Lafzullah

Al-Bahr Al-Muhit — البقرة 2:219 – البقرة 2:236

المؤلف / المصدر: Al-Bahr Al-Muhit

المحتويات
  1. البقرة 2:219
  2. البقرة 2:220
  3. البقرة 2:221
  4. البقرة 2:222
  5. البقرة 2:223
  6. البقرة 2:224
  7. البقرة 2:225
  8. البقرة 2:226
  9. البقرة 2:227
  10. البقرة 2:228
  11. البقرة 2:229
  12. البقرة 2:230
  13. البقرة 2:231
  14. البقرة 2:232
  15. البقرة 2:233
  16. البقرة 2:234
  17. البقرة 2:235
  18. البقرة 2:236

البقرة 2:219

﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ وإثْمُهُما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما ويَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ ويَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ وإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكم واللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأعْنَتَكم إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠] ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ ولَأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكَةٍ ولَوْ أعْجَبَتْكم ولا تُنْكِحُوا المُشْرِكِينَ حَتّى يُؤْمِنُوا ولَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكٍ ولَوْ أعْجَبَكم أُولَئِكَ يَدْعُونَ إلى النّارِ واللَّهُ يَدْعُو إلى الجَنَّةِ والمَغْفِرَةِ بِإذْنِهِ ويُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢٢١]، الخَمْرُ: هي المُعْتَصَرُ مِنَ العِنَبِ إذا غَلى واشْتَدَّ وقَذَفَ بِالزَّبَدِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ مِن خَمَرَ إذا سَتَرَ، ومِنهُ خِمارُ المَرْأةِ، وتَخَمَّرَتْ واخْتَمَرَتْ، وهي حَسَنَةُ الخِمْرَةِ، والخَمْرُ ما واراكَ مِنَ الشَّجَرِ وغَيْرِهِ، ودَخَلَ في خِمارِ النّاسِ وغِمارِهِمْ أيْ: في مَكانٍ خافٍ، وخَمْرُ فُتاتِكم، وخامِرِي أُمَّ عامِرٍ، مِثْلَ الأحْمَقِ، وخامِرِي حَضاجِرِ أتاكِ ما تُحاذِرِ، وحَضاجِرُ: اسْمٌ لِلذَّكَرِ والأُنْثى مِنَ السِّباعِ، ومَعْناهُ: ادْخُلِي الخَمْرَ واسْتَتِرِي. فَلَمّا كانَتْ تَسْتُرُ العَقْلَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ، وقِيلَ: لِأنَّها تُخَمِّرُ أيْ تُغَطِّي حَتّى تُدْرِكَ وتَشْتَدَّ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُخامِرُ العَقْلَ، أيْ: تُخالِطُهُ، يُقالُ: خامَرَ الدّاءُ: خالَطَ، وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُتْرَكُ حِينَ تُدْرَكُ، يُقالُ: اخْتَمَرَ العَجِينُ بَلَغَ إدْراكُهُ، وخَمَّرَ الرَّأْيَ تَرَكَهُ حَتّى يُبَيَّنَ فِيهِ الوَجْهُ، فَعَلى هَذِهِ الِاشْتِقاقاتِ تَكُونُ مَصْدَرًا في الأصْلِ وأُرِيدَ بِها اسْمُ الفاعِلِ أوِ اسْمُ المَفْعُولِ. المَيْسِرُ: القِمارُ، وهو مَفْعِلٌ مِن يَسَرَ، كالمَوْعِدِ مِن وعَدَ، يُقالُ: يَسَّرْتُ المَيْسِرَ، أيْ: قامَرْتُهُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎لَوْ تَيْسِرُونَ بِخَيْلٍ قَدْ يَسَرْتُ بِها وكُلُّ ما يَسَرَ الأقْوامُ مَغْرُومُ واشْتِقاقُهُ مِنَ اليُسْرِ وهو السُّهُولَةُ، أوْ مِنَ اليَسارِ لِأنَّهُ يَسْلُبُ يَسارَهُ، أوْ مِن يَسَرَ الشَّيْءُ إذا وجَبَ، أوْ مِن يَسَرَ إذا جَزَرَ، والياسِرُ الجازِرُ، وهو الَّذِي يُجَزِّئُ الجَزُورَ أجْزاءً، قالَ الشّاعِرُ: ؎أقُولُ لَهم بِالشِّعْبِ إذْ تَيْسِرُونَنِي: ∗∗∗ ألَمْ تَيْأسُوا أنِّي ابْنُ فارِسِ زَهْدَمِ ؟ وسُمِّيَتِ الجَزُورُ الَّتِي يُسْهَمُ عَلَيْها مَيْسِرًا لِأنَّها مَوْضِعُ اليَسَرِ، ثُمَّ قِيلَ لِلسِّهامِ مَيْسِرٌ لِلْمُجاوَرَةِ، واليَسَرُ: الَّذِي يَدْخُلُ في الضَّرْبِ بِالقِداحِ، وجَمْعُهُ أيْسارٌ، وقِيلَ: يَسَرٌ جَمْعُ ياسِرٍ، كَحارِسٍ وحَرَسٌ وأحْراسٌ. وصِفَةُ المَيْسِرِ أنَّهُ عَشَرَةُ أقْداحٍ، وقِيلَ: أحَدَ عَشَرَ عَلى ما ذُكِرَ فِيهِ، وهي: الأزْلامُ، والأقْلامُ، والسِّهامُ، لِسَبْعَةٍ مِنها حُظُوظٌ، وفِيها فُرُوضٌ عَلى عِدَّةِ الحُظُوظِ: القَدُّ، ولَهُ سَهْمٌ واحِدٌ؛ والتَّوْأمُ، ولَهُ سَهْمانِ؛ والرَّقِيبُ، ولَهُ ثَلاثَةٌ؛ والحِلْسُ، ولَهُ أرْبَعَةٌ؛ والنّافِسُ، ولَهُ خَمْسَةٌ؛ والمُسْبِلُ ولَهُ سِتَّةٌ؛ والمُعَلّى ولَهُ سَبْعَةٌ؛ وثَلاثَةُ أغْفالٍ لا حُظُوظَ لَها، وهي: المَنِيحُ، والسَّفِيحُ، والوَغْدُ، وقِيلَ: أرْبَعَةٌ وهي: المَصْدَرُ، والمُضْعِفُ، والمَنِيحُ، والسَّفِيحُ. تُزادُ هَذِهِ الثَّلاثَةُ أوِ الأرْبَعَةُ عَلى الخِلافِ لِتَكْثُرَ السِّهامُ وتَخْتَلِطَ عَلى الحُرْضَةِ وهو الضّارِبُ بِالقِداحِ، فَلا يَجِدُ إلى المَيْلِ مَعَ أحَدٍ سَبِيلًا، ويُسَمّى أيْضًا: المُجِيلُ، والمُغِيضُ، والضّارِبُ، والضَّرِيبُ، ويُجْمَعُ ضُرَباءُ، وهو رَجُلٌ عَدْلٌ عِنْدَهم. وقِيلَ يُجْعَلُ رَقِيبٌ لِئَلّا يُحابِي أحَدًا، ثُمَّ يَجْثُو الضّارِبُ عَلى رُكْبَتَيْهِ، ويَلْتَحِفُ بِثَوْبٍ، ويُخْرِجُ رَأْسَهُ، يَجْعَلُ تِلْكَ القِداحَ في الرِّبابَةِ، وهي خَرِيطَةٌ يُوضَعُ فِيها، ثُمَّ يُجَلْجِلُها، ويُدْخِلُ يَدَهُ ويُخْرِجُ بِاسْمِ رَجُلٍ رَجُلٍ قَدَحًا مِنها، فَمَن خَرَجَ لَهُ قَدَحٌ مِن ذَواتِ الأنْصِباءِ أخَذَ النَّصِيبَ المَوْسُومَ بِهِ ذَلِكَ القَدَحُ، ومَن خَرَجَ لَهُ قَدَحٌ مِن تِلْكَ الثَّلاثَةِ لَمْ يَأْخُذْ شَيْئًا، وغَرِمَ الجَزُورَ كُلَّهُ. وكانَتْ عادَةُ العَرَبِ أنْ تَضْرِبَ بِهَذِهِ القِداحِ (p-١٥٥)فِي الشَّتْوَةِ وضِيقِ العَيْشِ وكَلَبِ البَرْدِ عَلى الفُقَراءِ، فَيَشْتَرُونَ الجَزُورَ وتَضْمَنُ الأيْسارُ ثَمَنَها، ثُمَّ تُنْحَرُ ويُقَسَّمُ عَلى عَشَرَةِ أقْسامٍ في قَوْلِ أبِي عَمْرٍو، وثَمانِيَةٍ وعِشْرِينَ عَلى قَدْرِ حُظُوظِ السِّهامِ في قَوْلِ الأصْمَعِيِّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأخْطَأ الأصْمَعِيُّ في قِسْمَةِ الجَزُورِ عَلى ثَمانِيَةٍ وعِشْرِينَ، وأيُّهم خَرَجَ لَهُ نُصِيبٌ واسى بِهِ الفُقَراءَ، ولا يَأْكُلُ مِنهُ شَيْئًا، ويَفْتَخِرُونَ بِذَلِكَ، ويُسَمُّونَ مَن لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ ”البَرَمَ“ ويَذُمُّونَهُ بِذَلِكَ، ومِنَ الِافْتِخارِ بِذَلِكَ قَوْلُ الأعْشى: ؎المُطْعِمُو الضَّيْفَ إذا ما شَتا ∗∗∗ والجاعِلُو القُوتَ عَلى الياسِرِ وقالَ زُهَيْرٌ في البَرَمِ: ؎حَتّى تَآوى إلى لا فاحِشٍ بَرَمٍ ∗∗∗ ولا شَحِيحٍ إذا أصْحابُهُ غَنِمُوا ورُبَّما قامُوا لِأنْفُسِهِمْ. التَّفَكُّرُ في الشَّيْءِ: إجالَةُ الفِكْرِ فِيهِ وتَرَدُّدُهُ، والفِكْرُ هو الذِّهْنُ. الخَلْطُ: مَزْجُ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ، وخالَطَ فاعَلَ مِنهُ، والخِلْطُ: الشَّيْءُ المَخْلُوطُ كالرِّغْيِ. الإخْوانُ: جَمْعُ أخٍ، والأخُ مَعْرُوفٌ، وهو مَن ولَدَهُ أبُوكَ وأُمُّكَ، أوْ أحَدُهُما، وجَمْعُ فَعْلٍ عَلى فِعْلانٍ لا يَنْقاسُ. العَنَتُ: المَشَقَّةُ، ومِنهُ عَنَتُ الغُرْبَةِ، وعَقَبَةٌ عَنُوتٌ: شاقَّةُ المَصْعَدِ، وعَنَتَ البَعِيرُ: انْكَسَرَ بَعْدَ جَبْرٍ. النِّكاحُ: الوَطْءُ، وهو المُجامَعَةُ، قالَ التَّبْرِيزِيُّ: وأصْلُهُ عِنْدَ العَرَبِ لُزُومُ الشَّيْءِ الشَّيْءَ وإكْبابُهُ عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُهم: نَكَحَ المَطَرُ الأرْضَ، حَكاهُ ثَعْلَبٌ في (الأمالِي) عَنْ أبِي زَيْدٍ وابْنِ الأعْرابِيِّ، وحَكى الفَرّاءُ عَنِ العَرَبِ: نُكْحُ المَرْأةِ، بِضَمِّ النُّونِ: بِضْعَةٌ هي بَيْنَ القُبُلِ والدُّبُرِ، فَإذا قالُوا نَكَحَها فَمَعْناهُ: أصابَ نُكْحَها، أيْ ذَلِكَ المَوْضِعَ مِنها، وقَلَّما يُقالُ ناكَحَها كَما يُقالُ باضَعَها، قِيلَ: وقَدْ جاءَ النِّكاحُ في أشْعارِ العَرَبِ يُرادُ بِهِ العَقْدُ خاصَّةً، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَلا تَقْرَبَنَّ جارَةً إنَّ سِرَّها ∗∗∗ عَلَيْكَ حَرامٌ فانْكِحَنْ أوْ تَأبَّدا أيْ فاعْقِدْ وتَزَوَّجْ، وإلّا فاجْتَنِبِ النِّساءَ وتَوَحَّشْ؛ لِأنَّهُ قالَ: لا تَقْرَبَنْ جارَةً عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَحْرُمُ. وجاءَ بِمَعْنى المُجامَعَةِ، كَما قالَ: ؎البارِكِينَ عَلى ظُهُورِ نِسْوَتِهِمْ ∗∗∗ والنّاكِحِينَ بِشاطِي دِجْلَةَ البَقَرا وقالَ أبُو عَلِيٍّ: فَرَّقَتِ العَرَبُ بَيْنَ العَقْدِ والوَطْءِ بِفَرْقٍ لَطِيفٍ، فَإذا قالُوا: نَكَحَ فُلانٌ فُلانَةً؛ أرادُوا بِهِ العَقْدَ لا غَيْرَ، وإذا قالُوا: نَكَحَ امْرَأتَهُ أوْ زَوْجَتَهُ؛ فَلا يُرِيدُونَ غَيْرَ المُجامَعَةِ. الأمَةُ: المَمْلُوكَةُ مِنَ النِّساءِ، وهي ما حُذِفَ لامُهُ وهو واوٌ؛ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ظُهُورُها في الجَمْعِ، قالَ الكِلابِيُّ: ؎أمّا الإماءُ فَلا يَدْعُونَنِي ولَدًا ∗∗∗ إذا تَداعى بَنُو الأمْواتِ بِالعارِ وفِي المَصْدَرِ: يُقالُ أمَةٌ بَيِّنَةُ الأُمُوَّةِ، وأقَرَّتْ بِالأُمُوَّةِ، أيْ: بِالعُبُودِيَّةِ، وجُمِعَتْ أيْضًا عَلى: إماءٍ، وأآمٍ، نَحْوَ أكَمَةٍ وآكامٍ وأكَمٍ، وأصْلُهُ أأْمُو، وجَرى فِيهِ ما يَقْتَضِيهِ التَّصْرِيفُ، وفي الحَدِيثِ: (لا تَمْنَعُوا إماءَ اللَّهِ مَساجِدَ اللَّهِ)، وقالَ الشّاعِرُ: ؎يَمْشِي بِها رَيْدَ النَّعا ∗∗∗ مِ تَماشِيَ الآمِ الدَّوافِرِ ووَزْنُها أمْوَةٌ، فَحُذِفَتْ لامُها عَلى غَيْرِ قِياسٍ؛ إذْ كانَ قِياسُها أنْ تَنْقَلِبَ ألِفًا لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها كَقَناةٍ، وزَعَمَ أبُو الهَيْثَمِ أنَّ جَمْعَ الأمَةِ أمْوٌ، وأنَّ وزْنَها فَعْلَةٌ بِسُكُونِ العَيْنِ، فَتَكُونُ مِثْلَ نَخْلَةٍ ونَخْلٍ، وبَقْلَةٍ وبَقْلٍ، فَأصْلُها أمْوَةٌ، فَحَذَفُوا لامَها إذْ كانَتْ حَرْفَ لِينٍ، فَلَمّا جَمَعُوها عَلى مِثالِ نَخْلَةٍ ونَخْلٍ لَزِمَهم أنْ يَقُولُوا: أمَةٌ وأُمٌّ، فَكَرِهُوا أنْ يَجْعَلُوها حَرْفَيْنِ، وكَرِهُوا أنْ يَرُدُّوا الواوَ المَحْذُوفَةَ لَمّا كانَتْ آخِرَ الِاسْمِ، فَقَدَّمُوا الواوَ، وجَعَلُوهُ ألِفًا ما بَيْنَ الألِفِ والمِيمِ، وما زَعَمَهُ أبُو الهَيْثَمِ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ إذْ لَوْ كانَ عَلى ما زَعَمَ لَكانَ الإعْرابُ عَلى المِيمِ كَما كانَ عَلى لامِ نَخْلٍ، ولَكِنَّهُ عَلى الياءِ المَحْذُوفَةِ الَّتِي هي لامٌ؛ إذْ أصْلُهُ (p-١٥٦)ألامُو، ثُمَّ عُمِلَ فِيهِ ما عُمِلَ في قَوْلِهِمْ: الأدْلُوُّ، والأجْرُوُّ، جَمْعُ: دَلْوٍ، وجَرْوٍ، وأُبْدِلَتِ الهَمْزَةُ الثّانِيَةُ ألِفًا كَما أُبْدِلَتْ في ”آدَمَ“؛ ولِذَلِكَ تَقُولُ: جاءَتِ الآمِيُّ، ولَوْ كانَ عَلى ما زَعَمَ أبُو الهَيْثَمِ لَكانَ: جاءَتِ الآمُّ، بِرَفْعِ المِيمِ. المَحِيضُ: مَفْعِلٌ مِنَ الحَيْضِ، يَصْلُحُ لِلْمَصْدَرِ والمَكانِ والزَّمانِ، تَقُولُ: حاضَتِ المَرْأةُ تَحِيضُ حَيْضًا ومَحِيضًا، بَنَوْهُ عَلى: مَفْعِلٍ، بِكَسْرِ العَيْنِ وفَتْحِها، وفِيما كانَ عَلى هَذا النَّوْعِ مِنَ الفِعْلِ الَّذِي هو يائِيُّ العَيْنِ عَلى: فَعَلَ يَفْعِلُ، فِيهِ ثَلاثَةُ مَذاهِبَ. أحَدُها: أنَّهُ قِياسُهُ مَفْعَلٌ، بِفَتْحِ العَيْنِ في المُرادِ بِهِ المَصْدَرُ، وبِكَسْرِها في المُرادِ بِهِ المَكانُ أوِ الزَّمانُ، فَيَصِيرُ كالمَضْرِبِ في المَصْدَرِ، والمَضْرِبِ بِالكَسْرِ، أيْ بِكَسْرِ الرّاءِ في الزَّمانِ والمَكانِ، فَيَكُونُ عَلى هَذا المَحِيضِ، إذا أُرِيدَ بِهِ المَصْدَرُ، شاذًّا، وإذا أُرِيدَ بِهِ الزَّمانُ والمَكانُ كانَ عَلى القِياسِ. المَذْهَبُ الثّانِي: أنَّكَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أنْ تَفْتَحَ عَيْنَهُ أوْ تَكْسِرَهُ، كَما جاءَ في هَذا المَحِيضِ والمَحاضِ، وحُجَّةُ هَذا القَوْلِ أنَّهُ كَثُرَ في ذَلِكَ الوَجْهانِ فاقْتاسا. المَذْهَبُ الثّالِثُ: القَصْرُ عَلى السَّماعِ، فَما قالَتْ فِيهِ العَرَبُ: مَفْعِلٌ بِالكَسْرِ، أوْ مَفْعَلٌ بِالفَتْحِ؛ لا نَتَعَدّاهُ، وهَذا هو أوْلى المَذاهِبِ. وأصْلُ الحَيْضِ في اللُّغَةِ السَّيَلانُ، يُقالُ: حاضَ السَّيْلُ وفاضَ، وقالَ الفَرّاءُ: حاضَتِ الشَّجَرَةُ إذا سالَ صَمْغُها، وقالَ الأزْهَرِيُّ: ومِن هَذا قِيلَ لِلْحَوْضِ حَوْضٌ؛ لِأنَّ الماءَ يَحِيضُ إلَيْهِ أيْ يَسِيلُ، والعَرَبُ تُدْخِلُ الواوَ عَلى الياءِ والياءَ عَلى الواوِ، ولِأنَّها مِن حَيِّزٍ واحِدٍ وهو الهَواءُ. الِاعْتِزالُ: ضِدُّ الِاجْتِماعِ، وهو التَّيَؤُّسُ مِنَ الشَّيْءِ والتَّباعُدُ مِنهُ، وتارَةً يَكُونُ بِالبَدَنِ، وتارَةً بِالقَلْبِ، وهو افْتِعالٌ مِنَ العَزْلِ، وهو تَنْجِيَةُ الشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ. أنّى: اسْمٌ، ويُسْتَعْمَلُ شَرْطًا ظَرْفَ مَكانٍ، ويَأْتِي ظَرْفَ زَمانٍ بِمَعْنى ”مَتى“، واسْتِفْهامًا بِمَعْنى ”كَيْفَ“، وهي مَبْنِيَّةٌ لِتَضَمُّنِ مَعْنى حَرْفِ الشَّرْطِ، وحَرْفِ الِاسْتِفْهامِ، وهو في مَوْضِعِ نَصْبٍ لا يُتَصَرَّفُ فِيهِ بِغَيْرِ ذَلِكَ البَتَّةَ. * * ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾، سَبَبُ نُزُولِها «سُؤالُ عُمَرَ ومُعاذٍ، قالا: يا رَسُولَ اللَّهِ، أفْتِنا في الخَمْرِ والمَيْسِرِ؛ فَإنَّهُ مَذْهَبَةٌ لِلْعَقْلِ، مَسْلَبَةٌ لِلْمالِ»؛ فَنَزَلَتْ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهم لَمّا سَألُوا عَنْ ماذا يُنْفِقُونَ ؟ فَبَيَّنَ لَهم مَصْرِفَ ذَلِكَ في الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى فَرْضَ القِتالِ والجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ، ناسَبَ ذِكْرَ سُؤالِهِمْ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ؛ إذْ هُما أيْضًا مِن مَصارِفِ المالِ، ومَعَ مُداوَمَتِهِما قَلَّ أنْ يَبْقى مالٌ فَتَتَصَدَّقَ بِهِ، أوْ تُجاهِدَ بِهِ؛ فَلِذَلِكَ وقَعَ السُّؤالُ عَنْهُما. وقالَ بَعْضُ مَن ألَّفَ في النّاسِخِ والمَنسُوخِ: أكْثَرُ العُلَماءِ عَلى أنَّها ناسِخَةٌ لِما كانَ مُباحًا مِن شُرْبِ الخَمْرِ، وسُورَةُ الأنْعامِ مَكِّيَّةٌ؛ فَلا يُعْتَبَرُ بِما فِيها مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أجِدُ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: لَمّا نَزَلَ: ﴿قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ كَرِهَ الخَمْرَ قَوْمٌ لِلْإثْمِ، وشَرِبَها قَوْمٌ لِلْمَنافِعِ، حَتّى نَزَلَ: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣]؛ فاجْتَنَبُوها في أوْقاتِ الصَّلاةِ، حَتّى نَزَلَ: ﴿فاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] فَحُرِّمَتْ. قالَ مَكِّيٌّ: فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ المائِدَةِ، ولا شَكَّ في أنَّ نُزُولَ المائِدَةِ بَعْدَ البَقَرَةِ، وقالَ قَتادَةُ: ذَمَّ اللَّهُ الخَمْرَ بِهَذِهِ الآيَةِ ولَمْ يُحَرِّمْها، وقالَ بَعْضُ النّاسِ: لا يُقالُ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ ناسِخَةٌ لِما كانَ مُباحًا مِن شُرْبِ الخَمْرِ، لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ إباحَتَها، ثُمَّ نُسِخَ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ؛ وإنَّما كانَ مَسْكُوتًا عَنْ شُرْبِها، فَكانُوا جارِينَ في شُرْبِها عَلى عادَتِهِمْ، ثُمَّ نَزَلَ التَّحْرِيمُ، كَما سَكَتَ عَنْهم في غَيْرِها مِنَ المُحَرَّماتِ إلى وقْتِ التَّحْرِيمِ. وجاءَ: (ويَسْألُونَكَ) بِواوِ الجَمْعِ، وإنْ كانَ مَن سَألَ اثْنَيْنِ وهُما: عُمَرُ ومُعاذٌ، عَلى ما رُوِيَ في سَبَبِ النُّزُولِ؛ لِأنَّ العَرَبَ تَنْسِبُ الفِعْلَ الصّادِرَ مِنَ الواحِدِ إلى الجَماعَةِ في كَلامِها، وقَدْ تَبَيَّنَ ذَلِكَ. والسُّؤالُ هُنا لَيْسَ عَنِ الذّاتِ، وإنَّما هو عَنْ حُكْمِ هَذَيْنِ، مِن حِلٍّ وحُرْمَةٍ وانْتِفاعٍ، ولِذَلِكَ جاءَ الجَوابُ مُناسِبًا لِذَلِكَ، لا جَوابًا عَنْ ذاتٍ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الخَمْرِ في اللُّغَةِ، وأمّا في الشَّرِيعَةِ فَقالَ الجُمْهُورُ: كُلُّ ما خامَرَ العَقْلَ وأفْسَدَهُ مِمّا يُشْرَبُ يُسَمّى خَمْرًا، وقالَ الرّازِيُّ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ: الخَمْرُ اسْمُ ما يُتَّخَذُ مِنَ العِنَبِ خاصَّةً، ونَقَلَ عَنْهُ السَّمَرْقَنْدِيُّ: أنَّ الخَمْرَ عِنْدَهُ هو اسْمُ ما اتُّخِذَ مِنَ العِنَبِ والزَّبِيبِ والتَّمْرِ، وقالَ: (p-١٥٧)إنَّ المُتَّخَذَ مِنَ الذُّرَةِ والحِنْطَةِ لَيْسَ مِنَ الأشْرِبَةِ، وإنَّما هو مِنَ الأغْذِيَةِ المُشَوِّشَةِ لِلْعَقْلِ، كالبَنْجِ والسَّيْكَرانِ، وقِيلَ: الصَّحِيحُ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ أنَّ القَطْرَةَ مِن هَذِهِ الأشْرِبَةِ مِنَ الخَمْرِ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ المَيْسِرِ، وهو قِمارُ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، وأمّا في الشَّرِيعَةِ فاسْمُ المَيْسِرِ يُطْلَقُ عَلى سائِرِ ضُرُوبِ القِمارِ، والإجْماعُ مُنْعَقِدٌ عَلى تَحْرِيمِهِ. قالَ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعَطاءٌ وابْنُ سِيرِينَ، والحَسَنُ، وابْنُ المُسَيَّبِ، وقَتادَةُ، وطاوُسٌ، ومُجاهِدٌ، ومُعاوِيَةُ بْنُ صالِحٍ: كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ قِمارٌ مِن نَرْدٍ وشِطْرَنْجَ وغَيْرِهِ؛ فَهو مَيْسِرٌ، حَتّى لَعِبِ الصِّبْيانِ بِالكِعابِ والجَوْزِ، إلّا ما أُبِيحَ مِنَ الرِّهانِ في الخَيْلِ، والقُرْعَةِ في إبْرازِ الحُقُوقِ. وقالَ مالِكٌ: المَيْسِرُ مَيْسِرانِ: مَيْسِرُ اللَّهْوِ، فَمِنهُ النَّرْدُ والشِّطْرَنْجُ والمَلاهِي كُلُّها، ومَيْسِرُ القِمارِ: وهو ما يَتَخاطَرُ النّاسُ عَلَيْهِ، وقالَ عَلى الشِّطْرَنْجِ: مَيْسِرُ العَجَمِ. وقالَ القاسِمُ: كُلُّ شَيْءٍ ألْهى عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ فَهو مَيْسِرٌ. * * ﴿قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ﴾، أُنْزِلَ في الخَمْرِ أرْبَعُ آياتٍ: ﴿ومِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ﴾ [النحل: ٦٧] بِ مَكَّةَ، ثُمَّ هَذِهِ الآيَةُ، ثُمَّ: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣]، ثُمَّ: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩٠]، قالَ القَفّالُ: ووَقَعَ التَّحْرِيمُ عَلى هَذا التَّرْتِيبِ؛ لِأنَّهُ تَعالى عَلِمَ أنَّ القَوْمَ كانُوا ألِفُوا شُرْبَها والِانْتِفاعَ بِها كَثِيرًا؛ فَجاءَ التَّحْرِيمُ بِهَذا التَّدْرِيجِ رِفْقًا مِنهُ تَعالى. انْتَهى مُلَخَّصًا. وقالَ الرَّبِيعُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بَعْدَ تَحْرِيمِ الخَمْرِ، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ: هَلْ تَدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ عَلى تَحْرِيمِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ أمْ لا تَدُلُّ ؟ والظّاهِرُ أنَّها تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، والمَعْنى: قُلْ في تَعاطِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ، أيْ: حُصُولُ إثْمٍ كَبِيرٍ؛ فَقَدْ صارَ تَعاطِيهِما مِنَ الكَبائِرِ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ والإثْمَ﴾ [الأعراف: ٣٣]، فَما كانَ إثْمًا أوِ اشْتَمَلَ عَلى الإثْمِ فَهو حَرامٌ، والإثْمُ هو الذَّنْبُ، وإذا كانَ الذَّنْبُ كَثِيرًا أوْ كَبِيرًا في ارْتِكابِ شَيْءٍ لَمْ يَجُزِ ارْتِكابُهُ، وكَيْفَ يُقْدَمُ عَلى ذَلِكَ مَعَ التَّصْرِيحِ بِالخُسْرانِ إذا كانَ الإثْمُ أكْبَرَ مِنَ النَّفْعِ ؟ وقالَ الحَسَنُ: ما فِيهِ الإثْمُ مُحَرَّمٌ، ولَمّا كانَ في شُرْبِها الإثْمُ سُمِّيَتْ إثْمًا في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎شَرِبْتُ الإثْمَ حَتّى زَلَّ عَقْلِي كَذاكَ الإثْمُ يَذْهَبُ بِالعُقُولِ ومَن قالَ: لا تَدُلُّ عَلى التَّحْرِيمِ، اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَنافِعُ لِلنّاسِ﴾، والمُحَرَّمُ لا يَكُونُ فِيهِ مَنفَعَةٌ؛ ولِأنَّها لَوْ دَلَّتْ عَلى التَّحْرِيمِ لَقَنِعَ الصَّحابَةُ بِها، وهم لَمْ يَقْنَعُوا حَتّى نَزَلَتْ آيَةُ المائِدَةِ، وآيَةُ التَّحْرِيمِ في الصَّلاةِ. وأُجِيبَ بِأنَّ المُحَرَّمَ قَدْ يَكُونُ فِيهِ مَنفَعَةٌ عاجِلَةٌ في الدُّنْيا، وبِأنَّ بَعْضَ الصَّحابَةِ سَألَ أنْ يَنْزِلَ التَّحْرِيمُ بِالأمْرِ الواضِحِ الَّذِي لا يَلْتَبِسُ عَلى أحَدٍ؛ فَيَكُونُ آكَدَ في التَّحْرِيمِ. وظاهِرُ الآيَةِ الإخْبارُ بِأنَّ فِيهِما إثْمًا كَبِيرًا ومَنافِعَ حالَةَ الجَوابِ وزَمانَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والرَّبِيعُ: الإثْمُ فِيهِما بَعْدَ التَّحْرِيمِ، والمَنفَعَةُ فِيهِما قَبْلَ التَّحْرِيمِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ الإثْمُ في وقْتٍ والمَنفَعَةُ في وقْتٍ، والظّاهِرُ أنَّهُ إخْبارٌ عَنِ الحالِ، والإثْمُ الَّذِي فِيهِما هو الذَّنْبُ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ العِقابُ، وقالَتْ طائِفَةٌ: الإثْمُ الَّذِي في الخَمْرِ ذَهابُ العَقْلِ، والسِّبابُ، والِافْتِراءُ، والتَّعَدِّي الَّذِي يَكُونُ مِن شارِبِها، والمَنفَعَةُ الَّتِي في الخَمْرِ - قالَ الأكْثَرُونَ: ما يَحْصُلُ مِنها مِنَ الأرْباحِ والأكْسابِ، وهو مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ، وقِيلَ: ما ذَكَرَ الأطِبّاءُ في مَنافِعِها: مِن ذَهابِ الهَمِّ، وحُصُولِ الفَرَحِ، وهَضْمِ الطَّعامِ، وتَقْوِيَةِ الضَّعِيفِ، والإعانَةِ عَلى الباءَةِ، وتَسْخِيَةِ البَخِيلِ، وتَصْفِيَةِ اللَّوْنِ، وتَشْجِيعِ الجَبانِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن مَنافِعِها. وقَدْ صَنَّفُوا في ذَلِكَ مَقالاتٍ وكُتُبًا، ويُسَمُّونَها ”الشَّرابَ الرَّيْحانِيَّ“، وقَدْ ذَكَرُوا أيْضًا لَها مَضارَّ كَثِيرَةً مِن جِهَةِ الطِّبِّ. والمَنفَعَةُ الَّتِي في المَيْسِرِ إيسارُ القامِرِ بِغَيْرِ كَدٍّ ولا تَعَبٍ، وقِيلَ: التَّوْسِعَةُ عَلى المَحاوِيجِ؛ فَإنَّ مَن قَمَرَ مِنهم كانَ لا يَأْكُلُ مِنَ الجَزُورِ، ويُفَرِّقُهُ عَلى الفُقَراءِ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ هُنا حُكْمَ ما أسْكَرَ كَثِيرُهُ مِن غَيْرِ الخَمْرِ العِنَبِيَّةِ، وحَدَّ الشّارِبِ، وكَيْفِيَّةَ الضَّرْبِ، وما يُتَوَقّى مِنَ المَضْرُوبِ فَلا يُضْرَبُ عَلَيْهِ، ولَمْ تَتَعَرَّضِ الآيَةُ لِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ، وهو مَذْكُورٌ في عِلْمِ الفِقْهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ ”إثْمٌ كَثِيرٌ“ بِالثّاءِ، ووُصِفَ الإثْمُ بِالكَثْرَةِ إمّا بِاعْتِبارِ الآثِمِينَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فِيهِ لِلنّاسِ آثامٌ، أيْ: (p-١٥٨)أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن مُتَعاطِيها إثْمٌ، أوْ بِاعْتِبارِ ما يَتَرَتَّبُ عَلى شُرْبِها مِن تَوالِي العِقابِ وتَضْعِيفِهِ؛ فَناسَبَ أنْ يُنْعَتَ بِالكَثْرَةِ، أوْ بِاعْتِبارِ ما يَتَرَتَّبُ عَلى شُرْبِها مِمّا يَصْدُرُ مِن شارِبِها مِنَ الأفْعالِ والأقْوالِ المُحَرَّمَةِ، أوْ بِاعْتِبارِ مَن زاوَلَها مِن لَدُنْ كانَتْ إلى أنْ بِيعَتْ وشُرِبَتْ، فَقَدْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الخَمْرَ، ولَعَنَ مَعَها عَشَرَةً: بائِعَها، ومُبْتاعَها، والمُشْتَراةَ لَهُ، وعاصِرَها، ومُعْتَصِرَها، والمَعْصُورَةَ لَهُ، وساقِيها، وشارِبَها، وحامِلَها، والمَحْمُولَةَ لَهُ، وآكِلَ ثَمَنِها؛ فَناسَبَ وصْفُ الإثْمِ بِالكَثْرَةِ بِهَذا الِاعْتِبارِ. وقَرَأ الباقُونَ ”كَبِيرٌ“ بِالباءِ، وذَلِكَ ظاهِرٌ؛ لِأنَّ شُرْبَ الخَمْرِ والقِمارَ ذَنْبُهُما مِنَ الكَبائِرِ، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ النّاسِ تَرْجِيحًا لِكُلِّ قِراءَةٍ مِن هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ عَلى الأُخْرى، وهَذا خَطَأٌ؛ لِأنَّ كُلًّا مِنَ القِراءَتَيْنِ كَلامُ اللَّهِ تَعالى؛ فَلا يَجُوزُ تَفْضِيلُ شَيْءٍ مِنهُ عَلى شَيْءٍ مِن قِبَلِ أنْفُسِنا؛ إذْ كُلُّهُ كَلامُ اللَّهِ تَعالى. * * ﴿وإثْمُهُما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما﴾، في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ وقِراءَتِهِ ”أكْثَرُ“ بِالثّاءِ، كَما في مُصْحَفِهِ ”كَثِيرٌ“ بِالثّاءِ المُثَلَّثَةِ فِيهِما. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعِقابُ الإثْمِ في تَعاطِيهِما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما، وهو الِالتِذاذُ بِشُرْبِ الخَمْرِ، والقِمارِ، والطَّرَبِ فِيهِما، والتَّوَصُّلِ بِهِما إلى مُصادَقاتِ الفِتْيانِ ومُعاشَراتِهِمْ، والنَّيْلِ مِن مَطاعِمِهِمْ ومَشارِبِهِمْ وأُعْطِياتِهِمْ، وسَلْبِ الأمْوالِ بِالقِمارِ، والِافْتِخارِ عَلى الأبْرامِ؛ وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ: ”وإثْمُهُما أقْرَبُ“، ومَعْنى الكَثْرَةِ: أنَّ أصْحابَ الشُّرْبِ والقِمارِ يَقْتَرِفُونَ فِيهِما الآثامَ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ. انْتَهى كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعْدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ: إثْمُهُما بَعْدَ التَّحْرِيمِ أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما قَبْلَ التَّحْرِيمِ، وقِيلَ ”أكْبَرُ“ لِأنَّ عِقابَهُ باقٍ مُسْتَمِرٌّ والمَنافِعَ زائِلَةٌ، والباقِي أكْبَرُ مِنَ الفانِي. * * ﴿ويَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ﴾، تَقَدَّمَ هَذا السُّؤالُ وأُجِيبُوا هُنا بِذِكْرِ الكَمِّيَّةِ والمِقْدارِ، والسّائِلُ في هَذِهِ الآيَةِ، قِيلَ: هو عَمْرُو بْنُ الجَمُوحِ، وقِيلَ: المُؤْمِنُونَ، وهو الظّاهِرُ مِن واوِ الجَمْعِ. والنَّفَقَةُ هُنا قِيلَ: في الجِهادِ، وقِيلَ: في الصَّدَقاتِ. والقائِلُونَ في الصَّدَقاتِ، قِيلَ: في التَّطَوُّعِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقِيلَ: في الواجِبِ. والقائِلُونَ في الواجِبِ، قِيلَ: هي الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ، وجاءَ ذِكْرُها هُنا مُجْمَلًا، وفَصَّلَتْها السُّنَّةُ. وقِيلَ: كانَ واجِبًا عَلَيْهِمْ قَبْلَ فَرْضِ الزَّكاةِ أنْ يُنْفِقُوا ما فَضَلَ مِن مَكاسِبِهِمْ عَنْ ما يَكْفِيهِمْ في عامِهِمْ، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ بِآيَةِ الزَّكاةِ. والعَفْوُ: ما فَضَلَ عَنِ الأهْلِ والمالِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوِ اليَسِيرُ السَّهْلُ الَّذِي لا يُجْحِفُ بِالمالِ، قالَهُ طاوُسٌ، أوِ الوَسَطُ الَّذِي لا سَرَفَ فِيهِ ولا تَقْصِيرَ، قالَهُ الحَسَنُ، أوِ الطَّيِّبُ الأفْضَلُ، قالَهُ الرَّبِيعُ، أوِ الكَثِيرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿حَتّى عَفَوْا﴾ [الأعراف: ٩٥] أيْ: كَثُرُوا، قالَ الشّاعِرُ: ؎ولَكِنّا يَعَضُّ السَّيْفُ مِنها بِأسْوُقِ عافِياتِ اللَّحْمِ كَوْمِ أوِ الصَّفْوُ، يُقالُ: أتاكَ عَفْوًا، أيْ: صَفْوًا بِلا كَدَرٍ، قالَ الشّاعِرُ: ؎خُذِي العَفْوَ مِنِّي تَسْتَدِيمِي مَوَدَّتِي ∗∗∗ ولا تَنْطِقِي في سَوْرَتِي حِينَ أغْضَبُ أوْ ما فَضَلَ عَنْ ألْفِ دِرْهَمٍ، أوْ قِيمَةِ ذَلِكَ مِنَ الذَّهَبِ، وكانَ ذَلِكَ فَرْضٌ عَلَيْهِمْ قَبْلَ فَرْضِ الزَّكاةِ، قالَهُ قَتادَةُ. أوْ ما فَضَلَ عَنِ الثُّلُثِ. أوْ عَنْ ما يَقُوتُهم حَوْلًا لِذَوِي الزِّراعَةِ، وشَهْرًا لِذَوِي الفِلاتِ، أوْ عَنْ ما يَقُوتُهُ يَوْمَهُ لِلْعامِلِ بِهَذِهِ، وكانُوا مَأْمُورِينَ بِذَلِكَ، فَشَقَّ عَلَيْهِمْ؛ فَفُرِضَتِ الزَّكاةُ. أوِ الصَّدَقَةُ المَفْرُوضَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وما لا يَسْتَنْفِدُ المالَ ويُبْقِي صاحِبَهُ يَسْألُ النّاسَ، قالَهُ الحَسَنُ أيْضًا. وقَدْ رُوِيَ في حَدِيثِ الَّذِي جاءَ يَتَصَدَّقُ بِبَيْضَةٍ مِن ذَهَبٍ، حَذَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إيّاهُ بِها، وقَوْلُهُ: (يَجِيءُ أحَدُكم بِمالِهِ كُلِّهِ يَتَصَدَّقُ بِهِ ويَقْعُدُ يَتَكَفَّفُ النّاسَ، إنَّما الصَّدَقَةُ عَلى ظَهْرِ غِنًى) . وفي حَدِيثِ سَعْدٍ: (لَأنْ تَذَرَ ورَثَتَكَ أغْنِياءَ خَيْرٌ مِن أنْ تَذَرَهم عالَةً يَتَكَفَّفُونَ النّاسَ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: العَفْوُ نَقِيضُ الجَهْدِ، وهو أنْ يُنْفِقَ ما لا يَبْلُغُ إنْفاقُهُ مِنهُ الجَهْدَ واسْتِفْراغَ الوُسْعِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَعْنى: أنْفِقُوا ما فَضَلَ عَنْ حَوائِجِكم ولَمْ تُؤْذُوا فِيهِ أنْفُسَكم فَتَكُونُوا عالَةً. وقالَ الرّاغِبُ: العَفْوُ مُتَناوِلٌ لِما هو واجِبٌ ولِما هو تَبَرُّعٌ، وهو الفَضْلُ عَنِ (p-١٥٩)الغِنى، وقالَ الماتُرِيدِيُّ: الفَضْلُ عَنِ القُوتِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ”العَفْوَ“ بِالنَّصْبِ، وهو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ ”قُلْ يُنْفِقُونَ العَفْوَ“، وعَلى هَذا الأوْلى في قَوْلِهِ: ”ماذا يُنْفِقُونَ“ أنْ يَكُونَ ماذا في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِيُنْفِقُونَ، وتَكُونَ كُلُّها اسْتِفْهامِيَّةً. التَّقْدِيرُ: أيُّ شَيْءٍ يُنْفِقُونَ ؟ فَأُجِيبُوا بِالنَّصْبِ لِيُطابِقَ الجَوابُ السُّؤالَ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”ما“ اسْتِفْهامِيَّةً في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، و”ذا“ مَوْصُولَةً بِمَعْنى الَّذِي، وهي خَبَرُهُ، ولا يَكُونُ إذْ ذاكَ الجَوابُ مُطابِقًا لِلسُّؤالِ مِن حَيْثُ اللَّفْظِ، بَلْ مِن حَيْثُ المَعْنى، ويَكُونُ العائِدُ عَلى المَوْصُولِ مَحْذُوفًا لِوُجُودِ شَرْطِ الحَذْفِ فِيهِ، تَقْدِيرُهُ: ما الَّذِي يُنْفِقُونَهُ ؟، وقَرَأأبُو عَمْرٍو: ”قُلِ العَفْوَ“ بِالرَّفْعِ، والأوْلى إذْ ذاكَ أنْ تَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: ”قُلِ المُنْفَقُ العَفْوُ“، وأنْ يَكُونَ ”ما“ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، و”ذا“ مَوْصُولٌ، كَما قَرَّرْناهُ؛ لِيُطابِقَ الجَوابُ السُّؤالَ، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ ماذا كُلُّهُ اسْتِفْهامًا مَنصُوبًا بِيُنْفِقُونَ، وتَكُونَ المُطابَقَةُ مِن حَيْثُ المَعْنى لا مِن جِهَةِ اللَّفْظِ، واخْتُلِفَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ في العَفْوِ، فَرُوِيَ عَنْهُ النَّصْبُ كالجُمْهُورِ، والرَّفْعُ كَ أبِي عَمْرٍو. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ - وقَدْ ذَكَرَ القِراءَتَيْنِ في العَفْوِ - ما نَصُّهُ: وهَذا مُتَرَكِّبٌ عَلى ”ما“، فَمَن جَعَلَ ما ابْتِداءً، و”ذا“ خَبَرَهُ بِمَعْنى الَّذِي، وقَدَّرَ الضَّمِيرَ في يُنْفِقُونَهُ عائِدًا؛ قَرَأ العَفْوُ بِالرَّفْعِ لِتَصِحَّ مُناسَبَةُ الحَمْلِ، ورَفْعُهُ عَلى الِابْتِداءِ تَقْدِيرُهُ: العَفْوُ إنْفاقُكم، أوِ: الَّذِي يُنْفِقُونَ العَفْوُ. ومَن جَعَلَ ”ماذا“ اسْمًا واحِدًا مَفْعُولَ ”يُنْفِقُونَ“ قَرَأ العَفْوَ بِالنَّصْبِ بِإضْمارِ فِعْلٍ، وصَحَّ لَهُ التَّناسُبُ. ورَفْعُ العَفْوِ مَعَ نَصْبِ ”ما“ جائِزٌ ضَعِيفٌ، وكَذَلِكَ نَصْبُهُ مَعَ رَفْعِها. انْتَهى كَلامُهُ. وتَقْدِيرُهُ: العَفْوُ إنْفاقُكم، لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّهُ أتى بِالمَصْدَرِ، ولَيْسَ السُّؤالُ عَنِ المَصْدَرِ، وقَوْلُهُ: جائِزٌ، ضَعِيفٌ، وكَذَلِكَ نَصْبُهُ مَعَ رَفْعِها لَيْسَ كَما ذَكَرَ، بَلْ هو جائِزٌ، ولَيْسَ بِضَعِيفٍ. * * ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، الكافُ لِلتَّشْبِيهِ وهي في مَوْضِعِ نَعْتٍ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أوْ في مَوْضِعِ الحالِ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، أيْ: تَبْيِينًا مِثْلَ ذَلِكَ يُبَيِّنُ، أوْ في حالِ كَوْنِهِ مِنها ذَلِكَ التَّبْيِينَ يُبَيِّنُهُ، أيْ: يُبَيِّنُ التَّبْيِينَ مُماثِلًا لِذَلِكَ التَّبْيِينِ، واسْمُ الإشارَةِ الأقْرَبُ أنْ يَعُودَ إلى الأقْرَبِ مِن تَبَيُّنِهِ حالَ المُنْفِقِ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ما يَؤُولُ إلَيْهِ وهو تَبْيِينُ أنَّ العَفْوَ أصْلَحُ مِنَ الجَهْدِ في النَّفَقَةِ أوْ حُكْمَ الخَمْرِ والمَيْسِرِ، والإنْفاقَ القَرِيبِ. أيْ: مِثْلَ ما يُبَيِّنُ في هَذا يُبَيِّنُ في المُسْتَقْبَلِ، والمَعْنى: أنَّهُ يُوَضِّحُ الآياتِ مِثْلَ ما أوْضَحَ هَذا، ويَجُوزُ أنْ يُشارَ بِهِ إلى بَيانِ ما سَألُوا عَنْهُ، فَبَيَّنَ لَهم كَتَبْيِينِ مَصْرَفِ ما يُنْفِقُونَ، وتَبْيِينِ ما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِنَ الجَزاءِ الدّالِّ عَلَيْهِ عِلْمُ اللَّهِ في قَوْلِهِ: (فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ)، وتَبْيِينِ حُكْمِ القِتالِ، وتَبْيِينِ حالِهِ في الشَّهْرِ الحَرامِ، وما تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ الَّتِي ذُكِرَ فِيها القِتالُ في الشَّهْرِ الحَرامِ، وتَبْيِينِ حالِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ، وتَبْيِينِ مِقْدارِ ما يُنْفِقُونَ. وأبْعَدَ مَن خَصَّ اسْمَ الإشارَةِ بِبَيانِ حُكْمِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ فَقَطْ، وأبْعَدُ مِن ذَلِكَ مَن جَعَلَهُ إشارَةً إلى بَيانِ ما سَبَقَ في السُّورَةِ مِنَ الأحْكامِ. وكافُ الخِطابِ إمّا أنْ تَكُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أوْ لِلسّامِعِ أوْ لِلْقَبِيلِ؛ فَلِذَلِكَ أُفْرِدَ، أوْ لِجَماعَةِ المُؤْمِنِينَ فَيَكُونُ بِمَعْنى ”كَذَلِكم“ وهي لُغَةُ العَرَبِ يُخاطِبُونَ الجَمْعَ بِخِطابِ الواحِدِ، وذَلِكَ في اسْمِ الإشارَةِ، ويُؤَيِّدُ هَذا هُنا قَوْلُهُ: (يُبَيِّنُ لَكم)، فَأتى بِضَمِيرِ الجَمْعِ فَدَلَّ عَلى أنَّ الخِطابَ لِلْجَمْعِ. (لَكُمُ) مُتَعَلِّقٌ بِـ ”يُبَيِّنُ“، واللّامُ فِيها لِلتَّبْلِيغِ، كَقَوْلِكَ: قُلْتُ لَكَ، ويَبْعُدُ فِيها التَّعْلِيلُ، والآياتُ: العَلاماتُ والدَّلائِلُ، لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ: تَرْجِئَةٌ لِلتَّفَكُّرِ تَحْصُلُ عِنْدَ تَبْيِينِ الآياتِ؛ لِأنَّهُ مَتى كانَتِ الآيَةُ مُبِيَّنَةً وواضِحَةً لا لَبْسَ فِيها؛ تَرَتَّبَ عَلَيْها التَّفَكُّرُ والتَّدَبُّرُ فِيما جاءَتْ لَهُ تِلْكَ الآيَةُ الواضِحَةُ مِن أمْرِ الدُّنْيا وأمْرِ الآخِرَةِ. و(في الدُّنْيا والآخِرَةِ)، الأحْسَنُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِلتَّفَكُّرِ ومُتَعَلِّقًا بِهِ، ويَكُونَ تَوْضِيحُ الآياتِ لِرَجاءِ التَّفَكُّرِ في أمْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ مُطْلَقًا، لا بِالنِّسْبَةِ إلى شَيْءٍ مَخْصُوصٍ مِن أحْوالِها، بَلْ لِيَحْصُلَ التَّفَكُّرُ فِيما يُعْنَ مِن أمْرِهِما، وهَذا ذَكَرَ مَعْناهُ أوَّلًا الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ ”تَتَفَكَّرُونَ“ فِيما يَتَعَلَّقُ (p-١٦٠)بِالدّارَيْنِ، فَتَأْخُذُونَ بِما هو أصْلَحُ لَكم، وقِيلَ: تَتَفَكَّرُونَ في أوامِرِ اللَّهِ ونَواهِيهِ، وتَسْتَدْرِكُونَ طاعَتَهُ في الدُّنْيا، وثَوابَهُ في الآخِرَةِ، وقالَ المُفَضَّلُ بْنُ سَلَمَةَ: تَتَفَكَّرُونَ في أمْرِ النَّفَقَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَتُمْسِكُونَ مِن أمْوالِكم ما يُصْلِحُكم في مَعاشِ الدُّنْيا، وتُنْفِقُونَ الباقِيَ فِيما يَنْفَعُكم في العُقْبى، وقِيلَ: تَتَفَكَّرُونَ في زَوالِ الدُّنْيا وبَقاءِ الآخِرَةِ؛ فَتَعْمَلُونَ لِلْباقِي مِنهُما. قالَ مَعْناهُ ابْنُ عَبّاسٍ والزَّمَخْشَرِيُّ، وقِيلَ: تَتَفَكَّرُونَ في مَنافِعِ الخَمْرِ في الدُّنْيا، ومَضارِّها في الآخِرَةِ؛ فَلا تَخْتارُوا النَّفْعَ العاجِلَ عَلى النَّجاةِ مِنَ العِقابِ المُسْتَمِرِّ، وقالَ قَرِيبًا مِنهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقِيلَ: تَتَفَكَّرُونَ في الدُّنْيا فَتُمْسِكُونَ، وفي الآخِرَةِ فَتَتَصَدَّقُونَ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ”في الدُّنْيا“ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ ”يُبَيِّنُ لَكُمُ“ الآياتِ، لا بِـ ”تَتَفَكَّرُونَ“، ويَتَعَلَّقُ بِلَفْظِ ”يُبَيِّنُ“ أيْ: يُبَيِّنُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. ورُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ. ولا بُدَّ مِن تَأْوِيلٍ عَلى هَذا إنْ كانَ التَّبْيِينُ لِلْآياتِ يَقَعُ في الدُّنْيا؛ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ في أمْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وإنْ كانَ يَقَعُ فِيهِما فَلا يَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ؛ لِأنَّ الآياتِ - وهي العَلاماتُ - يُظْهِرُها اللَّهُ تَعالى في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وجَعَلَ بَعْضُهم هَذا القَوْلَ مِن بابِ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ؛ إذْ تَقْدِيرُهُ عِنْدَهُ: ”كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ“، قالَ: ويُمْكِنُ الحَمْلُ عَلى ظاهِرِ الكَلامِ؛ لِتَعَلُّقِ ”في الدُّنْيا والآخِرَةِ“ بِـ ”تَتَفَكَّرُونَ“، فَفَرْضُ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، عَلى ما قالَهُ الحَسَنُ، يَكُونُ عُدُولًا عَنِ الظّاهِرِ لا الدَّلِيلِ، وإنَّهُ لا يَجُوزُ، ولَيْسَ هَذا مِن بابِ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ؛ لِأنَّ ”لَعَلَّ“ هُنا جارِيَةٌ مَجْرى التَّعْلِيلِ، فَهي كالمُتَعَلِّقَةِ بِـ ”يُبَيِّنُ“، وإذا كانَتْ كَذَلِكَ فَهي والظَّرْفُ مِن مَطْلُوبِ ”يُبَيِّنُ“، وتَقَدُّمُ أحَدِ المَطْلُوبَيْنِ وتَأخُّرُ الآخَرِ، لا يَكُونُ ذَلِكَ مِن بابِ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ”لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ“ جُمْلَةً اعْتِراضِيَّةً؛ فَلا يَكُونُ ذَلِكَ مِن بابِ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ؛ لِأنَّ شَرْطَ جُمْلَةِ الِاعْتِراضِ أنْ تَكُونَ فاصِلَةً بَيْنَ مُتَقاضِيَيْنِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وقالَ مَكِّيٌّ: مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ يُبَيِّنُ لِلْمُؤْمِنِينَ آياتٍ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، يَدُلُّ عَلَيْهِما وعَلى مَنزِلَتِهِما، لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ في تِلْكَ الآياتِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَقَوْلُهُ ”في الدُّنْيا“ مُتَعَلِّقٌ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ بِالآياتِ، انْتَهى كَلامُهُ. وشَرَحَ مَكِّيٌّ الآيَةَ بِأنْ جَعَلَ الآياتِ مُنَكَّرَةً، حَتّى يَجْعَلَ الظَّرْفَيْنِ صِفَةً لِلْآياتِ، والمَعْنى عِنْدَهُ: آياتٌ كائِنَةٌ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وهو شَرْحُ مَعْنى لا شَرْحُ إعْرابٍ، وما ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ مِن أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ بِالآياتِ، إنْ عَنى ظاهِرَ ما يُرِيدُهُ النُّحاةُ بِالتَّعَلُّقِ فَهو فاسِدٌ؛ لِأنَّ الآياتِ لا يَتَعَلَّقُ بِها جارٌّ ومَجْرُورٌ، ولا تَعْمَلُ في شَيْءٍ البَتَّةَ، وإنْ عَنى أنَّهُ يَكُونُ الظَّرْفُ مِن تَمامِ الآياتِ، وذَلِكَ لا يَتَأتّى إلّا بِاعْتِقادِ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: كائِنَةً في الدُّنْيا والآخِرَةِ؛ ولِذَلِكَ فَسَّرَهُ مَكِّيٌّ بِما يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ صِفَةً، إذْ قَدَّرَ الآياتِ مُنَكَّرَةً، والحالَ والصِّفَةَ سَواءً في أنَّ العامِلَ فِيهِما مَحْذُوفٌ إذا كانا ظَرْفَيْنِ أوْ مَجْرُورَيْنِ، فَعَلى هَذا تَكُونُ ”في الدُّنْيا“ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ لا بِالآياتِ، وعَلى رَأْيِ الكُوفِيِّينَ تَكُونُ الآياتُ مَوْصُولًا وُصِلَ بِالظَّرْفِ؛ ولِتَقْرِيرِ مَذْهَبِهِمْ ورَدِّهِ مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذا.

البقرة 2:220

﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى﴾، سَبَبُ نُزُولِها أنَّهم كانُوا في الجاهِلِيَّةِ يَتَحَرَّجُونَ مِن مُخالَطَةِ اليَتامى في مَأْكَلٍ ومَشْرَبٍ وغَيْرِهِما، ويَتَجَنَّبُونَ أمْوالَهم، قالَهُ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ. وقِيلَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى﴾ [النساء: ١٠]؛ تَجَنَّبُوا اليَتامى وأمْوالَهم وعَزَلُوهم عَنْ أنْفُسِهِمْ؛ فَنَزَلَتْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ المُسَيَّبِ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها، أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ السُّؤالَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ، وكانَ تَرْكُهُما مَدْعاةً إلى تَنْمِيَةِ المالِ، وذَكَرَ السُّؤالَ عَنِ النَّفَقَةِ، وأُجِيبُوا بِأنَّهم يُنْفِقُونَ ما سَهُلَ عَلَيْهِمْ، ناسَبَ ذَلِكَ النَّظَرُ في حالِ اليَتِيمِ، وحِفْظُ مالِهِ، وتَنْمِيَتُهُ، وإصْلاحُ اليَتِيمِ بِالنَّظَرِ في تَرْبِيَتِهِ، فالجامِعُ بَيْنَ الآيَتَيْنِ أنَّ في تَرْكِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ إصْلاحَ أحْوالِهِمْ أنْفُسِهِمْ، وفي النَّظَرِ في حالِ اليَتامى إصْلاحًا لِغَيْرِهِمْ مِمَّنْ هو عاجِزٌ أنْ يُصْلِحَ نَفْسَهُ، فَيَكُونُ قَدْ جَمَعُوا بَيْنَ النَّفْعِ لِأنْفُسِهِمْ ولِغَيْرِهِمْ. والظّاهِرُ (p-١٦١)أنَّ السّائِلَ جَمَعَ الِاثْنَيْنِ بِواوِ الجَمْعِ وهي لِلْجَمْعِ بِهِ، وقِيلَ بِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: السّائِلُ ثابِتُ بْنُ رِفاعَةَ الأنْصارِيُّ، وقِيلَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ، وقِيلَ: السّائِلُ مَن كانَ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ فَإنَّ العَرَبَ كانَتْ تَتَشاءَمُ بِخَلْطِ أمْوالِ اليَتامى بِأمْوالِهِمْ؛ فَأعْلَمَ تَعالى المُؤْمِنِينَ أنَما كانَتْ مُخالَطَتُهم مَشْئُومَةً لِتَصَرُّفِهِمْ في أمْوالِهِمْ تَصَرُّفًا غَيْرَ سَدِيدٍ، كانُوا يَضَعُونَ الهَزِيلَةَ مَكانَ السَّمِينَةِ، ويُعَوِّضُونَ التّافِهَ عَنِ النَّفِيسِ؛ فَقالَ تَعالى: ﴿قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ﴾، الإصْلاحُ لِلْيَتِيمِ بِتَناوُلِ إصْلاحِهِ بِالتَّعْلِيمِ والتَّأْدِيبِ، وإصْلاحِ مالِهِ بِالتَّنْمِيَةِ والحِفْظِ. و”إصْلاحٌ“: مُبْتَدَأٌ، وهو نَكِرَةٌ، ومُسَوِّغُ جَوازِ الِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ هُنا هو التَّقْيِيدُ بِالمَجْرُورِ الَّذِي هو ”لَهم“، فَإمّا أنْ يَكُونَ عَلى سَبِيلِ الوَصْفِ، أوْ عَلى سَبِيلِ المَعْمُولِ لِلْمَصْدَرِ، و”خَيْرٌ“: خَبَرٌ عَنْ إصْلاحٍ، وإصْلاحٌ كَما ذَكَرْنا مَصْدَرٌ حُذِفَ فاعِلُهُ، فَيَكُونُ ”خَيْرٌ“ شامِلًا لِلْإصْلاحِ المُتَعَلِّقِ بِالفاعِلِ والمَفْعُولِ، فَتَكُونُ الخَيْرِيَّةُ لِلْجانِبَيْنِ مَعًا، أيْ أنَّ إصْلاحَهم لِلْيَتامى خَيْرٌ لِلْمُصْلِحِ والمُصْلَحِ؛ فَيَتَناوَلُ حالَ اليَتِيمِ والكَفِيلِ، وقِيلَ: خَيْرٌ لِلْوَلِيِّ، والمَعْنى: إصْلاحُهُ لِلْيَتِيمِ مِن غَيْرِ عِوَضٍ ولا أُجْرَةٍ خَيْرٌ لَهُ وأعْظَمُ أجْرًا، وقِيلَ: ”خَيْرٌ“ عائِدٌ لِلْيَتِيمِ، أيْ: إصْلاحُ الوَلِيِّ لِلْيَتِيمِ، ومُخالَطَتُهُ لَهُ خَيْرٌ لِلْيَتِيمِ مِن إعْراضِ الوَلِيِّ عَنْهُ، وتَفَرُّدِهِ عَنْهُ، ولَفْظُ ”خَيْرٌ“ مُطْلَقٌ؛ فَتَخْصِيصُهُ بِأحَدِ الجانِبَيْنِ يَحْتاجُ إلى مُرَجِّحٍ، والحَمْلُ عَلى الإطْلاقِ أحْسَنُ. وقَرَأ طاوُسٌ: ”قُلْ إصْلاحٌ إلَيْهِمْ“، أيْ: في رِعايَةِ المالِ وغَيْرِهِ خَيْرٌ مِن تَحَرُّجِكم، أوْ خَيْرٌ في الثَّوابِ مِن إصْلاحِ أمْوالِكم. ﴿وإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكُمْ﴾، هَذا التِفاتٌ مِن غَيْبَةٍ إلى خِطابٍ؛ لِأنَّ قَبْلَهُ ”ويَسْألُونَكَ“، فالواوُ ضَمِيرٌ لِلْغائِبِ، وحِكْمَةُ هَذا الِالتِفاتِ ما في الإقْبالِ بِالخِطابِ عَلى المُخاطَبِ لِيَتَهَيَّأ لِسَماعِ ما يُلْقى إلَيْهِ وقَبُولِهِ والتَّحَرُّزِ فِيهِ، فالواوُ ضَمِيرُ الكُفَلاءِ، وهم ضَمِيرُ اليَتامى، والمَعْنى: أنَّهم إخْوانُكم في الدِّينِ؛ فَيَنْبَغِي أنْ تَنْظُرُوا لَهم كَما تَنْظُرُونَ لِإخْوانِكم مِنَ النَّسَبِ، مِنَ الشَّفَقَةِ والتَّلَطُّفِ، والإصْلاحِ لِذَواتِهِمْ وأمْوالِهِمْ. والمُخالَطَةُ: مُفاعَلَةٌ مِنَ الخَلْطِ وهو الِامْتِزاجُ، والمَعْنى: في المَأْكَلِ؛ فَتُجْعَلُ نَفَقَةُ اليَتِيمِ مَعَ نَفَقَةِ عِيالِهِ بِالتَّحَرِّي؛ إذْ يَشُقُّ عَلَيْهِ إفْرادُهُ وحْدَهُ بِطَعامِهِ، فَلا يَجِدُ بُدًّا مِن خَلْطِهِ بِمالِهِ لِعِيالِهِ، فَجاءَتِ الآيَةُ بِالرُّخْصَةِ في ذَلِكَ، قالَهُ أبُو عُبَيْدٍ. أوِ المُشارَكَةُ في الأمْوالِ والمُتاجَرَةُ لَهم فِيها؛ فَتَتَناوَلُونَ مِنَ الرِّبْحِ ما يَخْتَصُّ بِكم، وتَتْرُكُونَ لَهم ما يَخْتَصُّ بِهِمْ. أوِ المُصاهَرَةُ، فَإنْ كانَ اليَتِيمُ غُلامًا زَوَّجَهُ ابْنَتَهُ، أوْ جارِيَةً زَوَّجَها ابْنَهُ، ورُجِّحَ هَذا القَوْلَ بِأنَّ هَذا خِلْطَةٌ لِلْيَتِيمِ نَفْسِهِ، والشَّرِكَةُ خِلْطَةٌ لِمالِهِ، ولِأنَّ الشَّرِكَةَ داخِلَةٌ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ﴾، ولَمْ يَدْخُلْ فِيهِ الخَلْطُ مِن جِهَةِ النِّكاحِ، فَحَمْلُهُ عَلى هَذا الخَلْطِ أقْرَبُ. وبِقَوْلِهِ: ”فَإخْوانُكم في الدِّينِ“؛ فَإنَّ اليَتِيمَ إذا كانَ مِن أوْلادِ الكُفّارِ وجَبَ أنْ يُتَحَرّى صَلاحُ مالِهِ كَما يُتَحَرّى في المُسْلِمِ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ”فَإخْوانُكم“، إلى نَوْعٍ آخَرَ مِنَ المُخالَطَةِ، وبِقَوْلِهِ بَعْدُ: ”ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ“؛ فَكَأنَّ المَعْنى: أنَّ المُخالَطَةَ المَندُوبَ إلَيْها في اليَتامى الَّذِينَ هم لَكم إخْوانٌ بِالإسْلامِ. أوِ الشُّرْبُ مِن لَبَنِهِ وشُرْبُهُ مَن لَبَنِكَ، وأكْلُكَ في قَصْعَتِهِ وأكْلُهُ في قَصْعَتِكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. أوْ خَلْطُ المالِ بِالمالِ في النَّفَقَةِ والمَطْعَمِ والمَسْكَنِ والخَدَمِ والدَّوابِّ، فَيَتَناوَلُونَ مِن أمْوالِهِمْ عِوَضًا عَنْ قِيامِكم بِأُمُورِهِمْ، بِقَدْرِ ما يَكُونُ أُجْرَةَ مِثْلِ ذَلِكَ في العَمَلِ، والقائِلُونَ بِهَذا مِنهم مَن جَوَّزَ لَهُ ذَلِكَ، سَواءً كانَ القَيِّمُ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا، ومِنهم مَن قالَ: إذا كانَ غَنِيًّا لَمْ يَأْكُلْ مِن مالِهِ. أوِ المُضارَبَةُ الَّتِي يَحْصُلُ بِها تَنْمِيَةُ أمْوالِهِمْ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ المُخالَطَةَ لَمْ تُقَيَّدْ بِشَيْءٍ، لَمْ يَقُلْ في كَذا، فَتُحْمَلُ عَلى أيِّ مُخالَطَةٍ كانَتْ مِمّا فِيهِ إصْلاحٌ لِلْيَتِيمِ؛ ولِذَلِكَ قالَ: ”فَإخْوانُكم“، أيْ: تَنْظُرُونَ لَهم نَظَرَكم إلى إخْوانِكم مِمّا فِيهِ إصْلاحُهم. وقَدِ اكْتَنَفَ هَذِهِ المُخالَطَةَ الإصْلاحُ قَبْلُ وبَعْدُ؛ فَقَبْلُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ﴾، وبَعْدُ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ﴾، فالأوْلى أنْ يُرادَ بِالمُخالَطَةِ ما فِيهِ إصْلاحٌ لِلْيَتِيمِ بِأيِّ طَرِيقٍ كانَ مِن مُخالَطَةٍ في مَطْعَمٍ، أوْ مَسْكَنٍ، أوْ مُتاجَرَةٍ، (p-١٦٢)أوْ مُشارَكَةٍ، أوْ مُضارَبَةٍ، أوْ مُصاهَرَةٍ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وجَوابُ الشَّرْطِ ”فَإخْوانُكم“، وهو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: فَهم إخْوانُكم، وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ: ”فَإخْوانُكم“، عَلى إضْمارِ فِعْلِ، التَّقْدِيرِ: فَتُخالِطُونَ إخْوانَكم، وجاءَ جَوابُ السُّؤالِ بِجُمْلَتَيْنِ: إحْداهُما: مُنْعَقِدَةٌ مِن مُبْتَدَإٍ وخَبَرٍ، والثّانِيَةُ: مِن شَرْطٍ وجَزاءٍ. فالأُولى: تَتَضَمَّنُ إصْلاحَ اليَتامى وأنَّهُ خَيْرٌ، وأُبْرِزَتْ ثُبُوتِيَّةً مُنَكَّرًا مُبْتَدَأُها لِيَدُلَّ عَلى تَناوُلِهِ كُلَّ إصْلاحٍ عَلى طَرِيقِ البَدَلِيَّةِ، ولَوْ أُضِيفَ لَعَمَّ، أوْ لَكانَ مَعْهُودًا في إصْلاحٍ خاصٍّ، فالعُمُومُ لا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ، والمَعْهُودُ لا يُتَناوَلُ غَيْرُهُ؛ فَلِذَلِكَ جاءَ التَّنْكِيرُ الدّالُّ عَلى عُمُومِ البَدَلِ، وأخْبَرَ عَنْهُ بِـ ”خَيْرٌ“ الدّالِّ عَلى تَحْصِيلِ الثَّوابِ؛ لِتَبادُرِ المُسْلِمِ إلى فِعْلِ ما فِيهِ الخَيْرُ طَلَبًا لِثَوابِ اللَّهِ تَعالى. وأُبْرِزَتِ الثّانِيَةُ شَرْطِيَّةً؛ لِأنَّها أتَتْ لِجَوازِ الوُقُوعِ، لا لِطَلَبِهِ ونَدْبَتِهِ. ودَلَّ الجَوابُ الأوَّلُ عَلى ضُرُوبٍ مِنَ الأحْكامِ مِمّا فِيهِ مَصْلَحَةُ اليَتِيمِ؛ لِجَوازِ تَعْلِيمِهِ أمْرَ دِينٍ وأدَبٍ، والِاسْتِيجارُ لَهُ عَلى ذَلِكَ، وكالإنْفاقِ عَلَيْهِ مِن مالِهِ، وقَبُولِ ما يُوهَبُ لَهُ، وتَزْوِيجِهِ، ومُؤاجَرَتِهِ، وبَيْعِهِ مالَهُ لِلْيَتِيمِ، وتَصَرُّفِهِ في مالِهِ بِالبَيْعِ والشِّراءِ، وفي عَمَلِهِ فِيهِ بِنَفْسِهِ مُضارَبَةً، ودَفْعِهِ إلى غَيْرِهِ مُضارَبَةً، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ التَّصَرُّفاتِ المَنُوطَةِ بِالإصْلاحِ. ودَلَّ الجَوابُ الثّانِي عَلى جَوازِ مُخالَطَةِ اليَتامى بِما فِيهِ إصْلاحٌ لَهم، فَيَخْلِطُهُ بِنَفْسِهِ في مَناكِحِهِ ومالِهِ بِمالِهِ في مَؤُونَةٍ وتِجارَةٍ وغَيْرِهِما. قِيلَ: وقَدِ انْتَظَمَتِ الآيَةُ عَلى جَوازِ المُخالَطَةِ؛ فَدَلَّتْ عَلى جَوازِ المُناهَدَةِ الَّتِي يَفْعَلُها المُسافِرُونَ في الأسْفارِ، وهي أنَّ يُخْرِجَ هَذا شَيْئًا مِن مالِهِ، وهَذا شَيْئًا مِن مالِهِ؛ فَيُخْلَطُ ويُنْفَقُ ويَأْكُلُ النّاسُ، وإنِ اخْتَلَفَ مِقْدارُ ما يَأْكُلُونَ، وإذا أُبِيحَ لَكَ في مالِ اليَتِيمِ فَهو في مالِ البالِغِ بِطِيبِ نَفْسِهِ أجْوَزُ. ونَظِيرُ جَوازِ المُناهَدَةِ قِصَّةُ أهْلِ الكَهْفِ: ﴿فابْعَثُوا أحَدَكم بِوَرِقِكُمْ﴾ [الكهف: ١٩] الآيَةَ، وقَدِ اخْتُلِفَ في بَعْضِ الأحْكامِ الَّتِي قَدَّمْناها، فَمِن ذَلِكَ: شِراءُ الوَصِيِّ مِن مالِ اليَتِيمِ، والمُضارَبَةُ فِيهِ، وإنْكاحُ الوَصِيِّ بِيَتِيمَتِهِ مِن نَفْسِهِ، وإنْكاحُ اليَتِيمِ لِابْنَتِهِ، وهَذا مَذْكُورٌ في كُتُبِ الفِقْهِ. قِيلَ: وجَعَلَهم إخْوانًا لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أُخُوَّةُ الدِّينِ، والثّانِي: لِانْتِفاعِهِمْ بِهِمْ، إمّا في الثَّوابِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وإمّا بِما يَأْخُذُونَهُ مِن أُجْرَةِ عَمَلِهِمْ في أمْوالِهِمْ، وكُلُّ مَن نَفَعَكَ فَهو أخُوكَ. وقالَ الباقِرُ لِشَخْصٍ: رَأيْتُكَ في قَوْمٍ لَمْ أعْرِفْهم، فَقالَ: هم إخْوانِي، فَقالَ: أفِيهِمْ مَن إذا احْتَجْتَ أدْخَلْتَ يَدَكَ في كُمِّهِ فَأخَذْتَ مِنهُ مِن غَيْرِ اسْتِئْذانٍ ؟ قالَ: لا، قالَ: إذَنْ لَسْتُمْ بِإخْوانٍ. قِيلَ: وفي قَوْلِهِ: (فَإخْوانُكم) دَلِيلٌ عَلى أنَّ أطْفالَ المُؤْمِنِينَ مُؤْمِنُونَ في الأحْكامِ؛ لِتَسْمِيَةِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم إخْوانًا لَنا. ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ﴾، جُمْلَةٌ مَعْناها التَّحْذِيرُ، أخْبَرَ تَعالى فِيها أنَّهُ عالِمٌ بِالَّذِي يُفْسِدُ مِنَ الَّذِي يُصْلِحُ، ومَعْنى ذَلِكَ: أنَّهُ يُجازِي كُلًّا مِنهُما عَلى الوَصْفِ الَّذِي قامَ بِهِ، وكَثِيرًا ما يُنْسَبُ العِلْمُ إلى اللَّهِ تَعالى عَلى سَبِيلِ التَّحْذِيرِ؛ لِأنَّ مَن عَلِمَ بِالشَّيْءِ جازى عَلَيْهِ؛ فَهو تَعْبِيرٌ بِالسَّبَبِ عَنِ المُسَبِّبِ، و”يَعْلَمُ“ هُنا مُتَّعَدٍ إلى واحِدٍ، وجاءَ الخَبَرُ هُنا بِالفِعْلِ المُقْتَضِي لِلتَّجَدُّدِ - وإنْ كانَ عِلْمُ اللَّهِ لا يَتَجَدَّدُ - لِأنَّهُ قَصَدَ بِهِ العِقابَ والثَّوابَ لِلْمُفْسِدِ والمُصْلِحِ، وهُما وصْفانِ يَتَجَدَّدانِ مِنَ المَوْصُوفِ بِهِما، فَتَكَرَّرَ تَرْتِيبُ الجَزاءِ عَلَيْهِما لِتَكَرُّرِهِما، وتَعَلَّقَ العَمَلُ بِالمُفْسِدِ أوَّلًا لِيَقَعَ الإمْساكُ عَنِ الإفْسادِ. و”مِن“: مُتَعَلِّقَةٌ بِيَعْلَمَ عَلى تَضْمِينِ ما يَتَعَدّى بِمِن، كَأنَّ المَعْنى: واللَّهُ يَمِيزُ بِعِلْمِهِ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ. وظاهِرُ الألِفِ واللّامِ أنَّها لِلِاسْتِغْراقِ في جَمِيعِ أنْواعِ المُفْسِدِ والمُصْلِحِ، والمُصْلِحُ في مالِ اليَتِيمِ مِن جُمْلَةِ مَدْلُولاتِ ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الألِفُ واللّامُ لِلْعَهْدِ، أيِ: المُفْسِدَ في مالِ اليَتِيمِ مِنَ المُصْلِحِ فِيهِ، والمُفْسِدُ بِالإهْمالِ في تَرْبِيَتِهِ مِنَ المُصْلِحِ لَهُ بِالتَّأْدِيبِ، وجاءَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِهَذا التَّقْسِيمِ لِأنَّ المُخالَطَةَ عَلى قِسْمَيْنِ: مُخالَطَةٌ بِإفْسادٍ، ومُخالَطَةٌ بِإصْلاحٍ؛ ولِأنَّهُ لَمّا قِيلَ: ﴿قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ﴾ فُهِمَ مُقابِلُهُ، وهو أنَّ الإفْسادَ شَرٌّ، فَجاءَ هَذا التَّقْسِيمُ بِاعْتِبارِ الإصْلاحِ. ومُقابِلُهُ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأعْنَتَكُمْ﴾، أيْ: لَأحْرَجَكم وشَدَّدَ عَلَيْكم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ، وغَيْرُهُما. أوْ: لَأهْلَكَكم، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. أوْ: لَجَعَلَ ما أصَبْتُمْ مِن أمْوالِ اليَتامى (p-١٦٣)مَوْبِقًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وهو مَعْنى ما قَبْلَهُ. أوْ: لَكَلَّفَكم ما يَشُقُّ عَلَيْكم، قالَهُ الزَّجّاجُ. أوْ: لَآثَمَكم بِمُخالَطَتِهِمْ. أوْ: لَضَيَّقَ عَلَيْكُمُ الأمْرَ في مُخالَطَتِهِمْ، قالَهُ عَطاءٌ. أوْ: لَحَرَّمَ عَلَيْكم مُخالَطَتَهم، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وهَذِهِ أقْوالٌ كُلُّها مُتَقارِبَةٌ. ومَفْعُولُ ”شاءَ“ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الجَوابِ عَلَيْهِ، التَّقْدِيرُ: ولَوْ شاءَ اللَّهُ إعْناتَكم، واللّامُ في الفِعْلِ المُوجَبِ الأكْثَرُ في لِسانِ العَرَبِ المَجِيءُ بِها فِيهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ ”لَأعْنَتَكم“ بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ، وهو الأصْلُ، وقَرَأ البَزِّيُّ مِن طَرِيقِ أبِي رَبِيعَةَ بِتَلْيِينِ الهَمْزَةِ، وقُرِئَ بِطَرْحِ الهَمْزَةِ وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى اللّامِ، كَقِراءَةِ مَن قَرَأ ”فَلا إثْمَ عَلَيْهِ“ بِطَرْحِ الهَمْزَةِ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ المَعْرُوفُ بِابْنِ مَرْيَمَ: لَمْ يَذْكُرِ ابْنُ مُجاهِدٍ هَذا الحَرْفَ، وابْنُ كَثِيرٍ لَمْ يَحْذِفِ الهَمْزَةَ، وإنَّما لَيَّنَها وحَقَّقَها، فَتَوَهَّمُوا أنَّها مَحْذُوفَةٌ، فَإنَّ الهَمْزَةَ هَمْزَةُ قَطْعٍ؛ فَلا تَسْقُطُ حالَةَ الوَصْلِ كَما تَسْقُطُ هَمَزاتُ الوَصْلِ عِنْدَ الوَصْلِ. انْتَهى كَلامُهُ. فَجَعَلَ إسْقاطَ الهَمْزَةِ وهْمًا، وقَدْ نَقَلَها غَيْرُهُ قِراءَةً كَما ذَكَرْناهُ. وفي هَذِهِ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ إعْلامٌ وتَذْكِيرٌ بِإحْسانِ اللَّهِ وإنْعامِهِ عَلى أوْصِياءِ اليَتامى؛ إذْ أزالَ إعْناتَهم ومَشَقَّتَهم في مُخالَطَتِهِمْ والنَّظَرِ في أحْوالِهِمْ وأمْوالِهِمْ. (إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَزِيزٌ: غالِبٌ يَقْدِرُ عَلى أنْ يُعْنِتَ عِبادَهُ ويُحْرِجَهم، لَكِنَّهُ حَكِيمٌ لا يُكَلِّفُ إلّا ما تَتَّسِعُ فِيهِ طاقَتُهم. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَزِيزٌ: لا يُرَدُّ أمْرُهُ، وحَكِيمٌ: أيْ مُحْكِمُ ما يُنَفِّذُهُ. انْتَهى. وفي وصْفِهِ تَعالى بِالعِزَّةِ، وهو الغَلَبَةُ والِاسْتِيلاءُ إشارَةً إلى أنَّهُ مُخْتَصٌّ بِذَلِكَ لا يُشارَكُ فِيهِ، فَكَأنَّهُ لَمّا جَعَلَ لَهم وِلايَةً عَلى اليَتامى نَبَّهَهم عَلى أنَّهم لا يَقْهَرُونَهم، ولا يُغالِبُونَهم، ولا يَسْتَوْلُونَ عَلَيْهِمُ اسْتِيلاءَ القاهِرِ؛ فَإنَّ هَذا الوَصْفَ لا يَكُونُ إلّا لِلَّهِ. وفي وصْفِهِ تَعالى بِالحِكْمَةِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَتَعَدّى ما أذِنَ هو تَعالى فِيهِمْ وفي أمْوالِهِمْ؛ فَلَيْسَ لَكم نَظَرٌ إلّا بِما أذِنَتْ فِيهِ لَكُمُ الشَّرِيعَةُ، واقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ الإلَهِيَّةُ؛ إذْ هو الحَكِيمُ المُتْقِنُ لِما صَنَعَ وشَرَعَ، فالإصْلاحُ لَهم لَيْسَ راجِعًا إلى نَظَرِكم، إنَّما هو راجِعٌ لِاتِّباعِ ما شُرِعَ في حَقِّهِمْ. ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ؛ أعْتَقَ أمَةً وتَزَوَّجَها، وكانَتْ مُسْلِمَةً، فَطَعَنَ عَلَيْهِ ناسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَقالُوا: نَكَحَ أمَةً، وكانُوا يُرِيدُونَ أنْ يَنْكِحُوا إلى المُشْرِكِينَ رَغْبَةً في أحْسابِهِمْ، فَنَزَلَتْ. وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في أبِي مَرْثَدٍ الغَنَوِيِّ، واسْمُهُ كَنّازُ بْنُ الحُصَيْنِ، وفي قَوْلٍ: إنَّهُ مَرْثَدُ بْنُ أبِي مَرْثَدٍ، وهو حَلِيفٌ لِبَنِي هاشِمٍ اسْتَأْذَنَ أنْ يَتَزَوَّجَ عَناقَ، وهي امْرَأةٌ مِن قُرَيْشٍ ذاتُ حَظٍّ مِن جَمالٍ مُشْرِكَةٌ، وقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّها تُعْجِبُنِي، ورُوِيَ هَذا السَّبَبُ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بِأطْوَلَ مِن هَذا. وقِيلَ: نَزَلَتْ في حَسْناءَ ولِيدَةٍ سَوْداءَ لِحُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ، أعْتَقَها وتَزَوَّجَها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ السَّبَبُ جَمِيعَ هَذِهِ الحِكاياتِ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ تَعالى حُكْمَ اليَتامى في المُخالَطَةِ، وكانَتْ تَقْتَضِي المُناكَحَةَ وغَيْرَها مِمّا يُسَمّى مُخالَطَةً، حَتّى أنَّ بَعْضَهم فَسَّرَها بِالمُصاهَرَةِ فَقَطْ، ورَجَّحَ ذَلِكَ كَما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وكانَ مِنَ اليَتامى مَن يَكُونُ مِن أوْلادِ الكُفّارِ، نَهى اللَّهُ تَعالى عَنْ مُناكَحَةِ المُشْرِكاتِ والمُشْرِكِينَ، وأشارَ إلى العِلَّةِ المُسَوِّغَةِ لِلنِّكاحِ، وهي الأُخُوَّةُ الدِّينِيَّةُ، فَنَهى عَنْ نِكاحِ مَن لَمْ تَكُنْ فِيهِ هَذِهِ الأُخُوَّةُ، وانْدَرَجَ يَتامى الكُفّارِ في عُمُومِ مَن أشْرَكَ. ومُناسَبَةٌ أُخْرى: أنَّهُ لَمّا تَقَدَّمَ حُكْمُ الشُّرْبِ في الخَمْرِ، والأكْلِ في المَيْسِرِ، وذَكَرَ حُكْمَ المَنكَحِ، فَكَما حَرَّمَ الخَمْرَ مِنَ المَشْرُوباتِ، وما يَجُرُّ إلَيْهِ المَيْسِرُ مِنَ المَأْكُولاتِ، حَرَّمَ المُشْرِكاتِ مِنَ المَنكُوحاتِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”ولا تَنْكِحُوا“ بِفَتْحِ التّاءِ مِن نَكَحَ، وهو يُطْلَقُ بِمَعْنى العَقْدِ، وبِمَعْنى الوَطْءِ بِمِلْكٍ وغَيْرِهِ. وقَرَأ الأعْمَشُ: ”ولا تُنْكِحُوا“ بِضَمِّ التّاءِ مِن أنْكَحَ، أيْ: ولا تُنْكِحُوا أنْفُسَكُمُ المُشْرِكاتِ، والمُشْرِكاتُ هُنا: الكُفّارُ؛ فَتَدْخُلُ الكِتابِيّاتُ، ومَن جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ، وقِيلَ: لا تَدْخُلُ الكِتابِيّاتُ، والصَّحِيحُ دُخُولُهُنَّ؛ لِعِبادَةِ اليَهُودِ عُزَيْرًا، والنَّصارى عِيسى؛ ولِقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨]، وهَذا القَوْلُ (p-١٦٤)الثّانِي هو قَوْلُ جُلِّ المُفَسِّرِينَ. وقِيلَ: المُرادُ مُشْرِكاتُ العَرَبِ، قالَهُ قَتادَةُ. فَعَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّهُ تَدْخُلُ فِيهِنَّ الكِتابِيّاتُ، يَحْتاجُ إلى مُجَوِّزِ نِكاحِهِنَّ؛ فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ عُمُومٌ نُسِخَ، وعَنْ مُجاهِدٍ عُمُومٌ خُصَّ مِنهُ الكِتابِيّاتُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الآيَةَ عامَّةٌ في الوَثَنِيّاتِ والمَجُوسِيّاتِ والكِتابِيّاتِ، وكُلُّ مَن عَلى غَيْرِ دِينِ الإسْلامِ، ونِكاحُهُنَّ حَرامٌ، والآيَةُ مُحْكَمَةٌ عَلى هَذا، ناسِخَةٌ لِآيَةِ المائِدَةِ، وآيَةُ المائِدَةِ مُتَقَدِّمَةٌ في النُّزُولِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ، وإنْ كانَتْ مُتَأخِّرَةً في التِّلاوَةِ، ويُؤَكِّدُ هَذا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ في (المُوَطَّأِ): ولا أعْلَمُ إشْراكًا أعْظَمَ مِن أنْ تَقُولَ المَرْأةُ رَبَّها عِيسى. ورُوِيَ أنَّ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ نَكَحَ يَهُودِيَّةً، وأنَّ حُذَيْفَةَ نَكَحَ نَصْرانِيَّةً، وأنَّ عُمَرَ غَضِبَ عَلَيْهِما غَضَبًا شَدِيدًا، حَتّى هَمَّ أنْ يَسْطُوَ عَلَيْهِما، وتَزَوَّجَ عُثْمانُ نائِلَةَ بِنْتَ الفَرافِصَةِ، وكانَتْ نَصْرانِيَّةً. ويَجُوزُ نِكاحُ الكِتابِيّاتِ، قالَ جُمْهُورُ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ: عُمَرُ، وعُثْمانُ، وجابِرٌ، وطَلْحَةُ، وحُذَيْفَةُ، وعَطاءٌ، وابْنُ المُسَيَّبِ، والحَسَنُ، وطاوُسٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والزُّهْرِيُّ، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ، وعامَّةُ أهْلِ المَدِينَةِ والكُوفَةِ، قِيلَ: أجْمَعَ عُلَماءُ الأمْصارِ عَلى جَوازِ تَزْوِيجِ الكِتابِيّاتِ، غَيْرَ أنَّ مالِكًا وابْنَ حَنْبَلٍ كَرِها ذَلِكَ مَعَ وُجُودِ المُسْلِماتِ والقُدْرَةِ عَلى نِكاحِهِنَّ. واخْتُلِفَ في تَزْوِيجِ المَجُوسِيّاتِ، وقَدْ تَزَوَّجَ حُذَيْفَةُ بِمَجُوسِيَّةٍ، وفي كَوْنِهِمْ أهْلَ كِتابٍ خِلافٌ، ورُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ أنَّ لَهم نَبِيًّا يُسَمّى زَرادَشْتَ، وكِتابًا قَدِيمًا رُفِعَ، رُوِيَ حَدِيثُ الكِتابِ عَنْ عَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، وذُكِرَ لِرَفْعِهِ وتَغْيِيرِ شَرِيعَتِهِمْ سَبَبٌ طَوِيلٌ، واللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّتِهِ. ودَلائِلُ هَذِهِ المَذاهِبِ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ الفِقْهِ، وظاهِرُ النَّهْيِ في قَوْلِهِ: ”ولا تَنْكِحُوا“ التَّحْرِيمُ، وقِيلَ: هو نَهْيُ كَراهَةٍ. ”حَتّى يُؤْمِنَّ“ غايَةٌ لِلْمَنعِ مِن نِكاحِهِنَّ، ومَعْنى إيمانِهِنَّ إقْرارُهُنَّ بِكَلِمَتَيِ الشَّهادَةِ، والتِزامِ شَرائِعِ الإسْلامِ. ﴿ولَأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكَةٍ﴾، الظّاهِرُ أنَّهُ أُرِيدَ بِالأمَةِ الرَّقِيقَةَ، ومَعْنى ”خَيْرٌ مِن مُشْرِكَةٍ“ أيْ: مِن حُرَّةٍ مُشْرِكَةٍ، فَحَذَفَ المَوْصُوفَ لِدَلالَةِ مُقابِلِهِ عَلَيْهِ، وهو أمَةٌ، وقِيلَ: الأمَةُ هُنا بِمَعْنى المَرْأةِ؛ فَيَشْمَلُ الحُرَّةَ والرَّقِيقَةَ، ومِنهُ: (لا تَمْنَعُوا إماءَ اللَّهِ مَساجِدَ اللَّهِ) . وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ، ولَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَهُ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى جَوازِ نِكاحِ الأمَةِ المُؤْمِنَةِ، ومَفْهُومُ الصِّفَةِ يَقْتَضِي أنَّهُ لا يَجُوزُ نِكاحُ الأمَةِ الكافِرَةِ، كِتابِيَّةً كانَتْ أوْ غَيْرَها، وهَذا مَذْهَبُ مالِكٍ وغَيْرِهِ، وأجازَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ نِكاحَ الأمَةِ الكِتابِيَّةِ، وفي الأمَةِ المَجُوسِيَّةِ خِلافٌ: مَذْهَبُ مالِكٍ وجَماعَةٌ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ تُوطَأ بِنِكاحٍ ولا مِلْكٍ، ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ، وعَمْرِو بْنِ دِينارٍ أنَّهُ لا بَأْسَ بِنِكاحِها بِمِلْكِ اليَمِينِ، وتَأوَّلا: ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ﴾ عَلى العَقْدِ لا عَلى الأمَةِ المُشْتَراةِ، واحْتَجّا بِسَبْيِ أوْطاسٍ، وأنَّ الصَّحابَةَ نَكَحُوا الإماءَ مِنهم بِمِلْكِ اليَمِينِ. قِيلَ: وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ لِجَوازِ نِكاحِ القادِرِ عَلى طَوْلِ الحُرَّةِ المُسْلِمَةِ لِلْأمَةِ المُسْلِمَةِ، ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿خَيْرٌ مِن مُشْرِكَةٍ﴾ مَعْناهُ: مِن حُرَّةٍ مُشْرِكَةٍ، وواجِدُ طَوْلِ الحُرَّةِ المُشْرِكَةِ واجِدٌ لِطَوْلِ الحُرَّةِ المُسْلِمَةِ؛ لِأنَّهُ لا يَتَفاوَتُ الطَّوْلانِ بِالنِّسْبَةِ إلى الإيمانِ والكُفْرِ، فَقَدْرُ المالِ المُحْتاجُ إلَيْهِ في أُهْبَةِ نِكاحِها سَواءٌ، فَيَلْزَمُ مِن هَذا أنَّ واجِدَ طَوْلَ الحُرَّةِ المُسْلِمَةِ يَجُوزُ لَهُ نِكاحُ الأمَةِ المُسْلِمَةِ؛ وهَذا اسْتِدْلالٌ لِطَيْفٌ. و”أمَةٌ“: مُبْتَدَأٌ، ومُسَوِّغُ جَوازِ الِابْتِداءِ الوَصْفُ، و”خَيْرٌ“: خَبَرٌ، وقَدِ اسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ ”خَيْرٌ“ عَلى جَوازِ نِكاحِ المُشْرِكَةِ؛ لِأنَّ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ يَقْتَضِي التَّشْرِيكَ، ويَكُونُ النَّهْيُ أوَّلًا عَلى سَبِيلِ الكَراهَةِ، قالُوا: والخَيْرِيَّةُ إنَّما تَكُونُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ جائِزَيْنِ، ولا حُجَّةَ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ التَّفْضِيلَ قَدْ يَقَعُ عَلى سَبِيلِ الِاعْتِقادِ لا عَلى سَبِيلِ الوُجُودِ، ومِنهُ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٢٤]، و”العَسَلُ أحْلى مِنَ الخَلِّ“، وقالَ عُمَرُ في رِسالَتِهِ لِ أبِي مُوسى: الرُّجُوعُ إلى الحَقِّ خَيْرٌ مِنَ التَّمادِي في الباطِلِ. ويُحْتَمَلُ إبْقاءُ الخَيْرِيَّةِ عَلى الِاشْتِراكِ الوُجُودِيِّ، ولا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى جَوازِ النِّكاحِ بِأنَّ نِكاحَ المُشْرِكَةِ يَشْتَمِلُ عَلى مَنافِعَ دُنْيَوِيَّةٍ، ونِكاحَ الأمَةِ المُؤْمِنَةِ عَلى مَنافِعَ أُخْرَوِيَّةٍ فَقَدِ اشْتَرَكَ (p-١٦٥)النَّفْعانِ في مُطْلَقِ النَّفْعِ، إلّا أنَّ نَفْعَ الآخِرَةِ لَهُ المَزِيَّةُ العُظْمى، فالحُكْمُ بِهَذا النَّفْعِ الدُّنْيَوِيِّ لا يَقْتَضِي التَّسْوِيغَ، كَما أنَّ الخَمْرَ والمَيْسِرَ فِيهِما مَنافِعُ، ولا يَقْتَضِي ذَلِكَ الإباحَةَ، وما مِن شَيْءٍ مُحَرَّمٍ إلّا يَكادُ يَكُونُ فِيهِ نَفْعٌ ما. وهَذِهِ التَّأْوِيلاتُ في أفْعَلِ التَّفْضِيلِ هو عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ والبَصْرِيِّينَ في أنَّ لَفْظَةَ ”أفْعَلَ“ الَّتِي لِلتَّفْضِيلِ لا تَصِحُّ؛ حَيْثُ لا اشْتِراكَ، كَقَوْلِكَ: الثَّلْجُ أبْرَدُ مِنَ النّارِ، والنُّورُ أضْوَأُ مِنَ الظُّلْمَةِ. وقالَ الفَرّاءُ وجَماعَةٌ مِنَ الكُوفِيِّينَ: يَصِحُّ حَيْثُ الِاشْتِراكُ، وحَيْثُ لا يَكُونُ اشْتِراكٌ. وقالَ إبْراهِيمُ بْنُ عَرَفَةَ: لَفْظَةُ التَّفْضِيلِ تَجِيءُ في كَلامِ العَرَبِ إيجابًا لِلْأوَّلِ، ونَفْيًا عَنِ الثّانِي، فَعَلى قَوْلٍ، هو لا يَصِحُّ أنْ لا يَكُونَ خَيْرٌ في المُشْرِكَةِ وإنَّما هو في الأمَةِ المُؤْمِنَةِ. ﴿ولَوْ أعْجَبَتْكُمْ﴾، لَوْ: هَذِهِ بِمَعْنى إنِ الشَّرْطِيَّةِ، نَحْوَ: (رُدُّوا السّائِلَ ولَوْ بِظِلْفِ شاةٍ مُحْرَقٍ) . والواوُ في ”ولَوْ“ لِلْعَطْفِ عَلى حالٍ مَحْذُوفَةٍ، التَّقْدِيرُ: خَيْرٌ مِن مُشْرِكَةٍ عَلى كُلِّ حالٍ ولَوْ في هَذِهِ الحالِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ هَذا يَكُونُ لِاسْتِقْصاءِ الأحْوالِ، وأنَّ ما بَعْدَ ”لَوْ“ هَذِهِ إنَّما يَأْتِي وهو مُنافٍ لِما قَبْلَهُ بِوَجْهٍ ما، فالإعْجابُ مُنافٍ لَحُكْمِ الخَيْرِيَّةِ، ومُقْتَضٍ جَوازَ النِّكاحِ لِرَغْبَةِ النّاكِحِ فِيها، وأُسْنِدَ الإعْجابُ إلى ذاتِ المُشْرِكَةِ، ولَمْ يُبَيَّنِ المُعْجِبُ مِنها، فالمُرادُ مُطْلَقُ الإعْجابِ، إمّا لِجَمالٍ، أوْ شَرَفٍ، أوْ مالٍ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَقَعُ بِهِ الإعْجابُ. والمَعْنى: أنَّ المُشْرِكَةَ - وإنْ كانَتْ فائِقَةً في الجِمالِ والمالِ والنَّسَبِ - فالأمَةُ المُؤْمِنَةُ خَيْرٌ مِنها؛ لِأنَّ ما فاقَتْ بِهِ المُشْرِكَةُ يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيا، والإيمانُ يَتَعَلَّقُ بِالآخِرَةِ، والآخِرَةُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا، فَبِالتَّوافُقِ في الدِّينِ تَكْمُلُ المَحَبَّةُ ومَنافِعُ الدُّنْيا مِنَ الصُّحْبَةِ والطّاعَةِ وحِفْظِ الأمْوالِ والأوْلادِ، وبِالتَّبايُنِ في الدِّينِ لا تَحْصُلُ المَحَبَّةُ ولا شَيْءٌ مِن مَنافِعِ الدُّنْيا. ﴿ولا تُنْكِحُوا المُشْرِكِينَ حَتّى يُؤْمِنُوا﴾، القِراءَةُ بِضَمِّ التّاءِ إجْماعٌ مِنَ القُرّاءِ، والخِطابُ لِلْأوْلِياءِ، والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ، التَّقْدِيرُ: ولا تُنْكِحُوا المُشْرِكِينَ المُؤْمِناتِ، وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ المُشْرِكَ لا يَطَأُ المُؤْمِنَةَ بِوَجْهٍ ما، والنَّهْيُ هُنا لِلتَّحْرِيمِ، وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهَذا الخِطابِ عَلى الوِلايَةِ في النِّكاحِ، وأنَّ ذَلِكَ نَصٌّ فِيها. ﴿ولَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكٍ ولَوْ أعْجَبَكُمْ﴾، الكَلامُ في هَذِهِ الجُمْلَةِ كالكَلامِ في الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، والخِلافُ في المُرادِ بِالعَبْدِ: أهُوَ بِمَعْنى الرَّقِيقِ أمْ بِمَعْنى الرَّجُلِ ؟ كَهو في الأمَةِ هُناكَ، وهَلِ المَعْنى: خَيْرٌ مِن حُرٍّ مُشْرِكٍ، حَتّى يُقابِلَ العَبْدَ ؟ أوْ مِن مُشْرِكٍ عَلى الإطْلاقِ فَيَشْمَلُ العَبْدَ والحُرَّ، كَما هو في قَوْلِهِ: ”خَيْرٌ مِن مُشْرِكَةٍ“ ؟ ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إلى النّارِ﴾، هَذِهِ إشارَةٌ إلى الصِّنْفَيْنِ: المُشْرِكاتِ والمُشْرِكِينَ، و”يَدْعُونَ“ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الدُّعاءُ بِالقَوْلِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وقالُوا كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٣٥]، ويُحْتَمَلُ أنْ لا يَكُونَ القَوْلُ، بَلْ بِسَبَبِ المَحَبَّةِ والمُخالَطَةِ تَسْرِقُ إلَيْهِ مِن طِباعِ الكُفّارِ ما يَحْمِلُهُ عَلى المُوافَقَةِ لَهم في دِينِهِمْ - والعِياذُ بِاللَّهِ - فَتَكُونُ مِن أهْلِ النّارِ. وقِيلَ: مَعْناهُ يَدْعُونَ إلى تَرْكِ المُحارَبَةِ والقِتالِ، وفي تَرْكِهِما وُجُوبُ اسْتِحْقاقِ النّارِ، وتَفَرَّقَ صاحِبُ هَذا التَّأْوِيلِ بَيْنَ الذِّمِّيَّةِ وغَيْرِها؛ فَإنَّ الذِّمِّيَّةَ لا يُحْمَلُ زَوْجُها عَلى المُقاتَلَةِ. وقِيلَ: المَعْنى أنَّ الوَلَدَ الَّذِي يَحْدُثُ رُبَّما دَعاهُ الكافِرُ إلى الكُفْرِ فَيُوافِقُ؛ فَيَكُونُ مِن أهْلِ النّارِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ الآيَةِ: أنَّ الكُفّارَ يُدْعَوْنَ إلى النّارِ قَطْعًا، إمّا بِالقَوْلِ، وإمّا أنْ تُؤَدِّيَ إلَيْهِ الخِلْطَةُ والتَّآلُفُ والتَّناكُحُ، والمَعْنى: أنَّ مَن كانَ داعِيًا إلى النّارِ يَجِبُ اجْتِنابُهُ؛ لِئَلّا يَسْتَمِيلَ بِدُعائِهِ دائِمًا مُعاشِرَهُ؛ فَيُجِيبُهُ إلى ما دَعاهُ فَيَهْلَكَ. وفي هَذِهِ الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى العِلَّةِ المانِعَةِ مِنَ المُناكَحَةِ في الكُفّارِ؛ لِما هم عَلَيْهِ مِنَ الِالتِباسِ بِالمُحَرَّماتِ، مِنَ الخَمْرِ، والخِنْزِيرِ، والِانْغِماسِ في القاذُوراتِ، وتَرْبِيَةِ النَّسْلِ، وسَرِقَةِ الطِّباعِ مِن طِباعِهِمْ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا تُعادَلُ فِيهِ شَهْوَةُ النِّكاحِ في بَعْضِ ما هم عَلَيْهِ، وإذا نُظِرَ إلى هَذِهِ العِلَّةِ فَهي مَوْجُودَةٌ في كُلِّ كافِرٍ وكافِرَةٍ؛ فَتَقْتَضِي المَنعَ مِنَ المُناكَحَةِ مُطْلَقًا. وسَيَأْتِي الكَلامُ في سُورَةِ المائِدَةِ - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - ونُبْدِي هُناكَ - إنْ شاءَ اللَّهُ - كَوْنَها لا تُعارِضُ هَذِهِ. و”إلى“ مُتَعَلِّقٌ بِيَدْعُونَ، كَقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ [يونس: ٢٥]، ويَتَعَدّى أيْضًا بِاللّامِ، كَقَوْلِهِ:(p-١٦٦) ؎دَعَوْتُ لِما نابَنِي مِسْوَرًا ومَفْعُولُ يَدْعُونَ مَحْذُوفٌ، إمّا اقْتِصارًا؛ إذِ المَقْصُودُ إثْباتُ أنَّ مِن شَأْنِهِمُ الدُّعاءَ إلى النّارِ مِن غَيْرِ مُلاحَظَةِ مَفْعُولٍ خاصٍّ، وإمّا اخْتِصارًا؛ فالمَعْنى: أُولَئِكَ يَدْعُونَكم إلى النّارِ. ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى الجَنَّةِ والمَغْفِرَةِ﴾، هَذا مِمّا يُؤَكِّدُ مَنعَ مُناكَحَةِ الكُفّارِ؛ إذْ ذَكَرَ قَسِيمانِ: أحَدُهُما يَجِبُ اتِّباعُهُ، وآخَرُ يَجِبُ اجْتِنابُهُ، فَتَبايَنَ القِسْمانِ، ولا يُمْكِنُ إجابَةُ دُعاءِ اللَّهِ واتِّباعِ ما أمَرَ بِهِ إلّا بِاجْتِنابِ دُعاءِ الكُفّارِ وتَرْكِهِمْ رَأْسًا، ودُعاءُ اللَّهِ إلى اتِّباعِ دِينِهِ الَّذِي هو سَبَبٌ في دُخُولِ الجَنَّةِ، فَعَبَّرَ بِالمُسَبَّبِ عَنِ السَّبَبِ لِتَرَتُّبِهِ عَلَيْهِ. وظاهِرُ الآيَةِ الإخْبارُ عَنِ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ هو تَعالى يَدْعُو إلى الجَنَّةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي: وأوْلِياءُ اللَّهِ - وهُمُ المُؤْمِنُونَ يَدْعُونَ إلى الجَنَّةِ والمَغْفِرَةِ، وما يُوَصِّلُ إلَيْهِما؛ فَهُمُ الَّذِينَ تَجِبُ مُوالاتُهم ومُصاهَرَتُهم، وأنْ يُؤْثَرُوا عَلى غَيْرِهِمْ. انْتَهى. وحامِلُهُ عَلى أنَّ ذَلِكَ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ طَلَبُ المُعادَلَةِ بَيْنَ المُشْرِكِينَ والمُؤْمِنِينَ في الدُّعاءِ، فَلَمّا أخْبَرَ عَنْ مَن أشْرَكَ أنَّهُ يَدْعُو إلى النّارِ؛ جَعَلَ مَن آمَنَ يَدْعُو إلى الجَنَّةِ، ولا يَلْزَمُ ما ذُكِرَ، بَلْ إجْراءُ اللَّفْظِ عَلى ظاهِرِهِ مِن نِسْبَةِ الدُّعاءِ إلى اللَّهِ تَعالى هو آكَدُ في التَّباعُدِ مِنَ المُشْرِكِينَ؛ حَيْثُ جَعَلَ مُوجِدَ العالَمِ مُنافِيًا لَهم في الدُّعاءِ، فَهَذا أبْلَغُ مِنَ المُعادَلَةِ بَيْنَ المُشْرِكِينَ والمُؤْمِنِينَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”والمَغْفِرَةِ“ بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى الجَنَّةِ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى يَدْعُو إلى المَغْفِرَةِ، أيْ: إلى سَبَبِ المَغْفِرَةِ، وهي التَّوْبَةُ والتِزامُ الطّاعاتِ، وتَقَدَّمَ هُنا الجَنَّةُ عَلى المَغْفِرَةِ، وتَأخَّرَ عَنْها في قَوْلِهِ: ﴿وسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وفي قَوْلِهِ: ﴿سابِقُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ﴾ [الحديد: ٢١]، والأصْلُ فِيهِ تَقَدُّمُ المَغْفِرَةِ عَلى الجَنَّةِ؛ لِأنَّ دُخُولَ الجَنَّةِ مُتَسَبِّبٌ عَنْ حُصُولِ المَغْفِرَةِ، فَفي تِلْكَ الآيَتَيْنِ جاءَ عَلى هَذا الأصْلِ، وأمّا هُنا، فَتَقَدَّمَ ذِكْرُ الجَنَّةِ عَلى المَغْفِرَةِ لِتَحَسُّنِ المُقابَلَةِ؛ فَإنَّ قَبْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إلى النّارِ﴾، فَجاءَ ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى الجَنَّةِ﴾؛ ولِيَبْدَأ بِما تَتَشَوَّفُ إلَيْهِ النَّفْسُ حِينَ ذَكَرَ دُعاءَ اللَّهِ، فَأتى بِالأشْرَفِ لِلْأشْرَفِ، ثُمَّ أتْبَعَ بِالمَغْفِرَةِ عَلى سَبِيلِ التَّتِمَّةِ في الإحْسانِ، وتَهْيِئَةِ سَبَبِ دُخُولِ الجَنَّةِ. وقَرَأ الحَسَنُ: ”والمَغْفِرَةُ“ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ قَوْلُهُ: (بِإذْنِهِ)، أيْ: والمَغْفِرَةُ حاصِلَةٌ بِتَيْسِيرِهِ وتَسْوِيفِهِ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الإذْنِ، وعَلى قِراءاتِ الجُمْهُورِ يَكُونُ ”بِإذْنِهِ“ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ ”يَدْعُو“ . ﴿ويُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾، أيْ: يُظْهِرُها ويَكْشِفُها بِحَيْثُ لا يَحْصُلُ فِيها التِباسٌ، أيْ أنَّ هَذا التَّبْيِينَ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِناسٍ دُونَ ناسٍ، بَلْ يُظْهِرُ آياتِهِ لِكُلِّ أحَدٍ رَجاءَ أنْ يَحْصُلَ بِظُهُورِ الآياتِ تَذَكُّرٌ واتِّعاظٌ؛ لِأنَّ الآيَةَ مَتى كانَتْ جَلِيَّةً واضِحَةً، كانَتْ بِصَدَدِ أنْ يَحْصُلَ بِها التَّذَكُّرُ، فَيَحْصُلَ الِامْتِثالُ لِما دَلَّتْ عَلَيْهِ تِلْكَ الآياتُ مِن مُوافَقَةِ الأمْرِ ومُخالَفَةِ النَّهْيِ. و”لِلنّاسِ“ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”يُبَيِّنُ“، و”اللّامُ“ مَعْناها الوُصُولُ والتَّبْلِيغُ، وهو أحَدُ مَعانِيها المَذْكُورَةِ في أوَّلِ الفاتِحَةِ.

البقرة 2:221

﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى﴾، سَبَبُ نُزُولِها أنَّهم كانُوا في الجاهِلِيَّةِ يَتَحَرَّجُونَ مِن مُخالَطَةِ اليَتامى في مَأْكَلٍ ومَشْرَبٍ وغَيْرِهِما، ويَتَجَنَّبُونَ أمْوالَهم، قالَهُ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ. وقِيلَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى﴾ [النساء: ١٠]؛ تَجَنَّبُوا اليَتامى وأمْوالَهم وعَزَلُوهم عَنْ أنْفُسِهِمْ؛ فَنَزَلَتْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ المُسَيَّبِ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها، أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ السُّؤالَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ، وكانَ تَرْكُهُما مَدْعاةً إلى تَنْمِيَةِ المالِ، وذَكَرَ السُّؤالَ عَنِ النَّفَقَةِ، وأُجِيبُوا بِأنَّهم يُنْفِقُونَ ما سَهُلَ عَلَيْهِمْ، ناسَبَ ذَلِكَ النَّظَرُ في حالِ اليَتِيمِ، وحِفْظُ مالِهِ، وتَنْمِيَتُهُ، وإصْلاحُ اليَتِيمِ بِالنَّظَرِ في تَرْبِيَتِهِ، فالجامِعُ بَيْنَ الآيَتَيْنِ أنَّ في تَرْكِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ إصْلاحَ أحْوالِهِمْ أنْفُسِهِمْ، وفي النَّظَرِ في حالِ اليَتامى إصْلاحًا لِغَيْرِهِمْ مِمَّنْ هو عاجِزٌ أنْ يُصْلِحَ نَفْسَهُ، فَيَكُونُ قَدْ جَمَعُوا بَيْنَ النَّفْعِ لِأنْفُسِهِمْ ولِغَيْرِهِمْ. والظّاهِرُ (p-١٦١)أنَّ السّائِلَ جَمَعَ الِاثْنَيْنِ بِواوِ الجَمْعِ وهي لِلْجَمْعِ بِهِ، وقِيلَ بِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: السّائِلُ ثابِتُ بْنُ رِفاعَةَ الأنْصارِيُّ، وقِيلَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ، وقِيلَ: السّائِلُ مَن كانَ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ فَإنَّ العَرَبَ كانَتْ تَتَشاءَمُ بِخَلْطِ أمْوالِ اليَتامى بِأمْوالِهِمْ؛ فَأعْلَمَ تَعالى المُؤْمِنِينَ أنَما كانَتْ مُخالَطَتُهم مَشْئُومَةً لِتَصَرُّفِهِمْ في أمْوالِهِمْ تَصَرُّفًا غَيْرَ سَدِيدٍ، كانُوا يَضَعُونَ الهَزِيلَةَ مَكانَ السَّمِينَةِ، ويُعَوِّضُونَ التّافِهَ عَنِ النَّفِيسِ؛ فَقالَ تَعالى: ﴿قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ﴾، الإصْلاحُ لِلْيَتِيمِ بِتَناوُلِ إصْلاحِهِ بِالتَّعْلِيمِ والتَّأْدِيبِ، وإصْلاحِ مالِهِ بِالتَّنْمِيَةِ والحِفْظِ. و”إصْلاحٌ“: مُبْتَدَأٌ، وهو نَكِرَةٌ، ومُسَوِّغُ جَوازِ الِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ هُنا هو التَّقْيِيدُ بِالمَجْرُورِ الَّذِي هو ”لَهم“، فَإمّا أنْ يَكُونَ عَلى سَبِيلِ الوَصْفِ، أوْ عَلى سَبِيلِ المَعْمُولِ لِلْمَصْدَرِ، و”خَيْرٌ“: خَبَرٌ عَنْ إصْلاحٍ، وإصْلاحٌ كَما ذَكَرْنا مَصْدَرٌ حُذِفَ فاعِلُهُ، فَيَكُونُ ”خَيْرٌ“ شامِلًا لِلْإصْلاحِ المُتَعَلِّقِ بِالفاعِلِ والمَفْعُولِ، فَتَكُونُ الخَيْرِيَّةُ لِلْجانِبَيْنِ مَعًا، أيْ أنَّ إصْلاحَهم لِلْيَتامى خَيْرٌ لِلْمُصْلِحِ والمُصْلَحِ؛ فَيَتَناوَلُ حالَ اليَتِيمِ والكَفِيلِ، وقِيلَ: خَيْرٌ لِلْوَلِيِّ، والمَعْنى: إصْلاحُهُ لِلْيَتِيمِ مِن غَيْرِ عِوَضٍ ولا أُجْرَةٍ خَيْرٌ لَهُ وأعْظَمُ أجْرًا، وقِيلَ: ”خَيْرٌ“ عائِدٌ لِلْيَتِيمِ، أيْ: إصْلاحُ الوَلِيِّ لِلْيَتِيمِ، ومُخالَطَتُهُ لَهُ خَيْرٌ لِلْيَتِيمِ مِن إعْراضِ الوَلِيِّ عَنْهُ، وتَفَرُّدِهِ عَنْهُ، ولَفْظُ ”خَيْرٌ“ مُطْلَقٌ؛ فَتَخْصِيصُهُ بِأحَدِ الجانِبَيْنِ يَحْتاجُ إلى مُرَجِّحٍ، والحَمْلُ عَلى الإطْلاقِ أحْسَنُ. وقَرَأ طاوُسٌ: ”قُلْ إصْلاحٌ إلَيْهِمْ“، أيْ: في رِعايَةِ المالِ وغَيْرِهِ خَيْرٌ مِن تَحَرُّجِكم، أوْ خَيْرٌ في الثَّوابِ مِن إصْلاحِ أمْوالِكم. ﴿وإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكُمْ﴾، هَذا التِفاتٌ مِن غَيْبَةٍ إلى خِطابٍ؛ لِأنَّ قَبْلَهُ ”ويَسْألُونَكَ“، فالواوُ ضَمِيرٌ لِلْغائِبِ، وحِكْمَةُ هَذا الِالتِفاتِ ما في الإقْبالِ بِالخِطابِ عَلى المُخاطَبِ لِيَتَهَيَّأ لِسَماعِ ما يُلْقى إلَيْهِ وقَبُولِهِ والتَّحَرُّزِ فِيهِ، فالواوُ ضَمِيرُ الكُفَلاءِ، وهم ضَمِيرُ اليَتامى، والمَعْنى: أنَّهم إخْوانُكم في الدِّينِ؛ فَيَنْبَغِي أنْ تَنْظُرُوا لَهم كَما تَنْظُرُونَ لِإخْوانِكم مِنَ النَّسَبِ، مِنَ الشَّفَقَةِ والتَّلَطُّفِ، والإصْلاحِ لِذَواتِهِمْ وأمْوالِهِمْ. والمُخالَطَةُ: مُفاعَلَةٌ مِنَ الخَلْطِ وهو الِامْتِزاجُ، والمَعْنى: في المَأْكَلِ؛ فَتُجْعَلُ نَفَقَةُ اليَتِيمِ مَعَ نَفَقَةِ عِيالِهِ بِالتَّحَرِّي؛ إذْ يَشُقُّ عَلَيْهِ إفْرادُهُ وحْدَهُ بِطَعامِهِ، فَلا يَجِدُ بُدًّا مِن خَلْطِهِ بِمالِهِ لِعِيالِهِ، فَجاءَتِ الآيَةُ بِالرُّخْصَةِ في ذَلِكَ، قالَهُ أبُو عُبَيْدٍ. أوِ المُشارَكَةُ في الأمْوالِ والمُتاجَرَةُ لَهم فِيها؛ فَتَتَناوَلُونَ مِنَ الرِّبْحِ ما يَخْتَصُّ بِكم، وتَتْرُكُونَ لَهم ما يَخْتَصُّ بِهِمْ. أوِ المُصاهَرَةُ، فَإنْ كانَ اليَتِيمُ غُلامًا زَوَّجَهُ ابْنَتَهُ، أوْ جارِيَةً زَوَّجَها ابْنَهُ، ورُجِّحَ هَذا القَوْلَ بِأنَّ هَذا خِلْطَةٌ لِلْيَتِيمِ نَفْسِهِ، والشَّرِكَةُ خِلْطَةٌ لِمالِهِ، ولِأنَّ الشَّرِكَةَ داخِلَةٌ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ﴾، ولَمْ يَدْخُلْ فِيهِ الخَلْطُ مِن جِهَةِ النِّكاحِ، فَحَمْلُهُ عَلى هَذا الخَلْطِ أقْرَبُ. وبِقَوْلِهِ: ”فَإخْوانُكم في الدِّينِ“؛ فَإنَّ اليَتِيمَ إذا كانَ مِن أوْلادِ الكُفّارِ وجَبَ أنْ يُتَحَرّى صَلاحُ مالِهِ كَما يُتَحَرّى في المُسْلِمِ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ”فَإخْوانُكم“، إلى نَوْعٍ آخَرَ مِنَ المُخالَطَةِ، وبِقَوْلِهِ بَعْدُ: ”ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ“؛ فَكَأنَّ المَعْنى: أنَّ المُخالَطَةَ المَندُوبَ إلَيْها في اليَتامى الَّذِينَ هم لَكم إخْوانٌ بِالإسْلامِ. أوِ الشُّرْبُ مِن لَبَنِهِ وشُرْبُهُ مَن لَبَنِكَ، وأكْلُكَ في قَصْعَتِهِ وأكْلُهُ في قَصْعَتِكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. أوْ خَلْطُ المالِ بِالمالِ في النَّفَقَةِ والمَطْعَمِ والمَسْكَنِ والخَدَمِ والدَّوابِّ، فَيَتَناوَلُونَ مِن أمْوالِهِمْ عِوَضًا عَنْ قِيامِكم بِأُمُورِهِمْ، بِقَدْرِ ما يَكُونُ أُجْرَةَ مِثْلِ ذَلِكَ في العَمَلِ، والقائِلُونَ بِهَذا مِنهم مَن جَوَّزَ لَهُ ذَلِكَ، سَواءً كانَ القَيِّمُ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا، ومِنهم مَن قالَ: إذا كانَ غَنِيًّا لَمْ يَأْكُلْ مِن مالِهِ. أوِ المُضارَبَةُ الَّتِي يَحْصُلُ بِها تَنْمِيَةُ أمْوالِهِمْ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ المُخالَطَةَ لَمْ تُقَيَّدْ بِشَيْءٍ، لَمْ يَقُلْ في كَذا، فَتُحْمَلُ عَلى أيِّ مُخالَطَةٍ كانَتْ مِمّا فِيهِ إصْلاحٌ لِلْيَتِيمِ؛ ولِذَلِكَ قالَ: ”فَإخْوانُكم“، أيْ: تَنْظُرُونَ لَهم نَظَرَكم إلى إخْوانِكم مِمّا فِيهِ إصْلاحُهم. وقَدِ اكْتَنَفَ هَذِهِ المُخالَطَةَ الإصْلاحُ قَبْلُ وبَعْدُ؛ فَقَبْلُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ﴾، وبَعْدُ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ﴾، فالأوْلى أنْ يُرادَ بِالمُخالَطَةِ ما فِيهِ إصْلاحٌ لِلْيَتِيمِ بِأيِّ طَرِيقٍ كانَ مِن مُخالَطَةٍ في مَطْعَمٍ، أوْ مَسْكَنٍ، أوْ مُتاجَرَةٍ، (p-١٦٢)أوْ مُشارَكَةٍ، أوْ مُضارَبَةٍ، أوْ مُصاهَرَةٍ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وجَوابُ الشَّرْطِ ”فَإخْوانُكم“، وهو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: فَهم إخْوانُكم، وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ: ”فَإخْوانُكم“، عَلى إضْمارِ فِعْلِ، التَّقْدِيرِ: فَتُخالِطُونَ إخْوانَكم، وجاءَ جَوابُ السُّؤالِ بِجُمْلَتَيْنِ: إحْداهُما: مُنْعَقِدَةٌ مِن مُبْتَدَإٍ وخَبَرٍ، والثّانِيَةُ: مِن شَرْطٍ وجَزاءٍ. فالأُولى: تَتَضَمَّنُ إصْلاحَ اليَتامى وأنَّهُ خَيْرٌ، وأُبْرِزَتْ ثُبُوتِيَّةً مُنَكَّرًا مُبْتَدَأُها لِيَدُلَّ عَلى تَناوُلِهِ كُلَّ إصْلاحٍ عَلى طَرِيقِ البَدَلِيَّةِ، ولَوْ أُضِيفَ لَعَمَّ، أوْ لَكانَ مَعْهُودًا في إصْلاحٍ خاصٍّ، فالعُمُومُ لا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ، والمَعْهُودُ لا يُتَناوَلُ غَيْرُهُ؛ فَلِذَلِكَ جاءَ التَّنْكِيرُ الدّالُّ عَلى عُمُومِ البَدَلِ، وأخْبَرَ عَنْهُ بِـ ”خَيْرٌ“ الدّالِّ عَلى تَحْصِيلِ الثَّوابِ؛ لِتَبادُرِ المُسْلِمِ إلى فِعْلِ ما فِيهِ الخَيْرُ طَلَبًا لِثَوابِ اللَّهِ تَعالى. وأُبْرِزَتِ الثّانِيَةُ شَرْطِيَّةً؛ لِأنَّها أتَتْ لِجَوازِ الوُقُوعِ، لا لِطَلَبِهِ ونَدْبَتِهِ. ودَلَّ الجَوابُ الأوَّلُ عَلى ضُرُوبٍ مِنَ الأحْكامِ مِمّا فِيهِ مَصْلَحَةُ اليَتِيمِ؛ لِجَوازِ تَعْلِيمِهِ أمْرَ دِينٍ وأدَبٍ، والِاسْتِيجارُ لَهُ عَلى ذَلِكَ، وكالإنْفاقِ عَلَيْهِ مِن مالِهِ، وقَبُولِ ما يُوهَبُ لَهُ، وتَزْوِيجِهِ، ومُؤاجَرَتِهِ، وبَيْعِهِ مالَهُ لِلْيَتِيمِ، وتَصَرُّفِهِ في مالِهِ بِالبَيْعِ والشِّراءِ، وفي عَمَلِهِ فِيهِ بِنَفْسِهِ مُضارَبَةً، ودَفْعِهِ إلى غَيْرِهِ مُضارَبَةً، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ التَّصَرُّفاتِ المَنُوطَةِ بِالإصْلاحِ. ودَلَّ الجَوابُ الثّانِي عَلى جَوازِ مُخالَطَةِ اليَتامى بِما فِيهِ إصْلاحٌ لَهم، فَيَخْلِطُهُ بِنَفْسِهِ في مَناكِحِهِ ومالِهِ بِمالِهِ في مَؤُونَةٍ وتِجارَةٍ وغَيْرِهِما. قِيلَ: وقَدِ انْتَظَمَتِ الآيَةُ عَلى جَوازِ المُخالَطَةِ؛ فَدَلَّتْ عَلى جَوازِ المُناهَدَةِ الَّتِي يَفْعَلُها المُسافِرُونَ في الأسْفارِ، وهي أنَّ يُخْرِجَ هَذا شَيْئًا مِن مالِهِ، وهَذا شَيْئًا مِن مالِهِ؛ فَيُخْلَطُ ويُنْفَقُ ويَأْكُلُ النّاسُ، وإنِ اخْتَلَفَ مِقْدارُ ما يَأْكُلُونَ، وإذا أُبِيحَ لَكَ في مالِ اليَتِيمِ فَهو في مالِ البالِغِ بِطِيبِ نَفْسِهِ أجْوَزُ. ونَظِيرُ جَوازِ المُناهَدَةِ قِصَّةُ أهْلِ الكَهْفِ: ﴿فابْعَثُوا أحَدَكم بِوَرِقِكُمْ﴾ [الكهف: ١٩] الآيَةَ، وقَدِ اخْتُلِفَ في بَعْضِ الأحْكامِ الَّتِي قَدَّمْناها، فَمِن ذَلِكَ: شِراءُ الوَصِيِّ مِن مالِ اليَتِيمِ، والمُضارَبَةُ فِيهِ، وإنْكاحُ الوَصِيِّ بِيَتِيمَتِهِ مِن نَفْسِهِ، وإنْكاحُ اليَتِيمِ لِابْنَتِهِ، وهَذا مَذْكُورٌ في كُتُبِ الفِقْهِ. قِيلَ: وجَعَلَهم إخْوانًا لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أُخُوَّةُ الدِّينِ، والثّانِي: لِانْتِفاعِهِمْ بِهِمْ، إمّا في الثَّوابِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وإمّا بِما يَأْخُذُونَهُ مِن أُجْرَةِ عَمَلِهِمْ في أمْوالِهِمْ، وكُلُّ مَن نَفَعَكَ فَهو أخُوكَ. وقالَ الباقِرُ لِشَخْصٍ: رَأيْتُكَ في قَوْمٍ لَمْ أعْرِفْهم، فَقالَ: هم إخْوانِي، فَقالَ: أفِيهِمْ مَن إذا احْتَجْتَ أدْخَلْتَ يَدَكَ في كُمِّهِ فَأخَذْتَ مِنهُ مِن غَيْرِ اسْتِئْذانٍ ؟ قالَ: لا، قالَ: إذَنْ لَسْتُمْ بِإخْوانٍ. قِيلَ: وفي قَوْلِهِ: (فَإخْوانُكم) دَلِيلٌ عَلى أنَّ أطْفالَ المُؤْمِنِينَ مُؤْمِنُونَ في الأحْكامِ؛ لِتَسْمِيَةِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم إخْوانًا لَنا. ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ﴾، جُمْلَةٌ مَعْناها التَّحْذِيرُ، أخْبَرَ تَعالى فِيها أنَّهُ عالِمٌ بِالَّذِي يُفْسِدُ مِنَ الَّذِي يُصْلِحُ، ومَعْنى ذَلِكَ: أنَّهُ يُجازِي كُلًّا مِنهُما عَلى الوَصْفِ الَّذِي قامَ بِهِ، وكَثِيرًا ما يُنْسَبُ العِلْمُ إلى اللَّهِ تَعالى عَلى سَبِيلِ التَّحْذِيرِ؛ لِأنَّ مَن عَلِمَ بِالشَّيْءِ جازى عَلَيْهِ؛ فَهو تَعْبِيرٌ بِالسَّبَبِ عَنِ المُسَبِّبِ، و”يَعْلَمُ“ هُنا مُتَّعَدٍ إلى واحِدٍ، وجاءَ الخَبَرُ هُنا بِالفِعْلِ المُقْتَضِي لِلتَّجَدُّدِ - وإنْ كانَ عِلْمُ اللَّهِ لا يَتَجَدَّدُ - لِأنَّهُ قَصَدَ بِهِ العِقابَ والثَّوابَ لِلْمُفْسِدِ والمُصْلِحِ، وهُما وصْفانِ يَتَجَدَّدانِ مِنَ المَوْصُوفِ بِهِما، فَتَكَرَّرَ تَرْتِيبُ الجَزاءِ عَلَيْهِما لِتَكَرُّرِهِما، وتَعَلَّقَ العَمَلُ بِالمُفْسِدِ أوَّلًا لِيَقَعَ الإمْساكُ عَنِ الإفْسادِ. و”مِن“: مُتَعَلِّقَةٌ بِيَعْلَمَ عَلى تَضْمِينِ ما يَتَعَدّى بِمِن، كَأنَّ المَعْنى: واللَّهُ يَمِيزُ بِعِلْمِهِ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ. وظاهِرُ الألِفِ واللّامِ أنَّها لِلِاسْتِغْراقِ في جَمِيعِ أنْواعِ المُفْسِدِ والمُصْلِحِ، والمُصْلِحُ في مالِ اليَتِيمِ مِن جُمْلَةِ مَدْلُولاتِ ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الألِفُ واللّامُ لِلْعَهْدِ، أيِ: المُفْسِدَ في مالِ اليَتِيمِ مِنَ المُصْلِحِ فِيهِ، والمُفْسِدُ بِالإهْمالِ في تَرْبِيَتِهِ مِنَ المُصْلِحِ لَهُ بِالتَّأْدِيبِ، وجاءَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِهَذا التَّقْسِيمِ لِأنَّ المُخالَطَةَ عَلى قِسْمَيْنِ: مُخالَطَةٌ بِإفْسادٍ، ومُخالَطَةٌ بِإصْلاحٍ؛ ولِأنَّهُ لَمّا قِيلَ: ﴿قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ﴾ فُهِمَ مُقابِلُهُ، وهو أنَّ الإفْسادَ شَرٌّ، فَجاءَ هَذا التَّقْسِيمُ بِاعْتِبارِ الإصْلاحِ. ومُقابِلُهُ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأعْنَتَكُمْ﴾، أيْ: لَأحْرَجَكم وشَدَّدَ عَلَيْكم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ، وغَيْرُهُما. أوْ: لَأهْلَكَكم، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. أوْ: لَجَعَلَ ما أصَبْتُمْ مِن أمْوالِ اليَتامى (p-١٦٣)مَوْبِقًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وهو مَعْنى ما قَبْلَهُ. أوْ: لَكَلَّفَكم ما يَشُقُّ عَلَيْكم، قالَهُ الزَّجّاجُ. أوْ: لَآثَمَكم بِمُخالَطَتِهِمْ. أوْ: لَضَيَّقَ عَلَيْكُمُ الأمْرَ في مُخالَطَتِهِمْ، قالَهُ عَطاءٌ. أوْ: لَحَرَّمَ عَلَيْكم مُخالَطَتَهم، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وهَذِهِ أقْوالٌ كُلُّها مُتَقارِبَةٌ. ومَفْعُولُ ”شاءَ“ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الجَوابِ عَلَيْهِ، التَّقْدِيرُ: ولَوْ شاءَ اللَّهُ إعْناتَكم، واللّامُ في الفِعْلِ المُوجَبِ الأكْثَرُ في لِسانِ العَرَبِ المَجِيءُ بِها فِيهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ ”لَأعْنَتَكم“ بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ، وهو الأصْلُ، وقَرَأ البَزِّيُّ مِن طَرِيقِ أبِي رَبِيعَةَ بِتَلْيِينِ الهَمْزَةِ، وقُرِئَ بِطَرْحِ الهَمْزَةِ وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى اللّامِ، كَقِراءَةِ مَن قَرَأ ”فَلا إثْمَ عَلَيْهِ“ بِطَرْحِ الهَمْزَةِ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ المَعْرُوفُ بِابْنِ مَرْيَمَ: لَمْ يَذْكُرِ ابْنُ مُجاهِدٍ هَذا الحَرْفَ، وابْنُ كَثِيرٍ لَمْ يَحْذِفِ الهَمْزَةَ، وإنَّما لَيَّنَها وحَقَّقَها، فَتَوَهَّمُوا أنَّها مَحْذُوفَةٌ، فَإنَّ الهَمْزَةَ هَمْزَةُ قَطْعٍ؛ فَلا تَسْقُطُ حالَةَ الوَصْلِ كَما تَسْقُطُ هَمَزاتُ الوَصْلِ عِنْدَ الوَصْلِ. انْتَهى كَلامُهُ. فَجَعَلَ إسْقاطَ الهَمْزَةِ وهْمًا، وقَدْ نَقَلَها غَيْرُهُ قِراءَةً كَما ذَكَرْناهُ. وفي هَذِهِ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ إعْلامٌ وتَذْكِيرٌ بِإحْسانِ اللَّهِ وإنْعامِهِ عَلى أوْصِياءِ اليَتامى؛ إذْ أزالَ إعْناتَهم ومَشَقَّتَهم في مُخالَطَتِهِمْ والنَّظَرِ في أحْوالِهِمْ وأمْوالِهِمْ. (إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَزِيزٌ: غالِبٌ يَقْدِرُ عَلى أنْ يُعْنِتَ عِبادَهُ ويُحْرِجَهم، لَكِنَّهُ حَكِيمٌ لا يُكَلِّفُ إلّا ما تَتَّسِعُ فِيهِ طاقَتُهم. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَزِيزٌ: لا يُرَدُّ أمْرُهُ، وحَكِيمٌ: أيْ مُحْكِمُ ما يُنَفِّذُهُ. انْتَهى. وفي وصْفِهِ تَعالى بِالعِزَّةِ، وهو الغَلَبَةُ والِاسْتِيلاءُ إشارَةً إلى أنَّهُ مُخْتَصٌّ بِذَلِكَ لا يُشارَكُ فِيهِ، فَكَأنَّهُ لَمّا جَعَلَ لَهم وِلايَةً عَلى اليَتامى نَبَّهَهم عَلى أنَّهم لا يَقْهَرُونَهم، ولا يُغالِبُونَهم، ولا يَسْتَوْلُونَ عَلَيْهِمُ اسْتِيلاءَ القاهِرِ؛ فَإنَّ هَذا الوَصْفَ لا يَكُونُ إلّا لِلَّهِ. وفي وصْفِهِ تَعالى بِالحِكْمَةِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَتَعَدّى ما أذِنَ هو تَعالى فِيهِمْ وفي أمْوالِهِمْ؛ فَلَيْسَ لَكم نَظَرٌ إلّا بِما أذِنَتْ فِيهِ لَكُمُ الشَّرِيعَةُ، واقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ الإلَهِيَّةُ؛ إذْ هو الحَكِيمُ المُتْقِنُ لِما صَنَعَ وشَرَعَ، فالإصْلاحُ لَهم لَيْسَ راجِعًا إلى نَظَرِكم، إنَّما هو راجِعٌ لِاتِّباعِ ما شُرِعَ في حَقِّهِمْ. ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ؛ أعْتَقَ أمَةً وتَزَوَّجَها، وكانَتْ مُسْلِمَةً، فَطَعَنَ عَلَيْهِ ناسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَقالُوا: نَكَحَ أمَةً، وكانُوا يُرِيدُونَ أنْ يَنْكِحُوا إلى المُشْرِكِينَ رَغْبَةً في أحْسابِهِمْ، فَنَزَلَتْ. وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في أبِي مَرْثَدٍ الغَنَوِيِّ، واسْمُهُ كَنّازُ بْنُ الحُصَيْنِ، وفي قَوْلٍ: إنَّهُ مَرْثَدُ بْنُ أبِي مَرْثَدٍ، وهو حَلِيفٌ لِبَنِي هاشِمٍ اسْتَأْذَنَ أنْ يَتَزَوَّجَ عَناقَ، وهي امْرَأةٌ مِن قُرَيْشٍ ذاتُ حَظٍّ مِن جَمالٍ مُشْرِكَةٌ، وقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّها تُعْجِبُنِي، ورُوِيَ هَذا السَّبَبُ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بِأطْوَلَ مِن هَذا. وقِيلَ: نَزَلَتْ في حَسْناءَ ولِيدَةٍ سَوْداءَ لِحُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ، أعْتَقَها وتَزَوَّجَها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ السَّبَبُ جَمِيعَ هَذِهِ الحِكاياتِ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ تَعالى حُكْمَ اليَتامى في المُخالَطَةِ، وكانَتْ تَقْتَضِي المُناكَحَةَ وغَيْرَها مِمّا يُسَمّى مُخالَطَةً، حَتّى أنَّ بَعْضَهم فَسَّرَها بِالمُصاهَرَةِ فَقَطْ، ورَجَّحَ ذَلِكَ كَما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وكانَ مِنَ اليَتامى مَن يَكُونُ مِن أوْلادِ الكُفّارِ، نَهى اللَّهُ تَعالى عَنْ مُناكَحَةِ المُشْرِكاتِ والمُشْرِكِينَ، وأشارَ إلى العِلَّةِ المُسَوِّغَةِ لِلنِّكاحِ، وهي الأُخُوَّةُ الدِّينِيَّةُ، فَنَهى عَنْ نِكاحِ مَن لَمْ تَكُنْ فِيهِ هَذِهِ الأُخُوَّةُ، وانْدَرَجَ يَتامى الكُفّارِ في عُمُومِ مَن أشْرَكَ. ومُناسَبَةٌ أُخْرى: أنَّهُ لَمّا تَقَدَّمَ حُكْمُ الشُّرْبِ في الخَمْرِ، والأكْلِ في المَيْسِرِ، وذَكَرَ حُكْمَ المَنكَحِ، فَكَما حَرَّمَ الخَمْرَ مِنَ المَشْرُوباتِ، وما يَجُرُّ إلَيْهِ المَيْسِرُ مِنَ المَأْكُولاتِ، حَرَّمَ المُشْرِكاتِ مِنَ المَنكُوحاتِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”ولا تَنْكِحُوا“ بِفَتْحِ التّاءِ مِن نَكَحَ، وهو يُطْلَقُ بِمَعْنى العَقْدِ، وبِمَعْنى الوَطْءِ بِمِلْكٍ وغَيْرِهِ. وقَرَأ الأعْمَشُ: ”ولا تُنْكِحُوا“ بِضَمِّ التّاءِ مِن أنْكَحَ، أيْ: ولا تُنْكِحُوا أنْفُسَكُمُ المُشْرِكاتِ، والمُشْرِكاتُ هُنا: الكُفّارُ؛ فَتَدْخُلُ الكِتابِيّاتُ، ومَن جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ، وقِيلَ: لا تَدْخُلُ الكِتابِيّاتُ، والصَّحِيحُ دُخُولُهُنَّ؛ لِعِبادَةِ اليَهُودِ عُزَيْرًا، والنَّصارى عِيسى؛ ولِقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨]، وهَذا القَوْلُ (p-١٦٤)الثّانِي هو قَوْلُ جُلِّ المُفَسِّرِينَ. وقِيلَ: المُرادُ مُشْرِكاتُ العَرَبِ، قالَهُ قَتادَةُ. فَعَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّهُ تَدْخُلُ فِيهِنَّ الكِتابِيّاتُ، يَحْتاجُ إلى مُجَوِّزِ نِكاحِهِنَّ؛ فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ عُمُومٌ نُسِخَ، وعَنْ مُجاهِدٍ عُمُومٌ خُصَّ مِنهُ الكِتابِيّاتُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الآيَةَ عامَّةٌ في الوَثَنِيّاتِ والمَجُوسِيّاتِ والكِتابِيّاتِ، وكُلُّ مَن عَلى غَيْرِ دِينِ الإسْلامِ، ونِكاحُهُنَّ حَرامٌ، والآيَةُ مُحْكَمَةٌ عَلى هَذا، ناسِخَةٌ لِآيَةِ المائِدَةِ، وآيَةُ المائِدَةِ مُتَقَدِّمَةٌ في النُّزُولِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ، وإنْ كانَتْ مُتَأخِّرَةً في التِّلاوَةِ، ويُؤَكِّدُ هَذا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ في (المُوَطَّأِ): ولا أعْلَمُ إشْراكًا أعْظَمَ مِن أنْ تَقُولَ المَرْأةُ رَبَّها عِيسى. ورُوِيَ أنَّ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ نَكَحَ يَهُودِيَّةً، وأنَّ حُذَيْفَةَ نَكَحَ نَصْرانِيَّةً، وأنَّ عُمَرَ غَضِبَ عَلَيْهِما غَضَبًا شَدِيدًا، حَتّى هَمَّ أنْ يَسْطُوَ عَلَيْهِما، وتَزَوَّجَ عُثْمانُ نائِلَةَ بِنْتَ الفَرافِصَةِ، وكانَتْ نَصْرانِيَّةً. ويَجُوزُ نِكاحُ الكِتابِيّاتِ، قالَ جُمْهُورُ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ: عُمَرُ، وعُثْمانُ، وجابِرٌ، وطَلْحَةُ، وحُذَيْفَةُ، وعَطاءٌ، وابْنُ المُسَيَّبِ، والحَسَنُ، وطاوُسٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والزُّهْرِيُّ، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ، وعامَّةُ أهْلِ المَدِينَةِ والكُوفَةِ، قِيلَ: أجْمَعَ عُلَماءُ الأمْصارِ عَلى جَوازِ تَزْوِيجِ الكِتابِيّاتِ، غَيْرَ أنَّ مالِكًا وابْنَ حَنْبَلٍ كَرِها ذَلِكَ مَعَ وُجُودِ المُسْلِماتِ والقُدْرَةِ عَلى نِكاحِهِنَّ. واخْتُلِفَ في تَزْوِيجِ المَجُوسِيّاتِ، وقَدْ تَزَوَّجَ حُذَيْفَةُ بِمَجُوسِيَّةٍ، وفي كَوْنِهِمْ أهْلَ كِتابٍ خِلافٌ، ورُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ أنَّ لَهم نَبِيًّا يُسَمّى زَرادَشْتَ، وكِتابًا قَدِيمًا رُفِعَ، رُوِيَ حَدِيثُ الكِتابِ عَنْ عَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، وذُكِرَ لِرَفْعِهِ وتَغْيِيرِ شَرِيعَتِهِمْ سَبَبٌ طَوِيلٌ، واللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّتِهِ. ودَلائِلُ هَذِهِ المَذاهِبِ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ الفِقْهِ، وظاهِرُ النَّهْيِ في قَوْلِهِ: ”ولا تَنْكِحُوا“ التَّحْرِيمُ، وقِيلَ: هو نَهْيُ كَراهَةٍ. ”حَتّى يُؤْمِنَّ“ غايَةٌ لِلْمَنعِ مِن نِكاحِهِنَّ، ومَعْنى إيمانِهِنَّ إقْرارُهُنَّ بِكَلِمَتَيِ الشَّهادَةِ، والتِزامِ شَرائِعِ الإسْلامِ. ﴿ولَأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكَةٍ﴾، الظّاهِرُ أنَّهُ أُرِيدَ بِالأمَةِ الرَّقِيقَةَ، ومَعْنى ”خَيْرٌ مِن مُشْرِكَةٍ“ أيْ: مِن حُرَّةٍ مُشْرِكَةٍ، فَحَذَفَ المَوْصُوفَ لِدَلالَةِ مُقابِلِهِ عَلَيْهِ، وهو أمَةٌ، وقِيلَ: الأمَةُ هُنا بِمَعْنى المَرْأةِ؛ فَيَشْمَلُ الحُرَّةَ والرَّقِيقَةَ، ومِنهُ: (لا تَمْنَعُوا إماءَ اللَّهِ مَساجِدَ اللَّهِ) . وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ، ولَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَهُ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى جَوازِ نِكاحِ الأمَةِ المُؤْمِنَةِ، ومَفْهُومُ الصِّفَةِ يَقْتَضِي أنَّهُ لا يَجُوزُ نِكاحُ الأمَةِ الكافِرَةِ، كِتابِيَّةً كانَتْ أوْ غَيْرَها، وهَذا مَذْهَبُ مالِكٍ وغَيْرِهِ، وأجازَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ نِكاحَ الأمَةِ الكِتابِيَّةِ، وفي الأمَةِ المَجُوسِيَّةِ خِلافٌ: مَذْهَبُ مالِكٍ وجَماعَةٌ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ تُوطَأ بِنِكاحٍ ولا مِلْكٍ، ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ، وعَمْرِو بْنِ دِينارٍ أنَّهُ لا بَأْسَ بِنِكاحِها بِمِلْكِ اليَمِينِ، وتَأوَّلا: ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ﴾ عَلى العَقْدِ لا عَلى الأمَةِ المُشْتَراةِ، واحْتَجّا بِسَبْيِ أوْطاسٍ، وأنَّ الصَّحابَةَ نَكَحُوا الإماءَ مِنهم بِمِلْكِ اليَمِينِ. قِيلَ: وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ لِجَوازِ نِكاحِ القادِرِ عَلى طَوْلِ الحُرَّةِ المُسْلِمَةِ لِلْأمَةِ المُسْلِمَةِ، ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿خَيْرٌ مِن مُشْرِكَةٍ﴾ مَعْناهُ: مِن حُرَّةٍ مُشْرِكَةٍ، وواجِدُ طَوْلِ الحُرَّةِ المُشْرِكَةِ واجِدٌ لِطَوْلِ الحُرَّةِ المُسْلِمَةِ؛ لِأنَّهُ لا يَتَفاوَتُ الطَّوْلانِ بِالنِّسْبَةِ إلى الإيمانِ والكُفْرِ، فَقَدْرُ المالِ المُحْتاجُ إلَيْهِ في أُهْبَةِ نِكاحِها سَواءٌ، فَيَلْزَمُ مِن هَذا أنَّ واجِدَ طَوْلَ الحُرَّةِ المُسْلِمَةِ يَجُوزُ لَهُ نِكاحُ الأمَةِ المُسْلِمَةِ؛ وهَذا اسْتِدْلالٌ لِطَيْفٌ. و”أمَةٌ“: مُبْتَدَأٌ، ومُسَوِّغُ جَوازِ الِابْتِداءِ الوَصْفُ، و”خَيْرٌ“: خَبَرٌ، وقَدِ اسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ ”خَيْرٌ“ عَلى جَوازِ نِكاحِ المُشْرِكَةِ؛ لِأنَّ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ يَقْتَضِي التَّشْرِيكَ، ويَكُونُ النَّهْيُ أوَّلًا عَلى سَبِيلِ الكَراهَةِ، قالُوا: والخَيْرِيَّةُ إنَّما تَكُونُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ جائِزَيْنِ، ولا حُجَّةَ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ التَّفْضِيلَ قَدْ يَقَعُ عَلى سَبِيلِ الِاعْتِقادِ لا عَلى سَبِيلِ الوُجُودِ، ومِنهُ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٢٤]، و”العَسَلُ أحْلى مِنَ الخَلِّ“، وقالَ عُمَرُ في رِسالَتِهِ لِ أبِي مُوسى: الرُّجُوعُ إلى الحَقِّ خَيْرٌ مِنَ التَّمادِي في الباطِلِ. ويُحْتَمَلُ إبْقاءُ الخَيْرِيَّةِ عَلى الِاشْتِراكِ الوُجُودِيِّ، ولا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى جَوازِ النِّكاحِ بِأنَّ نِكاحَ المُشْرِكَةِ يَشْتَمِلُ عَلى مَنافِعَ دُنْيَوِيَّةٍ، ونِكاحَ الأمَةِ المُؤْمِنَةِ عَلى مَنافِعَ أُخْرَوِيَّةٍ فَقَدِ اشْتَرَكَ (p-١٦٥)النَّفْعانِ في مُطْلَقِ النَّفْعِ، إلّا أنَّ نَفْعَ الآخِرَةِ لَهُ المَزِيَّةُ العُظْمى، فالحُكْمُ بِهَذا النَّفْعِ الدُّنْيَوِيِّ لا يَقْتَضِي التَّسْوِيغَ، كَما أنَّ الخَمْرَ والمَيْسِرَ فِيهِما مَنافِعُ، ولا يَقْتَضِي ذَلِكَ الإباحَةَ، وما مِن شَيْءٍ مُحَرَّمٍ إلّا يَكادُ يَكُونُ فِيهِ نَفْعٌ ما. وهَذِهِ التَّأْوِيلاتُ في أفْعَلِ التَّفْضِيلِ هو عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ والبَصْرِيِّينَ في أنَّ لَفْظَةَ ”أفْعَلَ“ الَّتِي لِلتَّفْضِيلِ لا تَصِحُّ؛ حَيْثُ لا اشْتِراكَ، كَقَوْلِكَ: الثَّلْجُ أبْرَدُ مِنَ النّارِ، والنُّورُ أضْوَأُ مِنَ الظُّلْمَةِ. وقالَ الفَرّاءُ وجَماعَةٌ مِنَ الكُوفِيِّينَ: يَصِحُّ حَيْثُ الِاشْتِراكُ، وحَيْثُ لا يَكُونُ اشْتِراكٌ. وقالَ إبْراهِيمُ بْنُ عَرَفَةَ: لَفْظَةُ التَّفْضِيلِ تَجِيءُ في كَلامِ العَرَبِ إيجابًا لِلْأوَّلِ، ونَفْيًا عَنِ الثّانِي، فَعَلى قَوْلٍ، هو لا يَصِحُّ أنْ لا يَكُونَ خَيْرٌ في المُشْرِكَةِ وإنَّما هو في الأمَةِ المُؤْمِنَةِ. ﴿ولَوْ أعْجَبَتْكُمْ﴾، لَوْ: هَذِهِ بِمَعْنى إنِ الشَّرْطِيَّةِ، نَحْوَ: (رُدُّوا السّائِلَ ولَوْ بِظِلْفِ شاةٍ مُحْرَقٍ) . والواوُ في ”ولَوْ“ لِلْعَطْفِ عَلى حالٍ مَحْذُوفَةٍ، التَّقْدِيرُ: خَيْرٌ مِن مُشْرِكَةٍ عَلى كُلِّ حالٍ ولَوْ في هَذِهِ الحالِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ هَذا يَكُونُ لِاسْتِقْصاءِ الأحْوالِ، وأنَّ ما بَعْدَ ”لَوْ“ هَذِهِ إنَّما يَأْتِي وهو مُنافٍ لِما قَبْلَهُ بِوَجْهٍ ما، فالإعْجابُ مُنافٍ لَحُكْمِ الخَيْرِيَّةِ، ومُقْتَضٍ جَوازَ النِّكاحِ لِرَغْبَةِ النّاكِحِ فِيها، وأُسْنِدَ الإعْجابُ إلى ذاتِ المُشْرِكَةِ، ولَمْ يُبَيَّنِ المُعْجِبُ مِنها، فالمُرادُ مُطْلَقُ الإعْجابِ، إمّا لِجَمالٍ، أوْ شَرَفٍ، أوْ مالٍ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَقَعُ بِهِ الإعْجابُ. والمَعْنى: أنَّ المُشْرِكَةَ - وإنْ كانَتْ فائِقَةً في الجِمالِ والمالِ والنَّسَبِ - فالأمَةُ المُؤْمِنَةُ خَيْرٌ مِنها؛ لِأنَّ ما فاقَتْ بِهِ المُشْرِكَةُ يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيا، والإيمانُ يَتَعَلَّقُ بِالآخِرَةِ، والآخِرَةُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا، فَبِالتَّوافُقِ في الدِّينِ تَكْمُلُ المَحَبَّةُ ومَنافِعُ الدُّنْيا مِنَ الصُّحْبَةِ والطّاعَةِ وحِفْظِ الأمْوالِ والأوْلادِ، وبِالتَّبايُنِ في الدِّينِ لا تَحْصُلُ المَحَبَّةُ ولا شَيْءٌ مِن مَنافِعِ الدُّنْيا. ﴿ولا تُنْكِحُوا المُشْرِكِينَ حَتّى يُؤْمِنُوا﴾، القِراءَةُ بِضَمِّ التّاءِ إجْماعٌ مِنَ القُرّاءِ، والخِطابُ لِلْأوْلِياءِ، والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ، التَّقْدِيرُ: ولا تُنْكِحُوا المُشْرِكِينَ المُؤْمِناتِ، وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ المُشْرِكَ لا يَطَأُ المُؤْمِنَةَ بِوَجْهٍ ما، والنَّهْيُ هُنا لِلتَّحْرِيمِ، وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهَذا الخِطابِ عَلى الوِلايَةِ في النِّكاحِ، وأنَّ ذَلِكَ نَصٌّ فِيها. ﴿ولَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكٍ ولَوْ أعْجَبَكُمْ﴾، الكَلامُ في هَذِهِ الجُمْلَةِ كالكَلامِ في الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، والخِلافُ في المُرادِ بِالعَبْدِ: أهُوَ بِمَعْنى الرَّقِيقِ أمْ بِمَعْنى الرَّجُلِ ؟ كَهو في الأمَةِ هُناكَ، وهَلِ المَعْنى: خَيْرٌ مِن حُرٍّ مُشْرِكٍ، حَتّى يُقابِلَ العَبْدَ ؟ أوْ مِن مُشْرِكٍ عَلى الإطْلاقِ فَيَشْمَلُ العَبْدَ والحُرَّ، كَما هو في قَوْلِهِ: ”خَيْرٌ مِن مُشْرِكَةٍ“ ؟ ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إلى النّارِ﴾، هَذِهِ إشارَةٌ إلى الصِّنْفَيْنِ: المُشْرِكاتِ والمُشْرِكِينَ، و”يَدْعُونَ“ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الدُّعاءُ بِالقَوْلِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وقالُوا كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٣٥]، ويُحْتَمَلُ أنْ لا يَكُونَ القَوْلُ، بَلْ بِسَبَبِ المَحَبَّةِ والمُخالَطَةِ تَسْرِقُ إلَيْهِ مِن طِباعِ الكُفّارِ ما يَحْمِلُهُ عَلى المُوافَقَةِ لَهم في دِينِهِمْ - والعِياذُ بِاللَّهِ - فَتَكُونُ مِن أهْلِ النّارِ. وقِيلَ: مَعْناهُ يَدْعُونَ إلى تَرْكِ المُحارَبَةِ والقِتالِ، وفي تَرْكِهِما وُجُوبُ اسْتِحْقاقِ النّارِ، وتَفَرَّقَ صاحِبُ هَذا التَّأْوِيلِ بَيْنَ الذِّمِّيَّةِ وغَيْرِها؛ فَإنَّ الذِّمِّيَّةَ لا يُحْمَلُ زَوْجُها عَلى المُقاتَلَةِ. وقِيلَ: المَعْنى أنَّ الوَلَدَ الَّذِي يَحْدُثُ رُبَّما دَعاهُ الكافِرُ إلى الكُفْرِ فَيُوافِقُ؛ فَيَكُونُ مِن أهْلِ النّارِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ الآيَةِ: أنَّ الكُفّارَ يُدْعَوْنَ إلى النّارِ قَطْعًا، إمّا بِالقَوْلِ، وإمّا أنْ تُؤَدِّيَ إلَيْهِ الخِلْطَةُ والتَّآلُفُ والتَّناكُحُ، والمَعْنى: أنَّ مَن كانَ داعِيًا إلى النّارِ يَجِبُ اجْتِنابُهُ؛ لِئَلّا يَسْتَمِيلَ بِدُعائِهِ دائِمًا مُعاشِرَهُ؛ فَيُجِيبُهُ إلى ما دَعاهُ فَيَهْلَكَ. وفي هَذِهِ الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى العِلَّةِ المانِعَةِ مِنَ المُناكَحَةِ في الكُفّارِ؛ لِما هم عَلَيْهِ مِنَ الِالتِباسِ بِالمُحَرَّماتِ، مِنَ الخَمْرِ، والخِنْزِيرِ، والِانْغِماسِ في القاذُوراتِ، وتَرْبِيَةِ النَّسْلِ، وسَرِقَةِ الطِّباعِ مِن طِباعِهِمْ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا تُعادَلُ فِيهِ شَهْوَةُ النِّكاحِ في بَعْضِ ما هم عَلَيْهِ، وإذا نُظِرَ إلى هَذِهِ العِلَّةِ فَهي مَوْجُودَةٌ في كُلِّ كافِرٍ وكافِرَةٍ؛ فَتَقْتَضِي المَنعَ مِنَ المُناكَحَةِ مُطْلَقًا. وسَيَأْتِي الكَلامُ في سُورَةِ المائِدَةِ - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - ونُبْدِي هُناكَ - إنْ شاءَ اللَّهُ - كَوْنَها لا تُعارِضُ هَذِهِ. و”إلى“ مُتَعَلِّقٌ بِيَدْعُونَ، كَقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ [يونس: ٢٥]، ويَتَعَدّى أيْضًا بِاللّامِ، كَقَوْلِهِ:(p-١٦٦) ؎دَعَوْتُ لِما نابَنِي مِسْوَرًا ومَفْعُولُ يَدْعُونَ مَحْذُوفٌ، إمّا اقْتِصارًا؛ إذِ المَقْصُودُ إثْباتُ أنَّ مِن شَأْنِهِمُ الدُّعاءَ إلى النّارِ مِن غَيْرِ مُلاحَظَةِ مَفْعُولٍ خاصٍّ، وإمّا اخْتِصارًا؛ فالمَعْنى: أُولَئِكَ يَدْعُونَكم إلى النّارِ. ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى الجَنَّةِ والمَغْفِرَةِ﴾، هَذا مِمّا يُؤَكِّدُ مَنعَ مُناكَحَةِ الكُفّارِ؛ إذْ ذَكَرَ قَسِيمانِ: أحَدُهُما يَجِبُ اتِّباعُهُ، وآخَرُ يَجِبُ اجْتِنابُهُ، فَتَبايَنَ القِسْمانِ، ولا يُمْكِنُ إجابَةُ دُعاءِ اللَّهِ واتِّباعِ ما أمَرَ بِهِ إلّا بِاجْتِنابِ دُعاءِ الكُفّارِ وتَرْكِهِمْ رَأْسًا، ودُعاءُ اللَّهِ إلى اتِّباعِ دِينِهِ الَّذِي هو سَبَبٌ في دُخُولِ الجَنَّةِ، فَعَبَّرَ بِالمُسَبَّبِ عَنِ السَّبَبِ لِتَرَتُّبِهِ عَلَيْهِ. وظاهِرُ الآيَةِ الإخْبارُ عَنِ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ هو تَعالى يَدْعُو إلى الجَنَّةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي: وأوْلِياءُ اللَّهِ - وهُمُ المُؤْمِنُونَ يَدْعُونَ إلى الجَنَّةِ والمَغْفِرَةِ، وما يُوَصِّلُ إلَيْهِما؛ فَهُمُ الَّذِينَ تَجِبُ مُوالاتُهم ومُصاهَرَتُهم، وأنْ يُؤْثَرُوا عَلى غَيْرِهِمْ. انْتَهى. وحامِلُهُ عَلى أنَّ ذَلِكَ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ طَلَبُ المُعادَلَةِ بَيْنَ المُشْرِكِينَ والمُؤْمِنِينَ في الدُّعاءِ، فَلَمّا أخْبَرَ عَنْ مَن أشْرَكَ أنَّهُ يَدْعُو إلى النّارِ؛ جَعَلَ مَن آمَنَ يَدْعُو إلى الجَنَّةِ، ولا يَلْزَمُ ما ذُكِرَ، بَلْ إجْراءُ اللَّفْظِ عَلى ظاهِرِهِ مِن نِسْبَةِ الدُّعاءِ إلى اللَّهِ تَعالى هو آكَدُ في التَّباعُدِ مِنَ المُشْرِكِينَ؛ حَيْثُ جَعَلَ مُوجِدَ العالَمِ مُنافِيًا لَهم في الدُّعاءِ، فَهَذا أبْلَغُ مِنَ المُعادَلَةِ بَيْنَ المُشْرِكِينَ والمُؤْمِنِينَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”والمَغْفِرَةِ“ بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى الجَنَّةِ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى يَدْعُو إلى المَغْفِرَةِ، أيْ: إلى سَبَبِ المَغْفِرَةِ، وهي التَّوْبَةُ والتِزامُ الطّاعاتِ، وتَقَدَّمَ هُنا الجَنَّةُ عَلى المَغْفِرَةِ، وتَأخَّرَ عَنْها في قَوْلِهِ: ﴿وسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وفي قَوْلِهِ: ﴿سابِقُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ﴾ [الحديد: ٢١]، والأصْلُ فِيهِ تَقَدُّمُ المَغْفِرَةِ عَلى الجَنَّةِ؛ لِأنَّ دُخُولَ الجَنَّةِ مُتَسَبِّبٌ عَنْ حُصُولِ المَغْفِرَةِ، فَفي تِلْكَ الآيَتَيْنِ جاءَ عَلى هَذا الأصْلِ، وأمّا هُنا، فَتَقَدَّمَ ذِكْرُ الجَنَّةِ عَلى المَغْفِرَةِ لِتَحَسُّنِ المُقابَلَةِ؛ فَإنَّ قَبْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إلى النّارِ﴾، فَجاءَ ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى الجَنَّةِ﴾؛ ولِيَبْدَأ بِما تَتَشَوَّفُ إلَيْهِ النَّفْسُ حِينَ ذَكَرَ دُعاءَ اللَّهِ، فَأتى بِالأشْرَفِ لِلْأشْرَفِ، ثُمَّ أتْبَعَ بِالمَغْفِرَةِ عَلى سَبِيلِ التَّتِمَّةِ في الإحْسانِ، وتَهْيِئَةِ سَبَبِ دُخُولِ الجَنَّةِ. وقَرَأ الحَسَنُ: ”والمَغْفِرَةُ“ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ قَوْلُهُ: (بِإذْنِهِ)، أيْ: والمَغْفِرَةُ حاصِلَةٌ بِتَيْسِيرِهِ وتَسْوِيفِهِ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الإذْنِ، وعَلى قِراءاتِ الجُمْهُورِ يَكُونُ ”بِإذْنِهِ“ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ ”يَدْعُو“ . ﴿ويُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾، أيْ: يُظْهِرُها ويَكْشِفُها بِحَيْثُ لا يَحْصُلُ فِيها التِباسٌ، أيْ أنَّ هَذا التَّبْيِينَ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِناسٍ دُونَ ناسٍ، بَلْ يُظْهِرُ آياتِهِ لِكُلِّ أحَدٍ رَجاءَ أنْ يَحْصُلَ بِظُهُورِ الآياتِ تَذَكُّرٌ واتِّعاظٌ؛ لِأنَّ الآيَةَ مَتى كانَتْ جَلِيَّةً واضِحَةً، كانَتْ بِصَدَدِ أنْ يَحْصُلَ بِها التَّذَكُّرُ، فَيَحْصُلَ الِامْتِثالُ لِما دَلَّتْ عَلَيْهِ تِلْكَ الآياتُ مِن مُوافَقَةِ الأمْرِ ومُخالَفَةِ النَّهْيِ. و”لِلنّاسِ“ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”يُبَيِّنُ“، و”اللّامُ“ مَعْناها الوُصُولُ والتَّبْلِيغُ، وهو أحَدُ مَعانِيها المَذْكُورَةِ في أوَّلِ الفاتِحَةِ.

البقرة 2:222

﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ﴾، في صَحِيحٍ مُسْلِمٍ عَنْ أنَسٍ أنَّ اليَهُودَ كانَتْ إذا حاضَتِ امْرَأةٌ مِنهم أخْرَجُوها مِنَ البَيْتِ، ولَمْ يُؤاكِلُوها، ولَمْ يُشارِبُوها، ولَمْ يُجامِعُوها في البَيْتِ، فَسَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ. وقِيلَ: كانَتِ العَرَبُ عَلى ما جاءَ في هَذا الحَدِيثِ، فَسَألَ أبُو الدَّحْداحِ عَنْ ذَلِكَ، فَقالَ: كَيْفَ نَصْنَعُ بِالنِّساءِ إذا حِضْنَ ؟ فَنَزَلَتْ. وقالَ مُجاهِدٌ: كانُوا يَأْتُونَ الحُيَّضَ اسْتَثْنَوْا سُنَّةَ بَنِي إسْرائِيلَ في تَجَنُّبِ مُؤاكَلَةِ الحُيَّضِ ومُساكَنَتِها؛ فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: كانَتِ النَّصارى يُجامِعُونَ الحُيَّضَ ولا يُبالُونَ بِالحَيْضِ، واليَهُودُ يَعْتَزِلُونَهُنَّ في كُلِّ شَيْءٍ، فَأمَرَ اللَّهُ بِالِاقْتِصادِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ. وقِيلَ: سَألَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، وعَبّادُ بْنُ بَشِيرٍ عَنِ المَحِيضِ؛ فَنَزَلَتْ. وقِيلَ كانَتِ اليَهُودُ تَقُولُ: مَن أتى امْرَأةً مِن دُبُرِها جاءَ ولَدُهُ أحْوَلَ، فامْتَنَعَ نِساءُ الأنْصارِ مِن ذَلِكَ، وسُئِلَ عَنْ إتْيانِ الرَّجُلِ امْرَأتَهُ وهي حائِضٌ، وما قالَتِ اليَهُودُ؛ فَنَزَلَتْ. والضَّمِيرُ في ”ويَسْألُونَكَ“ ضَمِيرُ جَمْعٍ، فالظّاهِرُ أنَّ السّائِلَ عَنْ ذَلِكَ هو ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ الجَمْعُ، لا اثْنانِ ولا واحِدٌ، وجاءَ: ويَسْألُونَكَ هُنا، وقَبْلَهُ في: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى﴾ [البقرة: ٢٢٠]، وقَبْلَهُ: (p-١٦٧)﴿ويَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩] بِالواوِ العاطِفَةِ عَلى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩]، قِيلَ: لِأنَّ السُّؤالَ عَنِ الثَّلاثَةِ في وقْتٍ واحِدٍ؛ فَجِيءَ بِحَرْفِ الجَمْعِ لِذَلِكَ، كَأنَّهُ قِيلَ: جَمَعُوا لَكَ بَيْنَ السُّؤالِ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ، والسُّؤالِ عَنْ كَذا وكَذا. وقِيلَ هَذِهِ سُؤالاتٌ ثَلاثَةٌ بِغَيْرِ واوٍ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ﴾ [البقرة: ١٨٩]، ﴿يَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أنْفَقْتُمْ﴾ [البقرة: ٢١٥]، ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، وثَلاثَةٌ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ﴾ [البقرة: ٢١٩]، قِيلَ: إنَّها جاءَتْ بِغَيْرِ واوِ العَطْفِ لِأنَّ سُؤالَهم عَنْ تِلْكَ الحَوادِثِ وقَعَ في أوْقاتٍ مُتَبايِنَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ، فَلَمْ يُؤْتَ فِيها بِحَرْفِ العَطْفِ؛ لِأنَّ كُلًّا مِنها سُؤالٌ مُبْتَدَأٌ. انْتَهى. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها هو أنَّهُ لَمّا نَهى عَنْ مُناكَحَةِ الكُفّارِ، وتَضَمَّنَ مُناكَحَةَ أهْلِ الإيمانِ وإيثارَ ذَلِكَ، بَيَّنَ حُكْمًا عَظِيمًا مِن أحْكامِ النِّكاحِ، وهو حُكْمُ النِّكاحِ في زَمانِ الحَيْضِ. والمَحِيضُ - كَما قَرَّرْناهُ - هو مَفْعَلٌ مِنَ الحَيْضِ، يَصْلُحُ مِن حَيْثُ اللُّغَةِ لِلْمَصْدَرِ والزَّمانِ والمَكانِ، فَأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ مِنَ الأُدَباءِ زَعَمُوا أنَّ المُرادَ بِهِ المَصْدَرُ، وكَأنَّهُ قِيلَ: عَنِ الحَيْضِ، وبِهِ فَسَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وبِهِ بَدَأ ابْنُ عَطِيَّةَ قالَ: المَحِيضُ مَصْدَرٌ كالحَيْضِ، ومِثْلُهُ المَقِيلُ مِن قالَ يَقِيلُ، قالَ الرّاعِي: ؎بُنِيَتْ مَرافِقُهُنَّ فَوْقَ مَزَلَّةٍ لا يَسْتَطِيعُ بِها القُرادُ مَقِيلا وقالَ الطَّبَرِيُّ: المَحِيضُ: اسْمُ الحَيْضِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ في العَيْشِ: ؎إلَيْكَ أشْكُو شِدَّةَ المَعِيشِ ∗∗∗ ومَرَّ أعْوامٍ نَتَفْنَ رِيشِي انْتَهى كَلامُهُ. ويَظْهَرُ مِنهُ أنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ قَوْلِ: المَحِيضُ مَصْدَرٌ كالحَيْضِ، وبَيْنَ قَوْلِ الطَّبَرِيِّ: المَحِيضُ اسْمُ الحَيْضِ، ولا فَرْقَ بَيْنَهُما، يُقالُ فِيهِ مَصْدَرٌ، ويُقالُ فِيهِ اسْمُ مَصْدَرٍ، والمَعْنى واحِدٌ. والقَوْلُ بِأنَّ المَحِيضَ مَصْدَرٌ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو مَوْضِعُ الدَّمِ، وبِهِ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ؛ فَعَلى هَذا يَكُونُ المُرادُ مِنهُ المَكانُ، ورَجَّحَ كَوْنَهُ مَكانَ الدَّمِ بِقَوْلِهِ: ﴿فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيضِ﴾، فَلَوْ أُرِيدَ بِهِ المَصْدَرُ لَكانَ الظّاهِرُ مَنعَ الِاسْتِمْتاعِ بِها فِيما فَوْقَ السُّرَّةِ ودُونَ الرُّكْبَةِ غَيْرُ ثابِتٍ؛ لَزِمَ القَوْلُ بِتَطَرُّقِ النَّسْخِ، أوِ التَّخْصِيصِ، وذَلِكَ خِلافُ الأصْلِ، فَإذا حُمِلَ عَلى مَوْضِعِ الحَيْضِ كانَ المَعْنى: فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في مَوْضِعِ الحَيْضِ. قالُوا واسْتِعْمالُهُ في المَوْضِعِ أكْثَرُ وأشْهَرُ مِنهُ في المَصْدَرِ. انْتَهى. ويُمْكِنُ أنْ يُرَجَّحَ المَصْدَرُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو أذًى﴾، ومَكانُ الدَّمِ نَفْسُهُ لَيْسَ بِأذًى؛ لِأنَّ الأذى كَيْفِيَّةٌ مَخْصُوصَةٌ، وهو عَرَضٌ، والمَكانُ جِسْمٌ، والجِسْمُ لا يَكُونُ عَرَضًا. وأُجِيبُ عَنْ هَذا بِأنَّهُ يَكُونُ عَلى حَذْفٍ إذا أُرِيدَ المَكانُ، أيْ: ذُو أذًى. والخِطابُ في ”ويَسْألُونَكَ“، وفي ”قُلْ“ لِلنَّبِيِّ ﷺ والضَّمِيرُ في ”هو“ عائِدٌ عَلى المَحِيضِ، والمَعْنى: أنَّهُ يَحْصُلُ نَفْرَةٌ لِلْإنْسانِ واسْتِقْذارٌ بِسَبَبِهِ. ﴿فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيضِ﴾، تَقَدَّمَ الخِلافُ في المَحِيضِ، أهُوَ مَوْضِعُ الدَّمِ أمِ الحَيْضُ ؟ ويُحْتَمَلُ أنْ يُحْمَلَ الأوَّلُ عَلى المَصْدَرِ، والثّانِي عَلى المَكانِ، وإنْ حَمَلْنا الثّانِيَ عَلى المَصْدَرِ فَلا بُدَّ مِن حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: فاعْتَزِلُوا وطْءَ النِّساءِ في زَمانِ الحَيْضِ. واخْتُلِفَ في هَذا الِاعْتِزالِ، فَذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ، وشُرَيْحٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومالِكٌ، وأبُو حَنِيفَةَ، وأبُو يُوسُفَ، وجَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّهُ يَجِبُ اعْتِزالُ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الإزارُ، ويُعَضِّدُهُ ما صَحَّ أنَّها: (تَشُدُّ عَلَيْها إزارَها ثُمَّ شَأْنُهُ بِأعْلاها) . وذَهَبَتْ عائِشَةُ، والشَّعْبِيُّ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، والثَّوْرِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ، وداوُدُ إلى أنَّهُ لا يَجِبُ إلّا اعْتِزالُ الفَرْجِ فَقَطْ، وهو الصَّحِيحُ مِن قَوْلِ الشّافِعِيِّ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَبِيدَةَ السَّلْمانِيِّ أنَّهُ يَجِبُ اعْتِزالُ الرَّجُلِ فِراشَ زَوْجَتِهِ إذا حاضَتْ، أخْذٌ بِظاهِرِ الآيَةِ، وهو قَوْلٌ شاذٌّ. ولَمّا كانَ الحَيْضُ مَعْرُوفًا في اللُّغَةِ؛ لَمْ يَحْتَجْ إلى تَفْسِيرٍ، ولَمْ تَتَعَرَّضِ الآيَةُ لِأقَلِّهِ ولا لِأكْثَرِهِ، بَلْ دَلَّتْ عَلى وُجُوبِ اعْتِزالِ النِّساءِ في المَحِيضِ، وأقَلُّهُ عِنْدَ مالِكٍ لا حَدَّ لَهُ، بَلِ الدَّفْعَةُ مِنَ الدَّمِ عِنْدَهُ حَيْضٌ، والصُّفْرَةُ والكُدْرَةُ حَيْضٌ. والمَشْهُورُ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ أنَّ أقَلَّهُ ثَلاثَةُ أيّامٍ، وبِهِ قالَ الثَّوْرِيُّ. وقالَ عَطاءٌ (p-١٦٨)والشّافِعِيُّ: يَوْمٌ ولَيْلَةٌ. وأمّا أكْثَرُهُ فَقالَ عَطاءٌ، والشّافِعِيُّ: خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وقالَ الثَّوْرِيُّ: عَشَرَةُ أيّامٍ، وهو المَشْهُورُ عَنْ أصْحابِ أبِي حَنِيفَةَ. ومَذْهَبُ مالِكٍ في ذَلِكَ كَقَوْلِ عَطاءٍ، وخَرَجَ مِن قَوْلِ نافِعٍ سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وقِيلَ: ثَمانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا. وقالَ القُرْطُبِيُّ: رُوِيَ عَنْ مالِكٍ أنَّهُ لا وقْتَ لِقَلِيلِ الحَيْضِ ولا كَثِيرِهِ إلّا ما يُوجَدُ في النِّساءِ عادَةً. ورُوِيَ عَنِ الشّافِعِيِّ أنَّ ذَلِكَ مَرْدُودٌ إلى عُرْفِ النِّساءِ، كَقَوْلِ مالِكٍ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: الحَيْضُ إلى ثَلاثَةَ عَشَرَ، فَإذا زادَ فَهو اسْتِحاضَةٌ. وجَمِيعُ دَلائِلِ هَذا وبَقِيَّةُ أحْكامِ الحَيْضِ مَذْكُورٌ في كُتُبِ الفِقْهِ. ولَمْ تَتَعَرَّضِ الآيَةُ لِما يَجِبُ عَلى مَن وطِئَ في الحَيْضِ، واخْتَلَفَ في ذَلِكَ العُلَماءُ؛ فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ، ومالِكٌ، ويَحْيى بْنُ سَعِيدٍ، والشّافِعِيُّ، وداوُدُ: يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ولا شَيْءَ عَلَيْهِ، وقالَ مُحَمَّدٌ: يَتَصَدَّقُ بِنِصْفِ دِينارٍ، وقالَ أحْمَدُ: يَتَصَدَّقُ بِدِينارٍ أوْ نِصْفِ دِينارٍ، واسْتَحْسَنَهُ الطَّبَرِيُّ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ بِ بَغْدادَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ مِن أهْلِ الحَدِيثِ: إنْ وطِئَ في الدَّمِ فَدِينارٌ، أوْ في انْقِطاعِهِ فَنِصْفُهُ، ونَقَلَ هَذا القَوْلَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ الأوْزاعِيِّ، ونَقَلَ غَيْرُهُ عَنِ الأوْزاعِيِّ أنَّهُ إنْ وطِئَ وهي حائِضٌ يَتَصَدَّقُ بِخَمْسِينَ دِينارًا. وفي التِّرْمِذِيِّ عَنْهُ ﷺ قالَ: (إذا كانَ دَمًا أحْمَرَ فَدِينارٌ، وإنْ كانَ دَمًا أصْفَرَ فَنِصْفُ دِينارٍ) . ﴿ولا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ﴾، قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ والمُفَضَّلِ عَنْهُ ”يَطَّهَّرْنَ“ بِتَشْدِيدِ الطّاءِ والهاءِ والفَتْحِ، وأصْلُهُ ”يَتَطَهَّرْنَ“، وكَذا هي في مُصْحَفِ أُبَيٍّ، وعَبْدِ اللَّهِ. وقَرَأ الباقُونَ مِنَ السَّبْعَةِ ”يَطْهُرْنَ“: مُضارِعُ طَهُرَ. وفي مُصْحَفِ أنَسٍ: ”ولا تَقْرَبُوا النِّساءَ في مَحِيضِهِنَّ واعْتَزِلُوهُنَّ حَتّى يَتَطَهَّرْنَ“، ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ هَذا عَلى التَّفْسِيرِ لا عَلى أنَّهُ قُرْآنٌ؛ لِكَثْرَةِ مُخالَفَتِهِ السَّوادَ، ورَجَّحَ الفارِسِيُّ ”يَطْهُرْنَ“ بِالتَّخْفِيفِ؛ إذْ هو ثُلاثِيٌّ مُضادٌّ لِطَمِثَتْ وهو ثُلاثِيٌّ. ورَجَّحَ الطَّبَرِيُّ التَّشْدِيدَ، وقالَ: هي بِمَعْنى تَغْتَسِلْنَ لِإجْماعِ الجَمِيعِ عَلى أنَّهُ حَرامٌ عَلى الرَّجُلِ أنْ يَقْرَبَ امْرَأتَهُ بَعْدَ انْقِطاعِ الدَّمِ حَتّى تَطْهُرَ، قالَ: وإنَّما الخِلافُ في الطُّهْرِ ما هو. انْتَهى كَلامُهُ. قِيلَ: وقِراءَةُ التَّشْدِيدِ مَعْناها حَتّى يَغْتَسِلْنَ، وقِراءَةُ التَّخْفِيفِ مَعْناها يَنْقَطِعُ دَمُهُنَّ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ، وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ: كُلُّ واحِدٍ مِنَ القِراءَتَيْنِ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِها الِاغْتِسالُ بِالماءِ، وأنْ يُرادَ بِها انْقِطاعُ الدَّمِ وزَوالُ أذاهُ، قالَ: وما ذَهَبَ إلَيْهِ الطَّبَرِيُّ مِن أنَّ قِراءَةَ تَشْدِيدِ الطّاءِ مُضَمَّنُها الِاغْتِسالُ، وقِراءَةَ التَّخْفِيفِ مُضَمَّنُها انْقِطاعُ الدَّمِ؛ أمْرٌ غَيْرُ لازِمٍ، وكَذَلِكَ ادِّعاؤُهُ الإجْماعَ أنَّهُ لا خِلافَ في كَراهَةِ الوَطْءِ قَبْلَ الِاغْتِسالِ. انْتَهى ما في كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ. وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ﴾ هو كِنايَةٌ عَنِ الجِماعِ، ومُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيضِ﴾ . وظاهِرُ الِاعْتِزالِ والقُرْبانِ أنَّهُما لا يَتَماسّانِ، ولَكِنْ بَيَّنَتِ السُّنَّةُ أنَّهُ اعْتِزالٌ وقُرْبانٌ خاصٌّ، ومِنَ اخْتِلافِهِمْ في أقَلِّ الحَيْضِ وأكْثَرِهِ يُعْرَفُ اخْتِلافُهم في أقَلِّ الطُّهْرِ وأكْثَرِهِ. ﴿فَإذا تَطَهَّرْنَ﴾، أيِ: اغْتَسَلْنَ بِالماءِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والخِلافُ في مَعْناهُ كَما تَقَدَّمَ مِنَ التَّطْهِيرِ بِالماءِ أوِ انْقِطاعِ الدَّمِ، وقالَ مُجاهِدٌ وجَماعَةٌ هُنا: إنَّهُ أُرِيدَ الغُسْلُ بِالماءِ، ولا بُدَّ لِقَرِينَةِ الأمْرِ بِالإتْيانِ، وإنْ كانَ قُرْبُهُنَّ قَبْلَ الغُسْلِ مُباحًا، لَكِنْ لا تَقَعُ صِيغَةُ الأمْرِ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلّا عَلى الوَجْهِ الأكْمَلِ، وإذا كانَ التَّطَهُّرُ الغُسْلَ بِالماءِ، فَمَذْهَبُ مالِكٍ والشّافِعِيِّ وجَماعَةٍ أنَّهُ كَغُسْلِ الجَنابَةِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةَ، والحَسَنِ. وقالَ طاوُسٌ، ومُجاهِدٌ: الوُضُوءُ كافٍ في إباحَةِ الوَطْءِ. وذَهَبَ الأوْزاعِيُّ إلى أنَّ المُبِيحَ لِلْوَطْءِ: هو غَسْلُ مَحَلِّ الوَطْءِ بِالماءِ، وبِهِ قالَ ابْنُ حَزْمٍ. وسَبَبُ الخِلافِ أنْ يُحْمَلَ التَّطَهُّرُ بِالماءِ عَلى التَّطَهُّرِ الشَّرْعِيِّ أوِ اللُّغَوِيِّ، فَمَن حَمَلَهُ عَلى اللُّغَوِيِّ قالَ: تَغْسِلُ مَكانَ الأذى بِالماءِ، ومَن حَمَلَهُ عَلى الشَّرْعِيِّ حَمَلَهُ عَلى أخَفِّ النَّوْعَيْنِ وهو الوُضُوءُ؛ لِمُراعاةِ الخِفَّةِ. أوْ عَلى أكْمَلِ النَّوْعَيْنِ، وهو أنْ تَغْتَسِلَ كَما تَغْتَسِلَ لِلْجَنابَةِ؛ إذْ بِهِ يَتَحَقَّقُ البَراءَةُ مِنَ العُهْدَةِ. والِاغْتِسالُ بِالماءِ مُسْتَلْزِمٌ لِحُصُولِ انْقِطاعِ الدَّمِ؛ لِأنَّهُ لا يُشْرَعُ إلّا بَعْدَهُ. وإذا قُلْنا: لا بُدَّ (p-١٦٩)مِنَ الغُسْلِ كَغُسْلِ الجَنابَةِ، فاخْتُلِفَ في الذِّمِّيَّةِ: هَلْ تُجْبَرُ عَلى الغُسْلِ مِنَ الحَيْضِ ؟ فَمَن رَأى أنَّ الغُسْلَ عِبادَةٌ قالَ لا يَلْزَمُها؛ لِأنَّ نِيَّةَ العِبادَةِ لا تَصِحُّ مِنَ الكافِرِ، ومَن لَمْ يَرَ ذَلِكَ عِبادَةً، بَلِ الِاغْتِسالُ مِن حَقِّ الزَّوْجِ لِإحْلالِها لِلْوَطْءِ؛ قالَ: تُجْبَرُ عَلى الغُسْلِ. ومَن أوْجَبَ الغُسْلَ فَصِفَتُهُ ما رُوِيَ في الصَّحِيحِ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ أنَّها سَألَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ غُسْلِ الحَيْضَةِ فَقالَ: (تَأْخُذُ إحْداكُنَّ ماءَها وسِدْرَها، وتَتَطَهَّرَ فَتُحْسِنُ الطَّهُورَ، ثُمَّ تَصُبُّ الماءَ عَلى رَأْسِها وتَضْغَطُهُ حَتّى يَبْلُغَ أُصُولَ شَعْرِها، ثُمَّ تَفِيضُ الماءَ عَلى سائِرِ بَدَنِها) . ﴿فَأْتُوهُنَّ﴾، هَذا أمْرٌ يُرادُ بِهِ الإباحَةُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا﴾ [المائدة: ٢]، ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا﴾ [الجمعة: ١٠]، وكَثِيرًا ما يَعْقُبُ أمْرُ الإباحَةِ التَّحْرِيمَ، وهو كِنايَةٌ عَنِ الجِماعِ. ﴿مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾، حَيْثُ: ظَرْفُ مَكانٍ، فالمَعْنى مِنَ الجِهَةِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ تَعالى، وهو القُبُلُ؛ لِأنَّهُ هو المَنهِيُّ عَنْهُ في حالِ الحَيْضِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والرَّبِيعُ. أوْ مِن قِبَلِ طُهْرِهِنَّ لا مِن قِبَلِ حَيْضِهِنَّ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وأبُو رَزِينٍ، والسُّدِّيُّ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ويَصِيرُ المَعْنى: فَأْتُوهُنَّ في الطُّهْرِ لا في الحَيْضِ، أوْ مِن قِبَلِ النِّكاحِ لا مِن قِبَلِ الفُجُورِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ، أوْ مِن حَيْثُ أحَلَّ لَكم غِشْيانَهُنَّ بِأنْ لا يَكُنَّ صائِماتٍ ولا مُعْتَكِفاتٍ ولا مُحْرِماتٍ، قالَهُ الأصَمُّ. والأوَّلُ أظْهَرُ؛ لِأنَّ حَمْلَ ”حَيْثُ“ عَلى المَكانِ والمَوْضِعِ هو الحَقِيقَةُ، وما سِواهُ مَجازٌ. وإذا حُمِلَ عَلى الأظْهَرِ كانَ في ذَلِكَ رَدٌّ عَلى مَن أباحَ إتْيانَ النِّساءِ في أدْبارِهِنَّ، قِيلَ: وقَدِ انْعَقَدَ الإجْماعُ عَلى تَحْرِيمِ ذَلِكَ، وما رُوِيَ مِن إباحَةِ ذَلِكَ عَنْ أحَدٍ مِنَ العُلَماءِ فَهو مُخْتَلِفٌ غَيْرُ صَحِيحٍ، والمَعْنى في: أمَرَكُمُ اللَّهُ بِاعْتِزالِهِنَّ وهو الفَرْجُ، أوْ مِنَ السُّرَّةِ إلى الرُّكْبَتَيْنِ. ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ﴾، أيِ: الرّاجِعِينَ إلى الخَيْرِ. وجاءَ عَقِبَ الأمْرِ والنَّهْيِ إيذانًا بِقَبُولِ تَوْبَةِ مَن يَقَعُ مِنهُ خِلافُ ما شُرِعَ لَهُ، وهو عامٌّ في التَّوّابِينَ مِنَ الذُّنُوبِ. ﴿ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾، أيِ: المُبَرَّئِينَ مِنَ الفَواحِشِ، وخَصَّهُ بَعْضُهم بِأنَّهُ التّائِبُ مِنَ الشِّرْكِ، والمُتَطَهِّرُ مِنَ الذُّنُوبِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ. أوْ بِالعَكْسِ، قالَهُ عَطاءٌ، ومُقاتِلٌ. وبَعْضُهم خَصَّهُ بِالتّائِبِ مِنَ المُجامَعَةِ في الحَيْضِ. وقالَ مُجاهِدٌ: مِن إتْيانِ النِّساءِ في أدْبارِهِنَّ في أيّامِ حَيْضِهِنَّ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: التَّوّابِينَ مِنَ الكُفْرِ المُتَطَهِّرِينَ بِالإيمانِ. وقالَ القَتّادُ: التَّوّابِينَ مِنَ الكَبائِرِ والمُتَطَهِّرِينَ مِنَ الصَّغائِرِ. وقِيلَ: التَّوّابِينَ مِنَ الذُّنُوبِ والمُتَطَهِّرِينَ مِنَ العُيُوبِ. وقالَ عَطاءٌ أيْضًا: المُتَطَهِّرِينَ بِالماءِ. وقِيلَ: مِن أدْبارِ النِّساءِ فَلا يَتَلَوَّثُونَ بِالذَّنْبِ بَعْدَ التَّوْبَةِ، كَأنَّ هَذا القَوْلَ نَظِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى - حِكايَةً عَنْ قَوْمِ لُوطٍ: ﴿أخْرِجُوهم مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٨٢] . والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في صَدْرِ الآيَةِ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ﴾، ودَلَّ السَّبَبُ عَلى أنَّهم كانَتْ لَهم حالَةٌ يَرْتَكِبُونَها حالَةَ الحَيْضِ، مِن مُجامَعَتِهِنَّ في الحَيْضِ في الفَرْجِ، أوْ في الدُّبُرِ، ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِالمَنعِ مِن ذَلِكَ - وذَلِكَ في حالَةِ الحَيْضِ - في الفَرْجِ أوْ في الدُّبُرِ، ثُمَّ أباحَ الإتْيانَ في الفَرْجِ بَعْدَ انْقِطاعِ الدَّمِ والتَّطَهُّرِ الَّذِي هو واجِبٌ عَلى المَرْأةِ لِأجْلِ الزَّوْجِ، وإنْ كانَ لَيْسَ مَأْمُورًا بِهِ في لَفْظِ الآيَةِ، فَأثْنى اللَّهُ تَعالى عَلى مَنِ امْتَثَلَ أمْرَ اللَّهِ تَعالى، ورَجَعَ عَنْ فِعْلِ الجاهِلِيَّةِ إلى ما شَرَعَهُ تَعالى، وأثْنى عَلى مَنِ امْتَثَلَتْ أمْرَهُ تَعالى في مَشْرُوعِيَّةِ التَّطَهُّرِ بِالماءِ، وأبْرَزَ ذَلِكَ في صُورَتَيْنِ عامَّتَيْنِ، اسْتَدْرَجَ الأزْواجَ والزَّوْجاتِ في ذَلِكَ؛ فَقالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ﴾، أيِ: الرّاجِعِينَ إلى ما شَرَعَ، ﴿ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾ بِالماءِ فِيما شُرِعَ فِيهِ ذَلِكَ، فَكانَ خَتْمُ الآيَةِ بِمَحَبَّةِ اللَّهِ مَنِ انْدَرَجَ فِيهِ الأزْواجُ والزَّوْجاتُ. وذَكَرَ الفِعْلَ لِيَدُلَّ عَلى اخْتِلافِ الجِهَتَيْنِ مِنَ التَّوْبَةِ والتَّطَهُّرِ، وأنَّ لِكُلٍّ مِنَ الوَصْفَيْنِ مَحَبَّةً مِنَ اللَّهِ يَخُصُّ ذَلِكَ الوَصْفَ، أوْ كَرَّرَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ. وقَدْ أثْنى اللَّهُ تَعالى عَلى أهْلِ قُباءَ بِقَوْلِهِ: ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا واللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨] . وسَألَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ السَّبَبِ الَّذِي أثْنى اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ، فَقالُوا: كُنّا نَجْمَعُ (p-١٧٠)بَيْنَ الِاسْتِجْمارِ والِاسْتِنْجاءِ بِالماءِ، أوْ كَلامًا هَذا مَعْناهُ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: ”المُطَّهِّرِينَ“ بِإدْغامِ التّاءِ في الطّاءِ، إذْ أصْلُهُ المُتَطَهِّرِينَ.

البقرة 2:223

﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾، في البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ: أنَّ اليَهُودَ كانَتْ تَقُولُ في الَّذِي يَأْتِي امْرَأتَهُ مِن دُبُرِها في قُبُلِها إنَّ الوَلَدَ يَكُونُ أحْوَلَ؛ فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: سَبَبُ النُّزُولِ كَراهَةُ نِساءِ الأنْصارِ ذَلِكَ لَمّا تَزَوَّجَهُمُ المُهاجِرُونَ، وكانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِ مَكَّةَ، يَتَلَذَّذُونَ بِالنِّساءِ مُقْبِلاتٍ ومُدْبِراتٍ، رَوى مَعْناهُ الحاكِمُ في صَحِيحِهِ. وقِيلَ: سَبَبُ ذَلِكَ «أنَّ بَعْضَ الصَّحابَةِ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: هَلَكْتُ، فَقالَ: (وما الَّذِي أهْلَكَكَ ؟) قالَ: حَوَّلْتُ رَحْلِيَ اللَّيْلَةَ، فَنَزَلَتْ» . ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّهُ لَمّا تَقَدَّمَ: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وكانَ الإطْلاقُ يَقْتَضِي تَسْوِيغَ إتْيانِهِنَّ عَلى سائِرِ أحْوالِ الإتْيانِ؛ أكَّدَ ذَلِكَ بِأنْ نَصَّ بِما يَدُلُّ عَلى سائِرِ الكَيْفِيّاتِ، وبَيَّنَ أيْضًا المَحَلَّ بِجَعْلِهِ حَرْثًا، وهو القُبُلُ، والحَرْثُ كَما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ البَقَرَةِ: شَقُّ الأرْضِ لِلزَّرْعِ، ثُمَّ سُمِّيَ الزَّرْعُ حَرْثًا: ﴿أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ﴾ [آل عمران: ١١٧]، وسُمِّيَ الكَسْبُ حَرْثًا، قالَ الشّاعِرُ: ؎إذا أكَلَ الجَرادُ حُرُوثَ قَوْمٍ فَحَرْثِي هَمُّهُ أكْلُ الجَرادِ قالُوا: يُرِيدُ فامْرَأتِي، وأنْشَدَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى: ؎إنَّما الأرْحامُ أرَضُو ∗∗∗ نَ لَنا مُحْتَرَثاتُ ؎فَعَلَيْنا الزَّرْعُ فِيها ∗∗∗ وعَلى اللَّهِ النَّباتُ وهَذِهِ الجُمْلَةُ جاءَتْ بَيانًا وتَوْضِيحًا لِقَوْلِهِ: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وهو المَكانُ المَمْنُوعُ مِنَ اسْتِعْمالِهِ وقْتَ الحَيْضِ، ودَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الغَرَضَ الأصِيلَ هو طَلَبُ النَّسْلِ: (تَناكَحُوا فَإنِّي مُكاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ يَوْمَ القِيامَةِ)، لا قَضاءُ الشَّهْوَةِ فَقَطْ، فَأْتُوا النِّساءَ مِنَ المَسْلَكِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الغَرَضُ الأصْلِيُّ، وهو القُبُلُ. و”نِساؤُكم“ مُبْتَدَأٌ، و”حَرْثٌ لَكم“ خَبَرٌ، إمّا عَلى حَذْفِ أداةِ التَّشْبِيهِ، أيْ: كَحَرْثٍ لَكم، ويَكُونُ نِساؤُكم عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: وطْءُ نِسائِكم كالحَرْثِ لَكم، شَبَّهَ الجِماعَ بِالحَرْثِ؛ إذِ النُّطْفَةُ كالبَذْرِ، والرَّحِمُ كالأرْضِ، والوَلَدُ كالنَّباتِ، وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: مَوْضِعُ حَرْثٍ لَكم، وهَذِهِ الكِنايَةُ في النِّكاحِ مِن بَدِيعِ كِناياتِ القُرْآنِ. قالُوا: وهو مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَأْكُلُ الطَّعامَ﴾ [الفرقان: ٧]، ومِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿وأرْضًا لَمْ تَطَئُوها﴾ [الأحزاب: ٢٧]، عَلى قَوْلِ مَن فَسَّرَهُ بِالنِّساءِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ”حَرْثٌ لَكم“ بِمَعْنى: مَحْرُوثَةٌ لَكم؛ فَيَكُونُ مِن بابِ إطْلاقِ المَصْدَرِ، ويُرادُ بِهِ اسْمُ المَفْعُولِ. وفي لَفْظَةِ ”حَرْثٌ لَكم“ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ القُبُلُ لا الدُّبُرُ. قالَ الماتُرِيدِيُّ: أيْ مُزْدَرَعٌ لَكم، وفِيها دَلِيلٌ عَلى النَّهْيِ عَنِ امْتِناعِ وطْءِ النِّساءِ؛ لِأنَّ المُزْدَرَعَ إذا تُرِكَ ضاعَ، ودَلِيلٌ عَلى إباحَةِ الوَطْءِ لِطَلَبِ النَّسْلِ والوَلَدِ، لا لِقَضاءِ الشَّهْوَةِ. انْتَهى كَلامُهُ. وفَرَّقَ الرّاغِبُ بَيْنَ الحَرْثِ والزَّرْعِ، فَقالَ: الحَرْثُ إلْقاءُ البَذْرِ وتَهْيِئَةُ الأرْضِ، والزَّرْعُ مُراعاتُهُ وإنْباتُهُ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣] ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٤]، أثْبَتَ لَهُمُ الحَرْثَ ونَفى عَنْهُمُ الزَّرْعَ. ﴿فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾، الإتْيانُ كِنايَةٌ عَنِ الوَطْءِ، وجاءَ ”حَرْثٌ لَكم“ نَكِرَةً لِأنَّهُ الأصْلُ في الخَبَرِ؛ ولِأنَّهُ كانَ المَجْهُولُ، فَأفادَتْ نِسْبَتُهُ إلى المُبْتَدَإ جَوازَ الِاسْتِمْتاعِ بِهِ شَرْعًا، وجاءَ: ”فَأْتُوا حَرْثَكم“ مَعْرِفَةً؛ لِأنَّ في الإضافَةِ حَوالَةً عَلى شَيْءٍ سَبَقَ، واخْتِصاصًا بِما أُضِيفَ إلَيْهِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ أنْ تَقُولَ: زَيْدٌ مَمْلُوكٌ لَكَ فَأحْسِنْ إلى مَمْلُوكِكَ. وإذا تَقَدَّمَتْ نَكِرَةٌ وأعَدْتَ اللَّفْظَ، فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ مَعْرِفَةً، إمّا بِالألِفِ واللّامِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٦]، وإمّا بِالإضافَةِ كَهَذا. وأنّى: بِمَعْنى كَيْفَ بِالنِّسْبَةِ إلى العَزْلِ وتَرْكِ العَزْلِ. قالَهُ ابْنُ المُسَيَّبِ: فَتَكُونُ الكَيْفِيَّةُ مَقْصُورَةً عَلى هَذَيْنِ الحالَيْنِ، أوْ بِمَعْنى كَيْفَ عَلى الإطْلاقِ في أحْوالِ المَرْأةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والرَّبِيعُ؛ فَتَكُونُ دَلَّتْ عَلى جَوازِ الوَطْءِ لِلْمَرْأةِ في أيِّ حالٍ شاءَها الواطِئُ، مُقْبِلَةً ومُدْبِرَةً، عَلى أيِّ شِقٍّ، وقائِمَةً ومُضْطَجِعَةً، وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الأحْوالِ، وذَلِكَ في مَكانِ الحَرْثِ، أوْ بِمَعْنى مَتى، (p-١٧١)قالَهُ الضَّحّاكُ؛ فَيَكُونُ إذْ ذاكَ ظَرْفُ زَمانٍ، ويَكُونُ المَعْنى: فَأْتُوا حَرْثَكم في أيِّ زَمانٍ أرَدْتُمْ. وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ ”أنّى“ بِمَعْنى أيْ، والمَعْنى: عَلى أيِّ صِفَةٍ شِئْتُمْ؛ فَيَكُونُ عَلى هَذا تَخْيِيرًا في الخِلالِ والهَيْئَةِ، أيْ: أقْبِلْ وأدْبِرْ واتَّقِ الدُّبُرَ والحَيْضَةَ، وقَدْ وقَعَ هَذا مُفَسَّرًا في بَعْضِ الأحادِيثِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: (ذَلِكَ لا يُبالى بِهِ بَعْدَ أنْ يَكُونَ في صِمامٍ واحِدٍ) . والصِّمامُ: رَأسُ القارُورَةِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: ”أنّى“ بِمَعْنى: أيْنَ، فَجَعَلَها مَكانًا، واسْتَدَلَّ بِهَذا عَلى جَوازِ نِكاحِ المَرْأةِ في دُبُرِها، ومِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ إباحَةُ ذَلِكَ: مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ، وابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مِنَ الصَّحابَةِ، ومالِكٌ، ووَقَعَ ذَلِكَ في العُتَبِيَّةِ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ تَكْفِيرُ مَن فَعَلَ ذَلِكَ وإنْكارُهُ، ورُوِيَ عَنْ مالِكٍ إنْكارُ ذَلِكَ، وسُئِلَ فَقِيلَ: يَزْعُمُونَ أنَّكَ تُبِيحُ إتْيانَ النِّساءِ في أدْبارِهِنَّ ؟ فَقالَ: مَعاذَ اللَّهِ، ألَمْ تَسْمَعُوا قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾، وأنّى يَكُونُ الحَرْثُ إلّا في مَوْضِعِ البَذْرِ ؟ ونُقِلَ مِثْلُ هَذا عَنِ الشّافِعِيِّ، وأبِي حَنِيفَةَ، ونُقِلَ جَوازُ ذَلِكَ عَنْ: نافِعٍ، وجَعْفَرٍ الصّادِقِ، وهو اخْتِيارُ المُرْتَضى مِن أئِمَّةِ الشِّيعَةِ، وذُكِرَ في (المُنْتَخَبِ) ما اسْتُدِلَّ بِهِ لِهَذا المَذْهَبِ وما رُدَّ بِهِ، فَيُطالَعُ هُناكَ؛ إذْ كِتابُنا هَذا لَيْسَ مَوْضُوعًا لِذِكْرِ دَلائِلِ الفِقْهِ إلّا بِمِقْدارِ ما يَتَعَلَّقُ بِالآيَةِ. وقَدْ رَوى تَحْرِيمَ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اثْنا عَشَرَ صَحابِيًّا بِألْفاظٍ مُخْتَلِفَةٍ كُلُّها تَدُلُّ عَلى التَّحْرِيمِ، ذَكَرَها أحْمَدُ في (مُسْنَدِهِ)، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وغَيْرُهم، وقَدْ جَمَعَها أبُو الفَرَجِ بْنُ الجَوْزِيِّ بِطُرُقِها في جُزْءٍ سَمّاهُ (تَحْرِيمُ المَحَلِّ المَكْرُوهِ) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولا يَنْبَغِي لِمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يُعَرِّجَ في هَذِهِ النّازِلَةِ عَلى زَلَّةِ عالِمٍ، وقالَ أيْضًا: ﴿أنّى شِئْتُمْ﴾: مَعْناهُ عِنْدَ جُمْهُورِ العُلَماءِ مِن صَحابَةٍ، وتابِعِينَ، وأئِمَّةٍ: مِن أيِّ وجْهٍ شِئْتُمْ، مَعْناهُ: مُقْبِلَةً ومُدْبِرَةً عَلى جَنْبٍ، و”أنّى“: إنَّما يَجِيءُ سُؤالًا وإخْبارًا عَلى أمْرٍ لَهُ جِهاتٌ، فَهي أعَمُّ في اللُّغَةِ مِن ”كَيْفَ“، ومِن ”أيْنَ“، ومِن ”مَتى“ . هَذا هو الِاسْتِعْمالُ العَرَبِيُّ. وقَدْ فَسَّرَ النّاسُ (أنّى) في هَذِهِ الآيَةِ بِهَذِهِ الألْفاظِ، وفَسَّرَها سِيبَوَيْهِ بِكَيْفَ، ومِن أيْنَ بِاجْتِماعِهِما ؟ وقالَ النَّحْوِيُّونَ: (أنّى) لِتَعْمِيمِ الأحْوالِ، وقَدْ تَأْتِي (أنّى) بِمَعْنى ”مَتى“ وبِمَعْنى ”أيْنَ“ وتَكُونُ اسْتِفْهامًا وشَرْطًا، وجَعَلُوها في الشَّرْطِيَّةِ ظَرْفَ مَكانٍ فَقَطْ. وإذا كانَ غالِبُ مَدْلُولِها في اللُّغَةِ أنَّها لِلْأحْوالِ، فَلا حُجَّةَ لِمَن تَعَلَّقَ بِأنَّها تَدُلُّ عَلى تَعْمِيمِ مَواضِعِ الإتْيانِ؛ فَتَكُونُ بِمَعْنى ”أيْنَ“ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَوْلُهُ: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾ تَمْثِيلٌ، أيْ: فَأْتُوهُنَّ كَما تَأْتُونَ أراضِيكُمُ الَّتِي تُرِيدُونَ أنْ تَحْرُثُوها، مِن أيِّ جِهَةٍ شِئْتُمْ، لا تُحْظَرُ عَلَيْكم جِهَةٌ دُونِ جِهَةِ، والمَعْنى: جامِعُوهُنَّ مِن أيِّ شِقٍّ أرَدْتُمْ بَعْدَ أنْ يَكُونَ المَأْتى واحِدًا، وهو مَوْضِعُ الحَرْثِ. وقَوْلُهُ: ﴿هُوَ أذًى فاعْتَزِلُوا النِّساءَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، ﴿مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، ﴿فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾ مِنَ الكِناياتِ اللَّطِيفَةِ، والتَّعَرُّضاتِ المُسْتَحْسَنَةِ، فَهَذِهِ وأشْباهُها في كَلامِ اللَّهِ تَعالى آدابٌ حَسَنَةٌ، عَلى المُؤْمِنِينَ أنْ يَتَعَلَّمُوها ويَتَأدَّبُوا بِها، ويَتَكَلَّفُوا مِثْلَها في مُحاوَراتِهِمْ ومُكاتَباتِهِمْ. انْتَهى كَلامُهُ. وهو حَسَنٌ. قالُوا: والعامِلُ في أنّى، فَأْتُوا. وهَذا الَّذِي قالُوهُ لا يَصِحُّ؛ لِأنّا قَدْ ذَكَرْنا أنَّها تَكُونُ اسْتِفْهامًا أوْ شَرْطًا، لا جائِزَ أنْ تَكُونَ هُنا شَرْطًا؛ لِأنَّها إذْ ذاكَ تَكُونُ ظَرْفَ مَكانٍ؛ فَيَكُونُ ذَلِكَ مُبِيحًا لِإتْيانِ النِّساءِ في غَيْرِ القُبُلِ، وقَدْ ثَبَتَ تَحْرِيمُ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعَلى تَقْدِيرِ الشَّرْطِيَّةِ يَمْتَنِعُ أنْ يَعْمَلَ في الظَّرْفِ الشَّرْطِيِّ ما قَبْلَهُ؛ لِأنَّهُ مَعْمُولٌ لِفِعْلِ الشَّرْطِ، كَما أنَّ فِعْلَ الشَّرْطِ مَعْمُولٌ لَهُ، ولا جائِزَ أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا؛ لِأنَّها إذا كانَتِ اسْتِفْهامًا اكْتَفَتْ بِما بَعْدَها مِن فِعْلٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ﴾ [آل عمران: ٤٧]، ومِنَ اسْمٍ كَقَوْلِهِ: ﴿أنّى لَكِ هَذا﴾ [آل عمران: ٣٧]، ولا يَفْتَقِرُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وهُنا يَظْهَرُ افْتِقارُها وتَعَلُّقُها بِما قَبْلَها. وعَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا لا يَعْمَلُ فِيها ما قَبْلَها، وأنَّها تَكُونُ مَعْمُولَةً لِلْفِعْلِ بَعْدَها، فَتَبَيَّنَ عَلى وجْهَيْ (أنّى) أنَّها لا تَكُونُ مَعْمُولَةً لِما قَبْلَها، وهَذا مِنَ المَواضِعِ المُشْكِلَةِ الَّتِي تَحْتاجُ إلى فِكْرٍ (p-١٧٢)ونَظَرٍ. والَّذِي يَظْهَرُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّها تَكُونُ شَرْطًا لِافْتِقارِها إلى جُمْلَةٍ غَيْرِ الجُمْلَةِ الَّتِي بَعْدَها، وتَكُونُ قَدْ جُعِلَتْ فِيها الأحْوالُ، كَجَعْلِ الظُّرُوفِ المَكانِيَّةِ، وأُجْرِيَتْ مَجْراها تَشْبِيهًا لِلْحالِ بِالظَّرْفِ المَكانِيِّ، وقَدْ جاءَ نَظِيرُ ذَلِكَ في لَفْظِ ”كَيْفَ“، خَرَجَ بِهِ عَنِ الِاسْتِفْهامِ إلى مَعْنى الشَّرْطِ في قَوْلِهِمْ: كَيْفَ تَكُونُ أكُونُ، وقالَ تَعالى: ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ﴾ [المائدة: ٦٤]؛ فَلا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ هُنا اسْتِفْهامًا، وإنَّما لُحِظَ فِيها مَعْنى الشَّرْطِ وارْتِباطِ الجُمْلَةِ بِالأُخْرى وجَوابُ الجُمْلَةِ مَحْذُوفٌ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، تَقْدِيرُهُ: أنّى شِئْتُمْ فَأْتُوهُ، وكَيْفَ يَشاءُ يُنْفِقُ، كَما حُذِفَ جَوابُ الشَّرْطِ في قَوْلِكَ: اضْرِبْ زَيْدًا أنّى لَقِيتَهُ، التَّقْدِيرُ: أنّى لَقِيتَهُ فاضْرِبْهُ. فَإنْ قُلْتَ: قَدْ أخْرَجْتَ (أنّى) عَنِ الظَّرْفِيَّةِ الحَقِيقِيَّةِ وأبْقَيْتَها لِتَعْمِيمِ الأحْوالِ، مِثْلَ ”كَيْفَ“ وجَعَلْتَها مُقْتَضِيَةً لِجُمْلَةٍ أُخْرى كَجُمْلَةِ الشَّرْطِ، فَهَلِ الفِعْلُ الماضِي الَّذِي هو (شِئْتُمْ) في مَوْضِعِ جَزْمٍ كَحالِها إذا كانَتْ ظَرْفًا ؟ أمْ هو في مَوْضِعِ رَفْعٍ كَهو بَعْدَ ”كَيْفَ“ في قَوْلِهِمْ: كَيْفَ تَصْنَعُ أصْنَعُ ؟ فالجَوابُ أنَّهُ يُحْتَمَلُ الأمْرَيْنِ، لَكِنْ يُرَجَّحُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ جَزْمٍ؛ لِأنَّهُ قَدِ اسْتَقَرَّ الجَزْمُ بِها إذا كانَتْ ظَرْفًا صَرِيحًا، غايَةُ ما في ذَلِكَ تَشْبِيهُ الأحْوالِ بِالظُّرُوفِ، وبَيْنَهُما عِلاقَةٌ واضِحَةٌ؛ إذْ كُلٌّ مِنهُما عَلى مَعْنى ”في“، بِخِلافِ ”كَيْفَ“ فَإنَّهُ لَمْ يَسْتَقِرَّ فِيها الجَزْمُ، ومَن أجازَ الجَزْمَ بِها فَإنَّما قالَهُ بِالقِياسِ، والمَحْفُوظُ عَنِ العَرَبِ الرَّفْعُ في الفِعْلِ بَعْدَها، حَيْثُ يَقْتَضِي جُمْلَةً أُخْرى. ﴿وقَدِّمُوا لِأنْفُسِكُمْ﴾، مَفْعُولُ قَدِّمُوا مَحْذُوفٌ، فَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: ذِكْرَ اللَّهِ عِنْدَ القُرْبانِ أوْ طَلَبِ الوَلَدِ والإفْراطِ شُفَعاءَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. أوْ: الخَيْرَ، قالَهُ السُّدِّيُّ. أوْ: قَدَمَ صِدْقٍ، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ. أوِ: الأجْرَ في تَجَنُّبِ ما نُهِيتُمْ وامْتِثالِ ما أُمِرْتُمْ بِهِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. أوْ: ذِكْرَ اللَّهِ عَلى الجِماعِ، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: (لَوْ أنَّ أحَدَكم إذا أتى امْرَأتَهُ قالَ: اللَّهُمَّ جَنِّبْنا الشَّيْطانَ وجَنِّبِ الشَّيْطانَ ما رَزَقْتَنا، فَقُضِيَ بَيْنَهُما ولَدٌ لَمْ يَضُرَّهُ) . أوِ التَّسْمِيَةَ عَلى الوَطْءِ، حَكاهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. أوْ: ما يَجِبُ تَقْدِيمُهُ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، وهو خِلافُ ما نَهَيْتُكم عَنْهُ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهو قَوْلٌ مُرَكَّبٌ مِن قَوْلِ مَن قَبْلَهُ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ المَعْنى: وقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم طاعَةَ اللَّهِ، وامْتِثالَهُ ما أمَرَ، واجْتِنابَ ما نَهى عَنْهُ؛ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ أمْرٌ ونَهْيٌ، وهو الخَيْرُ الَّذِي ذَكَرَهُ في قَوْلِهِ: ﴿وما تُقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٠]؛ ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ (واتَّقُوا اللَّهَ)، أيِ: اتَّقَوُا اللَّهَ فِيما أمَرَكم بِهِ ونَهاكم عَنْهُ، وهو تَحْذِيرٌ لَهم مِنَ المُخالَفَةِ، ولِأنَّ العَظِيمَ الَّذِي تَقَدَّمَ يَحْتاجُ إلى أنْ يُقَدَّمَ مَعَكَ ما تَقْدَمُ بِهِ عَلَيْهِ مِمّا لا تُفْتَضَحُ بِهِ عِنْدَهُ، وهو العَمَلُ الصّالِحُ. ﴿واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ﴾، الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ المَجْرُورَ في ﴿مُلاقُوهُ﴾ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، وتَكُونُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: مُلاقُو جَزائِهِ عَلى أفْعالِكم، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى المَفْعُولِ المَحْذُوفِ الَّذِي لِقَوْلِهِ ﴿وقَدِّمُوا﴾، أيْ: واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُو ما قَدَّمْتُمْ مِنَ الخَيْرِ والطّاعَةِ، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْضًا، أيْ: مُلاقُو جَزائِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى الجَزاءِ الدّالِّ عَلَيْهِ مَعْمُولُ ﴿قَدَّمُوا﴾ [يس: ١٢] المَحْذُوفُ، وفي ذَلِكَ رَدٌّ عَلى مَن يُنْكِرُ البَعْثَ والحِسابَ والمَعادَ، سَواءً عادَ عَلى اللَّهِ تَعالى أوْ عَلى مَعْمُولِ قَدِّمُوا، أوْ عَلى الجَزاءِ. (وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ)، أيْ: بِحُسْنِ العاقِبَةِ في الآخِرَةِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى وصْفِ الَّذِي بِهِ يُتَّقى اللَّهُ ويُقَدِّمُ الخَيْرَ، ويَسْتَحِقُّ التَّبْشِيرَ، وهو الإيمانُ. وفي أمْرِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالتَّبْشِيرِ تَأْنِيسٌ عَظِيمٌ، ووَعْدٌ كَرِيمٌ بِالثَّوابِ الجَزِيلِ، ولَمْ يَأْتِ بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ، بَلْ أتى بِالظّاهِرِ الدّالِّ عَلى الوَصْفِ، ولِكَوْنِهِ مَعَ ذَلِكَ فَصْلَ آيَةٍ. وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ الشَّرِيفَةُ إخْبارَ اللَّهِ تَعالى عَنِ المُؤْمِنِينَ أنَّهم يَسْألُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ، فَوَقَعَ ما أخْبَرَ بِهِ تَعالى، وأمَرَ نَبِيَّهُ أنْ يُخْبِرَ مَن سَألَهُ عَنْهُما بِأنَّهُما قَدِ اشْتَمَلا عَلى إثْمٍ كَبِيرٍ، فَكانَ هَذا الإخْبارُ مَدْعاةً لِتَرْكِهِما، ودَلَّ ذَلِكَ عَلى تَحْرِيمِهِما، والمَعْنى أنَّهُ يَحْصُلُ بِشُرْبِ الخَمْرِ واللَّعِبِ بِالمَيْسِرِ إثْمٌ، وما اكْتَفى بِمُطْلَقِ الإثْمِ حَتّى وصَفَهُ بِالكِبَرِ في قِراءَةٍ، وبِالكَثْرَةِ (p-١٧٣)فِي قِراءَةٍ، وقَدْ قالَ تَعالى في المُحَرَّماتِ: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ﴾ [النجم: ٣٢]، ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١]، ﴿إنَّهُ كانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٢]؛ فَحَيْثُ وصَفَ الإثْمَ بِالكَبِيرِ، وكانَ مِن أعْظَمِ الآثامِ وأوْغَلِها في التَّحْرِيمِ، وأخْبَرَ أيْضًا أنَّ فِيهِما مَنافِعَ لِلنّاسِ، مِن أخْذِ الأمْوالِ بِالتِّجارَةِ في الخَمْرِ، وبِالقَمْرِ في المَيْسِرِ، وغَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ ما مِن شَيْءِ حُرِّمَ إلّا فِيهِ مَنفَعَةٌ بِوَجْهٍ ما، خُصُوصًا ما كانَ الطَّبْعُ مائِلًا إلَيْهِ، أوْ كانَ الشَّخْصُ ناشِئًا عَلَيْهِ بِالطَّبْعِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ ضَرَرَ الإثْمِ الَّذِي هو جالِبٌ إلى النّارِ، أعْظَمُ مِنَ النَّفْعِ المُنْقَضِي بِانْقِضاءِ وقْتِهِ؛ لِيُرْشِدَ العاقِلَ إلى تَجَنُّبِ ما عَذابُهُ دائِمٌ ونَفْعُهُ زائِلٌ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهم يَسْألُونَهُ عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي يُنْفِقُونَهُ؛ فَأُجِيبُوا بِأنْ يُنْفِقُوا ما سَهُلَ عَلَيْهِمْ إنْفاقُهُ، ويُشِيرُ: ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ يُبَيِّنُ لِلْمُؤْمِنِينَ الآياتِ بَيانًا، مِثْلَ ما بَيَّنَ في أمْرِ الخَمْرِ، والمَيْسِرِ، وما يُنْفِقُونَ. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ بِهَذا البَيانِ يَحْصُلُ الرَّجاءُ في تَفَكُّرِ حالِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَإذا فَكَّرَ فِيهِما يُرَجِّحُ بِالفِكْرِ إيثارَ الآخِرَةِ عَلى الدُّنْيا. ثُمَّ اسْتَطْرَدَ مِن هَذَيْنِ السُّؤالَيْنِ إلى السُّؤالِ عَنْ أمْرِ اليَتامى، وما كُلِّفُوا في شَأْنِهِمْ؛ إذْ كانَ اليَتامى لا يَنْهَضُونَ بِالنَّظَرِ في أحْوالِ أنْفُسِهِمْ، ولِصِغَرِهِمْ ونَقْصِ عُقُولِهِمْ؛ فَأُجِيبُوا بِأنَّ إصْلاحَهم خَيْرٌ مِن إهْمالِهِمْ، لِلْمُصْلِحِ بِتَحْصِيلِ الثَّوابِ، ولِلْمُصْلِحِ بِتَأْدِيبِهِ وتَعْلِيمِهِ وتَنْمِيَةِ مالِهِ: (أُمَّتِي كالبُنْيانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا) . ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ مُخالَطَتِهِمْ مَطْلُوبَةٌ؛ لِأنَّهم إخْوانُكم في الإسْلامِ؛ فالأُخُوَّةُ مُوجِبَةٌ لِلنَّظَرِ في حالِ الأخِ. وأبْرَزَ الطَّلَبَ في صُورَةٍ شَرْطِيَّةٍ، وأتى الجَوابُ بِما يَقْتَضِي الخِلْطَةَ، وهو كَوْنُهم إخْوانَكم. ولَمّا أمَرَ بِالإصْلاحِ لِلْيَتامى؛ ذَكَرَ أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ؛ لِيُحَذِّرَ مِنَ الفَسادِ ويَدْعُوَ إلى الصَّلاحِ. ومَعْنى عِلْمُهُ هُنا أنَّهُ مُجازٍ مَن أفْسَدَ ومَن أصْلَحَ بِما يُناسِبُ فِعْلَهُ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ لَوْ شاءَ لَكَلَّفَكم ما يَشُقُّ عَلَيْكم؛ فَدَلَّ عَلى أنَّ التَّكالِيفَ السّابِقَةَ مِن تَحْرِيمِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ، وتَكْلِيفِ الصَّدَقَةِ بِأنْ تَكُونَ عَفْوًا، وتَكْلِيفِ إصْلاحِ اليَتِيمِ - لَيْسَ فِيهِ مَشَقَّةٌ ولا إعْناتٌ. ثُمَّ خَتَمَ هَذا بِأنَّهُ هو العَزِيزُ الَّذِي لا يُغالَبُ، الحَكِيمُ الَّذِي يَضَعُ الأشْياءَ مَواضِعَها. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى تَحْرِيمَ شَيْءٍ مِمّا كانُوا يَتَلَذَّذُونَ بِهِ - وهو شُرْبُ الخَمْرِ والأكْلُ بِهِ، والقَمْرُ بِالمَيْسِرِ والأكْلُ بِهِ - ولَمّا كانَ النِّكاحُ أيْضًا مِن أعْظَمِ الشَّهَواتِ والمَلاذِّ؛ اسْتَطْرَدَ إلى ذِكْرِ تَحْرِيمِ نَوْعٍ مِنهُ، وهو نِكاحُ مَن قامَ بِهِ الوَصْفُ المُنافِي لِلْإيمانِ، وهو الإشْراكُ المُوجِبُ لِلتَّنافُرِ والتَّباعُدِ، والنِّكاحُ مُوجِبٌ لِلْخِلْطَةِ والمَوَدَّةِ، قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلَ بَيْنَكم مَوَدَّةً ورَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١]، ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]، لا يَتَراءى داراهُما فَنَهى فِيهِنَّ عَنْ نِكاحِ مَن قامَ بِهِ الوَصْفُ المُنافِي لِلْإيمانِ، وغَيّا ذَلِكَ بِحُصُولِ الإيمانِ، ثُمَّ ذَكَرَ مَن كانَ رَقِيقًا وهو مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكٍ ولَوْ كانَ يُعْجِبُ في حُسْنٍ أوْ مالٍ أوْ رِئاسَةٍ، ونَبَّهَ عَلى العِلَّةِ المُوجِبَةِ لِلتَّرْكِ، وهو أنَّ مَن أشْرَكَ داعٍ إلى النّارِ، وجُرَّ مِمَّنْ كانَ مُعاشِرَ شَخْصٍ ومُخالِطَهُ ومُلابِسَهُ، حَتّى في النِّكاحِ الَّذِي هو داعٍ إلى التَّآلُفِ مِن كُلِّ مُعاشَرَةٍ - أنْ يُجِيبَهُ إذا دَعاهُ لِما هو مِن هَواهُ، وهم كانُوا قَرِيبِي عَهْدٍ بِالإيمانِ وحَدِيثِهِ؛ فَمُنِعُوا مِن ذَلِكَ سَدًّا لِلتَّطَرُّقِ إلى النّارِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ هو يَدْعُو إلى الجَنَّةِ والمَغْفِرَةِ؛ فَهو النّاظِرُ بِالمَصْلَحَةِ لَكم في تَحْرِيمِ ما حَرَّمَ وإباحَةِ ما أباحَ، وهو يُبَيِّنُ آياتِهِ ويُوَضِّحُها بِحَيْثُ لا يَظْهَرُ مَعَها لَبْسٌ، وذَلِكَ لِرَجاءِ تَذَكُّرِكم واتِّعاظِكم بِالآياتِ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى تَحْرِيمَ نِكاحِ مَن قامَ بِهِ وصْفُ الإشْراكِ، ذَكَرَ تَحْرِيمَ وطْءِ مَن قامَ بِهِ في الحَيْضِ مِنَ المُؤْمِناتِ، وغَيّا ذَلِكَ بِالطُّهْرِ، كَما غَيّا ما قَبْلَهُ بِالإيمانِ، ثُمَّ أباحَ - إذا تَطَهَّرَتْ - لَنا الوَطْءَ لَهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَ اللَّهُ، وهو المَكانُ الَّذِي كانَ مَشْغُولًا بِالحَيْضِ، وأمَرَنا بِاجْتِنابِ وطْئِهِ في وقْتِ الحَيْضِ. ثُمَّ نَبَّهَ عَلى مَزِيَّةِ التّائِبِ والمُتَطَهِّرِ بِكَوْنِهِ تَعالى يُحِبُّهُ، ولَمْ يَكْتَفِ بِذَلِكَ في جُمْلَةٍ واحِدَةٍ حَتّى كَرَّرَ ذَلِكَ في جُمْلَتَيْنِ، وأفْرَدَ كُلَّ وصْفٍ بِمَحَبَّةٍ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ ويُحِبُّ (p-١٧٤)المُتَطَهِّرِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى إباحَةَ الوَطْءِ لِلْمَرْأةِ الَّتِي ارْتَفَعَ عَنْها الحَيْضُ، عَلى الحالَةِ الَّتِي يَشاؤُها الزَّوْجُ ويَخْتارُها، مِن كَوْنِها مُقْبِلَةً أوْ مُدْبِرَةً، أوْ مُجَنِّبَةً أوْ مُضْطَجِعَةً، ومِن أيِّ شِقٍّ شاءَ، لِما في التَّنَقُّلِ مِن مَزِيدِ الِالتِذاذِ، والِاسْتِمْتاعِ بِالنَّظَرِ إلى سائِرِ بَدَنِها، والهَيْئاتِ المُحَرِّكَةِ لِلْباهِ. ونَبَّهَ بِالحَرْثِ عَلى أنَّهُ مَحَلُّ النَّسْلِ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى تَحْرِيمِ الوَطْءِ في الدُّبُرِ لِأنَّهُ لَيْسَ مَحَلَّ النَّسْلِ، وإذا كانُوا قَدْ مُنِعُوا مِن وطْءِ الحائِضِ لِما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مَحَلُّ الوَطْءِ مِنَ الأذى بِدَمِ الحَيْضِ؛ فَلَأنْ يُمْنَعُوا مِنَ المَحَلِّ الَّذِي هو أكْثَرُ أذًى أوْلى وأحْرى. ولَمّا كانَ قُدِّمَ نَهْيٌ وأمْرٌ في الآياتِ السّابِقَةِ وفي هَذا، خُتِمَ ذَلِكَ بِالأمْرِ بِتَقْدِيمِ العَمَلِ الصّالِحِ، وأنَّ ما قَدَّمَهُ الإنْسانُ إنَّما هو عائِدٌ عَلى نَفْعِ نَفْسِهِ، ثُمَّ أُمِرَ بِتَقْوى اللَّهِ تَعالى، وأُمِرَ بِأنْ يَعْلَمَ ويُوقِنَ اليَقِينَ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ أنّا مُلاقُو اللَّهِ؛ فَيُجازِينا عَلى أعْمالِنا. وأمَرَ نَبِيَّهُ أنْ يُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ، وهُمُ الَّذِينَ امْتَثَلُوا ما أمَرَ بِهِ واجْتَنَبُوا ما نَهى عَنْهُ. فَكانَ ابْتِداءُ هَذِهِ الآياتِ بِالتَّحْذِيرِ عَنْ مُعاطاةِ العِصْيانِ، واخْتِتامِها بِالتَّبْشِيرِ لِأهْلِ الإيمانِ آياتٍ تَعْجَزُ عَنْ وصْفِ ما تَضَمَّنَتْهُ البَدائِعُ الألْسُنُ، ويُذْعِنُ لِفَصاحَتِها الجِهْبِذُ اللَّسِنُ؛ جَمَعَتْ بَيْنَ بَراعَةِ اللَّفْظِ ونَصاعَةِ المَعْنى، وتَعَلُّقِ الجُمَلِ وتَأنُّقِ المَبْنى، مِن سُؤالٍ وجَوابٍ، وتَحْذِيرٍ مِن عِقابٍ، وتَرْغِيبٍ في ثَوابٍ، هَدَتْ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، وتُلُقِّيَتْ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ. ﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأيْمانِكم أنْ تَبَرُّوا وتَتَّقُوا وتُصْلِحُوا بَيْنَ النّاسِ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكم ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكم واللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٥] ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ فَإنْ فاءُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦] ﴿وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧] ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ولا يَحِلُّ لَهُنَّ أنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ في أرْحامِهِنَّ إنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ إنْ أرادُوا إصْلاحًا ولَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالمَعْرُوفِ ولِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ ولا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إلّا أنْ يَخافا ألّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإنْ خِفْتُمْ ألّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، العُرْضَةُ: فُعْلَةٌ مِنَ العَرْضِ، وهو بِمَعْنى المَفْعُولِ، كالفُرْقَةِ والقَبْضَةِ، يُقالُ: فُلانٌ عُرْضَةٌ لِكَذا، والمَرْأةُ عُرْضَةٌ لِلنِّكاحِ، أيْ: مُعَرَّضَةٌ لَهُ، قالَ كَعْبٌ: ؎عُرْضَتُها طامِسُ الأعْلامِ مَجْهُولُ وقالَ حَسّانُ: ؎(وقالَ اللَّهُ قَدْ يَسَّرْتُ جُنْدًا ∗∗∗ هُمُ الأنْصارُ) عُرْضَتُها اللِّقاءُ وقالَ حَبِيبٌ: ؎مَتى كانَ سَمْعِي عُرْضَةً لِلَوائِمِي ∗∗∗ وكَيْفَ صَفَتْ لِلْعاذِلِينَ عَزائِمِي ويُقالُ جَعَلَهُ عُرْضَةً لِلْبَلاءِ، أيْ: مُعَرَّضًا، وقالَ أوْسُ بْنُ حَجَرٍ: ؎وأدْماءُ مِثْلُ الفَحْلِ يَوْمًا عَرَضْتُها ∗∗∗ لِرَحْلِي وفِيها جُرْأةٌ وتَقاذُفُ وقِيلَ: هو اسْمُ ما تَعْرِضُهُ دُونَ الشَّيْءِ، مِن عَرْضِ العُودِ عَلى الإناءِ، فَيَعْتَرِضُ دُونَهُ، ويَصِيرُ حاجِزًا ومانِعًا. وقِيلَ: أصْلُ العُرْضَةِ القُوَّةُ، ومِنهُ يُقالُ لِلْجَمَلِ القَوِيِّ: هَذا عُرْضَةٌ لِلسَّفَرِ، أيْ: قَوِيٌّ عَلَيْهِ، ولِلْفَرَسِ الشَّدِيدِ الجَرْيِ عُرْضَةٌ لِارْتِحالِنا. اليَمِينُ: أصْلُها العُضْوُ، واسْتُعْمِلَ لِلْحَلِفِ لِما جَرَتِ العادَةُ في تَصافُحِ المُتَعاقِدَيْنِ، وتُجْمَعُ عَلى: أيْمانٍ، وعَلى: أيْمُنٌ، وفي العُضْوِ والحَلِفِ، وتُسْتَعْمَلُ اليَمِينُ لِلْجِهَةِ الَّتِي تَكُونُ لِلْعُضْوِ المُسَمّى بِاليَمِينِ، فَتُنْصَبُ عَلى الظَّرْفِ، تَقُولُ: زَيْدٌ يَمِينُ عَمْرٍو، وهي في العُضْوِ مُشْتَقَّةٌ مِنَ اليَمِينِ، ويُقالُ: (p-١٧٥)فُلانٌ مَيْمُونُ الطَّلْعَةِ، ومَيْمُونُ النَّقِيبَةِ، ومَيْمُونُ الطّائِرِ. اللَّغْوُ: ما يَسْبِقُ بِهِ اللِّسانُ مِن غَيْرِ قَصْدٍ، قالَهُ الفَرّاءُ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ لِما لا يُعْتَدُّ بِهِ في الدِّيَةِ مِن أوْلادِ الإبِلِ لَغْوٌ. ويُقالُ: لَغا يَلْغُو لَغْوًا ولَغى يَلْغِي لَغًا، وقالَ ابْنُ المُظَفَّرِ: تَقُولُ العَرَبُ: اللَّغْوُ واللّاغِيَةُ واللَّواغِي واللُّغَوِيُّ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: اللَّغْوُ عِنْدَ العَرَبِ ما يُطْرَحُ مِنَ الكَلامِ اسْتِغْناءً عَنْهُ، ويُقالُ: هو ما لا يُفْهَمُ لَفْظُهُ. يُقالُ: لَغا الطّائِرُ يَلْغُو: صَوَّتَ، ويُقالُ: لَغا بِالأمْرِ: لَهِجَ بِهِ، يَلْغا، ويُقالُ: اشْتُقَّ مِن هَذا اللُّغَةُ، وقالَ ابْنُ عِيسى - وقَدْ ذُكِرَ أنَّ اللَّغْوَ ما لا يُفِيدُ - قالَ: ومِنهُ اللُّغَةُ لِأنَّها عِنْدَ غَيْرِ أهْلِها لَغْوٌ. وغَلِطَ في هَذا الِاشْتِقاقِ، فَإنَّ اللُّغَةَ إنَّما اشْتُقَّتْ مِن قَوْلِهِمْ: لَغى بِكَذا إذا أُولِعَ بِهِ. الحَلِيمُ: الصَّفُوحُ عَنِ الذَّنْبِ مَعَ القُدْرَةِ عَلى المُؤاخَذَةِ بِهِ، يُقالُ: حَلُمَ الرَّجُلُ يَحْلُمُ حِلْمًا، وهو حَلِيمٌ، وقالَ النّابِغَةُ الجَعْدِيُّ: ؎ولا خَيْرَ في حِلْمٍ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ ∗∗∗ مَوارِدُ تَحْمِي صَفْوَهُ أنْ يُكَدَّرا ويُقالَ: حَلِمَ الأدِيمُ يَحْلَمُ حَلْمًا، إذا تَثَقَّبَ وفَسَدَ، قالَ: ؎فَإنَّكَ والكِتابَ إلى عَلِيٍّ ∗∗∗ كَدابِغِهِ وقَدْ حَلِمَ الأدِيمُ وحَلَمَ في النَّوْمِ يَحْلُمُ حُلْمًا وحُلُمًا، وهو: حالِمٌ، ﴿وما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ بِعالِمِينَ﴾ [يوسف: ٤٤] . الإيلاءُ: مَصْدَرُ آلى، أيْ: حَلَفَ، ويُقالُ: تَألّى وائْتَلى، أيْ: حَلَفَ، ويُقالُ لِلْحَلِفِ: ألِيَّةٌ وألْوَةٌ وأُلْوَةٌ وإلْوَةٌ، وجَمْعُ ألِيَّةٍ ألايا، كَعَشِيَّةٍ وعَشايا. وقِيلَ: تُجْمَعُ ألُوَّةٌ عَلى ألايا، كَرَكُوبَةٍ ورَكائِبَ. التَّرَبُّصُ: التَّرَقُّبُ والِانْتِظارُ، مَصْدَرُ تَرَبَّصَ، وهو مَقْلُوبُ التَّبَصُّرِ، قالَ: ؎تَرَبَّصْ بِها رَيْبَ المَنُونِ لَعَلَّها ∗∗∗ تُطَلَّقُ يَوْمًا أوْ يَمُوتُ حَلِيلُها فاءَ: يَفِيءُ فَيْأً وفَيْأةً: رَجَعَ، وسُمِّيَ الظِّلُّ بَعْدَ الزَّوالِ فَيْأً لِأنَّهُ رَجَعَ عَنْ جانِبِ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، وهو سَرِيعُ الفَيْأةِ، أيِ: الرُّجُوعِ، وقالَ عَلْقَمَةُ: ؎فَقُلْتُ لَها فِيئِي فَما تَسْتَفِزِّينَ ∗∗∗ ذَواتَ العُيُونِ والبَنانِ المُخَضَّبَ العَزْمُ: ما يُعْقَدُ عَلَيْهِ القَلْبُ ويُصَمَّمُ، ويُقالُ: عَزَمَ عَلَيْهِ يَعْزِمُ عَزْمًا وعَزَمًا وعَزِيمَةً وعَزامًا، ويُقالُ: أعْزَمَ إعْزامًا، وعَزَمْتُ عَلَيْكَ لَتَفْعَلَنَّ: أقْسَمْتُ. الطَّلاقُ: انْحِلالُ عَقْدِ النِّكاحِ، يُقالُ مِنهُ: طُلِّقَتْ تُطَلَّقُ فَهي طالِقٌ وطالِقَةٌ، قالَ الأعْشى: ؎أيا جارَتِي بِينِي فَإنَّكِ طالِقَهْ ويُقالُ: طَلُقَتْ بِضَمِّ اللّامِ، حَكاهُ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى، وأنْكَرَهُ الأخْفَشُ. القُرْءُ: أصْلُهُ في اللُّغَةِ الوَقْتُ المُعْتادُ تَرَدُّدُهُ، وقُرْءُ النَّجْمِ: وقْتُ طُلُوعِهِ ووَقْتُ غُرُوبِهِ، ويُقالُ مِنهُ: أقْرَأ النَّجْمُ، أيْ: طَلَعَ أوْ غَرُبَ، وقُرْءُ المَرْأةِ: حَيْضُها وطُهْرُها، فَهو مِنَ الأضْدادِ، قالَهُ أبُو عَمْرٍو، ويُونُسُ، وأبُو عُبَيْدٍ. ويُقالُ مِنهُما: أقَرَأتِ المَرْأةُ. وقالَ أبُو عَمْرٍو: مِنَ العَرَبِ مَن يُسَمِّي الحَيْضَ مَعَ الطَّهُورِ قُرْءًا. وقالَ بَعْضُهم: القُرْءُ ما بَيْنَ الحَيْضَتَيْنِ. وقالَ الأخْفَشُ: أقَرَأتْ صارَتْ صاحِبَةَ حَيْضٍ، فَإذا حاضَتْ قُلْتَ قَرَتْ بِغَيْرِ ألِفٍ. وقِيلَ: القُرْءُ أصْلُهُ الجَمْعُ مِن قَوْلِهِمْ: قَرَأْتُ الماءَ في الحَوْضِ: جَمَعْتُهُ، ومِنهُ: ما أقَرَأتْ هَذِهِ النّاقَةُ سَلًا قَطُّ، أيْ: ما جَمَعَتْ في بَطْنِها جَنِينًا، فَإذا أُرِيدَ بِهِ الحَيْضُ: فَهو اجْتِماعُ الدَّمِ في الرَّحِمِ، أوِ الطُّهْرُ: فَهو اجْتِماعُ الدَّمِ في البَدَنِ. الرَّحِمُ: الفَرْجُ مِنَ المُؤَنَّثِ، وقَدْ يُسْتَعارُ لِلْقَرابَةِ، يُقالُ: بَيْنَهُما رَحِمٌ، أيْ قَرابَةٌ، ويَصِلُ الرَّحِمَ. البَعْلُ: الزَّوْجُ؛ يُقالُ مِنهُ: بَعَلَ يَبْعَلُ بُعُولَةً، أيْ: صارَ بَعْلًا، وباعَلَ الرَّجُلُ امْرَأتَهُ إذا جامَعَها، وهي تُباعِلُهُ إذا فَعَلَتْ ذَلِكَ مَعَهُ، وامْرَأةٌ حَسَنَةُ التَّبْعِيلِ إذا كانَتْ تُحْسِنُ عِشْرَةَ زَوْجِها، والبَعْلُ أيْضًا المَلِكُ، وبِهِ سُمِّيَ الصَّنَمُ لِأنَّهُ المُكْتَفِي بِنَفْسِهِ، ومِنهُ بَعْلُ النَّخْلِ. وجَمْعُ البَعْلِ: بُعُولٌ وبُعُولَةٌ، كَفَحْلٍ وفُحُولَةٍ، التّاءُ فِيهِ لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ ولا يَنْقاسُ؛ فَلا يُقالُ في كُعُوبٍ جَمْعُ كَعْبٍ: كُعُوبَةٌ. الرَّجُلُ: مَعْرُوفٌ، يُجْمَعُ عَلى: رِجالٍ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الرُّجْلَةِ، وهي (p-١٧٦)القُوَّةُ، يُقالُ: رَجُلٌ بَيِّنُ الرُّجُولَةِ والرُّجْلَةِ، وهو أرْجَلُ الرَّجُلَيْنِ، أيْ: أقْواهُما، وفَرَسٌ رَجِيلٌ: قَوِيٌّ عَلى المَشْيِ، ومِنهُ: سُمِّيَتِ الرِّجْلُ لِقُوَّتِها عَلى المَشْيِ، وارْتَجَلَ الكَلامَ قَوِيَ عَلَيْهِ، وتَرَجَّلَ النَّهارُ قَوِيَ ضِياؤُهُ، ويُقالُ: رَجُلٌ ورِجْلَةٌ، كَما قالُوا: امْرُؤٌ وامْرَأةٌ، وكَتَبْتُ مِن خَطِّ أُسْتاذِنا أبِي جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: ؎كُلُّ جارٍ ظَلَّ مُغْتَبِطًا ∗∗∗ غَيْرَ جِيرانِي بَنِي جَبَلَهْ ؎هَتَكُوا جَيْبَ فَتاتِهِمْ ∗∗∗ لَمْ يُبالُوا حُرْمَةَ الرَّجُلَهْ الدَّرَجَةُ: المَنزِلَةُ، وأصْلُهُ مِن دَرَجْتُ الشَّيْءَ وأدْرَجْتُهُ: طَوَيْتُهُ، ودَرَجَ القَوْمُ: فَنُوا، وأدْرَجَهُمُ اللَّهُ، فَهو كَطَيِّ الشَّيْءِ مَنزِلَةً مَنزِلَةً، والدَّرَجَةُ المَنزِلَةُ مِن مَنازِلِ الطَّيِّ، ومِنهُ الدَّرَجَةُ الَّتِي يُرْتَقى إلَيْها. الإمْساكُ لِلشَّيْءِ: حَبْسُهُ، ومِنهُ اسْمانِ: مَسْكٌ ومَساكٌ، يُقالُ: إنَّهُ لَذُو مَسْكٍ ومِيساكٍ، إذا كانَ بَخِيلًا، وفِيهِ مُسْكَةٌ مِن خَيْرٍ أيْ: قُوَّةٌ، وتَماسُكٌ ومَسِيكٌ: بَيِّنُ المَساكَةُ. التَّسْرِيحُ: الإرْسالُ، وسَرَّحَ الشَّعْرَ: خَلَّصَ بَعْضَهُ مِن بَعْضٍ، والماشِيَةَ: أرْسَلَها لِتَرْعى، والسَّرْحُ: الماشِيَةُ، وناقَةٌ مَسْرَحٌ: سَهْلَةُ المَسِيرِ لِانْطِلاقِها فِيهِ. ﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأيْمانِكُمْ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ وخَتَنِهِ بَشِيرِ بْنِ النُّعْمانِ، كانَ بَيْنَهُما شَيْءٌ، فَحَلَفَ عَبْدُ اللَّهِ أنْ لا يَدْخُلَ عَلَيْهِ ولا يُكَلِّمَهُ ولا يُصْلِحَ بَيْنَهُ وبَيْنَ زَوْجَتِهِ، وجَعَلَ يَقُولُ: حَلَفْتُ بِاللَّهِ، فَلا يَحِلُّ لِي إلّا بِرُّ يَمِينِي. وقالَ الرَّبِيعُ: نَزَلَتْ في الرَّجُلِ يَحْلِفُ أنْ لا يَصِلَ رَحِمَهُ ولا يُصْلِحَ بَيْنَ النّاسِ؛ وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: في أبِي بَكْرٍ حِينَ حَلَفَ لا يُنْفِقُ عَلى مِسْطَحٍ حِينَ تَكَلَّمَ في الإفْكِ؛ وقالَ المُقاتِلانِ ابْنُ حَيّانَ وابْنُ سُلَيْمانَ: حَلَفَ لا يُنْفِقُ عَلى ابْنِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَتّى يُسْلِمَ؛ وقِيلَ: حَلَفَ أنْ لا يَأْكُلَ مَعَ الأضْيافِ حِينَ أخَّرَ ولَدُهُ عَنْهُمُ العَشاءَ، وغَضِبَ هو عَلى ولَدِهِ. وقالَتْ عائِشَةُ: نَزَلَتْ في تَكْرِيرِ الأيْمانِ بِاللَّهِ، فَنَهى أنْ يُحْلَفَ بِهِ بَرًّا، فَكَيْفَ فاجِرًا. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِتَقْوى اللَّهِ تَعالى، وحَذَّرَهم يَوْمَ المِيعادِ؛ نَهاهم عَنِ ابْتِذالِ اسْمِهِ، وجَعْلِهِ مَعْرِضًا لِما يَحْلِفُونَ عَلَيْهِ دائِمًا؛ لِأنَّ مَن يُتَّقى ويُحْذَرُ تَجِبُ صِيانَةُ اسْمِهِ وتَنْزِيهِهِ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ مِن كَوْنِهِ يُذْكَرُ في كُلِّ ما يُحْلَفُ عَلَيْهِ، مِن قَلِيلٍ أوْ كَثِيرٍ، عَظِيمٍ أوْ حَقِيرٍ؛ لِأنَّ كَثْرَةَ ذَلِكَ تُوجِبُ عَدَمَ الِاكْتِراثِ بِالمَحْلُوفِ بِهِ. وقَدْ تَكُونُ المُناسَبَةُ بِأنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالتَّحَرُّزِ في أفْعالِهِمُ السّابِقَةِ مِنَ: الخَمْرِ، والمَيْسِرِ، وإنْفاقِ العَفْوِ، وأمْرِ اليَتامى، ونِكاحِ مَن أشْرَكَ، وحالِ وطْءِ الحائِضِ؛ أمَرَهم تَعالى بِالتَّحَرُّزِ في أقْوالِهِمْ، فانْتَظَمَ بِذاكَ أمْرُهم بِالتَّحَرُّزِ في الأفْعالِ والأقْوالِ. واخْتَلَفُوا في فَهْمِ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأيْمانِكُمْ﴾، وهو خِلافٌ مَبْنِيٌّ عَلى الِاخْتِلافِ في اشْتِقاقِ العُرْضَةِ، فَقِيلَ: نُهُوا عَنْ أنْ يَجْعَلُوا اللَّهَ مَعَدًّا لِأيْمانِهِمْ فَيَحْلِفُوا بِهِ في البِرِّ والفُجُورِ؛ فَإنَّ الحِنْثَ مَعَ الإكْثارِ فِيهِ قِلَّةُ رَعْيٍ بِحَقِّ اللَّهِ تَعالى، كَما رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ أنَّها نَزَلَتْ في تَكْثِيرِ اليَمِينِ بِاللَّهِ، نُهِيَ أنْ يَحْلِفَ الرَّجُلُ بِهِ بَرًّا فَكَيْفَ فاجِرًا ؟ وقَدْ ذَمَّ اللَّهُ مَن أكْثَرَ الحَلِفَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠]، وقالَ: ﴿واحْفَظُوا أيْمانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] . والعَرَبُ تُمْدَحُ بِالإقْلالِ مِنَ الحَلِفِ، قالَ كُثَيِّرٌ: ؎قَلِيلٌ الألايا حافِظٌ لِيَمِينِهِ ∗∗∗ إذا صَدَرَتْ مِنهُ الألِيَّةُ بَرَّتِ والحِكْمَةُ في النَّهْيِ عَنْ تَكْثِيرِ الأيْمانِ بِاللَّهِ أنَّ ذَلِكَ لا يُبْقِي لِلْيَمِينِ في قَلْبِهِ وقْعًا، ولا يُؤْمَنُ مِن إقْدامِهِ عَلى اليَمِينِ الكاذِبَةِ، وذِكْرُ اللَّهِ أجَلُّ مِن أنْ يُسْتَشْهَدَ بِهِ في الأعْراضِ الدُّنْيَوِيَّةِ. وقِيلَ: المَعْنى: ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ قُوَّةً لِأيْمانِكم، وتَوْكِيدًا لَها، ورُوِيَ عَنْ قَرِيبٍ مِن هَذا المَعْنى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وإبْراهِيمَ، ومُجاهِدٍ، والرَّبِيعِ، وغَيْرِهِمْ؛ قالَ: المَعْنى فِيما تُرِيدُونَ الشِّدَّةَ فِيهِ مِن تَرْكِ صِلَةِ الرَّحِمِ، والبِرِّ، والإصْلاحِ. وقِيلَ المَعْنى: ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ حاجِزًا ومانِعًا مِنَ البِرِّ والإصْلاحِ، ويُؤَكِّدُهُ قَوْلُ مَن قالَ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ، أوْ في أبِي بَكْرٍ، عَلى ما تَقَدَّمَ في سَبَبِ النُّزُولِ؛ فَيَكُونُ المَعْنى: أنَّ الرَّجُلَ كانَ يَحْلِفُ عَلى بَعْضِ الخَيْراتِ مِن صِلَةِ رَحِمٍ، (p-١٧٧)وإصْلاحِ ذاتِ بَيْنٍ، أوْ إحْسانٍ إلى أحَدٍ، أوْ عِبادَةٍ، ثُمَّ يَقُولُ: أخافُ اللَّهَ أنْ أحْنَثَ في يَمِينِي، فَيَتْرُكُ البِرَّ في يَمِينِهِ؛ فَنُهُوا أنْ يَجْعَلُوا اللَّهَ حاجِزًا لِما حَلَفُوا عَلَيْهِ. ﴿لِأيْمانِكُمْ﴾، تَحْتَمِلُ اللّامُ أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِـ ﴿عُرْضَةً﴾؛ فَتَكُونُ كالمُقَوِّيَةِ لِلتَّعَدِّي، أوْ مَعَدًّا ومَرْصَدًا لِأيْمانِكم، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِقَوْلِهِ: (ولا تَجْعَلُوا)؛ فَتَكُونُ لِلتَّعْلِيلِ، أيْ: لا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأجْلِ أيْمانِكم. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالأيْمانِ هُنا الِاقْتِسامُ، لا المُقْسَمُ عَلَيْهِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: حاجِزًا لِما حَلَفْتُمْ عَلَيْهِ، وسُمِّيَ المَحْلُوفُ عَلَيْهِ يَمِينًا لِتَلَبُّسِهِ بِاليَمِينِ، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ: (إذا حَلَفْتَ عَلى يَمِينٍ فَرَأيْتَ غَيْرَها خَيْرًا مِنها فَأْتِ الَّذِي هو خَيْرٌ، وكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ)، أيْ: عَلى شَيْءٍ مِمّا يُحْلَفُ عَلَيْهِ. انْتَهى كَلامُهُ. ولا حاجَةَ هُنا لِلْخُرُوجِ عَنِ الظّاهِرِ، وإنَّما احْتَجَّ في الحَدِيثِ إلى أنَّهُ أطْلَقَ اليَمِينَ، ويُرادُ بِها مُتَعَلِّقُها؛ لِأنَّهُ قالَ: إذا حَلَفْتَ عَلى يَمِينٍ، فَعَدّى حَلَفْتَ بِعَلى؛ فاحْتِيجَ إلى هَذا التَّأْوِيلِ، ولَيْسَ في الآيَةِ ما يُحْوِجُ إلى هَذا التَّأْوِيلِ، لَكِنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ لَمّا حَمَلَ ﴿عُرْضَةً﴾ عَلى أنَّ مَعْناهُ حاجِزًا ومانِعًا؛ اضْطُرَّ إلى هَذا التَّأْوِيلِ. ﴿أنْ تَبَرُّوا وتَتَّقُوا وتُصْلِحُوا بَيْنَ النّاسِ﴾، قالَ الزَّجّاجُ، وتَبِعَهُ التِّبْرِيزِيُّ: ﴿أنْ تَبَرُّوا﴾ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: بِرُّكم وتَقْواكم وإصْلاحُكم أمْثَلُ وأوْلى، وجَعَلَ الكَلامَ مُنْتَهِيًا عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿لِأيْمانِكُمْ﴾، ومَعْنى الجُمْلَةِ الَّتِي فِيها النَّهْيُ عِنْدَهُ أنَّها في الرَّجُلِ إذا طَلَبَ مِنهُ فِعْلَ خَيْرٍ ونَحْوَهُ اعْتَلَّ بِاللَّهِ فَقالَ: عَلَيَّ يَمِينٌ، وهو لَمْ يَحْلِفْ، وقَدَّرَ التِّبْرِيزِيُّ خَبَرَ المُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ بِأنَّ المَعْنى: أنْ تَبَرُّوا وتَتَّقُوا وتُصْلِحُوا بَيْنَ النّاسِ خَيْرٌ لَكم مِن أنْ تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأيْمانِكم، وهَذا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّجّاجُ والتِّبْرِيزِيُّ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ فِيهِ اقْتِطاعُ ﴿أنْ تَبَرُّوا﴾ مِمّا قَبْلَهُ، والظُّلْمُ هو اتِّصالُهُ بِهِ؛ ولِأنَّ فِيهِ حَذْفًا لا دَلِيلَ عَلَيْهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنْ تَبَرُّوا وتَتَّقُوا وتُصْلِحُوا، عَطْفُ بَيانٍ لِأيْمانِكم، أيْ: لِلْأُمُورِ المَحْلُوفِ عَلَيْها الَّتِي هي: البِرُّ والتَّقْوى والإصْلاحُ بَيْنَ النّاسِ. انْتَهى كَلامُهُ. وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ فِيهِ مُخالَفَةً لِلظّاهِرِ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ مِنَ الأيْمانِ هي الأقْسامُ، والبِرُّ والتَّقْوى والإصْلاحُ هي المُقْسَمُ عَلَيْها، فَهُما مُتَبايِنانِ؛ فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفَ بَيانٍ عَلى الأيْمانِ، لَكِنَّهُ لَمّا تَأوَّلَ الأيْمانَ عَلى أنَّها المَحْلُوفُ عَلَيْها؛ ساغَ لَهُ ذَلِكَ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّهُ لا حاجَةَ تَدْعُونا إلى تَأْوِيلِ الأيْمانِ بِالأشْياءِ المَحْلُوفِ عَلَيْها، وعَلى مَذْهَبِهِ تَكُونُ ﴿أنْ تَبَرُّوا﴾ في مَوْضِعِ جَرٍّ، ولَوِ ادَّعى أنْ يَكُونَ ﴿أنْ تَبَرُّوا﴾ وما بَعْدَهُ بَدَلًا مِن (أيْمانِكم) لَكانَ أوْلى؛ لِأنَّ عَطْفَ البَيانِ أكْثَرُ ما يَكُونُ في الأعْلامِ. وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنْ تَبَرُّوا﴾ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في التَّقْدِيرِ، فَقِيلَ: كَراهَةَ أنْ تَبَرُّوا، قالَهُ المَهْدَوِيُّ. أوْ: لِتَرْكِ أنْ تَبَرُّوا، قالَهُ المُبَرِّدُ. وقِيلَ: لِأنْ لا تَبَرُّوا ولا تَتَّقُوا ولا تُصْلِحُوا، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والطَّبَرِيُّ، كَقَوْلِهِ: ؎فَخالَفَ فَلا واللَّهِ تَهْبِطُ تَلْعَةً أيْ: لا تَهْبِطُ، وقِيلَ: إرادَةُ أنْ تَبَرُّوا، والتَّقادِيرُ الأُوَلُ مُتَلاقِيَةٌ مِن حَيْثُ المَعْنى، ورُوِيَ هَذا المَعْنى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وعَطاءٍ، وابْنِ جُرَيْجٍ، وإبْراهِيمَ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ، والسُّدِّيِّ، ومُقاتِلٍ، والفَرّاءِ، وابْنِ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجِ، في آخِرِ مَن رُوِيَ عَنْهم أنَّ المَعْنى: لا تَحْلِفُوا بِاللَّهِ أنْ لا تَبَرُّوا، فَيَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ (ولا تَجْعَلُوا)، ولا يَظْهَرُ هَذا المَعْنى لِما فِيهِ مِن تَعْلِيلِ امْتِناعِ الحَلِفِ بِانْتِفاءِ البِرِّ، بَلْ وُقُوعُ الحَلِفِ مُعَلَّلٌ بِانْتِفاءِ البِرِّ، ولا يَنْعَقِدُ مِنهُ شَرْطٌ وجَزاءٌ لَوْ قُلْتَ في مَعْنى هَذا النَّهْيِ وعِلَّتِهِ: إنْ حَلَفْتَ بِاللَّهِ بَرَرْتَ، لَمْ يَصِحَّ، وذَلِكَ كَما تَقُولُ: لا تَضْرِبْ زَيْدًا لِئَلّا يُؤْذِيَكَ، فانْتَفَتِ الأذِيَّةُ لِلِامْتِناعِ مِنَ الضَّرْبِ، والمَعْنى: إنْ لَمْ تَضْرِبْهُ لَمْ يُؤْذِكَ، وإنْ ضَرَبْتَهُ أذاكَ؛ فَلا يَتَرَتَّبُ عَلى الِامْتِناعِ مِنَ الحَلِفِ انْتِفاءُ البِرِّ، ولا عَلى وُجُودِهِ وجُودُهُ، بَلْ يَتَرَتَّبُ عَلى الِامْتِناعِ مِنَ الحَلِفِ وُجُودُ البِرِّ، وعَلى وُقُوعِ الحَلِفِ انْتِفاءُ البِرِّ، وهَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ يُؤَيِّدُ القَوْلَ بِأنَّ التَّقْدِيرَ: إرادَةَ أنْ تَبَرُّوا؛ لِأنَّهُ يُعَلِّلُ الِامْتِناعَ مِنَ الحَلِفِ بِإرادَةِ وُجُودِ البِرِّ، ويَتَعَلَّقُ مِنهُ (p-١٧٨)الشَّرْطُ والجَزاءُ، تَقُولُ: إنْ حَلَفْتَ لَمْ تَبَرَّ، وإنْ لَمْ تَحْلِفْ بَرَرْتَ. وقَدْ شَرَحَ بَعْضُ العُلَماءِ هَذا المَعْنى فَقالَ: إنْ تَبَرُّوا وتَتَّقُوا وتُصْلِحُوا عِلَّةً لِهَذا النَّهْيِ، أيْ: إرادَةَ أنْ تَبَرُّوا، والمَعْنى: إنَّما نَهْيُكم عَنْ هَذا لِما في تَوَقِّي ذَلِكَ مِنَ البِرِّ والتَّقْوى والإصْلاحِ؛ فَتَكُونُونَ مَعاشِرَ المُؤْمِنِينَ بَرَرَةً أتْقِياءَ مُصْلِحِينَ في الأرْضِ غَيْرَ مُفْسِدِينَ، فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَلْزَمُ مِن تَرْكِ الحَلِفِ حُصُولُ البِرِّ والتَّقْوى والإصْلاحِ بَيْنَ النّاسِ ؟ قُلْنا: لِأنَّ مَن تَرَكَ الحَلِفَ لِاعْتِقادِهِ أنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى أعْظَمُ وأجَلُّ أنْ يُسْتَشْهَدَ بِاسْمِهِ المُعَظَّمِ في طَلَبِ الدُّنْيا، إنَّ هَذا مِن أعْظَمِ أبْوابِ البِرِّ. وأمّا مَعْنى التَّقْوى فَظاهِرٌ؛ لِأنَّهُ اتَّقى أنْ يَصْدُرَ مِنهُ ما يُخِلُّ بِتَعْظِيمِ اللَّهِ تَعالى، وأمّا الإصْلاحُ بَيْنَ النّاسِ؛ فَلِأنَّ النّاسَ مَتى اعْتَقَدُوا فِيهِ كَوْنَهُ مُعَظِّمًا لِلَّهِ تَعالى إلى هَذا الحَدِّ، مُحْتَرِزًا عَنِ الإخْلالِ بِواجِبِ حَقِّهِ، اعْتَقَدُوا فِيهِ كَوْنَهُ مُعَظِّمًا لِلَّهِ، وكَوْنَهُ صادِقًا بَعِيدًا مِنَ الأغْراضِ الفاسِدَةِ؛ فَيَتَقَبَّلُونَ قَوْلَهُ؛ فَيَحْصُلُ الصُّلْحُ بِتَوَسُّطِهِ. انْتَهى هَذا الكَلامُ. وفي (المُنْتَخَبِ) - وهو بَسْطُ ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ - قالَ: ومَعْناها عَلى الأُخْرى يَزِيدُ عَلى أنْ يَكُونَ عُرْضَةً، بِمَعْنى مُعَرَّضًا لِلْأمْرِ، قالَ: ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ مُعَرَّضًا لِأيْمانِكم فَتَتَبَذَّلُوهُ بِكَثْرَةِ الحَلِفِ بِهِ؛ ولِذَلِكَ ذَمَّ مَن أنْزَلَ فِيهِ: ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] بِأشْنَعِ المَذامِّ، وجَعَلَ الحَلّافَ مُقَدِّمَتَها، و﴿أنْ تَبَرُّوا﴾ عِلَّةٌ لِلنَّهْيِ، أيْ: إرادَةَ أنْ تَبَرُّوا وتَتَّقُوا وتُصْلِحُوا؛ لِأنَّ الحَلّافَ مُجْتَرِئٌ عَلى اللَّهِ، غَيْرُ مُعَظِّمٍ لَهُ؛ فَلا يَكُونُ بَرًّا مُتَّقِيًا، ولا يَثِقُ بِهِ النّاسُ؛ فَلا يُدْخِلُونَهُ في وساطَتِهِمْ وإصْلاحِ ذاتِ بَيْنِهِمْ. وقِيلَ: المَعْنى: ولا تَحْلِفُوا بِاللَّهِ كاذِبِينَ لِتَبَرُّوا المَحْلُوفَ لَهم، وتَتَّقُوهم وتُصْلِحُوا بَيْنَهم بِالكَذِبِ، رُوِيَ هَذا المَعْنى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ فَقَيَّدَ المَعْلُومَ بِالكَذِبِ، وقَيَّدَ العِلَّةَ بِالنّاسِ، والإصْلاحَ بِالكَذِبِ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَتَعَلَّقُ ﴿أنْ تَبَرُّوا﴾ بِالفِعْلِ وبِالعُرْضَةِ، أيْ: ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ - لِأجْلِ أيْمانِكم بِهِ - عُرْضَةً لِأنْ تَبَرُّوا. انْتَهى. ولا يَصِحُّ هَذا التَّقْدِيرُ؛ لِأنَّ فِيهِ فَصْلًا بَيْنَ العامِلِ والمَعْمُولِ بِأجْنَبِيٍّ؛ لِأنَّهُ عَلَّقَ ﴿لِأيْمانِكُمْ﴾ بِتَجْعَلُوا، وعَلَّقَ ”لِأنْ تَبَرُّوا“ بِعُرْضَةً، فَقَدْ فَصَلَ بَيْنَ ﴿عُرْضَةً﴾ وبَيْنَ ”لِأنْ تَبَرُّوا“ بِقَوْلِهِ ﴿لِأيْمانِكُمْ﴾، وهو أجْنَبِيٌّ مِنهُما؛ لِأنَّهُ مَعْمُولٌ عِنْدَهُ لِتَجْعَلُوا، وذَلِكَ لا يَجُوزُ، ونَظِيرُ ما أجازَهُ أنْ تَقُولَ: امْرُرْ واضْرِبْ بِزَيْدٍ هِنْدًا، فَهَذا لا يَجُوزُ، ونَصُّوا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ: جاءَنِي رَجُلٌ ذُو فَرَسٍ راكِبٌ أبْلَقَ؛ لِما فِيهِ مِنَ الفَصْلِ بِالأجْنَبِيِّ. والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ ﴿أنْ تَبَرُّوا﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ، والعَمَلُ فِيهِ قَوْلُهُ ﴿لِأيْمانِكُمْ﴾، التَّقْدِيرُ: لِأقْسامِكم عَلى أنْ تَبَرُّوا؛ فَنُهُوا عَنِ ابْتِذالِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى، وجَعْلِهِ مَعْرِضًا لِأقْسامِهِمْ عَلى البِرِّ والتَّقْوى والإصْلاحِ اللّاتِي هُنَّ أوْصافٌ جَمِيلَةٌ؛ لِما نَخافُ في ذَلِكَ مِنَ الحِنْثِ، (p-١٧٩)فَكَيْفَ إذا كانَتْ أقْسامًا عَلى ما تُنافِي البِرَّ والتَّقْوى والإصْلاحَ ؟ وعَلى هَذا يَكُونُ الكَلامُ مُنْتَظِمًا، واقِعًا كُلُّ لَفْظٍ مِنهُ مَكانَهُ الَّذِي يَلِيقُ بِهِ، فَصارَ في مَوْضِعِ ﴿أنْ تَبَرُّوا﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، والخِلافُ في تَقْدِيرِ الجَرِّ، والجَرُّ عَلى وجْهَيْنِ: عَطْفِ البَيانِ، والبَدَلِ، والنَّصْبُ عَلى وجْهَيْنِ: إمّا عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ - عَلى الِاخْتِلافِ في تَقْدِيرِهِ - وإمّا عَلى أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِـ (أيْمانِكم) عَلى إسْقاطِ الخافِضِ. (واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)، خَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِما، فالَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالسَّمْعِ الحَلِفُ؛ لِأنَّهُ مِنَ المَسْمُوعاتِ، والَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالعِلْمِ هو إرادَةُ البِرِّ والتَّقْوى والإصْلاحِ؛ إذْ هو شَيْءٌ مَحَلُّهُ القَلْبُ، فَهو مِنَ المَعْلُوماتِ، فَجاءَتْ هاتانِ الصِّفَتانِ مُنْتَظِمَتَيْنِ لِلْعِلَّةِ والمَعْلُولِ، وجاءَتا عَلى تَرْتِيبِ ما سَبَقَ مِن تَقْدِيمِ السَّمْعِ عَلى العِلْمِ، كَما قَدَّمَ الحَلِفَ عَلى الإرادَةِ.

البقرة 2:224

﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾، في البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ: أنَّ اليَهُودَ كانَتْ تَقُولُ في الَّذِي يَأْتِي امْرَأتَهُ مِن دُبُرِها في قُبُلِها إنَّ الوَلَدَ يَكُونُ أحْوَلَ؛ فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: سَبَبُ النُّزُولِ كَراهَةُ نِساءِ الأنْصارِ ذَلِكَ لَمّا تَزَوَّجَهُمُ المُهاجِرُونَ، وكانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِ مَكَّةَ، يَتَلَذَّذُونَ بِالنِّساءِ مُقْبِلاتٍ ومُدْبِراتٍ، رَوى مَعْناهُ الحاكِمُ في صَحِيحِهِ. وقِيلَ: سَبَبُ ذَلِكَ «أنَّ بَعْضَ الصَّحابَةِ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: هَلَكْتُ، فَقالَ: (وما الَّذِي أهْلَكَكَ ؟) قالَ: حَوَّلْتُ رَحْلِيَ اللَّيْلَةَ، فَنَزَلَتْ» . ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّهُ لَمّا تَقَدَّمَ: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وكانَ الإطْلاقُ يَقْتَضِي تَسْوِيغَ إتْيانِهِنَّ عَلى سائِرِ أحْوالِ الإتْيانِ؛ أكَّدَ ذَلِكَ بِأنْ نَصَّ بِما يَدُلُّ عَلى سائِرِ الكَيْفِيّاتِ، وبَيَّنَ أيْضًا المَحَلَّ بِجَعْلِهِ حَرْثًا، وهو القُبُلُ، والحَرْثُ كَما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ البَقَرَةِ: شَقُّ الأرْضِ لِلزَّرْعِ، ثُمَّ سُمِّيَ الزَّرْعُ حَرْثًا: ﴿أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ﴾ [آل عمران: ١١٧]، وسُمِّيَ الكَسْبُ حَرْثًا، قالَ الشّاعِرُ: ؎إذا أكَلَ الجَرادُ حُرُوثَ قَوْمٍ فَحَرْثِي هَمُّهُ أكْلُ الجَرادِ قالُوا: يُرِيدُ فامْرَأتِي، وأنْشَدَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى: ؎إنَّما الأرْحامُ أرَضُو ∗∗∗ نَ لَنا مُحْتَرَثاتُ ؎فَعَلَيْنا الزَّرْعُ فِيها ∗∗∗ وعَلى اللَّهِ النَّباتُ وهَذِهِ الجُمْلَةُ جاءَتْ بَيانًا وتَوْضِيحًا لِقَوْلِهِ: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وهو المَكانُ المَمْنُوعُ مِنَ اسْتِعْمالِهِ وقْتَ الحَيْضِ، ودَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الغَرَضَ الأصِيلَ هو طَلَبُ النَّسْلِ: (تَناكَحُوا فَإنِّي مُكاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ يَوْمَ القِيامَةِ)، لا قَضاءُ الشَّهْوَةِ فَقَطْ، فَأْتُوا النِّساءَ مِنَ المَسْلَكِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الغَرَضُ الأصْلِيُّ، وهو القُبُلُ. و”نِساؤُكم“ مُبْتَدَأٌ، و”حَرْثٌ لَكم“ خَبَرٌ، إمّا عَلى حَذْفِ أداةِ التَّشْبِيهِ، أيْ: كَحَرْثٍ لَكم، ويَكُونُ نِساؤُكم عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: وطْءُ نِسائِكم كالحَرْثِ لَكم، شَبَّهَ الجِماعَ بِالحَرْثِ؛ إذِ النُّطْفَةُ كالبَذْرِ، والرَّحِمُ كالأرْضِ، والوَلَدُ كالنَّباتِ، وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: مَوْضِعُ حَرْثٍ لَكم، وهَذِهِ الكِنايَةُ في النِّكاحِ مِن بَدِيعِ كِناياتِ القُرْآنِ. قالُوا: وهو مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَأْكُلُ الطَّعامَ﴾ [الفرقان: ٧]، ومِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿وأرْضًا لَمْ تَطَئُوها﴾ [الأحزاب: ٢٧]، عَلى قَوْلِ مَن فَسَّرَهُ بِالنِّساءِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ”حَرْثٌ لَكم“ بِمَعْنى: مَحْرُوثَةٌ لَكم؛ فَيَكُونُ مِن بابِ إطْلاقِ المَصْدَرِ، ويُرادُ بِهِ اسْمُ المَفْعُولِ. وفي لَفْظَةِ ”حَرْثٌ لَكم“ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ القُبُلُ لا الدُّبُرُ. قالَ الماتُرِيدِيُّ: أيْ مُزْدَرَعٌ لَكم، وفِيها دَلِيلٌ عَلى النَّهْيِ عَنِ امْتِناعِ وطْءِ النِّساءِ؛ لِأنَّ المُزْدَرَعَ إذا تُرِكَ ضاعَ، ودَلِيلٌ عَلى إباحَةِ الوَطْءِ لِطَلَبِ النَّسْلِ والوَلَدِ، لا لِقَضاءِ الشَّهْوَةِ. انْتَهى كَلامُهُ. وفَرَّقَ الرّاغِبُ بَيْنَ الحَرْثِ والزَّرْعِ، فَقالَ: الحَرْثُ إلْقاءُ البَذْرِ وتَهْيِئَةُ الأرْضِ، والزَّرْعُ مُراعاتُهُ وإنْباتُهُ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣] ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٤]، أثْبَتَ لَهُمُ الحَرْثَ ونَفى عَنْهُمُ الزَّرْعَ. ﴿فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾، الإتْيانُ كِنايَةٌ عَنِ الوَطْءِ، وجاءَ ”حَرْثٌ لَكم“ نَكِرَةً لِأنَّهُ الأصْلُ في الخَبَرِ؛ ولِأنَّهُ كانَ المَجْهُولُ، فَأفادَتْ نِسْبَتُهُ إلى المُبْتَدَإ جَوازَ الِاسْتِمْتاعِ بِهِ شَرْعًا، وجاءَ: ”فَأْتُوا حَرْثَكم“ مَعْرِفَةً؛ لِأنَّ في الإضافَةِ حَوالَةً عَلى شَيْءٍ سَبَقَ، واخْتِصاصًا بِما أُضِيفَ إلَيْهِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ أنْ تَقُولَ: زَيْدٌ مَمْلُوكٌ لَكَ فَأحْسِنْ إلى مَمْلُوكِكَ. وإذا تَقَدَّمَتْ نَكِرَةٌ وأعَدْتَ اللَّفْظَ، فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ مَعْرِفَةً، إمّا بِالألِفِ واللّامِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٦]، وإمّا بِالإضافَةِ كَهَذا. وأنّى: بِمَعْنى كَيْفَ بِالنِّسْبَةِ إلى العَزْلِ وتَرْكِ العَزْلِ. قالَهُ ابْنُ المُسَيَّبِ: فَتَكُونُ الكَيْفِيَّةُ مَقْصُورَةً عَلى هَذَيْنِ الحالَيْنِ، أوْ بِمَعْنى كَيْفَ عَلى الإطْلاقِ في أحْوالِ المَرْأةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والرَّبِيعُ؛ فَتَكُونُ دَلَّتْ عَلى جَوازِ الوَطْءِ لِلْمَرْأةِ في أيِّ حالٍ شاءَها الواطِئُ، مُقْبِلَةً ومُدْبِرَةً، عَلى أيِّ شِقٍّ، وقائِمَةً ومُضْطَجِعَةً، وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الأحْوالِ، وذَلِكَ في مَكانِ الحَرْثِ، أوْ بِمَعْنى مَتى، (p-١٧١)قالَهُ الضَّحّاكُ؛ فَيَكُونُ إذْ ذاكَ ظَرْفُ زَمانٍ، ويَكُونُ المَعْنى: فَأْتُوا حَرْثَكم في أيِّ زَمانٍ أرَدْتُمْ. وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ ”أنّى“ بِمَعْنى أيْ، والمَعْنى: عَلى أيِّ صِفَةٍ شِئْتُمْ؛ فَيَكُونُ عَلى هَذا تَخْيِيرًا في الخِلالِ والهَيْئَةِ، أيْ: أقْبِلْ وأدْبِرْ واتَّقِ الدُّبُرَ والحَيْضَةَ، وقَدْ وقَعَ هَذا مُفَسَّرًا في بَعْضِ الأحادِيثِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: (ذَلِكَ لا يُبالى بِهِ بَعْدَ أنْ يَكُونَ في صِمامٍ واحِدٍ) . والصِّمامُ: رَأسُ القارُورَةِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: ”أنّى“ بِمَعْنى: أيْنَ، فَجَعَلَها مَكانًا، واسْتَدَلَّ بِهَذا عَلى جَوازِ نِكاحِ المَرْأةِ في دُبُرِها، ومِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ إباحَةُ ذَلِكَ: مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ، وابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مِنَ الصَّحابَةِ، ومالِكٌ، ووَقَعَ ذَلِكَ في العُتَبِيَّةِ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ تَكْفِيرُ مَن فَعَلَ ذَلِكَ وإنْكارُهُ، ورُوِيَ عَنْ مالِكٍ إنْكارُ ذَلِكَ، وسُئِلَ فَقِيلَ: يَزْعُمُونَ أنَّكَ تُبِيحُ إتْيانَ النِّساءِ في أدْبارِهِنَّ ؟ فَقالَ: مَعاذَ اللَّهِ، ألَمْ تَسْمَعُوا قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾، وأنّى يَكُونُ الحَرْثُ إلّا في مَوْضِعِ البَذْرِ ؟ ونُقِلَ مِثْلُ هَذا عَنِ الشّافِعِيِّ، وأبِي حَنِيفَةَ، ونُقِلَ جَوازُ ذَلِكَ عَنْ: نافِعٍ، وجَعْفَرٍ الصّادِقِ، وهو اخْتِيارُ المُرْتَضى مِن أئِمَّةِ الشِّيعَةِ، وذُكِرَ في (المُنْتَخَبِ) ما اسْتُدِلَّ بِهِ لِهَذا المَذْهَبِ وما رُدَّ بِهِ، فَيُطالَعُ هُناكَ؛ إذْ كِتابُنا هَذا لَيْسَ مَوْضُوعًا لِذِكْرِ دَلائِلِ الفِقْهِ إلّا بِمِقْدارِ ما يَتَعَلَّقُ بِالآيَةِ. وقَدْ رَوى تَحْرِيمَ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اثْنا عَشَرَ صَحابِيًّا بِألْفاظٍ مُخْتَلِفَةٍ كُلُّها تَدُلُّ عَلى التَّحْرِيمِ، ذَكَرَها أحْمَدُ في (مُسْنَدِهِ)، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وغَيْرُهم، وقَدْ جَمَعَها أبُو الفَرَجِ بْنُ الجَوْزِيِّ بِطُرُقِها في جُزْءٍ سَمّاهُ (تَحْرِيمُ المَحَلِّ المَكْرُوهِ) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولا يَنْبَغِي لِمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يُعَرِّجَ في هَذِهِ النّازِلَةِ عَلى زَلَّةِ عالِمٍ، وقالَ أيْضًا: ﴿أنّى شِئْتُمْ﴾: مَعْناهُ عِنْدَ جُمْهُورِ العُلَماءِ مِن صَحابَةٍ، وتابِعِينَ، وأئِمَّةٍ: مِن أيِّ وجْهٍ شِئْتُمْ، مَعْناهُ: مُقْبِلَةً ومُدْبِرَةً عَلى جَنْبٍ، و”أنّى“: إنَّما يَجِيءُ سُؤالًا وإخْبارًا عَلى أمْرٍ لَهُ جِهاتٌ، فَهي أعَمُّ في اللُّغَةِ مِن ”كَيْفَ“، ومِن ”أيْنَ“، ومِن ”مَتى“ . هَذا هو الِاسْتِعْمالُ العَرَبِيُّ. وقَدْ فَسَّرَ النّاسُ (أنّى) في هَذِهِ الآيَةِ بِهَذِهِ الألْفاظِ، وفَسَّرَها سِيبَوَيْهِ بِكَيْفَ، ومِن أيْنَ بِاجْتِماعِهِما ؟ وقالَ النَّحْوِيُّونَ: (أنّى) لِتَعْمِيمِ الأحْوالِ، وقَدْ تَأْتِي (أنّى) بِمَعْنى ”مَتى“ وبِمَعْنى ”أيْنَ“ وتَكُونُ اسْتِفْهامًا وشَرْطًا، وجَعَلُوها في الشَّرْطِيَّةِ ظَرْفَ مَكانٍ فَقَطْ. وإذا كانَ غالِبُ مَدْلُولِها في اللُّغَةِ أنَّها لِلْأحْوالِ، فَلا حُجَّةَ لِمَن تَعَلَّقَ بِأنَّها تَدُلُّ عَلى تَعْمِيمِ مَواضِعِ الإتْيانِ؛ فَتَكُونُ بِمَعْنى ”أيْنَ“ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَوْلُهُ: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾ تَمْثِيلٌ، أيْ: فَأْتُوهُنَّ كَما تَأْتُونَ أراضِيكُمُ الَّتِي تُرِيدُونَ أنْ تَحْرُثُوها، مِن أيِّ جِهَةٍ شِئْتُمْ، لا تُحْظَرُ عَلَيْكم جِهَةٌ دُونِ جِهَةِ، والمَعْنى: جامِعُوهُنَّ مِن أيِّ شِقٍّ أرَدْتُمْ بَعْدَ أنْ يَكُونَ المَأْتى واحِدًا، وهو مَوْضِعُ الحَرْثِ. وقَوْلُهُ: ﴿هُوَ أذًى فاعْتَزِلُوا النِّساءَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، ﴿مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، ﴿فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾ مِنَ الكِناياتِ اللَّطِيفَةِ، والتَّعَرُّضاتِ المُسْتَحْسَنَةِ، فَهَذِهِ وأشْباهُها في كَلامِ اللَّهِ تَعالى آدابٌ حَسَنَةٌ، عَلى المُؤْمِنِينَ أنْ يَتَعَلَّمُوها ويَتَأدَّبُوا بِها، ويَتَكَلَّفُوا مِثْلَها في مُحاوَراتِهِمْ ومُكاتَباتِهِمْ. انْتَهى كَلامُهُ. وهو حَسَنٌ. قالُوا: والعامِلُ في أنّى، فَأْتُوا. وهَذا الَّذِي قالُوهُ لا يَصِحُّ؛ لِأنّا قَدْ ذَكَرْنا أنَّها تَكُونُ اسْتِفْهامًا أوْ شَرْطًا، لا جائِزَ أنْ تَكُونَ هُنا شَرْطًا؛ لِأنَّها إذْ ذاكَ تَكُونُ ظَرْفَ مَكانٍ؛ فَيَكُونُ ذَلِكَ مُبِيحًا لِإتْيانِ النِّساءِ في غَيْرِ القُبُلِ، وقَدْ ثَبَتَ تَحْرِيمُ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعَلى تَقْدِيرِ الشَّرْطِيَّةِ يَمْتَنِعُ أنْ يَعْمَلَ في الظَّرْفِ الشَّرْطِيِّ ما قَبْلَهُ؛ لِأنَّهُ مَعْمُولٌ لِفِعْلِ الشَّرْطِ، كَما أنَّ فِعْلَ الشَّرْطِ مَعْمُولٌ لَهُ، ولا جائِزَ أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا؛ لِأنَّها إذا كانَتِ اسْتِفْهامًا اكْتَفَتْ بِما بَعْدَها مِن فِعْلٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ﴾ [آل عمران: ٤٧]، ومِنَ اسْمٍ كَقَوْلِهِ: ﴿أنّى لَكِ هَذا﴾ [آل عمران: ٣٧]، ولا يَفْتَقِرُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وهُنا يَظْهَرُ افْتِقارُها وتَعَلُّقُها بِما قَبْلَها. وعَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا لا يَعْمَلُ فِيها ما قَبْلَها، وأنَّها تَكُونُ مَعْمُولَةً لِلْفِعْلِ بَعْدَها، فَتَبَيَّنَ عَلى وجْهَيْ (أنّى) أنَّها لا تَكُونُ مَعْمُولَةً لِما قَبْلَها، وهَذا مِنَ المَواضِعِ المُشْكِلَةِ الَّتِي تَحْتاجُ إلى فِكْرٍ (p-١٧٢)ونَظَرٍ. والَّذِي يَظْهَرُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّها تَكُونُ شَرْطًا لِافْتِقارِها إلى جُمْلَةٍ غَيْرِ الجُمْلَةِ الَّتِي بَعْدَها، وتَكُونُ قَدْ جُعِلَتْ فِيها الأحْوالُ، كَجَعْلِ الظُّرُوفِ المَكانِيَّةِ، وأُجْرِيَتْ مَجْراها تَشْبِيهًا لِلْحالِ بِالظَّرْفِ المَكانِيِّ، وقَدْ جاءَ نَظِيرُ ذَلِكَ في لَفْظِ ”كَيْفَ“، خَرَجَ بِهِ عَنِ الِاسْتِفْهامِ إلى مَعْنى الشَّرْطِ في قَوْلِهِمْ: كَيْفَ تَكُونُ أكُونُ، وقالَ تَعالى: ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ﴾ [المائدة: ٦٤]؛ فَلا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ هُنا اسْتِفْهامًا، وإنَّما لُحِظَ فِيها مَعْنى الشَّرْطِ وارْتِباطِ الجُمْلَةِ بِالأُخْرى وجَوابُ الجُمْلَةِ مَحْذُوفٌ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، تَقْدِيرُهُ: أنّى شِئْتُمْ فَأْتُوهُ، وكَيْفَ يَشاءُ يُنْفِقُ، كَما حُذِفَ جَوابُ الشَّرْطِ في قَوْلِكَ: اضْرِبْ زَيْدًا أنّى لَقِيتَهُ، التَّقْدِيرُ: أنّى لَقِيتَهُ فاضْرِبْهُ. فَإنْ قُلْتَ: قَدْ أخْرَجْتَ (أنّى) عَنِ الظَّرْفِيَّةِ الحَقِيقِيَّةِ وأبْقَيْتَها لِتَعْمِيمِ الأحْوالِ، مِثْلَ ”كَيْفَ“ وجَعَلْتَها مُقْتَضِيَةً لِجُمْلَةٍ أُخْرى كَجُمْلَةِ الشَّرْطِ، فَهَلِ الفِعْلُ الماضِي الَّذِي هو (شِئْتُمْ) في مَوْضِعِ جَزْمٍ كَحالِها إذا كانَتْ ظَرْفًا ؟ أمْ هو في مَوْضِعِ رَفْعٍ كَهو بَعْدَ ”كَيْفَ“ في قَوْلِهِمْ: كَيْفَ تَصْنَعُ أصْنَعُ ؟ فالجَوابُ أنَّهُ يُحْتَمَلُ الأمْرَيْنِ، لَكِنْ يُرَجَّحُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ جَزْمٍ؛ لِأنَّهُ قَدِ اسْتَقَرَّ الجَزْمُ بِها إذا كانَتْ ظَرْفًا صَرِيحًا، غايَةُ ما في ذَلِكَ تَشْبِيهُ الأحْوالِ بِالظُّرُوفِ، وبَيْنَهُما عِلاقَةٌ واضِحَةٌ؛ إذْ كُلٌّ مِنهُما عَلى مَعْنى ”في“، بِخِلافِ ”كَيْفَ“ فَإنَّهُ لَمْ يَسْتَقِرَّ فِيها الجَزْمُ، ومَن أجازَ الجَزْمَ بِها فَإنَّما قالَهُ بِالقِياسِ، والمَحْفُوظُ عَنِ العَرَبِ الرَّفْعُ في الفِعْلِ بَعْدَها، حَيْثُ يَقْتَضِي جُمْلَةً أُخْرى. ﴿وقَدِّمُوا لِأنْفُسِكُمْ﴾، مَفْعُولُ قَدِّمُوا مَحْذُوفٌ، فَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: ذِكْرَ اللَّهِ عِنْدَ القُرْبانِ أوْ طَلَبِ الوَلَدِ والإفْراطِ شُفَعاءَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. أوْ: الخَيْرَ، قالَهُ السُّدِّيُّ. أوْ: قَدَمَ صِدْقٍ، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ. أوِ: الأجْرَ في تَجَنُّبِ ما نُهِيتُمْ وامْتِثالِ ما أُمِرْتُمْ بِهِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. أوْ: ذِكْرَ اللَّهِ عَلى الجِماعِ، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: (لَوْ أنَّ أحَدَكم إذا أتى امْرَأتَهُ قالَ: اللَّهُمَّ جَنِّبْنا الشَّيْطانَ وجَنِّبِ الشَّيْطانَ ما رَزَقْتَنا، فَقُضِيَ بَيْنَهُما ولَدٌ لَمْ يَضُرَّهُ) . أوِ التَّسْمِيَةَ عَلى الوَطْءِ، حَكاهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. أوْ: ما يَجِبُ تَقْدِيمُهُ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، وهو خِلافُ ما نَهَيْتُكم عَنْهُ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهو قَوْلٌ مُرَكَّبٌ مِن قَوْلِ مَن قَبْلَهُ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ المَعْنى: وقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم طاعَةَ اللَّهِ، وامْتِثالَهُ ما أمَرَ، واجْتِنابَ ما نَهى عَنْهُ؛ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ أمْرٌ ونَهْيٌ، وهو الخَيْرُ الَّذِي ذَكَرَهُ في قَوْلِهِ: ﴿وما تُقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٠]؛ ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ (واتَّقُوا اللَّهَ)، أيِ: اتَّقَوُا اللَّهَ فِيما أمَرَكم بِهِ ونَهاكم عَنْهُ، وهو تَحْذِيرٌ لَهم مِنَ المُخالَفَةِ، ولِأنَّ العَظِيمَ الَّذِي تَقَدَّمَ يَحْتاجُ إلى أنْ يُقَدَّمَ مَعَكَ ما تَقْدَمُ بِهِ عَلَيْهِ مِمّا لا تُفْتَضَحُ بِهِ عِنْدَهُ، وهو العَمَلُ الصّالِحُ. ﴿واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ﴾، الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ المَجْرُورَ في ﴿مُلاقُوهُ﴾ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، وتَكُونُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: مُلاقُو جَزائِهِ عَلى أفْعالِكم، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى المَفْعُولِ المَحْذُوفِ الَّذِي لِقَوْلِهِ ﴿وقَدِّمُوا﴾، أيْ: واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُو ما قَدَّمْتُمْ مِنَ الخَيْرِ والطّاعَةِ، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْضًا، أيْ: مُلاقُو جَزائِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى الجَزاءِ الدّالِّ عَلَيْهِ مَعْمُولُ ﴿قَدَّمُوا﴾ [يس: ١٢] المَحْذُوفُ، وفي ذَلِكَ رَدٌّ عَلى مَن يُنْكِرُ البَعْثَ والحِسابَ والمَعادَ، سَواءً عادَ عَلى اللَّهِ تَعالى أوْ عَلى مَعْمُولِ قَدِّمُوا، أوْ عَلى الجَزاءِ. (وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ)، أيْ: بِحُسْنِ العاقِبَةِ في الآخِرَةِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى وصْفِ الَّذِي بِهِ يُتَّقى اللَّهُ ويُقَدِّمُ الخَيْرَ، ويَسْتَحِقُّ التَّبْشِيرَ، وهو الإيمانُ. وفي أمْرِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالتَّبْشِيرِ تَأْنِيسٌ عَظِيمٌ، ووَعْدٌ كَرِيمٌ بِالثَّوابِ الجَزِيلِ، ولَمْ يَأْتِ بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ، بَلْ أتى بِالظّاهِرِ الدّالِّ عَلى الوَصْفِ، ولِكَوْنِهِ مَعَ ذَلِكَ فَصْلَ آيَةٍ. وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ الشَّرِيفَةُ إخْبارَ اللَّهِ تَعالى عَنِ المُؤْمِنِينَ أنَّهم يَسْألُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ، فَوَقَعَ ما أخْبَرَ بِهِ تَعالى، وأمَرَ نَبِيَّهُ أنْ يُخْبِرَ مَن سَألَهُ عَنْهُما بِأنَّهُما قَدِ اشْتَمَلا عَلى إثْمٍ كَبِيرٍ، فَكانَ هَذا الإخْبارُ مَدْعاةً لِتَرْكِهِما، ودَلَّ ذَلِكَ عَلى تَحْرِيمِهِما، والمَعْنى أنَّهُ يَحْصُلُ بِشُرْبِ الخَمْرِ واللَّعِبِ بِالمَيْسِرِ إثْمٌ، وما اكْتَفى بِمُطْلَقِ الإثْمِ حَتّى وصَفَهُ بِالكِبَرِ في قِراءَةٍ، وبِالكَثْرَةِ (p-١٧٣)فِي قِراءَةٍ، وقَدْ قالَ تَعالى في المُحَرَّماتِ: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ﴾ [النجم: ٣٢]، ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١]، ﴿إنَّهُ كانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٢]؛ فَحَيْثُ وصَفَ الإثْمَ بِالكَبِيرِ، وكانَ مِن أعْظَمِ الآثامِ وأوْغَلِها في التَّحْرِيمِ، وأخْبَرَ أيْضًا أنَّ فِيهِما مَنافِعَ لِلنّاسِ، مِن أخْذِ الأمْوالِ بِالتِّجارَةِ في الخَمْرِ، وبِالقَمْرِ في المَيْسِرِ، وغَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ ما مِن شَيْءِ حُرِّمَ إلّا فِيهِ مَنفَعَةٌ بِوَجْهٍ ما، خُصُوصًا ما كانَ الطَّبْعُ مائِلًا إلَيْهِ، أوْ كانَ الشَّخْصُ ناشِئًا عَلَيْهِ بِالطَّبْعِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ ضَرَرَ الإثْمِ الَّذِي هو جالِبٌ إلى النّارِ، أعْظَمُ مِنَ النَّفْعِ المُنْقَضِي بِانْقِضاءِ وقْتِهِ؛ لِيُرْشِدَ العاقِلَ إلى تَجَنُّبِ ما عَذابُهُ دائِمٌ ونَفْعُهُ زائِلٌ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهم يَسْألُونَهُ عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي يُنْفِقُونَهُ؛ فَأُجِيبُوا بِأنْ يُنْفِقُوا ما سَهُلَ عَلَيْهِمْ إنْفاقُهُ، ويُشِيرُ: ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ يُبَيِّنُ لِلْمُؤْمِنِينَ الآياتِ بَيانًا، مِثْلَ ما بَيَّنَ في أمْرِ الخَمْرِ، والمَيْسِرِ، وما يُنْفِقُونَ. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ بِهَذا البَيانِ يَحْصُلُ الرَّجاءُ في تَفَكُّرِ حالِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَإذا فَكَّرَ فِيهِما يُرَجِّحُ بِالفِكْرِ إيثارَ الآخِرَةِ عَلى الدُّنْيا. ثُمَّ اسْتَطْرَدَ مِن هَذَيْنِ السُّؤالَيْنِ إلى السُّؤالِ عَنْ أمْرِ اليَتامى، وما كُلِّفُوا في شَأْنِهِمْ؛ إذْ كانَ اليَتامى لا يَنْهَضُونَ بِالنَّظَرِ في أحْوالِ أنْفُسِهِمْ، ولِصِغَرِهِمْ ونَقْصِ عُقُولِهِمْ؛ فَأُجِيبُوا بِأنَّ إصْلاحَهم خَيْرٌ مِن إهْمالِهِمْ، لِلْمُصْلِحِ بِتَحْصِيلِ الثَّوابِ، ولِلْمُصْلِحِ بِتَأْدِيبِهِ وتَعْلِيمِهِ وتَنْمِيَةِ مالِهِ: (أُمَّتِي كالبُنْيانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا) . ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ مُخالَطَتِهِمْ مَطْلُوبَةٌ؛ لِأنَّهم إخْوانُكم في الإسْلامِ؛ فالأُخُوَّةُ مُوجِبَةٌ لِلنَّظَرِ في حالِ الأخِ. وأبْرَزَ الطَّلَبَ في صُورَةٍ شَرْطِيَّةٍ، وأتى الجَوابُ بِما يَقْتَضِي الخِلْطَةَ، وهو كَوْنُهم إخْوانَكم. ولَمّا أمَرَ بِالإصْلاحِ لِلْيَتامى؛ ذَكَرَ أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ؛ لِيُحَذِّرَ مِنَ الفَسادِ ويَدْعُوَ إلى الصَّلاحِ. ومَعْنى عِلْمُهُ هُنا أنَّهُ مُجازٍ مَن أفْسَدَ ومَن أصْلَحَ بِما يُناسِبُ فِعْلَهُ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ لَوْ شاءَ لَكَلَّفَكم ما يَشُقُّ عَلَيْكم؛ فَدَلَّ عَلى أنَّ التَّكالِيفَ السّابِقَةَ مِن تَحْرِيمِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ، وتَكْلِيفِ الصَّدَقَةِ بِأنْ تَكُونَ عَفْوًا، وتَكْلِيفِ إصْلاحِ اليَتِيمِ - لَيْسَ فِيهِ مَشَقَّةٌ ولا إعْناتٌ. ثُمَّ خَتَمَ هَذا بِأنَّهُ هو العَزِيزُ الَّذِي لا يُغالَبُ، الحَكِيمُ الَّذِي يَضَعُ الأشْياءَ مَواضِعَها. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى تَحْرِيمَ شَيْءٍ مِمّا كانُوا يَتَلَذَّذُونَ بِهِ - وهو شُرْبُ الخَمْرِ والأكْلُ بِهِ، والقَمْرُ بِالمَيْسِرِ والأكْلُ بِهِ - ولَمّا كانَ النِّكاحُ أيْضًا مِن أعْظَمِ الشَّهَواتِ والمَلاذِّ؛ اسْتَطْرَدَ إلى ذِكْرِ تَحْرِيمِ نَوْعٍ مِنهُ، وهو نِكاحُ مَن قامَ بِهِ الوَصْفُ المُنافِي لِلْإيمانِ، وهو الإشْراكُ المُوجِبُ لِلتَّنافُرِ والتَّباعُدِ، والنِّكاحُ مُوجِبٌ لِلْخِلْطَةِ والمَوَدَّةِ، قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلَ بَيْنَكم مَوَدَّةً ورَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١]، ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]، لا يَتَراءى داراهُما فَنَهى فِيهِنَّ عَنْ نِكاحِ مَن قامَ بِهِ الوَصْفُ المُنافِي لِلْإيمانِ، وغَيّا ذَلِكَ بِحُصُولِ الإيمانِ، ثُمَّ ذَكَرَ مَن كانَ رَقِيقًا وهو مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكٍ ولَوْ كانَ يُعْجِبُ في حُسْنٍ أوْ مالٍ أوْ رِئاسَةٍ، ونَبَّهَ عَلى العِلَّةِ المُوجِبَةِ لِلتَّرْكِ، وهو أنَّ مَن أشْرَكَ داعٍ إلى النّارِ، وجُرَّ مِمَّنْ كانَ مُعاشِرَ شَخْصٍ ومُخالِطَهُ ومُلابِسَهُ، حَتّى في النِّكاحِ الَّذِي هو داعٍ إلى التَّآلُفِ مِن كُلِّ مُعاشَرَةٍ - أنْ يُجِيبَهُ إذا دَعاهُ لِما هو مِن هَواهُ، وهم كانُوا قَرِيبِي عَهْدٍ بِالإيمانِ وحَدِيثِهِ؛ فَمُنِعُوا مِن ذَلِكَ سَدًّا لِلتَّطَرُّقِ إلى النّارِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ هو يَدْعُو إلى الجَنَّةِ والمَغْفِرَةِ؛ فَهو النّاظِرُ بِالمَصْلَحَةِ لَكم في تَحْرِيمِ ما حَرَّمَ وإباحَةِ ما أباحَ، وهو يُبَيِّنُ آياتِهِ ويُوَضِّحُها بِحَيْثُ لا يَظْهَرُ مَعَها لَبْسٌ، وذَلِكَ لِرَجاءِ تَذَكُّرِكم واتِّعاظِكم بِالآياتِ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى تَحْرِيمَ نِكاحِ مَن قامَ بِهِ وصْفُ الإشْراكِ، ذَكَرَ تَحْرِيمَ وطْءِ مَن قامَ بِهِ في الحَيْضِ مِنَ المُؤْمِناتِ، وغَيّا ذَلِكَ بِالطُّهْرِ، كَما غَيّا ما قَبْلَهُ بِالإيمانِ، ثُمَّ أباحَ - إذا تَطَهَّرَتْ - لَنا الوَطْءَ لَهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَ اللَّهُ، وهو المَكانُ الَّذِي كانَ مَشْغُولًا بِالحَيْضِ، وأمَرَنا بِاجْتِنابِ وطْئِهِ في وقْتِ الحَيْضِ. ثُمَّ نَبَّهَ عَلى مَزِيَّةِ التّائِبِ والمُتَطَهِّرِ بِكَوْنِهِ تَعالى يُحِبُّهُ، ولَمْ يَكْتَفِ بِذَلِكَ في جُمْلَةٍ واحِدَةٍ حَتّى كَرَّرَ ذَلِكَ في جُمْلَتَيْنِ، وأفْرَدَ كُلَّ وصْفٍ بِمَحَبَّةٍ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ ويُحِبُّ (p-١٧٤)المُتَطَهِّرِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى إباحَةَ الوَطْءِ لِلْمَرْأةِ الَّتِي ارْتَفَعَ عَنْها الحَيْضُ، عَلى الحالَةِ الَّتِي يَشاؤُها الزَّوْجُ ويَخْتارُها، مِن كَوْنِها مُقْبِلَةً أوْ مُدْبِرَةً، أوْ مُجَنِّبَةً أوْ مُضْطَجِعَةً، ومِن أيِّ شِقٍّ شاءَ، لِما في التَّنَقُّلِ مِن مَزِيدِ الِالتِذاذِ، والِاسْتِمْتاعِ بِالنَّظَرِ إلى سائِرِ بَدَنِها، والهَيْئاتِ المُحَرِّكَةِ لِلْباهِ. ونَبَّهَ بِالحَرْثِ عَلى أنَّهُ مَحَلُّ النَّسْلِ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى تَحْرِيمِ الوَطْءِ في الدُّبُرِ لِأنَّهُ لَيْسَ مَحَلَّ النَّسْلِ، وإذا كانُوا قَدْ مُنِعُوا مِن وطْءِ الحائِضِ لِما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مَحَلُّ الوَطْءِ مِنَ الأذى بِدَمِ الحَيْضِ؛ فَلَأنْ يُمْنَعُوا مِنَ المَحَلِّ الَّذِي هو أكْثَرُ أذًى أوْلى وأحْرى. ولَمّا كانَ قُدِّمَ نَهْيٌ وأمْرٌ في الآياتِ السّابِقَةِ وفي هَذا، خُتِمَ ذَلِكَ بِالأمْرِ بِتَقْدِيمِ العَمَلِ الصّالِحِ، وأنَّ ما قَدَّمَهُ الإنْسانُ إنَّما هو عائِدٌ عَلى نَفْعِ نَفْسِهِ، ثُمَّ أُمِرَ بِتَقْوى اللَّهِ تَعالى، وأُمِرَ بِأنْ يَعْلَمَ ويُوقِنَ اليَقِينَ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ أنّا مُلاقُو اللَّهِ؛ فَيُجازِينا عَلى أعْمالِنا. وأمَرَ نَبِيَّهُ أنْ يُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ، وهُمُ الَّذِينَ امْتَثَلُوا ما أمَرَ بِهِ واجْتَنَبُوا ما نَهى عَنْهُ. فَكانَ ابْتِداءُ هَذِهِ الآياتِ بِالتَّحْذِيرِ عَنْ مُعاطاةِ العِصْيانِ، واخْتِتامِها بِالتَّبْشِيرِ لِأهْلِ الإيمانِ آياتٍ تَعْجَزُ عَنْ وصْفِ ما تَضَمَّنَتْهُ البَدائِعُ الألْسُنُ، ويُذْعِنُ لِفَصاحَتِها الجِهْبِذُ اللَّسِنُ؛ جَمَعَتْ بَيْنَ بَراعَةِ اللَّفْظِ ونَصاعَةِ المَعْنى، وتَعَلُّقِ الجُمَلِ وتَأنُّقِ المَبْنى، مِن سُؤالٍ وجَوابٍ، وتَحْذِيرٍ مِن عِقابٍ، وتَرْغِيبٍ في ثَوابٍ، هَدَتْ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، وتُلُقِّيَتْ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ. ﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأيْمانِكم أنْ تَبَرُّوا وتَتَّقُوا وتُصْلِحُوا بَيْنَ النّاسِ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكم ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكم واللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٥] ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ فَإنْ فاءُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦] ﴿وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧] ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ولا يَحِلُّ لَهُنَّ أنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ في أرْحامِهِنَّ إنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ إنْ أرادُوا إصْلاحًا ولَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالمَعْرُوفِ ولِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ ولا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إلّا أنْ يَخافا ألّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإنْ خِفْتُمْ ألّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، العُرْضَةُ: فُعْلَةٌ مِنَ العَرْضِ، وهو بِمَعْنى المَفْعُولِ، كالفُرْقَةِ والقَبْضَةِ، يُقالُ: فُلانٌ عُرْضَةٌ لِكَذا، والمَرْأةُ عُرْضَةٌ لِلنِّكاحِ، أيْ: مُعَرَّضَةٌ لَهُ، قالَ كَعْبٌ: ؎عُرْضَتُها طامِسُ الأعْلامِ مَجْهُولُ وقالَ حَسّانُ: ؎(وقالَ اللَّهُ قَدْ يَسَّرْتُ جُنْدًا ∗∗∗ هُمُ الأنْصارُ) عُرْضَتُها اللِّقاءُ وقالَ حَبِيبٌ: ؎مَتى كانَ سَمْعِي عُرْضَةً لِلَوائِمِي ∗∗∗ وكَيْفَ صَفَتْ لِلْعاذِلِينَ عَزائِمِي ويُقالُ جَعَلَهُ عُرْضَةً لِلْبَلاءِ، أيْ: مُعَرَّضًا، وقالَ أوْسُ بْنُ حَجَرٍ: ؎وأدْماءُ مِثْلُ الفَحْلِ يَوْمًا عَرَضْتُها ∗∗∗ لِرَحْلِي وفِيها جُرْأةٌ وتَقاذُفُ وقِيلَ: هو اسْمُ ما تَعْرِضُهُ دُونَ الشَّيْءِ، مِن عَرْضِ العُودِ عَلى الإناءِ، فَيَعْتَرِضُ دُونَهُ، ويَصِيرُ حاجِزًا ومانِعًا. وقِيلَ: أصْلُ العُرْضَةِ القُوَّةُ، ومِنهُ يُقالُ لِلْجَمَلِ القَوِيِّ: هَذا عُرْضَةٌ لِلسَّفَرِ، أيْ: قَوِيٌّ عَلَيْهِ، ولِلْفَرَسِ الشَّدِيدِ الجَرْيِ عُرْضَةٌ لِارْتِحالِنا. اليَمِينُ: أصْلُها العُضْوُ، واسْتُعْمِلَ لِلْحَلِفِ لِما جَرَتِ العادَةُ في تَصافُحِ المُتَعاقِدَيْنِ، وتُجْمَعُ عَلى: أيْمانٍ، وعَلى: أيْمُنٌ، وفي العُضْوِ والحَلِفِ، وتُسْتَعْمَلُ اليَمِينُ لِلْجِهَةِ الَّتِي تَكُونُ لِلْعُضْوِ المُسَمّى بِاليَمِينِ، فَتُنْصَبُ عَلى الظَّرْفِ، تَقُولُ: زَيْدٌ يَمِينُ عَمْرٍو، وهي في العُضْوِ مُشْتَقَّةٌ مِنَ اليَمِينِ، ويُقالُ: (p-١٧٥)فُلانٌ مَيْمُونُ الطَّلْعَةِ، ومَيْمُونُ النَّقِيبَةِ، ومَيْمُونُ الطّائِرِ. اللَّغْوُ: ما يَسْبِقُ بِهِ اللِّسانُ مِن غَيْرِ قَصْدٍ، قالَهُ الفَرّاءُ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ لِما لا يُعْتَدُّ بِهِ في الدِّيَةِ مِن أوْلادِ الإبِلِ لَغْوٌ. ويُقالُ: لَغا يَلْغُو لَغْوًا ولَغى يَلْغِي لَغًا، وقالَ ابْنُ المُظَفَّرِ: تَقُولُ العَرَبُ: اللَّغْوُ واللّاغِيَةُ واللَّواغِي واللُّغَوِيُّ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: اللَّغْوُ عِنْدَ العَرَبِ ما يُطْرَحُ مِنَ الكَلامِ اسْتِغْناءً عَنْهُ، ويُقالُ: هو ما لا يُفْهَمُ لَفْظُهُ. يُقالُ: لَغا الطّائِرُ يَلْغُو: صَوَّتَ، ويُقالُ: لَغا بِالأمْرِ: لَهِجَ بِهِ، يَلْغا، ويُقالُ: اشْتُقَّ مِن هَذا اللُّغَةُ، وقالَ ابْنُ عِيسى - وقَدْ ذُكِرَ أنَّ اللَّغْوَ ما لا يُفِيدُ - قالَ: ومِنهُ اللُّغَةُ لِأنَّها عِنْدَ غَيْرِ أهْلِها لَغْوٌ. وغَلِطَ في هَذا الِاشْتِقاقِ، فَإنَّ اللُّغَةَ إنَّما اشْتُقَّتْ مِن قَوْلِهِمْ: لَغى بِكَذا إذا أُولِعَ بِهِ. الحَلِيمُ: الصَّفُوحُ عَنِ الذَّنْبِ مَعَ القُدْرَةِ عَلى المُؤاخَذَةِ بِهِ، يُقالُ: حَلُمَ الرَّجُلُ يَحْلُمُ حِلْمًا، وهو حَلِيمٌ، وقالَ النّابِغَةُ الجَعْدِيُّ: ؎ولا خَيْرَ في حِلْمٍ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ ∗∗∗ مَوارِدُ تَحْمِي صَفْوَهُ أنْ يُكَدَّرا ويُقالَ: حَلِمَ الأدِيمُ يَحْلَمُ حَلْمًا، إذا تَثَقَّبَ وفَسَدَ، قالَ: ؎فَإنَّكَ والكِتابَ إلى عَلِيٍّ ∗∗∗ كَدابِغِهِ وقَدْ حَلِمَ الأدِيمُ وحَلَمَ في النَّوْمِ يَحْلُمُ حُلْمًا وحُلُمًا، وهو: حالِمٌ، ﴿وما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ بِعالِمِينَ﴾ [يوسف: ٤٤] . الإيلاءُ: مَصْدَرُ آلى، أيْ: حَلَفَ، ويُقالُ: تَألّى وائْتَلى، أيْ: حَلَفَ، ويُقالُ لِلْحَلِفِ: ألِيَّةٌ وألْوَةٌ وأُلْوَةٌ وإلْوَةٌ، وجَمْعُ ألِيَّةٍ ألايا، كَعَشِيَّةٍ وعَشايا. وقِيلَ: تُجْمَعُ ألُوَّةٌ عَلى ألايا، كَرَكُوبَةٍ ورَكائِبَ. التَّرَبُّصُ: التَّرَقُّبُ والِانْتِظارُ، مَصْدَرُ تَرَبَّصَ، وهو مَقْلُوبُ التَّبَصُّرِ، قالَ: ؎تَرَبَّصْ بِها رَيْبَ المَنُونِ لَعَلَّها ∗∗∗ تُطَلَّقُ يَوْمًا أوْ يَمُوتُ حَلِيلُها فاءَ: يَفِيءُ فَيْأً وفَيْأةً: رَجَعَ، وسُمِّيَ الظِّلُّ بَعْدَ الزَّوالِ فَيْأً لِأنَّهُ رَجَعَ عَنْ جانِبِ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، وهو سَرِيعُ الفَيْأةِ، أيِ: الرُّجُوعِ، وقالَ عَلْقَمَةُ: ؎فَقُلْتُ لَها فِيئِي فَما تَسْتَفِزِّينَ ∗∗∗ ذَواتَ العُيُونِ والبَنانِ المُخَضَّبَ العَزْمُ: ما يُعْقَدُ عَلَيْهِ القَلْبُ ويُصَمَّمُ، ويُقالُ: عَزَمَ عَلَيْهِ يَعْزِمُ عَزْمًا وعَزَمًا وعَزِيمَةً وعَزامًا، ويُقالُ: أعْزَمَ إعْزامًا، وعَزَمْتُ عَلَيْكَ لَتَفْعَلَنَّ: أقْسَمْتُ. الطَّلاقُ: انْحِلالُ عَقْدِ النِّكاحِ، يُقالُ مِنهُ: طُلِّقَتْ تُطَلَّقُ فَهي طالِقٌ وطالِقَةٌ، قالَ الأعْشى: ؎أيا جارَتِي بِينِي فَإنَّكِ طالِقَهْ ويُقالُ: طَلُقَتْ بِضَمِّ اللّامِ، حَكاهُ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى، وأنْكَرَهُ الأخْفَشُ. القُرْءُ: أصْلُهُ في اللُّغَةِ الوَقْتُ المُعْتادُ تَرَدُّدُهُ، وقُرْءُ النَّجْمِ: وقْتُ طُلُوعِهِ ووَقْتُ غُرُوبِهِ، ويُقالُ مِنهُ: أقْرَأ النَّجْمُ، أيْ: طَلَعَ أوْ غَرُبَ، وقُرْءُ المَرْأةِ: حَيْضُها وطُهْرُها، فَهو مِنَ الأضْدادِ، قالَهُ أبُو عَمْرٍو، ويُونُسُ، وأبُو عُبَيْدٍ. ويُقالُ مِنهُما: أقَرَأتِ المَرْأةُ. وقالَ أبُو عَمْرٍو: مِنَ العَرَبِ مَن يُسَمِّي الحَيْضَ مَعَ الطَّهُورِ قُرْءًا. وقالَ بَعْضُهم: القُرْءُ ما بَيْنَ الحَيْضَتَيْنِ. وقالَ الأخْفَشُ: أقَرَأتْ صارَتْ صاحِبَةَ حَيْضٍ، فَإذا حاضَتْ قُلْتَ قَرَتْ بِغَيْرِ ألِفٍ. وقِيلَ: القُرْءُ أصْلُهُ الجَمْعُ مِن قَوْلِهِمْ: قَرَأْتُ الماءَ في الحَوْضِ: جَمَعْتُهُ، ومِنهُ: ما أقَرَأتْ هَذِهِ النّاقَةُ سَلًا قَطُّ، أيْ: ما جَمَعَتْ في بَطْنِها جَنِينًا، فَإذا أُرِيدَ بِهِ الحَيْضُ: فَهو اجْتِماعُ الدَّمِ في الرَّحِمِ، أوِ الطُّهْرُ: فَهو اجْتِماعُ الدَّمِ في البَدَنِ. الرَّحِمُ: الفَرْجُ مِنَ المُؤَنَّثِ، وقَدْ يُسْتَعارُ لِلْقَرابَةِ، يُقالُ: بَيْنَهُما رَحِمٌ، أيْ قَرابَةٌ، ويَصِلُ الرَّحِمَ. البَعْلُ: الزَّوْجُ؛ يُقالُ مِنهُ: بَعَلَ يَبْعَلُ بُعُولَةً، أيْ: صارَ بَعْلًا، وباعَلَ الرَّجُلُ امْرَأتَهُ إذا جامَعَها، وهي تُباعِلُهُ إذا فَعَلَتْ ذَلِكَ مَعَهُ، وامْرَأةٌ حَسَنَةُ التَّبْعِيلِ إذا كانَتْ تُحْسِنُ عِشْرَةَ زَوْجِها، والبَعْلُ أيْضًا المَلِكُ، وبِهِ سُمِّيَ الصَّنَمُ لِأنَّهُ المُكْتَفِي بِنَفْسِهِ، ومِنهُ بَعْلُ النَّخْلِ. وجَمْعُ البَعْلِ: بُعُولٌ وبُعُولَةٌ، كَفَحْلٍ وفُحُولَةٍ، التّاءُ فِيهِ لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ ولا يَنْقاسُ؛ فَلا يُقالُ في كُعُوبٍ جَمْعُ كَعْبٍ: كُعُوبَةٌ. الرَّجُلُ: مَعْرُوفٌ، يُجْمَعُ عَلى: رِجالٍ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الرُّجْلَةِ، وهي (p-١٧٦)القُوَّةُ، يُقالُ: رَجُلٌ بَيِّنُ الرُّجُولَةِ والرُّجْلَةِ، وهو أرْجَلُ الرَّجُلَيْنِ، أيْ: أقْواهُما، وفَرَسٌ رَجِيلٌ: قَوِيٌّ عَلى المَشْيِ، ومِنهُ: سُمِّيَتِ الرِّجْلُ لِقُوَّتِها عَلى المَشْيِ، وارْتَجَلَ الكَلامَ قَوِيَ عَلَيْهِ، وتَرَجَّلَ النَّهارُ قَوِيَ ضِياؤُهُ، ويُقالُ: رَجُلٌ ورِجْلَةٌ، كَما قالُوا: امْرُؤٌ وامْرَأةٌ، وكَتَبْتُ مِن خَطِّ أُسْتاذِنا أبِي جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: ؎كُلُّ جارٍ ظَلَّ مُغْتَبِطًا ∗∗∗ غَيْرَ جِيرانِي بَنِي جَبَلَهْ ؎هَتَكُوا جَيْبَ فَتاتِهِمْ ∗∗∗ لَمْ يُبالُوا حُرْمَةَ الرَّجُلَهْ الدَّرَجَةُ: المَنزِلَةُ، وأصْلُهُ مِن دَرَجْتُ الشَّيْءَ وأدْرَجْتُهُ: طَوَيْتُهُ، ودَرَجَ القَوْمُ: فَنُوا، وأدْرَجَهُمُ اللَّهُ، فَهو كَطَيِّ الشَّيْءِ مَنزِلَةً مَنزِلَةً، والدَّرَجَةُ المَنزِلَةُ مِن مَنازِلِ الطَّيِّ، ومِنهُ الدَّرَجَةُ الَّتِي يُرْتَقى إلَيْها. الإمْساكُ لِلشَّيْءِ: حَبْسُهُ، ومِنهُ اسْمانِ: مَسْكٌ ومَساكٌ، يُقالُ: إنَّهُ لَذُو مَسْكٍ ومِيساكٍ، إذا كانَ بَخِيلًا، وفِيهِ مُسْكَةٌ مِن خَيْرٍ أيْ: قُوَّةٌ، وتَماسُكٌ ومَسِيكٌ: بَيِّنُ المَساكَةُ. التَّسْرِيحُ: الإرْسالُ، وسَرَّحَ الشَّعْرَ: خَلَّصَ بَعْضَهُ مِن بَعْضٍ، والماشِيَةَ: أرْسَلَها لِتَرْعى، والسَّرْحُ: الماشِيَةُ، وناقَةٌ مَسْرَحٌ: سَهْلَةُ المَسِيرِ لِانْطِلاقِها فِيهِ. ﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأيْمانِكُمْ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ وخَتَنِهِ بَشِيرِ بْنِ النُّعْمانِ، كانَ بَيْنَهُما شَيْءٌ، فَحَلَفَ عَبْدُ اللَّهِ أنْ لا يَدْخُلَ عَلَيْهِ ولا يُكَلِّمَهُ ولا يُصْلِحَ بَيْنَهُ وبَيْنَ زَوْجَتِهِ، وجَعَلَ يَقُولُ: حَلَفْتُ بِاللَّهِ، فَلا يَحِلُّ لِي إلّا بِرُّ يَمِينِي. وقالَ الرَّبِيعُ: نَزَلَتْ في الرَّجُلِ يَحْلِفُ أنْ لا يَصِلَ رَحِمَهُ ولا يُصْلِحَ بَيْنَ النّاسِ؛ وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: في أبِي بَكْرٍ حِينَ حَلَفَ لا يُنْفِقُ عَلى مِسْطَحٍ حِينَ تَكَلَّمَ في الإفْكِ؛ وقالَ المُقاتِلانِ ابْنُ حَيّانَ وابْنُ سُلَيْمانَ: حَلَفَ لا يُنْفِقُ عَلى ابْنِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَتّى يُسْلِمَ؛ وقِيلَ: حَلَفَ أنْ لا يَأْكُلَ مَعَ الأضْيافِ حِينَ أخَّرَ ولَدُهُ عَنْهُمُ العَشاءَ، وغَضِبَ هو عَلى ولَدِهِ. وقالَتْ عائِشَةُ: نَزَلَتْ في تَكْرِيرِ الأيْمانِ بِاللَّهِ، فَنَهى أنْ يُحْلَفَ بِهِ بَرًّا، فَكَيْفَ فاجِرًا. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِتَقْوى اللَّهِ تَعالى، وحَذَّرَهم يَوْمَ المِيعادِ؛ نَهاهم عَنِ ابْتِذالِ اسْمِهِ، وجَعْلِهِ مَعْرِضًا لِما يَحْلِفُونَ عَلَيْهِ دائِمًا؛ لِأنَّ مَن يُتَّقى ويُحْذَرُ تَجِبُ صِيانَةُ اسْمِهِ وتَنْزِيهِهِ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ مِن كَوْنِهِ يُذْكَرُ في كُلِّ ما يُحْلَفُ عَلَيْهِ، مِن قَلِيلٍ أوْ كَثِيرٍ، عَظِيمٍ أوْ حَقِيرٍ؛ لِأنَّ كَثْرَةَ ذَلِكَ تُوجِبُ عَدَمَ الِاكْتِراثِ بِالمَحْلُوفِ بِهِ. وقَدْ تَكُونُ المُناسَبَةُ بِأنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالتَّحَرُّزِ في أفْعالِهِمُ السّابِقَةِ مِنَ: الخَمْرِ، والمَيْسِرِ، وإنْفاقِ العَفْوِ، وأمْرِ اليَتامى، ونِكاحِ مَن أشْرَكَ، وحالِ وطْءِ الحائِضِ؛ أمَرَهم تَعالى بِالتَّحَرُّزِ في أقْوالِهِمْ، فانْتَظَمَ بِذاكَ أمْرُهم بِالتَّحَرُّزِ في الأفْعالِ والأقْوالِ. واخْتَلَفُوا في فَهْمِ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأيْمانِكُمْ﴾، وهو خِلافٌ مَبْنِيٌّ عَلى الِاخْتِلافِ في اشْتِقاقِ العُرْضَةِ، فَقِيلَ: نُهُوا عَنْ أنْ يَجْعَلُوا اللَّهَ مَعَدًّا لِأيْمانِهِمْ فَيَحْلِفُوا بِهِ في البِرِّ والفُجُورِ؛ فَإنَّ الحِنْثَ مَعَ الإكْثارِ فِيهِ قِلَّةُ رَعْيٍ بِحَقِّ اللَّهِ تَعالى، كَما رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ أنَّها نَزَلَتْ في تَكْثِيرِ اليَمِينِ بِاللَّهِ، نُهِيَ أنْ يَحْلِفَ الرَّجُلُ بِهِ بَرًّا فَكَيْفَ فاجِرًا ؟ وقَدْ ذَمَّ اللَّهُ مَن أكْثَرَ الحَلِفَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠]، وقالَ: ﴿واحْفَظُوا أيْمانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] . والعَرَبُ تُمْدَحُ بِالإقْلالِ مِنَ الحَلِفِ، قالَ كُثَيِّرٌ: ؎قَلِيلٌ الألايا حافِظٌ لِيَمِينِهِ ∗∗∗ إذا صَدَرَتْ مِنهُ الألِيَّةُ بَرَّتِ والحِكْمَةُ في النَّهْيِ عَنْ تَكْثِيرِ الأيْمانِ بِاللَّهِ أنَّ ذَلِكَ لا يُبْقِي لِلْيَمِينِ في قَلْبِهِ وقْعًا، ولا يُؤْمَنُ مِن إقْدامِهِ عَلى اليَمِينِ الكاذِبَةِ، وذِكْرُ اللَّهِ أجَلُّ مِن أنْ يُسْتَشْهَدَ بِهِ في الأعْراضِ الدُّنْيَوِيَّةِ. وقِيلَ: المَعْنى: ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ قُوَّةً لِأيْمانِكم، وتَوْكِيدًا لَها، ورُوِيَ عَنْ قَرِيبٍ مِن هَذا المَعْنى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وإبْراهِيمَ، ومُجاهِدٍ، والرَّبِيعِ، وغَيْرِهِمْ؛ قالَ: المَعْنى فِيما تُرِيدُونَ الشِّدَّةَ فِيهِ مِن تَرْكِ صِلَةِ الرَّحِمِ، والبِرِّ، والإصْلاحِ. وقِيلَ المَعْنى: ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ حاجِزًا ومانِعًا مِنَ البِرِّ والإصْلاحِ، ويُؤَكِّدُهُ قَوْلُ مَن قالَ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ، أوْ في أبِي بَكْرٍ، عَلى ما تَقَدَّمَ في سَبَبِ النُّزُولِ؛ فَيَكُونُ المَعْنى: أنَّ الرَّجُلَ كانَ يَحْلِفُ عَلى بَعْضِ الخَيْراتِ مِن صِلَةِ رَحِمٍ، (p-١٧٧)وإصْلاحِ ذاتِ بَيْنٍ، أوْ إحْسانٍ إلى أحَدٍ، أوْ عِبادَةٍ، ثُمَّ يَقُولُ: أخافُ اللَّهَ أنْ أحْنَثَ في يَمِينِي، فَيَتْرُكُ البِرَّ في يَمِينِهِ؛ فَنُهُوا أنْ يَجْعَلُوا اللَّهَ حاجِزًا لِما حَلَفُوا عَلَيْهِ. ﴿لِأيْمانِكُمْ﴾، تَحْتَمِلُ اللّامُ أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِـ ﴿عُرْضَةً﴾؛ فَتَكُونُ كالمُقَوِّيَةِ لِلتَّعَدِّي، أوْ مَعَدًّا ومَرْصَدًا لِأيْمانِكم، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِقَوْلِهِ: (ولا تَجْعَلُوا)؛ فَتَكُونُ لِلتَّعْلِيلِ، أيْ: لا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأجْلِ أيْمانِكم. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالأيْمانِ هُنا الِاقْتِسامُ، لا المُقْسَمُ عَلَيْهِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: حاجِزًا لِما حَلَفْتُمْ عَلَيْهِ، وسُمِّيَ المَحْلُوفُ عَلَيْهِ يَمِينًا لِتَلَبُّسِهِ بِاليَمِينِ، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ: (إذا حَلَفْتَ عَلى يَمِينٍ فَرَأيْتَ غَيْرَها خَيْرًا مِنها فَأْتِ الَّذِي هو خَيْرٌ، وكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ)، أيْ: عَلى شَيْءٍ مِمّا يُحْلَفُ عَلَيْهِ. انْتَهى كَلامُهُ. ولا حاجَةَ هُنا لِلْخُرُوجِ عَنِ الظّاهِرِ، وإنَّما احْتَجَّ في الحَدِيثِ إلى أنَّهُ أطْلَقَ اليَمِينَ، ويُرادُ بِها مُتَعَلِّقُها؛ لِأنَّهُ قالَ: إذا حَلَفْتَ عَلى يَمِينٍ، فَعَدّى حَلَفْتَ بِعَلى؛ فاحْتِيجَ إلى هَذا التَّأْوِيلِ، ولَيْسَ في الآيَةِ ما يُحْوِجُ إلى هَذا التَّأْوِيلِ، لَكِنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ لَمّا حَمَلَ ﴿عُرْضَةً﴾ عَلى أنَّ مَعْناهُ حاجِزًا ومانِعًا؛ اضْطُرَّ إلى هَذا التَّأْوِيلِ. ﴿أنْ تَبَرُّوا وتَتَّقُوا وتُصْلِحُوا بَيْنَ النّاسِ﴾، قالَ الزَّجّاجُ، وتَبِعَهُ التِّبْرِيزِيُّ: ﴿أنْ تَبَرُّوا﴾ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: بِرُّكم وتَقْواكم وإصْلاحُكم أمْثَلُ وأوْلى، وجَعَلَ الكَلامَ مُنْتَهِيًا عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿لِأيْمانِكُمْ﴾، ومَعْنى الجُمْلَةِ الَّتِي فِيها النَّهْيُ عِنْدَهُ أنَّها في الرَّجُلِ إذا طَلَبَ مِنهُ فِعْلَ خَيْرٍ ونَحْوَهُ اعْتَلَّ بِاللَّهِ فَقالَ: عَلَيَّ يَمِينٌ، وهو لَمْ يَحْلِفْ، وقَدَّرَ التِّبْرِيزِيُّ خَبَرَ المُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ بِأنَّ المَعْنى: أنْ تَبَرُّوا وتَتَّقُوا وتُصْلِحُوا بَيْنَ النّاسِ خَيْرٌ لَكم مِن أنْ تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأيْمانِكم، وهَذا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّجّاجُ والتِّبْرِيزِيُّ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ فِيهِ اقْتِطاعُ ﴿أنْ تَبَرُّوا﴾ مِمّا قَبْلَهُ، والظُّلْمُ هو اتِّصالُهُ بِهِ؛ ولِأنَّ فِيهِ حَذْفًا لا دَلِيلَ عَلَيْهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنْ تَبَرُّوا وتَتَّقُوا وتُصْلِحُوا، عَطْفُ بَيانٍ لِأيْمانِكم، أيْ: لِلْأُمُورِ المَحْلُوفِ عَلَيْها الَّتِي هي: البِرُّ والتَّقْوى والإصْلاحُ بَيْنَ النّاسِ. انْتَهى كَلامُهُ. وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ فِيهِ مُخالَفَةً لِلظّاهِرِ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ مِنَ الأيْمانِ هي الأقْسامُ، والبِرُّ والتَّقْوى والإصْلاحُ هي المُقْسَمُ عَلَيْها، فَهُما مُتَبايِنانِ؛ فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفَ بَيانٍ عَلى الأيْمانِ، لَكِنَّهُ لَمّا تَأوَّلَ الأيْمانَ عَلى أنَّها المَحْلُوفُ عَلَيْها؛ ساغَ لَهُ ذَلِكَ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّهُ لا حاجَةَ تَدْعُونا إلى تَأْوِيلِ الأيْمانِ بِالأشْياءِ المَحْلُوفِ عَلَيْها، وعَلى مَذْهَبِهِ تَكُونُ ﴿أنْ تَبَرُّوا﴾ في مَوْضِعِ جَرٍّ، ولَوِ ادَّعى أنْ يَكُونَ ﴿أنْ تَبَرُّوا﴾ وما بَعْدَهُ بَدَلًا مِن (أيْمانِكم) لَكانَ أوْلى؛ لِأنَّ عَطْفَ البَيانِ أكْثَرُ ما يَكُونُ في الأعْلامِ. وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنْ تَبَرُّوا﴾ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في التَّقْدِيرِ، فَقِيلَ: كَراهَةَ أنْ تَبَرُّوا، قالَهُ المَهْدَوِيُّ. أوْ: لِتَرْكِ أنْ تَبَرُّوا، قالَهُ المُبَرِّدُ. وقِيلَ: لِأنْ لا تَبَرُّوا ولا تَتَّقُوا ولا تُصْلِحُوا، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والطَّبَرِيُّ، كَقَوْلِهِ: ؎فَخالَفَ فَلا واللَّهِ تَهْبِطُ تَلْعَةً أيْ: لا تَهْبِطُ، وقِيلَ: إرادَةُ أنْ تَبَرُّوا، والتَّقادِيرُ الأُوَلُ مُتَلاقِيَةٌ مِن حَيْثُ المَعْنى، ورُوِيَ هَذا المَعْنى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وعَطاءٍ، وابْنِ جُرَيْجٍ، وإبْراهِيمَ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ، والسُّدِّيِّ، ومُقاتِلٍ، والفَرّاءِ، وابْنِ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجِ، في آخِرِ مَن رُوِيَ عَنْهم أنَّ المَعْنى: لا تَحْلِفُوا بِاللَّهِ أنْ لا تَبَرُّوا، فَيَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ (ولا تَجْعَلُوا)، ولا يَظْهَرُ هَذا المَعْنى لِما فِيهِ مِن تَعْلِيلِ امْتِناعِ الحَلِفِ بِانْتِفاءِ البِرِّ، بَلْ وُقُوعُ الحَلِفِ مُعَلَّلٌ بِانْتِفاءِ البِرِّ، ولا يَنْعَقِدُ مِنهُ شَرْطٌ وجَزاءٌ لَوْ قُلْتَ في مَعْنى هَذا النَّهْيِ وعِلَّتِهِ: إنْ حَلَفْتَ بِاللَّهِ بَرَرْتَ، لَمْ يَصِحَّ، وذَلِكَ كَما تَقُولُ: لا تَضْرِبْ زَيْدًا لِئَلّا يُؤْذِيَكَ، فانْتَفَتِ الأذِيَّةُ لِلِامْتِناعِ مِنَ الضَّرْبِ، والمَعْنى: إنْ لَمْ تَضْرِبْهُ لَمْ يُؤْذِكَ، وإنْ ضَرَبْتَهُ أذاكَ؛ فَلا يَتَرَتَّبُ عَلى الِامْتِناعِ مِنَ الحَلِفِ انْتِفاءُ البِرِّ، ولا عَلى وُجُودِهِ وجُودُهُ، بَلْ يَتَرَتَّبُ عَلى الِامْتِناعِ مِنَ الحَلِفِ وُجُودُ البِرِّ، وعَلى وُقُوعِ الحَلِفِ انْتِفاءُ البِرِّ، وهَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ يُؤَيِّدُ القَوْلَ بِأنَّ التَّقْدِيرَ: إرادَةَ أنْ تَبَرُّوا؛ لِأنَّهُ يُعَلِّلُ الِامْتِناعَ مِنَ الحَلِفِ بِإرادَةِ وُجُودِ البِرِّ، ويَتَعَلَّقُ مِنهُ (p-١٧٨)الشَّرْطُ والجَزاءُ، تَقُولُ: إنْ حَلَفْتَ لَمْ تَبَرَّ، وإنْ لَمْ تَحْلِفْ بَرَرْتَ. وقَدْ شَرَحَ بَعْضُ العُلَماءِ هَذا المَعْنى فَقالَ: إنْ تَبَرُّوا وتَتَّقُوا وتُصْلِحُوا عِلَّةً لِهَذا النَّهْيِ، أيْ: إرادَةَ أنْ تَبَرُّوا، والمَعْنى: إنَّما نَهْيُكم عَنْ هَذا لِما في تَوَقِّي ذَلِكَ مِنَ البِرِّ والتَّقْوى والإصْلاحِ؛ فَتَكُونُونَ مَعاشِرَ المُؤْمِنِينَ بَرَرَةً أتْقِياءَ مُصْلِحِينَ في الأرْضِ غَيْرَ مُفْسِدِينَ، فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَلْزَمُ مِن تَرْكِ الحَلِفِ حُصُولُ البِرِّ والتَّقْوى والإصْلاحِ بَيْنَ النّاسِ ؟ قُلْنا: لِأنَّ مَن تَرَكَ الحَلِفَ لِاعْتِقادِهِ أنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى أعْظَمُ وأجَلُّ أنْ يُسْتَشْهَدَ بِاسْمِهِ المُعَظَّمِ في طَلَبِ الدُّنْيا، إنَّ هَذا مِن أعْظَمِ أبْوابِ البِرِّ. وأمّا مَعْنى التَّقْوى فَظاهِرٌ؛ لِأنَّهُ اتَّقى أنْ يَصْدُرَ مِنهُ ما يُخِلُّ بِتَعْظِيمِ اللَّهِ تَعالى، وأمّا الإصْلاحُ بَيْنَ النّاسِ؛ فَلِأنَّ النّاسَ مَتى اعْتَقَدُوا فِيهِ كَوْنَهُ مُعَظِّمًا لِلَّهِ تَعالى إلى هَذا الحَدِّ، مُحْتَرِزًا عَنِ الإخْلالِ بِواجِبِ حَقِّهِ، اعْتَقَدُوا فِيهِ كَوْنَهُ مُعَظِّمًا لِلَّهِ، وكَوْنَهُ صادِقًا بَعِيدًا مِنَ الأغْراضِ الفاسِدَةِ؛ فَيَتَقَبَّلُونَ قَوْلَهُ؛ فَيَحْصُلُ الصُّلْحُ بِتَوَسُّطِهِ. انْتَهى هَذا الكَلامُ. وفي (المُنْتَخَبِ) - وهو بَسْطُ ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ - قالَ: ومَعْناها عَلى الأُخْرى يَزِيدُ عَلى أنْ يَكُونَ عُرْضَةً، بِمَعْنى مُعَرَّضًا لِلْأمْرِ، قالَ: ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ مُعَرَّضًا لِأيْمانِكم فَتَتَبَذَّلُوهُ بِكَثْرَةِ الحَلِفِ بِهِ؛ ولِذَلِكَ ذَمَّ مَن أنْزَلَ فِيهِ: ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] بِأشْنَعِ المَذامِّ، وجَعَلَ الحَلّافَ مُقَدِّمَتَها، و﴿أنْ تَبَرُّوا﴾ عِلَّةٌ لِلنَّهْيِ، أيْ: إرادَةَ أنْ تَبَرُّوا وتَتَّقُوا وتُصْلِحُوا؛ لِأنَّ الحَلّافَ مُجْتَرِئٌ عَلى اللَّهِ، غَيْرُ مُعَظِّمٍ لَهُ؛ فَلا يَكُونُ بَرًّا مُتَّقِيًا، ولا يَثِقُ بِهِ النّاسُ؛ فَلا يُدْخِلُونَهُ في وساطَتِهِمْ وإصْلاحِ ذاتِ بَيْنِهِمْ. وقِيلَ: المَعْنى: ولا تَحْلِفُوا بِاللَّهِ كاذِبِينَ لِتَبَرُّوا المَحْلُوفَ لَهم، وتَتَّقُوهم وتُصْلِحُوا بَيْنَهم بِالكَذِبِ، رُوِيَ هَذا المَعْنى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ فَقَيَّدَ المَعْلُومَ بِالكَذِبِ، وقَيَّدَ العِلَّةَ بِالنّاسِ، والإصْلاحَ بِالكَذِبِ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَتَعَلَّقُ ﴿أنْ تَبَرُّوا﴾ بِالفِعْلِ وبِالعُرْضَةِ، أيْ: ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ - لِأجْلِ أيْمانِكم بِهِ - عُرْضَةً لِأنْ تَبَرُّوا. انْتَهى. ولا يَصِحُّ هَذا التَّقْدِيرُ؛ لِأنَّ فِيهِ فَصْلًا بَيْنَ العامِلِ والمَعْمُولِ بِأجْنَبِيٍّ؛ لِأنَّهُ عَلَّقَ ﴿لِأيْمانِكُمْ﴾ بِتَجْعَلُوا، وعَلَّقَ ”لِأنْ تَبَرُّوا“ بِعُرْضَةً، فَقَدْ فَصَلَ بَيْنَ ﴿عُرْضَةً﴾ وبَيْنَ ”لِأنْ تَبَرُّوا“ بِقَوْلِهِ ﴿لِأيْمانِكُمْ﴾، وهو أجْنَبِيٌّ مِنهُما؛ لِأنَّهُ مَعْمُولٌ عِنْدَهُ لِتَجْعَلُوا، وذَلِكَ لا يَجُوزُ، ونَظِيرُ ما أجازَهُ أنْ تَقُولَ: امْرُرْ واضْرِبْ بِزَيْدٍ هِنْدًا، فَهَذا لا يَجُوزُ، ونَصُّوا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ: جاءَنِي رَجُلٌ ذُو فَرَسٍ راكِبٌ أبْلَقَ؛ لِما فِيهِ مِنَ الفَصْلِ بِالأجْنَبِيِّ. والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ ﴿أنْ تَبَرُّوا﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ، والعَمَلُ فِيهِ قَوْلُهُ ﴿لِأيْمانِكُمْ﴾، التَّقْدِيرُ: لِأقْسامِكم عَلى أنْ تَبَرُّوا؛ فَنُهُوا عَنِ ابْتِذالِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى، وجَعْلِهِ مَعْرِضًا لِأقْسامِهِمْ عَلى البِرِّ والتَّقْوى والإصْلاحِ اللّاتِي هُنَّ أوْصافٌ جَمِيلَةٌ؛ لِما نَخافُ في ذَلِكَ مِنَ الحِنْثِ، (p-١٧٩)فَكَيْفَ إذا كانَتْ أقْسامًا عَلى ما تُنافِي البِرَّ والتَّقْوى والإصْلاحَ ؟ وعَلى هَذا يَكُونُ الكَلامُ مُنْتَظِمًا، واقِعًا كُلُّ لَفْظٍ مِنهُ مَكانَهُ الَّذِي يَلِيقُ بِهِ، فَصارَ في مَوْضِعِ ﴿أنْ تَبَرُّوا﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، والخِلافُ في تَقْدِيرِ الجَرِّ، والجَرُّ عَلى وجْهَيْنِ: عَطْفِ البَيانِ، والبَدَلِ، والنَّصْبُ عَلى وجْهَيْنِ: إمّا عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ - عَلى الِاخْتِلافِ في تَقْدِيرِهِ - وإمّا عَلى أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِـ (أيْمانِكم) عَلى إسْقاطِ الخافِضِ. (واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)، خَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِما، فالَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالسَّمْعِ الحَلِفُ؛ لِأنَّهُ مِنَ المَسْمُوعاتِ، والَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالعِلْمِ هو إرادَةُ البِرِّ والتَّقْوى والإصْلاحِ؛ إذْ هو شَيْءٌ مَحَلُّهُ القَلْبُ، فَهو مِنَ المَعْلُوماتِ، فَجاءَتْ هاتانِ الصِّفَتانِ مُنْتَظِمَتَيْنِ لِلْعِلَّةِ والمَعْلُولِ، وجاءَتا عَلى تَرْتِيبِ ما سَبَقَ مِن تَقْدِيمِ السَّمْعِ عَلى العِلْمِ، كَما قَدَّمَ الحَلِفَ عَلى الإرادَةِ.

البقرة 2:225

﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ﴾، مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا نَهى عَنْ جَعْلِ اللَّهِ مُعَرَّضًا لِلْأيْمانِ، كانَ ذَلِكَ حَتْمًا لِتَرْكِ الأيْمانِ، وهم يَشُقُّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ؛ لِأنَّ العادَةَ جَرَتْ لَهم بِالأيْمانِ، فَذَكَرَ أنَّ ما كانَ مِنها لَغْوًا فَهو لا يُؤاخَذُ بِهِ؛ لِأنَّهُ مِمّا لا يُقْصَدُ بِهِ حَقِيقَةُ اليَمِينِ، وإنَّما هو شَيْءٌ يَجْرِي عَلى اللِّسانِ عِنْدَ المُحاوَرَةِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ، وهَذا أحْسَنُ ما يُفَسَّرُ بِهِ اللَّغْوُ؛ لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ مُقابَلَةَ ما كَسَبَهُ القَلْبُ وهو ما لَهُ فِيهِ اعْتِمادٌ وقَصْدٌ. واخْتَلَفَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِ لَغْوِ اليَمِينِ، فَقالَ أبُو هُرَيْرَةَ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، والشَّعْبِيُّ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ، والسُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ، ومالِكٌ في أشْهَرِ قَوْلَيْهِ، وأبُو حَنِيفَةَ: هو الحَلِفُ عَلى غَلَبَةِ الظَّنِّ، فَيَكْشِفُ الغَيْبُ خِلافَ ذَلِكَ. وقالَتْ عائِشَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وطاوُسٌ، والشَّعْبِيُّ، ومُجاهِدٌ، وأبُو صالِحٍ، والشّافِعِيُّ: هو ما يَجْرِي عَلى اللِّسانِ في دَرَجِ الكَلامِ والِاسْتِعْجالِ: لا واللَّهِ، وبَلى واللَّهِ، مِن غَيْرِ قَصْدٍ لِلْيَمِينِ، وهو أحَدُ قَوْلَيْ مالِكٍ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ المُسَيَّبِ، وأبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وابْنا الزُّبَيْرِ؛ عَبْدُ اللَّهِ وعُرْوَةُ: هو الحَلِفُ عَلى فِعْلِ المَعْصِيَةِ. إلّا أنَّ ابْنَ جُبَيْرٍ قالَ: لا يَفْعَلُ ويُكَفِّرُ، وباقِيهِمْ قالُوا: لا يَفْعَلُ ولا كَفّارَةَ عَلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وعَلِيٌّ، وطاوُسٌ: هو الحَلِفُ في حالِ الغَضَبِ. وقالَ النَّخَعِيُّ: هو الحَلِفُ عَلى شَيْءٍ يَنْساهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، والضَّحّاكُ: هو ما تَجِبُ فِيهِ الكَفّارَةُ إذا كُفِّرَتْ سَقَطَتْ، ولا يُؤاخِذُ اللَّهُ بِتَكْفِيرِها، والرُّجُوعِ إلى الَّذِي هو خَيْرٌ. وقالَ مَكْحُولٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا، وجَماعَةٌ: هو أنْ يُحَرِّمَ عَلى نَفْسِهِ ما أحَلَّ اللَّهُ، كَقَوْلِهِ: مالِي عَلَيَّ حَرامٌ إنْ فَعَلْتُ كَذا، والحَلالُ عَلَيَّ حَرامٌ، وقالَ بِهَذا القَوْلِ مالِكٌ إلّا في الزَّوْجَةِ، فَأُلْزِمَ فِيها التَّحْرِيمَ إلّا أنْ يُخْرِجَها الحالِفُ بِقَلْبِهِ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وابْنُهُ: هو دُعاءُ الرَّجُلِ عَلى نَفْسِهِ: أعْمى اللَّهُ بَصَرَهُ، أذْهَبَ اللَّهُ مالَهُ، هو يَهُودِيٌّ، هو مُشْرِكٌ، هو لُغَيَّةٌ؛ إنْ فَعَلَ كَذا. وقالَ مُجاهِدٌ: هو حَلِفُ المُتَبايِعَيْنِ، يَقُولُ أحَدُهُما: واللَّهِ لا أبِيعُكَ بِكَذا، ويَقُولُ الآخَرُ: واللَّهِ ما أشْتَرِيهِ إلّا بِكَذا. وقالَ مَسْرُوقٌ: هو ما لا يَلْزَمُهُ الوِقايَةُ. ورُوِيَ عَنْهُ، وعَنِ الشَّعْبِيِّ: أنَّهُ الحَلِفُ عَلى المَعْصِيَةِ. وقِيلَ: هو يَمِينُ المُكْرَهِ، حَكاهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ. وهَذِهِ الأقْوالُ يَحْتَمِلُها لَفْظُ اللَّغْوِ، إلّا أنَّ الأظْهَرَ هو ما فَسَّرْناهُ أوَّلًا؛ لِأنَّهُ قابَلَهُ كَسْبُ القَلْبِ، وهو تَعَمُّدُهُ لِلشَّيْءِ، فَجَمِيعُ الأقْوالِ غَيْرُهُ يَنْطَبِقُ عَلَيْها أنَّها كَسْبُ القَلْبِ؛ لِأنَّ لِلْقَلْبِ قَصْدًا إلَيْها، ونَفْيُ الوَحْدَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا إثْمَ ولا كَفّارَةَ؛ فَيَضْعُفُ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّها تَخْتَصُّ بِالإثْمِ، ويُفَسَّرُ اللَّغْوُ بِاليَمِينِ المُكَفِّرَةِ، وسُئِلَ الحَسَنُ عَنِ اللَّغْوِ، والمَسْبِيَّةِ ذاتِ الزَّوْجِ، فَوَثَبَ الفَرَزْدَقُ وقالَ: أما سَمِعْتَ ما قُلْتُ: ؎ولَسْتَ بِمَأْخُوذٍ بِشَيْءٍ تَقُولُهُ إذا لَمْ تَعَمَّدْ عاقِداتِ العَزائِمِ وما قُلْتُ: ؎وذاتِ حَلِيلٍ أنَكَحَتْنا رِماحُنا ∗∗∗ حَلالًا ولَوْلا سَبْيُها لَمْ تُطَلَّقِ (p-١٨٠)فَقالَ الحَسَنُ: ما أذْكاكَ لَوْلا حِنْثُكَ. بِاللَّغْوِ: مُتَعَلِّقٌ بِـ (يُؤاخِذُكم)، والباءُ سَبَبِيَّةٌ، مِثْلُها في: ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ﴾ [النحل: ٦١]، ﴿فَكُلًّا أخَذْنا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٠]، وفي إيمانِكم: مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ، أوْ بِالمَصْدَرِ، أوْ بِمَحْذُوفٍ، أيْ: كائِنًا في أيْمانِكم؛ فَيَكُونُ حالًا، ويُقِرُّ بِهِ أنَّكَ لَوْ جَعَلْتَهُ في صِلَةِ (الَّذِي) ووَصَفْتَ بِهِ اللَّغْوَ لاسْتَقامَ. * * ﴿ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾، أيْ: بِاليَمِينِ الَّتِي لِلْقَلْبِ فِيها كَسْبٌ، فَكُلُّ يَمِينٍ عَقَدَها القَلْبُ فَهي كَسْبٌ لَهُ، وكَذَلِكَ فَسَّرَ مُجاهِدٌ الكَسْبَ بِالعَقْدِ، كَآيَةِ المائِدَةِ: ﴿بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ﴾ [المائدة: ٨٩] . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والنَّخَعِيُّ: هو أنْ يَحْلِفَ كاذِبًا أوْ عَلى باطِلٍ، وهي الغَمُوسُ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: هو أنْ يَعْقِدَ الإشْراكَ بِقَلْبِهِ إذا قالَ: هو مُشْرِكٌ إنْ فَعَلَ كَذا. وقالَ قَتادَةُ: بِما تَعَمَّدَ القَلْبُ مِنَ المَآثِمِ. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ تَعالى مِنَ المُؤاخَذَةِ، هو العُقُوبَةُ في الآخِرَةِ إنْ كانَتِ اليَمِينُ غَمُوسًا، أوْ غَيْرَ غَمُوسٍ وتَرَكَ تَكْفِيرَها، والعُقُوبَةُ في الدُّنْيا بِإلْزامِ الكَفّارَةِ إنْ كانَتْ مِمّا تُكَفَّرُ. واخْتَلَفُوا في اليَمِينِ الغَمُوسِ، فَقالَ مالِكٌ، وجَماعَةٌ: لا تُكَفَّرُ، وهي أعْظَمُ ذَنْبًا مِن ذَلِكَ. وقالَ عَطاءٌ، وقَتادَةُ، والرَّبِيعُ، والشّافِعِيُّ: تُكَفَّرُ، والكَفّارَةُ مُؤاخَذَةٌ. والغَمُوسُ ما قَصَدَ الرَّجُلُ في الحَلِفِ بِهِ الكَذِبَ، وهي المَصْبُورَةُ، سُمِّيَتْ غَمُوسًا لِأنَّها تَغْمِسُ صاحِبَها في الإثْمِ، ومَصْبُورَةً لِأنَّ صَبْرَها مُغالَبَةٌ وقُوَّةٌ عَلَيْها، كَما يُصْبَرُ الحَيَوانُ لِلْقَتْلِ والرَّمْيِ. وقُسِّمَتِ الأيْمانُ إلى: لَغْوٍ، ومُنْعَقِدَةٍ، وغَمُوسٍ. والمُنْعَقِدَةُ: هي عَلى المُسْتَقْبَلِ الَّتِي يَصِحُّ فِيها الحِنْثُ والبِرُّ، وبَيَّنّا اللَّغْوَ والغَمُوسَ. وقُسِّمَتْ أيْضًا إلى: حَلِفٍ عَلى ما مِن مُحَرَّمٍ، وهي: الكاذِبَةُ؛ ومُباحٍ: وهي الصّادِقَةُ؛ وعَلى مُسْتَقْبَلٍ عَقْدُها طاعَةٌ والمُقامُ عَلَيْها طاعَةٌ، وحَلُّها مَعْصِيَةٌ أوْ مَكْرُوهٌ، ومُقابِلُها أوْ ما هو مُباحٌ عَقْدُها والمُقامُ عَلَيْها وحَلُّها، ولَكِنْ دَخَلَتْ هُنا بَيْنَ نَقِيضَيْنِ بِاعْتِبارِ وُجُودِ اليَمِينِ؛ لِأنَّها لا تَخْلُو مِن أنْ لا يَقْصِدَها القَلْبُ، ولَكِنْ جَرَتْ عَلى اللِّسانِ، وهي اللَّغْوُ، أوْ تَقْصِدُها، وهي المُنْعَقِدَةُ، وهُما ضِدّانِ بِاعْتِبارِ أنْ لا تُوجَدَ اليَمِينُ؛ إذِ الإنْسانُ قَدْ يَخْلُو مِنَ اليَمِينِ، وهَذانِ النَّوْعانِ مِنَ النَّقِيضَيْنِ والضِّدِّ أحْسَنُ ما يَقَعُ فِيهِ ”لَكِنْ“، وأمّا الخِلافانِ فَفي جَوازِ وُقُوعِها بَيْنَهُما خِلافٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ طَرَفٌ مِن هَذا، وإبْدالُ الهَمْزَةِ واوًا في مِثْلِ ”يُؤاخِذُ“ مَقِيسٌ، ونَحْوُهُ: يُؤْذِنُ ويُؤَلِّفُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: ولَكِنْ يُؤاخِذُكم في أيْمانِكم بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكم، وحُذِفَ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، و”ما“ في قَوْلِهِ ”بِما“ مَوْصُولَةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، ويُحَسِّنُهُ مُقابَلَتُهُ بِالمَصْدَرِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿بِاللَّغْوِ﴾، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً. ﴿واللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾، جاءَتْ هاتانِ الصِّفَتانِ تَدُلّانِ عَلى تَوْسِعَةِ اللَّهِ عَلى عِبادِهِ؛ حَيْثُ لَمْ يُؤاخِذْهم بِاللَّغْوِ في الأيْمانِ، وفي تَعْقِيبِ الآيَةِ بِهِما إشْعارٌ بِالغُفْرانِ، والحِلْمِ عَنْ مَن أوْعَدَهُ تَعالى بِالمُؤاخَذَةِ، وإطْماعٍ في سَعَةِ رَحْمَتِهِ؛ لِأنَّ مَن وصَفَ نَفْسَهُ بِكَثْرَةِ الغُفْرانِ والصَّفْحِ مَطْمُوعٌ في ما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، فَهَذا الوَعِيدُ الَّذِي ذَكَرَهُ تَعالى مُقَيَّدٌ بِالمَشِيئَةِ، كَسائِرِ وعِيدِهِ تَعالى.

البقرة 2:226

﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ﴾، قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: كانَ الإيلاءُ ضِرارَ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، كانَ الرَّجُلُ لا يَتْرُكُ المَرْأةَ، ولا يُحِبُّ أنْ يَتَزَوَّجَها غَيْرُهُ فَيَحْلِفُ أنْ لا يَقْرَبَها، فَيَتْرُكَها لا أيِّمًا ولا ذاتَ زَوْجٍ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ إيلاءُ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ السَّنَةَ والسَّنَتَيْنِ وأكْثَرَ، فَوَقَّتَ اللَّهُ ذَلِكَ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِن أحْكامِ النِّساءِ، وشَيْءٌ مِن أحْكامِ الأيْمانِ، وهَذِهِ الآيَةُ جَمَعَتْ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: ”لِلَّذِينِ آلُوا“ بِلَفْظِ الماضِي. وقَرَأ أُبَيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ: ”لِلَّذِينِ يُقْسِمُونَ“ . والإيلاءُ: كَما تَقَدَّمَ، هو الحَلِفُ، وقَدْ ذَكَرْنا الإيلاءَ مِنَ النِّساءِ كَيْفَ كانَ في الجاهِلِيَّةِ، وأمّا الإيلاءُ الشَّرْعِيُّ بِسَبَبِ وطْءِ النِّساءِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الحَلِفُ أنْ لا يَطَأها أبَدًا، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، والنَّخَعِيُّ، وقَتادَةُ، والحَكَمُ، وابْنُ أبِي لَيْلى، وحَمّادُ بْنُ سُلَيْمانَ، وإسْحاقُ: هو الحَلِفُ أنْ لا يَقْرَبَها يَوْمًا أوْ أقَلَّ أوْ أكْثَرَ، ثُمَّ لا (p-١٨١)يَطَؤُها أرْبَعَةَ أشْهُرٍ؛ فَتَبِينَ مِنهُ بِالإيلاءِ. وقالَ الثَّوْرِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ: هو الحَلِفُ أنْ لا يَطَأ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ، وبَعْدَ مُضِيِّها يَسْقُطُ الإيلاءُ، ويَكُونُ الطَّلاقُ، ولا تَسْقُطُ قَبْلَ المُضِيِّ إلّا بِالفَيْءِ، وهو الجِماعُ في داخِلِ المُدَّةِ. وقالَ الجُمْهُورُ: هو الحَلِفُ أنْ لا يَطَأ أكْثَرَ مِن أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، فَإنْ حَلَفَ عَلى أرْبَعَةِ أشْهُرٍ أوْ ما دُونَها؛ فَلَيْسَ بِمُولٍ، وكانَتْ يَمِينًا مَحْضًا، لَوْ وطِئَ في هَذِهِ المُدَّةِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَسائِرِ الأيْمانِ، وهَذا قَوْلُ مالِكٍ، والشّافِعِيِّ، وأحْمَدَ، وأبِي ثَوْرٍ. والظّاهِرُ مِنَ الآيَةِ أنَّ الإيلاءَ هو الحَلِفُ عَلى الِامْتِناعِ مِن وطْءِ امْرَأتِهِ مُطْلَقًا، غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِزَمانٍ، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ﴾ شُمُولُ الحُرِّ والعَبْدِ، والسَّكْرانِ والسَّفِيهِ، والمُوَلّى عَلَيْهِ غَيْرُ المَجْنُونِ، والخَصِيُّ غَيْرُ المَجْبُوبِ ومَن يُرْجى مِنهُ الوَطْءُ، وكَذا الأخْرَسِ بِما يُفْهَمُ عَنْهُ مِن كِنايَةٍ أوْ إشارَةٍ. واخْتُلِفَ في المَجْبُوبِ فَقِيلَ: لا يَصِحُّ إيلاؤُهُ، وقِيلَ: يَصِحُّ، وأجَلُ إيلاءِ العَبْدِ كَأجَلِ إيلاءِ الحُرِّ؛ لِانْدِراجِهِ في عُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ﴾، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ، وإسْحاقُ، وأبُو ثَوْرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ. وقالَ عَطاءٌ، والزُّهْرِيُّ، ومالِكٌ، وإسْحاقُ: أجَلُهُ شَهْرانِ. وقالَ الحَسَنُ، والنَّخَعِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ: إيلاؤُهُ مِن زَوْجَتِهِ الأمَةِ شَهْرانِ، ومِنَ الحُرَّةِ أرْبَعَةٌ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: أجَلُ إيلاءِ الأمَةِ نِصْفُ إيلاءِ الحُرَّةِ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿يُؤْلُونَ﴾ مُطْلَقُ الإيلاءِ، فَيَحْصُلُ، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ قَصَدَ بِهِ إصْلاحَ ولَدٍ رَضِيعٍ، أوْ لَمْ يَقْصِدْ، وسَواءٌ كانَ في مُغاضَبَةٍ ومُسارَّةٍ أوْ لَمْ يَكُنْ، وقالَ عَطاءٌ، ومالِكٌ: إذا كانَ لِإصْلاحِ ولَدٍ رَضِيعٍ فَلَيْسَ يَلْزَمُهُ حُكْمُ الإيلاءِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ، والقَوْلِ الآخَرِ: إنَّهُ لا اعْتِبارَ بِرَضاعٍ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ. وقالَ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، والشَّعْبِيُّ، واللَّيْثُ: شَرْطُهُ أنْ لا يَكُونَ في غَضَبٍ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ سِيرِينَ، والثَّوْرِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ، ومالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ، الإيلاءُ في غَضَبٍ وغَيْرِ غَضَبٍ. قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: وهو الأصَحُّ لِعُمُومِ الآيَةِ، ولِإجْماعِهِمْ عَلى أنَّ الظِّهارَ والطَّلاقَ وسائِرَ الأيْمانِ سَواءٌ في الغَضَبِ والرِّضى، وكَذَلِكَ الإيلاءُ. والجُمْهُورُ حَمَلُوا قَوْلَهُ: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ﴾ عَلى الحَلِفِ عَلى امْتِناعِ الوَطْءِ فَقَطْ. وقالَ الشَّعْبِيُّ، والقاسِمُ، وسالِمٌ، وابْنُ المُسَيَّبِ: هو الحَلِفُ عَلى الِامْتِناعِ مِن أنْ يَطَأها، أوْ لا يُكَلِّمَها، أوْ أنْ يُضارَّها، أوْ يُغاضِبَها، فَهَذا كُلُّهُ عِنْدَ هَؤُلاءِ إيلاءٌ، إلّا أنَّ ابْنَ المُسَيَّبِ قالَ: إذا حَلَفَ لا يُكَلِّمُها وكانَ يَطَؤُها فَلَيْسَ بِإيلاءٍ، وإنَّما تَكُونُ تِلْكَ إيلاءً إذا اقْتَرَنَ بِها الِامْتِناعُ مِنَ الوَطْءِ. وأقْوالُ مَن ذُكِرَ مَعَ ابْنِ المُسَيَّبِ قالُوا ما مُحْتَمَلُهُ ما قالَهُ ابْنُ المُسَيَّبِ، وما يَحْتَمِلُهُ أنَّ فَسادَ العِشْرَةِ إيلاءٌ، وإلى هَذا الِاحْتِمالِ ذَهَبَ الطَّبَرِيُّ. وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى مَذْهَبِ هَؤُلاءِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ﴾ فَلَمْ يَنُصَّ عَلى وطْءٍ ولا غَيْرِهِ. و”مِن“ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ ﴿يُؤْلُونَ﴾، وآلى لا يَتَعَدّى بِمِن، فَقِيلَ ”مِن“ بِمَعْنى ”عَلى“، وقِيلَ: بِمَعْنى ”في“، ويَكُونُ ذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: عَلى تَرْكِ وطْءِ نِسائِهِمْ، أوْ في تَرْكِ وطْءِ نِسائِهِمْ. وقِيلَ: مِن زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: يُؤْلُونَ أنْ يَعْتَزِلُوا نِساءَهم. وقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: لِلَّذِينِ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، فَتَتَعَلَّقُ بِما تَتَعَلَّقُ بِهِ ”لَهُمُ“ المَحْذُوفُ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وهَذا كُلُّهُ ضَعِيفٌ يُنَزَّهُ القُرْآنُ عَنْهُ، وإنَّما يَتَعَلَّقُ بِـ ﴿يُؤْلُونَ﴾ عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ: إمّا أنْ يَكُونَ ”مِن“ لِلسَّبَبِ، أيْ: يَحْلِفُونَ بِسَبَبِ نِسائِهِمْ، وإمّا أنْ يُضَمَّنَ الإيلاءُ مَعْنى الِامْتِناعِ، فَيُعَدّى بِمِن، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لِلَّذِينِ يَمْتَنِعُونَ بِالإيلاءِ مِن نِسائِهِمْ، و﴿مِن نِسائِهِمْ﴾ عامٌّ في الزَّوْجاتِ مِن حُرَّةٍ وأمَةٍ وكِتابِيَّةٍ ومَدْخُولٍ بِها وغَيْرِها. وقالَ عَطاءٌ، والزُّهْرِيُّ، والثَّوْرِيُّ: لا إيلاءَ إلّا بَعْدَ الدُّخُولِ. وقالَ مالِكٌ، لا إيلاءَ مِن صَغِيرَةٍ لَمْ تَبْلُغْ، فَإنْ آلى مِنها فَبَلَغَتْ لَزِمَ الإيلاءُ مِن يَوْمِ بُلُوغِها. وظاهِرُ قَوْلِهِ: ”لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ“، عُمُومُ الإيلاءِ بِأيِّ يَمِينٍ كانَتْ، قالَ الشّافِعِيُّ في (الجَدِيدِ): لا يَقَعُ الإيلاءُ إلّا بِالحَلِفِ بِاللَّهِ وحْدَهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلُّ يَمِينٍ مَنَعَتْ جِماعًا فَهي إيلاءٌ، وبِهِ قالَ النَّخَعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ، وأهْلُ العِراقِ، ومالِكٌ، وأهْلُ الحِجازِ، وأبُو ثَوْرٍ، وأبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والقاضِي (p-١٨٢)أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ، والشّافِعِيُّ في القَوْلِ الأخِيرِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: إذا قالَ: أُقْسِمُ بِاللَّهِ، فَهي يَمِينٌ مُطْلَقًا ولا يَكُونُ بِها مُولِيًا، وإنْ قالَ: وإنْ وطِئْتُكِ فَعَلَيَّ صِيامُ شَهْرٍ أوْ سَنَةٍ فَهو مُولٍ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: إنْ كانَ ذَلِكَ الشَّهْرُ يَمْضِي قَبْلَ الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ فَلَيْسَ بِمُولٍ، وكَذَلِكَ كُلُّ ما يَلْزَمُهُ مِن حَجٍّ أوْ طَلاقٍ أوْ عِتْقٍ أوْ صَلاةٍ أوْ صَدَقَةٍ. وخالَفَ أبُو حَنِيفَةَ فِيما إذا قالَ: إنْ وطِئْتُكِ فَعَلَيَّ أنْ أُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ أنَّهُ لا يَكُونُ مُولِيًا. وقالَ مُحَمَّدٌ: يَكُونُ مُولِيًا. وذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ هُنا فُرُوعًا كَثِيرَةً في الإيلاءِ، وإنَّما نَذْكُرُ نَحْنُ ما لَهُ بَعْضُ تَعَلُّقٍ بِالقُرْآنِ عَلى عادَتِنا، ولَيْسَ التَّفْسِيرُ مَوْضُوعًا لِاسْتِقْراءِ جُزْئِيّاتِ الفُرُوعِ، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ﴾، حُصُولُ اليَمِينِ مِنهم، سَواءٌ حَلَفَ أنْ لا يَطَأ في مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ أوْ مُطْلَقًا، وبِهِ قالَ ابْنُ أبِي لَيْلى، وإسْحاقُ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ، ومالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وأصْحابُهم، والأوْزاعِيُّ، وأحْمَدُ: لا يَكُونُ مُولِيًا مَن حَلَفَ أنْ لا يَطَأ زَوْجَتَهُ في هَذا البَيْتِ أوْ في هَذِهِ الدّارِ، فَإنْ حَلَفَ أنْ لا يَطَأها في مِصْرِهِ أوْ بَلَدِهِ فَهو مُولٍ عِنْدَ مالِكٍ. ولا يَدْخُلُ الذِّمِّيُّ في قَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ﴾؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ فاءُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وبِهِ قالَ مالِكٌ، كَما لا يَصِحُّ ظِهارٌ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: إنْ حَلَفَ بِاسْمٍ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، أوْ بِصِفَةٍ مِن صِفاتِهِ، أوْ حَلَفَ بِما يَصِحُّ مِنهُ كالطَّلاقِ، فَهو مُولٍ؛ ولَوِ اسْتَثْنى المُولِي في يَمِينِهِ فالجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ لا يَكُونُ مُولِيًا كَسائِرِ الأيْمانِ المَقْرُونَةِ بِالِاسْتِثْناءِ. وقالَ ابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ: يَكُونُ مُولِيًا، لَكِنَّهُ لَوْ وطِئَ فَلا كَفّارَةَ عَلَيْهِ، وقالَهُ ابْنُ الماجِشُونِ في (المَبْسُوطِ) عَنْ مالِكٍ: لا يَكُونُ مُولِيًا. ﴿تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ﴾، هَذا مِن بابِ إضافَةِ المَصْدَرِ إلى ما هو ظَرْفُ زَمانٍ في الأصْلِ، لَكِنَّهُ اتُّسِعَ فِيهِ فَصُيِّرَ مَفْعُولًا بِهِ؛ ولِذَلِكَ صَحَّتِ الإضافَةُ إلَيْهِ، وكانَ الأصْلُ: تَرَبُّصُهم أرْبَعَةَ أشْهُرٍ، ولَيْسَتِ الإضافَةُ إلى الظَّرْفِ مِن غَيْرِ اتِّساعٍ، فَتَكُونُ الإضافَةُ عَلى تَقْدِيرِ ”في“ خِلافًا لِمَن ذَهَبَ إلى ذَلِكَ. وظاهِرُ هَذا أنَّ ابْتِداءَ أجَلِ الإيلاءِ مِن وقْتِ حَلَفَ لا مِن وقْتِ المُخاصَمَةِ والرَّفْعِ إلى الحاكِمِ، قِيلَ: وحُكْمُهُ ضَرْبُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ؛ لِأنَّهُ غالِبُ ما تَصْبِرُ المَرْأةُ فِيها عَنِ الزَّوْجِ، وقِصَّةُ عُمَرَ مَشْهُورَةٌ في سَماعِ المَرْأةِ تُنْشِدُ بِاللَّيْلِ: ؎ألا طالَ هَذا اللَّيْلُ واسْوَدَّ جانِبُهْ وأرَّقَنِي أنْ لا حَبِيبَ أُلاعِبُهْ وسُؤالُهُ: كَمْ تَصْبِرُ المَرْأةُ عَنْ زَوْجِها ؟ فَقِيلَ لَهُ: لا تَصْبِرُ أكْثَرَ مِن أرْبَعَةِ أشْهُرٍ؛ فَجَعَلَ ذَلِكَ أمَدًا لِكُلِّ سَرِيَّةٍ يَبْعَثُها. ﴿فَإنْ فاءُوا﴾، أيْ: رَجَعُوا بِالوَطْءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والجُمْهُورُ، ويَكْفِي مِن ذَلِكَ عِنْدَ الجُمْهُورِ مَغِيبُ الحَشَفَةِ لِلْقادِرِ، فَإنْ كانَ لَهُ عُذْرٌ أوْ مَرَضٌ أوْ سَجْنٌ أوْ شِبْهُ ذَلِكَ، فارْتِجاعُهُ صَحِيحٌ، وهي امْرَأتُهُ، وإنْ زالَ عُذْرُهُ فَأبى الوَطْءَ فُرِّقَ بَيْنَهُما إنْ كانَتِ المُدَّةُ قَدِ انْقَضَتْ، قالَهُ مالِكٌ في (المُدَوَّنَةِ) و(المَبْسُوطِ) . وقالَ الحَسَنُ، والنَّخَعِيُّ، وعِكْرِمَةُ، والأوْزاعِيُّ: يُجْزِي المَعْذُورَ أنْ يُشْهِدَ عَلى فَيْأتِهِ بِقَلْبِهِ، وقالَ النَّخَعِيُّ أيْضًا: يَصِحُّ الفَيْءُ بِالقَوْلِ والإشْهادِ فَقَطْ، ويَسْقُطُ حُكْمُ الإيلاءِ إذا رَأيْتَ أنْ لَمْ يَنْتَشِرْ، وقِيلَ: الفَيْءُ هو الرِّضى، وقِيلَ: الرُّجُوعُ بِاللِّسانِ بِكُلِّ حالٍ، قالَهُ أبُو قِلابَةَ، وإبْراهِيمُ، ومَن قالَ إنَّ المُولِيَ هو الحالِفُ عَلى مَساءَةِ زَوْجَتِهِ. وقالَ أحْمَدُ: إذا كانَ لَهُ عُذْرٌ يَفِيءُ بِقَلْبِهِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ المُسَيَّبِ، وطائِفَةٌ: الفَيْءُ لا يَكُونُ إلّا بِالجِماعِ في حالِ القُدْرَةِ وغَيْرِها مِن سَجْنٍ أوْ سَفَرٍ أوْ مَرَضٍ وغَيْرِهِ. وأمالَ ﴿فاءُوا﴾ جَرْيَةُ بْنُ عائِذٍ لِقَوْلِهِ ”فِئْتُ“، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: ”فَإنْ فاءُوا فِيهِنَّ“، وقَرَأ أُبَيٌّ: ”فَإنْ فاءُوا فِيها“، ورُوِيَ عَنْهُ: ”فِيهِنَّ“ كَقِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ. والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الأشْهُرِ، ويُؤَيِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ بِأنَّ الفَيْئَةَ لا تَكُونُ إلّا في الأشْهُرِ، وإنْ لَمْ يَفِئْ فِيها دَخَلَ عَلَيْهِ الطَّلاقُ مِن غَيْرِ أنْ يُوقَفَ بَعْدَ مُضِيِّ الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ، وإلى هَذا ذَهَبَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، وعَلِيٌّ، وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ والحَسَنُ، ومَسْرُوقٌ. وقالَ عُمَرُ، وعُثْمانُ، وعَلِيٌّ أيْضًا، وأبُو الدَّرْداءِ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عامِرٍ، والمُسَيَّبُ، ومُجاهِدٌ، وطاوُسٌ، ومالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ، وإسْحاقُ، وأبُو (p-١٨٣)عُبَيْدٍ: إذا انْقَضَتِ الأرْبَعَةُ الأشْهُرِ وُقِفَ، فَإمّا فاءَ وإلّا طُلِّقَ عَلَيْهِ. والقِراءَةُ المُتَواتِرَةُ: فَإنْ فاءُوا بِغَيْرِهِنَّ، ولا فِيها، فاحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: فَإنْ فاءُوا في الأشْهُرِ، واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ: فَإنْ فاءُوا بَعْدَ انْقِضائِها. ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، اسْتَدَلَّ بِهَذا مَن قالَ: إنَّهُ إذا فاءَ المُولِي ووَطِئَ فَلا كَفّارَةَ عَلَيْهِ في يَمِينِهِ، وإلى هَذا ذَهَبَ الحَسَنُ، وإبْراهِيمُ. وذَهَبَ الجُمْهُورُ: مالِكٌ، وأبُو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ، وأصْحابُهم إلى إيجابِ كَفّارَةِ اليَمِينِ عَلى المُولِي بِجِماعِ امْرَأتِهِ، فَيَكُونُ الغُفْرانُ هُنا إشْعارًا بِإسْقاطِ الإثْمِ بِفِعْلِ الكَفّارَةِ، وهو قَوْلُ عَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ المُسَيَّبِ: إنَّهُ غُفْرانُ الإثْمِ، وعَلَيْهِ كَفّارَةٌ. وعَلى المَذْهَبِ الَّذِي قَبْلَهُ يَكُونُ بِإسْقاطِ الكَفّارَةِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: ولا كَفّارَةَ عَلى العاجِزِ عَنِ الوَطْءِ إذا فاءَ، وقالَ إسْحاقُ: قالَ بَعْضُ أهْلِ التَّأْوِيلِ فِيمَن حَلَفَ عَلى بِرٍّ وتَقْوى، أوْ بابٍ مِن أبْوابِ الخَيْرِ أنْ لا يَفْعَلَهُ أنَّهُ يَفْعَلُهُ، ولا كَفّارَةَ عَلَيْهِ، والحُجَّةُ لَهُ، ﴿فَإنْ فاءُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، ولَمْ يَذْكُرْ كَفّارَةً. وقِيلَ: مَعْنى ذَلِكَ غَفُورٌ لِمَآثِمِ اليَمِينِ، رَحِيمٌ في تَرْخِيصِ المُخْرَجِ مِنها بِالتَّكْفِيرِ، قالَهُ ابْنُ زِيادٍ، وهو راجِعٌ لِلْقَوْلِ الثّانِي، وقِيلَ: مَعْنى رَحِيمٌ حَيْثُ نَظَرَ لِلْمَرْأةِ أنْ لا يَضُرَّ بِها زَوْجُها؛ فَيَكُونُ وصْفُ الغُفْرانِ بِالنِّسْبَةِ إلى الزَّوْجِ، وصِفَةُ الرَّحْمَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى الزَّوْجَةِ.

البقرة 2:227

﴿وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ﴾، قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: وإنْ عَزَمُوا السَّراحَ، وانْتِصابُ الطَّلاقِ: إمّا عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، وهو عَلى؛ لِأنَّ ”عَزَمَ“ يَتَعَدّى بِعَلى كَما قالَ: عَزَمْتُ عَلى إقامَةِ ذِي صَباحٍ وإمّا أنْ تُضَمَّنَ ”عَزَمَ“ مَعْنى ”نَوى“؛ فَيَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ بِهِ. ومَعْنى العَزْمِ هُنا التَّصْمِيمُ عَلى الطَّلاقِ، ويَظْهَرُ أنَّ جَوابَ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: فَلْيُوقِعُوهُ، أيِ: الطَّلاقَ، وفي قَوْلِهِ في هَذا التَّقْسِيمِ: ﴿فَإنْ فاءُوا﴾ [البقرة: ٢٢٦]، و﴿إنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ﴾؛ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الفُرْقَةَ الَّتِي تَقَعُ في الإيلاءِ لا تَقَعُ بِمُضِيِّ الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ مِن غَيْرِ قَوْلٍ، بَلْ لا بُدَّ مِنَ القَوْلِ لِقَوْلِهِ: ﴿عَزَمُوا الطَّلاقَ﴾؛ لِأنَّ العَزْمَ عَلى فِعْلِ الشَّيْءِ لَيْسَ فِعْلًا لِلشَّيْءِ، ويُؤَكِّدُهُ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾؛ إذْ لا يُسْمَعُ إلّا الأقْوالُ، وجاءَتْ هاتانِ الصِّفَتانِ بِاعْتِبارِ الشَّرْطِ وجَوابِهِ؛ إذْ قَدَّرْناهُ: فَلْيُوقِعُوهُ، أيِ الطَّلاقَ، فَجاءَ ﴿سَمِيعٌ﴾ بِاعْتِبارِ إيقاعِ الطَّلاقِ؛ لِأنَّهُ مِن بابِ المَسْمُوعاتِ، وهو جَوابُ الشَّرْطِ، وجاءَ ”عَلِيمٌ“ بِاعْتِبارِ العَزْمِ عَلى الطَّلاقِ؛ لِأنَّهُ مِن بابِ النِّيّاتِ، وهو الشَّرْطُ، ولا تُدْرَكُ النِّيّاتُ إلّا بِالعِلْمِ. وتَأخَّرَ هَذا الوَصْفُ لِمُؤاخاةِ رُءُوسِ الآيِ؛ ولِأنَّ العِلْمَ أعَمُّ مِنَ السَّمْعِ، فَمُتَعَلِّقُهُ أعَمُّ، ومُتَعَلِّقُ السَّمْعِ أخَصُّ، وأبْعَدَ مَن قالَ: فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لِإيلائِهِ، لِبُعْدِ انْتِظامِهِ مَعَ الشَّرْطِ قَبْلَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ ما تَقُولُ في قَوْلِهِ: فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، وعَزْمُهُمُ الطَّلاقَ مِمّا لا يُعْلَمُ ولا يُسْمَعُ ؟ قُلْتُ: الغالِبُ أنَّ العازِمَ لِلطَّلاقِ، وتَرْكِ الفَيْئَةِ والفِرارِ لا يَخْلُو مِن مُقارَنَةٍ ودَمْدَمَةٍ، ولا بُدَّ مِن أنْ يُحَدِّثَ نَفْسَهُ ويُناجِيَها بِذَلِكَ، وذَلِكَ حَدِيثٌ لا يَسْمَعُهُ إلّا اللَّهُ، كَما يَسْمَعُ وسْوَسَةَ الشَّيْطانِ. انْتَهى كَلامُهُ. وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ صِفَةَ السَّمْعِ جاءَتْ هُنا لِأنَّ المَعْنى: وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ: أوْقَعُوهُ، أيِ: الطَّلاقَ، والإيقاعُ لا يَكُونُ إلّا بِاللَّفْظِ، فَهو مِن بابِ المَسْمُوعاتِ، والصِّفَةُ تَتَعَلَّقُ بِالجَوابِ لا بِالشَّرْطِ، فَلا تَحْتاجُ إلى تَأْوِيلِ الزَّمَخْشَرِيِّ. وفي قَوْلِهِ: ﴿وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ﴾ دَلالَةٌ عَلى مُطْلَقِ الطَّلاقِ، فَلا يَدُلُّ عَلى خُصُوصِيَّةِ طَلاقٍ بِكَوْنِهِ رَجْعِيًّا أوْ بائِنًا، وقَدِ اخْتُلِفَ في الطَّلاقِ الدّاخِلِ عَلى المُولِي في ذَلِكَ، فَقالَ عُثْمانُ، وعَلِيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعَطاءٌ، والنَّخَعِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ: هي طَلْقَةٌ بائِنَةٌ لا رَجْعَةَ لَهُ فِيها. وقالَ ابْنُ المُسَيَّبِ، وأبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، ومَكْحُولٌ، والزُّهْرِيُّ، ومالِكٌ، وابْنُ شُبْرُمَةَ: هي رَجْعِيَّةٌ. وفي الحُكْمِ لِلْمُولِي بِأحَدِ الأمْرَيْنِ -: إمّا الفَيْئَةِ وإمّا الطَّلاقِ - دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ تَقْدِيمُ الكَفّارَةِ في الإيلاءِ قَبْلَ الفَيْءِ عَلى قَوْلِ مَن يُوجِبُ الكَفّارَةَ؛ لِأنَّهُ لَوْ جازَ ذَلِكَ لَبَطَلَ الإيلاءُ بِغَيْرِ فَيْءٍ ولا عَزِيمَةِ طَلاقٍ؛ لِأنَّهُ إنْ حَنِثَ لَمْ يَلْزَمْ بِالحِنْثِ شَيْءٌ، ومَتى لَمْ يَلْزَمِ الحالِفَ بِالحِنْثِ شَيْءٌ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا؛ فَفي جَوازِ تَقْدِيمِ الكَفّارَةِ إسْقاطُ حُكْمِ الإيلاءِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ. ومَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ (p-١٨٤)ومَشْهُورُ مَذْهَبِ مالِكٍ أنَّهُ يَجُوزُ تَقْدِيمُ الكَفّارَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَتَرَبَّصُوا إلى مُضِيِّ المُدَّةِ. ﴿فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وعِيدٌ عَلى إصْرارِهِمْ وتَرْكِهِمُ الفَيْئَةَ، وعَلى قَوْلِ الشّافِعِيِّ مَعْناهُ: فَإنْ فاءُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وإنْ عَزَمُوا بَعْدَ مُضِيِّ المُدَّةِ. انْتَهى. وكانَ قَدْ تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ فاءُوا﴾ [البقرة: ٢٢٦] ما نَصُّهُ: فَإنْ فاءُوا في الأشْهُرِ؛ بِدَلِيلِ قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: ”فَإنْ فاءُوا فِيهِنَّ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ“، يَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنِينَ ما عَسى يُقْدِمُونَ عَلَيْهِ مِن طَلَبِ ضِرارِ النِّساءِ بِالإيلاءِ، وهو الغالِبُ، وإنْ كانَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى رِضًى مِنهُنَّ، خَوْفًا مِن طَلَبِ ضِرارِ النِّساءِ بِالإيلاءِ، وهو الغالِبُ، وإنْ كانَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى رِضًى مِنهُنَّ خَوْفًا عَلى الوَلَدِ مِنَ الغَيْلِ، أوْ لِبَعْضِ الأسْبابِ لِأجْلِ الفَيْئَةِ الَّتِي هي مِثْلُ التَّوْبَةِ، فَنَزَّلَ الزَّمَخْشَرِيُّ الآيَةَ عَلى مَذْهَبِ أبِي حَنِيفَةَ، وغايَرَ بَيْنَ مُتَعَلِّقِ الفِعْلَيْنِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ؛ إذْ جَعَلَ بَعْدَ ﴿فاءُوا﴾ [البقرة: ٢٢٦] في مُدَّةِ الأشْهُرِ، وبَعْدَ ”عَزَمُوا“ بَعْدَ مُضِيِّ المُدَّةِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ اللَّفْظِ أنَّ الفَيْئَةَ والعَزْمَ عَلى الطَّلاقِ لا يَكُونانِ إلّا بَعْدَ مُضِيِّ الأشْهُرِ، ولَمّا أحَسَّ الزَّمَخْشَرِيُّ بِهَذا اعْتَرَضَ عَلى نَفْسِهِ فَقالَ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ مَوْقِعُ الفاءِ إذا كانَتِ الفَيْئَةُ قَبْلَ انْتِهاءِ مُدَّةِ التَّرَبُّصِ ؟ قُلْتُ: مَوْقِعٌ صَحِيحٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ فاءُوا﴾ [البقرة: ٢٢٦]، و(إنْ عَزَمُوا) تَفْصِيلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، والتَّفْصِيلُ يَعْقُبُ المُفَصَّلَ، كَما تَقُولُ: أنا نَزِيلُكم هَذا الشَّهْرَ، فَإنْ أحْمَدْتُكم أقَمْتُ عِنْدَكم، إلى آخِرِهِ. وإلّا لَمْ أقُمْ إلّا رَيْثَما أتَحَوَّلُ. انْتَهى كَلامُهُ. ولَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأنَّ ما مَثَّلَ بِهِ لَيْسَ مُطابِقًا لِما في الآيَةِ، ألا تَرى أنَّ المِثالَ فِيهِ إخْبارٌ عَنِ المُفَصَّلِ حالُهُ ؟ وهو قَوْلُهُ: أنا نَزِيلُكم هَذا الشَّهْرَ، وما بَعْدَ الشَّرْطَيْنِ مُصَرَّحٌ فِيهِ بِالجَوابِ الدّالِّ عَلى اخْتِلافِ مُتَعَلِّقِ فِعْلِ الجَزاءِ، والآيَةُ لَيْسَ كَذَلِكَ التَّرْكِيبُ فِيها؛ لِأنَّ الَّذِينَ يُؤْلُونَ لَيْسَ مُخْبَرًا عَنْهم، ولا مُسْنَدًا إلَيْهِمْ حُكْمٌ، وإنَّما المُخْبَرُ عَنْهُ هو ”تَرَبُّصُهم“، فالمَعْنى: تَرَبُّصُ المُولِي أرْبَعَةَ أشْهُرٍ مَشْرُوعٌ لَهم بَعْدَ إيلائِهِمْ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَإنْ فاءُوا﴾ [البقرة: ٢٢٦]، ﴿وإنْ عَزَمُوا﴾، فالظّاهِرُ أنَّهُ يَعْقُبُ تَرَبُّصَ المُدَّةِ المَشْرُوعَةِ بِأسْرِها؛ لِأنَّ الفَيْئَةَ تَكُونُ فِيها، والعَزْمَ بَعْدَها؛ لِأنَّ هَذا التَّقْيِيدَ المُغايِرَ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ، وإنَّما تَطابُقُ الآيَةِ أنْ نَقُولَ: لِلضَّيْفِ إكْرامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ، فَإنْ أقامَ فَنَحْنُ كُرَماءُ مُؤْثِرُونَ، وإنْ عَزَمَ عَلى الرَّحِيلِ فَلَهُ أنْ يَرْحَلَ. فالَّذِي يَتَبادَرُ إلَيْهِ الذِّهْنُ أنَّ الشَّرْطَيْنِ مُقَدَّرانِ بَعْدَ إكْرامِهِ الثَّلاثَةَ الأيّامِ، وأمّا أنْ يَكُونَ المَعْنى: فَإنْ أقامَ في مُدَّةِ الثَّلاثَةِ الأيّامِ، وإنْ عَزَمَ عَلى الرَّحِيلِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَهَذا الِاخْتِلافُ في الطَّرَفَيْنِ لا يَتَبادَرُ إلَيْهِ الذِّهْنُ، وإنْ كانَ مِمّا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ، وفُرِّقَ بَيْنَ الظّاهِرِ والمُحْتَمَلِ، ولا يُفَرِّقُ بَيْنَ الآيَةِ وتَمْثِيلِ الزَّمَخْشَرِيِّ إلّا مَنِ ارْتاضَ ذِهْنُهُ في التَّراكِيبِ العَرَبِيَّةِ، وعَرِيَ مِن حَمْلِ كِتابِ اللَّهِ عَلى الفُرُوعِ المَذْهَبِيَّةِ، بِاتِّباعِهِ الحَقَّ واجْتِنابِهِ العَصَبِيَّةَ.

البقرة 2:228

﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ﴾، ذَكَرَ بَعْضُهم في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ما لا يُعَدُّ سَبَبًا، ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ جِدًّا؛ لِأنَّهُ حُكْمٌ غالِبٌ مِن أحْكامِ النِّساءِ، لِأنَّ الطَّلاقَ يَحْصُلُ بِهِ المَنعُ مِنَ الوَطْءِ والِاسْتِمْتاعِ دائِمًا، وبِالإيلاءِ مَنَعَ نَفْسَهُ مِنَ الوَطْءِ مُدَّةً مَحْصُورَةً، فَناسَبَ ذِكْرُ غَيْرِ المَحْصُورِ بَعْدَ ذِكْرِ المَحْصُورِ، ومَشْرُوعُ تَرَبُّصِ المُولِي أرْبَعَةُ أشْهُرٍ، ومَشْرُوعُ تَرَبُّصِ هَؤُلاءِ ثَلاثَةُ قُرُوءٍ، فَناسَبَ ذِكْرُها بِعَقِبِها. وظاهِرُ ﴿والمُطَلَّقاتُ﴾ العُمُومُ، ولَكِنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالمَدْخُولِ بِهِنَّ ذَواتِ الأقْراءِ؛ لِأنَّ حُكْمَ غَيْرِ المَدْخُولِ بِها، والحامِلِ، والآيِسَةِ مَنصُوصٌ عَلَيْهِ، مُخالِفٌ لِحُكْمِ هَؤُلاءِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ أنَّ الحُكْمَ كانَ عامًّا في المُطَلَّقاتِ، ثُمَّ نُسِخَ الحُكْمُ مِنَ المُطَلَّقاتِ سِوى المَدْخُولِ بِها ذاتِ الأقْراءِ، وهَذا ضَعِيفٌ، وإطْلاقُ العامِّ ويُرادُ بِهِ الخاصُّ لا يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ لِكَثْرَتِهِ، ولا أنْ يُجْعَلَ سُؤالًا وجَوابًا كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: فَإنْ قُلْتَ كَيْفَ جازَتْ إرادَتُهُنَّ خاصَّةً واللَّفْظُ يَقْتَضِي العُمُومَ؛ قُلْتُ: بَلِ اللَّفْظُ مُطْلَقٌ في تَناوُلِ الجِنْسِ، صالِحٌ لِكُلِّهِ وبَعْضِهِ، فَجاءَ في أحَدِ ما يَصْلُحُ لَهُ كالِاسْمِ المُشْتَرَكِ. انْتَهى. وما ذَكَرَهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأنَّ دَلالَةَ العامِّ لَيْسَتْ دَلالَةَ (p-١٨٥)المُطْلَقِ، ولا لَفْظَ العامِّ مُطْلَقٌ في تَناوُلِ الجِنْسِ صالِحٌ لِكُلِّهِ وبَعْضِهِ، بَلْ هي دَلالَةٌ عَلى كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ، مَوْضُوعَةٌ لِهَذا المَعْنى، فَلا يَصْلُحُ لِكُلِّ الجِنْسِ وبَعْضِهِ؛ لِأنَّ ما وُضِعَ عامًّا يَتَناوَلُ كُلَّ فَرْدٍ فَرْدٍ، ويَسْتَغْرِقُ الأفْرادَ لا يُقالُ فِيهِ إنَّهُ صالِحٌ لِكُلِّهِ وبَعْضِهِ، فَلا يَجِيءُ في أحَدِ ما يَصْلُحُ لَهُ، ولا هو كالِاسْمِ المُشْتَرَكِ؛ لِأنَّ الِاسْمَ المُشْتَرَكَ لَهُ وضْعانِ وأوْضاعٌ بِإزاءِ مَدْلُولَيْهِ أوْ مَدْلُولاتِهِ، فَلِكُلِّ مَدْلُولٍ وضْعٌ، والعامُّ لَيْسَ لَهُ إلّا وضْعٌ واحِدٌ عَلى ما أوْضَحْناهُ، فَلَيْسَ كالمُشْتَرَكِ. ﴿والمُطَلَّقاتُ﴾: مُبْتَدَأٌ، و﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ خَبَرٌ عَنِ المُبْتَدَأِ، وصُورَتُهُ صُورَةُ الخَبَرِ، وهو أمْرٌ مِن حَيْثُ المَعْنى، وقِيلَ: هو أمْرٌ لَفْظًا ومَعْنًى عَلى إضْمارِ اللّامِ، أيْ: لِيَتَرَبَّصْنَ، وهَذا عَلى رَأْيِ الكُوفِيِّينَ، وقِيلَ: والمُطَلَّقاتُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: وحُكْمُ المُطَلَّقاتِ ويَتَرَبَّصْنَ، عَلى حَذْفِ ”أنْ“، حَتّى يَصِحَّ خَبَرًا عَنْ ذَلِكَ المُضافِ المَحْذُوفِ، التَّقْدِيرُ: وحُكْمُ المُطَلَّقاتِ أنْ يَتَرَبَّصْنَ، وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ - بَعْدَ أنْ قالَ: هو خَبَرٌ في مَعْنى الأمْرِ - قالَ: فَإخْراجُ الأمْرِ في صُورَةِ الخَبَرِ تَأْكِيدُ الأمْرِ وإشْعارٌ بِأنَّهُ مِمّا يَجِبُ أنْ يُتَلَقّى بِالمُسارَعَةِ إلى امْتِثالِهِ، فَكَأنَّهُنَّ امْتَثَلْنَ الأمْرَ بِالتَّرَبُّصِ، فَهو يُخْبِرُ عَنْهُ مَوْجُودًا، ونَحْوُهُ قَوْلُهم في الدُّعاءِ: رَحِمَهُ اللَّهُ، أُخْرِجَ في صُورَةِ الخَبَرِ عَنِ اللَّهِ ثِقَةً بِالِاسْتِجابَةِ، كَأنَّما وُجِدَتِ الرَّحْمَةُ فَهو يُخْبِرُ عَنْها، وبِناؤُهُ عَلى المُبْتَدَأِ مِمّا زادَ فَضْلُ تَأْكِيدٍ، ولَوْ قِيلَ: ويَتَرَبَّصْنَ المُطَلَّقاتُ، لَمْ يَكُنْ بِتِلْكَ الوِكادَةِ. انْتَهى. وهو كَلامٌ حَسَنٌ، وإنَّما كانَتِ الجُمْلَةُ الِابْتِدائِيَّةُ فِيها زِيادَةُ تَوْكِيدٍ عَلى جُمْلَةِ الفِعْلِ والفاعِلِ؛ لِتَكْرارِ الِاسْمِ فِيها مَرَّتَيْنِ: إحْداهُما بِظُهُورِهِ، والأُخْرى بِإضْمارِهِ، وجُمْلَةُ الفِعْلِ والفاعِلِ يُذْكَرُ فِيها الِاسْمُ مَرَّةً واحِدَةً. وقالَ في (رِيِّ الظَّمْآنِ): زِيدَ فِعْلٌ يُسْتَعْمَلُ في أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: تَخْصِيصُ ذَلِكَ الفِعْلِ بِذِكْرِ الأمْرِ، كَقَوْلِهِمْ: أنا كَتَبْتُ في المُهِمِّ الفُلانِيِّ إلى السُّلْطانِ، والمُرادُ دَعْوى الِانْفِرادِ. الثّانِي: أنْ لا يَكُونَ المَقْصُودُ ذَلِكَ، بَلِ المَقْصُودُ أنَّ تَقْدِيمَ المُحَدَّثِ عَنْهُ بِحَدِيثٍ آكَدُ لِإثْباتِ ذَلِكَ الفِعْلِ لَهُ، كَقَوْلِهِمْ: هو يُعْطِي الجَزِيلَ، لا يُرِيدُ الحَصْرَ، بَلِ المُرادُ أنْ يُحَقِّقَ عِنْدَ السّامِعِ أنَّ إعْطاءَ الجَزِيلِ دَأْبُهُ. ومَعْنى يَتَرَبَّصْنَ: يَنْتَظِرْنَ ولا يُقْدِمْنَ عَلى تَزَوُّجٍ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: هو خَبَرٌ عَلى بابِهِ، وهو خَبَرٌ عَنْ حُكْمِ الشَّرْعِ، فَإنْ وجَدْتَ مُطَلَّقَةً لا تَتَرَبَّصُ فَلَيْسَ مِنَ الشَّرْعِ، قِيلَ: وحَمْلُهُ عَلى الخَبَرِ هو الأوْلى؛ لِأنَّ المُخْبَرَ بِهِ لا بُدَّ مِن كَوْنِهِ، وأمّا الأمْرُ فَقَدْ يُمْتَثَلُ وقَدْ لا يُمْتَثَلُ؛ ولِأنَّها لا تَحْتاجُ إلى نِيَّةٍ وعَزْمٍ، وتَرَبَّصَ مُتَّعَدٍ؛ إذْ مَعْناهُ: انْتَظَرَ. وجاءَ في القُرْآنِ مَحْذُوفًا مَفْعُولُهُ ومُثْبَتًا، فَمِنَ المَحْذُوفِ هَذا، وقَدَّرُوهُ: بِتَرَبُّصِ التَّزْوِيجِ، أوِ الأزْواجِ، ومِنَ المُثْبَتِ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلّا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ ونَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكم أنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ﴾ [التوبة: ٥٢]، ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] . و”بِأنْفُسِهِنَّ“ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”تَرَبَّصَ“، وظاهِرُ الباءِ مَعَ تَرَبَّصَ أنَّها لِلسَّبَبِ، أيْ: مِن أجْلِ أنْفُسِهِنَّ، ولا بُدَّ أنَّ ذَلِكَ مِن ذِكْرِ الأنْفُسِ؛ لِأنَّهُ لَوْ قِيلَ في الكَلامِ: يُتَرَبَّصُ بِهِنَّ لَمْ يَجُزْ؛ لِأنَّهُ فِيهِ تَعْدِيَةُ الفِعْلِ الرّافِعِ لِضَمِيرِ الِاسْمِ المُتَّصِلِ إلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ، نَحْوَ: هِنْدٌ تُمَرُّ بِها، وهو غَيْرُ جائِزٍ، ويَجُوزُ هُنا أنْ تَكُونَ زائِدَةً لِلتَّوْكِيدِ، والمَعْنى: يَتَرَبَّصْنَ أنْفُسَهُنَّ، كَما تَقُولُ: جاءَ زَيْدٌ بِنَفْسِهِ، وجاءَ زَيْدٌ بِعَيْنِهِ، أيْ: نَفْسُهُ وعَيْنُهُ، لا يُقالُ: إنَّ التَّوْكِيدَ هُنا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ مِن بابِ تَوْكِيدِ الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ المُتَّصِلِ، وهو النُّونُ الَّتِي هي ضَمِيرُ الإناثِ في ”تَرَبَّصْنَ“، وهو يُشْتَرَطُ فِيهِ أنْ يُؤَكَّدَ بِضَمِيرٍ مُنْفَصِلٍ، وكانَ يَكُونُ التَّرْكِيبُ: يَتَرَبَّصْنَ هُنَّ بِأنْفُسِهِنَّ؛ لِأنَّ هَذا التَّوْكِيدَ لَمّا جُرَّ بِالباءِ خَرَجَ عَنِ التَّبَعِيَّةِ، وفُقِدَتْ فِيهِ العِلَّةُ الَّتِي لِأجْلِها امْتُنِعَ أنْ يُؤَكَّدَ الضَّمِيرُ المَرْفُوعُ المُتَّصِلُ، حَتّى يُؤَكَّدَ بِمُنْفَصِلٍ؛ إذا أُرِيدَ التَّوْكِيدُ لِلنَّفْسِ والعَيْنِ، ونَظِيرُ جَوازِ هَذا: أحْسِنْ بِزَيْدٍ وأجْمِلْ، التَّقْدِيرُ: وأجْمِلْ بِهِ، فَحُذِفَ وإنْ كانَ فاعِلًا، هَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ؛ ولِأنَّهُ لَمّا جُرَّ بِالباءِ خَرَجَ في الصُّورَةِ عَنِ الفاعِلِ، وصارَ كالفَضْلَةِ؛ فَجازَ حَذْفُهُ، هَذا عَلى أنَّ الأخْفَشَ ذَكَرَ في المَسائِلِ جَوازَ: قامُوا أنْفُسُهم، مِن غَيْرِ تَوْكِيدٍ، وفائِدَةُ التَّأْكِيدِ هُنا أنَّهُنَّ يُباشِرْنَ التَّرَبُّصَ، (p-١٨٦)وزَوالُ احْتِمالِ أنَّ غَيْرَهُنَّ تُباشِرُ ذَلِكَ بِهِنَّ، بَلْ أنْفُسُهُنَّ هُنَّ المَأْمُوراتُ بِالتَّرَبُّصِ؛ إذْ ذاكَ أدْعى لِوُقُوعِ الفِعْلِ مِنهُنَّ، فاحْتِيجَ إلى ذَلِكَ التَّأْكِيدِ لِما في طِباعِهِنَّ مِنَ الطُّمُوحِ إلى الرِّجالِ والتَّزْوِيجِ، فَمَتى أُكِّدَ الكَلامُ دَلَّ عَلى شِدَّةِ المَطْلُوبَةِ. وانْتِصابُ ﴿ثَلاثَةَ﴾ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ؛ إذْ قَدَّرْنا ”تَرَبَّصَ“ قَدْ أخَذَ مَفْعُولَهُ، والمَعْنى: مُدَّةَ ثَلاثَةِ قُرُوءٍ، وقِيلَ: انْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ، أيْ: يَنْتَظِرْنَ مَعْنى ثَلاثَةَ قُرُوءٍ، وكِلا الإعْرابَيْنِ مَنقُولٌ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في مَدْلُولِ القُرُوءِ في لِسانِ العَرَبِ، واخْتُلِفَ في المُرادِ هُنا. فَقالَ أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعُثْمانُ، وعَلِيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو مُوسى، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ، والسُّدِّيُّ، والرَّبِيعُ، وأبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ، وغَيْرُهم مِن فُقَهاءِ الكُوفَةِ: هو الحَيْضُ. وقالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وعُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ، وأبُو الدَّرْداءِ، وعائِشَةُ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ، والزُّهْرِيُّ، وأبانُ بْنُ عُثْمانَ، وسُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ، والأوْزاعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ، ومالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وغَيْرُهم مِن فُقَهاءِ الحِجازِ: هو الطُّهْرُ. وقالَ أحْمَدُ: كُنْتُ أقُولُ: القُرْءُ الطُّهْرُ، وأنا الآنَ أذْهَبُ إلى أنَّهُ الحَيْضُ. ورُوِيَ عَنِ الشّافِعِيِّ: أنَّ القُرْءَ: الِانْتِقالُ مِنَ الطُّهْرِ إلى الحَيْضِ، ولا يَرى الِانْتِقالَ مِنَ الحَيْضِ إلى الطُّهْرِ قُرْءًا. وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلٌ آخَرُ أنَّهُ الخُرُوجُ مِن طُهْرٍ إلى حَيْضٍ، أوْ مِن حَيْضٍ إلى طُهْرٍ. ولِذِكْرِ تَرْجِيحِ كُلِّ قائِلٍ ما ذَهَبَ إلَيْهِ مَكانٌ غَيْرُ هَذا. وظاهِرُ قَوْلِهِ ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ أنَّ العِدَّةَ تَنْقَضِي بِثَلاثَةِ القُرُوءِ، ومَن قالَ: إنَّ القُرْءَ الحَيْضُ يَقُولُ: إذا طُلِّقَتْ في طُهْرٍ لَمْ تُوطَأْ فِيهِ اسْتَقْبَلَتْ حَيْضَةً ثُمَّ حَيْضَةً ثُمَّ حَيْضَةً ثُمَّ تَغْتَسِلُ، فَبِالغُسْلِ تَنْقَضِي العِدَّةُ. رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وأبِي مُوسى، وغَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحابَةِ: (أنَّ زَوْجَها أحَقُّ بِرَدِّها ما لَمْ تَغْتَسِلْ)، حَتّى قالَ شُرَيْكٌ: لَوْ فَرَّطَتْ في الغُسْلِ فَلَمْ تَغْتَسِلْ عِشْرِينَ سَنَةً؛ كانَ زَوْجُها أحَقَّ بِالرَّجْعَةِ، والَّذِي يَظْهَرُ مِنَ الآيَةِ أنَّ الغُسْلَ لا دُخُولَ لَهُ في انْقِضاءِ العِدَّةِ. ورُوِيَ عَنْ زَيْدٍ، وابْنِ عَمْرٍو، وعائِشَةَ: إذا دَخَلَتْ في الحَيْضَةِ الثّالِثَةِ فَلا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْها، ولا تَحِلُّ لِلْأزْواجِ حَتّى تَغْتَسِلَ مِنَ الحَيْضَةِ الثّالِثَةِ، وذَلِكَ أنَّ هَؤُلاءِ يَقُولُونَ بِأنَّ القُرْءَ هو الطُّهْرُ، فَإذا طُلِّقَتْ في طُهْرٍ لَمْ تُمَسَّ فِيهِ اعْتَدَّتْ بِما بَقِيَ مِنهُ، ولَوْ ساعَةً، ثُمَّ اسْتَقْبَلَتْ طُهْرًا ثانِيًا بَعْدَ حَيْضَةٍ، ثُمَّ ثالِثًا بَعْدَ حَيْضَةٍ ثانِيَةٍ، فَإذا رَأتِ الدَّمَ مِنَ الحَيْضَةِ الثّالِثَةِ حَلَّتْ لِلْأزْواجِ وخَرَجَتْ مِنَ العِدَّةِ بِأوَّلِ نُقْطَةٍ تَراها، وبِهِ قالَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ، وداوُدُ. وقالَ أشْهَبُ: لا تَنْقَطِعُ العِصْمَةُ والمِيراثُ إلّا بِتَحَقُّقِ أنَّهُ دَمُ حَيْضٍ؛ لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ دَفْعَةَ دَمٍ مِن غَيْرِ الحَيْضِ، وكُلُّ مَن قالَ: إنَّ القُرْءَ الأطْهارُ، يَعْتَدُّ بِالطُّهْرِ الَّذِي طُلِّقَتْ فِيهِ، وشَذَّ ابْنُ شِهابٍ فَقالَ: تَعْتَدُّ بِثَلاثَةِ أقْراءٍ سِوى بَقِيَّةِ ذَلِكَ الطُّهْرِ، ولا تَنْقَضِي العِدَّةُ حَتّى تَدْخُلَ في الحَيْضَةِ الرّابِعَةِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾، ولَوْ طُلِّقَتْ في الحَيْضِ انْقَضَتْ عِدَّتُها بِالشُّرُوعِ في الحَيْضَةِ الرّابِعَةِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا تَنْقَضِي عِدَّتُها ما لَمْ تَطْهُرْ مِنَ الحَيْضَةِ الرّابِعَةِ، وقالَ: إذا طَهُرَتْ لِأكْثَرِ الحَيْضِ انْقَضَتْ عِدَّتُها قَبْلَ الغُسْلِ أوْ لِأوَّلِهِ، فَلا تَنْقَضِي حَتّى تَغْتَسِلَ، أوْ تَتَيَمَّمَ عِنْدَ عَدَمِ الماءِ، أوْ يَمْضِيَ عَلَيْها وقْتُ الصَّلاةِ. وظاهِرُ عُمُومِ المُطَلَّقاتِ دُخُولُ الزَّوْجَةِ الأمَةِ في الِاعْتِدادِ بِثَلاثَةِ قُرُوءٍ، وبِهِ قالَ داوُدُ، وجَماعَةُ أهْلِ الظّاهِرِ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَيْسانَ الأصَمُّ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أنَّهُ قالَ: ما أرى عِدَّةَ الأمَةِ إلّا كَعِدَّةِ الحُرَّةِ، إلّا إنْ مَضَتْ سُنَّةٌ في ذَلِكَ، فالسُّنَّةُ أحَقُّ أنْ تُتَّبَعَ. وقالَ الجُمْهُورُ: عِدَّتُها قُرْءانِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿قُرُوءٍ﴾ عَلى وزْنِ فُعُولٍ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: ”قُرُوٍّ“ بِالتَّشْدِيدِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ نافِعٍ. وقَرَأ الحَسَنُ: ”قَرْوٍ“ بِفَتْحِ القافِ وسُكُونِ الرّاءِ وواوٍ خَفِيفَةٍ، وتَوْجِيهُ الجَمْعِ لِلْكَثْرَةِ في هَذا المَكانِ - ولَمْ يَأْتِ: ثَلاثَةَ أقْراءٍ - أنَّهُ مِن بابِ التَّوَسُّعِ في وضْعِ أحَدِ الجَمْعَيْنِ مَكانَ الآخَرِ، أعْنِي: جَمْعَ القِلَّةِ مَكانَ جَمْعِ الكَثْرَةِ والعَكْسَ، وكَما جاءَ: ﴿بِأنْفُسِهِنَّ﴾، وأنَّ النِّكاحَ يَجْمَعُ النَّفْسَ عَلى نُفُوسٍ في الكَثْرَةِ، وقَدْ يَكْثُرُ اسْتِعْمالُ أحَدِ الجَمْعَيْنِ؛ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْإتْيانِ بِهِ في مَوْضِعِ (p-١٨٧)الآخَرِ، ويَبْقى الآخَرُ قَرِيبًا مِنَ المُهْمَلِ، وذَلِكَ نَحْوَ: شُسُوعٍ أُوثِرَ عَلى أشْساعٍ لِقِلَّةِ اسْتِعْمالِ أشْساعٍ، وإنْ لَمْ يَكُنْ شاذًّا؛ لِأنَّ شِسْعًا يَنْقاسُ فِيهِ أفْعالٌ. وقِيلَ: وُضِعَ بِمَعْنى الكَثْرَةِ؛ لِأنَّ كُلَّ مُطَلَّقَةٍ تَتَرَبَّصُ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ. وقِيلَ: أُوثِرَ قُرُوءٌ عَلى أقْراءٍ لِأنَّ واحِدَهُ قَرْءٌ، بِفَتْحِ القافِ، وجَمْعُ فَعْلٍ عَلى أفْعالٍ شاذٌّ، وأجازَ المُبَرِّدُ: ثَلاثَةَ حَمِيرٍ، وثَلاثَةَ كِلابٍ، عَلى إرادَةِ: مِن كِلابٍ، ومِن حَمِيرٍ؛ فَقَدْ يَتَخَرَّجُ عَلى ما أجازَهُ: ثَلاثَةُ قُرُوءٍ، أيْ: مِن قُرُوءٍ. وتَوْجِيهُ تَشْدِيدِ الواوِ، وهو أنَّهُ أبْدَلَ مِنَ الهَمْزَةِ واوًا وأُدْغِمَتْ واوُ فُعُولٍ فِيها، وهو تَسْهِيلٌ جائِزٌ مُنْقاسٌ، وتَوْجِيهُ قِراءَةِ الحَسَنِ أنَّهُ أضافَ العَدَدَ إلى اسْمِ الجِنْسِ؛ إذِ اسْمُ الجِنْسِ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ وعَلى الجَمْعِ، عَلى حَسَبِ ما تُرِيدُ مِنَ المَعْنى، ودَلَّ العَدَدُ عَلى أنَّهُ لا يُرادُ بِهِ الواحِدُ. ﴿ولا يَحِلُّ لَهُنَّ أنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ في أرْحامِهِنَّ﴾، المَنهِيُّ عَنْ كِتْمانِهِ الحَيْضُ، تَقُولُ: لَسْتُ حائِضًا وهي حائِضٌ، أوْ حِضْتُ وما حاضَتْ، لِتَطْوِيلِ العِدَّةِ واسْتِعْجالِ الفُرْقَةِ، قالَ عِكْرِمَةُ، والنَّخَعِيُّ، والزُّهْرِيُّ: أوِ الحَبَلُ، قالَهُ عُمَرُ، وابْنُ عَبّاسٍ. أوِ الحَيْضُ والحَبَلُ مَعًا، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ، والرَّبِيعُ، ولَهُنَّ في كَتْمِ ذَلِكَ مَقاصِدُ، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّ كَتْمَ ذَلِكَ حَرامٌ. ودَلَّ قَوْلُهُ: ﴿ولا يَحِلُّ لَهُنَّ أنْ يَكْتُمْنَ﴾ أنَّهُنَّ مُؤْمِناتٌ عَلى ذَلِكَ، ولَوْ أُبِيحَ الِاسْتِقْصاءُ لَمْ يُمْكِنِ الكَتْمُ. وقالَ سُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ: لَمْ نُؤْمَرْ أنْ نَفْتَحَ النِّساءَ فَنَنْظُرَ إلى فُرُوجِهِنَّ، ولَكِنْ وُكِلَ ذَلِكَ إلَيْهِنَّ؛ إذْ كُنَّ مُؤْتَمَناتٍ. انْتَهى. وأجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ تَكْتُمَ المَرْأةُ ما خَلَقَ اللَّهُ في رَحِمِها مِن حَمْلٍ ولا حَيْضٍ، وفِيهِ تَغْلِيظٌ وإنْكارٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ: اللّاتِي تَبْغِينَ إسْقاطَ ما في بُطُونِهِنَّ مِنَ الأجِنَّةِ؛ فَلا يَعْتَرِفْنَ بِهِ، ويَجْحَدْنَهُ لِذَلِكَ؛ فَجُعِلَ كِتْمانُ ما في أرْحامِهِنَّ كِنايَةً عَنْ إسْقاطِهِ. انْتَهى كَلامُهُ. والآيَةُ تَحْتَمِلُهُ. قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: كُلُّ مَن حَفِظْتُ عَنْهُ مِن أهْلِ العِلْمِ قالَ: إذا قالَتِ المَرْأةُ في عَشَرَةِ أيّامٍ حِضْتُ أنَّها لا تُصَدَّقُ، ولا يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنها إلّا أنْ تَقُولَ: قَدْ أسْقَطْتُ سَقْطًا قَدِ اسْتَبانَ خَلْقُهُ، واخْتَلَفُوا في المُدَّةِ الَّتِي تُصَدَّقُ فِيها المَرْأةُ؛ فَقالَ مالِكٌ: إنِ ادَّعَتْ الِانْقِضاءَ في أمَدٍ تَنْقَضِي العِدَّةُ في مِثْلِهِ قَبْلَ قَوْلِها، أوْ في مُدَّةٍ تَقَعُ نادِرًا فَقَوْلانِ، قالَ في (المُدَوَّنَةِ): إذا قالَتْ: حِضْتُ ثَلاثَ حِيَضٍ في شَهْرٍ صُدِّقَتْ إذا صَدَّقَها النِّساءُ، وبِهِ قالَ عَلِيٌّ وشُرَيْحٌ، وقالَ في كِتابِ (مُحَمَّدٍ): لا تُصَدَّقُ إلّا في شَهْرٍ ونِصْفٍ، ونَحْوٌ مِنهُ قَوْلُ أبِي ثَوْرٍ: أقَلُّ ما يَكُونُ ذَلِكَ في سَبْعَةٍ وأرْبَعِينَ يَوْمًا. وقِيلَ: لا تُصَدَّقُ في أقَلَّ مِن سِتِّينَ يَوْمًا. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ اسْتَحْلَفَ امْرَأةً لَمْ تَسْتَكْمِلِ الحَيْضَ، وقَضى بِذَلِكَ عُثْمانُ. و”لَهُنَّ“ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”يَحِلُّ“، واللّامُ لِلتَّبْلِيغِ، و”ما“ في ﴿ما خَلَقَ﴾، الأظْهَرُ أنَّها مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً، والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْضًا، التَّقْدِيرُ: خَلَقَهُ. و﴿فِي أرْحامِهِنَّ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”خَلَقَهُ“، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ﴿فِي أرْحامِهِنَّ﴾ حالًا مِنَ المَحْذُوفِ، قِيلَ: وهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ؛ لِأنَّهُ وقْتَ خَلَقَهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ حَتّى يَتِمَّ خَلْقُهُ. وقَرَأ مُبَشِّرُ بْنُ عُبَيْدٍ: ﴿فِي أرْحامِهِنَّ﴾، (وبِرَدِّهُنَّ) بِضَمِّ الهاءِ فِيهِما، والضَّمُّ هو الأصْلُ، وإنَّما كُسِرَتْ لِكَسْرَةِ ما قَبْلَها. ﴿إنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾، هَذا شَرْطٌ، جَوابُهُ مَحْذُوفٌ عَلى الأصَحِّ مِنَ المَذاهِبِ، حُذِفَ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، ويُقَدَّرُ هُنا مِن لَفْظِهِ، أيْ: إنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَلا يَحِلُّ لَهُنَّ ذَلِكَ، والمَعْنى: أنَّ مَنِ اتَّصَفَ بِالإيمانِ لا يُقْدِمُ عَلى ارْتِكابِ ما لا يَحِلُّ لَهُ، وعَلَّقَ ذَلِكَ عَلى هَذا الشَّرْطِ، وإنْ كانَ الإيمانُ حاصِلًا لَهُنَّ إيعادًا وتَعْظِيمًا لِلْكَتْمِ، وهَذا كَقَوْلِهِمْ: إنْ كُنْتَ مُؤْمِنًا فَلا تَظْلِمْ، وإنْ كُنْتَ حُرًّا فانْتَصِرْ، يَجْعَلُ ما كانَ مَوْجُودًا كالمَعْدُومِ، ويُعَلِّقُ عَلَيْهِ، وإنْ كانَ مَوْجُودًا في نَفْسِ الأمْرِ. والمَعْنى: إنْ كُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا يَحِلُّ لَهُنَّ الكَتْمُ، وأنْتَ مُؤْمِنٌ فَلا تَظْلِمْ، وأنْتَ حُرٌّ فانْتَصِرْ، وقِيلَ: في الكَلامِ مَحْذُوفٌ، أيْ: إنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ حَقَّ الإيمانِ. وقِيلَ: ”إنْ“ بِمَعْنى ”إذْ“ وهو ضَعِيفٌ. وتَضَمَّنَ هَذا الكَلامُ الوَعِيدَ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِما اسْتَحَقَّهُ الرَّجُلُ مِنَ الرَّجْعَةِ. وقالَ قَتادَةُ: لِإلْحاقِ الوَلَدِ بِغَيْرِهِ، كَفِعْلِ أهْلِ (p-١٨٨)الجاهِلِيَّةِ. ﴿وبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ﴾، قَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ: ﴿وبُعُولَتُهُنَّ﴾ بِسُكُونِ التّاءِ، فِرارًا مِن ثِقَلِ تَوالِي الحَرَكاتِ، وهو مِثْلُ ما حَكى أبُو زَيْدٍ ”ورُسُلْنا“ بِسُكُونِ اللّامِ. وذَكَرَ أبُو عُمَرَ: وإنَّ لُغَةَ تَمِيمٍ تَسْكِينُ المَرْفُوعِ مِن ”يَعْلَمْهم“ ونَحْوِهِ. وسَمّاهم بُعُولَةً بِاعْتِبارِ ما كانُوا عَلَيْهِ؛ أوْ لِأنَّ الرَّجْعِيَّةَ زَوْجَةٌ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُهم. والمَعْنى أنَّ الأزْواجَ أحَقُّ لِمُراجَعَتِهِنَّ. وقَرَأ أُبَيٌّ: ”بِرِدَّتِهِنَّ“ بِالتّاءِ بَعْدَ الدّالِ، وتَتَعَلَّقُ ”الباءُ“ و”في“ بِقَوْلِهِ ﴿أحَقُّ﴾، وقِيلَ: تَتَعَلَّقُ ”في“ بِرَدِّهِنَّ، وأشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي ذَلِكَ﴾ إلى الأجَلِ الَّذِي أُمِرَتْ أنْ تَتَرَبَّصَ فِيهِ، وهو زَمانُ العِدَّةِ، وقِيلَ: في الحَمْلِ المَكْتُومِ. والضَّمِيرُ في ﴿بُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] عائِدٌ عَلى المُطَلَّقاتِ، وهو مَخْصُوصٌ بِالرَّجْعِيّاتِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ خُصُوصَ آخِرِ اللَّفْظِ لا يَمْنَعُ عُمُومَ أوَّلِهِ، ولا يُوجِبُ تَخْصِيصَهُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿والمُطَلَّقاتُ﴾ عامٌّ في المَبْتُوتاتِ والرَّجْعِيّاتِ، و: ﴿بُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ خاصٌّ في الرَّجْعِيّاتِ. ونَظِيرُهُ عِنْدَهم: ﴿وصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨]؛ فَهَذا عُمُومٌ، ثُمَّ قالَ: ﴿وإنْ جاهَداكَ﴾ [العنكبوت: ٨]؛ وهَذا خاصٌّ في المُشْرِكِينَ. والأوْلى عِنْدِي أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ دَلَّ عَلَيْهِ الحُكْمُ، تَقْدِيرُهُ: وبُعُولَةُ رَجْعِيّاتِهِنَّ، وأحَقُّ هُنا لَيْسَتْ عَلى بابِها؛ لِأنَّ غَيْرَ الزَّوْجِ لا حَقَّ لَهُ، ولا تَسْلِيطَ عَلى الزَّوْجَةِ في مُدَّةِ العِدَّةِ، إنَّما ذَلِكَ لِلزَّوْجِ، ولا حَقَّ لَها أيْضًا في ذَلِكَ، بَلْ لَوْ أبَتْ كانَ لَهُ رَدُّها، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وبُعُولَتُهُنَّ حَقِيقُونَ بِرَدِّهِنَّ. ودَلَّ قَوْلُهُ: ﴿بِرَدِّهِنَّ﴾ عَلى انْفِصالٍ سابِقٍ، فَمَن قالَ: إنَّ المُطَلَّقَةَ الرَّجْعِيَّةَ مُحَرَّمَةُ الوَطْءِ فالرَّدُّ حَقِيقِيٌّ عَلى بابِهِ، ومَن قالَ: هي مُباحَةُ الوَطْءِ وأحْكامُها أحْكامُ الزَّوْجَةِ، فَلَمّا كانَ هُناكَ سَبَبٌ تَعَلَّقَ بِهِ زَوالُ النِّكاحِ عِنْدَ انْقِضاءِ العِدَّةِ، جازَ إطْلاقُ الرَّدِّ عَلَيْهِ؛ إذْ كانَ رافِعًا لِذَلِكَ السَّبَبِ. واخْتَلَفُوا فِيما بِهِ الرَّدُّ؛ فَقالَ سَعِيدٌ والحَسَنُ، وابْنُ سِيرِينَ، وعَطاءٌ، وطاوُسٌ، والزُّهْرِيُّ، والثَّوْرِيُّ، وابْنُ أبِي لَيْلى، وأبُو حَنِيفَةَ: إذا جامَعَها فَقَدْ راجَعَها ويُشْهِدُ. وقالَ اللَّيْثَ، وطائِفَةٌ مِن أصْحابِ مالِكٍ: إنَّ وطْأهُ مُراجَعَةٌ عَلى كُلِّ حالٍ نَواها أوْ لَمْ يَنْوِها. وقالَ مالِكٌ: إنْ وطِئَها في العِدَّةِ يُرِيدُ الرَّجْعَةَ وجَهِلَ أنْ يُشْهِدَ، فَهي رَجْعَةٌ، ويَنْبَغِي لِلْمَرْأةِ أنْ تَمْنَعَهُ الوَطْءَ حَتّى يُشْهِدَ، وبِهِ قالَ إسْحاقُ: فَإنْ وطِئَ ولَمْ يَنْوِ الرَّجْعَةَ، فَقالَ مالِكٌ: يُراجِعُ في العِدَّةِ ولا يَطَأُ حَتّى يَسْتَبْرِئَها مِن مائِهِ الفاسِدِ. وقالَ ابْنُ القاسِمِ: فَإنِ انْقَضَتْ عِدَّتُها لَمْ يَنْكِحْها هو ولا غَيْرُهُ في مُدَّةِ بَقِيَّةِ الِاسْتِبْراءِ، فَإنْ فَعَلَ فُسِخَ نِكاحُهُ ولا يَتَأبَّدُ تَحْرِيمُها عَلَيْهِ؛ لِأنَّ الماءَ ماؤُهُ. وقالَ الشّافِعِيُّ: إذا جامَعَها فَلَيْسَ بِرَجْعَةٍ، نَوى بِذَلِكَ الرَّجْعَةَ أمْ لا، ولَها مَهْرُ مِثْلِها. وقالَ مالِكٌ: لا شَيْءَ عَلَيْهِ. قالَ أبُو عُمَرَ: ولا أعْلَمُ أحَدًا أوْجَبَ عَلَيْهِ مَهْرَ المِثْلِ غَيْرَ الشّافِعِيِّ. قالَ الشّافِعِيُّ: ولا تَصِحُّ الرَّجْعَةُ إلّا بِالقَوْلِ، وبِهِ قالَ جابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وأبُو قِلابَةَ، وأبُو ثَوْرٍ. قالَ الباجِيُّ في (المُنْتَقى): ولا خِلافَ في صِحَّةِ الِارْتِجاعِ بِالقَوْلِ، ولَوْ قَبَّلَ أوْ باشَرَ أثِمَ عِنْدَ مالِكٍ، ولَيْسَ بِرَجْعَةٍ. والسُّنَّةُ أنْ يُشْهِدَ قَبْلَ ذَلِكَ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ، والثَّوْرِيُّ: إنْ لَمَسَها بِشَهْوَةٍ، أوْ نَظَرَ إلى فَرْجِها بِشَهْوَةٍ فَهو رَجْعَةٌ، ويَنْبَغِي أنْ يُشْهِدَ في قَوْلِ مالِكٍ، والشّافِعِيِّ، وإسْحاقَ، وأبِي عُبَيْدٍ، وأبِي ثَوْرٍ. وهَلْ يَجُوزُ لَهُ أنْ يُسافِرَ بِها قَبْلَ ارْتِجاعِها ؟ مَنَعَهُ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ. وعَنِ الحَسَنِ بْنِ زِيادٍ: إنَّ لَهُ أنْ يُسافِرَ بِها قَبْلَ الرَّجْعَةِ. وهَلْ لَهُ أنْ يَدْخُلَ عَلَيْها ويَرى شَيْئًا مِن مَحاسِنِها وتَتَزَيَّنَ لَهُ أوْ تَتَشَوَّفَ ؟ أجازَ ذَلِكَ أبُو حَنِيفَةَ. وقالَ مالِكٌ: لا يَدْخُلُ عَلَيْها إلّا بِإذْنٍ، ولا يَنْظُرُ إلَيْها إلّا وعَلَيْها ثِيابُها، ولا يَنْظُرُ إلى شَعْرِها، ولا بَأْسَ أنْ يُؤاكِلَها إذا كانَ مَعَها غَيْرُها، ولا يَبِيتُ مَعَها في بَيْتٍ. قالَ ابْنُ القاسِمِ: ثُمَّ رَجَعَ مالِكٌ عَنْ ذَلِكَ، فَقالَ: لا يَدْخُلُ عَلَيْها، ولا يَرى شَعْرَها. وقالَ سَعِيدٌ: يَسْتَأْذِنُ عَلَيْها إذا دَخَلَ ويُسَلِّمُ، أوْ يُشْعِرُها بِالتَّنَحُّمِ والتَّنَحْنُحِ، وتَلْبَسُ ما شاءَتْ مِنَ الثِّيابِ والحُلِيِّ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَها إلّا بَيْتٌ واحِدٌ فَلْيَجْعَلا بَيْنَهُما سِتْرًا. وقالَ (p-١٨٩)الشّافِعِيُّ: هي مُحَرَّمَةٌ تَحْرِيمَ المَبْتُوتَةِ حَتّى تُراجَعَ بِالكَلامِ، كَما تَقَدَّمَ. وأجْمَعُوا عَلى أنَّ المُطَلِّقَ إذا قالَ بَعْدَ انْقِضاءِ العِدَّةِ لِامْرَأتِهِ: كُنْتُ راجَعْتُكِ في العِدَّةِ، وأنْكَرَتْ؛ أنَّ القَوْلَ قَوْلُها مَعَ يَمِينِها، وفِيهِ خِلافٌ لِأبِي حَنِيفَةَ، فَلَوْ كانَتِ الزَّوْجَةُ أمَةً، والزَّوْجُ ادَّعى الرَّجْعَةَ في العِدَّةِ بَعْدَ انْقِضائِها، فالقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجَةِ الأمَةِ، وإنْ كَذَّبَها مَوْلاها، هَذا قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ، والشّافِعِيِّ، وأبِي ثَوْرٍ. وقالَ أبُو يُوسُفَ، ومُحَمَّدٌ: القَوْلُ قَوْلُ المَوْلى وهو أحَقُّ بِها. ﴿إنْ أرادُوا إصْلاحًا﴾، هَذا شَرْطٌ آخَرُ حُذِفَ جَوابُهُ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، وظاهِرُهُ أنَّ إباحَةَ الرَّجْعَةِ مَعْقُودَةٌ بِشَرِيطَةِ إرادَةِ الإصْلاحِ، ولا خِلافَ بَيْنِ أهْلِ العِلْمِ أنَّهُ إذا راجَعَها مُضارًّا في الرَّجْعَةِ، مُرِيدًا لِتَطْوِيلِ العِدَّةِ عَلَيْها أنَّ رَجْعَتَهُ صَحِيحَةٌ، واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١]، قالُوا: فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى صِحَّةِ الرَّجْعَةِ، وإنْ قَصَدَ الضَّرَرَ؛ لِأنَّ المُراجَعَةَ لَمْ تَكُنْ صَحِيحَةً إذا وقَعَتْ عَلى وجْهِ الضِّرارِ لِما كانَ ظالِمًا بِفِعْلِها. قالَ الماوَرْدِيُّ: في الإصْلاحِ المُشارِ إلَيْهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إصْلاحُ ما بَيْنَهُما مِنَ الفَسادِ بِالطَّلاقِ. الثّانِي: القِيامُ لِما لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما عَلى صاحِبِهِ مِنَ الحَقِّ. انْتَهى كَلامُهُ. قالُوا: ويَسْتَغْنِي الزَّوْجُ في المُراجَعَةِ عَنِ الوَلِيِّ، وعَنْ رِضاها، وعَنْ تَسْمِيَةِ مَهْرٍ، وعَنِ الإشْهادِ عَلى الرَّجْعَةِ عَلى الصَّحِيحِ، ويَسْقُطُ بِالرَّجْعَةِ بَقِيَّةُ العِدَّةِ، ويَحِلُّ جِماعُها في الحالِ، ويَحْتاجُ في إثْباتِ هَذا كُلِّهِ إلى دَلِيلٍ واضِحٍ مِنَ الشَّرْعِ، والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ المَرْأةَ بِالطَّلاقِ تَنْفَصِلُ مِنَ الرَّجُلِ؛ فَلا يَجُوزُ لَهُ أنْ تَعُودَ إلَيْهِ إلّا بِنِكاحٍ ثانٍ، ثُمَّ إذا طَلَّقَها وأرادَ أنْ يَنْكِحَها، فَإمّا أنْ يَبْقى شَيْءٌ مِن عِدَّتِها، أوْ لا يَبْقى. إنْ بَقِيَ شَيْءٌ مِن عِدَّتِها فَلَهُ أنْ يَتَزَوَّجَها دُونَ انْقِضاءِ عِدَّتِها مِنهُ إنْ أرادَ الإصْلاحَ، ومَفْهُومُ الشَّرْطِ أنَّهُ إذا أرادَ غَيْرَ الإصْلاحِ لا يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ، وإنِ انْقَضَتْ عِدَّتُها اسْتَوى هو وغَيْرُهُ في جَوازِ تَزْوِيجِها، وإمّا أنْ تَكُونَ قَدْ طُلِّقَتْ وهي باقِيَةٌ في العِدَّةِ فَيَرُدَّها مِن غَيْرِ اعْتِبارِ شُرُوطِ النِّكاحِ؛ فَيَحْتاجُ إثْباتُ هَذا الحُكْمِ إلى دَلِيلٍ واضِحٍ كَما قُلْناهُ، فَإنْ كانَ ثَمَّ دَلِيلٌ واضِحٌ مِن نَصٍّ أوْ إجْماعٍ قُلْنا بِهِ، ولا يُعْتَرَضُ عَلَيْنا بِأنَّ لَهُ الرَّجْعَةَ عَلى ما وصَفُوا، وإنَّ ذَلِكَ مِن أوَّلِيّاتِ الفِقْهِ الَّتِي لا يَسُوغُ النِّزاعُ فِيها، وأنَّ كُلَّ حُكْمٍ يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ. ﴿ولَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾، هَذا مِن بَدِيعِ الكَلامِ؛ إذْ حَذَفَ شَيْئًا مِنَ الأوَّلِ أثْبَتَ نَظِيرَهُ في الآخَرِ، وأثْبَتَ شَيْئًا في الأوَّلِ حَذَفَ نَظِيرَهُ في الآخَرِ، وأصْلُ التَّرْكِيبِ: ولَهُنَّ عَلى أزْواجِهِنَّ مِثْلُ الَّذِي لِأزْواجِهِنَّ عَلَيْهِنَّ؛ فَحُذِفَتْ (عَلى أزْواجِهِنَّ) لِإثْباتِ ”عَلَيْهِنَّ“، وحُذِفَ ”لِأزْواجِهِنَّ“ لِإثْباتِ ”لَهُنَّ“ . واخْتُلِفَ في هَذِهِ المِثْلِيَّةِ، فَقِيلَ: المُماثَلَةُ في المُوافَقَةِ والطَّواعِيَةِ، وقالَ مَعْناهُ الضَّحّاكُ. وقِيلَ: المُماثَلَةُ في التَّزَيُّنِ والتَّصَنُّعِ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ: أُحِبُّ أنْ أتَزَيَّنَ لِلْمَرْأةِ كَما أُحِبُّ أنْ تَتَزَيَّنَ لِي لِهَذِهِ الآيَةِ. وقِيلَ: المُماثَلَةُ في تَقْوى اللَّهِ فِيهِنَّ، كَما عَلَيْهِنَّ أنْ يَتَّقِينَ اللَّهَ فِيهِمْ؛ ولِهَذا أشارَ ﷺ بِقَوْلِهِ: (اتَّقُوا اللَّهَ في النِّساءِ، فَإنَّهُنَّ عِنْدَكم عَوانٌ)، أيْ: أسِيراتٌ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. وقِيلَ: المُماثَلَةُ مَعْناها أنَّ لَهُنَّ مِنَ النَّفَقَةِ والمَهْرِ وحَسَنِ العِشْرَةِ وتَرْكِ الضِّرارِ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ؛ فَعَلى هَذا يَكُونُ المُماثَلَةُ في وُجُوبِ ما يَفْعَلُهُ الرَّجُلُ مِن ذَلِكَ، ووُجُوبِ امْتِثالِ المَرْأةِ أمْرَهُ ونَهْيَهُ، لا في (p-١٩٠)جِنْسِ المُؤَدِّي والمُمْتَثِلِ؛ إذْ ما يَفْعَلُهُ الرَّجُلُ مَحْسُوسٌ ومَعْقُولٌ، وما تَفْعَلُهُ هي مَعْقُولٌ، ولَكِنِ اشْتَرَكا في الوُجُوبِ؛ فَتَحَقَّقَتِ المِثْلِيَّةُ. وقِيلَ: الآيَةُ عامَّةٌ في جَمِيعِ حُقُوقِ الزَّوْجِ عَلى الزَّوْجَةِ، وحُقُوقِ الزَّوْجَةِ عَلى الزَّوْجِ. ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ حَقِّ المَرْأةِ عَلى الزَّوْجِ فَقالَ: (أنْ يُطْعِمَها إذا طَعِمَ، ويَكْسُوَها إذا اكْتَسى، ولا يَضْرِبَ الوَجْهَ، ولا يَهْجُرَ إلّا في البَيْتِ)، وفي حَدِيثِ الحَجِّ عَنْ جابِرٍ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ في خُطْبَةِ يَوْمِ عَرَفَةَ: (اتَّقَوُا اللَّهَ في النِّساءِ فَإنَّكم أخَذْتُمُوهُنَّ بِأمانَةِ اللَّهِ تَبارَكَ وتَعالى، واسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ، ولَكم عَلَيْهِنَّ أنْ لا يُواطِئْنَ فُرُشَكم أحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، ولَهُنَّ عَلَيْكم رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ) . و”مِثْلُ“: مُبْتَدَأٌ، و”لَهُنَّ“: هو في مَوْضِعِ الخَبَرِ، و”بِالمَعْرُوفِ“ يَتَعَلَّقُ بِهِ ”لَهُنَّ“، أيْ: ومِثْلُ الَّذِي لِأزْواجِهِنَّ عَلَيْهِنَّ كائِنٌ لَهُنَّ عَلى أزْواجِهِنَّ، وقِيلَ: ”بِالمَعْرُوفِ“ هو في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ ”مِثْلُ“، فَهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وتَتَعَلَّقُ إذْ ذاكَ بِمَحْذُوفٍ. ومَعْنى بِالمَعْرُوفِ: أيْ بِالوَجْهِ الَّذِي لا يُنْكَرُ في الشَّرْعِ وعاداتِ النّاسِ ولا يُكَلِّفُ أحَدُهُما الآخَرَ مِنَ الأشْغالِ ما لَيْسَ مَعْرُوفًا لَهُ، بَلْ يُقابِلُ كُلٌّ مِنهُما صاحِبَهُ بِما يَلِيقُ بِهِ. ﴿ولِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾، أيْ: مَزِيَّةٌ وفَضِيلَةٌ في الحَقِّ، أتى بِالمُظْهَرِ عِوَضُ المُضْمَرِ؛ إذْ كانَ لَوْ أتى عَلى المُضْمَرِ لَقالَ: ولَهم عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ؛ لِلتَّنْوِيهِ بِذِكْرِ الرُّجُولِيَّةِ الَّتِي بِها ظَهَرَتِ المَزِيَّةُ لِلرِّجالِ عَلى النِّساءِ، ولِما كانَ يَظْهَرُ في الكَلامِ بِالإضْمارِ مِن تَشابُهِ الألْفاظِ - وأنْتَ تَعْلَمُ ما في ذاكَ - إذْ كانَ يَكُونُ: ولَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالمَعْرُوفِ ولَهم عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ، ولِقَلَقِ الإضْمارِ حُذِفَ مُضْمَرانِ ومُضافانِ مِنَ الجُمْلَةِ الأُولى. والدَّرَجَةُ هُنا: فَضْلُهُ عَلَيْها في المِيراثِ، وبِالجِهادِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ. أوْ بِوُجُوبِ طاعَتِها إيّاهُ ولَيْسَ عَلَيْهِ طاعَتُها، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وابْنُهُ. أوْ بِالصَّداقِ، وجَوازِ مُلاعَنَةٍ إنْ قَذَفَ، وحَدِّها إنْ قَذَفَتْ، قالَ الشَّعْبِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ. أوْ بِالقِيامِ عَلَيْها بِالإنْفاقِ وغَيْرِهِ، وإنِ اشْتَرَكا في الِاسْتِمْتاعِ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ. أوْ بِمِلْكِ العِصْمَةِ وأنَّ الطَّلاقَ بِيَدِهِ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ. أوْ بِما يَمْتازُ مِنها كاللِّحْيَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. أوْ بِمِلْكِ الرَّجْعَةِ، أوْ بِالإجابَةِ إلى فِراشِهِ إذا دَعاها، وهَذا داخِلٌ في القَوْلِ الثّانِي. أوْ بِالعَقْلِ، أوْ بِالدِّيانَةِ، أوْ بِالشَّهادَةِ، أوْ بِقُوَّةِ العِبادَةِ، أوْ بِالذُّكُورِيَّةِ، أوْ لِكَوْنِ المَرْأةِ خُلِقَتْ مِنَ الرَّجُلِ، أشارَ إلَيْهِ ابْنُ العَرَبِيِّ. أوْ بِالسَّلامَةِ مِن أذى الحَيْضِ والوِلادَةِ والنِّفاسِ. أوْ بِالتَّزَوُّجِ عَلَيْها والتَّسَرِّي، ولَيْسَ لَها ذَلِكَ. أوْ بِكَوْنِهِ يَعْقِلُ في الدِّيَةِ بِخِلافِها. أوْ بِكَوْنِهِ إمامًا بِخِلافِها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تِلْكَ الدَّرَجَةُ إشارَةٌ إلى حَضِّ الرِّجالِ عَلى حُسْنِ العِشْرَةِ والتَّوَسُّعِ لِلنِّساءِ في المالِ والخُلُقِ، أيْ أنَّ الأفْضَلَ يَنْبَغِي أنْ يَتَحامَلَ عَلى نَفْسِهِ. انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ الدَّرَجَةَ هي ما تُرِيدُهُ النِّساءُ مِنَ البِرِّ والإكْرامِ والطَّواعِيَةِ والتَّبْجِيلِ في حَقِّ الرِّجالِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا قَدَّمَ أنَّ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ عَلَيْهِ مِثْلَ ما لِلْآخَرِ عَلَيْهِ، اقْتَضى ذَلِكَ المُماثَلَةَ؛ فَبَيَّنَ أنَّهُما - وإنْ تَماثَلا في ما عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهُما لِلْآخَرِ - فَعَلَيْهِنَّ مَزِيدُ إكْرامٍ وتَعْظِيمٍ لِرِجالِهِنَّ، وأشارَ إلى العِلَّةِ في ذَلِكَ، وهو كَوْنُهُ رَجُلًا يُغالِبُ الشَّدائِدَ والأهْوالَ، ويَسْعى دائِمًا في مَصالِحِ زَوْجَتِهِ، ويَكْفِيها تَعَبَ الِاكْتِسابِ، فَبِإزاءِ ذَلِكَ صارَ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ لِلرَّجُلِ في مُبالَغَةِ الطَّواعِيَةِ، وفِيما يُفْضِي إلى الِاسْتِراحَةِ عِنْدَها. ومُلَخَّصُ ما قالَهُ المُفَسِّرُونَ يَقْتَضِي أنَّ لِلرَّجُلِ دَرَجَةً تَقْتَضِي التَّفْضِيلَ. و﴿دَرَجَةٌ﴾: مُبْتَدَأٌ، و(لِلرِّجالِ): خَبَرُهُ، وهو خَبَرٌ مُسَوِّغٌ لِجَوازِ الِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ، و﴿عَلَيْهِنَّ﴾: مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ مِنَ الكَيْنُونَةِ والِاسْتِقْرارِ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ﴿عَلَيْهِنَّ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ؛ لِجَوازِ أنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ وصْفًا لِلنَّكِرَةِ، فَلَمّا تَقَدَّمَ انْتَصَبَ عَلى الحالِ؛ فَتَعَلَّقَ إذْ ذاكَ بِمَحْذُوفٍ وهو غَيْرُ العامِلِ في الخَبَرِ، ونَظِيرُهُ: في الدّارِ قائِمًا رَجُلٌ، كانَ أصْلُهُ: رَجُلٌ قائِمٌ. ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿عَلَيْهِنَّ﴾ الخَبَرُ، و(لِلرِّجالِ) في مَوْضِعِ الحالِ؛ لِأنَّ العامِلَ في الحالِ إذْ ذاكَ مَعْنَوِيٌّ، وقَدْ تَقَدَّمَتْ عَلى (p-١٩١)جُزْأيِ الجُمْلَةِ، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ، ونَظِيرُهُ: قائِمًا في الدّارِ زَيْدٌ، وهو مَمْنُوعٌ لا ضَعِيفٌ كَما زَعَمَ بَعْضُهم، فَلَوْ تَوَسَّطَتِ الحالُ وتَأخَّرَ الخَبَرُ نَحْوَ: زَيْدٌ قائِمًا في الدّارِ، فَهَذِهِ مَسْألَةُ الخِلافِ بَيْنَنا وبَيْنَ أبِي الحَسَنِ، أبُو الحَسَنِ يُجِيزُها، وغَيْرُهُ يَمْنَعُها. ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ، وخَتَمَ الآيَةَ بِهِما؛ لِأنَّهُ تَضَمَّنَتِ الآيَةُ ما مَعْناهُ الأمْرُ في قَوْلِهِ: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾، والنَّهْيُ في قَوْلِ: ﴿ولا يَحِلُّ لَهُنَّ﴾، والجَوازُ في قَوْلِهِ: ﴿وبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ﴾ . والوُجُوبُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ﴾ - ناسَبَ وصْفَهُ تَعالى بِالعِزَّةِ وهو القَهْرُ والغَلَبَةُ، وهي تُناسِبُ التَّكْلِيفَ.

البقرة 2:229

وناسَبَ وصْفَهُ بِالحِكْمَةِ، وهي إتْقانُ الأشْياءِ ووَضْعُها عَلى ما يَنْبَغِي، وهي تُناسِبُ التَّكْلِيفَ أيْضًا. ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾، سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ما رَوى هِشامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أبِيهِ: أنَّ الرَّجُلَ كانَ إذا طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثُمَّ راجَعَها قَبْلَ انْقِضاءِ عِدَّتِها، كانَ لَهُ ذَلِكَ، ولَوْ طَلَّقَ ألْفَ ألْفِ مَرَّةٍ، فَطَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأتَهُ، ثُمَّ راجَعَها قَبْلَ انْقِضاءِ عِدَّتِها. رَجُلٌ اسْتَبْرَأ، فَحِينَ طَلَّقَ شارَفَتِ انْقِضاءَ العِدَّةِ راجَعَها، ثُمَّ طَلَّقَها، ثُمَّ قالَ: واللَّهِ لا أُقَرِّبُكِ إلَيَّ ولا تَخْلِينَ مِنِّي، فَشَكَتْ ذَلِكَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَنَزَلَتْ. ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ، وهو أنَّهُ لَمّا تَضَمَّنَتِ الآيَةُ قَبْلَها الطَّلاقَ الرَّجْعِيَّ، وكانُوا يُطَلِّقُونَ ويُراجِعُونَ مِن غَيْرِ حَدٍّ ولا عَدٍّ، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ مَرَّتانِ، فَحَصَرَ الطَّلاقَ الرَّجْعِيَّ في أنَّهُ مَرَّتانِ، أيْ: يَمْلِكُ المُراجَعَةَ إذا طَلَّقَها، ثُمَّ يَمْلِكُها إذا طَلَّقَ، ثُمَّ إذا طَلَّقَ ثالِثَةً لا يَمْلِكُها. وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: عَدَدِ الطَّلاقِ الَّذِي يَمْلِكُ فِيهِ الرَّجْعَةَ مَرَّتانِ، والثّالِثَةُ لا يَمْلِكُ فِيها الرَّجْعَةَ. فَعَلى هَذا الألِفُ واللّامُ في الطَّلاقِ لِلْعَهْدِ، في الطَّلاقِ السّابِقِ، وهو الَّذِي تَثْبُتُ مَعَهُ الرَّجْعَةُ، وبِهِ قالَ عُرْوَةُ، وقَتادَةُ. وقِيلَ: طَلاقُ السُّنَّةِ المَندُوبِ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ. وقِيلَ: المَعْنى بِذَلِكَ تَفْرِيقُ الطَّلاقِ إذا أرادَ أنْ يُطَلِّقَ ثَلاثًا، وهو يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ؛ لِأنَّهُ لَوْ طَلَّقَ مَرَّتَيْنِ مَعًا في (p-١٩٢)لَفْظٍ واحِدٍ لَما جازَ أنْ يُقالَ: طَلَّقَها مَرَّتَيْنِ، وكَذَلِكَ لَوْ دَفَعَ إلى رَجُلٍ دِرْهَمَيْنِ لَمْ يَجُزْ أنْ يُقالَ: أعْطاهُ مَرَّتَيْنِ، حَتّى يُفَرِّقَ الدَّفْعَ؛ فَحِينَئِذٍ يَصْدُقُ عَلَيْهِ. هَكَذا بَحَثُوهُ في هَذا المَوْضِعِ، وهو بَحْثٌ صَحِيحٌ. وما زالَ يَخْتَلِجُ في خاطِرِي أنَّهُ لَوْ قالَ: أنْتِ طالِقٌ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا - أنَّهُ لا يَقَعُ إلّا واحِدَةٌ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ لِلطَّلاقِ، ويَقْتَضِي العَدَدَ؛ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ الَّذِي هو عامِلٌ فِيهِ يَتَكَرَّرُ وُجُودًا، كَما تَقُولُ: ضَرَبْتُ ضَرْبَتَيْنِ، أوْ ثَلاثَ ضَرَباتٍ؛ لِأنَّ المَصْدَرَ هو مُبَيِّنٌ لِعَدَدِ الفِعْلِ، فَمَتى لَمْ يَتَكَرَّرْ وُجُودًا اسْتَحالَ أنْ يُكَرِّرَ مَصْدَرَهُ وأنْ يُبَيِّنَ رُتَبَ العَدَدِ، فَإذا قالَ: أنْتِ طالِقٌ ثَلاثًا، فَهَذِهِ لَفْظٌ واحِدٌ، ومَدْلُولُهُ واحِدٌ، والواحِدُ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ ثَلاثًا أوِ اثْنَيْنِ، ونَظِيرُ هَذا أنْ يُنْشِئَ الإنْسانُ بَيْعًا بَيْنَهُ وبَيْنَ رَجُلٍ في شَيْءٍ، ثُمَّ يَقُولُ عِنْدَ التَّخاطُبِ: بِعْتُكَ هَذا ثَلاثًا، فَقَوْلُهُ ”ثَلاثًا“ لَغْوٌ وغَيْرُ مُطابِقٍ لِما قَبْلَهُ، والإنْشاءاتُ أيْضًا يَسْتَحِيلُ التَّكْرارُ فِيها حَتّى يَصِيرَ المُجْمَلُ قابِلًا لِذَلِكَ الإنْشاءِ، وهَذا يَعْسُرُ إدْراكُهُ عَلى مَنِ اعْتادَ أنَّهُ يَفْهَمُ مِن قَوْلِ مَن قالَ: طَلَّقْتُكِ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا؛ أنَّهُ يَقَعُ الطَّلاقُ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا عَلى ما نَذْكُرُهُ. قالُوا: وتَشْتَمِلُ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أحْكامٍ، مِنها أنَّ مَسْنُونَ الطَّلاقِ التَّفْرِيقُ بَيْنَ أعْدادِ الثَّلاثِ إذا أرادَ أنْ يُطَلِّقَ ثَلاثًا، وأنَّ مَن طَلَّقَ ثَلاثًا أوِ اثْنَتَيْنِ في دُفْعَةٍ واحِدَةٍ كانَ مُطَلِّقًا لِغَيْرِ السُّنَّةِ. ومِنها أنَّ ما دُونَ الثَّلاثِ ثَبَتَ مَعَ الرَّجْعَةِ، وأنَّهُ إذا طَلَّقَ ثِنْتَيْنِ في الحَيْضِ وقَعَتا، وإنْ نُسِخَ الزِّيادَةُ عَلى الثَّلاثِ. ولَمْ تَتَعَرَّضِ الآيَةُ لِلْوَقْتِ المَسْنُونِ فِيهِ إيقاعُ الطَّلاقِ، وسَنَتَكَلَّمُ عَلى ذَلِكَ في مَكانِ ذِكْرِهِ، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وقَسَّمُوا هَذا الطَّلاقَ إلى: واجِبٍ، ومَحْظُورٍ، ومَسْنُونٍ، ومَكْرُوهٍ، ومُباحٍ، وهَذا مِن عِلْمِ الفِقْهِ، فَنَتَكَلَّمُ عَلَيْهِ في كُتُبِهِ. وظاهِرُ الآيَةِ العُمُومُ؛ فَيَدْخُلُ في الطَّلاقِ: الحُرُّ والعَبْدُ، فَيَكُونُ حُكْمُهُما سَواءً، ونَقَلَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ اتِّفاقَ السَّلَفِ وفُقَهاءَ الأمْصارِ عَلى أنَّ الزَّوْجَيْنِ المَمْلُوكَيْنِ يَنْفَصِلانِ بِالثِّنْتَيْنِ، ولا يَحِلُّ لَهُ بَعْدَهُما إلّا بَعْدَ زَوْجٍ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ما يُخالِفُ شَيْئًا مِن هَذا، وهو أنَّ أمْرَ العَبْدِ في الطَّلاقِ إلى المَوْلى. واخْتَلَفُوا إذا كانَ أحَدُهُما حُرًّا والآخَرُ رَقِيقًا، فَقِيلَ: الطَّلاقُ بِالنِّساءِ؛ فَلَوْ كانَتْ حُرَّةً تَحْتَ عَبْدٍ أوْ حُرٍّ فَطَلاقُها ثَلاثٌ، أوْ أمَةً تَحْتَ حُرٍّ أوْ عَبْدٍ فَطَلاقُهُما ثِنْتانِ، وبِهِ قالَ أبُو عَلِيٍّ، وأبُو حَنِيفَةَ، وأبُو يُوسُفَ، ومُحَمَّدٌ، وزُفَرُ، والثَّوْرِيُّ، والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ. وقِيلَ: الطَّلاقُ بِالرِّجالِ، فَلَوْ كانَتْ أمَةً تَحْتَ حُرٍّ فَطَلاقُها ثَلاثٌ، أوْ حُرَّةً تَحْتَ عَبْدٍ فَطَلاقُها ثِنْتانِ، وبِهِ قالَ عُمَرُ، وعُثْمانُ البَتِّيُّ. والطَّلاقُ مَصْدَرُ طُلِّقَتِ المَرْأةُ طَلاقًا، ويَكُونُ بِمَعْنى التَّطْلِيقِ، كالسَّلامِ بِمَعْنى التَّسْلِيمِ، وهو مُبْتَدَأٌ، ومَرَّتانِ خَبَرُهُ، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: عَدَدُ الطَّلاقِ المَشْرُوعِ فِيهِ الرَّجْعَةُ، أوِ الطَّلاقُ الشَّرْعِيُّ المَسْنُونُ مَرَّتانِ، واحْتِيجَ إلى تَقْدِيرِ هَذا المُضافِ حَتّى يَكُونَ الخَبَرُ هو المُبْتَدَأُ، و﴿مَرَّتانِ﴾ تَثْنِيَةً حَقِيقَةً؛ لِأنَّ الطَّلاقَ الرَّجْعِيَّ أوِ المَسْنُونَ - عَلى اخْتِلافِ القَوْلَيْنِ - عَدَدُهُ هو مَرَّتانِ عَلى التَّفْرِيقِ، وقَدْ بَيَّنّا كَوْنَهُ يَكُونُ عَلى التَّفْرِيقِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَمْ يُرِدْ بِالمَرَّتَيْنِ التَّثْنِيَةَ (p-١٩٣)والتَّكْرِيرَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٤]، أيْ: كَرَّةً بَعْدَ كَرَّةٍ، لا كَرَّتَيْنِ اثْنَتَيْنِ، ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ التَّتالِي الَّتِي يُرادُ بِها التَّكْرِيرَةُ، قَوْلُهم: لَبَّيْكَ، وسَعْدَيْكَ، وحَنانَيْكَ، وهَذاذَيْكَ، ودَوالَيْكَ. انْتَهى كَلامُهُ. وهو في الظّاهِرِ مُناقِضٌ لِما قالَ قَبْلَ ذَلِكَ، ومُخالِفٌ لِما في نَفْسِ الأمْرِ. أمّا مُناقَضَتُهُ فَإنَّهُ قالَ في تَفْسِيرِ ”الطَّلاقُ مَرَّتانِ“: أيِ: التَّطْلِيقُ الشَّرْعِيُّ تَطْلِيقَةٌ بَعْدَ تَطْلِيقَةٍ عَلى التَّفْرِيقِ، دُونَ الجَمْعِ والإرْسالِ دُفْعَةً واحِدَةً؛ فَقَوْلُهُ: ”تَطْلِيقَةٌ بَعْدَ تَطْلِيقَةٍ“ مُناقِضٌ في الظّاهِرِ لِقَوْلِ: ”ولَمْ يُرِدْ بِالمَرَّتَيْنِ التَّثْنِيَةَ“؛ لِأنَّكَ إذا قُلْتَ ضَرَبْتُكَ ضَرْبَةً بَعْدَ ضَرْبَةٍ، إنَّما يُفْهَمُ مِن ذَلِكَ الِاقْتِصارُ عَلى ضَرْبَتَيْنِ، وهو مُساوٍ في الدَّلالَةِ لِقَوْلِكَ ”ضَرَبْتُكَ ضَرْبَتَيْنِ“؛ ولِأنَّ قَوْلَكَ ”ضَرْبَتَيْنِ“ لا يُمْكِنُ وُقُوعُهُما إلّا ضَرْبَةً بَعْدَ ضَرْبَةٍ. وأمّا مُخالَفَتُهُ لِما في نَفْسِ الأمْرِ، فَلَيْسَ هَذا مِنَ التَّثْنِيَةِ الَّتِي تَكُونُ لِلتَّكْرِيرِ؛ لِأنَّ التَّثْنِيَةَ الَّتِي يُرادُ بِها التَّكْرِيرُ لا يَقْتَضِي بِتَكْرِيرِها ثِنْتَيْنِ ولا ثَلاثَ، بَلْ يَدُلُّ عَلى التَّكْرِيرِ مِرارًا؛ فَقَوْلُهم: ”لَبَّيْكَ“ مَعْناهُ: إجابَةً بَعْدَ إجابَةٍ فَما زادَ، وكَذَلِكَ أخَواتُها، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ”كَرَّتَيْنِ“، مَعْناهُ: ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ مِرارًا كَثِيرَةً، والتَّثْنِيَةُ في قَوْلِهِ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ إنَّما يُرادُ بِها شَفْعُ الواحِدِ، وهو الأصْلُ في التَّثْنِيَةِ، ألا تَرى أنَّهُ لا يُرادُ هُنا بِقَوْلِهِ: ﴿مَرَّتانِ﴾ ما يَزِيدُ عَلى الثِّنْتَيْنِ؛ لِقَوْلِهِ بَعْدُ: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ هي الطَّلْقَةُ الثّالِثَةُ ؟ ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدُ: ﴿فَإنْ طَلَّقَها﴾ [البقرة: ٢٣٠]، أيْ: فَإنْ سَرَّحَها الثّالِثَةَ، وإذا تَقَرَّرَ هَذا؛ فَلَيْسَ قَوْلُهُ ﴿مَرَّتانِ﴾ دالًّا عَلى التَّكْرارِ الَّذِي لا يَشْفَعُ، بَلْ هو مُرادٌ بِهِ شَفْعُ الواحِدِ، وإنَّما غَرَّ الزَّمَخْشَرِيَّ في ذَلِكَ صَلاحِيَةُ التَّقْدِيرِ بِقَوْلِهِ: الطَّلاقُ الشَّرْعِيُّ تَطْلِيقَةٌ بَعْدَ تَطْلِيقَةٍ؛ فَجَعَلَ ذَلِكَ مِن بابِ التَّثْنِيَةِ الَّتِي لا تَشْفَعُ الواحِدَ، ومُرادٌ بِها التَّكْثِيرُ، إلّا أنَّهُ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ أنَّ الأصْلَ شَفْعُ الواحِدِ، وأنَّ التَّثْنِيَةَ الَّتِي لا تَشْفَعُ الواحِدَ ويُرادُ بِها التَّكْرارُ لا يُقْتَصَرُ بِها عَلى الثَّلاثِ في التَّكْرارِ، ولَمّا حَمَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلَهُ تَعالى: (مَرَّتَيْنِ) عَلى أنَّهُ مِن بابِ التَّثْنِيَةِ الَّتِي يُرادُ بِها التَّكْرِيرُ؛ احْتاجَ أنْ يَتَأوَّلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ عَلى أنَّهُ تَخْيِيرٌ لَهم، بَعْدَ أنْ عَلَّمَهم كَيْفَ يُطَلِّقُونَ، بَيْنَ أنْ يُمْسِكُوا النِّساءَ بِحُسْنِ العِشْرَةِ والقِيامِ بِواجِبِهِنَّ، وبَيْنَ أنْ يُسَرِّحُوهُنَّ السَّراحَ الجَمِيلَ الَّذِي عَلَّمَهم. وتَحَصَّلَ مِن هَذا الكَلامِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ لِلسَّلَفِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بَيانٌ لِعَدَدِ الطَّلاقِ الَّذِي لِلزَّوْجِ أنْ يَرْتَجِعَ مِنهُ دُونَ تَجْدِيدِ مَهْرٍ ووَلِيٍّ، وإلَيْهِ ذَهَبَ عُرْوَةُ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ. والثّانِي: أنَّهُ تَعْرِيفُ سُنَّةِ الطَّلاقِ، أيْ: مَن طَلَّقَ اثْنَتَيْنِ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ في الثّالِثَةِ، فَإمّا تَرْكُها غَيْرَ مَظْلُومَةٍ شَيْئًا مِن حَقِّها، وإمّا إمْساكُها مُحْسِنًا عِشْرَتَها، وبِهِ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُما. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والآيَةُ تَتَضَمَّنُ هَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ، والإمْساكُ بِالمَعْرُوفِ هو الِارْتِجاعُ بَعْدَ الثّانِيَةِ إلى حُسْنِ العِشْرَةِ، والتِزامِ حُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ. انْتَهى كَلامُهُ. وحَكى الزَّمَخْشَرِيُّ القَوْلَ الأوَّلَ فَقالَ: وقِيلَ مَعْناهُ: الطَّلاقُ الرَّجْعِيُّ مَرَّتانِ؛ لِأنَّهُ لا رَجْعَةَ بَعْدَ الثَّلاثِ، ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾، أيْ بِرَجْعَةٍ، أوْ ﴿تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾، أيْ بِأنْ لا يُراجِعَها حَتّى تَبِينَ بِالعِدَّةِ، أوْ بِأنْ لا يُراجِعَها مُراجَعَةً، يُرِيدُ بِها تَطْوِيلَ العِدَّةِ عَلَيْها وضِرارَها، وقِيلَ: بِأنْ يُطَلِّقَها الثّالِثَةَ. ورُوِيَ «أنَّ سائِلًا سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أيْنَ الثّالِثَةُ ؟ فَقالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ: (أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ») . انْتَهى كَلامُهُ. وتَفْسِيرُ التَّسْرِيحِ بِإحْسانٍ، أنْ لا يُراجِعَها حَتّى تَبِينَ بِالعِدَّةِ، هو قَوْلُ الضَّحّاكِ، والسُّدِّيِّ. وقَوْلُهُ: أوْ بِأنْ لا يُراجِعَها مُراجَعَةً يُرِيدُ بِها تَطْوِيلَ العِدَّةِ عَلَيْها وضِرارَها، كَلامٌ لا يَتَّضِحُ تَرْكِيبُهُ عَلى تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يُراجِعَها مُراجَعَةً حَسَنَةً مَقْصُودًا بِها الإحْسانُ والتَّآلُفُ والزَّوْجِيَّةُ؛ فَيَصِيرُ هَذا قَسِيمُ قَوْلِهِ: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾، فَيَكُونُ المَعْنى: فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ مُراجَعَةٌ مُراجَعَةً حَسَنَةً. وهَذا كَلامٌ لا يَلْتَئِمُ أنْ يُفَسَّرَ بِهِ: ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾، ولَوْ فُسِّرَ بِهِ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ لَكانَ صَوابًا. وأمّا قَوْلُهُ: وقِيلَ بِأنْ يُطَلِّقَها الثّانِيَةَ، فَهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وعَطاءٍ، (p-١٩٤)وجُمْهُورِ السَّلَفِ، وعُلَماءِ الأمْصارِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُقَوِّي هَذا القَوْلَ عِنْدِي مِن ثَلاثَةِ وُجُوهٍ: أوَّلُها: أنَّهُ رُوِيَ أنَّ رَجُلًا قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: «يا رَسُولَ اللَّهِ، هَذا ذِكْرُ الطَّلْقَتَيْنِ، فَأيْنَ الثّالِثَةُ ؟ فَقالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ: (هي قَوْلُهُ: ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾») . والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ التَّسْرِيحَ مِن ألْفاظِ الطَّلاقِ، ألا تَرى أنَّهُ قَدْ قُرِئَ: ”وإنْ عَزَمُوا السَّراحَ“ ؟ والوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ فَعَّلَ تَفْعِيلًا، هَذا التَّضْعِيفُ يُعْطِي أنَّهُ أحْدَثَ فِعْلًا مُكَرَّرًا عَلى الطَّلْقَةِ الثّانِيَةِ، ولَيْسَ في التَّرْكِ إحْداثُ فِعْلٍ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالتَّفْعِيلِ. انْتَهى كَلامُهُ. وهو كَلامٌ حَسَنٌ. والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ اللَّفْظِ أنَّ ”الطَّلاقَ“: الألِفُ واللّامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ، وهو الطَّلاقُ الَّذِي تَقَدَّمَ قَبْلَ قَوْلِهِ: ﴿وبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وهو ما كانَ الطَّلاقُ رَجْعِيًّا، وأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَرَّتانِ﴾ بَيانٌ لِعَدَدِ هَذا الطَّلاقِ، وأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ بِالفاءِ الَّتِي هي لِلتَّعْقِيبِ بَعْدَ صُدُورِ الطَّلْقَتَيْنِ ووُقُوعِها كِنايَةٌ عَنِ الرَّدِّ بَعْدَ الطَّلْقَةِ الثّانِيَةِ، وفاءُ التَّعْقِيبِ تَقْتَضِي التَّعْدِيَةَ، وأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ صَرِيحٌ في الطَّلْقَةِ الثّالِثَةِ؛ لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾، وما عُطِفَ عَلى المُتَعَقَّبِ بَعْدَ شَيْءٍ لَزِمَ فِيهِ أنْ يَكُونَ مُتَعَقِّبًا لِذَلِكَ الشَّيْءِ، فَجَعَلَ لَهُ حالَتَيْنِ بَعْدَ الطَّلْقَتَيْنِ: إمّا أنْ يُمْسِكَ بِمَعْرُوفٍ، وإمّا أنْ يُطَلِّقَ بِإحْسانٍ. إلّا أنَّ العَطْفَ بِأوْ يَنْبُو عَنْهُ الدَّلالَةُ عَلى هَذا المَعْنى؛ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أحَدِ الشَّيْئَيْنِ، ويَقْوى إذْ ذاكَ أنْ يَكُونَ التَّسْرِيحُ كِنايَةً عَنِ التَّخْلِيَةِ والتَّرْكِ؛ لِأنَّ المَعْنى يَكُونُ: الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَبَعْدَهُما أحَدُ أمْرَيْنِ: إمّا الإمْساكُ، وهو كِنايَةٌ عَنِ الرَّدِّ، وإمّا التَّسْرِيحُ، فَيَكُونُ كِنايَةً عَنِ التَّخْلِيَةِ، واسْتِمْرارِ التَّسْرِيحِ لا إنْشاءِ التَّسْرِيحِ، وإمّا أنْ تَدُلَّ عَلى إيقاعِ التَّسْرِيحِ بَعْدَ الإمْساكِ المُعَبَّرِ بِهِ عَنِ الرَّدِّ، فَإنْ قُدِّرَ شَرْطٌ مَحْذُوفٌ وجُعِلَ، فَإمْساكٌ جَوابًا لِذَلِكَ الشَّرْطِ، وجُعِلَ الإمْساكُ كِنايَةً عَنِ اسْتِمْرارِ الزَّوْجِيَّةِ؛ أمْكَنَ أنْ يُرادَ بِالتَّسْرِيحِ إنْشاءُ الطَّلاقِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: فَإنْ أوْقَعَ التَّطْلِيقَتَيْنِ ورَدَّ الزَّوْجَةَ ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾؛ لِأنَّ الرَّدَّ يَعْتَقِبُهُ أحَدُ هَذَيْنِ: إمّا الِاسْتِمْرارُ عَلى الزَّوْجِيَّةِ؛ فَيَكُونُ بِمَعْرُوفٍ، وإمّا الطَّلْقَةُ الثّالِثَةُ؛ ويَكُونُ بِإحْسانٍ. وقالَ في (المُنْتَخَبِ) ما مُلَخَّصٌ مِنهُ: الطَّلاقُ مَرَّتانِ، قالَ قَوْمٌ: هو مُبْتَدَأٌ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِما قَبْلَهُ، ومَعْناهُ أنَّ التَّطْلِيقَ الشَّرْعِيَّ يَجِبُ أنْ يَكُونَ تَطْلِيقَةً بَعْدَ تَطْلِيقَةٍ عَلى التَّفْرِيقِ دُونَ (p-١٩٥)الجَمْعِ دُفْعَةً واحِدَةً، وهَذا تَفْسِيرُ مَن قالَ: الجَمْعُ بَيْنَ الثَّلاثِ حَرامٌ، وهو مَذْهَبُ أُبَيٍّ، وجَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ. والألِفُ واللّامُ لِلِاسْتِغْراقِ، والتَّقْدِيرُ: كُلُّ الطَّلاقِ مَرَّتانِ، ومَرَّةٌ ثالِثَةٌ، وهَذا يُفِيدُ التَّفَرُّقَ؛ لِأنَّ المَرّاتِ لا تَكُونُ إلّا بَعْدَ تَفَرُّقِ الِاجْتِماعِ، ولَفْظُهُ خَبَرٌ، ومَعْناهُ الأمْرُ، والقائِلُونَ بِهَذا قالُوا: لَوْ طَلَّقَها ثَلاثًا أوِ اثْنَتَيْنِ، اخْتَلَفُوا، فَقالَ كَثِيرٌ مِن عُلَماءِ البَيْتِ: لا يَقَعُ إلّا الواحِدَةُ؛ لِأنَّ النَّهْيَ يَدُلُّ عَلى اشْتِمالِ المَنهِيِّ عَنْهُ عَلى مَفْسَدَةٍ راجِحَةٍ، والقَوْلُ بِالوُقُوعِ إدْخالٌ لِتِلْكَ المَفْسَدَةِ في الوُجُودِ، وإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يَقَعُ ما لَفَظَ بِهِ بِناءً عَلى أنَّ النَّهْيَ لا يَدُلُّ عَلى الفَسادِ. وقالَ قَوْمٌ: هو مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ، والمَعْنى: أنَّ الطَّلاقَ الرَّجْعِيَّ مَرَّتانِ، ولا رَجْعَةَ بَعْدَ الثَّلاثِ، وهَذا تَفْسِيرُ مَن جَوَّزَ الجَمْعَ بَيْنَ الثَّلاثِ، وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - وذَلِكَ أنَّ الآيَةَ قَبْلَها ذَكَرَ فِيها أنَّ حَقَّ المُراجَعَةِ ثابِتٌ لِلزَّوْجِ، ولَمْ يَذْكُرْ أنَّهُ ثابِتٌ دائِمًا أوْ إلى غايَةٍ مُعَيَّنَةٍ؛ فَكانَ ذَلِكَ كالمُجْمَلِ المُفْتَقِرِ إلى المُبَيِّنِ، أوْ كالعامِّ المُفْتَقِرِ إلى المُخَصِّصِ، فَبَيَّنَ ما ثَبَتَ فِيهِ الرَّجْعَةُ وهو أنْ يُوجَدَ طَلْقَتانِ، وأمّا الثّالِثَةُ فَلا تَثْبُتُ الرَّجْعَةُ؛ فالألِفُ واللّامُ في ”الطَّلاقِ“ لِلْمَعْهُودِ السّابِقِ، وهو الطَّلاقُ الَّذِي تَثْبُتُ فِيهِ الرَّجْعَةُ، ورَجَحَ هَذا القَوْلُ بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] إنْ كانَ عامًّا في كُلِّ الأحْوالِ احْتاجَ إلى مُخَصِّصٍ، أوْ مُجْمَلًا لِعَدَمِ بَيانِ شَرْطٍ تَثْبُتُ الرَّجْعَةُ عِنْدَهُ افْتَقَرَ إلى البَيانِ، فَجَعْلُها مُتَعَلِّقَةً بِما قَبْلَها مُحَصِّلٌ لِلْمُخَصِّصِ أوْ لِلْمُبَيِّنِ فَهو أوْلى مِن أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ البَيانَ عَنْ وقْتِ الخِطابِ - وإنْ كانَ جائِزًا تَأْخِيرُهُ - فالأرْجَحُ أنْ لا يَتَأخَّرَ، وبِأنَّ حَمْلَهُ عَلى ذَلِكَ يُدْخِلُ سَبَبَ النُّزُولِ فِيهِ، وحَمْلَهُ عَلى تَنْزِيلِ حُكْمٍ آخَرَ أجْنَبِيٍّ يُخْرِجُهُ عَنْهُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ السَّبَبُ خارِجًا عَنِ العُمُومِ. وقالَ في (المُنْتَخَبِ) أيْضًا ما مُلَخَّصٌ مِنهُ: مَعْنى التَّسْرِيحِ قَبْلَ وُقُوعِ الطَّلْقَةِ الثّالِثَةِ، وقَبْلَ تَرْكِ المُراجَعَةِ حَتّى تَبِينَ بِانْقِضاءِ العِدَّةِ، وهَذا هو الأقْرَبُ؛ لِأنَّ الفاءَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ طَلَّقَها﴾ [البقرة: ٢٣٠] تَقْتَضِي وُقُوعَ هَذِهِ الطَّلْقَةِ مُتَأخِّرَةً عَنْ ذَلِكَ التَّسْرِيحِ، فَلَوْ أُرِيدَ بِهِ الثّالِثَةُ لَكانَ ﴿فَإنْ طَلَّقَها﴾ [البقرة: ٢٣٠] طَلْقَةً رابِعَةً، وإنَّهُ لا يَجُوزُ؛ ولِأنَّ بَعْدَهُ ﴿ولا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا﴾، والمُرادُ بِهِ الخُلْعُ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا يَصِحُّ بَعْدَ الثَّلاثِ، فَإنْ صَحَّ تَفْسِيرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِلتَّسْرِيحِ هُنا أنَّها الثّالِثَةُ؛ فَلا مَزِيدَ عَلَيْهِ. انْتَهى ما قُصِدَ تَلْخِيصُهُ مِنَ المُنْتَخَبِ. ولا يَلْزَمُ بِما ذُكِرَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (فَإنْ طَلَّقَها رابِعَةً) كَما قالَ؛ لِأنَّهُ فَرَضَ التَّسْرِيحَ واقِعًا، ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ أحَدَ أمْرَيْنِ بَعْدَ أنْ يُطَلِّقَ مَرَّتَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَرُدَّ ويُمْسِكَ بِمَعْرُوفٍ، والآخَرُ: أنْ يُسَرِّحُ بَعْدَ الرَّدِّ بِإحْسانٍ، فالمَعْنى أنَّ الحُكْمَ أحَدُ أمْرَيْنِ، ثُمَّ قالَ: فَإنْ وقَعَ أحَدُ الأمْرَيْنِ، وهو الطَّلاقُ، فَحُكْمُهُ كَذا، فَلا يَلْزَمُ (p-١٩٦)أنْ يَكُونَ هَذا الواقِعُ مُغايِرًا لِأحَدِ الأمْرَيْنِ السّابِقَيْنِ، كَما تَقُولُ: الرَّأْيُ عِنْدِي أنْ تُقِيمَ أوْ تَرْحَلَ، فَإنْ رَحَلْتَ كانَ كَذا؛ فَلا يَدُلُّ قَوْلُهُ ”فَإنْ رَحَلْتَ“ عَلى أنَّهُ رَحِيلٌ غَيْرُ المُتَرَدَّدِ في حُصُولِهِ، ولا يَدُلُّ التَّرَدُّدُ في الحُكْمِ بَيْنَ الإقامَةِ والرَّحِيلِ عَلى وُقُوعِ الرَّحِيلِ؛ لِأنَّ المَحْكُومَ عَلَيْهِ أحَدُ الأمْرَيْنِ، ولا يَلْزَمُ أيْضًا ما ذُكِرَ مِن تَرَتُّبِ الخُلْعِ بَعْدَ الثَّلاثِ، وهو لا يَصِحُّ لِما ذَكَرْناهُ مِن أنَّ الحُكْمَ هو أحَدُ أمْرَيْنِ، فَلا يَدُلُّ عَلى وُقُوعِ الطَّلاقِ الثّالِثِ، بَلْ ذَكَرَ الخُلْعَ قَبْلَ ذِكْرِ وُقُوعِ الطَّلاقِ الثّالِثِ لِأنَّهُ بَعْدَهُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ طَلَّقَها﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وأيْضًا لَوْ سَلَّمْنا وُقُوعَ الطَّلاقِ الثّالِثِ قَبْلَ وُقُوعِهِ ﴿ولا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا﴾، لَمْ يَلْزَمْ أنْ يَكُونَ الخُلْعُ بَعْدَ الطَّلاقِ الثّالِثِ؛ لِأنَّ الآيَةَ جاءَتْ لِتَبْيِينِ حُكْمِ الخُلْعِ، وإنْشاءِ الكَلامِ فِيهِ. وكَوْنُها سِيقَتْ لِهَذا المَعْنى بَعْدَ ذِكْرِ الطَّلاقِ الثّالِثِ في التِّلاوَةِ لا يَدُلُّ عَلى التَّرْتِيبِ في الوُجُودِ؛ فَلا يَلْزَمُ ما ذُكِرَ إلّا لَوْ صَرَّحَ بِقَيْدٍ يَقْتَضِي تَأخُّرَ الخُلْعِ في الوُجُودِ عَنْ وُجُودِ الطَّلاقِ الثّالِثِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، فَلا يَلْزَمُ ما ذَكَرَهُ. وارْتِفاعُ قَوْلِهِ: ﴿فَإمْساكٌ﴾ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ قَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ مُتَأخِّرًا تَقْدِيرُهُ: أمْثَلُ وأحْسَنُ، وقَدَّرَهُ غَيْرُهُ مُتَقَدِّمًا، أيْ: فَعَلَيْكم إمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ، وجَوَّزَ فِيهِ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، التَّقْدِيرُ: فالواجِبُ إمْساكٌ، و”بِمَعْرُوفٍ“ و”بِإحْسانٍ“ يَتَعَلَّقُ كُلٌّ مِنهُما بِما يَلِيهِ مِنَ المَصْدَرِ، و”الباءُ“ لِلْإلْصاقِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ المَجْرُورُ صِفَةً لِما قَبْلَهُ؛ فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، وقالُوا: يَجُوزُ في العَرَبِيَّةِ، ولَمْ يُقْرَأْ بِهِ نَصْبُ إمْساكٍ أوْ تَسْرِيحٌ عَلى المَصْدَرِ، أيْ: فَأمْسِكُوهُنَّ إمْساكًا بِمَعْرُوفٍ، أوْ سَرِّحُوهُنَّ تَسْرِيحًا بِإحْسانٍ. ﴿ولا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ الآيَةَ. سَبَبُ النُّزُولِ «أنَّ جَمِيلَةَ بِنْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ كانَتْ تَحْتَ ثابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ، وكانَتْ تُبْغِضُهُ وهو يُحِبُّها، فَشَكَتْهُ إلى أبِيها فَلَمْ يَشْكُها، ثُمَّ شَكَتْهُ إلَيْهِ ثانِيَةً وثالِثَةً وبِها أثَرُ ضَرْبٍ فَلَمْ يَشْكُها، فَأتَتِ النَّبِيَّ ﷺ وشَكَتْهُ إلَيْهِ وأرَتْهُ أثَرَ الضَّرْبِ، وقالَتْ: لا أنا ولا ثابِتٌ لا يَجْمَعُ رَأْسِي ورَأْسَهُ شَيْءٌ، واللَّهِ لا أعْتِبُ عَلَيْهِ في دِينٍ ولا خُلُقٍ، لَكِنِّي أكْرَهُ الكُفْرَ في الإسْلامِ ما أُطِيقُهُ بُغْضًا، إنِّي رَفَعْتُ جانِبَ الخِيامِ فَرَأيْتُهُ أقْبَلَ في عِدَّةٍ وهو أشَدُّهم سَوادًا، وأقْصَرُهم قامَةً، وأقْبَحُهم وجْهًا. فَقالَ ثابِتٌ: ما لِي أحَبُّ إلَيَّ مِنها بَعْدَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، وقَدْ أعْطَيْتُها حَدِيقَةً تَرُدُّها عَلَيَّ، وأنا أُخَلِّي سَبِيلَها، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ فَخَلّى سَبِيلَها، وكانَ أوَّلَ خُلْعٍ في الإسْلامِ، ونَزَلَتِ الآيَةُ» . ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ تَعالى الإمْساكَ بِمَعْرُوفٍ أوِ التَّسْرِيحَ بِإحْسانٍ، اقْتَضى ذَلِكَ أنَّ مِنَ الإحْسانِ أنْ يَأْخُذَ الزَّوْجُ مِنَ امْرَأتِهِ شَيْئًا مِمّا أعْطى، واسْتَثْنى مِن هَذِهِ الحالَةِ قِصَّةَ الخُلْعِ، فَأباحَ لِلرَّجُلِ أنْ يَأْخُذَ مِنها عَلى ما سَنُبَيِّنُهُ في الآيَةِ، وكَما قالَهُ اللَّهُ تَعالى: ﴿وآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] الآيَةَ، والخِطابُ في ”لَكم“ وما بَعْدَهُ ظاهِرُهُ أنَّهُ لِلْأزْواجِ؛ لِأنَّ الأخْذَ والإيتاءَ مِنَ الأزْواجِ حَقِيقَةٌ، فَنُهُوا أنْ يَأْخُذُوا شَيْئًا؛ لِأنَّ العادَةَ جَرَتْ بِشُحِّ النَّفْسِ وطَلَبِها ما أعْطَتْ عِنْدَ الشِّقاقِ والفِراقِ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلْأئِمَّةِ والحُكّامِ؛ لِيَلْتَئِمَ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ﴾؛ لِأنَّهُ خِطابٌ لَهم لا لِلْأزْواجِ، ونَسَبَ الأخْذَ والإيتاءَ إلَيْهِمْ عِنْدَ التَّرافُعِ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يُمْضُونَ ذَلِكَ. ومَن قالَ إنَّهُ لِلْأزْواجِ أجابَ بِأنَّ الخِطابَ قَدْ يَخْتَلِفُ في الجُمْلَتَيْنِ، فَيُفْرَدُ كُلُّ خِطابٍ إلى مَن يَلِيقُ بِهِ ذَلِكَ الحُكْمُ، ولا يُسْتَنْكَرُ مِثْلُ هَذا، ويَكُونُ حَمْلُ الشَّيْءِ عَلى الحَقِيقَةِ إذْ ذاكَ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى المَجازِ، و﴿مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ ظاهِرٌ في عُمُومِ ما آتَوْا عَلى سَبِيلِ الصَّداقِ أوْ غَيْرِهِ مِن هِبَةٍ، وقَدْ فَسَّرَهُ بَعْضُهم بِالصَّدَقاتِ، واللَّفْظُ عامٌّ، و﴿شَيْئًا﴾ إشارَةٌ إلى خَطَرِ الأخْذِ مِنهُنَّ، قَلِيلًا كانَ أوْ كَثِيرًا، و﴿شَيْئًا﴾ نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّهْيِ فَتَعُمُّ، و”مِمّا“ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ ﴿تَأْخُذُوا﴾ أوْ بِمَحْذُوفٍ؛ فَيَكُونُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن قَوْلِهِ ﴿شَيْئًا﴾؛ لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ نَعْتًا لَهُ. ﴿إلّا أنْ يَخافا ألّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾، الألِفُ واللّامُ في يَخافا ويُقِيما عائِدٌ عَلى صِنْفَيِ الزَّوْجَيْنِ، وهو مِن بابِ الِالتِفاتِ؛ لِأنَّهُ إذا (p-١٩٧)اجْتَمَعَ مُخاطَبٌ وغائِبٌ، وأُسْنِدَ إلَيْهِما حُكْمٌ كانَ التَّغْلِيبُ لِلْمُخاطَبِ، فَتَقُولُ: أنْتَ وزَيْدٌ تَخْرُجانِ، ولا يَجُوزُ يَخْرُجانِ، وكَذَلِكَ مَعَ التَّكَلُّمِ نَحْوَ: أنا وزَيْدٌ نَخْرُجُ، ولَمّا كانَ الِاسْتِثْناءُ بَعْدَ مُضِيِّ الجُمْلَةِ لِلْخِطابِ جازَ الِالتِفاتُ، ولَوْ جَرى عَلى النَّسَقِ الأوَّلِ لَكانَ: إلّا أنْ تَخافُوا أنْ لا تُقِيمُوا، ويَكُونُ الضَّمِيرُ إذْ ذاكَ عائِدًا عَلى المُخاطَبِينَ وعَلى أزْواجِهِمْ، والمَعْنى: إلّا أنْ يَخافا - أيْ صِنْفا الزَّوْجَيْنِ - تَرْكَ إقامَةِ حُدُودِ اللَّهِ فِيما يَلْزَمُهُما مِن حُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ، بِما يَحْدُثُ مِن بُغْضِ المَرْأةِ لِزَوْجِها، حَتّى تَكُونَ شِدَّةُ البُغْضِ سَبَبًا لِمُواقَعَةِ الكُفْرِ، كَما في قِصَّةِ جَمِيلَةَ مَعَ زَوْجِها ثابِتٍ، و﴿أنْ يَخافا﴾، قِيلَ: في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، التَّقْدِيرُ: إلّا خائِفِينَ، فَيَكُونُ اسْتِثْناءً مِنَ الأحْوالِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَلا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا في كُلِّ حالٍ إلّا في حالِ الخَوْفِ أنْ لا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ، وذَلِكَ أنَّ: أنْ مَعَ الفِعْلِ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ، والمَصْدَرُ في مَوْضِعِ اسْمِ الفاعِلِ، فَهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، وهَذا في إجازَتِهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ وُقُوعَ المَصْدَرِ حالًا لا يَنْقاسُ، فَأحْرى ما وقَعَ مَوْقِعُهُ، وهو ”أنْ والفِعْلُ“، ويَكْثُرُ المَجازُ؛ فَإنَّ الحالَ إذْ ذاكَ يَكُونُ ”أنْ والفِعْلَ“ الواقِعانِ مَوْقِعَ المَصْدَرِ الواقِعِ مَوْقِعَ اسْمِ الفاعِلِ. وقَدْ مَنَعَ سِيبَوَيْهِ وُقُوعَ ”أنْ والفِعْلِ“ حالًا، نَصَّ عَلى ذَلِكَ في آخِرِ: هَذا بابُ ما يُخْتارُ فِيهِ الرَّفْعُ ويَكُونُ فِيهِ الوَجْهُ في جَمِيعِ اللُّغاتِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِنَ المَفْعُولِ لَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ولا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ، إلّا بِسَبَبِ خَوْفِ عَدَمِ إقامَةِ حُدُودِ اللَّهِ؛ فَذَلِكَ هو المُبِيحُ لَكُمُ الأخْذَ، ويَكُونُ حَرْفُ العِلَّةِ قَدْ حُذِفَ مَعَ ”أنْ“، وهو جائِزٌ فَصِيحًا كَثِيرًا، ولا يَجِيءُ هُنا - خِلافَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ - أنَّهُ إذا حُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ مِن ”أنْ“ هَلْ ذَلِكَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ أوْ في مَوْضِعِ جَرٍّ ؟ بَلْ هَذا في مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ لِأنَّهُ مُقَدَّرٌ بِالمَصْدَرِ، والمَصْدَرُ لَوْ صُرِّحَ بِهِ كانَ مَنصُوبًا، واصِلًا إلَيْهِ العامِلُ بِنَفْسِهِ، فَكَذَلِكَ هَذا المُقَدَّرُ بِهِ، وهَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ مِن أنَّ ”أنْ والفِعْلَ“ إذا كانا في مَوْضِعِ المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ؛ فالمَوْضِعُ نَصْبٌ لا غَيْرَ، مَنصُوصٌ عَلَيْهِ مِنَ النَّحْوِيِّينَ، ووَجْهُهُ ظاهِرٌ. ومَعْنى الخَوْفِ هُنا الإيقانُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. أوِ العِلْمُ، أيْ: إلّا أنْ يَعْلَما، قالَهُ ابْنُ سَلَمَةَ، وإيّاهُ أرادَ أبُو مِحْجَنٍ بِقَوْلِهِ: ؎أخافُ إذا ما مِتُّ أنْ لا أذُوقُها ولِذَلِكَ رَفَعَ الفِعْلَ بَعْدَ ”أنْ“، أوِ ”الظَّنُّ“، قالَهُ الفَرّاءُ. وكَذَلِكَ قَرَأ أُبَيٌّ: ”إلّا أنْ يَظُنّا“، وأنْشَدَ: ؎أتانِي كَلامُ مَن نُصِيبُ بِقَوْلِهِ ∗∗∗ وما خِفْتُ يا سَلّامَ أنَّكَ عايِبِي والأوْلى بَقاءُ الخَوْفِ عَلى بابِهِ، وهو أنْ يُرادَ بِهِ الحَذَرُ مِنَ الشَّيْءِ، فَيَكُونُ المَعْنى: إلّا أنْ يَعْلَمَ، أوْ يَظُنَّ، أوْ يُوقِنَ، أوْ يَحْذَرَ، كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِنَفْسِهِ، أنْ لا يُقِيمَ حُقُوقَ الزَّوْجِيَّةِ لِصاحِبِهِ حَسْبَما يَجِبُ، فَيَجُوزُ الأخْذُ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: ”إلّا أنْ يَخافُوا أنْ لا يُقِيمُوا حُقُوقَ“، أيْ إلّا أنْ يَخافَ الأزْواجُ والزَّوْجاتُ، وهو مِن بابِ الِالتِفاتِ؛ إذْ لَوْ جَرى عَلَيْهِ النَّسَقُ الأوَّلُ لَكانَ بِالتّاءِ، ورُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أنَّهُ قَرَأ أيْضًا: (إلّا أنْ تَخافُوا) بِالتّاءِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، ويَعْقُوبُ، ويَزِيدُ بْنُ القَوْقاعِ: ”إلّا أنْ يُخافُوا“ بِضَمِّ الياءِ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والفاعِلُ المَحْذُوفُ: الوُلاةُ. و(أنْ لا يُقِيما): في مَوْضِعِ رَفْعٍ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ، أيْ: إلّا أنْ يُخافَ عَدَمُ إقامَتِهِما حُدُودَ اللَّهِ، وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ، كَما تَقُولُ: الزَّيْدانُ أعْجَبانِي حُسْنُهُما، والأصْلُ: (إلّا أنْ يَخافُوا) أنَّها الوُلاةُ، عَدَمَ إقامَتِهِما حُدُودَ اللَّهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: في قِراءَةٍ يُخافا بِالضَّمِّ، أنَّها تَعَدَّتْ خافَ إلى مَفْعُولَيْنِ: أحَدُهُما أُسْنِدَ الفِعْلُ إلَيْهِ، والآخَرُ بِتَقْدِيرِ حَرْفِ جَرٍّ بِمَحْذُوفٍ، فَمَوْضِعُ أنْ خَفْضُ الجارِّ المُقَدَّرِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، والكِسائِيِّ. ونُصِبَ عِنْدَ غَيْرِهِما لِأنَّهُ لَمّا حُذِفَ الجارُّ المُقَدَّرُ وصَلَ الفِعْلُ إلى المَفْعُولِ الثّانِي، مِثْلَ: أسْتَغْفِرُ اللَّهَ ذَنْبًا، وأمَرْتُكَ الخَيْرَ. انْتَهى كَلامُهُ. وهو نَصُّ كَلامِ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ، نَقَلَهُ مِن كِتابِهِ، إلّا التَّنْظِيرَ بِأسْتَغْفِرُ، ولَيْسَ بِصَحِيحٍ تَنْظِيرُ ابْنِ عَطِيَّةَ خافَ بِأسْتَغْفِرُ؛ لِأنَّ خافَ لا يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، كَأسْتَغْفِرُ اللَّهَ، ولَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ (p-١٩٨)النَّحْوِيُّونَ حِينَ عَدُّوا ما يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ وأصْلُ أحَدِهِما بِحَرْفِ الجَرِّ، بَلْ إذا جاءَ: خِفْتُ زَيْدًا ضَرْبَهُ عَمْرًا، كانَ ذَلِكَ بَدَلًا؛ إذْ مِن ضَرْبِهِ عَمْرًا كانَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ، ولا يُفْهَمُ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ، وقَدْ وهِمَ ابْنُ عَطِيَّةَ في نِسْبَةِ أنَّ المَوْضِعَ خَفْضٌ في مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، والَّذِي نَقَلَهُ أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ أنَّ مَذْهَبَ سِيبَوَيْهِ أنَّ المَوْضِعَ بَعْدَ الحَذْفِ نَصْبٌ، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ، وأنَّ مَذْهَبَ الخَلِيلِ أنَّهُ جَرٌّ، وبِهِ قالَ الكِسائِيُّ. وقَدَّرَ غَيْرُ ابْنِ عَطِيَّةَ ذَلِكَ الحَرْفَ المَحْذُوفَ ”عَلى“، فَقالَ: والتَّقْدِيرُ إلّا أنْ يَخافا عَلى أنْ يُقِيما، فَعَلى هَذا يُمْكِنُ أنْ يَصِحَّ قَوْلُ عَلِيٍّ وفِيهِ بُعْدٌ. وقَدْ طَعَنَ في هَذِهِ القِراءَةِ مَن لا يُحْسِنُ تَوْجِيهَ كَلامِ العَرَبِ، وهي قِراءَةٌ صَحِيحَةٌ مُسْتَقِيمَةٌ في اللَّفْظِ وفي المَعْنى، ويُؤَيِّدُها قَوْلُهُ بَعْدُ: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ﴾؛ فَدَلَّ عَلى أنَّ الخَوْفَ المُتَوَقَّعَ هو مِن غَيْرِ الأزْواجِ، وقَدِ اخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ. قالَ أبُو جَعْفَرٍ الصَّفّارُ: ما عَلِمْتُ في اخْتِيارِ حَمْزَةَ أبْعَدَ مِن هَذا الحَرْفِ؛ لِأنَّهُ لا يُوجِبُهُ الإعْرابُ ولا اللَّفْظُ ولا المَعْنى، أمّا الإعْرابُ: فَإنْ يَحْتَجَّ لَهُ بِقِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: ”إلّا أنْ يُخافُوا أنْ لا يُقِيمُوا“، فَهو في العَرَبِيَّةِ؛ إذْ ذاكَ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ لَوْ قِيلَ: إلّا أنْ يُخافا أنْ لا يُقِيما. وقَدِ احْتَجَّ الفَرّاءُ لِحَمْزَةَ، وقالَ: إنَّهُ اعْتَبَرَ قِراءَةَ عَبْدِ اللَّهِ: ”إلّا أنْ يُخافُوا“، وخَطَّأهُ أبُو عَلِيٍّ، وقالَ: لَمْ يُصِبْ؛ لِأنَّ الخَوْفَ في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ واقِعٌ عَلى ”أنْ“، وفي قِراءَةِ حَمْزَةَ واقِعٌ عَلى الرَّجُلِ والمَرْأةِ، وأمّا اللَّفْظُ؛ فَإنْ كانَ صَحِيحًا فالواجِبُ أنْ يُقالَ: فَإنْ خِيفا، وإنْ كانَ عَلى لَفْظِ ”فَإنْ“ وجَبَ أنْ يُقالَ: إلّا أنْ يَخافُوا. وأمّا المَعْنى: فَإنَّهُ يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إلّا أنْ يَخافَ غَيْرُكم، ولَمْ يَقُلْ جَلَّ وعَزَّ: فَلا جُناحَ عَلَيْكم أنْ تَأْخُذُوا لَهُ مِنها فِدْيَةً؛ فَيَكُونُ الخُلْعُ إلى السُّلْطانِ، وقَدْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ وعُثْمانَ أنَّهُما أجازا الخُلْعَ بِغَيْرِ سُلْطانٍ. انْتَهى كَلامُ الصَّفّارِ. وما ذَكَرَهُ لا يَلْزَمُ، وتَوْجِيهُ قِراءَةِ الضَّمِّ ظاهِرٌ؛ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿ولا يَحِلُّ لَكُمْ﴾ وجَبَ عَلى الحُكّامِ مَنعَ مَن أرادَ أنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ، ثُمَّ قالَ: ﴿إلّا أنْ يَخافا﴾، الضَّمِيرُ لِلزَّوْجَيْنِ، والخائِفُ مَحْذُوفٌ، وهُمُ: الوُلاةُ والحُكّامُ، والتَّقْدِيرُ: إلّا حِينَ يَخافُ الأوْلِياءُ الزَّوْجَيْنِ أنْ لا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ، فَيَجُوزُ الِافْتِداءُ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الخَوْفِ هُنا. وأمّا قَوْلُهُ: فَوَجَبَ أنْ يُقالَ: فَإنْ خِيفا فَلا يَلْزَمُ؛ لِأنَّ هَذا مِن بابِ الِالتِفاتِ، وهو في القُرْآنِ كَثِيرٌ، وهو مِن مَحاسِنِ العَرَبِيَّةِ، ويَلْزَمُ مِن فَتْحِ الياءِ أيْضًا عَلى قَوْلِ الصَّفّارِ أنْ يُقْرَأ: (فَإنْ خافا)، وإنَّما هو في القِراءَتَيْنِ عَلى الِالتِفاتِ، وأمّا تَخْطِئَةُ الفَرّاءِ فَلَيْسَتْ صَحِيحَةً؛ لِأنَّ قِراءَةَ عَبْدِ اللَّهِ: (إلّا أنْ يُخافُوا) دَلالَةٌ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: إلّا أنْ يَخافُوهُما أنْ لا يُقِيما، والخَوْفُ واقِعٌ في قِراءَةِ حَمْزَةَ عَلى ”أنْ“؛ لِأنَّها في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى البَدَلِ مِن ضَمِيرِهِما، وهو بَدَلُ الِاشْتِمالِ كَما قَرَّرْناهُ قَبْلُ، فَلَيْسَ عَلى ما تَخَيَّلَهُ أبُو عَلِيٍّ، وذَلِكَ كَما تَقُولُ: خِيفَ زَيْدٌ شَرُّهُ. وأمّا قَوْلُهُ: يَبْعُدُ مِن جِهَةِ المَعْنى، فَقَدْ تَقَدَّمَ الجَوابُ عَنْهُ، وهو أنَّ لَهُما المَنعَ مِن ذَلِكَ، فَمَتى ظَنُّوا أوْ أيْقَنُوا تَرْكَ إقامَةِ حُدُودِ اللَّهِ؛ فَلَيْسَ لَهُمُ المَنعُ مِن ذَلِكَ، وقَدِ اخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ قِراءَةَ الضَّمِّ لِقَوْلِهِ تَعالى: ”فَإنْ خِفْتُمْ“؛ فَجَعَلَ الخَوْفَ لِغَيْرِ الزَّوْجَيْنِ، ولَوْ أرادَ الزَّوْجَيْنِ لَقالَ: فَإنْ خافا. وقَدْ قِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا يَحِلُّ لَكُمْ﴾ إلى آخِرِهِ، جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾، وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] . ﴿فَإنْ خِفْتُمْ﴾: الضَّمِيرُ لِلْأوْلِياءِ أوِ السُّلْطانِ، فَإنْ لَمْ يَكُونُوا (p-١٩٩)فَلِصُلَحاءِ المُسْلِمِينَ، وقِيلَ: عائِدٌ عَلى المَجْمُوعِ مَن قامَ بِهِ أجْزَأ. ﴿ألّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾، وتَرْكُ إقامَةِ الحُدُودِ هو ظُهُورُ النُّشُوزِ وسُوءُ الخُلُقِ مِنها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومالِكٌ، وجُمْهُورُ الفُقَهاءِ. أوْ عَدَمُ طَواعِيَةِ أمْرِهِ وإبْرارِ قَسَمِهِ، قالَهُ الحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ. وإظْهارُ حالِ الكَراهَةِ لَهُ بِلِسانِها، قالَهُ عَطاءٌ. وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ الثَّلاثَةِ قِيلَ: تَكُونُ التَّثْنِيَةُ أُرِيدَ بِها الواحِدُ، أوْ كَراهَةُ كُلٍّ مِنهُما صاحِبَهُ، فَلا يُقِيمُ ما أوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِن حَقِّ صاحِبِهِ، قالَهُ طاوُسٌ، وابْنُ المُسَيَّبِ. وعَلى هَذا القَوْلِ التَّثْنِيَةُ عَلى بابِها. ورُوِيَ أنَّ امْرَأةً نَشَزَتْ عَلى عَهْدِ عُمَرَ، فَبَيَّتَها في اصْطَبْلٍ في بَيْتِ الزِّبْلِ ثَلاثَ لَيالٍ، ثُمَّ دَعاها، فَقالَ: كَيْفَ رَأيْتِ مَكانَكِ ؟ فَقالَتْ: ما رَأيْتُ لَيالِيَ أقَرَّ لِعَيْنِي مِنها، وما وجَدْتُ الرّاحَةَ مُذْ كُنْتُ عِنْدَهُ إلّا هَذِهِ اللَّيالِي. فَقالَ عُمَرُ: هَذا وأبِيكُمُ النُّشُوزُ، وقالَ لِزَوْجِها اخْلَعْها ولَوْ مِن قُرْطِها، اخْتَلِعْها بِما دُونَ عِقاصِ رَأْسِها، فَلا خَيْرَ لَكَ فِيها. ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَتْ بِهِ﴾، هَذا جَوابُ الشَّرْطِ، قالُوا: وهو يَقْتَضِي مَفْهُومُهُ أنَّ الخُلْعَ لا يَجُوزُ إلّا بِحُضُورِ مَن لَهُ الحُكْمُ مِن سُلْطانٍ أوْ ولِيٍّ، وخَوْفُهُ تَرْكَ إقامَةِ حُدُودِ اللَّهِ، وما قالُوهُ مِنَ اقْتِضاءِ المَفْهُومِ، وُجُودَ الخَوْفِ صَحِيحٌ، أمّا الحُضُورُ فَلا. وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿ولا يَحِلُّ لَكُمْ﴾ - إذا كانَ خِطابًا لِلْأزْواجِ - أنَّهُ لا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ، وخَصَّ الحَسَنُ الخُلْعَ بِحُضُورِ السُّلْطانِ، والضَّمِيرُ في ”عَلَيْهِما“ عائِدٌ عَلى الزَّوْجَيْنِ مَعًا، أيْ: لا جُناحَ عَلى الزَّوْجِ فِيما أخَذَهُ، ولا عَلى الزَّوْجَةِ فِيما افْتَدَتْ بِهِ. وقالَ الفَرّاءُ: ”عَلَيْهِما“، أيْ: عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما﴾ [الرحمن: ٢٢]، أيِ: المالِحُ، و﴿نَسِيا حُوتَهُما﴾ [الكهف: ٦١]، والنّاسِي يُوشَعُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎فَإنْ تَزْجُرانِي يا ابْنَ عَفّانَ أنْزَجِرْ ∗∗∗ وإنْ تَدَعانِي أحْمِ عِرْضًا مُمَنَّعا وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿فِيما افْتَدَتْ بِهِ﴾ العُمُومُ بِصَداقِها، وبِأكْثَرَ مِنهُ، وبِكُلِّ ما لَها، قالَهُ عُمَرُ، وعُثْمانُ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والنَّخَعِيُّ، والحَسَنُ، وقَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ، ومالِكٌ، وأبُو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ، وأبُو ثَوْرٍ، وقَضى بِذَلِكَ عُمَرُ. وقِيلَ: فِيما افْتَدَتْ بِهِ مِنَ الصَّداقِ وحْدَهُ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ مِنهُ، قالَهُ عَلِيٌّ، وطاوُسٌ، وعَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، وعَطاءٌ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ المُسَيَّبِ، والشَّعْبِيُّ، والحَسَنُ، والحَكَمُ، وحَمّادٌ، وأحْمَدُ، وإسْحاقُ، وابْنُ الرَّبِيعِ، وكانَ يَقْرَأُ هو والحَسَنُ: ”فِيما افْتَدَتْ بِهِ مِنهُ“، بِزِيادَةِ ”مِنهُ“، يَعْنِي: مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ، وهو المَهْرُ، وحَكى مَكِّيٌّ هَذا القَوْلَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ. وقِيلَ: بِبَعْضِ صَداقِها، ولا يَجُوزُ بِجَمِيعِهِ إذا دَخَلَ بِها؛ حَتّى يَبْقى مِنهُ بَقِيَّةٌ لِيَكُونَ بَدَلًا عَنِ اسْتِمْتاعِهِ بِها. وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ ألّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾، تَشْرِيكُهُما في تَرْكِ إقامَةِ الحُدُودِ، وأنَّ جَوازَ الأخْذِ مَنُوطٌ بِوُجُودِ ذَلِكَ مِنهُما مَعًا. وقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلى الزَّوْجِ أنْ يَأْخُذَ إلّا بَعْدَ الخَوْفِ أنْ لا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ، وأكَّدَ التَّحْرِيمَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَعْتَدُوها﴾، ثُمَّ تَوَعَّدَ عَلى الِاعْتِداءِ، وأجْمَعَ عامَّةُ أهْلِ العِلْمِ عَلى تَحْرِيمِ أخْذِ مالِها، إلّا أنْ يَكُونَ النُّشُوزُ وفَسادُ العِشْرَةِ مِن قِبَلِها، قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: رُوِّينا مَعْنى ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والشَّعْبِيِّ، ومُجاهِدٍ، وعَطاءٍ، والنَّخَعِيِّ، وابْنِ سِيرِينَ، والقاسِمِ، وعُرْوَةَ، وحُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وقَتادَةَ، والثَّوْرِيِّ، ومالِكٍ، وإسْحاقَ، وأبِي ثَوْرٍ. وقالَ مالِكٌ، والشَّعْبِيُّ، وغَيْرُهُما: إنْ كانَ مَعَ فَسادِ الزَّوْجَةِ ونُشُوزِها فَسادٌ مِنَ الزَّوْجِ، وتَفاقَمَ ما بَيْنَهُما؛ فالفِدْيَةُ جائِزَةٌ لِلزَّوْجِ. قالَ أبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَطِيَّةَ: ومَعْنى ذَلِكَ أنْ يَكُونَ الزَّوْجُ، لَوْ تَرَكَ فَسادَهُ لَمْ يَزَلْ نُشُوزُها هي، وأمّا إنِ انْفَرَدَ الزَّوْجُ بِالفَسادِ؛ فَلا أعْلَمُ أحَدًا يُجِيزُ لَهُ الفِدْيَةَ إلّا ما رُوِيَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ قالَ: إذا جاءَ الظُّلْمُ والنُّشُوزُ مِن قِبَلِهِ، فَخالَعَتْهُ، فَهو جائِزٌ ماضٍ، وهو آثِمٌ لا يَحِلُّ ما صَنَعَ، ولا يَرُدُّ ما أخَذَ، وبِهِ قالَ أصْحابُهُ: أبُو يُوسُفَ، ومُحَمَّدٌ، وزُفَرُ. وقالَ مالِكٌ: يَمْضِي الطَّلاقُ إذْ ذاكَ، ويَرُدُّ عَلَيْها مالَها. وقالَ الأوْزاعِيُّ في مَن خالَعَ امْرَأتَهُ وهي مَرِيضَةٌ: إنْ كانَتْ ناشِزَةً كانَ في ثُلُثِها، أوْ غَيْرَ ناشِزَةٍ رَدَّ عَلَيْها، ولَهُ عَلَيْها الرَّجْعَةُ، قالَ: ولَوِ اجْتَمَعا عَلى فَسْخِ النِّكاحِ قَبْلَ البِناءِ مِنها، ولَمْ يَبِنْ مِنها نُشُوزٌ؛ لَمْ أرَ بِذَلِكَ بَأْسًا. وقالَ الحَسَنُ بْنُ صالِحٍ، وعُثْمانُ البَتِّيُّ: إنْ كانَتِ (p-٢٠٠)الإساءَةُ مِن قِبَلِهِ فَلَيْسَ لَهُ أنْ يَخْلَعَها، أوْ مِن قِبَلِها فَلَهُ ذَلِكَ عَلى ما تَراضَيا عَلَيْهِ. وظاهِرُ الآيَةِ أنَّهُ إذا لَمْ يَقَعِ الخَوْفُ فَلا يَجُوزُ لَها أنْ تُعْطِيَ عَلى الفِراقِ. وشَذَّ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ المُزَنِيُّ، فَقالَ: لا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أنْ يَأْخُذَ مِن زَوْجَتِهِ شَيْئًا خُلْعًا، لا قَلِيلًا ولا كَثِيرًا، قالَ: وهَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ أرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ﴾ [النساء: ٢٠] الآيَةَ، وضَعُفَ قَوْلُهُ بِإجْماعِ الأُمَّةِ عَلى إجازَةِ الفِدْيَةِ، وبِأنَّ المَعْنى المُقْتَرِنَ بِآيَةِ الفِدْيَةِ غَيْرُ المَعْنى الَّذِي في آيَةِ إرادَةِ الِاسْتِبْدالِ. واخْتَلَفُوا: هَلْ يَنْدَرِجُ تَحْتَ عُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿فِيما افْتَدَتْ بِهِ﴾ الضَّرَرُ والمَجْهُولُ، كالتَّمْرِ الَّذِي لَمْ يَبْدُ صَلاحُهُ، والجَمَلِ الشّارِدِ، والعَبْدِ الآبِقِ، والجَنِينِ في البَطْنِ، وما يُثْمِرُهُ نَخْلُها، وما تَلِدُهُ غَنَمُها، وإرْضاعِ ولَدِها مِنهُ ؟ وكُلُّ هَذا وما فَرَّعُوا عَلَيْهِ مَذْكُورٌ في كُتُبِ الفِقْهِ. قالُوا: وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿فِيما افْتَدَتْ بِهِ﴾ أنَّ الخُلْعَ فَسْخٌ إذا لَمْ يَنْوِ بِهِ الطَّلاقَ؛ لِقَوْلِهِ بَعْدُ: ﴿فَإنْ طَلَّقَها﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وأجْمَعُوا عَلى أنَّ هَذِهِ هي الثّالِثَةُ، فَلَوْ كانَ الخُلْعُ قَبْلَها طَلاقًا لَكانَتْ رابِعَةً، وهو خِلافُ الإجْماعِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وطاوُسٌ، وعِكْرِمَةُ، وأحْمَدُ، وإسْحاقُ، وأبُو ثَوْرٍ. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وعُثْمانَ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وجَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ: أنَّهُ طَلاقٌ، وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ: مالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ، والشّافِعِيُّ. ولا يَدُلُّ ظاهِرُها عَلى أنَّ الخُلْعَ فَسْخٌ كَما ذَكَرُوا؛ لِأنَّ الآيَةَ إنَّما جِيءَ بِها لِبَيانِ أحْكامِ الخُلْعِ، مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لَهُ، أهُوَ فَسْخٌ أمْ طَلاقٌ ؟ فَلَوْ نَوى تَطْلِيقَتَيْنِ أوْ ثَلاثًا، فَقالَ مالِكٌ: هو ما نَوى. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: إنْ نَوى ثَلاثًا فَثَلاثًا، أوِ اثْنَتَيْنِ فَواحِدَةٌ بائِنَةٌ. * * ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها﴾، إشارَةٌ إلى الآياتِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ﴾ [البقرة: ٢٢١] إلى هُنا، وإبْرازُ الحُدُودِ بِالِاسْمِ الظّاهِرِ لا بِالضَّمِيرِ؛ دَلِيلٌ عَلى التَّعْظِيمِ لِحُدُودِ اللَّهِ تَعالى، وفي تَكْرارِ الإضافَةِ تَخْصِيصٌ لَها وتَشْرِيفٌ، ويَحْسُنُ التَّكْرارُ بِالظّاهِرِ كَوْنَ ذَلِكَ في جُمَلٍ مُخْتَلِفَةٍ. و”تِلْكَ“: مُبْتَدَأٌ، و(حُدُودُ اللَّهِ): الخَبَرُ. ومَعْنى ﴿فَلا تَعْتَدُوها﴾ أيْ: لا تُجاوِزُوها إلى ما لَمْ يَأْمُرْكم بِهِ. ﴿ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾، لَمّا نَهى عَنِ اعْتِداءِ الحُدُودِ، وهو تَجاوُزُها، وكانَ ذَلِكَ خِطابًا لِمَن سَبَقَ لَهُ الخِطابُ قَبْلَ ذَلِكَ؛ أتى بِهَذِهِ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ العامَّةِ الشّامِلَةِ لِكُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِمَّنْ يَتَعَدّى الحُدُودَ، وحَكَمَ عَلَيْهِمْ أنَّهُمُ الظّالِمُونَ، والظُّلْمُ وهو وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ؛ فَشَمِلَ بِذَلِكَ المُخاطَبِينَ، قِيلَ: وغَيْرَهم. و”مَن“ شَرْطِيَّةٌ، والفاءُ في ”فَأُولَئِكَ“ جَوابُ الشَّرْطِ، وحُمِلَ ”يَتَعَدَّ“ عَلى اللَّفْظِ فَأُفْرِدَ، و”أُولَئِكَ“ عَلى المَعْنى. فَجُمِعَ، وأُكِّدَ بِقَوْلِهِ: ”هم“، وأتى في قَوْلِهِ: (الظّالِمُونَ) بِالألِفِ واللّامِ الَّتِي تُفِيدُ الحَصْرَ، أوِ المُبالَغَةَ في الوَصْفِ، ويُحْتَمَلُ ”هم“ أنْ تَكُونَ فَصْلًا مُبْتَدَأً وبَدَلًا. ﴿فَإنْ طَلَّقَها﴾ [البقرة: ٢٣٠]، يَعْنِي الزَّوْجَ الَّذِي طَلَّقَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وهو راجِعٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾، كَأنَّهُ قالَ: فَإنْ سَرَّحَها التَّسْرِيحَةَ الثّالِثَةَ الباقِيَةَ مِن عَدَدِ الطَّلاقِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ. ومِن قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ الخُلْعَ فَسْخُ عِصْمَةٍ ولَيْسَ بِطَلاقٍ، ويُحْتَجُّ بِهَذِهِ الآيَةِ بِذِكْرِ اللَّهِ لِلطَّلاقَيْنِ، ثُمَّ ذَكَرَ الخُلْعَ، ثُمَّ ذَكَرَ الثّالِثَةَ بَعْدَ الطَّلاقَيْنِ، ولَمْ يَكُ لِلْخُلْعِ حُكْمٌ يُعْتَدُّ بِهِ. وأمّا مَن يَراهُ طَلاقًا فَقالَ: هَذا اعْتِراضٌ بَيِّنُ الطَّلْقَتَيْنِ، والثّالِثَةُ ذَكَرَ فِيهِ أنَّهُ لا يَحِلُّ أخْذُ شَيْءٍ مِن مالِ الزَّوْجَةِ إلّا بِالشَّرِيطَةِ الَّتِي ذُكِرَتْ، وهو حُكْمٌ صالِحٌ أنْ يُوجَدَ في كُلِّ طَلْقَةٍ، طَلْقَةُ وُقُوعِ آيَةِ الخُلْعِ بَيْنَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ حُكْمِيَّةٌ أنَّ الرَّجْعَةَ والخُلْعَ لا يَصْلُحانِ إلّا قَبْلَ الثّالِثَةِ، فَأمّا بَعْدَها فَلا يَبْقَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، وهي كالخاتِمَةِ لِجَمِيعِ الأحْكامِ المُعْتَبَرَةِ في هَذا البابِ.

البقرة 2:230

﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ﴾، أيْ: مِن بَعْدِ هَذا الطَّلاقِ الثّالِثِ، ﴿حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، والنِّكاحُ يُطْلَقُ عَلى العَقْدِ وعَلى الوَطْءِ، فَحَمَلَهُ ابْنُ المُسَيَّبِ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وذَكَرَهُ النَّحّاسُ في مَعانِي القُرْآنِ لَهُ عَلى العَقْدِ، وقالَ: إذا عَقَدَ عَلَيْها الثّانِي حَلَّتْ لِلْأوَّلِ، وإنْ لَمْ يَدْخُلْ بِها ولَمْ يُصِبْها، وخالَفَهُ الجُمْهُورُ؛ لِحَدِيثِ امْرَأةِ رِفاعَةَ المَشْهُورِ، فَقالَ الحَسَنُ: لا يَحِلُّ إلّا الوَطْءُ والإنْزالُ، وهو ذَوْقُ العَسِيلَةِ. وقالَ باقِي العُلَماءِ: تَغْيِيبُ الحَشَفَةِ يُحِلُّ، وقالَ بَعْضُ الفُقَهاءِ: التِقاءُ (p-٢٠١)الخِتانَيْنِ يُحِلُّ، وهو راجِعٌ لِلْقَوْلِ قَبْلَهُ؛ إذْ لا يَلْتَقِيانِ إلّا مَعَ المَغِيبِ الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ نِكاحَ المُحَلِّلِ جائِزٌ؛ إذْ لَمْ يَعْنِي الحِلَّ إلّا بِنِكاحِ زَوْجٍ، وهَذا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ نِكاحُ زَوْجٍ فَهو جائِزٌ، وإلى هَذا ذَهَبَ ابْنُ أبِي لَيْلى، وأبُو حَنِيفَةَ، وأبُو يُوسُفَ، ومُحَمَّدٌ، وداوُدُ، وهو قَوْلُ الأوْزاعِيِّ في رِوايَةٍ، والثَّوْرِيِّ في رِوايَةٍ، وقَوْلِ الشّافِعِيِّ في كِتابِهِ الجَدِيدِ المِصْرِيِّ؛ إذا لَمْ يَشْتَرِطِ التَّحْلِيلَ في حِينِ العَقْدِ. وقالَ القاسِمُ، وسالِمٌ، ورَبِيعَةُ، ويَحْيى بْنُ سَعْدٍ: لا بَأْسَ أنْ يَتَزَوَّجَها لِيُحَلِّلَها إذا لَمْ يَعْلَمِ الزَّوْجانِ، وهو مَأْجُورٌ، وقالَ مالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، والشّافِعِيُّ في القَدِيمِ، وأبُو حَنِيفَةَ في رِوايَةٍ: لا يَجُوزُ، ولا تَحِلُّ لِلْأوَّلِ، ولا يُقَرُّ عَلَيْهِ، وسَواءٌ عَلِما أمْ لَمْ يَعْلَما. وعَنِ الثَّوْرِيِّ أنَّهُ لَوْ شَرَطَ بَطَلَ الشَّرْطُ وجازَ النِّكاحُ، وهو قَوْلُ ابْنِ أبِي لَيْلى في ذَلِكَ وفي نِكاحِ المُتْعَةِ. وقالَ الحَسَنُ، وإبْراهِيمُ: إذا عَلِمَ أحَدُ الثَّلاثَةِ بِالتَّحْلِيلِ فَسَدَ النِّكاحُ. وفي قَوْلِهِ: ﴿زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ النّاكِحَ يَكُونُ زَوْجًا، فَلَوْ كانَتْ أمَةً وطُلِّقَتْ ثَلاثًا - أوِ اثْنَتَيْنِ عَلى مَذْهَبِ مَن يَرى ذَلِكَ - ثُمَّ وطِئَها سَيِّدُها لَمْ تَحِلَّ لِلْأوَّلِ، قالَهُ عَلِيٌّ، وعُبَيْدَةُ، ومَسْرُوقٌ، والشَّعْبِيُّ، وجابِرٌ، وإبْراهِيمُ، وسُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ، وحَمّادٌ، وأبُو زِيادٍ، وجَماعَةُ فُقَهاءِ الأمْصارِ. ورُوِيَ عَنْ عُثْمانَ، وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، والزُّبَيْرِ أنَّهُ يُحِلُّها إذا غَشِيَها غَشَيانًا لا يُرِيدُ بِذَلِكَ مُخادَعَةً ولا إحْلالًا، وتَرْجِعُ إلى زَوْجِها بِخِطْبَةٍ وصَداقٍ. وفي قَوْلِهِ: ”زَوْجًا“ دَلالَةٌ أيْضًا عَلى أنَّهُ لَوْ كانَ الزَّوْجُ عَبْدًا وهي أمَةٌ ووَهَبَها السَّيِّدُ لَهُ بَعْدَ بَتِّ طَلاقِها، أوِ اشْتَراها الزَّوْجُ بَعْدَ ما بَتَّ طَلاقُها لَمْ تَحِلَّ لَهُ في الصُّورَتَيْنِ بِمِلْكِ اليَمِينِ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ. قالَ أبُو عُمَرَ: عَلى هَذا جَماعَةُ العُلَماءِ وأئِمَّةُ الفَتْوى: مالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ، وإسْحاقُ، وأبُو ثَوْرٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَطاءٌ، وطاوُسٌ، والحَسَنُ: تَحِلُّ بِمِلْكِ اليَمِينِ. وفي قَوْلِهِ: ”زَوْجًا غَيْرَهُ“ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ إذا تَزَوَّجَ الذِّمِّيَّةَ المَبْتُوتَةَ مِنَ المُسْلِمِ بِالثَّلاثِ ذِمِّيٌّ، ودَخَلَ بِها وطُلِّقَتْ؛ حَلَّتْ لِلْأوَّلِ. وبِهِ قالَ الحَسَنُ، والزُّهْرِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والشّافِعِيُّ، وأبُو عُبَيْدٍ، وأصْحابُ أبِي حَنِيفَةَ. وقالَ مالِكٌ، ورَبِيعَةُ: لا يُحِلُّها. وظاهِرُ قَوْلِهِ: ”حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا“ أنَّهُ بِنِكاحٍ صَحِيحٍ، فَلَوْ نُكِحَتْ نِكاحًا فاسِدًا لَمْ يَحِلَّ، وهو قَوْلُ أكْثَرِ العُلَماءِ: مالِكٍ، والثَّوْرِيِّ، والأوْزاعِيِّ، والشّافِعِيِّ، وأحْمَدَ، وإسْحاقَ، وأبِي عُبَيْدٍ، وأصْحابِ أبِي حَنِيفَةَ. وقالَ الحَكَمُ: هو زَوْجٌ. وأجْمَعُوا عَلى أنَّ المَرْأةَ إذا قالَتْ لِلزَّوْجِ الأوَّلِ: قَدْ تَزَوَّجْتُ، ودَخَلَ عَلَيَّ زَوْجِي وصَدَّقَها؛ أنَّها تَحِلُّ لِلْأوَّلِ. قالَ الشّافِعِيُّ: والوَرَعُ أنْ لا يَفْعَلَ إذا وقَعَ في نَفْسِهِ أنَّها كَذَبَتْهُ. وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اسْمَ زَوْجٍ كافٍ، سَواءٌ كانَ قَوِيَّ النِّكاحِ أمْ ضَعِيفَهُ، أوْ صَبِيًّا أوْ مُراهِقًا، أوْ مَجْبُوبًا بَقِيَ لَهُ ما يُغَيِّبُهُ كَما يُغَيِّبُ غَيْرُ الخَصِيِّ، وسَواءً أدْخَلَهُ بِيَدِهِ أوْ بِيَدِها، وكانَتْ مُحْرِمَةً أوْ صائِمَةً، وهَذا كُلُّهُ عَلى ما وصَفَ الشّافِعِيُّ قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ وأصْحابِهِ، والثَّوْرِيِّ، والأوْزاعِيِّ، والحَسَنِ بْنِ صالِحٍ، وقَوْلُ بَعْضِ أصْحابِ مالِكٍ. وقالَ مالِكٌ في أحَدِ قَوْلَيْهِ: لَوْ وطِئَها نائِمَةً أوْ مُغْمًى عَلَيْها لَمْ تَحِلَّ لِمُطَلِّقِها، ومَذْهَبُ جُمْهُورِ الفُقَهاءِ أنَّ المُطَلَّقَةَ ثَلاثًا لا تَحِلُّ لِذَلِكَ الزَّوْجِ إلّا بِخَمْسَةِ شَرائِطَ: تَعْتَدُّ مِنهُ، ويُعْقَدُ لِلثّانِي، ويَطَؤُها، ثُمَّ يُطَلِّقُها، وتَعْتَدُّ مِنهُ. وكَوْنُ الوَطْءِ شَرْطًا قِيلَ: ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ، وقِيلَ: بِالكِتابِ، وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ. وقِيلَ: هو المُخْتارُ؛ لِأنَّ أبا عَلِيٍّ نَقَلَ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: نَكَحَ فُلانٌ فُلانَةً بِمَعْنى عَقَدَ عَلَيْها. ونَكَحَ امْرَأتَهُ أوْ زَوْجَتَهُ أيْ: جامَعَها. وقَدْ مَرَّ لَنا طُرُقٌ مِن هَذا. قالَ في (المُنْتَخَبِ)، بَعْدَ كَلامٍ كَثِيرٍ مَحْصُولُهُ أنَّ قَوْلَهُ: حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، يَدُلُّ عَلى ما تَقَدَّمَ الزَّوْجِيَّةَ، وهي العَقْدُ الحاصِلُ بَيْنَهُما، ثُمَّ النِّكاحُ عَلى مَن سَبَقَتْ زَوْجَتُهُ، فَيَتَعَيَّنُ أنْ يُرادَ بِهِ الوَطْءُ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ”تَنْكِحَ“ دالًّا عَلى الوَطْءِ، و”زَوْجًا“ يَدُلُّ عَلى العَقْدِ. ولا يَتَعَيَّنُ ما قالَهُ؛ إذْ يَجُوزُ أنْ لا يَدُلَّ عَلى أنْ تَتَقَدَّمَ الزَّوْجِيَّةُ بِجَعْلِ تَسْمِيَتِهِ زَوْجًا بِما تَؤُولُ إلَيْهِ حالُهُ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: حَتّى يَعْقِدَ عَلى مَن يَكُونُ زَوْجًا. وقالَ في (المُنْتَخَبِ) أيْضًا: أمّا قَوْلُ مَن يَقُولُ: الآيَةُ لا تَدُلُّ عَلى الوَطْءِ، وإنَّما ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ فَضَعِيفٌ؛ لِأنَّ (p-٢٠٢)الآيَةَ تَقْتَضِي نَفْيَ الحِلِّ مَمْدُودًا إلى غايَةٍ، وما كانَ غايَةً لِلشَّيْءِ يَجِبُ انْتِهاءُ الحُكْمِ عِنْدَ ثُبُوتِهِ؛ فَيَلْزَمُ انْتِفاءُ الحُرْمَةِ عِنْدَ حُصُولِ النِّكاحِ، فَلَوْ كانَ النِّكاحُ عِبارَةً عَنِ العَقْدِ لَكانَتِ الآيَةُ دالَّةً عَلى وُجُوبِ انْتِهاءِ هَذِهِ الحُرْمَةِ عِنْدَ حُصُولِ العَقْدِ، فَكانَ رَفْعُها بِالخَبَرِ نَسْخًا لِلْقُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ، وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ، أمّا إذا حَمَلْنا النِّكاحَ عَلى الوَطْءِ، وحَمَلْنا قَوْلَهُ: ”زَوْجًا“ عَلى العَقْدِ، لَمْ يَلْزَمْ هَذا الإشْكالَ. انْتَهى. ولا يَلْزَمُ ما ذَكَرَهُ مِن هَذا الإشْكالِ، وهو أنَّهُ يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ نَسْخَ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ؛ لِأنَّ القائِلَ يَقُولُ: لَمْ يَجْعَلْ نَفْيَ الحِلِّ مُنْتَهِيًا إلى هَذِهِ الغايَةِ الَّتِي هي نِكاحُها زَوْجًا غَيْرَهُ فَقَطْ. وإنْ كانَ الظّاهِرُ في الآيَةِ ذَلِكَ، بَلْ ثَمَّ مَعْطُوفاتٍ قَبْلَ الغايَةِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ وما بَعْدَها، يَدُلُّ عَلى إرادَتِها، وهي غاياتٌ أيْضًا، والتَّقْدِيرُ: فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ، أيْ: مِن بَعْدِ الطَّلاقِ الثَّلاثِ حَتّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها مِنهُ، وتُعْقَدَ عَلى زَوْجٍ غَيْرِهِ ويَدْخُلَ بِها ويُطَلِّقَها، وتَنْقَضِيَ عِدَّتُها مِنهُ؛ فَحِينَئِذٍ تَحِلُّ لِلزَّوْجِ المُطَلِّقِ ثَلاثًا أنْ يَتَراجَعا، فَقَدْ صارَتِ الآيَةُ مِن بابِ ما يَحْتاجُ بَيانُ الحِلِّ فِيهِ إلى تَقْدِيرِ هَذِهِ المَحْذُوفاتِ وتَبْيِينِها، ودَلَّ عَلى إرادَتِها الكِتابُ والسُّنَّةُ الثّابِتَةُ، وإذا كانَتْ كَذَلِكَ، وبَيَّنَ هَذِهِ المَحْذُوفاتِ الكِتابُ والسُّنَّةُ، فَلَيْسَ ذَلِكَ مِن بابِ نَسْخِ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ، ألا تَرى أنَّهُ يَلْزَمُ أيْضًا مِن حَمْلِ النِّكاحِ هُنا عَلى الوَطْءِ أنْ يُضْمَرَ قَبْلَهُ: حَتّى تُعْقَدَ عَلى زَوْجٍ ويَطَأها. فَلا فَرْقَ في الإضْمارِ بَيْنَ أنْ يَكُونَ مُقَدَّمًا عَلى الغايَةِ المَذْكُورَةِ المُرادِ بِها الوَطْءُ، أوْ يَكُونَ مُؤَخَّرًا عَنْها إذا أُرِيدَ بِهِ العَقْدُ، فَهَذا إضْمارٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكِتابُ والسُّنَّةُ؛ فَلَيْسَ مِن بابِ النَّسْخِ في شَيْءٍ. * * ﴿فَإنْ طَلَّقَها﴾، قِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى زَوْجِ النَّكِرَةِ، وهو الثّانِي، وأتى بِلَفْظِ ”إنْ“ دُونَ ”إذا“ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ طَلاقَهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ عَلى ما يَخْطُرُ لَهُ دُونَ الشَّرْطِ. انْتَهى. ومَعْناهُ أنَّ ”إذا“ إنَّما تَأْتِي لِلْمُتَحَقِّقِ، وإنْ تَأْتِي لِلْمُبْهَمِ والمُجَوَّزِ وُقُوعُهُ وعَدَمُ وُقُوعِهِ، أوْ لِلْمُحَقَّقِ المُبْهَمِ زَمانُ وُقُوعِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَإنْ مِتَّ فَهُمُ الخالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤]، والمَعْنى: فَإنْ طَلَّقَها وانْقَضَتْ عِدَّتُها مِنهُ، ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما﴾ [البقرة: ٢٢٩]، أيْ: عَلى الزَّوْجِ المُطَلِّقِ الثَّلاثَ وهَذِهِ الزَّوْجَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ولا خِلافَ فِيهِ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ عَلى أنَّ اللَّفْظَ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الزَّوْجِ الثّانِي والمَرْأةِ، وتَكُونُ الآيَةُ قَدْ أفادَتْ حُكْمَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ المَبْتُوتَةَ ثَلاثًا تَحِلُّ لِلْأوَّلِ بَعْدَ نِكاحِ زَوْجٍ غَيْرِهِ بِالشُّرُوطِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ، وهَذا مَفْهُومٌ مِن صَدْرِ الآيَةِ؛ والحُكْمُ الثّانِي: أنَّهُ يَجُوزُ لِلزَّوْجِ الثّانِي الَّذِي طَلَّقَها أنْ يُراجِعَها؛ لِأنَّهُ يَنْزِلُ مَنزِلَةَ الأوَّلِ، فَيَجُوزُ لَهُما أنْ يَتَراجَعا، ويَكُونُ ذَلِكَ دَفْعًا لِما يَتَبادَرُ إلَيْهِ الذِّهْنُ مِن أنَّهُ إذا طَلَّقَها الثّانِي حَلَّتْ لِلْأوَّلِ، فَبِكَوْنِها حَلَّتْ لَهُ اخْتَصَّتْ بِهِ ولا يَجُوزُ لِلثّانِي أنْ يَرُدَّها؛ فَيَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يَتَراجَعا﴾ مُبَيِّنًا أنَّ حُكْمَ الثّانِي حُكْمُ الأوَّلِ، وأنَّهُ لا يَتَحَتَّمُ أنَّ الأوَّلَ يُراجِعُها، بَلْ بِدَلِيلِ إنِ انْقَضَتْ عِدَّتُها مِنَ الثّانِي فَهي مُخَيَّرَةٌ فِيمَن يَرْتَدُّ مِنهُما أنْ تَتَزَوَّجَهُ، فَإنْ لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُها - وكانَ الطَّلاقُ رَجْعِيًّا - فَلِزَوْجِها الثّانِي أنْ يُراجِعَها، وعَلى هَذا لا يَحْتاجُ إلى حَذْفٍ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ طَلَّقَها﴾، وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يَتَراجَعا﴾، ويَحْتاجَ إلى الحَذْفِ إذا كانَ الضَّمِيرُ في ”عَلَيْهِما“ عائِدًا عَلى المُطَلِّقِ ثَلاثًا وعَلى الزَّوْجَةِ، وذَلِكَ المَحْذُوفُ هو: وانْقَضَتْ عِدَّتُها مِنهُ، أيْ: فَإنْ طَلَّقَها الثّانِي وانْقَضَتْ عِدَّتُها مِنهُ فَلا جُناحَ عَلى المُطَلِّقِ ثَلاثًا والزَّوْجَةِ أنْ يَتَراجَعا. * * وقَوْلُهُ: ﴿إنْ ظَنّا أنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ أيْ: إنْ ظَنَّ الزَّوْجُ الثّانِي والزَّوْجَةُ أنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ؛ لِأنَّ الطَّلاقَ لا يَكادُ يَكُونُ في الغالِبِ إلّا عِنْدَ التَّشاجُرِ والتَّخاصُمِ والتَّباغُضِ، وتَكُونُ الضَّمائِرُ كُلُّها مُنْساقَةً انْسِياقًا واحِدًا لا تَلْوِينَ فِيهِ، ولا اخْتِلافَ مَعَ اسْتِفادَةِ هَذَيْنِ الحُكْمَيْنِ مِن حَمْلِ الضَّمائِرِ عَلى ظاهِرِها، وهَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ غَيْرُ مَنقُولٍ، بَلِ الَّذِي فَهِمُوهُ هو تَكْوِينُ الضَّمائِرِ واخْتِلافُها. ﴿أنْ يَتَراجَعا﴾، أيْ: في أنْ يَتَراجَعا، والضَّمِيرُ في ”عَلَيْهِما“، وفي ”أنْ يَتَراجَعا“ عَلى ما فَسَّرُوهُ، عائِدٌ عَلى الزَّوْجِ الأوَّلِ والزَّوْجَةِ الَّتِي طَلَّقَها الزَّوْجُ الثّانِي. قالَ (p-٢٠٣)ابْنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ عَلى أنَّهُ الحُرُّ إذا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ ثَلاثًا، ثُمَّ انْقَضَتْ عِدَّتُها، ونَكَحَتْ زَوْجًا ودَخَلَ بِها، ثُمَّ نَكَحَها الأوَّلُ؛ أنَّها تَكُونُ عِنْدَهُ عَلى ثَلاثِ تَطْلِيقاتٍ، ثُمَّ تَرْجِعُ إلى الأوَّلِ. فَقالَتْ طائِفَةٌ: تَكُونُ عَلى ما بَقِيَ مِن طَلاقِها، وبِهِ قالَ أكابِرُ الصَّحابَةِ: عُمَرُ، وعَلِيٌّ، وأُبَيٌّ، وعِمْرانُ بْنُ حُصَيْنٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، ومُعاذُ بْنُ جَبَلٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ، ومِنَ التّابِعِينَ: عَبِيدَةُ السَّلْمانِيُّ، وابْنُ المُسَيَّبِ، والحَسَنُ. ومِنَ الأئِمَّةِ: مالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، وابْنُ أبِي لَيْلى، والشّافِعِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ، وأحْمَدُ، وإسْحاقُ، وأبُو عُبَيْدٍ، وأبُو ثَوْرٍ، وابْنُ نَصْرٍ. وقالَتْ طائِفَةٌ: يَكُونُ عَلى نِكاحٍ جَدِيدٍ بِهَدْمِ الزَّوْجِ الثّانِي الواحِدَةِ والثِّنْتَيْنِ كَما يَهْدِمُ الثَّلاثَ، وبِهِ قالَ ابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعَطاءٌ، والنَّخَعِيُّ، وشُرَيْحٌ، وأصْحابُ عَبْدِ اللَّهِ إلّا عُبَيْدَةَ، وهو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ، وأبِي يُوسُفَ. وقِيلَ قَوْلٌ ثالِثٌ: إنْ دَخَلَ بِها الآخَرُ فَطَلاقٌ جَدِيدٌ، ونِكاحُ الأوَّلِ جَدِيدٌ، وإنْ لَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ بِها فَعَلى ما بَقِيَ. * * ﴿إنْ ظَنّا أنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾، أيْ: إنْ ظَنَّ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما أنَّهُ يُحْسِنُ عِشْرَةَ صاحِبِهِ، وما يَكُونُ لَهُ التَّوافُقُ بَيْنَهُما مِنَ الحُدُودِ الَّتِي حَدَّها اللَّهُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما، وقَدْ ذَكَرْنا طَرَفًا مِمّا لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما عَلى الآخَرِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وقالَ ابْنُ خُوَيْزِ: اخْتَلَفَ أصْحابُنا، - يَعْنِي أصْحابَ مالِكٍ - هَلْ عَلى الزَّوْجَةِ خِدْمَةٌ أمْ لا ؟ فَقالَ بَعْضُهم: لَيْسَ عَلى الزَّوْجَةِ أنْ تُطالِبَ بِغَيْرِ الوَطْءِ. وقالَ بَعْضُهم: عَلَيْها خِدْمَةُ مِثْلِها، فَإنْ كانَتْ شَرِيفَةَ المَحَلِّ، لِيَسارِ أُبُوَّةٍ أوْ تَرَفُّهٍ، فَعَلَيْها تَدْبِيرُ أمْرِ المَنزِلِ وأمْرِ الخادِمِ، وإنْ كانَتْ مُتَوَسِّطَةَ الحالِ فَعَلَيْها أنْ تَفْرِشَ الفِراشَ ونَحْوَهُ، وإنْ كانَتْ مِن نِساءِ الكُرْدِ والدَّيْنَمِ في بَلَدِهِنَّ كُلِّفَتْ ما تَكَلَّفَهُ نِساؤُهم، وقَدْ جَرى أمْرُ المُسْلِمِينَ في بُلْدانِهِمْ، في قَدِيمِ الأمْرِ وحَدِيثِهِ، بِما ذَكَرْنا، ألا تَرى أنَّ نِساءَ الصَّحابَةِ كُنَّ يُكَلَّفْنَ الطَّحْنَ، والخَبِيزَ، والطَّبِيخَ، وفَرْشَ الفِراشِ، وتَقْرِيبَ الطَّعامِ، وأشْباهَ ذَلِكَ، ولا نَعْلَمُ امْرَأةً امْتَنَعَتْ مِن ذَلِكَ، بَلْ كانُوا يَضْرِبُونَ نِساءَهم إذا قَصَّرْنَ في ذَلِكَ. و﴿إنْ ظَنّا﴾ شَرْطٌ جَوابُهُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ؛ فَيَكُونُ جَوازُ التَّراجُعِ مَوْقُوفًا عَلى شَرْطَيْنِ: أحَدُهُما: طَلاقُ الزَّوْجِ الثّانِي، والآخَرُ: ظَنُّهُما إقامَةَ حُدُودِ اللَّهِ، ومَفْهُومُ الشَّرْطِ الثّانِي أنَّهُ لا يَجُوزُ إنْ لَمْ يَظُنّا، ومَعْنى الظَّنِّ هُنا تَغْلِيبُ أحَدِ الجائِزَيْنِ، وبِهَذا يَتَبَيَّنُ أنَّ مَعْنى الخَوْفِ في آيَةِ الخُلْعِ مَعْنى الظَّنِّ؛ لِأنَّ مَساقَ الحُدُودِ مَساقٌ واحِدٌ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: المَعْنى: أيْقَنّا، جَعَلَ الظَّنَّ هُنا بِمَعْنى اليَقِينِ، وضَعُفَ قَوْلُهم بِأنَّ اليَقِينَ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ؛ إذْ هو مَغِيبٌ عَنْهُما. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَن فَسَّرَ العِلْمَ هُنا بِالظَّنِّ فَقَدْ وهِمَ مِن طَرِيقِ اللَّفْظِ، والمَعْنى: لِأنَّكَ لا تَقُولُ: عَلِمْتُ أنْ يَقُومَ زَيْدٌ، ولَكِنْ: عَلِمْتُ أنَّهُ يَقُومُ زَيْدٌ؛ ولِأنَّ الإنْسانَ لا يَعْلَمُ ما في الغَدِ، وإنَّما يَظُنُّ ظَنًّا. انْتَهى كَلامُهُ. وما ذَكَرَهُ مِن أنَّكَ لا تَقُولُ عَلِمْتُ أنْ يَقُومَ زَيْدٌ، قَدْ قالَهُ غَيْرُهُ، قالُوا: إنَّ ”أنِ“ النّاصِبَةَ لِلْمُضارِعِ لا يَعْمَلُ فِيها فِعْلُ تَحْقِيقٍ، نَحْوَ: العِلْمِ واليَقِينِ والتَّحْقِيقِ، وإنَّما يَعْمَلُ في أنَّ المُشَدَّدَةِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ في (الإيضاحِ): ولَوْ قُلْتَ: عَلِمْتُ أنْ يَقُومَ زَيْدٌ، فَنَصَبْتَ الفِعْلَ بِـ ”أنْ“ لَمْ يَجُزْ؛ لِأنَّ هَذا مِن مَواضِعِ ”أنْ“؛ لِأنَّها مِمّا قَدْ ثَبَتَ واسْتَقَرَّ، كَما أنَّهُ لا يَحْسُنُ: أرْجُو أنَّكَ تَقُومُ، وظاهِرُ كَلامِ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ مُخالِفٌ لِما ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ مِن أنْ يَجُوزَ أنْ تَقُولَ: ما عَلِمْتُ إلّا أنْ يَقُومَ زَيْدٌ، فَأُعْمِلَ ”عَلِمْتُ“ في ”أنْ“ . قالَ بَعْضُ أصْحابِنا: ووَجْهُ الجَمْعِ بَيْنَهُما أنَّ ”عَلِمْتُ“ قَدْ تُسْتَعْمَلُ ويُرادُ بِها العِلْمُ القَطْعِيُّ، فَلا يَجُوزُ وُقُوعُ ”أنْ“ بَعْدَها كَما ذَكَرَهُ الفارِسِيُّ، وقَدْ تُسْتَعْمَلُ ويُرادُ بِها الظَّنُّ القَوِيُّ، فَيَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ في ”أنْ“ . ويَدُلُّ عَلى اسْتِعْمالِها ولا يُرادُ بِها العِلْمُ القَطْعِيُّ قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠]، فالعِلْمُ هُنا إنَّما يُرادُ بِهِ الظَّنُّ القَوِيُّ؛ لِأنَّ القَطْعَ بِإيمانِهِنَّ غَيْرُ مُتَوَصَّلٍ إلَيْهِ، وقَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وأعْلَمُ عِلْمَ حَقٍّ غَيْرِ ظَنٍّ وتَقْوى اللَّهِ مِن خَيْرِ المَعادِ (p-٢٠٤)فَقَوْلُهُ ”عِلْمَ حَقٍّ“ يَدُلُّ عَلى أنَّ العِلْمَ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ عِلْمِ حَقٍّ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ ”غَيْرَ ظَنٍّ“ يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ يُقالُ: عَلِمْتُ وهو ظانٌّ؛ ومِمّا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ مِن أنَّ ”عَلِمْتُ“ قَدْ يَعْمَلُ في ”أنْ“ إذا أُرِيدَ بِها غَيْرُ العِلْمِ القَطْعِيِّ. قَوْلُ جَرِيرٍ: ؎نَرْضى عَنِ اللَّهِ أنَّ النّاسَ قَدْ عَلِمُوا ∗∗∗ أنْ لا يُدانِينا مِن خَلْقِهِ بَشَرُ فَأتى بِأنِ النّاصِبَةِ لِلْفِعْلِ بَعْدَ عَلِمْتُ. انْتَهى كَلامُهُ. وثَبَتَ بِقَوْلِ جَرِيرٍ وتَجْوِيزِ سِيبَوَيْهِ أنَّ ”عَلِمَ“ تَدْخُلُ عَلى أنِ النّاصِبَةِ؛ فَلَيْسَ بِوَهْمٍ، كَما ذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن طَرِيقِ اللَّفْظِ. وأمّا قَوْلُهُ: لِأنَّ الإنْسانَ لا يَعْلَمُ ما في غَدٍ، وإنَّما يَظُنُّ ظَنًّا؛ لَيْسَ كَما ذَكَرَ، بَلِ الإنْسانُ يَعْلَمُ أشْياءَ كَثِيرَةً مِمّا يَكُونُ في الغَدِ، ويَجْزِمُ بِها ولا يَظُنُّها. والفاءُ في ”فَلا تَحِلُّ“ جَوابُ الشَّرْطِ، و”لَهُ“ و”مِن بَعْدُ“ و”حَتّى“ ثَلاثَتُها تَتَعَلَّقُ بِتَحِلَّ، واللّامُ: مَعْناها التَّبْلِيغُ، ومِن: ابْتِداءُ الغايَةِ، وحَتّى: لِلتَّعْلِيلِ. وبُنِيَ لِقَطْعِهِ عَنِ الإضافَةِ؛ إذْ تَقْدِيرُهُ مِن بَعْدِ الطَّلاقِ الثّالِثِ، وزَوْجًا أُتِيَ بِهِ لِلتَّوْطِئَةِ أوْ لِلتَّقْيِيدِ، أظْهَرُهُما الثّانِي؛ فَإنْ كانَ لِلتَّوْطِئَةِ لا لِلتَّقْيِيدِ فَيَكُونُ ذِكْرُهُ عَلى سَبِيلِ الغَلَبَةِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ أكْثَرُ مِمّا يَتَزَوَّجُ الحَرائِرَ، ويَصِيرُ لَفْظُ الزَّوْجِ كالمُلْغى؛ فَيَكُونُ في ذَلِكَ دَلالَةً عَلى أنَّ الأمَةَ إذا بَتَّ طَلاقُها ووَطِئَها سَيِّدُها؛ حَلَّ لِلْأوَّلِ نِكاحُها؛ إذْ لَفْظُ الزَّوْجِ لَيْسَ بِقَيْدٍ. وإنْ كانَ لِلتَّقْيِيدِ - وهو الظّاهِرُ - فَلا يُحَلِّلُها وطْءُ سَيِّدِها. والفاءُ في ”فَلا جُناحَ“ جَوابُ الشَّرْطِ قَبْلَهُ، و”عَلَيْهِما“ في مَوْضِعِ الخَبَرِ، أمّا المَجْمُوعُ ”جُناحٌ“؛ إذْ هو مُبْتَدَأٌ عَلى رَأْيِ سِيبَوَيْهِ، وإمّا عَلى أنَّهُ خَبَرُ ”لا“ عَلى مَذْهَبِ أبِي الحَسَنِ، و﴿أنْ يَتَراجَعا﴾ أيْ: في أنْ يَتَراجَعا، والخِلافُ بَعْدَ حَذْفِ ”في“ أبْقى ”أنْ“ مَعَ ما بَعْدَها في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أمْ في مَوْضِعِ جَرٍّ ؟ تَقَدَّمَ لَنا ذِكْرُهُ. و﴿أنْ يُقِيما﴾ في مَوْضِعِ المَفْعُولَيْنِ سَدَّ مَسَدَّهُما؛ لِجَرَيانِ المُسْنَدِ والمُسْنَدِ إلَيْهِ في هَذا الكَلامِ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ عَلى مَذْهَبِ أبِي الحَسَنِ، وأبِي العَبّاسِ. * * ﴿وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾، ”تِلْكَ“: مُبْتَدَأٌ، و”حُدُودُ“: خَبَرٌ، و”يُبَيِّنُها“: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ مُبَيِّنَةً، والعامِلُ فِيها اسْمُ الإشارَةِ، وذُو الحالِ: حُدُودُ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً﴾ [النمل: ٥٢] . و”لِقَوْمٍ“ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”يُبَيِّنُها“، و”تِلْكَ“: إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الأحْكامِ، وقُرِئَ: ”نُبَيِّنُها“ بِالنُّونِ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ، وهي قِراءَةٌ تُرْوى عَنْ عاصِمٍ. ومَعْنى التَّبَيُّنِ هُنا: الإيضاحُ، وخَصَّ المُبَيَّنَ لَهم بِالعِلْمِ تَشْرِيفًا لَهم؛ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِما بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى مِن نَصْبِ دَلِيلٍ عَلى ذَلِكَ مِن قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ، وإنْ كانَ التَّبَيُّنُ بِمَعْنى خَلْقِ البَيانِ، فَلا بُدَّ مِن تَخْصِيصِ المُبَيَّنِ لَهُمُ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّ مَن طُبِعَ عَلى قَلْبِهِ لا يُخْلَقُ في قَلْبِهِ التَّبْيِينُ. وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ الكَرِيمَةُ نَهْيَ اللَّهِ عِبادَهُ عَنِ ابْتِذالِ اسْمِهِ تَعالى، وجَعْلِهِ كَثِيرَ التَّرْدادِ، وعَلى ألْسِنَتِهِمْ في أقْسامِهِمْ عَلى بِرٍّ وتَقْوًى وإصْلاحٍ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ مُبالَغَةَ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ في أقْسامِهِمْ عَلى ما يُنافِي البِرَّ والتَّقْوى والصَّلاحَ بِجِهَةِ الأحْرى والأوْلى؛ لِأنَّ الإكْثارَ مِنَ اليَمِينِ بِاللَّهِ تَعالى فِيهِ عَدَمُ مُبالاةٍ، واكْتِراثِ المُقْسَمِ بِهِ؛ إذِ الأيْمانُ مُعَرَّضَةٌ لِحِنْثِ الإنْسانِ فِيها كَثِيرًا، وقَلَّ أنْ يُرى كَثِيرُ الحَلِفِ إلّا كَثِيرَ الحِنْثِ. ثُمَّ خَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ بِأنَّهُ تَعالى سَمِيعٌ لِأقْوالِهِمْ، عَلِيمٌ بِنِيّاتِهِمْ. ولَمّا تَقَدَّمَ النَّهْيُ عَنْ ما ذَكَرْناهُ، سامَحَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّ ما كانَ يَسْبِقُ عَلى ألْسِنَتِهِمْ عَلى سَبِيلِ اللَّغْوِ، وعَدَمِ القَصْدِ لِلْيَمِينِ لا يُؤاخَذُونَ بِهِ، وإنَّما يُؤاخَذُ بِما انْطَوى عَلَيْهِ الضَّمِيرُ، وكَسَبَهُ القَلْبُ بِالتَّعَهُّدِ، ثُمَّ خَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ بِما يَدُلُّ عَلى المُسامَحَةِ في لَغْوِ اليَمِينِ مِن صِفَةِ الغُفْرانِ والحِلْمِ. ولَمّا تَقَدَّمَ كَثِيرٌ مِنَ الأحْكامِ مَعَ النِّساءِ؛ ذَكَرَ حُكْمَ الإيلاءِ مَعَ النِّساءِ، وهو: الحَلِفُ عَلى الِامْتِناعِ مِن وطْئِهِنَّ؛ فَجَعَلَ لِذَلِكَ مُدَّةً، وهو أرْبَعَةُ أشْهُرٍ أقْصى ما تَصْبِرُ المَرْأةُ عَنْ زَوْجِها غالِبًا، ثُمَّ بَعْدَ انْتِظارِ هَذِهِ المُدَّةِ وانْقِضائِها إنْ فاءَ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ، لا يُؤاخِذُهُ بَلْ يُسامِحُهُ في تِلْكَ اليَمِينِ، وإنْ عَزَمَ الطَّلاقَ أوْقَعَهُ. ولَمّا جَرى ذِكْرُ الطَّلاقِ (p-٢٠٥)اسْتَطْرَدَ إلى ذِكْرِ جُمْلَةٍ مِن أحْكامِهِ؛ فَذَكَرَ عِدَّةَ المُطَلَّقَةِ وأنَّها ثَلاثَةُ قُرُوءٍ، ودَلَّ ذِكْرُ القُرْءِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالمُطَلَّقاتِ هُنَّ النِّساءُ اللَّواتِي يَحِضْنَ ويَطْهُرْنَ، ولَمْ يُطَلَّقْنَ قَبْلَ المَسِيسِ ولا هُنَّ حَوامِلُ، ودَلَّ عَلى إرادَةِ هَذِهِ المُخَصَّصاتِ آياتٌ أُخَرُ، وذَكَرَ تَعالى أنَّهُ لا يَحِلُّ لَهُنَّ كِتْمانُ ما خَلَقَ اللَّهُ في أرْحامِهِنَّ، فَعَمَّ الدَّمَ والوَلَدَ؛ لِأنَّهُنَّ كُنَّ يَكْتُمْنَ ذَلِكَ لِأغْراضٍ لَهُنَّ، وعَلَّقَ ذَلِكَ عَلى الإيمانِ بِاللَّهِ وهو الخالِقُ ما في أرْحامِهِنَّ، وعَلى الإيمانِ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، وهو الوَقْتُ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ الحِسابُ، والثَّوابُ والعِقابُ عَلى ما يَرْتَكِبُهُ الإنْسانُ مِن تَحْرِيمِ ما أحَلَّ اللَّهُ، وتَحْلِيلِ ما حَرَّمَ اللَّهُ، ومُخالَفَتِهِ فِيما شَرَعَ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّ أزْواجَهُنَّ الَّذِينَ طَلَّقُوهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في مُدَّةِ العِدَّةِ، وشَرَطَ في الأحَقِّيَّةِ إرادَةَ إصْلاحِ الأزْواجِ؛ فَدَلَّ عَلى أنَّهُ إذا قَصَدَ بِرَجْعَتِها الضَّرَرَ لا يَكُونُ أحَقَّ بِالرَّدِّ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّ لِلزَّوْجَةِ حُقُوقًا عَلى الرَّجُلِ، مِثْلَ ما أنَّ لِلرَّجُلِ حُقُوقًا عَلى الزَّوْجَةِ، فَكُلٌّ مِنهُما مَطْلُوبٌ بِإيفاءِ ما يَجِبُ عَلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ لِلرَّجُلِ مَزِيدَ مَزِيَّةٍ ودَرَجَةٍ عَلى المَرْأةِ؛ فَيَكُونُ حَقُّ الرَّجُلِ أكْثَرَ وطَواعِيَةُ المَرْأةِ لَهُ ألْزَمَ، ولَمْ يُبَيِّنِ الدَّرَجَةَ ما هي، ويَظْهَرُ أنَّها ما يُؤْلَفُ مِن كَثْرَةِ الطَّواعِيَةِ، والِاهْتِبالِ بِقَدْرِهِ، والتَّعْظِيمِ لَهُ؛ لِأنَّ قَبْلَهُ: ”بِالمَعْرُوفِ“ وهو الشَّيْءُ الَّذِي عَرَفَهُ النّاسُ في عَوائِدِهِمْ مِن كَثْرَةِ تَوَدُّدِ المَرْأةِ لِزَوْجِها وامْتِثالِ ما يَأْمُرُ بِهِ. وخَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ بِوَصْفِ العِزَّةِ: وهي الغَلَبَةُ والقَهْرُ، والحِكْمَةُ: وهي وضْعُ الشَّيْءِ مَوْضِعَ ما يَلِيقُ بِهِ، وهُما الوَصْفانِ اللَّذانِ يَحْتاجُ إلَيْهِما التَّكْلِيفُ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّ الطَّلاقَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ فِيهِ الزَّوْجُ الرَّجْعَةَ في تِلْكَ العِدَّةِ هو مَرَّتانِ، طَلْقَةٌ بَعْدَ طَلْقَةٍ، وبَعْدَ وُقُوعِ الطَّلْقَتَيْنِ إمّا أنْ يَرُدَّها ويُمْسِكَها بِمَعْرُوفٍ، أوْ يُسَرِّحَها بِإحْسانٍ، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِبَ هَذا حُكْمَ الخُلْعِ؛ لِأنَّ مَشْرُوعِيَّتَهُ لا تَكُونُ إلّا قَبْلَ وُجُودِ الطَّلْقَةِ الثّالِثَةِ، وأمّا بَعْدَها فَلا يَنْبَغِي خُلْعٌ؛ فَلِذَلِكَ جاءَ بَيْنَ الطَّلاقِ الَّذِي لَهُ فِيهِ رَجْعَةٌ، وبَيْنَ الطَّلاقِ الَّذِي يَبُتُّ العِصْمَةَ. وذَكَرَ مِن أحْكامِهِ أنَّهُ لا يَحِلُّ أخْذُ شَيْءٍ مِن مالِ الزَّوْجَةِ إلّا بِشَرْطِ أنْ يَخافا أنْ لا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ، ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِذِكْرِ الخَوْفِ أنْ لا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ؛ فَجَعَلَ ذَلِكَ مِنهُما مَعًا، فَلَوْ خافَ أحَدُهُما لَمْ يَجُزِ الخُلْعُ، هَذا ظاهِرُ الآيَةِ. ثُمَّ نَهى تَعالى عَنْ تَعَدِّي حُدُودِ اللَّهِ وتَجاوُزِها، وأخْبَرَ أنَّ مَن تَعَدّاها ظالِمٌ. قالَ تَعالى ﴿فَإنْ طَلَّقَها﴾ يَعْنِي: ثَلاثَةً، والمَعْنى: إنْ أوْقَعَ التَّسْرِيحَ المُرَدَّدَ فِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فَهي لا تَحِلُّ لَهُ إلّا بَعْدَ نِكاحِ زَوْجٍ غَيْرِهِ، فَإنْ طَلَّقَها الزَّوْجُ الثّانِي، وأرادَ الأوَّلُ أنْ يُراجِعَها فَلَهُ ذَلِكَ، لَكِنَّهُ شَرَطَ في هَذا التَّراجُعِ ظَنَّهُما إقامَةَ حُدُودِ اللَّهِ، فَمَتى لَمْ يَظُنّا ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لَهُما أنْ يَتَراجَعا، هَذا ظاهِرُ اللَّفْظِ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ يُوَضِّحُ آياتِهِ لِقَوْمٍ مُتَّصِفِينَ بِالعِلْمِ، أمّا مَن لا يَعْلَمُ فَهو أعْمى لا يُبْصِرُ شَيْئًا مِنَ الآياتِ، ولا يَتَّضِحُ لَهُ: ﴿أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ كَمَن هو أعْمى إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ [الرعد: ١٩] .

البقرة 2:231

﴿وإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ولا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا لِتَعْتَدُوا ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ولا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُوًا واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم وما أنْزَلَ عَلَيْكم مِنَ الكِتابِ والحِكْمَةِ يَعِظُكم بِهِ واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿وإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أنْ يَنْكِحْنَ أزْواجَهُنَّ إذا تَراضَوْا بَيْنَهم بِالمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كانَ مِنكم يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ذَلِكم أزْكى لَكم وأطْهَرُ واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٢] ﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وعَلى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إلّا وُسْعَها لا تُضارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها ولا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وعَلى الوارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإنْ أرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنهُما وتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما وإنْ أرَدْتُمْ أنْ تَسْتَرْضِعُوا أوْلادَكم فَلا جُناحَ عَلَيْكم إذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالمَعْرُوفِ واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٣] بَلَغَ (p-٢٠٦)يَبْلُغُ بُلُوغًا: وصَلَ إلى الشَّيْءِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ومُجْرٍ كَغِلّانِ الأُنَيْعِمِ بالِغٍ دِيارَ العَدُوِّ ذِي زُهاءٍ وأرْكانِ والبُلْغَةُ مِنهُ - والبَلاغُ الأصْلُ - يَقَعُ عَلى المُدَّةِ كُلِّها وعَلى آخِرِها. يُقالُ لِعُمْرِ الإنْسانِ: أجَلٌ، ولِلْمَوْتِ الَّذِي يَنْتَهِي: أجَلٌ، وكَذَلِكَ الغايَةُ والأمَدُ. العَضَلُ: المَنعُ، عَضَلَ أيِّمَهُ مَنَعَها مِنَ الزَّوْجِ، يَعْضِلُها بِكَسْرِ الضّادِ وضَمِّها، قالَ ابْنُ هَرْمَةَ: ؎وإنَّ فَضاءَ يَدِي لَكَ فاصْطَنِعْنِي ∗∗∗ كَرائِمُ قَدْ عُضِلْنَ عَنِ النِّكاحِ ويُقالُ: دَجاجٌ مُعْضِلٌ، إذا احْتَبَسَ بَيْضُها، قالَهُ الخَلِيلُ، وقالَ: ؎ونَحْنُ عَضَلْنا بِالرِّماحِ نِساءَنا ∗∗∗ وما فِيكُمُ عَنْ حُرْمَةِ اللَّهِ عاضِلُ ويُقالُ: أصْلُهُ الضِّيقُ، عَضَلَتِ المَرْأةُ: نَشِبَ الوَلَدُ في بَطْنِها، وعَضَلَتِ الشّاةُ، وعَضَلَتِ الأرْضُ بِالجَيْشِ: ضاقَتْ بِهِمْ، قالَ أوْسٌ: ؎تَرى الأرْضَ مِنّا بِالفَضاءِ مَرِيضَةً ∗∗∗ مُعَضَّلَةً مِنّا بِجَيْشٍ عَرَمْرَمِ وأعْضَلَ الدّاءُ الأطِبّاءَ: أعْياهم، وداءٌ عُضالٌ: ضاقَ عِلاجُهُ ولا يُطاقُ، قالَتْ لَيْلى الأخْيَلِيَّةُ: ؎شَفاها مِنَ الدّاءِ العُضالِ الَّذِي بِها ∗∗∗ غُلامٌ إذا هَزَّ القَناةَ سَقاها وأعْضَلَ الأمْرُ: اشْتَدَّ وضاقَ، وكُلُّ مُشْكِلٍ عِنْدَ العَرَبِ مُعْضِلٌ، وقالَ الشّافِعِيُّ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ: ؎إذا المُعْضِلاتُ تَصَدَّيْنَنِي ∗∗∗ كَشَفْتُ حَقائِقَها بِالنَّظَرِ الرَّضْعُ: مَصُّ الثَّدْيِ لِشُرْبِ اللَّبَنِ، يُقالُ مِنهُ: رَضَعَ يَرْضَعُ رَضْعًا ورَضاعًا ورَضاعَةً، وأرْضَعَتْهُ أُمُّهُ، ويُقالُ لِلَّئِيمِ: راضِعٌ، وذَلِكَ لِشِدَّةِ بُخْلِهِ لا يَحْلِبُ الشّاةَ مَخافَةَ أنْ يُسْمَعَ مِنهُ الحَلْبُ، فَيُطْلَبَ مِنهُ اللَّبَنُ، فَيَرْضَعُ ثَدْيَ الشّاةِ حَتّى لا يُفْطَنَ بِهِ. الحَوْلُ: السَّنَةُ وأحْوَلَ الشَّيْءَ صارَ لَهُ حَوْلٌ، قالَ الشّاعِرُ: ؎مِنَ القاصِراتِ الطَّرْفِ لَوْ دَبَّ مُحْوِلٌ ∗∗∗ مِنَ الذَّرِّ فَوْقَ الإتْبِ مِنها لَأثَّرا ويُجْمَعُ عَلى أحْوالٍ، والحَوْلُ: الحِيلَةُ، وحالَ الشَّيْءُ: انْقَلَبَ، وتَحَوَّلَ: انْتَقَلَ، ورَجُلٌ حُوَلٌ: كَثِيرُ التَّقْلِيبِ والتَّصَرُّفِ، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ حَوْلَ يَكُونُ ظَرْفَ مَكانٍ، تَقُولُ: زَيْدٌ حَوْلَكَ وحَوالَيْكَ وحَوالَكَ وأحْوالَكَ، أيْ: فِيما قَرُبَ مِنكَ مِنَ المَكانِ. الكُسْوَةُ: اللِّباسُ، يُقالُ مِنهُ: كَسا يَكْسُو، وفِعْلُهُ يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ؛ تَقُولُ: كَسَوْتُ زَيْدًا ثَوْبًا، وقَدْ جاءَ مُتَعَدِّيًا إلى واحِدٍ، قالَ الشّاعِرُ: وأرْكَبُ في الرَّوْعِ خَيْفانَةً كَسا وجْهَها سَعَفٌ مُنْتَشِرْ ضَمَّنَهُ مَعْنى غَطّا فَتَعَدّى إلى واحِدٍ، ويُقالُ: كُسِيَ الرَّجُلُ فَهو كاسٍ، قالَ الشّاعِرُ: ؎وأنْ يَعْرَيْنَ إنْ كُسِيَ الجَوارِي وقالَ: ؎واقْعُدْ فَإنَّكَ أنْتَ الطّاعِمُ الكاسِي التَّكْلِيفُ: الإلْزامُ، وأصْلُهُ مِنَ الكَلَفِ، وهو الأثَرُ عَلى الوَجْهِ مِنَ السَّوادِ، فُلانٌ كَلِفٌ بِكَذا أيْ: مُغْرًى بِهِ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎يُهْدى بِها كَلِفُ الخَدَّيْنِ مُخْتَبَرٌ ∗∗∗ مِنَ الجَمالِ كَثِيرُ اللَّحْمِ عَيْثُومُ الوارِثُ: مَعْرُوفٌ، يُقالُ مِنهُ: ورِثَ يَرِثُ، بِكَسْرِ الرّاءِ، وقِياسُها في المُضارِعِ الفَتْحُ، ويُقالُ: أرَّثَ ووَرَّثَ، ويُقالُ الإرْثُ كَما يُقالُ ألَدَّهُ في ولَدِهِ، والأصْلُ الواوُ. الفِصالُ: مَصْدَرُ فَصَلَ فَصْلًا وفِصالًا، وجَمْعُ فَصِيلٍ، وهو المَفْطُومُ عَنْ ثَدْيِ أُمِّهِ، وفُصِلَ بَيْنَ الخَصْمَيْنِ: فُرِّقَ فانْفَصَلا، وفَصَلَتِ العِيرُ: خَرَجَتْ، والمَعْنى: فارَقَتْ مَكانَها، وفَصِيلَةُ الرَّجُلِ: أقْرَبُ النّاسِ إلَيْهِ، والفَصِيلَةُ: قِطْعَةٌ مِن لَحْمِ الفَخِذِ، والتَّفْصِيلُ بِمَعْنى التَّبْيِينِ؛ ﴿آياتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ [الأعراف: ١٣٣]، وتَفْصِيلُ كُلِّ شَيْءٍ: تَبْيِينُهُ، وهو راجِعٌ لِمَعْنى تَفْرِيقِ حُكْمٍ مِن حُكْمٍ؛ فَيَحْصُلُ بِهِ التَّبْيِينُ، ومَدارُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ عَلى التَّفْرِقَةِ والتَّبْعِيدِ. التَّشاوُرُ في اللُّغَةِ: هو اسْتِخْراجُ الرَّأْيِ، مِن قَوْلِهِمْ: شِرْتُ العَسَلَ (p-٢٠٧)أشُورُهُ إذا اجْتَنَيْتُهُ، والشُّورَةُ والمَشُورَةُ، وبِضَمِّ العَيْنِ وتُنْقَلُ الحَرَكَةُ، كالمَعُونَةِ، قالَ حاتِمٌ: ؎ولَيْسَ عَلى نارِي حِجابٌ أكُفُّها ∗∗∗ لِمُقْتَبَسٍ لَيْلًا ولَكِنْ أُشِيرُها وقالَ أبُو زَيْدٍ: شِرْتُ الدّابَّةَ وشَوَّرْتُها: أجْرَيْتُها لِاسْتِخْراجِ جَرْيِها، وكانَ مَدارُ الكَلِمَةِ عَلى الإظْهارِ، فَكَأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المُشاوِرِينَ أظْهَرَ ما في قَلْبِهِ لِلْآخَرِ، ومِنهُ الشَّوارُ: وهو مَتاعُ البَيْتِ لِظُهُورِهِ لِلنّاظِرِ، وشارَةُ الرَّجُلِ هَيْئَتُهُ؛ لِأنَّها تَظْهَرُ مِن زِيِّهِ وتَبْتَدِئُ مِن زِينَتِهِ، وأوْرَدَ بَعْضُهم عِنْدَ ذِكْرِ المادَّةِ هَذِهِ الإشارَةَ فَقالَ: والإشارَةُ هي إخْراجُ ما في نَفْسِكَ وإظْهارُهُ لِلْمُخاطَبِ بِالنُّطْقِ وغَيْرِهِ. انْتَهى. فَإنْ كانَ هَذا أرادَ أنَّهُما يَتَقارَبانِ مِن حَيْثُ المَعْنى فَصَحِيحٌ، وإنْ أرادَ أنَّهُما مُشْتَرِكانِ في المادَّةِ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، وقَدْ جَرَتْ هَذِهِ المَسْألَةُ بَيْنَ الأمِيرِ بْنِ أغْلَبَ مُتَوَلِّي أفْرِيقِيَّةَ وبَعْضِ العُلَماءِ مِن أهْلِ بَلَدِهِ، كَيْفَ يُقالُ إذا أشارُوا إلى الهِلالِ عِنْدَ طُلُوعِهِ وبَنَوْا مِنَ الإشارَةِ تَفاعَلْنا ؟ فَقالابْنُ الأغْلَبِ: تَشاوَرْنا، وقالَ ذَلِكَ العالِمُ: تَشايَرْنا، وسَألُوا قُتَيْبَةَ صاحِبَ الكِسائِيِّ - وكانَ قَدْ أقْدَمَهُ ابْنُ الأغْلَبِ مِنَ العِراقِ إلى أفْرِيقِيَّةَ لِتَعْلِيمِ أوْلادِهِ - فَقالُوا لَهُ: كَيْفَ تَبْنِي مِنَ الإشارَةِ: تَفاعَلْنا ؟ فَقالَ: تَشايَرْنا؛ وأنْشَدَ لِلْعَرَبِ بَيْتًا شاهِدًا عَلى ذَلِكَ عَجُزُهُ: ؎فَيا حَبَّذا يا عِزَّ ذاكَ التَّشايُرِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى اخْتِلافِ المادَّتَيْنِ مِن ذَواتِ الياءِ، والمادَّةِ الأُخْرى مِن ذَواتِ الواوِ. ﴿وإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ﴾، نَزَلَتْ في ثابِتِ بْنِ بَشّارٍ، ويُقالُ أسْنانٌ الأنْصارِيُّ، طَلَّقَ امْرَأتَهُ حَتّى إذا بَقِيَ مِن عِدَّتِها يَوْمانِ أوْ ثَلاثَةٌ وكادَتْ أنْ تَبِينَ؛ راجَعَها، ثُمَّ طَلَّقَها، ثُمَّ راجَعَها، ثُمَّ طَلَّقَها، حَتّى مَضَتْ سَبْعَةُ أشْهُرٍ مُضارَّةً لَها، ولَمْ يَكُنِ الطَّلاقُ يَوْمَئِذٍ مَحْصُورًا. والخِطابُ في ”طَلَّقْتُمْ“ ظاهِرُهُ أنَّهُ لِلْأزْواجِ، وقِيلَ: لِثابِتِ بْنِ يَسارٍ، خُوطِبَ الواحِدُ بِلَفْظِ الجَمْعِ لِلِاشْتِراكِ في الحُكْمِ، وأُبْعِدَ مَن قالَ أنَّ الخِطابَ لِلْأوْلِياءِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾، ونِسْبَةُ الطَّلاقِ والإمْساكِ والتَّسْرِيحِ لِلْأوْلِياءِ بِعِيدٌ جِدًّا. فَبَلَغْنَ أيْ: قارَبْنَ انْقِضاءَ العِدَّةِ والأجَلِ، هو الَّذِي ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْمُعْتَدّاتِ مِنَ الإقْراءِ، والأشْهُرِ، ووَضْعِ الحَمْلِ. وأضافَ الأجَلَ إلَيْهِمْ لِأنَّهُ أمَسُّ بِهِنَّ؛ ولِهَذا قِيلَ: الطَّلاقُ لِلرِّجالِ والعِدَّةُ لِلنِّساءِ، ولا يُحْمَلُ ”بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ“ عَلى الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ الإمْساكَ إذْ ذاكَ لَيْسَ لَهُ؛ لِأنَّها لَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ؛ إذْ قَدْ تَقَضَّتْ عِدَّتُها فَلا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْها. ﴿فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾، أيْ: راجِعُوهُنَّ قَبْلَ انْقِضاءِ العِدَّةِ، وفُسِّرَ المَعْرُوفُ بِالإشْهادِ عَلى الرَّجْعَةِ، وقِيلَ: بِما يَجِبُ لَها مِن حَقٍّ عَلَيْهِ، قالَهُ بَعْضُ العُلَماءِ، وهو قَوْلُ عُمَرَ، وعَلِيٍّ، وأبِي هُرَيْرَةَ، وابْنِ المُسَيَّبِ، ومالِكٍ، والشّافِعِيِّ، وأحْمَدَ، وإسْحاقَ، وأبِي عُبَيْدٍ، وأبِي ثَوْرٍ، ويَحْيى القَطّانِ، وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ؛ قالُوا: الإمْساكُ بِمَعْرُوفٍ هو أنْ يُنْفِقَ عَلَيْها، فَإنْ لَمْ يَجِدْ طَلَّقَها، فَإذا لَمْ يَفْعَلْ خَرَجَ عَنْ حَدِّ المَعْرُوفِ، فَيُطَلِّقُ عَلَيْهِ الحاكِمُ مِن أجْلِ الضَّرَرِ الَّذِي يَلْحَقُها بِإقامَتِها عِنْدَ مَن لا يَقْدِرُ عَلى نَفَقَتِها، حَتّى قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: إنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ. وفي (صَحِيحِ) البُخارِيِّ: تَقُولُ المَرْأةُ إمّا أنْ تُطْعِمَنِي، وإمّا أنْ تُطَلِّقَنِي، وقالَ عَطاءٌ، والزُّهْرِيُّ، والثَّوْرِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ: لا يُفَرَّقُ بَيْنَهُما، ويَلْزَمُها الصَّبْرُ عَلَيْهِ، وتَتَعَلَّقُ النَّفَقَةُ بِذِمَّتِهِ لِحُكْمِ الحاكِمِ. والقائِلُونَ بِالفُرْقَةِ اخْتَلَفُوا، فَقالَ مالِكٌ: هي طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ؛ لِأنَّها فُرْقَةٌ بَعْدَ البِناءِ لَمْ يُسْتَكْمَلْ بِها العَدَدُ، ولا كانَتْ بِعِوَضٍ، ولا لِضَرَرٍ بِالزَّوْجِ؛ فَكانَتْ رَجْعِيَّةً كَضَرَرِ المُولِي، وقالَ الشّافِعِيُّ: هي طَلْقَةٌ بائِنَةٌ، وقِيلَ: بِالمَعْرُوفِ مِن غَيْرِ طَلَبِ ضَرّاءَ بِالمُراجَعَةِ. ﴿أوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾، أيْ: خَلُّوهُنَّ حَتّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها، وتَبِينَ مِن غَيْرِ ضِرارٍ، وعَبَّرَ بِالتَّسْرِيحِ عَنِ التَّخْلِيَةِ لِأنَّ مَآلَها إلَيْهِ؛ إذْ بِانْقِضاءِ العِدَّةِ حَصَلَتِ البَيْنُونَةُ. ﴿ولا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا لِتَعْتَدُوا﴾، هَذا كالتَّوْكِيدِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾، نَهاهم أنْ لا يَكُونَ الإمْساكُ ضِرارًا، وحِكْمَةُ هَذا النَّهْيِ أنَّ الأمْرَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (p-٢٠٨)يَحْصُلُ بِإمْساكِها مَرَّةً بِمَعْرُوفٍ، هَذا مَدْلُولُ الأمْرِ، ولا يَتَناوَلُ سائِرَ الأوْقاتِ، وجاءَ النَّهْيُ لِيَتَناوَلَ سائِرَ الأوْقاتِ لِيَعُمَّها، ولِيُنَبِّهَ عَلى ما كانُوا يَفْعَلُونَهُ مِنَ الرَّجْعَةِ، ثُمَّ الطَّلاقِ، ثُمَّ الرَّجْعَةِ، ثُمَّ الطَّلاقِ عَلى سَبِيلِ الضِّرارِ؛ فَنَهى عَنْ هَذِهِ الفِعْلَةِ القَبِيحَةِ بِخُصُوصِها، تَعْظِيمًا لِهَذا المُرْتَكَبِ السَّيِّئِ الَّذِي هو أعْظَمُ إيذاءِ النِّساءِ، حَتّى تَبْقى عِدَّتُها في ذَواتِ الأشْهُرِ تِسْعَةَ أشْهُرٍ. ومَعْنى ”ضِرارًا“: مُضارَّةً، وهو مَصْدَرُ ضارَّ ضِرارًا ومُضارَّةً، وفُسِّرَ بِتَطْوِيلِ العِدَّةِ، وسُوءِ العِشْرَةِ، وبِتَضْيِيقِ النَّفَقَةِ، وهو أعَمُّ مِن هَذا كُلِّهِ، فَكُلُّ إمْساكٍ لِأجْلِ الضَّرَرِ والعُدْوانِ فَهو مَنهِيٌّ عَنْهُ. وانْتَصَبَ ”ضِرارًا“ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: مُضارِّينَ لِتَعْتَدُوا، أيْ: لِتَظْلِمُوهُنَّ، وقِيلَ: لِتُلْجِئُوهُنَّ إلى الِافْتِداءِ. واللّامُ: لامُ كَيْ، فَإنْ كانَ ضِرارًا حالًا تَعَلَّقَتِ اللّامُ بِهِ، أوْ بِـ (لا تُمْسِكُوهُنَّ) وإنْ كانَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ تَعَلَّقَتِ اللّامُ بِهِ، وكانَ عِلَّةً لِلْعِلَّةِ، تَقُولُ: ضَرَبْتُ ابْنِي تَأْدِيبًا لِيَنْتَفِعَ، ولا يَجُوزَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ (لا تُمْسِكُوهُنَّ)؛ لِأنَّ الفِعْلَ لا يَقْضِي مِنَ المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ اثْنَيْنِ إلّا بِالعَطْفِ، أوْ عَلى البَدَلِ، ولا يُمْكِنُ هُنا البَدَلُ لِأجْلِ اخْتِلافِ الإعْرابِ، ومَن جَعَلَ اللّامَ لِلْعاقِبَةِ جَوَّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ (لا تُمْسِكُوهُنَّ)؛ فَيَكُونُ الفِعْلُ قَدْ تَعَدّى إلى عِلَّةٍ وإلى عاقِبَةٍ، وهُما مُخْتَلِفانِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾، ”ذَلِكَ“: إشارَةٌ إلى الإمْساكِ عَلى سَبِيلِ الضِّرارِ والعُدْوانِ، وظُلْمِ النَّفْسِ بِتَعْوِيضِها العَذابَ، أوْ بِأنْ فَوَّتَ عَلى نَفْسِهِ مَنافِعَ الدِّينِ مِنَ الثَّوابِ الحاصِلِ عَلى حُسْنِ العِشْرَةِ، ومَنافِعِ الدُّنْيا مِن عَدَمِ رَغْبَةِ التَّزْوِيجِ بِهِ لِاشْتِهارِهِ بِهَذا الفِعْلِ القَبِيحِ. ﴿ولا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾، «قالَ أبُو الدَّرْداءِ: كانَ الرَّجُلُ يُطَلِّقُ في الجاهِلِيَّةِ ويَقُولُ: طَلَّقْتُ وأنا لاعِبٌ، ويُعْتِقُ ويَنْكِحُ ويَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، فَقَرَأها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقالَ: (مَن طَلَّقَ أوْ حَرَّرَ أوْ نَكَحَ فَزَعَمَ أنَّهُ لاعِبٌ فَهو جَدٌّ)» . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ جِدُّوا في الأخْذِ بِها، والعَمَلِ بِما فِيها، وارْعَوْها حَقَّ رِعايَتِها، وإلّا فَقَدِ اتَّخَذْتُمُوها هُزُوًا ولَعِبًا، ويُقالُ لِمَن لَمْ يَجِدَّ في الأمْرِ: إنَّما أنْتَ لاعِبٌ وهازِئٌ. انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ مَعْناهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المُرادُ آياتُهُ النّازِلَةُ في الأوامِرِ والنَّواهِي، وخَصَّها الكَلْبِيُّ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ﴿ولا تُمْسِكُوهُنَّ﴾ . وقالَ الحَسَنُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيمَن طَلَّقَ لاعِبًا أوْ هازِلًا، أوْ راجَعَ كَذَلِكَ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ تَعالى لَمّا أنْزَلَ آياتٍ تَضَمَّنَتِ الأمْرَ والنَّهْيَ في النِّكاحِ، وأمْرَ الحَيْضِ والإيلاءِ، والطَّلاقِ والعِدَّةِ، والرَّجْعَةِ والخُلْعِ، وتَرْكِ المُعاهَدَةِ، وكانَتْ هَذِهِ أحْكامُها جارِيَةً بَيْنَ الرَّجُلِ وزَوْجَتِهِ، وفِيها إيجابُ حُقُوقٍ لِلزَّوْجَةِ عَلى الزَّوْجِ، ولَهُ عَلَيْها، وكانَ مِن عادَةِ العَرَبِ عَدَمُ الِاكْتِراثِ بِأمْرِ النِّساءِ والِاغْتِفالِ بِأمْرِ شَأْنِهِنَّ، وكُنَّ عِنْدَهم أقَلَّ مِن أنْ يَكُونَ لَهُنَّ أمْرٌ أوْ حَقٌّ عَلى الزَّوْجِ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِنَّ ما أنْزَلَ مِنَ الأحْكامِ، وحَدَّ حُدُودًا لا تُتَعَدّى، وأخْبَرَهم أنَّ مَن خالَفَ فَهو ظالِمٌ مُتَعَدٍّ، أكَّدَ ذَلِكَ بِالنَّهْيِ عَنِ اتِّخاذِ آياتِ اللَّهِ - الَّتِي مِنها هَذِهِ الآياتُ النّازِلَةُ في شَأْنِ النِّساءِ - هُزُؤًا، بَلْ تُؤْخَذُ وتُتَقَبَّلُ بِجِدٍّ واجْتِهادٍ؛ لِأنَّها مِن أحْكامِ اللَّهِ، فَلا فَرْقَ بَيْنَها وبَيْنَ الآياتِ الَّتِي نَزَلَتْ في سائِرِ التَّكالِيفِ الَّتِي بَيْنَ العَبْدِ ورَبِّهِ، وبَيْنَ العَبْدِ والنّاسِ. وانْتَصَبَ ”هُزُؤًا“ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ ”تَتَّخِذُوا“، وتَقُولَ: هَزَأ بِهِ هُزُؤًا اسْتَخَفَّ. وقَرَأ حَمْزَةُ: ”هَزْأً“ بِإسْكانِ الزّايِ، وإذا وقَفَ سَهَّلَ الهَمْزَةَ عَلى مَذْهَبِهِ في تَسْهِيلِ الهَمْزِ، وذَكَرُوا في كَيْفِيَّةِ تَسْهِيلِهِ عِنْدَهُ فِيهِ وُجُوهًا تُذْكَرُ في عِلْمِ القِراءاتِ، وهو مِن تَخْفِيفِ فُعُلٍ، كَعُنُقٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ. قالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ: كُلُّ اسْمٍ عَلى ثَلاثَةِ أحْرُفٍ أوَّلُهُ مَضْمُومٌ وثانِيهِ فَفِيهِ لُغَتانِ: التَّخْفِيفُ والتَّثْقِيلُ. وقَرَأ ”هُزُوًا“ بِضَمِّ الزّايِ وإبْدالٍ مِنَ الهَمْزَةِ واوًا، وذَلِكَ لِأجْلِ الضَّمِّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”هُزُؤًا“ بِضَمَّتَيْنِ، والهَمْزِ قِيلَ: وهو الأصْلُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتَتَّخِذُنا هُزُوًا﴾ [البقرة: ٦٧] .

البقرة 2:232

(p-٢٠٩)﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم وما أنْزَلَ عَلَيْكم مِنَ الكِتابِ والحِكْمَةِ﴾ [البقرة: ٢٣١]، هَذا أمْرٌ مَعْطُوفٌ عَلى أمْرٍ في المَعْنى، وهو: ولا تَتَّخِذُوا آياتٍ لِلَّهِ هُزُوًا، والنِّعْمَةُ هُنا لَيْسَتِ التّاءُ فِيها لِلْوَحْدَةِ، ولَكِنَّها بُنِيَ عَلَيْها المَصْدَرُ، ويُرِيدُ: النِّعَمَ الظّاهِرَةَ والباطِنَةَ، وأجَلُّها ما أنْعَمَ بِهِ مِنَ الإسْلامِ ونُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - عِلْيَهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - و”ما أنْزَلَ عَلَيْكم“ مَعْطُوفٌ عَلى نِعْمَةٍ، وهو تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ؛ إذْ ما أنْزَلَ هو مِنَ النِّعْمَةِ، وهَذا قَدْ ذَكَرْنا أنَّهُ يُسَمّى التَّجْرِيدُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البقرة: ٩٨] بَعْدَ ذِكْرِ المَلائِكَةِ، وتَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ، وأتى بِـ ”عَلَيْكم“ تَنْبِيهًا لِلْمَأْمُورِينَ وتَشْرِيفًا لَهم؛ إذْ في الحَقِيقَةِ ما أنْزَلَ إلّا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَكِنَّهُ لَمّا كُنّا مُخاطَبِينَ بِأحْكامِهِ ومُكَلَّفِينَ بِاتِّباعِهِ؛ صارَ كَأنَّهُ نَزَّلَ عَلَيْنا. و”الكِتابَ“ القُرْآنُ، و”الحِكْمَةَ“ هي السُّنَّةُ الَّتِي بِها كَمالُ الأحْكامِ الَّتِي لَمْ يَتَضَمَّنْها القُرْآنُ، والمُبَيِّنَةُ ما فِيهِ مِنَ الإجْمالِ. ودَلَّ هَذا عَلى أنَّ السُّنَّةَ أنْزَلَها اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ ﷺ كَما قالَ تَعالى: ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ [النجم: ٣] ﴿إنْ هو إلّا وحْيٌ يُوحى﴾ [النجم: ٤] . قِيلَ: وفي ظاهِرِهِ رَدٌّ عَلى مَن زَعَمَ أنَّ لَهُ الحُكْمَ بِالِاجْتِهادِ؛ لِأنَّ ما يَحْكُمُ بِهِ مِنَ السُّنَّةِ يَنْزِلُ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِ؛ فَلا اجْتِهادَ، وذِكْرُ النِّعَمِ لا يُرادُ بِهِ سَرْدُها عَلى اللِّسانِ، وإنَّما المُرادُ بِالذِّكْرِ الشُّكْرُ عَلَيْها؛ لِأنَّ ذِكْرَ المُسْلِمِ النِّعْمَةَ سَبَبٌ لِشُكْرِها، فَعَبَّرَ بِالسَّبَبِ عَنِ المُسَبَّبِ، فَإنْ أُرِيدَ بِالنِّعْمَةِ المُنْعَمِ بِهِ فَيَكُونُ ”عَلَيْكم“ في مَوْضِعِ الحالِ؛ فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، أيْ: كائِنَةٌ عَلَيْكم، ويَكُونُ في ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ نِعْمَتَهُ تَعالى مُنْسَحِبَةٌ عَلَيْنا، قَدِ اسْتَعْلَتْ وتَجَلَّلَتْ وصارَتْ كالظُّلَّةِ لَنا. وإنْ أُرِيدَ بِالنِّعْمَةِ الإنْعامُ فَيَكُونُ ”عَلَيْكم“ مُتَعَلِّقًا بِلَفْظِ النِّعْمَةِ، ويَكُونُ إذْ ذاكَ مَصْدَرًا مِن ”أنْعَمَ“ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، كَنَباتٍ مِن أنْبَتَ. و”عَلَيْكُمُ“ الثّانِيَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ”أنْزَلَ“، و”مِن“ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: كائِنًا مِنَ الكِتابِ، ويَكُونُ حالًا مِن ما أنْزَلَ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ العائِدِ عَلى المَوْصُولِ المَحْذُوفِ؛ إذْ تَقْدِيرُهُ: وما أنْزَلَ عَلَيْكم. ومَن أثْبَتَ لِـ ”مِن“ مَعْنى البَيانِ لِلْجِنْسِ جَوَّزَ ذَلِكَ هُنا، كَأنَّهُ قِيلَ: وما أنْزَلَهُ عَلَيْكُمُ الَّذِي هو الكِتابُ والسُّنَّةُ. ﴿يَعِظُكم بِهِ﴾ [البقرة: ٢٣١]: يُذَكِّرُكم بِهِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى ”ما“ مِن قَوْلِهِ: ”وما أنْزَلَ“، وهي جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِنَ الفاعِلِ المُسْتَكِنِّ في ”أنْزَلَ“، والعامِلُ فِيها ”أنْزَلَ“، وجَوَّزُوا في ”ما“ مِن قَوْلِهِ: ”وما أنْزَلَ“ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً. و”يَعِظُكم“ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الخَبَرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: والمُنَزِّلُهُ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ والحِكْمَةِ يَعِظُكم بِهِ، وعَطْفُهُ عَلى النِّعْمَةِ أظْهَرُ. (واتَّقُوا اللَّهَ)، لَمّا كانَ تَعالى قَدْ ذَكَرَ أوامِرَ ونَواهِيَ، وذَلِكَ بِسَبَبِ النِّساءِ اللّاتِي هُنَّ مَظِنَّةُ الإهْمالِ وعَدَمِ الرِّعايَةِ؛ أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِالتَّقْوى، وهي الَّتِي بِحُصُولِها يَحْصُلُ الفَلاحُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْها ما يُؤَكِّدُ طَلَبَها وهي قَوْلُهُ: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٣١]، والمَعْنى: بِطَلَبِ العِلْمِ الدَّيْمُومَةِ عَلَيْهِ؛ إذْ هم عالِمُونَ بِذَلِكَ، وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ يَعْلَمُ نِيّاتِكم في المُضارَّةِ والِاعْتِداءِ، فَلا تَلْبِسُوا عَلى أنْفُسِكم. وكَرَّرَ اسْمَ اللَّهِ في قَوْلِهِ تَعالى: (واتَّقُوا اللَّهَ)، (واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ) لِكَوْنِهِ مِن جُمْلَتَيْنِ؛ فَتَكْرِيرُهُ أفْخَمُ، وتَرْدِيدُهُ في النُّفُوسِ أعْظَمُ. ﴿وإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والزُّهْرِيُّ، والضَّحّاكُ: نَزَلَتْ في كُلِّ مَن مَنَعَ امْرَأةً مِن نِسائِهِ عَنِ النِّكاحِ بِغَيْرِهِ إذا طَلَّقَها، وقِيلَ: نَزَلَتْ في ابْنَةِ عَمِّ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، طَلَّقَها زَوْجُها، وانْقَضَتْ عِدَّتُها فَأرادَ رَجْعَتَها، فَأتى جابِرٌ وقالَ: طَلَّقْتَ ابْنَةَ عَمِّنا ثُمَّ تُرِيدُ أنْ تَنْكِحَها ؟ وكانَتِ المَرْأةُ تُرِيدُ زَوْجَها؛ فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: في مَعْقِلِ بْنِ يَسارٍ، وأُخْتِهِ جُمْلٍ، وزَوْجِها أبِي الوَلِيدِ عاصِمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ العَجْلانِ، جَرى لَهم ما جَرى لِجابِرٍ في قِصَّتِهِ، ذَكَرَ مَعْناهُ البُخارِيُّ. فَعَلى السَّبَبِ الأوَّلِ يَكُونُ المُخاطَبُونَ هُمُ الأزْواجُ، وعَلى هَذا السَّبَبِ الأوْلِياءُ، وفِيهِ بُعْدٌ؛ لِأنَّ نِسْبَةَ الطَّلاقِ إلَيْهِمْ هو مَجازٌ بَعِيدٌ، وهو أنْ تَكُونَ الأوْلِياءُ قَدْ تَسَبَّبُوا في الطَّلاقِ حَتّى وقَعَ، فَنُسِبَ إلَيْهِمُ الطَّلاقُ بِهَذا الِاعْتِبارِ، ويَبْعُدُ جِدًّا أنْ يَكُونَ الخِطابُ في: (وإذا طَلَّقْتُمُ) لِلْأزْواجِ، وفي: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ لِلْأوْلِياءِ؛ لِتَنافِي التَّخاطُبِ، ولِتَنافُرِ الشَّرْطِ والجَزاءِ، فالأوْلى - والَّذِي يُناسِبُهُ سِياقُ الكَلامِ - أنَّ الخِطابَ في الشَّرْطِ (p-٢١٠)والجَزاءِ لِلْأزْواجِ؛ لِأنَّ الخِطابَ مِن أوَّلِ الآياتِ هو مَعَ الأزْواجِ، ولَمْ يَجْرِ لِلْأوْلِياءِ ذِكْرٌ؛ ولِأنَّ الآيَةَ قَبْلَ هَذِهِ خِطابٌ مَعَ الأزْواجِ في كَيْفِيَّةِ مُعامَلَةِ النِّساءِ قَبْلَ انْقِضاءِ العِدَّةِ، وهَذِهِ الآيَةُ خِطابٌ لَهم في كَيْفِيَّةِ مُعامَلَتِهِمْ مَعَهُنَّ بَعْدَ انْقِضاءِ العِدَّةِ، ويَكُونُ الأزْواجُ المُطَلِّقُونَ قَدِ انْتَهَوْا عَنِ العَضْلِ؛ إذْ كانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ ظُلْمًا وقَهْرًا وحَمِيَّةَ الجاهِلِيَّةِ، لا يَتْرُكُونَهُنَّ يَتَزَوَّجْنَ مَن شِئْنَ مِنَ الأزْواجِ، وعَلى هَذا يَكُونُ مَعْنى: ﴿أنْ يَنْكِحْنَ أزْواجَهُنَّ﴾ أيْ: مَن يُرِدْنَ أنْ يَتَزَوَّجْنَهُ، فَسُمُّوا أزْواجًا بِاعْتِبارِ ما يَؤُولُونَ إلَيْهِ، وعَلى القَوْلِ بِأنَّ الخِطابَ لِلْأوْلِياءِ يَكُونُ أزْواجُهُنَّ هُمُ المُطَلِّقُونَ، سُمُّوا أزْواجًا بِاعْتِبارِ ما كانُوا عَلَيْهِ، وإنْ لَمْ يَكُونُوا بَعْدَ انْقِضاءِ العِدَّةِ أزْواجًا حَقِيقَةً. وجِهاتُ العَضْلِ مِنَ الزَّوْجِ مُتَعَدِّدَةٌ: بِأنْ يَجْحَدَ الطَّلاقَ، أوْ يَدَّعِيَ رَجْعَةً في العِدَّةِ، أوْ يَتَوَعَّدَ مَن يَتَزَوَّجُها، أوْ يُسِيءَ القَوْلَ فِيها لِيُنَفِّرَ النّاسَ عَنْها؛ فَنُهُوا عَنِ العَضْلِ مُطْلَقًا بِأيِّ سَبَبٍ كانَ مِمّا ذَكَرْناهُ ومِن غَيْرِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والوَجْهُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلنّاسِ، أيْ: لا يُوجَدُ فِيما بَيْنَكم عَضْلٌ؛ لِأنَّهُ إذا وُجِدَ بَيْنَهم وهم راضُونَ كانُوا في حُكْمِ العاضِلِينَ. وصَدَّرَ بِما يُقارِبُ هَذا المَعْنى كَلامَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، فَقالَ: ﴿وإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾، الآيَةَ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ هُمُ الأزْواجُ، ومِنهُمُ الأوْلِياءُ؛ لِأنَّهُمُ المُرادُ في تَعْضُلُوهُنَّ. انْتَهى كَلامُهُ. وهَذا التَّوْجِيهُ يَؤُولُ إلى أنَّ الخِطابَ في ”طَلَّقْتُمْ“ لِلْأزْواجِ، وفي ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ لِلْأوْلِياءِ، وقَدْ بَيَّنّا ما فِيهِ مِنَ التَّنافُرِ. ﴿أنْ يَنْكِحْنَ أزْواجَهُنَّ﴾، هو في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ، بَدَلِ اشْتِمالٍ، أوْ عَلى أنَّ أصْلَهُ: مِن أنْ يَنْكِحْنَ، ويَنْكِحْنَ مُضارِعُ نَكَحَ الثُّلاثِيِّ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ لِلْمَرْأةِ أنْ تَنْكِحَ بِغَيْرِ ولِيٍّ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ لَهُ حَقٌّ لَما نُهِيَ عَنْهُ؛ فَلا يُسْتَدَلُّ بِالنَّهْيِ عَلى إثْباتِ الحَقِّ، وظاهِرُهُ العَقْدُ. وظاهِرُ الآيَةِ إذا كانَ الخِطابُ في ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ لِلْأوْلِياءِ النَّهْيَ عَنْ مُطْلَقِ العَضْلِ؛ فَيَتَحَقَّقُ بِعَضْلِها عَنْ خاطِبٍ واحِدٍ، وقالَ مالِكٌ: إذا مَنَعَها مِن خاطِبٍ أوْ خاطِبَيْنِ لا يَكُونُ بِذَلِكَ عاضِلًا. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: الثَّيِّبُ تُزَوِّجُ نَفْسَها وتَسْتَوْفِي المَهْرَ، ولا اعْتِراضَ لِلْوَلِيِّ عَلَيْها، وهو قَوْلُ زُفَرَ. وإنْ كانَ غَيْرَ كُفْءٍ جازَ، ولِلْأوْلِياءِ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَهُما. وعَلى جَوازِ النِّكاحِ بِغَيْرِ ولِيٍّ: ابْنُ سِيرِينَ، والشَّعْبِيُّ، والزُّهْرِيُّ، وقَتادَةُ. وقالَ أبُو يُوسُفَ: إنْ سَلَّمَ الوَلِيُّ نِكاحَها جازَ وإلّا فَلا، إلّا إنْ كانَ كُفُؤًا فَيُجِيزُهُ القاضِي إنْ أبى الوَلِيُّ أنْ يُسَلِّمَ، وهو قَوْلُ مُحَمَّدٍ. ورُوِيَ عَنْ أبِي يُوسُفَ غَيْرُ هَذا. وقالَ الأوْزاعِيُّ: إذا ولَّتْ أمْرَها رَجُلًا، وكانَ الزَّوْجُ كُفُؤًا؛ فالنِّكاحُ جائِزٌ ولَيْسَ لِلْوَلِيِّ أنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُما. وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى، وابْنُ شُبْرُمَةَ، والثَّوْرِيُّ، والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ: لا يَجُوزُ النِّكاحُ إلّا بِوَلِيٍّ، وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ. وقالَ اللَّيْثُ: تُزَوِّجُ نَفْسَها بِغَيْرِ ولِيٍّ. وقالَ ابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ: إذا كانَتْ مُعْتَقَةً، أوْ مِسْكِينَةً، أوْ دَنِيئَةً؛ فَلا بَأْسَ أنْ تَسْتَخْلِفَ رَجُلًا يُزَوِّجُها، ولِلْأوْلِياءِ فَسْخُ ذَلِكَ قَبْلَ الدُّخُولِ، وعَنْهُ خِلافٌ بَعْدَ الدُّخُولِ، وإنْ كانَتْ ذاتَ غِنًى فَلا يَجُوزُ أنْ يُزَوِّجَها إلّا الوَلِيُّ أوِ السُّلْطانُ، وحُجَجُ هَذِهِ المَذاهِبِ في كُتُبِ الفِقْهِ. ﴿إذا تَراضَوْا﴾، الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الخُطّابِ والنِّساءِ، وغَلَّبَ المُذَكَّرَ؛ فَجاءَ الضَّمِيرُ بِالواوِ، ومَن جَعَلَ لِلْأوْلِياءِ ذِكْرًا في الآيَةِ قالُوا: احْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى الأوْلِياءِ والأزْواجِ. والعامِلُ في ”إذا“ يَنْكِحْنَ. ﴿بَيْنَهم بِالمَعْرُوفِ﴾، الضَّمِيرُ في ”بَيْنَهم“ ظَرْفٌ مَجازِيٌّ ناصِبُهُ ﴿تَراضَوْا﴾، (بِالمَعْرُوفِ): ظاهِرُهُ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِتَراضَوْا، وفُسِّرَ بِأنَّهُ ما يَحْسُنُ مِنَ الدِّينِ والمُرُوءَةِ في الشَّرائِطِ، وقِيلَ: مَهْرُ المِثْلِ، وقِيلَ: المَهْرُ والإشْهادُ. ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ (بِالمَعْرُوفِ) بِـ ﴿يَنْكِحْنَ﴾ لا بِـ ﴿تَراضَوْا﴾، ولا يُعْتَقَدُ أنَّ ذَلِكَ مِنَ الفَصْلِ بَيْنَ العامِلِ والمَعْمُولِ الَّذِي لا يَنْتَفِي، بَلْ هو مِنَ الفَصْلِ الفَصِيحِ؛ لِأنَّهُ فَصْلٌ بِمَعْمُولِ الفِعْلِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إذا تَراضَوْا﴾، فَإذا مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ يَنْكِحْنَ﴾، و(بِالمَعْرُوفِ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ؛ فَكِلاهُما مَعْمُولٌ لِلْفِعْلِ. ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كانَ مِنكم يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾، ”ذَلِكَ“: خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ وقِيلَ: لِكُلِّ سامِعٍ، ثُمَّ رَجَعَ إلى (p-٢١١)خِطابِ الجَماعَةِ فَقالَ: مِنكم، وقِيلَ: ذَلِكَ بِمَعْنى: ذَلِكم، وأشارَ بِذَلِكَ إلى ما ذُكِرَ في الآيَةِ مِنَ النَّهْيِ عَنِ العَضْلِ، و”ذَلِكَ“: لِلْبُعْدِ، نابَ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ الَّذِي لِلْقُرْبِ، وهو: هَذا، وإنْ كانَ الحُكْمُ قَرِيبًا ذَكَرَهُ في الآيَةِ، وذَلِكَ يَكُونُ لِعَظَمَةِ المُشِيرِ إلى الشَّيْءِ، ومَعْنى (يُوعَظُ بِهِ) أيْ: يُذَكَّرُ بِهِ، ويُخَوَّفُ. و”مِنكم“ مُتَعَلِّقٌ بِكانَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في ”يُؤْمِنُ“، وذَكَرَ الإيمانَ بِاللَّهِ لِأنَّهُ تَعالى هو المُكَلِّفُ لِعِبادِهِ، النّاهِي لَهم والآمِرُ. و﴿اليَوْمَ الآخِرَ﴾ [العنكبوت: ٣٦] لِأنَّهُ هو الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ التَّخْوِيفُ، وتُجْنى فِيهِ ثَمَرَةُ مُخالَفَةِ النَّهْيِ، وخَصَّ المُؤْمِنِينَ لِأنَّهُ لا يَنْتَفِعُ بِالوَعْظِ إلّا المُؤْمِنُ؛ إذْ نُورُ الإيمانِ يُرْشِدُهُ إلى القَبُولِ: ﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ [الأنعام: ٣٦]، وسَلامَةُ عَقْلِهِ تُذْهِبُ عَنْهُ مُداخَلَةَ الهَوى: ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ [الرعد: ١٩] . ﴿ذَلِكم أزْكى لَكم وأطْهَرُ﴾، أيِ: التَّمَكُّنُ مِنَ النِّكاحِ أزْكى لِمَن هو بِصَدَدِ العَضْلِ لِما لَهُ في امْتِثالِ أمْرِ اللَّهِ مِنَ الثَّوابِ، وأطْهَرُ لِلزَّوْجَيْنِ لِما يُخْشى عَلَيْهِما مِنَ الرِّيبَةِ إذا مُنِعا مِنَ النِّكاحِ، وذَلِكَ بِسَبَبِ العَلاقاتِ الَّتِي بَيْنَ النِّساءِ والرِّجالِ. ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾، أيْ: يَعْلَمُ ما تَنْطَوِي عَلَيْهِ قُلُوبُ الزَّوْجَيْنِ مِن مَيْلِ كُلٍّ مِنهُما لِلْآخَرِ؛ لِذَلِكَ نَهى تَعالى عَنِ العَضْلِ، قالَ مَعْناهُ ابْنُ عَبّاسٍ. أوْ يَعْلَمُ ما فِيهِ مِنَ اكْتِسابِ الثَّوابِ وإسْقاطِ العِقابِ. أوْ يَعْلَمُ بَواطِنَ الأُمُورِ ومَآلَها، وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ذَلِكَ، إنَّما تَعْلَمُونَ ما ظَهَرَ. أوْ يَعْلَمُ مَن يَعْمَلُ عَلى وفْقِ هَذِهِ التَّكالِيفِ ومَن لا يَعْمَلُ بِها. ويَكُونُ المَقْصُودُ بِذَلِكَ: تَقْرِيرُ الوَعْدِ والوَعِيدِ. قِيلَ: وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ سِتَّةَ أنْواعٍ مِن ضُرُوبِ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ مِن عِلْمِ البَيانِ: الأوَّلُ: الطِّباقُ، وهو الطَّلاقُ والإمْساكُ، فَإنَّهُما ضِدّانِ، والتَّسْرِيحُ طِباقٌ ثانٍ لِأنَّهُ ضِدُّ الإمْساكِ، والعِلْمُ وعَدَمُ العِلْمِ، لِأنَّ عَدَمَ العِلْمِ هو الجَهْلُ. الثّانِي: المُقابَلَةُ في: ﴿فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١]، و﴿ولا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا﴾ [البقرة: ٢٣١] قابَلَ المَعْرُوفَ بِالضِّرارِ، والضِّرارُ مُنَكَّرٌ، فَهَذِهِ مُقابَلَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ. الثّالِثُ: التَّكْرارُ في: ﴿فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ﴾، كَرَّرَ اللَّفْظَ لِتَغْيِيرِ المَعْنَيَيْنِ، وهو غايَةُ الفَصاحَةِ؛ إذِ اخْتِلافُ مَعْنى الِاثْنَيْنِ دَلِيلٌ عَلى اخْتِلافِ البُلُوغَيْنِ. الرّابِعُ: الِالتِفاتُ في: ﴿وإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ﴾، ثُمَّ التَفَتَ إلى الأوْلِياءِ فَقالَ: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾، وفي الآيَةِ - في قَوْلِهِ: ذَلِكَ - إذا كانَ خِطابًا لِلنَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ التَفَتَ إلى الجَمْعِ في قَوْلِهِ ”مِنكم“ . الخامِسُ: التَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ، التَّقْدِيرُ: أنْ يَنْكِحْنَ أزْواجَهُنَّ بِالمَعْرُوفِ إذا تَراضَوْا. السّادِسُ: مُخاطَبَةُ الواحِدِ بِلَفْظِ الجَمْعِ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ في أسْبابِ النُّزُولِ أنَّها نَزَلَتْ في مَعْقِلِ بْنِ يَسارٍ، أوْ في أُخْتِ جابِرٍ، وقِيلَ ”ابْنَتُهُ“ .

البقرة 2:233

﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ﴾، مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ جُمْلَةً في: النِّكاحِ، والطَّلاقِ، والعِدَّةِ، والرَّجْعَةِ، والعَضْلِ؛ أخَذَ يَذْكُرُ حُكْمَ ما كانَ مِن نَتِيجَةِ النِّكاحِ، وهو ما شُرِعَ مِن حُكْمِ الإرْضاعِ ومُدَّتِهِ، وحُكْمِ الكُسْوَةِ، والنَّفَقَةِ، عَلى ما يَقَعُ الكَلامُ فِيهِ في هَذِهِ الآيَةِ، إنْ شاءَ اللَّهُ. ﴿والوالِداتُ﴾: جَمْعُ والِدَةٍ بِالتّاءِ، وكانَ القِياسُ أنْ يُقالَ: والِدٌ، لَكِنْ قَدْ أطْلَقَ عَلى الأبِ والِدٌ؛ ولِذَلِكَ قِيلَ فِيهِ وفي الأُمِّ (الوالِداتُ)؛ فَجاءَتِ التّاءُ في الوالِدَةِ لِلْفَرْقِ بَيْنَ المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ مِن حَيْثُ الإطْلاقِ اللُّغَوِيِّ، وكَأنَّهُ رُوعِيَ في الإطْلاقِ أنَّهُما أصْلانِ لِلْوَلَدِ؛ فَأُطْلِقَ عَلَيْهِما: والِدانِ. وظاهِرُ لَفْظِ ”الوالِداتِ“ العُمُومُ؛ فَيَدْخُلُ فِيهِ الزَّوْجاتُ والمُطَلَّقاتُ. وقالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، وغَيْرُهُما: في المُطَلَّقاتِ، جَعَلَها اللَّهُ حَدًّا عِنْدَ اخْتِلافِ الزَّوْجَيْنِ في مُدَّةِ الرَّضاعِ، فَمَن دَعا مِنهُما إلى إكْمالِ الحَوْلَيْنِ فَذَلِكَ لَهُ، ورَجَّحَ هَذا القَوْلَ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿والوالِداتُ﴾ عُقَيْبَ آيَةِ الطَّلاقِ، فَكانَتْ مِن تَتِمَّتِها؛ فَشُرِعَ ذَلِكَ لَهُنَّ لِأنَّ الطَّلاقَ يَحْصُلُ فِيهِ التَّباغُضُ، فَرُبَّما حَمَلَ عَلى أذى الوَلَدِ؛ لِأنَّ إيذاءَهُ إيذاءُ والِدِهِ، ولِأنَّ في رَغْبَتِها في التَّزْوِيجِ بِآخَرَ إهْمالَ الوَلَدِ. وقِيلَ: هي في الزَّوْجاتِ فَقَطْ، لِأنَّ المُطَلَّقَةَ لا تَسْتَحِقُّ الكُسْوَةَ، وإنَّما تَسْتَحِقُّ الأُجْرَةَ، ﴿يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ﴾ صُورَتُهُ خَبَرٌ، مُحْتَمِلٌ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ خَبَرًا، أيْ: في حُكْمِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي (p-٢١٢)شَرَعَهُ، فالوالِداتُ أحَقُّ بِرَضاعِ أوْلادِهِنَّ، سَواءً كانَتْ في حِيالَةِ الزَّوْجِ أوْ لَمْ تَكُنْ، فَإنَّ الإرْضاعَ مِن خَصائِصِ الوِلادَةِ لا مِن خَصائِصِ الزَّوْجِيَّةِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ الأمْرُ كَقَوْلِهِ: ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، لَكِنَّهُ أمْرُ نَدْبٍ لا إيجابٍ؛ إذْ لَوْ كانَ واجِبًا لَما اسْتَحَقَّ الأُجْرَةَ. وقالَ تَعالى: ﴿وإنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى﴾ [الطلاق: ٦]؛ فَوُجُوبُ الإرْضاعِ إنَّما هو عَلى الأبِ لا عَلى الأُمِّ، وعَلَيْهِ أنْ يَتَّخِذَ لَهُ ظِئْرًا، إلّا إذا تَطَوَّعَتِ الأُمُّ بِإرْضاعِهِ، وهي مَندُوبَةٌ إلى ذَلِكَ ولا تُجْبَرُ عَلَيْهِ، فَإذا لَمْ يَقْبَلْ ثَدْيَها، أوْ لَمْ يُوجِدْ لَهُ ظِئْرًا، وعَجَزَ الأبُ عَنِ الِاسْتِئْجارِ؛ وجَبَ عَلَيْها إرْضاعُهُ، فَعَلى هَذا يَكُونُ الأمْرُ لِلْوُجُوبِ في بَعْضِ الوالِداتِ. ومَذْهَبُ الشّافِعِيِّ أنَّ الإرْضاعَ لا يَلْزَمُ إلّا الوالِدَ أوِ الجَدَّ وإنْ عَلا. ومَذْهَبُ مالِكٍ: أنَّهُ حَقٌّ عَلى الزَّوْجَةِ؛ لِأنَّهُ كالشَّرْطِ، إلّا أنْ تَكُونَ شَرِيفَةً ذاتَ نَسَبٍ، فَعُرْفُها أنْ لا تُرْضِعَ. وعَنْهُ خِلافٌ في بَعْضِ مَسائِلِ الإرْضاعِ. ﴿حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ﴾، وصَفَ الحَوْلَيْنِ بِالكَمالِ دَفْعًا لِلْمَجازِ الَّذِي يَحْتَمِلُهُ حَوْلَيْنِ؛ إذْ يُقالُ: أقَمْتُ عِنْدَ فُلانٍ حَوْلَيْنِ - وإنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهُما - وهي صِفَةُ تَوْكِيدٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿عَشَرَةٌ كامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وجَعَلَ تَعالى هَذِهِ المُدَّةَ حَدًّا عِنْدَ اخْتِلافِ الزَّوْجَيْنِ في مُدَّةِ الرَّضاعِ، فَمَن دَعا مِنهُما إلى كَمالِ الحَوْلَيْنِ فَذَلِكَ لَهُ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: ”أوْلادَهُنَّ“ العُمُومُ؛ فالحَوْلانِ لِكُلِّ ولَدٍ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هي في الوَلَدِ يَمْكُثُ في البَطْنِ سِتَّةَ أشْهُرٍ، فَإنْ مَكَثَ سَبْعَةً فَرَضاعُهُ ثَلاثَةٌ وعِشْرُونَ، أوْ ثَمانِيَةً؛ فاثْنانِ وعِشْرُونَ، أوْ تِسْعَةً، فَأحَدَ وعِشْرُونَ، وكَأنَّ هَذا القَوْلَ انْبَنى عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]؛ لِأنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ عَلى الإنْسانِ عُمُومًا. وفي قَوْلِهِ ”يُرْضِعْنَ“ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الأُمَّ أحَقُّ بِرَضاعِ الوَلَدِ، وقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ هُنا في مَسائِلَ لا تَعَلُّقَ لَها بِلَفْظِ القُرْآنِ، مِنها: مُدَّةُ الرَّضاعِ المُحَرِّمَةِ، وقَدْرُ الرَّضاعِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّحْرِيمُ، والحَضانَةُ، ومَن أحَقُّ بِها بَعْدَ الأُمِّ ؟ وما الحُكْمُ في الوَلَدِ إذا تَزَوَّجَتِ الأُمُّ ؟ وهَلْ لِلذِّمِّيَّةِ حَقٌّ في الرَّضاعَةِ ؟ وأطالُوا بِنَقْلِ الخِلافِ والدَّلائِلِ، ومَوْضُوعُ هَذا عِلْمُ الفِقْهِ. ﴿لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾، هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإرْضاعَ في الحَوْلَيْنِ لَيْسَ بِحَدٍّ لا يُتَعَدّى، وإنَّما ذَلِكَ لِمَن أرادَ الإتْمامَ، أمّا مَن لا يُرِيدُهُ فَلَهُ فَطْمُ الوَلَدِ دُونَ بُلُوغِ ذَلِكَ، إذا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ لِلْوَلَدِ، ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: تَضَمَّنَتْ فَرْضَ الإرْضاعِ عَلى الوالِداتِ، ثُمَّ يُسِّرَ ذَلِكَ وخُفِّفَ، فَنَزَلَ: ﴿لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلٌ مُتَداعٍ. قالَ الرّاغِبُ: وفي قَوْلِهِ: ﴿حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ تَجاوُزُ ذَلِكَ، وأنْ لا حُكْمَ لِلرَّضاعِ بَعْدَ الحَوْلَيْنِ، وتَقْوِيَةً لِإرْضاعٍ بَعْدَ الحَوْلَيْنِ، والرَّضاعَةُ مِنَ المَجاعَةِ، ويُؤَكِّدُهُ أنَّ كُلَّ حُكْمٍ في الشَّرْعِ عُلِّقَ بِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ يَجُوزُ الإخْلالُ بِهِ في أحَدِ الطَّرَفَيْنِ، لَمْ يَجُزِ الإخْلالُ بِهِ في الطَّرَفِ الآخَرِ، كَخِيارِ الثَّلاثِ، وعَدَدِ حِجارَةِ الِاسْتِنْجاءِ، والمَسْحِ عَلى الخُفَّيْنِ يَوْمًا ولَيْلَةً وثَلاثَةَ أيّامٍ، ولَمّا كانَ الرَّضاعُ يَجُوزُ الإخْلالُ في أحَدِ الطَّرَفَيْنِ - وهو النُّقْصانُ - لَمْ تَجُزْ مُجاوَزَتُهُ. انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ غَيْرُهُ: ذِكْرُ الحَوْلَيْنِ لَيْسَ عَلى التَّوْقِيتِ الواجِبِ، وإنَّما هو لِقَطْعِ المُشاجَرَةِ بَيْنَ الوالِدَيْنِ. وجُمْهُورُ الفُقَهاءِ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ الزِّيادَةُ والنُّقْصانُ إذا رَأيا ذَلِكَ. واللّامُ في ”لِمَن“ قِيلَ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ”يُرْضِعْنَ“، كَما تَقُولُ: أرْضَعَتْ فُلانَةٌ لِفُلانٍ ولَدَهُ، وتَكُونُ اللّامُ عَلى هَذا لِلتَّعْلِيلِ، أيْ: لِأجْلِهِ؛ فَتَكُونُ ”مَن“ واقِعَةٌ عَلى الأبِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِأجْلِ مَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ عَلى الآباءِ، وقِيلَ: اللّامُ لِلتَّبْيِينِ؛ فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، كَهي في قَوْلِهِمْ: سَقْيًا لَكَ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣]، فاللّامُ لِتَبْيِينِ المَدْعُوِّ لَهُ بِالسَّقْيِ، ولِلْمُهَيَّتِ بِهِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ﴾؛ بَيَّنَ أنَّ هَذا الحُكْمَ إنَّما هو لِمَن يُرِيدُ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ مِنَ الوالِداتِ، فَتَكُونُ ”مَن“ واقِعَةً عَلى الأُمِّ، كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾ مِنَ الوالِداتِ. أوْ تَكُونُ ”مَن“ واقِعَةٌ عَلى الوالِداتِ والمَوْلُودِ لَهُ، كُلُّ ذَلِكَ يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ“ (p-٢١٣)بِالياءِ، مِن أتَمَّ، ونَصْبِ الرَّضاعَةِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ مُحَيِّصٍ، وأبُو رَجاءٍ: ”تَتِمَّ“ بِالتّاءِ، مِن تَمَّ، ورَفْعِ الرَّضاعَةِ. وقَرَأ أبُو حَنِيفَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، والجارُودُ بْنُ أبِي سَبْرَةَ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم كَسَرُوا الرّاءَ مِنَ الرَّضاعَةِ، وهي لُغَةٌ، كالحَضارَةِ والحِضارَةِ، والبَصْرِيُّونَ يَقُولُونَ بِفَتْحِ الرّاءِ مَعَ الهاءِ، وبِكَسْرِها دُونَ الهاءِ، والكُوفِيُّونَ يَعْكِسُونَ ذَلِكَ، ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قَرَأ: ”الرَّضْعَةَ“ عَلى وزْنِ ”القَصْعَةِ“، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ: ”أنْ يُكْمِلَ الرَّضاعَةَ“ بِضَمِّ الياءِ، وقُرِئَ: ”أنْ يُتِمُّ“ بِرَفْعِ المِيمِ، ونَسَبَها النَّحْوِيُّونَ إلى مُجاهِدٍ، وقَدْ جازَ رَفْعُ الفِعْلِ بَعْدَ ”أنْ“ في كَلامِ العَرَبِ في الشِّعْرِ. أنْشَدَ الفَرّاءُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: أنْ تَهْبِطِينَ بِلادَ قَوْ مٍ يَرْتَعُونَ مِنَ الطِّلاحِ وقالَ آخَرُ: ؎أنْ تُقْرِآنِ عَلى أسْماءَ ويْحَكُما مِنِّي السَّلامَ وأنْ لا تُبْلِغا أحَدا وهَذا عِنْدَ البَصْرِيِّينَ هي النّاصِبَةُ لِلْفِعْلِ المُضارِعِ، وتُرِكَ إعْمالُها حَمْلًا عَلى ”ما“ أُخْتِها في كَوْنِ كُلٍّ مِنهُما مَصْدَرِيَّةً، وأمّا الكُوفِيُّونَ فَهي عِنْدَهُمُ المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وشَذَّ وُقُوعُها مَوْقِعَ النّاصِبَةِ، كَما شَذَّ وُقُوعُ النّاصِبَةِ مَوْقِعَ المُخَفَّفَةِ في قَوْلِ جَرِيرٍ: ؎نَرْضى عَنِ اللَّهِ أنَّ النّاسَ قَدْ عَلِمُوا ∗∗∗ أنْ لا يُدانِيَنا مِن خَلْقِهِ بَشَرُ والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ إثْباتَ النُّونِ في المُضارِعِ المَذْكُورِ مَعَ ”أنَّ“ مَخْصُوصٌ بِضَرُورَةِ الشِّعْرِ، ولا يُحْفَظُ ”أنَّ“ غَيْرَ ناصِبَةٍ إلّا في هَذا الشِّعْرِ، والقِراءَةُ المَنسُوبَةُ إلى مُجاهِدٍ، وما سَبِيلُهُ هَذا، لا تُبْنى عَلَيْهِ قاعِدَةٌ. ﴿وعَلى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾، المَوْلُودُ: جِنْسٌ، واللّامُ فِيهِ مَوْصُولَةٌ وُصِلَتْ بِاسْمِ المَفْعُولِ و”ألْ“ كَـ ”مَن“، و”ما“ يَعُودُ الضَّمِيرُ عَلى اللَّفْظِ مُفْرَدًا مُذَكَّرًا، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى المَعْنى بِحَسَبِ ما تُرِيدُهُ مِنَ المَعْنى مِن تَثْنِيَةٍ أوْ جَمْعٍ أوْ تَأْنِيثٍ، وهُنا عادَ الضَّمِيرُ عَلى اللَّفْظِ، فَجاءَ لَهُ. ويَجُوزُ في العَرَبِيَّةِ أنْ يَعُودَ عَلى المَعْنى؛ فَكانَ يَكُونُ ”لَهم“، إلّا أنَّهُ لَمْ يُقْرَأْ بِهِ، والمَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ هو الجارُّ والمَجْرُورُ، وحُذِفَ الفاعِلُ - وهو ”الوالِداتُ“ - والمَفْعُولُ بِهِ - وهو الأوْلادُ - وأُقِيمَ الجارُّ والمَجْرُورُ مَقامَ الفاعِلِ، وهَذا عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، أعْنِي: أنْ يُقامَ الجارُّ مَقامَ الفاعِلِ إذا حُذِفَ، نَحْوَ: مُرَّ بِزَيْدٍ. وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ إلّا فِيما حَرْفُ الجَرِّ فِيهِ زائِدٌ، نَحْوَ: ما ضُرِبَ مِن أحَدٍ، فَإنْ كانَ حَرْفُ الجَرِّ غَيْرَ زائِدٍ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ عِنْدَهم، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْمُ المَجْرُورُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِاتِّفاقٍ مِنهم. واخْتَلَفُوا بَعْدَ هَذا الِاتِّفاقِ في الَّذِي أُقِيمَ مَقامَ الفاعِلِ؛ فَذَهَبَ الفَرّاءُ إلى أنَّ حَرْفَ الجَرِّ وحْدَهُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، كَما أنَّ: يَقُومُ مِن ”زَيْدٌ يَقُومُ“، في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وذَهَبَ الكِسائِيُّ وهِشامٌ إلى أنَّ مَفْعُولَ الفِعْلِ ضَمِيرٌ مُبْهَمٌ مُسْتَتِرٌ في الفِعْلِ، وإبْهامُهُ مِن حَيْثُ إنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الفِعْلُ مِن مَصْدَرٍ، أوْ ظَرْفِ زَمانٍ، أوْ ظَرْفِ مَكانٍ، ولَمْ يَقُمِ الدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ بَعْضُ ذَلِكَ دُونَ بَعْضٍ، ومِنهم مَن ذَهَبَ إلى أنَّ مَرْفُوعَ الفِعْلِ ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى المَصْدَرِ، والتَّقْدِيرُ: سَيْرٌ هو، يُرِيدُ: أيْ سَيْرُ السَّيْرِ، والضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِنَ الفِعْلِ، وهَذا سائِغٌ عِنْدَ بَعْضِ البَصْرِيِّينَ، ومَمْنُوعٌ عِنْدَ مُحَقِّقِي البَصْرِيِّينَ، والنَّظَرُ في دَلائِلِ هَذِهِ المَذاهِبِ تَصْحِيحًا وإبْطالًا يُذْكَرُ في عالَمِ النَّحْوِ. وقَدْ وهِمَ بَعْضُ كُبَرائِنا فَذَكَرَ في كِتابِهِ المُسَمّى بِـ (الشَّرْحُ الكَبِيرُ لِجُمَلِ الزَّجّاجِيِّ) أنَّ النَّحْوِيِّينَ أجْمَعُوا عَلى جَوازِ إقامَةِ المَجْرُورِ مَقامَ الفاعِلِ إلّا السُّهَيْلِيُّ؛ فَإنَّهُ مَنَعَ ذَلِكَ، ولَيْسَ كَما ذَكَرَ؛ إذْ قَدْ ذَكَرْنا الخِلافَ عَنِ الفَرّاءِ، والكِسائِيِّ، وهِشامٍ، والتَّفْصِيلَ في المَجْرُورِ. ومِمَّنْ تَبِعَ السُّهَيْلِيَّ عَلى قَوْلِهِ: تِلْمِيذُهُ أبُو عَلِيٍّ الزَّيْدِيُّ شارِحُ (الجُمَلِ) . و”المَوْلُودِ لَهُ“: هو الوالِدُ، وهو الأبُ، ولَمْ يَأْتِ بِلَفْظِ الوالِدِ، ولا بِلَفْظِ الأبِ، بَلْ جاءَ بِلَفْظِ ”المَوْلُودِ لَهُ“، لِما في ذَلِكَ مِن إعْلامِ الأبِ ما مَنَحَ اللَّهُ لَهُ وأعْطاهُ؛ إذِ (p-٢١٤)اللّامُ في ”لَهُ“ مَعْناها شِبْهُ التَّمْلِيكِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلَ لَكم مِن أزْواجِكم بَنِينَ وحَفَدَةً﴾ [النحل: ٧٢]، وهو أحَدُ المَعانِي الَّتِي ذَكَرْناها في اللّامِ في أوَّلِ الفاتِحَةِ؛ ولِذَلِكَ يَتَصَرَّفُ الوالِدُ في ولَدِهِ بِما يَخْتارُ، وتَجِدُ الوَلَدَ في الغالِبِ مُطِيعًا لِأبِيهِ، مُمْتَثِلًا ما أمَرَ بِهِ، مُنَفِّذًا ما أوْصى بِهِ، فالأوْلادُ في الحَقِيقَةِ هم لِلْآباءِ، ويَنْتَسِبُونَ إلَيْهِمْ لا إلى أُمَّهاتِهِمْ، كَما أنْشَدَ المَأْمُونُ بْنُ الرَّشِيدِ، وكانَتْ أُمُّهُ جارِيَةً طَبّاخَةً تُدْعى مَراجِلُ، قالَ: ؎فَإنَّما أُمَّهاتُ النّاسِ أوْعِيَةٌ ∗∗∗ مُسْتَوْدَعاتٌ ولِلْأبْناءِ آباءُ فَلَمّا كانَ لَفْظُ ”المَوْلُودِ“ مُشْعِرًا بِالمِنحَةِ وشِبْهِ التَّمْلِيكِ، أتى بِهِ دُونَ لَفْظِ ”الوَلَدِ“ ولَفْظِ ”الأبِ“، وحَيْثُ لَمْ يَرِدْ هَذا المَعْنى أتى بِلَفْظِ ”الوالِدِ“ ولَفْظِ ”الأبِ“، كَما قالَ تَعالى: ﴿لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ ولَدِهِ﴾ [لقمان: ٣٣]، وقالَ: ﴿لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ في آبائِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٥] . ولَطِيفَةٌ أُخْرى في قَوْلِهِ: ﴿وعَلى المَوْلُودِ لَهُ﴾، وهو أنَّهُ لَمّا كُلِّفَ بِمُؤَنِ المُرْضِعَةِ لِوَلَدِهِ مِنَ الرِّزْقِ والكِسْوَةِ؛ ناسَبَ أنْ يُسَلّى بِأنَّ ذَلِكَ الوَلَدَ هو ولَدٌ لَكَ لا لِأُمِّهِ، وأنَّكَ الَّذِي تَنْتَفِعُ بِهِ في التَّناصُرِ وتَكْثِيرِ العَشِيرَةِ، وأنَّ لَكَ عَلَيْهِ الطَّواعِيَةَ كَما كانَ عَلَيْكَ لِأجْلِهِ كُلْفَةُ الرِّزْقِ والكِسْوَةِ لِمُرْضِعَتِهِ. وفَسَّرَ ابْنُ عَطِيَّةَ هُنا ”الرِّزْقَ“ بِأنَّهُ الطَّعامُ الكافِي؛ فَجَعَلَهُ اسْمًا لِلْمَرْزُوقِ، كالطَّحْنِ والرَّعْيِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَكانَ عَلَيْهِمْ أنْ يَرْزُقُوهُنَّ ويَكْسُوهُنَّ؛ فَشَرَحَ الرِّزْقَ بِـ ”أنْ والفِعْلِ“ اللَّذَيْنِ يَنْسَبِكُ مِنهُما المَصْدَرُ، ويَحْتَمِلُ الرِّزْقُ الوَجْهَيْنِ مِن إرادَةِ المَرْزُوقِ، وإرادَةِ المَصْدَرِ. وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ ”رِزْقًا“ بِكَسْرِ الرّاءِ: حُكِيَ مَصْدَرًا، كَرَزْقٍ بِفَتْحِها، فِيما تَقَدَّمَ، وقَدْ جَعَلَهُ مَصْدَرًا أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ في قَوْلِهِ: ﴿ما لا يَمْلِكُ لَهم رِزْقًا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٣]، وقَدْ رَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ ابْنُ الطَّراوَةِ، وسَيَأْتِي ذَلِكَ في مَكانِهِ، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. ومَعْنى ”بِالمَعْرُوفِ“: ما جَرى بِهِ العُرْفُ مِن نَفَقَةٍ وكُسْوَةٍ لِمِثْلِها؛ بِحَيْثُ لا يَكُونُ إكْثارٌ ولا إقْلالٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ”بِالمَعْرُوفِ“ يَجْمَعُ جِنْسَ القَدْرِ في الطَّعامِ، وجَوْدَةَ الِاقْتِضاءِ لَهُ، وحُسْنَ الِاقْتِضاءِ مِنَ المَرْأةِ. انْتَهى كَلامُهُ. ولا يَدُلُّ عَلى حُسْنِ الِاقْتِضاءِ مِنَ المَرْأةِ؛ لِأنَّ الآيَةَ إنَّما هي فِيما يَجِبُ عَلى المَوْلُودِ لَهُ مِنَ الرِّزْقِ والكِسْوَةِ؛ فَـ ”بِالمَعْرُوفِ“ يَتَعَلَّقُ بِـ ”رِزْقُهُنَّ“ أوْ بِـ ”كِسْوَتُهُنَّ“ عَلى الإعْمالِ، إمّا لِلْأوَّلِ وإمّا لِلثّانِي - إنْ كانا مَصْدَرَيْنِ - وإنْ عَنى بِهِما المَرْزُوقَ، والشَّأْنَ؛ فَلا بُدَّ مِن حَذْفِ مُضافٍ، التَّقْدِيرُ: إيصالٌ أوْ دَفْعٌ، أوْ ما أشْبَهَ ذَلِكَ مِمّا يَصِحُّ بِهِ المَعْنى، ويَكُونُ ”بِالمَعْرُوفِ“ في مَوْضِعِ الحالِ مِنهُما؛ فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ. وقِيلَ: العامِلُ فِيهِ مَعْنى الِاسْتِقْرارِ في عَلى. وقَرَأ طَلْحَةُ: ﴿وكِسْوَتُهُنَّ﴾ بِضَمِّ الكافِ، وهُما لُغَتانِ، يُقالُ: كُسْوَةً وكِسْوَةً، بِضَمِّ الكافِ وكَسْرِها. * * ﴿لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إلّا وُسْعَها﴾، التَّكْلِيفُ: إلْزامُ ما يُؤْثَرُ في الكُلْفَةِ، مِن كَلِفَ الوَجْهُ، وكَلِفَ العِشْقُ؛ لِتَأْثِيرِهِما. وُسْعَها: طاقَتَها وهو ما يَحْتَمِلُهُ، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِن سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧] الآيَةَ، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إلّا وُسْعَها﴾ العُمُومُ في سائِرِ التَّكالِيفِ، قِيلَ: والمُرادُ مِنَ الآيَةِ: أنَّ والِدَ الصَّبِيِّ لا يُكَلَّفُ مِنَ الإنْفاقِ عَلَيْهِ وعَلى أُمِّهِ إلّا بِما تَتَّسِعُ بِهِ قُدْرَتُهُ، وقِيلَ: المَعْنى: لا تُكَلَّفُ المَرْأةُ الصَّبْرَ عَلى التَّقْصِيرِ في الأُجْرَةِ، ولا يُكَلَّفُ الزَّوْجُ ما هو إسْرافٌ، بَلْ يُراعى القَصْدُ. وقِراءَةُ الجُمْهُورِ: ﴿لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ﴾ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، والفاعِلُ هو اللَّهُ تَعالى، وحُذِفَ لِلْعِلْمِ بِهِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: ”لا تَكَلَّفُ“ بِفَتْحِ التّاءِ، أيْ: لا تَتَكَلَّفُ، وارْتَفَعَ نَفْسٌ عَلى الفاعِلِيَّةِ، وحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ عَلى الخِلافِ الَّذِي بَيْنَنا وبَيْنَ بَعْضِ الكُوفِيِّينَ، و”تَكَلَّفَ“ تَفَعَّلَ، مُطاوِعُ فَعَّلَ، نَحْوَ: كَسَرْتُهُ فَتَكَسَّرَ، والمُطاوَعَةُ أحَدُ المَعانِي الَّتِي جاءَ لَها تَفَعَّلَ. ورَوى أبُو الأشْهَبِ عَنْ أبِي رَجاءٍ أنَّهُ قَرَأ: ”لا نُكَلِّفُ نَفْسًا“ بِالنُّونِ، مُسْنِدًا الفِعْلَ إلى ضَمِيرِ اللَّهِ تَعالى، و”نَفْسًا“ بِالنَّصْبِ مَفْعُولٌ. ﴿لا تُضارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها ولا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾، قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ، وأبانٌ عَنْ عاصِمٍ: ”لا تُضارُّ“ بِالرَّفْعِ، أيْ: بِرَفْعِ الرّاءِ المُشَدَّدَةِ، وهَذِهِ القِراءَةُ مُناسِبَةٌ لِما قَبْلَها مِن قَوْلِهِ: ﴿لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إلّا وُسْعَها﴾ لِاشْتِراكِ الجُمْلَتَيْنِ في الرَّفْعِ، وإنِ اخْتَلَفَ مَعْناهُما؛ لِأنَّ (p-٢١٥)الأُولى خَبَرِيَّةٌ لَفْظًا ومَعْنًى، وهَذِهِ خَبَرِيَّةٌ لَفْظًا نَهْيِيَّةٌ في المَعْنى. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: ”لا تُضارَّ“ بِفَتْحِ الرّاءِ، جَعَلُوهُ نَهْيًا؛ فَسُكِّنَتِ الرّاءُ الأخِيرَةُ لِلْجَزْمِ، وسُكِّنَتِ الرّاءُ الأُولى لِلْإدْغامِ، فالتَقى ساكِنانِ، فَحُرِّكَ الأخِيرُ مِنهُما بِالفَتْحِ لِمُوافَقَةِ الألِفِ الَّتِي قَبْلَ الرّاءِ؛ لِتَجانُسِ الألِفِ والفَتْحَةِ، ألا تَراهم حِينَ رَخَّمُوا: ”أسْحارًّا“ وهو اسْمُ نَباتٍ، إذا سُمِّيَ بِهِ حَذَفُوا الرّاءَ الأخِيرَةَ، وفَتَحُوا الرّاءَ السّاكِنَةَ الَّتِي كانَتْ مُدْغَمَةً في الرّاءِ المَحْذُوفَةِ؛ لِأجْلِ الألْفِ قَبْلَها، ولَمْ يَكْسِرُوها عَلى أصْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَراعَوُا الألِفَ وفَتَحُوا، وعَدَلُوا عَنِ الكَسْرِ وإنْ كانَ الأصْلَ ؟ وقُرِأ: ”لا يُضارِّ“ بِكَسْرِ الرّاءِ المُشَدَّدَةِ عَلى النَّهْيِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ الصَّفّارُ: ”لا تُضارّْ“ بِالسُّكُونِ مَعَ التَّشْدِيدِ، أجْرى الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ، ورُوِيَ عَنْهُ: ”لا تُضارْ“ بِإسْكانِ الرّاءِ وتَخْفِيفِها، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، مِن ضارَ يَضِيرُ، وهو مَرْفُوعٌ أُجْرِيَ الوَصْلُ فِيهِ مَجْرى الوَقْفِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اخْتَلَسَ الضَّمَّةَ فَظَنَّهُ الرّاوِي سُكُونًا. انْتَهى. وهَذا عَلى عادَتِهِ في تَغْلِيطِ القُرّاءِ وتَوْهِيمِهِمْ، ولا نَذْهَبُ إلى ذَلِكَ. ووَجَّهَ هَذِهِ القِراءَةَ بَعْضُهم بِأنْ قالَ: حَذَفَ الرّاءَ الثّانِيَةَ فِرارًا مِنَ التَّشْدِيدِ في الحَرْفِ المُكَرَّرِ، وهو الرّاءُ، وجازَ أنْ يُجْمَعَ بَيْنَ السّاكِنَيْنِ: إمّا لِأنَّهُ أجْرى الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ، أوْ لِأنَّ مَدَّةَ الألِفِ تَجْرِي مَجْرى الحَرَكَةِ. انْتَهى. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ”لا تُضارِرْ“ بِفَكِّ الإدْغامِ وكَسْرِ الرّاءِ الأُولى وسُكُونِ الثّانِيَةِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: ”لا تُضارِرْ“ بِفَكِّ الإدْغامِ أيْضًا وفَتْحِ الرّاءِ الأُولى وسُكُونِ الثّانِيَةِ، قِيلَ: ورَواها أبانٌ عَنْ عاصِمٍ. والإظْهارُ في نَحْوِ هَذَيْنِ المَثَلَيْنِ لُغَةُ الحِجازِ، فَأمّا مَن قَرَأ بِتَشْدِيدِ الرّاءِ، مَرْفُوعَةً أوْ مَفْتُوحَةً أوْ مَكْسُورَةً، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، كَما جاءَ في قِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، ويَكُونُ ارْتِفاعُ ”والِدَةٌ“ و”مَوْلُودٌ“ عَلى الفاعِلِيَّةِ، إنْ قُدِّرَ الفِعْلُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وعَلى المَفْعُولِيَّةِ إنْ قُدِّرَ الفِعْلُ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، فَإذا قَدَّرْناهُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ فالمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لا تُضارِرْ والِدَةٌ زَوْجَها بِأنْ تُطالِبَهُ بِما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِن رِزْقٍ وكِسْوَةٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ الضَّرَرِ، ولا يُضارِرْ مَوْلُودٌ لَهُ زَوْجَتَهُ بِمَنعِها ما وجَبَ لَها مِن رِزْقٍ وكِسْوَةٍ، وأخْذِ ولَدِها مَعَ إيثارِها إرْضاعَهُ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ الضَّرَرِ. والباءُ في ”بِوَلَدِها“ وفي ”بِوَلَدِهِ“ باءُ السَّبَبِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”يُضارَّ“ بِمَعْنى تَضُرُّ، وأنْ تَكُونَ الباءُ مِن صِلَتِهِ، لا تَضُرُّ والِدَةٌ بِوَلَدِها، فَلا تُسِيءُ غِذاءَهُ وتَعَهُّدَهُ، ولا تُفَرِّطُ فِيما يَنْبَغِي لَهُ، ولا تَدْفَعُهُ إلى الأبِ بَعْدَما آلَفَها، ولا يَضُرُّ الوالِدُ بِهِ بِأنْ يَنْزِعَهُ مِن يَدِها، أوْ يُقَصِّرَ في حَقِّها، فَتُقَصِّرَ هي في حَقِّ الوَلَدِ. انْتَهى كَلامُهُ. ويَعْنِي بِقَوْلِهِ: أنْ تَكُونَ الباءُ مِن صِلَتِهِ، يَعْنِي مُتَعَلِّقَةً بِتُضارَّ، ويَكُونُ ضارَّ بِمَعْنى أضَرَّ، فاعَلَ بِمَعْنى أفْعَلَ، نَحْوَ: باعَدْتُهُ وأبْعَدْتُهُ، وضاعَفْتُهُ وأضْعَفْتُهُ، وكَوْنُ فاعَلَ بِمَعْنى أفْعَلَ هو مِنَ المَعانِي الَّتِي وُضِعَ لَها فاعَلَ، تَقُولُ: أضَرَّ بِفُلانٍ الجُوعُ؛ فالجارُّ والمَجْرُورُ هو المَفْعُولُ بِهِ مِن حَيْثُ المَعْنى، فَلا يَكُونُ المَفْعُولُ مَحْذُوفًا، بِخِلافِ التَّوْجِيهِ الأوَّلِ، وهو أنْ تَكُونَ الباءُ لِلسَّبَبِ؛ فَيَكُونَ المَفْعُولُ مَحْذُوفًا كَما قَدَّرْناهُ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضِّرارُ راجِعًا إلى الصَّبِيِّ، أيْ: لا يُضارُّ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما الصَّبِيَّ، فَلا يُتْرَكُ رَضاعُهُ حَتّى يَمُوتَ، ولا يُنْفِقُ عَلَيْهِ الأبُ أوْ يَنْزِعُهُ مِن أُمِّهِ حَتّى يَضُرَّ بِالصَّبِيِّ، وتَكُونُ الباءُ زائِدَةً؛ مَعْناهُ: لا تُضارَّ والِدَةٌ ولَدَها ولا مَوْلُودٌ لَهُ ولَدَهُ. انْتَهى. فَيَكُونُ ”ضارَّ“ بِمَعْنى: ضَرَّ، فَيَكُونُ مِمّا وافَقَ فِيهِ فاعَلَ الفِعْلَ المُجَرَّدَ الَّذِي هو ”ضَرَّ“، نَحْوَ قَوْلِهِمْ: جاوَزْتُ الشَّيْءَ وجُزْتُهُ، وواعَدْتُهُ ووَعَدْتُهُ، وهو أحَدُ المَعانِي الَّتِي جاءَ لَها فاعَلَ. والظّاهِرُ أنَّ الباءَ لِلسَّبَبِ، ويُبَيِّنُ ذَلِكَ قِراءَةُ مَن قَرَأ: ”لا تُضارِرْ“ بِراءَيْنِ، الأُولى مَفْتُوحَةٌ، وهي قِراءَةُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ. وتَأْوِيلُ مَن تَأوَّلَ في الإدْغامِ أنَّ الفِعْلَ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، فَإذا كانَ الفِعْلُ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ تَعَيَّنَ كَوْنُ الباءِ لِلسَّبَبِ، وامْتَنَعَ تَوْجِيهُ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّ ”ضارَّ بِهِ“ في مَعْنى ”أضَرَّ بِهِ“، والتَّوْجِيهُ الآخَرُ أنَّ ”ضارَّ بِهِ“ بِمَعْنى ”ضَرَّهُ“ (p-٢١٦)وتَكُونُ الباءُ زائِدَةً، ولا تَنْقاسُ زِيادَتُها في المَفْعُولِ، مَعَ أنَّ في التَّوْجِيهَيْنِ إخْراجُ فاعَلَ عَنِ المَعْنى الكَثِيرِ فِيهِ، وهو كَوْنُ الِاسْمَيْنِ شَرِيكَيْنِ في الفاعِلِيَّةِ والمَفْعُولِيَّةِ مِن حَيْثُ المَعْنى، وإنْ كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مَرْفُوعًا والآخَرُ مَنصُوبًا. وفي هَذِهِ الجُمَلِ الأرْبَعِ مِن بَلاغَةِ المَعْنى ونَصاعَةِ اللَّفْظِ ما لا يَخْفى عَلى مَن تَعاطى عِلْمَ البَيانِ؛ فالجُمْلَةُ الأُولى أُبْرِزَتْ في صُورَةِ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، وجَعَلَ الخَبَرَ فِعْلًا لِأنَّ الإرْضاعَ مِمّا يَتَجَدَّدُ دائِمًا، ثُمَّ أُضِيفَ الأوْلادُ إلى الوالِداتِ تَنْبِيهًا عَلى شَفَقَتِهِنَّ عَلى الأوْلادِ، وهَزًّا لَهُنَّ وحَثًّا عَلى الإرْضاعِ، وقَيَّدَ الإرْضاعَ بِمُدَّةٍ، وجَعَلَ ذَلِكَ لِمَن أرادَ الإتْمامَ، وجاءَ الوالِداتُ بِلَفْظِ العُمُومِ، وأُضِيفَ الأوْلادُ لِضَمِيرِ العامِّ لِيَعُمَّ، وجَمْعُ القِلَّةِ إذا دَخَلَتْهُ الألِفُ واللّامُ، أوْ أُضِيفَ إلى عامٍّ؛ عَمَّ. وقَدْ تَكَلَّمْنا عَلى شَيْءٍ مِن هَذا في كِتابِنا المُسَمّى بِـ (التَّكْمِيلُ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ) . والجُمْلَةُ الثّانِيَةُ أُبْرِزَتْ أيْضًا في صُورَةِ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، وجَعَلَ الخَبَرَ جارًّا ومَجْرُورًا بِلَفْظِ ”عَلى“ الدّالَّةِ عَلى الِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ والوُجُوبِ؛ فَأُكِّدَ بِذَلِكَ مَضْمُونُ الجُمْلَةِ؛ لِأنَّ مِن عادَةِ المَرْءِ مَنعَ ما في يَدِهِ مِنَ المالِ، وإهْمالَ ما يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الحُقُوقِ؛ فَأكَّدَ ذَلِكَ، وقَدَّمَ الخَبَرَ عَلى سَبِيلِ الِاعْتِناءِ بِهِ، وجاءَ الرِّزْقُ مُقَدَّمًا عَلى الكِسْوَةِ لِأنَّهُ الأهَمُّ في بَقاءِ الحَياةِ، والمُتَكَرِّرُ في كُلِّ يَوْمٍ. والجُمْلَةُ الثّالِثَةُ أُبْرِزَتْ في صُورَةِ الفِعْلِ ومَرْفُوعِهِ، وأتى بِمَرْفُوعِهِ نَكِرَةً لِأنَّهُ في سِياقِ النَّفْيِ؛ فَيَعُمَّ، ويَتَناوَلُ أوَّلًا ما سِيقَ لِأجْلِهِ، وهو حُكْمُ الوالِداتِ في الإرْضاعِ، وحُكْمُ المَوْلُودِ لَهُ في الرِّزْقِ والكِسْوَةِ اللَّذَيْنِ لِلْوالِداتِ. والجُمْلَةُ الرّابِعَةُ كالثّالِثَةِ؛ لِأنَّها في سِياقِ النَّفْيِ؛ فَتَعُمَّ أيْضًا، وهي كالشَّرْحِ لِلْجُمْلَةِ قَبْلَها؛ لِأنَّ النَّفْسَ إذا لَمْ تُكَلَّفْ إلّا طاقَتَها لا يَقَعُ ضَرَرٌ لا لِلْوالِدَةِ ولا لِلْمَوْلُودِ لَهُ؛ ولِذَلِكَ جاءَتْ غَيْرَ مَعْطُوفَةٍ عَلى الجُمْلَةِ قَبْلَها، فَلا يُناسِبُ العَطْفَ، بِخِلافِ الجُمْلَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ؛ فَإنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ مِنهُما مُغايِرَةٌ لِلْأُخْرى، ومُخَصَّصَةٌ بِحُكْمٍ لَيْسَ في الأُخْرى، ولَمّا كانَ تَكْلِيفُ النَّفْسِ فَوْقَ الطّاقَةِ، ومُضارَّةُ أحَدِ الزَّوْجَيْنِ الآخَرَ مِمّا يَتَجَدَّدُ كُلَّ وقَتٍ؛ أتى بِالجُمْلَتَيْنِ فِعْلِيَّتَيْنِ أدْخَلَ عَلَيْهِما حَرْفَ النَّفْيِ الَّذِي هو ”لا“ المَوْضُوعُ لِلِاسْتِقْبالِ غالِبًا، وفي قِراءَةِ مَن جَزَمَ: ﴿لا تُضارَّ﴾ أدْخَلَ حَرْفَ النَّهْيِ المُخَلِّصَ المُضارِعَ لِلِاسْتِقْبالِ، ونَبَّهَ عَلى مَحَلِّ الشَّفَقَةِ بِقَوْلِهِ: ”بِوَلَدِها“، فَأضافَ الوَلَدَ إلَيْها، وبِقَوْلِهِ: ”بِوَلَدِهِ“ فَأضافَ الوَلَدَ إلَيْهِ؛ وذَلِكَ لِطَلَبِ الِاسْتِعْطافِ والإشْفاقِ. وقَدَّمَ ذِكْرَ عَدَمِ مُضارَّةِ الوالِدَةِ عَلى عَدَمِ مُضارَّةِ الوالِدِ مُراعاةً لِلْجُمْلَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ؛ إذْ بُدِئَ فِيهِما بِحُكْمِ الوالِداتِ، وثَنّى بِحُكْمِ الوالِدِ في قَوْلِهِ: ﴿لا تُضارَّ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ إذا اجْتَمَعَ مُؤَنَّثٌ ومُذَكَّرٌ مَعْطُوفانِ؛ فالحُكْمُ في الفِعْلِ السّابِقِ عَلَيْهِما لِلسّابِقِ مِنهُما، تَقُولُ: قامَ زَيْدٌ وهِنْدٌ وقامَتْ هِنْدٌ وزَيْدٌ، ويَقُومُ زَيْدٌ وهِنْدٌ، وتَقُومُ هِنْدٌ وزَيْدٌ، إلّا إنْ كانَ المُؤَنَّثُ مَجازِيًّا بِغَيْرِ عَلامَةِ تَأْنِيثٍ فِيهِ؛ فَيَحْسُنُ عَدَمُ إلْحاقِ العَلامَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ [القيامة: ٩] . ﴿وعَلى الوارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾، هَذا مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وعَلى المَوْلُودِ لَهُ﴾، والجُمْلَتانِ قَبْلَ هَذا كالتَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ: ”بِالمَعْرُوفِ“ اعْتِراضٌ بِهِما بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ: ”وعَلى الوَرَثَةِ مِثْلُ ذَلِكَ“ بِالجَمْعِ. والظّاهِرُ في الوارِثِ أنَّهُ وارِثُ المَوْلُودِ لَهُ لِعَطْفِهِ عَلَيْهِ؛ ولِأنَّ المَوْلُودَ لَهُ - وهو الأبُ - هو المُحَدَّثُ عَنْهُ في جُمْلَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، والمَعْنى: أنَّهُ إذا ماتَ المَوْلُودُ لَهُ وجَبَ عَلى وارِثِهِ ما وجَبَ عَلَيْهِ مِن رِزْقِ الوالِداتِ، وكِسْوَتِهِنَّ بِالمَعْرُوفِ، وتَجَنُّبِ الضِّرارِ. ورُوِيَ هَذا عَنْ عُمَرَ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ. وخَصَّهُ بَعْضُهم بِمَن يَرِثُ مِنَ الرِّجالِ يَلْزَمُهُ الإرْضاعُ، كَما كانَ يَلْزَمُ أبا الصَّبِيِّ لَوْ كانَ حَيًّا، وقالَهُ مُجاهِدٌ، وعَطاءٌ. وقالَ سُفْيانُ: الوارِثُ هو الباقِي مِن والِدَيِ المَوْلُودِ بَعْدَ وفاةِ الآخَرِ مِنهُما، ويَرى مَعَ ذَلِكَ إنْ كانَتِ الوالِدَةُ هي الباقِيَةُ أنْ يُشارِكَها العاصِبُ إرْضاعَ المَوْلُودِ عَلى قَدْرِ حَظِّهِ مِنَ المِيراثِ، كَما قالَ: (واجْعَلْهُ الوارِثَ مِنّا) . وقالَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ، والضَّحّاكُ، وبَشِيرُ بْنُ نَصْرٍ، قاضِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ: الوارِثُ هو الصَّبِيُّ نَفْسُهُ، أيْ: عَلَيْهِ في مالِهِ إذا (p-٢١٧)ورِثَ أباهُ إرْضاعَ نَفْسِهِ، وقالَ بَعْضُهم: الوارِثُ الوَلَدُ؛ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَةُ الوالِدَيْنِ الفَقِيرَيْنِ، ذَكَرَهُ السَّجاوَنْدِيُّ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ. فَعَلى هَذِهِ الأقْوالِ تَكُونُ الألِفُ واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿وعَلى الوارِثِ﴾ كَأنَّها نابَتْ عَنِ الضَّمِيرِ العائِدِ عَلى ”المَوْلُودِ لَهُ“، كَأنَّهُ قِيلَ: وعَلى وارِثِ المَوْلُودِ لَهُ. وقالَ عَطاءٌ أيْضًا، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ أبِي لَيْلى، والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ في آخَرِينَ: الوارِثُ وارِثُ المَوْلُودِ. واخْتَلَفُوا؛ فَقِيلَ: وارْثُ المَوْلُودِ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وقَتادَةُ، وغَيْرُهُما، ويَلْزَمُهم إرْضاعُهُ عَلى قَدْرِ مَوارِيثِهِمْ مِنهُ. وقِيلَ: وارِثُهُ مِن عَصَبَتِهِ كائِنًا مَن كانَ؛ مِثْلَ: الجَدِّ، والأخِ، وابْنِ الأخِ، والعَمِّ، وابْنِ العَمِّ، وهَذا يُرْوى عَنْ عُمَرَ، وعَطاءٍ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، وإسْحاقَ، وأحْمَدَ، وابْنِ أبِي لَيْلى. وقِيلَ: مَن كانَ ذا رَحِمٍ مَحْرَمٍ، فَإنْ كانَ لَيْسَ بِذِي رَحِمِ مَحْرَمٍ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ، وأبُو يُوسُفَ، ومُحَمَّدٌ. والشّافِعِيُّ، قالَ: الأجْدادُ ثُمَّ الأُمَّهاتُ مِثْلُ ذَلِكَ، أيِ: الأُجْرَةُ والنَّفَقَةُ وتَرْكُ المُضارَّةِ. وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ تَكُونُ الألِفُ واللّامُ كَأنَّها نابَتْ عَنْ ضَمِيرٍ يَعُودُ عَلى المَوْلُودِ، وكَأنَّهُ قِيلَ: وعَلى وارِثِهِ أيْ وارِثِ المَوْلُودِ. وقِيلَ: الوارِثُ هُنا مَن يَرِثُ الوِلايَةَ عَلى الرَّضِيعِ، يُنْفِقُ مِن مالِ الرَّضِيعِ عَلَيْهِ، مِثْلَ ما كانَ يُنْفِقُ أبُوهُ. فَتَلَخَّصَ في الوارِثِ سِتَّةُ أقْوالٍ، وفي بَعْضِها تَفْصِيلٌ كَما ذَكَرْناهُ، فَيَجِيءُ بِالتَّفْصِيلِ عَشَرَةُ أقْوالٍ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ ”ذَلِكَ“ مِن قَوْلِهِ ”مِثْلُ ذَلِكَ“ إلى ما وجَبَ عَلى الأبِ مِن رِزْقِهِنَّ وكِسْوَتِهِنَّ بِالمَعْرُوفِ، عَلى ما شَرَحَ في الأقْوالِ في قَوْلِهِ: ﴿وعَلى الوارِثِ﴾، وقالَهُ أيْضًا ابْنُ عَبّاسٍ، وإبْراهِيمُ، وعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، والشَّعْبِيُّ، والحَسَنُ. وعَبَّرَ بَعْضُهم عَنْ هَذا القَوْلِ بِأنَّ مِثْلَ ذَلِكَ، هو: أُجْرَةُ المِثْلِ والنَّفَقَةِ. قالَ: ويُرْوى ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وزَيْدٍ، والحَسَنِ، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، وإبْراهِيمَ، وقَتادَةَ، وقَبِيصَةَ، والسُّدِّيِّ، واخْتارَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. وقالَ الشَّعْبِيُّ أيْضًا، والزُّهْرِيُّ، والضَّحّاكُ، ومالِكٌ وأصْحابُهُ، وغَيْرُهم: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ”مِثْلُ ذَلِكَ“ أنْ لا يُضارَّ، وأمّا الرِّزْقُ والكِسْوَةُ فَلا شَيْءَ مِنهُما. ورَوى ابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ أنَّ الآيَةَ تَضَمَّنَتْ أنَّ الرِّزْقَ والكِسْوَةَ عَلى الوارِثِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِالإجْماعِ مِنَ الأُمَّةِ أنْ لا يُضارَّ الوارِثُ. انْتَهى. وأنّى يَكُونُ بِالإجْماعِ وقَدْ رَأيْتُ أقْوالَ العُلَماءِ في وُجُوبِ ذَلِكَ ؟ وقِيلَ: مِثْلُ ذَلِكَ: أُجْرَةُ المِثْلِ، والنَّفَقَةُ، وتَرْكُ المُضارَّةِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٍ، ومُقاتِلٍ، وأبِي سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيِّ، واخْتارَهُ القاضِي أبُو يَعْلى، قالُوا: ويَشْهَدُ لِهَذا القَوْلِ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، وقَدْ ثَبَتَ أنَّ عَلى المَوْلُودِ لَهُ النَّفَقَةُ والكِسْوَةُ، وأنْ لا يُضارَّ؛ فَيَكُونُ مِثْلَ ذَلِكَ مُشِيرًا إلى جَمِيعِ ما عَلى المَوْلُودِ لَهُ. ﴿فَإنْ أرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنهُما وتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما﴾، الضَّمِيرُ في ”أرادا“ عائِدٌ عَلى الوالِدَةِ والمَوْلُودِ لَهُ، و”الفِصالُ“: الفِطامُ قَبْلَ تَمامِ الحَوْلَيْنِ؛ إذا ظَهَرَ اسْتِغْناؤُهُ عَنِ اللَّبَنِ، فَلا بُدَّ مِن تَراضِيهِما، فَلَوْ رَضِيَ أحَدُهُما وأبى الآخَرُ لَمْ يُجْبَرْ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والزُّهْرِيُّ، والسُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ، وسُفْيانُ، وغَيْرُهم. وقِيلَ: الفِطامُ، سَواءً كانَ في الحَوْلَيْنِ أوْ بَعْدَ الحَوْلَيْنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وتَحْرِيرُ هَذا القَوْلِ أنَّهُ قَبْلَ الحَوْلَيْنِ لا يَكُونُ إلّا بِتَراضِيهِما، وأنْ لا يَتَضَرَّرَ المَوْلُودُ، وأمّا بَعْدَ تَمامِهِما؛ فَمَن دَعا إلى الفَصْلِ فَلَهُ ذَلِكَ، إلّا أنْ يَلْحَقَ المَوْلُودَ بِذَلِكَ ضَرَرٌ، وعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ يَكُونُ ذَلِكَ تَوْسِعَةً بَعْدَ التَّحْدِيدِ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: الفِصالُ أنْ يَفْصِلَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما القَوْلَ مَعَ صاحِبِهِ بِتَسْلِيمِ الوَلَدِ إلى أحَدِهِما، وذَلِكَ بَعْدَ التَّراضِي والتَّشاوُرِ؛ لِئَلّا يُقْدِمَ أحَدُ الوالِدَيْنِ عَلى ما يَضُرُّ بِالوَلَدِ، فَنَبَّهَ تَعالى عَلى أنَّ ما كانَ مُتَّهَمَ العاقِبَةِ لا يُقْدِمُ عَلَيْهِ إلّا بَعْدَ اجْتِماعِ الآراءِ. وقُرِئَ: ”فَإنْ أرادَ“، ويَتَعَلَّقُ عَنْ تَراضٍ بِمَحْذُوفٍ؛ لِأنَّهُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِقَوْلِهِ ”فِصالًا“، أيْ: فِصالًا كائِنًا، وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ صادِرًا. و”عَنْ“ لِلْمُجاوَزَةِ مَجازًا؛ لِأنَّ ذَلِكَ مَعْنًى مِنَ المَعانِي لا جَرَمَ، و”تَراضٍ“ وزْنُهُ تَفاعُلٌ، وعَرَضَ فِيهِ ما عَرَضَ في ”أظْبٍ“ جَمْعُ ظَبْيٍ؛ إذْ أصْلُهُ ”أظْبِيٌ“ عَلى: أفْعُلٍ، فَتَنْقَلِبُ (p-٢١٨)الياءُ واوًا لِضَمَّةِ ما قَبْلَها، ثُمَّ إنَّهُ لا يُوجَدُ في لِسانِ العَرَبِ اسْمٌ آخِرُهُ واوٌ قَبْلَها ضَمَّةٌ لِغَيْرِ الجَمْعِ، وأنَّهُ مَتى أدّى إلى ذَلِكَ التَّصْرِيفِ قُلِبَتِ الواوُ ياءً، وحُوِّلَتِ الضَّمَّةُ كَسْرَةً، وكَذَلِكَ فُعِلَ في تَراضٍ، وتَفاعُلٌ هُنا في تَراضٍ وتَشاوُرٍ عَلى الأكْثَرِ مِن مَعانِيهِ مِن كَوْنِهِ واقِعًا مِنَ اثْنَيْنِ، وأخَّرَ التَّشاوُرَ لِأنَّهُ بِهِ يَظْهَرُ صَلاحُ الأُمُورِ والآراءِ وفَسادُها، و”مِنهُما“ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِتَراضٍ، فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، وهو مُرادٌ بَعْدَ قَوْلِهِ ”وتَشاوُرٍ“، أيْ: مِنهُما، ويُحْتَمَلُ في تَشاوُرٍ أنْ يَكُونَ أحَدُهُما شاوَرَ الآخَرَ، أوْ يَكُونَ أحَدُهُما شاوَرَ غَيْرَ الآخَرِ لِتَجْتَمِعَ الآراءُ عَلى المَصْلَحَةِ في ذَلِكَ. (فَلا جُناحَ عَلَيْهِما)، هَذا جَوابُ الشَّرْطِ، وقَبْلَ هَذا الجَوابِ جُمْلَةٌ مَحْذُوفَةٌ بِها يَصِحُّ المَعْنى، التَّقْدِيرُ: فَفَصَلاهُ، أوْ فَفَعَلا ذَلِكَ، والمَعْنى: فَلا جُناحَ عَلَيْهِما في الفِصالِ. * * ﴿وإنْ أرَدْتُمْ أنْ تَسْتَرْضِعُوا أوْلادَكم فَلا جُناحَ عَلَيْكم إذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالمَعْرُوفِ﴾، الخِطابُ لِلْآباءِ والأُمَّهاتِ وفِيهِ التِفاتٌ؛ إذْ هو خُرُوجٌ مِن غَيْبَةٍ إلى خِطابٍ، وتَلْوِينٍ في الضَّمِيرِ؛ لِأنَّ قَبْلَهُ: ﴿فَإنْ أرادا فِصالًا﴾ بِضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ، وكَأنَّهُ رُجُوعٌ إلى قَوْلِهِ: ”والوالِداتُ“، ”وعَلى المَوْلُودِ لَهُ“ . و”اسْتَرْضَعَ“ فِيهِ خِلافٌ، هَلْ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ بِنَفْسِهِ، أوْ إلى مَفْعُولَيْنِ الثّانِي بِحَرْفِ جَرٍّ، قَوْلانِ: فالأوَّلُ: قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ، قالَ: اسْتَرْضَعَ مَنقُولٌ مِن أرْضَعَ، يُقالُ: أرْضَعَتِ المَرْأةُ الصَّبِيَّ، واسْتَرْضَعَها الصَّبِيُّ، فَتَعَدِّيهِ إلى مَفْعُولَيْنِ، كَما تَقُولُ: أنْجَحَ الحاجَةَ، واسْتَنْجَحَتْهُ الحاجَةُ، والمَعْنى: أنْ تَسْتَرْضِعُوا المَراضِعَ أوْلادَكم، فَحُذِفَ أحَدُ المَفْعُولَيْنِ لِلِاسْتِغْناءِ عَنْهُ، كَما تَقُولُ: اسْتَنْجَحَتِ الحاجَةُ، ولا تَذْكُرُ مَنِ اسْتَنْجَحَتْهُ، وكَذَلِكَ حُكْمُ كُلِّ مَفْعُولَيْنِ لَمْ يَكُنْ أحَدُهُما عِبارَةً عَنِ الأوَّلِ. انْتَهى كَلامُهُ. وهو نَقْلٌ مِن نَقْلِ، الأصْلِ رَضَعَ الوَلَدُ، ثُمَّ تَقُولُ: أرْضَعَتِ المَرْأةُ الوَلَدَ، ثُمَّ تَقُولُ: اسْتَرْضَعَتِ المَرْأةُ الوَلَدَ، واسْتَفْعَلَ هُنا لِلطَّلَبِ، أيْ: طَلَبْتُ مِنَ المَرْأةِ إرْضاعَ الوَلَدِ، كَما تَقُولُ اسْتَسْقَيْتُ زَيْدًا الماءَ، واسْتَطْعَمْتُ عَمْرًا الخُبْزَ، أيْ: طَلَبْتُ مِنهُ أنْ يَسْقِيَنِي وأنْ يُطْعِمَنِي، فَكَما أنَّ الخُبْزَ والماءَ مَنصُوبانِ ولَيْسا عَلى إسْقاطِ الخافِضِ، كَذَلِكَ ”أوْلادَكم“ مَنصُوبٌ لا عَلى إسْقاطِ الخافِضِ. والثّانِي: قَوْلُ الجُمْهُورِ، وهو أنْ يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، الثّانِي بِحَرْفِ جَرٍّ، وحُذِفَ مِن قَوْلِهِ: ”أوْلادَكم“، والتَّقْدِيرُ: لِأوْلادِكم، وقَدْ جاءَ اسْتَفْعَلَ أيْضًا لِلطَّلَبِ مُعَدًّى بِحَرْفِ الجَرِّ في الثّانِي، وإنْ كانَ في ”أفْعَلَ“ مُعَدًّى إلى اثْنَيْنِ، تَقُولُ: أفْهَمَنِي زَيْدٌ المَسْألَةَ، واسْتَفْهَمْتُ زَيْدًا عَنِ المَسْألَةِ، فَلَمْ يَجِئْ: اسْتَطْعَمْتُ، ويَصِيرُ نَظِيرُ: اسْتَغْفَرْتُ اللَّهَ مِنَ الذَّنْبِ، ويَجُوزُ حَذْفُ ”مِن“ فَتَقُولُ: الذَّنْبَ، ولَيْسَ في قَوْلِهِمْ: كانَ فُلانٌ مُسْتَرْضَعًا في بَنِي فُلانٍ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِنَفْسِهِ، أوْ بِحَرْفِ جَرٍّ. (فَلا جُناحَ عَلَيْكم)، هَذا جَوابُ الشَّرْطِ، وقَبْلَهُ جُمْلَةٌ حُذِفَتْ لِفَهْمِ المَعْنى، التَّقْدِيرُ: فاسْتَرْضَعْتُمْ أوْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ؛ فَلا جُناحَ عَلَيْكم في الِاسْتِرْضاعِ ﴿إذا سَلَّمْتُمْ﴾ ما آتَيْتُمْ، هَذا خِطابٌ لِلرِّجالِ خاصَّةً، وهو مِن تَلْوِينِ الخِطابِ، وقِيلَ: هو خِطابٌ لِلرِّجالِ والنِّساءِ، ويَتَّضِحُ ذَلِكَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿ما آتَيْتُمْ﴾ . و﴿إذا سَلَّمْتُمْ﴾ شَرْطٌ، قالُوا: وجَوابُهُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الشَّرْطُ الأوَّلُ وجَوابُهُ، وذَلِكَ المَعْنى هو العامِلُ في ”إذا“، وهو مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ ”عَلَيْكم“ . انْتَهى. وظاهِرُ هَذا الكَلامِ خَطَأٌ؛ لِأنَّهُ جَعَلَ العامِلَ في إذا أوَّلًا المَعْنى الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الشَّرْطُ وجَوابُهُ، ثُمَّ قالَ ثانِيًا: إنَّ ”إذا“ تَتَعَلَّقُ بِما تَعَلَّقَ بِهِ ”عَلَيْكم“، وهَذا يُناقِضُ ما قَبْلَهُ، ولَعَلَّ قَوْلَهُ: وهو مُتَعَلِّقٌ، سَقَطَتْ مِنهُ ألِفٌ، وكانَ: أوْ هو مُتَعَلِّقٌ، فَيَصِحُّ إذْ ذاكَ المَعْنى؛ ولا تَكُونُ إذْ ذاكَ شَرْطًا، بَلْ تَتَمَحَّضُ لِلظَّرْفِيَّةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ”ما أتَيْتُمْ“ بِالقَصْرِ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالمَدِّ، وتَوْجِيهُ قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ: أنَّ ”أتَيْتُمْ“ بِمَعْنى جِئْتُمُوهُ وفَعَلْتُمُوهُ، يُقالُ: أتى جَمِيلًا، أيْ: فَعَلَهُ، وأتى إلَيْهِ إحْسانًا: فَعَلَهُ، وقالَ: (إنَّ وعْدَهُ كانَ مَأْتِيًّا)، أيْ: مَفْعُولًا، وقالَ زُهَيْرٌ: ؎فَما يَكُ مِن خَيْرٍ أتَوْهُ فَإنَّما تَوارَثَهُ آباءُ آبائِهِمْ قَبْلُ وتَوْجِيهُ المَدِّ أنَّ المَعْنى: ما أعْطَيْتُمْ، و”ما“ في الوَجْهَيْنِ مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي، والعائِدُ عَلَيْها مَحْذُوفٌ، وإذا (p-٢١٩)كانَتْ بِمَعْنى أعْطى احْتِيجَ إلى تَقْدِيرِ حَذْفٍ ثانٍ؛ لِأنَّها تَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ، أحَدُهُما ضَمِيرُ ”ما“، والآخَرُ الَّذِي هو فاعِلٌ مِن حَيْثُ المَعْنى، والمَعْنى في: ”ما آتَيْتُمْ“، أيْ: ما أرَدْتُمْ إتْيانَهُ أوْ إيتاءَهُ. ومَعْنى الآيَةِ - واللَّهُ أعْلَمُ - جَوازُ الِاسْتِرْضاعِ لِلْوَلَدِ غَيْرَ أُمِّهِ، إذا أرادُوا ذَلِكَ واتَّفَقُوا عَلَيْهِ، وسَلَّمُوا إلى المَراضِعِ أُجُورَهُنَّ بِالمَعْرُوفِ؛ فَيَكُونُ ما سَلَّمْتُمْ هو الأُجْرَةُ عَلى الِاسْتِرْضاعِ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وسُفْيانُ. ولَيْسَ التَّسْلِيمُ شَرْطًا في جَوازِ الِاسْتِرْضاعِ والصِّحَّةِ، بَلْ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ النَّدْبِ؛ لِأنَّ في إيتائِها الأُجْرَةَ مُعَجَّلًا هَنِيًّا تَوْطِينًا لِنَفْسِها واسْتِعْطافًا مِنها عَلى الوَلَدِ؛ فَتُثابِرَ عَلى إصْلاحِ شَأْنِهِ. وقِيلَ: سَلَّمْتُمُ الأوْلادَ إلى مَن رَضِيَها الوالِدانِ، قالَهُ قَتادَةُ، والزُّهْرِيُّ، وفِيهِ بُعْدٌ؛ لِإطْلاقِ ”ما“ المَوْضُوعَةِ لِما لا يَعْقِلُ عَلى العاقِلِ. وقِيلَ: سَلَّمْتُمْ إلى الأُمَّهاتِ أجْرَهُنَّ بِحِسابِ ما أرْضَعْنَ إلى وقْتِ إرادَةِ الِاسْتِرْضاعِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ مِن إرادَةِ الِاسْتِرْضاعِ، أيْ: سَلَّمَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الأبَوَيْنِ ورَضِيَ، وكانَ عَنِ اتِّفاقٍ مِنهُما، وقَصْدِ خَيْرٍ وإرادَةِ مَعْرُوفٍ، قالَهُ قَتادَةُ. وأجازَ أبُو عَلِيٍّ: في ”ما آتَيْتُمْ“ أنْ تَكُونَ ”ما“ مَصْدَرِيَّةً، أيْ: إذا سَلَّمْتُمُ الإتْيانَ، والمَعْنى مَعَ القَصْرِ، وكَوْنُ ”ما“ بِمَعْنى الَّذِي أنْ يَكُونَ الَّذِي ما آتَيْتُمْ نَقْدَهُ وإعْطاءَهُ، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ الضَّمِيرُ مَقامَهُ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: ما آتَيْتُمُوهُ، ثُمَّ حُذِفَ الضَّمِيرُ مِنَ الصِّلَةِ، وإذا كانَتْ مَصْدَرِيَّةً اسْتَغْنى الكَلامُ عَنْ هَذا التَّقْدِيرِ، ورَوى شَيْبانُ عَنْ عاصِمٍ: ”أُوتِيتُمْ“ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ: ما آتاكُمُ اللَّهُ وأقْدَرَكم عَلَيْهِ مِنَ الأُجْرَةِ ونَحْوِها. قالَ تَعالى: ﴿وأنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكم مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧]، ويَتَعَلَّقُ ”بِالمَعْرُوفِ“ بِـ ”سَلَّمْتُمْ“، أيْ: بِالقَوْلِ الجَمِيلِ الَّذِي تَطِيبُ النَّفْسُ بِهِ، ويُعِينُ عَلى تَحْسِينِ نَشْأةِ الصَّبِيِّ. وقِيلَ: تَتَعَلَّقُ بِـ ”آتَيْتُمْ“ . قالُوا: وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ لِلْآباءِ أنْ يَسْتَأْجِرُوا لِأوْلادِهِمْ مَراضِعَ إذا اتَّفَقُوا مَعَ الأُمَّهاتِ عَلى ذَلِكَ، وهَذِهِ كانَتْ سُنَّةً جاهِلِيَّةً؛ كانُوا يَتَّخِذُونَ المَراضِعَ لِأوْلادِهِمْ ويُفَرِّغُونَ الأُمَّهاتِ لِلِاسْتِمْتاعِ بِهِنَّ؛ والِاسْتِصْلاحِ لِأبْدانِهِنَّ؛ ولِاسْتِعْجالِ الوَلَدِ بِحُصُولِ الحَمْلِ، فَأقَرَّهُمُ الشَّرْعُ عَلى ذَلِكَ لِما في ذَلِكَ مِنَ المَصْلَحَةِ ورَفْعِ المَشَقَّةِ عَنْهم بِقَطْعِ ما ألِفُوهُ، وجَعَلَ الأُجْرَةَ عَلى الأبِ بِقَوْلِهِ: ﴿إذا سَلَّمْتُمْ﴾ . ﴿واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، لَمّا تَقَدَّمَ أمْرٌ ونَهْيٌ، خَرَجَ عَلى تَقْدِيرِ أمْرٍ بِتَقْوى اللَّهِ تَعالى، ولَمّا كانَ كَثِيرٌ مِن أحْكامِ هَذِهِ الآيَةِ مُتَعَلِّقًا بِأمْرِ الأطْفالِ الَّذِينَ لا قُدْرَةَ لَهم ولا مَنَعَةَ مِمّا يَفْعَلُهُ بِهِمْ؛ حَذَّرَ وهَدَّدَ بِقَوْلِهِ: (واعْلَمُوا)، وأتى بِالصِّفَةِ الَّتِي هي ”بَصِيرٌ“ مُبالَغَةً في الإحاطَةِ بِما يَفْعَلُونَهُ مَعَهم والِاطِّلاعِ عَلَيْهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] في حَقِّ مُوسى - عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ - إذْ كانَ طِفْلًا. قالُوا: وفي الآيَةِ ضُرُوبٌ مِنَ البَيانِ والبَدِيعِ؛ مِنها: تَلْوِينُ الخِطابِ، ومَعْدُولُهُ في: ﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ﴾؛ فَإنَّهُ خَبَرٌ مَعْناهُ الأمْرُ عَلى قَوْلِ الأكْثَرِ، والتَّأْكِيدُ بِـ ”كامِلَيْنِ“، والعَدْلُ عَنْ رِزْقِ الأوْلادِ إلى رِزْقِ أُمَّهاتِهِنَّ؛ لِأنَّهُنَّ سَبَبُ تَوَصُّلِ ذَلِكَ، والإيجازُ في: ﴿وعَلى الوارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾، وتَلْوِينُ الخِطابِ في: ﴿وإنْ أرَدْتُمْ أنْ تَسْتَرْضِعُوا أوْلادَكُمْ﴾؛ فَإنَّهُ خِطابٌ لِلْآباءِ والأُمَّهاتِ، ثُمَّ قالَ: ﴿إذا سَلَّمْتُمْ﴾، وهو خِطابٌ لِلْآباءِ خاصَّةً، والحَذْفُ في: ﴿أنْ تَسْتَرْضِعُوا﴾، التَّقْدِيرُ: مَراضِعَ لِلْأوْلادِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿إذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالمَعْرُوفِ﴾ . انْتَهى. وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ الكَرِيمَةُ أمْرَ اللَّهِ تَعالى الأزْواجَ إذا طَلَّقُوا نِساءَهم فَيُقارِبُوا انْقِضاءَ العِدَّةِ بِإمْساكِهِنَّ، وهو مُراجَعَتُهُنَّ بِمَعْرُوفٍ، أوْ بِتَخْلِيَةِ سَبِيلِهِنَّ بِانْقِضاءِ العِدَّةِ، ثُمَّ أكَّدَ الأمْرَ بِالإمْساكِ بِمَعْرُوفٍ، بِأنْ نَصَّ عَلى النَّهْيِ عَنْ إمْساكِهِنَّ ضِرارًا بِهِنَّ، وجاءَ النَّهْيُ عَلى حَسَبِ ما كانَ يَقَعُ مِنهم في الجاهِلِيَّةِ مِنَ الرَّجْعَةِ، ثُمَّ الطَّلاقِ، ثُمَّ الرَّجْعَةِ، ثُمَّ الطَّلاقِ؛ عَلى سَبِيلِ المُضارَّةِ لِلنِّساءِ، فَنُهُوا عَنْ هَذِهِ الفِعْلَةِ القَبِيحَةِ تَعْظِيمًا لِهَذا الفِعْلِ السَّيِّءِ الَّذِي هو أعْظَمُ إيذاءِ النِّساءِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّ مَنِ ارْتَكَبَ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ مِن ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ، أيْ: إنَّ إمْساكَ النِّساءِ عَلى سَبِيلِ المُضارَّةِ، وتَطْوِيلِ عِدَّتِهِنَّ، إنَّما وبالُ ذَلِكَ في الحَقِيقَةِ عَلى نَفْسِهِ؛ حَيْثُ ارْتَكَبَ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ، ثُمَّ نَهى (p-٢٢٠)تَعالى عَنِ اتِّخاذِ آياتِ اللَّهِ هُزُوًا؛ لِأنَّهُ تَعالى قَدْ أنْزَلَ آياتٍ في النِّكاحِ، والحَيْضِ، والإيلاءِ، والطَّلاقِ، والعِدَّةِ، والرَّجْعَةِ، والخُلْعِ، وتَرْكِ المُضارَّةِ، وتَضَمَّنَتْ أحْكامًا بَيْنَ الرِّجالِ والنِّساءِ، وإيجابَ حُقُوقٍ لَهم وعَلَيْهِمْ، وكانَ مِن عادَةِ العَرَبِ عَدَمُ الِاكْتِراثِ بِأمْرِ النِّساءِ، حَتّى كانُوا لا يُوَرِّثُونَ البَناتِ احْتِقارًا لَهُنَّ، وذَكَرَ قَبْلَ هَذا أنَّ مَن تَعَدّى حُدُودَ اللَّهِ فَهو ظالِمٌ، أكَّدَ ذَلِكَ بِالنَّهْيِ عَنِ اتِّخاذِ آياتِ اللَّهِ هُزُوًا، بَلْ تُؤْخَذُ بِجِدٍّ وقَبُولٍ، وإنْ كانَ فِيها ما يُخالِفُ عاداتِهِمْ، ثُمَّ أمَرَهم بِذِكْرِ نِعْمَتِهِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن أنْعَمَ عَلَيْكَ فَيَجِبُ أنْ يَأْخُذَ ما يُلْقِي اللَّهُ مِنَ الآياتِ بِالقَبُولِ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ شُكْرًا لِنِعْمَتِهِ السّابِقَةِ، ثُمَّ نَبَّهَ تَعالى عَلى أنَّ ما أنْزَلَ مِنَ الكِتابِ والحِكْمَةِ فَهو واعِظٌ لَكم؛ فَيَنْبَغِي قَبُولُهُ والِانْتِهاءُ عِنْدَهُ، ثُمَّ أمَرَ بِتَقْوى اللَّهِ تَعالى، وبِأنْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، فَهو لا يَخْفى عَنْهُ شَيْءٌ مِن أفْعالِكم، وهو يُجازِيكم عَلَيْها. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّ الأزْواجَ إذا طَلَّقُوا نِساءَهم وانْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ لا تَعْضُلُوهُنَّ عَنْ تَزَوُّجِ مَن أرَدْنَ إذا وقَعَ تَراضٍ بَيْنَ المُطَلَّقَةِ وخاطِبِها، وكانَ مِن عادَةِ العَرَبِ أنَّ مَن طَلَّقَ مِنهُمُ امْرَأةً وبَتَّها يَعْضُلُها عَنِ التَّزَوُّجِ بِغَيْرِهِ، ثُمَّ أشارَ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ إلى العَضْلِ، وذَكَرَ أنَّهُ يُوعَظُ بِهِ المُؤْمِنُ بِاللَّهِ تَعالى وبِاليَوْمِ الآخِرِ؛ لِأنَّ مَن لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا لَمْ يَزْدَجِرْ عَنْ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ، ونَبَّهَ عَلى الإيمانِ بِاليَوْمِ الآخِرِ؛ لِأنَّ ثَمَرَةَ مُخالَفَةِ النَّهْيِ إنَّما تَظْهَرُ في الدّارِ الآخِرَةِ، ثُمَّ أشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكم أزْكى لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٢] إلى التَّمْكِينِ مِنَ التَّزْوِيجِ وعَدَمِ العَضْلِ لِما في ذَلِكَ مِنَ الثَّوابِ بِامْتِثالِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى، وأطْهَرَ لِما يُخْشى مِنَ اجْتِماعِ الخاطِبِ والمَرْأةِ عَلى رِيبَةٍ إذا مُنِعا مِنَ التَّزْوِيجِ، ثُمَّ نَسَبَ العِلْمَ إلَيْهِ تَعالى ونَفاهُ عَنِ المُخاطَبِينَ؛ إذْ هو العالِمُ بِخَفايا الأُمُورِ وبَواطِنِها. ثُمَّ شَرَعَ تَعالى في ذِكْرِ أشْياءَ مِن نَتائِجِ التَّزْوِيجِ، مِن إرْضاعِ الوالِداتِ أوْلادَهُنَّ، وذِكْرِ حَدِّ ذَلِكَ لِمَن أرادَ الإتْمامَ، وما يَجِبُ لِلْمَرْأةِ عَلى الزَّوْجِ وعَلى وارِثِهِ إذا ماتَ الزَّوْجُ مِنَ النَّفَقَةِ والكُسْوَةِ، وأنَّ ذَلِكَ بِالمَعْرُوفِ مِن غَيْرِ إجْحافٍ لا بِالزَّوْجِ ولا بِالزَّوْجَةِ، وذَكَرَ جَوازَ فَصْلِهِ وفِطامِهِ، إذا كانَ ذَلِكَ بِرِضا أبِيهِ وأُمِّهِ قَبْلَ الحَوْلَيْنِ، وجَوازَ الِاسْتِرْضاعِ لِلْأوْلادِ إذا اتَّفَقَ الرَّجُلُ والزَّوْجَةُ عَلى ذَلِكَ، وأشارَ إلى تَسْلِيمِ أجْرِ الأظْآرِ تَطْيِيبًا لِأنْفُسِهِنَّ وإعانَةً لَهُنَّ عَلى مَحَبَّةِ الصَّغِيرِ، واشْتِمالِهِنَّ عَلَيْهِ حَتّى يَنْشَأ، كَأنَّهُ قَدْ أرْضَعَتْهُ أُمُّهُ، فَإنَّ الإحْسانَ جالِبٌ لِلْمَحَبَّةِ. ثُمَّ خَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ بِالأمْرِ بِتَقْوى اللَّهِ تَعالى، وبِأنْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ، كَما خَتَمَ تَعالى الآيَةَ الأُولى بِالأمْرِ بِالتَّقْوى بِالعِلْمِ بِأنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى المُجازاةِ، وتَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ لِمَن خالَفَ أمْرَهُ تَعالى.

البقرة 2:234

﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكم فِيما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ بِالمَعْرُوفِ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ﴿ولا جُناحَ عَلَيْكم فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِن خِطْبَةِ النِّساءِ أوْ أكْنَنْتُمْ في أنْفُسِكم عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم سَتَذْكُرُونَهُنَّ ولَكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إلّا أنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا ولا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ أجَلَهُ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في أنْفُسِكم فاحْذَرُوهُ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٣٥] ﴿لا جُناحَ عَلَيْكم إنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ومَتِّعُوهُنَّ عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعًا بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦] ﴿وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إلّا أنْ يَعْفُونَ أوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى ولا تَنْسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكم إنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٧] ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أوْ رُكْبانًا فَإذا أمِنتُمْ فاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٩]، يَذَرُ: مَعْناهُ يَتْرُكُ، ويُسْتَعْمَلُ مِنهُ الأمْرُ، ولا يُسْتَعْمَلُ مِنهُ اسْمُ الفاعِلِ ولا المَفْعُولِ، وجاءَ الماضِي مِنهُ عَلى طَرِيقِ الشُّذُوذِ. خَبِيرٌ: لِلْمُبالَغَةِ، مِن خَبِرْتُ الشَّيْءَ: عَلِمْتُهُ، ومِنهُ: قَتَلَ أرْضًا خابَرَها، وخَبَرْتُ زَيْدًا: اخْتَبَرْتُهُ؛ ولِهَذِهِ المادَّةِ يَرْجِعُ الخَبَرُ لِأنَّهُ الشَّيْءُ (p-٢٢١)المُعْلَمُ بِهِ، والخَبارُ: الأرْضُ اللَّيِّنَةُ. التَّعْرِيضُ: الإشارَةُ إلى الشَّيْءِ دُونَ تَصْرِيحٍ. الخِطْبَةُ، بِكَسْرِ الخاءِ: التِماسُ النِّكاحِ، يُقالُ خَطَبَ فُلانٌ فُلانَةً، أيْ: سَألَها خِطْبَهُ، أيْ: حاجَتَهُ، فَهو مِن قَوْلِهِمْ: ما خَطْبُكَ ؟ أيْ: ما حاجَتُكَ وأمْرُكَ ؟ قالَ الفَرّاءُ: الخِطْبَةُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الخَطْبِ، وهو مِن قَوْلِكَ: إنَّهُ يُحْسِنُ القِعْدَةَ والجِلْسَةَ، يُرِيدُ: القُعُودَ والجُلُوسَ. والخُطْبَةُ بِضَمِّ الخاءِ الكَلامُ المُشْتَمِلُ عَلى: الزَّجْرِ، والوَعْظِ، والأذْكارِ، وكِلاهُما راجِعٌ لِلْخِطابِ الَّذِي هو الكَلامُ، وكانَتْسَجاحُ يَقُولُ لَها الرَّجُلُ: خِطْبٌ، فَتَقُولُ نِكْحٌ. أكَنَّ الشَّيْءَ: أخْفاهُ في نَفْسِهِ، وكَنَّهُ: سَتَرَهُ شَيْءٌ، والهَمْزَةُ في أكَنَّ لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ المَعْنَيَيْنِ، كَأشْرَقَتِ العُقْدَةُ، في الحَبْلِ، وفي الغُصْنِ: مَعْرُوفَةٌ، يُقالُ: عَقَدْتُ الحَبْلَ والعَهْدَ، ويُقالُ: أعْقَدْتُ العَسَلَ، وهو راجِعٌ لِمَعْنى الِاشْتِدادِ، وتَعَقَّدَ الأمْرُ عَلَيَّ اشْتَدَّ، ومِنهُ العُقُودُ. المُقَتِّرُ: المُقِلُّ، أقْتَرَ الرَّجُلُ وقَتَّرَ يُقْتِرُ ويُقَتِّرُ، والقِلَّةُ مَعْنًى شامِلٌ لِجَمِيعِ مَواقِعِ اشْتِقاقِهِ، ومِنهُ القَتِيرُ: وهو مِسْمارُ الدِّرْعِ، والقَتْرَةُ: أدْنى الغُبارِ، والنّامُوسِ الصِّغارِ، والقُتارُ: رِيحُ القِدْرِ، قالَ طَرَفَةُ: ؎حِينَ قالَ النّاسُ في مَجْلِسِهِمْ أقُتارٌ ذاكَ أمْ رِيحُ قُطُرْ ؟ والقُتُرُ: بُيُوتُ الصَّيّادِينَ عَلى الماءِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎رُبَّ رامٍ مِن بَنِي ثُعَلٍ ∗∗∗ مُثْلِجٍ كَفَّيْهِ في قُتُرِهْ النِّصْفُ: هو الجُزْءُ مِنَ اثْنَيْنِ عَلى السَّواءِ، ويُقالُ: بِكَسْرِ النُّونِ وضَمِّها ونَصِيفٌ، ومِنهُ: (ما بَلَغَ مُدَّ أحَدِهِمْ ولا نَصِيفَهُ)، أيْ: نِصْفَهُ، كَما يُقالُ: ثُمُنٌ وثُمَيْنٌ، وعُشْرٌ وعُشَيْرٌ، وسُدُسٌ وسُدَيْسٌ، ومِنهُ قِيلَ: النَّصَفُ المِقْنَعَةُ الَّتِي تُوضَعُ عَلى رَأْسِ المَرْأةِ: نَصِيفٌ، وكُلُّ شَيْءٍ بَلَغَ نِصْفَ غَيْرِهِ فَهو نِصْفٌ، يُقالُ: نَصَفَ النَّهارُ يَنْصُفُ، ونَصَفَ الماءُ القَدَحَ، والإزارُ السّاقَ، والغُلامُ القُرْآنَ، وحَكى الفَرّاءُ في جَمِيعِ هَذا: أنْصَفَ. المُحافَظَةُ عَلى الشَّيْءِ: المُواظَبَةُ عَلَيْهِ، وهو مِنَ الحِفْظِ، حَفِظَ المَكانَ: حَرَسَهُ، وحَفِظَ القُرْآنَ: تَذَكَّرَهُ غائِبًا، وهو راجِعٌ لِمَعْنى الحِراسَةِ، وحَفِظَ فُلانٌ: غَضِبَ، وأحْفَظَهُ: أغْضَبَهُ، ومَصْدَرُ ”حَفِظَ“ بِمَعْنى غَضِبَ: الحَفِيظَةُ والحِفْظُ. الرُّكُوبُ: مَعْرُوفٌ، ورُكْبانٌ: جَمْعُ راكِبٍ، وهو صِفَةٌ اسْتُعْمِلَتِ اسْتِعْمالَ الأسْماءِ، فَحَسُنَ أنْ يُجْمَعَ جَمْعَ الأسْماءِ، ومَعَ ذَلِكَ فَهو في الأسْماءِ مَحْفُوظٌ قَلِيلٌ، قالُوا: حاجِرٌ وحُجْرانٌ، ومِثْلُ رُكْبانٍ: صُحْبانٌ ورُعْيانٌ، جَمْعُ صاحِبٍ وراعٍ، فَإنْ لَمْ تُسْتَعْمَلِ الصِّفَةُ اسْتِعْمالَ الأسْماءِ لَمْ يَجِئْ فِيها فِعْلانٌ، لَمْ يَرِدْ مِثْلُ: ضِرْبانٍ وقِتْلانٍ، في جَمْعِ ضارِبٍ وقاتِلٍ. ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾، مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ عِدَّةِ طَلاقِ الحَيْضِ، (p-٢٢٢)واتَّصَلَتِ الأحْكامُ إلى ذِكْرِ الرَّضاعِ، وكانَ في ضِمْنِها قَوْلُهُ: ﴿وعَلى الوارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، أيْ: وارِثُ المَوْلُودِ لَهُ، ذِكْرُ عِدَّةِ الوَفاةِ؛ إذْ كانَتْ مُخالِفَةً لِعِدَّةِ طَلاقِ الحَيْضِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”يُتَوَفَّوْنَ“ بِضَمِّ الياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ عَلِيٌّ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ بِفَتْحِ الياءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، ومَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ: أنَّهم يَسْتَوْفُونَ آجالَهم. وإعْرابُ ”الَّذِينَ“: مُبْتَدَأٌ، واخْتُلِفَ ألَهُ خَبَرٌ أمْ لا ؟ فَذَهَبَ الكِسائِيُّ والفِراءُ إلى أنَّهُ لا خَبَرَ لَهُ، بَلْ أخْبَرَ عَنِ الزَّوْجاتِ المُتَّصِلِ ذِكْرُهُنَّ بِـ ”الَّذِينَ“؛ لِأنَّ الحَدِيثَ مَعَهُنَّ في الِاعْتِدادِ بِالأشْهُرِ؛ فَجاءَ الخَبَرُ عَمّا هو المَقْصُودُ، والمَعْنى: مَن ماتَ عَنْها زَوْجُها تَرَبَّصَتْ، وأنْشَدَ الفَرّاءُ - رَحِمَهُ اللَّهُ: ؎لَعَلِّيَ إنْ مالَتْ بِيَ الرِّيحُ مَيْلَةً ∗∗∗ عَلى ابْنِ أبِي ذَيّانَ أنْ يَتَنَدَّما فَقالَ: لَعَلِّي، ثُمَّ قالَ: أنْ يَتَنَدَّما؛ لِأنَّ المَعْنى: لَعَلَّ ابْنَ أبِي ذَيّانَ إنْ مالَتْ بِيَ الرِّيحُ مَيْلَةً أنْ يَتَنَدَّما. وقالَ الشّاعِرُ: ؎بَنِي أسَدٍ إنَّ ابْنَ قَيْسٍ وقَتْلَهُ ∗∗∗ بِغَيْرِ دَمٍ دارَ المَذَلَّةِ حَلَّتِ ألْغى ابْنَ قَيْسٍ، وقَدِ ابْتَدَأ بِذِكْرِهِ وأخْبَرَ عَنْ قَتْلِهِ أنَّهُ ذُلٌّ. وتَحْرِيرُ مَذْهَبِ الفَرّاءِ أنَّ العَرَبَ إذا ذَكَرَتْ أسْماءً مُضافَةً إلَيْها، فِيها مَعْنى الخَبَرِ، أنَّها تَتْرُكُ الإخْبارَ عَنِ الِاسْمِ الأوَّلِ ويَكُونُ الخَبَرُ عَنِ المُضافِ، مِثالُهُ: إنَّ زَيْدًا وأُخْتَهُ مُنْطَلِقَةٌ؛ لِأنَّ المَعْنى: إنَّ أُخْتَ زَيْدٍ مُنْطَلِقَةٌ، والبَيْتُ الأوَّلُ لَيْسَ مِن هَذا الضَّرْبِ، وإنَّما أوْرَدُوا مِمّا يُشْبِهُ هَذا الضَّرْبَ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎فَمَن يَكُ سائِلًا عَنِّي فَإنِّي ∗∗∗ وجِرْوَةَ لا تَرُودُ ولا تُعارُ والرَّدُّ عَلى الفَرّاءِ، وتَأْوِيلُ الأبْياتِ والآيَةِ؛ مَذْكُورٌ في النَّحْوِ. وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ لَهُ خَبَرًا، واخْتَلَفُوا، فَقِيلَ: هو مَلْفُوظٌ بِهِ، وهو: يَتَرَبَّصْنَ، ولا حَذْفٌ يُصَحِّحُ مَعْنى الخَبَرِ؛ لِأنَّهُ رُبِطَ مِن جِهَةِ المَعْنى؛ لِأنَّ النُّونَ في ”يَتَرَبَّصْنَ“ عائِدٌ، فَقِيلَ: عَلى الأزْواجِ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ، فَلَوْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فَقِيلَ: يَتَرَبَّصْنَ أزْواجَهم - لَمْ يَحْتَجْ إلى حَذْفٍ، وكانَ إخْبارًا صَحِيحًا، فَكَذَلِكَ ما هو بِمَعْناهُ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ. وقِيلَ: ثَمَّ حَذْفٌ يُصَحِّحُ مَعْنى الخَبَرِيَّةِ، واخْتَلَفُوا في مَحَلِّ الحَذْفِ، فَقِيلَ: مِنَ المُبْتَدَأِ، والتَّقْدِيرُ: وأزْواجُ الَّذِينَ؛ ودَلَّ عَلى المَحْذُوفِ قَوْلُهُ: ﴿ويَذَرُونَ أزْواجًا﴾ [البقرة: ٢٤٠] . وقِيلَ: مِنَ الخَبَرِ، وتَقْدِيرُهُ: يَتَرَبَّصْنَ بَعْدَهم، أوْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ، قالَهُ الأخْفَشُ. وقِيلَ: مِنَ الخَبَرِ، وهو أنْ يَكُونَ الخَبَرُ جُمْلَةً مِن مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وخَبَرُهُ ”يَتَرَبَّصْنَ“، تَقْدِيرُهُ: أزْواجُهم يَتَرَبَّصْنَ، ودَلَّ عَلَيْهِ المُظْهَرُ، قالَهُ المُبَرِّدُ. وقِيلَ: الخَبَرُ بِجُمْلَتِهِ مَحْذُوفٌ مُقَدَّرٌ قَبْلَ المُبْتَدَأِ، تَقْدِيرُهُ: فِيما يُتْلى عَلَيْكم حُكْمُ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا. وقَوْلُهُ: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ﴾ بَيانٌ لِلْحُكْمِ المَتْلُوِّ، وهي جُمْلَةٌ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، قالُوا: وهَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّما يَتَّجِهُ ذَلِكَ إذا كانَ في الكَلامِ لَفْظُ أمْرٍ بَعْدُ، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ [المائدة: ٣٨]، وهَذِهِ الآيَةُ فِيها مَعْنى الأمْرِ لا لَفْظُهُ؛ فَيَحْتاجُ في هَذا التَّقْدِيرِ إلى تَقْدِيرٍ آخَرَ يُسْتَغْنى عَنْهُ إذا حَضَرَ لَفْظُ الأمْرِ، وحَسُنَ مَجِيءُ الآيَةِ هَكَذا أنَّها تَوْطِئَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾؛ إذِ القَصْدُ بِالمُخاطَبَةِ مِن أوَّلِ الآيَةِ إلى آخِرِها لِلرِّجالِ الَّذِينَ مِنهُمُ الحُكّامُ والنُّظّارُ، عِبارَةُ الأخْفَشِ والمُبَرِّدِ ما ذَكَرْناهُ. انْتَهى كَلامُهُ. وظاهِرَةُ قَوْلِهِ ”يَتَرَبَّصْنَ“ العُمُومُ في كُلِّ امْرَأةٍ تُوَفِّيَ عَنْها زَوْجُها، فَيَدْخُلُ فِيهِ الأمَةُ والكِتابِيَّةُ والصَّغِيرَةُ. ورُوِيَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ أنَّ عِدَّةَ الكِتابِيَّةِ ثَلاثُ حِيَضٍ إذا تُوُفِّيَ عَنْها زَوْجُها، ورُوِيَ عَنْهُ أنَّ عَلَيْها عِدَّةً، فَإنْ لَمْ يَدْخُلْ فَلا عِدَّةَ قَوْلًا واحِدًا، ويَتَخَرَّجُ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ الإحْدادُ، وتَخْصِيصُ الحامِلِ قِيلَ بِقَوْلِهِ: ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] الآيَةَ، ولَمْ يُخَصِّصِ الشّافِعِيُّ هُنا العُمُومَ في حَقِّ الحامِلِ إلّا بِالسُّنَّةِ لا بِهَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّها ورَدَتْ عُقَيْبَ ذِكْرِ المُطَلَّقاتِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: هي في المُطَلَّقَةِ لا في المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها، ولِأنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنَ الآيَتَيْنِ أعَمُّ مِنَ الأُخْرى (p-٢٢٣)مِن وجْهٍ، وأخَصُّ مِنها مِن وجْهٍ؛ لِأنَّ الحامِلَ قَدْ يُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها وقَدْ لا يُتَوَفّى، والَّتِي تُوَفِّيَ عَنْها زَوْجُها قَدْ تَكُونُ حامِلًا وقَدْ لا تَكُونُ؛ فامْتُنِعَ التَّخْصِيصُ. وقِيلَ: الآيَةُ تَتَناوَلُ أوَّلًا الحَوامِلَ، ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ: ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ﴾ [الطلاق: ٤]، وعِدَّةُ الحامِلِ وضْعُ حَمْلِها عِنْدَ الجُمْهُورِ. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، وغَيْرِهِما: أنَّ تَمامَ عِدَّتِها آخِرُ الأجَلَيْنِ، واخْتارَهُ سَحْنُونُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ. ومَعْنى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ﴾ أيْ: يَنْتَظِرْنَ، قِيلَ: والتَّرَبُّصُ هُنا الصَّبْرُ عَنِ النِّكاحِ، قالَهُ الحَسَنُ، قالَ: ولَيْسَ الإحْدادُ بِشَيْءٍ، ولَها أنْ تَتَزَيَّنَ وتَتَطَيَّبَ. وضُعِّفَ قَوْلُهُ. وقِيلَ: تَرْكُ التَّزَوُّجِ ولُزُومُ البَيْتِ والإحْدادُ، وهو أنْ تَمْتَنِعَ مِنَ الزِّينَةِ، ومِن لُبْسِ المَصْبُوغِ الجَمِيلِ مِثْلَ الحُمْرَةِ والصُّفْرَةِ والخُضْرَةِ، والطِّيبِ، وما يَجْرِي مَجْرى ذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. ولَيْسَ في الآيَةِ نَصٌّ عَلى الإحْدادِ، بَلِ التَّرَبُّصُ مُجْمَلٌ بَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ؛ ثَبَتَ في حَدِيثِ الفُرَيْعَةِ قَوْلُهُ ﷺ: (امْكُثِي في بَيْتِكِ حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ أجَلَهُ)، وكانَتْ مُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها، قالَتْ: فاعْتَدَدْتُ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا. وصَحَّ أنَّهُ قالَ: (لا يَحِلُّ لِامْرَأةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ تُحِدَّ عَلى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثٍ إلّا عَلى زَوْجٍ؛ فَإنَّها تُحِدُّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا، وتَلْزَمُ المَبِيتَ في بَيْتِها)، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو حَنِيفَةَ، وغَيْرُهُما: تَبِيتُ حَيْثُ شاءَتْ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وجابِرٍ، وعائِشَةَ، وبِهِ قالَ عَطاءٌ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، والحَسَنُ، وداوُدُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَ تَعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ﴾ ولَمْ يَقُلْ: يَعْتَدِدْنَ في بُيُوتِهِنَّ، ولْتَعْتَدَّ حَيْثُ شاءَتْ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا، قالُوا: مَعْناهُ وعَشْرَ لَيالٍ؛ ولِذَلِكَ حَذَفَ التّاءَ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ. والمُرادُ عَشْرُ لَيالٍ بِأيّامِها، فَيَدْخُلُ اليَوْمُ العاشِرُ، قِيلَ: وغَلَبَ حُكْمُ اللَّيالِي؛ إذِ اللَّيالِي أسْبَقُ مِنَ الأيّامِ، والأيّامَ في ضِمْنِها، وعَشْرٌ أخَفُّ في اللَّفْظِ، ولا تَنْقَضِي عِدَّتُها إلّا بِانْقِضاءِ اليَوْمِ العاشِرِ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقالَ الأوْزاعِيُّ، وأبُو بَكْرٍ الأحَمُّ: لَيْسَ اليَوْمُ العاشِرُ مِنَ العِدَّةِ، بَلْ تَنْقَضِي بِتَمامِ عَشْرِ لَيالٍ. وقالَ المُبَرِّدُ: مَعْناهُ وعَشْرَ مُدَدٍ كُلُّ مُدَّةٍ مِنها يَوْمٌ ولَيْلَةٌ، تَقُولُ العَرَبُ: سِرْنا خَمْسًا، أيْ: بَيْنَ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ، قالَ الشّاعِرُ: ؎فَطافَتْ ثَلاثًا بَيْنَ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ ∗∗∗ وكانَ النَّكِيرُ أنْ تُضِيفَ وتَجْأرا وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقِيلَ عَشْرٌ إذْهابًا إلى اللَّيالِي، والأيّامُ داخِلَةٌ مَعَها، ولا تَراهم قَطُّ يَسْتَعْمِلُونَ التَّذْكِيرَ فِيهِ ذاهِبِينَ إلى الأيّامِ، تَقُولُ: صُمْتُ عَشْرًا، ولَوْ ذُكِرَتْ خَرَجَتْ مِن كَلامِهِمْ، ومِنَ البَيِّنِ فِيهِ: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا﴾ [طه: ١٠٣]، ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلّا يَوْمًا﴾ [طه: ١٠٤] . انْتَهى كَلامُهُ. ولا يَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ ”عَشْرٌ“ بِأنَّها لَيالٍ لِأجْلِ حَذْفِ التّاءِ، ولا إلى تَأْوِيلِها بِمُدَدٍ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ المُبَرِّدُ، بَلِ الَّذِي نَقَلَ أصْحابُنا أنَّهُ: إذا كانَ المَعْدُودُ مُذَكَّرًا وحَذَفْتَهُ، فَلَكَ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما، وهو الأصْلُ: أنْ يَبْقى العَدَدُ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ لَوْ لَمْ يُحْذَفِ المَعْدُودُ؛ فَتَقُولُ: صُمْتُ خَمْسَةً، تُرِيدُ: خَمْسَةَ أيّامٍ، قالُوا: وهو الفَصِيحُ، قالُوا: ويَجُوزُ أنْ تُحْذَفَ مِنهُ كُلِّهِ تاءُ التَّأْنِيثِ، وحَكى الكِسائِيُّ عَنْ أبِي الجَرّاحِ: صُمْنا مِنَ الشَّهْرِ خَمْسًا، ومَعْلُومٌ أنَّ الَّذِي يُصامُ مِنَ الشَّهْرِ إنَّما هي الأيّامُ، واليَوْمُ مُذَكَّرٌ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ؎وإلّا فَسِيرِي مِثْلَ ما سارَ راكِبٌ ∗∗∗ يُتَمِّمُ خَمْسًا لَيْسَ في سَيْرِهِ أمَمْ (p-٢٢٤)يُرِيدُ خَمْسَةَ أيّامٍ، وعَلى ذَلِكَ ما جاءَ في الحَدِيثِ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِن شَوّالٍ، وإذا تَقَرَّرَ هَذا فَجاءَ قَوْلُهُ: عَشْرًا عَلى أحَدِ الجائِزَيْنِ، وحُسْنُهُ هُنا أنَّهُ مَقْطَعُ كَلامٍ، فَهو شَبِيهٌ بِالفَواصِلِ، كَما حَسَّنَ قَوْلَهُ: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا﴾ [طه: ١٠٣] كَوْنُهُ فاصِلَةً، فَلِذَلِكَ اخْتِيرَ مَجِيءُ هَذا عَلى أحَدِ الجائِزَيْنِ، فَقَوْلُهُ: ولَوْ ذُكِرَتْ لَخَرَجَتْ عَنْ كَلامِهِمْ، لَيْسَ كَما ذُكِرَ، بَلْ لَوْ ذُكِرَ لَكانَ أتى عَلى الكَثِيرِ الَّذِي نَصُّوا عَلَيْهِ أنَّهُ الفَصِيحُ؛ إذْ حالُهُ عِنْدَهم مَحْذُوفًا كَحالِهِ مُثْبَتًا في الفَصِيحِ، وجَوَّزُوا الَّذِي ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى أنَّ غَيْرَهُ أكْثَرُ مِنهُ، وقَوْلُهُ: ولا تَراهم قَطُّ يَسْتَعْمِلُونَ التَّذْكِيرَ فِيهِ، كَما ذُكِرَ؛ بَلِ اسْتِعْمالُ التَّذْكِيرِ هو الكَثِيرُ الفَصِيحُ فِيهِ كَما ذَكَرْنا. وقَوْلُهُ: ومِنَ البَيِّنِ فِيهِ ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا﴾ [طه: ١٠٣] قَدْ بَيَّنّا مَجِيءَ هَذا عَلى الجائِزِ فِيهِ، وأنَّ مُحَسِّنَ ذَلِكَ إنَّما هو كَوْنُهُ فاصِلَةً، وقَوْلُهُ: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلّا يَوْمًا﴾ [طه: ١٠٤] فائِدَةٌ ذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا أنَّهُ عَلى زَعْمِهِ أرادَ اللَّيالِيَ، والأيّامُ داخِلَةٌ مَعَها؛ فَأتى بِقَوْلِهِ: ”إلّا يَوْمًا“ لِلدَّلالَةِ عَلى ذَلِكَ، وهَذا عِنْدَنا يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ”عَشْرًا“ إنَّما يُرِيدُ بِها الأيّامَ؛ لِأنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في مُدَّةِ اللُّبْثِ، فَقالَ قَوْمٌ: عَشْرٌ، وقالَ أمْثَلُهم طَرِيقَةً: يَوْمٌ، فَقَوْلُهُ: ”إلّا يَوْمًا“ مُقابِلٌ لِقَوْلِهِمْ: ”إلّا عَشْرًا“، ويُبَيِّنُ أنَّهُ أُرِيدَ بِالعَشْرِ الأيّامَ؛ إذْ لَيْسَ مِنَ التَّقابُلِ أنْ يَقُولَ بَعْضُهم: عَشْرُ لَيالٍ، ويَقُولُ بَعْضٌ: يَوْمًا. وظاهِرُ قَوْلِهِ ”أرْبَعَةِ أشْهُرٍ“ ما يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الشَّهْرِ، فَلَوْ وجَبَتِ العِدَّةُ مَعَ رُؤْيَةِ الهِلالِ لاعْتَدَّتْ بِالأهِلَّةِ، كانَ الشَّهْرُ تامًّا أوْ ناقِصًا. وإنْ وجَبَتْ في بَعْضِ شَهْرٍ، فَقِيلَ: تَسْتَوْفِي مِائَةً وثَلاثِينَ يَوْمًا، وقِيلَ: تَعْتَدُّ بِما يَمُرُّ عَلَيْها مِنَ الأهِلَّةِ شُهُورًا، ثُمَّ تُكْمِلُ الأيّامَ الأُوَلَ، وكِلا القَوْلَيْنِ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ. ولَمّا كانَ الغالِبُ عَلى مَن ماتَ عَنْها زَوْجُها أنْ تَعْلَمَ ذَلِكَ، فَتَعْتَدَّ إثْرَ الوَفاةِ؛ جاءَ الفِعْلُ مُسْنَدًا إلَيْهِنَّ، وأُكِّدَ بِقَوْلِهِ: ”بِأنْفُسِهِنَّ“، فَلَوْ مَضَتْ عَلَيْها مُدَّةُ العِدَّةِ مِن حِينِ الوَفاةِ، وقامَتْ عَلى ذَلِكَ البَيِّنَةُ، ولَمْ تَكُنْ عَلِمَتْ بِوَفاتِهِ إلى أنِ انْقَضَتِ العِدَّةُ، فالَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ أنَّ عِدَّتَها مِن يَوْمِ الوَفاةِ، وبِهِ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ عُمَرَ، وجابِرٌ، وعَطاءٌ، والأسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ، وفُقَهاءُ الأمْصارِ. وقالَ عَلِيٌّ، والحَسَنُ البَصْرِيُّ، وخِلاسُ بْنُ عَمْرٍو، ورَبِيعَةُ: مِن يَوْمِ يَأْتِيها الخَبَرُ. وكَأنَّهم جَعَلُوا في إسْنادِ التَّرَبُّصِ إلَيْهِنَّ تَأْثِيرًا في العِدَّةِ. ورُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، والشّافِعِيِّ أنَّهُما قالا: إذا قامَتِ البَيِّنَةُ فالعِدَّةُ مِن يَوْمِ يَمُوتُ، وإنْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ فَمِن يَوْمِ يَأْتِيها الخَبَرُ. ورُوِيَ عَنِ الشّافِعِيِّ مِثْلُ قَوْلِ الجُمْهُورِ، وأجْمَعُوا عَلى أنَّ المُعْتَدَّةَ، لَوْ كانَتْ حامِلًا لا تَعْلَمُ بِوَفاةِ الزَّوْجِ حَتّى وضَعَتِ الحَمْلَ؛ أنَّ عِدَّتَها مُنْقَضِيَةٌ، ولَمْ تَتَعَرَّضِ الآيَةُ في المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها إلّا لِأنْ تَتَرَبَّصَ تِلْكَ المُدَّةَ؛ فَلا نَفَقَةَ لَها في مُدَّةِ العِدَّةِ مِن رَأْسِ المالِ، ولَوْ كانَتْ حامِلًا، قالَهُ جابِرٌ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، وعَبْدُ المَلِكِ بْنُ يَعْلى، ويَحْيى الأنْصارِيُّ، ورَبِيعَةُ، ومالِكٌ، وأحْمَدُ، وإسْحاقُ، وابْنُ المُنْذِرِ، ورُوِيَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ. وقِيلَ: لَها النَّفَقَةُ مِن جَمِيعِ المالِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وشُرَيْحٍ، وابْنِ سِيرِينَ، والشَّعْبِيِّ، وأبِي العالِيَةِ، والنَّخَعِيِّ، وخِلاسِ بْنِ عَمْرٍو، وحَمّادِ بْنِ أبِي سُلَيْمانَ، وأيُّوبَ السَّخْتِيانِيِّ، والثَّوْرِيِّ، وأبِي عُبَيْدٍ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ أنَّهُ إذا تَرَبَّصَتْ هَذِهِ المُدَّةَ لَيْسَ عَلَيْها أكْثَرُ مِن ذَلِكَ، وإنْ كانَتْ مِمَّنْ تَحِيضُ فَلَمْ تَحِضْ فِيها، وقِيلَ: لا تَبْرَأُ إلّا بِحَيْضَةٍ تَأْتِي بِها في المُدَّةِ، وإلّا فَهي مُسْتَرِيبَةٌ؛ فَتَمْكُثُ حَتّى تَزُولَ رِيبَتُها. وأجْمَعَ الفُقَهاءُ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ناسِخَةٌ لِما بَعْدَها مِنَ الِاعْتِدادِ بِالحَوْلِ، وهَذا مِن غَرائِبِ النَّسْخِ؛ فَإنَّ الحُكْمَ الثّانِيَ يَنْسَخُ الأوَّلَ، وقِيلَ: إنَّ الحَوْلَ لَمْ يُنْسَخْ، وإنَّما هو لَيْسَ عَلى وجْهِ الوُجُوبِ، بَلْ هو عَلى النَّدْبِ، فَأرْبَعَةُ أشْهُرٍ وعَشْرًا أقَلُّ ما تَعْتَدُّ بِهِ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها، والحَوْلُ هو الأكْمَلُ والأفْضَلُ. وقالَ قَوْمٌ: لَيْسَ في هَذا نَسْخٌ، وإنَّما هو نُقْصانٌ مِنَ الحَوْلِ، كَصَلاةِ المُسافِرِ لَمّا نَقَصَتْ مِنَ الأرْبَعِ إلى الِاثْنَيْنِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَسْخًا، بَلْ كانَ تَخْفِيفًا. قالُوا: واخْتُصَّ هَذا العَدَدُ في عِدَّةِ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها اسْتِبْراءً لِلْحَمْلِ؛ فَقَدْ رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ - (p-٢٢٥)ﷺ - قالَ: (يَكُونُ خَلْقُ أحَدِكم نُطْفَةً أرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ عَلَقَةً أرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ مُضْغَةً أرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ، وزادَ اللَّهُ العَشْرَ لِأنَّها مَظِنَّةٌ لِظُهُورِ حَرَكَةِ الجَنِينِ، أوْ مُراعاةً لِنَقْصِ الشُّهُورِ وكَمالِها، أوِ اسْتِظْهارًا لِسُرْعَةِ ظُهُورِ الحَرَكَةِ أوْ إبْطائِها في الجَنِينِ) . قالَ أبُو العالِيَةِ وغَيْرُهُ: إنَّما زِيدَتِ العَشْرُ لِأنَّ نَفْخَ الرُّوحِ يَكُونُ فِيها، وظُهُورَ الحَمَلِ في الغالِبِ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: ولَدُ كُلِّ عامِلٍ يَرْكُضُ في نِصْفِ حَمْلِهِ. وقالَ الرّاغِبُ: ذَكَرَ الأطِبّاءُ أنَّ الوَلَدَ - في الأكْثَرِ - إذا كانَ ذَكَرًا يَتَحَرَّكُ بَعْدَ ثَلاثَةِ أشْهُرٍ، وإذا كانَ أُنْثى بَعْدَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، وزِيدَ عَلى ذَلِكَ عَشْرًا اسْتِظْهارًا. قالَ: وخُصَّتِ العَشْرَةُ بِالزِّيادَةِ لِكَوْنِها أكْمَلَ الأعْدادِ وأشْرَفَها لِما تَقَدَّمَ في: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦] . قالَ القُشَيْرِيُّ: لَمّا كانَ حَقُّ المَيِّتِ أعْظَمَ؛ لِأنَّ فِراقَهُ لَمْ يَكُنْ بِالِاخْتِيارِ - كانَتْ مُدَّةُ وفاتِهِ أطْوَلَ، وفي ابْتِداءِ الإسْلامِ كانَتْ عِدَّةُ الوَفاةِ سَنَةً، ثُمَّ رُدَّتْ إلى أرْبَعَةِ أشْهُرٍ وعَشَرَةِ أيّامٍ لِتَخْفِيفِ بَراءَةِ الرَّحِمِ عَنْ ماءِ الزَّوْجِ، ثُمَّ إذا انْقَضَتِ العِدَّةُ أُبِيحَ لَها التَّزَوُّجُ بِزَوْجٍ آخَرَ؛ إذِ المَوْتُ لا يَسْتَدِيمُ مُوافاةً إلى آخِرِ عُمْرِ أحَدٍ، كَما قِيلَ: ؎وكَما تَبْلى وُجُوهٌ في الثَّرى ∗∗∗ فَكَذا يَبْلى عَلَيْهِنَّ الحَزَنْ ﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكم فِيما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾، بُلُوغُ أجَلِهِنَّ: هو انْقِضاءُ المُدَّةِ المَضْرُوبَةِ في التَّرَبُّصِ، والمُخاطَبُونَ بِـ ”عَلَيْكم“: الأوْلِياءُ، أوِ الأئِمَّةُ والحُكّامُ والعُلَماءُ؛ إذْ هُمُ الَّذِينَ يُرْجَعُ إلَيْهِمْ في الوَقائِعِ، أوْ عامَّةُ المُؤْمِنِينَ، أقْوالٌ. ورَفَعَ الجُناحَ عَنِ الرِّجالِ في بُلُوغِ النِّساءِ أجَلَهُنَّ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ عَلَيْهِنَّ، ويَأْخُذُونَهُنَّ بِأحْكامِ العَدَدِ، أوْ لِأنَّهم إذْ ذاكَ يَسُوغُ لَهم نِكاحُهُنَّ؛ إذْ كانَ ذَلِكَ في العِدَّةِ حَرامًا، فَزالَ الجُناحُ بَعْدَ انْقِضاءِ العِدَّةِ. والَّذِي فَعَلْنَ بِأنْفُسِهِنَّ: النِّكاحُ الحَلالُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ شِهابٍ. أوِ: الطِّيبُ، والتَّزَيُّنُ، والنَّقْلَةُ مِن مَسْكَنٍ إلى مَسْكَنٍ، قالَهُ أبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ. ومَعْنى ”بِالمَعْرُوفِ“ أيْ: بِالإشْهادِ، وقِيلَ: ما أذِنَ فِيهِ الشَّرْعُ مِمّا يَتَوَقَّفُ النِّكاحُ عَلَيْهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿فِيما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ﴾ مِنَ التَّعَرُّضِ لِلْخُطّابِ بِالمَعْرُوفِ بِالوَجْهِ الَّذِي لا يُنْكِرُهُ الشَّرْعُ، والمَعْنى: أنَّهُنَّ لَوْ فَعَلْنَ ما هو مُنْكَرٌ كانَ عَلى الأئِمَّةِ أنْ يَكُفُّوهُنَّ، وإنْ فَرَّطُوا كانَ عَلَيْهِمُ الجُناحُ. انْتَهى كَلامُهُ. وهو حَسَنٌ. ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾: وعِيدٌ يَتَضَمَّنُ التَّحْذِيرَ، وخَبِيرٌ: لِلْمُبالَغَةِ، وهو العِلْمُ بِما لَطَفَ والتَّقَصِّي لَهُ.

البقرة 2:235

﴿ولا جُناحَ عَلَيْكم فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِن خِطْبَةِ النِّساءِ أوْ أكْنَنْتُمْ في أنْفُسِكُمْ﴾، نَفى اللَّهُ الحَرَجَ في التَّعْرِيضِ بِالخِطْبَةِ، وهو: إنَّكِ لَجَمِيلَةٌ، وإنَّكِ لَصالِحَةٌ، وإنَّ مِن عَزْمِي أنْ أتَزَوَّجَ، وإنِّي فِيكِ لَراغِبٌ، وما أشْبَهَ ذَلِكَ. أوْ: أُرِيدُ النِّكاحَ، وأُحِبُّ امْرَأةً كَذا وكَذا، يَعُدُّ أوْصافَها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. أوْ: إنَّكِ لَنافِقَةٌ، وإنْ قُضِيَ شَيْءٌ سَيَكُونُ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ. أوْ: يَصِفُ لَها نَفْسَهُ، وفَخْرَهُ، وحَسَبَهُ ونَسَبَهُ، كَما فَعَلَ الباقِرُ مَعَ سَكِينَةَ بِنْتِ حَنْظَلَةَ. أوْ يَقُولُ لِوَلِيِّها: لا تَسْبِقْنِي بِها، كَما «قالَ ﷺ لِفاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: (كُونِي عِنْدَ أُمِّ شَرِيكٍ ولا تَسْبِقِينِي بِنَفْسِكِ»)، وقَدْ أُوِّلَ هَذا عَلى أنَّهُ مِنهُ ﷺ لِفاطِمَةَ عَلى سَبِيلِ الرَّأْيِ فِيمَن يَتَزَوَّجُها، لا أنَّهُ أرادَها لِنَفْسِهِ؛ ولِذَلِكَ كَرِهَ مُجاهِدٌ أنْ يَقُولَ: لا تَسْبِقِينِي بِنَفْسِكِ، ورَآهُ مِنَ المُواعَدَةِ سِرًّا، أوْ يَقُولُ: ما عَلَيْكِ تَأيُّمٌ، ولَعَلَّ اللَّهَ يَسُوقُ إلَيْكِ خَيْرًا، أوْ رُبَّ رَجُلٍ يَرْغَبُ فِيكِ، أوْ يَهْدِي لَها ويَقُومُ بِشَغْلِها إذا كانَتْ لَهُ رَغْبَةٌ في تَزْوِيجِها. قالَ إبْراهِيمُ: أوْ يَقُولُ كُلُّ ما سِوى التَّصْرِيحِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والإجْماعُ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ التَّصْرِيحُ بِالتَّزْوِيجِ، ولا التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ، ولا الرَّفَثُ، وذِكْرُ الجِماعِ، والتَّحْرِيضُ عَلَيْهِ. وقَدِ اسْتَدَلَّتِ الشّافِعِيَّةُ بِنَفْيِ الحَرَجِ في التَّعْرِيضِ بِالخِطْبَةِ عَلى أنَّ التَّعْرِيضَ بِالنَّدْبِ لا يُوجِبُ الحَدَّ، فَكَما خالَفَ نَهْيُ حُكْمَيِ التَّعْرِيضِ والتَّصْرِيحِ في الخِطْبَةِ، فَكَذَلِكَ في القَذْفِ. ﴿أوْ أكْنَنْتُمْ في أنْفُسِكُمْ﴾، أيْ: أخْفَيْتُمْ في أنْفُسِكم مِن أمْرِ النِّكاحِ فَلَمْ تُعَرِّضُوا بِهِ، ولَمْ يُصَرِّحُوا بِذِكْرٍ، وكانَ المَعْنى رَفْعُ الجُناحِ عَمَّنْ (p-٢٢٦)أظْهَرَ بِالتَّعْرِيضِ أوْ سَتَرَ ذَلِكَ في نَفْسِهِ، وإذا ارْتَفَعَ الحَرَجُ عَمَّنْ تَعَرَّضَ بِاللَّفْظِ فَأحْرى أنْ يَرْتَفِعَ عَمَّنْ كَتَمَ، ولَكِنَّهُما حالَةُ ظُهُورٍ وإخْفاءٍ عُفِيَ عَنْهُما، وقِيلَ: المَعْنى أنَّهُ يَعْقِدُ قَلْبَهُ عَلى أنَّهُ سَيُصَرِّحُ بِذَلِكَ في المُسْتَقْبَلِ بَعْدَ انْقِضاءِ العِدَّةِ؛ فَأباحَ اللَّهُ التَّعْرِيضَ، وحَرَّمَ التَّصْرِيحَ في الحالِ، وأباحَ عَقْدَ القَلْبِ عَلى التَّصْرِيحِ في المُسْتَقْبَلِ. ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الإكْنانُ في النَّفْسِ هو المَيْلُ إلى المَرْأةِ؛ لِأنَّهُ كانَ يَكُونُ مِن قَبِيلِ إيضاحِ الواضِحاتِ؛ لِأنَّ التَّعْرِيضَ بِالخِطْبَةِ أعْظَمُ حالًا مِن مَيْلِ القَلْبِ. ﴿عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ هَذا عُذْرٌ في التَّعْرِيضِ؛ لِأنَّ المَيْلَ مَتى حَصَلَ في القَلْبِ عَسُرَ دَفْعُهُ؛ فَأسْقَطَ اللَّهُ الحَرَجَ في ذَلِكَ، وفِيهِ طَرَفٌ مِنَ التَّوْبِيخِ، كَقَوْلِهِ: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وجاءَ الفِعْلُ بِالسِّينِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى تَقارُبِ الزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ لا تَراخِيهِ؛ لِأنَّهُنَّ يُذْكَرْنَ عِنْدَما انْفَصَلَتْ حِبالُهُنَّ مِن أزْواجِهِنَّ بِالمَوْتِ، وتَتُوقُ إلَيْهِنَّ الأنْفُسُ، ويُتَمَنّى نِكاحُهُنَّ. وقالَ الحَسَنُ: مَعْنى ”سَتَذْكُرُونَهُنَّ“: سَتَخْطِبُونَهُنَّ، كَأنَّهُ قالَ: إنْ لَمْ تُنْهَوْا. انْتَهى. وقَوْلُهُ: ”سَتَذْكُرُونَهُنَّ“ شامِلٌ لِذِكْرِ اللِّسانِ وذِكْرِ القَلْبِ، فَنَفى الحَرَجَ عَنِ التَّعْرِيضِ، وهو كَسْرُ اللِّسانِ، وعَنِ الإخْفاءِ في النَّفْسِ وهو ذِكْرُ القَلْبِ. ﴿ولَكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾، هَذا الِاسْتِدْراكُ مِنَ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهُ، وهو قَوْلُهُ: ”سَتَذْكُرُونَهُنَّ“، والذِّكْرُ يَقَعُ عَلى أنْحاءٍ وأوْجُهٍ، فاسْتَدْرَكَ مِنهُ وجْهًا نَهى فِيهِ عَنْ ذِكْرٍ مَخْصُوصٍ، ولَوْ لَمْ يَسْتَدْرِكْ لَكانَ مَأْذُونًا فِيهِ لِانْدِراجِهِ تَحَتَ مُطْلَقِ الذِّكْرِ الَّذِي أخْبَرَ اللَّهُ بِوُقُوعِهِ، وهو نَظِيرُ قَوْلِكَ: زَيْدٌ سَيَلْقى خالِدًا، ولَكِنْ لا يُواجِهُهُ بِشَرٍّ، فاسْتَدْرَكَ هَذِهِ الحالَةَ مِمّا يَحْتَمِلُهُ اللِّقاءُ، وإنَّ مِن أحْوالِهِ المُواجَهَةَ بِالشَّرِّ، ولا يَحْتاجُ ”لَكِنْ“ إلى جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ قَبْلَها، لَكِنْ يَحْتاجُ ما بَعْدَ ”لَكِنْ“ إلى وُقُوعِ ما قَبْلَهُ مِن حَيْثُ المَعْنى لا مِن حَيْثُ اللَّفْظِ؛ لِأنَّ نَفْيَ المُواجَهَةِ بِالشَّرِّ يَسْتَدْعِي وُقُوعَ اللِّقاءِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: أيْنَ المُسْتَدْرَكُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ﴾؛ قُلْتُ: هو مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ: (سَتَذْكُرُونَهُنَّ) عَلَيْهِ، ﴿عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ فاذْكُرُوهُنَّ، ﴿ولَكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ . انْتَهى كَلامُهُ. وقَدْ ذَكَرْنا أنَّهُ لا يُحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ قَبْلَ ”لَكِنْ“، بَلِ الِاسْتِدْراكُ جاءَ مِن قِبَلِ قَوْلِهِ: ”سَتَذْكُرُونَهُنَّ“، ولَمْ يَأْمُرِ اللَّهُ تَعالى بِذِكْرِ النِّساءِ، لا عَلى طَرِيقِ الوُجُوبِ، ولا النَّدْبِ؛ فَيُحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ: ”فاذْكُرُوهُنَّ“ عَلى ما قَرَّرْناهُ قَبْلَ قَوْلِكَ: سَألْقاكَ ولَكِنْ لا تَخَفْ مِنِّي، لَمّا كانَ اللِّقاءُ مِن بَعْضِ أحْوالِهِ أنْ يُخافَ مِنَ المُلْقى اسْتَدْرَكَ فَقالَ: ولَكِنْ لا تَخَفْ مِنِّي. والسِّرُّ: ضِدُّ الجَهْرِ، ويُكَنّى بِهِ عَنِ الجِماعِ حَلالِهِ وحَرامِهِ، لَكِنَّهُ في سِرٍّ، وقَدْ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ العَقْدِ؛ لِأنَّهُ سَبَبٌ فِيهِ، وقَدْ فَسَّرَ ”السِّرَّ“ هُنا بِالزِّنا: الحَسَنُ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، والضَّحّاكُ، والنَّخَعِيُّ. ومِمّا جاءَ ”السِّرُّ“ في الوَطْءِ الحَرامِ قَوْلُ الحُطَيْئَةِ: ؎ويَحْرُمُ سِرُّ جارَتِهِمْ عَلَيْهِمْ ويَأْكُلُ جارُهم أُنُفَ القِصاعِ وقالَ الأعْشى:(p-٢٢٧) ؎ولا تَقْرَبَنَّ جارَةً إنَّ سِرَّها ∗∗∗ عَلَيْكَ حَرامٌ فانْكِحَنْ أوْ تَأبَّدا وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: السِّرُّ هُنا: النِّكاحُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْنى ذَلِكَ: لا تَنْكِحُوهُنَّ وتَكْتُمُونَ ذَلِكَ، فَإذا حَلَّتْ أظْهَرْتُمُوهُ ودَخَلْتُمْ بِهِنَّ، فَسَمّى العَقْدَ عَلَيْهِمْ مُواعَدَةً، وهَذا يَنْبُو عَنْهُ لَفْظُ المُواعَدَةِ. قالَ بَعْضُهم: جِماعًا، وهو أنْ يَقُولَ لَها: إنْ نَكَحْتُكِ كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، يُرِيدُ ما يَجْرِي بَيْنَهُما تَحْتَ اللِّحافِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا، والشَّعْبِيُّ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ، ومالِكٌ وأصْحابُهُ، والجُمْهُورُ: المَعْنى: لا تُوافِقُوهُنَّ المُواعَدَةَ والتَّوَثُّقَ وأخْذَ العُهُودِ في اسْتِسْرارٍ مِنكم وخِفْيَةٍ. فَعَلى هَذا القَوْلِ، والقَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ، يَنْتَصِبُ ”سِرًّا“ عَلى الحالِ، أيْ: مُسْتَسِرِّينَ. وعَلى القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ يَنْتَصِبُ عَلى المَفْعُولِ، وإذا انْتَصَبَ عَلى الحالِ كانَ مَفْعُولُ ”تُواعِدُوهُنَّ“ مَحْذُوفًا، تَقْدِيرُهُ: النِّكاحُ، وقِيلَ: انْتَصَبَ عَلى أنَّهُ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: مُواعَدَةً سِرًّا. وقِيلَ التَّقْدِيرُ: في سِرٍّ، فَحَذَفَ في وانْتَصَبَ انْتِصابَ الظَّرْفِ، عَلى أنَّ المُواعَدَةَ في السِّرِّ عِبارَةٌ عَنِ المُواعَدَةِ بِما يُسْتَهْجَنُ؛ لِأنَّ مُسارَّتَهُنَّ في الغالِبِ بِما يُسْتَحى مِنَ المُجاهَرَةِ بِهِ، والَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ الآيَةُ أنَّهم نُهُوا أنْ يُواعِدَ الرَّجُلُ المَرْأةَ في العِدَّةِ أنْ يَطَأها بَعْدَ العِدَّةِ بِوَجْهِ التَّزْوِيجِ، وأمّا تَفْسِيرُ السِّرِّ هُنا بِالزِّنا فَبَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ حَرامٌ عَلى المُسْلِمِ مَعَ مُعْتَدَّةٍ وغَيْرِها، وأمّا إطْلاقُ المُواعَدَةِ سِرًّا عَلى العَقْدِ فَبَعِيدٌ أيْضًا. وأمّا قَوْلُ الجُمْهُورِ فَبَعِيدٌ أيْضًا؛ لِأنَّهم نُهُوا عَنِ المُواعَدَةِ بِالنِّكاحِ سِرًّا وجَهْرًا، فَلا فائِدَةَ في تَقْيِيدِ المُواعَدَةِ بِالسِّرِّ. ﴿إلّا أنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾، هَذا الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّهُ لا يَنْدَرِجُ تَحَتَ ”سِرًّا“ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ عَلى أيِّ تَفْسِيرٍ فَسَّرْتَهُ، والقَوْلُ المَعْرُوفُ هو ما أُبِيحَ مِنَ التَّعْرِيضِ، وقالَ الضَّحّاكُ: مِنَ القَوْلِ المَعْرُوفِ أنْ تَقُولَ لِلْمُعْتَدَّةِ: احْبِسِي عَلَيَّ نَفْسَكِ، فَإنَّ لِي بِكِ رَغْبَةً، فَتَقُولُ هي: وأنا مِثْلُ ذَلِكَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا عِنْدِي مُواعَدَةٌ. وإنَّما لِتَعْرِيضِ قَوْلِ الرَّجُلِ: إنَّكُنَّ لَإماءٌ كِرامٌ، وما قُدِّرَ كانَ، وإنَّكِ لِمُعْجِبَةٌ، ونَحْوَ هَذا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿إلّا أنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾، وهو أنْ تُعَرِّضُوا ولا تُصَرِّحُوا. فَإنْ قُلْتَ: بِمَ يَتَعَلَّقُ حَرْفُ الِاسْتِثْناءِ ؟ قُلْتُ: بِـ ﴿لا تُواعِدُوهُنَّ﴾، أيْ: لا تُواعِدُوهُنَّ مُواعَدَةً قَطُّ، إلّا مُواعِدَةً مَعْرُوفَةً غَيْرَ مُنْكَرَةٍ، أوْ: لا تُواعِدُوهُنَّ إلّا بِأنْ تَقُولُوا، أيْ: لا تُواعِدُوهُنَّ إلّا (p-٢٢٨)بِالتَّعْرِيضِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا مِن ”سِرًّا“؛ لِأدائِهِ إلى قَوْلِكَ: لا تُواعِدُوهُنَّ إلّا التَّعْرِيضَ. انْتَهى كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ. ويَحْتاجُ إلى تَوْضِيحٍ؛ وذَلِكَ أنَّهُ جَعَلَهُ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا بِاعْتِبارِ أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ، وجَعَلَ ذَلِكَ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِنَ المَصْدَرِ المَحْذُوفِ، وهو الوَجْهُ الأوَّلُ الَّذِي ذَكَرَهُ، وقَدَّرَهُ: لا تُواعِدُوهُنَّ مُواعَدَةً قَطُّ إلّا مُواعَدَةً مَعْرُوفَةً غَيْرَ مُنْكَرَةٍ، فَكَأنَّ المَعْنى: لا تَقُولُوا لَهُنَّ قَوْلًا تَعِدُونَهُنَّ بِهِ إلّا قَوْلًا مَعْرُوفًا؛ فَصارَ هَذا نَظِيرُ: لا تَضْرِبْ زَيْدًا ضَرْبًا شَدِيدًا. والثّانِي: أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُفَرَّغًا مِن مَجْرُورٍ مَحْذُوفٍ، وهو الوَجْهُ الثّانِي الَّذِي ذَكَرَهُ، وقَدَّرَهُ: إلّا بِأنْ تَقُولُوا، ثُمَّ أوْضَحَهُ بِقَوْلِهِ: إلّا بِالتَّعْرِيضِ، فَكانَ المَعْنى: لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا، أيْ نِكاحًا بِقَوْلٍ مِنَ الأقْوالِ، إلّا بِقَوْلٍ مَعْرُوفٍ، وهو التَّعْرِيضُ؛ فَحُذِفَ مِن ”أنْ“ حَرْفُ الجَرِّ؛ فَيَبْقى مَنصُوبًا أوْ مَجْرُورًا عَلى الخِلافِ الَّذِي تَقَدَّمَ في نَظائِرِهِ. والفَرْقُ بَيْنَ هَذا الوَجْهِ والَّذِي قَبْلَهُ أنَّ الَّذِي قَبْلَهُ انْتَصَبَ نَصْبَ المَصْدَرِ، وهَذا انْتَصَبَ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، وهو الباءُ الَّتِي لِلسَّبَبِ. قَوْلُهُ: ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا مِن ”سِرًّا“ لِأدائِهِ إلى قَوْلِهِ: لا تُواعِدُوهُنَّ إلّا التَّعْرِيضَ، والتَّعْرِيضُ لَيْسَ مُواعَدًا؛ فَلا يَصِحُّ عِنْدَهُ أنْ يَنْصَبَّ عَلَيْهِ العامِلُ، وهَذا عِنْدَهُ عَلى أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا نَظِيرَ: ما رَأيْتُ أحَدًا إلّا حِمارًا، لَكِنَّ هَذا يَصِحُّ فِيهِ: ما رَأيْتُ إلّا (p-٢٢٩)حِمارًا، وذَلِكَ لا يَصِحُّ فِيهِ: لا تُواعِدُوهُنَّ إلّا التَّعْرِيضَ؛ لِأنَّ التَّعْرِيضَ لا يَكُونُ مُواعِدًا بَلْ مُواعِدًا بِهِ النِّكاحَ، فانْتِصابُ ”سِرًّا“ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ، فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ ”أنْ تَقُولُوا“ مَفْعُولًا، ولا يَصِحُّ ذَلِكَ فِيهِ؛ فَلا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، هَذا تَوْجِيهٌ مَنَعَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا. وما ذَهَبَ إلَيْهِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأنَّهُ لا يَنْحَصِرُ الِاسْتِثْناءُ المُنْقَطِعُ فِيما ذَكَرَ، وهو أنْ يُمَكِّنَ تِلْكَ العامِلَ السّابِقَ عَلَيْهِ، وذَلِكَ أنَّ الِاسْتِثْناءَ المُنْقَطِعَ عَلى قِسْمَيْنِ: أحَدُهُما: ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهو: أنْ يَتَسَلَّطَ العامِلُ عَلى ما بَعْدَ ”إلّا“ كَما مَثَّلْنا بِهِ في قَوْلِكَ: ما رَأيَتُ أحَدًا إلّا حِمارًا، وما في الدّارِ أحَدٌ إلّا حِمارًا، وهَذا النَّوْعُ فِيهِ خِلافٌ عَنِ العَرَبِ، فَمَذْهَبُ الحِجازِيِّينَ نَصْبُ هَذا النَّوْعِ مِنَ المُسْتَثْنى، ومَذْهَبُ بَنِي تَمِيمٍ إتْباعُهُ لِما قَبْلَهُ في الإعْرابِ، ويَصْلُحُ في هَذا النَّوْعِ أنْ تَحْذِفَ الأوَّلَ وتُسَلِّطَ ما قَبْلَهُ عَلى ما بَعْدَ ”إلّا“، فَتَقُولُ: ما رَأيَتُ إلّا حِمارًا، وما في الدّارِ إلّا حِمارٌ؛ ويَصِحُّ في الكَلامِ: ما لَهم بِهِ إلّا اتِّباعُ الظَّنِّ. والقِسْمُ الثّانِي: مِن قِسْمَيِ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ هو أنْ لا يُمْكِنَ تَسَلُّطُ العامِلِ عَلى ما بَعْدَ ”إلّا“، وهَذا حُكْمُهُ النَّصْبُ عِنْدَ العَرَبِ قاطِبَةً، ومِن ذَلِكَ: ما زادَ إلّا ما نَقَصَ، وما نَفَعَ إلّا ما ضَرَّ؛ فَما بَعْدَ ”إلّا“ لا يُمْكِنُ أنْ يَتَسَلَّطَ عَلَيْهِ زادَ ولا نَقَصَ، بَلْ يُقَدَّرُ المَعْنى: ما زادَ، لَكِنَّ النَّقْصَ حَصَلَ لَهُ، وما نَفَعَ لَكِنَّ الضَّرَرَ حَصَلَ؛ فاشْتَرَكَ هَذا القِسْمُ مَعَ الأوَّلِ في تَقْدِيرِ ”إلّا“ بِـ ”لَكِنْ“، لَكِنَّ الأوَّلَ يُمْكِنُ تَسْلِيطُ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، وهَذا لا يُمْكِنُ. وإذا تَقَرَّرَ هَذا فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ تَقُولُوا﴾ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا مِن هَذا القِسْمِ الثّانِي، وهو ما لا يُمْكِنُ أنْ يَتَوَجَّهَ عَلَيْهِ العامِلُ، والتَّقْدِيرُ: لَكِنَّ التَّعْرِيضَ سائِغٌ لَكم، وكَأنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ ما عَلِمَ أنَّ الِاسْتِثْناءَ المُنْقَطِعَ يَأْتِي عَلى هَذا النَّوْعِ مِن عَدَمِ تَوْجِيهِ العامِلِ عَلى ما بَعْدَ ”إلّا“؛ فَلِذَلِكَ مَنَعَهُ، واللَّهُ أعْلَمُ. وظاهِرُ النَّهْيِ في قَوْلِهِ: ﴿لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ التَّحْرِيمُ، حَتّى قالَ مالِكٌ في رِوايَةِ ابْنِ وهْبٍ عَنْهُ: فِيمَن واعَدَ في العِدَّةِ ثُمَّ تَزَوَّجَها بَعْدَ العِدَّةِ، قالَ: فِراقُها أحَبُّ إلَيَّ - دَخَلَ بِها أوْ لَمْ يَدْخُلْ - وتَكُونُ تَطْلِيقَةً واحِدَةً، فَإذا حَلَّتْ خَطَبَها مَعَ الخُطّابِ. ورَوى أشْهَبُ عَنْ مالِكٍ وُجُوبَ التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُما. وقالَ ابْنُ القاسِمِ: وحَكى مِثْلَ هَذا ابْنُ حارِثٍ عَنِ ابْنِ الماجِشُونِ، وزادَ ما يَقْتَضِي تَأْبِيدَ التَّحْرِيمِ. وقالَ الشّافِعِيُّ: لَوْ صَرَّحَ بِالخِطْبَةِ وصَرَّحَتْ بِالإجابَةِ ولَمْ يَعْقِدْ عَلَيْها إلّا بَعْدَ انْقِضاءِ العِدَّةِ - صَحَّ النِّكاحُ، والتَّصْرِيحُ بِهِما مَكْرُوهٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى كَراهَةِ المُواعَدَةِ في العِدَّةِ لِلْمَرْأةِ. ﴿ولا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ أجَلَهُ﴾، نُهُوا عَنِ العَزْمِ عَلى عُقْدَةِ النِّكاحِ، وإذا كانَ العَزْمُ مَنهِيًّا عَنْهُ فَأحْرى أنْ يُنْهى عَنِ العُقْدَةِ. وانْتِصابُ ”عُقْدَةَ“ عَلى المَفْعُولِ بِهِ؛ لِتَضْمِينِ ”تَعْزِمُوا“ مَعْنى ما يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، فَضُمِّنَ مَعْنى: تَنْوُوا، أوْ مَعْنى: تُصَمِّمُوا، أوْ مَعْنى: تُوجِبُوا، أوْ مَعْنى: تُباشِرُوا، أوْ مَعْنى: تَقْطَعُوا، أيْ: تَبُتُّوا. وقِيلَ: انْتَصَبَ (عُقْدَةَ) عَلى المَصْدَرِ، ومَعْنى تَعْزِمُوا: تَعْقِدُوا. وقِيلَ: انْتَصَبَ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، وهو عَلى هَذا التَّقْدِيرِ: ولا تَعْزِمُوا عَلى عُقْدَةِ النِّكاحِ. وحَكى سِيبَوَيْهِ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: ضُرِبَ زَيْدٌ الظَّهْرَ والبَطْنَ، أيْ: عَلى الظَّهْرِ والبَطْنِ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎ولَقَدْ أبِيتُ عَلى الطَّوى وأظَلُّهُ ∗∗∗ حَتّى أنالَ بِهِ كَرِيمَ المَأْكَلِ الأصْلُ: وأظَلُّ عَلَيْهِ، فَحَذَفَ (عَلى) ووَصَلَ الفِعْلَ إلى الضَّمِيرِ فَنَصَبَهُ؛ إذْ أصْلُ هَذا الفِعْلِ أنْ يَتَعَدّى بِعَلى، قالَ الشّاعِرُ:(p-٢٣٠) ؎عَزَمْتُ عَلى إقامَةِ ذِي صَباحٍ ∗∗∗ لِأمْرٍ ما يُسَوَّدُ مَن يَسُودُ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذا في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ﴾ [البقرة: ٢٢٧]، وعُقْدَةُ النِّكاحِ: ما تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّةُ النِّكاحِ عَلى اخْتِلافِ العُلَماءِ في ذَلِكَ؛ ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَزْمُ العُقْدَةِ عَقْدُها بِالإشْهادِ والوَلِيِّ، وبُلُوغُ الكِتابِ أجَلَهُ هو انْقِضاءُ العِدَّةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، ولَمْ يُنْقَلْ عَنْ أحَدٍ خِلافُهُ، بَلْ هو مِنَ المُحْكَمِ المُجْمَعِ عَلى تَأْوِيلِهِ بِانْقِضاءِ العِدَّةِ. والكِتابُ هُنا هو المَكْتُوبُ، أيْ: حَتّى يَبْلُغَ ما كَتَبَ، وأوْجَبَ مِنَ العِدَّةِ أجَلَهُ، أيْ: وقْتَ انْقِضائِهِ. وقالَ الزَّجّاجُ: الكِتابُ هو القُرْآنُ، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، التَّقْدِيرُ: حَتّى يَبْلُغَ فَرْضُ الكِتابِ أجَلَهُ، وهو ما فُرِضَ بِالكِتابِ مِنَ العِدَّةِ، فَإذا انْقَضَتِ العِدَّةُ جازَ الإقْدامُ عَلى التَّزَوُّجِ، وهَذا النَّهْيُ مَعْناهُ التَّحْرِيمُ، فَلَوْ عَقَدَ عَلَيْها في العِدَّةِ فَسَخَ الحاكِمُ النِّكاحَ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ قَبْلَ الدُّخُولِ بِها، فَقالَ عُمَرُ والجُمْهُورُ: لا يَتَأبَّدُ التَّحْرِيمُ. وقالَ مالِكٌ، وابْنُ القاسِمِ، في المُدَوَّنَةِ: ويَكُونُ خاطِبًا مِنَ الخُطّابِ. وحَكى ابْنُ الجَلّابِ عَنْ مالِكٍ: أنَّهُ يَتَأبَّدُ. وإنْ عَقَدَ عَلَيْها في العِدَّةِ ودَخَلَ بَعْدَ انْقِضائِها فَقَوْلانِ عَنِ العُلَماءِ، قالَ قَوْمٌ: يَتَأبَّدُ، وقالَ قَوْمٌ: لا يَتَأبَّدُ، والقَوْلانِ عَنْ مالِكٍ، ولَوْ عَقَدَ عَلَيْها في العِدَّةِ، ودَخَلَ بِها في العِدَّةِ، فَقالَ عُمَرُ، ومالِكٌ، وأصْحابُهُ، والأوْزاعِيُّ، واللَّيْثُ، وأحْمَدُ، وغَيْرُهم: يَتَأبَّدُ التَّحْرِيمُ. وقالَ مالِكٌ، واللَّيْثُ: ولا تَحِلُّ لَهُ بِمِلْكِ اليَمِينِ. وقالَ عَلِيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وإبْراهِيمُ، وأبُو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ، وعَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أبِي سَلَمَةَ، وجَماعَةٌ: لا يَتَأبَّدُ، بَلْ يُفْسَخُ بَيْنَهُما، ثُمَّ تَعْتَدُّ مِنهُ ويَكُونُ خاطِبًا مِنَ الخُطّابِ. قالَ الحَسَنُ، وأبُو حَنِيفَةَ، واللَّيْثُ، والشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ، وإسْحاقُ، والمَدَنِيُّونَ غَيْرُ مالِكٍ: تَعْتَدُّ مِنَ الأوَّلِ، فَإذا انْقَضَتِ العِدَّةُ فَلا بَأْسَ أنْ يَتَزَوَّجَها الآخَرُ. وقالَ مالِكٌ، وأصْحابُ الرَّأْيِ، والأوْزاعِيُّ والثَّوْرِيُّ: عِدَّةٌ واحِدَةٌ تَكْفِيهِما جَمِيعًا، سَواءٌ كانَتْ بِالحَمْلِ، أمْ بِالإقْراءِ، أمْ بِالأشْهُرِ. ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في أنْفُسِكم فاحْذَرُوهُ﴾، قِيلَ: المَعْنى ما في أنْفُسِكم مِن هَواهُنَّ، وقِيلَ: مِنَ الوَفاءِ والإخْلافِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. فاحْذَرُوهُ، الهاءُ تَعُودُ عَلى اللَّهِ تَعالى، أيْ: فاحْذَرُوا عِقابَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْلَمُ ما في أنْفُسِكم مِنَ العَزْمِ عَلى ما لا يَجُوزُ فاحْذَرُوهُ ولا تَعْزِمُوا عَلَيْهِ. انْتَهى. فَيُحْتَمَلُ أنْ تَعُودَ في كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ عَلى ما لا يَجُوزُ مِنَ العَزْمِ، أيْ: فاحْذَرُوا ما لا يَجُوزُ ولا تَعْزِمُوا عَلَيْهِ؛ فَتَكُونُ الهاءُ في: فاحْذَرُوهُ، ولا تَعْزِمُوا عَلَيْهِ، عائِدَةً عَلى شَيْءٍ واحِدٍ، ويُحْتَمَلُ في كَلامِهِ أنْ تَعُودَ عَلى اللَّهِ، والهاءُ في ”عَلَيْهِ“ عَلى ما لا يَجُوزُ، فَيَخْتَلِفُ ما تَعُودُ عَلَيْهِ الهاءانِ، ولَمّا هَدَّدَهم بِأنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى ما في أنْفُسِهِمْ، وحَذَّرَهم مِنهُ، أرْدَفَ ذَلِكَ بِالصِّفَتَيْنِ الجَلِيلَتَيْنِ لِيُزِيلَ عَنْهم بَعْضَ رَوْعِ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، والتَّحْذِيرِ مِن عِقابِهِ؛ لِيَعْتَدِلَ قَلْبُ المُؤْمِنِ في الرَّجاءِ والخَوْفِ، وخَتَمَ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ المُقْتَضِيَتَيْنِ المُبالَغَةَ في الغُفْرانِ والحِلْمِ؛ لِيُقَوِّيَ رَجاءَ المُؤْمِنِ في إحْسانِ اللَّهِ تَعالى، وطَمَعَهُ في غُفْرانِهِ وحِلْمِهِ إنْ زَلَّ وهَفا، وأبْرَزَ كُلَّ مَعْنًى مِنَ التَّحْذِيرِ والإطْماعِ في جُمْلَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، وكَرَّرَ اسْمَ اللَّهِ تَعالى لِلتَّفْخِيمِ، والتَّعْظِيمِ بِمَن يُسْنَدُ إلَيْهِ الحُكْمُ، وجاءَ خَبَرُ أنَّ الأُولى بِالمُضارِعِ؛ لِأنَّ ما يَهْجِسُ في النُّفُوسِ يَتَكَرَّرُ فَيَتَعَلَّقُ العِلْمُ بِهِ، فَكَأنَّ العِلْمَ يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ مُتَعَلِّقِهِ، وجاءَ خَبَرُ أنَّ الثّانِيَةَ بِالِاسْمِ لِيَدُلَّ عَلى ثُبُوتِ الوَصْفِ، وأنَّهُ قَدْ صارَ كَأنَّهُ مِن صِفاتِ الذّاتِ، وإنْ كانَ مِن صِفاتِ الفِعْلِ. قِيلَ: وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ ضُرُوبًا مِنَ البَدِيعِ. مِنها: مَعْدُولُ الخِطابِ، وهو أنَّ الخِطابَ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٤] الآيَةَ، عامٌّ، والمَعْنى عَلى الخُصُوصِ. ومِنها: النَّسْخُ؛ إذْ هي ناسِخَةٌ لِلْحَوْلِ عَلى قَوْلِ الأكْثَرِينَ. ومِنها: الِاخْتِصاصُ، وهو أنْ يَخُصَّ عَدَدًا فَلا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا لِمَعْنًى، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، ومِنها: الكِنايَةُ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾، كَنّى بِالسِّرِّ عَنِ النِّكاحِ، وهي مِن أبْلَغِ الكِناياتِ. ومِنها: التَّعْرِيضُ، في قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما في أنْفُسِكُمْ﴾ ومِنها: التَّهْدِيدُ، بِقَوْلِهِ: (فاحْذَرُوهُ) . ومِنها: الزِّيادَةُ في الوَصْفِ (p-٢٣١)بِقَوْلِهِ: ﴿غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ .

البقرة 2:236

﴿لا جُناحَ عَلَيْكم إنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾، نَزَلَتْ في أنْصارِيٍّ تَزَوَّجَ حَنِيفِيَّةً ولَمْ يُسَمِّ مَهْرًا، ثُمَّ طَلَّقَها قَبْلَ أنْ يَمَسَّها، فَقالَ ﷺ: (مَتِّعْها ولَوْ بِقَلَنْسُوَتِكَ)، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ الآيَةَ. ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ - تَعالى - حُكْمَ المُطَلَّقاتِ المَدْخُولِ بِهِنَّ، والمُتَوَفّى عَنْهُنَّ أزْواجُهُنَّ، بَيَّنَ حُكْمَ المُطَلَّقَةِ غَيْرِ المَدْخُولِ بِها، وغَيْرِ المُسَمّى لَها مَدْخُولًا بِها، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ. والمُطَلَّقاتُ أرْبَعٌ: مَدْخُولٌ بِها مَفْرُوضٌ لَها، ونَقِيضَتُها، ومَفْرُوضٌ لَها غَيْرُ مَدْخُولٍ بِها، ونَقِيضَتُها. والخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿لا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ لِلْأزْواجِ، ومَعْنى نَفْيِ الجُناحِ هُنا هو أنَّهُ لَمّا نَهى عَنِ التَّزَوُّجِ بِمَعْنى الذَّوْقِ وقَضاءِ الشَّهْوَةِ، وأمَرَ بِالتَّزَوُّجِ طَلَبًا لِلْعِصْمَةِ والثَّوابِ، ودَوامِ الصُّحْبَةِ - وقَعَ في بَعْضِ نُفُوسِ المُؤْمِنِينَ أنَّ مَن طَلَّقَ قَبْلَ البِناءِ يَكُونُ قَدْ أوْقَعَ جُزْءًا مِن هَذا المَكْرُوهِ؛ فَرَفَعَ اللَّهُ الجُناحَ في ذَلِكَ، إذا كانَ أصْلُ النِّكاحِ عَلى المَقْصِدِ الحَسَنِ، ﴿ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾، قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”تُماسُّوهُنَّ“ مُضارِعَ ماسَّ، فاعَلَ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ مُضارِعَ مَسِسْتُ. وفاعِلٌ يَقْتَضِي اشْتِراكَ الزَّوْجَيْنِ في المَسِيسِ، ورَجَّحَ أبُو عَلِيٍّ قِراءَةَ: ”تَمَسُّوهُنَّ“ بِأنَّ أفْعالَ هَذا البابِ جاءَتْ ثُلاثِيَّةً، نَحْوَ: نَكَحَ، وسَفَدَ، وفَزِعَ، ودَقَطَ، وضَرَبَ الفَحْلُ. والقِرابانِ: حَسَنَتانِ، والمَسُّ هُنا والمُماسَّةُ: الجِماعُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ [مريم: ٢٠]، و”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ الظّاهِرُ أنَّها ظَرْفِيَّةٌ مَصْدَرِيَّةٌ، التَّقْدِيرُ: زَمانَ عَدَمِ المَسِيسِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎إنِّي بِحَبْلِكِ واصِلٌ حَبْلِي وبِرِيشِ نَبْلِكِ رائِشٌ نَبْلِي ؎ما لَمْ أجِدْكِ عَلى هُدى أثَرٍ ∗∗∗ يَقْرُو مِقَصَّكِ قائِفٌ قَبْلِي وهَذِهِ ”ما“ الظَّرْفِيَّةُ المَصْدَرِيَّةُ شَبِيهَةٌ بِالشَّرْطِ، وتَقْتَضِي التَّعْمِيمَ نَحْوَ: أصْحَبُكَ ما دُمْتَ لِي مُحْسِنًا، فالمَعْنى: كُلُّ وقْتِ دَوامَ إحْسانٍ. وقالَ بَعْضُهم: ما شَرْطِيَّةٌ، ثُمَّ قَدَّرَها بِأنْ، وأرادَ بِذَلِكَ - واللَّهُ أعْلَمُ - تَفْسِيرَ المَعْنى، و”ما“ إذا كانَتْ شَرْطًا تَكُونُ اسْمًا غَيْرَ ظَرْفِ زَمانٍ ولا مَكانٍ، ولا يَتَأتّى هُنا أنْ تَكُونَ شَرْطًا بِهَذا المَعْنى. وزَعَمَ ابْنُ مالِكٍ أنَّ ”ما“ تَكُونُ شَرْطًا ظَرْفَ زَمانٍ. وقَدْ رَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ ابْنُهُ بَدْرُ الدِّينِ مُحَمَّدٌ في بَعْضِ تَعالِيقِهِ، وتَأوَّلَ ما اسْتَدَلَّ بِهِ والِدُهُ، وتَأوَّلْنا نَحْنُ بَعْضَ ذَلِكَ بِخِلافِ تَأْوِيلِ ابْنِهِ، وذَلِكَ كُلُّهُ ذَكَرْناهُ في كِتابِ (التَّكْمِيلِ) مِن تَآلِيفِنا. عَلى أنَّ ابْنَ مالِكٍ ذَكَرَ أنَّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ لا يَقُولُهُ النَّحْوِيُّونَ، وإنَّما اسْتَنْبَطَ هو ذَلِكَ مِن كَلامِ الفُصَحاءِ عَلى زَعْمِهِ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ اسْمًا مَوْصُولًا، والتَّقْدِيرُ: إنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ اللّاتِي لَمْ تَمَسُّوهُنَّ، فَلا يَكُونُ لَفْظُ ”ما“ شَرْطًا، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ ”ما“ إذْ ذاكَ تَكُونُ وصْفًا لِلنِّساءِ؛ إذْ قَدَّرَها بِمَعْنى اللّاتِي، و”ما“ مِنَ المَوْصُولاتِ الَّتِي لا يُوصَفُ بِها بِخِلافِ الَّذِي والَّتِي. وكَنّى بِالمَسِيسِ عَنِ المُجامَعَةِ تَأْدِيبًا لِعِبادِهِ في اخْتِيارِ أحْسَنِ الألْفاظِ فِيما يَتَخاطَبُونَ بِهِ. ﴿أوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾، الفَرِيضَةُ هُنا هو الصَّداقُ، وفَرْضُهُ: تَسْمِيَتُهُ. و”أوْ“ عَلى بابِها مِن كَوْنِها تَأْتِي لِأحَدِ الشَّيْئَيْنِ، أوْ لِأشْياءَ، والفِعْلُ بَعْدَها مَعْطُوفٌ عَلى ”تَمَسُّوهُنَّ“ فَهو مَجْزُومٌ، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى مَصْدَرٍ مُتَوَهَّمٍ، فَهو مَنصُوبٌ عَلى إضْمارِ أنَّ بَعْدَ أوْ، بِمَعْنى إلّا. التَّقْدِيرُ: ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ إلّا أنْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ، التَّقْدِيرُ: فَرَضْتُمْ أوْ لَمْ تَفْرِضُوا، أوْ بِمَعْنى الواوِ والفِعْلُ مَجْزُومٌ مَعْطُوفٌ عَلى ”تَمَسُّوهُنَّ“ أقْوالٌ أرْبَعَةٌ: الأوَّلُ لِ ابْنِ عَطِيَّةَ وغَيْرِهِ، والثّانِي لِلزَّمَخْشَرِيِّ والثّالِثُ لِبَعْضِ أهْلِ العِلْمِ ولَمْ يُسَمِّ، والرّابِعُ لِلسَّجاوَنْدِيِّ وغَيْرِهِ. فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ: يَنْتَفِي الجُناحُ عَنِ المُطْلَقِ عِنْدَ انْتِفاءِ أحَدِ أمْرَيْنِ: إمّا الجِماعِ، وإمّا تَسْمِيَةِ المَهْرِ؛ أمّا عِنْدَ انْتِفاءِ الجِماعِ فَصَحِيحٌ؛ وأمّا عِنْدَ انْتِفاءِ تَسْمِيَةِ المَهْرِ فالحُكْمُ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ المَدْخُولَ بِها الَّتِي لَمْ يُسَمَّ لَها مَهْرٌ - وهي المُفَوَّضَةُ - إذا طَلَّقَها زَوْجُها لا يَنْتَفِي الجُناحُ عَنْهُ. وعَلى القَوْلِ الثّانِي يَنْتَفِي الجُناحُ عِنْدَ انْتِفاءِ الجِماعِ إلّا إنْ فُرِضَ لَها مَهْرٌ؛ فَلا يَنْتَفِي الجُناحُ، وإنِ انْتَفى الجِماعُ؛ لِأنَّهُ (p-٢٣٢)اسْتَثْنى مِنَ الحالاتِ الَّتِي يَنْتَفِي فِيها الجُناحُ حالَةَ فَرْضِ الفَرِيضَةِ؛ فَيَثْبُتُ فِيها الجُناحُ. وعَلى القَوْلِ الثّالِثِ: يَنْتَفِي الجُناحُ بِانْتِفاءِ الجِماعِ فَقَطْ، سَواءٌ فَرَضَ أمْ لَمْ يَفْرِضْ، وقالُوا: المُرادُ هُنا بِالجُناحِ لُزُومُ المَهْرِ؛ فَيَنْتَفِي ذَلِكَ بِالطَّلاقِ قَبْلَ الجِماعِ، فَرَضَ مَهْرًا أوْ لَمْ يَفْرِضْ؛ لِأنَّهُ إنْ فَرَضَ انْتَقَلَ إلى النِّصْفِ، وإنْ لَمْ يَفْرِضْ، فاخْتُلِفَ في ذَلِكَ؛ فَقالَ حَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ: إذا طَلَّقَها ولَمْ يَدْخُلْ بِها، ولَمْ يَكُنْ فَرَضَ لَها أُجْبِرَ عَلى نِصْفِ صَداقِ مِثْلِها، وقالَ غَيْرُهُ: لَيْسَ لَها نِصْفُ مَهْرِ المِثْلِ، ولَكِنِ المُتْعَةُ. وفي هَذا القَوْلِ الثّالِثِ حَذْفُ جُمْلَةٍ، وهي قَوْلُهُ: فَرَضْتُمْ، وإضْمارُ ”لَمْ“ بَعْدَ ”أوْ“، وهَذا لا يَجُوزُ إلّا إذا عُطِفَ عَلى مَجْزُومٍ، نَحْوَ: لَمْ أقُمْ وأرْكَبْ، عَلى مَذْهَبِ مَن يَجْعَلُ العامِلَ في المَعْطُوفِ مُقَدَّرًا بَعْدَ حَرْفِ العَطْفِ. وعَلى القَوْلِ الرّابِعِ: يَنْتَفِي الجُناحُ بِانْتِفاءِ الجِماعِ وتَسْمِيَةِ المَهْرِ مَعًا، فَإنْ وُجِدَ الجِماعُ وانْتَفَتِ التَّسْمِيَةُ فَلَها مَهْرُ مِثْلِها، وإنِ انْتَفى الجِماعُ ووُجِدَتِ التَّسْمِيَةُ فَنَصِفُ المُسَمّى، فَيَثْبُتُ الجُناحُ إذْ ذاكَ في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، ويَنْتَفِي بِانْتِفائِهِما؛ ويَكُونُ الجُناحُ إذْ ذاكَ يُطْلَقُ عَلى ما يَلْزَمُ المُطَلِّقَ بِاعْتِبارِ هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ. وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى جَوازِ الطَّلاقِ قَبْلَ البِناءِ، وأجْمَعُوا عَلى جَوازِ ذَلِكَ، والظّاهِرُ جَوازُ طَلاقِ الحائِضِ غَيْرِ المَدْخُولِ بِها؛ لِأنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى انْتِفاءِ الحَرَجِ في طَلاقِهِنَّ عُمُومًا، سَواءٌ كُنَّ حُيَّضًا أمْ لا، وهو قَوْلُ أكْثَرِ العُلَماءِ ومَشْهُورُ مَذْهَبِ مالِكٍ، ولِمالِكٍ قَوْلٌ يَمْنَعُ مِن طَلاقِ الحائِضِ مَدْخُولًا بِها أوْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِها، ومَوْتُ الزَّوْجِ قَبْلَ البِناءِ، وقَبْلَ الفَرْضِ يُنَزَّلُ مَنزِلَةَ طَلاقِهِ قَبْلَ البِناءِ وقَبْلَ الفَرْضِ، فَلَيْسَ لَها مَهْرٌ ولا مِيراثٌ، قالَهُ مَسْرُوقٌ، وهو مُخالِفٌ لِلْأُصُولِ. وقالَ عَلِيٌّ، وزَيْدٌ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ عُمَرَ، والزُّهْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، ومالِكٌ، والشّافِعِيُّ: لَها المِيراثُ، ولا صَداقَ لَها، وعَلَيْها العِدَّةُ. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وجَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ، وأبُو حَنِيفَةَ، والثَّوْرِيُّ، وأحْمَدُ، وإسْحاقُ: لَها صَداقُ مِثْلِ نِسائِها، وعَلَيْها العِدَّةُ، ولَها المِيراثُ. وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ نِكاحِ التَّفْوِيضِ، وهو جائِزٌ عِنْدَ فُقَهاءِ الأمْصارِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قَسَّمَ حالَ المُطَلَّقَةِ إلى قِسْمَيْنِ: مُطَلَّقَةٍ لَمْ يُسَمَّ لَها، ومُطَلَّقَةٍ سُمِّيَ لَها، فَإنْ لَمْ يَفْرِضْ لَها - ووَقَعَ الطَّلاقُ قَبْلَ الدُّخُولِ - لَمْ يَجِبْ لَها صَداقٌ إجْماعًا، قالَهُ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ، وقَدْ تَقَدَّمَ خِلافُ حَمّادِ بْنِ أبِي سُلَيْمانَ في ذَلِكَ، وأنَّ لَها نِصْفَ صَداقِ مِثْلِها، وإنْ فَرَضَ لَها بَعْدَ العَقْدِ أقَلَّ مِن مَهْرِ مِثْلِها لَمْ يَلْزَمْها تَسْلِيمُ نَفْسِها، أوْ مَهْرَ مِثْلِها لَزِمَها التَّسْلِيمُ، ولَها حَبْسُ نَفْسِها حَتّى تَقْبِضَ صَداقَها. وقالَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ، وأبُو إسْحاقَ الزَّجّاجُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ عَقْدَ النِّكاحِ بِغَيْرِ مَهْرٍ جائِزٌ. وقالَ القاضِي: لا تَدُلُّ عَلى الجَوازِ، لَكِنَّها تَدُلُّ عَلى الصِّحَّةِ، أمّا دَلالَتُها عَلى الصِّحَّةِ فَلِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا لَمْ يَكُنِ الطَّلاقُ مَشْرُوعًا، ولَمْ تَكُنِ النَّفَقَةُ لازِمَةً؛ وأمّا أنَّها لا تَدُلُّ عَلى الجَوازِ، فَلِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنَ الصِّحَّةِ الجَوازُ؛ بِدَلِيلِ أنَّ الطَّلاقَ في زَمانِ الحَيْضِ حَرامٌ، ومَعَ ذَلِكَ هو واقِعٌ صَحِيحٌ. (ومَتِّعُوهُنَّ)، أيْ: مَلِّكُوهُنَّ ما يَتَمَتَّعْنَ بِهِ، وذَلِكَ الشَّيْءُ يُسَمّى مُتْعَةً، وظاهِرُ هَذا الأمْرِ الوُجُوبُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ: عَلِيٍّ، وابْنِ عُمَرَ، والحَسَنِ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وأبِي قِلابَةَ، وقَتادَةَ، والزُّهْرِيِّ، والضَّحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ. وحَمَلَهُ عَلى النَّدْبِ: شُرَيْحٌ، والحَكَمُ، وابْنُ أبِي لَيْلى، ومالِكٌ، واللَّيْثُ، وأبُو عُبْيَدٍ. والضَّمِيرُ الفاعِلُ في: (ومَتِّعُوهُنَّ) لِلْمُطَلِّقِينَ، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ ضَمِيرُ المُطَلَّقاتِ قَبْلَ المَسِيسِ وقَبْلَ الفَرْضِ؛ فَيَجِبُ لَهُنَّ المُتْعَةُ، وبِهِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ عُمَرَ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، والحَسَنُ، والشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْيِ. وتُنْدَبُ في حَقِّ غَيْرِهِنَّ مِنَ المُطَلَّقاتِ. ورُوِيَ عَنْ: عَلِيٍّ، والحَسَنِ، وأبِي العالِيَةِ، والزُّهْرِيِّ: لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مُتْعَةٌ، فَإنْ كانَ فُرِضَ لَها وطُلِّقَتْ قَبْلَ المَسِيسِ، فَقالَ ابْنُ عُمَرَ، وشُرَيْحٌ، وإبْراهِيمُ، ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ: لا مُتْعَةَ لَها، بَلْ حَسْبُها نِصْفُ ما فُرِضَ لَها. وقالَ أبُو ثَوْرٍ: لَها المُتْعَةُ، ولِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ. واخْتَلَفَ فُقَهاءُ الأمْصارِ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ، وأبُو يُوسُفَ، وزُفَرُ، ومُحَمَّدٌ: المُتْعَةُ واجِبَةٌ لِغَيْرِ المَدْخُولِ بِها ولَمْ يُسَمَّ لَها، وإنْ دَخَلَ بِها مَتَّعَها، ولا (p-٢٣٣)يُجْبَرُ عَلَيْها، وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، والحَسَنِ بْنِ صالِحٍ، والأوْزاعِيِّ، إلّا أنَّ الأوْزاعِيَّ يَزْعُمُ أنَّ أحَدَ الزَّوْجَيْنِ إذا كانَ مَمْلُوكًا لَمْ تَجِبِ المُتْعَةُ، وإنْ طَلَّقَها قَبْلَ الدُّخُولِ. وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى، وأبُو الزِّنادِ: المُتْعَةُ غَيْرُ واجِبَةٍ، ولَمْ يُفَرِّقا بَيْنَ المَدْخُولِ بِها وبَيْنَ مَن سُمِّيَ لَها ومَن لَمْ يُسَمَّ لَها. وقالَ مالِكٌ: المُتْعَةُ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مَدْخُولٍ بِها وغَيْرِ مَدْخُولٍ، إلّا المُلاعِنَةُ، والمُخْتَلِعَةُ، والمُطَلَّقَةُ قَبْلَ الدُّخُولِ وقَدْ فُرِضَ لَها. وقالَ الشّافِعِيُّ: المُتْعَةُ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ إذا كانَ الفِراقُ مِن قِبَلِهِ، إلّا الَّتِي سَمّى لَها وطَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ. وقالَ أحْمَدُ: يَجِبُ لِلْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ إذا لَمْ يُسَمَّ لَها مَهْرٌ، فَإنْ دَخَلَ بِها فَلا مُتْعَةَ، ولَها مَهْرُ المِثْلِ. ورُوِيَ عَنِ الأوْزاعِيِّ، والثَّوْرِيِّ، وأبِي حَنِيفَةَ، وقالَ عَطاءٌ، والنَّخَعِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ أيْضًا: لِلْمُخْتَلِعَةِ مُتْعَةٌ. وقالَ أصْحابُ الرَّأْيِ: لِلْمُلاعِنَةِ مُتْعَةٌ. وقالَ ابْنُ القاسِمِ: لا مُتْعَةَ في نِكاحٍ مَنسُوخٍ. قالَ ابْنُ المَوّازِ: ولا فِيما يَدْخُلُهُ الفَسْخُ بَعْدَ صِحَّةِ العَقْدِ، مِثْلُ مِلْكِ أحَدِ الزَّوْجَيْنِ صاحِبَهُ. ورَوى ابْنُ وهْبٍ عَنْ مالِكٍ: أنَّ المُخَيَّرَةَ لَها المُتْعَةُ، بِخِلافِ الأمَةِ تُعْتَقُ تَحْتَ العَبْدِ؛ فَتَخْتارُ؛ فَهَذِهِ لا مُتْعَةَ لَها. وظاهِرُ الآيَةِ: أنَّ المُتْعَةَ لا تَكُونُ إلّا لِإحْدى مُطَلَّقَتَيْنِ: مُطَلَّقَةٍ قَبْلَ الدُّخُولِ، سَواءٌ فَرَضَ لَها أوْ لَمْ يَفْرِضْ. ومُطَلَّقَةٍ قَبْلَ الفَرْضِ، سَواءٌ دَخَلَ بِها أوْ لَمْ يَدْخُلْ. وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٤١] إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. ﴿عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾، هَذا مِمّا يُؤَكِّدُ الوُجُوبَ في المُتْعَةِ؛ إذْ أتى بَعْدَ الأمْرِ الَّذِي هو ظاهِرٌ في الوُجُوبِ بِلَفْظَةِ ”عَلى“ الَّتِي تُسْتَعْمَلُ في الوُجُوبِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وعَلى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ﴾ [النساء: ٢٥] . والمُوسِعُ: المُوسِرُ. والمُقْتِرُ: الضَّيِّقُ الحالِ، وظاهِرُهُ اعْتِبارُ حالِ الزَّوْجِ، فَمَنِ اعْتَبَرَ ذَلِكَ بِحالِ الزَّوْجَةِ دُونَ الزَّوْجِ، أوْ بِحالِ الزَّوْجِ والزَّوْجَةِ فَهو مُخالِفٌ لِلظّاهِرِ، وقَدْ جاءَ هَذا القَدْرُ مُبْهَمًا، فَطَرِيقُهُ الِاجْتِهادُ وغَلَبَةُ الظَّنِّ؛ إذْ لَمْ يَأْتِ فِيهِ بِشَيْءٍ مُؤَقَّتٍ. ومَعْنى ”قَدَرُهُ“: مِقْدارُ ما يُطِيقُهُ الزَّوْجُ، وقالَ ابْنُ عُمَرَ: أدْناها ثَلاثُونَ دِرْهَمًا أوْ شِبْهُها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أرْفَعُها خادِمٌ ثُمَّ كِسْوَةٌ ثُمَّ نَفَقَةٌ، وقالَ عَطاءٌ: مِن أوْسَطِ ذَلِكَ دِرْعٌ وخِمارٌ ومِلْحَفَةٌ. وقالَ الحَسَنُ: يُمَتِّعُ كُلٌّ عَلى قَدَرِهِ، هَذا بِخادِمٍ، وهَذا بِأثْوابٍ، وهَذا بِثَوْبٍ، وهَذا بِنَفَقَةٍ، وهَذا قَوْلُ مالِكٍ. ومَتَّعَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ بِعِشْرِينَ ألْفًا وزِقاقٍ مِن عَسَلٍ، ومَتَّعَ عائِشَةَ الخَثْعَمِيَّةَ بِعَشَرَةِ آلافٍ، فَقالَتْ: مَتاعٌ قَلِيلٌ مِن حَبِيبٍ مُفارِقٍ، ومَتَّعَ شُرَيْحٌ بِخَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ. وقالَ ابْنُ مُجِيزٍ: عَلى صاحِبِ الدِّيوانِ ثَلاثَةُ دَنانِيرَ، وقالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: أفْضَلُ المُتْعَةِ خِمارٌ، وأوْضَعُها ثَوْبٌ. وقالَ حَمّادٌ: يُمَتِّعُها بِنِصْفِ مَهْرِ مِثْلِها. ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ «قالَ لِرَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ تَزَوَّجَ امْرَأةً ولَمْ يُسَمِّ لَها مَهْرًا، ثُمَّ طَلَّقَها قَبْلَ أنْ يَمَسَّها: (أمَتَّعْتَها) قالَ: لَمْ يَكُنْ عِنْدِي شَيْءٌ، قالَ: (مَتِّعْها بِقَلَنْسُوَتِكَ)» . وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ لا تَنْقُصُ عَنْ خَمْسَةِ دَراهِمَ؛ لِأنَّ أقَلَّ المَهْرِ عِنْدَهُ عَشَرَةُ دَراهِمَ، فَلا يَنْقُصُ مِن نِصْفِها. وقَدْ مَتَّعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ زَوْجَهُ أُمَّ أبِي سَلَمَةَ ابْنِهِ بِخادِمٍ سَوْداءَ. وهَذِهِ المَقادِيرُ كُلُّها صَدَرَتْ عَنِ اجْتِهادِ رَأْيِهِمْ، فَلَمْ يُنْكِرْ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ ما صارَ إلَيْهِ؛ فَدَلَّ عَلى أنَّها مَوْضُوعَةٌ عِنْدَهم عَلى ما يُؤَدِّي إلَيْهِ الِاجْتِهادُ، وهي بِمَنزِلَةِ تَقْوِيمِ المُتْلَفاتِ وأُرُوشِ الجِناياتِ الَّتِي لَيْسَ لَها مَقادِيرُ مَعْلُومَةٌ، وإنَّما ذَلِكَ عَلى ما يُؤَدِّي إلَيْهِ الِاجْتِهادُ، وهي مِن مَسْألَةِ تَقْوِيمِ المُتْلَفاتِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”عَلى المُوسِعِ“ اسْمُ فاعِلٍ مِن أوْسَعَ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: ”المُوَسَّعِ“ بِفَتْحِ الواوِ والسِّينِ وتَشْدِيدِها، اسْمُ مَفْعُولٍ مِن وسَّعَ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ: ”قَدْرُهُ“ بِسُكُونِ الدّالِ في المَوْضِعَيْنِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ، ويَزِيدُ، ورَوْحٌ: بِفَتْحِ الدّالِ فِيهِما، وهُما لُغَتانِ فَصِيحَتانِ بِمَعْنًى، حَكاهُما أبُو زَيْدٍ والأخْفَشُ وغَيْرُهُما، ومَعْناهُ: ما يُطِيقُهُ الزَّوْجُ، وعَلى أنَّهُما بِمَعْنًى واحِدٍ أكْثَرُ أئِمَّةِ العَرَبِيَّةِ، وقِيلَ: السّاكِنُ مَصْدَرٌ، والمُتَحَرِّكُ اسْمٌ، كالعَدِّ والعَدَدِ، والمَدِّ والمَدَدِ. وكانَ القَدْرُ بِالتَّسْكِينِ: الوُسْعُ، يُقالُ: هو يُنْفِقُ عَلى قَدْرِهِ، (p-٢٣٤)أيْ: وُسْعِهِ، قالَ أبُو جَعْفَرٍ: وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ بِالتَّحْرِيكِ إذا كانَ مُساوِيًا لِلشَّيْءِ، يُقالُ: هَذا عَلى قَدَرِ هَذا. وقُرِئَ: ”قَدَرَهُ“ بِفَتْحِ الرّاءِ، وجَوَّزُوا في نَصْبِهِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ انْتَصَبَ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ مَعْنى: (ومَتِّعُوهُنَّ) لِيُؤَدِّ كُلٌّ مِنكم قَدْرَ وُسْعِهِ، والثّانِي: عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، التَّقْدِيرُ: وأوْجِبُوا عَلى المُوسِعِ قَدَرَهُ. وفي السَّجاوَنْدِيِّ: وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ”قَدَرَهُ“، أيْ: قَدَّرَهُ اللَّهُ. انْتَهى. وهَذا يُظْهِرُ أنَّهُ قَرَأ بِفَتْحِ الدّالِ والرّاءِ، فَتَكُونُ إذْ ذاكَ فِعْلًا ماضِيًا، وجَعَلَ فِيهِ ضَمِيرًا مُسْتَكِنًّا يَعُودُ عَلى اللَّهِ، وجَعَلَ الضَّمِيرَ المَنصُوبَ عائِدًا عَلى الإمْتاعِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (ومَتِّعُوهُنَّ)، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ قَدَّرَ وكَتَبَ الإمْتاعَ عَلى المُوسِعِ وعَلى المُقْتِرِ. وفي الجُمْلَةِ ضَمِيرٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: عَلى المُوسِعِ مِنكم، وقَدْ يُقالُ إنَّ الألِفَ واللّامَ نابَتْ عَنِ الضَّمِيرِ، أيْ: عَلى مُوسِعِكم وعَلى مُقْتِرِكم، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً بَيَّنَتْ حالَ المُطَلِّقِ في المُتْعَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى إيسارِهِ وإقْتارِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وذُو الحالِ هو الضَّمِيرُ المَرْفُوعُ وفي قَوْلِهِ: (ومَتِّعُوهُنَّ)، والرّابِطُ هو ذَلِكَ الضَّمِيرُ المَحْذُوفُ الَّذِي قَدَّرْناهُ ”مِنكم“ . ﴿مَتاعًا بِالمَعْرُوفِ﴾، قالُوا: انْتَصَبَ مَتاعًا عَلى المَصْدَرِ، وتَحْرِيرُهُ أنَّ المَتاعَ هو ما يُمَتَّعُ بِهِ، فَهو اسْمٌ لَهُ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى المَصْدَرِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، والعامِلُ فِيهِ: (ومَتِّعُوهُنَّ)، ولَوْ جاءَ عَلى أصْلِ مَصْدَرِ: (ومَتِّعُوهُنَّ) لَكانَ تَمْتِيعًا، وكَذا قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وجَوَّزُوا فِيهِ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيها ما يَتَعَلَّقُ بِهِ الجارُّ والمَجْرُورُ، وصاحِبُ الحالِ الضَّمِيرُ المُسْتَكِنُّ في ذَلِكَ العامِلِ، والتَّقْدِيرُ: قَدَرُ المُوسِعِ يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ في حالِ كَوْنِهِ مَتاعًا، وبِالمَعْرُوفِ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ ”ومَتِّعُوهُنَّ“، أوْ بِمَحْذُوفٍ؛ فَيَكُونُ صِفَةً لِقَوْلِهِ ”مَتاعًا“، أيْ مُلْتَبِسًا بِالمَعْرُوفِ، والمَعْرُوفُ هو المَأْلُوفُ شَرْعًا ومُرُوءَةً، وهو ما لا حَمْلَ لَهُ فِيهِ عَلى المُطْلَقِ ولا تَكَلُّفَ. ﴿حَقًّا عَلى المُحْسِنِينَ﴾، هَذا يُؤَكِّدُ أيْضًا وُجُوبَ المُتْعَةِ، والمُرادُ إحْسانُ الإيمانِ والإسْلامِ، وقِيلَ: المُرادُ إحْسانُ العِشْرَةِ؛ فَيَكُونُ اللَّهُ سَمّاهم مُحْسِنِينَ قَبْلَ الفِعْلِ بِاعْتِبارِ ما يَئُولُونَ إلَيْهِ مِنَ الإحْسانِ، نَحْوَ: (مَن قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ) . وانْتِصابُ ”حَقًّا“ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِـ مَتاعًا، أيْ: مَتاعًا بِالمَعْرُوفِ واجِبًا عَلى المُحْسِنِينَ، أوْ بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا، أوْ حالًا مِمّا كانَ حالًا مِنهُ مَتاعًا، أوْ مِن قَوْلِهِ ”بِالمَعْرُوفِ“، أيْ: بِالَّذِي عُرِفَ في حالِ كَوْنِهِ عَلى المُحْسِنِينَ.