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، فاحْتَمَلَتْ ما وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً اسْمَ إنَّ، والعائِدُ الضَّمِيرُ المُسْتَكِنُّ في حَرَّمَ. والمَيْتَةُ خَبَرُ إنَّ. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ تَكُونَ ما مُهَيِّئَةً و”المَيْتَةُ“ مَرْفُوعٌ بِحَرَّمَ. وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ: ”إنَّما حَرُمَ“، بِفَتْحِ الحاءِ وضَمِّ الرّاءِ مُخَفَّفَةً جَعَلَهُ لازِمًا، و”المَيْتَةُ“ وما بَعْدَها مَرْفُوعٌ. ويُحْتَمَلُ ما الوَجْهَيْنِ مِنَ التَّهْيِئَةِ والوَصْلِ، و”المَيْتَةُ“ فاعِلُ يَحْرُمُ، إنْ كانَتْ ما مُهَيِّئَةً، وخَبَرُ إنَّ، إنْ كانَتْ ما مَوْصُولَةً. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: المَيِّتَةُ، بِتَشْدِيدِ الياءِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، وهو أصْلٌ لِلتَّخْفِيفِ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا التَّخْفِيفِ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ كَصَيِّبٍ﴾ [البقرة: ١٩]، وهُما لُغَتانِ جَيِّدَتانِ، وقَدْ جَمَعَ بَيْنَهُما الشّاعِرُ في قَوْلِهِ:
؎لَيْسَ مَن ماتَ فاسْتَراحَ بِمَيْتٍ إنَّما المَيْتُ مَيِّتُ الأحْياءِ
قِيلَ: وحَكى أبُو مُعاذٍ عَنِ النَّحْوِيِّينَ الأوَّلِينَ، أنَّ المَيْتَ بِالتَّخْفِيفِ: الَّذِي فارَقَتْهُ الرُّوحُ، والمَيِّتُ بِالتَّشْدِيدِ: الَّذِي لَمْ يَمُتْ، بَلْ عايَنَ أسْبابَ المَوْتِ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في المَوْتِ. (ولَمّا أمَرَ تَعالى): بِأكْلِ الحَلالِ في الآيَةِ السّابِقَةِ، فَصَّلَ هُنا أنْواعَ الحَرامِ، وأسْنَدَ التَّحْرِيمَ إلى المَيْتَةِ. والظّاهِرُ أنَّ المَحْذُوفَ هو الأكْلُ؛ لِأنَّ التَّحْرِيمَ لا يَتَعَلَّقُ بِالعَيْنِ، ولِأنَّ السّابِقَ المُباحَ هو الأكْلُ في قَوْلِهِ: ﴿كُلُوا مِمّا في الأرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٨]، ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢] . فالمَمْنُوعُ هُنا هو الأكْلُ، وهَكَذا حَذْفُ المُضافِ يُقَدَّرُ بِما يُناسِبُ. فَقَوْلُهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، المَحْذُوفُ: وطْءٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: وطْءُ أُمَّهاتِكم، ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، أيْ وطْءُ ما وراءَ ذَلِكم. فَسائِرُ وُجُوهِ الِانْتِفاعاتِ مُحَرَّمٌ مِن هَذِهِ الأعْيانِ المَذْكُورَةِ، إمّا بِالقِياسِ عَلى الأكْلِ عِنْدَ مَن يَقُولُ بِالقِياسِ، وإمّا بِدَلِيلِ سَمْعِيٍّ عِنْدَ مَن لا يَقُولُ بِهِ.
وقالَ بَعْضُ النّاسِ ما مَعْناهُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أسْنَدَ التَّحْرِيمَ إلى المَيْتَةِ، وما نَسَّقَ عَلَيْها وعَلَّقَهُ بِعَيْنِها، كانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى تَأْكِيدِ حُكْمِ التَّحْرِيمِ وتَناوُلِ سائِرِ وُجُوهِ المَنافِعِ، فَلا يُخَصُّ شَيْءٌ مِنها إلّا بِدَلِيلٍ يَقْتَضِي جَوازَ الِانْتِفاعِ بِهِ، فاسْتَنْبَطَ هَذا القَوْلُ تَحْرِيمَ سائِرِ الِانْتِفاعاتِ مِنَ اللَّفْظِ. والأظْهَرُ ما ذَكَرْناهُ مِن تَخَصُّصِ المُضافِ المَحْذُوفِ بِأنَّهُ الأكْلُ. وظاهِرُ لَفْظِ المَيْتَةِ يَتَناوَلُ العُمُومَ، ولا يُخَصُّ شَيْءٌ مِنها إلّا بِدَلِيلٍ. قالَ قَوْمٌ: خُصَّ هَذا العُمُومُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ وطَعامُهُ مَتاعًا لَكم ولِلسَّيّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦]، وبِما رُوِيَ مِن قَوْلِهِ ﷺ: «أُحِلَّتْ لَنا مَيْتَتانِ» . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الحُوتُ والجَرادُ لَمْ يَدْخُلْ قَطُّ في هَذا العُمُومِ. انْتَهى. فَإنْ عَنى لَمْ يَدْخُلْ في دَلالَةِ اللَّفْظِ، فَلا نُسَلِّمُ لَهُ ذَلِكَ. وإنْ عَنى لَمْ يَدْخُلْ في الإرادَةِ، فَهو كَما قالَ لِأنَّ المُخَصَّصَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ الدُّخُولَ في اللَّفْظِ العامِّ الَّذِي خُصِّصَ بِهِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ) في المَيْتاتِ ما يَحِلُّ وهو السَّمَكُ والجَرادُ (قُلْتُ): قَصَدَ ما يَتَفاهَمُهُ النّاسُ ويَتَعارَفُونَهُ في العادَةِ. ألا تَرى أنَّ القائِلَ إذا قالَ: أكَلَ فُلانٌ مَيْتَةً، لَمْ يَسْبِقِ الفَهْمُ إلى السَّمَكِ والجَرادِ ؟ كَما لَوْ قالَ: أكَلَ دَمًا، لَمْ يَسْبِقْ إلى الكَبِدِ والطِّحالِ. ولِاعْتِبارِ العادَةِ والتَّعارُفِ قالُوا: مَن حَلَفَ لا يَأْكُلُ لَحْمًا فَأكَلَ سَمَكًا، لَمْ يَحْنَثْ وإنْ أكَلَ لَحْمًا في الحَقِيقَةِ. وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لِتَأْكُلُوا مِنهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: ١٤]، وشَبَّهُوهُ بِمَن حَلَفَ لا يَرْكَبُ دابَّةً، فَرَكِبَ كافِرًا، لَمْ يَحْنَثْ وإنْ سَمّاهُ اللَّهُ دابَّةً في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٥٥] . انْتَهى كَلامُهُ.
ومُلَخَّصُ ما يَقُولُهُ: إنَّ السَّمَكَ والجَرادَ لَمْ يَنْدَرِجْ في عُمُومِ المَيْتَةِ مِن حَيْثُ الدَّلالَةُ، ولَيْسَ كَما قالَ. وكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ، وقَدْ (p-٤٨٧)رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «أُحِلَّتْ لَنا مَيْتَتانِ»، فَلَوْ لَمْ يَنْدَرِجْ في الدَّلالَةِ لَما احْتِيجَ إلى تَقْرِيرٍ شَرْعِيٍّ في حِلِّهِ، إذْ كانَ يَبْقى مَدْلُولًا عَلى حِلِّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿كُلُوا مِمّا في الأرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٨]، ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢] . ولَيْسَ مِن شَرْطِ العُمُومِ ما يَتَفاهَمُهُ النّاسُ ويَتَعارَفُونَهُ في العادَةِ، كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، بَلْ لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُخاطَبِ شُعُورٌ ألْبَتَّةَ، ولا عِلْمٌ بِبَعْضِ أفْرادِ العامِّ، وعُلِّقَ الحُكْمُ عَلى العامِّ؛ لانْدَرَجَ فِيهِ ذَلِكَ الفَرْدُ الَّذِي لا شُعُورَ لِلْمُخاطَبِ بِهِ. مِثالُ ذَلِكَ ما جاءَ في الحَدِيثِ: «نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أكْلِ كُلِّ ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ» . فَهَذا عُلِّقَ الحُكْمُ فِيهِ بِكُلِّ ذِي نابٍ. والمُخاطَبُ - الَّذِينَ هُمُ العَرَبُ - لا عِلْمَ لَهم بِبَعْضِ أفْرادِ ذِي النّابِ، وذَلِكَ الفَرْدُ مُنْدَرِجٌ في العُمُومِ يُقْضى عَلَيْهِ بِالنَّهْيِ، كَما في بِلادِنا - بِلادِ الأنْدَلُسِ - حَيَوانٌ مُفْتَرِسٌ يُسَمّى عِنْدَهم بِالدُّبِّ وبِالسَّمْعِ، وهو ذُو أنْيابٍ يَفْتَرِسُ الرَّجُلَ ويَأْكُلُهُ، ولا يُشْبِهُ الأسَدَ، ولا الذِّئْبَ، ولا النَّمِرَ، ولا شَيْئًا مِمّا يَعْرِفُهُ العَرَبُ، ولا نَعْلَمُهُ خُلِقَ بِغَيْرِ بِلادِ الأنْدَلُسِ. فَهَذا لا يَذْهَبُ أحَدٌ إلى أنَّهُ لَيْسَ مُنْدَرِجًا في عُمُومِ النَّهْيِ عَنْ أكْلِ كُلِّ ذِي نابٍ، بَلْ شَمِلَهُ النَّهْيُ كَما شَمِلَ غَيْرَهُ مِمّا تَعاهَدَهُ العَرَبُ وعَرِفُوهُ؛ لِأنَّ الحُكْمَ نِيطَ بِالعُمُومِ وعُلِّقَ بِهِ، فَهو مُعَلَّقٌ بِكُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِهِ، حَتّى بِما كانَ لَمْ يُخْلَقْ ألْبَتَّةَ وقْتَ الخِطابِ، ثُمَّ خُلِقَ شَكْلًا مُبايِنًا لِسائِرِ الأشْكالِ ذَواتِ الأنْيابِ، فَيَنْدَرِجُ فِيهِ، ويُحْكَمُ بِالنَّهْيِ عَنْهُ. وإنَّما تَمْثِيلُ الزَّمَخْشَرِيِّ بِالإيمانِ، فَلِلْإيمانِ أحْكامٌ مَنُوطَةٌ بِها، ويُؤَوَّلُ التَّحْقِيقُ فِيها إلى أنَّ ذَلِكَ تَخْصِيصٌ لِلْعُمُومِ بِإرادَةِ خُرُوجِ بَعْضِ الأفْرادِ مِنهُ.
و”المَيْتَةَ“: ما ماتَ دُونَ ذَكاةٍ مِمّا لَهُ نَفْسٌ سائِلَةٌ. واخْتُلِفَ في السَّمَكِ الطّافِي - وهو ما ماتَ في الماءِ فَطَفا -: فَذَهَبَ مالِكٌ وغَيْرُهُ أنَّهُ حَلالٌ. ومَذْهَبُ العِراقِيِّينَ أنَّهُ مَمْنُوعٌ مِن أكْلِهِ. وفي كَلامِ بَعْضِ الحَنَفِيِّينَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ مَكْرُوهٌ. وأمّا ما ماتَ مِنَ الجَرادِ بِغَيْرِ تَسَبُّبٍ، فَهو عِنْدَ مالِكٍ وجُمْهُورِ أصْحابِهِ أنَّهُ حَرامٌ، وعِنْدَ ابْنِ عَبْدِ الحَكَمِ وابْنِ نافِعٍ حَلالٌ، وعِنْدَ ابْنِ القاسِمِ وابْنِ وهْبٍ وأشْهَبَ وسَحْنُونٍ تَقْيِيداتٌ في الجَرادِ ذُكِرَتْ في كُتُبِ المالِكِيَّةِ. هَذا حُكْمُ المَيْتَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى الأكْلِ. وأمّا الِانْتِفاعُ بِشَيْءٍ مِنها، نَحْوَ: الجِلْدِ، والشَّعْرِ، والرِّيشِ، واللَّبَنِ، والبَيْضِ، والأنْفِحَةِ، والجَنِينِ، والدُّهْنِ، والعَظْمِ، والقَرْنِ، والنّابِ، والعَصَبِ، فَذَلِكَ مَذْكُورٌ في كُتُبِ الفِقْهِ، ولَهم في ذَلِكَ اخْتِلافٌ وتَقْيِيدٌ كَثِيرٌ يُوقَفُ عَلى ذَلِكَ في تَصانِيفِهِمْ.
”والدَّمَ“: ظاهِرُهُ العُمُومُ، ويَتَخَصَّصُ بِالمَسْفُوحِ لِآيَةِ الأنْعامِ. فَإذا كانَ مَسْفُوحًا، فَلا خِلافَ في نَجاسَتِهِ وتَحْرِيمِهِ. وفي دَمِ السَّمَكِ المُزايِلِ لَهُ في مَذْهَبِ مالِكٍ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ طاهِرٌ، ويَقْتَضِي ذَلِكَ أنَّهُ غَيْرُ مُحَرَّمٍ. وأجْمَعُوا عَلى جَوازِ أكْلِ الدَّمِ المُتَحَلِّلِ بِالعُرُوقِ واللَّحْمِ الشّاقِّ إخْراجُهُ، وكَذَلِكَ الكَبِدِ والطِّحالِ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في يَسِيرِ الدَّمِ المَسْفُوحِ الخِلافَ في العَفْوِ عَنْهُ، وفي مِقْدارِ اليَسِيرِ، والخِلافَ في دَمِ البَراغِيثِ والبَقِّ والذُّبابِ، وهَذا كُلُّهُ مِن عِلْمِ الفِقْهِ، فَيُطالَعُ في كُتُبِ الفِقْهِ. ولَمْ يَذْكُرِاللَّهُ تَعالى حِكْمَةً في تَحْرِيمِ أكْلِ المَيْتَةِ والدَّمِ، ولا جاءَ نَصٌّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في ذَلِكَ. ولَوْ تَعَبَّدَنا تَعالى بِجَوازِ أكْلِ المَيْتَةِ والدَّمِ، لَكانَ ذَلِكَ شَرْعًا يَجِبُ اتِّباعُهُ. وقَدْ ذَكَرُوا أنَّ الحِكْمَةَ في تَحْرِيمِ المَيْتَةِ جُمُودُ الدَّمِ فِيها بِالمَوْتِ، وأنَّهُ يُحْدِثُ أذًى لِلْآكِلِ. وفي تَحْرِيمِ الدَّمِ أنَّهُ بَعْدَ خُرُوجِهِ يَجْمُدُ، فَهو في الأذى كالجامِدِ في المَيْتَةِ، وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ الحِسَّ يُكَذِّبُ ذَلِكَ. وجَدْنا مَن يَأْكُلُ المَيْتَةَ، ويَشْرَبُ الدَّمَ مِنَ الأُمَمِ، صُوَرُهم وسِحَنُهم مِن أحْسَنِ ما يُرى وأجْمَلِهِ، ولا يَحْدُثُ لَهم أذًى بِذَلِكَ.
* *
و”لَحْمُ الخِنْزِيرِ“: ظاهِرُهُ أنَّ المُحَرَّمَ مِنهُ هو لَحْمُهُ فَقَطْ. وقَدْ ذَهَبَ إلى ذَلِكَ داوُدُ - رَأْسُ الظّاهِرِيَّةِ - فَقالَ: المُحَرَّمُ اللَّحْمُ دُونَ الشَّحْمِ. وقالَ غَيْرُهُ مِن سائِرِ العُلَماءِ: المُحَرَّمُ لَحْمُهُ وسائِرُ أجْزائِهِ. وإنَّما خُصَّ اللَّحْمُ بِالذِّكْرِ، والمُرادُ جَمِيعُ أجْزائِهِ؛ لِكَوْنِ اللَّحْمِ هو مُعْظَمَ ما يُنْتَفَعُ بِهِ. كَما نَصَّ عَلى قَتْلِ الصَّيْدِ عَلى المُحْرِمِ، والمُرادُ حَظْرُ جَمِيعِ أفْعالِهِ في الصَّيْدِ. وكَما نَصَّ عَلى تَرْكِ البَيْعِ ﴿إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩]؛ لِأنَّهُ كانَ أعْظَمَ ما كانُوا يَبْتَغُونَ بِهِ مَنافِعَهم، فَهو أشْغَلُ (p-٤٨٨)لَهم مِن غَيْرِهِ، والمُرادُ جَمِيعُ الأُمُورِ الشّاغِلَةِ عَنِ الصَّلاةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَما لَهُ ذَكَرَ لَحْمَ الخِنْزِيرِ دُونَ شَحْمِهِ ؟ (قُلْتُ): لِأنَّ الشَّحْمَ داخِلٌ في ذِكْرِ اللَّحْمِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: لَحْمٌ سَمِينٌ، يُرِيدُونَ أنَّهُ شَحِيمٌ. انْتَهى. وقَوْلُهم هَذا لَيْسَ بِدَلِيلٍ عَلى أنَّ الشَّحْمَ داخِلٌ في ذِكْرِ اللَّحْمِ؛ لِأنَّ وصْفَ الشَّيْءِ بِأنَّهُ يُمازِجُهُ شَيْءٌ آخَرَ، لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مُنْدَرِجٌ تَحْتَ مَدْلُولِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ مَثَلًا رَجُلٌ لابِنٌ، أوْ رَجُلٌ عالِمٌ ؟ لا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّ اللَّبَنَ أوِ العِلْمَ داخِلٌ في ذِكْرِ الرَّجُلِ، ولا أنَّ ذِكْرَ الرَّجُلِ. مُجَرَّدًا عَنِ الوَصْفَيْنِ يَدُلُّ عَلَيْهِما. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وخُصٌّ ذِكْرُ اللَّحْمِ مِنِ الخِنْزِيرِ لِيَدُلَّ عَلى تَحْرِيمِ عَيْنِهِ، ذُكِيَّ أوْ لَمْ يُذَكَّ، ولِيَعُمَّ الشَّحْمَ وما هُناكَ مِنَ الغَضارِيفِ وغَيْرِها. وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى تَحْرِيمِ شَحْمِهِ. انْتَهى كَلامُهُ. ولَيْسَ كَما ذَكَرَ؛ لِأنَّ ذِكْرَ اللَّحْمِ لا يَعُمُّ الشَّحْمَ وما هُناكَ مِنَ الغَضارِيفِ؛ لِأنَّ كُلًّا مِنَ اللَّحْمِ والشَّحْمِ وما هُناكَ مِن غُضْرُوفٍ وغَيْرِهِ، لَيْسَ لَهُ اسْمٌ يَخُصُّهُ. إذْ أُطْلِقَ ذَلِكَ الِاسْمُ، لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ الآخَرُ، ولا يَدُلُّ عَلَيْهِ لا بِمُطابَقَةٍ ولا تَضَمُّنٍ. فَإذَنْ تَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ يَدُلُّ عَلى تَخْصِيصِهِ بِالحُكْمِ، إذْ لَوْ أُرِيدَ المَجْمُوعُ، لَدَلَّ بِلَفْظٍ يَدُلُّ عَلى المَجْمُوعِ. وقَوْلُهُ: أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى تَحْرِيمِ شَحْمِهِ، لَيْسَ كَما ذَكَرَ. ألا تَرى أنَّ داوُدَ لا يُحَرِّمُ إلّا ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى، وهو اللَّحْمُ دُونَ الشَّحْمِ ؟ إلّا أنْ يَذْهَبَ ابْنُ عَطِيَّةَ إلى ما يُذْكَرُ عَنْ أبِي المَعالِي عَبْدِ المَلِكِ الجُوَيْنِيِّ، مِن أنَّهُ لا يُعْتَدُّ في الإجْماعِ، بِخِلافِ داوُدَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عِنْدَهُ إجْماعًا. وقَدِ اعْتَدَّ أهْلُ العِلْمِ الَّذِينَ لَهُمُ الفَهْمُ التّامُّ والِاجْتِهادُ، قَبْلَ أنْ يُخْلَقَ الجُوَيْنِيُّ بِأزْمانٍ، بِخِلافِ داوُدَ، ونَقَلُوا أقاوِيلَهُ في كُتُبِهِمْ، كَما نَقَلُوا أقاوِيلَ الأئِمَّةِ، كالأوْزاعِيِّ، وأبِي حَنِيفَةَ، ومالِكٍ، والثَّوْرِيِّ، والشّافِعِيِّ، وأحْمَدَ. ودانَ بِمَذْهَبِهِ وقَوْلِهِ وطَرِيقَتِهِ ناسٌ وبِلادٌ وقُضاةٌ ومُلُوكُ الأزْمانِ الطَّوِيلَةِ، ولَكِنَّهُ في عَصْرِنا هَذا قَدْ حُمِلَ هَذا المَذْهَبُ. ولَمّا كانَ اللَّحْمُ يَتَضَمَّنُ عِنْدَ مالِكٍ الشَّحْمَ، ذَهَبَ إلى أنَّهُ لَوْ حَلَفَ حالِفٌ أنْ لا يَأْكُلَ لَحْمًا، فَأكَلَ شَحْمًا، أنَّهُ يَحْنَثُ. وخالَفَهُ أبُو حَنِيفَةَ والشّافِعِيُّ فَقالا: لا يَحْنَثُ، كَما لَوْ حَلَفَ أنَّهُ لا يَأْكُلُ شَحْمًا، فَأكَلَ لَحْمًا. وقالَ تَعالى: ﴿حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما﴾ [الأنعام: ١٤٦] . والإجْماعُ أنَّ اللَّحْمَ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ عَلى اليَهُودِ، فالحَقُّ أنَّ كُلًّا مِنهُما لا يَنْدَرِجُ تَحْتَ لَفْظِ الآخَرِ.
واخْتَلَفُوا في الِانْتِفاعِ بِشِعْرِهِ في خَرَزِ وغَيْرِهِ، فَأجازَ ذَلِكَ مالِكٌ وأبُو حَنِيفَةَ والأوْزاعِيُّ، ولَمْ يُجِزْ ذَلِكَ الشّافِعِيُّ. وقالَ أبُو يُوسُفَ: أكْرَهُ الخَرَزَ بِهِ. ورُوِيَ عَنْهُ الإباحَةُ أيْضًا. وهَلْ يَتَناوَلُ لَفْظُ الخِنْزِيرِ خِنْزِيرَ البَحْرِ ؟ ذَهَبَ إلى ذَلِكَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ ؟ فَمَنَعُوا مِن أكْلِهِ ؟ وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى والأوْزاعِيُّ والشّافِعِيُّ: لا بَأْسَ بِأكْلِهِ. وقالَ اللَّيْثُ: لا يُؤْكَلُ خِنْزِيرُ الماءِ، ولا إنْسانُهُ، ولا كَلْبُهُ. وسُئِلَ مالِكٌ عَنْ خِنْزِيرِ الماءِ، فَتَوَقَّفَ وقالَ: أنْتُمْ تُسَمُّونَهُ خِنْزِيرًا. وقالَ ابْنُ القاسِمِ: أنا أتَّقِيهِ ولا أُحَرِّمُهُ. وعِلَّةُ تَحْرِيمِ لَحْمِ الخِنْزِيرِ قالُوا: تَفَرَّدَ النَّصارى بِأكْلِهِ، فَنُهِيَ المُسْلِمُونَ عَنْ أكْلِهِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلى أنْ تُقاطِعُوهم، إذْ كانَ الخِنْزِيرُ مِن أنْفَسِ طَعامِهِمْ. وقِيلَ: لِكَوْنِهِ مَمْسُوخًا، فَغَلَّظَ تَحْرِيمَ أكْلِهِ لِخُبْثِ أصْلِهِ. وقِيلَ: لِأنَّهُ يَقْطَعُ الغَيْرَةَ ويَذْهَبُ بِالأنَفَةِ، فَيَتَساهَلُ النّاسُ في هَتْكِ المُحَرَّمِ وإباحَةِ الزِّنا، ولَمْ تُشِرِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ إلى شَيْءٍ مِن هَذِهِ التَّعْلِيلاتِ الَّتِي ذَكَرُوها.
”وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ“: أيْ ما ذُبِحَ لِلْأصْنامِ والطَّواغِيتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ، أوْ ما ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ غَيْرِ اللَّهِ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ وغَيْرُهُ، أوْ ما ذُكِرَ اسْمُ المَسِيحِ عَلَيْهِ، قالَهُ الزُّهْرِيُّ، أوْ ما قُصِدَ بِهِ غَيْرُ وجْهِ اللَّهِ تَعالى لِلتَّفاخُرِ والتَّباهِي، قالَهُ عَلِيٌّ والحَسَنُ. ورُوِيَ أنَّ عَلِيًّا قالَ في الإبِلِ الَّتِي نَحَرَها غالِبٌ أبُو الفَرَزْدَقِ: إنَّها مِمّا أُهِلَّ بِها لِغَيْرِ اللَّهِ، فَتَرَكَها النّاسُ، راعى عَلِيٌّ النِّيَّةَ في ذَلِكَ. ومَنَعَ الحَسَنُ مِن أكْلِ جَزُورٍ ذَبَحَتْها امْرَأةٌ لِلَعِبِها وقالَ: إنَّها نَحَرَتْ لِصَنَمٍ. وسُئِلَتْ عائِشَةُ عَنْ أكْلِ ما يَذْبَحُهُ الأعاجِمُ لِأعْيادِهِمْ ويَهْدُونَ لِلْمُسْلِمِينَ فَقالَتْ: لا تَأْكُلُوهُ، وكُلُوا مِن أشْجارِهِمْ. والَّذِي يَظْهَرُ مِنَ الآيَةِ تَحْرِيمُ ما ذُبِحَ لِغَيْرِ اللَّهِ، فَيَنْدَرِجُ (p-٤٨٩)فِي لَفْظِ غَيْرِ اللَّهِ الصَّنَمُ والمَسِيحُ والفَخْرُ واللَّعِبُ، وسُمِّيَ ذَلِكَ إهْلالًا؛ لِأنَّهم يَرْفَعُونَ أصْواتَهم بِاسْمِ المَذْبُوحِ لَهُ عِنْدَ الذَّبِيحَةِ، ثُمَّ تَوَسَّعَ فِيهِ وكَثُرَ حَتّى صارَ اسْمًا لِكُلِّ ذَبِيحَةٍ جُهِرَ عَلَيْها أوْ لَمْ يُجْهَرْ، كالإهْلالِ بِالتَّلْبِيَةِ صارَ عَلَمًا لِكُلِّ مُحْرِمٍ رَفَعَ صَوْتَهُ أوْ لَمْ يَرْفَعْهُ. ومَن حَمَلَ ذَلِكَ عَلى ما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ، وهي الأوْثانُ، أجازَ ذَبِيحَةَ النَّصْرانِيِّ، إذا سَمّى عَلَيْها بِاسْمِ المَسِيحِ. وإلى هَذا ذَهَبَ عَطاءٌ ومَكْحُولٌ والحَسَنُ والشَّعْبِيُّ وابْنُ المُسَيَّبِ والأوْزاعِيُّ واللَّيْثُ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ وزُفَرُ ومالِكٌ والشّافِعِيُّ: لا تُؤْكَلُ ذَبائِحُهم إذا سَمَّوْا عَلَيْها اسْمَ المَسِيحِ، وهو ظاهِرُ قَوْلِهِ: (لِغَيْرِ اللَّهِ) كَما ذَكَرْناهُ؛ لِأنَّ الإهْلالَ لِغَيْرِ اللَّهِ هو إظْهارُ غَيْرِ اسْمِ اللَّهِ، ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ اسْمِ المَسِيحِ واسْمِ غَيْرِهِ. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قالَ: إذا سَمِعْتُمُ اليَهُودَ والنَّصارى يُهِلُّونَ لِغَيْرِ اللَّهِ فَلا تَأْكُلُوا. وأُهِلَّ: مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. والمَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ هو الجارُّ والمَجْرُورُ في قَوْلِهِ: ”بِهِ“، والضَّمِيرُ في ”بِهِ“ عائِدٌ عَلى ”ما“، إذْ هي مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي. ومَعْنى أهَلَّ بِكَذا، أيْ صاحَ. فالمَعْنى: وما صِيحَ بِهِ، أيْ فِيهِ، أيْ في ذَبْحِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، ثُمَّ صارَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنْ كُلِّ ما ذُبِحَ لِغَيْرِ اللَّهِ، صِيحَ في ذَبْحِهِ أوْ لَمْ يُصَحْ، كَما ذَكَرْناهُ قَبْلُ. وفي ذَبِيحَةِ المَجُوسِيِّ خِلافٌ. وكَذَلِكَ فِيما حُرِّمَ عَلى اليَهُودِيِّ والنَّصْرانِيِّ بِالكِتابِ. أمّا ما حَرَّمُوهُ بِاجْتِهادِهِمْ، فَذَلِكَ لَنا حَلالٌ. ونَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ مالِكٍ: الكَراهَةَ فِيما سَمّى عَلَيْهِ الكِتابِيُّ اسْمَ المَسِيحِ، أوْ ذَبَحَهُ لِكَنِيسَةٍ، ولا يَبْلُغُ بِهِ التَّحْرِيمَ.
* *
﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾، وقالَ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ في مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإثْمٍ﴾ [المائدة: ٣] . وقالَ: ﴿وقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكم إلّا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]، فَلَمْ يُقَيِّدْ في هَذِهِ الآيَةِ الِاضْطِرارَ، وقَيَّدَهُ فِيما قَبْلُ. فَإنَّ المُضْطَرَّ يَكُونُ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإثْمٍ. وفي الأُولى بِقَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ﴾ . قالَ مُجاهِدٌ وابْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهُما: غَيْرَ باغٍ عَلى المُسْلِمِينَ وعادٍ عَلَيْهِمْ. فَيَدْخُلُ في الباغِي والعادِي: قُطّاعُ السَّبِيلِ، والخارِجُ عَلى السُّلْطانِ، والمُسافِرُ في قَطْعِ الرَّحِمِ، والغارَةِ عَلى المُسْلِمِينَ وما شاكَلَهُ، ولِغَيْرِ هَؤُلاءِ هي الرُّخْصَةُ. وإلى هَذا ذَهَبَ الشّافِعِيُّ، وهو أنَّهُ إذا لَمْ يَخْرُجُ باغِيًا عَلى إمامِ المُسْلِمِينَ، ولَمْ يَكُنْ سَفَرُهُ في مَعْصِيَةٍ، فَلَهُ أنْ يَأْكُلَ مِن هَذِهِ المُحَرَّماتِ إذا اضْطُرَّ إلَيْها. وإنْ كانَ سَفَرُهُ في مَعْصِيَةٍ، أوْ كانَ باغِيًا عَلى الإمامِ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أنْ يَأْكُلَ. وقالَ عِكْرِمَةُ وقَتادَةُ والرَّبِيعُ وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهم: غَيْرُ قاصِدٍ فَسادًا وتَعَدٍّ، بِأنْ يَجِدَ عَنْ هَذِهِ المُحَرَّماتِ مَندُوحَةً. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: غَيْرُ باغٍ في المَيْتَةِ في الأكْلِ، ولا عادٍ بِأكْلِها، وهو يَجِدُ غَيْرَها، وهو يَرْجِعُ لِمَعْنى القَوْلِ قَبْلَهُ. وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ ومالِكٌ: وأباحَ هَؤُلاءِ لِلْبُغاةِ الخارِجِينَ عَلى المُسْلِمِينَ الأكْلَ مِن هَذِهِ المُحَرَّماتِ عِنْدَ الِاضْطِرارِ، كَما أباحُوا لِأهْلِ العَدْلِ. وقالَ السُّدِّيِّ: ”غَيْرَ باغٍ“ أيْ مُتَزَيِّدٍ عَلى إمْساكِ رَمَقِهِ وإبْقاءِ قُوَّتِهِ، فَيَجِيءُ أكْلُهُ شَهْوَةً، ”ولا عادٍ“ أيْ مُتَزَوِّدٍ. وقِيلَ: ”غَيْرَ باغٍ“ أيْ مُسْتَحِلٍّ لَها، ”ولا عادٍ“ أيْ مُتَزَوِّدٍ مِنها. وقالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: ”غَيْرَ باغٍ“ أيْ مُجاوِزٍ القَدْرَ الَّذِي يَحِلُّ لَهُ، ”ولا عادٍ“ أيْ لا يَقْصِدُهُ فِيما لا يَحِلُّ لَهُ.
والظّاهِرُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ، عَلى ما يُفْهَمُ مِن ظاهِرِ الآيَةِ، أنَّهُ لا إثْمَ في تَناوُلِ شَيْءٍ مِن هَذِهِ المُحَرَّماتِ لِلْمُضْطَرِّ الَّذِي لَيْسَ بِباغٍ ولا عادٍ. وإنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]، لا بُدَّ فِيهِ مِنَ التَّقْيِيدِ المَذْكُورِ هُنا، وفي قَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإثْمٍ﴾ [المائدة: ٣]؛ لِأنَّ آيَةَ الأنْعامِ فِيها حَوالَةً عَلى هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿وقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكم إلّا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] . وتَفْصِيلُ المُحَرَّمِ هو في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ، والِاضْطِرارُ فِيهِما مُقَيَّدٌ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ مُقَيَّدًا في الآيَةِ الَّتِي أُحِيلَتْ عَلى غَيْرِها. والظّاهِرُ في البَغْيِ والعُدْوانِ، أنَّ ذَلِكَ مِن قِبَلِ المَعاصِي؛ لِأنَّهُما مَتى أُطْلِقَتا، تَبادَرَ الذِّهْنُ إلى ذَلِكَ. وفي جَوازِ مِقْدارِ ما يُأْكَلُ مِنِ المَيْتَةِ، وفي التَّزَوُّدِ مِنها، وفي شُرْبِ الخَمْرِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ قِياسًا عَلى هَذِهِ المُحَرَّماتِ. وفي أكْلِ ابْنِ آدَمَ خِلافٌ مَذْكُورٌ في كُتُبِ الفِقْهِ، قالُوا: وإنْ وجَدَ مَيْتَةً وخِنْزِيرًا، أكَلَ المَيْتَةَ، قالُوا: لِأنَّها أُبِيحَتْ لَهُ في حالِ الِاضْطِرارِ، والخِنْزِيرُ (p-٤٩٠)لا يَحِلُّ بِحالٍ، ولَيْسَ كَما قالُوا لِأنَّ قَوْلَهُ: (فَمَنِ اضْطُرَّ) جاءَ بَعْدَ ذِكْرِ تَحْرِيمِ المَيْتَةِ والدَّمِ ولَحْمِ الخِنْزِيرِ. فالمَعْنى: فَمَنِ اضْطُرَّ إلى أكْلِ شَيْءٍ مِن هَذِهِ المُحَرَّماتِ، فَرُتْبَتُها في الإباحَةِ لِلْأكْلِ مِنها مُتَساوِيَةٌ، فَلَيْسَ شَيْءٌ مِنها أوْلى مِنَ الآخَرِ بِالإباحَةِ، والمُضْطَرُّ مُخَيَّرٌ فِيما يَأْكُلُ مِنها. فَقَوْلُهم: إنَّ الخِنْزِيرَ لا يَحِلُّ بِحالٍ لَيْسَ بِصَحِيحٍ.
وذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّهم أجْمَعُوا عَلى أنَّ مَن سافَرَ لِغَزْوٍ، أوْ حَجٍّ، أوْ تِجارَةٍ، وكانَ مَعَ ذَلِكَ باغِيًا في أخْذِ مالٍ، أوْ عادِيًا في تَرْكِ صَلاةٍ أوْ زَكاةٍ، لَمْ يَكُنْ ما هو عَلَيْهِ مِنَ البَغْيِ والعُدْوانِ مانِعًا مِنَ اسْتِباحَةِ المَيْتَةِ لِلضَّرُورَةِ. وأنَّهم أجْمَعُوا أيْضًا عَلى جَوازِ التَّرْخِيصِ لِلْباغِي، أوِ العادِي الحاضِرِ، وفي نَقْلِ هَذَيْنِ الإجْماعَيْنِ نَظَرٌ.
واخْتَلَفَ القُرّاءُ في حَرَكَةِ النُّونِ مِن قَوْلِهِ: (فَمَنِ اضْطُرَّ) (وأنِ احْكم) (ولَكِنِ انْظُرْ) وشَبَهِهِ وحَرَكَةِ الدّالِّ مِن: (ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ)، والتّاءِ مِن: ﴿وقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ [يوسف: ٣١]، وحَرَكَةِ التَّنْوِينِ مِن: ﴿فَتِيلًا﴾ [النساء: ٤٩] ﴿انْظُرْ﴾ [النساء: ٥٠]، ونَحْوِهِ، وحَرَكَةِ اللّامِ مِن نَحْوِ: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ﴾ [الإسراء: ١١٠]، والواوِ مِن نَحْوِ: ﴿أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠]، فَكَسَرَ ذَلِكَ عاصِمٌ وحَمْزَةُ، وحَرَّكَها أبُو عَمْرٍو، إلّا في اللّامِ والواوِ؛ وعَبّاسٌ ويَعْقُوبُ إلّا في الواوِ؛ وضَمَّ باقِيَ السَّبْعَةِ، إلّا ابْنَ ذَكْوانَ فَإنَّهُ كَسَرَ التَّنْوِينَ. وعَنْهُ في: ﴿بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا﴾ [الأعراف: ٤٩]، و﴿خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ﴾ [إبراهيم: ٢٦] خِلافٌ، وضابِطُ هَذا أنَّهُ يَكُونُ ضَمَّةُ هَذِهِ الأفْعالِ لازِمَةً، فَإنْ كانَتْ عارِضَةً، فالكَسْرُ نَحْوَ: ﴿أنِ امْشُوا﴾ [ص: ٦]، وتَوْجِيهُ الكَسْرِ أنَّهُ حَرَكَةُ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، والضَّمُّ أنَّهُ اتِّباعٌ. ولَمْ يَعْتَدُّوا بِالسّاكِنِ؛ لِأنَّهُ حاجِزٌ غَيْرُ حَصِينٍ، أوْ لِيَدُلُّوا عَلى أنَّ حَرَكَةَ هَمْزَةِ الوَصْلِ المَحْذُوفَةِ كانَتْ ضَمَّةً. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وأبُو السَّمالِ: فَمَنِ اضْطِرَّ، بِكَسْرِ الطّاءِ، وأصْلُهُ اضْطَرَرَ، فَلَمّا أُدْغِمَ نُقِلَتْ حَرَكَةُ الرّاءِ إلى الطّاءِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: فَمَنِ اطَّرَّ، بِإدْغامِ الضّادِ في الطّاءِ، وذَلِكَ حَيْثُ وقَعَ. ومَعْنى الِاضْطِرارِ: الِالجاءُ بِعَدَمٍ وغَرَثٍ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقِيلَ مَعْناهُ: أُكْرِهَ وغُلِبَ عَلى أكْلِ هَذِهِ المُحَرَّماتِ. وانْتِصابُ (غَيْرَ باغٍ) عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في اضْطُرَّ، وجَعَلَهُ بَعْضُهم حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في الفِعْلِ المَحْذُوفِ المَعْطُوفِ عَلى قَوْلِهِ: ”اضْطُرَّ“، وقَدَّرُوهُ: فَمَنِ اضْطُرَّ فَأكَلَ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ. قَدَّرَهُ كَذَلِكَ القاضِي وأبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ لِيَجْعَلا ذَلِكَ قَيْدًا في الأكْلِ، لا في الِاضْطِرارِ. ولا يَتَعَيَّنُ ما لاقاهُ؛ إذْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا المُقَدَّرُ بَعْدَ قَوْلِهِ: ”غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ“، بَلْ هو الظّاهِرُ والأوْلى؛ لِأنَّ في تَقْدِيرِ قَبْلَ ”غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ“ فَصْلًا بَيْنَ ما ظاهِرُهُ الِاتِّصالُ بِما بَعْدَهُ، ولَيْسَ ذَلِكَ في تَقْدِيرِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ (غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ) . و”عادٍ“: اسْمُ فاعِلٍ مِن عَدا، ولَيْسَ اسْمَ فاعِلٍ مَن عادَ، فَيَكُونُ مَقْلُوبًا، أوْ مَحْذُوفًا مِن بابِ شاكَ ولاثَ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُهم؛ لِأنَّ القَلْبَ لا يَنْقاسُ، ولا نَصِيرُ إلَيْهِ إلّا لِمُوجِبٍ، ولا مُوجِبَ هُنا لِادِّعاءِ القَلْبِ. وأصْلُ البَغْيِ - كَما تَقَدَّمَ - هو طَلَبُ الفَسادِ، وإنْ كانَ قَدْ ورَدَ لِمُطْلَقِ الطَّلَبِ، فاسْتُعْمِلَ في طَلَبِ الخَيْرِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎أألْخَيْرُ الَّذِي أنا أبْتَغِيهِ أمِ الشَّرُّ الَّذِي هو يَبْتَغِينِي
ويُقالُ:
؎لا يَمْنَعَنَّكَ مِن بِغاءِ الخَيْرِ تِعْقادُ التَّمائِمِ
”فَلا إثْمَ عَلَيْهِ“، الإثْمُ: تَحَمُّلُ الذَّنْبِ، نَفى بِذَلِكَ عَنْهُ الحَرَجَ. والمَحْذُوفُ الَّذِي قَدَّرْناهُ مِن قَوْلِنا: فَأكَلَ، لا بُدَّ مِنهُ لِأنَّهُ لا يَنْفِ الإثْمَ عَمَّنْ لَمْ يُوجِدْ مِنهُ الِاضْطِرارُ، ولا يَتَرَتَّبُ ذَلِكَ عَلى الِاضْطِرارِ وحْدَهُ، بَلْ عَلى الأكْلِ المُتَرَتِّبِ عَلى الِاضْطِرارِ، في حالِ كَوْنِ المُضْطَرِّ لا باغِيًا ولا عادِيًا. وظاهِرُ هَذا التَّرْكِيبِ أنَّهُ مَتى كانَ عاصِيًا بِسَفَرِهِ فَأكَلَ، أنَّهُ يَكُونُ عَلَيْهِ الإثْمُ؛ لِأنَّهُ يُطْلَقُ أنَّهُ باغٍ، خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ ومَن وافَقَهُ، فَإنَّهُ يُبِيحُ لَهُ الأكْلَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ. وظاهِرُ بِناءِ ”اضْطُرَّ“ حُصُولُ مُطْلَقِ الضَّرُورَةِ بِشَغَبٍ، أوْ إكْراهٍ، سَواءٌ حَصَلَ الِاضْطِرارُ في سَفَرٍ أوْ حَضَرٍ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: (فَلا إثْمَ عَلَيْهِ) نَفْيُ كُلِّ فَرْدٍ مِنِ الإثْمِ عَنْهُ إذا أكَلَ، لا وُجُوبُ الأكْلِ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: لَيْسَ الأكْلُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ رُخْصَةً، بَلْ ذَلِكَ عَزِيمَةٌ واجِبَةٌ، ولَوِ امْتَنَعَ مِنَ الأكْلِ كانَ (p-٤٩١)عاصِيًا. وقالَ مَسْرُوقٌ: بَلَغَنِي أنَّهُ مَنِ اضْطُرَّ إلى المَيْتَةِ فَلَمْ يَأْكُلْ حَتّى ماتَ، دَخَلَ النّارَ، كَأنَّهُ أشارَ إلى أنَّهُ قاتِلُ نَفْسِهِ بِتَرْكِهِ ما أباحَ اللَّهُ لَهُ.
(إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ): لَمّا ذَكَرَ أشْياءَ مُحَرَّمَةً اقْتَضى المَنعَ مِنها، ثُمَّ ذَكَرَ إباحَتَها لِلْمُضْطَرِّ في تِلْكَ الحالِ المُقَيَّدَةِ لَهُ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِالإخْبارِ عَنْ نَفْسِهِ بِأنَّهُ تَعالى غَفُورٌ رَحِيمٌ؛ لِأنَّ المُخاطَبَ بِصَدَدِ أنْ يُخالِفَ، فَيَقَعُ في شَيْءٍ مِن أكْلِ هَذِهِ المُحَرَّماتِ، فَأخْبَرَ بِأنَّهُ غَفُورٌ لِلْعُصاةِ إذا تابُوا، رَحِيمٌ بِهِمْ. أوْ لِأنَّ المُخاطَبَ إذا اضْطُرَّ فَأكَلَ ما يَزِيدُ عَلى قَدْرِ الحاجَةِ، فَهو تَعالى غَفُورٌ لَهُ ذَلِكَ، رَحِيمٌ بِأنْ أباحَ لَهُ قَدْرَ الحاجَةِ. أوْ لِأنَّ مُقْتَضى الحُرْمَةِ قائِمٌ في هَذِهِ المُحَرَّماتِ، ثُمَّ رَخَّصَ في تَناوُلِها مَعَ قِيامِ المانِعِ، فَعَبَّرَ عَنْ هَذا التَّرْخِيصِ والإباحَةِ بِالمَغْفِرَةِ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ الغُفْرانِ صِفَةَ الرَّحْمَةِ، أيْ لِأجْلِ رَحْمَتِي بِكم أبَحْتُ لَكم ذَلِكَ.
البقرة 2:174
﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ﴾: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في عُلَماءِ اليَهُودِ، كانُوا يُصِيبُونَ مِن سَفَلَتِهِمْ هَدايا، وكانُوا يَرْجُونَ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ المَبْعُوثُ مِنهم. فَلَمّا بُعِثَ مِن غَيْرِهِمْ، غَيَّرُوا صِفَتَهُ وقالُوا: هَذا نَعْتُ النَّبِيِّ الَّذِي يَخْرُجُ في آخِرِ الزَّمانِ، حَتّى لا يَتَّبِعُوهُ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ المُلُوكَ سَألُوا عُلَماءَهم قَبْلَ المَبْعَثِ: ما الَّذِي تَجِدُونَ في التَّوْراةِ ؟ فَقالُوا: نَجِدُ أنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ نَبِيًّا، مِن بَعْدِ المَسِيحِ يُقالُ لَهُ مُحَمَّدٌ، بِتَحْرِيمِ الرِّبا والخَمْرِ والمَلاهِي وسَفْكِ الدِّماءِ. فَلَمّا بُعِثَ، قالَتِ المُلُوكُ لِلْيَهُودِ: هَذا الَّذِي تَجِدُونَهُ في كِتابِكم ؟ فَقالُوا - طَمَعًا في أمْوالِ المُلُوكِ -: لَيْسَ هَذا بِذَلِكَ النَّبِيِّ. فَأعْطاهُمُ المُلُوكُ الأمْوالَ، فَأُنْزِلَتْ إكْذابًا لَهم. وقِيلَ: نَزَلَتْ في كُلِّ كاتِمِ حَقٍّ لِأخْذِ غَرَضٍ أوْ إقامَةِ غَرَضٍ مِن مُؤْمِنٍ ويَهُودِيٍّ ومُشْرِكٍ ومُعَطِّلٍ. وإنْ صَحَّ سَبَبُ نُزُولٍ، فَهي عامَّةٌ والحُكْمُ لِلْعُمُومِ. وإنْ كانَ السَّبَبُ خاصًّا، فَيَتَناوَلُ مِن عُلَماءِ المُسْلِمِينَ مَن كَتَمَ الحَقَّ مُخْتارًا لِذَلِكَ، لِسَبَبِ دُنْيا يُصِيبُها.
”ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ“: ظاهِرُهُ أنَّهُ أُنْزِلَ مِن عُلُوٍّ إلى أسْفَلُ، وأنَّهُ تَعالى أنْزَلَ مَلَكًا بِهِ، أيْ بِالكِتابِ عَلى رَسُولِهِ. وقِيلَ: مَعْنى ”أنْزَلَ اللَّهُ“ أيْ أظْهَرَ، كَقَوْلِهِ: ﴿سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٩٣]، أيْ أُظْهِرُ. فَكَوْنُ المَعْنى: أنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أظْهَرَ اللَّهُ، فَيَكُونُ الإظْهارُ في مُقابَلَةِ الكِتْمانِ. وفي المُرادِ بِالكِتابِ هُنا أقْوالٌ: أحَدُها: أنَّهُ التَّوْراةُ، فَيَكُونُ الكاتِمُونَ أحْبارَ اليَهُودِ، كَتَمُوا صِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وغَيَّرُوها، وكَتَمُوا آياتٍ في التَّوْراةِ، كَآيَةِ الرَّجْمِ وشِبْهِ ذَلِكَ. وقِيلَ: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، ووَحَّدَ اللَّفْظَ عَلى المَكْتُوبِ، ويَكُونُ الكاتِمُونَ اليَهُودَ والنَّصارى. وصَفَ اللَّهُ نَبِيَّهُ في الكِتابَيْنِ، ونَعَتَهُ فِيهِما وسَمّاهُ فَقالَ: ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وقالَ: ﴿ومُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] . والطّائِفَتانِ أنْكَرُوا صِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقَدْ شَهِدَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ بِذَلِكَ، والنُّصُوصُ مَوْجُودَةٌ فِيهِما الآنَ في مَواضِعَ مِنها في التَّوْراةِ في الفَصْلِ التّاسِعِ، وفي الفَصْلِ العاشِرِ مِنَ السِّفْرِ الأوَّلِ، وفي الفَصْلِ العِشْرِينَ مِنَ السِّفْرِ الخامِسِ. ومِنها في الإنْجِيلِ مَواضِعُ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، قَدْ ذَكَرَ جَمِيعَها مَن تَعَرَّضَ لِلْكَلامِ عَلى ذَلِكَ. وقِيلَ: الكِتابُ المَكْتُوبُ، وهو أعَمُّ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، فَيَتَناوَلُ كُلَّ مَن كَتَمَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِالأحْكامِ قَدِيمًا وحَدِيثًا، وكُلُّ كاتِمٍ لِحَقٍّ وساتِرٍ لِأمْرٍ مَشْرُوعٍ.
﴿ويَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾: لَمّا تَعَوَّضُوا عَنِ الكَتْمِ شَيْئًا مِن سُحْتِ الدُّنْيا، أشْبَهَ ذَلِكَ البَيْعَ والشِّراءَ؛ لِانْطِوائِهِما عَلى عِوَضٍ ومُعَوَّضٍ عَنْهُ، فَأُطْلِقَ عَلَيْهِ اشْتِراءٌ. و”بِهِ“: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الكِتْمانِ أوِ الكِتابِ، أوْ عَلى المَوْصُولِ الَّذِي هو: ما أقْوالُ ثَلاثَةٌ، أظْهَرُها الآخِرُ، ويَكُونُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ بِكَتْمِ ما أنْزَلَ اللَّهُ. والفَرْقُ بَيْنَ هَذا القَوْلِ وقَوْلِ مَن جَعَلَهُ عائِدًا عَلى الكَتْمِ، أنَّهُ يَكُونُ في ذَلِكَ القَوْلِ عائِدًا عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: (يَكْتُمُونَ)، وفي هَذا عائِدًا عَلى حَذْفِ مُضافٍ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٧٩]، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ، إلّا فِعْلَ الِاشْتِراءِ جُعِلَ عِلَّةً هُناكَ وهُنا جُعِلَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ (يَكْتُمُونَ) ورَتَّبَ الخَبَرَ عَلى مَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ (p-٤٩٢)مِنَ الكَتْمِ والِاشْتِراءِ؛ لِأنَّ الكَتْمَ لَيْسَتْ أسْبابُهُ مُنْحَصِرَةً في الِاشْتِراءِ، بَلِ الِاشْتِراءُ بَعْضُ أسْبابِهِ. فَكَتْمُ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ، وهو أمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وإنْكارُ نُبُوَّتِهِ وتَبْدِيلُ صِفَتِهِ، كانَ لِأُمُورٍ مِنها البَغْيُ، ﴿بَغْيًا أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [البقرة: ٩٠] . ومِنها الخَسارَةُ لِكَوْنِهِ مِنَ العَرَبِ لا مِنهم. ومِنها طَلَبُ الرِّياسَةِ، وأنْ يَسْتَتْبِعُوا أهْلَ مِلَّتِهِمْ. ومِنها تَحْصِيلُ أمْوالِهِمْ ورِشاءُ مُلُوكِهِمْ وعَوامِّهِمْ.
﴿أُولَئِكَ ما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ إلّا النّارَ﴾: أتى بِخَبَرِ إنَّ جُمْلَةً؛ لِأنَّها أبْلَغُ مِنَ المُفْرَدِ، وصَدَّرَ بِأُولَئِكَ، إذْ هو اسْمُ إشارَةٍ دالٌّ عَلى اتِّصافِ المُخْبَرِ عَنْهُ بِالأوْصافِ السّابِقَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ في ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] . ثُمَّ أخْبَرْ عَنْ أُولَئِكَ بِأخْبارٍ أرْبَعَةٍ: الأوَّلُ: ﴿ما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ إلّا النّارَ﴾، فَمِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى ظاهِرِهِ وقالَ: إنَّ ذَلِكَ يَكُونُ في الدُّنْيا، وإنَّ الرِّشاءَ الَّتِي هم يَأْكُلُونَها تَصِيرُ في أجْوافِهِمْ نارًا، فَلا يُحِسُّونَ بِها إلّا بَعْدَ المَوْتِ. ومَنَعَ تَعالى أنْ يُدْرِكُوا أنَّها نارٌ، اسْتِدْراجًا وإمْلاءً لَهم. ويَكُونُ في هَذا المَعْنى بَعْضُ تَجَوُّزٍ؛ لِأنَّهُ حالَةَ الأكْلِ لَمْ يَكُنْ نارًا، إنَّما بَعْدُ صارَتْ في بُطُونِهِمْ نارًا. وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ يَكُونُ في الآخِرَةِ، فَهو حَقِيقَةٌ أيْضًا. واخْتَلَفُوا فَقِيلَ: جَمِيعُ ما أكَلُوهُ مِنَ السُّحْتِ والرِّشاءِ في الدُّنْيا يُجْعَلُ نارًا في الآخِرَةِ، ثُمَّ يُطْعِمُهُمُ اللَّهُ إيّاهُ في النّارِ. وقِيلَ: يَأْمُرُ الزَّبانِيَةَ أنْ تُطْعِمَهُمُ النّارَ لِيَكُونَ عُقُوبَةَ الأكْلِ مِن جِنْسِهِ. وأكْثَرُ العُلَماءِ عَلى تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ إلّا النّارَ﴾، عَلى مَعْنى: أنَّهم يُجازَوْنَ عَلى ما اقْتَرَفُوهُ مِن كَتْمِ ما أنْزَلَ اللَّهُ والِاشْتِراءِ بِهِ الثَّمَنَ القَلِيلَ، بِالنّارِ. وإنَّ ما اكْتَسَبُوهُ بِهَذِهِ الأوْصافِ الذَّمِيمَةِ مَآلُهُ إلى النّارِ. وعَبَّرَ بِالأكْلِ؛ لِأنَّهُ أعْظَمُ مَنافِعِ ما تُصْرَفُ فِيهِ الأمْوالُ. وذَكَرَ (في بُطُونِهِمْ)، إمّا عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، إذْ مَعْلُومٌ أنَّ الأكْلَ لا يَكُونُ إلّا في البَطْنِ، فَصارَ نَظِيرُ: ﴿ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] . أوْ كِنايَةٌ عَنْ مَلْءِ البَطْنِ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: فُلانٌ أكَلَ في بَطْنِهِ، وفُلانٌ أكَلَ في بَعْضِ بَطْنِهِ. أوْ لِرَفْعِ تَوَهُّمِ المَجازِ، إذْ يُقالُ: أكَلَ فُلانٌ مالَهُ إذْ بَذَرَهُ، وإنْ لَمْ يَأْكُلْهُ. وجَعَلَ المَأْكُولَ النّارَ، تَسْمِيَةً لَهُ بِما يَؤُولُ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ سَبَبُ النّارِ، وذَلِكَ كَما يَقُولُونَ: أكَلَ فُلانٌ الدَّمَ، يُرِيدُونَ الدِّيَةَ؛ لِأنَّها بَدَلٌ مِنَ الدَّمِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎فَلَوْ أنَّ حَيًّا يَقْبَلُ المالَ فِدْيَةً لَسُقْنا إلَيْهِ المالَ كالسَّيْلِ مُفْعَما
؎ولَكِنْ لَنا قَوْمٌ أُصِيبَ أخُوهُمُ ∗∗∗ رِضا العارِ واخْتارُوا عَلى اللَّبَنِ الدَّما
وقالَ آخَرُ:
؎أكَلْتُ دَمًا إنْ لَمْ أرْعَكَ بِضَرْبَةٍ ∗∗∗ بَعِيدَةِ مَهْوى القُرْطِ طَيِّبَةِ النَّشْرِ
وقالَ آخَرُ:
؎تَأْكُلُ كُلَّ لَيْلَةٍ أكافا
أيْ ثَمَنَ أكافٍ، ومَعْنى التَّلَبُّسِ مَوْجُودٌ في جَمِيعِ ذَلِكَ. وتَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِما يَؤُولُ إلَيْهِ كَثِيرٌ، ومِن ذَلِكَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا﴾ [النساء: ١٠]، ومِن ذَلِكَ الَّذِي يَشْرَبُ في آنِيَةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، إنَّما يَجُرُّ في بَطْنِهِ نارَ جَهَنَّمَ، وذَكَرَ في بُطُونِهِمْ تَنْبِيهًا عَلى شَرِّهِمْ وتَقْبِيحًا لِتَضْيِيعِ أعْظَمِ النِّعَمِ لِأجَلِ المَطْعُومِ الَّذِي هو أحْسَنُ مُتَناوَلٍ، قالَهُ الرّاغِبُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ نَحْوَهُ، قالَ: وفي ذِكْرِ البَطْنِ تَنْبِيهٌ عَلى مَذْهَبِهِمْ، بِأنَّهم باعُوا آخِرَتَهم بِحَظِّهِمْ مِنَ المَطْعَمِ الَّذِي لا خَطَرَ لَهُ، وعَلى هِجْنَتِهِمْ بِطاعَةِ بُطُونِهِمْ.
﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾: هَذا الخَبَرُ الثّانِي عَنْ أُولَئِكَ، وظاهِرُهُ نَفْيُ الكَلامِ مُطْلَقًا، أعْنِي مُباشَرَتَهم بِالكَلامِ، فَيَكُونُ ما جاءَ في القُرْآنِ، أوْ في السُّنَّةِ، مِمّا ظاهِرُهُ أنَّهُ تَعالى يُحاوِرُهم بِالكَلامِ، مُتَأوَّلًا بِأنَّهُ يَأْمُرُ مَن يَقُولُ لَهم ذَلِكَ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، ويَكُونُ في نَفْيِ كَلامِهِ تَعالى (p-٤٩٣)إيّاهم، دَلالَةٌ عَلى الغَضَبِ عَلَيْهِمْ، ألا تَرى أنَّ مَن غَضِبَ عَلى شَخْصٍ صَرَمَهُ وقَطَعَ كَلامَهُ؛ لِأنَّ في التَّكَلُّمِ - ولَوْ كانَ بِشَرٍّ - تَأْنِيسًا ما والتِفاتًا إلى المُكَلَّمِ. وقِيلَ: مَعْنى ”ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ“: أيْ يَغْضَبُ عَلَيْهِمْ. ولَيْسَ المُرادُ نَفْيُ الكَلامِ، إذْ قَدْ جاءَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ ما ظاهِرُهُ: أنَّهُ يُكَلِّمُ الكافِرِينَ، قالَهُ الحَسَنُ. وقِيلَ: المَعْنى لَيْسَ عَلى العُمُومِ، إذْ قَدْ جاءَ في القُرْآنِ ما ظاهِرُهُ أنَّهُ يُكَلِّمُهم، كَقَوْلِهِ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢]، والسُّؤالُ لا يَكُونُ إلّا بِالتَّكْلِيمِ، وقالَ: ﴿قالَ اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] . فالمَعْنى: لا يُكَلِّمُهم كَلامَ خَيْرٍ وإقْبالٍ وتَحِيَّةٍ، وإنَّما يُكَلِّمُهم كَلامًا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: المَعْنى لا يُرْسِلُ إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ بِالتَّحِيَّةِ. وقِيلَ: ”ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ“ تَعْرِيضٌ بِحِرْمانِهِمْ حالَ أهْلِ الجَنَّةِ في تَكْرِمَةِ اللَّهِ إيّاهم بِكَلامِهِ. وقِيلَ: المَعْنى لا يَحْمِلُهم عَلى الكَلامِ؛ لِأنَّ مَن كَلَّمْتَهُ، كُنْتَ قَدِ اسْتَدْعَيْتَ كَلامَهُ، كَأنَّهُ قالَ: لا يُسْتَدْعى كَلامُهم فَيَكُونُ نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦]، فَنَفى الكَلامَ، وهو يُرادُ ما يَلْزَمُ عَنْهُ، وهو اسْتِدْعاءُ الكَلامِ.
﴿ولا يُزَكِّيهِمْ﴾: هَذا هو الخَبَرُ الثّالِثُ، والمَعْنى: لا يَقْبَلُ أعْمالَهم كَما يَقْبَلُ أعْمالَ الأزْكِياءِ، أوْ لا يُنْزِلُهم مَنزِلَةَ الأزْكِياءِ. وقِيلَ: المَعْنى لا يُصْلِحُ أعْمالَهُمُ الخَبِيثَةَ. وقِيلَ: المَعْنى لا يُثْنِي عَلَيْهِمْ مِن قَوْلِهِمْ: زَكّى فَلانا، إذا أثْنى عَلَيْهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. وقِيلَ: لا يُطَهِّرُهم مِن دَنَسِ كُفْرِهِمْ، وهو مَعْنى قَوْلِ بَعْضِهِمْ: لا يُطَهِّرُهم مِن مُوجِباتِ العَذابِ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وقِيلَ: المَعْنى لا يُسَمِّيهِمْ أزْكِياءً.
(ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ): هَذا هو الخَبَرُ الرّابِعُ لِأُولَئِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: (ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ)، في أوَّلِ السُّورَةِ. وتَرَتَّبَ عَلى الكِتْمانِ واشْتِراءِ الثَّمَنِ القَلِيلِ هَذِهِ الأخْبارُ الأرْبَعَةُ، وانْعَطَفَتْ بِالواوِ الجامِعَةِ لَها. وعَطَفَ الأخْبارَ بِالواوِ، ولا خِلافَ في جَوازِهِ، بِخِلافِ أنْ لا تَكُونَ مَعْطُوفَةً، فَإنَّ في ذَلِكَ خِلافًا وتَفْصِيلًا. وناسَبَ ذِكْرُ هَذِهِ الأخْبارِ ما قَبْلَها، ومُناسِبٌ عَطْفُ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ، لِما نَذْكُرُهُ فَنَقُولُ: مَتى ذُكِرَ وصْفٌ ورُتِّبَ عَلَيْهِ أمْرٌ، فَلِلْعَرَبِ فِيهِ طَرِيقانِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ تِلْكَ الأُمُورُ المُتَرَتِّبَةُ عَلى الأوْصافِ مُقابَلَةً لَها، الأوَّلُ مِنها لِأوَّلِ تِلْكَ الأوْصافِ، والثّانِي لِلثّانِي، فَتَحْصُلُ المُقابَلَةُ مِن حَيْثُ المَعْنى ومِن حَيْثُ التَّرْتِيبِ اللَّفْظِيِّ، حَيْثُ قُوبِلَ الأوَّلُ بِالأوَّلِ، والثّانِي بِالثّانِي. وتارَةً يَكُونُ الأوَّلُ مِن تِلْكَ الأُمُورِ مُجاوِرًا لِما يَلِيهِ مِن تِلْكَ الأوْصافِ، فَتَحْصُلُ المُقابَلَةُ مِن حَيْثُ المَعْنى، لا مِن حَيْثُ التَّرْتِيبِ اللَّفْظِيِّ، وهَذِهِ الآيَةُ جاءَتْ مِن هَذا القَبِيلِ.
لَمّا ذَكَرَ تَعالى اشْتِراءَهُمُ الثَّمَنَ القَلِيلَ، وكانَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنْ مَطاعِمِهِمُ الخَسِيسَةِ الفانِيَةِ، بَدَأ أوَّلًا في الخَبَرِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ إلّا النّارَ﴾ . ثُمَّ قابَلَ تَعالى كِتْمانَهُمُ الدِّينَ، والكِتْمانُ هو أنْ لا يَتَكَلَّمُوا بِهِ بَلْ يُخْفُوهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾، فَجُوزُوا عَلى مَنعِ التَّكَلُّمِ بِالدِّينِ أنْ مُنِعُوا تَكْلِيمَ اللَّهِ إيّاهم، وابْتَنى عَلى كِتْمانِهِمُ الدِّينَ، واشْتِرائِهِمْ بِما أنْزَلَ اللَّهُ ثَمَنًا قَلِيلًا، أنَّهم شُهُودُ زُورٍ وأخْبارُ سُوءٍ، حَيْثُ غَيَّرُوا نَعْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وادَّعُوا أنَّ النَّبِيَّ المُبْتَعَثَ هو غَيْرُ هَذا، فَقُوبِلَ ذَلِكَ كُلُّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا يُزَكِّيهِمْ﴾ . ثُمَّ ذَكَرَ أخِيرًا ما أُعِدَّ لَهم مِنَ العَذابِ الألِيمِ، فَرَتَّبَ عَلى اشْتِراءِ الثَّمَنِ القَلِيلِ قَوْلَهُ: ﴿ما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ إلّا النّارَ﴾، وعَلى الكِتْمانِ قَوْلَهُ: ﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾، وعَلى مَجْمُوعِ الوَصْفَيْنِ قَوْلَهُ: ﴿ولا يُزَكِّيهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ . فَبَدَأ أوَّلًا: بِما يُقابِلُ فَرْدًا فَرْدًا، وثانِيًا: بِما يُقابِلُ المَجْمُوعَ. ولَمّا كانَتِ الجُمْلَةُ الأوْلى مُشْتَمِلَةً عَلى فِعْلٍ مُسْنَدٍ إلى اللَّهِ، كانَ الكَلامُ الَّذِي قابَلَها فِيهِ فِعْلٌ مُسْنَدٌ إلى اللَّهِ. ولَمّا كانَتِ الثّانِيَةُ مُسْنَدَةً إلَيْهِمْ، لَيْسَ فِيها إسْنادٌ إلى اللَّهِ جاءَتِ الجُمْلَةُ المُقابَلَةُ لَها مُسْنَدَةً إلَيْهِمْ، ولَمْ يَأْتِ ما يُطْعِمُهُمُ اللَّهُ في بُطُونِهِمْ إلّا النّارَ. (وناسَبَ) ذِكْرُ هَذِهِ الآيَةِ ما قَبْلَها؛ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في الآيَةِ قَبْلَها إباحَةَ الطَّيِّباتِ، ثُمَّ فَصَّلَ أشْياءً مِنَ المُحَرَّماتِ، فَناسَبَ أنْ يَذْكُرَ جَزاءَ مَن كَتَمَ شَيْئًا مِن دِينِ اللَّهِ، ومِمّا أنْزَلَهُ عَلى أنْبِيائِهِ، فَكانَ ذَلِكَ تَحْذِيرًا أنْ يَقَعَ المُؤْمِنُونَ فِيما وقَعَ فِيهِ أهْلُ الكِتابِ، مِن كَتْمِ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ واشْتِرائِهِمْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾، (p-٤٩٤)”أُولَئِكَ“: اسْمُ إشارَةٍ إلى الكاتِمِينَ الَّذِينَ سَبَقَ ذِكْرُهم، وذِكْرُ ما أُوعِدُوا بِهِ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ مُسْتَوْعَبًا في أوَّلِ السُّورَةِ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ.
﴿والعَذابَ بِالمَغْفِرَةِ﴾: لَمّا قَدَّمَ حالَهم في الدُّنْيا، بِأنَّهُمُ اعْتاضُوا مِنَ الهُدى الضَّلالَةَ، ذَكَرَ نَتِيجَةَ ذَلِكَ في الآخِرَةِ، وهو أنَّهُمُ اعْتاضُوا مِنَ المَغْفِرَةِ الَّتِي هي نَتِيجَةُ الهُدى وسَبَبُ النّعِيمِ الأطْوَلِ السَّرْمَدِيِّ، العَذابَ الأطْوَلَ السَّرْمَدِيَّ، الَّذِي هو نَتِيجَةُ الضَّلالَةِ؛ لِأنَّهم لَمّا كانُوا عالِمِينَ بِالحَقِّ، وكَتَمُوهُ لِغَرَضٍ خَسِيسٍ دُنْياوِيٍّ. فَإنْ كانَ ذَلِكَ اشْتِراءً لِلْعَذابِ بِالمَغْفِرَةِ. وفي لَفْظِ ”اشْتَرَوُا“ إشْعارٌ بِإيثارِهِمُ الضَّلالَةَ والعَذابَ؛ لِأنَّ الإنْسانَ لا يَشْتَرِي إلّا ما كانَ لَهُ فِيهِ رَغْبَةٌ ومَوَدَّةٌ واخْتِيارٌ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى نِهايَةِ الخَسارَةِ، وعَدَمِ النَّظَرِ في العَواقِبِ.
﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾: اخْتُلِفَ في ”ما“ فالأظْهَرُ أنَّها تَعَجُّبِيَّةٌ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وقَدْ جاءَ: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧]، ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ﴾ [مريم: ٣٨] . وأجْمَعَ النَّحْوِيُّونَ عَلى أنَّ ما التَّعَجُّبِيَّةُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ واخْتَلَفُوا، أهِيَ نَكِرَةٌ تامَّةٌ والفِعْلُ بَعْدَها في مَوْضِعِ الخَبَرِ ؟ أوِ اسْتِفْهامِيَّةٌ صَحِبَها مَعْنى التَّعَجُّبِ والفِعْلُ بَعْدَها في مَوْضِعِ الخَبَرِ ؟ أوْ مَوْصُولَةٌ والفِعْلُ بَعْدَها صِلَةٌ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ ؟ أوْ مَوْصُوفَةٌ والفِعْلُ بَعْدَها صِفَةٌ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ ؟ أقْوالٌ أرْبَعَةٌ ذُكِرَتْ في النَّحْوِ. الأوَّلُ قَوْلُ سِيبَوَيْهِ والجُمْهُورِ، والثّانِي قَوْلُ الفَرّاءِ وابْنِ دَرَسْتَوَيْهِ، والثّالِثُ والرّابِعُ لِلْأخْفَشِ. وكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا في أفْعَلَ بَعْدَ ما التَّعَجُّبِيَّةُ، أهْوَ فِعْلٌ ؟ وهو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ، أمِ اسْمٌ ؟ وهو مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ. ويَنْبَنِي عَلَيْهِ الخِلافُ في المَنصُوبِ بَعْدَهُ، أهْوَ مَفْعُولٌ بِهِ أوْ مُشَبَّهٌ بِالمَفْعُولِ بِهِ ؟ وإذا قُلْنا: إنَّ الكَلامَ هو تَعَجُّبٌ، فالتَّعَجُّبُ هو اسْتِعْظامُ الشَّيْءِ وخَفاءُ حُصُولِ السَّبَبِ، وهَذا مُسْتَحِيلٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، فَهو راجِعٌ لِمَن يَصِحُّ ذَلِكَ مِنهُ، أيْ هم مِمَّنْ يَقُولُ فِيهِمْ مَن رَآهم: ما أصْبَرَهم عَلى النّارِ واخْتَلَفَ قائِلُو التَّعَجُّبِ، أهْوَ صَبْرٌ يَحْصُلُ لَهم حَقِيقَةً إذا كانُوا في النّارِ ؟ فَذَهَبَ إلى ذَلِكَ الأصَمُّ وقالَ: إذا قِيلَ لَهم: ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، سَكَتُوا وانْقَطَعَ كَلامُهم، وصَبَرُوا عَلى النّارِ لِيَأْسِهِمْ مِنَ الخَلاصِ. وضَعُفَ قَوْلُ الأصَمِّ، بِأنَّ ظاهِرَ التَّعَجُّبِ، أنَّهُ مِن صَبْرِهِمْ في الحالِ، لا أنَّهم سَيَصْبِرُونَ، وبِأنَّ أهْلَ النّارِ قَدْ يَقَعُ مِنهُمُ الجَزَعُ. وقِيلَ: الصَّبْرُ مَجازٌ عَنِ البَقاءِ في النّارِ، أيْ ما أبْقاهم في النّارِ. أمْ هو صَبْرٌ يُوصَفُونَ بِهِ في الدُّنْيا ؟ وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. واخْتُلِفَ: أهْوَ حَقِيقَةٌ أمْ مَجازٌ ؟ والقائِلُونَ بِأنَّهُ حَقِيقَةٌ، قالُوا: مَعْناهُ ما أصْبَرَهم عَلى عَمَلٍ يُؤَدِّيهِمْ إلى النّارِ؛ لِأنَّهم كانُوا عُلَماءَ بِأنَّ مَن عانَدَ النَّبِيَّ ﷺ صارَ إلى النّارِ، قالَهُ المُؤَرِّجُ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ ما أصْبَرَهم عَلى عَمَلِ أهْلِ النّارِ، كَما تَقُولُ: ما أشْبَهَ سَخاءَكَ بِحاتِمٍ، أيْ بِسَخاءِ حاتِمٍ، فَحَذَفَ المُضافَ وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ، وهو قَوْلُ الكِسائِيِّ وقُطْرُبٍ، وهو قَرِيبٌ مِن قَوْلِ المُؤَرِّجِ. وقِيلَ: ”أصْبَرَ“ هُنا بِمَعْنى أجْرَأ، وهي لُغَةٌ يَمانِيَةٌ، فَيَكُونُ لَفْظُ ”أصْبَرَ“ إذْ ذاكَ مُشْتَرِكًا بَيْنَ مَعْناها المُتَبادِرِ إلى الذِّهْنِ مِن حَبْسِ النَّفْسِ عَلى الشَّيْءِ المَكْرُوهِ، ومَعْنى الجَراءَةِ، أيْ ما أجْرَأهم عَلى العَمَلِ الَّذِي يُقَرِّبُ إلى النّارِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ والرَّبِيعُ وابْنُ جُبَيْرٍ. قالَ الفَرّاءُ: أخْبَرَنِي الكِسائِيُّ قالَ: أخْبَرَنِي قاضِي اليَمَنِ أنَّ خَصْمَيْنِ اخْتَصَما إلَيْهِ، فَوَجَبَتِ اليَمِينُ عَلى أحَدِهِما، فَحَلَفَ لَهُ خَصْمُهُ، فَقالَ لَهُ: ما أصْبَرَكَ عَلى اللَّهِ أيْ ما أجْرَأكَ عَلى اللَّهِ والقائِلُونَ بِأنَّهُ مَجازٌ. فَقِيلَ: هو مَجازٌ أُرِيدَ بِهِ العَمَلُ، أيْ ما أعَمَلَهم بِأعْمالِ أهْلِ النّارِ قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: هو مَجازٌ أُرِيدَ بِهِ قِلَّةُ الجَزَعِ، أيْ ما أقَلَّ جَزَعَهم مِنَ النّارِ وقِيلَ: هو مَجازٌ أُرِيدَ بِهِ الرِّضا، وتَقْرِيرُهُ أنَّ الرّاضِيَ بِالشَّيْءِ يَكُونُ راضِيًا بِمَعْلُولِهِ ولازِمِهِ، إذا عُلِمَ ذَلِكَ اللُّزُومُ. فَلَمّا أقْدَمُوا عَلى ما يُوجِبُ النّارَ وهم عالِمُونَ بِذَلِكَ، صارُوا كالرّاضِينَ بِعَذابِ اللَّهِ والصّابِرِينَ عَلَيْهِ، وهو كَما يَقُولُ لِمَن تَعَرَّضَ لِغَضَبِ السُّلْطانِ: ما أصْبَرَكَ عَلى القَيْدِ والسِّجْنِ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ تَعَجُّبٌ مِن حالِهِمْ في التِباسِهِمْ بِمُوجِباتِ النّارِ مِن غَيْرِ مُبالاةٍ (p-٤٩٥)مِنهم. انْتَهى كَلامُهُ، وانْتَهى القَوْلُ في أنَّ الكَلامَ تَعَجُّبٌ. وذَهَبَ مَعْمَرُ بْنُ المُثَنّى والمُبَرِّدُ إلى أنَّ ما اسْتِفْهامِيَّةٌ لا تَعَجُّبِيَّةٌ، وهو اسْتِفْهامٌ عَلى مَعْنى التَّوْبِيخِ بِهِمْ، أيْ: أيِّ شَيْءٍ صَبَّرَهم عَلى النّارِ حَتّى تَرَكُوا الحَقَّ واتَّبَعُوا الباطِلَ ؟ وهو قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ. يُقالُ: صَبَّرَهُ وأصْبَرَهُ بِمَعْنًى: أيْ جَعَلَهُ يَصْبِرُ، لا أنْ أصْبَرَ هُنا بِمَعْنى: حَبَسَ واضْطَرَّ، فَيَكُونُ أفْعَلُ بِمَعْنى: فَعَلَ، خِلافًا لِلْمُبَرِّدِ، إذْ زَعَمَ أنَّ أصْبَرَ بِمَعْنى: صَبَّرَ، ولا نَعْرِفُ ذَلِكَ في اللُّغَةِ، وإنَّما تَكُونُ الهَمْزَةُ لِلنَّقْلِ، أيْ يُجْعَلُ ذا صَبْرٍ. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ ما نافِيَةٌ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ ما أصْبَرَهم عَلى النّارِ، أيْ ما يَجْعَلُهم يَصْبِرُونَ عَلى العَذابِ، فَتَلَخَّصَ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ التَّعَجُّبُ والِاسْتِفْهامُ والنَّفْيُ، وتَلَخَّصَ في التَّعَجُّبِ، أهْوَ حَقِيقَةٌ أمْ مَجازٌ ؟ وكِلاهُما: أذَلِكَ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ ؟ ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾، ذَلِكَ: إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الوَعِيدِ، قالَهُ الزَّجّاجُ؛ أوْ إلى الحُكْمِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم مِن أهْلِ الخُلُودِ في النّارِ، قالَهُ الحَسَنُ، أوِ العَذابِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ؛ أوِ الِاشْتِراءِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، تَفْرِيعًا عَلى بَعْضِ التَّفاسِيرِ في الكِتابِ مِن قَوْلِهِ: ”نَزَّلَ الكِتابَ“، وسَيُذْكَرُ أيْ ذَلِكَ الِاشْتِراءُ بِما سَبَقَ لَهم في عِلْمِ اللَّهِ ووَرَدَ أخْبارُهُ بِهِ أوِ الكِتْمانُ. وأبْعَدُها أنَّهُ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن أخْبارِ اللَّهِ أنَّهُ خَتَمَ عَلى قُلُوبِهِمْ، وعَلى سَمْعِهِمْ، وعَلى أبْصارِهِمْ، وأنَّهم صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَعْقِلُونَ. واخْتُلِفَ في إعْرابِ ذَلِكَ فَقِيلَ: هو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَعَلْنا ذَلِكَ، وتَكُونُ الباءُ في بِأنَّ اللَّهَ مُتَعَلِّقَةً بِذَلِكَ الفِعْلِ المَحْذُوفِ. وقِيلَ: مَرْفُوعٌ، واخْتَلَفُوا، أهْوَ فاعِلٌ، والتَّقْدِيرُ: وجَبَ ذَلِكَ لَهم ؟ أمْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، التَّقْدِيرُ: الأمْرُ ذَلِكَ ؟ أيْ: ما وُعِدُوا بِهِ مِنَ العَذابِ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الكِتابَ بِالحَقِّ. فاخْتَلَفُوا، أمْ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ قَوْلُهُ: ”بِأنَّ اللَّهَ نَزَّلَ“ ؟ أيْ: ذَلِكَ مُسْتَقِرٌّ ثابِتٌ بِأنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الكِتابَ بِالحَقِّ، ويَكُونُ ذَلِكَ إشارَةً إلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ، وهو العَذابُ، ويَكُونُ الخَبَرُ لَيْسَ مُجَرَّدَ تَنْزِيلِ اللَّهِ الكِتابَ بِالحَقِّ، بَلْ ما تَرَتَّبَ عَلى تَنْزِيلِهِ مِن مُخالَفَتِهِ وكِتْمانِهِ، وأقامَ السَّبَبَ مَقامَ المُسَبَّبِ. والتَّفْسِيرُ المَعْنَوِيُّ: ذَلِكَ العَذابُ حاصِلٌ لَهم بِكِتْمانِ ما نَزَّلَ اللَّهُ مِنِ الكِتابِ المَصْحُوبِ بِالحَقِّ، أوِ الكِتابِ الَّذِي نَزَّلَهُ بِالحَقِّ. وقالَ الأخْفَشُ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ذَلِكَ مَعْلُومٌ بِأنَّ اللَّهَ، فَيَتَعَلَّقُ الباءُ بِهَذا الخَبَرِ المُقَدَّرِ، والكِتابُ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، أوِ القُرْآنُ، أوْ كُتُبُ اللَّهِ المُنَزَّلَةُ عَلى أنْبِيائِهِ، أوْ ما كَتَبَ عَلَيْهِمْ مِنَ الشَّقاوَةِ بِقَوْلِهِ: ”صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ“، فَيَكُونُ الكِتابُ بِمَعْنى الحُكْمِ والقَضاءِ، أقْوالٌ أرْبَعَةٌ. ”بِالحَقِّ“ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِالعَدْلِ. وقالَ مُقاتِلٌ: ضِدُّ الباطِلِ. وقالَ مَكِّيٌّ: بِالواجِبِ، وحَيْثُما ذُكِرَ بِالحَقِّ فَهو الواجِبُ.
﴿وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا في الكِتابِ﴾، قِيلَ: هُمُ اليَهُودُ، والكِتابُ: التَّوْراةُ، واخْتِلافُهم: كِتْمانُهم بَعْثَ عِيسى، ثُمَّ بَعْثَ مُحَمَّدٍ ﷺ . آمَنُوا بِبَعْضٍ، وهو ما أظْهَرُوهُ، وكَفَرُوا بِبَعْضٍ، وهو ما كَتَمُوهُ. وقِيلَ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ السُّدِّيُّ؛ واخْتِلافُ كُفْرِهِمْ بِما قَصَّهُ اللَّهُ تَعالى مِن قَصَصِ عِيسى وأُمِّهِ - عَلَيْهِما السَّلامُ -، وبِإنْكارِ الإنْجِيلِ، ووَقَعَ الِاخْتِلافُ بَيْنَهم حَتّى تَلاعَنُوا وتَقاتَلُوا. وقِيلَ: كُفّارُ العَرَبِ، والكِتابُ: القُرْآنُ. قالَ بَعْضُهم: هو سِحْرٌ، وبَعْضُهم: هو أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وبَعْضُهم: هو مُفْتَرًى إلى غَيْرِ ذَلِكَ. وقِيلَ: أهْلُ الكِتابِ والمُشْرِكُونَ. قالَ أهْلُ الكِتابِ: إنَّهُ مِن كَلامِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ولَيْسَ هو مِن كَلامِ اللَّهِ. وقالُوا: إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ، وقالُوا: دارَسْتَ، وقالُوا: إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ. وقالَ المُشْرِكُونَ: بَعْضُهم قالَ: سِحْرٌ، وبَعْضُهم: شِعْرٌ، وبَعْضُهم: كِهانَةٌ، وبَعْضُهم: أساطِيرُ، وبَعْضُهُمُ: افْتِراءٌ إلى غَيْرِ ذَلِكَ. والظّاهِرُ الإخْبارُ عَمَّنْ صَدَرَ مِنهُمُ الِاخْتِلافُ فِيما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ بِأنَّهم في مُعاداةٍ وتَنافُرٍ؛ لِأنَّ الِاخْتِلافَ مَظِنَّةُ التَّباغُضِ والتَّبايُنِ، كَما أنَّ الِائْتِلافَ مَظِنَّةُ التَّحابِّ والِاجْتِماعِ. وفي المُنْتَخَبِ: الأقْرَبُ، حَمْلُ الكِتابِ عَلى التَّوْراةِ والإنْجِيلِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَتِ البِشارَةَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فِيهِما؛ لِأنَّ القَوْمَ قَدْ عَرَفُوا (p-٤٩٦)ذَلِكَ وكَتَمُوهُ، وعَرَفُوا تَأْوِيلَهُ. فَإذا أوْرَدَ تَعالى ما يَجْرِي مَجْرى العِلَّةِ في إنْزالِ العُقُوبَةِ بِهِ، فالأقْرَبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ كِتابَهُمُ الَّذِي هو الأصْلُ عِنْدَهم، دُونَ القُرْآنِ. انْتَهى كَلامُهُ.
”لَفي شِقاقٍ بَعِيدٍ“: تَقَدَّمَ أنَّ ذَلِكَ إمّا مَأْخُوذٌ مِن كَوْنِ هَذا يَصِيرُ في شِقٍّ وهَذا في شِقٍّ، أوْ مِن كَوْنِ هَذا يَشُقُّ عَلى صاحِبِهِ. وكَنّى بِالشِّقاقِ عَنِ العَداوَةِ، ووَصَفَ الشِّقاقَ بِالبُعْدِ، إمّا لِكَوْنِهِ بَعِيدًا عَنِ الحَقِّ، أوْ لِكَوْنِهِ بَعِيدًا عَنِ الأُلْفَةِ. أوْ كَنّى بِهِ عَنِ الطُّولِ، أيْ: في مُعاداةٍ طَوِيلَةٍ لا تَنْقَطِعُ. وهَذا الِاخْتِلافُ هو سَبَبُ اعْتِقادِ كُلِّ طائِفَةٍ أنَّ كِتابَها هو الحَقُّ، وأنَّ غَيْرَهُ افْتِراءٌ، وقَدْ كَذَبُوا في ذَلِكَ. كُتُبُ اللَّهِ يُشْبِهُ بَعْضُها بَعْضًا، ويُصَدِّقُ بَعْضُها بَعْضًا. (وقَدْ تَضَمَّنَتْ) هَذِهِ الآياتُ الكَرِيمَةُ نِداءَ النّاسِ ثانِيًا، وأمْرَهم بِالأكْلِ مِنَ الحَلالِ الطَّيِّبِ، ونَهْيَهم عَنِ اتِّباعِ الشَّيْطانِ، وذِكْرَ خُطُواتِهِ، كَأنَّهم يَقْتَفُونَ آثارَهُ، ويَطَئُونَ عَقِبَهُ. فَكُلَّما خَطا خُطْوَةً، وضَعُوا أقْدامَهم عَلَيْها، وذَلِكَ مُبالَغَةٌ في اتِّباعِهِ. ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ إنَّما نَهاهم عَنِ اتِّباعِهِ؛ لِأنَّهُ هو العَدُوُّ المُظْهِرُ لِعَداوَتِهِ. ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ بِذِكْرِ العَداوَةِ حَتّى ذَكَرَ أنَّهُ يَأْمُرُهم بِالمَعاصِي. ولَمّا كانَ لَهم مَتْبُوعًا وهم تابَعُوهُ، ناسَبَ ذِكْرُ الأمْرِ، إذْ هم مُمْتَثِلُونَ ما زَيَّنَ لَهم ووَسْوَسَ. ثُمَّ ذَكَرَ ما بِهِ أمْرَهم، وهو أمْرُهُ إيّاهم بِالِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ، والإخْبارِ عَنِ اللَّهِ بِما لا يَعْلَمُونَهُ عَنِ اللَّهِ، ثُمَّ ذَكَرَ شِدَّةَ إعْراضِهِمْ عَمّا أنْزَلَ اللَّهُ، واقْتِفاءَ اتِّباعِ آبائِهِمْ، حَتّى أنَّهم لَوْ كانَ آباؤُهم مَسْلُوبِـي العَقْلِ والهِدايَةِ لَكانُوا مُتَّبِعِيهِمْ، مُبالَغَةً في التَّقْلِيدِ البَحْتِ والإعْراضِ عَنْ كِتابِ اللَّهِ، وجَرْيًا لِخَلَفِهِمْ عَلى سَلَفِ سُنَنِهِمْ، مِن غَيْرِ نَظَرٍ ولا اسْتِدْلالٍ.
ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ مَثَلَ الكُفّارِ وداعِيهِمْ إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ، مَثَلُ النّاعِقِ بِما لا يَسْمَعُ إلّا مُجَرَّدَ ألْفاظٍ. ثُمَّ ذَكَرَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الصَّمَمِ والبَكَمِ والعَمى، الَّتِي هي مانِعَةٌ مِن وُصُولِ العُلُومِ إلى الإنْسانِ، فَلِذَلِكَ خَتَمَ بِقَوْلِهِ ”فَهم لا يَعْقِلُونَ“؛ لِأنَّ طُرُقَ العَقْلِ والعِلْمِ مُفْسَدَةٌ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ نادى المُؤْمِنِينَ نِداءً خاصًّا، وأمَرَهم بِالأكْلِ مِنَ الطَّيَّبِ وبِالشُّكْرِ لِلَّهِ. ثُمَّ ذَكَرَ أشْياءَ مِمّا حَرَّمَ، وأباحَ الأكْلَ مِنها حالَ الِاضْطِرارِ، وشَرَطَ في تَناوُلِ ذَلِكَ أنْ لا يَكُونَ المُضْطَرُّ باغِيًا ولا عادِيًا. ولَمّا أحَلَّ أكْلَ الطَّيِّباتِ وحَرَّمَ ما حَرَّمَ هُنا، ذَكَرَ أحْوالَ مَن كَتَمَ ما أنْزَلَ اللَّهُ واشْتَرى بِهِ النَّزْرَ اليَسِيرَ، لِتَعْتَبِرَ هَذِهِ الأُمَّةُ بِحالِ مَن كَتَمَ العِلْمَ وباعَهُ بِأخَسِّ ثَمَنٍ، إذْ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ لا يَأْكُلُ في بَطْنِهِ إلّا النّارَ، أيْ ما يُوجِبُ أكْلَهُ النّارَ. وأنَّ اللَّهَ لا يُكَلِّمُهم يَوْمَ القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ حِينَ يُكَلِّمُ المُؤْمِنِينَ تَكْلِيمَ رَحْمَةٍ وإحْسانٍ. وذَكَرَ أنَّهم مَعَ انْتِفاءِ التَّعْلِيمِ الَّذِي هو أعْلى الرُّتَبِ لِلْمَرْءُوسِ مِنَ الرَّئِيسِ، حَيْثُ أهَّلَهُ لِمُناجاتِهِ ومُحادَثَتِهِ، وانْتِفاءُ الثَّناءِ عَلَيْهِمْ لَهُمُ العَذابُ المُؤْلِمُ. ثُمَّ بالَغَ في ذَمِّهِمْ بِأنَّ هَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ آثَرُوا الضَّلالَ عَلى الهُدى، والعَذابَ عَلى النَّعِيمِ. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهم بِصَدَدِ أنْ يُتَعَجَّبَ مِن جَلَدِهِمْ عَلى النّارِ، وأنَّ ما حَصَلَ لَهم مِنَ العَذابِ هو بِسَبَبِ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ فَخالَفُوهُ. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيما أنْزَلَ اللَّهُ هم في مُعاداةٍ لا تَنْقَطِعُ.