Lafzullah

Al-Bahr Al-Muhit — آل عمران 3:172 – آل عمران 3:200

المؤلف / المصدر: Al-Bahr Al-Muhit

المحتويات
  1. آل عمران 3:172
  2. آل عمران 3:173
  3. آل عمران 3:174
  4. آل عمران 3:175
  5. آل عمران 3:176
  6. آل عمران 3:177
  7. آل عمران 3:178
  8. آل عمران 3:179
  9. آل عمران 3:180
  10. آل عمران 3:181
  11. آل عمران 3:182
  12. آل عمران 3:183
  13. آل عمران 3:184
  14. آل عمران 3:185
  15. آل عمران 3:186
  16. آل عمران 3:187
  17. آل عمران 3:188
  18. آل عمران 3:189
  19. آل عمران 3:190
  20. آل عمران 3:191
  21. آل عمران 3:192
  22. آل عمران 3:193
  23. آل عمران 3:194
  24. آل عمران 3:195
  25. آل عمران 3:196
  26. آل عمران 3:197
  27. آل عمران 3:198
  28. آل عمران 3:199
  29. آل عمران 3:200

آل عمران 3:172

﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ وأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القَرْحُ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهم واتَّقَوْا أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهم فَزادَهم إيمانًا وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ واتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٧٤] ﴿إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهم وخافُونِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥] ﴿ولا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ إنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ ألّا يَجْعَلَ لَهم حَظًّا في الآخِرَةِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٦] ﴿إنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإيمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٧] ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا ولَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨] ﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ ولَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُسُلِهِ مَن يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ وإنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا فَلَكم أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٩] ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هو خَيْرًا لَهم بَلْ هو شَرٌّ لَهم سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨٠] . الحَظُّ: (p-١١٦)النَّصِيبُ، وإذا لَمْ يُقَيَّدْ فَإنَّما يُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ. مازَ ومَيَّزَ: فَصَلَ الشَّيْءَ مِنَ الشَّيْءِ. قالَ يَعْقُوبُ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ. انْتَهى. والتَّضْعِيفُ لَيْسَ لِلنَّقْلِ. وقِيلَ: التَّشْدِيدُ أقْرَبُ إلى الفَخامَةِ وأكْثَرُ في الِاسْتِعْمالِ، ألا تَرى أنَّهُمُ اسْتَعْمَلُوا المَصْدَرَ عَلى نِيَّةِ التَّشْدِيدِ، فَقالُوا: التَّمْيِيزُ، ولَمْ يَقُولُوا المَيْزَ. انْتَهى. ويَعْنِي: ولَمْ تَقُولُوهُ مَسْمُوعًا، وأمّا بِطَرِيقِ القِياسِ فَيُقالُ. وقِيلَ: لا يَكُونُ مازَ إلّا في كَثِيرٍ مِن كَثِيرٍ، فَأمّا واحِدٌ مِن واحِدٍ فَيَتَمَيَّزُ عَلى مَعْنى يَعْزِلُ؛ ولِهَذا قالَ أبُو مُعاذٍ: يُقالُ: مَيَّزْتُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ، ومِزْتُ بَيْنَ الأشْياءِ. اجْتَبى: اخْتارَ واصْطَفى، وهي مَن جَبَيْتُ الماءَ والمالَ وجَبَوْتُهُما فاجْتَبى، افْتَعَلَ مِنهُ، فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اللّامُ واوًا أوْ ياءً. ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ وأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ﴾: كَرَّرَ الفِعْلَ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، إنْ كانَتِ النِّعْمَةُ والفَضْلُ بَيانًا لِمُتَعَلِّقِ الِاسْتِبْشارِ الأوَّلِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. قالَ: وكَرَّرَ يَسْتَبْشِرُونَ لِيُعَلِّقَ بِهِ ما هو بَيانٌ لِقَوْلِهِ: ﴿أنْ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [آل عمران: ١٧٠] مِن ذِكْرِ النِّعْمَةِ والفَضْلِ، وأنَّ ذَلِكَ أجْرٌ لَهم عَلى إيمانِهِمْ، يَجِبُ في عَدْلِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ أنْ يَحْصُلَ لَهم ولا يَضِيعَ. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ في ذِكْرِهِ وُجُوبَ الأجْرِ وتَحْصِيلَهُ عَلى إيمانِهِمْ. وسَلَكَ ابْنُ عَطِيَّةَ طَرِيقَةَ أهْلِ السُّنَّةِ فَقالَ: أكَّدَ اسْتِبْشارَهم بِقَوْلِهِ: ”يَسْتَبْشِرُونَ“، ثُمَّ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ وفَضْلُ إدْخالِهِمُ الجَنَّةَ الَّذِي هو فَضْلٌ مِنهُ لا بِعَمَلِ أحَدٍ، وأمّا النِّعْمَةُ في الجَنَّةِ والدَّرَجاتُ فَقَدْ أخْبَرَ أنَّها عَلى قَدْرِ الأعْمالِ. انْتَهى. وقالَ غَيْرُهُما: هو بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُدْخِلْ عَلَيْهِ واوَ العَطْفِ. ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ الجُمْلَةَ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في يَحْزَنُونَ، ويَحْزَنُونَ هو العامِلُ فِيها - فَبَعِيدٌ عَنِ الصَّوابِ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ اخْتِلافُ المَنفِيِّ عَنْهُ الحُزْنُ والمُسْتَبْشِرِ، ولِأنَّ الحالَ قُيِّدَ، والحُزْنُ لَيْسَ بِمُقَيَّدٍ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ”يَسْتَبْشِرُونَ“ لَيْسَ بِتَأْكِيدٍ لِلْأوَّلِ، بَلْ هو اسْتِئْنافٌ مُتَعَلِّقٌ بِهِمْ أنْفُسِهِمْ، لا بِالَّذِينِ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ. فَقَدِ اخْتَلَفَ مُتَعَلِّقُ الفِعْلَيْنِ، فَلا تَأْكِيدَ؛ لِأنَّ هَذا المُسْتَبْشِرَ بِهِ هو لَهم، وهو: نِعْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وفَضْلُهُ. وفي التَّنْكِيرِ دَلالَةٌ عَلى بَعْضٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وإشارَةٌ إلى إبْهامِ المُرادِ تَعْظِيمًا لِأمْرِهِ وتَنْبِيهًا عَلى صُعُوبَةِ إدْراكِهِ، كَما جاءَ: فِيها ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ. والظّاهِرُ تَبايُنُ النِّعْمَةِ والفَضْلِ لِلْعَطْفِ، ويُناسِبُ شَرْحُهُما أنْ يَنْزِلَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] فالحُسْنى هي النِّعْمَةُ، والزِّيادَةُ هي الفَضْلُ؛ لِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: أحْسَنُوا، وقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهم واتَّقَوْا أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ . وقالَ الزَّجّاجُ: النِّعْمَةُ هي الجَزاءُ، والفَضْلُ زائِدٌ عَلَيْهِ قَدْرَ الجَزاءِ. وقِيلَ: النِّعْمَةُ قَدْرُ الكِفايَةِ، والفَضْلُ المُضاعَفُ عَلَيْها مَعَ مُضاعَفَةِ السُّرُورِ بِها واللَّذَّةِ. وقِيلَ: الفَضْلُ داخِلٌ في النِّعْمَةِ دَلالَةٌ عَلى اتِّساعِها، وأنَّها لَيْسَتْ كَنِعَمِ الدُّنْيا. وقَرَأ الكِسائِيُّ وجَماعَةٌ: و”إنَّ اللَّهَ“ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ ومُصْحَفُهُ: ”واللَّهُ لا يُضِيعُ أجْرَ“ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعَلى أنَّ الجُمْلَةَ اعْتِراضٌ، وهي قِراءَةُ الكِسائِيِّ. انْتَهى. ولَيْسَتِ الجُمْلَةُ هُنا اعْتِراضًا؛ لِأنَّها لَمْ تَدْخُلْ بَيْنَ شَيْئَيْنِ أحَدُهُما يَتَعَلَّقُ بِالآخَرِ، وإنَّما جاءَتْ لِاسْتِئْنافِ أخْبارٍ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ والجُمْهُورُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَطْفًا عَلى مُتَعَلِّقِ الِاسْتِبْشارِ، فَهو داخِلٌ فِيهِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: يَسْتَبْشِرُونَ بِتَوْفِيرِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، ووُصُولِهِ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يُضِعْهُ وصَلَ إلَيْهِمْ ولَمْ يَبْخَسُوهُ. ولا يَصِحُّ الِاسْتِبْشارُ بِأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ الِاسْتِبْشارَ إنَّما يَكُونُ بِما لَمْ يَتَقَدَّمْ بِهِ عِلْمٌ، وقَدْ عَلِمُوا قَبْلَ مَوْتِهِمْ أنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ، فَهم يَسْتَبْشِرُونَ بِأنَّ اللَّهَ ما أضاعَ أُجُورَهم حَتّى اخْتَصَّهم بِالشَّهادَةِ ومَنَحَهم أتَمَّ النِّعْمَةِ، وخَتَمَ لَهم بِالنَّجاةِ والفَوْزِ، وقَدْ كانُوا يَخْشَوْنَ عَلى إيمانِهِمْ، ويَخافُونَ سُوءَ الخاتِمَةِ المُحْبِطَةِ لِلْأعْمالِ، فَلَمّا رَأوْا ما لِلْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ السَّعادَةِ وما اخْتَصَّهم بِهِ مِن حُسْنِ الخاتِمَةِ الَّتِي تَصِحُّ مَعَها الأُجُورُ وتُضاعَفُ الأعْمالُ، اسْتَبْشَرُوا؛ لِأنَّهم كانُوا عَلى وجَلٍ مِن ذَلِكَ. انْتَهى كَلامُهُ. وفِيهِ (p-١١٧)تَطْوِيلٌ شَبِيهٌ بِالخَطابَةِ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِبْشارُ لِمَن خَلَّفُوهُ بَعْدَهم مِنَ المُؤْمِنِينَ لَمّا عايَنُوا مَنزِلَتَهُ عِنْدَ اللَّهِ. ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القَرْحُ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهم واتَّقَوْا أجْرٌ عَظِيمٌ﴾: قِيلَ: الِاسْتِجابَةُ كانَتْ أثَرَ الِانْصِرافِ مِن أُحُدٍ. اسْتَنْفَرَ الرَّسُولُ لِطَلَبِ الكُفّارِ، فاسْتَجابَ لَهُ تِسْعُونَ. وذَلِكَ لَمّا ذُكِرَ لِلرَّسُولِ أنَّ أبا سُفْيانَ في جَمْعٍ كَثِيرٍ، فَأبى الرَّسُولُ إلّا أنْ يَطْلُبَهم، فَسَبَقَهُ أبُو سُفْيانَ ودَخَلَ مَكَّةَ، فَنَزَلَتْ. قالَهُ عَمْرُو بْنُ دِينارٍ. وفي ذِكْرِ هَذا السَّبَبِ اخْتِلافٌ في مَواضِعَ. وقِيلَ: الِاسْتِجابَةُ كانَتْ مِنَ العامِ القابِلِ بَعْدَ قِصَّةِ أُحُدٍ، حَيْثُ تَواعَدَ أبُو سُفْيانَ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَوْسِمَ بَدْرٍ، فَلَمّا كانَ العامُ المُقْبِلُ خَرَجَ أبُو سُفْيانَ فَأُرْعِبَ، وبَدا لَهُ الرُّجُوعُ، وقالَ لِنُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ: واعَدْتُ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ أنْ نَلْتَقِيَ بِمَوْسِمِ بَدْرٍ الصُّغْرى، وهو عامُ جَدْبٍ لا يَصْلُحُ لَنا، فَثَبِّطْهم عَنّا، وأعْلِمْهم أنّا في جَمْعٍ كَثِيرٍ، فَفَعَلَ وخَوَّفَهم، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأصْحابِهِ، وأقامُوا بِبَدْرٍ يَنْتَظِرُونَ أبا سُفْيانَ، فَنَزَلَتْ. قالَ مَعْناهُ: مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ. وقِيلَ: لَمّا كانَ الثّانِي مِن أُحُدٍ وهو يَوْمُ الأحَدِ، نادى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في النّاسِ بِاتِّباعِ المُشْرِكِينَ، وقالَ: لا يَخْرُجَنَّ مَعَنا إلّا مَن شاهَدَنا بِالأمْسِ. وكانَتْ بِالنّاسِ جِراحَةٌ وقَرْحٌ عَظِيمٌ، ولَكِنْ تَجَلَّدُوا، ونَهَضَ مَعَهُ مِائَتا رَجُلٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ حَتّى بَلَغَ حَمْراءَ الأسَدِ، وهي عَلى ثَمانِيَةِ أمْيالٍ مِنَ المَدِينَةِ، وأقامَ بِها ثَلاثَةَ أيّامٍ، وجَرَتْ قِصَّةُ مَعْبَدِ بْنِ أبِي مَعْبَدٍ، وقَدْ ذُكِرَتْ، ومَرَّتْ قُرَيْشٌ، فانْصَرَفَ الرَّسُولُ إلى المَدِينَةِ، فَنَزَلَتْ. ورُوِيَ أنَّهُ خَرَجَ أخَوانِ وبِهِما جِراحَةٌ شَدِيدَةٌ، وضَعُفَ أحَدُهُما، فَكانَ أخُوهُ يَحْمِلُهُ عُقْبَةً ويَمْشِي هو عُقْبَةً، ولَمّا لَمْ تَتِمَّ اسْتِجابَةُ العَبْدِ لِلَّهِ إلّا بِاسْتِجابَتِهِ لِلرَّسُولِ، جَمَعَ بَيْنِهِما؛ لِأنَّ ما لا يَتِمُّ الواجِبُ إلّا بِهِ فَهو واجِبٌ. قِيلَ: والِاسْتِجابَتانِ مُخْتَلِفَتانِ، فَإنَّهُما بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ بِالتَّوْحِيدِ والعِبادَةِ، ولِلرَّسُولِ بِتَلَقِّي الرِّسالَةِ مِنهُ والنَّصِيحَةِ لَهُ. والظّاهِرُ أنَّها اسْتِجابَةٌ واحِدَةٌ، وهو إجابَتُهم لَهُ حِينَ انْتَدَبَهم لِاتِّباعِ الكُفّارِ عَلى ما نُقِلَ في سَبَبِ النُّزُولِ. والإحْسانُ هُنا ما هو زائِدٌ عَلى الإيمانِ مِنَ الِاتِّصافِ بِما يُسْتَحَبُّ مَعَ الِاتِّصافِ بِما يَجِبُ. والظّاهِرُ إعْرابُ ”الَّذِينَ“ مُبْتَدَأً، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ الخَبَرُ. وجَوَّزُوا الإتْباعَ نَعْتًا، أوْ بَدَلًا، والقَطْعَ إلى الرَّفْعِ والنَّصْبِ. ومَن في: ”مِنهم“ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِلتَّبْيِينِ، مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩]؛ لِأنَّ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ قَدْ أحْسَنُوا كُلَّهم واتَّقَوْا، إلّا بَعْضَهم. وعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ: قالَتْ لِي عائِشَةُ: إنَّ أبَوَيْكَ لَمِمَّنِ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ. تَعْنِي: أبا بَكْرٍ والزُّبَيْرَ. انْتَهى. وقالَ أبُو البَقاءِ: ”مِنهم“ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في أحْسَنُوا، فَعَلى هَذا تَكُونُ ”مِن“ لِلتَّبْعِيضِ، وهو قَوْلُ مَن لا يَرى أنَّ ”مِن“ تَكُونُ لِبَيانِ الجِنْسِ. ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهم فَزادَهم إيمانًا وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾: قِيلَ: أُرِيدَ بِالنّاسِ الأُوَلِ أبُو نُعَيْمِ بْنُ مَسْعُودٍ الأشْجَعِيُّ، وهو قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ، وضَعَّفَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وبِالثّانِي: أبُو سُفْيانَ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ قِصَّةِ نُعَيْمٍ، وذَكَرَها المُفَسِّرُونَ مُطَوَّلَةً، وفِيها: «أنَّ أبا سُفْيانَ جَعَلَ لَهُ جُعْلًا عَلى تَثْبِيطِ الصَّحابَةِ عَنْ بَدْرٍ الصُّغْرى، وذَلِكَ عَشْرَةٌ مِنَ الإبِلِ، ضَمِنَها لَهُ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، فَقَدِمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأفْزَعَ النّاسَ وخَوَّفَهُمُ اللِّقاءَ، فَقالَ الرَّسُولُ ﷺ: ”والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأخْرُجَنَّ ولَوْ وحْدِي“ فَأمّا الجَبانُ فَرَجَعَ، وأمّا الشُّجاعُ فَتَجَهَّزَ لِلْقِتالِ وقالَ: حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ، فَوافى بَدْرًا الصُّغْرى، فَجَعَلُوا يَلْقَوْنَ المُشْرِكِينَ ويَسْألُونَهم عَنْ قُرَيْشٍ، فَيَقُولُونَ: قَدْ جَمَعُوا لَكم، وكانَتْ مَوْضِعَ سُوقٍ لَهم في الجاهِلِيَّةِ يَجْتَمِعُونَ إلَيْها في كُلِّ عامٍ ثَمانِيَةَ أيّامٍ، فَأقامَ بِبَدْرٍ يَنْتَظِرُ أبا سُفْيانَ، وقَدِ انْصَرَفَ أبُو سُفْيانَ مِن مَجَنَّةَ إلى مَكَّةَ، فَسَمّى أهْلُ مَكَّةَ حَبْسَةَ جَيْشِ السَّوِيقِ قالُوا: إنَّما خَرَجْتُمْ لِتَشْرَبُوا (p-١١٨)السَّوِيقَ. وكانَتْ مَعَ الصَّحابَةِ تِجاراتٌ ونَفَقاتٌ، فَباعُوا وأصابُوا لِلدِّرْهَمِ دِرْهَمَيْنِ، وانْصَرَفُوا إلى المَدِينَةِ غانِمِينَ، وحَسَبَها الرَّسُولُ لَهم غَزْوَةً، وظَفِرَ في وُجْهَةِ ذَلِكَ بِمُعاوِيَةَ بْنِ المُغِيرَةِ بْنِ العاصِ وأبِي عِزَّةَ الجُمَحِيِّ فَقَتَلَهُما» . فَعَلى هَذا القَوْلِ أنَّ المُثَبِّطَ أبُو نُعَيْمٍ وحْدَهُ، وأطْلَقَ عَلَيْهِ النّاسُ عَلى سَبِيلِ المَجازِ؛ لِأنَّهُ مِن جِنْسِ النّاسِ كَما يُقالُ: فُلانٌ يَرْكَبُ الخَيْلَ، ويَلْبَسُ البُرُودَ، وما لَهُ إلّا فَرَسٌ واحِدٌ وبُرْدٌ واحِدٌ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ أيْضًا: ولِأنَّهُ حِينَ قالَ ذَلِكَ لَمْ يَخْلُ مِن ناسٍ مِن أهْلِ المَدِينَةِ يُضامُّونَهُ ويَصِلُونَ جَناحَ كَلامِهِ، ويُثَبَّطُونَ مِثْلَ تَثْبِيطِهِ. انْتَهى. ولا يَجِيءُ هَذا عَلى تَقْدِيرِ السُّؤالِ وهو: أنْ نُعَيْمًا وحْدَهُ هو المُثَبِّطُ؛ لِأنَّهُ قَدِ انْضافَ إلَيْهِ ناسٌ، فَلا يَكُونُ إذْ ذاكَ مُنْفَرِدًا بِالتَّثْبِيطِ. وقِيلَ: النّاسُ الأُوَلُ رَكْبٌ مِن عَبْدِ القَيْسِ مَرُّوا عَلى أبِي سُفْيانَ يُرِيدُونَ المَدِينَةَ لِلْمِيرَةِ، فَجَعَلَ لَهم جُعْلًا وهو حِمْلُ إبِلِهِمْ زَبِيبًا عَلى أنْ يُخْبِرُوا أنَّهُ جَمَعَ لِيَسْتَأْصِلَ بَقِيَّةَ المُؤْمِنِينَ، فَأخْبَرُوا بِذَلِكَ، فَقالَ الرَّسُولُ وأصْحابُهُ - وهم إذْ ذاكَ بِحَمْراءِ الأسَدِ -: ﴿حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ والنّاسُ الثّانِي قُرَيْشٌ، وهَذا القَوْلُ أقْرَبُ إلى مَدْلُولِ اللَّفْظِ. وجَوَّزُوا في إعْرابِ ”الَّذِينَ قالَ“ أوْجُهُ ”الَّذِينَ“ قَبْلَهُ، والفاعِلُ بِـ ”زادَ“ ضَمِيرٌ مُسْتَكِنٌّ يَعُودُ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن ”قالَ“، أيْ: فَزادَهم ذَلِكَ القَوْلُ إيمانًا. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَعُودَ إلى القَوْلِ، وأنْ يَعُودَ إلى النّاسِ إذا أُرِيدَ بِهِ نُعَيْمٌ وحْدَهُ. وهُما ضَعِيفانِ، مِن حَيْثُ إنَّ الأوَّلَ لا يَزِيدُ إيمانًا إلّا بِالنُّطْقِ بِهِ، لا هو في نَفْسِهِ. ومِن حَيْثُ إنَّ الثّانِي إذا أطْلَقَ عَلى المُفْرَدِ لَفْظَ الجَمْعِ مَجازًا فَإنَّ الضَّمائِرَ تَجْرِي عَلى ذَلِكَ الجَمْعِ، لا عَلى المُفْرَدِ. فَيَقُولُ: مَفارِقُهُ شابَتْ، بِاعْتِبارِ الإخْبارِ عَنِ الجَمْعِ، ولا يَجُوزُ مَفارِقُهُ شابَ، بِاعْتِبارِ مَفْرِقِهِ شابَ. وظاهِرُ اللَّفْظِ أنَّ الإيمانَ يَزِيدُ، ومَعْناهُ هُنا: أنَّ ذَلِكَ القَوْلَ زادَهم تَثْبِيتًا واسْتِعْدادًا، فَزِيادَةُ الإيمانِ عَلى هَذا هي في الأعْمالِ. وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في ذَلِكَ، فَقالَ قَوْمٌ: سَيَزِيدُ ويَنْقُصُ بِاعْتِبارِ الطّاعاتِ؛ لِأنَّها مِن ثَمَراتِ الإيمانِ، ويَنْقُصُ بِالمَعْصِيَةِ وهو مَذْهَبُ مالِكٍ ونُسِبَ لِلشّافِعِيِّ. وقالَ قَوْمٌ: مِن جِهَةِ أعْمالِ القُلُوبِ كالنِّيَّةِ والإخْلاصِ والخَوْفِ والنَّصِيحَةِ. وقالَ قَوْمٌ: مِن طَرِيقِ الأدِلَّةِ وكَثْرَتِها وتَظافُرِها عَلى مُعْتَقَدٍ واحِدٍ. وقالَ قَوْمٌ: مِن طَرِيقِ نُزُولِ الفَرائِضِ والأخْبارِ في مُدَّةِ الرَّسُولِ. وقالَ قَوْمٌ: لا يَقْبَلُ الزِّيادَةَ والنَّقْصَ، وهو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ، وحَكاهُ الباقِلّانِيُّ عَنِ الشّافِعِيِّ. وقالَ أبُو المَعالِي في ”الإرْشادِ“: زِيادَتُهُ مِن حَيْثُ ثُبُوتِهِ وتَعاوُرِهِ دائِمًا؛ لِأنَّهُ عَرْضٌ لا يُثْبِتُ زَمانَيْنِ، فَهو لِلصّالِحِ مُتَعاقِبٌ مُتَوالٍ، ولِلْفاسِقِ والغافِلِ غَيْرُ مُتَوالٍ، فَهَذا مَعْنى الزِّيادَةِ والنَّقْصِ. وذَهَبَ قَوْمٌ: إلى ما نَطَقَ بِهِ النَّصُّ، وهو أنَّهُ يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ، وهو مَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ. ورُوِيَ شِبْهَهُ عَنِ ابْنِ المُبارَكِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ الإيمانَ إذا أُرِيدَ بِهِ التَّصْدِيقُ فَيُعَلَّقُ بِشَيْءٍ واحِدٍ: أنَّهُ تَسْتَحِيلُ فِيهِ الزِّيادَةُ والنَّقْصُ، فَإنَّما ذَلِكَ بِحَسَبِ مُتَعَلِّقاتِهِ دُونَ ذاتِهِ، وحُجَجُ هَذِهِ الأقْوالِ مَذْكُورَةٌ في المُصَنَّفاتِ الَّتِي تَضَمَّنَتْ هَذِهِ المَسْألَةَ، وقَدْ أفْرَدَها بَعْضُ العُلَماءِ بِالتَّصْنِيفِ في كِتابٍ. ولَمّا تَقَدَّمَ مِنَ المُثَبِّطِينَ إخْبارٌ بِأنَّ قُرَيْشًا قَدْ جَمَعُوا لَكم، وأمْرٌ مِنهم لَهم بِخَشْيَتِهِمْ لِهَذا الجَمْعِ الَّذِي جَمَعُوهُ - تَرَتَّبَ عَلى هَذا القَوْلِ شَيْئانِ: أحَدُهُما قَلْبِيٌّ وهو زِيادَةُ الإيمانِ، وهو مُقابِلٌ لِلْأمْرِ بِالخَشْيَةِ. فَأخْبَرَ بِحُصُولِ طُمَأْنِينَةٍ في القَلْبِ تُقابِلَ الخَشْيَةَ، وأخْبَرَ بَعْدُ بِما يُقابِلُ جَمْعَ النّاسِ وهو إنَّ كافِيَهم شَرَّ النّاسِ هو اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ أثْنَوْا عَلَيْهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ”ونِعْمَ الوَكِيلُ“، فَدَلَّ عَلى أنَّ قَوْلَهم: حَسْبُنا اللَّهُ هو مِنَ المُبالَغَةِ في التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، ورَبْطِ أُمُورِهِمْ بِهِ تَعالى. فانْظُرْ إلى بَراعَةِ هَذا الكَلامِ وبَلاغَتِهِ، حَيْثُ قُوبِلَ قَوْلٌ بِقَوْلٍ، ومُتَعَلِّقُ قَلْبٍ بِمُتَعَلِّقِ قَلْبٍ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في (حَسْبُ) في قَوْلِهِ: ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ﴾ [البقرة: ٢٠٦] ومِن قَوْلِهِمْ: أحْسَبَهُ الشَّيْءُ: كَفاهُ. وحَسْبُ بِمَعْنى المُحْسِبِ، أيِ الكافِي، أُطْلِقَ ويُرادُ بِهِ مَعْنى اسْمِ الفاعِلِ. ألا تَرى أنَّهُ يُوصَفُ بِهِ فَتَقُولُ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ حَسْبُكَ مِن رَجُلٍ، أيْ: كافِيكَ. فَتَصِفُ بِهِ النَّكِرَةَ، إذْ إضافَتُهُ (p-١١٩)غَيْرُ مَحْضَةٍ؛ لِكَوْنِهِ في مَعْنى اسْمِ الفاعِلِ غَيْرِ الماضِي المُجَرَّدِ مِن ألْ. وقالَ: ؎وحَسْبُكَ مِن غِنًى شِبَعٍ ورِيِّ أيْ كافِيكَ. والوَكِيلُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيِ المَوْكُولُ إلَيْهِ الأُمُورُ. قِيلَ: وهَذِهِ الحَسْبَلَةُ هي قَوْلُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ. والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى، التَّقْدِيرُ: ونِعْمَ الوَكِيلُ اللَّهُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الوَكِيلُ الرَّبُّ. قالَهُ قَوْمٌ. انْتَهى. والمَعْنى: أنَّهُ مِن أسْماءِ صِفاتِهِ تَعالى كَما تَقُولُ: القَهّارُ هو اللَّهُ. وقِيلَ: هو بِمَعْنى الوَلِيِّ والحَفِيظِ، وهو راجِعٌ إلى مَعْنى المَوْكُولِ إلَيْهِ الأُمُورُ. قالَ الفَرّاءُ: والوَكِيلُ الكَفِيلُ.

آل عمران 3:173

﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ وأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القَرْحُ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهم واتَّقَوْا أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهم فَزادَهم إيمانًا وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ واتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٧٤] ﴿إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهم وخافُونِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥] ﴿ولا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ إنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ ألّا يَجْعَلَ لَهم حَظًّا في الآخِرَةِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٦] ﴿إنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإيمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٧] ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا ولَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨] ﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ ولَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُسُلِهِ مَن يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ وإنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا فَلَكم أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٩] ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هو خَيْرًا لَهم بَلْ هو شَرٌّ لَهم سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨٠] . الحَظُّ: (p-١١٦)النَّصِيبُ، وإذا لَمْ يُقَيَّدْ فَإنَّما يُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ. مازَ ومَيَّزَ: فَصَلَ الشَّيْءَ مِنَ الشَّيْءِ. قالَ يَعْقُوبُ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ. انْتَهى. والتَّضْعِيفُ لَيْسَ لِلنَّقْلِ. وقِيلَ: التَّشْدِيدُ أقْرَبُ إلى الفَخامَةِ وأكْثَرُ في الِاسْتِعْمالِ، ألا تَرى أنَّهُمُ اسْتَعْمَلُوا المَصْدَرَ عَلى نِيَّةِ التَّشْدِيدِ، فَقالُوا: التَّمْيِيزُ، ولَمْ يَقُولُوا المَيْزَ. انْتَهى. ويَعْنِي: ولَمْ تَقُولُوهُ مَسْمُوعًا، وأمّا بِطَرِيقِ القِياسِ فَيُقالُ. وقِيلَ: لا يَكُونُ مازَ إلّا في كَثِيرٍ مِن كَثِيرٍ، فَأمّا واحِدٌ مِن واحِدٍ فَيَتَمَيَّزُ عَلى مَعْنى يَعْزِلُ؛ ولِهَذا قالَ أبُو مُعاذٍ: يُقالُ: مَيَّزْتُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ، ومِزْتُ بَيْنَ الأشْياءِ. اجْتَبى: اخْتارَ واصْطَفى، وهي مَن جَبَيْتُ الماءَ والمالَ وجَبَوْتُهُما فاجْتَبى، افْتَعَلَ مِنهُ، فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اللّامُ واوًا أوْ ياءً. ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ وأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ﴾: كَرَّرَ الفِعْلَ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، إنْ كانَتِ النِّعْمَةُ والفَضْلُ بَيانًا لِمُتَعَلِّقِ الِاسْتِبْشارِ الأوَّلِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. قالَ: وكَرَّرَ يَسْتَبْشِرُونَ لِيُعَلِّقَ بِهِ ما هو بَيانٌ لِقَوْلِهِ: ﴿أنْ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [آل عمران: ١٧٠] مِن ذِكْرِ النِّعْمَةِ والفَضْلِ، وأنَّ ذَلِكَ أجْرٌ لَهم عَلى إيمانِهِمْ، يَجِبُ في عَدْلِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ أنْ يَحْصُلَ لَهم ولا يَضِيعَ. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ في ذِكْرِهِ وُجُوبَ الأجْرِ وتَحْصِيلَهُ عَلى إيمانِهِمْ. وسَلَكَ ابْنُ عَطِيَّةَ طَرِيقَةَ أهْلِ السُّنَّةِ فَقالَ: أكَّدَ اسْتِبْشارَهم بِقَوْلِهِ: ”يَسْتَبْشِرُونَ“، ثُمَّ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ وفَضْلُ إدْخالِهِمُ الجَنَّةَ الَّذِي هو فَضْلٌ مِنهُ لا بِعَمَلِ أحَدٍ، وأمّا النِّعْمَةُ في الجَنَّةِ والدَّرَجاتُ فَقَدْ أخْبَرَ أنَّها عَلى قَدْرِ الأعْمالِ. انْتَهى. وقالَ غَيْرُهُما: هو بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُدْخِلْ عَلَيْهِ واوَ العَطْفِ. ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ الجُمْلَةَ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في يَحْزَنُونَ، ويَحْزَنُونَ هو العامِلُ فِيها - فَبَعِيدٌ عَنِ الصَّوابِ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ اخْتِلافُ المَنفِيِّ عَنْهُ الحُزْنُ والمُسْتَبْشِرِ، ولِأنَّ الحالَ قُيِّدَ، والحُزْنُ لَيْسَ بِمُقَيَّدٍ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ”يَسْتَبْشِرُونَ“ لَيْسَ بِتَأْكِيدٍ لِلْأوَّلِ، بَلْ هو اسْتِئْنافٌ مُتَعَلِّقٌ بِهِمْ أنْفُسِهِمْ، لا بِالَّذِينِ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ. فَقَدِ اخْتَلَفَ مُتَعَلِّقُ الفِعْلَيْنِ، فَلا تَأْكِيدَ؛ لِأنَّ هَذا المُسْتَبْشِرَ بِهِ هو لَهم، وهو: نِعْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وفَضْلُهُ. وفي التَّنْكِيرِ دَلالَةٌ عَلى بَعْضٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وإشارَةٌ إلى إبْهامِ المُرادِ تَعْظِيمًا لِأمْرِهِ وتَنْبِيهًا عَلى صُعُوبَةِ إدْراكِهِ، كَما جاءَ: فِيها ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ. والظّاهِرُ تَبايُنُ النِّعْمَةِ والفَضْلِ لِلْعَطْفِ، ويُناسِبُ شَرْحُهُما أنْ يَنْزِلَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] فالحُسْنى هي النِّعْمَةُ، والزِّيادَةُ هي الفَضْلُ؛ لِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: أحْسَنُوا، وقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهم واتَّقَوْا أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ . وقالَ الزَّجّاجُ: النِّعْمَةُ هي الجَزاءُ، والفَضْلُ زائِدٌ عَلَيْهِ قَدْرَ الجَزاءِ. وقِيلَ: النِّعْمَةُ قَدْرُ الكِفايَةِ، والفَضْلُ المُضاعَفُ عَلَيْها مَعَ مُضاعَفَةِ السُّرُورِ بِها واللَّذَّةِ. وقِيلَ: الفَضْلُ داخِلٌ في النِّعْمَةِ دَلالَةٌ عَلى اتِّساعِها، وأنَّها لَيْسَتْ كَنِعَمِ الدُّنْيا. وقَرَأ الكِسائِيُّ وجَماعَةٌ: و”إنَّ اللَّهَ“ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ ومُصْحَفُهُ: ”واللَّهُ لا يُضِيعُ أجْرَ“ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعَلى أنَّ الجُمْلَةَ اعْتِراضٌ، وهي قِراءَةُ الكِسائِيِّ. انْتَهى. ولَيْسَتِ الجُمْلَةُ هُنا اعْتِراضًا؛ لِأنَّها لَمْ تَدْخُلْ بَيْنَ شَيْئَيْنِ أحَدُهُما يَتَعَلَّقُ بِالآخَرِ، وإنَّما جاءَتْ لِاسْتِئْنافِ أخْبارٍ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ والجُمْهُورُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَطْفًا عَلى مُتَعَلِّقِ الِاسْتِبْشارِ، فَهو داخِلٌ فِيهِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: يَسْتَبْشِرُونَ بِتَوْفِيرِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، ووُصُولِهِ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يُضِعْهُ وصَلَ إلَيْهِمْ ولَمْ يَبْخَسُوهُ. ولا يَصِحُّ الِاسْتِبْشارُ بِأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ الِاسْتِبْشارَ إنَّما يَكُونُ بِما لَمْ يَتَقَدَّمْ بِهِ عِلْمٌ، وقَدْ عَلِمُوا قَبْلَ مَوْتِهِمْ أنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ، فَهم يَسْتَبْشِرُونَ بِأنَّ اللَّهَ ما أضاعَ أُجُورَهم حَتّى اخْتَصَّهم بِالشَّهادَةِ ومَنَحَهم أتَمَّ النِّعْمَةِ، وخَتَمَ لَهم بِالنَّجاةِ والفَوْزِ، وقَدْ كانُوا يَخْشَوْنَ عَلى إيمانِهِمْ، ويَخافُونَ سُوءَ الخاتِمَةِ المُحْبِطَةِ لِلْأعْمالِ، فَلَمّا رَأوْا ما لِلْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ السَّعادَةِ وما اخْتَصَّهم بِهِ مِن حُسْنِ الخاتِمَةِ الَّتِي تَصِحُّ مَعَها الأُجُورُ وتُضاعَفُ الأعْمالُ، اسْتَبْشَرُوا؛ لِأنَّهم كانُوا عَلى وجَلٍ مِن ذَلِكَ. انْتَهى كَلامُهُ. وفِيهِ (p-١١٧)تَطْوِيلٌ شَبِيهٌ بِالخَطابَةِ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِبْشارُ لِمَن خَلَّفُوهُ بَعْدَهم مِنَ المُؤْمِنِينَ لَمّا عايَنُوا مَنزِلَتَهُ عِنْدَ اللَّهِ. ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القَرْحُ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهم واتَّقَوْا أجْرٌ عَظِيمٌ﴾: قِيلَ: الِاسْتِجابَةُ كانَتْ أثَرَ الِانْصِرافِ مِن أُحُدٍ. اسْتَنْفَرَ الرَّسُولُ لِطَلَبِ الكُفّارِ، فاسْتَجابَ لَهُ تِسْعُونَ. وذَلِكَ لَمّا ذُكِرَ لِلرَّسُولِ أنَّ أبا سُفْيانَ في جَمْعٍ كَثِيرٍ، فَأبى الرَّسُولُ إلّا أنْ يَطْلُبَهم، فَسَبَقَهُ أبُو سُفْيانَ ودَخَلَ مَكَّةَ، فَنَزَلَتْ. قالَهُ عَمْرُو بْنُ دِينارٍ. وفي ذِكْرِ هَذا السَّبَبِ اخْتِلافٌ في مَواضِعَ. وقِيلَ: الِاسْتِجابَةُ كانَتْ مِنَ العامِ القابِلِ بَعْدَ قِصَّةِ أُحُدٍ، حَيْثُ تَواعَدَ أبُو سُفْيانَ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَوْسِمَ بَدْرٍ، فَلَمّا كانَ العامُ المُقْبِلُ خَرَجَ أبُو سُفْيانَ فَأُرْعِبَ، وبَدا لَهُ الرُّجُوعُ، وقالَ لِنُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ: واعَدْتُ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ أنْ نَلْتَقِيَ بِمَوْسِمِ بَدْرٍ الصُّغْرى، وهو عامُ جَدْبٍ لا يَصْلُحُ لَنا، فَثَبِّطْهم عَنّا، وأعْلِمْهم أنّا في جَمْعٍ كَثِيرٍ، فَفَعَلَ وخَوَّفَهم، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأصْحابِهِ، وأقامُوا بِبَدْرٍ يَنْتَظِرُونَ أبا سُفْيانَ، فَنَزَلَتْ. قالَ مَعْناهُ: مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ. وقِيلَ: لَمّا كانَ الثّانِي مِن أُحُدٍ وهو يَوْمُ الأحَدِ، نادى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في النّاسِ بِاتِّباعِ المُشْرِكِينَ، وقالَ: لا يَخْرُجَنَّ مَعَنا إلّا مَن شاهَدَنا بِالأمْسِ. وكانَتْ بِالنّاسِ جِراحَةٌ وقَرْحٌ عَظِيمٌ، ولَكِنْ تَجَلَّدُوا، ونَهَضَ مَعَهُ مِائَتا رَجُلٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ حَتّى بَلَغَ حَمْراءَ الأسَدِ، وهي عَلى ثَمانِيَةِ أمْيالٍ مِنَ المَدِينَةِ، وأقامَ بِها ثَلاثَةَ أيّامٍ، وجَرَتْ قِصَّةُ مَعْبَدِ بْنِ أبِي مَعْبَدٍ، وقَدْ ذُكِرَتْ، ومَرَّتْ قُرَيْشٌ، فانْصَرَفَ الرَّسُولُ إلى المَدِينَةِ، فَنَزَلَتْ. ورُوِيَ أنَّهُ خَرَجَ أخَوانِ وبِهِما جِراحَةٌ شَدِيدَةٌ، وضَعُفَ أحَدُهُما، فَكانَ أخُوهُ يَحْمِلُهُ عُقْبَةً ويَمْشِي هو عُقْبَةً، ولَمّا لَمْ تَتِمَّ اسْتِجابَةُ العَبْدِ لِلَّهِ إلّا بِاسْتِجابَتِهِ لِلرَّسُولِ، جَمَعَ بَيْنِهِما؛ لِأنَّ ما لا يَتِمُّ الواجِبُ إلّا بِهِ فَهو واجِبٌ. قِيلَ: والِاسْتِجابَتانِ مُخْتَلِفَتانِ، فَإنَّهُما بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ بِالتَّوْحِيدِ والعِبادَةِ، ولِلرَّسُولِ بِتَلَقِّي الرِّسالَةِ مِنهُ والنَّصِيحَةِ لَهُ. والظّاهِرُ أنَّها اسْتِجابَةٌ واحِدَةٌ، وهو إجابَتُهم لَهُ حِينَ انْتَدَبَهم لِاتِّباعِ الكُفّارِ عَلى ما نُقِلَ في سَبَبِ النُّزُولِ. والإحْسانُ هُنا ما هو زائِدٌ عَلى الإيمانِ مِنَ الِاتِّصافِ بِما يُسْتَحَبُّ مَعَ الِاتِّصافِ بِما يَجِبُ. والظّاهِرُ إعْرابُ ”الَّذِينَ“ مُبْتَدَأً، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ الخَبَرُ. وجَوَّزُوا الإتْباعَ نَعْتًا، أوْ بَدَلًا، والقَطْعَ إلى الرَّفْعِ والنَّصْبِ. ومَن في: ”مِنهم“ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِلتَّبْيِينِ، مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩]؛ لِأنَّ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ قَدْ أحْسَنُوا كُلَّهم واتَّقَوْا، إلّا بَعْضَهم. وعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ: قالَتْ لِي عائِشَةُ: إنَّ أبَوَيْكَ لَمِمَّنِ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ. تَعْنِي: أبا بَكْرٍ والزُّبَيْرَ. انْتَهى. وقالَ أبُو البَقاءِ: ”مِنهم“ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في أحْسَنُوا، فَعَلى هَذا تَكُونُ ”مِن“ لِلتَّبْعِيضِ، وهو قَوْلُ مَن لا يَرى أنَّ ”مِن“ تَكُونُ لِبَيانِ الجِنْسِ. ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهم فَزادَهم إيمانًا وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾: قِيلَ: أُرِيدَ بِالنّاسِ الأُوَلِ أبُو نُعَيْمِ بْنُ مَسْعُودٍ الأشْجَعِيُّ، وهو قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ، وضَعَّفَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وبِالثّانِي: أبُو سُفْيانَ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ قِصَّةِ نُعَيْمٍ، وذَكَرَها المُفَسِّرُونَ مُطَوَّلَةً، وفِيها: «أنَّ أبا سُفْيانَ جَعَلَ لَهُ جُعْلًا عَلى تَثْبِيطِ الصَّحابَةِ عَنْ بَدْرٍ الصُّغْرى، وذَلِكَ عَشْرَةٌ مِنَ الإبِلِ، ضَمِنَها لَهُ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، فَقَدِمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأفْزَعَ النّاسَ وخَوَّفَهُمُ اللِّقاءَ، فَقالَ الرَّسُولُ ﷺ: ”والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأخْرُجَنَّ ولَوْ وحْدِي“ فَأمّا الجَبانُ فَرَجَعَ، وأمّا الشُّجاعُ فَتَجَهَّزَ لِلْقِتالِ وقالَ: حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ، فَوافى بَدْرًا الصُّغْرى، فَجَعَلُوا يَلْقَوْنَ المُشْرِكِينَ ويَسْألُونَهم عَنْ قُرَيْشٍ، فَيَقُولُونَ: قَدْ جَمَعُوا لَكم، وكانَتْ مَوْضِعَ سُوقٍ لَهم في الجاهِلِيَّةِ يَجْتَمِعُونَ إلَيْها في كُلِّ عامٍ ثَمانِيَةَ أيّامٍ، فَأقامَ بِبَدْرٍ يَنْتَظِرُ أبا سُفْيانَ، وقَدِ انْصَرَفَ أبُو سُفْيانَ مِن مَجَنَّةَ إلى مَكَّةَ، فَسَمّى أهْلُ مَكَّةَ حَبْسَةَ جَيْشِ السَّوِيقِ قالُوا: إنَّما خَرَجْتُمْ لِتَشْرَبُوا (p-١١٨)السَّوِيقَ. وكانَتْ مَعَ الصَّحابَةِ تِجاراتٌ ونَفَقاتٌ، فَباعُوا وأصابُوا لِلدِّرْهَمِ دِرْهَمَيْنِ، وانْصَرَفُوا إلى المَدِينَةِ غانِمِينَ، وحَسَبَها الرَّسُولُ لَهم غَزْوَةً، وظَفِرَ في وُجْهَةِ ذَلِكَ بِمُعاوِيَةَ بْنِ المُغِيرَةِ بْنِ العاصِ وأبِي عِزَّةَ الجُمَحِيِّ فَقَتَلَهُما» . فَعَلى هَذا القَوْلِ أنَّ المُثَبِّطَ أبُو نُعَيْمٍ وحْدَهُ، وأطْلَقَ عَلَيْهِ النّاسُ عَلى سَبِيلِ المَجازِ؛ لِأنَّهُ مِن جِنْسِ النّاسِ كَما يُقالُ: فُلانٌ يَرْكَبُ الخَيْلَ، ويَلْبَسُ البُرُودَ، وما لَهُ إلّا فَرَسٌ واحِدٌ وبُرْدٌ واحِدٌ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ أيْضًا: ولِأنَّهُ حِينَ قالَ ذَلِكَ لَمْ يَخْلُ مِن ناسٍ مِن أهْلِ المَدِينَةِ يُضامُّونَهُ ويَصِلُونَ جَناحَ كَلامِهِ، ويُثَبَّطُونَ مِثْلَ تَثْبِيطِهِ. انْتَهى. ولا يَجِيءُ هَذا عَلى تَقْدِيرِ السُّؤالِ وهو: أنْ نُعَيْمًا وحْدَهُ هو المُثَبِّطُ؛ لِأنَّهُ قَدِ انْضافَ إلَيْهِ ناسٌ، فَلا يَكُونُ إذْ ذاكَ مُنْفَرِدًا بِالتَّثْبِيطِ. وقِيلَ: النّاسُ الأُوَلُ رَكْبٌ مِن عَبْدِ القَيْسِ مَرُّوا عَلى أبِي سُفْيانَ يُرِيدُونَ المَدِينَةَ لِلْمِيرَةِ، فَجَعَلَ لَهم جُعْلًا وهو حِمْلُ إبِلِهِمْ زَبِيبًا عَلى أنْ يُخْبِرُوا أنَّهُ جَمَعَ لِيَسْتَأْصِلَ بَقِيَّةَ المُؤْمِنِينَ، فَأخْبَرُوا بِذَلِكَ، فَقالَ الرَّسُولُ وأصْحابُهُ - وهم إذْ ذاكَ بِحَمْراءِ الأسَدِ -: ﴿حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ والنّاسُ الثّانِي قُرَيْشٌ، وهَذا القَوْلُ أقْرَبُ إلى مَدْلُولِ اللَّفْظِ. وجَوَّزُوا في إعْرابِ ”الَّذِينَ قالَ“ أوْجُهُ ”الَّذِينَ“ قَبْلَهُ، والفاعِلُ بِـ ”زادَ“ ضَمِيرٌ مُسْتَكِنٌّ يَعُودُ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن ”قالَ“، أيْ: فَزادَهم ذَلِكَ القَوْلُ إيمانًا. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَعُودَ إلى القَوْلِ، وأنْ يَعُودَ إلى النّاسِ إذا أُرِيدَ بِهِ نُعَيْمٌ وحْدَهُ. وهُما ضَعِيفانِ، مِن حَيْثُ إنَّ الأوَّلَ لا يَزِيدُ إيمانًا إلّا بِالنُّطْقِ بِهِ، لا هو في نَفْسِهِ. ومِن حَيْثُ إنَّ الثّانِي إذا أطْلَقَ عَلى المُفْرَدِ لَفْظَ الجَمْعِ مَجازًا فَإنَّ الضَّمائِرَ تَجْرِي عَلى ذَلِكَ الجَمْعِ، لا عَلى المُفْرَدِ. فَيَقُولُ: مَفارِقُهُ شابَتْ، بِاعْتِبارِ الإخْبارِ عَنِ الجَمْعِ، ولا يَجُوزُ مَفارِقُهُ شابَ، بِاعْتِبارِ مَفْرِقِهِ شابَ. وظاهِرُ اللَّفْظِ أنَّ الإيمانَ يَزِيدُ، ومَعْناهُ هُنا: أنَّ ذَلِكَ القَوْلَ زادَهم تَثْبِيتًا واسْتِعْدادًا، فَزِيادَةُ الإيمانِ عَلى هَذا هي في الأعْمالِ. وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في ذَلِكَ، فَقالَ قَوْمٌ: سَيَزِيدُ ويَنْقُصُ بِاعْتِبارِ الطّاعاتِ؛ لِأنَّها مِن ثَمَراتِ الإيمانِ، ويَنْقُصُ بِالمَعْصِيَةِ وهو مَذْهَبُ مالِكٍ ونُسِبَ لِلشّافِعِيِّ. وقالَ قَوْمٌ: مِن جِهَةِ أعْمالِ القُلُوبِ كالنِّيَّةِ والإخْلاصِ والخَوْفِ والنَّصِيحَةِ. وقالَ قَوْمٌ: مِن طَرِيقِ الأدِلَّةِ وكَثْرَتِها وتَظافُرِها عَلى مُعْتَقَدٍ واحِدٍ. وقالَ قَوْمٌ: مِن طَرِيقِ نُزُولِ الفَرائِضِ والأخْبارِ في مُدَّةِ الرَّسُولِ. وقالَ قَوْمٌ: لا يَقْبَلُ الزِّيادَةَ والنَّقْصَ، وهو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ، وحَكاهُ الباقِلّانِيُّ عَنِ الشّافِعِيِّ. وقالَ أبُو المَعالِي في ”الإرْشادِ“: زِيادَتُهُ مِن حَيْثُ ثُبُوتِهِ وتَعاوُرِهِ دائِمًا؛ لِأنَّهُ عَرْضٌ لا يُثْبِتُ زَمانَيْنِ، فَهو لِلصّالِحِ مُتَعاقِبٌ مُتَوالٍ، ولِلْفاسِقِ والغافِلِ غَيْرُ مُتَوالٍ، فَهَذا مَعْنى الزِّيادَةِ والنَّقْصِ. وذَهَبَ قَوْمٌ: إلى ما نَطَقَ بِهِ النَّصُّ، وهو أنَّهُ يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ، وهو مَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ. ورُوِيَ شِبْهَهُ عَنِ ابْنِ المُبارَكِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ الإيمانَ إذا أُرِيدَ بِهِ التَّصْدِيقُ فَيُعَلَّقُ بِشَيْءٍ واحِدٍ: أنَّهُ تَسْتَحِيلُ فِيهِ الزِّيادَةُ والنَّقْصُ، فَإنَّما ذَلِكَ بِحَسَبِ مُتَعَلِّقاتِهِ دُونَ ذاتِهِ، وحُجَجُ هَذِهِ الأقْوالِ مَذْكُورَةٌ في المُصَنَّفاتِ الَّتِي تَضَمَّنَتْ هَذِهِ المَسْألَةَ، وقَدْ أفْرَدَها بَعْضُ العُلَماءِ بِالتَّصْنِيفِ في كِتابٍ. ولَمّا تَقَدَّمَ مِنَ المُثَبِّطِينَ إخْبارٌ بِأنَّ قُرَيْشًا قَدْ جَمَعُوا لَكم، وأمْرٌ مِنهم لَهم بِخَشْيَتِهِمْ لِهَذا الجَمْعِ الَّذِي جَمَعُوهُ - تَرَتَّبَ عَلى هَذا القَوْلِ شَيْئانِ: أحَدُهُما قَلْبِيٌّ وهو زِيادَةُ الإيمانِ، وهو مُقابِلٌ لِلْأمْرِ بِالخَشْيَةِ. فَأخْبَرَ بِحُصُولِ طُمَأْنِينَةٍ في القَلْبِ تُقابِلَ الخَشْيَةَ، وأخْبَرَ بَعْدُ بِما يُقابِلُ جَمْعَ النّاسِ وهو إنَّ كافِيَهم شَرَّ النّاسِ هو اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ أثْنَوْا عَلَيْهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ”ونِعْمَ الوَكِيلُ“، فَدَلَّ عَلى أنَّ قَوْلَهم: حَسْبُنا اللَّهُ هو مِنَ المُبالَغَةِ في التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، ورَبْطِ أُمُورِهِمْ بِهِ تَعالى. فانْظُرْ إلى بَراعَةِ هَذا الكَلامِ وبَلاغَتِهِ، حَيْثُ قُوبِلَ قَوْلٌ بِقَوْلٍ، ومُتَعَلِّقُ قَلْبٍ بِمُتَعَلِّقِ قَلْبٍ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في (حَسْبُ) في قَوْلِهِ: ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ﴾ [البقرة: ٢٠٦] ومِن قَوْلِهِمْ: أحْسَبَهُ الشَّيْءُ: كَفاهُ. وحَسْبُ بِمَعْنى المُحْسِبِ، أيِ الكافِي، أُطْلِقَ ويُرادُ بِهِ مَعْنى اسْمِ الفاعِلِ. ألا تَرى أنَّهُ يُوصَفُ بِهِ فَتَقُولُ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ حَسْبُكَ مِن رَجُلٍ، أيْ: كافِيكَ. فَتَصِفُ بِهِ النَّكِرَةَ، إذْ إضافَتُهُ (p-١١٩)غَيْرُ مَحْضَةٍ؛ لِكَوْنِهِ في مَعْنى اسْمِ الفاعِلِ غَيْرِ الماضِي المُجَرَّدِ مِن ألْ. وقالَ: ؎وحَسْبُكَ مِن غِنًى شِبَعٍ ورِيِّ أيْ كافِيكَ. والوَكِيلُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيِ المَوْكُولُ إلَيْهِ الأُمُورُ. قِيلَ: وهَذِهِ الحَسْبَلَةُ هي قَوْلُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ. والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى، التَّقْدِيرُ: ونِعْمَ الوَكِيلُ اللَّهُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الوَكِيلُ الرَّبُّ. قالَهُ قَوْمٌ. انْتَهى. والمَعْنى: أنَّهُ مِن أسْماءِ صِفاتِهِ تَعالى كَما تَقُولُ: القَهّارُ هو اللَّهُ. وقِيلَ: هو بِمَعْنى الوَلِيِّ والحَفِيظِ، وهو راجِعٌ إلى مَعْنى المَوْكُولِ إلَيْهِ الأُمُورُ. قالَ الفَرّاءُ: والوَكِيلُ الكَفِيلُ.

آل عمران 3:174

﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ واتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾: أيْ فَرَجَعُوا مِن بَدْرٍ مَصْحُوبِينَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وهي: السَّلامَةُ وحَذَرُ العَدُوِّ إيّاهم، وفَضْلٌ: وهو الرِّبْحُ في التِّجارَةِ. كَقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] هَذا الَّذِي اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَفْسِيرِ هَذا الِانْقِلابِ، ولَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والجُمْهُورُ عَلى أنَّ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ، يُرِيدُ: في السَّلامَةِ والظُّهُورِ، وفي اتِّباعِ العَدُوِّ، وحِمايَةِ الحَوْزَةِ، وبِفَضْلٍ في الأجْرِ الَّذِي حازُوهُ، والفَخْرِ الَّذِي تَخَلَّلُوهُ، وأنَّها في غَزْوَةِ أُحُدٍ في الخَرْجَةِ إلى حَمْراءِ الأسَدِ. وشَذَّ مُجاهِدٌ وقالَ: في خُرُوجِ النَّبِيِّ ﷺ إلى بَدْرٍ الصُّغْرى، وذَكَرَ قِصَّةَ نُعَيْمٍ وأبِي سُفْيانَ. قالَ: والصَّوابُ ما قالَهُ الجُمْهُورُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في غَزْوَةِ حَمْراءِ الأسَدِ. انْتَهى كَلامُهُ. والكَلامُ في هَذِهِ الآيَةِ مَبْنِيٌّ عَلى الخِلافِ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ [آل عمران: ١٧٢] وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عِنْدَ ذِكْرِ تَفْسِيرِها. وفَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَ الِانْقِلابِ والرُّجُوعِ، بِأنَّ الِانْقِلابَ صَيْرُورَةُ الشَّيْءِ إلى خِلافِ ما كانَ عَلَيْهِ. قالَ: ويُوَضِّحُ هَذا أنَّكَ تَقُولُ: انْقَلَبَتِ الخَمْرُ خَلًّا، ولا تَقُولُ: رَجَعَتِ الخَمْرُ خَلًّا. انْتَهى كَلامُهُ، وفي ذَلِكَ نَظَرٌ. وقِيلَ: النِّعْمَةُ الأجْرُ. قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: العافِيَةُ والنَّصْرُ. قالَهُ الزَّجّاجُ. قِيلَ: والفَضْلُ رِبْحُ التِّجارَةِ. قالَهُ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ، والزُّهْرِيُّ. وتَقَدَّمَ حِكايَةُ هَذا القَوْلِ عَنْ مُجاهِدٍ. وقِيلَ: أصابُوا سَرِيَّةً بِالصَّفْراءِ فَرُزِقُوا مِنها. قالَهُ مُقاتِلٌ. وقِيلَ: الثَّوابُ. ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ”﴿لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ﴾“ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ سالِمِينَ. و”بِنِعْمَةٍ“ حالٌ أيْضًا؛ لِأنَّ الباءَ فِيهِ باءُ المُصاحَبَةِ، أيِ انْقَلَبُوا مُتَنَعِّمِينَ سالِمِينَ. والجُمْلَةُ الحالِيَّةُ المَنفِيَّةُ بِلَمِ المُشْتَمِلَةِ عَلى ضَمِيرِ ذِي الحالِ، يَجُوزُ دُخُولُ الواوِ عَلَيْها، وعَدَمُ دُخُولِها. فَمِنَ الأوَّلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ﴾ [الأنعام: ٩٣]، وقَوْلُ الشّاعِرِ: ؎لا تَأْخُذَنِّي بِأقْوالِ الوُشاةِ ولَمْ أُذْنِبْ وإنْ كَثُرَتْ فِيَّ الأقاوِيلُ ومِنَ الثّانِي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا﴾ [الأحزاب: ٢٥] وقَوْلُ قَيْسِ بْنِ الأسْلَتِ: ؎وأضْرِبُ القَوْنَسَ يَوْمَ الوَغى ∗∗∗ بِالسَّيْفِ لَمْ يَقْصُرْ بِهِ باعِي ووَهِمَ الأُسْتاذُ أبُو الحَسَنِ بْنُ خَرُوفٍ في ذَلِكَ فَزَعَمَ أنَّها إذا كانَتِ الجُمْلَةُ ماضِيَةً مَعْنًى لا لَفْظًا احْتاجَتْ إلى الواوِ كانَ فِيها ضَمِيرًا، ولَمْ يَكُنْ فِيها. والمُسْتَعْمَلُ في لِسانِ العَرَبِ ما ذَكَرْناهُ. واتِّباعُهم رِضْوانَ اللَّهِ هو بِخُرُوجِهِمْ إلى العَدُوِّ، وجَراءَتِهِمْ، وطَواعِيَّتِهِمْ لِلرَّسُولِ ﷺ . وخَتَمَها بِقَوْلِهِ: ”﴿واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾“، مُناسِبٌ لِقَوْلِهِ: ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ﴾ تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِالتَّيْسِيرِ والتَّوْفِيقِ في ما فَعَلُوهُ، وفي ذَلِكَ تَحْسِيرٌ لِمَن تَخَلَّفَ عَنِ الخُرُوجِ حَيْثُ حَرَمُوا أنْفُسَهم ما فازَ بِهِ هَؤُلاءِ مِنَ الثَّوابِ في الآخِرَةِ والثَّناءِ الجَمِيلِ في الدُّنْيا. ورُوِيَ أنَّهم قالُوا: هَلْ يَكُونُ هَذا غَزْوًا ؟ فَأعْطاهُمُ اللَّهُ تَعالى ثَوابَ الغَزْوِ، ورَضِيَ عَنْهم. وهَذِهِ عاقِبَةُ تَفْوِيضِ أمْرِهِمْ إلَيْهِ تَعالى، جازاهم بِنِعْمَتِهِ، وفَضْلِهِ، وسَلامَتِهِمْ واتِّباعِهِمْ رِضاهُ.

آل عمران 3:175

(p-١٢٠)﴿إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهم وخافُونِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ما: هي الكافَّةُ لِإنَّ عَنِ العَمَلِ. وهي الَّتِي يَزْعُمُ مُعْظَمُ أهْلِ أُصُولِ الفِقْهِ أنَّها إذا لَمْ تَكُنْ مَوْصُولَةً أفادَتْ مَعَ ”أنَّ“ الحَصْرَ. وذَلِكم إشارَةٌ إلى الرَّكْبِ المُثَبِّطِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالشَّيْطانِ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ، أوْ أبُو سُفْيانَ. فَعَلى هَذِهِ الأقْوالِ تَكُونُ الإشارَةُ إلى أعْيانٍ. وقِيلَ: ذَلِكم إشارَةٌ إلى جَمِيعِ ما جَرى مِن أخْبارِ الرَّكْبِ العَبْدِيِّينَ عَنْ رِسالَةِ أبِي سُفْيانَ، وتَحْمِيلِ أبِي سُفْيانَ ذَلِكَ الكَلامَ، وجَزَعِ مَن جَزِعَ مِنهُ مِن مُؤْمِنٍ أوْ مُتَرَدِّدٍ. فَعَلى هَذا تَكُونُ الإشارَةُ إلى مَعانٍ، ولا بُدَّ إذْ ذاكَ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: إنَّما ذَلِكم فِعْلُ الشَّيْطانِ. وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَوْلُ الشَّيْطانِ، أيْ قَوْلُ إبْلِيسَ. فَتَكُونُ الإشارَةُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ إلى القَوْلِ السّابِقِ وهو أنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهم. وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ كُلِّها فالخَبَرُ عَنِ المُبْتَدَأِ الَّذِي هو ”ذَلِكم“ بِالشَّيْطانِ هو مَجازٌ؛ لِأنَّ الأعْيانَ لَيْسَتْ مِن نَفْسِ الشَّيْطانِ، ولا ما جَرى مِن قَوْلٍ فَقَطْ أوْ مِن قَوْلٍ. وما انْضَمَّ إلَيْهِ مِمّا صَدَرَ مِنَ العَدُوِّ مِن تَخْوِيفٍ، وما صَدَرَ مِن جَزَعٍ - لَيْسَ نَفْسَ قَوْلِ الشَّيْطانِ ولا فِعْلِهِ، وإنَّما نُسِبَ إلَيْهِ وأُضِيفَ؛ لِأنَّهُ ناشِئٌ عَنْ وسْوَسَتِهِ وإغْوائِهِ وإلْقائِهِ. والتَّشْدِيدُ في ”يُخَوِّفُ“ لِلنَّقْلِ، كانَ قَبْلَهُ يَتَعَدّى لِواحِدٍ، فَلَمّا ضُعِّفَ صارَ يَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ. وهو مِنَ الأفْعالِ الَّتِي يَجُوزُ حَذْفُ مَفْعُولَيْها، وأحَدُهُما اقْتِصارٌ أوِ اخْتِصارٌ، أوْ هُنا تَعَدّى إلى واحِدٍ، والآخِرُ مَحْذُوفٌ. فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ، ويَكُونَ التَّقْدِيرُ: يُخَوِّفُكم أوْلِياءَهُ، أيْ شَرَّ أوْلِيائِهِ في هَذا الوَجْهِ؛ لِأنَّ الذَّواتَ لا تَخافُ، ويَكُونُ المُخَوَّفُونَ إذْ ذاكَ المُؤْمِنُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَحْذُوفُ المَفْعُولَ الثّانِي، أيْ: يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ شَرَّ الكُفّارِ، ويَكُونُ ”أوْلِياءَهُ“ في هَذا الوَجْهِ هُمُ المُنافِقُونَ، ومَن في قَلْبِهِ مَرَضٌ المُتَخَلِّفُونَ عَنِ الخُرُوجِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أيْ أنَّهُ لا يَتَعَدّى تَخْوِيفُهُ المُنافِقِينَ، ولا يَصِلُ إلَيْكم تَخْوِيفَهُ. وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ أوْلِياءَهُ هُمُ الكُفّارِ: أبُو سُفْيانَ ومَن مَعَهُ. ويَدُلُّ عَلى هَذا الوَجْهِ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ ”يُخَوِّفُكم أوْلِياءَهُ“، إذْ ظَهَرَ فِيها أنَّ المَحْذُوفَ هو المَفْعُولُ الأوَّلُ. وقَرَأ أُبَيٌّ والنَّخَعِيُّ: ”يُخَوِّفُكم بِأوْلِيائِهِ“، فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ زائِدَةً مِثْلَها في: يَقْرَأْنَ بِالسُّوَرِ، ويَكُونُ المَفْعُولُ الثّانِي هو بِأوْلِيائِهِ، أيْ: أوْلِياءَهُ، كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلسَّبَبِ، ويَكُونَ مَفْعُولُ يُخَوِّفُ الثّانِي مَحْذُوفًا أيْ: يُخَوِّفُكُمُ الشَّرَّ بِأوْلِيائِهِ، فَيَكُونُونَ آلَةً لِلتَّخْوِيفِ. وقَدْ حَمَلَ بَعْضُ المُعْرِبِينَ قِراءَةَ الجُمْهُورِ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ: بِأوْلِيائِهِ، فَيَكُونُ إذْ ذاكَ قَدْ حَذَفَ مَفْعُولا يُخَوِّفُ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلى الحَذْفِ، والتَّقْدِيرُ: يُخَوِّفُكُمُ الشَّرَّ بِأوْلِيائِهِ، وهَذا بَعِيدٌ. والأحْسَنُ في الإعْرابِ أنْ يَكُونَ ”ذَلِكم“ مُبْتَدَأٌ، والشَّيْطانُ خَبَرُهُ. ويُخَوِّفُ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ حالٌ مَجِيءُ المُفْرَدِ مَنصُوبًا عَلى الحالِ مَكانَها نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً﴾ [النمل: ٥٢] ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢] وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ الشَّيْطانُ بَدَلًا أوْ عَطْفُ بَيانٍ، ويَكُونَ بِخَوْفٍ خَبَرًا عَنْ ذَلِكم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الشَّيْطانُ (p-١٢١)خَبَرُ ”ذَلِكم“، بِمَعْنى: إنَّما ذَلِكُمُ المُثَبِّطُ هو الشَّيْطانُ، و”يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ“ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ بَيانٌ لِتَثْبِيطِهِ، أوِ الشَّيْطانُ صِفَةٌ لِاسْمِ الإشارَةِ، ويُخَوِّفُ الخَبَرُ. والمُرادُ بِالشَّيْطانِ نُعَيْمٌ أوْ أبُو سُفْيانَ. انْتَهى كَلامُهُ. فَعَلى هَذا القَوْلِ تَكُونُ الجُمْلَةُ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ. وإنَّما قالَ: والمُرادُ بِالشَّيْطانِ نُعَيْمٌ أوْ أبُو سُفْيانَ؛ لِأنَّهُ لا يَكُونُ صِفَةً، والمُرادُ بِهِ إبْلِيسُ؛ لِأنَّهُ إذا أُرِيدَ بِهِ إبْلِيسُ كانَ إذْ ذاكَ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ، إذْ أصْلُهُ صِفَةٌ كالعَيُّوقِ، ثُمَّ غَلَبَ عَلى إبْلِيسَ، كَما غَلَبَ العَيُّوقُ عَلى النَّجْمِ الَّذِي يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَلِكم في الإعْرابِ ابْتِداءٌ، والشَّيْطانُ مُبْتَدَأٌ آخَرُ، ويُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ خَبَرٌ عَنِ الشَّيْطانِ، والجُمْلَةُ خَبَرُ الِابْتِداءِ الأوَّلِ. وهَذا الإعْرابُ خَبَرٌ في تَناسُقِ المَعْنى مِن أنْ يَكُونَ الشَّيْطانُ خَبَرُ ذَلِكم؛ لِأنَّهُ يَجِيءُ في المَعْنى اسْتِعارَةٌ بَعِيدَةٌ. انْتَهى. وهَذا الَّذِي اخْتارَهُ إعْرابٌ لا يَجُوزُ إنْ كانَ الضَّمِيرُ في ”أوْلِياءَهُ“ عائِدًا عَلى الشَّيْطانِ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ الواقِعَةَ خَبَرًا عَنْ ذَلِكم لَيْسَ فِيها رابِطٌ يَرْبِطُها بِقَوْلِهِ: ذَلِكم، ولَيْسَتْ نَفْسُ المُبْتَدَأِ في المَعْنى نَحْوَ قَوْلِهِمْ: هِجِّيرى أبِي بَكْرٍ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وإنْ كانَ عائِدًا عَلى ذَلِكم، ويَكُونُ ذَلِكَ عَنِ الشَّيْطانِ جازَ، وصارَ نَظِيرَ: إنَّما هِنْدٌ زَيْدٌ يَضْرِبُ غُلامَها. والمَعْنى: إذْ ذاكَ، إنَّما ذَلِكُمُ الرَّكْبُ، أوْ أبُو سُفْيانَ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُكم أوْلِياءَهُ، أيْ: أوْلِياءَ الرَّكْبِ، أوْ أبِي سُفْيانَ. والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في ”تَخافُوهُمُ“، الظّاهِرُ عَوْدُهُ عَلى: أوْلِياءَهُ، هَذا إذا كانَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ”أوْلِياءَهُ“ كُفّارَ قُرَيْشٍ، وغَيْرَهم مِن أوْلِياءِ الشَّيْطانِ. وإنْ كانَ المُرادُ بِهِ المُنافِقِينَ، فَيَكُونُ عائِدًا عَلى النّاسِ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] قَوّى نُفُوسَ المُسْلِمِينَ فَنَهاهم عَنْ خَوْفِ أوْلِياءِ الشَّيْطانِ، وأمَرَ بِخَوْفِهِ تَعالى، وعَلَّقَ ذَلِكَ عَلى الإيمانِ. أيْ إنَّ وصْفَ الإيمانِ يُناسِبُ أنْ لا يَخافَ المُؤْمِنُ إلّا اللَّهَ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٣٩] وأبْرَزَ هَذا الشَّرْطَ في صِفَةِ الإمْكانِ، وإنْ كانَ واقِعًا، إذْ هم مُتَّصِفُونَ بِالإيمانِ، كَما تَقُولُ: إنْ كُنْتَ رَجُلًا فافْعَلْ كَذا. وأثْبَتَ أبُو عَمْرٍو ياءَ ”وخافُونِ“ وهي ضَمِيرُ المَفْعُولِ، والأصْلُ الإثْباتُ. ويَجُوزُ حَذْفُها لِلْوَقْفِ عَلى نُونِ الوِقايَةِ بِالسُّكُونِ، فَتَذْهَبُ الدَّلالَةُ عَلى المَحْذُوفِ.

آل عمران 3:176

(p-١٢٠)﴿إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهم وخافُونِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ما: هي الكافَّةُ لِإنَّ عَنِ العَمَلِ. وهي الَّتِي يَزْعُمُ مُعْظَمُ أهْلِ أُصُولِ الفِقْهِ أنَّها إذا لَمْ تَكُنْ مَوْصُولَةً أفادَتْ مَعَ ”أنَّ“ الحَصْرَ. وذَلِكم إشارَةٌ إلى الرَّكْبِ المُثَبِّطِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالشَّيْطانِ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ، أوْ أبُو سُفْيانَ. فَعَلى هَذِهِ الأقْوالِ تَكُونُ الإشارَةُ إلى أعْيانٍ. وقِيلَ: ذَلِكم إشارَةٌ إلى جَمِيعِ ما جَرى مِن أخْبارِ الرَّكْبِ العَبْدِيِّينَ عَنْ رِسالَةِ أبِي سُفْيانَ، وتَحْمِيلِ أبِي سُفْيانَ ذَلِكَ الكَلامَ، وجَزَعِ مَن جَزِعَ مِنهُ مِن مُؤْمِنٍ أوْ مُتَرَدِّدٍ. فَعَلى هَذا تَكُونُ الإشارَةُ إلى مَعانٍ، ولا بُدَّ إذْ ذاكَ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: إنَّما ذَلِكم فِعْلُ الشَّيْطانِ. وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَوْلُ الشَّيْطانِ، أيْ قَوْلُ إبْلِيسَ. فَتَكُونُ الإشارَةُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ إلى القَوْلِ السّابِقِ وهو أنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهم. وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ كُلِّها فالخَبَرُ عَنِ المُبْتَدَأِ الَّذِي هو ”ذَلِكم“ بِالشَّيْطانِ هو مَجازٌ؛ لِأنَّ الأعْيانَ لَيْسَتْ مِن نَفْسِ الشَّيْطانِ، ولا ما جَرى مِن قَوْلٍ فَقَطْ أوْ مِن قَوْلٍ. وما انْضَمَّ إلَيْهِ مِمّا صَدَرَ مِنَ العَدُوِّ مِن تَخْوِيفٍ، وما صَدَرَ مِن جَزَعٍ - لَيْسَ نَفْسَ قَوْلِ الشَّيْطانِ ولا فِعْلِهِ، وإنَّما نُسِبَ إلَيْهِ وأُضِيفَ؛ لِأنَّهُ ناشِئٌ عَنْ وسْوَسَتِهِ وإغْوائِهِ وإلْقائِهِ. والتَّشْدِيدُ في ”يُخَوِّفُ“ لِلنَّقْلِ، كانَ قَبْلَهُ يَتَعَدّى لِواحِدٍ، فَلَمّا ضُعِّفَ صارَ يَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ. وهو مِنَ الأفْعالِ الَّتِي يَجُوزُ حَذْفُ مَفْعُولَيْها، وأحَدُهُما اقْتِصارٌ أوِ اخْتِصارٌ، أوْ هُنا تَعَدّى إلى واحِدٍ، والآخِرُ مَحْذُوفٌ. فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ، ويَكُونَ التَّقْدِيرُ: يُخَوِّفُكم أوْلِياءَهُ، أيْ شَرَّ أوْلِيائِهِ في هَذا الوَجْهِ؛ لِأنَّ الذَّواتَ لا تَخافُ، ويَكُونُ المُخَوَّفُونَ إذْ ذاكَ المُؤْمِنُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَحْذُوفُ المَفْعُولَ الثّانِي، أيْ: يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ شَرَّ الكُفّارِ، ويَكُونُ ”أوْلِياءَهُ“ في هَذا الوَجْهِ هُمُ المُنافِقُونَ، ومَن في قَلْبِهِ مَرَضٌ المُتَخَلِّفُونَ عَنِ الخُرُوجِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أيْ أنَّهُ لا يَتَعَدّى تَخْوِيفُهُ المُنافِقِينَ، ولا يَصِلُ إلَيْكم تَخْوِيفَهُ. وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ أوْلِياءَهُ هُمُ الكُفّارِ: أبُو سُفْيانَ ومَن مَعَهُ. ويَدُلُّ عَلى هَذا الوَجْهِ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ ”يُخَوِّفُكم أوْلِياءَهُ“، إذْ ظَهَرَ فِيها أنَّ المَحْذُوفَ هو المَفْعُولُ الأوَّلُ. وقَرَأ أُبَيٌّ والنَّخَعِيُّ: ”يُخَوِّفُكم بِأوْلِيائِهِ“، فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ زائِدَةً مِثْلَها في: يَقْرَأْنَ بِالسُّوَرِ، ويَكُونُ المَفْعُولُ الثّانِي هو بِأوْلِيائِهِ، أيْ: أوْلِياءَهُ، كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلسَّبَبِ، ويَكُونَ مَفْعُولُ يُخَوِّفُ الثّانِي مَحْذُوفًا أيْ: يُخَوِّفُكُمُ الشَّرَّ بِأوْلِيائِهِ، فَيَكُونُونَ آلَةً لِلتَّخْوِيفِ. وقَدْ حَمَلَ بَعْضُ المُعْرِبِينَ قِراءَةَ الجُمْهُورِ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ: بِأوْلِيائِهِ، فَيَكُونُ إذْ ذاكَ قَدْ حَذَفَ مَفْعُولا يُخَوِّفُ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلى الحَذْفِ، والتَّقْدِيرُ: يُخَوِّفُكُمُ الشَّرَّ بِأوْلِيائِهِ، وهَذا بَعِيدٌ. والأحْسَنُ في الإعْرابِ أنْ يَكُونَ ”ذَلِكم“ مُبْتَدَأٌ، والشَّيْطانُ خَبَرُهُ. ويُخَوِّفُ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ حالٌ مَجِيءُ المُفْرَدِ مَنصُوبًا عَلى الحالِ مَكانَها نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً﴾ [النمل: ٥٢] ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢] وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ الشَّيْطانُ بَدَلًا أوْ عَطْفُ بَيانٍ، ويَكُونَ بِخَوْفٍ خَبَرًا عَنْ ذَلِكم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الشَّيْطانُ (p-١٢١)خَبَرُ ”ذَلِكم“، بِمَعْنى: إنَّما ذَلِكُمُ المُثَبِّطُ هو الشَّيْطانُ، و”يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ“ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ بَيانٌ لِتَثْبِيطِهِ، أوِ الشَّيْطانُ صِفَةٌ لِاسْمِ الإشارَةِ، ويُخَوِّفُ الخَبَرُ. والمُرادُ بِالشَّيْطانِ نُعَيْمٌ أوْ أبُو سُفْيانَ. انْتَهى كَلامُهُ. فَعَلى هَذا القَوْلِ تَكُونُ الجُمْلَةُ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ. وإنَّما قالَ: والمُرادُ بِالشَّيْطانِ نُعَيْمٌ أوْ أبُو سُفْيانَ؛ لِأنَّهُ لا يَكُونُ صِفَةً، والمُرادُ بِهِ إبْلِيسُ؛ لِأنَّهُ إذا أُرِيدَ بِهِ إبْلِيسُ كانَ إذْ ذاكَ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ، إذْ أصْلُهُ صِفَةٌ كالعَيُّوقِ، ثُمَّ غَلَبَ عَلى إبْلِيسَ، كَما غَلَبَ العَيُّوقُ عَلى النَّجْمِ الَّذِي يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَلِكم في الإعْرابِ ابْتِداءٌ، والشَّيْطانُ مُبْتَدَأٌ آخَرُ، ويُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ خَبَرٌ عَنِ الشَّيْطانِ، والجُمْلَةُ خَبَرُ الِابْتِداءِ الأوَّلِ. وهَذا الإعْرابُ خَبَرٌ في تَناسُقِ المَعْنى مِن أنْ يَكُونَ الشَّيْطانُ خَبَرُ ذَلِكم؛ لِأنَّهُ يَجِيءُ في المَعْنى اسْتِعارَةٌ بَعِيدَةٌ. انْتَهى. وهَذا الَّذِي اخْتارَهُ إعْرابٌ لا يَجُوزُ إنْ كانَ الضَّمِيرُ في ”أوْلِياءَهُ“ عائِدًا عَلى الشَّيْطانِ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ الواقِعَةَ خَبَرًا عَنْ ذَلِكم لَيْسَ فِيها رابِطٌ يَرْبِطُها بِقَوْلِهِ: ذَلِكم، ولَيْسَتْ نَفْسُ المُبْتَدَأِ في المَعْنى نَحْوَ قَوْلِهِمْ: هِجِّيرى أبِي بَكْرٍ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وإنْ كانَ عائِدًا عَلى ذَلِكم، ويَكُونُ ذَلِكَ عَنِ الشَّيْطانِ جازَ، وصارَ نَظِيرَ: إنَّما هِنْدٌ زَيْدٌ يَضْرِبُ غُلامَها. والمَعْنى: إذْ ذاكَ، إنَّما ذَلِكُمُ الرَّكْبُ، أوْ أبُو سُفْيانَ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُكم أوْلِياءَهُ، أيْ: أوْلِياءَ الرَّكْبِ، أوْ أبِي سُفْيانَ. والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في ”تَخافُوهُمُ“، الظّاهِرُ عَوْدُهُ عَلى: أوْلِياءَهُ، هَذا إذا كانَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ”أوْلِياءَهُ“ كُفّارَ قُرَيْشٍ، وغَيْرَهم مِن أوْلِياءِ الشَّيْطانِ. وإنْ كانَ المُرادُ بِهِ المُنافِقِينَ، فَيَكُونُ عائِدًا عَلى النّاسِ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] قَوّى نُفُوسَ المُسْلِمِينَ فَنَهاهم عَنْ خَوْفِ أوْلِياءِ الشَّيْطانِ، وأمَرَ بِخَوْفِهِ تَعالى، وعَلَّقَ ذَلِكَ عَلى الإيمانِ. أيْ إنَّ وصْفَ الإيمانِ يُناسِبُ أنْ لا يَخافَ المُؤْمِنُ إلّا اللَّهَ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٣٩] وأبْرَزَ هَذا الشَّرْطَ في صِفَةِ الإمْكانِ، وإنْ كانَ واقِعًا، إذْ هم مُتَّصِفُونَ بِالإيمانِ، كَما تَقُولُ: إنْ كُنْتَ رَجُلًا فافْعَلْ كَذا. وأثْبَتَ أبُو عَمْرٍو ياءَ ”وخافُونِ“ وهي ضَمِيرُ المَفْعُولِ، والأصْلُ الإثْباتُ. ويَجُوزُ حَذْفُها لِلْوَقْفِ عَلى نُونِ الوِقايَةِ بِالسُّكُونِ، فَتَذْهَبُ الدَّلالَةُ عَلى المَحْذُوفِ.

آل عمران 3:177

(p-١٢٠)﴿إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهم وخافُونِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ما: هي الكافَّةُ لِإنَّ عَنِ العَمَلِ. وهي الَّتِي يَزْعُمُ مُعْظَمُ أهْلِ أُصُولِ الفِقْهِ أنَّها إذا لَمْ تَكُنْ مَوْصُولَةً أفادَتْ مَعَ ”أنَّ“ الحَصْرَ. وذَلِكم إشارَةٌ إلى الرَّكْبِ المُثَبِّطِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالشَّيْطانِ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ، أوْ أبُو سُفْيانَ. فَعَلى هَذِهِ الأقْوالِ تَكُونُ الإشارَةُ إلى أعْيانٍ. وقِيلَ: ذَلِكم إشارَةٌ إلى جَمِيعِ ما جَرى مِن أخْبارِ الرَّكْبِ العَبْدِيِّينَ عَنْ رِسالَةِ أبِي سُفْيانَ، وتَحْمِيلِ أبِي سُفْيانَ ذَلِكَ الكَلامَ، وجَزَعِ مَن جَزِعَ مِنهُ مِن مُؤْمِنٍ أوْ مُتَرَدِّدٍ. فَعَلى هَذا تَكُونُ الإشارَةُ إلى مَعانٍ، ولا بُدَّ إذْ ذاكَ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: إنَّما ذَلِكم فِعْلُ الشَّيْطانِ. وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَوْلُ الشَّيْطانِ، أيْ قَوْلُ إبْلِيسَ. فَتَكُونُ الإشارَةُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ إلى القَوْلِ السّابِقِ وهو أنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهم. وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ كُلِّها فالخَبَرُ عَنِ المُبْتَدَأِ الَّذِي هو ”ذَلِكم“ بِالشَّيْطانِ هو مَجازٌ؛ لِأنَّ الأعْيانَ لَيْسَتْ مِن نَفْسِ الشَّيْطانِ، ولا ما جَرى مِن قَوْلٍ فَقَطْ أوْ مِن قَوْلٍ. وما انْضَمَّ إلَيْهِ مِمّا صَدَرَ مِنَ العَدُوِّ مِن تَخْوِيفٍ، وما صَدَرَ مِن جَزَعٍ - لَيْسَ نَفْسَ قَوْلِ الشَّيْطانِ ولا فِعْلِهِ، وإنَّما نُسِبَ إلَيْهِ وأُضِيفَ؛ لِأنَّهُ ناشِئٌ عَنْ وسْوَسَتِهِ وإغْوائِهِ وإلْقائِهِ. والتَّشْدِيدُ في ”يُخَوِّفُ“ لِلنَّقْلِ، كانَ قَبْلَهُ يَتَعَدّى لِواحِدٍ، فَلَمّا ضُعِّفَ صارَ يَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ. وهو مِنَ الأفْعالِ الَّتِي يَجُوزُ حَذْفُ مَفْعُولَيْها، وأحَدُهُما اقْتِصارٌ أوِ اخْتِصارٌ، أوْ هُنا تَعَدّى إلى واحِدٍ، والآخِرُ مَحْذُوفٌ. فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ، ويَكُونَ التَّقْدِيرُ: يُخَوِّفُكم أوْلِياءَهُ، أيْ شَرَّ أوْلِيائِهِ في هَذا الوَجْهِ؛ لِأنَّ الذَّواتَ لا تَخافُ، ويَكُونُ المُخَوَّفُونَ إذْ ذاكَ المُؤْمِنُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَحْذُوفُ المَفْعُولَ الثّانِي، أيْ: يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ شَرَّ الكُفّارِ، ويَكُونُ ”أوْلِياءَهُ“ في هَذا الوَجْهِ هُمُ المُنافِقُونَ، ومَن في قَلْبِهِ مَرَضٌ المُتَخَلِّفُونَ عَنِ الخُرُوجِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أيْ أنَّهُ لا يَتَعَدّى تَخْوِيفُهُ المُنافِقِينَ، ولا يَصِلُ إلَيْكم تَخْوِيفَهُ. وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ أوْلِياءَهُ هُمُ الكُفّارِ: أبُو سُفْيانَ ومَن مَعَهُ. ويَدُلُّ عَلى هَذا الوَجْهِ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ ”يُخَوِّفُكم أوْلِياءَهُ“، إذْ ظَهَرَ فِيها أنَّ المَحْذُوفَ هو المَفْعُولُ الأوَّلُ. وقَرَأ أُبَيٌّ والنَّخَعِيُّ: ”يُخَوِّفُكم بِأوْلِيائِهِ“، فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ زائِدَةً مِثْلَها في: يَقْرَأْنَ بِالسُّوَرِ، ويَكُونُ المَفْعُولُ الثّانِي هو بِأوْلِيائِهِ، أيْ: أوْلِياءَهُ، كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلسَّبَبِ، ويَكُونَ مَفْعُولُ يُخَوِّفُ الثّانِي مَحْذُوفًا أيْ: يُخَوِّفُكُمُ الشَّرَّ بِأوْلِيائِهِ، فَيَكُونُونَ آلَةً لِلتَّخْوِيفِ. وقَدْ حَمَلَ بَعْضُ المُعْرِبِينَ قِراءَةَ الجُمْهُورِ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ: بِأوْلِيائِهِ، فَيَكُونُ إذْ ذاكَ قَدْ حَذَفَ مَفْعُولا يُخَوِّفُ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلى الحَذْفِ، والتَّقْدِيرُ: يُخَوِّفُكُمُ الشَّرَّ بِأوْلِيائِهِ، وهَذا بَعِيدٌ. والأحْسَنُ في الإعْرابِ أنْ يَكُونَ ”ذَلِكم“ مُبْتَدَأٌ، والشَّيْطانُ خَبَرُهُ. ويُخَوِّفُ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ حالٌ مَجِيءُ المُفْرَدِ مَنصُوبًا عَلى الحالِ مَكانَها نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً﴾ [النمل: ٥٢] ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢] وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ الشَّيْطانُ بَدَلًا أوْ عَطْفُ بَيانٍ، ويَكُونَ بِخَوْفٍ خَبَرًا عَنْ ذَلِكم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الشَّيْطانُ (p-١٢١)خَبَرُ ”ذَلِكم“، بِمَعْنى: إنَّما ذَلِكُمُ المُثَبِّطُ هو الشَّيْطانُ، و”يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ“ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ بَيانٌ لِتَثْبِيطِهِ، أوِ الشَّيْطانُ صِفَةٌ لِاسْمِ الإشارَةِ، ويُخَوِّفُ الخَبَرُ. والمُرادُ بِالشَّيْطانِ نُعَيْمٌ أوْ أبُو سُفْيانَ. انْتَهى كَلامُهُ. فَعَلى هَذا القَوْلِ تَكُونُ الجُمْلَةُ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ. وإنَّما قالَ: والمُرادُ بِالشَّيْطانِ نُعَيْمٌ أوْ أبُو سُفْيانَ؛ لِأنَّهُ لا يَكُونُ صِفَةً، والمُرادُ بِهِ إبْلِيسُ؛ لِأنَّهُ إذا أُرِيدَ بِهِ إبْلِيسُ كانَ إذْ ذاكَ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ، إذْ أصْلُهُ صِفَةٌ كالعَيُّوقِ، ثُمَّ غَلَبَ عَلى إبْلِيسَ، كَما غَلَبَ العَيُّوقُ عَلى النَّجْمِ الَّذِي يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَلِكم في الإعْرابِ ابْتِداءٌ، والشَّيْطانُ مُبْتَدَأٌ آخَرُ، ويُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ خَبَرٌ عَنِ الشَّيْطانِ، والجُمْلَةُ خَبَرُ الِابْتِداءِ الأوَّلِ. وهَذا الإعْرابُ خَبَرٌ في تَناسُقِ المَعْنى مِن أنْ يَكُونَ الشَّيْطانُ خَبَرُ ذَلِكم؛ لِأنَّهُ يَجِيءُ في المَعْنى اسْتِعارَةٌ بَعِيدَةٌ. انْتَهى. وهَذا الَّذِي اخْتارَهُ إعْرابٌ لا يَجُوزُ إنْ كانَ الضَّمِيرُ في ”أوْلِياءَهُ“ عائِدًا عَلى الشَّيْطانِ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ الواقِعَةَ خَبَرًا عَنْ ذَلِكم لَيْسَ فِيها رابِطٌ يَرْبِطُها بِقَوْلِهِ: ذَلِكم، ولَيْسَتْ نَفْسُ المُبْتَدَأِ في المَعْنى نَحْوَ قَوْلِهِمْ: هِجِّيرى أبِي بَكْرٍ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وإنْ كانَ عائِدًا عَلى ذَلِكم، ويَكُونُ ذَلِكَ عَنِ الشَّيْطانِ جازَ، وصارَ نَظِيرَ: إنَّما هِنْدٌ زَيْدٌ يَضْرِبُ غُلامَها. والمَعْنى: إذْ ذاكَ، إنَّما ذَلِكُمُ الرَّكْبُ، أوْ أبُو سُفْيانَ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُكم أوْلِياءَهُ، أيْ: أوْلِياءَ الرَّكْبِ، أوْ أبِي سُفْيانَ. والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في ”تَخافُوهُمُ“، الظّاهِرُ عَوْدُهُ عَلى: أوْلِياءَهُ، هَذا إذا كانَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ”أوْلِياءَهُ“ كُفّارَ قُرَيْشٍ، وغَيْرَهم مِن أوْلِياءِ الشَّيْطانِ. وإنْ كانَ المُرادُ بِهِ المُنافِقِينَ، فَيَكُونُ عائِدًا عَلى النّاسِ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] قَوّى نُفُوسَ المُسْلِمِينَ فَنَهاهم عَنْ خَوْفِ أوْلِياءِ الشَّيْطانِ، وأمَرَ بِخَوْفِهِ تَعالى، وعَلَّقَ ذَلِكَ عَلى الإيمانِ. أيْ إنَّ وصْفَ الإيمانِ يُناسِبُ أنْ لا يَخافَ المُؤْمِنُ إلّا اللَّهَ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٣٩] وأبْرَزَ هَذا الشَّرْطَ في صِفَةِ الإمْكانِ، وإنْ كانَ واقِعًا، إذْ هم مُتَّصِفُونَ بِالإيمانِ، كَما تَقُولُ: إنْ كُنْتَ رَجُلًا فافْعَلْ كَذا. وأثْبَتَ أبُو عَمْرٍو ياءَ ”وخافُونِ“ وهي ضَمِيرُ المَفْعُولِ، والأصْلُ الإثْباتُ. ويَجُوزُ حَذْفُها لِلْوَقْفِ عَلى نُونِ الوِقايَةِ بِالسُّكُونِ، فَتَذْهَبُ الدَّلالَةُ عَلى المَحْذُوفِ.

آل عمران 3:178

﴿ولا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ إنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٧٦]: لَمّا نَهى المُؤْمِنِينَ عَنْ خَوْفِ أوْلِياءِ الشَّيْطانِ، وأمَرَهم بِخَوْفِهِ وحْدَهُ تَعالى، نَهى رَسُولَهُ عَنِ الحُزْنِ لِمُسارَعَةِ مَن سارَعَ في الكُفْرِ. والمَعْنى: لا يَتَوَقَّعُ حُزْنًا ولا ضَرَرًا مِنهم؛ ولِذَلِكَ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: إنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا، أيْ: لَنْ يَضُرُّوا نَبِيَّ اللَّهِ والمُؤْمِنِينَ. والمَنفِيُّ هُنا ضَرَرٌ خاصٌّ، وهو إبْطالُ الإسْلامِ وكَيْدُهُ حَتّى يَضْمَحِلَّ، فَهَذا لَنْ يَقَعَ أبَدًا، بَلْ أمْرُهم يَضْمَحِلُّ ويَعْلُو أمْرُكَ عَلَيْهِمْ. قِيلَ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ ارْتَدُّوا. وقِيلَ: المُرادُ كُفّارُ قُرَيْشٍ. وقِيلَ: رُؤَساءُ اليَهُودِ. والأوْلى حَمْلُهُ عَلى العُمُومِ كَقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ [المائدة: ٤١] وقِيلَ: مُثِيرُ الحُزْنِ وهو شَفَقَتُهُ، وإيثارُهُ إسْلامَهم حَتّى يُنْقِذَهم مِنَ النّارِ، فَنُهِيَ عَنِ المُبالَغَةِ في ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ [فاطر: ٨] وقَوْلِهِ: (لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أنْ لا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) وهَذا مِن فَرْطِ رَحْمَتِهِ لِلنّاسِ، ورَأْفَتِهِ بِهِمْ. وقَرَأ نافِعٌ: ”يُحْزِنْكَ“ مِن أحْزَنَ، وكَذا حَيْثُ وقَعَ المُضارِعُ، إلّا في ”﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣]“، فَقَرَأهُ مِن حَزِنَ كَقِراءَةِ الجَماعَةِ في جَمِيعِ القُرْآنِ. يُقالُ: حَزِنَ الرَّجُلُ، أصابَهُ الحُزْنُ، وحَزَنْتُهُ جَعَلْتُ فِيهِ ذَلِكَ، وأحْزَنْتُهُ جَعَلْتُهُ حَزِينًا. وقَرَأ النَّحْوِيُّ: يُسْرِعُونَ مِن أسْرَعَ في جَمِيعِ القُرْآنِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقِراءَةُ الجَماعَةِ أبْلَغُ؛ لِأنَّ مَن يُسارِعُ غَيْرَهُ أشَدُّ اجْتِهادًا مِنَ الَّذِي يُسْرِعُ وحْدَهُ. وفي ضِمْنِ قَوْلِهِ: ”﴿إنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٧٦]“ دَلالَةٌ عَلى أنَّ وبالَ ذَلِكَ عائِدٌ عَلَيْهِمْ، ولا يَضُرُّونَ إلّا أنْفُسَهم. وانْتَصَبَ شَيْئًا عَلى المَصْدَرِ، أيْ شَيْئًا مِنَ الضَّرَرِ. وقِيلَ: انْتِصابُهُ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ أيْ شَيْءٌ. ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أنْ لا يَجْعَلَ لَهم حَظًّا في الآخِرَةِ ولَهم عَذابٌ (p-١٢٢)عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٦]: بَيَّنَ تَعالى أنَّ ما هم عَلَيْهِ مِنَ المُسارَعَةِ في الكُفْرِ هو بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى، أنَّهم لا يَهْدِيهِمْ إلى الإيمانِ، فَيَكُونُ لَهم نَصِيبٌ مِن نَعِيمِ الآخِرَةِ. فَهَذِهِ تَسْلِيَةٌ مِنهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ ﷺ في تَرْكِ الحَرْبِ؛ لِأنَّ مُرادَ اللَّهِ مِنهم هو ما هم عَلَيْهِ، ولَهم بَدَلُ النَّعِيمِ عَذابٌ عَظِيمٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): هَلْ قِيلَ: لا يَجْعَلُ اللَّهُ لَهم حَظًّا في الآخِرَةِ، وأيُّ فائِدَةٍ في ذِكْرِ الإرادَةِ ؟ (قُلْتُ): فائِدَتُهُ الإشْعارُ بِأنَّ الدّاعِيَ إلى حِرْمانِهِمْ وتَعْذِيبِهِمْ قَدْ خَلَصَ خُلُوصًا لَمْ يَبْقَ مَعَهُ صارِفٌ قَطُّ، حِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ تَنْبِيهًا عَلى تَمادِيهِمْ في الطُّغْيانِ وبُلُوغِهِمُ الغايَةَ فِيهِ، حَتّى أنَّ أرْحَمَ الرّاحِمِينَ يُرِيدُ أنْ لا يَرْحَمُهم. انْتَهى. وفِيهِ دَسِيسَةُ اعْتِزالٍ؛ لِأنَّهُ اسْتَشْعَرَ أنَّ إرادَتَهُ تَعالى أنْ لا يَجْعَلَ لَهم حَظًّا في الآخِرَةِ مُوجِبَةٌ أنَّ سَبَبَ ذَلِكَ هو مُرِيدٌ لَهُ تَعالى وهو: الكُفْرُ. ومِن مَذْهَبِهِ أنَّهُ تَعالى لا يُرِيدُ الكُفْرَ ولا يَشاؤُهُ، فَتَأوَّلَ تَعَلُّقَ إرادَتِهِ بِانْتِفاءِ حَظِّهِمْ مِنَ الآخِرَةِ بِتَعَلُّقِها بِانْتِفاءِ رَحْمَتِهِ لَهم لِفَرْطِ كُفْرِهِمْ. ونَقَلَ الماوَرْدِيُّ في ”يُرِيدُ“ ثَلاثَةَ أقْوالٍ: أحُدُها: أنَّهُ يَحْكُمُ بِذَلِكَ. والثّانِي: يُرِيدُ في الآخِرَةِ أنْ يَحْرِمَهم ثَوابَهم لِإحْباطِ أعْمالِهِمْ بِكُفْرِهِمْ. والثّالِثُ: يُرِيدُ يُحْبِطُ أعْمالَهم بِما اسْتَحَقُّوهُ مِن ذُنُوبِهِمْ. قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ. ﴿إنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإيمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٧]: هَذا عامٌّ في الكُفّارِ كُلِّهِمْ. وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ [آل عمران: ١٧٦] كانَ عامًّا، فَكَرَّرَ هَذا عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ وإنْ كانَ خاصًّا بِالمُنافِقِينَ أوِ المُرْتَدِّينَ أوْ كُفّارِ قُرَيْشٍ، فَيَكُونُ لَيْسَ تَكْرِيرًا عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ، بَلْ حُكِمَ عَلى العامِّ بِأنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا. ويَنْدَرِجُ فِيهِ ذَلِكَ الخاصُّ أيْضًا، فَيَكُونُ الحُكْمُ في حَقِّهِمْ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ، ويَكُونُ قَدْ جَمَعَ لِلْخاصِّ العَذابَ بِنَوْعَيْهِ مِنَ العِظَمِ والألَمِ، وهو أبْلَغُ في حَقِّهِمْ في العَذابِ. وجَعَلَ ذَلِكَ اشْتِراءً مِن حَيْثُ تَمَكُّنِهم مِن قَبُولِ الخَيْرِ والشَّرِّ، فَآثَرُوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ. ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾: مَعْنى نُمْلِي: نُمْهِلُ ونَمُدُّ في العُمْرِ. والمُلاءَةُ المُدَّةُ مِنَ الدَّهْرِ، والمَلَوانُ اللَّيْلُ والنَّهارُ. ويُقالُ: مَلّاكَ اللَّهُ نِعْمَتَهُ، أيْ مَنَحَكَها عُمْرًا طَوِيلًا، وقَرَأ حَمْزَةُ ”تَحْسَبَنَّ“ بِتاءِ الخِطابِ، فَيَكُونُ الَّذِينَ كَفَرُوا مَفْعُولًا أوَّلًا. ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ: ”﴿أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ﴾“، في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي؛ لِأنَّهُ يَنْسَبِكُ مِنهُ مَصْدَرُ المَفْعُولِ الثّانِي في هَذا البابِ هو الأوَّلُ مِن حَيْثُ المَعْنى، والمَصْدَرُ لا يَكُونُ الذّاتُ، فَخَرَجَ ذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ مِنَ الأوَّلِ أيْ: ولا تَحْسَبَنَّ شَأْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا. أوْ مِنَ الثّانِي أيْ: ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أصْحابَ أنَّ الإمْلاءَ خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ حَتّى يَصِحَّ كَوْنُ الثّانِي هو الأوَّلُ. وخَرَّجَهُ الأُسْتاذُ أبُو الحَسَنِ بْنُ الباذِشِ والزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى أنْ يَكُونَ أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ بَدَلٌ مِنَ الَّذِينَ. قالَ ابْنُ الباذِشِ: ويَكُونُ المَفْعُولُ الثّانِي حُذِفَ (p-١٢٣)لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا خَيْرِيَّةُ إمْلائِنا لَهم كائِنَةٌ أوْ واقِعَةٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ صَحَّ مَجِيءُ البَدَلِ ولَمْ يَذْكُرْ إلّا أحَدَ المَفْعُولَيْنِ، ولا يَجُوزُ الِاقْتِصارُ بِفِعْلِ الحُسْبانِ عَلى مَفْعُولٍ واحِدٍ ؟ (قُلْتُ): صَحَّ ذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّ التَّعْوِيلَ عَلى البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ في حُكْمِ المُنَحّى، ألا تَراكَ تَقُولُ: جَعَلْتُ مَتاعَكَ بَعْضَهُ فَوْقَ بَعْضٍ مَعَ امْتِناعِ سُكُوتِكَ عَلى ”مَتاعَكَ“ . انْتَهى كَلامُهُ وهَذا التَّخْرِيجُ الَّذِي خَرَّجَهُ ابْنُ الباذِشِ والزَّمَخْشَرِيُّ سَبَقَهُما إلَيْهِ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ، قالا وجْهُ هَذِهِ القِراءَةِ التَّكْرِيرُ والتَّأْكِيدُ، التَّقْدِيرُ: ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا، ولا تَحْسَبَنَّ أنَّما نُمْلِي لَهم. قالَ الفَرّاءُ: ومِثْلُهُ ”﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهُمْ﴾ [الزخرف: ٦٦]“، أيْ ما يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهم. انْتَهى. وقَدَّرَ بَعْضُهم قَوْلَ الكِسائِيِّ والفَرّاءِ فَقالَ: حَذْفُ المَفْعُولِ الثّانِي مِن هَذِهِ الأفْعالِ لا يَجُوزُ عِنْدَ أحَدٍ، فَهو غَلَطٌ مِنهُما. انْتَهى. وقَدْ أشْبَعْنا الكَلامَ في حَذْفِ أحَدِ مَفْعُولَيْ ظَنَّ اخْتِصارًا فِيما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا﴾ [آل عمران: ١٦٩] إنَّ تَقْدِيرَهُ: ولا تَحْسَبَنَّهم. وذَكَرْنا هُناكَ أنَّ مَذْهَبَ ابْنِ مَلْكُونَ أنَّهُ لا يَجُوزُ ذَلِكَ، وأنَّ مَذْهَبَ الجُمْهُورِ الجَوازُ، لَكِنَّهُ عَزِيزٌ جِدًّا بِحَيْثُ لا يُوجَدُ في لِسانِ العَرَبِ إلّا نادِرًا، وأنَّ القُرْآنَ يَنْبَغِي أنْ يُنَزَّهَ عَنْهُ. وعَلى البَدَلِ خَرَّجَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو إسْحاقَ الزَّجّاجُ، لَكِنَّ ظاهِرَ كَلامِهِ أنَّها بِنَصْبِ خَيْرٍ. قالَ: وقَدْ قَرَأ بِها خَلْقٌ كَثِيرٌ، وساقَ عَلَيْها مِثالًا قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎فَما كانَ قَيْسٌ هُلْكُهُ هُلْكُ واحِدٍ ولَكِنَّهُ بُنْيانُ قَوْمٍ تَهَدَّما بِنَصْبِ هُلْكٍ الثّانِي عَلى أنَّ الأوَّلَ بَدَلٌ، وعَلى هَذا يَكُونُ: ”أنَّما نُمْلِي“ بَدَلٌ، ”وخَيْرًا“: المَفْعُولُ الثّانِي أيْ إمْلاءَنا خَيْرًا. وأنْكَرَ أبُو بَكْرِ بْنُ مُجاهِدٍ هَذِهِ القِراءَةَ الَّتِي حَكاها الزَّجّاجُ، وزَعَمَ أنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ بِها أحَدٌ. وابْنُ مُجاهِدٍ في بابِ القِراءاتِ هو المَرْجُوعُ إلَيْهِ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: سَمِعْتُ الأخْفَشَ يَذْكُرُ قُبْحَ أنْ يَحْتَجَّ بِها لِأهْلِ القَدَرِ؛ لِأنَّهُ كانَ مِنهم، ويَجْعَلُهُ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ كَأنَّهُ قالَ: ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا، أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ. انْتَهى. وعَلى مَقالَةِ الأخْفَشِ يَكُونُ ”﴿إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾“ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي، و”﴿أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ﴾“ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، أيْ إمْلاؤُنا لَهم خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ. وجازَ الِابْتِداءُ بِأنَّ المَفْتُوحَةَ؛ لِأنَّ مَذْهَبَ الأخْفَشِ جَوازُ ذَلِكَ. ولِإشْكالِ هَذِهِ القِراءَةِ زَعَمَ أبُو حاتِمٍ وغَيْرُهُ أنَّها لَحْنٌ ورَدُّوها. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ الألِفُ مِن إنَّما مَكْسُورَةٌ في هَذِهِ القِراءَةِ، وتَكُونَ ”إنَّ وما“ دَخَلَتْ عَلَيْهِ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي. وقالَ مَكِّيٌّ في (مُشْكِلِهِ): ما عَلِمْتُ أحَدًا قَرَأ ”تَحْسَبَنَّ“ بِالتّاءِ مِن فَوْقُ وكَسْرِ الألِفِ مِن إنَّما. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ والجُمْهُورُ يَحْسَبَنَّ بِالياءِ، وإعْرابُ هَذِهِ القِراءَةِ ظاهِرٌ؛ لِأنَّ الفاعِلَ هو الَّذِينَ كَفَرُوا، وسَدَّتْ ”﴿أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ﴾“ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ يَحْسَبَنَّ كَما تَقُولُ: حَسِبْتُ أنَّ زَيْدًا قائِمٌ. وتَحْتَمِلُ ”ما“ في هَذِهِ القِراءَةِ وفي الَّتِي قَبْلَها أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً بِمَعْنى الَّذِي، ومَصْدَرِيَّةً، أيْ: أنَّ الَّذِي نُمْلِي، وحُذِفَ العائِدُ أيْ عَلَيْهِ، وفِيهِ شَرْطُ جَوازِ الحَذْفِ مِن كَوْنِهِ مُتَّصِلًا مَعْمُولًا لِفِعْلٍ تامٍّ مُتَعَيَّنًا لِلرَّبْطِ، أوْ أنَّ إمْلاءَنا خَيْرٌ. وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يُسْنَدَ الفِعْلُ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَيَكُونُ فاعِلُ الغَيْبِ كَفاعِلِ الخِطابِ، فَتَكُونُ القِراءَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ. وقَرَأ يِحَيَـى بْنُ وثّابٍ: ”ولا يَحْسَبَنَّ“ بِالياءِ، و”إنَّما نُمْلِي“ بِالكَسْرِ. فَإنْ كانَ الفِعْلُ مُسْنَدًا لِلنَّبِيِّ ﷺ فَيَكُونُ المَفْعُولُ الأوَّلُ الَّذِينَ كَفَرُوا، ويَكُونُ إنَّما نُمْلِي لَهم جُمْلَةً في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي. وإنْ كانَ مُسْنَدًا لِلَّذِينِ كَفَرُوا فَيَحْتاجُ يَحْسَبَنَّ إلى مَفْعُولَيْنِ. فَلَوْ كانَتْ ”أنَّما“ مَفْتُوحَةً سَدَّتْ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ، ولَكِنَّ يَحْيَـى قَرَأ بِالكَسْرِ، فَخُرِّجَ عَلى ذَلِكَ التَّعْلِيقُ، فَكُسِرَتْ إنَّ، وإنْ لَمْ تَكُنِ اللّامُ في حَيِّزِها. والجُمْلَةُ المُعَلَّقُ عَنْها الفِعْلُ في مَوْضِعِ مَفْعُولَيْ يَحْسَبَنَّ، وهو بَعِيدٌ لِحَذْفِ اللّامِ نَظِيرَ تَعْلِيقِ الفِعْلِ عَنِ العَمَلِ، مَعَ حَذْفِ اللّامِ مِنَ المُبْتَدَأِ (p-١٢٤)كَقَوْلِهِ: ؎إنِّـي وجَـدْتُ مِلاكُ الشِّيمَـةِ الأدَبُ أيْ: لَمِلاكُ الشِّيمَةِ الأدَبُ، ولَوْلا اعْتِقادُ حَذْفِ اللّامِ لَنُصِبَ. وحَكى الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَحْيَـى بْنَ وثّابٍ قَرَأ بِكَسْرِ إنَّما الأُولى، وفَتْحِ الثّانِيَةِ. ووَجْهُ ذَلِكَ عَلى أنَّ المَعْنى: ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا كَما يَفْعَلُونَ، وإنَّما هو لِيَتُوبُوا ويَدْخُلُوا في الإيمانِ. والجُمْلَةُ مِن ”أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ“ اعْتِراضٌ بَيْنَ الفِعْلِ ومَعْمُولِهِ، ومَعْناهُ: أنَّ إمْلاءَنا خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ إنْ عَمِلُوا فِيهِ وعَرَفُوا إنْعامَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِتَفْسِيحِ المُدَّةِ، وتَرْكِ المُعاجَلَةِ بِالعُقُوبَةِ. وظاهِرُ ”الَّذِينَ كَفَرُوا“ العُمُومُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ والنَّصارى والمُنافِقِينَ. وقالَ عَطاءٌ: في قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ. وقالَ مُقاتِلٌ: في مُشْرِكِي مَكَّةَ. وقالَ الزَّجّاجُ: هَؤُلاءِ قَوْمٌ أعْلَمَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ أبَدًا، ولَيْسَتْ في كُلِّ كافِرٍ، إذْ قَدْ يَكُونُ الإمْلاءُ مِمّا يُدْخِلُهُ في الإيمانِ، فَيَكُونُ أحْسَنَ لَهُ. وقالَ مَكِّيٌّ: هَذا هو الصَّحِيحُ مِنَ المَعانِي. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ الرَّدُّ عَلى الكُفّارِ في قَوْلِهِمْ: إنَّ كَوْنَنا ظاهِرِينَ مُمَوَّلِينَ أصِحَّةً دَلِيلٌ عَلى رِضا اللَّهِ بِحالِنا واسْتِقامَةِ طَرِيقَتِنا عِنْدَهُ. وأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّ ذَلِكَ التَّأْخِيرَ والإهْمالَ إنَّما هو إمْلاءٌ واسْتِدْراجٌ لِتَكْثِيرِ الآثامِ. قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: ما مِن نَفْسٍ بَرَّةٍ ولا فاجِرَةٍ إلّا والمَوْتُ خَيْرٌ لَها، أمّا البَرَّةُ فَلْتُسْرِعْ إلى رَحْمَةِ اللَّهِ. وقَرَأ: ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأبْرارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨] وأمّا الفاجِرَةُ فَلِئَلّا تَزْدادَ إثْمًا، وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والإمْلاءُ لَهم تَخْلِيَتُهم، وشَأْنُهم مُسْتَعارٌ مِن: أمْلى لِفَرَسِهِ، إذا أرْخى لَهُ الطُولَ لِيَرْعى كَيْفَ شاءَ. وقِيلَ: هو إمْهالُهم وإطالَةُ عُمْرِهِمْ، والمَعْنى: أنَّ الإمْلاءَ خَيْرٌ لَهم مِن مَنعِهِمْ أوْ قَطْعِ آجالِهِمْ، أنَّما نُمْلِي لَهم جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ تَعْلِيلٌ لِلْجُمْلَةِ قَبْلَها، كَأنَّهُ قِيلَ: ما بالُهم يَحْسَبُونَ الإمْلاءَ خَيْرًا لَهم، فَقِيلَ: إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا. (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ جازَ أنْ يَكُونَ ازْدِيادَ الإثْمِ غَرَضًا لِلَّهِ تَعالى في إمْلائِهِ لَهم ؟ (قُلْتُ): هو عِلَّةُ الإمْلاءِ، وما كُلُّ عِلَّةٍ بِغَرَضٍ. ألا تَراكَ تَقُولُ: قَعَدْتُ عَنِ الغَزْوِ لِلْعَجْزِ والفاقَةِ، وخَرَجْتُ مِنَ البَلَدِ لِمَخافَةِ الشَّرِّ، ولَيْسَ شَيْءٌ مِنها بِغَرَضٍ لَكَ، وإنَّما هي عِلَلٌ وأسْبابٌ. فَكَذَلِكَ ازْدِيادُ الإثْمِ جُعِلَ عِلَّةً لِلْإمْلاءِ، وسَبَبًا فِيهِ. (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ يَكُونُ ازْدِيادُ الإثْمِ عِلَّةً لِلْإمْلاءِ، كَما كانَ العَجْزُ عِلَّةً لِلْقُعُودِ عَنِ الحَرْبِ ؟ (قُلْتُ): لَمّا كانَ في عِلْمِ اللَّهِ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ أنَّهم مُزْدادُونَ إثْمًا، فَكانَ الإمْلاءُ وقَعَ لِأجْلِهِ وبِسَبَبِهِ عَلى طَرِيقِ المَجازِ. انْتَهى كَلامُهُ. وكُلُّهُ جارٍ عَلى طَرِيقَةِ المُعْتَزِلَةِ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: المُعْتَزِلَةُ تَناوَلُوها عَلى وجْهَيْنِ، أحَدُهُما: عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ. أيْ: ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا، أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ. الثّانِي: أنَّ هَذا إخْبارٌ مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ حُسْبانِهِمْ فِيما يَئُولُ إلَيْهِ أمْرُهم في العاقِبَةِ، بِمَعْنى أنَّهم حَسِبُوا أنَّ إمْهالَهم في الدُّنْيا وإصابَتَهُمُ الصِّحَّةَ والسَّلامَةَ والأمْوالَ خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ في العاقِبَةِ، بَلْ عاقِبَةُ ذَلِكَ شَرٌّ. وفي التَّأْوِيلِ إفْسادُ النَّظْمِ، وفي الثّانِي تَنْبِيهٌ عَلى مَن لا يَجُوزُ تَنْبِيهُهُ. فَإنَّ الإخْبارَ عَنِ العاقِبَةِ يَكُونُ لِسَهْوٍ في الِابْتِداءِ أوْ غَفْلَةٍ، والعالِمُ في الِابْتِداءِ لا يُنَبِّهُ نَفْسَهُ. انْتَهى كَلامُهُ. وكَتَبُوا ”ما“ مُتَّصِلَةً بِأنْ في المَوْضِعَيْنِ. قِيلَ: وكانَ القِياسُ الأوْلى في عِلْمِ الخَطِّ أنْ تُكْتَبَ مَفْصُولَةً، ولَكِنَّها وقَعَتْ في الإمامِ مُتَّصِلَةً فَلا تُخالَفُ، ونَتَّبِعُ سُنَّةَ الإمامِ في المَصاحِفِ. وأمّا الثّانِيَةُ، فَحَقُّها أنْ تُكْتَبَ مُتَّصِلَةً؛ لِأنَّها كافَّةٌ دُونَ العَمَلِ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً بِمَعْنى الَّذِي، ولا مَصْدَرِيَّةً؛ لِأنَّ لازِمَ كَيْ لا يَصِحَّ وُقُوعُها خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ ولا لِنَواسِخِهِ. وقِيلَ: اللّامُ في لِيَزْدادُوا لِلصَّيْرُورَةِ. ﴿ولَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾: هَذِهِ الواوُ في: ولَهم لِلْعَطْفِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَما مَعْنى قَوْلِهِ: ”﴿ولَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾“ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، يَعْنِي قِراءَةَ يَحْيَـى بْنِ وثّابٍ بِكَسْرِ إنَّما الأُولى وفَتْحِ الثّانِيَةِ ؟ (قُلْتُ): مَعْناهُ ولا تَحْسَبُوا أنَّ إمْلاءَنا لِزِيادَةِ الإثْمِ ولِلتَّعْذِيبِ، والواوُ لِلْحالِ. كَأنَّهُ قِيلَ: لِيَزْدادُوا إثْمًا مُعَدًّا لَهم عَذابٌ مُهِينٌ. انْتَهى. والَّذِينَ نَقَلُوا قِراءَةَ يَحْيَـى لَمْ يَذْكُرُوا أنَّ أحَدًا قَرَأ الثّانِيَةَ بِالفَتْحِ إلّا هو، إنَّما ذَكَرُوا أنَّهُ قَرَأ الأُولى بِالكَسْرِ. ولَكِنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ (p-١٢٥)مِن وُلُوعِهِ بِنُصْرَةِ مَذْهَبِهِ يَرُومُ رَدَّ كُلِّ شَيْءٍ إلَيْهِ. ولَمّا قَرَّرَ في هَذِهِ القِراءَةِ أنَّ المَعْنى عَلى نَهْيِ الكافِرِ أنْ يَحْسَبَ أنَّما يُمْلِي اللَّهُ لِزِيادَةِ الإثْمِ، وأنَّهُ إنَّما يُمْلِي لِأجْلِ الخَيْرِ كانَ قَوْلُهُ: ”﴿ولَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾“ يَدْفَعُ هَذا التَّفْسِيرَ، فَخُرِّجَ ذَلِكَ عَلى أنَّ الواوَ لِلْحالِ حَتّى يَزُولَ هَذا التَّدافُعَ الَّذِي بَيْنَ هَذِهِ القِراءَةِ وبَيْنَ ظاهِرِ آخِرِ الآيَةِ. ووَصَفَ تَعالى عَذابَهُ في مَقاطِعِ هَذِهِ الآياتِ الثَّلاثِ: بِعَظِيمٍ، وألِيمٍ، ومَهِينٍ. ولِكُلٍّ مِن هَذِهِ الصِّفاتِ مُناسَبَةٌ تَقْتَضِي خَتْمَ الآيَةِ بِها. أمّا الأُولى فَإنَّ المُسارَعَةَ في الشَّيْءِ والمُبادَرَةَ في تَحْصِيلِهِ والتَّحَلِّي بِهِ يَقْتَضِي جَلالَةَ ما سُورِعَ فِيهِ، وأنَّهُ مِنَ النَّفاسَةِ والعِظَمِ بِحَيْثُ يَتَسابَقُ فِيهِ، فَخُتِمَتِ الآيَةُ بِعِظَمِ الثَّوابِ وهو جَزاؤُهم عَلى المُسارَعَةِ في الكُفْرِ إشْعارًا بِخَساسَةِ ما سابَقُوا فِيهِ. وأمّا الثّانِيَةُ فَإنَّهُ ذَكَرَ فِيها اشْتِراءَ الكُفْرِ بِالإيمانِ، ومِن عادَةِ المُشْتَرِي الِاغْتِباطُ بِما اشْتَراهُ والسُّرُورُ بِهِ والفَرَحُ، فَخُتِمَتِ الآيَةُ؛ لِأنَّ صَفْقَتَهُ خَسِرَتْ بِألَمِ العَذابِ، كَما يَجِدُهُ المُشْتَرِي المَغْبُونُ في تِجارَتِهِ. وأمّا الثّالِثَةُ فَإنَّهُ ذَكَرَ الإمْلاءَ وهو الإمْتاعُ بِالمالِ والبَنِينِ والصِّحَّةِ، وكانَ هَذا الإمْتاعُ سَبَبًا لِلتَّعَزُّزِ والتَّمَتُّعِ والِاسْتِطاعَةِ، فَخُتِمَتِ الآيَةُ بِإهانَةِ العَذابِ لَهم. وأنَّ ذَلِكَ الإمْلاءَ المُنْتَجَ عَنْهُ في الدُّنْيا التَّعَزُّزُ والِاسْتِطالَةُ مَآلُهُ في الآخِرَةِ إلى إهانَتِهِمْ بِالعَذابِ الَّذِي يُهِينُ الجَبابِرَةَ.

آل عمران 3:179

﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾: الخِطابُ في ”أنْتُمْ“ لِلْمُؤْمِنِينَ، والمَعْنى: عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ أيُّها المُؤْمِنُونَ مِنِ اخْتِلاطِكم بِالمُنافِقِينَ وإشْكالِ أمْرِهِمْ وإجْراءِ المُنافِقِ مَجْرى المُؤْمِنِ، ولَكِنَّهُ مَيَّزَ بَعْضًا مِن بَعْضٍ بِما ظَهَرَ مِن هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ. قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وابْنُ إسْحاقَ. وقِيلَ: الخِطابُ لِلْكُفّارِ، والمَعْنى: عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ أيُّها الكُفّارُ مِنِ اخْتِلاطِكم بِالمُؤْمِنِينَ. قالَهُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ. قالَ السُّدِّيُّ وغَيْرُهُ: قالَ الكُفّارُ في بَعْضِ جَدَلِهِمْ: أنْتَ يا مُحَمَّدُ تَزْعُمُ في الرَّجُلِ مِنّا أنَّهُ مِن أهْلِ النّارِ، وأنَّهُ إذا اتَّبَعَكَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ هَذا ؟ ولَكِنْ أخْبِرْنا بِمَن يُؤْمِنُ مِنّا، وبِمَن يَبْقى عَلى كُفْرِهِ، فَنَزَلَتْ. فَقِيلَ لَهم: لا بُدَّ مِنَ التَّمْيِيزِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: الخِطابُ لِلْكُفّارِ والمُنافِقِينَ. وقِيلَ: الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، وهو قَرِيبٌ مِمّا قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: غايَةُ ما فِيهِ أنَّهُ بَدَّلَ الكافِرِينَ بِالمُنافِقِينَ، فَقالَ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمَنِ الخِطابُ في أنْتُمْ ؟ (قُلْتُ): لِلْمُصَدِّقِينَ جَمِيعًا مِن أهْلِ الإخْلاصِ والنِّفاقِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُخْلِصِينَ مِنكم عَلى الحالِ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها مِنِ اخْتِلاطِ بَعْضِكم بِبَعْضٍ، وأنَّهُ لا يُعْرَفُ مُخْلِصُكم مِن مُنافِقِكم، لِاتِّفاقِكم عَلى التَّصْدِيقِ جَمِيعًا حَتّى يُمَيِّزَهم مِنكم بِالوَحْيِ إلى نَبِيِّهِ بِإخْبارِهِ بِأحْوالِكم. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ لا يَتْرُكُكم مُخْتَلِطِينَ حَتّى يُمَيِّزَ الخَبِيثَ مِنَ الطِّيبِ، بِأنْ يُكَلِّفَكُمُ التَّكالِيفَ الصَّعْبَةَ الَّتِي لا يَصْبِرُ عَلَيْها إلّا الخُلَّصُ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهم، كَبَذْلِ الأرْواحِ في الجِهادِ، وإنْفاقِ الأمْوالِ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَيَجْعَلُ ذَلِكَ عِيارًا عَلى عَقائِدِكم، وشاهِدًا بِضَمائِرِكم، حَتّى يَعْلَمَ بَعْضُكم ما في قَلْبِ بَعْضٍ مِن طَرِيقِ الِاسْتِدْلالِ، لا مِن جِهَةِ الوُقُوفِ عَلى ذاتِ الصُّدُورِ والِاطِّلاعِ عَلَيْها، فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِهِ. انْتَهى. ومَعْنى هَذا القَوْلِ لِابْنِ كَيْسانَ. قالَ ابْنُ كَيْسانَ: المَعْنى ما يَذَرُكم عَلى الإقْرارِ حَتّى يَخْتَبِرَكم بِالشَّرائِعِ والتَّكالِيفِ، فَأخَذَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ والقَوْلَ الَّذِي قَبْلَهُ ونَمَّقَهُما بِبَلاغَتِهِ وحُسْنِ خَطابَتِهِ. وقِيلَ: المَعْنى ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ أوْلادَكُمُ الَّذِينَ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالإيمانِ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ حَتّى يُفَرِّقَ بَيْنَكم وبَيْنَهم. وقِيلَ: كانُوا يَسْتَهْزِءُونُ بِالمُؤْمِنِينَ سِرًّا، فَقالَ: لا يَدَعُكم عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الطَّعْنِ فِيهِمْ والِاسْتِهْزاءِ، ولَكِنْ يَمْتَحِنُكم لِتَفْتَضِحُوا ويَظْهَرَ نِفاقُكم عِنْدَهم، لا في دارٍ واحِدَةٍ، ولَكِنْ يَجْعَلُ لَهم دارًا أُخْرى يُمَيِّزُ فِيها الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ، فَيَجْعَلُ الخَبِيثَ في النّارِ، والطَّيِّبَ في الجَنَّةِ. والخَبِيثُ الكافِرُ، والطَّيِّبُ المُؤْمِنُ، وتَمْيِيزُهُ بِالهِجْرَةِ والجِهادِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الطَّيِّبُ المُؤْمِنُ، والخَبِيثُ المُنافِقُ، (p-١٢٦)مَيَّزَ بَيْنَهُما يَوْمَ أُحُدٍ. وقِيلَ: الخَبِيثُ الكافِرُ، والطَّيِّبُ المُؤْمِنُ، وتَمْيِيزُهُ بِإخْراجِ أحَدِهِما مِن صَلْبِ الآخَرِ. وقِيلَ: تَمْيِيزُ الخَبِيثِ هو إخْراجُ الذُّنُوبِ مِن أحْياءِ المُؤْمِنِينَ بِالبَلايا والرَّزايا. وقِيلَ: الخَبِيثُ العاصِي، والطَّيِّبُ المُطِيعُ، والألِفُ واللّامُ في الخَبِيثِ والطَّيِّبِ لِلْجِنْسِ أوْ لِلْعَهْدِ؛ إذْ كانَ المَعْهُودُ في ذَلِكَ الوَقْتِ أنَّ الخَبِيثَ هو الكافِرُ والطَّيِّبَ هو المُؤْمِنُ كَما قالَ: ﴿الخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ [النور: ٢٦] الآيَةَ. واللّامُ في قَوْلِهِ: لِيَذَرَ هي المُسَمّاةُ لامُ الجُحُودِ، وهي عِنْدَ الكُوفِيِّينَ زائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، وتَعْمَلُ بِنَفْسِها النَّصْبَ في المُضارِعِ. وخَبَرُ كانَ هو الفِعْلُ بَعْدَها فَتَقُولُ: ما كانَ زَيْدٌ يَقُومُ، وما كانَ زَيْدٌ لِيَقُومَ، إذا أكَّدْتَ النَّفْيَ. ومَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ أنَّ خَبَرَ كانَ مَحْذُوفٌ، وأنَّ النَّصْبَ بَعْدَ هَذِهِ اللّامِ بِأنْ مُضْمَرَةٍ واجِبَةِ الإضْمارِ، وأنَّ اللّامَ مُقَوِّيَةٌ لِطَلَبِ ذَلِكَ المَحْذُوفِ لِما بَعْدَها، وأنَّ التَّقْدِيرَ: ما كانَ اللَّهُ مُرِيدًا لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، أيْ: ما كانَ مُرِيدًا لِتَرْكِ المُؤْمِنِينَ. وقَدْ تَكَلَّمْنا عَلى هَذِهِ المَسْألَةِ في كِتابِنا المُسَمّى بِالتَّكْمِيلِ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ. وحَتّى لِلْغايَةِ المُجَرَّدَةِ، والتَّقْدِيرُ: إلى أنْ يُمَيِّزَها. كَذا قالُوا، وهو مُشْكِلٌ عَلى أنْ تَكُونَ غايَةً عَلى ظاهِرِ اللَّفْظِ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ المَعْنى: لا يَتْرُكُهم مُخْتَلِطِينَ إلى أنْ يُمَيِّزَ، فَيَكُونُ قَدْ غَيّا نَفْيَ التَّرْكِ إلى وُجُودِ التَّمْيِيزِ، فَإذا وُجِدَ التَّمْيِيزُ تَرَكَهم عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الِاخْتِلاطِ، وصارَ نَظِيرَ ما أضْرِبُ زَيْدًا إلى أنْ يَجِيءَ عَمْرٌو، فَمَفْهُومُهُ: إذا جاءَ عَمْرٌو ضَرَبْتُ زَيْدًا، ولَيْسَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ هَذا المَعْنى، وإنَّما هي غايَةٌ لِما تَضَمَّنَهُ الكَلامُ السّابِقُ مِنَ المَعْنى الَّذِي يَصِحُّ أنْ يَكُونَ غايَةً لَهُ. ومَعْنى ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى يُخَلِّصُ ما بَيْنَكم بِالِابْتِلاءِ والِامْتِحانِ، إلى أنْ يُمَيِّزَ الخَبِيثَ مِنَ الطِّيبِ. وقَرَأ الأخَوانِ: ”يُمَيِّزَ“ مِن مَيَّزَ، وباقِي السَّبْعَةِ ”يَمِيزَ“ مِن مازَ. وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ كَثِيرِ: ”يُمَيِّزُ“ مِن أمازَ، والهَمْزَةُ لَيْسَتْ لِلنَّقْلِ، كَما أنَّ التَّضْعِيفَ لَيْسَ لِلنَّقْلِ، بَلْ أفْعَلَ وفَعِلَ بِمَعْنى الثُّلاثِيِّ المُجَرَّدِ كَحَزِنَ وأحْزَنَ، وقَدَرَ اللَّهُ وقَدَّرَ. ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ﴾: لَمّا قَدَّمَ أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي يُمَيِّزُ الخَبِيثَ مِنَ الطِّيبِ ولَيْسَ لَهم تَمْيِيزُ ذَلِكَ، أخْبَرَ أنَّهُ لا يَطَّلِعُ أحَدًا مِنَ المُخاطَبِينَ عَلى الغَيْبِ. ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي﴾: أيْ: يَخْتارُ ويَصْطَفِي. ﴿مِن رُسُلِهِ مَن يَشاءُ﴾: فَيُطْلِعَهُ عَلى ما شاءَ مِنَ المُغَيَّباتِ. فَوُقُوعُ لَكِنَّ هُنا لِكَوْنِ ما بَعْدَها ضِدًّا لِما قَبْلَها في المَعْنى. إذْ تَضَمَّنَ اجْتِباءَ مَن شاءَ مِن رُسُلِهِ إطْلاعَهُ إيّاهُ عَلى ما أرادَ تَعالى مِن عِلْمِ الغَيْبِ، فَإطْلاعُ الرَّسُولِ عَلى الغَيْبِ هو بِإطْلاعِ اللَّهِ تَعالى بِوَحْيٍ إلَيْهِ، فَيُخْبِرُ بِأنَّ في الغَيْبِ كَذا مِن نِفاقِ هَذا وإخْلاصِ هَذا، فَهو عالِمٌ بِذَلِكَ مِن جِهَةِ الوَحْيِ، لا مِن جِهَةِ إطْلاعِهِ نَفْسَهُ مِن غَيْرِ واسِطَةِ وحْيٍ عَلى المُغَيَّباتِ. قالَ السُّدِّيُّ وغَيْرُهُ: لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ فِيمَن يُؤْمِنُ، ومَن يَبْقى كافِرًا، ولَكِنَّ هَذا رَسُولٌ مُجْتَبًى. وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهُ: هي في أمْرِ أحَدٍ أيْ: لِيُطْلِعَكم عَلى أنَّكم تُهْزَمُونَ، أوْ تَكُفُّونَ عَنِ القِتالِ. وقِيلَ: لِيُطْلِعَكم عَلى المُنافِقِينَ تَصْرِيحًا بِهِمْ، وتَسْمِيَةً بِأعْيانِهِمْ، ولَكِنْ بِقَرائِنِ أفْعالِهِمْ وأقْوالِهِمْ. والغَيْبُ هُنا ما غابَ عَنِ البَشَرِ مِمّا هو في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الحَوادِثِ الَّتِي تَحْدُثُ، ومِنَ الأسْرارِ الَّتِي في قُلُوبِ المُنافِقِينَ، ومِنَ الأقْوالِ الَّتِي يَقُولُونَها إذا غابُوا عَنِ النّاسِ. وقالَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ: رُوِيَ أنَّ بَعْضَ الكُفّارِ قالَ: لِمَ لا يَكُونُ جَمِيعُنا أنْبِياءُ ؟ فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: قالُوا: لِمَ لَمْ يُوحَ إلَيْنا في أمْرِ مُحَمَّدٍ ؟ فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: قالُوا: نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا وأوْلادًا، فَهَلّا كانَ الوَحْيُ إلَيْنا، فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: كانَتِ الشَّياطِينُ يَصْعَدُونَ إلى السَّماءِ فَيَسْتَرْقُونَ السَّمْعَ، فَيَأْتُونَ بِأخْبارِها إلى الكَهَنَةِ قَبْلَ أنْ يُبْعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأنْزَلَها اللَّهُ بَعْدَ بِعْثَتِهِ. ولَكِنَّ اللَّهَ يَصْطَفِي مَن يَشاءُ فَيَجْعَلُهُ رَسُولًا فَيُوحِي إلَيْهِ، أيْ: لَيْسَ الوَحْيُ مِنَ السَّماءِ لِغَيْرِ الأنْبِياءِ. وظاهِرُ الآيَةِ هو ما قَدَّمْناهُ مِن أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي يُمَيِّزُ بَيْنَ الخَبِيثِ والطَّيِّبِ، أخْبَرَ أنَّكم لا تُدْرِكُونَ أنْتُمْ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمْ يُطْلِعْكم عَلى ما (p-١٢٧)أكَنَّتْهُ القُلُوبُ مِنَ الإيمانِ والنِّفاقِ، ولَكِنَّهُ تَعالى يَخْتارُ مِن رُسُلِهِ مَن يَشاءُ فَيُطْلِعُهُ عَلى ذَلِكَ، فَتُطْلَعُونَ عَلَيْهِ مِن جِهَةِ الرَّسُولِ بِإخْبارِهِ لَكم عَنْ ذَلِكَ بِوَحْيِ اللَّهِ. وهَذا مَعْنى ما رُوِيَ أيْضًا عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ قالَ: حُكِمَ بِأنَّهُ يَظْهَرُ هَذا التَّمْيِيزُ. ثُمَّ بَيَّنَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ هَذا التَّمْيِيزُ في عَوامِّ النّاسِ بِأنْ يُطْلِعَهم عَلى غَيْبَهِ فَيَقُولُونَ: إنَّ فُلانًا مُنافِقٌ، وفُلانًا مُؤْمِنٌ. بَلْ سُنَّةُ اللَّهِ تَعالى جارِيَةٌ بِأنْ لا يُطْلِعَ عَوامَّ النّاسِ، ولا سَبِيلَ لَهم إلى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ إلّا بِالِامْتِحانِ. فَأمّا مَعْرِفَةُ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاطِّلاعِ عَلى الغَيْبِ فَهو مِن خَواصِّ الأنْبِياءِ؛ ولِهَذا قالَ تَعالى: ”﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُسُلِهِ مَن يَشاءُ﴾“، فَيَخُصُّهم بِإعْلامِ أنَّ هَذا مُؤْمِنٌ وهَذا مُنافِقٌ. وهَذِهِ الأقْوالُ كُلُّها والتَّفاسِيرُ مُشْعِرَةٌ بِأنَّ هَذا الغَيْبَ الَّذِي نَفى اللَّهُ إطْلاعَ النّاسِ عَلَيْهِ راجِعٌ إلى أحْوالِ المُؤْمِنِينَ والمُنافِقِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ العُمُومِ. أيْ: ما كانَ اللَّهُ لِيَجْعَلَكم كُلَّكم عالِمِينَ بِالمُغَيَّباتِ مِن حَيْثُ يَعْلَمُ الرَّسُولُ حَتّى تَصِيرُوا مُسْتَغْنِينَ عَنْهُ، بَلِ اللَّهُ يَخُصُّ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ بِذَلِكَ وهو الرَّسُولُ، فَتَنْدَرِجُ أحْوالُ المُنافِقِ والمُؤْمِنِ في هَذا العامِّ. ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾: لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ تَعالى يَخْتارُ مِن رُسُلِهِ مَن يَشاءُ فَيُطْلِعُهُ عَلى المُغَيَّباتِ، أمَرَ بِالتَّصْدِيقِ بِالمُجْتَبى، والمُجْتَبى ومَن يَشاءُ هو مُحَمَّدٌ ﷺ، إذْ ثَبَتَتْ نُبُوَّتُهُ بِإطْلاعِ اللَّهِ إيّاهُ عَلى المُغَيَّباتِ، وإخْبارِهِ لَكم بِها في غَيْرِ ما مَوْطِنٍ. وجَمَعَ في قَوْلِهِ: ”ورُسُلِهِ“ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ طَرِيقَ إثْباتِ نُبُوَّةِ جَمِيعِ الأنْبِياءِ واحِدَةٌ، وهو ظُهُورُ المُعْجِزِ عَلى أيْدِيهِمْ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في قَوْلِهِ تَعالى: ”﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾“، بِأنْ تُقَدِّرُوهُ حَقَّ قَدْرِهِ، وتُعْلِمُونَهُ وحْدَهُ مُطَّلِعًا عَلى الغُيُوبِ، وأنْ يُنْزِلُوهم مَنازِلَهم بِأنْ تَعْلَمُوهم عِبادًا مُجْتَبِينَ لا يَعْلَمُونَ إلّا ما عَلَّمَهُمُ اللَّهُ، ولا يُخْبِرُونَ إلّا بِما أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الغُيُوبِ، ولَيْسُوا مِن عِلْمِ الغَيْبِ في شَيْءٍ. انْتَهى. ﴿وإنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا فَلَكم أجْرٌ عَظِيمٌ﴾: رَتَّبَ حُصُولَ الأجْرِ العَظِيمِ عَلى الإيمانِ، والمَعْنى: الإيمانُ السّابِقُ، وهو الإيمانُ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ، وعَلى التَّقْوى وهي زائِدَةٌ عَلى الإيمانِ، وكَأنَّها مُرادَةٌ في الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ واتَّقُوا اللَّهَ.

آل عمران 3:180

﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هو خَيْرًا لَهم بَلْ هو شَرٌّ لَهُمْ﴾ قالَ السُّدِّيُّ وجَماعَةٌ: نَزَلَتْ في البُخْلِ بِالمالِ والإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطِيَّةَ، ومُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ وجَماعَةٌ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ: في أهْلِ الكِتابِ وبُخْلِهِمْ، وتِبْيانِ ما عَلَّمَهُمُ اللَّهُ مِن أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ . وقِيلَ: نَزَلَتْ في مانِعِي الزَّكاةِ المَفْرُوضَةِ. قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ أبِي صالِحٍ والشَّعْبِيِّ ومُجاهِدٍ. وقِيلَ: في النَّفَقَةِ عَلى العِيالِ وذَوِي الأرْحامِ. ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا بالَغَ في التَّحْرِيضِ عَلى بَذْلِ الأرْواحِ في الجِهادِ في الآياتِ السّابِقَةِ، شَرَعَ في التَّحْرِيضِ هُنا عَلى بَذْلِ الأمْوالِ في الجِهادِ وغَيْرِهِ، وبَيَّنَ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ لِمَن يَبْخَلُ، والبُخْلُ الشَّرْعِيُّ عِبارَةٌ عَنْ مَنعِ بَذْلِ الواجِبِ. وقَرَأ حَمْزَةُ ”تَحْسَبَنَّ“ بِالتّاءِ، فَتَكُونُ الَّذِينَ (p-١٢٨)أوَّلَ مَفْعُولَيْنِ لِتَحْسَبَنَّ، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: بُخْلَ الَّذِينَ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالياءِ. فَإنْ كانَ الفِعْلُ مُسْنَدًا إلى الضَّمِيرِ، فَيَكُونُ المَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: بُخْلُهم، وحُذِفَ لِدَلالَةِ يَبْخَلُونَ عَلَيْهِ. وحَذْفُهُ - كَما قُلْنا - عَزِيزٌ جِدًّا عِنْدَ الجُمْهُورِ؛ فَلِذَلِكَ الأوْلى تَخْرِيجُ هَذِهِ القِراءَةِ عَلى قِراءَةِ التّاءِ مِن كَوْنِ الَّذِينَ هو المَفْعُولُ الأوَّلُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، وهو فَصْلٌ. وقَرَأ الأعْمَشُ بِإسْقاطِ ”هو“، وخَيْرًا هو المَفْعُولُ بِتَحْسَبَنَّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ودَلَّ قَوْلُهُ: ”يَبْخَلُونَ“ عَلى هَذا البُخْلِ المُقَدَّرِ، كَما دَلَّ السَّفِيهُ عَلى السَّفَهِ في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎إذا نَهى السَّفِيهُ جَرى إلَيْه وخالَفَ والسَّفِيهُ إلى خِلافٍ والمَعْنى: جَرى إلى السَّفَهِ. انْتَهى. ولَيْسَتِ الدَّلالَةُ فِيهِما سَواءً؛ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ الدّالَّ في الآيَةِ هو الفِعْلُ، وفي البَيْتِ هو اسْمُ الفاعِلِ، ودَلالَةُ الفِعْلِ عَلى المَصْدَرِ أقْوى مِن دَلالَةِ اسْمِ الفاعِلِ؛ ولِذَلِكَ كَثُرَ إضْمارُ المَصْدَرِ لِدَلالَةِ الفِعْلِ عَلَيْهِ في القُرْآنِ وكَلامِ العَرَبِ، ولَمْ تَكْثُرْ دَلالَةُ اسْمِ الفاعِلِ عَلى المَصْدَرِ إنَّما جاءَ في هَذا البَيْتِ أوْ في غَيْرِهِ إنْ وُجِدَ. والثّانِي أنَّ في الآيَةِ حَذْفًا لِظاهِرٍ؛ إذْ قَدَّرُوا المَحْذُوفَ ”بُخْلُهم“، وأمّا في البَيْتِ فَهو إضْمارٌ، لا حَذْفٌ. ويَظْهَرُ لِي تَخْرِيجٌ غَرِيبٌ في الآيَةِ تَقْتَضِيهِ قَواعِدُ العَرَبِيَّةِ، وهو أنْ تَكُونَ المَسْألَةُ مِن بابِ الإعْمالِ إذا جَعَلْنا الفِعْلَ مُسْنَدًا لِلَّذِينِ، وذَلِكَ أنَّ تَحْسَبَنَّ تَطْلُبُ مَفْعُولَيْنِ، ويَبْخَلُونَ يَطْلَبُ مَفْعُولًا بِحَرْفِ جَرٍّ، فَقَوْلُهُ: ما آتاهم يَطْلُبُهُ يَحْسَبَنَّ، عَلى أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ الأوَّلُ، ويَكُونُ هو فَصْلًا، وخَيْرًا المَفْعُولُ الثّانِي ويَطْلُبُهُ يَبْخَلُونَ بِتَوَسُّطِ حَرْفِ الجَرِّ، فَأعْمَلَ الثّانِي عَلى الأفْصَحِ في لِسانِ العَرَبِ، وعَلى ما جاءَ في القُرْآنِ وهو يَبْخَلُونَ. فَعُدِّيَ بِحَرْفِ الجَرِّ واحِدٌ مَعْمُولُهُ، وحُذِفَ مَعْمُولُ تَحْسَبَنَّ الأوَّلُ، وبَقِيَ مَعْمُولُهُ الثّانِي؛ لِأنَّهُ لَمْ يَتَنازَعْ فِيهِ، إنَّما التَّنازُعُ بِالنِّسْبَةِ إلى المَفْعُولِ الأوَّلِ. وساغَ حَذْفُهُ وحْدَهُ، كَما ساغَ حَذْفُ المَفْعُولَيْنِ في مَسْألَةِ سِيبَوَيْهِ: مَتى رَأيْتُ أوْ قُلْتُ: زَيْدٌ مُنْطَلَقٌ؛ لِأنَّ رَأيْتُ وقُلْتُ في هَذِهِ المَسْألَةِ تَنازَعا زَيْدٌ مُنْطَلَقٌ، وفي الآيَةِ: لَمْ يَتَنازَعا إلّا في المَفْعُولِ الواحِدِ، وتَقْدِيرُ المَعْنى: ولا تَحْسَبَنَّ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هو خَيْرًا لَهُمُ النّاسُ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِهِ، فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ والتَّخْرِيجِ يَكُونُ هو فَصْلًا لِما آتاهُمُ المَحْذُوفُ، لا لِتَقْدِيرِهِمْ بُخْلَهم. ونَظِيرُ هَذا التَّرْكِيبِ: ظَنَّ الَّذِي مَرَّ بِهِنْدٍ هي المُنْطَلِقَةُ. المَعْنى: ظَنَّ هَنْدًا الشَّخْصَ الَّذِي مَرَّ بِها هي المُنْطَلِقَةُ، فالَّذِي تَنازَعَهُ الفِعْلانِ هو الِاسْمُ الأوَّلُ، فَأعْمَلَ الفِعْلُ الثّانِيَ وبَقِيَ الأوَّلُ يَطْلُبُ مَحْذُوفًا، ويَطْلُبُ المَفْعُولَ الثّانِيَ مُثْبَتًا، إذْ لَمْ يَقَعُ فِيهِ التَّنازُعُ. ولَمّا تَضَمَّنَ النَّهْيُ انْتِفاءَ كَوْنِ البُخْلِ أوِ المَبْخُولِ بِهِ خَيْرًا لَهم، وكانَ تَحْتَ الِانْتِفاءِ قَسَمانِ: أحَدُهُما أنْ لا خَيْرَ ولا شَرَّ، والآخَرُ إثْباتُ الشَّرِّ - أتى بِالجُمْلَةِ الَّتِي تُعَيِّنُ أحَدَ القِسْمَيْنِ وهو إثْباتُ كَوْنِهِ شَرًّا لَهم. ﴿سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾: هَذا تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ هو شَرٌّ لَهُمْ﴾ والظّاهِرُ حَمْلُهُ عَلى المَجازِ، أيْ (p-١٢٩)سَيُلْزَمُونَ عِقابَهُ إلْزامَ الطَّوْقِ، وفي المَثَلِ لِمَن جاءَ بِهَنَةٍ: تَقَلَّدُها طَوْقَ الحَمامَةِ. وقالَ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: سَيُجْعَلُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ طَوْقٌ مِن نارٍ. قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: هو مِنَ الطّاقَةِ لا مِنَ التَّطْوِيقِ، والمَعْنى: سَيَحْمِلُونَ عِقابَ ما بَخِلُوا بِهِ. كَقَوْلِهِ: ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطَوِّقُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤] وقالَ مُجاهِدٌ: سَيُكَلَّفُونَ أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ ما بَخِلُوا بِهِ. وهَذا التَّفْسِيرُ لا يُناسِبُ قَوْلَهُ: إنَّ البُخْلَ هو العِلْمُ الَّذِي تَفَضَّلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِهِ مِن أمْرِ الرَّسُولِ. وقالَ أبُو وائِلٍ: هو الرَّجُلُ يَرْزُقُهُ اللَّهُ مالًا فَيَمْنَعُ مِنهُ قَرابَتَهُ الحَقَّ الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ لَهم في مالِهِ، فَيُجْعَلُ حَيَّةً يُطَوَّقُها فَيَقُولُ: ما لِي ولَكَ، فَيَقُولُ: أنا مالُكَ. وجاءَ في الحَدِيثِ: «ما مِن ذِي رَحِمٍ يَأْتِي ذا رَحِمَهُ فَيَسْألُهُ مِن فَضْلٍ عِنْدَهُ فَيَبْخَلُ بِهِ عَلَيْهِ إلّا أُخْرِجَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ شُجاعٌ مِنَ النّارِ يَتَلَمَّظُ حَتّى يُطَوِّقَهُ» . والأحادِيثُ في مِثْلِ هَذا مِن مَنعِ الزَّكاةِ واكْتِنازِ المالِ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ. ﴿ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾: فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما أنَّهُ تَعالى لَهُ مُلْكُ جَمِيعِ ما يَقَعُ مِن إرْثٍ في السَّماواتِ والأرْضِ، وأنَّهُ هو المالِكُ لَهُ حَقِيقَةً، فَكُلُّ ما يَحْصُلُ لِمَخْلُوقاتِهِ مِمّا يُنْسَبُ إلَيْهِمْ مِلْكُهُ هو مالِكُهُ حَقِيقَةً. وهَذا كانَ هو مالِكُهُ، فَما لَكم تَبْخَلُونَ بِشَيْءٍ أنْتُمْ مُمَتَّعُونَ بِهِ، لا مالِكُوهُ حَقِيقَةً، كَما قالَ تَعالى: ﴿وأنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكم مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧] . والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ خَبَّرَ بِفَناءِ العالَمِ، وأنَّ جَمِيعَ ما يَخْلُقُونَهُ فَهو وارِثُهُ. وهو خِطابٌ عَلى ما يَفْهَمُ البَشَرُ، دَلَّ عَلى فَناءِ الجَمِيعِ، وأنَّهُ لا يَبْقى مالِكٌ إلّا اللَّهُ، وإنْ كانَ مِلْكُهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ لَمْ يَزَلْ. ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾: خَتَمَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ ومَعْناها التَّهْدِيدُ والوَعِيدُ عَلى قَبِيحِ مُرْتَكَبِهِمْ مِنَ البُخْلِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ”يَعْمَلُونَ“ عَلى الغَيْبَةِ جَرْيًا عَلى يَبْخَلُونَ وسَيُطَوَّقُونَ. وقَرَأ الباقُونَ بِالتّاءِ عَلى الِالتِفاتِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ خِطابًا لِلْباخِلِينَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَلِكَ عَلى الرُّجُوعِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى المُخاطَبَةِ؛ لِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ: ﴿وإنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٧٩] . انْتَهى. فَلا يَكُونُ عَلى قَوْلِهِ التِفاتًا، والأحْسَنُ الِالتِفاتُ. وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ فُنُونًا مِنَ البَلاغَةِ والبَدِيعِ: الِاخْتِصاصُ في: أجْرَ المُؤْمِنِينَ. والتَّكْرارُ في: يَسْتَبْشِرُونَ، وفي: لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا، وفي اسْمِهِ في عِدَّةِ مَواضِعَ، وفي: لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا، وفي ذِكْرِ الإمْلاءِ. والطِّباقِ في: اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإيمانِ، وفي: لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ. والِاسْتِعارَةُ في: يُسارِعُونَ، وفي: اشْتَرَوْا، وفي: نُمْلِي، وفي: لِيَزْدادُوا إثْمًا، وفي: الخَبِيثُ والطَّيِّبُ. والتَّجْنِيسُ المُماثِلُ في: فَآمِنُوا وإنْ تُؤْمِنُوا. والِالتِفاتُ في: أنْتُمْ، إنْ كانَ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ، إذْ لَوْ جَرى عَلى لَفْظِ المُؤْمِنِينَ لَكانَ عَلى ما هم عَلَيْهِ، وإنْ كانَ خِطابًا لِغَيْرِهِمْ كانَ مِن تَلْوِينِ الخِطابِ، وفي: تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ، فِيمَن قَرَأ بِتاءِ الخِطابِ. والحَذْفُ في مَواضِعَ.

آل عمران 3:181

﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هو خَيْرًا لَهم بَلْ هو شَرٌّ لَهُمْ﴾ قالَ السُّدِّيُّ وجَماعَةٌ: نَزَلَتْ في البُخْلِ بِالمالِ والإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطِيَّةَ، ومُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ وجَماعَةٌ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ: في أهْلِ الكِتابِ وبُخْلِهِمْ، وتِبْيانِ ما عَلَّمَهُمُ اللَّهُ مِن أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ . وقِيلَ: نَزَلَتْ في مانِعِي الزَّكاةِ المَفْرُوضَةِ. قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ أبِي صالِحٍ والشَّعْبِيِّ ومُجاهِدٍ. وقِيلَ: في النَّفَقَةِ عَلى العِيالِ وذَوِي الأرْحامِ. ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا بالَغَ في التَّحْرِيضِ عَلى بَذْلِ الأرْواحِ في الجِهادِ في الآياتِ السّابِقَةِ، شَرَعَ في التَّحْرِيضِ هُنا عَلى بَذْلِ الأمْوالِ في الجِهادِ وغَيْرِهِ، وبَيَّنَ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ لِمَن يَبْخَلُ، والبُخْلُ الشَّرْعِيُّ عِبارَةٌ عَنْ مَنعِ بَذْلِ الواجِبِ. وقَرَأ حَمْزَةُ ”تَحْسَبَنَّ“ بِالتّاءِ، فَتَكُونُ الَّذِينَ (p-١٢٨)أوَّلَ مَفْعُولَيْنِ لِتَحْسَبَنَّ، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: بُخْلَ الَّذِينَ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالياءِ. فَإنْ كانَ الفِعْلُ مُسْنَدًا إلى الضَّمِيرِ، فَيَكُونُ المَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: بُخْلُهم، وحُذِفَ لِدَلالَةِ يَبْخَلُونَ عَلَيْهِ. وحَذْفُهُ - كَما قُلْنا - عَزِيزٌ جِدًّا عِنْدَ الجُمْهُورِ؛ فَلِذَلِكَ الأوْلى تَخْرِيجُ هَذِهِ القِراءَةِ عَلى قِراءَةِ التّاءِ مِن كَوْنِ الَّذِينَ هو المَفْعُولُ الأوَّلُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، وهو فَصْلٌ. وقَرَأ الأعْمَشُ بِإسْقاطِ ”هو“، وخَيْرًا هو المَفْعُولُ بِتَحْسَبَنَّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ودَلَّ قَوْلُهُ: ”يَبْخَلُونَ“ عَلى هَذا البُخْلِ المُقَدَّرِ، كَما دَلَّ السَّفِيهُ عَلى السَّفَهِ في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎إذا نَهى السَّفِيهُ جَرى إلَيْه وخالَفَ والسَّفِيهُ إلى خِلافٍ والمَعْنى: جَرى إلى السَّفَهِ. انْتَهى. ولَيْسَتِ الدَّلالَةُ فِيهِما سَواءً؛ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ الدّالَّ في الآيَةِ هو الفِعْلُ، وفي البَيْتِ هو اسْمُ الفاعِلِ، ودَلالَةُ الفِعْلِ عَلى المَصْدَرِ أقْوى مِن دَلالَةِ اسْمِ الفاعِلِ؛ ولِذَلِكَ كَثُرَ إضْمارُ المَصْدَرِ لِدَلالَةِ الفِعْلِ عَلَيْهِ في القُرْآنِ وكَلامِ العَرَبِ، ولَمْ تَكْثُرْ دَلالَةُ اسْمِ الفاعِلِ عَلى المَصْدَرِ إنَّما جاءَ في هَذا البَيْتِ أوْ في غَيْرِهِ إنْ وُجِدَ. والثّانِي أنَّ في الآيَةِ حَذْفًا لِظاهِرٍ؛ إذْ قَدَّرُوا المَحْذُوفَ ”بُخْلُهم“، وأمّا في البَيْتِ فَهو إضْمارٌ، لا حَذْفٌ. ويَظْهَرُ لِي تَخْرِيجٌ غَرِيبٌ في الآيَةِ تَقْتَضِيهِ قَواعِدُ العَرَبِيَّةِ، وهو أنْ تَكُونَ المَسْألَةُ مِن بابِ الإعْمالِ إذا جَعَلْنا الفِعْلَ مُسْنَدًا لِلَّذِينِ، وذَلِكَ أنَّ تَحْسَبَنَّ تَطْلُبُ مَفْعُولَيْنِ، ويَبْخَلُونَ يَطْلَبُ مَفْعُولًا بِحَرْفِ جَرٍّ، فَقَوْلُهُ: ما آتاهم يَطْلُبُهُ يَحْسَبَنَّ، عَلى أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ الأوَّلُ، ويَكُونُ هو فَصْلًا، وخَيْرًا المَفْعُولُ الثّانِي ويَطْلُبُهُ يَبْخَلُونَ بِتَوَسُّطِ حَرْفِ الجَرِّ، فَأعْمَلَ الثّانِي عَلى الأفْصَحِ في لِسانِ العَرَبِ، وعَلى ما جاءَ في القُرْآنِ وهو يَبْخَلُونَ. فَعُدِّيَ بِحَرْفِ الجَرِّ واحِدٌ مَعْمُولُهُ، وحُذِفَ مَعْمُولُ تَحْسَبَنَّ الأوَّلُ، وبَقِيَ مَعْمُولُهُ الثّانِي؛ لِأنَّهُ لَمْ يَتَنازَعْ فِيهِ، إنَّما التَّنازُعُ بِالنِّسْبَةِ إلى المَفْعُولِ الأوَّلِ. وساغَ حَذْفُهُ وحْدَهُ، كَما ساغَ حَذْفُ المَفْعُولَيْنِ في مَسْألَةِ سِيبَوَيْهِ: مَتى رَأيْتُ أوْ قُلْتُ: زَيْدٌ مُنْطَلَقٌ؛ لِأنَّ رَأيْتُ وقُلْتُ في هَذِهِ المَسْألَةِ تَنازَعا زَيْدٌ مُنْطَلَقٌ، وفي الآيَةِ: لَمْ يَتَنازَعا إلّا في المَفْعُولِ الواحِدِ، وتَقْدِيرُ المَعْنى: ولا تَحْسَبَنَّ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هو خَيْرًا لَهُمُ النّاسُ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِهِ، فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ والتَّخْرِيجِ يَكُونُ هو فَصْلًا لِما آتاهُمُ المَحْذُوفُ، لا لِتَقْدِيرِهِمْ بُخْلَهم. ونَظِيرُ هَذا التَّرْكِيبِ: ظَنَّ الَّذِي مَرَّ بِهِنْدٍ هي المُنْطَلِقَةُ. المَعْنى: ظَنَّ هَنْدًا الشَّخْصَ الَّذِي مَرَّ بِها هي المُنْطَلِقَةُ، فالَّذِي تَنازَعَهُ الفِعْلانِ هو الِاسْمُ الأوَّلُ، فَأعْمَلَ الفِعْلُ الثّانِيَ وبَقِيَ الأوَّلُ يَطْلُبُ مَحْذُوفًا، ويَطْلُبُ المَفْعُولَ الثّانِيَ مُثْبَتًا، إذْ لَمْ يَقَعُ فِيهِ التَّنازُعُ. ولَمّا تَضَمَّنَ النَّهْيُ انْتِفاءَ كَوْنِ البُخْلِ أوِ المَبْخُولِ بِهِ خَيْرًا لَهم، وكانَ تَحْتَ الِانْتِفاءِ قَسَمانِ: أحَدُهُما أنْ لا خَيْرَ ولا شَرَّ، والآخَرُ إثْباتُ الشَّرِّ - أتى بِالجُمْلَةِ الَّتِي تُعَيِّنُ أحَدَ القِسْمَيْنِ وهو إثْباتُ كَوْنِهِ شَرًّا لَهم. ﴿سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾: هَذا تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ هو شَرٌّ لَهُمْ﴾ والظّاهِرُ حَمْلُهُ عَلى المَجازِ، أيْ (p-١٢٩)سَيُلْزَمُونَ عِقابَهُ إلْزامَ الطَّوْقِ، وفي المَثَلِ لِمَن جاءَ بِهَنَةٍ: تَقَلَّدُها طَوْقَ الحَمامَةِ. وقالَ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: سَيُجْعَلُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ طَوْقٌ مِن نارٍ. قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: هو مِنَ الطّاقَةِ لا مِنَ التَّطْوِيقِ، والمَعْنى: سَيَحْمِلُونَ عِقابَ ما بَخِلُوا بِهِ. كَقَوْلِهِ: ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطَوِّقُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤] وقالَ مُجاهِدٌ: سَيُكَلَّفُونَ أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ ما بَخِلُوا بِهِ. وهَذا التَّفْسِيرُ لا يُناسِبُ قَوْلَهُ: إنَّ البُخْلَ هو العِلْمُ الَّذِي تَفَضَّلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِهِ مِن أمْرِ الرَّسُولِ. وقالَ أبُو وائِلٍ: هو الرَّجُلُ يَرْزُقُهُ اللَّهُ مالًا فَيَمْنَعُ مِنهُ قَرابَتَهُ الحَقَّ الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ لَهم في مالِهِ، فَيُجْعَلُ حَيَّةً يُطَوَّقُها فَيَقُولُ: ما لِي ولَكَ، فَيَقُولُ: أنا مالُكَ. وجاءَ في الحَدِيثِ: «ما مِن ذِي رَحِمٍ يَأْتِي ذا رَحِمَهُ فَيَسْألُهُ مِن فَضْلٍ عِنْدَهُ فَيَبْخَلُ بِهِ عَلَيْهِ إلّا أُخْرِجَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ شُجاعٌ مِنَ النّارِ يَتَلَمَّظُ حَتّى يُطَوِّقَهُ» . والأحادِيثُ في مِثْلِ هَذا مِن مَنعِ الزَّكاةِ واكْتِنازِ المالِ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ. ﴿ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾: فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما أنَّهُ تَعالى لَهُ مُلْكُ جَمِيعِ ما يَقَعُ مِن إرْثٍ في السَّماواتِ والأرْضِ، وأنَّهُ هو المالِكُ لَهُ حَقِيقَةً، فَكُلُّ ما يَحْصُلُ لِمَخْلُوقاتِهِ مِمّا يُنْسَبُ إلَيْهِمْ مِلْكُهُ هو مالِكُهُ حَقِيقَةً. وهَذا كانَ هو مالِكُهُ، فَما لَكم تَبْخَلُونَ بِشَيْءٍ أنْتُمْ مُمَتَّعُونَ بِهِ، لا مالِكُوهُ حَقِيقَةً، كَما قالَ تَعالى: ﴿وأنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكم مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧] . والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ خَبَّرَ بِفَناءِ العالَمِ، وأنَّ جَمِيعَ ما يَخْلُقُونَهُ فَهو وارِثُهُ. وهو خِطابٌ عَلى ما يَفْهَمُ البَشَرُ، دَلَّ عَلى فَناءِ الجَمِيعِ، وأنَّهُ لا يَبْقى مالِكٌ إلّا اللَّهُ، وإنْ كانَ مِلْكُهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ لَمْ يَزَلْ. ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾: خَتَمَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ ومَعْناها التَّهْدِيدُ والوَعِيدُ عَلى قَبِيحِ مُرْتَكَبِهِمْ مِنَ البُخْلِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ”يَعْمَلُونَ“ عَلى الغَيْبَةِ جَرْيًا عَلى يَبْخَلُونَ وسَيُطَوَّقُونَ. وقَرَأ الباقُونَ بِالتّاءِ عَلى الِالتِفاتِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ خِطابًا لِلْباخِلِينَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَلِكَ عَلى الرُّجُوعِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى المُخاطَبَةِ؛ لِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ: ﴿وإنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٧٩] . انْتَهى. فَلا يَكُونُ عَلى قَوْلِهِ التِفاتًا، والأحْسَنُ الِالتِفاتُ. وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ فُنُونًا مِنَ البَلاغَةِ والبَدِيعِ: الِاخْتِصاصُ في: أجْرَ المُؤْمِنِينَ. والتَّكْرارُ في: يَسْتَبْشِرُونَ، وفي: لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا، وفي اسْمِهِ في عِدَّةِ مَواضِعَ، وفي: لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا، وفي ذِكْرِ الإمْلاءِ. والطِّباقِ في: اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإيمانِ، وفي: لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ. والِاسْتِعارَةُ في: يُسارِعُونَ، وفي: اشْتَرَوْا، وفي: نُمْلِي، وفي: لِيَزْدادُوا إثْمًا، وفي: الخَبِيثُ والطَّيِّبُ. والتَّجْنِيسُ المُماثِلُ في: فَآمِنُوا وإنْ تُؤْمِنُوا. والِالتِفاتُ في: أنْتُمْ، إنْ كانَ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ، إذْ لَوْ جَرى عَلى لَفْظِ المُؤْمِنِينَ لَكانَ عَلى ما هم عَلَيْهِ، وإنْ كانَ خِطابًا لِغَيْرِهِمْ كانَ مِن تَلْوِينِ الخِطابِ، وفي: تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ، فِيمَن قَرَأ بِتاءِ الخِطابِ. والحَذْفُ في مَواضِعَ.

آل عمران 3:182

﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هو خَيْرًا لَهم بَلْ هو شَرٌّ لَهُمْ﴾ قالَ السُّدِّيُّ وجَماعَةٌ: نَزَلَتْ في البُخْلِ بِالمالِ والإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطِيَّةَ، ومُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ وجَماعَةٌ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ: في أهْلِ الكِتابِ وبُخْلِهِمْ، وتِبْيانِ ما عَلَّمَهُمُ اللَّهُ مِن أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ . وقِيلَ: نَزَلَتْ في مانِعِي الزَّكاةِ المَفْرُوضَةِ. قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ أبِي صالِحٍ والشَّعْبِيِّ ومُجاهِدٍ. وقِيلَ: في النَّفَقَةِ عَلى العِيالِ وذَوِي الأرْحامِ. ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا بالَغَ في التَّحْرِيضِ عَلى بَذْلِ الأرْواحِ في الجِهادِ في الآياتِ السّابِقَةِ، شَرَعَ في التَّحْرِيضِ هُنا عَلى بَذْلِ الأمْوالِ في الجِهادِ وغَيْرِهِ، وبَيَّنَ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ لِمَن يَبْخَلُ، والبُخْلُ الشَّرْعِيُّ عِبارَةٌ عَنْ مَنعِ بَذْلِ الواجِبِ. وقَرَأ حَمْزَةُ ”تَحْسَبَنَّ“ بِالتّاءِ، فَتَكُونُ الَّذِينَ (p-١٢٨)أوَّلَ مَفْعُولَيْنِ لِتَحْسَبَنَّ، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: بُخْلَ الَّذِينَ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالياءِ. فَإنْ كانَ الفِعْلُ مُسْنَدًا إلى الضَّمِيرِ، فَيَكُونُ المَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: بُخْلُهم، وحُذِفَ لِدَلالَةِ يَبْخَلُونَ عَلَيْهِ. وحَذْفُهُ - كَما قُلْنا - عَزِيزٌ جِدًّا عِنْدَ الجُمْهُورِ؛ فَلِذَلِكَ الأوْلى تَخْرِيجُ هَذِهِ القِراءَةِ عَلى قِراءَةِ التّاءِ مِن كَوْنِ الَّذِينَ هو المَفْعُولُ الأوَّلُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، وهو فَصْلٌ. وقَرَأ الأعْمَشُ بِإسْقاطِ ”هو“، وخَيْرًا هو المَفْعُولُ بِتَحْسَبَنَّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ودَلَّ قَوْلُهُ: ”يَبْخَلُونَ“ عَلى هَذا البُخْلِ المُقَدَّرِ، كَما دَلَّ السَّفِيهُ عَلى السَّفَهِ في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎إذا نَهى السَّفِيهُ جَرى إلَيْه وخالَفَ والسَّفِيهُ إلى خِلافٍ والمَعْنى: جَرى إلى السَّفَهِ. انْتَهى. ولَيْسَتِ الدَّلالَةُ فِيهِما سَواءً؛ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ الدّالَّ في الآيَةِ هو الفِعْلُ، وفي البَيْتِ هو اسْمُ الفاعِلِ، ودَلالَةُ الفِعْلِ عَلى المَصْدَرِ أقْوى مِن دَلالَةِ اسْمِ الفاعِلِ؛ ولِذَلِكَ كَثُرَ إضْمارُ المَصْدَرِ لِدَلالَةِ الفِعْلِ عَلَيْهِ في القُرْآنِ وكَلامِ العَرَبِ، ولَمْ تَكْثُرْ دَلالَةُ اسْمِ الفاعِلِ عَلى المَصْدَرِ إنَّما جاءَ في هَذا البَيْتِ أوْ في غَيْرِهِ إنْ وُجِدَ. والثّانِي أنَّ في الآيَةِ حَذْفًا لِظاهِرٍ؛ إذْ قَدَّرُوا المَحْذُوفَ ”بُخْلُهم“، وأمّا في البَيْتِ فَهو إضْمارٌ، لا حَذْفٌ. ويَظْهَرُ لِي تَخْرِيجٌ غَرِيبٌ في الآيَةِ تَقْتَضِيهِ قَواعِدُ العَرَبِيَّةِ، وهو أنْ تَكُونَ المَسْألَةُ مِن بابِ الإعْمالِ إذا جَعَلْنا الفِعْلَ مُسْنَدًا لِلَّذِينِ، وذَلِكَ أنَّ تَحْسَبَنَّ تَطْلُبُ مَفْعُولَيْنِ، ويَبْخَلُونَ يَطْلَبُ مَفْعُولًا بِحَرْفِ جَرٍّ، فَقَوْلُهُ: ما آتاهم يَطْلُبُهُ يَحْسَبَنَّ، عَلى أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ الأوَّلُ، ويَكُونُ هو فَصْلًا، وخَيْرًا المَفْعُولُ الثّانِي ويَطْلُبُهُ يَبْخَلُونَ بِتَوَسُّطِ حَرْفِ الجَرِّ، فَأعْمَلَ الثّانِي عَلى الأفْصَحِ في لِسانِ العَرَبِ، وعَلى ما جاءَ في القُرْآنِ وهو يَبْخَلُونَ. فَعُدِّيَ بِحَرْفِ الجَرِّ واحِدٌ مَعْمُولُهُ، وحُذِفَ مَعْمُولُ تَحْسَبَنَّ الأوَّلُ، وبَقِيَ مَعْمُولُهُ الثّانِي؛ لِأنَّهُ لَمْ يَتَنازَعْ فِيهِ، إنَّما التَّنازُعُ بِالنِّسْبَةِ إلى المَفْعُولِ الأوَّلِ. وساغَ حَذْفُهُ وحْدَهُ، كَما ساغَ حَذْفُ المَفْعُولَيْنِ في مَسْألَةِ سِيبَوَيْهِ: مَتى رَأيْتُ أوْ قُلْتُ: زَيْدٌ مُنْطَلَقٌ؛ لِأنَّ رَأيْتُ وقُلْتُ في هَذِهِ المَسْألَةِ تَنازَعا زَيْدٌ مُنْطَلَقٌ، وفي الآيَةِ: لَمْ يَتَنازَعا إلّا في المَفْعُولِ الواحِدِ، وتَقْدِيرُ المَعْنى: ولا تَحْسَبَنَّ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هو خَيْرًا لَهُمُ النّاسُ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِهِ، فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ والتَّخْرِيجِ يَكُونُ هو فَصْلًا لِما آتاهُمُ المَحْذُوفُ، لا لِتَقْدِيرِهِمْ بُخْلَهم. ونَظِيرُ هَذا التَّرْكِيبِ: ظَنَّ الَّذِي مَرَّ بِهِنْدٍ هي المُنْطَلِقَةُ. المَعْنى: ظَنَّ هَنْدًا الشَّخْصَ الَّذِي مَرَّ بِها هي المُنْطَلِقَةُ، فالَّذِي تَنازَعَهُ الفِعْلانِ هو الِاسْمُ الأوَّلُ، فَأعْمَلَ الفِعْلُ الثّانِيَ وبَقِيَ الأوَّلُ يَطْلُبُ مَحْذُوفًا، ويَطْلُبُ المَفْعُولَ الثّانِيَ مُثْبَتًا، إذْ لَمْ يَقَعُ فِيهِ التَّنازُعُ. ولَمّا تَضَمَّنَ النَّهْيُ انْتِفاءَ كَوْنِ البُخْلِ أوِ المَبْخُولِ بِهِ خَيْرًا لَهم، وكانَ تَحْتَ الِانْتِفاءِ قَسَمانِ: أحَدُهُما أنْ لا خَيْرَ ولا شَرَّ، والآخَرُ إثْباتُ الشَّرِّ - أتى بِالجُمْلَةِ الَّتِي تُعَيِّنُ أحَدَ القِسْمَيْنِ وهو إثْباتُ كَوْنِهِ شَرًّا لَهم. ﴿سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾: هَذا تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ هو شَرٌّ لَهُمْ﴾ والظّاهِرُ حَمْلُهُ عَلى المَجازِ، أيْ (p-١٢٩)سَيُلْزَمُونَ عِقابَهُ إلْزامَ الطَّوْقِ، وفي المَثَلِ لِمَن جاءَ بِهَنَةٍ: تَقَلَّدُها طَوْقَ الحَمامَةِ. وقالَ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: سَيُجْعَلُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ طَوْقٌ مِن نارٍ. قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: هو مِنَ الطّاقَةِ لا مِنَ التَّطْوِيقِ، والمَعْنى: سَيَحْمِلُونَ عِقابَ ما بَخِلُوا بِهِ. كَقَوْلِهِ: ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطَوِّقُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤] وقالَ مُجاهِدٌ: سَيُكَلَّفُونَ أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ ما بَخِلُوا بِهِ. وهَذا التَّفْسِيرُ لا يُناسِبُ قَوْلَهُ: إنَّ البُخْلَ هو العِلْمُ الَّذِي تَفَضَّلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِهِ مِن أمْرِ الرَّسُولِ. وقالَ أبُو وائِلٍ: هو الرَّجُلُ يَرْزُقُهُ اللَّهُ مالًا فَيَمْنَعُ مِنهُ قَرابَتَهُ الحَقَّ الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ لَهم في مالِهِ، فَيُجْعَلُ حَيَّةً يُطَوَّقُها فَيَقُولُ: ما لِي ولَكَ، فَيَقُولُ: أنا مالُكَ. وجاءَ في الحَدِيثِ: «ما مِن ذِي رَحِمٍ يَأْتِي ذا رَحِمَهُ فَيَسْألُهُ مِن فَضْلٍ عِنْدَهُ فَيَبْخَلُ بِهِ عَلَيْهِ إلّا أُخْرِجَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ شُجاعٌ مِنَ النّارِ يَتَلَمَّظُ حَتّى يُطَوِّقَهُ» . والأحادِيثُ في مِثْلِ هَذا مِن مَنعِ الزَّكاةِ واكْتِنازِ المالِ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ. ﴿ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾: فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما أنَّهُ تَعالى لَهُ مُلْكُ جَمِيعِ ما يَقَعُ مِن إرْثٍ في السَّماواتِ والأرْضِ، وأنَّهُ هو المالِكُ لَهُ حَقِيقَةً، فَكُلُّ ما يَحْصُلُ لِمَخْلُوقاتِهِ مِمّا يُنْسَبُ إلَيْهِمْ مِلْكُهُ هو مالِكُهُ حَقِيقَةً. وهَذا كانَ هو مالِكُهُ، فَما لَكم تَبْخَلُونَ بِشَيْءٍ أنْتُمْ مُمَتَّعُونَ بِهِ، لا مالِكُوهُ حَقِيقَةً، كَما قالَ تَعالى: ﴿وأنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكم مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧] . والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ خَبَّرَ بِفَناءِ العالَمِ، وأنَّ جَمِيعَ ما يَخْلُقُونَهُ فَهو وارِثُهُ. وهو خِطابٌ عَلى ما يَفْهَمُ البَشَرُ، دَلَّ عَلى فَناءِ الجَمِيعِ، وأنَّهُ لا يَبْقى مالِكٌ إلّا اللَّهُ، وإنْ كانَ مِلْكُهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ لَمْ يَزَلْ. ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾: خَتَمَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ ومَعْناها التَّهْدِيدُ والوَعِيدُ عَلى قَبِيحِ مُرْتَكَبِهِمْ مِنَ البُخْلِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ”يَعْمَلُونَ“ عَلى الغَيْبَةِ جَرْيًا عَلى يَبْخَلُونَ وسَيُطَوَّقُونَ. وقَرَأ الباقُونَ بِالتّاءِ عَلى الِالتِفاتِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ خِطابًا لِلْباخِلِينَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَلِكَ عَلى الرُّجُوعِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى المُخاطَبَةِ؛ لِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ: ﴿وإنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٧٩] . انْتَهى. فَلا يَكُونُ عَلى قَوْلِهِ التِفاتًا، والأحْسَنُ الِالتِفاتُ. وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ فُنُونًا مِنَ البَلاغَةِ والبَدِيعِ: الِاخْتِصاصُ في: أجْرَ المُؤْمِنِينَ. والتَّكْرارُ في: يَسْتَبْشِرُونَ، وفي: لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا، وفي اسْمِهِ في عِدَّةِ مَواضِعَ، وفي: لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا، وفي ذِكْرِ الإمْلاءِ. والطِّباقِ في: اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإيمانِ، وفي: لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ. والِاسْتِعارَةُ في: يُسارِعُونَ، وفي: اشْتَرَوْا، وفي: نُمْلِي، وفي: لِيَزْدادُوا إثْمًا، وفي: الخَبِيثُ والطَّيِّبُ. والتَّجْنِيسُ المُماثِلُ في: فَآمِنُوا وإنْ تُؤْمِنُوا. والِالتِفاتُ في: أنْتُمْ، إنْ كانَ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ، إذْ لَوْ جَرى عَلى لَفْظِ المُؤْمِنِينَ لَكانَ عَلى ما هم عَلَيْهِ، وإنْ كانَ خِطابًا لِغَيْرِهِمْ كانَ مِن تَلْوِينِ الخِطابِ، وفي: تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ، فِيمَن قَرَأ بِتاءِ الخِطابِ. والحَذْفُ في مَواضِعَ.

آل عمران 3:183

﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هو خَيْرًا لَهم بَلْ هو شَرٌّ لَهُمْ﴾ قالَ السُّدِّيُّ وجَماعَةٌ: نَزَلَتْ في البُخْلِ بِالمالِ والإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطِيَّةَ، ومُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ وجَماعَةٌ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ: في أهْلِ الكِتابِ وبُخْلِهِمْ، وتِبْيانِ ما عَلَّمَهُمُ اللَّهُ مِن أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ . وقِيلَ: نَزَلَتْ في مانِعِي الزَّكاةِ المَفْرُوضَةِ. قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ أبِي صالِحٍ والشَّعْبِيِّ ومُجاهِدٍ. وقِيلَ: في النَّفَقَةِ عَلى العِيالِ وذَوِي الأرْحامِ. ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا بالَغَ في التَّحْرِيضِ عَلى بَذْلِ الأرْواحِ في الجِهادِ في الآياتِ السّابِقَةِ، شَرَعَ في التَّحْرِيضِ هُنا عَلى بَذْلِ الأمْوالِ في الجِهادِ وغَيْرِهِ، وبَيَّنَ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ لِمَن يَبْخَلُ، والبُخْلُ الشَّرْعِيُّ عِبارَةٌ عَنْ مَنعِ بَذْلِ الواجِبِ. وقَرَأ حَمْزَةُ ”تَحْسَبَنَّ“ بِالتّاءِ، فَتَكُونُ الَّذِينَ (p-١٢٨)أوَّلَ مَفْعُولَيْنِ لِتَحْسَبَنَّ، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: بُخْلَ الَّذِينَ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالياءِ. فَإنْ كانَ الفِعْلُ مُسْنَدًا إلى الضَّمِيرِ، فَيَكُونُ المَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: بُخْلُهم، وحُذِفَ لِدَلالَةِ يَبْخَلُونَ عَلَيْهِ. وحَذْفُهُ - كَما قُلْنا - عَزِيزٌ جِدًّا عِنْدَ الجُمْهُورِ؛ فَلِذَلِكَ الأوْلى تَخْرِيجُ هَذِهِ القِراءَةِ عَلى قِراءَةِ التّاءِ مِن كَوْنِ الَّذِينَ هو المَفْعُولُ الأوَّلُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، وهو فَصْلٌ. وقَرَأ الأعْمَشُ بِإسْقاطِ ”هو“، وخَيْرًا هو المَفْعُولُ بِتَحْسَبَنَّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ودَلَّ قَوْلُهُ: ”يَبْخَلُونَ“ عَلى هَذا البُخْلِ المُقَدَّرِ، كَما دَلَّ السَّفِيهُ عَلى السَّفَهِ في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎إذا نَهى السَّفِيهُ جَرى إلَيْه وخالَفَ والسَّفِيهُ إلى خِلافٍ والمَعْنى: جَرى إلى السَّفَهِ. انْتَهى. ولَيْسَتِ الدَّلالَةُ فِيهِما سَواءً؛ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ الدّالَّ في الآيَةِ هو الفِعْلُ، وفي البَيْتِ هو اسْمُ الفاعِلِ، ودَلالَةُ الفِعْلِ عَلى المَصْدَرِ أقْوى مِن دَلالَةِ اسْمِ الفاعِلِ؛ ولِذَلِكَ كَثُرَ إضْمارُ المَصْدَرِ لِدَلالَةِ الفِعْلِ عَلَيْهِ في القُرْآنِ وكَلامِ العَرَبِ، ولَمْ تَكْثُرْ دَلالَةُ اسْمِ الفاعِلِ عَلى المَصْدَرِ إنَّما جاءَ في هَذا البَيْتِ أوْ في غَيْرِهِ إنْ وُجِدَ. والثّانِي أنَّ في الآيَةِ حَذْفًا لِظاهِرٍ؛ إذْ قَدَّرُوا المَحْذُوفَ ”بُخْلُهم“، وأمّا في البَيْتِ فَهو إضْمارٌ، لا حَذْفٌ. ويَظْهَرُ لِي تَخْرِيجٌ غَرِيبٌ في الآيَةِ تَقْتَضِيهِ قَواعِدُ العَرَبِيَّةِ، وهو أنْ تَكُونَ المَسْألَةُ مِن بابِ الإعْمالِ إذا جَعَلْنا الفِعْلَ مُسْنَدًا لِلَّذِينِ، وذَلِكَ أنَّ تَحْسَبَنَّ تَطْلُبُ مَفْعُولَيْنِ، ويَبْخَلُونَ يَطْلَبُ مَفْعُولًا بِحَرْفِ جَرٍّ، فَقَوْلُهُ: ما آتاهم يَطْلُبُهُ يَحْسَبَنَّ، عَلى أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ الأوَّلُ، ويَكُونُ هو فَصْلًا، وخَيْرًا المَفْعُولُ الثّانِي ويَطْلُبُهُ يَبْخَلُونَ بِتَوَسُّطِ حَرْفِ الجَرِّ، فَأعْمَلَ الثّانِي عَلى الأفْصَحِ في لِسانِ العَرَبِ، وعَلى ما جاءَ في القُرْآنِ وهو يَبْخَلُونَ. فَعُدِّيَ بِحَرْفِ الجَرِّ واحِدٌ مَعْمُولُهُ، وحُذِفَ مَعْمُولُ تَحْسَبَنَّ الأوَّلُ، وبَقِيَ مَعْمُولُهُ الثّانِي؛ لِأنَّهُ لَمْ يَتَنازَعْ فِيهِ، إنَّما التَّنازُعُ بِالنِّسْبَةِ إلى المَفْعُولِ الأوَّلِ. وساغَ حَذْفُهُ وحْدَهُ، كَما ساغَ حَذْفُ المَفْعُولَيْنِ في مَسْألَةِ سِيبَوَيْهِ: مَتى رَأيْتُ أوْ قُلْتُ: زَيْدٌ مُنْطَلَقٌ؛ لِأنَّ رَأيْتُ وقُلْتُ في هَذِهِ المَسْألَةِ تَنازَعا زَيْدٌ مُنْطَلَقٌ، وفي الآيَةِ: لَمْ يَتَنازَعا إلّا في المَفْعُولِ الواحِدِ، وتَقْدِيرُ المَعْنى: ولا تَحْسَبَنَّ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هو خَيْرًا لَهُمُ النّاسُ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِهِ، فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ والتَّخْرِيجِ يَكُونُ هو فَصْلًا لِما آتاهُمُ المَحْذُوفُ، لا لِتَقْدِيرِهِمْ بُخْلَهم. ونَظِيرُ هَذا التَّرْكِيبِ: ظَنَّ الَّذِي مَرَّ بِهِنْدٍ هي المُنْطَلِقَةُ. المَعْنى: ظَنَّ هَنْدًا الشَّخْصَ الَّذِي مَرَّ بِها هي المُنْطَلِقَةُ، فالَّذِي تَنازَعَهُ الفِعْلانِ هو الِاسْمُ الأوَّلُ، فَأعْمَلَ الفِعْلُ الثّانِيَ وبَقِيَ الأوَّلُ يَطْلُبُ مَحْذُوفًا، ويَطْلُبُ المَفْعُولَ الثّانِيَ مُثْبَتًا، إذْ لَمْ يَقَعُ فِيهِ التَّنازُعُ. ولَمّا تَضَمَّنَ النَّهْيُ انْتِفاءَ كَوْنِ البُخْلِ أوِ المَبْخُولِ بِهِ خَيْرًا لَهم، وكانَ تَحْتَ الِانْتِفاءِ قَسَمانِ: أحَدُهُما أنْ لا خَيْرَ ولا شَرَّ، والآخَرُ إثْباتُ الشَّرِّ - أتى بِالجُمْلَةِ الَّتِي تُعَيِّنُ أحَدَ القِسْمَيْنِ وهو إثْباتُ كَوْنِهِ شَرًّا لَهم. ﴿سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾: هَذا تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ هو شَرٌّ لَهُمْ﴾ والظّاهِرُ حَمْلُهُ عَلى المَجازِ، أيْ (p-١٢٩)سَيُلْزَمُونَ عِقابَهُ إلْزامَ الطَّوْقِ، وفي المَثَلِ لِمَن جاءَ بِهَنَةٍ: تَقَلَّدُها طَوْقَ الحَمامَةِ. وقالَ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: سَيُجْعَلُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ طَوْقٌ مِن نارٍ. قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: هو مِنَ الطّاقَةِ لا مِنَ التَّطْوِيقِ، والمَعْنى: سَيَحْمِلُونَ عِقابَ ما بَخِلُوا بِهِ. كَقَوْلِهِ: ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطَوِّقُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤] وقالَ مُجاهِدٌ: سَيُكَلَّفُونَ أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ ما بَخِلُوا بِهِ. وهَذا التَّفْسِيرُ لا يُناسِبُ قَوْلَهُ: إنَّ البُخْلَ هو العِلْمُ الَّذِي تَفَضَّلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِهِ مِن أمْرِ الرَّسُولِ. وقالَ أبُو وائِلٍ: هو الرَّجُلُ يَرْزُقُهُ اللَّهُ مالًا فَيَمْنَعُ مِنهُ قَرابَتَهُ الحَقَّ الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ لَهم في مالِهِ، فَيُجْعَلُ حَيَّةً يُطَوَّقُها فَيَقُولُ: ما لِي ولَكَ، فَيَقُولُ: أنا مالُكَ. وجاءَ في الحَدِيثِ: «ما مِن ذِي رَحِمٍ يَأْتِي ذا رَحِمَهُ فَيَسْألُهُ مِن فَضْلٍ عِنْدَهُ فَيَبْخَلُ بِهِ عَلَيْهِ إلّا أُخْرِجَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ شُجاعٌ مِنَ النّارِ يَتَلَمَّظُ حَتّى يُطَوِّقَهُ» . والأحادِيثُ في مِثْلِ هَذا مِن مَنعِ الزَّكاةِ واكْتِنازِ المالِ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ. ﴿ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾: فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما أنَّهُ تَعالى لَهُ مُلْكُ جَمِيعِ ما يَقَعُ مِن إرْثٍ في السَّماواتِ والأرْضِ، وأنَّهُ هو المالِكُ لَهُ حَقِيقَةً، فَكُلُّ ما يَحْصُلُ لِمَخْلُوقاتِهِ مِمّا يُنْسَبُ إلَيْهِمْ مِلْكُهُ هو مالِكُهُ حَقِيقَةً. وهَذا كانَ هو مالِكُهُ، فَما لَكم تَبْخَلُونَ بِشَيْءٍ أنْتُمْ مُمَتَّعُونَ بِهِ، لا مالِكُوهُ حَقِيقَةً، كَما قالَ تَعالى: ﴿وأنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكم مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧] . والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ خَبَّرَ بِفَناءِ العالَمِ، وأنَّ جَمِيعَ ما يَخْلُقُونَهُ فَهو وارِثُهُ. وهو خِطابٌ عَلى ما يَفْهَمُ البَشَرُ، دَلَّ عَلى فَناءِ الجَمِيعِ، وأنَّهُ لا يَبْقى مالِكٌ إلّا اللَّهُ، وإنْ كانَ مِلْكُهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ لَمْ يَزَلْ. ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾: خَتَمَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ ومَعْناها التَّهْدِيدُ والوَعِيدُ عَلى قَبِيحِ مُرْتَكَبِهِمْ مِنَ البُخْلِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ”يَعْمَلُونَ“ عَلى الغَيْبَةِ جَرْيًا عَلى يَبْخَلُونَ وسَيُطَوَّقُونَ. وقَرَأ الباقُونَ بِالتّاءِ عَلى الِالتِفاتِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ خِطابًا لِلْباخِلِينَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَلِكَ عَلى الرُّجُوعِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى المُخاطَبَةِ؛ لِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ: ﴿وإنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٧٩] . انْتَهى. فَلا يَكُونُ عَلى قَوْلِهِ التِفاتًا، والأحْسَنُ الِالتِفاتُ. وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ فُنُونًا مِنَ البَلاغَةِ والبَدِيعِ: الِاخْتِصاصُ في: أجْرَ المُؤْمِنِينَ. والتَّكْرارُ في: يَسْتَبْشِرُونَ، وفي: لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا، وفي اسْمِهِ في عِدَّةِ مَواضِعَ، وفي: لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا، وفي ذِكْرِ الإمْلاءِ. والطِّباقِ في: اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإيمانِ، وفي: لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ. والِاسْتِعارَةُ في: يُسارِعُونَ، وفي: اشْتَرَوْا، وفي: نُمْلِي، وفي: لِيَزْدادُوا إثْمًا، وفي: الخَبِيثُ والطَّيِّبُ. والتَّجْنِيسُ المُماثِلُ في: فَآمِنُوا وإنْ تُؤْمِنُوا. والِالتِفاتُ في: أنْتُمْ، إنْ كانَ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ، إذْ لَوْ جَرى عَلى لَفْظِ المُؤْمِنِينَ لَكانَ عَلى ما هم عَلَيْهِ، وإنْ كانَ خِطابًا لِغَيْرِهِمْ كانَ مِن تَلْوِينِ الخِطابِ، وفي: تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ، فِيمَن قَرَأ بِتاءِ الخِطابِ. والحَذْفُ في مَواضِعَ.

آل عمران 3:184

﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هو خَيْرًا لَهم بَلْ هو شَرٌّ لَهُمْ﴾ قالَ السُّدِّيُّ وجَماعَةٌ: نَزَلَتْ في البُخْلِ بِالمالِ والإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطِيَّةَ، ومُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ وجَماعَةٌ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ: في أهْلِ الكِتابِ وبُخْلِهِمْ، وتِبْيانِ ما عَلَّمَهُمُ اللَّهُ مِن أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ . وقِيلَ: نَزَلَتْ في مانِعِي الزَّكاةِ المَفْرُوضَةِ. قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ أبِي صالِحٍ والشَّعْبِيِّ ومُجاهِدٍ. وقِيلَ: في النَّفَقَةِ عَلى العِيالِ وذَوِي الأرْحامِ. ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا بالَغَ في التَّحْرِيضِ عَلى بَذْلِ الأرْواحِ في الجِهادِ في الآياتِ السّابِقَةِ، شَرَعَ في التَّحْرِيضِ هُنا عَلى بَذْلِ الأمْوالِ في الجِهادِ وغَيْرِهِ، وبَيَّنَ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ لِمَن يَبْخَلُ، والبُخْلُ الشَّرْعِيُّ عِبارَةٌ عَنْ مَنعِ بَذْلِ الواجِبِ. وقَرَأ حَمْزَةُ ”تَحْسَبَنَّ“ بِالتّاءِ، فَتَكُونُ الَّذِينَ (p-١٢٨)أوَّلَ مَفْعُولَيْنِ لِتَحْسَبَنَّ، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: بُخْلَ الَّذِينَ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالياءِ. فَإنْ كانَ الفِعْلُ مُسْنَدًا إلى الضَّمِيرِ، فَيَكُونُ المَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: بُخْلُهم، وحُذِفَ لِدَلالَةِ يَبْخَلُونَ عَلَيْهِ. وحَذْفُهُ - كَما قُلْنا - عَزِيزٌ جِدًّا عِنْدَ الجُمْهُورِ؛ فَلِذَلِكَ الأوْلى تَخْرِيجُ هَذِهِ القِراءَةِ عَلى قِراءَةِ التّاءِ مِن كَوْنِ الَّذِينَ هو المَفْعُولُ الأوَّلُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، وهو فَصْلٌ. وقَرَأ الأعْمَشُ بِإسْقاطِ ”هو“، وخَيْرًا هو المَفْعُولُ بِتَحْسَبَنَّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ودَلَّ قَوْلُهُ: ”يَبْخَلُونَ“ عَلى هَذا البُخْلِ المُقَدَّرِ، كَما دَلَّ السَّفِيهُ عَلى السَّفَهِ في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎إذا نَهى السَّفِيهُ جَرى إلَيْه وخالَفَ والسَّفِيهُ إلى خِلافٍ والمَعْنى: جَرى إلى السَّفَهِ. انْتَهى. ولَيْسَتِ الدَّلالَةُ فِيهِما سَواءً؛ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ الدّالَّ في الآيَةِ هو الفِعْلُ، وفي البَيْتِ هو اسْمُ الفاعِلِ، ودَلالَةُ الفِعْلِ عَلى المَصْدَرِ أقْوى مِن دَلالَةِ اسْمِ الفاعِلِ؛ ولِذَلِكَ كَثُرَ إضْمارُ المَصْدَرِ لِدَلالَةِ الفِعْلِ عَلَيْهِ في القُرْآنِ وكَلامِ العَرَبِ، ولَمْ تَكْثُرْ دَلالَةُ اسْمِ الفاعِلِ عَلى المَصْدَرِ إنَّما جاءَ في هَذا البَيْتِ أوْ في غَيْرِهِ إنْ وُجِدَ. والثّانِي أنَّ في الآيَةِ حَذْفًا لِظاهِرٍ؛ إذْ قَدَّرُوا المَحْذُوفَ ”بُخْلُهم“، وأمّا في البَيْتِ فَهو إضْمارٌ، لا حَذْفٌ. ويَظْهَرُ لِي تَخْرِيجٌ غَرِيبٌ في الآيَةِ تَقْتَضِيهِ قَواعِدُ العَرَبِيَّةِ، وهو أنْ تَكُونَ المَسْألَةُ مِن بابِ الإعْمالِ إذا جَعَلْنا الفِعْلَ مُسْنَدًا لِلَّذِينِ، وذَلِكَ أنَّ تَحْسَبَنَّ تَطْلُبُ مَفْعُولَيْنِ، ويَبْخَلُونَ يَطْلَبُ مَفْعُولًا بِحَرْفِ جَرٍّ، فَقَوْلُهُ: ما آتاهم يَطْلُبُهُ يَحْسَبَنَّ، عَلى أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ الأوَّلُ، ويَكُونُ هو فَصْلًا، وخَيْرًا المَفْعُولُ الثّانِي ويَطْلُبُهُ يَبْخَلُونَ بِتَوَسُّطِ حَرْفِ الجَرِّ، فَأعْمَلَ الثّانِي عَلى الأفْصَحِ في لِسانِ العَرَبِ، وعَلى ما جاءَ في القُرْآنِ وهو يَبْخَلُونَ. فَعُدِّيَ بِحَرْفِ الجَرِّ واحِدٌ مَعْمُولُهُ، وحُذِفَ مَعْمُولُ تَحْسَبَنَّ الأوَّلُ، وبَقِيَ مَعْمُولُهُ الثّانِي؛ لِأنَّهُ لَمْ يَتَنازَعْ فِيهِ، إنَّما التَّنازُعُ بِالنِّسْبَةِ إلى المَفْعُولِ الأوَّلِ. وساغَ حَذْفُهُ وحْدَهُ، كَما ساغَ حَذْفُ المَفْعُولَيْنِ في مَسْألَةِ سِيبَوَيْهِ: مَتى رَأيْتُ أوْ قُلْتُ: زَيْدٌ مُنْطَلَقٌ؛ لِأنَّ رَأيْتُ وقُلْتُ في هَذِهِ المَسْألَةِ تَنازَعا زَيْدٌ مُنْطَلَقٌ، وفي الآيَةِ: لَمْ يَتَنازَعا إلّا في المَفْعُولِ الواحِدِ، وتَقْدِيرُ المَعْنى: ولا تَحْسَبَنَّ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هو خَيْرًا لَهُمُ النّاسُ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِهِ، فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ والتَّخْرِيجِ يَكُونُ هو فَصْلًا لِما آتاهُمُ المَحْذُوفُ، لا لِتَقْدِيرِهِمْ بُخْلَهم. ونَظِيرُ هَذا التَّرْكِيبِ: ظَنَّ الَّذِي مَرَّ بِهِنْدٍ هي المُنْطَلِقَةُ. المَعْنى: ظَنَّ هَنْدًا الشَّخْصَ الَّذِي مَرَّ بِها هي المُنْطَلِقَةُ، فالَّذِي تَنازَعَهُ الفِعْلانِ هو الِاسْمُ الأوَّلُ، فَأعْمَلَ الفِعْلُ الثّانِيَ وبَقِيَ الأوَّلُ يَطْلُبُ مَحْذُوفًا، ويَطْلُبُ المَفْعُولَ الثّانِيَ مُثْبَتًا، إذْ لَمْ يَقَعُ فِيهِ التَّنازُعُ. ولَمّا تَضَمَّنَ النَّهْيُ انْتِفاءَ كَوْنِ البُخْلِ أوِ المَبْخُولِ بِهِ خَيْرًا لَهم، وكانَ تَحْتَ الِانْتِفاءِ قَسَمانِ: أحَدُهُما أنْ لا خَيْرَ ولا شَرَّ، والآخَرُ إثْباتُ الشَّرِّ - أتى بِالجُمْلَةِ الَّتِي تُعَيِّنُ أحَدَ القِسْمَيْنِ وهو إثْباتُ كَوْنِهِ شَرًّا لَهم. ﴿سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾: هَذا تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ هو شَرٌّ لَهُمْ﴾ والظّاهِرُ حَمْلُهُ عَلى المَجازِ، أيْ (p-١٢٩)سَيُلْزَمُونَ عِقابَهُ إلْزامَ الطَّوْقِ، وفي المَثَلِ لِمَن جاءَ بِهَنَةٍ: تَقَلَّدُها طَوْقَ الحَمامَةِ. وقالَ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: سَيُجْعَلُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ طَوْقٌ مِن نارٍ. قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: هو مِنَ الطّاقَةِ لا مِنَ التَّطْوِيقِ، والمَعْنى: سَيَحْمِلُونَ عِقابَ ما بَخِلُوا بِهِ. كَقَوْلِهِ: ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطَوِّقُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤] وقالَ مُجاهِدٌ: سَيُكَلَّفُونَ أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ ما بَخِلُوا بِهِ. وهَذا التَّفْسِيرُ لا يُناسِبُ قَوْلَهُ: إنَّ البُخْلَ هو العِلْمُ الَّذِي تَفَضَّلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِهِ مِن أمْرِ الرَّسُولِ. وقالَ أبُو وائِلٍ: هو الرَّجُلُ يَرْزُقُهُ اللَّهُ مالًا فَيَمْنَعُ مِنهُ قَرابَتَهُ الحَقَّ الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ لَهم في مالِهِ، فَيُجْعَلُ حَيَّةً يُطَوَّقُها فَيَقُولُ: ما لِي ولَكَ، فَيَقُولُ: أنا مالُكَ. وجاءَ في الحَدِيثِ: «ما مِن ذِي رَحِمٍ يَأْتِي ذا رَحِمَهُ فَيَسْألُهُ مِن فَضْلٍ عِنْدَهُ فَيَبْخَلُ بِهِ عَلَيْهِ إلّا أُخْرِجَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ شُجاعٌ مِنَ النّارِ يَتَلَمَّظُ حَتّى يُطَوِّقَهُ» . والأحادِيثُ في مِثْلِ هَذا مِن مَنعِ الزَّكاةِ واكْتِنازِ المالِ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ. ﴿ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾: فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما أنَّهُ تَعالى لَهُ مُلْكُ جَمِيعِ ما يَقَعُ مِن إرْثٍ في السَّماواتِ والأرْضِ، وأنَّهُ هو المالِكُ لَهُ حَقِيقَةً، فَكُلُّ ما يَحْصُلُ لِمَخْلُوقاتِهِ مِمّا يُنْسَبُ إلَيْهِمْ مِلْكُهُ هو مالِكُهُ حَقِيقَةً. وهَذا كانَ هو مالِكُهُ، فَما لَكم تَبْخَلُونَ بِشَيْءٍ أنْتُمْ مُمَتَّعُونَ بِهِ، لا مالِكُوهُ حَقِيقَةً، كَما قالَ تَعالى: ﴿وأنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكم مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧] . والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ خَبَّرَ بِفَناءِ العالَمِ، وأنَّ جَمِيعَ ما يَخْلُقُونَهُ فَهو وارِثُهُ. وهو خِطابٌ عَلى ما يَفْهَمُ البَشَرُ، دَلَّ عَلى فَناءِ الجَمِيعِ، وأنَّهُ لا يَبْقى مالِكٌ إلّا اللَّهُ، وإنْ كانَ مِلْكُهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ لَمْ يَزَلْ. ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾: خَتَمَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ ومَعْناها التَّهْدِيدُ والوَعِيدُ عَلى قَبِيحِ مُرْتَكَبِهِمْ مِنَ البُخْلِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ”يَعْمَلُونَ“ عَلى الغَيْبَةِ جَرْيًا عَلى يَبْخَلُونَ وسَيُطَوَّقُونَ. وقَرَأ الباقُونَ بِالتّاءِ عَلى الِالتِفاتِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ خِطابًا لِلْباخِلِينَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَلِكَ عَلى الرُّجُوعِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى المُخاطَبَةِ؛ لِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ: ﴿وإنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٧٩] . انْتَهى. فَلا يَكُونُ عَلى قَوْلِهِ التِفاتًا، والأحْسَنُ الِالتِفاتُ. وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ فُنُونًا مِنَ البَلاغَةِ والبَدِيعِ: الِاخْتِصاصُ في: أجْرَ المُؤْمِنِينَ. والتَّكْرارُ في: يَسْتَبْشِرُونَ، وفي: لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا، وفي اسْمِهِ في عِدَّةِ مَواضِعَ، وفي: لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا، وفي ذِكْرِ الإمْلاءِ. والطِّباقِ في: اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإيمانِ، وفي: لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ. والِاسْتِعارَةُ في: يُسارِعُونَ، وفي: اشْتَرَوْا، وفي: نُمْلِي، وفي: لِيَزْدادُوا إثْمًا، وفي: الخَبِيثُ والطَّيِّبُ. والتَّجْنِيسُ المُماثِلُ في: فَآمِنُوا وإنْ تُؤْمِنُوا. والِالتِفاتُ في: أنْتُمْ، إنْ كانَ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ، إذْ لَوْ جَرى عَلى لَفْظِ المُؤْمِنِينَ لَكانَ عَلى ما هم عَلَيْهِ، وإنْ كانَ خِطابًا لِغَيْرِهِمْ كانَ مِن تَلْوِينِ الخِطابِ، وفي: تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ، فِيمَن قَرَأ بِتاءِ الخِطابِ. والحَذْفُ في مَواضِعَ.

آل عمران 3:185

﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وقَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ونَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ [آل عمران: ١٨١] ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكم وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [آل عمران: ١٨٢] ﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا ألّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ قُلْ قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ وبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٨٣] ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ جاءُوا بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ والكِتابِ المُنِيرِ﴾ [آل عمران: ١٨٤] ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ وإنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكم يَوْمَ القِيامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وما الحَياةُ الدُّنْيا إلّا مَتاعُ الغُرُورِ﴾ . الزُّبُرُ: جَمْعُ زَبُورٍ، وهو الكِتابُ. يُقالُ: زَبَرْتُ أيْ كَتَبْتُ، فَهو بِمَعْنى مَفْعُولٍ أيْ: مَزْبُورٍ، كالرُّكُوبِ بِمَعْنى المَرْكُوبِ. وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎لِمَن طَلَلٌ أبْصَرْتُهُ فَشَجانِي كَخَطِّ زَبُورٍ في عَسِيبِ يَمانِ ويُقالُ: زَبَرْتُهُ قَرَأْتُهُ، وزَبَرْتُهُ حَسَّنْتُهُ، وتَزَبَّرْتُهُ زَجَرْتُهُ. وقِيلَ: اشْتِقاقُ الزَّبُورِ مِنَ الزُّبْرَةِ، وهي القِطْعَةُ مِنَ الحَدِيدِ الَّتِي تُرِكَتْ بِحالِها. الزَّحْزَحَةُ: التَّنْحِيَةُ والإبْعادُ، تَكْرِيرُ الزَّحِّ وهو الجَذْبُ بِعَجَلَةٍ، ويُقالُ: مَكانٌ زَحْزَحٌ أيْ بَعِيدٌ. الفَوْزُ: النَّجاةُ مِمّا يُحْذَرُ والظَّفَرُ بِما يُؤَمَّلُ، وسُمِّيَتِ الأرْضُ القَفْرُ البَعِيدَةُ (p-١٣٠)المَخُوفُ مِنَ الهَلاكِ فِيها مَفازَةٌ عَلى سَبِيلِ التَّفاؤُلِ، لِأنَّ مَن قَطَعَها فازَ. وقِيلَ: لِأنَّها مَظِنَّةُ تَفْوِيزٍ ومَظِنَّةُ هَلاكٍ. تَقُولُ العَرَبُ: فَوَّزَ الرَّجُلُ: ماتَ. ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾ [آل عمران: ١٨١]: نَزَلَتْ في فِنْحاصِ بْنِ عازُوراءَ، حاوَرَهُ أبُو بَكْرٍ في الإسْلامِ وأنْ يُقْرِضَ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا، فَقالَ هَذِهِ المَقالَةُ، فَضَرَبَهُ أبُو بَكْرٍ ومَنَعَهُ مِن قِبَلِهِ العَهْدَ، فَشَكاهُ إلى الرَّسُولِ وأنْكَرَ ما قالَ، فَنَزَلَتْ تَكْذِيبًا لِفِنْحاصٍ، وتَصْدِيقًا لِلصَّدِيقِ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ إسْحاقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، وساقُوا القِصَّةَ مُطَوَّلَةً. وقالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ في حُيَـيِّ بْنِ أخْطَبَ، وقالَ هو أيْضًا والحَسَنُ ومَعْمَرٌ وغَيْرُهم: في اليَهُودِ. وذَكَرَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ في إلْياسِ بْنِ عُمَرَ. ولَمّا نَزَلَ ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] قالَ أوْ قالُوا: إنَّما يَسْتَقْرِضُ الفَقِيرُ الغَنِيَّ، والظّاهِرُ أنَّ قائِلَ ذَلِكَ جَمْعٌ، فَيُمْكِنُ أنَّ ذَلِكَ صَدَرَ مِن فِنْحاصٍ أوْ حَيِـيٍّ أوَّلًا، ثُمَّ تَقاوَلَها اليَهُودُ، أوْ صَدَرَ ذَلِكَ مِن واحِدٍ فَقَطْ، ونُسِبَ لِلْجَماعَةِ عَلى عادَةِ كَلامِ العَرَبِ في نِسْبَتِها إلى القَبِيلَةِ فِعْلِ الواحِدِ مِنها. ومَعْنى لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ: أنَّهُ لَمْ يُخْفَ عَلَيْهِ تَعالى مَقالَتُهم، ومَقالَتُهم هَذِهِ إمّا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ بِما نَزَلَ مِن طَلَبِ الإقْراضِ، وإمّا عَلى سَبِيلِ الجَدَلِ والإلْزامِ؛ لِأنَّ مَن طَلَبَ الإقْراضَ كانَ فَقِيرًا، وإمّا عَلى الِاعْتِقادِ. ولا يُسْتَبْعَدُ ذَلِكَ مِن عُقُولِهِمْ؛ إذْ قَدْ حَكى اللَّهُ عَنْهم ﴿وقالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أيْدِيهِمْ﴾ [المائدة: ٦٤] وأيًّا ما كانَ مِن هَذِهِ الأسْبابِ، فَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى تَمَرُّدِهِمْ في الكُفْرِ والمُبالَغَةِ فِيهِ، حَيْثُ نَسَبُوا المُوجِدَ الأشْياءَ مِنَ العَدَمِ الصِّرْفَ إلى الوُجُودِ الغَنِيَّ بِذاتِهِ عَمّا أوْجَدَهُ - الوَصْفَ الدّالَّ عَلى الِافْتِقارِ لِبَعْضِ ما أوْجَدَهُ، ونَسَبُوا العَكْسِ إلى أنْفُسِهِمْ، وجاءَتِ الجُمْلَةُ مُؤَكَّدَةً بِاللّامِ مُؤْذِنَةً بِعِلْمِهِ بِمَقالَتِهِمْ ومُؤَكِّدَةً لَهُ، وحَيْثُ نَسَبُوا إلى اللَّهِ ما نَسَبُوا، أكَّدُوا الجُمْلَةَ بِـ ”أنَّ“ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ. وحَيْثُ نَسَبُوا إلى أنْفُسِهِمْ ما نَسَبُوا لَمْ يُؤَكِّدُوا، بَلْ أخْرَجُوا الجُمْلَةَ مَخْرَجَ ما لا يَحْتاجُ إلى تَأْكِيدٍ، كَأنَّ الغِنى وصْفٌ لَهم لا يُمْكِنُ فِيهِ نِزاعٌ، فَيَحْتاجُ إلى أنْ يُؤَكَّدَ. ﴿سَنَكْتُبُ ما قالُوا وقَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ونَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ [آل عمران: ١٨١]: الظّاهِرُ إجْراءُ الكِتابَةِ عَلى أنَّها حَقِيقَةٌ، قالَ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ. وأنَّها تُكْتَبُ الأعْمالُ في صُحُفٍ، وأنَّ تِلْكَ الصُّحُفَ هي الَّتِي تُوزَنُ، ويُحْدِثُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى فِيها الخِفَّةَ والثِّقَلَ بِحَسَبِ ما كُتِبَ فِيها مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ. وقِيلَ: سَنَكْتُبُ ما قالُوا في القُرْآنِ حَتّى يَعْلَمَ القَوْمُ شِدَّةَ تَعَنُّتِهِمْ وحَسَدِهِمْ في الطَّعْنِ عَلَيْهِ ﷺ . وذَهَبَ قَوْمٌ: إلى أنَّ الكِتابَةَ مَجازٌ، ومَعْناها الإحْصاءُ لِلشَّيْءِ وضَبْطِهِ وعَدَمِ إهْمالِهِ وكَيْنُونَتِهِ في عِلْمِ اللَّهِ شَيْئًا مَحْفُوظًا لا يُنْسى، كَما يُثْبِتُ المَكْتُوبَ. وذَهَبَ إلى أنَّ مَعْنى سَنَكْتُبُ: سَنُوجِبُ عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ جَزاءَ ما قالُوهُ في الدُّنْيا كَقَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] وجاءَ سَنَكْتُبُ بِلَفْظِ المُسْتَقْبَلِ دُونَ لَفْظِ الماضِي؛ لِأنَّهُ تَضَمَّنَ المُجازاةَ عَلى ما قالُوهُ. وفِيهِ مِنَ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ ما لا يَخْفى. ونُسِبَ إلَيْهِمْ قَتْلُهُمُ الأنْبِياءَ وإنْ كانَ مِن فِعْلِ آبائِهِمْ؛ لَمّا كانُوا راضِينَ بِهِ. وقَدْ سَمُّوا أيْضًا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهَمُّوا بِقَتْلِهِ، ودَلَّ هَذا القَوْلُ وهَذا الفِعْلُ عَلى جَمِيعِ الأقْوالِ والأفْعالِ القَبِيحَةِ الَّتِي صَدَرَتْ مِنهم. إذِ القَوْلُ في هَذِهِ الآيَةِ أشْنَعُ الأقْوالِ في اللَّهِ تَعالى، والقَتْلُ أشْنَعُ الأفْعالِ الَّتِي فَعَلُوها مَعَ أنْبِياءِ اللَّهِ تَعالى، وتَشْرِيكُ القَتْلِ مَعَ هَذا القَوْلِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُما يُسَبِّبانِ في اسْتِحْقاقِ العِقابِ. ولَمّا كانَ الصّادِرُ مِنهم قَوْلًا وفِعْلًا، ناسَبَ أنْ يَكُونَ الجَزاءُ قَوْلًا وفِعْلًا، فَتَضَمَّنَ القَوْلَ والفِعْلَ قَوْلُهُ تَعالى: ”﴿ونَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ [آل عمران: ١٨١]“ . وفي الجَمْعِ بَيْنَ القَوْلِ والفِعْلِ أعْظَمُ انْتِقامٍ، ويُقالُ لِلْمُنْتَقَمِ مِنهُ: أحِسَّ وذُقْ. وقالَ أبُو سُفْيانَ لِحَمْزَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمّا طَعَنَهُ وحْشِيٌّ: ذُقْ عُقُقُ، واسْتُعِيرَ لِمُباشَرَةِ العَذابِ الذَّوْقُ؛ لِأنَّ الذَّوْقَ مِن أبْلَغِ أنْواعِ المُباشَرَةِ، وحاسَّتُها مُتَمَيِّزَةٌ جِدًّا. والحَرِيقُ: المُحْرِقُ، فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفْعِلٌ، كَألِيمٍ بِمَعْنى مُؤْلِمٍ. وقِيلَ: الحَرِيقُ طَبَقَةٌ مِن طِباقِ جَهَنَّمَ. وقِيلَ: الحَرِيقُ (p-١٣١)المُلْتَهِبُ مِنَ النّارِ، والنّارُ تَشْمَلُ المُلْتَهِبَةَ وغَيْرَ المُلْتَهِبَةِ، والمُلْتَهِبَةُ أشَدُّها. والظّاهِرُ أنَّ هَذا القَوْلَ يَكُونُ عِنْدَ دُخُولِهِمْ جَهَنَّمَ. وقِيلَ: قَدْ يَكُونُ عِنْدَ الحِسابِ، أوْ عِنْدَ المَوْتِ. وأنَّ وما بَعْدَها مَحْكِيٌّ بِقالُوا. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ مَحْكِيًّا بِالمَصْدَرِ، فَيَكُونُ مِن بابِ الإعْمالِ. قالَ: وإعْمالُ الأوَّلِ أصْلٌ ضَعِيفٌ، ويَزْدادُ ضَعْفًا لِأنَّ الثّانِي فِعْلٌ والأوَّلُ مَصْدَرٌ، وإعْمالُ الفِعْلِ أقْوى. والظّاهِرُ أنَّ ”ما“ فِيما قالُوا مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي، وأُجِيزَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً. وقَرَأ الجُمْهُورُ: سَنَكْتُبُ وقَتْلَهم بِالنَّصْبِ. ونَقُولُ: بِنُونِ المُتَكَلِّمِ المُعَظَّمِ. أوْ تَكُونُ لِلْمَلائِكَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ والأعْرَجُ ”سَيَكْتُبُ“ بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ. وقَرَأ حَمْزَةُ: ”سَيَكْتُبُ“ بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ”وقَتْلُهم“ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى ”ما“، إذْ هي مَرْفُوعَةٌ بِسَيَكْتُبُ، ويَقُولُ بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: سَنَكْتُبُ ما يَقُولُونَ. وحَكى الدّانِيُّ عَنْهُ: ”﴿سَتَكْتُبُ ما قالُوا﴾ [آل عمران: ١٨١]“ بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ عَلى مَعْنى مَقالَتِهِمْ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: ويُقالُ ذُوقُوا. ونَقَلُوا عَنْ أبِي مُعاذٍ النَّحْوِيِّ أنَّ في حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ سَنَكْتُبُ ما يَقُولُونَ ونَقُولُ لَهم ذُوقُوا. ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٢]: الإشارَةُ إلى ما تَقَدَّمَ مِن عِقابِهِمْ، ونُسِبَ ما قَدَّمُوهُ مِنَ المَعاصِي القَوْلِيَّةِ والفِعْلِيَّةِ والِاعْتِقادِيَّةِ إلى الأيْدِي عَلى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ؛ لِأنَّ الأيْدِيَ تُزاوِلُ أكْثَرَ الأعْمالِ، فَكانَ كُلُّ عَمَلٍ واقِعٌ بِها. وهَذِهِ الجُمْلَةُ داخِلَةٌ في المَقُولِ، ونَجَوا بِذَلِكَ، وذَكَرَ لَهُمُ السَّبَبَ الَّذِي أوْجَبَ لَهُمُ العِقابَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِمُعاصِرِي الرَّسُولِ ﷺ يَوْمَ نُزُولِ الآيَةِ، فَلا يَنْدَرِجُ تَحْتَ مَعْمُولِ قَوْلِهِ: ”ونَقُولُ“ . ﴿وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [آل عمران: ١٨٢]: هَذا مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ”﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٢]“، أيْ ذَلِكَ العِقابُ حاصِلٌ بِسَبَبِ مَعاصِيكم، وعَدْلِ اللَّهِ تَعالى فِيكم. وجاءَ لَفْظُ ”ظَلّامٍ“ المَوْضُوعُ لِلتَّكْثِيرِ، وهَذا تَكْثِيرٌ بِسَبَبِ المُتَعَلِّقِ. وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ ”فِعالًا“ قَدْ يَجِيءُ لا يُرادُ بِهِ الكَثْرَةُ، كَقَوْلِ طَرَفَةَ: ؎ولَسْتُ بِحَلّالِ التِّلاعِ مَخافَةً ∗∗∗ ولَكِنْ مَتى يَسْتَرْفِدُ القَوْمُ أرْفِدُ لا يُرِيدُ أنَّهُ قَدْ يَحِلُّ التِّلاعَ قَلِيلًا؛ لِأنَّ عَجُزَ البَيْتِ يَدْفَعُهُ، فَدَلَّ عَلى نَفْيِ البُخْلِ في كُلِّ حالٍ، وتَمامُ المَدْحِ لا يَحْصُلُ بِإرادَةِ الكَثْرَةِ، وقِيلَ: إذا نَفى الظُّلْمَ الكَثِيرَ اتَّبَعَ القَلِيلَ ضَرُورَةً؛ لِأنَّ الَّذِي يَظْلِمُ إنَّما يَظْلِمُ لِانْتِفاعِهِ بِالظُّلْمِ، فَإذا تَرَكَ الكَثِيرَ مَعَ زِيادَةِ نَفْعِهِ في حَقِّ مَن يَجُوزُ عَلَيْهِ النَّفْعُ والضَّرَرُ كانَ لِلظُّلْمِ القَلِيلِ المَنفَعَةِ أتْرَكُ. وقالَ القاضِي: العَذابُ الَّذِي تَوَعَّدَ أنْ يَفْعَلَهُ بِهِمْ: لَوْ كانَ ظالِمًا لَكانَ عَظِيمًا، فَنَفاهُ عَلى حَدِّ عِظَمِهِ لَوْ كانَ ثابِتًا. والعَبِيدُ جَمْعُ عَبْدٍ، كالكَلِيبِ. وقَدْ جاءَ اسْمُ الجَمْعِ عَلى هَذا الوَزْنِ نَحْوِ الضَّيْفَنِ وغَيْرِهِ مِن جَمْعِ التَّكْسِيرِ، جَوازَ الإخْبارِ عَنْهُ إخْبارُ الواحِدِ كَأسْماءِ الجُمُوعِ، وناسَبَ لَفْظُ هَذا الجَمْعِ دُونَ لَفْظِ العِبادِ؛ لِمُناسَبَةِ الفَواصِلِ الَّتِي قَبْلَهُ مِمّا جاءَتْ عَلى هَذا الوَزْنِ، كَما ناسَبَ ذَلِكَ في سُورَةِ فُصِّلَتْ، وكَما ناسَبَ لَفْظُ العِبادِ في سُورَةِ غافِرٍ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وجُمِعَ عَبْدًا في هَذِهِ الآيَةِ عَلى عَبِيدٍ؛ لِأنَّهُ مَكانُ تَشْقِيقٍ وتَنْجِيَةٍ مِن ظُلْمٍ. انْتَهى كَلامُهُ. ولا تَظْهَرُ لِي هَذِهِ العِلَّةُ الَّتِي ذَكَرَها في هَذا الجَمْعِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَلِمَ عَطَفَ قَوْلَهُ: ”﴿وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [آل عمران: ١٨٢]“، (عَلى ما ﴿قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٢]) وكَيْفَ جَعَلَ كَوْنَهُ غَيْرَ ظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ شَرِيكًا لِاجْتِراحِهِمُ السَّيِّئاتِ في اسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ ؟ (قُلْتُ): مَعْنى كَوْنِهِ غَيْرَ ظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ أنَّهُ عادِلٌ عَلَيْهِمْ، ومِنَ العَدْلِ أنْ يُعاقِبَ المُسِيءَ مِنهم ويُثِيبَ المُحْسِنَ. انْتَهى، وفِيهِ رائِحَةُ الِاعْتِزالِ. ﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا ألّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ﴾ [آل عمران: ١٨٣] قالَ الكَعْبِيُّ: نَزَلَتْ في كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، ومالِكِ بْنِ الصَّيْفِ، ووَهْبِ بنِ يَهُوذا، وزَيْدِ بْنِ مانُوهٍ، وفِنْحاصِ بْنِ عازُوراءَ، وحُيَـيِّ بْنِ أخْطَبَ، أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: تَزْعُمُ أنَّ اللَّهَ بَعَثَكَ (p-١٣٢)إلَيْنا رَسُولًا، وأنْزَلَ عَلَيْكَ كِتابًا، وأنَّ اللَّهَ قَدْ عَهِدَ إلَيْنا في التَّوْراةِ أنْ لا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ يَزْعُمُ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ، فَإنْ جِئْتَنا بِهِ صَدَّقْناكَ. وظاهِرُ هَذا القَوْلِ أنَّهُ عَهِدَ إلَيْهِمْ في التَّوْراةِ، فَقِيلَ: كانَ هَذا في التَّوْراةِ، ولَكِنْ كانَ تَمامُ الكَلامِ حَتّى يَأْتِيَكُمُ المَسِيحُ ومُحَمَّدٌ، فَإذا أتَياكم فَآمِنُوا بِهِما مِن غَيْرِ قُرْبانٍ. وقِيلَ: كانَ أمْرُ القَرابِينِ ثابِتًا، إلى أنْ نُسِخَتْ عَلى لِسانِ المَسِيحِ. وقِيلَ: ذِكْرُهم هَذا العَهْدِ هو مِن كَذِبِهِمْ عَلى اللَّهِ تَعالى، وافْتِرائِهِمْ عَلَيْهِ وعَلى أنْبِيائِهِ. ومَعْنى عَهِدَ: وصّى، والعَهْدُ أخَصُّ مِنَ الأمْرِ؛ لِأنَّهُ في كُلِّ ما يَتَطاوَلُ أمْرُهُ ويَبْقى في غابِرِ الزَّمانِ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ. وتَعَدّى نُؤْمِنُ بِاللّامِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى﴾ [يونس: ٨٣] يُؤْمِنُ لِلَّهِ. والقُرْبانُ: ما يُتَقَرَّبُ بِهِ مِن شاةٍ أوْ بَقَرَةٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وهو في الأصْلِ مَصْدَرٌ سُمِّيَ المَفْعُولُ بِهِ كالرَّهْنِ، وكانَ حُكْمُهُ قَدِيمًا في الأنْبِياءِ. ألا تَرى إلى قِصَّةِ ابْنَيْ آدَمَ، وكانَ أكْلُ النّارِ ذَلِكَ القُرْبانِ دَلِيلًا عَلى قَبُولِ العَمَلِ مِن صَدَقَةٍ أوْ عَمَلٍ، أوْ صِدْقِ مَقالَةٍ. وإذا لَمْ تَنْزِلِ النّارُ فَلَيْسَ بِمَقْبُولٍ، وكانَتِ النّارُ أيْضًا تَنْزِلُ لِلْغَنائِمِ فَتَحْرِقُها. وإسْنادُ الأكْلِ إلى النّارِ مَجازٌ واسْتِعارَةٌ عَنْ إذْهابِ الشَّيْءِ وإفْنائِهِ، إذْ حَقِيقَةُ الأكْلِ إنَّما تُوجَدُ في الحَيَوانِ المُتَغَذِّي، والقُرْبانُ وأكْلُ النّارِ مُعْجِزٌ لِلنَّبِيِّ يُوجِبُ الإيمانَ بِهِ، فَهو وسائِرُ المُعْجِزاتِ سَواءٌ. ولِلَّهِ أنْ يُعَيِّنَ مِنَ الآياتِ ما شاءَ لِأنْبِيائِهِ، وهَذا نَظِيرُ ما يَقْتَرِحُونَهُ مِنَ الآياتِ عَلى سَبِيلِ التَّبْكِيتِ والتَّعْجِيزِ. وقَدْ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ لَوْ نَزَلَ ما اقْتَرَحُوهُ لَما آمَنُوا. والَّذِينَ قالُوا: صِفَةٌ لِلَّذِينِ قالُوا. وقالَ الزَّجّاجُ: الَّذِينَ صِفَةٌ لِلْعَبِيدِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا مُفْسِدٌ لِلْمَعْنى والوَصْفِ. انْتَهى، وهو كَما قالَ. وجَوَّزُوا قَطْعَهُ لِلرَّفْعِ والنَّصْبِ، وإتْباعَهُ بَدَلًا. وفي ”أنْ لا نُؤْمِنَ“ تَقْدِيرُ حَرْفِ جَرٍّ، فَحُذِفَ وبَقِيَ عَلى الخِلافِ فِيهِ: أهْوَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ أوْ جَرٍّ ؟ وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ عَلى تَضْمِينِ ”عَهِدَ“ مَعْنى ”الزَمْ“، فَكَأنَّهُ ألْزَمَنا أنْ لا نُؤْمِنَ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ ”بِقُرُبانٍ“ بِضَمِّ الرّاءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إتْباعًا لِضَمَّةِ القافِ، ولَيْسَ بِلُغَةٍ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَلامِ فُعُلانِ بِضَمِّ الفاءِ والعَيْنِ. وحَكى سِيبَوَيْهِ السُّلُطانُ بِضَمِّ اللّامِ، وقالَ: إنَّ ذَلِكَ عَلى الإتْباعِ. انْتَهى. ولَمْ يَقُلْ سِيبَوَيْهِ: إنَّ ذَلِكَ عَلى الإتْباعِ، بَلْ قالَ: ولا نَعْلَمُ في الكَلامِ فُعْلانِ ولا فُعُلانِ، ولا شَيْئًا مِن هَذا النَّحْوِ لَمْ يَذْكُرْهُ. ولَكِنَّهُ جاءَ فُعُلانِ وهو قَلِيلٌ، قالُوا: السُّلْطانُ وهو اسْمٌ. انْتَهى. وقالَ الشّارِحُ صاحِبُ هَذِهِ اللُّغَةِ لا يُسَكَّنُ ولا يُتْبَعُ، وكَذا ذَكَرَ التَّصْرِيفِيُّونَ أنَّهُ بِناءُ مُسْتَقْبَلٍ. قالُوا فِيما لَحِقَهُ زِيادَتانِ بَعْدَ اللّامِ وعَلى فُعْلانِ ولَمْ يَجِئْ إلّا اسْمًا: وهو قَلِيلٌ نَحْوَ سُلْطانٍ. ﴿قُلْ قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ وبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٨٣] رَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ وأكْذَبَهم في اقْتِراحِهِمْ، وألْزَمَهم أنَّهم قَدْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ بِالَّذِي قالُوهُ مِنَ الإتْيانِ بِالقُرْبانِ الَّذِي تَأْكُلُهُ النّارُ وبِالآياتِ غَيْرِهِ، فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِمْ، بَلْ قَتَلُوهم. ولَمْ يَكْتَفُوا بِتَكْذِيبِهِمْ حَتّى أوْقَعُوا بِهِمْ شَرَّ فِعْلٍ، وهو إتْلافُ النَّفْسِ بِالقَتْلِ. فالمَعْنى أنَّ هَذا مِنكم مَعْشَرَ اليَهُودِ تَعَلُّلٌ وتَعَنُّتٌ، ولَوْ جاءَهم بِالقُرْبانِ لَتَعَلَّلُوا بِغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَقْتَرِحُونَهُ. والِاقْتِراحُ لا غايَةَ لَهُ، ولا يُجابُ طالِبُهُ إلّا إذا أرادَ اللَّهُ هَلاكَهُ، كَقِصَّةِ قَوْمِ صالِحٍ وغَيْرِهِ. وكَذَلِكَ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ في اقْتِراحِ قُرَيْشٍ فَأبى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقالَ: بَلْ أدْعُوهم وأُعالِجُهم. ومَعْنى: ”﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٨٣]“ في دَعْواكم أنَّ الإيمانَ يُلْزِمُ بِإتْيانِ البَيِّناتِ والقُرْبانِ، أوْ صادِقِينَ في أنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْكم. ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ جاءُوا بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ والكِتابِ المُنِيرِ﴾ [آل عمران: ١٨٤]: الخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّسْلِيَةِ لَمّا ظَهَرَ كَذِبُهم عَلى اللَّهِ بِذِكْرِ العَهْدِ الَّذِي افْتَرَوْهُ، وكانَ في ضِمْنِهِ تَكْذِيبُهُ إذْ عَلَّقُوا الإيمانَ بِهِ عَلى شَيْءٍ مُقْتَرَحٍ مِنهم عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ، ولَمْ يُجِبْهُمُ اللَّهُ لِذَلِكَ، فَسَلّى الرَّسُولَ ﷺ بِأنَّ هَذا دَأْبُهم، (p-١٣٣)وسَبَقَ مِنهم تَكْذِيبُهم لِرُسُلٍ جاءُوا بِما يُوجِبُ الإيمانَ مِن ظُهُورِ المُعْجِزاتِ الواضِحَةِ الدَّلالَةِ عَلى صِدْقِهِمْ، وبِالكُتُبِ السَّماوِيَّةِ الإلَهِيَّةِ النَّيِّرَةِ المُزِيلَةِ لِظُلَمِ الشُّبَهِ. والزُّبُرُ: جَمْعُ زَبُورٍ، وهو الكِتابُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ قِيلَ: لِأنَّهُ مَكْتُوبٌ، إذْ يُقالُ: زَبَرَهُ كَتَبَهُ. أوْ لِكَوْنِهِ زاجِرًا مِن زَبَرَهُ زَجَرَهُ، وبِهِ سُمِّي كِتابُ داوُدَ زَبُورًا لِكَثْرَةِ ما فِيهِ مِنَ الزَّواجِرِ والمَواعِظِ، أوْ لِأحْكامِهِ. والزُّبُرُ: الأحْكامُ. وقالَ الزَّجّاجُ: الزَّبُورُ كُلُّ كِتابٍ فِيهِ حِكْمَةٌ. قِيلَ: والكِتابُ هو الزُّبُرُ. وجَمَعَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ، أوْ لِاخْتِلافِ مَعْنَيَيْهِما، مَعَ أنَّ المُرادَ واحِدٌ، ولَكِنِ اخْتَلَفَ مَعْنَياهُما مِن حَيْثُ الصِّفَةِ. وقِيلَ: الكِتابُ هُنا جِنْسٌ لِلتَّوْراةِ والإنْجِيلِ وغَيْرِهِما، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِقَوْلِهِ: والزُّبُرُ الزَّواجِرُ مِن غَيْرِ أنْ يُرادَ بِهِ الكُتُبُ. أيْ: جاءُوا بِالمُعْجِزاتِ الواضِحَةِ والتَّخْوِيفاتِ والكُتُبِ النَّيِّرَةِ. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، التَّقْدِيرُ: وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَتَسَلَّ بِهِ. ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ”﴿فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ﴾ [آل عمران: ١٨٤]“ الجَوابَ؛ لِمُضِيِّهِ؛ إذْ جَوابُ الشَّرْطِ مُسْتَقْبَلٌ لا مَحالَةَ لِتَرَتُّبِهُ عَلى المُسْتَقْبَلِ، وما يُوجَدُ في كَلامِ المُعْرِبِينَ أنَّ مِثْلَ هَذا مِنَ الماضِي هو جَوابُ الشَّرْطِ، فَهو عَلى سَبِيلِ التَّسامُحِ لا الحَقِيقَةِ. وبَنى الفِعْلَ لِلْمَفْعُولِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ في تَكْذِيبِ الرُّسُلِ عَلى تَكْذِيبِ اليَهُودِ وحْدَهم لِأنْبِيائِهِمْ، بَلْ نَبَّهَ عَلى أنَّ مِن عادَةِ اليَهُودِ وغَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ تَكْذِيبُ الأنْبِياءِ، فَكانَ المَعْنى: فَقَدْ كَذَّبَتْ أُمَمٌ مِنَ اليَهُودِ وغَيْرِهِمُ الرُّسُلَ. قِيلَ: ونَكَّرَ رُسُلٌ لِكَثْرَتِهِمْ وشِياعِهِمْ. ومِن قَبْلِكَ: مُتَعَلِّقٌ بِكُذِّبَ، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: جاءُوا في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِرُسُلٍ. انْتَهى. والباءُ في ”بِالبَيِّناتِ“ تَحْتَمِلُ الحالَ والتَّعْدِيَةَ، أيْ: جاءُوا أُمَمَهم مَصْحُوبَيْنَ بِالبَيِّناتِ، أوْ جاءُوا البَيِّناتَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: والزُّبُرُ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ”وبِالزُّبُرِ“، وكَذا هي في مَصاحِفِ أهْلِ الشَّأْمِ. وقَرَأ هِشامٌ بِخِلافٍ عَنْهُ وبِالكِتابِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: والكِتابُ. وإعادَةُ حَرْفِ الجَرِّ في العَطْفِ هو عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ. وكانَ ذِكْرُ الكِتابِ مُفْرَدًا وإنْ كانَ مَجْمُوعًا مِن حَيْثُ المَعْنى؛ لِتَناسُبِ الفَواصِلِ، ولَمْ يُلْحَظْ فِيهِ أنْ يُجْمَعَ كالمَعْطُوفِ عَلَيْهِما لِذَلِكَ. ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾: تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ وما بَعْدَها الوَعْظَ والتَّسْلِيَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنِ الدُّنْيا وأهْلِها، والوَعْدَ بِالنَّجاةِ في الآخِرَةِ بِذَكَرِ المَوْتِ والفِكْرَةِ فِيهِ تُهَوِّنُ ما يَصْدُرُ مِنَ الكُفّارِ مِن تَكْذِيبٍ وغَيْرِهِ. ولَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ المُكَذِّبِينَ الكاذِبِينَ عَلى اللَّهِ مِنَ اليَهُودِ والمُنافِقِينَ وذِكْرُهُمُ المُؤْمِنِينَ، نُبِّهُوا كُلُّهم عَلى أنَّهم مَيِّتُونَ ومَآلُهم إلى الآخِرَةِ، فَفِيها يَظْهَرُ النّاجِي والهالِكُ، وأنَّ ما تَعَلَّقُوا بِهِ في الدُّنْيا مِن مالٍ وأهْلٍ وعَشِيرَةٍ إنَّما هو عَلى سَبِيلِ التَّمَتُّعِ المَغْرُورِ بِهِ، كُلُّها تَضْمَحِلُّ وتَزُولُ ولا يَبْقى إلّا ما عَمِلَهُ الإنْسانُ، وهو يُوَفّاهُ في الآخِرَةِ، يُوَفّى عَلى طاعَتِهِ ومَعْصِيَتِهِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الرّازِيُّ: في هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ النَّفْسَ لا تَمُوتُ بِمَوْتِ البَدَنِ، وعَلى أنَّ النَّفْسَ. غَيْرُ البَدَنِ. انْتَهى. وهَذِهِ مُكابَرَةٌ في الدَّلالَةِ، فَإنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّفْسَ تَمُوتُ. قالَ أيْضًا: لَفْظُ النَّفْسِ مُخْتَصٌّ بِالأجْسامِ. انْتَهى. وقَرَأ اليَزِيدِيُّ: ”ذائِقَةٌ“ بِالتَّنْوِينِ، ”المَوْتَ“ بِالنَّصْبِ، وذَلِكَ فِيما نَقَلَهُ عَنْهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. ونَقَلَها ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أبِي حَيْوَةَ، ونَقَلَها غَيْرُهُما عَنِ الأعْمَشِ، ويَحْيَـى، وابْنِ أبِي إسْحاقَ. وقَرَأ الأعْمَشُ فِيما نَقَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ ”ذائِقَةُ“ بِغَيْرِ تَنْوِينِ ”المَوْتَ“ بِالنَّصْبِ ومِثْلُهُ:(p-١٣٤) ؎فَألْفَيْتُهُ غَيْرَ مُسْتَعْتِبٍ ∗∗∗ ولا ذاكِرَ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا حَذَفَ التَّنْوِينَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، كَقِراءَةِ مَن قَرَأ ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢] بِحَذْفِ التَّنْوِينِ مِن أحَدٍ ﴿وإنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ لَفْظُ التَّوْفِيَةِ يَدُلُّ عَلى التَّكْمِيلِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَما قَبْلَهُ مِن كَوْنِ القَبْرِ رَوْضَةً مِن رِياضِ الجَنَّةِ، أوْ حُفْرَةً مِن حُفَرِ النّارِ، هو بَعْضُ الأُجُورِ. وما لَمْ يَدْخُلِ الجَنَّةَ أوِ النّارَ فَهو غَيْرُ مُوَفًّى. والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ أنَّ الأُجُورَ هي ما يَتَرَتَّبُ عَلى الطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ، وإنْ كانَ الغالِبُ في الِاسْتِعْمالِ أنَّ الأجْرَ هو ما يَتَرَتَّبُ عَلى عَمَلِ الطّاعَةِ؛ ولِهَذا قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وخَصَّ تَعالى ذِكْرَ الأُجُورِ لِشَرَفِها، وإشارَةٍ إلى مَغْفِرَتِهِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ وأُمَّتِهِ. ولا مَحالَةَ أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَقَعُ فِيهِ الأُجُورُ وتَوْفِيَةُ العُقُوباتِ. انْتَهى. ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ﴾: عَلَّقَ الفَوْزَ - وهو نَيْلُ الحَظِّ مِنَ الخَيْرِ والنَّجاةِ مِنَ الشَّرِّ - عَلى التَّنْحِيَةِ مِنَ النّارِ ودُخُولِ الجَنَّةِ؛ لِأنَّ مَن لَمْ يَنْجُ عَنِ النّارِ بَلْ أُدْخِلَها - وإنْ كانَ سَيَدْخُلُ الجَنَّةَ - لَمْ يَفُزْ كَمَن يَدْخُلُها مِن أهْلِ الكَبائِرِ. ومَن نُحِّيَ عَنْها ولَمْ يَدْخُلِ الجَنَّةَ كَأصْحابِ الأعْرافِ، لَمْ يَفُزْ أيْضًا. ورُوِيَ في الحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «مَن سَرَّهُ أنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النّارِ وأنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وهو يَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، ويَأْتِي إلى النّاسِ ما يُحِبُّ أنْ يُؤْتى إلَيْهِ» . قِيلَ: فازَ مَعْناهُ نَجا. وقِيلَ: سَبَقَ. وقِيلَ: غَنِمَ. ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا إلّا مَتاعُ الغُرُورِ﴾: المَتاعُ: ما يُسْتَمْتَعُ بِهِ مِن آلاتٍ وأمْوالٍ وغَيْرِ ذَلِكَ. وفَسَّرَهُ عِكْرِمَةُ: بِالفَأْسِ، والقَصْعَةِ، والقِدْرِ. وفَسَّرَهُ الحَسَنُ فَقالَ: هو كَخُضْرَةِ النَّباتِ، ولَعِبِ البَناتِ، لا حاصِلَ لَهُ، يَلْمَعُ لَمْعَ السَّرابِ، ويَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ، وهَذا مِن عِكْرِمَةَ والحَسَنِ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: شَبَّهَ الدُّنْيا بِالمَتاعِ الَّذِي يُدَلَّسُ بِهِ عَلى المُسْتامِ ويَغُرُّ حَتّى يَشْتَرِيَهُ، ثُمَّ يَتَبَيَّنُ لَهُ فَسادُهُ ورَداءَتُهُ، والشَّيْطانُ هو المُدَلِّسُ الغَرُورُ. انْتَهى. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إنَّما هَذا لِمَن آثَرَها عَلى الآخِرَةِ، فَأمّا مَن طَلَبَ الآخِرَةَ بِها فَإنَّها مَتاعٌ بَلاغٍ. وقالَ عِكْرِمَةُ أيْضًا: مَتاعُ الغُرُورِ القَوارِيرُ الَّتِي لا بُدَّ لَها مِنَ الِانْكِسارِ والفَسادِ، فَكَذَلِكَ أمْرُ الدُّنْيا كُلُّهُ. وهَذا تَشْبِيهٌ مِن عِكْرِمَةَ. والغُرُورُ: الخُدَعُ والتَّرْجِئَةُ بِالباطِلِ. وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سابِطٍ: مَتاعُ الغُرُورِ كَزادِ الرّاعِي، يُزَوِّدُ الكَفَّ مِنَ التَّمْرِ والشَّيْءَ مِنَ الدَّقِيقِ يَشْرَبُ عَلَيْهِ اللَّبَنَ، يَعْنِي: أنَّ مَتاعَ الدُّنْيا قَلِيلٌ لا يَكْفِي مَن تَمَتَّعَ بِهِ ولا يُبَلِّغُهُ سَفَرَهُ. ومِن كَلامِ العَرَبِ: عِشْ ولا تَغْتَرَّ. أيْ: لا تَجْتَزِئْ بِما لا يَكْفِيكَ. وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الغُرُورُ ما رَأيْتَ لَهُ ظاهِرًا حَسَنًا، ولَهُ باطِنٌ مَكْرُوهٌ أوْ مَجْهُولٌ، والشَّيْطانُ غَرُورٌ؛ لِأنَّهُ يَحْمِلُ عَلى مَخَبَّآتِ النّاسِ، ووَراءَ ذَلِكَ ما يَسُوءُ. قالَ: ومِن هَذا بَيْعُ الغَرُورِ، وهو ما كانَ لَهُ ظاهِرُ بَيْعٍ وباطِنٌ مَجْهُولٌ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْبَهانِيُّ: وما الحَياةُ الدُّنْيا بِحَذْفِ المُضافِ تَقْدِيرُهُ: وما نَفْعُ الحَياةِ الدُّنْيا إلّا نَفْعُ الغُرُورِ. أيْ: نَفْعٌ يُغْفِلُ عَنِ النَّفْعِ الحَقِيقِيِّ لِدَوامِهِ، وهو النَّفْعُ في الحَياةِ الأُخْرَوِيَّةِ. وإضافَةُ المَتاعِ إلى الغُرُورِ إنْ جُعِلَ الغُرُورُ جَمْعًا فَهو كَقَوْلِكَ: نَفْعُ الغافِلِينَ. وإنْ جُعِلَ مَصْدَرًا فَهو كَقَوْلِكَ: نَفْعُ إغْفالٍ، أيْ إهْمالٍ، فَيُورِثُ الغَفْلَةَ عَنِ التَّأهُّبِ لِلْآخِرَةِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: ”الغَرُورُ“ بِفَتْحِ الغَيْنِ، وفُسِّرَ بِالشَّيْطانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فَعُولًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ: مَتاعُ المَغْرُورِ، أيْ المَخْدُوعِ. وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ التَّجْنِيسَ المُغايِرَ في قَوْلِهِ: ”الَّذِينَ قالُوا“، والمُماثِلَ في: ”قالُوا“، ”وسَنَكْتُبُ ما قالُوا“، وفي: ”﴿كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ﴾ [آل عمران: ١٨٤]“ . والطِّباقُ في: فَقِيرُ وأغْنِياءُ، وفي: المَوْتُ والحَياةُ، وفي: ”﴿زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ﴾“ . والِالتِفاتُ في: سَنَكْتُبُ ونَقُولُ، وفي: ”أُجُورَكم“، إذْ تَقَدَّمَهُ ”كُلُّ نَفْسٍ“ . والتَّكْرارُ في: لَفْظِ الجَلالَةِ، وفي البَيِّناتِ. والِاسْتِعارَةُ في: سَنَكْتُبُ عَلى قَوْلِ مَن لَمْ يَجْعَلِ الكِتابَةَ حَقِيقَةً، وفي: قَدَّمَتْ أيْدِيكم، وفي: تَأْكُلُهُ النّارُ، وفي: ذُوقُوا (p-١٣٥)وذائِقَةٌ، والمَذْهَبُ الكَلامِيُّ في ”﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٣]“ . والِاخْتِصاصُ في: أيْدِيكم. والإشارَةُ في: ذَلِكَ، والشَّرْطُ المُتَجَوَّزُ فِيهِ. والزِّيادَةُ لِلتَّوْكِيدِ في: وبِالزُّبُرِ وبِالكِتابِ في قِراءَةِ مَن قَرَأ كَذَلِكَ. والحَذْفُ في مَواضِعَ.

آل عمران 3:186

﴿لَتُبْلَوُنَّ في أمْوالِكم وأنْفُسِكم ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ واشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ﴾ ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهم بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الألْبابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١] ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ [آل عمران: ١٩٢] ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإيمانِ أنْ آمِنُوا بِرَبِّكم فَآمَنّا رَبَّنا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا وتَوَفَّنا مَعَ الأبْرارِ﴾ [آل عمران: ١٩٣] ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ [آل عمران: ١٩٤] ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهم أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكم مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى بَعْضُكم مِن بَعْضٍ فالَّذِينَ هاجَرُوا وأُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأُوذُوا في سَبِيلِي وقاتَلُوا وقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ولَأُدْخِلَنَّهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ثَوابًا مِن عِنْدِ اللَّهِ واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ﴾ [آل عمران: ١٩٥] ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ [آل عمران: ١٩٦] ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ﴾ [آل عمران: ١٩٧] ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأبْرارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨] ﴿وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْكم وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [آل عمران: ١٩٩] ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصابِرُوا ورابِطُوا واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠] . الجُنُوبُ: جَمْعُ جَنْبٍ وهو مَعْرُوفٌ. المُرابَطَةُ: المُلازَمَةُ في الثَّغْرِ لِلْجِهادِ، وأصْلُها مِن رَبْطِ الخَيْلِ. ﴿لَتُبْلَوُنَّ في أمْوالِكم وأنْفُسِكم ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا﴾: قِيلَ: نَزَلَتْ في قِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ حِينَ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقَدْ قَرَأ عَلَيْهِمُ الرَّسُولُ القُرْآنَ: إنْ كانَ حَقًّا فَلا تُؤْذِنا بِهِ في مَجالِسِنا. ورَدَّ عَلَيْهِ ابْنُ رَواحَةَ فَقالَ: أغْشِنا بِهِ في مَجالِسِنا يا رَسُولَ اللَّهِ. وتَسابَّ المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ واليَهُودُ. وقِيلَ: فِيما جَرى بَيْنَ أبِي بَكْرٍ وفِنْحاصٍ. وقِيلَ: في كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ كانَ يُحَرِّضُ المُشْرِكِينَ عَلى الرَّسُولِ وأصْحابِهِ في شِعْرِهِ، وأعْلَمَهم تَعالى بِهَذا الِابْتِلاءِ والسَّماعِ لِيَكُونُوا أحْمَلَ لِما يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِن ذَلِكَ، إذا سَبَقَ الإخْبارُ بِهِ بِخِلافِ مَن يَأْتِيهِ الأمْرُ فَجْأةً فَإنَّهُ يَكْثُرُ تَألُّمُهُ. والآيَةُ مَسُوقَةٌ في ذَمِّ أهْلِ الكِتابِ وغَيْرِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَناسَبَتْ ما قَبْلَها مِنَ الآياتِ الَّتِي جاءَتْ في ذَمِّ أهْلِ الكِتابِ وغَيْرِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ. والظّاهِرُ في قَوْلِهِ: ”لَتُبْلَوْنَ“ أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ. وقالَ عَطاءٌ: المُهاجِرُونَ، أخَذَ المُشْرِكُونَ رِباعَهَمْ فَباعُوها، وأمْوالَهم فَنَهَبُوها. وقِيلَ: الِابْتِلاءُ في الأمْوالِ هو ما أُصِيبُوا بِهِ مِن نَهْبِ أمْوالِهِمْ وعَدَدِهِمْ يَوْمَ أُحُدٍ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِما سَيَقَعُ مِنَ الِامْتِحانِ في الأمْوالِ بِما يَقَعُ فِيها مِنَ المَصائِبِ والذَّهابِ والإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ وفي تَكالِيفِ الشَّرْعِ، والِابْتِلاءِ في النَّفْسِ بِالشَّهَواتِ أوِ الفُرُوضِ البَدَنِيَّةِ أوِ الأمْراضِ، أوْ فَقْدِ الأقارِبِ والعَشائِرِ، أوْ بِالقَتْلِ والجِراحاتِ والأسْرِ، وأنْواعِ المَخاوِفِ، أقْوالٌ. وقَدَّمَ الأمْوالَ عَلى الأنْفُسِ عَلى سَبِيلِ التَّرَقِّي إلى الأشْرَفِ، أوْ عَلى سَبِيلِ الكَثْرَةِ؛ لِأنَّ الرَّزايا في الأمْوالِ أكْثَرُ مِنَ الرَّزايا في الأنْفُسِ. والأذى: اسْمٌ جامِعٌ (p-١٣٦)فِي مَعْنى الضَّرَرِ، ويَشْمَلُ أقْوالَهم في الرَّسُولِ وأصْحابِهِ، وفي اللَّهِ تَعالى وأنْبِيائِهِ، والمَطاعِنِ في الدِّينِ، وتَخْطِئَةِ مَن آمَنَ، وهِجاءِ كَعْبٍ وتَشْبِيبِهِ بِنِساءِ المُؤْمِنِينَ. ﴿وإنْ تَصْبِرُوا﴾: عَلى ذَلِكَ الِابْتِلاءِ وذَلِكَ السَّماعِ. ﴿وتَتَّقُوا فَإنَّ ذَلِكَ﴾: أيْ فَإنَّ الصَّبْرَ والتَّقْوى. ﴿مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾: قِيلَ: مِن أشَدِّها وأحْسَنِها. والعَزْمُ: إمْضاءُ الأمْرِ المُرَوّى المُنَقَّحِ. وقالَ النَّقّاشُ: العَزْمُ هو الحَزْمُ بِمَعْنًى واحِدٍ، الحاءُ مُبْدَلَةٌ مِنَ العَيْنِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا خَطَأٌ. الحَزْمُ جَوْدَةُ النَّظَرِ في الأمْرِ، ونَتِيجَتُهُ الحَذَرُ مِنَ الخَطَأِ فِيهِ. والعَزْمُ قَصْدُ الإمْضاءِ، واللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿وشاوِرْهم في الأمْرِ فَإذا عَزَمْتَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] فالمُشاوَرَةُ وما كانَ في مَعْناها هو الحَزْمُ. والعَرَبُ تَقُولُ: قَدْ أحْزِمُ لَوْ أعْزِمُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ”مِن عَزْمِ الأُمُورِ“ مِن مَعْزُوماتِ الأُمُورِ، أيْ: مِمّا يَجِبُ عَلَيْهِ العَزْمُ مِنَ الأُمُورِ، أوْ مِمّا عَزَمَ اللَّهُ أنْ يَكُونَ، يَعْنِي: أنَّ ذَلِكَ عَزْمَةٌ مِن عَزَماتِ اللَّهِ لا بُدَّ لَكم أنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا. وقِيلَ: ”﴿مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾“ مِن جَدِّها. وقالَ مُجاهِدٌ في قَوْلِهِ: فَإذا عَزَمَ الأمْرُ، أيْ فَإذا وُجِدَ الأمْرُ. ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ﴾: هُمُ اليَهُودُ أُخِذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقُ في أمْرِ الرَّسُولِ ﷺ فَكَتَمُوهُ ونَبَذُوهُ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ. وقالَ قَوْمٌ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى. وقالَ الجُمْهُورُ: هي عامَّةٌ في كُلِّ مَن عَلَّمَهُ اللَّهُ عِلْمًا، وعُلَماءُ هَذا الأُمَّةِ داخِلُونَ في هَذا المِيثاقِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو بَكْرٍ: بِالياءِ فِيهِما عَلى الغَيْبَةِ، إذْ قَبْلَهُ ”الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ“ وبَعْدَهُ ”فَنَبَذُوهُ“ . وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالتّاءِ لِلْخِطابِ، وهي كَقَوْلِهِ: ﴿لا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٨٣] قُرِئَ بِالتّاءِ والياءِ، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلى الكِتابِ. وقِيلَ: هو لِلنَّبِيِّ ﷺ . وقِيلَ: لِلْمِيثاقِ. وقِيلَ: لِلْإيمانِ بِالرَّسُولِ لِقَوْلِهِ: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١] وارْتِفاعُ ولا تَكْتُمُونَهُ لِكَوْنِهِ وقَعَ حالًا، أيْ: غَيْرَ كاتِمِينَ لَهُ، ولَيْسَ داخِلًا في المُقْسَمِ عَلَيْهِ. قالُوا ولِلْحالِ لا العَطْفِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فاسْتَقِيما ولا تَتَّبِعانِّ﴾ [يونس: ٨٩] وقَوْلِهِ: ”ولا يَسْألُ“ في قِراءَةِ مَن خَفَّفَ النُّونَ ورَفَعَ اللّامَ. وقِيلَ: الواوُ لِلْعَطْفِ، وهو مِن جُمْلَةِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ. ولَمّا كانَ مَنفِيًّا بِلا لَمْ يُؤَكَّدْ، تَقُولُ: واللَّهِ لا يَقُومُ زَيْدٌ، فَلا تَدْخُلُهُ النُّونُ. وهَذا الوَجْهُ عِنْدِي أعْرَبُ وأفْصَحُ؛ لِأنَّ الأوَّلَ يَحْتاجُ إلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ قَبْلَ لا؛ حَتّى تَكُونَ الجُمْلَةُ اسْمِيَّةً في مَوْضِعِ الحالِ، إذِ المُضارِعُ المَنفِيُّ بِلا لا تَدْخُلُ عَلَيْهِ واوُ الحالِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: ”لَيُبَيِّنُونَهُ“ بِغَيْرِ نُونِ التَّوْكِيدِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَدْ لا تَلْزَمُ هَذِهِ النُّونَ لامُ التَّوْكِيدِ، قالَهُ سِيبَوَيْهِ. انْتَهى. وهَذا لَيْسَ مَعْرُوفًا مِن قَوْلِ البَصْرِيِّينَ، بَلْ تَعاقُبُ اللّامِ والنُّونِ عِنْدَهم ضَرُورَةٌ. والكُوفِيُّونَ يُجِيزُونَ ذَلِكَ في سِعَةِ الكَلامِ، فَيُجِيزُونَ: واللَّهِ لَأقُومُ، وواللَّهِ أقُومَنَّ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎وعَيْشُكِ يا سَلْمى لَأُوقِنُ إنَّنِي لِما شِئْتِ مُسْتَحْلٍ ولَوْ أنَّهُ القَتْلُ وقالَ آخَرُ: ؎يَمِينًا لَأُبْغِضُ كُلَّ امْرِئٍ ∗∗∗ يُزَخْرِفُ قَوْلًا ولا يَفْعَلُ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: ”مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لِتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ“، فَيَعُودُ الضَّمِيرُ في فَنَبَذُوهُ عَلى النّاسِ؛ إذْ يَسْتَحِيلُ عَوْدُهُ عَلى النَّبِيِّينَ، أيْ: فَنَبَذَهُ النّاسُ المُبَيَّنُ لَهُمُ المِيثاقُ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مَعْنى: ﴿فَنَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠١] . ﴿واشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ﴾: وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ والكَلامُ في إعْرابِ ما بَعْدَ بِئْسَ فَأغْنى عَنِ الإعادَةِ. ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهم بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، كانُوا يَتَخَلَّفُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الغَزْوِ، فَإذا جاءَ اسْتَعْذَرُوا لَهُ، فَيُظْهِرُ القَبُولَ ويَسْتَغْفِرُ لَهم، فَفَضَحَهُمُ اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ. قالَهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ وابْنُ زَيْدٍ وجَماعَةٌ. وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: نَزَلَتْ في أحْبارِ اليَهُودِ. وأتى تَكُونُ بِمَعْنى فَعَلَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: (p-١٣٧)﴿إنَّهُ كانَ وعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ [مريم: ٦١] أيْ مَفْعُولًا. فَمَعْنى بِما أتَوْا: بِما فَعَلُوا، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ: بِما فَعَلُوا. وفي الَّذِي فَعَلُوهُ وفَرِحُوا بِهِ - أقْوالٌ. أحَدُها: كَتْمُ ما سَألَهم عَنْهُ الرَّسُولُ، وإخْبارُهم بِغَيْرِهِ، وأرَوْهُ أنَّهم قَدْ أخْبَرُوهُ بِهِ واسْتَحْمَدُوا بِذَلِكَ إلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. الثّانِي: ما أصابُوا مِنَ الدُّنْيا وأحَبُّوا أنْ يُقالَ: إنَّهم عُلَماءُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا. الثّالِثُ: قَوْلُهم: نَحْنُ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ، وكَتْمُهم أمْرَ الرَّسُولِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ. الرّابِعُ: كُتُبُهم إلى اليَهُودِ يَهُودِ الأرْضِ كُلِّها أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَيْسَ بِنَبِيٍّ، فاثْبُتُوا عَلى دِينِكم، فاجْتَمَعَتْ كَلِمَتُهم عَلى الكُفْرِ بِهِ. وقالُوا: نَحْنُ أهْلُ الصَّوْمِ والصَّلاةِ وأوْلِياءُ اللَّهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ. الخامِسُ: قَوْلُ يَهُودِ خَيْبَرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ: نَحْنُ عَلى دِينِكم، ونَحْنُ لَكم رِدْءٌ، وهم مُسْتَمْسِكُونَ بِضَلالِهِمْ، وأرادُوا أنْ يَحْمَدَهم بِما لَمْ يَفْعَلُوا، قالَهُ السُّدِّيُّ. السّادِسُ: تَجْهِيزُ اليَهُودِ جَيْشًا إلى النَّبِيِّ ﷺ وإنْفاقُهم عَلى ذَلِكَ الجَيْشِ، قالَهُ النَّخَعِيُّ. السّابِعُ: إخْبارُ جَماعَةٍ مِنَ اليَهُودِ لِلْمُسْلِمِينَ حِينَ خَرَجُوا مِن عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ قَدْ أخْبَرَهم بِأشْياءَ عَرَفُوها، فَحَمِدَهُمُ المُسْلِمُونَ عَلى ذَلِكَ، وأبْطَنُوا خِلافَ ما أظْهَرُوا، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ. الثّامِنُ: اتِّباعُ النّاسِ لَهم في تَبْدِيلِ تَأْوِيلِ التَّوْراةِ، وأحَبُّوا حَمْدَهم إيّاهم عَلى ذَلِكَ، ولَمْ يَفْعَلُوا شَيْئًا نافِعًا ولا صَحِيحًا، قالَهُ مُجاهِدٌ. التّاسِعُ: تَخَلُّفُ المُنافِقِينَ عَنِ الغَزْوِ وحَلِفُهم لِلْمُسْلِمِينَ أنَّهم يُسَرُّونَ بِنَصْرِهِمْ، وكانُوا يُحِبُّونَ أنْ يُقالَ إنَّهم في حُكْمِ المُجاهِدِينَ، قالَهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ. والأقْوالُ السّابِقَةُ غَيْرُ هَذا الأخِيرِ مَبْنِيَّةٌ عَلى أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في اليَهُودِ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ شامِلًا لِكُلِّ مَن يَأْتِي بِحَسَنَةٍ فَرِحَ بِها فَرَحَ إعْجابٍ، ويُحِبُّ أنْ يَحْمَدَهُ النّاسُ ويُثْنُوا عَلَيْهِ بِالدِّيانَةِ والزُّهْدِ، وبِما لَيْسَ فِيهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: لا يَحْسَبُنَّ ولا يَحْسَبُنَّهم بِالياءِ فِيهِما، ورَفْعِ باءِ يَحْسَبَنَّهم عَلى إسْنادِ يَحْسَبَنَّ لِلَّذِينَ، وخُرِّجَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما ما قالَهُ أبُو عَلِيٍّ: وهو أنَّ لا يَحْسَبُنَّ لَمْ يَقَعْ عَلى شَيْءٍ، والَّذِينَ رُفِعَ بِهِ. وقَدْ تَجِيءُ هَذِهِ الأفْعالُ لَغْوًا لا في حُكْمِ الجُمَلِ المُفِيدَةِ نَحْوَ قَوْلِهِ: ؎وما خِلْتُ أبْقى بَيْنَنا مِن مَوَدَّةٍ ∗∗∗ عِراضُ المَذاكِي المُشْنِقاتِ القَلائِصا وقالَ الخَلِيلُ: العَرَبُ تَقُولُ: ما رَأيْتُهُ يَقُولُ ذَلِكَ إلّا زِيدٌ، وما ظَنَنْتُهُ يَقُولُ ذَلِكَ إلّا زِيدٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَتَتَّجِهُ القِراءَةُ بِكَوْنِ فَلا يَحْسَبَنَّهم بَدَلًا مِنَ الأوَّلِ، وقَدْ تَعَدّى إلى المَفْعُولَيْنِ، وهُما: الضَّمِيرُ وبِمَفازَةٍ، واسْتَغْنى بِذَلِكَ عَنِ المَفْعُولَيْنِ، كَما اسْتَغْنى في قَوْلِهِ: ؎بِأيِّ كِتابٍ أمْ بِأيَّةِ سُنَّةٍ ∗∗∗ تَرى حُبَّهم عارًا عَلَيَّ وتَحَسَبُ أيْ: وتَحْسَبُ حُبَّهم عارًا عَلَيَّ. والوَجْهُ الثّانِي: ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهو أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفًا عَلى لا يَحْسَبَنَّهُمُ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَفازَةٍ، بِمَعْنى: لا يَحْسَبَنَّ أنْفُسَهُمُ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ فائِزِينَ. وفَلا يَحْسَبَنَّهم تَأْكِيدٌ، وتَقَدَّمَ لَنا الرَّدُّ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ في تَقْدِيرِهِ لا يَحْسَبَنَّهُمُ الَّذِينَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما﴾ [آل عمران: ١٧٨] وإنَّ هَذا التَّقْدِيرَ لا يَصِحُّ فَيُطَّلَعُ هُناكَ. وتَعَدّى في هَذِهِ القِراءَةِ فِعْلُ الحُسْبانِ إلى ضَمِيرَيْهِ المُتَّصِلَيْنِ: المَرْفُوعِ والمَنصُوبِ، وهو مِمّا يَخْتَصُّ بِهِ ظَنَنْتُ وأخَواتُها، ومِن غَيْرِها: وجَدْتُ، وفَقَدْتُ، وعَدِمْتُ، وذَلِكَ مُقَرَّرٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ: لا تَحْسَبَنَّ، وفَلا تَحْسَبَنَّهم بِتاءِ الخِطابِ، وفَتْحِ الباءِ فِيهِما خِطابًا لِلرَّسُولِ، وخُرِّجَتِ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وهو أنَّ المَفْعُولَ الأوَّلَ هو: الَّذِينَ يَفْرَحُونَ. والثّانِي مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ كَما قِيلَ آنِفًا في المَفْعُولَيْنِ. وحَسُنَ تَكْرارُ الفِعْلِ فَلا يَحْسَبَنَّهم لِطُولِ الكَلامِ، وهي عادَةُ العَرَبِ، وذَلِكَ تَقْرِيبٌ لِذِهْنِ المُخاطَبِ. والوَجْهُ الثّانِي ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: وأحَدُ المَفْعُولَيْنِ ﴿الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾، والثّانِي ﴿بِمَفازَةٍ﴾ . وقَوْلُهُ: فَلا يَحْسَبَنَّهم تَوْكِيدٌ تَقْدِيرُهُ لا يَحْسَبَنَّهم، فَلا يَحْسَبَنَّهم فائِزِينَ. وقُرِئَ لا تَحْسَبُنَّ فَلا تَحْسَبُنَّهم بِتاءِ الخِطابِ (p-١٣٨)وضَمِّ الباءِ فِيهِما خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ. ويَجِيءُ الخِلافُ في المَفْعُولِ الثّانِي كالخِلافِ فِيهِ في قِراءَةِ الكُوفِيِّينَ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: لا يَحْسَبَنَّ بِياءِ الغَيْبَةِ، وفَلا تَحْسَبَنَّهم بِتاءِ الخِطابِ، وفَتْحِ الباءِ فِيهِما، وخُرِّجَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى حَذْفِ مَفْعُولَيْ يَحْسَبَنَّ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُما عَلَيْهِما. ولا يَجُوزُ في هَذِهِ القِراءَةِ البَدَلُ الَّذِي جُوِّزَ في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو؛ لِاخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ؛ لِاخْتِلافِ الفاعِلِ. وإذا كانَ (فَلا يَحْسَبَنَّهم) تَوْكِيدًا أوْ بَدَلًا، فَدُخُولُ الفاءِ إنَّما يَتَوَجَّهُ عَلى أنْ تَكُونَ زائِدَةً، إذْ لا يَصِحُّ أنْ تَكُونَ لِلْعَطْفِ، ولا أنْ تَكُونَ فاءَ جَوابِ الجَزاءِ. وأنْشَدُوا عَلى زِيادَةِ الفاءِ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎حَتّى تَرَكْتُ العائِداتِ يَعُدْنَهُ ∗∗∗ يَقُلْنَ فَلا تَبْعُدْ وقُلْتُ لَهُ ابْعُدِ وقالَ آخَرُ: ؎لَمّا اتَّقى بِيَدٍ عَظِيمٌ جِرْمُها ∗∗∗ فَتَرَكْتُ ضاحِيَ كَفِّهِ يَتَذَبْذَبُ أيْ: لا تَبْعُدْ، وأيْ تَرَكْتُ. وقَرَأ النَّخَعِيُّ ومَرْوانُ بْنُ الحَكَمِ: بِما آتَوْا بِمَعْنى: أعْطَوْا. وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ والسُّلَمِيُّ: بِما أُوتُوا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وتَقَدَّمَتِ الأقْوالُ في (أتَوْا)، وبَعْضُها يَسْتَقِيمُ عَلى هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ. وفِي حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ: (بِما لَمْ يَفْعَلُوا بِمَفازَةٍ)، وأُسْقِطَ (فَلا يَحْسَبَنَّهم) . و(مَفازَةٍ) مَفْعَلَةٌ مِن فازَ، وهي لِلْمَكانِ، أيْ: مَوْضِعِ فَوْزٍ، أيْ: نَجاةٍ. وقالَ الفَرّاءُ: أيْ يَبْعُدُ مِنَ العَذابِ، لِأنَّ الفَوْزَ مَعْناهُ التَّباعُدُ مِنَ المَكْرُوهِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ تَزَيُّنَ الإنْسانَ بِما لَيْسَ فِيهِ وحُبَّهُ المَدْحَ عَلَيْهِ مَنهِيٌّ عَنْهُ ومَذْمُومٌ شَرْعًا. وقالَ تَعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: (المُتَشَبِّعُ بِما لَيْسَ فِيهِ كَلابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ) وقَدْ أخْبَرَ تَعالى عَنْهم بِالعَذابِ الألِيمِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ . وناسَبَ وصْفُهُ بِألِيمٍ لِأجْلِ فَرَحِهِمْ ومَحَبَّتِهِمُ المَحْمَدَةَ عَلى ما لَمْ يَفْعَلُوا. ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ذَكَرَ تَعالى أنَّهم مِن جُمْلَةِ ما مَلَكَ، وأنَّهُ قادِرٌ عَلَيْهِمْ، فَهم مَمْلُوكُونَ مَقْهُورُونَ مَقْدُورٌ عَلَيْهِمْ، فَلَيْسُوا بِناجِينَ مِنَ العَذابِ.

آل عمران 3:187

﴿لَتُبْلَوُنَّ في أمْوالِكم وأنْفُسِكم ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ واشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ﴾ ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهم بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الألْبابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١] ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ [آل عمران: ١٩٢] ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإيمانِ أنْ آمِنُوا بِرَبِّكم فَآمَنّا رَبَّنا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا وتَوَفَّنا مَعَ الأبْرارِ﴾ [آل عمران: ١٩٣] ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ [آل عمران: ١٩٤] ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهم أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكم مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى بَعْضُكم مِن بَعْضٍ فالَّذِينَ هاجَرُوا وأُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأُوذُوا في سَبِيلِي وقاتَلُوا وقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ولَأُدْخِلَنَّهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ثَوابًا مِن عِنْدِ اللَّهِ واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ﴾ [آل عمران: ١٩٥] ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ [آل عمران: ١٩٦] ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ﴾ [آل عمران: ١٩٧] ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأبْرارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨] ﴿وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْكم وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [آل عمران: ١٩٩] ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصابِرُوا ورابِطُوا واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠] . الجُنُوبُ: جَمْعُ جَنْبٍ وهو مَعْرُوفٌ. المُرابَطَةُ: المُلازَمَةُ في الثَّغْرِ لِلْجِهادِ، وأصْلُها مِن رَبْطِ الخَيْلِ. ﴿لَتُبْلَوُنَّ في أمْوالِكم وأنْفُسِكم ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا﴾: قِيلَ: نَزَلَتْ في قِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ حِينَ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقَدْ قَرَأ عَلَيْهِمُ الرَّسُولُ القُرْآنَ: إنْ كانَ حَقًّا فَلا تُؤْذِنا بِهِ في مَجالِسِنا. ورَدَّ عَلَيْهِ ابْنُ رَواحَةَ فَقالَ: أغْشِنا بِهِ في مَجالِسِنا يا رَسُولَ اللَّهِ. وتَسابَّ المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ واليَهُودُ. وقِيلَ: فِيما جَرى بَيْنَ أبِي بَكْرٍ وفِنْحاصٍ. وقِيلَ: في كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ كانَ يُحَرِّضُ المُشْرِكِينَ عَلى الرَّسُولِ وأصْحابِهِ في شِعْرِهِ، وأعْلَمَهم تَعالى بِهَذا الِابْتِلاءِ والسَّماعِ لِيَكُونُوا أحْمَلَ لِما يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِن ذَلِكَ، إذا سَبَقَ الإخْبارُ بِهِ بِخِلافِ مَن يَأْتِيهِ الأمْرُ فَجْأةً فَإنَّهُ يَكْثُرُ تَألُّمُهُ. والآيَةُ مَسُوقَةٌ في ذَمِّ أهْلِ الكِتابِ وغَيْرِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَناسَبَتْ ما قَبْلَها مِنَ الآياتِ الَّتِي جاءَتْ في ذَمِّ أهْلِ الكِتابِ وغَيْرِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ. والظّاهِرُ في قَوْلِهِ: ”لَتُبْلَوْنَ“ أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ. وقالَ عَطاءٌ: المُهاجِرُونَ، أخَذَ المُشْرِكُونَ رِباعَهَمْ فَباعُوها، وأمْوالَهم فَنَهَبُوها. وقِيلَ: الِابْتِلاءُ في الأمْوالِ هو ما أُصِيبُوا بِهِ مِن نَهْبِ أمْوالِهِمْ وعَدَدِهِمْ يَوْمَ أُحُدٍ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِما سَيَقَعُ مِنَ الِامْتِحانِ في الأمْوالِ بِما يَقَعُ فِيها مِنَ المَصائِبِ والذَّهابِ والإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ وفي تَكالِيفِ الشَّرْعِ، والِابْتِلاءِ في النَّفْسِ بِالشَّهَواتِ أوِ الفُرُوضِ البَدَنِيَّةِ أوِ الأمْراضِ، أوْ فَقْدِ الأقارِبِ والعَشائِرِ، أوْ بِالقَتْلِ والجِراحاتِ والأسْرِ، وأنْواعِ المَخاوِفِ، أقْوالٌ. وقَدَّمَ الأمْوالَ عَلى الأنْفُسِ عَلى سَبِيلِ التَّرَقِّي إلى الأشْرَفِ، أوْ عَلى سَبِيلِ الكَثْرَةِ؛ لِأنَّ الرَّزايا في الأمْوالِ أكْثَرُ مِنَ الرَّزايا في الأنْفُسِ. والأذى: اسْمٌ جامِعٌ (p-١٣٦)فِي مَعْنى الضَّرَرِ، ويَشْمَلُ أقْوالَهم في الرَّسُولِ وأصْحابِهِ، وفي اللَّهِ تَعالى وأنْبِيائِهِ، والمَطاعِنِ في الدِّينِ، وتَخْطِئَةِ مَن آمَنَ، وهِجاءِ كَعْبٍ وتَشْبِيبِهِ بِنِساءِ المُؤْمِنِينَ. ﴿وإنْ تَصْبِرُوا﴾: عَلى ذَلِكَ الِابْتِلاءِ وذَلِكَ السَّماعِ. ﴿وتَتَّقُوا فَإنَّ ذَلِكَ﴾: أيْ فَإنَّ الصَّبْرَ والتَّقْوى. ﴿مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾: قِيلَ: مِن أشَدِّها وأحْسَنِها. والعَزْمُ: إمْضاءُ الأمْرِ المُرَوّى المُنَقَّحِ. وقالَ النَّقّاشُ: العَزْمُ هو الحَزْمُ بِمَعْنًى واحِدٍ، الحاءُ مُبْدَلَةٌ مِنَ العَيْنِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا خَطَأٌ. الحَزْمُ جَوْدَةُ النَّظَرِ في الأمْرِ، ونَتِيجَتُهُ الحَذَرُ مِنَ الخَطَأِ فِيهِ. والعَزْمُ قَصْدُ الإمْضاءِ، واللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿وشاوِرْهم في الأمْرِ فَإذا عَزَمْتَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] فالمُشاوَرَةُ وما كانَ في مَعْناها هو الحَزْمُ. والعَرَبُ تَقُولُ: قَدْ أحْزِمُ لَوْ أعْزِمُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ”مِن عَزْمِ الأُمُورِ“ مِن مَعْزُوماتِ الأُمُورِ، أيْ: مِمّا يَجِبُ عَلَيْهِ العَزْمُ مِنَ الأُمُورِ، أوْ مِمّا عَزَمَ اللَّهُ أنْ يَكُونَ، يَعْنِي: أنَّ ذَلِكَ عَزْمَةٌ مِن عَزَماتِ اللَّهِ لا بُدَّ لَكم أنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا. وقِيلَ: ”﴿مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾“ مِن جَدِّها. وقالَ مُجاهِدٌ في قَوْلِهِ: فَإذا عَزَمَ الأمْرُ، أيْ فَإذا وُجِدَ الأمْرُ. ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ﴾: هُمُ اليَهُودُ أُخِذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقُ في أمْرِ الرَّسُولِ ﷺ فَكَتَمُوهُ ونَبَذُوهُ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ. وقالَ قَوْمٌ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى. وقالَ الجُمْهُورُ: هي عامَّةٌ في كُلِّ مَن عَلَّمَهُ اللَّهُ عِلْمًا، وعُلَماءُ هَذا الأُمَّةِ داخِلُونَ في هَذا المِيثاقِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو بَكْرٍ: بِالياءِ فِيهِما عَلى الغَيْبَةِ، إذْ قَبْلَهُ ”الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ“ وبَعْدَهُ ”فَنَبَذُوهُ“ . وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالتّاءِ لِلْخِطابِ، وهي كَقَوْلِهِ: ﴿لا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٨٣] قُرِئَ بِالتّاءِ والياءِ، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلى الكِتابِ. وقِيلَ: هو لِلنَّبِيِّ ﷺ . وقِيلَ: لِلْمِيثاقِ. وقِيلَ: لِلْإيمانِ بِالرَّسُولِ لِقَوْلِهِ: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١] وارْتِفاعُ ولا تَكْتُمُونَهُ لِكَوْنِهِ وقَعَ حالًا، أيْ: غَيْرَ كاتِمِينَ لَهُ، ولَيْسَ داخِلًا في المُقْسَمِ عَلَيْهِ. قالُوا ولِلْحالِ لا العَطْفِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فاسْتَقِيما ولا تَتَّبِعانِّ﴾ [يونس: ٨٩] وقَوْلِهِ: ”ولا يَسْألُ“ في قِراءَةِ مَن خَفَّفَ النُّونَ ورَفَعَ اللّامَ. وقِيلَ: الواوُ لِلْعَطْفِ، وهو مِن جُمْلَةِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ. ولَمّا كانَ مَنفِيًّا بِلا لَمْ يُؤَكَّدْ، تَقُولُ: واللَّهِ لا يَقُومُ زَيْدٌ، فَلا تَدْخُلُهُ النُّونُ. وهَذا الوَجْهُ عِنْدِي أعْرَبُ وأفْصَحُ؛ لِأنَّ الأوَّلَ يَحْتاجُ إلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ قَبْلَ لا؛ حَتّى تَكُونَ الجُمْلَةُ اسْمِيَّةً في مَوْضِعِ الحالِ، إذِ المُضارِعُ المَنفِيُّ بِلا لا تَدْخُلُ عَلَيْهِ واوُ الحالِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: ”لَيُبَيِّنُونَهُ“ بِغَيْرِ نُونِ التَّوْكِيدِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَدْ لا تَلْزَمُ هَذِهِ النُّونَ لامُ التَّوْكِيدِ، قالَهُ سِيبَوَيْهِ. انْتَهى. وهَذا لَيْسَ مَعْرُوفًا مِن قَوْلِ البَصْرِيِّينَ، بَلْ تَعاقُبُ اللّامِ والنُّونِ عِنْدَهم ضَرُورَةٌ. والكُوفِيُّونَ يُجِيزُونَ ذَلِكَ في سِعَةِ الكَلامِ، فَيُجِيزُونَ: واللَّهِ لَأقُومُ، وواللَّهِ أقُومَنَّ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎وعَيْشُكِ يا سَلْمى لَأُوقِنُ إنَّنِي لِما شِئْتِ مُسْتَحْلٍ ولَوْ أنَّهُ القَتْلُ وقالَ آخَرُ: ؎يَمِينًا لَأُبْغِضُ كُلَّ امْرِئٍ ∗∗∗ يُزَخْرِفُ قَوْلًا ولا يَفْعَلُ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: ”مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لِتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ“، فَيَعُودُ الضَّمِيرُ في فَنَبَذُوهُ عَلى النّاسِ؛ إذْ يَسْتَحِيلُ عَوْدُهُ عَلى النَّبِيِّينَ، أيْ: فَنَبَذَهُ النّاسُ المُبَيَّنُ لَهُمُ المِيثاقُ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مَعْنى: ﴿فَنَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠١] . ﴿واشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ﴾: وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ والكَلامُ في إعْرابِ ما بَعْدَ بِئْسَ فَأغْنى عَنِ الإعادَةِ. ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهم بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، كانُوا يَتَخَلَّفُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الغَزْوِ، فَإذا جاءَ اسْتَعْذَرُوا لَهُ، فَيُظْهِرُ القَبُولَ ويَسْتَغْفِرُ لَهم، فَفَضَحَهُمُ اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ. قالَهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ وابْنُ زَيْدٍ وجَماعَةٌ. وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: نَزَلَتْ في أحْبارِ اليَهُودِ. وأتى تَكُونُ بِمَعْنى فَعَلَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: (p-١٣٧)﴿إنَّهُ كانَ وعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ [مريم: ٦١] أيْ مَفْعُولًا. فَمَعْنى بِما أتَوْا: بِما فَعَلُوا، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ: بِما فَعَلُوا. وفي الَّذِي فَعَلُوهُ وفَرِحُوا بِهِ - أقْوالٌ. أحَدُها: كَتْمُ ما سَألَهم عَنْهُ الرَّسُولُ، وإخْبارُهم بِغَيْرِهِ، وأرَوْهُ أنَّهم قَدْ أخْبَرُوهُ بِهِ واسْتَحْمَدُوا بِذَلِكَ إلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. الثّانِي: ما أصابُوا مِنَ الدُّنْيا وأحَبُّوا أنْ يُقالَ: إنَّهم عُلَماءُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا. الثّالِثُ: قَوْلُهم: نَحْنُ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ، وكَتْمُهم أمْرَ الرَّسُولِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ. الرّابِعُ: كُتُبُهم إلى اليَهُودِ يَهُودِ الأرْضِ كُلِّها أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَيْسَ بِنَبِيٍّ، فاثْبُتُوا عَلى دِينِكم، فاجْتَمَعَتْ كَلِمَتُهم عَلى الكُفْرِ بِهِ. وقالُوا: نَحْنُ أهْلُ الصَّوْمِ والصَّلاةِ وأوْلِياءُ اللَّهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ. الخامِسُ: قَوْلُ يَهُودِ خَيْبَرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ: نَحْنُ عَلى دِينِكم، ونَحْنُ لَكم رِدْءٌ، وهم مُسْتَمْسِكُونَ بِضَلالِهِمْ، وأرادُوا أنْ يَحْمَدَهم بِما لَمْ يَفْعَلُوا، قالَهُ السُّدِّيُّ. السّادِسُ: تَجْهِيزُ اليَهُودِ جَيْشًا إلى النَّبِيِّ ﷺ وإنْفاقُهم عَلى ذَلِكَ الجَيْشِ، قالَهُ النَّخَعِيُّ. السّابِعُ: إخْبارُ جَماعَةٍ مِنَ اليَهُودِ لِلْمُسْلِمِينَ حِينَ خَرَجُوا مِن عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ قَدْ أخْبَرَهم بِأشْياءَ عَرَفُوها، فَحَمِدَهُمُ المُسْلِمُونَ عَلى ذَلِكَ، وأبْطَنُوا خِلافَ ما أظْهَرُوا، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ. الثّامِنُ: اتِّباعُ النّاسِ لَهم في تَبْدِيلِ تَأْوِيلِ التَّوْراةِ، وأحَبُّوا حَمْدَهم إيّاهم عَلى ذَلِكَ، ولَمْ يَفْعَلُوا شَيْئًا نافِعًا ولا صَحِيحًا، قالَهُ مُجاهِدٌ. التّاسِعُ: تَخَلُّفُ المُنافِقِينَ عَنِ الغَزْوِ وحَلِفُهم لِلْمُسْلِمِينَ أنَّهم يُسَرُّونَ بِنَصْرِهِمْ، وكانُوا يُحِبُّونَ أنْ يُقالَ إنَّهم في حُكْمِ المُجاهِدِينَ، قالَهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ. والأقْوالُ السّابِقَةُ غَيْرُ هَذا الأخِيرِ مَبْنِيَّةٌ عَلى أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في اليَهُودِ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ شامِلًا لِكُلِّ مَن يَأْتِي بِحَسَنَةٍ فَرِحَ بِها فَرَحَ إعْجابٍ، ويُحِبُّ أنْ يَحْمَدَهُ النّاسُ ويُثْنُوا عَلَيْهِ بِالدِّيانَةِ والزُّهْدِ، وبِما لَيْسَ فِيهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: لا يَحْسَبُنَّ ولا يَحْسَبُنَّهم بِالياءِ فِيهِما، ورَفْعِ باءِ يَحْسَبَنَّهم عَلى إسْنادِ يَحْسَبَنَّ لِلَّذِينَ، وخُرِّجَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما ما قالَهُ أبُو عَلِيٍّ: وهو أنَّ لا يَحْسَبُنَّ لَمْ يَقَعْ عَلى شَيْءٍ، والَّذِينَ رُفِعَ بِهِ. وقَدْ تَجِيءُ هَذِهِ الأفْعالُ لَغْوًا لا في حُكْمِ الجُمَلِ المُفِيدَةِ نَحْوَ قَوْلِهِ: ؎وما خِلْتُ أبْقى بَيْنَنا مِن مَوَدَّةٍ ∗∗∗ عِراضُ المَذاكِي المُشْنِقاتِ القَلائِصا وقالَ الخَلِيلُ: العَرَبُ تَقُولُ: ما رَأيْتُهُ يَقُولُ ذَلِكَ إلّا زِيدٌ، وما ظَنَنْتُهُ يَقُولُ ذَلِكَ إلّا زِيدٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَتَتَّجِهُ القِراءَةُ بِكَوْنِ فَلا يَحْسَبَنَّهم بَدَلًا مِنَ الأوَّلِ، وقَدْ تَعَدّى إلى المَفْعُولَيْنِ، وهُما: الضَّمِيرُ وبِمَفازَةٍ، واسْتَغْنى بِذَلِكَ عَنِ المَفْعُولَيْنِ، كَما اسْتَغْنى في قَوْلِهِ: ؎بِأيِّ كِتابٍ أمْ بِأيَّةِ سُنَّةٍ ∗∗∗ تَرى حُبَّهم عارًا عَلَيَّ وتَحَسَبُ أيْ: وتَحْسَبُ حُبَّهم عارًا عَلَيَّ. والوَجْهُ الثّانِي: ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهو أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفًا عَلى لا يَحْسَبَنَّهُمُ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَفازَةٍ، بِمَعْنى: لا يَحْسَبَنَّ أنْفُسَهُمُ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ فائِزِينَ. وفَلا يَحْسَبَنَّهم تَأْكِيدٌ، وتَقَدَّمَ لَنا الرَّدُّ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ في تَقْدِيرِهِ لا يَحْسَبَنَّهُمُ الَّذِينَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما﴾ [آل عمران: ١٧٨] وإنَّ هَذا التَّقْدِيرَ لا يَصِحُّ فَيُطَّلَعُ هُناكَ. وتَعَدّى في هَذِهِ القِراءَةِ فِعْلُ الحُسْبانِ إلى ضَمِيرَيْهِ المُتَّصِلَيْنِ: المَرْفُوعِ والمَنصُوبِ، وهو مِمّا يَخْتَصُّ بِهِ ظَنَنْتُ وأخَواتُها، ومِن غَيْرِها: وجَدْتُ، وفَقَدْتُ، وعَدِمْتُ، وذَلِكَ مُقَرَّرٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ: لا تَحْسَبَنَّ، وفَلا تَحْسَبَنَّهم بِتاءِ الخِطابِ، وفَتْحِ الباءِ فِيهِما خِطابًا لِلرَّسُولِ، وخُرِّجَتِ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وهو أنَّ المَفْعُولَ الأوَّلَ هو: الَّذِينَ يَفْرَحُونَ. والثّانِي مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ كَما قِيلَ آنِفًا في المَفْعُولَيْنِ. وحَسُنَ تَكْرارُ الفِعْلِ فَلا يَحْسَبَنَّهم لِطُولِ الكَلامِ، وهي عادَةُ العَرَبِ، وذَلِكَ تَقْرِيبٌ لِذِهْنِ المُخاطَبِ. والوَجْهُ الثّانِي ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: وأحَدُ المَفْعُولَيْنِ ﴿الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾، والثّانِي ﴿بِمَفازَةٍ﴾ . وقَوْلُهُ: فَلا يَحْسَبَنَّهم تَوْكِيدٌ تَقْدِيرُهُ لا يَحْسَبَنَّهم، فَلا يَحْسَبَنَّهم فائِزِينَ. وقُرِئَ لا تَحْسَبُنَّ فَلا تَحْسَبُنَّهم بِتاءِ الخِطابِ (p-١٣٨)وضَمِّ الباءِ فِيهِما خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ. ويَجِيءُ الخِلافُ في المَفْعُولِ الثّانِي كالخِلافِ فِيهِ في قِراءَةِ الكُوفِيِّينَ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: لا يَحْسَبَنَّ بِياءِ الغَيْبَةِ، وفَلا تَحْسَبَنَّهم بِتاءِ الخِطابِ، وفَتْحِ الباءِ فِيهِما، وخُرِّجَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى حَذْفِ مَفْعُولَيْ يَحْسَبَنَّ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُما عَلَيْهِما. ولا يَجُوزُ في هَذِهِ القِراءَةِ البَدَلُ الَّذِي جُوِّزَ في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو؛ لِاخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ؛ لِاخْتِلافِ الفاعِلِ. وإذا كانَ (فَلا يَحْسَبَنَّهم) تَوْكِيدًا أوْ بَدَلًا، فَدُخُولُ الفاءِ إنَّما يَتَوَجَّهُ عَلى أنْ تَكُونَ زائِدَةً، إذْ لا يَصِحُّ أنْ تَكُونَ لِلْعَطْفِ، ولا أنْ تَكُونَ فاءَ جَوابِ الجَزاءِ. وأنْشَدُوا عَلى زِيادَةِ الفاءِ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎حَتّى تَرَكْتُ العائِداتِ يَعُدْنَهُ ∗∗∗ يَقُلْنَ فَلا تَبْعُدْ وقُلْتُ لَهُ ابْعُدِ وقالَ آخَرُ: ؎لَمّا اتَّقى بِيَدٍ عَظِيمٌ جِرْمُها ∗∗∗ فَتَرَكْتُ ضاحِيَ كَفِّهِ يَتَذَبْذَبُ أيْ: لا تَبْعُدْ، وأيْ تَرَكْتُ. وقَرَأ النَّخَعِيُّ ومَرْوانُ بْنُ الحَكَمِ: بِما آتَوْا بِمَعْنى: أعْطَوْا. وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ والسُّلَمِيُّ: بِما أُوتُوا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وتَقَدَّمَتِ الأقْوالُ في (أتَوْا)، وبَعْضُها يَسْتَقِيمُ عَلى هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ. وفِي حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ: (بِما لَمْ يَفْعَلُوا بِمَفازَةٍ)، وأُسْقِطَ (فَلا يَحْسَبَنَّهم) . و(مَفازَةٍ) مَفْعَلَةٌ مِن فازَ، وهي لِلْمَكانِ، أيْ: مَوْضِعِ فَوْزٍ، أيْ: نَجاةٍ. وقالَ الفَرّاءُ: أيْ يَبْعُدُ مِنَ العَذابِ، لِأنَّ الفَوْزَ مَعْناهُ التَّباعُدُ مِنَ المَكْرُوهِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ تَزَيُّنَ الإنْسانَ بِما لَيْسَ فِيهِ وحُبَّهُ المَدْحَ عَلَيْهِ مَنهِيٌّ عَنْهُ ومَذْمُومٌ شَرْعًا. وقالَ تَعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: (المُتَشَبِّعُ بِما لَيْسَ فِيهِ كَلابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ) وقَدْ أخْبَرَ تَعالى عَنْهم بِالعَذابِ الألِيمِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ . وناسَبَ وصْفُهُ بِألِيمٍ لِأجْلِ فَرَحِهِمْ ومَحَبَّتِهِمُ المَحْمَدَةَ عَلى ما لَمْ يَفْعَلُوا. ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ذَكَرَ تَعالى أنَّهم مِن جُمْلَةِ ما مَلَكَ، وأنَّهُ قادِرٌ عَلَيْهِمْ، فَهم مَمْلُوكُونَ مَقْهُورُونَ مَقْدُورٌ عَلَيْهِمْ، فَلَيْسُوا بِناجِينَ مِنَ العَذابِ.

آل عمران 3:188

﴿لَتُبْلَوُنَّ في أمْوالِكم وأنْفُسِكم ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ واشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ﴾ ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهم بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الألْبابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١] ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ [آل عمران: ١٩٢] ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإيمانِ أنْ آمِنُوا بِرَبِّكم فَآمَنّا رَبَّنا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا وتَوَفَّنا مَعَ الأبْرارِ﴾ [آل عمران: ١٩٣] ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ [آل عمران: ١٩٤] ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهم أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكم مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى بَعْضُكم مِن بَعْضٍ فالَّذِينَ هاجَرُوا وأُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأُوذُوا في سَبِيلِي وقاتَلُوا وقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ولَأُدْخِلَنَّهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ثَوابًا مِن عِنْدِ اللَّهِ واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ﴾ [آل عمران: ١٩٥] ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ [آل عمران: ١٩٦] ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ﴾ [آل عمران: ١٩٧] ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأبْرارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨] ﴿وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْكم وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [آل عمران: ١٩٩] ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصابِرُوا ورابِطُوا واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠] . الجُنُوبُ: جَمْعُ جَنْبٍ وهو مَعْرُوفٌ. المُرابَطَةُ: المُلازَمَةُ في الثَّغْرِ لِلْجِهادِ، وأصْلُها مِن رَبْطِ الخَيْلِ. ﴿لَتُبْلَوُنَّ في أمْوالِكم وأنْفُسِكم ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا﴾: قِيلَ: نَزَلَتْ في قِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ حِينَ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقَدْ قَرَأ عَلَيْهِمُ الرَّسُولُ القُرْآنَ: إنْ كانَ حَقًّا فَلا تُؤْذِنا بِهِ في مَجالِسِنا. ورَدَّ عَلَيْهِ ابْنُ رَواحَةَ فَقالَ: أغْشِنا بِهِ في مَجالِسِنا يا رَسُولَ اللَّهِ. وتَسابَّ المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ واليَهُودُ. وقِيلَ: فِيما جَرى بَيْنَ أبِي بَكْرٍ وفِنْحاصٍ. وقِيلَ: في كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ كانَ يُحَرِّضُ المُشْرِكِينَ عَلى الرَّسُولِ وأصْحابِهِ في شِعْرِهِ، وأعْلَمَهم تَعالى بِهَذا الِابْتِلاءِ والسَّماعِ لِيَكُونُوا أحْمَلَ لِما يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِن ذَلِكَ، إذا سَبَقَ الإخْبارُ بِهِ بِخِلافِ مَن يَأْتِيهِ الأمْرُ فَجْأةً فَإنَّهُ يَكْثُرُ تَألُّمُهُ. والآيَةُ مَسُوقَةٌ في ذَمِّ أهْلِ الكِتابِ وغَيْرِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَناسَبَتْ ما قَبْلَها مِنَ الآياتِ الَّتِي جاءَتْ في ذَمِّ أهْلِ الكِتابِ وغَيْرِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ. والظّاهِرُ في قَوْلِهِ: ”لَتُبْلَوْنَ“ أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ. وقالَ عَطاءٌ: المُهاجِرُونَ، أخَذَ المُشْرِكُونَ رِباعَهَمْ فَباعُوها، وأمْوالَهم فَنَهَبُوها. وقِيلَ: الِابْتِلاءُ في الأمْوالِ هو ما أُصِيبُوا بِهِ مِن نَهْبِ أمْوالِهِمْ وعَدَدِهِمْ يَوْمَ أُحُدٍ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِما سَيَقَعُ مِنَ الِامْتِحانِ في الأمْوالِ بِما يَقَعُ فِيها مِنَ المَصائِبِ والذَّهابِ والإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ وفي تَكالِيفِ الشَّرْعِ، والِابْتِلاءِ في النَّفْسِ بِالشَّهَواتِ أوِ الفُرُوضِ البَدَنِيَّةِ أوِ الأمْراضِ، أوْ فَقْدِ الأقارِبِ والعَشائِرِ، أوْ بِالقَتْلِ والجِراحاتِ والأسْرِ، وأنْواعِ المَخاوِفِ، أقْوالٌ. وقَدَّمَ الأمْوالَ عَلى الأنْفُسِ عَلى سَبِيلِ التَّرَقِّي إلى الأشْرَفِ، أوْ عَلى سَبِيلِ الكَثْرَةِ؛ لِأنَّ الرَّزايا في الأمْوالِ أكْثَرُ مِنَ الرَّزايا في الأنْفُسِ. والأذى: اسْمٌ جامِعٌ (p-١٣٦)فِي مَعْنى الضَّرَرِ، ويَشْمَلُ أقْوالَهم في الرَّسُولِ وأصْحابِهِ، وفي اللَّهِ تَعالى وأنْبِيائِهِ، والمَطاعِنِ في الدِّينِ، وتَخْطِئَةِ مَن آمَنَ، وهِجاءِ كَعْبٍ وتَشْبِيبِهِ بِنِساءِ المُؤْمِنِينَ. ﴿وإنْ تَصْبِرُوا﴾: عَلى ذَلِكَ الِابْتِلاءِ وذَلِكَ السَّماعِ. ﴿وتَتَّقُوا فَإنَّ ذَلِكَ﴾: أيْ فَإنَّ الصَّبْرَ والتَّقْوى. ﴿مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾: قِيلَ: مِن أشَدِّها وأحْسَنِها. والعَزْمُ: إمْضاءُ الأمْرِ المُرَوّى المُنَقَّحِ. وقالَ النَّقّاشُ: العَزْمُ هو الحَزْمُ بِمَعْنًى واحِدٍ، الحاءُ مُبْدَلَةٌ مِنَ العَيْنِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا خَطَأٌ. الحَزْمُ جَوْدَةُ النَّظَرِ في الأمْرِ، ونَتِيجَتُهُ الحَذَرُ مِنَ الخَطَأِ فِيهِ. والعَزْمُ قَصْدُ الإمْضاءِ، واللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿وشاوِرْهم في الأمْرِ فَإذا عَزَمْتَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] فالمُشاوَرَةُ وما كانَ في مَعْناها هو الحَزْمُ. والعَرَبُ تَقُولُ: قَدْ أحْزِمُ لَوْ أعْزِمُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ”مِن عَزْمِ الأُمُورِ“ مِن مَعْزُوماتِ الأُمُورِ، أيْ: مِمّا يَجِبُ عَلَيْهِ العَزْمُ مِنَ الأُمُورِ، أوْ مِمّا عَزَمَ اللَّهُ أنْ يَكُونَ، يَعْنِي: أنَّ ذَلِكَ عَزْمَةٌ مِن عَزَماتِ اللَّهِ لا بُدَّ لَكم أنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا. وقِيلَ: ”﴿مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾“ مِن جَدِّها. وقالَ مُجاهِدٌ في قَوْلِهِ: فَإذا عَزَمَ الأمْرُ، أيْ فَإذا وُجِدَ الأمْرُ. ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ﴾: هُمُ اليَهُودُ أُخِذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقُ في أمْرِ الرَّسُولِ ﷺ فَكَتَمُوهُ ونَبَذُوهُ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ. وقالَ قَوْمٌ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى. وقالَ الجُمْهُورُ: هي عامَّةٌ في كُلِّ مَن عَلَّمَهُ اللَّهُ عِلْمًا، وعُلَماءُ هَذا الأُمَّةِ داخِلُونَ في هَذا المِيثاقِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو بَكْرٍ: بِالياءِ فِيهِما عَلى الغَيْبَةِ، إذْ قَبْلَهُ ”الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ“ وبَعْدَهُ ”فَنَبَذُوهُ“ . وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالتّاءِ لِلْخِطابِ، وهي كَقَوْلِهِ: ﴿لا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٨٣] قُرِئَ بِالتّاءِ والياءِ، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلى الكِتابِ. وقِيلَ: هو لِلنَّبِيِّ ﷺ . وقِيلَ: لِلْمِيثاقِ. وقِيلَ: لِلْإيمانِ بِالرَّسُولِ لِقَوْلِهِ: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١] وارْتِفاعُ ولا تَكْتُمُونَهُ لِكَوْنِهِ وقَعَ حالًا، أيْ: غَيْرَ كاتِمِينَ لَهُ، ولَيْسَ داخِلًا في المُقْسَمِ عَلَيْهِ. قالُوا ولِلْحالِ لا العَطْفِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فاسْتَقِيما ولا تَتَّبِعانِّ﴾ [يونس: ٨٩] وقَوْلِهِ: ”ولا يَسْألُ“ في قِراءَةِ مَن خَفَّفَ النُّونَ ورَفَعَ اللّامَ. وقِيلَ: الواوُ لِلْعَطْفِ، وهو مِن جُمْلَةِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ. ولَمّا كانَ مَنفِيًّا بِلا لَمْ يُؤَكَّدْ، تَقُولُ: واللَّهِ لا يَقُومُ زَيْدٌ، فَلا تَدْخُلُهُ النُّونُ. وهَذا الوَجْهُ عِنْدِي أعْرَبُ وأفْصَحُ؛ لِأنَّ الأوَّلَ يَحْتاجُ إلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ قَبْلَ لا؛ حَتّى تَكُونَ الجُمْلَةُ اسْمِيَّةً في مَوْضِعِ الحالِ، إذِ المُضارِعُ المَنفِيُّ بِلا لا تَدْخُلُ عَلَيْهِ واوُ الحالِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: ”لَيُبَيِّنُونَهُ“ بِغَيْرِ نُونِ التَّوْكِيدِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَدْ لا تَلْزَمُ هَذِهِ النُّونَ لامُ التَّوْكِيدِ، قالَهُ سِيبَوَيْهِ. انْتَهى. وهَذا لَيْسَ مَعْرُوفًا مِن قَوْلِ البَصْرِيِّينَ، بَلْ تَعاقُبُ اللّامِ والنُّونِ عِنْدَهم ضَرُورَةٌ. والكُوفِيُّونَ يُجِيزُونَ ذَلِكَ في سِعَةِ الكَلامِ، فَيُجِيزُونَ: واللَّهِ لَأقُومُ، وواللَّهِ أقُومَنَّ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎وعَيْشُكِ يا سَلْمى لَأُوقِنُ إنَّنِي لِما شِئْتِ مُسْتَحْلٍ ولَوْ أنَّهُ القَتْلُ وقالَ آخَرُ: ؎يَمِينًا لَأُبْغِضُ كُلَّ امْرِئٍ ∗∗∗ يُزَخْرِفُ قَوْلًا ولا يَفْعَلُ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: ”مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لِتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ“، فَيَعُودُ الضَّمِيرُ في فَنَبَذُوهُ عَلى النّاسِ؛ إذْ يَسْتَحِيلُ عَوْدُهُ عَلى النَّبِيِّينَ، أيْ: فَنَبَذَهُ النّاسُ المُبَيَّنُ لَهُمُ المِيثاقُ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مَعْنى: ﴿فَنَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠١] . ﴿واشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ﴾: وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ والكَلامُ في إعْرابِ ما بَعْدَ بِئْسَ فَأغْنى عَنِ الإعادَةِ. ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهم بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، كانُوا يَتَخَلَّفُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الغَزْوِ، فَإذا جاءَ اسْتَعْذَرُوا لَهُ، فَيُظْهِرُ القَبُولَ ويَسْتَغْفِرُ لَهم، فَفَضَحَهُمُ اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ. قالَهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ وابْنُ زَيْدٍ وجَماعَةٌ. وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: نَزَلَتْ في أحْبارِ اليَهُودِ. وأتى تَكُونُ بِمَعْنى فَعَلَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: (p-١٣٧)﴿إنَّهُ كانَ وعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ [مريم: ٦١] أيْ مَفْعُولًا. فَمَعْنى بِما أتَوْا: بِما فَعَلُوا، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ: بِما فَعَلُوا. وفي الَّذِي فَعَلُوهُ وفَرِحُوا بِهِ - أقْوالٌ. أحَدُها: كَتْمُ ما سَألَهم عَنْهُ الرَّسُولُ، وإخْبارُهم بِغَيْرِهِ، وأرَوْهُ أنَّهم قَدْ أخْبَرُوهُ بِهِ واسْتَحْمَدُوا بِذَلِكَ إلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. الثّانِي: ما أصابُوا مِنَ الدُّنْيا وأحَبُّوا أنْ يُقالَ: إنَّهم عُلَماءُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا. الثّالِثُ: قَوْلُهم: نَحْنُ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ، وكَتْمُهم أمْرَ الرَّسُولِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ. الرّابِعُ: كُتُبُهم إلى اليَهُودِ يَهُودِ الأرْضِ كُلِّها أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَيْسَ بِنَبِيٍّ، فاثْبُتُوا عَلى دِينِكم، فاجْتَمَعَتْ كَلِمَتُهم عَلى الكُفْرِ بِهِ. وقالُوا: نَحْنُ أهْلُ الصَّوْمِ والصَّلاةِ وأوْلِياءُ اللَّهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ. الخامِسُ: قَوْلُ يَهُودِ خَيْبَرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ: نَحْنُ عَلى دِينِكم، ونَحْنُ لَكم رِدْءٌ، وهم مُسْتَمْسِكُونَ بِضَلالِهِمْ، وأرادُوا أنْ يَحْمَدَهم بِما لَمْ يَفْعَلُوا، قالَهُ السُّدِّيُّ. السّادِسُ: تَجْهِيزُ اليَهُودِ جَيْشًا إلى النَّبِيِّ ﷺ وإنْفاقُهم عَلى ذَلِكَ الجَيْشِ، قالَهُ النَّخَعِيُّ. السّابِعُ: إخْبارُ جَماعَةٍ مِنَ اليَهُودِ لِلْمُسْلِمِينَ حِينَ خَرَجُوا مِن عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ قَدْ أخْبَرَهم بِأشْياءَ عَرَفُوها، فَحَمِدَهُمُ المُسْلِمُونَ عَلى ذَلِكَ، وأبْطَنُوا خِلافَ ما أظْهَرُوا، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ. الثّامِنُ: اتِّباعُ النّاسِ لَهم في تَبْدِيلِ تَأْوِيلِ التَّوْراةِ، وأحَبُّوا حَمْدَهم إيّاهم عَلى ذَلِكَ، ولَمْ يَفْعَلُوا شَيْئًا نافِعًا ولا صَحِيحًا، قالَهُ مُجاهِدٌ. التّاسِعُ: تَخَلُّفُ المُنافِقِينَ عَنِ الغَزْوِ وحَلِفُهم لِلْمُسْلِمِينَ أنَّهم يُسَرُّونَ بِنَصْرِهِمْ، وكانُوا يُحِبُّونَ أنْ يُقالَ إنَّهم في حُكْمِ المُجاهِدِينَ، قالَهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ. والأقْوالُ السّابِقَةُ غَيْرُ هَذا الأخِيرِ مَبْنِيَّةٌ عَلى أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في اليَهُودِ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ شامِلًا لِكُلِّ مَن يَأْتِي بِحَسَنَةٍ فَرِحَ بِها فَرَحَ إعْجابٍ، ويُحِبُّ أنْ يَحْمَدَهُ النّاسُ ويُثْنُوا عَلَيْهِ بِالدِّيانَةِ والزُّهْدِ، وبِما لَيْسَ فِيهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: لا يَحْسَبُنَّ ولا يَحْسَبُنَّهم بِالياءِ فِيهِما، ورَفْعِ باءِ يَحْسَبَنَّهم عَلى إسْنادِ يَحْسَبَنَّ لِلَّذِينَ، وخُرِّجَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما ما قالَهُ أبُو عَلِيٍّ: وهو أنَّ لا يَحْسَبُنَّ لَمْ يَقَعْ عَلى شَيْءٍ، والَّذِينَ رُفِعَ بِهِ. وقَدْ تَجِيءُ هَذِهِ الأفْعالُ لَغْوًا لا في حُكْمِ الجُمَلِ المُفِيدَةِ نَحْوَ قَوْلِهِ: ؎وما خِلْتُ أبْقى بَيْنَنا مِن مَوَدَّةٍ ∗∗∗ عِراضُ المَذاكِي المُشْنِقاتِ القَلائِصا وقالَ الخَلِيلُ: العَرَبُ تَقُولُ: ما رَأيْتُهُ يَقُولُ ذَلِكَ إلّا زِيدٌ، وما ظَنَنْتُهُ يَقُولُ ذَلِكَ إلّا زِيدٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَتَتَّجِهُ القِراءَةُ بِكَوْنِ فَلا يَحْسَبَنَّهم بَدَلًا مِنَ الأوَّلِ، وقَدْ تَعَدّى إلى المَفْعُولَيْنِ، وهُما: الضَّمِيرُ وبِمَفازَةٍ، واسْتَغْنى بِذَلِكَ عَنِ المَفْعُولَيْنِ، كَما اسْتَغْنى في قَوْلِهِ: ؎بِأيِّ كِتابٍ أمْ بِأيَّةِ سُنَّةٍ ∗∗∗ تَرى حُبَّهم عارًا عَلَيَّ وتَحَسَبُ أيْ: وتَحْسَبُ حُبَّهم عارًا عَلَيَّ. والوَجْهُ الثّانِي: ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهو أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفًا عَلى لا يَحْسَبَنَّهُمُ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَفازَةٍ، بِمَعْنى: لا يَحْسَبَنَّ أنْفُسَهُمُ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ فائِزِينَ. وفَلا يَحْسَبَنَّهم تَأْكِيدٌ، وتَقَدَّمَ لَنا الرَّدُّ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ في تَقْدِيرِهِ لا يَحْسَبَنَّهُمُ الَّذِينَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما﴾ [آل عمران: ١٧٨] وإنَّ هَذا التَّقْدِيرَ لا يَصِحُّ فَيُطَّلَعُ هُناكَ. وتَعَدّى في هَذِهِ القِراءَةِ فِعْلُ الحُسْبانِ إلى ضَمِيرَيْهِ المُتَّصِلَيْنِ: المَرْفُوعِ والمَنصُوبِ، وهو مِمّا يَخْتَصُّ بِهِ ظَنَنْتُ وأخَواتُها، ومِن غَيْرِها: وجَدْتُ، وفَقَدْتُ، وعَدِمْتُ، وذَلِكَ مُقَرَّرٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ: لا تَحْسَبَنَّ، وفَلا تَحْسَبَنَّهم بِتاءِ الخِطابِ، وفَتْحِ الباءِ فِيهِما خِطابًا لِلرَّسُولِ، وخُرِّجَتِ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وهو أنَّ المَفْعُولَ الأوَّلَ هو: الَّذِينَ يَفْرَحُونَ. والثّانِي مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ كَما قِيلَ آنِفًا في المَفْعُولَيْنِ. وحَسُنَ تَكْرارُ الفِعْلِ فَلا يَحْسَبَنَّهم لِطُولِ الكَلامِ، وهي عادَةُ العَرَبِ، وذَلِكَ تَقْرِيبٌ لِذِهْنِ المُخاطَبِ. والوَجْهُ الثّانِي ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: وأحَدُ المَفْعُولَيْنِ ﴿الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾، والثّانِي ﴿بِمَفازَةٍ﴾ . وقَوْلُهُ: فَلا يَحْسَبَنَّهم تَوْكِيدٌ تَقْدِيرُهُ لا يَحْسَبَنَّهم، فَلا يَحْسَبَنَّهم فائِزِينَ. وقُرِئَ لا تَحْسَبُنَّ فَلا تَحْسَبُنَّهم بِتاءِ الخِطابِ (p-١٣٨)وضَمِّ الباءِ فِيهِما خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ. ويَجِيءُ الخِلافُ في المَفْعُولِ الثّانِي كالخِلافِ فِيهِ في قِراءَةِ الكُوفِيِّينَ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: لا يَحْسَبَنَّ بِياءِ الغَيْبَةِ، وفَلا تَحْسَبَنَّهم بِتاءِ الخِطابِ، وفَتْحِ الباءِ فِيهِما، وخُرِّجَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى حَذْفِ مَفْعُولَيْ يَحْسَبَنَّ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُما عَلَيْهِما. ولا يَجُوزُ في هَذِهِ القِراءَةِ البَدَلُ الَّذِي جُوِّزَ في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو؛ لِاخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ؛ لِاخْتِلافِ الفاعِلِ. وإذا كانَ (فَلا يَحْسَبَنَّهم) تَوْكِيدًا أوْ بَدَلًا، فَدُخُولُ الفاءِ إنَّما يَتَوَجَّهُ عَلى أنْ تَكُونَ زائِدَةً، إذْ لا يَصِحُّ أنْ تَكُونَ لِلْعَطْفِ، ولا أنْ تَكُونَ فاءَ جَوابِ الجَزاءِ. وأنْشَدُوا عَلى زِيادَةِ الفاءِ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎حَتّى تَرَكْتُ العائِداتِ يَعُدْنَهُ ∗∗∗ يَقُلْنَ فَلا تَبْعُدْ وقُلْتُ لَهُ ابْعُدِ وقالَ آخَرُ: ؎لَمّا اتَّقى بِيَدٍ عَظِيمٌ جِرْمُها ∗∗∗ فَتَرَكْتُ ضاحِيَ كَفِّهِ يَتَذَبْذَبُ أيْ: لا تَبْعُدْ، وأيْ تَرَكْتُ. وقَرَأ النَّخَعِيُّ ومَرْوانُ بْنُ الحَكَمِ: بِما آتَوْا بِمَعْنى: أعْطَوْا. وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ والسُّلَمِيُّ: بِما أُوتُوا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وتَقَدَّمَتِ الأقْوالُ في (أتَوْا)، وبَعْضُها يَسْتَقِيمُ عَلى هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ. وفِي حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ: (بِما لَمْ يَفْعَلُوا بِمَفازَةٍ)، وأُسْقِطَ (فَلا يَحْسَبَنَّهم) . و(مَفازَةٍ) مَفْعَلَةٌ مِن فازَ، وهي لِلْمَكانِ، أيْ: مَوْضِعِ فَوْزٍ، أيْ: نَجاةٍ. وقالَ الفَرّاءُ: أيْ يَبْعُدُ مِنَ العَذابِ، لِأنَّ الفَوْزَ مَعْناهُ التَّباعُدُ مِنَ المَكْرُوهِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ تَزَيُّنَ الإنْسانَ بِما لَيْسَ فِيهِ وحُبَّهُ المَدْحَ عَلَيْهِ مَنهِيٌّ عَنْهُ ومَذْمُومٌ شَرْعًا. وقالَ تَعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: (المُتَشَبِّعُ بِما لَيْسَ فِيهِ كَلابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ) وقَدْ أخْبَرَ تَعالى عَنْهم بِالعَذابِ الألِيمِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ . وناسَبَ وصْفُهُ بِألِيمٍ لِأجْلِ فَرَحِهِمْ ومَحَبَّتِهِمُ المَحْمَدَةَ عَلى ما لَمْ يَفْعَلُوا. ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ذَكَرَ تَعالى أنَّهم مِن جُمْلَةِ ما مَلَكَ، وأنَّهُ قادِرٌ عَلَيْهِمْ، فَهم مَمْلُوكُونَ مَقْهُورُونَ مَقْدُورٌ عَلَيْهِمْ، فَلَيْسُوا بِناجِينَ مِنَ العَذابِ.

آل عمران 3:189

﴿لَتُبْلَوُنَّ في أمْوالِكم وأنْفُسِكم ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ واشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ﴾ ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهم بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الألْبابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١] ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ [آل عمران: ١٩٢] ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإيمانِ أنْ آمِنُوا بِرَبِّكم فَآمَنّا رَبَّنا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا وتَوَفَّنا مَعَ الأبْرارِ﴾ [آل عمران: ١٩٣] ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ [آل عمران: ١٩٤] ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهم أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكم مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى بَعْضُكم مِن بَعْضٍ فالَّذِينَ هاجَرُوا وأُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأُوذُوا في سَبِيلِي وقاتَلُوا وقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ولَأُدْخِلَنَّهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ثَوابًا مِن عِنْدِ اللَّهِ واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ﴾ [آل عمران: ١٩٥] ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ [آل عمران: ١٩٦] ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ﴾ [آل عمران: ١٩٧] ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأبْرارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨] ﴿وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْكم وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [آل عمران: ١٩٩] ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصابِرُوا ورابِطُوا واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠] . الجُنُوبُ: جَمْعُ جَنْبٍ وهو مَعْرُوفٌ. المُرابَطَةُ: المُلازَمَةُ في الثَّغْرِ لِلْجِهادِ، وأصْلُها مِن رَبْطِ الخَيْلِ. ﴿لَتُبْلَوُنَّ في أمْوالِكم وأنْفُسِكم ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا﴾: قِيلَ: نَزَلَتْ في قِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ حِينَ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقَدْ قَرَأ عَلَيْهِمُ الرَّسُولُ القُرْآنَ: إنْ كانَ حَقًّا فَلا تُؤْذِنا بِهِ في مَجالِسِنا. ورَدَّ عَلَيْهِ ابْنُ رَواحَةَ فَقالَ: أغْشِنا بِهِ في مَجالِسِنا يا رَسُولَ اللَّهِ. وتَسابَّ المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ واليَهُودُ. وقِيلَ: فِيما جَرى بَيْنَ أبِي بَكْرٍ وفِنْحاصٍ. وقِيلَ: في كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ كانَ يُحَرِّضُ المُشْرِكِينَ عَلى الرَّسُولِ وأصْحابِهِ في شِعْرِهِ، وأعْلَمَهم تَعالى بِهَذا الِابْتِلاءِ والسَّماعِ لِيَكُونُوا أحْمَلَ لِما يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِن ذَلِكَ، إذا سَبَقَ الإخْبارُ بِهِ بِخِلافِ مَن يَأْتِيهِ الأمْرُ فَجْأةً فَإنَّهُ يَكْثُرُ تَألُّمُهُ. والآيَةُ مَسُوقَةٌ في ذَمِّ أهْلِ الكِتابِ وغَيْرِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَناسَبَتْ ما قَبْلَها مِنَ الآياتِ الَّتِي جاءَتْ في ذَمِّ أهْلِ الكِتابِ وغَيْرِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ. والظّاهِرُ في قَوْلِهِ: ”لَتُبْلَوْنَ“ أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ. وقالَ عَطاءٌ: المُهاجِرُونَ، أخَذَ المُشْرِكُونَ رِباعَهَمْ فَباعُوها، وأمْوالَهم فَنَهَبُوها. وقِيلَ: الِابْتِلاءُ في الأمْوالِ هو ما أُصِيبُوا بِهِ مِن نَهْبِ أمْوالِهِمْ وعَدَدِهِمْ يَوْمَ أُحُدٍ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِما سَيَقَعُ مِنَ الِامْتِحانِ في الأمْوالِ بِما يَقَعُ فِيها مِنَ المَصائِبِ والذَّهابِ والإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ وفي تَكالِيفِ الشَّرْعِ، والِابْتِلاءِ في النَّفْسِ بِالشَّهَواتِ أوِ الفُرُوضِ البَدَنِيَّةِ أوِ الأمْراضِ، أوْ فَقْدِ الأقارِبِ والعَشائِرِ، أوْ بِالقَتْلِ والجِراحاتِ والأسْرِ، وأنْواعِ المَخاوِفِ، أقْوالٌ. وقَدَّمَ الأمْوالَ عَلى الأنْفُسِ عَلى سَبِيلِ التَّرَقِّي إلى الأشْرَفِ، أوْ عَلى سَبِيلِ الكَثْرَةِ؛ لِأنَّ الرَّزايا في الأمْوالِ أكْثَرُ مِنَ الرَّزايا في الأنْفُسِ. والأذى: اسْمٌ جامِعٌ (p-١٣٦)فِي مَعْنى الضَّرَرِ، ويَشْمَلُ أقْوالَهم في الرَّسُولِ وأصْحابِهِ، وفي اللَّهِ تَعالى وأنْبِيائِهِ، والمَطاعِنِ في الدِّينِ، وتَخْطِئَةِ مَن آمَنَ، وهِجاءِ كَعْبٍ وتَشْبِيبِهِ بِنِساءِ المُؤْمِنِينَ. ﴿وإنْ تَصْبِرُوا﴾: عَلى ذَلِكَ الِابْتِلاءِ وذَلِكَ السَّماعِ. ﴿وتَتَّقُوا فَإنَّ ذَلِكَ﴾: أيْ فَإنَّ الصَّبْرَ والتَّقْوى. ﴿مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾: قِيلَ: مِن أشَدِّها وأحْسَنِها. والعَزْمُ: إمْضاءُ الأمْرِ المُرَوّى المُنَقَّحِ. وقالَ النَّقّاشُ: العَزْمُ هو الحَزْمُ بِمَعْنًى واحِدٍ، الحاءُ مُبْدَلَةٌ مِنَ العَيْنِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا خَطَأٌ. الحَزْمُ جَوْدَةُ النَّظَرِ في الأمْرِ، ونَتِيجَتُهُ الحَذَرُ مِنَ الخَطَأِ فِيهِ. والعَزْمُ قَصْدُ الإمْضاءِ، واللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿وشاوِرْهم في الأمْرِ فَإذا عَزَمْتَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] فالمُشاوَرَةُ وما كانَ في مَعْناها هو الحَزْمُ. والعَرَبُ تَقُولُ: قَدْ أحْزِمُ لَوْ أعْزِمُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ”مِن عَزْمِ الأُمُورِ“ مِن مَعْزُوماتِ الأُمُورِ، أيْ: مِمّا يَجِبُ عَلَيْهِ العَزْمُ مِنَ الأُمُورِ، أوْ مِمّا عَزَمَ اللَّهُ أنْ يَكُونَ، يَعْنِي: أنَّ ذَلِكَ عَزْمَةٌ مِن عَزَماتِ اللَّهِ لا بُدَّ لَكم أنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا. وقِيلَ: ”﴿مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾“ مِن جَدِّها. وقالَ مُجاهِدٌ في قَوْلِهِ: فَإذا عَزَمَ الأمْرُ، أيْ فَإذا وُجِدَ الأمْرُ. ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ﴾: هُمُ اليَهُودُ أُخِذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقُ في أمْرِ الرَّسُولِ ﷺ فَكَتَمُوهُ ونَبَذُوهُ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ. وقالَ قَوْمٌ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى. وقالَ الجُمْهُورُ: هي عامَّةٌ في كُلِّ مَن عَلَّمَهُ اللَّهُ عِلْمًا، وعُلَماءُ هَذا الأُمَّةِ داخِلُونَ في هَذا المِيثاقِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو بَكْرٍ: بِالياءِ فِيهِما عَلى الغَيْبَةِ، إذْ قَبْلَهُ ”الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ“ وبَعْدَهُ ”فَنَبَذُوهُ“ . وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالتّاءِ لِلْخِطابِ، وهي كَقَوْلِهِ: ﴿لا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٨٣] قُرِئَ بِالتّاءِ والياءِ، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلى الكِتابِ. وقِيلَ: هو لِلنَّبِيِّ ﷺ . وقِيلَ: لِلْمِيثاقِ. وقِيلَ: لِلْإيمانِ بِالرَّسُولِ لِقَوْلِهِ: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١] وارْتِفاعُ ولا تَكْتُمُونَهُ لِكَوْنِهِ وقَعَ حالًا، أيْ: غَيْرَ كاتِمِينَ لَهُ، ولَيْسَ داخِلًا في المُقْسَمِ عَلَيْهِ. قالُوا ولِلْحالِ لا العَطْفِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فاسْتَقِيما ولا تَتَّبِعانِّ﴾ [يونس: ٨٩] وقَوْلِهِ: ”ولا يَسْألُ“ في قِراءَةِ مَن خَفَّفَ النُّونَ ورَفَعَ اللّامَ. وقِيلَ: الواوُ لِلْعَطْفِ، وهو مِن جُمْلَةِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ. ولَمّا كانَ مَنفِيًّا بِلا لَمْ يُؤَكَّدْ، تَقُولُ: واللَّهِ لا يَقُومُ زَيْدٌ، فَلا تَدْخُلُهُ النُّونُ. وهَذا الوَجْهُ عِنْدِي أعْرَبُ وأفْصَحُ؛ لِأنَّ الأوَّلَ يَحْتاجُ إلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ قَبْلَ لا؛ حَتّى تَكُونَ الجُمْلَةُ اسْمِيَّةً في مَوْضِعِ الحالِ، إذِ المُضارِعُ المَنفِيُّ بِلا لا تَدْخُلُ عَلَيْهِ واوُ الحالِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: ”لَيُبَيِّنُونَهُ“ بِغَيْرِ نُونِ التَّوْكِيدِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَدْ لا تَلْزَمُ هَذِهِ النُّونَ لامُ التَّوْكِيدِ، قالَهُ سِيبَوَيْهِ. انْتَهى. وهَذا لَيْسَ مَعْرُوفًا مِن قَوْلِ البَصْرِيِّينَ، بَلْ تَعاقُبُ اللّامِ والنُّونِ عِنْدَهم ضَرُورَةٌ. والكُوفِيُّونَ يُجِيزُونَ ذَلِكَ في سِعَةِ الكَلامِ، فَيُجِيزُونَ: واللَّهِ لَأقُومُ، وواللَّهِ أقُومَنَّ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎وعَيْشُكِ يا سَلْمى لَأُوقِنُ إنَّنِي لِما شِئْتِ مُسْتَحْلٍ ولَوْ أنَّهُ القَتْلُ وقالَ آخَرُ: ؎يَمِينًا لَأُبْغِضُ كُلَّ امْرِئٍ ∗∗∗ يُزَخْرِفُ قَوْلًا ولا يَفْعَلُ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: ”مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لِتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ“، فَيَعُودُ الضَّمِيرُ في فَنَبَذُوهُ عَلى النّاسِ؛ إذْ يَسْتَحِيلُ عَوْدُهُ عَلى النَّبِيِّينَ، أيْ: فَنَبَذَهُ النّاسُ المُبَيَّنُ لَهُمُ المِيثاقُ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مَعْنى: ﴿فَنَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠١] . ﴿واشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ﴾: وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ والكَلامُ في إعْرابِ ما بَعْدَ بِئْسَ فَأغْنى عَنِ الإعادَةِ. ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهم بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، كانُوا يَتَخَلَّفُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الغَزْوِ، فَإذا جاءَ اسْتَعْذَرُوا لَهُ، فَيُظْهِرُ القَبُولَ ويَسْتَغْفِرُ لَهم، فَفَضَحَهُمُ اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ. قالَهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ وابْنُ زَيْدٍ وجَماعَةٌ. وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: نَزَلَتْ في أحْبارِ اليَهُودِ. وأتى تَكُونُ بِمَعْنى فَعَلَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: (p-١٣٧)﴿إنَّهُ كانَ وعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ [مريم: ٦١] أيْ مَفْعُولًا. فَمَعْنى بِما أتَوْا: بِما فَعَلُوا، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ: بِما فَعَلُوا. وفي الَّذِي فَعَلُوهُ وفَرِحُوا بِهِ - أقْوالٌ. أحَدُها: كَتْمُ ما سَألَهم عَنْهُ الرَّسُولُ، وإخْبارُهم بِغَيْرِهِ، وأرَوْهُ أنَّهم قَدْ أخْبَرُوهُ بِهِ واسْتَحْمَدُوا بِذَلِكَ إلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. الثّانِي: ما أصابُوا مِنَ الدُّنْيا وأحَبُّوا أنْ يُقالَ: إنَّهم عُلَماءُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا. الثّالِثُ: قَوْلُهم: نَحْنُ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ، وكَتْمُهم أمْرَ الرَّسُولِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ. الرّابِعُ: كُتُبُهم إلى اليَهُودِ يَهُودِ الأرْضِ كُلِّها أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَيْسَ بِنَبِيٍّ، فاثْبُتُوا عَلى دِينِكم، فاجْتَمَعَتْ كَلِمَتُهم عَلى الكُفْرِ بِهِ. وقالُوا: نَحْنُ أهْلُ الصَّوْمِ والصَّلاةِ وأوْلِياءُ اللَّهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ. الخامِسُ: قَوْلُ يَهُودِ خَيْبَرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ: نَحْنُ عَلى دِينِكم، ونَحْنُ لَكم رِدْءٌ، وهم مُسْتَمْسِكُونَ بِضَلالِهِمْ، وأرادُوا أنْ يَحْمَدَهم بِما لَمْ يَفْعَلُوا، قالَهُ السُّدِّيُّ. السّادِسُ: تَجْهِيزُ اليَهُودِ جَيْشًا إلى النَّبِيِّ ﷺ وإنْفاقُهم عَلى ذَلِكَ الجَيْشِ، قالَهُ النَّخَعِيُّ. السّابِعُ: إخْبارُ جَماعَةٍ مِنَ اليَهُودِ لِلْمُسْلِمِينَ حِينَ خَرَجُوا مِن عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ قَدْ أخْبَرَهم بِأشْياءَ عَرَفُوها، فَحَمِدَهُمُ المُسْلِمُونَ عَلى ذَلِكَ، وأبْطَنُوا خِلافَ ما أظْهَرُوا، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ. الثّامِنُ: اتِّباعُ النّاسِ لَهم في تَبْدِيلِ تَأْوِيلِ التَّوْراةِ، وأحَبُّوا حَمْدَهم إيّاهم عَلى ذَلِكَ، ولَمْ يَفْعَلُوا شَيْئًا نافِعًا ولا صَحِيحًا، قالَهُ مُجاهِدٌ. التّاسِعُ: تَخَلُّفُ المُنافِقِينَ عَنِ الغَزْوِ وحَلِفُهم لِلْمُسْلِمِينَ أنَّهم يُسَرُّونَ بِنَصْرِهِمْ، وكانُوا يُحِبُّونَ أنْ يُقالَ إنَّهم في حُكْمِ المُجاهِدِينَ، قالَهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ. والأقْوالُ السّابِقَةُ غَيْرُ هَذا الأخِيرِ مَبْنِيَّةٌ عَلى أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في اليَهُودِ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ شامِلًا لِكُلِّ مَن يَأْتِي بِحَسَنَةٍ فَرِحَ بِها فَرَحَ إعْجابٍ، ويُحِبُّ أنْ يَحْمَدَهُ النّاسُ ويُثْنُوا عَلَيْهِ بِالدِّيانَةِ والزُّهْدِ، وبِما لَيْسَ فِيهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: لا يَحْسَبُنَّ ولا يَحْسَبُنَّهم بِالياءِ فِيهِما، ورَفْعِ باءِ يَحْسَبَنَّهم عَلى إسْنادِ يَحْسَبَنَّ لِلَّذِينَ، وخُرِّجَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما ما قالَهُ أبُو عَلِيٍّ: وهو أنَّ لا يَحْسَبُنَّ لَمْ يَقَعْ عَلى شَيْءٍ، والَّذِينَ رُفِعَ بِهِ. وقَدْ تَجِيءُ هَذِهِ الأفْعالُ لَغْوًا لا في حُكْمِ الجُمَلِ المُفِيدَةِ نَحْوَ قَوْلِهِ: ؎وما خِلْتُ أبْقى بَيْنَنا مِن مَوَدَّةٍ ∗∗∗ عِراضُ المَذاكِي المُشْنِقاتِ القَلائِصا وقالَ الخَلِيلُ: العَرَبُ تَقُولُ: ما رَأيْتُهُ يَقُولُ ذَلِكَ إلّا زِيدٌ، وما ظَنَنْتُهُ يَقُولُ ذَلِكَ إلّا زِيدٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَتَتَّجِهُ القِراءَةُ بِكَوْنِ فَلا يَحْسَبَنَّهم بَدَلًا مِنَ الأوَّلِ، وقَدْ تَعَدّى إلى المَفْعُولَيْنِ، وهُما: الضَّمِيرُ وبِمَفازَةٍ، واسْتَغْنى بِذَلِكَ عَنِ المَفْعُولَيْنِ، كَما اسْتَغْنى في قَوْلِهِ: ؎بِأيِّ كِتابٍ أمْ بِأيَّةِ سُنَّةٍ ∗∗∗ تَرى حُبَّهم عارًا عَلَيَّ وتَحَسَبُ أيْ: وتَحْسَبُ حُبَّهم عارًا عَلَيَّ. والوَجْهُ الثّانِي: ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهو أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفًا عَلى لا يَحْسَبَنَّهُمُ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَفازَةٍ، بِمَعْنى: لا يَحْسَبَنَّ أنْفُسَهُمُ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ فائِزِينَ. وفَلا يَحْسَبَنَّهم تَأْكِيدٌ، وتَقَدَّمَ لَنا الرَّدُّ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ في تَقْدِيرِهِ لا يَحْسَبَنَّهُمُ الَّذِينَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما﴾ [آل عمران: ١٧٨] وإنَّ هَذا التَّقْدِيرَ لا يَصِحُّ فَيُطَّلَعُ هُناكَ. وتَعَدّى في هَذِهِ القِراءَةِ فِعْلُ الحُسْبانِ إلى ضَمِيرَيْهِ المُتَّصِلَيْنِ: المَرْفُوعِ والمَنصُوبِ، وهو مِمّا يَخْتَصُّ بِهِ ظَنَنْتُ وأخَواتُها، ومِن غَيْرِها: وجَدْتُ، وفَقَدْتُ، وعَدِمْتُ، وذَلِكَ مُقَرَّرٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ: لا تَحْسَبَنَّ، وفَلا تَحْسَبَنَّهم بِتاءِ الخِطابِ، وفَتْحِ الباءِ فِيهِما خِطابًا لِلرَّسُولِ، وخُرِّجَتِ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وهو أنَّ المَفْعُولَ الأوَّلَ هو: الَّذِينَ يَفْرَحُونَ. والثّانِي مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ كَما قِيلَ آنِفًا في المَفْعُولَيْنِ. وحَسُنَ تَكْرارُ الفِعْلِ فَلا يَحْسَبَنَّهم لِطُولِ الكَلامِ، وهي عادَةُ العَرَبِ، وذَلِكَ تَقْرِيبٌ لِذِهْنِ المُخاطَبِ. والوَجْهُ الثّانِي ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: وأحَدُ المَفْعُولَيْنِ ﴿الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾، والثّانِي ﴿بِمَفازَةٍ﴾ . وقَوْلُهُ: فَلا يَحْسَبَنَّهم تَوْكِيدٌ تَقْدِيرُهُ لا يَحْسَبَنَّهم، فَلا يَحْسَبَنَّهم فائِزِينَ. وقُرِئَ لا تَحْسَبُنَّ فَلا تَحْسَبُنَّهم بِتاءِ الخِطابِ (p-١٣٨)وضَمِّ الباءِ فِيهِما خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ. ويَجِيءُ الخِلافُ في المَفْعُولِ الثّانِي كالخِلافِ فِيهِ في قِراءَةِ الكُوفِيِّينَ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: لا يَحْسَبَنَّ بِياءِ الغَيْبَةِ، وفَلا تَحْسَبَنَّهم بِتاءِ الخِطابِ، وفَتْحِ الباءِ فِيهِما، وخُرِّجَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى حَذْفِ مَفْعُولَيْ يَحْسَبَنَّ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُما عَلَيْهِما. ولا يَجُوزُ في هَذِهِ القِراءَةِ البَدَلُ الَّذِي جُوِّزَ في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو؛ لِاخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ؛ لِاخْتِلافِ الفاعِلِ. وإذا كانَ (فَلا يَحْسَبَنَّهم) تَوْكِيدًا أوْ بَدَلًا، فَدُخُولُ الفاءِ إنَّما يَتَوَجَّهُ عَلى أنْ تَكُونَ زائِدَةً، إذْ لا يَصِحُّ أنْ تَكُونَ لِلْعَطْفِ، ولا أنْ تَكُونَ فاءَ جَوابِ الجَزاءِ. وأنْشَدُوا عَلى زِيادَةِ الفاءِ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎حَتّى تَرَكْتُ العائِداتِ يَعُدْنَهُ ∗∗∗ يَقُلْنَ فَلا تَبْعُدْ وقُلْتُ لَهُ ابْعُدِ وقالَ آخَرُ: ؎لَمّا اتَّقى بِيَدٍ عَظِيمٌ جِرْمُها ∗∗∗ فَتَرَكْتُ ضاحِيَ كَفِّهِ يَتَذَبْذَبُ أيْ: لا تَبْعُدْ، وأيْ تَرَكْتُ. وقَرَأ النَّخَعِيُّ ومَرْوانُ بْنُ الحَكَمِ: بِما آتَوْا بِمَعْنى: أعْطَوْا. وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ والسُّلَمِيُّ: بِما أُوتُوا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وتَقَدَّمَتِ الأقْوالُ في (أتَوْا)، وبَعْضُها يَسْتَقِيمُ عَلى هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ. وفِي حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ: (بِما لَمْ يَفْعَلُوا بِمَفازَةٍ)، وأُسْقِطَ (فَلا يَحْسَبَنَّهم) . و(مَفازَةٍ) مَفْعَلَةٌ مِن فازَ، وهي لِلْمَكانِ، أيْ: مَوْضِعِ فَوْزٍ، أيْ: نَجاةٍ. وقالَ الفَرّاءُ: أيْ يَبْعُدُ مِنَ العَذابِ، لِأنَّ الفَوْزَ مَعْناهُ التَّباعُدُ مِنَ المَكْرُوهِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ تَزَيُّنَ الإنْسانَ بِما لَيْسَ فِيهِ وحُبَّهُ المَدْحَ عَلَيْهِ مَنهِيٌّ عَنْهُ ومَذْمُومٌ شَرْعًا. وقالَ تَعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: (المُتَشَبِّعُ بِما لَيْسَ فِيهِ كَلابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ) وقَدْ أخْبَرَ تَعالى عَنْهم بِالعَذابِ الألِيمِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ . وناسَبَ وصْفُهُ بِألِيمٍ لِأجْلِ فَرَحِهِمْ ومَحَبَّتِهِمُ المَحْمَدَةَ عَلى ما لَمْ يَفْعَلُوا. ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ذَكَرَ تَعالى أنَّهم مِن جُمْلَةِ ما مَلَكَ، وأنَّهُ قادِرٌ عَلَيْهِمْ، فَهم مَمْلُوكُونَ مَقْهُورُونَ مَقْدُورٌ عَلَيْهِمْ، فَلَيْسُوا بِناجِينَ مِنَ العَذابِ.

آل عمران 3:190

﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الألْبابِ﴾ تَقَدَّمَ شَرْحُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ. ومَعْنى ﴿لَآياتٍ﴾ لَعَلاماتٌ واضِحَةٌ عَلى الصّانِعِ وباهِرِ حِكْمَتِهِ، ولا يَظْهَرُ ذَلِكَ إلّا لِذَوِي العُقُولِ يَنْظُرُونَ في ذَلِكَ بِطَرِيقِ الفِكْرِ والِاسْتِدْلالِ، لا كَما تَنْظُرُ البَهائِمُ. ورَوى ابْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ قُرَيْشًا قالُوا لِلرَّسُولِ ﷺ: ادْعُ لَنا رَبَّكَ يَجْعَلْ لَنا الصَّفا ذَهَبًا، حِينَ ذَكَرَتِ اليَهُودُ والنَّصارى لَهم بَعْضَ ما جاءَ بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها واضِحَةٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ مالِكُ السَّماواتِ والأرْضِ، وذَكَرَ قُدْرَتَهُ، ذَكَرَ أنَّ في خَلْقِهِما دَلالاتٍ واضِحَةً لِذَوِي العُقُولِ. ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الذِّكْرَ هو بِاللِّسانِ مَعَ حُضُورِ القَلْبِ، وأنَّهُ التَّحْمِيدُ والتَّهْلِيلُ والتَّكْبِيرُ، ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الأذْكارِ. هَذِهِ الهَيْئاتُ الثَّلاثَةُ هي غالِبُ ما يَكُونُ عَلَيْها المَرْءُ، فاسْتُعْمِلَتْ، والمُرادُ بِها جَمِيعُ الأحْوالِ. كَما «قالَتْ عائِشَةُ: (كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلى كُلِّ أحْيانِهِ») وظاهِرُ هَذا الحَدِيثِ والآيَةِ يَدُلُّ عَلى جَوازِ ذِكْرِ اللَّهِ عَلى الخَلاءِ. وقالَ بِجَوازِ ذَلِكَ: «عَبْدُ اللَّهُ بْنُ عُمَرَ»، و«ابْنُ سِيرِينَ» والنَّخَعِيُّ. وكَرِهَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ، و«عَطاءٌ»، و«الشَّعْبِيُّ» . وعَن «ابْنِ عُمَرَ» و«عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ» وجَماعَةٍ أنَّهم خَرَجُوا يَوْمَ العِيدِ إلى المُصَلّى فَجَعَلُوا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فَقالَ بَعْضُهم: أما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قِيامًا وقُعُودًا﴾ ؟ فَقامُوا يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَلى أقْدامِهِمْ. ورُوِيَ في الحَدِيثِ: (مَن أحَبَّ أنْ يَرْتَعَ في رِياضِ الجَنَّةِ فَلْيُكْثِرْ ذِكْرَ اللَّهِ)، وإلى أنَّ المُرادَ بِالذِّكْرِ هو الظّاهِرُ الَّذِي ذَكَرْناهُ - ذَهَبَ ابْنُ جُرَيْجٍ والجُمْهُورُ، والذِّكْرُ مِن أعْظَمِ العِباداتِ، والأحادِيثُ فِيهِ كَثِيرَةٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ: المُرادُ بِالذِّكْرِ الصَّلَواتُ، فَفي حالِ (p-١٣٩)العُذْرِ يُصَلُّونَها قُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ، وسَمّاها ذِكْرًا لِاشْتِمالِها عَلى الذِّكْرِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالذِّكْرِ صَلاةُ النَّفْلِ يُصَلِّيها كَيْفَ شاءَ. وجَلَبَ المُفَسِّرُونَ في هَذِهِ الآيَةِ أشْياءَ مِن كَيْفِيَّةِ إيقاعِ الصَّلاةِ في القِيامِ والقُعُودِ والِاضْطِجاعِ، وخِلافِ الفُقَهاءِ في ذَلِكَ، ودَلائِلِهِمْ. وذَلِكَ مُقَرَّرٌ في عِلْمِ الفِقْهِ. وعَلى الظّاهِرِ مِن تَفْسِيرِ الذِّكْرِ فَتَقْدِيمُ القِيامِ لِأنَّ الذِّكْرَ فِيهِ أخَفُّ عَلى الإنْسانِ، ثُمَّ انْتَقَلَ إلى حالَةِ القُعُودِ، والذِّكْرُ فِيهِ أشَقُّ مِنهُ في حالَةِ القِيامِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ لا يَقْعُدُ غالِبًا إلّا لِشُغْلٍ يَشْتَغِلُ بِهِ مِن صِناعَةٍ أوْ غَيْرِها. ثُمَّ انْتَقَلَ إلى هَيْئَةِ الِاضْطِجاعِ، والذِّكْرُ فِيها أشَقُّ مِنهُ في هَيْئَةِ القُعُودِ؛ لِأنَّ الِاضْطِجاعَ هو هَيْئَةُ اسْتِراحَةٍ وفَراغٍ عَنِ الشَّواغِلِ. ويُمْكِنُ في هَذِهِ الهَيْئاتِ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيمُ لِما هو أقْصَرُ زَمانًا، فَبُدِئَ بِالقِيامِ؛ لِأنَّها هَيْئَةٌ زَمانُها في الغالِبِ أقْصَرُ مِن زَمانِ القُعُودِ، ثُمَّ بِالقُعُودِ إذْ زَمانُهُ أطْوَلُ، وبِالِاضْطِجاعِ إذْ زَمانُهُ أطْوَلُ مِن زَمانِ القُعُودِ، ألا تَرى أنَّ اللَّيْلَ جَمِيعَهُ هو زَمانُ الِاضْطِجاعِ، وهو مُقابِلٌ لِزَمانِ القُعُودِ والقِيامِ، وهو النَّهارُ ؟ وأمّا إذا كانَ الذِّكْرُ يُرادُ بِهِ الصَّلاةُ المَفْرُوضَةُ، فالهَيْئاتُ جاءَتْ عَلى سَبِيلِ النُّدْرَةِ. فَمَن قَدَرَ عَلى القِيامِ لا يُصَلِّي قاعِدًا، ومَن قَدَرَ عَلى القُعُودِ لا يُصَلِّي مُضْطَجِعًا، وأمّا إذا كانَ يُرادُ بِهِ صَلاةُ النَّفْلِ فالهَيْئاتُ عَلى سَبِيلِ الأفْضَلِيَّةِ، إذِ الأفْضَلُ التَّنَفُّلُ قائِمًا ثُمَّ قاعِدًا ثُمَّ مُضْطَجِعًا. وأبْعَدُ في التَّفْسِيرِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ المَعْنى: يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا بِأوامِرِهِ، وقُعُودًا عَنْ زَواجِرِهِ، وعَلى جُنُوبِهِمْ أيْ تَجانُبُهم مُخالَفَةَ أمْرِهِ ونَهْيِهِ. وهَذا شَبِيهٌ بِكَلامِ أرْبابِ القُلُوبِ، وقَرِيبٌ مِنَ الباطِنِيَّةِ. وجَوَّزُوا في (الَّذِينَ): النَّعْتَ، والقَطْعَ لِلرَّفْعِ، والنَّصْبَ، ﴿وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ حالٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى حالٍ، وهُنا عَطَفَ المَجْرُورَ عَلى صَرِيحِ الِاسْمِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿دَعانا لِجَنْبِهِ أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا﴾ [يونس: ١٢] عَطَفَ صَرِيحَ الِاسْمِ عَلى المَجْرُورِ. ﴿ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى الصِّلَةِ، فَلا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإعْرابِ. وقِيلَ: الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، عُطِفَتْ عَلى الحالِ قَبْلَها. ولَمّا ذَكَرَ الذِّكْرَ الَّذِي مَحَلُّهُ اللِّسانُ، ذَكَرَ الفِكْرَ الَّذِي مَحَلُّهُ القَلْبُ. ويَحْتَمِلُ ﴿خَلْقِ﴾ أنْ يُرادَ بِهِ المَصْدَرُ، فَإنَّ الفِكْرَةَ في الخَلْقِ لِهَذِهِ المَصْنُوعاتِ الغَرِيبَةِ الشَّكْلِ والقُدْرَةِ عَلى إنْشاءِ هَذِهِ مِنَ العَدَمِ الصِّرْفِ، يَدُلُّ عَلى القُدْرَةِ التّامَّةِ والعِلْمِ والأحَدِيَّةِ إلى سائِرِ الصِّفاتِ العَلِيَّةِ. وفي الفِكْرِ في ذَلِكَ ما يُبْهِرُ العُقُولَ، ويَسْتَغْرِقُ الخَواطِرَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ المَخْلُوقُ، ويَكُونُ أضافَهُ مِن حَيْثُ المَعْنى إلى الظَّرْفَيْنِ، لا إلى المَفْعُولِ. والفِكْرُ فِيما أوْدَعَ اللَّهُ في السَّماواتِ مِنَ الكَواكِبِ النَّيِّرَةِ والأفْلاكِ الَّتِي جاءَ النَّصْرُ فِيها وما أوْدَعَ في الأرْضِ مِنَ الحَيَواناتِ والنَّباتِ والمَعادِنِ، واخْتِلافِ أجْناسِها وأنْواعِها وأشْخاصِها أيْضًا - يُبْهِرُ العَقْلَ ويُكْثِرُ العِبَرَ. ؎وفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ الواحِدُ ومَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلى قَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ في اللَّهِ فَقالَ: (تَفَكَّرُوا في الخَلْقِ ولا تَفَكَّرُوا في الخالِقِ فَإنَّكم لا تُقَدِّرُونَ قَدْرَهُ) . وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المُتَفَكِّرُ في ذاتِ اللَّهِ كالنّاظِرِ في عَيْنِ الشَّمْسِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ. وإنَّما التَّفَكُّرُ وانْبِساطُ الذِّهْنِ في المَخْلُوقاتِ وفي مَخْلُوقِ الآخِرَةِ. وفي الحَدِيثِ: (لا عِبادَةَ كَتَفَكُّرٍ) . وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ مِن كَلامِ النّاسِ في التَّفَكُّرِ ومِن أعْيانِ المُتَفَكِّرِينَ كَثِيرًا، رَأيْنا أنْ لا نُطَوِّلَ كِتابَنا بِنَقْلِها ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مَحْكِيَّةٌ بِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: يَقُولُونَ. وهَذا الفِعْلُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والإشارَةُ بِهَذا إلى الخَلْقِ إنْ كانَ المُرادُ المَخْلُوقُ، أوْ إلى السَّماواتِ والأرْضِ؛ لِأنَّها في مَعْنى المَخْلُوقِ. أيْ: ما خَلَقْتَ هَذا المَخْلُوقَ العَجِيبَ باطِلًا. قِيلَ: المَعْنى: خَلْقًا باطِلًا، أيْ: لِغَيْرِ غايَةٍ، بَلْ خَلَقْتَهُ وخَلَقْتَ البَشَرَ لِيَنْظُرَ فِيهِ، فَيُوَحِّدَ ويَعْبُدَ. فَمَن فَعَلَ ذَلِكَ نَعَّمْتَهُ، ومَن ضَلَّ عَنْ ذَلِكَ عَذَّبْتَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَعْنى ما خَلَقْتَهُ خَلْقًا باطِلًا بِغَيْرِ حِكْمَةٍ (p-١٤٠)بَلْ خَلَقْتَهُ لِداعِي حِكْمَةٍ عَظِيمَةٍ وهو: أنْ تَجْعَلَها مَساكِنَ لِلْمُكَلَّفِينَ وأدِلَّةً لَهم عَلى مَعْرِفَتِكَ، ووُجُوبِ طاعَتِكَ، واجْتِنابِ مَعْصِيَتِكَ. ولِذَلِكَ وصَلَ بِهِ قَوْلَهُ: ﴿فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾، ولِأنَّهُ جَزاءُ مَن عَصى ولَمْ يُطِعْ. انْتَهى. وفِيهِ إشاراتُ المُعْتَزِلَةِ مِن قَوْلِهِ: بَلْ خَلَقْتَهُ لِداعِي حِكْمَةٍ عَظِيمَةٍ، وعَلى هَذا فَيَكُونُ انْتِصابُ (باطِلًا) عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ. وقِيلَ: انْتَصَبَ (باطِلًا) عَلى الحالِ مِنَ المَفْعُولِ. وقِيلَ: انْتَصَبَ عَلى إسْقاطِ الباءِ، أيْ بِباطِلٍ، بَلْ خَلَقْتَهُ بِقُدْرَتِكَ الَّتِي هي حَقٌّ. وقِيلَ: عَلى إسْقاطِ اللّامِ وهو مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، وفاعِلٌ بِمَعْنى المَصْدَرِ أيْ بُطُولًا. وقِيلَ: عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِخَلَقَ، وهي بِمَعْنى جَعَلَ الَّتِي تَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، وهَذا عَكْسُ المَنقُولِ في النَّحْوِ، وهو: أنَّ (جَعَلَ) يَكُونُ بِمَعْنى (خَلَقَ)، فَيَتَعَدّى لِواحِدٍ. أمّا أنَّ خَلَقَ يَكُونُ بِمَعْنى جَعَلَ فَيَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ، فَلا أعْلَمُ أحَدًا مِمَّنْ لَهُ مَعْرِفَةٌ ذَهَبَ إلى ذَلِكَ. والباطِلُ: الزّائِلُ الذّاهِبُ، ومِنهُ: ؎ألا كُلُّ شَيْءٍ ما خَلا اللَّهَ باطِلُ والأحْسَنُ مِن أعارِيبِهِ انْتِصابُهُ عَلى الحالِ مِن هَذا، وهي حالٌ لا يُسْتَغْنى عَنْها، نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨] لا يَجُوزُ في هَذِهِ الحالِ أنْ تُحْذَفَ لِئَلّا يَكُونَ المَعْنى عَلى النَّفْيِ، وهو لا يَجُوزُ. ولَمّا تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ الإقْرارَ بِأنَّ هَذا الخَلْقَ البَدِيعَ لَمْ يَكُنْ باطِلًا، والتَّنْبِيهَ عَلى أنَّ هَذا كَلامُ أُولِي الألْبابِ الذّاكِرِينَ اللَّهَ عَلى جَمِيعِ أحْوالِهِمْ والمُتَفَكِّرِينَ في الخَلْقِ، دَلَّ عَلى أنَّ غَيْرَهم مِن أهْلِ الغَفْلَةِ والجَهالَةِ يَذْهَبُونَ إلى خِلافِ هَذِهِ المَقالَةِ، فَنَزَّهُوهُ تَعالى عَنْ ما يَقُولُ أُولَئِكَ المُبْطِلُونَ مِن ما أشارَ إلَيْهِ تَعالى في قَوْلِهِ: لاعِبِينَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥] واعْتُرِضَ بِهَذا التَّنْزِيهِ المُتَضَمِّنِ بَراءَةَ اللَّهِ مِن جَمِيعِ النَّقائِصِ وأفْعالِ المُحْدَثِينَ بَيْنَ ذَلِكَ الإقْرارِ وبَيْنَ رَغْبَتِهِمْ إلى رَبِّهِمْ بِأنْ يَقِيَهم عَذابَ النّارِ، ولَمْ يَكُنْ لَهم هَمٌّ في شَيْءٍ مِن أحْوالِ الدُّنْيا، ولا اكْتِراثٌ بِها، إنَّما تَضَرَّعُوا في سُؤالِ وِقايَتِهِمُ العَذابَ يَوْمَ القِيامَةِ. وهَذا السُّؤالُ هو نَتِيجَةُ الذِّكْرِ والفِكْرِ والإقْرارِ والتَّنْزِيهِ. والفاءُ في: ﴿فَقِنا﴾ لِلْعَطْفِ، وتَرْتِيبِ السُّؤالِ عَلى الإقْرارِ المَذْكُورِ. وقِيلَ: لِتَرْتِيبِ السُّؤالِ عَلى ما تَضَمَّنَهُ سُبْحانَ مِنَ الفِعْلِ، أيْ: نَزَّهْناكَ عَمّا يَقُولُ الجاهِلُونَ فَقِنا. وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ لِلتَّرْتِيبِ عَلى ما تَضَمَّنَ النِّداءَ.

آل عمران 3:191

﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الألْبابِ﴾ تَقَدَّمَ شَرْحُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ. ومَعْنى ﴿لَآياتٍ﴾ لَعَلاماتٌ واضِحَةٌ عَلى الصّانِعِ وباهِرِ حِكْمَتِهِ، ولا يَظْهَرُ ذَلِكَ إلّا لِذَوِي العُقُولِ يَنْظُرُونَ في ذَلِكَ بِطَرِيقِ الفِكْرِ والِاسْتِدْلالِ، لا كَما تَنْظُرُ البَهائِمُ. ورَوى ابْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ قُرَيْشًا قالُوا لِلرَّسُولِ ﷺ: ادْعُ لَنا رَبَّكَ يَجْعَلْ لَنا الصَّفا ذَهَبًا، حِينَ ذَكَرَتِ اليَهُودُ والنَّصارى لَهم بَعْضَ ما جاءَ بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها واضِحَةٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ مالِكُ السَّماواتِ والأرْضِ، وذَكَرَ قُدْرَتَهُ، ذَكَرَ أنَّ في خَلْقِهِما دَلالاتٍ واضِحَةً لِذَوِي العُقُولِ. ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الذِّكْرَ هو بِاللِّسانِ مَعَ حُضُورِ القَلْبِ، وأنَّهُ التَّحْمِيدُ والتَّهْلِيلُ والتَّكْبِيرُ، ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الأذْكارِ. هَذِهِ الهَيْئاتُ الثَّلاثَةُ هي غالِبُ ما يَكُونُ عَلَيْها المَرْءُ، فاسْتُعْمِلَتْ، والمُرادُ بِها جَمِيعُ الأحْوالِ. كَما «قالَتْ عائِشَةُ: (كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلى كُلِّ أحْيانِهِ») وظاهِرُ هَذا الحَدِيثِ والآيَةِ يَدُلُّ عَلى جَوازِ ذِكْرِ اللَّهِ عَلى الخَلاءِ. وقالَ بِجَوازِ ذَلِكَ: «عَبْدُ اللَّهُ بْنُ عُمَرَ»، و«ابْنُ سِيرِينَ» والنَّخَعِيُّ. وكَرِهَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ، و«عَطاءٌ»، و«الشَّعْبِيُّ» . وعَن «ابْنِ عُمَرَ» و«عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ» وجَماعَةٍ أنَّهم خَرَجُوا يَوْمَ العِيدِ إلى المُصَلّى فَجَعَلُوا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فَقالَ بَعْضُهم: أما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قِيامًا وقُعُودًا﴾ ؟ فَقامُوا يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَلى أقْدامِهِمْ. ورُوِيَ في الحَدِيثِ: (مَن أحَبَّ أنْ يَرْتَعَ في رِياضِ الجَنَّةِ فَلْيُكْثِرْ ذِكْرَ اللَّهِ)، وإلى أنَّ المُرادَ بِالذِّكْرِ هو الظّاهِرُ الَّذِي ذَكَرْناهُ - ذَهَبَ ابْنُ جُرَيْجٍ والجُمْهُورُ، والذِّكْرُ مِن أعْظَمِ العِباداتِ، والأحادِيثُ فِيهِ كَثِيرَةٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ: المُرادُ بِالذِّكْرِ الصَّلَواتُ، فَفي حالِ (p-١٣٩)العُذْرِ يُصَلُّونَها قُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ، وسَمّاها ذِكْرًا لِاشْتِمالِها عَلى الذِّكْرِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالذِّكْرِ صَلاةُ النَّفْلِ يُصَلِّيها كَيْفَ شاءَ. وجَلَبَ المُفَسِّرُونَ في هَذِهِ الآيَةِ أشْياءَ مِن كَيْفِيَّةِ إيقاعِ الصَّلاةِ في القِيامِ والقُعُودِ والِاضْطِجاعِ، وخِلافِ الفُقَهاءِ في ذَلِكَ، ودَلائِلِهِمْ. وذَلِكَ مُقَرَّرٌ في عِلْمِ الفِقْهِ. وعَلى الظّاهِرِ مِن تَفْسِيرِ الذِّكْرِ فَتَقْدِيمُ القِيامِ لِأنَّ الذِّكْرَ فِيهِ أخَفُّ عَلى الإنْسانِ، ثُمَّ انْتَقَلَ إلى حالَةِ القُعُودِ، والذِّكْرُ فِيهِ أشَقُّ مِنهُ في حالَةِ القِيامِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ لا يَقْعُدُ غالِبًا إلّا لِشُغْلٍ يَشْتَغِلُ بِهِ مِن صِناعَةٍ أوْ غَيْرِها. ثُمَّ انْتَقَلَ إلى هَيْئَةِ الِاضْطِجاعِ، والذِّكْرُ فِيها أشَقُّ مِنهُ في هَيْئَةِ القُعُودِ؛ لِأنَّ الِاضْطِجاعَ هو هَيْئَةُ اسْتِراحَةٍ وفَراغٍ عَنِ الشَّواغِلِ. ويُمْكِنُ في هَذِهِ الهَيْئاتِ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيمُ لِما هو أقْصَرُ زَمانًا، فَبُدِئَ بِالقِيامِ؛ لِأنَّها هَيْئَةٌ زَمانُها في الغالِبِ أقْصَرُ مِن زَمانِ القُعُودِ، ثُمَّ بِالقُعُودِ إذْ زَمانُهُ أطْوَلُ، وبِالِاضْطِجاعِ إذْ زَمانُهُ أطْوَلُ مِن زَمانِ القُعُودِ، ألا تَرى أنَّ اللَّيْلَ جَمِيعَهُ هو زَمانُ الِاضْطِجاعِ، وهو مُقابِلٌ لِزَمانِ القُعُودِ والقِيامِ، وهو النَّهارُ ؟ وأمّا إذا كانَ الذِّكْرُ يُرادُ بِهِ الصَّلاةُ المَفْرُوضَةُ، فالهَيْئاتُ جاءَتْ عَلى سَبِيلِ النُّدْرَةِ. فَمَن قَدَرَ عَلى القِيامِ لا يُصَلِّي قاعِدًا، ومَن قَدَرَ عَلى القُعُودِ لا يُصَلِّي مُضْطَجِعًا، وأمّا إذا كانَ يُرادُ بِهِ صَلاةُ النَّفْلِ فالهَيْئاتُ عَلى سَبِيلِ الأفْضَلِيَّةِ، إذِ الأفْضَلُ التَّنَفُّلُ قائِمًا ثُمَّ قاعِدًا ثُمَّ مُضْطَجِعًا. وأبْعَدُ في التَّفْسِيرِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ المَعْنى: يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا بِأوامِرِهِ، وقُعُودًا عَنْ زَواجِرِهِ، وعَلى جُنُوبِهِمْ أيْ تَجانُبُهم مُخالَفَةَ أمْرِهِ ونَهْيِهِ. وهَذا شَبِيهٌ بِكَلامِ أرْبابِ القُلُوبِ، وقَرِيبٌ مِنَ الباطِنِيَّةِ. وجَوَّزُوا في (الَّذِينَ): النَّعْتَ، والقَطْعَ لِلرَّفْعِ، والنَّصْبَ، ﴿وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ حالٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى حالٍ، وهُنا عَطَفَ المَجْرُورَ عَلى صَرِيحِ الِاسْمِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿دَعانا لِجَنْبِهِ أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا﴾ [يونس: ١٢] عَطَفَ صَرِيحَ الِاسْمِ عَلى المَجْرُورِ. ﴿ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى الصِّلَةِ، فَلا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإعْرابِ. وقِيلَ: الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، عُطِفَتْ عَلى الحالِ قَبْلَها. ولَمّا ذَكَرَ الذِّكْرَ الَّذِي مَحَلُّهُ اللِّسانُ، ذَكَرَ الفِكْرَ الَّذِي مَحَلُّهُ القَلْبُ. ويَحْتَمِلُ ﴿خَلْقِ﴾ أنْ يُرادَ بِهِ المَصْدَرُ، فَإنَّ الفِكْرَةَ في الخَلْقِ لِهَذِهِ المَصْنُوعاتِ الغَرِيبَةِ الشَّكْلِ والقُدْرَةِ عَلى إنْشاءِ هَذِهِ مِنَ العَدَمِ الصِّرْفِ، يَدُلُّ عَلى القُدْرَةِ التّامَّةِ والعِلْمِ والأحَدِيَّةِ إلى سائِرِ الصِّفاتِ العَلِيَّةِ. وفي الفِكْرِ في ذَلِكَ ما يُبْهِرُ العُقُولَ، ويَسْتَغْرِقُ الخَواطِرَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ المَخْلُوقُ، ويَكُونُ أضافَهُ مِن حَيْثُ المَعْنى إلى الظَّرْفَيْنِ، لا إلى المَفْعُولِ. والفِكْرُ فِيما أوْدَعَ اللَّهُ في السَّماواتِ مِنَ الكَواكِبِ النَّيِّرَةِ والأفْلاكِ الَّتِي جاءَ النَّصْرُ فِيها وما أوْدَعَ في الأرْضِ مِنَ الحَيَواناتِ والنَّباتِ والمَعادِنِ، واخْتِلافِ أجْناسِها وأنْواعِها وأشْخاصِها أيْضًا - يُبْهِرُ العَقْلَ ويُكْثِرُ العِبَرَ. ؎وفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ الواحِدُ ومَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلى قَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ في اللَّهِ فَقالَ: (تَفَكَّرُوا في الخَلْقِ ولا تَفَكَّرُوا في الخالِقِ فَإنَّكم لا تُقَدِّرُونَ قَدْرَهُ) . وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المُتَفَكِّرُ في ذاتِ اللَّهِ كالنّاظِرِ في عَيْنِ الشَّمْسِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ. وإنَّما التَّفَكُّرُ وانْبِساطُ الذِّهْنِ في المَخْلُوقاتِ وفي مَخْلُوقِ الآخِرَةِ. وفي الحَدِيثِ: (لا عِبادَةَ كَتَفَكُّرٍ) . وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ مِن كَلامِ النّاسِ في التَّفَكُّرِ ومِن أعْيانِ المُتَفَكِّرِينَ كَثِيرًا، رَأيْنا أنْ لا نُطَوِّلَ كِتابَنا بِنَقْلِها ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مَحْكِيَّةٌ بِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: يَقُولُونَ. وهَذا الفِعْلُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والإشارَةُ بِهَذا إلى الخَلْقِ إنْ كانَ المُرادُ المَخْلُوقُ، أوْ إلى السَّماواتِ والأرْضِ؛ لِأنَّها في مَعْنى المَخْلُوقِ. أيْ: ما خَلَقْتَ هَذا المَخْلُوقَ العَجِيبَ باطِلًا. قِيلَ: المَعْنى: خَلْقًا باطِلًا، أيْ: لِغَيْرِ غايَةٍ، بَلْ خَلَقْتَهُ وخَلَقْتَ البَشَرَ لِيَنْظُرَ فِيهِ، فَيُوَحِّدَ ويَعْبُدَ. فَمَن فَعَلَ ذَلِكَ نَعَّمْتَهُ، ومَن ضَلَّ عَنْ ذَلِكَ عَذَّبْتَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَعْنى ما خَلَقْتَهُ خَلْقًا باطِلًا بِغَيْرِ حِكْمَةٍ (p-١٤٠)بَلْ خَلَقْتَهُ لِداعِي حِكْمَةٍ عَظِيمَةٍ وهو: أنْ تَجْعَلَها مَساكِنَ لِلْمُكَلَّفِينَ وأدِلَّةً لَهم عَلى مَعْرِفَتِكَ، ووُجُوبِ طاعَتِكَ، واجْتِنابِ مَعْصِيَتِكَ. ولِذَلِكَ وصَلَ بِهِ قَوْلَهُ: ﴿فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾، ولِأنَّهُ جَزاءُ مَن عَصى ولَمْ يُطِعْ. انْتَهى. وفِيهِ إشاراتُ المُعْتَزِلَةِ مِن قَوْلِهِ: بَلْ خَلَقْتَهُ لِداعِي حِكْمَةٍ عَظِيمَةٍ، وعَلى هَذا فَيَكُونُ انْتِصابُ (باطِلًا) عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ. وقِيلَ: انْتَصَبَ (باطِلًا) عَلى الحالِ مِنَ المَفْعُولِ. وقِيلَ: انْتَصَبَ عَلى إسْقاطِ الباءِ، أيْ بِباطِلٍ، بَلْ خَلَقْتَهُ بِقُدْرَتِكَ الَّتِي هي حَقٌّ. وقِيلَ: عَلى إسْقاطِ اللّامِ وهو مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، وفاعِلٌ بِمَعْنى المَصْدَرِ أيْ بُطُولًا. وقِيلَ: عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِخَلَقَ، وهي بِمَعْنى جَعَلَ الَّتِي تَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، وهَذا عَكْسُ المَنقُولِ في النَّحْوِ، وهو: أنَّ (جَعَلَ) يَكُونُ بِمَعْنى (خَلَقَ)، فَيَتَعَدّى لِواحِدٍ. أمّا أنَّ خَلَقَ يَكُونُ بِمَعْنى جَعَلَ فَيَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ، فَلا أعْلَمُ أحَدًا مِمَّنْ لَهُ مَعْرِفَةٌ ذَهَبَ إلى ذَلِكَ. والباطِلُ: الزّائِلُ الذّاهِبُ، ومِنهُ: ؎ألا كُلُّ شَيْءٍ ما خَلا اللَّهَ باطِلُ والأحْسَنُ مِن أعارِيبِهِ انْتِصابُهُ عَلى الحالِ مِن هَذا، وهي حالٌ لا يُسْتَغْنى عَنْها، نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨] لا يَجُوزُ في هَذِهِ الحالِ أنْ تُحْذَفَ لِئَلّا يَكُونَ المَعْنى عَلى النَّفْيِ، وهو لا يَجُوزُ. ولَمّا تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ الإقْرارَ بِأنَّ هَذا الخَلْقَ البَدِيعَ لَمْ يَكُنْ باطِلًا، والتَّنْبِيهَ عَلى أنَّ هَذا كَلامُ أُولِي الألْبابِ الذّاكِرِينَ اللَّهَ عَلى جَمِيعِ أحْوالِهِمْ والمُتَفَكِّرِينَ في الخَلْقِ، دَلَّ عَلى أنَّ غَيْرَهم مِن أهْلِ الغَفْلَةِ والجَهالَةِ يَذْهَبُونَ إلى خِلافِ هَذِهِ المَقالَةِ، فَنَزَّهُوهُ تَعالى عَنْ ما يَقُولُ أُولَئِكَ المُبْطِلُونَ مِن ما أشارَ إلَيْهِ تَعالى في قَوْلِهِ: لاعِبِينَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥] واعْتُرِضَ بِهَذا التَّنْزِيهِ المُتَضَمِّنِ بَراءَةَ اللَّهِ مِن جَمِيعِ النَّقائِصِ وأفْعالِ المُحْدَثِينَ بَيْنَ ذَلِكَ الإقْرارِ وبَيْنَ رَغْبَتِهِمْ إلى رَبِّهِمْ بِأنْ يَقِيَهم عَذابَ النّارِ، ولَمْ يَكُنْ لَهم هَمٌّ في شَيْءٍ مِن أحْوالِ الدُّنْيا، ولا اكْتِراثٌ بِها، إنَّما تَضَرَّعُوا في سُؤالِ وِقايَتِهِمُ العَذابَ يَوْمَ القِيامَةِ. وهَذا السُّؤالُ هو نَتِيجَةُ الذِّكْرِ والفِكْرِ والإقْرارِ والتَّنْزِيهِ. والفاءُ في: ﴿فَقِنا﴾ لِلْعَطْفِ، وتَرْتِيبِ السُّؤالِ عَلى الإقْرارِ المَذْكُورِ. وقِيلَ: لِتَرْتِيبِ السُّؤالِ عَلى ما تَضَمَّنَهُ سُبْحانَ مِنَ الفِعْلِ، أيْ: نَزَّهْناكَ عَمّا يَقُولُ الجاهِلُونَ فَقِنا. وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ لِلتَّرْتِيبِ عَلى ما تَضَمَّنَ النِّداءَ.

آل عمران 3:192

﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ هَذِهِ اسْتِجارَةٌ واسْتِعاذَةٌ. أيْ: فَلا تَفْعَلْ بِنا ذَلِكَ، ولا تَجْعَلْنا مِمَّنْ يَعْمَلُ بِعَمَلِها. ومَعْنى أخْزَيْتَهُ: فَضَحْتَهُ. مِن خَزِيَ الرَّجُلُ يَخْزى خِزْيًا: إذا افْتَضَحَ، وخِزايَةً: إذا اسْتَحْيا، الفِعْلُ واحِدٌ واخْتَلَفَ في المَصْدَرِ، فَمِنَ الِافْتِضاحِ خِزْيٌ، ومِنَ الِاسْتِحْياءِ خَزايَةٌ. ومِن ذَلِكَ ﴿ولا تُخْزُونِ في ضَيْفِي﴾ [هود: ٧٨] أيْ: لا تَفْضَحُونِ. وقِيلَ: المَعْنى أهَنْتَهُ. وقالَ المُفَضَّلُ: أهْلَكْتَهُ. ويُقالُ: خَزَيْتُهُ وأخْزَيْتُهُ ثُلاثِيًّا ورُباعِيًّا، والرُّباعِيُّ أكْثَرُ وأفْصَحُ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَخْزِيُّ في اللُّغَةِ هو المُذَلُّ المَحْقُورُ بِأمْرٍ قَدْ لَزِمَهُ، يُقالُ: أخْزَيْتُهُ ألْزَمْتُهُ حُجَّةً أذْلَلْتُهُ مَعَها. وقالَ أنَسٌ وسَعِيدٌ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وغَيْرُهم: هي إشارَةٌ إلى مَن يَخْلُدُ في النّارِ، أمّا مَن يَخْرُجُ مِنها بِالشَّفاعَةِ والإيمانِ فَلَيْسَ بِمَخْزِيٍّ. وقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وغَيْرُهُ: كُلُّ مَن دَخَلَ النّارَ فَهو مَخْزِيٌّ وإنْ خَرَجَ مِنها، وإنَّ في دُونِ ذَلِكَ لَخِزْيًا، واخْتارَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ وأبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ هو مِن قَوْلِ الدّاعِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الظّالِمُونَ هُنا هُمُ الكافِرُونَ، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ. وقَدْ صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] ويُناسِبُ هَذا التَّفْسِيرَ أنْ يَكُونَ ما قَبْلَهُ فِيمَن يَخْلُدُ في النّارِ؛ لِأنَّ نَفْيَ النّاصِرِ إمّا بِمَنعٍ أوْ شَفاعَةِ مُخْتَصٌّ بِالكُفّارِ، وأمّا المُؤْمِنُ فاللَّهُ ناصِرُهُ والرَّسُولُ ﷺ شافِعُهُ، وبَعْضُ المُؤْمِنِينَ يَشْفَعُ لِبَعْضٍ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وما لِلظّالِمِينَ﴾ اللّامُ إشارَةٌ إلى مَن يَدْخُلُ النّارَ، وإعْلامٌ بِأنَّ مَن يَدْخُلُ النّارَ، فَلا ناصِرَ لَهُ بِشَفاعَةٍ ولا غَيْرِها. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ أنَّ مَن يَدْخُلُ النّارَ لا يَخْرُجُ مِنها أبَدًا، سَواءٌ كانَ (p-١٤١)كافِرًا أمْ فاسِقًا، و(مَن) مَفْعُولَةٌ لِفِعْلِ الشَّرْطِ. وحَكى بَعْضُ المُعْرِبِينَ ما نَصُّهُ: وأجازَ قَوْمٌ أنْ يَكُونَ (مَن) مَنصُوبًا بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ جَوابُ الشَّرْطِ وهو: ﴿فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ . وأجازَ آخَرُونَ أنْ يَكُونَ (مَن) مُبْتَدَأً، والشَّرْطُ وجَوابُهُ الخَبَرَ. انْتَهى. أمّا القَوْلُ الأوَّلُ فَصادِرٌ عَنْ جاهِلٍ بِعِلْمِ النَّحْوِ، وأمّا الثّانِي فَإعْرابُ (مَن) مُبْتَدَأً في غايَةِ الضَّعْفِ. وأمّا إدْخالُهُ جَوابَ الشَّرْطِ في الخَبَرِ مَعَ فِعْلِ الشَّرْطِ فَجَهالَةٌ. ومَن أعْظَمُ وِزْرًا مِمَّنْ تَكَلَّمَ في كِتابِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ. ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإيمانِ أنْ آمِنُوا بِرَبِّكم فَآمَنّا﴾ (سَمِعَ) إنْ دَخَلَ عَلى مَسْمُوعٍ تَعَدّى لِواحِدٍ، نَحْوُ: سَمِعْتُ كَلامَ زِيدٍ، كَغَيْرِهِ مِن أفْعالِ الحَواسِّ. وإنْ دَخَلَ عَلى ذاتٍ وجاءَ بَعْدَهُ فِعْلٌ أوِ اسْمٌ في مَعْناهُ، نَحْوُ: سَمِعْتُ زَيْدًا يَتَكَلَّمُ، وسَمِعْتُ زَيْدًا يَقُولُ كَذا، فَفي هَذِهِ المَسْألَةِ خِلافٌ. مِنهم مَن ذَهَبَ إلى أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ أوِ الِاسْمَ إنْ كانَ قَبْلَهُ نَكِرَةٌ كانَ صِفَةً لَها، أوْ مَعْرِفَةٌ كانَ حالًا مِنها. ومِنهم مَن ذَهَبَ إلى أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ أوِ الِاسْمَ هو في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِسَمِعَ، وجَعَلَ (سَمِعَ) مِمّا يُعَدّى إلى واحِدٍ إنْ دَخَلَ عَلى مَسْمُوعٍ، وإلى اثْنَيْنِ إنْ دَخَلَ عَلى ذاتٍ، وهَذا مَذْهَبُ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ. والصَّحِيحُ القَوْلُ الأوَّلُ، وهَذا مُقَرَّرٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. فَعَلى هَذا يَكُونُ (يُنادِي) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ؛ لِأنَّ قَبْلَهُ نَكِرَةً، وعَلى مَذْهَبِ أبِي عَلِيٍّ يَكُونُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي. وذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى القَوْلِ الأوَّلِ قالَ: تَقُولُ: سَمِعْتُ رَجُلًا يَقُولُ كَذا، وسَمِعْتُ زَيْدًا يَتَكَلَّمُ؛ لِتُوقِعَ الفِعْلَ عَلى الرَّجُلِ، وتَحْذِفَ المَسْمُوعَ لِأنَّكَ وصَفْتَهُ بِما يَسْمَعُ، أوْ جَعَلْتَهُ حالًا عَنْهُ، فَأغْناكَ عَنْ ذِكْرِهِ. ولَوْلا الوَصْفُ أوِ الحالُ لَمْ يَكُنْ مِنهُ بُدٌّ. وأنْ يُقالَ: سَمِعْتُ كَلامَ فُلانٍ، أوْ قَوْلَهُ. انْتَهى كَلامُهُ. وقَوْلُهُ: ولَوْلا الوَصْفُ أوِ الحالُ إلى آخِرِهِ - لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ لا يَكُونُ وصْفٌ ولا حالٌ، ويَدْخُلُ (سَمِعَ) عَلى ذاتٍ، لا عَلى مَسْمُوعٍ. وذَلِكَ إذا كانَ في الكَلامِ ما يُشْعِرُ بِالمَسْمُوعِ وإنْ لَمْ يَكُنْ وصْفًا ولا حالًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ [الشعراء: ٧٢] أغْنى ذِكْرُ ظَرْفِ الدُّعاءِ عَنْ ذِكْرِ المَسْمُوعِ. والمُنادى هُنا هو الرَّسُولُ ﷺ . قالَ تَعالى: ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ بِإذْنِهِ﴾ [الأحزاب: ٤٦] ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ [النحل: ١٢٥] قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُما - أوِ القُرْآنُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، قالَ: لِأنَّ كُلَّ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَلْقَوُا الرَّسُولَ، فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ وصْفُهُ بِالنِّداءِ حَقِيقَةً، وعَلى الثّانِي مَجازًا، وجُمِعَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿مُنادِيًا يُنادِي﴾؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ الأوَّلَ مُطْلَقًا وقَيَّدَ الثّانِيَ تَفْخِيمًا لِشَأْنِ المُنادِي؛ لِأنَّهُ لا مُنادِيَ أعْظَمُ مِن مُنادٍ يُنادِي لِلْإيمانِ. وذَلِكَ أنَّ المُنادِيَ إذا أُطْلِقَ ذَهَبَ الوَهْمُ إلى مُنادٍ لِلْحَرْبِ، أوْ لِإطْفاءِ الثّائِرَةِ، أوْ لِإغاثَةِ المَكْرُوبِ، أوْ لِكِفايَةِ بَعْضِ النَّوازِلِ، أوْ لِبَعْضِ المَنافِعِ. فَإذا قُلْتَ: ﴿يُنادِي لِلْإيمانِ﴾ فَقَدْ رَفَعْتَ مِن شَأْنِ المُنادِي وفَخَّمْتَهُ. واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (يُنادِي)، ويُعَدّى نادى، ودَعا، ونَدَبَ بِاللّامِ وبِإلى، كَما يُعَدّى بِهِما هَدى لِوُقُوعِ مَعْنى الِاخْتِصاصِ، وانْتِهاءِ الغايَةِ جَمِيعًا. ولِهَذا قالَ بَعْضُهم: إنَّ اللّامَ بِمَعْنى إلى. لَمّا كانَ يُنادِي في مَعْنى يَدْعُو؛ حَسُنَ وُصُولُها بِاللّامِ بِمَعْنى (إلى) . وقِيلَ: اللّامُ لامُ العِلَّةِ، أيْ لِأجْلِ الإيمانِ. وقِيلَ: اللّامُ بِمَعْنى الباءِ، أيْ بِالإيمانِ. والسَّماعُ مَحْمُولٌ عَلى حَقِيقَتِهِ، أيْ سَمِعْنا صَوْتَ مُنادٍ. قِيلَ: ومَن جَعَلَ المُنادِيَ هو القُرْآنَ، فالسَّماعُ عِنْدَهُ مَجازٌ عَنِ القَبُولِ، و(أنْ) مُفَسِّرَةٌ، التَّقْدِيرُ: أنْ آمِنُوا. وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً وُصِلَتْ بِفِعْلِ الأمْرِ، أيْ: بِأنْ آمِنُوا. فَعَلى الأوَّلِ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وعَلى الثّانِي لَها مَوْضِعٌ وهو الجَرُّ، أوِ النَّصْبُ عَلى الخِلافِ. وعَطْفُ (فَآمَنّا) بِالفاءِ مُؤْذِنٌ بِتَعْجِيلِ القَبُولِ، وتَسْبِيبِ الإيمانِ عَنِ السَّماعِ مِن غَيْرِ تَراخٍ، والمَعْنى: فَآمَنّا بِكَ أوْ بِرَبِّنا. ﴿رَبَّنا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا﴾ (p-١٤٢)قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الذُّنُوبُ هي الكَبائِرُ، والسَّيِّئاتُ هي الصَّغائِرُ. ويُؤَيِّدُهُ: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] وقِيلَ: الذُّنُوبُ تَرْكُ الطّاعاتِ، والسَّيِّئاتُ فِعْلُ المَعاصِي. وقِيلَ: غُفْرانُ الذُّنُوبِ وتَكْفِيرُ السَّيِّئاتِ أمْرٌ قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، لَكِنَّهُ كُرِّرَ لِلتَّأْكِيدِ، ولِأنَّها مَناحٍ مِنَ السَّتْرِ وإزالَةِ حُكْمِ الذُّنُوبِ بَعْدَ حُصُولِهِ، والغُفْرانُ والتَّكْفِيرُ بِمَعْنًى، والذُّنُوبُ والسَّيِّئاتُ بِمَعْنًى، وجَمَعَ بَيْنَهُما تَأْكِيدًا ومُبالَغَةً؛ ولِيَكُونَ في ذَلِكَ إلْحاحٌ في الدُّعاءِ. فَقَدْ رُوِيَ: (إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُلِحِّينَ في الدُّعاءِ) . وقِيلَ: في التَّكْفِيرِ مَعْنًى، وهو التَّغْطِيَةُ، لِيَأْمَنُوا الفُضُوحَ. والكَفّارَةُ هي الطّاعَةُ المُغَطِّيَةُ لِلسَّيِّئَةِ، كالعِتْقِ والصِّيامِ والإطْعامِ. ورَجُلٌ مُكَفَّرٌ بِالسِّلاحِ، أيْ مُغَطًّى. ﴿وتَوَفَّنا مَعَ الأبْرارِ﴾ جَمْعُ بَرٍّ، عَلى وزْنِ فَعَلٍ، كَصَلَفٍ. أوْ جَمْعُ بارٍّ عَلى وزْنٍ فاعِلٍ كَضارِبٍ، وأُدْغِمَتِ الرّاءُ في الرّاءِ. وهُمُ الطّائِعُونَ لِلَّهِ، وتَقَدَّمَ مَعْنى البِرِّ. وقِيلَ: هم هُنا الَّذِينَ بَرُّوا الآباءَ والأبْناءَ. و(مَعَ) هُنا مَجازٌ عَنِ الصُّحْبَةِ الزَّمانِيَّةِ إلى الصُّحْبَةِ في الوَصْفِ، أيْ: تَوَفَّنا أبْرارًا مَعْدُودِينَ في جُمْلَةِ الأبْرارِ. والمَعْنى: اجْعَلْنا مِمَّنْ تَوَفَّيْتَهم طائِعِينَ لَكَ. وقِيلَ: المَعْنى احْشُرْنا مَعَهم في الجَنَّةِ. ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتِنا عَلى رُسُلِكَ﴾ الظّاهِرُ أنَّهم سَألُوا رَبَّهم أنْ يُعْطِيَهم ما وعَدَهم عَلى رُسُلِهِ، فَفَسَّرَ هَذا المَوْعُودَ بِهِ بِالجَنَّةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: المَوْعُودُ بِهِ النَّصْرُ عَلى الأعْداءِ. وقِيلَ: اسْتِغْفارُ الأنْبِياءِ، كاسْتِغْفارِ نُوحٍ وإبْراهِيمَ ورَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ، واسْتِغْفارِ المَلائِكَةِ لَهم. وقَوْلُهُ: ﴿عَلى رُسُلِكَ﴾ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، فَقَدَّرَهُ الطَّبَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ: عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِكَ. وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى تَصْدِيقِ رُسُلِكَ. قالَ: فَـ(عَلى) هَذِهِ صِلَةٌ لِلْوَعْدِ في قَوْلِكَ: وعَدَ اللَّهُ الجَنَّةَ عَلى الطّاعَةِ. والمَعْنى: ما وعَدْتَنا عَلى تَصْدِيقِ رُسُلِكَ. ألا تَراهُ كَيْفَ أتْبَعَ ذِكْرَ المُنادِي لِلْإيمانِ وهو الرَّسُولُ، وقَوْلُهُ: (آمَنّا) وهو التَّصْدِيقُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ، أيْ: ما وعَدْتَنا مُنْزِلًا عَلى رُسُلِكَ، أوْ مَحْمُولًا عَلى رُسُلِكَ؛ لِأنَّ الرُّسُلَ يَحْمِلُونَ ذَلِكَ، فَإنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ. انْتَهى. وهَذا الوَجْهُ الَّذِي ذَكَرَ آخِرًا أنَّهُ يَجُوزُ لَيْسَ بِجائِزٍ؛ لِأنَّ مِن قَواعِدِ النَّحْوِيِّينَ أنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ والظَّرْفَ مَتى كانَ العامِلُ فِيهِما مُقَيَّدًا، فَلا بُدَّ مِن ذِكْرِ ذَلِكَ العامِلِ، ولا يَجُوزُ حَذْفُهُ، ولا يُحْذَفُ العامِلُ إلّا إذا كانَ كَوْنًا مُطْلَقًا. مِثالُ ذَلِكَ: زَيْدٌ ضاحِكٌ في الدّارِ، لا يَجُوزُ حَذْفُ ضاحِكٌ ألْبَتَّةَ. وإذا قُلْتَ: زِيدٌ في الدّارِ فالعامِلُ كَوْنٌ مُطْلَقٌ يُحْذَفُ. وكَذَلِكَ: زِيدٌ ناجٍ مِن بَنِي تَمِيمٍ، لا يَجُوزُ حَذْفُ ناجٍ. ولَوْ قُلْتَ: زِيدٌ مِن بَنِي تَمِيمٍ؛ جازَ عَلى تَقْدِيرِ: كائِنٌ مِن بَنِي تَمِيمٍ، والمَحْذُوفُ فِيما جَوَّزَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهو قَوْلُهُ: مُنْزَلًا أوْ مَحْمُولًا، لا يَجُوزُ حَذْفُهُ عَلى ما تَقَرَّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ. وإذا كانَ العامِلُ في الظَّرْفِ أوِ المَجْرُورِ مُقَيَّدًا صارَ ذَلِكَ الظَّرْفُ أوِ المَجْرُورُ ناقِصًا، فَلا يَجُوزُ أنْ يَقَعَ صِلَةً، ولا خَبَرًا لا في الحالِ، ولا في الأصْلِ، ولا صِفَةً، ولا حالًا. ومَعْنى سُؤالِهِمْ: أنْ يُعْطِيَهم ما وعَدَهم: أنْ يُثِيبَهم عَلى الإيمانِ والطّاعَةِ حَتّى يَكُونُوا مِمَّنْ يُؤْتِيهُمُ اللَّهُ ما وعَدَ المُؤْمِنِينَ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ تَعالى مُنْجِزٌ ما وعَدَ، فَسَألُوا إنْجازَ ما تَرَتَّبَ عَلى الإيمانِ. والمَعْنى: التَّثْبِيتُ عَلى الإيمانِ حَتّى يَكُونُوا مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى إنْجازَ الوَعْدِ. وقِيلَ: هَذا السُّؤالُ جاءَ عَلى سَبِيلِ الِالتِجاءِ إلى اللَّهِ تَعالى والتَّضَرُّعِ لَهُ، كَما كانَ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَسْتَغْفِرُونَ، مَعَ عِلْمِهِمْ أنَّهم مَغْفُورٌ لَهم، يَقْصِدُونَ بِذَلِكَ التَّذَلُّلَ والتَّضَرُّعَ إلَيْهِ والِالتِجاءَ. وقِيلَ: اسْتَبْطَئُوا النَّصْرَ الَّذِي وُعِدُوا بِهِ فَسَألُوا أنْ يُعَجِّلَ لَهم وعْدَهُ، فَعَلى هَذا وهو أنْ يَكُونَ المَوْعُودُ بِهِ النَّصْرَ يَكُونُ الإيتاءُ في الدُّنْيا، وعَلى أنْ يَكُونَ الجَنَّةَ يَكُونُ (p-١٤٣)الإيتاءُ في الآخِرَةِ. وقَرَأ الأعْمَشُ: (عَلى رُسْلِكَ) بِإسْكانِ السِّينِ. ﴿ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ فُسِّرَ الإخْزاءُ هُنا بِما فُسِّرَ في ﴿فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ . و(يَوْمَ القِيامَةِ) مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ولا تُخْزِنا﴾، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ الإعْمالِ، إذْ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِـ ﴿تُخْزِنا﴾ وبِ ﴿آتِنا ما وعَدْتَنا﴾، إذا كانَ المَوْعُودُ بِهِ الجَنَّةَ. ﴿إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ ظاهِرُهُ أنَّهُ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وآتِنا ما وعَدْتَنا﴾ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التحريم: ٨] فَهَذا وعْدُهُ تَعالى، وهو دالٌّ عَلى أنَّ الخِزْيَ إنَّما هو مَعَ الخُلُودِ. انْتَهى. وانْظُرْ إلى حُسْنِ مُحاوَرَةِ هَؤُلاءِ الذّاكِرِينَ المُتَفَكِّرِينَ، فَإنَّهم خاطَبُوا اللَّهَ تَعالى بِلَفْظَةِ (رَبَّنا)، وهي إشارَةٌ إلى أنَّهُ رَبُّهم أصْلَحَهم وهَيَّأهم لِلْعِبادَةِ، فَأخْبَرُوا أوَّلًا بِنَتِيجَةِ الفِكْرِ وهو قَوْلُهم: ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١] ثُمَّ سَألُوهُ أنْ يَقِيَهُمُ النّارَ بَعْدَ تَنْزِيهِهِ عَنِ النَّقائِصِ. وأخْبَرُوا عَنْ حالِ مَن يَدْخُلِ النّارَ وهُمُ الظّالِمُونَ الَّذِينَ لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ، ولا يَتَفَكَّرُونَ في مَصْنُوعاتِهِ. ثُمَّ ذَكَرُوا أيْضًا ما أنْتَجَ لَهُمُ الفِكْرُ مِن إجابَةِ الدّاعِي إلى الإيمانِ، إذْ ذاكَ مُتَرَتِّبٌ عَلى أنَّهُ تَعالى ما خَلَقَ هَذا الخَلْقَ العَجِيبَ باطِلًا. ثُمَّ سَألُوا غُفْرانَ ذُنُوبِهِمْ ووَفاتَهم عَلى الإيمانِ الَّذِي أخْبَرُوا بِهِ في قَوْلِهِمْ: فَآمَنّا ثُمَّ سَألُوا اللَّهَ الجَنَّةَ وأنْ لا يَفْضَحَهم يَوْمَ القِيامَةِ، وذَلِكَ هو غايَةُ ما سَألُوهُ. وتَكَرَّرَ لَفْظُ (رَبَّنا) خَمْسَ مَرّاتٍ، كُلُّ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعْطافِ وتَطَلُّبِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى بِنِدائِهِ بِهَذا الِاسْمِ الشَّرِيفِ الدّالِّ عَلى التَّرْبِيَةِ والمِلْكِ والإصْلاحِ. وكَذَلِكَ تَكَرَّرَ هَذا الِاسْمُ في قِصَّةِ آدَمَ ونُوحٍ وغَيْرِهِما. وفي تَكْرارِ (رَبَّنا. . . . . . رَبَّنا) دَلالَةٌ عَلى جَوازِ الإلْحاحِ في المَسْألَةِ، واعْتِمادِ كَثْرَةِ الطَّلَبِ مِنَ اللَّهِ تَعالى. وفي الحَدِيثِ: (ألِظُّوا بِـ يا ذا الجَلالِ والإكْرامِ)، وقالَ الحَسَنُ: ما زالُوا يَقُولُونَ رَبَّنا رَبَّنا حَتّى اسْتَجابَ لَهم. وهَذِهِ مَسْألَةٌ أجْمَعَ عَلَيْها عُلَماءُ الأمْصارِ خِلافًا لِبَعْضِ الصُّوفِيَّةِ، إذْ أجازَ ذَلِكَ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالآخِرَةِ لا بِالدُّنْيا، ولِبَعْضِ المُتَصَوِّفَةِ أيْضًا إذْ قالَ: اللَّهُ تَعالى تَوَلّى مَنِ اتَّبَعَ الأمْرَ واجْتَنَبَ النَّهْيَ وارْتَفَعَ عَنْهُ كُلَفَ طَلَباتِهِ ودُعائِهِ. خَرَّجَ أبُو نَصْرٍ الوايِلِيُّ السِّجِسْتانِيُّ الحافِظُ في كِتابِ الإبانَةِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: (أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ عَشْرَ آياتٍ مِن آخِرِ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ كُلَّ لَيْلَةٍ) يَعْنِي: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] . قالَ العُلَماءُ: ويُسْتَحَبُّ لِمَنِ انْتَبَهَ مِن نَوْمِهِ أنْ يَمْسَحَ عَلى وجْهِهِ، ويَسْتَفْتِحَ قِيامَهُ بِقِراءَةِ هَذا العَشْرِ آياتٍ اقْتِداءً بِالنَّبِيِّ ﷺ، ثَبَتَ ذَلِكَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، ثُمَّ يُصَلِّي ما كُتِبَ لَهُ، فَيَجْمَعُ بَيْنَ التَّفَكُّرِ والعَمَلِ.

آل عمران 3:193

﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ هَذِهِ اسْتِجارَةٌ واسْتِعاذَةٌ. أيْ: فَلا تَفْعَلْ بِنا ذَلِكَ، ولا تَجْعَلْنا مِمَّنْ يَعْمَلُ بِعَمَلِها. ومَعْنى أخْزَيْتَهُ: فَضَحْتَهُ. مِن خَزِيَ الرَّجُلُ يَخْزى خِزْيًا: إذا افْتَضَحَ، وخِزايَةً: إذا اسْتَحْيا، الفِعْلُ واحِدٌ واخْتَلَفَ في المَصْدَرِ، فَمِنَ الِافْتِضاحِ خِزْيٌ، ومِنَ الِاسْتِحْياءِ خَزايَةٌ. ومِن ذَلِكَ ﴿ولا تُخْزُونِ في ضَيْفِي﴾ [هود: ٧٨] أيْ: لا تَفْضَحُونِ. وقِيلَ: المَعْنى أهَنْتَهُ. وقالَ المُفَضَّلُ: أهْلَكْتَهُ. ويُقالُ: خَزَيْتُهُ وأخْزَيْتُهُ ثُلاثِيًّا ورُباعِيًّا، والرُّباعِيُّ أكْثَرُ وأفْصَحُ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَخْزِيُّ في اللُّغَةِ هو المُذَلُّ المَحْقُورُ بِأمْرٍ قَدْ لَزِمَهُ، يُقالُ: أخْزَيْتُهُ ألْزَمْتُهُ حُجَّةً أذْلَلْتُهُ مَعَها. وقالَ أنَسٌ وسَعِيدٌ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وغَيْرُهم: هي إشارَةٌ إلى مَن يَخْلُدُ في النّارِ، أمّا مَن يَخْرُجُ مِنها بِالشَّفاعَةِ والإيمانِ فَلَيْسَ بِمَخْزِيٍّ. وقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وغَيْرُهُ: كُلُّ مَن دَخَلَ النّارَ فَهو مَخْزِيٌّ وإنْ خَرَجَ مِنها، وإنَّ في دُونِ ذَلِكَ لَخِزْيًا، واخْتارَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ وأبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ هو مِن قَوْلِ الدّاعِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الظّالِمُونَ هُنا هُمُ الكافِرُونَ، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ. وقَدْ صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] ويُناسِبُ هَذا التَّفْسِيرَ أنْ يَكُونَ ما قَبْلَهُ فِيمَن يَخْلُدُ في النّارِ؛ لِأنَّ نَفْيَ النّاصِرِ إمّا بِمَنعٍ أوْ شَفاعَةِ مُخْتَصٌّ بِالكُفّارِ، وأمّا المُؤْمِنُ فاللَّهُ ناصِرُهُ والرَّسُولُ ﷺ شافِعُهُ، وبَعْضُ المُؤْمِنِينَ يَشْفَعُ لِبَعْضٍ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وما لِلظّالِمِينَ﴾ اللّامُ إشارَةٌ إلى مَن يَدْخُلُ النّارَ، وإعْلامٌ بِأنَّ مَن يَدْخُلُ النّارَ، فَلا ناصِرَ لَهُ بِشَفاعَةٍ ولا غَيْرِها. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ أنَّ مَن يَدْخُلُ النّارَ لا يَخْرُجُ مِنها أبَدًا، سَواءٌ كانَ (p-١٤١)كافِرًا أمْ فاسِقًا، و(مَن) مَفْعُولَةٌ لِفِعْلِ الشَّرْطِ. وحَكى بَعْضُ المُعْرِبِينَ ما نَصُّهُ: وأجازَ قَوْمٌ أنْ يَكُونَ (مَن) مَنصُوبًا بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ جَوابُ الشَّرْطِ وهو: ﴿فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ . وأجازَ آخَرُونَ أنْ يَكُونَ (مَن) مُبْتَدَأً، والشَّرْطُ وجَوابُهُ الخَبَرَ. انْتَهى. أمّا القَوْلُ الأوَّلُ فَصادِرٌ عَنْ جاهِلٍ بِعِلْمِ النَّحْوِ، وأمّا الثّانِي فَإعْرابُ (مَن) مُبْتَدَأً في غايَةِ الضَّعْفِ. وأمّا إدْخالُهُ جَوابَ الشَّرْطِ في الخَبَرِ مَعَ فِعْلِ الشَّرْطِ فَجَهالَةٌ. ومَن أعْظَمُ وِزْرًا مِمَّنْ تَكَلَّمَ في كِتابِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ. ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإيمانِ أنْ آمِنُوا بِرَبِّكم فَآمَنّا﴾ (سَمِعَ) إنْ دَخَلَ عَلى مَسْمُوعٍ تَعَدّى لِواحِدٍ، نَحْوُ: سَمِعْتُ كَلامَ زِيدٍ، كَغَيْرِهِ مِن أفْعالِ الحَواسِّ. وإنْ دَخَلَ عَلى ذاتٍ وجاءَ بَعْدَهُ فِعْلٌ أوِ اسْمٌ في مَعْناهُ، نَحْوُ: سَمِعْتُ زَيْدًا يَتَكَلَّمُ، وسَمِعْتُ زَيْدًا يَقُولُ كَذا، فَفي هَذِهِ المَسْألَةِ خِلافٌ. مِنهم مَن ذَهَبَ إلى أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ أوِ الِاسْمَ إنْ كانَ قَبْلَهُ نَكِرَةٌ كانَ صِفَةً لَها، أوْ مَعْرِفَةٌ كانَ حالًا مِنها. ومِنهم مَن ذَهَبَ إلى أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ أوِ الِاسْمَ هو في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِسَمِعَ، وجَعَلَ (سَمِعَ) مِمّا يُعَدّى إلى واحِدٍ إنْ دَخَلَ عَلى مَسْمُوعٍ، وإلى اثْنَيْنِ إنْ دَخَلَ عَلى ذاتٍ، وهَذا مَذْهَبُ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ. والصَّحِيحُ القَوْلُ الأوَّلُ، وهَذا مُقَرَّرٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. فَعَلى هَذا يَكُونُ (يُنادِي) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ؛ لِأنَّ قَبْلَهُ نَكِرَةً، وعَلى مَذْهَبِ أبِي عَلِيٍّ يَكُونُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي. وذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى القَوْلِ الأوَّلِ قالَ: تَقُولُ: سَمِعْتُ رَجُلًا يَقُولُ كَذا، وسَمِعْتُ زَيْدًا يَتَكَلَّمُ؛ لِتُوقِعَ الفِعْلَ عَلى الرَّجُلِ، وتَحْذِفَ المَسْمُوعَ لِأنَّكَ وصَفْتَهُ بِما يَسْمَعُ، أوْ جَعَلْتَهُ حالًا عَنْهُ، فَأغْناكَ عَنْ ذِكْرِهِ. ولَوْلا الوَصْفُ أوِ الحالُ لَمْ يَكُنْ مِنهُ بُدٌّ. وأنْ يُقالَ: سَمِعْتُ كَلامَ فُلانٍ، أوْ قَوْلَهُ. انْتَهى كَلامُهُ. وقَوْلُهُ: ولَوْلا الوَصْفُ أوِ الحالُ إلى آخِرِهِ - لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ لا يَكُونُ وصْفٌ ولا حالٌ، ويَدْخُلُ (سَمِعَ) عَلى ذاتٍ، لا عَلى مَسْمُوعٍ. وذَلِكَ إذا كانَ في الكَلامِ ما يُشْعِرُ بِالمَسْمُوعِ وإنْ لَمْ يَكُنْ وصْفًا ولا حالًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ [الشعراء: ٧٢] أغْنى ذِكْرُ ظَرْفِ الدُّعاءِ عَنْ ذِكْرِ المَسْمُوعِ. والمُنادى هُنا هو الرَّسُولُ ﷺ . قالَ تَعالى: ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ بِإذْنِهِ﴾ [الأحزاب: ٤٦] ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ [النحل: ١٢٥] قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُما - أوِ القُرْآنُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، قالَ: لِأنَّ كُلَّ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَلْقَوُا الرَّسُولَ، فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ وصْفُهُ بِالنِّداءِ حَقِيقَةً، وعَلى الثّانِي مَجازًا، وجُمِعَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿مُنادِيًا يُنادِي﴾؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ الأوَّلَ مُطْلَقًا وقَيَّدَ الثّانِيَ تَفْخِيمًا لِشَأْنِ المُنادِي؛ لِأنَّهُ لا مُنادِيَ أعْظَمُ مِن مُنادٍ يُنادِي لِلْإيمانِ. وذَلِكَ أنَّ المُنادِيَ إذا أُطْلِقَ ذَهَبَ الوَهْمُ إلى مُنادٍ لِلْحَرْبِ، أوْ لِإطْفاءِ الثّائِرَةِ، أوْ لِإغاثَةِ المَكْرُوبِ، أوْ لِكِفايَةِ بَعْضِ النَّوازِلِ، أوْ لِبَعْضِ المَنافِعِ. فَإذا قُلْتَ: ﴿يُنادِي لِلْإيمانِ﴾ فَقَدْ رَفَعْتَ مِن شَأْنِ المُنادِي وفَخَّمْتَهُ. واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (يُنادِي)، ويُعَدّى نادى، ودَعا، ونَدَبَ بِاللّامِ وبِإلى، كَما يُعَدّى بِهِما هَدى لِوُقُوعِ مَعْنى الِاخْتِصاصِ، وانْتِهاءِ الغايَةِ جَمِيعًا. ولِهَذا قالَ بَعْضُهم: إنَّ اللّامَ بِمَعْنى إلى. لَمّا كانَ يُنادِي في مَعْنى يَدْعُو؛ حَسُنَ وُصُولُها بِاللّامِ بِمَعْنى (إلى) . وقِيلَ: اللّامُ لامُ العِلَّةِ، أيْ لِأجْلِ الإيمانِ. وقِيلَ: اللّامُ بِمَعْنى الباءِ، أيْ بِالإيمانِ. والسَّماعُ مَحْمُولٌ عَلى حَقِيقَتِهِ، أيْ سَمِعْنا صَوْتَ مُنادٍ. قِيلَ: ومَن جَعَلَ المُنادِيَ هو القُرْآنَ، فالسَّماعُ عِنْدَهُ مَجازٌ عَنِ القَبُولِ، و(أنْ) مُفَسِّرَةٌ، التَّقْدِيرُ: أنْ آمِنُوا. وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً وُصِلَتْ بِفِعْلِ الأمْرِ، أيْ: بِأنْ آمِنُوا. فَعَلى الأوَّلِ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وعَلى الثّانِي لَها مَوْضِعٌ وهو الجَرُّ، أوِ النَّصْبُ عَلى الخِلافِ. وعَطْفُ (فَآمَنّا) بِالفاءِ مُؤْذِنٌ بِتَعْجِيلِ القَبُولِ، وتَسْبِيبِ الإيمانِ عَنِ السَّماعِ مِن غَيْرِ تَراخٍ، والمَعْنى: فَآمَنّا بِكَ أوْ بِرَبِّنا. ﴿رَبَّنا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا﴾ (p-١٤٢)قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الذُّنُوبُ هي الكَبائِرُ، والسَّيِّئاتُ هي الصَّغائِرُ. ويُؤَيِّدُهُ: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] وقِيلَ: الذُّنُوبُ تَرْكُ الطّاعاتِ، والسَّيِّئاتُ فِعْلُ المَعاصِي. وقِيلَ: غُفْرانُ الذُّنُوبِ وتَكْفِيرُ السَّيِّئاتِ أمْرٌ قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، لَكِنَّهُ كُرِّرَ لِلتَّأْكِيدِ، ولِأنَّها مَناحٍ مِنَ السَّتْرِ وإزالَةِ حُكْمِ الذُّنُوبِ بَعْدَ حُصُولِهِ، والغُفْرانُ والتَّكْفِيرُ بِمَعْنًى، والذُّنُوبُ والسَّيِّئاتُ بِمَعْنًى، وجَمَعَ بَيْنَهُما تَأْكِيدًا ومُبالَغَةً؛ ولِيَكُونَ في ذَلِكَ إلْحاحٌ في الدُّعاءِ. فَقَدْ رُوِيَ: (إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُلِحِّينَ في الدُّعاءِ) . وقِيلَ: في التَّكْفِيرِ مَعْنًى، وهو التَّغْطِيَةُ، لِيَأْمَنُوا الفُضُوحَ. والكَفّارَةُ هي الطّاعَةُ المُغَطِّيَةُ لِلسَّيِّئَةِ، كالعِتْقِ والصِّيامِ والإطْعامِ. ورَجُلٌ مُكَفَّرٌ بِالسِّلاحِ، أيْ مُغَطًّى. ﴿وتَوَفَّنا مَعَ الأبْرارِ﴾ جَمْعُ بَرٍّ، عَلى وزْنِ فَعَلٍ، كَصَلَفٍ. أوْ جَمْعُ بارٍّ عَلى وزْنٍ فاعِلٍ كَضارِبٍ، وأُدْغِمَتِ الرّاءُ في الرّاءِ. وهُمُ الطّائِعُونَ لِلَّهِ، وتَقَدَّمَ مَعْنى البِرِّ. وقِيلَ: هم هُنا الَّذِينَ بَرُّوا الآباءَ والأبْناءَ. و(مَعَ) هُنا مَجازٌ عَنِ الصُّحْبَةِ الزَّمانِيَّةِ إلى الصُّحْبَةِ في الوَصْفِ، أيْ: تَوَفَّنا أبْرارًا مَعْدُودِينَ في جُمْلَةِ الأبْرارِ. والمَعْنى: اجْعَلْنا مِمَّنْ تَوَفَّيْتَهم طائِعِينَ لَكَ. وقِيلَ: المَعْنى احْشُرْنا مَعَهم في الجَنَّةِ. ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتِنا عَلى رُسُلِكَ﴾ الظّاهِرُ أنَّهم سَألُوا رَبَّهم أنْ يُعْطِيَهم ما وعَدَهم عَلى رُسُلِهِ، فَفَسَّرَ هَذا المَوْعُودَ بِهِ بِالجَنَّةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: المَوْعُودُ بِهِ النَّصْرُ عَلى الأعْداءِ. وقِيلَ: اسْتِغْفارُ الأنْبِياءِ، كاسْتِغْفارِ نُوحٍ وإبْراهِيمَ ورَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ، واسْتِغْفارِ المَلائِكَةِ لَهم. وقَوْلُهُ: ﴿عَلى رُسُلِكَ﴾ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، فَقَدَّرَهُ الطَّبَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ: عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِكَ. وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى تَصْدِيقِ رُسُلِكَ. قالَ: فَـ(عَلى) هَذِهِ صِلَةٌ لِلْوَعْدِ في قَوْلِكَ: وعَدَ اللَّهُ الجَنَّةَ عَلى الطّاعَةِ. والمَعْنى: ما وعَدْتَنا عَلى تَصْدِيقِ رُسُلِكَ. ألا تَراهُ كَيْفَ أتْبَعَ ذِكْرَ المُنادِي لِلْإيمانِ وهو الرَّسُولُ، وقَوْلُهُ: (آمَنّا) وهو التَّصْدِيقُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ، أيْ: ما وعَدْتَنا مُنْزِلًا عَلى رُسُلِكَ، أوْ مَحْمُولًا عَلى رُسُلِكَ؛ لِأنَّ الرُّسُلَ يَحْمِلُونَ ذَلِكَ، فَإنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ. انْتَهى. وهَذا الوَجْهُ الَّذِي ذَكَرَ آخِرًا أنَّهُ يَجُوزُ لَيْسَ بِجائِزٍ؛ لِأنَّ مِن قَواعِدِ النَّحْوِيِّينَ أنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ والظَّرْفَ مَتى كانَ العامِلُ فِيهِما مُقَيَّدًا، فَلا بُدَّ مِن ذِكْرِ ذَلِكَ العامِلِ، ولا يَجُوزُ حَذْفُهُ، ولا يُحْذَفُ العامِلُ إلّا إذا كانَ كَوْنًا مُطْلَقًا. مِثالُ ذَلِكَ: زَيْدٌ ضاحِكٌ في الدّارِ، لا يَجُوزُ حَذْفُ ضاحِكٌ ألْبَتَّةَ. وإذا قُلْتَ: زِيدٌ في الدّارِ فالعامِلُ كَوْنٌ مُطْلَقٌ يُحْذَفُ. وكَذَلِكَ: زِيدٌ ناجٍ مِن بَنِي تَمِيمٍ، لا يَجُوزُ حَذْفُ ناجٍ. ولَوْ قُلْتَ: زِيدٌ مِن بَنِي تَمِيمٍ؛ جازَ عَلى تَقْدِيرِ: كائِنٌ مِن بَنِي تَمِيمٍ، والمَحْذُوفُ فِيما جَوَّزَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهو قَوْلُهُ: مُنْزَلًا أوْ مَحْمُولًا، لا يَجُوزُ حَذْفُهُ عَلى ما تَقَرَّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ. وإذا كانَ العامِلُ في الظَّرْفِ أوِ المَجْرُورِ مُقَيَّدًا صارَ ذَلِكَ الظَّرْفُ أوِ المَجْرُورُ ناقِصًا، فَلا يَجُوزُ أنْ يَقَعَ صِلَةً، ولا خَبَرًا لا في الحالِ، ولا في الأصْلِ، ولا صِفَةً، ولا حالًا. ومَعْنى سُؤالِهِمْ: أنْ يُعْطِيَهم ما وعَدَهم: أنْ يُثِيبَهم عَلى الإيمانِ والطّاعَةِ حَتّى يَكُونُوا مِمَّنْ يُؤْتِيهُمُ اللَّهُ ما وعَدَ المُؤْمِنِينَ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ تَعالى مُنْجِزٌ ما وعَدَ، فَسَألُوا إنْجازَ ما تَرَتَّبَ عَلى الإيمانِ. والمَعْنى: التَّثْبِيتُ عَلى الإيمانِ حَتّى يَكُونُوا مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى إنْجازَ الوَعْدِ. وقِيلَ: هَذا السُّؤالُ جاءَ عَلى سَبِيلِ الِالتِجاءِ إلى اللَّهِ تَعالى والتَّضَرُّعِ لَهُ، كَما كانَ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَسْتَغْفِرُونَ، مَعَ عِلْمِهِمْ أنَّهم مَغْفُورٌ لَهم، يَقْصِدُونَ بِذَلِكَ التَّذَلُّلَ والتَّضَرُّعَ إلَيْهِ والِالتِجاءَ. وقِيلَ: اسْتَبْطَئُوا النَّصْرَ الَّذِي وُعِدُوا بِهِ فَسَألُوا أنْ يُعَجِّلَ لَهم وعْدَهُ، فَعَلى هَذا وهو أنْ يَكُونَ المَوْعُودُ بِهِ النَّصْرَ يَكُونُ الإيتاءُ في الدُّنْيا، وعَلى أنْ يَكُونَ الجَنَّةَ يَكُونُ (p-١٤٣)الإيتاءُ في الآخِرَةِ. وقَرَأ الأعْمَشُ: (عَلى رُسْلِكَ) بِإسْكانِ السِّينِ. ﴿ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ فُسِّرَ الإخْزاءُ هُنا بِما فُسِّرَ في ﴿فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ . و(يَوْمَ القِيامَةِ) مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ولا تُخْزِنا﴾، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ الإعْمالِ، إذْ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِـ ﴿تُخْزِنا﴾ وبِ ﴿آتِنا ما وعَدْتَنا﴾، إذا كانَ المَوْعُودُ بِهِ الجَنَّةَ. ﴿إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ ظاهِرُهُ أنَّهُ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وآتِنا ما وعَدْتَنا﴾ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التحريم: ٨] فَهَذا وعْدُهُ تَعالى، وهو دالٌّ عَلى أنَّ الخِزْيَ إنَّما هو مَعَ الخُلُودِ. انْتَهى. وانْظُرْ إلى حُسْنِ مُحاوَرَةِ هَؤُلاءِ الذّاكِرِينَ المُتَفَكِّرِينَ، فَإنَّهم خاطَبُوا اللَّهَ تَعالى بِلَفْظَةِ (رَبَّنا)، وهي إشارَةٌ إلى أنَّهُ رَبُّهم أصْلَحَهم وهَيَّأهم لِلْعِبادَةِ، فَأخْبَرُوا أوَّلًا بِنَتِيجَةِ الفِكْرِ وهو قَوْلُهم: ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١] ثُمَّ سَألُوهُ أنْ يَقِيَهُمُ النّارَ بَعْدَ تَنْزِيهِهِ عَنِ النَّقائِصِ. وأخْبَرُوا عَنْ حالِ مَن يَدْخُلِ النّارَ وهُمُ الظّالِمُونَ الَّذِينَ لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ، ولا يَتَفَكَّرُونَ في مَصْنُوعاتِهِ. ثُمَّ ذَكَرُوا أيْضًا ما أنْتَجَ لَهُمُ الفِكْرُ مِن إجابَةِ الدّاعِي إلى الإيمانِ، إذْ ذاكَ مُتَرَتِّبٌ عَلى أنَّهُ تَعالى ما خَلَقَ هَذا الخَلْقَ العَجِيبَ باطِلًا. ثُمَّ سَألُوا غُفْرانَ ذُنُوبِهِمْ ووَفاتَهم عَلى الإيمانِ الَّذِي أخْبَرُوا بِهِ في قَوْلِهِمْ: فَآمَنّا ثُمَّ سَألُوا اللَّهَ الجَنَّةَ وأنْ لا يَفْضَحَهم يَوْمَ القِيامَةِ، وذَلِكَ هو غايَةُ ما سَألُوهُ. وتَكَرَّرَ لَفْظُ (رَبَّنا) خَمْسَ مَرّاتٍ، كُلُّ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعْطافِ وتَطَلُّبِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى بِنِدائِهِ بِهَذا الِاسْمِ الشَّرِيفِ الدّالِّ عَلى التَّرْبِيَةِ والمِلْكِ والإصْلاحِ. وكَذَلِكَ تَكَرَّرَ هَذا الِاسْمُ في قِصَّةِ آدَمَ ونُوحٍ وغَيْرِهِما. وفي تَكْرارِ (رَبَّنا. . . . . . رَبَّنا) دَلالَةٌ عَلى جَوازِ الإلْحاحِ في المَسْألَةِ، واعْتِمادِ كَثْرَةِ الطَّلَبِ مِنَ اللَّهِ تَعالى. وفي الحَدِيثِ: (ألِظُّوا بِـ يا ذا الجَلالِ والإكْرامِ)، وقالَ الحَسَنُ: ما زالُوا يَقُولُونَ رَبَّنا رَبَّنا حَتّى اسْتَجابَ لَهم. وهَذِهِ مَسْألَةٌ أجْمَعَ عَلَيْها عُلَماءُ الأمْصارِ خِلافًا لِبَعْضِ الصُّوفِيَّةِ، إذْ أجازَ ذَلِكَ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالآخِرَةِ لا بِالدُّنْيا، ولِبَعْضِ المُتَصَوِّفَةِ أيْضًا إذْ قالَ: اللَّهُ تَعالى تَوَلّى مَنِ اتَّبَعَ الأمْرَ واجْتَنَبَ النَّهْيَ وارْتَفَعَ عَنْهُ كُلَفَ طَلَباتِهِ ودُعائِهِ. خَرَّجَ أبُو نَصْرٍ الوايِلِيُّ السِّجِسْتانِيُّ الحافِظُ في كِتابِ الإبانَةِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: (أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ عَشْرَ آياتٍ مِن آخِرِ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ كُلَّ لَيْلَةٍ) يَعْنِي: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] . قالَ العُلَماءُ: ويُسْتَحَبُّ لِمَنِ انْتَبَهَ مِن نَوْمِهِ أنْ يَمْسَحَ عَلى وجْهِهِ، ويَسْتَفْتِحَ قِيامَهُ بِقِراءَةِ هَذا العَشْرِ آياتٍ اقْتِداءً بِالنَّبِيِّ ﷺ، ثَبَتَ ذَلِكَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، ثُمَّ يُصَلِّي ما كُتِبَ لَهُ، فَيَجْمَعُ بَيْنَ التَّفَكُّرِ والعَمَلِ.

آل عمران 3:194

﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ هَذِهِ اسْتِجارَةٌ واسْتِعاذَةٌ. أيْ: فَلا تَفْعَلْ بِنا ذَلِكَ، ولا تَجْعَلْنا مِمَّنْ يَعْمَلُ بِعَمَلِها. ومَعْنى أخْزَيْتَهُ: فَضَحْتَهُ. مِن خَزِيَ الرَّجُلُ يَخْزى خِزْيًا: إذا افْتَضَحَ، وخِزايَةً: إذا اسْتَحْيا، الفِعْلُ واحِدٌ واخْتَلَفَ في المَصْدَرِ، فَمِنَ الِافْتِضاحِ خِزْيٌ، ومِنَ الِاسْتِحْياءِ خَزايَةٌ. ومِن ذَلِكَ ﴿ولا تُخْزُونِ في ضَيْفِي﴾ [هود: ٧٨] أيْ: لا تَفْضَحُونِ. وقِيلَ: المَعْنى أهَنْتَهُ. وقالَ المُفَضَّلُ: أهْلَكْتَهُ. ويُقالُ: خَزَيْتُهُ وأخْزَيْتُهُ ثُلاثِيًّا ورُباعِيًّا، والرُّباعِيُّ أكْثَرُ وأفْصَحُ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَخْزِيُّ في اللُّغَةِ هو المُذَلُّ المَحْقُورُ بِأمْرٍ قَدْ لَزِمَهُ، يُقالُ: أخْزَيْتُهُ ألْزَمْتُهُ حُجَّةً أذْلَلْتُهُ مَعَها. وقالَ أنَسٌ وسَعِيدٌ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وغَيْرُهم: هي إشارَةٌ إلى مَن يَخْلُدُ في النّارِ، أمّا مَن يَخْرُجُ مِنها بِالشَّفاعَةِ والإيمانِ فَلَيْسَ بِمَخْزِيٍّ. وقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وغَيْرُهُ: كُلُّ مَن دَخَلَ النّارَ فَهو مَخْزِيٌّ وإنْ خَرَجَ مِنها، وإنَّ في دُونِ ذَلِكَ لَخِزْيًا، واخْتارَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ وأبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ هو مِن قَوْلِ الدّاعِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الظّالِمُونَ هُنا هُمُ الكافِرُونَ، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ. وقَدْ صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] ويُناسِبُ هَذا التَّفْسِيرَ أنْ يَكُونَ ما قَبْلَهُ فِيمَن يَخْلُدُ في النّارِ؛ لِأنَّ نَفْيَ النّاصِرِ إمّا بِمَنعٍ أوْ شَفاعَةِ مُخْتَصٌّ بِالكُفّارِ، وأمّا المُؤْمِنُ فاللَّهُ ناصِرُهُ والرَّسُولُ ﷺ شافِعُهُ، وبَعْضُ المُؤْمِنِينَ يَشْفَعُ لِبَعْضٍ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وما لِلظّالِمِينَ﴾ اللّامُ إشارَةٌ إلى مَن يَدْخُلُ النّارَ، وإعْلامٌ بِأنَّ مَن يَدْخُلُ النّارَ، فَلا ناصِرَ لَهُ بِشَفاعَةٍ ولا غَيْرِها. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ أنَّ مَن يَدْخُلُ النّارَ لا يَخْرُجُ مِنها أبَدًا، سَواءٌ كانَ (p-١٤١)كافِرًا أمْ فاسِقًا، و(مَن) مَفْعُولَةٌ لِفِعْلِ الشَّرْطِ. وحَكى بَعْضُ المُعْرِبِينَ ما نَصُّهُ: وأجازَ قَوْمٌ أنْ يَكُونَ (مَن) مَنصُوبًا بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ جَوابُ الشَّرْطِ وهو: ﴿فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ . وأجازَ آخَرُونَ أنْ يَكُونَ (مَن) مُبْتَدَأً، والشَّرْطُ وجَوابُهُ الخَبَرَ. انْتَهى. أمّا القَوْلُ الأوَّلُ فَصادِرٌ عَنْ جاهِلٍ بِعِلْمِ النَّحْوِ، وأمّا الثّانِي فَإعْرابُ (مَن) مُبْتَدَأً في غايَةِ الضَّعْفِ. وأمّا إدْخالُهُ جَوابَ الشَّرْطِ في الخَبَرِ مَعَ فِعْلِ الشَّرْطِ فَجَهالَةٌ. ومَن أعْظَمُ وِزْرًا مِمَّنْ تَكَلَّمَ في كِتابِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ. ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإيمانِ أنْ آمِنُوا بِرَبِّكم فَآمَنّا﴾ (سَمِعَ) إنْ دَخَلَ عَلى مَسْمُوعٍ تَعَدّى لِواحِدٍ، نَحْوُ: سَمِعْتُ كَلامَ زِيدٍ، كَغَيْرِهِ مِن أفْعالِ الحَواسِّ. وإنْ دَخَلَ عَلى ذاتٍ وجاءَ بَعْدَهُ فِعْلٌ أوِ اسْمٌ في مَعْناهُ، نَحْوُ: سَمِعْتُ زَيْدًا يَتَكَلَّمُ، وسَمِعْتُ زَيْدًا يَقُولُ كَذا، فَفي هَذِهِ المَسْألَةِ خِلافٌ. مِنهم مَن ذَهَبَ إلى أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ أوِ الِاسْمَ إنْ كانَ قَبْلَهُ نَكِرَةٌ كانَ صِفَةً لَها، أوْ مَعْرِفَةٌ كانَ حالًا مِنها. ومِنهم مَن ذَهَبَ إلى أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ أوِ الِاسْمَ هو في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِسَمِعَ، وجَعَلَ (سَمِعَ) مِمّا يُعَدّى إلى واحِدٍ إنْ دَخَلَ عَلى مَسْمُوعٍ، وإلى اثْنَيْنِ إنْ دَخَلَ عَلى ذاتٍ، وهَذا مَذْهَبُ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ. والصَّحِيحُ القَوْلُ الأوَّلُ، وهَذا مُقَرَّرٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. فَعَلى هَذا يَكُونُ (يُنادِي) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ؛ لِأنَّ قَبْلَهُ نَكِرَةً، وعَلى مَذْهَبِ أبِي عَلِيٍّ يَكُونُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي. وذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى القَوْلِ الأوَّلِ قالَ: تَقُولُ: سَمِعْتُ رَجُلًا يَقُولُ كَذا، وسَمِعْتُ زَيْدًا يَتَكَلَّمُ؛ لِتُوقِعَ الفِعْلَ عَلى الرَّجُلِ، وتَحْذِفَ المَسْمُوعَ لِأنَّكَ وصَفْتَهُ بِما يَسْمَعُ، أوْ جَعَلْتَهُ حالًا عَنْهُ، فَأغْناكَ عَنْ ذِكْرِهِ. ولَوْلا الوَصْفُ أوِ الحالُ لَمْ يَكُنْ مِنهُ بُدٌّ. وأنْ يُقالَ: سَمِعْتُ كَلامَ فُلانٍ، أوْ قَوْلَهُ. انْتَهى كَلامُهُ. وقَوْلُهُ: ولَوْلا الوَصْفُ أوِ الحالُ إلى آخِرِهِ - لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ لا يَكُونُ وصْفٌ ولا حالٌ، ويَدْخُلُ (سَمِعَ) عَلى ذاتٍ، لا عَلى مَسْمُوعٍ. وذَلِكَ إذا كانَ في الكَلامِ ما يُشْعِرُ بِالمَسْمُوعِ وإنْ لَمْ يَكُنْ وصْفًا ولا حالًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ [الشعراء: ٧٢] أغْنى ذِكْرُ ظَرْفِ الدُّعاءِ عَنْ ذِكْرِ المَسْمُوعِ. والمُنادى هُنا هو الرَّسُولُ ﷺ . قالَ تَعالى: ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ بِإذْنِهِ﴾ [الأحزاب: ٤٦] ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ [النحل: ١٢٥] قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُما - أوِ القُرْآنُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، قالَ: لِأنَّ كُلَّ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَلْقَوُا الرَّسُولَ، فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ وصْفُهُ بِالنِّداءِ حَقِيقَةً، وعَلى الثّانِي مَجازًا، وجُمِعَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿مُنادِيًا يُنادِي﴾؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ الأوَّلَ مُطْلَقًا وقَيَّدَ الثّانِيَ تَفْخِيمًا لِشَأْنِ المُنادِي؛ لِأنَّهُ لا مُنادِيَ أعْظَمُ مِن مُنادٍ يُنادِي لِلْإيمانِ. وذَلِكَ أنَّ المُنادِيَ إذا أُطْلِقَ ذَهَبَ الوَهْمُ إلى مُنادٍ لِلْحَرْبِ، أوْ لِإطْفاءِ الثّائِرَةِ، أوْ لِإغاثَةِ المَكْرُوبِ، أوْ لِكِفايَةِ بَعْضِ النَّوازِلِ، أوْ لِبَعْضِ المَنافِعِ. فَإذا قُلْتَ: ﴿يُنادِي لِلْإيمانِ﴾ فَقَدْ رَفَعْتَ مِن شَأْنِ المُنادِي وفَخَّمْتَهُ. واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (يُنادِي)، ويُعَدّى نادى، ودَعا، ونَدَبَ بِاللّامِ وبِإلى، كَما يُعَدّى بِهِما هَدى لِوُقُوعِ مَعْنى الِاخْتِصاصِ، وانْتِهاءِ الغايَةِ جَمِيعًا. ولِهَذا قالَ بَعْضُهم: إنَّ اللّامَ بِمَعْنى إلى. لَمّا كانَ يُنادِي في مَعْنى يَدْعُو؛ حَسُنَ وُصُولُها بِاللّامِ بِمَعْنى (إلى) . وقِيلَ: اللّامُ لامُ العِلَّةِ، أيْ لِأجْلِ الإيمانِ. وقِيلَ: اللّامُ بِمَعْنى الباءِ، أيْ بِالإيمانِ. والسَّماعُ مَحْمُولٌ عَلى حَقِيقَتِهِ، أيْ سَمِعْنا صَوْتَ مُنادٍ. قِيلَ: ومَن جَعَلَ المُنادِيَ هو القُرْآنَ، فالسَّماعُ عِنْدَهُ مَجازٌ عَنِ القَبُولِ، و(أنْ) مُفَسِّرَةٌ، التَّقْدِيرُ: أنْ آمِنُوا. وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً وُصِلَتْ بِفِعْلِ الأمْرِ، أيْ: بِأنْ آمِنُوا. فَعَلى الأوَّلِ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وعَلى الثّانِي لَها مَوْضِعٌ وهو الجَرُّ، أوِ النَّصْبُ عَلى الخِلافِ. وعَطْفُ (فَآمَنّا) بِالفاءِ مُؤْذِنٌ بِتَعْجِيلِ القَبُولِ، وتَسْبِيبِ الإيمانِ عَنِ السَّماعِ مِن غَيْرِ تَراخٍ، والمَعْنى: فَآمَنّا بِكَ أوْ بِرَبِّنا. ﴿رَبَّنا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا﴾ (p-١٤٢)قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الذُّنُوبُ هي الكَبائِرُ، والسَّيِّئاتُ هي الصَّغائِرُ. ويُؤَيِّدُهُ: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] وقِيلَ: الذُّنُوبُ تَرْكُ الطّاعاتِ، والسَّيِّئاتُ فِعْلُ المَعاصِي. وقِيلَ: غُفْرانُ الذُّنُوبِ وتَكْفِيرُ السَّيِّئاتِ أمْرٌ قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، لَكِنَّهُ كُرِّرَ لِلتَّأْكِيدِ، ولِأنَّها مَناحٍ مِنَ السَّتْرِ وإزالَةِ حُكْمِ الذُّنُوبِ بَعْدَ حُصُولِهِ، والغُفْرانُ والتَّكْفِيرُ بِمَعْنًى، والذُّنُوبُ والسَّيِّئاتُ بِمَعْنًى، وجَمَعَ بَيْنَهُما تَأْكِيدًا ومُبالَغَةً؛ ولِيَكُونَ في ذَلِكَ إلْحاحٌ في الدُّعاءِ. فَقَدْ رُوِيَ: (إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُلِحِّينَ في الدُّعاءِ) . وقِيلَ: في التَّكْفِيرِ مَعْنًى، وهو التَّغْطِيَةُ، لِيَأْمَنُوا الفُضُوحَ. والكَفّارَةُ هي الطّاعَةُ المُغَطِّيَةُ لِلسَّيِّئَةِ، كالعِتْقِ والصِّيامِ والإطْعامِ. ورَجُلٌ مُكَفَّرٌ بِالسِّلاحِ، أيْ مُغَطًّى. ﴿وتَوَفَّنا مَعَ الأبْرارِ﴾ جَمْعُ بَرٍّ، عَلى وزْنِ فَعَلٍ، كَصَلَفٍ. أوْ جَمْعُ بارٍّ عَلى وزْنٍ فاعِلٍ كَضارِبٍ، وأُدْغِمَتِ الرّاءُ في الرّاءِ. وهُمُ الطّائِعُونَ لِلَّهِ، وتَقَدَّمَ مَعْنى البِرِّ. وقِيلَ: هم هُنا الَّذِينَ بَرُّوا الآباءَ والأبْناءَ. و(مَعَ) هُنا مَجازٌ عَنِ الصُّحْبَةِ الزَّمانِيَّةِ إلى الصُّحْبَةِ في الوَصْفِ، أيْ: تَوَفَّنا أبْرارًا مَعْدُودِينَ في جُمْلَةِ الأبْرارِ. والمَعْنى: اجْعَلْنا مِمَّنْ تَوَفَّيْتَهم طائِعِينَ لَكَ. وقِيلَ: المَعْنى احْشُرْنا مَعَهم في الجَنَّةِ. ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتِنا عَلى رُسُلِكَ﴾ الظّاهِرُ أنَّهم سَألُوا رَبَّهم أنْ يُعْطِيَهم ما وعَدَهم عَلى رُسُلِهِ، فَفَسَّرَ هَذا المَوْعُودَ بِهِ بِالجَنَّةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: المَوْعُودُ بِهِ النَّصْرُ عَلى الأعْداءِ. وقِيلَ: اسْتِغْفارُ الأنْبِياءِ، كاسْتِغْفارِ نُوحٍ وإبْراهِيمَ ورَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ، واسْتِغْفارِ المَلائِكَةِ لَهم. وقَوْلُهُ: ﴿عَلى رُسُلِكَ﴾ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، فَقَدَّرَهُ الطَّبَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ: عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِكَ. وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى تَصْدِيقِ رُسُلِكَ. قالَ: فَـ(عَلى) هَذِهِ صِلَةٌ لِلْوَعْدِ في قَوْلِكَ: وعَدَ اللَّهُ الجَنَّةَ عَلى الطّاعَةِ. والمَعْنى: ما وعَدْتَنا عَلى تَصْدِيقِ رُسُلِكَ. ألا تَراهُ كَيْفَ أتْبَعَ ذِكْرَ المُنادِي لِلْإيمانِ وهو الرَّسُولُ، وقَوْلُهُ: (آمَنّا) وهو التَّصْدِيقُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ، أيْ: ما وعَدْتَنا مُنْزِلًا عَلى رُسُلِكَ، أوْ مَحْمُولًا عَلى رُسُلِكَ؛ لِأنَّ الرُّسُلَ يَحْمِلُونَ ذَلِكَ، فَإنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ. انْتَهى. وهَذا الوَجْهُ الَّذِي ذَكَرَ آخِرًا أنَّهُ يَجُوزُ لَيْسَ بِجائِزٍ؛ لِأنَّ مِن قَواعِدِ النَّحْوِيِّينَ أنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ والظَّرْفَ مَتى كانَ العامِلُ فِيهِما مُقَيَّدًا، فَلا بُدَّ مِن ذِكْرِ ذَلِكَ العامِلِ، ولا يَجُوزُ حَذْفُهُ، ولا يُحْذَفُ العامِلُ إلّا إذا كانَ كَوْنًا مُطْلَقًا. مِثالُ ذَلِكَ: زَيْدٌ ضاحِكٌ في الدّارِ، لا يَجُوزُ حَذْفُ ضاحِكٌ ألْبَتَّةَ. وإذا قُلْتَ: زِيدٌ في الدّارِ فالعامِلُ كَوْنٌ مُطْلَقٌ يُحْذَفُ. وكَذَلِكَ: زِيدٌ ناجٍ مِن بَنِي تَمِيمٍ، لا يَجُوزُ حَذْفُ ناجٍ. ولَوْ قُلْتَ: زِيدٌ مِن بَنِي تَمِيمٍ؛ جازَ عَلى تَقْدِيرِ: كائِنٌ مِن بَنِي تَمِيمٍ، والمَحْذُوفُ فِيما جَوَّزَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهو قَوْلُهُ: مُنْزَلًا أوْ مَحْمُولًا، لا يَجُوزُ حَذْفُهُ عَلى ما تَقَرَّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ. وإذا كانَ العامِلُ في الظَّرْفِ أوِ المَجْرُورِ مُقَيَّدًا صارَ ذَلِكَ الظَّرْفُ أوِ المَجْرُورُ ناقِصًا، فَلا يَجُوزُ أنْ يَقَعَ صِلَةً، ولا خَبَرًا لا في الحالِ، ولا في الأصْلِ، ولا صِفَةً، ولا حالًا. ومَعْنى سُؤالِهِمْ: أنْ يُعْطِيَهم ما وعَدَهم: أنْ يُثِيبَهم عَلى الإيمانِ والطّاعَةِ حَتّى يَكُونُوا مِمَّنْ يُؤْتِيهُمُ اللَّهُ ما وعَدَ المُؤْمِنِينَ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ تَعالى مُنْجِزٌ ما وعَدَ، فَسَألُوا إنْجازَ ما تَرَتَّبَ عَلى الإيمانِ. والمَعْنى: التَّثْبِيتُ عَلى الإيمانِ حَتّى يَكُونُوا مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى إنْجازَ الوَعْدِ. وقِيلَ: هَذا السُّؤالُ جاءَ عَلى سَبِيلِ الِالتِجاءِ إلى اللَّهِ تَعالى والتَّضَرُّعِ لَهُ، كَما كانَ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَسْتَغْفِرُونَ، مَعَ عِلْمِهِمْ أنَّهم مَغْفُورٌ لَهم، يَقْصِدُونَ بِذَلِكَ التَّذَلُّلَ والتَّضَرُّعَ إلَيْهِ والِالتِجاءَ. وقِيلَ: اسْتَبْطَئُوا النَّصْرَ الَّذِي وُعِدُوا بِهِ فَسَألُوا أنْ يُعَجِّلَ لَهم وعْدَهُ، فَعَلى هَذا وهو أنْ يَكُونَ المَوْعُودُ بِهِ النَّصْرَ يَكُونُ الإيتاءُ في الدُّنْيا، وعَلى أنْ يَكُونَ الجَنَّةَ يَكُونُ (p-١٤٣)الإيتاءُ في الآخِرَةِ. وقَرَأ الأعْمَشُ: (عَلى رُسْلِكَ) بِإسْكانِ السِّينِ. ﴿ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ فُسِّرَ الإخْزاءُ هُنا بِما فُسِّرَ في ﴿فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ . و(يَوْمَ القِيامَةِ) مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ولا تُخْزِنا﴾، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ الإعْمالِ، إذْ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِـ ﴿تُخْزِنا﴾ وبِ ﴿آتِنا ما وعَدْتَنا﴾، إذا كانَ المَوْعُودُ بِهِ الجَنَّةَ. ﴿إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ ظاهِرُهُ أنَّهُ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وآتِنا ما وعَدْتَنا﴾ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التحريم: ٨] فَهَذا وعْدُهُ تَعالى، وهو دالٌّ عَلى أنَّ الخِزْيَ إنَّما هو مَعَ الخُلُودِ. انْتَهى. وانْظُرْ إلى حُسْنِ مُحاوَرَةِ هَؤُلاءِ الذّاكِرِينَ المُتَفَكِّرِينَ، فَإنَّهم خاطَبُوا اللَّهَ تَعالى بِلَفْظَةِ (رَبَّنا)، وهي إشارَةٌ إلى أنَّهُ رَبُّهم أصْلَحَهم وهَيَّأهم لِلْعِبادَةِ، فَأخْبَرُوا أوَّلًا بِنَتِيجَةِ الفِكْرِ وهو قَوْلُهم: ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١] ثُمَّ سَألُوهُ أنْ يَقِيَهُمُ النّارَ بَعْدَ تَنْزِيهِهِ عَنِ النَّقائِصِ. وأخْبَرُوا عَنْ حالِ مَن يَدْخُلِ النّارَ وهُمُ الظّالِمُونَ الَّذِينَ لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ، ولا يَتَفَكَّرُونَ في مَصْنُوعاتِهِ. ثُمَّ ذَكَرُوا أيْضًا ما أنْتَجَ لَهُمُ الفِكْرُ مِن إجابَةِ الدّاعِي إلى الإيمانِ، إذْ ذاكَ مُتَرَتِّبٌ عَلى أنَّهُ تَعالى ما خَلَقَ هَذا الخَلْقَ العَجِيبَ باطِلًا. ثُمَّ سَألُوا غُفْرانَ ذُنُوبِهِمْ ووَفاتَهم عَلى الإيمانِ الَّذِي أخْبَرُوا بِهِ في قَوْلِهِمْ: فَآمَنّا ثُمَّ سَألُوا اللَّهَ الجَنَّةَ وأنْ لا يَفْضَحَهم يَوْمَ القِيامَةِ، وذَلِكَ هو غايَةُ ما سَألُوهُ. وتَكَرَّرَ لَفْظُ (رَبَّنا) خَمْسَ مَرّاتٍ، كُلُّ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعْطافِ وتَطَلُّبِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى بِنِدائِهِ بِهَذا الِاسْمِ الشَّرِيفِ الدّالِّ عَلى التَّرْبِيَةِ والمِلْكِ والإصْلاحِ. وكَذَلِكَ تَكَرَّرَ هَذا الِاسْمُ في قِصَّةِ آدَمَ ونُوحٍ وغَيْرِهِما. وفي تَكْرارِ (رَبَّنا. . . . . . رَبَّنا) دَلالَةٌ عَلى جَوازِ الإلْحاحِ في المَسْألَةِ، واعْتِمادِ كَثْرَةِ الطَّلَبِ مِنَ اللَّهِ تَعالى. وفي الحَدِيثِ: (ألِظُّوا بِـ يا ذا الجَلالِ والإكْرامِ)، وقالَ الحَسَنُ: ما زالُوا يَقُولُونَ رَبَّنا رَبَّنا حَتّى اسْتَجابَ لَهم. وهَذِهِ مَسْألَةٌ أجْمَعَ عَلَيْها عُلَماءُ الأمْصارِ خِلافًا لِبَعْضِ الصُّوفِيَّةِ، إذْ أجازَ ذَلِكَ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالآخِرَةِ لا بِالدُّنْيا، ولِبَعْضِ المُتَصَوِّفَةِ أيْضًا إذْ قالَ: اللَّهُ تَعالى تَوَلّى مَنِ اتَّبَعَ الأمْرَ واجْتَنَبَ النَّهْيَ وارْتَفَعَ عَنْهُ كُلَفَ طَلَباتِهِ ودُعائِهِ. خَرَّجَ أبُو نَصْرٍ الوايِلِيُّ السِّجِسْتانِيُّ الحافِظُ في كِتابِ الإبانَةِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: (أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ عَشْرَ آياتٍ مِن آخِرِ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ كُلَّ لَيْلَةٍ) يَعْنِي: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] . قالَ العُلَماءُ: ويُسْتَحَبُّ لِمَنِ انْتَبَهَ مِن نَوْمِهِ أنْ يَمْسَحَ عَلى وجْهِهِ، ويَسْتَفْتِحَ قِيامَهُ بِقِراءَةِ هَذا العَشْرِ آياتٍ اقْتِداءً بِالنَّبِيِّ ﷺ، ثَبَتَ ذَلِكَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، ثُمَّ يُصَلِّي ما كُتِبَ لَهُ، فَيَجْمَعُ بَيْنَ التَّفَكُّرِ والعَمَلِ.

آل عمران 3:195

﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهم أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكم مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى بَعْضُكم مِن بَعْضٍ﴾ رُوِيَ أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ ذَكَرَ اللَّهُ الرِّجالَ في الهِجْرَةِ ولَمْ يَذْكُرِ النِّساءَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ، ونَزَلَ آياتٌ في مَعْناها فِيها ذِكْرُ النِّساءِ. ومَعْنى اسْتَجابَ: أجابَ، ويُعَدّى بِنَفْسِهِ وبِاللّامِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ [البقرة: ١٨٦] ونَقَلَ تاجُ القُرّاءِ أنَّ (أجابَ) عامٌّ، و(اسْتَجابَ) خاصٌّ في حُصُولِ المَطْلُوبِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أنِّي) عَلى إسْقاطِ الباءِ، أيْ: بِأنِّي. وقَرَأ أُبَيٌّ (بِأنِّي) بِالباءِ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: (إنِّي) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، فَيَكُونُ عَلى إضْمارِ القَوْلِ عَلى قَوْلِ البَصْرِيِّينَ، أوْ عَلى الحِكايَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿فاسْتَجابَ﴾؛ لِأنَّ فِيهِ مَعْنى القَوْلِ عَلى طَرِيقَةِ الكُوفِيِّينَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أُضِيعُ﴾ مِن أضاعَ. وقَرَأ بَعْضُهم: (أُضَيِّعُ) بِالتَّشْدِيدِ مِن ضَيَّعَ، والهَمْزَةُ والتَّشْدِيدُ فِيهِ لِلنَّقْلِ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎كَمُرْضِعَةٍ أوْلادَ أُخْرى وضَيَّعَتْ بَنِي بَطْنِها هَذا الضَّلالُ عَنِ القَصْدِ ومَعْنى ذَلِكَ: لا أتْرُكُ جَزاءَ عامِلٍ مِنكم. و(مِنكم) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، أيْ: كائِنٍ مِنكم. وقَوْلُهُ: ﴿مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾، قِيلَ: (مِن) تَبْيِينٌ لِجِنْسِ العامِلِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ الَّذِي هو ذَكَرٌ أوْ أُنْثى. و(مِن) قِيلَ: زائِدَةٌ؛ لِتَقَدُّمِ النَّفْيِ في الكَلامِ. وقِيلَ: (مِن) في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي في العامِلِ في (مِنكم) أيْ: عامِلٍ كائِنٍ مِنكم (p-١٤٤)كائِنًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى. وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾ بَدَلٌ مِن (مِنكم) بَدَلَ الشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ، وهُما لِعَيْنٍ واحِدَةٍ. انْتَهى. فَيَكُونُ قَدْ أعادَ العامِلَ وهو حَرْفُ الجَرِّ، ويَكُونُ بَدَلًا تَفْصِيلِيًّا مِن مُخاطَبٍ. ويُعَكِّرُ عَلى أنْ يَكُونَ بَدَلًا تَفْصِيلِيًّا عَطْفُهُ بِـ (أوْ)، والبَدَلُ التَّفْصِيلِيُّ لا يَكُونُ إلّا بِالواوِ، كَقَوْلِهِ: ؎وكُنْتُ كَذِي رِجْلَيْنِ رِجْلٍ صَحِيحَةٍ ∗∗∗ ورِجْلٍ رَمى فِيها الزَّمانُ فَشُلَّتِ ويُعَكِّرُ عَلى كَوْنِهِ مِن مُخاطَبٍ أنَّ مَذْهَبَ الجُمْهُورِ: أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُبْدَلَ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ وضَمِيرِ المُخاطَبِ بَدَلَ شَيْءٍ مِن شَيْءٍ وهُما لِعَيْنٍ واحِدَةٍ، وأجازَ ذَلِكَ الأخْفَشُ. هَكَذا أطْلَقَ بَعْضُ أصْحابِنا الخِلافَ، وقَيَّدَهُ بَعْضُهم بِما كانَ البَدَلُ فِيهِ لِإحاطَةٍ، فَإنَّهُ يَجُوزُ إذْ ذاكَ. وهَذا التَّقْيِيدُ صَحِيحٌ، ومِنهُ ﴿تَكُونُ لَنا عِيدًا لِأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ [المائدة: ١١٤] فَقَوْلُهُ ﴿لِأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ [المائدة: ١١٤] بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ في قَوْلِهِ: (لَنا)، وقَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَما بَرِحَتْ أقْدامُنا في مَقامِنا ∗∗∗ ثَلاثَتِنا حَتّى أُرِينا المَنائِيا فَـ(ثَلاثَتِنا) بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ. وأجازَ ذَلِكَ لِأنَّهُ بَدَلٌ في مَعْنى التَّوْكِيدِ، ويَشْهَدُ لِمَذْهَبِ الأخْفَشِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎بِكم قُرَيْشٍ كُفِينا كُلَّ مُعْضِلَةٍ ∗∗∗ وأمَّ نَهْجَ الهُدى مَن كانَ ضِلِّيلا وقَوْلُ الآخَرِ: ؎وشَوْهاءُ تَغْدُو بِي إلى صارِخِ الوَغى ∗∗∗ بِمُسْتَلْئِمٍ مِثْلِ الفَنِيقِ المُرَجَّلِ فَـ(قُرَيْشٍ) بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِ. و(بِمُسْتَلْئِمٍ) بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ. وقَدْ تَجِيءُ (أوْ) في مَعْنى الواوِ إذا عَطَفَتْ ما لا بُدَّ مِنهُ كَقَوْلِهِ: ؎قَوْمٌ إذا سَمِعُوا الصَّرِيخَ رَأيْتَهم ∗∗∗ مِن بَيْنِ مُلْجِمِ مُهْرِهِ أوْ سافِعِ يُرِيدُ: وسافِعِ. فَكَذَلِكَ يَجُوزُ ذَلِكَ هُنا في (أوْ) أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الواوِ؛ لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ ﴿عَمَلَ عامِلٍ﴾ دَلَّ عَلى العُمُومِ، ثُمَّ أبْدَلَ مِنهُ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ، وعَطَفَ عَلى حَدِّ الجُزْءَيْنِ ما لا بُدَّ مِنهُ؛ لِأنَّهُ لا يُؤَكَّدُ العُمُومُ إلّا بِعُمُومٍ مِثْلِهِ، فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنَ العَطْفِ حَتّى يُفِيدَ المَجْمُوعُ مِنَ المُتَعاطِفَيْنِ تَأْكِيدَ العُمُومِ، فَصارَ نَظِيرَ: ؎مِن بَيْنِ مُلْجِمِ مُهْرِهِ أوْ سافِعِ ؛ لِأنَّ (بَيْنَ) لا تَدْخُلُ عَلى شَيْءٍ واحِدٍ، فَلا بُدَّ مِن عَطْفِ مُصاحِبِ مَجْرُورِها. ومَعْنى ﴿بَعْضُكم مِن بَعْضٍ﴾: أيْ مَجْمَعُ ذُكُورِكم وإناثِكم أصْلٌ واحِدٌ، فَكُلُّ واحِدٍ مِنكم مِنَ الآخَرِ أيْ مِن أصْلِهِ. فَإذا كُنْتُمْ مُشْتَرِكِينَ في الأصْلِ، فَكَذَلِكَ أنْتُمْ مُشْتَرِكُونَ في الأجْرِ وتَقَبُّلِ العَمَلِ. فَيَكُونُ (مِن) هُنا تُفِيدُ التَّبْعِيضَ الحَقِيقِيَّ، ويُشِيرُ بِذَلِكَ الِاشْتِراكِ الأصْلِيِّ إلى الِاشْتِراكِ في الأجْرِ عَلى حَدٍّ واحِدٍ. وقِيلَ: مَعْناهُ بَعْضُكم مِن بَعْضٍ في الدِّينِ والنُّصْرَةِ، والمَعْنى: أنَّ وصْفَ الإيمانِ يَجْمَعُهم، كَما جاءَ (المُسْلِمُونَ تَتَكافَأُ دِماؤُهم)، وقِيلَ: مَعْناهُ الذُّكُورُ مِنَ الإناثِ، والإناثُ مِنَ الذُّكُورِ، فَكَذَلِكَ الثَّوابُ. فَكَما اشْتَرَكُوا في هَذِهِ البَعْضِيَّةِ كَذَلِكَ اشْتَرَكُوا في الأجْرِ والثَّوابِ. ومَحْصُولُ مَعْنى هَذِهِ الجُمْلَةِ: أنَّهُ جِيءَ بِها لِتَبْيِينِ شَرِكَةِ النِّساءِ مَعَ الرِّجالِ فِيما وعَدَ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ العامِلِينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ سَبَبِ نُزُولِها، وهو سُؤالُ أُمِّ سَلَمَةَ، وخَرَّجَهُ الحاكِمُ في صَحِيحِهِ. ﴿فالَّذِينَ هاجَرُوا وأُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأُوذُوا في سَبِيلِي﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ لا يُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ، ذَكَرَ مَن عَمِلَ الأعْمالَ السَّنِيَّةَ الَّتِي يَسْتَحِقُّ بِها أنْ لا يَضِيعَ عَمَلُهُ، وأنْ لا يُتْرَكَ جَزاؤُهُ. فَذَكَرَ أوَّلًا الهِجْرَةَ، وهي الخُرُوجُ مِنَ الوَطَنِ الَّذِي لا يُمْكِنُ إقامَةُ دِينِهِ فِيهِ إلى المَكانِ الَّذِي يُمْكِنُ ذَلِكَ فِيهِ، وهَذا مِن أصْعَبِ شَيْءٍ عَلى الإنْسانِ، إذْ هو مُفارَقَةُ المَكانِ الَّذِي رَبا فِيهِ ونَشَأ مَعَ أهْلِهِ وعَلى طَرِيقَتِهِمْ، ولَوْلا نَوازِعُ الغَوى المُرَبّى عَلى وازِعِ النَّشْأةِ ما أمْكَنَهُ ذَلِكَ، ألا تَرى لِقَوْلِ الشّاعِرِ هُما لِابْنِ الرُّومِيِّ:(p-١٤٥) ؎وحَبَّبَ أوْطانَ الرِّجالِ إلَيْهِمُ ∗∗∗ مَآرِبُ قَضّاها الشَّبابُ هُنالِكا ؎إذا ذَكَرُوا أوْطانَهم ذَكَّرَتْهُمُ ∗∗∗ عُهُودَ الصِّبا فِيها فَحَنُّوا لِذَلِكا وقالَ ابْنُ الصَّفِيِّ رَفاعَةُ بْنُ عاصِمٍ الفَقْعَسِيُّ: ؎أحَبُّ بِلادِ اللَّهِ ما بَيْنَ مَنعِجٍ ∗∗∗ إلَيَّ وسَلْمى أنْ يَصُوبَ سَحابُها ؎بِلادٌ بِها نِيطَتْ عَلَيَّ تَمائِمِي ∗∗∗ وأوَّلُ أرْضٍ مَسَّ جِلْدِي تُرابُها ؎بِها طالَ تَجْرارِي رِدائِيَ حِقْبَةً ∗∗∗ وزَيْنَبُ رَيّا الحَجْلِ دَرْمٌ كِعابُها واسْمُ الهِجْرَةِ وفَضْلُها الخاصُّ قَدِ انْقَطَعَ بَعْدَ الفَتْحِ، ولَكِنَّ المَعْنى باقٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى المُفاعَلَةِ في هاجَرَ، ثُمَّ ذَكَرَ الإخْراجَ مِنَ الدِّيارِ وهو: أنَّهم أُلْجِئُوا واضْطُرُّوا إلى ذَلِكَ، وفِيهِ إلْزامُ الذَّنْبِ لِلْكُفّارِ. والمَعْنى: أنَّ المُهاجِرِينَ إنَّما أخْرَجَهم سُوءُ عِشْرَةِ الكُفّارِ وقَبِيحُ أفْعالِهِمْ مَعَهم، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإخْراجُ أهْلِهِ مِنهُ أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٧] وإذا كانَ الخُرُوجُ بِرَأْيِ الإنْسانِ وقُوَّةٍ مِنهُ عَلى الأعْداءِ جاءَ الكَلامُ بِنِسْبَةِ الخُرُوجِ إلَيْهِ، فَقِيلَ: خَرَجَ فُلانٌ، قالَ مَعْناهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. قالَ: فَمِن ذَلِكَ إنْكارُ النَّبِيِّ ﷺ عَلى أبِي سُفْيانَ بْنِ الحارِثِ حِينَ أنْشَدَهُ: ؎ورَدَّنِي إلى اللَّهِ مَن طَرَدْتُهُ كُلَّ مَطْرَدِ فَقالَ لَهُ الرَّسُولُ ﷺ: (أنْتَ طَرَّدْتَنِي كُلَّ مَطْرَدٍ) إنْكارًا عَلَيْهِ. ومِن ذَلِكَ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ: ؎فِي عُصْبَةٍ مِن قُرَيْشٍ قالَ قائِلُهُمْ ؎بِبَطْنِ مَكَّةَ لَمّا أسْلَمُوا زُولُوا ∗∗∗ زالُوا فَما زالَ أنْكاسٌ ولا كُشُفٌ عِنْدَ اللِّقاءِ ولا مِيلٌ مَعازِيلُ انْتَهى. ثُمَّ ذَكَرَ الإذايَةَ في سَبِيلِ اللَّهِ، والمَعْنى: في دِينِ اللَّهِ. وبَدَأ أوَّلًا بِالخاصِّ وهي الهِجْرَةُ وكانَتْ تُطْلَقُ عَلى الهِجْرَةِ إلى المَدِينَةِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وثَنّى بِما يَنْشَأُ عَنْهُ ما هو أعَمُّ مِنَ الهِجْرَةِ وهو الإخْراجُ مِنَ الدِّيارِ. فَقَدْ يَخْرُجُ إلى الهِجْرَةِ إلى المَدِينَةِ أوْ إلى غَيْرِها كَخُرُوجِ مَن خَرَجَ إلى الحَبَشَةِ، وكَخُرُوجِ أبِي جَنْدَلٍ إذْ لَمْ يُتْرَكْ يُقِيمُ بِالمَدِينَةِ. وأتى ثالِثًا بِذِكْرِ الإذايَةِ وهي أعَمُّ مِن أنْ تَكُونَ بِإخْراجٍ مِنَ الدِّيارِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِن أنْواعِ الأذى، وارْتَقى بَعْدَ هَذِهِ الأوْصافِ السَّنِيَّةِ إلى رُتْبَةِ جِهادِ مَن أخْرَجَهُ ومُقاوَمَتِهِ واسْتِشْهادِهِ في دِينِ اللَّهِ، فَجَمَعَ بَيْنَ رُتَبِ هَذِهِ الأعْمالِ مِن تَنْقِيصِ أحْوالِهِ في الحَياةِ لِأجْلِ دِينِ اللَّهِ بِالمُهاجَرَةِ، وإخْراجِهِ مِن دارِهِ وإذايَتِهِ في اللَّهِ، ومَآلِهِ أخِيرًا إلى إفْنائِهِ بِالقَتْلِ في سَبِيلِ اللَّهِ. والظّاهِرُ: الإخْبارُ عَنْ مَن جَمَعَ هَذِهِ الأوْصافَ كُلَّها بِالخَبَرِ الَّذِي بَعْدُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن عَطْفِ الصِّلاتِ. والمَعْنى: اخْتِلافُ المَوْصُولِ لا اتِّحادُهُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فالَّذِينَ هاجَرُوا، والَّذِينَ أُخْرِجُوا والَّذِينَ أُوذُوا، والَّذِينَ قاتَلُوا، والَّذِينَ قُتِلُوا، ويَكُونُ الخَبَرُ عَنْ كُلٍّ مِن هَؤُلاءِ. وقَرَأ جُمْهُورُ السَّبْعَةِ: ﴿وقاتَلُوا وقُتِلُوا﴾، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (وقُتِلُوا وقاتَلُوا)، يَبْدَآنِ بِالمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ، ثُمَّ بِالمَبْنِيِّ لِلْفاعِلِ، فَتَتَخَرَّجُ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى أنَّ الواوَ لا تَدُلُّ عَلى التَّرْتِيبِ، فَيَكُونُ الثّانِي وقَعَ أوَّلًا ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى التَّوْزِيعِ، فالمَعْنى: قُتِلَ بَعْضُهم وقاتَلَ باقِيهِمْ. وقَرَأ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: (وقَتَلُوا وقُتِلُوا) بِغَيْرِ ألِفٍ، وبَدَأ بِبِناءِ الأوَّلِ لِلْفاعِلِ، وبِناءِ الثّانِي لِلْمَفْعُولِ، وهي قِراءَةٌ حَسَنَةٌ في المَعْنى، مُسْتَوْفِيَةٌ لِلْحالَيْنِ عَلى التَّرْتِيبِ المُتَعارَفِ. وقَرَأ مُحارِبُ بْنُ دِثارٍ: (وقَتَلُوا) بِفَتْحِ القافِ (وقاتَلُوا) . وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: (وقُتِلُوا وقاتَلُوا) بِضَمِّ قافِ الأُولى، وتَشْدِيدِ التّاءِ، وهي في التَّخْرِيجِ كالقِراءَةِ الأُولى. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ والحَسَنُ: (وقاتَلُوا وقُتِّلُوا) بِتَشْدِيدِ التّاءِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، أيْ قُطِّعُوا في المَعْرَكَةِ. ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ولَأُدْخِلَنَّهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ لَأُكَفِّرَنَّ: جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، والقَسَمُ وما تَلَقّى بِهِ خَبَرٌ (p-١٤٦)عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فالَّذِينَ هاجَرُوا﴾ وفي هَذِهِ الآيَةِ ونَظِيرِها مِن قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾ [النحل: ٤١] ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ [العنكبوت: ٦٩] وقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎جَشَأتْ فَقُلْتُ اللَّذْ خَشِيتِ لِيَأْتِيَنْ ∗∗∗ وإذا أتاكِ فَلاتَ حِينَ مَناصِ رَدٌّ عَلى أحْمَدَ بْنِ يَحْيى ثَعْلَبٍ إذْ زَعَمَ أنَّ الجُمْلَةَ الواقِعَةَ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ لا تَكُونُ قَسَمِيَّةً. ﴿ثَوابًا مِن عِنْدِ اللَّهِ واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ﴾ انْتَصَبَ ثَوابًا عَلى المَصْدَرِ المُؤَكَّدِ، وإنْ كانَ الثَّوابُ هو المُثابُ بِهِ، كَما كانَ العَطاءُ هو المُعْطى. واسْتُعْمِلَ في بَعْضِ المَواضِعِ بِمَعْنى المَصْدَرِ الَّذِي هو الإعْطاءُ، فَوَضَعَ ثَوابًا مَوْضِعَ إثابَةً، أوْ مَوْضِعَ تَثْوِيبًا؛ لِأنَّ ما قَبْلَهُ في مَعْنى لَأُثِيبَنَّهم. ونَظِيرُهُ: صُنْعَ اللَّهِ ووَعْدَ اللَّهِ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن جَنّاتٍ، أيْ: مُثابًا بِها، أوْ مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ في: ﴿ولَأُدْخِلَنَّهُمْ﴾ أيْ مُثابِينَ. وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن جَنّاتٍ عَلى تَضْمِينِ ﴿ولَأُدْخِلَنَّهُمْ﴾ مَعْنى: ولَأُعْطِيَنَّهم. وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى، أيْ: يُعْطِيهِمْ ثَوابًا. وقِيلَ: انْتَصَبَ عَلى التَّمْيِيزِ. وقالَ الكِسائِيُّ: هو مَنصُوبٌ عَلى القَطْعِ، ولا يَتَوَجَّهُ لِي مَعْنى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ هُنا. ومَعْنى: مِن عِنْدِ اللَّهِ، أيْ مِن جِهَةِ فَضْلِ اللَّهِ، وهو مُخْتَصٌّ بِهِ، لا يُثِيبُهُ غَيْرُهُ، ولا يَقْدِرُ عَلَيْهِ. كَما تَقُولُ عِنْدِي ما تُرِيدُ، تُرِيدُ اخْتِصاصَكَ بِهِ وتَمَلُّكَهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ بِحَضْرَتِكَ. وأعْرَبُوا ﴿عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ﴾ مُبْتَدَأً، وخَبَرًا في مَوْضِعِ خَبَرِ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ. والأحْسَنُ أنْ يَرْتَفِعَ (حُسْنُ) عَلى الفاعِلِيَّةِ، إذْ قَدِ اعْتَمَدَ الظَّرْفُ بِوُقُوعِهِ خَبَرًا، فالتَّقْدِيرُ: واللَّهُ مُسْتَقِرٌّ، أوِ اسْتَقَرَّ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا تَعْلِيمٌ مِنَ اللَّهِ كَيْفَ يُدْعى ؟ وكَيْفَ يُبْتَهَلُ إلَيْهِ ويُتَضَرَّعُ ؟ وتَكْرِيرُ (رَبَّنا) مِن بابِ الِابْتِهالِ، وإعْلامٌ بِما يُوجِبُ حُسْنَ الإجابَةِ وحُسْنَ الإثابَةِ مِنِ احْتِمالِ المَشاقِّ في دِينِ اللَّهِ والصَّبْرِ عَلى صُعُوبَةِ تَكالِيفِهِ، وقَطْعٍ لِأطْماعِ الكُسالى المُتَمَنِّينَ عَلَيْهِ، وتَسْجِيلٍ عَلى مَن لا يَرى الثَّوابَ مَوْصُولًا إلَيْهِ بِالعَمَلِ بِالجَهْلِ والغَباوَةِ. انْتَهى. وآخِرُ كَلامِهِ إشارَةٌ إلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ وطَعْنٍ عَلى أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ.

آل عمران 3:196

﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ قِيلَ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ كانُوا يَضْرِبُونَ في الأرْضِ فَيُصِيبُونَ الأمْوالَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ أيْضًا: هم أهْلُ مَكَّةَ. ورُوِيَ أنَّ ناسًا مِنَ المُؤْمِنِينَ كانُوا يَرَوْنَ ما كانُوا فِيهِ مِنَ الخِصْبِ والرَّخاءِ ولِينِ العَيْشِ، فَيَقُولُونَ: إنَّ أعْداءَ اللَّهِ فِيما نَرى مِنَ الخَيْرِ وقَدْ هَلَكْنا مِنَ الجُوعِ والجَهْدِ. وقالَ مُقاتِلٌ: في مُشْرِكِي العَرَبِ والَّذِينَ كَفَرُوا لَفْظٌ عامٌّ، والكافُ لِلْخِطابِ. فَقِيلَ: لِكُلِّ سامِعٍ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، والمُرادُ أُمَّتُهُ. قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ: نَزَلَتْ ﴿لا يَغُرُّنَّكَ﴾ في هَذِهِ الآيَةِ - مَنزِلَةَ (لا تَظُنَّ أنَّ حالَ الكُفّارِ حَسَنَةٌ فَتَهْتَمَّ لِذَلِكَ)، وذَلِكَ أنَّ المُغْتَرَّ فارِحٌ بِالشَّيْءِ الَّذِي يَغْتَرُّ بِهِ. فالكُفّارُ مُغْتَرُّونَ بِتَقَلُّبِهِمْ، والمُؤْمِنُونَ مُهْتَمُّونَ بِهِ. لَكِنَّهُ رُبَّما يَقَعُ في نَفْسِ مُؤْمِنٍ أنَّ هَذا الإمْلاءَ لِلْكُفّارِ إنَّما هو خَيْرٌ لَهم، فَيَجِيءُ هَذا جُنُوحًا إلى حالِهِمْ، ونَوْعًا مِنَ الِاغْتِرارِ، ولِذَلِكَ حَسُنَتْ ﴿لا يَغُرَّنَّكَ﴾ . ونَظِيرُهُ قَوْلُ عُمَرَ لِحَفْصَةَ: (لا يَغُرَّنَّكِ أنْ كانَتْ جارَتُكِ أوْضَأ مِنكِ وأحَبَّ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ) المَعْنى: لا تَغْتَرِّي بِما يَتِمُّ لِتِلْكَ مِنَ الإدْلالِ فَتَقَعِي فِيهِ فَيُطَلِّقَكِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا يَغُرَّنَّكَ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أوْ لِكُلِّ أحَدٍ. أيْ: لا تَنْظُرْ إلى ما هم عَلَيْهِ مِن سَعَةِ الرِّزْقِ، والمُضْطَرِبِ، ودَرْكِ العاجِلِ، وإصابَةِ حُظُوظِ الدُّنْيا، ولا تَغْتَرِرْ بِظاهِرِ ما تَرى مِن تَبَسُّطِهِمْ في الأرْضِ وتَصَرُّفِهِمْ في البِلادِ. فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ جازَ أنْ يَغْتَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ حَتّى يُنْهى عَنْهُ وعَنِ الِاغْتِرارِ بِهِ ؟ قُلْتُ: فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما أنَّ مَدَرَةَ القَوْمِ ومُقَدِّمَهم يُخاطَبُ بِشَيْءٍ فَيَقُومُ خِطابُهُ مَقامَ خِطابِهِمْ جَمِيعًا، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا يَغُرَّنَّكم. والثّانِي أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ غَيْرَ مَغْرُورٍ بِحالِهِمْ، فَأكَّدَ عَلَيْهِ ما كانَ وثَبَتَ عَلى التِزامِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ﴾ [هود: ٤٢] (p-١٤٧)﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٤] ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ [القلم: ٨] وهَذا في النَّهْيِ نَظِيرُ قَوْلِهِ في الأمْرِ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ [النساء: ١٣٦] وقَدْ جُعِلَ النَّهْيُ في الظّاهِرِ لِلتَّقَلُّبِ، وهو في المَعْنى لِلْمُخاطَبِ. وهَذا مِن تَنْزِيلِ السَّبَبِ مَنزِلَةَ المُسَبَّبِ؛ لِأنَّ التَّقَلُّبَ لَوْ غَرَّهُ لاغْتَرَّ بِهِ، فَمَنَعَ السَّبَبَ لِيَمْتَنِعَ المُسَبَّبَ، انْتَهى كَلامُهُ. ومُلَخَّصُ الوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُما: أنْ يَكُونَ الخِطابُ لَهُ والمُرادُ أُمَّتُهُ، أوْ لَهُ عَلى جِهَةِ التَّأْكِيدِ والتَّنْبِيهِ، وإنْ كانَ مَعْصُومًا مِنَ الوُقُوعِ فِيهِ كَما قِيلَ: ؎قَدْ يُهَزُّ الحُسامُ وهْوَ حُسامٌ ويُجَبُّ الجَوادُ وهْوَ جَوادُ وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ ويَعْقُوبُ: ﴿لا يَغُرَّنْكَ﴾ و(لا يَصُدَّنْكَ) و(لا يَصُدَّنْكم) و(لا يَغُرَّنْكم) وشِبْهَهُ بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ. وتَقَلُّبُهم: هو تَصَرُّفُهم في التِّجاراتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ. أوْ ما يَجْرِي عَلَيْهِمْ مِنَ النِّعَمِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، ومُقاتِلٌ. أوْ تَصَرُّفُهم غَيْرَ مَأْخُوذِينَ بِذُنُوبِهِمْ، قالَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ. ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ أيْ ذَلِكَ التَّقَلُّبُ والتَّبَسُّطِ شَيْءٌ قَلِيلٌ مُتِّعُوا بِهِ، ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ. وقِلَّتُهُ بِاعْتِبارِ انْقِضائِهِ وزَوالِهِ، ورُوِيَ: (ما الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا مِثْلُ ما يَجْعَلُ أحَدُكم إصْبَعَهُ في اليَمِّ فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ) خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ. ورُوِيَ: (ما مَثَلِي ومَثَلُ الدُّنْيا إلّا كَراكِبٍ قالَ في ظِلِّ شَجَرَةٍ في يَوْمٍ حارٍّ ثُمَّ راحَ وتَرَكَها) أوْ بِاعْتِبارِ ما فاتَهم مِن نَعِيمِ الآخِرَةِ، أوْ بِاعْتِبارِ ما أعَدَّ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ الثَّوابِ. ﴿ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ ثُمَّ المَكانُ الَّذِي يَأْوُونَ إلَيْهِ إنَّما هو جَهَنَّمُ، وعَبَّرَ بِالمَأْوى إشْعارًا بِانْتِقالِهِمْ عَنِ الأماكِنِ الَّتِي تَقَلَّبُوا فِيها، وكَأنَّ البِلادَ الَّتِي تَقَلَّبُوا فِيها إنَّما كانَتْ لَهم أماكِنَ انْتِقالٍ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ، لا قَرارَ لَهم ولا خُلُودَ. ثُمَّ المَأْوى الَّذِي يَأْوُونَ إلَيْهِ ويَسْتَقِرُّونَ فِيهِ هو جَهَنَّمُ. ﴿وبِئْسَ المِهادُ﴾ أيْ وبِئْسَ المِهادُ جَهَنَّمُ. وقالَ الحُطَيْئَةُ: ؎أُطَوِّفُ ما أُطَوِّفُ ثُمَّ آوِي ∗∗∗ إلى بَيْتٍ قَعِيدَتُهُ لَكاعِ ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها﴾ لَمّا تَضَمَّنَ ما تَقَدَّمَ أنَّ ذَلِكَ التَّقَلُّبَ والتَّصَرُّفَ في البِلادِ هو مَتاعٌ قَلِيلٌ، وأنَّهم يَأْوُونَ بَعْدُ إلى جَهَنَّمَ، فَدَلَّ عَلى قِلَّةِ ما مُتِّعُوا بِهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مُنْقَضٍ بِانْقِضاءِ حَياتِهِمْ، ودَلَّ عَلى اسْتِقْرارِهِمْ في النّارِ، اسْتَدْرَكَ بِـ (لَكِنِ) - الإخْبارَ عَنِ المُتَّقِينَ بِمُقابِلِ ما أخْبَرَ بِهِ عَنِ الكافِرِينَ، وذَلِكَ شَيْئانِ: أحَدُهُما: مَكانُ اسْتِقْرارٍ وهي الجَنّاتُ، والثّانِي: ذِكْرُ الخُلُودِ فِيها وهو الإقامَةُ دائِمًا والتَّمَتُّعُ بِنَعِيمِها سَرْمَدًا. فَقابَلَ جَهَنَّمَ بِالجَنّاتِ، وقابَلَ قِلَّةَ مَتاعِهِمْ بِالخُلُودِ الَّذِي هو الدَّيْمُومَةُ في النَّعِيمِ، فَوَقَعَتْ (لَكِنْ) هُنا أحْسَنَ مَوْقِعٍ، لِأنَّهُ آلَ مَعْنى الجُمْلَتَيْنِ إلى تَكْذِيبِ الكُفّارِ وإلى تَنْعِيمِ المُتَّقِينَ، فَهي واقِعَةٌ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لَكِنْ) خَفِيفَةَ النُّونِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بِالتَّشْدِيدِ، ولَمْ يَظْهَرْ لَها عَمَلٌ؛ لِأنَّ اسْمَها مَبْنِيٌّ. ﴿نُزُلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ النُّزُلُ ما يُعَدُّ لِلنّازِلِ مِنَ الضِّيافَةِ والقَرى. ويَجُوزُ تَسْكِينُ زايِهِ، وبِهِ قَرَأ الحَسَنُ، والنَّخَعِيُّ، ومَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ، والأعْمَشُ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎وكُنّا إذا الجَبّارُ بِالجَيْشِ خافَنا ∗∗∗ جَعَلْنا القَنا والمُرْهَفاتِ لَهُ نُزْلا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: النُّزُلُ الثَّوابُ، وهي كَقَوْلِهِ: ﴿ثَوابًا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٥] وقالَ ابْنُ فارِسٍ: النُّزُلُ ما يُهَيَّأُ لِلنَّزِيلِ، والنَّزِيلُ الضَّيْفُ. وقِيلَ: النُّزُلُ الرِّزْقُ وما يُتَغَذّى بِهِ. ومِنهُ: ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٣] أيْ فَغِذاؤُهُ. ويُقالُ: أقَمْتُ لِلْقَوْمِ نُزُلَهم أيْ ما يَصْلُحُ أنْ يُنْزَلَ عَلَيْهِ مِنَ الغِذاءِ، وجَمْعُهُ أنْزالٌ. وقالَ الهَرَوِيُّ: الأنْزالُ الَّتِي سُوِّيَتْ، ونُزِلَ عَلَيْها. ومَعْنى ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾: أيْ لا مِن عِنْدِ غَيْرِهِ، وسَمّاهُ نُزُلًا لِأنَّهُ ارْتَفَعَ عَنْهم تَكالِيفُ السَّعْيِ والكَسْبِ، فَهو شَيْءٌ مُهَيَّأٌ يُهَيَّأُ لَهم لا تَعَبَ عَلَيْهِمْ في تَحْصِيلِهِ هُناكَ، ولا مَشَقَّةَ. كالطَّعامِ المُهَيَّأِ لِلضَّيْفِ لَمْ يَتْعَبْ في تَحْصِيلِهِ، ولا في تَسْوِيَتِهِ ومُعالَجَتِهِ. وانْتِصابُ (نُزُلًا) قالُوا: إمّا عَلى الحالِ مِن (جَنّاتٍ) لِتَخَصُّصِها بِالوَصْفِ، والعامِلُ فِيها (p-١٤٨)العامِلُ في (لَهم) . وإمّا بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: جَعَلَها نُزُلًا. وإمّا عَلى المَصْدَرِ المُؤَكَّدِ فَقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَكْرِمَةً، وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: رِزْقًا أوْ عَطاءً. وقالَ الفَرّاءُ: انْتَصَبَ عَلى التَّفْسِيرِ، كَما تَقُولُ: هو لَكَ هِبَةً وصَدَقَةً انْتَهى. وهَذا القَوْلُ راجِعٌ إلى الحالِ. ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأبْرارِ﴾ ظاهِرُهُ حَوالَةُ الصِّلَةِ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿نُزُلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ . والمَعْنى: أنَّ الَّذِي أعَدَّهُ اللَّهُ لِلْأبْرارِ في الآخِرَةِ خَيْرٌ لَهم، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُفَضَّلُ عَلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْأبْرارِ، أيْ: خَيْرٌ لَهم مِمّا هم فِيهِ في الدُّنْيا، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ مَسْعُودٍ. وجاءَ (لَمَوْضِعُ سَوْطٍ في الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها) ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِالنِّسْبَةِ إلى الكُفّارِ، أيْ: خَيْرٌ لَهم مِمّا يَتَقَلَّبُ فِيهِ الكُفّارُ مِنَ المَتاعِ الزّائِلِ. وقِيلَ: (خَيْرٌ) هُنا لَيْسَتْ لِلتَّفْضِيلِ، كَما أنَّها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٢٤] والأظْهَرُ ما قَدَّمْناهُ. و﴿لِلْأبْرارِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ (خَيْرٌ)، والأبْرارُ هُمُ المُتَّقُونَ الَّذِينَ أخْبَرَ عَنْهم بِأنَّ لَهم جَنّاتٍ. وقِيلَ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ. أيِ: الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ لِلْأبْرارِ خَيْرٌ لَهم، وهَذا ذُهُولٌ عَنْ قاعِدَةِ العَرَبِيَّةِ مِن أنَّ المَجْرُورَ إذْ ذاكَ يَتَعَلَّقُ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الظَّرْفُ الواقِعُ صِلَةً لِلْمَوْصُولِ، فَيَكُونُ المَجْرُورُ داخِلًا في حَيِّزِ الصِّلَةِ، ولا يُخْبَرُ عَنِ المَوْصُولِ إلّا بَعْدَ اسْتِيفائِهِ صِلَتَهُ ومُتَعَلَّقاتِها.

آل عمران 3:197

﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ قِيلَ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ كانُوا يَضْرِبُونَ في الأرْضِ فَيُصِيبُونَ الأمْوالَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ أيْضًا: هم أهْلُ مَكَّةَ. ورُوِيَ أنَّ ناسًا مِنَ المُؤْمِنِينَ كانُوا يَرَوْنَ ما كانُوا فِيهِ مِنَ الخِصْبِ والرَّخاءِ ولِينِ العَيْشِ، فَيَقُولُونَ: إنَّ أعْداءَ اللَّهِ فِيما نَرى مِنَ الخَيْرِ وقَدْ هَلَكْنا مِنَ الجُوعِ والجَهْدِ. وقالَ مُقاتِلٌ: في مُشْرِكِي العَرَبِ والَّذِينَ كَفَرُوا لَفْظٌ عامٌّ، والكافُ لِلْخِطابِ. فَقِيلَ: لِكُلِّ سامِعٍ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، والمُرادُ أُمَّتُهُ. قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ: نَزَلَتْ ﴿لا يَغُرُّنَّكَ﴾ في هَذِهِ الآيَةِ - مَنزِلَةَ (لا تَظُنَّ أنَّ حالَ الكُفّارِ حَسَنَةٌ فَتَهْتَمَّ لِذَلِكَ)، وذَلِكَ أنَّ المُغْتَرَّ فارِحٌ بِالشَّيْءِ الَّذِي يَغْتَرُّ بِهِ. فالكُفّارُ مُغْتَرُّونَ بِتَقَلُّبِهِمْ، والمُؤْمِنُونَ مُهْتَمُّونَ بِهِ. لَكِنَّهُ رُبَّما يَقَعُ في نَفْسِ مُؤْمِنٍ أنَّ هَذا الإمْلاءَ لِلْكُفّارِ إنَّما هو خَيْرٌ لَهم، فَيَجِيءُ هَذا جُنُوحًا إلى حالِهِمْ، ونَوْعًا مِنَ الِاغْتِرارِ، ولِذَلِكَ حَسُنَتْ ﴿لا يَغُرَّنَّكَ﴾ . ونَظِيرُهُ قَوْلُ عُمَرَ لِحَفْصَةَ: (لا يَغُرَّنَّكِ أنْ كانَتْ جارَتُكِ أوْضَأ مِنكِ وأحَبَّ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ) المَعْنى: لا تَغْتَرِّي بِما يَتِمُّ لِتِلْكَ مِنَ الإدْلالِ فَتَقَعِي فِيهِ فَيُطَلِّقَكِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا يَغُرَّنَّكَ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أوْ لِكُلِّ أحَدٍ. أيْ: لا تَنْظُرْ إلى ما هم عَلَيْهِ مِن سَعَةِ الرِّزْقِ، والمُضْطَرِبِ، ودَرْكِ العاجِلِ، وإصابَةِ حُظُوظِ الدُّنْيا، ولا تَغْتَرِرْ بِظاهِرِ ما تَرى مِن تَبَسُّطِهِمْ في الأرْضِ وتَصَرُّفِهِمْ في البِلادِ. فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ جازَ أنْ يَغْتَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ حَتّى يُنْهى عَنْهُ وعَنِ الِاغْتِرارِ بِهِ ؟ قُلْتُ: فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما أنَّ مَدَرَةَ القَوْمِ ومُقَدِّمَهم يُخاطَبُ بِشَيْءٍ فَيَقُومُ خِطابُهُ مَقامَ خِطابِهِمْ جَمِيعًا، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا يَغُرَّنَّكم. والثّانِي أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ غَيْرَ مَغْرُورٍ بِحالِهِمْ، فَأكَّدَ عَلَيْهِ ما كانَ وثَبَتَ عَلى التِزامِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ﴾ [هود: ٤٢] (p-١٤٧)﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٤] ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ [القلم: ٨] وهَذا في النَّهْيِ نَظِيرُ قَوْلِهِ في الأمْرِ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ [النساء: ١٣٦] وقَدْ جُعِلَ النَّهْيُ في الظّاهِرِ لِلتَّقَلُّبِ، وهو في المَعْنى لِلْمُخاطَبِ. وهَذا مِن تَنْزِيلِ السَّبَبِ مَنزِلَةَ المُسَبَّبِ؛ لِأنَّ التَّقَلُّبَ لَوْ غَرَّهُ لاغْتَرَّ بِهِ، فَمَنَعَ السَّبَبَ لِيَمْتَنِعَ المُسَبَّبَ، انْتَهى كَلامُهُ. ومُلَخَّصُ الوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُما: أنْ يَكُونَ الخِطابُ لَهُ والمُرادُ أُمَّتُهُ، أوْ لَهُ عَلى جِهَةِ التَّأْكِيدِ والتَّنْبِيهِ، وإنْ كانَ مَعْصُومًا مِنَ الوُقُوعِ فِيهِ كَما قِيلَ: ؎قَدْ يُهَزُّ الحُسامُ وهْوَ حُسامٌ ويُجَبُّ الجَوادُ وهْوَ جَوادُ وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ ويَعْقُوبُ: ﴿لا يَغُرَّنْكَ﴾ و(لا يَصُدَّنْكَ) و(لا يَصُدَّنْكم) و(لا يَغُرَّنْكم) وشِبْهَهُ بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ. وتَقَلُّبُهم: هو تَصَرُّفُهم في التِّجاراتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ. أوْ ما يَجْرِي عَلَيْهِمْ مِنَ النِّعَمِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، ومُقاتِلٌ. أوْ تَصَرُّفُهم غَيْرَ مَأْخُوذِينَ بِذُنُوبِهِمْ، قالَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ. ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ أيْ ذَلِكَ التَّقَلُّبُ والتَّبَسُّطِ شَيْءٌ قَلِيلٌ مُتِّعُوا بِهِ، ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ. وقِلَّتُهُ بِاعْتِبارِ انْقِضائِهِ وزَوالِهِ، ورُوِيَ: (ما الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا مِثْلُ ما يَجْعَلُ أحَدُكم إصْبَعَهُ في اليَمِّ فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ) خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ. ورُوِيَ: (ما مَثَلِي ومَثَلُ الدُّنْيا إلّا كَراكِبٍ قالَ في ظِلِّ شَجَرَةٍ في يَوْمٍ حارٍّ ثُمَّ راحَ وتَرَكَها) أوْ بِاعْتِبارِ ما فاتَهم مِن نَعِيمِ الآخِرَةِ، أوْ بِاعْتِبارِ ما أعَدَّ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ الثَّوابِ. ﴿ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ ثُمَّ المَكانُ الَّذِي يَأْوُونَ إلَيْهِ إنَّما هو جَهَنَّمُ، وعَبَّرَ بِالمَأْوى إشْعارًا بِانْتِقالِهِمْ عَنِ الأماكِنِ الَّتِي تَقَلَّبُوا فِيها، وكَأنَّ البِلادَ الَّتِي تَقَلَّبُوا فِيها إنَّما كانَتْ لَهم أماكِنَ انْتِقالٍ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ، لا قَرارَ لَهم ولا خُلُودَ. ثُمَّ المَأْوى الَّذِي يَأْوُونَ إلَيْهِ ويَسْتَقِرُّونَ فِيهِ هو جَهَنَّمُ. ﴿وبِئْسَ المِهادُ﴾ أيْ وبِئْسَ المِهادُ جَهَنَّمُ. وقالَ الحُطَيْئَةُ: ؎أُطَوِّفُ ما أُطَوِّفُ ثُمَّ آوِي ∗∗∗ إلى بَيْتٍ قَعِيدَتُهُ لَكاعِ ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها﴾ لَمّا تَضَمَّنَ ما تَقَدَّمَ أنَّ ذَلِكَ التَّقَلُّبَ والتَّصَرُّفَ في البِلادِ هو مَتاعٌ قَلِيلٌ، وأنَّهم يَأْوُونَ بَعْدُ إلى جَهَنَّمَ، فَدَلَّ عَلى قِلَّةِ ما مُتِّعُوا بِهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مُنْقَضٍ بِانْقِضاءِ حَياتِهِمْ، ودَلَّ عَلى اسْتِقْرارِهِمْ في النّارِ، اسْتَدْرَكَ بِـ (لَكِنِ) - الإخْبارَ عَنِ المُتَّقِينَ بِمُقابِلِ ما أخْبَرَ بِهِ عَنِ الكافِرِينَ، وذَلِكَ شَيْئانِ: أحَدُهُما: مَكانُ اسْتِقْرارٍ وهي الجَنّاتُ، والثّانِي: ذِكْرُ الخُلُودِ فِيها وهو الإقامَةُ دائِمًا والتَّمَتُّعُ بِنَعِيمِها سَرْمَدًا. فَقابَلَ جَهَنَّمَ بِالجَنّاتِ، وقابَلَ قِلَّةَ مَتاعِهِمْ بِالخُلُودِ الَّذِي هو الدَّيْمُومَةُ في النَّعِيمِ، فَوَقَعَتْ (لَكِنْ) هُنا أحْسَنَ مَوْقِعٍ، لِأنَّهُ آلَ مَعْنى الجُمْلَتَيْنِ إلى تَكْذِيبِ الكُفّارِ وإلى تَنْعِيمِ المُتَّقِينَ، فَهي واقِعَةٌ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لَكِنْ) خَفِيفَةَ النُّونِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بِالتَّشْدِيدِ، ولَمْ يَظْهَرْ لَها عَمَلٌ؛ لِأنَّ اسْمَها مَبْنِيٌّ. ﴿نُزُلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ النُّزُلُ ما يُعَدُّ لِلنّازِلِ مِنَ الضِّيافَةِ والقَرى. ويَجُوزُ تَسْكِينُ زايِهِ، وبِهِ قَرَأ الحَسَنُ، والنَّخَعِيُّ، ومَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ، والأعْمَشُ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎وكُنّا إذا الجَبّارُ بِالجَيْشِ خافَنا ∗∗∗ جَعَلْنا القَنا والمُرْهَفاتِ لَهُ نُزْلا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: النُّزُلُ الثَّوابُ، وهي كَقَوْلِهِ: ﴿ثَوابًا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٥] وقالَ ابْنُ فارِسٍ: النُّزُلُ ما يُهَيَّأُ لِلنَّزِيلِ، والنَّزِيلُ الضَّيْفُ. وقِيلَ: النُّزُلُ الرِّزْقُ وما يُتَغَذّى بِهِ. ومِنهُ: ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٣] أيْ فَغِذاؤُهُ. ويُقالُ: أقَمْتُ لِلْقَوْمِ نُزُلَهم أيْ ما يَصْلُحُ أنْ يُنْزَلَ عَلَيْهِ مِنَ الغِذاءِ، وجَمْعُهُ أنْزالٌ. وقالَ الهَرَوِيُّ: الأنْزالُ الَّتِي سُوِّيَتْ، ونُزِلَ عَلَيْها. ومَعْنى ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾: أيْ لا مِن عِنْدِ غَيْرِهِ، وسَمّاهُ نُزُلًا لِأنَّهُ ارْتَفَعَ عَنْهم تَكالِيفُ السَّعْيِ والكَسْبِ، فَهو شَيْءٌ مُهَيَّأٌ يُهَيَّأُ لَهم لا تَعَبَ عَلَيْهِمْ في تَحْصِيلِهِ هُناكَ، ولا مَشَقَّةَ. كالطَّعامِ المُهَيَّأِ لِلضَّيْفِ لَمْ يَتْعَبْ في تَحْصِيلِهِ، ولا في تَسْوِيَتِهِ ومُعالَجَتِهِ. وانْتِصابُ (نُزُلًا) قالُوا: إمّا عَلى الحالِ مِن (جَنّاتٍ) لِتَخَصُّصِها بِالوَصْفِ، والعامِلُ فِيها (p-١٤٨)العامِلُ في (لَهم) . وإمّا بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: جَعَلَها نُزُلًا. وإمّا عَلى المَصْدَرِ المُؤَكَّدِ فَقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَكْرِمَةً، وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: رِزْقًا أوْ عَطاءً. وقالَ الفَرّاءُ: انْتَصَبَ عَلى التَّفْسِيرِ، كَما تَقُولُ: هو لَكَ هِبَةً وصَدَقَةً انْتَهى. وهَذا القَوْلُ راجِعٌ إلى الحالِ. ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأبْرارِ﴾ ظاهِرُهُ حَوالَةُ الصِّلَةِ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿نُزُلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ . والمَعْنى: أنَّ الَّذِي أعَدَّهُ اللَّهُ لِلْأبْرارِ في الآخِرَةِ خَيْرٌ لَهم، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُفَضَّلُ عَلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْأبْرارِ، أيْ: خَيْرٌ لَهم مِمّا هم فِيهِ في الدُّنْيا، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ مَسْعُودٍ. وجاءَ (لَمَوْضِعُ سَوْطٍ في الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها) ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِالنِّسْبَةِ إلى الكُفّارِ، أيْ: خَيْرٌ لَهم مِمّا يَتَقَلَّبُ فِيهِ الكُفّارُ مِنَ المَتاعِ الزّائِلِ. وقِيلَ: (خَيْرٌ) هُنا لَيْسَتْ لِلتَّفْضِيلِ، كَما أنَّها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٢٤] والأظْهَرُ ما قَدَّمْناهُ. و﴿لِلْأبْرارِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ (خَيْرٌ)، والأبْرارُ هُمُ المُتَّقُونَ الَّذِينَ أخْبَرَ عَنْهم بِأنَّ لَهم جَنّاتٍ. وقِيلَ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ. أيِ: الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ لِلْأبْرارِ خَيْرٌ لَهم، وهَذا ذُهُولٌ عَنْ قاعِدَةِ العَرَبِيَّةِ مِن أنَّ المَجْرُورَ إذْ ذاكَ يَتَعَلَّقُ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الظَّرْفُ الواقِعُ صِلَةً لِلْمَوْصُولِ، فَيَكُونُ المَجْرُورُ داخِلًا في حَيِّزِ الصِّلَةِ، ولا يُخْبَرُ عَنِ المَوْصُولِ إلّا بَعْدَ اسْتِيفائِهِ صِلَتَهُ ومُتَعَلَّقاتِها.

آل عمران 3:198

﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ قِيلَ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ كانُوا يَضْرِبُونَ في الأرْضِ فَيُصِيبُونَ الأمْوالَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ أيْضًا: هم أهْلُ مَكَّةَ. ورُوِيَ أنَّ ناسًا مِنَ المُؤْمِنِينَ كانُوا يَرَوْنَ ما كانُوا فِيهِ مِنَ الخِصْبِ والرَّخاءِ ولِينِ العَيْشِ، فَيَقُولُونَ: إنَّ أعْداءَ اللَّهِ فِيما نَرى مِنَ الخَيْرِ وقَدْ هَلَكْنا مِنَ الجُوعِ والجَهْدِ. وقالَ مُقاتِلٌ: في مُشْرِكِي العَرَبِ والَّذِينَ كَفَرُوا لَفْظٌ عامٌّ، والكافُ لِلْخِطابِ. فَقِيلَ: لِكُلِّ سامِعٍ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، والمُرادُ أُمَّتُهُ. قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ: نَزَلَتْ ﴿لا يَغُرُّنَّكَ﴾ في هَذِهِ الآيَةِ - مَنزِلَةَ (لا تَظُنَّ أنَّ حالَ الكُفّارِ حَسَنَةٌ فَتَهْتَمَّ لِذَلِكَ)، وذَلِكَ أنَّ المُغْتَرَّ فارِحٌ بِالشَّيْءِ الَّذِي يَغْتَرُّ بِهِ. فالكُفّارُ مُغْتَرُّونَ بِتَقَلُّبِهِمْ، والمُؤْمِنُونَ مُهْتَمُّونَ بِهِ. لَكِنَّهُ رُبَّما يَقَعُ في نَفْسِ مُؤْمِنٍ أنَّ هَذا الإمْلاءَ لِلْكُفّارِ إنَّما هو خَيْرٌ لَهم، فَيَجِيءُ هَذا جُنُوحًا إلى حالِهِمْ، ونَوْعًا مِنَ الِاغْتِرارِ، ولِذَلِكَ حَسُنَتْ ﴿لا يَغُرَّنَّكَ﴾ . ونَظِيرُهُ قَوْلُ عُمَرَ لِحَفْصَةَ: (لا يَغُرَّنَّكِ أنْ كانَتْ جارَتُكِ أوْضَأ مِنكِ وأحَبَّ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ) المَعْنى: لا تَغْتَرِّي بِما يَتِمُّ لِتِلْكَ مِنَ الإدْلالِ فَتَقَعِي فِيهِ فَيُطَلِّقَكِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا يَغُرَّنَّكَ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أوْ لِكُلِّ أحَدٍ. أيْ: لا تَنْظُرْ إلى ما هم عَلَيْهِ مِن سَعَةِ الرِّزْقِ، والمُضْطَرِبِ، ودَرْكِ العاجِلِ، وإصابَةِ حُظُوظِ الدُّنْيا، ولا تَغْتَرِرْ بِظاهِرِ ما تَرى مِن تَبَسُّطِهِمْ في الأرْضِ وتَصَرُّفِهِمْ في البِلادِ. فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ جازَ أنْ يَغْتَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ حَتّى يُنْهى عَنْهُ وعَنِ الِاغْتِرارِ بِهِ ؟ قُلْتُ: فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما أنَّ مَدَرَةَ القَوْمِ ومُقَدِّمَهم يُخاطَبُ بِشَيْءٍ فَيَقُومُ خِطابُهُ مَقامَ خِطابِهِمْ جَمِيعًا، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا يَغُرَّنَّكم. والثّانِي أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ غَيْرَ مَغْرُورٍ بِحالِهِمْ، فَأكَّدَ عَلَيْهِ ما كانَ وثَبَتَ عَلى التِزامِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ﴾ [هود: ٤٢] (p-١٤٧)﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٤] ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ [القلم: ٨] وهَذا في النَّهْيِ نَظِيرُ قَوْلِهِ في الأمْرِ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ [النساء: ١٣٦] وقَدْ جُعِلَ النَّهْيُ في الظّاهِرِ لِلتَّقَلُّبِ، وهو في المَعْنى لِلْمُخاطَبِ. وهَذا مِن تَنْزِيلِ السَّبَبِ مَنزِلَةَ المُسَبَّبِ؛ لِأنَّ التَّقَلُّبَ لَوْ غَرَّهُ لاغْتَرَّ بِهِ، فَمَنَعَ السَّبَبَ لِيَمْتَنِعَ المُسَبَّبَ، انْتَهى كَلامُهُ. ومُلَخَّصُ الوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُما: أنْ يَكُونَ الخِطابُ لَهُ والمُرادُ أُمَّتُهُ، أوْ لَهُ عَلى جِهَةِ التَّأْكِيدِ والتَّنْبِيهِ، وإنْ كانَ مَعْصُومًا مِنَ الوُقُوعِ فِيهِ كَما قِيلَ: ؎قَدْ يُهَزُّ الحُسامُ وهْوَ حُسامٌ ويُجَبُّ الجَوادُ وهْوَ جَوادُ وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ ويَعْقُوبُ: ﴿لا يَغُرَّنْكَ﴾ و(لا يَصُدَّنْكَ) و(لا يَصُدَّنْكم) و(لا يَغُرَّنْكم) وشِبْهَهُ بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ. وتَقَلُّبُهم: هو تَصَرُّفُهم في التِّجاراتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ. أوْ ما يَجْرِي عَلَيْهِمْ مِنَ النِّعَمِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، ومُقاتِلٌ. أوْ تَصَرُّفُهم غَيْرَ مَأْخُوذِينَ بِذُنُوبِهِمْ، قالَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ. ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ أيْ ذَلِكَ التَّقَلُّبُ والتَّبَسُّطِ شَيْءٌ قَلِيلٌ مُتِّعُوا بِهِ، ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ. وقِلَّتُهُ بِاعْتِبارِ انْقِضائِهِ وزَوالِهِ، ورُوِيَ: (ما الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا مِثْلُ ما يَجْعَلُ أحَدُكم إصْبَعَهُ في اليَمِّ فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ) خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ. ورُوِيَ: (ما مَثَلِي ومَثَلُ الدُّنْيا إلّا كَراكِبٍ قالَ في ظِلِّ شَجَرَةٍ في يَوْمٍ حارٍّ ثُمَّ راحَ وتَرَكَها) أوْ بِاعْتِبارِ ما فاتَهم مِن نَعِيمِ الآخِرَةِ، أوْ بِاعْتِبارِ ما أعَدَّ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ الثَّوابِ. ﴿ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ ثُمَّ المَكانُ الَّذِي يَأْوُونَ إلَيْهِ إنَّما هو جَهَنَّمُ، وعَبَّرَ بِالمَأْوى إشْعارًا بِانْتِقالِهِمْ عَنِ الأماكِنِ الَّتِي تَقَلَّبُوا فِيها، وكَأنَّ البِلادَ الَّتِي تَقَلَّبُوا فِيها إنَّما كانَتْ لَهم أماكِنَ انْتِقالٍ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ، لا قَرارَ لَهم ولا خُلُودَ. ثُمَّ المَأْوى الَّذِي يَأْوُونَ إلَيْهِ ويَسْتَقِرُّونَ فِيهِ هو جَهَنَّمُ. ﴿وبِئْسَ المِهادُ﴾ أيْ وبِئْسَ المِهادُ جَهَنَّمُ. وقالَ الحُطَيْئَةُ: ؎أُطَوِّفُ ما أُطَوِّفُ ثُمَّ آوِي ∗∗∗ إلى بَيْتٍ قَعِيدَتُهُ لَكاعِ ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها﴾ لَمّا تَضَمَّنَ ما تَقَدَّمَ أنَّ ذَلِكَ التَّقَلُّبَ والتَّصَرُّفَ في البِلادِ هو مَتاعٌ قَلِيلٌ، وأنَّهم يَأْوُونَ بَعْدُ إلى جَهَنَّمَ، فَدَلَّ عَلى قِلَّةِ ما مُتِّعُوا بِهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مُنْقَضٍ بِانْقِضاءِ حَياتِهِمْ، ودَلَّ عَلى اسْتِقْرارِهِمْ في النّارِ، اسْتَدْرَكَ بِـ (لَكِنِ) - الإخْبارَ عَنِ المُتَّقِينَ بِمُقابِلِ ما أخْبَرَ بِهِ عَنِ الكافِرِينَ، وذَلِكَ شَيْئانِ: أحَدُهُما: مَكانُ اسْتِقْرارٍ وهي الجَنّاتُ، والثّانِي: ذِكْرُ الخُلُودِ فِيها وهو الإقامَةُ دائِمًا والتَّمَتُّعُ بِنَعِيمِها سَرْمَدًا. فَقابَلَ جَهَنَّمَ بِالجَنّاتِ، وقابَلَ قِلَّةَ مَتاعِهِمْ بِالخُلُودِ الَّذِي هو الدَّيْمُومَةُ في النَّعِيمِ، فَوَقَعَتْ (لَكِنْ) هُنا أحْسَنَ مَوْقِعٍ، لِأنَّهُ آلَ مَعْنى الجُمْلَتَيْنِ إلى تَكْذِيبِ الكُفّارِ وإلى تَنْعِيمِ المُتَّقِينَ، فَهي واقِعَةٌ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لَكِنْ) خَفِيفَةَ النُّونِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بِالتَّشْدِيدِ، ولَمْ يَظْهَرْ لَها عَمَلٌ؛ لِأنَّ اسْمَها مَبْنِيٌّ. ﴿نُزُلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ النُّزُلُ ما يُعَدُّ لِلنّازِلِ مِنَ الضِّيافَةِ والقَرى. ويَجُوزُ تَسْكِينُ زايِهِ، وبِهِ قَرَأ الحَسَنُ، والنَّخَعِيُّ، ومَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ، والأعْمَشُ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎وكُنّا إذا الجَبّارُ بِالجَيْشِ خافَنا ∗∗∗ جَعَلْنا القَنا والمُرْهَفاتِ لَهُ نُزْلا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: النُّزُلُ الثَّوابُ، وهي كَقَوْلِهِ: ﴿ثَوابًا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٥] وقالَ ابْنُ فارِسٍ: النُّزُلُ ما يُهَيَّأُ لِلنَّزِيلِ، والنَّزِيلُ الضَّيْفُ. وقِيلَ: النُّزُلُ الرِّزْقُ وما يُتَغَذّى بِهِ. ومِنهُ: ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٣] أيْ فَغِذاؤُهُ. ويُقالُ: أقَمْتُ لِلْقَوْمِ نُزُلَهم أيْ ما يَصْلُحُ أنْ يُنْزَلَ عَلَيْهِ مِنَ الغِذاءِ، وجَمْعُهُ أنْزالٌ. وقالَ الهَرَوِيُّ: الأنْزالُ الَّتِي سُوِّيَتْ، ونُزِلَ عَلَيْها. ومَعْنى ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾: أيْ لا مِن عِنْدِ غَيْرِهِ، وسَمّاهُ نُزُلًا لِأنَّهُ ارْتَفَعَ عَنْهم تَكالِيفُ السَّعْيِ والكَسْبِ، فَهو شَيْءٌ مُهَيَّأٌ يُهَيَّأُ لَهم لا تَعَبَ عَلَيْهِمْ في تَحْصِيلِهِ هُناكَ، ولا مَشَقَّةَ. كالطَّعامِ المُهَيَّأِ لِلضَّيْفِ لَمْ يَتْعَبْ في تَحْصِيلِهِ، ولا في تَسْوِيَتِهِ ومُعالَجَتِهِ. وانْتِصابُ (نُزُلًا) قالُوا: إمّا عَلى الحالِ مِن (جَنّاتٍ) لِتَخَصُّصِها بِالوَصْفِ، والعامِلُ فِيها (p-١٤٨)العامِلُ في (لَهم) . وإمّا بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: جَعَلَها نُزُلًا. وإمّا عَلى المَصْدَرِ المُؤَكَّدِ فَقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَكْرِمَةً، وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: رِزْقًا أوْ عَطاءً. وقالَ الفَرّاءُ: انْتَصَبَ عَلى التَّفْسِيرِ، كَما تَقُولُ: هو لَكَ هِبَةً وصَدَقَةً انْتَهى. وهَذا القَوْلُ راجِعٌ إلى الحالِ. ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأبْرارِ﴾ ظاهِرُهُ حَوالَةُ الصِّلَةِ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿نُزُلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ . والمَعْنى: أنَّ الَّذِي أعَدَّهُ اللَّهُ لِلْأبْرارِ في الآخِرَةِ خَيْرٌ لَهم، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُفَضَّلُ عَلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْأبْرارِ، أيْ: خَيْرٌ لَهم مِمّا هم فِيهِ في الدُّنْيا، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ مَسْعُودٍ. وجاءَ (لَمَوْضِعُ سَوْطٍ في الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها) ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِالنِّسْبَةِ إلى الكُفّارِ، أيْ: خَيْرٌ لَهم مِمّا يَتَقَلَّبُ فِيهِ الكُفّارُ مِنَ المَتاعِ الزّائِلِ. وقِيلَ: (خَيْرٌ) هُنا لَيْسَتْ لِلتَّفْضِيلِ، كَما أنَّها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٢٤] والأظْهَرُ ما قَدَّمْناهُ. و﴿لِلْأبْرارِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ (خَيْرٌ)، والأبْرارُ هُمُ المُتَّقُونَ الَّذِينَ أخْبَرَ عَنْهم بِأنَّ لَهم جَنّاتٍ. وقِيلَ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ. أيِ: الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ لِلْأبْرارِ خَيْرٌ لَهم، وهَذا ذُهُولٌ عَنْ قاعِدَةِ العَرَبِيَّةِ مِن أنَّ المَجْرُورَ إذْ ذاكَ يَتَعَلَّقُ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الظَّرْفُ الواقِعُ صِلَةً لِلْمَوْصُولِ، فَيَكُونُ المَجْرُورُ داخِلًا في حَيِّزِ الصِّلَةِ، ولا يُخْبَرُ عَنِ المَوْصُولِ إلّا بَعْدَ اسْتِيفائِهِ صِلَتَهُ ومُتَعَلَّقاتِها.

آل عمران 3:199

﴿وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْكم وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ﴾ لَمّا ماتَ أصْحَمَةُ النَّجاشِيُّ مَلِكُ الحَبَشَةِ. ومَعْنى أصْحَمَةَ بِالعَرَبِيَّةِ عَطِيَّةٌ، قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وغَيْرُهُ: (صَلّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ) فَقالَ قائِلٌ: يُصَلّى عَلَيْهِ العِلْجُ النَّصْرانِيُّ وهو في أرْضِهِ، فَنَزَلَتْ، قالَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأنَسٌ. وقالَ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ: في النَّجاشِيِّ وأصْحابِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما رَوى عَنْهُ أبُو صالِحٍ: في مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وابْنُ زَيْدٍ ومُقاتِلٌ: في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأصْحابِهِ. وقالَ عَطاءٌ: في أرْبَعِينَ مِن نَجْرانَ، واثْنَيْنِ وثَلاثِينَ مِنَ الحَبَشَةِ، وثَمانِيَةٍ مِنَ الرُّومِ، كانُوا عَلى دِينِ عِيسى فَآمَنُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ، و(مَن) في (لَمَن) الظّاهِرُ أنَّها مَوْصُولَةٌ، وأُجِيزَ أنْ تَكُونَ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً، أيْ: لَقَوْمًا. والَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنا هو القُرْآنُ، والَّذِي أُنْزِلَ إلَيْهِمْ هو كِتابُهم. ﴿خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ كَما اشْتَرَتْ بِها أحْبارُهُمُ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا. وانْتِصابُ ﴿خاشِعِينَ﴾ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في (يُؤَمِنُ)، وكَذَلِكَ ﴿لا يَشْتَرُونَ﴾ هو في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ. وقِيلَ: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (إلَيْهِمْ)، والعامِلُ فِيها (أُنْزِلَ) . وقِيلَ: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿لا يَشْتَرُونَ﴾، وهُما قَوْلانِ ضَعِيفانِ. ومَن جَعَلَ (مَن) نَكِرَةً مَوْصُوفَةً، يُجَوِّزُ أنْ يَكُونَ ﴿خاشِعِينَ﴾ و﴿لا يَشْتَرُونَ﴾ صِفَتَيْنِ لِلنَّكِرَةِ. وجُمِعَ ﴿خاشِعِينَ﴾ عَلى مَعْنى (مَن) كَما جُمِعَ في ﴿وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ﴾ . وحُمِلَ أوَّلًا عَلى اللَّفْظِ في قَوْلِهِ: (يُؤْمِنُ)، فَأُفْرِدَ، وإذا اجْتَمَعَ الحَمْلانِ، فالأوْلى أنْ يُبْدَأ بِالحَمْلِ عَلى اللَّفْظِ. وأتى في الآيَةِ بِلَفْظِ (يُؤْمِنُ) دُونَ آمَنَ، وإنْ كانَ إيمانُ مَن نَزَلَ فِيهِمْ قَدْ وقَعَ إشارَةً إلى الدَّيْمُومَةِ والِاسْتِمْرارِ. ووَصَفَهم بِالخُشُوعِ وهو التَّذَلُّلُ والخُضُوعُ المُنافِي لِلتَّعاظُمِ والِاسْتِكْبارِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة: ٨٢] . ﴿أُولَئِكَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ ثَوابُ إيمانِهِمْ، وهَذا الأجْرُ مُضاعَفٌ مَرَّتَيْنِ بِنَصِّ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: (وأنَّ مَن آمَنَ مِن أهْلِ الكِتابِ يُؤْتى أجْرَهُ مَرَّتَيْنِ) يُضاعَفُ لَهُمُ الثَّوابُ بِما تَضاعَفَ مِنهم مِنَ الأسْبابِ. و(عِنْدَ) ظَرْفٌ في مَوْضِعِ الحالِ، والعامِلُ فِيهِ العامِلُ في (لَهم)، ومَعْنى ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: أيْ في الجَنَّةِ. ﴿إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ أيْ سَرِيعُ الإتْيانِ بِيَوْمِ القِيامَةِ وهو يَوْمُ الحِسابِ. والمَعْنى: أنَّ أجْرَهم قَرِيبٌ إتْيانُهُ أوْ سَرِيعٌ حِسابُهُ لِنُفُوذِ عِلْمِهِ، فَهو عالِمٌ بِما لِكُلِّ عامِلٍ مِنَ الأجْرِ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مُسْتَوْفًى. ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصابِرُوا ورابِطُوا واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ خَتَمَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ السُّورَةَ بِهَذِهِ الوِصايَةِ الَّتِي جَمَعَتِ الظُّهُورَ في الدُّنْيا عَلى العَدُوِّ، والفَوْزَ بِنَعِيمِ الآخِرَةِ، فَأمَرَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ والمُصابَرَةِ والرِّباطِ. فَقِيلَ: اصْبِرُوا وصابِرُوا بِمَعْنًى واحِدٍ (p-١٤٩)لِلتَّأْكِيدِ. وقالَ الحَسَنُ، والسُّدِّيُّ، والضَّحّاكُ، وابْنُ جُرَيْجٍ: اصْبِرُوا عَلى طاعَةِ اللَّهِ في تَكالِيفِهِ، وصابِرُوا أعْداءَ اللَّهِ في الجِهادِ، ورابِطُوا في الثُّغُورِ في سَبِيلِ اللَّهِ. أيِ: ارْتَبِطُوا الخَيْلَ كَما يَرْتَبِطُها أعْداؤُكم. وقالَ أُبَيٌّ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: هي مُصابَرَةُ وعْدِ اللَّهِ بِالنَّصْرِ، أيْ: لا تَسْأمُوا وانْتَظِرُوا الفَرَجَ. وقِيلَ: رابِطُوا: اسْتَعِدُّوا لِلْجِهادِ كَما قالَ: ﴿وأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ ومِن رِباطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] . وقالَ أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: الرِّباطُ انْتِظارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ، ولَمْ يَكُنْ في زَمَنِ الرَّسُولِ ﷺ غَزْوٌ مُرابَطٌ فِيهِ. واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: (ألا أدُلُّكم عَلى ما يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الخَطايا ويَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجاتِ: إسْباغُ الوُضُوءِ عَلى المَكارِهِ، وكَثْرَةُ الخُطا إلى المَساجِدِ، وانْتِظارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّباطُ، ثَلاثًا) فَعَلى هَذا لا يَكُونُ (رابِطُوا) مِن بابِ المُفاعَلَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والقَوْلُ الصَّحِيحُ هو أنَّ الرِّباطَ هو المُلازَمَةُ في سَبِيلِ اللَّهِ، أصْلُها مِن رَبْطِ الخَيْلِ، ثُمَّ سُمِّيَ كُلُّ مُلازِمٍ لِثَغْرٍ مِن ثُغُورِ الإسْلامِ مُرابِطًا، فارِسًا كانَ أوْ راجِلًا، واللَّقْطَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الرَّبْطِ. وقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «فَذَلِكُمُ الرِّباطُ» إنَّما هو تَشْبِيهٌ بِالرِّباطِ في سَبِيلِ اللَّهِ، إذِ انْتِظارُ الصَّلاةِ إنَّما هو سَبِيلٌ مِنَ السُّبُلِ المُنْجِيَةِ، والرِّباطُ اللُّغَوِيُّ هو الأوَّلُ. والمُرابِطُ في سَبِيلِ اللَّهِ عِنْدَ الفُقَهاءِ هو الَّذِي يَشْخَصُ إلى ثَغْرٍ مِنَ الثُّغُورِ لِيُرابِطَ فِيهِ مُدَّةً ما، قالَهُ ابْنُ المَوّازِ، ورَواهُ. فَأمّا سُكّانُ الثُّغُورِ دائِمًا بِأهْلِيهِمُ الَّذِينَ يَعْتَمِرُونَ ويَكْتَسِبُونَ هُناكَ فَهم وإنْ كانُوا حُماةً، لَيْسُوا بِمُرابِطِينَ. انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وصابِرُوا أعْداءَ اللَّهِ في الجِهادِ أيْ غالِبُوهم في الصَّبْرِ عَلى شَدائِدِ الحَرْبِ، لا تَكُونُوا أقَلَّ صَبْرًا مِنهم وثَباتًا. والمُصابَرَةُ بابٌ مِنَ الصَّبْرِ، ذُكِرَ بَعْدَ الصَّبْرِ عَلى ما يَجِبُ الصَّبْرُ عَلَيْهِ تَحْقِيقًا لِشِدَّتِهِ وصُعُوبَتِهِ. ورابِطُوا: وأقِيمُوا في الثُّغُورِ رابِطِينَ خَيْلَكم فِيها مُتَرَصِّدِينَ مُسْتَعِدِّينَ لِلْغَزْوِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ومِن رِباطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: (مَن رابَطَ يَوْمًا ولَيْلَةً في سَبِيلِ اللَّهِ كانَ كَعِدْلِ صِيامِ شَهْرٍ وقِيامِهِ لا يُفْطِرُ ولا يَنْفَتِلُ عَنْ صَلاتِهِ إلّا لِحاجَةٍ) انْتَهى كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ. وفي البُخارِيِّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (رِباطُ يَوْمٍ في سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها) وفي مُسْلِمٍ: (رِباطُ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ خَيْرٌ مِن صِيامِ شَهْرٍ وقِيامِهِ، وإنْ ماتَ جَرى عَلَيْهِ رِزْقُهُ وأمِنَ الفَتّانَ) وفي سُنَنِ أبِي داوُدَ قالَ: (كُلُّ المَيِّتِ يُخْتَمُ عَلى عَمَلِهِ إلّا المُرابِطَ فَإنَّهُ يَنْمُو لَهُ عَمَلُهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ويُؤَمَّنُ مِن فَتّانَيِ القَبْرِ) . وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ مِن ضُرُوبِ البَيانِ والبَدِيعِ: الِاسْتِعارَةَ: عَبَّرَ بِأخْذِ المِيثاقِ عَنِ التِزامِهِمْ أحْكامَ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وبِالنَّبْذِ وراءَ ظُهُورِهِمْ عَنْ تَرْكِ عَمَلِهِمْ بِمُقْتَضى تِلْكَ الأحْكامِ، وبِاشْتِراءِ ثَمَنٍ قَلِيلٍ عَنْ ما تَعَوَّضُوهُ مِنَ الحُطامِ عَلى كَتْمِ آياتِ اللَّهِ، وبِسَماعِ المُنادِي إنْ كانَ القُرْآنَ عَنْ ما تَلَقَّوْهُ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ والوَعْدِ والوَعِيدِ بِالِاسْتِجابَةِ عَنْ قَبُولِ مَسْألَتِهِمْ، وبِانْتِفاءِ التَّضْيِيعِ عَنْ عَدَمِ مُجازاتِهِ عَلى يَسِيرِ أعْمالِهِمْ، وبِالتَّقَلُّبِ عَنْ ضَرْبِهِمْ في الأرْضِ لِطَلَبِ المَكاسِبِ، وبِالمِهادِ عَنِ المَكانِ المُسْتَقَرِّ فِيهِ، وبِالنُّزُولِ عَمّا يُعَجِّلُ اللَّهُ لَهم في الجَنَّةِ مِنَ الكَرامَةِ، وبِالخُشُوعِ الَّذِي هو تَهَدُّمُ المَكانِ وتَغَيُّرُ مَعالِمِهِ عَنْ خُضُوعِهِمْ وتَذَلُّلِهِمْ بَيْنَ يَدَيْهِ، وبِالسُّرْعَةِ الَّتِي هي حَقِيقَةٌ في المَشْيِ عَنْ تَعْجِيلِ كَرامَتِهِ. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الحِسابُ اسْتُعِيرَ لِلْجَزاءِ، كَما اسْتُعِيرَ ﴿ولَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٦]؛ لِأنَّ الكُفّارَ لا يُقامُ لَهم حِسابٌ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَحَبِطَتْ أعْمالُهم فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥] . والطِّباقَ في: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، وفي ﴿السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩١]، و﴿اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [يونس: ٦]، فالسَّماءُ جِهَةُ العُلُوِّ، والأرْضُ جِهَةُ السُّفْلِ، واللَّيْلُ عِبارَةٌ عَنِ الظُّلْمَةِ، والنَّهارُ عِبارَةٌ عَنِ النُّورِ، وفي: ﴿قِيامًا وقُعُودًا﴾ [آل عمران: ١٩١] و﴿مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾ [آل عمران: ١٩٥] . والتَّكْرارَ في: ﴿لا تَحْسَبَنَّ﴾ [آل عمران: ١٨٨] ﴿فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٨]، وفي: (رَبَّنا) في خَمْسَةِ مَواضِعَ، وفي: ﴿فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا﴾ [آل عمران: ١٩٣]، إنْ كانَ المَعْنى (p-١٥٠)واحِدًا، وفي: ﴿ما أُنْزِلَ إلَيْكم وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ﴾، وفي: ﴿ثَوابًا﴾ [آل عمران: ١٩٥] و﴿حُسْنُ الثَّوابِ﴾ [آل عمران: ١٩٥] . والِاخْتِصاصَ في: ﴿لِأُولِي الألْبابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]، وفي: ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ [آل عمران: ١٩٢]، وفي: ﴿وتَوَفَّنا مَعَ الأبْرارِ﴾ [آل عمران: ١٩٣]، وفي: ﴿ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [آل عمران: ١٩٤]، وفي: ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأبْرارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨] . والتَّجْنِيسَ المُماثِلَ في: ﴿أنْ آمِنُوا بِرَبِّكم فَآمَنّا﴾ [آل عمران: ١٩٣]، وفي: ﴿عَمَلَ عامِلٍ مِنكُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥] . والمُغايِرَ في: ﴿مُنادِيًا يُنادِي﴾ [آل عمران: ١٩٣] . والإشارَةَ في: ﴿ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١]، والحَذْفَ في مَواضِعَ.

آل عمران 3:200

﴿وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْكم وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ﴾ لَمّا ماتَ أصْحَمَةُ النَّجاشِيُّ مَلِكُ الحَبَشَةِ. ومَعْنى أصْحَمَةَ بِالعَرَبِيَّةِ عَطِيَّةٌ، قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وغَيْرُهُ: (صَلّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ) فَقالَ قائِلٌ: يُصَلّى عَلَيْهِ العِلْجُ النَّصْرانِيُّ وهو في أرْضِهِ، فَنَزَلَتْ، قالَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأنَسٌ. وقالَ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ: في النَّجاشِيِّ وأصْحابِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما رَوى عَنْهُ أبُو صالِحٍ: في مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وابْنُ زَيْدٍ ومُقاتِلٌ: في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأصْحابِهِ. وقالَ عَطاءٌ: في أرْبَعِينَ مِن نَجْرانَ، واثْنَيْنِ وثَلاثِينَ مِنَ الحَبَشَةِ، وثَمانِيَةٍ مِنَ الرُّومِ، كانُوا عَلى دِينِ عِيسى فَآمَنُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ، و(مَن) في (لَمَن) الظّاهِرُ أنَّها مَوْصُولَةٌ، وأُجِيزَ أنْ تَكُونَ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً، أيْ: لَقَوْمًا. والَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنا هو القُرْآنُ، والَّذِي أُنْزِلَ إلَيْهِمْ هو كِتابُهم. ﴿خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ كَما اشْتَرَتْ بِها أحْبارُهُمُ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا. وانْتِصابُ ﴿خاشِعِينَ﴾ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في (يُؤَمِنُ)، وكَذَلِكَ ﴿لا يَشْتَرُونَ﴾ هو في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ. وقِيلَ: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (إلَيْهِمْ)، والعامِلُ فِيها (أُنْزِلَ) . وقِيلَ: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿لا يَشْتَرُونَ﴾، وهُما قَوْلانِ ضَعِيفانِ. ومَن جَعَلَ (مَن) نَكِرَةً مَوْصُوفَةً، يُجَوِّزُ أنْ يَكُونَ ﴿خاشِعِينَ﴾ و﴿لا يَشْتَرُونَ﴾ صِفَتَيْنِ لِلنَّكِرَةِ. وجُمِعَ ﴿خاشِعِينَ﴾ عَلى مَعْنى (مَن) كَما جُمِعَ في ﴿وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ﴾ . وحُمِلَ أوَّلًا عَلى اللَّفْظِ في قَوْلِهِ: (يُؤْمِنُ)، فَأُفْرِدَ، وإذا اجْتَمَعَ الحَمْلانِ، فالأوْلى أنْ يُبْدَأ بِالحَمْلِ عَلى اللَّفْظِ. وأتى في الآيَةِ بِلَفْظِ (يُؤْمِنُ) دُونَ آمَنَ، وإنْ كانَ إيمانُ مَن نَزَلَ فِيهِمْ قَدْ وقَعَ إشارَةً إلى الدَّيْمُومَةِ والِاسْتِمْرارِ. ووَصَفَهم بِالخُشُوعِ وهو التَّذَلُّلُ والخُضُوعُ المُنافِي لِلتَّعاظُمِ والِاسْتِكْبارِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة: ٨٢] . ﴿أُولَئِكَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ ثَوابُ إيمانِهِمْ، وهَذا الأجْرُ مُضاعَفٌ مَرَّتَيْنِ بِنَصِّ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: (وأنَّ مَن آمَنَ مِن أهْلِ الكِتابِ يُؤْتى أجْرَهُ مَرَّتَيْنِ) يُضاعَفُ لَهُمُ الثَّوابُ بِما تَضاعَفَ مِنهم مِنَ الأسْبابِ. و(عِنْدَ) ظَرْفٌ في مَوْضِعِ الحالِ، والعامِلُ فِيهِ العامِلُ في (لَهم)، ومَعْنى ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: أيْ في الجَنَّةِ. ﴿إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ أيْ سَرِيعُ الإتْيانِ بِيَوْمِ القِيامَةِ وهو يَوْمُ الحِسابِ. والمَعْنى: أنَّ أجْرَهم قَرِيبٌ إتْيانُهُ أوْ سَرِيعٌ حِسابُهُ لِنُفُوذِ عِلْمِهِ، فَهو عالِمٌ بِما لِكُلِّ عامِلٍ مِنَ الأجْرِ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مُسْتَوْفًى. ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصابِرُوا ورابِطُوا واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ خَتَمَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ السُّورَةَ بِهَذِهِ الوِصايَةِ الَّتِي جَمَعَتِ الظُّهُورَ في الدُّنْيا عَلى العَدُوِّ، والفَوْزَ بِنَعِيمِ الآخِرَةِ، فَأمَرَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ والمُصابَرَةِ والرِّباطِ. فَقِيلَ: اصْبِرُوا وصابِرُوا بِمَعْنًى واحِدٍ (p-١٤٩)لِلتَّأْكِيدِ. وقالَ الحَسَنُ، والسُّدِّيُّ، والضَّحّاكُ، وابْنُ جُرَيْجٍ: اصْبِرُوا عَلى طاعَةِ اللَّهِ في تَكالِيفِهِ، وصابِرُوا أعْداءَ اللَّهِ في الجِهادِ، ورابِطُوا في الثُّغُورِ في سَبِيلِ اللَّهِ. أيِ: ارْتَبِطُوا الخَيْلَ كَما يَرْتَبِطُها أعْداؤُكم. وقالَ أُبَيٌّ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: هي مُصابَرَةُ وعْدِ اللَّهِ بِالنَّصْرِ، أيْ: لا تَسْأمُوا وانْتَظِرُوا الفَرَجَ. وقِيلَ: رابِطُوا: اسْتَعِدُّوا لِلْجِهادِ كَما قالَ: ﴿وأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ ومِن رِباطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] . وقالَ أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: الرِّباطُ انْتِظارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ، ولَمْ يَكُنْ في زَمَنِ الرَّسُولِ ﷺ غَزْوٌ مُرابَطٌ فِيهِ. واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: (ألا أدُلُّكم عَلى ما يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الخَطايا ويَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجاتِ: إسْباغُ الوُضُوءِ عَلى المَكارِهِ، وكَثْرَةُ الخُطا إلى المَساجِدِ، وانْتِظارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّباطُ، ثَلاثًا) فَعَلى هَذا لا يَكُونُ (رابِطُوا) مِن بابِ المُفاعَلَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والقَوْلُ الصَّحِيحُ هو أنَّ الرِّباطَ هو المُلازَمَةُ في سَبِيلِ اللَّهِ، أصْلُها مِن رَبْطِ الخَيْلِ، ثُمَّ سُمِّيَ كُلُّ مُلازِمٍ لِثَغْرٍ مِن ثُغُورِ الإسْلامِ مُرابِطًا، فارِسًا كانَ أوْ راجِلًا، واللَّقْطَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الرَّبْطِ. وقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «فَذَلِكُمُ الرِّباطُ» إنَّما هو تَشْبِيهٌ بِالرِّباطِ في سَبِيلِ اللَّهِ، إذِ انْتِظارُ الصَّلاةِ إنَّما هو سَبِيلٌ مِنَ السُّبُلِ المُنْجِيَةِ، والرِّباطُ اللُّغَوِيُّ هو الأوَّلُ. والمُرابِطُ في سَبِيلِ اللَّهِ عِنْدَ الفُقَهاءِ هو الَّذِي يَشْخَصُ إلى ثَغْرٍ مِنَ الثُّغُورِ لِيُرابِطَ فِيهِ مُدَّةً ما، قالَهُ ابْنُ المَوّازِ، ورَواهُ. فَأمّا سُكّانُ الثُّغُورِ دائِمًا بِأهْلِيهِمُ الَّذِينَ يَعْتَمِرُونَ ويَكْتَسِبُونَ هُناكَ فَهم وإنْ كانُوا حُماةً، لَيْسُوا بِمُرابِطِينَ. انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وصابِرُوا أعْداءَ اللَّهِ في الجِهادِ أيْ غالِبُوهم في الصَّبْرِ عَلى شَدائِدِ الحَرْبِ، لا تَكُونُوا أقَلَّ صَبْرًا مِنهم وثَباتًا. والمُصابَرَةُ بابٌ مِنَ الصَّبْرِ، ذُكِرَ بَعْدَ الصَّبْرِ عَلى ما يَجِبُ الصَّبْرُ عَلَيْهِ تَحْقِيقًا لِشِدَّتِهِ وصُعُوبَتِهِ. ورابِطُوا: وأقِيمُوا في الثُّغُورِ رابِطِينَ خَيْلَكم فِيها مُتَرَصِّدِينَ مُسْتَعِدِّينَ لِلْغَزْوِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ومِن رِباطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: (مَن رابَطَ يَوْمًا ولَيْلَةً في سَبِيلِ اللَّهِ كانَ كَعِدْلِ صِيامِ شَهْرٍ وقِيامِهِ لا يُفْطِرُ ولا يَنْفَتِلُ عَنْ صَلاتِهِ إلّا لِحاجَةٍ) انْتَهى كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ. وفي البُخارِيِّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (رِباطُ يَوْمٍ في سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها) وفي مُسْلِمٍ: (رِباطُ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ خَيْرٌ مِن صِيامِ شَهْرٍ وقِيامِهِ، وإنْ ماتَ جَرى عَلَيْهِ رِزْقُهُ وأمِنَ الفَتّانَ) وفي سُنَنِ أبِي داوُدَ قالَ: (كُلُّ المَيِّتِ يُخْتَمُ عَلى عَمَلِهِ إلّا المُرابِطَ فَإنَّهُ يَنْمُو لَهُ عَمَلُهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ويُؤَمَّنُ مِن فَتّانَيِ القَبْرِ) . وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ مِن ضُرُوبِ البَيانِ والبَدِيعِ: الِاسْتِعارَةَ: عَبَّرَ بِأخْذِ المِيثاقِ عَنِ التِزامِهِمْ أحْكامَ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وبِالنَّبْذِ وراءَ ظُهُورِهِمْ عَنْ تَرْكِ عَمَلِهِمْ بِمُقْتَضى تِلْكَ الأحْكامِ، وبِاشْتِراءِ ثَمَنٍ قَلِيلٍ عَنْ ما تَعَوَّضُوهُ مِنَ الحُطامِ عَلى كَتْمِ آياتِ اللَّهِ، وبِسَماعِ المُنادِي إنْ كانَ القُرْآنَ عَنْ ما تَلَقَّوْهُ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ والوَعْدِ والوَعِيدِ بِالِاسْتِجابَةِ عَنْ قَبُولِ مَسْألَتِهِمْ، وبِانْتِفاءِ التَّضْيِيعِ عَنْ عَدَمِ مُجازاتِهِ عَلى يَسِيرِ أعْمالِهِمْ، وبِالتَّقَلُّبِ عَنْ ضَرْبِهِمْ في الأرْضِ لِطَلَبِ المَكاسِبِ، وبِالمِهادِ عَنِ المَكانِ المُسْتَقَرِّ فِيهِ، وبِالنُّزُولِ عَمّا يُعَجِّلُ اللَّهُ لَهم في الجَنَّةِ مِنَ الكَرامَةِ، وبِالخُشُوعِ الَّذِي هو تَهَدُّمُ المَكانِ وتَغَيُّرُ مَعالِمِهِ عَنْ خُضُوعِهِمْ وتَذَلُّلِهِمْ بَيْنَ يَدَيْهِ، وبِالسُّرْعَةِ الَّتِي هي حَقِيقَةٌ في المَشْيِ عَنْ تَعْجِيلِ كَرامَتِهِ. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الحِسابُ اسْتُعِيرَ لِلْجَزاءِ، كَما اسْتُعِيرَ ﴿ولَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٦]؛ لِأنَّ الكُفّارَ لا يُقامُ لَهم حِسابٌ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَحَبِطَتْ أعْمالُهم فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥] . والطِّباقَ في: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، وفي ﴿السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩١]، و﴿اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [يونس: ٦]، فالسَّماءُ جِهَةُ العُلُوِّ، والأرْضُ جِهَةُ السُّفْلِ، واللَّيْلُ عِبارَةٌ عَنِ الظُّلْمَةِ، والنَّهارُ عِبارَةٌ عَنِ النُّورِ، وفي: ﴿قِيامًا وقُعُودًا﴾ [آل عمران: ١٩١] و﴿مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾ [آل عمران: ١٩٥] . والتَّكْرارَ في: ﴿لا تَحْسَبَنَّ﴾ [آل عمران: ١٨٨] ﴿فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٨]، وفي: (رَبَّنا) في خَمْسَةِ مَواضِعَ، وفي: ﴿فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا﴾ [آل عمران: ١٩٣]، إنْ كانَ المَعْنى (p-١٥٠)واحِدًا، وفي: ﴿ما أُنْزِلَ إلَيْكم وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ﴾، وفي: ﴿ثَوابًا﴾ [آل عمران: ١٩٥] و﴿حُسْنُ الثَّوابِ﴾ [آل عمران: ١٩٥] . والِاخْتِصاصَ في: ﴿لِأُولِي الألْبابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]، وفي: ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ [آل عمران: ١٩٢]، وفي: ﴿وتَوَفَّنا مَعَ الأبْرارِ﴾ [آل عمران: ١٩٣]، وفي: ﴿ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [آل عمران: ١٩٤]، وفي: ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأبْرارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨] . والتَّجْنِيسَ المُماثِلَ في: ﴿أنْ آمِنُوا بِرَبِّكم فَآمَنّا﴾ [آل عمران: ١٩٣]، وفي: ﴿عَمَلَ عامِلٍ مِنكُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥] . والمُغايِرَ في: ﴿مُنادِيًا يُنادِي﴾ [آل عمران: ١٩٣] . والإشارَةَ في: ﴿ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١]، والحَذْفَ في مَواضِعَ.