Lafzullah

Al-Bahr Al-Muhit — البقرة 2:237 – البقرة 2:266

المؤلف / المصدر: Al-Bahr Al-Muhit

المحتويات
  1. البقرة 2:237
  2. البقرة 2:238
  3. البقرة 2:239
  4. البقرة 2:240
  5. البقرة 2:241
  6. البقرة 2:242
  7. البقرة 2:243
  8. البقرة 2:244
  9. البقرة 2:245
  10. البقرة 2:246
  11. البقرة 2:247
  12. البقرة 2:248
  13. البقرة 2:249
  14. البقرة 2:250
  15. البقرة 2:251
  16. البقرة 2:252
  17. البقرة 2:253
  18. البقرة 2:254
  19. البقرة 2:255
  20. البقرة 2:256
  21. البقرة 2:257
  22. البقرة 2:258
  23. البقرة 2:259
  24. البقرة 2:260
  25. البقرة 2:261
  26. البقرة 2:262
  27. البقرة 2:263
  28. البقرة 2:264
  29. البقرة 2:265
  30. البقرة 2:266

البقرة 2:237

﴿وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾، لَمّا بَيَّنَ حالَ المُطَلَّقَةِ قَبْلَ المَسِيسِ وقَبْلَ الفَرْضِ؛ بَيَّنَ حالَ المُطَلَّقَةِ قَبْلَ المَسِيسِ وبَعْدَ الفَرْضِ، والمُرادُ بِالمَسِيسِ: الجِماعُ، وبِالفَرِيضَةِ: الصَّداقُ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (وقَدْ فَرَضْتُمْ) في مَوْضِعِ الحالِ، ويَشْمَلُ الفَرْضَ المُقارِنَ لِلْعَقْدِ، والفَرْضَ بَعْدَ العَقْدِ وقَبْلَ الطَّلاقِ، فَلَوْ كانَ فَرَضَ لَها بَعْدَ العَقْدِ ثُمَّ طَلَّقَ بَعْدَ الفَرْضِ - تَنَصَّفَ الصَّداقُ بِالطَّلاقِ لِعُمُومِ الآيَةِ، خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ؛ إذْ لا يَتَنَصَّفُ عِنْدَهُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَجِبْ بِالعَقْدِ، فَلَها مَهْرُ مِثْلِها، كَقَوْلِ مالِكٍ والشّافِعِيِّ، ثُمَّ رَجَعَ إلى قَوْلِ صاحِبَيْهِ. وجَوابُ الشَّرْطِ: ﴿فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾، وارْتِفاعُ (نِصْفُ) عَلى الِابْتِداءِ، وقُدِّرَ الخَبَرُ ”فَعَلَيْكم نِصْفُ ما فَرَضْتُمْ“، أوْ ”فَلَهُنَّ نِصْفُ ما فَرَضْتُمْ“، ويَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ مُؤَخَّرًا، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ خَبَرًا، أيْ: فالواجِبُ نِصْفُ ما فَرَضْتُمْ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: ”فَنِصْفَ“ بِفَتْحِ الفاءِ، أيْ: فادْفَعُوا نِصْفَ ما فَرَضْتُمْ، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ”ما فَرَضْتُمْ“ أنَّهُ إذا أصْدَقَها عَرَضًا، وبَقِيَ إلى وقْتِ الطَّلاقِ وزادَ أوْ نَقَصَ - فَنَماؤُهُ ونُقْصانُهُ لَهُما ويَتَشَطَّرُ. أوْ عَيْنًا ذَهَبًا أوْ ورِقًا فاشْتَرَتْ بِهِ عَرَضًا، فَنَما أوْ نَقَصَ، فَلا يَكُونُ لَهُ إلّا نِصْفُ ما أصْدَقَ مِنَ العَيْنِ لا مِنَ العَرَضِ؛ لِأنَّ العَرَضَ لَيْسَ هو المُفَوَّضُ. وقالَ مالِكٌ: هَذا العَرَضُ كالعَيْنِ؛ أصْلُ ثَمَنِهِ يَتَشَطَّرُ، وهَذا تَفْرِيعٌ عَلى أنَّهُ هَلْ يَتَبَيَّنُ بَقاءُ مُلْكِهِ عَلى نِصْفِهِ أوْ يَرْجِعُ إلَيْهِ بَعْدَ أنْ مَلَكَتْهُ ؟ وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَتَشَطَّرُ إلّا المَفْرُوضُ، فَلَوْ كانَ نَحَلَها شَيْئًا في العَقْدِ، أوْ قَبْلَهُ لِأجْلِهِ؛ فَلا يَتَشَطَّرُ. وقِيلَ: هو في مَعْنى الصَّداقِ. وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ الطَّلاقَ قَبْلَ الجِماعِ وبَعْدَ الفَرْضِ (p-٢٣٥)يُوجِبُ تَشْطِيرَ الصَّداقِ، سَواءٌ خَلا بِها، أمْ قَبَّلَها، أمْ عانَقَها، أمْ طالَ المُقامُ مَعَها، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ، والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ، ولا عِدَّةَ عَلَيْها؛ ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وعَمْرِو بْنِ عُمَرَ، وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، وعَلِيِّ بْنِ الحَسَنِ، وإبْراهِيمَ: أنَّ لَها بِالخَلْوَةِ جَمِيعَ المَهْرِ. وقالَ مالِكٌ: إنْ خَلا بِها وقَبَّلَها أوْ كَشَفَها، وكانَ ذَلِكَ قَرِيبًا، فَلَها نِصْفُ الصَّداقِ، وإنْ طالَ فَلَها المَهْرُ، إلّا أنْ يَضَعَ مِنهُ، وقالَ الثَّوْرِيُّ: إذا خَلا بِها ولَمْ يَدْخُلْ عَلَيْها، وكانَ ذَلِكَ مِن جِهَتِهِ، فَلَها المَهْرُ كامِلًا، وإنْ كانَتْ رَتْقاءَ فَلَها شَطْرُ المَهْرِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ، وأبُو يُوسُفَ، ومُحَمَّدٌ، وزُفَرُ: الخَلْوَةُ الصَّحِيحَةُ تَمْنَعُ سُقُوطَ شَيْءٍ مِنَ المَهْرِ بَعْدَ الطَّلاقِ، وطِئَ أوْ لَمْ يَطَأْ، وهو أنْ لا يَكُونَ أحَدُهُما مُحْرِمًا أوْ مَرِيضًا، أوْ لَمْ تَكُنْ حائِضَةً أوْ صائِمَةً في رَمَضانَ، أوْ رَتْقاءَ؛ فَإنَّهُ إذا كانَ كَذَلِكَ ثُمَّ طَلَّقَها وجَبَ لَها نِصْفُ المَهْرِ إذا لَمْ يَطَأْها. والعِدَّةُ واجِبَةٌ في هَذِهِ الوُجُوهِ كُلِّها، إنْ طَلَّقَها فَعَلَيْها العِدَّةُ. وقالَ الأوْزاعِيُّ: إذا دَخَلَ بِها عِنْدَ أهْلِها، قَبَّلَها أوْ لَمَسَها، ثُمَّ طَلَّقَها ولَمْ يُجامِعْها، وكانَ أرْخى عَلَيْها سِتْرًا أوْ أغْلَقَ بابًا فَقَدْ تَمَّ الصَّداقُ. وقالَ اللَّيْثُ: إذا أرْخى عَلَيْها سِتْرًا فَقَدْ وجَبَ الصَّداقُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”فَنِصْفُ“ بِكَسْرِ النُّونِ وضَمِّ الفاءِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ بِضَمِّ النُّونِ، وهي قِراءَةٌ عَلِيٍّ والأصْمَعِيِّ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وفي جَمِيعِ القُرْآنِ. وتَقَدَّمَ أنَّ ذَلِكَ لُغَةٌ، والِاقْتِصارُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُطَلَّقَةَ قَبْلَ المَسِيسِ، وقَدْ فَرَضَ لَها، لَيْسَ لَها إلّا النِّصْفُ. وكَذَلِكَ قالَ مالِكٌ وغَيْرُهُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُخْرِجَةٌ لِلْمُطَلَّقَةِ بَعْدَ الفَرْضِ وقَبْلَ المَسِيسِ مِن حُكْمِ التَّمْتِيعِ؛ إذْ كانَ قَدْ تَناوَلَها قَوْلُهُ: (ومَتِّعُوهُنَّ) . وقالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: نَسَخَتْ هَذِهِ الآيَةُ آيَةَ الأحْزابِ. وقالَ قَتادَةُ: نَسَخَتِ الآيَةَ الَّتِي قَبْلَها. وزَعَمَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ أنَّها مَنسُوخَةٌ. وقالَ فَرِيقٌ مِنَ العُلَماءِ، مِنهم أبُو ثَوْرٍ: بَيَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ أنَّ المَفْرُوضَ لَها تَأْخُذُ نِصْفَ ما فُرِضَ، ولَمْ تَتَعَرَّضِ الآيَةُ لِإسْقاطِ مُتْعَتِها بَلْ لَها المُتْعَةُ ونِصْفُ المَفْرُوضِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى شَيْءٍ مِن هَذا. ﴿إلّا أنْ يَعْفُونَ﴾، نَصَّ ابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُ عَلى أنَّ هَذا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ؛ لِأنَّ عَفْوَهُنَّ عَنِ النِّصْفِ لَيْسَ مِن جِنْسِ أخْذِهِنَّ، والمَعْنى إلّا أنْ يَتْرُكْنَ النِّصْفَ الَّذِي وجَبَ لَهُنَّ عِنْدَ الزَّوْجِ. انْتَهى. وقِيلَ: ولَيْسَ عَلى ما ذَهَبُوا إلَيْهِ، بَلْ هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، لَكِنَّهُ مِنَ الأحْوالِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ مَعْناهُ: عَلَيْكم نِصْفُ ما فَرَضْتُمْ في كُلِّ حالٍ إلّا في حالِ عَفْوِهِنَّ عَنْكم؛ فَلا يَجِبُ، وإنْ كانَ التَّقْدِيرُ: فَلَهُنَّ نِصْفُ، فالواجِبُ ما فَرَضْتُمْ، فَكَذَلِكَ أيْضًا وكَوْنُهُ اسْتِثْناءً مِنَ الأحْوالِ ظاهِرٌ، ونَظِيرُهُ: ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦]، إلّا أنَّ سِيبَوَيْهِ مَنَعَ أنْ تَقَعَ أنْ وصِلَتُها حالًا، فَعَلى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ يَكُونُ: ﴿إلّا أنْ يَعْفُونَ﴾ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا. وقَرَأ الحَسَنُ: ”إلّا أنْ يُعْفُونَهُ“، والهاءُ ضَمِيرُ النِّصْفِ، والأصْلُ: يَعْفُونَ عَنْهُ، أيْ: عَنِ النِّصْفِ، فَلا يَأْخُذْنَهُ. وقالَ بَعْضُهم: الهاءُ لِلِاسْتِراحَةِ، كَما تَأوَّلَ ذَلِكَ بَعْضُهم في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎هُمُ الفاعِلُونَ الخَيْرَ والآمِرُونَهُ عَلى مَدَدِ الأيّامِ ما فُعِلَ البِرُّ وحُرِّكَتْ تَشْبِيهًا بِهاءِ الضَّمِيرِ، وهو تَوْجِيهٌ ضَعِيفٌ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: ”إلّا أنْ تَعْفُونَ“ بِالتّاءِ بِثِنْتَيْنِ مِن أعْلاها، وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ؛ إذْ كانَ ضَمِيرُهُنَّ غائِبًا في قَوْلِهِ ”لَهُنَّ“ وما قَبْلَهُ، فالتَفَتَ إلَيْهِنَّ وخاطَبَهُنَّ، وفي خِطابِهِ لَهُنَّ، وجَعَلَ ذَلِكَ عَفْوًا ما يَدُلُّ عَلى نَدْبِ ذَلِكَ واسْتِحْبابِهِ. وفَرَّقَ الزَّمَخْشَرِيُّ بَيْنَ قَوْلِكَ: الرِّجالُ يَعْفُونَ، والنِّساءُ يَعْفُونَ، بِأنَّ الواوَ في الأوَّلِ ضَمِيرٌ، والنُّونَ عَلامَةُ الرَّفْعِ، والواوَ في الثّانِي لامُ الفِعْلِ، والنُّونَ ضَمِيرُهُنَّ، والفِعْلُ مَبْنِيٌّ لا أثَرَ في لَفْظِهِ لِلْعامِلِ. انْتَهى فَرْقُهُ. وهَذا مِنَ النَّحْوِ الجَلِيِّ الَّذِي يُدْرَكُ بِأدْنى قِراءَةٍ في هَذا العِلْمِ، ونَقَصَهُ أنْ يُبَيِّنَ أنَّ لامَ الفِعْلِ في: ”الرِّجالُ يَعْفُونَ“، حُذِفَتْ لِالتِقائِها ساكِنَةً مَعَ واوِ الضَّمِيرِ. وأنْ يَذْكُرَ خِلافًا في نَحْوِ: ”النِّساءُ يَعْفُونَ“، فَذَهَبَ ابْنُ دَرَسْتَوَيْهِ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ، والسُّهَيْلِيُّ مِنَ المُتَأخِّرِينَ، إلى أنَّ الفِعْلَ إذا اتَّصَلَتْ بِهِ نُونُ الإناثِ مُعْرَبٌ لا مَبْنِيٌّ، ويُنْسَبُ ذَلِكَ إلى (p-٢٣٦)كَلامِ سِيبَوَيْهِ. والكَلامُ عَلى هَذِهِ المَسْألَةِ مُوَضَّحٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يَعْفُونَ﴾ العُمُومُ في كُلِّ مُطَلَّقَةٍ قَبْلَ المَسِيسِ، وقَدْ فُرِضَ لَها؛ فَلَها أنْ تَعْفُوَ. قالُوا: وأُرِيدَ هُنا بِالعُمُومِ الخُصُوصُ، وكُلُّ امْرَأةٍ تَمْلِكُ أمْرَ نَفْسِها لَها أنْ تَعْفُوَ، فَأمّا مَن كانَتْ في حِجابٍ أوْ وصِيٍّ فَلا يَجُوزُ لَها العَفْوُ، وأمّا البِكْرُ الَّتِي لا ولِيَّ لَها، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وجَماعَةٌ مِنَ التّابِعِينَ والفُقَهاءِ: يَجُوزُ ذَلِكَ لَها. وحَكى سَحْنُونُ، عَنِ ابْنِ القاسِمِ: أنَّهُ لا يَجُوزُ ذَلِكَ لَها. ﴿أوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾، وهو: الزَّوْجُ، قالَهُ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وجُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ، وشُرَيْحٌ رَجَعَ إلَيْهِ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، والضَّحّاكُ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وابْنُ شُبْرُمَةَ، وأبُو حَنِيفَةَ، وذَكَرَ ذَلِكَ عَنِ الشّافِعِيِّ. وعَفْوُهُ أنْ يُعْطِيَها المَهْرَ كُلَّهُ، ورُوِيَ أنَّ جُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ تَزَوَّجَ وطَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَأكْمَلَ الصَّداقَ، وقالَ: أنا أحَقُّ بِالعَفْوِ. وسُمِّيَ ذَلِكَ عَفْوًا إمّا عَلى طَرِيقِ المُشاكَلَةِ؛ لِأنَّ قَبْلَهُ: ﴿إلّا أنْ يَعْفُونَ﴾، أوْ لِأنَّ مِن عادَتِهِمْ أنْ كانُوا يَسُوقُونَ المَهْرَ عِنْدَ التَّزَوُّجِ، ألا تَرى إلى «قَوْلِهِ ﷺ لِعَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ: (فَأيْنَ دِرْعُكَ الحُطَمِيَّةُ)» ؟ يَعْنِي أنْ يُصْدِقَها فاطِمَةَ - صَلّى اللَّهُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ وعَلَيْها - فَسَمّى تَرْكَ أخْذِهِمُ النِّصْفَ مِمّا ساقُوهُ عَفْوًا عَنْهُ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وعَلْقَمَةَ، وطاوُسٍ، والشَّعْبِيِّ، وإبْراهِيمَ، ومُجاهِدٍ، وشُرَيْحٍ، وأبِي صالِحٍ، وعِكْرِمَةَ، والزُّهْرِيِّ، ومالِكٍ، والشّافِعِيِّ، وغَيْرِهِمْ: أنَّهُ الوَلِيُّ الَّذِي المَرْأةُ في حِجْرِهِ، فَهو الأبُ في ابْنَتِهِ الَّتِي لَمْ تَمْلِكْ أمْرَها، والسَّيِّدُ في أمَتِهِ. وجَوَّزَ شُرَيْحٌ عَفْوَ الأخِ عَنْ نِصْفِ المَهْرِ، وقالَ: أنا أعْفُو عَنْ مُهُورِ بَنِي مُرَّةَ وإنْ كَرِهْنَ، وقالَ عِكْرِمَةُ: يَجُوزُ أنْ يَعْفُوَ عَمًّا كانَ أوْ أخًا أوْ أبًا - وإنْ كَرِهَتْ - ويَكُونُ دُخُولُ ”أوْ“ هُنا لِلتَّنْوِيعِ في العَفْوِ، ﴿إلّا أنْ يَعْفُونَ﴾ إنْ كُنَّ مِمَّنْ يَصِحُّ العَفْوُ مِنهُنَّ، أوْ يَعْفُو ولِيُّهُنَّ إنْ كُنَّ لا يَصِحُّ العَفْوُ مِنهُنَّ، ”أوْ“ لِلتَّخْيِيرِ، أيْ: هُنَّ مُخَيَّراتٌ بَيْنَ أنْ يَعْفُونَ، أوْ يَعْفُوَ ولِيُّهُنَّ. ورَجَّحَ كَوْنَهُ الوَلِيَّ بِأنَّ الزَّوْجَ المُطَلِّقَ يَبْعُدُ فِيهِ أنْ يُقالَ بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ، وأنْ يُجْعَلَ تَكْمِيلُهُ الصَّداقَ عَفْوًا، وأنْ يُبْهَمَ أمْرُهُ حَتّى يَبْقى كالمُلْبِسِ، وهو قَدْ أوْضَحَ بِالخِطابِ في قَوْلِهِ: ﴿فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾، فَلَوْ جاءَ عَلى مِثْلِ هَذا التَّوْضِيحِ لَكانَ: إلّا أنْ يَعْفُونَ أوْ تَعْفُوا أنْتُمْ ولا تَنْسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكم؛ فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّها دَرَجَةٌ ثالِثَةٌ، إذْ ذَكَرَ الأزْواجَ، ثُمَّ الزَّوْجاتِ، ثُمَّ الأوْلِياءَ. وأُجِيبَ عَنِ الأوَّلِ: بِأنَّ ﴿بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾ مِن حَيْثُ كانَ عَقَدَها قَبْلُ، فَعَبَّرَ بِذَلِكَ عَنِ الحالَةِ السّابِقَةِ، ولِلنَّصِّ الَّذِي سَبَقَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، والمُرادُ بِهِ خِطابُ الأزْواجِ. وعَنِ الثّانِي: أنَّهُ عَلى سَبِيلِ المُشاكَلَةِ، أوْ لِكَوْنِهِ قَدْ ساقَ الصَّداقَ إلَيْها، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ. وعَنِ الثّالِثِ: أنَّهُ لا إلْباسَ فِيهِ، وهو مِن بابِ الِالتِفاتِ؛ إذْ فِيهِ خُرُوجٌ مِن خِطابٍ إلى غَيْبَةٍ، وإنَّما قُلْنا: لا إلْباسَ فِيهِ، وأنَّهُ يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ الزَّوْجُ؛ لِإجْماعِ أهْلِ العِلْمِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ لِلْأبِ أنْ يَهَبَ شَيْئًا مِن مالِ بِنْتِهِ، لا لِزَوْجٍ ولا لِغَيْرِهِ، فَكَذَلِكَ المَهْرُ؛ إذْ لا فَرْقَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: بِيَدِهِ حَلُّ عُقْدَةِ النِّكاحِ، كَما قالُوا في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، أيْ: عَلى عُقْدَةِ النِّكاحِ. ولَوْ فَرَضْنا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾ مِنَ المُتَشابِهِ لَوَجَبَ رَدُّهُ إلى المُحْكَمِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]، وقالَ تَعالى: ﴿وآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠]، وقالَ: ﴿ولا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إلّا أنْ يَخافا﴾ [البقرة: ٢٢٩] الآيَةَ. فَهَذِهِ الآيَةُ مُحْكَمَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّ الوَلِيَّ لا دُخُولَ لَهُ في شَيْءٍ مِن أخْذِ مالِ الزَّوْجَةِ، ورُجِّحَ أيْضًا أنَّهُ الزَّوْجُ بِأنَّ عُقْدَةَ النِّكاحِ كانَتْ بِيَدِ الوَلِيِّ فَصارَتْ بِيَدِ الزَّوْجِ، وبِأنَّ العَفْوَ إنَّما يُطْلَقُ عَلى مِلْكِ الإنْسانِ وعَفْوُ الوَلِيِّ عَفْوٌ عَمّا لا يَمْلِكُ، وبِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا تَنْسَوُا الفَضْلَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الفَضْلَ في هِبَةِ الإنْسانِ مالَ نَفْسِهِ لا مالَ غَيْرِهِ. وقَرَأ الحَسَنُ: ”أوْ يَعْفُو“ بِتَسْكِينِ الواوِ، فَتَسْقُطُ في الوَصْلِ لِالتِقائِها (p-٢٣٧)ساكِنَةً مَعَ السّاكِنِ بَعْدَها، فَإذا وقَفَ أثْبَتَها، وفَعَلَ ذَلِكَ اسْتِثْقالًا لِلْفَتْحَةِ في حَرْفِ العِلَّةِ، فَتُقَدَّرُ الفَتْحَةُ فِيها كَما تُقَدَّرُ في الألِفِ في نَحْوِ: لَنْ يَخْشى، وأكْثَرُ العَرَبِ عَلى اسْتِخْفافِ الفَتْحَةِ في الواوِ والياءِ في نَحْوِ: لَنْ يَرْمِيَ ولَنْ يَغْزُوَ، حَتّى أنَّ أصْحابَنا نَصُّوا عَلى أنَّ إسْكانَ ذَلِكَ ضَرُورَةٌ، وقالَ: ؎فَما سَوَّدَتْنِي عامِرٌ عَنْ وِراثَةٍ ∗∗∗ أبى اللَّهُ أنْ أسَمُو بِأُمٍّ ولا أبِ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والَّذِي عِنْدِي أنَّهُ اسْتَثْقَلَ الفَتْحَةَ عَلى واوٍ مُتَطَرِّفَةٍ قَبْلَها مُتَحَرِّكٌ لِقِلَّةِ مَجِيئِها في كَلامِ العَرَبِ، وقَدْ قالَ الخَلِيلُ - رَحِمَهُ اللَّهُ: لَمْ يَجِئْ في الكَلامِ واوٌ مَفْتُوحَةٌ مُتَطَرِّفَةٌ قَبْلَها فَتْحَةٌ إلّا في قَوْلِهِمْ: عَفَوَةٌ، وهو جَمْعُ عَفْوٍ، وهو ولَدُ الحِمارِ، وكَذَلِكَ الحَرَكَةُ ما كانَتْ قَبْلَ الواوِ مَفْتُوحَةً، فَإنَّها ثَقِيلَةٌ. انْتَهى كَلامُهُ. وقَوْلُهُ: لِقِلَّةِ مَجِيئِها في كَلامِ العَرَبِ، يَعْنِي مَفْتُوحَةً مَفْتُوحًا ما قَبْلَها، هَذا الَّذِي ذَكَرَ فِيهِ تَفْصِيلٌ، وذَلِكَ أنَّ الحَرَكَةَ قَبْلَها إمّا أنْ تَكُونَ ضَمَّةً أوْ فَتْحَةً أوْ كَسْرَةً، إنْ كانَتْ ضَمَّةً فَإمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في فِعْلٍ أوِ اسْمٍ، إنْ كانَ في فِعْلٍ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَلِيلٍ، بَلْ جَمِيعُ المُضارِعِ إذا دَخَلَ عَلَيْهِ النّاصِبُ، أوْ لَحِقَهُ نُونُ التَّوْكِيدِ - عَلى ما أُحْكِمَ في بابِهِ - ظَهَرَتِ الفَتْحَةُ فِيهِ، نَحْوَ: لَنْ يَغْزُوَ، وهَلْ يَغْزُونَ، والأمْرُ نَحْوَ: اغْزُونَ، وكَذَلِكَ الماضِي عَلى فَعُلَ نَحْوَ: سَرُوَ الرَّجُلُ، حَتّى ما بُنِيَ مِن ذَواتِ الياءِ عَلى فَعُلَ تَقُولُ فِيهِ: لَقَضُوَ الرَّجُلُ، ولَرَمُوَتِ اليَدُ، وهو قِياسٌ مُطَّرِدٌ عَلى ما أُحْكِمَ في بابِهِ. وإنْ كانَ في اسْمٍ فَإمّا أنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلى هاءِ التَّأْنِيثِ، أوْ لا؛ إنْ كانَ مَبْنِيًّا عَلى هاءِ التَّأْنِيثِ فَجاءَ كَثِيرًا نَحْوَ: عَرْقُوَةٍ، وتَرْقُوَةٍ، قَمَحْدُوَةٍ، وعَنْصُوَةٍ، وتُبْنى عَلَيْهِ المَسائِلُ في عِلْمِ التَّصْرِيفِ، وإنْ كانَتِ الحَرَكَةُ فَتْحَةً فَهو قَلِيلٌ، كَما ذَكَرَهُ الخَلِيلُ، وإنْ كانَتْ كَسْرَةً انْقَلَبَتِ الواوُ فِيهِ ياءً، نَحْوَ الغازِي والغازِيَةِ، والعَرِيقِيَةِ، وشَذَّ مِن ذَلِكَ: أقْرُوَةٌ جَمْعُ قَرْوٍ، وهي مِيلَغَةُ الكَلْبِ، وسَواسِوَةٌ، وهُمُ: المُسْتَوُونَ في الشَّرِّ، ومَقاتِوَةٌ جَمْعُ مُقْتَوٍ، وهو السّايِسُ الخادِمُ. والألِفُ واللّامُ في النِّكاحِ لِلْعَهْدِ، أيْ: عُقْدَةٌ لَها، قالَ المَغْرِبِيُّ: وهَذا عَلى طَرِيقَةِ البَصْرِيِّينَ، وقالَ غَيْرُهُ الألِفُ واللّامُ بَدَلُ الإضافَةِ، أيْ: نِكاحُهُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎لَهم شِيمَةٌ لَمْ يُعْطِها اللَّهُ غَيْرَهم ∗∗∗ مِنَ النّاسِ والأحْلامُ غَيْرُ عَوازِبِ (p-٢٣٨)أيْ: وأحْلامُهم، وهَذا عَلى طَرِيقَةِ الكُوفِيِّينَ. ﴿وأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾، هَذا خِطابٌ لِلزَّوْجِ والزَّوْجَةِ، وغَلَبَ المُذَكَّرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: خاطَبَ تَعالى الجَمِيعَ تَأدُّبًا بِقَوْلِهِ: ﴿وأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾، أيْ: يا جَمِيعَ النّاسِ. انْتَهى كَلامُهُ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ خِطابٌ لِلْأزْواجِ فَقَطْ، وقالَهُ الشَّعْبِيُّ؛ إذْ هُمُ الخاطِبُونَ في صَدْرِ الآيَةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنَ الِالتِفاتِ؛ إذْ رَجَعَ مِن ضَمِيرِ الغائِبِ، وهو الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ عَلى ما اخْتَرْناهُ في تَفْسِيرِهِ، إلى الخِطابِ الَّذِي اسْتَفْتَحَ بِهِ صَدْرَ الآيَةِ، وكَوْنُ عَفْوِ الزَّوْجِ أقْرَبَ لِلتَّقْوى مِن حَيْثُ إنَّهُ كَسَرَ قَلْبَ مُطَلَّقَتِهِ؛ فَيَجْبُرُها بِدَفْعِ جَمِيعِ الصَّداقِ لَها؛ إذْ كانَ قَدْ فاتَها مِنهُ صُحْبَتُهُ، فَلا يَفُوتُها مِنهُ نِحْلَتُهُ؛ إذْ لا شَيْءَ أصْعَبُ عَلى النِّساءِ مِنَ الطَّلاقِ، فَإذا بَذَلَ لَها جَمِيعَ المَهْرِ لَمْ تَيْأسْ مِن رَدِّها إلَيْهِ، واسْتَشْعَرَتْ مِن نَفْسِها أنَّهُ مَرْغُوبٌ فِيها، فانْجَبَرَتْ بِذَلِكَ. وقَرَأ الشَّعْبِيُّ، وأبُو نَهِيكٍ: ”وأنْ يَعْفُوَ“ بِالياءِ بِاثْنَتَيْنِ مِن تَحْتِها، جَعَلَهُ غائِبًا، وجُمِعَ عَلى مَعْنى: الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ؛ لِأنَّهُ لِلْجِنْسِ لا يُرادُ بِهِ واحِدٌ، وقِيلَ: هَذِهِ القِراءَةُ تُؤَيِّدُ أنَّ العَفْوَ مُسْنَدٌ لِلْأزْواجِ، قِيلَ: والعَفْوُ أقْرَبُ لِاتِّقاءِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما ظُلْمَ صاحِبِهِ. وقِيلَ: لِاتِّقاءِ مَعاصِي اللَّهِ. و”أقْرَبُ“ يَتَعَدّى بِاللّامِ كَهَذِهِ، ويَتَعَدّى بِـ إلى كَقَوْلِهِ: ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ﴾ [الواقعة: ٨٥]، ولا يُقالُ: إنَّ اللّامَ بِمَعْنى إلى، ولا إنَّ اللّامَ لِلتَّعْلِيلِ، بَلْ عَلى سَبِيلِ التَّعْدِيَةِ لِمَعْنى المَفْعُولِ بِهِ المُتَوَصَّلِ إلَيْهِ بِحَرْفِ الجَرِّ؛ فَمَعْنى اللّامِ ومَعْنى إلى مُتَقارِبانِ مِن حَيْثُ التَّعْدِيَةُ، وقَدْ قِيلَ: بِأنَّ اللّامَ بِمَعْنى إلى؛ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن تَضْمِينِ الحُرُوفِ، ولا يَقُولُ بِهِ البَصْرِيُّونَ. وقِيلَ أيْضًا: إنَّ اللّامَ لِلتَّعْلِيلِ، فَيَدُلُّ عَلى عِلَّةِ ازْدِيادِ قُرْبِ العَفْوِ عَلى تَرْكِهِ، والمُفَضَّلُ عَلَيْهِ في القُرْبِ مَحْذُوفٌ، وحَسَّنَ ذَلِكَ كَوْنُ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ وقَعَ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ، والتَّقْدِيرُ: والعَفْوُ مِنكم أقْرَبُ لِلتَّقْوى مِن تَرْكِ العَفْوِ. ﴿ولا تَنْسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾، الخِطابُ فِيهِ مِنَ الخِلافِ ما في قَوْلِهِ: (وأنْ تَعْفُوا) . والنِّسْيانُ هُنا التَّرْكُ مِثْلُ: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]، والفَضْلُ: هو فِعْلُ ما لَيْسَ بِواجِبٍ مِنَ البِرِّ، فَهو مِنَ الزَّوْجِ تَكْمِيلُ المَهْرِ، ومِنَ الزَّوْجَةِ تَرْكُ شَطْرِهِ الَّذِي لَها، قالَهُ مُجاهِدٌ، وإنْ كانَ المُرادُ بِهِ الزَّوْجَ فَهو تَكْمِيلُ المَهْرِ. ودَخَلَ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ عَلى سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ بِنْتًا لَهُ، فَتَزَوَّجَها، فَلَمّا خَرَجَ طَلَّقَها وبَعَثَ إلَيْها بِالصَّداقِ كامِلًا، فَقِيلَ لَهُ: لِمَ تَزَوَّجْتَها ؟ فَقالَ: عَرَضَها عَلَيَّ فَكَرِهْتُ رَدَّهُ، قِيلَ: فَلِمَ بَعَثْتَ بِالصَّداقِ كامِلًا ؟ قالَ: فَأيْنَ الفَضْلُ ؟ وقَرَأ عَلِيٌّ، ومُجاهِدٌ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ”ولا تَناسَوُا الفَضْلَ“ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي قِراءَةٌ مُتَمَكِّنَةُ المَعْنى؛ لِأنَّهُ مَوْضِعُ تَناسٍ لا نِسْيانٍ إلّا عَلى التَّشْبِيهِ. انْتَهى. وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ: ”ولا تَنْسَوِا الفَضْلَ“ بِكَسْرِ الواوِ عَلى أصْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، تَشْبِيهًا لِلْواوِ الَّتِي هي ضَمِيرٌ بِواوِ لَوْ في قَوْلِهِ تَعالى: (لَوِ اسْتَطَعْنا)، كَما شَبَّهُوا واوَ ”لَوْ“ بِواوِ الضَّمِيرِ؛ فَضَمُّوها. قَرَأ (لَوِ اسْتَطَعْنا) بِضَمِّ الواوِ وانْتِصابِ ”بَيْنَكم“ بِالفِعْلِ المَنهِيِّ عَنْهُ و”بَيْنَ“ مُشْعِرٌ بِالتَّخَلُّلِ والتَّعارُفِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، فَهو أبْلَغُ مِن أنْ يَأْتِيَ النَّهْيُ عَنْ شَيْءٍ لا يَكُونُ بَيْنَهم؛ لِأنَّ الفِعْلَ المَنهِيَّ عَنْهُ لَوْ وقَعَ لَكانَ ذَلِكَ مُشْتَهِرًا بَيْنَهم، قَدْ تَواطَئُوا عَلَيْهِ وعَلِمُوا بِهِ؛ لِأنَّ ما تَخَلَّلَ أقْوامًا يَكُونُ مَعْرُوفًا عِنْدَهم. ﴿إنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، خَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ الدّالَّةِ عَلى المُبْصَراتِ؛ لِأنَّ ما تَقَدَّمَهُ مِنَ العَفْوِ مِنَ المُطَلَّقاتِ والمُطَلِّقِينَ، وهو أنْ يَدْفَعَ شَطْرَ ما قَبَضْنَ أوْ يُكْمِلُونَ لَهُنَّ الصَّداقَ، هو مُشاهَدٌ مَرْئِيٌّ، فَناسَبَ ذَلِكَ المَجِيءَ بِالصِّفَةِ المُتَعَلِّقَةِ بِالمُبْصِراتِ. ولَمّا كانَ آخِرُ قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٤] الآيَةَ، قَوْلَهُ: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكم فِيما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٤] مِمّا يُدْرَكُ بِلُطْفٍ وخَفاءٍ، خَتَمَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٤]، وفي خَتْمِ هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ وعْدٌ جَمِيلٌ لِلْمُحْسِنِ وحِرْمانٌ لِغَيْرِ المُحْسِنِ. وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ والَّتِي قَبْلَها أنْواعًا مِنَ الفَصاحَةِ، وضُرُوبًا مِن عِلْمِ البَيانِ والبَلاغَةِ: الكِنايَةَ في ”أنْ تَمَسُّوهُنَّ“، والتَّجْنِيسَ المُغايِرَ في ”فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً“، والطِّباقَ في ”المُوسِعِ والمُقْتِرِ“ (p-٢٣٩)والتَّأْكِيدَ بِالمَصْدَرَيْنِ في ”مَتاعًا“ و”حَقًّا“، والِاخْتِصاصَ في ”حَقًّا عَلى المُحْسِنِينَ“، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِنَ التَّتْمِيمِ، لَمّا قالَ: ”حَقًّا“ أفْهَمَ الإيجابَ، فَلَمّا قالَ: (عَلى المُحْسِنِينَ) تَمَّمَ المَعْنى، وبَيَّنَ أنَّهُ مِن بابِ التَّفَضُّلِ والإحْسانِ لا مِن بابِ الإيجابِ، فَلَمّا قالَ: (عَلى المُحْسِنِينَ) تَمَّمَ التَّعْمِيمَ، وبَيَّنَ أنَّهُ مِن بابِ التَّفَضُّلِ والإحْسانِ، لا مِن بابِ الإيجابِ. والِالتِفاتَ في (وأنْ تَعْفُوا)، (ولا تَنْسَوْا)، والعُدُولَ عَنِ الحَقِيقَةِ إلى المَجازِ في ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾ عَبَّرَ عَنِ الإيجابِ والقَبُولِ بِالعُقْدَةِ الَّتِي تُعْقَدُ حَقِيقَةً؛ لِما في ذَلِكَ القَوْلِ مِنَ الِارْتِباطِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ بِالآخَرِ.

البقرة 2:238

﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ﴾، قالُوا: هَذِهِ الآيَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ آياتِ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها والمُطَلَّقاتِ، وهي مُتَقَدِّمَةٌ عَلَيْهِنَّ في النُّزُولِ، مُتَأخِّرَةٌ في التِّلاوَةِ ورَسْمِ المُصْحَفِ، وشَبَّهُوها بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]، وبِقَوْلِهِ: ﴿وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ [البقرة: ٧٢]، قالُوا: فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَسُوقَةً عَلى الآياتِ الَّتِي ذُكِرَ فِيها القِتالُ؛ لِأنَّهُ بَيَّنَ فِيها أحْوالَ الصَّلاةِ في حالِ الخَوْفِ، قالُوا: وجاءَ ما هو مُتَعَلِّقٌ بِأبْعَدَ مِن هَذا، زَعَمُوا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ﴾ [النساء: ١٢٣] رَدًّا لِقَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١]، قالُوا: وأبْعَدُ مِنهُ: ﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ [المعارج: ١] راجِعٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآيَةَ، قالُوا: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حَدَثَ خَوْفٌ قَبْلَ إنْزالِ إتْمامِ أحْكامِ المُطَلَّقاتِ، فَبَيَّنَ تَعالى أحْكامَ صَلاةِ الخَوْفِ عِنْدَ مَسِيسِ الحاجَةِ إلى بَيانِهِ، ثُمَّ أنْزَلَ إتْمامَ أحْكامِ المُطَلَّقاتِ. قالُوا: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُتَقَدِّمَةً في التِّلاوَةِ ورَسْمِ المُصْحَفِ، مُتَأخِّرَةً في النُّزُولِ قَبْلَ هَذِهِ الآياتِ، عَلى قَوْلِهِ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٤]، وهَذِهِ كُلُّها أقْوالٌ كَما تَرى. والَّذِي يَظْهَرُ في المُناسَبَةِ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ - تَعالى - جُمْلَةً كَثِيرَةً مِن أحْوالِ الأزْواجِ والزَّوْجاتِ، وأحْكامِهِمْ في النِّكاحِ، والوَطْءِ، والإيلاءِ، والطَّلاقِ، والرَّجْعَةِ، والإرْضاعِ، والنَّفَقَةِ، والكِسْوَةِ، والعِدَّةِ، والخِطْبَةِ، والمُتْعَةِ، والصَّداقِ، والتَّشَطُّرِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، كانَتْ تَكالِيفَ عَظِيمَةً تَشْغَلُ مَن كُلِّفَها أعْظَمَ شُغْلٍ؛ بِحَيْثُ لا يَكادُ يَسَعُ مَعَها شَيْءٌ مِنَ الأعْمالِ، وكانَ كُلٌّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ قَدْ أوْجَبَ عَلَيْهِ لِلْآخَرِ ما يَسْتَفْرِغُ فِيهِ الوَقْتَ، ويَبْلُغُ مِنهُ الجَهْدَ، وأمَرَ كُلًّا مِنهُما بِالإحْسانِ إلى الآخَرِ، حَتّى في حالَةِ الفِراقِ، وكانَتْ مَدْعاةً إلى التَّكاسُلِ عَنِ الِاشْتِغالِ بِالعِبادَةِ إلّا لِمَن وفَّقَهُ اللَّهُ تَعالى، أمَرَ تَعالى بِالمُحافَظَةِ عَلى الصَّلَواتِ الَّتِي هي الوَسِيلَةُ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ عَبْدِهِ، وإذا كانَ قَدْ أمَرَ بِالمُحافَظَةِ عَلى أداءِ حُقُوقِ الآدَمِيِّينَ؛ فَلَأنْ يُؤْمَرَ بِأداءِ حُقُوقِ اللَّهِ أوْلى وأحَقُّ؛ ولِذَلِكَ جاءَ: (فَدَيْنُ اللَّهِ أحَقُّ أنْ يُقْضى)، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا يَشْغَلَنَّكُمُ التَّعَلُّقُ بِالنِّساءِ وأحْوالِهِنَّ عَنْ أداءِ ما فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكم، فَمَعَ تِلْكَ الأشْغالِ العَظِيمَةِ لا بُدَّ مِنَ المُحافَظَةِ عَلى الصَّلاةِ، حَتّى في حالَةِ الخَوْفِ، فَلا بُدَّ مِن أدائِها رِجالًا ورُكْبانًا، وإنْ كانَتْ حالَةُ الخَوْفِ أشَدَّ مِن حالَةِ الِاشْتِغالِ بِالنِّساءِ، فَإذا كانَتْ هَذِهِ الحالَةُ الشّاقَّةُ جِدًّا لا بُدَّ مَعَها مِنَ الصَّلاةِ؛ فَأحْرى ما هو دُونَها مِنَ الأشْغالِ المُتَعَلِّقَةِ بِالنِّساءِ. وقِيلَ: مُناسَبَةُ الأمْرِ بِالمُحافَظَةِ عَلى الصَّلَواتِ عُقَيْبَ الأوامِرِ السّابِقَةِ أنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عَوْنًا لَهم عَلى امْتِثالِها، وصَوْنًا لَهم عَنْ مُخالَفَتِها. وقِيلَ: وجْهُ ارْتِباطِها بِما قَبْلَها وبِما بَعْدَها؛ أنَّهُ لَمّا أمَرَ تَعالى بِالمُحافَظَةِ عَلى حُقُوقِ الخَلْقِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَنْسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] ناسَبَ أنْ يَأْمُرَ بِالمُحافَظَةِ عَلى حُقُوقِ الحَقِّ، ثُمَّ لَمّا كانَتْ حُقُوقُ الآدَمِيِّينَ مِنها ما يَتَعَلَّقُ بِالحَياةِ - وقَدْ ذَكَرَهُ - ومِنها ما يَتَعَلَّقُ بِالمَماتِ، ذَكَرَهُ بَعْدَهُ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا وصِيَّةً﴾ [البقرة: ٢٤٠] الآيَةَ. والخِطابُ: بِـ (حافِظُوا) لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، وهَلْ يَعُمُّ الكافِرِينَ ؟ فِيهِ خِلافٌ. و(حافِظُوا) مِن بابِ: طارَقْتُ النَّعْلَ، ولَمّا ضُمِّنَ المَعْنى التَّكْرارَ والمُواظَبَةَ عُدِّيَ بِعَلى، وقَدْ رامَ بَعْضُهم أنْ يَبْقى فاعِلٌ عَلى مَعْناها الأكْثَرِ فِيها مِنَ الِاشْتِراكِ بَيْنَ اثْنَيْنِ؛ فَجَعَلَ المُحافَظَةَ بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ الرَّبِّ، كَأنَّهُ قِيلَ: احْفَظْ هَذِهِ الصَّلاةَ يَحْفَظْكَ اللَّهُ الَّذِي أمَرَ بِها، ومَعْنى المُحافَظَةِ هُنا: دَوامُ ذِكْرِها، أوِ الدَّوامُ عَلى (p-٢٤٠)تَعْجِيلِها في أوَّلِ أوْقاتِها، أوْ إكْمالِ فُرُوضِها وسُنَنِها، أوْ جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ، أقْوالٌ أرْبَعَةٌ. والألِفُ واللّامُ فِيها لِلْعَهْدِ، وهي: الصَّلَواتُ الخَمْسُ. قالُوا: وكُلُّ صَلاةٍ في القُرْآنِ مَقْرُونَةٌ بِالمُحافَظَةِ، فالمُرادُ بِها الصَّلَواتُ الخَمْسُ. ﴿والصَّلاةِ الوُسْطى﴾، الوُسْطى: فُعْلى مُؤَنَّثَةُ الأوْسَطِ، كَما قالَ أعْرابِيٌّ يَمْدَحُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: ؎يا أوْسَطَ النّاسِ طُرًّا في مَفاخِرِهِمْ وأكْرَمَ النّاسِ أُمًّا بَرَّةً وأبا وهُوَ خِيارُ الشَّيْءِ وأعْدَلُهُ، كَما يُقالُ: فُلانٌ مِن واسِطَةِ قَوْمِهِ، أيْ: مِن أعْيانِهِمْ، وهَلْ سُمِّيَتِ ”الوُسْطى“ لِكَوْنِها بَيْنَ شَيْئَيْنِ، مِن: وسَطَ فُلانٌ يَسِطُ، إذا كانَ وسَطًا بَيْنَ شَيْئَيْنِ ؟ أوْ مِن وسَطَ قَوْمَهُ إذا فَضَلَهم ؟ فِيهِ قَوْلانِ، والَّذِي تَقْتَضِيهِ العَرَبِيَّةُ أنْ تَكُونَ الوُسْطى مُؤَنَّثَ الأوْسَطِ، بِمَعْنى الفُضْلى مُؤَنَّثِ الأفْضَلِ، كالبَيْتِ الَّذِي أنْشَدْناهُ: يا أوْسَطَ النّاسِ، وذَلِكَ أنَّ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ لا يُبْنى إلّا مِمّا يَقْبَلُ الزِّيادَةَ والنَّقْصَ، وكَذَلِكَ فِعْلُ التَّعَجُّبِ، فَكُلُّ ما لا يَقْبَلُ الزِّيادَةَ والنَّقْصَ لا يُبْنَيانِ مِنهُ، ألا تَرى أنَّكَ لا تَقُولُ: زَيْدٌ أمْوَتُ النّاسِ ؟ ولا: ما أمْوَتَ زَيْدًا ؟ لِأنَّ المَوْتَ شَيْءٌ لا يَقْبَلُ الزِّيادَةَ ولا النَّقْصَ، وإذا تَقَرَّرَ هَذا فَكَوْنُ الشَّيْءِ وسَطًا بَيْنَ شَيْئَيْنِ لا يَقْبَلُ الزِّيادَةَ ولا النَّقْصَ، فَلا يَجُوزُ أنْ يُبْنى مِنهُ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ؛ لِأنَّهُ لا تَفاضُلَ فِيهِ؛ فَتَعَيَّنَ أنْ تَكُونَ الوُسْطى بِمَعْنى الأخِيرِ والأعْدَلِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مَعْنًى يَقْبَلُ التَّفاوُتَ، وخُصَّتِ الصَّلاةُ الوُسْطى بِالذِّكْرِ، وإنْ كانَتْ قَدِ انْدَرَجَتْ في عُمُومِ الصَّلَواتِ قَبْلَها، تَنْبِيهًا عَلى فَضْلِها عَلى غَيْرِها مِنَ الصَّلَواتِ، كَما نَبَّهَ عَلى فَضْلِ جِبْرِيلَ ومِيكالَ في تَجْرِيدِهِما بِالذِّكْرِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البقرة: ٩٨]، وعَلى فَضْلِ مَن ذَكَرَ وجَرَّدَ مِنَ الأنْبِياءِ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧] الآيَةَ، وعَلى فَضْلِ النَّخْلِ والرُّمّانِ في قَوْلِهِ: ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨]، وقَدْ تَكَلَّمْنا عَلى هَذا النَّوْعِ مِنَ الذِّكْرِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البقرة: ٩٨] . وكَثُرَ اخْتِلافُ العُلَماءِ - مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ والفُقَهاءِ بَعْدَهم - في المُرادِ بِالصَّلاةِ الوُسْطى؛ ولِهَذا قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الصَّلاةِ الوُسْطى هَكَذا، وشَبَّكَ بَيْنَ أصابِعِهِ. والَّذِي تَلَخَّصَ فِيهِ أقْوالٌ: أحَدُها: أنَّها العَصْرُ، قالَهُ عَلِيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو أيُّوبَ، وابْنُ عُمَرَ في رِوايَةٍ، وسَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطِيَّةَ، وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، وعائِشَةُ في رِوايَةٍ، وحَفْصَةُ، والحَسَنُ بْنُ المُسَيَّبِ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعَطاءٌ في رِوايَةٍ، وطاوُسٌ، والضَّحّاكُ، والنَّخَعِيُّ، وعُبَيْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وذِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ، وقَتادَةُ، وأبُو حَنِيفَةَ، وأحْمَدُ، والشّافِعِيُّ في قَوْلٍ، وعَبْدُ المَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ مِن أصْحابِ مالِكٍ، وهو اخْتِيارُ الحافِظِ أبِي بَكْرِ بْنِ العَرَبِيِّ في كِتابِهِ المُسَمّى بِـ (القَبَسْ في شَرْحِ مُوَطَّأِ مالِكِ بْنِ أنَسْ)، واخْتِيارُ أبِي مُحَمَّدِ بْنِ عَطِيَّةَ في تَفْسِيرِهِ، وقَدِ اسْتَفاضَ مِنَ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ يَوْمَ الأحْزابِ: (شَغَلُونا عَنِ الصَّلاةِ الوُسْطى، صَلاةِ العَصْرِ، مَلَأ اللَّهُ قُلُوبَهم وبُيُوتَهم نارًا) . وقالَ عَلِيٌّ: كُنّا نَراها الصُّبْحَ حَتّى قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ؛ فَعَرَفْنا أنَّها العَصْرُ. ورَوى أبُو مالِكٍ الأشْعَرِيُّ، وسَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: (الصَّلاةُ الوُسْطى صَلاةُ العَصْرِ)، وفي مُصْحَفِ عائِشَةَ، وإمْلاءِ حَفْصَةَ: والصَّلاةِ الوُسْطى، وهي العَصْرُ، ومَن رَوى: وصَلاةِ العَصْرِ، أوَّلَ عَلى أنَّهُ عَطَفَ إحْدى الصِّفَتَيْنِ عَلى الأُخْرى. وقَرَأ أُبَيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: والصَّلاةِ الوُسْطى، صَلاةِ العَصْرِ، عَلى البَدَلِ. الثّانِي: أنَّها الفَجْرُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وعَلِيٍّ في رِوايَةٍ، وأبِي مُوسى، ومُعاذٍ، وجابِرٍ، وأبِي أُمامَةَ، وابْنِ عُمَرَ في رِوايَةِ مُجاهِدٍ، وأنَسٍ، وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وعَطاءٍ، وعِكْرِمَةَ، وطاوُسٍ في رِوايَةِ ابْنِهِ، ومُجاهِدٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادٍ، ومالِكٍ، والشّافِعِيِّ في قَوْلٍ، وقَدْ «قالَ أبُو العالِيَةِ: صَلَّيْتُ مَعَ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الغَداةَ؛ فَقُلْتُ لَهم: أيُّما الصَّلاةُ الوُسْطى ؟ فَقالُوا: الَّتِي صَلَّيْتَ قَبْلُ، (p-٢٤١)ورَوَوْا عَنْ أبِي رَجاءٍ العُطارِدِيِّ قالَ: (صَلّى بِنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلاةَ الغَداةِ، فَقَنَتَ فِيها قَبْلَ الرُّكُوعِ ورَفَعَ يَدَيْهِ، فَلَمّا فَرَغَ قالَ: هَذِهِ الصَّلاةُ الوُسْطى الَّتِي أُمِرْنا بِها أنْ نَقُومَ فِيها قانِتِينَ» . الثّالِثُ: أنَّها الظُّهْرُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وزَيْدٍ، وأُسامَةَ، وأبِي سَعِيدٍ، وعائِشَةَ. وفي رِوايَةٍ قالُوا: ورَوى زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُصَلِّي الهاجِرَةَ والنّاسُ في هاجِرَتِهِمْ، فَلَمْ يَجْتَمِعْ إلَيْهِ أحَدٌ فَتَكَلَّمَ في ذَلِكَ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ يُرِيدُ الظُّهْرَ»، وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ لا يَكُونُ وراءَهُ إلّا الصَّفُّ والصَّفّانِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (لَقَدْ هَمَمْتُ أُحَرِّقَ عَلى قَوْمٍ لا يَشْهَدُونَ الصَّلاةَ بُيُوتَهم)؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ . الرّابِعُ: أنَّها المَغْرِبُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ. الخامِسُ: أنَّها العِشاءُ الآخِرَةُ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ في تَفْسِيرِهِ، وحَكاهُ أبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ عَنْ فِرْقَةٍ. السّادِسُ: أنَّها الصَّلَواتُ الخَمْسُ، قالَهُ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ. السّابِعُ: أنَّها إحْدى الصَّلَواتِ الخَمْسِ لا بِعَيْنِها، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، وأبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ، وأخْفاها لِيُحافَظَ عَلى الصَّلَواتِ كُلِّها، كَما أخْفى لَيْلَةَ القَدْرِ في لَيالِي شَهْرِ رَمَضانَ، واسْمَ اللَّهِ الأعْظَمَ في سائِرِ الأسْماءِ، وساعَةَ الإجابَةِ في يَوْمِ الجُمُعَةِ، وقَدْ رَواهُ نافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وقالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ، وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ نَزَلَتْ: ”والصَّلاةِ الوُسْطى صَلاةِ العَصْرِ“، ثُمَّ نُسِخَتُ فَنَزَلَتْ: ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى﴾؛ فَيَلْزَمُ مِن هَذا نَسْخُ تَعْيِينِها، وأُبْهِمَتْ بَعْدَ أنْ عُيِّنَتْ. قالَ القُرْطُبِيُّ المُفَسِّرُ: وهو الصَّحِيحُ - إنْ شاءَ اللَّهُ - لِتَعارُضِ الأدِلَّةِ وعَدَمِ التَّرْجِيحِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا المُحافَظَةُ عَلى جَمِيعِها وأدائِها. الثّامِنُ: أنَّها الجُمُعَةُ، وفي سائِرِ الأيّامِ الظُّهْرُ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، ذَكَرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ. التّاسِعُ: أنَّها العَتَمَةُ والصُّبْحُ، قالَهُ عُمَرُ وعُثْمانُ. العاشِرُ: أنَّها الصُّبْحُ والعَصْرُ مَعًا، قالَهُ أبُو بَكْرٍ الأبْهَرِيُّ مِن فُقَهاءِ المالِكِيَّةِ. ورَجَّحَ كُلَّ قَوْلٍ مِنَ الأقْوالِ الَّتِي عُيِّنَتْ فِيها أنَّ الوُسْطى هي كَذا، بِأحادِيثَ ورَدَتْ في فَضْلِ تِلْكَ الصَّلاةِ، ورُجِّحَ بَعْضُها بِأنَّها وسَطٌ بَيْنِ كَذا وكَذا، ولا حُجَّةَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ؛ لِأنَّ ذِكْرَ فَضْلِ صَلاةٍ مُعَيَّنَةٍ لا يَدُلُّ عَلى أنَّها الَّتِي أرادَ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿والصَّلاةِ الوُسْطى﴾، ولِأنَّ كَوْنَها وسَطًا بَيْنَ كَذا وكَذا لا يَصْلُحُ أنْ يُبْنى مِنهُ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، كَما بَيَّنّاهُ قَبْلُ. وقَدْ صَنَّفَ شَيْخُنا الإمامُ المُحَدِّثُ، أوْحَدُ زَمانِهِ وحافِظُ أوانِهِ، شَرَفُ الدِّينِ أبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ المُؤْمِنِ بْنُ خَلَفِ بْنِ أبِي الحَسَنِ بْنِ العَفِيفِ شَرَفِ بْنِ الخَضِرِ بْنِ مُوسى الدِّمْياطِيُّ كِتابًا في هَذا المَعْنى سَمّاهُ: ( كِتابُ كَشْفِ المُغَطّى في تَبْيِينِ الصَّلاةِ الوُسْطى)، قَرَأْناهُ عَلَيْهِ، ورَجَّحَ فِيهِ أنَّها صَلاةُ العَصْرِ، وأنَّ ذَلِكَ مَرْوِيٌّ نَصًّا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَوى ذَلِكَ عَنْهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، واسْتَفاضَ ذَلِكَ عَنْهُ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وحُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ، وسَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وأبُو هاشِمِ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وذَكَرَ فِيهِ بَقِيَّةَ الأقاوِيلِ العَشَرَةِ الَّتِي سَرَدْناها، وزادَ سَبْعَةَ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الجُمُعَةُ خاصَّةً. الثّانِي: أنَّها الجَماعَةُ في جَمِيعِ الصَّلَواتِ. الثّالِثُ: أنَّها صَلاةُ الخَوْفِ. الرّابِعُ: أنَّها الوَتْرُ، واخْتارَهُ أبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّخاوِيُّ النَّحْوِيُّ المُقْرِيُّ. الخامِسُ: أنَّها صَلاةُ عِيدِ الأضْحى. السّادِسُ: أنَّها صَلاةُ العِيدِ يَوْمَ الفِطْرِ. السّابِعُ: أنَّها صَلاةُ الضُّحى، حَكاهُ بَعْضُهم وتَرَدَّدَ فِيهِ. فَإنْ ثَبَتَ هَذا القَوْلُ فَيَكُونُ تَمامَ سَبْعَةَ عَشَرَ قَوْلًا. والَّذِي يَنْبَغِي أنْ نُعَوِّلَ عَلَيْهِ مِنها هو قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو أنَّها صَلاةُ العَصْرِ، وبِهِ قالَ شَيْخُنا الحافِظُ أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أخْبَرَنا المُسْنِدُ أبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أبِي الطّاهِرِ إسْماعِيلَ بْنِ عَبْدِ المُحْسِنِ الدِّمَشْقِيُّ، بِقِراءَتِي عَلَيْهِ بِالقاهِرَةِ مِن دِيارِ مِصْرَ - حَرَسَها اللَّهُ - عَنْ أبِي الحَسَنِ المُؤَيَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الطُّوسِيِّ المُقْرِيِّ، قالَ: أخْبَرَنا فَقِيهُ الحَرَمِ أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الفَضْلِ بْنِ أحْمَدَ الصّاعِدِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو الحَسَنِ عَبْدُ الغَفّارِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الغَفّارِ الفارِسِيُّ (ح) . وأخْبَرَنا (p-٢٤٢)أُسْتاذُنا العَلّامَةُ أبُو جَعْفَرٍ أحْمَدُ بْنُ إبْراهِيمَ بْنِ الزُّبَيْرِ الثَّقَفِيُّ، بِقِراءَتِي عَلَيْهِ بِغَرْناطَةَ، مِن جَزِيرَةِ الأنْدَلُسِ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيى الفارِقِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الحَجَرِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ زُغَيْبَةَ المُشاوِرُ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو العَبّاسِ أحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أنَسِ بْنِ دِلْهاثٍ (ح)، وأخْبَرَنا القاضِي أبُو عَلِيٍّ الحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ أبِي الأحْوَصِ، مُناوَلَةً عَنْ أبِي القاسِمِ أحْمَدَ بْنِ عُمَرَ بْنِ أحْمَدَ الخَزْرَجِيِّ، وهو آخِرُ مَن حَدَّثَ عَنْهُ، ولَمْ يُحَدِّثْنا عَنْهُ مِن شُيُوخِنا غَيْرُهُ، عَنْ أبِي الحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ الجُذامِيِّ، وهو آخِرُ مَن حَدَّثَ عَنْهُ، عَنْ أبِي العَبّاسِ بْنِ دِلْهاثٍ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو العَبّاسِ أحْمَدُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ مِندارٍ بِمَكَّةَ قالا - أعْنِي عَبْدَ الغَفّارِ وابْنَ مِندارٍ: أخْبَرَنا أبُو أحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسى بْنِ عَمْرَوَيْهِ الجُلُودِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو إسْحاقَ إبْراهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيانَ الفَقِيهُ، أخْبَرَنا الحافِظُ أبُو الحُسَيْنِ مُسْلِمُ بْنُ الحَجّاجِ النَّيْسابُورِيُّ، قالَ: وحَدَّثَنا عَوْنُ بْنُ سَلامٍ الكُوفِيُّ، حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ اليامِيُّ، عَنْ زُبَيْدٍ، عَنْ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قالَ: حَبَسَ المُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَلاةِ العَصْرِ حَتّى احْمَرَّتِ الشَّمْسُ، أوِ اصْفَرَّتْ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (شَغَلُونا عَنِ الصَّلاةِ الوُسْطى، صَلاةِ العَصْرِ، مَلَأ اللَّهُ أجْوافَهم وقُبُورَهم نارًا)، أوْ: (حَشا اللَّهُ أجْوافَهم وقُبُورَهم نارًا) . وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: (وعَلى الصَّلاةِ الوُسْطى) بِإعادَةِ الجارِّ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ. وقَرَأتْ عائِشَةُ: ”والصَّلاةَ“ بِالنَّصْبِ، ووَجَّهَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى أنَّهُ نُصِبَ عَلى المَدْحِ والِاخْتِصاصِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُراعى مَوْضِعُ: عَلى الصَّلاةِ؛ لِأنَّهُ نَصْبٌ، كَما تَقُولُ: مَرَرَتُ بِزَيْدٍ وعَمْرًا، ورُوِيَ عَنْ قالُونَ أنَّهُ قَرَأ: ”الوُصْطى“ بِالصّادِ، أُبْدِلَتِ السِّينُ صادًا لِمُجاوَرَةِ الطّاءِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في قَوْلِهِ: (الصِّراطَ) . ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾، أيْ: مُطِيعِينَ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وعَطاءٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ، والحَسَنُ. أوْ خاشِعِينَ، قالَهُ مُجاهِدٌ. أوْ مُطِيلِينَ القِيامَ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ، والرَّبِيعُ. أوْ داعِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. أوْ ساكِتِينَ، قالَهُ السُّدِّيُّ. أوْ عابِدِينَ. أوْ مُصَلِّينَ. أوْ قارِئِينَ، رُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عُمَرَ. أوْ ذاكِرِينَ اللَّهَ في القِيامِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. أوْ راكِدِينَ كافِّي الأيْدِي والأبْصارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وهو الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ قَبْلُ بِالخُشُوعِ. والأظْهَرُ حَمْلُهُ عَلى السُّكُوتِ؛ إذْ صَحَّ أنَّهم كانُوا يَتَكَلَّمُونَ في الصَّلاةِ، حَتّى نَزَلَتْ: ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾؛ فَأُمِرُوا بِالسُّكُوتِ. والمَعْنى: وقُومُوا في الصَّلاةِ. ورُوِيَ أنَّهم كانُوا إذا قامَ أحَدُهم إلى الصَّلاةِ هابَ الرَّحْمَنَ أنْ يَمُدَّ بَصَرَهُ، أوْ يَلْتَفِتَ، أوْ يُقَلِّبَ الحَصا، أوْ يُحَدِّثَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ مِن أُمُورِ الدُّنْيا. وإذا كانَ القُنُوتُ في الآيَةِ هو السُّكُوتُ عَلى ما جاءَ في الحَدِيثِ، فَأجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لَوْ تَكَلَّمَ عامِدًا وهو يَعْلَمُ أنَّهُ في الصَّلاةِ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ في إصْلاحِ صَلاتِهِ، فَسَدَتْ صَلاتُهُ، إلّا ما رُوِيَ عَنِ الأوْزاعِيِّ: أنَّ الكَلامَ لِإحْياءِ نَفْسٍ، أوْ مِثْلِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الجِسامِ، لا يُفْسِدُ الصَّلاةَ. أوْ ساهِيًا، فَقالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ: لا تَفْسُدُ. وعَنْ مالِكٍ في بَعْضِ صُوَرِ الكَلامِ خِلافٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ أصْحابِهِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ، والثَّوْرِيُّ: تَفْسُدُ كالعَمْدِ، لِإصْلاحِ صَلاةٍ كانَ أوْ لِغَيْرِهِ، وهو قَوْلُ النَّخَعِيِّ، وعَطاءٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ، وحَمّادِ بْنِ أبِي سُلَيْمانَ. واخْتَلَفَ قَوْلُ أحْمَدَ فَنَقَلَ الخِرَقِيُّ كَقَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ، ونَقَلَ الأثْرَمُ عَنْهُ: إنْ تَكَلَّمَ لِإصْلاحِها لَمْ تَفْسُدْ، أوْ لِغَيْرِهِ فَسَدَتْ، وهَذا قَوْلُ مالِكٍ. وفي قَوْلِهِ: ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ دَلِيلٌ عَلى مَطْلُوبِيَّةِ القِيامِ، وأجْمَعُوا عَلى أنَّ القِيامَ في صَلاةِ الفَرْضِ واجِبٌ عَلى كُلِّ صَحِيحٍ قادِرٍ عَلَيْهِ، كانَ مُنْفَرِدًا أوْ إمامًا، واخْتَلَفُوا في المَأْمُومِ الصَّحِيحِ يُصَلِّي خَلْفَ إمامٍ مَرِيضٍ قاعِدًا لا يَسْتَطِيعُ القِيامَ؛ فَأجازَ ذَلِكَ جُمْهُورُ العُلَماءِ: جابِرُ بْنُ زَيْدٍ، والأوْزاعِيُّ، ومالِكٌ، وأحْمَدُ، وإسْحاقُ، وأبُو أيُّوبَ، وسُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ الهاشِمِيُّ، وأبُو خَيْثَمَةَ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، ومُحَمَّدُ بْنُ إسْماعِيلَ، ومَن تَبِعَهم مِن أصْحابِ الحَدِيثِ مِثْلُ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ، ومُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ: فَيُصَلِّي وراءَهُ (p-٢٤٣)جالِسًا عَلى مَذْهَبِ هَؤُلاءِ، وأفْتى بِهِ مِنَ الصَّحابَةِ: جابِرٌ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، وقَيْسُ بْنُ فِهْرٍ. ورَوى هَذا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أنَسٌ، وعائِشَةُ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وجابِرٌ، وابْنُ عُمَرَ، وأبُو أُمامَةَ الباهِلِيُّ. وأجازَتْ طائِفَةٌ صَلاةَ القائِمِ خَلْفَ صَلاةِ المَرِيضِ قاعِدًا، وإلى هَذا ذَهَبَ الشّافِعِيُّ، وداوُدُ، وزُفَرُ، وجَماعَةٌ بِ المَدِينَةِ، وهي رِوايَةُ الوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ مالِكٍ، وهي رِوايَةٌ غَرِيبَةٌ عَنْهُ، والمَشْهُورُ عَنْ مالِكٍ أنَّهُ لا يَؤُمُّ أحَدٌ جالِسًا، فَإنْ فَعَلَ بَطَلَتْ صَلاتُهُ وصَلاتُهم إلّا إنْ كانَ عَلِيلًا؛ فَتَصِحُّ صَلاتُهُ وتَفْسُدُ صَلاتُهم، وإلى هَذا ذَهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ. قالَ أبُو حاتِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ حِبّانَ البُسْتِيُّ: وأوَّلُ مَن أبْطَلَ صَلاةَ المَأْمُومِ قاعِدًا إذا صَلّى إمامُهُ جالِسًا المُغِيرَةُ بْنُ مِقْسَمٍ صاحِبُ النَّخَعِيِّ، وأخَذَ عَنْهُ حَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ، ثُمَّ أخَذَ عَنْ حَمّادٍ أبُو حَنِيفَةَ، وتَبِعَهُ عَلَيْهِ مَن بَعْدَهُ مِن أصْحابِهِ.

البقرة 2:239

﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أوْ رُكْبانًا﴾، لَمّا ذَكَرَ المُحافَظَةَ عَلى الصَّلَواتِ، وأمَرَ بِالقِيامِ فِيها قانِتِينَ، كانَ مِمّا يَعْرِضُ لِلْمُصَلِّينَ حالَةٌ يَخافُونَ فِيها؛ فَرَخَّصَ لَهم في الصَّلاةِ ماشِينَ عَلى الأقْدامِ، وراكِبِينَ. والخَوْفُ يَشْمَلُ الخَوْفَ مِن عَدُوٍّ، وسَبُعٍ، وسَيْلٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَكُلُّ أمْرٍ يُخافُ مِنهُ فَهو مُبِيحٌ ما تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ هَذِهِ. وقالَ مالِكٌ: يُسْتَحَبُّ في غَيْرِ خَوْفِ العَدُوِّ الإعادَةُ في الوَقْتِ إنْ وقَعَ الأمْنُ، وأكْثَرُ الفُقَهاءِ عَلى تَساوِي الخَوْفِ. و”رِجالًا“ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، والعامِلُ مَحْذُوفٌ، قالُوا تَقْدِيرُهُ: فَصَلُّوا رِجالًا، ويَحْسُنُ أنْ يُقَدَّرَ مِن لَفْظِ الأوَّلِ، أيْ: فَحافِظُوا عَلَيْها رِجالًا، ورِجالًا جَمْعُ راجِلٍ، كَقائِمٍ وقِيامٍ، قالَ تَعالى: ﴿وأذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا﴾ [الحج: ٢٧]، وقالَ الشّاعِرُ: ؎وبَنُو غُدانَةَ شاخِصٌ أبْصارُهم يَمْشُونَ تَحْتَ بُطُونِهِنَّ رِجالا والمَعْنى: ماشِينَ عَلى الأقْدامِ. يُقالُ مِنهُ: رَجِلَ يَرْجُلُ رَجْلًا، إذا عَدِمَ المَرْكُوبَ ومَشى عَلى قَدَمَيْهِ، فَهو راجِلٌ ورَجِلٌ ورَجُلٌ، عَلى وزْنِ رَجُلٍ مُقابِلِ امْرَأةٍ، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، يَقُولُونَ: مَشى فُلانٌ إلى بَيْتِ اللَّهِ حافِيًا رَجُلًا، ويُقالُ: رَجْلانُ ورَجِيلٌ ورَجْلٌ، قالَ الشّاعِرُ: ؎عَلَيَّ إذا لاقَيْتُ لَيْلى بِخَلْوَةٍ ∗∗∗ أنَ ازْدارَ بَيْتَ اللَّهِ رَجْلانَ حافِيا قالُوا: ويُجْمَعُ عَلى: رِجالٍ، ورَجِيلٍ، ورُجالى، ورَجالى، ورَجّالَةٍ، ورَجالى، ورُجْلانٍ، ورَجْلَةٍ، ورَجَلَةٍ، بِفَتْحِ الجِيمِ، وأرْجِلَةٍ، وأراجِلٍ، وأراجِيلَ. قَرَأ عِكْرِمَةُ، وأبُو مِجْلَزٍ: ”فَرُجّالًا“ بِضَمِّ الرّاءِ وتَشْدِيدِ الجِيمِ، ورُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ التَّخْفِيفُ مَعَ ضَمِّ الرّاءِ، وقُرِئَ: ”فَرُجَّلًا“ بِضَمِّ الرّاءِ وفَتْحِ الجِيمِ مُشَدَّدَةً بِغَيْرِ ألِفٍ. وقُرِئَ: ”فَرَجْلًا“ بِفَتْحِ الرّاءِ وسُكُونِ الجِيمِ. وقَرَأ بُدَيْلُ بْنُ مَيْسَرَةَ: ”فَرِجالًا فَرُكْبانًا“ بِالفاءِ، وهو جَمْعُ راكِبٍ. قالَ الفَضْلُ: لا يُقالُ راكِبٌ إلّا لِصاحِبِ الجَمَلِ، وأمّا صاحِبُ الفَرَسِ فَيُقالُ لَهُ فارِسٌ، ولِراكِبِ الحِمارِ حَمّارٌ، ولِراكِبِ البَغْلِ بَغّالٌ، وقِيلَ: الأفْصَحُ أنْ يُقالَ: صاحِبُ بَغْلٍ، وصاحِبُ حِمارٍ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ﴾ حُصُولُ مُطْلَقِ الخَوْفِ، وأنَّهُ بِمُطْلَقِ الخَوْفِ تُباحُ الصَّلاةُ في هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ. وقالُوا: هي صَلاةُ الغَداةِ لِلَّذِي قَدْ ضايَقَهُ الخَوْفُ عَلى نَفْسِهِ في حالَةِ المُسايَفَةِ، أوْ ما يُشْبِهُهُ، وأمّا صَلاةُ الخَوْفِ بِالإمامِ، وانْقِسامِ النّاسِ؛ فَلَيْسَ حُكْمُها في هَذِهِ الآيَةِ. وقِيلَ: فَرِجالًا: مُشاةٌ بِالجَماعَةِ؛ لِأنَّهم يَمْشُونَ إلى العَدُوِّ في صَلاةِ الخَوْفِ. أوْ رُكْبانًا، أيْ: وِجْدانًا بِالإيماءِ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: (فَرِجالًا) أنَّهم يُوقِعُونَ الصَّلاةَ وهم ماشُونَ؛ فَيُصَلُّونَ عَلى كُلِّ حالٍ، والرَّكْبُ يُومِئُ، ويَسْقُطُ عَنْهُ التَّوَجُّهُ إلى القِبْلَةِ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا يُصَلُّونَ في حالِ المَشْيِ والمُسايَفَةِ، ما لَمْ يُمْكِنِ الوُقُوفُ. ولَمْ تَتَعَرَّضِ الآيَةُ لِعَدَدِ الرَّكَعاتِ في هَذا الخَوْفِ، والجُمْهُورُ أنَّها لا تُقْصَرُ الصَّلاةُ عَنْ عَدَدِ صَلاةِ المُسافِرِ إنْ كانُوا في سَفَرٍ تُقْصَرُ فِيهِ. وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وغَيْرُهُما: تُصَلّى رَكْعَةً إيماءً. وقالَ الضَّحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ: تُصَلّى في المُسايَفَةِ وغَيْرِها رَكْعَةً، فَإنْ لَمْ يَقْدِرْ فَلْيُكَبِّرْ تَكْبِيرَتَيْنِ. وقالَ إسْحاقُ: فَإنْ لَمْ يَقْدِرْ إلّا عَلى تَكْبِيرَةٍ واحِدَةٍ أجْزَأتْ عَنْهُ، ولَوْ رَأوْا سَوادًا فَظَنُّوهُ عَدُوًّا (p-٢٤٤)ثُمَّ تَبَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ بِعَدُوٍّ، فَقالَ أبُو حَنِيفٍة: يُعِيدُونَ. وظاهِرُ الآيَةِ: أنَّهُ مَتى عَرَضَ لَهُ الخَوْفُ فَلَهُ أنْ يُصَلِّيَ عَلى هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ، فَلَوْ صَلّى رَكْعَةً آمِنًا ثُمَّ طَرَأ لَهُ الخَوْفُ رَكِبَ وبَنى، أوْ عَكْسُهُ: أتَمَّ وبَنى، عِنْدَ مالِكٍ، وهو أحَدُ قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ، وبِهِ قالَ المُزَنِيُّ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: إذا اسْتَفْتَحَ آمِنًا ثُمَّ خافَ اسْتَقْبَلَ ولَمْ يَبْنِ، فَإنْ صَلّى خائِفًا ثُمَّ أمِنَ بَنى. وقالَ أبُو يُوسُفَ: لا يَبْنِي في شَيْءٍ مِن هَذا كُلِّهِ. وتَدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ عَلى عَظِيمِ قَدْرِ الصَّلاةِ، وتَأْكِيدِ طَلَبِها إذْ لَمْ تَسْقُطْ بِالخَوْفِ؛ فَلا تَسْقُطُ بِغَيْرِهِ مِن مَرَضٍ وشُغْلٍ ونَحْوِهِ، حَتّى المَرِيضُ إذا لَمْ يُمْكِنْهُ فِعْلُها لَزِمَهُ الإشارَةُ بِالعَيْنِ عِنْدَ أكْثَرِ العُلَماءِ، وبِهَذا تَمَيَّزَتْ عَنْ سائِرِ العِباداتِ؛ لِأنَّها كُلَّها تَسْقُطُ بِالأعْذارِ ويُتَرَخَّصُ فِيها. ﴿فَإذا أمِنتُمْ﴾، قالَ مُجاهِدٌ: أيْ: خَرَجْتُمْ مِنَ السَّفَرِ إلى دارِ الإقامَةِ، ورَدَّهُ الطَّبَرِيُّ. قِيلَ: ولا يَنْبَغِي رَدُّهُ لِأنَّهُ شَرَحَ الأمْنَ بِمَحَلِّ الأمْنِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ إذا رَجَعَ مِن سَفَرِهِ وحَلَّ دارَ إقامَتِهِ أمِنَ، فَكانَ السَّفَرُ مَظِنَّةَ الخَوْفِ، كَما أنَّ دارَ الإقامَةِ مَحَلُّ الأمْنِ. وقِيلَ: مَعْنى ”فَإذا أمِنتُمْ“ أيْ: زالَ خَوْفُكُمُ الَّذِي ألْجَأكم إلى هَذِهِ الصَّلاةِ. وقِيلَ: فَإذا كُنْتُمْ آمِنِينَ، أيْ: مَتى كُنْتُمْ عَلى أمْنٍ قَبْلُ أوْ بَعْدُ. ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ بِالشُّكْرِ والعِبادَةِ ﴿كَما عَلَّمَكُمْ﴾ أيْ: أحْسَنَ إلَيْكم بِتَعْلِيمِكم ما كُنْتُمْ جاهِلِيهِ مِن أمْرِ الشَّرائِعِ، وكَيْفَ تُصَلُّونَ في حالِ الخَوْفِ وحالِ الأمْنِ. و”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ، و”الكافُ“ لِلتَّشْبِيهِ. أمَرَ أنْ يَذْكُرُوا اللَّهَ تَعالى ذِكْرًا يُعادِلُ ويُوازِي نِعْمَةَ ما عَلَّمَهم؛ بِحَيْثُ يَجْتَهِدُ الذّاكِرُ في تَشْبِيهِ ذِكْرِهِ بِالنِّعْمَةِ في القَدْرِ والكَفاءَةِ، وإنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلى بُلُوغِ ذَلِكَ. ومَعْنى ”كَما عَلَّمَكم“: كَما أنْعَمَ عَلَيْكم فَعَلَّمَكم، فَعَبَّرَ بِالمُسَبَّبِ عَنِ السَّبَبِ؛ لِأنَّ التَّعْلِيمَ ناشِئٌ عَنْ إنْعامِ اللَّهِ عَلى العَبْدِ وإحْسانِهِ لَهُ. وقَدْ تَكُونُ الكافُ لِلتَّعْلِيلِ، أيْ: فاذْكُرُوا اللَّهَ لِأجْلِ تَعْلِيمِهِ إيّاكم، أيْ: يَكُونُ الحامِلُ لَكم عَلى ذِكْرِهِ وشُكْرِهِ وعِبادَتِهِ تَعْلِيمُهُ إيّاكم؛ لِأنَّهُ لا مِنحَةَ أعْظَمُ مِن مِنحَةِ العِلْمِ. ﴿ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾، ”ما“: مَفْعُولٌ ثانٍ لِعَلَّمَكم، وفِيهِ الِامْتِنانُ بِالتَّعْلِيمِ عَلى العَبْدِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ إفْهامُ أنَّكم عُلِّمْتُمْ شَيْئًا لَمْ تَكُونُوا لِتَصِلُوا لِإدْراكِهِ بِعُقُولِكم لَوْلا أنَّهُ تَعالى عَلَّمَكُمُوهُ، أيْ: أنَّكم لَوْ تُرِكْتُمْ دُونَ تَعْلِيمٍ لَمْ تَكُونُوا لِتَعْلَمُوهُ أبَدًا. وحَكى النَّقّاشُ وغَيْرُهُ أنَّ مَعْنى: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ أيْ: صَلُّوا الصَّلاةَ الَّتِي قَدْ عُلِّمْتُمُوها، أيْ: صَلاةً تامَّةً بِجَمِيعِ شُرُوطِها وأرْكانِها. وتَكُونُ ”ما“ في ﴿كَما عَلَّمَكُمْ﴾ مَوْصُولَةً، أيْ: فَصَلُّوا الصَّلاةَ كالصَّلاةِ الَّتِي عَلَّمَكم، وعَبَّرَ بِالذِّكْرِ عَنِ الصَّلاةِ، والكافُ إذْ ذاكَ لِلتَّشْبِيهِ بَيْنَ هَيْئَتَيِ الصَّلاتَيْنِ: الصَّلاةِ الَّتِي كانَتْ أوَّلًا قَبْلَ الخَوْفِ، والصَّلاةِ الَّتِي كانَتْ بَعْدَ الخَوْفِ في حالَةِ الأمْنِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ: ﴿ما لَمْ تَكُونُوا﴾ بَدَلٌ مِن ”ما“ الَّتِي في قَوْلِهِ ”كَما“، وإلّا لَمْ يَتَّسِقْ لَفْظُ الآيَةِ. انْتَهى. وهو تَخْرِيجٌ يُمْكِنُ، وأحْسَنُ مِنهُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ المَحْذُوفِ في ”عَلَّمَكم“ العائِدِ عَلى ”ما“؛ إذِ التَّقْدِيرُ عَلَّمَكُمُوهُ، أيْ: عَلَّمَكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ. وقَدْ أجازَ النَّحْوِيُّونَ: جاءَنِي الَّذِي ضَرَبْتُ أخاكَ، أيْ: ضَرَبْتُهُ أخاكَ، عَلى البَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ المَحْذُوفِ.

البقرة 2:240

﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا وصِيَّةً لِأزْواجِهِمْ مَتاعًا إلى الحَوْلِ غَيْرَ إخْراجٍ فَإنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكم في ما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ مِن مَعْرُوفٍ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١] ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٢] . ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا وصِيَّةً لِأزْواجِهِمْ مَتاعًا إلى الحَوْلِ غَيْرَ إخْراجٍ﴾، الجُمْهُورُ عَلى أنَّها مَنسُوخَةٌ بِالآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ المَنصُوصِ فِيها عَلى عِدَّةِ الوَفاةِ أنَّها أرْبَعَةُ أشْهُرٍ وعَشْرٌ. وقالَ مُجاهِدٌ: هي مُحْكَمَةٌ، والعِدَّةُ كانَتْ قَدْ ثَبَتَتْ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا، ثُمَّ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ وصِيَّةً مِنهُ سُكْنى سَبْعَةِ أشْهُرٍ وعِشْرِينَ لَيْلَةً، فَإنْ شاءَتْ سَكَنَتْ في وصِيَّتِها، وإنْ شاءَتْ خَرَجَتْ. حَكى ذَلِكَ عَنْهُ الطَّبَرِيُّ، وهو قَوْلُهُ: ﴿غَيْرَ إخْراجٍ فَإنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الألْفاظُ الَّتِي حَكاها (p-٢٤٥)الطَّبَرِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ لا تَدُلُّ عَلى أنَّ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ، ولا نَصَّ مُجاهِدٌ عَلى ذَلِكَ، وقالَ السُّدِّيُّ: كانَ ذَلِكَ ثُمَّ نُسِخَ بِنُزُولِ الفَرائِضِ؛ فَأخَذَتْ رُبُعَها أوْ ثُمُنَها، ولَمْ يَكُنْ لَها سُكْنى ولا نَفَقَةٌ، وصارَتِ الوَصايا لِمَن لا يَرِثُ. ونَقَلَ القاضِي أبُو الفَضْلِ عِياضُ بْنُ مُوسى اليَحْصُبِيُّ، وأبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَطِيَّةَ الإجْماعَ عَلى نَسْخِ الحَوْلِ بِالآيَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ. ورَوى البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: قُلْتُ لِعُثْمانَ: هَذِهِ الآيَةُ في البَقَرَةِ: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ إخْراجٍ﴾ قَدْ نَسَخَتِ الأُخْرى فَلِمَ تَكْتُبُها. قالَ: نَدَعُها يا ابْنَ أخِي، لا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِن مَكانِهِ. انْتَهى. ويَعْنِي عُثْمانُ: مِن مَكانِهِ الَّذِي رَتَّبَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِ؛ لِأنَّ تَرْتِيبَ الآيَةِ مِن فِعْلِهِ ﷺ لا مِنَ اجْتِهادِ الصَّحابَةِ. واخْتَلَفُوا هَلِ الوَصِيَّةُ كانَتْ واجِبَةً مِنَ اللَّهِ بَعْدَ وفاةِ الزَّوْجِ ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَطاءٌ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ: كانَ لَها بَعْدَ وفاتِهِ السُّكْنى والنَّفَقَةُ حَوْلًا في مالِهِ ما لَمْ تَخْرُجْ بِرَأْيِها، ثُمَّ نُسِخَتِ النَّفَقَةُ بِالرُّبُعِ أوِ الثُّمُنِ، وسُكْنى الحَوْلِ بِالأرْبَعَةِ الأشْهُرِ والعَشْرِ. أمْ كانَتْ عَلى سَبِيلِ النَّدْبِ ؟ نَدَبُوا بِأنْ يُوصُوا لِلزَّوْجاتِ بِذَلِكَ، فَيَكُونُ يُتَوَفَّوْنَ عَلى هَذا يُقارِبُونَ. وقالَهُ قَتادَةُ أيْضًا، والسُّدِّيُّ، وعَلَيْهِ حَمَلَ الفارِسِيُّ الآيَةَ في الحُجَّةِ لَهُ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ: ”وصِيَّةٌ“ بِالرَّفْعِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالنَّصْبِ، وارْتِفاعِ ”والَّذِينَ“ عَلى الِابْتِداءِ. و”وصِيَّةٌ“ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ وهي نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ في المَعْنى، التَّقْدِيرُ: وصِيَّةٌ مِنهم أوْ مِنَ اللَّهِ، عَلى اخْتِلافِ القَوْلَيْنِ في الوَصِيَّةِ، أهِيَ عَلى الإيجابِ مِنَ اللَّهِ ؟ أوْ عَلى النَّدْبِ لِلْأزْواجِ ؟ وخَبَرُ هَذا المُبْتَدَأِ هو قَوْلُهُ: ”لِأزْواجِهِمْ“، والجُمْلَةُ مِن ”وصِيَّةٌ لِأزْواجِهِمْ“ في مَوْضِعِ الخَبَرِ عَنِ ”الَّذِينَ“، وأجازُوا أنْ يَكُونَ ”وصِيَّةٌ“ مُبْتَدَأً، و”لِأزْواجِهِمْ“ صِفَةً، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَعَلَيْهِمْ وصِيَّةٌ لِأزْواجِهِمْ. وحُكِيَ عَنْ بَعْضِ النُّحاةِ أنَّ ”وصِيَّةٌ“ مَرْفُوعٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: كُتِبَ عَلَيْهِمْ وصِيَّةٌ، قِيلَ: وكَذَلِكَ هي في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ، ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ تَفْسِيرُ مَعْنى لا تَفْسِيرُ إعْرابٍ؛ إذْ لَيْسَ هَذا مِنَ المَواضِعِ الَّتِي يُضْمَرُ فِيها الفِعْلُ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ووَصِيَّةُ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ، أوْ: وحُكْمُ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ وصِيَّةٌ لِأزْواجِهِمْ؛ فَيَكُونُ ذَلِكَ مُبْتَدَأً عَلى حَذْفِ مُضافٍ، وأجازَ أيْضًا أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ أهْلُ وصِيَّةٍ، فَجَعَلَ المَحْذُوفَ مِنَ الخَبَرِ، ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو بِنا إلى ادِّعاءِ هَذا الحَذْفِ، وانْتِصابُ ”وصِيَّةً“ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، التَّقْدِيرُ: والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ؛ فَيَكُونُ ”والَّذِينَ“ مُبْتَدَأً، و”يُوصُونَ“ المَحْذُوفُ هو الخَبَرُ، وقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: لِيُوصُوا، وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ ارْتِفاعَ ”والَّذِينَ“ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، وانْتِصابُ ”وصِيَّةً“ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ، التَّقْدِيرُ: وأُلْزِمَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم وصِيَّةً، وهَذا ضَعِيفٌ؛ إذْ لَيْسَ مِن مَواضِعِ إضْمارِ الفِعْلِ، ومِثْلُهُ في الضَّعْفِ مَن رَفَعَ ”والَّذِينَ“ عَلى إضْمارِ: ولْيُوصِ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ، وبِنَصْبِ ”وصِيَّةً“ عَلى المَصْدَرِ، وفي حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ”الوَصِيَّةُ لِأزْواجِهِمْ“ وهو مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، و”لِأزْواجِهِمُ“ الخَبَرُ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: عَلَيْهِمُ الوَصِيَّةُ. وانْتَصَبَ مَتاعًا إمّا عَلى إضْمارِ فِعْلٍ مِن لَفْظِهِ، أيْ: مَتِّعُوهُنَّ مَتاعًا، أوْ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ، أيْ: جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ مَتاعًا، أوْ بِقَوْلِهِ: وصِيَّةً، أهُوَ مَصْدَرٌ مُنَوَّنٌ يَعْمَلُ، كَقَوْلِهِ: ؎فَلَوْلا رَجاءُ النَّصْرِ مِنكَ ورَهْبَةٌ عِقابَكَ قَدْ كانُوا لَنا كالمَوارِدِ ويَكُونُ الأصْلُ: بِمَتاعٍ، ثُمَّ حُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ، فَإنْ نَصَبْتَ ”وصِيَّةً“ فَيَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ مَتاعًا بِالفِعْلِ النّاصِبِ لِقَوْلِهِ ”وصِيَّةً“ ويَكُونُ انْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِ؛ لِأنَّ مَعْنى: يُوصِي بِهِ بِمُتَعٍ بِكَذا، وأجازُوا أنْ يَكُونَ ”مَتاعًا“ صِفَةً لِوَصِيَّةٍ، وبَدَلًا وحالًا مِنَ المُوصِينَ، أيْ: مُمَتِّعِينَ، أوْ ذَوى مَتاعٍ، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ حالًا مِن أزْواجِهِمْ، أيْ: مُمَتَّعاتٍ أوْ ذَواتِ مَتاعٍ؛ ويَكُونُ حالًا مُقَدَّرَةً إنْ كانَتِ الوَصِيَّةُ مِنَ الأزْواجِ. وقَرَأ أُبَيٌّ: ”مَتاعٌ لِأزْواجِهِمْ مَتاعًا إلى الحَوْلِ“، ورُوِيَ عَنْهُ: ”فَمَتاعٌ“، ودُخُولُ الفاءِ في خَبَرِ ”والَّذِينَ“ لِأنَّهُ مَوْصُولٌ ضُمِّنَ (p-٢٤٦)مَعْنى الشَّرْطِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ومَن يُتَوَفَّ، ويَنْتَصِبُ ”مَتاعًا إلى الحَوْلِ“ بِهَذا المَصْدَرِ؛ إذْ مَعْناهُ التَّمْتِيعُ، كَقَوْلِكَ: أعْجَبَنِي ضَرْبٌ لَكَ زَيْدًا ضَرْبًا شَدِيدًا. وانْتَصَبَ ”غَيْرَ إخْراجٍ“ صِفَةً لِـ ”مَتاعًا“، أوْ بَدَلًا مِن ”مَتاعًا“، أوْ حالًا مِنَ الأزْواجِ، أيْ: غَيْرَ مُخْرَجاتٍ، أوْ: مِنَ المُوصِينَ، أيْ: غَيْرَ مُخْرِجِينَ، أوْ مَصْدَرًا مُؤَكَّدًا، أيْ: لا إخْراجًا، قالَهُ الأخْفَشُ. ﴿فَإنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكم في ما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ مِن مَعْرُوفٍ﴾، مَنَعَ مَن لَهُ الوِلايَةُ عَلَيْهِنَّ مِن إخْراجِهِنَّ، فَإنْ خَرَجْنَ مُخْتاراتٍ لِلْخُرُوجِ ارْتَفَعَ الحَرَجُ عَنِ النّاظِرِ في أمْرِهِنَّ؛ إذْ خُرُوجُهُنَّ مُخْتاراتٍ جائِزٌ لَهُنَّ، ومُوَضَّحٌ انْقِطاعُ تَعَلُّقِهِنَّ بِحالِ المَيِّتِ؛ فَلَيْسَ لَهُ مَنعُهُنَّ مِمّا يَفْعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ مِن تَزْوِيجٍ، وتَرْكِ إحْدادٍ، وتَزَيُّنٍ، وخُرُوجٍ، وتَعَرُّضٍ لِلْخُطّابِ، إذا كانَ ذَلِكَ بِالمَعْرُوفِ شَرْعًا. ويَتَعَلَّقُ ”فِيما فَعَلْنَ“ بِما يَتَعَلَّقُ بِهِ ”عَلَيْكم“ أيْ: فَلا جُناحَ يَسْتَقِرُّ عَلَيْكم فِيما فَعَلْنَ. و”ما“ مَوْصُولَةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ: فَعَلْنَهُ، و”مِن مَعْرُوفٍ“ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَحْذُوفِ في ”فَعَلْنَ“؛ فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، أيْ: فَعَلْنَهُ كائِنًا مِن مَعْرُوفٍ. وجاءَ هُنا ”مِن مَعْرُوفٍ“ نَكِرَةً مَجْرُورَةً بِـ ”مِن“، وفي الآيَةِ النّاسِخَةِ لَها عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ جاءَ ”بِالمَعْرُوفِ“ مُعَرَّفًا مَجْرُورًا بِالباءِ. والألِفُ واللّامُ فِيهِ نَظِيرَتُها في قَوْلِكَ: لَقِيتُ رَجُلًا، ثُمَّ تَقُولُ: الرَّجُلُ مِن وصْفِهِ كَذا وكَذا، وكَذَلِكَ أنَّ الآيَةَ السّابِقَةَ مُتَقَدِّمَةٌ في التِّلاوَةِ مُتَأخِّرَةٌ في التَّنْزِيلِ، وهَذِهِ بِعَكْسِها، ونَظِيرُ ذَلِكَ: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ ما ولّاهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٢] عَلى ظاهِرِ ما نُقِلَ، مَعَ قَوْلِهِ: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ﴾ [البقرة: ١٤٤] . ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، خَتَمَ الآيَةَ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ، فَقَوْلُهُ ”عَزِيزٌ“ إظْهارٌ لِلْغَلَبَةِ والقَهْرِ لِمَن مَنَعَ مِن إنْفاذِ الوَصِيَّةِ بِالتَّمْتِيعِ المَذْكُورِ، أوْ أخْرَجَهُنَّ وهُنَّ لا يَخْتَرْنَ الخُرُوجَ، ومُشْعِرٌ بِالوَعِيدِ عَلى ذَلِكَ. وقَوْلُهُ ”حَكِيمٌ“ إظْهارُ أنَّ ما شُرِعَ مِن ذَلِكَ فَهو جارٍ عَلى الحِكْمَةِ والإتْقانِ ووَضْعِ الأشْياءِ مَواضِعَها. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا كُلُّهُ قَدْ زالَ حُكْمُهُ بِالنَّسْخِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ إلّا ما قالَهُ الطَّبَرِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ، وفي ذَلِكَ نَظَرٌ عَلى الطَّبَرِيِّ. انْتَهى كَلامُهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ أوَّلَ الآيَةِ ما نُقِلَ عَنْ مُجاهِدٍ مِن أنَّها مُحْكَمَةٌ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ في ذَلِكَ.

البقرة 2:241

﴿ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ﴾، ظاهِرُهُ العُمُومُ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو ثَوْرٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: (ومَتِّعُوهُنَّ) اخْتِلافُ العُلَماءِ فِيما يُخَصَّصُ بِهِ العُمُومُ؛ فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ، وتَعَلَّقَ ”بِالمَعْرُوفِ“ بِما تَعَلَّقَ بِهِ ”لِلْمُطَلَّقاتِ“، وقِيلَ: بِقَوْلِهِ ”مَتاعًا“، وقِيلَ: المُرادُ بِالمَتاعِ هُنا نَفَقَةُ العِدَّةِ. ﴿حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُؤَكِّدَةً لِأمْرِ المُتْعَةِ؛ لِأنَّهُ نَزَلَ قَبْلُ: ﴿حَقًّا عَلى المُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، فَقالَ رَجُلٌ: فَإنْ لَمْ أُرِدْ أنْ أُحْسِنَ لَمْ أُمَتِّعْ، فَنَزَلَتْ: ﴿حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ . وإعْرابُ ”حَقًّا“ هُنا كَإعْرابِ ”حَقًّا“ عَلى المُحْسِنِينَ ”، وظاهِرُ“ المُتَّقِينَ ”: مَن يَتَّصِفُ بِالتَّقْوى الَّتِي هي أخَصُّ مِنَ اتِّقاءِ الشِّرْكِ، وخُصُّوا بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا لَهم، أوْ لِأنَّهم أكْثَرُ النّاسِ وُقُوفًا، واللَّهُ أسْرَعَهم لِامْتِثالِ أمْرِ اللَّهِ، وقِيلَ“ عَلى المُتَّقِينَ ”أيْ: مُتَّقِيِ الشِّرْكِ. ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ﴾، أيْ: مِثْلَ هَذا التَّبْيِينِ الَّذِي سَبَقَ مِنَ الأحْكامِ، يُبَيِّنُ لَكم في المُسْتَقْبَلِ ما بَقِيَ مِنَ الأحْكامِ الَّتِي يُكَلَّفُها العِبادُ. ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾، ما يُرادُ مِنكم مِنَ التِزامِ الشَّرائِعِ والوُقُوفِ عِنْدَها؛ لِأنَّ التَّبْيِينَ لِلْأشْياءِ مِمّا يَتَّضِحُ لِلْعَقْلِ بِأوَّلِ إدْراكٍ، بِخِلافِ الأشْياءِ المُغَيَّباتِ والمُجْمَلاتِ؛ فَإنَّ العَقْلَ يَرْتَبِكُ فِيها، ولا يَكادُ يَحْصُلُ مِنها عَلى طائِلٍ. قِيلَ: وفي هَذِهِ الآياتِ مِن بَدائِعِ البَدِيعِ وصُنُوفِ الفَصاحَةِ: النَّقْلُ مِن صِيغَةِ“ افْعَلُوا ”إلى“ فاعِلُوا ”لِلْمُبالَغَةِ، وذَلِكَ في“ حافِظُوا ”، والِاخْتِصاصُ بِالذِّكْرِ في“ والصَّلاةِ الوُسْطى ”، والطِّباقُ المَعْنَوِيُّ في“ فَإنْ خِفْتُمْ ”؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ في“ حافِظُوا ”وهو مُراعاةُ أوْقاتِها وهي هَيْئاتُها إذا كُنْتُمْ آمِنِينَ، والحَذْفُ في“ فَإنْ خِفْتُمْ ”: العَدُوَّ أوْ ما جَرى مَجْراهُ. وفي“ فَرِجالًا ”أيْ: فَصَلُّوا رِجالًا، وفي“ وصِيَّةً لِأزْواجِهِمْ ”سَواءٌ رُفِعَ أمْ نُصِبَ، وفي“ غَيْرَ إخْراجٍ ”أيْ: لَهُنَّ مِن مَكانِهِنَّ الَّذِي يَعْتَدِدْنَ فِيهِ، وفي فَإنْ خَرَجْنَ مِن بُيُوتِهِنَّ مِن غَيْرِ رِضًا مِنهُنَّ، وفي“ فِيما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ ”أيْ: مِن مَيْلِهِنَّ إلى التَّزْوِيجِ، أوِ الزِّينَةِ بَعْدَ انْقِضاءِ المُدَّةِ، وفي“ بِالمَعْرُوفِ ”أيْ: عادَةً أوْ شَرْعًا (p-٢٤٧)وفِي“ عَزِيزٌ ”أيِ: انْتِقامُهُ، وفي“ حَكِيمٌ ”أيْ: في أحْكامِهِ. وفي قَوْلِهِ“ حَقًّا ”أيْ: حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا، وفي“ عَلى المُتَّقِينَ ”أيْ عَذابُ اللَّهِ، والتَّشْبِيهُ في“ كَما عَلَّمَكم ”، والتَّجْنِيسُ المُماثِلُ: وهو أنْ يَكُونَ بِفِعْلَيْنِ أوْ بِاسْمَيْنِ، وذَلِكَ في“ عَلَّمَكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ”، والتَّجْنِيسُ المُغايِرُ في“ غَيْرَ إخْراجٍ فَإنْ خَرَجْنَ ”، والمَجازُ في“ يُتَوَفَّوْنَ ”أيْ: يُقارِبُونَ الوَفاةَ، والتَّكْرارُ في“ مَتاعًا إلى الحَوْلِ ”، ثُمَّ قالَ:“ ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ "؛ فَيَكُونُ لِلتَّأْكِيدِ إنْ كانَ إيّاهُ، ولِاخْتِلافِ المَعْنَيَيْنِ إنْ كانَ غَيْرَهُ. وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ الكَرِيمَةُ حُكْمَ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها، وأنَّ عِدَّتَها أرْبَعَةُ أشْهُرٍ وعَشْرٌ، وأنَّهُنَّ إذا انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ لا حَرَجَ عَلى مَن كانَ مُتَوَلِّيًا أمْرَهُنَّ مِن ولِيٍّ أوْ حاكِمٍ فِيما فَعَلْنَ مِن تَعَرُّضٍ لِخِطْبَةٍ، وتَزَيُّنٍ، وتَرْكِ إحْدادٍ، وتَزَوُّجٍ، وذَلِكَ بِالمَعْرُوفِ شَرْعًا، وأعْلَمَ تَعالى أنَّهُ خَبِيرٌ بِما يَصْدُرُ مِنّا، وأنَّهُ لا جُناحَ عَلى مَن عَرَّضَ بِالخِطْبَةِ أوْ أكَنَّ التَّزْوِيجَ في نَفْسِهِ، وأفْهَمَ ذَلِكَ أنَّ التَّصْرِيحَ فِيهِ الجُناحُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عَذَرَ في التَّعْرِيضِ بِأنَّ النُّفُوسَ تَتُوقُ إلى التَّزَوُّجِ وذِكْرِ النِّساءِ، ونَهى تَعالى عَنْ مُواعَدَةِ السِّرِّ وهو النِّكاحُ، وأباحَ قَوْلًا مَعْرُوفًا مِنَ التَّنْبِيهِ بِهِ عَلى أنَّ المَرْأةَ مَرْغُوبٌ فِيها، فَإنَّ في ذَلِكَ جَبْرًا لَها وبَعْضَ تَأْنِيسٍ مِنهُ لَها بِذَلِكَ. ثُمَّ نَهى عَنْ بَتِّ النِّكاحِ قَبْلَ انْقِضاءِ العِدَّةِ، وأعْلَمَ أنَّ ما في نَفْسِ الإنْسانِ يَعْلَمُهُ اللَّهُ، وأمَرَ بِأنْ يُحْذَرَ، ولَمّا كانَ الأمْرُ بِالحَذَرِ يَسْتَدْعِي مَخُوفًا؛ أعْلَمَ أنَّهُ غَفُورٌ يَسْتُرُ الذَّنْبَ، حَلِيمٌ يَصْفَحُ عَنِ المُسِيءِ؛ لِيَتَعادَلَ خَوْفُ المُؤْمِنِ ورَجاؤُهُ، ثُمَّ ذَكَرَ رَفْعَ الحَرَجِ عَنْ مَن طَلَّقَ المَرْأةَ قَبْلَ المَسِيسِ، أوْ قَبْلَ أنْ يَفْرِضَ لَها الصَّداقَ؛ إذْ كانَ يُتَوَهَّمُ أنَّ الطَّلاقَ قَبْلَ الدُّخُولِ بِها لا يُباحُ، ثُمَّ أمَرَ بِالتَّمْتِيعِ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ عِوَضًا لِغَيْرِ المَدْخُولِ بِها مِمّا كانَ فاتَها مِنَ الزَّوْجِ، ومِن نِصْفِ الصَّداقِ الَّذِي تَشَطَّرُ بِالطَّلاقِ، وجَبْرًا لَها بِذَلِكَ ولِغَيْرِ المَفْرُوضِ لَها، وأنَّ ذَلِكَ التَّمْتِيعَ عَلى حَسَبِ وجْدِ الزَّوْجِ وإقْتارِهِ، ولَمْ يُعَيِّنِ المِقْدارَ، بَلْ قالَ أنَّ ذَلِكَ بِالمَعْرُوفِ، وهو الَّذِي أُلِفَ عادَةً وشَرْعًا، وأنَّ ذَلِكَ حَقٌّ عَلى مَن كانَ مُحْسِنًا. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ إذا طَلَّقَ قَبْلَ المَسِيسِ وبَعْدَ الفَرْضِ فَإنَّهُ يَتَشَطَّرُ المُسَمّى، فَيَجِبُ لَها نِصْفُ الصَّداقِ إلّا إنْ عَفَتِ المَرْأةُ فَلَمْ تَأْخُذْ مِنهُ شَيْئًا، أوْ عَفا الزَّوْجُ فَأدّى إلَيْها الصَّداقَ كامِلًا إذا كانَ الطَّلاقُ إنَّما كانَ مِن جِهَتِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ العَفْوَ مِن أيِّ جِهَةٍ كانَ مِنهُما أقْرَبُ لِتَحْصِيلِ التَّقْوى لِلْعافِي؛ إذْ هو إمّا بَيْنَ تارِكٍ حَقَّهُ، أوْ باذِلٍ فَوْقَ الحَقِّ. ثُمَّ نَهى عَنْ نِسْيانِ الفَضْلِ، فَفي هَذا النَّهْيِ الأمْرُ بِالفَضْلِ. ثُمَّ خَتَمَ ذَلِكَ بِأنَّهُ بَصِيرٌ بِجَمِيعِ أعْمالِهِمْ؛ فَيُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أحْكامَ النِّكاحِ، وكادَتْ تَسْتَغْرِقُ المُكَلَّفَ؛ نَبَّهَ تَعالى عَلى أشْرَفِ العِباداتِ الَّتِي يَتَقَرَّبُ بِها إلى اللَّهِ تَعالى المُكَلَّفُ، وأمَرَ بِالمُحافَظَةِ عَلَيْها، وهي الصَّلَواتُ، وخَصَّ الوُسْطى مِنها بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا عَلى فَضْلِها، ومِن تَسْمِيَتِها بِالوُسْطى تَبَيَّنَ تَمْيِيزُها عَلى غَيْرِها، وهي بِلا شَكٍّ صَلاةُ العَصْرِ، ثُمَّ أمَرَ بِالقِيامِ لِلَّهِ مُتَلَبِّسِينَ بِطاعَتِهِ، ثُمَّ لِلْمُبالَغَةِ في تَوْكِيدِ إيجابِ الصَّلَواتِ لَمْ يُسامِحْ بِتَرْكِها حالَةَ الخَوْفِ، بَلْ أمَرَ أنْ تُؤَدّى في تِلْكَ الحالِ، سَواءٌ كانَ الخائِفُ ماشِيًا أوْ راكِبًا، وإنْ كانَ في ذَلِكَ بَعْضُ اخْتِلالٍ لِشُرُوطِها. ثُمَّ أمَرَ أنْ تُؤَدّى عَلى حالِها الأوَّلِ مِن إتْمامِ شُرُوطِها، وهَيْئاتِها إذا أمِنَ الخائِفُ، وأنْ يُؤَدِّيَها عَلى الحالَةِ الَّتِي عَلَّمَهُ اللَّهُ في أدائِها قَبْلَ الخَوْفِ. وذَكَرَ أنَّ اللَّواتِي يُتَوَفّى عَنْهُنَّ أزْواجُهُنَّ لَهُنَّ وصِيَّةٌ بِتَمْتِيعٍ إلى انْقِضاءِ حَوْلٍ مِن وفاةِ الأزْواجِ، وأنَّهُنَّ لا يَخْرُجْنَ مِن بُيُوتِهِنَّ في ذَلِكَ الحَوْلِ، فَإنِ اخْتَرْنَ الخُرُوجَ فَخَرَجْنَ؛ فَلا جُناحَ عَلى مُتَوَلِّي أمْرِها فِيما فَعَلَتْ في نَفْسِها. ثُمَّ أعْلَمَ أنَّهُ عَزِيزٌ لا يُغْلَبُ ويُقْهَرُ، حَكِيمٌ بِوَضْعِ الأشْياءِ مَواضِعَها. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّ لِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعًا مِمّا عُرِفَ شَرْعًا وعادَةً، واقْتَضى ذَلِكَ عُمُومَ كُلِّ مُطَلَّقَةٍ، وأنَّ ذَلِكَ المَتاعَ حَقٌّ عَلى مَنِ اتَّقى. ولَمّا كانَ تَعالى قَدْ بَيَّنَ عِدَّةَ أحْكامٍ فِيما تَقَدَّمَ مِنَ الآياتِ؛ أحالَ عَلى ذَلِكَ التَّبْيِينِ، وشَبَّهَ التَّبْيِينَ الَّذِي قَدْ يَأْتِي لِسائِرِ الآياتِ بِالتَّبْيِينِ الَّذِي سَبَقَ. وأنَّ التَّبْيِينَ هو لِرَجائِكم أنْ تَتَعَقَّلُوا عَنِ اللَّهِ أحْكامَهُ (p-٢٤٨)فَتَجْتَنِبُوا ما نَهى تَعالى عَنْهُ، وتَمْتَثِلُوا ما بِهِ أمَرَ تَعالى.

البقرة 2:242

﴿ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ﴾، ظاهِرُهُ العُمُومُ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو ثَوْرٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: (ومَتِّعُوهُنَّ) اخْتِلافُ العُلَماءِ فِيما يُخَصَّصُ بِهِ العُمُومُ؛ فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ، وتَعَلَّقَ ”بِالمَعْرُوفِ“ بِما تَعَلَّقَ بِهِ ”لِلْمُطَلَّقاتِ“، وقِيلَ: بِقَوْلِهِ ”مَتاعًا“، وقِيلَ: المُرادُ بِالمَتاعِ هُنا نَفَقَةُ العِدَّةِ. ﴿حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُؤَكِّدَةً لِأمْرِ المُتْعَةِ؛ لِأنَّهُ نَزَلَ قَبْلُ: ﴿حَقًّا عَلى المُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، فَقالَ رَجُلٌ: فَإنْ لَمْ أُرِدْ أنْ أُحْسِنَ لَمْ أُمَتِّعْ، فَنَزَلَتْ: ﴿حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ . وإعْرابُ ”حَقًّا“ هُنا كَإعْرابِ ”حَقًّا“ عَلى المُحْسِنِينَ ”، وظاهِرُ“ المُتَّقِينَ ”: مَن يَتَّصِفُ بِالتَّقْوى الَّتِي هي أخَصُّ مِنَ اتِّقاءِ الشِّرْكِ، وخُصُّوا بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا لَهم، أوْ لِأنَّهم أكْثَرُ النّاسِ وُقُوفًا، واللَّهُ أسْرَعَهم لِامْتِثالِ أمْرِ اللَّهِ، وقِيلَ“ عَلى المُتَّقِينَ ”أيْ: مُتَّقِيِ الشِّرْكِ. ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ﴾، أيْ: مِثْلَ هَذا التَّبْيِينِ الَّذِي سَبَقَ مِنَ الأحْكامِ، يُبَيِّنُ لَكم في المُسْتَقْبَلِ ما بَقِيَ مِنَ الأحْكامِ الَّتِي يُكَلَّفُها العِبادُ. ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾، ما يُرادُ مِنكم مِنَ التِزامِ الشَّرائِعِ والوُقُوفِ عِنْدَها؛ لِأنَّ التَّبْيِينَ لِلْأشْياءِ مِمّا يَتَّضِحُ لِلْعَقْلِ بِأوَّلِ إدْراكٍ، بِخِلافِ الأشْياءِ المُغَيَّباتِ والمُجْمَلاتِ؛ فَإنَّ العَقْلَ يَرْتَبِكُ فِيها، ولا يَكادُ يَحْصُلُ مِنها عَلى طائِلٍ. قِيلَ: وفي هَذِهِ الآياتِ مِن بَدائِعِ البَدِيعِ وصُنُوفِ الفَصاحَةِ: النَّقْلُ مِن صِيغَةِ“ افْعَلُوا ”إلى“ فاعِلُوا ”لِلْمُبالَغَةِ، وذَلِكَ في“ حافِظُوا ”، والِاخْتِصاصُ بِالذِّكْرِ في“ والصَّلاةِ الوُسْطى ”، والطِّباقُ المَعْنَوِيُّ في“ فَإنْ خِفْتُمْ ”؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ في“ حافِظُوا ”وهو مُراعاةُ أوْقاتِها وهي هَيْئاتُها إذا كُنْتُمْ آمِنِينَ، والحَذْفُ في“ فَإنْ خِفْتُمْ ”: العَدُوَّ أوْ ما جَرى مَجْراهُ. وفي“ فَرِجالًا ”أيْ: فَصَلُّوا رِجالًا، وفي“ وصِيَّةً لِأزْواجِهِمْ ”سَواءٌ رُفِعَ أمْ نُصِبَ، وفي“ غَيْرَ إخْراجٍ ”أيْ: لَهُنَّ مِن مَكانِهِنَّ الَّذِي يَعْتَدِدْنَ فِيهِ، وفي فَإنْ خَرَجْنَ مِن بُيُوتِهِنَّ مِن غَيْرِ رِضًا مِنهُنَّ، وفي“ فِيما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ ”أيْ: مِن مَيْلِهِنَّ إلى التَّزْوِيجِ، أوِ الزِّينَةِ بَعْدَ انْقِضاءِ المُدَّةِ، وفي“ بِالمَعْرُوفِ ”أيْ: عادَةً أوْ شَرْعًا (p-٢٤٧)وفِي“ عَزِيزٌ ”أيِ: انْتِقامُهُ، وفي“ حَكِيمٌ ”أيْ: في أحْكامِهِ. وفي قَوْلِهِ“ حَقًّا ”أيْ: حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا، وفي“ عَلى المُتَّقِينَ ”أيْ عَذابُ اللَّهِ، والتَّشْبِيهُ في“ كَما عَلَّمَكم ”، والتَّجْنِيسُ المُماثِلُ: وهو أنْ يَكُونَ بِفِعْلَيْنِ أوْ بِاسْمَيْنِ، وذَلِكَ في“ عَلَّمَكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ”، والتَّجْنِيسُ المُغايِرُ في“ غَيْرَ إخْراجٍ فَإنْ خَرَجْنَ ”، والمَجازُ في“ يُتَوَفَّوْنَ ”أيْ: يُقارِبُونَ الوَفاةَ، والتَّكْرارُ في“ مَتاعًا إلى الحَوْلِ ”، ثُمَّ قالَ:“ ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ "؛ فَيَكُونُ لِلتَّأْكِيدِ إنْ كانَ إيّاهُ، ولِاخْتِلافِ المَعْنَيَيْنِ إنْ كانَ غَيْرَهُ. وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ الكَرِيمَةُ حُكْمَ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها، وأنَّ عِدَّتَها أرْبَعَةُ أشْهُرٍ وعَشْرٌ، وأنَّهُنَّ إذا انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ لا حَرَجَ عَلى مَن كانَ مُتَوَلِّيًا أمْرَهُنَّ مِن ولِيٍّ أوْ حاكِمٍ فِيما فَعَلْنَ مِن تَعَرُّضٍ لِخِطْبَةٍ، وتَزَيُّنٍ، وتَرْكِ إحْدادٍ، وتَزَوُّجٍ، وذَلِكَ بِالمَعْرُوفِ شَرْعًا، وأعْلَمَ تَعالى أنَّهُ خَبِيرٌ بِما يَصْدُرُ مِنّا، وأنَّهُ لا جُناحَ عَلى مَن عَرَّضَ بِالخِطْبَةِ أوْ أكَنَّ التَّزْوِيجَ في نَفْسِهِ، وأفْهَمَ ذَلِكَ أنَّ التَّصْرِيحَ فِيهِ الجُناحُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عَذَرَ في التَّعْرِيضِ بِأنَّ النُّفُوسَ تَتُوقُ إلى التَّزَوُّجِ وذِكْرِ النِّساءِ، ونَهى تَعالى عَنْ مُواعَدَةِ السِّرِّ وهو النِّكاحُ، وأباحَ قَوْلًا مَعْرُوفًا مِنَ التَّنْبِيهِ بِهِ عَلى أنَّ المَرْأةَ مَرْغُوبٌ فِيها، فَإنَّ في ذَلِكَ جَبْرًا لَها وبَعْضَ تَأْنِيسٍ مِنهُ لَها بِذَلِكَ. ثُمَّ نَهى عَنْ بَتِّ النِّكاحِ قَبْلَ انْقِضاءِ العِدَّةِ، وأعْلَمَ أنَّ ما في نَفْسِ الإنْسانِ يَعْلَمُهُ اللَّهُ، وأمَرَ بِأنْ يُحْذَرَ، ولَمّا كانَ الأمْرُ بِالحَذَرِ يَسْتَدْعِي مَخُوفًا؛ أعْلَمَ أنَّهُ غَفُورٌ يَسْتُرُ الذَّنْبَ، حَلِيمٌ يَصْفَحُ عَنِ المُسِيءِ؛ لِيَتَعادَلَ خَوْفُ المُؤْمِنِ ورَجاؤُهُ، ثُمَّ ذَكَرَ رَفْعَ الحَرَجِ عَنْ مَن طَلَّقَ المَرْأةَ قَبْلَ المَسِيسِ، أوْ قَبْلَ أنْ يَفْرِضَ لَها الصَّداقَ؛ إذْ كانَ يُتَوَهَّمُ أنَّ الطَّلاقَ قَبْلَ الدُّخُولِ بِها لا يُباحُ، ثُمَّ أمَرَ بِالتَّمْتِيعِ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ عِوَضًا لِغَيْرِ المَدْخُولِ بِها مِمّا كانَ فاتَها مِنَ الزَّوْجِ، ومِن نِصْفِ الصَّداقِ الَّذِي تَشَطَّرُ بِالطَّلاقِ، وجَبْرًا لَها بِذَلِكَ ولِغَيْرِ المَفْرُوضِ لَها، وأنَّ ذَلِكَ التَّمْتِيعَ عَلى حَسَبِ وجْدِ الزَّوْجِ وإقْتارِهِ، ولَمْ يُعَيِّنِ المِقْدارَ، بَلْ قالَ أنَّ ذَلِكَ بِالمَعْرُوفِ، وهو الَّذِي أُلِفَ عادَةً وشَرْعًا، وأنَّ ذَلِكَ حَقٌّ عَلى مَن كانَ مُحْسِنًا. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ إذا طَلَّقَ قَبْلَ المَسِيسِ وبَعْدَ الفَرْضِ فَإنَّهُ يَتَشَطَّرُ المُسَمّى، فَيَجِبُ لَها نِصْفُ الصَّداقِ إلّا إنْ عَفَتِ المَرْأةُ فَلَمْ تَأْخُذْ مِنهُ شَيْئًا، أوْ عَفا الزَّوْجُ فَأدّى إلَيْها الصَّداقَ كامِلًا إذا كانَ الطَّلاقُ إنَّما كانَ مِن جِهَتِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ العَفْوَ مِن أيِّ جِهَةٍ كانَ مِنهُما أقْرَبُ لِتَحْصِيلِ التَّقْوى لِلْعافِي؛ إذْ هو إمّا بَيْنَ تارِكٍ حَقَّهُ، أوْ باذِلٍ فَوْقَ الحَقِّ. ثُمَّ نَهى عَنْ نِسْيانِ الفَضْلِ، فَفي هَذا النَّهْيِ الأمْرُ بِالفَضْلِ. ثُمَّ خَتَمَ ذَلِكَ بِأنَّهُ بَصِيرٌ بِجَمِيعِ أعْمالِهِمْ؛ فَيُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أحْكامَ النِّكاحِ، وكادَتْ تَسْتَغْرِقُ المُكَلَّفَ؛ نَبَّهَ تَعالى عَلى أشْرَفِ العِباداتِ الَّتِي يَتَقَرَّبُ بِها إلى اللَّهِ تَعالى المُكَلَّفُ، وأمَرَ بِالمُحافَظَةِ عَلَيْها، وهي الصَّلَواتُ، وخَصَّ الوُسْطى مِنها بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا عَلى فَضْلِها، ومِن تَسْمِيَتِها بِالوُسْطى تَبَيَّنَ تَمْيِيزُها عَلى غَيْرِها، وهي بِلا شَكٍّ صَلاةُ العَصْرِ، ثُمَّ أمَرَ بِالقِيامِ لِلَّهِ مُتَلَبِّسِينَ بِطاعَتِهِ، ثُمَّ لِلْمُبالَغَةِ في تَوْكِيدِ إيجابِ الصَّلَواتِ لَمْ يُسامِحْ بِتَرْكِها حالَةَ الخَوْفِ، بَلْ أمَرَ أنْ تُؤَدّى في تِلْكَ الحالِ، سَواءٌ كانَ الخائِفُ ماشِيًا أوْ راكِبًا، وإنْ كانَ في ذَلِكَ بَعْضُ اخْتِلالٍ لِشُرُوطِها. ثُمَّ أمَرَ أنْ تُؤَدّى عَلى حالِها الأوَّلِ مِن إتْمامِ شُرُوطِها، وهَيْئاتِها إذا أمِنَ الخائِفُ، وأنْ يُؤَدِّيَها عَلى الحالَةِ الَّتِي عَلَّمَهُ اللَّهُ في أدائِها قَبْلَ الخَوْفِ. وذَكَرَ أنَّ اللَّواتِي يُتَوَفّى عَنْهُنَّ أزْواجُهُنَّ لَهُنَّ وصِيَّةٌ بِتَمْتِيعٍ إلى انْقِضاءِ حَوْلٍ مِن وفاةِ الأزْواجِ، وأنَّهُنَّ لا يَخْرُجْنَ مِن بُيُوتِهِنَّ في ذَلِكَ الحَوْلِ، فَإنِ اخْتَرْنَ الخُرُوجَ فَخَرَجْنَ؛ فَلا جُناحَ عَلى مُتَوَلِّي أمْرِها فِيما فَعَلَتْ في نَفْسِها. ثُمَّ أعْلَمَ أنَّهُ عَزِيزٌ لا يُغْلَبُ ويُقْهَرُ، حَكِيمٌ بِوَضْعِ الأشْياءِ مَواضِعَها. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّ لِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعًا مِمّا عُرِفَ شَرْعًا وعادَةً، واقْتَضى ذَلِكَ عُمُومَ كُلِّ مُطَلَّقَةٍ، وأنَّ ذَلِكَ المَتاعَ حَقٌّ عَلى مَنِ اتَّقى. ولَمّا كانَ تَعالى قَدْ بَيَّنَ عِدَّةَ أحْكامٍ فِيما تَقَدَّمَ مِنَ الآياتِ؛ أحالَ عَلى ذَلِكَ التَّبْيِينِ، وشَبَّهَ التَّبْيِينَ الَّذِي قَدْ يَأْتِي لِسائِرِ الآياتِ بِالتَّبْيِينِ الَّذِي سَبَقَ. وأنَّ التَّبْيِينَ هو لِرَجائِكم أنْ تَتَعَقَّلُوا عَنِ اللَّهِ أحْكامَهُ (p-٢٤٨)فَتَجْتَنِبُوا ما نَهى تَعالى عَنْهُ، وتَمْتَثِلُوا ما بِهِ أمَرَ تَعالى.

البقرة 2:243

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ وهم أُلُوفٌ حَذَرَ المَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أحْياهم إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٤] ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً واللَّهُ يَقْبِضُ ويَبْسُطُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٥] ﴿ألَمْ تَرَ إلى المَلَإ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسى إذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكًا نُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ ألّا تُقاتِلُوا قالُوا وما لَنا ألّا نُقاتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ وقَدْ أُخْرِجْنا مِن دِيارِنا وأبْنائِنا فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ تَوَلَّوْا إلّا قَلِيلًا مِنهم واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٦] ﴿وقالَ لَهم نَبِيُّهم إنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكم طالُوتَ مَلِكًا قالُوا أنّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنا ونَحْنُ أحَقُّ بِالمُلْكِ مِنهُ ولَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المالِ قالَ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكم وزادَهُ بَسْطَةً في العِلْمِ والجِسْمِ واللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٧]، الألْفُ: عَدَدٌ مَعْرُوفٌ، وجَمْعُهُ في القِلَّةِ آلافٌ وفي الكَثْرَةِ أُلُوفٌ، ويُقالُ: آلَفْتُ الدَّراهِمَ وآلَفَتْ هي، وقِيلَ: أُلُوفٌ جَمْعُ ألْفٍ كَشاهِدٍ وشُهُودٍ. القَرْضُ: القَطْعُ بِالسِّنِّ، ومِنهُ سُمِّيَ المِقْراضُ لِأنَّهُ يُقْطَعُ بِهِ، ويُقالُ: انْقَرَضَ القَوْمُ أيْ ماتُوا وانْقَطَعَ خَبَرُهم، ومِنهُ: أقْرَضْتُ فُلانًا أيْ قَطَعْتُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ المالِ، وقالَ الأخْفَشُ: تَقُولُ العَرَبُ: لَكَ عِنْدِي قَرْضُ صِدْقٍ وقَرْضُ سُوءٍ، لِأمْرٍ تَأْتِي مَسَرَّتُهُ ومَساءَتُهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: القَرْضُ: البَلاءُ الحَسَنُ والبَلاءُ السَّيِّئُ. وقالَ اللَّيْثُ: القَرْضُ: اسْمٌ لِكُلِّ ما يُلْتَمَسُ عَلَيْهِ الجَزاءُ، يُقالُ: أقْرَضَ فُلانٌ فُلانًا: أعْطاهُ ما يَتَجازاهُ مِنهُ. والِاسْمُ مِنهُ: القَرْضُ، وهو ما أعْطَيْتَهُ لِتُكافَأ عَلَيْهِ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: القَرْضُ: أنْ تُعْطِيَ شَيْئًا لِيَرْجِعَ إلَيْكَ مِثْلُهُ، ويُقالَ: تَقارَضا الثَّناءَ: أثْنى كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عَلى صاحِبِهِ، ويُقالُ قارَضَهُ الوُدَّ والثَّناءَ. وحَكى الكِسائِيُّ: القِرْضُ بِالكَسْرِ، والأشْهَرُ فَتْحُ القافِ. الضِّعْفُ: مِثْلُ قَدْرَيْنِ مُتَساوِيَيْنِ، ويُقالُ مِثْلُ الشَّيْءِ في المِقْدارِ، وضِعْفُ الشَّيْءِ مِثْلُهُ ثَلاثَ مَرّاتٍ، إلّا أنَّهُ إذا قِيلَ ضِعْفانِ فَقَدْ يُطْلَقُ عَلى الِاثْنَيْنِ المِثْلَيْنِ في القَدْرِ؛ مِن حَيْثُ إنَّ كُلَّ واحِدٍ يُضَعِّفُ الآخَرَ، كَما يُقالُ: الزَّوْجانِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما زَوْجًا لِلْآخَرِ، وفَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَ: يُضاعِفُ ويُضَعِّفُ، فَقالَ: التَّضْعِيفُ لِما جُعِلَ مِثْلَيْنِ، والمُضاعَفَةُ لِما زِيدَ عَلَيْهِ أكْثَرُ مِن ذَلِكَ. القَبْضُ: ضَمُّ الشَّيْءِ والجَمْعُ عَلَيْهِ والبَسْطُ ضِدُّهُ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي تَمّامٍ: ؎تَعَوَّدَ بَسْطَ الكَفِّ حَتّى لَوَ انَّهُ دَعاها لِقَبْضٍ لَمْ تُجِبْهُ أنامِلُهُ المَلَأُ: الأشْرافُ مِنَ النّاسِ، وهو اسْمُ جَمْعٍ، ويُجْمَعُ عَلى أمْلاءٍ، قالَ الشّاعِرُ: ؎وقالَ لَها الأمْلاءُ مِن كُلِّ مَعْشَرٍ ∗∗∗ وخَيْرُ أقاوِيلِ الرِّجالِ سَدِيدُها وسُمُّوا بِذَلِكَ لِأنَّهم يَمْلَؤُونَ العُيُونَ هَيْبَةً، أوِ المَكانَ إذا حَضَرُوهُ، أوْ لِأنَّهم مَلِيئُونَ بِما يُحْتاجُ إلَيْهِ. وقالَ الفَرّاءُ: المَلَأُ: الرِّجالُ في كُلِّ القُرْآنِ لا تَكُونُ فِيهِمُ امْرَأةٌ، وكَذَلِكَ: القَوْمُ، والنَّفَرُ، والرَّهْطُ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَلَأُ: هُمُ الوُجُوهُ وذَوُو الرَّأْيِ. طالُوتُ: اسْمُهُ بِالسُّرْيانِيَّةِ ”سايِلُ“ وبِالعِبْرانِيَّةِ ”ساوُلُ بْنُ قَيْسٍ“، مِن أوْلادِ بِنْيامِينَ بْنِ يَعْقُوبَ، وسُمِّيَ طالُوتَ، قالُوا: لِطُولِهِ، وكانَ أطْوَلَ مِن كُلِّ أحَدٍ بِرَأْسِهِ ومَنكِبَيْهِ؛ فَعَلى هَذا يَكُونُ وزْنُهُ: فَعَلُوتًا، كَرَحَمُوتٍ ومَلَكُوتٍ؛ فَتَكُونُ ألِفُهُ مُنْقَلِبَةً عَنْ واوٍ، إلّا أنَّهُ يُعَكِّرُ عَلى هَذا الِاشْتِقاقِ مَنعُهُ الصَّرْفَ، إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ هَذا التَّرْكِيبَ مَفْقُودٌ في اللِّسانِ العَرَبِيِّ، ولَمْ يُوجَدْ إلّا في اللِّسانِ العَجَمِيِّ، وقَدِ اتَّفَقَتِ اللُّغَتانِ في مادَّةِ الكَلِمَةِ، كَما زَعَمُوا في ”يَعْقُوبَ“ أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ العَقِبِ، لَكِنَّ هَذا التَّرْكِيبَ بِهَذا المَعْنى مَفْقُودٌ في اللِّسانِ العَرَبِيِّ. الجِسْمُ: مَعْرُوفٌ، وجُمِعَ في الكَثْرَةِ عَلى جُسُومٍ، إذا كانَ عَظِيمَ الجِسْمِ. ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ وهم أُلُوفٌ﴾، مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى مَتى ذَكَرَ شَيْئًا مِنَ الأحْكامِ التَّكْلِيفِيَّةِ؛ أعْقَبَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ مِنَ القَصَصِ (p-٢٤٩)عَلى سَبِيلِ الِاعْتِبارِ لِلسّامِعِ؛ فَيَحْمِلُهُ ذَلِكَ عَلى الِانْقِيادِ وتَرْكِ العِنادِ، وكانَ تَعالى قَدْ ذَكَرَ أشْياءَ مِن أحْكامِ المَوْتى ومَن خَلَفُوا؛ فَأعْقَبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ العَجِيبَةِ، وكَيْفَ أماتَ اللَّهُ هَؤُلاءِ الخارِجِينَ مِن دِيارِهِمْ، ثُمَّ أحْياهم في الدُّنْيا، فَكَما كانَ قادِرًا عَلى إحْيائِهِمْ في الدُّنْيا هو قادِرٌ عَلى إحْياءِ المُتَوَفَّيْنَ في الآخِرَةِ، فَيُجازِي كُلًّا مِنهم بِما عَمِلَ. فَفي هَذِهِ القِصَّةِ تَنْبِيهٌ عَلى المَعادِ، وأنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ؛ فَيَلِيقُ بِكُلِّ عاقِلٍ أنْ يَعْمَلَ لِمَعادِهِ بِأنْ يُحافِظَ عَلى عِبادَةِ رَبِّهِ، وأنْ يُوَفِّيَ في حُقُوقِ عِبادِهِ. وقِيلَ: لَمّا بَيَّنَ تَعالى حُكْمَ النِّكاحِ بَيَّنَ حُكْمَ القِتالِ؛ لِأنَّ النِّكاحَ تَحْصِينٌ لِلدِّينِ، والقِتالَ تَحْصِينٌ لِلدِّينِ والمالِ والرُّوحِ، وقِيلَ: مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها: هو أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٢] ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ لِأنَّها مِن عَظِيمِ آياتِهِ، وبَدائِعِ قُدْرَتِهِ. وهَذِهِ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ دَخَلَتْ عَلى حَرْفِ النَّفْيِ؛ فَصارَ الكَلامُ تَقْرِيرًا، فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُخاطَبُ عَلِمَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَمْ يَعْرِفْها إلّا مِن هَذِهِ الآيَةِ. ومَعْناهُ التَّنْبِيهُ والتَّعَجُّبُ مِن حالِ هَؤُلاءِ، والرُّؤْيَةُ هُنا عِلْمِيَّةٌ، وضُمِّنَتْ مَعْنى ما يَتَعَدّى بِـ إلى، فَلِذَلِكَ لَمْ يَتَعَدَّ إلى مَفْعُولَيْنِ، وكَأنَّهُ قِيلَ: ألَمْ يَنْتَهِ عِلْمُكَ إلى كَذا ؟ وقالَ الرّاغِبُ: ”رَأيْتُ“ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ دُونَ الجارِّ، لَكِنْ لَمّا اسْتُعِيرَ قَوْلُهم ”ألَمْ تَرَ“ لِمَعْنى: ألَمْ تَنْظُرْ، عُدِّيَ تَعْدِيَتَهُ، وقَلَّما يُسْتَعْمَلُ ذَلِكَ في غَيْرِ التَّقْرِيرِ، ما يُقالُ: رَأيْتُ إلى كَذا. انْتَهى. و”ألَمْ تَرَ“ جَرى مَجْرى التَّعَجُّبِ في لِسانِهِمْ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ: (ألَمْ تَرَ إلى مُجَزِّزٍ)، وذَلِكَ في رُؤْيَتِهِ أرْجُلَ زَيْدٍ وابْنِهِ أُسامَةَ، وكانَ أسْوَدَ، فَقالَ هَذِهِ الأقْدامُ بَعْضُها مِن بَعْضٍ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى بَعْضِ نِسائِهِ، فَقالَ عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ: (ألَمْ تَرَ إلى مُجَزِّزٍ) الحَدِيثَ. وقَدْ جاءَ هَذا اللَّفْظُ في القُرْآنِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نافَقُوا﴾ [الحشر: ١١]، ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [المجادلة: ١٤]، ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: ٤٥]، وقالَ الشّاعِرُ: ؎ألَمْ تَرَيانِي كُلَّما جِئْتُ طارِقًا ∗∗∗ وجَدَتُ بِها طِيبًا وإنْ لَمْ تُطَيَّبِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ سامِعٍ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ: ”تَرْ“ بِسُكُونِ الرّاءِ، قالُوا: عَلى تَوَهُّمٍ أنَّ الرّاءَ آخِرُ الكَلِمَةِ، قالَ الرّاجِزُ: ؎قالَتْ سُلَيْمى اشْتَرْ لَنا سَوِيقًا ∗∗∗ واشْتَرْ فَعَجِّلْ خادِمًا لَبِيقا ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن إجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ، وقَدْ جاءَ في القُرْآنِ: كَإثْباتِ ألِفِ: (الظُّنُونا)، و(السَّبِيلا) و(الرَّسُولا) في الوَصْلِ. وهَؤُلاءِ الَّذِينَ خَرَجُوا قَوْمٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أُمِرُوا بِالجِهادِ فَخافُوا القَتْلَ؛ فَخَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ فِرارًا مِن ذَلِكَ، فَأماتَهُمُ اللَّهُ لِيُعَرِّفَهم أنَّهُ لا يُنْجِيهِمْ مِنَ المَوْتِ شَيْءٌ، ثُمَّ أحْياهم وأمَرَهم بِالجِهادِ بِقَوْلِهِ: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٤] الآيَةَ. وقِيلَ: قَوْمٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وقَعَ فِيهِمُ الوَباءُ؛ فَخَرَجُوا فِرارًا مِنهُ، فَأماتَهُمُ اللَّهُ فَبَنى عَلَيْهِمْ سائِرُ بَنِي إسْرائِيلَ حائِطًا، حَتّى إذا بَلِيَتْ عِظامُهم بَعَثَ اللَّهُ حِزْقِيلَ فَدَعا اللَّهَ فَأحْياهم لَهُ. حَكى هَذا قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ. وقالَ السُّدِّيُّ: هم أُمَّةٌ كانَتْ قِبَلَ واسِطٍ في قَرْيَةٍ يُقالُ لَها داوَرْدانُ وقَعَ بِها الطّاعُونُ؛ فَهَرَبُوا مِنهُ، فَأماتَهُمُ اللَّهُ، ثُمَّ أحْياهم لِيَعْتَبِرُوا ويَعْلَمُوا أنْ لا مَفَرَّ مِن قَضاءِ اللَّهِ. وقِيلَ: مَرَّ عَلَيْهِمْ حِزْقِيلُ بَعْدَ زَمانٍ طَوِيلٍ وقَدْ عَرِيَتْ عِظامُهم وتَفَرَّقَتْ أوْصالُهم، فَلَوى شِدْقَهُ وأصابِعَهُ تَعَجُّبًا مِمّا رَأى؛ فَأُوحِيَ إلَيْهِ: نادِ فِيهِمْ أنْ قُومُوا بِإذْنِ اللَّهِ، فَنادى، فَنَظَرَ إلَيْهِمْ قِيامًا يَقُولُونَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، لا إلَهَ لا أنْتَ. ومِمَّنْ قالَ فَرُّوا مِنَ الطّاعُونِ: الحَسَنُ، وعَمّارُ بْنُ دِينارٍ. وقِيلَ: فَرُّوا مِنَ الحُمّى، حَكاهُ النَّقّاشُ. وقَدْ كَثُرَ الِاخْتِلافُ والزِّيادَةُ والنَّقْصُ في هَذِهِ القِصَصِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ، ولا تَعارُضَ بَيْنَ هَذِهِ القِصَصِ، إلّا إنْ عُيِّنَ أنَّ ﴿الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ هم مَن ذُكِرَ في القِصَّةِ لا غَيْرُ؛ وإلّا فَيَجُوزُ إنْ ذُكِرَتْ كُلُّ قِصَّةٍ عَلى سَبِيلِ المِثالِ؛ إذْ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَفِرَّ ناسٌ مِنَ الجِهادِ، (p-٢٥٠)وناسٌ مِنَ الطّاعُونِ، وناسٌ مِنَ الحُمّى، فَيُمِيتُهم ثُمَّ يُحْيِيهِمْ؛ لِيَعْتَبِرُوا بِذَلِكَ ويَعْتَبِرَ مَن يَأْتِي بَعْدَهم، ولِيَعْلَمُوا جَمِيعًا أنَّ الإماتَةَ والإحْياءَ بِيَدِ اللَّهِ؛ فَلا يَنْبَغِي أنْ يُخافَ مِن شَيْءٍ مُقَدَّرٍ، ولا يَغْتَرَّ فَطِنٌ بِحِيلَةٍ أنَّها تُنْجِيهِ مِمّا شاءَ اللَّهُ. ﴿وهم أُلُوفٌ﴾، في هَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الكَثْرَةَ والتَّعاضُدَ، وإنْ كانا نافِعَيْنِ في دَفْعِ الأذِيّاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ، فَلَيْسا بِمُغْنِيَيْنِ في الأُمُورِ الإلَهِيَّةِ. وهي جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، وأُلُوفٌ جَمْعُ ألْفٍ جَمْعُ كَثْرَةٍ، فَناسَبَ أنْ يُفَسَّرَ بِما زادَ عَلى عَشَرَةِ آلافٍ، فَقِيلَ: سِتُّمِائَةِ ألْفٍ، وقالَ عَطاءٌ: تِسْعُونَ، وقِيلَ: ثَمانُونَ، وقالَ عَطاءٌ أيْضًا: سَبْعُونَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أرْبَعُونَ، وقالَ أيْضًا: بِضْعٌ وثَلاثُونَ، وقالَ أبُو مالِكٍ: ثَلاثُونَ. يَعْنُونَ ألْفًا. وقَدْ فُسِّرَ بِما هو لِأدْنى العَدَدِ اسْتُعِيرَ لَفْظُ الجَمْعِ الكَثِيرِ لِلْجَمْعِ القَلِيلِ، فَقالَ أبُو رَوْقٍ: عَشَرَةُ آلافٍ، وقالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: ثَمانِيَةٌ، وقالَ أبُو صالِحٍ: سَبْعَةٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ: أرْبَعَةٌ، وقالَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ: ثَلاثَةُ آلافٍ، وقالَ البَغَوِيُّ: الأوْلى قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهم كانُوا زِيادَةً عَلى عَشَرَةِ آلافٍ؛ لِأنَّ أُلُوفًا جَمْعُ الكَثِيرِ، ولا يُقالُ لِما دُونَ العَشْرَةِ الآلافِ أُلُوفٌ. انْتَهى. وهَذا لَيْسَ كَما ذُكِرَ؛ فَقَدْ يُسْتَعارُ أحَدُ الجَمْعَيْنِ لِلْآخَرِ، وإنْ كانَ الأصْلُ اسْتِعْمالَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما في مَوْضُوعِهِ. وهَذِهِ التَّقْدِيراتُ كُلُّها لا دَلِيلَ عَلى شَيْءٍ مِنها، ولَفْظُ القُرْآنِ: ﴿وهم أُلُوفٌ﴾ لَمْ يَنُصَّ عَلى عَدَدٍ مُعَيَّنٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ لا يُرادَ ظاهِرُ جَمْعِ ألْفٍ، بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ المُرادُ مِنهُ التَّكْثِيرُ، كَأنَّهُ قِيلَ: خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ وهم عالَمٌ كَثِيرُونَ، لا يَكادُونَ يُحْصِيهِمْ عادٌّ؛ فَعَبَّرَ عَنْ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ: ”وهم أُلُوفٌ“، كَما يَصِحُّ أنْ تَقُولَ: جِئْتُكَ ألْفَ مَرَّةٍ، لا تُرِيدُ حَقِيقَةَ العَدَدِ إنَّما تُرِيدُ جِئْتُكَ مِرارًا كَثِيرَةً لا تَكادُ تُحْصى مِن كَثْرَتِها، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎هُوَ المُنْزِلُ الآلافَ مِن جَوِّ ناعِطٍ ∗∗∗ بَنِي أسَدٍ حُزْنًا مِنَ الأرْضِ أوْعَرا ولَعَلَّ مَن كانَ مَعَهُ لَمْ يَكُنْ أُلُوفًا، فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونُوا آلافًا، ولَكِنَّهُ أرادَ بِذَلِكَ التَّكْثِيرَ؛ لِأنَّ العَرَبَ تُكَثِّرُ بِآلافِ وتَجْمَعُهُ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ”وهم أُلُوفٌ“ جَمْعُ ألْفٍ العَدَدِ المَعْرُوفِ الَّذِي هو تَكْرِيرُ مِائَةٍ عَشْرَ مَرّاتٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أُلُوفٌ جَمْعُ ألْفٍ. كَقاعِدٍ وقُعُودٍ. أيْ: خَرَجُوا وهم مُؤْتَلِفُونَ لَمْ يُخْرِجْهم فُرْقَةُ قَوْمِهِمْ ولا فِتْنَةٌ بَيْنَهم، بَلِ ائْتَلَفُوا، فَخالَفَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ، فَخَرَجَتْ فِرارًا مِنَ المَوْتِ وابْتِغاءَ الحَياةِ؛ فَأماتَهُمُ اللَّهُ في مَنجاهم بِزَعْمِهِمْ. وقالالزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا مِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ، وهو كَما قالَ. وقالَ القاضِي: كَوْنُهُ جَمْعَ ألْفٍ مِنَ العَدَدِ أوْلى؛ لِأنَّ وُرُودَ المَوْتِ عَلَيْهِمْ وهم كَثْرَةٌ عَظِيمَةٌ تُفِيدُ مَزِيدَ اعْتِبارٍ، وأمّا وُرُودُهُ عَلى قَوْمٍ بَيْنَهُمُ ائْتِلافٌ فَكَوُرُودِهِ وبَيْنَهُمُ اخْتِلافٌ في أنَّ وجْهَ الِاعْتِبارِ لا يَتَغَيَّرُ. ﴿حَذَرَ المَوْتِ﴾، هَذا عِلَّةٌ لِخُرُوجِهِمْ، لَمّا غَلَبَ عَلى ظَنِّهِمُ المَوْتُ بِالطّاعُونِ أوْ بِالجِهادِ؛ حَمَلَهم عَلى الخُرُوجِ ذَلِكَ، وهو مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، وشُرُوطُ المَفْعُولِ لَهُ مَوْجُودَةٌ فِيهِ مِن كَوْنِهِ مَصْدَرًا مُتَّحِدَ الفاعِلِ والزَّمانِ. ﴿فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾، ظاهِرُهُ أنَّ ثَمَّ قَوْلًا لِلَّهِ، فَقِيلَ: قالَ لَهم ذَلِكَ عَلى لِسانِ الرَّسُولِ الَّذِي أذِنَ لَهُ في أنْ يَقُولَ لَهم ذَلِكَ عَنِ اللَّهِ، وقِيلَ: عَلى لِسانِ المَلَكِ. وحُكِيَ: أنَّ مَلَكَيْنِ صاحا بِهِمْ: مُوتُوا؛ فَماتُوا. وقِيلَ: سَمِعَتِ المَلائِكَةُ ذَلِكَ فَتَوَفَّتْهم، وقِيلَ: لا قَوْلَ هُناكَ، وهو كِنايَةٌ عَنْ قابِلِيَّتِهِمُ المَوْتَ في ساعَةٍ واحِدَةٍ، ومَوْتِهِمْ كَمَوْتَةِ رَجُلٍ واحِدٍ، والمَعْنى: فَأماتَهم، لَكِنْ أخْرَجَ ذَلِكَ مَخْرَجَ الشَّخْصِ المَأْمُورِ بِشَيْءٍ، المُسْرِعِ الِامْتِثالَ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ ولا امْتِناعٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧] . وفي الكَلامِ حَذْفٌ، التَّقْدِيرُ: فَماتُوا، وظاهِرُ هَذا المَوْتِ مُفارَقَةُ الأرْواحِ الأجْسادَ، فَقِيلَ: ماتُوا ثَمانِيَةَ أيّامٍ ثُمَّ أحْياهم بَعْدُ بِدُعاءِ حِزْقِيلَ. وقِيلَ: سَبْعَةُ أيّامٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ في بَعْضِ القِصَصِ أنَّهُ عَرِيَتْ عِظامُهم وتَفَرَّقَتْ أوْصالُهم، وهَذا لا يَكُونُ في العادَةِ في ثَمانِيَةِ أيّامٍ، وهَذا المَوْتُ لَيْسَ بِمَوْتِ الآجالِ، بَلْ جَعَلَهُ اللَّهُ في هَؤُلاءِ كَمَرَضٍ وحادِثٍ مِمّا يَحْدُثُ عَلى البَشَرِ، كَحالِ ﴿الَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ﴾ [البقرة: ٢٥٩] المَذْكُورَةِ بَعْدَ هَذا. ﴿ثُمَّ أحْياهُمْ﴾، العَطْفُ بِـ ثُمَّ يَدُلُّ عَلى تَراخِي الإحْياءِ عَنِ (p-٢٥١)الإماتَةِ، قالَ قَتادَةُ: أحْياهم لِيَسْتَوْفُوا آجالَهم. وظاهِرُهُ أنَّ اللَّهَ هو الَّذِي أحْياهم بِغَيْرِ واسِطَةٍ، وقالَ مُقاتِلٌ: كانُوا قَوْمَ حِزْقِيلَ، فَخَرَجَ فَوَجَدَهم مَوْتى. فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: إنِّي جَعَلْتُ حَياتَهم إلَيْكَ. فَقالَ لَهُمُ: احْيَوْا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: النَّبِيُّ شَمْعُونُ، ورِيحُ المَوْتى تُوجَدُ في أوْلادِهِمْ. وقِيلَ: النَّبِيُّ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وقالَ وهْبٌ: اسْمُهُ شَمْوِيلُ، وهو ذُو الكِفْلِ، وقالَ مُجاهِدٌ: لَمّا أُحْيُوا رَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ يَعْرَقُونَ، لَكِنَّ سَحْنَةَ المَوْتِ عَلى وُجُوهِهِمْ ولا يَلْبَسُ أحَدٌ مِنهم ثَوْبًا إلّا عادَ كَفَنًا دَسِمًا، حَتّى ماتُوا لِآجالِهِمُ الَّتِي كُتِبَتْ لَهم. وقِيلَ: مَعْنى إماتَتِهِمْ تَذْلِيلُهم تَذْلِيلًا يَجْرِي مَجْرى المَوْتِ؛ فَلَمْ تُغْنِ عَنْهم كَثْرَتُهم وتَظاهُرُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، ثُمَّ أعانَهم وخَلَّصَهم لِيَعْرِفُوا قُدْرَةَ اللَّهِ في أنَّهُ يُذِلُّ مَن يَشاءُ، ويُعِزُّ مَن يَشاءُ، وقِيلَ: عَنى بِالمَوْتِ: الجَهْلَ، وبِالحَياةِ: العِلْمَ، كَما يَحْيا الجَسَدُ بِالرُّوحِ. وأتَتْ هَذِهِ القِصَّةُ بَيْنَ يَدَيِ الأمْرِ بِالقِتالِ تَشْجِيعًا لِلْمُؤْمِنِينَ، وحَثًّا عَلى الجِهادِ. والتَّعْرِيضِ لِلشَّهادَةِ، وإعْلامًا أنْ لا مَفَرَّ مِمّا قَضى اللَّهُ تَعالى ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا﴾ [التوبة: ٥١]، واحْتِجاجًا عَلى اليَهُودِ والنَّصارى بِإنْبائِهِ ﷺ بِما لا يَدْفَعُونَ صِحَّتَهُ، مَعَ كَوْنِهِ أُمِّيًّا لَمْ يَقْرَأْ كِتابًا، ولَمْ يُدارِسْ أحَدًا، وعَلى مُشْرِكِي العَرَبِ؛ إذْ مَن قَرَأ الكُتُبَ يُصَدِّقُهُ في إخْبارِهِ بِما جاءَ بِهِ مِمّا هو في كُتُبِهِمْ. ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾، أكَّدَ هَذِهِ الجُمْلَةَ بِـ إنَّ واللّامِ، وأتى الخَبَرُ ”لَذُو“ الدّالَّةُ عَلى الشَّرَفِ، بِخِلافِ صاحِبٍ، و”النّاسِ“ هُنا عامٌّ؛ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ لِلَّهِ عَلَيْهِ فَضْلٌ أيُّ فَضْلٍ، وخُصُوصًا هُنا؛ حَيْثُ نَبَّهَهم عَلى ما بِهِ يَسْتَبْصِرُونَ ويَعْتَبِرُونَ عَلى النَّشْأةِ الآخِرَةِ، وأنَّها مُمْكِنَةٌ عَقْلًا، كائِنَةٌ بِإخْبارِهِ تَعالى؛ إذْ أعادَ إلى الأجْسامِ البالِيَةِ المُشاهَدَةِ بِالعَيْنِ الأرْواحَ المُفارِقَةَ، وأبْقاها فِيها الأزْمانَ الطَّوِيلَةَ إلى أنْ قَبَضَها ثانِيَةً، وأيُّ فَضْلٍ أجَلُّ مِن هَذا الفَضْلِ؛ إذْ تَتَضَمَّنُ جَمِيعَ كُلِّيّاتِ العَقائِدِ المُنْجِيَةِ وجُزْئِيّاتِها. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالنّاسِ هَهُنا: الخُصُوصُ، وهم هَؤُلاءِ الَّذِينَ تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِالنِّعَمِ، وأمَرَهم بِالجِهادِ فَفَرُّوا مِنهُ خَوْفًا مِنَ المَوْتِ؛ فَأماتَهم، ثُمَّ تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِالإحْياءِ وطَوَّلَ لَهم في الحَياةِ؛ لِيَسْتَيْقِنُوا أنْ لا مَفَرَّ مِنَ القَدَرِ، ويَسْتَدْرِكُوا ما فاتَهم مِنَ الطّاعاتِ، وقَصَّ اللَّهُ عَلَيْنا ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى أنْ لا نَسْلُكَ مَسْلَكَهم، بَلْ نَمْتَثِلُ ما يَأْمُرُ بِهِ تَعالى. ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾، تَقَدَّمَ فَضْلُ اللَّهِ عَلى جَمِيعِ النّاسِ بِالإيجادِ والرِّزْقِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، فَكانَ المُناسِبُ لَهم أنَّهم يَشْكُرُونَ اللَّهَ عَلى ذَلِكَ، وهَذا الِاسْتِدْراكُ بِـ ”لَكِنَّ“ مِمّا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾، والتَّقْدِيرُ: فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَشْكُرُوا اللَّهَ عَلى فَضْلِهِ؛ فاسْتَدْرَكَ بِأنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ، ودَلَّ عَلى أنَّ الشّاكِرَ قَلِيلٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبإ: ١٣]، ويَخُصُّ ”النّاسِ“ الثّانِي بِالمُكَلَّفِينَ.

البقرة 2:244

﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾، هَذا خِطابٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ بِالجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وتَقَدَّمَتْ تِلْكَ القِصَّةُ - كَما قُلْنا - تَنْبِيهًا لِهَذِهِ الأُمَّةِ أنْ لا تَفِرَّ مِنَ المَوْتِ كَفِرارِ أُولَئِكَ، وتَشْجِيعًا لَها وتَثْبِيتًا. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والضَّحّاكِ: أنَّهُ أمْرٌ لِمَن أحْياهُمُ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهِمْ بِالجِهادِ، أيْ: وقالَ لَهم قاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: لا وجْهَ لِهَذا القَوْلِ. انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ القَوْلُ الأوَّلُ، وأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُلْتَحِمَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وبِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أوْ رُكْبانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]؛ لِأنَّ في هَذا إشْعارًا بِلِقاءِ العَدُوِّ، ثُمَّ ما جاءَ بَيْنَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ جاءَ كالِاعْتِراضِ؛ فَقَوْلُهُ: ﴿ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٤١] تَتْمِيمٌ أوْ تَوْكِيدٌ لِبَعْضِ أحْكامِ المُطَلَّقاتِ، وقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٣] اعْتِبارٌ بِمَن مَضى مِمَّنْ فَرَّ مِنَ المَوْتِ، فَماتَ، أنْ لا نَنْكُصَ ولا نُحْجِمَ عَنِ القِتالِ، وبَيانُ المُقاتِلِ فِيهِ، وأنَّهُ سَبِيلُ اللَّهِ فِيهِ حَثٌّ عَظِيمٌ عَلى القِتالِ؛ إذْ كانَ الإنْسانُ يُقاتِلُ لِلْحَمِيَّةِ، ولِنَيْلِ عَرَضٍ مِنَ الدُّنْيا. والقِتالُ في سَبِيلِ اللَّهِ مُوَرِّثٌ لِلْعِزِّ الأبَدِيِّ والفَوْزِ السَّرْمَدِيِّ. ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، يَسْمَعُ ما يَقُولُهُ المُتَخَلِّفُونَ عَنِ القِتالِ والمُتَبادِرُونَ إلَيْهِ، ويَعْلَمُ ما انْطَوَتْ عَلَيْهِ النِّيّاتُ؛ فَيُجازِي عَلى ذَلِكَ.

البقرة 2:245

﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾، هَذا عَلى سَبِيلِ التَّأْسِيسِ والتَّقْرِيبِ لِلنّاسِ بِما يَفْهَمُونَهُ (p-٢٥٢)واللَّهُ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ، شَبَّهَ تَعالى عَطاءَ المُؤْمِنِ في الدُّنْيا بِما يَرْجُو ثَوابَهُ في الآخِرَةِ بِالقَرْضِ، كَما شَبَّهَ بَذْلَ النُّفُوسِ والأمْوالِ في الجَنَّةِ بِالبَيْعِ والشِّراءِ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها: أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالقِتالِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وكانَ ذَلِكَ مِمّا يُفْضِي إلى بَذْلِ النُّفُوسِ والأمْوالِ في إعْزازِ دِينِ اللَّهِ؛ أثْنى عَلى مَن بَذَلَ شَيْئًا مِن مالِهِ في طاعَةِ اللَّهِ، وكانَ هَذا أقَلَّ حَرَجًا عَلى المُؤْمِنِينَ؛ إذْ لَيْسَ فِيهِ إلّا بَذْلُ المالِ دُونَ النَّفْسِ، فَأتى بِهَذِهِ الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ المُتَضَمِّنَةِ مَعْنى الطَّلَبِ. قالَ ابْنُ المَغْرِبِيِّ: انْقَسَمَ الخَلْقُ حِينَ سَمِعُوا هَذِهِ الآيَةَ إلى فِرَقٍ ثَلاثَةٍ: الأُولى: اليَهُودُ، قالُوا: إنَّ رَبَّ مُحَمَّدٍ يَحْتاجُ إلَيْنا ونَحْنُ أغْنِياءُ، وهَذِهِ جَهالَةٌ عَظِيمَةٌ؛ ورَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾ [آل عمران: ١٨١] . والثّانِيَةُ: آثَرَتِ الشُّحَّ والبُخْلَ، وقَدَّمَتِ الرَّغْبَةَ في المالِ. والثّالِثَةُ: بادَرَتْ إلى الِامْتِثالِ، كَفِعْلِ أبِي الدَّحْداحِ وغَيْرِهِ. انْتَهى. و”مَن“ اسْتِفْهامِيَّةٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ ”ذا“، و”الَّذِي“ نَعْتٌ لِذا، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، ومَنَعَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ ”مَن“ و”ذا“ بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ، كَما كانَتْ ”ما“ مَعَ ”ذا“، قالَ: لِأنَّ ”ما“ أشَدُّ إبْهامًا مِن ”مَن“، إذا كانَتْ ”مَن“ لِمَن يَعْقِلُ. وأصْحابُنا يُجِيزُونَ تَرْكِيبَ ”مَن“ مَعَ ”ذا“ في الِاسْتِفْهامِ وتَصْيِرَهُما كاسْمٍ واحِدٍ، كَما يُجِيزُونَ ذَلِكَ في ”ما“ و”ذا“، فَيُجِيزُونَ في: مَن ذا عِنْدَكَ، أنْ يَكُونَ: ”مَن“ و”ذا“، بِمَنزِلَةِ اسْمِ الِاسْتِفْهامِ. وانْتَصَبَ لَفْظُ الجَلالَةِ بِـ ”يُقْرِضُ“ وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: عِبادَ اللَّهِ المَحاوِيجَ، أسْنَدَ الِاسْتِقْراضَ إلى اللَّهِ وهو المُنَزَّهُ عَنِ الحاجاتِ، تَرْغِيبًا في الصَّدَقَةِ، كَما أضافَ الإحْسانَ إلى المَرِيضِ والجائِعِ والعَطْشانِ إلى نَفْسِهِ تَعالى في قَوْلِهِ - جَلَّ وعَلا: (يا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي واسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي واسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي)، الحَدِيثَ، خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ، والبُخارِيُّ. وانْتَصَبَ ”قَرْضًا“ عَلى المَصْدَرِ الجارِي عَلى غَيْرِ الصَّدْرِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إقْراضًا، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ؛ فَيَكُونُ بِمَعْنى: مَقْرُوضٍ، أيْ: قِطْعَةً مِنَ المالِ، كالخَلْقِ بِمَعْنى المَخْلُوقِ. وانْتَصَبَ ”حَسَنًا“ عَلى أنْ يَكُونَ صِفَةً لِقَوْلِهِ ”قَرْضًا“ وهو الظّاهِرُ، أوْ عَلى أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ إذا أعْرَبْنا قَرْضًا مَفْعُولًا بِهِ، أيْ: إقْراضًا حَسَنًا، ووَصْفُهُ بِالحُسْنِ لِكَوْنِهِ طَيِّبَ النِّيَّةِ خالِصًا لِلَّهِ، قالَهُ ابْنُ المُبارَكِ. أوْ لِكَوْنِهِ يَحْتَسِبُ عِنْدَ اللَّهِ ثَوابَهُ، أوْ لِكَوْنِهِ جَيِّدًا كَثِيرًا، أوْ لِكَوْنِهِ بِلا مَنٍّ ولا أذًى، قالَهُ عَمْرُو بْنُ عُثْمانَ، أوْ لِكَوْنِهِ لا يَطْلُبُ بِهِ عِوَضًا، قالَهُ سُهَيْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ القُشَيْرِيُّ التُّسْتَرِيُّ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ: ”فَيُضَعِّفُهُ“ بِالتَّشْدِيدِ مِن ضَعَّفَ، والباقُونَ: ”فَيُضاعِفُهُ“ مِن ضاعَفَ، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّهُما بِمَعْنًى. وقِيلَ: مَعْناهُما مُخْتَلِفٌ، وقَدْ ذَكَرْنا ذَلِكَ عِنْدَ الكَلامِ عَلى المُفْرَداتِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، بِنَصْبِ الفاءِ، والباقُونَ بِالرَّفْعِ عَلى العَطْفِ عَلى صِلَةِ الَّذِي، وهو قَوْلُهُ: ”يُقْرِضُ“، أوْ عَلى الِاسْتِئْنافِ، أيْ: فَهو يُضاعِفُهُ. والأوَّلُ أحْسَنُ؛ لِأنَّهُ لا حَذْفَ فِيهِ، والنَّصْبُ عَلى أنْ يَكُونَ جَوابًا لِلِاسْتِفْهامِ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ - وإنْ كانَ عَنِ المُقْرِضِ - فَهو عَنِ الإقْراضِ في المَعْنى، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أيُقْرِضُ اللَّهَ أحَدٌ فَيُضاعِفَهُ ؟ وقالَ أبُو عَلِيٍّ: الرَّفْعُ أحْسَنُ، وذَهَبَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّهُ: إذا كانَ الِاسْتِفْهامُ عَنِ المُسْنَدِ إلَيْهِ الحُكْمُ، لا عَنِ الحُكْمِ؛ فَلا يَجُوزُ النَّصْبُ بِإضْمارِ أنَّ بَعْدَ الفاءِ في الجَوابِ، فَهو مَحْجُوجٌ بِهَذِهِ القِراءَةِ المُتَواتِرَةِ، وقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ: (مَن يَدْعُونِي فَأسْتَجِيبَ لَهُ، مَن يَسْتَغْفِرُنِي فَأغْفِرَ لَهُ) . وكَذَلِكَ سائِرُ أدَواتِ الِاسْتِفْهامِ الِاسْمِيَّةِ والحَرْفِيَّةِ. وانْتَصَبَ ”أضْعافًا“ عَلى الحالِ مِنَ الهاءِ في ”يُضاعِفُهُ“ . قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، تَضَمَّنَ مَعْنى فَيُضاعِفُهُ: فَيُصَيِّرُهُ. ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى المَصْدَرِ بِاعْتِبارِ أنْ يُطْلِقَ الضِّعْفَ، وهو المُضاعِفُ أوِ المُضَعَّفُ، بِمَعْنى المُضاعَفَةِ أوِ التَّضْعِيفِ، كَما أطْلَقَ العَطاءَ وهو اسْمُ المُعْطى بِمَعْنى الإعْطاءِ، وجُمِعَ لِاخْتِلافِ جِهاتِ التَّضْعِيفِ بِاعْتِبارِ الإخْلاصِ، وهَذِهِ المُضاعَفَةُ غَيْرُ مَحْدُودَةٍ لَكِنَّها كَثِيرَةٌ. قالَ الحَسَنُ، والسُّدِّيُّ: لا يَعْلَمُ كُنْهَ التَّضْعِيفِ إلّا اللَّهُ تَعالى، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. وقَدْ رُوِيَتْ مَقادِيرُ مِنَ التَّضْعِيفِ، وجاءَ في القُرْآنِ: (p-٢٥٣)﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١]، ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١] . قِيلَ: والآيَةُ عامَّةٌ في سائِرِ وُجُوهِ البِرِّ مِن صَدَقَةٍ، وجِهادٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ. وقِيلَ: خاصَّةٌ بِالنَّفَقَةِ في الجِهادِ. وقِيلَ: بِالصَّدَقَةِ وإنْفاقِ المالِ عَلى الفُقَراءِ المُحْتاجِينَ. ﴿واللَّهُ يَقْبِضُ ويَبْسُطُ﴾، أيْ: يَسْلُبُ قَوْمًا ويُعْطِي قَوْمًا. أوْ يُقَتِّرُ ويُوَسِّعُ، قالَهُ الحَسَنُ. أوْ يَقْبِضُ الصَّدَقاتِ ويَخْلُفُ البَذْلَ مَبْسُوطًا. أوْ يَقْبِضُ أيْ: يُمِيتُ؛ لِأنَّ مَن أماتَهُ فَقَدْ قَبَضَهُ، ويَبْسُطُ أيْ: يُحْيِيهِ؛ لِأنَّ مَن مَدَّ لَهُ في عُمْرِهِ فَقَدْ بَسَطَهُ. أوْ يَقْبِضُ بَعْضَ القُلُوبِ فَلا تَنْبَسِطُ، ويَبْسُطُ بَعْضَها فَيُقَدِّمُ خَيْرًا لِنَفْسِهِ. أوْ يَقْبِضُ بِتَعْجِيلِ الأجَلِ، ويَبْسُطُ بِطُولِ الأمَلِ. أوْ يَقْبِضُ بِالخَطَرِ ويَبْسُطُ بِالإباحَةِ. أوْ يَقْبِضُ الصَّدْرَ ويُوَسِّعُهُ. أوْ يَقْبِضُ يَدَ مَن يَشاءُ بِالإنْفاقِ في سَبِيلِهِ، ويَبْسُطُ يَدَ مَن يَشاءُ بِالإنْفاقِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ وغَيْرُهُ. أوْ يَقْبِضُ الصَّدَقَةَ ويَبْسُطُ الثَّوابَ، قالَهُ الزَّجّاجُ. ولِلْمُتَصَوِّفَةِ في القَبْضِ والبَسْطِ أقاوِيلُ كَثِيرَةٌ غَيْرُ هَذِهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ بِخِلافٍ عَنْ خَلّادٍ، وحَفْصٍ، وهِشامٍ، وقُنْبُلٍ، والنَّقّاشِ عَنِ الأخْفَشِ هُنا، وأبُو قُرَّةَ عَنْ نافِعٍ: ”يَبْسُطُ“ بِالسِّينِ، وخَبَرُ الحُلْوانِيِّ، عَنْ قالُونَ، عَنْ نافِعٍ. والباقُونَ: بِالصّادِ. ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: خَبَرٌ مَعْناهُ الوَعِيدُ، أيْ: فَيُجازِيكم بِأعْمالِكم. قِيلَ: وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن ضُرُوبِ عِلْمِ البَيانِ، وصُنُوفِ البَلاغَةِ: الِاسْتِفْهامَ الَّذِي أُجْرِيَ مَجْرى التَّعَجُّبِ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٣]، والحَذْفَ بَيْنَ ﴿مُوتُوا ثُمَّ أحْياهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣]، أيْ: فَماتُوا ثُمَّ أحْياهم، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٤٣]، أيْ: مَلَكُ اللَّهِ بِإذْنِهِ، وفي ﴿لا يَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٣]، أيْ: لا يَشْكُرُونَهُ، وفي قَوْلِهِ: ”سَمِيعٌ“ لِأقْوالِكم عَلِيمٌ بِأعْمالِكم، وفي قَوْلِهِ: ”تُرْجَعُونَ“؛ فَيُجازِي كُلًّا بِما عَمِلَ. والطِّباقَ في قَوْلِهِ: ﴿مُوتُوا ثُمَّ أحْياهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣]، وفي: ﴿يَقْبِضُ ويَبْسُطُ﴾ . والتَّكْرارَ في: ﴿عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ﴾ [البقرة: ٢٤٣] . والِالتِفاتَ في: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٤] . والتَّشْبِيهَ بِغَيْرِ أداتِهِ في: ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾، شَبَّهَ قَبُولَهُ تَعالى إنْفاقَ العَبْدِ في سَبِيلِهِ ومُجازاتِهِ عَلَيْهِ بِالقَرْضِ الحَقِيقِيِّ؛ فَأطْلَقَ اسْمَ القَرْضِ عَلَيْهِ، والِاخْتِصاصَ بِوَصْفِهِ بِقَوْلِهِ ”حَسَنًا“ . والتَّجْنِيسَ المُغايِرَ في قَوْلِهِ: ﴿فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا﴾ .

البقرة 2:246

﴿ألَمْ تَرَ إلى المَلَأِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسى إذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكًا نُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾، مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالقِتالِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وكانَ قَدْ قَدَّمَ قَبْلَ ذَلِكَ قِصَّةَ الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ حَذَرَ المَوْتِ، إمّا بِالقِتالِ أوْ بِالطّاعُونِ، عَلى سَبِيلِ التَّشْجِيعِ والتَّثْبِيتِ لِلْمُؤْمِنِينَ، والإعْلامِ بِأنَّهُ لا يُنْجِي حَذَرٌ مِن قَدَرٍ؛ أرْدَفَ ذَلِكَ بِأنَّ القِتالَ كانَ مَطْلُوبًا مَشْرُوعًا في الأُمَمِ السّابِقَةِ؛ فَلَيْسَ مِنَ الأحْكامِ الَّتِي خُصِصْتُمْ بِها؛ لِأنَّ ما وقَعَ فِيهِ الِاشْتِراكُ كانَتِ النَّفْسُ أمْيَلَ لِقَبُولِهِ مِنَ التَّكْلِيفِ الَّذِي يَكُونُ يَقَعُ بِهِ الِانْفِرادُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ: ”ألَمْ تَرَ“ فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ، والمَلَأُ هُنا، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: جَمِيعُ القَوْمِ، قالَ: لِأنَّ المَعْنى يَقْتَضِيهِ، وهَذا هو أصْلُ وضْعِ اللَّفْظَةِ. وتُسَمّى الأشْرافُ المَلَأ تَشْبِيهًا. انْتَهى. يَعْنِي: واللَّهُ أعْلَمُ تَشْبِيهًا بِجَمِيعِ القَوْمِ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ المَلَأِ في الكَلامِ عَلى المُفْرَداتِ. ﴿مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾: في مَوْضِعِ الحالِ، فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، أيْ: كائِنِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وعَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ هو صِلَةٌ لِلْمَلَأِ؛ لِأنَّ الِاسْمَ المُعَرَّفَ بِالألِفِ واللّامِ يَجُوزُ عِنْدَهم أنْ يَكُونَ مَوْصُولًا، كَما زَعَمُوا ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ؎لَعَمْرِي لَأنْتَ البَيَتُ أكْرَمُ أهْلِهِ فَأكْرَمُ عِنْدَهم صِلَةٌ لِلْبَيْتِ لا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، كَذَلِكَ: ”مِن بَنِي إسْرائِيلَ“ العامِلُ فِيهِ لا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإعْرابِ. ﴿مِن بَعْدِ مُوسى﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ ﴿مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ (p-٢٥٤)وهُوَ كائِنِينَ، وتَعَدّى إلى حَرْفَيْ جَرٍّ مِن لَفْظٍ واحِدٍ لِاخْتِلافِ المَعْنى؛ فَـ ”مِن“ الأُولى تَبْعِيضِيَّةٌ و”مِن“ الثّانِيَةُ لِابْتِداءِ الغايَةِ؛ إذِ العامِلُ في هَذا الظَّرْفِ، قالُوا ”تَرَ“، وقالُوا: هو بَدَلٌ مِن ”بَعْدِ“؛ لِأنَّهُما زَمانانِ لِبَنِي إسْرائِيلَ، وكِلاهُما لا يَصِحُّ. أمّا الأوَّلُ: فَإنَّ ”ألَمْ تَرَ“ تَقْرِيرٌ، والمَعْنى: قَدِ انْتَهى عِلْمُكَ إلى المَلَأِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وقَدْ نَظَرْتَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ إذْ قالُوا، ولَيْسَ انْتِهاءُ عِلْمِهِ إلَيْهِمْ، ولا نَظَرُهُ إلَيْهِمْ كانَ في وقْتِ قَوْلِهِمْ لِنَبِيٍّ لَهم: ﴿ابْعَثْ لَنا مَلِكًا﴾، وإذا لَمْ يَكُنْ ظَرْفًا لِلِانْتِهاءِ، ولا لِلنَّظَرِ، فَكَيْفَ يَكُونُ مَعْمُولًا لَهُما، أوْ لِأحَدِهِما ؟ هَذا ما لا يَصِحُّ. وأمّا الثّانِي: فَبَعِيدٌ جِدًّا؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ بَدَلًا مِن ”بَعْدِ“ لَكانَ عَلى تَقْدِيرِ العامِلِ، وهو لا يَصِحُّ دُخُولُهُ عَلَيْهِ، أعْنِي ”مِن“ الدّاخِلَةَ عَلى ”بَعْدِ“ لا تَدْخُلُ عَلى ”إذْ“، لا تَقُولُ: مِن إذْ، ولَوْ كانَ مِنَ الظُّرُوفُ الَّتِي يَدْخُلُ عَلَيْها ”مَن“ كَوَقْتٍ وحِينٍ، لَمْ يَصِحَّ المَعْنى أيْضًا؛ لِأنَّ ”مِن بَعْدِ مُوسى“ حالٌ كَما قَرَّرْناهُ؛ إذِ العامِلُ فِيهِ: كائِنِينَ، ولَوْ قُلْتَ: كائِنِينَ مِن حِينِ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكًا؛ لَما صَحَّ هَذا المَعْنى، وإذا بَطَلَ هَذانِ الوَجْهانِ، فَيُنْظَرُ ما يَعْمَلُ فِيهِ مِمّا يَصِحُّ بِهِ المَعْنى، وقَدْ وجَدْناهُ، وهو: أنْ يَكُونَ ثَمَّ مَحْذُوفٌ بِهِ يَصِحُّ المَعْنى، وهو العامِلُ، وذَلِكَ المَحْذُوفُ تَقْدِيرُهُ: ألَمْ تَرَ إلى قِصَّةِ المَلَأِ، أوْ حَدِيثِ المَلَأِ، وما في مَعْناهُ؛ لِأنَّ الذَّواتَ لا يُتَعَجَّبُ مِنها، وإنَّما يُتَعَجَّبُ مِمّا جَرى لَهم، فَصارَ المَعْنى: ألَمْ تَرَ إلى ما جَرى لِلْمَلَأِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسى، إذْ قالُوا ؟ فالعامِلُ في ”إذْ“ هو ذَلِكَ المَحْذُوفُ، والمَعْنى عَلى تَقْدِيرِهِ، وتَعَلَّقَ قَوْلُهُ ”لِنَبِيٍّ“ بِـ قالُوا، واللّامُ فِيهِ كَما تَقَدَّمَ لِلتَّبْلِيغِ، واسْمُ هَذا النَّبِيِّ: شَمْوِيلُ بْنُ بالِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ووَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، أوْ شَمْعُونُ، قالَهُ السُّدِّيُّ، أوْ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ. وقالَ المُحاسِبِيُّ اسْمُهُ عِيسى، وضَعَّفَ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّهُ يُوشَعُ، بِأنْ يُوشَعَ هو فَتى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وبَيْنَهُ وبَيْنَ داوُدَ قُرُونٌ كَثِيرَةٌ، وقَدْ طَوَّلَ المُفَسِّرُونَ في هَذِهِ، ونَحْنُ نُلَخِّصُها فَنَقُولُ: لَمّا ماتَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - خَلَفَ مِن بَعْدِهِ في بَنِي إسْرائِيلَ يُوشَعَ يُقِيمُ فِيهِمُ التَّوْراةَ، ثُمَّ قُبِضَ فَخَلَفَ حِزْقِيلُ، ثُمَّ قُبِضَ فَفَشَتْ فِيهِمُ الأحْداثُ، حَتّى عَبَدُوا الأوْثانَ فَبَعَثَ إلَيْهِمْ إلْياسَ، ثُمَّ مِن بَعْدِهِ اليَسَعَ، ثُمَّ قُبِضَ، فَعَظُمَتْ فِيهِمُ الأحْداثُ، وظَهَرَ لَهم عَدُّوهُمُ العَمالِقَةُ قَوْمُ جالُوتَ، كانُوا سُكّانَ ساحِلِ بَحْرِ الرُّومِ، بَيْنَ مِصْرَ وفِلَسْطِينَ، وظَهَرُوا عَلَيْهِمْ وغَلَبُوا عَلى كَثِيرٍ مِن بِلادِهِمْ، وأسَرُوا مِن أبْناءِ مُلُوكِهِمْ كَثِيرًا، وضَرَبُوا عَلَيْهِمُ الجِزْيَةَ، وأخَذُوا تَوْراتَهم، ولَمْ يَكُنْ لَهم مَن يُدَبِّرُ أمْرَهم، وسَألُوا اللَّهَ أنْ يَبْعَثَ لَهم نَبِيًّا يُقاتِلُونَ مَعَهُ، وكانَ سِبْطُ النُّبُوَّةِ هَلَكُوا إلّا امْرَأةً حُبْلى دَعَتِ اللَّهَ أنْ يَرْزُقَها غُلامًا؛ فَرَزَقَها شَمْوِيلَ، فَتَعَلَّمَ التَّوْراةَ في بَيْتِ المَقْدِسِ، وكَفَلَهُ شَيْخٌ مِن عُلَمائِهِمْ وتَبَنّاهُ، فَلَمّا بَلَغَ النُّبُوَّةَ أتاهُ جِبْرِيلُ وهو نائِمٌ إلى جَنْبِ الشَّيْخِ، وكانَ لا يَأْمَنُ عَلَيْهِ، فَدَعاهُ بِلَحْنِ الشَّيْخِ: يا شَمْوِيلُ، فَقامَ فَزِعًا، وقالَ: يا أبَتِ دَعَوْتَنِي، فَكَرِهَ أنْ يَقُولَ لَهُ: لا؛ فَيَفْزَعَ؛ فَقالَ: يا بُنَيَّ نَمْ، فَجَرى بِذَلِكَ لَهُ مَرَّتَيْنِ، فَقالَ لَهُ: إنْ دَعَوْتُكَ الثّالِثَةَ فَلا تُجِبْنِي، فَظَهَرَ لَهُ جِبْرِيلُ، فَقالَ لَهُ اذْهَبْ فَبَلِّغْ قَوْمَكَ رِسالَةَ رَبِّكَ، قَدْ بَعَثَكَ نَبِيًّا. فَأتاهم فَكَذَّبُوهُ، وقالُوا: إنْ كُنَتَ صادِقًا فابْعَثْ لَنا مَلِكًا نُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ آيَةً مِن نُبُوَّتِكَ، وكانَ قِوامُ بَنِي إسْرائِيلَ بِالِاجْتِماعِ عَلى المُلُوكِ، وكانَ المَلِكُ يَسِيرُ بِالجُمُوعِ، والنَّبِيُّ يُسَدِّدُهُ ويُرْشِدُهُ. وقالَ (p-٢٥٥)وهْبٌ: بُعِثَ شَمْوِيلُ نَبِيًّا فَلَبِثُوا أرْبَعِينَ سَنَةً بِأحْسَنِ حالٍ، وكانَ اللَّهُ أسْقَطَ عَنْهُمُ الجِهادَ إلّا مَن قاتَلَهم، فَلَمّا كَتَبَ عَلَيْهِمُ القِتالَ تَوَلَّوْا، ثُمَّ كانَ مِن أمْرِ جالُوتَ والعَمالِقَةِ ما كانَ. ومَعْنى ”ابْعَثْ لَنا مَلِكًا“: أنْهِضْ لَنا مَن نَصْدُرُ عَنْهُ في تَدْبِيرِ الحَرْبِ، ونَنْتَهِي إلى أمْرِهِ، وانْجَزَمَ ”نُقاتِلْ“ عَلى جَوابِ الأمْرِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالنُّونِ والجَزْمِ. والضَّحّاكُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالياءِ ورَفْعِ اللّامِ عَلى الصِّفَةِ لِلْمَلِكِ. وقُرِئَ بِالنُّونِ ورَفْعِ اللّامِ عَلى الحالِ مِنَ المَجْرُورِ. وقُرِئَ بِالياءِ والجَزْمِ عَلى جَوابِ الأمْرِ. ﴿قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ ألّا تُقاتِلُوا﴾ لَمّا طَلَبُوا مِن نَبِيِّهِمْ أنْ يُنْهِضَ لَهم مَلِكًا، ورَتَّبُوا عَلى بَعْثِهِ أنْ يُقاتِلُوا، وكانُوا قَدْ ذُلُّوا، وسُبِيَ مُلُوكُهم؛ فَأخَذَتْهُمُ الأنَفَةُ، ورَغِبُوا في الجِهادِ - أرادَ أنْ يَسْتَثْبِتَ ما طَلَبُوهُ مِنَ الجِهادِ، وأنْ يَتَعَرَّفَ ما انْطَوَتْ عَلَيْهِ بَواطِنُهم، فاسْتَفْهَمَ عَنْ مُقارَبَتِهِمْ تَرْكَ القِتالِ إنْ كُتِبَ عَلَيْهِمْ، فَأنْكَرُوا أنْ يَكُونَ لَهم داعٍ إلى تَرْكِ القِتالِ؛ فَقالُوا: ﴿وما لَنا ألّا نُقاتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ وقَدْ أُخْرِجْنا مِن دِيارِنا وأبْنائِنا﴾، أيْ: هَذِهِ حالُ مَن يُبادِرُ إلى القِتالِ؛ لِأنَّهُ طالِبُ ثَأْرٍ، ومُتَرَجٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ الظَّفَرُ مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهم عَلِمُوا أنَّ ما أصابَهم إنَّما كانَ بِذُنُوبِهِمْ، فَلَمّا أقْلَعُوا وتابُوا، ورَجَعُوا لِطَوْعِ الأنْبِياءِ؛ قَوِيَتْ آمالُهم بِالنَّصْرِ والظَّفَرِ. قِيلَ: وكانَ النَّبِيُّ قَدْ ظَنَّ مِنهُمُ الجُبْنَ والفَشَلَ في القِتالِ؛ فَلِذَلِكَ اسْتَفْهَمَ؛ ولِيُبَيِّنَ أنَّ ما ظَنَّهُ وتَوَقَّعَهُ مِن ذَلِكَ يَكُونُ مِنهم، وكانَ كَما تَوَقَّعَ. وقَرَأ نافِعٌ: ”عَسِيتُمْ“ بِكَسْرِ السِّينِ هُنا وفي سُورَةِ القِتالِ. وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ”عَسى“ . قالَ أبُو عَلِيٍّ: الأكْثَرُ فَتْحُ السِّينِ، وهو المَشْهُورُ، ووَجْهُ الكَسْرِ قَوْلُ العَرَبِ: هو عَسٌ بِذَلِكَ، مِثْلُ: حَرٍ وشَجٍ، فَإنْ أُسْنِدَ الفِعْلُ إلى ظاهِرٍ فَقِياسُ عَسِيتُمْ أنْ يُقالَ: عَسِيَ زَيْدٌ، مِثْلُ رَضِيَ، فَإنْ قِيلَ: فَهو القِياسُ، وإنْ لَمْ يَقُلْ فَسائِغٌ أنْ تَأْخُذَ بِاللُّغَتَيْنِ وتُسْتَعْمَلُ إحْداهُما في مَوْضِعِ الأُخْرى، كَما فَعَلَ ذَلِكَ بِغَيْرِهِ. انْتَهى. والمَحْفُوظُ عَنِ العَرَبِ أنَّهُ لا تُكْسَرُ السِّينُ إلّا مَعَ تاءِ المُتَكَلِّمِ والمُخاطَبِ ونُونِ الإناثِ، نَحْوَ: عَسِيتُ وعَسِيتَ، وعَسِينَ، وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الجَوازِ لا الوُجُوبِ، ويُفْتَحُ فِيما سِوى ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الوُجُوبِ، ولا يُسَوَّغُ الكَسْرُ نَحْوَ: عَسى زَيْدٌ، والزَّيْدانِ عَسَيا، والزَّيْدُونَ عَسَوْا، والهِنْدانِ عَسَيا، وعَساكَ، وعاسانِي، وعَساهُ. وقالَهُ أبُو بَكْرٍ الأدْفُوِيُّ وغَيْرُهُ: إنَّ أهْلَ الحِجازِ يَكْسِرُونَ السِّينَ مِن عَسى مَعَ المُضْمَرِ خاصَّةً، وإذا قِيلَ: عَسى زَيْدٌ فَلَيْسَ إلّا الفَتْحُ، ويَنْبَغِي أنْ يُقَيَّدَ المُضْمَرُ بِما ذَكَرْناهُ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: لَوْ كانَ عَسَيْتُمْ بِكَسْرِ السِّينِ لَقُرِئَ: عَسِيَ رَبُّكم، وهَذا جَهْلٌ مِن أبِي عُبَيْدٍ بِهَذِهِ اللُّغَةِ، ودُخُولُ ”هَلْ“ عَلى ”عَسَيْتُمْ“ دَلِيلٌ عَلى أنَّ عَسى فِعْلٌ خَبَرِيٌّ لا إنْشائِيٌّ، والمَشْهُورُ أنَّ عَسى إنْشاءٌ لِأنَّهُ تَرَجٍّ، فَهي نَظِيرَةُ لَعَلَّ؛ ولِذَلِكَ لا يَجُوزُ أنْ يَقَعَ صِلَةً لِلْمَوْصُولِ، لا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: جاءَنِي الَّذِي عَسى أنْ يُحْسِنَ إلَيَّ، وقَدْ خالَفَ في هَذِهِ المَسْألَةِ هِشامٌ؛ فَأجازَ وصْلَ المَوْصُولِ بِها، ووُقُوعُها خَبَرًا لِأنَّ دَلِيلٌ عَلى أنَّها فِعْلٌ خَبَرِيٌّ، وهو جائِزٌ، قالَ الرّاجِزُ:(p-٢٥٦) ؎لا تَلْحَنِي إنِّي عَسَيْتُ صائِمًا إلّا إنْ قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، كَما قِيلَ في قَوْلِهِ: ؎إنَّ الَّذِينَ قَتَلْتُمْ أمْسِ سَيِّدَهم ∗∗∗ لا تَحْسَبُوا لَيْلَهم عَنْ لَيْلِكم ناما لِأنَّ ”إنَّ وأخَواتِها“ لا يَجُوزُ أنْ تَقَعَ خَبَرًا لَها مِنَ الجُمَلِ، إلّا الجُمَلَ الخَبَرِيَّةَ، وهي الَّتِي تَحْتَمِلُ الصِّدْقَ والكَذِبَ، هَذا عَلى الصَّحِيحِ، وفي ذَلِكَ خِلافٌ ضَعِيفٌ. وجَوابُ الشَّرْطِ الَّذِي هو ”إنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ“ مَحْذُوفٌ لِلدَّلالَةِ عَلَيْهِ، وتَوَسَّطَ الشَّرْطُ بَيْنَ أجْزاءِ الدَّلِيلِ عَلى حَذْفِهِ، كَما تَوَسَّطَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٧٠]، وخَبَرُ ”عَسَيْتُمْ“: ”أنْ لا تُقاتِلُوا“، هَذا عَلى المَشْهُورِ أنَّها تَدْخُلُ عَلى المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، فَيَكُونُ ”أنْ“ زِيدَتْ في الخَبَرِ؛ إذْ ”عَسى“ لِلتَّراخِي، ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ ”عَسى“ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ، جَعَلَ ”أنْ لا تُقاتِلُوا“ هو المَفْعُولَ، و”أنْ“ مَصْدَرِيَّةٌ، والواوُ في ”وما لَنا“ لِرَبْطِ هَذا الكَلامِ بِما قَبْلَهُ، ولَوْ حُذِفَ لَجازَ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا عَنْهُ، وهو اسْتِفْهامٌ في اللَّفْظِ، وإنْكارٌ في المَعْنى، و”أنْ لا نُقاتِلَ“، أيْ: في تَرْكِ القِتالِ، حُذِفَ الجَرُّ المُتَعَلِّقُ بِما تَعَلَّقَ بِهِ ”لَنا“ الواقِعُ خَبَرًا لِما الِاسْتِفْهامِيَّةِ؛ إذْ هي مُبْتَدَأٌ، و”أنْ لا نُقاتِلَ“ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أوْ في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى الخِلافِ الَّذِي بَيْنَ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ، وذَهَبَ أبُو الحَسَنِ إلى أنَّ ”أنْ“ زائِدَةٌ، وعَمِلَتِ النَّصْبَ كَما عَمِلَ باءُ الجَرِّ الزّائِدُ الجَرَّ، والجُمْلَةُ حالٌ، أيْ: وما لَنا غَيْرُ مُقاتِلِينَ؛ فَيَكُونُ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما لَكَ لا تَأْمَنّا عَلى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ١١]، ﴿ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾ [نوح: ١٣]، ﴿وما لَكم لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [الحديد: ٨]، وكَقَوْلِ العَرَبِ: ما لَكَ قائِمًا ؟ وقالَ تَعالى: ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٩]، وذَهَبَ قَوْمٌ مِنهُمُ ابْنُ جَرِيرٍ إلى حَذْفِ الواوِ مِن ”أنْ لا نُقاتِلَ“، والتَّقْدِيرُ: وما لَنا ولِأنْ لا نُقاتِلَ ؟ قالَ: كَما تَقُولُ: إيّاكَ أنْ تَتَكَلَّمَ، بِمَعْنى إيّاكَ وأنْ تَتَكَلَّمَ، وهَذا ومَذْهَبُ أبِي الحَسَنِ لَيْسا بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ الزِّيادَةَ والحَذْفَ عَلى خِلافِ الأصْلِ، ولا نَذْهَبُ إلَيْهِما إلّا لِضَرُورَةٍ، ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو هُنا إلى ذَلِكَ مَعَ صِحَّةِ المَعْنى في عَدَمِ الزِّيادَةِ والحَذْفِ، وأمّا: إيّاكَ أنْ تَتَكَلَّمَ، فَلَيْسَ عَلى حَذْفِ حَرْفِ العَطْفِ، بَلْ إيّاكَ مُضَمَّنٌ مَعْنى احْذَرْ؛ فَأنْ تَتَكَلَّمَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ كَأنَّهُ قِيلَ: احْذَرِ التَّكَلُّمَ، (﴿وقَدْ أُخْرِجْنا﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ: أنْكَرُوا تَرْكَ القِتالِ، وقَدِ التَبَسُوا بِهَذِهِ الحالِ مِن إخْراجِهِمْ مِن دِيارِهِمْ وأبْنائِهِمْ، والقائِلُ هَذا لَمْ يَخْرُجْ، لَكِنَّهُ أُخْرِجَ مِثْلُهُ؛ فَكانَ ذَلِكَ إخْراجًا لَهُ، ويُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى الظّاهِرِ؛ لِأنَّ كَثِيرًا مِنهُمُ اسْتُولِيَ عَلى بِلادِهِمْ، وأُسِرَ أبْناؤُهم؛ فارْتَحَلُوا إلى غَيْرِ بِلادِهِمُ الَّتِي كانَ مَنشَؤُهم بِها، كَما مَرَّ في قِصَّتِهِمْ. وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: ”وقَدْ أخْرَجَنا“، أيِ: العَدُوُّ، والمَعْنى في: ”وأبْنائِنا“، أيْ: مِن بَيْنِ أبْنائِنا، وقِيلَ: هو عَلى القَلْبِ، أيْ: وأُخْرِجَ مِنّا أبْناؤُنا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ بِـ ”أخْرَجَنا“ عَلى قِراءَةِ عُبَيْدٍ المَذْكُورِ ضَمِيرًا يَعُودُ عَلى اللَّهِ، أيْ: وقَدْ أخْرَجَنا اللَّهُ بِعِصْيانِنا وذُنُوبِنا؛ فَنَحْنُ نَتُوبُ ونُقاتِلُ في سَبِيلِهِ لِيَرُدَّنا إلى أوْطانِنا، ويَجْمَعَ بَيْنَنا وبَيْنَ أبْنائِنا، كَما تَقُولُ: ما لِي لا أُطِيعُ اللَّهَ وقَدْ عاقَبَنِي عَلى مَعْصِيَتِهِ ؟ فَيَنْبَغِي أنْ أُطِيعَهُ حَتّى لا يُعاقِبَنِي، قالَ القُشَيْرِيُّ: أظْهَرُوا التَّجَلُّدَ والتَّصَلُّبَ في القِتالِ ذَبًّا عَنْ أمْوالِهِمْ ومَنازِلِهِمْ؛ حَيْثُ ﴿قالُوا وما لَنا ألّا نُقاتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ وقَدْ أُخْرِجْنا مِن دِيارِنا وأبْنائِنا﴾؛ فَلِذَلِكَ لَمْ يَتِمَّ قَصْدُهم؛ لِأنَّهُ لَمْ يَخْلُصْ لِحَقِّ اللَّهِ عَزْمُهم، ولَوْ أنَّهم قالُوا: وما لَنا أنْ لا نُقاتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ لِأنَّهُ قَدْ أمَرَنا، وأوْجَبَ عَلَيْنا؛ لَعَلَّهم وُفِّقُوا لِإتْمامِ ما قَصَدُوا. ﴿فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ تَوَلَّوْا إلّا قَلِيلًا مِنهُمْ﴾، هَذا شَأْنُ المُتْرَفِ المُنَعَّمِ، مَتى كانَ مُتَلَبِّسًا بِالنِّعْمَةِ قَوِيَ عَزْمُهُ وأنِفَ، فَإذا ابْتُلِيَ بِشَيْءٍ مِنَ الخُطُوبِ كَعَّ، وذُلُّ التَّوَلِّي حَقِيقَةً هو عِنْدَ المُباشَرَةِ لِلْحَرْبِ، ومَعْناهُ هُنا: صَرْفُ عَزائِمِهِمْ عَنْ ما سَألُوهُ مِنَ القِتالِ، وانْتَصَبَ ”قَلِيلًا“ عَلى الِاسْتِثْناءِ المُتَّصِلِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُسْتَثْنى مِنهُما، لَوْ قُلَتَ: ضَرَبْتُ القَوْمَ إلّا رِجالًا؛ لَمْ يَصِحَّ، وصَحَّ هَذا لِاخْتِصاصِهِ بِأنَّهُ في نَفْسِهِ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ، ولِتَقْيِيدِهِ بِقَوْلِهِ ”مِنهم“، ولَمْ يُبَيِّنْ هُنا عِدَّةَ هَذا القَلِيلِ، وبَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ؛ صَحَّ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا سُئِلَ عَنْ عِدَّةِ مَن كانَ مَعَهُ يَوْمَ بَدْرٍ قالَ: ( ثَلاثُمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ عَلى عِدَّةِ قَوْمِ (p-٢٥٧)طالُوتَ)»، وهَؤُلاءِ القَلِيلُ ثَبَتُوا عَلى نِيّاتِهِمُ السّابِقَةِ، واسْتَمَرَّتْ عَزائِمُهم عَلى قِتالِ أعْدائِهِمْ. وقَرَأ أُبَيٌّ: ”تَوَلَّوْا إلّا أنْ يَكُونَ قَلِيلٌ مِنهم“، وهو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّ الكَوْنَ مَعْنًى مِنَ المَعانِي، والمُسْتَثْنى مِنهم جُثَثٌ. وتَقُولُ العَرَبُ: قامَ القَوْمُ إلّا أنْ يَكُونَ زَيْدٌ، وزَيْدًا، بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ؛ فالرَّفْعُ عَلى أنْ يَكُونَ تامَّةً، والنَّصْبُ عَلى أنَّها ناقِصَةٌ، واسْمُهُما ضَمِيرٌ مُسْتَكِنٌّ فِيها يَعُودُ عَلى البَعْضِ المَفْهُومِ مِمّا قَبْلَهُ، التَّقْدِيرُ: إلّا أنْ يَكُونَ هو، أيْ: بَعْضُهم زَيْدًا، والمَعْنى: قامَ القَوْمُ إلّا كَوْنُ زَيْدٍ في القائِمِينَ، ويَلْزَمُ مِنِ انْتِفاءِ كَوْنِهِ في القائِمِينَ أنَّهُ لَيْسَ قائِمًا، فَلا فَرْقَ مِن حَيْثُ المَعْنى بَيْنَ قامَ القَوْمُ إلّا زَيْدًا، وبَيْنَ قامَ القَوْمُ إلّا أنْ يَكُونَ زَيْدٌ أوْ زَيْدًا. ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾، فِيهِ وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ لِمَن تَقاعَدَ عَنِ القِتالِ بَعْدَ أنْ فُرِضَ عَلَيْهِ بِسُؤالِهِ ورَغْبَتِهِ، وأنَّ الإعْراضَ عَمّا أوْجَبَ اللَّهُ عَلى العَبْدِ ظُلْمٌ؛ إذِ الظُّلْمُ وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ.

البقرة 2:247

﴿وقالَ لَهم نَبِيُّهم إنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكم طالُوتَ مَلِكًا﴾، قَوْلُ النَّبِيِّ لَهم ”إنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ“ لا يَكُونُ إلّا بِوَحْيٍ؛ لِأنَّهم سَألُوهُ أنْ يَبْعَثَ لَهم مَلِكًا يُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَأخْبَرَ ذَلِكَ النَّبِيُّ أنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَهُ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِسُؤالٍ مِنَ النَّبِيِّ اللَّهَ أنْ يَبْعَثَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِغَيْرِ سُؤالِهِ، بَلْ لَمّا عَلِمَ حاجَتَهم إلَيْهِ بَعَثَهُ. وقالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّهُ سَألَ اللَّهَ أنْ يَبْعَثَ لَهم مَلِكًا، فَأتى بِعَصًا وقَرْنٍ فِيهِ دُهْنُ القُدْسِ، وقِيلَ: الَّذِي يَكُونُ مَلِكًا طُولُهُ طُولُ هَذِهِ العَصا، وقِيلَ لِلنَّبِيِّ: انْظُرِ القَرْنَ فَإذا دَخَلَ رَجُلٌ فَنَشَّ الدُّهْنَ الَّذِي هو فِيهِ فَهو مَلِكُ بَنِي إسْرائِيلَ، فَقاسُوا أنْفُسَهم بِالعَصا فَلَمْ يَكُونُوا مِثْلَها، وكانَ: طالُوتُ سَقّاءً عَلى ماءٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ، أوْ دَبّاغًا عَلى ما قالَهُ وهْبٌ، أوْ مُكارِيًا، وضاعَ حِمارٌ لَهُ، أوْ حُمُرٌ لِأهْلِهِ؛ فاجْتَمَعَ بِالنَّبِيِّ لِيَسْألَهُ عَنْ ما ضاعَ لَهُ ويَدْعُو اللَّهَ لَهُ، فَبَيْنا هو عِنْدَهُ نَشَّ ذَلِكَ القَرْنَ، وقاسَهُ النَّبِيُّ بِالعَصا، فَكانَ طُولَها، فَقالَ لَهُ: قَرِّبْ رَأْسَكَ فَقَرَّبَهُ ودَهَنَهُ بِدُهْنِ القُدْسِ، وقالَ: أمَرَنِي اللَّهُ أنْ أُمَلِّكَكَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ. فَقالَ طالُوتُ: أنا ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: أوَما عَلِمْتَ أنَّ سِبْطِي أدْنى أسْباطِ بَنِي إسْرائِيلَ ؟ قالَ: بَلى، قالَ: أفَما عَلِمْتَ أنَّ بَيْتِي أدْنى بُيُوتِ بَنِي إسْرائِيلَ ؟ قالَ: بَلى. قالَ: فَبِآيَةِ أنَّكَ تَرْجِعُ وقَدْ وجَدَ أبُوكَ حُمُرَهُ، وكانَ كَذَلِكَ. وانْتَصَبَ: مَلِكًا عَلى الحالِ، والظّاهِرُ أنَّهُ مَلَّكَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ أمِيرًا عَلى الجَيْشِ. ﴿قالُوا أنّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنا ونَحْنُ أحَقُّ بِالمُلْكِ مِنهُ ولَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المالِ﴾، هَذا كَلامُ مَن تَعَنَّتَ وحادَ عَنْ أمْرِ اللَّهِ، وهي عادَةُ بَنِي إسْرائِيلَ، فَكانَ يَنْبَغِي لَهم إذْ قالَ لَهُمُ النَّبِيُّ عَنِ اللَّهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكم طالُوتَ مَلِكًا﴾ أنْ يُسَلِّمُوا الأمْرَ لِلَّهِ، ولا تُنْكِرُهُ قُلُوبُهم، ولا يَتَعَجَّبُوا مِن ذَلِكَ؛ فَفي المَقادِيرِ أسْرارٌ لا تُدْرَكُ، فَقالُوا: كَيْفَ يُمَلَّكُ عَلَيْنا مَن هو دُونَنا ولَيْسَ مِن بَيْتِ المُلْكِ الَّذِي هو سِبْطُ يَهُوذا، ومِنهُ داوُدُ وسُلَيْمانُ ؟ ولَيْسَ مِن بَيْتِ النُّبُوَّةِ الَّذِي هو سِبْطُ لاوِي ومِنهُ مُوسى وهارُونُ ؟ قالَ ابْنُ السّائِبِ: وكانَ سِبْطُ طالُوتَ قَدْ عَمِلُوا ذَنْبًا عَظِيمًا، نَكَحُوا النِّساءَ نَهارًا عَلى ظَهْرِ الطَّرِيقِ، فَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ؛ فَنَزَعَ النُّبُوَّةَ والمُلْكَ مِنهم، وكانُوا يُسَمَّوْنَ سِبْطَ الإثْمِ. وفي قَوْلِهِمْ: ﴿أنّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنا﴾ إلى آخِرِهِ، ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مَرْكُوزٌ في الطِّباعِ أنْ لا يُقَدَّمَ المَفْضُولُ عَلى الفاضِلِ، واسْتِحْقارُ مَن كانَ غَيْرَ مُوَسَّعٍ عَلَيْهِ؛ فاسْتَبْعَدُوا أنْ يَتَمَلَّكَ عَلَيْهِمْ مَن هم أحَقُّ بِالمُلْكِ مِنهُ، وهو فَقِيرٌ والمُلْكُ يَحْتاجُ إلى أصالَةٍ فِيهِ؛ إذْ يَكُونُ أعْظَمَ في النُّفُوسِ، وإلى غِنًى يَسْتَعْبِدُ بِهِ الرِّجالَ، ويُعِينُهُ عَلى مَقاصِدِ المُلْكِ - لَمْ يَعْتَبِرُوا السَّبَبَ الأقْوى، وهو: قَضاءُ اللَّهِ وقَدَرُهُ، ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦]، واعْتَبَرُوا السَّبَبَ الأضْعَفَ، وهو: النَّسَبُ والغِنى، ﴿ياأيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى وجَعَلْناكم شُعُوبًا وقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، (لا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلى عَجَمِيٍّ ولا لِعَجَمِيِّ عَلى عَرَبِيٍّ إلّا بِالتَّقْوى)، (﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣])، وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكٍ ولَوْ أعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١]، قالَ الشّاعِرُ: ؎وأعْجَبُ شَيْءٍ إلى عاقِلٍ فُتُوٌّ عَنِ المَجْدِ مُسْتَأْخِرَهْ ؎(p-٢٥٨)إذا سُئِلُوا ما لَهم مِن عُلًا ∗∗∗ أشارُوا إلى أعْظُمٍ ناخِرَهْ و”أنّى“ هُنا بِمَعْنى كَيْفَ، وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، و”يَكُونُ“ الظّاهِرُ أنَّها ناقِصَةٌ، و”لَهُ“ في مَوْضِعِ الخَبَرِ، فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، وهو العامِلُ في ”أنّى“، و”عَلَيْنا“ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”المُلْكِ“ عَلى مَعْنى الِاسْتِعْلاءِ، تَقُولُ: فُلانٌ مَلِكٌ عَلى بَنِي فُلانٍ، وقِيلَ: ”عَلَيْنا“ حالٌ مِنَ ”المُلْكُ“ . ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ تامَّةً و”لَهُ“ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”يَكُونُ“، أيْ: كَيْفَ يَقَعُ أوْ يَحْدُثُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنا ؟ ”ونَحْنُ أحَقُّ“: جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ اسْمِيَّةٌ عُطِفَ عَلَيْها جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ، وهي: ﴿ولَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المالِ﴾، والمَعْطُوفُ عَلى الحالِ حالٌ، والمَعْنى: أنَّ مَنِ اجْتَمَعَ فِيهِ هَذانِ الوَصْفانِ: وُجُودُ مَن هو أحَقُّ مِنهُ، وفَقْرُهُ؛ لا يَصْلُحُ لِلْمُلْكِ. ويُعَلَّقُ ”بِالمُلْكِ“، و”مِنهُ“ بِـ ”أحَقُّ“، وتَعَلَّقَ ”مِنَ المالِ“ بِـ ”يُؤْتَ“، وفُتِحَتْ سِينُ السَّعَةِ لِفَتْحِها في المُضارِعِ؛ إذْ هو مَحْمُولٌ عَلَيْهِ، وقِياسُها الكَسْرُ؛ لِأنَّهُ كانَ أصْلُهُ: يُوسِعُ، كَوَثِقَ يَثِقُ، وإنَّما فُتِحَ عَيْنُ المُضارِعِ لِكَوْنِ لامِهِ حَرْفَ حَلْقٍ، فَهَذِهِ فَتْحَةٌ أصْلُها الكَسْرُ؛ ولِذَلِكَ حُذِفَتِ الواوُ، لِوُقُوعِها في يَسَعُ بَيْنَ ياءٍ وكَسْرَةٍ، لَكِنْ فُتِحَ لِما ذَكَرْناهُ، ولَوْ كانَ أصْلُها الفَتْحَ لَمْ يَجُزْ حَذْفُ الواوِ، ألا تَرى ثُبُوتَها في يَوْجَلُ ؟ لِأنَّها لَمْ تَقَعْ بَيْنَ كَسْرَةٍ وياءٍ، فالمَصْدَرُ والأمْرُ في الحَذْفِ مَحْمُولانِ عَلى المُضارِعِ، كَما حَمَلُوا: عِدَةً ووَعَدَ عَلى يَعِدُ. ﴿قالَ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ﴾، أيِ: اخْتارَهُ صَفْوَةً؛ إذْ هو أعْلَمُ تَعالى بِالمَصالِحِ؛ فَلا تَعْتَرِضُوا عَلى اللَّهِ. ﴿وزادَهُ بَسْطَةً في العِلْمِ والجِسْمِ﴾، قِيلَ: في العِلْمِ بِالحُرُوبِ، والظّاهِرُ عِلْمُ الدِّياناتِ والشَّرائِعِ. وقِيلَ: قَدْ أُوحِيَ إلَيْهِ ونُبِّئَ، وأمّا البَسْطَةُ في الجِسْمِ؛ فَقِيلَ: أُرِيدَ بِذَلِكَ: مَعانِي الخَيْرِ، والشَّجاعَةِ، وقَهْرِ الأعْداءِ، والظّاهِرُ أنَّهُ: الِامْتِدادُ، والسَّعَةُ في الجِسْمِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ طالُوتُ يَوْمَئِذٍ أعْلَمَ رَجُلٍ في بَنِي إسْرائِيلَ، وأجْمَلَهُ وأتَمَّهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ المُفَسِّرِينَ في طُولِهِ، ونَبَّهَ عَلى اسْتِحْقاقِ طالُوتَ لِلْمُلْكِ بِاصْطِفاءِ اللَّهِ لَهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ ﴿ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ﴾ [القصص: ٦٨]، وبِما أعْطاهُ مِنَ السَّعَةِ في العِلْمِ، وهو الوَصْفُ الَّذِي لا شَيْءَ أشْرَفُ مِنهُ ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ [فاطر: ٢٨] أنا أعْلَمُكم بِاللَّهِ ومِن بَسْطَةِ الجِسْمِ؛ فَإنَّ لِذَلِكَ عِظَمًا في النُّفُوسِ وهَيْبَةً وقُوَّةً، وكَثِيرًا ما تَمَدَّحَتِ العَرَبُ بِذَلِكَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎فَجاءَتْ بِهِ سَبْطَ العِظامِ كَأنَّما ∗∗∗ عِمامَتُهُ بَيْنَ الرِّجالِ لِواءُ وقالَ: ؎بَطَلٌ كَأنَّ ثِيابَهُ في سَرْحَةٍ ∗∗∗ يُحْذى نِعالَ السِّبْتِ لَيْسَ بِتَوْأمِ وقالَ: ؎تَبَيَّنَ لِي أنَّ القَماءَةَ ذِلَّةٌ ∗∗∗ وأنَّ أعِزّاءَ الرِّجالِ طِيالُها وقالُوا في المَدْحِ: طَوِيلُ النِّجادِ رَفِيعُ العِمادِ. وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا ماشى الطِّوالَ طالَهم. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانَتْ هَذِهِ الزِّيادَةُ بَعْدَ المُلْكِ، وقالَ وهْبٌ، والسُّدِّيُّ: قَبْلَ المُلْكِ؛ فالمَعْنى: وزادَهُ عَلى غَيْرِهِ مِنَ النّاسِ بَسْطَةً، بِالسِّينِ، أبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ. وبِالصّادِ، نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ رِوايَةُ النَّقّاشِ، وزَرْعانُ، والشَّيْمُونِيُّ وزادَ: لَئِنْ بَصَطْتَ، وبِباصِطٍ، وكَباصِطٍ، ومَبْصُوطَتانِ، ولا تَبْصُطْها كُلَّ البَصْطِ، وأوْصَطِ، وفَما اصْطاعُوا، ويَصْطُونَ، والقِصْطاسِ. ورَوى نَحْوَهُ: أبُو نَشِيطٍ عَنْ قالُونَ. ﴿واللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾، ظاهِرُهُ أنَّهُ مِن مَعْمُولِ قَوْلِ النَّبِيِّ لَهم، لَمّا عَلِمَ بُغْيَتَهم في مَسائِلِهِمْ ومُجادَلَتِهِمْ في الحُجَجِ الَّتِي تُبْدِيها؛ أتَمَّ كَلامَهُ بِالأمْرِ القَطْعِيِّ، وهو أنَّ اللَّهَ هو الفاعِلُ المُخْتارُ، يَفْعَلُ ما يَشاءُ. ولَمّا قالُوا: ﴿ونَحْنُ أحَقُّ بِالمُلْكِ مِنهُ﴾، فَكانَ في قَوْلِهِمُ ادِّعاءُ الأحَقِّيَّةِ في المُلْكِ، حَتّى كَأنَّ المُلْكَ هو في مُلْكِهِمْ؛ أضافَ المُلْكَ إلى اللَّهِ في قَوْلِهِ: ”مَلِكًا“، فالمَلِكُ مُلْكُهُ يَتَصَرَّفُ فِيهِ كَما أرادَ؛ فَلَسْتُمْ بِأحَقَّ فِيهِ؛ لِأنَّهُ مُلْكُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ. وقِيلَ: هاتانِ الجُمْلَتانِ لَيْسَتا داخِلَتَيْنِ في قَوْلِ النَّبِيِّ، بَلْ هي إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صَلّى (p-٢٥٩)اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَهي مُعْتَرِضَةٌ في هَذِهِ القِصَّةِ، جاءَتْ لِلتَّشْدِيدِ والتَّقْوِيَةِ لِمَن يُؤْتِيهِ اللَّهُ المُلْكَ، أيْ: فَإذا كانَ اللَّهُ تَعالى هو المُتَصَرِّفَ في مُلْكِهِ فَلا اعْتِراضَ عَلَيْهِ ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣] . وخَتَمَ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ؛ إذْ تَقَدَّمَ دَعْواهم أنَّهم أهْلُ المُلْكِ، وأنَّهُمُ الأغْنِياءُ، وأنَّ طالُوتَ لَيْسَ مِن بَيْتِ المُلْكِ، وأنَّهُ فَقِيرٌ؛ فَقالَ تَعالى: إنَّهُ واسِعٌ؛ يُوَسِّعُ فَضْلَهُ عَلى الفَقِيرِ، عَلِيمٌ بِمَن هو أحَقُّ بِالمُلْكِ؛ فَيَضَعُهُ فِيهِ ويَخْتارُهُ لَهُ. وفي قِصَّةِ طالُوتَ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الإمامَةَ لَيْسَتْ وِراثَةً؛ لِإنْكارِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ما أنْكَرُوهُ مِنَ التَّمْلِيكِ عَلَيْهِمْ مَن لَيْسَ مِن أهْلِ النُّبُوَّةِ والمُلْكِ، وبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ مُسْتَحَقٌّ بِالعِلْمِ والقُوَّةِ لا بِالنَّسَبِ؛ ودَلَّ أيْضًا عَلى أنَّهُ لا حَظَّ لِلنَّسَبِ مَعَ العِلْمِ وفَضائِلِ النَّفْسِ، وأنَّها مُقَدَّمَةٌ عَلَيْهِ لِاخْتِيارِ اللَّهِ طالُوتَ عَلَيْهِمْ لِعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ، وإنْ كانُوا أشْرَفَ مِنهُ نَسَبًا. وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ الشَّرِيفَةُ الإخْبارَ بِقِصَّةِ الخارِجِينَ مِن دِيارِهِمْ - وهم عالَمٌ لا يُحْصَوْنَ - فِرارًا مِنَ المَوْتِ، إمّا بِالقَتْلِ؛ إذْ فُرِضَ عَلَيْهِمُ القِتالُ، وإمّا بِالوَباءِ؛ فَأماتَهُمُ اللَّهُ ثُمَّ أحْياهم لِيَعْلَمُوا أنَّهُ لا مَفَرَّ مِمّا قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى، وذَلِكَ لِئَلّا نَسْلُكَ ما سَلَكُوهُ؛ فَنُحْجِمَ عَنِ القِتالِ، فَأتَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُثْبِتَةً لِمَن جاهَدَ في سَبِيلِهِ. وذَكَرَ تَعالى أنَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ، وذَلِكَ بِإحْيائِهِمْ والإحْسانِ إلَيْهِمْ، ومَعَ ذَلِكَ فَأكْثَرُهم لا يُؤَدِّي شُكْرَ اللَّهِ. ثُمَّ أمَرَ بِالقِتالِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وبِأنْ نَعْلَمَ أنَّهُ سَمِيعٌ لِأقْوالِنا، عَلِيمٌ بِنِيّاتِنا. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ مَن أقْرَضَ اللَّهَ فاللَّهُ يُضاعِفُهُ حَيْثُ يَحْتاجُ إلَيْهِ. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ بِيَدِهِ القَبْضَ والبَسْطَ، وأنَّ مَرْجِعَ الكُلِّ إلَيْهِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِقِصَّةِ المَلَأِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ وذَلِكَ لِنَعْتَبِرَ بِها ونَقْتَدِيَ مِنها بِما كانَ مِن أحْوالِهِمْ حَسَنًا، ونَجْتَنِبَ ما كانَ قَبِيحًا، وهَذِهِ الحِكْمَةُ في قَصَصِ الأوَّلِينَ عَلَيْنا لِنَعْتَبِرَ بِها، وأنَّهم حِينَ اسْتَوْلى عَلَيْهِمُ العَدُوُّ، فَمَلَكَ بِلادَهم وأسَرَ أبْناءَهم، ولَمْ يَكُنْ لَهم مَلِكٌ يَسُوسُهم في أمْرِ الحَرْبِ؛ إذْ هي مُحْتاجَةٌ إلى مَن يُصْدَرُ عَنْ أمْرِهِ ويُجْتَمَعُ عَلَيْهِ؛ فَسَألُوا نَبِيَّهم أنْ يُنْهِضَ لَهم مَلِكًا بِرَسْمِ الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَتَوَقَّعَ النَّبِيُّ مِنهم أنَّهُ لَوْ فُرِضَ عَلَيْهِمُ القِتالُ نَكَصُوا عَنْهُ، فَأجابُوهُ: بِأنّا قَدْ وُتِرْنا، وأُخْرِجْنا مِن دِيارِنا، وأبْنائِنا، وهَذا أصْعَبُ شَيْءٍ عَلى النُّفُوسِ، وهو أنْ يُخْرَجَ مِن مَسْكَنٍ ألِفَهُ، ويُفَرَّقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أبْنائِهِ؛ ولِهَذا دَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (اللَّهُمَّ حَبِّبْ لَنا المَدِينَةَ كَحُبِّنا مَكَّةَ أوْ أكْثَرَ)، وكَثِيرًا ما بَكى الشُّعَراءُ المَساكِنَ والمَعاهِدَ، ألا تَرى إلى قَوْلِ بِلالٍ: ؎ألا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أبِيتَنَّ لَيْلَةً ∗∗∗ بِوادٍ وحَوْلِي إذْخِرٌ وجَلِيلُ وكانَ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ المُحَدِّثُ قَدْ رُزِقَ مِنَ النَّصِيبِ في الدُّنْيا والجَلالَةِ، وحَمَلَ النّاسُ العِلْمَ عَنْهُ، وكانَ بِبَغْدادَ، فَعَبَرَ مَرَّةً عَلى مَكانِ مَوْلِدِهِ ومَنشَئِهِ صَغِيرًا بِبَغْلانَ، قِيلَ: وهي ضَيْعَةٌ مِن أصْغَرِ الضَّياعِ؛ فَتَمَنّى أنْ لَوْ كانَ مُقِيمًا بِها، ويَتْرُكَ رِئاسَةَ بَغْدادَ دارِ الخِلافَةِ، وذَلِكَ نُزُوعٌ إلى الوَطَنِ. وذَكَرَ تَعالى أنَّهُ لَمّا فُرِضَ القِتالُ عَلَيْهِمْ أعْرَضُوا عَنْ قَبُولِهِ إلّا قَلِيلًا فَإنَّهُ أخَذَ أمْرَ اللَّهِ بِالقَبُولِ. ثُمَّ عَرَّضَ تَعالى بِالظّالِمِينَ، وهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَقْبَلُوا أمْرَ اللَّهِ بَعْدَ أنْ كانُوا طَلَبُوهُ؛ فَهو يُجازِيهِمْ عَلى ظُلْمِهِمْ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنْ نَبِيِّهِمْ أنَّهُ قالَ لَهم عَنِ اللَّهِ: إنَّهُ قَدْ بَعَثَ طالُوتَ مَلِكًا عَلَيْهِمْ، ولَمْ يَكُنْ عِنْدَهم مِن أنْفَسِهِمْ ولا أشْرَفِهِمْ مَنصِبًا؛ إذْ لَيْسَ مِن سِبْطِ النُّبُوَّةِ، ولا مِن سِبْطِ المُلْكِ؛ فَلَمْ يَأْخُذُوا ما أخْبَرَهم عَنِ اللَّهِ بِالقَبُولِ، وشَرَعُوا يَتَعَنَّتُونَ عَلى عادَتِهِمْ مَعَ أنْبِيائِهِمْ، فاسْتَبْعَدُوا تَمْلِيكَهُ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ فِيهِمْ مَن هو أحَقُّ بِالمُلْكِ مِنهُ عَلى زَعْمِهِمْ؛ إذْ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ أنْ يَكُونَ مِن آبائِهِ مَلِكٌ فَيُعَظَّمُ عِنْدَ العامَّةِ؛ ولِأنَّهُ فَقِيرٌ، وهاتانِ الخَلَّتانِ هُما يُضْعِفانِ المُلْكَ؛ إذْ سابِقُ الرِّئاسَةِ والجاهِ والمَلاءَةِ بِالأمْوالِ مِمّا يَسْتَتْبِعُ الرِّجالَ ويَسْتَعْبِدُ الأحْرارَ، وما عَلِمُوا أنَّ عِنايَةَ المَقادِيرِ تَجْعَلُ المَفْضُولَ فاضِلًا. فَأخْبَرَهم نَبِيُّهم أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدِ اخْتارَهُ عَلَيْكم، وشَرَّفَهُ بِخَصْلَتَيْنِ هُما في ذاتِهِ: إحْداهُما: الخُلُقُ العَظِيمُ، والأُخْرى: المَعْرِفَةُ الَّتِي هي الفَضْلُ الجَسِيمُ؛ واسْتَغْنى بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ الذّاتِيَّيْنِ عَنِ الوَصْفَيْنِ الخارِجَيْنِ عَنِ الذّاتِ، وهُما الفَخْرُ بِالعَظْمِ الرَّمِيمِ، والِاسْتِكْثارُ بِالمالِ الَّذِي مَرْتَعُهُ وخِيمٌ. ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ اللَّهَ تَعالى (p-٢٦٠)يُعْطِي مُلْكَهُ مَن أرادَ، وأنَّهُ الواسِعُ الفَضْلِ، العالِمُ بِمَصالِحِ العِبادِ؛ فَلا اعْتِراضَ عَلَيْهِ.

البقرة 2:248

﴿وقالَ لَهم نَبِيُّهم إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكم وبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى وآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ المَلائِكَةُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ بِالجُنُودِ قالَ إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيْسَ مِنِّي ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي إلّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنهُ إلّا قَلِيلًا مِنهم فَلَمّا جاوَزَهُ هو والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنا اليَوْمَ بِجالُوتَ وجُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩] ﴿ولَمّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٠] ﴿فَهَزَمُوهم بِإذْنِ اللَّهِ وقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وآتاهُ اللَّهُ المُلْكَ والحِكْمَةَ وعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرْضُ ولَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلى العالَمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥١] ﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ وإنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٢]، التّابُوتُ: مَعْرُوفٌ وهو الصُّنْدُوقُ، وفي التّابُوتِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ وزْنَهُ ”فاعُولٌ“، ولا يُعْرَفُ لَهُ اشْتِقاقٌ، ولُغَةٌ فِيهِ التّابُوهُ، بِالهاءِ آخِرًا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الهاءُ بَدَلًا مِنَ التّاءِ كَما أبْدَلُوها مِنها في الوَقْفِ في مِثْلِ ”طَلْحَةَ“؛ فَقالُوا ”طَلْحَهْ“ . ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”فَعَلُوتًا“ كَمَلَكُوتٍ، مِن: تابَ يَتُوبُ؛ لِفُقْدانِ مَعْنى الِاشْتِقاقِ فِيهِ. والقَوْلُ الآخَرُ: أنَّهُ فَعَلُوتٌ مِنَ التَّوْبِ، وهو الرُّجُوعُ؛ لِأنَّهُ ظَرْفٌ تُوضَعُ فِيهِ الأشْياءُ وتُودَعُهُ فَلا يَزالُ يَرْجِعُ إلَيْهِ ما يَخْرُجُ مِنهُ، وصاحِبُهُ يَرْجِعُ إلَيْهِ فِيما يَحْتاجُ إلَيْهِ مِن مُودَعاتِهِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: ولا يَكُونُ ”فاعُولًا“ لِقِلَّةٍ نَحْوَ: سَلِسَ، وقَلِقَ، ولِأنَّهُ تَرْكِيبٌ غَيْرُ مَعْرُوفٍ فَلا يَجُوزُ تَرْكُ المَعْرُوفِ إلَيْهِ، وأمّا بِالهاءِ فَفاعُولٌ إلّا فِيمَن جَعَلَ هاءَهُ بَدَلًا مِنَ التّاءِ؛ لِاجْتِماعِهِما في الهَمْسِ، وأنَّهُما مِن حُرُوفِ الزِّيادَةِ؛ ولِذَلِكَ أُبْدِلَتْ مِن تاءِ التَّأْنِيثِ. ”السَّكِينَةُ“: فَعِيلَةٌ مِنَ السُّكُونِ، وهو الوَقارُ، تَقُولُ: في فُلانٍ سَكِينَةٌ، أيْ: وقارٌ وثَباتٌ. ”هارُونَ“: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ يُمْنَعُ الصَّرْفَ لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ. ”الجُنُودُ“: جَمْعُ جُنْدٍ، وهو مَعْرُوفٌ، واشْتِقاقُهُ مِنَ الجَنَدِ، وهو: الغَلِيظُ مِنَ الأرْضِ؛ إذْ بَعْضُهم يَعْتَصِمُ بِبَعْضٍ. ”الغُرْفَةُ“: بِضَمِّ الغَيْنِ، اسْمٌ لِلْقَدْرِ المُغْتَرَفِ مِنَ الماءِ، كالأُكْلَةِ لِلْقَدْرِ الَّذِي يُؤْكَلُ، وبِفَتْحِ الغَيْنِ مَصْدَرٌ لِلْمَرَّةِ الواحِدَةِ، نَحْوَ: ضَرَبْتُ ضَرْبَةً، والِاغْتِرافُ والغَرْفُ مَعْرُوفٌ، والغُرْفَةُ البِناءُ العالِي المُشْرِفُ. جاوَزَ وجازَ المَكانَ: قَطَعَهُ. ”جالُوتُ“: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مَمْنُوعُ الصَّرْفِ لِلْعُجْمَةِ والعَلَمِيَّةِ، كانَ مَلِكَ العَمالِقَةِ، ويُقالُ إنَّ البَرْبَرَ مِن نَسْلِهِ. ”الفِئَةُ“: القِطْعَةُ مِنَ النّاسِ، وقِيلَ: هو مَأْخُوذٌ مِن فاءَ يَفِيءُ إذا رَجَعَ؛ فَيَكُونُ المَحْذُوفُ عَيْنَ الكَلِمَةِ، أوْ مِن فَأوْتُ رَأْسَهُ: كَسَرْتُهُ؛ فَيَكُونُ المَحْذُوفُ لامَ الكَلِمَةِ، قَوْلًا. غَلَبَ غَلْبًا وغَلَبَةً: قَهَرَ، والأغْلَبُ: القَوِيُّ الغَلِيظُ، والأُنْثى: غَلْبى. بَرَزَ يَبْرُزُ بُرُوزًا: ظَهَرَ، وامْرَأةٌ بَرَزَةٌ: أخَذَ مِنها السِّنُّ فَلَمْ تَسْتُرْ وجْهَها، ومِن ذَلِكَ البِرازُ والمُتَبَرَّزُ. ”أفْرِغْ“: صُبَّ، وفَرَغَ مِن كَذا: خَلا مِنهُ. ”ثَبَتَ“: اسْتَقَرَّ ورَسَخَ، وثَبَّتَهُ: أقَرَّهُ ومَكَّنَهُ بِحَيْثُ لا يَتَزَحْزَحُ. ”القَدَمُ“: الرِّجْلُ، وهي مُؤَنَّثَةٌ، تَقُولُ في تَصْغِيرِها: قُدَيْمَةٌ، والِاشْتِقاقُ في هَذِهِ الكَلِمَةِ يَرْجِعُ لِمَعْنى التَّقَدُّمِ. ”هَزَمَ“: كَسَرَ الشَّيْءَ ورَدَّ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ، وتَقُولُ العَرَبُ: هَزَمْتُ عَلى زَيْدٍ: عَطَفْتُ عَلَيْهِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎هَزَمْتُ عَلَيْكِ اليَوْمَ يا ابْنَةَ مالِكٍ فَجُودِي عَلَيْنا بِالنَّوالِ وأنْعِمِي ”داوُدُ“: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، مُنِعَ الصَّرْفَ لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ، وهو هُنا: أبُو سُلَيْمانَ - عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِما السَّلامُ - وهو داوُدُ بْنُ إيسا، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، ويُقالُ داوُدُ بْنُ زَكَرِيّا بْنُ يَنْوى، مِن سِبْطِ يَهُودَ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ - عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِمُ السَّلامُ. ”الدَّفْعُ“: الصَّرْفُ، دَفَعَ يَدْفَعُ دَفْعًا، ودافَعَ مُدافَعَةً ودِفاعًا. ﴿وقالَ لَهم نَبِيُّهم إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ﴾، ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ وما قَبْلَها يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا مُقِرِّينَ بِنُبُوَّةِ هَذا النَّبِيِّ الَّذِي كانَ مَعَهم، ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ: ﴿ابْعَثْ لَنا مَلِكًا نُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٦] . ولَكِنْ لَمّا أخْبَرَهُمُ اللَّهُ: (p-٢٦١)بِأنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَهم طالُوتَ مَلِكًا أرادَ أنْ يُعْلِمَهم بِآيَةٍ تَدُلُّ عَلى مُلْكِهِ عَلى سَبِيلِ التَّغْبِيطِ والتَّنْبِيهِ عَلى هَذِهِ النِّعْمَةِ الَّتِي قَرَنَها اللَّهُ بِمُلْكِ طالُوتَ وجَعَلَها آيَةً لَهُ، وقالَ الطَّبَرِيُّ - وحَكى مَعْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ وابْنِ زَيْدٍ -: تَعَنَّتَ بَنُو إسْرائِيلَ وقالُوا لِنَبِيِّهِمْ: وما آيَةُ مُلْكِ طالُوتَ ؟ وذَلِكَ عَلى وجْهِ سُؤالِ الدَّلالَةِ عَلى صِدْقِ نَبِيِّهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكم طالُوتَ مَلِكًا﴾ [البقرة: ٢٤٧] وهَذا القَوْلُ أشْبَهُ مِنَ الأوَّلِ بِأخْلاقِ بَنِي إسْرائِيلَ وتَكْذِيبِهِمْ وتَعَنُّتِهِمْ لِأنْبِيائِهِمْ، وقِيلَ: خَيَّرَهُمُ النَّبِيُّ في آيَةٍ، فاخْتارُوا التّابُوتَ، ولا يَكُونُ إتْيانُ التّابُوتِ آيَةً إلّا إذا كانَ يَقَعُ عَلى وجْهٍ يَكُونُ خارِقًا لِلْعادَةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ آيَةً عَلى صِدْقِ الدَّعْوى، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَجِيئُهُ هو المُعْجِزَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ما فِيهِ هو المُعْجِزَ، وهو سَبَبٌ لِاسْتِقْرارِ قُلُوبِهِمْ، واطْمِئْنانِ نُفُوسِهِمْ؛ ونِسْبَةُ الإتْيانِ إلى التّابُوتِ مَجازٌ؛ لِأنَّ التّابُوتَ لا يَأْتِي، إنَّما يُؤْتى بِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَإذا عَزَمَ الأمْرُ﴾ [محمد: ٢١] ﴿فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: (التّابُوتُ) بِالتّاءِ؛ وقَرَأ أُبِيٌّ وزَيْدٌ بِالهاءِ، وهي لُغَةُ الأنْصارِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذِهِ الهاءِ أهِيَ بَدَلٌ مِنَ التّاءِ أمْ أصْلٌ ؟ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ السّائِبِ: كانَ التّابُوتُ مِن عُودِ الشَّمْشارِ، وهو خَشَبٌ تُعْمَلُ مِنهُ الأمْشاطُ، وعَلَيْهِ صَفائِحُ الذَّهَبِ، وقِيلَ: كانَتِ الصَّفائِحُ مُمَوَّهَةً بِالذَّهَبِ، وكانَ طُولُهُ ثَلاثَةَ أذْرُعٍ في ذِراعَيْنِ، وقَدْ كَثُرَ القَصَصُ في هَذا التّابُوتِ والِاخْتِلافُ في أمْرِهِ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ تابُوتٌ مَعْرُوفٌ حالُهُ عِنْدَ بَنِي إسْرائِيلَ، كانُوا قَدْ فَقَدُوهُ وهو مُشْتَمِلٌ عَلى ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى مِمّا أبْهَمَ حالَهُ، ولَمْ يَنُصَّ عَلى تَعْيِينِ ما فِيهِ، وأنَّ المَلائِكَةَ تَحْمِلُهُ، ونَحْنُ نُلِمُّ بِشَيْءٍ مِمّا قالَهُ المُفَسِّرُونَ والمُؤَرِّخُونَ عَلى سَبِيلِ الإيجازِ، فَذَكَرُوا: أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ تابُوتًا عَلى آدَمَ فِيهِ صُوَرُ الأنْبِياءِ، وبُيُوتٌ بِعَدَدِهِمْ، وآخِرُهُ بَيْتُ مُحَمَّدٍ ﷺ فَتَناقَلَهُ بَعْدَهُ أوْلادُهُ شِيثٌ فَمَن بَعْدَهُ إلى إبْراهِيمَ، ثُمَّ كانَ عِنْدَ إسْماعِيلَ، ثُمَّ عِنْدَ ابْنِهِ قَيْذارَ، فَنازَعَهُ إيّاهُ بَنُو عَمِّهِ أوْلادُ إسْحاقَ، وقالُوا لَهُ: قَدْ صُرِفَتِ النُّبُوَّةُ عَنْكم إلّا هَذا النُّورَ الواحِدَ، فامْتَنَعَ عَلَيْهِمْ، وجاءَ يَوْمًا يَفْتَحُهُ فَتَعَسَّرَ، فَناداهُ مُنادٍ مِنَ السَّماءِ: لا يَفْتَحُهُ إلّا نَبِيٌّ، فادْفَعْهُ إلى ابْنِ عَمِّكَ يَعْقُوبَ، فَحَمَلَهُ عَلى ظَهْرِهِ إلى كَنْعانَ، فَدَفَعَهُ لِيَعْقُوبَ، فَكانَ في بَنِي إسْرائِيلَ إلى أنْ وصَلَ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَوَضَعَ فِيهِ التَّوْراةَ ومَتاعًا مِن مَتاعِهِ، ثُمَّ تَوارَثَها أنْبِياءُ بَنِي إسْرائِيلَ إلى أنْ وصَلَ إلى شَمْوِيلَ، فَكانَ فِيهِ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ. وقِيلَ: اتَّخَذَ مُوسى التّابُوتَ لِيَجْمَعَ فِيهِ رُضاضَ الألْواحِ. والسَّكِينَةُ هي الطُّمَأْنِينَةُ، ولَمّا كانَتْ حاصِلَةً بِإتْيانِ التّابُوتِ، جُعِلَ التّابُوتُ ظَرْفًا لَها، وهَذا مِنَ المَجازِ الحَسَنِ، وهو تَشْبِيهُ المَعانِي بِالأجْرامِ، وجاءَ في حَدِيثِ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ: أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ سُورَةَ الكَهْفِ وعِنْدَهُ فَرَسٌ مَرْبُوطَةٌ، فَغَشِيَتْهُ سَحابَةٌ، فَجَعَلَتْ تَدُورُ وتَدْنُو، وجَعَلَ فَرَسُهُ يَنْفِرُ مِنها، فَلَمّا أصْبَحَ أتى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقالَ: «تِلْكَ السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ لِلْقُرْآنِ» . وفِي حَدِيثِ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ: ”بَيْنَما هو لَيْلَةً يَقْرَأُ في مِرْبَدِهِ“ الحَدِيثَ، وفِيهِ: فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تِلْكَ المَلائِكَةُ كانَتْ تَسْمَعُ لِذَلِكَ، ولَوْ قَرَأْتَ لَأصْبَحَتْ تَراها النّاسُ ما تَسْتَتِرُ مِنهم» . فَأخْبَرَ ﷺ عَنْ نُزُولِ السَّكِينَةِ مَرَّةً، ومَرَّةً عَنْ نُزُولِ المَلائِكَةِ، ودَلَّ حَدِيثُ أُسَيْدٍ عَلى أنَّ نُزُولَ السَّكِينَةِ في حَدِيثِ عِمْرانَ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: تِلْكَ أصْحابُ السَّكِينَةِ، وهُمُ المَلائِكَةُ المُخْبَرُ عَنْهم في حَدِيثِ أُسَيْدٍ، وجُعِلُوا ذَوِي السَّكِينَةِ؛ لِأنَّ إيمانَهم في غايَةِ الطُّمَأْنِينَةِ، وطَواعِيَتَهم دائِمَةٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهم، وقَدْ جاءَ في (الصَّحِيحِ): «ما اجْتَمَعَ قَوْمٌ في بَيْتٍ مِن بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ ويَتَدارَسُونَهُ بَيْنَهم إلّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وحَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ، وغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَن عِنْدَهُ» . فَنُزُولُ السَّكِينَةِ عَلَيْهِمْ كِنايَةٌ عَنِ التِباسِهِمْ بِطُمَأْنِينَةِ الإيمانِ، واسْتِقْرارِ ذَلِكَ في قُلُوبِهِمْ؛ لِأنَّ مَن تَلا كِتابَ اللَّهِ وتَدارَسَهُ يَحْصُلُ لَهُ بِالتَّدَبُّرِ في مَعانِيهِ، والتَّفَكُّرِ في أسالِيبِهِ، ما يَطْمَئِنُّ إلَيْهِ قَلْبُهُ، وتَسْتَقِرُّ لَهُ نَفْسُهُ، وكَأنَّهُ كانَ قَبْلَ (p-٢٦٢)التِّلاوَةِ لَهُ والدِّراسَةِ خالِيًا مِن ذَلِكَ، فَحِينَ تَلا نَزَلَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وقَدْ قالَ بِهَذا المَعْنى بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، قالَ قَتادَةُ: السَّكِينَةُ هُنا الوَقارُ. وقالَ عَطاءٌ: ما يَعْرِفُونَ مِنَ الآياتِ فَيَسْكُنُونَ إلَيْها، وقالَ نَحْوَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: التّابُوتُ صُنْدُوقُ التَّوْراةِ، كانَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذا قاتَلَ قَدَّمَهُ فَكانَتْ تَسْكُنُ نُفُوسُ بَنِي إسْرائِيلَ ولا يَفِرُّونَ، والسَّكِينَةُ: السُّكُونُ والطُّمَأْنِينَةُ، وذُكِرَ عَنْ عَلِيٍّ أنَّ السَّكِينَةَ لَها وجْهٌ كَوَجْهِ الإنْسانِ، وهي رِيحٌ هَفّافَةٌ، وقِيلَ: السَّكِينَةُ صُورَةٌ مِن زَبَرْجَدٍ أوْ ياقُوتٍ، لَها رَأْسٌ كَرَأْسِ الهِرِّ وذَنَبٌ كَذَنَبِهِ وجَناحانِ، فَتَئِنُّ فَيَزُفُّ التّابُوتُ نَحْوَ العَدُوِّ، وهم يَمْضُونَ مَعَهُ، فَإذا اسْتَقَرَّ ثَبَتَتْ وسَكَنُوا، ونَزَلَ النَّصْرُ. وقِيلَ: السَّكِينَةُ بِشاراتٌ مِن كُتِبِ اللَّهِ المُنَزَّلَةِ عَلى مُوسى وهارُونَ ومَن بَعْدَهُما مِنَ الأنْبِياءِ، فَإنَّ اللَّهَ يَنْصُرُ طالُوتَ وجُنُودَهُ، ويُقالُ: جَعَلَ تَعالى سَكِينَةَ بَنِي إسْرائِيلَ في التّابُوتِ الَّذِي فِيهِ رُضاضُ الألْواحِ، والعَصا، وآثارُ أصْحابِ نُبُوَّتِهِمْ، وجَعَلَ تَعالى سَكِينَةَ هَذِهِ الأُمَّةِ في قُلُوبِهِمْ، وفَرَّقَ بَيْنَ مَقَرٍّ تَداوَلَتْهُ الأيْدِي، قَدْ فَرَّ مَرَّةً، وغُلِبَ عَلَيْهِ مَرَّةً، وبَيْنَ مَقَرٍّ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِن أصابِعِ الرَّحْمَنِ. وقَرَأ أبُو السَّمّاكِ: (سَكِّينَةٌ)، بِتَشْدِيدِ الكافِ وارْتِفاعُ (سَكِينَةٌ) بِقَوْلِهِ: فِيهِ، وهو في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: كائِنًا فِيهِ سَكِينَةٌ. و(مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ، أيْ: كائِنَةٌ مِن رَبِّكم، فَهو في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، أوْ مُتَعَلِّقًا بِما تَعَلَّقَ بِهِ قَوْلُهُ: (فِيهِ) ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: مِن سَكِيناتِ رَبِّكم. والبَقِيَّةُ؛ قِيلَ: رُضاضُ الألْواحِ الَّتِي تَكَسَّرَتْ حِينَ ألْقاها مُوسى، عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. وقِيلَ: عَصا مُوسى، قالَهُ وهْبٌ، وقِيلَ: عَصا مُوسى وهارُونَ وثِيابُهُما، ولَوْحانِ مِنَ التَّوْراةِ والمَنِّ، قالَهُ أبُو صالِحٍ. وقِيلَ: العِلْمُ والتَّوْراةُ قالَهُ مُجاهِدٌ وعَطاءٌ. وقِيلَ: رُضاضُ الألْواحِ وطَسْتٌ مِن ذَهَبٍ وعَصا مُوسى وعِمامَتُهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. وقِيلَ: قَفِيزٌ مِن مَنٍّ ورُضاضُ الألْواحِ حَكاهُ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ. وقِيلَ: العَصا والنَّعْلانِ، حَكاهُ الثَّوْرِيُّ أيْضًا. وقِيلَ: الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ، وبِذَلِكَ أُمِرُوا، قالَهُ الضَّحّاكُ. وقِيلَ: التَّوْراةُ ورُضاضُ الألْواحِ قالَهُ السُّدِّيُّ. وقِيلَ: لَوْحانِ مِنَ التَّوْراةِ، وثِيابُ مُوسى وهارُونَ وعَصَواهُما، وكَلِمَةُ اللَّهِ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ الحَكِيمُ الكَرِيمُ، وسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبِّ العَرْشِ العَظِيمِ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ. وقِيلَ: عَصا مُوسى وأُمُورٌ مِنَ التَّوْراةِ، قالَهُ الرَّبِيعُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَجْمُوعَ ما ذُكِرَ في التّابُوتِ، فَأخْبَرَ كُلُّ قائِلٍ عَنْ بَعْضِ ما فِيهِ، وانْحَصَرَ بِهَذِهِ الأقْوالِ ما في التّابُوتِ مِنَ البَقِيَّةِ. ﴿مِمّا تَرَكَ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ (بَقِيَّةٌ) و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ، و﴿آلُ مُوسى وآلُ هارُونَ﴾ هم مِنَ الأنْبِياءِ، إلَيْهِما مِن قَرابَةٍ أوْ شَرِيعَةٍ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ آلَ مُوسى وآلَ هارُونَ هُمُ الأنْبِياءُ الَّذِينَ كانُوا بَعْدَهُما، فَإنَّهم كانُوا يَتَوارَثُونَ ذَلِكَ إلى أنْ فُقِدَ. ونَذْكُرُ كَيْفِيَّةَ فَقْدِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ مِمّا تَرَكَهُ مُوسى وهارُونُ، والآلُ مُقْحَمٌ لِتَفْخِيمِ شَأْنِهِما، انْتَهى. وقالَ غَيْرُهُ: (آلُ) هَنا زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: مِمّا تَرَكَ مُوسى وهارُونُ، ومِنهُ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وعَلى آلِ مُحَمَّدٍ وعَلى آلِ أبِي أوْفى، يُرِيدُ نَفْسَهُ، ولَقَدْ أُوتِيَ هَذا مِزْمارًا مِن مَزامِيرِ آلِ داوُدَ، أيْ: مِن مَزامِيرِ داوُدَ؛ ومِنهُ قَوْلُ جَمِيلٍ: ؎بُثَيْنَةُ مِن آلِ النِّساءِ وإنَّما ∗∗∗ يَكُنَّ لِأدْنى لا وِصالَ لِغائِبِ أيْ: مِنَ النِّساءِ، انْتَهى. ودَعْوى الإقْحامِ والزِّيادَةِ في الأسْماءِ لا يَذْهَبُ إلَيْهِ نَحْوِيٌّ مُحَقِّقٌ، وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: والآلُ مُقْحُمٌ لِتَفْخِيمِ شَأْنِهِما إنْ عَنى بِالإقْحامِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ أوَّلُ كَلامِهِ في قَوْلِهِ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ مِمّا تَرَكَهُمُوسى وهارُونُ، فَلا أدْرِي كَيْفَ يُفِيدُ زِيادَةُ (آلُ) تَفْخِيمَ شَأْنِ مُوسى وهارُونَ ؟ وإنْ عَنى بِالآلِ الشَّخْصَ، فَإنَّهُ يُطْلَقُ عَلى شَخْصِ الرَّجُلِ آلِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: مِمّا تَرَكَ مُوسى وهارُونُ أنْفُسُهُما، فَنَسَبَ تِلْكَ الأشْياءَ العَظِيمَةَ الَّتِي تَضَمَّنَها التّابُوتُ إلى أنَّها مِن بَقايا مُوسى وهارُونَ شَخْصَيْهِما، أيْ (p-٢٦٣)أنْفُسِهِما لا مِن بَقايا غَيْرِهِما، فَجَرى (آلُ) هَنا مَجْرى التَّوْكِيدِ الَّذِي يُرادُ بِهِ: أنَّ المَتْرُوكَ مِن ذَلِكَ الخَيْرِ هو مَنسُوبٌ لِذاتِ مُوسى وهارُونَ، فَيَكُونُ في التَّنْصِيصِ عَلَيْهِما بِذاتِهِما تَفْخِيمٌ لِشَأْنِهِما، وكانَ ذَلِكَ مُقْحَمًا؛ لِأنَّهُ لَوْ قِيلَ: مِمّا تَرَكَ مُوسى وهارُونُ لاكْتَفى، وكانَ ظاهِرُ ذَلِكَ أنَّهُما أنْفُسَهُما تَرَكا ذَلِكَ ووُرِثَ عَنْهُما. ﴿تَحْمِلُهُ المَلائِكَةُ﴾ وقَرَأ مُجاهِدٌ: (يَحْمِلُهُ)، بِالياءِ مِن أسْفَلَ، والضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى التّابُوتِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ حالٌ مِنَ التّابُوتِ، أيْ: حامِلًا لَهُ المَلائِكَةُ، ويُحْتَمَلُ الِاسْتِئْنافُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ومَن يَأْتِي بِهِ وقَدْ فُقِدَ ؟ فَقالَ: ﴿تَحْمِلُهُ المَلائِكَةُ﴾ اسْتِعْظامًا لِشَأْنِ هَذِهِ الآيَةِ العَظِيمَةِ، وهو أنَّ الَّذِي يُباشِرُ إتْيانَهُ إلَيْكُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ يَكُونُونَ مُعَدِّينَ لِلْأُمُورِ العِظامِ، ولَهُمُ القُوَّةُ والتَّمْكِينُ والِاطِّلاعُ بِإقْدارِ اللَّهِ لَهم عَلى ذَلِكَ، ألا تَرى إلى تَلَقِّيهِمُ الكُتُبَ الإلَهِيَّةَ وتَنْزِيلِهِمْ بِها عَلى مَن أُوحِيَ إلَيْهِمْ، وقَلْبِهِمْ مَدائِنَ العُصاةِ، وقَبْضِ الأرْواحِ، وإرْجاءِ السَّحابِ، وحَمْلِ العَرْشِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الخارِقَةِ، والمَعْنى: تَحْمِلُهُ المَلائِكَةُ إلَيْكم. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جاءَتِ المَلائِكَةُ بِالتّابُوتِ تَحْمِلُهُ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، وهم يَنْظُرُونَ إلَيْهِ حَتّى وضَعَتْهُ عِنْدَ طالُوتَ. قالَ وهْبٌ: قالُوا لِنَبِيِّهِمْ: انْعَتْ وقْتًا تَأْتِينا بِهِ فَقالَ: الصُّبْحُ، فَلَمْ يَنامُوا لَيْلَتَهم حَتّى سَمِعُوا حَفِيفَ المَلائِكَةِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ. وقالَ قَتادَةُ: كانَ التّابُوتُ في التِّيهِ خَلَّفَهُ مُوسى عِنْدَ يُوشَعَ، فَبَقِيَ هُناكَ ولَمْ يَعْلَمْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ، فَحَمَلَتْهُ المَلائِكَةُ حَتّى وضَعَتْهُ في دارِ طالُوتَ، فَأقَرُّوا بِمُلْكِهِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: غَيْرَ راضِينَ، وقِيلَ: سَبى التّابُوتَ أهْلُ الأُرْدُنِّ - قَرْيَةٌ مِن قُرى فِلَسْطِينَ - وجَعَلُوهُ في بَيْتِ صَنَمٍ لَهم تَحْتَ الصَّنَمِ، فَأصْبَحَ الصَّنَمُ تَحْتَ التّابُوتِ، فَسَمَّرُوا قَدَمَيِ الصَّنَمِ عَلى التّابُوتِ، فَأصْبَحَ وقَدْ قُطِعَتْ يَداهُ ورِجْلاهُ مُلْقًى تَحْتَ التّابُوتِ، وأصْنامُهم مُنَكَّسَةٌ، فَوَضَعُوهُ في ناحِيَةٍ مِن مَدِينَتِهِمْ، فَأخَذَ أهْلُها وجَعٌ في أعْناقِهِمْ وهَلَكَ أكْثَرُهم، فَدَفَنُوهُ بِالصَّحْراءِ في مُتَبَرَّزٍ لَهم، فَكانَ مَن تَبَرَّزَ هُناكَ أخَذَهُ النّاسُورُ والقُولَنْجُ، فَتَحَيَّرُوا، وقالَتِ امْرَأةٌ مِن أوْلادِ الأنْبِياءِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ: ما تَزالُوا تَرَوْنَ ما تَكْرَهُونَ ما دامَ هَذا التّابُوتُ فِيكم، فَأخْرِجُوهُ عَنْكم، فَحَمَلُوا التّابُوتَ عَلى عَجَلَةٍ، وعَلَّقُوا بِها ثَوْرَيْنِ أوْ بَقَرَتَيْنِ، وضَرَبُوا جَنُوبَهُما، فَوَكَّلَ اللَّهُ أرْبَعَةً مِنَ المَلائِكَةِ يَسُوقُونَهُما، فَما مَرَّ التّابُوتُ بِشَيْءٍ مِنَ الأرْضِ إلّا كانَ مُقَدَّسًا إلى أرْضِ بَنِي إسْرائِيلَ، وُضِعَ التّابُوتُ في أرْضٍ فِيها حَصادُ بَنِي إسْرائِيلَ، ورَجَعا إلى أرْضِهِما، فَلَمْ يَرْعَ بَنِي إسْرائِيلَ إلّا التّابُوتُ، فَكَبَّرُوا وحَمِدُوا اللَّهَ عَلى تَمْلِيكِ طالُوتَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿تَحْمِلُهُ المَلائِكَةُ﴾ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ التّابُوتَ والعَصا في بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ يَخْرُجانِ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ، وقِيلَ: عِنْدَ نُزُولِ عِيسى، عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ السَّلامُ. * * ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ قِيلَ: الإشارَةُ إلى التّابُوتِ، والأحْسَنُ أنْ يَعُودَ عَلى الإتْيانِ أيْ: إتْيانِ التّابُوتِ عَلى الوَصْفِ المَذْكُورِ لِيُناسِبَ أوَّلُ الآيَةِ آخِرَها؛ لِأنَّ أوَّلَها ﴿إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ﴾ والمَعْنى: لَآيَةً لَكم عَلى مُلْكِهِ واخْتِيارِهِ لَكم، وقِيلَ: عَلامَةً لَكم عَلى نَصْرِكم عَلى عَدُوِّكم؛ لِأنَّهم كانُوا يَسْتَنْصِرُونَ بِالتّابُوتِ أيْنَما تَوَجَّهُوا، فَيُنْصَرُونَ. وإنْ قِيلَ عَلى حالِها مِن وضْعِها لِلشَّرْطِ. أيْ: ذَلِكَ آيَةً لَكم عَلى تَقْدِيرِ إيمانِكم؛ لِأنَّهم قِيلَ: صارُوا كَفَرَةً بِإنْكارِهِمْ عَلى نَبِيِّهِمْ. وقِيلَ: إنْ كانَ مِن شَأْنِكم وهِمَمِكُمُ الإيمانُ بِما تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ عَلَيْكم، وقِيلَ: إنْ كُنْتُمْ مُصَدِّقِينَ بِأنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ لَكم طالُوتَ مَلِكًا. وقِيلَ: مُصَدِّقِينَ بِأنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ. وقِيلَ: (إنَّ) بِمَعْنى: إذْ، ولَمْ يَسْألُوا تَكْذِيبًا لِنَبِيِّهِمْ، وإنَّما سَألُوا تَعَرُّفًا لِوَجْهِ الحِكْمَةِ، والسُّؤالُ عَنِ الكَيْفِيَّةِ لا يَكُونُ إنْكارًا كُلِّيًّا.

البقرة 2:249

﴿فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ بِالجُنُودِ﴾ بَيْنَ هَذِهِ الجُمْلَةِ والجُمْلَةِ قَبْلَها مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَجاءَهُمُ التّابُوتُ، وأقَرُّوا لَهُ بِالمُلْكِ، وتَأهَّبُوا لِلْخُرُوجِ، ﴿فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ﴾ أيِ: انْفَصَلَ مِن مَكانِ إقامَتِهِ، يُقالُ: فَصَلَ عَنِ المَوْضِعِ انْفَصَلَ، وجاوَزَهُ. قِيلَ: وأصْلُهُ فَصَلَ نَفْسَهُ، ثُمَّ كَثُرَ، فَحُذِفَ المَفْعُولُ حَتّى صارَ في حُكْمِ غَيْرِ المُتَعَدِّي: كانْفَصَلَ، والباءُ في (بِالجُنُودِ)، (p-٢٦٤)لِلْحالِ، أيْ: والجُنُودُ مُصاحِبُوهُ، وكانَ عَدَدُهم سَبْعِينَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. أوْ ثَمانِينَ ألْفًا قالَهُ عِكْرِمَةُ. أوْ مِائَةَ ألْفٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ. أوْ ثَلاثِينَ ألْفًا. قالَ عِكْرِمَةُ: لَمّا رَأى بَنُو إسْرائِيلَ التّابُوتَ سارَعُوا إلى طاعَتِهِ والخُرُوجِ مَعَهُ، فَقالَ لَهم طالُوتُ: لا يَخْرُجُ مَعِي مَن بَنى بِناءً لَمْ يَفْرَغْ مِنهُ، ولا مَن تَزَوَّجَ امْرَأةً لَمْ يَدْخُلْ بِها، ولا صاحِبُ زَرْعٍ لَمْ يَحْصُدْهُ، ولا صاحِبُ تِجارَةٍ لَمْ يَرْحَلْ بِها، ولا مَن لَهُ أوْ عَلَيْهِ دَيْنٌ، ولا كَبِيرٌ، ولا عَلِيلٌ. فَخَرَجَ مَعَهُ مَن تَقَدَّمَ الِاخْتِلافُ في عَدَدِهِمْ عَلى شَرْطِهِ، فَسارَ بِهِمْ، فَشَكَوْا قِلَّةَ الماءِ وخَوْفَ العَطَشِ، وكانَ الوَقْتُ قَيْظًا، وسَلَكُوا مَفازَةً، فَسَألُوا اللَّهَ أنْ يُجْرِيَ لَهم نَهَرًا. ﴿قالَ إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكم بِنَهَرٍ﴾ قالَ وهْبٌ: هو الَّذِي اقْتَرَحُوهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: هو نَهَرٌ بَيْنَ الأُرْدُنِّ وفِلَسْطِينَ. وقِيلَ: نَهَرُ فِلَسْطِينَ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وابْنُ عَبّاسٍ، أيْضًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (بِنَهَرٍ)، بِفَتْحِ الهاءِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ الأعْرَجُ، وأبُو السَّمّاكِ، وغَيْرُهم: بِإسْكانِ الهاءِ في جَمِيعِ القُرْآنِ. وظاهِرُ قَوْلِ طالُوتَ: إنَّ اللَّهَ يُوحِي، إمالَةٌ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّهُ نَبِيٌّ، أوْ يُوحِي إلى نَبِيِّهِمْ، وإخْبارُ النَّبِيِّ طالُوتَ بِذَلِكَ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا مِمّا ألْهَمَ اللَّهُ طالُوتَ إلَيْهِ، فَجَرَتْ بِهِ جُنْدُهُ، وجُعِلَ الإلْهامُ ابْتِلاءً مِنَ اللَّهِ لَهم، ومَعْنى هَذا الِابْتِلاءِ اخْتِبارُهم، فَمَن ظَهَرَتْ طاعَتُهُ في تَرْكِ الماءِ عَلِمَ أنَّهُ يُطِيعُ، فِيما عَدا ذَلِكَ، ومَن غَلَبَتْهُ شَهْوَتُهُ في الماءِ، وعَصى الأمْرَ فَهو بِالعِصْيانِ في الشَّدائِدِ أحْرى، انْتَهى كَلامُهُ. وبَعْدَ أنْ يُخْبِرَ طالُوتُ عَنْ ما خَطَرَ بِبالِهِ بِأنَّهُ قَوْلُ اللَّهِ عَلى طَرِيقِ الجَزْمِ عَنِ اللَّهِ ﴿فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾ ) أيْ: لَيْسَ مِن أتْباعِي في هَذِهِ الحَرْبِ ولا أشْياعِي، ولَمْ يُخْرِجْهم بِذَلِكَ عَنِ الإيمانِ نَحْوَ: «مَن غَشَّنا فَلَيْسَ مِنّا»، «لَيْسَ مِنّا مَن شَقَّ الجُيُوبَ ولَطَمَ الخُدُودَ» أوْ لَيْسَ بِمُتَّصِلٍ بِي ومُتَّحِدٍ مَعِي، مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ مِنِّي كَأنِّي بَعْضُهُ، لِاخْتِلاطِهِما واتِّحادِهِما قالَ النّابِغَةُ: ؎إذا حاوَلْتَ في أسَدٍ فُجُورًا فَإنِّي لَسْتُ مِنكَ ولَسْتَ مِنِّي ﴿ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي﴾ أيْ: مَن لَمْ يَذُقْهُ، وطَعْمُ كُلِّ شَيْءٍ ذَوْقُهُ، ومِنهُ التَّطَعُّمُ، يُقالُ: تَطَعَّمْتُ مِنهُ أيْ: ذُقْتُهُ، وتَقُولُ العَرَبُ لِمَن لا تَمِيلُ نَفْسُهُ إلى مَأْكُولٍ تُطْعَمُ مِنهُ: يَسْهُلُ أكْلُهُ، قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: العَرَبُ تَقُولُ: أطْعَمْتُكَ الماءَ تُرِيدُ أذَقْتُكَ، وطَعَمْتُ الماءَ أطْعَمُهُ بِمَعْنى ذُقْتُهُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎فَإنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّساءَ عَلَيْكم ∗∗∗ وإنْ شِئْتِ لَمْ أُطْعَمْ نُقاخًا ولا بَرْدًا النُّقاخُ: العَذْبُ، والبَرْدُ النَّوْمُ، ويُقالُ: ما ذُقْتُ غِماضًا. وفي حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ: ”في ماءِ زَمْزَمَ طَعامُ طُعْمٍ“ وفي الحَدِيثِ: «لَيْسَ لَنا طَعامٌ إلّا الأسْوَدَيْنِ التَّمْرَ والماءَ» . والطَّعْمُ يَقَعُ عَلى الطَّعامِ والشَّرابِ، واخْتِيرَ هَذا اللَّفْظُ لِأنَّهُ أبْلَغُ؛ لِأنَّ نَفْيَ الطَّعْمِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الشُّرْبِ، ونَفْيَ الشُّرْبِ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الطَّعْمِ؛ لِأنَّ الطَّعْمَ يَنْطَلِقُ عَلى الذَّوْقِ، والمَنعُ مِنَ الطَّعْمِ أشُقُّ في التَّكْلِيفِ مِنَ المَنعِ مِنَ الشُّرْبِ، إذْ يَحْصُلُ بِإلْقائِهِ في الفَمِ، وإنْ لَمْ يَشْرَبْهُ، نَوْعُ راحَةٍ. وفِي قَوْلِهِ: ﴿ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الماءَ طَعامٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ أيْضًا ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ. واخْتُلِفَ في جَرَيانِ الرِّبا فِيهِ، فَقالَ الشّافِعِيُّ: لا يَجُوزُ بَيْعُ الماءِ بِالماءِ مُتَفاضِلًا، ولا يَجُوزُ فِيهِ الأجَلُ. وقالَ مالِكٌ وأبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ: يَجُوزُ ذَلِكَ. وحَكى ابْنُ العَرَبِيِّ: أنَّ الصَّحِيحَ مِن مَذْهَبِ مالِكٍ جَرَيانُ الرِّبا فِيهِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ: هو مِمّا يُكالُ ويُوزَنُ، فَعَلى هَذا لا يَجُوزُ عِنْدَهُ التَّفاضُلُ. وكَأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَمَن شَرِبَ مِنهُ﴾ يَدُلُّ ظاهِرُهُ عَلى مُباشَرَةِ الشُّرْبِ مِنَ النَّهَرِ حَتّى لَوْ أُخِذَ بِالكُوزِ، وشُرْبُهُ لا يَكُونُ داخِلًا في مَن شَرِبَ مِنهُ، إذا لَمْ يُباشِرِ الشُّرْبَ مِنَ النَّهَرِ، وفي مَذْهَبِ أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - أنَّهُ إنْ قالَ: إنْ شَرِبْتُ مِنَ القِرْبَةِ فَعَبْدِي حُرٌّ، يُحْمَلُ عَلى الكُرُوعِ، وإنِ اغْتَرَفَ مِنهُ، أوْ شَرِبَ بِإناءٍ لَمْ يَحْنَثْ. قالُوا: لِأنَّهُ تَعالى حَظَرَ الشُّرْبَ مِنَ النَّهَرِ، وحَظَرَ مَعَ ذَلِكَ أنْ يُطْعَمَ مِنهُ، واسْتَثْنى مِنَ الطَّعْمِ مِنهُ الِاغْتِرافَ، فَحَظْرُ الشُّرْبِ باقٍ، ودَلَّ عَلى أنَّ الِاغْتِرافَ لَيْسَ بِشُرْبٍ، وأتى بِقَوْلِهِ: (ومَن لَمْ) مُعَدًّى لِضَمِيرِ الماءِ، لا إلى النَّهَرِ، لِيُزِيلَ ذَلِكَ (p-٢٦٥)الإبْهامَ، ولِيُعْلَمَ أنَّ المَقْصُودَ هو المَنعُ مِن وُصُولِهِمْ إلى الماءِ مِنَ النَّهَرِ، بِمُباشَرَةِ الشُّرْبِ مِنهُ أوْ بِواسِطَةٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي قَوْلِهِ: ﴿ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي﴾ سَدُّ الذَّرائِعِ؛ لِأنَّ أدْنى الذَّوْقِ يَدْخُلُ في لَفْظِ الطَّعْمِ، فَإذا وقَعَ النَّهْيُ عَنِ الطَّعْمِ فَلا سَبِيلَ إلى وُقُوعِ الشُّرْبِ مِمَّنْ يَتَجَنَّبُ الطَّعْمَ، ولِهَذِهِ المُبالَغَةِ، لَمْ يَأْتِ الكَلامُ: ومَن لَمْ يَشْرَبْ مِنهُ، انْتَهى كَلامُهُ. ﴿إلّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ هَذا اسْتِثْناءٌ مِنَ الجُمْلَةِ الأُولى، وهي قَوْلُهُ: ﴿فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾ والمَعْنى: أنَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ دُونَ الكُرُوعِ فَهو مِنِّي، والِاسْتِثْناءُ إذا اعْتَقَبَ جُمْلَتَيْنِ أوْ جُمَلًا، يُمْكِنُ عَوْدُهُ إلى كُلِّ واحِدَةٍ مِنها، فَإنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالأخِيرَةِ، وهَذا عَلى خِلافٍ في هَذِهِ المَسْألَةِ مَذْكُورٌ في عِلْمِ أُصُولِ الفِقْهِ، فَإنْ دَلَّ دَلِيلٌ عَلى تَعَلُّقِها بِبَعْضِ الجُمَلِ كانَ الِاسْتِثْناءُ مِنهُ، وهُنا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى تَعَلُّقِها بِالجُمْلَةِ الأُولى، وإنَّما قُدِّمَتِ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ عَلى الِاسْتِثْناءِ مِنَ الأوْلى؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ الثّانِيَةَ تَدَلُّ عَلَيْها الأُولى بِالمَفْهُومِ؛ لِأنَّهُ حِينَ ذَكَرَ أنَّ اللَّهَ يَبْتَلِيهِمْ بِنَهَرٍ، وأنَّ مَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيْسَ مِنهُ، فُهِمَ مِن ذَلِكَ أنَّ مَن لَمْ يَشْرَبْ مِنهُ فَإنَّهُ مِنهُ، فَصارَتِ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ كالفَصْلِ بَيْنَ الأُولى والِاسْتِثْناءِ مِنها إذا دَلَّتْ عَلَيْها الأُولى، حَتّى إنَّها لَوْ لَمْ يَكُنْ مُصَرَّحًا بِها لَفُهِمَتْ مِنَ الجُمْلَةِ الأُولى، وقَدْ وقَعَ في بَعْضِ التَّصانِيفِ ما نَصُّهُ: إلّا مَنِ اغْتَرَفَ. اسْتِثْناءٌ مِنَ الأُولى، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ اسْتِثْناءً مِنَ الثّانِيَةِ، انْتَهى. ولا يَظْهَرُ كَوْنُهُ اسْتِثْناءً مِنَ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ؛ لِأنَّهُ حَكَمَ عَلى أنَّ مَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنهُ، فَيَلْزَمُ في الِاسْتِثْناءِ مِن هَذا أنَّ مَنِ اغْتَرَفَ مِنهُ بِيَدِهِ غُرْفَةً فَلَيْسَ مِنهُ، والأمْرُ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ مَفْسُوحٌ لَهُمُ الِاغْتِرافُ غُرْفَةً بِاليَدِ دُونَ الكُرُوعِ فِيهِ، وهو ظاهِرُ الِاسْتِثْناءِ مِنَ الأُولى؛ لِأنَّهُ حَكَمَ فِيها أنَّ مَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيْسَ مِنهُ، فَيَلْزَمُ في الِاسْتِثْناءِ أنَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ مِنهُ فَإنَّهُ مِنهُ؛ إذْ هو مَفْسُوحٌ لَهُ في ذَلِكَ، وهَكَذا الِاسْتِثْناءُ يَكُونُ مِنَ النَّفْيِ إثْباتًا، ومِنَ الإثْباتِ نَفْيًا، عَلى الصَّحِيحِ مِنَ المَذاهِبِ في هَذِهِ المَسْألَةِ. وفي الِاسْتِثْناءِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: إلّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبَها، أوْ لِلشُّرْبِ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو: (غَرْفَةً)، بِفَتْحِ الغَيْنِ، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّها، فَقِيلَ: هُما بِمَعْنى المَصْدَرِ، وقِيلَ: هُما بِمَعْنى المَغْرُوفِ، وقِيلَ: الغَرْفَةُ بِالفَتْحِ المَرَّةُ، وبِالضَّمِّ ما تَحْمِلُهُ اليَدُ، فَإذا كانَ مَصْدَرًا فَهو عَلى غَيْرِ الصَّدْرِ، إذْ لَوْ جاءَ عَلى الصَّدْرِ لَقالَ: اغْتِرافَةً، ويَكُونُ مَفْعُولُ اغْتَرَفَ مَحْذُوفًا، أيْ: ماءً، وإذا كانَ بِمَعْنى المَغْرُوفِ كانَ مَفْعُولًا بِهِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وكانَ أبُو عَلِيٍّ يُرَجِّحُ ضَمَّ الغَيْنِ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ أيْضًا: أنَّ غَرْفَةً بِالفَتْحِ إنَّما هو مَصْدَرٌ عَلى غَيْرِ اغْتِرافٍ، انْتَهى. وهَذا التَّرْجِيحُ الَّذِي يَذْكُرُهُ المُفَسِّرُونَ والنَّحْوِيُّونَ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ لا يَنْبَغِي؛ لِأنَّ هَذِهِ القِراءاتِ كُلَّها صَحِيحَةٌ ومَرْوِيَّةٌ ثابِتَةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولِكُلٍّ مِنها وجْهٌ ظاهِرٌ حَسَنٌ في العَرَبِيَّةِ، فَلا يُمْكِنُ فِيها تَرْجِيحُ قِراءَةٍ عَلى قِراءَةٍ، ويَتَعَلَّقُ (بِيَدِهِ) بِقَوْلِهِ: (اغْتَرَفَ) . قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِغُرْفَةٍ، فَيَتَعَلَّقُ بِالمَحْذُوفِ. وظاهِرُ: (غُرْفَةً بِيَدِهِ) الِاقْتِصارُ عَلى غَرْفَةٍ واحِدَةٍ، وأنَّها تَكُونُ بِاليَدِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ: كانَتِ الغُرْفَةُ يَشْرَبُ مِنها هو ودَوابُّهُ وخَدَمُهُ ويَحْمِلُ مِنها، قالَ مُقاتِلٌ: ويَمْلَأُ مِنها قِرْبَتَهُ، قِيلَ: فَيَجْعَلُ اللَّهُ فِيها البَرَكَةَ حَتّى تَكْفِيَ لِكُلِّ هَؤُلاءِ، وكانَ هَذا مُعْجِزَةً لِنَبِيِّ ذَلِكَ الزَّمانِ، قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: لَمْ يُرِدْ غُرْفَةَ الكَفِّ، وإنَّما أرادَ المَرَّةَ الواحِدَةَ بِقِرْبَةٍ أوْ جَرَّةٍ أوْ ما أشْبَهَ ذَلِكَ، وهَذا الِابْتِلاءُ الَّذِي ابْتَلى اللَّهُ بِهِ جُنُودَ طالُوتَ ابْتِلاءٌ عَظِيمٌ، حَيْثُ مُنِعُوا مِنَ الماءِ مَعَ وُجُودِهِ وكَثْرَتِهِ في شِدَّةِ الحَرِّ والقَيْظِ، وأنَّ مَن أُبِيحَ لَهُ شَيْءٌ مِنهُ فَإنَّما هو مِقْدارُ ما يَغْرِفُ بِيَدِهِ، فَأيْنَ يَصِلُ مِنهُ ذَلِكَ ؟ وهَذا أشَدُّ في التَّكْلِيفِ مِمّا ابْتُلِيَ بِهِ أهْلُ أيْلَةَ مِن تَرْكِ الصَّيْدِ يَوْمَ السَّبْتِ، مَعَ إمْكانِ ذَلِكَ فِيهِ، وكَثْرَةِ ما يَرِدُ إلَيْهِمْ فِيهِ مِنَ الحِيتانِ. ﴿فَشَرِبُوا مِنهُ إلّا قَلِيلًا﴾ أيْ: كَرَعُوا فِيهِ، ظاهِرُهُ أنَّ الأكْثَرَ شَرِبُوا، وأنَّ القَلِيلَ لَمْ يَشْرَبُوا، ويُحْمَلُ الشُّرْبُ الَّذِي (p-٢٦٦)وقَعَ مِن أكْثَرِهِمْ عَلى أنَّهُ الشُّرْبُ الَّذِي لَمْ يُؤْذَنْ فِيهِ، ووَقَعَ بِهِ المُخالَفَةُ، ويَكُونُ الِاسْتِثْناءُ عَلى أنَّ ذَلِكَ القَلِيلَ لَمْ يَشْرَبُوا ذَلِكَ الشُّرْبَ الَّذِي لَمْ يُؤْذَنْ فِيهِ، فَبَقِيَ تَحْتَ القَلِيلِ قِسْمانِ: أحَدُهُما: لَمْ يَطْعَمْهُ ألْبَتَّةَ والثّانِي: الَّذِي اغْتَرَفُوا بِأيْدِيهِمْ، وهَذا التَّقْسِيمُ رُوِيَ مَعْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ الأكْثَرَ شَرِبُوا عَلى قَدْرِ يَقِينِهِمْ، فَشَرِبَ الكُفّارُ شُرْبَ الهِيمِ، وشَرِبَ العاصُونَ دُونَ ذَلِكَ، وانْصَرَفَ مِنَ القَوْمِ سِتَّةٌ وسَبْعُونَ ألْفًا، وبَقِيَ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَشْرَبْ شَيْئًا، وأخَذَ بَعْضُهُمُ الغُرْفَةَ؛ فَأمّا مَن شَرِبَ فَلَمْ يُرْوَ، بَلْ بَرِحَ بِهِ العَطَشُ، وأمّا مَن تَرَكَ الماءَ فَحَسُنَتْ حالُهُ، وكانَ أجْدَرَ مِمَّنْ أخَذَ الغُرْفَةَ. وقِيلُ الَّذِينَ شَرِبُوا وخالَفُوا أمْرَ اللَّهِ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم وشِفاهُهم، فَلَمْ يُرْوَوْا، وبَقُوا عَلى شَطِّ النَّهَرِ، وجَبُنُوا عَنْ لِقاءِ العَدُوِّ، فَلَمْ يُجاوِزُوا ولَمْ يَشْهَدُوا الفَتْحَ. وقِيلَ: بَلْ كُلُّهم جاوَزَ لَكِنْ لَمْ يَحْضُرِ القِتالَ إلّا القَلِيلُ الَّذِينَ لَمْ يَشْرَبُوا. والقَلِيلُ المُسْتَثْنى أرْبَعَةُ آلافٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ، وقِيلَ: ثَلاثُمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأُبَيٌّ والأعْمَشُ: (إلّا قَلِيلٌ) بِالرَّفْعِ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا مِن مَيْلِهِمْ مَعَ المَعْنى والإعْراضِ عَنِ اللَّفْظِ جانِبًا، وهو بابٌ جَلِيلٌ مِن عِلْمِ العَرَبِيَّةِ، فَلَمّا كانَ مَعْنى (فَشَرِبُوا مِنهُ) في مَعْنى (فَلَمْ يُطِيعُوهُ) حُمِلَ عَلَيْهِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَمْ يُطِيعُوهُ إلّا قَلِيلٌ مِنهم. ونَحْوَهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: ؎(وعَضُّ زَمانٍ يا ابْنَ مَرَوانَ) لَمْ يَدَعْ ∗∗∗ مِنَ المالِ إلّا مُسْحَتًا أوْ مُجَلَّفُ كَأنَّهُ قالَ: لَمْ يَبْقَ مِنَ المالِ إلّا مُسْحَتٌ أوْ مُجَلَّفٌ انْتَهى كَلامُهُ. والمَعْنى أنَّ هَذا المُوجَبَ الَّذِي هو: فَشَرِبُوا مِنهُ، هو في مَعْنى المَنفِيِّ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَمْ يُطِيعُوهُ، فارْتَفَعَ (قَلِيلٌ) عَلى هَذا المَعْنى، ولَوْ لَمْ يُلْحَظْ فِيهِ مَعْنى النَّفْيِ لَمْ يَكُنْ لِيَرْتَفِعَ ما بَعْدَ إلّا، فَيَظْهَرُ أنَّ ارْتِفاعَهُ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن جِهَةِ المَعْنى، فالمُوجَبُ فِيهِ كالمَنفِيِّ، وما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أنَّهُ ارْتَفَعَ ما بَعْدَ إلّا عَلى التَّأْوِيلِ هُنا دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَحْفَظِ الِاتِّباعَ بَعْدَ المُوجَبِ، فَلِذَلِكَ تَأوَّلَهُ، ونَقُولُ: إذا تَقَدَّمَ مُوجَبٌ جازَ في الَّذِي بَعْدَ إلّا وجْهانِ: أحَدُهُما: النَّصْبُ عَلى الِاسْتِثْناءِ وهو الأفْصَحُ، والثّانِي: أنْ يَكُونَ ما بَعْدَ إلّا تابِعًا لِإعْرابِ المُسْتَثْنى مِنهُ، إنْ رَفْعًا فَرَفْعٌ، أوْ نَصْبًا فَنَصْبٌ، أوْ جَرًّا فَجَرٌّ، فَتَقُولُ: قامَ القَوْمُ إلّا زَيْدٌ، ورَأيْتُ القَوْمَ إلّا زَيْدًا، ومَرَرْتُ بِالقَوْمِ إلّا زَيْدٍ، وسَواءٌ كانَ ما قَبْلَ إلّا مُظْهَرًا أوْ مُضْمَرًا. واخْتَلَفُوا في إعْرابِهِ، فَقِيلَ: هو تابِعٌ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِما قَبْلَهُ، فَمِنهم مَن حَمَلَ هَذا عَلى ظاهِرِ العِبارَةِ. وقالَ: يُنْعَتُ بِما بَعْدَ (إلّا) الظّاهِرُ والمُضْمَرُ، ومِنهم مَن قالَ: لا يُنْعَتُ بِهِ إلّا النَّكِرَةُ أوِ المَعْرِفَةُ بِلامِ الجِنْسِ، فَإنْ كانَ مَعْرِفَةً بِالإضافَةِ نَحْوَ: قامَ إخْوَتُكَ، أوْ بِالألِفِ واللّامِ (p-٢٦٧)لِلْعَهْدِ، أوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ التَّعارِيفِ غَيْرَ لامِ الجِنْسِ، فَلا يَجُوزُ الِاتِّباعُ، ويَلْزَمُ النَّصْبُ عَلى الِاسْتِثْناءِ. ومِنهم مَن قالَ: إنَّ النَّحْوِيِّينَ يَعْنُونَ بِالنَّعْتِ هُنا عَطْفَ البَيانِ، ومِنَ الِاتِّباعِ بَعْدَ المُوجَبِ قَوْلُهُ: ؎وكُلُّ أخٍ مُفارِقُهُ أخُوهُ ∗∗∗ لَعَمْرُ أبِيكَ إلّا الفَرْقَدانِ وهَذِهِ المَسْألَةُ مُسْتَوْفاةٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، وإنَّما أرَدْنا أنْ نُنَبِّهَ عَلى أنَّ تَأْوِيلَ الزَّمَخْشَرِيِّ هَذا المُوجَبَ بِمَعْنى النَّفْيِ، لا نَضْطَرُّ إلَيْهِ، وأنَّهُ كانَ غَيْرَ ذاكِرٍ لِما قَرَّرَهُ النَّحْوِيُّونَ في المُوجَبِ. * * ﴿فَلَمّا جاوَزَهُ هو والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ ظاهِرُهُ أنَّهُ ما جازَ النَّهَرَ إلّا هو والمُؤْمِنُونَ، وكَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والسُّدِّيِّ: أنَّ الَّذِينَ شَرِبُوا وخالَفُوا انْحَرَفُوا، ولَمْ يُجاوِزُوا، وقِيلَ: بَلْ كُلُّهم جاوَزَ لَكِنْ لَمْ يَحْضُرِ القِتالَ إلّا القَلِيلُ. (وجاوَزَ) فاعِلٌ فِيهِ بِمَعْنى فَعَلَ أيْ: جازَ. والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ: عِدَّةُ أهْلِ بَدْرٍ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ: جازَ مَعَهُ أرْبَعَةُ آلافٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِنهم مَن شَرِبَ، قالا: فَلَمّا نَظَرُوا إلى جالُوتَ وجُنُودِهِ، قالُوا: لا طاقَةَ لَنا اليَوْمَ، ورَجَعَ مِنهم ثَلاثَةُ آلافٍ وسِتُّمِائَةٍ وبِضْعَةٌ وثَمانُونَ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّهُ إنَّما جاوَزَ النَّهَرَ مَن لَمْ يَشْرَبْ إلّا غُرْفَةً. ومَن لَمْ يَشْرَبْ جُمْلَةً. ثُمَّ اخْتَلَفَتْ بَصائِرُ هَؤُلاءِ، فَبَعْضٌ كَعَّ، وقَلِيلٌ صَمَّمَ، و(هو) تَوْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ المُسْتَكِنِ في (جاوَزَهُ) (والَّذِينَ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْحالِ ويَلْزَمُ مِنَ الحالِ أنْ يَكُونُوا جاوَزُوا مَعَهُ، والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ لِلْعَطْفِ، وإدْغامُ (جاوَزَهُ) في هو ضَعِيفٌ، ولا يُسْتَحْسَنُ إلّا إنْ كانَتِ الهاءُ مُخْتَلَسَةٌ لا إمالَةَ لَها. ﴿قالُوا لا طاقَةَ لَنا اليَوْمَ بِجالُوتَ وجُنُودِهِ﴾ قائِلُ ذَلِكَ الكَفَرَةُ الَّذِينَ انْخَزَلُوا، وهو الفاعِلُ في شَرِبُوا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ. وقِيلَ: مَن قَلَّتْ بَصِيرَتُهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وهُمُ الَّذِينَ جاوَزُوا النَّهَرَ وهُمُ القَلِيلُ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ والزَّجّاجُ. (طاقَةَ): مِنَ الطَّوْقِ، وهو القُوَّةُ، وهو مِن: أطاقَ، كَأطاعَ طاعَةً، وأجابَ جابَةً، وأغارَ غارَةً. ويَتَعَلَّقُ (لَنا) بِمَحْذُوفٍ إذْ هو في مَوْضِعِ الخَبَرِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِطاقَةٍ؛ لِأنَّهُ كانَ يَكُونُ طاقَةً مُطَوَّلًا، فَيَلْزَمُ تَنْوِينُهُ، و(اليَوْمَ) مَنصُوبٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ لَنا، و(بِجالُوتَ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ. وأجازَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ (بِجالُوتَ)، في مَوْضِعِ الخَبَرِ، ولَيْسَ المَعْنى عَلى ذَلِكَ. ﴿قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو اللَّهِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الظَّنُّ عَلى بابِهِ، ومَعْنى (مَلاقُو اللَّهِ) أيْ: يُسْتَشْهَدُونَ في ذَلِكَ اليَوْمِ لِعَزْمِهِمْ عَلى صِدْقِ القِتالِ، وتَصْمِيمِهِمْ عَلى لِقاءِ أعْدائِهِمْ، كَما جَرى لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ حِزامٍ في أُحُدٍ وغَيْرِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ في آخَرِينَ، وقِيلَ: مُلاقُو ثَوابِ اللَّهِ بِسَبَبِ الطّاعَةِ؛ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ لا يَعْلَمُ عاقِبَةَ أمْرِهِ فَلا بُدَّ مِن أنْ يَكُونَ ظانًّا، وقِيلَ: مُلاقُو طاعَةِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ لا يَقْطَعُ أنَّ عَمَلَهُ هَذا إطاعَةٌ؛ لِأنَّهُ رُبَّما شابَهُ شَيْءٌ مِنَ الرِّياءِ والسُّمْعَةِ، وقِيلَ: مَلاقُو وعْدِ اللَّهِ إيّاهم بِالنَّصْرِ؛ لِأنَّهُ وإنْ كانَ مَقْطُوعًا بِهِ فَهو مَظْنُونٌ في المَرَّةِ الأُولى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الظَّنُّ بِمَعْنى الإيقانِ؛ أيْ: يُوقِنُونَ بِالبَعْثِ والرُّجُوعِ إلى اللَّهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ في آخَرِينَ. * * ﴿كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ﴾ . هَذا القَوْلُ تَحْرِيضٌ مِنَ العازِمِينَ عَلى القِتالِ وحَضٌّ عَلَيْهِ، واسْتِشْعارٌ لِلصَّبْرِ واقْتِداءٌ بِمَن صَدَّقَ اللَّهَ. والمَعْنى: أنا لا نَكْتَرِثُ بِ جالُوتَ وجُنُودِهِ وإنْ كَثُرُوا، فَإنَّ الكَثْرَةَ لَيْسَتْ سَبَبًا لِلِانْتِصارِ، فَكَثِيرًا ما انْتَصَرَ القَلِيلُ عَلى الكَثِيرِ؛ ولَمّا كانَ قَدْ سَبَقَ ذَلِكَ في الأزْمانِ الماضِيَةِ وعَلِمُوا بِذَلِكَ، أُخْبِرُوا بِصِيغَةِ: كَمْ، المُقْتَضِيَةُ لِلتَّكْثِيرِ. وقَرَأ أُبَيٌّ: (وكَأيِّنْ)، وهي مُرادِفَةٌ لَكم في التَّكْثِيرِ، ولَمْ يَأْتِ تَمْيِيزُها في القُرْآنِ (p-٢٦٨)إلّا مَصْحُوبًا بِمِن، ولَوْ حُذِفَتْ (مِن) لانْجَرَّ تَمْيِيزُ كَمِ الخَبَرِيَّةِ بِالإضافَةِ، وقِيلَ: بِإضْمارِ (مِن) ويَجُوزُ نَصْبُهُ حَمْلًا عَلى كَمِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ، وانْتَصَبَ تَمْيِيزُ كَأيِّنْ، فَتَقُولُ: كَأيِّنْ رَجُلًا جاءَكَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎أطْرُدُ اليَأْسَ بِالرَّجا فَكَأيِّنْ أمَلًا حُمَّ يُسْرَهُ بَعْدَ عُسْرِ و(كَمْ) في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، و(مِن) في (مِن فِئَةٍ) قِيلَ: زائِدَةٌ ولَيْسَ مِن مَواضِعِ زِيادَتِها. وقِيلَ: في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ (كَمْ)، و(فِئَةٍ) هُنا مُفْرَدٌ في مَعْنى الجَمْعِ، كَأنَّهُ قِيلَ: كَثِيرٌ مِن فِئاتٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ. وقَرَأ الأعْشى فِيهِ بِإبْدالِ الهَمْزَةِ ياءً، نَحْوَ: مِيرَةٍ في مِئْرَةٍ، وهو إبْدالٌ نَفِيسٌ، وخَبَرُ (كَمْ) قَوْلُهُ: (غَلَبَتْ) ومَعْنى (بِإذْنِ اللَّهِ) بِتَمْكِينِهِ وتَسْوِيفِهِ الغَلَبَةَ. وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ قِتالِ الجَمْعِ القَلِيلِ لِلْجَمْعِ الكَثِيرِ، وإنْ كانُوا أضْعافَ أضْعافِهِمْ، إذا عَلِمُوا أنَّ في ذَلِكَ نِكايَةً لَهم، وأمّا جَوازُ الفِرارِ مِنَ الجَمْعِ الكَثِيرِ إذا زادُوا عَنْ ضِعْفِهِمْ فَسَيَأْتِي بَيانُهُ في سُورَةِ الأنْفالِ، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. ﴿واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ تَحْرِيضٌ عَلى الصَّبْرِ في القِتالِ، فَإنَّ اللَّهَ مَعَ مَن صَبَرَ لِنُصْرَةِ دِينِهِ، يَنْصُرُهُ ويُعِينُهُ ويُؤَيِّدُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن تَمامِ كَلامِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا مِنَ اللَّهِ، قالَهُ القَفّالُ. ﴿ولَمّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وجُنُودِهِ﴾ صارُوا بِالبَرازِ مِنَ الأرْضِ، وهو ما ظَهَرَ واسْتَوى، والمُبارَزَةُ في الحَرْبِ أنْ يَظْهَرَ كُلُّ قَرْنٍ لِصاحِبِهِ بِحَيْثُ يَراهُ قَرْنُهُ، وكانَ جُنُودُ طالُوتَ ثَلاثَمِائَةِ ألْفِ فارِسٍ، وقِيلَ: مِائَةَ ألْفٍ، وقالَ عِكْرِمَةُ: تِسْعِينَ ألْفًا. ﴿قالُوا رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾ الصَّبْرُ هُنا: حَبْسُ النَّفْسِ لِلْقِتالِ، فَزِعُوا إلى الدُّعاءِ لِلَّهِ تَعالى فَنادَوْا بِلَفْظِ الرَّبِّ الدّالِّ عَلى الإصْلاحِ وعَلى المُلْكِ، فَفي ذَلِكَ إشْعارٌ بِالعُبُودِيَّةِ. وقَوْلُهم: ﴿أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾ سُؤالٌ بِأنْ يَصُبَّ عَلَيْهِمُ الصَّبْرَ حَتّى يَكُونَ مُسْتَعْلِيًا عَلَيْهِمْ، ويَكُونَ لَهم كالظَّرْفِ وهم كالمَظْرُوفِينَ فِيهِ. ﴿وثَبِّتْ أقْدامَنا﴾ فَلا تَزَلُّ عَنْ مَداحِضِ القِتالِ، وهو كِنايَةٌ عَنْ تَشْجِيعِ قُلُوبِهِمْ وتَقْوِيَتِها، ولَمّا سَألُوا ما يَكُونُ مُسْتَعْلِيًا عَلَيْهِمْ مِنَ الصَّبْرِ سَألُوا تَثْبِيتَ أقْدامِهِمْ وإرْساخَها. ﴿وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ أيْ: أعِنّا عَلَيْهِمْ، وجاءُوا بِالوَصْفِ المُقْتَضِي لِخُذْلانِ أعْدائِهِمْ، وهو الكُفْرُ، وكانُوا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، وفي قَوْلِهِمْ: (رَبَّنا) إقْرارٌ لِلَّهِ تَعالى بِالوَحْدانِيَّةِ، وإقْرارٌ لَهُ بِالعُبُودِيَّةِ.

البقرة 2:250

﴿فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ بِالجُنُودِ﴾ بَيْنَ هَذِهِ الجُمْلَةِ والجُمْلَةِ قَبْلَها مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَجاءَهُمُ التّابُوتُ، وأقَرُّوا لَهُ بِالمُلْكِ، وتَأهَّبُوا لِلْخُرُوجِ، ﴿فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ﴾ أيِ: انْفَصَلَ مِن مَكانِ إقامَتِهِ، يُقالُ: فَصَلَ عَنِ المَوْضِعِ انْفَصَلَ، وجاوَزَهُ. قِيلَ: وأصْلُهُ فَصَلَ نَفْسَهُ، ثُمَّ كَثُرَ، فَحُذِفَ المَفْعُولُ حَتّى صارَ في حُكْمِ غَيْرِ المُتَعَدِّي: كانْفَصَلَ، والباءُ في (بِالجُنُودِ)، (p-٢٦٤)لِلْحالِ، أيْ: والجُنُودُ مُصاحِبُوهُ، وكانَ عَدَدُهم سَبْعِينَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. أوْ ثَمانِينَ ألْفًا قالَهُ عِكْرِمَةُ. أوْ مِائَةَ ألْفٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ. أوْ ثَلاثِينَ ألْفًا. قالَ عِكْرِمَةُ: لَمّا رَأى بَنُو إسْرائِيلَ التّابُوتَ سارَعُوا إلى طاعَتِهِ والخُرُوجِ مَعَهُ، فَقالَ لَهم طالُوتُ: لا يَخْرُجُ مَعِي مَن بَنى بِناءً لَمْ يَفْرَغْ مِنهُ، ولا مَن تَزَوَّجَ امْرَأةً لَمْ يَدْخُلْ بِها، ولا صاحِبُ زَرْعٍ لَمْ يَحْصُدْهُ، ولا صاحِبُ تِجارَةٍ لَمْ يَرْحَلْ بِها، ولا مَن لَهُ أوْ عَلَيْهِ دَيْنٌ، ولا كَبِيرٌ، ولا عَلِيلٌ. فَخَرَجَ مَعَهُ مَن تَقَدَّمَ الِاخْتِلافُ في عَدَدِهِمْ عَلى شَرْطِهِ، فَسارَ بِهِمْ، فَشَكَوْا قِلَّةَ الماءِ وخَوْفَ العَطَشِ، وكانَ الوَقْتُ قَيْظًا، وسَلَكُوا مَفازَةً، فَسَألُوا اللَّهَ أنْ يُجْرِيَ لَهم نَهَرًا. ﴿قالَ إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكم بِنَهَرٍ﴾ قالَ وهْبٌ: هو الَّذِي اقْتَرَحُوهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: هو نَهَرٌ بَيْنَ الأُرْدُنِّ وفِلَسْطِينَ. وقِيلَ: نَهَرُ فِلَسْطِينَ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وابْنُ عَبّاسٍ، أيْضًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (بِنَهَرٍ)، بِفَتْحِ الهاءِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ الأعْرَجُ، وأبُو السَّمّاكِ، وغَيْرُهم: بِإسْكانِ الهاءِ في جَمِيعِ القُرْآنِ. وظاهِرُ قَوْلِ طالُوتَ: إنَّ اللَّهَ يُوحِي، إمالَةٌ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّهُ نَبِيٌّ، أوْ يُوحِي إلى نَبِيِّهِمْ، وإخْبارُ النَّبِيِّ طالُوتَ بِذَلِكَ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا مِمّا ألْهَمَ اللَّهُ طالُوتَ إلَيْهِ، فَجَرَتْ بِهِ جُنْدُهُ، وجُعِلَ الإلْهامُ ابْتِلاءً مِنَ اللَّهِ لَهم، ومَعْنى هَذا الِابْتِلاءِ اخْتِبارُهم، فَمَن ظَهَرَتْ طاعَتُهُ في تَرْكِ الماءِ عَلِمَ أنَّهُ يُطِيعُ، فِيما عَدا ذَلِكَ، ومَن غَلَبَتْهُ شَهْوَتُهُ في الماءِ، وعَصى الأمْرَ فَهو بِالعِصْيانِ في الشَّدائِدِ أحْرى، انْتَهى كَلامُهُ. وبَعْدَ أنْ يُخْبِرَ طالُوتُ عَنْ ما خَطَرَ بِبالِهِ بِأنَّهُ قَوْلُ اللَّهِ عَلى طَرِيقِ الجَزْمِ عَنِ اللَّهِ ﴿فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾ ) أيْ: لَيْسَ مِن أتْباعِي في هَذِهِ الحَرْبِ ولا أشْياعِي، ولَمْ يُخْرِجْهم بِذَلِكَ عَنِ الإيمانِ نَحْوَ: «مَن غَشَّنا فَلَيْسَ مِنّا»، «لَيْسَ مِنّا مَن شَقَّ الجُيُوبَ ولَطَمَ الخُدُودَ» أوْ لَيْسَ بِمُتَّصِلٍ بِي ومُتَّحِدٍ مَعِي، مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ مِنِّي كَأنِّي بَعْضُهُ، لِاخْتِلاطِهِما واتِّحادِهِما قالَ النّابِغَةُ: ؎إذا حاوَلْتَ في أسَدٍ فُجُورًا فَإنِّي لَسْتُ مِنكَ ولَسْتَ مِنِّي ﴿ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي﴾ أيْ: مَن لَمْ يَذُقْهُ، وطَعْمُ كُلِّ شَيْءٍ ذَوْقُهُ، ومِنهُ التَّطَعُّمُ، يُقالُ: تَطَعَّمْتُ مِنهُ أيْ: ذُقْتُهُ، وتَقُولُ العَرَبُ لِمَن لا تَمِيلُ نَفْسُهُ إلى مَأْكُولٍ تُطْعَمُ مِنهُ: يَسْهُلُ أكْلُهُ، قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: العَرَبُ تَقُولُ: أطْعَمْتُكَ الماءَ تُرِيدُ أذَقْتُكَ، وطَعَمْتُ الماءَ أطْعَمُهُ بِمَعْنى ذُقْتُهُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎فَإنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّساءَ عَلَيْكم ∗∗∗ وإنْ شِئْتِ لَمْ أُطْعَمْ نُقاخًا ولا بَرْدًا النُّقاخُ: العَذْبُ، والبَرْدُ النَّوْمُ، ويُقالُ: ما ذُقْتُ غِماضًا. وفي حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ: ”في ماءِ زَمْزَمَ طَعامُ طُعْمٍ“ وفي الحَدِيثِ: «لَيْسَ لَنا طَعامٌ إلّا الأسْوَدَيْنِ التَّمْرَ والماءَ» . والطَّعْمُ يَقَعُ عَلى الطَّعامِ والشَّرابِ، واخْتِيرَ هَذا اللَّفْظُ لِأنَّهُ أبْلَغُ؛ لِأنَّ نَفْيَ الطَّعْمِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الشُّرْبِ، ونَفْيَ الشُّرْبِ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الطَّعْمِ؛ لِأنَّ الطَّعْمَ يَنْطَلِقُ عَلى الذَّوْقِ، والمَنعُ مِنَ الطَّعْمِ أشُقُّ في التَّكْلِيفِ مِنَ المَنعِ مِنَ الشُّرْبِ، إذْ يَحْصُلُ بِإلْقائِهِ في الفَمِ، وإنْ لَمْ يَشْرَبْهُ، نَوْعُ راحَةٍ. وفِي قَوْلِهِ: ﴿ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الماءَ طَعامٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ أيْضًا ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ. واخْتُلِفَ في جَرَيانِ الرِّبا فِيهِ، فَقالَ الشّافِعِيُّ: لا يَجُوزُ بَيْعُ الماءِ بِالماءِ مُتَفاضِلًا، ولا يَجُوزُ فِيهِ الأجَلُ. وقالَ مالِكٌ وأبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ: يَجُوزُ ذَلِكَ. وحَكى ابْنُ العَرَبِيِّ: أنَّ الصَّحِيحَ مِن مَذْهَبِ مالِكٍ جَرَيانُ الرِّبا فِيهِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ: هو مِمّا يُكالُ ويُوزَنُ، فَعَلى هَذا لا يَجُوزُ عِنْدَهُ التَّفاضُلُ. وكَأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَمَن شَرِبَ مِنهُ﴾ يَدُلُّ ظاهِرُهُ عَلى مُباشَرَةِ الشُّرْبِ مِنَ النَّهَرِ حَتّى لَوْ أُخِذَ بِالكُوزِ، وشُرْبُهُ لا يَكُونُ داخِلًا في مَن شَرِبَ مِنهُ، إذا لَمْ يُباشِرِ الشُّرْبَ مِنَ النَّهَرِ، وفي مَذْهَبِ أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - أنَّهُ إنْ قالَ: إنْ شَرِبْتُ مِنَ القِرْبَةِ فَعَبْدِي حُرٌّ، يُحْمَلُ عَلى الكُرُوعِ، وإنِ اغْتَرَفَ مِنهُ، أوْ شَرِبَ بِإناءٍ لَمْ يَحْنَثْ. قالُوا: لِأنَّهُ تَعالى حَظَرَ الشُّرْبَ مِنَ النَّهَرِ، وحَظَرَ مَعَ ذَلِكَ أنْ يُطْعَمَ مِنهُ، واسْتَثْنى مِنَ الطَّعْمِ مِنهُ الِاغْتِرافَ، فَحَظْرُ الشُّرْبِ باقٍ، ودَلَّ عَلى أنَّ الِاغْتِرافَ لَيْسَ بِشُرْبٍ، وأتى بِقَوْلِهِ: (ومَن لَمْ) مُعَدًّى لِضَمِيرِ الماءِ، لا إلى النَّهَرِ، لِيُزِيلَ ذَلِكَ (p-٢٦٥)الإبْهامَ، ولِيُعْلَمَ أنَّ المَقْصُودَ هو المَنعُ مِن وُصُولِهِمْ إلى الماءِ مِنَ النَّهَرِ، بِمُباشَرَةِ الشُّرْبِ مِنهُ أوْ بِواسِطَةٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي قَوْلِهِ: ﴿ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي﴾ سَدُّ الذَّرائِعِ؛ لِأنَّ أدْنى الذَّوْقِ يَدْخُلُ في لَفْظِ الطَّعْمِ، فَإذا وقَعَ النَّهْيُ عَنِ الطَّعْمِ فَلا سَبِيلَ إلى وُقُوعِ الشُّرْبِ مِمَّنْ يَتَجَنَّبُ الطَّعْمَ، ولِهَذِهِ المُبالَغَةِ، لَمْ يَأْتِ الكَلامُ: ومَن لَمْ يَشْرَبْ مِنهُ، انْتَهى كَلامُهُ. ﴿إلّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ هَذا اسْتِثْناءٌ مِنَ الجُمْلَةِ الأُولى، وهي قَوْلُهُ: ﴿فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾ والمَعْنى: أنَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ دُونَ الكُرُوعِ فَهو مِنِّي، والِاسْتِثْناءُ إذا اعْتَقَبَ جُمْلَتَيْنِ أوْ جُمَلًا، يُمْكِنُ عَوْدُهُ إلى كُلِّ واحِدَةٍ مِنها، فَإنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالأخِيرَةِ، وهَذا عَلى خِلافٍ في هَذِهِ المَسْألَةِ مَذْكُورٌ في عِلْمِ أُصُولِ الفِقْهِ، فَإنْ دَلَّ دَلِيلٌ عَلى تَعَلُّقِها بِبَعْضِ الجُمَلِ كانَ الِاسْتِثْناءُ مِنهُ، وهُنا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى تَعَلُّقِها بِالجُمْلَةِ الأُولى، وإنَّما قُدِّمَتِ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ عَلى الِاسْتِثْناءِ مِنَ الأوْلى؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ الثّانِيَةَ تَدَلُّ عَلَيْها الأُولى بِالمَفْهُومِ؛ لِأنَّهُ حِينَ ذَكَرَ أنَّ اللَّهَ يَبْتَلِيهِمْ بِنَهَرٍ، وأنَّ مَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيْسَ مِنهُ، فُهِمَ مِن ذَلِكَ أنَّ مَن لَمْ يَشْرَبْ مِنهُ فَإنَّهُ مِنهُ، فَصارَتِ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ كالفَصْلِ بَيْنَ الأُولى والِاسْتِثْناءِ مِنها إذا دَلَّتْ عَلَيْها الأُولى، حَتّى إنَّها لَوْ لَمْ يَكُنْ مُصَرَّحًا بِها لَفُهِمَتْ مِنَ الجُمْلَةِ الأُولى، وقَدْ وقَعَ في بَعْضِ التَّصانِيفِ ما نَصُّهُ: إلّا مَنِ اغْتَرَفَ. اسْتِثْناءٌ مِنَ الأُولى، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ اسْتِثْناءً مِنَ الثّانِيَةِ، انْتَهى. ولا يَظْهَرُ كَوْنُهُ اسْتِثْناءً مِنَ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ؛ لِأنَّهُ حَكَمَ عَلى أنَّ مَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنهُ، فَيَلْزَمُ في الِاسْتِثْناءِ مِن هَذا أنَّ مَنِ اغْتَرَفَ مِنهُ بِيَدِهِ غُرْفَةً فَلَيْسَ مِنهُ، والأمْرُ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ مَفْسُوحٌ لَهُمُ الِاغْتِرافُ غُرْفَةً بِاليَدِ دُونَ الكُرُوعِ فِيهِ، وهو ظاهِرُ الِاسْتِثْناءِ مِنَ الأُولى؛ لِأنَّهُ حَكَمَ فِيها أنَّ مَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيْسَ مِنهُ، فَيَلْزَمُ في الِاسْتِثْناءِ أنَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ مِنهُ فَإنَّهُ مِنهُ؛ إذْ هو مَفْسُوحٌ لَهُ في ذَلِكَ، وهَكَذا الِاسْتِثْناءُ يَكُونُ مِنَ النَّفْيِ إثْباتًا، ومِنَ الإثْباتِ نَفْيًا، عَلى الصَّحِيحِ مِنَ المَذاهِبِ في هَذِهِ المَسْألَةِ. وفي الِاسْتِثْناءِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: إلّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبَها، أوْ لِلشُّرْبِ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو: (غَرْفَةً)، بِفَتْحِ الغَيْنِ، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّها، فَقِيلَ: هُما بِمَعْنى المَصْدَرِ، وقِيلَ: هُما بِمَعْنى المَغْرُوفِ، وقِيلَ: الغَرْفَةُ بِالفَتْحِ المَرَّةُ، وبِالضَّمِّ ما تَحْمِلُهُ اليَدُ، فَإذا كانَ مَصْدَرًا فَهو عَلى غَيْرِ الصَّدْرِ، إذْ لَوْ جاءَ عَلى الصَّدْرِ لَقالَ: اغْتِرافَةً، ويَكُونُ مَفْعُولُ اغْتَرَفَ مَحْذُوفًا، أيْ: ماءً، وإذا كانَ بِمَعْنى المَغْرُوفِ كانَ مَفْعُولًا بِهِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وكانَ أبُو عَلِيٍّ يُرَجِّحُ ضَمَّ الغَيْنِ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ أيْضًا: أنَّ غَرْفَةً بِالفَتْحِ إنَّما هو مَصْدَرٌ عَلى غَيْرِ اغْتِرافٍ، انْتَهى. وهَذا التَّرْجِيحُ الَّذِي يَذْكُرُهُ المُفَسِّرُونَ والنَّحْوِيُّونَ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ لا يَنْبَغِي؛ لِأنَّ هَذِهِ القِراءاتِ كُلَّها صَحِيحَةٌ ومَرْوِيَّةٌ ثابِتَةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولِكُلٍّ مِنها وجْهٌ ظاهِرٌ حَسَنٌ في العَرَبِيَّةِ، فَلا يُمْكِنُ فِيها تَرْجِيحُ قِراءَةٍ عَلى قِراءَةٍ، ويَتَعَلَّقُ (بِيَدِهِ) بِقَوْلِهِ: (اغْتَرَفَ) . قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِغُرْفَةٍ، فَيَتَعَلَّقُ بِالمَحْذُوفِ. وظاهِرُ: (غُرْفَةً بِيَدِهِ) الِاقْتِصارُ عَلى غَرْفَةٍ واحِدَةٍ، وأنَّها تَكُونُ بِاليَدِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ: كانَتِ الغُرْفَةُ يَشْرَبُ مِنها هو ودَوابُّهُ وخَدَمُهُ ويَحْمِلُ مِنها، قالَ مُقاتِلٌ: ويَمْلَأُ مِنها قِرْبَتَهُ، قِيلَ: فَيَجْعَلُ اللَّهُ فِيها البَرَكَةَ حَتّى تَكْفِيَ لِكُلِّ هَؤُلاءِ، وكانَ هَذا مُعْجِزَةً لِنَبِيِّ ذَلِكَ الزَّمانِ، قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: لَمْ يُرِدْ غُرْفَةَ الكَفِّ، وإنَّما أرادَ المَرَّةَ الواحِدَةَ بِقِرْبَةٍ أوْ جَرَّةٍ أوْ ما أشْبَهَ ذَلِكَ، وهَذا الِابْتِلاءُ الَّذِي ابْتَلى اللَّهُ بِهِ جُنُودَ طالُوتَ ابْتِلاءٌ عَظِيمٌ، حَيْثُ مُنِعُوا مِنَ الماءِ مَعَ وُجُودِهِ وكَثْرَتِهِ في شِدَّةِ الحَرِّ والقَيْظِ، وأنَّ مَن أُبِيحَ لَهُ شَيْءٌ مِنهُ فَإنَّما هو مِقْدارُ ما يَغْرِفُ بِيَدِهِ، فَأيْنَ يَصِلُ مِنهُ ذَلِكَ ؟ وهَذا أشَدُّ في التَّكْلِيفِ مِمّا ابْتُلِيَ بِهِ أهْلُ أيْلَةَ مِن تَرْكِ الصَّيْدِ يَوْمَ السَّبْتِ، مَعَ إمْكانِ ذَلِكَ فِيهِ، وكَثْرَةِ ما يَرِدُ إلَيْهِمْ فِيهِ مِنَ الحِيتانِ. ﴿فَشَرِبُوا مِنهُ إلّا قَلِيلًا﴾ أيْ: كَرَعُوا فِيهِ، ظاهِرُهُ أنَّ الأكْثَرَ شَرِبُوا، وأنَّ القَلِيلَ لَمْ يَشْرَبُوا، ويُحْمَلُ الشُّرْبُ الَّذِي (p-٢٦٦)وقَعَ مِن أكْثَرِهِمْ عَلى أنَّهُ الشُّرْبُ الَّذِي لَمْ يُؤْذَنْ فِيهِ، ووَقَعَ بِهِ المُخالَفَةُ، ويَكُونُ الِاسْتِثْناءُ عَلى أنَّ ذَلِكَ القَلِيلَ لَمْ يَشْرَبُوا ذَلِكَ الشُّرْبَ الَّذِي لَمْ يُؤْذَنْ فِيهِ، فَبَقِيَ تَحْتَ القَلِيلِ قِسْمانِ: أحَدُهُما: لَمْ يَطْعَمْهُ ألْبَتَّةَ والثّانِي: الَّذِي اغْتَرَفُوا بِأيْدِيهِمْ، وهَذا التَّقْسِيمُ رُوِيَ مَعْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ الأكْثَرَ شَرِبُوا عَلى قَدْرِ يَقِينِهِمْ، فَشَرِبَ الكُفّارُ شُرْبَ الهِيمِ، وشَرِبَ العاصُونَ دُونَ ذَلِكَ، وانْصَرَفَ مِنَ القَوْمِ سِتَّةٌ وسَبْعُونَ ألْفًا، وبَقِيَ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَشْرَبْ شَيْئًا، وأخَذَ بَعْضُهُمُ الغُرْفَةَ؛ فَأمّا مَن شَرِبَ فَلَمْ يُرْوَ، بَلْ بَرِحَ بِهِ العَطَشُ، وأمّا مَن تَرَكَ الماءَ فَحَسُنَتْ حالُهُ، وكانَ أجْدَرَ مِمَّنْ أخَذَ الغُرْفَةَ. وقِيلُ الَّذِينَ شَرِبُوا وخالَفُوا أمْرَ اللَّهِ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم وشِفاهُهم، فَلَمْ يُرْوَوْا، وبَقُوا عَلى شَطِّ النَّهَرِ، وجَبُنُوا عَنْ لِقاءِ العَدُوِّ، فَلَمْ يُجاوِزُوا ولَمْ يَشْهَدُوا الفَتْحَ. وقِيلَ: بَلْ كُلُّهم جاوَزَ لَكِنْ لَمْ يَحْضُرِ القِتالَ إلّا القَلِيلُ الَّذِينَ لَمْ يَشْرَبُوا. والقَلِيلُ المُسْتَثْنى أرْبَعَةُ آلافٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ، وقِيلَ: ثَلاثُمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأُبَيٌّ والأعْمَشُ: (إلّا قَلِيلٌ) بِالرَّفْعِ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا مِن مَيْلِهِمْ مَعَ المَعْنى والإعْراضِ عَنِ اللَّفْظِ جانِبًا، وهو بابٌ جَلِيلٌ مِن عِلْمِ العَرَبِيَّةِ، فَلَمّا كانَ مَعْنى (فَشَرِبُوا مِنهُ) في مَعْنى (فَلَمْ يُطِيعُوهُ) حُمِلَ عَلَيْهِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَمْ يُطِيعُوهُ إلّا قَلِيلٌ مِنهم. ونَحْوَهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: ؎(وعَضُّ زَمانٍ يا ابْنَ مَرَوانَ) لَمْ يَدَعْ ∗∗∗ مِنَ المالِ إلّا مُسْحَتًا أوْ مُجَلَّفُ كَأنَّهُ قالَ: لَمْ يَبْقَ مِنَ المالِ إلّا مُسْحَتٌ أوْ مُجَلَّفٌ انْتَهى كَلامُهُ. والمَعْنى أنَّ هَذا المُوجَبَ الَّذِي هو: فَشَرِبُوا مِنهُ، هو في مَعْنى المَنفِيِّ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَمْ يُطِيعُوهُ، فارْتَفَعَ (قَلِيلٌ) عَلى هَذا المَعْنى، ولَوْ لَمْ يُلْحَظْ فِيهِ مَعْنى النَّفْيِ لَمْ يَكُنْ لِيَرْتَفِعَ ما بَعْدَ إلّا، فَيَظْهَرُ أنَّ ارْتِفاعَهُ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن جِهَةِ المَعْنى، فالمُوجَبُ فِيهِ كالمَنفِيِّ، وما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أنَّهُ ارْتَفَعَ ما بَعْدَ إلّا عَلى التَّأْوِيلِ هُنا دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَحْفَظِ الِاتِّباعَ بَعْدَ المُوجَبِ، فَلِذَلِكَ تَأوَّلَهُ، ونَقُولُ: إذا تَقَدَّمَ مُوجَبٌ جازَ في الَّذِي بَعْدَ إلّا وجْهانِ: أحَدُهُما: النَّصْبُ عَلى الِاسْتِثْناءِ وهو الأفْصَحُ، والثّانِي: أنْ يَكُونَ ما بَعْدَ إلّا تابِعًا لِإعْرابِ المُسْتَثْنى مِنهُ، إنْ رَفْعًا فَرَفْعٌ، أوْ نَصْبًا فَنَصْبٌ، أوْ جَرًّا فَجَرٌّ، فَتَقُولُ: قامَ القَوْمُ إلّا زَيْدٌ، ورَأيْتُ القَوْمَ إلّا زَيْدًا، ومَرَرْتُ بِالقَوْمِ إلّا زَيْدٍ، وسَواءٌ كانَ ما قَبْلَ إلّا مُظْهَرًا أوْ مُضْمَرًا. واخْتَلَفُوا في إعْرابِهِ، فَقِيلَ: هو تابِعٌ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِما قَبْلَهُ، فَمِنهم مَن حَمَلَ هَذا عَلى ظاهِرِ العِبارَةِ. وقالَ: يُنْعَتُ بِما بَعْدَ (إلّا) الظّاهِرُ والمُضْمَرُ، ومِنهم مَن قالَ: لا يُنْعَتُ بِهِ إلّا النَّكِرَةُ أوِ المَعْرِفَةُ بِلامِ الجِنْسِ، فَإنْ كانَ مَعْرِفَةً بِالإضافَةِ نَحْوَ: قامَ إخْوَتُكَ، أوْ بِالألِفِ واللّامِ (p-٢٦٧)لِلْعَهْدِ، أوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ التَّعارِيفِ غَيْرَ لامِ الجِنْسِ، فَلا يَجُوزُ الِاتِّباعُ، ويَلْزَمُ النَّصْبُ عَلى الِاسْتِثْناءِ. ومِنهم مَن قالَ: إنَّ النَّحْوِيِّينَ يَعْنُونَ بِالنَّعْتِ هُنا عَطْفَ البَيانِ، ومِنَ الِاتِّباعِ بَعْدَ المُوجَبِ قَوْلُهُ: ؎وكُلُّ أخٍ مُفارِقُهُ أخُوهُ ∗∗∗ لَعَمْرُ أبِيكَ إلّا الفَرْقَدانِ وهَذِهِ المَسْألَةُ مُسْتَوْفاةٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، وإنَّما أرَدْنا أنْ نُنَبِّهَ عَلى أنَّ تَأْوِيلَ الزَّمَخْشَرِيِّ هَذا المُوجَبَ بِمَعْنى النَّفْيِ، لا نَضْطَرُّ إلَيْهِ، وأنَّهُ كانَ غَيْرَ ذاكِرٍ لِما قَرَّرَهُ النَّحْوِيُّونَ في المُوجَبِ. * * ﴿فَلَمّا جاوَزَهُ هو والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ ظاهِرُهُ أنَّهُ ما جازَ النَّهَرَ إلّا هو والمُؤْمِنُونَ، وكَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والسُّدِّيِّ: أنَّ الَّذِينَ شَرِبُوا وخالَفُوا انْحَرَفُوا، ولَمْ يُجاوِزُوا، وقِيلَ: بَلْ كُلُّهم جاوَزَ لَكِنْ لَمْ يَحْضُرِ القِتالَ إلّا القَلِيلُ. (وجاوَزَ) فاعِلٌ فِيهِ بِمَعْنى فَعَلَ أيْ: جازَ. والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ: عِدَّةُ أهْلِ بَدْرٍ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ: جازَ مَعَهُ أرْبَعَةُ آلافٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِنهم مَن شَرِبَ، قالا: فَلَمّا نَظَرُوا إلى جالُوتَ وجُنُودِهِ، قالُوا: لا طاقَةَ لَنا اليَوْمَ، ورَجَعَ مِنهم ثَلاثَةُ آلافٍ وسِتُّمِائَةٍ وبِضْعَةٌ وثَمانُونَ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّهُ إنَّما جاوَزَ النَّهَرَ مَن لَمْ يَشْرَبْ إلّا غُرْفَةً. ومَن لَمْ يَشْرَبْ جُمْلَةً. ثُمَّ اخْتَلَفَتْ بَصائِرُ هَؤُلاءِ، فَبَعْضٌ كَعَّ، وقَلِيلٌ صَمَّمَ، و(هو) تَوْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ المُسْتَكِنِ في (جاوَزَهُ) (والَّذِينَ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْحالِ ويَلْزَمُ مِنَ الحالِ أنْ يَكُونُوا جاوَزُوا مَعَهُ، والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ لِلْعَطْفِ، وإدْغامُ (جاوَزَهُ) في هو ضَعِيفٌ، ولا يُسْتَحْسَنُ إلّا إنْ كانَتِ الهاءُ مُخْتَلَسَةٌ لا إمالَةَ لَها. ﴿قالُوا لا طاقَةَ لَنا اليَوْمَ بِجالُوتَ وجُنُودِهِ﴾ قائِلُ ذَلِكَ الكَفَرَةُ الَّذِينَ انْخَزَلُوا، وهو الفاعِلُ في شَرِبُوا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ. وقِيلَ: مَن قَلَّتْ بَصِيرَتُهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وهُمُ الَّذِينَ جاوَزُوا النَّهَرَ وهُمُ القَلِيلُ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ والزَّجّاجُ. (طاقَةَ): مِنَ الطَّوْقِ، وهو القُوَّةُ، وهو مِن: أطاقَ، كَأطاعَ طاعَةً، وأجابَ جابَةً، وأغارَ غارَةً. ويَتَعَلَّقُ (لَنا) بِمَحْذُوفٍ إذْ هو في مَوْضِعِ الخَبَرِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِطاقَةٍ؛ لِأنَّهُ كانَ يَكُونُ طاقَةً مُطَوَّلًا، فَيَلْزَمُ تَنْوِينُهُ، و(اليَوْمَ) مَنصُوبٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ لَنا، و(بِجالُوتَ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ. وأجازَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ (بِجالُوتَ)، في مَوْضِعِ الخَبَرِ، ولَيْسَ المَعْنى عَلى ذَلِكَ. ﴿قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو اللَّهِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الظَّنُّ عَلى بابِهِ، ومَعْنى (مَلاقُو اللَّهِ) أيْ: يُسْتَشْهَدُونَ في ذَلِكَ اليَوْمِ لِعَزْمِهِمْ عَلى صِدْقِ القِتالِ، وتَصْمِيمِهِمْ عَلى لِقاءِ أعْدائِهِمْ، كَما جَرى لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ حِزامٍ في أُحُدٍ وغَيْرِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ في آخَرِينَ، وقِيلَ: مُلاقُو ثَوابِ اللَّهِ بِسَبَبِ الطّاعَةِ؛ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ لا يَعْلَمُ عاقِبَةَ أمْرِهِ فَلا بُدَّ مِن أنْ يَكُونَ ظانًّا، وقِيلَ: مُلاقُو طاعَةِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ لا يَقْطَعُ أنَّ عَمَلَهُ هَذا إطاعَةٌ؛ لِأنَّهُ رُبَّما شابَهُ شَيْءٌ مِنَ الرِّياءِ والسُّمْعَةِ، وقِيلَ: مَلاقُو وعْدِ اللَّهِ إيّاهم بِالنَّصْرِ؛ لِأنَّهُ وإنْ كانَ مَقْطُوعًا بِهِ فَهو مَظْنُونٌ في المَرَّةِ الأُولى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الظَّنُّ بِمَعْنى الإيقانِ؛ أيْ: يُوقِنُونَ بِالبَعْثِ والرُّجُوعِ إلى اللَّهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ في آخَرِينَ. * * ﴿كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ﴾ . هَذا القَوْلُ تَحْرِيضٌ مِنَ العازِمِينَ عَلى القِتالِ وحَضٌّ عَلَيْهِ، واسْتِشْعارٌ لِلصَّبْرِ واقْتِداءٌ بِمَن صَدَّقَ اللَّهَ. والمَعْنى: أنا لا نَكْتَرِثُ بِ جالُوتَ وجُنُودِهِ وإنْ كَثُرُوا، فَإنَّ الكَثْرَةَ لَيْسَتْ سَبَبًا لِلِانْتِصارِ، فَكَثِيرًا ما انْتَصَرَ القَلِيلُ عَلى الكَثِيرِ؛ ولَمّا كانَ قَدْ سَبَقَ ذَلِكَ في الأزْمانِ الماضِيَةِ وعَلِمُوا بِذَلِكَ، أُخْبِرُوا بِصِيغَةِ: كَمْ، المُقْتَضِيَةُ لِلتَّكْثِيرِ. وقَرَأ أُبَيٌّ: (وكَأيِّنْ)، وهي مُرادِفَةٌ لَكم في التَّكْثِيرِ، ولَمْ يَأْتِ تَمْيِيزُها في القُرْآنِ (p-٢٦٨)إلّا مَصْحُوبًا بِمِن، ولَوْ حُذِفَتْ (مِن) لانْجَرَّ تَمْيِيزُ كَمِ الخَبَرِيَّةِ بِالإضافَةِ، وقِيلَ: بِإضْمارِ (مِن) ويَجُوزُ نَصْبُهُ حَمْلًا عَلى كَمِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ، وانْتَصَبَ تَمْيِيزُ كَأيِّنْ، فَتَقُولُ: كَأيِّنْ رَجُلًا جاءَكَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎أطْرُدُ اليَأْسَ بِالرَّجا فَكَأيِّنْ أمَلًا حُمَّ يُسْرَهُ بَعْدَ عُسْرِ و(كَمْ) في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، و(مِن) في (مِن فِئَةٍ) قِيلَ: زائِدَةٌ ولَيْسَ مِن مَواضِعِ زِيادَتِها. وقِيلَ: في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ (كَمْ)، و(فِئَةٍ) هُنا مُفْرَدٌ في مَعْنى الجَمْعِ، كَأنَّهُ قِيلَ: كَثِيرٌ مِن فِئاتٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ. وقَرَأ الأعْشى فِيهِ بِإبْدالِ الهَمْزَةِ ياءً، نَحْوَ: مِيرَةٍ في مِئْرَةٍ، وهو إبْدالٌ نَفِيسٌ، وخَبَرُ (كَمْ) قَوْلُهُ: (غَلَبَتْ) ومَعْنى (بِإذْنِ اللَّهِ) بِتَمْكِينِهِ وتَسْوِيفِهِ الغَلَبَةَ. وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ قِتالِ الجَمْعِ القَلِيلِ لِلْجَمْعِ الكَثِيرِ، وإنْ كانُوا أضْعافَ أضْعافِهِمْ، إذا عَلِمُوا أنَّ في ذَلِكَ نِكايَةً لَهم، وأمّا جَوازُ الفِرارِ مِنَ الجَمْعِ الكَثِيرِ إذا زادُوا عَنْ ضِعْفِهِمْ فَسَيَأْتِي بَيانُهُ في سُورَةِ الأنْفالِ، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. ﴿واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ تَحْرِيضٌ عَلى الصَّبْرِ في القِتالِ، فَإنَّ اللَّهَ مَعَ مَن صَبَرَ لِنُصْرَةِ دِينِهِ، يَنْصُرُهُ ويُعِينُهُ ويُؤَيِّدُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن تَمامِ كَلامِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا مِنَ اللَّهِ، قالَهُ القَفّالُ. ﴿ولَمّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وجُنُودِهِ﴾ صارُوا بِالبَرازِ مِنَ الأرْضِ، وهو ما ظَهَرَ واسْتَوى، والمُبارَزَةُ في الحَرْبِ أنْ يَظْهَرَ كُلُّ قَرْنٍ لِصاحِبِهِ بِحَيْثُ يَراهُ قَرْنُهُ، وكانَ جُنُودُ طالُوتَ ثَلاثَمِائَةِ ألْفِ فارِسٍ، وقِيلَ: مِائَةَ ألْفٍ، وقالَ عِكْرِمَةُ: تِسْعِينَ ألْفًا. ﴿قالُوا رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾ الصَّبْرُ هُنا: حَبْسُ النَّفْسِ لِلْقِتالِ، فَزِعُوا إلى الدُّعاءِ لِلَّهِ تَعالى فَنادَوْا بِلَفْظِ الرَّبِّ الدّالِّ عَلى الإصْلاحِ وعَلى المُلْكِ، فَفي ذَلِكَ إشْعارٌ بِالعُبُودِيَّةِ. وقَوْلُهم: ﴿أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾ سُؤالٌ بِأنْ يَصُبَّ عَلَيْهِمُ الصَّبْرَ حَتّى يَكُونَ مُسْتَعْلِيًا عَلَيْهِمْ، ويَكُونَ لَهم كالظَّرْفِ وهم كالمَظْرُوفِينَ فِيهِ. ﴿وثَبِّتْ أقْدامَنا﴾ فَلا تَزَلُّ عَنْ مَداحِضِ القِتالِ، وهو كِنايَةٌ عَنْ تَشْجِيعِ قُلُوبِهِمْ وتَقْوِيَتِها، ولَمّا سَألُوا ما يَكُونُ مُسْتَعْلِيًا عَلَيْهِمْ مِنَ الصَّبْرِ سَألُوا تَثْبِيتَ أقْدامِهِمْ وإرْساخَها. ﴿وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ أيْ: أعِنّا عَلَيْهِمْ، وجاءُوا بِالوَصْفِ المُقْتَضِي لِخُذْلانِ أعْدائِهِمْ، وهو الكُفْرُ، وكانُوا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، وفي قَوْلِهِمْ: (رَبَّنا) إقْرارٌ لِلَّهِ تَعالى بِالوَحْدانِيَّةِ، وإقْرارٌ لَهُ بِالعُبُودِيَّةِ.

البقرة 2:251

﴿فَهَزَمُوهم بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ: فَغَلَبُوهم بِتَمْكِينِ اللَّهِ. ﴿وقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ﴾ طَوَّلَ المُفَسِّرُونَ في قِصَّةِ كَيْفِيَّةِ قَتْلِ داوُدَ لِجالُوتَ، ولَمْ يَنُصَّ اللَّهُ عَلى شَيْءٍ مِنَ الكَيْفِيَّةِ، وقَدِ اخْتَصَرَ ذَلِكَ السَّجاوَنْدِيُّ اخْتِصارًا يَدُلُّ عَلى المَقْصُودِ، فَقالَ: كانَ أصْغَرَ بَنِيهِ، يَعْنِي بَنِي إيشا والِدِ داوُدَ، الثَلاثَةَ عَشَرَ. وكانَ مُخَلَّفًا في الغَنَمِ، وأُوحِيَ إلى نَبِيِّهِمْ أنَّ قاتِلَ جالُوتَ مَنِ اسْتَوَتْ عَلَيْهِ مِن ولَدِ إيشا دِرْعٌ عِنْدَ طالُوتَ، فَلَمْ تَسْتَوِ إلّا عَلى داوُدَ، وقِيلَ: لَمّا بَرَزَ جالُوتُ نادى طالُوتُ: مَن قَتَلَ جالُوتَ أُشاطِرُهُ مُلْكِي وأُزَوِّجُهُ بِنْتِي، فَبَرَزَ داوُدُ ورَماهُ بِحَجَرٍ في قَذّافَةٍ فَنَفَذَ مِن بَيْنِ عَيْنَيْهِ إلى قَفاهُ وأصابَ عَسْكَرَهُ، فَقُتِلَ جَماعَةٌ وانْهَزَمُوا، ثُمَّ نَدِمَ طالُوتُ مِن شَرْطِهِ بَعْدَ الوَفاءِ، وهَمَّ بِقَتْلِ داوُدَ، وماتَ تائِبًا قالَهُ الضَّحّاكُ. وقالَ وهْبٌ: نَدِمَ قَبْلَ الوَفاءِ وماتَ عاصِيًا، وقِيلَ: أصابَ داوُدُ مَوْضِعَ أنْفِ جالُوتَ، وقِيلَ: تَفَتَّتَ الحَجَرُ حَتّى أصابَ كُلَّ مَن في العَسْكَرِ شَيْءٌ مِنهُ، كالقَبْضَةِ الَّتِي رَمى بِها رَسُولُ اللَّهِ يَوْمَ حُنَيْنٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَ أبُو داوُدَ في عَسْكَرِ طالُوتَ مَعَ سِتَّةٍ مِن بَنِيهِ، وكانَ داوُدُ سابِعَهم وهو صَغِيرٌ يَرْعى الغَنَمَ، فَأُوحِي إلى شَمْوِيلَ أنَّ داوُدَ بْنَ إيشا يَقْتُلُ جالُوتَ، فَطَلَبَهُ مِن أبِيهِ، فَجاءَ وقَدْ مَرَّ في طَرِيقِهِ بِثَلاثَةِ أحْجارٍ دَعاهُ كُلُّ واحِدٍ مِنها أنْ يَحْمِلَهُ، وقالَتْ لَهُ: إنَّكَ تَقْتُلُ بِنا جالُوتَ، فَحَمَلَها في مِخْلاتِهِ، ورَمى بِها جالُوتَ فَقَتَلَهُ، وزَوَّجَهُ طالُوتُ بِنْتَهُ، ورُوِيَ أنَّهُ حَسَدَهُ وأرادَ قَتْلَهُ، ثُمَّ تابَ، انْتَهى. ورُوِيَ: أنَّ داوُدَ كانَ مِن أرْمى النّاسِ بِالمِقْلاعِ، ورُوِيَ: أنَّ الأحْجارَ التَأمَتْ في المِخْلاةِ فَصارَتْ حَجَرًا واحِدًا. ﴿وآتاهُ اللَّهُ المُلْكَ والحِكْمَةَ وعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ﴾ رُوِيَ أنَّ طالُوتَ تَخَلّى لداوُدَ عَنِ المُلْكِ، فَصارَ المَلِكَ. (p-٢٦٩)ورُوِيَ: أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ غَلَبَتْ طالُوتَ عَلى ذَلِكَ بِسَبَبِ قَتْلِ داوُدَ جالُوتَ، ورُوِيَ أنَّ طالُوتَ أخافَ داوُدَ فَهَرَبَ مِنهُ، فَكانَ في جَبَلٍ إلى أنْ ماتَ طالُوتُ، فَمَلَّكَتْهُ بَنُو إسْرائِيلَ، قالَ الضَّحّاكُ والكَلْبِيُّ: مُلِّكَ داوُدُ بَعْدَ قَتْلِ جالُوتَ سَبْعَ سِنِينَ، فَلَمْ يَجْتَمِعْ بَنُو إسْرائِيلَ عَلى مَلِكٍ واحِدٍ إلّا عَلى داوُدَ. واخْتُلِفَ أكانَ داوُدُ نَبِيًّا عِنْدَ قَتْلِ جالُوتَ أمْ لا ؟ فَقِيلَ: كانَ نَبِيًّا؛ لِأنَّ خَوارِقَ العاداتِ لا تَكُونُ إلّا مِنَ الأنْبِياءِ. وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَتَوَلّى مَن لَيْسَ بِنَبِيٍّ عَلى نَبِيٍّ، والحِكْمَةُ وضْعُ الأُمُورِ مَواضِعَها عَلى الصَّوابِ، وكَمالُ ذَلِكَ إنَّما يَحْصُلُ بِالنُّبُوَّةِ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ قَبْلَهُ، كانَ المُلْكُ في سِبْطٍ والنُّبُوَّةُ في سِبْطٍ، فَلَمّا ماتَ شَمْوِيلُ وطالُوتُ اجْتَمَعَ لِداوُدَ المُلْكُ والنُّبُوةُ. وقالَ مُقاتِلٌ: (الحِكْمَةَ) الزَّبُورُ، وقِيلَ: العَدْلُ في السِّيرَةِ. وقِيلَ: (الحِكْمَةَ) العِلْمُ والعَمَلُ بِهِ. وقالَ الضَّحّاكُ: هي سِلْسِلَةٌ كانَتْ مُتَدَلِّيَةً مِنَ السَّماءِ لا يَمْسِكُها ذُو عاهَةٍ إلّا بَرِئَ، يُتَحاكَمُ إلَيْها، فَمَن كانَ مُحِقًّا تَمَكَّنَ مِنها حَتّى إنَّ رَجُلًا كانَتْ عِنْدَهُ دُرَّةٌ لِرَجُلٍ، فَجَعَلَها في عُكّازَتِهِ ودَفَعَها إلَيْهِ أنِ احْفَظْها حَتّى أمَسَّ السِّلْسِلَةَ، فَتَمَكَّنَ مِنها لِأنَّهُ رَدَّها، فَرُفِعَتْ لِشُؤْمِ احْتِيالِهِ. وإذا كانَتِ الحِكْمَةُ كانَ ذِكْرُ المُلْكِ قَبْلَها والنُّبُوَّةِ بَعْدَهُ مِن بابِ التَّرَقِّي. ﴿وعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ﴾ قِيلَ: صَنْعَةُ الدُّرُوعِ. وقِيلَ: مَنطِقُ الطَّيْرِ وكَلامُهُ لِلنَّحْلِ والنَّمْلِ. وقِيلَ: الزَّبُورُ. وقِيلَ: الصَّوْتُ الطَّيِّبُ والألْحانُ. وقِيلَ: ولَمْ يُعْطِ اللَّهُ أحَدًا مِن خَلْقِهِ مِثْلَ صَوْتِهِ، كانَ إذا قَرَأ الزَّبُورَ تَدْنُو الوُحُوشُ حَتّى يَأْخُذَ بِأعْناقِها، وتُظِلُّهُ الطَّيْرُ مُصِيخَةً لَهُ، ويَرْكُدُ الماءُ الجارِي، وتَسْكُنُ الرِّيحُ، وما صُنِعَتِ المَزامِيرُ والصُّنُوجُ إلّا عَلى صَوْتِهِ. وقِيلَ: ﴿مِمّا يَشاءُ﴾ فِعْلُ الطّاعاتِ والأمْرُ بِها، واجْتِنابُ المَعاصِي. والضَّمِيرُ الفاعِلُ في (يَشاءُ) عائِدٌ عَلى داوُدَ أيْ: مِمّا يَشاءُ داوُدُ. * * ﴿ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرْضُ﴾ قَرَأ نافِعٌ ويَعْقُوبُ وسَهْلٌ: (ولَوْلا دِفاعُ) وهو مَصْدَرُ دَفَعَ، نَحْوُ: كَتَبَ كِتابًا، أوْ مَصْدَرُ دافَعَ بِمَعْنى دَفَعَ. قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ: ؎ولَقَدْ حَرِصْتُ بِأنْ أُدافِعَ عَنْهم فَإذا المَنِيَّةُ أقْبَلَتْ لا تُدْفَعُ وقَرَأ الباقُونَ: (دَفْعُ) مَصْدَرُ دَفَعَ، كَضَرَبَ ضَرْبًا. والمَدْفُوعُ بِهِمْ جُنُودُ المُسْلِمِينَ، والمَدْفُوعُونَ المُشْرِكُونَ، و(لَفَسَدَتِ الأرْضُ) بِقَتْلِ المُؤْمِنِينَ وتَخْرِيبِ البِلادِ والمَساجِدِ، قالَ مَعْناهُ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: أوِ الأبْدالُ وهم أرْبَعُونَ، كُلَّما ماتَ واحِدٌ أقامَ اللَّهُ واحِدًا بَدَلَ آخَرَ، وعِنْدَ القِيامَةِ يَمُوتُونَ كُلُّهم: اثْنانِ وعِشْرُونَ بِالشّامِ، وثَمانِيَةَ عَشَرَ بِالعِراقِ. ورُوِيَ حَدِيثُ الأبْدالِ عَنْ عَلِيٍّ وأبِي الدَّرْداءِ، ورَفَعا ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . أوِ المَذْكُورُونَ في حَدِيثِ: «لَوْلا عُبّادٌ رُكَّعٌ، وأطْفالٌ رُضَّعٌ وبَهائِمُ رُتَّعٌ لُصُبَّ عَلَيْكُمُ العَذابُ صَبًّا» أوْ مَن يُصَلِّي ومَن يُزَكِّي ومَن يَصُومُ يُدْفَعُ بِهِمْ عَمَّنْ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ، أوِ المُؤْمِنُ يُدْفَعُ بِهِ عَنِ الكافِرِ كَما يُبْتَلى المُؤْمِنُ بِالكافِرِ، قالَهُ قَتادَةُ، أوِ الرَّجُلُ الصّالِحُ يُدْفَعُ بِهِ عَنْ ما بِهِ مِن أهْلِ بَيْتِهِ وجِيرانِهِ البَلاءُ، أوِ الشُّهُودُ الَّذِينَ يُسْتَخْرَجُ بِهِمُ الحُقُوقُ، قالَهُ الثَّوْرِيُّ أوِ السُّلْطانُ أوِ الظّالِمُ يَدْفَعُ يَدَ الظّالِمِ، أوْ داوُدُ دُفِعَ بِهِ عَنْ طالُوتَ ولَوْلا ذَلِكَ غَلَبَتِ العَمالِقَةُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، فَيَكُونُ (النّاسُ) عامًّا والمُرادُ الخُصُوصُ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ المَدْفُوعَ بِهِمْ هُمُ المُؤْمِنُونَ، ولَوْلا ذَلِكَ لَفَسَدَتِ الأرْضُ؛ لِأنَّ الكُفْرَ كانَ يُطْبِقُها ويَتَمادى في جَمِيعِ أقْطارِها، ولَكِنَّهُ تَعالى لا يُخَلِّي زَمانًا مِن قائِمٍ يَقُومُ بِالحَقِّ ويَدْعُو إلى اللَّهِ تَعالى، إلى أنْ جَعَلَ ذَلِكَ في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَوْلا أنَّ اللَّهَ يَدْفَعُ بَعْضَ النّاسِ بِبَعْضٍ، ويَكُفُّ بِهِمْ فَسادَهم، لَغَلَبَ المُفْسِدُونَ، وفَسَدَتِ الأرْضُ وبَطَلَتْ مَنافِعُها، وتَعَطَّلَتْ مَصالِحُها مِنَ الحَرْثِ والنَّسْلِ وسائِرِ ما يُعَمِّرُ الأرْضَ، انْتَهى. وهو كَلامٌ حَسَنٌ، والَّذِي قَبْلَهُ كَلامُ ابْنِ عَطِيَّةَ. والمَصْدَرُ الَّذِي هو دَفْعٌ أوْ دِفاعٌ مُضافٌ إلى الفاعِلِ، و(بَعْضَهم) (p-٢٧٠)بَدَلٌ مِنَ النّاسِ، وهو بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، والباءُ في (بِبَعْضٍ) مُتَعَلِّقٌ بِالمَصْدَرِ، والباءُ فِيهِ لِلتَّعْدِيَةِ فَهو مَفْعُولٌ ثانٍ لِلْمَصْدَرِ؛ لِأنَّ (دَفْعُ) يَتَعَدّى إلى واحِدٍ ثُمَّ عُدِّيَ إلى ثانٍ بِالباءِ، وأصْلُ التَّعْدِيَةِ بِالباءِ، أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في الفِعْلِ اللّازِمِ نَحْوَ: ﴿لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٠] فَإذا كانَ مُتَعَدِّيًا فَقِياسُهُ أنْ يُعَدّى بِالهَمْزَةِ، تَقُولُ: طَعِمَ زَيْدٌ اللَّحْمَ، ثُمَّ تَقُولُ: أطْعَمْتُ زَيْدًا اللَّحْمَ، ولا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: طَعَّمْتُ زَيْدًا بِاللَّحْمِ، وإنَّما جاءَ ذَلِكَ قَلِيلًا بِحَيْثُ لا يَنْقاسُ، مِن ذَلِكَ: دَفَعَ، وصَكَّ، تَقُولُ: صَكَّ الحَجَرُ الحَجَرَ، وتَقُولُ: صَكَكْتُ الحَجَرَ بِالحَجَرِ، أيْ: جَعَلْتُهُ يَصُكُّهُ. وكَذَلِكَ قالُوا: صَكَكْتُ الحَجَرَيْنِ أحَدَهُما بِالآخَرِ نَظِيرُ: ﴿دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ﴾ فالباءُ لِلتَّعْدِيَةِ كالهَمْزَةِ. قالَ سِيبَوَيْهِ، وقَدْ ذَكَرَ التَّعْدِيَةَ بِالهَمْزَةِ والتَّضْعِيفَ ما نَصُّهُ: وعَلى ذَلِكَ دَفَعْتُ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ، عَلى حَدِّ قَوْلِكِ: ألْزَمْتُ، كَأنَّكَ قُلْتَ في التَّمْثِيلِ: أدْفَعْتُ، كَما أنَّكَ تَقُولُ: أذْهَبْتُ بِهِ، وأذْهَبْتُهُ مِن عِنْدِنا، وأخْرَجْتُهُ، وخَرَجْتُ بِهِ مَعَكَ، ثُمَّ قالَ سِيبَوَيْهِ: صَكَكْتُ الحَجَرَيْنِ أحَدَهُما بِالآخَرِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن قَوْلِكَ: اصْطَكَّ الحَجَرانِ أحَدُهُما بِالآخَرِ، ومِثْلُ ذَلِكَ: ولَوْلا دِفاعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ، انْتَهى كَلامُ سِيبَوَيْهِ، ولا يَبْعُدُ في قَوْلِكَ: دَفَعْتُ بَعْضَ النّاسِ بِبَعْضٍ، أنْ تَكُونَ الباءُ لِلْآلَةِ، فَلا يَكُونُ المَجْرُورُ بِها مَفْعُولًا بِهِ في المَعْنى، بَلِ الَّذِي يَكُونُ مَفْعُولًا بِهِ هو المَنصُوبُ، وعَلى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ يَكُونُ المَنصُوبُ مَفْعُولًا بِهِ في اللَّفْظِ فاعِلًا مِن جِهَةِ المَعْنى وعَلى أنْ تَكُونَ الباءُ لِلْآلَةِ يَصِحُّ نِسْبَةُ الفِعْلِ إلَيْها عَلى سَبِيلِ المَجازِ، كَما أنَّكَ تَقُولُ في: كَتَبْتُ بِالقَلَمِ، كَتَبْتُ القَلَمِ. وأسْنَدَ الفَسادَ إلى الأرْضِ حَقِيقَةً: بِالخَرابِ وتَعْطِيلِ المَنافِعِ، أوْ مَجازًا: والمُرادُ أهْلُها. * * ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلى العالَمِينَ﴾ وجْهُ الِاسْتِدْراكِ هُنا هو أنَّهُ لَمّا قَسَّمَ النّاسَ إلى مَدْفُوعٍ بِهِ ومَدْفُوعٍ، وأنَّهُ بِدَفْعِهِ بَعْضَهَمْ بِبَعْضٍ امْتَنَعَ فَسادُ الأرْضِ، فَيَهْجِسُ في نَفْسِ مَن غَلَبَ وقَهَرَ عَنْ ما يُرِيدُ مِنَ الفَسادِ في الأرْضِ أنَّ اللَّهَ تَعالى غَيْرُ مُتَفَضِّلٍ عَلَيْهِ، إذْ لَمْ يُبْلِغْهُ مَقاصِدَهُ ومَآرِبَهُ، فاسْتَدْرَكَ أنَّهُ، وإنْ لَمْ يَبْلُغْ مَقاصِدَهُ هَذا الطّالِبُ لِلْفَسادِ أنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَيْهِ ويُحْسِنُ إلَيْهِ، وانْدَرَجَ في عُمُومِ العالَمِينَ، وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ [البقرة: ٢٤٣] وما مِن أحَدٍ إلّا ولِلَّهِ عَلَيْهِ فَضَلٌ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ إلّا فَضْلُ الِاخْتِراعِ. وهَذا الَّذِي أبْدَيْناهُ مِن فائِدَةِ الِاسْتِدْراكِ هو عَلى ما قَرَّرَهُ أهْلُ العِلْمِ بِاللِّسانِ مِن أنَّ (لَكِنَّ) تَكُونُ بَيْنَ مُتَنافِيَيْنِ بِوَجْهٍ ما، ويَتَعَلَّقُ (عَلى العالَمِينَ) بِفَضْلٍ؛ لِأنَّ فِعْلَهُ يَتَعَدّى بِـ (عَلى)، فَكَذَلِكَ المَصْدَرُ، ورُبَّما حُذِفَتْ (عَلى) مَعَ الفِعْلِ، تَقُولُ: فَضَّلْتُ فُلانًا أيْ: عَلى فُلانٍ، وجُمِعَ بَيْنَ الحَذْفِ والإثْباتِ في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وجَدْنا نَهْشَلًا فَضَلَتْ فُقَيْمًا كَفَضْلِ ابْنِ المَخاضِ عَلى الفَصِيلِ وإذا عُدِّي إلى مَفْعُولٍ بِهِ بِالتَّضْعِيفِ لَزِمَتْ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ﴾ [النساء: ٩٥] .

البقرة 2:252

﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ وإنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ (تِلْكَ) إشارَةٌ لِلْبَعِيدِ، و(آياتُ اللَّهِ) قِيلَ: هي القُرْآنُ، والأظْهَرُ أنَّها الآياتُ الَّتِي تَقَدَّمَتْ في القَصَصِ السّابِقِ مِن خُرُوجِ أُولَئِكَ الفارِّينَ مِنَ المَوْتِ، وإماتَةِ اللَّهِ لَهم دُفْعَةً واحِدَةً، ثُمَّ أحْياهم إحْياءَةً واحِدَةً، وتَمْلِيكِ طالُوتَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ ولَيْسَ مِن أوْلادِ مُلُوكِهِمْ، والإتْيانُ بِالتّابُوتِ بَعْدَ فَقْدِهِ مُشْتَمِلًا عَلى بَقايا مِن إرْثِ آلِ مُوسى وآلِ هارُونَ، وكَوْنُهُ تَحْمِلُهُ المَلائِكَةُ مُعايَنَةً عَلى ما نُقِلَ عَنْ تُرْجُمانِ القُرْآنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وذَلِكَ الِابْتِلاءُ العَظِيمُ بِالنَّهَرِ في فَصْلِ القَيْظِ والسَّفَرِ، وإجابَةُ مَن تَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ في النُّصْرَةِ، وقَتْلُ داوُدَ جالُوتَ، وإيتاءُ اللَّهِ إيّاهُ المُلْكَ والحِكْمَةَ، فَهَذِهِ كُلُّها آياتٌ عَظِيمَةٌ خَوارِقُ، تَلاها اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ بِالحَقِّ أيْ: مَصْحُوبَةً بِالحَقِّ لا كَذِبَ فِيها ولا انْتِحالَ، ولا بِقَوْلِ كَهَنَةٍ، بَلْ مُطابِقًا لِما في كُتُبِ بَنِي إسْرائِيلَ، ولِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِن هَذا القَصَصِ الحَظُّ الأوْفَرُ في الِاسْتِنْصارِ بِاللَّهِ والإعْدادِ لِلْكُفّارِ، وأنَّ كَثْرَةَ العَدَدِ قَدْ يَغْلِبُها المُقِلُّ، وأنَّ الوُثُوقَ (p-٢٧١)بِاللَّهِ والرُّجُوعَ إلَيْهِ هو الَّذِي يُعَوَّلُ عَلَيْهِ في المُلِمّاتِ، ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ تَلا الآياتِ عَلى نَبِيِّهِ أعْلَمَ أنَّهُ مِنَ المُرْسَلِينَ، وأكَدَّ ذَلِكَ بِـ (إنَّ) واللّامِ، حَيْثُ أخْبَرَ بِهَذِهِ الآيَةِ مِن غَيْرِ قِراءَةِ كِتابٍ ولا مُدارَسَةِ أحْبارٍ ولا سَماعِ أخْبارٍ. وتَضَمَّنَتِ الآياتُ الكَرِيمَةُ أخْبارَ بَنِي إسْرائِيلَ حَيْثُ اسْتَقْيَدُوا تَمْلِيكَ طالُوتَ عَلَيْهِمْ أنَّ لِذَلِكَ آيَةً تَدُلُّ عَلى تَمْلِكِيهِ، وهو أنَّ التّابُوتَ الَّذِي فَقَدْتُمُوهُ يَأْتِيكم مُشْتَمِلًا عَلى ما كانَ فِيهِ مِنَ السَّكِينَةِ والبَقِيَّةِ المُخَلَّفَةِ عَنْ آلِ مُوسى وآلِ هارُونَ، وأنَّ المَلائِكَةَ تَحْمِلُهُ، وإنَّ في ذَلِكَ آيَةً أيْ: آيَةً لِمَن كانَ مُؤْمِنًا؛ لِأنَّ هَذا خارِقٌ عَظِيمٌ. وفَصْلُ طالُوتَ بِالجُنُودِ وتَبْرِيزُهُ بِهِمْ مِن دِيارِهِمْ لِلِقاءِ العَدُوِّ يَدُلُّ عَلى أنَّهم مَلَّكُوهُ وانْقادُوا لَهُ، وأخْبَرَهم عَنِ اللَّهِ أنَّهُ مُبْتَلِيهِمْ بِنَهَرٍ فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اللَّهُ نَبَّأهُ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِإخْبارِ نَبِيِّهِمْ لَهُ عَنِ اللَّهِ، وأنَّ مَن شَرِبَ مِنهُ كَرَعًا فَلَيْسَ مِنهُ إلّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ، وأنَّ مَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنهُ، وأخْبَرَ اللَّهُ أنَّهم قَدْ خالَفَ أكْثَرُهم فَشَرِبُوا مِنهُ، ولَّما عَبَرُوا النَّهَرَ ورَأوْا ما هو فِيهِ جالُوتُ مِنَ العَدَدِ والعُدَدِ أخْبَرُوا أنَّهم لا طاقَةَ لَهم بِذَلِكَ، فَأجابَهم مَن أيْقَنَ بِلِقاءِ اللَّهِ: بِأنَّ الكَثْرَةَ لا تَدُلُّ عَلى الغَلَبَةِ، فَكَثِيرًا ما غَلَبَ القَلِيلُ الكَثِيرَ بِتَمْكِينِ اللَّهِ وإقْدارِهِ، وأنَّهُ إذا كانَ اللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ فَهُمُ المَنصُورُونَ، فَحُضُّوا عَلى التَّصابُرِ عِنْدَ لِقاءِ العَدُوِّ، وحِينَ بَرَزُوا لِأعْدائِهِمْ ووَقَعَتِ العَيْنُ عَلى العَيْنِ لَجَئُوا إلى اللَّهِ تَعالى بِالدُّعاءِ والِاسْتِغاثَةِ، وسَألُوا مِنهُ الصَّبْرَ عَلى القِتالِ وتَثْبِيتَ الأقْدامِ عِنْدَ المَداحِضِ، والنَّصْرَ عَلى مَن كَفَرَ بِهِ، وكانَتْ نَتِيجَةُ هَذا القَوْلِ وصِدْقِ القِتالِ أنْ مَكَّنَهم مِن أعْدائِهِمْ وهَزَمُوهم وقَتَلَ مَلِكَهم، وإذا ذَهَبَ الرَّأْسُ ذَهَبَ الجَسَدُ، وأعْطى اللَّهُ داوُدَ مُلْكَ بَنِي إسْرائِيلَ والنُّبُوَّةَ وهي الحِكْمَةُ، وعَلَّمَهُ مِمّا أرادَ أنْ يُعَلِّمَهُ مِنَ الزَّبُورِ، وصَنْعَةِ اللَّبُوسِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا عَلَّمَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّ إصْلاحَ الأرْضِ هو بِدَفْعِ بَعْضِ النّاسِ بَعْضًا، فَلَوْلا أنْ دَفَعَ اللَّهُ عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ بِهَزِيمَةِ قَوْمِ جالُوتَ وقَتْلِ داوُدَ جالُوتَ، لَغَلَبَ عَلَيْهِمْ أعْداؤُهم واسْتُؤْصِلُوا قَتْلًا ونَهْبًا وأسْرًا، وكَذَلِكَ مَن جَرى مَجْراهم، ولَكِنَّ فَضْلَ اللَّهِ هو السّابِقُ، حَيْثُ لَمْ يُمَكِّنْ مِنهم أعْداءَهم، ومَكَّنَهم مِنهم، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ هَذِهِ الآياتِ الَّتِي تَضَمَّنَتْ هَذِهِ العِبَرَ وهَذِهِ الخَوارِقَ تَلاها اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ بِالحَقِّ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ، ثُمَّ أخْبَرَهُ أنَّهُ مُرْسَلٌ مِن جُمْلَةِ المُرْسَلِينَ الَّذِينَ تَقَدَّمُوهُ في الزَّمانِ، والرِّسالَةُ فَوْقَ النُّبُوَّةِ، ودَلَّ عَلى رِسالَتِهِ إخْبارُهُ بِهَذا القَصَصِ المُتَضَمِّنِ لِلْآياتِ الباهِرَةِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِ مَن أخْبَرَ بِها، مِن غَيْرِ أنْ يُعْلِمَهُ بِها مُعْلِمٌ إلّا اللَّهَ. * * ﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ وإنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ مِنهم مَن كَلَّمَ اللَّهُ ورَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ ولَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنهم مَن آمَنَ ومِنهم مَن كَفَرَ ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلُوا ولَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خُلَّةٌ ولا شَفاعَةٌ والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِن عِلْمِهِ إلّا بِما شاءَ وسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ والأرْضَ ولا يَؤدُهُ حِفْظُهُما وهو العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ ويُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى لا انْفِصامَ لَها واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦] البَيْعُ مَعْرُوفٌ، والفِعْلُ مِنهُ باعَ يَبِيعُ، ومَن قالَ: أباعَ في مَعْنى باعَ أخْطَأ. الخُلَّةُ: الصَّداقَةُ كَأنَّها تَتَخَلَّلُ الأعْضاءَ أيْ: تَدْخُلُ خِلالَها، والخُلَّةُ الصَّدِيقُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎وكانَ لَها في سالِفِ الدَّهْرِ خُلَّةٌ يُسارِقُ بِالطَّرَفِ الخِباءَ المُسَتَّرا السِّنَةُ والوَسَنُ: قِيلَ: النُّعاسُ، وهو الَّذِي يَتَقَدَّمُ النَّوْمَ مِنَ الفُتُورِ قالَ الشّاعِرُ:(p-٢٧٢) ؎وسْنانُ أقْصَدَهُ النُّعاسُ فَرَنَّقَتْ ∗∗∗ في عَيْنِهِ سِنَةٌ ولَيْسَ بِنائِمِ ويَبْقى مَعَ السِّنَةِ بَعْضُ الذِّهْنِ، والنَّوْمُ هو المُسْتَثْقَلُ الَّذِي يَزُولُ مَعَهُ الذِّهْنُ، وهَذا البَيْتُ يَظْهَرُ مِنهُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ السِّنَةِ والنَّوْمِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الوَسْنانُ الَّذِي يَقُومُ مِنَ النَّوْمِ وهو لا يَعْقِلُ، حَتّى رُبَّما جَرَّدَ السَّيْفَ عَلى أهْلِهِ، وهَذا الَّذِي قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ لَيْسَ بِمَفْهُومٍ مِن كَلامِ العَرَبِ؛ قالَ المُفَضَّلُ: السِّنَةُ ثِقَلٌ في الرَّأْسِ، والنُّعاسُ في العَيْنِ، والنَّوْمُ في القَلْبِ. الكُرْسِيُّ: آلَةٌ مِنَ الخَشَبِ أوْ غَيْرِهِ مَعْلُومَةٌ، يُقْعَدُ عَلَيْها، والياءُ فِيهِ كالياءِ في قَرِيٍّ، لَيْسَتْ لِلنَّسَبِ، وجَمْعُهُ كَراسِيٌّ، وسَيَأْتِي تَفْسِيرُهُ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى، آدَهُ الشَّيْءُ يَؤُدُهُ: أثْقَلَهُ، وتَحَمَّلَ مِنهُ مَشَقَّةً، قالَ الشّاعِرُ: ؎ألا ما لِسَلْمى اليَوْمَ بَتَّ جَدِيدُها ∗∗∗ وضَنَّتْ وما كانَ النَّوالُ يَؤُدُها الغَيُّ: مُقابِلُ الرُّشْدِ، يُقالُ: غَوى الرَّجُلُ يَغْوِي أيْ: ضَلَّ في مُعْتَقَدٍ أوْ رَأْيٍ، ويُقالُ: أغْوى الفَصِيلُ إذا بَشِمَ، وإذا جاعَ عَلى الضِّدِّ. الطّاغُوتُ: بِناءُ مُبالَغَةٍ مِن طَغى يَطْغى، وحَكى الطَّبَرِيُّ يَطْغُو إذا جاوَزَ الحَدَّ بِزِيادَةٍ عَلَيْهِ، ووَزْنُهُ الأصْلِيُّ: فَعْلُوتُ، قُلِبَ إذْ أصْلُهُ: طَغْوُوتُ، فَجُعِلَتِ اللّامُ مَكانَ العَيْنِ، والعَيْنُ مَكانَ اللّامِ، فَصارَ طَوْغُوتَ، تَحَرَّكَتِ الواوُ وانْفَتَحَ ما قَبْلَها فَقُلِبَتْ ألِفًا، فَصارَ طاغُوتَ، ومَذْهَبُ أبِي عَلِيٍّ أنَّهُ مَصْدَرٌ كَرَهَبُوتٍ وجَبَرُوتٍ، وهو يُوصَفُ بِهِ الواحِدُ والجَمْعُ، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ اسْمٌ مُفْرَدٌ كَأنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ يَقَعُ لِلْكَثِيرِ والقَلِيلِ، وزَعَمَ أبُو العَبّاسِ أنَّهُ جَمْعٌ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ التّاءَ في طاغُوتَ بَدَلٌ مِن لامِ الكَلِمَةِ، ووَزْنُهُ فاعُولٌ. العُرْوَةُ: مَوْضِعُ الإمْساكِ وشَدِّ الأيْدِي والتَّعَلُّقِ، والعُرْوَةُ شَجَرَةٌ تَبْقى عَلى الجَذْبِ لِأنَّ الإبِلَ تَتَعَلَّقُ بِها في الخِصْبِ مِن: عَرَوْتُهُ: ألْمَمْتُ بِهِ مُتَعَلِّقًا، واعْتَراهُ ألَمٌ: تَعَلَّقَ بِهِ. الِانْفِصامُ: الِانْقِطاعُ، وقِيلَ: الِانْكِسارُ مِن غَيْرِ بَيْنُونَةٍ، والقَصْمُ بِالقافِ الكَسْرُ بِبَيْنُونَةٍ، وقَدْ يَجِيءُ الفَصْمُ بِالفاءِ في مَعْنى البَيْنُونَةِ. ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ اصْطِفاءَ طالُوتَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، وتَفَضُّلَ داوُدَ عَلَيْهِمْ بِإيتائِهِ المُلْكَ والحِكْمَةَ وتَعْلِيمِهِ، ثُمَّ خاطَبَ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِأنَّهُ مِنَ المُرْسَلِينَ، وكانَ ظاهِرُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ بَيْنَ المُرْسَلِينَ، بَيَّنَ بِأنَّ المُرْسَلِينَ مُتَفاضِلُونَ أيْضًا، كَما كانَ التَّفاضُلُ بَيْنَ غَيْرِ المُرْسَلِينَ كَ طالُوتَ وبَنِي إسْرائِيلَ، و(تِلْكَ) مُبْتَدَأٌ وخَبُرُهُ (الرُّسُلُ) و(فَضَّلْنا) جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، وذُو الحالِ الرُّسُلُ، والعامِلُ فِيهِ اسْمُ الإشارَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (الرُّسُلُ) صِفَةً لِاسْمِ الإشارَةِ، أوْ عَطْفَ بَيانٍ، وأشارَ بِتِلْكَ الَّتِي لِلْبَعِيدِ لِبُعْدِ ما بَيْنَهم مِنَ الأزْمانِ وبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ قِيلَ: الإشارَةُ إلى الرُّسُلِ الَّذِينَ ذُكِرُوا في هَذِهِ السُّورَةِ، أوْ لِلرُّسُلِ الَّتِي ثَبَتَ عِلْمُها عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والأوْلى أنْ تَكُونَ إشارَةً إلى المُرْسَلِينَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ عِلْمُهُ ﷺ بِأعْيانِهِمْ بَلْ أخْبَرَ أنَّهُ مِن جُمْلَةِ المُرْسَلِينَ، وأنَّ المُرْسَلِينَ فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ، وأتى بِتِلْكَ، الَّتِي لِلْواحِدَةِ المُؤَنَّثَةِ، وإنْ كانَ المُشارُ إلَيْهِ جَمْعًا؛ لِأنَّهُ جَمْعُ تَكْسِيرٍ، وجَمْعُ التَّكْسِيرِ حُكْمُهُ حُكْمُ الواحِدَةِ المُؤَنَّثَةِ في الوَصْفِ، وفي عَوْدِ الضَّمِيرِ، وفي غَيْرِ ذَلِكَ، وكانَ جَمْعُ تَكْسِيرٍ هُنا لِاخْتِصارِ اللَّفْظِ، ولِإزالَةِ قَلَقِ التَّكْرارِ؛ لِأنَّهُ لَوْ جاءَ: أُولَئِكَ المُرْسَلُونَ فَضَّلْنا، كانَ اللَّفْظُ فِيهِ طُولٌ، وكانَ فِيهِ التَّكْرارُ والِالتِفاتُ في (نَتْلُوها)، وفي (فَضَّلْنا)؛ لِأنَّهُ خُرُوجٌ إلى مُتَكَلِّمٍ مِن غائِبٍ، إذْ قَبْلَهُ ذُكِرَ لَفْظُ اللَّهِ، وهو لَفْظٌ غائِبٌ. والتَّضْعِيفُ في (فَضَّلْنا) لِلتَّعْدِيَةِ، و(عَلى بَعْضٍ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (فَضَّلْنا) قِيلَ: والتَّفْضِيلُ بِالفَضائِلِ بَعْدَ الفَرائِضِ أوِ الشَّرائِعِ عَلى غَيْرِ ذِي الشَّرائِعِ، أوْ بِالخَصائِصِ كالكَلامِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] لَمّا أوْجَبَ ذَلِكَ مِن تَفاضُلِهِمْ في الحَسَناتِ، انْتَهى. وفِيهِ دَسِيسَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ. ونَصَّ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ عَلى تَفْضِيلِ بَعْضِ الأنْبِياءِ عَلى بَعْضٍ في الجُمْلَةِ دُونَ تَعْيِينِ مَفْضُولٍ. (p-٢٧٣)وهَكَذا جاءَ في الحَدِيثِ: «أنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ» . وقالَ: «لا تُفَضِّلُونِي عَلى مُوسى» وقالَ: «لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ: أنا خَيْرٌ مِن يُونُسَ بْنِ مَتّى» . ﴿مِنهم مَن كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] قَرَأ الجُمْهُورُ بِالتَّشْدِيدِ ورَفَعِ الجَلالَةِ والعائِدُ عَلى (مَن) مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ مَن كَلَّمَهُ، وقُرِئَ بِنَصْبِ الجَلالَةِ والفاعِلُ مُسْتَتِرٌ في (كَلَّمَ) يَعُودُ عَلى (مَن) ورَفْعُ الجَلالَةِ أتَمُّ في التَّفْضِيلِ مِنَ النَّصْبِ، إذِ الرَّفْعُ يَدُلُّ عَلى الحُضُورِ والخِطابِ مِنهُ تَعالى لِلْمُتَكَلِّمِ، والنُّصْبُ يَدُلُّ عَلى الحُضُورِ دُونَ الخِطابِ مِنهُ، وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ وأبُو نَهْشَلٍ وابْنُ السَّمَيْقَعِ: (كالَمَ اللَّهَ) بِالألِفِ ونَصَبِ الجَلالَةِ مِنَ المُكالَمَةِ، وهي صُدُورُ الكَلامِ مِنِ اثْنَيْنِ، ومِنهُ قِيلَ: كَلِيمُ اللَّهِ أيْ: مُكالِمُهُ، فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفاعِلٍ، كَجَلِيسٍ وخَلِيطٍ. وذَكَرَ التَّفْضِيلَ بِالكَلامِ وهو مِن أشْرَفِ تَفْضِيلٍ حَيْثُ جَعَلَهُ مَحَلًّا لِخِطابِهِ ومُناجاتِهِ مِن غَيْرِ سَفِيرٍ، وتَضافَرَتْ نُصُوصُ المُفَسِّرِينَ هُنا عَلى أنَّ المُرادَ بِالمُكَلَّمِ هُنا هو مُوسى، عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، «وقَدْ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ آدَمَ: أنْبِيٌّ مُرْسَلٌ ؟ فَقالَ: ”نَعَمْ نَبِيٌّ مُكَلَّمٌ“» . وقَدْ صَحَّ في حَدِيثِ الإسْراءِ حَيْثُ ارْتَقى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى مَقامٍ تَأخَّرَ عَنْهُ فِيهِ جِبْرِيلُ، أنَّهُ جَرَتْ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَبِّهِ تَعالى مُخاطَباتٌ ومُحاوَراتٌ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يَدْخُلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿مِنهم مَن كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]: مُوسى وآدَمُ ومُحَمَّدٌ ﷺ لِأنَّهُ قَدْ ثَبَتَ تَكْلِيمُ اللَّهِ لَهم. وفي قَوْلِهِ: ﴿كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] التِفاتٌ، إذْ هو خُرُوجٌ إلى ظاهِرٍ غائِبٍ مِن ضَمِيرٍ مُتَكَلِّمٍ، لِما في ذِكْرِ هَذا الِاسْمِ العَظِيمِ مِنَ التَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ، ولِزَوالِ قَلَقِ تَكْرارِ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، إذْ كانَ يَكُونُ: فَضَّلْنا، وكَلَّمْنا، ورَفَعْنا، وآتَيْنا.

البقرة 2:253

﴿ورَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ﴾ هو مُحَمَّدٌ ﷺ أوْ إبْراهِيمُ، أوْ إدْرِيسُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ، ثَلاثَةُ أقْوالٍ، قالُوا: والأوَّلُ أظْهَرُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ اللَّفْظُ أنْ يُرادَ بِهِ مُحَمَّدٌ وغَيْرُهُ مِمَّنْ عَظُمَتْ آياتُهُ، ويَكُونُ الكَلامُ تَأْكِيدًا لِلْأوَّلِ، انْتَهى. ويَعْنِي أنَّهُ تَوْكِيدٌ لِقَوْلِهِ ﴿فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ورَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ﴾ أيْ: ومِنهم مَن رَفَعَهُ عَلى سائِرِ الأنْبِياءِ، فَكانَ بَعْدَ تَفاوُتِهِمْ في الفَضْلِ أفْضَلَ مِنهم بِدَرَجاتٍ كَثِيرَةٍ، والظّاهِرُ أنَّهُ أرادَ مُحَمَّدًا ﷺ لِأنَّهُ هو المُفَضَّلُ عَلَيْهِمْ، حَيْثُ أُوتِيَ ما لَمْ يُؤْتَهُ أحَدٌ مِنَ الآياتِ المُتَكاثِرَةِ المُرْتَقِيَةِ إلى ألْفِ آيَةٍ وأكْثَرَ، ولَوْ لَمْ يُؤْتَ إلّا القُرْآنَ وحْدَهُ لَكَفى بِهِ فَضْلًا مُنِيفًا عَلى سائِرِ ما أُوتِيَ الأنْبِياءُ؛ لِأنَّهُ المُعْجِزَةُ الباقِيَةُ عَلى وجْهِ الدَّهْرِ دُونَ سائِرِ المُعْجِزاتِ. وفي هَذا الإبْهامِ مِن تَفْخِيمِ فَضْلِهِ وإعْلاءِ قَدْرِهِ ما لا يَخْفى، لِما فِيهِ مِنَ الشَّهادَةِ عَلى أنَّهُ العِلْمُ الَّذِي لا يَشْتَبِهُ، والمُتَمَيِّزُ الَّذِي لا يَلْتَبِسُ، ويُقالُ لِلرَّجُلِ: مَن فَعَلَ هَذا ؟ فَيَقُولُ: أحَدُكم، أوْ بَعْضُكم يُرِيدُ بِهِ الَّذِي تَعَوْرَفَ واشْتَهَرَ بِنَحْوِهِ مِنَ الأفْعالِ، فَيَكُونُ أفْخَمَ مِنَ التَّصْرِيحِ بِهِ، وأنْوَهَ بِصاحِبِهِ. وسُئِلَ الحُطَيْئَةُ عَنْ أشْعَرِ النّاسِ، فَذَكَرَ زُهَيْرًا والنّابِغَةَ، ثُمَّ قالَ: ولَوْ شِئْتُ لَذَكَرْتُ الثّالِثَ. أرادَ نَفْسَهُ، ولَوْ قالَ: ولَوْ شِئْتُ لَذَكَرْتُ نَفْسِي، لَمْ يُفَخِّمْ أمْرَهُ. ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ إبْراهِيمَ ومُحَمَّدًا وغَيْرَهُما مِن أُولى العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، انْتَهى كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ. وهو كَلامٌ حَسَنٌ. وقالَ غَيْرُهُ: وهو مُحَمَّدٌ ﷺ لِأنَّهُ بُعِثَ إلى النّاسِ كافَّةً، وأُعْطِيَ الخَمْسَ الَّتِي لَمْ يُعْطَها أحَدٌ، وهو أعْظَمُ النّاسِ أُمَّةً، وخُتِمَ بِهِ بابُ النُّبُوّاتِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الخَلْقِ العَظِيمِ الَّذِي أعْطاهُ، ومِن مُعْجِزاتِهِ، وباهِرِ آياتِهِ. وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّهُ أُوتِيَ ﷺ ثَلاثَةُ آلافِ مُعْجِزَةٍ وخِصِّيصَةٍ، وما أُوتِيَ نَبِيٌّ مُعْجِزَةً إلّا أُوتِيَ مُحَمَّدٌ ﷺ مَثْلَها وزادَ عَلَيْهِمْ بِآياتٍ. وانْتِصابُ (دَرَجاتٍ) قِيلَ: عَلى المَصْدَرِ؛ لِأنَّ الدَّرَجَةَ بِمَعْنى الرِّفْعَةِ، أوْ عَلى المَصْدَرِ الَّذِي في مَوْضِعِ الحالِ، أوْ عَلى الحالِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ذَوِي دَرَجاتٍ، أوْ عَلى المَفْعُولِ الثّانِي لِرَفَعَ عَلى طَرِيقِ التَّضْمِينِ لِمَعْنى بَلَغَ، أوْ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، فَوَصَلَ الفِعْلَ وحَرْفَ الجَرِّ، إمّا عَلى، أوْ في، أوْ إلى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَدَلَ اشْتِمالٍ، أيْ: ورَفَعَ دَرَجاتِ بَعْضِهِمْ، والمَعْنى عَلى دَرَجاتِ بَعْضٍ. * * ﴿وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى (p-٢٧٤)تَفْسِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ وقَفَّيْنا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ [البقرة: ٨٧] فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا، وخَصَّ مَن كَلَّمَهُ اللَّهُ وعِيسى مِن بَيْنِ الأنْبِياءِ لِما أُوتِيا مِنَ الآياتِ العَظِيمَةِ، والمُعْجِزاتِ الباهِرَةِ، ولِأنَّ آيَتَيْهِما مَوْجُودَتانِ، فَتَخْصِيصُهُما بِالذِّكْرِ طَعْنٌ عَلى تابِعَيْهِما حَيْثُ لَمْ يَنْقادُوا لِهَذَيْنِ الرَّسُولَيْنِ العَظِيمَيْنِ، ووَقَعَ مِنهُمُ المُنازَعَةُ والخِلافُ. ونَصَّ هُنا لِعِيسى عَلى الآياتِ البَيِّناتِ تَقْبِيحًا لِأفْعالِ اليَهُودِ حَيْثُ أنْكَرُوا نُبُوَّتَهُ مَعَ ما ظَهَرَ عَلى يَدَيْهِ مِنَ الآياتِ الواضِحَةِ، ولَمّا كانَ نَبِيُّنا مُحَمَّدٌ ﷺ هو الَّذِي أُوتِيَ ما لَمْ يُؤْتَهُ أحَدٌ مِن كَثْرَةِ المُعْجِزاتِ وعِظَمِها، وكانَ المَشْهُودَ لَهُ بِإحْرازِ قَصَباتِ السَّبْقِ، حُفَّ ذِكْرُهُ بِذِكْرِ هَذَيْنِ الرَّسُولَيْنِ العَظِيمَيْنِ، لِيَحْصُلَ لِكُلٍّ مِنهُما بِمُجاوَرَةِ ذِكْرِهِ الشَّرَفُ، إذْ هو بَيْنَهُما واسِطَةُ عِقْدِ النُّبُوَّةِ، فَيَنْزِلُ مِنهُما مَنزِلَةَ واسِطَةِ العِقْدِ الَّتِي يَزْدانُ بِها ما جاوَرَها مِنَ اللَّآلِئِ، وتَنَوَّعَ هَذا التَّقْسِيمُ ولَمْ يَرِدْ عَلى أُسْلُوبٍ واحِدٍ، فَجاءَتِ الجُمْلَةُ الأوْلى مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ مُصَدَّرَةً بِمِنَ الدّالَّةِ عَلى التَّقْسِيمِ، وجاءَتِ الثّانِيَةُ فِعْلِيَّةً مُسْنَدَةً لِضَمِيرِ اسْمِ اللَّهِ لا لَفْظِهِ لِقُرْبِهِ، إذْ لَوْ أُسْنِدَ إلى الظّاهِرِ لَكانَ مِنهم مَن كَلَّمَ اللَّهُ، ورَفَعَ اللَّهُ، فَكانَ يَقْرُبُ التَّكْرارُ، فَكانَ الإضْمارُ أحْسَنَ. وفِي الجُمْلَتَيْنِ: المُفَضَّلُ مِنهم لا مُعَيَّنٌ بِالِاسْمِ، لَكِنْ يُعَيَّنُ الأوَّلُ صِلَةَ المَوْصُولِ؛ لِأنَّها مَعْلُومَةٌ عِنْدَ السّامِعِ، ويُعَيَّنُ الثّانِي ما أخْبَرَ بِهِ عَنْهُ، وهو أنَّهُ مَرْفُوعٌ عَلى غَيْرِهِ مِنَ الرُّسُلِ بِدَرَجاتٍ، وهَذِهِ الرُّتْبَةُ لَيْسَتْ إلّالِمُحَمَّدٍ ﷺ وجاءَتِ الثّانِيَةُ فِعْلِيَّةً مُسْنَدَةً لِضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ عَلى سَبِيلِ الالتِفاتِ، إذْ قَبْلَهُ غائِبٌ، وكُلُّ هَذا يَدُلُّ عَلى التَّوَسُّعِ في أفانِينِ البَلاغَةِ وأسالِيبِ الفَصاحَةِ. * * ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ﴾ قِيلَ: في الكَلامِ حَذَفٌ، التَّقْدِيرُ: فاخْتَلَفَ أُمَمُهم واقْتَتَلُوا. (ولَوْ شاءَ اللَّهُ) ومَفْعُولُ (شاءَ) مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: أنْ لا تَقْتَتِلُوا، وقِيلَ: أنْ لا يَأْمُرَ بِالقِتالِ، قالَهُ الزَّجّاجُ، وقالَ مُجاهِدٌ: أنْ لا تَخْتَلِفُوا الاخْتِلافَ الَّذِي هو سَبَبُ القِتالِ، وقِيلَ: ولَوْ شاءَ اللَّهُ أنْ يَضْطَرَّهم إلى الإيمانِ فَلَمْ يَقْتَتِلُوا، وقالَ أبُو عَلِيٍّ بِأنْ يَسْلُبَهُمُ القُوى والعُقُولَ الَّتِي يَكُونُ بِها التَّكْلِيفُ، ولَكِنْ كَلَّفَهم فاخْتَلَفُوا بِالكُفْرِ والإيمانِ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: هَذِهِ مَشِيئَةُ القُدْرَةِ، مِثْلُ: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩] ولَمْ يَشَأْ ذَلِكَ، وشاءَ تَكْلِيفَهم فاخْتَلَفُوا، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَوْ شاءَ اللَّهُ مَشِيئَةَ إلْجاءٍ وقَسْرٍ، وجَوابُ (لَوْ) (ما اقْتَتَلَ) وهو فِعْلٌ مَنفِيٌّ بِـ (ما) فالفَصِيحُ أنْ لا يَدْخُلَ عَلَيْهِ اللّامُ كَما في الآيَةِ، ويَجُوزُ في القَلِيلِ أنْ تَدْخُلَ عَلَيْهِ اللّامُ، فَتَقُولُ: لَوْ قامَ زَيْدٌ لَما قامَ عَمْرٌو، و(مِن بَعْدِهِمْ) صِلَةٌ لِلَّذِينَ، فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ أيِ: الَّذِينَ كانُوا مِن بَعْدِهِمْ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الرُّسُلِ، وقِيلَ: عائِدٌ عَلى مُوسى وعِيسى وأتْباعِهِما، وظاهِرُ الكَلامِ أنَّهُمُ القَوْمُ الَّذِينَ كانُوا مِن بَعْدِ جَمِيعِ الرُّسُلِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ المُرادُ: ما اقْتَتَلَ النّاسُ بَعْدَ كُلِّ نَبِيٍّ، فَلُفَّ الكَلامُ لَفًّا لَمْ يَفْهَمْهُ السّامِعُ وهَذا كَما تَقُولُ: اشْتَرَيْتُ خَيْلًا ثُمَّ بِعْتُها، وإنَّ كُنْتَ قَدِ اشْتَرَيْتَها فَرَسًا فَرَسًا وبِعْتَهُ، وكَذَلِكَ هَذا، إنَّما اخْتُلِفَ بَعْدَ كُلِّ نَبِيٍّ، و(مِن بَعْدِ) قِيلَ: بَدَلٌ مِن (بَعْدِهِمْ)، والظّاهِرُ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: (ما اقْتَتَلَ) إذْ كانَ في البَيِّناتِ - وهي الدَّلائِلُ الواضِحَةُ - ما يُفْضِي إلى الِاتِّفاقِ وعَدَمِ التَّقاتُلِ، وغَنِيَّةٌ عَنِ الِاخْتِلافِ المُوجِبِ لِلتَّقاتُلِ. ﴿ولَكِنِ اخْتَلَفُوا﴾ هَذا الِاسْتِدْراكُ واضِحٌ؛ لِأنَّ ما قَبْلَها ضِدٌّ لِما بَعْدَها؛ لِأنَّ المَعْنى: لَوْ شاءَ الِاتِّفاقَ لاتَّفَقُوا، ولَكِنْ شاءَ الِاخْتِلافَ فاخْتَلَفُوا. ﴿فَمِنهم مَن آمَنَ ومِنهم مَن كَفَرَ﴾ مَن آمَنَ بِالتِزامِهِ دِينَ الرُّسُلِ واتِّباعِهِمْ، ومَن كَفَرَ بِإعْراضِهِ عَنِ اتِّباعِ الرُّسُلِ حَسَدًا وبَغْيًا واسْتِئْثارًا بِحُطامِ الدُّنْيا. ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلُوا﴾ قِيلَ: الجُمْلَةُ تَكَرَّرَتْ تَوْكِيدًا لِلْأُولى، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقِيلَ: لا تَوْكِيدَ لِاخْتِلافِ المَشِيئَتَيْنِ، فالأُولى: ولَوْ شاءَ اللَّهُ أنْ يَحُولَ بَيْنَهم وبَيْنَ القِتالِ بِأنْ يَسْلُبَهُمُ القُوى والعُقُولَ، والثّانِيَةُ: ولَوْ شاءَ اللَّهُ أنْ يَأْمُرَ المُؤْمِنِينَ بِالقِتالِ، ولَكِنْ أمَرَ وشاءَ أنْ يَقْتَتِلُوا، وتَعَلَّقَ بِهَذِهِ الآيَةِ مُثْبِتُو (p-٢٧٥)القَدْرِ ونافُوهُ، ولَمْ يَزَلْ ذَلِكَ مُخْتَلَفًا فِيهِ حَتّى كانَ الأعْشى في الجاهِلِيَّةِ نافِيًا حَيْثُ قالَ: ؎اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِالوَفاءِ وبِالـ عَدْلِ ووَلّى المَلامَةَ الرَّجُلا وكانَ لُبَيْدٌ مُثْبِتًا حَيْثُ قالَ: ؎مَن هَداهُ سُبُلَ الخَيْرِ اهْتَدى ∗∗∗ ناعِمَ البالِ ومَن شاءَ أضَلَّ ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ ما أرادَ اللَّهُ فِعْلَهُ فَهو كائِنٌ لا مَحالَةَ، وإنَّ إرادَةَ غَيْرِهِ غَيْرُ مُؤَثِّرَةٍ، وهو تَعالى المُسْتَأْثِرُ بِسِرِّ الحِكْمَةِ فِيما قَدَّرَ وقَضى مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، وهو فِعْلُهُ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ مِنَ الخُذْلانِ والعِصْمَةِ، وهَذا عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِيَّةِ. قِيلَ: وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن أنْواعِ البَلاغَةِ التَّقْسِيمَ، في قَوْلِهِ: ﴿مِنهم مَن كَلَّمَ اللَّهُ﴾ بِلا واسِطَةٍ، ومِنهم مَن كَلَّمَهُ بِواسِطَةٍ، وهَذا التَّقْسِيمُ اقْتَضاهُ المَعْنى، وفي قَوْلِهِ ﴿فَمِنهم مَن آمَنَ ومِنهم مَن كَفَرَ﴾ وهَذا التَّقْسِيمُ مَلْفُوظٌ بِهِ. والِاخْتِصاصُ مُشارًا إلَيْهِ ومَنصُوصًا عَلَيْهِ، والتَّكْرارُ في لَفْظِ البَيِّناتِ، وفي ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلُوا﴾ عَلى أحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ. والحَذْفُ، في قَوْلِهِ ﴿مِنهم مَن كَلَّمَ اللَّهُ﴾ أيْ: كِفاحًا، وفي قَوْلِهِ ﴿يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ يَعْنِي مِن هِدايَةِ مَن شاءَ وضَلالَةِ مَن شاءَ.

البقرة 2:254

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ﴾ مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها هو أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أرادَ الِاخْتِلافَ إلى مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، وأرادَ الِاقْتِتالَ، وأمَرَ بِهِ المُؤْمِنِينَ، وكانَ الجِهادُ يَحْتاجُ صاحِبُهُ إلى الإعانَةِ عَلَيْهِ، أمَرَ تَعالى بِالنَّفَقَةِ مِن بَعْضِ ما رُزِقَ، فَشَمَلَ النَّفَقَةَ في الجِهادِ، وهي وإنْ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْها، مُنْدَرِجَةٌ في قَوْلِهِ: (أنْفِقُوا) وداخِلَةٌ فِيها دُخُولًا أوَلِيًّا، إذْ جاءَ الأمْرُ بِها عَقِبَ ذِكْرِ المُؤْمِنِ والكافِرِ واقْتِتالِهِمْ، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ والأكْثَرُونَ: الآيَةُ عامَّةٌ في كُلِّ صَدَقَةٍ واجِبَةٍ أوْ تَطَوُّعٍ، وقالَ الحَسَنُ: هي في الزَّكاةِ، والزَّكاةُ مِنها جُزْءٌ لِلْمُجاهِدِينَ، وقالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: أرادَ الإنْفاقَ الواجِبَ لِاتِّصالِ الوَعِيدِ بِهِ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ لا تَقْدِرُونَ فِيهِ عَلى تَدارُكِ ما فاتَكم مِنَ الإنْفاقِ؛ لِأنَّهُ لا بَيْعَ فِيهِ حَتّى تَبْتاعُوا ما تُنْفِقُونَهُ، ولا خُلَّةَ حَتّى تُسامِحَكم أخِلّاؤُكم بِهِ، وإنْ أرَدْتُمْ أنْ يَحُطَّ عَنْكم ما في ذِمَّتِكم مِنَ الواجِبِ لَمْ تَجِدُوا شَفِيعًا يَشْفَعُ لَكم في حَطِّ الواجِباتِ؛ لِأنَّ الشَّفاعَةَ ثَمَّ في زِيادَةِ الفَضْلِ لا غَيْرَ. ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ أرادَ: والتّارِكُونَ الزَّكاةَ هُمُ الظّالِمُونَ، فَقالَ: والكافِرُونَ لِلتَّغْلِيظِ، كَما قالَ في آخِرِ آيَةِ الحَجِّ. (ومَن كَفَرَ) مَكانَ: ومَن لَمْ يَحُجَّ، ولِأنَّهُ جَعَلَ تَرْكَ الزَّكاةِ مِن صِفاتِ الكُفّارِ، في قَوْلِهِ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ [فصلت: ٦] انْتَهى كَلامُهُ. ورُدَّ قَوْلُهُ بِأنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ وعِيدٌ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: حَصِّلُوا مَنافِعَ الآخِرَةِ حِينَ تَكُونُ في الدُّنْيا، فَإنَّكم إذا خَرَجْتُمْ مِنَ الدُّنْيا لا يُمْكِنُكم تَحْصِيلُها واكْتِسابُها في الآخِرَةِ، وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: لِأنَّ الشَّفاعَةَ ثَمَّ في زِيادَةِ الفَضْلِ لا غَيْرَ، هو قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ؛ لِأنَّ عِنْدَهم أنَّ الشَّفاعَةَ لا تَكُونُ لِلْعُصاةِ، فَلا يَدْخُلُونَ النّارَ، ولا لِلْعُصاةِ الَّذِينَ دَخَلُوا النّارَ، فَلا يَخْرُجُونَ مِنها بِالشَّفاعَةِ. وقِيلَ: المُرادُ مِنهُ الإنْفاقُ في الجِهادِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ مَذْكُورٌ بَعْدَ الأمْرِ بِالجِهادِ، فَكَأنَّ المُرادَ مِنهُ الإنْفاقُ في الجِهادِ، وهو قَوْلُ الأصَمِّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّها مُرادٌ بِها جَمِيعُ وُجُوهِ البِرِّ مِن سَبِيلِ خَيْرٍ وصِلَةِ رَحِمٍ، ولَكِنْ ما تَقَدَّمَ مِنَ الآياتِ في ذِكْرِ القِتالِ، وأنَّ اللَّهَ يَدْفَعُ بِالمُؤْمِنِينَ في صُدُورِ الكافِرِينَ، يَتَرَجَّحُ مِنهُ أنَّ هَذا النَّدْبَ إنَّما هو في سَبِيلِ اللَّهِ، ويُقَوِّي ذَلِكَ قَوْلُهُ في آخِرِ الآيَةِ ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ أيْ: فَكافِحُوهم بِالقِتالِ بِالأنْفُسِ وإنْفاقِ الأمْوالِ، انْتَهى كَلامُهُ. ونَدَبَ تَعالى العَبْدَ إلى أنْ يُنْفِقَ مِمّا رَزَقَهُ، والرِّزْقُ وإنْ تَناوَلَ غَيْرَ الحَلالِ، فالمُرادُ مِنهُ هُنا الحَلالُ، و(مِمّا رَزَقْناكم)، مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: (أنْفِقُوا) و(ما) مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ: رَزَقْناكُمُوهُ. وقِيلَ: (ما) مَصْدَرِيَّةٌ أيْ: مِن رِزْقِنا إيّاكم، و(مِن قَبْلِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (أنْفِقُوا) أيْضًا، واخْتُلِفَ في مَدْلُولِ (مِن) فالأُولى لِلتَّبْعِيضِ، والثّانِيَةُ لِابْتِداءِ الغايَةِ، (p-٢٧٦)وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّها تَتَعَلَّقُ: بِـ (رَزَقْناكم) . ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ حَذَّرَ تَعالى مِنَ الإمْساكِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَ هَذا اليَوْمَ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ. ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ﴾ أيْ: لا فِدْيَةٌ فِيهِ لِأنْفُسِكم مِن عَذابِ اللَّهِ، وذُكِرَ لَفْظُ البَيْعِ لِما فِيهِ مِنَ المُعاوَضَةِ وأخْذِ البَدَلِ، وقِيلَ: لِإفْداءٍ عَمّا مَنَعْتُمْ مِنَ الزَّكاةِ تَبْتاعُونَهُ تُقَدِّمُونَهُ عَنِ الزَّكاةِ يَوْمَئِذٍ. وقِيلَ: لا بَيْعَ فِيهِ لِلْأعْمالِ فَتُكْتَسَبُ. ﴿ولا خُلَّةٌ﴾ أيْ: لا صَداقَةٌ تَقْتَضِي المُساهَمَةَ، كَما كانَ ذَلِكَ في الدُّنْيا، والمُتَّقُونَ بَيْنَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ خُلَّةٌ، لَكِنْ لا نَحْتاجُ إلَيْها، وخُلَّةُ غَيْرِهِمْ لا تُغْنِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا. ﴿ولا شَفاعَةٌ﴾ اللَّفْظُ عامٌّ والمُرادُ الخُصُوصُ، أيْ: ولا شَفاعَةٌ لِلْكُفّارِ، وقالَ تَعالى: ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٠٠] أوْ ولا شَفاعَةٌ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ، قالَ تَعالى: ﴿ولا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إلّا لِمَن أذِنَ لَهُ﴾ [سبإ: ٢٣] وقالَ: ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنبياء: ٢٨] فَعَلى الخُصُوصِ بِالكُفّارِ لا شَفاعَةَ لَهم ولا مِنهم، وعَلى تَأْوِيلِ الإذْنِ: لا شَفاعَةَ لِلْمُؤْمِنِينَ إلّا بِإذْنِهِ. وقِيلَ: المُرادُ العُمُومُ، والمَعْنى أنَّ انْتِدابَ الشّافِعِ وتَحَكُّمَهُ عَلى كُرْهِ المَشْفُوعِ عِنْدَهُ لا يَكُونُ يَوْمَ القِيامِ ألْبَتَّةَ، وأمّا الشَّفاعَةُ الَّتِي تُوجَدُ بِالإذْنِ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَحَقِيقَتُها رَحْمَةُ اللَّهِ، لَكِنْ شَرَّفَ تَعالى الَّذِي أذِنَ لَهُ في أنْ يَشْفَعَ. وقَدْ تَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: (ولا شَفاعَةٌ) مُنْكِرُو الشَّفاعَةِ، واعْتَقَدُوا أنَّ هَذا نَفْيٌ لِأصْلِ الشَّفاعَةِ، وقَدْ أُثْبِتَتِ الشَّفاعَةُ في الآخِرَةِ مَشْرُوطَةٌ بِإذْنِ اللَّهِ ورِضاهُ، وصَحَّ حَدِيثُ الشَّفاعَةِ الَّذِي تَلَقَّتْهُ الأُمَّةُ بِالقَبُولِ، فَلا التِفاتَ لِمَن أنْكَرَ ذَلِكَ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ويَعْقُوبُ وأبُو عَمْرٍو: بِفَتْحِ الثَّلاثَةِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، وكَذَلِكَ: ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خِلالٌ﴾ [إبراهيم: ٣١] في إبْراهِيمَ و﴿لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] في الطَّوْرِ، وقَرَأ الباقُونَ جَمِيعَ ذَلِكَ بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى إعْرابِ الِاسْمِ بَعْدَ لا مَبْنِيًّا عَلى الفَتْحِ، ومَرْفُوعًا مُنَوَّنًا، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (لا بَيْعٌ) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، ويَحْتاجُ إلى إضْمارٍ، التَّقْدِيرُ: ولا شَفاعَةَ فِيهِ، فَحُذِفَ لِدَلالَةِ (فِيهِ) الأُولى عَلَيْهِ. ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ يَعْنِي الجائِزِينَ الحَدَّ، و(هم) يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ (الكافِرُونَ) وأنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وأنْ يَكُونَ فَصْلًا. قالَ عَطاءُ بْنُ دِينارٍ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قالَ: والكافِرُونَ، ولَمْ يَقُلْ: والظّالِمُونَ هُمُ الكافِرُونَ، ولَوْ نَزَلَ هَكَذا لَكانَ قَدْ حَكَمَ عَلى كُلِّ ظالِمٍ - وهو مَن يَضَعُ الشَّيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ - بِالكُفْرِ فَلَمْ يَكُنْ لِيَخْلُصَ مِنَ الكُفْرِ كُلَّ عاصٍ إلّا مَن عَصَمَهُ اللَّهُ مِنَ العِصْيانِ.

البقرة 2:255

﴿لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ هَذِهِ الآيَةُ تُسَمّى آيَةَ الكُرْسِيِّ لِذِكْرِهِ فِيها، وثَبَتَ في (صَحِيحِ مُسْلِمٍ) مِن حَدِيثِ أُبَيٍّ أنَّها أعْظَمُ آيَةٍ، وفي (صَحِيحِ البُخارِيِّ) مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ: أنَّ قارِئَها إذا آوى إلى فِراشِهِ لَنْ يَزالَ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ حافِظٌ، ولا يَقْرَبُهُ شَيْطانٌ حَتّى يُصْبِحَ، ووَرَدَ أنَّها تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ، ووَرَدَ أنَّها ما قُرِئَتْ في دارٍ إلّا اهْتَجَرَتْها الشَّياطِينُ ثَلاثِينَ يَوْمًا، ولا يَدْخُلُها ساحِرٌ ولا ساحِرَةٌ أرْبَعِينَ يَوْمًا، ووَرَدَ أنَّ مَن قَرَأها إذا أخَذَ مَضْجَعَهُ أمَّنَهُ اللَّهُ عَلى نَفْسِهِ وجارِهِ وجارِ جارِهِ والأبْياتِ حَوْلَهُ، ووَرَدَ: أنَّ سَيِّدَ الكَلامِ القُرْآنُ، وسَيِّدَ القُرْآنِ البَقَرَةُ، وسَيِّدَ البَقَرَةِ آيَةُ الكُرْسِيِّ، وفُضِّلَتْ هَذا التَّفْضِيلَ لِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ وتَعْظِيمِهِ وذَكْرِ صِفاتِهِ العُلا، ولا مَذْكُورَ أعْظَمُ مِنَ اللَّهِ، فَذِكْرُهُ أفْضَلُ مِن كُلِّ ذِكْرٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وبِهَذا يُعْلَمُ أنَّ أشْرَفَ العُلُومِ وأعْلاها مَنزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ عِلْمُ العَدْلِ والتَّوْحِيدِ، ولا يُنَفِّرَنَّكَ عَنْهُ كَثْرَةُ أعْدائِهِ فَإنَّ العَرانِينَ تَلْقاها مُحَسَّدَةً، انْتَهى كَلامُهُ. وأهْلُ العَدْلِ والتَّوْحِيدِ الَّذِينَ أشارَ إلَيْهِمْ هُمُ المُعْتَزِلَةُ، سَمَّوْا أنْفُسَهم بِذَلِكَ، قالَ بَعْضُ شُعَرائِهِمْ مِن أبْياتٍ: ؎أنْ أنْصُرَ التَّوْحِيدَ والعَدْلَ في كُلِّ مَقامٍ باذِلًا جُهْدِي وهَذا الزَّمَخْشَرِيُّ لِغُلُوِّهِ في مَحَبَّةِ مَذْهَبِهِ يَكادُ أنْ يُدْخِلَهُ في كُلِّ ما يَتَكَلَّمُ بِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مَكانَهُ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ فَضَّلَ بَعْضَ الأنْبِياءِ عَلى بَعْضٍ، وأنَّ مِنهم مَن كَلَّمَهُ، وفُسِّرَ بِمُوسى، عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّهُ رَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ، وفُسِّرَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ونَصَّ عَلى عِيسى، عَلَيْهِ السَّلامُ (p-٢٧٧)وتَفْضِيلُ المَتْبُوعِ يُفْهَمُ مِنهُ تَفْضِيلُ التّابِعِ، وكانَتِ اليَهُودُ والنَّصارى قَدْ أحْدَثُوا بَعْدَ نَبِيِّهِمْ بِدَعًا في أدْيانِهِمْ وعَقائِدِهِمْ، ونَسَبُوا اللَّهَ تَعالى إلى ما لا يَجُوزُ عَلَيْهِ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بُعِثَ إلى النّاسِ كافَّةً، فَكانَ مِنهُمُ العَرَبُ، وكانُوا قَدِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً وأشْرَكُوا، فَصارَ جَمِيعُ النّاسِ المَبْعُوثُ إلَيْهِمْ ﷺ عَلى غَيْرِ اسْتِقامَةٍ في شَرائِعِهِمْ وعَقائِدِهِمْ، وذَكَرَ تَعالى أنَّ الكافِرِينَ هُمُ الظّالِمُونَ، وهُمُ الواضِعُونَ الشَّيْءَ غَيْرَ مَواضِعِهِ، أتى بِهَذِهِ الآيَةِ العَظِيمَةِ الدّالَّةِ عَلى إفْرادِ اللَّهِ بِالوَحْدانِيَّةِ، والمُتَضَمِّنَةِ صِفاتِهِ العُلا مِنَ: الحَياةِ، والِاسْتِبْدادِ بِالمُلْكِ، واسْتِحالَةِ كَوْنِهِ مَحَلًّا لِلْحَوادِثِ، ومُلْكِهِ لِما في السَّماواتِ والأرْضِ، وامْتِناعِ الشَّفاعَةِ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ، وسِعَةِ عِلْمِهِ، وعَدَمِ إحاطَةِ أحَدٍ بِشَيْءٍ مِن عِلْمِهِ إلّا بِإرادَتِهِ، وباهِرِ ما خَلَقَ مِنَ الكُرْسِيِّ العَظِيمِ الِاتِّساعِ، ووَصْفِهِ بِالمُبالِغَةِ في العُلُوِّ والعَظَمَةِ، إلى سائِرِ ما تَضَمَّنَتْهُ مِن أسْمائِهِ الحُسْنى وصِفاتِهِ العُلا، نَبَّهَهم بِها عَلى العَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي هي مَحْضُ التَّوْحِيدِ، وعَلى طَرْحِ ما سِواها. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى لَفْظَةِ (اللَّهُ) وعَلى قَوْلِهِ: (لا إلَهَ إلّا هو) فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. (الحَيُّ) وصْفٌ وفِعْلُهُ حَيِيَ، قِيلَ: وأصْلُهُ: حَيِوَ، فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً لِكَسْرَةِ ما قَبْلَها، وأُدْغِمَتْ في الياءِ، وقِيلَ: أصْلُهُ فَيْعَلٌ، فَخُفِّفَ كَمَيِّتٍ في مَيْتٍ، ولَيِّنٍ في لَيْنٍ، وهو وصْفٌ لِمَن قامَتْ بِهِ الحَياةُ، وهو بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى، مِن صِفاتِ الذّاتِ حَيٌّ بِحَياةٍ لَمْ تَزَلْ ولا تَزُولُ، وفُسِّرَ هُنا بِالباقِي، قالُوا: كَما في قَوْلِ لُبَيْدٍ: ؎فَإمّا تَرَيِنِّي اليَوْمَ أصْبَحْتُ سالِمًا ∗∗∗ فَلَسْتُ بِأحْيا مِن كِلابٍ وجَعْفَرِ أيْ: فَلَسْتَ بِأبْقى، وحَكى الطَّبَرِيُّ عَنْ قَوْمٍ أنَّهُ، يُقالُ: حَيٌّ كَما وصَفَ نَفْسَهُ، ويُسَلِّمُ ذَلِكَ دُونَ أنْ يَنْظُرَ فِيهِ، وحُكِيَ أيْضًا عَنْ قَوْمٍ: أنَّهُ حَيٌّ لا بِحَياةٍ، وهو قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ، ولِذَلِكَ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الحَيُّ الباقِي الَّذِي لا سَبِيلَ لِلْفَناءِ عَلَيْهِ، وهو عَلى اصْطِلاحِ المُتَكَلِّمِينَ الَّذِي يَصِحُّ أنْ يَعْلَمَ ويُقَدِّرَ، انْتَهى كَلامُهُ، وعَنى بِالمُتَكَلِّمِينَ مُتَكَلِّمِي مَذْهَبِهِ، والكَلامُ عَلى وصْفِ اللَّهِ بِالحَياةِ مَذْكُورٌ في كُتُبِ أُصُولِ الدِّينِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (القَيُّومُ) عَلى وزْنِ فَيْعُولُ، أصْلُهُ قَيْوُومُ اجْتَمَعَتِ الياءُ والواوُ، وسَبَقَتْ إحْداهُما بِالسُّكُونِ فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ فِيها الياءُ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عُمَرَ، وعَلْقَمَةُ، والنَّخَعِيُّ، والأعْمَشُ (القَيّامُ) وقَرَأ عَلْقَمَةُ أيْضًا (القَيِّمُ) كَما تَقُولُ: دَيُّورٌ ودَيّارٌ وقالَ أُمَيَّةُ: ؎لَمْ تُخْلَقِ السَّماءُ والنُّجُومُ ∗∗∗ والشَّمْسُ مَعَها قَمَرٌ يَعُومُ ؎قَدَّرَها المُهَيْمِنُ القَيُّومُ ∗∗∗ والحَشْرُ والجَنَّةُ والنَّعِيمُ ؎إلّا لِأمْرٍ شَأْنُهُ عَظِيمُ ومَعْناهُ: أنَّهُ قائِمٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ بِما يَجِبُ لَهُ، بِهَذا فَسَّرَهُ مُجاهِدٌ، والرَّبِيعُ، والضَّحّاكُ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: الدّائِمُ الوُجُودِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الَّذِي لا يَزُولُ ولا يُحَوَّلُ، وقالَ قَتادَةُ: القائِمُ بِتَدْبِيرِ خَلْقِهِ. وقالَ الحَسَنُ: القائِمُ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ. وقِيلَ: العالِمُ بِالأُمُورِ، مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَقُومُ بِهَذا الكِتابِ أيْ: يَعْلَمُ ما فِيهِ. وقِيلَ: هو مَأْخُوذٌ مِنَ الِاسْتِقامَةِ. وقالَ أبُو رَوْقٍ: الَّذِي لا يَبْلى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الدّائِمُ القِيامِ بِتَدْبِيرِ الخَلْقِ وحِفْظِهِ. وهَذِهِ الأقْوالُ تُقارِبُ بَعْضُها بَعْضًا. وقالُوا: فَيْعُولُ، مِن صِيَغِ المُبالَغَةِ، وجَوَّزُوا رَفْعَ الحَيِّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمُبْتَدَأِ الَّذِي هو (اللَّهُ) أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن (هو) أوْ مِن (اللَّهُ) تَعالى، أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو، أوْ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ (لا تَأْخُذُهُ) وأجْوَدُها الوَصْفُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ: (الحَيَّ القَيُّومَ) بِالنَّصْبِ، فَقَطَعَ عَلى إضْمارِ: أمْدَحُ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ وصْفًا ما جازَ فِيهِ القَطْعُ، ولا يُقالُ: في هَذا الوَجْهِ الفَصْلُ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ بِالخَبَرِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ جائِزٌ حَسَنٌ، تَقُولُ: زَيْدٌ قائِمُ العاقِلِ. ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ﴾ يُقالُ: وسِنَ سِنَةٌ ووَسِنًا، والمَعْنى: أنَّهُ، تَعالى، لا يَغْفُلُ عَنْ دَقِيقٍ ولا جَلِيلٍ، عَبَّرَ (p-٢٧٨)بِذَلِكَ عَنِ الغَفْلَةِ؛ لِأنَّهُ سَبَبُها، فَأطْلَقَ اسْمَ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مَعْناهُ لا تَحِلُّهُ الآفاتُ والعاهاتُ المُذْهِلَةُ عَنْ حِفْظِ المَخْلُوقاتِ، وأُقِيمَ هَذا المَذْكُورُ مِنَ الآفاتِ مَقامَ الجَمِيعِ، وهَذا هو مَفْهُومُ الخِطابِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] وقِيلَ: نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنِ السِّنَةِ والنَّوْمِ لِما فِيها مِنَ الرّاحَةِ، وهو، تَعالى، لا يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّعَبُ والِاسْتِراحَةُ. وقِيلَ: المَعْنى لا يَقْهَرُهُ شَيْءٌ ولا يَغْلِبُهُ، وفي المَثَلِ: النَّوْمُ سُلْطانُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهو تَأْكِيدٌ لِلْقَيُّومِ؛ لِأنَّ مِن جازَ عَلَيْهِ ذَلِكَ اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ قَيُّومًا. ومِنهُ حَدِيثُ مُوسى أنَّهُ سَألَ المَلائِكَةَ، وكانَ ذَلِكَ مِن قَوْمِهِ كَطَلَبِ الرُّؤْيَةِ: أيَنامُ رَبُّنا ؟ فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِمْ أنْ يُوقِظُوهُ ثَلاثًا ولا تَتْرُكُوهُ يَنامُ، ثُمَّ قالَ: خُذْ بِيَدِكَ قارُورَتَيْنِ مَمْلُوءَتَيْنِ، فَأخَذَهُما، وألْقى اللَّهُ عَلَيْهِ النُّعاسَ، فَضَرَبَ إحْداهُما عَلى الأُخْرى فانْكَسَرَتا، ثُمَّ أوْحى إلَيْهِ: قُلْ لِهَؤُلاءِ إنِّي أمَسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ بِقُدْرَتِي، فَلَوْ أخَذَنِي نَوْمٌ أوْ نُعاسٌ لَزالَتا، انْتَهى. هَكَذا أوْرَدَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا الخَبَرَ، وفِيهِ أنَّهُ سَألَ المَلائِكَةَ، وكانَ ذَلِكَ يَعْنِي السُّؤالَ مِن قَوْمِهِ، كَطَلَبِ الرُّؤْيَةِ، يَعْنِي أنَّ طَلَبَ الرُّؤْيَةِ هو عِنْدَهُ مِن بابِ المُسْتَحِيلِ، كَما اسْتَحالَ النَّوْمُ في حَقِّهِ تَعالى، وهَذا مِن عادَتِهِ في نُصْرَةِ مَذْهَبِهِ، يَذْكُرُهُ حَيْثُ لا تَكُونُ الآيَةُ تَتَعَرَّضُ لِتِلْكَ المَسْألَةِ. وأوْرَدَ غَيْرُهُ هَذا الخَبَرَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَحْكِي عَنْ مُوسى، عَلَيْهِ السَّلامُ، عَلى المِنبَرِ، قالَ: وقَعَ في نَفْسِ مُوسى: هَلْ يَنامُ اللَّهُ ؟ وساقَ الخَبَرَ قَرِيبًا مِن مَعْنى ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. قالَ بَعْضُ مُعاصِرِينا: هَذا حَدِيثٌ وضَعَهُ الحَشَوِيَّةُ، ومُسْتَحِيلٌ أنْ سَألَ مُوسى ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ أوْ عَنْ قَوْمِهِ؛ لِأنَّ المُؤْمِنَ لا يَشُكُّ في أنَّ اللَّهَ يَنامُ أوْ لا يَنامُ، فَكَيْفَ الرُّسُلُ ؟ انْتَهى كَلامُهُ. وفائِدَةُ تَكْرارِ (لا) في قَوْلِهِ: (ولا نَوْمٌ) انْتِفاؤُهُما عَلى كُلِّ حالٍ، إذْ لَوْ أُسْقِطَتْ (لا) لاحْتَمَلَ انْتِفاؤُهُما بِقَيْدِ الِاجْتِماعِ، تَقُولُ: ما قامَ زَيْدٌ وعَمْرٌو بَلْ أحَدُهُما، ولا يُقالُ: ما قامَ زَيْدٌ ولا عَمْرٌو بَلْ أحَدُهُما. وتَقَدَّمَ قَوْلُ مَن جَعَلَ هَذِهِ الجُمْلَةَ خَبَرًا لِقَوْلِهِ: (الحَيُّ) عَلى أنْ يَكُونَ (الحَيُّ) مُبْتَدَأً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنِ اللَّهِ، فَيَكُونُ قَدْ أخْبَرَهُ بَعْدَهُ إخْبارًا، عَلى مَذْهَبِ مَن يُجِيزُ ذَلِكَ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في القَيُّومِ، أيْ: قَيُّومٌ بِأمْرِ الخَلْقِ غَيْرَ غافِلٍ. * * ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافَ خَبَرٍ، كَما يَصِحُّ ذَلِكَ في الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، و(ما) لِلْعُمُومِ تَشْمَلُ كُلَّ مَوْجُودٍ، واللّامُ لِلْمُلْكِ، أخْبَرَ تَعالى أنَّ مَظْرُوفَ السَّماواتِ والأرْضِ مِلْكٌ لَهُ تَعالى، وكَرَّرَ (ما) لِلتَّوْكِيدِ، وكانَ ذِكْرُ المَظْرُوفِ هُنا دُونَ ذِكْرِ الظَّرْفِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ نَفْيُ الإلَهِيَّةِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، وأنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُعْبَدَ غَيْرُهُ؛ لِأنَّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ مِنَ الأجْرامِ النَّيِّرَةِ الَّتِي في السَّماواتِ كالشَّمْسِ، والقَمَرِ، والشِّعْرى؛ والأشْخاصِ الأرْضِيَّةِ: كالأصْنامِ، وبَعْضِ بَنِي آدَمَ، كُلٌّ مِنهم مِلْكٌ لِلَّهِ، تَعالى، مَرْبُوبٌ مَخْلُوقٌ. وتَقَدَّمَ أنَّهُ تَعالى خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ، فَلَمْ يَذْكُرْ هُنا كَوْنَهُ مالِكًا لَهُما اسْتِغْناءً بِما تَقَدَّمَ. * * ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ﴾ كانَ المُشْرِكُونَ يَزْعُمُونَ أنَّ الأصْنامَ تَشْفَعُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ، وكانُوا يَقُولُونَ: إنَّما نَعْبُدُهم لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى. وفي هَذِهِ الآيَةِ أعْظَمُ دَلِيلٍ عَلى مَلَكُوتِ اللَّهِ، وعِظَمِ كِبْرِيائِهِ، بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ أنْ يُقْدِمَ أحَدٌ عَلى الشَّفاعَةِ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنٍ مِنهُ تَعالى، كَما قالَ تَعالى: ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ [النبإ: ٣٨] ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى وُجُودِ الشَّفاعَةِ بِإذْنِهِ تَعالى، والإذْنُ هُنا مَعْناهُ الأمْرُ، كَما ورَدَ ”اشْفَعْ تُشَفَّعُ“ أوِ العِلْمُ أوِ التَّمْكِينُ إنْ شَفَعَ أحَدٌ بِلا أمْرٍ. و(مَن) رُفِعَ عَلى الِابْتِداءِ، وهو اسْتِفْهامٌ في مَعْنى النَّفْيِ، ولِذَلِكَ دَخَلَتْ إلّا، في قَوْلِهِ: (إلّا بِإذْنِهِ) وخَبَرُ المُبْتَدَأِ قالُوا (ذا) ويَكُونُ (الَّذِي) نَعْتًا لِذا، أوْ بَدَلًا مِنهُ، وعَلى هَذا الَّذِي قالُوا: يَكُونُ (ذا) اسْمَ إشارَةٍ، وفي ذَلِكَ بُعْدٌ؛ لِأنَّ ذا، إذا كانَ اسْمَ إشارَةٍ وكانَ خَبَرًا عَنْ (مَن) اسْتَقَلَّتْ بِهِما الجُمْلَةُ، وأنْتَ تَرى احْتِياجَها إلى المَوْصُولِ بَعْدَها. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ (مَن) الِاسْتِفْهامِيَّةِ رُكِّبَ (p-٢٧٩)مَعَها (ذا) وهو الَّذِي يُعَبِّرُ عَنْها بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أنْ (ذا) لَغْوٌ، فَيَكُونُ (مَن ذا) كُلُّهُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والمَوْصُولُ بَعْدَهُما هو الخَبَرُ، إذْ بِهِ يَتِمُّ مَعْنى الجُمْلَةِ الِابْتِدائِيَّةِ، و(عِنْدَهُ) مَعْمُولٌ لِـ (يَشْفَعُ) وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في (يَشْفَعُ) فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: يَشْفَعُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ، وضُعِّفَ بِأنَّ المَعْنى عَلى يَشْفَعُ إلَيْهِ. وقِيلَ: الحالُ أقْوى؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يَشْفَعْ مَن هو عِنْدَهُ وقَرِيبٌ مِنهُ، فَشَفاعَةُ غَيْرِهِ أبْعَدُ، و(بِإذْنِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَشْفَعُ) والباءُ لِلْمُصاحَبَةِ، وهي الَّتِي يُعَبَّرُ عَنْها بِالحالِ، أيْ: لا أحَدَ يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا مَأْذُونًا لَهُ. ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى (ما) وهُمُ الخَلْقُ، وغَلَّبَ مَن يَعْقِلُ، وقِيلَ: الضَّمِيرانِ في (أيْدِيهِمْ) و(خَلْفَهم) عائِدانِ عَلى كُلِّ مَن يَعْقِلُ مِمَّنْ تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَعُودَ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ (مَن ذا) مِنَ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ. وقِيلَ: عَلى المَلائِكَةِ، قالَهُ مُقاتِلٌ، و(ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ) أمْرُ الآخِرَةِ (وما خَلْفَهم) أمْرُ الدُّنْيا. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، أوِ العَكْسُ قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُرَيْجٍ، والحَكَمُ بْنُ عُتْبَةَ، والسُّدِّيُّ وأشْياخُهُ. و(ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ) هو ما قَبْلَ خَلْقِهِمْ (وما خَلْفَهم) هو ما بَعْدَ خَلْقِهِمْ، أوْ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ ما أظْهَرُوهُ، وما خَلْفَهم ما كَتَمُوهُ. قالَهُ الماوَرْدِيُّ، أوْ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ، وما خَلْفَهم ما في السَّماواتِ. أوْ ما بَيْنَ أيْدِيهِمُ الحاضِرُ مِن أفْعالِهِمْ وأحْوالِهِمْ، وما خَلْفَهم ما سَيَكُونُ. أوْ عَكْسُهُ، ذَكَرَ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ تاجُ القُرّاءِ في تَفْسِيرِهِ. أوْ ما بَيْنَ أيْدِي المَلائِكَةِ مِن أمْرِ الشَّفاعَةِ، وما خَلْفَهم مِن أمْرِ الدُّنْيا، أوْ بِالعَكْسِ قالَهُ مُجاهِدٌ. أوْ ما فَعَلُوهُ وما هم فاعِلُوهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ هَذا كِنايَةٌ عَنْ إحاطَةِ عِلْمِهِ تَعالى بِسائِرِ المَخْلُوقاتِ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ وكَنّى بِهاتَيْنِ الجِهَتَيْنِ عَنْ سائِرِ جِهاتِ مَن أحاطَ عِلْمُهُ بِهِ، كَما تَقُولُ: ضَرَبَ زِيدٌ الظَّهْرَ والبَطْنَ، وأنْتَ تَعْنِي بِذَلِكَ جَمِيعَ جَسَدِهِ، واسْتُعِيرَتِ الجِهاتُ لِأحْوالِ المَعْلُوماتِ، فالمَعْنى أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِسائِرِ أحْوالِ المَخْلُوقاتِ، لا يَعْزُبُ عَنْهُ شَيْءٌ، فَلا يُرادُ بِما بَيْنَ الأيْدِي ولا بِما خَلْفَهم شَيْءٌ مُعَيَّنٌ، كَما ذَهَبُوا إلَيْهِ. * * ﴿ولا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِن عِلْمِهِ﴾ الإحاطَةُ تَقْتَضِي الحُفُوفَ بِالشَّيْءِ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ، والِاشْتِمالَ عَلَيْهِ، والعِلْمُ هُنا المَعْلُومُ؛ لِأنَّ عِلْمَ اللَّهِ الَّذِي هو صِفَةُ ذاتِهِ لا يَتَبَعَّضُ، كَما جاءَ في حَدِيثِ مُوسى والخَضِرِ: ما نَقَصَ عِلْمِي وعِلْمُكَ مِن عِلْمِهِ إلّا كَما نَقَصَ هَذا العُصْفُورُ مِن هَذا البَحْرِ. والِاسْتِثْناءُ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالعِلْمِ المَعْلُوماتُ، وقالُوا: اللَّهُمَّ اغْفِرْ عِلْمَكَ فِينا، أيْ: مَعْلُومَكَ، والمَعْنى: لا يَعْلَمُونَ مِنَ الغَيْبِ الَّذِي هو مَعْلُومُ اللَّهِ شَيْئًا إلّا ما شاءَ أنْ يُعْلِمَهم، قالَهُ الكَلْبِيُّ. وقالَ الزَّجّاجُ: إلّا بِما أنْبَأ بِهِ الأنْبِياءَ تَثْبِيتًا لِنُبُوَّتِهِمْ. و(بِشَيْءٍ) و(بِما شاءَ) مُتَعَلِّقانِ بِـ (يُحِيطُونَ) وصارَ تَعَلُّقَ حَرْفَيْ جَرٍّ مِن جِنْسٍ واحِدٍ بِعامِلٍ واحِدٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ البَدَلِ، نَحْوُ قَوْلِكَ: لا أمُرُّ بِأحَدٍ إلّا بِزَيْدٍ، والأوْلى أنْ تُقَدِّرَ مَفْعُولَ (شاءَ) أنْ يُحِيطُوا بِهِ، لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: (ولا يُحِيطُونَ) عَلى ذَلِكَ. * * ﴿وسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ (وسِعَ) بِكَسْرِ السِّينِ، وقُرِئَ شاذًّا بِسُكُونِها، وقُرِئَ أيْضًا شاذًّا (وسْعُ) بِسُكُونِها وضَمِّ العَيْنِ، و(السَّماواتُ والأرْضُ) بِالرَّفْعِ مُبْتَدَأً وخَبَرًا، والكُرْسِيُّ: جِسْمٌ عَظِيمٌ يَسَعُ السَّماواتِ والأرْضَ، فَقِيلَ: هو نَفْسُ العَرْشِ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ غَيْرُهُ: دُونَ العَرْشِ وفَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ، وقِيلَ: تَحْتَ الأرْضِ كالعَرْشِ فَوْقَ السَّماءِ، عَنِ السُّدِّيِّ، وقِيلَ: الكُرْسِيُّ مَوْضِعُ قَدَمَيِ الرُّوحِ الأعْظَمِ، أوْ مَلَكٌ آخَرُ عَظِيمُ القَدْرِ. وقِيلَ: السُّلْطانُ والقُدْرَةُ، والعَرَبُ تُسَمِّي أصْلَ كُلِّ شَيْءٍ الكُرْسِيَّ، وسَمّى المُلْكَ بِالكُرْسِيِّ؛ لِأنَّ المُلْكَ في حالِ حُكْمِهِ وأمْرِهِ ونَهْيِهِ يَجْلِسُ عَلَيْهِ فَسُمِّيَ بِاسْمِ مَكانِهِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ؛ قالَ الشّاعِرُ: ؎قَدْ عَلِمَ القُدُّوسُ مَوْلى القُدْسِ أنَّ أبا العَبّاسِ أوْلى نَفْسِ ؎فِي مَعْدِنِ المُلْكِ القَدِيمِ الكُرْسِيِّ (p-٢٨٠)وقِيلَ: الكُرْسِيُّ العِلْمُ؛ لِأنَّ مَوْضِعَ العالِمِ هو الكُرْسِيُّ، سُمِّيَتْ صِفَةُ الشَّيْءِ بِاسْمِ مَكانِهِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، ومِنهُ يُقالُ لِلْعُلَماءِ: كَراسِيُّ، لِأنَّهُمُ المُعْتَمَدُ عَلَيْهِمْ، كَما يُقالُ: أوْتادُ الأرْضِ، ومِنهُ الكَرّاسَةُ؛ وقالَ الشّاعِرُ: ؎تَحِفُّ بِهِمْ بِيضُ الوُجُوهِ وعُصْبَةُ ∗∗∗ كَراسِيٍّ بِالأحْداثِ حِينَ تَنُوبُ أيْ: تَرْجِعُ، وقِيلَ: الكُرْسِيُّ السِّرُّ؛ قالَ الشّاعِرُ: ؎ما لِي بِأمْرِكَ كُرْسِيٌّ أُكاتِمُهُ ∗∗∗ ولا بِكُرْسِيِّ عِلْمِ اللَّهِ مَخْلُوقُ وقِيلَ: الكُرْسِيُّ مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ يَمْلَأُ السَّماواتِ والأرْضَ. وقِيلَ: قُدْرَةُ اللَّهِ. وقِيلَ: تَدْبِيرُ اللَّهِ، حَكاهُما الماوَرْدِيُّ، وقالَ: هو الأصْلُ المُعْتَمَدُ عَلَيْهِ. قالَ المَغْرِبِيُّ: مِن تَكَرَّسَ الشَّيْءُ تَراكَبَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، وأكْرَسْتُهُ أنا؛ قالَ العَجّاجُ: ؎يا صاحِ هَلْ تَعْرِفُ رَسْمًا مُكَرَّسًا ∗∗∗ قالَ نَعَمْ أعْرِفُهُ وأُكَرِّسا وقالَ آخَرُ: ؎نَحْنُ الكَراسِيُّ لا تُعَدُّ هَوازَنُ ∗∗∗ أمْثالَنا في النّائِباتِ ولا الأشَدِّ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي قَوْلِهِ: ﴿وسِعَ كُرْسِيُّهُ﴾ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحُدُها: أنَّ كُرْسِيَّهُ لَمْ يَضِقْ عَنِ السَّماواتِ والأرْضِ لِبَسْطَتِهِ وسِعَتِهِ، وما هو إلّا تَصْوِيرٌ لِعَظَمَتِهِ وتَخْيِيلٌ فَقَطْ، ولا كُرْسِيَّ ثَمَّةَ، ولا قُعُودَ، ولا قاعِدَ، لِقَوْلِهِ: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] مِن غَيْرِ تَصَوُّرِ قَبْضَةٍ وطَيٍّ ويَمِينٍ، وإنَّما هو تَخْيِيلٌ لِعَظَمَةِ شَأْنِهِ، وتَمْثِيلٌ حِسِّيٌّ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] ؟ انْتَهى ما ذَكَرَهُ في هَذا الوَجْهِ. واخْتارَ القَفّالُ مَعْناهُ قالَ: المَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ تَصْوِيرُ عَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى وكِبْرِيائِهِ وتَعْزِيزِهِ، خاطَبَ الخَلْقَ في تَعْرِيفِ ذاتِهِ بِما اعْتادُوهُ في مُلُوكِهِمْ وعُظَمائِهِمْ. وقِيلَ: كُرْسِيُّ لُؤْلُؤٍ، طُولُ القائِمَةِ سَبْعُمِائَةِ سَنَةٍ، وطُولُ الكُرْسِيِّ حَيْثُ لا يَعْلَمُهُ العالِمُونَ. ذَكَرَهُ ابْنُ عَساكِرَ في تارِيخِهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والَّذِي تَقْتَضِيهِ الأحادِيثُ أنَّ الكُرْسِيَّ مَخْلُوقٌ عَظِيمٌ بَيْنَ يَدَيِ العَرْشِ، والعَرْشُ أعْظَمُ مِنهُ، وقَدْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”ما السَّماواتُ السَّبْعُ في الكُرْسِيِّ إلّا كَدَراهِمَ سَبْعَةٍ أُلْقِيَتْ في تُرْسٍ“» . وقالَ أبُو ذَرٍّ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «ما الكُرْسِيُّ في العَرْشِ إلّا كَحَلَقَةٍ مِن حَدِيدٍ أُلْقِيَتْ في فَلاةٍ مِنَ الأرْضِ "» . وهَذِهِ الآيَةُ مُنْبِئَةٌ عَنْ عِظَمِ مَخْلُوقاتِ اللَّهِ، انْتَهى كَلامُهُ. * * ﴿ولا يَئُودُهُ حِفْظُهُما﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: (يَئُودُهُ) بِالهَمْزِ، وقُرِئَ شاذًّا بِالحَذْفِ، كَما حُذِفَتْ هَمْزَةُ أُناسٍ، وقُرِئَ أيْضًا: (يَوُدُهُ) بِواوٍ مَضْمُومَةٍ عَلى البَدَلِ مِنَ الهَمْزَةِ أيْ: لا يَشُقُّهُ، ولا يَثْقُلُ عَلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وغَيْرُهم. وقالَ أبانُ بْنُ تَغْلَبٍ: لا يَتَعاظَمُهُ حِفْظُهُما، وقِيلَ: لا يَشْغَلُهُ حِفْظُ السَّماواتِ عَنْ حِفْظِ الأرَضِينَ، ولا حِفْظُ الأرَضِينَ عَنْ حِفْظِ السَّماواتِ. والهاءُ تَعُودُ عَلى اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: تَعُودُ عَلى الكُرْسِيِّ، والظّاهِرُ الأوَّلُ لِتَكُونَ الضَّمائِرُ مُتَناسِبَةً لِواحِدٍ ولا تَخْتَلِفُ، ولِبُعْدِ نِسْبَةِ الحِفْظِ إلى الكُرْسِيِّ. ﴿وهو العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ عَلِيٌّ في جَلالِهِ، عَظِيمٌ في سُلْطانِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الَّذِي كَمُلَ في عَظَمَتِهِ، وقِيلَ: العَظِيمُ المُعَظَّمُ، كَما يُقالُ: العَتِيقُ في المُعَتَّقِ؛ قالَ الأعْشى: ؎وكَأنَّ الخَمْرَ العَتِيقَ مِنَ الإسْـ فَنْطِ مَمْزُوجَةً بِماءٍ زُلالِ وأُنْكِرَ ذَلِكَ لِانْتِفاءِ هَذا الوَصْفِ قَبْلَ الخَلْقِ وبَعْدَ فَنائِهِمْ؛ إذْ لا مُعَظِّمَ لَهُ حِينَئِذٍ، فَلا يَجُوزُ هَذا القَوْلُ. وقِيلَ: والجَوابُ أنَّها صِفَةُ فِعْلٍ، كالخَلْقِ والرِّزْقِ، فَلا يَلْزَمُ ما قالُوهُ. وقِيلَ: العَلِيُّ الرَّفِيعُ فَوْقَ خَلْقِهِ، المُتَعالِي عَنِ الأشْباهِ والأنْدادِ، وقِيلَ: العالِي مِن: عَلا يَعْلُو: ارْتَفَعَ، أيِ: العالِي عَلى خَلْقِهِ بِقُدْرَتِهِ، والعَظِيمُ ذُو العَظَمَةِ (p-٢٨١)الَّذِي كُلُّ شَيْءٍ دُونَهُ، فَلا شَيْءَ أعْظَمُ مِنهُ. قالَ الماوَرْدِيُّ: وفي الفَرْقِ بَيْنَ العَلِيِّ والعالِي وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ العالِيَ هو المَوْجُودُ في مَحَلِّ العُلُوِّ، والعَلِيُّ هو مُسْتَحِقٌّ لِلْعُلُوِّ. الثّانِي: أنَّ العالِيَ هو الَّذِي يَجُوزُ أنْ يُشارَكَ، والعَلِيُّ هو الَّذِي لا يَجُوزُ أنْ يُشارَكَ، فَعَلى هَذا الوَجْهِ يَجُوزُ أنْ يُوصَفَ اللَّهُ بِالعَلِيِّ لا بِالعالِي، وعَلى الأوَّلِ يَجُوزُ أنْ يُوصَفَ بِهِما، وقِيلَ: العَلِيُّ: القاهِرُ الغالِبُ لِلْأشْياءِ، تَقُولُ العَرَبُ: عَلا فُلانٌ فُلانًا غَلَبَهُ وقَهَرَهُ؛ قالَ الشّاعِرُ: ؎فَلَمّا عَلَوْنا واسْتَوَيْنا عَلَيْهِمُ ∗∗∗ تَرَكْناهم صَرْعى لِنَسْرٍ وكاسِرِ ومِنهُ ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ﴾ [القصص: ٤] وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: العَلِيُّ الشَّأنُ العَظِيمُ المُلْكِ والقُدْرَةِ، انْتَهى. وقالَ قَوْمٌ: العَلِيُّ عَنْ خَلْقِهِ بِارْتِفاعِ مَكانِهِ عَنْ أماكِنِ خَلْقِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلُ جَهَلَةٍ مُجَسِّمِينَ، وكانَ الوَجْهُ أنْ لا يُحْكى. وقالَ أيْضًا: العَلِيُّ يُرادُ بِهِ عُلُوُّ القَدْرِ والمَنزِلَةِ، لا عُلُوُّ المَكانِ؛ لِأنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَنِ التَّحَيُّزِ، انْتَهى. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ كَيْفَ تَرَتَّبَتِ الجُمَلُ في آيَةِ الكُرْسِيِّ مِن غَيْرِ حَرْفِ عَطْفٍ ؟ قُلْتُ: ما مِنها جُمْلَةٌ إلّا وهي وارِدَةٌ عَلى سَبِيلِ البَيانِ لِما تَرَتَّبَتْ عَلَيْهِ، والبَيانُ مُتَّحِدٌ بِالمُبِينِ، فَلَوْ تَوَسَّطَ بَيْنَهُما عَطْفٌ لَكانَ كَما تَقُولُ العَرَبُ: بَيْنَ العَصا ولِحائِها، فالأُولى: بَيانٌ لِقِيامِهِ بِتَدْبِيرِ الخَلْقِ وكَوْنِهِ مُهَيْمِنًا عَلَيْهِ غَيْرَ ساهٍ عَنْهُ؛ والثّانِيَةُ: لِكَوْنِهِ مالِكًا لِما يُدَبِّرُهُ. والثّالِثَةُ: لِكِبْرِياءِ شَأْنِهِ، والرّابِعَةُ: لِإحاطَتِهِ بِأحْوالِ الخَلْقِ وعِلْمِهِ بِالمُرْتَضِي مِنهُمُ المُسْتَوْجِبُ لِلشَّفاعَةِ وغَيْرِ المُرْتَضِي. والخامِسَةُ: لِسِعَةِ عِلْمِهِ وتَعَلُّقِهِ بِالمَعْلُوماتِ كُلِّها، أوْ بِجَلالِهِ وعِظِيمِ قَدْرِهِ، انْتَهى كَلامُهُ. * * وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ صِفاتِ الذّاتِ، مِنها: الوَحْدانِيَّةُ، بِقَوْلِهِ: (لا إلَهَ إلّا هو) والحَياةُ الدّالَّةُ عَلى البَقاءِ بِقَوْلِهِ: (الحَيُّ) والقُدْرَةُ بِقَوْلِهِ: (القَيُّومُ) واسْتَطْرَدَ مِنَ القَيُّومِيَّةِ لِانْتِفاءِ ما يَئُولُ إلى العَجْزِ، وهو ما يَعْرِضُ لِلْقادِرِ غَيْرُهُ تَعالى مِنَ الغَفْلَةِ والآفاتِ، فَيَنْتَفِي عَنْهُ وصْفُهُ بِالقُدْرَةِ إذْ ذاكَ، واسْتَطْرَدَ مِنَ القَيُّومِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى القُدْرَةِ إلى مُلْكِهِ وقَهْرِهِ وغَلَبَتِهِ لِما في السَّماواتِ والأرْضِ، إذِ المُلْكُ آثارُ القُدْرَةِ، إذْ لِلْمالِكِ التَّصَرُّفُ في المَمْلُوكِ. والإرادَةُ، بِقَوْلِهِ: ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ﴾ فَهَذا دالٌّ عَلى الاخْتِيارِ والإرادَةِ. والعِلْمُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ ثُمَّ سَلَبَ عَنْهُمُ العِلْمَ إلّا أنْ أعْلَمَهم هو تَعالى، فَلَمّا تَكَمَّلَتْ صِفاتُ الذّاتِ العُلا، وانْدَرَجَ مَعَها شَيْءٌ مِن صِفاتِ الفِعْلِ وانْتَفى عَنْهُ تَعالى أنْ يَكُونَ مَحَلًّا لِلْحَوادِثِ، خَتَمَ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ: العَلِيُّ القَدْرِ العَظِيمُ الشَّأْنِ.

البقرة 2:256

﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ ذُكِرَ في سَبَبِ نُزُولِها أقْوالٌ مَضْمُونُ أكْثَرِها: أنَّ بَعْضَ أوْلادِ الأنْصارِ تَنَصَّرَ وبَعْضَهم تَهَوَّدَ، فَأرادَ آباؤُهم أنْ يُكْرِهُوهم عَلى الإسْلامِ، فَنَزَلَتْ. وقالَ أنَسٌ: نَزَلَتْ فِيمَن قالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ: ”أسْلِمْ“ . فَقالَ: أجِدُنِي كارِهًا. واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في هَذِهِ الآيَةِ: أهِيَ مَنسُوخَةٌ ؟ أمْ لَيْسَتْ بِمَنسُوخَةٍ ؟ فَقِيلَ: هي مَنسُوخَةٌ، وهي مِن آياتِ المُوادَعَةِ الَّتِي نَسَخَتْها آيَةُ السَّيْفِ، وقالَ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ: هي مُحْكَمَةٌ خاصَّةٌ في أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ يَبْذُلُونَ الجِزْيَةَ، قالا: أُمِرَ بِقِتالِ أهْلِ الأوْثانِ لا يَقْبَلُ مِنهم إلّا الإسْلامَ أوِ السَّيْفَ، ثُمَّ أُمِرَ فِيمَن سِواهم أنْ يَقْبَلَ الجِزْيَةَ. ومَذْهَبُ مالِكٍ: أنَّ الجِزْيَةَ تُقْبَلُ مِن كُلِّ كافِرٍ سِوى قُرَيْشٍ، فَتَكُونُ الآيَةُ خاصَّةً فِيمَن أعْطى الجِزْيَةَ مِنَ النّاسِ كُلِّهِمْ، لا يَقِفُ ذَلِكَ عَلى أهْلِ الكِتابِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: لا إكْراهَ بَعْدَ إسْلامِ العَرَبِ، ويَقْبَلُ الجِزْيَةَ. وقالَ الزَّجّاجُ: لا تَنْسِبُوا إلى الكَراهَةِ مَن أسْلَمَ مُكْرَهًا، يُقالُ: أكْفَرَهُ نَسَبَهُ إلى الكُفْرِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎وطائِفَةٌ قَدْ أكْفَرُونِي بِحُبِّهِمْ وطائِفَةٌ قالُوا مُسِيءٌ ومُذْنِبُ وقِيلَ: لا يُكْرَهُ عَلى الإسْلامِ مَن خَرَجَ إلى غَيْرِهِ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ، والقَفّالُ: مَعْناهُ أنَّهُ ما بَنى تَعالى أمْرَ الإيمانِ عَلى الإجْبارِ والقَسْرِ، وإنَّما بَناهُ عَلى التَّمَكُّنِ والِاخْتِيارِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ دَلائِلَ (p-٢٨٢)التَّوْحِيدِ بَيانًا شافِيًا، قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: لَمْ يَبْقَ عُذْرٌ في الكُفْرِ إلّا أنْ يُقْسَرَ عَلى الإيمانِ ويُجْبَرَ عَلَيْهِ، وهَذا ما لا يَجُوزُ في دارِ الدُّنْيا الَّتِي هي دارُ الابْتِلاءِ، إذْ في القَهْرِ والإكْراهِ عَلى الدِّينِ بُطْلانُ مَعْنى الابْتِلاءِ. ويُؤَكِّدُ هَذا قَوْلُهُ بَعْدُ: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ يَعْنِي: ظَهَرَتِ الدَّلائِلُ ووَضَحَتِ البَيِّناتُ، ولَمْ يَبْقَ بَعْدَها إلّا طَرِيقُ القَسْرِ والإلْجاءِ ولَيْسَ بِجائِزٍ؛ لِأنَّهُ يُنافِي التَّكْلِيفَ، وهَذا الَّذِي قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ والقَفّالُ لائِقٌ بِأُصُولِ المُعْتَزِلَةِ، ولِذَلِكَ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمْ يَجْرِ اللَّهُ أمْرَ الإيمانِ عَلى الإجْبارِ والقَسْرِ، ولَكِنْ عَلى التَّمْكِينِ والاخْتِيارِ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩] أيْ: لَوْ شاءَ لَقَسَرَهم عَلى الإيمانِ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ، وبَنى الأمْرَ عَلى الاخْتِيارِ. والدِّينُ هُنا مِلَّةُ الإسْلامِ واعْتِقادُهُ، والألِفُ واللّامُ لِلْعَهْدِ، وقِيلَ: بَدَلٌ مِنَ الإضافَةِ أيْ: في دِينِ اللَّهِ. ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ أيِ: اسْتَبانَ الإيمانُ مِنَ الكُفْرِ، وهَذا يُبَيِّنُ أنَّ الدِّينَ هو مُعْتَقَدُ الإسْلامِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (الرُّشْدُ) عَلى وزْنِ القُفْلِ، والحَسَنُ: (الرُّشْدُ) عَلى وزْنِ العُنُقِ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: (الرُّشْدُ) عَلى وزْنِ الجُبْلِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ أيْضًا عَنِ الشَّعْبِيِّ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ. وحَكى ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ: (الرَّشادُ) بِالألِفِ. والجُمْهُورُ عَلى إدْغامِ دالِ (قَدْ) في تاءِ (تَبَيَّنَ) . وقُرِئَ شاذًّا بِالإظْهارِ (وتَبَيَّنَ الرُّشْدَ) بِنَصْبِ الأدِلَّةِ الواضِحَةِ وبِعْثَةِ الرَّسُولِ الدّاعِي إلى الإيمانِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ كَأنَّها كالعِلَّةِ لِانْتِفاءِ الإكْراهِ في الدِّينِ؛ لِأنَّ وُضُوحَ الرُّشْدِ واسْتِبانَتَهُ يُحْمَلُ عَلى الدُّخُولِ في الدِّينِ طَوْعًا مِن غَيْرِ إكْراهٍ، ولا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ. ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ ويُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ (الطّاغُوتِ): الشَّيْطانُ. قالَهُ عُمَرُ ومُجاهِدٌ والشَّعْبِيُّ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ. أوِ السّاحِرُ، قالَهُ ابْنُ سِيرِينَ وأبُو العالِيَةِ. أوِ الكاهِنُ، قالَهُ جابِرٌ وابْنُ جُبَيْرٍ ورَفِيعٌ وابْنُ جُرَيْجٍ. أوْ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ مِمَّنْ يَرْضى ذَلِكَ: كَفِرْعَوْنَ، ونُمْرُوذَ، قالَهُ الطَّبَرِيُّ. أوِ الأصْنامُ، قالَهُ بَعْضُهم، ويَنْبَغِي أنْ تُجْعَلَ هَذِهِ الأقْوالُ كُلُّها تَمْثِيلًا؛ لِأنَّ الطّاغُوتَ مَحْصُورٌ في كُلِّ واحِدٍ مِنها. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَدَّمَ ذِكْرَ الكُفْرِ بِالطّاغُوتِ عَلى الإيمانِ بِاللَّهِ لِيُظْهِرَ الِاهْتِمامَ بِوُجُوبِ الكُفْرِ بِالطّاغُوتِ، انْتَهى. وناسَبَ ذَلِكَ أيْضًا اتِّصالُهُ بِلَفْظِ الغَيِّ، ولِأنَّ الكُفْرَ بِالطّاغُوتِ مُتَقَدِّمٌ عَلى الإيمانِ بِاللَّهِ؛ لِأنَّ الكُفْرَ بِها هو رَفْضُها ورَفَضُ عِبادَتِها، ولَمْ يَكْتَفِ بِالجُمْلَةِ الأُولى؛ لِأنَّها لا تَسْتَلْزِمُ الجُمْلَةَ الثّانِيَةَ، إذْ قَدْ يَرْفُضُ عِبادَتَها ولا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ، لَكِنَّ الإيمانَ يَسْتَلْزِمُ الكُفْرَ بِالطّاغُوتِ، ولَكِنَّهُ نَبَّهَ بِذِكْرِ الكُفْرِ بِالطّاغُوتِ عَلى الِانْسِلاخِ بِالكُلِّيَّةِ، مِمّا كانَ مُشْتَبَهًا بِهِ، سابِقًا لَهُ قَبْلَ الإيمانِ؛ لِأنَّ في النَّصِّيَّةِ عَلَيْهِ مَزِيدُ تَأْكِيدٍ عَلى تَرْكِهِ، وجَوابُ الشَّرْطِ (فَقَدِ اسْتَمْسَكَ) وأُبْرِزَ في صُورَةِ الفِعْلِ الماضِي المَقْرُونِ بِقَدِ الدّالَّةِ في الماضِي عَلى تَحْقِيقِهِ، وإنْ كانَ مُسْتَقْبَلًا في المَعْنى؛ لِأنَّهُ جَوابُ الشَّرْطِ، إشْعارًا بِأنَّهُ مِمّا وقَعَ اسْتِمْساكُهُ وثَبَتَ، وذَلِكَ لِلْمُبالَغَةِ في تَرْتِيبِ الجَزاءِ عَلى الشَّرْطِ، وأنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ لا يُمْكِنُ أنْ يَتَخَلَّفَ عَنْهُ، و(بِالعُرْوَةِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (اسْتَمْسَكَ) جَعَلَ ما تُمْسِكُ بِهِ مِنَ الإيمانِ عُرْوَةً، وهي في الأجْرامِ مَوْضِعُ الإمْساكِ وشَدُّ الأيْدِي، شَبَّهَ الإيمانَ بِذَلِكَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا تَمْثِيلٌ لِلْمَعْلُومِ بِالنَّظَرِ، والِاسْتِدْلالِ بِالمُشاهَدِ المَحْسُوسِ، حَتّى يَتَصَوَّرَهُ السّامِعُ كَأنَّهُ يَنْظُرُ إلَيْهِ بِعَيْنِهِ، فَيَحْكُمُ اعْتِقادُهُ والتَّيَقُّنُ، والمُشَبَّهُ بِالعُرْوَةِ الإيمانُ، قالَهُ: مُجاهِدٌ أوِ الإسْلامُ قالَهُ السُّدِّيُّ، أوْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ، أوِ القُرْآنُ، قالَهُ السُّدِّيُّ أيْضًا، أوِ السُّنَّةُ، أوِ التَّوْفِيقُ. أوِ العَهْدُ الوَثِيقُ. أوِ السَّبَبُ المُوَصِّلُ إلى رِضا اللَّهِ (p-٢٨٣)وهَذِهِ أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ. ﴿لا انْفِصامَ لَها﴾ لا انْكِسارَ لَها ولا انْقِطاعَ، قالَ الفَرّاءُ: الِانْفِصامُ والِانْقِصامُ هُما لُغَتانِ، وبِالفاءِ أفْصَحُ، وفَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَهُما، فَقالَ: الفَصْمُ انْكِسارٌ بِغَيْرِ بَيْنُونَةٍ، والقَصْمُ انْكِسارٌ بِبَيْنُونَةٍ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ العُرْوَةِ، وقِيلَ: مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِ في (الوُثْقى) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا مُسْتَأْنَفًا مِنَ اللَّهِ عَنِ العُرْوَةِ، ولَها، في مَوْضِعِ الخَبَرِ، فَتَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ أيْ: كائِنٌ لَها. ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أتى بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ؛ لِأنَّ الكُفْرَ بِالطّاغُوتِ والإيمانَ بِاللَّهِ مِمّا يَنْطِقُ بِهِ اللِّسانُ ويَعْتَقِدُهُ الجِنانُ، فَناسَبَ هَذا ذِكْرَ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ؛ لِأنَّ الكُفْرَ بِالطّاغُوتِ والإيمانَ بِاللَّهِ، وقِيلَ: سَمِيعٌ لِدُعائِكَ يا مُحَمَّدُ، عَلِيمٌ بِحِرْصِكَ واجْتِهادِكَ.

البقرة 2:257

﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ الوَلِيُّ هُنا النّاصِرُ والمُعِينُ أوِ المُحِبُّ أوْ مُتَوَلِّي أُمُورَهم، ومَعْنى (آمَنُوا) أرادُوا أنْ يُؤْمِنُوا، و(الظُّلُماتِ) هُنا الكُفْرُ، و(النُّورِ) الإيمانُ، قالَهُ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ، قِيلَ: وجُمِعَتِ (الظُّلُماتِ) لِاخْتِلافِ الضَّلالاتِ، ووُحِّدَ (النُّورِ) لِأنَّ الإيمانَ واحِدٌ، والإخْراجُ هُنا إنْ كانَ حَقِيقَةً فَيَكُونُ مُخْتَصًّا بِمَن كانَ كافِرًا ثُمَّ آمَنَ، وإنْ كانَ مَجازًا فَهو مَجازٌ عَنْ مَنعِ اللَّهِ إيّاهم مِن دُخُولِهِمْ في الظُّلُماتِ قالَ الحَسَنُ: مَعْنى (يُخْرِجُهم) يَمْنَعُهم، وإنْ لَمْ يَدْخُلُوا، والمَعْنى أنَّهُ لَوْ خَلا عَنْ تَوْفِيقِ اللَّهِ لَوَقَعَ في الظُّلُماتِ، فَصارَ تَوْفِيقُهُ سَبَبًا لَدَفْعِ تِلْكَ الظُّلْمَةِ، قالُوا: ومِثْلُ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ شائِعٌ سائِغٌ في كَلامِهِمْ، كَما قالَ طُفَيْلٌ الغَنَوِيُّ: ؎فَإنْ تَكُنِ الأيّامُ أحْسَنَّ مَرَّةً إلَيَّ فَقَدْ عادَتْ لَهُنَّ ذُنُوبُ قالَ الواقِدِيُّ: كُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ مِنَ الظُّلُماتِ والنُّورِ فَإنَّهُ أرادَ بِهِ الكُفْرَ والإيمانَ غَيْرَ الَّتِي في الأنْعامِ، وهو: ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] فَإنَّهُ أرادَ بِهِ اللَّيْلَ والنَّهارَ، وقالَ الواسِطِيُّ: يُخْرِجُهم مِن ظُلُماتِ نُفُوسِهِمْ إلى آدابِها: كالرِّضا والصِّدْقِ والتَّوَكُّلِ والمَعْرِفَةِ والمَحَبَّةِ. وقالَ أبُو عُثْمانَ: يُخْرِجُهم مِن ظُلُماتِ الوَحْشَةِ والفُرْقَةِ إلى نُورِ الوَصْلَةِ والأُلْفَةُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: آمَنُوا، أرادُوا أنْ يُؤْمِنُوا، تَلَطَّفَ بِهِمْ حَتّى يُخْرِجَهم بِلُطْفِهِ وتَأْيِيدِهِ مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، أوِ اللَّهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ يُخْرِجُهم مِنَ الشُّبَهِ في الدِّينِ إنْ وقَعَتْ لَهم، بِما يَهْدِيهِمْ ويُوَفِّقُهم لَها مِن حَلِّها، حَتّى يَخْرُجُوا مِنها إلى نُورِ اليَقِينِ، انْتَهى. فَيَكُونُ عَلى هَذا القَوْلِ: آمَنُوا عَلى حَقِيقَتِهِ. ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ﴾ قالَ مُجاهِدٌ، وعَبَدَةُ بْنُ أبِي لُبابَةَ، نَزَلَتْ في قَوْمٍ آمَنُوا بِعِيسى، فَلَمّا جاءَ مُحَمَّدٌ، عَلَيْهِ السَّلامُ، كَفَرُوا بِهِ، فَذَلِكَ إخْراجُهم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ، وقالَ الكَلْبِيُّ يُخْرِجُونَهم مِن إيمانِهِمْ بِمُوسى، عَلَيْهِ السَّلامُ، واسْتِفْتاحِهِمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ إلى كُفْرِهِمْ بِهِ، وقِيلَ: مِن فِطْرَةِ الإسْلامِ، وقِيلَ: مِن نُورِ الإقْرارِ بِالمِيثاقِ، وقِيلَ: مِنَ الإقْرارِ بِاللِّسانِ إلى النِّفاقِ. وقِيلَ: مِن نُورِ الثَّوابِ في الجَنَّةِ إلى ظُلْمَةِ العَذابِ في النّارِ. وقِيلَ: مِن نُورِ الحَقِّ إلى ظُلْمَةِ الهَوى. وقِيلَ: مِن نُورِ العَقْلِ إلى ظُلْمَةِ الجَهْلِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن نُورِ البَيِّناتِ الَّتِي تَظْهَرُ لَهم إلى ظُلُماتِ الشَّكِّ والشُّبْهَةِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَفْظُ الآيَةِ مُسْتَغْنٍ عَنِ التَّخْصِيصِ، بَلْ هو مُتَرَتِّبٌ في كُلِّ أُمَّةٍ كافِرَةٍ آمَنَ بَعْضُها كالعَرَبِ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ مَن آمَنَ مِنهم فاللَّهُ ولِيُّهُ، أخْرَجَهُ مِن ظُلْمَةِ الكُفْرِ إلى نُورِ الإيمانِ، ومَن كَفَرَ بَعْدَ وُجُودِ الدّاعِي - النَّبِيِّ المُرْسَلِ - فَشَيْطانُهُ ومُغْوِيهِ كَأنَّهُ أخْرَجَهُ مِنَ الإيمانِ، إذْ هو مُعَدٌّ وأهْلٌ لِلدُّخُولِ فِيهِ، وهَذا كَما تَقُولُ لِمَن مَنعَكَ الدُّخُولَ في أمْرٍ: أخْرَجْتَنِي يا فُلانُ مِن هَذا الأمْرِ، وإنْ كُنْتَ لَمْ تَدْخُلْ فِيهِ ألْبَتَّةَ، انْتَهى. والمُرادُ بِالطّاغُوتِ: الصَّنَمُ، لِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦] وقِيلَ: الشَّياطِينُ والطّاغُوتُ اسْمُ جِنْسٍ، وقَرَأ الحَسَنُ: (الطَّواغِيتُ) بِالجَمْعِ. وقَدْ تَبايَنَ الإخْبارُ في هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ، فاسْتُفْتِحَتْ آيَةُ المُؤْمِنِينَ بِاسْمِ اللَّهِ تَعالى، وأخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ تَشْرِيفًا لَهم إذْ بُدِئَ في جُمْلَتِهِمْ بِاسْمِهِ تَعالى ولِقُرْبِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦] (p-٢٨٤)واسْتُفْتِحَتْ آيَةُ الكافِرِينَ بِذِكْرِهِمْ نَعْيًا عَلَيْهِمْ، وتَسْمِيَةً لَهم بِما صَدَرَ مِنهم مِنَ القَبِيحِ ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم بِأنَّ أوْلِياءَهُمُ الطّاغُوتُ، ولَمْ يُصَدِّرِ الطّاغُوتَ اسْتِهانَةً بِهِ، وأنَّهُ مِمّا يَنْبَغِي أنْ لا يُجْعَلَ مُقابِلًا لِلَّهِ، تَعالى، ثُمَّ عُكِسَ الإخْبارُ فِيهِ فابْتُدِئَ بِقَوْلِهِ: أوْلِياؤُهم، وجُعِلَ الطّاغُوتُ خَبَرًا، كَأنَّ الطّاغُوتَ هو مَجْهُولٌ، أعْلَمَ المُخاطَبَ بِأنَّ أوْلِياءَ الكُفّارِ هو الطّاغُوتُ، والأحْسَنُ في: (يُخْرِجُهم ويُخْرِجُونَهم) أنْ لا يَكُونَ لَهُ مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ؛ لِأنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ التَّفْسِيرِ لِلْوِلايَةِ، وكَأنَّهُ مِن حَيْثُ إنَّ اللَّهَ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ بَيَّنَ وجْهَ الوِلايَةِ والنَّصْرِ والتَّأْيِيدِ بِأنَّها إخْراجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ، وكَذَلِكَ في الكُفّارِ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ (يُخْرِجُهم) حالًا والعامِلُ فِيهِ: (ولِيُّ)، وأنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ (يُخْرِجُونَهم) حالًا والعامِلُ فِيهِ مَعْنى الطّاغُوتِ، وهو نَظِيرُ ما قالَهُ أبُو عَلِيٍّ: مِن نَصْبِ (نَزّاعَةً) عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيها (لَظى) وسَنَذْكُرُهُ في مَوْضِعِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ و(مِن وإلى)، مُتَعَلِّقانِ بِـ (يُخْرِجُ) . ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. وذَكَرُوا في هَذِهِ الآياتِ أنْواعًا مِنَ الفَصاحَةِ وعِلْمِ البَيانِ، مِنها في آيَةِ الكُرْسِيِّ: حُسْنُ الِافْتِتاحِ؛ لِأنَّها افْتُتِحَتْ بِأجَلِّ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، وتَكْرارُ اسْمِهِ في ثَمانِيَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا، وتَكْرِيرُ الصِّفاتِ، والقَطْعُ لِلْجُمَلِ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ، ولَمْ يَصِلْها بِحَرْفِ العَطْفِ، والطِّباقِ: في قَوْلِهِ ﴿الحَيُّ القَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] فَإنَّ النَّوْمَ مَوْتٌ وغَفْلَةٌ، والحَيُّ القَيُّومُ يُناقِضُهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يُحِيطُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] والتَّشْبِيهُ: في قِراءَةِ مَن قَرَأ ﴿وسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] أيْ: كَوَسَعِ، فَإنْ كانَ الكُرْسِيُّ جَرْمًا فَتَشْبِيهُ مَحْسُوسٍ بِمَحْسُوسٍ، أوْ مَعْنًى فَتَشْبِيهُ مَعْقُولٍ بِمَحْسُوسٍ، ومَعْدُولُ الخِطابِ في ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] إذا كانَ المَعْنى لا تُكْرِهُوا عَلى الدِّينِ أحَدًا. والطِّباقُ: أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦] وفي قَوْلِهِ: (آمَنُوا وكَفَرُوا) وفي قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ والتَّكْرارُ في الإخْراجِ لِتَبايُنِ تَعْلِيقِهِما، والتَّأْكِيدُ بِالمُضْمَرِ في قَوْلِهِ: ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ . وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ الكَرِيمَةُ الإشارَةَ إلى الرُّسُلِ المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ: (وإنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ) وأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ فَضَّلَ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ، فَذَكَرَ أنَّ (مِنهم مَن كَلَّمَ اللَّهُ) وفُسِّرَ بِ مُوسى، عَلَيْهِ السَّلامُ، وبُدِئَ بِهِ لِتَقَدُّمِهِ في الزَّمانِ، وأخْبَرَ أنَّهُ (رَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ) وفُسِّرَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وذَكَرَ ثالِثًا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ، فَجاءَ ذِكْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وسَطًا بَيْنَ هَذَيْنِ النَّبِيَّيْنِ العَظِيمَيْنِ، فَكانَ كَواسِطَةِ العِقْدِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّ اقْتِتالَ المُتَقَدِّمِينَ بَعْدَ مَجِيءِ البَيِّناتِ هو صادِرٌ عَنْ مَشِيئَتِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ اخْتِلافَهم وانْقِسامَهَمْ إلى مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، وأنَّهُ تَعالى يَفْعَلُ ما يُرِيدُ، ثُمَّ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالإنْفاقِ مِمّا رَزَقَهم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا يَنْفَعُ فِيهِ تَوَسُّلٌ بِصَداقَةٍ ولا شَفاعَةٍ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ الكافِرِينَ هُمُ المُجاوِزُونَ الحَدَّ الَّذِي حَدَّهُ اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ هو المُتَوَحِّدُ بِالإلَهِيَّةِ، وذَلِكَ عُقَيْبَ ذِكْرِ الكافِرِينَ، وذِكْرِ أتْباعِ مُوسى وعِيسى - عَلَيْهِما السَّلامُ - ثُمَّ سَرَدَ صِفاتِهِ العُلا وهي الَّتِي يَجِبُ أنْ تُعْتَقَدَ في اللَّهِ تَعالى مِن كَوْنِهِ واحِدًا حَيًّا قائِمًا بِتَدْبِيرِ الخَلْقِ، لا يَلْحَقُهُ آفَةٌ، مالِكًا لِلسَّمَواتِ والأرْضِ، عالِمًا بِسَرائِرِ المَعْلُوماتِ، لا يَعْلَمُ أحَدٌ شَيْئًا مِن عِلْمِهِ إلّا بِما يَشاءُ هو تَعالى، وذَكَرَ عَظِيمَ مَخْلُوقاتِهِ، وأنَّ بَعْضَها - وهو الكُرْسِيُّ - يَسَعُ السَّمَواتِ والأرْضَ، ولا يَثْقُلُ ولا يَشُقُّ عَلَيْهِ حِفْظُ السَّمَواتِ والأرْضِ. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ بَعْدَ وُضُوحِ صِفاتِهِ العُلا فَـ (لا إكْراهَ في الدِّينِ) إذْ قَدْ تَبَيَّنَتْ طُرُقُ الرَّشادِ مِن طُرِقِ الغَوايَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ مَن كَفَرَ بِالطّاغُوتِ وآمَنَ بِاللَّهِ فَهو مُسْتَمْسِكٌ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى، عُرْوَةُ الإيمانِ، ووَصَفَها بِالوُثْقى لِكَوْنِها لا تَنْقَطِعُ ولا تَنْفَصِمُ، واسْتَعارَ لِلْإيمانِ عُرْوَةً إجْراءً لِلْمَعْقُولِ مَجْرى المَحْسُوسِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ أخْرَجَهم مِن ظُلُماتِ الكُفْرِ إلى نُورِ الإيمانِ، وأنَّ الكافِرِينَ أوْلِياؤُهُمُ الأصْنامُ (p-٢٨٥)والشَّياطِينُ، وهم عَلى العَكْسِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ أخْبَرَ عَنِ الكُفّارِ أنَّهم أصْحابُ النّارِ، وأنَّهم مُخَلَّدُونَ فِيها، والحالَةُ هَذِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.

البقرة 2:258

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ أنْ آتاهُ اللَّهُ المُلْكَ إذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ قالَ أنا أُحْيِي وأُمِيتُ قالَ إبْراهِيمُ فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أنّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فانْظُرْ إلى طَعامِكَ وشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وانْظُرْ إلى حِمارِكَ ولِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ وانْظُرْ إلى العِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْمًا فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٥٩] ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى قالَ أوَلَمْ تُؤْمِن قالَ بَلى ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٠] (بُهِتَ) تَحَيَّرَ ودَهِشَ، ويَكُونُ مُتَعَدِّيًا عَلى وزْنِ فَعَلَ، ومِنهُ: فَتَبْهَتُهم، ولازِمًا عَلى وزْنِ فَعُلَ كَظَرُفَ وفَعِلَ كَدَهِشَ، والأكْثَرُ في اللّازِمِ الضَّمُّ، وحُكِيَ عَنْ بَعْضِ العَرَبِ: (بَهَتَ) بِفَتْحِ الهاءِ لازِمًا، ويُقالُ: بَهَتُّهُ وباهَتُّهُ واجَهَهُ بِالكَذِبِ، وفي الحَدِيثِ: «(إنَّ اليَهُودَ قَوْمٌ بُهُتٌ)» . الخاوِي: الخالِي، خَوَتِ الدّارُ تَخْوِي، خَوى، غَيْرُ مَمْدُودٍ، وخُوِيًّا، والأُولى أفْصَحُ، ويُقالُ: خَوى البَيْتُ انْهَدَمَ لِأنَّهُ بِتَهَدُّمِهِ يَخْلُو مِن أهْلِهِ، والخَوى: الجُوعُ لِخُلُوِّ البَطْنِ مِنَ الغِذاءِ، وخَوَّتِ المَرْأةُ وخَوِيَتْ خَلا جَوْفُها عِنْدَ الوِلادَةِ، وخَوَّيْتُ لَها تَخْوِيَةً عَمِلْتُ لَها خَوِيَّةً تَأْكُلُها، وهي طَعامٌ. والخَوِيُّ عَلى وزْنِ فَعِيلٍ: البَطْنُ السَّهْلُ مِنَ الأرْضِ، وخَوّى البَعِيرُ جافى بَطْنَهُ عَنِ الأرْضِ في مَبْرَكِهِ، وكَذَلِكَ الرَّجُلُ في سُجُودِهِ؛ قالَ الرّاجِزُ: ؎خَوّى عَلى مُسْتَوَياتٍ خَمْسٍ كِرْكِرَةٍ وثَفِناتٍ مُلْسِ العَرْشُ: سَقَفُ البَيْتِ وكُلُّ ما يُهَيَّأُ لِيُظِلَّ أوْ يَكُنَّ فَهو عَرِيشٌ الدّالِيَةِ، وقالَ تَعالى: ﴿ومِمّا يَعْرِشُونَ﴾ [النحل: ٦٨] وفي الحَدِيثِ «لَمّا أمَرَ بِبِناءِ المَسْجِدِ قالُوا: نَبْنِيهِ لَكَ بُنْيانًا قالَ: ”لا بَلْ عَرْشٌ كَعَرْشِ أخِي مُوسى“ فَوَضَعُوا النَّخْلَ عَلى الحِجارَةِ وغَشُّوهُ بِالجَرِيدِ وسَعَفِهِ»، وقِيلَ: العَرْشُ البُنْيانُ قالَ الشّاعِرُ: ؎إنْ يَقْتُلُوكَ فَقَدْ ثَلَلْتَ عُرُوشَهم ∗∗∗ بِعُتَيْبَةَ بْنِ الحارِثِ بْنِ شِهابِ (مِائَةَ): اسْمٌ لِرُتْبَةٍ مِنَ العَدَدِ مَعْرُوفَةٍ، ويُجْمَعُ عَلى مِئاتٍ ومِئِينَ، وهي مُخَفَّفَةٌ مَحْذُوفَةُ اللّامِ، ولامُها ياءٌ، فالأصْلُ مِئْيَةٌ ويُقالُ: أمْأيْتُ الدَّراهِمَ إذا صَيَّرْتُها مِائَةً، العامُ مُدَّةٌ مِنَ الزَّمانِ مَعْرُوفَةٌ وألِفُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ واوٍ لِقَوْلِهِمْ: العُوَيْمُ والأعْوامُ. وقالَ النَّقّاشُ: العامُ مَصْدَرٌ كالعَوْمِ، سُمِّيَ بِهِ هَذا القَدْرُ مِنَ الزَّمانِ؛ لِأنَّها عَوْمَةٌ مِنَ الشَّمْسِ في الفَلَكِ، والعَوْمُ كالسَّبْحِ، وقالَ تَعالى: ﴿وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] والعامُ عَلى هَذا: كالقَوْلِ والقالِ. اللُّبْثُ: المُكْثُ والإقامَةُ. يَتَسَنَّهُ: إنْ كانَتِ الهاءُ أصْلِيَّةً فَهو مِنَ السَّنَةِ عَلى مَن يَجْعَلُ لامَها المَحْذُوفَ هاءً، قالُوا في التَّصْغِيرِ: سُنَيْهَةٌ، وفي الجَمْعِ سَنَهاتٌ، وقالُوا: سانَهْتُ وأسْنَهْتُ عِنْدَ بَنِي فُلانٍ، وهي لُغَةُ الحِجازِ؛ وقالَ الشّاعِرُ: ؎ولَيْسَتْ بِسَنْهاءَ ولا رُجَبِيَّةٍ ∗∗∗ ولَكِنْ عَرايا في السِّنِينِ الجَوائِحِ وإنْ كانَتِ الهاءُ لِلسَّكْتِ، وهو اخْتِيارُ المُبَرِّدِ، فَلامُ الكَلِمَةِ مَحْذُوفَةٌ لِلْجازِمِ، وهي ألْفٌ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ واوٍ عَلى مَن يَجْعَلُ لامَ سَنَةٍ المَحْذُوفَ واوًا. لِقَوْلِهِمْ: سُنَيَّةٌ وسَنَواتٌ، واشْتُقَّ مِنهُ الفِعْلُ، فَقِيلَ: سانَيْتُ وأسْنى وأسْنَتْ. أُبْدِلَ مِنَ الواوِ تاءٌ، أوْ تَكُونُ الألِفُ مُنْقَلِبَةً عَنْ ياءٍ مُبْدَلَةٍ مِن نُونٍ، فَتَكُونُ مِنَ المَسْنُونِ أيِ: المُتَغَيِّرِ، وأُبْدِلَتْ كَراهَةَ اجْتِماعِ الأمْثالِ، كَما قالُوا: تَظَنِّي، ويَتَلَعِّي الأصْلُ تَظُنِينَ ويَتَلَعَّعُ، قالَهُ أبُو عَمْرٍو، وخَطَّأهُ الزَّجّاجُ، قالَ: لِأنَّ المَسْنُونَ: المَصْبُوبُ عَلى سُنَّةِ الطَّرِيقِ وصَوْبِهِ، وقالَ النَّقّاشُ: هو مِن قَوْلِهِ مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ (p-٢٨٦)ورَدَّ النُّحاةُ عَلَيْهِ هَذا القَوْلَ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مِن أسِنَ الماءُ لَجاءَ لَمْ يَتَأسَّنْ؛ لِأنَّكَ لَوْ بَنَيْتَ تَفْعَلُ مِنَ الأكْلِ لَقَلَّتْ تَأْكُلُ، ويَحْتَمِلُ ما قالَهُ النَّقّاشُ عَلى اعْتِقادِ القَلْبِ، وجَعْلِ فاءِ الكَلِمَةِ مَكانَ اللّامِ، وعَيْنِها مَكانَ الفاءِ، فَصارَ: تَسْنَأ، وأصْلُهُ تَأسَّنَ، ثُمَّ أُبْدِلَتِ الهَمْزَةُ كَما قالُوا في: هَدَأ وقَرَأ واسْتَقْرَأ، هَدا وقَرا واسْتَقْرا. الحِمارُ: هو الحَيَوانُ المَعْرُوفُ، ويُجْمَعُ في القِلَّةِ عَلى: أفْعِلَةٍ قالُوا: أحْمِرَةٍ، وفي الكَثْرَةِ عَلى: فُعُلٍ، قالُوا: حُمُرٍ، وعَلى: فَعِيلٍ، قالُوا: حَمِيرٍ. أنْشَرَ اللَّهُ المَوْتى، ونَشَرَهم، ونَشَرَ المَيِّتُ: حَيّى؛ قالَ الشّاعِرُ: ؎حَتّى يَقُولَ النّاسُ مِمّا رَأوْا ∗∗∗ يا عَجَبًا لِلْمَيِّتِ النّاشِرِ وأمّا: أنْشُزُ، بِالزّايِ فَمِنَ النَّشْزِ، وهو ما ارْتَفَعَ مِنَ الأرْضِ، ومَعْنى أنْشَزَ الشَّيْءَ جَعَلَهُ ناشِزًا، أيْ: مُرْتَفِعًا، ومِنهُ: انْشُزُوا فانْشُزُوا، وامْرَأةٌ ناشِزٌ، أيْ: مُرْتَفِعَةٌ عَنِ الحالَةِ الَّتِي كانَتْ عَلَيْها مَعَ الزَّوْجِ. الطُّمَأْنِينَةُ: مَصْدَرُ اطْمَأنَّ عَلى غَيْرِ القِياسِ، والقِياسُ الاطْمِئْنانُ، وهو السُّكُونُ، وطامَنتُهُ أسْكَنْتُهُ، وطامَنتُهُ فَتَطامَنَ: خَفَّضْتُهُ فانْخَفَضَ، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ في اطْمَأنَّ أنَّهُ مِمّا قُدِّمَتْ فِيهِ المِيمُ عَلى الهَمْزَةِ، فَهو مِن بابِ المَقْلُوبِ، ومَذْهَبُ الجَرْمِيِّ: أنَّ الأصْلَ في اطْمَأنَّ كَـأُطامِنُ، ولَيْسَ مِنَ المَقْلُوبِ، والتَّرْجِيحُ بَيْنَ المَذْهَبَيْنِ مَذْكُورٌ في عِلْمِ التَّصْرِيفِ. الطَّيْرُ: اسْمُ جَمْعٍ: كَرَكْبٍ وسَفَرٍ، ولَيْسَ بِجَمْعٍ خِلافًا لِأبِي الحَسَنِ. صارَ يَصُورُ قَطَعَ وانْصارَ: انْقَطَعَ، وصُرْتُهُ أصُورُهُ: أمَلْتُهُ، ويُقالُ أيْضًا في القَطْعِ والإمالَةِ: صارَهُ يُصَيِّرُهُ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ، وقالَ الفَرّاءُ: الضَّمُّ في الصّادِ يَحْتَمِلُ الإمالَةَ والتَّقْطِيعَ، والكَسْرُ فِيها لا يَحْتَمِلُ إلّا القَطْعَ، وقالَ أيْضًا: صارَهُ مَقْلُوبُ صَرّاهُ عَنْ كَذا، أيْ: قَطَعَهُ، وقالَ غَيْرُهُ: الكَسْرُ بِمَعْنى القَطْعِ، والضَّمُّ بِمَعْنى الإمالَةِ. الجَبَلُ مَعْرُوفٌ ويُجْمَعُ في القِلَّةِ عَلى: أجْبالٍ وأجْبُلٍ، وفي الكَثْرَةِ عَلى: جِبالٍ. الجُزْءُ مِنَ الشَّيْءِ، القِطْعَةُ مِنهُ وجَزَّأ الشَّيْءَ جَعَلَهُ قِطَعًا. ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ أنْ آتاهُ اللَّهُ المُلْكَ﴾ مُناسَبَةُ هَذِهِ القِصَّةِ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَ إبْراهِيمَ والَّذِي حاجَّهُ، وأنَّهُ ناظَرَ ذَلِكَ الكافِرَ فَغَلَبَهُ وقَطَعَهُ، إذْ كانَ اللَّهُ ولِيَّهُ، وانْقَطَعَ ذَلِكَ الكافِرُ وبُهِتَ إذْ كانَ ولَيُّهُ هو الطّاغُوتَ: (ألا إنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغالِبُونَ) ﴿ألا إنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢] فَصارَتْ هَذِهِ القِصَّةُ مَثَلًا لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ اللَّذَيْنِ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُما، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٣] فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: (ألَمْ تَرْ) بِسُكُونِ الرّاءِ، وهو مِن إجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ، والَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ: هُ ونُمْرُوذُ بْنُ كَنْعانَ بْنِ كُوشِ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ، مَلِكُ زَمانِهِ وصاحِبُ النّارِ والبَعُوضَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ، والرَّبِيعُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ إسْحاقَ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وغَيْرُهم. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هو أوَّلُ مَلَكٍ في الأرْضِ، ورَدَّهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ قَتادَةُ: هو أوَّلُ مَن تَجَبَّرَ، وهو صاحِبُ الصَّرْحِ بِبابِلَ، وقِيلَ: إنَّهُ مَلَكَ الدُّنْيا بِأجْمَعِها ونَفَذَتْ فِيها طِينَتُهُ، وقالَ مُجاهِدٌ: مَلَكَ الأرْضَ مُؤْمِنانِ: سُلَيْمانُ وذُو القَرْنَيْنِ، وكافِرانِ: نُمْرُوذُ وبُخْتُ نَصَّرَ. وقِيلَ: هو نُمْرُوذُ بْنُ يَجارِيبَ بْنِ كُوشَ بْنِ كَنْعانَ بْنِ سامَ بْنِ نُوحٍ. وقِيلَ: نُمْرُوذُ بْنُ فايِخَ بْنِ عابِرَ بْنِ سايِخَ بْنِ أرْفَخْشَدَه بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ. وحَكى السُّهَيْلِيُّ أنَّهُ: النُّمْرُوذُ بْنُ كُوشِ بْنِ كَنْعانَ بْنِ حامِ بْنِ نُوحٍ، وكانَ مَلِكًا عَلى السُّودانِ، وكانَ مَلِكُهُ الضَّحّاكَ الَّذِي يُعْرَفُ بِالازْدِهاقِ، واسْمُهُ انْدَراوَسْتُ بْنُ انْدِرَشْتَ، وكانَ مَلِكَ الأقالِيمِ كُلِّها، وهو الَّذِي قَتَلَهُ أفْرِيدُونُ بْنُ أهْبانَ، وفِيهِ يَقُولُ أبُو تَمّامٍ حَبِيبُ في قَصِيدٍ مَدَحَ بِهِ الأُفْشِينَ، وذَكَرَ أخْذَهُ باكَ الخَرْمِيَّ: ؎بَلْ كانَ كالضَّحّاكِ في فَتَكاتِهِ ∗∗∗ بِالعالَمِينَ وأنْتَ أفْرِيدُونُ وهُوَ أوَّلُ مَن صَلَبَ وقَطَعَ الأيْدِي والأرْجُلَ، ومَلَكَ نُمْرُوذُ أرْبَعَمِائَةِ عامٍ فِيما ذُكِرَ ولَهُ ابْنٌ يُسَمّى نُمْرُوذُ الأصْغَرُ مَلَكَ عامًا واحِدًا، ومَعْنى: ﴿حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ﴾ أيْ: عارَضَ حُجَّتَهُ بِمِثْلِها، أوْ أتى عَلى الحُجَّةِ بِما (p-٢٨٧)يُبْطِلُها، أوْ أظْهَرَ المُغالَبَةَ في الحُجَّةِ، ثَلاثَةُ أقْوالٍ، واخْتَلَفُوا في وقْتِ المُحاجَّةِ، فَقِيلَ: خَرَجُوا إلى عِيدٍ لَهم، فَدَخَلَ إبْراهِيمُ عَلى أصْنامِهِمْ فَكَسَّرَها، فَلَمّا رَجَعُوا قالَ: أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ ؟ فَقالَ لَهُ: فَمَن تَعْبُدُ ؟ قالَ: أعْبُدُ ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ وقِيلَ: كانَ نُمْرُوذُ يَحْتَكِرُ، فَإذا احْتاجُوا اشْتَرَوْا مِنهُ الطَّعامَ، فَإذا دَخَلُوا عَلَيْهِ سَجَدُوا لَهُ، فَلَمّا دَخَلَ إبْراهِيمُ لَمْ يَسْجُدْ لَهُ، فَقالَ: ما لَكَ لَمْ تَسْجُدْ لِي ؟ فَقالَ: أنا لا أسْجُدُ إلّا لِرَبِّي فَقالَ لَهُ نُمْرُوذُ: مَن رَبُّكَ ؟ قالَ: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾، وفي قَوْلِهِ: إنَّهُ كانَ كُلَّما جاءَ قَوْمٌ قالَ مَن رَبُّكم وإلَهُكم ؟ فَيَقُولُونَ: أنْتَ، فَيَقُولُ: مِيرُوهم، وجاءَ إبْراهِيمُ يَمْتارُ، فَقالَ لَهُ: مَن رَبُّكَ وإلَهُكَ ؟ فَقالَ: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ . وقِيلَ: كانَتِ الحاجَةُ بَعْدَ أنْ خَرَجَ مِنَ النّارِ الَّتِي ألْقاهُ فِيها النُّمْرُوذُ، وذَكَرُوا أنَّهُ لَمّا لَمْ يُمِرْهُ النُّمْرُوذُ، مَرَّ عَلى رَمْلٍ أعْفَرَ، فَأخَذَ مِنهُ وأتى أهْلَهُ ونامَ، فَوَجَدُوهُ أجْوَدَ طَعامٍ، فَصَنَعَتْ مِنهُ وقَرَّبَتْهُ لَهُ، فَقالَ: مِن أيْنَ هَذا ؟ قالَتْ مِنَ الطَّعامِ الَّذِي جِئْتَ بِهِ فَعَرَفَ أنَّ اللَّهَ رَزَقَهُ، فَحَمَدَ اللَّهَ، وقِيلَ: مَرَّ عَلى رَمْلَةٍ حَمْراءَ، فَأخَذَ مِنها، فَوَجَدُوها حِنْطَةً حَمْراءَ، فَكانَ إذا زَرَعَ مِنها جاءَ سُنْبُلُهُ مِن أصْلِها إلى فَرْعِها حَبًّا مُتَراكِبًا، ﴿فِي رَبِّهِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلى إبْراهِيمَ، وأنْ يَعُودَ عَلى النُّمْرُوذِ، والظّاهِرُ الأوَّلُ. ﴿أنْ آتاهُ اللَّهُ المُلْكَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (آتاهُ) عائِدٌ عَلى الَّذِي حاجَّ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ، (وأنْ آتاهُ) مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ عَلى مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الحامِلَ لَهُ عَلى المُحاجَّةِ هو إيتاؤُهُ المُلَكَ، أبْطَرَهُ وأوْرَثَهُ الكِبَرَ والعُتُوَّ، فَحاجَّ لِذَلِكَ، والثّانِي: أنَّهُ وضَعَ المُحاجَّةَ مَوْضِعَ ما وجَبَ عَلَيْهِ مِنَ الشُّكْرِ لِلَّهِ، تَعالى، عَلى إيتائِهِ المُلْكَ، كَما تَقُولُ: عادانِي فُلانٌ لِأنِّي أحْسَنْتُ إلَيْهِ، تُرِيدُ أنَّهُ عَكَسَ ما كانَ يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ المُوالاةِ لِأجْلِ الإحْسانِ، ومِنهُ: ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: حاجَّ وقْتَ أنْ آتاهُ اللَّهُ المُلْكَ، فَإنْ عَنى أنَّ ذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، فَيُمْكِنُ ذَلِكَ عَلى أنَّ فِيهِ بُعْدًا مِن جِهَةِ أنَّ المُحاجَّةَ لَمْ تَقَعْ وقْتَ أنْ آتاهُ اللَّهُ المُلْكَ. إلّا أنْ يَجُوزَ في الوَقْتِ، فَلا يُحْمَلُ عَلى ما يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ مِن أنَّهُ وقْتُ ابْتِداءِ إيتاءِ اللَّهِ المُلْكَ لَهُ، ألا تَرى أنَّ إيتاءَ اللَّهِ المُلْكَ إيّاهُ سابِقٌ عَلى المُحاجَّةِ، وإنْ عَنى أنَّ أنْ والفِعْلَ وقَعَتْ مَوْقِعَ المَصْدَرِ الواقِعِ مَوْقِعَ ظَرْفِ الزَّمانِ، كَقَوْلِكَ: جِئْتُ خَفُوقَ النَّجْمِ، ومَقْدَمَ الحاجِّ، وصِياحَ الدِّيكِ، فَلا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ النَّحْوِيِّينَ مَضَوْا عَلى أنَّهُ لا يَقُومُ مَقامَ ظَرْفِ الزَّمانِ إلّا المَصْدَرُ المُصَرِّحُ بِلَفْظِهِ، فَلا يَجُوزُ: أجِيِءُ أنْ يَصِيحَ الدِّيكُ، ولا جِئْتُ أنْ صاحَ الدِّيكُ، وقالَ الَمَهْدَوِيُّ: يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلى إبْراهِيمَ، أيْ: آتاهُ مُلْكَ النُّبُوَّةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا تَحامُلٌ مِنَ التَّأْوِيلِ، انْتَهى. وما ذَكَرَهُ الَمَهْدَوِيُّ احْتِمالًا هو قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ، قالُوا: الهاءُ كِنايَةٌ عَنْ إبْراهِيمَ لا عَنِ الكافِرِ الَّذِي حاجَّهُ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] والمُلْكُ عَهْدٌ مِنهُ، وقالَ تَعالى: ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٥٤] ورُدَّ قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ بِأنَّ إبْراهِيمَ ما عُرِفَ بِالمَلِكِ، وبِقَوْلِ الكافِرِ: أنا أُحْيِي وأُمِيتُ، ولَوْ كانَ إبْراهِيمُ المَلِكَ لَما كانَ يَقْدِرُ عَلى مُحاجَّتِهِ في مِثْلِ هَذِهِ الحالَةِ، وبِأنَّهُ لَمّا قالَ: أنا أُحْيِي وأُمِيتُ، جاءَ بِرَجُلَيْنِ فَقَتَلَ أحَدَهُما وتَرَكَ الآخَرَ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ مَلِكًا لَمْ يَقْتُلْ بَيْنَ يَدَيْ إبْراهِيمَ بِغَيْرِ إذْنِهِ، إذْ كانَ إبْراهِيمُ هو المَلِكَ، ولا يَرُدُّ عَلى المُعْتَزِلَةِ بِهَذِهِ الأوْجُهِ؛ لِأنَّ إثْباتَ مُلْكِ النُّبُوَّةِ لِإبْراهِيمَ لا يُنافِي مُلْكَ الكافِرِ؛ لِأنَّهُما مَلِكانِ: أحَدُهُما: بِفَضْلِ الشَّرَفِ في الدِّينِ كالنُّبُوَّةِ والإمامَةِ، والآخَرُ: بِفَضْلِ المالِ والقُوَّةِ والشَّجاعَةِ والقَهْرِ والغَلَبَةِ والِاتِّباعِ، وحُصُولُ المُلْكِ لِلْكافِرِ بِهَذا المَعْنى يُمْكِنُ، بَلْ هو واقِعٌ مُشاهَدٌ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ جازَ أنْ يُؤْتِيَ اللَّهُ المُلْكَ الكافِرَ ؟ قُلْتُ: فِيهِ قَوْلانِ: آتاهُ ما غَلَبَ بِهِ وتَسَلَّطَ مِنَ المالِ والخَدَمِ والأتْباعِ، وأمّا التَّغْلِيبُ والتَّسْلِيطُ فَلا، وقِيلَ: مَلَّكَهُ امْتِحانًا لِعِبادِهِ، انْتَهى. وفِيهِ نَزْعَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ، وهو قَوْلُهُ: وأمّا التَّغْلِيبُ والتَّسْلِيطُ فَلا؛ لِأنَّهُ عِنْدَهم (p-٢٨٨)هُوَ الَّذِي تَغَلَّبَ وتَسَلَّطَ، فالتَّغْلِيبُ والتَّسْلِيطُ فِعْلُهُ لا فِعْلَ اللَّهِ عِنْدَهم. ﴿إذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ هَذا مِن إبْراهِيمَ عَنْ سُؤالٍ سَبَقَ مِنَ الكافِرِ، وهو أنْ قالَ: مَن رَبُّكَ ؟ وقَدْ تَقَدَّمَ في قِصَّتِهِ شَيْءٌ مِن هَذا، وإلّا فَلا يُبْتَدَأُ كَلامٌ بِهَذا، واخْتَصَّ إبْراهِيمُ مِن آياتِ اللَّهِ بِالإحْياءِ والإماتَةِ؛ لِأنَّهُما أبْدَعُ آياتِ اللَّهِ وأشْهَرُها، وأدُلُّها عَلى تَمَكُّنِ القُدْرَةِ، والعامِلُ في (إذْ حاجَّ)، وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (أنْ آتاهُ) إذا جُعِلَ بِمَعْنى الوَقْتِ، وقَدْ ذَكَرْنا ضَعْفَ ذَلِكَ، وأيْضًا فالظَّرْفانِ مُخْتَلِفانِ إذْ وقَتُ إيتاءِ المُلْكِ لَيْسَ وقْتَ قَوْلِهِ: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ وفي قَوْلِ إبْراهِيمَ: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ تَقْوِيَةٌ لِقَوْلِ مَن قالَ: إنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: في رَبِّهِ، عائِدٌ عَلى إبْراهِيمَ، ورَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ، مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ هو الَّذِي أوْجَدَ الكافِرَ ويُحْيِيهِ ويُمِيتُهُ، كَأنَّهُ قالَ: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ هو مُتَصَرِّفٌ فِيكَ وفي أشْباهِكَ بِما لا تَقْدِرُ عَلَيْهِ أنْتَ ولا أشْباهُكَ مِن هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ العَظِيمَيْنِ المُشاهَدَيْنِ لِلْعالَمِ اللَّذَيْنِ لا يَنْفَعُ فِيهِما حِيَلُ الحُكَماءِ ولا طِبُّ الأطِبّاءِ، وفِيهِ إشارَةٌ أيْضًا إلى المَبْدَأِ والمَعادِ وفي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ دَلِيلٌ عَلى الِاخْتِصاصِ لِأنَّهم قَدْ ذَكَرُوا أنَّ الخَبَرَ، إذا كانَ بِمِثْلِ هَذا، دَلَّ عَلى الِاخْتِصاصِ، فَتَقُولُ: زَيْدٌ الَّذِي يَصْنَعُ كَذا، أيِ: المُخْتَصُّ بِالصُّنْعِ. ﴿قالَ أنا أُحْيِي وأُمِيتُ﴾ لَمّا ذَكَرَ إبْراهِيمُ أنَّ رَبَّهُ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ عارَضَهُ الكافِرُ بِأنَّهُ يُحْيِي ويُمِيتُ، ولَمْ يَقُلْ: أنا الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ؛ لِأنَّهُ كانَ يَدُلُّ عَلى الِاخْتِصاصِ، وكانَ الحِسُّ يُكَذِّبُهُ إذْ قَدْ حُيِيَ ناسٌ قَبْلَ وُجُودِهِ وماتُوا، وإنَّما أرادَ أنَّ هَذا الوَصْفَ الَّذِي ادَّعَيْتَ فِيهِ الِاخْتِصاصَ لِرَبِّكَ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ أنا مُشارِكُهُ في ذَلِكَ، قِيلَ: أحْضَرَ رَجُلَيْنِ، قَتَلَ أحَدَهُما وأرْسَلَ الآخَرَ، وقِيلَ: أدْخَلَ أرْبَعَةَ نَفَرٍ بَيْتًا حَتّى جاعُوا، فَأطْعَمَ اثْنَيْنِ فَحَيِيا، وتَرَكَ اثْنَيْنِ فَماتا، وقِيلَ: أحْيا بِالمُباشَرَةِ وإلْقاءِ النُّطْفَةِ، وأماتَ بِالقَتْلِ. وقَرَأ نافِعٌ بِإثْباتِ ألِفِ (أنا) إذا كانَ بَعْدَها هَمْزَةٌ مَفْتُوحَةٌ أوْ مَضْمُومَةٌ. ورَوى أبُو نَشِيطٍ إثْباتَها مَعَ الهَمْزَةِ المَكْسُورَةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِحَذْفِ الألِفِ، وأجْمَعُوا عَلى إثْباتِها في الوَقْفِ، وإثْباتُ الألِفِ وصْلًا ووَقْفًا لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ، ولُغَةُ غَيْرِهِمْ حَذْفُها في الوَصْلِ، ولا تَثْبُتُ عِنْدَ غَيْرِ بَنِي تَمِيمٍ وصْلًا إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، نَحْوُ قَوْلِهِ: ؎فَكَيْفَ أنا وانْتِحالِي القَوافِي ∗∗∗ بَعْدَ المَشِيبِ كَفى ذاكَ عارا والأحْسَنُ أنْ تُجْعَلَ قِراءَةُ نافِعٍ عَلى لُغَةِ بَنِي تَمِيمٍ؛ لِأنَّهُ مِن إجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ عَلى ما تَأوَّلَهُ عَلَيْهِ بَعْضُهم، قالَ: وهو ضَعِيفٌ جِدًّا، ولَيْسَ هَذا مِمّا يُحْسِنُ الأخْذُ بِهِ في القُرْآنِ، انْتَهى. فَإذا حَمَلْنا ذَلِكَ عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ كانَ فَصِيحًا. ﴿قالَ إبْراهِيمُ فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ﴾ لَمّا خَيَّلَ الكافِرُ أنَّهُ مُشارِكٌ لِرَبِّ إبْراهِيمَ في الوَصْفِ الَّذِي ذَكَرَهُ إبْراهِيمُ، ورَأى إبْراهِيمُ مِن مُعارَضَتِهِ ما يَدُلُّ عَلى ضَعْفِ فَهْمِهِ أوْ مُغالَطَتِهِ، فَإنَّهُ عارَضَ اللَّفْظَ بِمِثْلِهِ، ولَمْ يَتَدَبَّرِ اخْتِلافَ الوَصْفَيْنِ، ذَكَرَ لَهُ ما لا يُمْكِنُ أنْ يَدَّعِيَهُ، ولا يُغالِطَ فِيهِ، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ هَلْ ذَلِكَ انْتِقالٌ مِن دَلِيلٍ إلى دَلِيلٍ ؟ أوْ هو دَلِيلٌ واحِدٌ والِانْتِقالُ فِيهِ مِن مِثالٍ إلى مِثالٍ أوْضَحُ مِنهُ ؟ وإلى القَوْلِ الأوَّلِ ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: وكانَ الِاعْتِراضُ عَتِيدًا، ولَكِنَّ إبْراهِيمَ لَمّا سَمِعَ جَوابَهُ الأحْمَقَ لَمْ يُحاجَّهُ فِيهِ، ولَكِنِ انْتَقَلَ إلى ما لا يَقْدِرُ فِيهِ عَلى نَحْوِ ذَلِكَ الجَوابِ لِيُبْهِتَهُ أوَّلَ شَيْءٍ، وهَذا دَلِيلٌ عَلى جَوازِ الِانْتِقالِ مِن حُجَّةٍ إلى حُجَّةٍ، انْتَهى كَلامُهُ. ومَعْنى قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ: وكانَ الِاعْتِراضُ عَتِيدًا أيْ: مِن إبْراهِيمَ، لَوْ أرادَ أنْ يَعْتَرِضَ عَلَيْهِ بِأنْ يَقُولَ لَهُ: أحْيِ مَن أمَتَّ، فَكانَ يَكُونُ في ذَلِكَ نُصْرَةُ الحُجَّةِ الأُولى، وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ قالَ لَهُ ذَلِكَ، فانْقَطَعَ بِهِ، وأرْدَفَهُ إبْراهِيمُ بِحُجَّةٍ ثانِيَةٍ، فَحاجَّهُ مِن وجْهَيْنِ، وكانَ ذَلِكَ قَصْدًا لِقَطْعِ المُحاجَّةِ، لا عَجْزًا عَنْ نُصْرَةِ الحُجَّةِ الأُولى، وقِيلَ: كانَ نُمْرُوذُ يَدَّعِي الرُّبُوبِيَّةَ، فَلَمّا قالَ لَهُ: ﴿إبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ قالَ: ﴿أنا أُحْيِي وأُمِيتُ﴾ أيِ: الَّذِي يَفْعَلُ (p-٢٨٩)ذَلِكَ أنا لا مَن نَسَبْتَ ذَلِكَ إلَيْهِ، فَلَمّا سَمِعَ إبْراهِيمُ افْتِراءَهُ العَظِيمَ، وادِّعاءَهُ الباطِلَ تَمْوِيهًا وتَلْبِيسًا، اقْتَرَحَ عَلَيْهِ، فَقالَ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ﴾ فَأُفْحِمَ وبانَ عَجْزُهُ وظَهَرَ كَذِبُهُ، وقِيلَ: لَمّا قالَ: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ قالَ لَهُ النُّمْرُوذُ: وأنْتَ رَأيْتَ هَذا ؟ فَلَمّا لَمْ يَكُنْ رَآهُ مَعَ عِلْمِهِ أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلَيْهِ انْتَقَلَ إلى ما هو واضِحٌ عِنْدَهُ وعِنْدَ غَيْرِهِ، وقِيلَ: انْتَقَلَ لِأنَّهم كانُوا يُعَظِّمُونَ الشَّمْسَ، فَأشارَ إلى أنَّها لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ مَقْهُورَةٌ. وأمّا القَوْلُ الثّانِي: وهو أنَّهُ لَيْسَ انْتِقالًا مِن دَلِيلٍ إلى دَلِيلٍ، بَلِ الدَّلِيلُ واحِدٌ في المَوْضِعَيْنِ، فَهَذا قَوْلُ المُحَقِّقِينَ، قالُوا: وهو إنّا نَرى حُدُوثَ أشْياءَ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى إحْداثِها، فَلا بُدَّ مِن قادِرٍ يَتَوَلّى إحْداثَها وهو اللَّهُ تَعالى، ولَها أمْثِلَةٌ: مِنها: الإحْياءُ والإماتَةُ، ومِنها: السَّحابُ والرَّعْدُ والبَرْقُ، ومِنها: حَرَكاتُ الأفْلاكِ والكَواكِبِ، والمُسْتَدِلُّ لا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَنْتَقِلَ مِن دَلِيلٍ إلى دَلِيلٍ، فَكانَ ما فَعَلَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، مِن بابِ ما يَكُونُ الدَّلِيلُ واحِدًا لا أنَّهُ يَقَعُ الِانْتِقالُ عِنْدَ إيضاحِهِ مِن مِثالٍ إلى مِثالٍ آخَرَ، ولَيْسَ مِن بابِ ما يَقَعُ الِانْتِقالُ فِيهِ مِن دَلِيلٍ إلى دَلِيلٍ آخَرَ، ولَمّا كانَ إبْراهِيمُ في المَقامِ الأوَّلِ الَّذِي سَألَهُ الكافِرُ عَنْ رَبِّهِ حِينَ ادَّعى الكافِرُ الرُّبُوبِيَّةَ، ﴿قالَ إبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ فَلَمّا انْتَقَلَ إلى دَلِيلٍ أوْ مِثالٍ أوَضَحَ وأقْطَعَ لِلْخَصْمِ، عَدَلَ إلى الِاسْمِ الشّائِعِ عِنْدَ العالَمِ كُلِّهِمْ فَقالَ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ﴾ قَرَّرَ بِذَلِكَ بِأنَّ رَبَّهُ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ هو الَّذِي أوَجَدَكَ وغَيْرَكَ أيُّها الكافِرُ، ولَمْ يَقُلْ: فَإنَّ رَبِّي يَأْتِي بِالشَّمْسِ، لِيُبَيِّنَ أنَّ إلَهَ العالَمِ كُلِّهِمْ هو رَبُّهُ الَّذِي يَعْبُدُونَهُ؛ ولِأنَّ العالَمَ يُسَلِّمُونَ أنَّهُ لا يَأْتِي بِها مِنَ المَشْرِقِ إلّا إلَهُهم. ومَجِيءُ الفاءِ في (فَإنَّ) يَدُلُّ عَلى جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ قَبْلَها، إذْ لَوْ كانَتْ هي المَحْكِيَّةَ فَقَطْ لَمْ تَدْخُلِ الفاءُ، وكَأنَّ التَّرْكِيبَ: قالَ إبْراهِيمُ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ﴾ وتَقْدِيرُ الجُمْلَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ؛ قالَ إبْراهِيمُ: إنْ زَعَمَتْ ذَلِكَ أوْ مَوَّهَتْ بِذَلِكَ، فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ، والباءُ في بِـ (الشَّمْسِ) لِلتَّعْدِيَةِ، تَقُولُ: أتَتِ الشَّمْسُ، وأتى بِها اللَّهُ، أيْ أحْياها، و(مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ. ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ قِراءَةُ الجُمْهُورِ مَبْنِيًّا لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، والفاعِلُ المَحْذُوفُ إبْراهِيمُ؛ إذْ هو المُناظِرُ لَهُ، فَلَمّا أتى بِالحُجَّةِ الدّامِغَةِ بَهَتَهُ بِذَلِكَ وحَيَّرَهُ وغَلَبَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ المَحْذُوفُ المَصْدَرَ المَفْهُومَ مِن: قالَ، أيْ: فَحَيَّرَهُ قَوْلُ إبْراهِيمَ وبَهَتَهُ، وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ: (فَبَهَتَ) بِفَتْحِ الباءِ والهاءِ، والظّاهِرُ أنَّهُ مُتَعَدٍّ كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ (فَبُهِتَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أيْ: فَبَهَتَ إبْراهِيمُ الَّذِي كَفَرَ وقِيلَ: المَعْنى، فَبُهِتَ الكافِرُ إبْراهِيمَ، أيْ: سَبَّ إبْراهِيمَ حِينَ انْقَطَعَ ولَمْ تَكُنْ لَهُ حِيلَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لازِمًا ويَكُونَ (الَّذِي كَفَرَ) فاعِلًا، والمَعْنى: بُهِتَ أوْ أتى بِالبُهْتانِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: (فَبَهُتَ) بِفَتْحِ الباءِ وضَمِّ الهاءِ، وقُرِئَ فِيما حَكاهُ الأخْفَشُ: (فَبَهِتَ) بِكَسْرِ الهاءِ. ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِأنَّ الظّالِمَ لا يَهْدِيهِ، وظاهِرُهُ العُمُومُ، والمُرادُ هِدايَةٌ خاصَّةٌ، أوْ ظالِمُونَ مَخْصُوصُونَ، فَما ذُكِرَ في الهِدايَةِ الخاصَّةِ أنَّهُ لا يُرْشِدُهم في حُجَّتِهِمْ، وقِيلَ: لا يَهْدِيهِمْ إلى الثَّوابِ في الآخِرَةِ ولا إلى الجَنَّةِ، وقِيلَ: لا يَلْطُفُ بِهِمْ ولا يُلْهِمُ ولا يُوَفِّقُ، وخَصَّ الظّالِمُونَ بِمَن يُوافِي ظالِمًا أيْ كافِرًا، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ هَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ بِأنَّ مَن حَكَمَ عَلَيْهِ وقَضى بِأنْ يَكُونَ ظالِمًا - أيْ: كافِرًا - وقَدَّرَ أنْ لا يُسْلِمَ، فَإنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ هِدايَةٌ مِنَ اللَّهِ لَهُ ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ [الزمر: ١٩] ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ بِهَذا الإخْبارِ ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ حالَ مُدِّعِ شَرِكَةِ اللَّهِ في الإحْياءِ والإماتَةِ، مُمَوِّهًا بِما فَعَلَهُ أنَّهُ إحْياءٌ وإماتَةٌ، ولا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنْ يَدَّعِي ذَلِكَ، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى: أنَّ مَن كانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ مِنَ الظُّلْمِ لا يَهْدِيهِ اللَّهُ إلى اتِّباعِ الحَقِّ، ومِثْلُ هَذا مَحْتُومٌ لَهُ عَدَمُ الهِدايَةِ، مَخْتُومٌ لَهُ بِالكُفْرِ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذِهِ الدَّعْوى لَيْسَتْ مِمّا يَلْتَبِسُ عَلى مُدَّعِيها، بَلْ ذَلِكَ مِن بابِ الزَّنْدَقَةِ والفَلْسَفَةِ والسَّفْسَطَةِ، فَمُدَّعِيها إنَّما هو مُكابِرٌ مُخالِفٌ لِلْعَقْلِ، وقَدْ مَنَعَ اللَّهُ هَذا الكافِرَ أنْ يَدَّعِيَ أنَّهُ هو الَّذِي يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ (p-٢٩٠)إذْ مَن كابَرَ في ادِّعاءِ الإحْياءِ والإماتَةِ قَدْ يُكابِرُ في ذَلِكَ ويَدَّعِيهِ، وهَلِ المَسْألَتانِ إلّا سَواءٌ في دَعْوى ما لا يُمْكِنُ لِبَشَرٍ ؟ ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى جَعْلَهُ بُهُوتًا دَهِشًا مُتَحَيِّرًا مُنْقَطِعًا؛ إكْرامًا لِنَبِيِّهِ إبْراهِيمَ، وإظْهارًا لِدِينِهِ، وقِيلَ: إنَّما لَمْ يَدَّعِ أنَّهُ هو الَّذِي يَأْتِي بِها مِنَ المَشْرِقِ؛ لِظُهُورِ كَذِبِهِ لِأهْلِ مَمْلَكَتِهِ، إذْ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُحْدَثٌ، والشَّمْسُ كانَتْ تَطْلُعُ مِنَ المَشْرِقِ قَبْلَ حُدُوثِهِ، ولَمْ يَقُلْ: أنا آتِي بِها مِنَ المَغْرِبِ لِعِلْمِهِ بِعَجْزِهِ، فَلَمّا رَأى أنَّهُ لا مُخَلِّصَ لَهُ سَكَتَ وانْقَطَعَ.

البقرة 2:259

﴿أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: أوْ، ساكِنَةَ الواوِ، قِيلَ: ومَعْناها التَّفْصِيلُ، وقِيلَ: التَّخْيِيرُ في التَّعْجِيبِ مِن حالِ مَن يَنْشَأُ مِنهُما، وقَرَأ أبُو سُفْيانَ بْنُ حُسَيْنٍ: (أوَ كالَّذِي) بِفَتْحِ الواوِ، وهي حَرْفُ عَطْفٍ دَخَلَ عَلَيْها ألِفُ التَّقْرِيرِ، والتَّقْدِيرُ: وأرَأيْتَ مِثْلَ الَّذِي، ومَن قَرَأ: أوْ، بِحَرْفِ العَطْفِ فَجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ﴾ [البقرة: ٢٥٨] عَلى المَعْنى، إذْ مَعْنى (ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي) أرَأيْتَ كالَّذِي حاجَّ ؟ فَعُطِفَ قَوْلُهُ: (أوْ كالَّذِي مَرَّ) عَلى هَذا المَعْنى، والعَطْفُ عَلى المَعْنى مَوْجُودٌ في لِسانِ العَرَبِ؛ قالَ الشّاعِرُ: ؎تَقِيٌّ نَقِيٌّ لَمْ يُكْثِرْ غَنِيمَةً بِنَهْكَةِ ذِي قُرْبى ولا بِحَقَلَّدِ المَعْنى في قَوْلِهِ: لَمْ يَكْثُرْ لَيْسَ بِمُكْثِرٍ، ولِذَلِكَ راعى هَذا المَعْنى فَعَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ولا بِحَقَلَّدٍ، وقالَ آخَرُ: ؎أجَدَّكَ لَنْ تَرى بِثُعَيْلَباتٍ ∗∗∗ ولا بَيْدانَ ناجِيَةً ذَمُولا ؎ولا مُتَدارِكًا واللَّيْلُ طِفْلٌ ∗∗∗ بِبَعْضِ نَواشِغِ الوادِي حُمُولا المَعْنى: أجِدَّكَ لَسْتَ بِرَآءٍ، ولَمّا راعى هَذا المَعْنى عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ولا مُتَدارِكًا، والعَطْفُ عَلى المَعْنى نَصُّوا عَلى أنَّهُ لا يَنْقاسُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، أوْ كالَّذِي: مَعْناهُ أوْ رَأيْتَ مِثْلَ الَّذِي ؟ فَحُذِفَ لِدَلالَةِ (ألَمْ تَرَ) عَلَيْهِ؛ لِأنَّ كِلْتَيْهِما كَلِمَةُ تَعْجِيبٍ، انْتَهى. هو تَخْرِيجٌ حَسَنٌ؛ لِأنَّ إضْمارَ الفِعْلِ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ أسْهَلُ مِنَ العَطْفِ عَلى مُراعاةِ المَعْنى، وقَدْ جَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ الوَجْهَ الأوَّلَ. وقِيلَ: الكافُ زائِدَةٌ، فَيَكُونُ: الَّذِي قَدْ عُطِفَ عَلى: الَّذِي، التَّقْدِيرُ: ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ، أوِ الَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ ؟ قِيلَ: كَما زِيدَتْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] وفي قَوْلِ الرّاجِزِ: ؎فَصُيِّرُوا مَثَلَ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ويُحْتَمَلُ أنْ لا يَكُونَ ذَلِكَ عَلى حَذْفِ فِعْلٍ، ولا عَلى العَطْفِ عَلى المَعْنى، ولا عَلى زِيادَةِ الكافِ، بَلْ تَكُونُ الكافُ اسْمًا عَلى ما يَذْهَبُ إلَيْهِ أبُو الحَسَنِ، فَتَكُونُ الكافُ في مَوْضِعِ جَرٍّ مَعْطُوفَةً عَلى الَّذِي، التَّقْدِيرُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] أوْ إلى مَثَلِ (الَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ) ؟ ومَجِيءُ الكافِ اسْمًا فاعِلَةً ومُبْتَدَأةً ومَجْرُورَةً بِحَرْفِ الجَرِّ ثابِتٌ في لِسانِ العَرَبِ، وتَأْوِيلُها بَعِيدٌ، فالأوْلى هَذا الوَجْهُ الأخِيرُ، وإنَّما عَرَضَ لَهُمُ الإشْكالُ مِن حَيْثُ اعْتِقادُ حَرْفِيَّةِ الكافِ، حَمْلًا عَلى مَشْهُورِ مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، والصَّحِيحُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو الحَسَنِ، ألا تَرى في الفاعِلِيَّةِ لِمِثْلٍ في قَوْلِ الشّاعِرِ: وإنَّكَ لَمْ يَفْخَرْ عَلَيْكَ كَفاخِرٍ ضَعِيفٍ ولَمْ يَغْلِبْكَ مِثْلُ مُغَلِّبِ والكَلامُ عَلى الكافِ يُذْكَرُ في عِلْمِ النَّحْوِ. والَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ هو عُزَيْرٌ، قالَهُ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وأبُو العالِيَةِ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، والرَّبِيعُ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ، وسُلَيْمانُ بْنُ بُرَيْدَةَ، وناجِيَةُ بْنُ كَعْبٍ، وسالِمٌ الخَوّاصُ. وقِيلَ: أرْمِياءُ، قالَهُ وهْبٌ، ومُجاهِدٌ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، وبَكْرُ بْنُ مُضَرٍ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: هو أرْمِياءُ، وهو الخَضِرُ، وحَكاهُ النَّقّاشُ عَنْ وهْبٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا كَما نَراهُ إلّا أنْ يَكُونَ اسْمًا وافَقَ اسْمًا؛ لِأنَّ الخَضِرَ مُعاصِرٌ لِمُوسى، وهَذا الَّذِي مَرَّ عَلى القَرْيَةِ هو بَعْدَهُ بِزَمانٍ مِن سِبْطِ هارُونَ فِيما رَوى وهْبٌ؛ قالَ بَعْضُ شُيُوخِنا، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخَضِرُ بِعَيْنِهِ ويَكُونَ مِنَ المُعَمِّرِينَ، فَيَكُونُ أدْرَكَ زَمانَ خَرابِ القَرْيَةِ، وهو إلى الآنِ باقٍ عَلى قَوْلِ أكْثَرِ العُلَماءِ (p-٢٩١)انْتَهى كَلامُهُ. وقِيلَ: عَلى كافِرٍ مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وكانَ عَلى حِمارٍ ومَعَهُ سَلَّةُ تِينٍ، قالَهُ الحَسَنُ، وقِيلَ: رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ غَيْرُ مُسَمًّى، قالَهُ مُجاهِدٌ فِيما حَكاهُ مَكِّيٌّ، وقِيلَ: غُلامُ لُوطٍ، عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: أشَعِياءُ. والَّذِي أحْياها بَعْدَ خَرابِها: لَوْسَكُ الفارِسِيُّ، حَكاهُ السُّهَيْلِيُّ عَنِ القُتَيْبِيِّ. والقَرْيَةُ: بَيْتُ المَقْدِسِ، قالَهُ وهْبٌ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وعِكْرِمَةُ، والرَّبِيعُ. أوْ قَرْيَةُ العِنَبِ، وهي عَلى فَرْسَخَيْنِ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ، أوِ الأرْضُ المُقَدَّسَةُ، قالَهُ الضَّحّاكُ، أوِ المُؤْتَفِكَةُ، قالَهُ قَوْمٌ، أوِ القَرْيَةُ الَّتِي خَرَجَ مِنها الأُلُوفُ حَذَرَ المَوْتِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، أوْ دَيْرُ هِرَقْلَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوْ شابُورابادُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ، أوْ سَلْماياذَ، قالَهُ السُّدِّيُّ. ﴿وهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ قِيلَ: المَعْنى خاوِيَةٌ مِن أهْلِها ثابِتَةٌ عَلى عُرُوشِها، فالبُيُوتُ قائِمَةٌ. وقالَ السُّدِّيُّ: ساقِطَةٌ مُتَهَدِّمَةٌ جُدْرانُها عَلى سُقُوفِها بَعْدَ سُقُوطِ السُّقُوفِ، وقِيلَ: عَلى بِمَعْنى مَعَ، أيْ: مَعَ أبْنِيَتِها، والعُرُوشُ عَلى هَذِهِ الأبْنِيَةِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الفاعِلِ الَّذِي في (مَرَّ) أوْ مِن قَرْيَةٍ، والحالُ مِنَ النَّكِرَةِ إذا تَأخَّرَتْ، تَقِلُّ: وقِيلَ: الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِلْقَرْيَةِ، ويُبْعِدُ هَذا القَوْلَ الواوُ، وعَلى، مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ إذا كانَ المَعْنى: خاوِيَةٌ مِن أهْلِها، أيْ: مُسْتَقِرَّةٌ عَلى عُرُوشِها، أوْ بِـ (خاوِيَةٌ) إذا كانَ المَعْنى ساقِطَةً. وقِيلَ: (عَلى عُرُوشِها) بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: (قَرْيَةٍ) أيْ: مَرَّ عَلى عُرُوشِها، وقِيلَ: في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ (قَرْيَةٍ) أيْ: مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ كائِنَةٍ عَلى عُرُوشِها وهي خاوِيَةٌ. ﴿قالَ أنّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها﴾ قِيلَ: لَمّا خَرَّبَ بُخْتَ نَصَّرُ البابِلِيُّ بَيْتَ المَقْدِسِ، حِينَ أحْدَثَتْ بَنُو إسْرائِيلَ الأحْداثَ، وقَفَ أرْمِياءُ - أوْ عُزَيْرٌ - عَلى القَرْيَةِ وهي كالتَّلِّ العَظِيمِ وسَطَ بَيْتِ المَقْدِسِ؛ لِأنَّ بُخْتَ نَصَّرَ أمَرَ جُنْدَهُ بِنَقْلِ التُّرابِ إلَيْهِ حَتّى جَعَلَهُ كالجَبَلِ، فَقالَ هَذا الكَلامَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمارُّ كانَ كافِرًا بِالبَعْثِ وهو الظّاهِرُ لِانْتِظامِهِ مَعَ نُمْرُوذَ في سِلْكٍ، ولِكَلِمَةِ الِاسْتِبْعادِ الَّتِي هي ﴿أنّى يُحْيِي﴾ وقِيلَ: عُزَيْرٌ، أوِ الخَضِرُ، أرادَ أنْ يُعايِنَ إحْياءَ المَوْتى لِيَزْدادَ بَصِيرَةً كَما طَلَبَهُ إبْراهِيمُ، انْتَهى. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَبِيًّا؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا الشَّكِّ لا يَقَعُ لِلْأنْبِياءِ. والإحْياءُ والإماتَةُ هُنا مَجازانِ، عَبَّرَ بِالإحْياءِ عَنِ العِمارَةِ، وبِالمَوْتِ عَنِ الخَرابِ، وقِيلَ: حَقِيقَتانِ فَيَكُونُ ثُمَّ مُضافٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: أنّى يُحْيِي أهْلَ هَذِهِ القَرْيَةِ، أوْ يَكُونُ (هَذِهِ) إشارَةً إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى مِن عِظامِ أهْلِها البالِيَةِ، وجُثَثِهِمُ المُتَمَزِّقَةِ، وأوْصالِهِمُ المُتَفَرِّقَةِ، فَعَلى القَوْلِ بِالمَجازِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿أنّى يُحْيِي﴾ عَلى سَبِيلِ التَّلَهُّفِ مِنَ الواقِفِ المُعْتَبَرِ عَلى مَدِينَتِهِ الَّتِي عَهِدَ فِيها أهْلَهُ وأحِبَّتَهُ، وضَرَبَ لَهُ المَثَلَ في نَفْسِهِ بِما هو أعْظَمُ مِمّا سَألَ عَنْهُ. وعَلى القَوْلِ الثّانِي يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿أنّى يُحْيِي﴾ اعْتِرافًا بِالعَجْزِ عَنْ مَعْرِفَةِ طَرِيقَةِ الإحْياءِ واسْتِعْظامًا لِقُدْرَةِ المُحْيِي، ولَيْسَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الشَّكِّ. وحَكى الطَّبَرِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: كانَ هَذا القَوْلُ شَكًّا في قُدْرَةِ اللَّهِ عَلى الإحْياءِ، فَلِذَلِكَ ضَرَبَ لَهُ المَثَلَ في نَفْسِهِ. ﴿فَأماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ أيْ: أحْياهُ وجَعَلَ لَهُ الحَرَكَةَ والِانْتِقالَ، قِيلَ: لَمّا مَرَّ سَبْعُونَ سَنَةً مِن مَوْتِهِ، وقَدْ مَنَعَهُ مِنَ السِّباعِ والطَّيْرِ، ومَنَعَ العُيُونَ أنْ تَراهُ، أرْسَلَ اللَّهُ مَلَكًا إلى مَلِكٍ مِن مُلُوكِ فارِسَ عَظِيمٍ يُقالُ لَهُ: لَوْسَكُ، فَقالَ لَهُ: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أنْ تَنْفِرَ بِقَوْمٍ؛ فَتُعَمِّرْ بَيْتَ المَقْدِسِ وإيلِياءَ وأرْضَها حَتّى تَعُودَ أحْسَنَ ما كانَتْ، فانْتَدَبَ المَلِكُ، قِيلَ: ثَلاثَةَ آلافِ قَهْرَمانَ، مَعَ كُلِّ قَهْرَمانَ ألْفُ عامِلٍ، وجَعَلُوا يُعَمِّرُونَها، وأهْلَكَ اللَّهُ بُخْتَ نَصَّرَ بِبَعُوضَةٍ دَخَلَتْ دِماغَهُ، ونَجّى اللَّهُ مَن بَقِيَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ورَدَّهم إلى بَيْتِ المَقْدِسِ ونَواحِيهِ فَعَمَّرُوها ثَلاثِينَ سَنَةً، وكَثُرُوا حَتّى كانُوا كَأحْسَنِ ما كانُوا عَلَيْهِ. ﴿قالَ كَمْ لَبِثْتَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ القائِلَ هو اللَّهُ تَعالى لِقَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ نُنْشِزُها﴾ وقِيلَ: هاتِفٌ مِنَ السَّماءِ، وقِيلَ: جِبْرِيلُ، وقِيلَ: نَبِيٌّ، وقِيلَ: رَجُلٌ مُؤْمِنٌ شاهَدَهُ حِينَ ماتَ وعَمَّرَ إلى حِينِ إحْيائِهِ، وعَلى اخْتِيارِ الزَّمَخْشَرِيِّ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ البَعْثِ كافِرًا، فَلِذَلِكَ ساغَ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ، انْتَهى. ولا نَصَّ في الآيَةِ عَلى أنَّ اللَّهَ كَلَّمَهُ شِفاهًا، و(كَمْ) ظَرْفٌ أيْ: كَمْ مُدَّةً لَبِثْتَ ؟ أيْ: لَبِثْتَ (p-٢٩٢)مَيِّتًا وهو سُؤالٌ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيرِ. ﴿قالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، وقَتادَةُ، والرَّبِيعُ: أماتَهُ اللَّهُ غَدْوَةَ يَوْمٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَبْلَ الغُرُوبِ بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ، فَقالَ: قَبْلَ النَّظَرِ إلى الشَّمْسِ يَوْمًا، ثُمَّ التَفَتَ فَرَأى بَقِيَّةً مِنَ الشَّمْسِ، فَقالَ: أوْ بَعْضَ يَوْمٍ، فَكانَ قَوْلُهُ: يَوْمًا عَلى سَبِيلِ الظَّنِّ، ثُمَّ لَمّا تَحَقَّقَ أنَّهُ لَمْ يُكْمِلِ اليَوْمَ، قالَ: أوْ بَعْضَ يَوْمٍ، والأوْلى أنْ لا تَكُونَ (أوْ) هُنا لِلتَّرْدِيدِ، بَلْ تَكُونُ لِلْإضْرابِ، كَأنَّهُ قالَ: بَلْ بَعْضَ يَوْمٍ، لَمّا لاحَتْ لَهُ الشَّمْسُ أضْرَبَ عَنِ الإخْبارِ الأوَّلِ الَّذِي كانَ عَلى طَرِيقِ الظَّنِّ، ثُمَّ أخْبَرَ بِالثّانِي عَلى طَرِيقِ التَّيَقُّنِ عِنْدَهُ. وفي قَوْلِهِ: ﴿أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ يُطْلِقُ لَفْظَ بَعْضٍ عَلى أكْثَرِ الشَّيْءِ. ﴿قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ﴾ بَلْ، لِعَطْفِ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى الجُمْلَةِ مَحْذُوفَةِ التَّقْدِيرِ، قالَ: ما لَبِثْتَ هَذِهِ المُدَّةَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ بِإظْهارِ التّاءِ في (لَبِثْتَ) وقَرَأ الباقُونَ بِالإدْغامِ، وذَلِكَ في جَمِيعِ القُرْآنِ، وذَكَرَ تَعْيِينَ المُدَّةِ هُنا في قَوْلِهِ: بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ، ولَمْ يَذْكُرْ تَعْيِينَها في قَوْلِهِ: ﴿قالَ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا﴾ [المؤمنون: ١١٤] وإنِ اشْتَرَكُوا في جَوابِ: ﴿لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩] لِأنَّ المَبْعُوثَ في البَقَرَةِ واحِدٌ فانْحَصَرَتْ مُدَّةُ إماتَةِ اللَّهِ إيّاهُ، وأُولَئِكَ مُتَفاوِتُو اللُّبْثَ تَحْتَ الأرْضِ، نَحْوَ: مَن ماتَ في أوَّلِ الدُّنْيا، ومَن ماتَ في آخِرِها، فَلَمْ يَنْحَصِرُوا تَحْتَ عَدَدٍ مَخْصُوصٍ، فَلِذَلِكَ أُدْرِجُوا تَحْتَ قَوْلِهِ: (إلّا قَلِيلًا) لِأنَّ مُدَّةَ الحَياةِ الدُّنْيا بِالنِّسْبَةِ إلى حَياةِ الآخِرَةِ قَلِيلَةٌ، واللَّهُ تَعالى مُحِيطٌ عِلْمُهُ بِمُدَّةِ لُبْثِ كُلِّ واحِدٍ واحِدٍ، فَلَوْ ذَكَرَ مُدَّةَ كُلِّ واحِدٍ واحِدٍ لاحْتِيجَ في عِدَّةِ ذَلِكَ إلى أسْفارٍ كَثِيرَةٍ. ﴿فانْظُرْ إلى طَعامِكَ وشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ في قِصَّةِ عُزَيْرٍ أنَّهُ لَمّا نَجا مِن بابِلَ ارْتَحَلَ عَلى حِمارٍ لَهُ حَتّى نَزَلَ دَيْرَ هِرَقْلَ عَلى شَطِّ دِجْلَةَ، فَطافَ في القَرْيَةِ فَلَمْ يَرَ فِيها أحَدًا، وعامَّةُ شَجَرِها حامِلٌ، فَأكَلَ مِنَ الفاكِهَةِ واعْتَصَرَ مِنَ العِنَبِ فَشَرِبَ مِنهُ، وجَعَلَ فَضْلَ الفاكِهَةِ في سَلَّةٍ وفَضْلَ العِنَبِ في زِقٍّ، فَلَمّا رَأى خَرابَ القَرْيَةِ وهَلاكَ أهْلِها قالَ: ﴿أنّى يُحْيِي﴾ عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ، لا شَكًا في البَعْثِ، وقِيلَ: كانَ شَرابُهُ لَبَنًا. قِيلَ: وجَدَ التِّينَ والعِنَبَ كَما تَرَكَهُ جَنْيًا، والشَّرابَ عَلى حالِهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِحَذْفِ الهاءِ في الوَصْلِ عَلى أنَّها هاءُ السَّكْتِ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِإثْباتِ الهاءِ في الوَصْلِ والوَقْفِ، والأظْهَرُ أنْ تَكُونَ الهاءُ أصْلِيَّةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن إجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ اللَّفْظَةِ في الكَلامِ عَلى المُفْرَداتِ، وقَرَأ أُبَيٌّ: (لَمْ يَسَّنَّهْ) بِإدْغامِ التّاءِ في السِّينِ، كَما قُرِئَ: (لا يَسْمَعُونَ) والأصْلُ: لا يَتَسَمَّعُونَ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ وغَيْرُهُ: (لِمِائَةِ سَنَةٍ) مَكانَ لَمْ يَتَسَنَّهْ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: (وهَذا شَرابُّكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ) والضَّمِيرُ في (يَتَسَنَّهْ) مُفْرَدٌ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى الشَّرابِ خاصَّةً، ويَكُونَ قَدْ حُذِفَ مِثْلُ هَذِهِ الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ مِنَ الطَّعامِ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الطَّعامُ والشَّرابُ أُفْرِدَ ضَمِيرُهُما لِكَوْنِهِما مُتَلازِمَيْنِ، فَعُومِلا مُعامَلَةَ المُفْرَدِ، أوْ لِكَوْنِهِما في مَعْنى الغِذاءِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وانْظُرْ إلى غِذائِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ، وقالَ الشّاعِرُ في المُتَلازِمَيْنِ: ؎وكَأنَّ في العَيْنَيْنِ حَبَّ قَرَنْفُلٍ ∗∗∗ أوْ سُنْبُلًا كُحِّلَتْ بِهِ فانْهَلَّتِ والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (لَمْ يَتَسَنَّهْ)، في مَوْضِعِ الحالِ، وهي مَنفِيَّةٌ: بِـ (لَمْ)، وزَعَمَ بَعْضُ أصْحابِنا أنَّ إثْباتَ الواوِ في الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ بِـ (لَمْ) هو المُخْتارُ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎بِأيْدِي رِجالٍ لَمْ يَشِيمُوا سُيُوفَهم ∗∗∗ ولَمْ تَكْثُرِ القَتْلى بِها حِينَ سُلَّتْ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ إذا كانَ مَنفِيًّا فالأوْلى أنْ يُنْفى بِلَمّا، نَحْوُ جاءَ زَيْدٌ ولَمّا يَضْحَكْ، قالَ: وقَدْ تَكُونُ مَنفِيَّةً بِلَمْ وما، نَحْوُ: قامَ زَيْدٌ ولَمْ يَضْحَكْ، أوْ ما يَضْحَكُ، وذَلِكَ قَلِيلٌ جِدًّا، انْتَهى كَلامُهُ. ولَيْسَ إثْباتُ الواوِ مَعَ لَمْ أحْسَنَ مِن عَدَمِها، بَلْ يَجُوزُ إثْباتُها وحَذْفُها فَصِيحًا، وقَدْ جاءَ ذَلِكَ في القُرْآنِ في مَواضِعَ، قالَ تَعالى: ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ﴾ [آل عمران: ١٧٤] وقالَ تَعالى: ﴿أوْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ﴾ [الأنعام: ٩٣] ومَن قالَ: إنَّ النَّفْيَ بِلَمْ قَلِيلٌ (p-٢٩٣)جِدًّا فَغَيْرُ مُصِيبٍ، وقَدْ أمْعَنّا الكَلامَ عَلى هَذِهِ المَسْألَةِ في بابِ الحالِ، في (مَنهَجِ السّالِكِ عَلى شَرْحِ ألْفِيَّةِ ابْنِ مالِكٍ) مِن تَأْلِيفِنا. (وانْظُرْ إلى حِمارِكَ) قِيلَ: لَمّا مَضَتِ المِائَةُ أحْيا اللَّهُ مِنهُ عَيْنَيْهِ وسائِرُ جَسَدِهِ مَيِّتٌ، ثُمَّ أحْيا جَسَدَهُ وهو يَنْظُرُ، ثُمَّ نَظَرَ إلى حِمارِهِ، فَإذا عِظامُهُ مُتَفَرِّقَةٌ بِيضٌ تَلُوحُ، فَسَمِعَ صَوْتًا مِنَ السَّماءِ: أيَّتُها العِظامُ البالِيَةُ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكِ أنْ تَجْتَمِعِي، فاجْتَمَعَ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، واتَّصَلَتْ، ثُمَّ نُودِيَ: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكِ أنْ تَكْتَسِيَ لَحْمًا وجِلْدًا، فَكانَ كَذَلِكَ. ورُوِيَ أنَّهُ حِينَ أحْياهُ اللَّهُ نَهَقَ، وقِيلَ: رَدَّ اللَّهُ الحَياةَ في عَيْنَيْهِ وأخَّرَ جَسَدَهُ مَيِّتًا، فَنَظَرَ إلى إيلِياءَ وما حَوْلَها وهي تُعَمَّرُ وتُجَدَّدُ، ثُمَّ نَظَرَ إلى طَعامِهِ وشَرابِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ، نَظَرَ إلى حِمارِهِ واقِفًا كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ رَبَطَهُ لَمْ يَطْعَمْ ولَمْ يَشْرَبْ أحْياهُ اللَّهُ لَهُ وهو يَرى، ونَظَرَ إلى الجَبَلِ وهو لَمْ يَتَغَيَّرْ وقَدْ أتى عَلَيْهِ رِيحُ مِائَةِ عامٍ ومَطَرُها وشَمْسُها وبَرْدُها. وقالَ وهْبٌ، والضَّحّاكُ: وانْظُرْ إلى حِمارِكَ قائِمًا في مَرْبَطِهِ لَمْ يَصُبْهُ شَيْءٌ مِائَةَ سَنَةٍ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وذَلِكَ مِن أعْظَمِ الآياتِ أنْ يُعِيشَهُ مِائَةَ عامٍ مِن غَيْرِ عَلَفٍ ولا ماءٍ، كَما حَفِظَ طَعامَهُ وشَرابَهُ مِنَ التَّغَيُّرِ. ﴿ولِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ﴾ قِيلَ: الواوُ مُقْحَمَةٌ أيْ: لِنَجْعَلَكَ آيَةً، وقِيلَ: تَتَعَلَّقُ اللّامُ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ أيْ: أرَيْناكَ ذَلِكَ لِتَعَلَمَ قُدْرَتَنا، ولِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ، وقِيلَ: بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ مُقَدَّرٍ تَأْخِيرُهُ، أيْ: ولِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ فَعَلْنا ذَلِكَ، يُرِيدُ إحْياءَهُ بَعْدَ المَوْتِ وحِفْظَ ما مَعَهُ. وقالَ الأعْمَشُ: كَوْنُهُ آيَةً هو أنَّهُ جاءَ شابًا عَلى حالِهِ يَوْمَ ماتَ، فَوَجَدَ الحَفَدَةَ والأبْناءَ شُيُوخًا. وقالَ عِكْرِمَةُ: جاءَ وهو ابْنُ أرْبَعِينَ سَنَةً كَما كانَ يَوْمَ ماتَ، ووَجَدَ بَنِيهِ قَدْ يَتَوَفَّوْنَ عَلى مِائَةِ سَنَةٍ، وقِيلَ: كَوْنُهُ آيَةً هو أنَّهُ جاءَ وقَدْ هَلَكَ كُلُّ مَن يَعْرِفُ، وكانَ آيَةً لِمَن كانَ حَيًّا مِن قَوْمِهِ؛ إذْ كانُوا مُوقِنِينَ بِحالِهِ سَماعًا، وقِيلَ: أتى قَوْمَهُ راكِبٌ حِمارَهُ، وقالَ: أنا عُزَيْرٌ، فَكَذَّبُوهُ، فَقالَ: هاتُوا التَّوْراةَ، فَأخَذَ يُهَذْهِذُ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِهِ وهم يَنْظُرُونَ في الكِتابِ، فَما خَرَمَ حَرْفًا، فَقالُوا: هو ابْنُ اللَّهِ، ولَمْ يَقْرَأِ التَّوْراةَ ظاهِرًا أحَدٌ قَبْلَ عُزَيْرٍ، فَذَلِكَ كَوْنُهُ آيَةً، وفي إماتَتِهِ هَذِهِ المُدَّةَ ثُمَّ إحْيائِهِ أعْظَمُ آيَةٍ، وأمْرُهُ كُلُّهُ آيَةٌ لِلنّاسِ غابِرَ الدَّهْرِ لا يَحْتاجُ إلى تَخْصِيصِ بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ، والألِفُ واللّامُ في (لِلنّاسِ) لِلْعَهْدِ إنْ عَنى بِهِ مَن بَقِيَ مِن قَوْمِهِ، أوْ مَن كانَ في عَصْرِهِ. أوْ لِلْجِنْسِ إذْ هو آيَةٌ لِمَن عاصَرَهُ ولِمَن يَأْتِي بَعْدَهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ. (وانْظُرْ إلى العِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها) يَعْنِي بِالعِظامِ عِظامَ نَفْسِهِ، قالَهُ قَتادَةُ والضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ، وابْنُ زَيْدٍ، أوْ عِظامَ حِمارِهِ، أوْ عِظامَهُما. زادَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ عِظامَ المَوْتى الَّذِينَ تَعَجَّبَ مِن إحْيائِهِمْ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ؛ لِأنَّهم لَمْ يُحْيُوا لَهُ في الدُّنْيا، ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ يُقالُ لَهُ في الآخِرَةِ: (وانْظُرْ إلى العِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها) وإنَّما هَذا قِيلَ لَهُ في الدُّنْيا، فَلا يُمْكِنُ حَمْلُهُ إلّا عَلى عِظامِهِ، أوْ عِظامِ حِمارِهِ، أوْ عِظامِهِما. والأظْهَرُ أنْ يُرادَ عِظامُ الحِمارِ، والتَّقْدِيرُ: إلى العِظامِ مِنهُ، أوْ عَلى رَأيِ الكُوفِيِّينَ، أنَّ الألِفَ واللّامَ عِوَضٌ مِنَ الضَّمِيرِ، أيْ: إلى عِظامِهِ؛ لِأنَّهُ قَدْ أخْبَرَ أنَّهُ بَعَثَهُ، ثُمَّ أخْبَرَ بِمُحاوَرَتِهِ تَعالى لَهُ في السُّؤالِ عَنْ مِقْدارِ ما أقامَ مَيِّتًا، ثُمَّ أعْقَبَ الأمْرَ بِالنَّظَرِ بِالفاءِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ إحْياءَهُ تَقَدَّمَ عَلى المُحاوَرَةِ وعَلى الأمْرِ بِالنَّظَرِ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو: (نُنْشِرُها) بِضَمِّ النُّونِ والرّاءِ المُهْمَلَةِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وأبُو حَيْوَةَ، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: بِفَتْحِ النُّونِ والرّاءِ المُهْمَلَةِ، وهُما مِن أنْشَرَ ونَشَرَ بِمَعْنى: أحْيا، ويَحْتَمِلُ (نَشَرَ) أنْ يَكُونَ ضِدَّ الطَّيِّ، كَأنَّ المَوْتَ طَيُّ العِظامِ والأعْضاءِ، وكَأنَّ جَمْعَ بَعْضِها إلى بَعْضٍ نَشْرٌ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ (نُنْشِزُها) بِضَمِّ النُّونِ والزّايِ المُعْجَمَةِ، وقَرَأ النَّخَعِيُّ: بِفَتْحِ النُّونِ، وضَمِّ الشِّينِ والزّايِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ السَّجاوَنْدِيُّ، عَنِ النَّخَعِيِّ أنَّهُ قَرَأ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّها مَعَ الرّاءِ والزّايِ. ومَعْنى (نُنْشِزُها) بِالزّايِ: نُحَرِّكُها، أوْ نَرْفَعُ بَعْضَها إلى بَعْضٍ لِلتَّرْكِيبِ لِلْإحْياءِ، يُقالُ: نَشَزَ وأنْشَزْتُهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وتَعَلَّقَ عِنْدِي أنْ يَكُونَ مَعْنى النُّشُوزِ رَفْعَ العِظامِ بَعْضِها إلى بَعْضٍ، وإنَّما النُّشُوزُ الِارْتِفاعُ قَلِيلًا، فَكَأنَّهُ (p-٢٩٤)وقَفَ عَلى نَباتِ العِظامِ الرُّفاتِ، وخَرَجَ ما يُوجَدُ مِنها عِنْدَ الِاخْتِراعِ، وقالَ النَّقّاشِيُّ: (نُنْشِزُها) مَعْناهُ نُنْبِتُها، وانْظُرِ اسْتِعْمالَ العَرَبِ تَجِدُهُ عَلى ما ذَكَرْتُ لَكَ، ومِن ذَلِكَ: نَشَزَ نابُ البَعِيرِ، والنَّشِزُ مِنَ الأرْضِ عَلى التَّشْبِيهِ بِذَلِكَ، ونَشَزَتِ المَرْأةُ، كَأنَّها فارَقَتِ الحالَ الَّتِي يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ عَلَيْها، وانْشُزُوا فانْشُزُوا أيِ: ارْتَفَعُوا شَيْئًا فَشَيْئًا كَنُشُوزِ النّابِ، فَبِذَلِكَ تَكُونُ التَّوْسِعَةُ، فَكَأنَّ النُّشُوزَ ضَرْبٌ مِنَ الِارْتِفاعِ، ويَبْعُدُ في الِاسْتِعْمالِ لِمَنِ ارْتَفَعَ في حائِطٍ أوْ غُرْفَةٍ: نَشَزَ، انْتَهى كَلامُهُ. وقَرَأ أُبَيٌّ: (كَيْفَ نُنْشِيها) بِالياءِ أيْ: نَخْلُقُها. وقالَ بَعْضُهم: العِظامُ لا تَحْيا عَلى الِانْفِرادِ حَتّى يَنْضَمَّ بَعْضُها إلى بَعْضٍ، فالزّايُ أوْلى بِهَذا المَعْنى، إذْ هو بِمَعْنى الِانْضِمامِ دُونَ الإحْياءِ، فالمَوْصُوفُ بِالإحْياءِ الرَّجُلُ دُونَ العِظامِ، ولا يُقالُ: هَذا عَظْمٌ حَيٌّ، فالمَعْنى: وانْظُرْ إلى العِظامِ كَيْفَ نَرْفَعُها مِن أماكِنِها مِنَ الأرْضِ إلى جِسْمِ صاحِبِها لِلْإحْياءِ، انْتَهى. والقِراءَةُ بِالرّاءِ مُتَواتِرَةٌ، فَلا تَكُونُ قِراءَةُ الزّايِ أوْلى. و(كَيْفَ) مَنصُوبَةٌ بِـ (نُنْشِزُها) نَصْبُ الأحْوالِ، وذُو الحالِ مَفْعُولُ (نُنْشِزُها) ولا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيها (انْظُرْ) لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ لا يَعْمَلُ فِيهِ ما قَبْلَهُ، وأعْرَبُوا (كَيْفَ نُنْشِزُها) حالًا مِنَ العِظامِ، تَقْدِيرُهُ: وانْظُرْ إلى العِظامِ مُحْياةً، وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ الِاسْتِفْهامِيَّةَ لا تَقَعُ حالًا، وإنَّما تَقَعُ حالًا كَيْفَ وحَّدَها نَحْوَ: كَيْفَ ضَرَبْتَ زَيْدًا ؟ ولِذَلِكَ تَقُولُ: قائِمًا أمْ قاعِدًا ؟ فَتُبْدَلُ مِنها الحالُ، والَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ في مَوْضِعِ البَدَلِ مِنَ العِظامِ، وذَلِكَ أنَّ (انْظُرْ) البَصْرِيَّةَ تَتَعَدّى بِإلى، ويَجُوزُ فِيها التَّعْلِيقُ، فَتَقُولُ: انْظُرْ كَيْفَ يَصْنَعُ زَيْدٌ، قالَ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٢١] فَتَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِ بِانْظُرْ؛ لِأنَّ ما يَتَعَدّى بِحَرْفِ الجَرِّ، إذا عُلِّقَ صارَ يَتَعَدّى لِمَفْعُولٍ، تَقُولُ: فَكَّرْتُ في أمْرِ زَيْدٍ، ثُمَّ تَقُولُ: فَكَّرْتُ هَلْ يَجِيءُ زَيْدٌ ؟ فَيَكُونُ: هَلْ يَجِيءُ زَيْدٌ، في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِ بِفَكَّرْتُ، (فَكَيْفَ نُنْشِزُها) بَدَلٌ مِنَ العِظامِ عَلى المَوْضِعِ؛ لِأنَّ مَوْضِعَهُ نَصْبٌ، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: فانْظُرْ إلى حالِ العِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُ العَرَبِ: عَرَفْتُ زَيْدًا أبُو مَن هو، عَلى أحَدِ الأوْجُهِ فالجُمْلَةُ مِن قَوْلِكَ: (أبُو مَن هو) في مَوْضِعِ البَدَلِ مِن قَوْلِهِ (زَيْدًا) مَفْعُولَ عَرَفْتُ، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، التَّقْدِيرُ: عَرَفْتُ قِصَّةَ زَيْدٍ أبُو مَن، ولَيْسَ الِاسْتِفْهامُ في بابِ التَّعْلِيقِ مُرادًا بِهِ مَعْناهُ، بَلْ هَذا مِنَ المَواضِعِ الَّتِي جَرَتْ في لِسانِ العَرَبِ مُغَلَّبًا عَلَيْها أحْكامُ اللَّفْظِ دُونَ المَعْنى، ونَظِيرُ ذَلِكَ: أيْ: في بابِ الِاخْتِصاصِ، في نَحْوِ قَوْلِهِمْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنا أيَّتُها العِصابَةُ، غَلَبَ عَلَيْها أكْثَرُ أحْكامِ النِّداءِ ولَيْسَ المَعْنى عَلى النِّداءِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مِن قَوْلِنا، إنَّ كَلامَ العَرَبِ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: قِسْمٌ يَكُونُ فِيهِ اللَّفْظُ مُطابِقًا لِلْمَعْنى، وهو أكْثَرُ كَلامِ العَرَبِ. وقِسْمٌ يَغْلِبُ فِيهِ أحْكامُ اللَّفْظِ كَهَذا الِاسْتِفْهامِ الواقِعِ في التَّعْلِيقِ، والواقِعِ في التَّسْوِيَةِ. وقِسْمٌ يَغْلِبُ فِيهِ أحْكامُ المَعْنى نَحْوَ: أقائِمٌ الزَّيْدانِ. وقَدْ أمْعَنّا الكَلامَ عَلى مَسْألَةِ الِاسْتِفْهامِ الواقِعِ في التَّعْلِيقِ في كِتابِنا الكَبِيرِ المُسَمّى (بِالتَّذْكِرَةِ) وهي إحْدى المَسائِلِ الَّتِي سَألَنِي عَنْها قاضِي القُضاةِ تَقِيُّ الدِّينِ أبُو الفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ القُشَيْرِيُّ، عُرِفَ بِابْنِ دَقِيقِ العِيدِ؛ وسَألَنِي أنْ أكْتُبَ لَهُ فِيها، وكانَ سُؤالُهُ في قَوْلِهِ، عَلَيْهِ السَّلامُ: ”فَإنَّ أحَدَكم لا يَدْرِي أيْنَ باتَتْ يَدُهُ“ . (ثُمَّ نَكْسُوها لَحْمًا) الكُسْوَةُ حَقِيقَةٌ هي ما وارى الجَسَدَ مِنَ الثِّيابِ، واسْتَعارَها هُنا لِما أنْشَأ مِنَ اللَّحْمِ الَّذِي غَطّى بِهِ العَظْمَ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا﴾ [المؤمنون: ١٤] وهي اسْتِعارَةٌ في غايَةِ الحُسْنِ، إذْ هي اسْتِعارَةُ عَيْنٍ لِعَيْنٍ، وقَدْ (p-٢٩٥)جاءَتِ الِاسْتِعارَةُ في المَعْنى لِلْجُرْمِ، قالَ النّابِغَةُ: ؎الحَمْدُ لِلَّهِ إذْ لَمْ يَأْتِنِي أجَلِي ∗∗∗ حَتّى اكْتَسَيْتُ مِنَ الإسْلامِ سِرْبالا ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يُشاهِدُ اللَّحْمَ والعَصَبَ والعُرُوقَ كَيْفَ تَلْتَئِمُ وتَتَواصَلُ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ اللَّفْظِ: أنَّ قَوْلَ اللَّهِ لَهُ كانَ بَعْدَ تَمامِ بَعْثِهِ، لا أنَّ القَوْلَ كانَ بَعْدَ إحْياءِ بَعْضِهِ. والتَّعْقِيبُ بِالفاءِ في قَوْلِهِ: (فانْظُرْ) إلى آخِرِهِ، يَدُلُّ عَلى أنَّ العِظامَ لا يُرادُ بِها عِظامُ نَفْسِهِ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ شَيْءٍ مِن هَذا، إلّا إنْ كانَ وضَعَ (نَنْشُرُها) مَكانَ أنْشَرْتُها، و(نَكْسُوها) مَكانَ كَسَوْتُها، فَيُحْتَمَلُ، وتَكَرَّرَ الأمْرُ بِالنَّظَرِ إلى الطَّعامِ والشَّرابِ في الثَّلاثِ الخَوارِقِ، ولَمْ يُنَسَّقْ نَسَقَ المُفْرَداتِ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنها خارِقٌ عَظِيمٌ ومُعْجِزٌ بالِغٌ، وبَدَأ أوَّلًا بِالنَّظَرِ إلى العِظامِ والشَّرابِ حَيْثُ لَمْ يَتَغَيَّرا عَلى طُولِ هَذِهِ المُدَّةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أبْلَغُ، إذْ هُما مِنَ الأشْياءِ الَّتِي يَتَسارَعُ إلَيْها الفَسادُ، إذْ ما قامَ بِهِ الحَياةُ وهو الحِمارُ يُمْكِنُ بَقاؤُهُ الزَّمانَ الطَّوِيلَ، ويُمْكِنُ أنْ يَحْتَشَّ بِنَفْسِهِ ويَأْكُلَ ويَرِدَ المِياهَ، كَما قالَ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهَ وسَلَّمَ في ضالَّةِ الإبِلِ: «مَعَها سِقاؤُها وحِذاؤُها تَرِدُ الماءَ وتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتّى يَأْتِيَها رَبُّها» . ولَمّا أُمِرَ بِالنَّظَرِ إلى الطَّعامِ والشَّرابِ، وبِالنَّظَرِ إلى الحِمارِ وهَذِهِ الأشْياءِ هي الَّتِي كانَتْ صُحْبَتَهُ، وقالَ تَعالى: ﴿ولِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ﴾ أيْ: فَعَلْنا ذَلِكَ، ولَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿وانْظُرْ إلى حِمارِكَ﴾ كالمُجْمَلِ، بَيَّنَ لَهُ جِهَةَ النَّظَرِ بِالنِّسْبَةِ إلى الحِمارِ، فَجاءَ النَّظَرُ الثّالِثُ تَوْضِيحًا لِلنَّظَرِ الثّانِي، مِن أيِّ جِهَةٍ يَنْظُرُ إلى الحِمارِ، وهي جِهَةُ إحْيائِهِ وارْتِفاعِ عِظامِهِ شَيْئًا فَشَيْئًا عِنْدَ التَّرْكِيبِ وكَسَوْتِها اللَّحْمَ، فَلَيْسَ نَظَرًا مُسْتَقِلًّا، بَلْ هو مِن تَمامِ النَّظَرِ الثّانِي، فَلِذَلِكَ حَسُنَ الفَصْلُ بَيْنَ النَّظَرَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ﴾ ولَيْسَ في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ كَما زَعَمَ بَعْضُهم، وإنَّ الأنْظارَ مَنسُوقٌ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، وإنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ﴾ إلَخْ وهو مُقَدَّمٌ في اللَّفْظِ، مُؤَخَّرٌ في الرُّتْبَةِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ أقْوى دَلِيلٍ عَلى البَعْثِ إذْ وقَعَتِ الإماتَةُ والإحْياءُ في دارِ الدُّنْيا مُشاهَدَةً. ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: (تَبَيَّنَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: (تَبَيَّنَ لَهُ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ: بَيَّنَ لَهُ، بِغَيْرِ تاءٍ مَبْنِيًّا لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، فَعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ الظّاهِرُ أنَّ تَبَيَّنَ فِعْلٌ لازِمٌ والفاعِلُ مُضْمَرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى، وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ ما أشْكَلَ عَلَيْهِ، يَعْنِي أمْرَ إحْياءِ المَوْتى، ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ عَلى أنَّهُ تَفْسِيرُ مَعْنًى، وتَفْسِيرُ الإعْرابِ أنْ يُقَدِّرَ مُضْمَرًا يَعُودُ عَلى كَيْفِيَّةِ الإحْياءِ الَّتِي اسْتَغْرَبَها بَعْدَ المَوْتِ، وقالَ الطَّبَرِيُّ: لَمّا اتَّضَحَ لَهُ عِيانًا ما كانَ مُسْتَنْكِرًا في قُدْرَةِ اللَّهِ عِنْدَهُ قَبْلَ إعادَتِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا خَطَأٌ؛ لِأنَّهُ ألْزَمَ ما لا يَقْتَضِيهِ، وفَسَّرَ عَلى القَوْلِ الشّاذِّ. والِاحْتِمالُ الضَّعِيفُ ما حَكى الطَّبَرِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: كانَ هَذا القَوْلُ شَكًّا في قُدْرَةِ اللَّهِ عَلى الإحْياءِ، ولِذَلِكَ ضَرَبَ لَهُ المَثَلَ في نَفْسِهِ، انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وبَدَأ بِهِ - ما نَصُّهُ -: وفاعِلُ تَبَيَّنَ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، قالَ: (p-٢٩٦)أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فَحُذِفِ الأوَّلُ لِدَلالَةِ الثّانِي عَلَيْهِ كَما في قَوْلِهِمْ: ضَرَبَنِي وضَرَبْتُ زَيْدًا، انْتَهى كَلامُهُ. فَجَعَلَ ذَلِكَ مِن بابِ الإعْمالِ، وهَذا لَيْسَ مِن بابِ الإعْمالِ؛ لِأنَّهم نَصُّوا عَلى أنَّ العامِلَيْنِ في هَذا البابِ لا بُدَّ أنْ يَشْتَرِكا، وأدّى ذَلِكَ بِحَرْفِ العَطْفِ حَتّى لا يَكُونَ الفَصْلُ مُعْتَبَرًا، ويَكُونَ العامِلُ الثّانِي مَعْمُولًا لِلْأوَّلِ، وذَلِكَ نَحْوُ قَوْلِكَ: جاءَنِي يَضْحَكُ زَيْدٌ، فَجَعَلَ في جاءَنِي ضَمِيرًا أوْ في يَضْحَكُ، حَتّى لا يَكُونَ هَذا الفِعْلُ فاصِلًا، ولا يَرُدَّ عَلى هَذا جَعْلُهم ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الكهف: ٩٦] ولا ﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] ولا ﴿تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكم رَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ٥] ولا ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] مِنَ الإعْمالِ؛ لِأنَّ هَذِهِ العَوامِلَ مُشْتَرِكَةٌ بِوَجْهٍ ما مِن وُجُوهِ الِاشْتِراكِ، ولَمْ يَحْصُلِ الِاشْتِراكُ في العَطْفِ ولا العَمَلِ، ولِتَقْرِيرِ هَذا بَحْثٌ يُذْكَرُ في النَّحْوِ، فَإذا كانَ عَلى ما نَصُّوا فَلَيْسَ العامِلُ الثّانِي مُشْرَكًا بَيْنَهُ وبَيْنَ (تَبَيَّنَ) الَّذِي هو العامِلُ الأوَّلُ بِحَرْفِ عَطْفٍ، ولا بِغَيْرِهِ، ولا هو مَعْمُولٌ لِتَبَيَّنَ، بَلْ هو مَعْمُولٌ لَقالَ، وقالَ جَوابُ لَمّا أنْ قُلْنا: إنَّها حَرْفٌ وعامِلَةٌ في (لَمّا) أنْ قُلْنا: إنَّها ظَرْفٌ، و(تَبَيَّنَ) عَلى هَذا القَوْلِ في مَوْضِعِ خَفْضٍ بِالظَّرْفِ، ولَمْ يَذْكُرِ النَّحْوِيُّونَ في مِثْلِ هَذا البابِ: لَوْ جاءَ قَتَلْتَ زَيْدًا، ولا: مَتى جاءَ قَتَلْتَ زَيْدًا، ولا: إذا جاءَ ضَرَبْتَ خالِدًا، ولِذَلِكَ حَكى النَّحْوِيُّونَ أنَّ العَرَبَ لا تَقُولُ: أكْرَمْتَ أهَنْتَ زَيْدًا. وقَدْ ناقَضَ الزَّمَخْشَرِيُّ في قَوْلِهِ: فَإنَّهُ قالَ: وفاعِلُ (تَبَيَّنَ) مُضْمَرٌ، ثُمَّ قَدَّرَهُ، فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ قالَ: أعْلَمُ، إلى آخِرِهِ، قالَ: فَحُذِفَ الأوَّلُ لِدَلالَةِ الثّانِي عَلَيْهِ، كَما في قَوْلِهِمْ: ضَرَبَنِي وضَرَبْتُ زَيْدًا، والحَذْفُ يُنافِي الإضْمارَ لِلْفاعِلِ، وهَذا عِنْدَ البَصْرِيِّينَ إضْمارٌ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، ولا يُجِيزُ البَصْرِيُّونَ في مِثْلِ هَذا البابِ حَذْفَ الفاعِلِ أصْلًا، فَإنَّ كانَ أرادَ بِالإضْمارِ الحَذْفَ فَقَدْ خَرَجَ إلى قَوْلِ الكِسائِيِّ مِن أنَّ الفاعِلَ في هَذا البابِ لا يُضْمَرُ؛ لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى الإضْمارِ قَبْلَ الذِّكْرِ، بَلْ يُحْذَفُ عِنْدَهُ الفاعِلُ، والسَّماعُ يَرُدُّ عَلَيْهِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎هَوَيْنَنِي وهَوَيْتُ الخُرُدَ العُرْبا ∗∗∗ أزْمانَ كُنْتُ مَنُوطًا بِي هَوًى وصِبا وأمّا عَلى قِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ فالجارُّ والمَجْرُورُ هو المَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وأمّا في قِراءَةِ ابْنِ السَّمَيْقَعِ فَهو مُضْمَرٌ: أيْ: بَيَّنَ لَهُ هو، أيْ: كَيْفِيَّةَ الإحْياءِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ وقالَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، عَلى قِراءَةِ جُمْهُورِ السَّبْعَةِ: أعْلَمُ، مُضارِعًا ضَمِيرُهُ يَعُودُ عَلى المارِّ، وقالَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاعْتِبارِ، كَما أنَّ الإنْسانَ إذا رَأى شَيْئًا غَرِيبًا قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: مَعْناهُ أعْلَمُ هَذا الضَّرْبَ مِنَ العِلْمِ الَّذِي لَمْ أكُنْ عَلِمْتُهُ، يَعْنِي يَعْلَمُ عِيانًا ما كانَ يَعْلَمُهُ غَيْبًا، وأمّا عَلى قِراءَةِ أبِي رَجاءٍ، وحَمْزَةَ، والكِسائِيِّ اعْلَمْ، فِعْلُ أمْرٍ مِن عَلِمَ، فالفاعِلُ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى اللَّهِ تَعالى، أوْ عَلى المَلَكِ القائِلِ لَهُ عَنِ اللَّهِ، ويُناسِبُ هَذا الوَجْهُ الأوامِرَ السّابِقَةَ مِن قَوْلِهِ: وانْظُرْ، فَقالَ لَهُ: اعْلَمْ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ والأعْمَشِ: (قِيلَ اعْلَمْ) فَبَنى: قِيلَ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، والمَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ ضَمِيرُ القَوْلِ لا الجُمْلَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ مُشْبِعًا فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ الفاعِلُ ضَمِيرَ المارِّ، ويَكُونَ نَزَّلَ نَفْسِهِ مَنزِلَةَ المُخاطَبِ الأجْنَبِيِّ، كَأنَّهُ قالَ لِنَفْسِهِ: اعْلَمْ، ومِنهُ: ودِّعْ هُرَيْرَةَ. . . . . وألَمْ تَغْتَمِضْ عَيْناكَ. . . . . . وتَطاوَلَ لَيْلُكَ. . . . . وإنَّما يُخاطِبُ نَفْسَهُ، نَزَّلَها مَنزِلَةَ الأجْنَبِيِّ. ورَوى الجَعْبِيُّ عَنْ أبِي بَكْرٍ قالَ: أُعْلِمْ أمْرًا، مِن أعْلَمَ، فالفاعِلُ بِـ (قالَ) يَظْهَرُ أنَّهُ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى اللَّهِ، أمَرَهُ أنْ يُعْلِمَ غَيْرَهُ بِما شاهَدَ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ، وعَلى ما جَوَّزُوا في (اعْلَمْ) الأمْرُ، مِن عَلِمَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ ضَمِيرَ المارِّ.

البقرة 2:260

﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾ مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما (p-٢٩٧)قَبْلَها في غايَةِ الظُّهُورِ، إذْ كِلاهُما أتى بِها دَلالَةً عَلى البَعْثِ المَنسُوبِ إلى اللَّهِ تَعالى، في قَوْلِ إبْراهِيمَ لِنُمْرُوذَ: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] لَكِنَّ المارَّ عَلى القَرْيَةِ أراهُ اللَّهُ ذَلِكَ في نَفْسِهِ وفي حِمارِهِ، وإبْراهِيمُ أراهُ ذَلِكَ في غَيْرِهِ، وقُدِّمَتْ آيَةُ المارِّ عَلى آيَةِ إبْراهِيمَ، وإنْ كانَ إبْراهِيمُ مُقَدَّمًا في الزَّمانِ عَلى المارِّ؛ لِأنَّهُ تَعَجَّبَ مِنَ الإحْياءِ بَعْدَ المَوْتِ، وإنْ كانَ تَعَجُّبَ اعْتِبارٍ فَأشْبَهَ الإنْكارَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ إنْكارًا فَكانَ أقْرَبَ إلى قِصَّةِ النُّمْرُوذِ وإبْراهِيمَ، وأمّا إنْ كانَ المارُّ كافِرًا فَظَهَرَتِ المُناسَبَةُ أقْوى ظُهُورٍ، وأمّا قِصَّةُ إبْراهِيمَ فَهي سُؤالٌ لِكَيْفِيَّةِ إراءَةِ الإحْياءِ، لِيُشاهِدَ عِيانًا ما كانَ يَعْلَمُهُ بِالقَلْبِ، وأخْبَرَ بِهِ نُمْرُوذَ. والعامِلُ في (إذْ) - عَلى ما قالُوا - مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ إذْ قالَ، وقِيلَ: العامِلُ مَذْكُورٌ وهو (ألَمْ تَرَ) المَعْنى: ألَمْ تَرَ إذْ قالَ، وهو مَفْعُولُ: بِـ (تَرَ) والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ العامِلَ في (إذْ) قَوْلُهُ: (قالَ أوَلَمْ تُؤْمِن) كَما قَرَّرْنا ذَلِكَ في قَوْلِهِ: (وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ) وفي افْتِتاحِ السُّؤالِ بِقَوْلِهِ: (رَبِّ) حُسْنُ اسْتِلْطافٍ واسْتِعْطافٍ لِلسُّؤالِ، ولِيُناسِبَ قَوْلَهُ لِنُمْرُوذَ (رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ) لِأنَّ الرَّبَّ هو النّاظِرُ في حالِهِ، والمُصْلِحُ لِأمْرِهِ، وحُذِفَتْ ياءُ الإضافَةِ اجْتِزاءً بِالكَسْرَةِ، وهي اللُّغَةُ الفُصْحى في نِداءِ المُضافِ لِياءِ المُتَكَلِّمِ، وحُذِفَ حَرْفُ النِّداءِ لِلدَّلالَةِ عَلَيْهِ، و(أرِنِي) سُؤالُ رَغْبَةٍ، وهو مَعْمُولٌ لِـ (قالَ) والرُّؤْيَةُ هُنا بَصْرِيَّةٌ، دَخَلَتْ عَلى رَأى هَمْزَةُ النَّقْلِ، فَتَعَدَّتْ لِاثْنَيْنِ: أحَدُهُما ياءُ المُتَكَلِّمِ، والآخَرُ الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ، فَقَوْلُ: (كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى) في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وتُعَلِّقُ العَرَبُ رَأى البَصْرِيَّةَ، مِن كَلامِهِمْ، أما تَرى أيَّ بَرْقٍ هاهُنا، كَما عَلَّقَتْ: نَظَرَ البَصْرِيَّةَ، وقَدْ تَقَرَّرَ. وعُلِمَ أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَعْصُومُونَ مِنَ الكَبائِرِ والصَّغائِرِ الَّتِي فِيها رَذِيلَةٌ إجْماعًا، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، والَّذِي اخْتَرْناهُ أنَّهم مَعْصُومُونَ مِنَ الكَبائِرِ والصَّغائِرِ عَلى الإطْلاقِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ، فَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ هُنا في حَقِّ مَن سَألَ الرُّؤْيَةَ هُنا بِكَلامٍ ضَرَبْنا عَنْ ذِكْرِهِ صَفْحًا، ونَقُولُ: ألْفاظُ الآيَةِ لا تَدُلُّ عَلى عُرُوضِ شَيْءٍ يَشِينُ المُعْتَقِدَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ سُؤالُ أنْ يُرِيَهُ عِيانًا كَيْفِيَّةَ إحْياءِ المَوْتى؛ لِأنَّهُ لَمّا عَلِمَ ذَلِكَ بِقَلْبِهِ وتَيَقَّنَهُ، واسْتَدَلَّ بِهِ عَلى نُمْرُوذَ في قَوْلِهِ: (رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ) طَلَبَ مِنَ اللَّهِ تَعالى رُؤْيَةَ ذَلِكَ، لِما في مُعايَنَةِ ذَلِكَ مِن رُؤْيَةِ اجْتِماعِ الأجْزاءِ المُتَلاشِيَةِ، والأعْضاءِ المُتَبَدِّدَةِ، والصُّوَرِ المُضْمَحِلَّةِ، واسْتِعْظامِ باهِرِ قُدْرَتِهِ تَعالى. والسُّؤالُ عَنِ الكَيْفِيَّةِ يَقْتَضِي تَيَقُّنَ ما سَألَ عَنْهُ: وهو الإحْياءُ وتَقَرُّرُهُ، والإيمانُ بِهِ، وأنَّهُ مِمّا انْطَوى الضَّمِيرُ عَلى اعْتِقادِهِ، وأمّا ما ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ عَنْ بَعْضِ أهْلِ المَعانِي: أنَّ إبْراهِيمَ سَألَ مِن رَبِّهِ كَيْفَ يُحْيِي القُلُوبَ، فَتَأْوِيلٌ لَيْسَ بِشَيْءٍ، قالُوا في سَبَبِ سُؤالِهِ أقْوالَ: أحَدُها: أنَّهُ رَأى دابَّةً قَدْ تَوَزَّعَتْها السِّباعُ والحِيتانُ؛ لِأنَّها كانَتْ عَلى حاشِيَةِ البَحْرِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، أوِ الفِكْرُ في الحَقِيقَةِ والمَجازِ لِما قالَهُ نُمْرُوذُ: (أنا أُحْيِي وأُمِيتُ) قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، أوِ التَّجْرِبَةُ لِلْخُلَّةِ مِنَ اللَّهِ إذْ بَشَّرَ بِها؛ لِأنَّ الخَلِيلَ يُدَلُّ بِما لا يُدَلُّ غَيْرُهُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ. (قالَ أوَلَمْ تُؤْمِن) الضَّمِيرُ في (قالَ) عائِدٌ عَلى الرَّبِّ، والهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيرِ، كَقَوْلِهِ: ؎ألَسْتُمْ خَيْرَ مَن رَكِبَ المَطايا وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] المَعْنى: أنْتُمْ خَيْرُ، وقَدْ شَرَحْنا لَكَ صَدْرَكَ، وكَذَلِكَ هَذا مَعْناهُ: قَدْ آمَنتُ بِالإحْياءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إيمانًا مُطْلَقًا دَخَلَ فِيهِ فِعْلُ إحْياءِ المَوْتى، والواوُ واوُ حالٍ، دَخَلَتْ عَلَيْها ألِفُ التَّقْرِيرِ، (p-٢٩٨)انْتَهى كَلامُهُ. وكَوْنُ الواوِ هُنا لِلْحالِ غَيْرَ واضِحٍ؛ لِأنَّها إذا كانَتْ لِلْحالِ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وإذْ ذاكَ لا بُدَّ لَها مَن عامِلٍ، فَلا تَكُونُ الهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيرِ دَخَلَتْ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ، إنَّما دَخَلَتْ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي اشْتَمَلَتْ عَلى العامِلِ فِيها وعَلى ذِي الحالِ، ويَصِيرُ التَّقْدِيرُ: أسَألْتَ ولَمْ تُؤْمِن ؟ أيْ: أسَألْتَ في هَذِهِ الحالِ ؟ والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ التَّقْرِيرَ إنَّما هو مُنْسَحِبٌ عَلى الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ، وأنَّ الواوَ لِلْعَطْفِ، كَما قالَ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت: ٦٧] ونَحْوُهُ، واعْتَنى بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ فَقُدِّمَتْ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ في هَذا، ولِذَلِكَ كانَ الجَوابُ بِـ (بَلى) في قَوْلِهِ: (قالَ بَلى) وقَدْ تَقَرَّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ أنَّ جَوابَ التَّقْرِيرِ المُثْبَتِ - وإنْ كانَ بِصُورَةِ النَّفْيِ - تُجْرِيهِ العَرَبُ مَجْرى جَوابِ النَّفْيِ المَحْضِ، فَتُجِيبُهُ عَلى صُورَةِ النَّفْيِ، ولا يُلْتَفَتُ إلى مَعْنى الإثْباتِ، وهَذا مِمّا قَرَّرْناهُ، أنَّ في كَلامِ العَرَبِ ما يُلْحَظُ في اللَّفْظِ دُونَ المَعْنى، ولِذَلِكَ عِلَّةٌ ذُكِرَتْ في عِلْمِ النَّحْوِ، وعَلى ما قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ مِن أنَّ الواوَ لِلْحالِ لا يَتَأتّى أنْ يُجابَ العامِلُ في الحالِ بِقَوْلِهِ: بَلى؛ لِأنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ مُثْبَتٌ مُسْتَفْهَمٌ عَنْهُ، فالجَوابُ إنَّما يَكُونُ في التَّصْدِيقِ: بِنَعَمْ، وفي غَيْرِ التَّصْدِيقِ: بِلا، أمّا أنْ يُجابَ بِـ (بَلى)، فَلا يَجُوزُ، وهَذا عَلى ما تَقَرَّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ. (قالَ بَلى ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ قالَ (أوَلَمْ تُؤْمِن) وقَدْ عَلِمَ أنَّهُ أثْبَتُ النّاسِ إيمانًا ؟ قُلْتُ: لِيُجِيبَ بِما أجابَ بِهِ لِما فِيهِ مِنَ الفائِدَةِ الجَلِيلَةِ لِلسّامِعِينَ، و(بَلى) إيجابٌ لِما بَعْدَ النَّفْيِ، مَعْناهُ: بَلى آمَنتُ (ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) لِيَزِيدَ سُكُونًا وطُمَأْنِينَةً بِمُضامَّةِ عِلْمِ الضَّرُورَةِ - عَلَمُ الِاسْتِدْلالِ -، وتَظاهُرُ الأدِلَّةِ أسْكَنُ لِلْقُلُوبِ، وأزْيَدُ لِلْبَصِيرَةِ واليَقِينِ؛ ولِأنَّ عِلْمَ الِاسْتِدْلالِ يَجُوزُ مَعَهُ التَّشْكِيكُ، بِخِلافِ العِلْمِ الضَّرُورِيِّ، فَأرادَ بِطُمَأْنِينَةِ القَلْبِ العِلْمَ الَّذِي لا مَجالَ فِيهِ لِلتَّشْكِيكِ، انْتَهى كَلامُهُ. ولَيْسَ عِلْمُ الِاسْتِدْلالِ يَجُوزُ مَعَهُ التَّشْكِيكُ كَما قالَ، بَلْ مِنهُ ما يَجُوزُ مَعَهُ التَّشْكِيكُ، أمّا إذا كانَ عَنْ مُقَدِّماتِ صَحِيحَةٍ فَلا يَجُوزُ مَعَهُ التَّشْكِيكُ، كَعِلْمِنا بِحُدُوثِ العالَمِ، وبِوَحْدانِيَّةِ المُوجِدِ، فَمِثْلُ هَذا لا يَجُوزُ مَعَهُ التَّشْكِيكُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (لِيَطْمَئِنَّ) مَعْناهُ: لِيَسْكُنَ عَنْ فِكْرِهِ في الشَّيْءِ المُعْتَقَدِ، والفِكْرُ في صُورَةِ الإحْياءِ غَيْرُ مَحْظُورٍ، كَما لَنا نَحْنُ اليَوْمَ أنْ نُفَكِّرَ فِيها، بَلْ هي فِكَرٌ فِيها عِبَرٌ، إذْ حَرَّكَهُ إلى ذَلِكَ، إمّا أمْرُ الدّابَّةِ المَأْكُولَةِ، وإمّا قَوْلُ النُّمْرُوذِ (أنا أُحْيِي وأُمِيتُ) . (p-٢٩٩)انْتَهى كَلامُهُ. وهو حَسَنٌ. واللّامُ في قَوْلِهِ: لِيَطْمَئِنَّ، مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ بَعْدَ (لَكِنْ) التَّقْدِيرُ: ولَكِنْ سَألْتُ مُشاهَدَةَ الكَيْفِيَّةِ لِإحْياءِ المَوْتى لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي، فَيَقْتَضِي تَقْدِيرُ هَذا المَحْذُوفِ تَقْدِيرَ مَحْذُوفٍ آخَرَ قَبْلَ (لَكِنْ) حَتّى يَصِحَّ الِاسْتِدْراكُ، التَّقْدِيرُ: (قالَ بَلى) أيْ: آمَنتُ، وما سَألْتُ عَنْ غَيْرِ إيمانٍ، ولَكِنْ سَألْتُ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ، وإبْراهِيمَ، وقَتادَةَ: لِيَزْدادَ يَقِينًا، وعَنْ بَعْضِهِمْ: لِأزْدادَ إيمانًا مَعَ إيمانِي. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولا زِيادَةَ في هَذا المَعْنى تُمْكِنُ إلّا السُّكُونُ عَنِ الفِكْرِ، وإلّا فاليَقِينُ لا يَتَبَعَّضُ، انْتَهى. وقالَ النَّصْراباذِيُّ: حَنَّ الخَلِيلُ إلى صُنْعِ خَلِيلِهِ ولَمْ يَتَّهِمْهُ في أمْرِهِ، فَكَأنَّهُ قَوَّلَهُ الشَّوْقُ (أرِنِي) كَما قالَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ثُمَّ تَعَلَّلَ بِرُؤْيَةِ الصُّنْعِ لَهُ تَأدُّبًا، وحَكى القُشَيْرِيُّ أنَّهُ قِيلَ: اسْتَجْلَبَ خِطابًا بِهَذِهِ المَقالَةِ، حَتّى قالَ لَهُ الحَقُّ: (أوَلَمْ تُؤْمِن) (قالَ بَلى) آمَنتُ ولَكِنِ اشْتَقْتُ إلى قَوْلِكَ: (أوَلَمْ تُؤْمِن) فَإنِّي بِقَوْلِكَ: (أوَلَمْ تُؤْمِن) يَطَمَئِنُّ قَلْبِي، والمُحِبُّ أبَدًا يَجْتَهِدُ في أنْ يَجِدَ خِطابَ حَبِيبِهِ عَلى أيِّ وجْهٍ أمْكَنَهُ. (قالَ فَخُذْ أرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ) لَمّا سَألَ رُؤْيَةَ كَيْفِيَّةِ إحْياءِ المَوْتى أجابَهُ تَعالى لِذَلِكَ، وعَلَّمَهُ كَيْفَ يَصْنَعُ أوَّلًا، فَأمْرَهُ أنْ يَأْخُذَ أرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ، ولَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ تَعالى تَعْيِينَ الأرْبَعَةِ مِن أيِّ جِنْسٍ هي مِنَ الطَّيْرِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَأْمُورُ بِهِ مُعَيَّنًا، وما ذُكِرَ تَعْيِينُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أُمِرَ بِأخْذِ أرْبَعَةٍ، أيْ: أرْبَعَةً كانَتْ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ؛ إذْ لا كَبِيرَ عِلْمٍ في ذِكْرِ التَّعْيِينِ، وقَدِ اخْتَلَفُوا فِيما أخَذَ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أخَذَ طاوُسًا ونَسْرًا ودِيكًا وغُرابًا. وقالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وعَطاءُ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وابْنُ زَيْدٍ: كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم جَعَلُوا حَمامَةً بَدَلَ النَّسْرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، فِيما رَوى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هُبَيْرَةَ عَنْهُ: أخَذَ حَمامَةً وكُرْكِيًّا ودِيكًا وطاوُسًا، وقالَ في رِوايَةِ الضَّحّاكِ: أخَذَ طاوُسًا ودِيكًا ودَجاجَةً سِنْدِيَّةً وأوِزَّةً، وقالَ في رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ الضَّحّاكِ: أنَّهُ مَكانُ الدَّجاجَةِ السِّنْدِيَّةِ الرَّأْلُ، وهو فَرْخُ النَّعامِ، وقالَ مُجاهِدٌ فِيما رَوى لَيْثٌ: دِيكٌ وحَمامَةٌ وبَطَّةٌ وطاوُسٌ، وقالَ: دِيكٌ وحَمامَةٌ وبَطَّةٌ وغُرابٌ. وزادَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ وصْفًا في هَذِهِ الأرْبَعَةِ فَقالَ: دِيكٌ أحْمَرُ، وحَمامَةٌ بَيْضاءُ، وبَطَّةٌ خَضْراءُ، وغُرابٌ أسْوَدُ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ: طاوُسٌ وحَمامَةٌ ودِيكٌ وهُدْهُدٌ، ولَمّا سَألَ رَبَّهُ أنْ يُرِيَهُ كَيْفِيَّةَ إحْياءِ المَوْتى، وكانَ لَفْظُ المَوْتى جَمْعًا، أُجِيبَ بِأنْ يَأْخُذَ ما مَدْلُولُهُ جَمْعٌ، لا أنْ يَأْخُذَ واحِدًا، قِيلَ: وخَصَّ هَذا العَدَدَ بِعَيْنِهِ إشارَةً إلى الأرْكانِ الأرْبَعَةِ الَّتِي في تَرْكِيبِ أبْدانِ الحَيَواناتِ والنَّباتاتِ، وكانَتْ مِنَ الطَّيْرِ، قِيلَ: لِأنَّ الطَّيْرَ هِمَّتُهُ الطَّيَرانُ في السَّماءِ والِارْتِفاعُ، والخَلِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَتْ هِمَّتُهُ العُلُوَّ والوُصُولَ إلى المَلَكُوتِ، فَجُعِلَتْ مُعْجِزَتُهُ مُشاكِلَةً لِهِمَّتِهِ، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ في تَعْيِينِ الأرْبَعَةِ بِما عُيِّنَ قِيلَ: خُصَّ الطّاوُوسُ إشارَةً إلى ما في الإنْسانِ مِن حُبِّ الزِّينَةِ والجاهِ والتَّرَفُّعِ. والنَّسْرُ إشارَةً إلى شِدَّةِ الشَّغَفِ بِالأكْلِ وطُولِ الأمَلِ. والدِّيكُ إشارَةً إلى شِدَّةِ الشَّغَفِ بِقَضاءِ شَهْوَةِ النِّكاحِ. والغُرابُ إشارَةً إلى شِدَّةِ الحَرْصِ والطَّلَبِ، وما أبْدَوْهُ في تَخْصِيصِ الأرْبَعَةِ وفي تَعْيِينِها لا تَكادُ تَظْهَرُ حِكْمَتُهُ فِيما ذَكَرُوهُ، وما أجْراهُ اللَّهُ تَعالى لِأنْبِيائِهِ مِنَ الخَوارِقِ مُخْتَلِفٌ، وحِكْمَةُ اخْتِصاصِ كُلِّ نَبِيٍّ بِما أجْرى اللَّهُ لَهُ مِنها مَغِيبَةٌ عَنّا، ألا تَرى خَرْقَ العادَةِ لِمُوسى في أشْياءَ، ولِعِيسى في أشْياءَ غَيْرِها، ولِرَسُولِنا مُحَمَّدٍ ﷺ وعَلَيْهِمْ في أشْياءَ لا يَظْهَرُ لَنا سِرُّ الحِكْمَةِ في ذَلِكَ ؟ فَكَذَلِكَ كَوْنُ هَذِهِ الأرْبَعَةِ مِنَ الطَّيْرِ، لا يَظْهَرُ لَنا سِرُّ حِكْمَتِهِ في ذَلِكَ، وأمَرَهُ بِالأخْذِ لِلطُّيُورِ وهو إمْساكُها بِيَدِهِ لِيَكُونَ أثْبَتَ في المَعْرِفَةِ بِكَيْفِيَّةِ الإحْياءِ؛ لِأنَّهُ يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ حاسَّةُ الرُّؤْيَةِ، وحاسَّةِ اللَّمْسِ. والطَّيْرُ اسْمُ جَمْعٍ لِما لا يَعْقِلُ، يَجُوزُ تَذْكِيرُهُ وتَأْنِيثُهُ، وهُنا أتى مُذَكَّرًا لِقَوْلِهِ تَعالى: (وخُذْ أرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ) وجاءَ عَلى الأفْصَحِ في اسْمِ الجَمْعِ في العَدَدِ حَيْثُ فُصِلَ بِمِن، فَقِيلَ: أرْبَعَةٌ مِنَ الطَّيْرِ يَجُوزُ الإضافَةُ، كَما قالَ تَعالى: (تِسْعَةُ رَهْطٍ) ونَصَّ بَعْضُ أصْحابِنا عَلى أنَّ الإضافَةَ لِاسْمِ الجَمْعِ في العَدَدِ نادِرَةٌ لا يُقاسُ عَلَيْها، ونَصَّ بَعْضُهم عَلى أنَّ اسْمَ الجَمْعِ لِما لا يَعْقِلُ (p-٣٠٠)مُؤَنَّثٌ، وكِلا القَوْلَيْنِ غَيْرُ صَوابٍ. * * ﴿فَصُرْهُنَّ إلَيْكَ﴾ أيْ: قَطِّعْهُنَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وابْنُ إسْحاقَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي بِالنَّبَطِيَّةِ. وقالَ أبُو الأسْوَدِ: هي بِالسُّرْيانِيَّةِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: قَطِّعْهُنَّ، وأنْشَدَ لِلْخَنْساءِ: ؎فَلَوْ يُلاقِي الَّذِي لاقَيْتُهُ حِضْنٌ لَظَلَّتِ الشُّمُّ مِنهُ وهي تَنْصارُ أيْ: تَتَقَطَّعُ. وقالَ قَتادَةُ: فَصِلْهُنَّ، وعَنْهُ: مَزِّقْهُنَّ وفَرِّقْهُنَّ. وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: اضْمُمْهُنَّ إلَيْكَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: اجْمَعْهُنَّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، أوْثِقْهُنَّ. وقالَ الضَّحّاكُ: شَقِّقْهُنَّ، بِالنَّبَطِيَّةِ. وقالَ الكِسائِيُّ: أمِلْهُنَّ. وإذا كانَ: (فَصُرْهُنَّ) بِمَعْنى الإمالَةِ فَتَتَعَلَّقُ (إلَيْكَ) بِهِ، وإذا كانَ بِمَعْنى التَّقْطِيعِ تَعَلَّقَ بِـ (خُذْ) . وقَرَأ حَمْزَةُ، ويَزِيدُ، وخَلَفٌ، ورُوَيْسٌ، بِكَسْرِ الصّادِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالضَّمِّ، وهُما لُغَتانِ، كَما تَقَدَّمَ: صارَ يُصَوِّرُ ويَصِيرُ، بِمَعْنى أمالَ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وقَوْمٌ: (فَصُرُّهُنَّ) بِتَشْدِيدِ الرّاءِ وضَمِّ الصّادِ وكَسْرِها مَن صَرَّهُ يَصُرُّهُ ويَصِرُّهُ، إذا جَمَعَهُ، نَحْوَ: ضَرَّهُ يَضُرُّهُ ويَضِرُّهُ، وكَوْنُهُ مُضاعَفًا مُتَعَدِّيًا جاءَ عَلى يَفْعِلُ بِكَسْرِ العَيْنِ قَلِيلٌ، وعَنْهُ: (فَصَرِّهُنَّ) بِفَتْحِ الصّادِّ وتَشْدِيدِ الرّاءِ وكَسْرِها مِنَ التَّصْرِيَةِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عِكْرِمَةَ، وعَنْهُ أيْضًا: (فَصُرِّهُنَّ إلَيْكَ) بِضَمِّ الصّادِ وتَشْدِيدِ الرّاءِ. وإذا تُؤُوِّلَ (فَصُرْهُنَّ) بِمَعْنى القَطْعِ فَلا حَذْفَ، أوْ بِمَعْنى الإمالَةِ فالحَذْفُ، وتَقْدِيرُهُ: وقَطِّعْهُنَّ واجْعَلْهُنَّ أجْزاءً، وعَلى تَفْسِيرِ (فَصُرْهُنَّ) بِمَعْنى أمِلْهُنَّ وضُمَّهُنَّ إلى نَفْسِكَ، فَإنَّما كانَ ذَلِكَ لِيَتَأمَّلَ أشْكالَها وهَيْئاتِها وحُلاها؛ لِئَلّا يَلْتَبِسَ عَلَيْهِ بَعْدَ الإحْياءِ ولا يَتَوَهَّمُ أنَّها غَيْرُ تِلْكَ. ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنهُنَّ جُزْءًا﴾ العُمُومُ في كُلِّ جَبَلٍ مُخَصَّصٍ بِوَصْفٍ مَحْذُوفٍ أيْ: يَلِيكَ، أوْ بِحَضْرَتِكَ، دُونَ مُراعاةِ عَدَدٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ أُمِرَ أنْ يَجْعَلَ عَلى كُلِّ رُبْعٍ مِن أرْباعِ الدُّنْيا، وهو بَعِيدٌ، وخُصِّصَتِ الجِبالُ بِعَدَدِ الأجْزاءِ، فَقِيلَ: أرْبَعَةٌ، قالَهُ قَتادَةُ، والرَّبِيعُ، وقِيلَ: سَبْعَةٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وقِيلَ: عَشَرَةٌ، قالَه أبُو عَبْدِ اللَّهِ الوَزِيرُ المَغْرِبِيُّ، وقالَ عَنْهُ في رَجُلٍ أوْصى بِجُزْءٍ مِن مالِهِ: إنَّهُ العُشْرُ، إذْ كانَتْ أشْلاءُ الطُّيُورِ عَشَرَةً. والظّاهِرُ أنَّهُ أُمِرَ أنْ يَجْعَلَ عَلى كُلِّ جَبَلٍ ثَلاثَةً مِمّا يُشاهِدُهُ بَصَرُهُ، بِحَيْثُ يَرى الأجْزاءَ، وكَيْفَ تَلْتَئِمُ إذا دَعا الطُّيُورَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (جُزْءًا) بِإسْكانِ الزّايِ وبِالهَمْزِ، وضَمَّ أبُو بَكْرٍ: الزّايَ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: (جُزًّا) بِحَذْفِ الهَمْزَةِ وتَشْدِيدِ الزّايِ، ووَجْهُهُ أنَّهُ حِينَ حَذَفَ ضَعَّفَ الزّايَ، كَما يَفْعَلُ في الوَقْفِ، كَقَوْلِكَ: هَذا فَرْجٌ، ثُمَّ أجْرى مَجْرى الوَقْفِ، و(اجْعَلْ)، هُنا يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى: ألْقِ، فَيَتَعَدّى لِواحِدٍ، ويَتَعَلَّقُ عَلى كُلِّ جَبَلٍ بِاجْعَلْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: صَيَّرَ، فَيَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، ويَكُونُ الثّانِي عَلى كُلِّ جَبَلٍ، فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ. ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ أمَرَهُ بِدُعائِهِنَّ وهُنَّ أمْواتٌ، لِيَكُونَ أعْظَمَ لَهُ في الآيَةِ، ولِتَكُونَ حَياتُها مُتَسَبِّبَةً عَنْ دُعائِهِ، ولِذَلِكَ رَتَّبَ عَلى دُعائِهِ إيّاهُنَّ إتْيانَهُنَّ إلَيْهِ، والسَّعْيُ هو الإسْراعُ في الشَّيْءِ. وقالَ الخَلِيلُ: لا يُقالُ: سَعى الطّائِرُ، يَعْنِي عَلى سَبِيلِ المَجازِ، فَيُقالُ: وتَرْشِيحُهُ هُنا هو أنَّهُ لَمّا دَعاهُنَّ فَأتَيْنَهُ تَنَزَّلْنَ مَنزِلَةَ العاقِلِ الَّذِي يُوصَفُ بِالسَّعْيِ، وكانَ إتْيانُهُنَّ مُسْرِعاتٍ في المَشْيِ أبْلَغَ في الآيَةِ، إذْ إتْيانُهُنَّ إلَيْهِ مِنَ الجِبالِ يَمْشِينَ مُسْرِعاتٍ هو عَلى خِلافِ المَعْهُودِ لَهُنَّ مِنَ الطَّيَرانِ، ولِيُظْهِرَ بِذَلِكَ عِظَمَ الآيَةِ، إذْ أخْبَرَهُ أنَّهُنَّ يَأْتِينَ عَلى خِلافِ عادَتِهِنَّ مِنَ الطَّيَرانِ، فَكانَ كَذَلِكَ، وجَعَلَ سَيْرَهُنَّ إلَيْهِ سَعْيًا؛ إذْ هو مِشْيَةُ المُجِدِّ الرّاغِبِ فِيما يَمْشِي إلَيْهِ؛ لِإظْهارِ جِدِّها في قَصْدِ إبْراهِيمَ، وإجابَةِ دَعْوَتِهِ. وانْتِصابُ (سَعْيًا) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ الطُّيُورِ، أيْ: ساعِياتٍ، ورُوِيَ عَنِ الخَلِيلِ: أنَّ المَعْنى يَأْتِينَكَ وأنْتَ تَسْعى سَعْيًا، فَعَلى هَذا يَكُونُ مَصْدَرُ الفِعْلِ مَحْذُوفًا، هو في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الكافِ، وكانَ المَعْنى: يَأْتِينَكَ وأنْتَ ساعٍ إلَيْهِنَّ، أيْ: يَكُونُ مِنهُنَّ إتْيانٌ إلَيْكَ، ومِنكَ سَعْيٌ إلَيْهِنَّ، فَتَلْتَقِي بِهِنَّ. والوَجْهُ الأوَّلُ أظْهَرُ، وقِيلَ: انْتَصَبَ (p-٣٠١)(سَعْيًا) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ؛ لِأنَّ السَّعْيَ والإتْيانَ مُتَقارِبانِ. ورُوِيَ في قَصَصِ الآيَةِ أنَّ إبْراهِيمَ أخَذَ هَذِهِ الطُّيُورَ وذَكاها وقَطَعَها قِطَعًا صِغارًا، وجَمَعَ ذَلِكَ مَعَ الدَّمِ والرِّيشِ، وجَعَلَ مِن ذَلِكَ المَجْمُوعِ المُخْتَلِطِ جُزْءًا عَلى كُلِّ جَبَلٍ، ووَقَفَ هو مِن حَيْثُ يَرى الأجْزاءَ، وأمْسَكَ رُءُوسَ الطَّيْرِ في يَدِهِ ثُمَّ قالَ: تَعالَيْنَ بِإذْنِ اللَّهِ فَتَطايَرَتْ تِلْكَ الأجْزاءُ، وصارَ الدَّمُ إلى الدَّمِ، والرِّيشُ إلى الرِّيشِ، حَتّى التَأمَتْ كَما كانَتْ أوَّلًا، بَقِيَتْ بِلا رُءُوسٍ، ثُمَّ كَرَّرَ النِّداءَ فَجاءَتْهُ سَعْيًا حَتّى وُضِعَتْ أجْسادُها في رُءُوسِها، وطارَتْ بِإذْنِ اللَّهِ. وزادَ النَّحاسُ: أنَّ إبْراهِيمَ كانَ إذا أشارَ إلى واحِدٍ مِنها بِغَيْرِ رَأْسِهِ تَباعَدَ الطّائِرُ، وإذا أشارَ إلَيْهِ بِرَأْسِهِ قَرُبَ مِنهُ حَتّى لَقِيَ كُلُّ طائِرٍ رَأْسَهُ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ: ذَبَحَهُنَّ ونَحَزَ أجَزاءَهُنَّ في المِنحازِ - يَعْنِي الهاوُنَ - إلّا رُءُوسَهُنَّ، وجَعَلَ ذَلِكَ المُخْتَلِطَ عَشَرَةَ أجْزاءٍ عَلى عَشَرَةِ جِبالٍ، ثُمَّ جَعَلَ مَناقِيرَهُنَّ بَيْنَ أصابِعِهِ، ثُمَّ دَعاهُنَّ فَأتَيْنَ سَعْيًا يَتَطايَرُ اللَّحْمُ إلى اللَّحْمِ، والرِّيشُ إلى الرِّيشِ، والجِلْدُ إلى الجِلْدِ، بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى. وأجْمَعَ أهْلُ التَّفْسِيرِ أنَّ إبْراهِيمَ قَطَعَ أعْضاءَها ولُحُومَها ورِيشَها وخَلَطَ بَعْضَها بِبَعْضٍ مَعَ دِمائِها، وأنْكَرَ ذَلِكَ أبُو مُسْلِمٍ، وقالَ: لَمّا طَلَبَ إبْراهِيمُ إحْياءَ المَيِّتِ مِنَ اللَّهِ، أراهُ مِثالًا قَرَّبَ بِهِ الأمْرَ عَلَيْهِ، والمُرادُ بِـ ﴿فَصُرْهُنَّ إلَيْكَ﴾ أمِلْهُنَّ، ومُرْ بِهِنَّ عَلى الإجَـابَةِ بِحَيْثُ يَصِرْنَ إذا دَعَوْتَهُنَّ أجَبْنَكَ، فَإذا صِرْنَ كَذَلِكَ فاجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنهُنَّ واحِدًا مِنها حالَ حَياتِهِ، ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا، والغَرَضُ مِنهُ ذِكْرُ مِثالٍ مَحْسُوسٍ في عَوْدِ الأرْواحِ إلى الأجْسادِ عَلى سَبِيلِ السُّهُولَةِ، وأنْكَرَ القَوْلَ بِالتَّقْطِيعِ، قالَ: لِأنَّ المَشْهُورَ في اللُّغَةِ في (فَصُرْهُنَّ) أمْلِهُنَّ وأمّا التَّقْطِيعُ والذَّبْحُ، فَلَيْسَ في اللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، وبِأنَّهُ لَوْ كانَ المَعْنى: قَطِّعْهُنَّ، لَمْ يَقُلْ: إلَيْكَ، وتَعْلِيقُهُ بِخُذْ خِلافُ الظّاهِرِ، وبِأنَّ الضَّمِيرَ في ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ﴾ وفي يَأْتِينَكَ عائِدٌ إلَيْها لا إلى الأجْزاءِ وعَوْدُهُ عَلى الأجْزاءِ المُتَفَرِّقَةِ خِلافُ الظّاهِرِ، ولا دَلِيلَ فِيما ذُكِرَ، واحْتَجَّ الأوَّلُ بِإجْماعِ المُفَسِّرِينَ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَ أبِي مُسْلِمٍ عَلى التَّقْطِيعِ، وبِأنَّ ما ذَكَرَهُ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِإبْراهِيمَ، فَلا مَزِيَّةَ لَهُ، وبِأنَّهُ سَألَهُ أنْ يُرِيَهُ كَيْفَ يُحْيِي المَوْتى، ولا إراءَةَ فِيما ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ. واحْتَجَّ لِلْقَوْلِ الأوَّلِ بِإجْماعِ المُفَسِّرِينَ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ، والظّاهِرُ أنَّهُ أُجِيبَ بِأنَّ ظاهِرَ: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنهُنَّ جُزْءًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ تِلْكَ الطُّيُورَ جُعِلَتْ جُزْءًا جُزْءًا؛ لِأنَّ الواحِدَ مِنها سُمِّيَ جُزْءًا، وجُعِلَ كُلُّ واحِدٍ عَلى جَبَلٍ. ﴿واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (عَزِيزٌ) لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ ما يُرِيدُ، (حَكِيمٌ) فِيما يُرِيدُ ويُمَثِّلُ، والعِزَّةُ تَتَضَمَّنُ القُدْرَةَ؛ لِأنَّ الغَلَبَةَ تَكُونُ عَنِ العِزَّةِ، وقِيلَ: (عَزِيزٌ) مُنْتَقِمٌ مِمَّنْ يُنْكِرُ بَعْثَ الأمْواتِ، حَكِيمٌ في نَشْرِ العِظامِ الرُّفاتِ. وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ القِصَصُ الثَّلاثُ، مِن فَصِيحِ المُحاوَرَةِ بِذِكْرِ (قالَ) سُؤالًا وجَوابًا، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن غَيْرِ عَطْفٍ؛ إذْ لا يُحْتاجُ إلى التَّشْرِيكِ بِالحَرْفِ إلّا إذا كانَ الكَلامُ بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يُشْرِكْ لَمْ يَسْتَقِلْ، فَيُؤْتى بِحَرْفِ التَّشْرِيكِ لِيَدُلَّ عَلى مَعْناهُ، أمّا إذا كانَ المَعْنى يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، فالأحْسَنُ تَرْكُ الحَرْفِ إذا كانَ أخَذَ بَعْضُهُ بِعُنُقِ بَعْضٍ، ومُرَتَّبٌ بَعْضُهُ مِن حَيْثُ المَعْنى عَلى بَعْضٍ، وقَدْ أشَرْنا إلى شَيْءٍ مِن هَذا في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] ومِمّا جاءَ ذَلِكَ فِيهِ كَثِيرًا مُحاوَرَةُ مُوسى وفِرْعَوْنَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ وسَيَأْتِي تَفْسِيرُ ذَلِكَ إنَّ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

البقرة 2:261

﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أنْفَقُوا مَنًّا ولا أذًى لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٢] ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ومَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى واللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٣] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٦٤] ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ وتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٦٥] ﴿أيَوَدُّ أحَدُكم أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهُ فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ وأصابَهُ الكِبَرُ ولَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأصابَها إعْصارٌ فِيهِ نارٌ فاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٦] (p-٣٠٢)الحَبَّةُ: اسْمُ جِنْسٍ لِكُلِّ ما يَزْرَعُهُ ابْنُ آدَمَ ويَقْتاتُهُ، وأشْهَرُ ذَلِكَ البُرُّ، وكَثِيرًا ما يُرادُ بِالحَبِّ، ومِنهُ قَوْلُ المُتَلَمِّسِ: ؎آلَيْتُ حَبَّ العِراقِ الدَّهْرَ أُطْعَمُهُ والحَبُّ يَأْكُلُهُ في القَرْيَةِ السُّوسُ وحَبَّةُ القَلْبِ سُوَيْداؤُهُ، والحِبَّةُ بِكَسْرِ الحاءِ بُذُورُ البَقْلِ مِمّا لَيْسَ بِقُوتٍ، والحُبَّةُ بِالضَّمِّ الحُبُّ والحُبُّ الحَبِيبُ. الإنْباتُ: الإخْراجُ عَلى سَبِيلِ التَّوَلُّدِ. السُّنْبُلَةُ: مَعْرُوفَةٌ، ووَزْنُها فُنْعُلَةٌ، فالنُّونُ زائِدَةٌ بِذَلِكَ عَلى قَوْلِهِمْ: أسْبَلَ الزَّرْعُ أرْسَلَ ما فِيهِ كَما يَنْسَبِلُ الثَّوْبُ، وحَكى بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ سَنْبَلَ الزَّرْعَ. قالَ بَعْضُ أصْحابِنا: النُّونُ أصْلِيَّةٌ، ووَزْنُهُ فَعْلَلَ؛ لِأنَّ فَنَعْلَ لَمْ يَثْبُتْ فَيَكُونُ مَعَ أسْبَلَ كَسِبْطٍ وسِبَطَرٍ. المَنُّ: ما يُوزَنُ بِهِ، والمَنُّ قَدَرُ الشَّيْءِ ووَزْنُهُ، والمَنُّ والمِنَّةُ النِّعْمَةُ، مَنَّ عَلَيْهِ أنْعَمَ. ومِن أسْمائِهِ تَعالى: المَنّانُ، والمَنُّ النَّقْصُ مِنَ الحَقِّ والبَخْسُ لَهُ، ومِنهُ المَنُّ المَذْمُومُ، وهو ذِكْرُ المِنَّةِ لِلْمُنْعَمِ عَلَيْهِ عَلى سَبِيلِ الفَخْرِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، والِاعْتِدادِ عَلَيْهِ بِإحْسانِهِ، وأصْلُ المَنِّ القَطْعُ؛ لِأنَّ المُنْعِمَ يَقْطَعُ قِطْعَةً مِن مالِهِ لِمَن يُنْعَمُ عَلَيْهِ. الغَنِيُّ، فَعِيلٌ لِلْمُبالَغَةِ مِن غِنى وهو الَّذِي لا حاجَةَ لَهُ إلى أحَدٍ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎كِلانا غَنِيٌّ عَنْ أخِيهِ حَياتُهُ ويُقالُ: غَنِيٌّ أقامَ بِالمَكانِ، والغانِيَةُ هي الَّتِي غَنِيَتْ بِحُسْنِها عَنِ التَّحَسُّنِ. الرِّئاءُ: فِعالٌ مَصْدَرٌ مِن راءٍ مِنَ الرُّؤْيَةِ، ويَجُوزُ إبْدالُ هَمْزَتِهِ ياءً لِكَسْرَةِ ما قَبْلَها، وهو أنْ يَرى النّاسَ ما يَفْعَلُهُ مِنَ البِرِّ حَتّى يُثْنُوا عَلَيْهِ ويُعَظِّمُوهُ بِذَلِكَ لا نِيَّةَ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ. الصَّفْوانُ: الحَجَرُ الكَبِيرُ الأمْلَسُ، وتَحْرِيكُ فائِهِ بِالفَتْحِ لُغَةٌ، وقِيلَ: هو اسْمُ جِنْسٍ واحِدُهُ صَفْوانَةٌ. وقالَ الكِسائِيُّ: الصَّفْوانُ واحِدُهُ صَفِيٌّ، وأنْكَرَهُ المُبَرِّدُ وقالَ: صُفِيٌّ جَمْعُ صَفا نَحْوَ: عَصا وعُصِيٍّ، وقَفا وقُفِيٍّ. وقالَ الكِسائِيُّ أيْضًا: صَفْوانٌ واحِدٌ، وجَمْعُهُ صِفْوانٌ بَكَسْرِ الصّادِ. وقالَهُ النَّحاسُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَكْسُورُ الصّادِ واحِدًا. وما قالَهُ الكِسائِيُّ غَيْرُ صَحِيحٍ، بَلْ صَفْوانٌ جَمْعٌ لِصَفا. كَوَرَلٍ ووِرْلانِ، وأخٍ وإخْوانٍ. وكَرى وكَرَوانِ. التُّرابُ: مَعْرُوفٌ ويُقالُ فِيهِ تَوْرابٌ، وتَرِبَ الرَّجُلُ افْتَقَرَ، واتَّرَبَ اسْتَغْنى، الهَمْزَةُ فِيهِ لِلسَّلْبِ، أيْ: زالَ عَنْهُ التُّرْبُ وهو الفَقْرُ، وإذا زالَ عَنْهُ كانَ غَنِيًّا. الوابِلُ: المَطَرُ الشَّدِيدُ، وبَلَتِ السَّماءُ تَبِلُّ، والأرْضُ مَوْبُولَةٌ. وقالَ النَّضْرُ: أوَّلُ ما يَكُونُ المَطَرُ رَشًّا، ثُمَّ طَسًّا، ثُمَّ طَلًّا، ورَذاذًا، ثُمَّ نَضْحًا وهو قَطْرَتَيْنِ قَطْرَتَيْنِ، ثُمَّ هَطْلًا وتَهْتانًا، ثُمَّ وابِلًا وُجُودًا. والوَبِيلُ: الوَخِيمُ، والوَبِيلُ: العَصا الغَلِيظَةُ، والوَبِيلَةُ حُزْمَةُ الحَطَبِ. الصَّلْدُ: الأجْرَدُ الأمْلَسُ النَّقِيُّ مِنَ التُّرابِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ، ومِنهُ صَلَدَ جَبِينُ الأصْلَعِ بَرَقَ. يُقالُ: صَلَدَ يَصْلُدُ صَلَدًا، بِتَحْرِيكِ اللّامِ فَهو صَلْدٌ بِالإسْكانِ. وقالَ النَّقّاشُ: الصَّلْدُ الأجْرَدُ بِلُغَةِ هُذَيْلٍ. وحَكى أبانُ بْنُ تَغْلِبٍ: أنَّ الصَّلْدَ هو اللَّيِّنُ مِنَ الحِجارَةِ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: الصَّلْدُ، الخالِي مِنَ الخَيْرِ مِنَ الحِجارَةِ والأرَضِينَ وغَيْرِهِما، ومِنهُ: قَدْرٌ صَلُودٌ: بَطِيئَةُ الغَلَيانِ. الرَّبْوَةُ: قالَ الخَلِيلُ: أرْضٌ مُرْتَفِعَةٌ طَيِّبَةٌ، ويُقالُ فِيها: الرِّباوَةُ، وتُثَلَّثُ الرّاءُ في اللُّغَتَيْنِ، ويُقالُ: رابِيَةٌ. قالَ الشّاعِرُ: ؎وغَيْثٍ مِنَ الوَسْمِيِّ حُوٍّ تِلاعُهُ ∗∗∗ أجابَتْ رَوابِيهِ النِّجا وهَواطِلُهُ وقالَ الأخْفَشُ: ويُخْتارُ الضَّمُّ في رَبْوَةٍ؛ لِأنَّهُ لا يَكادُ يُسْمَعُ في الجَمْعِ إلّا الرِّبا، وأصْلُهُ مِن رَبا الشَّيْءُ زادَ وارْتَفَعَ. وتَفْسِيرُ السُّدِّيِّ بِأنَّها: ما انْخَفَضَ مِنَ الأرْضِ لَيْسَ بِشَيْءٍ. الطَّلُّ: المُسْتَدَقُّ مِنَ القَطْرِ الخَفِيفِ، هَذا مَشْهُورُ اللُّغَةِ. وقالَ قَوْمٌ، مِنهم مُجاهِدٌ: الطَّلُّ النَّدى، وهَذا تَجَوُّزٌ. وفي (الصِّحاحِ): الطَّلُّ (p-٣٠٣)أضْعَفُ المَطَرِ، والجَمْعُ طِلالٌ، يُقالُ: طَلَّتِ الأرْضُ وهي مَطْلُولٌ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ولَمّا نَزَلْنا مَنزِلًا طَلَّهُ النَّدى ويُقالُ أيْضًا: أطَلَّها النَّدى، والطَّلَّةُ الزَّوْجَةُ. النَّخِيلُ: اسْمُ جَمْعٍ أوْ جَمْعُ تَكْسِيرٍ، كَنَخْلٍ اسْمُ الجِنْسِ، كَما قالُوا: كَلْبٌ وكُلَيْبٌ. قالَ الرّاغِبُ: سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ مَنخُولُ الأشْجارِ وصَفْوُها، وذَلِكَ أنَّهُ أكْرَمُ ما يَنْبُتُ، لِكَوْنِهِ مُشَبَّهًا لِلْحَيَوانِ في احْتِياجِ الأُنْثى مِنهُ إلى الفَحْلِ في التَّذْكِيرِ، أيِ: التَّلْقِيحِ، وأنَّهُ إذا قُطِعَ رَأْسُهُ لَمْ يُثْمِرْ. العِنَبُ: ثَمَرُ الكَرْمِ، وهو اسْمُ جِنْسٍ، واحِدُهُ عِنَبَةٌ، وجُمِعَ عَلى أعْنابٍ، ويُقالُ: عِنَباءُ بِالمَدِّ غِيرِ مُنْصَرِفٍ عَلى وزْنِ سِيَراءَ في مَعْنى العِنَبِ. الإعْصارُ: رِيحٌ شَدِيدَةٌ تَرْتَفِعُ فَيَرْتَفِعُ مَعَها غُبارٌ إلى السَّماءِ يُسَمِّيها العامَّةُ الزَّوْبَعَةُ، قالَهُ الزَّجّاجُ، وقِيلَ: الرِّيحُ السَّمُومُ الَّتِي تَقْتُلُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأنَّها تَعْصِرُ السَّحابَ، وجَمْعُها أعاصِيرُ. الِاحْتِراقُ: مَعْرُوفٌ وفِعْلُهُ لا يَتَعَدّى، ومُتَعَدِّيهِ رُباعِيٌّ، تَقُولُ: أحْرَقَتِ النّارُ الحَطَبَ والخُبْزَ، وحَرَقَ نابُ الرَّجُلِ، ثُلاثِيٌّ لازِمٌ، إذا احْتَكَّ بِغَيْرِهِ غَيْظًا، ومُتَعَدٍّ تَقُولُ: حَرَقَ الرَّجُلُ نابَهُ، حَكَّهُ بِغَيْرِهِ مِنَ الغَيْظِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎أبى الضَّيْمَ والنُّعْمانُ يَحْرِقُ نابَهُ ∗∗∗ عَلَيْهِ فَأفْضى والسُّيُوفُ مَعاقِلُهُ قَرَأْناهُ بِرَفْعِ النّابِ ونَصْبِهِ. ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها هي أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ قِصَّةَ المارِّ عَلى قَرْيَةٍ وقِصَّةَ إبْراهِيمَ، وكانا مِن أدَلِّ دَلِيلٍ عَلى البَعْثِ، ذَكَرَ ما يَنْتَفِعُ بِهِ يَوْمَ البَعْثِ، وما يَجِدُ جَدْواهُ هُناكَ، وهو الإنْفاقُ في سَبِيلِ اللَّهِ، كَما أعْقَبَ قِصَّةَ الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ وهم أُلُوفٌ حَذَرَ المَوْتِ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] وكَما أعْقَبَ قَتْلَ داوُدَ جالُوتَ، وقَوْلَهُ: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلُوا﴾ [البقرة: ٢٥٣] بِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤] فَكَذَلِكَ أعْقَبَ هُنا ذِكْرَ الإحْياءِ والإماتَةِ بِذِكْرِ النَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ؛ لِأنَّ ثَمَرَةَ النَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ إنَّما تَظْهَرُ حَقِيقَةً يَوْمَ البَعْثِ: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ [آل عمران: ٣٠] واسْتِدْعاءُ النَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ مُذَكِّرٌ بِالبَعْثِ، وخاضَ عَلى اعْتِقادِهِ؛ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَعْتَقِدْ وُجُودَهُ لَما كانَ يُنْفِقُ في سَبِيلِ اللَّهِ، وفي تَمْثِيلِ النَّفَقَةِ بِالحَبَّةِ المَذْكُورَةِ إشارَةٌ أيْضًا إلى البَعْثِ، وعَظِيمِ القُدْرَةِ، إذْ حَبَّةٌ واحِدَةٌ يُخْرِجُ اللَّهُ مِنها سَبْعَمِائَةِ حَبَّةٍ، فَمَن كانَ قادِرًا عَلى مِثْلِ هَذا الأمْرِ العُجابِ فَهو قادِرٌ عَلى إحْياءِ المَواتِ، وبِجامِعِ ما اشْتَرَكا فِيهِ مِنَ التَّغْذِيَةِ والنُّمُوِّ. ويُقالُ: لَمّا ذَكَرَ المَبْدَأ والمَعادَ، ودَلائِلَ صِحَّتِها، أتْبَعَ ذَلِكَ بِبَيانِ الشَّرائِعِ والأحْكامِ والتَّكالِيفِ، فَبَدَأ بِإنْفاقِ الأمْوالِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وأمْعَنَ في ذَلِكَ، ثُمَّ انْتَقَلَ إلى كَيْفِيَّةِ تَحْصِيلِ الأمْوالِ بِالوَجْهِ الَّذِي يَجُوزُ شَرْعًا. ولَمّا أجْمَلَ في ذِكْرِ التَّضْعِيفِ في قَوْلِهِ: ﴿أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥] وأطْلَقَ في قَوْلِهِ: ﴿أنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤] فَصَّلَ في هَذِهِ الآيَةِ، وقَيَّدَ بِذِكْرِ المُشَبَّهِ بِهِ، وما بَيْنَ الآياتِ دَلالَةٌ عَلى قُدْرَتِهِ عَلى الإحْياءِ والإماتَةِ، إذْ لَوْلا ذَلِكَ لَمْ يُحْسِنِ التَّكْلِيفَ كَما ذَكَرْناهُ، فَهَذِهِ وُجُوهٌ مِنَ المُناسَبَةِ والمَثَلُ هُنا الصِّفَةُ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ أيْ: كَصِفَةِ حَبَّةٍ، وتَقْدِيرُ زِيادَةِ الكافِ، أوْ زِيادَةِ مَثَلٍ، قَوْلٌ بَعِيدٌ، وهَذِهِ الآيَةُ شَبِيهَةٌ في تَقْدِيرِ الحَذْفِ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ [البقرة: ١٧١] فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الحَذْفُ مِنَ الأوَّلِ، أيْ: مَثَلُ مُنْفِقِ الَّذِينَ، أوْ مِنَ الثّانِي: أيْ كَمَثَلِ زارِعٍ حَتّى يَصِحَّ التَّشْبِيهُ، أوْ مِنَ الأوَّلِ ومِنَ الثّانِي بِاخْتِلافِ التَّقْدِيرِ، أيْ: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ ومُنْفِقُهم، كَمَثَلِ حَبَّةٍ وزارِعُها، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في تَقْرِيرِ هَذا الوَجْهِ في قِصَّةِ الكافِرِ والنّاعِقِ، فَيُطالَعُ (p-٣٠٤)هُناكَ، وهَذا المَثَلُ يَتَضَمَّنُ التَّحْرِيضَ عَلى الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ جَمِيعَ ما هو طاعَةٌ، وعائِدُ نَفْعِهِ عَلى المُسْلِمِينَ، وأعْظَمُها وأغْناها الجِهادُ لِإعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ وقِيلَ: المُرادُ: بِسَبِيلِ اللَّهِ، هُنا الجِهادُ خاصَّةً، وظاهِرُ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ يَقْتَفِي الفَرْضَ والنَّفْلَ، ويَقْتَضِي الإنْفاقَ عَلى نَفْسِهِ في الجِهادِ وغَيْرِهِ، والإنْفاقَ عَلى غَيْرِهِ لِيَتَقَوّى بِهِ عَلى طاعَةٍ مِن جِهادٍ أوْ غَيْرِهِ، وشُبِّهَ الإنْفاقُ بِالزَّرْعِ؛ لِأنَّ الزَّرْعَ لا يَنْقَطِعُ، وأظْهَرَ تاءَ التَّأْنِيثِ عِنْدَ السِّينِ الحَرَمِيّانِ، وعاصِمٌ، وابْنُ ذَكْوانَ، وأدْغَمَ الباقُونَ. ولِتُقارِبِ السِّينِ مِنَ التّاءِ أُبْدِلَتْ مِنها، النّاتُ والأكْياتُ في النّاسِ والأكْياسِ. ونُسِبَ الإنْباتُ إلى الحَبَّةِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، إذْ كانَتْ سَبَبًا لِلْإنْباتِ، كَما يُنْسَبُ ذَلِكَ إلى الماءِ والأرْضِ والمَنبَتُ هو اللَّهُ، والمَعْنى: أنَّ الحَبَّةَ خَرَجَ مِنها ساقٌ تَشَعَّبَ مِنها سَبْعَ شُعَبٍ، في كُلِّ شُعْبَةٍ سُنْبُلَةٌ، في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ، وهَذا التَّمْثِيلُ تَصْوِيرٌ لِلْأضْعافِ كَأنَّها ماثِلَةٌ بَيْنَ عَيْنَيِ النّاظِرِ، قالُوا: والمُمَثَّلُ بِهِ مَوْجُودٌ، شُوهِدَ ذَلِكَ في سُنْبُلَةِ الجاوَرْسِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو مَوْجُودٌ في الدُّخْنِ والذُّرَةِ وغَيْرِهِما، ورُبَّما فُرِّخَتْ ساقُ البُرَّةِ في الأراضِي القَوِيَّةِ المُغِلَّةِ، فَبَلَغَ حَبُّها هَذا المَبْلَغَ، ولَوْ لَمْ يُوجَدْ لَكانَ صَحِيحًا في سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ، انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ ابْنُ عِيسى: ذَلِكَ يَتَحَقَّقُ في الدُّخْنِ، عَلى أنَّ التَّمْثِيلَ يَصِحُّ بِما يُتَصَوَّرُ، وإنْ لَمْ يُعايَنْ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎فَما تَدُومُ عَلى عَهْدٍ تَكُونُ بِهِ ∗∗∗ كَما تَلَوَّنُ في أثْوابِها الغُولُ انْتَهى كَلامُهُ، وكَما قالَ امْرِؤُ القَيْسِ: ؎أيَقْتُلُنِي والمَشْرَفِيُّ مُضاجِعِي ∗∗∗ ومَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كَأنْيابِ أغْوالِ وخَصَّ سَبْعًا مِنَ العَدَدِ؛ لِأنَّهُ كَما ذَكَرَ، وأقْصى ما تُخْرِجُهُ الحَبَّةُ مِنَ الأسْؤُقِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قَدْ يُوجَدُ في سُنْبُلِ القَمْحِ ما فِيهِ مِائَةُ حَبَّةٍ، وأمّا في سائِرِ الحُبُوبِ فَأكْثَرُ، ولَكِنَّ المِثالَ وقَعَ بِمِائَةٍ، وقَدْ ورَدَ القُرْآنُ بِأنَّ الحَسَنَةَ في جَمِيعِ أعْمالِ البِرِّ بِعَشَرَةِ أمْثالِها، واقْتَضَتْ هَذِهِ الآيَةُ أنَّ نَفَقَةَ الجِهادِ بِسَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، ومِن ذَلِكَ الحَدِيثُ الصَّحِيحُ، انْتَهى ما ذَكَرَهُ، قِيلَ: واخْتَصَّ هَذا العَدَدَ؛ لِأنَّ السَّبْعَ أكْثَرُ أعْدادِ العَشَرَةِ، والسَبْعِينَ أكْثَرُ أعْدادِ المِائَةِ، وسَبْعُ المِائَةِ أكْثَرُ أعْدادِ الألْفِ، والعَرَبُ كَثِيرًا ما تُراعِي هَذِهِ الأعْدادَ، قالَ تَعالى: ﴿سَبْعَ سَنابِلَ﴾ و﴿سَبْعَ لَيالٍ﴾ [الحاقة: ٧] و(سَبْعَ سُنْبُلاتٍ) و﴿سَبْعَ بَقَراتٍ﴾ [يوسف: ٤٣] و﴿سَبْعَ سَماواتٍ﴾ [البقرة: ٢٩] و﴿سَبْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف: ٤٧] و﴿إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [التوبة: ٨٠] ﴿ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا﴾ [الحاقة: ٣٢] وفي الحَدِيثِ: «إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ»، «إلى سَبْعَةِ آلافٍ» «إلى ما لا يُحْصِي عَدَدَهُ إلّا اللَّهُ» . وأتى التَّمْيِيزُ هُنا بِالجَمْعِ الَّذِي لا نَظِيرَ لَهُ في الآحادِ، وفي سُورَةِ يُوسُفَ بِالجَمْعِ بِالألِفِ والتّاءِ في قَوْلِهِ: ﴿وسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ﴾ [يوسف: ٤٣] . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: هَلّا قِيلَ: (سَبْعَ سُنْبُلاتٍ) عَلى حَقِّهِ مِنَ التَّمْيِيزِ لِجَمْعِ القِلَّةِ، كَما قالَ: ﴿وسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ﴾ [يوسف: ٤٣] ؟ قُلْتُ: هَذا لَمّا قُدِّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] مِن وُقُوعِ أمْثِلَةِ الجَمْعِ مُتَعاوِرَةٍ مَواقِعُها، انْتَهى كَلامُهُ. فَجُعِلَ هَذا مِن بابِ الِاتِّساعِ، ووُقُوعِ أحَدِ الجَمْعَيْنِ مَوْقِعَ الآخَرِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، إذْ كانَ حَقُّهُ أنْ يُمَيَّزَ بِأقَلِّ الجَمْعِ؛ لِأنَّ السَّبْعَ مِن أقَلِّ العَدَدِ، وهَذا الَّذِي قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لَيْسَ عَلى إطْلاقِهِ، فَنَقُولُ: جَمْعُ السَّلامَةِ بِالواوِ والنُّونِ، أوْ بِالألِفِ والتّاءِ، لا يُمَيَّزُ بِهِ مِن ثَلاثَةٍ إلى عَشَرَةٍ إلّا إذا لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ المُفْرَدِ جَمْعٌ غَيْرُ هَذا الجَمْعِ، أوْ جاوَرَ ما أُهْمِلَ فِيهِ هَذا الجَمْعُ، وإنْ كانَ المُجاوِرُ لَمْ يُهْمَلْ فِيهِ هَذا الجَمْعُ، فَمِثالُ الأوَّلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَبْعَ سَماواتٍ﴾ [البقرة: ٢٩] فَلَمْ يَجْمَعْ سَماءَ هَذِهِ المَظَلَّةِ سِوى هَذا الجَمْعِ وأمّا قَوْلُهُ: ؎فَوْقَ سَبْعِ سَمائِيّا فَنَصُّوا عَلى شُذُوذِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَبْعَ بَقَراتٍ﴾ [يوسف: ٤٣] و﴿تِسْعَ آياتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١] و(خَمْسَ صَلَواتٍ)؛ لِأنَّ البَقَرَةَ والآيَةَ والصَّلاةَ لَيْسَ لَها سِوى هَذا الجَمْعِ، ولَمْ يُجْمَعْ عَلى غَيْرِهِ. ومِثالُ الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ﴾ [يوسف: ٤٣] لَمّا عُطِفَ عَلى: ﴿سَبْعَ بَقَراتٍ﴾ [يوسف: ٤٣] وجاوَرَهُ حَسُنَ فِيهِ جَمْعُهُ بِالألِفِ والتّاءِ، ولَوْ كانَ لَمْ يَعْطِفْ ولَمْ يُجاوِرْ لَكانَ: (سَبْعَ سَنابِلَ)، كَما في هَذِهِ الآيَةِ، ولِذَلِكَ إذا عُرِّيَ عَنِ المُجاوِرِ جاءَ عَلى (p-٣٠٥)مَفاعِلَ في الأكْثَرِ والأوْلى وإنْ كانَ يُجْمَعُ بِالألِفِ والتّاءِ، مِثالُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَبْعَ طَرائِقَ﴾ [المؤمنون: ١٧] و﴿سَبْعَ لَيالٍ﴾ [الحاقة: ٧] ولَمْ يَقُلْ: طَرِيقاتٌ، ولا لَيْلاتٌ، وإنْ كانَ جائِزًا في جَمْعِ طَرِيقَةٍ ولَيْلَةٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَشَرَةِ مَساكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩]، وإنْ كانَ جائِزًا في جَمْعِهِ أنْ يَكُونَ جَمْعَ سَلامَةٍ، فَتَقُولُ: مِسْكِينُونَ ومِسْكِينِينَ، وقَدْ آثَرُوا ما لا يُماثِلُ مَفاعِلَ مِن جُمُوعِ الكَثْرَةِ عَلى جَمْعِ التَّصْحِيحِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ مُجاوِرٌ يُقْصَدُ مُشاكَلَتُهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثَمانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧] وإنْ كانَ جائِزًا فِيهِ أنْ يُجْمَعَ بِالألِفِ والتّاءِ؛ لِأنَّ مُفْرَدَهُ حَجَّةٌ، فَتَقُولُ: حَجّاتٌ، فَعَلى هَذا الَّذِي تَقَرَّرَ إذا كانَ لِلِاسْمِ جَمْعانِ: جَمْعُ تَصْحِيحٍ، وجَمْعُ تَكْسِيرٍ، فَجَمْعُ التَّكْسِيرِ إمّا أنْ يَكُونَ لِلْكَثْرَةِ أوْ لِلْقِلَّةِ، فَإنْ كانَ لِلْكَثْرَةِ، فَإمّا أنْ يَكُونَ مِن بابِ مَفاعِلَ، أوْ مِن غَيْرِ بابِ مَفاعِلَ، إنْ كانَ مِن بابِ مَفاعِلَ أُوثِرَ عَلى جَمْعِ التَّصْحِيحِ، فَتَقُولُ: جاءَنِي ثَلاثَةُ أحامِدَ، وثَلاثُ زَيانِبَ، ويَجُوزُ التَّصْحِيحُ عَلى قِلَّةٍ، فَتَقُولُ: جاءَنِي ثَلاثَةُ أحامِدَ، وثَلاثُ زَيْنَباتٍ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن بابِ مَفاعِلَ، فَإمّا أنْ يَكْثُرَ فِيهِ غَيْرُ التَّصْحِيحِ، وغَيْرُ جَمْعِ الكَثْرَةِ، فَلا يَجُوزُ التَّصْحِيحُ، ولا جَمْعُ الكَثْرَةِ إلّا قَلِيلًا، مِثالُ ذَلِكَ: جاءَنِي ثَلاثَةُ زُيُودٍ، وثَلاثُ هُنُودٍ، وعِنْدِي ثَلاثَةُ أفْلُسٍ، ولا يَجُوزُ: ثَلاثَةُ زَيْدِينَ، ولا ثَلاثُ هِنْداتٍ، ولا ثَلاثَةُ فُلُوسٍ، إلّا قَلِيلًا. وإنْ قَلَّ فِيهِ غَيْرُ التَّصْحِيحِ، وغَيْرُ جَمْعِ الكَثْرَةِ أُوثِرَ التَّصْحِيحُ وجَمْعُ الكَسْرَةِ، مِثالُ ذَلِكَ: ثَلاثُ سُعاداتٍ، وثَلاثَةُ شُسُوعٍ، ويَجُوزُ عَلى قِلَّةٍ: ثَلاثُ سَعائِدَ، وثَلاثَةُ أُشْسُعٍ، وتَحَصَّلَ مِن هَذا الَّذِي قَرَّرْناهُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿سَبْعَ سَنابِلَ﴾ جاءَ عَلى ما تَقَرَّرَ في العَرَبِيَّةِ مِن كَوْنِهِ جَمْعًا مُتَناهِيًا، وأنَّ قَوْلَهُ: (سَبْعَ سُنْبُلاتٍ) إنَّما جازَ لِأجْلِ مُشاكَلَةِ: ﴿سَبْعَ بَقَراتٍ﴾ [يوسف: ٤٣] ومُجاوَرَتِهِ، فَلَيْسَ اسْتِعْذارُ الزَّمَخْشَرِيِّ بِصَحِيحٍ، و﴿فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ: لِـ (سَنابِلَ) فَتَكُونُ في مَوْضِعِ جَرٍّ، أوْ لِـ (سَبْعَ) فَيَكُونُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وتَرْتَفِعُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ (مِائَةُ) عَلى الفاعِلِ؛ لِأنَّ الجارَ قَدِ اعْتَمَدَ بِكَوْنِهِ صِفَتَهُ، وهو أحْسَنُ مِن أنْ يَرْتَفِعَ عَلى الِابْتِداءِ، و(في كُلِّ) خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ صِفَةٌ؛ لِأنَّ الوَصْفَ بِالمُفْرَدِ أوْلى مِنَ الوَصْفِ بِالجُمْلَةِ، ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ، أيْ: في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِنها، أيْ: مِنَ السَّنابِلِ. وقُرِئَ شاذًّا: (مِائَةَ حَبَّةٍ) بِالنَّصْبِ، وقُدِّرَ بِأخْرَجَتْ، وقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ بِأنْبَتَتْ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الحَبَّةِ، وجَوَّزَ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى البَدَلِ مِن: ﴿سَبْعَ سَنابِلَ﴾ وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّهُ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ؛ لِأنَّ ﴿مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ لَيْسَ نَفْسَ ﴿سَبْعَ سَنابِلَ﴾ ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ؛ لِأنَّهُ لا ضَمِيرَ في البَدَلِ يَعُودُ عَلى المُبَدَّلِ مِنهُ، ولَيْسَ: ﴿مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ بَعْضًا مِن ﴿سَبْعَ سَنابِلَ﴾ لِأنَّ المَظْرُوفَ لَيْسَ بَعْضًا مِنَ الظَّرْفِ، والسُّنْبُلَةُ ظَرْفٌ لِلْحَبِّ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ بَدَلَ اشْتِمالٍ لِعَدَمِ عَوْدِ الضَّمِيرِ مِنَ البَدَلِ عَلى المُبَدَّلِ مِنهُ، ولِأنَّ المُشْتَمِلَ عَلى مِائَةِ حَبَّةٍ هو سُنْبُلَةٌ مِن سَبْعِ سَنابِلَ، إلّا إنْ قِيلَ: المُشْتَمِلُ عَلى المُشْتَمِلِ عَلى الشَّيْءِ هو مُشْتَمِلٌ عَلى ذَلِكَ الشَّيْءِ، والسُّنْبُلَةُ مُشْتَمِلٌ عَلى سَبْعِ سَنابِلَ، فالسَّبْعُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى حَبِّ السُّنْبُلَةِ، فَإنْ قَدَّرْتَ في الكَلامِ مَحْذُوفًا، وهو أنْبَتَتْ حَبَّ سَبْعِ سَنابِلَ، جازَ أنْ يَكُونَ ﴿مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ عَلى حَذْفِ: (حَبَّ)، وإقامَةُ (سَبْعَ) مَقامَهُ، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ العَدَدُ المَعْرُوفُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ التَّكْثِيرَ، كَأنَّهُ قِيلَ: في كُلِّ سُنْبُلَةٍ حَبٌّ كَثِيرٌ؛ لِأنَّ العَرَبَ تُكْثِرُ بِالمِائَةِ، وتَقَدَّمَ لَنا ذِكْرُ نَحْوِ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وهم أُلُوفٌ حَذَرَ المَوْتِ﴾ [البقرة: ٢٤٣] . قِيلَ: وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ اتِّخاذَ الزَّرْعِ مِن أعْلى الحَرْفِ الَّتِي يَتَّخِذُها النّاسُ، ولِذَلِكَ ضَرَبَ اللَّهُ بِهِ المَثَلَ في قَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمْ﴾ الآيَةَ. وفي (صَحِيحِ مُسْلِمٍ) «ما مِن مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا أوْ يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُلُ مِنهُ طَيْرٌ أوْ إنْسانٌ أوْ بَهِيمَةٌ إلّا كانَ لَهُ صَدَقَةً» . وفي رِوايَةٍ أُخْرى: «وما رُزِئَ فَهو صَدَقَةٌ» . وفي التِّرْمِذِيِّ: «التَمِسُوا الرِّزْقَ في خَبايا الأرْضِ» يَعْنِي: الزَّرْعَ، وقالَ بَعْضُهم، وقَدْ قالَ لَهُ رَجُلٌ: دُلَّنِي عَلى عَمَلٍ أُعالِجُهُ، فَقالَ: ؎تَتَبَّعْ خَبايا الأرْضِ وادْعُ مَلِيكَها ∗∗∗ لَعَلَّكَ يَوْمًا أنْ تُجابَ وتُرْزَقا (p-٣٠٦)والزَّرْاعَةُ مِن فُرُوضِ الكِفايَةِ، فَيُجْبَرُ عَلَيْها بَعْضُ النّاسِ إذا اتَّفَقُوا عَلى تَرْكِها. ﴿واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ﴾ أيْ: هَذا التَّضْعِيفَ؛ إذْ لا تَضْعِيفَ فَوْقَ سَبْعِمِائَةٍ، وقِيلَ: يُضاعِفُ أكْثَرَ مِن هَذا العَدَدِ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ التَّضْعِيفَ يَنْتَهِي لِمَن شاءَ اللَّهُ إلى ألْفَيْ ألْفٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَيْسَ هَذا بِثابِتِ الإسْنادِ عَنْهُ، انْتَهى. وقالَ الضَّحّاكُ: يُضاعِفُ إلى أُلُوفِ الأُلُوفِ، وخَرَّجَ أبُو حاتِمٍ في صَحِيحِهِ المُسَمّى (بِالتَّقاسِيمِ والأنْواعِ) عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”رَبِّ زِدْ أُمَّتِي“ . فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [الزمر: ١٠]» وفي (سُنَنِ النَّسائِيِّ) قَرِيبٌ مِن هَذا، إلّا أنَّهُ ذَكَرَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ نُزُولَ ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥] . وقَوْلُهُ: ﴿لِمَن يَشاءُ﴾ أيْ: لِمَن يَشاءُ التَّضْعِيفَ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى حَذْفِ ذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى وإرادَتِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: يُضاعِفُ تِلْكَ المُضاعَفَةَ لا لِكُلِّ مُنْفِقٍ، لِتَفاوُتِ أحْوالِ المُنْفِقِينَ، أوْ يُضاعِفُ سَبْعَ المِائَةِ ويَزِيدُ عَلَيْها أضْعافًا لِمَن يَسْتَوْجِبُ ذَلِكَ، انْتَهى. فَقَوْلُهُ: لِمَن يَسْتَوْجِبُ ذَلِكَ، فِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. ﴿واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ: واسْعٌ بِالعَطاءِ، عَلِيمٌ بِالنِّيَّةِ، وقِيلَ: واسْعُ القُدْرَةِ عَلى المُجازاةِ، عَلِيمٌ بِمَقادِيرِ المُنْفَقاتِ وما يُرَتِّبُ عَلَيْها مِنَ الجَزاءِ.

البقرة 2:262

﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أنْفَقُوا مَنًّا ولا أذًى﴾ . قِيلَ: نَزَلَتْ في عُثْمانَ، وقِيلَ: في عَلِيِّ، وقِيلَ: في عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وعُثْمانَ، جاءَ ابْنُ عَوْفٍ في غَزْوَةِ تَبُوكَ بِأرْبَعَةِ آلافِ دِرْهَمٍ وتَرَكَ عِنْدَهُ مِثْلَها، وجاءَ عُثْمانُ بِألْفِ بَعِيرٍ بِأقْتابِها وأحْلاسِها، وتَصَدَّقَ بِرُومَةَ رَكِيَّةً كانَتْ لَهُ تَصَدَّقَ بِها عَلى المُسْلِمِينَ، وقِيلَ: جاءَ عُثْمانُ بِألْفِ دِينارٍ فَصَبَّها في حِجْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمّا شَبَّهَ تَعالى صِفَةَ المُنْفِقِ في سَبِيلِ اللَّهِ بِزارِعِ الحَبَّةِ الَّتِي أنْجَبَتْ في تَكْثِيرِ حَسَناتِهِ كَكَثْرَةِ ما أخْرَجَتِ الحَبَّةُ، وكانَ ذَلِكَ عَلى العُمُومِ، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ ذَلِكَ إنَّما هو لِمَن لا يُتْبِعُ إنْفاقَهُ مَنًّا ولا أذًى؛ لِأنَّهُما مُبْطِلانِ لِلصَّدَقَةِ، كَما أخْبَرَ تَعالى في الآيَةِ بَعْدَ هَذا، بَلْ يُراعى جِهَةُ الِاسْتِحْقاقِ لا جَزاءَ مِنَ المُنْفِقِ عَلَيْهِ ولا شُكْرًا لَهُ، فَيَكُونُ قَصْدُهُ خالِصًا لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى، فَإذا التَمَسَ بِإنْفاقِهِ الشُّكْرَ والثَّناءَ كانَ صاحِبَ سُمْعَةٍ ورِياءٍ، وإنِ التَمَسَ الجَزاءَ كانَ تاجِرًا مُرْبِحًا لا يَسْتَحِقُّ حَمْدًا ولا شُكْرًا. والمَنُّ مِنَ الكَبائِرِ ثَبَتَ في (صَحِيحِ مُسْلِمٍ) وغَيْرِهِ أنَّهُ أحَدُ: ”الثَّلاثَةِ الَّذِينَ لا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَيْهِمْ ولا يُزَكِّيهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ“ . وفي النَّسائِيِّ: " «ثَلاثَةٌ لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ: العاقُّ لِوالِدَيْهِ، ومُدْمِنُ الخَمْرِ، والمانُّ بِما أعْطى» . وفِي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٦١] دَلالَةٌ عَلى أنَّ النَّفَقَةَ تَمْضِي في سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ يَتْبَعُها ما يُبْطِلُها، وهو المَنُّ والأذى، وقَدْ تَبَيَّنَ ذَلِكَ في الآيَةِ بَعْدَها، فَهي مَوْقُوفَةٌ، أعْنِي قَبُولَها عَلى شَرِيطَةٍ، وهو أنْ لا يُتْبِعَها مَنًّا ولا أذًى، وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَنَّ والأذى يَكُونانِ مِنَ المُنْفِقِ عَلى المُنْفَقِ عَلَيْهِ، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ الإنْفاقُ في الجِهادِ عَلى سَبِيلِ التَّجْهِيزِ أوِ الإعانَةِ فِيهِ، أمْ كانَ في غَيْرِ الجِهادِ، وسَواءٌ كانَ المُنْفِقُ مُجاهِدًا أمْ غَيْرَ مُجاهِدٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هي في الَّذِينَ لا يَخْرُجُونَ إلى الجِهادِ، بَلْ يُنْفِقُونَ وهم قُعُودٌ، والآيَةُ قَبْلَها في الَّذِينَ يَخْرُجُونَ بِأنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ، ولِذَلِكَ شَرَطَ عَلى هَؤُلاءِ ولَمْ يَشْرُطْ عَلى الأوَّلِينَ، والأذى يَشْمَلُ المَنَّ وغَيْرَهُ، ونُصَّ عَلى المَنِّ وقُدِّمَ لِكَثْرَةِ وُقُوعِهِ مِنَ المُتَصَدِّقِ، فَمِنَ المَنِّ أنْ يَقُولَ: قَدْ أحْسَنْتُ إلَيْكَ ونَعَشْتُكَ، وشِبْهُهُ، أوْ يَتَحَدَّثُ بِما أعْطى، فَيَبَلُغُ ذَلِكَ المُعْطى، فَيُؤْذِيهِ، ومِنَ الأذى أنْ يَسُبَّ المُعْطى، أوْ يَشْتَكِيَ مِنهُ، أوْ يَقُولَ: ما أشَدَّ إلْحاحَكَ، وخَلَّصَنا اللَّهُ مِنكَ، وأنْتَ أبَدًا تَجِيئُنِي، أوْ يُكَلِّفُهُ الاعْتِرافَ بِما أسْدى إلَيْهِ. وقِيلَ: الأذى أنْ يَذْكُرَ إنْفاقَهُ عَلَيْهِ عِنْدَ مَن لا يُحِبُّ وُقُوفَهُ عَلَيْهِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: إنْ ظَنَنْتَ أنَّ سَلامَكَ يَثْقُلُ عَلى مَن أنْفَقْتَ عَلَيْهِ، تُرِيدُ وجْهَ اللَّهِ، فَلا تُسَلِّمْ عَلَيْهِ، وقالَتْ لَهُ امْرَأةٌ: يا أبا أُسامَةَ ؟ دُلَّنِي عَلى رَجُلٍ يُخْرِجُ في سَبِيلِ اللَّهِ حَقًّا، فَإنَّهم إنَّما يُخْرِجُونَ الفَواكِهَ، فَإنَّ عِنْدِي أسْهُمًا وجِيعَةً، فَقالَ لَها: لا بارَكَ (p-٣٠٧)اللَّهُ في أسْهُمِكِ وجِيعَتِكِ، فَقَدْ آذَيْتِهِمْ قَبْلَ أنْ تُعْطِيَهم. ﴿لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ، و﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾ مُبْتَدَأٌ والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَهم أجْرُهُمْ﴾ خَبَرٌ، ولَمْ يُضَمَّنِ المُبْتَدَأُ مَعْنى اسْمِ الشَّرْطِ، فَلَمْ تَدْخُلِ الفاءُ في الخَبَرِ، وكانَ عَدَمُ التَّضْمِينِ هُنا؛ لِأنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ مُفَسِّرَةٌ لِلْجُمْلَةِ قَبْلَها، والجُمْلَةُ الَّتِي قَبْلَها أُخْرِجَتْ مَخْرَجَ الشَّيْءِ الثّابِتِ المَفْرُوغِ مِنهُ، وهو نِسْبَةُ إنْفاقِهِمْ بِالحَبَّةِ المَوْصُوفَةِ، وهي كِنايَةٌ عَنْ حُصُولِ الأجْرِ الكَثِيرِ، فَجاءَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ، كَذَلِكَ أُخْرِجَ المُبْتَدَأُ والخَبَرُ فِيهِما مُخْرَجَ الشَّيْءِ الثّابِتِ المُسْتَقِرِّ الَّذِي لا يَكادُ خَبَرُهُ يَحْتاجُ إلى تَعْلِيقِ اسْتِحْقاقٍ بِوُقُوعِ ما قَبْلَهُ، بِخِلافِ ما إذا دَخَلَتِ الفاءُ فَإنَّها مُشْعِرَةٌ بِتَرَتُّبِ الخَبَرِ عَلى المُبْتَدَأِ، واسْتِحْقاقِهِ بِهِ. وقِيلَ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هُمُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ (ولَهم أجْرُهم) في مَوْضِعِ الحالِ، وهَذا ضَعِيفٌ، أعَنِي: جُعِلَ ﴿لَهم أجْرُهُمْ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، بَلِ الأوْلى إذا أُعْرِبَ (الَّذِينَ) خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أنْ يَكُونَ (لَهم أجْرُهم) مُسْتَأْنَفًا وكَأنَّهُ جَوابٌ لِمَن قالَ: هَلْ لَهم أجْرٌ ؟ وعِنْدَ مَن أجْرُهم ؟ فَقِيلَ: ﴿لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ وعَطَفَ بِـ (ثُمَّ) الَّتِي تَقْتَضِي المُهْلَةَ؛ لِأنَّ مَن أنْفَقَ في سَبِيلِ اللَّهِ ظاهِرًا لا يَحْصُلُ مِنهُ غالِبًا المَنُّ والأذى، بَلْ إذا كانَتْ بِنِيَّةِ غَيْرِ وجْهِ اللَّهِ تَعالى، لا يَمُنُّ ولا يُؤْذِي عَلى الفَوْرِ، فَلِذَلِكَ دَخَلَتْ (ثُمَّ)، مُراعاةً لِلْغالِبِ، وإنَّ حُكْمَ المَنِّ والأذى المُعْتَقِبَيْنِ لِلْإنْفاقِ، والمُقارِنَيْنِ لَهُ حُكْمُ المُتَأخِّرَيْنِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْنى (ثُمَّ) إظْهارُ التَّفاوُتِ بَيْنَ الإنْفاقِ وتَرْكِ المَنِّ والأذى، وأنَّ تَرْكَهُما خَيْرٌ مِن نَفْسِ الإنْفاقِ، كَما جَعَلَ الِاسْتِقامَة‍‌َ عَلى الإيمانِ خَيْرًا مِنَ الدُّخُولِ فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] انْتَهى كَلامُهُ، وقَدْ تَكَرَّرَ لِلزَّمَخْشَرِيِّ ادِّعاءُ هَذا المَعْنى لِـ (ثُمَّ) ولا أعْلَمَ لَهُ في ذَلِكَ سَلَفًا، وقَدْ تَكَلَّمْنا قَبْلَ هَذا مَعَهُ في هَذا المَعْنى، و(ما) مِن (ما أنْفَقُوا) مَوْصُولٌ عائِدُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: أنْفَقُوهُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، أيْ: إنْفاقَهم، وثُمَّ مَحْذُوفٌ، أيْ: مَنًّا عَلى المُنْفَقِ عَلَيْهِ، ولا أذًى لَهُ، وبَعْدَ ما قالَهُ بَعْضُهم مِن أنَّ ﴿ولا أذًى﴾ مِن صِفَةِ المُعْطِي، وهو مُسْتَأْنَفٌ، وكَأنَّهُ قالَ: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ ولا يَمَنُّونَ ولا يَتَأذَّوْنَ بِالإنْفاقِ، وكَذَلِكَ يَبْعُدُ ما قالَهُ بَعْضُهم مِن أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ لا يُرادُ بِهِ في الآخِرَةِ، وأنَّ المَعْنى: إنَّ حَقَّ المُنْفِقِ في سَبِيلِ اللَّهِ أنْ يُطَيِّبَ بِهِ نَفْسَهُ، وأنْ لا يُعْقِبَهُ المَنَّ، وأنْ لا يُشْفِقَ مِن فَقْرٍ يَنالُهُ مِن بَعْدُ، بَلْ يَثِقُ بِكِفايَةِ اللَّهِ ولا يَحْزَنُ إنْ نالَهُ فَقْرٌ.

البقرة 2:263

﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ومَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى﴾ أيْ: رَدٌّ جَمِيلٌ مِنَ المَسْئُولِ، وعَفُوٌّ مِنَ السّائِلِ إذا وجَدَ مِنهُ ما يَثْقُلُ عَلى المَسْئُولِ مِن إلْحاحٍ أوْ سَبٍّ أوْ تَعْرِيضٍ بِسَبٍّ، كَما يُوجَدُ في كَثِيرٍ مِنَ المُسْتَعْطِينَ، وقِيلَ: مَعْنى (ومَغْفِرَةٌ) أيْ: نَيْلُ مَغْفِرَةٍ مِنَ اللَّهِ بِسَبَبِ الرَّدِّ الجَمِيلِ. وقِيلَ: (ومَغْفِرَةٌ) أيْ: عَفْوٌ مِن جِهَةِ السّائِلِ؛ لِأنَّهُ إذا رَدَّهُ رَدًّا جَمِيلًا عَذَرَهُ، وقِيلَ: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ هو الدُّعاءُ والتَّأسِّي والتَّرْجِئَةُ بِما عِنْدَ اللَّهِ، وقِيلَ: الدُّعاءُ لِأخِيهِ بِظَهْرِ الغَيْبِ، وقِيلَ: الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ خَيْرٌ ثَوابًا عِنْدَ اللَّهِ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى. وقِيلَ: التَّسْبِيحاتُ والدُّعاءُ والثَّناءُ والحَمْدُ لِلَّهِ، والمَغْفِرَةُ: أيِ السَّتْرُ عَلى نَفْسِهِ والكَفُّ عَنْ إظْهارِ ما ارْتَكَبَ مِنَ المَآثِمِ (خَيْرٌ) أيْ: أخْفُ عَلى البَدَنِ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى، وقِيلَ: ”المَغْفِرَةُ“ الِاقْتِصارُ عَلى القَوْلِ الحَسَنِ، وقِيلَ: ”المَغْفِرَةُ“ أنْ يَسْألَ اللَّهَ الغُفْرانَ لِتَقْصِيرٍ في عَطاءٍ وسَدِّ خَلَّةٍ، وقِيلَ: المَغْفِرَةُ هُنا سَتْرُ خَلَّةِ المُحْتاجِ وسُوءِ حالِهِ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وقِيلَ: لِأعْرابِيٍّ سُئِلَ بِكَلامٍ فَصِيحٍ، مِمَّنِ الرَّجُلُ ؟ فَقالَ: اللَّهُمَّ غُفْرًا سُوءُ الِاكْتِسابِ يُمْنَعُ مِنِ الِانْتِسابِ، وقِيلَ: أنْ يَسْتُرَ عَلى السّائِلِ سُؤالَهُ وبَذْلَ وجْهِهِ لَهُ ولا يَفْضَحُهُ، وقِيلَ: مَعْناهُ السَّلامَةُ مِنَ المَعْصِيَةِ، وقِيلَ: القَوْلُ المَعْرُوفُ أنْ تَحُثَّ غَيْرَكَ عَلى إعْطائِهِ، وهَذا كُلُّهُ عَلى أنْ يَكُونَ الخِطابُ مَعَ المَسْئُولِ؛ لِأنَّ الخِطابَ في الآيَةِ قَبْلَ هَذا، وفي الآيَةِ بَعْدَ هَذا، إنَّما هو مَعَ المُتَصَدِّقِ، وقِيلَ: الخِطابُ لِلسّائِلِ، وهو حَثٌّ لَهُ عَلى إجْمالِ الطَّلَبِ، أيْ: يَقُولُ قَوْلًا حَسَنًا مِن تَعْرِيضٍ (p-٣٠٨)بِالسُّؤالِ أوْ إظْهارٍ لِلْغِنى حَيْثُ لا ضَرُورَةَ، ويَكْسِبُ خَيْرًا مِن مِثالِ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى، واشْتَرَكَ القَوْلُ المَعْرُوفُ والمَغْفِرَةُ مَعَ الصَّدَقَةِ الَّتِي يَتْبَعُها أذًى في مُطْلَقِ الخَيْرِيَّةِ، وهو: النَّفْعُ، وإنِ اخْتَلَفَتْ جِهَةُ النَّفْعِ، فَنَفْعُ القَوْلِ المَعْرُوفِ والمَغْفِرَةِ باقٍ، ونَفْعُ تِلْكَ الصَّدَقَةِ فانٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخَيْرِيَّةُ هُنا مِن بابِ قَوْلِهِمْ: شَيْءٌ خَيْرٌ مِن لا شَيْءٍ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎ومَنعُكَ لِلنَّدى بِجَمِيلِ قَوْلٍ أحَبُّ إلَيَّ مِن بَذْلٍ ومَنِّي وقالَ آخَرُ فَأجادَ: ؎إنْ لَمْ تَكُنْ ورَقٌ يَوْمًا أجُودُ بِها ∗∗∗ لِلْمُعْتَفِينَ فَإنِّي لَيِّنُ العُودِ ؎لا يَعْدَمُ السّائِلُونَ الخَيْرَ مِن خُلُقِي ∗∗∗ إمّا نَوالِي وإمّا حُسْنُ مَرْدُودِ وارْتِفاعُ: (قَوْلٌ) عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وسَوَّغَ الِابْتِداءَ بِالنَّكِرَةِ وصْفُها، (ومَغْفِرَةٌ) مَعْطُوفٌ عَلى المُبْتَدَأِ، فَهو مُبْتَدَأٌ ومُسَوِّغُ جَوازِ الابْتِداءِ بِهِ وصْفٌ مَحْذُوفٌ أيْ: ومَغْفِرَةٌ مِنَ المَسْئُولِ، أوْ مِنَ السّائِلِ، أوْ مِنَ اللَّهِ، عَلى اخْتِلافِ الأقْوالِ، و(خَيْرٌ) خَبَرٌ عَنْهُما، وقالَ الَمَهَدَوِيُّ وغَيْرُهُ: هُما جُمْلَتانِ، وخَبَرُ (قَوْلٌ) مَحْذُوفٌ، التَّقْدِيرُ: قَوْلٌ مَعْرُوفٌ أوْلى ومَغْفِرَةٌ خَيْرٌ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي هَذا ذِهابُ تَزْوِيقِ المَعْنى، وإنَّما يَكُونُ المُقَدَّرُ كالظّاهِرِ، انْتَهى. وما قالَهُ حَسَنٌ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: المَأْمُورُ بِهِ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ، ولَمْ يَحْتَجْ إلى ذِكْرِ المَنِّ في قَوْلِهِ: (يَتْبَعُها) لِأنَّ الأذى يَشْمَلُ المَنَّ وغَيْرَهُ كَما قُلْنا. ﴿واللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ أيْ: غَنِيٌّ عَنِ الصَّدَقَةِ، حَلِيمٌ بِتَأخُّرِ العُقُوبَةِ، وقِيلَ: غَنِيٌّ لا حاجَةَ بِهِ إلى مُنْفِقٍ يَمُنُّ ويُؤْذِي، حَلِيمٌ عَنْ مُعاجَلَةِ العُقُوبَةِ، وهَذا سُخْطٌ مِنهُ ووَعِيدٌ.

البقرة 2:264

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ لَمّا شَرَطَ في الإنْفاقِ أنْ لا يُتْبَعَ مَنًّا ولا أذًى، لَمْ يَكْتَفِ بِذَلِكَ حَتّى جَعَلَ المَنَّ والأذى مُبْطِلًا لِلصَّدَقَةِ، ونَهى عَنِ الإبْطالِ بِهِما لِيُقَوِّيَ اجْتِنابَ المُؤْمِنِ لَهُما، ولِذَلِكَ ناداهم بِوَصْفِ الإيمانِ، ولَمّا جَرى ذِكْرُ المَنِّ والأذى مَرَّتَيْنِ، أعادَهُما هُنا بِالألِفِ واللّامِ، ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ المَنَّ والأذى مُبْطِلانِ لِلصَّدَقَةِ، ومَعْنى إبْطالِهِما أنَّهُ لا ثَوابَ فِيها عِنْدَ اللَّهِ، والسُّدِّيُّ يَعْتَقِدُ أنَّ السَّيِّئاتِ لا تُبْطِلُ الحَسَناتِ، فَقالَ جُمْهُورُ العُلَماءِ: الصَّدَقَةُ الَّتِي يَعْلَمُ اللَّهُ مِن صاحِبِها أنَّهُ يَمُنُّ ويُؤْذِي لا تَتَقَبَّلُ، وقِيلَ: جَعَلَ اللَّهُ لِلْمَلَكِ عَلَيْها أمارَةً، فَهو لا يَكْتُبُها إذْ نِيَّتُهُ لَمْ تَكُنْ لِوَجْهِ اللَّهِ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ﴾ أيْ: لا تَأْتُوا بِهَذا العَمَلِ باطِلًا؛ لِأنَّهُ إذا قُصِدَ بِهِ غَيْرُ وجْهِ اللَّهِ فَقَدْ أُتِيَ بِهِ عَلى جِهَةِ البُطْلانِ، وقالَ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ: مَعْلُومٌ أنَّ الصَّدَقَةَ قَدْ وقَعَتْ وتَقَدَّمَتْ، فَلا يَصِحُّ أنْ تُبْطَلَ. فالمُرادُ إذَنْ إبْطالُ أجْرِها؛ لِأنَّ الأجْرَ لَمْ يُحَصَّلْ بَعْدُ، وهو مُسْتَقْبَلٌ، فَيَصِيرُ إبْطالُهُ بِما يَأْتِيهِ مِنَ المَنِّ والأذى، انْتَهى كَلامُهُ. والمَعْنَيانِ تَحْمِلُهُما الآيَةُ، ولِتَعْظِيمِ قُبْحِ المَنِّ أعادَ اللَّهُ ذَلِكَ في مَعارِضِ الكَلامِ، فَأثْنى عَلى تارِكِهِ أوَّلًا وفَضَّلَ المَنعَ عَلى عَطِيَّةٍ يَتْبَعُها المَنُّ ثانِيًا، وصَرَّحَ بِالنَّهْيِ عَنْها ثالِثًا، وخَصَّ الصَّدَقَةَ بِالنَّهْيِ إذْ كانَ المَنُّ فِيها أعْظَمَ وأشْنَعَ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (بِالمَنِّ) مَعْناهُ عَلى الفَقِيرِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِالمَنِّ عَلى اللَّهِ تَعالى بِسَبَبِ صَدَقَتِهِ، والأذى لِلسّائِلِ، والكافُ، قِيلَ: في مَوْضِعِ نَعْتٍ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ إبْطالًا، كَإبْطالِ صَدَقَةِ الَّذِي يُنْفِقُ، وقِيلَ: الكافُ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: لا تُبْطِلُوا مُشَبَّهِينَ الَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ بِالرِّياءِ، وفي هَذا المُنْفِقِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المُنافِقُ، ولَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَهُ يُنْفِقُ لِلسُّمْعَةِ ولِيُقالَ: إنَّهُ سَخِيٌّ كَرِيمٌ، هَذِهِ نِيَّتُهُ، لا يُنْفِقُ لِرِضا اللَّهِ، وطَلَبِ ثَوابِ الآخِرَةِ؛ لِأنَّهُ في الباطِنِ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الكافِرُ المُجاهِرُ، وذَلِكَ بِإنْفاقِهِ لِقَوْلِ النّاسِ: ما أكْرَمَهُ وأفْضَلَهُ ولا يُرِيدُ بِإنْفاقِهِ إلّا الثَّناءَ عَلَيْهِ، ورَجَّحَ مَكِّيٌّ القَوْلَ الأوَّلَ بِأنَّهُ أضافَ إلَيْهِ الرِّياءَ، وذَلِكَ مِن فِعْلِ (p-٣٠٩)المُنافِقِ السّاتِرِ لِكُفْرِهِ، وأمّا الكافِرُ فَلَيْسَ عِنْدَهُ رِياءٌ؛ لِأنَّهُ مُناصِبٌ لِلدِّينِ مُجاهِرٌ بِكُفْرِهِ، وانْتِصابُ (رِئاءَ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، أوْ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: (رِياءَ) بِإبْدالِ الهَمْزَةِ الأُولى ياءً لِكَسْرِ ما قَبْلَها، وهي مَرْوِيَّةٌ عَنْ عاصِمٍ. ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ هَذا تَشْبِيهٌ ثانٍ، واخْتُلِفَ في الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: (فَمَثَلُهُ) فالظّاهِرُ أنَّهُ عائِدٌ عَلى ﴿كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ﴾ لِقُرْبِهِ مِنهُ، ولِإفْرادِهِ، ضَرَبَ اللَّهُ لِهَذا المُنافِقِ المُرائِي أوِ الكافِرِ المُباهِي، المَثَلَ بِصَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ، يَظُنُّهُ الظّانُّ أرْضًا مُنْبِتَةً طَيِّبَةً، فَإذا أصابَهُ وابِلٌ مِنَ المَطَرِ أذْهَبَ عَنْهُ التُّرابَ، فَيَبْقى صَلْدًا مُنْكَشِفًا، وأخْلَفَ ما ظَنَّهُ الظّانُّ، كَذَلِكَ هَذا المُنافِقُ يَرى النّاسُ أنَّ لَهُ أعْمالًا كَما يُرى التُّرابُ عَلى هَذا الصَّفْوانِ، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ اضْمَحَلَّتْ وبَطَلَتْ، كَما أذْهَبَ الوابِلُ ما كانَ عَلى الصَّفْوانِ مِنَ التُّرابِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (فَمَثَلُهُ) عائِدٌ عَلى المانِّ المُؤْذِي، وأنَّهُ شُبِّهَ بِشَيْئَيْنِ أحَدُهُما: بِالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ. والثّانِي: بِصَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ، ويَكُونُ قَدْ عَدَلَ مِن خِطابٍ إلى غَيْبَةٍ، ومِن جَمْعٍ إلى إفْرادٍ. قالَ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ: ذَكَرَ تَعالى لِكَيْفِيَّةِ إبْطالِ الصَّدَقَةِ بِالمَنِّ والأذى مَثَلَيْنِ، فَمَثَّلَهُ أوَّلًا بِمَن يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ، وهو مَعَ ذَلِكَ كافِرٌ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ؛ لِأنَّ إبْطالَ نَفَقَةِ هَذا المُرائِي الكافِرِ أظْهَرُ مِن بُطْلانِ أجْرِ صَدَقَةِ مَن يُتْبِعُها بِالمَنِّ والأذى، ثُمَّ مَثَّلَهُ ثانِيًا بِالصَّفْوانِ الَّذِي وقَعَ عَلَيْهِ تُرابٌ وغُبارٌ، ثُمَّ إذا أصابَهُ المَطَرُ القَوِيُّ فَيُزِيلُ ذَلِكَ الغُبارَ عَنْهُ حَتّى يَصِيرَ كَأنَّهُ ما عَلَيْهِ تُرابٌ ولا غُبارٌ أصْلًا، قالَ: فَكَما أنَّ الوابِلَ أزالَ التُّرابَ الَّذِي وقَعَ عَلى الصَّفْوانِ، فَكَذا المَنُّ والأذى يَجِبُ أنْ يَكُونا مُبْطِلَيْنِ لِأجْرِ الإنْفاقِ بَعْدَ حُصُولِهِ، وذَلِكَ صَرِيحُ القَوْلِ في الإحاطَةِ والتَّكْفِيرِ، انْتَهى كَلامُهُ. وهو مَبْنِيٌّ عَلى ما قَدَّمْناهُ عَنْهُ في القَوْلِ في الإحْباطِ والتَّكْفِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ﴾ مِن أنَّ الصَّدَقَةَ وقَعَتْ صَحِيحَةً ثُمَّ بَطَلَتْ بِالمَنِّ والأذى، وتَقَدَّمَ القَوْلُ بِأنَّ المَعْنى: لا تُوقِعُوها باطِلَةً، ويَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى التَّشْبِيهُ بِقَوْلِهِ: ﴿كالَّذِي يُنْفِقُ﴾ فَإنَّ نَفَقَتَهُ وقَعَتْ باطِلَةً لِمُقارَنَةِ الكُفْرِ لَها، فَيَمْتَنِعُ دُخُولُها صَحِيحَةً في الوُجُودِ، وأمّا التَّمْثِيلُ الثّانِي فَإنَّهُ عِنْدَ عَبْدِ الجَبّارِ وأصْحابِهِ، جَعَلَ الوابِلَ مُزِيلًا لِذَلِكَ التُّرابِ بَعْدَ كَيْنُونَتِهِ عَلَيْهِ، فَكَذَلِكَ المَنُّ والأذى مُزِيلانِ لِلْأجْرِ بَعْدَ حُصُولِ اسْتِحْقاقِهِ، وعِنْدَ غَيْرِهِمْ أنَّ المُشَبَّهَ بِالتُّرابِ الواقِعَ عَلى الصَّفْوانِ هو الصَّدَقَةُ المُقْتَرِنَةُ بِالنِّيَّةِ الفاسِدَةِ الَّتِي لَوْلاها لَكانَتِ الصَّدَقَةُ مُرَتَّبًا عَلَيْها حُصُولُ الأجْرِ والثَّوابِ، قِيلَ: والحَمْلُ عَلى هَذا المَعْنى أوْلى؛ لِأنَّ التُّرابَ إذا وقَعَ عَلى الصَّفْوانِ لَمْ يَكُنْ مُلْتَصِقًا بِهِ، ولا غائِصًا فِيهِ، فَهو في مَرْأى العَيْنِ مُتَّصِلٌ، وفي الحَقِيقَةِ مُنْفَصِلٌ، فَكَذا الإنْفاقُ المَقْرُونُ بِالمَنِّ والأذى، يُرى في الظّاهِرِ أنَّهُ عَمَلُ بِرٍّ وفي الحَقِيقَةِ لَيْسَ كَذَلِكَ، وعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: لا تُبْطِلُوا أُجُورَ صَدَقاتِكم، أوْ لا تُبْطِلُوا أصْلَ صَدَقاتِكم، وقَرَأ ابْنُ المُسَيِّبِ، والزُّهْرِيُّ: (صَفَوانَ) بِفَتْحِ الفاءِ، قِيلَ: وهو شاذٌّ في الأسْماعِ، إنَّما بابُهُ المَصادِرُ: كالغَلَيانِ والنَّزَوانِ، وفي الصِّفاتِ، نَحْوُ: رَجُلٍ صَيْحانَ، وتَيْسٍ عُدْوانَ، وارْتَفَعَ (تُرابٌ) عَلى الفاعِلِيَّةِ، أيِ: اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ تُرابٌ، فَأصابَهُ وابِلٌ، و(فَأصابَهُ)، مَعْطُوفٌ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ الرّافِعِ لِلتُّرابِ، والضَّمِيرُ في (فَأصابَهُ) عائِدٌ عَلى الصَّفْوانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى التُّرابِ، وفي (فَتَرَكَهُ) عائِدٌ عَلى الصَّفْوانِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ جُعِلَ فِيها العَمَلُ الظّاهِرُ كالتُّرابِ، والمانُّ المُؤْذِي أوِ المُنافِقُ كالصَّفْوانِ، ويَوْمُ القِيامَةِ كالوابِلِ، وعَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ: المَنُّ والأذى كالوابِلِ. وقالَ القَفّالُ: وفِيهِ احْتِمالٌ آخَرُ، وهو أنَّ أعْمالَ العِبادِ ذَخائِرُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ، فَمَن عَمِلَ بِإخْلاصٍ فَكَأنَّهُ طَرَحَ بَذْرًا في أرْضٍ طَيِّبَةٍ، فَهو يَتَضاعَفُ لَهُ ويَنْمُو، ألا تَرى أنَّهُ ضَرَبَ المَثَلَ في ذَلِكَ بِجَنَّةٍ فَوْقَ رَبْوَةٍ ؟ فَهو يَجِدُهُ وقْتَ الحاجَةِ إلَيْهِ، وأمّا المانُّ والمُؤْذِي والمُنافِقُ، فَكَمَنَ بَذَرَ في الصَّفْوانِ لا يَقْبَلُ بَذْرًا ولا (p-٣١٠)يَنْمُو فِيهِ شَيْءٌ، عَلَيْهِ غُبارٌ قَلِيلٌ أصابَهُ جُودٌ فَبَقِيَ مُسْتَوْدَعَ بَذْرٍ خالِيًا، فَعِنْدَ الحاجَةِ إلى الزَّرْعِ لا يَجِدُ فِيهِ شَيْئًا، انْتَهى ما لُخِّصَ مِن كَلامِهِ، وحاصِلُهُ: أنَّ التَّشْبِيهَ انْطَوى مِن حَيْثُ المَعْنى عَلى بَذْرٍ وزَرْعٍ. ﴿لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا﴾ اخْتُلِفَ في الضَّمِيرِ في: (يَقْدِرُونَ) فَقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى المُخاطَبِينَ في قَوْلِهِ: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ﴾ ويَكُونُ مِن بابِ الِالتِفاتِ، إذْ هو رُجُوعٌ مِن خِطابٍ إلى غَيْبَةٍ، والمَعْنى: أنَّكم إذا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ لَمْ تَقْدِرُوا عَلى الِانْتِفاعِ بِشَيْءٍ مِمّا كَسَبْتُمْ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ، وقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى الَّذِي يُنْفِقُ، لِأنَّ (كالَّذِي) جِنْسٌ، فَلَكَ أنْ تُراعِيَ لَفْظَهُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُ﴾ فَأفْرَدَ الضَّمِيرَ، ولَكَ أنْ تُراعِيَ المَعْنى؛ لِأنَّ مَعْناهُ جَمْعٌ، وصارَ هَذا ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ﴾ [البقرة: ١٧] ثُمَّ قالَ: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧]، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَدِ انْحَمَلَ الكَلامُ قَبْلُ عَلى لَفْظِ الَّذِي، وهَذا هو مَهْيَعُ كَلامِ العَرَبِ، ولَوِ انْحَمَلَ أوَّلًا عَلى المَعْنى لَقَبُحَ بَعْدُ أنْ يُحْمَلَ عَلى اللَّفْظِ، انْتَهى كَلامُهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ مَعَهُ في شَيْءٍ مِن هَذا، وفي الحَمْلِ عَلى اللَّفْظِ أوِ المَعْنى تَفْصِيلٌ لا يُوجَدُ إلّا في مَبْسُوطاتِ النَّحْوِ. وقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى مَعْلُومٍ غَيْرِ مَذْكُورِ المَعْنى لا يَقْدِرُ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ عَلى الِانْتِفاعِ بِذَلِكَ البَذْرِ المُلْقى في ذَلِكَ التُّرابِ الَّذِي عَلى الصَّفْوانِ؛ لِأنَّهُ زالَ ذَلِكَ التُّرابُ وزالَ ما كانَ فِيهِ، فَكَذَلِكَ المانُّ والمُؤْذِي والمُنافِقُ، لا يَنْتَفِعُ أحَدٌ مِنهم بِعَمَلِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى المُرائِي الكافِرِ أوِ المُنافِقِ، أوْ عَلى المانِّ، أيْ: لا يَقْدِرُونَ عَلى الِانْتِفاعِ بِثَوابِ شَيْءٍ مِن إنْفاقِهِمْ، وهو كَسْبُهم عِنْدَ حاجَتِهِمْ إلَيْهِ، وعَبَّرُوا عَنِ النَّفَقَةِ بِالكَسْبِ؛ لِأنَّهم قَصَدُوا بِها الكَسْبَ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] وقَوْلِهِ: ﴿أعْمالُهم كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨] الآيَةَ. وقَوْلِهِ: ﴿أعْمالُهم كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور: ٣٩] ويَكْفِي مِن ذِكْرِ العَمَلِ لِغَيْرِ وجْهِ اللَّهِ حَدِيثُ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ هم أوَّلُ النّاسِ يُقْضى عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وهو: المُسْتَشْهَدُ والعالِمُ والجَوّادُ. ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ يَعْنِي المُوافِقِينَ عَلى الكُفْرِ، ولا يَهْدِيهِمْ في كُفْرِهِمْ بَلْ هو ضَلالٌ مَحْضٌ، أوْ لا يَهْدِيهِمْ في أعْمالِهِمْ، وهم عَلى الكُفْرِ، وفي هَذا تَرَجُّحٌ لِمَن قالَ: إنَّ ضَرْبَ المَثَلِ عائِدٌ عَلى الكافِرِ. ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ وتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ لَمّا ضَرَبَ مَثَلَ مَن أنْفَقَ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ وهو غَيْرُ مُؤْمِنٍ، ذَكَرَ ضِدَّهُ بِتَمْثِيلٍ مَحْسُوسٍ لِلذِّهْنِ، حَتّى يَتَصَوَّرَ السّامِعُ تَفاوُتَ ما بَيْنَ الضِّدَّيْنِ، وهَذا مِن بَدِيعِ أسالِيبِ فَصاحَةِ القُرْآنِ، ولَمّا وصَفَ صاحِبَ النَّفَقَةِ بِوَصْفَيْنِ، قابَلَ ذَلِكَ هُنا بِوَصْفَيْنِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ﴾ مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿رِئاءَ النّاسِ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿وتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ولا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ لِأنَّ المُرادَ بِالتَّثْبِيتِ تَوْطِينُ النَّفْسِ عَلى المُحافَظَةِ عَلَيْهِ وتَرْكِ ما يُفْسِدُهُ، ولا يَكُونُ إلّا عَنْ يَقِينٍ بِالآخِرَةِ، والتَّقادِيرُ الثَّلاثَةُ الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١] جارِيَةٌ هُنا، أيْ: ومَثَلُ المُنافِقِينَ كَمَثَلِ غارِسٍ حَبَّةٍ، أوْ مَثَلُ نَفَقَتِهِمْ كَحَبَّةٍ، أوْ مَثَلُ المُنْفِقِينَ ونَفَقَتِهِمْ كَمَثَلِ حَبَّةٍ وغارِسِها. وجَوَّزُوا في: (ابْتِغاءَ) أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا في مَوْضِعِ الحالِ. أيْ: مُبْتَغِينَ، وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ، وكَذَلِكَ (وتَثْبِيتًا) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ (ابْتِغاءَ) مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ؛ لِعَطْفِ (وتَثْبِيتًا) عَلَيْهِ، ولا يَصِحُّ في: (وتَثْبِيتًا) أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ؛ لِأنَّ الإنْفاقَ لَيْسَ مِن أجْلِ التَّثْبِيتِ، وقالَ مَكِّيٌّ في (المُشْكَلِ): كِلاهُما مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، وهو مَرْدُودٌ بِما بَيَّنّاهُ، انْتَهى كَلامُهُ، وتَثْبِيِتٌ، مَصْدَرُ: ثَبَتَ، وهو مُتَعَدٍّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ الثَّوابُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أيْ: وتَثْبِيتًا وتَحْصِيلًا مِن أنْفُسِهِمُ، الثَّوابُ عَلى تِلْكَ النَّفَقَةِ، فَيَكُونُ إذْ ذاكَ تَثْبِيِتُ الثَّوابِ وتَحْصِيلُهُ مِنَ اللَّهِ حامِلًا عَلى الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، ومَن قَدَّرَ المَفْعُولَ غَيْرَ ذَلِكَ أيْ: وتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ أعْمالُهم بِإخْلاصِ النِّيَّةِ، وجَعَلَهُ مِن أنْفُسِهِمْ عَلى أنْ تَكُونَ: مِن، بِمَعْنى: اللّامُ، أيْ: لِأنْفُسِهِمْ، كَما تَقُولُ: (p-٣١١)فَعَلْتُ ذَلِكَ كَسْرًا مِن شَهْوَتِي، أيْ: لِشَهْوَتِي، فَلا يَتَّضِحُ فِيهِ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى المَفْعُولِ لَهُ، قالَ الشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، وأبُو صالِحٍ، وابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ وتَيَقُّنًا، أيْ: أنَّ نُفُوسَهم لَها بَصائِرُ مُتَأكِّدَةٌ، فَهي تُثَبِّتُهم عَلى الإنْفاقِ ويُؤَكِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ (وتَبْيِينًا مِن أنْفُسِهِمْ) وقالَ قَتادَةُ أيْضًا: واحْتِسابًا مِن أنْفُسِهِمْ. وقالَ الشَّعْبِيُّ أيْضًا والضَّحّاكُ والكَلْبِيُّ: وتَصْدِيقًا، أيْ: يُخْرِجُونَ الزَّكاةَ طَيِّبَةً بِها أنْفُسُهم. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو مالِكٍ: تَحْقِيقًا في دِينِهِمْ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: إخْلاصًا وتَوْطِيدًا لِأنْفُسِهِمْ عَلى طاعَةِ اللَّهِ في نَفَقاتِهِمْ، وقالَ الزَّجّاجُ: ومُقِرِّينَ حِينَ يُنْفِقُونَ أنَّها مِمّا يُثِيبُ اللَّهُ عَلَيْها، وقالَ الشَّعْبِيُّ أيْضًا: عَزْمًا، وقالَ يَمانٌ أيْضًا: بَصِيرَةً، وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ: مَعْناهُ أنَّهم يُثْبِتُونَ، أيْ يَضَعُونَ صَدَقاتِهِمْ. قالَ الحَسَنُ: كانَ الرَّجُلُ إذا هَمَّ بِصَدَقَةٍ يَتَثَبَّتُ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ لِلَّهِ أمْضاهُ، وإنْ خالَطَهُ شَكٌّ أمْسَكَ. وقَدْ أجازَ بَعْضُ المِصْرِيِّينَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (وتَثْبِيتًا) بِمَعْنى: تَثَبُّتًا، فَيَكُونُ لازِمًا. قالَ: والمَصادِرُ قَدْ تَخْتَلِفُ، ويَقَعُ بَعْضُها مَوْقِعَ بَعْضٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨] أيْ: تَبَتُّلًا ورُدَّ هَذا القَوْلُ بِأنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ بِالفِعْلِ المُتَقَدِّمِ عَلى المَصْدَرِ، نَحْوَ الآيَةِ، أمّا أنْ يَأْتِيَ بِالمَصْدَرِ مِن غَيْرِ بِنائِهِ عَلى فِعْلٍ مَذْكُورٍ فَلا يُحْمَلُ عَلى غَيْرِ فِعْلِهِ الَّذِي لَهُ في الأصْلِ، تَقُولُ: إنْ ثَبَتَ فِعْلٌ لازِمٌ مَعْناهُ: تَمَكَّنَ ورَسَخَ وتَحَقَّقَ وثَبَتَ مُعَدًّى بِالتَّضْعِيفِ، ومَعْناهُ: مَكَّنَ وحَقَّقَ. قالَ ابْنُ رَواحَةَ يُخاطِبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: ؎فَثَبَّتَ اللَّهُ ما آتاكَ مِن حُسْنٍ تَثْبِيتَ عِيسى ونَصْرًا كالَّذِي نُصِرُوا فالمَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّهم يَثْبُتُونَ مِن أنْفُسِهِمْ عَلى الإيمانِ بِهَذا العَمَلِ الَّذِي هو إخْراجُ المالِ الَّذِي هو عَدِيلُ الرُّوحِ في سَبِيلِ اللَّهِ ابْتِغاءَ رِضًا؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا العَمَلِ شاقٌّ عَلى النَّفْسِ، فَهم يَعْمَلُونَ لِتَثْبِيتِ النَّفْسِ عَلى الإيمانِ، وما تَرْجُو مِنَ اللَّهِ بِهَذا العَمَلِ الصَّعْبِ؛ لِأنَّها إذا ثَبَتَتْ عَلى الأمْرِ الصَّعْبِ انْقادَتْ وذَلَّتْ لَهُ، وإذا كانَ التَّثْبِيتُ مُسْنَدًا إلَيْهِمْ كانَتْ (مِن) في مَوْضِعِ نَصْبٍ مُتَعَلِّقَةً بِنَفْسِ المَصْدَرِ، وتَكُونُ لِلتَّبْعِيضِ، مِثْلُها في: هَزَّ مِن عَطْفِهِ، وحَرَّكَ مِن نَشاطِهِ، وإنْ كانَ التَّثْبِيتُ مُسْنَدًا في المَعْنى إلى أنْفُسِهِمْ كانَتْ: (مِن) في مَوْضِعِ نَصْبٍ أيْضًا صِفَةً لِلْمَصْدَرِ تَقْدِيرُهُ: كائِنًا مِن أنْفُسِهِمْ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: فَما مَعْنى التَّبْعِيضِ ؟ قُلْتُ: مَعْناهُ أنَّ مَن بَذَلَ مالَهُ لِوَجْهِ اللَّهِ فَقَدْ ثَبَّتَ بَعْضَ نَفْسِهِ، ومَن بَذَلَ مالَهُ ورُوحَهُ مَعًا فَهو الَّذِي ثَبَّتَها كُلَّها ﴿وتُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ﴾ [الصف: ١١] انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ نَفْسَهُ هي الَّتِي تُثَبِّتُهُ وتَحْمِلُهُ عَلى الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، لَيْسَ لَهُ مُحَرِّكٌ إلّا هي، لِما اعْتَقَدَتْهُ مِنَ الإيمانِ وجَزِيلِ الثَّوابِ، فَهي الباعِثَةُ لَهُ عَلى ذَلِكَ، والمُثَبِّتَةُ لَهُ بِحُسْنِ إيمانِها وجَلِيلِ اعْتِقادِها، وقَرَأ عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ (كَمَثَلِ حَبَّةٍ) بِالحاءِ، والباءُ في (بِرَبْوَةٍ) ظَرْفِيَّةٌ، وهي في مَوْضِعِ الصِّفَةِ فَتَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، وخَصَّ الرَّبْوَةَ لِحُسْنِ شَجَرِها وزَكاءِ ثَمَرِها، كَما قالَ الشّاعِرُ، وهو الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: ؎تَرَفَّعَتْ عَنْ نَدى الأعْماقِ وانْخَفَضَتْ ∗∗∗ عَنِ المَعاطِشِ واسْتَغْنَتْ بِسُقْياها ؎فَمالَ بِالخَوْخِ والرُّمّانِ أسْفَلَها ∗∗∗ واعْتَمَّ بِالنَّخْلِ والزَّيْتُونِ أعْلاها تَفْسِيرُ ابْنِ عَبّاسٍ: الرَّبْوَةُ، بِالمَكانِ المُرْتَفِعِ الَّذِي لا يَجْرِي فِيهِ الأنْهارُ، إنَّما يُرِيدُ المَذْكُورَةَ لِقَوْلِهِ: ﴿أصابَها وابِلٌ﴾ فَدَلَّ عَلى أنَّها لَيْسَ فِيها ماءٌ جارٍ، ولَمْ يُرِدْ أنَّ جِنْسَ الرَّبْوَةِ لا يَجْرِي فِيها ماءٌ، ألا تَرى قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ ومَعِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠] وخُصَّتْ بِأنَّ سُقْياها الوابِلُ لا الماءُ الجارِي فِيها عَلى عادَةِ بِلادِ العَرَبِ بِما يُحِسُّونَهُ كَثِيرًا. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الرّازِيُّ: المُفَسِّرُونَ قالُوا: البُسْتانُ إذا كانَ في رَبْوَةٍ كانَ أحْسَنَ وأكْثَرَ رِيعًا، وفِيهِ لِي إشْكالٌ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ فَوْقَ الماءِ، ولا تَرْتَفِعُ إلَيْهِ الأنْهارُ، وتَضْرِبُهُ الرِّياحُ كَثِيرًا، فَلا يُحْسَنُ رِيعُهُ، وإذا كانَ في وهْدَةٍ انْصَبَّتْ إلَيْهِ المِياهُ، ولا تَصِلُ إلَيْهِ آثارُ الرِّياحِ، فَلا يُحْسَنُ (p-٣١٢)أيْضًا رِيعُهُ، وإنَّما يُحْسَنُ رِيعُهُ في أرْضٍ مُسْتَوِيَةٍ، فالمُرادُ بِالرَّبْوَةِ لَيْسَ ما ذَكَرُوهُ، وإنَّما هو كَوْنُ الأرْضِ طَيِّبَةً بِحَيْثُ إذا نُظِرَ نُزُولُ المَطَرِ عَلَيْها انْتَفَخَتْ ورَبَتْ، فَيَكْثُرُ رِيعُها، وتَكْمُلُ الأشْجارُ فِيها، ويُؤَيِّدُهُ: ﴿وتَرى الأرْضَ هامِدَةً﴾ [الحج: ٥] الآيَةَ. وأنَّهُ في مُقابَلَةِ المَثَلِ الأوَّلِ، والأوَّلُ لا يُؤَثِّرُ فِيهِ المَطَرُ، وهو: الصَّفْوانُ، انْتَهى كَلامُهُ. وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ، وما قالَهُ قالَهُ قَبْلَهُ الحَسَنُ. الرَّبْوَةُ الأرْضُ المُسْتَوِيَةُ الَّتِي لا تَعْلُو فَوْقَ الماءِ، وقالَ الشّاعِرُ في رِياضِ الحَزْنِ: ؎ما رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الحَزْنِ مُعْشِبَةٌ ∗∗∗ خَضْراءُ جادَ عَلَيْها وابِلٌ هَطِلُ ولا يُرادُ: بِرِياضِ الحَزْنِ، رِياضُ الرُّبا، كَما زَعَمَ الطَّبَرِيُّ، بَلْ: رِياضُ الحَزْنِ هي المَنسُوبَةُ إلى نَجْدٍ، ونَجْدٌ يُقالُ لَها: الحَزْنُ، وإنَّما نُسِبَتِ الرَّوْضَةُ إلى الحَزْنِ وهو نَجْدٌ؛ لِأنَّ نَباتَهُ أعْطَرُ، ونَسِيمَهُ أبْرَدُ، وأرَقُّ، فَهي خَيْرٌ مِن رِياضِ تِهامَةَ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ بِفَتْحِ الرّاءِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالضَّمِّ، وكَذَلِكَ خِلافُهم في ﴿قَدْ أفْلَحَ﴾ [المؤمنون: ١] وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِكَسْرِ الرّاءِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: (بِرَباوَةٍ) عَلى وزْنِ: كَراهَةٍ، وأبُو الأشْهَبِ العُقَيْلِيُّ: (بِرِباوَةٍ) عَلى وزْنِ رِسالَةٍ. ﴿أصابَها وابِلٌ﴾ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِجَنَّةٍ، وبُدِئَ بِالوَصْفِ بِالمَجْرُورِ، ثُمَّ بِالوَصْفِ بِالجُمْلَةِ، وهَذا الأكْثَرُ في لِسانِ العَرَبِ، وبُدِئَ بِالوَصْفِ الثّابِتِ، وهو: كَوْنُها (بِرَبْوَةٍ) ثُمَّ بِالوَصْفِ العارِضِ، وهو ﴿أصابَها وابِلٌ﴾ وجاءَ في وصْفِ صَفْوانَ قَوْلُهُ: ﴿عَلَيْهِ تُرابٌ﴾ ثُمَّ عُطِفَ عَلَيْهِ بِالفاءِ، وهُنا لَمْ يُعْطَفْ، بَلْ أُخْرِجَ صِفَةً، ويُنْظُرُ ما الفَرْقُ بَيْنَ المَوْضِعَيْنِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ: ﴿أصابَها وابِلٌ﴾ حالًا مِن جَنَّةٍ؛ لِأنَّها نَكِرَةٌ، وقَدْ وُصِفَتْ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في الجارِّ والمَجْرُورِ. ﴿فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ﴾ آتَتْ بِمَعْنى: أعْطَتْ، والمَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، التَّقْدِيرُ: فَآتَتْ صاحِبَها، أوْ أهْلَها أُكُلَها، كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ﴾ أيْ: صاحِبِ أوْ غارِسِ جَنَّةٍ، ولِأنَّ المَقْصُودَ ذِكْرُ ما يُثْمِرُ لا لِمَن تُثْمِرُ، إذْ هو مَعْلُومٌ، ونَصْبُ (ضِعْفَيْنِ) عَلى الحالِ، ومَن زَعَمَ أنَّ (ضِعْفَيْنِ) مَفْعُولٌ ثانٍ لِآتَتْ، فَهو ساهٍ، ولَيْسَ المَعْنى عَلَيْهِ، وكَذَلِكَ قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ (آتَتْ) بِمَعْنى أخْرَجَتْ، وأنَّها تَتَعَدّى لِواحِدٍ؛ إذْ لا يُعْلَمُ ذَلِكَ في لِسانِ العَرَبِ، ونِسْبَةُ الإيتاءِ إلَيْها مَجازٌ، والأُكُلُ، بِضَمِّ الهَمْزَةِ، الشَّيْءُ المَأْكُولُ، وأُرِيدَ هُنا الثَّمَرُ، وإضافَتُهُ إلى الجَنَّةِ إضافَةُ اخْتِصاصٍ، كَسَرْجِ الدّابَّةِ؛ إذْ لَيْسَ الثَّمَرُ مِمّا تَمْلِكُهُ الجَنَّةُ، وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، وأبُو عَمْرٍو بِضَمِّ الهَمْزَةِ، وإسْكانِ الكافِ، وكَذا كُلُّ مُضافٍ إلى مُؤَنَّثٍ، ونَقَلَ أبُو عَمْرٍو فِيما أُضِيفَ إلى غَيْرِ مَكْنِيٍّ، أوْ إلى مَكْنِيٍّ مُذَكَّرٍ، والباقُونَ بِالتَّثْقِيلِ. ومَعْنى (ضِعْفَيْنِ) مِثْلا ما كانَتْ تُثْمِرُ بِسَبَبِ الوابِلِ، وبِكَوْنِهِ في رَبْوَةٍ؛ لِأنَّ رِيعَ الرُّبا أكْثَرُ، ومِنَ السَّيْلِ والبَرْدِ أبْعَدُ، وقِيلَ: ضِعْفَيْ غَيْرِها مِنَ الأرَضِينَ، وقِيلَ: أرْبَعَةَ أمْثالِها، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ ضِعْفَ الشَّيْءِ مِثْلاهُ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: ثَلاثَةُ أمْثالِها، قالَ تاجُ القُرّاءِ: ولَيْسَ لِهَذا في العَرَبِيَّةِ وجْهٌ، وإيتاءُ الضِّعْفَيْنِ هو في حَمْلٍ واحِدٍ. وقالَ عِكْرِمَةُ، وعَطاءٌ: مَعْنى ضِعْفَيْنِ أنَّها حَمَلَتْ في السَّنَةِ مَرَّتَيْنِ. ويُحْتَمَلُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (ضِعْفَيْنِ) مِمّا لا يُزادُ بِهِ شَفْعُ الواحِدِ، بَلْ يَكُونُ مِنَ التَّشْبِيهِ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ التَّكْثِيرُ، وكَأنَّهُ قِيلَ: فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ، ضِعْفًا بَعْدَ ضِعْفٍ أيْ: أضْعافًا كَثِيرَةً، وهَذا أبْلَغُ في التَّشْبِيهِ لِلنَّفَقَةِ بِالجَنَّةِ؛ لِأنَّ الحَسَنَةَ لا يَكُونُ لَها ثَوابُ حَسَنَتَيْنِ، بَلْ جاءَ تُضاعَفُ أضْعافًا كَثِيرَةً، وعَشْرَ أمْثالِها، وسَبْعَ مِائَةٍ وأزِيدُ. ﴿فَإنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ﴾ قالَ ابْنُ عِيسى: فِيهِ إضْمارٌ، التَّقْدِيرُ: فَإنْ لَمْ يَكُنْ يُصِيبُها وابِلٌ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎إذا ما انْتَسَبْنا لَمْ تَلِدْنِي لَئِيمَةٌ أيْ: لَمْ تَكُنْ تَلِدْنِي، والمَعْنى: أنَّ الطَّلَّ يَكْفِيها ويَنُوبُ مَنابَ الوابِلِ في إخْراجِ الثَّمَرَةِ ضِعْفَيْنِ، وذَلِكَ أكْرَمُ الأرْضِ وطَيِّبُها، فَلا تَنْقُصُ ثَمَرَتُها بِنُقْصانِ المَطَرِ، وقِيلَ: المَعْنى فَإنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَيَتَضاعَفُ ثَمَرُها، وأصابَها طَلٌّ فَأخْرَجَتْ دُونَ ما تُخْرِجُهُ بِالوابِلِ، فَهي عَلى كُلِّ حالٍ لا تَخْلُو مِن أنْ تُثْمِرَ. قالَ الماوَرْدِيُّ: زَرْعُ الطَّلِّ أضْعَفُ مِن زَرْعِ المَطَرِ (p-٣١٣)وأقَلُّ رِيعًا، وفِيهِ - وإنْ قَلَّ - تَماسُكٌ ونَفْعٌ، انْتَهى. ودَعْوى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ في الآيَةِ، عَلى ما قالَهُ بَعْضُهم، مِن أنَّ المَعْنى أصابَها وابِلٌ، فَإنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ، فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ حَتّى يُجْعَلَ إيتاؤُها الأُكُلَ ضِعْفَيْنِ عَلى الحالَيْنِ مِنَ الوابِلِ والطَّلِّ، لا حاجَةَ إلَيْها، والتَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ مِن ضَرُوراتِ الشِّعْرِ، فَيُنَزَّهُ القُرْآنُ عَنْ ذَلِكَ. قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: المَضْرُوبُ بِهِ المَثَلَ أرْضُ مِصْرَ، إنْ لَمْ يُصِبْها مَطَرٌ زَكَتْ، وإنْ أصابَها مَطَرٌ أضْعَفَتْ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَثَّلَ حالَهم عِنْدَ اللَّهِ بِالجَنَّةِ عَلى الرَّبْوَةِ، ونَفَقَتَهَمُ الكَثِيرَةَ والقَلِيلَةَ بِالوابِلِ والطَّلِّ، فَكَما أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المَطَرَيْنِ يُضَعِّفُ أُكُلَ الجَنَّةِ، فَكَذَلِكَ نَفَقَتُهم كَثِيرَةً كانَتْ أوْ قَلِيلَةً، بَعْدَ أنْ يُطْلَبَ بِها وجْهُ اللَّهِ ويُبْذَلَ فِيها الوُسْعُ، زاكِيَةٌ عِنْدَ اللَّهِ، زائِدَةٌ في زُلْفاهم وحُسْنِ حالِهِمْ عِنْدَهُ، انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ الماوَرْدِيُّ قَرِيبًا مِن كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ، قالَ: أرادَ بِضَرْبِ هَذا المَثَلِ أنَّ كَثِيرَ البِرِّ مِثْلُ زَرْعِ المَطَرِ كَثِيرِ النَّفْعِ، وقَلِيلَ البِرِّ مِثْلُ زَرْعِ الطَّلِّ قَلِيلِ النَّفْعِ، فَلا يَدَعُ قَلِيلَ البِرِّ إذا لَمْ يَفْعَلْ كَثِيرَهُ، كَما لا يَدَعُ زَرْعَ الطَّلِّ إذا لَمْ يَقْدِرْ عَلى زَرْعِ المَطَرِ، انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: شَبَّهَ نُمُوَّ نَفَقاتِ هَؤُلاءِ المُخْلِصِينَ الَّذِينَ يُرَبِّي اللَّهُ صَدَقاتِهِمْ كَتَرْبِيَةِ الفَصِيلِ والفَلُوِّ، بِنُمُوِّ نَباتِ هَذِهِ الجَنَّةِ بِالرَّبْوَةِ المَوْصُوفَةِ، بِخِلافِ الصَّفْوانِ الَّذِي انْكَشَفَ عَنْهُ تُرابُهُ فَبَقِيَ صَلْدًا. وقالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: مَعْنى الآيَةِ أنَّ صاحِبَ هَذِهِ الجَنَّةِ لا يَخِيبُ فَإنَّها إنْ أصابَها الطَّلُّ حَسُنَتْ، وإنْ أصابَها الوابِلُ أضْعَفَتْ، فَكَذَلِكَ نَفَقَةُ المُؤْمِنِ المُخْلِصِ، انْتَهى، وقَوْلُهُ: (فَطَلٌّ) جَوابٌ لِلشَّرْطِ، فَيَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ بِحَيْثُ تَصِيرُ جُمْلَةً، فَقَدَّرَهُ المُبَرِّدُ مُبْتَدَأً مَحْذُوفَ الخَبَرِ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، أيْ: فَطَلٌّ يُصِيبُها، وابْتُدِئْ بِالنَّكِرَةِ؛ لِأنَّها جاءَتْ في جَوابِ الشَّرْطِ. وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ هَذا مِن مُسَوِّغاتِ جَوازِ الِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ، ومِثْلُهُ ما جاءَ في المَثَلِ: إنْ ذَهَبَ عِيرٌ فَعِيرٌ في الرِّباطِ. وقَدَّرَهُ غَيْرُ المُبَرِّدِ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: فالَّذِي يُصِيبُها، أوْ فَمُصِيبُها طَلٌّ، وقَدَّرَهُ بَعْضُهم فاعِلًا، أيْ: فَيُصِيبُها طَلٌّ، وكُلُّ هَذِهِ التَّقادِيرِ سائِغَةٌ، والآخَرُ يُحْتاجُ فِيهِ إلى حَذْفِ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ جَوابًا، وإبْقاءِ مَعْمُولٍ لِبَعْضِها؛ لِأنَّهُ مَتى دَخَلَتِ الفاءُ عَلى المُضارِعِ فَإنَّما هو عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾ [المائدة: ٩٥] أيْ: فَهو يَنْتَقِمُ، فَكَذَلِكَ يُحْتاجُ إلى هَذا التَّقْدِيرِ هُنا أيْ: فَهي، أيِ: الجَنَّةُ يُصِيبُها طَلٌّ، وأمّا في التَّقْدِيرَيْنِ السّابِقَيْنِ فَلا يُحْتاجُ إلّا إلى حَذْفِ أحَدِ جُزْئَيِ الجُمْلَةِ، ونَظِيرُ ما في الآيَةِ قَوْلُهُ: ؎ألا إنْ لا تَكُنْ إبِلٌ فَمِعْزى ∗∗∗ كَأنَّ قُرُونَ جُلَّتِها العِصِيُّ ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ قَرَأ الزُّهْرِيُّ بِالياءِ، فَظاهِرُهُ أنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلى المُنافِقِينَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ عامًّا فَلا يَخْتَصُّ بِالمُنافِقِينَ، بَلْ يَعُودُ عَلى النّاسِ أجْمَعِينَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالتّاءِ، عَلى الخِطابِ، وفِيهِ التِفاتٌ، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الأعْمالِ والمَقاصِدِ مِن رِياءٍ وإخْلاصٍ، وفِيهِ وعْدٌ ووَعِيدٌ.

البقرة 2:265

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ لَمّا شَرَطَ في الإنْفاقِ أنْ لا يُتْبَعَ مَنًّا ولا أذًى، لَمْ يَكْتَفِ بِذَلِكَ حَتّى جَعَلَ المَنَّ والأذى مُبْطِلًا لِلصَّدَقَةِ، ونَهى عَنِ الإبْطالِ بِهِما لِيُقَوِّيَ اجْتِنابَ المُؤْمِنِ لَهُما، ولِذَلِكَ ناداهم بِوَصْفِ الإيمانِ، ولَمّا جَرى ذِكْرُ المَنِّ والأذى مَرَّتَيْنِ، أعادَهُما هُنا بِالألِفِ واللّامِ، ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ المَنَّ والأذى مُبْطِلانِ لِلصَّدَقَةِ، ومَعْنى إبْطالِهِما أنَّهُ لا ثَوابَ فِيها عِنْدَ اللَّهِ، والسُّدِّيُّ يَعْتَقِدُ أنَّ السَّيِّئاتِ لا تُبْطِلُ الحَسَناتِ، فَقالَ جُمْهُورُ العُلَماءِ: الصَّدَقَةُ الَّتِي يَعْلَمُ اللَّهُ مِن صاحِبِها أنَّهُ يَمُنُّ ويُؤْذِي لا تَتَقَبَّلُ، وقِيلَ: جَعَلَ اللَّهُ لِلْمَلَكِ عَلَيْها أمارَةً، فَهو لا يَكْتُبُها إذْ نِيَّتُهُ لَمْ تَكُنْ لِوَجْهِ اللَّهِ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ﴾ أيْ: لا تَأْتُوا بِهَذا العَمَلِ باطِلًا؛ لِأنَّهُ إذا قُصِدَ بِهِ غَيْرُ وجْهِ اللَّهِ فَقَدْ أُتِيَ بِهِ عَلى جِهَةِ البُطْلانِ، وقالَ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ: مَعْلُومٌ أنَّ الصَّدَقَةَ قَدْ وقَعَتْ وتَقَدَّمَتْ، فَلا يَصِحُّ أنْ تُبْطَلَ. فالمُرادُ إذَنْ إبْطالُ أجْرِها؛ لِأنَّ الأجْرَ لَمْ يُحَصَّلْ بَعْدُ، وهو مُسْتَقْبَلٌ، فَيَصِيرُ إبْطالُهُ بِما يَأْتِيهِ مِنَ المَنِّ والأذى، انْتَهى كَلامُهُ. والمَعْنَيانِ تَحْمِلُهُما الآيَةُ، ولِتَعْظِيمِ قُبْحِ المَنِّ أعادَ اللَّهُ ذَلِكَ في مَعارِضِ الكَلامِ، فَأثْنى عَلى تارِكِهِ أوَّلًا وفَضَّلَ المَنعَ عَلى عَطِيَّةٍ يَتْبَعُها المَنُّ ثانِيًا، وصَرَّحَ بِالنَّهْيِ عَنْها ثالِثًا، وخَصَّ الصَّدَقَةَ بِالنَّهْيِ إذْ كانَ المَنُّ فِيها أعْظَمَ وأشْنَعَ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (بِالمَنِّ) مَعْناهُ عَلى الفَقِيرِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِالمَنِّ عَلى اللَّهِ تَعالى بِسَبَبِ صَدَقَتِهِ، والأذى لِلسّائِلِ، والكافُ، قِيلَ: في مَوْضِعِ نَعْتٍ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ إبْطالًا، كَإبْطالِ صَدَقَةِ الَّذِي يُنْفِقُ، وقِيلَ: الكافُ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: لا تُبْطِلُوا مُشَبَّهِينَ الَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ بِالرِّياءِ، وفي هَذا المُنْفِقِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المُنافِقُ، ولَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَهُ يُنْفِقُ لِلسُّمْعَةِ ولِيُقالَ: إنَّهُ سَخِيٌّ كَرِيمٌ، هَذِهِ نِيَّتُهُ، لا يُنْفِقُ لِرِضا اللَّهِ، وطَلَبِ ثَوابِ الآخِرَةِ؛ لِأنَّهُ في الباطِنِ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الكافِرُ المُجاهِرُ، وذَلِكَ بِإنْفاقِهِ لِقَوْلِ النّاسِ: ما أكْرَمَهُ وأفْضَلَهُ ولا يُرِيدُ بِإنْفاقِهِ إلّا الثَّناءَ عَلَيْهِ، ورَجَّحَ مَكِّيٌّ القَوْلَ الأوَّلَ بِأنَّهُ أضافَ إلَيْهِ الرِّياءَ، وذَلِكَ مِن فِعْلِ (p-٣٠٩)المُنافِقِ السّاتِرِ لِكُفْرِهِ، وأمّا الكافِرُ فَلَيْسَ عِنْدَهُ رِياءٌ؛ لِأنَّهُ مُناصِبٌ لِلدِّينِ مُجاهِرٌ بِكُفْرِهِ، وانْتِصابُ (رِئاءَ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، أوْ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: (رِياءَ) بِإبْدالِ الهَمْزَةِ الأُولى ياءً لِكَسْرِ ما قَبْلَها، وهي مَرْوِيَّةٌ عَنْ عاصِمٍ. ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ هَذا تَشْبِيهٌ ثانٍ، واخْتُلِفَ في الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: (فَمَثَلُهُ) فالظّاهِرُ أنَّهُ عائِدٌ عَلى ﴿كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ﴾ لِقُرْبِهِ مِنهُ، ولِإفْرادِهِ، ضَرَبَ اللَّهُ لِهَذا المُنافِقِ المُرائِي أوِ الكافِرِ المُباهِي، المَثَلَ بِصَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ، يَظُنُّهُ الظّانُّ أرْضًا مُنْبِتَةً طَيِّبَةً، فَإذا أصابَهُ وابِلٌ مِنَ المَطَرِ أذْهَبَ عَنْهُ التُّرابَ، فَيَبْقى صَلْدًا مُنْكَشِفًا، وأخْلَفَ ما ظَنَّهُ الظّانُّ، كَذَلِكَ هَذا المُنافِقُ يَرى النّاسُ أنَّ لَهُ أعْمالًا كَما يُرى التُّرابُ عَلى هَذا الصَّفْوانِ، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ اضْمَحَلَّتْ وبَطَلَتْ، كَما أذْهَبَ الوابِلُ ما كانَ عَلى الصَّفْوانِ مِنَ التُّرابِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (فَمَثَلُهُ) عائِدٌ عَلى المانِّ المُؤْذِي، وأنَّهُ شُبِّهَ بِشَيْئَيْنِ أحَدُهُما: بِالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ. والثّانِي: بِصَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ، ويَكُونُ قَدْ عَدَلَ مِن خِطابٍ إلى غَيْبَةٍ، ومِن جَمْعٍ إلى إفْرادٍ. قالَ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ: ذَكَرَ تَعالى لِكَيْفِيَّةِ إبْطالِ الصَّدَقَةِ بِالمَنِّ والأذى مَثَلَيْنِ، فَمَثَّلَهُ أوَّلًا بِمَن يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ، وهو مَعَ ذَلِكَ كافِرٌ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ؛ لِأنَّ إبْطالَ نَفَقَةِ هَذا المُرائِي الكافِرِ أظْهَرُ مِن بُطْلانِ أجْرِ صَدَقَةِ مَن يُتْبِعُها بِالمَنِّ والأذى، ثُمَّ مَثَّلَهُ ثانِيًا بِالصَّفْوانِ الَّذِي وقَعَ عَلَيْهِ تُرابٌ وغُبارٌ، ثُمَّ إذا أصابَهُ المَطَرُ القَوِيُّ فَيُزِيلُ ذَلِكَ الغُبارَ عَنْهُ حَتّى يَصِيرَ كَأنَّهُ ما عَلَيْهِ تُرابٌ ولا غُبارٌ أصْلًا، قالَ: فَكَما أنَّ الوابِلَ أزالَ التُّرابَ الَّذِي وقَعَ عَلى الصَّفْوانِ، فَكَذا المَنُّ والأذى يَجِبُ أنْ يَكُونا مُبْطِلَيْنِ لِأجْرِ الإنْفاقِ بَعْدَ حُصُولِهِ، وذَلِكَ صَرِيحُ القَوْلِ في الإحاطَةِ والتَّكْفِيرِ، انْتَهى كَلامُهُ. وهو مَبْنِيٌّ عَلى ما قَدَّمْناهُ عَنْهُ في القَوْلِ في الإحْباطِ والتَّكْفِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ﴾ مِن أنَّ الصَّدَقَةَ وقَعَتْ صَحِيحَةً ثُمَّ بَطَلَتْ بِالمَنِّ والأذى، وتَقَدَّمَ القَوْلُ بِأنَّ المَعْنى: لا تُوقِعُوها باطِلَةً، ويَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى التَّشْبِيهُ بِقَوْلِهِ: ﴿كالَّذِي يُنْفِقُ﴾ فَإنَّ نَفَقَتَهُ وقَعَتْ باطِلَةً لِمُقارَنَةِ الكُفْرِ لَها، فَيَمْتَنِعُ دُخُولُها صَحِيحَةً في الوُجُودِ، وأمّا التَّمْثِيلُ الثّانِي فَإنَّهُ عِنْدَ عَبْدِ الجَبّارِ وأصْحابِهِ، جَعَلَ الوابِلَ مُزِيلًا لِذَلِكَ التُّرابِ بَعْدَ كَيْنُونَتِهِ عَلَيْهِ، فَكَذَلِكَ المَنُّ والأذى مُزِيلانِ لِلْأجْرِ بَعْدَ حُصُولِ اسْتِحْقاقِهِ، وعِنْدَ غَيْرِهِمْ أنَّ المُشَبَّهَ بِالتُّرابِ الواقِعَ عَلى الصَّفْوانِ هو الصَّدَقَةُ المُقْتَرِنَةُ بِالنِّيَّةِ الفاسِدَةِ الَّتِي لَوْلاها لَكانَتِ الصَّدَقَةُ مُرَتَّبًا عَلَيْها حُصُولُ الأجْرِ والثَّوابِ، قِيلَ: والحَمْلُ عَلى هَذا المَعْنى أوْلى؛ لِأنَّ التُّرابَ إذا وقَعَ عَلى الصَّفْوانِ لَمْ يَكُنْ مُلْتَصِقًا بِهِ، ولا غائِصًا فِيهِ، فَهو في مَرْأى العَيْنِ مُتَّصِلٌ، وفي الحَقِيقَةِ مُنْفَصِلٌ، فَكَذا الإنْفاقُ المَقْرُونُ بِالمَنِّ والأذى، يُرى في الظّاهِرِ أنَّهُ عَمَلُ بِرٍّ وفي الحَقِيقَةِ لَيْسَ كَذَلِكَ، وعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: لا تُبْطِلُوا أُجُورَ صَدَقاتِكم، أوْ لا تُبْطِلُوا أصْلَ صَدَقاتِكم، وقَرَأ ابْنُ المُسَيِّبِ، والزُّهْرِيُّ: (صَفَوانَ) بِفَتْحِ الفاءِ، قِيلَ: وهو شاذٌّ في الأسْماعِ، إنَّما بابُهُ المَصادِرُ: كالغَلَيانِ والنَّزَوانِ، وفي الصِّفاتِ، نَحْوُ: رَجُلٍ صَيْحانَ، وتَيْسٍ عُدْوانَ، وارْتَفَعَ (تُرابٌ) عَلى الفاعِلِيَّةِ، أيِ: اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ تُرابٌ، فَأصابَهُ وابِلٌ، و(فَأصابَهُ)، مَعْطُوفٌ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ الرّافِعِ لِلتُّرابِ، والضَّمِيرُ في (فَأصابَهُ) عائِدٌ عَلى الصَّفْوانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى التُّرابِ، وفي (فَتَرَكَهُ) عائِدٌ عَلى الصَّفْوانِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ جُعِلَ فِيها العَمَلُ الظّاهِرُ كالتُّرابِ، والمانُّ المُؤْذِي أوِ المُنافِقُ كالصَّفْوانِ، ويَوْمُ القِيامَةِ كالوابِلِ، وعَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ: المَنُّ والأذى كالوابِلِ. وقالَ القَفّالُ: وفِيهِ احْتِمالٌ آخَرُ، وهو أنَّ أعْمالَ العِبادِ ذَخائِرُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ، فَمَن عَمِلَ بِإخْلاصٍ فَكَأنَّهُ طَرَحَ بَذْرًا في أرْضٍ طَيِّبَةٍ، فَهو يَتَضاعَفُ لَهُ ويَنْمُو، ألا تَرى أنَّهُ ضَرَبَ المَثَلَ في ذَلِكَ بِجَنَّةٍ فَوْقَ رَبْوَةٍ ؟ فَهو يَجِدُهُ وقْتَ الحاجَةِ إلَيْهِ، وأمّا المانُّ والمُؤْذِي والمُنافِقُ، فَكَمَنَ بَذَرَ في الصَّفْوانِ لا يَقْبَلُ بَذْرًا ولا (p-٣١٠)يَنْمُو فِيهِ شَيْءٌ، عَلَيْهِ غُبارٌ قَلِيلٌ أصابَهُ جُودٌ فَبَقِيَ مُسْتَوْدَعَ بَذْرٍ خالِيًا، فَعِنْدَ الحاجَةِ إلى الزَّرْعِ لا يَجِدُ فِيهِ شَيْئًا، انْتَهى ما لُخِّصَ مِن كَلامِهِ، وحاصِلُهُ: أنَّ التَّشْبِيهَ انْطَوى مِن حَيْثُ المَعْنى عَلى بَذْرٍ وزَرْعٍ. ﴿لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا﴾ اخْتُلِفَ في الضَّمِيرِ في: (يَقْدِرُونَ) فَقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى المُخاطَبِينَ في قَوْلِهِ: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ﴾ ويَكُونُ مِن بابِ الِالتِفاتِ، إذْ هو رُجُوعٌ مِن خِطابٍ إلى غَيْبَةٍ، والمَعْنى: أنَّكم إذا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ لَمْ تَقْدِرُوا عَلى الِانْتِفاعِ بِشَيْءٍ مِمّا كَسَبْتُمْ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ، وقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى الَّذِي يُنْفِقُ، لِأنَّ (كالَّذِي) جِنْسٌ، فَلَكَ أنْ تُراعِيَ لَفْظَهُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُ﴾ فَأفْرَدَ الضَّمِيرَ، ولَكَ أنْ تُراعِيَ المَعْنى؛ لِأنَّ مَعْناهُ جَمْعٌ، وصارَ هَذا ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ﴾ [البقرة: ١٧] ثُمَّ قالَ: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧]، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَدِ انْحَمَلَ الكَلامُ قَبْلُ عَلى لَفْظِ الَّذِي، وهَذا هو مَهْيَعُ كَلامِ العَرَبِ، ولَوِ انْحَمَلَ أوَّلًا عَلى المَعْنى لَقَبُحَ بَعْدُ أنْ يُحْمَلَ عَلى اللَّفْظِ، انْتَهى كَلامُهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ مَعَهُ في شَيْءٍ مِن هَذا، وفي الحَمْلِ عَلى اللَّفْظِ أوِ المَعْنى تَفْصِيلٌ لا يُوجَدُ إلّا في مَبْسُوطاتِ النَّحْوِ. وقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى مَعْلُومٍ غَيْرِ مَذْكُورِ المَعْنى لا يَقْدِرُ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ عَلى الِانْتِفاعِ بِذَلِكَ البَذْرِ المُلْقى في ذَلِكَ التُّرابِ الَّذِي عَلى الصَّفْوانِ؛ لِأنَّهُ زالَ ذَلِكَ التُّرابُ وزالَ ما كانَ فِيهِ، فَكَذَلِكَ المانُّ والمُؤْذِي والمُنافِقُ، لا يَنْتَفِعُ أحَدٌ مِنهم بِعَمَلِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى المُرائِي الكافِرِ أوِ المُنافِقِ، أوْ عَلى المانِّ، أيْ: لا يَقْدِرُونَ عَلى الِانْتِفاعِ بِثَوابِ شَيْءٍ مِن إنْفاقِهِمْ، وهو كَسْبُهم عِنْدَ حاجَتِهِمْ إلَيْهِ، وعَبَّرُوا عَنِ النَّفَقَةِ بِالكَسْبِ؛ لِأنَّهم قَصَدُوا بِها الكَسْبَ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] وقَوْلِهِ: ﴿أعْمالُهم كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨] الآيَةَ. وقَوْلِهِ: ﴿أعْمالُهم كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور: ٣٩] ويَكْفِي مِن ذِكْرِ العَمَلِ لِغَيْرِ وجْهِ اللَّهِ حَدِيثُ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ هم أوَّلُ النّاسِ يُقْضى عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وهو: المُسْتَشْهَدُ والعالِمُ والجَوّادُ. ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ يَعْنِي المُوافِقِينَ عَلى الكُفْرِ، ولا يَهْدِيهِمْ في كُفْرِهِمْ بَلْ هو ضَلالٌ مَحْضٌ، أوْ لا يَهْدِيهِمْ في أعْمالِهِمْ، وهم عَلى الكُفْرِ، وفي هَذا تَرَجُّحٌ لِمَن قالَ: إنَّ ضَرْبَ المَثَلِ عائِدٌ عَلى الكافِرِ. ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ وتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ لَمّا ضَرَبَ مَثَلَ مَن أنْفَقَ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ وهو غَيْرُ مُؤْمِنٍ، ذَكَرَ ضِدَّهُ بِتَمْثِيلٍ مَحْسُوسٍ لِلذِّهْنِ، حَتّى يَتَصَوَّرَ السّامِعُ تَفاوُتَ ما بَيْنَ الضِّدَّيْنِ، وهَذا مِن بَدِيعِ أسالِيبِ فَصاحَةِ القُرْآنِ، ولَمّا وصَفَ صاحِبَ النَّفَقَةِ بِوَصْفَيْنِ، قابَلَ ذَلِكَ هُنا بِوَصْفَيْنِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ﴾ مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿رِئاءَ النّاسِ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿وتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ولا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ لِأنَّ المُرادَ بِالتَّثْبِيتِ تَوْطِينُ النَّفْسِ عَلى المُحافَظَةِ عَلَيْهِ وتَرْكِ ما يُفْسِدُهُ، ولا يَكُونُ إلّا عَنْ يَقِينٍ بِالآخِرَةِ، والتَّقادِيرُ الثَّلاثَةُ الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١] جارِيَةٌ هُنا، أيْ: ومَثَلُ المُنافِقِينَ كَمَثَلِ غارِسٍ حَبَّةٍ، أوْ مَثَلُ نَفَقَتِهِمْ كَحَبَّةٍ، أوْ مَثَلُ المُنْفِقِينَ ونَفَقَتِهِمْ كَمَثَلِ حَبَّةٍ وغارِسِها. وجَوَّزُوا في: (ابْتِغاءَ) أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا في مَوْضِعِ الحالِ. أيْ: مُبْتَغِينَ، وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ، وكَذَلِكَ (وتَثْبِيتًا) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ (ابْتِغاءَ) مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ؛ لِعَطْفِ (وتَثْبِيتًا) عَلَيْهِ، ولا يَصِحُّ في: (وتَثْبِيتًا) أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ؛ لِأنَّ الإنْفاقَ لَيْسَ مِن أجْلِ التَّثْبِيتِ، وقالَ مَكِّيٌّ في (المُشْكَلِ): كِلاهُما مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، وهو مَرْدُودٌ بِما بَيَّنّاهُ، انْتَهى كَلامُهُ، وتَثْبِيِتٌ، مَصْدَرُ: ثَبَتَ، وهو مُتَعَدٍّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ الثَّوابُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أيْ: وتَثْبِيتًا وتَحْصِيلًا مِن أنْفُسِهِمُ، الثَّوابُ عَلى تِلْكَ النَّفَقَةِ، فَيَكُونُ إذْ ذاكَ تَثْبِيِتُ الثَّوابِ وتَحْصِيلُهُ مِنَ اللَّهِ حامِلًا عَلى الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، ومَن قَدَّرَ المَفْعُولَ غَيْرَ ذَلِكَ أيْ: وتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ أعْمالُهم بِإخْلاصِ النِّيَّةِ، وجَعَلَهُ مِن أنْفُسِهِمْ عَلى أنْ تَكُونَ: مِن، بِمَعْنى: اللّامُ، أيْ: لِأنْفُسِهِمْ، كَما تَقُولُ: (p-٣١١)فَعَلْتُ ذَلِكَ كَسْرًا مِن شَهْوَتِي، أيْ: لِشَهْوَتِي، فَلا يَتَّضِحُ فِيهِ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى المَفْعُولِ لَهُ، قالَ الشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، وأبُو صالِحٍ، وابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ وتَيَقُّنًا، أيْ: أنَّ نُفُوسَهم لَها بَصائِرُ مُتَأكِّدَةٌ، فَهي تُثَبِّتُهم عَلى الإنْفاقِ ويُؤَكِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ (وتَبْيِينًا مِن أنْفُسِهِمْ) وقالَ قَتادَةُ أيْضًا: واحْتِسابًا مِن أنْفُسِهِمْ. وقالَ الشَّعْبِيُّ أيْضًا والضَّحّاكُ والكَلْبِيُّ: وتَصْدِيقًا، أيْ: يُخْرِجُونَ الزَّكاةَ طَيِّبَةً بِها أنْفُسُهم. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو مالِكٍ: تَحْقِيقًا في دِينِهِمْ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: إخْلاصًا وتَوْطِيدًا لِأنْفُسِهِمْ عَلى طاعَةِ اللَّهِ في نَفَقاتِهِمْ، وقالَ الزَّجّاجُ: ومُقِرِّينَ حِينَ يُنْفِقُونَ أنَّها مِمّا يُثِيبُ اللَّهُ عَلَيْها، وقالَ الشَّعْبِيُّ أيْضًا: عَزْمًا، وقالَ يَمانٌ أيْضًا: بَصِيرَةً، وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ: مَعْناهُ أنَّهم يُثْبِتُونَ، أيْ يَضَعُونَ صَدَقاتِهِمْ. قالَ الحَسَنُ: كانَ الرَّجُلُ إذا هَمَّ بِصَدَقَةٍ يَتَثَبَّتُ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ لِلَّهِ أمْضاهُ، وإنْ خالَطَهُ شَكٌّ أمْسَكَ. وقَدْ أجازَ بَعْضُ المِصْرِيِّينَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (وتَثْبِيتًا) بِمَعْنى: تَثَبُّتًا، فَيَكُونُ لازِمًا. قالَ: والمَصادِرُ قَدْ تَخْتَلِفُ، ويَقَعُ بَعْضُها مَوْقِعَ بَعْضٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨] أيْ: تَبَتُّلًا ورُدَّ هَذا القَوْلُ بِأنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ بِالفِعْلِ المُتَقَدِّمِ عَلى المَصْدَرِ، نَحْوَ الآيَةِ، أمّا أنْ يَأْتِيَ بِالمَصْدَرِ مِن غَيْرِ بِنائِهِ عَلى فِعْلٍ مَذْكُورٍ فَلا يُحْمَلُ عَلى غَيْرِ فِعْلِهِ الَّذِي لَهُ في الأصْلِ، تَقُولُ: إنْ ثَبَتَ فِعْلٌ لازِمٌ مَعْناهُ: تَمَكَّنَ ورَسَخَ وتَحَقَّقَ وثَبَتَ مُعَدًّى بِالتَّضْعِيفِ، ومَعْناهُ: مَكَّنَ وحَقَّقَ. قالَ ابْنُ رَواحَةَ يُخاطِبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: ؎فَثَبَّتَ اللَّهُ ما آتاكَ مِن حُسْنٍ تَثْبِيتَ عِيسى ونَصْرًا كالَّذِي نُصِرُوا فالمَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّهم يَثْبُتُونَ مِن أنْفُسِهِمْ عَلى الإيمانِ بِهَذا العَمَلِ الَّذِي هو إخْراجُ المالِ الَّذِي هو عَدِيلُ الرُّوحِ في سَبِيلِ اللَّهِ ابْتِغاءَ رِضًا؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا العَمَلِ شاقٌّ عَلى النَّفْسِ، فَهم يَعْمَلُونَ لِتَثْبِيتِ النَّفْسِ عَلى الإيمانِ، وما تَرْجُو مِنَ اللَّهِ بِهَذا العَمَلِ الصَّعْبِ؛ لِأنَّها إذا ثَبَتَتْ عَلى الأمْرِ الصَّعْبِ انْقادَتْ وذَلَّتْ لَهُ، وإذا كانَ التَّثْبِيتُ مُسْنَدًا إلَيْهِمْ كانَتْ (مِن) في مَوْضِعِ نَصْبٍ مُتَعَلِّقَةً بِنَفْسِ المَصْدَرِ، وتَكُونُ لِلتَّبْعِيضِ، مِثْلُها في: هَزَّ مِن عَطْفِهِ، وحَرَّكَ مِن نَشاطِهِ، وإنْ كانَ التَّثْبِيتُ مُسْنَدًا في المَعْنى إلى أنْفُسِهِمْ كانَتْ: (مِن) في مَوْضِعِ نَصْبٍ أيْضًا صِفَةً لِلْمَصْدَرِ تَقْدِيرُهُ: كائِنًا مِن أنْفُسِهِمْ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: فَما مَعْنى التَّبْعِيضِ ؟ قُلْتُ: مَعْناهُ أنَّ مَن بَذَلَ مالَهُ لِوَجْهِ اللَّهِ فَقَدْ ثَبَّتَ بَعْضَ نَفْسِهِ، ومَن بَذَلَ مالَهُ ورُوحَهُ مَعًا فَهو الَّذِي ثَبَّتَها كُلَّها ﴿وتُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ﴾ [الصف: ١١] انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ نَفْسَهُ هي الَّتِي تُثَبِّتُهُ وتَحْمِلُهُ عَلى الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، لَيْسَ لَهُ مُحَرِّكٌ إلّا هي، لِما اعْتَقَدَتْهُ مِنَ الإيمانِ وجَزِيلِ الثَّوابِ، فَهي الباعِثَةُ لَهُ عَلى ذَلِكَ، والمُثَبِّتَةُ لَهُ بِحُسْنِ إيمانِها وجَلِيلِ اعْتِقادِها، وقَرَأ عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ (كَمَثَلِ حَبَّةٍ) بِالحاءِ، والباءُ في (بِرَبْوَةٍ) ظَرْفِيَّةٌ، وهي في مَوْضِعِ الصِّفَةِ فَتَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، وخَصَّ الرَّبْوَةَ لِحُسْنِ شَجَرِها وزَكاءِ ثَمَرِها، كَما قالَ الشّاعِرُ، وهو الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: ؎تَرَفَّعَتْ عَنْ نَدى الأعْماقِ وانْخَفَضَتْ ∗∗∗ عَنِ المَعاطِشِ واسْتَغْنَتْ بِسُقْياها ؎فَمالَ بِالخَوْخِ والرُّمّانِ أسْفَلَها ∗∗∗ واعْتَمَّ بِالنَّخْلِ والزَّيْتُونِ أعْلاها تَفْسِيرُ ابْنِ عَبّاسٍ: الرَّبْوَةُ، بِالمَكانِ المُرْتَفِعِ الَّذِي لا يَجْرِي فِيهِ الأنْهارُ، إنَّما يُرِيدُ المَذْكُورَةَ لِقَوْلِهِ: ﴿أصابَها وابِلٌ﴾ فَدَلَّ عَلى أنَّها لَيْسَ فِيها ماءٌ جارٍ، ولَمْ يُرِدْ أنَّ جِنْسَ الرَّبْوَةِ لا يَجْرِي فِيها ماءٌ، ألا تَرى قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ ومَعِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠] وخُصَّتْ بِأنَّ سُقْياها الوابِلُ لا الماءُ الجارِي فِيها عَلى عادَةِ بِلادِ العَرَبِ بِما يُحِسُّونَهُ كَثِيرًا. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الرّازِيُّ: المُفَسِّرُونَ قالُوا: البُسْتانُ إذا كانَ في رَبْوَةٍ كانَ أحْسَنَ وأكْثَرَ رِيعًا، وفِيهِ لِي إشْكالٌ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ فَوْقَ الماءِ، ولا تَرْتَفِعُ إلَيْهِ الأنْهارُ، وتَضْرِبُهُ الرِّياحُ كَثِيرًا، فَلا يُحْسَنُ رِيعُهُ، وإذا كانَ في وهْدَةٍ انْصَبَّتْ إلَيْهِ المِياهُ، ولا تَصِلُ إلَيْهِ آثارُ الرِّياحِ، فَلا يُحْسَنُ (p-٣١٢)أيْضًا رِيعُهُ، وإنَّما يُحْسَنُ رِيعُهُ في أرْضٍ مُسْتَوِيَةٍ، فالمُرادُ بِالرَّبْوَةِ لَيْسَ ما ذَكَرُوهُ، وإنَّما هو كَوْنُ الأرْضِ طَيِّبَةً بِحَيْثُ إذا نُظِرَ نُزُولُ المَطَرِ عَلَيْها انْتَفَخَتْ ورَبَتْ، فَيَكْثُرُ رِيعُها، وتَكْمُلُ الأشْجارُ فِيها، ويُؤَيِّدُهُ: ﴿وتَرى الأرْضَ هامِدَةً﴾ [الحج: ٥] الآيَةَ. وأنَّهُ في مُقابَلَةِ المَثَلِ الأوَّلِ، والأوَّلُ لا يُؤَثِّرُ فِيهِ المَطَرُ، وهو: الصَّفْوانُ، انْتَهى كَلامُهُ. وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ، وما قالَهُ قالَهُ قَبْلَهُ الحَسَنُ. الرَّبْوَةُ الأرْضُ المُسْتَوِيَةُ الَّتِي لا تَعْلُو فَوْقَ الماءِ، وقالَ الشّاعِرُ في رِياضِ الحَزْنِ: ؎ما رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الحَزْنِ مُعْشِبَةٌ ∗∗∗ خَضْراءُ جادَ عَلَيْها وابِلٌ هَطِلُ ولا يُرادُ: بِرِياضِ الحَزْنِ، رِياضُ الرُّبا، كَما زَعَمَ الطَّبَرِيُّ، بَلْ: رِياضُ الحَزْنِ هي المَنسُوبَةُ إلى نَجْدٍ، ونَجْدٌ يُقالُ لَها: الحَزْنُ، وإنَّما نُسِبَتِ الرَّوْضَةُ إلى الحَزْنِ وهو نَجْدٌ؛ لِأنَّ نَباتَهُ أعْطَرُ، ونَسِيمَهُ أبْرَدُ، وأرَقُّ، فَهي خَيْرٌ مِن رِياضِ تِهامَةَ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ بِفَتْحِ الرّاءِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالضَّمِّ، وكَذَلِكَ خِلافُهم في ﴿قَدْ أفْلَحَ﴾ [المؤمنون: ١] وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِكَسْرِ الرّاءِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: (بِرَباوَةٍ) عَلى وزْنِ: كَراهَةٍ، وأبُو الأشْهَبِ العُقَيْلِيُّ: (بِرِباوَةٍ) عَلى وزْنِ رِسالَةٍ. ﴿أصابَها وابِلٌ﴾ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِجَنَّةٍ، وبُدِئَ بِالوَصْفِ بِالمَجْرُورِ، ثُمَّ بِالوَصْفِ بِالجُمْلَةِ، وهَذا الأكْثَرُ في لِسانِ العَرَبِ، وبُدِئَ بِالوَصْفِ الثّابِتِ، وهو: كَوْنُها (بِرَبْوَةٍ) ثُمَّ بِالوَصْفِ العارِضِ، وهو ﴿أصابَها وابِلٌ﴾ وجاءَ في وصْفِ صَفْوانَ قَوْلُهُ: ﴿عَلَيْهِ تُرابٌ﴾ ثُمَّ عُطِفَ عَلَيْهِ بِالفاءِ، وهُنا لَمْ يُعْطَفْ، بَلْ أُخْرِجَ صِفَةً، ويُنْظُرُ ما الفَرْقُ بَيْنَ المَوْضِعَيْنِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ: ﴿أصابَها وابِلٌ﴾ حالًا مِن جَنَّةٍ؛ لِأنَّها نَكِرَةٌ، وقَدْ وُصِفَتْ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في الجارِّ والمَجْرُورِ. ﴿فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ﴾ آتَتْ بِمَعْنى: أعْطَتْ، والمَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، التَّقْدِيرُ: فَآتَتْ صاحِبَها، أوْ أهْلَها أُكُلَها، كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ﴾ أيْ: صاحِبِ أوْ غارِسِ جَنَّةٍ، ولِأنَّ المَقْصُودَ ذِكْرُ ما يُثْمِرُ لا لِمَن تُثْمِرُ، إذْ هو مَعْلُومٌ، ونَصْبُ (ضِعْفَيْنِ) عَلى الحالِ، ومَن زَعَمَ أنَّ (ضِعْفَيْنِ) مَفْعُولٌ ثانٍ لِآتَتْ، فَهو ساهٍ، ولَيْسَ المَعْنى عَلَيْهِ، وكَذَلِكَ قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ (آتَتْ) بِمَعْنى أخْرَجَتْ، وأنَّها تَتَعَدّى لِواحِدٍ؛ إذْ لا يُعْلَمُ ذَلِكَ في لِسانِ العَرَبِ، ونِسْبَةُ الإيتاءِ إلَيْها مَجازٌ، والأُكُلُ، بِضَمِّ الهَمْزَةِ، الشَّيْءُ المَأْكُولُ، وأُرِيدَ هُنا الثَّمَرُ، وإضافَتُهُ إلى الجَنَّةِ إضافَةُ اخْتِصاصٍ، كَسَرْجِ الدّابَّةِ؛ إذْ لَيْسَ الثَّمَرُ مِمّا تَمْلِكُهُ الجَنَّةُ، وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، وأبُو عَمْرٍو بِضَمِّ الهَمْزَةِ، وإسْكانِ الكافِ، وكَذا كُلُّ مُضافٍ إلى مُؤَنَّثٍ، ونَقَلَ أبُو عَمْرٍو فِيما أُضِيفَ إلى غَيْرِ مَكْنِيٍّ، أوْ إلى مَكْنِيٍّ مُذَكَّرٍ، والباقُونَ بِالتَّثْقِيلِ. ومَعْنى (ضِعْفَيْنِ) مِثْلا ما كانَتْ تُثْمِرُ بِسَبَبِ الوابِلِ، وبِكَوْنِهِ في رَبْوَةٍ؛ لِأنَّ رِيعَ الرُّبا أكْثَرُ، ومِنَ السَّيْلِ والبَرْدِ أبْعَدُ، وقِيلَ: ضِعْفَيْ غَيْرِها مِنَ الأرَضِينَ، وقِيلَ: أرْبَعَةَ أمْثالِها، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ ضِعْفَ الشَّيْءِ مِثْلاهُ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: ثَلاثَةُ أمْثالِها، قالَ تاجُ القُرّاءِ: ولَيْسَ لِهَذا في العَرَبِيَّةِ وجْهٌ، وإيتاءُ الضِّعْفَيْنِ هو في حَمْلٍ واحِدٍ. وقالَ عِكْرِمَةُ، وعَطاءٌ: مَعْنى ضِعْفَيْنِ أنَّها حَمَلَتْ في السَّنَةِ مَرَّتَيْنِ. ويُحْتَمَلُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (ضِعْفَيْنِ) مِمّا لا يُزادُ بِهِ شَفْعُ الواحِدِ، بَلْ يَكُونُ مِنَ التَّشْبِيهِ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ التَّكْثِيرُ، وكَأنَّهُ قِيلَ: فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ، ضِعْفًا بَعْدَ ضِعْفٍ أيْ: أضْعافًا كَثِيرَةً، وهَذا أبْلَغُ في التَّشْبِيهِ لِلنَّفَقَةِ بِالجَنَّةِ؛ لِأنَّ الحَسَنَةَ لا يَكُونُ لَها ثَوابُ حَسَنَتَيْنِ، بَلْ جاءَ تُضاعَفُ أضْعافًا كَثِيرَةً، وعَشْرَ أمْثالِها، وسَبْعَ مِائَةٍ وأزِيدُ. ﴿فَإنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ﴾ قالَ ابْنُ عِيسى: فِيهِ إضْمارٌ، التَّقْدِيرُ: فَإنْ لَمْ يَكُنْ يُصِيبُها وابِلٌ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎إذا ما انْتَسَبْنا لَمْ تَلِدْنِي لَئِيمَةٌ أيْ: لَمْ تَكُنْ تَلِدْنِي، والمَعْنى: أنَّ الطَّلَّ يَكْفِيها ويَنُوبُ مَنابَ الوابِلِ في إخْراجِ الثَّمَرَةِ ضِعْفَيْنِ، وذَلِكَ أكْرَمُ الأرْضِ وطَيِّبُها، فَلا تَنْقُصُ ثَمَرَتُها بِنُقْصانِ المَطَرِ، وقِيلَ: المَعْنى فَإنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَيَتَضاعَفُ ثَمَرُها، وأصابَها طَلٌّ فَأخْرَجَتْ دُونَ ما تُخْرِجُهُ بِالوابِلِ، فَهي عَلى كُلِّ حالٍ لا تَخْلُو مِن أنْ تُثْمِرَ. قالَ الماوَرْدِيُّ: زَرْعُ الطَّلِّ أضْعَفُ مِن زَرْعِ المَطَرِ (p-٣١٣)وأقَلُّ رِيعًا، وفِيهِ - وإنْ قَلَّ - تَماسُكٌ ونَفْعٌ، انْتَهى. ودَعْوى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ في الآيَةِ، عَلى ما قالَهُ بَعْضُهم، مِن أنَّ المَعْنى أصابَها وابِلٌ، فَإنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ، فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ حَتّى يُجْعَلَ إيتاؤُها الأُكُلَ ضِعْفَيْنِ عَلى الحالَيْنِ مِنَ الوابِلِ والطَّلِّ، لا حاجَةَ إلَيْها، والتَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ مِن ضَرُوراتِ الشِّعْرِ، فَيُنَزَّهُ القُرْآنُ عَنْ ذَلِكَ. قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: المَضْرُوبُ بِهِ المَثَلَ أرْضُ مِصْرَ، إنْ لَمْ يُصِبْها مَطَرٌ زَكَتْ، وإنْ أصابَها مَطَرٌ أضْعَفَتْ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَثَّلَ حالَهم عِنْدَ اللَّهِ بِالجَنَّةِ عَلى الرَّبْوَةِ، ونَفَقَتَهَمُ الكَثِيرَةَ والقَلِيلَةَ بِالوابِلِ والطَّلِّ، فَكَما أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المَطَرَيْنِ يُضَعِّفُ أُكُلَ الجَنَّةِ، فَكَذَلِكَ نَفَقَتُهم كَثِيرَةً كانَتْ أوْ قَلِيلَةً، بَعْدَ أنْ يُطْلَبَ بِها وجْهُ اللَّهِ ويُبْذَلَ فِيها الوُسْعُ، زاكِيَةٌ عِنْدَ اللَّهِ، زائِدَةٌ في زُلْفاهم وحُسْنِ حالِهِمْ عِنْدَهُ، انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ الماوَرْدِيُّ قَرِيبًا مِن كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ، قالَ: أرادَ بِضَرْبِ هَذا المَثَلِ أنَّ كَثِيرَ البِرِّ مِثْلُ زَرْعِ المَطَرِ كَثِيرِ النَّفْعِ، وقَلِيلَ البِرِّ مِثْلُ زَرْعِ الطَّلِّ قَلِيلِ النَّفْعِ، فَلا يَدَعُ قَلِيلَ البِرِّ إذا لَمْ يَفْعَلْ كَثِيرَهُ، كَما لا يَدَعُ زَرْعَ الطَّلِّ إذا لَمْ يَقْدِرْ عَلى زَرْعِ المَطَرِ، انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: شَبَّهَ نُمُوَّ نَفَقاتِ هَؤُلاءِ المُخْلِصِينَ الَّذِينَ يُرَبِّي اللَّهُ صَدَقاتِهِمْ كَتَرْبِيَةِ الفَصِيلِ والفَلُوِّ، بِنُمُوِّ نَباتِ هَذِهِ الجَنَّةِ بِالرَّبْوَةِ المَوْصُوفَةِ، بِخِلافِ الصَّفْوانِ الَّذِي انْكَشَفَ عَنْهُ تُرابُهُ فَبَقِيَ صَلْدًا. وقالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: مَعْنى الآيَةِ أنَّ صاحِبَ هَذِهِ الجَنَّةِ لا يَخِيبُ فَإنَّها إنْ أصابَها الطَّلُّ حَسُنَتْ، وإنْ أصابَها الوابِلُ أضْعَفَتْ، فَكَذَلِكَ نَفَقَةُ المُؤْمِنِ المُخْلِصِ، انْتَهى، وقَوْلُهُ: (فَطَلٌّ) جَوابٌ لِلشَّرْطِ، فَيَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ بِحَيْثُ تَصِيرُ جُمْلَةً، فَقَدَّرَهُ المُبَرِّدُ مُبْتَدَأً مَحْذُوفَ الخَبَرِ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، أيْ: فَطَلٌّ يُصِيبُها، وابْتُدِئْ بِالنَّكِرَةِ؛ لِأنَّها جاءَتْ في جَوابِ الشَّرْطِ. وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ هَذا مِن مُسَوِّغاتِ جَوازِ الِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ، ومِثْلُهُ ما جاءَ في المَثَلِ: إنْ ذَهَبَ عِيرٌ فَعِيرٌ في الرِّباطِ. وقَدَّرَهُ غَيْرُ المُبَرِّدِ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: فالَّذِي يُصِيبُها، أوْ فَمُصِيبُها طَلٌّ، وقَدَّرَهُ بَعْضُهم فاعِلًا، أيْ: فَيُصِيبُها طَلٌّ، وكُلُّ هَذِهِ التَّقادِيرِ سائِغَةٌ، والآخَرُ يُحْتاجُ فِيهِ إلى حَذْفِ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ جَوابًا، وإبْقاءِ مَعْمُولٍ لِبَعْضِها؛ لِأنَّهُ مَتى دَخَلَتِ الفاءُ عَلى المُضارِعِ فَإنَّما هو عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾ [المائدة: ٩٥] أيْ: فَهو يَنْتَقِمُ، فَكَذَلِكَ يُحْتاجُ إلى هَذا التَّقْدِيرِ هُنا أيْ: فَهي، أيِ: الجَنَّةُ يُصِيبُها طَلٌّ، وأمّا في التَّقْدِيرَيْنِ السّابِقَيْنِ فَلا يُحْتاجُ إلّا إلى حَذْفِ أحَدِ جُزْئَيِ الجُمْلَةِ، ونَظِيرُ ما في الآيَةِ قَوْلُهُ: ؎ألا إنْ لا تَكُنْ إبِلٌ فَمِعْزى ∗∗∗ كَأنَّ قُرُونَ جُلَّتِها العِصِيُّ ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ قَرَأ الزُّهْرِيُّ بِالياءِ، فَظاهِرُهُ أنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلى المُنافِقِينَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ عامًّا فَلا يَخْتَصُّ بِالمُنافِقِينَ، بَلْ يَعُودُ عَلى النّاسِ أجْمَعِينَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالتّاءِ، عَلى الخِطابِ، وفِيهِ التِفاتٌ، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الأعْمالِ والمَقاصِدِ مِن رِياءٍ وإخْلاصٍ، وفِيهِ وعْدٌ ووَعِيدٌ.

البقرة 2:266

﴿أيَوَدُّ أحَدُكم أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾ لَمّا تَقَدَّمَ النَّهْيُ عَنْ إبْطالِ الصَّدَقَةِ بِالمَنِّ والأذى، وشَبَّهَ فاعِلَ ذَلِكَ بِالمُنْفِقِ رِئاءً، ومَثَّلَ حالَهُ بِالصَّفْوانِ المَذْكُورِ، ثُمَّ مَثَّلَ حالَ مَن أنْفَقَ ابْتِغاءَ وجْهِ اللَّهِ، أعْقَبَ ذَلِكَ كُلَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ السُّدِّيُّ: هَذا مَثَلٌ آخَرُ لِلْمُرائِي، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو مَثَلٌ لَلْمانِّ في الصَّدَقَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والرَّبِيعُ، وغَيْرُهم: لِلْمُفْرِطِ في الطّاعَةِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لِمَن أُعْطِيَ الشَّبابَ والمالَ، فَلَمْ يَعْمَلْ حَتّى سُلِبا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِمَن عَمِلَ أنْواعَ الطّاعاتِ كَجَنَّةٍ فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ، فَخَتَمَها بِإساءَةٍ كَإعْصارٍ، فَشَبَّهَ تَحَسُّرَهُ حِينَ لا عَوْدَ بِتَحَسُّرِ كَبِيرٍ هَلَكَتْ جَنَّتُهُ أحْوَجَ ما كانَ إلَيْها، وأعْجَزَ عَنْ عِمارَتِها، ورُوِيَ نَحْوٌ مِن هَذا عَنْ عُمَرَ، وقالَ الحَسَنُ: هَذا مَثَلٌ قَلَّ واللَّهِ مَن يَعْقِلُهُ شَيْخٌ كَبِيرٌ ضَعُفَ جِسْمُهُ وكَثُرَ صِبْيانُهُ، أفْقَرُ ما كانَ إلى جَنَّتِهِ، وإنَّ أحَدَكم واللَّهِ أفْقَرُ ما يَكُونُ إلى عَمَلِهِ إذا انْقَطَعَتْ عَنْهُ الدُّنْيا. والهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ، والمَعْنى عَلى التَّبْعِيدِ والنَّفْيِ، أيْ: ما يَوَدُّ أحَدٌ ذَلِكَ ؟ وأحَدٌ هُنا لَيْسَ المُخْتَصَّ بِالنَّفْيِ وشِبْهِهِ، وإنَّما المَعْنى: أيَوَدُّ (p-٣١٤)واحِدٌ مِنكم ؟ عَلى طَرِيقِ البَدَلِيَّةِ، وقَرَأ الحَسَنُ: (جَنّاتٌ) بِالجَمْعِ. ﴿مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ﴾ لَمّا كانَ النَّخِيلُ والأعْنابُ أكْرَمَ الشَّجَرِ وأكْثَرَها مَنافِعَ، خُصّا بِالذِّكْرِ، وجُعِلَتِ الجَنَّةُ مِنهُما، وإنْ كانَ في الجَنَّةِ غَيْرُهُما، وحَيْثُ جاءَ في القُرْآنِ ذِكْرُ هَذا، نَصَّ عَلى النَّخِيلِ دُونَ الثَّمَرَةِ، وعَلى ثَمَرَةِ الكَرْمِ دُونَ الكَرْمِ، وذَلِكَ لِأنَّ أعْظَمَ مَنافِعِ الكَرْمِ هو ثَمَرَتُهُ دُونَ أصْلِهِ، والنَّخِيلُ كُلُّهُ مَنافِعُهُ عَظِيمَةٌ، تُوازِي مَنفَعَةَ ثَمَرَتِهِ مِن خَشَبِهِ وجَرِيدِهِ ولِيفِهِ وخُوصِهِ، وسائِرِ ما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ، فَلِذَلِكَ، واللَّهُ أعْلَمُ، اقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ النَّخِيلِ وثَمَرَةِ الكَرْمِ. ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذا في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ. ﴿لَهُ فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ فِيهِ أشْجارٌ غَيْرُ النَّخِيلِ والكَرْمِ، كَما ذَكَرْنا قَبْلَ هَذا الظّاهِرِ، وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يُرِيدَ بِالثَّمَراتِ المَنافِعَ الَّتِي كانَتْ تَحْصُلُ لَهُ فِيها، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُرَكَّبَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ، فَعَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ: مِن زائِدَةٌ، التَّقْدِيرُ: لَهُ فِيها كُلُّ الثَّمَراتِ، عَلى إرادَةِ التَّكْثِيِرِ، بِلَفْظِ العُمُومِ، لا أنَّ العُمُومَ مُرادٌ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ زائِدَةً عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ؛ لِأنَّهم شَرَطُوا في زِيادَتِها أنْ يَكُونَ بَعْدَها نَكِرَةٌ، نَحْوَ: قَدْ كانَ مِن مَطَرٍ، وأمّا عَلى مَذْهَبِ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ، فَلا يَجُوزُ زِيادَتُها؛ لِأنَّهم شَرَطُوا أنْ يَكُونَ قَبْلَها غَيْرُ مُوجَبٍ، وبَعْدَها نَكِرَةٌ، ويَحْتاجُ هَذا إلى تَقْيِيدٍ، قَدْ ذَكَرْناهُ في كِتابِ (مَنهَجِ السّالِكِ) مِن تَأْلِيفِنا، ويَتَخَرَّجُ مَذْهَبُ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ عَلى حَذْفِ المُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ، تَقْدِيرُهُ: لَهُ فِيها رِزْقٌ، أوْ ثَمَراتٌ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ، ونَظِيرُهُ في الحَذْفِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎كَأنَّكَ مِن جِمالِ بَنِي أُقَيْشٍ تُقَعْقَعُ خَلْفَ رِجْلَيْهِ بِشَنِّ التَّقْدِيرُ: كَأنَّكَ جَمَلٌ مِن جِمالِ بَنِي أُقَيْشٍ، حُذِفَ جَمَلٌ، لِدَلالَةِ: ”مِن جِمالِ“ عَلَيْهِ، كَما حُذِفَ ثَمَراتٌ لِدَلالَةِ ﴿مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ عَلَيْهِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] أيْ: وما أحَدٌ مِنّا، فَأحَدٌ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفٌ، ومِنّا صِفَةٌ، وما بَعْدَ (إلّا) جُمْلَةُ خَبَرٍ عَنِ المُبْتَدَأِ. ﴿وأصابَهُ الكِبَرُ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الواوَ لِلْحالِ، (وقَدْ) مُقَدَّرَةٌ أيْ: وقَدْ أصابَهُ الكِبَرُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] ﴿وقَعَدُوا لَوْ أطاعُونا﴾ [آل عمران: ١٦٨] أيْ: وقَدْ كُنْتُمْ، وقَدْ قَعَدُوا، وقِيلَ مَعْناهُ: ويُصِيبُهُ، فَعُطِفَ الماضِي عَلى المُضارِعِ لِوَضْعِهِ مَوْضِعَهُ، وقالَ الفَرّاءُ: يَجُوزُ ذَلِكَ في (يَوَدُّ) لِأنَّهُ يَتَلَقّى مَرَّةً بِـ (أنْ) ومَرَّةً بِـ (أوْ)، فَجازَ أنْ يُقَدَّرَ أحَدُهُما مَكانَ الآخَرِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقِيلَ يُقالُ: ودِدْتُ لَوْ كانَ كَذا، فَحُمِلَ العَطْفُ عَلى المَعْنى، كَأنَّهُ قِيلَ: أيَوَدُّ أحَدُكم لَوْ كانَتْ لَهُ جَنَّةٌ، وأصابَهُ الكِبَرُ ؟ انْتَهى. وظاهِرُ كَلامِهِ أنْ يَكُونَ (وأصابَهُ) مَعْطُوفًا عَلى مُتَعَلِّقِ (أيَوَدُّ) وهو (أنْ تَكُونَ) لِأنَّهُ في مَعْنى: لَوْ كانَتْ، إذْ يُقالُ: أيَوَدُّ أحَدُكم لَوْ كانَتْ ؟ وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّهُ مُمْتَنِعٌ مِن حَيْثُ (أنْ يَكُونَ) مَعْطُوفًا عَلى: كانَتْ، الَّتِي قَبْلَها (لَوْ)؛ لِأنَّهُ مُتَعَلِّقُ الوُدِّ، وأمّا ﴿وأصابَهُ الكِبَرُ﴾ فَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقَ الوُدِّ؛ لِأنَّ إصابَةَ الكِبَرِ لا يَوَدُّهُ أحَدٌ ولا يَتَمَنّاهُ، لَكِنْ يُحْمَلُ قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ عَلى أنَّهُ: لَمّا كانَ (أيَوَدُّ) اسْتِفْهامًا مَعْناهُ الإنْكارُ، جُعِلَ مُتَعَلِّقُ الوِدادَةِ الجَمْعَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، وهُما كَوْنُ جَنَّةٍ لَهُ، وإصابَةُ الكِبَرِ إيّاهُ، لا أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَكُونُ مَوْدُودًا عَلى انْفِرادِهِ، وإنَّما أنْكَرَ وِدادَهُ الجَمْعُ بَيْنَهُما، وفي لَفْظِ الإصابَةِ مَعْنى التَّأْثِيرِ، وهو أبْلَغُ مِن وكَبِرَ، وكَذَلِكَ بِرَبْوَةٍ أصابَها وابِلٌ، وعَلَيْهِ تُرابٌ فَأصابَهُ وابِلٌ، ولَمْ يَأْتِ: وبَلَتْ، ولا تُوبِلُ، والكِبَرُ: الشَّيْخُوخَةُ، وعُلُوُّ السِّنِّ. ﴿ولَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ﴾ وقُرِئَ: ضِعافٌ، وكِلاهُما جَمْعُ ضَعِيفٍ، كَظَرِيفٍ وظُرَفاءَ وظِرافٍ، والمَعْنى (p-٣١٥)ذُرِّيَّةٌ صِبْيَةٌ صِغارٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِضُعَفاءَ مَحاوِيجُ. ﴿فَأصابَها إعْصارٌ فِيهِ نارٌ فاحْتَرَقَتْ﴾ قالَ فِيهِ: فَأتى بِالضَّمِيرِ مُذَكَّرًا؛ لِأنَّ الإعْصارَ مُذَكَّرٌ مِن سائِرِ أسْماءِ الرِّياحِ، وارْتِفاعُ (نارٌ) عَلى الفاعِلِيَّةِ بِالجارِ قَبْلَهُ، أوْ: كائِنٌ فِيهِ نارٌ، وفي العَطْفِ بِالفاءِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأصابَها إعْصارٌ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّها حِينَ أزْهَتْ وحَسُنَتْ لِلِانْتِفاعِ بِها أعْقَبَها الإعْصارُ. ﴿فاحْتَرَقَتْ﴾ هَذا فِعْلٌ مُطاوِعٌ لِأحْرَقَ، كَأنَّهُ قِيلَ: فِيهِ نارٌ أحْرَقَتْها فاحْتَرَقَتْ، كَقَوْلِهِ: أنْصَفْتُهُ فانْتَصَفَ، وأوْقَدْتُهُ فاتَّقَدَ، وهَذِهِ المُطاوَعَةُ هي انْفِعالٌ في المَفْعُولِ يَكُونُ لَهُ قابِلِيَّةٌ لِلْواقِعِ بِهِ، فَيَتَأثَّرُ لَهُ، والنّارُ الَّتِي في الإعْصارِ هي السَّمُومُ الَّتِي تَكُونُ فِيها، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: السَّمُومُ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ مِنها الجانَّ جُزْءٌ مِن سَبْعِينَ جُزْءًا مِنَ النّارِ، يَعْنِي نارَ الآخِرَةِ، وقَدْ فَسَّرَ أنَّها هَلَكَتْ بِالصّاعِقَةِ، وقالَ الحَسَنُ، والضَّحّاكُ: إعْصارٌ فِيهِ نارٌ، أيْ: رِيحٌ فِيها صِرُّ بَرْدٍ. ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ﴾ أيْ: مِثْلُ هَذا البَيانِ تُصْرَفُ الأمْثالُ المُقَرِّبَةُ الأشْياءِ لِلذِّهْنِ، يُبَيِّنُ لَكُمُ العَلاماتِ الَّتِي يُوَصَّلُ بِها إلى اتِّباعِ الحَقِّ. ﴿لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ﴾ أيْ: تَعْلَمُونَ أفْكارَكم فِيما يَفْنى ويَضْمَحِلُّ مِنَ الدُّنْيا، وفِيما هو باقٍ لَكم في الآخِرَةِ، فَتَزْهَدُونَ في الدُّنْيا، وتَرْغَبُونَ في الآخِرَةِ. وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ الكَرِيمَةُ مِن ضُرُوبِ الفَصاحَةِ وصُنُوفِ البَلاغَةِ أنْواعًا: مِنَ الِانْتِقالِ مِنَ الخُصُوصِ إلى العُمُومِ، ومِنَ الإشارَةِ، ومِنَ التَّشْبِيهِ، ومِنَ الحَذْفِ، ومِنَ الِاخْتِصاصِ، ومِنَ الأمْثالِ، ومِنَ المَجازِ، وكُلُّ هَذا قَدْ نَبَّهَ عَلَيْهِ غُضُونُ تَفْسِيرِ هَذِهِ الآياتِ.