Lafzullah

Al-Bahr Al-Muhit — البقرة 2:121 – البقرة 2:150

المؤلف / المصدر: Al-Bahr Al-Muhit

المحتويات
  1. البقرة 2:121
  2. البقرة 2:122
  3. البقرة 2:123
  4. البقرة 2:124
  5. البقرة 2:125
  6. البقرة 2:126
  7. البقرة 2:127
  8. البقرة 2:128
  9. البقرة 2:129
  10. البقرة 2:130
  11. البقرة 2:131
  12. البقرة 2:132
  13. البقرة 2:133
  14. البقرة 2:134
  15. البقرة 2:135
  16. البقرة 2:136
  17. البقرة 2:137
  18. البقرة 2:138
  19. البقرة 2:139
  20. البقرة 2:140
  21. البقرة 2:141
  22. البقرة 2:142
  23. البقرة 2:143
  24. البقرة 2:144
  25. البقرة 2:145
  26. البقرة 2:146
  27. البقرة 2:147
  28. البقرة 2:148
  29. البقرة 2:149
  30. البقرة 2:150

البقرة 2:121

﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في أهْلِ السَّفِينَةِ الَّذِينَ قَدِمُوا مَعَ جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ، وكانُوا اثْنَيْنِ وثَلاثِينَ مِن أهْلِ الحَبَشَةِ، وثَمانِيَةً مِن رُهْبانِ الشّامِ. وقِيلَ: كانَ بَعْضُهم مِن أهْلِ نَجْرانَ، وبَعْضُهم مِن أهْلِ الحَبَشَةِ، ومِنَ الرُّومِ، وثَمانِيَةٌ مَلّاحُونَ أصْحابُ السَّفِينَةِ أقْبَلُوا مَعَ جَعْفَرٍ. وقالَ الضَّحّاكُ: هم مَن آمَنَ مِنَ اليَهُودِ، كابْنِ سَلامٍ، وابْنِ صُورِيا، وابْنِ يامِينَ، وغَيْرِهِمْ. وقِيلَ: في عُلَماءِ اليَهُودِ وأحْبارِ النَّصارى. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: الأنْبِياءُ والمُرْسَلُونَ. وقِيلَ: المُؤْمِنُونَ. وقِيلَ: الصَّحابَةُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ وقَتادَةُ. وعَلى هَذا الِاخْتِلافِ، يَتَنَزَّلُ الِاخْتِلافُ في الكِتابِ، أهُوَ التَّوْراةُ أوِ الإنْجِيلُ ؟ أوْ هُما والقُرْآنُ ؟ أوِ الجِنْسُ ؟ فَيَكُونُ يَعْنِي بِهِ المَكْتُوبَ، فَيَشْمَلُ الكُتُبَ المُتَقَدِّمَةَ. ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾: أيْ يَقْرَءُونَهُ ويُرَتِّلُونَهُ بِإعْرابِهِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: يَتَّبِعُونَ أحْكامَهُ. وقالَ الحَسَنُ: يَعْمَلُونَ بِمُحْكَمِهِ ويَكِلُونَ مُتَشابِهَهُ إلى اللَّهِ. وقالَ عُمَرُ: يَسْألُونَ مِن رَحْمَتِهِ ويَسْتَعِيذُونَ مِن عَذابِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا يُحَرِّفُونَهُ ولا يُغَيِّرُونَ ما فِيهِ مِن نَعْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والَّذِينَ: مُبْتَدَأٌ، فَإنْ أُرِيدَ بِهِ الخُصُوصُ في مَنِ اهْتَدى، صَحَّ أنْ يَكُونَ يَتْلُونَهُ خَبَرًا عَنْهُ، وصَحَّ أنْ يَكُونَ حالًا مُقَدَّرَةً إمّا مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ، وإمّا مِنَ الكِتابِ، لِأنَّهم وقْتَ الإيتاءِ لَمْ يَكُونُوا تالِينَ لَهُ، ولا كانَ هو مَتْلُوًّا لَهم، ويَكُونَ الخَبَرُ إذْ ذاكَ في الجُمْلَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ . وجُوَّزَ الحَوْفِيُّ أنْ يَكُونَ يَتْلُونَهُ خَبَرًا، وأُولَئِكَ وما بَعْدَهُ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ. قالَ مِثْلُ قَوْلِهِمْ: هَذا حُلْوٌ حامِضٌ، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهُ هَلْ يَقْتَضِي المُبْتَدَأُ الواحِدُ خَبَرَيْنِ ؟ أمْ لا يَقْتَضِي إلّا إذا كانَ في مَعْنى خَبَرٍ واحِدٍ كَقَوْلِهِمْ: هَذا حُلْوٌ حامِضٌ، أيْ مَزٌّ، وفي ذَلِكَ خِلافٌ. وإنْ أُرِيدَ بِـ ”﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾“ العُمُومُ، كانَ الخَبَرُ ”﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾“ قالُوا - ومِنهُمُ ابْنُ عَطِيَّةَ -: ويَتْلُونَهُ حالٌ لا يُسْتَغْنى عَنْها، وفِيها الفائِدَةُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا؛ لِأنَّهُ كانَ يَكُونُ كُلُّ مُؤْمِنٍ يَتْلُو الكِتابَ، ولَيْسَ كَذَلِكَ بِأيِّ تَفْسِيرٍ فَسَّرْتَ التِّلاوَةَ. ونَقُولُ: ما لَزِمَ في الِامْتِناعِ مِن جَعْلِها خَبَرًا، يَلْزَمُ في الحالِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مُؤْمِنٍ يَكُونُ عَلى حالَةِ التِّلاوَةِ بِأيِّ تَفْسِيرٍ فَسَّرْتَها. وانْتَصَبَ ﴿حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ عَلى المَصْدَرِ كَما (p-٣٧٠)تَقُولُ: ضَرَبْتُ زَيْدًا حَقَّ ضَرْبِهِ، وأصْلُهُ تِلاوَةً حَقًّا. ثُمَّ قُدِّمَ الوَصْفُ، وأُضِيفَ إلى المَصْدَرِ، وصارَ نَظِيرَ: ضَرَبْتُ شَدِيدَ الضَّرْبِ، إذْ أصْلُهُ: ضَرْبًا شَدِيدًا. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ وصْفًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وأنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الحالِ مِنَ الفاعِلِ، أيْ يَتْلُونَهُ مُحِقِّينَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: و”حَقَّ“ مَصْدَرٌ والعامِلُ فِيهِ فِعْلٌ مُضْمَرٌ، وهو بِمَعْنًى، ولا يَجُوزُ إضافَتُهُ إلى واحِدٍ مُعَرَّفٍ، وإنَّما جازَتْ هُنا لِأنَّ تَعَرُّفَ التِّلاوَةِ بِإضافَتِها إلى الضَّمِيرِ لَيْسَ بِتَعَرُّفٍ مَحْضٍ، وإنَّما هو بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِمْ: رَجُلٌ واحِدُ أُمِّهِ، ونَسِيجُ وحْدِهِ. انْتَهى كَلامُهُ. وأُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ: ظاهِرُهُ أنَّ الضَّمِيرَ في بِهِ يَعُودُ إلى ما يَعُودُ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ في يَتْلُونَهُ، وهو الكِتابُ، عَلى اخْتِلافِ النّاسِ في الكِتابِ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ قالُوا: وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ، لَكِنْ دَلَّتْ قُوَّةُ الكَلامِ عَلَيْهِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ﴾ [البقرة: ١١٩]، لَكِنْ صارَ ذَلِكَ التِفاتًا وخُرُوجًا مِن خِطابٍ إلى غَيْبَةٍ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى اللَّهِ تَعالى، ويَكُونُ التِفاتًا أيْضًا وخُرُوجًا مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ المُعَظِّمِ نَفْسَهُ إلى ضَمِيرِ الغائِبِ المُفْرَدِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ عِنْدِي أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلى الهُدى الَّذِي تَقَدَّمَ، وذَلِكَ أنَّهُ ذَكَرَ كُفّارَ اليَهُودِ والنَّصارى في الآيَةِ، وحَذَّرَ رَسُولَهُ مِنِ اتِّباعِ أهْوائِهِمْ، وأعْلَمَهُ بِأنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى الَّذِي أعْطاهُ وبَعَثَهُ بِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ لَهُ أنَّ المُؤْمِنِينَ التّالِينَ لِكِتابِ اللَّهِ هُمُ المُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ الهُدى المُقْتَدُونَ بِأنْوارِهِ. انْتَهى كَلامُهُ، وهو مُحْتَمِلٌ لِما ذُكِرَ. لَكِنَّ الظّاهِرَ أنْ يَعُودَ عَلى الكِتابِ لِتَتَناسَبَ الضَّمائِرُ ولا تَخْتَلِفَ، فَيَحْصُلَ التَّعْقِيدُ في اللَّفْظِ، والإلْباسُ في المَعْنى؛ لِأنَّهُ إذا كانَ جَعْلُ الضَّمائِرِ المُتَناسِبَةِ عائِدَةً عَلى واحِدٍ، والمَعْنى فِيها جَيِّدٌ صَحِيحُ الإسْنادِ، كانَ أوْلى مِن جَعْلِها مُتَنافِرَةً، ولا نَعْدِلُ إلى ذَلِكَ إلّا بِصارِفٍ عَنِ الوَجْهِ الأوَّلِ، إمّا لَفْظِيٍّ، وإمّا مَعْنَوِيٍّ، وإلى عَوْدِهِ عَلى الكِتابِ ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ. ﴿ومَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾: الضَّمِيرُ في بِهِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ فِيهِ مِنَ الخِلافِ ما فِيهِ مِنَ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، والظّاهِرُ كَما قُلْناهُ، أنَّهُ عائِدٌ عَلى الكِتابِ، ولَمْ يُعادِلْ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ في التَّرْكِيبِ الخَبَرِيِّ غَيْرِ الشَّرْطِيِّ أوِ الشَّرْطِيِّ. بَلْ قَصَدَ في الأُولى إلى ذِكْرِ الحُكْمِ مِن غَيْرِ تَعْلِيقٍ عَلَيْهِ، ودَلَّ مُقابَلَةُ الخُسْرانِ عَلى رِبْحِ مَن آمَنَ بِهِ وفَوْزِهِ ووُفُورِ حَظِّهِ عِنْدَ اللَّهِ، فاكْتَفى بِثُبُوتِ السَّبَبِ عَنْ ذِكْرِ المُسَبَّبِ عَنْهُ. وقَصَدَ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ إلى ذِكْرِ المُسَبَّبِ عَلى تَقْدِيرِ حُصُولِ السَّبَبِ، فَكانَ في ذَلِكَ تَنْفِيرٌ عَنْ تَعاطِي السَّبَبِ لِما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ المُسَبَّبِ الَّذِي هو الخُسْرانُ ونَقْصُ الحَظِّ، وأخْرَجَ ذَلِكَ في جُمْلَةٍ شَرْطِيَّةٍ حُمِلَ فِيها الشَّرْطُ عَلى لَفْظِ مَن، والجَزاءُ عَلى مَعْناها. و”هم“ مُحْتَمَلٌ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وأنْ يَكُونَ فَصْلًا. وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ يَكُونُ في ذَلِكَ تَوْكِيدٌ. وفي المُنْتَخَبِ: الَّذِي يَلِيقُ بِهِ هَذا الوَصْفُ هو القُرْآنُ. وأُولَئِكَ الأوْلى عائِدَةٌ عَلى المُؤْمِنِينَ، والثّانِيَةُ عائِدَةٌ عَلى الكُفّارِ. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ، أنَّ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم هم أهْلُ الكِتابِ، فَلَمّا ذَمَّ طَرِيقَتَهم وحَكى سُوءَ أفْعالِهِمْ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِمَدْحِ مَن تَرَكَ طَرِيقَتَهم، بِأنْ تَأمَّلَ التَّوْراةَ وتَرَكَ تَحْرِيفَها، وعَرَفَ مِنها صِحَّةَ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ . انْتَهى. والتِّلاوَةُ لَها مَعْنَيانِ: القِراءَةُ لَفْظًا، والِاتِّباعُ فِعْلًا. وقَدْ تَقَدَّمَ ما نُقِلَ في تَفْسِيرِ التِّلاوَةِ هُنا، والأوْلى أنْ يُحْمَلَ عَلى كُلِّ تِلْكَ الوُجُوهِ لِأنَّها مُشْتَرَكَةٌ في المَفْهُومِ، وهو أنَّ بَيْنَها كُلِّها قَدْرًا مُشْتَرَكًا، فَيَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ لِكَثْرَةِ الفَوائِدِ.

البقرة 2:122

﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا ولا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ ولا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾: كَرَّرَ نِداءَ بَنِي إسْرائِيلَ هُنا، وذَكَّرَهم بِنِعَمِهِ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، إذْ أعْقَبَ ذَلِكَ النِّداءَ ذِكْرَ نِداءٍ ثانٍ يَلِي ذِكْرَ الطّائِفَتَيْنِ مُتَّبِعِي الهُدى والكافِرِينَ المُكَذِّبِينَ بِالآياتِ. وهَذا النِّداءُ أعْقَبَ ذِكْرَ تِلْكَ الطّائِفَتَيْنِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ. (p-٣٧١)وكانَ ما بَيْنَ النِّداءَيْنِ - قَصَصُ بَنِي إسْرائِيلَ، وما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ، وما صَدَرَ مِنهم، مِن أفْعالِهِمُ الَّتِي لا تَلِيقُ بِمَن أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ، مِنَ المُخالَفاتِ والكَذِبِ والتَّعَنُّتاتِ، وما جُوزُوا بِهِ في الدُّنْيا عَلى ذَلِكَ، وما أُعِدَّ لَهم في الآخِرَةِ - مَحْشُوًّا بَيْنَ التَّذْكِيرَيْنِ ومَجْعُولًا بَيْنَ الوَعْظَيْنِ والتَّخْوِيفَيْنِ لِيَوْمِ القِيامَةِ. ونَظِيرُ ذَلِكَ في الكَلامِ أنْ تَأْمُرَ شَخْصًا بِشَيْءٍ عَلى جِهَةِ الإجْمالِ، ثُمَّ تُفَصِّلَ لَهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ إلى أشْياءَ كَثِيرَةٍ عَدِيدَةٍ، وأنْتَ تَسْرُدُها لَهُ سَرْدًا، وكُلُّ واحِدَةٍ مِنها هي مُنْدَرِجَةٌ تَحْتَ ذَلِكَ الأمْرِ السّابِقِ. ويَطُولُ بِكَ الكَلامُ حَتّى تَكادَ تَتَناسى ما سَبَقَ مِن ذَلِكَ الأمْرِ، فَتُعِيدَهُ ثانِيَةً، لِتَتَذَكَّرَ ذَلِكَ الأمْرَ، وتَصِيرَ تِلْكَ التَّفْصِيلاتُ مَحْفُوفَةً بِالأمْرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ بِهِما. ولَمْ تَخْتَلِفْ هَذِهِ الآيَةُ مَعَ تِلْكَ السّابِقَةِ إلّا في قَوْلِهِ هُناكَ: ﴿ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ٤٨] وقالَ هُنا: ﴿ولا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ ولا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ . وقَدْ ذَكَرْنا هُناكَ ما ناسَبَ تَقْدِيمَ الشَّفاعَةِ هُناكَ عَلى العَدْلِ، وتَأْخِيرَها هُنا عَنْهُ، ونِسْبَةَ القَبُولِ هُناكَ لِلشَّفاعَةِ، والنَّفْعَ هُنا لَها، فَيُطالَعُ هُناكَ. وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ الشَّرِيفَةُ الإخْبارَ عَنْ مُجاوَزَةِ الحَدِّ في الظُّلْمِ مِمَّنْ عَطَّلَ بُيُوتَ اللَّهِ مِنَ الذِّكْرِ وسَعى في خَرابِها، مَعَ أنَّها مِن حَيْثُ هي مَنسُوبَةٌ إلى اللَّهِ، وهي مَحالُّ ذِكْرِهِ وإيواءِ عِبادِهِ الصّالِحِينَ، كانَ يَنْبَغِي أنْ لا يَدْخُلُوها إلّا وهم وجِلُونَ خائِفُونَ، مُتَذَكِّرُونَ لِمَن بُنِيَتْ، ولِما يُذْكَرُ فِيها. ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ لِأُولَئِكَ الخِزْيَ في الدُّنْيا والعَذابَ العَظِيمَ في الآخِرَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ لَهُ تَعالى المَشْرِقَ والمَغْرِبَ، فَيَنْدَرِجُ في ذَلِكَ المَساجِدُ، وأيُّ جِهَةٍ قَصَدْتُمُوها فاللَّهُ تَعالى حاوِيها ومالِكُها، فَلَيْسَ مُخْتَصًّا بِحَيِّزٍ ولا مَكانٍ. وخَتَمَ هَذِهِ الجُمْلَةَ بِالوُسْعِ المُنافِي لِوُسْعِ المَقادِيرِ، وبِالعِلْمِ الَّذِي هو دَلِيلُ الإحاطَةِ. ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم بِأفْظَعِ مَقالَةٍ، وهي نِسْبَةُ الوَلَدِ إلى اللَّهِ تَعالى، ونَزَّهَ ذاتَهُ المُقَدَّسَةَ عَنْ ذَلِكَ، وأخْبَرَ أنَّ جَمِيعَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ مِلْكٌ لَهُ، خاضِعُونَ طائِعُونَ. ثُمَّ ذَكَرَ بَداعَةَ السَّماواتِ والأرْضِ، وأنَّها مَخْلُوقَةٌ عَلى غَيْرِ مِثالٍ، فَكَما أنَّهُ لا مِثالَ لَهُما، فَكَذَلِكَ الفاعِلُ لَهُما لا مِثالَ لَهُ. فَفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَمْتَنِعُ الوَلَدَ، إذْ لَوْ كانَ لَهُ ولَدٌ لَكانَ مِن جِنْسِهِ، والبارِئُ لا شَيْءَ يُشْبِهُهُ، فَلا ولَدَ لَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ مَتى تَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ بِما يُرِيدُ أنْ يُحْدِثَهُ، فَلا تَأخُّرَ لَهُ، وفِيهِ إشارَةٌ أيْضًا إلى نَفْيِ الوَلَدِ؛ لِأنَّهُ لا يَكُونُ إلّا عَنْ تَوالُدٍ، ويَقْتَضِي إلى تَعاقُبِ أزْمانٍ، تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ ثُمَّ ذَكَرَ نَوْعًا مِن مَقالاتِهِمُ الَّتِي تَعَنَّتُوا بِها أنْبِياءَ اللَّهِ، مِن طَلَبِ كَلامِهِ ومُشافَهَتِهِ إيّاهم، أوْ نُزُولِ آيَةٍ. وقَدْ نَزَلَتْ آياتٌ كَثِيرَةٌ، فَلَمْ يُصْغُوا إلَيْها، وأنَّ هَذِهِ المَقالَةَ اقْتَفَوْا بِها آثارَ مَن تَقَدَّمَهم، وأنَّ أهْواءَهم مُتَماثِلَةٌ في تَعَنُّتِ الأنْبِياءِ، وأنَّهُ تَعالى قَدْ بَيَّنَ الآياتِ وأوْضَحَها، لَكِنْ لِمَن لَهُ فِكْرٌ فَهو يُوقِنُ بِصِحَّتِها ويُؤْمِنُ بِها. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ أرْسَلَهُ بَشِيرًا لِمَن آمَنَ بِالنَّعِيمِ في الآخِرَةِ والظَّفَرِ في الدُّنْيا، ونَذِيرًا لِمَن كَفَرَ بِعَكْسِ ذَلِكَ، وأنْ لا تَهْتَمَّ بِمَن خُتِمَ لَهُ بِالشَّقاوَةِ، فَكانَ مِن أهْلِ النّارِ، ولا تَغْتَمَّ بِعَدَمِ إيمانِهِ، فَقَدْ أبْلَغْتَ وأعْذَرْتَ. ثُمَّ ذَكَرَ ما عَلَيْهِ اليَهُودُ والنَّصارى مِن شِدَّةِ تَعامِيهِمْ عَنِ الحَقِّ، بِأنَّهم لا يَرْضَوْنَ عَنْكَ حَتّى تُخالِفَ ما جاءَكَ مِنَ الهُدى الَّذِي هو هُدى اللَّهِ، إلى ما هم عَلَيْهِ مِن مِلَّةِ الكُفْرِ واتِّباعِ الأهْواءِ. ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ مُتَّبِعَ أهْوائِهِمْ بَعْدَ وُضُوحِ ما وافاهُ مِنَ الدِّينِ والإسْلامِ لا أحَدَ يَنْصُرُهُ ولا يَمْنَعُهُ مِن عَذابِ اللَّهِ. وأنَّ الَّذِينَ آتاهُمُ الكِتابَ واصْطَفاهم لَهُ يَتَّبِعُونَ الكِتابَ، ويَتَتَبَّعُونَ مَعانِيَهُ، فَهم مُصَدِّقُونَ بِما تَضَمَّنَهُ مِمّا غابَ عَنْهم عِلْمُهُ، ولَمْ يَحْصُلْ لَهُمُ اسْتِفادَتُهُ إلّا مِنهُ، مِن خَبَرٍ ماضٍ أوْ آتٍ، ووَعْدٍ ووَعِيدٍ، وثَوابٍ وعِقابٍ، وأنَّ مَن كَفَرَ بِهِ حَقَّ عَلَيْهِ الخُسْرانُ. ثُمَّ خَتَمَ هَذِهِ الآياتِ بِأمْرِ بَنِي إسْرائِيلَ بِذِكْرِ نِعَمِهِ السّابِقَةِ، وتَفْضِيلِهِمْ عَلى عالَمِي زَمانِهِمْ، وكانَ ثالِثَ نِداءٍ نُودِيَ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ، بِالإضافَةِ إلى أبِيهِمُ الأعْلى، وتَشْرِيفِهِمْ بِوِلادَتِهِمْ مِنهُ. ثُمَّ أعْرَضَ في مُعْظَمِ القُرْآنِ عَنْ نِدائِهِمْ بِهَذا الِاسْمِ، وطَمَسَ (p-٣٧٢)ما كانَ لَهم مِن نُورِ هَذا الوَسْمِ، والثَّلاثُ هي مَبْدَأُ الكَثْرَةِ، وقَدِ اهْتَمَّ بِكَ مَن نَبَّهَكَ وناداكَ مَرَّةً ومَرَّةً ومَرَّةً: ؎لَقَدْ أسْمَعْتَ لَوْ نادَيْتَ حَيًّا ولَكِنْ لا حَياةَ لِمَن تُنادِي

البقرة 2:123

﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا ولا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ ولا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾: كَرَّرَ نِداءَ بَنِي إسْرائِيلَ هُنا، وذَكَّرَهم بِنِعَمِهِ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، إذْ أعْقَبَ ذَلِكَ النِّداءَ ذِكْرَ نِداءٍ ثانٍ يَلِي ذِكْرَ الطّائِفَتَيْنِ مُتَّبِعِي الهُدى والكافِرِينَ المُكَذِّبِينَ بِالآياتِ. وهَذا النِّداءُ أعْقَبَ ذِكْرَ تِلْكَ الطّائِفَتَيْنِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ. (p-٣٧١)وكانَ ما بَيْنَ النِّداءَيْنِ - قَصَصُ بَنِي إسْرائِيلَ، وما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ، وما صَدَرَ مِنهم، مِن أفْعالِهِمُ الَّتِي لا تَلِيقُ بِمَن أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ، مِنَ المُخالَفاتِ والكَذِبِ والتَّعَنُّتاتِ، وما جُوزُوا بِهِ في الدُّنْيا عَلى ذَلِكَ، وما أُعِدَّ لَهم في الآخِرَةِ - مَحْشُوًّا بَيْنَ التَّذْكِيرَيْنِ ومَجْعُولًا بَيْنَ الوَعْظَيْنِ والتَّخْوِيفَيْنِ لِيَوْمِ القِيامَةِ. ونَظِيرُ ذَلِكَ في الكَلامِ أنْ تَأْمُرَ شَخْصًا بِشَيْءٍ عَلى جِهَةِ الإجْمالِ، ثُمَّ تُفَصِّلَ لَهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ إلى أشْياءَ كَثِيرَةٍ عَدِيدَةٍ، وأنْتَ تَسْرُدُها لَهُ سَرْدًا، وكُلُّ واحِدَةٍ مِنها هي مُنْدَرِجَةٌ تَحْتَ ذَلِكَ الأمْرِ السّابِقِ. ويَطُولُ بِكَ الكَلامُ حَتّى تَكادَ تَتَناسى ما سَبَقَ مِن ذَلِكَ الأمْرِ، فَتُعِيدَهُ ثانِيَةً، لِتَتَذَكَّرَ ذَلِكَ الأمْرَ، وتَصِيرَ تِلْكَ التَّفْصِيلاتُ مَحْفُوفَةً بِالأمْرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ بِهِما. ولَمْ تَخْتَلِفْ هَذِهِ الآيَةُ مَعَ تِلْكَ السّابِقَةِ إلّا في قَوْلِهِ هُناكَ: ﴿ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ٤٨] وقالَ هُنا: ﴿ولا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ ولا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ . وقَدْ ذَكَرْنا هُناكَ ما ناسَبَ تَقْدِيمَ الشَّفاعَةِ هُناكَ عَلى العَدْلِ، وتَأْخِيرَها هُنا عَنْهُ، ونِسْبَةَ القَبُولِ هُناكَ لِلشَّفاعَةِ، والنَّفْعَ هُنا لَها، فَيُطالَعُ هُناكَ. وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ الشَّرِيفَةُ الإخْبارَ عَنْ مُجاوَزَةِ الحَدِّ في الظُّلْمِ مِمَّنْ عَطَّلَ بُيُوتَ اللَّهِ مِنَ الذِّكْرِ وسَعى في خَرابِها، مَعَ أنَّها مِن حَيْثُ هي مَنسُوبَةٌ إلى اللَّهِ، وهي مَحالُّ ذِكْرِهِ وإيواءِ عِبادِهِ الصّالِحِينَ، كانَ يَنْبَغِي أنْ لا يَدْخُلُوها إلّا وهم وجِلُونَ خائِفُونَ، مُتَذَكِّرُونَ لِمَن بُنِيَتْ، ولِما يُذْكَرُ فِيها. ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ لِأُولَئِكَ الخِزْيَ في الدُّنْيا والعَذابَ العَظِيمَ في الآخِرَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ لَهُ تَعالى المَشْرِقَ والمَغْرِبَ، فَيَنْدَرِجُ في ذَلِكَ المَساجِدُ، وأيُّ جِهَةٍ قَصَدْتُمُوها فاللَّهُ تَعالى حاوِيها ومالِكُها، فَلَيْسَ مُخْتَصًّا بِحَيِّزٍ ولا مَكانٍ. وخَتَمَ هَذِهِ الجُمْلَةَ بِالوُسْعِ المُنافِي لِوُسْعِ المَقادِيرِ، وبِالعِلْمِ الَّذِي هو دَلِيلُ الإحاطَةِ. ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم بِأفْظَعِ مَقالَةٍ، وهي نِسْبَةُ الوَلَدِ إلى اللَّهِ تَعالى، ونَزَّهَ ذاتَهُ المُقَدَّسَةَ عَنْ ذَلِكَ، وأخْبَرَ أنَّ جَمِيعَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ مِلْكٌ لَهُ، خاضِعُونَ طائِعُونَ. ثُمَّ ذَكَرَ بَداعَةَ السَّماواتِ والأرْضِ، وأنَّها مَخْلُوقَةٌ عَلى غَيْرِ مِثالٍ، فَكَما أنَّهُ لا مِثالَ لَهُما، فَكَذَلِكَ الفاعِلُ لَهُما لا مِثالَ لَهُ. فَفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَمْتَنِعُ الوَلَدَ، إذْ لَوْ كانَ لَهُ ولَدٌ لَكانَ مِن جِنْسِهِ، والبارِئُ لا شَيْءَ يُشْبِهُهُ، فَلا ولَدَ لَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ مَتى تَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ بِما يُرِيدُ أنْ يُحْدِثَهُ، فَلا تَأخُّرَ لَهُ، وفِيهِ إشارَةٌ أيْضًا إلى نَفْيِ الوَلَدِ؛ لِأنَّهُ لا يَكُونُ إلّا عَنْ تَوالُدٍ، ويَقْتَضِي إلى تَعاقُبِ أزْمانٍ، تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ ثُمَّ ذَكَرَ نَوْعًا مِن مَقالاتِهِمُ الَّتِي تَعَنَّتُوا بِها أنْبِياءَ اللَّهِ، مِن طَلَبِ كَلامِهِ ومُشافَهَتِهِ إيّاهم، أوْ نُزُولِ آيَةٍ. وقَدْ نَزَلَتْ آياتٌ كَثِيرَةٌ، فَلَمْ يُصْغُوا إلَيْها، وأنَّ هَذِهِ المَقالَةَ اقْتَفَوْا بِها آثارَ مَن تَقَدَّمَهم، وأنَّ أهْواءَهم مُتَماثِلَةٌ في تَعَنُّتِ الأنْبِياءِ، وأنَّهُ تَعالى قَدْ بَيَّنَ الآياتِ وأوْضَحَها، لَكِنْ لِمَن لَهُ فِكْرٌ فَهو يُوقِنُ بِصِحَّتِها ويُؤْمِنُ بِها. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ أرْسَلَهُ بَشِيرًا لِمَن آمَنَ بِالنَّعِيمِ في الآخِرَةِ والظَّفَرِ في الدُّنْيا، ونَذِيرًا لِمَن كَفَرَ بِعَكْسِ ذَلِكَ، وأنْ لا تَهْتَمَّ بِمَن خُتِمَ لَهُ بِالشَّقاوَةِ، فَكانَ مِن أهْلِ النّارِ، ولا تَغْتَمَّ بِعَدَمِ إيمانِهِ، فَقَدْ أبْلَغْتَ وأعْذَرْتَ. ثُمَّ ذَكَرَ ما عَلَيْهِ اليَهُودُ والنَّصارى مِن شِدَّةِ تَعامِيهِمْ عَنِ الحَقِّ، بِأنَّهم لا يَرْضَوْنَ عَنْكَ حَتّى تُخالِفَ ما جاءَكَ مِنَ الهُدى الَّذِي هو هُدى اللَّهِ، إلى ما هم عَلَيْهِ مِن مِلَّةِ الكُفْرِ واتِّباعِ الأهْواءِ. ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ مُتَّبِعَ أهْوائِهِمْ بَعْدَ وُضُوحِ ما وافاهُ مِنَ الدِّينِ والإسْلامِ لا أحَدَ يَنْصُرُهُ ولا يَمْنَعُهُ مِن عَذابِ اللَّهِ. وأنَّ الَّذِينَ آتاهُمُ الكِتابَ واصْطَفاهم لَهُ يَتَّبِعُونَ الكِتابَ، ويَتَتَبَّعُونَ مَعانِيَهُ، فَهم مُصَدِّقُونَ بِما تَضَمَّنَهُ مِمّا غابَ عَنْهم عِلْمُهُ، ولَمْ يَحْصُلْ لَهُمُ اسْتِفادَتُهُ إلّا مِنهُ، مِن خَبَرٍ ماضٍ أوْ آتٍ، ووَعْدٍ ووَعِيدٍ، وثَوابٍ وعِقابٍ، وأنَّ مَن كَفَرَ بِهِ حَقَّ عَلَيْهِ الخُسْرانُ. ثُمَّ خَتَمَ هَذِهِ الآياتِ بِأمْرِ بَنِي إسْرائِيلَ بِذِكْرِ نِعَمِهِ السّابِقَةِ، وتَفْضِيلِهِمْ عَلى عالَمِي زَمانِهِمْ، وكانَ ثالِثَ نِداءٍ نُودِيَ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ، بِالإضافَةِ إلى أبِيهِمُ الأعْلى، وتَشْرِيفِهِمْ بِوِلادَتِهِمْ مِنهُ. ثُمَّ أعْرَضَ في مُعْظَمِ القُرْآنِ عَنْ نِدائِهِمْ بِهَذا الِاسْمِ، وطَمَسَ (p-٣٧٢)ما كانَ لَهم مِن نُورِ هَذا الوَسْمِ، والثَّلاثُ هي مَبْدَأُ الكَثْرَةِ، وقَدِ اهْتَمَّ بِكَ مَن نَبَّهَكَ وناداكَ مَرَّةً ومَرَّةً ومَرَّةً: ؎لَقَدْ أسْمَعْتَ لَوْ نادَيْتَ حَيًّا ولَكِنْ لا حَياةَ لِمَن تُنادِي

البقرة 2:124

﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ ﴿وإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وأمْنًا واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى وعَهِدْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ أنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ والعاكِفِينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥] ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَن آمَنَ مِنهم بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ قالَ ومَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أضْطَرُّهُ إلى عَذابِ النّارِ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ [البقرة: ١٢٦] ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧] ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وأرِنا مَناسِكَنا وتُبْ عَلَيْنا إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٨] ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُزَكِّيهِمْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩] ﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠] . إبْراهِيمُ: اسْمُ عَلَمٍ أعْجَمِيٍّ. قِيلَ: ومَعْناهُ بِالسُّرْيانِيَّةِ قَبْلَ النَّقْلِ إلى العَلَمِيَّةِ: أبٌ رَحِيمٌ، وفِيهِ لُغًى سِتٌّ: إبْراهِيمُ بِألِفٍ وياءٍ وهي الشَّهِيرَةُ المُتَداوَلَةُ، وبِألِفٍ مَكانَ الياءِ، وبِإسْقاطِ الياءِ مَعَ كَسْرِ الهاءِ، أوْ فَتْحِها، أوْ ضَمِّها، وبِحَذْفِ الألِفِ والياءِ وفَتْحِ الهاءِ، قالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: ؎نَحْنُ آلُ اللَّهِ في كَعْبَتِهِ لَمْ نَزَلْ ذاكَ عَلى عَهْدِ إبْرَهِمْ وقالَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ: ؎عُذْتُ بِما عاذَ بِهِ إبْرَهِمُ ∗∗∗ إذْ قالَ وجْهِي لَكَ عانٍ راغِمُ الإتْمامُ: الإكْمالُ، والهَمْزَةُ فِيهِ لِلنَّقْلِ. ثُمَّ الشَّيْءُ يَتِمُّ: كَمُلَ، وهو ضِدُّ النَّقْصِ. الإمامُ: القُدْوَةُ الَّذِي يُؤْتَمُّ بِهِ، ومِنهُ قِيلَ لِخَيْطِ البِناءِ: إمامٌ، ولِلطَّرِيقِ: إمامٌ، وهو مُفْرَدٌ عَلى فِعالٍ، كالإزارِ لِلَّذِي يُؤْتَزَرُ بِهِ، ويَكُونُ جَمْعَ آمٍّ، اسْمُ فاعِلٍ مِن أمَّ يَؤُمُّ، كَجائِعٍ وجِياعٍ، وقائِمٍ وقِيامٍ، ونائِمٍ ونِيامٍ. الذُّرِّيَّةُ: النَّسْلُ، مُشْتَقَّةٌ مِن ذَرَوْتُ، أوْ ذَرَيْتُ، أوْ ذَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ، أوِ الذَّرَّ. ويُضَمُّ ذالُها، أوْ يُكْسَرُ، أوْ يُفْتَحُ. فَأمّا الضَّمُّ فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ ذُرِّيَّةٌ فُعِّيلَةً مِن ذَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ، وأصْلُهُ ذُرِّيئَةٌ، فَخُفِّفَتِ الهَمْزَةُ بِإبْدالِها ياءً، كَما خَفَّفُوا هَمْزَةَ النَّسِيءِ فَقالُوا: النَّسِيُّ، ثُمَّ أدْغَمُوا الياءَ الَّتِي هي لامُ الفِعْلِ الَّتِي هي لِلْمَدِّ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ فُعُولَةً مِن ذَرَوْتُ، الأصْلُ ذُرُووَةٌ، أُبْدِلَتْ لامُ الفِعْلِ ياءً. اجْتَمَعَ لَكَ واوٌ وياءٌ واوُ المَدِّ والياءُ المُنْقَلِبَةُ عَنِ الواوِ الَّتِي هي لامُ الفِعْلِ، وسُبِقَتْ إحْداهُما بِالسُّكُونِ، فَقُلِبَتْ واوُ المَدِّ ياءً، وأُدْغِمَتْ في الياءِ، وكُسِرَ ما قَبْلَها؛ لِأنَّ الياءَ تَطْلُبُ الكَسْرَ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ فُعَّيْلَةً مَن ذَرَرْتُ، أصْلُها ذُرَّيْوَةٌ، اجْتَمَعَتْ ياءُ المَدِّ والواوُ الَّتِي هي لامُ الكَلِمَةِ وسُبِقَتْ إحْداهُما بِالسُّكُونِ، فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً، وأُدْغِمَتْ ياءُ المَدِّ فِيها. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ فُعُولَةً أوْ فُعَيْلَةً مِن ذَرَيْتُ لُغَةٌ في ذَرَوْتُ، فَأصْلُها أنْ تَكُونَ فُعُولَةً ذُرُويَةً، وإنْ كانَ فُعَيْلَةً ذُرَيْيَةً، ثُمَّ أُدْغِمَ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ فَعَيْلَةً مِنَ الذَّرِّ مَنسُوبَةً، أوْ فِعْلِيَّةً مِنَ الذَّرِّ غَيْرَ مَنسُوبَةٍ، أوْ فَعِيلَةً، كَمَرِيقَةً، أوْ فُعُّولٌ، كَسُبُّوحٍ وقُدُّوسٍ، أوْ فَعْلُولَةٌ، كَقَرْدُودَةِ الظَّهْرِ، فَضُمَّ أوَّلُها إنْ كانَ اسْمًا، كَقُمْرِيَّةٍ، وإنْ كانَتْ مَنسُوبَةً، كَما قالُوا في النَّسَبِ إلى الدَّهْرِ: دُهْرِيٌّ، وإلى السَّهْلِ، سُهْلِيٌّ. وأصْلُ فَعِيلَةٍ مِنَ الذَّرِّ: ذَرِيرَةٌ، وفَعُولَةٌ مِنَ الذَّرِّ: ذَرُورَةٌ، وكَذَلِكَ فَعْلُولَةٌ، أُبْدِلَتِ الرّاءُ الآخِرَةُ في ذَلِكَ ياءً كَراهَةَ التَّضْعِيفِ، كَما قالُوا في تَسَرَّرْتُ؛ تَسَرَّيْتُ. وأمّا مَن كَسَرَ ذالَ ذُرِّيَّةٍ، فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ فَعِيلَةً مِن ذَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ (p-٣٧٣)كَبِطِّيخَةٍ، فَأُبْدِلَتِ الهَمْزَةُ ياءً، وأُدْغِمَتْ في ياءِ المَدِّ، أوْ فِعْلِيَّةً مِنَ الذَّرِّ مَنسُوبَةٌ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، أوْ فِعِّيلَةً مِنَ الذَّرِّ أصْلُهُ ذَرِيرَةٌ، أوْ فِعْلِيلٌ كَحِلْتِيتٍ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ذِرْيِوَةً مِن ذَرَوْتُ، أوْ فِعِيلَةً: ذِرِيئَةً مِن ذَرَيْتُ. وأمّا مَن فَتَحَ ذالَ ذَرِيَّةٍ، فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ فَعِيلَةً مِن ذَرَأ، مِثْلَ سَكِينَةٍ، أوْ فَعُولَةً مِن هَذا أيْضًا كَخَرُوبَةٍ. فالأصْلُ ذَرُوءَةٌ، فَأُبْدِلَتِ الهَمْزَةُ ياءً بَدَلًا مَسْمُوعًا، وقُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ فَعِيلَةً مِنَ الذَّرِّ غَيْرَ مَنسُوبَةٍ كَبَرْنِيَّةٍ، أوْ مَنسُوبَةٍ إلى الذَّرِّ، أوْ فَعُولَةٍ كَخَرُوبَةٍ مِنَ الذَّرِّ أصِلُها ذَرُورَةٌ، فَفُعِلَ بِها ما تَقَدَّمَ، أوْ فَعْلُولَةً كَبَكُّولَةٍ، فالأصْلُ ذَرُورَةٌ أيْضًا، أوْ فَعِيلَةً كَسَكِينَةٍ: ذَرِيرَةٍ، فَقَلَبَتِ الرّاءُ ياءً في ذَلِكَ كُلِّهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن ذَرَوْتُ فَعِيلَةً كَسَكِينَةٍ، فالأصْلُ ذَرِيوَةٌ، أوْ مِن ذُرَيْتُ ذَرِييَةٌ، أوْ فُعُولَةٌ مِن ذَرَوْتُ أوْ ذَرَيْتُ. وأمّا مَن بَناها عَلى فَعْلَةٍ كَجَفْنَةٍ، وقالَ ذُرِّيَّةً فَإنَّها مِن ذُرِّيَتْ. النَّيْلُ: الإدْراكُ. نِلْتُ الشَّيْءَ أنالُهُ نَيْلًا، والنَّيْلُ: العَطاءُ. البَيْتُ مَعْرُوفٌ، وصارَ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ عَلى الكَعْبَةِ، كالنَّجْمِ لِلثُّرَيّا. الأمْنُ: مَصْدَرُ أمِنَ يَأْمَنُ، إذا لَمْ يَخَفْ واطْمَأنَّتْ نَفْسُهُ. المَقامُ: مَفْعَلٌ مِنَ القِيامِ، يَحْتَمِلُ المَصْدَرَ والزَّمانَ والمَكانَ. إسْماعِيلُ: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ عَلَمٌ، ويُقالُ إسْماعِيلُ بِاللّامِ وإسْماعِينُ بِالنُّونِ، قالَ: ؎قالَ جِوارِي الحَيِّ لَمّا جِينا ∗∗∗ هَذا ورَبِّ البَيْتِ إسْماعِينا ومِن غَرِيبٍ ما قِيلَ في التَّسْمِيَةِ بِهِ أنَّ إبْراهِيمَ كانَ يَدْعُو أنْ يَرْزُقَهُ اللَّهُ ولَدًا ويَقُولُ: اسْمَعْ إيلُ، وإيلُ هو اللَّهُ تَعالى. التَّطْهِيرُ: مَصْدَرُ طَهَّرَ، والتَّضْعِيفُ فِيهِ لِلتَّعْدِيَةِ. يُقالُ: طَهَّرَ الشَّيْءَ طَهارَةً: نَظَّفَ. الطّائِفُ: اسْمُ فاعِلٍ مَن طافَ بِهِ إذا دارَ بِهِ، ويُقالُ أطافَ: بِمَعْنى طافَ، قالَ: ؎أطافَتْ بِهِ جِيلانُ عِنْدَ فِطامِهِ والعاكِفُ: اسْمُ فاعِلٍ مِن عَكَفَ بِالشَّيْءِ: أقامَ بِهِ ولازَمَهُ، قالَ: ؎عَلَيْهِ الطَّيْرُ تَرْقُبُهُ عُكُوفا وقالَ يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهم: أيْ يُقِيمُونَ عَلى عِبادَتِها. البَلَدُ: مَعْرُوفٌ، والبَلَدُ الصَّدْرُ، وبِهِ سُمِّيَ البَلَدُ لِأنَّهُ صَدْرُ القُرى. يُقالُ: وضَعَتِ النّاقَةُ بَلْدَتَها إذا بَرَكَتْ. وقِيلَ: سُمِّيَ البَلَدُ بِمَعْنى الأثَرِ، ومِنهُ قِيلَ ”بَلِيدٌ“ لِتَأْثِيرِ الجَهْلِ فِيهِ، ومِنهُ قِيلَ لِبَرْكَةِ البَعِيرِ ”بَلْدَةٌ“ لِتَأْثِيرِها في الأرْضِ إذا بَرَكَتْ، قالَ: أُنِيخَتْ فَألْقَتْ بَلْدَةً بَعْدَ بَلْدَةٍ قَلِيلٌ بِها الأصْواتُ إلّا بُغامُها والبارِكُ: البارِكُ بِالبَلَدِ. الِاضْطِرارُ: هو الإلْجاءُ إلى الشَّيْءِ والإكْراهُ عَلَيْهِ، وهو افْتَعَلَ مِنَ الضُّرِّ، أصْلُهُ اضْتِرارُ، أُبْدِلَتِ التّاءُ طاءً بَدَلًا لازِمًا، وفِعْلُهُ مُتَعَدٍّ، وعَلى ذَلِكَ اسْتِعْمالُهُ في القُرْآنِ، وفي كَلامِ العَرَبِ، قالَ: ؎اضْطَرَّكَ الحِرْزُ مِن سَلْمى إلى أجَأٍ المَصِيرُ: مَفْعِلٌ مِن صارَ يَصِيرُ فَيَكُونُ لِلزَّمانِ والمَكانِ، وأمّا المَصْدَرُ فَقِياسُهُ مَفْعَلٌ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ لِأنَّ ما كُسِرَتْ عَيْنُ مُضارِعِهِ فَقِياسُهُ ما ذَكَرْناهُ، لَكِنَّ النَّحْوِيِّينَ اخْتَلَفُوا فِيما كانَ عَيْنُهُ ياءً مِن ذَلِكَ عَلى ثَلاثَةِ مَذاهِبَ: أحَدُها: أنَّهُ كالصَّحِيحِ، فَيُفْتَحُ في المَصْدَرِ ويُكْسَرُ في الزَّمانِ والمَكانِ. الثّانِي: أنَّهُ مُخَيَّرٌ فِيهِ. الثّالِثُ: أنَّهُ يَقْتَصِرُ عَلى السَّماعِ، فَما فَتَحَتْ فِيهِ العَرَبُ فَتَحْنا، وما كَسَرَتْ كَسَرْنا، وهَذا هو الأوْلى. القَواعِدُ: قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: هي الجُدُرُ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الأساسُ، قالَ: ؎فِي ذُرْوَةٍ مِن يَفاعِ أوَّلُهم ∗∗∗ زانَتْ عَوالِيَها قَواعِدُها وبِالأساسِ فَسَّرَها ابْنُ عَطِيَّةَ أوَّلًا والزَّمَخْشَرِيُّ وقالَ: هي صِفَةٌ غالِبَةٌ، ومَعْناها الثّانِيَةُ، ومِنهُ قَعَّدَكَ اللَّهُ، أيْ أسْألُ اللَّهَ أنْ يُقْعِدَكَ، أيْ: يُثَبِّتَكَ، انْتَهى كَلامُهُ. والقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ جَمْعُ قاعِدٍ، وهي الَّتِي قَعَدَتْ عَنِ الوَلَدِ، وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلى كَوْنِ قاعِدٍ لَمْ تَأْتِ بِالتّاءِ في مَكانِهِ، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. الأُمَّةُ: الجَماعَةُ، وهو لَفْظٌ (p-٣٧٤)مُشْتَرَكٌ يَنْطَلِقُ عَلى الجَماعَةِ والواحِدِ المُعَظَّمِ المَتْبُوعِ، والمُنْفَرِدِ في الأمْرِ والدِّينِ والحِينِ. والأُمُّ: هَذِهِ أُمَّةُ زَيْدٍ، أيْ: أُمُّهُ، والقامَةُ والشَّجَّةُ الَّتِي تَبْلُغُ أُمَّ الدِّماغِ، وأتْباعُ الرُّسُلِ، والطَّرِيقَةُ المُسْتَقِيمَةُ، والجِيلُ. المَناسِكُ: جَمْعُ مَنسَكٍ ومَنسِكٍ، والكَسْرُ في سِينِ مَنسِكٍ شاذٌّ؛ لِأنَّ اسْمَ المَصْدَرِ والزَّمانِ والمَكانِ مِن يَفْعُلُ بِضَمِّ العَيْنِ أوْ فَتْحِها، مَفْعَلٌ بِفَتْحِ العَيْنِ، إلّا ما شَذَّ مِن ذَلِكَ، والنّاسِكُ: المُتَعَبِّدُ. البَعْثُ: الإرْسالُ والإحْياءُ والهُبُوبُ مِنَ النَّوْمِ. العَزِيزُ: يُقالُ: عَزَّ يَعُزُّ، بِضَمِّ العَيْنِ، أيْ: غَلَبَ، ومِنهُ: ”وعَزَّنِي في الخِطابِ“، وعَزَّ يَعَزُّ، بِفَتْحِها، أيِ: اشْتَدَّ، ومِنهُ: عَزَّ عَلَيَّ هَذا الأمْرُ، أيْ: شَقَّ، وتَعَزَّزَ لَحْمُ النّاقَةِ: اشْتَدَّ. وعَزَّ يَعِزُّ مِنَ النَّفاسَةِ، أيْ: لا نَظِيرَ لَهُ، أوْ قَلَّ نَظِيرُهُ. الرَّغْبَةُ عَنِ الشَّيْءِ: الزَّهادَةُ فِيهِ، والرَّغْبَةُ فِيهِ: الإيثارُ لَهُ والِاخْتِيارُ لَهُ، وأصْلُ الرَّغْبَةِ: الطَّلَبُ. الِاصْطِفاءُ: الِانْتِجابُ والِاخْتِيارُ، وهو افْتِعالٌ مِنَ الصَّفْوِ، وهو الخالِصُ مِنَ الكَدَرِ والشَّوائِبِ، أُبْدِلَتْ مِن تائِهِ طاءٌ، كانَ ثُلاثِيُّهُ لازِمًا. صَفا الشَّيْءُ يَصْفُو، وجاءَ الِافْتِعالُ مِنهُ مُتَعَدِّيًا، ومَعْنى الِافْتِعالِ هُنا: التَّخَيُّرُ، وهو أحَدُ المَعانِي الَّتِي جاءَتْ لِافْتَعَلَ. * * ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾: مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها، أنَّهُ لَمّا جَرى ذِكْرُ الكَعْبَةِ والقِبْلَةِ، وأنَّ اليَهُودَ عَيَّرُوا المُؤْمِنِينَ بِتَوَجُّهِهِمْ إلى الكَعْبَةِ وتَرْكِ بَيْتِ المَقْدِسِ، كَما قالَ: ”ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمْ“، ذَكَرَ حَدِيثَ إبْراهِيمَ وما ابْتَلاهُ بِهِ اللَّهُ، واسْتَطْرَدَ إلى ذِكْرِ البَيْتِ وكَيْفِيَّةِ بِنائِهِ، وأنَّهم لَمّا كانُوا مِن نَسْلِ إبْراهِيمَ، كانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونُوا أكْثَرَ النّاسِ اتِّباعًا لِشَرْعِهِ، واقْتِفاءً لِآثارِهِ. فَكانَ تَعْظِيمُ البَيْتِ لازِمًا لَهم، فَنَبَّهَ اللَّهُ بِذَلِكَ عَلى سُوءِ اعْتِمادِهِمْ، وكَثْرَةِ مُخالَفَتِهِمْ، وخُرُوجِهِمْ عَنْ سُنَنِ مَن يَنْبَغِي اتِّباعُهُ مِن آبائِهِمْ، وأنَّهم وإنْ كانُوا مِن نَسْلِهِ، لا يَنالُونَ لِظُلْمِهِمْ شَيْئًا مِن عَهْدِهِ، وإذِ العامِلُ فِيهِ عَلى ما ذَكَرُوا مَحْذُوفٌ، وقَدَّرُوهُ اذْكُرْ، أيِ: اذْكُرا إذِ ابْتُلِيَ إبْراهِيمُ، فَيَكُونُ مَفْعُولًا بِهِ، أوْ إذِ ابْتَلاهُ كانَ كَيْتَ وكَيْتَ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ”﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ﴾ [البقرة: ٣٠]“، والِاخْتِيارُ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيهِ مَلْفُوظًا بِهِ، وهو ”﴿قالَ إنِّي جاعِلُكَ﴾“ . والِابْتِلاءُ: الِاخْتِبارُ، ومَعْناهُ أنَّهُ كَلَّفَهُ بِأوامِرَ ونَواهٍ. والبارِي تَعالى عالِمٌ بِما يَكُونُ مِنهُ. وقِيلَ: مَعْناهُ أمَرَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: واخْتِبارُ اللَّهِ عَبْدَهُ مَجازٌ عَنْ تَمْكِينِهِ مِنَ اخْتِيارِ أحَدِ الأمْرَيْنِ: ما يُرِيدُ اللَّهُ، وما يَشْتَهِيهِ العَبْدُ، كَأنَّهُ امْتَحَنَهُ ما يَكُونُ مِنهُ حَتّى يُجازِيَهُ عَلى حَسَبِ ذَلِكَ. انْتَهى كَلامُهُ، وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. وفي رَيِّ الظَّمْآنِ: الِابْتِلاءُ إظْهارُ الفِعْلِ، والِاخْتِبارُ طَلَبُ الخَبَرِ، وهُما مُتَلازِمانِ. وإبْراهِيمُ هُنا، وفي جَمِيعِ القُرْآنِ هو الجَدُّ الحادِيُ والثَّلاثُونَ لِنَبِيِّنا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو خَلِيلُ اللَّهِ، ابْنُ تارَحَ بْنِ ناحُورَ بْنِ سارُوغَ بْنِ أرْغُوَ بْنِ فالَغَ بْنِ عابَرَ، وهو هُودٌ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ومَوْلِدُهُ بِأرْضِ الأهْوازِ. وقِيلَ: بِكُوثى، وقِيلَ: بِبابِلَ، وقِيلَ: بِنَجْرانَ، ونَقَلَهُ أبُوهُ إلى بابِلَ أرْضِ نُمْرُوذَ بْنِ كَنْعانَ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ اللُّغاتِ السِّتِّ في لَفْظِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ إبْراهِيمَ بِالألِفِ والياءِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِخِلافٍ، عَنِ ابْنِ ذَكْوانَ في البَقَرَةِ بِألِفَيْنِ. زادَ هِشامٌ أنَّهُ قَرَأ كَذَلِكَ في: إبْراهِيمَ، والنَّحْلِ، ومَرْيَمَ، والشُّورى، والذّارِياتِ، والنَّجْمِ، والحَدِيدِ، وأوَّلِ المُمْتَحَنَةِ، وثَلاثِ آخِرِ النِّساءِ، وأُخْرى التَّوْبَةِ، وآخِرِ الأنْعامِ، والعَنْكَبُوتِ. وقَرَأ المُفَضَّلُ: إبْراهامَ بِألِفَيْنِ، إلّا في المَوَدَّةِ والأعْلى. وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ: إبْراهامَ، وقَرَأ أبُو بَكْرَةَ: إبْراهَمَ بِألْفٍ وحَذْفِ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِنَصْبِ إبْراهِيمَ ورَفْعِ رَبِّهِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو الشَّعْثاءِ (p-٣٧٥)وأبُو حَنِيفَةَ بِرَفْعِ إبْراهِيمَ ونَصْبِ رَبِّهِ. فَقِراءَةُ الجُمْهُورِ عَلى أنَّ الفاعِلَ هو الرَّبُّ، وتَقَدَّمَ مَعْنى ابْتِلائِهِ إيّاهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَدَّمَ المَفْعُولَ لِلِاهْتِمامِ بِمَن وقَعَ الِابْتِلاءُ، إذْ مَعْلُومٌ أنَّ اللَّهَ تَعالى هو المُبْتَلِي. وإيصالُ ضَمِيرِ المَفْعُولِ بِالفاعِلِ مُوجِبٌ لِتَقْدِيمِ المَفْعُولِ. انْتَهى كَلامُهُ، وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. وكَوْنُهُ مِمّا يَجِبُ فِيهِ تَقْدِيمُ الفاعِلِ هو قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقَدْ جاءَ في كَلامِ العَرَبِ مِثْلِ: ضَرَبَ غُلامُهُ زَيْدًا، وقالَ: وقاسَ عَلَيْهِ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ، وتَأوَّلَ بَعْضَهُ الجُمْهُورُ، أوْ حَمَلَهُ عَلى الشُّذُوذِ. وقَدْ طَوَّلَ الزَّمَخْشَرِيُّ في هَذِهِ المَسْألَةِ بِما يُوقَفُ عَلَيْهِ مِن كَلامِهِ في الكَشّافِ، ولَيْسَتْ مِنَ المَسائِلِ الَّتِي يُطَوَّلُ فِيها لِشُهْرَتِها في العَرَبِيَّةِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناها أنَّهُ دَعا رَبَّهُ بِكَلِماتٍ مِنَ الدُّعاءِ يَتَطَلَّبُ فِيها الإجابَةَ، فَأُطْلِقَ عَلى ذَلِكَ ابْتِلاءٌ عَلى سَبِيلِ المَجازِ لِأنَّ في الدُّعاءِ طَلَبَ اسْتِكْشافٍ لِما تَجْرِي بِهِ المَقادِيرُ عَلى الإنْسانِ. والكَلِماتُ لَمْ تُبَيَّنْ في القُرْآنِ ما هي، ولا في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ، ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيها أقْوالٌ: الأوَّلُ: رَوى طاوُسٌ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها العَشَرَةُ الَّتِي مِنَ الفِطْرَةِ: المَضْمَضَةُ، والِاسْتِنْشاقُ، وقَصُّ الشّارِبِ، وإعْفاءُ اللِّحْيَةِ، والفَرْقُ، ونَتْفُ الإبِطِ، وتَقْلِيمُ الأظْفارِ، وحَلْقُ العانَةِ، والِاسْتِطابَةُ، والخِتانُ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ. الثّانِي عَشَرَ: وهي: حَلْقُ العانَةِ، ونَتْفُ الإبِطِ، وتَقْلِيمُ الأظْفارِ، وقَصُّ الشّارِبِ، وغُسْلُ يَوْمِ الجُمْعَةِ، والطَّوافُ بِالبَيْتِ، والسَّعْيُ، ورَمْيُ الجِمارِ، والإفاضَةُ. ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. الثّالِثُ: ثَلاثُونَ سَهْمًا في الإسْلامِ، لَمْ يُتِمَّ ذَلِكَ أحَدٌ إلّا إبْراهِيمُ، وهي عَشْرٌ في بَراءَةٍ (التّائِبُونَ) الآيَةَ، وعَشْرٌ في الأحْزابِ ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ﴾ [الأحزاب: ٣٥] الآيَةَ، وعَشْرٌ في ﴿قَدْ أفْلَحَ﴾ [المؤمنون: ١] وفي المَعارِجِ. ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. الرّابِعُ: هي الخِصالُ السِّتُّ الَّتِي امْتُحِنَ بِها الكَوْكَبُ، والقَمَرُ، والشَّمْسُ، والنّارُ، والهِجْرَةُ، والخِتانُ. وقِيلَ: بَدَلُ الهِجْرَةِ الذَّبْحُ لِوَلَدِهِ، قالَهُ الحَسَنُ. الخامِسُ: مَناسِكُ الحَجِّ، رَواهُ قَتادَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. السّادِسُ: كُلُّ مَسْألَةٍ سَألَها إبْراهِيمُ في القُرْآنِ مِثْلُ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا﴾ [إبراهيم: ٣٥]، قالَهُ مُقاتِلٌ. السّابِعُ: هي قَوْلُ: سُبْحانَ اللَّهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ. وقَوْلُهُ: ”رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا“، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ. الثّامِنُ: هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ [الأنعام: ٨٠]، قالَهُ يَمانٌ. التّاسِعُ: هي قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] الآياتِ، قالَهُ أبُو رَوْقٍ. العاشِرُ: هي ما ابْتَلاهُ بِهِ في مالِهِ ووَلَدِهِ ونَفْسِهِ، فَسَلَّمَ مالَهُ لِلضِّيفانِ، ووَلَدَهُ لِلْقُرْبانِ، ونَفْسَهُ لِلنِّيرانِ، وقَلْبَهُ لِلرَّحْمَنِ، فاتَّخَذَهُ اللَّهُ خَلِيلًا. الحادِي عَشَرَ: هو أنَّ اللَّهَ أوْحى إلَيْهِ أنْ تَطَهَّرْ فَتَمَضْمَضَ، ثُمَّ أنْ تَطَهَّرْ فاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ أنْ تَطَهَّرْ فاسْتاكَ، ثُمَّ أنْ تَطَهَّرْ فَأخَذَ مِن شارِبِهِ، ثُمَّ أنْ تَطَهَّرْ فَفَرَقَ شَعْرَهُ، ثُمَّ أنْ تَطَهَّرْ فاسْتَنْجى، ثُمَّ أنْ تَطَهَّرْ فَحَلَقَ عانَتَهُ، ثُمَّ أنْ تَطَهَّرْ فَنَتَفَ إبِطَهُ، ثُمَّ أنْ تَطَهَّرْ فَقَلَّمَ أظْفارَهُ، ثُمَّ أنْ تَطَهَّرْ فَأقْبَلَ عَلى جَسَدِهِ يَنْظُرُ ماذا يَصْنَعُ، فاخْتَتَنَ بَعْدَ عِشْرِينَ ومِائَةِ سَنَةٍ. وفي البُخارِيِّ أنَّهُ اخْتَتَنَ وهو ابْنُ ثَمانِينَ سَنَةً بِالقَدُومِ، وأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾، يَأْتَمُّونَ بِكَ في هَذِهِ الخِصالِ ويَقْتَدِي بِكَ الصّالِحُونَ. فَإنْ صَحَّتْ تِلْكَ الرِّوايَةُ، فالتَّأْوِيلُ أنَّهُ اخْتَتَنَ بَعْدَ عِشْرِينَ ومِائَةِ سَنَةٍ مِن مِيلادِهِ، وابْنُ ثَمانِينَ سَنَةً مِن وقْتِ نُبُوَّتِهِ، فَيَتَّفِقُ التّارِيخانِ، واللَّهُ أعْلَمُ. الثّانِي عَشَرَ: هي عَشْرَةٌ: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وهي المِلَّةُ والصَّلاةُ، وهي الفِطْرَةُ والزَّكاةُ، وهي الطُّهْرَةُ والصَّوْمُ، وهو الجَنَّةُ والحَجُّ، وهو الشَّعِيرَةُ والغَزْوُ، وهو النُّصْرَةُ والطّاعَةُ، وهي العِصْمَةُ والجَماعَةُ، وهي الأُلْفَةُ والأمْرُ بِالمَعْرُوفِ، وهو الوَفاءُ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، وهو الحُجَّةُ. الثّالِثَ عَشَرَ: هي: تَجْعَلُنِي إمامًا، وتَجْعَلُ البَيْتَ مَثابَةً وأمْنًا، وتُرِينا مَناسِكَنا، وتَتُوبُ عَلَيْنا، وهَذا البَلَدَ آمِنًا، وتَرْزُقُ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ. فَأجابَهُ اللَّهُ في ذَلِكَ بِما سَألَهُ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ والضَّحّاكِ. وهَذِهِ الأقْوالُ يَنْبَغِي أنْ تُحْمَلَ عَلى أنَّ كُلَّ قائِلٍ مِنها ذَكَرَ طائِفَةً مِمّا ابْتَلى اللَّهُ بِهِ إبْراهِيمَ، إذْ كُلُّها ابْتَلاهُ بِها، ولا يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى الحَصْرِ في (p-٣٧٦)العَدَدِ، ولا عَلى التَّعْيِينِ، لِئَلّا يُؤَدِّيَ ذَلِكَ إلى التَّناقُضِ. وهَذِهِ الأشْياءُ الَّتِي فَسَّرَ بِها الكَلِماتِ، إنْ كانَتْ أقْوالًا، فَذَلِكَ ظاهِرٌ في تَسْمِيَتِها كَلِماتٍ، وإنْ كانَتْ أفْعالًا، فَيَكُونُ إطْلاقُ الكَلِماتِ عَلَيْها مَجازًا؛ لِأنَّ التَّكالِيفَ الفِعْلِيَّةَ صَدَرَتْ عَنِ الأوامِرِ، والأوامِرُ كَلِماتٌ. سُمِّيَتِ الذّاتُ كَلِمَةً لِبُرُوزِها عَنْ كَلِمَةِ كُنْ. قالَ تَعالى: ﴿وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ﴾ [النساء: ١٧١] . وقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ في أحْكامِ ما شُرِحَتْ بِهِ الكَلِماتُ مِنَ: المَضْمَضَةِ، والِاسْتِنْشاقِ، وقَصِّ الشّارِبِ، وإعْفاءِ اللِّحْيَةِ، والفَرْقِ، والسَّدْلِ، والسِّواكِ، ونَتْفِ الإبِطِ، وحَلْقِ العانَةِ، وتَقْلِيمِ الأظْفارِ، والِاسْتِنْجاءِ، والخِتانِ، والشَّيْبِ وتَغْيِيرِهِ، والثَّرِيدِ، والضِّيافَةِ. وهَذا يُبْحَثُ فِيهِ في عِلْمِ الفِقْهِ، ولَيْسَ كِتابُنا مَوْضُوعًا لِذَلِكَ، فَلِذَلِكَ تَرَكْنا الكَلامَ عَلى ذَلِكَ. فَأتَمَّهُنَّ: الضَّمِيرُ المُسْتَكِنُّ في فَأتَمَّهُنَّ يُظْهِرُ أنَّهُ يَعُودُ إلى اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ هو المُسْنَدُ إلَيْهِ الفِعْلُ قَبْلَهُ عَلى طَرِيقِ الفاعِلِيَّةِ. فَأتَمَّهُنَّ مَعْطُوفٌ عَلى ابْتَلى، فالمُناسِبُ التَّطابُقُ في الضَّمِيرِ. وعَلى هَذا فالمَعْنى: أيْ أكْمَلَهُنَّ لَهُ مِن غَيْرِ نَقْصٍ، أوْ بَيَّنَهُنَّ، والبَيانُ بِهِ يَتِمُّ المَعْنى ويَظْهَرُ، أوْ يَسَّرَ لَهُ العَمَلَ بِهِنَّ وقَوّاهُ عَلى إتْمامِهِنَّ، أوْ أتَمَّ لَهُ أُجُورَهُنَّ، أوْ أدامَهُنَّ سُنَّةً فِيهِ وفي عَقِبِهِ إلى يَوْمِ الدِّينِ، أقْوالٌ خَمْسَةٌ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ المُسْتَكِنُّ عَلى إبْراهِيمَ. فالمَعْنى عَلى هَذا أدامَهُنَّ، أوْ أقامَ بِهِنَّ، قالَهُ الضَّحّاكُ؛ أوْ عَمِلَ بِهِنَّ، قالَهُ يَمانٌ؛ أوْ وفّى بِهِنَّ، قالَهُ الرَّبِيعُ، أوْ أدّاهُنَّ، قالَهُ قَتادَةُ. خَمْسَةُ أقْوالٍ تُقَرِّبُ مِنَ التَّرادُفِ؛ إذْ مَحْصُولُها أنَّهُ أتى بِهِنَّ عَلى الوَجْهِ المَأْمُورِ بِهِ. واخْتَلَفُوا في هَذا الِابْتِلاءِ، هَلْ كانَ قَبْلَ نُبُوَّتِهِ أوْ بَعْدَها ؟ فَقالَ القاضِي: كانَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ؛ لِأنَّهُ نَبَّهَ عَلى أنَّ قِيامَهُ بِهِنَّ كالسَّبَبِ؛ لِأنَّهُ جَعَلَهُ إمامًا، والسَّبَبُ مُقَدَّمٌ عَلى المُسَبِّبِ، فَوَجَبَ كَوْنُ الِابْتِلاءِ مُقَدَّمًا في الوُجُودِ عَلى صَيْرُورَتِهِ إمامًا. وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ بَعْدَ النُّبُوَّةِ؛ لِأنَّهُ لا يَعْلَمُ كَوْنَهُ مُكَلَّفًا بِتِلْكَ التَّكالِيفِ إلّا مِنَ الوَحْيِ، فَلا بُدَّ مِن تَقَدُّمِ الوَحْيِ عَلى مَعْرِفَتِهِ بِكَوْنِهِ كَذَلِكَ. أجابَ القاضِي: بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنَّهُ أوْحى إلَيْهِ عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ بِهَذِهِ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ، فَلَمّا تَمَّمَ ذَلِكَ، جَعَلَهُ نَبِيًّا مَبْعُوثًا إلى الخَلْقِ. ﴿قالَ إنِّي جاعِلُكَ﴾: تَقَدَّمَ أنَّ الِاخْتِيارَ في قالَ: أنَّها عامِلَةٌ في إذْ، وإذا جَعَلْنا العامِلَ في إذْ مَحْذُوفًا، كانَتْ قالَ اسْتِئْنافًا، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ لَهُ رَبُّهُ حِينَ أتَمَّ الكَلِماتِ ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ . وعَلى اخْتِيارِ أنْ يَكُونَ ”قالَ“ هو العامِلَ في إذْ، يَكُونُ ”قالَ“ جُمْلَةً مَعْطُوفَةً عَلى ما قَبْلَها، أيْ وقالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا؛ إذِ ابْتَلاهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِقَوْلِهِ: ابْتَلى، وتَفْسِيرًا لَهُ. لِلنّاسِ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِمْ أُمَّتَهُ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ جَمِيعُ المُؤْمِنِينَ مِنَ الأُمَمِ، ويَكُونُ ذَلِكَ في عَقائِدِ التَّوْحِيدِ وفِيما وافَقَ مِن شَرائِعِهِمْ. ولِلنّاسِ: في مَوْضِعِ الحالِ؛ لِأنَّهُ نَعْتٌ نَكِرَةٌ تَقَدَّمَ عَلَيْها، التَّقْدِيرُ: إمامًا كائِنًا لِلنّاسِ، قالُوا: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِـ”جاعِلُكَ“، أيْ لِأجْلِ النّاسِ. وجاعِلُ هُنا بِمَعْنى مُصَيِّرٍ، فَيَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ، الأوَّلُ: الكافُ الَّذِي أُضِيفَ إلَيْها اسْمُ الفاعِلِ، والثّانِي: إمامًا. قِيلَ: قالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ: والمُرادُ بِالإمامِ هُنا: النَّبِيُّ، أيْ: صاحِبُ شَرْعٍ مُتَّبَعٍ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ تَبَعًا لِرَسُولٍ لَكانَ مَأْمُومًا لِذَلِكَ الرَّسُولِ لا إمامًا لَهُ. ولِأنَّ لَفْظَ الإمامِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إمامٌ في كُلِّ شَيْءٍ، ومَن يَكُونُ كَذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا نَبِيًّا؛ ولِأنَّ الأنْبِياءَ مِن حَيْثُ يَجِبُ عَلى الخَلْقِ اتِّباعِهِمْ هم أئِمَّةٌ، قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا﴾ [السجدة: ٢٤] . والخُلَفاءُ أيْضًا أئِمَّةٌ، وكَذَلِكَ القُضاةُ والفُقَهاءُ والمُصَلِّي بِالنّاسِ، ومَن يُؤْتَمُّ بِهِ في الباطِلِ. قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلْناهم أئِمَّةً يَدْعُونَ إلى النّارِ﴾ [القصص: ٤١] . فَلَمّا تَناوَلَ الِاسْمُ هَؤُلاءِ كُلَّهم وجَبَ أنْ يُحْمَلَ هُنا عَلى أشْرَفِ المَراتِبِ وأعْلاها؛ لِأنَّهُ ذَكَرَهُ في مَعْرِضِ الِامْتِنانِ، فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ أعْظَمَ نِعْمَةٍ، ولا شَيْءَ أعْظَمُ مِنَ النُّبُوَّةِ. قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَطَفَ عَلى الكافِ، كَأنَّهُ قالَ: وجاعِلٌ بَعْضَ ذُرِّيَّتِي، كَما يُقالُ لَكَ: سَأُكْرِمُكَ، فَتَقُولُ: وزَيْدًا. انْتَهى كَلامُهُ. ولا يَصِحِّ العَطْفُ عَلى الكافِ؛ لِأنَّها مَجْرُورَةٌ، فالعَطْفُ عَلَيْها لا يَكُونُ إلّا بِإعادَةِ الجارِّ، ولَمْ (p-٣٧٧)يَعْدُو، لِأنَّ ”مَن“ لا يُمْكِنُ تَقْدِيرُ الجارِّ مُضافًا إلَيْها، لِأنَّها حَرْفٌ، فَتَقْدِيرُها بِأنَّها مُرادِفَةٌ لِبَعْضٍ حَتّى تُقَدِّرَ جاعِلًا مُضافًا إلَيْها لا يَصِحُّ، ولا يَصِحُّ أنْ تَكُونَ تَقْدِيرُ العَطْفِ مِن بابِ العَطْفِ عَلى مَوْضِعِ الكافِ؛ لِأنَّهُ نُصِبَ، فَيُجْعَلُ ”مَن“ في مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ لِأنَّ هَذا لَيْسَ مِمّا يُعْطَفُ فِيهِ عَلى المَوْضِعِ، عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ؛ لِفَواتِ المُحَرِّزِ، ولَيْسَ نَظِيرَ: سَأُكْرِمُكَ، فَتَقُولُ: وزَيْدًا لِأنَّ الكافَ هُنا في مَوْضِعِ نَصْبٍ. والَّذِي يَقْتَضِيهِ المَعْنى أنْ يَكُونَ مِن ذُرِّيَّتِي مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ، التَّقْدِيرُ: واجْعَلْ مِن ذُرِّيَّتِي إمامًا؛ لِأنَّ إبْراهِيمَ فَهِمَ مِن قَوْلِهِ ”﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾“ الِاخْتِصاصَ، فَسَألَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَجْعَلَ مِن ذُرِّيَّتِهِ إمامًا. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: ذِرِّيَّتِي بِالكَسْرِ في الذّالِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بِفَتْحِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالضَّمِّ، وذَكَرْنا أنَّها لُغاتٌ فِيها، ومِن أيِّ شَيْءٍ اشْتُقَّتْ حِينَ تَكَلَّمْنا عَلى المُفْرَداتِ. * * ﴿قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾: والضَّمِيرُ في قالَ الثّانِيَةِ ضَمِيرُ إبْراهِيمَ، وفي قالَ هَذِهِ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى. والعَهْدُ: الإمامَةُ، قالَ مُجاهِدٌ: أوِ النُّبُوَّةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ؛ أوِ الأمانُ، قالَهُ قَتادَةُ. ورُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ: أوِ الثَّوابُ قالَهُ قَتادَةُ أيْضًا؛ أوِ الرَّحْمَةُ، قالَهُ عَطاءٌ؛ أوِ الدِّينُ، قالَهُ الضَّحّاكُ والرَّبِيعُ، أوْ لا عَهْدَ عَلَيْكَ لِظالِمٍ أنْ تُطِيعَهُ في ظُلْمِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ أوِ الأمْرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا﴾ [آل عمران: ١٨٣]، ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكُمْ﴾ [يس: ٦٠]؛ أوْ إدْخالُهُ الجَنَّةَ مِن قَوْلِهِ: (كانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا)، أنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ؛ أوْ طاعَتِي، قالَهُ الضَّحّاكُ أيْضًا؛ أوِ المِيثاقُ، أوِ الأمانَةُ. والظّاهِرُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ: أنَّ العُهَدَ هي الإمامَةُ؛ لِأنَّها هي المُصَدَّرُ بِها، فَأعْلَمَ إبْراهِيمَ أنَّ الإمامَةَ لا تَنالُ الظّالِمِينَ. وذَكَرَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ هو اسْتِعْلامٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: أتَجْعَلُ مِن ذُرِّيَّتِي إمامًا: وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ عَلى سَبِيلِ الطَّلَبِ، أيْ واجْعَلْ مِن ذُرِّيَّتِي. وهَذا الجَوابُ الَّذِي أجابَ اللَّهُ بِهِ إبْراهِيمَ هو مِنَ الجَوابِ الَّذِي يَرْبُو عَلى السُّؤالِ؛ لِأنَّ إبْراهِيمَ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ، وسَألَ أنْ يَجْعَلَ مِن ذُرِّيَّتِهِ إمامًا، فَأجابَهُ إلى أنَّهُ لا يَنالُ عَهْدُهُ الظّالِمِينَ، ودَلَّ بِمَفْهُومِ الصِّفَةِ عَلى أنَّهُ يَنالُ عَهْدُهُ مَن لَيْسَ بِظالِمٍ، وكانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى انْقِسامِ ذُرِّيَّتِهِ إلى ظالِمٍ وغَيْرِ ظالِمٍ، ويَدُلُّكَ عَلى أنَّ العَهْدَ هو الإمامَةُ أنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ أنَّهُ جَوابٌ لِقَوْلِ إبْراهِيمَ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم: ٤٠] عَلى سَبِيلِ الجَعْلِ، إذْ لَوْ كانَ عَلى سَبِيلِ المَنعِ لَقالَ لا، أوْ لا يَنالُ عَهْدِي ذُرِّيَّتَكَ، ولَمْ يُنِطِ المَنعَ بِالظّالِمِينَ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ وقَتادَةُ والأعْمَشُ: الظّالِمُونَ بِالرَّفْعِ؛ لِأنَّ العَهْدَ يُنالُ، كَما يَنالُ أيْ عَهْدِي لا يَصِلُ إلى الظّالِمِينَ، أوْ لا يَصِلُ الظّالِمُونَ إلَيْهِ ولا يُدْرِكُونَهُ. وقَدْ فُسِّرَ الظُّلْمُ هُنا بِالكُفْرِ، وهو قَوْلُ ابْنُ جُبَيْرٍ، وبِظُلْمِ المَعاصِي - غَيْرِ الكُفْرِ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ والسُّدِّيِّ. واسْتَدَلَّ بِهَذا عَلى أنَّ الظّالِمَ إذا عُوهِدَ لَمْ يَلْزَمِ الوَفاءُ بِعَهْدِهِ، قالَ الحَسَنُ: لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهم عَهْدًا. قالَ ابْنُ أبِي الفَضْلِ: ما ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ مِن أنَّهُ سَألَ الإمامَةَ لِذُرِّيَّتِهِ، وأنَّهُ أُجِيبَ إلى مُلْتَمَسِهِ - لا يَظْهَرُ مِنَ اللَّفْظِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ومِن ذُرِّيَّتِي، وهو مُحْتَمَلٌ، وجاعِلٌ مِن ذُرِّيَّتِي، أوْ تَجْعَلُ مِن ذُرِّيَّتِي، أوِ اجْعَلْ مِن ذُرِّيَّتِي. وإذا كانَ هَذا كُلُّهُ مُحْتَمَلًا غَيْرَ مَنطُوقٍ بِهِ، فَمِن أيْنَ لَهم أنَّهُ سَألَ ؟ وأمّا قَوْلُهم: أُجِيبَ إلى مُلْتَمَسِهِ، فاللَّفْظُ لا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، بَلْ يَدُلُّ عَلى ضِدِّهِ؛ لِأنَّ ظاهِرَهُ: أنَّ أوْلادَكَ ظالِمُونَ، لَكِنْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى خِلافِ ذَلِكَ، وهو: وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ والكِتابَ، وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الآيِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى أنَّ في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ. ولَوْ قالَ: لا يَنالُ عَهْدَيِ الظّالِمِينَ مِنهم، لَدَلَّ ذَلِكَ عَلى ما يَقُولُونَ عَلى أنَّ اللَّفْظَ لا يَنْزِلُ عَلَيْهِ نُزُولًا بَيِّنًا. انْتَهى ما ذَكَرَهُ مُلَخِّصًا بَعْضَهُ. وفِيما ذَكَرَ ابْنُ أبِي الفَضْلِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ تِلْكَ التَّقادِيرَ الَّتِي قَدَّرَها ظاهِرُها السُّؤالُ. أمّا مَن قَدَّرَ: واجْعَلْ مِن ذُرِّيَّتِي إمامًا، فَهو سُؤالٌ؛ وأمّا مَن قَدَّرَ: وتَجْعَلُ وجاعِلٌ، فَهو اسْتِفْهامٌ عَلى حَذْفِ الِاسْتِفْهامِ، إذْ مَعْناهُ: وأجاعِلٌ أنْتَ يا رَبِّ، أوْ أتَجْعَلُ يا رَبِّ مِن ذُرِّيَّتِي. والِاسْتِفْهامُ يَئُولُ مَعْناهُ إلى السُّؤالِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُقَدَّرُ مِن قَوْلِهِمْ: وجاعِلٌ، أوْ تَجْعَلُ مِن (p-٣٧٨)ذَرِّيَّتِي إمامًا - خَبَرًا؛ لِأنَّهُ خَبَرٌ مِن نَبِيٍّ. وإذا كانَ خَبَرًا مِن نَبِيٍّ كانَ صِدْقًا ضَرُورَةً. ولَمْ يَتَقَدَّمْ مِنَ اللَّهِ إعْلامٌ لِإبْراهِيمَ بِذَلِكَ، إنَّما أعْلَمَهُ أنَّهُ يَجْعَلُهُ لِلنّاسِ إمامًا. فَمَن أيْنَ يُخْبِرُ بِذَلِكَ ؟ ومَن يُخاطِبُ بِذَلِكَ ؟ إنْ كانَ اللَّهُ قَدْ أعْلَمُهُ ذَلِكَ. وإنَّما ذَلِكَ التَّقْدِيرُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِفْهامِ والِاسْتِعْلامِ. هَلْ تَحْصُلُ الإمامَةُ لِبَعْضِ ذُرِّيَّتِهِ أمْ لا تَحْصُلُ ؟ فَأجابَهُ اللَّهُ: إلى أنْ مَن كانَ ظالِمًا لا يَنالُهُ عَهْدُهُ. وأمّا قَوْلُهُ: إنَّ ظاهِرَ اللَّفْظِ أنَّ أوْلادَكَ ظالِمُونَ، فَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ ظاهِرَهُ أنَّهُ لا يَنالُهُ مَن ظَلَمَ مِن أوْلادِهِ وغَيْرِ أوْلادِهِ، ودَلَّ بِمَفْهُومِ الصِّفَةِ عَلى أنَّ غَيْرَ الظّالِمِ يَنالُها. ولَوْ كانَ عَلى ما قالَهُ ابْنُ أبِي الفَضْلِ، لَكانَ اللَّفْظُ لا يَنالُها ذَرِّيَّتُكَ لِظُلْمِهِمْ، مَعَ أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنَّ الظّالِمِينَ تَكُونُ الألِفُ واللّامُ فِيهِ مُعاقَبَةٌ لِلضَّمِيرِ، أيْ: ظالِمُوهم، أوِ الضَّمِيرُ مَحْذُوفٌ، أيْ مِنهم. ومِن أغْرَبِ الِانْتِزاعاتِ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ ما ذَكَرَ لِي بَعْضُ الإمامِيَّةِ أنَّهُمُ انْتَزَعُوا مِن هَذا كَوْنَ أبِي بَكْرٍ لا يَكُونُ إمامًا؛ قالُوا: لِأنَّ إطْلاقَ اسْمِ الظُّلْمِ يَقَعُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ سَجَدَ لِلْأصْنامِ، فَقَدْ ظَلَمَ. وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾، وذَلِكَ بِخِلافِ عَلِيٍّ؛ فَإنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ لِصَنَمٍ قَطُّ. قُلْتُ لَهُ: فَيَلْزَمُ أنْ يُسَمّى كُلُّ مَن أسْلَمَ مِنَ الصَّحابَةِ ظالِمًا، كَسَلْمانَ، وأبِي ذَرٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وحُذَيْفَةَ، وعَمّارٍ. وهَذا ما لا يَذْهَبُ إلَيْهِ أحَدٌ، فَلَمْ يُحِرْ جَوابًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقالُوا في هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ الفاسِقَ لا يَصْلُحُ لِلْإمامَةِ، وكَيْفَ يَصْلُحُ لَها مَن لا يَجُوزُ حُكْمُهُ ولا شَهادَتُهُ، ولا تَجِبُ طاعَتُهُ، ولا يُقْبَلُ خَبَرُهُ، ولا يُقَدَّمُ لِلصَّلاةِ ؟ وكانَ أبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُفْتِي سِرًّا بِوُجُوبِ نُصْرَةِ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ، وحَمْلِ المالِ إلَيْهِ، والخُرُوجِ مَعَهُ عَلى اللِّصِّ المُتَغَلِّبِ المُتَّسَمّى بِالإمامِ والخَلِيفَةِ، كالدَّوانِيقِيِّ وأشْباهِهِ. وقالَتْ لَهُ امْرَأةٌ: أشَرْتَ عَلى ابْنِي بِالخُرُوجِ مَعَ إبْراهِيمَ ومُحَمَّدٍ ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحُسَيْنِ، حَتّى قُتِلَ فَقالَ: لَيْتَنِي مَكانَ ابْنِكِ. وكانَ يَقُولُ في المَنصُورِ وأشْياعِهِ: لَوْ أرادُوا بِناءَ مَسْجِدٍ، وأرادُونِي عَلى عَدِّ آجُرِّهِ لَما فَعَلْتُ. وعَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ: لا يَكُونُ الظّالِمُ إمامًا قَطُّ. وكَيْفَ يَجُوزُ نَصْبُ الظّالِمِ لِلْإمامَةِ، والإمامُ إنَّما هو لِكَفِّ المَظْلَمَةِ ؟ فَإذا نُصِّبَ مَن كانَ ظالِمًا في نَفْسِهِ، فَقَدْ جاءَ المَثَلُ السّائِرُ: مَنِ اسْتَرْعى الذِّئْبَ فَقَدْ ظَلَمَ. انْتَهى كَلامُهُ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ الَّذِي ذَكَرَهُ، هو زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ زَيْنِ العابِدِينَ بْنِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ - وهو أخُو مُحَمَّدٍ الباقِرِ بْنِ عَلِيٍّ، وإلَيْهِ تَنْتَسِبُ الزَّيْدِيَّةُ اليَوْمَ. وكانَ مِن أهْلِ العِلْمِ والفِقْهِ والفَهْمِ في القُرْآنِ والشَّجاعَةِ، وإنَّما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ؛ لِأنَّهُ كانَ بِمَكَّةَ مُجاوِرًا لِلزَّيْدِيَّةِ ومُصاحِبًا لَهم، وصَنَّفَ كِتابَهُ الكَشّافَ لِأجْلِهِمْ. واللِّصُّ المُتَغَلِّبُ المُتَسَمّى بِالإمامِ والخَلِيفَةِ، الَّذِي ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، هو هِشامُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ، خَرَجَ عَلَيْهِ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وكانَ قَدْ قالَ لِأخِيهِ الباقِرِ: ما لَكَ لا تَقُومُ وتَدْعُو النّاسَ إلى القِيامِ مَعَكَ ؟ فَأعْرَضَ عَنْهُ وقالَ لَهُ: لِهَذا وقْتٌ لا يَتَعَدّاهُ. فَدَعا إلى نَفْسِهِ وقالَ: إنَّما الإمامُ مِنّا مَن أظْهَرَ سَيْفَهُ وقامَ بِطَلَبِ حَقِّ آلِ مُحَمَّدٍ، لا مَن أرْخى عَلَيْهِ سُتُورَهُ وجَلَسَ في بَيْتِهِ. فَقالَ لَهُ الباقِرُ: يا زَيْدُ، إنَّ مَثَلَ القائِمِ مِن أهْلِ هَذا البَيْتِ قَبْلَ قِيامِ مَهْدِيِّهِمْ، مَثَلُ فَرْخٍ نَهَضَ مِن عُشِّهِ مِن قَبْلَ أنْ يَسْتَوِيَ جَناحاهُ. فَإذا فَعَلَ ذَلِكَ سَقَطَ، فَأخَذَهُ الصِّبْيانُ يَتَلاعَبُونَ بِهِ. فاتَّقِ اللَّهَ في نَفْسِكَ أنْ لا تَكُونَ المَصْلُوبَ غَدًا بِالكُناسَةِ. فَلَمْ يَلْتَفِتْ زَيْدٌ لِكَلامِ الباقِرِ، وخَرَجَ عَلى هِشامٍ، فَظَفَرَ بِهِ وصَلَبَهُ عَلى كُناسَةِ الكُوفَةِ، وأحْرَقَهُ بِالنّارِ، وكانَ كَما حَذَّرَهُ الباقِرُ. وأمّا الدَّوانِيقِيُّ فَهو المَنصُورُ أخُو السَّفّاحِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ قِيلَ لِبُخْلِهِ. وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ المُصَنِّفِينَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَخِيلًا، وذَكَرَ مِن عَطائِهِ وكَرْمِهِ أخْبارًا كَثِيرَةً. وأمّا إبْراهِيمُ ومُحَمَّدٌ - اللَّذانِ ذَكَرَهُما الزَّمَخْشَرِيُّ - فَهُما ابْنا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحَسَنِ بْنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، كانا قَدْ تَغَيَّبا أيّامَ السَّفّاحِ، وأوَّلَ أيّامِ المَنصُورِ، ثُمَّ ظَهَرَ مُحَمَّدٌ أوَّلَ يَوْمٍ مِن رَجَبٍ سَنَةَ خَمْسٍ وأرْبَعِينَ ومِائَةٍ، ودَخَلَ مَسْجِدَ المَدِينَةِ قَبْلَ الفَجْرِ، فَخَطَبَ حَتّى حَضَرَتِ الصَّلاةُ، فَنَزَلَ وصَلّى بِالنّاسِ، وبُويِعَ بِالمَدِينَةِ طَوْعًا، واسْتَعْمَلَ العُمّالَ، وغَلَبَ عَلى المَدِينَةِ والبَصْرَةِ، وجَبى الأمْوالَ. وكانَ إبْراهِيمُ (p-٣٧٩)أخُوهُ قَدْ صارَ إلى البَصْرَةِ يَدْعُو إلَيْهِ. وآخِرُ أمْرِهِما أنَّ المَنصُورَ وجْهَ إلَيْهِما العَساكِرَ وقُتِلا. وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ هَنا أحْكامَ الإمامَةِ الكُبْرى، وإنْ كانَ مَوْضُوعُها أُصُولَ الدِّينِ، فَهُناكَ ذِكْرُها، لَكِنِّي لا أُخَلِّي كِتابِي عَنْ شَيْءٍ مُلَخَّصٍ فِيها دُونَ الِاسْتِدْلالِ. فَنَقُولُ: الَّذِي عَلَيْهِ أصْحابُ الحَدِيثِ والسُّنَّةِ، أنَّ نَصْبَ الإمامِ فَرْضٌ، خِلافًا لِفِرْقَةٍ مِنَ الخَوارِجِ وهم أصْحابُ نَجْدَةَ الحَرُورِيِّ. زَعَمُوا أنَّ الإمامَةَ لَيْسَتْ بِفَرْضٍ، وإنَّما عَلى النّاسِ إقامَةُ كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ، ولا يَحْتاجُونَ إلى إمامٍ، ولِفِرْقَةٍ مِنَ الإباضِيَّةِ زَعَمَتْ أنَّ ذَلِكَ تَطَوُّعٌ. واسْتِنادُ فَرْضِيَّةِ نَصْبِ الإمامِ لِلشَّرْعِ لا لِلْعَقْلِ، خِلافًا لِلرّافِضَةِ، إذْ أوْجَبَتْ ذَلِكَ عَقْلًا، ويَكُونُ الإمامُ مِن صَمِيمِ قُرَيْشٍ، خِلافًا لِفِرْقَةٍ مِنَ المُعْتَزِلَةِ، إذْ قالُوا: إذا وُجِدَ مَن يَصْلُحُ لَها قُرَشِيٌّ ونَبَطِيٌّ، وجَبَ نَصْبُ النَّبَطِيِّ دُونَ القُرَشِيِّ، وسَواءٌ في ذَلِكَ بُطُونُ قُرَيْشٍ كُلُّها، خِلافًا لِمَن خَصَّ ذَلِكَ بِنَسْلِ عَلِيٍّ، أوِ العَبّاسِ، إمّا مَنصُوصًا عَلَيْهِ، وإمّا بِاجْتِهادٍ، ويَكُونُ أفَضْلَ القَوْمِ، فَلا يَنْعَقِدُ لِلْمَفْضُولِ مَعَ وُجُودِ الفاضِلِ، خِلافًا لِأبِي العَبّاسِ القَلانِسِيِّ، فَإنَّهُ يَقُولُ: يَنْعَقِدُ لِلْمَفْضُولِ، إذا كانَ بِصِفَةِ الإمامَةِ، مَعَ وُجُودِ الفاضِلِ (وشُرُوطُهُ): أنْ يَكُونَ عَدْلًا مُجْتَهِدًا في أحْكامِ الشَّرِيعَةِ، شُجاعًا، والشَّجاعَةُ في القَلْبِ بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ ضَبْطُ الأمْرِ وحِفْظِ بَيْضَةِ الإسْلامِ، ولا يَجُوزُ نَصْبُ ساقِطِ العَدالَةِ ابْتِداءً، فَإنْ عُقِدَ لِشَخْصٍ كامِلِ الشُّرُوطِ ثُمَّ طَرَأ مِنهُ فِسْقٌ، فَقالَ أبُو الحَسَنِ: يَجُوزُ الخُرُوجُ عَلَيْهِ إذا أمِنَ النّاسُ. وإلى هَذا ذَهَبَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ. وقالَ أبُو الحَسَنِ أيْضًا، والقاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبُ: لا يَجُوزُ الخُرُوجُ عَلَيْهِ، وإنْ أمِنَ النّاسُ ذَلِكَ، إلّا أنْ يَكْفُرَ أوْ يَدْعُوَ إلى ضَلالَةٍ وبِدْعَةٍ، والمَرْجُوعُ في نَصْبِهِ إلى اخْتِيارِ أهْلِ الِاجْتِهادِ في الدِّينِ، والعامَّةُ في ذَلِكَ تَبَعٌ لَهم ولا اعْتِبارَ بِهِمْ في ذَلِكَ، ولَيْسَ مِن شَرْطِهِ اجْتِماعُ كُلِّ المُجْتَهِدِينَ، ولا اعْتِبارَ في ذَلِكَ بِعَدَدٍ، بَلْ إذا عَقَدَ واحِدٌ مِن أهْلِ الحَلِّ والعَقْدِ، وجَبَتِ المُبايَعَةُ عَلى كُلِّهِمْ، خِلافًا لِمَن خَصَّ أهْلَ البَيْعَةِ بِأرْبَعَةٍ. وقالَ: لا يَنْعَقِدُ بِأقَلَّ مِن ذَلِكَ، أوْ لِمَن قالَ: لا يَنْعَقِدُ إلّا بِأرْبَعِينَ، أوْ لِمَن قالَ: لا يَنْعَقِدُ إلّا بِسَبْعِينَ، ثُمَّ مَن خالَفَ كانَ باغِيًا أوْ ناظِرًا أوْ غالِطًا، ولِكُلِّ واحِدٍ مِنهم حُكْمٌ يُذْكَرُ في عِلْمِ الفِقْهِ. ولا يَنْعَقِدُ لِإمامَيْنِ في عَصْرٍ واحِدٍ، خِلافًا لِلْكَرامِيَّةِ، إذْ أجازُوا ذَلِكَ، وزَعَمُوا أنَّ عَلِيًّا ومُعاوِيَةَ كانا إمامَيْنِ في وقْتٍ واحِدٍ، والقَوْلُ بِالتَّقِيَّةِ باطِلٌ، خِلافًا لِلْإمامِيَّةِ، ومَعْناها: أنَّهُ يَكُونُ الشَّخْصُ الجامِعُ لِشُرُوطِ الإمامَةِ إمامًا مَسْتُورًا، لَكِنَّهُ يُخْفِي نَفْسَهُ مَخافَةً مَن غَلَبَ عَلى المُلْكِ مِمَّنْ لا يَصْلُحُ لِلْإمامَةِ. ولَيْسَ مِن شَرْطِ الإمامِ العِصْمَةُ، خِلافًا لِلرّافِضَةِ، فَإنَّهم يَقُولُونَ بِوُجُوبِ العِصْمَةِ لِلْإمامِ سِرًّا وعَلَنًا. ولَيْسَ مِن شَرْطِهِ الإحاطَةُ بِالمَعْلُوماتِ كُلِّها، خِلافًا لِلْإمامِيَّةِ، والإمامُ مُفْتَرَضُ الطّاعَةِ فِيما يُؤَدِّي إلَيْهِ اجْتِهادُهُ. ولَيْسَ لِأحَدٍ الخُرُوجُ عَلَيْهِ بِالسَّيْفِ، وكَذَلِكَ لا يَجُوزُ الخُرُوجُ عَلى السُّلْطانِ الغالِبِ، خِلافًا لِمَن رَأى ذَلِكَ مِنَ المُعْتَزِلَةِ والخَوارِجِ والرّافِضَةِ وغَيْرِهِمْ. وقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ النّاسِ هُنا في الإمامَةِ الصُّغْرى وهي: الإمامَةُ في الصَّلاةِ، ومَوْضُوعُها عِلْمُ الفِقْهِ.

البقرة 2:125

﴿وإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وأمْنًا﴾: لَمّا رَدَّ عَلى اليَهُودِ في إنْكارِهِمُ التَّوَجُّهَ إلى الكَعْبَةِ، وكانَتِ الكَعْبَةُ بِناءَ إبْراهِيمَ أبِيهِمْ، كانُوا أحَقَّ بِتَعْظِيمِها، لِأنَّها مِن مَآثِرِ أبِيهِمْ. ولِوَجْهٍ آخِرَ مِن إظْهارِ فَضْلِها، وهو كَوْنُها مَثابَةً لِلنّاسِ وأمْنًا، وأنَّ فِيها مَقامَ إبْراهِيمَ، وأنَّهُ تَعالى أوْحى إلَيْهِ وإلى ولَدِهِ بِبِنائِها وتَطْهِيرِها، وجَعْلِها مَحَلًّا لِلطّائِفِ والعاكِفِ والرّاكِعِ والسّاجِدِ، وأمَرَهُ بِأنْ يُنادِيَ في النّاسِ بِحَجِّها. والبَيْتُ هُنا: الكَعْبَةُ، عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ. وقِيلَ: المُرادُ البَيْتُ الحَرامُ لا نَفْسُ الكَعْبَةِ؛ لِأنَّهُ وصَفَهُ بِالأمْنِ، وهَذِهِ صِفَةُ جَمِيعِ الحَرَمِ، لا صِفَةُ الكَعْبَةِ فَقَطْ. ويَجُوزُ إطْلاقُ البَيْتِ، ويُرادُ بِهِ كُلُّ الحَرَمِ. وأمّا الكَعْبَةُ فَلا تُطْلَقُ إلّا عَلى البِناءِ الَّذِي يُطافُ بِهِ، ولا تُطْلَقُ عَلى كُلِّ الحَرَمِ. والتّاءُ في مَثابَةٍ ”لِلْمُبالِغَةِ، لِكَثْرَةِ مَن يَثُوبُ إلَيْهِ، قالَهُ (p-٣٨٠)الأخْفَشُ، أوْ لِتَأْنِيثِ المَصْدَرِ، أوْ لِتَأْنِيثِ البُقْعَةِ، كَما يُقالُ مَقامٌ ومَقامَةٌ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ألَمْ تَرَ أنَّ الأرْضَ رَحْبٌ فَسِيحَةٌ فَهَلْ يُعْجِزُنِي بُقْعَةٌ مِن بِقاعِها ذَكَرَ رَحْبًا عَلى مُراعاةِ المَكانِ، وأنَّثَ فَسِيحَةً عَلى اللَّفْظِ. وقَرَأ الأعْمَشُ وطَلْحَةُ:“ مَثاباتٍ ”عَلى الجَمْعِ، وقالَ ورَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ: ؎مَثابًا لِأفْناءِ القَبائِلِ كُلِّها ∗∗∗ تَخُبُّ إلَيْها اليَعْمَلاتُ الطَّلائِحُ ويُرْوى: الذَّوابِلُ. ووَجْهُ قِراءَةِ الجَمْعِ أنَّهُ مَثابَةٌ لِكُلٍّ مِنَ النّاسِ، لا يَخْتَصُّ بِهِ واحِدٌ مِنهم، سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِ. و“ مَثابَةً ”، قالَ مُجاهِدٌ وابْنُ جُبَيْرٍ مَعْناهُ: يَثُوبُونَ إلَيْهِ مِن كُلِّ جانِبٍ، أيْ يَحُجُّونَهُ في كُلِّ عامٍ فَهم يَتَفَرَّقُونَ، ثُمَّ يَثُوبُونَ إلَيْهِ أعْيانُهم أوْ أمْثالُهم، ولا يَقْضِي أحَدٌ مِنهم وطَرًا، وقالَ الشّاعِرُ: ؎جَعَلَ البَيْتَ مَثابًا لَهم ∗∗∗ لَيْسَ مِنهُ الدَّهْرَ يَقْضُونَ الوَطَرْ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعاذًا ومَلْجَأً. وقالَ قَتادَةُ والخَلِيلُ: مَجْمَعًا. وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ، فِيما حَكاهُ الماوَرْدِيُّ: أيْ مَكانَ إثابَةٍ: واحِدَةٌ مِنَ الثَّوابِ، وأوْرَدَ هَذا القَوْلَ ابْنُ عَطِيَّةً احْتِمالًا مِنهُ. والألِفُ واللّامُ في قَوْلِهِ لِلنّاسِ: إمّا لِاسْتِغْراقِ الجِنْسِ عَلى مَذْهَبِ مَن يَرى أنَّ النّاسَ كُلَّهم مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ الإيمانِ، وإمّا لِلْجِنْسِ الخاصِّ عَلى مَذْهَبِ مَن لا يَرى ذَلِكَ. وجَعَلْنا هُنا بِمَعْنى صَيَّرْنا، فَمَثابَةٌ مَفْعُولٌ ثانٍ. وقِيلَ: جَعَلَ هُنا بِمَعْنى: خَلَقَ أوْ وضَعَ، ويَتَعَلَّقُ لِلنّاسِ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: مَثابَةٌ كائِنَةٌ، إذْ هو في مَوْضِعِ الصِّفَةِ. وقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِلَفْظِ جَعَلْنا، أيْ لِأجْلِ النّاسِ. والأمْنُ: مُصْدَرٌ جَعَلَ البَيْتَ إيّاهُ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ لِكَثْرَةِ ما يَقَعُ بِهِ مِنَ الأمْنِ، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ ذا أمْنٍ، أوْ عَلى أنَّهُ أُطْلِقَ عَلى اسْمِ الفاعِلِ مَجازًا، أيْ آمِنًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا﴾ [إبراهيم: ٣٥]، وجَعَلَهُ آمِنًا، اخْتَلَفُوا: هَلْ ذَلِكَ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ ؟ فَمَن قالَ: إنَّهُ في الدُّنْيا، فَقِيلَ مَعْناهُ: أنَّ النّاسَ كانُوا يَقْتَتِلُونَ، ويُغِيرُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ حَوْلَ مَكَّةَ، وهي آمِنَةٌ مِن ذَلِكَ، ويَلْقى الرَّجُلُ قاتِلَ أبِيهِ فَلا يُهَيِّجُهُ؛ لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ لَها في النُّفُوسِ حُرْمَةً، وجَعَلَها أمْنًا لِلنّاسِ والطَّيْرِ والوَحْشِ، إلّا الخَمْسَ الفَواسِقَ، فَخُصِّصَتْ مِن ذَلِكَ عَلى لِسانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وأمّا مَن أحْدَثَ حَدَثًا خارِجَ الحَرَمِ ثُمَّ أتى الحَرَمَ، فَفي أمْنِهِ مِن أنْ يُهاجَ، فِيهِ خِلافٌ مَذْكُورٌ في الفِقْهِ. وقِيلَ مَعْناهُ: إنَّهُ آمِنٌ لِأهْلِهِ، يُسافِرُ أحَدُهُمُ الأماكِنَ البَعِيدَةَ فَلا يُرَوِّعُهُ أحَدٌ. وقِيلَ: مَعْناهُ: إنَّهُ يُؤْمَنُ مِن أنْ يَحُولَ الجَبابِرَةُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن قَصَدَهُ. ومَن قالَ هَذا الأمْنَ في الآخِرَةِ، قِيلَ مِنَ المَكْرِ عِنْدَ المَوْتِ. وقِيلَ: مِن عَذابِ النّارِ. وقِيلَ: مِن بَخَسِ ثَوابِ مَن قَصَدَهُ، قالَ قَوْمٌ: وهَذا الأمْنُ مُخْتَصٌّ بِالبَيْتِ. وقِيلَ: يَشْمَلُ البَيْتَ والحَرَمَ. وقالَ في رَيِّ الظَّمْآنِ مَعْناهُ: ذا أمْنٍ لِقاطِنِيهِ مِن أنْ يَجْرِيَ عَلَيْهِمْ ما يَجْرِي عَلى سُكّانِ البَوادِي وسائِرِ بُلْدانِ العَرَبِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: وأمْنًا، مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: مَثابَةً، ويُفَسَّرُ الأمْنُ بِما تَقَدَّمَ ذِكْرَهُ. وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ المَعْنى عَلى الأمْرِ، التَّقْدِيرُ: واجْعَلُوهُ آمِنًا، أيْ جَعَلْناهُ مَثابَةً لِلنّاسِ، فاجْعَلُوهُ آمِنًا لا يَتَعَدّى فِيهِ أحَدٌ عَلى أحَدٍ. فَمَعْناهُ أنَّ اللَّهَ أمَرَ النّاسَ أنْ يَجْعَلُوا ذَلِكَ المَوْضِعَ آمِنًا مِنَ الغارَةِ والقَتْلِ، وكانَ البَيْتُ مُحَرَّمًا بِحُكْمِ اللَّهِ، ورُبَّما يُؤَيَّدُ هَذا التَّأْوِيلُ بِقِراءَةِ مَن قَرَأ: واتَّخِذُوا عَلى الأمْرِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ العَطْفُ فِيهِ مِن عَطْفِ الجُمَلِ، عُطِفَتْ فِيهِ الجُمْلَةُ الأمْرِيَّةُ عَلى جُمْلَةٍ خَبَرِيَّةٍ، وعَلى القَوْلِ الظّاهِرِ يَكُونُ مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ. * * ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والجُمْهُورُ: واتَّخِذُوا، بِكَسْرِ الخاءِ عَلى الأمْرِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: بِفَتْحِها، جَعَلُوهُ فِعْلًا ماضِيًا. فَأمّا قِراءَةُ: واتَّخِذُوا عَلى الأمْرِ، فاخْتُلِفَ مَنِ المُواجَهُ بِهِ، فَقِيلَ: إبْراهِيمُ وذُرِّيَّتُهُ، أيْ وقالَ اللَّهُ لِإبْراهِيمَ وذُرِّيَّتِهِ: اتَّخِذُوا. وقِيلَ: (p-٣٨١)النَّبِيُّ ﷺ وأُمَّتُهُ، أيْ: وقُلْنا اتَّخِذُوا. ويُؤَيِّدُهُ ما رُوِيَ «عَنْ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: وافَقْتُ رَبِّي في ثَلاثٍ، فَذَكَرَ مِنها وقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَوِ اتَّخَذْتَ مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى» . ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ أخَذَ بِيَدِ عُمَرَ فَقالَ:“ هَذا مَقامُ إبْراهِيمَ ”، فَقالَ عُمَرُ: أفَلا نَتَّخِذُهُ مُصَلًّى ؟ فَقالَ:“ لَمْ أُومَرْ بِذَلِكَ ”. فَلَمْ تَغِبِ الشَّمْسُ حَتّى نَزَلَتْ» . وعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ يَكُونُ اتَّخِذُوا مَعْمُولًا لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ. وقِيلَ: المُواجَهُ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ [البقرة: ١٢٢] . وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً﴾، قالُوا: لِأنَّ المَعْنى: ثُوبُوا إلى البَيْتِ، فَهو مَعْطُوفٌ عَلى المَعْنى. وهَذانِ القَوْلانِ بَعِيدانِ. وأمّا قِراءَةُ: واتَّخَذُوا - بِفَتْحِ الخاءِ - فَمَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، فَإمّا عَلى مَجْمُوعِ إذْ جَعَلْنا فَيُحْتاجُ إلى إضْمارِ إذْ، وإمّا عَلى نَفْسِ جَعَلْنا فَلا يُحْتاجُ إلى تَقْدِيرِها، بَلْ يَكُونُ في صِلَةِ إذْ. والمَعْنى: واتَّخَذَ النّاسُ مِن مَكانِ إبْراهِيمَ الَّذِي وُسِمَ بِهِ لِاهْتِمامِهِ بِهِ، وإسْكانِ ذُرِّيَّتِهِ عِنْدَهُ قِبْلَةً يُصَلُّونَ إلَيْها، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.“ مِن مَقامٍ ”: جَوَّزُوا في مِن أنْ تَكُونَ تَبْعِيضِيَّةً، وبِمَعْنى في، وزائِدَةً عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ، والأظْهَرُ الأوَّلُ. وقالَ القَفّالُ: هي مِثْلُ اتَّخَذْتُ مِن فُلانٍ صَدِيقًا، وأعْطانِي اللَّهُ مِن فُلانٍ أخًا صالِحًا، دَخَلَتْ مِن لِبَيانِ المُتَّخَذِ المَوْهُوبِ، وتَمْيِزِهِ في ذَلِكَ المَعْنى، والمَقامُ مَفْعَلٌ مِنَ القِيامِ، يُرادُ بِهِ المَكانُ، أيْ مَكانُ قِيامِهِ، وهو الحَجَرُ الَّذِي ارْتَفَعَ عَلَيْهِإبْراهِيمُ حِينَ ضَعُفَ عَنْ رَفْعِ الحِجارَةِ الَّتِي كانَ إسْماعِيلُ يُناوِلُهُ إيّاها في بِناءِ البَيْتِ، وغَرِقَتْ قَدَماهُ فِيهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وجابِرٌ وقَتادَةَ وغَيْرُهم، وخَرَّجَهُ البُخارِيُّ، وهو الآنُ مَوْضِعُ ذَلِكَ الحَجَرِ والمُسَمّى مَقامَ إبْراهِيمَ. وعَنْ عُمَرَ أنَّهُ سَألَ المُطَّلِبَ بْنَ أبِي رِفاعَةَ: هَلْ تَدْرِي أيْنَ كانَ مَوْضِعُهُ الأوَّلُ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَأراهُ مَوْضِعَهُ اليَوْمَ. قالَ أنَسٌ: رَأيْتُ في المَقامِ أثَرَ أصابِعِهِ وعَقِبِهِ وأخْمُصِ قَدَمَيْهِ، غَيْرُ أنَّهُ أذْهَبَهُ مَسْحُ النّاسِ بِأيْدِيهِمْ. حَكاهُ القُشَيْرِيُّ. أوْ حَجَرٌ جاءَتْ بِهِ أُمُّ إسْماعِيلَ إلَيْهِ وهو راكِبٌ، فاغْتَسَلَ عَلَيْهِ، فَغَرِقَتْ رِجْلاهُ فِيهِ حِينَ اعْتَمَدَ عَلَيْهِ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ؛ أوْ مَواقِفُ الحَجِّ كُلُّها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وعَطاءٌ ومُجاهِدٌ، أوْ عَرَفَةُ والمُزْدَلِفَةُ والجِمارُ، قالَهُ عَطاءٌ والشَّعْبِيُّ؛ لِأنَّهُ قامَ في هَذِهِ المَواضِعِ ودَعا فِيها؛ أوِ الحَرَمُ كُلُّهُ، قالَهُ النَّخَعِيُّ ومُجاهِدٌ؛ أوِ المَسْجِدُ الحَرامُ، قالَهُ قَوْمٌ. واتَّفَقَ المُحَقِّقُونَ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ ورُجِّحَ بِحَدِيثِ عُمَرَ: أفَلا نَتَّخِذُهُ مُصَلًّى ؟ الحَدِيثَ، وبِقِراءَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمّا فَرَغَ مِنَ الطَّوافِ وأتى المَقامَ: ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾، فَدَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ ذَلِكَ المَوْضِعُ، ولِأنَّ هَذا الِاسْمَ في العُرْفِ مُخْتَصٌّ بِذَلِكَ المَوْضِعِ، ولِأنَّ الحَجَرَ صارَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ في رُطُوبَةِ الطِّينِ حِينَ غاصَتْ فِيهِ رِجْلاهُ، وفي ذَلِكَ مُعْجِزَةٌ لَهُ، فَكانَ اخْتِصاصُهُ بِهِ أقْوى مِنَ اخْتِصاصِ غَيْرِهِ. فَكانَ إطْلاقُ هَذا الِاسْمِ عَلَيْهِ أوْلى، ولِأنَّ المَقامَ هو مَوْضِعُ القِيامِ، وثَبَتَ قِيامُهُ عَلى الحَجْرِ ولَمْ يَثْبُتْ عَلى غَيْرِهِ.“ مُصَلًّى ”: قِبْلَةً، قالَهُ الحَسَنُ. مَوْضِعَ صَلاةٍ، قالَهُ قَتادَةُ. مَوْضِعَ دُعاءٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والأُولى الحَمْلُ عَلى الصَّلاةِ الشَّرْعِيَّةِ لا عَلى الصَّلاةِ لُغَةً. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَوْضِعُ صَلاةٍ عَلى قَوْلِ مَن قالَ“ المَقامُ: الحَجَرُ ”، ومَن قالَ غَيْرَهُ قالَ: مُصَلًّى، مَدْعًى عَلى أصْلِ الصَّلاةِ، يَعْنِي في اللُّغَةِ. انْتَهى. * * ﴿وعَهِدْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ﴾ أيْ أمَرْنا أوْ وصَّيْنا، أوْ أوْحَيْنا، أوْ قُلْنا، أقْوالٌ مُتَقارِبَةُ المَعْنى. ﴿أنْ طَهِّرا﴾: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أنْ تَفْسِيرِيَّةً، أيْ طَهِّرا فَفَسَّرَ بِها العَهْدَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، أيْ بِأنْ طَهِّرا. فَعَلى الأوَّلِ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وعَلى الثّانِي يَحْتَمِلُ الجَرَّ والنَّصْبَ عَلى اخْتِلافِ النَّحْوِيِّينَ. إذا حُذِفَ مِن“ أنْ ”حَرْفُ الجَرِّ، هَلِ المَحَلُّ نَصْبٌ أوْ خَفْضٌ ؟ وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ مَرَّةً في وصْلِ أنْ بِفِعْلِ الأمْرِ، وأنَّهُ نَصَّ عَلى ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ، وفي ذَلِكَ نَظَرٌ؛ لِأنَّ جَمِيعَ ما ذُكِرَ مِن ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ، ولا أحْفَظُ مِن كَلامِهِمْ: عَجِبْتُ مِن أنْ أضْرِبَ زَيْدًا، ولا يُعْجِبُنِي أنْ أضْرِبَ زَيْدًا، فَتُوصَلُ بِالأمْرِ، ولِأنَّ انْسِباكَ المَصْدَرِ يُحِيلُ مَعْنى الأمْرَ (p-٣٨٢)ويُصَيِّرُهُ مُسْتَنِدًا إلَيْهِ ويُنافِي ذَلِكَ الأمْرَ. والتَّطْهِيرُ: المَأْمُورُ بِهِ هو التَّنْظِيفُ مِن كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِهِ. وقَدْ فَسَّرُوا التَّطْهِيرَ بِالبِناءِ والتَّأْسِيسِ عَلى الطَّهارَةِ والتَّوْحِيدِ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وهو بَعِيدٌ، وبِالتَّطْهِيرِ مِنَ الأوْثانِ. وذَكَرُوا أنَّهُ كانَ عامِرًا عَلى عَهْدِ نُوحٍ، وأنَّهُ كانَ فِيهِ أصْنامٌ عَلى أشْكالِ صالِحِيهِمْ، وأنَّهُ طالَ العَهْدُ، فَعُبِدَتْ مِن دُونِ اللَّهِ، فَأمَرَ اللَّهُ بِتَطْهِيرِهِ مِن تِلْكَ الأوْثانِ، قالَهُ جُبَيْرٌ ومُجاهِدٌ وعَطاءٌ ومُقاتِلٌ. والمَعْنى: أنَّهُ لا يُنْصَبُ فِيهِ وثَنٌ ولا يُعْبَدُ فِيهِ غَيْرُ اللَّهِ. وقالَ يَمانٌ: مَعْناهُ بَخِّراهُ ونَظِّفاهُ وخَلِّقاهُ. وقِيلَ: مِنَ الآفاتِ والرَّيْبِ. وقِيلَ: مِنَ الكُفّارِ. وقِيلَ: مِنَ الفَرْثِ والدَّمِ الَّذِي كانَ يُطْرَحُ فِيهِ. وقِيلَ: مَعْناهُ أخْلِصاهُ لِهَؤُلاءِ، لا يَغْشاهُ غَيْرُهم، والأُولى حَمْلُهُ عَلى التَّطْهِيرِ مِمّا لا يُناسِبُ بُيُوتَ اللَّهِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الأوْثانُ والأنْجاسُ، وجَمِيعُ الخَبائِثِ، وما يُمْنَعُ مِنهُ شَرْعًا، كالحائِضِ. ﴿بَيْتِيَ﴾: هَذِهِ إضافَةُ تَشْرِيفٍ، لا أنَّ مَكانًا مَحَلٌّ لِلَّهِ تَعالى، ولَكِنْ لَمّا أمَرَ بِبِنائِهِ وتَطْهِيرِهِ وإيفادِ النّاسِ مِن كُلِّ فَجٍّ إلَيْهِ، صارَ لَهُ بِذَلِكَ اخْتِصاصٌ، فَحَسُنَتْ إضافَتُهُ إلى اللَّهِ بِذَلِكَ، وصارَ نَظِيرَ قَوْلِهِ: ﴿ناقَةُ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٧٣] و﴿رَوْحِ اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٧]، مِن حَيْثُ إنَّ في كُلٍّ مِنهُما خُصُوصِيَّةً لا تُوجَدُ في غَيْرِهِ، فَناسَبَ الإضافَةَ إلَيْهِ تَعالى. والأمْرُ بِتَطْهِيرِهِ يَقْتَضِي سَبْقَ وجُودِهِ، إلّا إذا حَمَلْنا التَّطْهِيرَ عَلى البِناءِ والتَّأْسِيسِ عَلى الطَّهارَةِ والتَّقْوى. وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّهُ كانَ مَبْنِيًّا عَلى عَهْدِ نُوحٍ. ﴿لِلطّائِفِينَ والعاكِفِينَ﴾: ظاهِرُهُ أنَّهُ كُلُّ مَن يَطُوفُ مِن حاضَرٍ أوْ بادٍ، قالَهُ عَطاءٌ وغَيْرُهُ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: الغُرَباءُ الطّارِئُونَ عَلى مَكَّةَ حُجّاجًا وزُوّارًا، فَيَرْحَلُونَ عَنْ قَرِيبٍ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ ذُكِرَ بَعْدَهُ“ والعاكِفِينَ ”، قالَ: وهم أهْلُ البَلَدِ الحَرامِ المُقِيمُونَ، والمُقِيمُ مُقابِلُ المُسافِرِ. وقالَ عَطاءٌ: العاكِفُونَ هُمُ الجالِسُونَ مِن غَيْرِ طَوافٍ مِن بَلَدِيٍّ وغَرِيبٍّ. وقالَ مُجاهِدٌ: المُجاوِرُونَ لَهُ مِنَ الغُرَباءِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُصَلُّونَ؛ لِأنَّ الَّذِي يَكُونُ يَدْخُلُ إلى البَيْتِ، إنَّما يَدْخُلُ لِطَوافٍ أوْ صَلاةٍ. وقِيلَ: هُمُ المُعْتَكِفُونَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالعاكِفِينَ: الواقِفِينَ، يَعْنِي القائِمِينَ، كَما قالَ لِلطّائِفِينَ والقائِمِينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ، والمَعْنى لِلطّائِفِينَ والمُصَلِّينَ؛ لِأنَّ القِيامَ والرُّكُوعَ والسُّجُودَ هَيْآَتُ المُصَلِّي. انْتَهى. ولَوْ قالَ: القائِمُ هُنا مَعْناهُ: العاكِفُ، مِن قَوْلِهِ:“ ﴿ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا﴾ [آل عمران: ٧٥] " لَكانَ حَسَنًا، ويَكُونُ في ذَلِكَ جَمَعَ بَيْنَ أحْوالِ مَن دَخَلَ البَيْتِ لِلتَّعَبُّدِ؛ لِأنَّهُ لا يَخْلُو إذْ ذاكَ مِن طَوافٍ أوِ اعْتِكافٍ أوْ صَلاةٍ، فَيَكُونُ حَمْلُهُ عَلى ذَلِكَ أجْمَعَ لِما هُيِّئَ البَيْتُ لَهُ. ﴿والرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾: هُمُ المُصَلُّونَ عِنْدَ الكَعْبَةِ، قالَهُ عَطاءٌ وغَيْرُهُ. وقالَ الحَسَنُ: هم جَمِيعُ المُؤْمِنِينَ، وخَصَّ الرُّكُوعَ والسُّجُودَ بِالذِّكْرِ مِن جَمِيعِ أحْوالِ المُصَلِّي، لِأنَّهُما أقْرَبُ أحْوالِهِ إلى اللَّهِ، وقَدَّمَ الرُّكُوعَ عَلى السُّجُودِ لِتَقَدُّمِهِ عَلَيْهِ في الزَّمانِ، وجُمِعا جَمْعَ تَكْسِيرٍ لِمُقابَلَتِهِما ما قَبْلَهُما مِن جَمْعَيِ السَّلامَةِ، فَكانَ ذَلِكَ تَنْوِيعًا في الفَصاحَةِ، وخالَفَ بَيْنَ وزْنَيْ تَكْسِيرِهِما تَنْوِيعًا في الفَصاحَةِ أيْضًا، وكانَ آخِرُهُما عَلى فُعُولٍ لا عَلى فُعَّلٍ لِأجْلِ كَوْنِها فاصِلَةً، والفَواصِلُ قَبْلَها وبَعْدَها آخِرُها قَبْلَهُ حَرْفُ مَدٍّ ولِينٍ، وعُطِفَتْ تَيْنِكَ الصِّفَتانِ لِفَرْطِ التَّبايُنِ بَيْنَهُما بِأيِّ تَفْسِيرٍ فَسَّرْتَهُما مِمّا سَبَقَ. ولَمْ يَعْطِفِ السُّجُودَ عَلى الرُّكَّعِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ بِهِما المُصَلُّونَ. والرُّكَّعُ والسُّجُودُ وإنِ اخْتَلَفَتْ هَيْئاتُهُما فَيَشْمَلُهُما فِعْلٌ واحِدٌ وهو الصَّلاةُ. فالمُرادُ بِالرُّكَّعِ السُّجُودِ: المُصَلُّونَ، فَناسَبَ أنْ لا يَعْطِفَ، لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما عِبادَةٌ عَلى حِيالِها، ولَيْسَتا مُجْتَمِعَتَيْنِ في عِبادَةٍ واحِدَةٍ، ولَيْسَ كَذَلِكَ. وفي قَوْلِهِ: ﴿والرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ دَلالَةٌ عَلى جَوازِ الصَّلاةِ في البَيْتِ فَرْضًا ونَفْلًا، إذْ لَمْ يُخَصِّصْ.

البقرة 2:126

﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا﴾: ذَكَرُوا أنَّ العامِلَ في إذْ مَحْذُوفٌ، ورَبُّ: مُنادًى مُضافٌ إلى الياءِ، وحَذْفُ مِنهُ حَرْفُ النِّداءِ، والمُضافُ إلى الياءِ فِيهِ لُغاتٌ، أحْسَنُها: أنْ تُحْذَفَ مِنهُ ياءُ الإضافَةِ، ويَدُلُّ عَلَيْها بِالكَسْرَةِ، فَيُجْتَزَأُ بِها لِأنَّ النِّداءَ مَوْضِعُ تَخْفِيفٍ. ألا تَرى إلى جَوازِ التَّرْخِيمِ فِيهِ ؟ وتِلْكَ اللُّغاتُ مَذْكُورَةٌ في النَّحْوِ، وسَيَأْتِي (p-٣٨٣)مِنها في القُرْآنِ شَيْءٌ، ونَتَكَلَّمُ عَلَيْهِ في مَكانِهِ - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - . وناداهُ بِلَفْظِ الرَّبِّ مُضافًا إلَيْهِ، لِما في ذَلِكَ مِن تَلَطُّفِ السُّؤالِ والنِّداءِ بِالوَصْفِ الدّالِّ عَلى قَبُولِ السّائِلِ وإجابَةِ ضَراعَتِهِ. واجْعَلْ هُنا بِمَعْنى: صَيِّرْ، وصُورَتُهُ أمْرٌ، وهو طَلَبٌ ورَغْبَةٌ. وهَذا إشارَةٌ إلى الوادِي الَّذِي دَعا لِأهْلِهِ حِينَ أسْكَنَهم فِيهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: ٣٧]، أوْ إلى المَكانِ الَّذِي صارَ بَلَدًا، ولِذَلِكَ نَكَّرَهُ فَقالَ: ﴿بَلَدًا آمِنًا﴾ . وحِينَ صارَ بَلَدًا قالَ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا واجْنُبْنِي﴾ [إبراهيم: ٣٥]، وقالَ: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ [البلد: ١]، هَذا إنْ كانَ الدُّعاءُ مَرَّتَيْنِ في وقْتَيْنِ. وقِيلَ: الآيَتانِ سَواءٌ، فَتَحْتَمِلُ آيَةَ التَّنْكِيرِ أنْ يَكُونَ قَبْلَها مَعْرِفَةٌ مَحْذُوفَةٌ، أيِ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ بَلَدًا آمِنًا، ويَكُونُ ”بَلَدًا“ النَّكِرَةُ تَوْطِئَةً لِما يَجِيءُ بَعْدَهُ، كَما تَقُولُ: كانَ هَذا اليَوْمُ يَوْمًا حارًّا، فَتَكُونُ الإشارَةُ إلَيْهِ في الآيَتَيْنِ بَعْدَ كَوْنِهِ بَلَدًا. ويَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ وهو: أنَّهُ لا يَكُونُ مَحْذُوفًا ولا يَكُونُ إذْ ذاكَ ”بَلَدًا“ بَلْ دَعى لَهُ بِذَلِكَ، وتَكُونُ المَعْرِفَةُ الَّذِي جاءَ في قَوْلِهِ: ﴿هَذا البَلَدَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]، بِاعْتِبارِ ما يَئُولُ إلَيْهِ سَمّاهُ بَلَدًا. ووَصْفُ بَلَدٍ بِآمِنٍ، إمّا عَلى مَعْنى النَّسَبِ، أيْ ذا أمْنٍ، كَقَوْلِهِمْ: ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١]، أيْ ذاتِ رِضًا، أوْ عَلى الِاتِّساعِ لَمّا كانَ يَقَعُ فِيهِ الأمْنُ جَعَلَهُ آمِنًا كَقَوْلِهِمْ: نَهارُكَ صائِمٌ ولَيْلُكَ قائِمٌ. وهَلِ الدُّعاءُ بِأنْ يَجْعَلَهُ آمِنًا مِنَ الجَبابِرَةِ والمُسَلَّطِينَ، أوْ مِن أنْ يَعُودَ حَرَمُهُ حَلالًا، أوْ مِن أنْ يَخْلُوَ مِن أهْلِهِ، أوْ آمِنًا مِنَ القَتْلِ، أوْ مِنَ الخَسْفِ والقَذْفِ، أوْ مِنَ القَحْطِ والجَدْبِ، أوْ مِن دُخُولِ الدَّجّالِ، أوْ مِن أصْحابِ الفِيلِ ؟ أقْوالٌ. ومَن فَسَّرَ آمِنًا بِكَوْنِهِ آمِنًا مِنَ الجَبابِرَةِ، فالواقِعُ يَرُدُّهُ، إذْ قَدْ دَخَلَ فِيهِ الجَبابِرَةُ وقَتَلُوا، كَعَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ الجُرْهُمِيِّ، والحَجّاجِ بْنِ يُوسُفَ، والقَرامِطَةِ، وغَيْرِهِمْ. وكَذَلِكَ مَن قالَ آمِنًا مِنَ القَحْطِ والجَدْبِ، فَهي أكْثَرُ بِلادِ اللَّهِ قَحْطًا وجَدْبًا. وقالَ القَفّالُ: مَعْناهُ مَأْمُونًا فِيهِ، وكانُوا قَبْلَ أنْ تَغْزُوَهُمُ العَرَبُ في غايَةِ الأمْنِ، حَتّى أنَّ أحَدَهم إذا وجَدَ بِمَفازَةٍ أوْ بَرِيَّةٍ لا يَتَعَرَّضُ إلَيْهِ عِنْدَما يَعْلَمُ أنَّهُ مِن سُكّانِ الحَرَمِ. * * ﴿وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَن آمَنَ مِنهم بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾: لَمّا بَنى إبْراهِيمُ البَيْتَ في أرْضٍ مُقْفِرَةٍ، وكانَ حالُ مَن يَتَمَدَّنُ مِنَ الأماكِنِ يَحْتاجُ فِيهِ إلى ماءٍ يَجْرِي ومَزْرَعَةٍ يُمْكِنُ بِهِما القِطانُ بِالمَدِينَةِ، دَعا اللَّهَ لِلْبَلَدِ بِالأمْنِ، وبِأنْ يُجْبى لَهُ الأرْزاقُ. فَإنَّهُ إذا كانَ البَلَدُ ذا أمْنٍ، أمْكَنَ وُفُودُ التُّجّارِ إلَيْهِ لِطَلَبِ الرِّبْحِ. ولَمّا سَمِعَ في الإمامَةِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] . قَيَّدَ هُنا مَن سَألَ لَهُ الرِّزْقَ فَقالَ: ﴿مَن آمَنَ مِنهم بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾، والضَّمِيرُ في مِنهم عائِدٌ عَلى أهْلِهِ. دَعا لِمُؤْمِنِهِمْ بِالأمْنِ والخِصْبِ؛ لِأنَّ الكافِرَ لا يُدْعى لَهُ بِذَلِكَ؛ ألا تَرى «أنَّ قُرَيْشًا لَمّا طَغَتْ، دَعا عَلَيْها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرَ، واجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ“»، وكانَتْ مَكَّةُ إذْ ذاكَ قَفْرًا لا ماءَ بِها ولا نَباتَ، كَما قالَ: ﴿بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ [إبراهيم: ٣٧] فَبارَكَ اللَّهُ فِيما حَوْلُها كالطّائِفِ وغَيْرِهِ، وأنْبَتَ اللَّهُ فِيهِ أنْواعًا مِنَ الثَّمَرِ. ورُوِيَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا دَعاهُ إبْراهِيمُ أمَرَ جِبْرِيلَ فاقْتَلَعَ فِلَسْطِينَ، وقِيلَ: بُقْعَةً مِنَ الأُرْدُنِّ، فَطافَ بِها حَوْلَ البَيْتِ سَبْعًا، فَأنْزَلَها بِوَجٍّ فَسُمِّيَتِ الطّائِفَ بِسَبَبِ ذَلِكَ الطَّوافِ، وقالَ بَعْضُهم: ؎كُلُّ الأماكِنِ إعْظامًا لِحُرْمَتِها تَسْعى لَها ولَها في سَعْيِها شَرَفُ وذَكَرَ مُتَعَلِّقَ الإيمانِ، وهو اللَّهُ تَعالى واليَوْمُ الآخِرُ؛ لِأنَّ في الإيمانِ بِاللَّهِ إيمانًا بِالصّانِعِ الواجِبِ الوُجُودِ، وبِما يَلِيقُ بِهِ تَعالى مِنَ الصِّفاتِ، وفي الإيمانِ بِاليَوْمِ الآخِرِ إيمانٌ بِالثَّوابِ والعِقابِ المُرَتَّبَيْنِ عَلى الطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ اللَّذَيْنِ هُما مَناطُ التَّكْلِيفِ المُسْتَدْعِي مُخْبِرًا صادِقًا بِهِ، وهُمُ الأنْبِياءُ. فَتَضَمَّنَ الإيمانُ بِاليَوْمِ الآخِرِ الإيمانَ بِالأنْبِياءِ، وبِما جاءُوا بِهِ. فَلَمّا كانَ الإيمانُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يَتَضَمَّنُ الإيمانَ بِجَمِيعِ ما يَجِبُ أنْ يُؤْمَنَ بِهِ اقْتَصَرَ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ غَيْرَهُ في ضِمْنِهِ. ودُعاءُ إبْراهِيمَ لِأهْلِ البَيْتِ يَعُمُّ مَن يُطْلِقُ عَلَيْهِ هَذا الِاسْمَ، ولا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِذُرِّيَّتِهِ، وإنْ كانَ ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ﴾ [إبراهيم: ٣٧] مُخْتَصًّا بِذُرِّيَّتِهِ لِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم: ٣٧] (p-٣٨٤)لِعَوْدِ الضَّمِيرِ في وارْزُقْهم عَلَيْهِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونا سُؤالَيْنِ. ومِن: في قَوْلِهِ: مِنَ الثَّمَراتِ لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّهم لَمْ يُرْزَقُوا إلّا بَعْضَ الثَّمَراتِ. وقِيلَ: هي لِبَيانِ الجِنْسِ، ومَن بَدَلٌ مِن أهْلِهِ، بَدْلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، أوْ بَدَلُ اشْتِمالٍ مُخَصِّصٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ المُبْدَلُ مِنهُ، وفائِدَتُهُ أنَّهُ يَصِيرُ مَذْكُورًا مَرَّتَيْنِ: إحْداهُما بِالعُمُومِ السّابِقِ في لَفْظِ المُبْدَلِ مِنهُ، والثّانِيَةُ بِالتَّنْصِيصِ عَلَيْهِ، وتَبَيَّنَ أنَّ المُبْدَلَ مِنهُ إنَّما عُنِيَ بِهِ وأُرِيدَ البَدَلُ فَصارَ مَجازًا، إذْ أُرِيدَ بِالعامِّ الخاصُّ. هَذِهِ فائِدَةُ هَذَيْنِ البَدَلَيْنِ، فَصارَ في ذَلِكَ تَأْكِيدٌ وتَثْبِيتٌ لِلْمُتَعَلِّقِ بِهِ الحُكْمُ وهو البَدَلُ، إذْ ذُكِرَ مَرَّتَيْنِ. ﴿قالَ ومَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أضْطَرُّهُ إلى عَذابِ النّارِ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾: قَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ السَّبْعَةِ: فَأُمَتِّعُهُ، مُشَدَّدًا عَلى الخَبَرِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: فَأُمْتِعُهُ، مُخَفِّفًا عَلى الخَبَرِ. وقَرَأ هَؤُلاءِ: ثُمَّ أضْطَرُّهُ، خَبَرًا. وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ: فَأُمْتِعُهُ مُخَفَّفًا، ثُمَّ إضْطَرُّهُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وهُما خِبْرانِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: ثُمَّ أضطَّرُّهُ، بِإدْغامِ الضّادِ في الطّاءِ، خَبَرًا. وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ: ثُمَّ أضْطُرُّهُ، بِضَمِّ الطّاءِ، خَبَرًا. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: فَنُمَتِّعُهُ ثُمَّ نَضْطَرُّهُ، بِالنُّونِ فِيهِما. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وغَيْرُهُما: ﴿فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أضْطَرُّهُ﴾ عَلى صِيغَةِ الأمْرِ فِيهِما، فَأمّا عَلى هَذِهِ القِراءَةِ فَيَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في ”قالَ“ عائِدًا عَلى إبْراهِيمَ، لَمّا دَعا لِلْمُؤْمِنِينَ بِالرِّزْقِ، دَعا عَلى الكافِرِينَ بِالإمْتاعِ القَلِيلِ والإلْزازِ إلى العَذابِ. ومَن: عَلى هَذِهِ القِراءَةِ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، عَلى أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً أوْ شَرْطِيَّةً، وفي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الِاشْتِغالِ عَلى الوَصْلِ أيْضًا. وأمّا عَلى قِراءَةِ الباقِينَ فَيَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في قالَ عائِدًا عَلى اللَّهِ تَعالى، ومَن: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: قالَ اللَّهُ وأرْزُقُ مَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ، ويَكُونُ ”فَأُمَتِّعُهُ“ مَعْطُوفًا عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ المَحْذُوفِ النّاصِبِ لِمَن. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَن في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، إمّا مَوْصُولًا وإمّا شَرْطًا، والفاءُ جَوابُ الشَّرْطِ أوِ الدّاخِلَةُ في خَبَرِ المَوْصُولِ لِشُبْهَةٍ بِاسْمِ الشَّرْطِ. ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَن في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الِاشْتِغالِ إذا كانَتْ شَرْطًا؛ لِأنَّهُ لا يُفَسِّرُ العامِلَ في مَن إلّا فِعْلُ الشَّرْطِ، لا الفِعْلُ الواقِعُ جَزاءً ولا إذا كانَتْ مَوْصُولَةً؛ لِأنَّ الخَبَرَ مُضارِعٌ قَدْ دَخَلَتْهُ الفاءُ تَشْبِيهًا لِلْمَوْصُولِ بِاسْمِ الشَّرْطِ. فَكَما لا يُفَسِّرُ الجَزاءُ كَذَلِكَ لا يُفَسِّرُ الخَبَرُ المُشَبَّهُ بِالجَزاءِ. وأمّا إذا كانَ أمْرًا، أعْنِي الخَبَرَ نَحْوَ: زَيْدًا فاضْرِبْهُ، فَيَجُوزُ أنْ يُفَسِّرَ، ولا يَجُوزَ أنْ تَقُولَ: زَيْدًا فَتَضْرِبُهُ عَلى الِاشْتِغالِ، ولِجَوازِ: زَيْدًا فاضْرِبْهُ عَلى الأمْرِ، عِلَّةٌ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ النَّحْوِ. قالَ أبُو البَقاءِ: لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”مَن“ ”مُبْتَدَأً“ و”فَأُمَتِّعُهُ“ الخَبَرَ؛ لِأنَّ ”الَّذِي“ لا يَدْخُلُ الفاءُ في خَبَرِها إلّا إذا كانَ الخَبَرُ مُسْتَحِقًّا لِصِلَتِها، كَقَوْلِكَ: الَّذِي يَأْتِينِي فَلَهُ دِرْهَمٌ. والكُفْرُ لا يَسْتَحِقُّ بِهِ التَّمَتُّعُ، فَإنْ جُعِلَتِ الفاءُ زائِدَةً عَلى قَوْلِ الأخْفَشِ جازَ، أوِ الخَبَرُ مَحْذُوفًا وفَأُمَتِّعُهُ دَلِيلٌ عَلَيْهِ جازَ، تَقْدِيرُهُ: ومَن كَفَرَ أرْزُقُهُ فَأُمَتِّعُهُ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَن شَرْطِيَّةً والفاءُ جَوابَها. وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ومَن يَكْفُرُ أرْزُقُ. ومَن عَلى هَذا رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَنصُوبَةً؛ لِأنَّ أداةَ الشَّرْطِ لا يَعْمَلُ فِيها (p-٣٨٥)جَوابُها، بَلِ الشَّرْطُ. انْتَهى كَلامُهُ. وقَوْلُهُ أوَّلًا لا يَجُوزُ كَذا وتَعْلِيلُهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأنَّ الخَبَرَ مُسْتَحَقٌّ بِالصِّلَةِ؛ لِأنَّ التَّمَتُّعَ القَلِيلَ والصَّيْرُورَةَ إلى النّارِ مُسْتَحِقّانِ بِالكُفْرِ. ثُمَّ إنَّهُ قَدْ ناقَضَ أبُو البَقاءِ في تَجْوِيزِهِ أنْ تَكُونَ مَن شُرْطِيَّةً والفاءُ جَوابَها. وهَلِ الجَزاءُ إلّا مُسْتَحَقٌّ بِالشَّرْطِ ومُتَرَتَّبٌ عَلَيْهِ ؟ فَكَذَلِكَ الخَبَرُ المُشَبَّهُ بِهِ أيْضًا. فَلَوْ كانَ التَّمَتُّعُ قَلِيلًا لَيْسَ مُسْتَحَقًّا بِالصِّلَةِ، وقَدْ عَطَفَ عَلَيْهِ ما يَسْتَحِقُّ بِالصِّلَةِ، ناسَبَ أنْ يَقَعَ خَبَرًا مِن حَيْثُ وقَعَ جَزاءً، وقَدْ جَوَّزَ هو ذَلِكَ. وأمّا تَقْدِيرُ زِيادَةِ الفاءِ، وإضْمارِ الخَبَرِ، وإضْمارِ جَوابِ الشَّرْطِ، إذا جَعَلْنا مَن شَرْطِيَّةً، فَلا حاجَةَ إلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ الكَلامَ مُنْتَظِمٌ في غايَةِ الفَصاحَةِ دُونَ هَذا الإضْمارِ. وإنَّما جَرى أبُو البَقاءِ في إعْرابِهِ في القُرْآنِ عَلى حَدِّ ما يَجْرِي في شَعْرٍ الشَّنْفَرِيِّ والشَّمّاخِ، مِن تَجْوِيزِ الأشْياءِ البَعِيدَةِ والتَّقادِيرِ المُسْتَغْنى عَنْها، ونَحْنُ نُنَزِّهُ القُرْآنَ عَنْ ذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَن كَفَرَ: عَطْفٌ عَلى مَن آمَنَ، كَما عُطِفَ ومِن ذُرِّيَّتِي عَلى الكافِ في جاعِلُكَ. انْتَهى كَلامُهُ. وتَقَدَّمَ لَنا الرَّدُّ عَلَيْهِ في زَعْمِهِ أنَّ ”ومِن ذُرِّيَّتِي“ عَطْفٌ عَلى الكافِ في جاعِلُكَ. وأمّا عَطْفُ مَن كَفَرَ عَلى مَن آمَنَ فَلا يَصِحُّ؛ لِأنَّهُ يَتَنافى في تَرْكِيبِ الكَلامِ؛ لِأنَّهُ يُصَيِّرُ المَعْنى: قالَ إبْراهِيمُ: وارْزُقْ مَن كَفَرَ؛ لِأنَّهُ لا يَكُونُ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ حَتّى يُشْرِكَهُ في العامِلِ، ومَن آمَنَ: العامِلُ فِيهِ فِعْلُ الأمْرِ، وهو العامِلُ في ومَن كَفَرَ. وإذا قَدَّرْتَهُ أمْرًا تَنافى مَعَ قَوْلِهِ: فَأُمَتِّعُهُ؛ لِأنَّ ظاهِرَ هَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ بِنَسْبِهِ التَّمَتُّعَ وإلْجائَهم إلَيْهِ تَعالى، وأنَّ كُلًّا مِنَ الفِعْلَيْنِ يَضْمَنُ ضَمِيرَ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ لا يَجُوزُ إلّا عَلى بُعْدٍ بِأنْ يَكُونَ بَعْدَ الفاءِ قَوْلٌ مَحْذُوفٌ فِيهِ ضَمِيرٌ لِلَّهِ تَعالى، أيْ قالَ إبْراهِيمُ: وارْزُقْ مَن كَفَرَ، فَقالَ اللَّهُ: أُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أضْطَرُّهُ إلى عَذابِ النّارِ. ثُمَّ ناقَضَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلَهُ هَذا أنَّهُ عَطَفَ عَلى مَن، كَما عَطَفَ ومِن ذُرِّيَّتِي عَلى الكافِ في جاعِلُكَ فَقالَ: (فَإنْ قُلْتَ): لَمْ خَصَّ إبْراهِيمُ المُؤْمِنِينَ حَتّى رُدَّ عَلَيْهِ ؟ (قُلْتُ): قاسَ الرِّزْقَ عَلى الإمامَةِ فَعَرَفَ الفَرْقَ بَيْنَهُما؛ لِأنَّ الِاسْتِخْلافَ اسْتِرْعاءٌ مُخْتَصٌّ بِمَن يَنْصَحُ لِلْمَرْعِيِّ. وأبْعَدُ النّاسِ عَنِ النَّصِيحَةِ الظّالِمُ، بِخِلافِ الرِّزْقِ فَإنَّهُ قَدْ يَكُونُ اسْتِدْراجًا لِلْمَرْزُوقِ وإلْزامًا لِلْحُجَّةِ لَهُ. والمَعْنى: وأرْزَقُ مَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ. انْتَهى كَلامُهُ. فَظاهِرُ قَوْلِهِ والمَعْنى: وأرْزُقُ مَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ: يَدُلُّ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ في قالَ، ومَن كَفَرَ، عائِدٌ عَلى اللَّهِ، وأنَّ مَن كَفَرَ مَنصُوبٌ بِـ”أرْزُقُ“ الَّذِي هو فِعْلٌ مُضارِعٌ مُسْنَدٌ إلى اللَّهِ تَعالى، وهو يُناقِصُ ما قُدِّمَ أوَّلًا مِن أنَّ مَن كَفَرَ مَعْطُوفٌ عَلى مَن آمَنَ. وفي قَوْلِهِ خَصَّ إبْراهِيمُ المُؤْمِنِينَ حَتّى رُدَّ عَلَيْهِ سُوءُ أدَبٍ عَلى الأنْبِياءِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ لا يَدَّعِي ويَرْغَبُ في أنْ يَرْزُقَ الكافِرَ، بَلْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ ومَن كَفَرَ﴾، إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِما يَكُونُ مَآلُ الكافِرِ إلَيْهِ مِنَ التَّمْتِيعِ القَلِيلِ والصَّيْرُورَةِ إلى النّارِ، ولَيْسَ هُنا قِياسُ الرِّزْقِ عَلى الإمامَةِ ولا تَعْرِيفُ الفِرَقِ بَيْنَهُما كَما زَعَمَ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ المَتاعِ وأنَّهُ كُلُّ ما انْتُفِعَ بِهِ، وفَسَّرَ هُنا التَّمْتِيعَ والإمْتاعَ بِالإبْقاءِ أوْ بِتَيْسِيرِ المَنافِعِ، ومِنهُ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا، أيْ مَنفَعَتُها الَّتِي لا تَدُومُ، أوْ بِالتَّزْوِيدِ، ومِنهُ: فَمَتِّعُوهُنَّ؛ أيْ زَوِّدُوهُنَّ نَفَقَةً. والمُتْعَةُ: ما يُتَبَلَّغُ بِهِ مِنَ الزّادِ، والجَمْعُ مُتَعٌ، ومِنهُ: ”مَتاعًا لَكم ولِلسَّيّارَةِ“، والهَمْزَةُ في أمْتَعَ يَجْعَلُ الشَّيْءَ صاحِبَ ما صِيغَ مِنهُ: أمْتَعْتُ زَيْدًا، جَعَلْتُهُ صاحِبَ مَتاعٍ، كَقَوْلِهِمْ: أقْبَرْتُهُ وأنْعَلْتُهُ، وكَذَلِكَ التَّضْعِيفُ في ”مَتَّعَ“ هو: يَجْعَلُ الشَّيْءَ بِمَعْنى ما صِيغَ مِنهُ نَحْوَ قَوْلِهِمْ: عَدَّلْتُهُ. ولَيْسَ التَّضْعِيفُ في ”مَتَّعَ“ يَقْتَضِي التَّكْثِيرَ، فَيُنافِي ظاهِرَ ذَلِكَ القِلَّةُ، فَيَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ، كَما ظَنَّهُ بَعْضُهم وتَأوَّلَهُ عَلى أنَّ الكَثْرَةَ بِإضافَةِ بَعْضِها إلى بَعْضٍ، والقِلَّةَ بِالإضافَةِ إلى نَعِيمِ الآخِرَةِ. فَقَدِ اخْتَلَفَتْ جِهَتا الكَثْرَةِ والقِلَّةِ فَلَمَّ يَتَنافَيا. وانْتِصابُ قَلِيلًا عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِظَرْفٍ مَحْذُوفٍ، أيْ زَمانًا قَلِيلًا، أوْ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ تَمْتِيعًا قَلِيلًا، عَلى تَقْدِيرِ الجُمْهُورِ، أوْ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ المَصْدَرِ المَحْذُوفِ الدّالِّ عَلَيْهِ الفِعْلُ، وذَلِكَ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ. والوَصْفُ بِالقِلَّةِ لِسُرْعَةِ انْقِضائِهِ، إمّا لِحُلُولِ الأجَلِ وإمّا بِظُهُورِ مُحَمَّدٍ (p-٣٨٦)ﷺ فَيَقْتُلُهُ أوْ يُخْرِجُهُ عَنْ هَذا البَلَدِ، إنْ أقامَ عَلى الكُفْرِ والإمْتاعِ بِالنَّعِيمِ والزِّينَةِ، أوْ بِالإمْهالِ عَنْ تَعْجِيلِ الِانْتِقامِ فِيها، أوْ بِالرِّزْقِ، أوْ بِالبَقاءِ في الدُّنْيا، أقْوالٌ لِلْمُفَسِّرِينَ. وقِراءَةُ يَحْيى بْنِ وثّابٍ: ثُمَّ إضْطَرُّهُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَلى لُغَةِ قُرَيْشٍ، في قَوْلِهِمْ: لا إخالُ، يَعْنِي بِكَسْرِ الهَمْزَةِ. وظاهِرُ هَذا النَّقْلِ في أنَّ ذَلِكَ، أعْنِي كَسْرَ الهَمْزَةِ الَّتِي لِلْمُتَكَلِّمِ في نَحْوِ إضْطَرُّ، وهو ما أوَّلَهُ هَمْزَةُ وصْلٍ. وفي نَحْوِ ”إخالُ“، وهو إفْعَلُ المَفْتُوحُ العَيْنِ مِن فِعَلَ المَكْسُورِ العَيْنِ، مُخالِفٌ لِما نَقَلَهُ النَّحْوِيُّونَ. فَإنَّهم نَقَلُوا عَنِ الحِجازِيِّينَ فَتْحَ حَرْفِ المُضارَعَةِ مِمّا أوَّلُهُ هَمْزَةُ وصْلٍ، ومِمّا كانَ عَلى وزْنِ ”فَعِلَ“ بِكَسْرِ العَيْنِ ”يَفْعَلُ“ بِفَتْحِها، أوْ ذا ياءٍ مَزِيدَةٍ في أوَّلِهِ، وذَلِكَ نَحْوُ ”عَلِمَ يَعْلَمُ“، وانْطَلَقَ يَنْطَلِقُ، وتَعَلَّمُ يَتَعَلَّمُ، إلّا إنْ كانَ حَرْفُ المُضارَعَةِ ياءً، فَجُمْهُورُ العَرَبِ مِن غَيْرِ الحِجازِيِّينَ لا يَكْسِرُ الياءَ بَلْ يَفْتَحُها. وفي مِثْلِ يَوْجِلُ بِالياءِ مُضارِعِ وجِلَ - مَذاهِبُ تُذْكَرُ في عِلْمِ النَّحْوِ، وإنَّما المَقْصُودُ هُنا: أنَّ كَلامَ ابْنِ عَطِيَّةِ مُخالِفٌ لِما حَكاهُ النُّحاةُ، إلّا إنْ كانَ نَقَلَ أنَّ ”إخالُ“ بِخُصُوصِيَّتِهِ في لُغَةِ قُرَيْشٍ مَكْسُورُ الهَمْزَةِ دُونَ نَظائِرِهِ، فَيَكُونُونَ قَدْ تَبِعُوا في ذَلِكَ لُغَةَ غَيْرِهِمْ مِنَ العَرَبِ، فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ قَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ صَحِيحًا. وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا في سُورَةِ الحَمْدِ في قَوْلِهِ: (نَسْتَعِينُ) أنَّ الكَسْرَةَ لُغَةُ قَيْسٍ وتَمِيمٍ وأسَدٍ ورَبِيعَةَ. وقَدْ أمْعَنّا الكَلامَ عَلى ذَلِكَ في (كِتابِ التَّكْمِيلِ لِشَرْحِ كِتابِ التَّسْهِيلِ) مِن تَأْلِيفِنا. وقِراءَةُ ابْنِ مُحَيْصِنٍ: ثُمَّ أطَّرُّهُ، بِإدْغامِ الضّادِ في الطّاءِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هي لُغَةٌ مَرْذُولَةٌ؛ لِأنَّ الضّادَ مِنَ الحُرُوفِ الخَمْسَةِ الَّتِي يُدْغَمُ فِيها ما يُجاوِرُها، ولا تُدْغَمُ هي فِيما يُجاوِرُها، وهي حُرُوفُ ”ضُمَّ شُفْرٌ“ . انْتَهى كَلامُهُ. إذا لَقِيَتِ الضّادُ الطّاءَ في كَلِمَةٍ نَحْوِ مُضْطَرِبٍ، فالأوْجَهُ البَيانُ، وإنْ أُدْغِمَ قُلِبَ الثّانِي لِلْأوَّلِ فَقِيلَ: مُضَّرِبٌ، كَما قِيلَ: مُصَّبِرٌ في مُصْطَبِرٍ. قالَ سِيبَوَيْهِ: وقَدْ قالَ بَعْضُهم: مُطَّجِعٌ، في مُضْطَجِعٍ، ومَضَّجِعٌ أكْثَرَ، وجازَ مُطَّجِعٌ، وإنْ لَمْ يَجُزْ في مُصْطَبِرٍ مُطَّبِرٍ؛ لِأنَّ الضّادَ لَيْسَتْ في السَّمْعِ كالصّادِّ، يَعْنِي أنَّ الصَّفِيرَ الَّذِي في الصّادِ أكْثَرُ في السَّمْعِ مِنَ اسْتِطالَةِ الضّادِ. فَظاهِرُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ أنَّها لَيْسَتْ لُغَةً مَرْذُولَةً، ألا تَرى إلى نَقْلِهِ عَنْ بَعْضِ العَرَبِ مُطَّجِعٌ، وإلى قَوْلِهِ: ومَضَّجِعٌ أكْثَرُ، فَيَدُلُّ عَلى أنْ مُطَّجِعًا كَثِيرٌ ؟ وألا تَرى إلى تَعْلِيلِهِ، وكَوْنُ الضّادِ قُلِبَتْ إلى الطّاءِ وأُدْغِمَتْ ولَمْ يُفْعَلْ ذَلِكَ بِالصّادِ، وإبْداءِ الفِرَقِ بَيْنَهُما ؟ وهَذا كُلُّهُ مِن كَلامِ سِيبَوَيْهِ يَدُلُّ عَلى الجِوازِ. وقَدْ (p-٣٨٧)أُدْغِمَتِ الضّادُ في الذّالِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الأرْضَ ذَلُولًا﴾ [الملك: ١٥]، رَواهُ اليَزِيدِيُّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو، وهو ضَعِيفٌ. وفي الشِّينِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾ [النور: ٦٢]، ﴿والأرْضِ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٣]، وهو ضَعِيفٌ أيْضًا. وأمّا الشِّينُ فَأُدْغِمَتْ في السِّينِ. رُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢]، والبَصْرِيُّونَ لا يُجِيزُونَ ذَلِكَ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وهو رَأْسٌ مِن رُءُوسِ البَصْرِيِّينَ. وأمّا الفاءُ فَقَدْ أُدْغِمَتْ في الباءِ في قِراءَةِ الكِسائِيِّ: ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ﴾ [سبإ: ٩]، وهو إمامُ الكُوفِيِّينَ. وأمّا الرّاءُ، فَذَهَبَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ وأصْحابُهُ إلى أنَّهُ لا يَجُوزُ إدْغامُ الرّاءِ في اللّامِ مِن أجْلِ تَكْرِيرِها ولا في النُّونِ. وأجازَ ذَلِكَ في اللّامِ: يَعْقُوبُ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، والفَرّاءُ، وأبُو جَعْفَرٍ الرُّؤاسِيُّ، وهَؤُلاءِ الثَّلاثَةُ رُءُوسُ الكُوفِيِّينَ حَكَوْهُ سَماعًا عَنِ العَرَبِ. وإنَّما تَعَرَّضْتُ لِإدْغامِ هَذِهِ الحُرُوفِ فِيما يُجاوِرُها وذِكْرِ الخِلافِ فِيها، لِئَلّا يُتَوَهَّمَ مِن قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ: لا تُدْغَمُ فِيما يُجاوِرُها، أنَّهُ لا يَجُوزُ ذَلِكَ بِإجْماعٍ مِنَ النَّحْوِيِّينَ. فَأوْرَدْتُ هَذا الخِلافَ فِيها تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِإجْماعٍ، إذْ إطْلاقُهُ يَدُلُّ عَلى المَنعِ ألْبَتَّةَ. وقِراءَةُ ابْنِ أبِي حَبِيبٍ: بِضَمِّ الطّاءِ، تَوْجِيهُها أنَّهُ أتْبَعَ حَرَكَةَ الطّاءِ لِحَرَكَةِ الرّاءِ، وهو شاذٌّ. وأمّا قِراءَةُ أُبَيٍّ بِالنُّونِ فِيهِما، فَهي مُخالِفَةٌ لِرَسْمِ المُصْحَفِ، فَهي شاذَّةٌ. وقِراءَةُ ابْنُ عَبّاسٍ بِصِيغَةِ الأمْرِ يَكُونُ تَكْرِيرُ ”قالَ“ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ أوْ لِيَكُونَ ذَلِكَ جُمْلَتَيْنِ، جُمْلَةٌ بِالدُّعاءِ لِمَن آمَنَ، وجُمْلَةٌ بِالدُّعاءِ عَلى مَن كَفَرَ، فَلا يَنْدَرِجانِ تَحْتَ مَعْمُولٍ واحِدٍ بَلْ أفْرَدَ كُلًّا بِقَوْلٍ. وأضْطَرُّهُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ هو بِفَتْحِ الرّاءِ المُشَدَّدَةِ، كَما تَقُولُ: عَضَّهُ بِالفَتْحِ، وهَذا الإدْغامُ هو عَلى لُغَةِ غَيْرِ الحِجازِيِّينَ؛ لِأنَّ لُغَةَ الحِجازِيِّينَ في مِثْلِ هَذا الفَكُّ. ولَوْ قَرَأ عَلى لُغَةِ قَوْمِهِ، لَكانَ ”أضْطَرُّهُ إلى عَذابٍ“ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: ثُمَّ أضْطَرُّهُ. ومَعْنى الِاضْطِرارِ هُنا هو أنَّهُ يُلْجَأُ ويُلَزُّ إلى العَذابِ، بِحَيْثُ لا يَجِدُ مَحِيصًا عَنْهُ إذْ أحَدَ لا يُؤْثِرُ دُخُولَ النّارِ ولا يَخْتارُهُ. ومَفْهُومُ الشَّرْطِ هُنا مُلْغًى؛ إذْ قَدْ يَدْخُلُ النّارَ بَعْضُ العُصاةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ. ﴿وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى، أيْ وبِئْسَ المَصِيرُ النّارُ، إنْ كانَ المَصِيرُ اسْمَ مَكانٍ، وإنْ كانَ مَصْدَرًا عَلى رَأْيِ مَن أجازَ ذَلِكَ فالتَّقْدِيرُ: وبِئْسَتِ الصَّيْرُورَةُ صَيْرُورَتُهُ إلى العَذابِ.

البقرة 2:127

﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ﴾: هَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها، فالعامِلُ في إذْ ما ذُكِرَ أنَّهُ العامِلُ في إذْ قَبْلَها. ويَرْفَعُ في مَعْنى رَفَعَ، وإذْ مِنَ الأدَواتِ المُخَلِّصَةِ لِلْمُضارِعِ إلى الماضِي، لِأنَّها ظَرْفٌ لِما مَضى مِنَ الزَّمانِ. والرَّفْعُ حالَةُ الخِطابِ قَدْ وقَعَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هي حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ، وفي ذَلِكَ نَظَرٌ. مِنَ البَيْتِ: هو الكَعْبَةُ. ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في ماهِيَّةِ هَذا البَيْتِ وقِدَمِهِ وحُدُوثِهِ، ومِن أيِّ شَيْءٍ كانَ باباهُ، وكَمْ مَرَّةً حَجَّةُ آدَمُ، ومِن أيِّ شَيْءٍ بَناهُ إبْراهِيمُ، ومَن ساعَدَهُ عَلى البِناءِ - قِصَصًا كَثِيرَةً. واسْتَطْرَدُوا مِن ذَلِكَ لِلْكَلامِ في البَيْتِ المَعْمُورِ، وفي طُولِ آدَمَ، والصَّلَعِ الَّذِي عَرَضَ لَهُ ولِوَلَدِهِ، وفي الحَجَرِ الأسْوَدِ، وطَوَّلُوا في ذَلِكَ بِأشْياءَ لَمْ يَتَضَمَّنْها القُرْآنُ ولا الحَدِيثُ الصَّحِيحُ. وبَعْضُها يُناقِضُ بَعْضًا، وذَلِكَ عَلى جَرْيِ عاداتِهِمْ في نَقْلِ ما دَبَّ وما دَرَجَ. ولا يَنْبَغِي أنْ يُعْتَمَدَ إلّا عَلى ما صَحَّ في كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والَّذِي يَصِحُّ مِن هَذا كُلِّهِ أنَّ اللَّهَ أمَرَ إبْراهِيمَ بِرَفْعِ القَواعِدِ مِنَ البَيْتِ. ونُشاحُّهُ في قَوْلِهِ: أمَرَ، إذْ لَمْ يَأْتِ النَّصُّ بِأنَّ اللَّهَ أمَرَ بِذَلِكَ. (القَواعِدَ): تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها في الكَلامِ عَلى المُفْرَداتِ، وهَلْ هي الأساسُ أوِ الجُدُرُ ؟ فَإنْ كانَتِ الأساسَ، فَرَفَعَها بِأنْ يَبْنِيَ عَلَيْها، فَتَنْتَقِلُ مِن هَيْئَةِ الِانْخِفاضِ إلى هَيْئَةِ الِارْتِفاعِ، وتَتَطاوَلٍ بَعْدَ التَّقاصُرِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِها ساقاتِ البِناءِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى ما قُعِّدَ مِنَ البَيْتِ، أيِ اسْتُوطِئَ، يَعْنِي جَعَلَ هَيْئَةَ القاعِدَةِ المُسْتَوْطَأةِ مُرْتَفِعَةً عالِيَةً بِالبِناءِ. ﴿مِنَ البَيْتِ﴾: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِ يَرْفَعُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ القَواعِدِ فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرِهِ: كائِنَةٌ مِنَ البَيْتِ. ولَمْ تُضَفِ القَواعِدُ إلى البَيْتِ، فَكانَ يَكُونُ الكَلامُ قَواعِدَ (p-٣٨٨)البَيْتِ، لِما في عَدَمِ الإضافَةِ مِنَ الإيضاحِ بَعْدَ الإبْهامِ وتَفْخِيمِ شَأْنِ المُبَيَّنِ. (وإسْماعِيلُ): مَعْطُوفٌ عَلى إبْراهِيمَ، فَهُما مُشْتَرِكانِ في الرَّفْعِ. قِيلَ: كانَ إبْراهِيمُ يَبْنِي وإسْماعِيلُ يُناوِلُهُ الحِجارَةَ. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: رَفَعَ إبْراهِيمُ وإسْماعِيلُ مَعًا، وهَذا ظاهِرُ القُرْآنِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ إسْماعِيلَ طِفْلٌ صَغِيرٌ إذْ ذاكَ، كانَ يُناوِلُهُ الحِجارَةَ. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ: أنَّ إسْماعِيلَ كانَ إذْ ذاكَ طِفْلًا صَغِيرًا، ولا يَصِحُّ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ. ومَن جَعَلَ الواوَ في ”وإسْماعِيلُ“ واوَ الحالِ أعْرَبَ إسْماعِيلَ مُبْتَدَأً وأضْمَرَ الخَبَرَ، التَّقْدِيرُ: وإسْماعِيلُ يَقُولُ: رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا، فَيَكُونُ إبْراهِيمُ مُخْتَصًّا بِالبِناءِ وإسْماعِيلُ مُخْتَصًّا بِالدُّعاءِ. ومَن ذَهَبَ إلى العَطْفِ، جَعَلَ ”﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا﴾“ مَعْمُولًا لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ عائِدٍ عَلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ مَعًا، في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ تَقْدِيرُهُ: وإذْ يَرْفَعانِ القَواعِدَ قائِلِينَ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا. ويُؤَيِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ أنَّ العَطْفَ في ”وإسْماعِيلُ“ أظْهَرُ مِن أنْ تَكُونَ الواوُ واوَ الحالِ. وقِراءَةُ أُبَيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ يَقُولانِ بِإظْهارِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ القَوْلُ المَحْذُوفُ هو العامِلَ في إذْ، فَلا يَكُونُ في مَوْضِعِ الحالِ، والمَعْنى: أنَّهُما دَعَوْا بِذَلِكَ الدُّعاءِ وقْتَ أنْ شَرَعا في رَفْعِ القَواعِدِ، وفي نِدائِهِما بِلَفْظِ رَبَّنا تَلَطُّفٌ واسْتِعْطافٌ بِذِكْرِ هَذِهِ الصِّفَةِ الدّالَّةِ عَلى التَّرْبِيَةِ والإصْلاحِ بِحالِ الدّاعِي. ﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا﴾: أيْ أعْمالَنا الَّتِي قَصَدْنا بِها طاعَتَكَ، وتَقَبَّلْ بِمَعْنى: اقْبَلْ، فَتَفَعَّلْ هُنا بِمَعْنى المُجَرَّدِ كَقَوْلِهِمْ: تَعَدّى الشَّيْءُ وعَدّاهُ، وهو أحَدُ المَعانِي الَّتِي جاءَ لَها تَفَعَّلْ. والمُرادُ بِالتَّقَبُّلِ: الإثابَةُ، عَبَّرَ بِإحْدى المُتَلازِمَيْنِ عَنِ الآخَرِ؛ لِأنَّ التَّقَبُّلَ هو أنْ يَقْبَلَ الرَّجُلَ مِنَ الرَّجُلِ ما يُهْدِي إلَيْهِ. فَشَبَّهَ الفِعْلَ مِنَ العَبْدِ بِالعَطِيَّةِ، والرِّضا مِنَ اللَّهِ تَعالى بِالتَّقَبُّلِ تَوَسُّعًا. وحَكى بَعْضُ المُفَسِّرِينَ عَنْ بَعْضِ النّاسِ فَرْقًا بَيْنَ القَبُولِ والتَّقَبُّلِ، قالَ: التَّقَبُّلُ تَكَلُّفُ القَبُولِ، وذَلِكَ حَيْثُ يَكُونُ العَمَلُ ناقِصًا لا يَسْتَحِقُّ أنْ يُقْبَلَ، قالَ: فَهَذا اعْتِرافٌ مِن إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ بِالتَّقْصِيرِ في العَمَلِ. ولَمْ يَكُنِ المَقْصُودُ إعْطاءَ الثَّوابِ؛ لِأنَّ كَوْنَ الفِعْلِ واقِعًا مَوْقِعَ القَبُولِ مِنَ المَخْدُومِ، ألَذُّ عِنْدَ الخادِمِ العاقِلِ مِن إعْطاءِ الثَّوابِ عَلَيْهِ، وسُؤالُهُما التَّقَبُّلَ بِذَلِكَ، عَلى أنَّ تَرْتِيبَ الثَّوابِ عَلى العَمَلِ لَيْسَ واجِبًا عَلى اللَّهِ تَعالى، انْتَهى مُلَخَّصًا. ونَقُولُ: إنَّ التَّقَبُّلَ والقَبُولَ سَواءٌ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى، إذْ لا يُمْكِنُ تَعَقُّلُ التَّكْلِيفُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى. وقَدْ قَدَّمْنا أنْ تَفَعَّلَ هُنا مُوافِقٌ لِلْفِعْلِ المُجَرَّدِ الَّذِي هو قَبْلُ. ﴿إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾: يَجُوزُ في أنْتَ الِابْتِداءُ والفَصْلُ والتَّأْكِيدُ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في الفَصْلِ وفائِدَتِهِ، وهو مِنَ المَسائِلِ الَّتِي جَمَعْتُ فِيها الكَلامَ في نَحْوٍ مِن سَبْعَةِ أوْراقٍ أحْكامًا دُونَ اسْتِدْلالٍ. وهاتانِ الصِّفَتانِ مُناسِبَتانِ هُنا غايَةَ التَّناسُبِ، إذْ صَدَرَ مِنهُما عَمَلٌ وتَضَرُّعُ سُؤالٍ، فَهو السَّمِيعُ لِضَراعَتِهِما وتَساؤُلِهِما التَّقَبُّلَ، وهو العَلِيمُ بِنِيّاتِهِما في إخْلاصِ عَمَلِهِما. وتَقَدَّمَتْ صِفَةُ السَّمْعِ، وإنْ كانَ سُؤالُ التَّقَبُّلِ مُتَأخِّرًا عَنِ العَمَلِ لِلْمُجاوِرَةِ نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] . فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وتَأخَّرَتْ صِفَةُ العَلِيمِ لِكَوْنِها فاصِلَةً ولِعُمُومِها، إذْ يَشْمَلُ عِلْمَ المَسْمُوعاتِ وغَيْرِ المَسْمُوعاتِ. ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾: أيْ مُنْقادَيْنِ، أوْ مُخْلِصَيْنِ أوْجُهَنا لَكَ مِن قَوْلِهِ: مَن أسْلَمَ وجْهَهُ، أيْ أخْلَصَ عَمَلَهُ، والمَعْنى: أدِمْ لَنا ذَلِكَ، لِأنَّهُما كانا مُسْلِمَيْنِ، ولَكَ تُفِيدُ جِهَةُ الإسْلامِ، أيْ لَكَ لا لِغَيْرِكَ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعَوْفٌ الأعْرابِيُّ: مُسْلِمِينَ عَلى الجَمْعِ، دُعاءٌ لَهُما ولِلْمَوْجُودِ مِن أهْلِهِما كَهاجَرَ، وهَذا أوْلى مِن جَعْلِ لَفْظِ الجَمْعِ مُرادًا بِهِ التَّثْنِيَةَ، وقَدْ قِيلَ بِهِ هُنا. ﴿ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾: لَمّا تَقَدَّمَ الجَوابُ لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]، عَلِمَ أنَّ مِن ذُرِّيَّتِهِما الظّالِمَ وغَيْرَ الظّالِمِ، فَدَعا هُنا بِالتَّبْعِيضِ لا بِالتَّعْمِيمِ فَقالَ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِنا﴾، وخَصَّ ذُرِّيَّتَهُ بِالدُّعاءِ لِلشَّفَقَةِ والحُنُوِّ عَلَيْهِمْ، ولِأنَّ في صَلاحِ نَسْلِ الصّالِحِينَ نَفْعًا كَثِيرًا لِمُتَّبِعِهِمْ، إذْ يَكُونُونَ سَبَبًا لِصَلاحِ مَن وراءَهم. والذُّرِّيَّةُ هُنا، قِيلَ: (p-٣٨٩)أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وابْعَثْ فِيهِمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] . وقِيلَ: هُمُ العَرَبُ، لِأنَّهم مِن ذُرِّيَّتِهِما. قالَ القَفّالُ: لَمْ يَزَلْ في ذُرِّيَّتِهِما مَن يَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، ولَمْ تَزَلِ الرُّسُلُ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِن ذُرِّيَّتِهِما، وكانَ في الجاهِلِيَّةِ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وقُسُّ بْنُ ساعِدَةَ الإيادِيُّ. ويُقالُ: عَبْدُ المُطَّلِبِ بْنُ هاشِمٍ، جَدُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وعَمْرُو بْنُ الظَّرَبِ، كانا عَلى دِينِ الإسْلامِ. وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ مِن في قَوْلِهِ: ومِن ذُرِّيَّتِنا، لِلتَّبْيِينِ، قالَ كَقَوْلِهِ: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾ [النور: ٥٥]، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا أنَّ كَوْنَ مَن لِلتَّبْيِينِ يَأْباهُ أصْحابُنا ويَتَأوَّلُونَ ما فُهِمَ مِن ظاهِرِهِ ذَلِكَ. وتَقَدَّمَ شَرْحُ الأُمَّةِ، والمُرادُ بِهِ هُنا: الجَماعَةُ أوِ الجِيلُ، والمَعْنى: عَلى أنَّ مِن ذُرِّيَّتِنا هو في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الأوَّلِ لِقَوْلِهِ: واجْعَلْ؛ لِأنَّ الجَعْلَ هُنا بِمَعْنى التَّصْيِيرِ، فالمَعْنى: واجْعَلْ ناسًا مِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ، ويَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ ما قُدِّرَ مِن قَوْلِهِ: واجْعَلْ مِن ذُرِّيَّتِنا بِمَعْنى: أوْجِدْ واخَلُقْ. وإنْ كانَ مِن جِهَةِ المَعْنى صَحِيحًا، فَكانَ يَكُونُ الجَعْلُ هُنا يَتَعَدّى إلى واحِدٍ. ومِن ذُرِّيَّتِنا مُتَعَلِّقٌ بِاجْعَلِ المُقَدَّرَةِ؛ لِأنَّهُ إنْ كانَ مِن بابِ عَطْفِ المُفْرَداتِ فَهو مُشْتَرِكٌ في العامِلِ الأوَّلِ، والعامِلُ الأوَّلِ لَيْسَ مَعْناهُ عَلى الخَلْقِ والإيجادِ. وإنْ كانَ مِن بابِ عَطْفِ الجُمَلِ فَلا يُحْذَفُ إلّا ما دَلَّ عَلَيْهِ المَنطُوقُ. والمَنطُوقُ لَيْسَ بِمَعْنى الإيجادِ، فَكَذَلِكَ المَحْذُوفُ؛ ألا تَراهم قَدْ مَنَعُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣] أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ومَلائِكَتُهُ يُصَلُّونَ، لِاخْتِلافِ مَدْلُولَيِ الصَّلاتَيْنِ لِأنَّهُما مِنَ اللَّهِ الرَّحْمَةُ، ومِنَ المَلائِكَةِ الدُّعاءُ، وتَأوَّلُوا ذَلِكَ وحَمَلُوهُ عَلى القَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ لا عَلى الحَذْفِ ؟ وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ الأوَّلُ أُمَّةً، ومِن ذُرِّيَّتِنا حالٌ؛ لِأنَّهُ نَعْتٌ نَكِرَةٌ تَقَدَّمَ عَلَيْها فانْتَصَبَ عَلى الحالِ، ومُسْلِمَةٌ المَفْعُولُ الثّانِي، وكانَ الأصْلُ: اجْعَلْ أُمَّةً مِن ذُرِّيَّتِنا مُسْلِمَةً لَكَ، قالَ: فالواوُ داخِلَةٌ في الأصْلِ عَلى أُمَّةٍ، وقَدْ فُصِلَ بَيْنَهُما بِقَوْلِهِ: مِن ذُرِّيَّتِنا، وهو جائِزٌ؛ لِأنَّهُ مِن جُمْلَةِ الكَلامِ المَعْطُوفِ بِالظَّرْفِ، وجَعَلُوا قَوْلَهُ: ؎يَوْمًا تَراها كَشِبْهِ أرْدِيَةِ ال خِمْسِ ويَوْمًا أدِيمُها نَغِلا مِنَ الضَّرُوراتِ، فالفَصْلُ بِالحالِ أبْعَدُ مِنَ الفَصْلِ بِالظَّرْفِ، فَصارَ نَظِيرَ: ضَرَبْتُ الرَّجُلَ، ومُتَجَرِّدَةٌ المَرْأةُ تُرِيدُ: والمَرْأةُ مُتَجَرِّدَةٌ، ويَنْبَغِي أنْ يَخْتَصَّ جَوازُ هَذا بِالضَّرُورَةِ. ﴿وأرِنا مَناسِكَنا﴾: قالَ قَتادَةُ: مَعالِمُ الحَجِّ. وقالَ عَطاءٌ وابْنُ جُرَيْجٍ: مَذابِحَنا، أيْ مَواضِعَ الذَّبْحِ. وقِيلَ: كُلُّ عِبادَةٍ يُتَعَبَّدُ بِها اللَّهُ تَعالى. وقالَ تاجُ القُرّاءِ الكِرْمانِيُّ: إنْ كانَ المُرادُ أعْمالَ الحَجِّ، وما يُفْعَلُ في المَواقِفِ، كالطَّوافِ، والسَّعْيِ، والوُقُوفِ، والصَّلاةِ، فَتَكُونُ المَناسِكُ جَمْعَ مَنسَكٍ: المَصْدَرُ، جُمِعَ لِاخْتِلافِها. وإنْ كانَ أرادَ المَواقِفَ الَّتِي يُقامُ فِيها شَرائِعُ الحَجِّ، كَمِنًى، وعَرَفَةَ، والمُزْدَلِفَةِ، فَيَكُونُ جَمْعَ مَنسَكٍ وهو مَوْضِعُ العِبادَةِ. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أنَّ إبْراهِيمَ لَمّا فَرَغَ مِن بِناءِ البَيْتِ ودَعا بِهَذِهِ الدَّعْوَةِ، بَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَحَجَّ بِهِ. (p-٣٩٠)وفِي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: وأرِهِمْ مَناسِكَهم، أعادَ الضَّمِيرَ عَلى الذُّرِّيَّةِ، ومَعْنى أرِنا: أيْ بَصِّرْنا. إنْ كانَتْ مِن رَأى البَصْرِيَّةِ. والتَّعَدِّي هُنا إلى اثْنَيْنِ ظاهِرٌ؛ لِأنَّهُ مَنقُولٌ بِالهَمْزَةِ مِنَ المُتَعَدِّي إلى واحِدٍ، وإنْ كانَتْ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ، فالمَنقُولُ أنَّها تَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ؎وإنّا لَقَوْمٌ ما نَرى القَتْلَ سُبَّةً ∗∗∗ إذا ما رَأتْهُ عامِرٌ وسَلُولُ وقالَ الكُمَيْتُ: ؎بِأيِّ كِتابٍ أمْ بِأيَّةِ سُنَّةٍ ∗∗∗ يُرى حُبُّهم عارًا عَلَيَّ ويُحْسَبُ فَإذا دَخَلَتْ عَلَيْها هَمْزَةُ النَّقْلِ تَعَدَّتْ إلى ثَلاثَةٍ، ولَيْسَ هُنا إلّا اثْنانِ، فَوَجَبَ أنْ يُعْتَقَدَ أنَّها مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ. وقَدْ جَعَلَها الزَّمَخْشَرِيُّ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ، وشَرَحَها بِقَوْلِهِ: عَرِّفْ، فَهي عِنْدَهُ تَأْتِي بِمَعْنى عَرِّفْ، أيْ تَكُونُ قَلْبِيَّةً وتَتَعَدّى إلى واحِدٍ، ثُمَّ أُدْخِلَتْ هَمْزَةُ النَّقْلِ فَتَعَدَّتْ إلى اثْنَيْنِ، ويَحْتاجُ ذَلِكَ إلى سَماعٍ مِن كَلامِ العَرَبِ. وحَكى ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ طائِفَةٍ أنَّها مِن رُؤْيَةِ البَصَرِ، وعَنْ طائِفَةٍ أنَّها مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو الأصَحُّ ويَلْزَمُ قائِلَهُ أنْ يَتَعَدّى الفِعْلُ مِنهُ إلى ثَلاثَةِ مَفْعُولِينَ، ويَنْفَصِلُ بِأنَّهُ يُوجَدُ مُعَدًّى بِالهَمْزَةِ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ، كَغَيْرِ المُعَدّى، قالَ حَطائِطُ بْنُ يَعْفُرَ أخُو الأسْوَدِ: ؎أرِينِي جَوادًا ماتَ هَزْلًا لِأنَّنِي ∗∗∗ أرى ما تَرَيْنَ أوْ بَخِيلًا مُخَلَّدًا انْتَهى كَلامُ ابْنِ عَطِيَّةَ وقَوْلُهُ. ويَلْزَمُ قائِلَهُ أنْ يَتَعَدّى إلى ثَلاثَةِ مَفْعُولِينَ، إنَّما يَلْزَمُ لِما ذَكَرْناهُ مِن أنَّ المَحْفُوظَ أنَّ رَأى إذا كانَتْ قَلْبِيَّةً تَعَدَّتْ إلى اثْنَيْنِ، وبِهَمْزَةِ النَّقْلِ تَصِيرُ تَتَعَدّى إلى ثَلاثَةٍ، وقَوْلُهُ: ويَنْفَصِلُ بِأنَّهُ يُوجَدُ مُعَدًّى بِالهَمْزَةِ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ، كَغَيْرِ المُعَدّى، يَعْنِي أنَّهُ قَدِ اسْتُعْمِلَ في اللِّسانِ العَرَبِيِّ مُتَعَدِّيًا إلى اثْنَيْنِ ومَعَهُ هَمْزَةُ النَّقْلِ، كَما اسْتُعْمِلَ مُتَعَدِّيًا إلى اثْنَيْنِ بِغَيْرِ الهَمْزَةِ. وإذا كانَ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنْ لَرَأى إذا كانَتْ قَلْبِيَّةً، اسْتِعْمالَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ بِمَعْنى عَلِمَ المُتَعَدِّيَةِ لِواحِدٍ بِمَعْنى عَرَفَ، والثّانِي: أنْ يَكُونَ بِمَعْنى عَلِمَ المُتَعَدِّيَةِ إلى اثْنَيْنِ. واسْتِدْلالُ ابْنِ عَطِيَّةٍ بِبَيْتِ ابْنِ يَعْفُرَ عَلى أنَّ أرى قَلْبِيَّةٌ، لا دَلِيلَ فِيهِ، بَلِ الظّاهِرُ أنَّها بَصَرِيَّةٌ، والمَعْنى عَلى أبْصِرِينِي جَوادًا. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ماتَ هَزْلًا ؟ فَإنَّ هَذا هو مِن مُتَعَلِّقاتِ البَصَرِ فَيَحْتاجُ في إثْباتِ رَأى القَلْبِيَّةِ مُتَعَدِّيَةٍ لِواحِدٍ إلى سَماعٍ. وقَدْ قالَ ابْنُ مالِكٍ، وهو حاشِدُ لُغَةٍ، وحافِظُ نَوادِرَ: حِينَ عَدّى ما يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، فَقالَ في التَّسْهِيلِ، ورَأى لا لِإبْصارٍ ولا رَأْيٍ ولا ضَرْبٍ، فَلَوْ كانَتْ رَأى بِمَعْنى عَرَفَ، لَنَفى ذَلِكَ كَما نَفى عَنْ رَأى المُتَعَدِّيَةِ إلى اثْنَيْنِ كَوْنَها لا تَكُونُ لِأبْصارِ، ولا رَأى ولا ضَرَبَ. وقالَ بَعْضُ النّاسِ: المُرادُ هُنا بِالرُّؤْيَةِ رُؤْيَةُ البَصَرِ والقَلْبِ مَعًا؛ لِأنَّ الحَجَّ لا يَتِمُّ إلّا بِأُمُورٍ بَعْضُها يُعْلَمُ ولا يُرى، وبَعْضُها لا يَتِمُّ الغَرَضُ مِنهُ إلّا بِالرُّؤْيَةِ، فَوَجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى الأمْرَيْنِ جَمِيعًا، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ فِيهِ الجَمْعَ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، أوْ حَمْلُ اللَّفْظِ المُشْتَرَكِ عَلى أكْثَرَ مِن مَوْضُوعٍ واحِدٍ في حالَةٍ واحِدَةٍ، وهو لا يَجُوزُ عِنْدَنا. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: وأرْنا، وأرْنِي خَمْسَةً بِإسْكانِ الرّاءِ. ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو: الإسْكانُ والِاخْتِلاسُ. ورُوِيَ عَنْهُ: الإشْباعُ، كالباقِينَ، إلّا أنَّ أبا عامِرٍ وأبا (p-٣٩١)بَكْرٍ أسْكَنا في أرْنا اللَّذَيْنِ. فالإشْباعُ هو الأصْلُ، والِاخْتِلاسُ حَسَنٌ مَشْهُورٌ في العَرَبِيَّةِ، والإسْكانُ تَشْبِيهٌ لِلْمُنْفَصِلِ بِالمُتَّصِلِ، كَما قالُوا: فَخْذٌ وسَهَّلَهُ كَوْنُ الحَرَكَةِ فِيهِ لَيْسَتْ لِإعْرابٍ. وقَدْ أنْكَرَ بَعْضُ النّاسِ الإسْكانَ مِن أجْلِ أنِ الكَسْرَةَ تَدُلُّ عَلى ما حُذِفَ، فَيَقْبُحُ حَذْفُها، يَعْنِي أنَّ الأصْلَ كانَ أرِءَ فَنُقِلَتْ حَرَكَةُ الهَمْزَةِ إلى الرّاءِ، وحُذِفَتِ الهَمْزَةُ، فَكانَ في إقْرارِها دَلالَةٌ عَلى المَحْذُوفِ، وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ هَذا أصْلٌ مَرْفُوضٌ، وصارَتِ الحَرَكَةُ كَأنَّها حَرَكَةٌ لِلرّاءِ. وقالَ الفارِسِيُّ: ما قالَهُ هَذا القائِلُ لَيْسَ بِشَيْءٍ ألا تَراهم أدْغَمُوا في لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي، أيِ الأصْلُ لَكِنْ، ثُمَّ نَقَلُوا الحَرَكَةَ وحَذَفُوا، ثُمَّ أدْغَمُوا ؟ فَذَهابُ الحَرَكَةِ في أرِنا لَيْسَ بِدُونِ ذِهابِها في الإدْغامِ. وأيْضًا فَقَدْ سُمِعَ الإسْكانُ في هَذا الحَرْفِ نَصًّا عَنِ العَرَبِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎أرْنا أداوَةَ عَبْدِ اللَّهِ نَمْلَؤُها ∗∗∗ مِن ماءِ زَمْزَمَ إنَّ القَوْمَ قَدْ ظَمِئُوا وأيْضًا فَهي قِراءَةٌ مُتَواتِرَةٌ، فَإنْكارُها لَيْسَ بِشَيْءٍ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في كَيْفِيَّةِ تَأْدِيَةِ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ هَذِهِ المَناسِكِ أقْوالًا سَبْعَةً مُضْطَرِبَةَ النَّقْلِ. وذَكَرُوا أيْضًا مَن حَجَّ هَذا البَيْتَ مِنَ الأنْبِياءِ ومَن ماتَ بِمَكَّةَ مِنهم. وذَكَرُوا أنَّهُ ماتَ بِها نُوحٌ، وهُودٌ، وصالِحٌ، وشُعَيْبٌ، وإسْماعِيلُ، وغَيْرُهم، ولَمْ تَتَعَرَّضِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ لِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ، فَتَرَكْنا نَقْلَ ذَلِكَ عَلى عادَتِنا. ﴿وتُبْ عَلَيْنا﴾: قالُوا التَّوْبَةُ مِن حَيْثُ الشَّرِيعَةِ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ التّائِبِينَ، فَتَوْبَةُ سائِرِ المُسْلِمِينَ النَّدَمُ بِالقَلْبِ والرُّجُوعُ عَنِ الذَّنْبِ، والعَزْمُ عَلى عَدَمِ العَوْدِ، ورَدُّ المَظالِمِ إذا أمْكَنَ، ونِيَّةُ الرَّدِّ إذا لَمْ يُمْكِنْ، وتَوْبَةُ الخَواصِّ الرُّجُوعُ عَنِ المَكْرُوهاتِ مِن خَواطِرِ السُّوءِ، والفُتُورِ في الأعْمالِ، والإتْيانُ بِالعِبادَةِ عَلى غَيْرِ وجْهِ الكَمالِ، وتَوْبَةُ خَواصِّ الخَواصِّ لِرَفْعِ الدَّرَجاتِ، والتَّرَقِّي في المَقاماتِ، فَإنْ كانَ إبْراهِيمُ وإسْماعِيلُ دَعَوا لِأنْفُسِهِما بِالتَّوْبَةِ، وكانَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وتُبْ عَلَيْنا﴾ خاصًّا بِهِما، فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ التَّوْبَةُ هُنا مِن هَذا القِسْمِ الأخِيرِ. قالُوا: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ التَّثْبِيتَ عَلى تِلْكَ الحالَةِ مِثْلَ: ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ . وإنْ كانَ الضَّمِيرُ شامِلًا لَهُما ولِلذُّرِّيَّةِ، كانَ الدُّعاءُ بِالتَّوْبَةِ مُنْصَرِفًا لِمَن هو مِن أهْلِ التَّوْبَةِ. وإنْ كانَ الضَّمِيرُ قَبْلَهُ مَحْذُوفًا مُقَدَّرًا فالتَّقْدِيرُ عَلى عُصاتِنا، ويَكُونُ دَعا بِالتَّوْبَةِ لِلْعُصاةِ ولا تَدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ عَلى جَوازِ وُقُوعِ الذَّنْبِ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لِما ذَكَرْناهُ مِنَ الِاحْتِمالِ، خِلافًا لِمَن زَعَمَ ذَلِكَ وقالَ: التَّوْبَةُ مَشْرُوطَةٌ بِتَقَدُّمِ الذَّنْبِ، إذْ لَوْلا ذَلِكَ لاسْتَحالَ طَلَبُ التَّوْبَةِ. والَّذِي يُقَوِّي أنَّ المُرادَ الذُّرِّيَّةُ العُصاةُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]، إلى قَوْلِهِ: ﴿ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦]، أيْ فَأنْتَ قادِرٌ عَلى أنْ تَتُوبَ عَلَيْهِ وتَغْفِرَ لَهُ، وقِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ، وأرِهِمْ مَناسِكَهم وتُبْ عَلَيْهِمْ، واحْتِمالُ أنْ يَكُونَ: وأرِنا مَناسِكَنا عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ وأرِ ذُرِّيَّتَنا مَناسِكَنا، كَقَوْلِهِ: ولَقَدْ خَلَقْناكم، أيْ خَلَقْنا أباكم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وتُبْ عَلَيْنا ما فَرَطَ مِنّا مِنَ الصَّغائِرِ، أوِ اسْتَتابا لِذُرِّيَّتِهِما. انْتَهى. فَقَوْلُهُ: ما فَرَطَ مِنّا مِنَ الصَّغائِرِ هو عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ، إذْ يَقُولُونَ بِتَجْوِيزِها عَلى الأنْبِياءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَدْ ذَكَرَ قَوْلَيِ التَّثْبِيتِ أوْ كَوْنَ ذَلِكَ دُعاءً لِلذُّرِّيَّةِ، قالَ: وقِيلَ وهو الأحْسَنُ عِنْدِي أنَّهُما لَمّا عَرَفا المَناسِكَ، وبَنَيا البَيْتَ، وأطاعا، أرادا أنْ يَسُنّا لِلنّاسِ أنَّ ذَلِكَ المَوْقِفَ وتِلْكَ المَواضِعَ مَكانُ التَّنَصُّلِ مِنَ الذُّنُوبِ وطَلَبِ التَّوْبَةِ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: لَيْسَ أحَدٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ إلّا وبَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى مَعانٍ يُحِبُّ أنْ يَكُونَ أحْسَنَ مِمّا هي. انْتَهى كَلامُ ابْنِ عَطِيَّةَ، وفِيهِ خُرُوجُ قَوْلِهِ: وتُبْ عَلَيْنا، عَنْ ظاهِرِهِ إلى تَأْوِيلٍ بَعِيدٍ، أيْ إنَّ الدُّعاءَ بِقَوْلِهِ: وتُبْ عَلَيْنا، لَيْسَ مَعْناهُ أنَّهُما طَلَبا التَّوْبَةَ، بَلْ نَبَّها بِذَلِكَ الطَّلَبِ عَلى أنَّ غَيْرَهُما يَطْلُبُ في تِلْكَ المَواضِعِ التَّوْبَةَ، فَيَكُونانِ لَمْ يَقْصِدا الطَّلَبَ حَقِيقَةً، إنَّما ذَكَرا ذَلِكَ لِتَشْرِيعِ غَيْرِهِما لِطَلَبِ ذَلِكَ، وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةً: (p-٣٩٢)وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى عِصْمَةِ الأنْبِياءِ في مَعْنى التَّبْلِيغِ، ومِنَ الكَبائِرِ ومِنَ الصَّغائِرِ الَّتِي فِيها رَذِيلَةٌ، واخْتُلِفَ في غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الصَّغائِرِ. انْتَهى كَلامُهُ. قالَ الإمامُ فَخْرُ الدِّينِ أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنِ عُمَرَ بْنِ الحَسَنِ الرّازِيُّ، في (كِتابِ المَحْصُولِ) لَهُ ما مُلَخَّصُهُ: قالَتِ الشِّيعَةُ، لا يَجُوزُ أنْ يَقَعَ مِنهم ذَنْبٌ، لا صَغِيرٌ ولا كَبِيرٌ، لا عَمْدًا ولا سَهْوًا، ولا مِن جِهَةِ التَّأْوِيلِ. ثُمَّ ذَكَرَ الِاتِّفاقَ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ مِنهُمُ الكُفْرُ، ولا التَّبْدِيلُ في التَّبْلِيغِ، ولا الخَطَأُ في الفَتْوى. وذَكَرَ خِلافًا في أشْياءَ، ثُمَّ قالَ الَّذِي يَقُولُ بِهِ إنَّهُ لا يَقَعُ مِنهم ذَنْبٌ عَلى سَبِيلِ القَصْدِ، لا كَبِيرٌ ولا صَغِيرٌ، وأمّا سَهْوًا فَقَدْ يَقَعُ، لَكِنْ بِشَرْطِ أنْ يَتَذَكَّرُوهُ في الحالِ ويُنَبِّهُوا غَيْرَهم عَلى أنَّ ذَلِكَ كانَ سَهْوًا. ﴿إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾: يَجُوزُ في أنْتَ: الفَصْلُ والتَّأْكِيدُ والِابْتِداءُ، وهاتانِ الصِّفَتانِ مُناسِبَتانِ لِأنَّهُما دَعَوْا بِأنْ يَجْعَلَهُما مُسْلِمَيْنِ ومِن ذُرِّيَّتِهِما أُمَّةً مُسْلِمَةً، وبِأنْ يُرِيَهُما مَناسِكَهُما، وبِأنْ يَتُوبَ عَلَيْهِما. فَناسَبَ ذِكْرُ التَّوْبَةِ عَلَيْهِما، أوِ الرَّحْمَةِ لَهُما. وناسَبَ تَقْدِيمُ ذِكْرِ التَّوْبَةِ عَلى الرَّحْمَةِ، لِمُجاوَرَةِ الدُّعاءِ الأخِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿وتُبْ عَلَيْنا﴾ . وتَأخَّرَتْ صِفَةُ الرَّحْمَةِ لِعُمُومِها؛ لِأنَّ مِنَ الرَّحْمَةِ التَّوْبَةَ، ولَكِنَّها فاصِلَةٌ. والتَّوّابُ لا يُناسِبُ أنْ تَكُونَ فاصِلَةً هُنا؛ لِأنَّ قَبْلَها ﴿إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾، وبَعْدَها: ﴿إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩] .

البقرة 2:128

﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ﴾: هَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها، فالعامِلُ في إذْ ما ذُكِرَ أنَّهُ العامِلُ في إذْ قَبْلَها. ويَرْفَعُ في مَعْنى رَفَعَ، وإذْ مِنَ الأدَواتِ المُخَلِّصَةِ لِلْمُضارِعِ إلى الماضِي، لِأنَّها ظَرْفٌ لِما مَضى مِنَ الزَّمانِ. والرَّفْعُ حالَةُ الخِطابِ قَدْ وقَعَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هي حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ، وفي ذَلِكَ نَظَرٌ. مِنَ البَيْتِ: هو الكَعْبَةُ. ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في ماهِيَّةِ هَذا البَيْتِ وقِدَمِهِ وحُدُوثِهِ، ومِن أيِّ شَيْءٍ كانَ باباهُ، وكَمْ مَرَّةً حَجَّةُ آدَمُ، ومِن أيِّ شَيْءٍ بَناهُ إبْراهِيمُ، ومَن ساعَدَهُ عَلى البِناءِ - قِصَصًا كَثِيرَةً. واسْتَطْرَدُوا مِن ذَلِكَ لِلْكَلامِ في البَيْتِ المَعْمُورِ، وفي طُولِ آدَمَ، والصَّلَعِ الَّذِي عَرَضَ لَهُ ولِوَلَدِهِ، وفي الحَجَرِ الأسْوَدِ، وطَوَّلُوا في ذَلِكَ بِأشْياءَ لَمْ يَتَضَمَّنْها القُرْآنُ ولا الحَدِيثُ الصَّحِيحُ. وبَعْضُها يُناقِضُ بَعْضًا، وذَلِكَ عَلى جَرْيِ عاداتِهِمْ في نَقْلِ ما دَبَّ وما دَرَجَ. ولا يَنْبَغِي أنْ يُعْتَمَدَ إلّا عَلى ما صَحَّ في كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والَّذِي يَصِحُّ مِن هَذا كُلِّهِ أنَّ اللَّهَ أمَرَ إبْراهِيمَ بِرَفْعِ القَواعِدِ مِنَ البَيْتِ. ونُشاحُّهُ في قَوْلِهِ: أمَرَ، إذْ لَمْ يَأْتِ النَّصُّ بِأنَّ اللَّهَ أمَرَ بِذَلِكَ. (القَواعِدَ): تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها في الكَلامِ عَلى المُفْرَداتِ، وهَلْ هي الأساسُ أوِ الجُدُرُ ؟ فَإنْ كانَتِ الأساسَ، فَرَفَعَها بِأنْ يَبْنِيَ عَلَيْها، فَتَنْتَقِلُ مِن هَيْئَةِ الِانْخِفاضِ إلى هَيْئَةِ الِارْتِفاعِ، وتَتَطاوَلٍ بَعْدَ التَّقاصُرِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِها ساقاتِ البِناءِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى ما قُعِّدَ مِنَ البَيْتِ، أيِ اسْتُوطِئَ، يَعْنِي جَعَلَ هَيْئَةَ القاعِدَةِ المُسْتَوْطَأةِ مُرْتَفِعَةً عالِيَةً بِالبِناءِ. ﴿مِنَ البَيْتِ﴾: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِ يَرْفَعُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ القَواعِدِ فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرِهِ: كائِنَةٌ مِنَ البَيْتِ. ولَمْ تُضَفِ القَواعِدُ إلى البَيْتِ، فَكانَ يَكُونُ الكَلامُ قَواعِدَ (p-٣٨٨)البَيْتِ، لِما في عَدَمِ الإضافَةِ مِنَ الإيضاحِ بَعْدَ الإبْهامِ وتَفْخِيمِ شَأْنِ المُبَيَّنِ. (وإسْماعِيلُ): مَعْطُوفٌ عَلى إبْراهِيمَ، فَهُما مُشْتَرِكانِ في الرَّفْعِ. قِيلَ: كانَ إبْراهِيمُ يَبْنِي وإسْماعِيلُ يُناوِلُهُ الحِجارَةَ. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: رَفَعَ إبْراهِيمُ وإسْماعِيلُ مَعًا، وهَذا ظاهِرُ القُرْآنِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ إسْماعِيلَ طِفْلٌ صَغِيرٌ إذْ ذاكَ، كانَ يُناوِلُهُ الحِجارَةَ. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ: أنَّ إسْماعِيلَ كانَ إذْ ذاكَ طِفْلًا صَغِيرًا، ولا يَصِحُّ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ. ومَن جَعَلَ الواوَ في ”وإسْماعِيلُ“ واوَ الحالِ أعْرَبَ إسْماعِيلَ مُبْتَدَأً وأضْمَرَ الخَبَرَ، التَّقْدِيرُ: وإسْماعِيلُ يَقُولُ: رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا، فَيَكُونُ إبْراهِيمُ مُخْتَصًّا بِالبِناءِ وإسْماعِيلُ مُخْتَصًّا بِالدُّعاءِ. ومَن ذَهَبَ إلى العَطْفِ، جَعَلَ ”﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا﴾“ مَعْمُولًا لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ عائِدٍ عَلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ مَعًا، في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ تَقْدِيرُهُ: وإذْ يَرْفَعانِ القَواعِدَ قائِلِينَ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا. ويُؤَيِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ أنَّ العَطْفَ في ”وإسْماعِيلُ“ أظْهَرُ مِن أنْ تَكُونَ الواوُ واوَ الحالِ. وقِراءَةُ أُبَيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ يَقُولانِ بِإظْهارِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ القَوْلُ المَحْذُوفُ هو العامِلَ في إذْ، فَلا يَكُونُ في مَوْضِعِ الحالِ، والمَعْنى: أنَّهُما دَعَوْا بِذَلِكَ الدُّعاءِ وقْتَ أنْ شَرَعا في رَفْعِ القَواعِدِ، وفي نِدائِهِما بِلَفْظِ رَبَّنا تَلَطُّفٌ واسْتِعْطافٌ بِذِكْرِ هَذِهِ الصِّفَةِ الدّالَّةِ عَلى التَّرْبِيَةِ والإصْلاحِ بِحالِ الدّاعِي. ﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا﴾: أيْ أعْمالَنا الَّتِي قَصَدْنا بِها طاعَتَكَ، وتَقَبَّلْ بِمَعْنى: اقْبَلْ، فَتَفَعَّلْ هُنا بِمَعْنى المُجَرَّدِ كَقَوْلِهِمْ: تَعَدّى الشَّيْءُ وعَدّاهُ، وهو أحَدُ المَعانِي الَّتِي جاءَ لَها تَفَعَّلْ. والمُرادُ بِالتَّقَبُّلِ: الإثابَةُ، عَبَّرَ بِإحْدى المُتَلازِمَيْنِ عَنِ الآخَرِ؛ لِأنَّ التَّقَبُّلَ هو أنْ يَقْبَلَ الرَّجُلَ مِنَ الرَّجُلِ ما يُهْدِي إلَيْهِ. فَشَبَّهَ الفِعْلَ مِنَ العَبْدِ بِالعَطِيَّةِ، والرِّضا مِنَ اللَّهِ تَعالى بِالتَّقَبُّلِ تَوَسُّعًا. وحَكى بَعْضُ المُفَسِّرِينَ عَنْ بَعْضِ النّاسِ فَرْقًا بَيْنَ القَبُولِ والتَّقَبُّلِ، قالَ: التَّقَبُّلُ تَكَلُّفُ القَبُولِ، وذَلِكَ حَيْثُ يَكُونُ العَمَلُ ناقِصًا لا يَسْتَحِقُّ أنْ يُقْبَلَ، قالَ: فَهَذا اعْتِرافٌ مِن إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ بِالتَّقْصِيرِ في العَمَلِ. ولَمْ يَكُنِ المَقْصُودُ إعْطاءَ الثَّوابِ؛ لِأنَّ كَوْنَ الفِعْلِ واقِعًا مَوْقِعَ القَبُولِ مِنَ المَخْدُومِ، ألَذُّ عِنْدَ الخادِمِ العاقِلِ مِن إعْطاءِ الثَّوابِ عَلَيْهِ، وسُؤالُهُما التَّقَبُّلَ بِذَلِكَ، عَلى أنَّ تَرْتِيبَ الثَّوابِ عَلى العَمَلِ لَيْسَ واجِبًا عَلى اللَّهِ تَعالى، انْتَهى مُلَخَّصًا. ونَقُولُ: إنَّ التَّقَبُّلَ والقَبُولَ سَواءٌ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى، إذْ لا يُمْكِنُ تَعَقُّلُ التَّكْلِيفُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى. وقَدْ قَدَّمْنا أنْ تَفَعَّلَ هُنا مُوافِقٌ لِلْفِعْلِ المُجَرَّدِ الَّذِي هو قَبْلُ. ﴿إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾: يَجُوزُ في أنْتَ الِابْتِداءُ والفَصْلُ والتَّأْكِيدُ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في الفَصْلِ وفائِدَتِهِ، وهو مِنَ المَسائِلِ الَّتِي جَمَعْتُ فِيها الكَلامَ في نَحْوٍ مِن سَبْعَةِ أوْراقٍ أحْكامًا دُونَ اسْتِدْلالٍ. وهاتانِ الصِّفَتانِ مُناسِبَتانِ هُنا غايَةَ التَّناسُبِ، إذْ صَدَرَ مِنهُما عَمَلٌ وتَضَرُّعُ سُؤالٍ، فَهو السَّمِيعُ لِضَراعَتِهِما وتَساؤُلِهِما التَّقَبُّلَ، وهو العَلِيمُ بِنِيّاتِهِما في إخْلاصِ عَمَلِهِما. وتَقَدَّمَتْ صِفَةُ السَّمْعِ، وإنْ كانَ سُؤالُ التَّقَبُّلِ مُتَأخِّرًا عَنِ العَمَلِ لِلْمُجاوِرَةِ نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] . فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وتَأخَّرَتْ صِفَةُ العَلِيمِ لِكَوْنِها فاصِلَةً ولِعُمُومِها، إذْ يَشْمَلُ عِلْمَ المَسْمُوعاتِ وغَيْرِ المَسْمُوعاتِ. ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾: أيْ مُنْقادَيْنِ، أوْ مُخْلِصَيْنِ أوْجُهَنا لَكَ مِن قَوْلِهِ: مَن أسْلَمَ وجْهَهُ، أيْ أخْلَصَ عَمَلَهُ، والمَعْنى: أدِمْ لَنا ذَلِكَ، لِأنَّهُما كانا مُسْلِمَيْنِ، ولَكَ تُفِيدُ جِهَةُ الإسْلامِ، أيْ لَكَ لا لِغَيْرِكَ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعَوْفٌ الأعْرابِيُّ: مُسْلِمِينَ عَلى الجَمْعِ، دُعاءٌ لَهُما ولِلْمَوْجُودِ مِن أهْلِهِما كَهاجَرَ، وهَذا أوْلى مِن جَعْلِ لَفْظِ الجَمْعِ مُرادًا بِهِ التَّثْنِيَةَ، وقَدْ قِيلَ بِهِ هُنا. ﴿ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾: لَمّا تَقَدَّمَ الجَوابُ لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]، عَلِمَ أنَّ مِن ذُرِّيَّتِهِما الظّالِمَ وغَيْرَ الظّالِمِ، فَدَعا هُنا بِالتَّبْعِيضِ لا بِالتَّعْمِيمِ فَقالَ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِنا﴾، وخَصَّ ذُرِّيَّتَهُ بِالدُّعاءِ لِلشَّفَقَةِ والحُنُوِّ عَلَيْهِمْ، ولِأنَّ في صَلاحِ نَسْلِ الصّالِحِينَ نَفْعًا كَثِيرًا لِمُتَّبِعِهِمْ، إذْ يَكُونُونَ سَبَبًا لِصَلاحِ مَن وراءَهم. والذُّرِّيَّةُ هُنا، قِيلَ: (p-٣٨٩)أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وابْعَثْ فِيهِمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] . وقِيلَ: هُمُ العَرَبُ، لِأنَّهم مِن ذُرِّيَّتِهِما. قالَ القَفّالُ: لَمْ يَزَلْ في ذُرِّيَّتِهِما مَن يَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، ولَمْ تَزَلِ الرُّسُلُ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِن ذُرِّيَّتِهِما، وكانَ في الجاهِلِيَّةِ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وقُسُّ بْنُ ساعِدَةَ الإيادِيُّ. ويُقالُ: عَبْدُ المُطَّلِبِ بْنُ هاشِمٍ، جَدُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وعَمْرُو بْنُ الظَّرَبِ، كانا عَلى دِينِ الإسْلامِ. وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ مِن في قَوْلِهِ: ومِن ذُرِّيَّتِنا، لِلتَّبْيِينِ، قالَ كَقَوْلِهِ: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾ [النور: ٥٥]، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا أنَّ كَوْنَ مَن لِلتَّبْيِينِ يَأْباهُ أصْحابُنا ويَتَأوَّلُونَ ما فُهِمَ مِن ظاهِرِهِ ذَلِكَ. وتَقَدَّمَ شَرْحُ الأُمَّةِ، والمُرادُ بِهِ هُنا: الجَماعَةُ أوِ الجِيلُ، والمَعْنى: عَلى أنَّ مِن ذُرِّيَّتِنا هو في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الأوَّلِ لِقَوْلِهِ: واجْعَلْ؛ لِأنَّ الجَعْلَ هُنا بِمَعْنى التَّصْيِيرِ، فالمَعْنى: واجْعَلْ ناسًا مِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ، ويَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ ما قُدِّرَ مِن قَوْلِهِ: واجْعَلْ مِن ذُرِّيَّتِنا بِمَعْنى: أوْجِدْ واخَلُقْ. وإنْ كانَ مِن جِهَةِ المَعْنى صَحِيحًا، فَكانَ يَكُونُ الجَعْلُ هُنا يَتَعَدّى إلى واحِدٍ. ومِن ذُرِّيَّتِنا مُتَعَلِّقٌ بِاجْعَلِ المُقَدَّرَةِ؛ لِأنَّهُ إنْ كانَ مِن بابِ عَطْفِ المُفْرَداتِ فَهو مُشْتَرِكٌ في العامِلِ الأوَّلِ، والعامِلُ الأوَّلِ لَيْسَ مَعْناهُ عَلى الخَلْقِ والإيجادِ. وإنْ كانَ مِن بابِ عَطْفِ الجُمَلِ فَلا يُحْذَفُ إلّا ما دَلَّ عَلَيْهِ المَنطُوقُ. والمَنطُوقُ لَيْسَ بِمَعْنى الإيجادِ، فَكَذَلِكَ المَحْذُوفُ؛ ألا تَراهم قَدْ مَنَعُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣] أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ومَلائِكَتُهُ يُصَلُّونَ، لِاخْتِلافِ مَدْلُولَيِ الصَّلاتَيْنِ لِأنَّهُما مِنَ اللَّهِ الرَّحْمَةُ، ومِنَ المَلائِكَةِ الدُّعاءُ، وتَأوَّلُوا ذَلِكَ وحَمَلُوهُ عَلى القَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ لا عَلى الحَذْفِ ؟ وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ الأوَّلُ أُمَّةً، ومِن ذُرِّيَّتِنا حالٌ؛ لِأنَّهُ نَعْتٌ نَكِرَةٌ تَقَدَّمَ عَلَيْها فانْتَصَبَ عَلى الحالِ، ومُسْلِمَةٌ المَفْعُولُ الثّانِي، وكانَ الأصْلُ: اجْعَلْ أُمَّةً مِن ذُرِّيَّتِنا مُسْلِمَةً لَكَ، قالَ: فالواوُ داخِلَةٌ في الأصْلِ عَلى أُمَّةٍ، وقَدْ فُصِلَ بَيْنَهُما بِقَوْلِهِ: مِن ذُرِّيَّتِنا، وهو جائِزٌ؛ لِأنَّهُ مِن جُمْلَةِ الكَلامِ المَعْطُوفِ بِالظَّرْفِ، وجَعَلُوا قَوْلَهُ: ؎يَوْمًا تَراها كَشِبْهِ أرْدِيَةِ ال خِمْسِ ويَوْمًا أدِيمُها نَغِلا مِنَ الضَّرُوراتِ، فالفَصْلُ بِالحالِ أبْعَدُ مِنَ الفَصْلِ بِالظَّرْفِ، فَصارَ نَظِيرَ: ضَرَبْتُ الرَّجُلَ، ومُتَجَرِّدَةٌ المَرْأةُ تُرِيدُ: والمَرْأةُ مُتَجَرِّدَةٌ، ويَنْبَغِي أنْ يَخْتَصَّ جَوازُ هَذا بِالضَّرُورَةِ. ﴿وأرِنا مَناسِكَنا﴾: قالَ قَتادَةُ: مَعالِمُ الحَجِّ. وقالَ عَطاءٌ وابْنُ جُرَيْجٍ: مَذابِحَنا، أيْ مَواضِعَ الذَّبْحِ. وقِيلَ: كُلُّ عِبادَةٍ يُتَعَبَّدُ بِها اللَّهُ تَعالى. وقالَ تاجُ القُرّاءِ الكِرْمانِيُّ: إنْ كانَ المُرادُ أعْمالَ الحَجِّ، وما يُفْعَلُ في المَواقِفِ، كالطَّوافِ، والسَّعْيِ، والوُقُوفِ، والصَّلاةِ، فَتَكُونُ المَناسِكُ جَمْعَ مَنسَكٍ: المَصْدَرُ، جُمِعَ لِاخْتِلافِها. وإنْ كانَ أرادَ المَواقِفَ الَّتِي يُقامُ فِيها شَرائِعُ الحَجِّ، كَمِنًى، وعَرَفَةَ، والمُزْدَلِفَةِ، فَيَكُونُ جَمْعَ مَنسَكٍ وهو مَوْضِعُ العِبادَةِ. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أنَّ إبْراهِيمَ لَمّا فَرَغَ مِن بِناءِ البَيْتِ ودَعا بِهَذِهِ الدَّعْوَةِ، بَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَحَجَّ بِهِ. (p-٣٩٠)وفِي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: وأرِهِمْ مَناسِكَهم، أعادَ الضَّمِيرَ عَلى الذُّرِّيَّةِ، ومَعْنى أرِنا: أيْ بَصِّرْنا. إنْ كانَتْ مِن رَأى البَصْرِيَّةِ. والتَّعَدِّي هُنا إلى اثْنَيْنِ ظاهِرٌ؛ لِأنَّهُ مَنقُولٌ بِالهَمْزَةِ مِنَ المُتَعَدِّي إلى واحِدٍ، وإنْ كانَتْ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ، فالمَنقُولُ أنَّها تَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ؎وإنّا لَقَوْمٌ ما نَرى القَتْلَ سُبَّةً ∗∗∗ إذا ما رَأتْهُ عامِرٌ وسَلُولُ وقالَ الكُمَيْتُ: ؎بِأيِّ كِتابٍ أمْ بِأيَّةِ سُنَّةٍ ∗∗∗ يُرى حُبُّهم عارًا عَلَيَّ ويُحْسَبُ فَإذا دَخَلَتْ عَلَيْها هَمْزَةُ النَّقْلِ تَعَدَّتْ إلى ثَلاثَةٍ، ولَيْسَ هُنا إلّا اثْنانِ، فَوَجَبَ أنْ يُعْتَقَدَ أنَّها مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ. وقَدْ جَعَلَها الزَّمَخْشَرِيُّ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ، وشَرَحَها بِقَوْلِهِ: عَرِّفْ، فَهي عِنْدَهُ تَأْتِي بِمَعْنى عَرِّفْ، أيْ تَكُونُ قَلْبِيَّةً وتَتَعَدّى إلى واحِدٍ، ثُمَّ أُدْخِلَتْ هَمْزَةُ النَّقْلِ فَتَعَدَّتْ إلى اثْنَيْنِ، ويَحْتاجُ ذَلِكَ إلى سَماعٍ مِن كَلامِ العَرَبِ. وحَكى ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ طائِفَةٍ أنَّها مِن رُؤْيَةِ البَصَرِ، وعَنْ طائِفَةٍ أنَّها مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو الأصَحُّ ويَلْزَمُ قائِلَهُ أنْ يَتَعَدّى الفِعْلُ مِنهُ إلى ثَلاثَةِ مَفْعُولِينَ، ويَنْفَصِلُ بِأنَّهُ يُوجَدُ مُعَدًّى بِالهَمْزَةِ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ، كَغَيْرِ المُعَدّى، قالَ حَطائِطُ بْنُ يَعْفُرَ أخُو الأسْوَدِ: ؎أرِينِي جَوادًا ماتَ هَزْلًا لِأنَّنِي ∗∗∗ أرى ما تَرَيْنَ أوْ بَخِيلًا مُخَلَّدًا انْتَهى كَلامُ ابْنِ عَطِيَّةَ وقَوْلُهُ. ويَلْزَمُ قائِلَهُ أنْ يَتَعَدّى إلى ثَلاثَةِ مَفْعُولِينَ، إنَّما يَلْزَمُ لِما ذَكَرْناهُ مِن أنَّ المَحْفُوظَ أنَّ رَأى إذا كانَتْ قَلْبِيَّةً تَعَدَّتْ إلى اثْنَيْنِ، وبِهَمْزَةِ النَّقْلِ تَصِيرُ تَتَعَدّى إلى ثَلاثَةٍ، وقَوْلُهُ: ويَنْفَصِلُ بِأنَّهُ يُوجَدُ مُعَدًّى بِالهَمْزَةِ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ، كَغَيْرِ المُعَدّى، يَعْنِي أنَّهُ قَدِ اسْتُعْمِلَ في اللِّسانِ العَرَبِيِّ مُتَعَدِّيًا إلى اثْنَيْنِ ومَعَهُ هَمْزَةُ النَّقْلِ، كَما اسْتُعْمِلَ مُتَعَدِّيًا إلى اثْنَيْنِ بِغَيْرِ الهَمْزَةِ. وإذا كانَ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنْ لَرَأى إذا كانَتْ قَلْبِيَّةً، اسْتِعْمالَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ بِمَعْنى عَلِمَ المُتَعَدِّيَةِ لِواحِدٍ بِمَعْنى عَرَفَ، والثّانِي: أنْ يَكُونَ بِمَعْنى عَلِمَ المُتَعَدِّيَةِ إلى اثْنَيْنِ. واسْتِدْلالُ ابْنِ عَطِيَّةٍ بِبَيْتِ ابْنِ يَعْفُرَ عَلى أنَّ أرى قَلْبِيَّةٌ، لا دَلِيلَ فِيهِ، بَلِ الظّاهِرُ أنَّها بَصَرِيَّةٌ، والمَعْنى عَلى أبْصِرِينِي جَوادًا. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ماتَ هَزْلًا ؟ فَإنَّ هَذا هو مِن مُتَعَلِّقاتِ البَصَرِ فَيَحْتاجُ في إثْباتِ رَأى القَلْبِيَّةِ مُتَعَدِّيَةٍ لِواحِدٍ إلى سَماعٍ. وقَدْ قالَ ابْنُ مالِكٍ، وهو حاشِدُ لُغَةٍ، وحافِظُ نَوادِرَ: حِينَ عَدّى ما يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، فَقالَ في التَّسْهِيلِ، ورَأى لا لِإبْصارٍ ولا رَأْيٍ ولا ضَرْبٍ، فَلَوْ كانَتْ رَأى بِمَعْنى عَرَفَ، لَنَفى ذَلِكَ كَما نَفى عَنْ رَأى المُتَعَدِّيَةِ إلى اثْنَيْنِ كَوْنَها لا تَكُونُ لِأبْصارِ، ولا رَأى ولا ضَرَبَ. وقالَ بَعْضُ النّاسِ: المُرادُ هُنا بِالرُّؤْيَةِ رُؤْيَةُ البَصَرِ والقَلْبِ مَعًا؛ لِأنَّ الحَجَّ لا يَتِمُّ إلّا بِأُمُورٍ بَعْضُها يُعْلَمُ ولا يُرى، وبَعْضُها لا يَتِمُّ الغَرَضُ مِنهُ إلّا بِالرُّؤْيَةِ، فَوَجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى الأمْرَيْنِ جَمِيعًا، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ فِيهِ الجَمْعَ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، أوْ حَمْلُ اللَّفْظِ المُشْتَرَكِ عَلى أكْثَرَ مِن مَوْضُوعٍ واحِدٍ في حالَةٍ واحِدَةٍ، وهو لا يَجُوزُ عِنْدَنا. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: وأرْنا، وأرْنِي خَمْسَةً بِإسْكانِ الرّاءِ. ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو: الإسْكانُ والِاخْتِلاسُ. ورُوِيَ عَنْهُ: الإشْباعُ، كالباقِينَ، إلّا أنَّ أبا عامِرٍ وأبا (p-٣٩١)بَكْرٍ أسْكَنا في أرْنا اللَّذَيْنِ. فالإشْباعُ هو الأصْلُ، والِاخْتِلاسُ حَسَنٌ مَشْهُورٌ في العَرَبِيَّةِ، والإسْكانُ تَشْبِيهٌ لِلْمُنْفَصِلِ بِالمُتَّصِلِ، كَما قالُوا: فَخْذٌ وسَهَّلَهُ كَوْنُ الحَرَكَةِ فِيهِ لَيْسَتْ لِإعْرابٍ. وقَدْ أنْكَرَ بَعْضُ النّاسِ الإسْكانَ مِن أجْلِ أنِ الكَسْرَةَ تَدُلُّ عَلى ما حُذِفَ، فَيَقْبُحُ حَذْفُها، يَعْنِي أنَّ الأصْلَ كانَ أرِءَ فَنُقِلَتْ حَرَكَةُ الهَمْزَةِ إلى الرّاءِ، وحُذِفَتِ الهَمْزَةُ، فَكانَ في إقْرارِها دَلالَةٌ عَلى المَحْذُوفِ، وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ هَذا أصْلٌ مَرْفُوضٌ، وصارَتِ الحَرَكَةُ كَأنَّها حَرَكَةٌ لِلرّاءِ. وقالَ الفارِسِيُّ: ما قالَهُ هَذا القائِلُ لَيْسَ بِشَيْءٍ ألا تَراهم أدْغَمُوا في لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي، أيِ الأصْلُ لَكِنْ، ثُمَّ نَقَلُوا الحَرَكَةَ وحَذَفُوا، ثُمَّ أدْغَمُوا ؟ فَذَهابُ الحَرَكَةِ في أرِنا لَيْسَ بِدُونِ ذِهابِها في الإدْغامِ. وأيْضًا فَقَدْ سُمِعَ الإسْكانُ في هَذا الحَرْفِ نَصًّا عَنِ العَرَبِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎أرْنا أداوَةَ عَبْدِ اللَّهِ نَمْلَؤُها ∗∗∗ مِن ماءِ زَمْزَمَ إنَّ القَوْمَ قَدْ ظَمِئُوا وأيْضًا فَهي قِراءَةٌ مُتَواتِرَةٌ، فَإنْكارُها لَيْسَ بِشَيْءٍ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في كَيْفِيَّةِ تَأْدِيَةِ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ هَذِهِ المَناسِكِ أقْوالًا سَبْعَةً مُضْطَرِبَةَ النَّقْلِ. وذَكَرُوا أيْضًا مَن حَجَّ هَذا البَيْتَ مِنَ الأنْبِياءِ ومَن ماتَ بِمَكَّةَ مِنهم. وذَكَرُوا أنَّهُ ماتَ بِها نُوحٌ، وهُودٌ، وصالِحٌ، وشُعَيْبٌ، وإسْماعِيلُ، وغَيْرُهم، ولَمْ تَتَعَرَّضِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ لِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ، فَتَرَكْنا نَقْلَ ذَلِكَ عَلى عادَتِنا. ﴿وتُبْ عَلَيْنا﴾: قالُوا التَّوْبَةُ مِن حَيْثُ الشَّرِيعَةِ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ التّائِبِينَ، فَتَوْبَةُ سائِرِ المُسْلِمِينَ النَّدَمُ بِالقَلْبِ والرُّجُوعُ عَنِ الذَّنْبِ، والعَزْمُ عَلى عَدَمِ العَوْدِ، ورَدُّ المَظالِمِ إذا أمْكَنَ، ونِيَّةُ الرَّدِّ إذا لَمْ يُمْكِنْ، وتَوْبَةُ الخَواصِّ الرُّجُوعُ عَنِ المَكْرُوهاتِ مِن خَواطِرِ السُّوءِ، والفُتُورِ في الأعْمالِ، والإتْيانُ بِالعِبادَةِ عَلى غَيْرِ وجْهِ الكَمالِ، وتَوْبَةُ خَواصِّ الخَواصِّ لِرَفْعِ الدَّرَجاتِ، والتَّرَقِّي في المَقاماتِ، فَإنْ كانَ إبْراهِيمُ وإسْماعِيلُ دَعَوا لِأنْفُسِهِما بِالتَّوْبَةِ، وكانَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وتُبْ عَلَيْنا﴾ خاصًّا بِهِما، فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ التَّوْبَةُ هُنا مِن هَذا القِسْمِ الأخِيرِ. قالُوا: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ التَّثْبِيتَ عَلى تِلْكَ الحالَةِ مِثْلَ: ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ . وإنْ كانَ الضَّمِيرُ شامِلًا لَهُما ولِلذُّرِّيَّةِ، كانَ الدُّعاءُ بِالتَّوْبَةِ مُنْصَرِفًا لِمَن هو مِن أهْلِ التَّوْبَةِ. وإنْ كانَ الضَّمِيرُ قَبْلَهُ مَحْذُوفًا مُقَدَّرًا فالتَّقْدِيرُ عَلى عُصاتِنا، ويَكُونُ دَعا بِالتَّوْبَةِ لِلْعُصاةِ ولا تَدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ عَلى جَوازِ وُقُوعِ الذَّنْبِ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لِما ذَكَرْناهُ مِنَ الِاحْتِمالِ، خِلافًا لِمَن زَعَمَ ذَلِكَ وقالَ: التَّوْبَةُ مَشْرُوطَةٌ بِتَقَدُّمِ الذَّنْبِ، إذْ لَوْلا ذَلِكَ لاسْتَحالَ طَلَبُ التَّوْبَةِ. والَّذِي يُقَوِّي أنَّ المُرادَ الذُّرِّيَّةُ العُصاةُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]، إلى قَوْلِهِ: ﴿ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦]، أيْ فَأنْتَ قادِرٌ عَلى أنْ تَتُوبَ عَلَيْهِ وتَغْفِرَ لَهُ، وقِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ، وأرِهِمْ مَناسِكَهم وتُبْ عَلَيْهِمْ، واحْتِمالُ أنْ يَكُونَ: وأرِنا مَناسِكَنا عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ وأرِ ذُرِّيَّتَنا مَناسِكَنا، كَقَوْلِهِ: ولَقَدْ خَلَقْناكم، أيْ خَلَقْنا أباكم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وتُبْ عَلَيْنا ما فَرَطَ مِنّا مِنَ الصَّغائِرِ، أوِ اسْتَتابا لِذُرِّيَّتِهِما. انْتَهى. فَقَوْلُهُ: ما فَرَطَ مِنّا مِنَ الصَّغائِرِ هو عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ، إذْ يَقُولُونَ بِتَجْوِيزِها عَلى الأنْبِياءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَدْ ذَكَرَ قَوْلَيِ التَّثْبِيتِ أوْ كَوْنَ ذَلِكَ دُعاءً لِلذُّرِّيَّةِ، قالَ: وقِيلَ وهو الأحْسَنُ عِنْدِي أنَّهُما لَمّا عَرَفا المَناسِكَ، وبَنَيا البَيْتَ، وأطاعا، أرادا أنْ يَسُنّا لِلنّاسِ أنَّ ذَلِكَ المَوْقِفَ وتِلْكَ المَواضِعَ مَكانُ التَّنَصُّلِ مِنَ الذُّنُوبِ وطَلَبِ التَّوْبَةِ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: لَيْسَ أحَدٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ إلّا وبَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى مَعانٍ يُحِبُّ أنْ يَكُونَ أحْسَنَ مِمّا هي. انْتَهى كَلامُ ابْنِ عَطِيَّةَ، وفِيهِ خُرُوجُ قَوْلِهِ: وتُبْ عَلَيْنا، عَنْ ظاهِرِهِ إلى تَأْوِيلٍ بَعِيدٍ، أيْ إنَّ الدُّعاءَ بِقَوْلِهِ: وتُبْ عَلَيْنا، لَيْسَ مَعْناهُ أنَّهُما طَلَبا التَّوْبَةَ، بَلْ نَبَّها بِذَلِكَ الطَّلَبِ عَلى أنَّ غَيْرَهُما يَطْلُبُ في تِلْكَ المَواضِعِ التَّوْبَةَ، فَيَكُونانِ لَمْ يَقْصِدا الطَّلَبَ حَقِيقَةً، إنَّما ذَكَرا ذَلِكَ لِتَشْرِيعِ غَيْرِهِما لِطَلَبِ ذَلِكَ، وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةً: (p-٣٩٢)وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى عِصْمَةِ الأنْبِياءِ في مَعْنى التَّبْلِيغِ، ومِنَ الكَبائِرِ ومِنَ الصَّغائِرِ الَّتِي فِيها رَذِيلَةٌ، واخْتُلِفَ في غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الصَّغائِرِ. انْتَهى كَلامُهُ. قالَ الإمامُ فَخْرُ الدِّينِ أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنِ عُمَرَ بْنِ الحَسَنِ الرّازِيُّ، في (كِتابِ المَحْصُولِ) لَهُ ما مُلَخَّصُهُ: قالَتِ الشِّيعَةُ، لا يَجُوزُ أنْ يَقَعَ مِنهم ذَنْبٌ، لا صَغِيرٌ ولا كَبِيرٌ، لا عَمْدًا ولا سَهْوًا، ولا مِن جِهَةِ التَّأْوِيلِ. ثُمَّ ذَكَرَ الِاتِّفاقَ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ مِنهُمُ الكُفْرُ، ولا التَّبْدِيلُ في التَّبْلِيغِ، ولا الخَطَأُ في الفَتْوى. وذَكَرَ خِلافًا في أشْياءَ، ثُمَّ قالَ الَّذِي يَقُولُ بِهِ إنَّهُ لا يَقَعُ مِنهم ذَنْبٌ عَلى سَبِيلِ القَصْدِ، لا كَبِيرٌ ولا صَغِيرٌ، وأمّا سَهْوًا فَقَدْ يَقَعُ، لَكِنْ بِشَرْطِ أنْ يَتَذَكَّرُوهُ في الحالِ ويُنَبِّهُوا غَيْرَهم عَلى أنَّ ذَلِكَ كانَ سَهْوًا. ﴿إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾: يَجُوزُ في أنْتَ: الفَصْلُ والتَّأْكِيدُ والِابْتِداءُ، وهاتانِ الصِّفَتانِ مُناسِبَتانِ لِأنَّهُما دَعَوْا بِأنْ يَجْعَلَهُما مُسْلِمَيْنِ ومِن ذُرِّيَّتِهِما أُمَّةً مُسْلِمَةً، وبِأنْ يُرِيَهُما مَناسِكَهُما، وبِأنْ يَتُوبَ عَلَيْهِما. فَناسَبَ ذِكْرُ التَّوْبَةِ عَلَيْهِما، أوِ الرَّحْمَةِ لَهُما. وناسَبَ تَقْدِيمُ ذِكْرِ التَّوْبَةِ عَلى الرَّحْمَةِ، لِمُجاوَرَةِ الدُّعاءِ الأخِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿وتُبْ عَلَيْنا﴾ . وتَأخَّرَتْ صِفَةُ الرَّحْمَةِ لِعُمُومِها؛ لِأنَّ مِنَ الرَّحْمَةِ التَّوْبَةَ، ولَكِنَّها فاصِلَةٌ. والتَّوّابُ لا يُناسِبُ أنْ تَكُونَ فاصِلَةً هُنا؛ لِأنَّ قَبْلَها ﴿إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾، وبَعْدَها: ﴿إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩] .

البقرة 2:129

﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ﴾: لَمّا دَعا رَبَّهُ بِالأمْنِ لِمَكَّةَ وبِالرِّزْقِ لِأهْلِها، وبِأنْ يَجْعَلَ مِن ذُرِّيَّتِهِ أُمَّةً مُسْلِمَةً، خَتَمَ الدُّعاءَ لَهم بِما فِيهِ سَعادَتُهم دُنْيا وآخِرَةً، وهو بَعْثَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ فِيهِمْ، فَشَمَلَ دُعاؤُهُ لَهُمُ الأمْنَ والخِصْبَ والهِدايَةَ. وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى البَعْثِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ بَعَثْناكُمْ﴾ [البقرة: ٥٦]، والمُرادُ هُنا: الإرْسالُ إلَيْهِمْ. والضَّمِيرُ في فِيهِمْ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الذُّرِّيَّةِ، ويُحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى ”أُمَّةً مُسْلَمَةً“ ويُحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى أهْلِ مَكَّةَ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ [الجمعة: ٢]، ولا خِلافَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وصَحَّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «أنا دَعْوَةُ أبِي إبْراهِيمَ» . ولَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ إلى مَكَّةَ وما حَوْلَها إلّا هو ﷺ . وقَرَأ أُبَيٌّ: وابْعَثْ فِيهِمْ في آخِرِهِمْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلُّ الأنْبِياءِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ إلّا عَشَرَةٌ: نُوحٌ، وهُودٌ، وصالِحٌ، وشُعَيْبٌ، ولُوطٌ، وإبْراهِيمُ، وإسْماعِيلُ، وإسْحاقُ، ومُحَمَّدٌ ﷺ . ومِنهم في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ”رَسُولًا“، أيْ كائِنًا مِنهم لا مِن غَيْرِهِمْ، فَهم يَعْرِفُونَ وجْهَهُ ونَسَبَهُ ونَشْأتَهُ، كَما قالَ: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤]، ودَعا بِأنْ يَبْعَثَ الرَّسُولَ فِيهِمْ مِنهم؛ لِأنَّهُ يَكُونُ أشْفَقَ عَلى قَوْمِهِ، ويَكُونُونَ هم أعَزُّ بِهِ وأشْرَفُ وأقْرَبُ لِلْإجابَةِ، لِأنَّهم يَعْرِفُونَ مَنشَأهُ وصِدْقَهُ وأمانَتَهُ. قالَ الرَّبِيعُ: لَمّا دَعا إبْراهِيمُ قِيلَ لَهُ: قَدِ اسْتُجِيبَ لَكَ، وهو في آخِرِ الزَّمانِ. ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ﴾ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِ رَسُولًا. وقِيلَ: في مَوْضِعِ الحالِ مِنهُ؛ لِأنَّهُ قَدْ وُصِفَ بِقَوْلِهِ مِنهم، ووَصَفَ إبْراهِيمُ الرَّسُولَ بِأنَّهُ يَكُونُ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِ اللَّهِ، أيْ يَقْرَؤُها، فَكانَ كَذَلِكَ، وأُوتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ القُرْآنَ، وهو أعْظَمُ المُعْجِزاتِ. وقَبِلَ اللَّهُ دُعاءَ إبْراهِيمَ، فَأتى بِالمَدْعُوِّ لَهُ عَلى أكْمَلِ الأوْصافِ الَّتِي طَلَبَها إبْراهِيمُ، والآياتُ هُنا آياتُ القُرْآنِ. وقِيلَ: خَبَرُ مَن مَضى، وخَبَرُ مَن يَأْتِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقالَ الفَضْلُ: مَعْناهُ يُبَيِّنُ لَهم دِينَهم. ﴿ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ﴾: هو القُرْآنُ، والمَعْنى: أنَّهُ يُفَهِّمُهم ويُلْقِي إلَيْهِمْ مَعانِيَهُ. وكانَ تَرْتِيبُ التَّعْلِيمِ بَعْدَ التِّلاوَةِ؛ لِأنَّهُ أوَّلُ ما يَقْرَعُ السَّمْعَ هو التِّلاوَةُ والتَّلَفُّظُ بِالقُرْآنِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تُتَعَلَّمُ مَعانِيهِ ويُتَدَبَّرُ مَدْلُولُهُ. وأسْنَدَ التَّعْلِيمَ لِلرَّسُولِ؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي يُلْقِي الكَلامَ إلى المُتَعَلِّمِ، وهو الَّذِي يَفْهَمُهُ ويَتَلَطَّفُ في إيصالِ المَعانِي إلى فَهْمِهِ، ويَتَسَبَّبُ في ذَلِكَ. والتَّعْلِيمُ يَكُونُ بِمَعْنى التَّفْهِيمِ، وحُصُولِ العِلْمِ لِلْمُتَعَلِّمِ، ويَكُونُ بِمَعْنى إلْقاءِ أسْبابِ العِلْمِ ولا يَحْصُلُ بِهِ العِلْمُ، ولِذَلِكَ يَقْبَلُ النَّقِيضَيْنِ، تَقُولُ: عَلَّمْتُهُ فَتَعَلَّمَ، وعَلَّمَتُهُ فَما تَعَلَّمَ، وذَلِكَ لِاخْتِلافِ المَفْهُومَيْنِ مِن تَعَلَّمَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ: يَقْرَأُ عَلَيْهِمْ، ويُبَلِّغُهم ما يُوحِي إلَيْهِ مِن دَلائِلِ وحْدانِيَّتِكَ وصِدْقِ أنْبِيائِكَ، (p-٣٩٣)ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ: القُرْآنَ، ﴿والحِكْمَةَ﴾: الشَّرِيعَةَ وبَيانَ الأحْكامِ. وقالَ قَتادَةُ: الحِكْمَةُ: السُّنَّةُ، وبَيانُ النَّبِيِّ الشَّرائِعَ. وقالَ مالِكٌ وأبُو رَزِينٍ: الحِكْمَةُ، الفِقْهُ في الدِّينِ، والفَهْمُ الَّذِي هو سَجِيَّةٌ ونُورٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى. وقالَ مُجاهِدٌ: الحِكْمَةُ: فَهْمُ القُرْآنِ. وقالَ مُقاتِلٌ: العِلْمُ والعَمَلُ بِهِ لا يَكُونُ الرَّجُلُ حَكِيمًا حَتّى يَجْمَعَهُما. وقِيلَ: الحُكْمُ والقَضاءُ. وقِيلَ: ما لا يُعْلَمُ إلّا مِن جِهَةِ الرَّسُولِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كُلُّ كَلِمَةِ وعَظَتْكَ، أوْ دَعَتْكَ إلى مَكْرُمَةٍ، أوْ نَهَتْكَ عَنْ قَبِيحٍ: فَهي حِكْمَةٌ. وقالَ بَعْضُهُمُ: الحِكْمَةُ هُنا الكِتابُ، وكَرَّرَها تَوْكِيدًا. وقالَ أبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ: كُلُّ صَوابٍ مِنَ القَوْلِ ورَّثَ فِعْلًا صَحِيحًا فَهو حِكْمَةٌ. وقالَ يَحْيى بْنُ مُعاذٍ: الحِكْمَةُ جُنْدٌ مِن جُنُودِ اللَّهِ، يُرْسِلُها اللَّهُ إلى قُلُوبِ العارِفِينَ حَتّى يُرَوِّحَ عَنْها وهَجَ الدُّنْيا. وقِيلَ: هي وضْعُ الأشْياءِ مَواضِعَها. وقِيلَ: كُلُّ قَوْلٍ وجَبَ فِعْلُهُ. وهَذِهِ الأقْوالُ في الحِكْمَةِ كُلُّها مُتَقارِبَةٌ، ويَجْمَعُ هَذِهِ الأقْوالَ قَوْلانِ: أحَدُهُما، القُرْآنُ والآخَرُ السُّنَّةُ، لِأنَّها المُبَيِّنَةُ لِما انْبَهَمَ مِنَ الكِتابِ، والمُظْهِرَةُ لِوُجُوهِ الأحْكامِ. ويَكُونُ المَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ - في قَوْلِهِ: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ﴾، أيْ يُفْصِحُ لَهم عَنْ ألْفاظِهِ ويُوقِفُهم بِقِراءَتِهِ عَلى كَيْفِيَّةِ تِلاوَتِهِ، كَما «قالَ ﷺ لِأُبَيٍّ: ”إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أقْرَأ عَلَيْكَ القُرْآنَ“»، وذَلِكَ لِأنْ يَتَعَلَّمُ أُبَيٌّ مِنهُ ﷺ كَيْفِيَّةَ أداءِ القُرْآنِ ومُقاطِعَهُ ومُواصِلَهُ. وفي قَوْلِهِ: ﴿ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ﴾، أيْ يُبَيِّنَ لَهم وُجُوهَ أحْكامِهِ: حَلالَهُ وحَرامَهُ، ومَفْرُوضَهُ، ومَسْنُونَهُ، ومَواعِظَهُ، وأمْثالَهُ، وتَرْغِيبَهُ، وتَرْهِيبَهُ، والحَشْرَ، والنَّشْرَ، والعِقابَ، والثَّوابَ، والجَنَّةَ والنّارَ. وفي قَوْلِهِ: والحِكْمَةَ، أيِ السُّنَّةَ تُبَيِّنُ ما في الكِتابِ مِنَ المُجْمَلِ، وتُوَضِّحُ ما انْبَهَمَ مِنَ المُشْكَلِ، وتُفْصِحُ عَنْ مَقادِيرَ وعَنْ إعْدادٍ مِمّا لَمْ يَتَعَرَّضِ الكِتابُ إلَيْهِ، ويُثْبِتُ أحْكامًا لَمْ يَتَضَمَّنْها الكِتابُ. ﴿ويُزَكِّيهِمْ﴾ باطِنًا مِن أرْجاسِ الشِّرْكِ وأنْجاسِ الشَّكِّ، وظاهِرًا بِالتَّكالِيفِ الَّتِي تُمَحِّصُ الآثامَ وتُوَصِّلُ الإنْعامَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: التَّزْكِيَةُ: الطّاعَةُ والإخْلاصُ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: يُطَهِّرُهم مِنَ الشِّرْكِ. وقِيلَ: يَأْخُذُ مِنهُمُ الزَّكاةَ الَّتِي تَكُونُ سَبَبًا لِطَهارَتِهِمْ. وقِيلَ: يَدْعُوا إلى ما يَصِيرُونَ بِهِ أزْكِياءَ. وقِيلَ: يَشْهَدُ لَهم بِالتَّزْكِيَةِ مِن تَزْكِيَةِ العُدُولِ، ومَعْنى الزَّكاةِ لا تَخْرُجُ عَنِ التَّطْهِيرِ أوِ التَّنْمِيَةِ. * * ﴿إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾، العَزِيزُ: الغالِبُ أوِ المَنِيعُ الَّذِي لا يُرامُ، قالَهُ المُفَضَّلُ بْنُ سَلَمَةَ، أوِ الَّذِي لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ؛ قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ، أوِ الَّذِي لا مِثْلَ لَهُ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوِ المُنْتَقِمُ؛ قالَهُ الكَلْبِيُّ، أوِ القَوِيُّ، ومِنهُ: فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ، أوِ المُعِزُّ ومِنهُ: ﴿وتُعِزُّ مَن تَشاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦] . الحَكِيمُ: قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الحَكِيمِ في قِصَّةِ المَلائِكَةِ وآدَمَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما عَلَّمْتَنا إنَّكَ أنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢] . وأنْتَ: يَجُوزُ فِيها ما جازَ في ﴿أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧] قَبْلُ مِنَ الأعارِيبِ. وهاتانِ الصِّفَتانِ مُتَناسِبَتانِ لِما قَبْلَهُما؛ لِأنَّ إرْسالَ رَسُولٍ مُتَّصِفٍ بِالأوْصافِ الَّتِي سَألَها إبْراهِيمُ لا تَصْدُرُ إلّا عَمَّنِ اتَّصَفَ بِالعِزَّةِ، وهي الغَلَبَةُ أوِ القُوَّةُ، أوْ عَدَمُ النَّظِيرِ، وبِالحِكْمَةِ الَّتِي هي إصابَةُ مَواقِعِ الفِعْلِ، فَيَضَعُ الرِّسالَةَ في أشْرَفِ خَلْقِهِ وأكْرَمِهِمْ عَلَيْهِ، اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالاتِهِ. وتَقَدَّمَتْ صِفَةُ العَزِيزِ عَلى الحَكِيمِ لِأنَّها مِن صِفاتِ الذّاتِ والحَكِيمُ مِن صِفاتِ الأفْعالِ، ولِكَوْنِ الحَكِيمِ فاصِلَةً كالفَواصِلِ قَبْلَها. وفي المُنْتَخَبِ: يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ: هي القُرْآنُ. وقِيلَ: الأعْلامُ الدّالَّةُ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وصِفاتِهِ. ومَعْنى التِّلاوَةِ: تَذْكِيرُهم بِها ودُعاؤُهم إلَيْها وحَمْلُهم عَلى الإيمانِ بِها، وحِكْمَةُ التِّلاوَةِ: بَقاءُ لَفْظِها عَلى الألْسِنَةِ، فَيَبْقى مَصُونًا عَنِ التَّحْرِيفِ والتَّصْحِيفِ، وكَوْنُ نَظْمِها ولَفْظِها مُعْجِزًا، وكَوْنُ تِلاوَتِها في الصَّلَواتِ وسائِرِ العِباداتِ نَوْعَ عِبادَةٍ إلّا أنَّ الحِكْمَةَ العُظْمى تَعْلِيمُ ما فِيهِ مِنَ الدَّلائِلِ والأحْكامِ. وقالَ القَفّالُ، عَبَّرَ بَعْضُ الفَلاسِفَةِ عَنِ الحِكْمَةِ، بِأنَّها التَّشَبُّهُ بِالإلَهِ بِقَدْرِ الطّاقَةِ البَشَرِيَّةِ، وقِيلَ الحِكْمَةُ المُتَشابِهاتُ. وقِيلَ: الكِتابُ أحْكامُ الشَّرائِعِ، والحِكْمَةُ وُجُوهُ المَصالِحِ والمَنافِعِ فِيها، وقِيلَ: كُلُّها صِفاتٌ لِلْقُرْآنِ، هو (p-٣٩٤)آياتٌ، وهو كِتابٌ وهو حِكْمَةٌ. انْتَهى ما لُخِّصَ مِنَ المُنْتَخَبِ. ﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾: رُوِيَ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ دَعا ابْنَيْ أخِيهِ سَلَمَةَ ومُهاجِرًا إلى الإسْلامِ فَقالَ لَهُما: قَدْ عَلِمْتُما أنَّ اللَّهَ قالَ في التَّوْراةِ: إنِّي باعِثٌ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ نَبِيًّا اسْمُهُ أحْمَدُ، مَن آمَنَ بِهِ فَقَدِ اهْتَدى ورَشَدَ، ومَن لَمْ يُؤْمِن بِهِ فَهو مَلْعُونٌ، فَأسْلَمَ سَلَمَةُ وأبى مُهاجِرٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ. ومَن: اسْمُ اسْتِفْهامٍ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، وهو اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ: الإنْكارُ، ولِذَلِكَ دَخَلَتْ إلّا بَعْدَهُ. والمَعْنى: لا أحَدَ يَرْغَبُ، فَمَعْناهُ النَّفْيُ العامُّ. ومَن سَفِهَ: في مَوْضِعِ رَفْعِ بَدَلٍ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في يَرْغَبُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الِاسْتِثْناءِ، والرَّفْعُ أجْوَدُ عَلى البَدَلِ؛ لِأنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن غَيْرِ مُوجِبٍ، ومَن في ”مَن سَفِهَ“ مَوْصُولَةٌ، وقِيلَ: نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، وانْتِصابُ ”نَفْسَهُ“ عَلى أنَّهُ تَمْيِيزٌ، عَلى قَوْلِ بَعْضِ الكُوفِيِّينَ، وهو الفَرّاءُ، أوْ مُشَبَّهٌ بِالمَفْعُولِ عَلى قَوْلِ بَعْضِهِمْ، أوْ مَفْعُولٌ بِهِ، إمّا لِكَوْنِ سَفِهَ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ كَـ ”سَفَّهَ“ المُضَعَّفِ، وإمّا لِكَوْنِهِ ضَمِنَ مَعْنى ما يَتَعَدّى، أيْ جَهِلَ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ وابْنُ جِنِّيٍّ، أوْ أهْلَكَ، وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ، أوْ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، وهو قَوْلُ بَعْضِ البَصْرِيِّينَ، أوْ تَوْكِيدٌ لِمُؤَكَّدٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ سَفَّهَ قَوْلُهُ نَفْسَهُ، حَكاهُ مَكِّيٌّ. أمّا التَّمْيِيزُ فَلا يُجِيزُهُ البَصْرِيُّونَ؛ لِأنَّهُ مَعْرِفَةٌ، وشَرْطُ التَّمْيِيزِ عِنْدَهم أنْ يَكُونَ نَكِرَةً، وأمّا كَوْنُهُ مُشَبَّهًا بِالمَفْعُولِ، فَذَلِكَ عِنْدَ الجُمْهُورِ مَخْصُوصٌ بِالصِّفَةِ، ولا يَجُوزُ في الفِعْلِ، تَقُولُ: زَيْدٌ حَسَنُ الوَجْهِ، ولا يَجُوزُ حَسَّنَ الوَجْهِ، ولا يُحْسِنُ الوَجْهَ. وأمّا إسْقاطُ حَرْفِ الجَرِّ، وأصْلُهُ مَن سَفِهَ في نَفْسِهِ، فَلا يَنْقاسُ، وأمّا كَوْنُهُ تَوْكِيدًا وحُذِفَ مُؤَكَّدُةُ فَفِيهِ خِلافٌ. وقَدْ صَحَّحَ بَعْضُهم أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ أعْنِي: أنْ يُحْذَفَ المُؤَكَّدُ ويَبْقى التَّوْكِيدُ، وأمّا التَّضْمِينُ فَلا يَنْقاسُ، وأمّا نَصْبُهُ عَلى أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ، ويَكُونُ الفِعْلُ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، فَهو الَّذِي نَخْتارُهُ؛ لِأنَّ ثَعْلَبًا والمُبَرِّدَ حَكَيا أنَّ سَفِهَ بِكَسْرِ الفاءِ يَتَعَدّى، كَ سَفَّهَ بِفَتْحِ الفاءِ وشَدِّها. وحُكِيَ عَنْ أبِي الخَطّابِ أنَّها لُغَةٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سَفَّهَ نَفْسَهُ: امْتَهَنَها واسْتَخَفَّ بِها، وأصْلُ السَّفَهِ الخِفَّةُ، ومِنهُ زِمامٌ سَفِيهٌ. وقِيلَ: انْتِصابُ النَّفْسِ عَلى التَّمْيِيزِ نَحْوَ: غُبِنَ رَأْيَهُ، وألِمَ رَأْسَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في شُذُوذِ تَعْرِيفِ التَّمْيِيزِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ؎ولا بِفَزارَةَ الشُّعُرَ الرِّقابا أجَبَّ الظَّهْرِ لَيْسَ لَهُ سَنامُ وقِيلَ: مَعْناهُ سَفَّهَ في نَفْسِهِ فَحُذِفَ الجارُّ، كَقَوْلِهِمْ: زِيدٌ ظَنِّي مُقِيمٌ، أيْ في ظَنِّي، والوَجْهُ هو الأوَّلُ، وكَفى شاهِدًا لَهُ بِما جاءَ في الحَدِيثِ: «الكِبْرُ أنْ يُسَفِّهَ الحَقَّ ويَغْمِصَ النّاسَ» . انْتَهى كَلامُهُ. فَأجازَ نَصْبَهُ عَلى المَفْعُولِ بِهِ، إلّا أنَّ قَوْلَهُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في شُذُوذِ تَعْرِيفِ التَّمْيِيزِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ؎ولا بِفَزارَةَ الشُّعُرَ الرِّقابا ∗∗∗ أجَبَّ الظَّهْرِ لَيْسَ لَهُ سَنامُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأنَّ الرِّقابَ مِن بابِ مَعْمُولِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ. والشُّعْرُ جَمِيعُ أشْعَرَ، وكَذَلِكَ ”أجَبَّ الظَّهْرِ“ هو أيْضًا مِن بابِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ، وأجَبُّ أفْعَلُ اسْمٌ ولَيْسَ بِفِعْلٍ. وقَبْلَ النِّصْفِ الأوَّلِ قَوْلُهُ: ؎فَما قُومِي بِثَعْلَبَةَ بْنِ سُعْدى وقَبْلَ الآخَرِ قَوْلُهُ: ؎ونَأْخُذُ بَعْدَهُ بِذَنابِ عَيْشٍ فَلَيْسَ نَحْوَهُ؛ لِأنَّ نَفْسَهُ انْتَصَبَ بَعْدَ فِعْلٍ، والرِّقابُ والظَّهْرُ انْتَصَبا بَعْدَ اسْمٍ، وهُما مِن بابِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ. ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ لا يَزْهَدُ ويَرْفَعُ نَفْسَهُ عَنْ طَرِيقَةِ إبْراهِيمَ، وهو النَّبِيُّ المُجْمَعُ عَلى مَحَبَّتِهِ مِن سائِرِ الطَّوائِفِ، إلّا مَن أذَلَّ نَفْسَهُ وامْتَهَنَها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْنى سَفِهَ نَفْسَهُ: خَسِرَ نَفْسَهُ. وقالَ أبُو رَوْقٍ: عَجَزَ رَأْيُهُ عَنْ نَفْسِهِ. وقالَ يَمانٌ: حَمُقَ رَأْيُهُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: قَتَلَ نَفْسَهُ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: جَهِلَها ولَمْ يَعْرِفْ ما فِيها مِنَ الدَّلائِلِ. وحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ مَعْناهُ: سَفِهَ حَقَّ نَفْسِهِ، فَأمّا سَفُهَ بِضَمِّ الفاءِ فَمَعْناهُ: صارَ سَفِيهًا، (p-٣٩٥)مِثْلَ فَقُهَ إذا صارَ فَقِيهًا، قالَ: ؎فَلا عِلْمَ إذا جَهِلَ العَلِيمُ ∗∗∗ ولا رُشْدَ إذا سَفُهَ الحَلِيمُ ﴿ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ في الدُّنْيا﴾: أيْ جَعَلْناهُ صافِيًا مِنَ الأدْناسِ، واصْطِفاؤُهُ بِالرِّسالَةِ والخُلَّةِ والكَلِماتِ الَّتِي وفّى ووَصّى بِها، وبِناءِ البَيْتِ، والإمامَةِ، واتِّخاذِ مَقامِهِ مُصَلّى، وتَطْهِيرِ البَيْتِ، والنَّجاةِ مِن نارِ نُمْرُوذَ، والنَّظَرِ في النُّجُومِ، وأذانِهِ بِالحَجِّ، وإراءَتِهِ مَناسِكَهُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا ذَكَرَ اللَّهَ في كِتابِهِ، مِن خَصائِصِهِ ووُجُوهِ اصْطِفائِهِ. ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾: ذَكَرَ تَعالى كَرامَةَ إبْراهِيمَ في الدّارَيْنِ، بِأنْ كانَ في الدُّنْيا مِن صَفْوَتِهِ، وفي الآخِرَةِ مِنَ المَشْهُودِ لَهُ بِالِاسْتِقامَةِ في الخَيْرِ، ومَن كانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَيَجِبُ عَلى كُلِّ أحَدٍ أنْ لا يَعْدِلَ عَنْ مِلَّتِهِ. وهاتانِ الجُمْلَتانِ مُؤَكَّدَتانِ، أمّا الأُولى فَبِاللّامِ، وأمّا الثّانِيَةُ فَبِإنَّ وبِاللّامِ. ولَمّا كانَ إخْبارًا عَنْ حالَةٍ مُغَيَّبَةٍ في الآخِرَةِ، احْتاجَتْ إلى مَزِيدِ تَأْكِيدٍ، بِخِلافِ حالِ الدُّنْيا، فَإنَّ أرْبابَ المَآلِ قَدْ عَلِمُوا اصْطِفاءَ اللَّهِ لَهُ في الدُّنْيا بِما شاهَدُوهُ مِنهُ ونَقَلُوهُ جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ. وأمّا كَوْنُهُ في الآخِرَةِ مِنَ الصّالِحِينَ، فَأمْرٌ مُغَيَّبٌ عَنْهم يَحْتاجُ فِيهِ إلى إخْبارِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَأخْبَرَ اللَّهُ بِهِ مُبالِغًا في التَّوْكِيدِ، وفي الآخِرَةِ: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ، أيْ وإنَّهُ لَصالِحٌ في الآخِرَةِ. وقالَ بَعْضُهم: هو عَلى إضْمارِ، ”أعْنِي“ فَهو لِلتَّبْيِينِ، كَلَكَ بَعْدُ سُقْيًا، وإنَّما لَمْ يَتَعَلَّقْ بِالصّالِحِينَ؛ لِأنَّ اسْمَ الفاعِلِ في صِلَةِ الألِفِ واللّامِ، ولا يَتَقَدَّمُ مَعْمُولُ الوَصْفِ إذْ ذاكَ. وكانَ بَعْضُ شُيُوخِنا يُجَوِّزُ ذَلِكَ إذا كانَ المَعْمُولُ ظَرْفًا أوْ جارًّا ومَجْرُورًا، قالَ: لِأنَّهُما يَتَّسِعُ فِيهِما ما لا يَتَّسِعُ في غَيْرِهِما. وجَوَّزُوا أنْ تَكُونَ الألِفُ واللّامُ غَيْرَ مَوْصُولَةٍ، بَلْ مَعْرِفَةٍ، كَهي في الرِّجْلِ، وأنْ يَتَعَلَّقَ المَجْرُورُ بِاسْمِ الفاعِلِ إذْ ذاكَ. وقِيلَ: في الآخِرَةِ، أيْ في عَمَلِ الآخِرَةِ، فَيَكُونُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، وقِيلَ: الآخِرَةُ هُنا البَرْزَخُ، والصَّلاحُ ما يَتْبَعُهُ مِنَ الثَّناءِ الحَسَنِ في الدُّنْيا. وقِيلَ: الآخِرَةُ يَوْمُ القِيامَةِ، وهو الأظْهَرُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمِنَ الصّالِحِينَ، أيِ الأنْبِياءِ. وقِيلَ: مِنَ الَّذِينَ يَسْتَوْجِبُونَ صالِحَ الجَزاءِ، قالَ مَعْناهُ الحَسَنُ. وقِيلَ: الوارِدِينَ مَوارِدَ قُدْسِهِ، والحالِّينِ مَواطِنَ أُنْسِهِ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، التَّقْدِيرُ: ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ في الدُّنْيا، وفي الآخِرَةِ، وإنَّهُ لَمِنَ الصّالِحِينَ. وهَذا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ خَطَأٌ يُنَزَّهُ كِتابُ اللَّهِ عَنْهُ.

البقرة 2:130

﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ﴾: لَمّا دَعا رَبَّهُ بِالأمْنِ لِمَكَّةَ وبِالرِّزْقِ لِأهْلِها، وبِأنْ يَجْعَلَ مِن ذُرِّيَّتِهِ أُمَّةً مُسْلِمَةً، خَتَمَ الدُّعاءَ لَهم بِما فِيهِ سَعادَتُهم دُنْيا وآخِرَةً، وهو بَعْثَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ فِيهِمْ، فَشَمَلَ دُعاؤُهُ لَهُمُ الأمْنَ والخِصْبَ والهِدايَةَ. وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى البَعْثِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ بَعَثْناكُمْ﴾ [البقرة: ٥٦]، والمُرادُ هُنا: الإرْسالُ إلَيْهِمْ. والضَّمِيرُ في فِيهِمْ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الذُّرِّيَّةِ، ويُحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى ”أُمَّةً مُسْلَمَةً“ ويُحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى أهْلِ مَكَّةَ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ [الجمعة: ٢]، ولا خِلافَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وصَحَّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «أنا دَعْوَةُ أبِي إبْراهِيمَ» . ولَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ إلى مَكَّةَ وما حَوْلَها إلّا هو ﷺ . وقَرَأ أُبَيٌّ: وابْعَثْ فِيهِمْ في آخِرِهِمْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلُّ الأنْبِياءِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ إلّا عَشَرَةٌ: نُوحٌ، وهُودٌ، وصالِحٌ، وشُعَيْبٌ، ولُوطٌ، وإبْراهِيمُ، وإسْماعِيلُ، وإسْحاقُ، ومُحَمَّدٌ ﷺ . ومِنهم في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ”رَسُولًا“، أيْ كائِنًا مِنهم لا مِن غَيْرِهِمْ، فَهم يَعْرِفُونَ وجْهَهُ ونَسَبَهُ ونَشْأتَهُ، كَما قالَ: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤]، ودَعا بِأنْ يَبْعَثَ الرَّسُولَ فِيهِمْ مِنهم؛ لِأنَّهُ يَكُونُ أشْفَقَ عَلى قَوْمِهِ، ويَكُونُونَ هم أعَزُّ بِهِ وأشْرَفُ وأقْرَبُ لِلْإجابَةِ، لِأنَّهم يَعْرِفُونَ مَنشَأهُ وصِدْقَهُ وأمانَتَهُ. قالَ الرَّبِيعُ: لَمّا دَعا إبْراهِيمُ قِيلَ لَهُ: قَدِ اسْتُجِيبَ لَكَ، وهو في آخِرِ الزَّمانِ. ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ﴾ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِ رَسُولًا. وقِيلَ: في مَوْضِعِ الحالِ مِنهُ؛ لِأنَّهُ قَدْ وُصِفَ بِقَوْلِهِ مِنهم، ووَصَفَ إبْراهِيمُ الرَّسُولَ بِأنَّهُ يَكُونُ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِ اللَّهِ، أيْ يَقْرَؤُها، فَكانَ كَذَلِكَ، وأُوتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ القُرْآنَ، وهو أعْظَمُ المُعْجِزاتِ. وقَبِلَ اللَّهُ دُعاءَ إبْراهِيمَ، فَأتى بِالمَدْعُوِّ لَهُ عَلى أكْمَلِ الأوْصافِ الَّتِي طَلَبَها إبْراهِيمُ، والآياتُ هُنا آياتُ القُرْآنِ. وقِيلَ: خَبَرُ مَن مَضى، وخَبَرُ مَن يَأْتِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقالَ الفَضْلُ: مَعْناهُ يُبَيِّنُ لَهم دِينَهم. ﴿ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ﴾: هو القُرْآنُ، والمَعْنى: أنَّهُ يُفَهِّمُهم ويُلْقِي إلَيْهِمْ مَعانِيَهُ. وكانَ تَرْتِيبُ التَّعْلِيمِ بَعْدَ التِّلاوَةِ؛ لِأنَّهُ أوَّلُ ما يَقْرَعُ السَّمْعَ هو التِّلاوَةُ والتَّلَفُّظُ بِالقُرْآنِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تُتَعَلَّمُ مَعانِيهِ ويُتَدَبَّرُ مَدْلُولُهُ. وأسْنَدَ التَّعْلِيمَ لِلرَّسُولِ؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي يُلْقِي الكَلامَ إلى المُتَعَلِّمِ، وهو الَّذِي يَفْهَمُهُ ويَتَلَطَّفُ في إيصالِ المَعانِي إلى فَهْمِهِ، ويَتَسَبَّبُ في ذَلِكَ. والتَّعْلِيمُ يَكُونُ بِمَعْنى التَّفْهِيمِ، وحُصُولِ العِلْمِ لِلْمُتَعَلِّمِ، ويَكُونُ بِمَعْنى إلْقاءِ أسْبابِ العِلْمِ ولا يَحْصُلُ بِهِ العِلْمُ، ولِذَلِكَ يَقْبَلُ النَّقِيضَيْنِ، تَقُولُ: عَلَّمْتُهُ فَتَعَلَّمَ، وعَلَّمَتُهُ فَما تَعَلَّمَ، وذَلِكَ لِاخْتِلافِ المَفْهُومَيْنِ مِن تَعَلَّمَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ: يَقْرَأُ عَلَيْهِمْ، ويُبَلِّغُهم ما يُوحِي إلَيْهِ مِن دَلائِلِ وحْدانِيَّتِكَ وصِدْقِ أنْبِيائِكَ، (p-٣٩٣)ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ: القُرْآنَ، ﴿والحِكْمَةَ﴾: الشَّرِيعَةَ وبَيانَ الأحْكامِ. وقالَ قَتادَةُ: الحِكْمَةُ: السُّنَّةُ، وبَيانُ النَّبِيِّ الشَّرائِعَ. وقالَ مالِكٌ وأبُو رَزِينٍ: الحِكْمَةُ، الفِقْهُ في الدِّينِ، والفَهْمُ الَّذِي هو سَجِيَّةٌ ونُورٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى. وقالَ مُجاهِدٌ: الحِكْمَةُ: فَهْمُ القُرْآنِ. وقالَ مُقاتِلٌ: العِلْمُ والعَمَلُ بِهِ لا يَكُونُ الرَّجُلُ حَكِيمًا حَتّى يَجْمَعَهُما. وقِيلَ: الحُكْمُ والقَضاءُ. وقِيلَ: ما لا يُعْلَمُ إلّا مِن جِهَةِ الرَّسُولِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كُلُّ كَلِمَةِ وعَظَتْكَ، أوْ دَعَتْكَ إلى مَكْرُمَةٍ، أوْ نَهَتْكَ عَنْ قَبِيحٍ: فَهي حِكْمَةٌ. وقالَ بَعْضُهُمُ: الحِكْمَةُ هُنا الكِتابُ، وكَرَّرَها تَوْكِيدًا. وقالَ أبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ: كُلُّ صَوابٍ مِنَ القَوْلِ ورَّثَ فِعْلًا صَحِيحًا فَهو حِكْمَةٌ. وقالَ يَحْيى بْنُ مُعاذٍ: الحِكْمَةُ جُنْدٌ مِن جُنُودِ اللَّهِ، يُرْسِلُها اللَّهُ إلى قُلُوبِ العارِفِينَ حَتّى يُرَوِّحَ عَنْها وهَجَ الدُّنْيا. وقِيلَ: هي وضْعُ الأشْياءِ مَواضِعَها. وقِيلَ: كُلُّ قَوْلٍ وجَبَ فِعْلُهُ. وهَذِهِ الأقْوالُ في الحِكْمَةِ كُلُّها مُتَقارِبَةٌ، ويَجْمَعُ هَذِهِ الأقْوالَ قَوْلانِ: أحَدُهُما، القُرْآنُ والآخَرُ السُّنَّةُ، لِأنَّها المُبَيِّنَةُ لِما انْبَهَمَ مِنَ الكِتابِ، والمُظْهِرَةُ لِوُجُوهِ الأحْكامِ. ويَكُونُ المَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ - في قَوْلِهِ: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ﴾، أيْ يُفْصِحُ لَهم عَنْ ألْفاظِهِ ويُوقِفُهم بِقِراءَتِهِ عَلى كَيْفِيَّةِ تِلاوَتِهِ، كَما «قالَ ﷺ لِأُبَيٍّ: ”إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أقْرَأ عَلَيْكَ القُرْآنَ“»، وذَلِكَ لِأنْ يَتَعَلَّمُ أُبَيٌّ مِنهُ ﷺ كَيْفِيَّةَ أداءِ القُرْآنِ ومُقاطِعَهُ ومُواصِلَهُ. وفي قَوْلِهِ: ﴿ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ﴾، أيْ يُبَيِّنَ لَهم وُجُوهَ أحْكامِهِ: حَلالَهُ وحَرامَهُ، ومَفْرُوضَهُ، ومَسْنُونَهُ، ومَواعِظَهُ، وأمْثالَهُ، وتَرْغِيبَهُ، وتَرْهِيبَهُ، والحَشْرَ، والنَّشْرَ، والعِقابَ، والثَّوابَ، والجَنَّةَ والنّارَ. وفي قَوْلِهِ: والحِكْمَةَ، أيِ السُّنَّةَ تُبَيِّنُ ما في الكِتابِ مِنَ المُجْمَلِ، وتُوَضِّحُ ما انْبَهَمَ مِنَ المُشْكَلِ، وتُفْصِحُ عَنْ مَقادِيرَ وعَنْ إعْدادٍ مِمّا لَمْ يَتَعَرَّضِ الكِتابُ إلَيْهِ، ويُثْبِتُ أحْكامًا لَمْ يَتَضَمَّنْها الكِتابُ. ﴿ويُزَكِّيهِمْ﴾ باطِنًا مِن أرْجاسِ الشِّرْكِ وأنْجاسِ الشَّكِّ، وظاهِرًا بِالتَّكالِيفِ الَّتِي تُمَحِّصُ الآثامَ وتُوَصِّلُ الإنْعامَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: التَّزْكِيَةُ: الطّاعَةُ والإخْلاصُ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: يُطَهِّرُهم مِنَ الشِّرْكِ. وقِيلَ: يَأْخُذُ مِنهُمُ الزَّكاةَ الَّتِي تَكُونُ سَبَبًا لِطَهارَتِهِمْ. وقِيلَ: يَدْعُوا إلى ما يَصِيرُونَ بِهِ أزْكِياءَ. وقِيلَ: يَشْهَدُ لَهم بِالتَّزْكِيَةِ مِن تَزْكِيَةِ العُدُولِ، ومَعْنى الزَّكاةِ لا تَخْرُجُ عَنِ التَّطْهِيرِ أوِ التَّنْمِيَةِ. * * ﴿إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾، العَزِيزُ: الغالِبُ أوِ المَنِيعُ الَّذِي لا يُرامُ، قالَهُ المُفَضَّلُ بْنُ سَلَمَةَ، أوِ الَّذِي لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ؛ قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ، أوِ الَّذِي لا مِثْلَ لَهُ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوِ المُنْتَقِمُ؛ قالَهُ الكَلْبِيُّ، أوِ القَوِيُّ، ومِنهُ: فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ، أوِ المُعِزُّ ومِنهُ: ﴿وتُعِزُّ مَن تَشاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦] . الحَكِيمُ: قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الحَكِيمِ في قِصَّةِ المَلائِكَةِ وآدَمَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما عَلَّمْتَنا إنَّكَ أنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢] . وأنْتَ: يَجُوزُ فِيها ما جازَ في ﴿أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧] قَبْلُ مِنَ الأعارِيبِ. وهاتانِ الصِّفَتانِ مُتَناسِبَتانِ لِما قَبْلَهُما؛ لِأنَّ إرْسالَ رَسُولٍ مُتَّصِفٍ بِالأوْصافِ الَّتِي سَألَها إبْراهِيمُ لا تَصْدُرُ إلّا عَمَّنِ اتَّصَفَ بِالعِزَّةِ، وهي الغَلَبَةُ أوِ القُوَّةُ، أوْ عَدَمُ النَّظِيرِ، وبِالحِكْمَةِ الَّتِي هي إصابَةُ مَواقِعِ الفِعْلِ، فَيَضَعُ الرِّسالَةَ في أشْرَفِ خَلْقِهِ وأكْرَمِهِمْ عَلَيْهِ، اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالاتِهِ. وتَقَدَّمَتْ صِفَةُ العَزِيزِ عَلى الحَكِيمِ لِأنَّها مِن صِفاتِ الذّاتِ والحَكِيمُ مِن صِفاتِ الأفْعالِ، ولِكَوْنِ الحَكِيمِ فاصِلَةً كالفَواصِلِ قَبْلَها. وفي المُنْتَخَبِ: يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ: هي القُرْآنُ. وقِيلَ: الأعْلامُ الدّالَّةُ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وصِفاتِهِ. ومَعْنى التِّلاوَةِ: تَذْكِيرُهم بِها ودُعاؤُهم إلَيْها وحَمْلُهم عَلى الإيمانِ بِها، وحِكْمَةُ التِّلاوَةِ: بَقاءُ لَفْظِها عَلى الألْسِنَةِ، فَيَبْقى مَصُونًا عَنِ التَّحْرِيفِ والتَّصْحِيفِ، وكَوْنُ نَظْمِها ولَفْظِها مُعْجِزًا، وكَوْنُ تِلاوَتِها في الصَّلَواتِ وسائِرِ العِباداتِ نَوْعَ عِبادَةٍ إلّا أنَّ الحِكْمَةَ العُظْمى تَعْلِيمُ ما فِيهِ مِنَ الدَّلائِلِ والأحْكامِ. وقالَ القَفّالُ، عَبَّرَ بَعْضُ الفَلاسِفَةِ عَنِ الحِكْمَةِ، بِأنَّها التَّشَبُّهُ بِالإلَهِ بِقَدْرِ الطّاقَةِ البَشَرِيَّةِ، وقِيلَ الحِكْمَةُ المُتَشابِهاتُ. وقِيلَ: الكِتابُ أحْكامُ الشَّرائِعِ، والحِكْمَةُ وُجُوهُ المَصالِحِ والمَنافِعِ فِيها، وقِيلَ: كُلُّها صِفاتٌ لِلْقُرْآنِ، هو (p-٣٩٤)آياتٌ، وهو كِتابٌ وهو حِكْمَةٌ. انْتَهى ما لُخِّصَ مِنَ المُنْتَخَبِ. ﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾: رُوِيَ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ دَعا ابْنَيْ أخِيهِ سَلَمَةَ ومُهاجِرًا إلى الإسْلامِ فَقالَ لَهُما: قَدْ عَلِمْتُما أنَّ اللَّهَ قالَ في التَّوْراةِ: إنِّي باعِثٌ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ نَبِيًّا اسْمُهُ أحْمَدُ، مَن آمَنَ بِهِ فَقَدِ اهْتَدى ورَشَدَ، ومَن لَمْ يُؤْمِن بِهِ فَهو مَلْعُونٌ، فَأسْلَمَ سَلَمَةُ وأبى مُهاجِرٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ. ومَن: اسْمُ اسْتِفْهامٍ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، وهو اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ: الإنْكارُ، ولِذَلِكَ دَخَلَتْ إلّا بَعْدَهُ. والمَعْنى: لا أحَدَ يَرْغَبُ، فَمَعْناهُ النَّفْيُ العامُّ. ومَن سَفِهَ: في مَوْضِعِ رَفْعِ بَدَلٍ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في يَرْغَبُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الِاسْتِثْناءِ، والرَّفْعُ أجْوَدُ عَلى البَدَلِ؛ لِأنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن غَيْرِ مُوجِبٍ، ومَن في ”مَن سَفِهَ“ مَوْصُولَةٌ، وقِيلَ: نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، وانْتِصابُ ”نَفْسَهُ“ عَلى أنَّهُ تَمْيِيزٌ، عَلى قَوْلِ بَعْضِ الكُوفِيِّينَ، وهو الفَرّاءُ، أوْ مُشَبَّهٌ بِالمَفْعُولِ عَلى قَوْلِ بَعْضِهِمْ، أوْ مَفْعُولٌ بِهِ، إمّا لِكَوْنِ سَفِهَ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ كَـ ”سَفَّهَ“ المُضَعَّفِ، وإمّا لِكَوْنِهِ ضَمِنَ مَعْنى ما يَتَعَدّى، أيْ جَهِلَ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ وابْنُ جِنِّيٍّ، أوْ أهْلَكَ، وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ، أوْ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، وهو قَوْلُ بَعْضِ البَصْرِيِّينَ، أوْ تَوْكِيدٌ لِمُؤَكَّدٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ سَفَّهَ قَوْلُهُ نَفْسَهُ، حَكاهُ مَكِّيٌّ. أمّا التَّمْيِيزُ فَلا يُجِيزُهُ البَصْرِيُّونَ؛ لِأنَّهُ مَعْرِفَةٌ، وشَرْطُ التَّمْيِيزِ عِنْدَهم أنْ يَكُونَ نَكِرَةً، وأمّا كَوْنُهُ مُشَبَّهًا بِالمَفْعُولِ، فَذَلِكَ عِنْدَ الجُمْهُورِ مَخْصُوصٌ بِالصِّفَةِ، ولا يَجُوزُ في الفِعْلِ، تَقُولُ: زَيْدٌ حَسَنُ الوَجْهِ، ولا يَجُوزُ حَسَّنَ الوَجْهِ، ولا يُحْسِنُ الوَجْهَ. وأمّا إسْقاطُ حَرْفِ الجَرِّ، وأصْلُهُ مَن سَفِهَ في نَفْسِهِ، فَلا يَنْقاسُ، وأمّا كَوْنُهُ تَوْكِيدًا وحُذِفَ مُؤَكَّدُةُ فَفِيهِ خِلافٌ. وقَدْ صَحَّحَ بَعْضُهم أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ أعْنِي: أنْ يُحْذَفَ المُؤَكَّدُ ويَبْقى التَّوْكِيدُ، وأمّا التَّضْمِينُ فَلا يَنْقاسُ، وأمّا نَصْبُهُ عَلى أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ، ويَكُونُ الفِعْلُ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، فَهو الَّذِي نَخْتارُهُ؛ لِأنَّ ثَعْلَبًا والمُبَرِّدَ حَكَيا أنَّ سَفِهَ بِكَسْرِ الفاءِ يَتَعَدّى، كَ سَفَّهَ بِفَتْحِ الفاءِ وشَدِّها. وحُكِيَ عَنْ أبِي الخَطّابِ أنَّها لُغَةٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سَفَّهَ نَفْسَهُ: امْتَهَنَها واسْتَخَفَّ بِها، وأصْلُ السَّفَهِ الخِفَّةُ، ومِنهُ زِمامٌ سَفِيهٌ. وقِيلَ: انْتِصابُ النَّفْسِ عَلى التَّمْيِيزِ نَحْوَ: غُبِنَ رَأْيَهُ، وألِمَ رَأْسَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في شُذُوذِ تَعْرِيفِ التَّمْيِيزِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ؎ولا بِفَزارَةَ الشُّعُرَ الرِّقابا أجَبَّ الظَّهْرِ لَيْسَ لَهُ سَنامُ وقِيلَ: مَعْناهُ سَفَّهَ في نَفْسِهِ فَحُذِفَ الجارُّ، كَقَوْلِهِمْ: زِيدٌ ظَنِّي مُقِيمٌ، أيْ في ظَنِّي، والوَجْهُ هو الأوَّلُ، وكَفى شاهِدًا لَهُ بِما جاءَ في الحَدِيثِ: «الكِبْرُ أنْ يُسَفِّهَ الحَقَّ ويَغْمِصَ النّاسَ» . انْتَهى كَلامُهُ. فَأجازَ نَصْبَهُ عَلى المَفْعُولِ بِهِ، إلّا أنَّ قَوْلَهُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في شُذُوذِ تَعْرِيفِ التَّمْيِيزِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ؎ولا بِفَزارَةَ الشُّعُرَ الرِّقابا ∗∗∗ أجَبَّ الظَّهْرِ لَيْسَ لَهُ سَنامُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأنَّ الرِّقابَ مِن بابِ مَعْمُولِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ. والشُّعْرُ جَمِيعُ أشْعَرَ، وكَذَلِكَ ”أجَبَّ الظَّهْرِ“ هو أيْضًا مِن بابِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ، وأجَبُّ أفْعَلُ اسْمٌ ولَيْسَ بِفِعْلٍ. وقَبْلَ النِّصْفِ الأوَّلِ قَوْلُهُ: ؎فَما قُومِي بِثَعْلَبَةَ بْنِ سُعْدى وقَبْلَ الآخَرِ قَوْلُهُ: ؎ونَأْخُذُ بَعْدَهُ بِذَنابِ عَيْشٍ فَلَيْسَ نَحْوَهُ؛ لِأنَّ نَفْسَهُ انْتَصَبَ بَعْدَ فِعْلٍ، والرِّقابُ والظَّهْرُ انْتَصَبا بَعْدَ اسْمٍ، وهُما مِن بابِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ. ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ لا يَزْهَدُ ويَرْفَعُ نَفْسَهُ عَنْ طَرِيقَةِ إبْراهِيمَ، وهو النَّبِيُّ المُجْمَعُ عَلى مَحَبَّتِهِ مِن سائِرِ الطَّوائِفِ، إلّا مَن أذَلَّ نَفْسَهُ وامْتَهَنَها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْنى سَفِهَ نَفْسَهُ: خَسِرَ نَفْسَهُ. وقالَ أبُو رَوْقٍ: عَجَزَ رَأْيُهُ عَنْ نَفْسِهِ. وقالَ يَمانٌ: حَمُقَ رَأْيُهُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: قَتَلَ نَفْسَهُ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: جَهِلَها ولَمْ يَعْرِفْ ما فِيها مِنَ الدَّلائِلِ. وحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ مَعْناهُ: سَفِهَ حَقَّ نَفْسِهِ، فَأمّا سَفُهَ بِضَمِّ الفاءِ فَمَعْناهُ: صارَ سَفِيهًا، (p-٣٩٥)مِثْلَ فَقُهَ إذا صارَ فَقِيهًا، قالَ: ؎فَلا عِلْمَ إذا جَهِلَ العَلِيمُ ∗∗∗ ولا رُشْدَ إذا سَفُهَ الحَلِيمُ ﴿ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ في الدُّنْيا﴾: أيْ جَعَلْناهُ صافِيًا مِنَ الأدْناسِ، واصْطِفاؤُهُ بِالرِّسالَةِ والخُلَّةِ والكَلِماتِ الَّتِي وفّى ووَصّى بِها، وبِناءِ البَيْتِ، والإمامَةِ، واتِّخاذِ مَقامِهِ مُصَلّى، وتَطْهِيرِ البَيْتِ، والنَّجاةِ مِن نارِ نُمْرُوذَ، والنَّظَرِ في النُّجُومِ، وأذانِهِ بِالحَجِّ، وإراءَتِهِ مَناسِكَهُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا ذَكَرَ اللَّهَ في كِتابِهِ، مِن خَصائِصِهِ ووُجُوهِ اصْطِفائِهِ. ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾: ذَكَرَ تَعالى كَرامَةَ إبْراهِيمَ في الدّارَيْنِ، بِأنْ كانَ في الدُّنْيا مِن صَفْوَتِهِ، وفي الآخِرَةِ مِنَ المَشْهُودِ لَهُ بِالِاسْتِقامَةِ في الخَيْرِ، ومَن كانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَيَجِبُ عَلى كُلِّ أحَدٍ أنْ لا يَعْدِلَ عَنْ مِلَّتِهِ. وهاتانِ الجُمْلَتانِ مُؤَكَّدَتانِ، أمّا الأُولى فَبِاللّامِ، وأمّا الثّانِيَةُ فَبِإنَّ وبِاللّامِ. ولَمّا كانَ إخْبارًا عَنْ حالَةٍ مُغَيَّبَةٍ في الآخِرَةِ، احْتاجَتْ إلى مَزِيدِ تَأْكِيدٍ، بِخِلافِ حالِ الدُّنْيا، فَإنَّ أرْبابَ المَآلِ قَدْ عَلِمُوا اصْطِفاءَ اللَّهِ لَهُ في الدُّنْيا بِما شاهَدُوهُ مِنهُ ونَقَلُوهُ جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ. وأمّا كَوْنُهُ في الآخِرَةِ مِنَ الصّالِحِينَ، فَأمْرٌ مُغَيَّبٌ عَنْهم يَحْتاجُ فِيهِ إلى إخْبارِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَأخْبَرَ اللَّهُ بِهِ مُبالِغًا في التَّوْكِيدِ، وفي الآخِرَةِ: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ، أيْ وإنَّهُ لَصالِحٌ في الآخِرَةِ. وقالَ بَعْضُهم: هو عَلى إضْمارِ، ”أعْنِي“ فَهو لِلتَّبْيِينِ، كَلَكَ بَعْدُ سُقْيًا، وإنَّما لَمْ يَتَعَلَّقْ بِالصّالِحِينَ؛ لِأنَّ اسْمَ الفاعِلِ في صِلَةِ الألِفِ واللّامِ، ولا يَتَقَدَّمُ مَعْمُولُ الوَصْفِ إذْ ذاكَ. وكانَ بَعْضُ شُيُوخِنا يُجَوِّزُ ذَلِكَ إذا كانَ المَعْمُولُ ظَرْفًا أوْ جارًّا ومَجْرُورًا، قالَ: لِأنَّهُما يَتَّسِعُ فِيهِما ما لا يَتَّسِعُ في غَيْرِهِما. وجَوَّزُوا أنْ تَكُونَ الألِفُ واللّامُ غَيْرَ مَوْصُولَةٍ، بَلْ مَعْرِفَةٍ، كَهي في الرِّجْلِ، وأنْ يَتَعَلَّقَ المَجْرُورُ بِاسْمِ الفاعِلِ إذْ ذاكَ. وقِيلَ: في الآخِرَةِ، أيْ في عَمَلِ الآخِرَةِ، فَيَكُونُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، وقِيلَ: الآخِرَةُ هُنا البَرْزَخُ، والصَّلاحُ ما يَتْبَعُهُ مِنَ الثَّناءِ الحَسَنِ في الدُّنْيا. وقِيلَ: الآخِرَةُ يَوْمُ القِيامَةِ، وهو الأظْهَرُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمِنَ الصّالِحِينَ، أيِ الأنْبِياءِ. وقِيلَ: مِنَ الَّذِينَ يَسْتَوْجِبُونَ صالِحَ الجَزاءِ، قالَ مَعْناهُ الحَسَنُ. وقِيلَ: الوارِدِينَ مَوارِدَ قُدْسِهِ، والحالِّينِ مَواطِنَ أُنْسِهِ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، التَّقْدِيرُ: ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ في الدُّنْيا، وفي الآخِرَةِ، وإنَّهُ لَمِنَ الصّالِحِينَ. وهَذا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ خَطَأٌ يُنَزَّهُ كِتابُ اللَّهِ عَنْهُ.

البقرة 2:131

﴿إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾: هَذا مِنَ الِالتِفاتِ، إذْ لَوْ جَرى عَلى الكَلامِ السّابِقِ، لَكانَ: إذْ قُلْنا لَهُ أسْلِمْ، وعَكْسُهُ في الخُرُوجِ مِنَ الغائِبِ إلى الخِطابِ قَوْلُهُ: ؎باتَتْ تَشَكّى إلَيَّ النَّفْسُ مُجْهِشَةً وقَدْ حَمَلْتُكِ سَبْعًا بَعْدَ سَبْعِينا والعامِلُ في إذْ: قالَ أسْلَمْتُ. وقِيلَ: ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ، أيِ: اخْتَرْناهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: في الدُّنْيا، وأبْعَدَ مَن جَعَلَ ”إذْ قالَ“ في مَوْضِعِ الحالِ مِن قَوْلِهِ: ”ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ“، وجَعَلَ العامِلَ في الحالِ اصْطَفَيْناهُ، وقِيلَ: مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ اذْكُرْ. وعَلى تَقْدِيرِ أنَّ العامِلَ اصْطَفَيْناهُ أوِ اذْكُرِ المُقَدَّرَةُ، يَبْقى قَوْلُهُ: قالَ أسْلَمْتُ، لا يَنْتَظِمُ مَعَ ما قَبْلَهُ، إلّا إنْ قُدِّرَ، يُقالُ: فَحُذِفَ حَرْفُ العَطْفِ، أوْ جُعِلَ جَوابًا لِكَلامٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: ما كانَ جَوابُهُ ؟ قالَ: أسْلَمْتُ. وهَلِ القَوْلُ هُنا عَلى بابِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ وطَلَبٍ، أمْ هَذا كِنايَةٌ عَمّا جَعَلَ اللَّهُ في سَجِيَّتِهِ مِنَ الدَّلائِلِ المُفْضِيَةِ إلى الوَحْدانِيَّةِ وإلى شَرِيعَةِ الإسْلامِ ؟ فَجُعِلَتِ الدَّلالَةُ قَوْمًا عَلى سَبِيلِ المَجازِ، وإذا حُمِلَ عَلى القَوْلِ حَقِيقَةً، فاخْتَلَفُوا مَتى قِيلَ لَهُ ذَلِكَ. فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ قِيلَ لَهُ ذَلِكَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وقَبْلَ البُلُوغِ، وذَلِكَ عِنْدَ اسْتِدْلالِهِ بِالكَوْكَبِ والقَمَرِ والشَّمْسِ، واطِّلاعِهِ عَلى أماراتِ الحُدُوثِ فِيها، وإحاطَتِهِ بِافْتِقارِها إلى مُدَبِّرٍ يُخالِفُها في الجِسْمِيَّةِ (p-٣٩٦)وأماراتِ الحُدُوثِ، فَلَمّا عَرَفَ رَبَّهُ، قالَ تَعالى لَهُ: أسْلِمْ. وقِيلَ: كانَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ، فَيُئَوَّلُ الأمْرُ بِالإسْلامِ عَلى أنَّهُ أمَرَ بِالثَّباتِ والدَّيْمُومَةِ، إذْ هو مُتَحَلٍّ بِهِ وقْتَ الأمْرِ، ويَكُونُ الإسْلامُ هُنا عَلى بابِهِ، والمَعْنى: عَلى شَرِيعَةِ الإسْلامِ. وقِيلَ: الإسْلامُ هُنا غَيْرُ المَعْرُوفِ، وأُوِّلَ عَلى وُجُوهٍ، فَقالَ عَطاءٌ: مَعْناهُ سَلِّمْ نَفْسَكَ. وقالَ الكَلْبِيُّ وابْنُ كَيْسانَ: أخْلِصْ دِينَكَ. وقِيلَ: اخْشَعْ واخْضَعْ لِلَّهِ. وقِيلَ: اعْمَلْ بِالجَوارِحِ؛ لِأنَّ الإيمانَ هو صِفَةُ القَلْبِ، والإسْلامَ هو صِفَةُ الجَوارِحِ، فَلَمّا كانَ مُؤْمِنًا بِقَلْبِهِ كَلَّفَهُ بَعْدُ عَمَلَ الجَوارِحِ، وفي قَوْلِهِ: أسْلَمَ، تَقْدِيرُ مَحْذُوفٍ، أيْ: أسْلِمْ لِرَبِّكَ. وأجابَ بِأنَّهُ أسْلَمَ لِرَبِّ العالَمِينَ، فَتُضَمَّنُ أنَّهُ أسْلَمَ لِرَبِّهِ؛ لِأنَّهُ فَرْدٌ مِن أفْرادِ العُمُومِ، وفي العُمُومِ مِنَ الفَخامَةِ ما لا يَكُونُ في الخُصُوصِ؛ لِذَلِكَ عَدَلَ عَنْ أنْ يَقُولَ: أسْلَمْتُ لِرَبِّي، ومَن كانَ رَبًّا لِلْعالَمِينَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ جَمِيعُهم مُسْلِمِينَ لَهُ مُنْقادِينَ. وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ الكَرِيمَةُ ابْتِداءً قِصَصَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَذَكَرَ أوَّلًا ابْتِلاءَهُ بِالكَلِماتِ، وإتْمامَهُ إيّاهُنَّ، واسْتِحْقاقَهُ الإمامَةِ بِذَلِكَ عَلى النّاسِ كُلِّهِمْ في زَمانِهِ، وسُؤالَ إبْراهِيمَ الإمامَةَ لِذُرِّيَّتِهِ؛ شَفَقَةً عَلَيْهِمْ ومَحَبَّةً مِنهُ لَهم، وإيثارًا أنْ يَكُونَ في ذُرِّيَّتِهِ مَن يَخْلُفُهُ في الإمامَةِ، وإجابَةُ اللَّهِ لَهُ بِأنَّ عَهْدَهُ لا يَنالُهُ ظالِمٌ، وفي طَيِّهِ أنَّ مَن كانَ عادِلًا قَدْ يَنالُ ذَلِكَ. وكانَ في ابْتِداءِ قِصَصِ إبْراهِيمَ بَنِيهِ وذُرِّيَّتِهِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وغَيْرِهِمْ، عَلى فَضِيلَتِهِ وخُصُوصِيَّتِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، لِيَكُونَ ذَلِكَ حامِلًا لَهم عَلى اتِّباعِهِ، فَإنَّهُ إذا كانَ لِلشَّخْصِ والِدٌ مُتَّصِفٌ بِصِفاتِ الكَمالِ، أوْشَكَ ولَدُهُ أنْ يَتْبَعَهُ وأنْ يَسْلُكَ مَنهَجَهُ، لِما في الطَّبْعِ مِنَ اتِّباعِ الآباءِ والِاقْتِفاءِ لِآثارِهِمْ؛ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ”﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢]“ ؟ . ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى شَرَفَ البَيْتِ الحَرامِ، وجَعْلَهُ مَقْصِدًا لِلنّاسِ يَؤُمُّونَ إلَيْهِ، ومَلْجَأً يَأْمَنُونَ فِيهِ، وأمْرَهُ تَعالى لِلنّاسِ بِالِاتِّخاذِ مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى، فَحَصَلَ لَهُمُ الِاقْتِداءُ بِأنْ جَعَلَ مَقامَهُ مَكانَ عِبادَةٍ ومَحَلَّ إجابَةٍ. ثُمَّ ذَكَرَ عَهْدَهُ لِإبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ بِتَطْهِيرِ البَيْتِ، حَيْثُ صارَ مَحَلَّ عِبادَةٍ لِلَّهِ تَعالى، ومَكانُ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُطَهَّرًا مِنَ الأرْجاسِ والأنْجاسِ. وأشارَ بِتَطْهِيرِ المَحَلِّ إلى تَطْهِيرِ الحالِ فِيهِ ظاهِرًا وباطِنًا، وإلى تَطْهِيرِ ما يَقَعُ فِيهِ مِنَ العِبادَةِ، بِالإخْلاصِ لِلَّهِ تَعالى، فَلا يُنَجَّسُ بِشَيْءٍ مِنَ الرِّياءِ، بَلْ يُطَهَّرُ بِإخْلاصِها لِلَّهِ تَعالى. ثُمَّ أشارَ إلى مَن طُهِّرَ البَيْتُ لِأجْلِهِ، وهُمُ الطّائِفُونَ والعاكِفُونَ والمُصَلُّونَ، فَنَبَّهَ عَلى هَذِهِ العِباداتِ الَّتِي تَكُونُ في البَيْتِ، ودَلَّ عَلى أنَّ البَيْتَ لا يَصْلُحُ بِشَيْءٍ مِن أُمُورِ الدُّنْيا، كالبَيْعِ والشِّراءِ وعَمَلِ الصَّنائِعِ والحِرَفِ والخُصُوماتِ، وأنَّهُ إنَّما هُيِّيءَ لِوُقُوعِ العِباداتِ فِيهِ. ثُمَّ ذَكَرَ دُعاءَ إبْراهِيمَ رَبَّهُ بِجَعْلِ هَذا البَيْتِ مَحَلَّ أمْنٍ، ودُعاءَهُ لَهم بِالخِصْبِ والرِّزْقَ، وتَخْصِيصَ ذَلِكَ الدُّعاءِ بِالمُؤْمِنِينَ، إذِ الأمْنُ والخِصْبُ هُما سَبَبانِ لِعِمارَةِ هَذا البَيْتِ وقَصْدِ النّاسِ لَهُ. ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّ مَن كَفَرَ فَتَمْتِيعُهُ قَلِيلٌ ومَآلُهُ إلى النّارِ؛ لِيَكُونَ التَّخْوِيفُ حامِلًا عَلى التَّقَيُّدِ بِالإيمانِ والِانْقِيادِ لِلطّاعاتِ، ولِيَدُلَّ عَلى أنَّ الرِّزْقَ في الدُّنْيا لَيْسَ مُخْتَصًّا بِمَن آمَنَ، بَلْ رِزْقُ اللَّهِ يَشْتَرِكُ فِيهِ البَرُّ والفاجِرُ. ثُمَّ ذَكَرَ رَفْعَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ قَواعِدَ البَيْتِ، وما دَعَوا بِهِ إذْ ذاكَ مِن طَلَبِ تَقَبُّلِ ما يَفْعَلانِهِ، والثَّباتِ عَلى الإسْلامِ، والدُّعاءِ بِأنْ يَكُونَ مِن ذُرِّيَّتِهِما مُسْلِمُونَ، وإراءَةِ المَناسِكِ والتَّوْبَةِ، وبَعْثَةِ رَسُولٍ مِن أُمَّتِهِ يَهْدِيهِمْ إلى طَرِيقِ الإسْلامِ بِما يُوحى إلَيْهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ويُطَهِّرُهم مِنَ الجَرائِمِ والآثامِ. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ الأدْعِيَةِ الصّالِحَةِ عِنْدَ الِالتِباسِ بِالعِباداتِ، وأفْعالِ الطّاعاتِ، وأنَّ ذَلِكَ الوَقْتَ مَظَنَّةُ إجابَةٍ، وفي ذَلِكَ جَوازُ الدُّعاءِ لِلْمُلْتَبِسِ بِالطّاعَةِ، ولِمَن أحَبَّ أنْ يَدْعُوَ لَهُ. وخَتَمَ كُلَّ دُعاءٍ بِما يُناسِبُهُ مِمّا قَبْلَهُ. ولَمْ يَكُنْ في هَذا الدُّعاءِ شَيْءٌ مُتَعَلِّقٌ بِأحْوالِ الدُّنْيا، إنَّما كانَ كُلُّهُ دُعاءً بِما يَتَعَلَّقُ بِأُمُورِ الدِّينِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى عَدَمِ اكْتِراثِ إبْراهِيمَ وابْنِهِ إسْماعِيلَ بِأحْوالِ الدُّنْيا حالَةَ بِناءِ هَذا البَيْتِ ورَفْعِ قَواعِدِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ دُعاؤُهُ بِالأمْنِ والخِصْبِ، لَكِنْ كانَ (p-٣٩٧)ذَلِكَ بَعْدَ أنْ كَمَّلَ البَيْتَ وفَرَغَ مِنَ التَّعَبُّدِ بِبِنائِهِ ورَفْعِ قَواعِدِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ شَرَفَ إبْراهِيمَ وطَواعِيَتُهُ لِرَبِّهِ، واخْتِصاصُهُ في زَمانِهِ بِالإمامَةِ، وصَيْرُورَتُهُ مُقْتَدًى بِهِ. ذَكَرَ أنَّهُ لا يَرْغَبُ عَنْ طَرِيقَتِهِ إلّا خاسِرُ الصَّفْقَةِ؛ لِأنَّهُ المُصْطَفى في الدُّنْيا، الصّالِحُ في الآخِرَةِ. وخَتَمَ ذَلِكَ بِانْقِيادِهِ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، فَأوَّلُ قِصَّتِهِ إتْمامُهُ ما كَلَّفَهُ اللَّهُ بِهِ، وآخِرُها التَّسْلِيمُ لِلَّهِ، والِانْقِيادُ إلَيْهِ - صَلّى اللَّهُ عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ وسَلَّمَ - .

البقرة 2:132

﴿ووَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ يا بَنِي إنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ إذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ إلَهًا واحِدًا ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٣] ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٣٤] ﴿وقالُوا كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٣٥] ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى وما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦] ﴿فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما هم في شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٧] ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ونَحْنُ لَهُ عابِدُونَ﴾ [البقرة: ١٣٨] . الوَصِيَّةُ: العَهْدُ، وصّى بَنِيهِ: أيْ عَهِدَ إلَيْهِمْ وتَقَدَّمَ إلَيْهِمْ بِما يُعْمَلُ بِهِ مُقْتَرِنًا بِوَعْظٍ. ووَصّى وأوْصى لُغَتانِ، إلّا أنَّهم قالُوا: إنَّ وصّى المُشَدَّدَ يَدُلُّ عَلى المُبالَغَةِ والتَّكْثِيرِ. يَعْقُوبُ: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مَمْنُوعُ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ الشَّخْصِيَّةِ، ويَعْقُوبُ عَرَبِيٌّ، وهو ذَكَرُ القَبْجِ، وهو مَصْرُوفٌ، ولَوْ سُمِّيَ بِهَذا لَكانَ مَصْرُوفًا. ومَن زَعَمَ أنَّ يَعْقُوبَ النَّبِيَّ إنَّما سُمِّيَ يَعْقُوبَ لِأنَّهُ هو وأخُوهُ العِيصَ تَوْأمانِ، فَخَرَجَ العِيصُ أوَّلًا ثُمَّ خَرَجَ هو يَعْقُبُهُ، أوْ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِكَثْرَةِ عَقِبِهِ، فَقَوْلُهُ فاسِدٌ، إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ لَهُ اشْتِقاقٌ عَرَبِيٌّ، فَكانَ يَكُونُ مَصْرُوفًا. الحُضُورُ: الشُّهُودُ، تَقُولُ مِنهُ: حَضَرَ بِفَتْحِ العَيْنِ، وفي المُضارِعِ: يَحْضُرُ بِضَمِّهِما، ويُقالُ: حَضِرَ بِكَسْرِ العَيْنِ، وقِياسُ المُضارِعِ أنْ يُفْتَحَ فِيهِ فَيُقالُ: يَحْضُرُ، لَكِنَّ العَرَبَ اسْتَغْنَتْ فِيهِ بِمُضارِعِ فَعَلَ المَفْتُوحِ العَيْنِ فَقالَتْ: حَضَرَ يَحْضُرُ بِالضَّمِّ، وهي ألْفاظٌ شَذَّتْ فِيها العَرَبُ، فَجاءَ مُضارِعُ فَعِلَ المَكْسُورِ العَيْنِ عَلى يَفْعُلُ بِضَمِّها، قالُوا: نَعِمَ يَنْعُمُ، وفَضِلَ يَفْضُلُ، وحَضَرَ يَحْضُرُ، ومِتَّ تَمُوتُ، ودُمْتَ تَدُومُ، وكُلُّ هَذِهِ جاءَ فِيها فَعَلَ بِفَتْحِ العَيْنِ، فَلِذَلِكَ اسْتَغْنى بِمُضارِعِهِ عَنْ مُضارِعِ فَعِلَ، كَما اسْتَغْنَتْ فِيهِ بِ يَفْعِلَ بِكَسْرِ العَيْنِ عَنْ يَفْعَلُ بِفَتْحِها. قالُوا: ضَلِلْتَ بِكَسْرِ العَيْنِ، تَضِلُّ بِالكَسْرِ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ ضَلَلْتَ بِفَتْحِ العَيْنِ. إسْحاقُ: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ لا يَنْصَرِفُ لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ الشَّخْصِيَّةِ، وإسْحاقُ: مَصْدَرُ أسْحَقَ، ولَوْ سُمِّيَتْ بِهِ لَكانَ مَصْرُوفًا، وقالُوا في الجَمْعِ: أساحِقَةُ وأساحِيقُ، وفي جَمْعِ يَعْقُوبَ: يَعاقِبَةُ ويَعاقِيبُ، وفي جَمْعِ إسْرائِيلَ: أسارِلَةٌ. وجَوَّزَ الكُوفِيُّونَ في إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ: بَراهِمَةَ وسَماعِلَةَ، والهاءُ بَدَلٌ مِنَ الياءِ كَما في زَنادِقَةَ زَنادِيقَ. وقالَ أبُو العَبّاسِ: هَذا الجَمْعُ خَطَأٌ؛ لِأنَّ الهَمْزَةَ لَيْسَتْ زائِدَةً، والجَمْعُ: أبارَهُ وأسامِعُ، ويَجُوزُ: أبارِيهُ وأسامِيعُ، والوَجْهُ أنْ يُجْمَعَ هَذِهِ جَمْعَ السَّلامَةِ فَيُقالُ: إبْراهِيمُونَ، وإسْماعِيلُونَ، وإسْحاقُونَ، ويَعْقُوبُونَ. وحَكى الكُوفِيُّونَ أيْضًا: بَراهِمَ، وسَماعِلَ، وأساحِقَ، ويَعاقِبَ، بِغَيْرِ ياءٍ ولا هاءٍ. وقالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: بِراهِيمُ، وسَماعِيلُ. ورَدَّ أبُو العَبّاسِ عَلى مَن أسْقَطَ الهَمْزَةَ؛ لِأنَّ هَذا لَيْسَ مَوْضِعَ زِيادَتِها. وأجازَ ثَعْلَبٌ: بَراهٍ، كَما يُقالُ في التَّصْغِيرِ: بُرَيْهٌ. وقالَ أبُو جَعْفَرٍ: الصَّفارُ: أمّا إسْرائِيلُ، فَلا نَعْلَمُ أحَدًا يُجِيزُ حَذْفَ الهَمْزَةِ مِن أوَّلِهِ، وإنَّما يُقالُ: أسارِيلُ. وحَكى الكُوفِيُّونَ: أسارِلَةَ وأسارِلَ. انْتَهى. وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ في شَيْءٍ مِن نَحْوِ جَمْعِ هَذِهِ الأشْياءِ، واسْتُوفِيَ النَّقْلُ هُنا. الحَنَفُ: لُغَةً المَيْلُ، وبِهِ سُمِّيَ الأحْنَفُ لِمَيْلٍ كانَ في إحْدى قَدَمَيْهِ عَنِ الأُخْرى، قالَ الشّاعِرُ:(p-٣٩٨) ؎واللَّهِ لَوْلا حَنَفٌ في رِجْلِهِ ما كانَ في صِبْيانِكم مِن مِثْلِهِ وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الحَنَفُ الِاسْتِقامَةُ، وسُمِّيَ الأحْنَفُ عَلى سَبِيلِ التَّفاؤُلِ، كَما سُمِّيَ اللَّدِيغُ سَلِيمًا. وقالَ القَفّالُ: الحَنَفُ لَقَبٌ لِمَن دانَ بِالإسْلامِ كَسائِرِ ألْقابِ الدِّياناتِ. وقالَ عُمَرُ: ؎حَمِدْتُ اللَّهَ حِينَ هَدى فُؤادِي ∗∗∗ إلى الإسْلامِ والدِّينِ الحَنِيفِ وقالَ الزَّجّاجُ: الحَنِيفُ: المائِلُ عَمّا عَلَيْهِ العامَّةُ إلى ما لَزِمَهُ، وأنْشَدَ: ؎ولَكُنّا خُلِقْنا إذْ خُلِقْنا ∗∗∗ حَنِيفًا دِينُنا عَنْ كُلِّ دِينِ الأسْباطُ: جَمْعُ سِبْطٍ، وهم في بَنِي إسْرائِيلَ كالقَبائِلِ في بَنِي إسْماعِيلَ، وهم ولَدُ يَعْقُوبَ اثْنا عَشَرَ، لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم أُمَّةٌ مِنَ النّاسِ، وسَيَأْتِي ذِكْرُ أسْمائِهِمْ. سُمُّوا بِذَلِكَ مِنَ السَّبَطِ: وهو التَّتابُعُ، فَهم جَماعَةٌ مُتَتابِعُونَ. ويُقالُ: سَبَطَ عَلَيْهِ العَطاءَ إذا تابَعَهُ. ويُقالُ: هو مَقْلُوبُ بَسَطَ، ومِنهُ السُّباطَةُ والسّاباطُ. ويُقالُ لِلْحَسَنِ والحُسَيْنِ: سِبْطا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِكَثْرَتِهِمْ وانْبِساطِهِمْ وانْتِشارِهِمْ، ثُمَّ صارَ إطْلاقُ السِّبْطِ عَلى ابْنِ البِنْتِ، فَيُقالُ: سِبْطُ أبِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ البَرِّ، وسِبْطُ حُسَيْنِ بْنِ مَندَهْ، وسِبْطُ السِّلَفِيِّ في أوْلادِ بَناتِهِمْ. وقِيلَ: أصْلُ الأسْباطِ مِنَ السِّبْطِ، وهو الشَّجَرُ المُلْتَفُّ، والسِّبْطُ: الجَماعَةُ الرّاجِعُونَ إلى أصْلٍ واحِدٍ. الشِّقاقُ: مَصْدَرُ شاقَّهُ، كَما تَقُولُ: ضارَبَ ضِرابًا، وخالَفَ خِلافًا، ومَعْناهُ: المُعاداةُ والمُخالَفَةُ، وأصْلُهُ مِنَ الشِّقِّ، أيْ صارَ هَذا في شِقٍّ، وهَذا في شِقٍّ. والشِّقُّ: الجانِبُ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎إذا ما بَكى مِن خَلْفِها انْحَرَفَتْ لَهُ ∗∗∗ بِشِقٍّ وشِقٍّ عِنْدَنا لَمْ يُحَوَّلِ وقِيلَ: هو مِنَ المَشَقَّةِ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَحْرِصُ عَلى ما يَشُقُّ عَلى صاحِبِهِ. الكِفايَةُ: الإحْسابُ. كَفانِي كَذا: أيْ أحْسَبَنِي، قالَ الشّاعِرُ: ؎فَلَوْ أنَّ ما أسْعى لِأدْنى مَعِيشَةٍ ∗∗∗ كَفانِي ولَمْ أطْلُبْ قَلِيلٌ مِنَ المالِ أيْ أغْنانِي قَلِيلٌ مِنَ المالِ. الصِّبْغَةُ: فِعْلَةٌ مِن صَبَغَ، كالجِلْسَةِ مِن جَلَسَ، وأصْلُها الهَيْئَةُ الَّتِي يَقَعُ عَلَيْها الصَّبْغُ. والصَّبْغُ: المَصْبُوغُ بِهِ، والصَّبْغُ: المَصْدَرُ، وهو تَغْيِيرُ الشَّيْءِ بِلَوْنٍ مِنَ الألْوانِ، وفِعْلُهُ عَلى فَعَلَ بِفَتْحِ العَيْنِ، ومُضارِعُهُ المَشْهُورُ فِيهِ يَفْعُلُ بِضَمِّها، والقِياسُ الفَتْحُ إذْ لامُهُ حَرْفُ حَلْقٍ. وذُكِرَ لِي عَنْ شَيْخِنا أبِي العَبّاسِ أحْمَدَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ عَلِيٍّ الفِهْرِيِّ، عُرِفَ بِاللَّيْلِيِّ، وهو شارِحُ الفَصِيحِ، أنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ ضَمَّ الباءِ في المُضارِعِ والفَتْحَ والكَسْرَ. ﴿ووَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ يابَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ﴾: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: وأوْصى، وقَرَأ الباقُونَ: ووَصّى. قالَ ثَعْلَبٌ: أمْلى عَلَيَّ خَلَفُ بْنُ هِشامٍ البَزّارُ، قالَ: اخْتَلَفَ مُصْحَفُ أهْلِ المَدِينَةِ وأهْلُ العِراقِ في اثْنَيْ عَشَرَ حَرْفًا: كَتَبَ أهْلُ المَدِينَةِ: وأوْصى، وسارِعُوا، يَقُولُ، الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدِدْ، الَّذِينَ اتَّخَذُوا، مَسْجِدًا، خَيْرًا مِنهُما، فَتَوَكَّلْ، وأنْ يَظْهَرَ، بِما كَسَبَتْ أيْدِيكم، ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ، فَإنَّ اللَّهَ الغَنِيُّ، ولا يَخافُ عُقْباها. (وكَتَبَ أهْلُ العِراقِ): ووَصّى، سارِعُوا، ويَقُولُ، مَن يَرْتَدُّ، والَّذِينَ اتَّخَذُوا، خَيْرًا مِنها، وتَوَكَّلْ، أنْ يَظْهَرَ، فِيما كَسَبَتْ أيْدِيكم، ما تَشْتَهِي، فَإنَّ اللَّهَ هو، فَلا يَخافُ. وبِها مُتَعَلِّقٌ بِأوْصى، والضَّمِيرُ عائِدُ عَلى المِلَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ١٣٠]، وبِهِ ابْتَدَأ الزَّمَخْشَرِيُّ، ولَمْ يَذْكُرِ المَهْدَوِيُّ غَيْرَهُ، أوْ عَلى الكَلِمَةِ الَّتِي هي قَوْلُهُ: ﴿أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١]، ونَظِيرُهُ، وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ، حَيْثُ تَقَدَّمَ ﴿إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦] . وبِهَذا القَوْلِ ابْتَدَأ ابْنُ عَطِيَّةَ وقالَ: هو أصْوَبُ؛ لِأنَّهُ أقْرَبُ مَذْكُورٍ، ورَجَّحَ العَوْدَ عَلى المِلَّةِ بِأنَّهُ يَكُونُ المُفَسِّرُ مُصَرَّحًا بِهِ، وإذا عادَ عَلى الكَلِمَةِ كانَ غَيْرَ مُصَرَّحٍ بِهِ، وعَوْدُهُ عَلى المُصَرَّحِ أوْلى مِن عَوْدِهِ عَلى المَفْهُومِ. وبِأنَّ عُودَهُ عَلى المِلَّةِ أجْمَعُ مِن عَوْدِهِ عَلى الكَلِمَةِ، إذِ الكَلِمَةُ بَعْضُ المِلَّةِ. ومَعْلُومٌ (p-٣٩٩)أنَّهُ لا يُوصِي إلّا بِما كانَ أجْمَعَ لِلْفَلاحِ والفَوْزِ في الآخِرَةِ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الكَلِمَةِ المُتَأخِّرَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ . وقِيلَ: عَلى كَلِمَةِ الإخْلاصِ وهي: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ، فَهي مُشارٌ إلَيْها مِن حَيْثُ المَعْنى، إذْ هي أعْظَمُ عُمُدِ الإسْلامِ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الوَصِيَّةِ الدّالِّ عَلَيْها ووَصّى. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الطّاعَةِ. بَنِيهِ: بَنُو إبْراهِيمَ، إسْماعِيلَ وأُمُّهُ هاجَرُ القِبْطِيَّةُ، وإسْحاقُ وأُمُّهُ سارَّةُ، ومَدْيَنُ: ومَدْيانُ، ونَقْشانُ، وزَمْزانُ، ونَشَقُ، ونَقَشُ سُورَجُ، ذَكَرَهُمُ الشَّرِيفُ النَّسّابَةُ أبُو البَرَكاتِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مَعْمَرٍ الحُسَيْنِيُّ الجَوّانِيُّ وغَيْرُهُ، وأُمُّ هَؤُلاءِ السِّتَّةِ قَطُورا بِنْتُ يَقْطَنَ الكَنْعانِيَّةُ. هَؤُلاءِ الثَّمانِيَةُ ولَدُهُ لِصُلْبِهِ، والعَقِبُ الباقِي فِيهِمُ اثْنانِ إسْماعِيلُ وإسْحاقُ لا غَيْرَ. قَرَأ الجُمْهُورُ: ويَعْقُوبُ بِالرَّفْعِ، وقَرَأ إسْماعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ المَكِّيُّ، والضَّرِيرُ، وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ الأسْوارِيُّ: بِالنَّصْبِ. فَأمّا قِراءَةُ الرَّفْعِ فَتَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى إبْراهِيمَ، ويَكُونُ داخِلًا في حُكْمِ تَوْصِيَةِ بَنِيهِ، أيْ ووَصّى يَعْقُوبُ بَنِيهِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: قالَ يا بَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفى، والأوَّلُ أظْهَرُ. وأمّا قِراءَةُ النَّصْبِ فَيَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى بَنِيهِ، أيْ ووَصّى بِها نافِلَتَهُ يَعْقُوبَ، وهو ابْنُ ابْنِهِ إسْحاقَ. وبَنُو يَعْقُوبَ يَأْتِي ذِكْرُ أسْمائِهِمْ عِنْدَ الكَلامِ عَلى الأسْباطِ. يا بَنِيَّ: مَن قَرَأ ويَعْقُوبَ بِالنَّصْبِ، كانَ يا بَنِيَّ مِن مَقُولاتِ إبْراهِيمَ، ومَن رَفَعَ عَلى العَطْفِ فَكَذَلِكَ، أوْ عَلى الِابْتِداءِ، فَمِن كَلامِ يَعْقُوبَ. وإذا جَعَلْناهُ مِن كَلامِ إبْراهِيمَ، فَعِنْدَ البَصْرِيِّينَ هو عَلى إضْمارِ القَوْلِ، وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ لا يَحْتاجُ إلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ الوَصِيَّةَ في مَعْنى القَوْلِ، فَكَأنَّهُ قالَ: قالَ إبْراهِيمُ لِبَنِيهِ يا بَنِيَّ، ونَحْوُهُ قَوْلُ الرّاجِزِ: ؎رَجُلانِ مِن ضَبَّةَ أخْبَرانا ∗∗∗ أإنّا رَأيْنا رِجُلًا عُرْيانًا بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أوْ مَعْمُولًا لَأخْبَرانا عَلى المَذْهَبَيْنِ، وفي النِّداءِ لِمَن بِحَضْرَةِ المُنادِي. وكَوْنُ النِّداءِ بِلَفْظِ البَنِينَ مُضافَيْنِ إلَيْهِ تَلَطُّفٌ غَرِيبٌ وتَرْجِئَةٌ لِلْقَبُولِ وتَحْرِيكٌ وهَزٌّ، لِما يُلْقى إلَيْهِمْ مِن أمْرِ المُوافاةِ عَلى دِينِ الإسْلامِ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يَتَلَطَّفَ في تَحْصِيلِهِ، ولِذَلِكَ صَدَّرَ كَلامَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ﴾، وما اصْطَفاهُ اللَّهُ لا يَعْدِلُ عَنْهُ العاقِلُ. وقَرَأ أُبَيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ والضَّحّاكُ: أنْ يا بَنِيَّ، فَيَتَعَيَّنُ أنْ تَكُونَ أنْ هُنا تَفْسِيرِيَّةً بِمَعْنى أيْ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً؛ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ انْسِباكُ مَصْدَرٍ مِنها ومِمّا بَعْدَها. ومَن لَمْ يُثْبِتْ مَعْنى التَّفْسِيرِ؛ لِأنَّهُ جَعَلَها هُنا زائِدَةً، وهُمُ الكُوفِيُّونَ. ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ﴾، أيِ اسْتَخْلَصَهُ لَكم وتَخَيَّرَهُ لَكم صَفْوَةَ الأدْيانِ. والألِفُ واللّامُ في الدِّينِ لِلْعَهْدِ، لِأنَّهم كانُوا قَدْ عَرَفُوهُ، وهو دِينُ الإسْلامِ. ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾: هَذا اسْتِثْناءٌ مِنَ الأحْوالِ، أيْ إلّا عَلى هَذِهِ الحالَةِ، والمَعْنى: الثُّبُوتُ عَلى الإسْلامِ، والنَّهْيِ في الحَقِيقَةِ إنَّما هو عَنْ كَوْنِهِمْ عَلى خِلافِ الإسْلامِ. إلّا أنَّ ذَلِكَ نَهْيٌ عَنِ المَوْتِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ في الأمْرِ: مُتْ وأنْتَ شَهِيدٌ، لا يَكُونُ أمْرًا بِالمَوْتِ، بَلْ أمْرٌ بِالشَّهادَةِ، فَكَأنَّهُ قالَ: لِتَسْتَشْهِدَ في سَبِيلِ اللَّهِ، وذِكْرُ المَوْتِ عَلى سَبِيلِ التَّوْطِئَةِ لِلشَّهادَةِ. وقَدْ تَضَمَّنَ هَذا الكَلامُ إيجازًا بَلِيغًا ووَعْظًا وتَذْكِيرًا، وذَلِكَ أنَّ الإنْسانَ يَتَيَقَّنُ بِالمَوْتِ ولا يَدْرِي مَتى يُفاجِئُهُ. فَإذا أُمِرَ بِالتِباسٍ بِحالَةٍ لا يَأْتِيهِ المَوْتُ إلّا عَلَيْها، كانَ مُتَذَكِّرًا لِلْمَوْتِ دائِمًا، إذْ هو مَأْمُورٌ بِتِلْكَ الحالَةِ دائِمًا، . وهَذا عَلى الحَقِيقَةِ نَهْيٌ عَنْ تَعاطِي الأشْياءِ الَّتِي تَكُونُ سَبَبًا لِلْمُوافاةِ عَلى غَيْرِ الإسْلامِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهم: لا أرَيَنَّكَ هُنا، لا يَنْهى نَفْسَهُ عَنِ الرُّؤْيَةِ، ولَكِنَّ المَعْنى عَلى النَّهْيِ عَنْ حُضُورِهِ في هَذا المَكانِ، فَيَكُونُ يَراهُ، فَكَأنَّهُ قالَ: اذْهَبْ عَنْ هَذا المَكانِ. ألا تَرى أنَّ المُخاطَبَ لَيْسَ لَهُ أنْ يَحْجُبَ إدْراكَ الآمِرِ عَنْهُ إلّا بِالذَّهابِ عَنْ ذَلِكَ المَكانِ، فَأتى بِالمَقْصُودِ بِلَفْظٍ يَدُلُّ عَلى الغَضَبِ والكَراهَةِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ لا يَنْهى إلّا عَنْ شَيْءٍ يَكْرَهُ وُقُوعَهُ. وقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى (p-٤٠٠)لَطائِفَ، مِنها: الوَصِيَّةُ، ولا تَكُونُ إلّا عِنْدَ خَوْفِ المَوْتِ. فَفي ذَلِكَ ما كانَ عَلَيْهِ إبْراهِيمُ مِنَ الِاهْتِمامِ بِأمْرِ الدِّينِ، حَتّى وصّى بِهِ مَن كانَ مُلْتَبِسًا بِهِ، إذْ كانَ بَنُوهُ عَلى دِينِ الإسْلامِ. ومِنها اخْتِصاصُهُ بِبَنِيهِ، ولا يَخْتَصُّهم إلّا بِما فِيهِ سَلامَةُ عاقِبَتِهِمْ. ومِنها أنَّهُ عَمَّمَ بَنِيهِ، ولَمْ يَخُصَّ أحَدًا مِنهم، كَما جاءَ في حَدِيثِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ، حِينَ نَحَلَهُ أبُوهُ شَيْئًا، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”أتُحِبُّ أنْ يَكُونُوا لَكَ في البِرِّ سَواءً ؟“ ورَدَّ نَحْلَهُ إيّاهُ وقالَ: لا أشْهَدُ عَلى جَوْرٍ. ومِنها إطْلاقُ الوَصِيَّةِ، ولَمْ يُقَيِّدْها بِزَمانٍ ولا مَكانٍ. ثُمَّ خَتَمَها بِأبْلَغِ الزَّجْرِ أنْ يَمُوتُوا غَيْرَ مُسْلِمِينَ. ثُمَّ التَّوْطِئَةُ لِهَذا النَّهْيِ والزَّجْرِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى هو الَّذِي اخْتارَ لَكم دِينَ الإسْلامِ، فَلا تَخْرُجُوا عَمّا اخْتارَهُ اللَّهُ لَكم. قالَ المُؤَرِّخُونَ: نَقَلَ إبْراهِيمُ ولَدَهُ إسْماعِيلَ إلى مَكَّةَ وهو رَضِيعٌ، وقِيلَ: ابْنُ سَنَتَيْنِ. وقِيلَ: ابْنُ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، ووُلِدَ قَبْلَ إسْحاقَ بِأرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وماتَ ولَهُ مِائَةٌ وثَلاثُونَ سَنَةً. وكانَ لِإسْماعِيلَ لَمّا ماتَ أبُوهُ إبْراهِيمُ تِسْعٌ وثَمانُونَ سَنَةً. وعاشَ إسْحاقُ مِائَةً وثَمانِينَ سَنَةً، وماتَ بِالأرْضِ المُقَدَّسَةِ، ودُفِنَ عِنْدَ أبِيهِ إبْراهِيمَ. وكانَ بَيْنَ وفاةِ أبِيهِ إبْراهِيمَ ومَوْلِدِ مُحَمَّدٍ ﷺ نَحْوٌ مِن ألْفَيْ سَنَةٍ وسِتِّمِائَةِ سَنَةٍ، واليَهُودُ تَنْقُصُ مِن ذَلِكَ نَحْوًا مِن أرْبَعِمِائَةِ سَنَةٍ.

البقرة 2:133

﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ﴾: نَزَلَتْ في اليَهُودِ. قالُوا: ألَسْتَ تَعْلَمُ أنَّ يَعْقُوبَ يَوْمَ ماتَ أوْصى بَنِيهِ بِاليَهُودِيَّةِ ؟ قالَ الكَلْبِيُّ: لَمّا دَخَلَ يَعْقُوبُ مِصْرَ رَآهم يَعْبُدُونَ الأوْثانَ والنَّيِّرَيْنِ، فَجَمَعَ بَنِيهِ وخافَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، فَقالَ لَهم: ما تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ إعْلامًا لِنَبِيِّهِ بِما وصّى بِهِ يَعْقُوبُ، وتَكْذِيبًا لِلْيَهُودِ. وأمْ هُنا مُنْقَطِعَةٌ، تَتَضَمَّنُ مَعْنى ”بَلْ“ وهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ الدّالَّةِ عَلى الإنْكارِ، والتَّقْدِيرُ: بَلْ أكُنْتُمْ شُهَداءَ ؟ فَمَعْنى الإضْرابِ: الِانْتِقالُ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ، لا أنَّ ذَلِكَ إبْطالٌ لِما قَبْلَهُ. ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ هُنا: التَّقْرِيعُ والتَّوْبِيخُ، وهو في مَعْنى النَّفْيِ، أيْ ما كُنْتُمْ شُهَداءَ، فَكَيْفَ تَنْسِبُونَ إلَيْهِ ما لا تَعْلَمُونَ ؟ ولا شَهِدْتُمُوهُ أنْتُمْ ولا أسْلافُكم. وقِيلَ: أمْ هُنا بِمَعْنى: بَلْ، والمَعْنى بَلْ كُنْتُمْ، أيْ كانَ أسْلافُكم، أوْ أنَزَلَهم مَنزِلَةَ أسْلافِهِمْ، إذْ كانَ (p-٤٠١)أسْلافُهم قَدْ نَقَلُوا ذَلِكَ إلَيْهِمْ، وفي إثْباتِ ذَلِكَ إنْكارٌ عَلَيْهِمْ ما نَسَبُوهُ إلى يَعْقُوبَ مِنَ اليَهُودِيَّةِ. والخِطابُ في كُنْتُمْ لِمَن كانَ بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن أحْبارِ اليَهُودِ والنَّصارى ورُؤَسائِهِمْ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قالَ لَهم عَلى جِهَةِ التَّقْرِيرِ والتَّوْبِيخِ: أشْهِدْتُمْ يَعْقُوبَ وعَلِمْتُمْ بِما أوْصى، فَتَدَّعُونَ عَنْ عِلْمٍ، أيْ لَمْ تَشْهَدُوا، بَلْ أنْتُمْ تَفْتَرُونَ. وأمْ تَكُونُ بِمَعْنى ألِفِ الِاسْتِفْهامِ في صَدْرِ الكَلامِ، لُغَةٌ يَمانِيَةٌ. انْتَهى ما ذَكَرَهُ. ولَمْ أقِفْ لِأحَدٍ مِنَ النَّحْوِيِّينَ عَلى أنَّ أمْ يُسْتَفْهَمُ بِها في صَدْرِ الكَلامِ. وأيْنَ ذَلِكَ ؟ وإذا صَحَّ النَّقْلُ فَلا مَدْفَعَ فِيهِ ولا مَطْعَنَ. وحَكى الطَّبَرِيُّ أنَّ أمْ يُسْتَفْهَمُ بِها في وسَطِ كَلامٍ قَدْ تَقَدَّمَ صَدْرُهُ، وهَذا مِنهُ. ومِنهُ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ [يونس: ٣٨] . انْتَهى، وهَذا أيْضًا قَوْلٌ غَرِيبٌ. وتَلَخَّصَ أنَّ أمْ هُنا فِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ: المَشْهُورُ أنَّها هُنا مُنْقَطِعَةٌ بِمَعْنى بَلْ والهَمْزَةِ. الثّانِي: أنَّها لِلْإضْرابِ فَقَطْ، بِمَعْنى بَلْ. الثّالِثُ: بِمَعْنى هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ فَقَطْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِمَعْنى: ما شاهَدْتُمْ ذَلِكَ، وإنَّما حَصَلَ لَكُمُ العِلْمُ بِهِ مِن طَرِيقِ الوَحْيِ. وقِيلَ: الخَطابُ لِلْيَهُودِ، لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: ما ماتَ نَبِيٌّ إلّا عَلى اليَهُودِيَّةِ، إلّا أنَّهم لَوْ شَهِدُوهُ، ولَوْ سَمِعُوا ما قالَهُ لِبَنِيهِ، وما قالُوهُ، لَظَهَرَ لَهم حِرْصُهُ عَلى مِلَّةِ الإسْلامِ، ولَما ادَّعَوْا عَلَيْهِ اليَهُودِيَّةَ. فالآيَةُ مُنافِيَةٌ لِقَوْلِهِمْ، فَكَيْفَ يُقالُ لَهم: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ﴾ ؟ ولَكِنَّ الوَجْهَ أنْ تَكُونَ أمْ مُتَّصِلَةً، عَلى أنْ يُقَدَّرَ قَبْلَها مَحْذُوفٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: أتَدَّعُونَ عَلى الأنْبِياءِ اليَهُودِيَّةَ ؟ ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ﴾ ؟ يَعْنِي أنَّ أوائِلَكم مِن بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا مُشاهِدِينَ لَهُ، إذْ أرادَ بَنِيهِ عَلى التَّوْحِيدِ ومِلَّةِ الإسْلامِ، فَما لَكم تَدَّعُونَ عَلى الأنْبِياءِ ما هم مِنهُ بُرَآءُ ؟ انْتَهى كَلامُهُ. ومُلَخَّصُهُ: أنَّهُ جَعَلَ أمْ مُتَّصِلَةً، وأنَّهُ حَذَفَ قَبْلَها ما يُعادِلُها، ولا نَعْلَمُ أحَدًا أجازَ حَذْفَ هَذِهِ الجُمْلَةِ، ولا يُحْفَظُ ذَلِكَ لا في شِعْرٍ ولا غَيْرِهِ، فَلا يَجُوزُ: أمْ زَيْدٌ ؟ وأنْتَ تُرِيدُ: أقامَ عَمْرٌو أمْ زَيْدٌ ؟ ولا أمْ قامَ خالِدٌ ؟ وأنْتَ تُرِيدُ: أخْرَجَ زَيْدٌ ؟ أمْ قامَ خالِدٌ ؟ والسَّبَبُ في أنَّهُ لا يَجُوزُ الحَذْفُ أنَّ الكَلامَ في مَعْنى: أيُّ الأمْرَيْنِ وقَعَ ؟ فَهي في الحَقِيقَةِ جُمْلَةٌ واحِدَةٌ. وإنَّما يُحْذَفُ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ ويَبْقى المَعْطُوفُ مَعَ الواوِ والفاءِ، إذا دَلَّ عَلى ذَلِكَ دَلِيلٌ نَحْوُ قَوْلِكَ: بَلى وعَمْرًا، جَوابًا لِمَن. قالَ: ألَمْ تَضْرِبْ زَيْدًا ؟ ونَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: (”﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ﴾ [الأعراف: ١٦٠]) فانْفَجَرَتْ، أيْ فَضَرَبَ فانْفَجَرَتْ. ونَدَرَ حَذْفُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ مَعَ أوْ، نَحْوُ قَوْلِهِ: ؎فَهَلْ لَكَ أوْ مِن والِدٍ لَكَ قَبْلَنا أرادَ: فَهَلْ لَكَ مِن أخٍ أوْ مِن والِدٍ ؟ ومَعَ حَتّى عَلى نَظَرٍ فِيهِ في قَوْلِهِ: ؎فَيا عَجَبًا حَتّى كُلَيْبٌ تُسُبُّنِي أيْ: يَسُبُّنِي النّاسُ حَتّى كُلَيْبٌ، لَكِنَّ الَّذِي سُمِعَ مِن كَلامِ العَرَبِ حَذْفُ أمِ المُتَّصِلَةِ مَعَ المَعْطُوفِ، قالَ: ؎دَعانِي إلَيْها القَلْبُ إنِّي لِأمْرِها ∗∗∗ سَمِيعٌ فَما أدْرِي أرُشْدٌ طِلابُها يُرِيدُ: أمْ غَيْرُ رُشْدٍ، فَحُذِفَ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، وإنَّما جازَ ذَلِكَ لِأنَّ المُسْتَفْهِمَ عَنِ الإثْباتِ يَتَضَمَّنُ نَقِيضَهُ. فالمَعْنى: أقامَ زَيْدٌ أمْ لَمْ يَقُمْ، ولِذَلِكَ صَلَحَ الجَوابُ أنْ يَكُونَ بِنِعَمْ وبِلا، فَلِذَلِكَ جازَ ذَلِكَ في البَيْتِ في قَوْلِهِ: أرُشْدٌ طِلابُها، أيْ أمْ غَيْرُ رُشْدٍ. ويَجُوزُ حَذْفُ الثَّوانِي المُقابِلاتِ إذا دَلَّ عَلَيْها المَعْنى. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]، كَيْفَ حَذَفَ والبَرْدَ ؟ .“ إذْ حَضَرَ ”العامِلُ في إذْ“ شُهَداءَ ”، وذَلِكَ عَلى جِهَةِ الظَّرْفِ لا عَلى جِهَةِ المَفْعُولِ، كَأنَّهُ قِيلَ: حاضِرِي كَلامِهِ في وقْتِ حُضُورِ المَوْتِ، وكَنّى بِالمَوْتِ عَنْ مُقَدِّماتِهِ لِأنَّهُ إذا حَضَرَ المَوْتُ نَفْسُهُ لا يَقُولُ المُحْتَضِرُ شَيْئًا، ومِنهُ: ﴿ويَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ وما هو بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم: ١٧]، أيْ ويَأْتِيهِ دَواعِيهِ وأسْبابُهُ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎وقُلْ لَهم بادِرُوا العُذْرَ والتَمِسُوا ∗∗∗ قَوْلًا يُبَرِّئُكم إنِّي أنا المَوْتُ وفِي قَوْلِهِ: حَضَرَ، كِنايَةٌ غَرِيبَةٌ، إنَّهُ غائِبٌ لا بُدَّ أنْ يَقْدَمَ، ولِذَلِكَ يُقالُ في الدُّعاءِ: واجْعَلِ المَوْتَ خَيْرَ غائِبٍ نَنْتَظِرُهُ. وقُرِئَ: حَضِرَ بِكَسْرِ الضّادِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ ذَلِكَ لُغَةٌ، وأنَّ مُضارِعَها بِضَمِّ الضّادِ شاذٌّ، وقُدِّمَ (p-٤٠٢)المَفْعُولُ هُنا عَلى الفاعِلِ لِلِاعْتِناءِ. ﴿إذْ قالَ لِبَنِيهِ﴾، إذْ: بَدَلٌ مِن إذْ في قَوْلِهِ: إذْ حَضَرَ، فالعامِلُ فِيهِ إمّا“ شُهَداءَ ”العامِلَةُ في إذِ الأُولى عَلى قَوْلِ مَن زَعَمَ أنَّ العامِلَ في البَدَلِ العامِلِ في المُبْدَلِ مِنهُ، وإمّا“ شُهَداءَ ”مُكَرَّرَةٌ عَلى قَوْلِ مَن زَعَمَ أنَّ البَدَلَ عَلى تَكْرارِ العامِلِ. وزَعَمَ القَفّالُ أنَّ“ إذا ”وقْتٌ لِلْحُضُورِ، فالعامِلُ فِيهِ حَضَرَ، وهو يَئُولُ إلى اتِّحادِ الظَّرْفَيْنِ، وإنِ اخْتَلَفَ عامِلُهُما. ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي﴾ ما: اسْتِفْهامٌ عَمّا لا يَعْقِلُ، وهو اسْمٌ تامٌّ مَنصُوبٌ بِالفِعْلِ بَعْدَهُ. فَعَلى قَوْلِ مَن زَعَمَ أنَّ ما مُبْهَمَةٌ في كُلِّ شَيْءٍ، يَكُونُ هُنا يَقَعُ عَلى مَن يَعْقِلُ وما لا يَعْقِلُ؛ لِأنَّهُ قَدْ عُبِدَ بَنُو آدَمَ والمَلائِكَةُ والشَّمْسُ والقَمَرُ وبَعْضُ النُّجُومِ، والأوْثانُ المَنحُوتَةُ، وأمّا مَن يَذْهَبُ إلى تَخْصِيصِ ما بِغَيْرِ العاقِلِ، فَقِيلَ: هو سُؤالٌ عَنْ صِفَةِ المَعْبُودِ؛ لِأنَّ ما يُسْألُ بِها عَنِ الصِّفاتِ تَقُولُ: ما زَيْدٌ، أفَقِيهٌ أمْ شاعِرٌ ؟ وقِيلَ: سَألَ بِما لِأنَّ المَعْبُوداتِ المُتَعارِفَةَ في ذَلِكَ الوَقْتِ كانَتْ جَماداتٍ، كالأوْثانِ والنّارِ والشَّمْسِ والحِجارَةِ، فاسْتَفْهَمَ بِما الَّتِي يُسْتَفْهَمُ بِها عَمّا لا يَعْقِلُ. وفَهِمَ عَنْهُ بَنُوهُ فَأجابُوهُ: بِأنّا لا نَعْبُدُ شَيْئًا مِن هَؤُلاءِ. وقِيلَ: اسْتَفْهَمَ بِـ“ ما ”عَنِ المَعْبُودِ تَجْرِبَةً لَهم، ولَمْ يَقُلْ“ مَن ”لِئَلّا يَطْرُقَ لَهُمُ الِاهْتِداءُ، وإنَّما أرادَ أنْ يَخْتَبِرَهم ويَنْظُرَ ثُبُوتَهم عَلى ما هم عَلَيْهِ. وظاهِرُ الكَلامِ أنَّهُ اسْتَفْهَمَ عَنِ الَّذِي يَعْبُدُونَ، أيِ العِبادَةِ المَشْرُوعَةِ ؟ وقالَ القَفّالُ: دَعاهم إلى أنْ لا يَتَحَرَّوْا في أعْمالِهِمْ غَيْرَ وجْهِ اللَّهِ تَعالى، ولَمْ يَخَفْ عَلَيْهِمُ الِاشْتِغالَ بِعِبادَةِ الأصْنامِ، وإنَّما خافَ عَلَيْهِمْ أنْ تَشْغَلَهم دُنْياهم. وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ شَفَقَةَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلى أوْلادِهِمْ كانَتْ في بابِ الدِّينِ، وهِمَّتُهم مَصْرُوفَةٌ إلَيْهِمْ.“ مِن بَعْدِي ”: يُرِيدُ مِن بَعْدِ مَوْتِي، وحُكِيَ أنَّ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ خُيِّرَ، كَما يُخَيَّرُ الأنْبِياءُ، اخْتارَ المَوْتَ وقالَ: أمْهِلُونِي حَتّى أُوصِيَ بَنِيَّ وأهْلِي، فَجَمَعَهم وقالَ لَهم هَذا القَوْلَ. ﴿قالُوا نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾: هَذِهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ. وقَرَأ أُبَيٌّ: وإلَهَ إبْراهِيمَ، بِإسْقاطِ آبائِكَ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وابْنُ يَعْمَرَ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو رَجاءٍ: وإلَهَ أبِيكَ. فَأمّا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، فَإبْراهِيمُ وما بَعْدَهُ بَدَلٌ مِن آبائِكَ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ. وإذا كانَ بَدَلًا، فَهو مِنَ البَدَلِ التَّفْصِيلِيِّ، ولَوْ قُرِئَ فِيهِ بِالقَطْعِ، لَكانَ ذَلِكَ جائِزًا. وأجازَ المَهْدَوِيُّ أنْ يَكُونَ إبْراهِيمُ وما بَعْدَهُ مَنصُوبًا عَلى إضْمارِ أعْنِي: وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ العَمَّ يُطْلَقُ عَلَيْهِ أبٌ. وقَدْ جاءَ في العَبّاسِ: هَذا بَقِيَّةُ آبائِي، ورُدُّوا عَلَيَّ أبِي، وأنا ابْنُ الذَّبِيحَيْنِ، عَلى القَوْلِ الشَّهِيرِ: أنَّ الذَّبِيحَ هو إسْحاقُ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الجَدَّ يُسَمّى أبًا لِقَوْلِهِ: ﴿وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ﴾، وإبْراهِيمُ جَدٌّ لِيَعْقُوبَ. وقَدِ اسْتَدَلَّ ابْنُ عَبّاسٍ بِذَلِكَ وبِقَوْلِهِ: ﴿واتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ [يوسف: ٣٨] عَلى تَوْرِيثِ الجَدِّ دُونَ الإخْوَةِ، وإنْزالِهِ مَنزِلَةَ الأبِ في المِيراثِ، عِنْدَ فَقْدِ الأبِ، وأنْ لا يَخْتَلِفَ حُكْمُهُ وحُكْمُ الأبِ في المِيراثِ، إذا لَمْ يَكُنْ أبٌ، وهو مَذْهَبُ الصِّدِّيقِ وجَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ - رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ - وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ. وقالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: هو بِمَنزِلَةِ الإخْوَةِ، ما لَمْ تَنْقُصْهُ المُقاسَمَةُ مِنَ الثُّلُثِ، فَيُعْطى الثُّلُثَ، ولَمْ يَنْقُصْ مِنهُ شَيْئًا، وبِهِ قالَ مالِكٌ وأبُو يُوسُفَ والشّافِعِيُّ. وقالَ عَلِيٌّ: هو بِمَنزِلَةِ أحَدِ الإخْوَةِ، ما لَمْ تَنْقُصْهُ المُقاسَمَةُ مِنَ السُّدُسِ، فَيُعْطى السُّدُسَ، ولَمْ يَنْقُصْ مِنهُ شَيْئًا، وبِهِ قالَ ابْنُ أبِي لَيْلى، وحُجَجُ هَذِهِ الأقْوالِ في كُتُبِ الفِقْهِ. وأمّا قِراءَةُ أُبَيٍّ فَظاهِرَةٌ، وأمّا عَلى قِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ ومَن ذُكِرَ مَعَهُ، فالظّاهِرُ أنَّ لَفْظَ أبِيكَ أُرِيدَ بِهِ الإفْرادُ ويَكُونُ إبْراهِيمُ بَدَلًا مِنهُ، أوْ عَطْفَ بَيانٍ. وقِيلَ: هو جَمْعٌ سَقَطَتْ مِنهُ النُّونُ لِلْإضافَةِ، فَقَدْ جُمِعَ“ أبٌ " عَلى أبِينَ نَصْبًا وجَرًّا، وأبُونَ رَفْعًا، حَكى ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎فَلَمّا تَبَيَّنَّ أصْواتَنا ∗∗∗ بَكَيْنَ وفَدَيْنَنا بِالأبِينا وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ إعْرابُ إبْراهِيمَ مِثْلَ إعْرابِهِ حِينَ كانَ جَمْعَ تَكْسِيرٍ. وفي إجابَتِهِمْ لَهُ بِإظْهارِ (p-٤٠٣)الفِعْلِ تَأْكِيدٌ لِما أجابُوهُ بِهِ، إذْ كانَ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: قالُوا إلَهَكَ، فَتَصْرِيحُهم بِالفِعْلِ تَأْكِيدٌ في الجَوابِ أنَّهُ مُطابِقٌ لِلسُّؤالِ، أعْنِي في العامِلِ المَلْفُوظِ بِهِ في السُّؤالِ. وإضافَةُ الإلَهِ إلى يَعْقُوبَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى اتِّحادِ مَعْبُودِ السّائِلِ والمُجِيبِ لَفْظًا. وفي قَوْلِهِ: (وإلَهَ آبائِكَ) دَلِيلٌ عَلى اتِّحادِ المَعْبُودِ أيْضًا مِن حَيْثُ اللَّفْظُ، وإنَّما كُرِّرَ لَفْظُ وإلَهَ؛ لِأنَّهُ لا يَصِحُّ العَطْفُ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ إلّا بِإعادَةِ جارِّهِ، إلّا في الشِّعْرِ، أوْ عَلى مَذْهَبِ مَن يَرى ذَلِكَ، وهو عِنْدَهُ قَلِيلٌ. فَلَوْ كانَ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ ظاهِرًا، لَكانَ حَذْفُ الجارِّ إذا كانَ اسْمًا، أوْلى مِن إثْباتِهِ، لِما يُوهِمُ إثْباتُهُ مِنَ المُغايَرَةِ. فَإنَّ حَذْفَهُ يَدُلُّ عَلى الِاتِّحادِ. وبَدَأ أوَّلًا بِإضافَةِ الإلَهِ إلى يَعْقُوبَ؛ لِأنَّهُ هو السّائِلُ، وقَدَّمَ إبْراهِيمَ؛ لِأنَّهُ الأصْلُ، وقَدَّمَ إسْماعِيلَ عَلى إسْحاقَ؛ لِأنَّهُ أسَنُّ أوْ أفْضَلُ، لِكَوْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن ذُرِّيَّتِهِ، وهو في عَمُودِ نَسَبِهِ. واقْتَصَرَ عَلى هَؤُلاءِ، لِأنَّهم كانُوا خَيْرَ النّاسِ في أزْمانِهِمْ، ولَمْ يُعِمَّ؛ لِأنَّ النّاسَ كانَ لَهم مَعْبُودُونَ كَثِيرُونَ دُونَ اللَّهِ. ﴿إلَهًا واحِدًا﴾: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا، وهو بَدَلُ نَكِرَةٍ مَوْصُوفَةٍ مِن مَعْرِفَةٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا، ويَكُونُ حالًا مُوَطِّئَةً نَحْوَ: رَأيْتُكَ رَجُلًا صالِحًا. فالمَقْصُودُ إنَّما هو الوَصْفُ، وجِيءَ بِاسْمِ الذّاتِ تَوْطِئَةً لِلْوَصْفِ. وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى الِاخْتِصاصِ، أيْ يُرِيدُ بِإلَهِكَ إلَهًا واحِدًا. وقَدْ نَصَّ النَّحْوِيُّونَ عَلى أنَّ المَنصُوبَ عَلى الِاخْتِصاصِ لا يَكُونُ نَكِرَةً ولا مُبْهَمًا. وفائِدَةُ هَذِهِ الحالِ، أوِ البَدَلِ، هو التَّنْصِيصُ عَلى أنَّ مَعْبُودَهم واحِدٌ فَرْدٌ، إذْ قَدْ تُوهِمُ إضافَةُ الشَّيْءِ إلى كَثِيرِينَ تَعْدادَ ذَلِكَ المُضافِ، فَنَهَضَ بِهَذِهِ الحالِ أوِ البَدَلِ عَلى نَفْيِ ذَلِكَ الإيهامِ. ﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾: أيْ مُنْقادُونَ لَمّا ذَكَرَ الجَوابَ بِالفِعْلِ الَّذِي هو نَعْبُدُ؛ لِأنَّ العِبادَةَ مُتَجَدِّدَةٌ دائِمًا. ذَكَرَ هَذِهِ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ المُخْبَرَ عَنِ المُبْتَدَأِ فِيها بِاسْمِ الفاعِلِ الدّالِّ عَلى الثُّبُوتِ؛ لِأنَّ الِانْقِيادَ لا يَنْفَكُّونَ عَنْهُ دائِمًا، وعَنْهُ تَكُونُ العِبادَةُ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ أحَدَ جُمْلَتَيِ الجَوابِ. فَأجابُوهُ بِشَيْئَيْنِ: أحَدُهُما: الَّذِي سَألَ عَنْهُ، والثّانِي: مُؤَكِّدٌ لِما أجابُوا بِهِ، فَيَكُونُ مِن بابِ الجَوابِ المُرْبِي عَلى السُّؤالِ. وأجازَ بَعْضُهم أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ حالِيَّةً مِنَ الضَّمِيرِ في نَعْبُدُ، والأوَّلُ أبْلَغُ، وهو أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةً عَلى قَوْلِهِ: (نَعْبُدُ)، فَيَكُونُ أحَدَ شِقَّيِ الجَوابِ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ تَكُونَ جُمْلَةً اعْتِراضِيَّةً مُؤَكِّدَةً، أيْ: ومِن حالِنا أنّا نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ مُخْلِصُونَ التَّوْحِيدَ أوْ مُذْعِنُونَ. والَّذِي ذَكَرَهُ النَّحْوِيُّونَ أنَّ جُمْلَةَ الِاعْتِراضِ هي الجُمْلَةُ الَّتِي تُفِيدُ تَقْوِيَةً بَيْنَ جُزْأيْ مَوْصُولٍ وصِلَةٍ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ؎ماذا ولا عَتْبَ في المَقْدُورِ رُمْتُ ∗∗∗ إمّا تُخَطِّيكَ بِالنُّجْحِ أمْ خُسْرٍ وتَضْلِيلِ (p-٤٠٤)(وقالَ): ؎ذاكَ الَّذِي وأبِيكَ يَعْرِفُ مالِكا ∗∗∗ والحَقُّ يَدْفَعُ تُرَّهاتِ الباطِلِ أوْ بَيْنَ جُزْأيْ إسْنادٍ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ؎وقَدْ أدْرَكَتْنِي والحَوادِثُ جَمَّةٌ ∗∗∗ أسِنَّةُ قَوْمٍ لا ضِعافٌ ولا عُزْلُ أوْ بَيْنَ فِعْلِ شَرْطٍ وجَزائِهِ، أوْ بَيْنَ قَسَمٍ وجَوابِهِ، أوْ بَيْنَ مَنعُوتٍ ونَعْتِهِ، أوْ ما أشْبَهَ ذَلِكَ مِمّا بَيْنَهُما تَلازُمٌ ما. وهَذِهِ الجُمْلَةُ الَّتِي هي قَوْلُهُ: ﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ لَيْسَتْ مِن هَذا البابِ؛ لِأنَّ قَبْلَها كَلامًا مُسْتَقِلًّا، وبَعْدَها كَلامٌ مُسْتَقِلٌّ، وهو قَوْلُهُ: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ [البقرة: ١٣٤] . لا يُقالُ: إنَّ بَيْنَ المُشارِ إلَيْهِ وبَيْنَ الإخْبارِ عَنْهُ تَلازُمٌ يَصِحُّ بِهِ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةً؛ لِأنَّ ما قَبْلَها مِن كَلامِ بَنِي يَعْقُوبَ، حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم، وما بَعْدَها مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، أخْبَرَ عَنْهم بِما أخْبَرَ تَعالى. والجُمْلَةُ الِاعْتِراضِيَّةُ الواقِعَةُ بَيْنَ مُتَلازِمَيْنِ لا تَكُونُ إلّا مِنَ النّاطِقِ بِالمُتَلازِمَيْنِ، يُؤَكِّدُ بِها ويُقَوِّي ما تَضَمَّنَ كَلامُهُ. فَتَبَيَّنَ بِهَذا كُلِّهِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ لَيْسَ جُمْلَةً اعْتِراضِيَّةً. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، أيْ: كَذَلِكَ كُنّا ونَحْنُ نَكُونُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ. والعامِلُ نَعْبُدُ والتَّأْوِيلُ الأوَّلُ أمْدَحُ. انْتَهى كَلامُهُ. ويَظْهَرُ مِنهُ أنَّهُ جَعَلَ الجُمْلَةَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ، وهي قَوْلُهُ: كَذَلِكَ كُنّا، ولا حاجَةَ إلى تَكَلُّفِ هَذا الإضْمارِ؛ لِأنَّهُ يَصِحُّ عَطْفُها عَلى نَعْبُدُ إلَهَكَ، كَما ذَكَرْناهُ وقَرَّرْناهُ قَبْلُ. ومَتى أمْكَنَ حَمْلُ الكَلامِ عَلى غَيْرِ إضْمارٍ مَعَ صِحَّةِ المَعْنى، كانَ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى الإضْمارِ. وفِي المُنْتَخَبِ ما مُلَخَّصُهُ تَمَسَّكَ بِهَذِهِ الآيَةِ المُقَلِّدَةُ، وقالُوا: إنْ أبْناءَ يَعْقُوبَ اكْتَفَوْا بِالتَّقْلِيدِ، ولَمْ يُنْكِرْهُ هو عَلَيْهِمْ، فَدَلَّ عَلى أنَّ التَّقْلِيدَ كافٍ، واسْتَدَلَّ بِها التَّعْلِيمِيَّةُ، قالُوا: لا طَرِيقَ لِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى إلّا بِتَعْلِيمِ الرَّسُولِ والإمامِ، فَإنَّهم لَمْ يَقُولُوا: نَعْبُدُ الإلَهَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ العَقْلُ، بَلْ قالُوا: لا نَعْبُدُ إلّا الَّذِي أنْتَ تَعْبُدُهُ وآباؤُكَ تَعْبُدُهُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ طَرِيقَةَ المَعْرِفَةِ التَّعَلُّمُ. وما ذَهَبُوا إلَيْهِ لا دَلِيلَ في الآيَةِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ الآيَةَ لَمْ تَتَضَمَّنْ إلّا الإقْرارَ بِعِبادَةِ الإلَهِ. والإقْرارُ بِالعِبادَةِ لِلَّهِ لا تَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ ناشِئٌ عَنْ تَقْلِيدٍ، ولا تَعْلِيمٍ، ولا أنَّهُ أيْضًا ناشِئٌ عَنِ اسْتِدْلالٍ بِالعَقْلِ، فَبَطَلَ تَمَسُّكُهم بِالآيَةِ. وإنَّما لَمْ تَتَعَرَّضِ الآيَةُ لِلِاسْتِدْلالِ العَقْلِيِّ، لِأنَّها لَمْ تَجِئْ في مَعْرِضِ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ إنَّما سَألَهم عَمّا يَعْبُدُونَهُ مِن بَعْدِ مَوْتِهِ، فَأحالُوهُ عَلى مَعْبُودِهِ ومَعْبُودِ آبائِهِ، وهو اللَّهُ تَعالى، وكانَ ذَلِكَ أخْصَرَ في القَوْلِ مِن شَرْحِ صِفاتِهِ تَعالى مِنَ الوَحْدانِيَّةِ والعِلْمِ والقُدْرَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن صِفاتِهِ، وأقْرَبَ إلى سُكُونِ نَفْسِ يَعْقُوبَ، فَكَأنَّهم قالُوا: لَسْنا نَجْرِي إلّا عَلى طَرِيقَتِكَ. وقَدْ يُقالُ: إنَّ في قَوْلِهِ: ﴿نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ﴾ إشارَةً إلى الِاسْتِدْلالِ العَقْلِيِّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ؛ لِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿ياأيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١]، فَمُرادُهم هُنا بِقَوْلِهِمْ: ﴿نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ﴾ الإلَهُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ وُجُودُ آبائِكَ، وهَذا إشارَةٌ إلى الِاسْتِدْلالِ.

البقرة 2:134

﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾، تِلْكَ: إشارَةٌ إلى إبْراهِيمَ ويَعْقُوبَ وأبْنائِهِما. ومَعْنى خَلَتْ: ماتَتْ وانْقَضَتْ وصارَتْ إلى الخَلاءِ، وهو الأرْضُ الَّذِي لا أنِيسَ بِهِ. والمُخاطَبُ هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى الَّذِينَ ادَّعَوْا لِإبْراهِيمَ وبَنِيهِ اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: قَدْ خَلَتْ، صِفَةٌ لِأُمَّةٍ. ﴿لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ﴾: أيْ تِلْكَ الأُمَّةُ مُخْتَصَّةٌ بِجَزاءِ ما كَسَبَتْ، كَما أنَّكم كَذَلِكَ مُخْتَصُّونَ بِجَزاءِ ما كَسَبْتُمْ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، فَلا يَنْفَعُ أحَدًا كَسْبُ غَيْرِهِ. وظاهِرُ ”ما“ أنَّها مَوْصُولَةٌ وحُذِفَ العائِدُ، أيْ لَها ما كَسَبَتْهُ. وجَوَّزُوا أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، أيْ لَها كَسْبُها، وكَذَلِكَ ما في قَوْلِهِ: ﴿ولَكم ما كَسَبْتُمْ﴾ . ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَها ما كَسَبَتْ﴾ اسْتِئْنافًا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةً حالِيَّةً مِنَ الضَّمِيرِ في خَلَتْ، أيِ انْقَضَتْ مُسْتَقِرًّا ثابِتًا، لَها ما كَسَبَتْ. والأظْهَرُ الأوَّلُ؛ لِعَطْفِ قَوْلِهِ: ﴿ولَكم ما كَسَبْتُمْ﴾ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لَها ما كَسَبَتْ﴾ . (p-٤٠٥)ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ﴿ولَكم ما كَسَبْتُمْ﴾ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ الحالِ قَبْلَها، لِاخْتِلافِ زَمانِ اسْتِقْرارِ كَسْبِها لَها. وزَمانِ اسْتِقْرارِ كَسْبِ المُخاطَبِينَ، وعَطْفُ الحالِ عَلى الحالِ، يُوجِبُ اتِّحادَ الزَّمانِ. افْتَخَرُوا بِأسْلافِهِمْ، فَأُخْبِرُوا أنَّ أحَدًا لا يَنْفَعُ أحَدًا، مُتَقَدِّمًا كانَ أوْ مُتَأخِّرًا. ورُوِيَ: يا بَنِي هاشِمَ لا يَأْتِينِي النّاسُ بِأعْمالِهِمْ وتَأْتُونِي بِأنْسابِكم؛ يا فاطِمَةُ، لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي هَذا الآيَةِ رَدٌّ عَلى الجَبْرِيَّةِ القائِلِينَ: لا اكْتِسابَ لِلْعَبْدِ. انْتَهى. وهَذِهِ مَسْألَةٌ يُبْحَثُ فِيها في أُصُولِ الدِّينِ، وهي مِنَ المَسائِلِ المُعْضِلَةِ، ومَذاهِبُ أهْلِ الإسْلامِ فِيها أرْبَعَةٌ. أحَدُها: قَوْلُ الجَبْرِيَّةِ، وهو أنَّ العَبْدَ مَجْبُورٌ عَلى فِعْلِهِ، وأنَّهُ لا اخْتِيارَ لَهُ في ذَلِكَ، بَلْ هو مُلْجَأٌ إلَيْهِ، وأنَّ نِسْبَةَ الفِعْلِ إلَيْهِ كَنِسْبَةِ حَرَكَةِ الغُصْنِ إلَيْهِ، إذا حَرَّكَهُ مُحَرِّكٌ. والثّانِي: قَوْلُ القَدَرِيَّةِ، وهو أنَّهم لَيْسُوا مَجْبُورِينَ عَلى الفِعْلِ بَلْ لَهم قُدْرَةٌ عَلى إيجادِ الفِعْلِ. والثّالِثُ: قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ، أنَّ العَبْدَ لَهُ قُدْرَةٌ يَخْلُقُها اللَّهُ لَهُ قَبْلَ الفِعْلِ، وهو مُتَمَكِّنٌ مِن إيقاعِهِ وعَدَمِ إيقاعِهِ. والرّابِعُ: مَذْهَبٌ أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ: أنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ لِلْعَبْدِ تَمْكِينًا وقُدْرَةً مَعَ الفِعْلِ يَفْعَلُ بِها الخَيْرَ والشَّرَّ، لا عَلى سَبِيلِ الِاضْطِرارِ والإلْجاءِ، وهَذا التَّمْكِينُ هو مَناطُ التَّكْلِيفِ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ العِقابُ والثَّوابُ. ثُمَّ بَعْدَ اتِّفاقِهِمْ عَلى هَذا الأصْلِ، اخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِهِ عَلى ثَلاثَةِ تَفاسِيرَ: أحَدُها: قَوْلُ أبِي الحَسَنِ: أنَّ القُدْرَةَ صِفَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالمَقْدُورِ مِن غَيْرِ تَأْثِيرٍ في المَقْدُورِ، بَلِ القُدْرَةُ والمَقْدُورُ حَصَلا بِخَلْقِ اللَّهِ، لَكِنَّ الشَّيْءَ الَّذِي حَصَلَ بِخَلْقِ اللَّهِ، وهو مُتَعَلِّقُ القُدْرَةِ الحادِثَةِ، هو الكَسْبُ. والثّانِي: قَوْلُ الباقِلّانِيُّ: أنَّ ذاتَ الفِعْلِ لَمْ تُحَصِّلْ لَهُ صِفَةَ كَوْنِهِ طاعَةً ومَعْصِيَةً، بَلْ هَذِهِ الصِّفَةُ حَصَلَتْ لَهُ بِالقُدْرَةِ الحادِثَةِ. والثّالِثُ: قَوْلُ أبِي إسْحاقَ الإسْفِرايِينِيِّ: أنَّ القُدْرَتَيْنِ، القَدِيمَةَ والحَدِيثَةَ إذا تَعَلَّقَتا بِمَقْدُورٍ وقَعَ بِهِما، فَكَأنَّ فِعْلَ العَبْدِ يُوقَعُ بِإعانَةٍ، فَهَذا هو الكَسْبُ. ﴿ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾: جُمْلَةٌ تَوْكِيدِيَّةٌ لِما قَبْلَها؛ لِأنَّهُ قَدْ أخْبَرَ بِأنَّ كُلَّ أحَدٍ مُخْتَصٌّ بِكَسْبِهِ مِن خَيْرٍ، وإذا كانَ كَذَلِكَ، فَلا يُسْألُ أحَدٌ عَنْ عَمَلِ أحَدٍ. فَكَما أنَّهُ لا يَنْفَعُكم حَسَناتُهم، فَكَذَلِكَ لا تُسْألُونَ ولا تُؤاخَذُونَ بِسَيِّئاتِ مَنِ اكْتَسَبَها. ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، كُلُّ شاةٍ بِرِجْلِها تُناطُ. قالُوا: وفي هَذِهِ الآيَةِ وما قَبْلَها، دَلِيلٌ عَلى أنَّ لِلْإنْسانِ أنْ يَحْتَجَّ عَلى غَيْرِهِ بِما يَجْرِي مَجْرى المُناقَضَةِ لِقَوْلِهِ، إفْحامًا لَهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حُجَّةً في نَفْسِهِ؛ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمْ يَحْتَجَّ عَلى نُبُوَّتِهِ بِأمْثالِ هَذِهِ الكَلِماتِ، بَلْ كانَ يَحْتَجُّ بِالمُعْجِزاتِ الباهِرَةِ. لَكِنَّهُ لَمّا أقامَ الحُجَّةَ بِها وأزاحَ العِلَّةَ وجَدَهم مُعانِدِينَ مُسْتَمِرِّينَ عَلى باطِلِهِمْ. فَعِنْدَ ذَلِكَ أوْرَدَ عَلَيْهِمْ مِنَ الحُجَّةِ ما يُجانِسُ ما كانُوا عَلَيْهِ، فَقالَ: إنْ كانَ الدِّينُ بِالِاتِّباعِ، فالمُتَّفَقُ عَلَيْهِ أوْلى. وفي قَوْلِهِ: ﴿لَها ما كَسَبَتْ﴾ إلى آخِرِهِ، دَلالَةٌ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن يَقُولُ بِجَوازِ تَعْذِيبِ أوْلادِ المُشْرِكِينَ بِذُنُوبِ آبائِهِمْ. وفي الآيَةِ قَبْلَها دَلالَةٌ عَلى أنَّ الأبْناءَ يُثابُونَ عَلى طاعَةِ الآباءِ.

البقرة 2:135

﴿وقالُوا كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا﴾: الضَّمِيرُ عائِدٌ في قالُوا عَلى رُؤَساءِ اليَهُودِ الَّذِينَ كانُوا بِالمَدِينَةِ، وعَلى نَصارى نَجْرانَ، وفِيهِمْ نَزَلَتْ. كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، ومالِكُ بْنُ الصَّيْفِ، ووَهْبٌ، وأُبَيُّ بْنُ ياسَ بْنِ أخْطَبَ، والسَّيِّدُ، والعاقِبُ وأصْحابُهُما خاصَمُوا المُسْلِمِينَ في الدِّينِ، كُلُّ فِرْقَةٍ تَزْعُمُ أنَّها أحَقُّ بِدِينِ اللَّهِ مِن غَيْرِها، فَأخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم ورَدَّ عَلَيْهِمْ. وأوْ - هُنا - لِلتَّفْصِيلِ، كَأوْ في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١] . والمَعْنى: وقالَتِ اليَهُودُ كُونُوا هُودًا، وقالَتِ النَّصارى: كُونُوا نَصارى، فالمَجْمُوعُ قالُوا لِلْمَجْمُوعِ، لا أنَّ كُلَّ فَرْدٍ أمَرَ بِاتِّباعِ أيِّ المِلَّتَيْنِ. وقَدْ تَقَدَّمَ إيضاحُ ذَلِكَ وإشْباعُ الكَلامِ فِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ﴾ [البقرة: ١١١] . ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾: قَرَأ الجُمْهُورُ: بِنَصْبِ مِلَّةَ بِإضْمارِ فِعْلٍ. أمّا عَلى المَفْعُولِ، أيْ بَلْ نَتَّبِعُ مِلَّةً؛ لِأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى﴾: اتَّبِعُوا اليَهُودِيَّةَ أوِ النَّصْرانِيَّةَ. وأمّا عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ، أيْ بَلْ تَكُونُ مِلَّةَ إبْراهِيمَ، (p-٤٠٦)أيْ أهْلُ مِلَّةِ إبْراهِيمَ، كَما قالَ عَدِيُّ بْنُ حاتِمٍ، إنِّي مِن دِينٍ، أيْ مِن أهْلِ دِينٍ؛ قالَهُ الزَّجّاحُ. وأمّا عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ، أيِ الزَمُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ، قالَهُ أبُو عُبَيْدٍ. وأمّا عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ، أيْ نَقْتَدِي مِلَّةً، أيْ بِمِلَّةٍ، وهو يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلْكُفّارِ، فَيَكُونُ المُضْمَرُ اتَّبِعُوا أوْ كُونُوا. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ المُؤْمِنِينَ، فَيُقَدَّرُ بِـ”نَتَّبِعُ“، أوْ تَكُونُ أوْ نَقْتَدِي عَلى ما تَقَدَّمَ تَقْدِيرُهُ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ الأعْرَجُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ﴿بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾، بِرَفْعِ مِلَّةٍ، وهو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ بَلِ الهُدى مِلَّةُ، أوْ أمْرُنا مِلَّتُهُ، أوْ نَحْنُ مِلَّتُهُ، أيْ أهْلُ مِلَّتِهِ، أوْ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أيْ بَلْ مِلَّةُ إبْراهِيمَ حَنِيفًا مِلَّتُنا. (حَنِيفًا): ذَكَرُوا أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ مِن إبْراهِيمَ، أيْ في حالِ حَنِيفِيَّتِهِ، قالَهُ المَهْدَوِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ والزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهم. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَقَوْلِكَ رَأيْتُ وجْهَ هِنْدٍ قائِمَةً، وأنَّهُ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، حَكاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ: لِأنَّ الحالَ تَعَلَّقَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ. انْتَهى. وتَقْدِيرُ الفِعْلِ نَتَّبِعُ حَنِيفًا، وأنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى القَطْعِ، حَكّاهُ السَّجاوِنْدِيُّ، وهو تَخْرِيجٌ كُوفِيٌّ؛ لِأنَّ النَّصْبَ عَلى القَطْعِ إنَّما هو مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ. وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ فِيهِ، واخْتِلافُ الفَرّاءِ والكِسائِيِّ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ الحَنِيفِ، فَلَمّا نَكَرَّهُ، لَمْ يُمْكِنِ اتِّباعُهُ إيّاهُ، فَنَصَبَهُ عَلى القَطْعِ. أمّا الحالُ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ، إذا كانَ المُضافُ غَيْرَ عامِلٍ في المُضافِ إلَيْهِ قَبْلَ الإضافَةِ، فَنَحْنُ لا نُجِيزُ، سَواءٌ كانَ جُزْءًا مِمّا أُضِيفَ إلَيْهِ أوْ كالجُزْءِ أوْ غَيْرَ ذَلِكَ. وقَدْ أمْعَنّا الكَلامَ عَلى ذَلِكَ في (كِتابِ مَنهَجِ المَسالِكِ) مِن تَأْلِيفِنا. وأمّا النَّصْبُ عَلى القَطْعِ فَقَدْ رَدَّ هَذا الأصْلَ البَصْرِيُّونَ. وأمّا إضْمارُ الفِعْلِ فَهو قَرِيبٌ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الحالِ مِنَ المُضافِ، وذُكِرَ حَنِيفًا ولَمْ يُؤَنَّثْ لِتَأْنِيثِ مِلَّةٍ؛ لِأنَّهُ حُمِلَ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ المِلَّةَ هي الدِّينُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: نَتَّبِعُ دِينَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا. وعَلى هَذا خَرَّجَهُ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ الشَّجَرِيِّ في المَجْلِسِ الثّالِثِ مِن أمالِيهِ. قالَ: قِيلَ إنَّ حَنِيفًا حالٌ مِن إبْراهِيمَ، وأوْجَهُ مِن ذَلِكَ عِنْدِي أنْ يَجْعَلَهُ حالًا مِنَ المِلَّةِ، وإنْ خالَفَها بِالتَّذْكِيرِ؛ لِأنَّ المِلَّةَ في مَعْنى الدِّينِ، ألا تَرى أنَّها قَدْ أُبْدِلَتْ مِنَ الدِّينِ في قَوْلِهِ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ [الأنعام: ١٦١] ؟ فَإذا جَعَلْتَ حَنِيفًا حالًا مِنَ المِلَّةِ، فالنّاصِبُ لَهُ هو النّاصِبُ لِلْمِلَّةِ، وتَقْدِيرُهُ: بَلْ نَتَّبِعُ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا، وإنَّما ضَعِّفَ الحالُ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ؛ لِأنَّ العامِلَ في الحالِ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ هو العامِلَ في ذِي الحالِ. انْتَهى كَلامُهُ. وتَكُونُ حالًا لازِمَةً؛ لِأنَّ دِينَ إبْراهِيمَ لَمْ يَنْفَكَّ عَنِ الحَنِيفِيَّةِ، وكَذَلِكَ يَلْزَمُ مِن جَعْلِ حَنِيفًا حالًا مِن إبْراهِيمَ أنْ يَكُونَ حالًا لازِمَةً؛ لِأنَّ إبْراهِيمَ لَمْ يَنْفَكَّ عَنِ الحَنِيفِيَّةِ. والحَنِيفُ: هو المائِلُ عَنِ الأدْيانِ كُلِّها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ أوِ المائِلُ عَمّا عَلَيْهِ العامَّةُ، قالَهُ الزَّجّاجُ، أوِ المُسْتَقِيمُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ؛ أوِ الحاجُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا؛ وابْنُ الحَنَيفِيَّةِ، أوِ المُتَّبِعُ، قالَهُ مُجاهِدٌ؛ أوِ المُخَلِّصُ، قالَهُ السُّدِّيُّ؛ أوِ المُخالِفُ لِلْكُلِّ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ؛ أوِ المُسْلِمُ، قالَهُ الضَّحّاكُ، قالَ: فَإذا جُمِعَ الحَنِيفُ مَعَ المُسْلِمِ فَهو الحاجُّ، أوِ المُخْتَتِنُ. أوِ الحَنَفُ: هو الِاخْتِتانُ، وإقامَةُ المَناسِكِ، وتَحْرِيمُ الأُمَّهاتِ والبَناتِ والأخَواتِ والعَمّاتِ والخالاتِ، عَشْرَةُ أقْوالٍ مُتَقارِبَةٍ في المَعْنى. وإنَّما خُصَّ إبْراهِيمُ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ، وإنْ كانُوا كُلُّهم مائِلِينَ إلى الحَقِّ، مُسْتَقِيمِي الطَّرِيقَةِ حُنَفاءَ؛ لِأنَّ اللَّهَ اخْتَصَّ إبْراهِيمَ بِالإمامَةِ، لِما سَنَّهُ مِن مَناسِكِ الحَجِّ والخِتانِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن شَرائِعِ الإسْلامِ، مِمّا يُقْتَدى بِهِ إلى قِيامِ السّاعَةِ. وصارَتِ الحَنِيفِيَّةُ عَلَمًا مُمَيِّزًا بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ. وسُمِّيَ بِالحَنِيفِ: مَنِ اتَّبَعَهُ واسْتَقامَ عَلى هَدْيِهِ، وسُمِّي المُنْكِثُ عَلى مِلَّتِهِ بِسائِرِ أسْماءِ المِلَلِ، فَقِيلَ: يَهُودِيٌّ ونَصْرانِيٌّ ومَجُوسِيٌّ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن ضُرُوبِ النِّحَلِ. ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾: أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْبُدُ وثَنًا، ولا شَمْسًا، ولا قَمَرًا، ولا كَوْكَبًا، ولا شَيْئًا غَيْرَ اللَّهِ تَعالى. وكانَ في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مِلَّتَهُ مُخالِفَةٌ لِمِلَّةِ اليَهُودِ والنَّصارى، ولِذَلِكَ أضْرَبَ بِـ”بَلْ“ عَنْهُما، فَثَبَتَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا. وكانَتِ العَرَبُ مِمَّنْ تَدِينُ بِأشْياءَ مِن دِينِ إبْراهِيمَ، ثُمَّ كانَتْ تُشْرِكُ، فَنَفى اللَّهُ عَنْ (p-٤٠٧)إبْراهِيمَ أنْ يَكُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ. وقِيلَ: في الآيَةِ تَعْرِيضٌ بِأهْلِ الكِتابِ وغَيْرِهِمْ؛ لِأنَّ كُلًّا مِنهم يَدَّعِي اتِّباعَ إبْراهِيمَ، وهو عَلى الشِّرْكِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. فَإشْراكُ اليَهُودِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، وإشْراكُ النَّصارى بِقَوْلِهِمْ: ﴿المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، وإشْراكُ غَيْرِهِما بِعِبادَةِ الأوْثانِ وغَيْرِها.

البقرة 2:136

﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ﴾ الآيَةَ، خَرَجَ البُخارِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: كانَ أهْلُ الكِتابِ يَقْرَءُونَ التَّوْراةَ بِالعِبْرانِيَّةِ، ويُفَسِّرُونَها بِالعَرَبِيَّةِ لِأهْلِ الإسْلامِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا تُصَدِّقُوا أهْلَ الكِتابِ ولا تُكَذِّبُوهم، ولَكِنْ قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا - الآيَةَ - فَإنْ كانَ حَقًّا لَمْ تُكَذِّبُوهُ وإنْ كانَ كَذِبًا لَمْ تُصَدِّقُوهُ» . والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (قُولُوا) عائِدٌ عَلى الَّذِينَ قالُوا: ﴿كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١٣٥] . أمَرُوا بِأنْ يَكُونُوا عَلى الحَقِّ، ويُصَرِّحُوا بِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى المُؤْمِنِينَ، وهو أظْهَرُ. وارْتَبَطَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِما قَبْلَها؛ لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ١٣٥]، جَوابًا إلْزامِيًّا، وهو أنَّهم: وما أُمِرُوا بِاتِّباعِ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ، وإنَّما كانَ ذَلِكَ مِنهم عَلى سَبِيلِ التَّقْلِيدِ. هَذا، وكُلُّ طائِفَةٍ مِنهُما تُكَفِّرُ الأُخْرى، أُجِيبُوا بِأنَّ الأوْلى في التَّقْلِيدِ اتِّباعَ إبْراهِيمَ، لِأنَّهم - أعْنِي الطّائِفَتَيْنِ المُخْتَلِفَتَيْنِ - قَدِ اتَّفَقُوا عَلى صِحَّةِ دِينِ إبْراهِيمَ. والأخْذُ بِالمُتَّفَقِ أوْلى مِنَ الأخْذِ بِالمُخْتَلَفِ فِيهِ، إنْ كانَ الدِّينُ بِالتَّقْلِيدِ. فَلَمّا ذَكَرَ هُنا جَوابًا إلْزامِيًّا، ذَكَرَ بَعْدَهُ بُرْهانًا في هَذِهِ الآيَةِ، وهو ظُهُورُ المُعْجِزَةِ عَلَيْهِمْ بِإنْزالِ الآياتِ. وقَدْ ظَهَرَتْ عَلى يَدِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَوَجَبَ الإيمانُ بِنُبُوَّتِهِ. فَإنَّ تَخْصِيصَ بَعْضٍ بِالقَبُولِ وبَعْضٍ بِالرَّدِّ، يُوجِبُ التَّناقُضُ في الدَّلِيلِ، وهو مُمْتَنِعٌ عَقْلًا. ﴿وما أُنْزِلَ إلَيْنا﴾: إنْ كانَ الضَّمِيرُ في قُولُوا لِلْمُؤْمِنِينَ، فالمُنَزَّلُ إلَيْهِمْ هو القُرْآنُ، وصَحَّ نِسْبَةُ إنْزالِهِ إلَيْهِمْ، لِأنَّهم فِيهِ هُمُ المُخاطَبُونَ بِتَكالِيفِهِ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وتَعْدِيَةُ أُنْزِلَ بِإلى، دَلِيلٌ عَلى انْتِهاءِ المُنَزَّلِ إلَيْهِمْ. وإنْ كانَ الضَّمِيرُ في قُولُوا عائِدًا عَلى اليَهُودِ والنَّصارى، فالمُنَزَّلُ إلى اليَهُودِ: التَّوْراةُ، والمُنَزَّلُ إلى النَّصارى: الإنْجِيلُ، ويَلْزَمُ مِنَ الإيمانِ بِهِما، الإيمانُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ويَصِحُّ أنْ يُرادَ بِالمُنَزَّلِ إلَيْهِمُ: القُرْآنُ؛ لِأنَّهم أُمِرُوا بِاتِّباعِهِ، وبِالإيمانِ بِهِ، وبِمَن جاءَ عَلى يَدَيْهِ. ﴿وما أُنْزِلَ إلى إبْراهِيمَ﴾: الَّذِي أُنْزِلَ عَلى إبْراهِيمَ عَشْرُ صَحائِفَ. قالَ: ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾ [الأعلى: ١٨] ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ [الأعلى: ١٩]، وكَرَّرَ المَوْصُولُ؛ لِأنَّ المُنَزَّلَ إلَيْنا - وهو القُرْآنُ - غَيْرُ تِلْكَ الصَّحائِفَ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلى إبْراهِيمَ. فَلَوْ حُذِفَ المَوْصُولُ، لَأوْهَمَ أنَّ المُنَزَّلَ إلَيْنا هو المُنَزَّلُ إلى إبْراهِيمَ، قالُوا: ولَمْ يُنَزَّلْ إلى إسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ، وعُطِفُوا عَلى إبْراهِيمَ، لِأنَّهم كُلِّفُوا العَمَلَ بِهِ والدُّعاءَ إلَيْهِ، فَأُضِيفَ الإنْزالُ إلَيْهِمْ، كَما أُضِيفَ في قَوْلِهِ: ﴿وما أُنْزِلَ إلَيْنا﴾ . والأسْباطُ هم أوْلادُ يَعْقُوبَ، وهُمُ اثْنا عَشَرَ سِبْطًا. قالَ الشَّرِيفُ أبُو البَرَكاتِ الجَوانِيُّ النَّسّابَةُ: ووَلَدُ يَعْقُوبَ النَّبِيِّ ﷺ: يُوسُفُ النَّبِيُّ ﷺ صاحِبُ مِصْرَ وعَزِيزُها، وهو السِّبْطُ الأوَّلُ مِن أسْباطِ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الِاثْنَيْ عَشَرَ، والأسْباطُ سِوى يُوسُفَ: كاذُ، وبِنْيامِينُ، ويَهُوذا، ويَفْتالِي، وزُبُولُونُ، وشَمْعُونُ، ورُوبِينُ، ويَساخا، ولاوِي، وذانُ، وياشِيرْخا مِن يَهُوذا بْنِ يَعْقُوبَ، وسُلَيْمانُ النَّبِيُّ ﷺ . وجاءَ مِن سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - النَّبِيِّ: مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرانَ، أُمُّ المَسِيحِ - عَلَيْهِما السَّلامُ - . وجاءَ مِن لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ: مُوسى كَلِيمُ اللَّهِ وهارُونُ أخُوهُ - عَلَيْهِما السَّلامُ - . انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والأسْباطُ هم ولَدُ يَعْقُوبَ. وهم: رُوبِيلُ، وشَمْعُونُ، ولاوِي، ويَهُوذا، ورَفالُونُ، وبِشْجَرُ، وذَيْنَةُ بِنْتُهُ، وأُمُّهم لَياثِمُ، خَلَفٌ عَلى أُخْتِها راحِيلَ، فَوَلَدَتْ لَهُ: يُوسُفَ، وبِنْيامِينَ. ووُلِدَ لَهُ مِن سُرِّيَّتَيْنِ: دانِي، ونَفْتالِي، وجادُ، وآشِرُ. انْتَهى كَلامُهُ، وهو مُخالِفٌ لِكَلامِ الجَوانِيِّ في بَعْضِ الأسْماءِ. وقِيلَ: رُوبِيلُ أكْبَرُ ولَدِهِ. وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ البَيْسانِيُّ: رُوبِيلُ أصَحُّ وأثْبَتُ، يَعْنِي بِاللّامِ، قالَ: وقَبْرُهُ في قَرافَةِ مِصْرَ، في لَحْفِ الجَبَلِ، في تُرْبَةِ اليَسَعَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - . (p-٤٠٨)﴿وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى﴾: أيْ: وآمَنّا بِالَّذِي أُوتِيَ مُوسى مِنَ التَّوْراةِ والآياتِ، وعِيسى مِنَ الإنْجِيلِ والآياتِ. ومُوسى هُنا: هو مُوسى بْنُ عِمْرانَ كَلِيمُ اللَّهِ. وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ أحْمَدَ البَيْسانِيُّ: وفي ولَدِ مِيشا بْنِ يُوسُفَ، يَعْنِي الصِّدِّيقَ مُوسى بْنَ مَيْشًا بْنِ يُوسُفَ. وزَعَمَ أهْلُ التَّوْراةِ أنَّ اللَّهَ نَبَّأهُ، وأنَّهُ صاحِبُ الخَضِرِ. وذَكَرَ المُؤَرِّخُونَ أنَّهُ لَمّا ماتَ يَعْقُوبُ، فَشا في الأسْباطِ الكِهانَةُ، فَبَعَثَ اللَّهُ مُوسى بْنَ مِيشا يَدْعُوهم إلى عِبادَةِ اللَّهِ، وهو قَبْلَ مُوسى بْنِ عِمْرانَ بِمِائَةِ سَنَةٍ، واللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ. انْتَهى كَلامُهُ، ونَصَّ عَلى مُوسى وعِيسى، لِأنَّهُما مَتْبُوعا اليَهُودِ والنَّصارى بِزَعْمِهِمْ، والكَلامُ مَعَهم، ولَمْ يُكَرَّرِ المَوْصُولُ في عِيسى؛ لِأنَّ عِيسى إنَّما جاءَ مُصَدِّقًا لِما في التَّوْراةِ، لَمْ يَنْسَخْ مِنها إلّا نَزْرًا يَسِيرًا. فالَّذِي أُوتِيَهُ عِيسى هو ما أُوتِيَهُ مُوسى، وإنْ كانَ قَدْ خالَفَ في نَزْرٍ يَسِيرٍ. وجاءَ: ﴿وما أُنْزِلَ إلَيْنا﴾، وجاءَ: ﴿وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى﴾، تَنْوِيعًا في الكَلامِ وتَصَرُّفًا في ألْفاظِهِ، وإنْ كانَ المَعْنى واحِدًا، هَذا لَوْ كانَ كُلُّهُ بِلَفْظِ الإيتاءِ، أوْ بِلَفْظِ الإنْزالِ، لَما كانَ فِيهِ حَلاوَةُ التَّنَوُّعِ في الألْفاظِ. ألا تَراهم لَمْ يَسْتَحْسِنُوا قَوْلَ أبِي الطَّيِّبِ: ؎ونَهْبُ نُفُوسِ أهْلِ النَّهْبِ أوْلى بِأهْلِ النَّهْبِ مِن نَهْبِ القُماشِ ولَمّا ذَكَرَ في الإنْزالِ أوَّلًا خاصًّا، عَطَفَ عَلَيْهِ جَمْعًا. كَذَلِكَ لَمّا ذَكَرَ في الإيتاءِ خاصًّا، عَطَفَ عَلَيْهِ جَمْعًا. ولَمّا أظْهَرَ المَوْصُولَ في الإنْزالِ في العَطْفِ، أظْهَرَهُ في الإيتاءِ فَقالَ: ﴿وما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ﴾، وهو تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿وما أُوتِيَ﴾ يَقْتَضِي التَّعْمِيمَ في الكُتُبِ والشَّرائِعِ. وفي حَدِيثٍ لِأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، كَمْ أنْزَلَ اللَّهُ ؟ قالَ: ”مِائَةَ كِتابٍ وأرْبَعَةَ كُتُبٍ، أنْزَلَ عَلى شِيثَ خَمْسِينَ صَحِيفَةً، وأنْزَلَ عَلى أخْنُوخَ ثَلاثِينَ صَحِيفَةً، وأنْزَلَ عَلى إبْراهِيمَ عَشْرَ صَحائِفَ، وأنْزَلَ عَلى مُوسى قَبْلَ التَّوْراةِ عَشْرَ صَحائِفَ، ثُمَّ أنْزَلَ التَّوْراةَ، والإنْجِيلَ، والزَّبُورَ، والفُرْقانَ“» . وأمّا عَدَدُ الأنْبِياءِ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ووَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ: أنَّهم مِائَةُ ألْفِ نَبِيٍّ، ومِائَةٌ وعِشْرُونَ ألْفَ نَبِيٍّ، كُلُّهم مِن بَنِي إسْرائِيلَ، إلّا عِشْرِينَ ألْفَ نَبِيٍّ. وعَدَدُ الرُّسُلِ: ثَلاثُمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشْرَةَ، كُلُّهم مِن ولَدِ يَعْقُوبَ، إلّا عِشْرِينَ رَسُولًا، ذَكَرَ مِنهم في القُرْآنِ خَمْسَةً وعِشْرِينَ، نَصَّ عَلى أسْمائِهِمْ وهم: آدَمُ، وإدْرِيسُ، ونُوحٌ، وهُودٌ، وصالِحٌ، وإبْراهِيمُ، ولُوطٌ، وشُعَيْبٌ، وإسْماعِيلُ، وإسْحاقُ، ويَعْقُوبُ، ويُوسُفُ، ومُوسى، وهارُونُ، واليَسَعُ، وإلْياسُ، ويُونُسُ، وأيُّوبُ، وداوُدُ، وسُلَيْمانُ، وزَكَرِيّا، وعُزَيْرٌ، ويَحْيى، وعِيسى، ومُحَمَّدٌ، ﷺ . وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ الأنْبِياءَ كُلُّهم مِن بَنِي إسْرائِيلَ، إلّا عَشَرَةً: نُوحًا، وهُودًا، وشُعَيْبًا، وصالِحًا، ولُوطًا، وإبْراهِيمَ، وإسْحاقَ، ويَعْقُوبَ، وإسْماعِيلَ، ومُحَمَّدًا، ﷺ أجْمَعِينَ. وابْتُدِئَ أوَّلًا بِالإيمانِ بِاللَّهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أصْلُ الشَّرائِعِ، وقَدَّمَ ﴿وما أُنْزِلَ إلَيْنا﴾، وإنْ كانَ مُتَأخِّرًا في الإنْزالِ عَنْ ما بَعْدَهُ؛ لِأنَّهُ أوْلى بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّ النّاسَ بَعْدَ بَعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، مَدْعُوُّونَ إلى الإيمانِ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ جُمْلَةً وتَفْصِيلًا. وقَدَّمَ ﴿وما أُنْزِلَ إلى إبْراهِيمَ﴾ عَلى ﴿وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى﴾، لِلتَّقَدُّمِ في الزَّمانِ، أوْ لِأنَّ المُنَزَّلَ عَلى مُوسى، ومَن ذُكِرَ مَعَهُ، هو المُنَزَّلُ إلى إبْراهِيمَ، إذْ هم داخِلُونَ تَحْتَ شَرِيعَتِهِ. ﴿وما أُوتِيَ مُوسى﴾: ظاهِرُهُ العَطْفُ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ المَجْرُوراتِ المُتَعَلِّقَةِ بِالإيمانِ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ: ﴿وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى﴾ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، ”وما أُوتِيَ“ الثّانِيَةُ عَطْفٌ عَلى ”ما أُوتِيَ“، فَيَكُونُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ. والخَبَرُ في قَوْلِهِ ﴿مِن رَبِّهِمْ﴾، أوْ لا نُفَرِّقُ، أوْ يَكُونُ: ﴿وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى﴾ مَعْطُوفًا عَلى المَجْرُورِ قَبْلَهُ، ﴿وما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ﴾ رُفِعَ عَلى الِابْتِداءِ، و(ومِن رَبِّهِمْ) الخَبَرُ، أوْ لا نُفَرِّقُ هو الخَبَرُ. والظّاهِرُ أنَّ ”مِن رَبِّهِمْ“ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، فَتَتَعَلَّقُ بِـ”ما أُوتِيَ“ الثّانِيَةِ، أوْ بِـ”ما أُوتِيَ“ الأُولى، وتَكُونُ الثّانِيَةُ تَوْكِيدًا. ألا تَرى إلى سُقُوطِها في آلِ عِمْرانَ في قَوْلِهِ: ﴿وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى والنَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ﴾ [آل عمران: ٨٤] ؟ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ حالٍ مِنَ الضَّمِيرِ العائِدِ عَلى المَوْصُولِ، (p-٤٠٩)فَتَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، أيْ وما أُوتِيَهُ النَّبِيُّونَ كائِنًا مِن رَبِّهِمْ. ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾: ظاهِرُهُ الِاسْتِئْنافُ. والمَعْنى: أنّا نُؤْمِنُ بِالجَمِيعِ، فَلا نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ، كَما فَعَلَتِ اليَهُودُ والنَّصارى. فَإنَّ اليَهُودَ آمَنُوا بِالأنْبِياءِ كُلِّهِمْ، وكَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ وعِيسى - صَلَواتُ اللَّهِ عَلى الجَمِيعِ - . والنَّصارى آمَنُوا بِالأنْبِياءِ، وكَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ . وقِيلَ: مَعْناهُ لا نَقُولُ إنَّهم يَتَفَرَّقُونَ في أُصُولِ الدِّياناتِ. وقِيلَ: مَعْناهُ لا نَشُقُّ عَصاهم، كَما يُقالُ شَقَّ عَصا المُسْلِمِينَ إذا فارَقَ جَماعَتَهم. وأحَدٌ هُنا، قِيلَ: هو المُسْتَعْمَلُ في النَّفْيِ، فَأُصُولُهُ: الهَمْزَةُ والحاءُ والدّالُ، وهو لِلْعُمُومِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَفْتَقِرْ ”بَيْنَ“ إلى مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ؛ إذْ هو اسْمٌ عامٌّ تَحْتَهُ أفْرادٌ، فَيَصِحُّ دُخُولُ ”بَيْنَ“ عَلَيْهِ، كَما تَدْخُلُ عَلى المَجْمُوعِ فَتَقُولُ: المالُ بَيْنَ الزَّيْدَيْنِ، ولَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَ هَذا الوَجْهِ. وقِيلَ: أحَدٌ هُنا بِمَعْنى: واحِدٍ، والهَمْزَةُ بَدَلٌ مِنَ الواوِ، إذْ أصْلُهُ: وحَدٌ، وحُذِفَ المَعْطُوفُ لِفَهْمِ السّامِعِ، والتَّقْدِيرُ: بَيْنَ أحَدٍ مِنهم وبَيْنَ نَظِيرِهِ، فاخْتَصَرَ، أوْ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم والآخَرِ، ويَكُونُ نَظِيرَ قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎فَما كانَ بَيْنَ الخَيْرِ لَوْ جاءَ ∗∗∗ سالِمًا أبُو حَجَرٍ إلّا لَيالٍ قَلائِلَ يُرِيدُ: بَيْنَ الخَيْرِ وبَيْنِي، فَحَذَفَ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، إذْ قَدْ عَلِمَ أنَّ ”بَيْنَ“ لا بُدَّ أنْ تَدْخُلَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ، كَما حُذِفَ المَعْطُوفُ في قَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] . ومَعْلُومٌ أنَّ ما وقى الحَرَّ وقى البَرْدَ، فَحَذْفُ ”والبَرْدَ“ لِفَهْمِ المَعْنى. ولَمْ يَذْكُرِ ابْنُ عَطِيَّةَ غَيْرَ هَذا الوَجْهِ. وذَكَرَ الوَجْهَيْنِ غَيْرُ الزَّمَخْشَرِيِّ وابْنِ عَطِيَّةَ، والوَجْهُ الأوَّلُ أرْجَحُ؛ لِأنَّهُ لا حَذْفَ فِيهِ. ﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾: هَذا كُلُّهُ مُنْدَرِجٌ تَحْتَ قَوْلِهِ: (قُولُوا) . ولَمّا ذَكَرَ أوَّلًا الإيمانَ، وهو التَّصْدِيقُ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِالقَلْبِ، خَتَمَ بِذِكْرِ الإسْلامِ، وهو الِانْقِيادُ النّاشِئُ عَنِ الإيمانِ الظّاهِرِ عَنِ الجَوارِحِ. فَجَمَعَ بَيْنَ الإيمانِ والإسْلامِ، لِيَجْتَمِعَ الأصْلُ والنّاشِئُ عَنِ الأصْلِ. وقَدْ فَسَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الإيمانَ والإسْلامَ حِينَ سُئِلَ عَنْهُما، وذَلِكَ في حَدِيثِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وقَدْ فَسَّرُوا قَوْلَهُ: (مُسْلِمُونَ) بِأقْوالٍ مُتَقارِبَةٍ في المَعْنى، فَقِيلَ: خاضِعُونَ، وقِيلَ: مُطِيعُونَ، وقِيلَ: مُذْعِنُونَ لِلْعُبُودِيَّةِ، وقِيلَ: مُذْعِنُونَ لِأمْرِهِ ونَهْيِهِ عَقْلًا وفِعْلًا، وقِيلَ: داخِلُونَ في حُكْمِ الإسْلامِ، وقِيلَ: مُنْقادُونَ، وقِيلَ: مُخْلِصُونَ. ولَهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ”مُسْلِمُونَ“، وتَأخَّرَ عَنْهُ العامِلُ لِأجْلِ الفَواصِلِ، أوْ تَقَدَّمَ لَهُ لِلِاعْتِناءِ بِالعائِدِ عَلى اللَّهِ تَعالى لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ﴾ الآيَةَ، قَرَأها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى وقالَ: ”اللَّهُ أمَرَنِي بِهَذا“ . فَلَمّا سَمِعُوا بِذِكْرِ عِيسى أنْكَرُوا وكَفَرُوا. وقالَتِ النَّصارى: إنَّ عِيسى لَيْسَ بِمَنزِلَةِ سائِرِ الأنْبِياءِ، ولَكِنَّهُ ابْنُ اللَّهِ تَعالى، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿فَإنْ آمَنُوا﴾ الآيَةَ. والضَّمِيرُ في آمَنُوا عائِدٌ عَلى مَن عادَ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١٣٥] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخُطّابُ خاصًّا، والمُرادُ بِهِ العُمُومُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى كُلِّ كافِرٍ، فَيُفَسِّرُهُ المَعْنى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ﴾ . وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ: بِما آمَنتُمْ بِهِ. وقَرَأ أُبَيٌّ: بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَيْسَ لِلَّهِ مِثْلٌ. وهَذا يَدُلُّ عَلى إقْرارِ الباءِ عَلى حالِها في آمَنتُ بِاللَّهِ، . وإطْلاقُ ما عَلى اللَّهِ تَعالى. كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُهم في قَوْلِهِ: ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ [الشمس: ٥]، يُرِيدُ ومَن بَناها عَلى قَوْلِهِ. وقِراءَةُ أُبَيٍّ ظاهِرَةٌ، ويَشْمَلُ جَمِيعَ ما آمَنَ بِهِ المُؤْمِنُونَ. وأمّا قِراءَةُ الجُمْهُورِ، فَخَرَجَتِ الباءُ عَلى الزِّيادَةِ، والتَّقْدِيرُ: إيمانًا مِثْلَ إيمانِكم، كَما زِيدَتْ في قَوْلِهِ: ﴿وهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: ٢٥] . ؎وسُودُ المَحاجِرِ لا يَقْرَأْنَ بِالسُّوَرِ ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وتَكُونُ ما مَصْدَرِيَّةً. وقِيلَ: لَيْسَتْ بِزائِدَةٍ، وهي بِمَعْنى عَلى، أيْ فَإنْ آمَنُوا عَلى مِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ، وكَوْنُ الباءِ بِمَعْنى عَلى، قَدْ قِيلَ بِهِ، ومِمَّنْ قالَ بِهِ ابْنُ مالِكٍ، قالَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطارٍ﴾ [آل عمران: ٧٥]، أيْ عَلى قِنْطارٍ. وقِيلَ: هي لِلِاسْتِعانَةِ كَقَوْلِكَ: عَمِلْتُ بِالقَدُومِ، وكَتَبْتُ بِالقَلَمِ، أيْ فَإنْ دَخَلُوا في (p-٤١٠)الإيمانِ بِشَهادَةٍ مِثْلِ شَهادَتِكم، وذَلِكَ فِرارٌ مِن زِيادَةِ الباءِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مِن أماكِنِ زِيادَةِ الباءِ قِياسًا. والمُؤْمِنُ بِهِ عَلى هَذِهِ الأوْجُهِ الثَّلاثَةِ مَحْذُوفٌ، التَّقْدِيرُ: فَإنْ آمَنُوا بِاللَّهِ، ويَكُونُ الضَّمِيرُ في بِهِ عائِدًا عَلى ما عادَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ونَحْنُ لَهُ﴾، وهو اللَّهُ تَعالى. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى ما، وتَكُونُ إذْ ذاكَ مَوْصُولَةً. وأمّا مِثْلُ، فَقِيلَ: زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: فَإنْ آمَنُوا بِما آمَنتُمْ بِهِ، قالُوا: كَهي في قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، أيْ لَيْسَ كَهَوَ شَيْءٌ، وكَقَوْلِهِ: ؎فَصِيرُوا مِثْلَ كَعَصْفٍ مَأْكُولِ وكَقَوْلِهِ: ؎يا عاذِلِي دَعْنِي مِن عَذْلِكا ∗∗∗ مِثْلِي لا يَقْبَلُ مِن مِثْلِكا وقِيلَ: لَيْسَتْ بِزائِدَةٍ. والمِثْلِيَّةُ هُنا مُتَعَلِّقَةٌ بِالِاعْتِقادِ، أيْ فَإنِ اعْتَقَدُوا مِثْلَ اعْتِقادِكم، أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِالكِتابِ، أيْ فَإنْ آمَنُوا بِكِتابٍ مِثْلِ الكِتابِ الَّذِي آمَنتُمْ بِهِ. والمَعْنى: فَإنْ آمَنُوا بِكِتابِكُمُ المُماثِلِ لِكِتابِهِمْ، أيْ فَإنْ آمَنُوا بِالقُرْآنِ الَّذِي هو مُصَدِّقٌ لِما في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ لا تَكُونُ الباءُ زائِدَةً، بَلْ هي مِثْلُها في قَوْلِهِ: آمَنتُ بِالكِتابِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذا مِن مَجازِ الكَلامِ، يَقُولُ: هَذا أمْرٌ لا يَفْعَلُهُ مِثْلُكَ، أيْ لا تَفْعَلُهُ أنْتَ. والمَعْنى: فَإنْ آمَنُوا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ، وهَذا يَئُولُ إلى إلْغاءِ ”مِثْلَ“، وزِيادَتِها مِن حَيْثُ المَعْنى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ مِن بابِ التَّبْكِيتِ؛ لِأنَّ دِينَ الحَقِّ واحِدٌ لا مِثْلَ لَهُ، وهو دِينُ الإسْلامِ. ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]، فَلا يُوجَدُ إذًا دِينٌ آخَرُ يُماثِلُ دِينَ الإسْلامِ في كَوْنِهِ حَقًّا، حَتّى إنْ آمَنُوا بِذَلِكَ الدِّينِ المُماثِلِ لَهُ، كانُوا مُهْتَدِينَ، فَقِيلَ: فَإنْ آمَنُوا بِكَلِمَةِ الشَّكِّ، عَلى سَبِيلِ العَرْضِ، والتَّقْدِيرِ: أيْ فَإنْ حَصَّلُوا دَيْنًا آخَرَ مِثْلَ دِينِكم، مُساوِيًا لَهُ في الصِّحَّةِ والسَّدادِ. ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾: وفِيهِ أنَّ دِينَهُمُ الَّذِي هم عَلَيْهِ، وكُلَّ دِينٍ سِواهُ مُغايِرٌ لَهُ غَيْرُ مُماثِلٍ؛ لِأنَّهُ حَقٌّ وهُدًى، وما سِواهُ باطِلٌ وضَلالٌ، ونَحْوُ هَذا قَوْلُكَ لِلرَّجُلِ الَّذِي تُشِيرُ عَلَيْهِ: هَذا هو الرَّأْيُ الصَّوابُ، فَإنْ كانَ عِنْدَكَ رَأْيٌ أصْوَبُ مِنهُ، فاعْمَلْ بِهِ، وقَدْ عَلِمْتَ أنْ لا أصْوَبَ مِن رَأْيِكَ، ولَكِنَّكَ تُرِيدُ تَبْكِيتَ صاحِبِكَ وتَوْقِيفَهُ عَلى أنَّ ما رَأيْتَ لا رَأْيَ وراءَهُ. انْتَهى كَلامُهُ، وهو حَسَنٌ. وجَوابُ الشَّرْطِ قَوْلُهُ: ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾، ولَيْسَ الجَوابُ مَحْذُوفًا، كَهو في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ﴾ [فاطر: ٤] لِمَعْنى تَكْذِيبِ الرُّسُلِ قَطْعًا، واسْتِقْبالِ الهِدايَةِ هُنا، لِأنَّها مُعَلَّقَةٌ عَلى مُسْتَقْبَلٍ، ولَمْ تَكُنْ واقِعَةً قَبْلُ. ﴿وإنْ تَوَلَّوْا﴾: أيْ إنْ أعْرَضُوا عَنِ الدُّخُولِ في الإيمانِ. ﴿فَإنَّما هم في شِقاقٍ﴾: أكَّدَ الجُمْلَةَ الواقِعَةَ شَرْطًا بِإنْ، وتَأكَّدَ مَعْنى الخَبَرِ بِحَيْثُ صارَ ظَرْفًا لَهم، وهم مَظْرُوفُونَ لَهُ. فالشِّقاقُ مُسْتَوْلٍ عَلَيْهِمْ مِن جَمِيعِ جَوانِبِهِمْ، ومُحِيطٌ بِهِمْ إحاطَةَ البَيْتِ بِمَن فِيهِ. وهَذِهِ مُبالَغَةٌ في الشِّقاقِ الحاصِلِ لَهم بِالتَّوَلِّي، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأعراف: ٦٠]، ﴿إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ﴾ [الأعراف: ٦٦]، هو أبْلَغُ مِن قَوْلِكَ: زِيدٌ مُشاقٌّ لِعَمْرٍو، وزَيْدٌ ضالٌّ، وبَكْرٌ سَفِيهٌ. والشِّقاقُ هُنا: الخِلافُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوِ العَداوَةُ، أوِ الفِراقُ، أوِ المُنازَعَةُ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، أوِ المُجادَلَةُ، أوِ الضَّلالُ والِاخْتِلافُ، أوْ خَلْعُ الطّاعَةِ، قالَهُ الكِسائِيُّ؛ أوِ البِعادُ والفِراقُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وهَذِهِ تَفاسِيرُ لِلشِّقاقِ مُتَقارِبَةُ المَعْنى. وقَدْ ذَكَرْنا مَدارَ ذَلِكَ في المُفْرَداتِ عَلى مَعْنَيَيْنِ: إمّا مِنَ المَشَقَّةِ، وإمّا أنْ يَصِيرَ في شِقٍّ وصاحِبُهُ في شِقٍّ، أيْ يَقَعُ بَيْنَهم خِلافٌ. قالَ القاضِي: ولا يَكادُ يُقالُ في العَداوَةِ عَلى وجْهِ الحَقِّ شِقاقٌ؛ لِأنَّ الشِّقاقَ في مُخالَفَةٍ عَظِيمَةٍ تُوقِعُ صاحِبَها في عَداوَةِ اللَّهِ وغَضَبِهِ، وهَذا وعِيدٌ لَهم. انْتَهى. ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾: لَمّا ذَكَرَ أنَّ تَوَلِّيَهم يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الشِّقاقُ، وهو العَداوَةُ العَظِيمَةُ، أخْبَرَ تَعالى أنَّ تِلْكَ العَداوَةَ لا يَصِلُونَ إلَيْكَ بِشَيْءٍ مِنها؛ لِأنَّهُ تَعالى قَدْ كَفاهُ شَرَّهم. وهَذا الإخْبارُ ضَمانٌ مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ، كِفايَتَهُ ومَنعَهُ مِنهم، ويَضْمَنُ ذَلِكَ إظْهارَهُ عَلى أعْدائِهِ، وغَلَبَتَهُ إيّاهم؛ لِأنَّ مَن كانَ مُشاقًّا لَكَ غايَةَ الشِّقاقِ هو مُجْتَهِدٌ في أذاكَ، إذا لَمْ يَتَوَصَّلْ إلى ذَلِكَ، فَإنَّما ذَلِكَ لِظُهُورِكَ عَلَيْهِ وقُوَّةِ مَنَعَتِكَ مِنهُ، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] . (p-٤١١)وكَفاهُ اللَّهُ أمْرَهم بِالسَّبْيِ والقَتْلِ في قُرَيْظَةَ وبَنِي قَيْنُقاعَ، والنَّفْيِ في بَنِي النَّضِيرِ، والجِزْيَةِ في نَصارى نَجْرانَ. وعَطْفُ الجُمْلَةِ بِالفاءِ مُشْعِرٌ بِتَعَقُّبِ الكِفايَةِ عَقِيبَ شِقاقِهِمْ، والمَجِيءُ بِالسِّينِ يَدُلُّ عَلى قُرْبِ الِاسْتِقْبالِ، إذِ السِّينُ في وضْعِها أقْرَبُ في التَّنْفِيسِ مِن سَوْفَ، والذَّواتُ لَيْسَتِ المَكْفِيَّةَ، فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ فَسَيَكْفِيكَ شِقاقَهم، والمَكْفِيُّ بِهِ مَحْذُوفٌ، أيْ بِمَن يَهْدِيهِ اللَّهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، أوْ بِتَفْرِيقِ كَلِمَةِ المُشاقِّينَ، أوْ بِإهْلاكِ أعْيانِهِمْ وإذْلالِ باقِيهِمْ بِالسَّبْيِ والنَّفْيِ والجِزْيَةِ، كَما بَيَّنّاهُ. ﴿وهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾، مُناسَبَةُ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ: أنَّ كُلًّا مِنَ الإيمانِ وضِدِّهِ مُشْتَمِلٌ عَلى أقْوالٍ وأفْعالٍ، وعَلى عَقائِدَ يَنْشَأُ عَنْها تِلْكَ الأقْوالُ والأفْعالُ، فَناسَبَ أنْ يَخْتَتِمَ ذَلِكَ بِهِما، أيْ وهو السَّمِيعُ لِأقْوالِكم، العَلِيمُ بِنِيّاتِكم واعْتِقادِكم. ولَمّا كانَتِ الأقْوالُ هي الظّاهِرَةُ لَنا الدّالَّةُ عَلى ما في الباطِنِ، قُدِّمَتْ صِفَةُ السَّمِيعِ عَلى العَلِيمِ، ولِأنَّ العَلِيمَ فاصِلَةٌ أيْضًا. وتَضَمَّنَتْ هاتانِ الصِّفَتانِ الوَعِيدَ؛ لِأنَّ المَعْنى، وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ، فَيُجازِيكم بِما يَصْدُرُ مِنكم.

البقرة 2:137

﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ﴾ الآيَةَ، خَرَجَ البُخارِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: كانَ أهْلُ الكِتابِ يَقْرَءُونَ التَّوْراةَ بِالعِبْرانِيَّةِ، ويُفَسِّرُونَها بِالعَرَبِيَّةِ لِأهْلِ الإسْلامِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا تُصَدِّقُوا أهْلَ الكِتابِ ولا تُكَذِّبُوهم، ولَكِنْ قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا - الآيَةَ - فَإنْ كانَ حَقًّا لَمْ تُكَذِّبُوهُ وإنْ كانَ كَذِبًا لَمْ تُصَدِّقُوهُ» . والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (قُولُوا) عائِدٌ عَلى الَّذِينَ قالُوا: ﴿كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١٣٥] . أمَرُوا بِأنْ يَكُونُوا عَلى الحَقِّ، ويُصَرِّحُوا بِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى المُؤْمِنِينَ، وهو أظْهَرُ. وارْتَبَطَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِما قَبْلَها؛ لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ١٣٥]، جَوابًا إلْزامِيًّا، وهو أنَّهم: وما أُمِرُوا بِاتِّباعِ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ، وإنَّما كانَ ذَلِكَ مِنهم عَلى سَبِيلِ التَّقْلِيدِ. هَذا، وكُلُّ طائِفَةٍ مِنهُما تُكَفِّرُ الأُخْرى، أُجِيبُوا بِأنَّ الأوْلى في التَّقْلِيدِ اتِّباعَ إبْراهِيمَ، لِأنَّهم - أعْنِي الطّائِفَتَيْنِ المُخْتَلِفَتَيْنِ - قَدِ اتَّفَقُوا عَلى صِحَّةِ دِينِ إبْراهِيمَ. والأخْذُ بِالمُتَّفَقِ أوْلى مِنَ الأخْذِ بِالمُخْتَلَفِ فِيهِ، إنْ كانَ الدِّينُ بِالتَّقْلِيدِ. فَلَمّا ذَكَرَ هُنا جَوابًا إلْزامِيًّا، ذَكَرَ بَعْدَهُ بُرْهانًا في هَذِهِ الآيَةِ، وهو ظُهُورُ المُعْجِزَةِ عَلَيْهِمْ بِإنْزالِ الآياتِ. وقَدْ ظَهَرَتْ عَلى يَدِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَوَجَبَ الإيمانُ بِنُبُوَّتِهِ. فَإنَّ تَخْصِيصَ بَعْضٍ بِالقَبُولِ وبَعْضٍ بِالرَّدِّ، يُوجِبُ التَّناقُضُ في الدَّلِيلِ، وهو مُمْتَنِعٌ عَقْلًا. ﴿وما أُنْزِلَ إلَيْنا﴾: إنْ كانَ الضَّمِيرُ في قُولُوا لِلْمُؤْمِنِينَ، فالمُنَزَّلُ إلَيْهِمْ هو القُرْآنُ، وصَحَّ نِسْبَةُ إنْزالِهِ إلَيْهِمْ، لِأنَّهم فِيهِ هُمُ المُخاطَبُونَ بِتَكالِيفِهِ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وتَعْدِيَةُ أُنْزِلَ بِإلى، دَلِيلٌ عَلى انْتِهاءِ المُنَزَّلِ إلَيْهِمْ. وإنْ كانَ الضَّمِيرُ في قُولُوا عائِدًا عَلى اليَهُودِ والنَّصارى، فالمُنَزَّلُ إلى اليَهُودِ: التَّوْراةُ، والمُنَزَّلُ إلى النَّصارى: الإنْجِيلُ، ويَلْزَمُ مِنَ الإيمانِ بِهِما، الإيمانُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ويَصِحُّ أنْ يُرادَ بِالمُنَزَّلِ إلَيْهِمُ: القُرْآنُ؛ لِأنَّهم أُمِرُوا بِاتِّباعِهِ، وبِالإيمانِ بِهِ، وبِمَن جاءَ عَلى يَدَيْهِ. ﴿وما أُنْزِلَ إلى إبْراهِيمَ﴾: الَّذِي أُنْزِلَ عَلى إبْراهِيمَ عَشْرُ صَحائِفَ. قالَ: ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾ [الأعلى: ١٨] ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ [الأعلى: ١٩]، وكَرَّرَ المَوْصُولُ؛ لِأنَّ المُنَزَّلَ إلَيْنا - وهو القُرْآنُ - غَيْرُ تِلْكَ الصَّحائِفَ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلى إبْراهِيمَ. فَلَوْ حُذِفَ المَوْصُولُ، لَأوْهَمَ أنَّ المُنَزَّلَ إلَيْنا هو المُنَزَّلُ إلى إبْراهِيمَ، قالُوا: ولَمْ يُنَزَّلْ إلى إسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ، وعُطِفُوا عَلى إبْراهِيمَ، لِأنَّهم كُلِّفُوا العَمَلَ بِهِ والدُّعاءَ إلَيْهِ، فَأُضِيفَ الإنْزالُ إلَيْهِمْ، كَما أُضِيفَ في قَوْلِهِ: ﴿وما أُنْزِلَ إلَيْنا﴾ . والأسْباطُ هم أوْلادُ يَعْقُوبَ، وهُمُ اثْنا عَشَرَ سِبْطًا. قالَ الشَّرِيفُ أبُو البَرَكاتِ الجَوانِيُّ النَّسّابَةُ: ووَلَدُ يَعْقُوبَ النَّبِيِّ ﷺ: يُوسُفُ النَّبِيُّ ﷺ صاحِبُ مِصْرَ وعَزِيزُها، وهو السِّبْطُ الأوَّلُ مِن أسْباطِ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الِاثْنَيْ عَشَرَ، والأسْباطُ سِوى يُوسُفَ: كاذُ، وبِنْيامِينُ، ويَهُوذا، ويَفْتالِي، وزُبُولُونُ، وشَمْعُونُ، ورُوبِينُ، ويَساخا، ولاوِي، وذانُ، وياشِيرْخا مِن يَهُوذا بْنِ يَعْقُوبَ، وسُلَيْمانُ النَّبِيُّ ﷺ . وجاءَ مِن سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - النَّبِيِّ: مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرانَ، أُمُّ المَسِيحِ - عَلَيْهِما السَّلامُ - . وجاءَ مِن لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ: مُوسى كَلِيمُ اللَّهِ وهارُونُ أخُوهُ - عَلَيْهِما السَّلامُ - . انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والأسْباطُ هم ولَدُ يَعْقُوبَ. وهم: رُوبِيلُ، وشَمْعُونُ، ولاوِي، ويَهُوذا، ورَفالُونُ، وبِشْجَرُ، وذَيْنَةُ بِنْتُهُ، وأُمُّهم لَياثِمُ، خَلَفٌ عَلى أُخْتِها راحِيلَ، فَوَلَدَتْ لَهُ: يُوسُفَ، وبِنْيامِينَ. ووُلِدَ لَهُ مِن سُرِّيَّتَيْنِ: دانِي، ونَفْتالِي، وجادُ، وآشِرُ. انْتَهى كَلامُهُ، وهو مُخالِفٌ لِكَلامِ الجَوانِيِّ في بَعْضِ الأسْماءِ. وقِيلَ: رُوبِيلُ أكْبَرُ ولَدِهِ. وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ البَيْسانِيُّ: رُوبِيلُ أصَحُّ وأثْبَتُ، يَعْنِي بِاللّامِ، قالَ: وقَبْرُهُ في قَرافَةِ مِصْرَ، في لَحْفِ الجَبَلِ، في تُرْبَةِ اليَسَعَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - . (p-٤٠٨)﴿وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى﴾: أيْ: وآمَنّا بِالَّذِي أُوتِيَ مُوسى مِنَ التَّوْراةِ والآياتِ، وعِيسى مِنَ الإنْجِيلِ والآياتِ. ومُوسى هُنا: هو مُوسى بْنُ عِمْرانَ كَلِيمُ اللَّهِ. وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ أحْمَدَ البَيْسانِيُّ: وفي ولَدِ مِيشا بْنِ يُوسُفَ، يَعْنِي الصِّدِّيقَ مُوسى بْنَ مَيْشًا بْنِ يُوسُفَ. وزَعَمَ أهْلُ التَّوْراةِ أنَّ اللَّهَ نَبَّأهُ، وأنَّهُ صاحِبُ الخَضِرِ. وذَكَرَ المُؤَرِّخُونَ أنَّهُ لَمّا ماتَ يَعْقُوبُ، فَشا في الأسْباطِ الكِهانَةُ، فَبَعَثَ اللَّهُ مُوسى بْنَ مِيشا يَدْعُوهم إلى عِبادَةِ اللَّهِ، وهو قَبْلَ مُوسى بْنِ عِمْرانَ بِمِائَةِ سَنَةٍ، واللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ. انْتَهى كَلامُهُ، ونَصَّ عَلى مُوسى وعِيسى، لِأنَّهُما مَتْبُوعا اليَهُودِ والنَّصارى بِزَعْمِهِمْ، والكَلامُ مَعَهم، ولَمْ يُكَرَّرِ المَوْصُولُ في عِيسى؛ لِأنَّ عِيسى إنَّما جاءَ مُصَدِّقًا لِما في التَّوْراةِ، لَمْ يَنْسَخْ مِنها إلّا نَزْرًا يَسِيرًا. فالَّذِي أُوتِيَهُ عِيسى هو ما أُوتِيَهُ مُوسى، وإنْ كانَ قَدْ خالَفَ في نَزْرٍ يَسِيرٍ. وجاءَ: ﴿وما أُنْزِلَ إلَيْنا﴾، وجاءَ: ﴿وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى﴾، تَنْوِيعًا في الكَلامِ وتَصَرُّفًا في ألْفاظِهِ، وإنْ كانَ المَعْنى واحِدًا، هَذا لَوْ كانَ كُلُّهُ بِلَفْظِ الإيتاءِ، أوْ بِلَفْظِ الإنْزالِ، لَما كانَ فِيهِ حَلاوَةُ التَّنَوُّعِ في الألْفاظِ. ألا تَراهم لَمْ يَسْتَحْسِنُوا قَوْلَ أبِي الطَّيِّبِ: ؎ونَهْبُ نُفُوسِ أهْلِ النَّهْبِ أوْلى بِأهْلِ النَّهْبِ مِن نَهْبِ القُماشِ ولَمّا ذَكَرَ في الإنْزالِ أوَّلًا خاصًّا، عَطَفَ عَلَيْهِ جَمْعًا. كَذَلِكَ لَمّا ذَكَرَ في الإيتاءِ خاصًّا، عَطَفَ عَلَيْهِ جَمْعًا. ولَمّا أظْهَرَ المَوْصُولَ في الإنْزالِ في العَطْفِ، أظْهَرَهُ في الإيتاءِ فَقالَ: ﴿وما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ﴾، وهو تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿وما أُوتِيَ﴾ يَقْتَضِي التَّعْمِيمَ في الكُتُبِ والشَّرائِعِ. وفي حَدِيثٍ لِأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، كَمْ أنْزَلَ اللَّهُ ؟ قالَ: ”مِائَةَ كِتابٍ وأرْبَعَةَ كُتُبٍ، أنْزَلَ عَلى شِيثَ خَمْسِينَ صَحِيفَةً، وأنْزَلَ عَلى أخْنُوخَ ثَلاثِينَ صَحِيفَةً، وأنْزَلَ عَلى إبْراهِيمَ عَشْرَ صَحائِفَ، وأنْزَلَ عَلى مُوسى قَبْلَ التَّوْراةِ عَشْرَ صَحائِفَ، ثُمَّ أنْزَلَ التَّوْراةَ، والإنْجِيلَ، والزَّبُورَ، والفُرْقانَ“» . وأمّا عَدَدُ الأنْبِياءِ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ووَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ: أنَّهم مِائَةُ ألْفِ نَبِيٍّ، ومِائَةٌ وعِشْرُونَ ألْفَ نَبِيٍّ، كُلُّهم مِن بَنِي إسْرائِيلَ، إلّا عِشْرِينَ ألْفَ نَبِيٍّ. وعَدَدُ الرُّسُلِ: ثَلاثُمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشْرَةَ، كُلُّهم مِن ولَدِ يَعْقُوبَ، إلّا عِشْرِينَ رَسُولًا، ذَكَرَ مِنهم في القُرْآنِ خَمْسَةً وعِشْرِينَ، نَصَّ عَلى أسْمائِهِمْ وهم: آدَمُ، وإدْرِيسُ، ونُوحٌ، وهُودٌ، وصالِحٌ، وإبْراهِيمُ، ولُوطٌ، وشُعَيْبٌ، وإسْماعِيلُ، وإسْحاقُ، ويَعْقُوبُ، ويُوسُفُ، ومُوسى، وهارُونُ، واليَسَعُ، وإلْياسُ، ويُونُسُ، وأيُّوبُ، وداوُدُ، وسُلَيْمانُ، وزَكَرِيّا، وعُزَيْرٌ، ويَحْيى، وعِيسى، ومُحَمَّدٌ، ﷺ . وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ الأنْبِياءَ كُلُّهم مِن بَنِي إسْرائِيلَ، إلّا عَشَرَةً: نُوحًا، وهُودًا، وشُعَيْبًا، وصالِحًا، ولُوطًا، وإبْراهِيمَ، وإسْحاقَ، ويَعْقُوبَ، وإسْماعِيلَ، ومُحَمَّدًا، ﷺ أجْمَعِينَ. وابْتُدِئَ أوَّلًا بِالإيمانِ بِاللَّهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أصْلُ الشَّرائِعِ، وقَدَّمَ ﴿وما أُنْزِلَ إلَيْنا﴾، وإنْ كانَ مُتَأخِّرًا في الإنْزالِ عَنْ ما بَعْدَهُ؛ لِأنَّهُ أوْلى بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّ النّاسَ بَعْدَ بَعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، مَدْعُوُّونَ إلى الإيمانِ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ جُمْلَةً وتَفْصِيلًا. وقَدَّمَ ﴿وما أُنْزِلَ إلى إبْراهِيمَ﴾ عَلى ﴿وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى﴾، لِلتَّقَدُّمِ في الزَّمانِ، أوْ لِأنَّ المُنَزَّلَ عَلى مُوسى، ومَن ذُكِرَ مَعَهُ، هو المُنَزَّلُ إلى إبْراهِيمَ، إذْ هم داخِلُونَ تَحْتَ شَرِيعَتِهِ. ﴿وما أُوتِيَ مُوسى﴾: ظاهِرُهُ العَطْفُ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ المَجْرُوراتِ المُتَعَلِّقَةِ بِالإيمانِ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ: ﴿وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى﴾ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، ”وما أُوتِيَ“ الثّانِيَةُ عَطْفٌ عَلى ”ما أُوتِيَ“، فَيَكُونُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ. والخَبَرُ في قَوْلِهِ ﴿مِن رَبِّهِمْ﴾، أوْ لا نُفَرِّقُ، أوْ يَكُونُ: ﴿وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى﴾ مَعْطُوفًا عَلى المَجْرُورِ قَبْلَهُ، ﴿وما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ﴾ رُفِعَ عَلى الِابْتِداءِ، و(ومِن رَبِّهِمْ) الخَبَرُ، أوْ لا نُفَرِّقُ هو الخَبَرُ. والظّاهِرُ أنَّ ”مِن رَبِّهِمْ“ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، فَتَتَعَلَّقُ بِـ”ما أُوتِيَ“ الثّانِيَةِ، أوْ بِـ”ما أُوتِيَ“ الأُولى، وتَكُونُ الثّانِيَةُ تَوْكِيدًا. ألا تَرى إلى سُقُوطِها في آلِ عِمْرانَ في قَوْلِهِ: ﴿وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى والنَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ﴾ [آل عمران: ٨٤] ؟ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ حالٍ مِنَ الضَّمِيرِ العائِدِ عَلى المَوْصُولِ، (p-٤٠٩)فَتَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، أيْ وما أُوتِيَهُ النَّبِيُّونَ كائِنًا مِن رَبِّهِمْ. ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾: ظاهِرُهُ الِاسْتِئْنافُ. والمَعْنى: أنّا نُؤْمِنُ بِالجَمِيعِ، فَلا نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ، كَما فَعَلَتِ اليَهُودُ والنَّصارى. فَإنَّ اليَهُودَ آمَنُوا بِالأنْبِياءِ كُلِّهِمْ، وكَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ وعِيسى - صَلَواتُ اللَّهِ عَلى الجَمِيعِ - . والنَّصارى آمَنُوا بِالأنْبِياءِ، وكَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ . وقِيلَ: مَعْناهُ لا نَقُولُ إنَّهم يَتَفَرَّقُونَ في أُصُولِ الدِّياناتِ. وقِيلَ: مَعْناهُ لا نَشُقُّ عَصاهم، كَما يُقالُ شَقَّ عَصا المُسْلِمِينَ إذا فارَقَ جَماعَتَهم. وأحَدٌ هُنا، قِيلَ: هو المُسْتَعْمَلُ في النَّفْيِ، فَأُصُولُهُ: الهَمْزَةُ والحاءُ والدّالُ، وهو لِلْعُمُومِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَفْتَقِرْ ”بَيْنَ“ إلى مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ؛ إذْ هو اسْمٌ عامٌّ تَحْتَهُ أفْرادٌ، فَيَصِحُّ دُخُولُ ”بَيْنَ“ عَلَيْهِ، كَما تَدْخُلُ عَلى المَجْمُوعِ فَتَقُولُ: المالُ بَيْنَ الزَّيْدَيْنِ، ولَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَ هَذا الوَجْهِ. وقِيلَ: أحَدٌ هُنا بِمَعْنى: واحِدٍ، والهَمْزَةُ بَدَلٌ مِنَ الواوِ، إذْ أصْلُهُ: وحَدٌ، وحُذِفَ المَعْطُوفُ لِفَهْمِ السّامِعِ، والتَّقْدِيرُ: بَيْنَ أحَدٍ مِنهم وبَيْنَ نَظِيرِهِ، فاخْتَصَرَ، أوْ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم والآخَرِ، ويَكُونُ نَظِيرَ قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎فَما كانَ بَيْنَ الخَيْرِ لَوْ جاءَ ∗∗∗ سالِمًا أبُو حَجَرٍ إلّا لَيالٍ قَلائِلَ يُرِيدُ: بَيْنَ الخَيْرِ وبَيْنِي، فَحَذَفَ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، إذْ قَدْ عَلِمَ أنَّ ”بَيْنَ“ لا بُدَّ أنْ تَدْخُلَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ، كَما حُذِفَ المَعْطُوفُ في قَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] . ومَعْلُومٌ أنَّ ما وقى الحَرَّ وقى البَرْدَ، فَحَذْفُ ”والبَرْدَ“ لِفَهْمِ المَعْنى. ولَمْ يَذْكُرِ ابْنُ عَطِيَّةَ غَيْرَ هَذا الوَجْهِ. وذَكَرَ الوَجْهَيْنِ غَيْرُ الزَّمَخْشَرِيِّ وابْنِ عَطِيَّةَ، والوَجْهُ الأوَّلُ أرْجَحُ؛ لِأنَّهُ لا حَذْفَ فِيهِ. ﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾: هَذا كُلُّهُ مُنْدَرِجٌ تَحْتَ قَوْلِهِ: (قُولُوا) . ولَمّا ذَكَرَ أوَّلًا الإيمانَ، وهو التَّصْدِيقُ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِالقَلْبِ، خَتَمَ بِذِكْرِ الإسْلامِ، وهو الِانْقِيادُ النّاشِئُ عَنِ الإيمانِ الظّاهِرِ عَنِ الجَوارِحِ. فَجَمَعَ بَيْنَ الإيمانِ والإسْلامِ، لِيَجْتَمِعَ الأصْلُ والنّاشِئُ عَنِ الأصْلِ. وقَدْ فَسَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الإيمانَ والإسْلامَ حِينَ سُئِلَ عَنْهُما، وذَلِكَ في حَدِيثِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وقَدْ فَسَّرُوا قَوْلَهُ: (مُسْلِمُونَ) بِأقْوالٍ مُتَقارِبَةٍ في المَعْنى، فَقِيلَ: خاضِعُونَ، وقِيلَ: مُطِيعُونَ، وقِيلَ: مُذْعِنُونَ لِلْعُبُودِيَّةِ، وقِيلَ: مُذْعِنُونَ لِأمْرِهِ ونَهْيِهِ عَقْلًا وفِعْلًا، وقِيلَ: داخِلُونَ في حُكْمِ الإسْلامِ، وقِيلَ: مُنْقادُونَ، وقِيلَ: مُخْلِصُونَ. ولَهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ”مُسْلِمُونَ“، وتَأخَّرَ عَنْهُ العامِلُ لِأجْلِ الفَواصِلِ، أوْ تَقَدَّمَ لَهُ لِلِاعْتِناءِ بِالعائِدِ عَلى اللَّهِ تَعالى لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ﴾ الآيَةَ، قَرَأها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى وقالَ: ”اللَّهُ أمَرَنِي بِهَذا“ . فَلَمّا سَمِعُوا بِذِكْرِ عِيسى أنْكَرُوا وكَفَرُوا. وقالَتِ النَّصارى: إنَّ عِيسى لَيْسَ بِمَنزِلَةِ سائِرِ الأنْبِياءِ، ولَكِنَّهُ ابْنُ اللَّهِ تَعالى، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿فَإنْ آمَنُوا﴾ الآيَةَ. والضَّمِيرُ في آمَنُوا عائِدٌ عَلى مَن عادَ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١٣٥] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخُطّابُ خاصًّا، والمُرادُ بِهِ العُمُومُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى كُلِّ كافِرٍ، فَيُفَسِّرُهُ المَعْنى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ﴾ . وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ: بِما آمَنتُمْ بِهِ. وقَرَأ أُبَيٌّ: بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَيْسَ لِلَّهِ مِثْلٌ. وهَذا يَدُلُّ عَلى إقْرارِ الباءِ عَلى حالِها في آمَنتُ بِاللَّهِ، . وإطْلاقُ ما عَلى اللَّهِ تَعالى. كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُهم في قَوْلِهِ: ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ [الشمس: ٥]، يُرِيدُ ومَن بَناها عَلى قَوْلِهِ. وقِراءَةُ أُبَيٍّ ظاهِرَةٌ، ويَشْمَلُ جَمِيعَ ما آمَنَ بِهِ المُؤْمِنُونَ. وأمّا قِراءَةُ الجُمْهُورِ، فَخَرَجَتِ الباءُ عَلى الزِّيادَةِ، والتَّقْدِيرُ: إيمانًا مِثْلَ إيمانِكم، كَما زِيدَتْ في قَوْلِهِ: ﴿وهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: ٢٥] . ؎وسُودُ المَحاجِرِ لا يَقْرَأْنَ بِالسُّوَرِ ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وتَكُونُ ما مَصْدَرِيَّةً. وقِيلَ: لَيْسَتْ بِزائِدَةٍ، وهي بِمَعْنى عَلى، أيْ فَإنْ آمَنُوا عَلى مِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ، وكَوْنُ الباءِ بِمَعْنى عَلى، قَدْ قِيلَ بِهِ، ومِمَّنْ قالَ بِهِ ابْنُ مالِكٍ، قالَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطارٍ﴾ [آل عمران: ٧٥]، أيْ عَلى قِنْطارٍ. وقِيلَ: هي لِلِاسْتِعانَةِ كَقَوْلِكَ: عَمِلْتُ بِالقَدُومِ، وكَتَبْتُ بِالقَلَمِ، أيْ فَإنْ دَخَلُوا في (p-٤١٠)الإيمانِ بِشَهادَةٍ مِثْلِ شَهادَتِكم، وذَلِكَ فِرارٌ مِن زِيادَةِ الباءِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مِن أماكِنِ زِيادَةِ الباءِ قِياسًا. والمُؤْمِنُ بِهِ عَلى هَذِهِ الأوْجُهِ الثَّلاثَةِ مَحْذُوفٌ، التَّقْدِيرُ: فَإنْ آمَنُوا بِاللَّهِ، ويَكُونُ الضَّمِيرُ في بِهِ عائِدًا عَلى ما عادَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ونَحْنُ لَهُ﴾، وهو اللَّهُ تَعالى. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى ما، وتَكُونُ إذْ ذاكَ مَوْصُولَةً. وأمّا مِثْلُ، فَقِيلَ: زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: فَإنْ آمَنُوا بِما آمَنتُمْ بِهِ، قالُوا: كَهي في قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، أيْ لَيْسَ كَهَوَ شَيْءٌ، وكَقَوْلِهِ: ؎فَصِيرُوا مِثْلَ كَعَصْفٍ مَأْكُولِ وكَقَوْلِهِ: ؎يا عاذِلِي دَعْنِي مِن عَذْلِكا ∗∗∗ مِثْلِي لا يَقْبَلُ مِن مِثْلِكا وقِيلَ: لَيْسَتْ بِزائِدَةٍ. والمِثْلِيَّةُ هُنا مُتَعَلِّقَةٌ بِالِاعْتِقادِ، أيْ فَإنِ اعْتَقَدُوا مِثْلَ اعْتِقادِكم، أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِالكِتابِ، أيْ فَإنْ آمَنُوا بِكِتابٍ مِثْلِ الكِتابِ الَّذِي آمَنتُمْ بِهِ. والمَعْنى: فَإنْ آمَنُوا بِكِتابِكُمُ المُماثِلِ لِكِتابِهِمْ، أيْ فَإنْ آمَنُوا بِالقُرْآنِ الَّذِي هو مُصَدِّقٌ لِما في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ لا تَكُونُ الباءُ زائِدَةً، بَلْ هي مِثْلُها في قَوْلِهِ: آمَنتُ بِالكِتابِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذا مِن مَجازِ الكَلامِ، يَقُولُ: هَذا أمْرٌ لا يَفْعَلُهُ مِثْلُكَ، أيْ لا تَفْعَلُهُ أنْتَ. والمَعْنى: فَإنْ آمَنُوا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ، وهَذا يَئُولُ إلى إلْغاءِ ”مِثْلَ“، وزِيادَتِها مِن حَيْثُ المَعْنى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ مِن بابِ التَّبْكِيتِ؛ لِأنَّ دِينَ الحَقِّ واحِدٌ لا مِثْلَ لَهُ، وهو دِينُ الإسْلامِ. ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]، فَلا يُوجَدُ إذًا دِينٌ آخَرُ يُماثِلُ دِينَ الإسْلامِ في كَوْنِهِ حَقًّا، حَتّى إنْ آمَنُوا بِذَلِكَ الدِّينِ المُماثِلِ لَهُ، كانُوا مُهْتَدِينَ، فَقِيلَ: فَإنْ آمَنُوا بِكَلِمَةِ الشَّكِّ، عَلى سَبِيلِ العَرْضِ، والتَّقْدِيرِ: أيْ فَإنْ حَصَّلُوا دَيْنًا آخَرَ مِثْلَ دِينِكم، مُساوِيًا لَهُ في الصِّحَّةِ والسَّدادِ. ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾: وفِيهِ أنَّ دِينَهُمُ الَّذِي هم عَلَيْهِ، وكُلَّ دِينٍ سِواهُ مُغايِرٌ لَهُ غَيْرُ مُماثِلٍ؛ لِأنَّهُ حَقٌّ وهُدًى، وما سِواهُ باطِلٌ وضَلالٌ، ونَحْوُ هَذا قَوْلُكَ لِلرَّجُلِ الَّذِي تُشِيرُ عَلَيْهِ: هَذا هو الرَّأْيُ الصَّوابُ، فَإنْ كانَ عِنْدَكَ رَأْيٌ أصْوَبُ مِنهُ، فاعْمَلْ بِهِ، وقَدْ عَلِمْتَ أنْ لا أصْوَبَ مِن رَأْيِكَ، ولَكِنَّكَ تُرِيدُ تَبْكِيتَ صاحِبِكَ وتَوْقِيفَهُ عَلى أنَّ ما رَأيْتَ لا رَأْيَ وراءَهُ. انْتَهى كَلامُهُ، وهو حَسَنٌ. وجَوابُ الشَّرْطِ قَوْلُهُ: ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾، ولَيْسَ الجَوابُ مَحْذُوفًا، كَهو في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ﴾ [فاطر: ٤] لِمَعْنى تَكْذِيبِ الرُّسُلِ قَطْعًا، واسْتِقْبالِ الهِدايَةِ هُنا، لِأنَّها مُعَلَّقَةٌ عَلى مُسْتَقْبَلٍ، ولَمْ تَكُنْ واقِعَةً قَبْلُ. ﴿وإنْ تَوَلَّوْا﴾: أيْ إنْ أعْرَضُوا عَنِ الدُّخُولِ في الإيمانِ. ﴿فَإنَّما هم في شِقاقٍ﴾: أكَّدَ الجُمْلَةَ الواقِعَةَ شَرْطًا بِإنْ، وتَأكَّدَ مَعْنى الخَبَرِ بِحَيْثُ صارَ ظَرْفًا لَهم، وهم مَظْرُوفُونَ لَهُ. فالشِّقاقُ مُسْتَوْلٍ عَلَيْهِمْ مِن جَمِيعِ جَوانِبِهِمْ، ومُحِيطٌ بِهِمْ إحاطَةَ البَيْتِ بِمَن فِيهِ. وهَذِهِ مُبالَغَةٌ في الشِّقاقِ الحاصِلِ لَهم بِالتَّوَلِّي، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأعراف: ٦٠]، ﴿إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ﴾ [الأعراف: ٦٦]، هو أبْلَغُ مِن قَوْلِكَ: زِيدٌ مُشاقٌّ لِعَمْرٍو، وزَيْدٌ ضالٌّ، وبَكْرٌ سَفِيهٌ. والشِّقاقُ هُنا: الخِلافُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوِ العَداوَةُ، أوِ الفِراقُ، أوِ المُنازَعَةُ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، أوِ المُجادَلَةُ، أوِ الضَّلالُ والِاخْتِلافُ، أوْ خَلْعُ الطّاعَةِ، قالَهُ الكِسائِيُّ؛ أوِ البِعادُ والفِراقُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وهَذِهِ تَفاسِيرُ لِلشِّقاقِ مُتَقارِبَةُ المَعْنى. وقَدْ ذَكَرْنا مَدارَ ذَلِكَ في المُفْرَداتِ عَلى مَعْنَيَيْنِ: إمّا مِنَ المَشَقَّةِ، وإمّا أنْ يَصِيرَ في شِقٍّ وصاحِبُهُ في شِقٍّ، أيْ يَقَعُ بَيْنَهم خِلافٌ. قالَ القاضِي: ولا يَكادُ يُقالُ في العَداوَةِ عَلى وجْهِ الحَقِّ شِقاقٌ؛ لِأنَّ الشِّقاقَ في مُخالَفَةٍ عَظِيمَةٍ تُوقِعُ صاحِبَها في عَداوَةِ اللَّهِ وغَضَبِهِ، وهَذا وعِيدٌ لَهم. انْتَهى. ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾: لَمّا ذَكَرَ أنَّ تَوَلِّيَهم يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الشِّقاقُ، وهو العَداوَةُ العَظِيمَةُ، أخْبَرَ تَعالى أنَّ تِلْكَ العَداوَةَ لا يَصِلُونَ إلَيْكَ بِشَيْءٍ مِنها؛ لِأنَّهُ تَعالى قَدْ كَفاهُ شَرَّهم. وهَذا الإخْبارُ ضَمانٌ مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ، كِفايَتَهُ ومَنعَهُ مِنهم، ويَضْمَنُ ذَلِكَ إظْهارَهُ عَلى أعْدائِهِ، وغَلَبَتَهُ إيّاهم؛ لِأنَّ مَن كانَ مُشاقًّا لَكَ غايَةَ الشِّقاقِ هو مُجْتَهِدٌ في أذاكَ، إذا لَمْ يَتَوَصَّلْ إلى ذَلِكَ، فَإنَّما ذَلِكَ لِظُهُورِكَ عَلَيْهِ وقُوَّةِ مَنَعَتِكَ مِنهُ، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] . (p-٤١١)وكَفاهُ اللَّهُ أمْرَهم بِالسَّبْيِ والقَتْلِ في قُرَيْظَةَ وبَنِي قَيْنُقاعَ، والنَّفْيِ في بَنِي النَّضِيرِ، والجِزْيَةِ في نَصارى نَجْرانَ. وعَطْفُ الجُمْلَةِ بِالفاءِ مُشْعِرٌ بِتَعَقُّبِ الكِفايَةِ عَقِيبَ شِقاقِهِمْ، والمَجِيءُ بِالسِّينِ يَدُلُّ عَلى قُرْبِ الِاسْتِقْبالِ، إذِ السِّينُ في وضْعِها أقْرَبُ في التَّنْفِيسِ مِن سَوْفَ، والذَّواتُ لَيْسَتِ المَكْفِيَّةَ، فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ فَسَيَكْفِيكَ شِقاقَهم، والمَكْفِيُّ بِهِ مَحْذُوفٌ، أيْ بِمَن يَهْدِيهِ اللَّهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، أوْ بِتَفْرِيقِ كَلِمَةِ المُشاقِّينَ، أوْ بِإهْلاكِ أعْيانِهِمْ وإذْلالِ باقِيهِمْ بِالسَّبْيِ والنَّفْيِ والجِزْيَةِ، كَما بَيَّنّاهُ. ﴿وهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾، مُناسَبَةُ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ: أنَّ كُلًّا مِنَ الإيمانِ وضِدِّهِ مُشْتَمِلٌ عَلى أقْوالٍ وأفْعالٍ، وعَلى عَقائِدَ يَنْشَأُ عَنْها تِلْكَ الأقْوالُ والأفْعالُ، فَناسَبَ أنْ يَخْتَتِمَ ذَلِكَ بِهِما، أيْ وهو السَّمِيعُ لِأقْوالِكم، العَلِيمُ بِنِيّاتِكم واعْتِقادِكم. ولَمّا كانَتِ الأقْوالُ هي الظّاهِرَةُ لَنا الدّالَّةُ عَلى ما في الباطِنِ، قُدِّمَتْ صِفَةُ السَّمِيعِ عَلى العَلِيمِ، ولِأنَّ العَلِيمَ فاصِلَةٌ أيْضًا. وتَضَمَّنَتْ هاتانِ الصِّفَتانِ الوَعِيدَ؛ لِأنَّ المَعْنى، وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ، فَيُجازِيكم بِما يَصْدُرُ مِنكم.

البقرة 2:138

﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾: أيْ دِينَ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وسُمِّيَ صِبْغَةً لِظُهُورِ أثَرِ الدِّينِ عَلى صاحِبِهِ، كَظُهُورِ أثَرِ الصَّبْغِ عَلى الثَّوْبِ، ولِأنَّهُ يَلْزَمُهُ ولا يُفارِقُهُ، كالصَّبْغِ في الثَّوْبِ، أوْ فِطْرَةَ اللَّهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ ومُقاتِلٌ؛ أوْ خِلْقَةَ اللَّهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ وأبُو عُبَيْدٍ؛ أوْ سُنَّةَ اللَّهِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ؛ أوِ الإسْلامَ، قالَهُ مُجاهِدٌ أيْضًا؛ أوْ جِهَةَ اللَّهِ يَعْنِي القِبْلَةَ، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ؛ أوْ حُجَّةَ اللَّهِ عَلى عِبادِهِ، قالَهُ الأصَمُّ: أوِ الخِتانَ؛ لِأنَّهُ يَصْبُغُ صاحِبَهُ بِالدَّمِ. والنَّصارى إذا وُلِدَ لَهم مَوْلُودٌ غَمَسُوهُ في السّابِعِ في ماءٍ يُقالُ لَهُ المَعْمُودِيَّةُ، فَيَتَطَهَّرُ عِنْدَهم ويَصِيرُ نَصْرانِيًّا. اسْتَغْنَوْا بِهِ عَنِ الخِتانِ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾، أوِ الِاغْتِسالَ لِلدُّخُولِ في الإسْلامِ عِوَضًا عَنْ ماءِ المَعْمُودِيَّةِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ؛ أوِ القُرْبَةَ إلى اللَّهِ، حَكاهُ ابْنُ فارِسٍ في المُجْمَلِ؛ أوِ التَّلْقِينِ، يُقالُ: فُلانٌ يَصْبُغُ فُلانًا في الشَّيْءِ، أيْ يُدْخِلُهُ فِيهِ ويُلْزِمُهُ إيّاهُ، كَما يَجْعَلُ الصَّبْغَ لازِمًا لِلثَّوْبِ. وهَذِهِ أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ، والأقْرَبُ مِنها هو الدِّينُ والمِلَّةُ؛ لِأنَّ قَبْلَهُ: ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا﴾ [البقرة: ١٣٦] الآيَةَ. وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ أصْلَ الدِّينِ الحَنِيفِيِّ، فَكَنّى بِالصِّبْغَةِ عَنْهُ، ومَجازُهُ ظُهُورُ الأثَرِ، أوْ مُلازَمَتُهُ لِمَن يَنْتَحِلُهُ. فَهو كالصَّبْغِ في هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ، كَما قالَ. وكَذَلِكَ الإيمانُ، حِينَ تُخالِطُ بِشاشَتُهُ القُلُوبَ. والعَرَبُ تُسَمِّي دِيانَةَ الشَّخْصِ لِشَيْءٍ، واتِّصافَهَ بِهِ صِبْغَةً. قالَ بَعْضُ شُعَراءِ مُلُوكِهِمْ: ؎وكُلُّ أُناسٍ لَهم صِبْغَةٌ وصِبْغَةُ هَمْدانَ خَيْرُ الصِّبَغْ ؎صَبَغْنا عَلى ذاكَ أبْناءَنا ∗∗∗ فَأكْرِمْ بِصِبْغَتِنا في الصِّبَغِ وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الأصْلَ في تَسْمِيَةِ الدِّينِ صِبْغَةً: أنَّ عِيسى حِينَ قَصَدَ يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا فَقالَ: جِئْتُ لِأصْبُغَ مِنكَ، وأغْتَسِلَ في نَهْرِ الأُرْدُنِّ. فَلَمّا خَرَجَ، نَزَلَ عَلَيْهِ رُوحُ القُدُسِ، فَصارَتِ النَّصارى يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِأوْلادِهِمْ في كَنائِسِهِمْ، تَشْبِيهًا بِعِيسى، ويَقُولُونَ: الآنَ صارَ نَصْرانِيًّا حَقًّا. وزَعَمُوا أنَّ في الإنْجِيلِ ذُكِرَ عِيسى بِأنَّهُ الصّابِغُ. ويُسَمُّونَ الماءَ الَّذِي يَغْمِسُونَ فِيهِ أوْلادَهُمُ: المَعْمُودِيَّةَ - بِالدّالِ - ويُقالُ: المَعْمُورِيَّةُ - بِالرّاءِ - . قالَ: ويُسَمُّونَ ذَلِكَ الفِعْلَ التَّغْمِيسَ، ومِنهم مَن يُسَمِّيهِ الصَّبْغَ، فَرَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ . وقالَ الرّاغِبُ: الصِّبْغَةُ إشارَةٌ إلى ما أوْجَدَهُ في النّاسِ مِن بَدائِهِ العُقُولِ الَّتِي مَيَّزَنا بِها عَنِ البَهائِمِ، ورَشَّحَنا بِها لِمَعْرِفَتِهِ ومَعْرِفَةِ طَلَبِ الحَقِّ، وهو المُشارُ إلَيْهِ بِالفِطْرَةِ. وسُمِّيَ ذَلِكَ بِالصِّبْغَةِ مِن حَيْثُ إنَّ قُوى الإنْسانِ، إذا اعْتُبِرَتْ جَرَتْ مَجْرى الصِّبْغَةِ في المَصْبُوغِ، ولَمّا كانَتِ النَّصارى، إذا لَقَّنُوا أوْلادَهُمُ النَّصْرانِيَّةَ يَقُولُونَ: نَصَّرْناهُ، فَقالَ: إنَّ الإيمانَ بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ صِبْغَةُ اللَّهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: صِبْغَةَ اللَّهِ بِالنَّصْبِ، ومَن قَرَأ بِرَفْعِ مِلَّةٍ، قَرَأ بِرَفْعِ صِبْغَةٍ، قالَهُ الطَّبَرِيُّ. وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ تِلْكَ قِراءَةُ الأعْرَجِ وابْنِ أبِي عَبْلَةَ. فَأمّا النَّصْبُ، فَوَجْهٌ عَلى أوْجُهٍ، أظْهَرُها أنَّهُ مَنصُوبٌ انْتِصابَ المَصْدَرِ (p-٤١٢)المُؤَكَّدِ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٦] . وقِيلَ: عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦] . وقِيلَ: عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ [البقرة: ١٣٧] وقِيلَ: هو نَصْبٌ عَلى الإغْراءِ، أيِ الزَمُوا صِبْغَةَ اللَّهِ. وقِيلَ: بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ١٣٥]، أمّا الإغْراءُ فَتُنافِرُهُ آخِرُ الآيَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ونَحْنُ لَهُ عابِدُونَ﴾، إلّا إنْ قُدِّرَ هُناكَ قَوْلٌ، وهو إضْمارٌ لا حاجَةَ تَدْعُو إلَيْهِ، ولا دَلِيلَ مِنَ الكَلامِ عَلَيْهِ. وأمّا البَدَلُ فَهو بَعِيدٌ، وقَدْ طالَ بَيْنَ المُبْدَلِ مِنهُ والبَدَلِ بِجُمَلٍ، ومِثْلُ ذَلِكَ لا يَجُوزُ. والأحْسَنُ أنْ يَكُونَ مُنْتَصِبًا انْتِصابَ المَصْدَرِ المُؤَكَّدِ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿قُولُوا آمَنّا﴾ [البقرة: ١٣٦]، فَإنْ كانَ الأمْرُ لِلْمُؤْمِنِينَ، كانَ المَعْنى: صَبَغَنا اللَّهُ بِالإيمانِ صِبْغَةً، ولَمْ يَصْبُغْ صِبْغَتَكم. وإنْ كانَ الأمْرُ لِلْيَهُودِ والنَّصارى، فالمَعْنى: صَبَغَنا اللَّهُ بِالإيمانِ صِبْغَةً، لا مِثْلَ صِبْغَتِنا، وطَهَّرَنا بِهِ تَطْهِيرًا، لا مِثْلَ تَطْهِيرِنا. ونَظِيرُ نَصْبِ هَذا المَصْدَرِ نَصْبُ قَوْلِهِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨]، إذْ قَبْلَهُ: ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ [النمل: ٨٨]، مَعْناهُ: صُنْعَ اللَّهِ ذَلِكَ صُنْعَهُ، وإنَّما جِيءَ بِلَفْظِ الصِّبْغَةِ عَلى طَرِيقِ المُشاكَلَةِ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ يَغْرِسُ الأشْجارَ: اغْرِسْ كَما يَغْرِسُ فُلانٌ، يُرِيدُ رَجُلًا يَصْطَنِعُ الكَرْمَ. وأمّا قِراءَةُ الرَّفْعِ، فَذَلِكَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ ذَلِكَ الإيمانُ صِبْغَةُ اللَّهِ. ﴿ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾: هَذا اسْتِفْهامٌ ومَعْناهُ: النَّفْيُ، أيْ ولا أحَدَ أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً. وأحْسَنُ هُنا لا يُرادُ بِها حَقِيقَةُ التَّفْضِيلِ، إذْ صِبْغَةُ غَيْرِ اللَّهِ مُنْتَفٍ عَنْها الحُسْنُ، أوْ يُرادُ التَّفْضِيلُ، بِاعْتِبارِ مَن يَظُنُّ أنَّ في صِبْغَةِ غَيْرِ اللَّهِ حُسْنًا، لا أنْ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى حَقِيقَةِ الشَّيْءِ. وانْتِصابُ ”صِبْغَةً“ هُنا عَلى التَّمْيِيزِ، وهو مِنَ التَّمْيِيزِ المَنقُولِ مِنَ المُبْتَدَأِ. وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ ذَلِكَ غَرِيبٌ، أعْنِي نَصَّ النَّحْوِيُّونَ عَلى أنَّ مِنَ التَّمْيِيزِ المَنقُولِ تَمْيِيزًا نُقِلَ مِنَ المُبْتَدَأِ، والتَّقْدِيرُ: ومَن صِبْغَتُهُ أحْسَنُ مِن صِبْغَةِ اللَّهِ. فالتَّفْضِيلُ إنَّما يَجْرِي بَيْنَ الصِّبْغَتَيْنِ، لا بَيْنَ الصّابِغِينَ. ﴿ونَحْنُ لَهُ عابِدُونَ﴾: مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٦]، ومَعْطُوفٌ عَلَيْهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا العَطْفُ يَرُدُّ قَوْلَ مَن زَعَمَ أنَّ صِبْغَةَ اللَّهِ بَدَلٌ مِن مِلَّةٍ، أوْ نُصِبَ عَلى الإغْراءِ، بِمَعْنى: عَلَيْكم صِبْغَةَ اللَّهِ، لِما فِيهِ مِن فَكِّ النَّظْمِ وإخْراجِ الكَلامِ عَنِ التِئامِهِ واتِّساقِهِ. وانْتِصابُها يَعْنِي: صِبْغَةَ اللَّهِ عَلى أنَّها مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ، هو الَّذِي ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ، والقَوْلُ ما قالَتْ حَذامُ. انْتَهى. وتَقْدِيرُهُ: في الإغْراءِ ”عَلَيْكم صِبْغَةَ اللَّهِ“ لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ الإغْراءَ إذا كانَ بِالظَّرْفِ والمَجْرُورِ، لا يَجُوزُ حَذْفُ ذَلِكَ الظَّرْفِ ولا المَجْرُورِ، ولِذَلِكَ حِينَ ذَكَرْنا وجْهَ الإغْراءِ قَدَّرْناهُ ”بِالزَمُوا صِبْغَةَ اللَّهِ“ . وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى العِبادَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥]، وأمّا هُنا فَقِيلَ: عابِدُونَ مُوَحِّدُونَ، ومِنهُ: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، أيْ لِيُوَحِّدُونِ. وقِيلَ: مُطِيعُونَ مُتَّبِعُونَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ وصِبْغَةَ اللَّهِ. وقِيلَ: خاضِعُونَ مُسْتَكِينُونَ في اتِّباعِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ، غَيْرُ مُسْتَكْبِرِينَ، وهَذِهِ أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ.

البقرة 2:139

﴿قُلْ أتُحاجُّونَنا في اللَّهِ وهو رَبُّنا ورَبُّكُمْ﴾: سَبَبُ النُّزُولِ، قِيلَ: إنَّ اليَهُودَ والنَّصارى قالُوا: يا مُحَمَّدُ، إنَّ الأنْبِياءَ كانُوا مِنّا وعَلى دِينِنا، ولَمْ تَكُنْ مِنَ العَرَبِ، ولَوْ كُنْتَ نَبِيًّا لَكُنْتَ مِنّا وعَلى دِينِنا. وقِيلَ: حاجُّوا المُسْلِمِينَ فَقالُوا: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ وأصْحابُ الكِتابِ الأوَّلِ، وقَبْلَتُنا أقْدَمُ؛ فَنَحْنُ أوْلى بِاللَّهِ مِنكم، فَأُنْزِلَتْ. قَرَأ الجُمْهُورُ: أتُحاجُونَنا بِنُونَيْنِ، إحْداهُما نُونُ الرَّفْعِ والأُخْرى الضَّمِيرُ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، والحَسَنُ، والأعْمَشُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِإدْغامِ النُّونِ في النُّونِ، وأجازَ بَعْضُهم حَذْفَ النُّونِ. أمّا قِراءَةُ الجُمْهُورِ فَظاهِرَةٌ، وأمّا قِراءَةُ زَيْدٍ ومَن ذُكِرَ مَعَهُ، فَوَجْهُها أنَّهُ لَمّا التَقى مِثْلانِ، وكانَ قَبْلَ الأوَّلِ حَرْفُ مَدٍّ ولِينٍ، جازَ الإدْغامُ كَقَوْلِكَ: هَذِهِ دارُ راشِدٍ؛ لِأنَّ المَدَّ يَقُومُ مَقامَ الحَرَكَةِ في نَحْوِ: جَعَلَ لَكَ. وأمّا جَوازُ حَذْفِ النُّونِ الأُولى، فَوَجْهُ مَن أجازَ ذَلِكَ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: فَبِمَ تُبَشِّرُونَ، بِكَسْرِ النُّونِ، وأنْشَدُوا: ؎تَراهُ كالثُّغامِ يَعُلُّ مِسْكًا يَسُوءُ الفالِياتِ إذا فَلَيْنِي (p-٤١٣)يُرِيدُ: فَلَيْنَنِي. والخِطابُ بِقَوْلِهِ: قُلْ لِلرَّسُولِ، أوْ لِلسّامِعِ، والهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ مَصْحُوبًا بِالإنْكارِ عَلَيْهِمْ، والواوُ ضَمِيرُ اليَهُودِ والنَّصارى. وقِيلَ: مُشْرِكُو العَرَبِ، إذْ قالُوا: لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ. وقِيلَ: ضَمِيرُ اليَهُودِ والنَّصارى والمُشْرِكِينَ. والمُحاجَّةُ هُنا: المُجادَلَةُ. والمَعْنى: أتُجادِلُونَنا في شَأْنِ اللَّهِ واصْطِفائِهِ النَّبِيَّ مِنَ العَرَبِ دُونَكم، وتَقُولُونَ لَوْ أنْزَلَ اللَّهُ عَلى أحَدٍ لَأنْزَلَ عَلَيْنا، وتَرَوْنَكم أحَقَّ بِالنَّبُوَّةِ مِنّا ؟ ﴿وهُوَ رَبُّنا ورَبُّكُمْ﴾: جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، يَعْنِي أنَّهُ مالِكُهم كُلِّهِمْ، فَهم مُشْتَرِكُونَ في العُبُودِيَّةِ، فَلَهُ أنْ يَخُصَّ مَن شاءَ بِما شاءَ مِنَ الكَرامَةِ. والمَعْنى: أنَّهُ مَعَ اعْتِرافِنا كُلِّنا أنّا مَرْبُوبُونَ لِرَبٍّ واحِدٍ، فَلا يُناسِبُ الجِدالُ فِيما شاءَ مِن أفْعالِهِ، وما خَصَّ بِهِ بَعْضَ مَرْبُوباتِهِ مِنَ الشَّرَفِ والزُّلْفى؛ لِأنَّهُ مُتَصَرِّفٌ في كُلِّهِمْ تَصَرُّفَ المالِكِ. وقِيلَ المَعْنى: أتُجادِلُونَنا في دِينِ اللَّهِ، وتَقُولُونَ إنَّ دِينَكم أفْضَلُ الأدْيانِ، وكِتابَكم أفْضَلُ الكُتُبِ ؟ والظّاهِرُ إنْكارُ المُجادَلَةِ في اللَّهِ، حَيْثُ زَعَمَتِ النَّصارى أنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ، وحَيْثُ زَعَمَ بَعْضُهم أنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ، وحَيْثُ زَعَمَتِ اليَهُودُ أنَّ اللَّهَ لَهُ ولَدٌ، وزَعَمُوا أنَّهُ شَيْخٌ أبْيَضُ الرَّأْسِ واللِّحْيَةِ، إلى ما يَدَّعُونَهُ فِيهِ مِن سِماتِ الحُدُوثِ والنَّقْصِ، تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأنْكَرَ عَلَيْهِمْ كَيْفَ يَدْعُونَ ذَلِكَ، والرَّبُّ واحِدٌ لَهم، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الِاعْتِقادُ فِيهِ واحِدًا، وهو أنْ تَثْبُتَ صِفاتُهُ العُلا، ويُنَزَّهُ عَنِ الحُدُوثِ والنَّقْصِ. ﴿ولَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكُمْ﴾، المَعْنى: ولَنا جَزاءُ أعْمالِنا، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنَّ شَرًّا فَشَرٌّ. والمَعْنى: أنَّ الرَّبَّ واحِدٌ، وهو المُجازِي عَلى الأعْمالِ، فَلا تَنْبَغِي المُجادَلَةُ فِيهِ ولا المُنازَعَةُ. ﴿ونَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾: ولَمّا بَيَّنَ القَدْرَ المُشْتَرَكَ مِنَ الرُّبُوبِيَّةِ والجَزاءِ، ذَكَرَ ما يُمَيَّزُ بِهِ المُؤْمِنُونَ مِنَ الإخْلاصِ لِلَّهِ تَعالى في العَمَلِ والِاعْتِقادِ، وعَدَمِ الإشْراكِ الَّذِي هو مَوْجُودٌ في النَّصارى وفي اليَهُودِ؛ لِأنَّ مَن عَبَدَ مَوْصُوفًا بِصِفاتِ الحُدُوثِ والنَّقْصِ، فَقَدْ أشْرَكَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ. والمَعْنى: أنّا لَمْ نَشُبْ عَقائِدَنا وأفْعالَنا بِشَيْءٍ مِنَ الشِّرْكِ، كَما ادَّعَتِ اليَهُودُ في العِجْلِ والنَّصارى في عِيسى. وهَذِهِ الجُمْلَةُ مِن بابِ التَّعْرِيضِ بِالذَّمِّ؛ لِأنَّ ذِكْرَ المُخْتَصِّ بَعْدَ ذِكْرِ المُشْتَرِكِ نَفْيٌ لِذَلِكَ المُخْتَصِّ عَمَّنْ شارَكَ في المُشْتَرَكِ، ويُناسِبُ أنْ يَكُونَ اسْتِطْرادًا، وهو أنْ يَذْكُرَ مَعْنًى يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مَدْحًا لِفاعِلِهِ وذَمًّا لِتارِكِهِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ؎وإنّا لَقَوْمٌ ما نَرى القَتْلَ سُبَّةً ∗∗∗ إذا ما رَأتْهُ عامِرٌ وسَلُولُ وهِيَ مُنَبِّهَةٌ عَلى أنَّ مَن أخْلَصَ لِلَّهِ، كانَ حَقِيقًا أنْ يَكُونَ مِنهُمُ الأنْبِياءُ وأهْلُ الكَرامَةِ، وقَدْ كَثُرَتْ أقْوالُ أرْبابِ المَعانِي في الإخْلاصِ. فَرُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «سَألْتُ جِبْرِيلَ عَنِ الإخْلاصِ ما هو ؟ فَقالَ: سَألْتُ رَبَّ العِزَّةِ عَنِ الإخْلاصِ ما هو ؟ فَقالَ: سِرٌّ مِن أسْرارِي اسْتَوْدَعْتُهُ قَلْبَ مَن أحْبَبْتُهُ مِن عِبادِي» . وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الإخْلاصُ: أنْ لا يُشْرِكَ في دِينِهِ، ولا يُرائِي في عَمَلِهِ أحَدًا. وقالَ الفُضَيْلُ: تَرْكُ العَمَلِ مِن أجْلِ النّاسِ رِياءٌ، والعَمَلُ مِن أجْلِ النّاسِ شِرْكٌ، والإخْلاصُ أنْ يُعافِيَكَ اللَّهُ مِنهُما. وقالَ ابْنُ مُعاذٍ: تَمْيِيزُ العَمَلِ مِنَ الذُّنُوبِ، كَتَمْيِيزِ اللَّبَنِ مِن بَيْنِ الفَرْثِ والدَّمِ. وقالَ البُوشَنْجِيُّ: هو مَعْنًى لا يَكْتُبُهُ المَلَكانِ، ولا يُفْسِدُهُ الشَّيْطانُ، ولا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الإنْسانُ، أيْ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إلّا اللَّهُ. وقالَ رُوَيْمٌ: هو ارْتِفاعُ عَمَلِكَ عَنِ الرُّؤْيَةِ. وقالَ حُذَيْفَةُ المُرْعَشِيُّ: أنْ تَسْتَوِيَ أفْعالُ العَبْدِ في الظّاهِرِ والباطِنِ. وقالَ أبُو يَعْقُوبَ المَكْفُوفُ: أنْ يَكْتُمَ العَبْدُ حَسَناتِهِ، كَما يَكْتُمُ سَيِّئاتِهِ. وقالَ سَهْلٌ: هو الإفْلاسُ، ومَعْناهُ أنْ يَرْجِعَ إلى احْتِقارِ العَمَلِ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدّارانِيُّ: لِلْمُرائِي ثَلاثُ عَلاماتٍ: يَكْسَلُ إذا كانَ وحْدَهُ، ويَنْشَطُ إذا كانَ في النّاسِ، ويَزِيدُ في العَمَلِ إذا أُثْنِيَ عَلَيْهِ. وهَذا القَوْلُ الَّذِي أمَرَ بِهِ ﷺ أنْ يَقُولَهُ عَلى وجْهِ الشَّفَقَةِ والنَّصِيحَةِ في الدِّينِ، لِيُنَبَّهُوا عَلى أنَّ تِلْكَ المُجادَلَةَ مِنكم لَيْسَتْ واقِعَةً مَوْقِعَ الصِّحَّةِ، ولا هي مِمّا يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ. ولَيْسَ مَقْصُودُنا بِهَذا التَّنْبِيهِ دَفْعَ ضَرَرٍ مِنكم، (p-٤١٤)وإنَّما مَقْصُودُنا نُصْحُكم وإرْشادُكم إلى تَخْلِيصِ اعْتِقادِكم مِنَ الشِّرْكِ، وأنْ تُخْلِصُوا كَما أخْلَصْنا، فَنَكُونَ سَواءً في ذَلِكَ.

البقرة 2:140

﴿أمْ تَقُولُونَ إنَّ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطَ كانُوا هُودًا أوْ نَصارى﴾: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ: أمْ تَقُولُونَ بِالتّاءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ. فَأمّا قِراءَةُ التّاءِ، فَتَحْتَمِلُ أمْ فِيهِ وجْهَيْنِ. أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ فِيهِ أمْ مُتَّصِلَةً، فالِاسْتِفْهامُ عَنْ وُقُوعِ أحَدِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ: المُحاجَّةُ في اللَّهِ، والِادِّعاءُ عَلى إبْراهِيمَ ومَن ذُكِرَ مَعَهُ، أنَّهم كانُوا يَهُودًا ونَصارى، وهو اسْتِفْهامٌ صَحِبَهُ الإنْكارُ والتَّقْرِيعُ والتَّوْبِيخُ؛ لِأنَّ كُلًّا مِنَ المُسْتَفْهِمِ عَنْهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ. الوَجْهُ الثّانِي: أنْ تَكُونَ أمْ فِيهِ مُنْقَطِعَةً، فَتُقَدَّرُ بِبَلْ والهَمْزَةِ، التَّقْدِيرُ: بَلْ أتَقُولُونَ، فَأضْرَبَ عَنِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، وانْتَقَلَ إلى الِاسْتِفْهامِ عَنْ هَذِهِ الجُمْلَةِ اللّاحِقَةِ، عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ أيْضًا، أيْ أنَّ نِسْبَةَ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ لِإبْراهِيمَ ومَن ذُكِرَ مَعَهُ، لَيْسَتْ بِصَحِيحَةٍ، بِشَهادَةِ القَوْلِ الصِّدْقِ الَّذِي أتى بِهِ الصّادِقُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا﴾ [آل عمران: ٦٧]، وبِشَهادَةِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ عَلى أنَّهم كانُوا عَلى التَّوْحِيدِ والحَنِيفِيَّةِ، وبِشَهادَةِ أنَّ اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ لِمَنِ اقْتَفى طَرِيقَةَ عِيسى، وبِأنَّ ما يَدَّعُونَهُ مِن ذَلِكَ قَوْلٌ بِلا بُرْهانٍ، فَهو باطِلٌ. وأمّا قِراءَةُ الياءِ، فالظّاهِرُ أنَّ أمْ فِيها مُنْقَطِعَةٌ. وحَكى أبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ عَنْ بَعْضِ النُّحاةِ: أنَّها لَيْسَتْ بِمُنْقَطِعَةٍ، لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: أتَقُومُ أمْ يَقُومُ عَمْرٌو ؟ فالمَعْنى: أيَكُونُ هَذا أمْ هَذا ؟ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا المِثالُ يَعْنِي: أتَقُومُ أمْ يَقُومُ عَمْرٌو ؟ غَيْرُ جَيِّدٍ؛ لِأنَّ القائِلَ فِيهِ واحِدٌ، والمُخاطَبَ واحِدٌ، والقَوْلَ في الآيَةِ مِنَ اثْنَيْنِ، والمُخاطَبَ اثْنانِ غَيْرانِ، وإنَّما يَتَّجِهُ مُعادَلَةُ أمْ لِلْألِفِ عَلى الحُكْمِ المَعْنَوِيِّ، كانَ مَعْنى قُلْ أتُحاجُّونَنا، أيُحاجُّونَ يا مُحَمَّدُ، أمْ يَقُولُونَ ؟ انْتَهى. ومَعْنى قَوْلِهِ: لِأنَّ القائِلَ فِيهِ واحِدٌ، يَعْنِي في المِثالِ الَّذِي هو: أيَقُومُ أمْ يَقُومُ عَمْرٌو ؟ فالنّاطِقُ بِهاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ هو واحِدٌ، وقَوْلُهُ: والمُخاطَبُ واحِدٌ، يَعْنِي الَّذِي خُوطِبَ بِهَذا الكَلامِ، والمُعادَلَةُ وقَعَتْ بَيْنَ قِيامِ المُواجَهِ بِالخِطابِ وبَيْنَ قِيامِ عَمْرٍو، وقَوْلُهُ.: والقَوْلُ في الآيَةِ مِنَ اثْنَيْنِ، يَعْنِي أنَّ أتُحاجُّونَنا مِن قَوْلِ الرَّسُولِ، إذْ أُمِرَ أنْ يُخاطِبَهم بِذَلِكَ، وأتَقُولُونَ بِالتّاءِ مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى. وقَوْلُهُ: والمُخاطَبُ اثْنانِ غَيْرانِ، أمّا الأوَّلُ فَقَوْلُهُ أتُحاجُّونَنا، وأمّا الثّانِي فَهو لِلرَّسُولِ وأُمَّتِهِ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِقَوْلِهِ: أمْ يَقُولُونَ. وقالالزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيمَن قَرَأ بِالياءِ، لا تَكُونُ إلّا مُنْقَطِعَةً. انْتَهى. ويُمْكِنُ الِاتِّصالُ فِيها مَعَ قِراءَةِ التّاءِ، ويَكُونُ ذَلِكَ مِنَ الِالتِفاتِ؛ إذْ صارَ فِيهِ خُرُوجٌ مِن خِطابٍ إلى غَيْبَةٍ، والضَّمِيرُ لِناسٍ مَخْصُوصِينَ. والأحْسَنُ أنْ تَكُونَ أمْ في القِراءَتَيْنِ مَعًا مُنْقَطِعَةً، وكَأنَّهُ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ مُحاجَّتَهم في اللَّهِ ونِسْبَةَ أنْبِيائِهِ لِلْيَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ، وقَدْ وقَعَ مِنهم ما أنْكَرَ عَلَيْهِمْ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ لِمَ تُحاجُّونَ في إبْراهِيمَ﴾ [آل عمران: ٦٥] الآياتِ. وإذا جَعَلْناها مُتَّصِلَةً، كانَ ذَلِكَ غَيْرَ مُتَضَمِّنٍ وُقُوعَ الجُمْلَتَيْنِ، بَلْ إحْداهُما، وصارَ السُّؤالُ عَنْ تَعْيِينِ إحْداهُما، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ إذْ وقَعا مَعًا. والقَوْلُ في أوْ فَيَقُولُ: ﴿هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١]، قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١] . وقَوْلُهُ: ﴿كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١٣٥]، وأنَّها لِلتَّفْضِيلِ، أيْ قالَتِ اليَهُودُ: هم يَهُودُ، وقالَتِ النَّصارى: هم نَصارى. ﴿قُلْ أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ﴾: القَوْلُ في القِراآتِ في ”أأنْتُمْ“، كَهو في قَوْلِهِ: ﴿أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة: ٦]، وقَدْ تَوَسَّطَ هُنا المَسْئُولُ عَنْهُ، وهو أحْسَنُ مِن تَقَدُّمِهِ وتَأخُّرِهِ، إذْ يَجُوزُ في العَرَبِيَّةِ أنْ يَقُولَ: أأعْلَمُ أنْتُمْ أمِ اللَّهُ ؟ ويَجُوزُ: أأنْتُمْ أمِ اللَّهُ أعْلَمُ ؟ ولا مُشارَكَةَ بَيْنِهِمْ وبَيْنَ اللَّهِ في العِلْمِ حَتّى يَسْألَ: أهم أزْيَدُ عِلْمًا أمِ اللَّهُ ؟ ولَكِنَّ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ والِاسْتِهْزاءِ، وعَلى تَقْدِيرٍ أنْ يُظَنَّ بِهِمْ عِلْمٌ، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِ حَسّانَ: ؎فَشَرُّكُما لِخَيْرِكُما الفِداءُ وقَدْ عَلِمَ أنَّ الَّذِي هو خَيْرٌ كُلُّهُ، هو الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنَّ الَّذِي هو شَرُّ كُلُّهِ هو هاجِيهِ. وفي هَذا رَدٌّ عَلىاليَهُودِ والنَّصارى؛ لِأنَّ اللَّهَ قَدْ أخْبَرَ بِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا (p-٤١٥)ولا نَصْرانِيًّا ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧]، ولِأنَّ اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ إنَّما حَدَثَتا بَعْدَ إبْراهِيمَ، ولِأنَّهُ أخْبَرَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ أنَّهم كانُوا مُسْلِمِينَ مُمَيَّزِينَ عَنِ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ. وخَرَجَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ مَخْرَجَ ما يُتَرَدَّدُ فِيهِ؛ لِأنَّ أتْباعَ أحْبارِهِمْ رُبَّما تَوَهَّمُوا، أوْ ظَنُّوا أنَّ أُولَئِكَ كانُوا هُودًا أوْ نَصارى لِسَماعِهِمْ ذَلِكَ مِنهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ رَدًّا مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، أوْ لِأنَّ أحْبارَهم كانُوا يَعْلَمُونَ بُطْلانَ مَقالَتِهِمْ في إبْراهِيمَ ومَن ذُكِرَ مَعَهُ، لَكِنَّهم كَتَمُوا ذَلِكَ ونَحَلُوهم إلى ما ذَكَرُوا، فَنَزَلُوا لِكَتْمِهِمْ ذَلِكَ مَنزِلَةَ مَن يَتَرَدَّدُ في الشَّيْءِ، ورَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ؛ لِأنَّ مَن خُوطِبَ بِهَذا الكَلامِ بادَرَ إلى أنْ يَقُولَ: اللَّهُ أعْلَمُ، فَكانَ ذَلِكَ أقْطَعَ لِلنِّزاعِ. ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا عالِمِينَ بِأنَّ إبْراهِيمَ ومَن مَعَهُ كانُوا مُبايِنِينَ لِلْيَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ، لَكِنَّهم كَتَمُوا ذَلِكَ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا الِاسْتِفْهامِ، وأنَّهُ يُرادُ بِهِ النَّفْيُ، فالمَعْنى: لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في أفْعَلِ التَّفْضِيلِ الجائِي بَعْدَ مَنَ الِاسْتِفْهامِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٤]، والمَنفِيُّ عَنْهُمُ التَّفْضِيلُ في الكَتْمِ اليَهُودُ، وقِيلَ: المُنافِقُونَ تابَعُوا اليَهُودَ عَلى الكَتْمِ. والشَّهادَةُ هي أنَّ أنْبِياءَ اللَّهِ مَعْصُومُونَ مِنَ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ الباطِلَتَيْنِ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والرَّبِيعُ، أوْ ما في التَّوْراةِ مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ونُبُوَّتِهِ، والأمْرِ بِتَصْدِيقِهِ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ؛ أوِ الإسْلامِ، وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ. والقَوْلُ الأوَّلُ أشْبَهُ بِسِياقِ الآيَةِ. مِنَ اللَّهِ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ”مِن“ مُتَعَلِّقَةً بِلَفْظِ كَتَمَ، ويَكُونُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ كَتَمَ مِن عِبادِ اللَّهِ شَهادَةً عِنْدَهُ، ومَعْناهُ أنَّهُ ذَمَّهم عَلى مَنعِ أنْ يَصِلَ إلى عِبادِ اللَّهِ، وأنْ يُؤَدُّوا إلَيْهِمْ شَهادَةَ الحَقِّ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ”مِن“ مُتَعَلِّقَةً بِالعامِلِ في الظَّرْفِ، إذِ الظَّرْفُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، والتَّقْدِيرُ: شَهادَةٌ كائِنَةٌ عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ، أيِ اللَّهُ تَعالى قَدْ أشْهَدَهُ تِلْكَ الشَّهادَةَ، وحَصَلَتْ عِنْدَهُ مِن قِبَلِ اللَّهِ واسْتَوْدَعَهُ إيّاها، وهو قَوْلُهُ ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] الآيَةَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ في هَذا الوَجْهِ: فَمِن عَلى هَذا مُتَعَلِّقَةٌ بِعِنْدَهُ، والتَّحْرِيرُ ما ذَكَرْناهُ أنَّ العامِلَ في الظَّرْفِ هو الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الجارُّ والمَجْرُورُ، ونِسْبَةُ التَّعَلُّقِ إلى الظَّرْفِ مَجازٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ كَتَمَ شَهادَةَ اللَّهِ الَّتِي عِنْدَهُ أنَّهُ شَهِدَ بِها، وهي شَهادَتُهُ لِإبْراهِيمَ بِالحَنِيفِيَّةِ. ومِن في قَوْلِهِ: شَهادَةً مِنَ اللَّهِ، مِثْلُها في قَوْلِكَ: هَذِهِ شَهادَةٌ مِنِّي لِفُلانٍ، إذا شَهِدْتَ لَهُ، ومِثْلُهُ: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [التوبة: ١] . انْتَهى. فَظاهِرُ كَلامِهِ: أنَّ مِنَ اللَّهِ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِشَهادَةٍ، أيْ كائِنَةٌ مِنَ اللَّهِ، وهو وجْهٌ ثالِثٌ في العامِلِ في مِن. والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما قَبْلَهُ: أنَّ العامِلَ في الوَجْهِ قَبْلَهُ في الظَّرْفِ والجارِّ والمَجْرُورِ واحِدٌ، وفي هَذا الوَجْهِ اثْنانِ، وكانَ جَعْلُ مِن مَعْمُولًا لِلْعامِلِ في الظَّرْفِ، أوْ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِشَهادَةٍ - أحْسَنَ مِن تَعَلُّقِ مِن بِكَتَمَ؛ لِأنَّهُ أبْلَغُ في الأظْلَمِيَّةِ أنْ تَكُونَ الشَّهادَةُ قَدِ اسْتَوْدَعَها اللَّهُ إيّاهُ فَكَتَمَها. وعَلى التَّعَلُّقِ بِكَتَمَ، تَكُونُ الأظْلَمِيَّةُ حاصِلَةً لِمَن كَتَمَ مِن عِبادِ اللَّهِ شَهادَةً مُطْلَقَةً وأخْفاها عَنْهم، ولا يَصِحُّ إذْ ذاكَ الأظْلَمِيَّةُ؛ لِأنَّ فَوْقَ هَذِهِ الشَّهادَةِ ما تَكُونُ الأظْلَمِيَّةُ فِيهِ أكْثَرَ، وهو كَتْمُ شَهادَةٍ اسْتَوْدَعَهُ اللَّهُ إيّاها، فَلِذَلِكَ اخْتَرْنا أنْ لا تَتَعَلَّقَ مِن بِكَتَمَ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ أهْلَ الكِتابِ لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهم؛ لِأنَّهم كَتَمُوا هَذِهِ الشَّهادَةَ وهم عالِمُونَ بِها. والثّانِي: أنّا لَوْ كَتَمْنا هَذِهِ الشَّهادَةَ، لَمْ يَكُنْ أحَدٌ أظْلَمَ مِنّا، فَلا نَكْتُمُها، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِكِتْمانِهِمْ شَهادَةَ اللَّهِ لِمُحَمَّدٍ بِالنُّبُوَّةِ في كُتُبِهِمْ وسائِرِ شَهاداتِهِ. انْتَهى كَلامُهُ، . والمَعْنى الأوَّلُ هو الظّاهِرُ؛ لِأنَّ الآيَةَ إنَّما تَقَدَّمَها الإنْكارُ، لِما نَسَبُوهُ إلى إبْراهِيمَ ومَن ذُكِرَ مَعَهُ. فالَّذِي يَلِيقُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ مَعَ أهْلِ الكِتابِ لا مَعَ الرَّسُولِ ﷺ وأتْباعِهِ، لِأنَّهم مُقِرُّونَ بِما أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ، وعالِمُونَ بِذَلِكَ العِلْمِ اليَقِينِ، فَلا يُفْرَضُ في حَقِّهِمْ كِتْمانُ ذَلِكَ. وذُكِرَ في (رَيِّ الظَّمْآنِ): أنَّ في الآيَةِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، والتَّقْدِيرُ: ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ (p-٤١٦)شَهادَةً حَصَلَتْ لَهُ ؟ كَقَوْلِكَ: ومَن أظْلَمُ مِن زَيْدٍ ؟ مِن جُمْلَةِ الكاتِمِينَ لِلشَّهادَةِ. والمَعْنى: لَوْ كانَ إبْراهِيمُ وبَنُوهُ يَهُودًا ونَصارى. ثُمَّ إنَّ اللَّهَ كَتَمَ هَذِهِ الشَّهادَةَ، لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِمَّنْ يَكْتُمُ الشَّهادَةَ أظْلَمَ مِنهُ، لَكِنْ لَمّا اسْتَحالَ ذَلِكَ مَعَ عَدْلِهِ وتَنْزِيهِهِ عَنِ الكَذِبِ، عَلِمْنا أنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ. انْتَهى. وهَذا الوَجْهُ مُتَكَلَّفٌ جِدًّا مِن حَيْثُ التَّرْكِيبُ، ومِن حَيْثُ المَدْلُولُ. أمّا مِن حَيْثُ التَّرْكِيبُ، فَزَعَمَ قائِلُهُ أنَّ ذَلِكَ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، وهَذا لا يَكُونُ عِنْدَنا إلّا في الضَّرائِرِ. وأيْضًا فَيَبْقى قَوْلُهُ: ”مِمَّنْ كَتَمَ“ مُتَعَلِّقٌ: إمّا بِأظْلَمَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلى طَرِيقَةِ البَدَلِيَّةِ، ويَكُونُ إذْ ذاكَ بَدَلَ عامٍّ مِن خاصٍّ، ولَيْسَ هَذا النَّوْعُ بِثابِتٍ مِن لِسانِ العَرَبِ، عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ، وإنْ كانَ بَعْضُهم قَدْ زَعَمَ أنَّهُ وجَدَ في لِسانِ العَرَبِ بَدَلَ كُلٍّ مِن بَعْضٍ. وقَدْ تَأوَّلَ الجُمْهُورُ ما أدّى ظاهِرُهُ إلى ثُبُوتِ ذَلِكَ، وجَعَلُوهُ مِن وضْعِ العامِّ مَوْضِعَ الخاصِّ؛ لِنَدُورِ ما ورَدَ مِن ذَلِكَ، أوْ يَكُونُ مِن مُتَعَلِّقِهِ بِمَحْذُوفٍ، فَيَكُونُ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ كائِنًا مِنَ الكاتِمِينَ الشَّهادَةَ. وأمّا مِن حَيْثُ المَدْلُولُ، فَإنَّ ثُبُوتَ الأظْلَمِيَّةِ لِمَن جَرَّ بِمِن يَكُونُ عَلى تَقْدِيرِ: أيْ إنْ كَتَمَها، فَلا أحَدَ أظْلَمُ مِنهُ. وهَذا كُلُّهُ مَعْنًى لا يَلِيقُ بِاللَّهِ تَعالى، ويُنَزَّهُ كِتابُ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ. ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى تَفْسِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾، ”﴿أفَتَطْمَعُونَ﴾ [البقرة: ٧٥]“ ولا يَأْتِي إلّا عَقِبَ ارْتِكابِ مَعْصِيَةٍ فَتَجِيءُ مُتَضَمِّنَةً وعِيدًا، ومُعَلِّمَةً أنَّ اللَّهَ لا يَتْرُكُ أمْرَهم سُدًى، بَلْ هو مُحَصِّلٌ لِأعْمالِهِمْ مُجازٍ عَلَيْها.

البقرة 2:141

﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى شَرْحِ هَذِهِ الجُمَلِ، وتَضَمَّنَتْ مَعْنى التَّخْوِيفِ والتَّهْدِيدِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِتَكْرارٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ ورَدَ إثْرَ شَيْءٍ مُخالِفٍ لِما ورَدَتِ الجُمَلُ الأوْلى بِإثْرِهِ. وإذا كانَ كَذَلِكَ، فَقَدِ اخْتَلَفَ السِّياقُ، فَلا تَكْرارَ. بَيانُ ذَلِكَ أنَّ الأُولى ورَدَتْ إثْرَ ذِكْرِ الأنْبِياءِ، فَتِلْكَ إشارَةٌ إلَيْهِمْ، وهَذِهِ ورَدَتْ عَقِبَ أسْلافِ اليَهُودِ والنَّصارى، فالمُشارُ إلَيْهِ هم. فَقَدِ اخْتَلَفَ المُخْبَرُ عَنْهُ والسِّياقُ، والمَعْنى: أنَّهُ إذا كانَ الأنْبِياءُ عَلى فَضْلِهِمْ وتَقَدُّمِهِمْ، يُجازَوْنَ بِما كَسَبُوا، فَأنْتُمْ أحَقُّ بِذَلِكَ. وقِيلَ: الإشارَةُ بِتِلْكَ إلى إبْراهِيمَ ومَن ذُكِرَ مَعَهُ، واسْتُبْعِدَ أنْ يُرادَ بِذَلِكَ أسْلافُ اليَهُودِ والنَّصارى؛ لِأنَّهُ لَمْ يَجْرِ لَهم ذِكْرٌ مُصَرِّحٌ بِهِمْ، وإذا كانَتِ الإشارَةُ بِتِلْكَ إلى إبْراهِيمَ ومَن مَعَهُ، فالتَّكْرارُ حَسَنٌ لِاخْتِلافِ الأقْوالِ والسِّياقِ. وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ الشَّرِيفَةُ ما كانَ عَلَيْهِ الأنْبِياءُ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِنَ الدُّعاءِ إلى اللَّهِ تَعالى، حَتّى جَعَلُوا ذَلِكَ وصِيَّةً يُوصُونَ بِها واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ. فَأخْبَرَ تَعالى عَنْ إبْراهِيمَ أنَّهُ أوْصى بِمِلَّتِهِ الحَنِيفِيَّةِ بَنِيهِ، وأنَّ يَعْقُوبَ أوْصى بِذَلِكَ، وقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْ وصِيَّتِهِ اخْتِيارَ اللَّهِ لَهم هَذا الدِّينَ؛ لِيُسَهِّلَ عَلَيْهِمُ اتِّباعَ ما اخْتارَهُ اللَّهُ لَهم، ويَحُضَّهم عَلى ذَلِكَ، وأمَرَهم أنَّهم لا يَمُوتُونَ إلّا عَلَيْهِ؛ لِأنَّ الأعْمالَ بِخَواتِيمِها. ثُمَّ ذَكَرَ سُؤالَ يَعْقُوبَ لِبَنِيهِ عَمّا يَعْبُدُونَ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَأجابُوهُ بِما قَرَّتْ بِهِ عَيْنُهُ مِن مُوافَقَتِهِ ومُوافَقَةِ آبائِهِ الأنْبِياءِ مِن عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ، والِانْقِيادِ لِأحْكامِهِ. وحِكْمَةُ هَذا السُّؤالِ أنَّهُ لَمّا وصّاهم بِالحَنِيفِيَّةِ، اسْتَفْسَرَهم عَمّا تُكِنُّ صُدُورُهم، وهَلْ يَقْبَلُونَ الوَصِيَّةَ ؟ فَأجابُوهُ بِقَبُولِها وبِمُوافَقَةِ ما أحَبَّهُ مِنهم، لِيَسْكُنَ بِذَلِكَ جَأْشُهُ، ويَعْلَمَ أنَّهُ قَدْ خَلَّفَ مَن يَقُومُ مَقامَهُ في الدُّعاءِ إلى اللَّهِ تَعالى. وصَدَرَ سُؤالُ يَعْقُوبَ بِتَقْرِيعِ اليَهُودِ والنَّصارى بِأنَّهم ما كانُوا شَهِدُوا وصِيَّةَ يَعْقُوبَ، إذْ فاجَأهُ مُقَدِّماتُ المَوْتِ، فَدَعْواهُمُ اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ عَلى إبْراهِيمَ ويَعْقُوبَ وبَنِيهِمْ باطِلَةٌ، إذْ لَمْ يَحْضُرُوا وقْتَ الوَصِيَّةِ، ولَمْ تُنْبِئْهم بِذَلِكَ تَوْراتُهم ولا إنْجِيلُهم، فَبَطَلَ قَوْلُهم؛ إذْ لَمْ يَتَحَصَّلْ لا عَنْ عِيانٍ ولا عَنْ نَقْلٍ، ولا ذَلِكَ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي يَسْتَدَلُّ عَلَيْها بِالعَقْلِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ تِلْكَ الأُمَّةَ قَدْ مَضَتْ لِسَبِيلِها، وأنَّها رَهِينَةٌ بِما كَسَبَتْ، كَما أنَّكم مَرْهُونُونَ بِأعْمالِكم، وأنَّكم لا تُسْألُونَ عَنْهم. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى ما هم عَلَيْهِ مِن دَعْوى الباطِلِ. والدُّعاءِ إلَيْهِ وزَعْمِهِمْ أنَّ الهِدايَةَ في اتِّباعِ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ. (p-٤١٧)ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ كَلامِهِمْ، وأخَذَ في اتِّباعِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ الحَنِيفِيَّةِ المُبايَنَةِ لِلْيَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ والوَثَنِيَّةِ. ثُمَّ أمَرَهم بِأنْ يُفْصِحُوا بِأنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ وإلى إبْراهِيمَ ومَن ذُكِرَ مَعَهُ، فَإنَّ الإيمانَ بِذَلِكَ هو الدِّينُ الحَنِيفُ، وأنَّهم مُنْقادُونَ لِلَّهِ اعْتِقادًا وأفْعالًا. ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ اليَهُودَ والنَّصارى، إنْ وافَقُواكم عَلى ذَلِكَ الإيمانِ، فَقَدْ حَصَلَتِ الهِدايَةُ لَهم، ورَتَّبَ الهِدايَةَ عَلى ذَلِكَ الإيمانِ، فَنَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى فَسادِ تَرْتِيبِ الهِدايَةِ عَلى اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ في قَوْلِهِ: ”﴿وقالُوا كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٣٥]“ . ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهم إنْ تَوَلَّوْا فَهُمُ الأعْداءُ المُشاقُّونَ لَكَ، وأنَّكَ لا تُبالِي بِشِقاقِهِمْ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى هو كافِيكَ أمْرَهم، ومَن كانَ اللَّهُ كافِيَهُ فَهو الغالِبُ، فَفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى ظُهُورِهِ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ صِبْغَةَ المِلَّةِ الحَنِيفِيَّةِ هي صِبْغَةُ اللَّهِ، وإذا كانَتْ صِبْغَةُ اللَّهِ، فَلا صِبْغَةَ أحْسَنُ مِنها، وأنَّ تَأْثِيرَ هَذِهِ الصِّبْغَةِ هو ظُهُورُها عَلَيْهِمْ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، فَقالَ: ”ونَحْنُ لَهُ عابِدُونَ“ . ثُمَّ اسْتَفْهَمَهم أيْضًا عَلى طَرِيقِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ عَنْ مُجادَلَتِهِمْ في اللَّهِ، ولا يَحْسُنُ النِّزاعُ فِيهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ هو رَبُّنا كُلِّنا، فالَّذِي يَقْتَضِيهِ العَقْلُ أنَّهُ لا يُجادِلُ فِيهِ. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ رَبُّ الجَمِيعِ، وأشارَ إلى أنَّهُ يُجازِي الجَمِيعَ بِقَوْلِهِ: ”ولَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم“ . ثُمَّ ذَكَرَ ما انْفَرَدُوا بِهِ مِنَ الإخْلاصِ لَهُ، لِأنَّ اليَهُودَ والنَّصارى غَيْرُ مُخْلِصِينَ لَهُ في العِبادَةِ. ثُمَّ اسْتَفْهَمَهم أيْضًا عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ، عَنْ مَقالَتِهِمْ في إبْراهِيمَ ومَن ذُكِرَ مَعَهُ، مِن أنَّهم كانُوا يَهُودًا ونَصارى، وأنَّ دَأْبَهُمُ المُجادَلَةُ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَتارَةً في اللَّهِ وتارَةً في أنْبِياءِ اللَّهِ. ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم لا عِلْمَ عِنْدِهِمْ بَلِ اللَّهُ هو أعْلَمُ بِهِ. ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ تِلْكَ المَقالَةَ لَمْ تَكُنْ عَنْ دَلِيلٍ ولا شُبْهَةٍ، بَلْ مُجَرَّدِ عِنادٍ، وأنَّهم كاتِمُونَ لِلْحَقِّ، دافِعُونَ لَهُ، فَقالَ ما مَعْناهُ: لا أحَدَ أظْلَمُ مِن كاتِمِ شَهادَةٍ اسْتَوْدَعَهُ اللَّهُ إيّاها، والمَعْنى: لا أحَدَ أظْلَمُ مِنكم في المُجادَلَةِ في اللَّهِ، وفي نِسْبَةِ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ لِإبْراهِيمَ ومَن ذُكِرَ مَعَهُ، إذْ عِنْدَهُمُ الشَّهادَةُ مِنَ اللَّهِ بِأحْوالِهِمْ. ثُمَّ هَدَّدَهم بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَغْفُلُ عَمّا يَعْمَلُونَ. ثُمَّ خَتَمَ ذَلِكَ بِأنَّ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ مُنْفَرِدَةً بِعَمَلِها، كَما أنْتُمْ كَذَلِكَ، وأنَّكم غَيْرُ مَسْئُولِينَ عَمّا عَمِلُوهُ، وجاءَتْ هَذِهِ الجُمَلُ مِنَ ابْتِداءِ ذِكْرِ إبْراهِيمَ إلى انْتِهاءِ الكَلامِ فِيهِ، عَلى اخْتِلافِ مَعانِيهِ وتَعَدُّدِ مَبانِيهِ، كَأنَّها جُمْلَةٌ واحِدَةٌ، في حُسْنِ مَساقِها ونَظْمِ اتِّساقِها، مُرْتَقِيَةً في الفَصاحَةِ إلى ذِرْوَةِ الإحْسانِ، مُفْصِحَةً أنَّ بَلاغَتَها خارِجَةٌ عَنْ طَبْعِ الإنْسانِ، مُذَكِّرَةً قَوْلَهُ تَعالى: ”قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ“ جَعَلَنا اللَّهُ مِمَّنْ هُدِيَ إلى عَمَلٍ بِهِ وفَهْمٍ، ووَفّى مِن تَدَبُّرِهِ أوْفَرَ سَهْمٍ، ووُقِيَ في تَفَكُّرِهِ مِن خَطَأٍ ووَهْمٍ.

البقرة 2:142

﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا وما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إلّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إلّا عَلى الَّذِينَ هَدى اللَّهُ وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكم إنَّ اللَّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣] ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤٤] ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وما أنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهم وما بَعْضُهم بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ إنَّكَ إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٤٥] ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم وإنَّ فَرِيقًا مِنهم لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦] ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ [البقرة: ١٤٧] ﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ أيْنَما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٤٨] ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤٩] ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم فَلا تَخْشَوْهم واخْشَوْنِي ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم ولَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٠] ﴿كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولًا مِنكم يَتْلُو عَلَيْكم آياتِنا ويُزَكِّيكم ويُعَلِّمُكُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُعَلِّمُكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٥١] ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكم واشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢] ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣] ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ بَلْ أحْياءٌ ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٥٤] ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ ونَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ والأنْفُسِ والثَّمَراتِ وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥] ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٧] (p-٤١٨)القِبْلَةُ: الجِهَةُ الَّتِي يَسْتَقْبِلُها الإنْسانُ، وهي مِنَ المُقابَلَةِ. وقالَ قُطْرُبٌ: يَقُولُونَ في كَلامِهِمْ لَيْسَ لَهُ قِبْلَةٌ، أيْ جِهَةٌ يَأْوِي إلَيْها. وقالَ غَيْرُهُ: إذا تَقابَلَ رَجُلانِ، فَكُلُّ واحِدٍ مِنهُما قِبْلَةُ الآخَرِ. وجاءَتِ القِبْلَةُ وإنْ أُرِيدَ بِها الجِهَةُ عَلى وزْنِ الهَيْئاتِ، كالقِعْدَةِ والجِلْسَةِ. الوَسَطُ: اسْمٌ لِما بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ وُصِفَ بِهِ، فَأُطْلِقَ عَلى الخِيارِ مِنَ الشَّيْءِ؛ لِأنَّ الأطْرافَ يَتَسارَعُ إلَيْها الخَلَلُ، ولِكَوْنِهِ اسْمًا كانَ لِلْواحِدِ والجَمْعَ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ بِلَفْظٍ واحِدٍ. وقالَ حَبِيبٌ: كانَتْ هي الوَسَطُ المَحْمِيُّ، فاكْتَنَفَتْ بِها الحَوادِثُ حَتّى أصْبَحَتْ طَرَفًا. ووَسَطُ الوادِي: خَيْرُ مَوْضِعٍ فِيهِ، وأكْثَرُهُ كَلَأً وماءً. ويُقالُ: فُلانٌ مِن أوْسَطِ قَوْمِهِ، وأنَّهُ لَواسِطَةُ قَوْمِهِ، ووَسَطُ قَوْمِهِ: أيْ مِن خِيارِهِمْ، وأهْلِ الحَسَبِ فِيهِمْ. وقالَ زُهَيْرٌ: ؎وهم وسَطٌ يَرْضى الأنامُ بِحُكْمِهِمْ إذا نَزَلَتْ إحْدى اللَّيالِي بِمُعْظَمِ وقَدْ وسَطَ سِطَةً ووَساطَةً، وقالَ: ؎وكُنْ مِنَ النّاسِ جَمِيعًا وسَطًا وأمّا وسْطُ - بِسُكُونِ السِّينِ - فَهو طَرَفُ المَكانِ، ولَهُ أحْكامٌ مَذْكُورَةٌ في النَّحْوِ. أضاعَ الرَّجُلُ الشَّيْءَ: أهْمَلَهُ ولَمْ يَحْفَظْهُ، والهَمْزَةُ فِيهِ لِلنَّقْلِ مِن ضاعَ يَضِيعُ ضَياعًا، وضاعَ المِسْكُ يَضُوعُ: فاحَ. الِانْقِلابُ: الِانْصِرافُ والِارْتِجاعُ، وهو لِلْمُطاوَعَةِ، قَلَبْتُهُ فانْقَلَبَ. عَقِبُ الرَّجُلِ: مَعْرُوفٌ، والعَقِبُ: النَّسْلُ، ويُقالُ: عَقِبٌ - بِسُكُونِ القافِ - . الرَّأْفَةُ والرَّحْمَةُ: مُتَقارِبانِ في المَعْنى. وقِيلَ: الرَّأْفَةُ أشَدُّ الرَّحْمَةِ، واسْمُ الفاعِلِ جاءَ لِلْمُبالَغَةِ عَلى فَعُولٍ كَضَرُوبٍ، وجاءَ عَلى فَعِلٍ كَحَذِرٍ، وجاءَ عَلى فَعْلٍ كَنَدْسٍ، وجاءَ عَلى فَعْلٍ كَصَعْبٍ. التَّقَلُّبُ: التَّرَدُّدُ، وهو لِلْمُطاوَعَةِ، قَلَبْتُهُ فَتَقَلَّبَ. الشَّطْرُ: النِّصْفُ، والجُزْءُ مِنَ الشَّيْءِ والجِهَةُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ألا مَن مُبْلِغٌ عَنِّي رَسُولًا ∗∗∗ وما تُغْنِي الرِّسالَةُ شَطْرَ عَمْرِو أيْ نَحْوَهُ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎أقُولُ لِأُمِّ زِنْباعٍ أقِيمِي ∗∗∗ صُدُورَ العِيسِ شَطْرَ بَنِي تَمِيمِ (وقالَ): ؎وقَدْ أظَلَّكم مِن شَطْرِ ثَغْرِكُمُ ∗∗∗ هَوْلٌ لَهُ ظُلَمٌ يَغْشاكُمُ قِطَعًا وقالَ ابْنُ أحْمَرَ: ؎تَعْدُو بِنا شَطْرَ نَجْدٍ وهي عاقِدَةٌ ∗∗∗ قَدْ كارَبَ العَقْدُ مِن إيقادِهِ الحُقْبا وقالَ آخَرُ: ؎وأظْعَنُ بِالقَوْمِ شَطْرَ المُلُوكِ أيْ نَحْوَهم، وقالَ: ؎إنَّ العَشِيرَ بِها داءٌ مُخامِرُها ∗∗∗ وشَطْرُها نَظَرُ العَيْنَيْنِ مَسْجُورُ ويُقالُ: شَطَرَ عَنْهُ: بَعُدَ، وشَطَرَ إلَيْهِ: أقْبَلَ، والشّاطِرُ مِنَ الشَّبابِ: البَعِيدُ مِنَ الجِيرانِ، الغائِبُ عَنْ مَنزِلِهِ. يُقالُ: شَطَرَ شُطُورًا، والشَّطِيرُ: البَعِيدُ، مَنزِلٌ شَطِيرٌ: أيْ بَعِيدٌ. الحَرامُ والحَرَمُ والحُرُمُ: المُمْتَنِعُ، وقَدْ تَقَدَّمَ (p-٤١٩)الكَلامُ في ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ( ﴿وهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكم إخْراجُهُمْ﴾ [البقرة: ٨٥] الِامْتِراءُ: افْتِعالٌ مِنَ المِرْيَةِ، وهي الشَّكُّ. امْتَرى في الشَّيْءِ: شَكَّ فِيهِ، ومِنهُ المِراءُ. مارَيْتُهُ أيْ جادَلْتُهُ وشاكَكْتُهُ فِيما يَدَّعِيهِ. وافْتَعَلَ: بِمَعْنى تَفاعَلَ. تَقُولُ: تَمارَيْنا وامْتَرَيْنا فِيهِ، كَقَوْلِكَ: تَحاوَرْنا واحْتَوَرْنا. وِجْهَةٌ، قالَ قَوْمٌ، مِنهُمُ المازِنِيُّ والمُبَرِّدُ والفارِسِيُّ: إنَّ وِجْهَةً اسْمٌ لِلْمَكانِ المُتَوَجَّهِ إلَيْهِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ إثْباتُ الواوِ أصْلًا، إذْ هو اسْمٌ غَيْرُ مَصْدَرٍ. قالَ سِيبَوَيْهِ: ولَوْ بَنَيْتَ فِعْلَةً مِنَ الوَعْدِ لَقُلْتَ وِعْدَةً، ولَوْ بَنَيْتَ مَصْدَرًا لَقُلْتَ عِدَةً. وذَهَبَ قَوْمٌ، مِنهُمُ المازِنِيُّ، فِيما نَقَلَ المَهْدَوِيُّ إلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، وهو الَّذِي يَظْهَرُ مِن كَلامِ سِيبَوَيْهِ. قالَ، بَعْدَ ما ذَكَرَ حَذْفَ الواوِ مِنَ المَصادِرِ، وقَدْ أ ثْبَتُوا فَقالُوا: وِجْهَةً في الجِهَةِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ إثْباتُ الواوِ شاذًّا، مُنَبِّهَةً عَلى الأصْلِ المَتْرُوكِ في المَصادِرِ. والَّذِي سَوَّغَ عِنْدِي إقْرارَ الواوِ - وإنْ كانَ مَصْدَرًا - أنَّهُ مَصْدَرٌ لَيْسَ بِجارٍ عَلى فِعْلِهِ، إذْ لا يُحْفَظُ وجَهَ يَجِهُ، فَيَكُونُ المَصْدَرُ جِهَةً. قالُوا: وعَدَ يَعِدُ عِدَّةً، إذِ المُوجِبُ لِحَذْفِ الواوِ مِن عِدَّةٍ هو الحَمْلُ عَلى المُضارِعِ؛ لِأنَّ حَذْفَها في المُضارِعِ لِعِلَّةٍ مَفْقُودَةٍ في المَصْدَرِ. ولَمّا فُقِدَ يَجِهُ، ولَمْ يُسْمَعْ، لَمْ يُحْذَفْ مِن وِجْهَةٍ، وإنْ كانَ مَصْدَرًا؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مَصْدَرًا لِيَجِهَ، وإنَّما هو مَصْدَرٌ عَلى حَذْفِ الزَّوائِدِ؛ لِأنَّ الفِعْلَ مِنهُ: تَوَجَّهَ واتَّجَهَ. فالمَصْدَرُ الجارِي هو التَّوَجُّهُ والِاتِّجاهُ، وإطْلاقُهُ عَلى المَكانِ المُتَوَجَّهِ إلَيْهِ هو مِن بابِ إطْلاقِ المَصْدَرِ عَلى اسْمِ المَفْعُولِ. الِاسْتِباقُ: افْتِعالٌ مِنَ السَّبْقِ، وهو الوُصُولُ إلى الشَّيْءِ أوَّلًا، ويَكُونُ افْتَعَلَ مِنهُ، إمّا لِمُوافَقَةِ المُجَرَّدِ، فَيَكُونُ مَعْناهُ ومَعْنى سَبَقَ واحِدًا، أوْ لِمُوافَقَةِ تَفاعَلَ، فَيَكُونُ اسْتَبَقَ وتَسابَقَ بِمَعْنًى واحِدٍ. الخَيْراتُ: جَمْعُ خَيْرَةٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِناءً عَلى فِعْلَةٍ، أوْ بِناءً عَلى فَيْعِلَةٍ، فَحُذِفَ مِنهُ، كالمَيِّتَةِ واللَّيِّنَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في هَذا الحَذْفِ، قالُوا: رَجُلٌ خَيِّرٌ، وامْرَأةٌ خَيِّرَةٌ، كَما قالُوا: رَجُلٌ شَرٌّ، وامْرَأةٌ شَرَّةٌ، ولا يَكُونانِ إذْ ذاكَ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ. الجُوعُ: القَحْطُ، وأمّا الحاجَةُ إلى الأكْلِ فَإنَّما اسْمُها: الغَرَثُ. يُقالُ: غَرِثَ يَغْرَثُ غَرْثًا، فَهو غَرِثٌ وغَرْثانُ، قالَ: ؎مُغَرَّثَةً زُرْقًا كَأنَّ عُيُونَها ∗∗∗ مِنَ الذَّمْرِ والإيحاءِ نُوارُ عَضْرَسِ وقَدِ اسْتَعْمَلَ المُحَدِّثُونَ في الغَرْثِ: الجُوعَ اتِّساعًا. * * ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾: سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ما رَواهُ البُخارِيُّ، عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: لَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ، فَصَلّى نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا. وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ أنْ يَتَوَجَّهَ نَحْوَ الكَعْبَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ﴾ [البقرة: ١٤٤] الآيَةَ. فَقالَ: السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ، وهُمُ اليَهُودُ، ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ الآيَةَ. (ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ) لِما قَبْلَها: أنَّ اليَهُودَ والنَّصارى قالُوا: إنَّ إبْراهِيمَ ومَن ذُكِرَ مَعَهُ كانُوا يَهُودًا ونَصارى. ذَكَرُوا ذَلِكَ طَعْنًا في الإسْلامِ؛ لِأنَّ النَّسْخَ عِنْدَ اليَهُودِ باطِلٌ، فَقالُوا: الِانْتِقالُ عَنْ قِبْلَتِنا باطِلٌ وسَفَهٌ، فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ الآيَةَ، فَبَيَّنَ ما كانَ هِدايَةً، وما كانَ سَفَهًا. وسَيَقُولُ، ظاهِرٌ في الِاسْتِقْبالِ، وأنَّهُ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ ﷺ، أنَّهُ يَصْدُرُ مِنهم هَذا القَوْلُ في المُسْتَقْبَلِ، وذَلِكَ قَبْلَ أنْ يُؤْمَرُوا بِاسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ، وتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مُتَقَدِّمَةً في النُّزُولِ عَلى الآيَةِ المُتَضَمِّنَةِ الأمْرَ بِاسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ، فَتَكُونُ مِن بابِ الإخْبارِ بِالشَّيْءِ قَبْلَ وُقُوعِهِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ مُعْجِزًا، إذْ هو إخْبارٌ بِالغَيْبِ. ولِتَتَوَطَّنَ النَّفْسُ عَلى ما يَرِدُ مِنَ الأعْداءِ، وتَسْتَعِدَّ لَهُ، فَيَكُونُ أقَلَّ تَأْثِيرًا مِنهُ إذا فاجَأ، ولَمْ يَتَقَدَّمْ بِهِ عِلْمٌ، ولِيَكُونَ الجَوابُ مُسْتَعِدًّا لِمُنْكِرِ ذَلِكَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ . وإلى هَذا القَوْلِ ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّها مُتَقَدِّمَةٌ في التِّلاوَةِ، مُتَأخِّرَةٌ في النُّزُولِ، وأنَّهُ نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ﴾ [البقرة: ١٤٤] الآيَةَ، ثُمَّ نَزَلَ: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ﴾ . نَصَّ عَلى ذَلِكَ (p-٤٢٠)ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ. ويَدُلُّ عَلى هَذا ويُصَحِّحُهُ حَدِيثُ البَراءِ المُتَقَدِّمُ، الَّذِي خَرَّجَهُ البُخارِيُّ. وإذا كانَ كَذَلِكَ، فَمَعْنى قَوْلِهِ: سَيَقُولُ، أنَّهم مُسْتَمِرُّونَ عَلى هَذا القَوْلِ، وإنْ كانُوا قَدْ قالُوهُ، فَحِكْمَةُ الِاسْتِقْبالِ أنَّهم، كَما صَدَرَ عَنْهم هَذا القَوْلُ في الماضِي، فَهم أيْضًا يَقُولُونَهُ في المُسْتَقْبَلِ. ولَيْسَ عِنْدَنا مَن وضَعَ المُسْتَقْبَلَ مَوْضِعَ الماضِي. وإنَّ مَعْنى سَيَقُولُ: قالَ، كَما زَعَمَ بَعْضُهم؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَتَأتّى مَعَ السِّينِ لِبُعْدِ المَجازِ فِيهِ. ولَوْ كانَ عارِيًا مِنَ السِّينِ، لَقَرُبَ ذَلِكَ وكانَ يَكُونُ حِكايَةَ حالٍ ماضِيَةٍ. والسُّفَهاءُ: اليَهُودُ، قالَهُ البَراءُ بْنُ عازِبٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ. وأهْلُ مَكَّةَ قالُوا: اشْتاقَ مُحَمَّدُ إلى مَوْلِدِهِ، وعَنْ قَرِيبٍ يَرْجِعُ إلى دِينِكم، رَواهُ أبُو صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ. أوِ المُنافِقُونَ قالُوا: ذَلِكَ اسْتِهْزاءً بِالمُسْلِمِينَ، ذَكَرَهُ السُّدِّيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وقَدْ جَرى تَسْمِيَةُ المُنافِقِينَ بِالسُّفَهاءِ في قَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّهم هُمُ السُّفَهاءُ﴾ [البقرة: ١٣]، أوِ الطَّوائِفُ الثَّلاثُ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم مِنَ النّاسِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُ: وخَصَّ بِقَوْلِهِ مِنَ النّاسِ؛ لِأنَّ السَّفَهَ أصْلُهُ الخِفَّةُ، يُوصَفُ بِهِ الجَمادُ. قالُوا: ثَوْبٌ سَفِيهٌ، أيْ خَفِيفُ النَّسْجِ والهَلْهَلَةِ، ورُمْحٌ سَفِيهٌ: أيْ خَفِيفٌ سَرِيعُ النُّفُوذِ. ويُوصَفُ بِهِ الحَيَواناتُ غَيْرُ النّاسِ، فَلَوِ اقْتَصَرَ لاحْتَمَلَ النّاسَ وغَيْرَهم؛ لِأنَّ القَوْلَ يُنْسَبُ إلى النّاسِ حَقِيقَةً، وإلى غَيْرِهِمْ مَجازًا، فارْتَفَعَ المَجازُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ النّاسِ ما ولّاهُمْ﴾، أيْ ما صَرَفَهم، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى النَّبِيِّ ﷺ والمُؤْمِنِينَ عَنْ قِبْلَتِهِمْ. أضافَ القِبْلَةَ إلَيْهِمْ لِأنَّهم كانُوا اسْتَقْبَلُوها زَمَنًا طَوِيلًا، فَصَحَّتِ الإضافَةُ. وأجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ هَذِهِ التَّوْلِيَةَ كانَتْ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ إلى الكَعْبَةِ. هَكَذا ذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، ولَيْسَ ذَلِكَ إجْماعًا، بَلْ قَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ هَذِهِ القِبْلَةَ، الَّتِي عِيبَ التَّحَوُّلُ مِنها إلى غَيْرِها هي الكَعْبَةُ، وأنَّهُ كانَ يُصَلِّي إلَيْها عِنْدَما فُرِضَتِ الصَّلاةُ، لِأنَّها قِبْلَةُ أبِيهِ إبْراهِيمَ. فَلَمّا تَوَجَّهَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، قالَ أهْلُ مَكَّةَ - زارِينَ عَلَيْهِ وعائِبِينَ -: ”ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها“، هَذا عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ عَلى اسْتِقْبالِها. والِاسْتِعْلاءُ هُنا مَجازٌ، وحِكْمَتُهُ لَهم لِمُواظَبَتِهِمْ عَلى امْتِثالِ أمْرِ اللَّهِ في المُحافَظَةِ عَلى الصَّلَواتِ. صارَتِ القِبْلَةُ لَهم كالشَّيْءِ المُسْتَعْلى عَلَيْهِ، المُلازَمِ دائِمًا. وفي وصْفِ القِبْلَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾، ما يَدُلُّ عَلى تَمَكُّنِ اسْتِقْبالِها، ودَيْمُومَتِهِمْ عَلى ذَلِكَ. والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ”قِبْلَتِهِمْ“ و”كانُوا“ ضَمِيرُ المُؤْمِنِينَ. وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى السُّفَهاءِ، فَإنَّهم كانُوا لا يَعْرِفُونَ إلّا قِبْلَةَ اليَهُودِ وهي إلى المَغْرِبِ، وقِبْلَةَ النَّصارى وهي إلى المَشْرِقِ، والعَرَبُ لَمْ يَكُنْ لَهم صَلاةٌ، فَيَتَوَجَّهُونَ إلى شَيْءٍ مِنَ الجِهاتِ. فَلَمّا تَوَجَّهَ نَحْوَ الكَعْبَةِ اسْتَنْكَرُوا ذَلِكَ فَقالُوا: كَيْفَ يَتَوَجَّهُ إلى غَيْرِ هاتَيْنِ المَعْرُوفَتَيْنِ ؟ واخْتَلَفُوا في اسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ: أكانَ بِوَحْيٍ مَتْلُوٍّ ؟ أوْ بِأمْرٍ مِنَ اللَّهِ غَيْرِ مَتْلُوٍّ ؟ أوْ بِتَخْيِيرِ اللَّهِ رَسُولِهِ في النَّواحِي ؟ فاخْتارَ بَيْتَ المَقْدِسِ، قالَهُ الرَّبِيعُ؛ أوْ بِاجْتِهادِهِ بِغَيْرِ وحْيٍ، قالَهُ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وأبُو العالِيَةِ. أقْوالٌ: الأوَّلُ: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، رُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: أوَّلُ ما نُسِخَ مِنَ القُرْآنِ القِبْلَةُ: وكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا في المُدَّةِ الَّتِي صَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيها إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، فَقِيلَ: سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا. وقِيلَ: تِسْعَةٌ، أوْ عَشَرَةُ أشْهُرٍ. وقِيلَ: ثَلاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا. وقِيلَ: مِن وقْتِ فُرِضَ الخَمْسُ وائْتِمامِهِ بِجِبْرِيلَ، إثْرَ الإسْراءِ، وكانَ لَيْلَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ مِن رَبِيعٍ الآخِرِ، قَبْلَ الهِجْرَةِ بِسَنَةٍ، ثُمَّ هاجَرَ في رَبِيعٍ الأوَّلِ، وتَمادى يُصَلِّي إلى بَيْتِ المَقْدِسِ إلى رَجَبٍ مِن سَنَةِ اثْنَتَيْنِ. وقِيلَ: إلى جُمادى. وقِيلَ: إلى نِصْفِ شَعْبانَ. ورُوِيَ «أنَّهُ ﷺ صَلّى رَكْعَتِي الظُّهْرِ، فانْصَرَفَ بالآخْرَتَيْنِ إلى الكَعْبَةِ»، وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى جَوازِ نَسْخِ السُّنَّةِ لِلْقُرْآنِ، إذْ صَلاتُهُ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ لَيْسَ فِيها قُرْآنٌ، واسْتُدِلَّ بِها أيْضًا عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن يَزْعُمُ أنَّ النَّسْخَ بَداءٌ. ﴿قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾: الأمْرُ مُتَوَجِّهٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وفِيهِ تَعْلِيمٌ لَهُ ﷺ كَيْفَ يُبْطِلُ مَقالَتَهم، ورَدَّ عَلَيْهِمْ إنْكارَهم. والمَعْنى: أنَّ الجِهاتِ كُلَّها لِلَّهِ تَعالى، (p-٤٢١)يُكَلِّفُ عِبادَهُ بِما شاءَ أنْ يَسْتَقْبِلَ مِنها، وأنْ تُجْعَلَ قِبْلَةً. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾، فَأغْنى عَنِ الإعادَةِ هُنا. وقَدْ شَرَحَ المَشْرِقَ بِبَيْتِ المَقْدِسِ، والمَغْرِبَ بِالكَعْبَةِ؛ لِأنَّ الكَعْبَةَ غَرْبِيُّ بَيْتِ المَقْدِسِ، فَيَكُونُ بِالضَّرُورَةِ بَيْتُ المَقْدِسِ شَرْقِيَّها. ﴿يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: أيْ مَن يَشاءُ هِدايَتَهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ما يُشْبِهُ هَذِهِ الجُمْلَةَ في قَوْلِهِ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ: وتَقَدَّمَ أنَّ هُدًى يَتَعَدّى بِاللّامِ وبِإلى وبِنَفْسِهِ، وهُنا عُدِّيَ بِإلى. وقَدِ اخْتَلَفُوا في الصَّلاةِ الَّتِي حُوِّلَتِ القِبْلَةُ فِيها، فَقِيلَ: الصُّبْحُ، وقِيلَ: الظُّهْرُ، وقِيلَ: العَصْرُ. وكَذَلِكَ أكْثَرُوا الكَلامَ في الحِكْمَةِ الَّتِي لِأجْلِها كانَ تَحْوِيلُ القِبْلَةِ، بِأشْياءَ لا يَقُومُ عَلى صِحَّتِها دَلِيلٌ، وعَلَّلُوا ذَلِكَ بِعِلَلٍ لَمْ يُشِرْ إلَيْها الشَّرْعُ، ولا قادَ نَحْوَها العَقْلُ، فَتَرَكْنا نَقْلَ ذَلِكَ في كِتابِنا هَذا، عَلى عادَتِنا في ذَلِكَ. ومَن طَلَبَ لِلْوَضْعِيّاتِ تَعالِيلَ، فَأحْرى بِأنْ يَقِلَّ صَوابُهُ ويَكْثُرَ خَطَؤُهُ. وأمّا ما نَصَّ الشَّرْعُ عَلى حِكْمَتِهِ، أوْ أشارَ، أوْ قادَ إلَيْهِ النَّظَرُ الصَّحِيحُ، فَهو الَّذِي لا مَعْدِلَ عَنْهُ، ولا اسْتِفادَةَ إلّا مِنهُ. وقَدْ فَسَّرَ قَوْلَهُ: (صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) بِأنَّهُ القِبْلَةُ الَّتِي هي الكَعْبَةُ. والظّاهِرُ أنَّهُ مِلَّةُ الإسْلامِ وشَرائِعُهُ، فالكَعْبَةُ مِن بَعْضِ مَشْرُوعاتِهِ.

البقرة 2:143

﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾: الكافُ: لِلتَّشْبِيهِ، وذَلِكَ: اسْمُ إشارَةٍ، والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، إمّا لِكَوْنِهِ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وإمّا لِكَوْنِهِ حالًا. والمَعْنى: وجَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا جَعْلًا مِثْلَ ذَلِكَ، والإشارَةُ بِذَلِكَ لَيْسَ إلى مَلْفُوظٍ بِهِ مُتَقَدِّمٍ، إذْ لَمْ يَتَقَدَّمْ في الجُمْلَةِ السّابِقَةِ اسْمٌ يُشارُ إلَيْهِ بِذَلِكَ، لَكِنْ تَقَدَّمَ لَفْظُ يَهْدِي، وهو دالٌّ عَلى المَصْدَرِ، وهو الهُدى، وتَبَيَّنَ أنَّ مَعْنى ﴿يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ١٤٢]: يَجْعَلُهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿مَن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ ومَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٣٩] . قابَلَ تَعالى الضَّلالَ بِالجَعْلِ عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، إذْ ذَلِكَ الجَعْلُ هو الهِدايَةُ، فَكَذَلِكَ مَعْنى الهَدْيِ هُنا هو ذَلِكَ الجَعْلُ. وتَبَيَّنَ أيْضًا مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ [البقرة: ١٤٢] إلى آخِرِهِ، أنَّ اللَّهَ جَعَلَ قِبْلَتَهم خَيْرًا مِن قِبْلَةِ اليَهُودِ والنَّصارى، أوْ وسَطًا. فَعَلى هَذِهِ التَّقادِيرِ اخْتَلَفَتِ الأقاوِيلُ في المُشارِ إلَيْهِ بِذَلِكَ. فَقِيلَ: المَعْنى أنَّهُ شَبَّهَ جَعْلَهم أُمَّةً وسَطًا بِهِدايَتِهِ إيّاهم إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، أيْ أنْعَمْنا عَلَيْكم بِجَعْلِكم أُمَّةً وسَطًا، مِثْلَ ما سَبَقَ إنْعامُنا عَلَيْكم بِالهِدايَةِ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، فَتَكُونُ الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى المَصْدَرِ الدّالِّ عَلَيْهِ يَهْدِي، أيْ جَعَلْناكم أُمَّةً خِيارًا مِثْلَ ما هَدَيْناكم بِاتِّباعِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وما جاءَ بِهِ مِنَ الحَقِّ. وقِيلَ: المَعْنى أنَّهُ شَبَّهَ جَعْلَهم أُمَّةً وسَطًا بِجَعْلِهِمْ عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، أيْ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا. مِثْلَ ذَلِكَ الجَعْلِ الغَرِيبِ الَّذِي فِيهِ اخْتِصاصُكم بِالهِدايَةِ؛ لِأنَّهُ قالَ: (يَهْدِي مَن يَشاءُ)، فَلا تَقَعُ الهِدايَةُ إلّا لِمَن شاءَ اللَّهُ تَعالى. وقِيلَ: المَعْنى كَما جَعَلْنا قِبْلَتَكم خَيْرَ القِبَلِ، جَعَلْناكم خَيْرَ الأُمَمِ. وقِيلَ: المَعْنى كَما جَعَلْنا قِبْلَتَكم مُتَوَسِّطَةً بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا. وقِيلَ: المَعْنى كَما جَعَلْنا الكَعْبَةَ وسَطَ الأرْضِ، كَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا، دُونَ الأنْبِياءِ، وفَوْقَ الأُمَمِ، وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ في الدُّنْيا﴾ [البقرة: ١٣٠] أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الِاصْطِفاءِ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا. ومَعْنى وسَطًا: عُدُولًا، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقَدْ تَظاهَرَتْ بِهِ عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ وإذا صَحَّ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وجَبَ المَصِيرُ في تَفْسِيرِ الوَسَطِ إلَيْهِ. وقِيلَ: خِيارًا، أوْ قِيلَ: مُتَوَسِّطِينَ في الدِّينِ بَيْنَ المُفْرِطِ والمُقَصِّرِ، لَمْ يَتَّخِذُوا واحِدًا مِنَ الأنْبِياءِ إلَهًا، كَما فَعَلَتِ النَّصارى، ولا قَتَلُوهُ، كَما فَعَلَتِ اليَهُودُ. واحْتَجَّ جُمْهُورُ المُعْتَزِلَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ إجْماعَ الأُمَّةِ حُجَّةٌ فَقالُوا: أخْبَرَ اللَّهُ عَنْ عَدالَةِ هَذِهِ الأُمَّةِ وعَنْ خِيرَتِهِمْ، فَلَوْ أقْدَمُوا عَلى شَيْءٍ وجَبَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم حُجَّةً. ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾: تَقَدَّمَ شَرْحُ الشَّهادَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وادْعُوا شُهَداءَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣]، وفي شَهادَتِهِمْ هُنا أقْوالٌ: أحَدُها: ما عَلَيْهِ الأكْثَرُ مِن أنَّها في الآخِرَةِ، وهي شَهادَةُ (p-٤٢٢)هَذِهِ الأُمَّةِ لِلْأنْبِياءِ عَلى أُمَمِهِمُ الَّذِينَ كَذَّبُوهم، وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ نَصًّا في الحَدِيثِ في البُخارِيِّ وغَيْرِهِ. وقالَ في المُنْتَخَبِ: وقَدْ طَعَنَ القاضِي في الحَدِيثِ مِن وُجُوهٍ، وذَكَرُوا وُجُوهًا ضَعِيفَةً، وأظُنُّهُ عَنى بِالقاضِي هُنا القاضِي عَبْدَ الجَبّارِ المُعْتَزِلِيَّ؛ لِأنَّ الطَّعْنَ في الحَدِيثِ الثّابِتِ الصَّحِيحِ لا يُناسِبُ مَذاهِبَ أهْلِ السُّنَّةِ. وقِيلَ: الشَّهادَةُ تَكُونُ في الدُّنْيا. واخْتَلَفَ قائِلُوا ذَلِكَ، فَقِيلَ: المَعْنى يَشْهَدُ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ إذا ماتَ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ مِن «أنَّهُ مُرَّ بِجِنازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْها خَيْرًا، وبِأُخْرى فَأُثْنِيَ عَلَيْها شَرًّا، فَقالَ الرَّسُولُ: ”وجَبَتْ“»، يَعْنِي الجَنَّةُ والنّارُ، «أنْتُمْ شُهَداءُ اللَّهِ في الأرْضِ» ثَبَتَ ذَلِكَ في مُسْلِمٍ. وقِيلَ: الشَّهادَةُ الِاحْتِجاجُ، أيْ لِتَكُونُوا مُحْتَجِّينَ عَلى النّاسِ؛ حَكاهُ الزَّجّاجُ. وقِيلَ: مَعْناهُ لِتَنْقُلُوا إلَيْهِمْ ما عَلِمْتُمُوهُ مِنَ الوَحْيِ والدِّينِ كَما نَقَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وتَكُونُ عَلى بِمَعْنى اللّامِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣]، أيْ لِلنُّصُبِ. وقِيلَ: مَعْناهُ لِيَكُونَ إجْماعُكم حُجَّةً، ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا، أيْ مُحْتَجًّا بِالتَّبْلِيغِ. وقِيلَ: لِتَكُونُوا شُهَداءَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ عَلى الأُمَمِ، اليَهُودِ والنَّصارى والمَجُوسِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: شُهَداءُ عَلى النّاسِ في الدُّنْيا، فِيما لا يَصِحُّ إلّا بِشَهادَةِ العُدُولِ الأخْيارِ. وأسْبابُ هَذِهِ الشَّهادَةِ - أيْ شَهادَةِ هَذِهِ العُدُولِ - أرْبَعَةٌ: بِمُعايَنَةٍ كالشَّهادَةِ عَلى الزِّنا، وبِخَبَرِ الصّادِقِ كالشَّهادَةِ عَلى الشَّهادَةِ؛ وبِالِاسْتِفاضَةِ كالشَّهادَةِ عَلى الأنْسابِ؛ وبِالدَّلالَةِ كالشَّهادَةِ عَلى الأمْلاكِ، وكَتَعْدِيلِ الشّاهِدِ وجَرْحِهِ. وقالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: الإشْهادُ أرْبَعَةٌ: المَلائِكَةُ بِإثْباتِ أعْمالِ العِبادِ، والأنْبِياءُ، وأُمَّةُ مُحَمَّدٍ، والجَوارِحُ. انْتَهى. ولَمّا كانَ بَيْنَ الرُّؤْيَةِ بِالبَصَرِ والإدْراكِ بِالبَصِيرَةِ مُناسِبَةٌ شَدِيدَةٌ، سُمِّيَ إدْراكُ البَصِيرَةِ: مُشاهِدَةً وشُهُودًا، وسُمِّيَ العارِفُ: شاهِدًا ومُشاهِدًا، ثُمَّ سُمِّيَتِ الدَّلالَةُ عَلى الشَّيْءِ: شَهادَةً عَلَيْهِ؛ لِأنَّها هي الَّتِي بِها صارَ الشّاهِدُ شاهِدًا. وقَدِ اخْتَصَّ هَذا اللَّفْظَ في عُرْفِ الشَّرْعِ بِمَن يُخْبِرُ عَنْ حُقُوقِ النّاسِ بِألْفاظٍ مَخْصُوصَةٍ عَلى جِهاتٍ. قالُوا: وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الأصْلَ في المُسْلِمِينَ العَدالَةُ، وهو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ، واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿أُمَّةً وسَطًا﴾، أيْ عُدُولًا خِيارًا. وقالَ بَقِيَّةُ العُلَماءِ: العَدالَةُ وصْفٌ عارِضٌ لا يَثْبُتُ إلّا بِبَيِّنَةٍ، وقَدِ اخْتارَ المُتَأخِّرُونَ مِن أصْحابِ أبِي حَنِيفَةَ ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ، لِتَغَيُّرِ أحْوالِ النّاسِ، ولِما غَلَبَ عَلَيْهِمْ في هَذا الوَقْتِ، وهَذا الخِلافُ في غَيْرِ الحُدُودِ والقِصّاصِ. ﴿ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾: لا خِلافَ أنَّ الرَّسُولَ هُنا هو مُحَمَّدٌ ﷺ، وفي شَهادَتِهِ أقْوالٌ: أحَدُها: شَهادَتُهُ عَلَيْهِمْ أنَّهُ قَدْ بَلَّغَهم رِسالَةَ رَبِّهِ. الثّانِي: شَهادَتُهُ عَلَيْهِمْ بِإيمانِهِمْ. الثّالِثُ: يَكُونُ حُجَّةً عَلَيْهِمْ. الرّابِعُ: تَزْكِيَتُهُ لَهم وتَعْدِيلُهُ إيّاهم، قالَهُ عَطاءٌ، قالَ: هَذِهِ الأُمَّةُ شُهَداءُ عَلى مَن تَرَكَ الحَقَّ مِنَ النّاسِ أجْمَعِينَ، والرَّسُولُ شَهِيدٌ مُعَدِّلٌ مُزَكٍّ لَهم. ورُوِيَ في ذَلِكَ حَدِيثٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ أيْضًا ما رَوى البُخارِيُّ في ذَلِكَ. واللّامُ في قَوْلِهِ: ”لِتَكُونُوا“ هي لامُ كَيْ، أوْ لامُ الصَّيْرُورَةِ عِنْدَ مَن يَرى ذَلِكَ، فَمَجِيءُ ما بَعْدَها سَبَبًا لِجَعْلِهِمْ خِيارًا، أوْ عُدُولًا ظاهِرًا. وأمّا كَوْنُ شَهادَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِمْ سَبَبًا لِجَعْلِهِمْ خِيارًا، فَظاهِرٌ أيْضًا؛ لِأنَّهُ إنْ كانَتِ الشَّهادَةُ بِمَعْنى التَّزْكِيَةِ، أوْ بِأيِّ مَعْنًى فُسِّرَتْ شَهادَتُهُ، فَفي ذَلِكَ الشَّرَفُ التّامُّ لَهم، حَيْثُ كانَ أشْرَفُ المَخْلُوقاتِ هو الشّاهِدَ عَلَيْهِ. ولَمّا كانَ الشَّهِيدُ كالرَّقِيبِ عَلى المَشْهُودِ لَهُ، جِيءَ بِكَلِمَةٍ عَلى، وتَأخَّرَ حَرْفُ الجَرِّ في قَوْلِهِ: عَلى النّاسِ، عَمّا يَتَعَلَّقُ بِهِ. جاءَ ذَلِكَ عَلى الأصْلِ، إذِ العامِلُ أصْلُهُ أنْ يَتَقَدَّمَ عَلى المَعْمُولِ. وأمّا في قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ فَتَقَدَّمَهُ مِن بابِ الِاتِّساعِ في الكَلامِ لِلْفَصاحَةِ، ولِأنَّ شَهِيدًا أشْبَهُ بِالفَواصِلِ والمَقاطِعِ مِن قَوْلِهِ: عَلَيْكم، فَكانَ قَوْلُهُ: شَهِيدًا، تَمامَ الجُمْلَةِ، ومَقْطَعُها دُونَ عَلَيْكم. وما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أنَّ تَقْدِيمَ عَلى أوَّلًا؛ لِأنَّ الغَرَضَ فِيهِ إثْباتُ شَهادَتِهِمْ عَلى الأُمَمِ؛ وتَأْخِيرُ عَلى: لِاخْتِصاصِهِمْ بِكَوْنِ الرَّسُولِ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ، فَهو مَبْنِيٌّ عَلى مَذْهَبِهِ: أنَّ تَقْدِيمَ المَفْعُولِ والمَجْرُورِ يَدُلُّ عَلى الِاخْتِصاصِ. (p-٤٢٣)وقَدْ ذَكَرْنا بُطْلانَ ذَلِكَ فِيما تَقَدَّمَ، وأنَّ ذَلِكَ دَعْوى لا يَقُومُ عَلَيْها بِرِهانٌ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ تَعْلِيلِ جَعْلِهِمْ وسَطًا بِكَوْنِهِمْ شُهَداءَ، وتَأخَّرَ التَّعْلِيلُ بِشَهادَةِ الرَّسُولِ؛ لِأنَّهُ كَذَلِكَ يَقَعُ. ألّا تَرى أنَّهم يَشْهَدُونَ عَلى الأُمَمِ، ثُمَّ يَشْهَدُ الرَّسُولُ عَلَيْهِمْ، عَلى ما نُصَّ في الحَدِيثِ مِن أنَّهم إذا ناكَرَتِ الأُمَمُ رُسُلَهم وشَهِدَتْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِمْ بِالتَّبْلِيغِ، يُؤْتى بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَيُسْألُ عَنْ حالِ أُمَّتِهِ، فَيُزَكِّيهِمْ ويَشْهَدُ بِصِدْقِهِمْ ؟ وإنْ فُسِّرَتِ الشَّهادَتانِ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ شَهادَةُ الرَّسُولِ مُتَقَدِّمَةً في الزَّمانِ، فَيَكُونُ التَّأْخِيرُ لِذِكْرِ شَهادَةِ الرَّسُولِ مِن بابِ التَّرَقِّي؛ لِأنَّ شَهادَةَ الرَّسُولِ عَلَيْهِمْ أشْرَفُ مِن شَهادَتِهِمْ عَلى النّاسِ. وأتى بِلَفْظِ الرَّسُولِ؛ لِما في الدَّلالَةِ بِلَفْظِ الرَّسُولِ عَلى اتِّصافِهِ بِالرِّسالَةِ مِن عِنْدِ اللَّهِ إلى أُمَّتِهِ. وأتى بِجَمْعِ فُعَلاءَ، الَّذِي هو جَمْعُ فَعِيلٍ وبِشَهِيدٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ هو لِلْمُبالَغَةِ دُونَ قَوْلِهِ: شاهِدِينَ، أوْ إشْهادًا، أوْ شاهِدًا. وقَدِ اسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ عَلى أنَّ التَّزْكِيَةَ تَقْتَضِي قَبُولَ الشَّهادَةِ، فَإنَّ أكْثَرَ المُفَسِّرِينَ قالُوا: مَعْنى شَهِيدًا: مُزَكِّيًا لَكم، قالُوا: وعَلَيْكم تَكُونُ بِمَعْنى: لَكم. * * ﴿وما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إلّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ﴾: جَعَلَ هُنا: بِمَعْنى صَيَّرَ، فَيَتَعَدّى لِمَفْعُولَيْنِ: أحَدُهُما القِبْلَةُ، والآخَرُ ﴿الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها﴾ . والمَعْنى: وما صَيَّرْنا قِبْلَتَكَ الآنَ الجِهَةَ الَّتِي كُنْتَ أوَّلًا عَلَيْها إلّا لِنَعْلَمَ، أيْ ما صَيَّرْنا مُتَوَجَّهَكَ الآنَ في الصَّلاةِ المُتَوَجَّهِ أوَّلًا؛ لِأنَّهُ كانَ يُصَلِّي أوَّلًا إلى الكَعْبَةِ، ثُمَّ صَلّى إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، ثُمَّ صارَ يُصَلِّي إلى الكَعْبَةِ. وتَكُونُ القِبْلَةُ: هو المَفْعُولَ الثّانِي، والَّتِي كُنْتَ عَلَيْها: هو المَفْعُولَ الأوَّلُ، إذِ التَّصْيِيرُ هو الِانْتِقالُ مِن حالٍ إلى حالٍ. فالمُتَلَبِّسُ بِالحالَةِ الأوْلى هو المَفْعُولُ الأوَّلُ، والمُتَلَبِّسُ بِالحالَةِ الثّانِيَةِ هو المَفْعُولُ الثّانِي. ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: جَعَلْتُ الطِّينَ خَزَفًا، وجَعَلْتُ الجاهِلَ عالِمًا ؟ والمَعْنى هُنا عَلى هَذا التَّقْدِيرِ: وما جَعَلْنا الكَعْبَةَ الَّتِي كانَتْ قِبْلَةً لَكَ أوَّلًا، ثُمَّ صُرِفْتَ عَنْها إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، قِبْلَتَكَ الآنَ إلّا لِنَعْلَمَ. ووَهِمَ الزَّمَخْشَرِيُّ في ذَلِكَ، فَزَعَمَ أنَّ الَّتِي كُنْتُ عَلَيْها: هو المَفْعُولُ الثّانِي لِجَعَلَ، قالَ: الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها لَيْسَ بِصِفَةٍ لِلْقِبْلَةِ، إنَّما هي ثانِي مَفْعُولَيْ جَعَلَ. تُرِيدُ: وما جَعَلْنا القِبْلَةَ الجِهَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها، وهي الكَعْبَةُ؛ لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يُصَلِّي بِمَكَّةَ إلى الكَعْبَةِ، ثُمَّ أُمِرَ بِالصَّلاةِ إلى صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ بَعْدَ الهِجْرَةِ، تَألُّفًا لِلْيَهُودِ، ثُمَّ حُوِّلَ إلى الكَعْبَةِ، فَيَقُولُ: وما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي يَجِبُ أنْ تَسْتَقْبِلَها الجِهَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها أوَّلًا بِمَكَّةَ، يَعْنِي: وما رَدَدْناكَ إلَيْها إلّا امْتِحانًا لِلنّاسِ وابْتِلاءً، انْتَهى ما ذَكَرَهُ. وقَدْ أوْضَحْنا أنَّ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها: هو المَفْعُولُ الأوَّلُ. وقِيلَ: هَذا بَيانٌ لِحِكْمَةِ جَعْلِ بَيْتِ المَقْدِسِ قِبْلَةً. والمَعْنى: وما جَعَلْنا مُتَوَجَّهَكَ بَيْتَ المَقْدِسِ إلّا لِنَعْلَمَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلى مَعْنى: أنَّ اسْتِقْبالَكَ بَيْتَ المَقْدِسِ هو أمْرٌ عارِضٌ، لِيَتَمَيَّزَ بِهِ الثّابِتُ عَلى دِينِهِ مِنَ المُرْتَدِّ. وكُلُّ واحِدٍ مِنَ الكَعْبَةِ وبَيْتِ المَقْدِسِ صالِحٌ بِأنْ يُوصَفَ بِقَوْلِهِ: الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها؛ لِأنَّهُ قَدْ كانَ مُتَوَجِّهًا إلَيْهِما في وقْتَيْنِ. وقِيلَ: الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها صِفَةٌ لِلْقِبْلَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ اخْتَلَفُوا في المَفْعُولِ الثّانِي، فَقِيلَ: تَقْدِيرُهُ: وما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها قِبْلَةً إلّا لِنَعْلَمَ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: وما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها مَنسُوخَةً إلّا لِنَعْلَمَ. وقِيلَ: ذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ وما جَعَلْنا صَرْفَ القِبْلَةِ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إلّا لِنَعْلَمَ، ويَكُونُ المَفْعُولُ الثّانِي عَلى هَذا قَوْلَهُ: لِنَعْلَمَ، كَما تَقُولُ: ضَرْبُ زِيدٍ لِلتَّأْدِيبِ، أيْ كائِنٌ ومَوْجُودٌ لِلتَّأْدِيبِ، أيْ بِسَبَبِ التَّأْدِيبِ. وعَلى كَوْنِ الَّتِي صِفَةً، يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالقِبْلَةِ: الكَعْبَةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بَيْتُ المَقْدِسِ، إذْ كُلٌّ مِنهُما مُتَّصِفٌ بِأنَّهُ كانَ عَلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: القِبْلَةُ في الآيَةِ: الكَعْبَةُ، وكُنْتَ بِمَعْنى: أنْتَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠] بِمَعْنى: أنْتُمْ. انْتَهى. وهَذا مِنَ ابْنِ عَبّاسٍ، إنْ صَحَّ - تَفْسِيرُ مَعْنًى، لا تَفْسِيرُ إعْرابٍ؛ لِأنَّهُ يَئُولُ إلى زِيادَةِ كانَ الرّافِعَةِ لِلِاسْمِ والنّاصِبَةِ لِلْخَبَرِ، وهَذا لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أحَدٌ. وإنَّما تَفْسِيرُ الإعْرابِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ ما نَقَلَهُ (p-٤٢٤)النَّحْوِيُّونَ، أنَّ كانَ تَكُونُ بِمَعْنى صارَ، ومَن صارَ إلى شَيْءٍ واتَّصَفَ بِهِ، صَحَّ مِن حَيْثُ المَعْنى نِسْبَةُ ذَلِكَ الشَّيْءِ إلَيْهِ. فَإذا قُلْتَ: صِرْتَ عالِمًا، صَحَّ أنْ تَقُولَ: أنْتَ عالِمٌ، لِأنَّكَ تُخْبِرُ عَنْهُ بِشَيْءٍ هو فِيهِ. فَتَفْسِيرُ ابْنِ عَبّاسٍ: كُنْتَ بِأنْتَ، هو مِن هَذا القَبِيلِ، فَهو تَفْسِيرُ مَعْنًى، لا تَفْسِيرُ إعْرابٍ. وكَذَلِكَ مَن صارَ خَيْرَ أُمَّةٍ، صَحَّ أنْ يُقالَ فِيهِ: أنْتُمْ خَيْرُ أُمَّةٍ. ”إلّا لِنَعْلَمَ“: اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِنَ المَفْعُولِ لَهُ، وفِيهِ حَصْرُ السَّبَبِ، أيْ ما سَبَّبَ تَحْوِيلَ القِبْلَةِ إلّا كَذا. وظاهِرُ قَوْلِهِ: ”لِنَعْلَمَ“، ابْتِداءُ العِلْمِ، ولَيْسَ المَعْنى عَلى الظّاهِرِ، إذْ يَسْتَحِيلُ حُدُوثُ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى. فَأُوِّلَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ لِيَعْلَمَ رَسُولُنا والمُؤْمِنُونَ، وأسْنَدَ عِلْمَهم إلى ذاتِهِ؛ لِأنَّهم خَواصُّهُ وأهْلُ الزُّلْفى لَدَيْهِ. فَيَكُونُ هَذا مِن مَجازِ الحَذْفِ، أوْ عَلى الحَذْفِ، أوْ عَلى إطْلاقِ العِلْمِ عَلى مَعْنى التَّمْيِيزِ؛ لِأنَّ بِالعِلْمِ يَقَعُ التَّمْيِيزُ، أيْ لِنُمَيِّزَ التّابِعَ مِنَ النّاكِصِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩]، ويَكُونُ هَذا مِن مَجازِ إطْلاقِ السَّبَبِ، ويُرادُ بِهِ المُسَبَّبُ. وحُكِيَ هَذا التَّأْوِيلُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوْ عَلى أنَّهُ أرادَ ذِكْرَ عِلْمِهِ وقْتِ مُوافَقَتِهِمُ الطّاعَةَ أوِ المَعْصِيَةَ، إذْ بِذَلِكَ الوَقْتِ يَتَعَلَّقُ الثَّوابُ والعِقابُ. فَلَيْسَ المَعْنى لِنُحْدِثَ العِلْمَ، وإنَّما المَعْنى لِنَعْلَمَ ذَلِكَ مَوْجُودًا؛ إذِ اللَّهُ قَدْ عَلِمَ في القِدَمِ مَن يَتْبَعُ الرَّسُولَ. واسْتَمَرَّ العِلْمُ حَتّى وقَعَ حُدُوثَهم، واسْتَمَرَّ في حِينِ الِاتِّباعِ والِانْقِلابِ، واسْتَمَرَّ بَعْدَ ذَلِكَ. واللَّهُ تَعالى مُتَّصِفٌ في كُلِّ ذَلِكَ بِأنَّهُ يَعْلَمُ، ويَكُونُ هَذا قَدْ كَنّى فِيهِ بِالعِلْمِ عَنْ تَعَلُّقِ العِلْمِ، أيْ لِيَتَعَلَّقَ عِلْمُنا بِذَلِكَ في حالِ وُجُودِهِ. أوْ عَلى أنَّهُ أرادَ بِالعِلْمِ التَّثْبِيتَ، أيْ لِنُثَبِّتَ التّابِعَ، ويَكُونُ مِن إطْلاقِ السَّبَبِ ويُرادُ بِهِ المُسَبِّبُ؛ لِأنَّ مَن عَلِمَ اللَّهُ أنَّهُ مُتَّبِعٌ لِلرَّسُولِ، فَهو ثابِتُ الِاتِّباعِ. أوْ عَلى أنَّهُ أُرِيدَ بِالعِلْمِ الجَزاءُ، أيْ لِنُجازِيَ الطّائِعَ والعاصِيَ، وكَثِيرًا ما يَقَعُ التَّهْدِيدُ في القُرْآنِ، وفي كَلامِ العَرَبِ، بِذِكْرِ العِلْمِ، كَقَوْلِكَ: زِيدٌ عَصاكَ، والمَعْنى: أنا أُجازِيهِ عَلى ذَلِكَ، أوْ عَلى أنَّهُ أُرِيدَ بِالمُسْتَقْبَلِ هُنا الماضِي، التَّقْدِيرُ: لَمّا عَلِمْنا، أوْ لِعِلْمِنا مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يُخالِفُ. فَهَذِهِ كُلُّها تَأْوِيلاتٌ في قَوْلِهِ: ”لِنَعْلَمَ“، فِرارًا مِن حُدُوثِ العِلْمِ وتَجَدُّدِهِ، إذْ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ مُسْتَحِيلٌ. وكُلُّ ما وقَعَ في القُرْآنِ، مِمّا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، أُوِّلَ بِما يُناسِبُهُ مِن هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ. ونَعْلَمُ هُنا مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ، وهو المَوْصُولُ، فَهو في مَوْضِعِ نَصْبٍ، والفِعْلُ بَعْدَهُ صِلَتُهُ. وقالَ بَعْضُ النّاسِ: نَعْلَمُ هُنا مُتَعَلِّقَةٌ، كَما تَقُولُ: عَلِمْتُ أزْيَدٌ في الدّارِ أمْ عَمْرٌو، حَكاهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وعَلى هَذا القَوْلِ تَكُونُ مَنِ اسْتِفْهامِيَّةً في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، ويَتَّبِعُ في مَوْضِعِ الجَرِّ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِ نَعْلَمُ. وقَدْ رُدَّ هَذا الوَجْهُ مِنَ الإعْرابِ بِأنَّهُ إذا عَلَّقَ نَعْلَمُ، لَمْ يَبْقَ لِقَوْلِهِ: ﴿مِمَّنْ يَنْقَلِبُ﴾، ما يَتَعَلَّقُ بِهِ؛ لِأنَّ ما بَعْدَ الِاسْتِفْهامِ لا يَتَعَلَّقُ بِما قَبْلَهُ، ولا يَصِحُّ تَعَلُّقُها بِقَوْلِهِ: (يَتَّبِعُ)، الَّذِي هو خَبَرٌ عَنْ مَنِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ؛ لِأنَّ المَعْنى لَيْسَ عَلى ذَلِكَ، وإنَّما المَعْنى عَلى أنْ يَتَعَلَّقَ بِنَعْلَمُ، كَقَوْلِكَ: عَلِمْتُ مَن أحْسَنَ إلَيْكَ مِمَّنْ أساءَ. وهَذا يُقَوِّي أنَّهُ أُرِيدَ بِالعِلْمِ الفَصْلُ والتَّمْيِيزُ؛ إذِ العِلْمُ لا يَتَعَدّى بِمَن إلّا إذا أُرِيدَ بِهِ التَّمْيِيزُ؛ لِأنَّ التَّمْيِيزَ هو الَّذِي يَتَعَدّى بِمَن. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: ”لِيُعْلَمَ“، عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وهَذا لا يَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ، إذِ الفاعِلُ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى، فَحُذِفَ وبُنِيَ الفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ، وعِلْمُ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى حادِثٌ، فَيَصِحُّ تَعْلِيلُ الجَعْلِ بِالعِلْمِ الحادِثِ، وكانَ التَّقْدِيرُ: لِيَعْلَمَ الرَّسُولُ والمُؤْمِنُونَ. وأتى بِلَفْظِ الرَّسُولِ، ولَمْ يَجْرِ عَلى ذَلِكَ الخِطابِ في قَوْلِهِ: ﴿كُنْتَ عَلَيْها﴾، فَكانَ يَكُونُ الكَلامُ مَن يَتَّبِعُكَ، لِما في لَفْظِهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الرِّسالَةِ. وجاءَ الخِطابُ مُكْتَنِفًا ذِكْرَ الرَّسُولِ مَرَّتَيْنِ، لِما في ذَلِكَ مِنَ الفَصاحَةِ والتَّفَنُّنِ في البَلاغَةِ، ولِيَعْلَمَ أنَّ المُخاطَبَ هو المَوْصُوفُ بِالرِّسالَةِ. ولَمّا كانَتِ الشَّهادَةُ والمَتْبُوعِيَّةُ مِنَ الأُمُورِ الإلَهِيَّةِ خاصَّةً، أتى بِلَفْظِ الرَّسُولِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ هو مُخْتَصٌّ بِالتَّبْلِيغِ المَحْضِ. ولَمّا كانَ التَّوَجُّهُ إلى الكَعْبَةِ تَوَجُّهًا إلى المَكانِ الَّذِي ألِفَهُ الإنْسانُ، ولَهُ إلى ذَلِكَ نُزُوعٌ، أتى بِالخِطابِ دُونَ لَفْظِ الرِّسالَةِ، فَقِيلَ: ﴿الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها﴾، فَهَذِهِ - واللَّهُ أعْلَمُ - حِكْمَةُ الِالتِفاتِ هُنا. وقَوْلُهُ: ﴿يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ كِنايَةٌ (p-٤٢٥)عَنِ الرُّجُوعِ عَمّا كانَ فِيهِ مِن إيمانٍ أوْ شُغْلٍ. والرُّجُوعُ عَلى العَقِبِ أسْوَأُ أحْوالِ الرّاجِعِ في مَشْيِهِ عَلى وجْهِهِ، فَلِذَلِكَ شُبِّهَ المُرْتَدُّ في الدِّينِ بِهِ. والمَعْنى: أنَّهُ كانَ مُتَلَبِّسًا بِالإيمانِ، فَلَمّا حُوِّلَتِ القِبْلَةُ، ارْتابَ فَعادَ إلى الكُفْرِ، فَهَذا انْقِلابٌ مَعْنَوِيٌّ، والِانْقِلابُ الحَقِيقِيُّ هو الرُّجُوعُ إلى المَكانِ الَّذِي خَرَجَ مِنهُ. * * وقَوْلُهُ: ﴿عَلى عَقِبَيْهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ ناكِصًا عَلى عَقِبَيْهِ، ومَعْناهُ أنَّهُ رَجَعَ إلى ما كانَ عَلَيْهِ، لَمْ يَخْلُ في رُجُوعِهِ بِأنَّهُ عادَ مِن حَيْثُ جاءَ إلى الحالَةِ الأُولى الَّتِي كانَ عَلَيْها، فَهو قَدْ ولّى عَمّا كانَ أقْبَلَ عَلَيْهِ، ومَشى أدْراجَهُ الَّتِي تَقَدَّمَتْ لَهُ، وذَلِكَ مُبالِغَةٌ في التِباسِهِ بِالشَّيْءِ الَّذِي يُوصِلُهُ إلى الأمْرِ الَّذِي كانَ فِيهِ أوَّلًا. قالُوا: وقَدِ اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذِهِ المِحْنَةَ حَصَلَتْ بِسَبَبِ تَعْيِينِ القِبْلَةِ، أوْ بِسَبَبِ تَحْوِيلِها. فَقِيلَ بِالأوَّلِ؛ لِأنَّهُ كانَ يُصَلِّي إلى الكَعْبَةِ، ثُمَّ صَلّى إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى العَرَبِ مِن حَيْثُ إنَّهُ تَرَكَ قِبْلَتَهم ثُمَّ صَلّى إلى الكَعْبَةِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى اليَهُودِ مِن حَيْثُ إنَّهُ تَرَكَ قِبْلَتَهم. وقالَ الأكْثَرُونَ بِالقَوْلِ الثّانِي، قالُوا: لَوْ كانَ مُحَمَّدٌ عَلى يَقِينٍ مِن أمْرِهِ، لَما تَغَيَّرَ رَأْيُهُ. ورُوِيَ أنَّهُ رَجَعَ ناسٌ مِمَّنْ أسْلَمَ وقالُوا: مَرَّةً هُنا ومَرَّةً هُنا، وهَذا أشْبَهُ؛ لِأنَّ الشُّبْهَةَ في أمْرِ النَّسَخِ أعْظَمُ مِنَ الشُّبْهَةِ الحاصِلَةِ بِتَعْيِينِ القِبْلَةِ، وقَدْ وصَفَها اللَّهُ بِالكِبَرِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ . وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: عَلى عَقْبَيْهِ، بِسُكُونِ القافِ. وتَسْكِينُ عَيْنِ فَعِلَ، اسْمًا كانَ أوْ فِعْلًا، لُغَةٌ تَمِيمِيَّةٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ. ﴿وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إلّا عَلى الَّذِينَ هَدى اللَّهُ﴾: اسْمُ كانَتْ مُضْمَرٌ يَعُودُ عَلى التَّوْلِيَةِ عَنِ البَيْتِ المُقَدَّسِ إلى الكَعْبَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ، وتَحْرِيرُهُ مِن جِهَةِ عِلْمِ العَرَبِيَّةِ أنَّهُ عائِدٌ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وما جَعَلْنا القِبْلَةَ﴾، أيْ وإنْ كانَتِ الجَعْلَةُ لَكَبِيرَةً، أوْ يَعُودُ عَلى القِبْلَةِ الَّتِي كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَوَجَّهُ إلَيْها، وهي بَيْتُ المَقْدِسِ قَبْلَ التَّحْوِيلِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ والأخْفَشُ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الصَّلاةِ الَّتِي صَلَّوْها إلى بَيْتِ المَقْدِسِ. ومَعْنى ”كَبِيرَةً“: أيْ شاقَّةً صَعْبَةً، ووَجْهُ صُعُوبَتِها أنَّ ذَلِكَ مُخالِفٌ لِلْعادَةِ؛ لِأنَّ مَن ألِفَ شَيْئًا، ثُمَّ انْتَقَلَ عَنْهُ، صَعُبَ عَلَيْهِ الِانْتِقالُ، أوْ أنَّ ذَلِكَ مُحْتاجٌ إلى مَعْرِفَةِ النَّسْخِ وجَوازِهِ ووُقُوعِهِ. وإنْ هُنا هي المُخَفِّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، دَخَلَتْ عَلى الجُمْلَةِ النّاسِخَةِ. واللّامُ هي لامُ الفَرْقِ بَيْنَ إنِ النّافِيَةِ والمُخَفَّفَةِ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وهَلْ هي لامُ الِابْتِداءِ أُلْزِمَتْ لِلْفَرْقِ، أمْ هي لامٌ اجْتُلِبَتْ لِلْفَرْقِ ؟ في ذَلِكَ خِلافٌ، هَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ والكِسائِيِّ والفَرّاءِ وقُطْرُبٍ في إنَّ الَّتِي يَقُولُ البَصْرِيُّونَ إنَّها مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، خِلافٌ مَذْكُورٌ في النَّحْوِ. وقِراءَةُ الجُمْهُورِ: ”لَكَبِيرَةً“ بِالنَّصْبِ، عَلى أنْ تَكُونَ خَبَرَ كانَتْ. وقَرَأ اليَزِيدِيُّ: ”لَكَبِيرَةٌ“ بِالرَّفْعِ، وخَرَّجَ ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى زِيادَةِ كانَتْ، التَّقْدِيرُ: وإنْ هي لَكَبِيرَةٌ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ كانَ الزّائِدَةُ لا عَمَلَ لَها، وهُنا قَدِ اتَّصَلَ بِها الضَّمِيرُ فَعَمِلَتْ فِيهِ، ولِذَلِكَ اسْتَكَنَّ فِيها. وقَدْ خالَفَ أبُو سَعِيدٍ، فَزَعَمَ أنَّها إذا زِيدَتْ عَمِلَتْ في الضَّمِيرِ العائِدِ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِنها، أيْ كانَ هو، أيِ الكَوْنِ. وقَدْ رُدَّ ذَلِكَ في عِلْمِ النَّحْوِ. وكَذَلِكَ أيْضًا نُوزِعُ مَن زَعَمَ أنَّ كانَ زائِدَةٌ في قَوْلِهِ: ؎وجِيرانٍ لَنا كانُوا كِرامِ لِاتِّصالِ الضَّمِيرِ بِهِ وعَمَلِ الفِعْلِ فِيهِ، والَّذِي يَنْبَغِي أنْ تُحْمَلَ القِراءَةُ عَلَيْهِ أنْ تَكُونَ ”لَكَبِيرَةً“ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: لَهي كَبِيرَةٌ. ويَكُونُ لامُ الفَرْقِ دَخَلَتْ عَلى جُمْلَةٍ في التَّقْدِيرِ، تِلْكَ الجُمْلَةُ خَبَرٌ لِكانَتْ، وهَذا التَّوْجِيهُ ضَعِيفٌ أيْضًا، وهو تَوْجِيهُ شُذُوذٍ. ﴿إلّا عَلى الَّذِينَ هَدى اللَّهُ﴾، هَذا اسْتِثْناءٌ مِنَ المُسْتَثْنى مِنهُ المَحْذُوفِ، إذِ التَّقْدِيرُ: وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً عَلى النّاسِ إلّا عَلى الَّذِينَ هَدى اللَّهُ، ولا يُقالُ في هَذا إنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَسْبِقْهُ نَفْيٌ أوْ شُبْهَةٌ، إنَّما سَبَقَهُ إيجابٌ. ومَعْنى هُدى اللَّهِ: أيْ هَداهم لِاتِّباعِ الرَّسُولِ، أوْ عَصَمَهم واهْتَدَوْا بِهِدايَتِهِ، أوْ خَلَقَ لَهُمُ الهُدى الَّذِي هو الإيمانُ في قُلُوبِهِمْ، أوْ وفَّقَهم إلى الحَقِّ وثَبَّتَهم عَلى الإيمانِ. وهَذِهِ أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ، وفِيهِ إسْنادُ الهِدايَةِ إلى اللَّهِ، أيْ أنَّ عَدَمَ صُعُوبَةِ ذَلِكَ إنَّما هو بِتَوْفِيقٍ مِنَ (p-٤٢٦)اللَّهِ، لا مِن ذَواتِ أنْفُسِهِمْ، فَهو الَّذِي وفَّقَهم لِهِدايَتِهِ. ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾: قِيلَ: سَبَبُ نُزُولِ هَذا أنَّ جَماعَةً ماتُوا قَبْلَ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ، فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهم، فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: السّائِلُ أسْعَدُ بْنُ زُرارَةَ، والبَراءُ بْنُ مَعْرُورٍ مَعَ جَماعَةٍ، وهَذا مُشْكِلٌ؛ لِأنَّهُ قَدْ رُوِيَ أنَّ أسْعَدَ بْنَ زُرارَةَ والبَراءَ بْنَ مَعْرُورٍ ماتا قَبْلَ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ. وقَدْ فُسِّرَ الإيمانُ بِالصَّلاةِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، وكَذَلِكَ ذَكَرَهُ البُخارِيُّ والتِّرْمِذِيُّ، وقالَ ذَلِكَ ابْنُ عَبّاسٍ والبَراءُ بْنُ عازِبٍ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ والرَّبِيعُ وغَيْرُهم، وكَنّى عَنِ الصَّلاةِ بِالإيمانِ لَمّا كانَتْ صادِرَةً عَنْهُ، وهي مِن شُعَبِهِ العَظِيمَةِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُقِرَّ الإيمانَ عَلى مَدْلُولِهِ، إذْ هو يَشْمَلُ التَّصْدِيقَ في وقْتِ الصَّلاةِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، وفي وقْتِ التَّحْوِيلِ. وذَكَرَ الإيمانَ، وإنْ كانَ السُّؤالُ عَنْ صَلاةِ مَن صَلّى إلى بَيْتِ المَقْدِسِ؛ لِأنَّهُ هو العُمْدَةُ، والَّذِي تَصِحُّ بِهِ الأعْمالُ. وقَدْ كانَ لَهم ثابِتًا في حالِ تُوَجُّهِهِمْ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ وغَيْرِهِ، فَأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ لا يُضِيعُ إيمانُكم، فانْدَرَجَ تَحْتَهُ مُتَعَلِّقاتُهُ الَّتِي لا تَصِحُّ إلّا بِهِ. وكانَ ذِكْرُ الإيمانِ أوْلى مِن ذِكْرِ الصَّلاةِ؛ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ انْدِراجُ صَلاةِ المُنافِقِينَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، وأتى بِلَفْظِ الخِطابِ، وإنْ كانَ السُّؤالُ عَمَّنْ ماتَ عَلى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ؛ لِأنَّ المُصَلِّينَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ لَمْ يَكُونُوا كُلُّهم ماتُوا. وقَرَأ الضَّحّاكُ: لِيُضَيِّعَ - بِفَتْحِ الضّادِ وتَشْدِيدِ الياءِ - وأضاعَ وضَيَّعَ، الهَمْزَةُ والتَّضْعِيفُ كِلاهُما لِلنَّقْلِ؛ إذْ أصْلُ الكَلِمَةِ ضاعَ. وقالَ في المُنْتَخَبِ: لَوْلا ذِكْرُ سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: لَما اتَّصَلَ الكَلامُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ. ووَجْهُ تَقْرِيرِ الإشْكالِ، أنَّ الَّذِينَ لا يُجَوِّزُونَ النَّسْخَ إلّا مَعَ البَداءِ يَقُولُونَ: إنَّهُ لَمّا تَغَيَّرَ الحُكْمُ، وجَبَ أنْ يَكُونَ الحُكْمُ مَفْسَدَةً، أوْ باطِلًا، فَوَقَعَ في قُلُوبِهِمْ، بِناءً عَلى هَذا السُّؤالِ، أنَّ تِلْكَ الصَّلَواتِ الَّتِي أتَوْا بِها مُتَوَجِّهِينَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ كانَتْ ضائِعَةً. فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْ هَذا الإشْكالِ، وبَيَّنَ أنَّ النَّسْخَ نَقْلٌ مِن مَصْلَحَةٍ إلى مَصْلَحَةٍ، ومِن تَكْلِيفٍ إلى تَكْلِيفٍ، والأوَّلُ كالثّانِي في أنَّ المُتَمَسِّكَ بِهِ قائِمٌ. انْتَهى. وإذا كانَ الشَّكُّ إنَّما تَوَلَّدَ مِمَّنْ يَجُوزُ البَداءَ عَلى اللَّهِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ ذَلِكَ بِالصَّحابَةِ ؟ والجَوابُ: أنَّهُ لا يَقَعُ إلّا مِن مُنافِقٍ، فَأخْبَرَ عَنْ جَوابِ سُؤالِ المُنافِقِ، أوْ جُووِبَ عَلى تَقْدِيرِ خُطُورِ ذَلِكَ بِبالِ صَحابِيٍّ لَوْ خَطَرَ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ اعْتِقادِهِ أنَّ التَّوَجُّهَ إلى الكَعْبَةِ أفْضَلُ. وما ذَكَرَهُ في المُنْتَخَبِ مِن أنَّهُ لَوْلا ذِكْرُ سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، لَما اتَّصَلَ الكَلامُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، لَيْسَ بِصَحِيحٍ، بَلْ هو كَلامٌ مُتَّصِلٌ، سَواءٌ أصَحَّ ذِكْرُ السَّبَبِ أمْ لَمْ يَصِحَّ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا ذُكِرَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ﴾، كانَ ذَلِكَ تَقْسِيمًا لِلنّاسِ حالَةَ الجَعْلِ إلى قِسْمَيْنِ: مُتَّبِعٌ لِلرَّسُولِ، وناكِصٌ. فَأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ لا يُضِيعُ إيمانَ المُتَّبِعِ، بَلْ عَمَلُهُ وتَصْدِيقُهُ، قَبْلَ أنْ تُحَوَّلَ القِبْلَةُ، وبَعْدَ أنْ تُحَوَّلَ لا يُضَيِّعُهُ اللَّهُ، إذْ هو المُكَلِّفُ بِما شاءَ مِنَ التَّكالِيفِ، فَمَنِ امْتَثَلَها، فَهو لا يُضِيعُ أجْرَهُ. ولَمّا كانَ قَدْ يَهْجِسُ في النَّفْسِ الِاسْتِطْلاعُ إلى حالِ إيمانِ مَنِ اتَّبَعَ الرَّسُولَ في الحالَتَيْنِ، أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ لا يُضَيِّعُهُ، وأتى بِكانَ المَنفِيَّةِ بِما الجائِي بَعْدَها لامُ الجَحُودِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أبْلَغُ مِن أنْ لا يَأْتِيَ بِلامِ الجُحُودِ. فَقَوْلُكَ: ما كانَ زَيْدٌ لِيَقُومَ، أبْلَغَ مِمّا: كانَ زَيْدٌ يَقُومُ؛ لِأنَّ في المِثالِ الأوَّلِ: هو نَفْيٌ لِلتَّهْيِئَةِ والإرادَةِ لِلْقِيامِ، وفي الثّانِي: هو نَفْيٌ لِلْقِيامِ. ونَفْيُ التَّهْيِئَةِ والإرادَةِ لِلْفِعْلِ أبْلَغُ مِن نَفْيِ الفِعْلِ؛ لِأنَّ نَفْيَ الفِعْلِ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ إرادَتِهِ، ونَفْيُ التَّهْيِئَةِ والصَّلاحِ والإرادَةِ لِلْفِعْلِ تَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الفِعْلِ، فَلِذَلِكَ كانَ النَّفْيُ مَعَ لامِ الجُحُودِ أبْلَغَ. وهَكَذا القَوْلُ فِيما ورَدَ مِن هَذا النَّحْوِ في القُرْآنِ. وكَلامِ العَرَبِ. وهَذِهِ الأبْلَغِيَّةُ إنَّما هي عَلى تَقْدِيرِ مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، فَإنَّهم زَعَمُوا أنَّ خَبَرَ كانَ الَّتِي بَعْدَها لامُ الجُحُودِ مَحْذُوفٌ، وأنَّ اللّامَ بَعْدَها أنْ مُضْمَرَةٌ يَنْسَبِكُ مِنها مَعَ الفِعْلِ بَعْدَها مَصْدَرٌ، وذَلِكَ الحَرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِذَلِكَ الحَرْفِ المَحْذُوفِ، وقَدْ صُرِّحَ بِذَلِكَ الخَبَرِ في قَوْلِ بَعْضِهِمْ: ؎سَمَوْتَ ولَمْ تَكُنْ أهْلًا لِتَسْمُو ومَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ: أنَّ اللّامَ هي النّاصِبَةُ، ولَيْسَتْ أنْ (p-٤٢٧)مُضْمَرَةً بَعْدَهُ، وأنَّ اللّامَ بَعْدَها لِلتَّأْكِيدِ، وأنَّ نَفْسَ الفِعْلِ المَنصُوبِ بِهَذِهِ اللّامِ هو خَبَرُ كانَ، فَلا فَرْقَ بَيْنَ: ما كانَ زَيْدٌ يَقُومُ، وما كانَ زَيْدٌ لِيَقُومَ، إلّا مُجَرَّدَ التَّأْكِيدِ الَّذِي في اللّامِ. والكَلامُ عَلى هَذَيْنِ المَذْهَبَيْنِ مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. ﴿إنَّ اللَّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾: خَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ ظاهِرٌ، وهي جارِيَةٌ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَها، أيْ لِلُطْفِ رَأْفَتِهِ وسِعَةِ رَحْمَتِهِ، نَقَلَكم مِن شَرْعٍ إلى شَرْعٍ أصْلَحَ لَكم وأنْفَعَ في الدِّينِ، أوْ لَمْ يَجْعَلْ لَها مَشَقَّةً عَلى الَّذِينَ هَداهم، أوْ لا يُضِيعُ إيمانَ مَن آمَنَ، وهَذا الأخِيرُ أظْهَرُ. والألِفُ واللّامُ في بِالنّاسِ يَحْتَمِلُ الجِنْسَ، كَما قالَ: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ﴾ [الشورى: ١٩]، ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، ﴿وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ [غافر: ٧]، ويَحْتَمِلُ العَهْدَ، فَيَكُونُ المُرادُ بِالنّاسِ المُؤْمِنِينَ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ: لَرَءُوفٌ، مَهْمُوزًا عَلى وزْنِ فَعُولٍ حَيْثُ وقَعَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎نُطِيعُ رَسُولَنا ونُطِيعُ رَبًّا ∗∗∗ هو الرَّحْمَنُ كانَ بِنا رَءُوفًا وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: لَرَؤُفٌ، مَهْمُوزًا عَلى وزْنَ نَدُسٍ، قالَ الشّاعِرُ: ؎يَرى لِلْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ حَقًّا ∗∗∗ كَحَقِّ الوالِدِ الرَّؤُفِ الرَّحِيمِ وقالَ الوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ: ؎وشَرُّ الظّالِمِينَ فَلا تَكُنْهُ ∗∗∗ يُقابِلُ عَمَّهُ الرَّؤُفَ الرَّحِيمَ وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ: لَرَوُفٌ، بِغَيْرِ هَمْزٍ، وكَذَلِكَ سَهَّلَ كُلَّ هَمْزَةٍ في كِتابِ اللَّهِ، ساكِنَةً كانَتْ أوْ مُتَحَرِّكَةً. ولَمّا كانَ نَفْيُ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ مُبالَغًا فِيها مِن حَيْثُ لامُ الجَحُودِ، ناسَبَ إثْباتُ الجُمْلَةِ الخاتِمَةِ مُبالِغًا فِيها، فَبُولِغَ فِيها بِإنَّ وبِاللّامِ وبِالوَزْنِ عَلى فَعَوْلٍ وفَعِيلٍ، كُلُّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى سَعَةِ الرَّحْمَةِ وكَثْرَةِ الرَّأْفَةِ. وتَأخَّرَ الوَصْفُ بِالرَّحْمَةِ لِكَوْنِهِ فاصِلَةً، وتَقَدَّمَ المَجْرُورُ اعْتِناءً بِالمَرْءُوفِ بِهِمْ. وقالَ القُشَيْرِيُّ: مَن نَظَرَ الأمْرَ بِعَيْنِ التَّفْرِقَةِ، كَبُرَ عَلَيْهِ أمْرُ التَّحْوِيلِ؛ ومَن نَظَرَ بِعَيْنِ الحَقِيقَةِ، ظَهَرَ لِبَصِيرَتِهِ وجْهُ الصَّوابِ. ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾: أيْ مَن كانَ مَعَ اللَّهِ في جَمِيعِ الأحْوالِ عَلى قَلْبٍ واحِدٍ، فالمُخْتَلِفاتُ مِنَ الأحْوالِ لَهُ واحِدَةٌ، فَسَواءٌ غَيَّرَ، أوْ قَرَّرَ، أوْ أثَبَتَ، أوْ بَدَّلَ، أوْ حَقَّقَ، أوْ حَوَّلَ، فَهم بِهِ لَهُ في جَمِيعِ الأحْوالِ. قالَ قائِلُهم: ؎حَيْثُما دارَتِ الزُّجاجَةُ دُرْنا ∗∗∗ يَحْسَبُ الجاهِلُونَ أنا جُنِنّا

البقرة 2:144

﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ﴾: تَقَدَّمَ حَدِيثُ البَراءِ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الخِلافِ في هَذِهِ الآيَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ﴾ [البقرة: ١٤٢]: أيُّهُما نَزَلَ قَبْلُ ؟ ونَرى هُنا مُضارِعٌ بِمَعْنى الماضِي، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أنَّ مِمّا يَصْرِفُ المُضارِعَ إلى الماضِي قَدْ، في بَعْضِ المَواضِعِ، ومِنهُ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [النور: ٦٤]، ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ﴾ [الحجر: ٩٧]، ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٨] . وقالَ الشّاعِرُ: ؎لَعَمْرِي لَقَوْمٌ قَدْ نَرى أمْسَ فِيهِمْ مَرابِطَ لِلْأمْهارِ والعَكَرِ الدُّثْرِ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَدْ نَرى: رُبَّما نَرى، ومَعْناهُ: كَثْرَةُ الرُّؤْيَةِ، كَقَوْلِهِ: ؎لاقَدْ أتْرُكُ القِرْنَ مُصْفَرًّا أنامِلُهُ انْتَهى. وشَرْحُهُ هَذا عَلى التَّحْقِيقِ مُتَضادٌّ؛ لِأنَّهُ شَرَحَ قَدْ نَرى بِرُبَّما نَرى. ورُبَّ، عَلى مَذْهَبِ المُحَقِّقِينَ مِنَ النَّحْوِيِّينَ، إنَّما تَكُونُ لِتَقْلِيلِ الشَّيْءِ في نَفْسِهِ، أوْ لِتَقْلِيلِ نَظِيرِهِ. ثُمَّ قالَ: ومَعْناهُ كَثْرَةُ الرُّؤْيَةِ، فَهو مُضادٌّ (p-٤٢٨)لِمَدْلُولِ رُبَّ عَلى مَذْهَبِ الجُمْهُورِ. ثُمَّ هَذا المَعْنى الَّذِي ادَّعاهُ، وهو كَثْرَةُ الرُّؤْيَةِ، لا يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُوضَعْ لِمَعْنى الكَثْرَةِ. هَذا التَّرْكِيبُ، أعْنِي تَرْكِيبَ قَدْ مَعَ المُضارِعِ المُرادِ مِنهُ الماضِي، ولا غَيْرَ المُضِيِّ، وإنَّما فُهِمَتِ الكَثْرَةُ مِن مُتَعَلِّقِ الرُّؤْيَةِ، وهو التَّقَلُّبُ؛ لِأنَّ مَن رَفَعَ بَصَرَهُ إلى السَّماءِ مَرَّةً واحِدَةً، لا يُقالُ فِيهِ: قَلَّبَ بَصَرَهُ في السَّماءِ، وإنَّما يُقالُ: قَلَّبَ إذا رَدَّدَ. فالتَّكْثِيرُ، إنَّما فُهِمَ مِنَ التَّقَلُّبِ الَّذِي هو مُطاوِعُ التَّقْلِيبِ، نَحْوَ: قَطَّعْتُهُ فَتَقَطَّعَ، وكَسَّرْتُهُ فَتَكَسَّرَ، وما طاوَعَ التَّكْثِيرَ فَفِيهِ التَّكْثِيرُ. والوَجْهُ هُنا قِيلَ: أُرِيدَ بِهِ مَدْلُولُ ظاهِرِهِ. قالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ وغَيْرُهُما: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقَلِّبُ وجْهَهُ في الدُّعاءِ إلى اللَّهِ تَعالى أنْ يُحَوِّلَهُ إلى قِبْلَةِ مَكَّةَ. وقِيلَ: كانَ يُقَلِّبُ وجْهَهُ لِيُؤْذَنَ لَهُ في الدُّعاءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَ يَتَوَقَّعُ مِن رَبِّهِ أنْ يُحَوِّلَهُ إلى الكَعْبَةِ، لِأنَّها قِبْلَةُ أبِيهِ إبْراهِيمَ، وأدْعى لِلْعَرَبِ إلى الإيمانِ، لِأنَّها مَفْخَرُهم ومَزارُهم ومَطافُهم، ولِمُخالَفَةِ اليَهُودِ، فَكانَ يُراعِي نُزُولَ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والوَحْيِ بِالتَّحْوِيلِ. انْتَهى كَلامُهُ، وهو كَلامُ النّاسِ قَبْلَهُ. فالأوَّلُ: قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو لِيُصِيبَ قِبْلَةَ إبْراهِيمَ. والثّانِي: قَوْلُ السُّدِّيِّ والرَّبِيعِ، وهو لِيَتَألَّفَ العَرَبَ لِمَحَبَّتِها في الكَعْبَةِ. والثّالِثُ: قَوْلُ مُجاهِدٍ، وهو قَوْلُ اليَهُودِ: ما عَلِمَ مُحَمَّدٌ دِينَهُ حَتّى اتَّبَعَنا، فَأرادَ مُخالَفَتَهم. وقِيلَ: كَنّى بِالوَجْهِ عَنِ البَصَرِ؛ لِأنَّهُ أشْرَفُ، وهو المُسْتَعْمَلُ في طَلَبِ الرَّغائِبِ. تَقُولُ: بَذَلَتْ وجْهِي في كَذا، وفَعَلْتُ لِوَجْهِ فُلانٍ. وقالَ: ؎رَجَعَتْ بِما أبْغِي ووَجْهِي بِمائِهِ وهُوَ مِنَ الكِنايَةِ بِالكُلِّ عَنِ الجُزْءِ، ولا يَحْسُنُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ بَصَرَ وجْهِكَ؛ لِأنَّ هَذا لا يَكادُ يُسْتَعْمَلُ، إنَّما يُقالُ: بَصَرُكَ وعَيْنُكَ وأنْفُكَ؛ لا يَكادُ يُقالُ: أنْفُ وجْهِكَ، ولا خَدُّ وجْهِكَ. في السَّماءِ: مُتَعَلِّقٌ بِالمَصْدَرِ، وهو تَقَلُّبٌ، وهو يَتَعَدّى بِفي، فَهي عَلى ظاهِرِها. قالَ تَعالى: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ [آل عمران: ١٩٦]، أيْ في نَواحِي السَّماءِ، في هَذِهِ الجِهَةِ، وفي هَذِهِ الجِهَةِ. وقِيلَ: في بِمَعْنى إلى. وقِيلَ: في السَّماءِ مُتَعَلِّقٌ بِتَرى، وفي: بِمَعْنى مِن، أيْ قَدْ نَرى مِنَ السَّماءِ تَقَلُّبَ وجْهِكَ، وإنْ كانَ اللَّهُ تَعالى يَرى مِن كُلِّ مَكانٍ، ولا تَتَحَيَّزُ رُؤْيَتُهُ بِمَكانٍ دُونَ مَكانٍ. وذُكِرَتِ الرُّؤْيَةُ مِنَ السَّماءِ لِإعْظامِ تَقَلُّبِ وجْهِهِ؛ لِأنَّ السَّماءَ مُخْتَصَّةٌ بِتَعْظِيمِ ما أُضِيفَ إلَيْها، ويَكُونُ كَما جاءَ: بِأنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ مِن فَوْقِ سَبْعَةِ أرْقِعَةٍ، والظّاهِرُ الأوَّلُ، وهو تَعَلُّقُ المَجْرُورِ بِالمَصْدَرِ، وأنَّ في عَلى حَقِيقَتِها. واخْتُصَّ التَّقَلُّبُ بِالسَّماءِ؛ لِأنَّ السَّماءَ جِهَةٌ تَعُودُ مِنها الرَّحْمَةُ، كالمَطَرِ والأنْوارِ والوَحْيِ، فَهم يَجْعَلُونَ رَغْبَتَهم حَيْثُ تَوالَتِ النِّعَمُ، ولِأنَّ السَّماءَ قِبْلَةُ الدُّعاءِ، ولِأنَّهُ كانَ يَنْتَظِرُ جِبْرِيلَ، وكانَ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ. ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها﴾: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ في الجُمْلَةِ السّابِقَةِ حالًا مَحْذُوفَةً، التَّقْدِيرُ: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ طالِبًا قِبْلَةً غَيْرَ الَّتِي أنْتِ مُسْتَقْبِلُها. وجاءَ هَذا الوَعْدُ عَلى إضْمارِ قَسَمٍ مُبالِغَةً في وُقُوعِهِ؛ لِأنَّ القَسَمَ يُؤَكِّدُ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ المُقْسَمِ عَلَيْها. وجاءَ الوَعْدُ قَبْلَ الأمْرِ لِفَرَحِ النَّفْسِ بِالإجابَةِ، ثُمَّ بِإنْجازِ الوَعْدِ، فَيَتَوالى السُّرُورُ مَرَّتَيْنِ، ولِأنَّ بُلُوغَ المَطْلُوبِ بَعْدَ الوَعْدِ بِهِ آنَسُ في التَّوَصُّلِ مِن مُفاجَأةِ وُقُوعِ المَطْلُوبِ. ونَكَّرَ القِبْلَةَ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَجْرِ قَبْلَها ما يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ مَعْهُودَةً، فَتُعَرَّفُ بِالألِفِ واللّامِ. ولَيْسَ في اللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ يَطْلُبُ بِاللَّفْظِ قِبْلَةً مُعَيَّنَةً، ووَصَفَها بِأنَّها مَرَضِيَّةٌ لَهُ لِتَقَرُّبِها مِنَ التَّعْيِينِ؛ لِأنَّ مُتَعَلِّقَ الرِّضا هو القَلْبُ، وهو كانَ يُؤْثِرُ أنْ تَكُونَ الكَعْبَةَ، وإنْ كانَ لا يُصَرِّحُ بِذَلِكَ. قالُوا: ورِضاهُ لَها، إمّا لِمَيْلِ السَّجِيَّةِ، أوْ لِاشْتِمالِها عَلى مَصالِحِ الدِّينِ. والمَعْنى: لَنَجْعَلَنَّكَ تَلِيَ اسْتِقْبالَ قِبْلَةٍ مَرْضِيَّةٍ لَكَ، ولَنُمَكِّنَنَّكَ مِن ذَلِكَ. ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾: أيِ اسْتَقْبِلْ بِوَجْهِكَ في الصَّلاةِ نَحْوَ الكَعْبَةِ. وبِهَذا الأمْرِ نَسَخَ التَّوَجُّهَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ. قالُوا: وإنَّما لَمْ يَذْكُرْ في الصَّلاةِ؛ لِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ وهو في الصَّلاةِ، فَأغْنى التَّلَبُّسُ بِالصَّلاةِ عَنْ ذِكْرِها. ومَن قالَ نَزَلَتْ في غَيْرِ الصَّلاةِ، فَأغْنى عَنْ ذِكْرِ (p-٤٢٩)الصَّلاةِ أنَّ المَطْلُوبَ لَمْ يَكُنْ إلّا ذَلِكَ، أعْنِي: التَّوَجُّهَ في الصَّلاةِ. وأقُولُ: في قَوْلِهِ: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها﴾ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ هو في الصَّلاةِ؛ لِأنَّ القِبْلَةَ هي الَّتِي يُتَوَجَّهُ إلَيْها في الصَّلاةِ. وأرادَ بِالوَجْهِ: جُمْلَةَ البَدَنِ؛ لِأنَّ الواجِبَ اسْتِقْبالُها بِجُمْلَةِ البَدَنِ. وكَنّى بِالوَجْهِ عَنِ الجُمْلَةِ؛ لِأنَّهُ أشْرَفُ الأعْضاءِ، وبِهِ يَتَمَيَّزُ بَعْضُ النّاسِ عَنْ بَعْضٍ. وقَدْ يُطْلَقُ ويُرادُ بِهِ نَفْسُ الشَّيْءِ، ولِأنَّ المُقابَلَةَ تَقْتَضِي ذَلِكَ، وهو أنَّهُ قابَلَ قَوْلَهُ: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ﴾ . وتَقَدَّمَ أنَّ الشَّطْرَ يُطْلَقُ ويُرادُ بِهِ النِّصْفُ، ويُطْلَقُ ويُرادُ بِهِ النَّحْوُ. وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُرادَ بِالشَّطْرِ تِلْقاؤُهُ وجانِبُهُ، وهو اخْتِيارُ الشّافِعِيِّ. وقالَ الجُبّائِيُّ، وهو اخْتِيارُ القاضِي: المُرادُ مِنهُ وسَطُ المَسْجِدِ ومُنْتَصَفُهُ؛ لِأنَّ الشَّطْرَ هو النِّصْفُ، والكَعْبَةُ بُقْعَةٌ في وسَطِ المَسْجِدِ. والواجِبُ هو التَّوَجُّهُ إلى الكَعْبَةِ، وهي كانَتْ في نِصْفِ المَسْجِدِ، فَحَسُنَ أنْ يُقالَ: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ﴾، يَعْنِي النِّصْفَ مِن كُلِّ جِهَةٍ، وكَأنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ بُقْعَةِ الكَعْبَةِ. ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرْناهُ. أنَّ المُصَلِّيَ خارِجَ المَسْجِدِ مُتَوَجِّهًا إلى المَسْجِدِ، لا إلى مُنْتَصَفِ المَسْجِدِ الَّذِي هو الكَعْبَةُ، لَمْ تَصِحَّ صَلاتُهُ. وأنَّهُ لَوْ فَسَّرْنا الشَّطْرَ بِالجانِبِ، لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِهِ فائِدَةٌ، ويَكُونُ لا يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ التَّوَجُّهِ إلى مُنْتَصَفِهِ الَّذِي هو الكَعْبَةُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: وُجِّهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى البَيْتِ كُلِّهِ. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: إنَّما وُجِّهَ هو وأُمَّتُهُ حِيالَ مِيزابِ الكَعْبَةِ، والمِيزابُ هو قِبْلَةُ المَدِينَةِ والشّامِ، وهُناكَ قِبْلَةُ أهْلِ الأنْدَلُسِ بِتَقْرِيبٍ، ولا خِلافَ أنَّ الكَعْبَةَ قِبْلَةٌ مِن كُلِّ أُفُقٍ، وفي حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ، ”فَوَلِّ وجْهَكَ تِلْقاءَ المَسْجِدِ الحَرامِ“ . والقائِلُونَ بِأنَّ مَعْنى الشَّطْرِ: النَّحْوُ، اخْتَلَفُوا، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ؛ البَيْتُ قِبْلَةٌ لِأهْلِ المَسْجِدِ، والمَسْجِدُ قِبْلَةٌ لِأهْلِ الحَرَمِ، والحَرَمُ قِبْلَةٌ لِأهْلِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، وهَذا قَوْلُ مالِكٍ. وقالَ آخَرُونَ: القِبْلَةُ هي الكَعْبَةُ، والظّاهِرُ أنَّ المَقْصُودَ بِالشَّطْرِ: النَّحْوُ والجِهَةُ؛ لِأنَّ في اسْتِقْبالِ عَيْنِ الكَعْبَةِ حَرَجًا عَظِيمًا عَلى مَن خَرَجَ لِبُعْدِهِ عَنْ مُسامَتَتِها. وفي ذِكْرِ المَسْجِدِ الحَرامِ، دُونَ ذِكْرِ الكَعْبَةِ، دَلالَةٌ عَلى أنَّ الَّذِي يَجِبُ هو مُراعاةُ جِهَةِ الكَعْبَةِ، لا مُراعاةُ عَيْنِها. واسْتَدَلَّ مالِكٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾، عَلى أنَّ المُصَلِّيَ يَنْظُرُ أمامَهُ، لا إلى مَوْضِعِ سُجُودِهِ، خِلافًا لِلثَّوْرِيِّ والشّافِعِيِّ والحَسَنِ بْنِ حَيٍّ، في أنَّهُ يُسْتَحَبُّ أنْ يَنْظُرَ إلى مَوْضِعِ سُجُودِهِ، وخِلافًا لِشَرِيكٍ القاضِي، في أنَّهُ يَنَظُرُ القائِمُ إلى مَوْضِعِ سُجُودِهِ، وفي الرُّكُوعِ إلى مَوْضِعِ قَدَمَيْهِ، وفي السُّجُودِ إلى مَوْضِعِ أنْفِهِ، وفي القُعُودِ إلى مَوْضِعِ حِجْرِهِ. قالَ الحافِظُ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: إنَّما قُلْنا يَنْظُرُ أمامَهُ؛ لِأنَّهُ إنْ حَنى رَأْسَهُ ذَهَبَ بِبَعْضِ القِيامِ المُعْتَرَضِ عَلَيْهِ في الرَّأْسِ، وهو أشْرَفُ الأعْضاءِ، وإنْ أقامَ رَأسَهُ وتَكَلَّفَ النَّظَرَ بِبَصَرِهِ إلى الأرْضِ فَتِلْكَ مَشَقَّةٌ عَظِيمَةٌ وحَرَجٌ، ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] . ﴿وحَيْثُما كُنْتُمْ﴾: هَذا عُمُومٌ في الأماكِنِ الَّتِي يَحِلُّها الإنْسانُ، في أيْ في مَوْضِعٍ كُنْتُمْ، وهو شَرْطٌ وجَزاءٌ، والفاءُ جَوابُ الشَّرْطِ، وكُنْتُمْ في مَوْضِعِ جَزْمٍ. وحَيْثُ: هي ظَرْفُ مَكانٍ مُضافَةٌ إلى الجُمْلَةِ، فَهي مُقْتَضِيَةٌ، الخَفْضَ بَعْدَها، وما اقْتَضى الخَفْضَ لا يَقْتَضِي الجَزْمَ؛ لِأنَّ عَوامِلَ الأسْماءِ لا تَعْمَلُ في الأفْعالِ، والإضافَةِ مُوَضِّحَةٌ لِما أُضِيفَ، كَما أنَّ الصِّلَةَ مُوَضِّحَةٌ فَيُنافِي اسْمَ الشَّرْطِ؛ لِأنَّ الشَّرْطَ مُبْهَمٌ. فَإذا وصَلَتْ بِما زالَ مِنها مَعْنى الإضافَةِ، وضُمِّنَتْ مَعْنى الشَّرْطِ، وجُوزِيَ بِها، وصارَتْ إذْ ذاكَ مِن عَوامِلِ الأفْعالِ. وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا ما شُرِطَ في المُجازاةِ بِها، وخِلافُ الفَرّاءِ في ذَلِكَ. ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾: وهَذا أمْرٌ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لِما تَقَدَّمَ أمْرُهُ بِذَلِكَ، أرادَ أنْ يُبَيِّنَ أنَّ حُكْمَهُ وحُكْمَ أُمَّتِهِ في ذَلِكَ واحِدٌ، مَعَ مَزِيدِ عُمُومٍ في الأماكِنِ، لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ هَذِهِ القِبْلَةَ مُخْتَصَّةٌ بِأهْلِ المَدِينَةِ، فَبَيَّنَ أنَّهم في أيٍّ ما حَصَلُوا مِن بِقاعِ الأرْضِ، وجَبَ أنْ يَسْتَقْبِلُوا شَطْرَ المَسْجِدِ. ولَمّا كانَ ﷺ هو المُتَشَوِّقَ لِأمْرِ (p-٤٣٠)التَّحْوِيلِ، بَدَأ بِأمْرِهِ أوَّلًا ثُمَّ أتْبَعَ أمْرَ أُمَّتِهِ ثانِيًا لِأنَّهم تَبَعٌ لَهُ في ذَلِكَ، ولِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ ذَلِكَ مِمّا اخْتُصَّ بِهِ ﷺ . وفي حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ: ”فَوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَهُ“ . وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: فَوَلُّوا وُجُوهَكم تِلْقاءَهُ، وهَذا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالشَّطْرِ: النَّحْوُ. ﴿وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾: أيْ رُؤَساءَ اليَهُودِ والنَّصارى وأحْبارَهم. وقالَ السُّدِّيُّ: هُمُ اليَهُودُ. ﴿لَيَعْلَمُونَ أنَّهُ﴾: أيِ التَّوَجُّهَ إلى المَسْجِدِ الحَرامِ، (الحَقُّ): الَّذِي فَرَضَهُ اللَّهُ عَلى إبْراهِيمَ وذُرِّيَّتِهِ. وقالَ قَتادَةُ والضَّحّاكُ: إنَّ القِبْلَةَ هي الكَعْبَةُ. وقالَ الكِسائِيُّ: الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى الشَّطْرِ، وهو قَرِيبٌ مِنَ القَوْلِ الثّانِي؛ لِأنَّ الشَّطْرَ هو الجِهَةُ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، أيْ يَعْرِفُونَ صِدْقَهُ ونُبُوَّتَهُ، قالَهُ قَتادَةُ أيْضًا ومُجاهِدٌ. ومُفَسِّرُ هَذِهِ الضَّمائِرِ مُتَقَدِّمٌ. فَمُفَسِّرُ ضَمِيرِ التَّحْوِيلِ والتَّوَجُّهِ قَوْلُهُ: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ﴾، فَيَعُودُ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: (فَوَلُّوا)، ومُفَسِّرُ ضَمِيرِ القِبْلَةِ قَوْلُهُ: ﴿قِبْلَةً تَرْضاها﴾، ومُفَسِّرُ ضَمِيرِ الشَّطْرِ قَوْلُهُ: ﴿شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾، ومُفَسِّرُ ضَمِيرِ الرَّسُولِ ضَمِيرُ خِطابِهِ ﷺ . فَعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ التِفاتانِ. والعِلْمُ هُنا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِمّا يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِمّا يَتَعَدّى إلى واحِدٍ؛ لِأنَّ مَعْمُولَهُ هو أنْ وصِلَتُها، فَيَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ، وعِلْمُهم بِذَلِكَ، إمّا لِأنَّ في كِتابِهِمُ التَّوَجُّهَ إلى الكَعْبَةِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، وإمّا لِأنَّ في كِتابِهِمْ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ نَبِيٌّ صادِقٌ، فَلا يَأْمُرُ إلّا بِالحَقِّ، وإمّا لِجَوازِ النَّسْخِ، وإمّا لِأنَّ في بِشارَةِ الأنْبِياءِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي إلى القِبْلَتَيْنِ. (مِن رَبِّهِمْ): جارٌّ ومَجْرُورٌ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ ثابِتًا مِن رَبِّهِمْ. وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ التَّحَوُّلَ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ إلى الكَعْبَةِ لَمْ يَكُنْ بِاجْتِهادٍ، إنَّما هو بِأمْرٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى. وفي إضافَةِ الرَّبِّ إلَيْهِمْ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ يَجِبُ اتِّباعُ الحَقِّ الَّذِي هو مُسْتَقِرٌّ مِمَّنْ هو مُعْتَنٍ بِإصْلاحِكَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ [البقرة: ١٤٧] . ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ. فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ المُؤْمِنُونَ لِقَوْلِهِ: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ أهْلُ الكِتابِ، فَتَكُونُ مِن بابِ الِالتِفاتِ. ووَجْهُهُ أنَّ في خِطابِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ لا يَغْفَلُ عَنْ أعْمالِهِمْ، تَحْرِيكًا لَهم بِأنْ يَعْمَلُوا بِما عَلِمُوا مِنَ الحَقِّ؛ لِأنَّ المُواجَهَةَ بِالشَّيْءِ تَقْتَضِي شِدَّةَ الإنْكارِ وعِظَمَ الشَّيْءِ الَّذِي يُنْكَرُ. ومَن قَرَأ بِالياءِ، فالظّاهِرُ أنَّهُ عائِدٌ عَلى أهْلِ الكِتابِ لِمَجِيءِ ذَلِكَ في نَسَقٍ واحِدٍ مِنَ الغَيْبَةِ. وعَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ، فَهو إعْلامٌ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُهْمِلُ أعْمالَ العِبادِ، ولا يَغْفَلُ عَنْها، وهو مُتَضَمِّنٌ الوَعِيدَ.

البقرة 2:145

﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ هَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ عَنْ مُتابَعَةِ أهْلِ الكِتابِ لَهُ. أعْلَمَهُ أوَّلًا أنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ، وهم يَكْتُمُونَهُ، ولا يُرَتِّبُونَ عَلى العِلْمِ بِهِ مُقْتَضاهُ. ثُمَّ سَلّاهُ عَنْ قَبُولِهِمُ الحَقَّ، بِأنَّهم قَدِ انْتَهَوْا في العِنادِ وإظْهارِ المُعاداةِ إلى رُتْبَةٍ، لَوْ جِئْتَهم فِيها بِجَمِيعِ المُعْجِزاتِ الَّتِي كُلُّ مُعْجِزَةٍ مِنها تَقْتَضِي قَبُولَ الحَقِّ، ما تَبِعُوكَ ولا سَلَكُوا طَرِيقَكَ. وإذا كانُوا لا يَتَّبِعُونَكَ مَعَ مَجِيئِكَ لَهم بِجَمِيعِ المُعْجِزاتِ، فَأحْرى أنْ لا يُتْبِعُوكَ إذا جِئْتَهم بِمُعْجِزَةٍ واحِدَةٍ. والمَعْنى: بِكُلِّ آيَةٍ يَدُلُّ عَلى أنَّ تَوَجُّهَكَ إلى الكَعْبَةِ هو الحَقُّ. واللّامُ في: ”ولَئِنْ“، هي الَّتِي تُؤْذِنُ بِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ مُتَقَدِّمٍ. فَقَدِ اجْتَمَعَ القَسَمُ المُتَقَدِّمُ المَحْذُوفُ، والشَّرْطُ مُتَأخِّرٌ عَنْهُ، فالجَوابُ لِلْقَسَمِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ما تَبِعُوا﴾، ولِذَلِكَ لَمْ تَدْخُلْهُ الفاءُ. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ جَوابِ القَسَمِ عَلَيْهِ، وهو مَنفِيٌّ بِما ماضِي الفِعْلِ مُسْتَقْبَلِ. المَعْنى: أيْ ما يَتَّبِعُونَ قِبْلَتَكَ؛ لِأنَّ الشَّرْطَ قُيِّدَ في الجُمْلَةِ، والشَّرْطَ مُسْتَقْبَلٌ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ مُسْتَقْبَلًا، ضَرُورَةً لِأنَّ المُسْتَقْبَلَ لا يَكُونُ شَرْطًا في الماضِي. ونَظِيرُ هَذا التَّرْكِيبِ في المُثْبَتِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ [الروم: ٥١]، التَّقْدِيرُ: لَيَظَلَّنَّ أوْقَعَ الماضِي المَقْرُونَ بِاللّامِ جَوابًا لِلْقِسْمِ المَحْذُوفِ، ولِذَلِكَ دَخَلَتْ عَلَيْهِ اللّامُ مَوْقِعَ المُسْتَقْبَلِ، فَهو ماضٍ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ، (p-٤٣١)مُسْتَقْبَلٌ مِن حَيْثُ المَعْنى؛ لِأنَّ الشَّرْطَ قُيِّدَ فِيهِ، كَما ذَكَرْنا. وجَوابُ الشَّرْطِ في الآيَتَيْنِ مَحْذُوفٌ، سَدَّ مَسَدَّهُ جَوابُ القِسْمِ، ولِذَلِكَ أتى فِعْلُ الشَّرْطِ ماضِيًا في اللَّفْظِ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ الجَوابُ مَحْذُوفًا، وجَبَ مُضِيُّ فِعْلِ الشَّرْطِ لَفْظًا، إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، فَقَدْ يَأْتِي مُضارِعًا. وذَهَبَ الفَرّاءُ إلى أنَّ إنْ هُنا بِمَعْنى لَوْ، ولِذَلِكَ كانَتْ ما في الجَوابِ، فَجَعَلَ ما تَبِعُوا جَوابًا لِإنْ؛ لِأنَّ إنْ بِمَعْنى لَوْ، فَكَما أنَّ لَوْ تُجابُ بِما، كَذَلِكَ أُجِيبَتْ ”إنْ“ الَّتِي بِمَعْنى لَوْ، وإنْ كانَ إنْ إذا لَمْ يَكُنْ بِمَعْنى لَوْ، لَمْ يَكُنْ جَوابُها مُصَّدَرًا بِما، بَلْ لا بُدَّ مِنَ الفاءِ. تَقُولُ: إنْ تَزُرْنِي فَما أزُورُكَ، ولا يَجُوزُ: ما أزُورُكَ. وعَلى هَذا يَكُونُ جَوابُ القَسَمِ مَحْذُوفًا لِدَلالَةِ جَوابِ إنْ عَلَيْهِ. وهَذا الَّذِي قالَهُ الفَرّاءُ هو بِناءٌ عَلى مَذْهَبِهِ أنَّ القَسَمَ إذا تَقَدَّمَ عَلى الشَّرْطِ، جازَ أنْ يَكُونَ الجَوابُ لِلشَّرْطِ دُونَ القَسَمِ. ولَيْسَ هَذا مَذْهَبَ البَصْرِيِّينَ، بَلِ الجَوابُ يَكُونُ لِلْقَسَمِ بِشَرْطِهِ المَذْكُورِ في النَّحْوِ. واسْتِعْمالُ إنْ بِمَعْنى لَوْ قَلِيلٌ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ عَلى ذَلِكَ، إذا ساغَ إقْرارُها عَلى أصْلِ وضْعِها. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وجاءَ جَوابُ لَئِنْ كَجَوابِ لَوْ، وهي ضِدُّها في أنَّ لَوْ تَطْلُبُ المُضِيَّ والوُقُوعَ، وإنْ تَطْلُبُ الِاسْتِقْبالَ؛ لِأنَّهُما جَمِيعًا يَتَرَتَّبُ قَبْلَهُما القَسَمُ. فالجَوابُ إنَّما هو لِلْقَسَمِ؛ لِأنَّ أحَدَ الحَرْفَيْنِ يَقَعُ مَوْقِعَ الآخَرِ، هَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ. انْتَهى كَلامُهُ. وهَذا الكَلامُ فِيهِ تَثْبِيجٌ وعَدَمُ نَصٍّ عَلى المُرادِ؛ لِأنَّ أوَّلَهُ يَقْتَضِي أنَّ الجَوابَ لِإنْ، وقَوْلُهُ بَعْدُ: فالجَوابُ إنَّما هو لِلْقَسَمِ، يَدُلُّ عَلى أنَّ الجَوابَ لَيْسَ لَإنْ، والتَّعْلِيلُ بَعْدُ بِقَوْلِهِ: لِأنَّ أحَدَ الحَرْفَيْنِ يَقَعُ مَوْقِعَ الآخَرِ، لا يَصْلُحُ أنْ يُعَلِّلَ بِهِ قَوْلَهُ؛ فالجَوابُ إنَّما هو لِلْقَسَمِ، بَلْ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا، لِأنَّ الجَوابَ لَإنْ، وأُجْرِيَتْ في ذَلِكَ مَجْرى لَوْ. وأمّا قَوْلُهُ: هَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ، فَلَيْسَ في كِتابِ سِيبَوَيْهِ، إلّا أنَّ: ”ما تَبِعُوا“ جَوابَ القَسَمِ، ووُضِعَ فِيهِ الماضِي مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ. قالَ سِيبَوَيْهِ: وقالُوا لَئِنْ فَعَلْتَ ما فَعَلَ، يُرِيدُ مَعْنى ما هو فاعِلٌ وما يَفْعَلُ. وقالَ أيْضًا. وقالَ تَعالى: ﴿ولَئِنْ زالَتا إنْ أمْسَكَهُما مِن أحَدٍ مِن بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٤١]: أيْ ما يُمْسِكُهُما. وقالَ بَعْضُ النّاسِ: كُلُّ واحِدَةٍ مِن: لَئِنْ ولَوْ، تَقُومُ مَقامَ الأُخْرى، ويُجابُ بِما يُجابُ بِهِ، ومِنهُ: ﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا﴾ [الروم: ٥١]؛ لِأنَّ مَعْناهُ: ولَوْ أرْسَلْنا رِيحًا. وكَذَلِكَ لَوْ يُجابُ جَوابُ لَئِنْ، كَقَوْلِكَ: لَوْ أحْسَنْتَ إلَيَّ أُحْسِنُ إلَيْكَ، هَذا قَوْلُ الأخْفَشِ والفَرّاءِ والزَّجّاجُ. وقالَ سِيبَوَيْهِ: لا يُجابُ إحْداهُما بِجَوابِ الأُخْرى؛ لِأنَّ مَعْناهُما مُخْتَلِفٌ، وقَدْرُ الفِعْلِ الماضِي الَّذِي وقَعَ بَعْدَ لَئِنْ بِمَعْنى الِاسْتِقْبالِ، تَقْدِيرُهُ: لا يَتَّبِعُونَ، ولَيَظَلُّنَّ. انْتَهى كَلامُهُ. وتَلَخَّصَ مِن هَذا كُلِّهِ أنْ في قَوْلِهِ: ﴿ما تَبِعُوا﴾ قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، وهو قَوْلُ سِيبَوَيْهِ. والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ جَوابُ إنْ لِإجْرائِها مَجْرى لَوْ، وهو قَوْلُ الأخْفَشِ والفَرّاءِ والزَّجّاجِ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: (أُوتُوا الكِتابَ): العُمُومُ، وقَدْ قالَ بِهِ هُنا قَوْمٌ. وقالَ الأصَمُّ: المُرادُ عُلَماؤُهُمُ المُخْبَرُ عَنْهم في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّهُمُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ، وفي الآيَةِ المُتَأخِّرَةِ. ويَدُلُّ عَلى خُصُوصِ ذَلِكَ خُصُوصُ ما تَقَدَّمَ، وخُصُوصُ ما تَأخَّرَ، فَكَذَلِكَ المُتَوَسِّطُ والإخْبارُ بِإصْرارِهِمْ، وهو شَأْنُ المُعانِدِ، وأنَّهُ قَدْ آمَنَ بِهِ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ وتَبِعُوا قِبْلَتَهُ. واخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ . قالَ الحَسَنُ والجُبّائِيُّ: أرادَ جَمِيعَهم، كَأنَّهُ قالَ: لا يَجْتَمِعُونَ عَلى اتِّباعِ قَبْلَتِكَ، عَلى نَحْوِ: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى﴾ [الأنعام: ٣٥]، ويَكُونُ إذْ ذاكَ إخْبارًا عَنِ المَجْمُوعِ، مِن حَيْثُ هو مَجْمُوعٌ، لا حُكْمَ عَلى الأفْرادِ. وقالَ الأصَمُّ: بَلِ المُرادُ أنَّ أحَدًا مِنهم لا يُؤْمِنُ. وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ مِن قَوْلِ الأصَمِّ: أنَّهُ أُرِيدَ بِأهْلِ الكِتابِ الخُصُوصُ، فَكَأنَّهُ قالَ: كُلُّ فَرْدٍ مِن أُولَئِكَ المُخْتَصِّينَ بِالعِنادِ، المُسْتَمِرِّينَ عَلى جُحُودِ الحَقِّ، لا يُؤْمِنُ ولا يَتَّبِعُ قِبْلَتَكَ. وقَدِ احْتَجَّ أبُو مُسْلِمٍ بِهَذِهِ الآيَةِ، عَلى أنَّ عِلْمَ اللَّهِ في عِبادِهِ وفِيما يَفْعَلُونَهُ، لَيْسَ بِحُجَّةٍ لَهم فِيما يَرْتَكِبُونَ، وأنَّهم مُسْتَطِيعُونَ لِأنْ يَفْعَلُوا الخَيْرَ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ، ويَتْرُكُوا ضِدَّهُ الَّذِي نُهُوا عَنْهُ. قِيلَ: واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهِ عَلى القَوْلِ بِتَكْلِيفِ ما لا يُطاقُ، وهو أنَّهُ أخْبَرَ عَنْهم أنَّهم (p-٤٣٢)لا يَتَّبِعُونَ قِبْلَتَهُ، فَلَوِ اتَّبَعُوا قِبْلَتَهُ، لَزِمَ انْقِلابُ خَبَرِ اللَّهِ الصِّدْقِ كَذِبًا، وعِلْمِهِ جَهْلًا، وهو مُحالٌ، وما اسْتَلْزَمَ المُحالُ فَهو مُحالٌ. وأضافَ تَعالى القِبْلَةَ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ المُتَعَبِّدُ بِها والمُقْتَدى بِهِ في التَّوَجُّهِ إلَيْها. أيْأسَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مِنَ اتِّباعِهِمْ قِبْلَتَهُ، لِأنَّهم لَمْ يَتْرُكُوا اتِّباعَهُ عَنْ دَلِيلٍ لَهم وضَحَ، ولا عَنْ شُبْهَةٍ عَرَضَتْ، وإنَّما ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ العِنادِ، ومَن نازَعَ عِنادًا فَلا يُرْجى مِنهُ انْتِزاعٌ. ﴿وما أنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾: هَذِهِ جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ. قِيلَ: ومَعْناها النَّهْيُ، أيْ لا تَتَّبِعْ قِبْلَتَهم، ومَعْناها: الدَّوامُ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ، وإلّا فَهو مَعْصُومٌ عَنِ اتِّباعِ قِبْلَتِهِمْ بَعْدَ وُرُودِ الأمْرِ. وقِيلَ: هي باقِيَةٌ عَلى مَعْنى الخَبَرِ، وهو أنَّهُ بَيَّنَ بِهَذا الإخْبارِ أنَّ هَذِهِ القِبْلَةَ لا تَصِيرُ مَنسُوخَةً، فَجاءَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ رَفَعًا لِتَجْوِيزِ النَّسْخِ، أوْ قَطَعَ بِذَلِكَ رَجاءَ أهْلِ الكِتابِ، فَإنَّهم قالُوا: يا مُحَمَّدُ، عُدْ إلى قِبْلَتِنا، ونُؤْمِنُ بِكَ ونَتَّبِعُكَ، مُخادِعَةً مِنهم، فَأيْأسَهُمُ اللَّهُ مِنَ اتِّباعِهِ قِبْلَتَهم، أوْ بَيَّنَ بِذَلِكَ حُصُولَ عِصْمَتِهِ، أوْ أخْبَرَ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّعَذُّرِ لِاخْتِلافِ قِبْلَتَيْهِمْ، أوْ جاءَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ المُقابَلَةِ، أيْ ما هم بِتارِكِي باطِلِهِمْ، وما أنْتَ بِتارِكٌ حَقَّكَ. وأفْرَدَ القِبْلَةَ في قَوْلِهِ: ”قِبْلَتَهم“، وإنْ كانَتْ مُثَنّاةً، إذْ لِلْيَهُودِ قِبْلَةٌ، ولِلنَّصارى قِبْلَةٌ مُغايِرَةٌ لِتِلْكَ القِبْلَةِ، لِأنَّهُما اشْتَرَكَتا في كَوْنِهِما باطِلَتَيْنِ، فَصارَ الِاثْنانِ واحِدًا مِن جِهَةِ البُطْلانِ، وحَسَّنَ ذَلِكَ المُقابَلَةَ في اللَّفْظِ؛ لِأنَّ قَبْلَهُ ﴿ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ . وهَذِهِ الجُمْلَةُ أبْلَغُ في النَّفْيِ مِن حَيْثُ كانَتِ اسْمِيَّةً تَكَرَّرَ فِيها الِاسْمُ مَرَّتَيْنِ، ومِن حَيْثُ أكَّدَ النَّفْيَ بِالباءِ في قَوْلِهِ: (بِتابِعٍ)، وهي مُسْتَأْنَفَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى الكَلامِ قَبْلَها، لا عَلى الجَوابِ وحْدَهُ، إذْ لا يَحِلُّ مَحَلَّهُ؛ لِأنَّ نَفْيَ تَبَعِيَّتِهِمْ لِقِبْلَتِهِ مُقَيَّدٌ بِشَرْطٍ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ قَيْدًا في نَفْيِ تَبَعِيَّتِهِ قِبْلَتِهِمْ. وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: بِتابِعِ قِبْلَتِهِمْ عَلى الإضافَةِ، وكِلاهُما فَصِيحٌ، أعْنِي إعْمالَ اسْمِ الفاعِلِ هُنا وإضافَتَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في أيِّهِما أقْيَسُ. ﴿وما بَعْضُهم بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾: الضَّمِيرُ في ”بَعْضُهم“ عائِدٌ عَلى أهْلِ الكِتابِ. والمَعْنى: أنَّ اليَهُودَ لا يَتَّبِعُونَ قِبْلَةَ النَّصارى، ولا النَّصارى تَتَّبِعُ قِبْلَةَ اليَهُودِ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ اليَهُودَ لا تَتَنَصَّرُ، وإلى أنَّ النَّصارى لا تَتَهَوَّدُ، وذَلِكَ لِما بَيْنَهُما مِن إفْراطِ العَداوَةِ والتَّباغُضِ. وقَدْ رَأيْنا اليَهُودَ والنَّصارى كَثِيرًا ما يَدْخُلُونَ في مِلَّةِ الإسْلامِ، ولَمْ يُشاهَدْ يَهُودِيًّا تَنَصَّرَ، ولا نَصْرانِيًّا تَهَوَّدَ. والمُرادُ بِالبَعْضَيْنِ: مَن هو باقٍ عَلى دِينِهِ مِن أهْلِ الكِتابِ، هَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ وابْنِ زَيْدٍ، وهو الظّاهِرُ. وقِيلَ: أحَدُ البَعْضَيْنِ مَن آمَنَ مِن أهْلِ الكِتابِ، والبَعْضُ الثّانِي مَن كانَ عَلى دِينِهِ مِنهم؛ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما يُسَفِّهُ حِلْمَ الآخَرِ ويُكَفِّرُهُ، إذْ تَبايَنَتْ طَرِيقَتُهُما. ألا تَرى إلى مَدْحِ اليَهُودِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ قَبْلَ أنْ يَعْلَمُوا بِإسْلامِهِ وبَهْتَهم لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ ؟ وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الجُمَلُ: أنَّ أهْلَ الكِتابِ، وإنِ اتَّفَقُوا عَلى خِلافِكَ، فَهم مُخْتَلِفُونَ في القِبْلَةِ، وقِبْلَةُ اليَهُودِ بَيْتُ المَقْدِسِ، وقِبْلَةُ النَّصارى مَطْلَعُ الشَّمْسِ. ﴿ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ﴾، اللّامُ أيْضًا مُؤْذِنَةٌ بِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ، ولِذَلِكَ جاءَ الجَوابُ بِقَوْلِهِ: إنَّكَ، وتَعْلِيقُ وُقُوعِ الشَّيْءِ عَلى شَرْطٍ لا يَقْتَضِي إمْكانَ ذَلِكَ الشَّرْطِ. يَقُولُ الرَّجُلُ لِامْرَأتِهِ: إنْ صَعِدْتِ إلى السَّماءِ فَأنْتِ طالِقٌ، ومَعْلُومٌ امْتِناعُ صُعُودِها إلى السَّماءِ. وقالَ تَعالى في المَلائِكَةِ الَّذِينَ أخْبَرَ عَنْهم: أنَّهم ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]، قالَ: ﴿ومَن يَقُلْ مِنهم إنِّي إلَهٌ مِن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٩]، وإذا اتَّضَحَ ذَلِكَ سَهُلَ ما ورَدَ مِن هَذا النَّوْعِ. وفُهِمَ مِن ذَلِكَ الِاسْتِحالَةُ؛ لِأنَّ المُعَلَّقَ عَلى المُسْتَحِيلِ مُسْتَحِيلٌ. ويَصِيرُ مَعْنى هَذِهِ الجُمْلَةِ، الَّتِي ظاهِرُها الوُقُوعُ عَلى تَقْدِيرِ امْتِناعِ الوُقُوعِ، ويَصِيرُ المَعْنى: لا يُعَدُّ ظالِمًا، ولا تَكُونَهُ، لِأنَّكَ لا تَتَّبِعُ أهْواءَهم، وكَذَلِكَ لا يَحْبَطُ عَمَلُكَ؛ لِأنَّ إشْراكَكَ مُمْتَنِعٌ، وكَذَلِكَ لا يُجْزى أحَدٌ مِنَ المَلائِكَةِ جَهَنَّمَ؛ لِأنَّهُ لا يَدَّعِي أنَّهُ إلَهٌ. وقالُوا: ما خُوطِبَ بِهِ مَن هو مَعْصُومٌ مِمّا لا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ مِنهُ، فَهو مَحْمُولٌ عَلى إرادَةِ أُمَّتِهِ، ومَن يُمْكِنُ وُقُوعُ ذَلِكَ مِنهُ، وإنَّما جاءَ الخِطابُ لَهُ عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ لِذَلِكَ الأمْرِ، والتَّفْخِيمِ لِشَأْنِهِ، حَتّى يَحْصُلَ التَّباعُدُ مِنهُ. ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهم: إيّاكَ (p-٤٣٣)أعْنِي: واسْمَعِي يا جارَةُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَوْلُهُ: ﴿ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ﴾، بَعْدَ الإفْصاحِ عَنْ حَقِيقَةِ حالِهِ المَعْلُومَةِ عِنْدَهُ في قَوْلِهِ: ﴿وما أنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾، كَلامٌ وارِدٌ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ، والتَّقْدِيرِ بِمَعْنى: ولَئِنِ اتَّبَعْتَهم مَثَلًا بَعْدَ وُضُوحِ البُرْهانِ والإحاطَةِ بِحَقِيقَةِ الأمْرِ، إنَّكَ إذًا لَمِنَ المُرْتَكِبِينَ الظُّلْمَ الفاحِشَ. وفي ذَلِكَ لُطْفٌ لِلسّامِعِينَ، وزِيادَةُ تَحْذِيرٍ، واسْتِفْظاعٌ بِحالِ مَن يَتْرُكُ الدَّلِيلَ بَعْدَ إنارَتِهِ ويَتَّبِعُ الهَوى، وإلْهابٌ لِلثَّباتِ عَلى الحَقِّ. انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ في المُنْتَخَبِ: اخْتَلَفُوا في هَذا الخِطابِ. قالَ بَعْضُهم: هو لِلرَّسُولِ، وقالَ بَعْضُهم: هو لِلرَّسُولِ وغَيْرِهِ. وقالَ بَعْضُهم: هو لِغَيْرِ الرَّسُولِ؛ لِأنَّهُ عَلِمَ تَعالى أنَّ الرَّسُولَ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَخُصَّهُ بِهَذا الخِطابِ. أهْواءَهم: تَقَدَّمَ أنَّهُ جَمَعَ هَوى، ولا يُجْمَعُ عَلى أهْوِيَةٍ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِ الهَوى فِيما لا خَيْرَ فِيهِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ، وأصْلُهُ المَيْلُ والمَحَبَّةُ، وجُمِعَ، وإنْ كانَ أصْلُهُ المَصْدَرَ؛ لِاخْتِلافِ أغْراضِهِمْ ومُتَعَلِّقاتِها وتَبايُنِها. ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾: أيْ مِنَ الدَّلائِلِ والآياتِ الَّتِي تُفِيدُ لَكَ العِلْمَ وتُحَصِّلُهُ، فَأطْلَقَ اسْمَ الأثَرِ عَلى المُؤَثِّرِ. سَمّى تِلْكَ الدَّلائِلَ عِلْمًا، مُبالِغَةً وتَعْظِيمًا وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ العِلْمَ مِن أعْظَمِ المَخْلُوقاتِ شَرَفًا ومَرْتَبَةً. ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ تَوَجُّهَ الوَعِيدِ عَلى العُلَماءِ أشَدُّ مِن تَوَجُّهِهِ عَلى غَيْرِهِمْ. وقَدْ فُسِّرَ العِلْمُ هُنا بِالحَقِّ، يَعْنِي أنَّ ما جاءَهُ مِن تَحْوِيلِ القِبْلَةِ هو الحَقُّ. وقالَ مُقاتِلٌ: العِلْمُ هُنا: البَيانُ، وجاءَ في هَذا المَكانِ: ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَكَ﴾، وقالَ قَبْلَ هَذا: ﴿بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ﴾ [البقرة: ١٢٠]، وجاءَ في الرَّعْدِ: (بَعْدِ ما جاءَكَ)، فاخْتَصَّ مَوْضِعًا بِالَّذِي، ومَوْضِعَيْنِ بِما، وهَذا المَوْضِعُ بِمَن. والَّذِي نَقُولُهُ في هَذا: أنَّهُ مِنَ اتِّساعِ العِبارَةِ وذِكْرِ المُتَرادِفِ؛ لِأنَّ ما والَّذِي مَوْصُولانِ، فَأيًّا مِنهُما ذَكَرْتَ، كانَ فَصِيحًا حَسَنًا. وأمّا المَجِيءُ بِمَن، فَهو دَلالَةٌ عَلى ابْتِداءِ بَعْدِيَّةِ المَجِيءِ، وأمّا قَوْلُهُ: ”بَعْدَ“، فَهو عَلى مَعْنى مِن، والتَّبْعَدِيَّةُ مُقَيَّدَةٌ بِها مِن حَيْثُ المَعْنى، وإنْ كانَ إطْلاقُ بَعْدَ لا يَقْتَضِيها. وقالَ بَعْضُهم: في الجَوابِ عَنْ ذَلِكَ دُخُولُ ما مَكانَ الَّذِي؛ لِأنَّ ”الَّذِي“ أخَصُّ، ”وما“ أشَدُّ إبْهامًا، فَحَيْثُ خَصَّ بِالَّذِي أُشِيرُ بِهِ إلى العِلْمِ بِصِحَّةِ الدِّينِ، الَّذِي هو الإسْلامُ، المانِعُ مِن مِلَّتِي اليَهُودِ والنَّصارى، فَكانَ اللَّفْظُ الأخَصُّ الأشْهَرُ أوْلى فِيهِ؛ لِأنَّهُ عِلْمٌ بِكُلِّ أُصُولِ الدِّينِ، وخَصَّ بِلَفْظِ ما، ما أُشِيرَ بِهِ إلى العِلْمِ بِرُكْنٍ مِن أرْكانِ الدِّينِ، أحَدُهُما القِبْلَةُ، والآخَرُ الكِتابُ؛ لِأنَّهُ أشارَ إلى قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الأحْزابِ مَن يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ [الرعد: ٣٦]، قالَ: وأمّا دُخُولُ مِن فَفائِدَتُهُ ظاهِرَةٌ، وهي بَيانُ أوَّلِ الوَقْتِ الَّذِي وجَبَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ أنْ يُخالِفَ أهْلَ الكِتابِ في أمْرِ القِبْلَةِ، أيْ ذَلِكَ الوَقْتُ الَّذِي أمَرَكَ اللَّهُ فِيهِ بِالتَّوَجُّهِ فِيهِ إلى نَحْوِ القِبْلَةِ، إنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم، كُنْتَ ظالِمًا واضِعًا الباطِلَ في مَوْضِعِ الحَقِّ. انْتَهى كَلامُهُ. ﴿إنَّكَ إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ هي جَوابُ القَسَمِ المَحْذُوفِ الَّذِي آذَنَتْ بِتَقْدِيرِهِ اللّامُ في لَئِنْ، ودَلَّ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ، لا يُقالُ: إنَّهُ يَكُونُ جَوابًا لَهُما، لِامْتِناعِ ذَلِكَ لَفْظًا ومَعْنًى. أمّا المَعْنى، (p-٤٣٤)فَلِأنَّ الِاقْتِضاءَ مُخْتَلِفٌ. فاقْتِضاءُ القَسَمِ عَلى أنَّهُ لا عَمَلَ لَهُ فِيهِ؛ لِأنَّ القَسَمَ إنَّما جِيءَ بِهِ تَوْكِيدًا لِلْجُمْلَةِ المُقْسَمِ عَلَيْها، وما جاءَ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ لا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ عامِلًا، واقْتِضاءُ الشَّرْطِ عَلى أنَّهُ عامِلٌ فِيهِ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ جَزْمِ، وعَمِلَ الشَّرْطُ لِقُوَّةِ طَلَبِهِ لَهُ. وأمّا اللَّفْظُ، فَإنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ إذا كانَتْ جَوابَ قَسَمٍ، لَمْ يَحْتَجْ إلى مَزِيدِ رابِطٍ، وإذا كانَتْ جَوابَ شَرْطٍ، احْتاجَتْ لِمَزِيدِ رابِطٍ، وهو الفاءُ. ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ خالِيَةً مِنَ الفاءِ مَوْجُودَةً فِيها الفاءَ، فَلِذَلِكَ امْتُنِعَ أنْ يُقالَ إنَّ الجُمْلَةَ جَوابٌ لِلْقِسْمِ والشَّرْطِ مَعًا. ودَخَلَتْ إذا بَيْنَ اسْمِ إنَّ وخَبَرِها لِتَقْرِيرِ النِّسْبَةِ الَّتِي بَيْنَهُما، وكانَ حَدُّها أنْ تَتَقَدَّمَ أوْ تَتَأخَّرَ. فَلَمْ تَتَقَدَّمْ؛ لِأنَّهُ سَبَقَ قَسَمٌ وشَرْطٌ، والجَوابُ هو لِلْقَسَمِ. فَلَوْ تَقَدَّمَتْ، لَتَوَهَّمَ أنَّها لِتَقْرِيرِ النِّسْبَةِ الَّتِي بَيْنَ الشَّرْطِ والجَوابِ المَحْذُوفِ، ولَمْ يَتَأخَّرْ، لِئَلّا تَفُوتَ مُناسِبَةُ الفَواصِلِ وآخِرِ الآيِ: فَتَوَسَّطَتْ والنِّيَّةُ بِها التَّأْخِيرُ لِتَقْرِيرِ النِّسْبَةِ. وتَحْرِيرُ مَعْنى إذَنْ صَعْبٌ، وقَدِ اضْطَرَبَ النّاسُ في مَعْناها، وقَدْ نَصَّ سِيبَوَيْهِ عَلى أنَّ مَعْناها الجَوابُ والجَزاءُ. واخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ في فَهْمِ كَلامِ سِيبَوَيْهِ، وقَدْ أمْعَنّا الكَلامَ في ذَلِكَ في (كِتابِ التَّكْمِيلِ) مِن تَأْلِيفِنا، والَّذِي تَحَصَّلَ فِيها أنَّها لا تَقَعُ ابْتِداءَ كَلامٍ، بَلْ لا بُدَّ أنْ يَسْبِقَها كَلامٌ لَفْظًا أوْ تَقْدِيرًا، وما بَعْدَها في اللَّفْظِ أوِ التَّقْدِيرِ، وإنْ كانَ مُسَبَّبًا عَمّا قَبْلَها، فَهي في ذَلِكَ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ تَدُلَّ عَلى إنْشاءِ الِارْتِباطِ والشَّرْطِ، بِحَيْثُ لا يُفْهَمُ الِارْتِباطُ مِن غَيْرِها. مِثالُ ذَلِكَ أزُورُكَ فَتَقُولُ: إذا أزُورُكَ، فَإنَّما تُرِيدُ الآنَ أنْ تَجْعَلَ فِعْلَهُ شَرْطًا لِفِعْلِكَ. وإنْشاءُ السَّبَبِيَّةِ في ثانِي حالٍ مِن ضَرُورَتِهِ أنْ يَكُونَ في الجَوابِ، وبِالفِعْلِيَّةِ في زَمانٍ مُسْتَقْبَلٍ، وفي هَذا الوَجْهِ تَكُونُ عامِلَةً، ولَعَمَلُها مَذْكُورٌ في النَّحْوِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنْ تَكُونَ مُؤَكِّدَةً لِجَوابٍ ارْتَبَطَ بِمُتَقَدِّمٍ، أوْ مُنَبِّهَةً عَلى مُسَبَّبٍ مَشْرُوطٍ حَصَلَ في الحالِ، وهي في الحالَيْنِ غَيْرُ عامِلَةٍ؛ لِأنَّ المُؤَكِّداتِ لا يُعْتَمَدُ عَلَيْها، والعامِلُ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، وذَلِكَ نَحْوُ: إنْ تَأْتِنِي إذَنْ آتِكَ، وواللَّهِ إذَنْ لَأفْعَلَنَّ. فَلَوْ أسْقَطْتَ إذَنْ، لَفُهِمَ الِارْتِباطُ. ولَمّا كانَتْ في هَذا الوَجْهِ غَيْرَ مُعْتَمِدٍ عَلَيْها، جازَ دُخُولُها عَلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الصَّرِيحَةِ نَحْوُ: أزُورُكَ فَتَقُولُ: إذَنْ أنا أُكْرِمُكَ، وجازَ تَوَسُّطُها نَحْوُ: أنا إذًا أُكْرِمُكَ، وتَأخُّرُها. وإذا تَقَرَّرَ هَذا، فَجاءَتْ إذًا في الآيَةِ مُؤَكِّدَةً لِلْجَوابِ المُرْتَبِطِ بِما تَقَدَّمَ، وإنَّما قَرَّرَتْ مَعْناها هُنا لِأنَّها كَثِيرَةُ الدَّوْرِ في القُرْآنِ، فَتُحْمَلُ في كُلِّ مَوْضِعٍ عَلى ما يُناسِبُ مِن هَذا الَّذِي قَرَّرْناهُ.

البقرة 2:146

﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾: هم عُلَماءُ اليَهُودِ والنَّصارى، أوْ مَن آمَنَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ اليَهُودِ، كابْنِ سَلامٍ وغَيْرِهِ، أوْ مَن آمَنَ بِهِ مُطْلَقًا، أقْوالٌ. والكِتابُ: التَّوْراةُ، أوِ الإنْجِيلُ، أوْ مَجْمُوعُهُما، أوِ القُرْآنُ. أقْوالٌ تَنْبَنِي عَلى مَنِ المُرادِ بِالَّذِينَ آتَيْناهم، ولَفْظُ آتَيْناهم أبْلَغُ مِن أُوتُوا، لِإسْنادِ الإيتاءِ إلى اللَّهِ تَعالى، مُعَبِّرًا عَنْهُ بِنُونِ العَظَمَةِ، وكَذا ما يَجِيءُ مِن نَحْوِ هَذا، مُرادًا بِهِ الإكْرامُ نَحْوُ: هَدَيْنا، واجْتَبَيْنا، واصْطَفَيْنا. قِيلَ: ولِأنَّ أُوتُوا قَدْ يُسْتَعْمَلُ فِيما لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبُولٌ، وآتَيْناهم أكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ فِيما لَهُ قَبُولٌ نَحْوُ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ﴾ [الأنعام: ٨٩]، وإذًا أُرِيدَ بِالكِتابِ أكْثَرُ مِن واحِدٍ، فَوَحَّدَ؛ لِأنَّهُ صُرِفَ إلى المَكْتُوبِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِالمَصْدَرِ. (يَعْرِفُونَهُ): (p-٤٣٥)جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الخَبَرِ عَنِ المُبْتَدَأِ الَّذِي هو الَّذِينَ آتَيْناهم، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ مَجْرُورًا عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلظّالِمِينَ، أوْ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الظّالِمِينَ، أوْ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [البقرة: ١٤٥] في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها، ومَرْفُوعًا عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هُمُ الَّذِينَ، ومَنصُوبًا عَلى إضْمارِ، أعْنِي: وعَلى هَذِهِ الأعارِيبِ يَكُونُ قَوْلُهُ: (يَعْرِفُونَهُ)، جُمْلَةً في مَوْضِعِ الحالِ، إمّا مِنَ المَفْعُولِ الأوَّلِ في آتَيْناهم، أوْ مِنَ الثّانِي الَّذِي هو الكِتابُ؛ لِأنَّ في يَعْرِفُونَهُ ضَمِيرَيْنِ يَعُودانِ عَلَيْهِما. والظّاهِرُ هو الإعْرابُ الأوَّلُ، لِاسْتِقْلالِ الكَلامِ جُمْلَةً مُنْعَقِدَةً مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ، ولِظاهِرِ انْتِهاءِ الكَلامِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٤٥] . والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في يَعْرِفُونَهُ عائِدٌ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ، ورَجَّحَهُ التَّبْرِيزِيُّ، وبَدَأ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: يَعْرِفُونَهُ مَعْرِفَةً جَلِيَّةً، يُمَيِّزُونَ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ بِالوَصْفِ المُعَيِّنِ المُشَخِّصِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ: واللَّفْظُ لِلزَّمَخْشَرِيِّ، وجازَ الإضْمارُ، وإنْ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ ذِكْرٌ؛ لِأنَّ الكَلامَ يَدُلُّ عَلَيْهِ ولا يَلْتَبِسُ عَلى السّامِعِ، ومِثْلُ هَذا الإضْمارِ فِيهِ تَفْخِيمٌ وإشْعارٌ بِأنَّهُ لِشُهْرَتِهِ وكَوْنِهِ عِلْمًا مَعْلُومًا بِغَيْرِ إعْلامٍ. انْتَهى. وأقُولُ: لَيْسَ كَما قالُوهُ مِن أنَّهُ إضْمارٌ قَبْلَ الذِّكْرِ: بَلْ هَذا مِن بابِ الِالتِفاتِ؛ لِأنَّهُ قالَ تَعالى: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وجْهَكَ﴾ [البقرة: ١٤٤]، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ﴾ [البقرة: ١٤٥] إلى آخَرِ الآيَةِ، فَهَذِهِ كُلُّها ضَمائِرُ خِطابٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ التَفَتَ عَنْ ضَمِيرِ الخِطابِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ. وحِكْمَةٌ هَذا الِالتِفاتِ أنَّهُ لَمّا فَرَغَ مِنَ الإقْبالِ عَلَيْهِ بِالخِطابِ، أقْبَلَ عَلى النّاسِ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ واخْتَرْناهم لِتَحَمُّلِ العِلْمِ والوَحْيِ، يَعْرِفُونَ هَذا الَّذِي خاطَبْناهُ في الآيِ السّابِقَةِ وأمَرْناهُ ونَهَيْناهُ، لا يَشُكُّونَ في مَعْرِفَتِهِ، ولا في صِدْقِ أخْبارِهِ، بِما كَلَّفْناهُ مِنَ التَّكالِيفِ الَّتِي مِنها نُسِخَ بَيْتُ المَقْدِسِ بِالكَعْبَةِ، لِما في كِتابِهِمْ مِن ذِكْرِهِ ونَعْتِهِ، والنَّصِّ عَلَيْهِ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ. فَقَدِ اتَّضَحَ بِما ذَكَرْناهُ أنَّهُ لَيْسَ مِن بابِ الإضْمارِ قَبْلَ الذِّكْرِ، وأنَّهُ مِن بابِ الِالتِفاتِ، وتَبَيَّنَتْ حِكْمَةُ الِالتِفاتِ. ويُؤَيِّدُ كَوْنَ الضَّمِيرِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما رُوِيَ أنَّ عُمَرَ سَألَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - وقالَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أنْزَلَ عَلى نَبِيِّهِ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ﴾ الآيَةَ، فَكَيْفَ هَذِهِ المَعْرِفَةُ ؟ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: يا عُمَرُ، لَقَدْ عَرَفْتُهُ حِينَ رَأيْتُهُ، كَما أعْرِفُ ابْنِي، ومَعْرِفَتِي بِمُحَمَّدٍ ﷺ أشَدُّ مِن مَعْرِفَتِي بِابْنِي. فَقالَ عُمَرُ: وكَيْفَ ذَلِكَ ؟ فَقالَ: أشْهَدُ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا، وقَدْ نَعَتَهُ اللَّهُ في كِتابِنا، ولا أدْرِي ما يَصْنَعُ النِّساءُ. فَقالَ عُمَرُ: وفَّقَكَ اللَّهُ يا ابْنَ سَلامٍ فَقَدْ صَدَقْتَ، وقَدْ رُوِيَ هَذا الأثَرُ مُخْتَصَرًا بِما يُرادِفُ بَعْضَ ألْفاظِهِ ويُقارِبُها، وفِيهِ: فَقَبَّلَ عُمَرُ رَأسَهُ. وإذا كانَ الضَّمِيرُ لِلرَّسُولِ، فَقِيلَ: المُرادُ مَعْرِفَةُ الوَجْهِ وتَمَيُّزِهِ، لا مَعْرِفَةُ حَقِيقَةِ النَّسَبِ. وقِيلَ: المَعْنى يَعْرِفُونَ صِدْقَهُ ونُبُوَّتَهُ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الحَقِّ الَّذِي هو التَّحَوُّلُ إلى الكَعْبَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ أيْضًا، وابْنُ جُرَيْجٍ والرَّبِيعُ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى القُرْآنِ. وقِيلَ: عَلى العِلْمِ. وقِيلَ: عَلى كَوْنِ البَيْتِ الحَرامِ قِبْلَةَ إبْراهِيمَ ومَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ، وهَذِهِ المَعْرِفَةُ مُخْتَصَّةٌ بِالعُلَماءِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾، فَإنْ تَعَلَّقَتِ المَعْرِفَةُ بِالنَّبِيِّ ﷺ، فَيَكُونُ حُصُولُها بِالرُّؤْيَةِ والوَصْفِ، أوْ بِالقُرْآنِ، فَحَصَلَتْ مِن تَصْدِيقِ كِتابِهِمْ لِلْقُرْآنِ، وبِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وصَفَتِهِ، أوْ بِالقِبْلَةِ، أوِ التَّحْوِيلِ، فَحَصَلَتْ بِخَبَرِ القُرْآنِ وخَبَرِ الرَّسُولِ المُؤَيَّدِ بِالخَوارِقِ. ﴿كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ﴾، الكافُ: في مَوْضِعِ نَصْبٍ، عَلى أنَّها صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ عِرْفانًا مِثْلَ عِرْفانِهِمْ أبْناءَهم، أوْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ المَعْرِفَةِ المَحْذُوفِ، كانَ التَّقْدِيرُ: يَعْرِفُونَهُ مَعْرِفَةً مُماثِلَةً لِمَعْرِفَةِ (p-٤٣٦)أبْنائِهِمْ. وظاهِرُ هَذا التَّشْبِيهِ أنَّ المَعْرِفَةَ أُرِيدَ بِها مَعْرِفَةُ الوَجْهِ والصُّورَةِ، وتَشْبِيهُها بِمَعْرِفَةِ الأبْناءِ يُقَوِّي ذَلِكَ، ويُقَوِّي أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى الرَّسُولِ ﷺ، حَتّى تَكُونَ المَعْرِفَتانِ تَتَعَلَّقانِ بِالمَحْسُوسِ المُشاهَدِ، وهو آكَدُ في التَّشْبِيهِ مِن أنْ يَكُونَ التَّشْبِيهُ وقَعَ بَيْنَ مَعْرِفَةٍ مُتَعَلِّقُها المَعْنى، ومَعْرِفَةٍ مُتَعَلِّقُها المَحْسُوسُ. وظاهِرُ الأبْناءِ الِاخْتِصاصُ بِالذُّكُورِ، فَيَكُونُونَ قَدْ خُصُّوا بِذَلِكَ؛ لِأنَّهم أكْثَرُ مُباشَرَةً ومُعاشَرَةً لِلْآباءِ، وألْصَقُ وأعْلَقُ بِقُلُوبِ الآباءِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالأبْناءِ: الأوْلادُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن بابِ التَّغْلِيبِ. وكانَ التَّشْبِيهُ بِمَعْرِفَةِ الأبْناءِ آكَدَ مِنَ التَّشْبِيهِ بِالأنْفُسِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ قَدْ يَمُرُّ عَلَيْهِ بُرْهَةٌ مِنَ الزَّمانِ لا يَعْرِفُ فِيها نَفْسَهُ، بِخِلافِ الأبْناءِ، فَإنَّهُ لا يَمُرُّ عَلَيْهِ زَمانٌ إلّا وهو يَعْرِفُ ابْنَهُ. ﴿وإنَّ فَرِيقًا مِنهم لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ﴾: أيْ مِنَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ، وهُمُ المُصِرُّونَ عَلى الكُفْرِ والعِنادِ، مِن عُلَماءِ اليَهُودِ النَّصارى، عَلى أحْسَنِ التَّفاسِيرِ في الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ، وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ أُرِيدَ بِهَذا الفَرِيقِ جُهّالُ اليَهُودِ والنَّصارى، الَّذِينَ قِيلَ فِيهِمْ: ﴿ومِنهم أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلّا أمانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨]، لِلْإخْبارِ عَنْ هَذا الفَرِيقِ أنَّهم يَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم عالِمُونَ بِهِ، ولِوَصْفِ الأُمِّيِّينَ هُناكَ بِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلّا أمانِيَّ. والحَقُّ المَكْتُومُ هُنا هو نَعْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ، والتَّوَجُّهُ إلى الكَعْبَةِ، أوْ أنَّ الكَعْبَةَ هي القِبْلَةُ، أوْ أعَمُّ مِن ذَلِكَ، فَيَنْدَرِجُ فِيهِ كُلُّ حَقٍّ. (وهم يَعْلَمُونَ): جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، أيْ عالِمَيْنِ بِأنَّهُ حَقٌّ. ويَقْرُبُ أنْ يَكُونَ حالًا مُؤَكِّدَةً؛ لِأنَّ لَفْظَ يَكْتُمُونَ الحَقَّ يَدُلُّ عَلى عِلْمِهِ بِهِ؛ لِأنَّ الكَتْمَ هو إخْفاءٌ لِما يُعْلَمُ. وقِيلَ: مُتَعَلِّقُ العِلْمِ هو ما عَلى الكاتِمِ مِنَ العِقابِ، أيْ وهم يَعْلَمُونَ العِقابَ المُرَتَّبَ عَلى كاتِمِ الحَقِّ، فَيَكُونُ إذْ ذاكَ حالًا مُبَيِّنَةً. ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾: قَرَأ الجُمْهُورُ: بِرَفْعِ الحَقِّ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ هو مِن رَبِّكَ، فَيَكُونُ المَجْرُورُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الحَقِّ المَكْتُومِ، أيْ ما كَتَمُوهُ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ، ويَكُونُ المَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ، أوْ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ. وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: الحَقُّ مِن رَبِّكَ يَعْرِفُونَهُ. والألِفُ واللّامُ في الحَقِّ لِلْعَهْدِ، وهو الحَقُّ الَّذِي عَلَيْهِ الرَّسُولُ، أوِ الحَقُّ الَّذِي كَتَمُوهُ، أوْ لِلْجِنْسِ عَلى مَعْنى: أنَّ الحَقَّ هو مِنَ اللَّهِ، لا مِن غَيْرِهِ، أيْ ما ثَبَتَ أنَّهُ حَقٌّ فَهو مِنَ اللَّهِ، كالَّذِي عَلَيْهِ الرَّسُولُ، وما لَمْ تَثْبُتْ حَقِيقَتُهُ، فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ، كالباطِلِ الَّذِي عَلَيْهِ أهْلُ الكِتابِ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: الحَقَّ بِالنَّصْبِ، وأُعْرِبَ بِأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الحَقِّ المَكْتُومِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: يَكْتُمُونَ الحَقَّ مِن رَبِّكَ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ؛ أوْ عَلى أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِيَعْلَمُونِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، ويَكُونُ مِمّا وقَعَ فِيهِ الظّاهِرُ مَوْقِعَ المُضْمَرِ، أيْ وهم يَعْلَمُونَهُ كائِنًا مِن رَبِّكَ، وذَلِكَ سائِغٌ حَسَنٌ في أماكِنِ التَّفْخِيمِ والتَّهْوِيلِ، كَقَوْلِهِ: ؎لا أرى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيْءٌ أيْ يَسْبِقُهُ شَيْءٌ. وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: الزَمِ الحَقَّ مِن رَبِّكَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ الخِطابُ بَعْدَهُ: ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ . والمُرادُ بِهَذا الخِطابِ في المَعْنى هو الأُمَّةُ. ودَلَّ المُمْتَرِينَ عَلى وُجُودِهِمْ، ونَهى أنْ يَكُونَ مِنهم، والنَّهْيُ عَنْ كَوْنِهِ مِنهم أبْلَغَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ نَفْسِ الفِعْلِ. فَقَوْلُكَ: لا تَكُنْ ظالِمًا، أبْلَغُ مِن قَوْلِكَ: لا تَظْلِمْ؛ لِأنَّ لا تَظْلِمْ نَهْيٌ عَنِ الِالتِباسِ بِالظُّلْمِ. وقَوْلُكُ: لا تَكُنْ ظالِمًا نَهْيٌ عَنِ الكَوْنِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ. والنَّهْيُ عَنِ الكَوْنِ عَلى صِفَةٍ، أبْلَغُ مِنَ النَّهْيِ عَنْ تِلْكَ الصِّفَةِ، إذِ النَّهْيُ عَنِ الكَوْنِ عَلى صِفَةٍ يَدُلُّ بِالوَضْعِ عَلى عُمُومِ الأكْوانِ المُسْتَقْبِلَةِ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ، ويَلْزَمُ مِن ذَلِكَ عُمُومُ تِلْكَ الصِّفَةِ. والنَّهْيُ عَنِ الصِّفَةِ يَدُلُّ بِالوَضْعِ عَلى عُمُومِ تِلْكَ الصِّفَةِ. وفَرْقٌ بَيْنَ ما يَدُلُّ عَلى عُمُومٍ ويَسْتَلْزِمُ عُمُومًا، وبَيْنَ ما يَدُلُّ عَلى عُمُومٍ فَقَطْ، فَلِذَلِكَ كانَ أبْلَغَ؛ ولِذَلِكَ كَثُرَ النَّهْيُ عَنِ الكَوْنِ. قالَ تَعالى: ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٥] ”﴿ولا (p-٤٣٧)تَكُونُنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ [يونس: ٩٥]“ ”فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِنهُ. والكَيْنُونَةُ في الحَقِيقَةِ لَيْسَتْ مُتَعَلِّقَ النَّهْيِ. والمَعْنى: لا تَظْلِمْ في كُلِّ أكْوانِكَ، أيْ في كُلِّ فَرْدٍ مِن أكْوانِكَ، فَلا يَمُرُّ بِكَ وقْتٌ يُوجَدُ فِيهِ مِنكَ ظُلْمٌ، فَتَصِيرُ كانَ فِيهِ نَصًّا عَلى سائِرِ الأكْوانِ، بِخِلافِ لا تَظْلِمْ فَإنَّهُ يَسْتَلْزِمُ الأكْوانَ. وأكَّدَ النَّهْيَ بِنُونِ التَّوْكِيدِ مُبالَغَةً في النَّهْيِ، وكانَتِ المُشَدَّدَةُ لِأنَّها أبْلَغُ في التَّأْكِيدِ مِنَ المُخَفَّفَةِ. والمَعْنى: فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ يَشُكُّونَ في الحَقِّ؛ لِأنَّ ما جاءَ مِنَ اللَّهِ تَعالى لا يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ فِيهِ شَكٌّ ولا جِدالٌ، إذْ هو الحَقُّ المَحْضُ الَّذِي لا يُمْكِنُ أنْ يَلْحَقَ فِيهِ رَيْبَ ولا شَكَّ. ﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها﴾، لَمّا ذَكَرَ القِبْلَةَ الَّتِي أُمِرَ المُسْلِمُونَ بِالتَّوَجُّهِ إلَيْها، وهي الكَعْبَةُ، وذَكَرَ مِن تَصْمِيمِ أهْلِ الكِتابِ عَلى عَدَمِ اتِّباعِها، وأنَّ كُلًّا مِن طائِفَتِي اليَهُودِ والنَّصارى مُصَمِّمَةٌ عَلى عَدَمِ اتِّباعِ صاحِبِها، أعْلَمَ أنَّ ذَلِكَ هو بِفِعْلِهِ، وأنَّهُ هو المُقَدِّرُ ذَلِكَ، وأنَّهُ هو مُوَجِّهُ كُلٍّ مِنهم إلى قِبْلَتِهِ. فَفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى شُكْرِ اللَّهِ، إذْ وفَّقَ المُسْلِمِينَ إلى اتِّباعِ ما أمَرَ بِهِ مِنَ التَّوَجُّهِ واخْتارَهم لِذَلِكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ:“ ولِكُلٍّ ”: مَنَّوْنًا،“ وِجْهَةٌ ”: مَرْفُوعًا، هو مُوَلِّيها: بِكَسْرِ اللّامِ اسْمُ فاعِلٍ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: هو مُوَلّاها، بِفَتْحِ اللّامِ اسْمُ مَفْعُولٍ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ. وقَرَأ قَوْمٌ شاذًّا: ولِكُلِّ وِجْهَةٍ، بِخَفْضِ اللّامِ مِن“ كُلِّ ”مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، وِجِهَةٍ: بِالخَفْضِ مَنَّوْنًا عَلى الإضافَةِ، والتَّنْوِينُ في كُلٍّ تَنْوِينُ عِوَضٍ مِنَ الإضافَةِ، وذَلِكَ المُضافُ إلَيْهِ“ كُلٍّ ”المَحْذُوفُ اخْتُلِفَ في تَقْدِيرِهِ. فَقِيلَ: المَعْنى: ولِكُلِّ طائِفَةٍ مِن أهْلِ الأدْيانِ. وقِيلَ: المَعْنى: ولِكُلِّ أهْلِ صَقْعٍ مِنَ المُسْلِمِينَ وِجْهَةٌ مِن أهْلِ سائِرِ الآفاقِ إلى جِهَةِ الكَعْبَةِ، وراءَها وقُدّامَها، ويَمِينَها وشِمالَها، لَيْسَتْ جِهَةٌ مِن جِهاتِها بِأوْلى أنْ تَكُونَ قِبْلَةً مِن غَيْرِها. وقِيلَ: المَعْنى: ولِكُلِّ نَبِيٍّ قِبْلَةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: المَعْنى: ولِكُلِّ مَلَكٍ ورَسُولٍ صاحِبِ شَرِيعَةٍ جِهَةُ قِبْلَةٍ، فَقِبْلَةُ المُقَرَّبِينَ العَرْشُ، وقِبْلَةُ الرُّوحانِيِّينَ الكُرْسِيُّ، وقِبْلَةُ الكُرُوبِيِّينَ البَيْتُ المَعْمُورُ، وقِبْلَةُ الأنْبِياءِ قَبْلَكَ بَيْتُ المَقْدِسِ، وقِبْلَتُكَ الكَعْبَةُ، وقَدِ انْدَرَجَ في هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ أنَّ المُرادَ بِوَجْهِهِ: قِبْلَةٌ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وهي قِراءَةُ أُبَيٍّ، قَرَأ: ولِكُلٍّ قِبْلَةٌ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: ولِكُلٍّ جَعَلْنا قِبْلَةً. وقالَ الحَسَنُ: وِجْهَةً: طَرِيقَةً، كَما قالَ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]، أيْ لِكُلِّ نَبِيٍّ طَرِيقَةٌ. وقالَ قَتادَةُ: وِجْهَةً: أيْ صَلاةً يُصَلُّونَها، وهو مِن قَوْلِهِ:“ هو مُوَلِّيها ”عائِدٌ عَلى“ كُلٍّ ”عَلى لَفْظِهِ، لا عَلى مَعْناهُ، أيْ هو مُسْتَقْبِلُها ومُوَجِّهٌ إلَيْها صَلاتَهُ الَّتِي يَتَقَرَّبُ بِها، والمَفْعُولُ الثّانِي لِمُوَلِّيها مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى، أيْ هو مُوَلِّيها وجْهَهُ أوْ نَفْسَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعَطاءٌ والرَّبِيعُ، ويُؤَيِّدُ أنَّ“ هو ”عائِدٌ عَلى كُلِّ قِراءَةِ مَن قَرَأ:“ هو مُوَلّاها ”. وقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الأخْفَشُ والزَّجّاجُ، أيِ اللَّهُ مُوَلِّيها إيّاهُ، اتَّبَعَها مَنِ اتَّبَعَها وتَرَكَها مَن تَرَكَها. فَمَعْنى هو مُوَلِّيها عَلى هَذا التَّقْدِيرِ: شارِعُها ومُكَلِّفُهم بِها. والجُمْلَةُ مِنَ الِابْتِداءِ والخَبَرِ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِوِجْهَةٍ. وأمّا قِراءَةُ مَن قَرَأ:“ ولِكُلِّ وِجْهَةٍ ”عَلى الإضافَةِ، فَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ: هي خَطَأٌ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُقْدَمَ عَلى الحُكْمِ في ذَلِكَ بِالخَطَأِ، لا سِيَّما وهي مَعْزُوَّةٌ إلى ابْنِ عامِرٍ، أحَدِ القُرّاءِ السَّبْعَةِ، وقَدْ وُجِّهَتْ هَذِهِ القِراءَةُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَعْنى: ولِكُلِّ وِجْهَةٍ اللَّهُ مُوَلِّيها، فَزِيدَتِ اللّامُ لِتَقَدُّمِ المَفْعُولِ، (p-٤٣٨)كَقَوْلِكَ: لِزَيْدٍ ضَرَبْتُ، ولِزَيْدٍ أبُوهُ ضارِبُهُ. انْتَهى كَلامُهُ، وهَذا فاسِدٌ؛ لِأنَّ العامِلَ إذا تَعَدّى لِضَمِيرِ الِاسْمِ لَمْ يَتَعَدَّ إلى ظاهِرِهِ المَجْرُورِ بِاللّامِ. لا يَجُوزُ أنْ يَقُولَ: لِزَيْدٍ ضَرَبْتُهُ، ولا: لِزَيْدٍ أنا ضارِبُهُ. وعَلَيْهِ أنَّ الفِعْلَ إذا تَعَدّى لِلضَّمِيرِ بِغَيْرِ واسِطَةٍ كانَ قَوِيًّا، واللّامُ إنَّما تَدْخُلُ عَلى الظّاهِرِ إذا تَقَدَّمَ لِيُقَوِّيَهُ لِضَعْفِ وُصُولِهِ إلَيْهِ مُتَقَدِّمًا، ولا يُمْكِنَ أنْ يَكُونَ العامِلُ قَوِيًّا ضَعِيفًا في حالَةٍ واحِدَةٍ، ولِأنَّهُ يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ المُتَعَدِّي إلى واحِدٍ يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، ولِذَلِكَ تَأوَّلَ النَّحْوِيُّونَ قَوْلَهُ هَذا: ؎سُراقَةُ لِلْقُرْآنِ يَدْرُسُهُ ولَيْسَ نَظِيرَ ما مُثِّلَ بِهِ مِن قَوْلِهِ: لِزَيْدٍ ضَرَبْتُ، أيْ زَيْدًا ضَرَبْتُ؛ لِأنَّ ضَرَبْتُ في هَذا المِثالِ لَمْ يَعْمَلْ في ضَمِيرِ زَيْدٍ، ولا يَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ عامِلٌ في:“ لِكُلِّ وِجْهَةٍ ”يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ:“ مُوَلِّيها ”، كَتَقْدِيرِنا زَيْدًا أنا ضارِبُهُ، أيْ أضْرِبُ زَيْدًا أنا ضارِبُهُ، فَتَكُونُ المَسْألَةُ مِن بابِ الِاشْتِغالِ؛ لِأنَّ المُشْتَغَلَ عَنْهُ لا يَجُوزُ أنْ يُجَرَّ بِحَرْفِ الجَرِّ. تَقُولُ: زَيْدًا مَرَرْتُ بِهِ، أيْ لابَسْتُ زَيْدًا، ولا يَجُوزُ: بِزَيْدٍ مَرَرْتُ بِهِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ مَرَرْتُ بِهِ، بَلْ كُلُّ فِعْلٍ يَتَعَدّى بِحَرْفِ الجَرِّ، إذا تَسَلَّطَ عَلى ضَمِيرِ اسْمٍ سابِقٍ في بابِ الِاشْتِغالِ، فَلا يَجُوزُ في ذَلِكَ الِاسْمِ السّابِقِ أنْ يُجَرَّ بِحَرْفِ جَرٍّ، ويُقَدَّرُ ذَلِكَ الفِعْلِ لِيَتَعَلَّقَ بِهِ حَرْفُ الجَرِّ، بَلْ إذا أرَدْتَ الِاشْتِغالَ نَصَبْتَهُ، هَكَذا جَرى كَلامُ العَرَبِ. قالَ تَعالى: ﴿والظّالِمِينَ أعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ [الإنسان: ٣١] . وقالَ الشّاعِرُ: ؎أثَعْلَبَةَ الفَوارِسِ أمْ رَباحًا ∗∗∗ عَدَلْتَ بِهِمْ طُهَيَّةَ والخِشابا وأمّا تَمْثِيلُهُ: لِزَيْدٍ أبُوهُ ضارِبُهُ، فَتَرْكِيبٌ غَيْرُ عَرَبِيٍّ. فَإنْ قُلْتَ: لِمَ لا تَتَوَجَّهُ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى أنَّ“ لِكُلٍّ وِجْهَةٍ ”في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي“ لِمُوَلِّيها ”، والمَفْعُولُ الأوَّلُ هو المُضافُ إلَيْهِ اسْمُ الفاعِلِ الَّذِي هو مُوَلٍّ، وهو الهاءُ، وتَكُونُ عائِدَةٌ عَلى أهْلِ القِبْلاتِ والطَّوائِفِ، وأنَّثَ عَلى مَعْنى الطَّوائِفِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: وكُلُّ وِجْهَةٍ اللَّهُ مُوَلِّي الطَّوائِفَ أصْحابَ القِبْلاتِ ؟ فالجَوابُ: أنَّهُ مَنَعَ هَذا التَّقْدِيرَ نَصُّ النَّحْوِيِّينَ عَلى أنَّ المُتَعَدِّيَ إلى واحِدٍ هو الَّذِي يَجُوزُ أنْ تَدْخُلَ اللّامُ عَلى مَفْعُولِهِ إذا تَقَدَّمَ. أمّا ما يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَدْخُلَ عَلى واحِدٍ مِنهُما اللّامُ إذا تَقَدَّمَ، ولا إذا تَأخَّرَ. وكَذَلِكَ ما يَتَعَدّى إلى ثَلاثَةٍ. ومُوَلٍّ هُنا اسْمُ فاعِلٍ مِن فِعْلٍ يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، فَلِذَلِكَ لا يَجُوزُ هَذا التَّقْدِيرُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، في تَوْجِيهِ هَذِهِ القِراءَةِ: أيْ فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ لِكُلِّ وُجْهَةٍ ولاكِمُوها، ولا تَعْتَرِضُوا فِيما أمَرَكم بَيْنَ هَذِهِ وهَذِهِ، أيْ إنَّما عَلَيْكُمُ الطّاعَةُ في الجَمِيعِ. وقَدَّمَ قَوْلَهُ:“ لِكُلِّ وِجْهَةٍ ”عَلى الأمْرِ في قَوْلِهِ:“ ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ ”؛ لِلِاهْتِمامِ بِالوِجْهَةِ، كَما تَقَدَّمَ المَفْعُولُ. انْتَهى كَلامُ ابْنِ عَطِيَّةَ، وهو (p-٤٣٩)تَوْجِيهٌ لا بَأْسَ بِهِ. ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾: هَذا أمْرٌ بِالبِدارِ إلى فِعْلِ الخَيْرِ والعَمَلِ الصّالِحِ. وناسَبَ هَذا أنَّ مَن جَعَلَ اللَّهُ لَهُ شَرِيعَةً، أوْ قِبْلَةً، أوْ صَلاةً، فَيَنْبَغِي الِاهْتِمامُ بِالمُسارَعَةِ إلَيْها. قالَ قَتادَةُ: الِاسْتِباقُ في أمْرِ الكَعْبَةِ رَغْمًا لِلْيَهُودِ بِالمُخالَفَةِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: سارِعُوا إلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ مِنَ التَّوَجُّهِ إلى القِبْلَةِ وغَيْرِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: فاسْتَبِقُوا الفاضِلاتِ مِنَ الجِهاتِ، وهي الجِهاتُ المُسامِتَةُ لِلْكَعْبَةِ، وإنِ اخْتَلَفَتْ. وذَكَرْنا أنَّ اسْتَبِقْ بِمَعْنى: تَسابَقْ، فَهو يَدُلُّ عَلى الِاشْتِراكِ. ﴿إنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ﴾ [يوسف: ١٧]، أيْ نَتَسابَقُ، كَما تَقُولُ. تَضارَبُوا. واسْتَبَقَ لا يَتَعَدّى؛ لِأنَّ تَسابَقَ لا يَتَعَدّى، وذَلِكَ أنَّ الفِعْلَ المُتَعَدِّيَ، إذا بَنَيْتَ مِن لَفْظٍ مَعْناهُ: تَفاعَلَ لِلِاشْتِراكِ، صارَ لازِمًا، تَقُولُ: ضَرَبْتُ زَيْدًا، ثُمَّ تَقُولُ: تَضارَبْنا، فَلِذَلِكَ قِيلَ: إنَّ“ إلى " هُنا مَحْذُوفَةٌ، التَّقْدِيرُ: فاسْتَبِقُوا إلى الخَيْراتِ. قالَ الرّاعِي: ؎ثَنائِي عَلَيْكم آلَ حَرْبٍ ومَن يَمِلْ ∗∗∗ سِواكم فَإنِّي مُهْتَدٍ غَيْرُ مائِلِ يُرِيدُ ومَن يَمِلْ سِواكم ﴿أيْنَما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾: هَذِهِ جُمْلَةٌ تَتَضَمَّنُ وعْظًا وتَحْذِيرًا وإظْهارًا لِقُدْرَتِهِ، ومَعْنى: ﴿يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾: أيْ يَبْعَثُكم ويَحْشُرُكم لِلثَّوابِ والعِقابِ، فَأنْتُمْ لا تُعْجِزُونَهُ، وافَقْتُمْ أمْ خالَفْتُمْ، ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ. وقِيلَ: المَعْنى: أيْنَما تَكُونُوا مِنَ الجِهاتِ المُخْتَلِفَةِ يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا، أيْ يَجْمَعُكم ويَجْعَلُ صَلاتَكم كُلَّها إلى جِهَةٍ واحِدَةٍ، وكَأنَّكم تُصَلُّونَ حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذِهِ الجُمْلَةِ، وسِيقَتْ بَعْدَ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ المُتَضَمِّنَةِ لِلْبَعْثِ والجَزاءِ، أيْ لا يُسْتَبْعَدُ إتْيانُ اللَّهِ تَعالى بِالأشْلاءِ المُتَمَزِّقَةِ في الجِهاتِ المُتَعَدِّدَةِ المُتَفَرِّقَةِ، فَإنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ تَتَعَلَّقُ بِالمُمْكِناتِ، وهَذا مِنها. وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الجُمْلَةِ المُصَدَّرَةِ بِأنْ تَجِيءُ كالعِلَّةِ لِما قَبْلَها، فَكانَ المَعْنى: إتْيانُ اللَّهِ بِكم جَمِيعًا لِقُدْرَتِهِ عَلى ذَلِكَ.

البقرة 2:147

﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾: هم عُلَماءُ اليَهُودِ والنَّصارى، أوْ مَن آمَنَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ اليَهُودِ، كابْنِ سَلامٍ وغَيْرِهِ، أوْ مَن آمَنَ بِهِ مُطْلَقًا، أقْوالٌ. والكِتابُ: التَّوْراةُ، أوِ الإنْجِيلُ، أوْ مَجْمُوعُهُما، أوِ القُرْآنُ. أقْوالٌ تَنْبَنِي عَلى مَنِ المُرادِ بِالَّذِينَ آتَيْناهم، ولَفْظُ آتَيْناهم أبْلَغُ مِن أُوتُوا، لِإسْنادِ الإيتاءِ إلى اللَّهِ تَعالى، مُعَبِّرًا عَنْهُ بِنُونِ العَظَمَةِ، وكَذا ما يَجِيءُ مِن نَحْوِ هَذا، مُرادًا بِهِ الإكْرامُ نَحْوُ: هَدَيْنا، واجْتَبَيْنا، واصْطَفَيْنا. قِيلَ: ولِأنَّ أُوتُوا قَدْ يُسْتَعْمَلُ فِيما لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبُولٌ، وآتَيْناهم أكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ فِيما لَهُ قَبُولٌ نَحْوُ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ﴾ [الأنعام: ٨٩]، وإذًا أُرِيدَ بِالكِتابِ أكْثَرُ مِن واحِدٍ، فَوَحَّدَ؛ لِأنَّهُ صُرِفَ إلى المَكْتُوبِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِالمَصْدَرِ. (يَعْرِفُونَهُ): (p-٤٣٥)جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الخَبَرِ عَنِ المُبْتَدَأِ الَّذِي هو الَّذِينَ آتَيْناهم، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ مَجْرُورًا عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلظّالِمِينَ، أوْ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الظّالِمِينَ، أوْ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [البقرة: ١٤٥] في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها، ومَرْفُوعًا عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هُمُ الَّذِينَ، ومَنصُوبًا عَلى إضْمارِ، أعْنِي: وعَلى هَذِهِ الأعارِيبِ يَكُونُ قَوْلُهُ: (يَعْرِفُونَهُ)، جُمْلَةً في مَوْضِعِ الحالِ، إمّا مِنَ المَفْعُولِ الأوَّلِ في آتَيْناهم، أوْ مِنَ الثّانِي الَّذِي هو الكِتابُ؛ لِأنَّ في يَعْرِفُونَهُ ضَمِيرَيْنِ يَعُودانِ عَلَيْهِما. والظّاهِرُ هو الإعْرابُ الأوَّلُ، لِاسْتِقْلالِ الكَلامِ جُمْلَةً مُنْعَقِدَةً مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ، ولِظاهِرِ انْتِهاءِ الكَلامِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٤٥] . والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في يَعْرِفُونَهُ عائِدٌ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ، ورَجَّحَهُ التَّبْرِيزِيُّ، وبَدَأ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: يَعْرِفُونَهُ مَعْرِفَةً جَلِيَّةً، يُمَيِّزُونَ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ بِالوَصْفِ المُعَيِّنِ المُشَخِّصِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ: واللَّفْظُ لِلزَّمَخْشَرِيِّ، وجازَ الإضْمارُ، وإنْ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ ذِكْرٌ؛ لِأنَّ الكَلامَ يَدُلُّ عَلَيْهِ ولا يَلْتَبِسُ عَلى السّامِعِ، ومِثْلُ هَذا الإضْمارِ فِيهِ تَفْخِيمٌ وإشْعارٌ بِأنَّهُ لِشُهْرَتِهِ وكَوْنِهِ عِلْمًا مَعْلُومًا بِغَيْرِ إعْلامٍ. انْتَهى. وأقُولُ: لَيْسَ كَما قالُوهُ مِن أنَّهُ إضْمارٌ قَبْلَ الذِّكْرِ: بَلْ هَذا مِن بابِ الِالتِفاتِ؛ لِأنَّهُ قالَ تَعالى: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وجْهَكَ﴾ [البقرة: ١٤٤]، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ﴾ [البقرة: ١٤٥] إلى آخَرِ الآيَةِ، فَهَذِهِ كُلُّها ضَمائِرُ خِطابٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ التَفَتَ عَنْ ضَمِيرِ الخِطابِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ. وحِكْمَةٌ هَذا الِالتِفاتِ أنَّهُ لَمّا فَرَغَ مِنَ الإقْبالِ عَلَيْهِ بِالخِطابِ، أقْبَلَ عَلى النّاسِ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ واخْتَرْناهم لِتَحَمُّلِ العِلْمِ والوَحْيِ، يَعْرِفُونَ هَذا الَّذِي خاطَبْناهُ في الآيِ السّابِقَةِ وأمَرْناهُ ونَهَيْناهُ، لا يَشُكُّونَ في مَعْرِفَتِهِ، ولا في صِدْقِ أخْبارِهِ، بِما كَلَّفْناهُ مِنَ التَّكالِيفِ الَّتِي مِنها نُسِخَ بَيْتُ المَقْدِسِ بِالكَعْبَةِ، لِما في كِتابِهِمْ مِن ذِكْرِهِ ونَعْتِهِ، والنَّصِّ عَلَيْهِ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ. فَقَدِ اتَّضَحَ بِما ذَكَرْناهُ أنَّهُ لَيْسَ مِن بابِ الإضْمارِ قَبْلَ الذِّكْرِ، وأنَّهُ مِن بابِ الِالتِفاتِ، وتَبَيَّنَتْ حِكْمَةُ الِالتِفاتِ. ويُؤَيِّدُ كَوْنَ الضَّمِيرِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما رُوِيَ أنَّ عُمَرَ سَألَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - وقالَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أنْزَلَ عَلى نَبِيِّهِ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ﴾ الآيَةَ، فَكَيْفَ هَذِهِ المَعْرِفَةُ ؟ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: يا عُمَرُ، لَقَدْ عَرَفْتُهُ حِينَ رَأيْتُهُ، كَما أعْرِفُ ابْنِي، ومَعْرِفَتِي بِمُحَمَّدٍ ﷺ أشَدُّ مِن مَعْرِفَتِي بِابْنِي. فَقالَ عُمَرُ: وكَيْفَ ذَلِكَ ؟ فَقالَ: أشْهَدُ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا، وقَدْ نَعَتَهُ اللَّهُ في كِتابِنا، ولا أدْرِي ما يَصْنَعُ النِّساءُ. فَقالَ عُمَرُ: وفَّقَكَ اللَّهُ يا ابْنَ سَلامٍ فَقَدْ صَدَقْتَ، وقَدْ رُوِيَ هَذا الأثَرُ مُخْتَصَرًا بِما يُرادِفُ بَعْضَ ألْفاظِهِ ويُقارِبُها، وفِيهِ: فَقَبَّلَ عُمَرُ رَأسَهُ. وإذا كانَ الضَّمِيرُ لِلرَّسُولِ، فَقِيلَ: المُرادُ مَعْرِفَةُ الوَجْهِ وتَمَيُّزِهِ، لا مَعْرِفَةُ حَقِيقَةِ النَّسَبِ. وقِيلَ: المَعْنى يَعْرِفُونَ صِدْقَهُ ونُبُوَّتَهُ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الحَقِّ الَّذِي هو التَّحَوُّلُ إلى الكَعْبَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ أيْضًا، وابْنُ جُرَيْجٍ والرَّبِيعُ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى القُرْآنِ. وقِيلَ: عَلى العِلْمِ. وقِيلَ: عَلى كَوْنِ البَيْتِ الحَرامِ قِبْلَةَ إبْراهِيمَ ومَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ، وهَذِهِ المَعْرِفَةُ مُخْتَصَّةٌ بِالعُلَماءِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾، فَإنْ تَعَلَّقَتِ المَعْرِفَةُ بِالنَّبِيِّ ﷺ، فَيَكُونُ حُصُولُها بِالرُّؤْيَةِ والوَصْفِ، أوْ بِالقُرْآنِ، فَحَصَلَتْ مِن تَصْدِيقِ كِتابِهِمْ لِلْقُرْآنِ، وبِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وصَفَتِهِ، أوْ بِالقِبْلَةِ، أوِ التَّحْوِيلِ، فَحَصَلَتْ بِخَبَرِ القُرْآنِ وخَبَرِ الرَّسُولِ المُؤَيَّدِ بِالخَوارِقِ. ﴿كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ﴾، الكافُ: في مَوْضِعِ نَصْبٍ، عَلى أنَّها صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ عِرْفانًا مِثْلَ عِرْفانِهِمْ أبْناءَهم، أوْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ المَعْرِفَةِ المَحْذُوفِ، كانَ التَّقْدِيرُ: يَعْرِفُونَهُ مَعْرِفَةً مُماثِلَةً لِمَعْرِفَةِ (p-٤٣٦)أبْنائِهِمْ. وظاهِرُ هَذا التَّشْبِيهِ أنَّ المَعْرِفَةَ أُرِيدَ بِها مَعْرِفَةُ الوَجْهِ والصُّورَةِ، وتَشْبِيهُها بِمَعْرِفَةِ الأبْناءِ يُقَوِّي ذَلِكَ، ويُقَوِّي أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى الرَّسُولِ ﷺ، حَتّى تَكُونَ المَعْرِفَتانِ تَتَعَلَّقانِ بِالمَحْسُوسِ المُشاهَدِ، وهو آكَدُ في التَّشْبِيهِ مِن أنْ يَكُونَ التَّشْبِيهُ وقَعَ بَيْنَ مَعْرِفَةٍ مُتَعَلِّقُها المَعْنى، ومَعْرِفَةٍ مُتَعَلِّقُها المَحْسُوسُ. وظاهِرُ الأبْناءِ الِاخْتِصاصُ بِالذُّكُورِ، فَيَكُونُونَ قَدْ خُصُّوا بِذَلِكَ؛ لِأنَّهم أكْثَرُ مُباشَرَةً ومُعاشَرَةً لِلْآباءِ، وألْصَقُ وأعْلَقُ بِقُلُوبِ الآباءِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالأبْناءِ: الأوْلادُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن بابِ التَّغْلِيبِ. وكانَ التَّشْبِيهُ بِمَعْرِفَةِ الأبْناءِ آكَدَ مِنَ التَّشْبِيهِ بِالأنْفُسِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ قَدْ يَمُرُّ عَلَيْهِ بُرْهَةٌ مِنَ الزَّمانِ لا يَعْرِفُ فِيها نَفْسَهُ، بِخِلافِ الأبْناءِ، فَإنَّهُ لا يَمُرُّ عَلَيْهِ زَمانٌ إلّا وهو يَعْرِفُ ابْنَهُ. ﴿وإنَّ فَرِيقًا مِنهم لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ﴾: أيْ مِنَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ، وهُمُ المُصِرُّونَ عَلى الكُفْرِ والعِنادِ، مِن عُلَماءِ اليَهُودِ النَّصارى، عَلى أحْسَنِ التَّفاسِيرِ في الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ، وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ أُرِيدَ بِهَذا الفَرِيقِ جُهّالُ اليَهُودِ والنَّصارى، الَّذِينَ قِيلَ فِيهِمْ: ﴿ومِنهم أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلّا أمانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨]، لِلْإخْبارِ عَنْ هَذا الفَرِيقِ أنَّهم يَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم عالِمُونَ بِهِ، ولِوَصْفِ الأُمِّيِّينَ هُناكَ بِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلّا أمانِيَّ. والحَقُّ المَكْتُومُ هُنا هو نَعْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ، والتَّوَجُّهُ إلى الكَعْبَةِ، أوْ أنَّ الكَعْبَةَ هي القِبْلَةُ، أوْ أعَمُّ مِن ذَلِكَ، فَيَنْدَرِجُ فِيهِ كُلُّ حَقٍّ. (وهم يَعْلَمُونَ): جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، أيْ عالِمَيْنِ بِأنَّهُ حَقٌّ. ويَقْرُبُ أنْ يَكُونَ حالًا مُؤَكِّدَةً؛ لِأنَّ لَفْظَ يَكْتُمُونَ الحَقَّ يَدُلُّ عَلى عِلْمِهِ بِهِ؛ لِأنَّ الكَتْمَ هو إخْفاءٌ لِما يُعْلَمُ. وقِيلَ: مُتَعَلِّقُ العِلْمِ هو ما عَلى الكاتِمِ مِنَ العِقابِ، أيْ وهم يَعْلَمُونَ العِقابَ المُرَتَّبَ عَلى كاتِمِ الحَقِّ، فَيَكُونُ إذْ ذاكَ حالًا مُبَيِّنَةً. ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾: قَرَأ الجُمْهُورُ: بِرَفْعِ الحَقِّ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ هو مِن رَبِّكَ، فَيَكُونُ المَجْرُورُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الحَقِّ المَكْتُومِ، أيْ ما كَتَمُوهُ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ، ويَكُونُ المَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ، أوْ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ. وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: الحَقُّ مِن رَبِّكَ يَعْرِفُونَهُ. والألِفُ واللّامُ في الحَقِّ لِلْعَهْدِ، وهو الحَقُّ الَّذِي عَلَيْهِ الرَّسُولُ، أوِ الحَقُّ الَّذِي كَتَمُوهُ، أوْ لِلْجِنْسِ عَلى مَعْنى: أنَّ الحَقَّ هو مِنَ اللَّهِ، لا مِن غَيْرِهِ، أيْ ما ثَبَتَ أنَّهُ حَقٌّ فَهو مِنَ اللَّهِ، كالَّذِي عَلَيْهِ الرَّسُولُ، وما لَمْ تَثْبُتْ حَقِيقَتُهُ، فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ، كالباطِلِ الَّذِي عَلَيْهِ أهْلُ الكِتابِ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: الحَقَّ بِالنَّصْبِ، وأُعْرِبَ بِأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الحَقِّ المَكْتُومِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: يَكْتُمُونَ الحَقَّ مِن رَبِّكَ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ؛ أوْ عَلى أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِيَعْلَمُونِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، ويَكُونُ مِمّا وقَعَ فِيهِ الظّاهِرُ مَوْقِعَ المُضْمَرِ، أيْ وهم يَعْلَمُونَهُ كائِنًا مِن رَبِّكَ، وذَلِكَ سائِغٌ حَسَنٌ في أماكِنِ التَّفْخِيمِ والتَّهْوِيلِ، كَقَوْلِهِ: ؎لا أرى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيْءٌ أيْ يَسْبِقُهُ شَيْءٌ. وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: الزَمِ الحَقَّ مِن رَبِّكَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ الخِطابُ بَعْدَهُ: ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ . والمُرادُ بِهَذا الخِطابِ في المَعْنى هو الأُمَّةُ. ودَلَّ المُمْتَرِينَ عَلى وُجُودِهِمْ، ونَهى أنْ يَكُونَ مِنهم، والنَّهْيُ عَنْ كَوْنِهِ مِنهم أبْلَغَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ نَفْسِ الفِعْلِ. فَقَوْلُكَ: لا تَكُنْ ظالِمًا، أبْلَغُ مِن قَوْلِكَ: لا تَظْلِمْ؛ لِأنَّ لا تَظْلِمْ نَهْيٌ عَنِ الِالتِباسِ بِالظُّلْمِ. وقَوْلُكُ: لا تَكُنْ ظالِمًا نَهْيٌ عَنِ الكَوْنِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ. والنَّهْيُ عَنِ الكَوْنِ عَلى صِفَةٍ، أبْلَغُ مِنَ النَّهْيِ عَنْ تِلْكَ الصِّفَةِ، إذِ النَّهْيُ عَنِ الكَوْنِ عَلى صِفَةٍ يَدُلُّ بِالوَضْعِ عَلى عُمُومِ الأكْوانِ المُسْتَقْبِلَةِ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ، ويَلْزَمُ مِن ذَلِكَ عُمُومُ تِلْكَ الصِّفَةِ. والنَّهْيُ عَنِ الصِّفَةِ يَدُلُّ بِالوَضْعِ عَلى عُمُومِ تِلْكَ الصِّفَةِ. وفَرْقٌ بَيْنَ ما يَدُلُّ عَلى عُمُومٍ ويَسْتَلْزِمُ عُمُومًا، وبَيْنَ ما يَدُلُّ عَلى عُمُومٍ فَقَطْ، فَلِذَلِكَ كانَ أبْلَغَ؛ ولِذَلِكَ كَثُرَ النَّهْيُ عَنِ الكَوْنِ. قالَ تَعالى: ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٥] ”﴿ولا (p-٤٣٧)تَكُونُنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ [يونس: ٩٥]“ ”فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِنهُ. والكَيْنُونَةُ في الحَقِيقَةِ لَيْسَتْ مُتَعَلِّقَ النَّهْيِ. والمَعْنى: لا تَظْلِمْ في كُلِّ أكْوانِكَ، أيْ في كُلِّ فَرْدٍ مِن أكْوانِكَ، فَلا يَمُرُّ بِكَ وقْتٌ يُوجَدُ فِيهِ مِنكَ ظُلْمٌ، فَتَصِيرُ كانَ فِيهِ نَصًّا عَلى سائِرِ الأكْوانِ، بِخِلافِ لا تَظْلِمْ فَإنَّهُ يَسْتَلْزِمُ الأكْوانَ. وأكَّدَ النَّهْيَ بِنُونِ التَّوْكِيدِ مُبالَغَةً في النَّهْيِ، وكانَتِ المُشَدَّدَةُ لِأنَّها أبْلَغُ في التَّأْكِيدِ مِنَ المُخَفَّفَةِ. والمَعْنى: فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ يَشُكُّونَ في الحَقِّ؛ لِأنَّ ما جاءَ مِنَ اللَّهِ تَعالى لا يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ فِيهِ شَكٌّ ولا جِدالٌ، إذْ هو الحَقُّ المَحْضُ الَّذِي لا يُمْكِنُ أنْ يَلْحَقَ فِيهِ رَيْبَ ولا شَكَّ. ﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها﴾، لَمّا ذَكَرَ القِبْلَةَ الَّتِي أُمِرَ المُسْلِمُونَ بِالتَّوَجُّهِ إلَيْها، وهي الكَعْبَةُ، وذَكَرَ مِن تَصْمِيمِ أهْلِ الكِتابِ عَلى عَدَمِ اتِّباعِها، وأنَّ كُلًّا مِن طائِفَتِي اليَهُودِ والنَّصارى مُصَمِّمَةٌ عَلى عَدَمِ اتِّباعِ صاحِبِها، أعْلَمَ أنَّ ذَلِكَ هو بِفِعْلِهِ، وأنَّهُ هو المُقَدِّرُ ذَلِكَ، وأنَّهُ هو مُوَجِّهُ كُلٍّ مِنهم إلى قِبْلَتِهِ. فَفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى شُكْرِ اللَّهِ، إذْ وفَّقَ المُسْلِمِينَ إلى اتِّباعِ ما أمَرَ بِهِ مِنَ التَّوَجُّهِ واخْتارَهم لِذَلِكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ:“ ولِكُلٍّ ”: مَنَّوْنًا،“ وِجْهَةٌ ”: مَرْفُوعًا، هو مُوَلِّيها: بِكَسْرِ اللّامِ اسْمُ فاعِلٍ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: هو مُوَلّاها، بِفَتْحِ اللّامِ اسْمُ مَفْعُولٍ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ. وقَرَأ قَوْمٌ شاذًّا: ولِكُلِّ وِجْهَةٍ، بِخَفْضِ اللّامِ مِن“ كُلِّ ”مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، وِجِهَةٍ: بِالخَفْضِ مَنَّوْنًا عَلى الإضافَةِ، والتَّنْوِينُ في كُلٍّ تَنْوِينُ عِوَضٍ مِنَ الإضافَةِ، وذَلِكَ المُضافُ إلَيْهِ“ كُلٍّ ”المَحْذُوفُ اخْتُلِفَ في تَقْدِيرِهِ. فَقِيلَ: المَعْنى: ولِكُلِّ طائِفَةٍ مِن أهْلِ الأدْيانِ. وقِيلَ: المَعْنى: ولِكُلِّ أهْلِ صَقْعٍ مِنَ المُسْلِمِينَ وِجْهَةٌ مِن أهْلِ سائِرِ الآفاقِ إلى جِهَةِ الكَعْبَةِ، وراءَها وقُدّامَها، ويَمِينَها وشِمالَها، لَيْسَتْ جِهَةٌ مِن جِهاتِها بِأوْلى أنْ تَكُونَ قِبْلَةً مِن غَيْرِها. وقِيلَ: المَعْنى: ولِكُلِّ نَبِيٍّ قِبْلَةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: المَعْنى: ولِكُلِّ مَلَكٍ ورَسُولٍ صاحِبِ شَرِيعَةٍ جِهَةُ قِبْلَةٍ، فَقِبْلَةُ المُقَرَّبِينَ العَرْشُ، وقِبْلَةُ الرُّوحانِيِّينَ الكُرْسِيُّ، وقِبْلَةُ الكُرُوبِيِّينَ البَيْتُ المَعْمُورُ، وقِبْلَةُ الأنْبِياءِ قَبْلَكَ بَيْتُ المَقْدِسِ، وقِبْلَتُكَ الكَعْبَةُ، وقَدِ انْدَرَجَ في هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ أنَّ المُرادَ بِوَجْهِهِ: قِبْلَةٌ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وهي قِراءَةُ أُبَيٍّ، قَرَأ: ولِكُلٍّ قِبْلَةٌ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: ولِكُلٍّ جَعَلْنا قِبْلَةً. وقالَ الحَسَنُ: وِجْهَةً: طَرِيقَةً، كَما قالَ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]، أيْ لِكُلِّ نَبِيٍّ طَرِيقَةٌ. وقالَ قَتادَةُ: وِجْهَةً: أيْ صَلاةً يُصَلُّونَها، وهو مِن قَوْلِهِ:“ هو مُوَلِّيها ”عائِدٌ عَلى“ كُلٍّ ”عَلى لَفْظِهِ، لا عَلى مَعْناهُ، أيْ هو مُسْتَقْبِلُها ومُوَجِّهٌ إلَيْها صَلاتَهُ الَّتِي يَتَقَرَّبُ بِها، والمَفْعُولُ الثّانِي لِمُوَلِّيها مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى، أيْ هو مُوَلِّيها وجْهَهُ أوْ نَفْسَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعَطاءٌ والرَّبِيعُ، ويُؤَيِّدُ أنَّ“ هو ”عائِدٌ عَلى كُلِّ قِراءَةِ مَن قَرَأ:“ هو مُوَلّاها ”. وقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الأخْفَشُ والزَّجّاجُ، أيِ اللَّهُ مُوَلِّيها إيّاهُ، اتَّبَعَها مَنِ اتَّبَعَها وتَرَكَها مَن تَرَكَها. فَمَعْنى هو مُوَلِّيها عَلى هَذا التَّقْدِيرِ: شارِعُها ومُكَلِّفُهم بِها. والجُمْلَةُ مِنَ الِابْتِداءِ والخَبَرِ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِوِجْهَةٍ. وأمّا قِراءَةُ مَن قَرَأ:“ ولِكُلِّ وِجْهَةٍ ”عَلى الإضافَةِ، فَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ: هي خَطَأٌ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُقْدَمَ عَلى الحُكْمِ في ذَلِكَ بِالخَطَأِ، لا سِيَّما وهي مَعْزُوَّةٌ إلى ابْنِ عامِرٍ، أحَدِ القُرّاءِ السَّبْعَةِ، وقَدْ وُجِّهَتْ هَذِهِ القِراءَةُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَعْنى: ولِكُلِّ وِجْهَةٍ اللَّهُ مُوَلِّيها، فَزِيدَتِ اللّامُ لِتَقَدُّمِ المَفْعُولِ، (p-٤٣٨)كَقَوْلِكَ: لِزَيْدٍ ضَرَبْتُ، ولِزَيْدٍ أبُوهُ ضارِبُهُ. انْتَهى كَلامُهُ، وهَذا فاسِدٌ؛ لِأنَّ العامِلَ إذا تَعَدّى لِضَمِيرِ الِاسْمِ لَمْ يَتَعَدَّ إلى ظاهِرِهِ المَجْرُورِ بِاللّامِ. لا يَجُوزُ أنْ يَقُولَ: لِزَيْدٍ ضَرَبْتُهُ، ولا: لِزَيْدٍ أنا ضارِبُهُ. وعَلَيْهِ أنَّ الفِعْلَ إذا تَعَدّى لِلضَّمِيرِ بِغَيْرِ واسِطَةٍ كانَ قَوِيًّا، واللّامُ إنَّما تَدْخُلُ عَلى الظّاهِرِ إذا تَقَدَّمَ لِيُقَوِّيَهُ لِضَعْفِ وُصُولِهِ إلَيْهِ مُتَقَدِّمًا، ولا يُمْكِنَ أنْ يَكُونَ العامِلُ قَوِيًّا ضَعِيفًا في حالَةٍ واحِدَةٍ، ولِأنَّهُ يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ المُتَعَدِّي إلى واحِدٍ يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، ولِذَلِكَ تَأوَّلَ النَّحْوِيُّونَ قَوْلَهُ هَذا: ؎سُراقَةُ لِلْقُرْآنِ يَدْرُسُهُ ولَيْسَ نَظِيرَ ما مُثِّلَ بِهِ مِن قَوْلِهِ: لِزَيْدٍ ضَرَبْتُ، أيْ زَيْدًا ضَرَبْتُ؛ لِأنَّ ضَرَبْتُ في هَذا المِثالِ لَمْ يَعْمَلْ في ضَمِيرِ زَيْدٍ، ولا يَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ عامِلٌ في:“ لِكُلِّ وِجْهَةٍ ”يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ:“ مُوَلِّيها ”، كَتَقْدِيرِنا زَيْدًا أنا ضارِبُهُ، أيْ أضْرِبُ زَيْدًا أنا ضارِبُهُ، فَتَكُونُ المَسْألَةُ مِن بابِ الِاشْتِغالِ؛ لِأنَّ المُشْتَغَلَ عَنْهُ لا يَجُوزُ أنْ يُجَرَّ بِحَرْفِ الجَرِّ. تَقُولُ: زَيْدًا مَرَرْتُ بِهِ، أيْ لابَسْتُ زَيْدًا، ولا يَجُوزُ: بِزَيْدٍ مَرَرْتُ بِهِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ مَرَرْتُ بِهِ، بَلْ كُلُّ فِعْلٍ يَتَعَدّى بِحَرْفِ الجَرِّ، إذا تَسَلَّطَ عَلى ضَمِيرِ اسْمٍ سابِقٍ في بابِ الِاشْتِغالِ، فَلا يَجُوزُ في ذَلِكَ الِاسْمِ السّابِقِ أنْ يُجَرَّ بِحَرْفِ جَرٍّ، ويُقَدَّرُ ذَلِكَ الفِعْلِ لِيَتَعَلَّقَ بِهِ حَرْفُ الجَرِّ، بَلْ إذا أرَدْتَ الِاشْتِغالَ نَصَبْتَهُ، هَكَذا جَرى كَلامُ العَرَبِ. قالَ تَعالى: ﴿والظّالِمِينَ أعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ [الإنسان: ٣١] . وقالَ الشّاعِرُ: ؎أثَعْلَبَةَ الفَوارِسِ أمْ رَباحًا ∗∗∗ عَدَلْتَ بِهِمْ طُهَيَّةَ والخِشابا وأمّا تَمْثِيلُهُ: لِزَيْدٍ أبُوهُ ضارِبُهُ، فَتَرْكِيبٌ غَيْرُ عَرَبِيٍّ. فَإنْ قُلْتَ: لِمَ لا تَتَوَجَّهُ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى أنَّ“ لِكُلٍّ وِجْهَةٍ ”في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي“ لِمُوَلِّيها ”، والمَفْعُولُ الأوَّلُ هو المُضافُ إلَيْهِ اسْمُ الفاعِلِ الَّذِي هو مُوَلٍّ، وهو الهاءُ، وتَكُونُ عائِدَةٌ عَلى أهْلِ القِبْلاتِ والطَّوائِفِ، وأنَّثَ عَلى مَعْنى الطَّوائِفِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: وكُلُّ وِجْهَةٍ اللَّهُ مُوَلِّي الطَّوائِفَ أصْحابَ القِبْلاتِ ؟ فالجَوابُ: أنَّهُ مَنَعَ هَذا التَّقْدِيرَ نَصُّ النَّحْوِيِّينَ عَلى أنَّ المُتَعَدِّيَ إلى واحِدٍ هو الَّذِي يَجُوزُ أنْ تَدْخُلَ اللّامُ عَلى مَفْعُولِهِ إذا تَقَدَّمَ. أمّا ما يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَدْخُلَ عَلى واحِدٍ مِنهُما اللّامُ إذا تَقَدَّمَ، ولا إذا تَأخَّرَ. وكَذَلِكَ ما يَتَعَدّى إلى ثَلاثَةٍ. ومُوَلٍّ هُنا اسْمُ فاعِلٍ مِن فِعْلٍ يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، فَلِذَلِكَ لا يَجُوزُ هَذا التَّقْدِيرُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، في تَوْجِيهِ هَذِهِ القِراءَةِ: أيْ فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ لِكُلِّ وُجْهَةٍ ولاكِمُوها، ولا تَعْتَرِضُوا فِيما أمَرَكم بَيْنَ هَذِهِ وهَذِهِ، أيْ إنَّما عَلَيْكُمُ الطّاعَةُ في الجَمِيعِ. وقَدَّمَ قَوْلَهُ:“ لِكُلِّ وِجْهَةٍ ”عَلى الأمْرِ في قَوْلِهِ:“ ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ ”؛ لِلِاهْتِمامِ بِالوِجْهَةِ، كَما تَقَدَّمَ المَفْعُولُ. انْتَهى كَلامُ ابْنِ عَطِيَّةَ، وهو (p-٤٣٩)تَوْجِيهٌ لا بَأْسَ بِهِ. ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾: هَذا أمْرٌ بِالبِدارِ إلى فِعْلِ الخَيْرِ والعَمَلِ الصّالِحِ. وناسَبَ هَذا أنَّ مَن جَعَلَ اللَّهُ لَهُ شَرِيعَةً، أوْ قِبْلَةً، أوْ صَلاةً، فَيَنْبَغِي الِاهْتِمامُ بِالمُسارَعَةِ إلَيْها. قالَ قَتادَةُ: الِاسْتِباقُ في أمْرِ الكَعْبَةِ رَغْمًا لِلْيَهُودِ بِالمُخالَفَةِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: سارِعُوا إلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ مِنَ التَّوَجُّهِ إلى القِبْلَةِ وغَيْرِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: فاسْتَبِقُوا الفاضِلاتِ مِنَ الجِهاتِ، وهي الجِهاتُ المُسامِتَةُ لِلْكَعْبَةِ، وإنِ اخْتَلَفَتْ. وذَكَرْنا أنَّ اسْتَبِقْ بِمَعْنى: تَسابَقْ، فَهو يَدُلُّ عَلى الِاشْتِراكِ. ﴿إنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ﴾ [يوسف: ١٧]، أيْ نَتَسابَقُ، كَما تَقُولُ. تَضارَبُوا. واسْتَبَقَ لا يَتَعَدّى؛ لِأنَّ تَسابَقَ لا يَتَعَدّى، وذَلِكَ أنَّ الفِعْلَ المُتَعَدِّيَ، إذا بَنَيْتَ مِن لَفْظٍ مَعْناهُ: تَفاعَلَ لِلِاشْتِراكِ، صارَ لازِمًا، تَقُولُ: ضَرَبْتُ زَيْدًا، ثُمَّ تَقُولُ: تَضارَبْنا، فَلِذَلِكَ قِيلَ: إنَّ“ إلى " هُنا مَحْذُوفَةٌ، التَّقْدِيرُ: فاسْتَبِقُوا إلى الخَيْراتِ. قالَ الرّاعِي: ؎ثَنائِي عَلَيْكم آلَ حَرْبٍ ومَن يَمِلْ ∗∗∗ سِواكم فَإنِّي مُهْتَدٍ غَيْرُ مائِلِ يُرِيدُ ومَن يَمِلْ سِواكم ﴿أيْنَما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾: هَذِهِ جُمْلَةٌ تَتَضَمَّنُ وعْظًا وتَحْذِيرًا وإظْهارًا لِقُدْرَتِهِ، ومَعْنى: ﴿يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾: أيْ يَبْعَثُكم ويَحْشُرُكم لِلثَّوابِ والعِقابِ، فَأنْتُمْ لا تُعْجِزُونَهُ، وافَقْتُمْ أمْ خالَفْتُمْ، ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ. وقِيلَ: المَعْنى: أيْنَما تَكُونُوا مِنَ الجِهاتِ المُخْتَلِفَةِ يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا، أيْ يَجْمَعُكم ويَجْعَلُ صَلاتَكم كُلَّها إلى جِهَةٍ واحِدَةٍ، وكَأنَّكم تُصَلُّونَ حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذِهِ الجُمْلَةِ، وسِيقَتْ بَعْدَ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ المُتَضَمِّنَةِ لِلْبَعْثِ والجَزاءِ، أيْ لا يُسْتَبْعَدُ إتْيانُ اللَّهِ تَعالى بِالأشْلاءِ المُتَمَزِّقَةِ في الجِهاتِ المُتَعَدِّدَةِ المُتَفَرِّقَةِ، فَإنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ تَتَعَلَّقُ بِالمُمْكِناتِ، وهَذا مِنها. وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الجُمْلَةِ المُصَدَّرَةِ بِأنْ تَجِيءُ كالعِلَّةِ لِما قَبْلَها، فَكانَ المَعْنى: إتْيانُ اللَّهِ بِكم جَمِيعًا لِقُدْرَتِهِ عَلى ذَلِكَ.

البقرة 2:148

﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾: هم عُلَماءُ اليَهُودِ والنَّصارى، أوْ مَن آمَنَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ اليَهُودِ، كابْنِ سَلامٍ وغَيْرِهِ، أوْ مَن آمَنَ بِهِ مُطْلَقًا، أقْوالٌ. والكِتابُ: التَّوْراةُ، أوِ الإنْجِيلُ، أوْ مَجْمُوعُهُما، أوِ القُرْآنُ. أقْوالٌ تَنْبَنِي عَلى مَنِ المُرادِ بِالَّذِينَ آتَيْناهم، ولَفْظُ آتَيْناهم أبْلَغُ مِن أُوتُوا، لِإسْنادِ الإيتاءِ إلى اللَّهِ تَعالى، مُعَبِّرًا عَنْهُ بِنُونِ العَظَمَةِ، وكَذا ما يَجِيءُ مِن نَحْوِ هَذا، مُرادًا بِهِ الإكْرامُ نَحْوُ: هَدَيْنا، واجْتَبَيْنا، واصْطَفَيْنا. قِيلَ: ولِأنَّ أُوتُوا قَدْ يُسْتَعْمَلُ فِيما لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبُولٌ، وآتَيْناهم أكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ فِيما لَهُ قَبُولٌ نَحْوُ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ﴾ [الأنعام: ٨٩]، وإذًا أُرِيدَ بِالكِتابِ أكْثَرُ مِن واحِدٍ، فَوَحَّدَ؛ لِأنَّهُ صُرِفَ إلى المَكْتُوبِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِالمَصْدَرِ. (يَعْرِفُونَهُ): (p-٤٣٥)جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الخَبَرِ عَنِ المُبْتَدَأِ الَّذِي هو الَّذِينَ آتَيْناهم، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ مَجْرُورًا عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلظّالِمِينَ، أوْ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الظّالِمِينَ، أوْ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [البقرة: ١٤٥] في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها، ومَرْفُوعًا عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هُمُ الَّذِينَ، ومَنصُوبًا عَلى إضْمارِ، أعْنِي: وعَلى هَذِهِ الأعارِيبِ يَكُونُ قَوْلُهُ: (يَعْرِفُونَهُ)، جُمْلَةً في مَوْضِعِ الحالِ، إمّا مِنَ المَفْعُولِ الأوَّلِ في آتَيْناهم، أوْ مِنَ الثّانِي الَّذِي هو الكِتابُ؛ لِأنَّ في يَعْرِفُونَهُ ضَمِيرَيْنِ يَعُودانِ عَلَيْهِما. والظّاهِرُ هو الإعْرابُ الأوَّلُ، لِاسْتِقْلالِ الكَلامِ جُمْلَةً مُنْعَقِدَةً مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ، ولِظاهِرِ انْتِهاءِ الكَلامِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٤٥] . والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في يَعْرِفُونَهُ عائِدٌ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ، ورَجَّحَهُ التَّبْرِيزِيُّ، وبَدَأ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: يَعْرِفُونَهُ مَعْرِفَةً جَلِيَّةً، يُمَيِّزُونَ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ بِالوَصْفِ المُعَيِّنِ المُشَخِّصِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ: واللَّفْظُ لِلزَّمَخْشَرِيِّ، وجازَ الإضْمارُ، وإنْ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ ذِكْرٌ؛ لِأنَّ الكَلامَ يَدُلُّ عَلَيْهِ ولا يَلْتَبِسُ عَلى السّامِعِ، ومِثْلُ هَذا الإضْمارِ فِيهِ تَفْخِيمٌ وإشْعارٌ بِأنَّهُ لِشُهْرَتِهِ وكَوْنِهِ عِلْمًا مَعْلُومًا بِغَيْرِ إعْلامٍ. انْتَهى. وأقُولُ: لَيْسَ كَما قالُوهُ مِن أنَّهُ إضْمارٌ قَبْلَ الذِّكْرِ: بَلْ هَذا مِن بابِ الِالتِفاتِ؛ لِأنَّهُ قالَ تَعالى: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وجْهَكَ﴾ [البقرة: ١٤٤]، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ﴾ [البقرة: ١٤٥] إلى آخَرِ الآيَةِ، فَهَذِهِ كُلُّها ضَمائِرُ خِطابٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ التَفَتَ عَنْ ضَمِيرِ الخِطابِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ. وحِكْمَةٌ هَذا الِالتِفاتِ أنَّهُ لَمّا فَرَغَ مِنَ الإقْبالِ عَلَيْهِ بِالخِطابِ، أقْبَلَ عَلى النّاسِ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ واخْتَرْناهم لِتَحَمُّلِ العِلْمِ والوَحْيِ، يَعْرِفُونَ هَذا الَّذِي خاطَبْناهُ في الآيِ السّابِقَةِ وأمَرْناهُ ونَهَيْناهُ، لا يَشُكُّونَ في مَعْرِفَتِهِ، ولا في صِدْقِ أخْبارِهِ، بِما كَلَّفْناهُ مِنَ التَّكالِيفِ الَّتِي مِنها نُسِخَ بَيْتُ المَقْدِسِ بِالكَعْبَةِ، لِما في كِتابِهِمْ مِن ذِكْرِهِ ونَعْتِهِ، والنَّصِّ عَلَيْهِ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ. فَقَدِ اتَّضَحَ بِما ذَكَرْناهُ أنَّهُ لَيْسَ مِن بابِ الإضْمارِ قَبْلَ الذِّكْرِ، وأنَّهُ مِن بابِ الِالتِفاتِ، وتَبَيَّنَتْ حِكْمَةُ الِالتِفاتِ. ويُؤَيِّدُ كَوْنَ الضَّمِيرِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما رُوِيَ أنَّ عُمَرَ سَألَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - وقالَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أنْزَلَ عَلى نَبِيِّهِ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ﴾ الآيَةَ، فَكَيْفَ هَذِهِ المَعْرِفَةُ ؟ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: يا عُمَرُ، لَقَدْ عَرَفْتُهُ حِينَ رَأيْتُهُ، كَما أعْرِفُ ابْنِي، ومَعْرِفَتِي بِمُحَمَّدٍ ﷺ أشَدُّ مِن مَعْرِفَتِي بِابْنِي. فَقالَ عُمَرُ: وكَيْفَ ذَلِكَ ؟ فَقالَ: أشْهَدُ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا، وقَدْ نَعَتَهُ اللَّهُ في كِتابِنا، ولا أدْرِي ما يَصْنَعُ النِّساءُ. فَقالَ عُمَرُ: وفَّقَكَ اللَّهُ يا ابْنَ سَلامٍ فَقَدْ صَدَقْتَ، وقَدْ رُوِيَ هَذا الأثَرُ مُخْتَصَرًا بِما يُرادِفُ بَعْضَ ألْفاظِهِ ويُقارِبُها، وفِيهِ: فَقَبَّلَ عُمَرُ رَأسَهُ. وإذا كانَ الضَّمِيرُ لِلرَّسُولِ، فَقِيلَ: المُرادُ مَعْرِفَةُ الوَجْهِ وتَمَيُّزِهِ، لا مَعْرِفَةُ حَقِيقَةِ النَّسَبِ. وقِيلَ: المَعْنى يَعْرِفُونَ صِدْقَهُ ونُبُوَّتَهُ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الحَقِّ الَّذِي هو التَّحَوُّلُ إلى الكَعْبَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ أيْضًا، وابْنُ جُرَيْجٍ والرَّبِيعُ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى القُرْآنِ. وقِيلَ: عَلى العِلْمِ. وقِيلَ: عَلى كَوْنِ البَيْتِ الحَرامِ قِبْلَةَ إبْراهِيمَ ومَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ، وهَذِهِ المَعْرِفَةُ مُخْتَصَّةٌ بِالعُلَماءِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾، فَإنْ تَعَلَّقَتِ المَعْرِفَةُ بِالنَّبِيِّ ﷺ، فَيَكُونُ حُصُولُها بِالرُّؤْيَةِ والوَصْفِ، أوْ بِالقُرْآنِ، فَحَصَلَتْ مِن تَصْدِيقِ كِتابِهِمْ لِلْقُرْآنِ، وبِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وصَفَتِهِ، أوْ بِالقِبْلَةِ، أوِ التَّحْوِيلِ، فَحَصَلَتْ بِخَبَرِ القُرْآنِ وخَبَرِ الرَّسُولِ المُؤَيَّدِ بِالخَوارِقِ. ﴿كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ﴾، الكافُ: في مَوْضِعِ نَصْبٍ، عَلى أنَّها صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ عِرْفانًا مِثْلَ عِرْفانِهِمْ أبْناءَهم، أوْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ المَعْرِفَةِ المَحْذُوفِ، كانَ التَّقْدِيرُ: يَعْرِفُونَهُ مَعْرِفَةً مُماثِلَةً لِمَعْرِفَةِ (p-٤٣٦)أبْنائِهِمْ. وظاهِرُ هَذا التَّشْبِيهِ أنَّ المَعْرِفَةَ أُرِيدَ بِها مَعْرِفَةُ الوَجْهِ والصُّورَةِ، وتَشْبِيهُها بِمَعْرِفَةِ الأبْناءِ يُقَوِّي ذَلِكَ، ويُقَوِّي أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى الرَّسُولِ ﷺ، حَتّى تَكُونَ المَعْرِفَتانِ تَتَعَلَّقانِ بِالمَحْسُوسِ المُشاهَدِ، وهو آكَدُ في التَّشْبِيهِ مِن أنْ يَكُونَ التَّشْبِيهُ وقَعَ بَيْنَ مَعْرِفَةٍ مُتَعَلِّقُها المَعْنى، ومَعْرِفَةٍ مُتَعَلِّقُها المَحْسُوسُ. وظاهِرُ الأبْناءِ الِاخْتِصاصُ بِالذُّكُورِ، فَيَكُونُونَ قَدْ خُصُّوا بِذَلِكَ؛ لِأنَّهم أكْثَرُ مُباشَرَةً ومُعاشَرَةً لِلْآباءِ، وألْصَقُ وأعْلَقُ بِقُلُوبِ الآباءِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالأبْناءِ: الأوْلادُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن بابِ التَّغْلِيبِ. وكانَ التَّشْبِيهُ بِمَعْرِفَةِ الأبْناءِ آكَدَ مِنَ التَّشْبِيهِ بِالأنْفُسِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ قَدْ يَمُرُّ عَلَيْهِ بُرْهَةٌ مِنَ الزَّمانِ لا يَعْرِفُ فِيها نَفْسَهُ، بِخِلافِ الأبْناءِ، فَإنَّهُ لا يَمُرُّ عَلَيْهِ زَمانٌ إلّا وهو يَعْرِفُ ابْنَهُ. ﴿وإنَّ فَرِيقًا مِنهم لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ﴾: أيْ مِنَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ، وهُمُ المُصِرُّونَ عَلى الكُفْرِ والعِنادِ، مِن عُلَماءِ اليَهُودِ النَّصارى، عَلى أحْسَنِ التَّفاسِيرِ في الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ، وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ أُرِيدَ بِهَذا الفَرِيقِ جُهّالُ اليَهُودِ والنَّصارى، الَّذِينَ قِيلَ فِيهِمْ: ﴿ومِنهم أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلّا أمانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨]، لِلْإخْبارِ عَنْ هَذا الفَرِيقِ أنَّهم يَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم عالِمُونَ بِهِ، ولِوَصْفِ الأُمِّيِّينَ هُناكَ بِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلّا أمانِيَّ. والحَقُّ المَكْتُومُ هُنا هو نَعْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ، والتَّوَجُّهُ إلى الكَعْبَةِ، أوْ أنَّ الكَعْبَةَ هي القِبْلَةُ، أوْ أعَمُّ مِن ذَلِكَ، فَيَنْدَرِجُ فِيهِ كُلُّ حَقٍّ. (وهم يَعْلَمُونَ): جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، أيْ عالِمَيْنِ بِأنَّهُ حَقٌّ. ويَقْرُبُ أنْ يَكُونَ حالًا مُؤَكِّدَةً؛ لِأنَّ لَفْظَ يَكْتُمُونَ الحَقَّ يَدُلُّ عَلى عِلْمِهِ بِهِ؛ لِأنَّ الكَتْمَ هو إخْفاءٌ لِما يُعْلَمُ. وقِيلَ: مُتَعَلِّقُ العِلْمِ هو ما عَلى الكاتِمِ مِنَ العِقابِ، أيْ وهم يَعْلَمُونَ العِقابَ المُرَتَّبَ عَلى كاتِمِ الحَقِّ، فَيَكُونُ إذْ ذاكَ حالًا مُبَيِّنَةً. ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾: قَرَأ الجُمْهُورُ: بِرَفْعِ الحَقِّ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ هو مِن رَبِّكَ، فَيَكُونُ المَجْرُورُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الحَقِّ المَكْتُومِ، أيْ ما كَتَمُوهُ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ، ويَكُونُ المَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ، أوْ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ. وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: الحَقُّ مِن رَبِّكَ يَعْرِفُونَهُ. والألِفُ واللّامُ في الحَقِّ لِلْعَهْدِ، وهو الحَقُّ الَّذِي عَلَيْهِ الرَّسُولُ، أوِ الحَقُّ الَّذِي كَتَمُوهُ، أوْ لِلْجِنْسِ عَلى مَعْنى: أنَّ الحَقَّ هو مِنَ اللَّهِ، لا مِن غَيْرِهِ، أيْ ما ثَبَتَ أنَّهُ حَقٌّ فَهو مِنَ اللَّهِ، كالَّذِي عَلَيْهِ الرَّسُولُ، وما لَمْ تَثْبُتْ حَقِيقَتُهُ، فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ، كالباطِلِ الَّذِي عَلَيْهِ أهْلُ الكِتابِ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: الحَقَّ بِالنَّصْبِ، وأُعْرِبَ بِأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الحَقِّ المَكْتُومِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: يَكْتُمُونَ الحَقَّ مِن رَبِّكَ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ؛ أوْ عَلى أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِيَعْلَمُونِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، ويَكُونُ مِمّا وقَعَ فِيهِ الظّاهِرُ مَوْقِعَ المُضْمَرِ، أيْ وهم يَعْلَمُونَهُ كائِنًا مِن رَبِّكَ، وذَلِكَ سائِغٌ حَسَنٌ في أماكِنِ التَّفْخِيمِ والتَّهْوِيلِ، كَقَوْلِهِ: ؎لا أرى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيْءٌ أيْ يَسْبِقُهُ شَيْءٌ. وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: الزَمِ الحَقَّ مِن رَبِّكَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ الخِطابُ بَعْدَهُ: ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ . والمُرادُ بِهَذا الخِطابِ في المَعْنى هو الأُمَّةُ. ودَلَّ المُمْتَرِينَ عَلى وُجُودِهِمْ، ونَهى أنْ يَكُونَ مِنهم، والنَّهْيُ عَنْ كَوْنِهِ مِنهم أبْلَغَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ نَفْسِ الفِعْلِ. فَقَوْلُكَ: لا تَكُنْ ظالِمًا، أبْلَغُ مِن قَوْلِكَ: لا تَظْلِمْ؛ لِأنَّ لا تَظْلِمْ نَهْيٌ عَنِ الِالتِباسِ بِالظُّلْمِ. وقَوْلُكُ: لا تَكُنْ ظالِمًا نَهْيٌ عَنِ الكَوْنِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ. والنَّهْيُ عَنِ الكَوْنِ عَلى صِفَةٍ، أبْلَغُ مِنَ النَّهْيِ عَنْ تِلْكَ الصِّفَةِ، إذِ النَّهْيُ عَنِ الكَوْنِ عَلى صِفَةٍ يَدُلُّ بِالوَضْعِ عَلى عُمُومِ الأكْوانِ المُسْتَقْبِلَةِ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ، ويَلْزَمُ مِن ذَلِكَ عُمُومُ تِلْكَ الصِّفَةِ. والنَّهْيُ عَنِ الصِّفَةِ يَدُلُّ بِالوَضْعِ عَلى عُمُومِ تِلْكَ الصِّفَةِ. وفَرْقٌ بَيْنَ ما يَدُلُّ عَلى عُمُومٍ ويَسْتَلْزِمُ عُمُومًا، وبَيْنَ ما يَدُلُّ عَلى عُمُومٍ فَقَطْ، فَلِذَلِكَ كانَ أبْلَغَ؛ ولِذَلِكَ كَثُرَ النَّهْيُ عَنِ الكَوْنِ. قالَ تَعالى: ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٥] ”﴿ولا (p-٤٣٧)تَكُونُنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ [يونس: ٩٥]“ ”فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِنهُ. والكَيْنُونَةُ في الحَقِيقَةِ لَيْسَتْ مُتَعَلِّقَ النَّهْيِ. والمَعْنى: لا تَظْلِمْ في كُلِّ أكْوانِكَ، أيْ في كُلِّ فَرْدٍ مِن أكْوانِكَ، فَلا يَمُرُّ بِكَ وقْتٌ يُوجَدُ فِيهِ مِنكَ ظُلْمٌ، فَتَصِيرُ كانَ فِيهِ نَصًّا عَلى سائِرِ الأكْوانِ، بِخِلافِ لا تَظْلِمْ فَإنَّهُ يَسْتَلْزِمُ الأكْوانَ. وأكَّدَ النَّهْيَ بِنُونِ التَّوْكِيدِ مُبالَغَةً في النَّهْيِ، وكانَتِ المُشَدَّدَةُ لِأنَّها أبْلَغُ في التَّأْكِيدِ مِنَ المُخَفَّفَةِ. والمَعْنى: فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ يَشُكُّونَ في الحَقِّ؛ لِأنَّ ما جاءَ مِنَ اللَّهِ تَعالى لا يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ فِيهِ شَكٌّ ولا جِدالٌ، إذْ هو الحَقُّ المَحْضُ الَّذِي لا يُمْكِنُ أنْ يَلْحَقَ فِيهِ رَيْبَ ولا شَكَّ. ﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها﴾، لَمّا ذَكَرَ القِبْلَةَ الَّتِي أُمِرَ المُسْلِمُونَ بِالتَّوَجُّهِ إلَيْها، وهي الكَعْبَةُ، وذَكَرَ مِن تَصْمِيمِ أهْلِ الكِتابِ عَلى عَدَمِ اتِّباعِها، وأنَّ كُلًّا مِن طائِفَتِي اليَهُودِ والنَّصارى مُصَمِّمَةٌ عَلى عَدَمِ اتِّباعِ صاحِبِها، أعْلَمَ أنَّ ذَلِكَ هو بِفِعْلِهِ، وأنَّهُ هو المُقَدِّرُ ذَلِكَ، وأنَّهُ هو مُوَجِّهُ كُلٍّ مِنهم إلى قِبْلَتِهِ. فَفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى شُكْرِ اللَّهِ، إذْ وفَّقَ المُسْلِمِينَ إلى اتِّباعِ ما أمَرَ بِهِ مِنَ التَّوَجُّهِ واخْتارَهم لِذَلِكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ:“ ولِكُلٍّ ”: مَنَّوْنًا،“ وِجْهَةٌ ”: مَرْفُوعًا، هو مُوَلِّيها: بِكَسْرِ اللّامِ اسْمُ فاعِلٍ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: هو مُوَلّاها، بِفَتْحِ اللّامِ اسْمُ مَفْعُولٍ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ. وقَرَأ قَوْمٌ شاذًّا: ولِكُلِّ وِجْهَةٍ، بِخَفْضِ اللّامِ مِن“ كُلِّ ”مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، وِجِهَةٍ: بِالخَفْضِ مَنَّوْنًا عَلى الإضافَةِ، والتَّنْوِينُ في كُلٍّ تَنْوِينُ عِوَضٍ مِنَ الإضافَةِ، وذَلِكَ المُضافُ إلَيْهِ“ كُلٍّ ”المَحْذُوفُ اخْتُلِفَ في تَقْدِيرِهِ. فَقِيلَ: المَعْنى: ولِكُلِّ طائِفَةٍ مِن أهْلِ الأدْيانِ. وقِيلَ: المَعْنى: ولِكُلِّ أهْلِ صَقْعٍ مِنَ المُسْلِمِينَ وِجْهَةٌ مِن أهْلِ سائِرِ الآفاقِ إلى جِهَةِ الكَعْبَةِ، وراءَها وقُدّامَها، ويَمِينَها وشِمالَها، لَيْسَتْ جِهَةٌ مِن جِهاتِها بِأوْلى أنْ تَكُونَ قِبْلَةً مِن غَيْرِها. وقِيلَ: المَعْنى: ولِكُلِّ نَبِيٍّ قِبْلَةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: المَعْنى: ولِكُلِّ مَلَكٍ ورَسُولٍ صاحِبِ شَرِيعَةٍ جِهَةُ قِبْلَةٍ، فَقِبْلَةُ المُقَرَّبِينَ العَرْشُ، وقِبْلَةُ الرُّوحانِيِّينَ الكُرْسِيُّ، وقِبْلَةُ الكُرُوبِيِّينَ البَيْتُ المَعْمُورُ، وقِبْلَةُ الأنْبِياءِ قَبْلَكَ بَيْتُ المَقْدِسِ، وقِبْلَتُكَ الكَعْبَةُ، وقَدِ انْدَرَجَ في هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ أنَّ المُرادَ بِوَجْهِهِ: قِبْلَةٌ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وهي قِراءَةُ أُبَيٍّ، قَرَأ: ولِكُلٍّ قِبْلَةٌ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: ولِكُلٍّ جَعَلْنا قِبْلَةً. وقالَ الحَسَنُ: وِجْهَةً: طَرِيقَةً، كَما قالَ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]، أيْ لِكُلِّ نَبِيٍّ طَرِيقَةٌ. وقالَ قَتادَةُ: وِجْهَةً: أيْ صَلاةً يُصَلُّونَها، وهو مِن قَوْلِهِ:“ هو مُوَلِّيها ”عائِدٌ عَلى“ كُلٍّ ”عَلى لَفْظِهِ، لا عَلى مَعْناهُ، أيْ هو مُسْتَقْبِلُها ومُوَجِّهٌ إلَيْها صَلاتَهُ الَّتِي يَتَقَرَّبُ بِها، والمَفْعُولُ الثّانِي لِمُوَلِّيها مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى، أيْ هو مُوَلِّيها وجْهَهُ أوْ نَفْسَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعَطاءٌ والرَّبِيعُ، ويُؤَيِّدُ أنَّ“ هو ”عائِدٌ عَلى كُلِّ قِراءَةِ مَن قَرَأ:“ هو مُوَلّاها ”. وقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الأخْفَشُ والزَّجّاجُ، أيِ اللَّهُ مُوَلِّيها إيّاهُ، اتَّبَعَها مَنِ اتَّبَعَها وتَرَكَها مَن تَرَكَها. فَمَعْنى هو مُوَلِّيها عَلى هَذا التَّقْدِيرِ: شارِعُها ومُكَلِّفُهم بِها. والجُمْلَةُ مِنَ الِابْتِداءِ والخَبَرِ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِوِجْهَةٍ. وأمّا قِراءَةُ مَن قَرَأ:“ ولِكُلِّ وِجْهَةٍ ”عَلى الإضافَةِ، فَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ: هي خَطَأٌ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُقْدَمَ عَلى الحُكْمِ في ذَلِكَ بِالخَطَأِ، لا سِيَّما وهي مَعْزُوَّةٌ إلى ابْنِ عامِرٍ، أحَدِ القُرّاءِ السَّبْعَةِ، وقَدْ وُجِّهَتْ هَذِهِ القِراءَةُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَعْنى: ولِكُلِّ وِجْهَةٍ اللَّهُ مُوَلِّيها، فَزِيدَتِ اللّامُ لِتَقَدُّمِ المَفْعُولِ، (p-٤٣٨)كَقَوْلِكَ: لِزَيْدٍ ضَرَبْتُ، ولِزَيْدٍ أبُوهُ ضارِبُهُ. انْتَهى كَلامُهُ، وهَذا فاسِدٌ؛ لِأنَّ العامِلَ إذا تَعَدّى لِضَمِيرِ الِاسْمِ لَمْ يَتَعَدَّ إلى ظاهِرِهِ المَجْرُورِ بِاللّامِ. لا يَجُوزُ أنْ يَقُولَ: لِزَيْدٍ ضَرَبْتُهُ، ولا: لِزَيْدٍ أنا ضارِبُهُ. وعَلَيْهِ أنَّ الفِعْلَ إذا تَعَدّى لِلضَّمِيرِ بِغَيْرِ واسِطَةٍ كانَ قَوِيًّا، واللّامُ إنَّما تَدْخُلُ عَلى الظّاهِرِ إذا تَقَدَّمَ لِيُقَوِّيَهُ لِضَعْفِ وُصُولِهِ إلَيْهِ مُتَقَدِّمًا، ولا يُمْكِنَ أنْ يَكُونَ العامِلُ قَوِيًّا ضَعِيفًا في حالَةٍ واحِدَةٍ، ولِأنَّهُ يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ المُتَعَدِّي إلى واحِدٍ يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، ولِذَلِكَ تَأوَّلَ النَّحْوِيُّونَ قَوْلَهُ هَذا: ؎سُراقَةُ لِلْقُرْآنِ يَدْرُسُهُ ولَيْسَ نَظِيرَ ما مُثِّلَ بِهِ مِن قَوْلِهِ: لِزَيْدٍ ضَرَبْتُ، أيْ زَيْدًا ضَرَبْتُ؛ لِأنَّ ضَرَبْتُ في هَذا المِثالِ لَمْ يَعْمَلْ في ضَمِيرِ زَيْدٍ، ولا يَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ عامِلٌ في:“ لِكُلِّ وِجْهَةٍ ”يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ:“ مُوَلِّيها ”، كَتَقْدِيرِنا زَيْدًا أنا ضارِبُهُ، أيْ أضْرِبُ زَيْدًا أنا ضارِبُهُ، فَتَكُونُ المَسْألَةُ مِن بابِ الِاشْتِغالِ؛ لِأنَّ المُشْتَغَلَ عَنْهُ لا يَجُوزُ أنْ يُجَرَّ بِحَرْفِ الجَرِّ. تَقُولُ: زَيْدًا مَرَرْتُ بِهِ، أيْ لابَسْتُ زَيْدًا، ولا يَجُوزُ: بِزَيْدٍ مَرَرْتُ بِهِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ مَرَرْتُ بِهِ، بَلْ كُلُّ فِعْلٍ يَتَعَدّى بِحَرْفِ الجَرِّ، إذا تَسَلَّطَ عَلى ضَمِيرِ اسْمٍ سابِقٍ في بابِ الِاشْتِغالِ، فَلا يَجُوزُ في ذَلِكَ الِاسْمِ السّابِقِ أنْ يُجَرَّ بِحَرْفِ جَرٍّ، ويُقَدَّرُ ذَلِكَ الفِعْلِ لِيَتَعَلَّقَ بِهِ حَرْفُ الجَرِّ، بَلْ إذا أرَدْتَ الِاشْتِغالَ نَصَبْتَهُ، هَكَذا جَرى كَلامُ العَرَبِ. قالَ تَعالى: ﴿والظّالِمِينَ أعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ [الإنسان: ٣١] . وقالَ الشّاعِرُ: ؎أثَعْلَبَةَ الفَوارِسِ أمْ رَباحًا ∗∗∗ عَدَلْتَ بِهِمْ طُهَيَّةَ والخِشابا وأمّا تَمْثِيلُهُ: لِزَيْدٍ أبُوهُ ضارِبُهُ، فَتَرْكِيبٌ غَيْرُ عَرَبِيٍّ. فَإنْ قُلْتَ: لِمَ لا تَتَوَجَّهُ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى أنَّ“ لِكُلٍّ وِجْهَةٍ ”في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي“ لِمُوَلِّيها ”، والمَفْعُولُ الأوَّلُ هو المُضافُ إلَيْهِ اسْمُ الفاعِلِ الَّذِي هو مُوَلٍّ، وهو الهاءُ، وتَكُونُ عائِدَةٌ عَلى أهْلِ القِبْلاتِ والطَّوائِفِ، وأنَّثَ عَلى مَعْنى الطَّوائِفِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: وكُلُّ وِجْهَةٍ اللَّهُ مُوَلِّي الطَّوائِفَ أصْحابَ القِبْلاتِ ؟ فالجَوابُ: أنَّهُ مَنَعَ هَذا التَّقْدِيرَ نَصُّ النَّحْوِيِّينَ عَلى أنَّ المُتَعَدِّيَ إلى واحِدٍ هو الَّذِي يَجُوزُ أنْ تَدْخُلَ اللّامُ عَلى مَفْعُولِهِ إذا تَقَدَّمَ. أمّا ما يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَدْخُلَ عَلى واحِدٍ مِنهُما اللّامُ إذا تَقَدَّمَ، ولا إذا تَأخَّرَ. وكَذَلِكَ ما يَتَعَدّى إلى ثَلاثَةٍ. ومُوَلٍّ هُنا اسْمُ فاعِلٍ مِن فِعْلٍ يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، فَلِذَلِكَ لا يَجُوزُ هَذا التَّقْدِيرُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، في تَوْجِيهِ هَذِهِ القِراءَةِ: أيْ فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ لِكُلِّ وُجْهَةٍ ولاكِمُوها، ولا تَعْتَرِضُوا فِيما أمَرَكم بَيْنَ هَذِهِ وهَذِهِ، أيْ إنَّما عَلَيْكُمُ الطّاعَةُ في الجَمِيعِ. وقَدَّمَ قَوْلَهُ:“ لِكُلِّ وِجْهَةٍ ”عَلى الأمْرِ في قَوْلِهِ:“ ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ ”؛ لِلِاهْتِمامِ بِالوِجْهَةِ، كَما تَقَدَّمَ المَفْعُولُ. انْتَهى كَلامُ ابْنِ عَطِيَّةَ، وهو (p-٤٣٩)تَوْجِيهٌ لا بَأْسَ بِهِ. ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾: هَذا أمْرٌ بِالبِدارِ إلى فِعْلِ الخَيْرِ والعَمَلِ الصّالِحِ. وناسَبَ هَذا أنَّ مَن جَعَلَ اللَّهُ لَهُ شَرِيعَةً، أوْ قِبْلَةً، أوْ صَلاةً، فَيَنْبَغِي الِاهْتِمامُ بِالمُسارَعَةِ إلَيْها. قالَ قَتادَةُ: الِاسْتِباقُ في أمْرِ الكَعْبَةِ رَغْمًا لِلْيَهُودِ بِالمُخالَفَةِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: سارِعُوا إلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ مِنَ التَّوَجُّهِ إلى القِبْلَةِ وغَيْرِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: فاسْتَبِقُوا الفاضِلاتِ مِنَ الجِهاتِ، وهي الجِهاتُ المُسامِتَةُ لِلْكَعْبَةِ، وإنِ اخْتَلَفَتْ. وذَكَرْنا أنَّ اسْتَبِقْ بِمَعْنى: تَسابَقْ، فَهو يَدُلُّ عَلى الِاشْتِراكِ. ﴿إنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ﴾ [يوسف: ١٧]، أيْ نَتَسابَقُ، كَما تَقُولُ. تَضارَبُوا. واسْتَبَقَ لا يَتَعَدّى؛ لِأنَّ تَسابَقَ لا يَتَعَدّى، وذَلِكَ أنَّ الفِعْلَ المُتَعَدِّيَ، إذا بَنَيْتَ مِن لَفْظٍ مَعْناهُ: تَفاعَلَ لِلِاشْتِراكِ، صارَ لازِمًا، تَقُولُ: ضَرَبْتُ زَيْدًا، ثُمَّ تَقُولُ: تَضارَبْنا، فَلِذَلِكَ قِيلَ: إنَّ“ إلى " هُنا مَحْذُوفَةٌ، التَّقْدِيرُ: فاسْتَبِقُوا إلى الخَيْراتِ. قالَ الرّاعِي: ؎ثَنائِي عَلَيْكم آلَ حَرْبٍ ومَن يَمِلْ ∗∗∗ سِواكم فَإنِّي مُهْتَدٍ غَيْرُ مائِلِ يُرِيدُ ومَن يَمِلْ سِواكم ﴿أيْنَما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾: هَذِهِ جُمْلَةٌ تَتَضَمَّنُ وعْظًا وتَحْذِيرًا وإظْهارًا لِقُدْرَتِهِ، ومَعْنى: ﴿يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾: أيْ يَبْعَثُكم ويَحْشُرُكم لِلثَّوابِ والعِقابِ، فَأنْتُمْ لا تُعْجِزُونَهُ، وافَقْتُمْ أمْ خالَفْتُمْ، ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ. وقِيلَ: المَعْنى: أيْنَما تَكُونُوا مِنَ الجِهاتِ المُخْتَلِفَةِ يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا، أيْ يَجْمَعُكم ويَجْعَلُ صَلاتَكم كُلَّها إلى جِهَةٍ واحِدَةٍ، وكَأنَّكم تُصَلُّونَ حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذِهِ الجُمْلَةِ، وسِيقَتْ بَعْدَ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ المُتَضَمِّنَةِ لِلْبَعْثِ والجَزاءِ، أيْ لا يُسْتَبْعَدُ إتْيانُ اللَّهِ تَعالى بِالأشْلاءِ المُتَمَزِّقَةِ في الجِهاتِ المُتَعَدِّدَةِ المُتَفَرِّقَةِ، فَإنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ تَتَعَلَّقُ بِالمُمْكِناتِ، وهَذا مِنها. وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الجُمْلَةِ المُصَدَّرَةِ بِأنْ تَجِيءُ كالعِلَّةِ لِما قَبْلَها، فَكانَ المَعْنى: إتْيانُ اللَّهِ بِكم جَمِيعًا لِقُدْرَتِهِ عَلى ذَلِكَ.

البقرة 2:149

﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّ لِكُلٍّ وِجْهَةً يَتَوَلّاها، أمَرَ نَبِيَّهُ أنْ يُوَلِّيَ وجْهَهُ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ مِن أيْ مَكانٍ خَرَجَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وجْهَكَ﴾ [البقرة: ١٤٤] ظاهِرُهُ أنَّهُ أمْرٌ لَهُ بِاسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ وهو مُقِيمٌ بِالمَدِينَةِ. فَبَيَّنَ بِهَذا الأمْرِ الثّانِي تَساوِي الحالَيْنِ إقامَةً وسَفَرًا في أنَّهُ مَأْمُورٌ بِاسْتِقْبالِ البَيْتِ الحَرامِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ: ﴿وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠]، لِيُبَيِّنَ مُساواتِهِمْ في ذَلِكَ، أيْ في حالَةِ السَّفَرِ، والأُولى في حالَةِ الإقامَةِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَيْرٍ: ”ومِن حَيْثُ“ بِالفَتْحِ، فَتَحَ تَخْفِيفًا. وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في حَيْثُ في قَوْلِهِ: ﴿حَيْثُ شِئْتُما﴾ [البقرة: ٣٥] . ﴿وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾: هَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِأنَّ اسْتِقْبالَ هَذِهِ القِبْلَةِ هو الحَقُّ، أيِ الثّابِتِ الَّذِي لا يَعْرِضُ لَهُ نَسْخٌ ولا تَبْدِيلٌ. وفي الأوَّلِ قالَ: ﴿وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ١٤٤]، حَيْثُ كانَ الكَلامُ مَعَ سُفَهائِهِمُ الَّذِينَ اعْتَرَضُوا في تَحْوِيلِ القِبْلَةِ، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِأشْياءَ مِنها: أنَّ عُلَمائَهم يَعْلَمُونَ أنَّ تَحْوِيلَ القِبْلَةِ حَقٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وخَتَمَ آخَرَ هَذِهِ الآيَةِ بِما خَتَمَ بِهِ آخِرَ تِلْكَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ في امْتِثالِ هَذا التَّكْلِيفِ العَظِيمِ الَّذِي هو التَّحْوِيلُ مِن جِهَةٍ إلى جِهَةٍ، وذَلِكَ هو مَحْضُ التَّعَبُّدِ. فالجِهاتُ كُلُّها بِالنِّسْبَةِ إلى البارِئِ تَعالى مُسْتَوِيَةٌ، فَكَوْنُهُ خَصَّ بِاسْتِقْبالِ هَذِهِ زَمانًا، ونَسَخَ ذَلِكَ بِاسْتِقْبالِ جِهَةٍ أُخْرى مُتَأبِّدَةٍ، لا يَظْهَرُ في ذَلِكَ في بادِي الرَّأْيِ إلّا أنَّهُ تَعَبُّدٌ مَحْضٌ. فَلَمْ يَبْقَ في ذَلِكَ إلّا امْتِثالُ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ، فَأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ لا يَغْفُلُ عَنْ أعْمالِكم، بَلْ هو المُطَّلِعُ عَلَيْها المُجازِي بِالثَّوابِ مَنِ امْتَثَلَ أمْرَهُ، وبِالعِقابِ مَن خالَفَهُ. وجاءَ في قَوْلِهِ: ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ [البقرة: ١٤٧] في المَكانَيْنِ، وفي قَوْلِهِ: (وما اللَّهُ) في المَكانَيْنِ، فَحَيْثُ نَبَّهَ عَلى اسْتِدْلالِ حِكْمَتِهِ بِالنَّظَرِ إلى أفْعالِهِ، ذَكَرَ الرَّبَّ المُقْتَضِي لِلنِّعَمِ، لِنَنْظُرَ مِنها إلى المُنْعِمِ، ونَسْتَدِلَّ بِها عَلَيْهِ، ولَمّا انْتَهى (p-٤٤٠)إلى ذِكْرِ الوَعِيدِ، ذَكَرَ لَفْظَ اللَّهِ المُقْتَضِي لِلْعِبادَةِ الَّتِي مَن أخَلَّ بِها اسْتَحَقَّ ألِيمَ العَذابِ.

البقرة 2:150

﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾: ظاهِرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ أنَّها كُرِّرَتْ تَوْكِيدًا لِما قَبْلَها في الآيَةِ الَّتِي تَلِيها فَقَطْ، لا أنَّ ذَلِكَ تَوْكِيدٌ لِلْآيَةِ الأُولى، لِأنّا قَدْ بَيَّنّا أنَّ الأُولى في الإقامَةِ، والثّانِيَةَ في السَّفَرِ، وأمّا الثّالِثَةُ فَهي في السَّفَرِ، فَهي تَأْكِيدٌ لِلثّانِيَةِ. وحِكْمَةُ هَذا التَّأْكِيدِ تَثْبِيتُ هَذا الحُكْمِ، وتَقْرِيرُ نَسْخِ اسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ؛ لِأنَّ النَّسْخَ هو مِن مَظانِّ الفِتْنَةِ والشُّبْهَةِ وتَزْيِينِ الشَّيْطانِ لِلطَّعْنِ في تَبْدِيلِ قِبْلَةٍ بِقِبْلَةٍ، إذْ كانَ ذَلِكَ صَعْبًا عَلَيْهِمْ، فَأكَّدَ بِذَلِكَ أمْرَ النَّسْخِ وثَبَّتَ. وكانَ التَّأْكِيدُ عَلى ما قَرَّرْناهُ بِتَكْرِيرِ هَذِهِ الجُمَلِ مَرَّتَيْنِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ هو الأكْثَرُ المَعْهُودُ في لِسانِ العَرَبِ، وهو أنْ تُعادَ الجُمْلَةُ مَرَّةً واحِدَةً. وقالَ المَهْدَوِيُّ: كُرِّرَتْ هَذِهِ الأوامِرُ؛ لِأنَّهُ لا يَحْفَظُ القُرْآنَ كُلُّ أحَدٍ، فَكانَ يُوجَدُ عِنْدَ بَعْضِ النّاسِ ما لَيْسَ عِنْدَ بَعْضٍ لَوْ لَمْ يُكَرِّرْ. وهَذا المَعْنى في التَّكْرِيرِ يُرْوى عَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ، ولِهَذا المَعْنى رُفِعَ التَّكْرِيرُ في القِصَصِ. وقِيلَ: لَمّا كانَتْ هَذِهِ الواقِعَةُ أوَّلَ الوَقائِعِ الَّتِي ظَهَرَ النَّسْخُ فِيها في شَرْعِنا، كُرِّرَتْ لِلتَّأْكِيدِ والتَّقْرِيرِ وإزالَةِ الشُّبْهَةِ، وقَدْ ذَكَرَ العُلَماءُ في هَذِهِ الآياتِ مُخَصَّصاتٍ تُخْرِجُها بِذَلِكَ عَنِ التَّأْكِيدِ. فَقِيلَ: الأُولى مِن قَوْلِهِ: (فَوَلِّ وجْهَكَ)، نَسْخٌ لِلْقِبْلَةِ الأُولى، والثّانِيَةُ لِاسْتِواءِ الحُكْمِ في جَمِيعِ الأمْكِنَةِ، والثّالِثَةُ لِلدَّوامِ في جَمِيعِ الأزْمانِ. وقِيلَ: الأُولى في المَسْجِدِ الحَرامِ، والثّانِيَةُ خارِجُ المَسْجِدِ، والثّالِثَةُ خارِجُ البَلَدِ. وقِيلَ: الخُرُوجُ الأوَّلُ إلى مَكانٍ تُرى فِيهِ الكَعْبَةُ، والثّانِي إلى مَكانٍ لا تُرى فِيهِ، فَسَوّى بَيْنِ الحالَتَيْنِ. وقِيلَ: الخُرُوجُ الأوَّلُ مُتَّصِلٌ بِذِكْرِ السَّبَبِ، وهو: ﴿وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ [البقرة: ١٤٩]، والثّانِي مُتَّصِلٌ بِانْتِفاءِ الحُجَّةِ، وهو: ﴿لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ . وقِيلَ: الأوَّلُ لِجَمِيعِ الأحْوالِ، والثّانِي لِجَمِيعِ الأمْكِنَةِ، والثّالِثُ لِجَمِيعِ الأزْمِنَةِ. وقِيلَ: الأوَّلُ أنْ يَكُونَ الإنْسانُ في المَسْجِدِ الحَرامِ، والثّانِي: أنْ يَكُونَ خارِجًا عَنْهُ وهو في البَلَدِ، والثّالِثُ أنْ يَخْرُجَ عَنِ البَلَدِ إلى أقْطارِ الأرْضِ، فَسَوّى بَيْنِ هَذِهِ الأحْوالِ، لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ لِلْأقْرَبِ حُرْمَةً لا تَثْبُتُ لِلْأبْعَدِ. وقِيلَ: التَّخْصِيصُ حَصَلَ في كُلٍّ واحِدٍ مِنَ الثَّلاثَةِ بِأمْرٍ، فالأوَّلُ بَيَّنَ فِيهِ أنَّ أهْلَ الكِتابِ يَعْلَمُونَ أمْرَ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وأمْرَ هَذِهِ القِبْلَةِ، حَتّى أنَّهم شاهَدُوا ذَلِكَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، والثّانِي فِيهِ شَهادَةُ اللَّهِ بِأنَّ ذَلِكَ حَقٌّ، والثّالِثُ بَيَّنَ فِيهِ أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ ﴿لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾، فَقَطَعَ بِذَلِكَ قَوْلَ المُعانِدِينَ. وقِيلَ: الأوَّلُ مَقْرُونٌ بِإكْرامِهِ تَعالى إيّاهم بِالقِبْلَةِ الَّتِي كانُوا يُحِبُّونَها، وهي قِبْلَةُ إبْراهِيمَ - عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ - بِقَوْلِهِ: ﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها﴾ [البقرة: ١٤٨]، أيْ لِكُلِّ صاحِبِ دَعْوَةِ قِبْلَةٌ يَتَوَجَّهُ إلَيْها، فَتَوَجَّهُوا أنْتُمْ إلى أشْرَفِ الجِهاتِ الَّتِي يَعْلَمُ اللَّهُ أنَّها الحَقُّ، والثّالِثُ مَقْرُونٌ بِقَطْعِ اللَّهِ حُجَّةَ مَن خاصَمَهُ مِنَ اليَهُودِ. وقِيلَ: رُبَّما خَطَرَ في بالِ جاهِلٍ أنَّهُ تَعالى فَعَلَ ذَلِكَ لِرِضا نَبِيِّهِ لِقَوْلِهِ: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها﴾ [البقرة: ١٤٤]، فَأزالَ هَذا الوَهْمَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ [البقرة: ١٤٩]، أيْ ما حَوَّلْناكَ لِمُجَرَّدِ الرِّضا، بَلْ لِأجْلِ أنْ هَذا التَّحْوِيلَ هو الحَقُّ، فَلَيْسَتْ كَقِبْلَةِ اليَهُودِ الَّتِي يَتَّبِعُونَها بِمُجَرَّدِ الهَوى، ثُمَّ أعادَ ثالِثًا، والمُرادُ: دُومُوا عَلى هَذِهِ القِبْلَةِ في جَمِيعِ الأزْمِنَةِ. وقِيلَ: كَرَّرَ (وحَيْثُما كُنْتُمْ)، فَحَثَّ بِإحْداهُما عَلى التَّوَجُّهِ إلى القِبْلَةِ بِالقَلْبِ والبَدَنِ، في أيْ مَكانٍ كانَ الإنْسانُ، نائِيًا كانَ عَنْها أوْ دانِيًا مِنها، وذَلِكَ في حالِ التَّمَكُّنِ والِاخْتِيارِ، وحَثَّ بِالأُخْرى عَلى التَّوَجُّهِ بِالقَلْبِ نَحْوَهُ عِنْدَ اشْتِباهِ القِبْلَةِ في حالَةِ المُسابَقَةِ، وفي النّافِلَةِ في حالَةِ السَّفَرِ، وعَلى الرّاحِلَةِ في السَّفَرِ. (لِئَلّا يَكُونَ): هَذِهِ لامُ كَيْ، وأنَّ بَعْدَها لا النّافِيَةُ، وقَدْ حَجَزَ بِها بَيْنَ أنْ ومَعْمُولِها الَّذِي هو يَكُونُ، كَما أنَّهم حَجَزُوا بِها بَيْنَ الجازِمِ والمَجْزُومِ في قَوْلِهِمْ: أإنْ لا تَفْعَلَ أفْعَلُ. وكُتِبَتْ في المُصْحَفِ: لا ما بَعْدَها ياءٌ، بَعْدَها لامُ ألْفٍ، فَجَعَلُوا صُورَةً لِلْهَمْزَةِ الياءَ، وذَلِكَ عَلى حَسَبِ (p-٤٤١)التَّخْفِيفِ الَّذِي قَرَأ بِهِ نافِعٌ في القُرْآنِ مِن إبْدالِ هَذِهِ الهَمْزَةِ ياءً. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالتَّحْقِيقِ: وهَذِهِ أنْ واجِبَةُ الإظْهارِ هُنا؛ لِكَراهَتِهِمُ اجْتِماعَ لامِ الجَرِّ مَعَ لا النّافِيَةِ؛ لِأنَّ في ذَلِكَ قَلَقًا في اللَّفْظِ، وهي جائِزَةُ الإظْهارِ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، فَإذا أثْبَتُوها، فَهو الأصْلُ، وهو الأقَلُّ في كَلامِهِمْ، وإذا حَذَفُوها؛ فَلِأنَّ المَعْنى يَقْتَضِيها ضَرُورَةَ أنَّ اللّامَ لا تَكُونُ النّاصِبَةَ؛ لِأنَّها قَدْ ثَبَتَ لَها أنْ تَعْمَلَ في الأسْماءِ الجَرَّ، وعَوامِلُ الأسْماءِ لا تَعْمَلُ في الأفْعالِ. ﴿لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾: أيِ احْتِجاجٌ. والنّاسُ: قِيلَ هو عُمُومٌ في اليَهُودِ والعَرَبِ وغَيْرِهِمْ. وقِيلَ: اليَهُودُ، وحُجَّتُهم قَوْلُهم: يُخالِفُنا مُحَمَّدٌ في قِبْلَتِنا، وقَدْ كانَ يَتْبَعُها، أوْ لَمْ يَنْصَرِفْ عَنْ بَيْتِ المَقْدِسِ، مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهُ حَقٌّ إلّا بِرَأْيِهِ، ويَزْعُمُ أنَّهُ أُمِرَ بِهِ، أوْ ما دَرى مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ أيْنَ قِبْلَتُهم حَتّى هَدَيْناهم. وقِيلَ: مُشْرِكُو العَرَبِ، وحُجَّتُهم قَوْلُهم: قَدْ رَجَعَ مُحَمَّدٌ إلى قِبْلَتِنا، وسَيَرْجِعُ إلى دِينِنا حِينَ صارَ يَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ. وقِيلَ: النّاسُ عامٌّ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ وعَدَهم بِأنَّهُ لا يَقُومُ لِأحَدٍ عَلَيْهِمْ حُجَّةٌ إلّا حُجَّةً باطِلَةً، وهي قَوْلُهم: يُوافِقُ اليَهُودَ مَعَ قَوْلِهِ: إنِّي حَنِيفٌ أتَّبِعُ مِلَّةَ إبْراهِيمَ، أوْ لا يَقِينَ لَكم ولا تَثْبُتُونَ عَلى دِينٍ، أوْ قالُوا: ما لَكَ تَرَكْتَ بَيْتَ المَقْدِسِ ؟ إنْ كانَتْ ضَلالَةً فَقَدْ دِنْتَ بِها، وإنْ كانَتْ هُدًى فَقَدْ نَقَلْتَ عَنْهُ، أوْ قَوْلُهُمُ: اشْتاقَ الرَّجُلُ إلى بَيْتِ أبِيهِ ودِينِ قَوْمِهِ، أوْ قَوْلُهم في التَّوْراةِ: إنَّهُ يَتَحَوَّلُ إلى قِبْلَةِ أبِيهِ إبْراهِيمَ، فَحَوَّلَهُ اللَّهُ؛ لِئَلّا يَقُولُوا: نَجِدُهُ في التَّوْراةِ يَتَحَوَّلُ فَما تَحَوَّلَ، فَيَكُونُ لَهم ذَلِكَ حُجَّةً، فَأذْهَبَ اللَّهُ حُجَّتَهم بِذَلِكَ. واللّامُ في لِئَلّا لامُ الجَرِّ دَخَلَتْ عَلى إنْ وما بَعْدَها فَتَتَقَدَّرُ بِالمَصْدَرِ، أيْ لِانْتِفاءِ الحُجَّةِ عَلَيْكم. وتَتَعَلَّقُ هَذِهِ اللّامُ، قِيلَ: بِمَحْذُوفٍ، أيْ عَرَّفْناكم وجْهَ الصَّوابِ في قِبْلَتِكم، والحُجَّةُ في ذَلِكَ لِئَلّا يَكُونَ. وقِيلَ: تَتَعَلَّقُ بِـ”ولُّوا“، والقِراءَةُ بِالياءِ؛ لِأنَّ الحُجَّةَ تَأْنِيثُها غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، وقَدْ حَسُنَ ذَلِكَ الفَصْلُ بَيْنَ الفِعْلِ ومَرْفُوعِهِ بِمَجْرُورَيْنِ، فَسَهُلَ التَّذْكِيرُ جِدًّا، وخَبَرُ كانَ قَوْلُهُ: ”لِلنّاسِ“، و”عَلَيْكم“: في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وهو في الأصْلِ صِفَةٌ لِلْحُجَّةِ، فَلَمّا تَقَدَّمَ عَلَيْها انْتَصَبَ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيها مَحْذُوفٌ، ”ولا“ جائِزٌ أنْ يَتَعَلَّقَ بِحُجَّةٍ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى الِاحْتِجاجِ، ومَعْمُولُ المَصْدَرِ المُنْحَلِّ لِحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ، والفِعْلِ لا يَتَقَدَّمُ عَلى عامِلِهِ. وأجازَ بَعْضُهم أنْ يَتَعَلَّقَ ”عَلَيْكم“ ”بِحُجَّةٍ“، هَكَذا نَقَلُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ”عَلَيْكُمُ“ الخَبَرَ، ولِلنّاسُ مُتَعَلِّقٌ بِلَفْظِ يَكُونُ؛ لِأنَّ كانَ النّاقِصَةَ قَدْ تَعْمَلُ في الظَّرْفِ والجارِّ والمَجْرُورِ. ﴿إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾، قَرَأ الجُمْهُورُ: ”إلّا“ جَعَلُوها أداةَ اسْتِثْناءٍ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ زَيْدٍ: ألا، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ لامِ ألّا، إذْ جَعَلُوها الَّتِي لِلتَّنْبِيهِ والِاسْتِفْتاحِ. فَعَلى قِراءَةِ هَؤُلاءِ يَكُونُ إعْرابُ ”الَّذِينَ ظَلَمُوا“ مُبْتَدَأً، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَخْشَوْهم واخْشَوْنِي﴾ في مَوْضِعِ الخَبَرِ، ودَخَلَتِ الفاءُ لِأنَّهُ سَلَكَ بِالَّذِينَ مَسْلَكَ الشَّرْطِ، والفِعْلُ الماضِي الواقِعُ صِلَةً هو مُسْتَقْبَلُ. المَعْنى: كَأنَّهُ قِيلَ: مَن يَظْلِمُ مِنَ النّاسِ، فَلا تَخافُوا مَطاعِنَهم في قِبْلَتِكم. واخْشَوْنِي: فَلا تُخالِفُوا أمْرِي، ولَوْلا دُخُولُ الفاءِ لَتَرَجَّحَ نَصْبُ ”الَّذِينَ ظَلَمُوا“، عَلى أنْ تَكُونَ المَسْألَةُ مِن بابِ الِاشْتِغالِ، أيْ لا تَخْشَوُا الَّذِينَ ظَلَمُوا، لا تَخْشَوْهم، لَكِنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ في زِيادَةِ الفاءِ، وأجازَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ نُصِبَ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ عَلى الإغْراءِ. ونَقَلَ السَّجاوَنْدِيُّ عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ مُجاهِدٍ أنَّهُ قَرَأ إلى الَّذِينَ، جَعَلَها حَرْفَ جَرٍّ، وتَأوَّلَها بِمَعْنى مَعَ. وأمّا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، فالِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ، وبَدَأ بِهِ ابْنُ عَطِيَّةَ، ولَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَهُ، وذَلِكَ أنَّهُ مَتى أمْكَنَ الِاسْتِثْناءُ المُتَّصِلُ إمْكانًا حَسَنًا كانَ أوْلى مِن غَيْرِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْناهُ لِئَلّا يَكُونَ حُجَّةً لِأحَدٍ مِنَ اليَهُودِ، إلّا لِلْمُعانِدِينَ مِنهُمُ القائِلِينَ: ما تَرَكَ قِبْلَتِنا إلى الكَعْبَةِ إلّا مَيْلًا إلى دِينِ قَوْمِهِ وحَبًّا لِبَلَدِهِ، ولَوْ كانَ عَلى الحَقِّ لَلَزِمَ قِبْلَةَ الأنْبِياءِ. (فَإنْ قُلْتَ): أيُّ حُجَّةٍ كانَتْ تَكُونُ لِلْمُتَّصِفِينَ مِنهم لَوْ لَمْ يُحَوِّلْ حَتّى احْتَرَزَ مِن تِلْكَ الحُجَّةِ ولَمْ يُبالِ بِحُجَّةِ المُعانِدِينَ ؟ ”قُلْتُ“: كانُوا يَقُولُونَ: ما لَهُ لا يُحَوِّلُ إلى قِبْلَةِ أبِيهِ (p-٤٤٢)إبْراهِيمَ، كَما هو مَذْكُورٌ في نَعْتِهِ في التَّوْراةِ ؟ (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ أطْلَقَ اسْمَ الحُجَّةِ عَلى قَوْلِ المُعانِدِينَ ؟ (قُلْتُ): لِأنَّهم يَسُوقُونَهُ سِياقَ الحُجَّةِ، انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَعْنى أنَّهُ لا حُجَّةَ لِأحَدٍ عَلَيْكم إلّا الحُجَّةَ الدّاحِضَةَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنَ اليَهُودِ وغَيْرِهِمْ مِن كُلِّ مَن تَكَلَّمَ في النّازِلَةِ في قَوْلِهِمْ: ﴿ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ [البقرة: ١٤٢] اسْتِهْزاءً، وفي قَوْلِهِمْ: تَحَيَّرَ مُحَمَّدٌ في دِينِهِ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأقْوالِ الَّتِي لَمْ تَنْبَعِثْ إلّا مِن عابِدِ وثَنٍ، أوْ مِن يَهُودِيٍّ، أوْ مِن مُنافِقٍ. وسَمّاها تَعالى: حُجَّةً، وحَكَمَ بِفَسادِها حِينَ كانَتْ مِن ظَلَمَةٍ. انْتَهى كَلامُهُ. وقَدِ اتَّضَحَ بِهَذا التَّقْرِيرِ اتِّصالُ الِاسْتِثْناءِ. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، أيْ لَكِنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا فَإنَّهم يَتَعَلَّقُونَ عَلَيْكم بِالشُّبْهَةِ، يَضَعُونَها مَوْضِعَ الحُجَّةِ، ولَيْسَتْ بِحُجَّةٍ. ومَثارُ الخِلافِ هو: هَلِ الحُجَّةُ هو الدَّلِيلُ والبُرْهانُ الصَّحِيحُ ؟ أوِ الحُجَّةُ هو الِاحْتِجاجُ والخُصُومَةُ ؟ ومَثارُ الخِلافِ هو: هَلِ الحُجَّةُ هو الدَّلِيلُ والبُرْهانُ الصَّحِيحُ ؟ أوِ الحُجَّةُ هو الِاحْتِجاجُ والخُصُومَةُ ؟ فَإنْ كانَ الأوَّلَ فَهو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، وإنْ كانَ الثّانِي فَهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ. قالَ الزَّجّاجُ: أيْ عَرَّفَكُمُ اللَّهُ أمْرَ الِاحْتِجاجِ في القِبْلَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها﴾ [البقرة: ١٤٨]: لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةً إلّا مِن ظَلَمَ بِاحْتِجاجِهِ فِيما قَدْ وضَحَ لَهُ، كَما تَقُولُ: ما لَكَ عَلَيَّ حُجَّةٌ إلّا الظُّلْمَ، أوْ إلّا أنْ تَظْلِمَنِي، أيْ ما لَكَ حُجَّةٌ ألْبَتَّةَ، ولَكِنَّكَ تَظْلِمُنِي. وأجازَ قُطْرُبٌ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ في مَوْضِعِ جَرٍّ بَدَلًا مِن ضَمِيرِ الخِطابِ في عَلَيْكم، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: لِئَلّا تَثْبُتَ حُجَّةٌ لِلنّاسِ عَلى غَيْرِ الظّالِمِينَ مِنهم، وهم أنْتُمْ أيُّها المُخاطَبُونَ، بِتَوْلِيَةِ وُجُوهِكم إلى القِبْلَةِ. ونَقَلَ السَّجاوَنْدِيُّ أنَّ قُطْرُبًا قَرَأ: إلّا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا، وهو بَدَلٌ أيْضًا عَلى إظْهارِ حَرْفِ الجَرِّ، كَقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَن آمَنَ مِنهُمْ﴾ [الأعراف: ٧٥]، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ فِيهِ إبْدالَ الظّاهِرِ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ، بَدَلَ شَيْءٍ مِن شَيْءٍ، وهُما لِعَيْنٍ واحِدَةٍ، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ إلى عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ. وزَعَمَ أبُو عُبَيْدٍ مَعْمَرُ بْنُ المُثَنّى أنَّ ”إلّا“ في الآيَةِ بِمَعْنى الواوِ، وجَعَلَ مِن ذَلِكَ قَوْلَهُ: ؎ما بِالمَدِينَةِ دارٌ غَيْرُ واحِدَةٍ دارُ الخَلِيفَةِ إلّا دارَ مَرْوانا وقَوْلُهُ: ؎وكُلُّ أخٍ مُفارِقُهُ أخُوهُ ∗∗∗ لَعَمْرُ أبِيكَ إلّا الفَرْقَدانِ التَّقْدِيرُ: عِنْدَهُ والَّذِينَ ظَلَمُوا، ودارُ مَرْوانَ والفَرْقَدانِ. وإثْباتُ إلّا بِمَعْنى الواوِ، لا يَقُومُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، والِاسْتِثْناءُ سائِغٌ فِيما ادَّعى فِيهِ أنَّ ”إلّا“ بِمَعْنى الواوِ، وكانَ أبُو عُبَيْدَةَ يُضَعَّفُ في النَّحْوِ. وقالَ الزَّجّاجُ: هَذا خَطَأٌ عِنْدَ حُذّاقِ النَّحْوِيِّينَ، وأضْعَفُ مِن هَذا زَعْمُ أنَّ ”إلّا“ بِمَعْنى بَعْدَ، أيْ بَعْدَ الَّذِينَ ظَلَمُوا، وجَعَلَ مِن ذَلِكَ (إلّا ما قَدْ سَلَفَ)، أيْ بَعْدَ ما قَدْ سَلَفَ، و﴿إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ [الدخان: ٥٦]، أيْ بَعْدَ المَوْتَةِ الأُولى، ولَوْلا أنَّ بَعْضَ المُفَسِّرِينَ ذَكَرَ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ، ما ذَكَرْتُهُما لِضَعْفِهِما. ﴿فَلا تَخْشَوْهم واخْشَوْنِي﴾: هَذا فِيهِ تَحْقِيرٌ لِشَأْنِهِمْ، وأمْرٌ بِاطِّراحِهِمْ، ومُراعاةٌ لِأمْرِهِ تَعالى. وضَمِيرُ المَفْعُولِ في فَلا تَخْشَوْهم يَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ عَلى النّاسِ، أيْ فَلا تَخْشَوُا النّاسَ، وأنْ يَعُودَ عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا، أيْ فَلا تَخْشَوُا الظّالِمِينَ. ونَهى عَنْ خَشْيَتِهِمْ فِيما يُزَخْرِفُونَهُ مِنَ الكَلامِ الباطِلِ، فَإنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى نَفْعٍ ولا ضُرٍّ. وأمَرَ بِخَشْيَتِهِ هو في تَرْكِ ما أمَرَهم بِهِ مِنَ التَّوَجُّهِ إلى المَسْجِدِ الحَرامِ. وقِيلَ: المَعْنى ”فَلا تَخْشَوْهم“ في المُبايَنَةِ، ”واخْشَوْنِي“ في المُخالَفَةِ، ومَعْناهُ قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ. وقَدْ ذَكَرْ نا شَرْحَ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ في ذِكْرِ قِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ بِقَرِيبٍ مِن هَذا. وقالَ السُّدِّيُّ: مَعْناهُ لا تَخْشَوْا أنْ أرُدَّكم في دِينِكم واخْشَوْنِي، وهَذا الَّذِي قالَهُ لا يُساعِدُهُ قَوْلُهُ: ”فَلا تَخْشَوْهم“ . قالَ بَعْضُهم: ذَكَرَ الخَشْيَةَ هُنا ولَمْ يَذْكُرِ الخَوْفَ؛ لِأنَّ الخَشْيَةَ حَذَرٌ مِن أمْرٍ قَدْ وقَعَ، والخَوْفُ حَذَرٌ مِن أمْرٍ لَمْ يَقَعْ. والَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ اللُّغَةُ والِاسْتِعْمالُ أنَّ الخَشْيَةَ والخَوْفَ مُتَرادِفانِ، وقالَ تَعالى: ﴿فَلا تَخافُوهم وخافُونِ﴾ [آل عمران: ١٧٥]، كَما قالَ هُنا: ﴿فَلا تَخْشَوْهم واخْشَوْنِي﴾ . ﴿ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾: الظّاهِرُ أنَّهُ مَعْطُوفٌ (p-٤٤٣)عَلى قَوْلِهِ: (لِئَلّا يَكُونَ)، وكانَ المَعْنى: عَرَّفْناكم وجْهَ الصَّوابِ في قِبْلَتِكم، والحُجَّةُ لَكم لِانْتِفاءِ حُجَجِ النّاسِ عَلَيْكم، ولِإتْمامِ النِّعْمَةِ، فَيَكُونُ التَّعْرِيفُ مُعَلَّلًا بِهاتَيْنِ العِلَّتَيْنِ، والفَصْلُ بِالِاسْتِثْناءِ وما بَعْدَهُ كَلا فَصْلٍ؛ إذْ هو مِن مُتَعَلِّقِ العِلَّةِ الأُولى. وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى عِلَّةٍ مَحْذُوفَةٍ، وكِلاهُما مَعْلُولُهُما الخَشْيَةُ السّابِقَةُ، كَأنَّهُ قِيلَ: واخْشَوْنِي لِأُوَفِّقَكم ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم. وقِيلَ: تَتَعَلَّقُ اللّامُ بِفِعْلٍ مُؤَخَّرٍ، التَّقْدِيرُ: ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم عَرَّفْتُكم قِبْلَتِي، ومَن زَعَمَ أنَّ الواوَ زائِدَةٌ، فَقَوْلُهُ ضَعِيفٌ. وإتْمامُ النِّعْمَةِ بِما هَداهم إلَيْهِ مِنَ القِبْلَةِ، أوْ بِما أعَدَّهُ لَهم مِن ثَوابِ الطّاعَةِ، أوْ بِما حَصَلَ لِلْعَرَبِ مِنَ الشَّرَفِ بِتَحْوِيلِ القِبْلَةِ إلى الكَعْبَةِ، أوْ بِإبْطالِ حُجَجِ المُحْتَجِّينَ عَلَيْهِمْ، أوْ بِإدْخالِهِمُ الجَنَّةَ، أوْ بِالمَوْتِ عَلى الإسْلامِ، أوِ النِّعْمَةِ سُنَّةِ الإسْلامِ، والقُرْآنِ، ومُحَمَّدٍ ﷺ، والسِّتْرِ، والعافِيَةِ، والغِنى عَنِ النّاسِ؛ أوْ بِشَرائِعِ المِلَّةِ الحَنِيفِيَّةِ، أقْوالٌ ثَمانِيَةٌ صَدَرَتْ مَصْدَرَ المِثالِ، لا مَصْدَرَ التَّعْيِينِ، وكُلٌّ فِيها نِعْمَةٌ. ﴿ولَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾: تَقَدَّمَ القَوْلُ في لَعَلَّ بِالنِّسْبَةِ إلى مَجِيئِها مِنَ اللَّهِ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]، في أوَّلِ البَقَرَةِ، وهو أوَّلُ مَواقِعِها فِيهِ. والمَعْنى: لِتَكُونُوا عَلى رَجاءِ إدامَةِ هِدايَتِي إيّاكم عَلى اسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ، أوْ لِكَيْ تَهْتَدُوا إلى قِبْلَةِ أبِيكم إبْراهِيمَ، والظّاهِرُ رَجاءُ الهِدايَةِ مُطْلَقًا.