Lafzullah

Al-Bahr Al-Muhit — آل عمران 3:118 – آل عمران 3:171

المؤلف / المصدر: Al-Bahr Al-Muhit

المحتويات
  1. آل عمران 3:118
  2. آل عمران 3:119
  3. آل عمران 3:120
  4. آل عمران 3:121
  5. آل عمران 3:122
  6. آل عمران 3:123
  7. آل عمران 3:124
  8. آل عمران 3:125
  9. آل عمران 3:126
  10. آل عمران 3:127
  11. آل عمران 3:128
  12. آل عمران 3:129
  13. آل عمران 3:130
  14. آل عمران 3:131
  15. آل عمران 3:132
  16. آل عمران 3:133
  17. آل عمران 3:134
  18. آل عمران 3:135
  19. آل عمران 3:136
  20. آل عمران 3:137
  21. آل عمران 3:138
  22. آل عمران 3:139
  23. آل عمران 3:140
  24. آل عمران 3:141
  25. آل عمران 3:142
  26. آل عمران 3:143
  27. آل عمران 3:144
  28. آل عمران 3:145
  29. آل عمران 3:146
  30. آل عمران 3:147
  31. آل عمران 3:148
  32. آل عمران 3:149
  33. آل عمران 3:150
  34. آل عمران 3:151
  35. آل عمران 3:152
  36. آل عمران 3:153
  37. آل عمران 3:154
  38. آل عمران 3:155
  39. آل عمران 3:156
  40. آل عمران 3:157
  41. آل عمران 3:158
  42. آل عمران 3:159
  43. آل عمران 3:160
  44. آل عمران 3:161
  45. آل عمران 3:162
  46. آل عمران 3:163
  47. آل عمران 3:164
  48. آل عمران 3:165
  49. آل عمران 3:166
  50. آل عمران 3:167
  51. آل عمران 3:168
  52. آل عمران 3:169
  53. آل عمران 3:170
  54. آل عمران 3:171

آل عمران 3:118

﴿لَيْسُوا سَواءً مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وهم يَسْجُدُونَ﴾ ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ويُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وأُولَئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وما يَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَأهْلَكَتْهُ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكم لا يَأْلُونَكم خَبالًا ودُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ وما تُخْفِي صُدُورُهم أكْبَرُ قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ﴿ها أنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكم وتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ وإذا لَقُوكم قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكم إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١١٩] ﴿إنْ تَمْسَسْكم حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكم سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا إنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: ١٢٠] . الآناءُ: السّاعاتُ. وفي مُفْرَدِها لُغاتٌ: أنْيٌ كَمَعْيٌ، وأنى كَفَتى، وأنّى كَنَحّى، وأنْيٌ كَظَبْيٍ، وأنْوٌ كَجَرْوٍ. الصَّرُّ: البَرْدُ الشَّدِيدُ المُحْرِقُ. وقِيلَ: البارِدُ بِمَعْنى الصَّرْصَرُ كَما قالَ: ؎لا تَعْدِلَنَّ أتاوِيِّينَ تَضْرِ بُهم نَكْباءَ صَرٍّ بِأصْحابِ المَحَلّاتِ وقالَتْ لَيْلى الأخْيَلِيَّةُ: ؎ولَمْ يَغْلِبِ الخَصْمَ الألَدَّ ويَمْلَأ الــــجِـفانَ ∗∗∗ سَدِيفًا يَوْمَ نَكْباءَ صَرْصَرِ (p-٣٣)وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: هو صَوْتُ لَهَبِ النّارِ، وهو اخْتِيارُ الزَّجّاجِ، مِنَ الصَّرِيرِ. وهو الصَّوْتُ مِن قَوْلِهِمْ: صَرَّ الشَّيْءُ، ومِنهُ الرِّيحُ الصَّرْصَرُ. وقالَ الزَّجّاجُ: والصَّرُّ صَوْتُ النّارِ الَّتِي في الرِّيحِ. البِطانَةُ في الثَّوْبِ بِإزاءِ الظِّهارَةِ، ويُسْتَعارُ لِمَن يَخْتَصُّهُ الإنْسانُ كالشِّعارِ والدِّثارِ. يُقالُ: بَطَنَ فُلانٌ مِن فُلانٍ بُطُونًا وبِطانَةٍ إذا كانَ خاصًّا بِهِ، داخِلًا في أمْرِهِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎أُولَئِكَ خُلْصانِي نَعَمْ وبِطانَتِي ∗∗∗ وهم عَيْبَتِي مِن دُونِ كُلِّ قَرِيبِ ألَوْتُ في الأمْرِ: قَصَّرْتُ فِيهِ. قالَ زُهَيْرٌ: ؎سَعى بَعْدَهم قَوْمٌ لِكَيْ يُدْرِكُوهُمُ ∗∗∗ فَلَمْ يَفْعَلُوا ولَمْ يَلِيمُوا لَمْ يَأْلُوا أيْ لَمْ يُقَصِّرُوا. الخَبالُ والخَبَلُ: الفَسادُ الَّذِي يَلْحَقُ الحَيَوانَ. يُقالُ: في قَوائِمِ الفَرَسِ خَبَلٌ وخَبالٌ أيْ فَسادٌ مِن جِهَةِ الِاضْطِرابِ والخَبَلِ والجُنُونِ. ويُقالُ: خَبَلُهُ الحُبُّ أيْ أفْسَدَهُ. البَغْضاءُ: مَصْدَرٌ كالسَّرّاءِ والبَأْساءِ، يُقالُ: بُغِضَ الرَّجُلُ فَهو بَغِيضٌ، وأبْغَضْتُهُ أنا اشْتَدَّتْ كَراهَتِي لَهُ. الأفْواهُ: مَعْرُوفَةٌ، والواحِدُ مِنها في الأصْلِ فُوهٌ. ولَمْ تَنْطِقْ بِهِ العَرَبُ، بَلْ قالَتْ: فَمٌ. وفي الفَمِ لُغاتٌ تِسْعٌ ذُكِرَتْ في بَعْضِ كُتُبِ النَّحْوِ. العَضُّ: وضْعُ الأسْنانِ عَلى الشَّيْءِ بِقُوَّةِ، والفِعْلُ مِنهُ عَلى فِعْلٍ بِكَسْرِ العَيْنِ، وهو بِالضّادِ. فَأمّا عَظُّ الزَّمانَ وعَظُّ الحَرْبِ فَهو بِالظّاءِ أُخْتِ الطّاءِ، قالَ: ؎وعَضُّ زَمانٍ يا ابْنَ مَرْوانَ لَمْ يَدَعْ ∗∗∗ مِنَ المالِ إلّا مُسْحَتًا أوْ مُجَلَّفُ والعُضُّ - بِضَمِّ العَيْنِ - عَلَفُ أهْلِ الأمْصارِ، مِثْلُ الكَسْبِ والنَّوى المَرْضُوضِ. يُقالُ مِنهُ: أعَضَّ القَوْمُ، إذا أكَلَ إبِلُهُمُ العَضَّ. وبَعِيرٌ عُضاضِيٌّ أيْ سَمِينٌ، كَأنَّهُ مَنسُوبٌ إلَيْهِ. والعِضُّ - بِالكَسْرِ -: الدّاهِيَةُ مِنَ الرِّجالِ. الأنامِلُ: جَمْعُ أُنْمُلَةٍ، ويُقالُ بِفَتْحِ المِيمِ وضَمِّها، وهي أطْرافُ الأصابِعِ. قالَ ابْنُ عِيسى: أصْلُها النَّمْلُ المَعْرُوفُ، وهي مُشَبَّهَةٌ بِهِ في الدِّقَّةِ والتَّصَرُّفِ بِالحَرَكَةِ. ومِنهُ رَجُلٌ نَمِلٌ: أيْ نَمّامٌ. الغَيْضُ: مَصْدَرُ غاضَ، وغَيْضُ اسْمُ عَلَمٍ. الفَرَحُ: مَعْرُوفٌ، يُقالُ مِنهُ: فَرِحٌ بِكَسْرِ العَيْنِ. الكَيْدُ: المَكْرُ، كادَهُ يَكِيدُهُ، مَكَرَ بِهِ، وهو الِاحْتِيالُ بِالباطِلِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وأصْلُهُ المَشَقَّةُ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَكِيدُ بِنَفْسِهِ، أيْ يُعالِجُ مَشَقّاتِ النَّزْعِ وسَكَراتِ المَوْتِ. ﴿لَيْسُوا سَواءً مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ سَبَبُ النُّزُولِ إسْلامُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وغَيْرِهِ مِنَ اليَهُودِ، وقَوْلُ الكُفّارِ مِن أحْبارِهِمْ: ما آمَنَ بِمُحَمَّدٍ إلّا شِرارُنا، ولَوْ كانُوا خِيارًا ما تَرَكُوا دِينَ آبائِهِمْ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ. والواوُ في ”﴿لَيْسُوا﴾“ هي لِأهْلِ الكِتابِ السّابِقِ ذِكْرِهم في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ لَكانَ خَيْرًا لَهم مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠] والأصَحُّ: أنَّ الواوَ ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى أهْلِ الكِتابِ، ”وسَواءً“ خَبَرُ لَيْسَ. والمَعْنى: لَيْسَ أهْلُ الكِتابِ مُسْتَوِينَ، بَلْ مِنهم مَن آمَنَ بِكِتابِهِ وبِالقُرْآنِ مِمَّنْ أدْرَكَ شَرِيعَةَ الإسْلامِ، أوْ كانَ عَلى اسْتِقامَةٍ فَماتَ قَبْلَ أنْ يُدْرِكَها. ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ. وقالَ الفَرّاءُ: أُمَّةٌ مُرْتَفِعَةٌ بِسَواءٍ، أيْ لَيْسَ أهْلُ الكِتابِ مُسْتَوِيًا، مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ مَوْصُوفَةٌ بِما ذُكِرَ وأُمَّةٌ كافِرَةٌ، فَحُذِفَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ المُعادِلَةُ، ودَلَّ عَلَيْها القِسْمُ الأوَّلُ كَقَوْلِهِ: ؎عَصَيْتُ إلَيْها القَلْبُ إنِّي لِأمْرِهِ ∗∗∗ سَمِيعٌ فَما أدْرِي أرُشْدٌ طِلابُها التَّقْدِيرُ: أمْ غَيٌّ، فَحُذِفَ لِدَلالَةِ ”أرُشْدٌ“، وقالَ: ؎أراكَ فَما أدْرِي أهَمٌّ ضَمَمْتُهُ ∗∗∗ وذُو الهَمِّ قِدْمًا خاشِعٌ مُتَضائِلُ التَّقْدِيرُ: أمْ غَيْرُهُ. قالَ الفَرّاءُ: لِأنَّ المُساواةَ تَقْتَضِي شَيْئَيْنِ: ”﴿سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِي﴾ [الحج: ٢٥]“ ﴿سَواءً مَحْياهم ومَماتُهُمْ﴾ [الجاثية: ٢١] ”. ويَضْعُفُ قَوْلُ الفَرّاءِ مِن حَيْثُ الحَذْفِ. ومِن حَيْثُ وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ، إذِ التَّقْدِيرُ: (p-٣٤)لَيْسَ أهْلُ الكِتابِ مُسْتَوِيًا، مِنهم أُمَّةٌ قائِمَةٌ كَذا، وأُمَّةٌ كافِرَةٌ. وذَهَبَ أبُو عُبَيْدَةَ: إلى أنَّ الواوَ في“ لَيْسُوا ”عَلامَةُ جَمْعٍ لا ضَمِيرٌ، مِثْلُها في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎يَلُومُونَنِي في شِراءِ النَّخِيـ ∗∗∗ ـلِ قَوْمِي وكُلُّهُمُ ألْوَمُ واسْمُ لَيْسَ: أُمَّةٌ قائِمَةٌ، أيْ لَيْسَ سَواءٌ، مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ مَوْصُوفَةٌ بِما ذُكِرَ وأُمَّةً كافِرَةً. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وما قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ خَطَأٌ مَرْدُودٌ. انْتَهى. ولَمْ يُبَيِّنْ جِهَةَ الخَطَأِ، وكَأنَّهُ تَوَهَّمَ أنَّ اسْمَ لَيْسَ هو“ ﴿أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ ”فَقَطْ، وأنَّهُ لا مَحْذُوفَ. ثُمَّ إذْ لَيْسَ الغَرَضُ تَفاوُتُ الأُمَّةِ القائِمَةِ التّالِيَةِ، فَإذا قُدِّرَ ثَمَّ مَحْذُوفٌ لَمْ يَكُنْ قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ خَطَأً مَرْدُودًا. قِيلَ: وما قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ هو عَلى لُغَةِ“ أكَلُونِي البَراغِيثُ ”، وهي لُغَةٌ رَدِيئَةٌ، والعَرَبُ عَلى خِلافِها، فَلا يُحْمَلُ عَلَيْها مَعَ ما فِيهِ مِن مُخالَفَةِ الظّاهِرِ. انْتَهى. وقَدْ نازَعَ السُّهَيْلِيُّ النَّحْوِيِّينَ في قَوْلِهِمْ: إنَّها لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ، وكَثِيرًا ما جاءَتْ في الحَدِيثِ. والإعْرابُ الأوَّلُ هو الظّاهِرُ، وهو أنْ يَكُونَ“ ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ ”مُسْتَأْنَفَ بَيانٍ لِانْتِفاءِ التَّسْوِيَةِ، كَما جاءَ ﴿يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ [التوبة: ٧١] بَيانًا لِقَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠] والمُرادُ بِأهْلِ الكِتابِ اليَهُودُ والنَّصارى. وأُمَّةٌ قائِمَةٌ، أيْ مُسْتَقِيمَةٌ، مِن أقَمْتُ العُودَ فَقامَ، أيِ اسْتَقامَ. قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ وابْنُ جُرَيْجٍ: عادِلَةٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والرَّبِيعُ: قائِمَةٌ عَلى كِتابِ اللَّهِ وحُدُودِهِ، مُهْتَدِيَةٌ. وقالَ السُّدِّيُّ: قانِتَةٌ مُطِيعَةٌ، وكُلُّها راجِعٌ لِلْقَوْلِ الأوَّلِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ والسُّدِّيُّ: الضَّمِيرُ في لَيْسُوا عائِدٌ عَلى اليَهُودِ وأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ إذْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ اليَهُودِ وذِكْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ في قَوْلِهِ:“ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠] ”. والكِتابُ عَلى هَذا القَوْلِ جِنْسُ كُتُبِ اللَّهِ، ولَيْسَ بِالمَعْهُودِ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ فَقَطْ. والمُرادُ بِقَوْلِهِ:“ ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ ”- أهْلُ القُرْآنِ. والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى أهْلِ الكِتابِ المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [آل عمران: ١١٠]؛ لِتَوالِي الضَّمائِرِ عائِدَةٌ عَلَيْهِمْ فَكَذَلِكَ ضَمِيرُ لَيْسُوا. وقالَ عَطاءٌ:“ ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ ”الآيَةَ، يُرِيدُ أرْبَعِينَ رَجُلًا مِن أهْلِ نَجْرانَ مِنَ العَرَبِ، واثْنَيْنِ وثَلاثِينَ مِنَ الحَبَشَةِ، وثَمانِيَةً مِنَ الرُّومِ، كانُوا عَلى دِينِ عِيسى وصَدَّقُوا مُحَمَّدًا ﷺ . وكانَ ناسٌ مِنَ الأنْصارِ مُوَحِّدِينَ ويَغْتَسِلُونَ مِنَ الجَنابَةِ، ويَقُومُونَ بِما عَرَفُوا مِن شَرائِعِ الحَنِيفِيَّةِ قَبْلَ قُدُومِ النَّبِيِّ ﷺ حَتّى جاءَهم مِنهُ أسْعَدُ بْنُ زُرارَةَ، والبَراءُ بْنُ مَعْرُورٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وقَيْسُ بْنُ صِرْمَةَ بْنِ أنَسٍ. ﴿يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وهم يَسْجُدُونَ﴾ وصَفَ الأُمَّةَ القائِمَةَ بِأنَّها تالِيَةُ آياتِ اللَّهِ، وعَبَّرَ بِالتِّلاوَةِ في ساعاتِ اللَّيْلِ عَنِ التَّهَجُّدِ بِالقُرْآنِ. وقَوْلُهُ: وهم يَسْجُدُونَ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ أيْضًا مَعْطُوفَةٌ عَلى“ يَتْلُونَ ”، وصَفَهم بِالتِّلاوَةِ لِلْقُرْآنِ وبِالسُّجُودِ. فَتِلاوَةُ القُرْآنِ في القِيامِ، وأمّا السُّجُودُ فَلَمْ تُشْرَعْ فِيهِ التِّلاوَةُ. وجاءَتِ الصِّفَةُ الثّانِيَةُ اسْمِيَّةٌ لِتَدُلَّ عَلى التَّوْكِيدِ بِتَكَرُّرِ الضَّمِيرِ وهو“ هم ”والواوُ في“ يَسْجُدُونَ ”، إذْ أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ وهو ساجِدٌ. وأخْبَرَ عَنِ المُبْتَدَأِ بِالمُضارِعِ، وجاءَتِ الصِّفَةُ الأوْلى بِالمُضارِعِ أيْضًا لِتَدُلَّ عَلى التَّجَدُّدِ، وعُطِفَتِ الثّانِيَةُ عَلى الأوْلى بِالواوِ لِتُشْعِرَ بِأنَّ تِلْكَ التِّلاوَةَ كانَتْ في صَلاةٍ، فَلَمْ تَكُنِ التِّلاوَةُ وحْدَها ولا السُّجُودُ وحْدَهُ. وظاهِرُ قَوْلِهِ:“ ﴿آناءَ اللَّيْلِ﴾ ”أنَّها جَمِيعُ ساعاتِ اللَّيْلِ. فَيَبْعُدُ صُدُورُ ذَلِكَ - أعْنِي التِّلاوَةَ والسُّجُودَ - مِن كُلِّ شَخْصٍ شَخَصَ، وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ مِن جَماعَةٍ؛ إذْ بَعْضُ النّاسِ يَقُومُ أوَّلَ اللَّيْلِ، وبَعْضُهم آخِرَهُ، وبَعْضُهم بَعْدَ هَجْعَةٍ ثُمَّ يَعُودُ إلى نَوْمِهِ، فَيَأْتِي مِن مَجْمُوعِ ذَلِكَ في المُدُنِ والجَماعاتِ اسْتِيعابُ ساعاتِ اللَّيْلِ بِالقِيامِ في تِلاوَةِ القُرْآنِ والسُّجُودِ، وعَلى هَذا كانَ صَدْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ. وعَرَفُ النّاسُ القِيامَ في أوَّلِ الثُّلُثِ الأخِيرِ مِنَ اللَّيْلِ، أوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ، والقائِمُ طُولَ اللَّيْلِ قَلِيلٌ، وقَدْ كانَ في الصّالِحِينَ مَن يَلْتَزِمُهُ، وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ القَصْدَ في ذَلِكَ في أوَّلِ المُزَّمِّلِ. وآناءُ اللَّيْلِ: ساعاتُهُ. قالَهُ الرَّبِيعُ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما. وقالَ السُّدِّيُّ: جَوْفُهُ وهو مِن إطْلاقِ الكُلِّ عَلى الجُزْءِ، إذِ الجَوْفُ فَرْدٌ مِنَ الجَمْعِ. وعَنْ مَنصُورٍ: أنَّها نَزَلَتْ في المُصَلِّينِ بَيْنَ (p-٣٥)العِشاءَيْنِ، وهو مُخالِفٌ لِظاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ﴾ . وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أنَّها صَلاةُ العَتْمَةِ. وذَكَرَ أنَّ سَبَبَ نُزُولِها هو احْتِباكُ النَّبِيِّ ﷺ في صَلاةِ العَتَمَةِ، وكانَ عِنْدَ بَعْضِ نِسائِهِ، فَلَمْ يَأْتِ حَتّى مَضى اللَّيْلُ، فَجاءَ ومِنّا المُصَلِّي ومِنّا المُضْطَجِعُ، فَقالَ:“ أبْشِرُوا، فَإنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ يُصَلِّي هَذِهِ الصَّلاةَ ”؛ ولِهَذا السَّبَبِ ذَكَرَ ابْنُ مَسْعُودٍ أنَّ قَوْلَهُ:“ ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ ”عائِدٌ عَلى اليَهُودِ وهَذِهِ الأُمَّةِ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ. والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ:“ ﴿وهم يَسْجُدُونَ﴾ ”أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ السُّجُودُ في الصَّلاةِ. وقِيلَ: عَبَّرَ بِالسُّجُودِ عَنِ الصَّلاةِ تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِجُزْءٍ شَرِيفٍ مِنهُ، كَما يُعَبَّرُ عَنْها بِالرُّكُوعِ، قالَهُ مُقاتِلٌ والفَرّاءُ والزُّجاجُ؛ لِأنَّ القِراءَةَ لا تَكُونُ في الرُّكُوعِ ولا في السُّجُودِ، فَعَلى هَذا تَكُونُ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ مُتَلَبِّسِينَ بِالصَّلاةِ. وقِيلَ: سُجُودُ التِّلاوَةِ. وقِيلَ: أُرِيدَ بِالسُّجُودِ الخُشُوعُ والخُضُوعُ. وذَهَبَ الطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُ إلى أنَّها جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ مِنَ الكَلامِ الأوَّلِ، أخْبَرَ عَنْهم أيْضًا أنَّهم أهْلُ سُجُودٍ، ويُحَسِّنُهُ أنْ كانَتِ التِّلاوَةُ في غَيْرِ صَلاةٍ. ويَكُونُ أيْضًا عَلى هَذا التَّأْوِيلِ في غَيْرِ صَلاةٍ نَعْتًا عُدِّدَ بِواوِ العَطْفِ، كَما تَقُولُ: جاءَنِي زَيْدٌ الكَرِيمُ والعاقِلُ. وأجازَ بَعْضُهم في قَوْلِهِ: وهم يَسْجُدُونَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في (قائِمَةٌ)، وحالًا مِن (أُمَّةٌ)؛ لِأنَّها قَدْ وُصِفَتْ بِـ (قائِمَةٌ) . فَتَلَخَّصَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ قَوْلانِ، أحَدُهُما أنَّها لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، بِأنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً. والقَوْلُ الآخَرُ: أنْ يَكُونَ لَها مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ ويَكُونُ رَفْعًا بِأنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، أوْ بِأنْ يَكُونَ نَصْبًا، بِأنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ، إمّا مِنَ الضَّمِيرِ في يَتْلُونَ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في قائِمَةٍ، أوْ مِن أُمَّةٍ. ودَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى التَّرْغِيبِ في قِيامِ اللَّيْلِ، وقَدْ جاءَ في كِتابِ اللَّهِ: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] ﴿أمَّنْ هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا﴾ [الزمر: ٩] ﴿ياأيُّها المُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١] ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ [المزمل: ٢] . وفي الحَدِيثِ: «يا عَبْدَ اللَّهِ، لا تَكُنْ مِثْلَ فُلانٍ، كانَ يَقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَكَهُ»، وفِيهِ: «نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ، إلّا أنَّهُ لا يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ“» وغَيْرُ ذَلِكَ كَثِيرٌ. وعَنْ رَجُلٍ مِن بَنِي شَيْبَةَ كانَ يَدْرُسُ الكُتُبَ، قالَ: إنّا نَجِدُ كَلامًا مِن كَلامِ الرَّبِّ عَزَّ وجَلَّ: أيَحْسَبُ راعِي إبِلٍ وغَنَمٍ إذا جَنَّهُ اللَّيْلُ انْجَدَلَ كَمَن هو قائِمٌ وساجِدُ اللَّيْلِ. (يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ والآخِرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ) تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الجُمَلِ. ﴿ويُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ المُسارَعَةُ في الخَيْرِ ناشِئَةٌ عَنْ فَرْطِ الرَّغْبَةِ فِيهِ؛ لِأنَّ مَن رَغِبَ في أمْرٍ بادَرَ إلَيْهِ وإلى القِيامِ بِهِ، وآثَرَ الفَوْرَ عَلى التَّراخِي. وجاءَ في الحَدِيثِ: «اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وصِحَّتَكَ قَبْلَ سُقْمِكَ، وفَراغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وحَياتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ، وغِناكَ قَبْلَ فَقْرِكَ» . وصَفَهم تَعالى بِأنَّهم إذا دَعَوْا إلى خَيْرٍ مِن نَصْرِ مَظْلُومٍ، وإغاثَةِ مَكْرُوبٍ، وعِبادَةِ اللَّهِ - بادَرُوا إلى فِعْلِهِ. والظّاهِرُ في ”يُؤْمِنُونَ“ أنْ يَكُونَ صِفَةً أيْ: تالِيَةٌ مُؤْمِنَةٌ. وجَوَّزُوا أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، أوْ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في ”يَسْجُدُونَ“، وأنْ تَكُونَ بَدَلًا مِنَ السُّجُودِ. قِيلَ: لِأنَّ السُّجُودَ بِمَعْنى الإيمانِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وصَفَهم بِخَصائِصَ ما كانَتْ في اليَهُودِ مِن تِلاوَةِ آياتِ اللَّهِ بِاللَّيْلِ ساجِدِينَ، ومِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ؛ لِأنَّ إيمانَهم بِهِ كَلا إيمانٍ؛ لِإشْراكِهِمْ بِهِ عُزَيْرًا وكُفْرِهِمْ بِبَعْضِ الكُتُبِ والرُّسُلِ دُونَ بَعْضٍ، ومِنَ الإيمانِ بِاليَوْمِ الآخِرِ لِأنَّهم يَصِفُونَهُ بِخِلافِ صِفَتِهِ، ومِنَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ؛ لِأنَّهم كانُوا مُداهِنِينَ، ومِنَ المُسارَعَةِ في الخَيْراتِ؛ لِأنَّهم كانُوا مُتَباطِئِينَ عَنْها غَيْرَ راغِبِينَ فِيها. انْتَهى كَلامُهُ، وهو حَسَنٌ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى هَذِهِ الأُمَّةَ وصَفَها بِصِفاتٍ سِتٍّ، إحْداها: أنَّها قائِمَةٌ، أيْ مُسْتَقِيمَةٌ عَلى النَّهْجِ القَوِيمِ. ولَمّا كانَتِ الِاسْتِقامَةُ وصْفًا ثابِتًا لَها لا يَتَغَيَّرُ جاءَ بِاسْمِ الفاعِلِ. الثّانِيَةُ: الصَّلاةُ بِاللَّيْلِ المُعَبَّرِ عَنْها بِالتِّلاوَةِ والسُّجُودِ، وهي العِبادَةُ الَّتِي يَظْهَرُ بِها الخُلُوُّ لِمُناجاةِ اللَّهِ بِاللَّيْلِ. الثّالِثَةُ: الإيمانُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، وهو الحامِلُ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ، (p-٣٦)وذَكَرَ اليَوْمَ الآخِرَ؛ لِأنَّ فِيهِ ظُهُورَ آثارِ عِبادَةِ اللَّهِ مِنَ الجَزاءِ الجَزِيلِ. وتَضَمَّنَ الإيمانُ بِاليَوْمِ الآخِرِ الإيمانَ بِالأنْبِياءِ؛ إذْ هُمُ الَّذِينَ أخْبَرُوا بِكَيْنُونَةِ هَذا الجائِزِ في العَقْلِ ووُقُوعِهِ، فَصارَ الإيمانُ بِهِ واجِبًا. الرّابِعَةُ: الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ. الخامِسَةُ: النَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، لَمّا كَمِلُوا في أنْفُسِهِمْ سَعَوْا في تَكْمِيلِ غَيْرِهِمْ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ. السّادِسَةُ: المُسارَعَةُ في الخَيْراتِ، وهي صِفَةٌ تَشْمَلُ أفْعالَهُمُ المُخْتَصَّةَ بِهِمْ، والأفْعالَ المُتَعَدِّيَةَ مِنهم إلى غَيْرِهِمْ. وهَذِهِ الصِّفاتُ الثَّلاثَةُ ناشِئَةٌ أيْضًا عَنِ الإيمانِ، فانْظُرْ إلى حُسْنِ سِياقِ هَذِهِ الصِّفاتِ حَيْثُ تَوَسَّطَ الإيمانُ، وتَقَدَّمَتْ عَلَيْهِ الصِّفَةُ المُخْتَصَّةُ بِالإنْسانِ في ذاتِهِ وهي الصَّلاةُ بِاللَّيْلِ، وتَأخَّرَتْ عَنْهُ الصِّفَتانِ المُتَعَدِّيَتانِ والصِّفَةُ المُشْتَرِكَةُ، وكُلُّها نَتائِجُ عَنِ الإيمانِ. ﴿وأُولَئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ هَذِهِ إشارَةٌ إلى مَن جَمَعَ هَذِهِ الصِّفاتِ السِّتَّ، أيْ وأُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِتِلْكَ الأوْصافِ مِنَ الَّذِينَ صَلُحَتْ أحْوالُهم عِنْدَ اللَّهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِالصّالِحِينَ المُسْلِمِينَ. انْتَهى. ويُشْبِهُ قَوْلُهُ قَوْلَ ابْنِ عَبّاسٍ مِن أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ . وفِيما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بَعْدُ: بَلْ الظّاهِرُ أنَّ في الوَصْفِ بِالصَّلاحِ زِيادَةٌ عَلى الوَصْفِ بِالإسْلامِ؛ ولِذَلِكَ سَألَ هَذِهِ الرُّتْبَةَ بَعْضُ الأنْبِياءِ، فَقالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ سُلَيْمانَ عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ وأتَمُّ التَّسْلِيمِ: ﴿وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩] وقالَ تَعالى في حَقِّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠] وقالَ تَعالى: ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ نافِلَةً وكُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٢] وقالَ تَعالى بَعْدَ ذِكْرِ إسْماعِيلَ: ﴿وإدْرِيسَ وذا الكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٥] ﴿وأدْخَلْناهم في رَحْمَتِنا إنَّهم مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٦] . وقالَ: ﴿والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩] . و”مِن“ لِلتَّبْعِيضِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْسُنُ أنْ تَكُونَ لِبَيانِ الجِنْسِ. انْتَهى. ولَمْ يَتَقَدَّمْ شَيْءٌ فِيهِ إبْهامٌ فَيَبِينَ جِنْسُهُ. ﴿وما يَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ بِالتّاءِ فِيهِما عَلى الخِطابِ. واخْتَلَفُوا في المُخاطَبِ، فَقالَ أبُو حاتِمٍ: هو مَرْدُودٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠] فَيَكُونُ مِن تَلْوِينِ الخِطابِ ومَعْدُولِهِ. وقالَ مَكِّيٌّ: التّاءُ فِيها عُمُومٌ لِجَمِيعِ الأُمَّةِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّها التِفاتٌ إلى قَوْلِهِ: أُمَّةٌ قائِمَةٌ، لَمّا وصَفَهم بِأوْصافٍ جَلِيلَةٍ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ تَأْنِيسًا لَهم واسْتِعْطافًا عَلَيْهِمْ، فَخاطَبَهم بِأنَّ ما تَفْعَلُونَ مِنَ الخَيْرِ فَلا تُمْنَعُونَ ثَوابَهُ؛ ولِذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلى قَوْلِهِ: مِن خَيْرٍ؛ لِأنَّهُ مَوْضِعُ عَطْفٍ عَلَيْهِمْ وتَرَحُّمٍ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِذِكْرِ الشَّرِّ. ومَعْلُومٌ أنَّ كُلَّ ما يُفْعَلُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَوْعُودُهُ. ويُؤَيِّدُ هَذا الِالتِفاتَ وأنَّهُ راجِعٌ إلى ”﴿أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾“ قِراءَةُ الياءِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، وحَمْزَةَ، والكِسائِيِّ، وحَفْصٍ، وعَبْدِ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو، واخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ، وباقِي رُواةِ أبِي عَمْرٍو خَيَّرَ بَيْنَ التّاءِ والياءِ، ومَعْلُومٌ في هَذِهِ القِراءَةِ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى ”﴿أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾“، كَما عادَ في قَوْلِهِ تَعالى: ”يَتْلُونَ“ وما بَعْدَهُ. وكَفَرَ: يَتَعَدّى إلى واحِدٍ، يُقالُ: كَفَرَ النِّعْمَةَ، وهُنا ضَمَّنَ مَعْنى حَرَمَ، أيْ: فَلَنْ تُحْرَمُوا ثَوابَهُ، ولَمّا جاءَ وصْفُهُ تَعالى بِأنَّهُ شَكُورٌ في مَعْنى تَوْفِيَةِ الثَّوابِ، نَفى عَنْهُ تَعالى نَقِيضَ الشُّكْرِ وهو كُفْرُ الثَّوابِ، أيْ حِرْمانُهُ. ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ لَمّا كانَتِ الآيَةُ وارِدَةً فِيمَنِ اتُّصِفَ بِالأوْصافِ الجَمِيلَةِ، وأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يُثِيبُ عَلى فِعْلِ الخَيْرِ ناسَبَ خَتْمَ الآيَةِ بِذِكْرِ عِلْمِهِ بِالمُتَّقِينَ، وإنْ كانَ عالِمًا بِالمُتَّقِينَ وبِضِدِّهِمْ. ومَعْنى عَلِيمٌ بِهِمْ أنَّهُ مُجازِيهِمْ عَلى تَقْواهم، وفي ذَلِكَ وعْدٌ لِلْمُتَّقِينَ، ووَعِيدٌ لِلْمُفَرِّطِينَ. ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٠] تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في أوائِلِ هَذِهِ السُّورَةِ. ﴿وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في أوائِلِ البَقَرَةِ، ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ. وأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ المُؤْمِنِينَ ذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ الكافِرِينَ لِيَتَّضِحَ الفَرْقُ بَيْنَ القَبِيلَيْنِ. ﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ (p-٣٧)رِيحٍ فِيها صِرٌّ أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَأهْلَكَتْهُ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّ ما فَعَلَهُ المُؤْمِنُونَ مِنَ الخَيْرِ فَإنَّهم لا يُحْرَمُونَ ثَوابَهُ، بَلْ يَجْنُونَ في الآخِرَةِ ثَمَرَةَ ما غَرَسُوهُ في الدُّنْيا - أخَذَ في بَيانِ نَفَقَةِ الكافِرِينَ، فَضَرَبَ لَها مَثَلًا اقْتَضى بُطْلانَها وذَهابَها مَجّانًا بِغَيْرِ عِوَضٍ. قالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في نَفَقاتِ الكُفّارِ وصَدَقاتِهِمْ. وقالَ مُقاتِلٌ: في نَفَقاتِ سَفَلَةِ اليَهُودِ عَلى عُلَمائِهِمْ. وقِيلَ: في نَفَقَةِ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ. وقِيلَ: في نَفَقَةِ المُنافِقِينَ إذا خَرَجُوا مَعَ المُسْلِمِينَ لِحَرْبِ المُشْرِكِينَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: شَبَّهَ ما كانُوا يُنْفِقُونَهُ مِن أمْوالِهِمْ في المَكارِمِ، والمَفاخِرِ، وكَسْبِ الثَّناءِ، وحُسْنِ الذِّكْرِ بَيْنَ النّاسِ، لا يَبْتَغُونَ بِهِ وجْهَ اللَّهِ - بِالزَّرْعِ الَّذِي حَسَّهُ البَرْدُ فَصارَ حُطامًا. وقِيلَ: هو ما يَتَقَرَّبُونَ بِهِ إلى اللَّهِ مَعَ كُفْرِهِمْ. وقِيلَ: ما أنْفَقُوا في عَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأنَّهم لَمْ يَبْلُغُوا بِإنْفاقِهِ ما أنْفَقُوهُ لِأجْلِهِ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْناهُ المِثالُ القائِمُ في النَّفْسِ مِن إنْفاقِهِمُ الَّذِي يَعُدُّونَهُ قُرْبَةً وحِسْبَةً وتَحَنُّثًا، ومِن حَبْطِهِ يَوْمَ القِيامَةِ وكَوْنِهِ هَباءً مَنثُورًا، وذَهابِهِ كالمِثالِ القائِمِ في النَّفْسِ، مِن زَرْعِ قَوْمٍ نَبَتَ واخْضَرَّ، وقَوِيَ الأمَلُ فِيهِ، فَهَبَّتْ عَلَيْهِ رِيحٌ صِرٌّ مُحْرِقٌ فَأهْلَكَتْهُ. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ ما في قَوْلِهِ: مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ مَوْصُولَةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ يُنْفِقُونَهُ. والظّاهِرُ تَشْبِيهُ ما يُنْفِقُونَهُ بِالرِّيحِ، والمَعْنى: تَشْبِيهُهُ بِالحَرْثِ. فَقِيلَ: هو مِنَ التَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ لَمْ يُقابَلْ فِيهِ الإفْرادُ بِالإفْرادِ، وقَدْ مَرَّ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ [البقرة: ١٧]؛ ولِذَلِكَ قالَ ثَعْلَبٌ: بَدَأ بِالرِّيحِ، والمَعْنى عَلى الحَرْثِ، وهو اخْتِيارُ الزَّمَخْشَرِيِّ. وقِيلَ: وقَعَ التَّشْبِيهُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ وشَيْئَيْنِ، وذَكَرَ أحَدَ المُشَبَّهَيْنِ وتَرَكَ ذِكْرَ الآخَرِ، ثُمَّ ذَكَرَ أحَدَ الشَّيْئَيْنِ المُشَبَّهِ بِهِما ولَيْسَ الَّذِي يُوازِنُ المَذْكُورَ الأوَّلَ، وتَرَكَ ذِكْرَ الآخَرِ، ودَلَّ المَذْكُورانِ عَلى المَتْرُوكَيْنَ. وهَذا اخْتِيارُ ابْنِ عَطِيَّةَ. قالَ: وهَذِهِ غايَةُ البَلاغَةِ والإعْجازِ، ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ [البقرة: ١٧١] . انْتَهى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ مِنَ الأوَّلِ تَقْدِيرُهُ: مَثَلُ مَهْلِكِ ما يُنْفِقُونَ. أوْ مِنَ الثّانِي تَقْدِيرُهُ: كَمَثَلِ مَهْلِكِ رِيحٍ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ مَثَلُ إنْفاقِهِمْ، فَيَكُونُ قَدْ شَبَّهَ المَعْقُولَ بِالمَحْسُوسِ، إذْ شَبَّهَ الإنْفاقَ بِالرِّيحِ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: يُنْفِقُونَ أنَّهُ مِن نَفَقَةِ المالِ. وقالَ السُّدِّيُّ: مَعْناهُ يُنْفِقُونَ مِن أقْوالِهِمُ الَّتِي يُبْطِنُونَ ضِدَّها. ويُضَعِّفُ هَذا أنَّها في الكُفّارِ الَّذِينَ يُعْلِنُونَ، لا في المُنافِقِينَ الَّذِينَ يُبْطِنُونَ. وقِيلَ: مُتَعَلِّقُ الإنْفاقِ هو أعْمالُهم مِنَ الكُفْرِ ونَحْوِهِ، هي كالرِّيحِ الَّتِي فِيها صِرٌّ أبْطَلَتْ أعْمالَهم، كُلَّ ما لَهم مِن صِلَةِ رَحِمٍ وتَحَنُّثٍ بِعِتْقٍ، كَما يُبْطِلُ الرِّيحُ الزَّرْعَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، لَوْلا بُعْدُ الِاسْتِعارَةِ في الإنْفاقِ. انْتَهى. وقالَ الرّاغِبُ: ومِنهم مَن قالَ: ما يُنْفِقُونَ عِبارَةٌ عَنْ أعْمالِهِمْ كُلِّها، لَكِنَّهُ خَصَّ الإنْفاقَ لِكَوْنِهِ أظْهَرَ و أكْثَرَ. انْتَهى. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزٍ والأعْرَجُ: تُنْفِقُونَ بِالتّاءِ عَلى مَعْنى قُلْ لَهم، وأفْرَدَ رِيحًا؛ لِأنَّها مُخْتَصَّةٌ بِالعَذابِ، كَما أُفْرِدَتْ في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤] ”﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا﴾ [الروم: ٥١]“، ”﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ [القمر: ١٩]“ ”﴿الرِّيحَ العَقِيمَ﴾ [الذاريات: ٤١]“ . كَما أنَّ الجَمْعَ مُخْتَصٌّ بِالرَّحْمَةِ ﴿أنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ﴾ [الروم: ٤٦] ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] ﴿يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا﴾ [الأعراف: ٥٧]؛ ولِذَلِكَ رُوِيَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْها رِياحًا ولا تَجْعَلْها رِيحًا» . وارْتِفاعُ (صِرٌّ) عَلى أنَّهُ فاعِلٌ بِالمَجْرُورِ قَبْلَهُ، إذْ قَدِ اعْتَمَدَ بِكَوْنِهِ وقْعَ صِفَةٍ لِلرِّيحِ. فَإنْ كانَ الصِّرُّ البَرْدَ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، أوْ صَوْتَ لَهِيبِ النّارِ أوْ صَوْتَ الرِّيحِ الشَّدِيدَةِ. فَظاهِرُ كَوْنِ ذَلِكَ في الرِّيحِ. وإنْ كانَ الصِّرُّ صِفَةً لِلرِّيحِ كالصَّرْصَرِ، فالمَعْنى فِيها قِرَّةٌ صِرٌّ، كَما تَقُولُ: بَرْدٌ بارِدٌ، وحُذِفَ المَوْصُوفُ، وقامَتِ الصِّفَةُ مَقامَهُ. أوْ تَكُونُ الظَّرْفِيَّةُ مَجازًا جَعَلَ المَوْصُوفَ ظَرْفًا لِلصِّفَةِ. كَما قالَ: وفي الرَّحْمَنِ كافٍ لِلضُّعَفاءِ. وقَوْلُهم: إنْ ضَيَّعَنِي فُلانٌ فَفي اللَّهِ كافٍ. المَعْنى: الرَّحْمَنُ كافٍ، واللَّهُ كافٍ. وهَذا فِيهِ بُعْدٌ. وقَوْلُهُ: ”﴿أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ﴾“ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِرِيحٍ. بَدَأ أوَّلًا بِالوَصْفِ (p-٣٨)بِالمَجْرُورِ، ثُمَّ بِالوَصْفِ بِالجُمْلَةِ. وقَوْلُهُ: ظَلَمُوا أنْفُسَهم جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِقَوْمٍ. وظاهِرُهُ أنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِمَعاصِيهِمْ، فَكانَ الإهْلاكُ أشَدَّ؛ إذْ كانَ عُقُوبَةً لَهم. وقَدْ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّ مَصائِبَ الدُّنْيا إنَّما هي بِمَعاصِي العَبْدِ. ويُسْتَنْبَطُ ذَلِكَ مِن غَيْرِ ما آيَةٍ في القُرْآنِ، فَيَسْتَقِيمُ عَلى ذَلِكَ أنَّ كُلَّ حَرْثٍ تَحْرِقُهُ الرِّيحُ فَإنَّما هو لِمَن قَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ. وقِيلَ: ظَلَمُوا أنْفُسَهم مَعْناهُ زَرَعُوا في غَيْرِ أوانِ الزِّراعَةِ، أيْ وضَعُوا أفْعالَ الفِلاحَةِ غَيْرَ مَوْضِعِها مِن وقْتٍ أوْ هَيْئَةِ عَمَلٍ. وخَصَّ هَؤُلاءِ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّ الحَرْثَ فِيما جَرى هَذا المَجْرى أوْعَبُ وأشَدُّ تَمَكُّنًا، ونَحا إلى هَذا القَوْلِ الَمَهَدَوِيُّ. ﴿وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ جَوَّزُ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلى المُنْفِقِينَ، أيْ: ما ظَلَمَهم بِأنْ لَمْ تُقْبَلْ نَفَقاتُهم، وأنْ يَعُودَ عَلى أصْحابِ الحَرْثِ أيْ: ما ظَلَمَهم بِإهْلاكِ حَرْثِهِمْ، ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِارْتِكابِ المَعاصِي. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الضَّمِيرُ في ”ظَلَمَهم“ لِلْكُفّارِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ضَمِيرَهم في يُنْفِقُونَ، ولَيْسَ هو لِلْقَوْمِ ذَوِي الحَرْثِ؛ لِأنَّهم لَمْ يُذْكَرُوا لِيَرُدَّ عَلَيْهِمْ، ولا لِتَبَيُّنِ ظُلْمِهِمْ. وأيْضًا قَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٥٧] . يَدُلُّ عَلى فِعْلِ الحالِ في حاضِرِينَ. انْتَهى. وهو تَرْجِيحٌ حَسَنٌ. وقُرِئَ شاذًا: ”ولَكِنَّ“، بِالتَّشْدِيدِ، واسْمُها ”أنْفُسُهم“، والخَبَرُ يَظْلِمُونَ. والمَعْنى: يَظْلِمُونَها هم. وحَسَّنَ حَذْفَ هَذا الضَّمِيرِ - وإنْ كانَ الحَذْفُ في مِثْلِهِ قَلِيلًا - كَوْنُ ذَلِكَ فاصِلَةَ رَأْسِ آيَةٍ، فَلَوْ صَرَّحَ بِهِ لَزالَ هَذا المَعْنى. ولا يَجُوزُ أنْ يُعْتَقَدَ أنَّ اسْمَ ”لَكِنَّ“ ضَمِيرُ الشَّأْنِ وحُذِفَ، وأنْفُسَهم مَفْعُولٌ بِـ ”يَظْلِمُونَ“؛ لِأنَّ حَذْفَ هَذا الضَّمِيرِ يَخْتَصُّ بِالشِّعْرِ. ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكم لا يَأْلُونَكم خَبالًا﴾ نَزَلَتْ في رِجالٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ يُواصِلُونَ رِجالًا مِن يَهُودٍ لِلْجِوارِ والحِلْفِ والرَّضاعِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ أيْضًا هو وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ والرَّبِيعُ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ. نَهى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ عَنْهم، شَبَّهَ الصِّدِّيقُ الصِّدْقَ بِما يُباشِرُ بَطْنَ الإنْسانِ مِن ثَوْبِهِ. يُقالُ لَهُ: بِطانَةٌ ووَلِيجَةٌ. وقَوْلُهُ: مِن دُونِكم في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِبِطانَةٍ، وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن دُونِ أبْناءِ جِنْسِكم، وهُمُ المُسْلِمُونَ. وقِيلَ: يَتَعَلَّقُ ”مِن“ بِقَوْلِهِ: ”لا تَتَّخِذُوا“ . وقِيلَ: ”مِن“ زائِدَةٌ، أيْ بِطانَةِ دُونِكم. والمَعْنى: أنَّهم نُهُوا أنْ يَتَّخِذُوا أصْفِياءَ مِن غَيْرِ المُؤْمِنِينَ. ودَلَّ هَذا النَّهْيُ عَلى المَنعِ مِنِ اسْتِكْتابِ أهْلِ الذِّمَّةِ وتَصْرِيفِهِمْ في البَيْعِ والشِّراءِ والِاسْتِنابَةِ إلَيْهِمْ. وقَدْ عَتَبَ عُمَرُ أبا مُوسى عَلى اسْتِكْتابِهِ ذِمِّيًّا، وتَلا عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ. وقَدْ قِيلَ لِعُمَرَ في كاتِبٍ مُجِيدٍ مِن نَصارى الحِيرَةِ: ألا يَكْتُبُ عَنْكَ ؟ فَقالَ: إذَنْ أتَّخِذُ بِطانَةً. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا يَأْلُونَكم خَبالًا﴾ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ؛ إذْ جاءَتْ بَيانًا لِحالِ البِطانَةِ الكافِرَةِ هي والجُمَلُ الَّتِي بَعْدَها؛ لِتَنْفِيرِ المُؤْمِنِينَ عَنِ اتِّخاذِهِمْ بِطانَةً. ومَن ذَهَبَ إلى أنَّها صِفَةٌ لِلْبِطانَةِ أوْ حالٌ مِمّا تَعَلَّقَتْ بِهِ ”مِن“ فَبَعِيدٌ عَنْ فَهْمِ الكَلامِ الفَصِيحِ؛ لِأنَّهم نُهُوا عَنِ اتِّخاذِ بِطانَةٍ كافِرَةٍ، ثُمَّ نَبَّهَ عَلى أشْياءَ مِمّا هم عَلَيْهِ مِنِ ابْتِغاءِ الغَوائِلِ لِلْمُؤْمِنِينَ، ووِدادَةِ مَشَقَّتِهِمْ، وظُهُورِ بُغْضِهِمْ. والتَّقْيِيدُ بِالوَصْفِ أوْ بِالحالِ يُؤْذِنُ بِجَوازِ الِاتِّخاذِ عِنْدَ انْتِفائِهِما، و”ألا“ مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ بِحَرْفِ الجَرِّ، يُقالُ: ما ألَوْتُ في الأمْرِ، أيْ ما قَصَّرْتُ فِيهِ. وقِيلَ: انْتَصَبَ ”خَبالًا“ عَلى التَّمْيِيزِ المَنقُولِ مِنَ المَفْعُولِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر: ١٢] التَّقْدِيرُ: لا يَأْلُونَكم خَبالَكم، أيْ في خَبالِكِمْ. فَكانَ أصْلُ هَذا المَفْعُولِ حَرْفُ الجَرِّ. وقِيلَ: انْتِصابُهُ عَلى إسْقاطِ حَرْفٍ، التَّقْدِيرُ: لا يَأْلُونَكم في تَخْبِيلِكم. وقِيلَ: انْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ. (p-٣٩)قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْناهُ لا يُقَصِّرُونَ لَكم فِيما فِيهِ الفَسادُ عَلَيْكم. فَعَلى هَذا يَكُونُ قَدْ تَعَدّى لِلضَّمِيرِ عَلى إسْقاطِ اللّامِ، ولِلْخَبالِ عَلى إسْقاطِ ”في“ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُقالُ: ألا في الأمْرِ يَأْلُو، إذا قَصَّرَ فِيهِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ مُعَدًّى إلى مَفْعُولَيْنِ في قَوْلِهِمْ: لا آلُوكَ نُصْحًا، ولا آلُوكَ جُهْدًا، عَلى التَّضْمِينِ. والمَعْنى: لا أمْنَعُكَ نُصْحًا ولا أنْقُصُكَهُ. انْتَهى. ﴿ودُّوا ما عَنِتُّمْ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ودُّوا إضْلالَكم. وقالَ الزَّجّاجُ: مَشَقَّتَكم. وقالَ الرّاغِبُ: المُعانَدَةُ والمُعانَتَةُ يَتَقارَبانِ، لَكِنَّ المُعانَدَةَ هي المُمانَعَةُ، والمُعانَتَةُ أنْ تَتَحَرّى مَعَ المُمانَعَةِ المَشَقَّةَ. انْتَهى. ويُقالُ: عَنِتَ - بِكَسْرِ النُّونِ - وأصْلُهُ انْهِياضُ العَظْمِ بَعْدَ جَبْرِهِ. و”ما“ في قَوْلِهِ: ما عَنِتُّمْ مَصْدَرِيَّةٌ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كَما قُلْنا في الَّتِي قَبْلَها. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِبِطانَةٍ، وحالًا مِنَ الضَّمِيرِ في يَأْلُونَكم، و(قَدْ) مَعَهُ مُرادَةٌ. ﴿قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: ”قَدْ“ بَدا ”؛ لِأنَّ الفاعِلَ مُؤَنَّثٌ مَجازًا أوْ عَلى مَعْنى البُغْضِ، أيْ لا يَكْتَفُونَ بِبُغْضِكم بِقُلُوبِهِمْ حَتّى يُصَرِّحُوا بِذَلِكَ بِأفْواهِهِمْ. وذَكَرَ الأفْواهَ دُونَ الألْسِنَةِ؛ إشْعارًا بِأنَّ ما تَلَفَّظُوا بِهِ يَمْلَأُ أفْواهَهم، كَما يُقالُ: كَلِمَةٌ تَمْلَأُ الفَمَ، إذا تَشَدَّقَ بِها. وقِيلَ: المَعْنى لا يَتَمالَكُونَ مَعَ ضَبْطِهِمْ أنْفُسَهم وتَحامُلَهم عَلَيْها أنْ يَنْفَلِتَ مِن ألْسِنَتِهِمْ ما يُعْلَمُ بِهِ بُغْضُهم لِلْمُسْلِمِينَ. انْتَهى. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما انْطَوَوْا عَلَيْهِ مِن وِدادِهِمْ عَنَتِ المُؤْمِنِينَ، وهو إخْبارٌ عَنْ فِعْلٍ قَلْبِيٍّ، ذَكَرَ ما أنْتَجَهُ ذَلِكَ الفِعْلُ القَلْبِيُّ مِنَ الفِعْلِ البَدَنِيِّ، وهو: ظُهُورُ البُغْضِ مِنهم لِلْمُؤْمِنِينَ في أقْوالِهِمْ، فَجَمَعُوا بَيْنَ كَراهَةِ القُلُوبِ وبَذاذَةِ الألْسُنِ. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ ما أبَطَنُوهُ مِنَ الشَّرِّ والإيذاءِ لِلْمُؤْمِنِينَ والبُغْضِ لَهم أعْظَمُ مِمّا ظَهَرَ مِنهم، فَقالَ: ﴿وما تُخْفِي صُدُورُهم أكْبَرُ﴾ أيْ أكْثَرُ مِمّا ظَهَرَ مِنها. والظّاهِرُ أنَّ بُدُوَّ البَغْضاءِ مِنهم هو لِلْمُؤْمِنِينَ، أيْ أظْهَرُوا لِلْمُؤْمِنِينَ البُغْضَ. وقالَقَتادَةُ: قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ لِأوْلِيائِهِمْ مِنَ المُنافِقِينَ والكُفّارِ لِاطِّلاعِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَلى ذَلِكَ. وقِيلَ: بَدَتْ بِإقْرارِهِمْ بَعْدَ الجُحُودِ، وهَذِهِ صِفَةُ المُجاهِرِ. وأسْنَدَ الإخْفاءَ إلى الصُّدُورِ مَجازًا؛ إذْ هي مَحالُّ القُلُوبِ الَّتِي تُخْفى كَما قالَ: ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] . ﴿قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ﴾ أيِ الدّالَّةِ عَلى وُجُوبِ الإخْلاصِ في الدِّينِ، ومُوالاةِ المُؤْمِنِينَ، ومُعاداةِ الكُفّارِ. ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أيْ ما بَيَّنَ لَكم فَعَمِلْتُمْ بِهِ، أوْ إنْ كُنْتُمْ عُقَلاءَ، وقَدْ عَلِمَ تَعالى أنَّهم عُقَلاءُ، لَكِنْ عَلَّقَهُ عَلى هَذا الشَّرْطِ عَلى سَبِيلِ الهَزِّ لِلنُّفُوسِ كَقَوْلِكَ: إنْ كُنْتَ رَجُلًا فافْعَلْ كَذا. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مَعْناهُ إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ عَنِ اللَّهِ أمْرَهُ ونَهْيَهُ. وقِيلَ: إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ فَلا تُصافُوهم، بَلْ عامِلُوهم مُعامَلَةَ الأعْداءِ. وقِيلَ: مَعْنى“ إنْ ”مَعْنى“ إذْ ”، أيْ إذْ كُنْتُمْ عُقَلاءَ. ﴿ها أنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكم وتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ﴾ [آل عمران: ١١٩] تَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ عَلى نَظِيرِها“ أنْتُمْ أُولاءِ ”في قَوْلِهِ: ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ حاجَجْتُمْ﴾ [آل عمران: ٦٦] قِراءَةً وإعْرابًا. وتَلْخِيصُهُ هُنا أنْ يَكُونَ أُولاءِ خَبَرًا عَنْ أنْتُمْ، وتُحِبُّونَهم مُسْتَأْنَفٌ أوْ حالٌ أوْ صِلَةٌ، عَلى أنْ يَكُونَ“ أُولاءِ ”مَوْصُولًا أوْ خَبَرًا لِـ“ أنْتَمِ ”و“ أُولاءِ ”مُنادى، أوْ يَكُونَ“ أُولاءِ ”مُبْتَدَأً ثانِيًا، و“ تُحِبُّونَهم ”خَبَرًا عَنْهُ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ عَنِ الأوَّلِ. أوْ يَكُونَ“ أُولاءِ ”في مَوْضِعِ نَصْبٍ نَحْوَ: أنا زَيْدًا ضَرَبْتُهُ، فَيَكُونُ مِنَ الِاشْتِغالِ. واسْمُ الإشارَةِ في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ واقِعٌ عَلى غَيْرِ ما وقَعَ عَلَيْهِ أنْتُمْ؛ لِأنَّ أنْتُمْ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، و“ أُولاءِ " إشارَةٌ إلى الكافِرِينَ. وفي الأوْجُهِ السّابِقَةِ مَدْلُولُهُ ومَدْلُولُ أنْتُمْ واحِدٌ. (p-٤٠)وهُوَ: المُؤْمِنُونَ. وعَلى تَقْدِيرِ الِاسْتِئْنافِ في تُحِبُّونَهم، لا يَنْعَقِدُ مِمّا قَبْلَهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ إلّا بِإضْمارِ وصْفٍ تَقْدِيرُهُ: أنْتُمْ أُولاءِ الخاطِئُونَ في مُوالاةِ غَيْرِ المُؤْمِنِينَ، إذْ تُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكم. بَيانٌ لِخَطَئِهِمْ في مُوالاتِهِمْ، حَيْثُ يَبْذُلُونَ المَحَبَّةَ لِمَن يَبْغَضُهم، وضَمِيرُ المَفْعُولِ في تُحِبُّونَهم قالُوا: لِمُنافِقِي اليَهُودِ. وفي الزَّمَخْشَرِيِّ: لِمُنافِقِي أهْلِ الكِتابِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ عائِدٌ عَلى بِطانَةٍ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ، فَهو كُلُّ مُنافِقٍ حَتّى مُنافِقِ المُشْرِكِينَ. والمَحَبَّةُ هُنا: المَيْلُ بِالطَّبْعِ لِمَوْضِعِ القَرابَةِ والرَّضاعِ والحِلْفِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. أوْ لِأجْلِ إظْهارِ الإيمانِ والإحْسانِ إلى المُؤْمِنِينَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. أوِ الرَّحْمَةُ لَهم لِما يَقَعُ مِنهم مِنَ المَعاصِي، قالَهُ قَتادَةُ. أوْ إرادَةُ الإسْلامِ لَهم، قالَهُ المُفَضَّلُ والزَّجّاجِ. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّهُ لا يَقَعُ تَوْبِيخٌ عَلى مَعْنى إرادَةِ إسْلامِ الكافِرِ أوِ المُصافاةِ؛ لِأنَّها مِن ثَمَرَةِ المَحَبَّةِ.

آل عمران 3:119

﴿وتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ﴾ الكِتابُ: اسْمُ جِنْسٍ، أيْ بِالكُتُبِ المُنَزَّلَةِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والتَّوْراةُ والإنْجِيلُ أوِ التَّوْراةُ أقْوالٌ ثَلاثَةٌ، وثَمَّ جُمْلَةٌ مَحْذُوفَةٌ تَقْدِيرُها: ولا تُؤْمِنُونَ بِهِ كُلِّهِ، بَلْ يَقُولُونَ: نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ. يَدُلُّ عَلَيْها إثْباتُ المُقابِلِ في تُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكم. والواوُ في ”وتُؤْمِنُونَ“ لِلْعَطْفِ عَلى ”﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾“، فَلَها مِنَ الإعْرابِ ما لَها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والواوُ في ”وتُؤْمِنُونَ“ لِلْحالِ، وانْتِصابُها مِن لا يُحِبُّونَكم أيْ لا يُحِبُّونَكم، والحالُ: إنَّكم تُؤْمِنُونَ بِكِتابِهِمْ كُلِّهِ، وهم مَعَ ذَلِكَ يَبْغَضُونَكم، فَما بالُكم تُحِبُّونَهم وهم لا يُؤْمِنُونَ بِشَيْءٍ مِن كِتابِكم ؟ وفِيهِ تَوْبِيخٌ شَدِيدٌ بِأنَّهم في باطِلِهِمْ أصْلَبُ مِنكم في حَقِّكم ونَحْوِهُ. ”﴿فَإنَّهم يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ﴾ [النساء: ١٠٤]“ . انْتَهى كَلامُهُ وهو حَسَنٌ. إلّا أنَّهُ فِيهِ مِنَ الصِّناعَةِ النَّحْوِيَّةِ ما يَخْدِشُهُ، وهو أنَّهُ جَعَلَ الواوَ في ”وتُؤْمِنُونَ“ لِلْحالِ، وأنَّها مُنْتَصِبَةٌ مِن (p-٤١)لا يُحِبُّونَكم. والمُضارِعُ المُثْبَتُ إذا وقَعَ حالًا لا تَدْخُلُ عَلَيْهِ واوُ الحالِ، تَقُولُ: جاءَ زَيْدٌ يَضْحَكُ، ولا يَجُوزُ: ويَضْحَكُ. فَأمّا قَوْلُهم: قُمْتُ وأصُكُّ عَيْنَهُ، فَفي غايَةِ الشُّذُوذِ. وقَدْ أُوِّلَ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ، أيْ قُمْتُ وأنا أصُكُّ عَيْنَهُ، فَتَصِيرُ الجُمْلَةُ اسْمِيَّةً. ويُحْتَمَلُ هَذا التَّأْوِيلُ هُنا، أيْ: ولا يُحِبُّونَكم وأنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ، لَكِنَّ الأوْلى ما ذَكَرْناهُ مِن كَوْنِها لِلْعَطْفِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ يَقْتَضِي أنَّ الآيَةَ في مُنافِقِي اليَهُودِ، لا مُنافِقِي العَرَبِ. ويَعْتَرِضُها: أنَّ مُنافِقِي اليَهُودِ لَمْ يُحْفَظْ عَنْهم أنَّهم كانُوا يُؤْمِنُونَ في الظّاهِرِ إيمانًا مُطْلَقًا ويَكْفُرُونَ في الباطِنِ، كَما كانَ المُنافِقُونَ مِنَ العَرَبِ، إلّا ما رُوِيَ مِن أمْرِ زَيْدِ بْنِ الصَّيْفِ القَيْنُقاعِيِّ. فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنَّ قَوْلَهم: آمَنّا، مَعْناهُ صَدَّقْنا أنَّهُ نَبِيٌّ مَبْعُوثٌ إلَيْكم. أيْ فَكُونُوا عَلى دِينِكم ونَحْنُ أوْلِياؤُكم وإخْوانِكم لا نُضْمِرُ لَكم إلّا المَوَدَّةَ؛ ولِهَذا كانَ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ يَتَّخِذُهم بِطانَةً. وهَذا مَنزَعٌ قَدْ حَفِظَ أنْ كَثِيرًا مِنَ اليَهُودِ كانَ يَذْهَبُ إلَيْهِ. ويَدُلُّ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ أنَّ المُعادِلَ لِقَوْلِهِمْ: آمِنّا عَضُّ الأنامِلِ مِنَ الغَيْظِ، ولَيْسَ فِيهِ ما يَقْتَضِي الِارْتِدادَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤] بَلْ هو ما يَقْتَضِي البُغْضَ وعَدَمَ المَوَدَّةِ. وكانَ أبُو الجَوْزاءِ إذا تَلا هَذِهِ الآيَةَ قالَ: هُمُ الأباضِيَّةُ. وهَذِهِ الصِّفَةُ قَدْ تَتَرَتَّبُ في أهْلِ البِدَعِ مِنَ النّاسِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. انْتَهى كَلامُهُ. وما ذَكَرَ مِن أنَّ مُنافِقِي اليَهُودِ لَمْ يُحْفَظْ عَنْهم أنَّهم كانُوا يُؤْمِنُونَ في الظّاهِرِ إيمانًا مُطْلَقًا ويَكْفُرُونَ في الباطِنِ إلّا ما رُوِيَ مِن أمْرِ زَيْدٍ فِيهِ نَظَرٌ، فَإنَّهُ قَدْ رُوِيَ أنَّ جَماعَةً مِنهم كانُوا يَعْتَمِدُونَ ذَلِكَ، ذَكَرَهُ البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ. ولَوْ لَمْ يَرْوِ ذَلِكَ إلّا عَنْ زَيْدٍ القَيْنُقاعِيِّ لَكانَ في ذَلِكَ مَذَمَّةٌ لَهم بِذَلِكَ؛ إذْ وُجِدَ ذَلِكَ في جِنْسِهِمْ. وكَثِيرًا ما تَمْدَحُ العَرَبُ أوْ تَذُمُّ بِفِعْلِ الواحِدِ مِنَ القَبِيلَةِ، ويُؤَيِّدُ صُدُورَ ذَلِكَ مِنَ اليَهُودِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ [آل عمران: ٧٢] . ﴿وإذا لَقُوكم قالُوا آمَنّا﴾ هَذا الإخْبارُ جَرى عَلى مُنازَعَتِهِمْ في التَّوْراةِ والسِّتْرِ والخُبْثِ، إذْ لَمْ يَذْكُرُوا مُتَعَلِّقَ الإيمانِ، ولَكِنَّهم يُوهِمُونَ المُؤْمِنِينَ بِهَذا اللَّفْظِ أنَّهم مُؤْمِنُونَ. ﴿وإذا خَلَوْا﴾ أيْ خَلا بَعْضُهم بِبَعْضٍ وانْفَرَدُوا دُونَكم. والمَعْنى: خَلَتْ مَجالِسُهم مِنكم، فَأسْنَدَ الخُلُوَّ إلَيْهِمْ عَلى سَبِيلِ المَجازِ. ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾ وظاهِرُهُ فِعْلُ ذَلِكَ، وأنَّهُ يَقَعُ مِنهم عَضُّ الأنامِلِ لِشِدَّةِ الغَيْظِ مَعَ عَدَمِ القُدْرَةِ عَلى إنْفاذِ ما يُرِيدُونَ. ومِنهُ قَوْلُ أبِي طالِبٍ: ؎وقَدْ صالَحُوا قَوْمًا عَلَيْنا أشِحَّةً يَعَضُّونَ عَضًّا خَلْفَنا بِالأباهِمِ وقالَ الآخَرُ: ؎إذا رَأوْنِي أطالَ اللَّهُ غَيْظَهُمُ ∗∗∗ عَضُّوا مِنَ الغَيْظِ أطْرافَ الأباهِيمِ وقالَ الآخَرُ: ؎وقَدْ شَهِدَتْ قَيْسٌ فَما كانَ نَصْرُها ∗∗∗ قُتَيْبَةَ إلّا عَضَّها بِالأباهِمِ وقالَ الحَرْثُ بْنُ ظالِمٍ المُرِّيُّ: ؎وأقْبَلَ أقْوامًا لِئامًا أذِلَّةً ∗∗∗ يَعَضُّونَ مِن غَيْظٍ رُءُوسَ الأباهِمِ ويُوصَفُ المُغْتاظُ والنّادِمُ بِعَضِّ الأنامِلِ والبَنانِ والإبْهامِ. وهَذا العَضُّ هو بِالأسْنانِ، وهي هَيْئَةٌ في بَدَنِ الإنْسانِ تَتْبَعُ هَيْئَةَ النَّفْسِ الغاضِبَةِ. كَما أنَّ ضَرْبَ اليَدِ عَلى اليَدِ يَتْبَعُ هَيْئَةَ النَّفْسِ المُتَلَهِّفَةِ عَلى فائِتٍ قَرِيبِ الفَوْتِ. وكَما أنَّ قَرْعَ السِّنِّ هَيْئَةٌ تَتْبَعُ هَيْئَةَ النَّفْسِ النّادِمَةِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن عَدِّ الحَصى والخَطِّ في الأرْضِ لِلْمَهْمُومِ ونَحْوِهِ. ويُحْتَمَلُ أنْ لا يَكُونَ ثَمَّ عَضُّ أنامِلٍ، ويَكُونُ ذَلِكَ مِن مَجازِ التَّمْثِيلِ، عُبِّرَ بِذَلِكَ عَنْ شِدَّةِ الغَيْظِ والتَّأسُّفِ عَلى ما يَفُوتُهم مِن إذايَتِكم. ونَبَّهَ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ مَن كانَ (p-٤٢)بِهَذِهِ الأوْصافِ مِن بُغْضِ المُؤْمِنِينَ، والكُفْرِ بِالقُرْآنِ، والرِّياءِ بِإظْهارِ ما لا يَنْطَوِي عَلَيْهِ باطِنُهُ - جَدِيرٌ بِأنْ لا يُتَّخَذَ صَدِيقًا. ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ ظاهِرُهُ أنَّهُ أُمِرَ بِأنْ يَقُولَ لَهم ذَلِكَ. وهي صِيغَةُ أمْرٍ، ومَعْناها الدُّعاءُ، أذِنَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ أنْ يَدْعُوَ عَلَيْهِمْ لَمّا يَئِسَ مِن إيمانِهِمْ، هَذا قَوْلُ الطَّبَرِيِّ. وكَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ قالُوا: فَلَهُ أنْ يَدْعُوَ مُواجَهَةً. وقِيلَ: أُمِرَ هو وأُمَّتُهُ أنْ يُواجِهُوهم بِهَذا. فَعَلى هَذا زالَ مَعْنى الدُّعاءِ، وبَقِيَ مَعْنى التَّقْرِيعِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقِيلَ: صُورَتُهُ أمْرٌ، ومَعْناهُ الخَبَرُ، والباءُ لِلْحالِ، أيْ تَمُوتُونَ ومَعَكُمُ الغَيْظُ وهو عَلى جِهَةِ الذَّمِّ عَلى قَبِيحِ ما عَمِلُوهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: دَعا عَلَيْهِمْ بِأنْ يَزْدادَ غَيْظُهم حَتّى يُهْلَكُوا بِهِ. والمُرادُ بِزِيادَةِ الغَيْظِ ما يَغِيظُهم مِن قُوَّةِ الإسْلامِ وعِزَّةِ أهْلِهِ، وما لَهم في ذَلِكَ مِنَ الذُّلِّ والخِزْيِ والتَّبارِ. انْتَهى كَلامُهُ. ولَيْسَ ما فَسَّرَ بِهِ ظاهِرَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾، ويَكُونُ ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ يُشْبِهُ قَوْلَهم: مِتْ بِدائِكَ، أيْ أبْقى اللَّهُ داءَكَ حَتّى تَمُوتَ بِهِ. لَكِنْ في لَفْظِ الزَّمَخْشَرِيِّ زِيادَةُ الغَيْظِ، ولا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ القُرْآنِ. قالَ بَعْضُ شُيُوخِنا: هَذا لَيْسَ بِأمْرٍ جازِمٍ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ أمْرًا لَماتُوا مِن فَوْرِهِمْ كَما جاءَ: ”﴿فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ [البقرة: ٢٤٣]“ . ولَيْسَ بِدُعاءٍ؛ لِأنَّهُ لَوْ أمَرَهُ بِالدُّعاءِ لَماتُوا جَمِيعَهم عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ؛ فَإنَّ دَعْوَتَهُ لا تُرَدُّ. وقَدْ آمَنَ مِنهم بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ كَثِيرٌ، ولَيْسَ بِخَبَرٍ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ خَبَرُ الوَقْعِ عَلى حُكْمٍ ما أخْبَرَ بِهِ، يَعْنِي ولَمْ يُؤْمِن أحَدٌ بَعْدُ، وإنَّما هو أمْرٌ مَعْناهُ التَّوْبِيخُ والتَّقْرِيعُ، كَقَوْلِهِ: ”﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]“، ”إذا لَمْ تَسْتَحِ فاصْنَعْ ما شِئْتَ“ . قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ لا يَكُونَ ثَمَّ قَوْلٌ، وأنْ يَكُونَ أمْرًا بِطِيبِ النَّفْسِ، وقُوَّةِ الرَّجاءِ، والِاسْتِبْشارِ بِوَعْدِ اللَّهِ أنْ يُهْلَكُوا غَيْظًا بِإعْزازِ الإسْلامِ وإذْلالِهِمْ بِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: حَدِّثْ نَفْسَكَ بِذَلِكَ. ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ قِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن جُمْلَةِ المَقُولِ، والمَعْنى: أخْبِرْهم بِما يُسِرُّونَهُ مِن عَضِّهِمُ الأنامِلَ غَيْظًا إذا خَلَوْا وقُلْ لَهم: إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما هو أخْفى مِمّا تُسِرُّونَهُ بَيْنَكم وهو مُضْمَراتُ الصُّدُورِ، فَلا تَظُنُّوا أنَّ شَيْئًا مِن أسْرارِكم يَخْفى عَلَيْهِ. ويَجُوزُ أنْ لا تَدْخُلَ تَحْتَ القَوْلِ، ومَعْناهُ: قُلْ لَهم ذَلِكَ، ولا تَتَعَجَّبْ مِنِ اطْلاعِي إيّاكَ عَلى ما يُسِرُّونَ، فَإنِّي أعْلَمُ ما هو أخْفى مِن ذَلِكَ وهو مُضْمَراتُ صُدُورِهِمْ، لَمْ يُظْهِرُوهُ بِألْسِنَتِهِمْ. والظّاهِرُ الأوَّلُ، أوْرَدَ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ وعِيدٌ مُواجَهُونَ بِهِ. والذّاتُ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ، ومَعْناهُ هُنا أنَّهُ تَأْنِيثُ ”ذِي“ بِمَعْنى صاحِبٍ. فَأصْلُهُ هُنا: عَلِيمٌ بِالمُضْمَراتِ ذَواتِ الصُّدُورِ، ثُمَّ حَذَفَ المَوْصُوفَ، وغَلَبَتْ إقامَةُ الصِّفَةِ مَقامَهُ. ومَعْنى صاحِبَةِ الصُّدُورِ: المُلازِمَةُ لَهُ الَّتِي لا تَنْفَكُّ عَنْهُ، كَما تَقُولُ: فُلانٌ صاحِبُ فُلانٍ، ومِنهُ: أصْحابُ الجَنَّةِ، أصْحابُ النّارِ. واخْتَلَفُوا في الوَقْفِ عَلى ”ذاتٍ“ . فَقالَ الأخْفَشُ والفَرّاءُ وابْنُ كَيْسانَ: بِالتّاءِ؛ مُراعاةً لِرَسْمِ المُصْحَفِ. وقالَ الكِسائِيُّ والجِرْمِيُّ: بِالهاءِ؛ لِأنَّها تاءُ تَأْنِيثٍ.

آل عمران 3:120

﴿إنْ تَمْسَسْكم حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكم سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها﴾ الحَسَنَةُ هُنا ما يَسُرُّ مِن رَخاءٍ وخَصْبٍ ونُصْرَةٍ وغَنِيمَةٍ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ المَنافِعِ. والسَّيِّئَةُ ضِدُّ ذَلِكَ. بَيَّنَ تَعالى بِذَلِكَ فَرْطَ عَداوَتِهِمْ حَيْثُ يَسُوؤُهم ما نالَ المُؤْمِنِينَ مِنَ الخَيْرِ، ويَفْرَحُونَ بِما يُصِيبُهم مِنَ الشِّدَّةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَسُّ مُسْتَعارٌ لِمَعْنى الإصابَةِ، فَكانَ المَعْنى واحِدًا. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ﴾ [التوبة: ٥٠] الآيَةَ ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩] ﴿إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ٢٠] وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى المَسَّ في الحَسَنَةِ لِيُبَيِّنَ أنَّ بِأدْنى طُرُوءِ الحَسَنَةِ تَقَعُ المَساءَةُ بِنُفُوسِ هَؤُلاءِ المُبْغِضِينَ، ثُمَّ عادَلَ ذَلِكَ في السَّيِّئَةِ بِلَفْظِ الإصابَةِ، وهي عِبارَةٌ عَنِ التَّمَكُّنِ؛ لِأنَّ الشَّيْءَ المُصِيبَ لِشَيْءٍ هو مُتَمَكِّنٌ مِنهُ، أوْ فِيهِ. فَدَلَّ هَذا النَّوْعُ البَلِيغُ عَلى شِدَّةِ العَداوَةِ، إذْ هو حِقْدٌ لا يَذْهَبُ عِنْدَ نُزُولِ الشَّدائِدِ، بَلْ يَفْرَحُونَ بِنُزُولِ الشَّدائِدِ بِالمُؤْمِنِينَ. انْتَهى كَلامُهُ. والنَّكِرَةُ هُنا في سِياقِ الشَّرْطِ بِأنْ تَعُمَّ عُمُومَ البَدَلِ، ولَمْ يَأْتِ مُعَرَّفًا لِإيهامِ التَّعْيِينِ بِالعَهْدِ، ولِإيهامِ العُمُومِ الشُّمُولِيِّ. وقابَلَ الحَسَنَةَ بِالسَّيِّئَةِ، والمُساءَةَ بِالفَرَحِ (p-٤٣)وهِيَ مُقابَلَةٌ بَدِيعَةٌ. قالَ قَتادَةُ والرَّبِيعُ وابْنُ جُرَيْجٍ: الحَسَنَةُ بِظُهُورِكم عَلى العَدُوِّ، والغَنِيمَةِ مِنهم، والتَّتابُعِ بِالدُّخُولِ في دِينِكم، وخَصْبِ مَعاشِكم. والسَّيِّئَةُ بِإخْفاقِ سَرِيَّةٍ مِنكم، أوْ إصابَةِ عَدُوٍّ مِنكم، أوِ اخْتِلافٍ بَيْنَكم. وقالَ الحَسَنُ: الحَسَنَةُ: الأُلْفَةُ واجْتِماعُ الكَلِمَةِ. والسَّيِّئَةُ إصابَةُ العَدُوِّ، واخْتِلافُ الكَلِمَةِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الحَسَنَةُ النِّعْمَةُ. والسَّيِّئَةُ المُصِيبَةُ. وهَذِهِ الأقْوالُ هي عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ، ولَيْسَتْ عَلى سَبِيلِ التَّعْيِينِ. ﴿وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وإنْ تَصْبِرُوا عَلى أذاهم، وتَتَّقُوا اللَّهَ، ولا تَقْنَطُوا، ولا تَسْأمُوا أذاهم وتَكَرَّرَ. وقالَ مُقاتِلٌ: وإنْ تَصْبِرُوا عَلى أمْرِ اللَّهِ، وتَتَّقُوا مُباطَنَتَهم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: وإنْ تَصْبِرُوا عَلى الإيمانِ وتَتَّقُوا الشِّرْكَ. وقِيلَ: وإنْ تَصْبِرُوا عَلى الطّاعَةِ وتَتَّقُوا المَعاصِيَ. وقِيلَ: وإنْ تَصْبِرُوا عَلى حَرْبِهِمْ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ هُنا مُتَعَلِّقَ الصَّبْرِ، ولا مُتَعَلِّقَ التَّقْوى. لَكِنَّ الصَّبْرَ هو حَبْسُ النَّفْسِ عَلى المَكْرُوهِ، والتَّقْوى اتِّخاذُ الوِقايَةِ مِن عَذابِ اللَّهِ. فَيَحْسُنُ أنْ يُقَدَّرَ المَحْذُوفُ مِن جِنْسِ ما دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظُ الصَّبْرِ ولَفْظُ التَّقْوى. وفي هَذا تَبْشِيرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وتَثْبِيتٌ لِنُفُوسِهِمْ، وإرْشادٌ إلى الِاسْتِعانَةِ عَلى كَيْدِ العَدُوِّ بِالصَّبْرِ والتَّقْوى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: إنْ تَمْسَسْكم بِالتّاءِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ بِالياءِ مُعْجَمَةٌ مِن أسْفَلَ؛ لِأنَّ تَأْنِيثَ الحَسَنَةِ مَجازِيٌّ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ في رِوايَةٍ عَنْهُ: لا يَضُرُّكم مِن ضارَ يَضِيرُ. ويُقالُ: ضارَ يَضُورُ، وكِلاهُما بِمَعْنى ضَرَّ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ وابْنُ عامِرٍ: لا يَضُرُّكم - بِضَمِّ الضّادِ والرّاءِ المُشَدَّدَةِ، مِن ضَرَّ يَضُرُّ. واخْتُلِفَ، أحَرَكَةُ الرّاءِ إعْرابٌ فَهو مَرْفُوعٌ، أمْ حَرَكَةُ إتْباعٍ لِضَمَّةِ الضّادِ وهو مَجْزُومٌ كَقَوْلِكَ: مَدَّ ؟ ونُسِبَ هَذا إلى سِيبَوَيْهِ، فَخَرَجَ الإعْرابُ عَلى التَّقْدِيمِ. والتَّقْدِيرُ: لا يَضُرُّكم أنْ تَصْبِرُوا، ونُسِبَ هَذا القَوْلُ إلى سِيبَوَيْهِ. وخَرَجَ أيْضًا عَلى أنَّ ”لا“ بِمَعْنى لَيْسَ، مَعَ إضْمارِ الفاءِ. والتَّقْدِيرُ: فَلَيْسَ يَضُرُّكم، وقالَهُ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ. وقَرَأ عاصِمٌ فِيما رَوى أبُو زَيْدٍ عَنِ المُفَضَّلِ عَنْهُ بِضَمِّ الضّادِ وفَتْحِ الرّاءِ المُشَدَّدَةِ. وهي أحْسَنُ مِن قِراءَةِ ضَمِّ الرّاءِ نَحْوَ لَمْ يَرُدَّ زَيْدٌ، والفَتْحُ هو الكَثِيرُ المُسْتَعْمَلُ. وقَرَأ الضَّحّاكُ بِضَمِّ الضّادِ وكَسْرِ الرّاءِ المُشَدَّدَةِ عَلى أصْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَأمّا الكَسْرُ فَلا أعْرِفُهُ قِراءَةً، وعِبارَةُ الزَّجّاجِ في ذَلِكَ مُتَجَوَّزٌ فِيها؛ إذْ يَظْهَرُ مِن دَرَجِ كَلامِهِ أنَّها قِراءَةٌ. انْتَهى. وهي قِراءَةٌ كَما ذَكَرْنا عَنِ الضَّحّاكِ. وقَرَأ أُبَيٌّ: ”لا يَضْرُرْكم“ - بِفَكِّ الإدْغامِ، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، وعَلَيْها في الآيَةِ: إنْ تَمْسَسْكم. ولُغَةُ سائِرِ العَرَبِ الإدْغامُ في هَذا كُلِّهِ. ﴿إنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ مَن قَرَأ بِالياءِ فَهو وعِيدٌ، والمَعْنى: مُحِيطٌ جَزاؤُهُ. وعَبَّرَ بِالإحاطَةِ عَنْ الِاطِّلاعِ التّامِّ والقُدْرَةِ والسُّلْطانِ. ومَن قَرَأ بِالتّاءِ - وهو الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ - فَعَلى الِالتِفاتِ لِلْكُفّارِ، أوْ عَلى إضْمارِ قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ. أوْ عَلى أنَّهُ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ تَضَمَّنَ تَوَعُّدَهم في اتِّخاذِ بِطانَةٍ مِنَ الكُفّارِ. قالُوا: وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ ضُرُوبًا مِنَ البَلاغَةِ والفَصاحَةِ. مِنها: الوَصْلُ والقَطْعُ في ”﴿لَيْسُوا سَواءً مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ [آل عمران: ١١٣]“ . والتَّكْرارُ في ”﴿أصْحابُ النّارِ هُمْ﴾ [آل عمران: ١١٦]“ . والعُدُولُ عَنِ اسْمِ الفاعِلِ إلى غَيْرِهِ في: ”يَتْلُونَ“ وما بَعْدَهُ، وفي ”يَظْلِمُونَ“ . والِاكْتِفاءُ بِذِكْرِ بَعْضِ الشَّيْءِ عَنْ كُلِّهِ إذا كانَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى الباقِي في: ”﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [آل عمران: ١١٤]“ . والمُقابَلَةُ في: ”تَأْمُرُونَ“ و”تُنْهَوْنَ“، وفي المَعْرُوفِ والمُنْكَرِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ طِباقًا مَعْنَوِيًّا، وفي ”حَسَنَةٌ“ و”سَيِّئَةٌ“، وفي ”تَسُؤْهم“ و”يَفْرَحُوا“ . والِاخْتِصاصُ في ”﴿عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١١٩]“ . والتَّشْبِيهُ في: ”﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٧]“، وفي ”﴿بِطانَةً﴾ [آل عمران: ١١٨]“، وفي ”﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩]“ عَلى أحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ، وفي ”﴿تَمْسَسْكم حَسَنَةٌ﴾“ و”﴿تُصِبْكم سَيِّئَةٌ﴾“ . شَبَّهَ حُصُولَهُما بِالمَسِّ والإصابَةِ، وهو مِن بابِ تَشْبِيهِ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ، والصَّحِيحُ أنَّ هَذِهِ اسْتِعارَةٌ. وفي مُحِيطٍ شَبَّهَ القُدْرَةَ عَلى الأشْياءِ والعِلْمَ بِها بِالشَّيْءِ المُحْدِقِ بِالشَّيْءِ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ، وهو مِن (p-٤٤)تَشْبِيهِ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ. والتَّجْنِيسُ المُماثِلُ في ”ظَلَمَهم“ و”يَظْلِمُونَ“، وفي ”﴿تُحِبُّونَهم ولا﴾ [آل عمران: ١١٩]“ ﴿يُحِبُّونَكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٩] ”، وفي“ تُؤْمِنُونَ ”و“ آمَنّا ”، وفي“ ﴿مِنَ الغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩] ”و“ ﴿بِغَيْظِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٩] ”. والِالتِفاتُ: في و“ ما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَلَنْ تُكْفَرُوهُ ”عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالتّاءِ، وفي“ ﴿بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [هود: ٩٢] ”عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ. وتَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاسْمِ مَحَلِّهِ في“ ﴿مِن أفْواهِهِمْ﴾ [آل عمران: ١١٨] " عَبَّرَ بِها عَنِ الألْسِنَةِ؛ لِأنَّها مَحَلُّها. والحَذْفُ في مَواضِعَ.

آل عمران 3:121

﴿وإذْ غَدَوْتَ مِن أهْلِكَ تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنكم أنْ تَفْشَلا واللَّهُ ولِيُّهُما وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٢] ﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وأنْتُمْ أذِلَّةٌ فاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٣] ﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٤] ﴿بَلى إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا ويَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ هَذا يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٥] ﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلّا بُشْرى لَكم ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ١٢٦] ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أوْ يَكْبِتَهم فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٧] . غَدا الرَّجُلُ: خَرَجَ غُدْوَةً. والغُدُوُّ يَكُونُ في أوَّلِ النَّهارِ. وفي اسْتِعْمالِ غَدا بِمَعْنى صارَ فَيَكُونُ فِعْلًا ناقِصًا - خِلافٌ. الهَمُّ: دُونَ العَزْمِ، والفِعْلُ مِنهُ هَمَّ يَهُمُّ. وتَقُولُ العَرَبُ: هَمَمْتُ وهَمْتُ، يَحْذِفُونَ أحَدَ المُضَعَّفَيْنِ كَما قالُوا: أمَسْتُ، وظَلْتُ، وأحَسْتُ، في مَسَسْتُ وظَلَلْتُ وأحْسَسْتُ. وأوَّلُ ما يَمُرُّ الأمْرُ بِالقَلْبِ يُسَمّى خاطِرًا، فَإذا تَرَدَّدَ صارَ حَدِيثَ نَفْسٍ، فَإذا تَرَجَّحُ فِعْلُهُ صارَ هَمًّا، فَإذا قَوِيَ واشْتَدَّ صارَ عَزْمًا، فَإذا قَوِيَ العَزْمُ واشْتَدَّ حَصَلَ الفِعْلُ أوِ القَوْلُ. الفَشَلُ في البَدَنِ: الإعْياءُ. وفي الحَرْبِ: الجُبْنُ والخَوَرُ، وفي الرَّأْيِ: العَجْزُ والفَسادُ. وفِعْلُهُ: فَشِلَ، بِكَسْرِ الشِّينِ. التَّوَكُّلُ: تَفَعُّلٌ مِن وكَّلَ أمْرَهُ إلى فُلانٍ، إذا فَوَّضَهُ لَهُ. قالَ ابْنُ فارِسٍ: هو إظْهارُ العَجْزِ والِاعْتِمادِ عَلى غَيْرِكِ، يُقالُ: فُلانٌ وكَلَةٌ تُكَلَةٌ، أيْ عاجِزٌ بِكُلِّ أمْرِهِ إلى غَيْرِهِ. وقِيلَ: هو مِنَ الوِكالَةِ، وهو تَفْوِيضُ الأمْرِ إلى غَيْرِهِ ثِقَةً بِحُسْنِ تَدْبِيرِهِ. بَدْرٌ في الآيَةِ: اسْمُ عَلَمٍ لِما بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ. سُمِّيَ بِذَلِكَ لِصَفائِهِ، أوْ لِرُؤْيَةِ البَدْرِ فِيهِ لِصَفائِهِ، أوْ لِاسْتِدارَتِهِ. قِيلَ: وسُمِّيَ بِاسْمِ صاحِبِهِ بَدْرِ بْنِ كَلَدَةَ. قِيلَ: بَلْ بَدْرُ بْنُ بَجِيلِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنانَةَ. وقِيلَ: هو بِئْرٌ لِغِفارٍ. وقِيلَ: هو اسْمُ وادِي الصَّفْراءِ. وقِيلَ: اسْمُ قَرْيَةٍ بَيْنَ المَدِينَةِ والجارِ. الفَوْرُ: العَجَلَةُ والإسْراعُ. تَقُولُ: اصْنَعْ هَذا عَلى الفَوْرِ. وأصْلُهُ مِن فارَتِ القِدْرُ: اشْتَدَّ غَلَيانُها وبادَرَ ما فِيها إلى الخُرُوجِ. ويُقالُ: فارَ غَضَبُهُ، إذا جاشَ وتَحَرَّكَ. وتَقُولُ: خَرَجَ مِن فَوْرِهِ، أيْ مِن ساعَتِهِ، لَمْ يَلْبَثْ، اسْتُعِيرَ الفَوْرُ لِلسُّرْعَةِ، ثُمَّ سُمِّيَتْ بِهِ الحالَةُ الَّتِي لا رَيْبَ فِيها ولا تَعْرِيجَ عَلى شَيْءٍ مِن صاحِبِها. الخَمْسَةُ: رُتْبَةٌ مِنَ العَدَدِ مَعْرُوفَةٌ، ويُصَرَّفُ مِنها فَعَّلَ، يُقالُ: خَمَّسْتُ الأرْبَعَةَ أيْ صَيَّرْتُهم في خَمْسَةٍ. الطَّرْفُ: جانِبُ الشَّيْءِ الأخِيرِ، ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ لِلْقِطْعَةِ مِنَ الشَّيْءِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ جانِبًا أخِيرًا. الكَبْتُ: الهَزِيمَةُ. وقِيلَ: الصَّرْعُ عَلى الوَجْهِ أوْ إلى اليَدَيْنِ. وقالَ النَّقاشُ وغَيْرُهُ: التّاءُ بَدَلٌ مِنَ الدّالِ. أصْلُهُ: كَبَّدَهُ، أيْ فَعَلَ فِعْلًا يُؤْذِي كَبِدَهُ. الخَيْبَةُ: عَدَمُ الظَّفَرِ بِالمَطْلُوبِ. ﴿وإذْ غَدَوْتَ مِن أهْلِكَ تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ﴾ قالَ المِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ: قُلْتُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: أيْ خالِ، أخْبِرْنِي عَنْ قِصَّتِكم يَوْمَ أُحُدٍ، فَقالَ: اقْرَأِ العِشْرِينَ ومِائَةً مِن آلِ عِمْرانَ تَجِدُ: ﴿وإذْ غَدَوْتَ مِن أهْلِكَ﴾ إلى ﴿ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤] ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا نَهاهم عَنِ اتِّخاذِ بِطانَةٍ مِنَ الكُفّارِ ووَعَدَهم أنَّهم إنْ صَبَرُوا واتَّقَوْا فَلا يَضُرُّكم كَيْدُهم. ذَكَّرَهم بِحالَةٍ اتَّفَقَ فِيها بَعْضٌ طَواعِيَةً، واتِّباعٌ لِبَعْضِ المُنافِقِينَ، وهو ما جَرى يَوْمَ أُحُدٍ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ حِينَ انْخَذَلَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ واتَّبَعَهُ في الِانْخِذالِ ثَلاثُمِائَةِ رَجُلٍ مِنَ المُنافِقِينَ وغَيْرُهم مِنَ المُؤْمِنِينَ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّ ذَلِكَ كانَ في غَزْوَةِ أُحُدٍ، وفِيها نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ كُلُّها، وهو قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، والزُّهْرِيِّ، والسُّدِّيُّ، وابْنِ إسْحاقَ. وقالَ الحَسَنُ: كانَ هَذا الغُدُوُّ في غَزْوَةِ الأحْزابِ. وهو قَوْلُ (p-٤٥)مُجاهِدٍ ومُقاتِلٍ، وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ يَوْمَ الأحْزابِ كانَ فِيهِ ظَفْرُ المُؤْمِنِينَ، ولَمْ يَجِرِ فِيهِ شَيْءٌ مِمّا ذُكِرَ في هَذِهِ الآياتِ، بَلْ قِصَّتاهُما مُتَبايِنَتانِ. وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: كانَ هَذا الغُدُوُّ يَوْمَ بَدْرٍ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ قِصَّةَ غَزْوَةِ أُحُدٍ، وهي مُسْتَوْعَبَةٌ في كُتُبِ السِّيَرِ، ونَحْنُ نَذْكُرُ مِنها ما يَتَعَلَّقُ بِألْفاظِ الآيَةِ بَعْضَ تَعَلُّقٍ عِنْدَ تَفْسِيرِها. وظاهِرُ قَوْلِهِ: ”﴿وإذْ غَدَوْتَ﴾“ خُرُوجُهُ غُدْوَةً مِن عِنْدِ أهْلِهِ. وفُسِّرَ ذَلِكَ بِخُرُوجِهِ مِن حُجْرَةِ عائِشَةَ يَوْمَ الجُمُعَةِ غُدْوَةً حِينَ اسْتَشارَ النّاسَ، فَمِن مُشِيرٍ بِالإقامَةِ وعَدَمِ الخُرُوجِ إلى القِتالِ، وأنَّ المُشْرِكِينَ إنْ جاءُوا قاتَلُوهم بِالمَدِينَةِ، وكانَ ذَلِكَ رَأْيُهُ، ومِن مُشِيرٍ بِالخُرُوجِ، وهم جَماعَةٌ مِن صالِحِي المُؤْمِنِينَ فاتَتْهم وقْعَةُ بَدْرٍ. وتَبْوِئَةُ المُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ عَلى هَذا القَوْلِ هو أنْ يُقَسِّمَ أقْطارَ المَدِينَةِ عَلى قَبائِلِ الأنْصارِ. وقِيلَ: غُدُوُّهُ هو نُهُوضُهُ يَوْمَ الجُمُعَةِ بَعْدَ الصَّلاةِ وتَبْوِئَتُهُ في وقْتِ حُضُورِ القِتالِ. وسَمّاهُ غُدُوًّا إذْ كانَ قَدْ عَزَمَ عَلَيْهِ غُدْوَةً. وقِيلَ: غُدُوُّهُ كانَ يَوْمَ السَّبْتِ لِلْقِتالِ. ولَمّا لَمْ تَكُنْ تِلْكَ اللَّيْلَةُ مُوافِقَةً لِلْغُدُوِّ وكَأنَّهُ كانَ في أهْلِهِ، والعامِلُ في ”إذِ“ اذْكُرْ. وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ في فِئَتَيْنِ التَقَتا﴾ [آل عمران: ١٣] أيْ وآيَةٌ إذْ غَدَوْتَ، وهَذا في غايَةِ البُعْدِ، ولَوْلا أنَّهُ مَسْطُورٌ في الكُتُبِ ما ذَكَرْتُهُ. وكَذَلِكَ قَوْلُ مَن جَعَلَ ”مِن“ في مَعْنى مَعَ، أيْ: وإذْ غَدَوْتَ مَعَ أهْلِكَ. وهَذِهِ تَخْرِيجاتٌ يَقُولُها ويَنْقُلُها عَلى سَبِيلِ التَّجْوِيزِ مَن لا بَصَرَ لَهُ بِلِسانِ العَرَبِ. ومَعْنى تُبَوِّئُ: تُنَزِّلُ، مِنَ المَباءَةِ وهي المَرْجِعُ، ومِنهُ ﴿لَنُبَوِّئَنَّهم مِنَ الجَنَّةِ غُرَفًا﴾ [العنكبوت: ٥٨]، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎كَمْ صاحِبٍ لِي صالِحٌ بَوَّأْتُهُ بِيَدَيَّ لَحْدا وقالَ الأعْشى: ؎وما بَوَّأ الرَّحْمَنُ بَيْتَكَ مَنزِلًا ∗∗∗ بِشَرْقِيِّ أجْيادِ الصَّفا والمُحَرَّمِ ومَقاعِدُ: جَمْعُ مَقْعَدٌ، وهو هُناكَ مَكانُ القُعُودِ. والمَعْنى: مَواطِنُ ومَواقِفُ. وقَدِ اسْتُعْمِلَ المَقْعَدُ والمَقامُ في مَعْنى المَكانِ، ومِنهُ: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ [القمر: ٥٥] ﴿قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ﴾ [النمل: ٣٩] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَدِ اتَّسَعَ في قَعَدَ وقامَ حَتّى أُجْرِيا مَجْرى صارَ. انْتَهى. أمّا إجْراءُ قَعَدَ مَجْرى صارَ فَقالَ أصْحابُنا: إنَّما جاءَ في لَفْظَةٍ واحِدَةٍ، وهي شاذَّةٌ لا تَتَعَدّى، وهي في قَوْلِهِمْ: شَحَذَ شَفْرَتَهُ حَتّى قَعَدَتْ كَأنَّها حَرْبَةٌ، أيْ صارَتْ. وقَدْ نُقِدَ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ تَخْرِيجُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا﴾ [الإسراء: ٢٩] عَلى أنَّ مَعْناهُ: فَتَصِيرُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ لا يَطَّرِدُ. وفي اليَواقِيتِ لِأبِي عُمَرَ الزّاهِدِ قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: القَعْدُ: الصَّيْرُورَةُ، والعَرَبُ تَقُولُ: قَعَدَ فُلانٌ أمِيرًا بَعْدَما كانَ مَأْمُورًا، أيْ صارَ. وأمّا إجْراءٌ قامَ مَجْرى صارَ فَلا أعْلَمُ أحَدًا عَدَّها في أخَواتِ كانَ، ولا ذَكَرَ أنَّها تَأْتِي بِمَعْنى صارَ، ولا ذَكَرَ لَها خَبَرًا إلّا أبا عَبْدِ اللَّهِ بْنَ هِشامٍ الحَضْراوِيَّ فَإنَّهُ قالَ في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎عَلى ما قامَ يَشْتُمُنِي لَئِيمٌ إنَّها مِن أفْعالِ المُقارَبَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَفْظَةُ القُعُودِ أدَلُّ عَلى الثُّبُوتِ، ولا سِيَّما أنَّ الرُّماةَ إنَّما كانُوا قُعُودًا، وكَذَلِكَ كانَتْ صُفُوفُ المُسْلِمِينَ أوَّلًا، والمُبارِزَةُ والسَّرَعانُ يَجُولُونَ. وجَمَعَ المَقاعِدَ؛ لِأنَّهُ عَيَّنَ لَهم مَواقِفَ يَكُونُونَ فِيها، كالمَيْمَنَةِ والمَيْسَرَةِ، والقَلْبِ، والشّاقَّةِ، وبَيَّنَ لِكُلِّ فَرِيقٍ مِنهم مَوْضِعَهُمُ الَّذِي يَقِفُونَ فِيهِ. خَرَجَ ﷺ بَعْدَ صَلاةِ الجُمُعَةِ، وأصْبَحَ بِالشِّعْبِ يَوْمَ السَّبْتِ لِلنِّصْفِ مِن شَوّالٍ، فَمَشى عَلى رِجْلَيْهِ، فَجَعَلَ يَصِفُ أصْحابَهُ لِلْقِتالِ كَأنَّما يَقُومُ بِهِمُ القَدَحُ. إنْ رَأى صَدْرًا خارِجًا قالَ: ”تَأخَّرَ“، وكانَ نُزُولُهُ في (p-٤٦)غُدْوَةِ الوادِي، وجَعَلَ ظَهْرَهُ وعَسْكَرَهُ إلى أُحُدٍ، وأمَّرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ عَلى الرُّماةِ، وقالَ لَهم: ”انْضَحُوا عَنّا بِالنَّبْلِ لا يَأْتُونا مِن ورائِنا“ . و”﴿تُبَوِّئُ﴾“ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِ. فَقِيلَ: هي حالٌ مُقَدَّرَةٌ، أيْ خَرَجْتَ قاصِدَ التَّبْوِئَةِ؛ لِأنَّ وقْتَ الغُدُوِّ لَمْ يَكُنْ وقْتَ التَّبْوِئَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ تُبَوِّئُ مِن بَوَّأ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: تُبْوِئُ مِن أبْوَأ، عَدّاهُ الجُمْهُورُ بِالتَّضْعِيفِ، وعَبْدُ اللَّهِ بِالهَمْزَةِ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ: تَبْوى بِوَزْنِ تَحْيا، عَدّاهُ بِالهَمْزَةِ، وسَهَّلَ لامَ الفِعْلِ بِإبْدالِ الهَمْزَةِ ياءً نَحْوِ: يُقْرِي في يُقْرِئُ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: ”لِلْمُؤْمِنِينَ“ بِلامِ الجَرِّ عَلى مَعْنى: تُرَتِّبُ وتُهَيِّئُ. ويَظْهَرُ أنَّ الأصْلَ تَعْدِيَتُهُ لِواحِدٍ بِنَفْسِهِ، ولِلْآخَرِ بِاللّامِ؛ لِأنَّ ثَلاثِيهِ لا يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، إنَّما يَتَعَدّى بِحَرْفِ جَرٍّ. وقَرَأ الأشْهَبُ: ”مَقاعِدَ القِتالِ“ عَلى الإضافَةِ، وانْتِصابُ ”مَقاعِدَ“ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ ”﴿تُبَوِّئُ﴾“ . ومَن قَرَأ لِلْمُؤْمِنِينَ كانَ مَفْعُولًا لِـ ”﴿تُبَوِّئُ﴾“، وعَدّاهُ بِاللّامِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ بَوَّأْنا لِإبْراهِيمَ مَكانَ البَيْتِ﴾ [الحج: ٢٦] وقِيلَ: اللّامُ في ”﴿لِإبْراهِيمَ﴾ [الحج: ٢٦]“ زائِدَةٌ، واللّامُ في ”﴿لِلْقِتالِ﴾“ لامُ العِلَّةِ، تَتَعَلَّقُ بِـ ”﴿تُبَوِّئُ﴾“ . وقِيلَ: في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ ”مَقاعِدَ“ . وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأئِمَّةَ هُمُ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ أمْرَ العَساكِرِ، ويَخْتارُونَ لَهُمُ المَواضِعَ لِلْحَرْبِ، وعَلى الأجْنادِ طاعَتُهم. قالَهُ الماتُرِيدِيُّ، وهو ظاهِرٌ. ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ سَمِيعٌ لِأقْوالِكم، عَلِيمٌ بِنِيّاتِكم. وجاءَتْ هاتانِ الصِّفَتانِ هُنا لِأنَّ في ابْتِداءِ هَذِهِ الغَزْوَةِ مُشاوَرَةً ومُجاوَبَةً بِأقْوالٍ مُخْتَلِفَةٍ، وانْطِواءً عَلى نِيّاتٍ مُضْطَرِبَةٍ حَسْبَما تَضَمَّنَتْهُ قِصَّةُ غَزْوَةِ أُحُدٍ.

آل عمران 3:122

﴿إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنكم أنْ تَفْشَلا﴾ الطّائِفَتانِ: بَنُو سَلَمَةَ مِنَ الخَزْرَجِ، وبَنُو حارِثَةَ مِنَ الأوْسِ، وهُما الجَناحانِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وجابِرٌ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، والرَّبِيعُ، والسُّدِّيُّ، وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ. وقِيلَ: الطّائِفَتانِ هُما مِنَ الأنْصارِ والمُهاجِرِينَ. رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ في ألْفٍ وقِيلَ: في تِسْعِمِائَةٍ وخَمْسِينَ، والمُشْرِكُونَ في ثَلاثَةِ آلافٍ، ووَعَدَهُمُ الفَتْحَ إنْ صَبَرُوا» .، فانْخَذَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بِثُلُثِ النّاسِ. وسَبَبُ انْخِذالِهِ أنَّهُ أشارَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالمَدِينَةِ حِينَ شاوَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يُشاوِرْهُ قَبْلَها، فَأشارَ عَلَيْهِ بِالمُقامِ في المَدِينَةِ فَلَمْ يَفْعَلْ وخَرَجَ، فَغَضِبَ عَبْدُ اللَّهِ وقالَ: أطاعَهم، وعَصانِي، وقالَ: يا قَوْمُ، عَلامَ نَقْتُلُ أنْفُسَنا وأوْلادَنا، فَتَبِعَهم عَمْرُو بْنُ حَزْمٍ الأنْصارِيُّ - وفي رِوايَةٍ: أبُو جابِرٍ السُّلَمِيُّ - فَقالَ: أُنْشِدُكُمُ اللَّهَ في نَبِيِّكم وأنْفُسِكم، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكم، فَهَمَّ الجَبانُ بِاتِّباعِ عَبْدِ اللَّهِ، فَعَصَمَهُمُ اللَّهُ، ومَضَوْا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أضْمَرُوا أنْ يَرْجِعُوا، فَعَزَمَ اللَّهُ لَهم عَلى الرُّشْدِ فَثَبَتُوا، وهَذا الهَمُّ غَيْرُ مُؤاخَذٍ بِهِ؛ إذْ لَيْسَ بِعَزِيمَةٍ، إنَّما هو تَرْجِيحٌ مِن غَيْرِ عَزْمٍ. ولا شَكَّ أنَّ النَّفْسَ عِنْدَما تُلاقِي الحُرُوبَ ومَن يُجالِدُها يُزِيدُ عَلَيْها مِثْلَيْنِ وأكْثَرَ - يَلْحَقُها بَعْضُ الضَّعْفِ عَنِ المُلاقاةِ، ثُمَّ يُوَطِّئُها صاحِبُها عَلى القِتالِ فَتَثْبُتُ وتَسْتَقِرُّ، ألا تَرى إلى قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وقَوْلِي كُلَّما جَشَأْتُ وجاشَتْ مَكانَكِ تُحْمَدِي أوْ تَسْتَرِيحِي وإذْ هَمَّتْ: بَدَلٌ مِن ”إذْ غَدَوْتَ“ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ عَمِلَ فِيهِ مَعْنى ”﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٤]“ . انْتَهى. وهَذا غَيْرُ مُحَرَّرٍ؛ لِأنَّ العامِلَ لا يَكُونُ مُرَكَّبًا مِن وصْفَيْنِ، فَتَحْرِيرُهُ أنْ يَقُولَ: أوْ عَمِلَ فِيهِ مَعْنى سَمِيعٍ أوْ عَلِيمٍ، وتَكُونُ المَسْألَةُ مِن بابِ التَّنازُعِ. وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِـ ”﴿تُبَوِّئُ﴾ [آل عمران: ١٢١]“، ولَـ ”﴿غَدَوْتَ﴾ [آل عمران: ١٢١]“ . و”هَمَّ“ يَتَعَدّى بِالباءِ، فالتَّقْدِيرُ: بِأنْ تَفْشَلا والمَعْنى: أنْ تَفْشَلا عَنِ القِتالِ. وما أحْسَنَ قَوْلَ الشّاعِرِ في التَّحْرِيضِ عَلى القِتالِ والنَّهْيِ عَنِ الفَشَلِ: ؎قاتِلُوا القَوْمَ بِالخِداعِ ولا ∗∗∗ يَأْخُذْكم عَنْ قِتالِهِمْ فَشَلُ ؎القَوْمُ أمْثالُكم لَهم شَعْرٌ ∗∗∗ في الرَّأْسِ لا يَنْشُرُونَ إنْ قُتِلُوا وأدْغَمَ السَّبْعَةُ تاءَ التَّأْنِيثِ في الطّاءِ، وعَنْ قالُونَ خِلافٌ ذَكَرْناهُ في ”عِقْدِ اللَّآلِي في القِراءاتِ السَّبْعِ (p-٤٧)العَوالِي“ مِن إنْشائِنا. والظّاهِرُ أنَّ هَذا الهَمَّ كانَ عِنْدَ تَبْوِئَةِ الرَّسُولِ ﷺ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وانْخِذالِ عَبْدِ اللَّهِ بِمَنِ انْخَذَلَ. وقِيلَ: حِينَ أشارُوا عَلَيْهِ بِالخُرُوجِ وخالَفُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ. وفي قَوْلِهِ: ”﴿طائِفَتانِ﴾“ إشارَةٌ لَطِيفَةٌ إلى الكِنايَةِ عَنْ مَن يَقَعُ مِنهُ ما لا يُناسِبُ والسِّتْرِ عَلَيْهِ؛ إذْ لَمْ يُعَيِّنِ الطّائِفَتَيْنِ بِأنْفُسِهِما، ولا صَرَّحَ بِمَن هَمّا مِنهُ مِنَ القَبائِلِ؛ سَتْرًا عَلَيْهِما. ﴿واللَّهُ ولِيُّهُما﴾ مَعْنى الوِلايَةِ هُنا التَّثْبِيتُ والنَّصْرُ، فَلا يَنْبَغِي لَهُما أنْ يَفْشَلا. وقِيلَ: جَعَلَها مِن أوْلِيائِهِ المُثابِرِينَ عَلى طاعَتِهِ. وفي البُخارِيِّ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأنْصارِيِّ قالَ: فِينا نَزَلَتْ ﴿إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنكم أنْ تَفْشَلا واللَّهُ ولِيُّهُما﴾ قالَ: نَحْنُ الطّائِفَتانِ بَنُو حارِثَةَ، وبَنُو سَلَمَةَ. وما نُحِبُّ أنَّها لَمْ تَنْزِلْ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ: ﴿واللَّهُ ولِيُّهُما﴾، قالَ ذَلِكَ جابِرٌ لِفَرْطِ الِاسْتِبْشارِ بِما حَصَلَ لَهم مِنَ الشَّرَفِ بِثَناءِ اللَّهِ وإنْزالِهِ فِيهِمْ آيَةً ناطِقَةً بِصِحَّةِ الوِلايَةِ، وأنَّ تِلْكَ الهِمَّةَ المَصْفُوحَ عَنْها لِكَوْنِها لَيْسَتْ عَزْمًا كانَتْ سَبَبًا لِنُزُولِها. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: واللَّهُ ”ولِيُّهم“، أعادَ الضَّمِيرَ عَلى المَعْنى لا عَلى لَفْظِ التَّثْنِيَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] ﴿هَذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا﴾ [الحج: ١٩] وهَذِهِ الجُمْلَةُ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، بَلْ جاءَتْ مُسْتَأْنِفَةً لِثَناءِ اللَّهِ عَلى هاتَيْنِ الطّائِفَتَيْنِ. ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى ما هَمَّتْ بِهِ الطّائِفَتانِ مِنَ الفَشَلِ، وأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ ولِيُّهُما، ومَن كانَ اللَّهُ ولِيُّهُ فَلا يُفَوِّضْ أمْرَهُ إلّا إلَيْهِ. أمَرَهم بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وقَدَّمَ المَجْرُورَ لِلِاعْتِناءِ بِمَن يَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ، أوْ لِلِاخْتِصاصِ عَلى مَذْهَبِ مَن يَرى ذَلِكَ. ونَبَّهَ عَلى الوَصْفِ الَّذِي يَقْتَضِي ذَلِكَ وهو الإيمانُ؛ لِأنَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ خَيْرٌ أنْ لا يَكُونَ اتِّكالُهُ إلّا عَلَيْهِ؛ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿وعَلى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣] وأتى بِهِ عامًّا لِتَنْدَرِجَ الطّائِفَتانِ الهامَّتانِ وغَيْرُهم في هَذا الأمْرِ، وأنَّ مُتَعَلِّقَهُ مَن قامَ بِهِ الإيمانُ. وفي هَذا الأمْرِ تَحْرِيضٌ عَلى التَّغْبِيطِ بِما فَعَلَتْهُ الطّائِفَتانِ مِنِ اتِّباعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمَسِيرِ مَعَهُ.

آل عمران 3:123

﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وأنْتُمْ أذِلَّةٌ﴾ لَمّا أمَرَهم بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ ذَكَّرَهم بِما يُوجِبُ التَّوَكُّلَ عَلَيْهِ، وهو ما سَنّى لَهم ويَسَّرَ مِنَ الفَتْحِ والنَّصْرِ يَوْمَ بَدْرٍ، وهم في حالِ قِلَّةٍ وذِلَّةٍ، إذْ كانَ ذَلِكَ النَّصْرُ ثَمَرَةَ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ والثِّقَةِ بِهِ. والنَّصْرُ المُشارُ إلَيْهِ بِبَدْرٍ بِالمَلائِكَةِ، أوْ بِإلْقاءِ الرُّعْبِ، أوْ بِكَفِّ الحَصى الَّتِي رَمى بِها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أوْ بِإرادَةِ اللَّهِ لِقَوْلِهِ: ﴿وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦] أقْوالٌ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: وأنْتُمْ أذِلَّةٌ حالٌ مِنَ المَفْعُولِ في نَصَرَكم، والمَعْنى: وأنْتُمْ أذِلَّةٌ في أعْيُنِ غَيْرِكم، إذْ كانُوا أعِزَّةً في أنْفُسِهِمْ، وكانُوا بِالنِّسْبَةِ إلى عَدُوِّهِمْ وجَمِيعِ الكُفّارِ في أقْطارِ الأرْضِ عِنْدَ المُتَأمِّلِ مَغْلُوبِينَ. وقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”اللَّهُمَّ إنْ تُهْلِكْ هَذِهِ العِصابَةُ لَمْ تُعْبَدْ“ . والأذِلَّةُ: جَمْعُ ذَلِيلٍ. وجَمْعُ الكَثْرَةِ ذِلّانٌ، فَجاءَ عَلى جَمْعِ القِلَّةِ لِيَدُلَّ أنَّهم كانُوا قَلِيلِينَ. والذِّلَّةُ الَّتِي ظَهَرَتْ لِغَيْرِهِمْ عَلَيْهِمْ هي ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الضَّعْفِ وقِلَّةِ السِّلاحِ والمالِ والمَرْكُوبِ. خَرَجُوا عَلى النَّواضِحِ يَعْتَقِبُ النَّفَرُ عَلى البَعِيرِ الواحِدِ، وما كانَ مَعَهم مِنَ الخَيْلِ إلّا فَرَسٌ واحِدٌ، ومَعَ عَدُوِّهِمْ مِائَةُ فَرَسٍ. وكانَ عَدَدُ المُسْلِمِينَ ثَلاثَمِائَةِ رَجُلٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، سَبْعَةٌ وسَبْعُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ وصاحِبُ رايَتِهِمْ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، ومِائَتانِ وسِتَّةٌ وثَلاثُونَ مِنَ الأنْصارِ وصاحِبُ رايَتِهِمْ سَعْدُ بْنُ عِبادَةَ. وقِيلَ: ثَلاثُمِائَةٍ وسِتَّةَ عَشَرَ رَجُلًا. وقِيلَ: ثَلاثُمِائَةٍ وأرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا. وفي رِوايَةٍ: ثَلاثُمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا. وكانَ عَدُوُّهم في حالِ كَثْرَةٍ زُهاءَ ألْفِ مُقاتِلٍ. وما أحْسَنَ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎وقائِلَةٍ ما بالُ أُسْرَةِ عادِيًا تَفانَتْ وفِيها قِلَّةٌ وخُمُولُ ؎تُعَيِّرُنا أنّا قَلِيلٌ عَدِيدُنا ∗∗∗ فَقُلْتُ لَها إنَّ الكِرامَ قَلِيلُ ؎وما ضَرَّنا أنّا قَلِيلٌ وجارُنا ∗∗∗ عَزِيزٌ وجارُ الأكْثَرِينَ ذَلِيلُ (p-٤٨)والنَّصْرُ بِبَدْرٍ هو المَشْهُورُ الَّذِي قُتِلَ فِيهِ صَنادِيدُ قُرَيْشٍ، وعَلى يَوْمِ بَدْرٍ انْبَنى الإسْلامُ. وكانَ يَوْمَ الجُمُعَةِ السّابِعَ عَشَرَ مِن رَمَضانَ لِثَمانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنَ الهِجْرَةِ. ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ أمَرَ بِالتَّقْوى مُطْلَقًا. وقِيلَ: في الثَّباتِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَرَجِّيهِ الشُّكْرَ إمّا عَلى الإنْعامِ السّابِقِ بِالنَّصْرِ يَوْمَ بَدْرٍ، أوْ عَلى الإنْعامِ المَرْجُوِّ أنْ يَقَعَ. فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَعَلَّكم يُنْعِمُ عَلَيْكم نِعْمَةً أُخْرى فَتَشْكُرُونَها، وضَعَ الشُّكْرَ مَوْضِعَ الإنْعامِ؛ لِأنَّهُ سَبَبٌ لَهُ. ﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يَمُدَّكم رَبُّكم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْزَلِينِ بَلى﴾ ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ اتِّصالُها بِما قَبْلَها، وأنَّها مِن قِصَّةِ بَدْرٍ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ، فَيَكُونُ ”إذْ“ مَعْمُولًا لِـ ”﴿نَصَرَكُمُ﴾“ . وقِيلَ: هَذا مِن تَمامِ قِصَّةِ أُحُدٍ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ مُعْتَرَضًا بَيْنَ الكَلامَيْنِ؛ لِما فِيهِ مِنَ التَّحْرِيضِ عَلى التَّوَكُّلِ والثَّباتِ لِلْقِتالِ. وحُجَّةُ هَذا القَوْلِ أنَّ يَوْمَ بَدْرٍ كانَ المَدَدُ فِيهِ مِنَ المَلائِكَةِ بِألِفٍ، وهُنا بِثَلاثَةِ آلافٍ وخَمْسَةِ آلافٍ. والكُفّارُ يَوْمَ بَدْرٍ كانُوا ألْفًا، والمُسْلِمُونَ عَلى الثُّلُثِ. فَكانَ عَدَدُ الكُفّارِ ثَلاثَةَ آلافٍ، فَوُعِدُوا بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ. وقالَ: ويَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ، أيِ الإمْدادُ. ويَوْمَ بَدْرٍ ذَهَبَ المُسْلِمُونَ إلَيْهِمْ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ) كَيْفَ يَصِحُّ أنْ يَقُولَهُ لَهم يَوْمَ أُحُدٍ، ولَمْ يَنْزِلْ فِيهِ المَلائِكَةُ ؟ (قُلْتُ) قالَهُ لَهم مَعَ اشْتِراطِ الصَّبْرِ والتَّقْوى عَلَيْهِمْ. فَلَمْ يَصْبِرُوا عَنِ الغَنائِمِ ولَمْ يَتَّقُوا، حَيْثُ خالَفُوا أمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلِذَلِكَ لَمْ تَنْزِلِ المَلائِكَةُ، ولَوْ تَمُّوا عَلى ما شَرَطَ عَلَيْهِمْ لَنَزَلَتْ. وإنَّما قَدَّمَ الوَعْدَ بِنُزُولِ المَلائِكَةِ؛ لِتَقْوى قُلُوبُهم ويَعْزِمُوا عَلى الثَّباتِ، ويَثِقُوا بِنَصْرِ اللَّهِ. انْتَهى كَلامُهُ. وقَوْلُهُ: لَمْ تَنْزِلْ فِيهِ المَلائِكَةُ، لَيْسَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ، بَلْ قالَ مُجاهِدٌ: حَضَرَتْ فِيهِ المَلائِكَةُ ولَمْ تُقاتِلْ، فَعَلى قَوْلِ مُجاهِدٍ يَسْقُطُ السُّؤالُ. وقَوْلُهُ: قالَهُ لَهم مَعَ اشْتِراطِ الصَّبْرِ والتَّقْوى عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يَصْبِرُوا عَنِ الغَنائِمِ، ولَمْ يَتَّقُوا. . . إلى آخِرِهِ، المَشْرُوطُ بِالصَّبْرِ والتَّقْوى هو (p-٤٩)الإمْدادُ بِخَمْسَةِ آلافٍ. أمّا الإمْدادُ الأوَّلُ وهو بِثَلاثَةِ آلافٍ فَلَيْسَ بِمَشْرُوطٍ، ولا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ إنْزالِ خَمْسَةِ آلافٍ لِفَواتِ شَرْطِهِ أنْ لا يُنْزِلَ ثَلاثَةَ آلافٍ، ولا شَيْءَ مِنها، وأُجِيبَ عَنْ عَدَمِ إنْزالِ ثَلاثَةِ آلافٍ أنَّهُ وعْدٌ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ بَوَّأهم مَقاعِدَ لِلْقِتالِ، وأمَرَهم بِالسُّكُونِ والثَّباتِ فِيها، فَكانَ هَذا الوَعْدُ مَشْرُوطًا بِالثُّبُوتِ في تِلْكَ المَقاعِدِ. فَلَمّا أهْمَلُوا الشَّرْطَ لَمْ يَحْصُلِ المَشْرُوطُ. انْتَهى. ولا خَفاءَ بِضَعْفِ هَذا الجَوابِ. قالَ الضَّحّاكُ: كانَ هَذا الوَعْدُ والمَقالَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَفَرَّ النّاسُ ووَلَّوْا مُدْبِرِينَ، فَلَمْ يَهْدِهِمُ اللَّهُ، وإنَّما مُدُّوا يَوْمَ بَدْرٍ بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَمْ يَصْبِرُوا. وقالَ عِكْرِمَةُ: لَمْ يَصْبِرُوا ولَمْ يَتَّقُوا يَوْمَ أُحُدٍ، فَلَمْ يَمُدُّوا. ولَوْ مَدُّوا لَمْ يَنْهَزِمُوا. وكانَ الوَعْدُ بِالإمْدادِ يَوْمَ بَدْرٍ، ورَجَّحَ أنَّهُ قالَ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَظاهَرُ اتِّصالِ الكَلامِ، ولِأنَّ قِلَّةَ العَدَدِ والعُدَدِ كانَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَكانُوا إلى تَقْوِيَةِ قُلُوبِهِمْ بِالوَعْدِ أحْوَجَ، ولِأنَّ الوَعْدَ بِثَلاثَةِ آلافٍ كانَ غَيْرَ مَشْرُوطٍ، فَوَجَبَ حُصُولُهُ. وإنَّما حَصَلَ يَوْمَ بَدْرٍ، والجَمْعُ بَيْنَ ألْفٍ وثَلاثَةِ آلافٍ كانَ غَيْرَ مَشْرُوطٍ، فَوَجَبَ حُصُولُهُ، وإنَّما حَصَلَ يَوْمَ بَدْرٍ أنَّهم مُدُّوا أوَّلًا بِألْفٍ، ثُمَّ زِيدَ فِيهِمْ ألْفانِ، وصارَتْ ثَلاثَةَ آلافٍ. أوْ مُدُّوا بِألْفٍ أوَّلًا، ثُمَّ بَلَغَهم إمْدادُ المُشْرِكِينَ بِعَدَدٍ كَثِيرٍ، فَوَعَدَ بِالخَمْسَةِ عَلى تَقْدِيرِ إمْدادِ الكُفّارِ. فَلَمْ يَمُدَّ الكُفّارَ، فاسْتَغْنى عَنْ إمْدادِ المُسْلِمِينَ. والظّاهِرُ في هَذِهِ الأعْدادِ إدْخالُ النّاقِصِ في الزّائِدِ، فَيَكُونُ وُعِدُوا بِألْفٍ، ثُمَّ ضُمَّ إلَيْهِ ألْفانِ، ثُمَّ ألْفانِ، فَصارَ خَمْسَةً. ومَن ضَمَّ النّاقِصَ إلى الزّائِدِ وجَعَلَ ذَلِكَ في قِصَّةِ أُحُدٍ فَيَكُونُونَ قَدْ وُعِدُوا بِثَمانِيَةِ آلافٍ. أوْ في قِصَّةِ بَدْرٍ فَيَكُونُونَ قَدْ وُعِدُوا بِتِسْعَةِ آلافٍ. ولَمْ تَتَعَرَّضِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ لِنُزُولِ المَلائِكَةِ، ولا لِقِتالِهِمُ المُشْرِكِينَ وقَتْلِهِمْ، بَلْ هو أمْرٌ مَسْكُوتٌ عَنْهُ في الآيَةِ. وقَدْ تَظاهَرَتِ الرِّواياتُ وتَظافَرَتْ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ حَضَرَتْ بَدْرًا وقاتَلَتْ. ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ بِما يُوقَفُ عَلَيْهِ في كِتابِهِ. ولَمّا لَمْ تَتَعَرَّضُ لَهُ الآيَةُ لَمْ نُكَثِّرْ كِتابَنا بِنَقْلِهِ. وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ الشَّعْبِيَّ قالَ: لَمْ تُمَدَّ المُؤْمِنُونَ بِالمَلائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ، وكانَتِ المَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ تَحْضُرُ حُرُوبَ النَّبِيِّ ﷺ مَدَدًا، وهي تَحْضُرُ حُرُوبَ المُسْلِمِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. قالَ: وخالَفَ النّاسُ الشَّعْبِيَّ في هَذِهِ المَقالَةِ، وذَكَرَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الرّازِيُّ ما نَصُّهُ: وأجْمَعَ أهْلُ التَّفْسِيرِ والسِّيَرِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ المَلائِكَةَ يَوْمَ (p-٥٠)بَدْرٍ، وأنَّهم قاتَلُوا الكُفّارَ. ثُمَّ قالَ: وأمّا أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ فَإنَّهُ أنْكَرَ ذَلِكَ أشَدَّ الإنْكارِ، وذَكَرَ عَنْهُ حُجَجًا، ثُمَّ قالَ: وكُلُّ هَذِهِ الشُّبَهِ تَلِيقُ بِمَن يُنْكِرُ القُرْآنَ والنُّبُوَّةَ؛ لِأنَّ القُرْآنَ والسُّنَّةَ ناطِقانِ بِذَلِكَ، يَعْنِي بِإنْزالِ المَلائِكَةِ. ثُمَّ قالَ: واخْتَلَفُوا في نُصْرَةِ المَلائِكَةِ. فَقِيلَ: بِالقِتالِ. وقِيلَ: بِتَقْوِيَةِ نُفُوسِ المُؤْمِنِينَ وإلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِ الكُفّارِ. والظّاهِرُ في المَدَدِ أنَّهم يُشْرِكُونَ الجَيْشَ في القِتالِ، وأنْ يَكُونَ مُجَرَّدَ حُضُورِهِمْ كافِيًا. انْتَهى كَلامُهُ. ودَخَلَتْ أداةُ الِاسْتِفْهامِ عَلى حَرْفِ النَّفْيِ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ؛ لِانْتِفاءِ الكِفايَةِ بِهَذا العَدَدِ مِنَ المَلائِكَةِ. وكانَ حَرْفُ النَّفْيِ ”لَنْ“ الَّذِي هو أبْلَغُ في الِاسْتِقْبالِ مِن ”لا“ إشْعارًا بِأنَّهم كانُوا لِقِلَّتِهِمْ وضَعْفِهِمْ وكَثْرَةِ عَدُوِّهِمْ وشَوْكَتِهِمْ كالآيِسِينَ مِنَ النُّصْرَةِ. وبَلى: إيجابٌ لِما بَعْدَ ”لَنْ“، يَعْنِي: بَلى يَكْفِيكُمُ الإمْدادُ بِهِمْ، فَأوْجَبَ الكِفايَةَ. وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: ألا يَكْفِيَكم. انْتَهى. ومُعْظَمُهُ مِن كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ألَنْ يَكْفِيَكم تَقْرِيرٌ عَلى اعْتِقادِهِمُ الكِفايَةَ في هَذا العَدَدِ مِنَ المَلائِكَةِ ؟ ومِن حَيْثُ كانَ الأمْرُ بَيِّنًا في نَفْسِهِ أنَّ المَلائِكَةَ كافِيَةٌ، بادَرَ المُتَكَلِّمُ إلى جَوابٍ لِيَبْنِيَ ما يَسْتَأْنِفُ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ فَقالَ: بَلى، وهي جَوابُ المُقَرِّرِينَ. وهَذا يَحْسُنُ في الأُمُورِ البَيِّنَةِ الَّتِي لا مَحِيدَ في جَوابِها، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٩] . انْتَهى. وقالَ ١٠٣ أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أبِي الفَضْلِ المَرْسِيُّ: ألَنْ يَكْفِيَكم جَوابُ الصَّحابَةِ حِينَ قالُوا: هَلّا أعْلَمْتَنا بِالقِتالِ لِنَتَأهَّبَ. فَقالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: ”ألَنْ يَكْفِيَكم“ . قالَ ابْنُ عِيسى: والكِفايَةُ مِقْدارُ سَدِّ الخُلَّةِ، والإمْدادُ إعْطاءُ الشَّيْءِ حالًا بَعْدَ حالٍ. انْتَهى. وقَرَأ الحَسَنُ: بِثَلاثَهْ آلافٍ يَقِفُ عَلى الهاءِ، وكَذَلِكَ بِخَمْسَةِ آلافٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ووَجْهُ هَذِهِ القِراءَةِ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ المُضافَ والمُضافَ إلَيْهِ يَقْتَضِيانِ الِاتِّصالَ، إذْ هُما كالِاسْمِ الواحِدِ، وإنَّما الثّانِي كَمالُ الأوَّلِ، والهاءُ إنَّما هي أمارَةُ وقْفٍ، فَتَعَلَّقَ الوَقْفُ في مَوْضِعٍ إنَّما هو لِلِاتِّصالِ، لَكِنْ قَدْ جاءَ نَحْوُ هَذا لِلْعَرَبِ في مَواضِعَ. فَمِن ذَلِكَ ما حَكاهُ الفَرّاءُ أنَّهم يَقُولُونَ: أكَلْتُ لَحْمًا شاةً، يُرِيدُونَ لَحْمَ شاةٍ، فَمَطَلُوا الفُتْحَةَ حَتّى نَشَأتْ عَنْها ألِفٌ، كَما قالُوا في الوَقْفِ: قالا، يُرِيدُونَ قالَ، ثُمَّ مَطَلُوا الفُتْحَةَ في القَوافِي ونَحْوِها في مَواضِعِ الرَّوِيَّةِ والتَّثَبُّتِ. ومِن ذَلِكَ في الشِّعْرِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎يَنْباعُ مِن ذِفْرى غَضُوبٍ جَسْرَةً ∗∗∗ زيّانَةٍ مِثْلِ العَتِيقِ المُكْرَمِ يُرِيدُ يَنْبُعَ فَمَطَلَ. ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: ؎أقُولُ إذْ خَرَّتْ عَلى الكَلْكالِ ∗∗∗ يا ناقَتا ما جُلْتِ مِن مَجالِ يُرِيدُ الكَلْكَلَ، فَمَطَلَ. ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: ؎فَأنْتَ مِنَ الغَوائِلِ حِينَ تُرْمى ∗∗∗ ومِن ذَمَّ الرِّجالَ بِمُنْتَزاحِ يُرِيدُ بِمُنْتَزِحٍ. قالَ أبُو الفَتْحِ: فَإذا جازَ أنْ يَعْتَرِضَ هَذا التَّمادِيَ بَيْنَ أثْناءِ الكَلِمَةِ الواحِدَةِ، جازَ التَّمادِي والتَّأنِّي بَيْنَ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ، إذْ هُما في الحَقِيقَةِ اثْنانِ. انْتَهى كَلامُهُ. وهو تَكْثِيرٌ وتَنْظِيرٌ بِغَيْرِ ما يُناسِبُ، والَّذِي يُناسِبُ تَوْجِيهَ هَذِهِ القِراءَةِ الشّاذَّةِ أنَّها مِن إجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ، أبْدَلَها هاءً في الوَصْلِ، كَما أبْدَلُوا لَها هاءً في الوَقْفِ، ومَوْجُودٌ في كَلامِهِمْ إجْراءُ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ، وإجْراءُ الوَقْفِ مَجْرى الوَصْلِ. وأمّا قَوْلُهُ: لَكِنْ قَدْ جاءَ نَحْوُ هَذا لِلْعَرَبِ في مَواضِعَ، وجَمِيعُ ما ذُكِرَ إنَّما هو مِن بابِ إشْباعِ الحَرَكَةِ. وإشْباعُ الحَرَكَةِ لَيْسَ نَحْوَ إبْدالِ التّاءِ هاءً في الوَصْلِ، وإنَّما هو نَظِيرُ قَوْلِهِمْ: ثَلاثَهَ ارْبَعَهْ، أبْدَلَ التّاءَ هاءً، ثُمَّ نَقَلَ حَرَكَةَ هَمْزَةِ أرْبَعَةٍ إلَيْها، وحَذَفَ الهَمْزَةَ، فَأجْرى الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ في الإبْدالِ. ولِأجْلِ الوَصْلِ نُقِلَ؛ إذْ لا يَكُونُ هَذا النَّقْلُ إلّا في الوَصْلِ. وقُرِئَ شاذًّا ”بِثَلاثَةْ آلافٍ“ بِتْكِسِينِ التّاءِ (p-٥١)فِي الوَصْلِ، أجْراهُ مَجْرى الوَقْفِ. واخْتَلَفُوا في هَذِهِ التّاءِ السّاكِنَةِ، أهِيَ بَدَلٌ مِنَ الهاءِ الَّتِي يُوقَفُ عَلَيْها أمْ تاءُ التَّأْنِيثِ هي وهي الَّتِي يُوقَفُ عَلَيْها بِالتّاءِ كَما هي ؟ وهي لُغَةٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ مُنْزَلِينَ بِالتَّخْفِيفِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وابْنُ عامِرٍ بِالتَّشْدِيدِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أيْضًا، والهَمْزَةُ والتَّضْعِيفُ لِلتَّعْدِيَةِ فَهُما سِيّانِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ”مُنَزِّلِينَ“ بِتَشْدِيدِ الزّايِ وكَسْرِها مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وبَعْضُ القُرّاءِ بِتَخْفِيفِها وكَسْرِها مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيْضًا، والمَعْنى: يُنْزِلُونَ النَّصْرَ.

آل عمران 3:124

﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وأنْتُمْ أذِلَّةٌ﴾ لَمّا أمَرَهم بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ ذَكَّرَهم بِما يُوجِبُ التَّوَكُّلَ عَلَيْهِ، وهو ما سَنّى لَهم ويَسَّرَ مِنَ الفَتْحِ والنَّصْرِ يَوْمَ بَدْرٍ، وهم في حالِ قِلَّةٍ وذِلَّةٍ، إذْ كانَ ذَلِكَ النَّصْرُ ثَمَرَةَ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ والثِّقَةِ بِهِ. والنَّصْرُ المُشارُ إلَيْهِ بِبَدْرٍ بِالمَلائِكَةِ، أوْ بِإلْقاءِ الرُّعْبِ، أوْ بِكَفِّ الحَصى الَّتِي رَمى بِها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أوْ بِإرادَةِ اللَّهِ لِقَوْلِهِ: ﴿وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦] أقْوالٌ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: وأنْتُمْ أذِلَّةٌ حالٌ مِنَ المَفْعُولِ في نَصَرَكم، والمَعْنى: وأنْتُمْ أذِلَّةٌ في أعْيُنِ غَيْرِكم، إذْ كانُوا أعِزَّةً في أنْفُسِهِمْ، وكانُوا بِالنِّسْبَةِ إلى عَدُوِّهِمْ وجَمِيعِ الكُفّارِ في أقْطارِ الأرْضِ عِنْدَ المُتَأمِّلِ مَغْلُوبِينَ. وقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”اللَّهُمَّ إنْ تُهْلِكْ هَذِهِ العِصابَةُ لَمْ تُعْبَدْ“ . والأذِلَّةُ: جَمْعُ ذَلِيلٍ. وجَمْعُ الكَثْرَةِ ذِلّانٌ، فَجاءَ عَلى جَمْعِ القِلَّةِ لِيَدُلَّ أنَّهم كانُوا قَلِيلِينَ. والذِّلَّةُ الَّتِي ظَهَرَتْ لِغَيْرِهِمْ عَلَيْهِمْ هي ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الضَّعْفِ وقِلَّةِ السِّلاحِ والمالِ والمَرْكُوبِ. خَرَجُوا عَلى النَّواضِحِ يَعْتَقِبُ النَّفَرُ عَلى البَعِيرِ الواحِدِ، وما كانَ مَعَهم مِنَ الخَيْلِ إلّا فَرَسٌ واحِدٌ، ومَعَ عَدُوِّهِمْ مِائَةُ فَرَسٍ. وكانَ عَدَدُ المُسْلِمِينَ ثَلاثَمِائَةِ رَجُلٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، سَبْعَةٌ وسَبْعُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ وصاحِبُ رايَتِهِمْ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، ومِائَتانِ وسِتَّةٌ وثَلاثُونَ مِنَ الأنْصارِ وصاحِبُ رايَتِهِمْ سَعْدُ بْنُ عِبادَةَ. وقِيلَ: ثَلاثُمِائَةٍ وسِتَّةَ عَشَرَ رَجُلًا. وقِيلَ: ثَلاثُمِائَةٍ وأرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا. وفي رِوايَةٍ: ثَلاثُمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا. وكانَ عَدُوُّهم في حالِ كَثْرَةٍ زُهاءَ ألْفِ مُقاتِلٍ. وما أحْسَنَ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎وقائِلَةٍ ما بالُ أُسْرَةِ عادِيًا تَفانَتْ وفِيها قِلَّةٌ وخُمُولُ ؎تُعَيِّرُنا أنّا قَلِيلٌ عَدِيدُنا ∗∗∗ فَقُلْتُ لَها إنَّ الكِرامَ قَلِيلُ ؎وما ضَرَّنا أنّا قَلِيلٌ وجارُنا ∗∗∗ عَزِيزٌ وجارُ الأكْثَرِينَ ذَلِيلُ (p-٤٨)والنَّصْرُ بِبَدْرٍ هو المَشْهُورُ الَّذِي قُتِلَ فِيهِ صَنادِيدُ قُرَيْشٍ، وعَلى يَوْمِ بَدْرٍ انْبَنى الإسْلامُ. وكانَ يَوْمَ الجُمُعَةِ السّابِعَ عَشَرَ مِن رَمَضانَ لِثَمانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنَ الهِجْرَةِ. ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ أمَرَ بِالتَّقْوى مُطْلَقًا. وقِيلَ: في الثَّباتِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَرَجِّيهِ الشُّكْرَ إمّا عَلى الإنْعامِ السّابِقِ بِالنَّصْرِ يَوْمَ بَدْرٍ، أوْ عَلى الإنْعامِ المَرْجُوِّ أنْ يَقَعَ. فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَعَلَّكم يُنْعِمُ عَلَيْكم نِعْمَةً أُخْرى فَتَشْكُرُونَها، وضَعَ الشُّكْرَ مَوْضِعَ الإنْعامِ؛ لِأنَّهُ سَبَبٌ لَهُ. ﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يَمُدَّكم رَبُّكم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْزَلِينِ بَلى﴾ ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ اتِّصالُها بِما قَبْلَها، وأنَّها مِن قِصَّةِ بَدْرٍ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ، فَيَكُونُ ”إذْ“ مَعْمُولًا لِـ ”﴿نَصَرَكُمُ﴾“ . وقِيلَ: هَذا مِن تَمامِ قِصَّةِ أُحُدٍ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ مُعْتَرَضًا بَيْنَ الكَلامَيْنِ؛ لِما فِيهِ مِنَ التَّحْرِيضِ عَلى التَّوَكُّلِ والثَّباتِ لِلْقِتالِ. وحُجَّةُ هَذا القَوْلِ أنَّ يَوْمَ بَدْرٍ كانَ المَدَدُ فِيهِ مِنَ المَلائِكَةِ بِألِفٍ، وهُنا بِثَلاثَةِ آلافٍ وخَمْسَةِ آلافٍ. والكُفّارُ يَوْمَ بَدْرٍ كانُوا ألْفًا، والمُسْلِمُونَ عَلى الثُّلُثِ. فَكانَ عَدَدُ الكُفّارِ ثَلاثَةَ آلافٍ، فَوُعِدُوا بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ. وقالَ: ويَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ، أيِ الإمْدادُ. ويَوْمَ بَدْرٍ ذَهَبَ المُسْلِمُونَ إلَيْهِمْ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ) كَيْفَ يَصِحُّ أنْ يَقُولَهُ لَهم يَوْمَ أُحُدٍ، ولَمْ يَنْزِلْ فِيهِ المَلائِكَةُ ؟ (قُلْتُ) قالَهُ لَهم مَعَ اشْتِراطِ الصَّبْرِ والتَّقْوى عَلَيْهِمْ. فَلَمْ يَصْبِرُوا عَنِ الغَنائِمِ ولَمْ يَتَّقُوا، حَيْثُ خالَفُوا أمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلِذَلِكَ لَمْ تَنْزِلِ المَلائِكَةُ، ولَوْ تَمُّوا عَلى ما شَرَطَ عَلَيْهِمْ لَنَزَلَتْ. وإنَّما قَدَّمَ الوَعْدَ بِنُزُولِ المَلائِكَةِ؛ لِتَقْوى قُلُوبُهم ويَعْزِمُوا عَلى الثَّباتِ، ويَثِقُوا بِنَصْرِ اللَّهِ. انْتَهى كَلامُهُ. وقَوْلُهُ: لَمْ تَنْزِلْ فِيهِ المَلائِكَةُ، لَيْسَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ، بَلْ قالَ مُجاهِدٌ: حَضَرَتْ فِيهِ المَلائِكَةُ ولَمْ تُقاتِلْ، فَعَلى قَوْلِ مُجاهِدٍ يَسْقُطُ السُّؤالُ. وقَوْلُهُ: قالَهُ لَهم مَعَ اشْتِراطِ الصَّبْرِ والتَّقْوى عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يَصْبِرُوا عَنِ الغَنائِمِ، ولَمْ يَتَّقُوا. . . إلى آخِرِهِ، المَشْرُوطُ بِالصَّبْرِ والتَّقْوى هو (p-٤٩)الإمْدادُ بِخَمْسَةِ آلافٍ. أمّا الإمْدادُ الأوَّلُ وهو بِثَلاثَةِ آلافٍ فَلَيْسَ بِمَشْرُوطٍ، ولا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ إنْزالِ خَمْسَةِ آلافٍ لِفَواتِ شَرْطِهِ أنْ لا يُنْزِلَ ثَلاثَةَ آلافٍ، ولا شَيْءَ مِنها، وأُجِيبَ عَنْ عَدَمِ إنْزالِ ثَلاثَةِ آلافٍ أنَّهُ وعْدٌ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ بَوَّأهم مَقاعِدَ لِلْقِتالِ، وأمَرَهم بِالسُّكُونِ والثَّباتِ فِيها، فَكانَ هَذا الوَعْدُ مَشْرُوطًا بِالثُّبُوتِ في تِلْكَ المَقاعِدِ. فَلَمّا أهْمَلُوا الشَّرْطَ لَمْ يَحْصُلِ المَشْرُوطُ. انْتَهى. ولا خَفاءَ بِضَعْفِ هَذا الجَوابِ. قالَ الضَّحّاكُ: كانَ هَذا الوَعْدُ والمَقالَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَفَرَّ النّاسُ ووَلَّوْا مُدْبِرِينَ، فَلَمْ يَهْدِهِمُ اللَّهُ، وإنَّما مُدُّوا يَوْمَ بَدْرٍ بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَمْ يَصْبِرُوا. وقالَ عِكْرِمَةُ: لَمْ يَصْبِرُوا ولَمْ يَتَّقُوا يَوْمَ أُحُدٍ، فَلَمْ يَمُدُّوا. ولَوْ مَدُّوا لَمْ يَنْهَزِمُوا. وكانَ الوَعْدُ بِالإمْدادِ يَوْمَ بَدْرٍ، ورَجَّحَ أنَّهُ قالَ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَظاهَرُ اتِّصالِ الكَلامِ، ولِأنَّ قِلَّةَ العَدَدِ والعُدَدِ كانَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَكانُوا إلى تَقْوِيَةِ قُلُوبِهِمْ بِالوَعْدِ أحْوَجَ، ولِأنَّ الوَعْدَ بِثَلاثَةِ آلافٍ كانَ غَيْرَ مَشْرُوطٍ، فَوَجَبَ حُصُولُهُ. وإنَّما حَصَلَ يَوْمَ بَدْرٍ، والجَمْعُ بَيْنَ ألْفٍ وثَلاثَةِ آلافٍ كانَ غَيْرَ مَشْرُوطٍ، فَوَجَبَ حُصُولُهُ، وإنَّما حَصَلَ يَوْمَ بَدْرٍ أنَّهم مُدُّوا أوَّلًا بِألْفٍ، ثُمَّ زِيدَ فِيهِمْ ألْفانِ، وصارَتْ ثَلاثَةَ آلافٍ. أوْ مُدُّوا بِألْفٍ أوَّلًا، ثُمَّ بَلَغَهم إمْدادُ المُشْرِكِينَ بِعَدَدٍ كَثِيرٍ، فَوَعَدَ بِالخَمْسَةِ عَلى تَقْدِيرِ إمْدادِ الكُفّارِ. فَلَمْ يَمُدَّ الكُفّارَ، فاسْتَغْنى عَنْ إمْدادِ المُسْلِمِينَ. والظّاهِرُ في هَذِهِ الأعْدادِ إدْخالُ النّاقِصِ في الزّائِدِ، فَيَكُونُ وُعِدُوا بِألْفٍ، ثُمَّ ضُمَّ إلَيْهِ ألْفانِ، ثُمَّ ألْفانِ، فَصارَ خَمْسَةً. ومَن ضَمَّ النّاقِصَ إلى الزّائِدِ وجَعَلَ ذَلِكَ في قِصَّةِ أُحُدٍ فَيَكُونُونَ قَدْ وُعِدُوا بِثَمانِيَةِ آلافٍ. أوْ في قِصَّةِ بَدْرٍ فَيَكُونُونَ قَدْ وُعِدُوا بِتِسْعَةِ آلافٍ. ولَمْ تَتَعَرَّضِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ لِنُزُولِ المَلائِكَةِ، ولا لِقِتالِهِمُ المُشْرِكِينَ وقَتْلِهِمْ، بَلْ هو أمْرٌ مَسْكُوتٌ عَنْهُ في الآيَةِ. وقَدْ تَظاهَرَتِ الرِّواياتُ وتَظافَرَتْ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ حَضَرَتْ بَدْرًا وقاتَلَتْ. ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ بِما يُوقَفُ عَلَيْهِ في كِتابِهِ. ولَمّا لَمْ تَتَعَرَّضُ لَهُ الآيَةُ لَمْ نُكَثِّرْ كِتابَنا بِنَقْلِهِ. وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ الشَّعْبِيَّ قالَ: لَمْ تُمَدَّ المُؤْمِنُونَ بِالمَلائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ، وكانَتِ المَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ تَحْضُرُ حُرُوبَ النَّبِيِّ ﷺ مَدَدًا، وهي تَحْضُرُ حُرُوبَ المُسْلِمِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. قالَ: وخالَفَ النّاسُ الشَّعْبِيَّ في هَذِهِ المَقالَةِ، وذَكَرَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الرّازِيُّ ما نَصُّهُ: وأجْمَعَ أهْلُ التَّفْسِيرِ والسِّيَرِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ المَلائِكَةَ يَوْمَ (p-٥٠)بَدْرٍ، وأنَّهم قاتَلُوا الكُفّارَ. ثُمَّ قالَ: وأمّا أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ فَإنَّهُ أنْكَرَ ذَلِكَ أشَدَّ الإنْكارِ، وذَكَرَ عَنْهُ حُجَجًا، ثُمَّ قالَ: وكُلُّ هَذِهِ الشُّبَهِ تَلِيقُ بِمَن يُنْكِرُ القُرْآنَ والنُّبُوَّةَ؛ لِأنَّ القُرْآنَ والسُّنَّةَ ناطِقانِ بِذَلِكَ، يَعْنِي بِإنْزالِ المَلائِكَةِ. ثُمَّ قالَ: واخْتَلَفُوا في نُصْرَةِ المَلائِكَةِ. فَقِيلَ: بِالقِتالِ. وقِيلَ: بِتَقْوِيَةِ نُفُوسِ المُؤْمِنِينَ وإلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِ الكُفّارِ. والظّاهِرُ في المَدَدِ أنَّهم يُشْرِكُونَ الجَيْشَ في القِتالِ، وأنْ يَكُونَ مُجَرَّدَ حُضُورِهِمْ كافِيًا. انْتَهى كَلامُهُ. ودَخَلَتْ أداةُ الِاسْتِفْهامِ عَلى حَرْفِ النَّفْيِ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ؛ لِانْتِفاءِ الكِفايَةِ بِهَذا العَدَدِ مِنَ المَلائِكَةِ. وكانَ حَرْفُ النَّفْيِ ”لَنْ“ الَّذِي هو أبْلَغُ في الِاسْتِقْبالِ مِن ”لا“ إشْعارًا بِأنَّهم كانُوا لِقِلَّتِهِمْ وضَعْفِهِمْ وكَثْرَةِ عَدُوِّهِمْ وشَوْكَتِهِمْ كالآيِسِينَ مِنَ النُّصْرَةِ. وبَلى: إيجابٌ لِما بَعْدَ ”لَنْ“، يَعْنِي: بَلى يَكْفِيكُمُ الإمْدادُ بِهِمْ، فَأوْجَبَ الكِفايَةَ. وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: ألا يَكْفِيَكم. انْتَهى. ومُعْظَمُهُ مِن كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ألَنْ يَكْفِيَكم تَقْرِيرٌ عَلى اعْتِقادِهِمُ الكِفايَةَ في هَذا العَدَدِ مِنَ المَلائِكَةِ ؟ ومِن حَيْثُ كانَ الأمْرُ بَيِّنًا في نَفْسِهِ أنَّ المَلائِكَةَ كافِيَةٌ، بادَرَ المُتَكَلِّمُ إلى جَوابٍ لِيَبْنِيَ ما يَسْتَأْنِفُ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ فَقالَ: بَلى، وهي جَوابُ المُقَرِّرِينَ. وهَذا يَحْسُنُ في الأُمُورِ البَيِّنَةِ الَّتِي لا مَحِيدَ في جَوابِها، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٩] . انْتَهى. وقالَ ١٠٣ أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أبِي الفَضْلِ المَرْسِيُّ: ألَنْ يَكْفِيَكم جَوابُ الصَّحابَةِ حِينَ قالُوا: هَلّا أعْلَمْتَنا بِالقِتالِ لِنَتَأهَّبَ. فَقالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: ”ألَنْ يَكْفِيَكم“ . قالَ ابْنُ عِيسى: والكِفايَةُ مِقْدارُ سَدِّ الخُلَّةِ، والإمْدادُ إعْطاءُ الشَّيْءِ حالًا بَعْدَ حالٍ. انْتَهى. وقَرَأ الحَسَنُ: بِثَلاثَهْ آلافٍ يَقِفُ عَلى الهاءِ، وكَذَلِكَ بِخَمْسَةِ آلافٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ووَجْهُ هَذِهِ القِراءَةِ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ المُضافَ والمُضافَ إلَيْهِ يَقْتَضِيانِ الِاتِّصالَ، إذْ هُما كالِاسْمِ الواحِدِ، وإنَّما الثّانِي كَمالُ الأوَّلِ، والهاءُ إنَّما هي أمارَةُ وقْفٍ، فَتَعَلَّقَ الوَقْفُ في مَوْضِعٍ إنَّما هو لِلِاتِّصالِ، لَكِنْ قَدْ جاءَ نَحْوُ هَذا لِلْعَرَبِ في مَواضِعَ. فَمِن ذَلِكَ ما حَكاهُ الفَرّاءُ أنَّهم يَقُولُونَ: أكَلْتُ لَحْمًا شاةً، يُرِيدُونَ لَحْمَ شاةٍ، فَمَطَلُوا الفُتْحَةَ حَتّى نَشَأتْ عَنْها ألِفٌ، كَما قالُوا في الوَقْفِ: قالا، يُرِيدُونَ قالَ، ثُمَّ مَطَلُوا الفُتْحَةَ في القَوافِي ونَحْوِها في مَواضِعِ الرَّوِيَّةِ والتَّثَبُّتِ. ومِن ذَلِكَ في الشِّعْرِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎يَنْباعُ مِن ذِفْرى غَضُوبٍ جَسْرَةً ∗∗∗ زيّانَةٍ مِثْلِ العَتِيقِ المُكْرَمِ يُرِيدُ يَنْبُعَ فَمَطَلَ. ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: ؎أقُولُ إذْ خَرَّتْ عَلى الكَلْكالِ ∗∗∗ يا ناقَتا ما جُلْتِ مِن مَجالِ يُرِيدُ الكَلْكَلَ، فَمَطَلَ. ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: ؎فَأنْتَ مِنَ الغَوائِلِ حِينَ تُرْمى ∗∗∗ ومِن ذَمَّ الرِّجالَ بِمُنْتَزاحِ يُرِيدُ بِمُنْتَزِحٍ. قالَ أبُو الفَتْحِ: فَإذا جازَ أنْ يَعْتَرِضَ هَذا التَّمادِيَ بَيْنَ أثْناءِ الكَلِمَةِ الواحِدَةِ، جازَ التَّمادِي والتَّأنِّي بَيْنَ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ، إذْ هُما في الحَقِيقَةِ اثْنانِ. انْتَهى كَلامُهُ. وهو تَكْثِيرٌ وتَنْظِيرٌ بِغَيْرِ ما يُناسِبُ، والَّذِي يُناسِبُ تَوْجِيهَ هَذِهِ القِراءَةِ الشّاذَّةِ أنَّها مِن إجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ، أبْدَلَها هاءً في الوَصْلِ، كَما أبْدَلُوا لَها هاءً في الوَقْفِ، ومَوْجُودٌ في كَلامِهِمْ إجْراءُ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ، وإجْراءُ الوَقْفِ مَجْرى الوَصْلِ. وأمّا قَوْلُهُ: لَكِنْ قَدْ جاءَ نَحْوُ هَذا لِلْعَرَبِ في مَواضِعَ، وجَمِيعُ ما ذُكِرَ إنَّما هو مِن بابِ إشْباعِ الحَرَكَةِ. وإشْباعُ الحَرَكَةِ لَيْسَ نَحْوَ إبْدالِ التّاءِ هاءً في الوَصْلِ، وإنَّما هو نَظِيرُ قَوْلِهِمْ: ثَلاثَهَ ارْبَعَهْ، أبْدَلَ التّاءَ هاءً، ثُمَّ نَقَلَ حَرَكَةَ هَمْزَةِ أرْبَعَةٍ إلَيْها، وحَذَفَ الهَمْزَةَ، فَأجْرى الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ في الإبْدالِ. ولِأجْلِ الوَصْلِ نُقِلَ؛ إذْ لا يَكُونُ هَذا النَّقْلُ إلّا في الوَصْلِ. وقُرِئَ شاذًّا ”بِثَلاثَةْ آلافٍ“ بِتْكِسِينِ التّاءِ (p-٥١)فِي الوَصْلِ، أجْراهُ مَجْرى الوَقْفِ. واخْتَلَفُوا في هَذِهِ التّاءِ السّاكِنَةِ، أهِيَ بَدَلٌ مِنَ الهاءِ الَّتِي يُوقَفُ عَلَيْها أمْ تاءُ التَّأْنِيثِ هي وهي الَّتِي يُوقَفُ عَلَيْها بِالتّاءِ كَما هي ؟ وهي لُغَةٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ مُنْزَلِينَ بِالتَّخْفِيفِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وابْنُ عامِرٍ بِالتَّشْدِيدِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أيْضًا، والهَمْزَةُ والتَّضْعِيفُ لِلتَّعْدِيَةِ فَهُما سِيّانِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ”مُنَزِّلِينَ“ بِتَشْدِيدِ الزّايِ وكَسْرِها مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وبَعْضُ القُرّاءِ بِتَخْفِيفِها وكَسْرِها مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيْضًا، والمَعْنى: يُنْزِلُونَ النَّصْرَ.

آل عمران 3:125

﴿بَلى إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا ويَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ هَذا يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ رَتَّبَ تَعالى عَلى مَجْمُوعِ الصَّبْرِ والتَّقْوى وإتْيانِ العَدَدِ مِن فَوْرِهِمْ إمْدادَهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ بِأكْثَرِ مِنَ العَدَدِ السّابِقِ وعَلَّقَهُ عَلى وُجُودِها، بِحَيْثُ لا يَتَأخَّرُ نُزُولُ المَلائِكَةِ عَنْ تَحَلِّيهِمْ بِثَلاثَةِ الأوْصافِ. ومَعْنى مِن فَوْرِهِمْ: مِن سَفَرِهِمْ، هَذا قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. أوْ مِن وجْهِهِمْ، هَذا قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ. قِيلَ: وهي لُغَةُ هُذَيْلٍ، وقَيْسٍ، وغَيْلانَ، وكِنانَةَ، أوْ مِن غَضَبِهِمْ هَذا، قالَهُ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، وأبُو صالِحٍ مَوْلى أُمِّ هانِئٍ، أوْ مَعْناهُ في نَهْضَتِهِمْ هَذِهِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. أوِ المَعْنى مِن ساعَتِهِمْ هَذِهِ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. ولَفْظَةُ الفَوْرِ تَدُلُّ عَلى السُّرْعَةِ والعَجَلَةِ، تَقُولُ: افْعَلْ هَذا عَلى الفَوْرِ لا عَلى التَّراخِي. ومِنهُ الفَوْرُ في الحَجِّ والوُضُوءِ. وفي إسْنادِ الإمْدادِ إلى لَفْظَةِ رَبِّكم دُونَ غَيْرِهِ مِن أسْماءِ اللَّهِ إشْعارٌ بِحُسْنِ النَّظَرِ لَهم، واللُّطْفِ بِهِمْ. وقَرَأ الصّاحِبانِ والأخَوانِ ”مُسَوَّمِينَ“ بِفَتْحِ الواوِ، وأبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ بِكَسْرِها. وقِيلَ: مِنَ السَّوْمِ، وهي العَلامَةُ تَكُونُ عَلى الشّاةِ وغَيْرِها، يُجْعَلُ عَلَيْها لَوْنٌ يُخالِفُ لَوْنَها لِتُعْرَفَ. وقِيلَ: مِنَ السَّوْمِ، وهو تَرْكُ البَهِيمَةِ تَرْعى. فَعَلى الأوَّلِ رُوِيَ أنَّ المَلائِكَةَ كانَتْ بِعَمائِمَ بِيضٍ، إلّا جِبْرِيلَ فَبِعِمامَةٍ صَفْراءَ كالزُّبَيْرِ. قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، والزَّجّاجُ. وقِيلَ: بِعَمائِمَ صُفْرٍ كالزُّبَيْرِ، قالَهُ عُرْوَةُ وعَبْدُ اللَّهِ ابْنا الزُّبَيْرِ، وعَبّادُ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، والكَلْبِيُّ وزادَ: مُرْخاةٌ عَلى أكْتافِهِمْ. قِيلَ: وكانُوا عَلى خَيْلٍ بُلْقٍ، وكانَتْ سِيماهم - قالَهُ قَتادَةُ والرَّبِيعُ - أوْ خَيْلُهم مَجْزُوزَةَ النَّواصِي والأذْنابِ، مَعْلَمَتُها بِالصُّوفِ والعِهْنِ. قالَهُ مُجاهِدٌ. فَبِفَتْحِ الواوِ: مُعَلَّمِينَ، وبِكَسْرِها مُعَلِّمِينَ أنْفُسَهم أوْ خَيْلَهم. ورَجَّحَ الطَّبَرِيُّ قِراءَةَ الكَسْرِ بِأنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَهُ يَوْمَ بَدْرٍ: سَوِّمُوا، فَإنَّ المَلائِكَةَ قَدْ سَوَّمَتْهُ. وعَلى القَوْلِ الثّانِي: وهو السَّوْمُ، فَمَعْنى مُسَوِّمِينَ - بِكَسْرِ الواوِ - سَوَّمُوا خَيْلَهم أيْ أعْطَوْها مِنَ الجَرْيِ والجَوَلانِ لِلْقِتالِ، ومِنهُ سائِمَةُ الماشِيَةِ. وأمّا بِفَتْحِ الواوِ فَيَصِحُّ فِيهِ هَذا المَعْنى أيْضًا، قالَهُ الَمَهَدَوِيُّ وابْنُ فُورَكٍ. أيْ سَوَّمَهُمُ اللَّهُ تَعالى، بِمَعْنى أنَّهُ جَعَلَهم يَجُولُونَ ويَجْرُونَ لِلْقِتالِ. وقالَ أبُو زَيْدٍ: سَوَّمَ الرَّجُلُ خَيْلَهُ أيْ أرْسَلَها في الغارَةِ. وحَكى بَعْضُ البَصْرِيِّينَ: سَوَّمَ الرَّجُلُ غُلامَهُ أرْسَلَهُ وخَلّى سَبِيلَهُ؛ ولِهَذا قالَ الأخْفَشُ: مَعْنى مُسَوَّمِينَ: مُرْسَلِينَ. وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ اتِّخاذِ العَلامَةِ لِلْقَبائِلِ والكَتائِبِ لِتَتَمَيَّزَ كُلُّ قَبِيلَةٍ وكَتِيبَةٍ عِنْدَ الحَرْبِ.

آل عمران 3:126

﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلّا بُشْرى لَكم ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الهاءَ في جَعَلَهُ عائِدَةٌ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن ”﴿يُمْدِدْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٥]“، وهو الإمْدادُ. وجَوَّزَ أنْ يَعُودَ عَلى التَّسْوِيمِ، أوْ عَلى النَّصْرِ، أوْ عَلى التَّنْزِيلِ، أوْ عَلى العَدَدِ، أوْ عَلى الوَعْدِ. و”﴿إلّا بُشْرى﴾“ مُسْتَثْنًى مِنَ المَفْعُولِ لَهُ، أيْ: ما جَعَلَهُ اللَّهُ لِشَيْءٍ إلّا بُشْرى لَكم. فَهو اسْتِثْناءٌ فَرُغَ لَهُ العامِلُ، وبُشْرى مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، وشُرُوطُ نَصْبِهِ مَوْجُودَةٌ، وهو: أنَّهُ مَصْدَرٌ، ومُتَّحِدُ الفاعِلِ والزَّمانِ. و”لِتَطْمَئِنَّ“ مَعْطُوفٌ عَلى مَوْضِعِ بُشْرى، إذْ أصْلُهُ لِبُشْرى. ولَمّا اخْتَلَفَ الفاعِلُ في ولِتَطْمَئِنَّ، أُتِيَ بِاللّامِ؛ إذْ فاتَ شَرْطُ اتِّحادِ الفاعِلِ؛ لِأنَّ فاعِلَ بُشْرى هو اللَّهُ، وفاعِلُ تَطْمَئِنُّ هو قُلُوبُكم. وتَطْمَئِنُ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ أنْ بَعْدَ لامِ كَيْ، فَهو مِن عَطْفِ الِاسْمِ عَلى تَوَهُّمِ مَوْضِعِ اسْمٍ آخَرَ، و”جَعَلَ“ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ مُتَعَدِّيَةٌ إلى واحِدٍ. وقالَ الحَوْفِيُّ: ”﴿إلّا بُشْرى﴾“ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى البَدَلِ مِنَ الهاءِ، وهي عائِدَةٌ عَلى الوَعْدِ بِالمَدَدِ. وقِيلَ: بُشْرى مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ ”جَعَلَهُ“ اللَّهُ. (p-٥٢)فَعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ تَتَعَلَّقُ اللّامُ في ”لِتَطْمَئِنَّ“ بِمَحْذُوفٍ، إذْ لَيْسَ قَبْلَهُ عَطْفٌ يُعْطَفُ عَلَيْها. قالُوا: تَقْدِيرُهُ ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ بَشَّرَكم. وبُشْرى ”فُعْلى“ مَصْدَرٌ كَـ ”رُجْعى“، وهو مَصْدَرٌ مِن بَشَرَ الثُّلاثِيِّ المُجَرَّدِ، والهاءُ في ”بِهِ“ تَعُودُ عَلى ما عادَتْ عَلَيْهِ في ”جَعْلَهُ“ عَلى الخِلافِ المُتَقَدِّمِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: اللّامُ في ولِتَطْمَئِنَّ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ”جَعَلَهُ“ . ومَعْنى الآيَةِ: وما كانَ هَذا الإمْدادُ إلّا لِتَسْتَبْشِرُوا بِهِ، وتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمُ. انْتَهى. وكَأنَّهُ رَأى أنَّهُ لا يُمْكِنُ عِنْدَهُ أنْ يَعْطِفَ ولِتَطْمَئِنَّ عَلى بُشْرى عَلى المَوْضِعِ؛ لِأنَّ مِن شَرْطِ العَطْفِ عَلى المَوْضِعِ - عِنْدَ أصْحابِنا - أنْ يَكُونَ ثَمَّ مُحْرِزٌ لِلْمَوْضِعِ، ولا مُحْرِزَ هُنا؛ لِأنَّ عامِلَ الجَرِّ مَفْقُودٌ. ومَن لَمْ يَشْتَرِطِ المُحْرِزَ فَيَجُوزُ ذَلِكَ عَلى مَذْهَبِهِ، وإنْ لا فَيَكُونُ مِن بابِ العَطْفِ عَلى التَّوَهُّمِ كَما ذَكَرْناهُ أوَّلًا. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الرّازِيُّ: قالَ بَعْضُهم: الواوُ زائِدَةٌ في ”ولِتَطْمَئِنَّ“ . وقالَ أيْضًا: في ذِكْرِ الإمْدادِ مَطْلُوبانِ، أحَدُهُما: إدْخالُ السُّرُورِ في قُلُوبِهِمْ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: إلّا بُشْرى. والثّانِي: حُصُولُ الطُّمَأْنِينَةَ بِالنَّصْرِ، فَلا تَجْبُنُوا، وهَذا هو المَقْصُودُ الأصْلِيُّ، فَفَرَّقَ بَيْنَ هاتَيْنِ العِبارَتَيْنِ تَنْبِيهًا عَلى حُصُولِ التَّفاوُتِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، فَعَطَفَ الفِعْلَ عَلى الِاسْمِ. ولَمّا كانَ الأقْوى حُصُولُ الطُّمَأْنِينَةِ أدْخَلَ حَرْفَ التَّعْلِيلِ. انْتَهى. وفِيهِ بَعْضُ تَرْتِيبٍ وتَناقُشٍ في قَوْلِهِ: فَعَطَفَ الفِعْلَ عَلى الِاسْمِ. إذْ لَيْسَ مِن عَطْفِ الفِعْلِ عَلى الِاسْمِ. وفي قَوْلِهِ: أدْخَلَ حَرْفَ التَّعْلِيلِ، ولَيْسَ ذَلِكَ لِما ذَكَرَ. ﴿وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ حَصَرَ كَيْنُونَةَ النَّصْرِ في جِهَتِهِ، لا أنَّ ذَلِكَ يَكُونُ مِن تَكْثِيرِ المُقاتِلَةِ، ولا مِن إمْدادِ المَلائِكَةِ. وذَكَرَ الإمْدادَ بِالمَلائِكَةِ تَقْوِيَةً لِرَجاءِ النَّصْرِ لَهم، وتَثْبِيتًا لِقُلُوبِهِمْ. وذَكَرَ وصْفَ العِزَّةِ وهو الوَصْفُ الدّالُّ عَلى الغَلَبَةِ، ووَصْفَ الحِكْمَةِ وهو الوَصْفُ الدّالُّ عَلى وضْعِ الأشْياءِ مَواضِعَها، مِن نَصْرٍ وخِذْلانٍ وغَيْرِ ذَلِكَ.

آل عمران 3:127

﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أوْ يَكْبِتَهم فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ﴾ الطَّرَفُ: مَن قُتِلَ بِبَدْرٍ، هم سَبْعُونَ مِن رُؤَساءِ قُرَيْشٍ، أوْ مَن قُتِلَ بِ أُحُدٍ وهُمُ اثْنانِ وعِشْرُونَ رَجُلًا عَلى الصَّحِيحِ. وقالَ السُّدِّيُّ: ثَمانِيَةَ عَشَرَ، أوْ مَجْمُوعُ المَقْتُولِينَ في الوَقْعَتَيْنِ، ثَلاثَةُ أقْوالٍ. وكَنّى عَنِ الجَماعَةِ بِقَوْلِهِ: طَرَفًا؛ لِأنَّ مَن قَتَلَهُ المُسْلِمُونَ في حَرْبٍ هم طَرَفٌ مِنَ الكُفّارِ، إذْ هُمُ الَّذِينَ يَلُونَ القاتِلِينَ، فَهم حاشِيَةٌ مِنهم. فَكانَ جَمِيعُ الكُفّارِ رُفْقَةٌ، وهَؤُلاءِ المَقْتُولُونَ طَرَفًا مِنها. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِقَوْلِهِ: طَرَفًا دابِرًا أيْ آخِرًا، وهو راجِعٌ لِمَعْنى الطَّرَفِ؛ لِأنَّ آخِرَ الشَّيْءِ طَرَفٌ مِنهُ (أوْ يَكْبِتَهم) أيْ لِيُخْزِيَهم ويَغِيظَهم، فَيَرْجِعُوا غَيْرَ ظافِرِينَ بِشَيْءٍ مِمّا أمْلَوْهُ. ومَتى وقَعَ النَّصْرُ عَلى الكُفّارِ، فَإمّا بِقَتْلٍ، وإمّا بِخَيْبَةٍ، وإمّا بِهِما. وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ورَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا﴾ [الأحزاب: ٢٥] . وقَرَأ الجُمْهُورُ ”أوْ تَكْبِتَهم“ بِالتّاءِ. وقَرَأ لاحِقُ بْنُ حُمَيْدٍ: ”أوْ يَكْبِدَهم“ بِالدّالِ مَكانَ التّاءِ، والمَعْنى: يُصِيبُ الحُزْنُ كَبِدَهم. ولِلْمُفَسِّرِينَ في ”﴿يَكْبِتَهُمْ﴾“ أقْوالٌ؛ يَهْزِمَهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والزَّجّاجُ، أوْ يُخْزِيَهِمْ قالَهُ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ، أوْ يَصْرَعَهم، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ واليَزِيدِيُّ، أوْ يُهْلِكَهم قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. أوْ يَلْعَنَهم قالَهُ: السُّدِّيُّ. أوْ يَظْفَرَ عَلَيْهِمْ، قالَهُ: المُبَرِّدُ. أوْ يَغِيظَهم قالَهُ: النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ واخْتارَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. وأمّا قِراءَةُ لاحِقٍ فَهي مِن إبْدالِ الدّالِ بِالتّاءِ كَما قالُوا. هَوَتَ الثَّوْبَ وهَرَدَهُ، إذا حَرَقَهُ، وسَبَتَ رَأْسَهُ وسَبَدَهُ إذا حَلَقَهُ، فَكَذَلِكَ كَبَتَ العَدُوَّ وكَبَدَهُ أيْ أصابَ كَبِدَهُ. واللّامُ في ”لِيَقْطَعَ“ يَتَعَلَّقُ قِيلَ: بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أمَدَّكم أوْ نَصَرَكم. وقالَ الحَوْفِيُّ: يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٢٣] أيْ نَصَرَكم لِيَقْطَعَ. قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦] . ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِيُمْدِدْكم. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اللّامُ مُتَعَلِّقَةً بِـ ”جَعَلَهُ“، وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ”ولِتَطْمَئِنَّ“، وحُذِفَ حَرْفُ العَطْفِ مِنهُ، التَّقْدِيرُ: ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ ولِيَقْطَعَ، وتَكُونُ الجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ اعْتِراضِيَّةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ والمَعْطُوفِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِأقْرَبِ مَذْكُورٍ وهو: (p-٥٣)العامِلُ في ”﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦]“ وهو خَبَرُ المُبْتَدَأِ. كَأنَّ التَّقْدِيرَ: وما النَّصْرُ إلّا كائِنٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ لا مِن عِنْدِ غَيْرِهِ؛ لِأحَدِ أمْرَيْنِ: إمّا قَطْعُ طَرَفٍ مِنَ الكُفّارِ بِقَتْلٍ وأسْرٍ، وإمّا بِخِزْيٍ وانْقِلابٍ بِخَيْبَةٍ. وتَكُونُ الألِفُ واللّامُ في ”النَّصْرُ“ لَيْسَتْ لِلْعَهْدِ في نَصْرٍ مَخْصُوصٍ، بَلْ هي لِلْعُمُومِ، أيْ: لا يَكُونُ نَصْرٌ أيْ نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمُسْلِمِينَ عَلى الكُفّارِ إلّا لِأحَدِ أمْرَيْنِ.

آل عمران 3:128

﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ اخْتُلِفَ في سَبَبِ النُّزُولِ ومُلَخَّصِهِ: أنَّهُ لَعَنَ ناسًا أوْ شَخْصًا عَيَّنَ أنَّهُ عَتَبَةُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، أوْ أشْخاصًا دَعا عَلَيْهِمْ وعُيِّنُوا: أبا سُفْيانٍ، والحارِثَ بْنَ هُشامٍ، وصَفْوانَ بْنَ أُمَيَّةَ. أوْ قَبائِلَ عَيَّنَ مِنها: لِحْيانَ، ورِعْلٌ، وذَكْوانَ، وعَطِيَّةَ. أوْ هم بِسَبَبِ الَّذِينَ انْهَزَمُوا يَوْمَ أُحُدٍ، أوِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ أنْ يَدْعُوَ. ودَعا يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ شُجَّ في وجْهِهِ، وكُسِرَتْ رُباعِيَّتُهُ، ورُمِيَ بِالحِجارَةِ، حَتّى صُرِعَ لِجَنْبِهِ، فَلَحِقَهُ ناسٌ مِن فُلّاحِهِمْ، ومالَ إلى أنْ يَسْتَأْصِلَهُمُ اللَّهُ ويُرِيحَ مِنهم، فَنَزَلَتْ. فَعَلى هَذِهِ الأسْبابِ يَكُونُ مَعْنى الآيَةِ: التَّوْقِيفُ عَلى أنَّ جَمِيعَ الأُمُورِ إنَّما هي لِلَّهِ، فَيَدْخُلُ فِيها هِدايَةُ هَؤُلاءِ وإقْرارُهم عَلى حالَةٍ. وفي خِطابِهِ: دَلِيلٌ عَلى صُدُورِ أمْرٍ مِنهُ أوْ هَمٍّ بِهِ، أوِ اسْتِئْذانٍ في الدُّعاءِ كَما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وأنَّ عَواقِبَ الأُمُورِ بِيَدِ اللَّهِ. قالَ الكُوفِيُّونَ: نَسَخَتْ هَذِهِ الآيَةُ القُنُوتَ عَلى رِعْلٍ وذَكْوانَ وعَصِيَّةَ وغَيْرِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ. وقالَ السَّخاوِيُّ: لَيْسَ هَذا شَرْطُ النّاسِخِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَنْسَخْ قُرْآنًا. ﴿أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أوْ يُعَذِّبَهم فَإنَّهم ظالِمُونَ﴾ قِيلَ: هو عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ الأفْعالِ المَنصُوبَةِ. ويَكُونُ قَوْلُهُ: لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ جُمْلَةٌ اعْتِراضِيَّةٌ، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ مالِكُ أمْرِهِمْ، فَإمّا أنْ يُهْلِكَهم، أوْ يَهْزِمَهم، أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنْ أسْلَمُوا، أوْ يُعَذِّبَهم إنْ أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ. وقِيلَ: ”أنْ“ مُضْمَرَةٌ بَعْدَ ”أوْ“، بِمَعْنى: إلّا أنْ، وهي الَّتِي في قَوْلِهِمْ: لَأُلْزِمَنَّكَ أوْ تَقْضِينِي حَقِّيَّ، والمَعْنى أنَّهُ لَيْسَ لَهُ مِن أمْرِهِمْ شَيْءٌ إلّا أنْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالإسْلامِ، فَيُسَرُّ بِهُداهم، أوْ يُعَذِّبَهم بِقَتْلٍ وأسْرٍ في الدُّنْيا، أوْ بِنارٍ في الآخِرَةِ، فَيَسْتَشْفِي بِذَلِكَ ويَسْتَرِيحُ. وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ تَكُونُ الجُمْلَةُ المَنفِيَّةُ لِلتَّأْسِيسِ، لا لِلتَّأْكِيدِ. وقِيلَ: أوْ يَتُوبَ مَعْطُوفٌ عَلى الأمْرِ. وقِيلَ: عَلى شَيْءٍ. أيْ: لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ، أوْ مِن تَوْبَتِهِمْ، أوْ تَعْذِيبِهِمْ شَيْءٌ. أوْ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أوْ تَعْذِيبِهِمْ. والظّاهِرُ مِن هَذِهِ التَّخارِيجِ الأرْبَعَةِ هو الأوَّلُ. وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ”﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ﴾“، أيْ أمْرِ الطّائِفَتَيْنِ اللَّتَيْنِ هَمَّتا أنْ تَفْشَلا. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: مِنَ الأمْرِ أيْ: مِن هَذا النَّصْرِ، وإنَّما هو مِنَ اللَّهِ كَما قالَ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ﴾ [الأنفال: ١٧] وقِيلَ: المُرادُ بِالأمْرِ أمْرُ القِتالِ. والظّاهِرُ الحَمْلُ عَلى العُمُومِ، والأُمُورُ كُلُّها لِلَّهِ تَعالى. وقَرَأ أُبَيٌّ: ”أوْ يَتُوبُ عَلَيْهِمْ أوْ يُعَذِّبُهم“ بِرَفْعِهِما عَلى مَعْنى: أوْ هو يَتُوبُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ نَبَّهَ عَلى العِلَّةِ المُقْتَضِيَةِ لِلتَّعْذِيبِ بِقَوْلِهِ: ”﴿فَإنَّهم ظالِمُونَ﴾“، وأتى بِإنَّ الدّالَّةِ عَلى التَّأْكِيدِ في نِسْبَةِ الظُّلْمِ إلَيْهِمْ.

آل عمران 3:129

﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ لَمّا قَدَّمَ ”﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨]“، بَيَّنَ أنَّ الأُمُورَ إنَّما هي لِمَن لَهُ المُلْكُ، والمِلْكُ فَجاءَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ مُؤَكِّدَةً لِلْجُمْلَةِ السّابِقَةِ. وتَقَدَّمَ شَرْحُ هَذِهِ الجُمْلَةِ. وما: إشارَةٌ إلى جُمْلَةِ العالَمِ وما هَيْأتُهُ، فَلِذَلِكَ حَسُنَتْ ما هُنا. ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ لَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أوْ يُعَذِّبَهم، أتى بِهَذِهِ الجُمْلَةِ مُوَضِّحَةً أنَّ تَصَرُّفاتِهِ تَعالى عَلى وفْقِ مَشِيئَتِهِ، وناسَبَ البَداءَةَ بِالغُفْرانِ، والإرْدافِ بِالعَذابِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ”﴿أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٨]“ ولَمْ يَشْرُطْ في الغُفْرانِ هُنا التَّوْبَةَ. إذْ يَغْفِرُ تَعالى لِمَن يَشاءُ مِن تائِبٍ وغَيْرِ تائِبٍ، ما عَدا ما اسْتَثْناهُ تَعالى مِنَ الشِّرْكِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ ما نَصُّهُ عَنِ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ بِالتَّوْبَةِ، ولا يَشاءُ أنْ يَغْفِرَ إلّا لِلتّائِبِينَ. ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ، ولا يَشاءُ أنْ يُعَذِّبَ إلّا المُسْتَوْجِبِينَ لِلْعَذابِ. وعَنْ عَطاءٍ: يَغْفِرُ لِمَن يَتُوبُ إلَيْهِ، ويُعَذِّبُ مَن لَقِيَهُ ظالِمًا. وإتْباعُهُ قَوْلُهُ: ”﴿أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أوْ يُعَذِّبَهم فَإنَّهم ظالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]“ تَفْسِيرٌ بَيِّنٌ لِمَن يَشاءُ، فَإنَّهُمُ المَتُوبُ عَلَيْهِمْ أوِ الظّالِمُونَ. ولَكِنَّ أهْلَ الأهْواءِ والبِدَعِ يَتَصامُّونَ ويَتَعامَوْنَ عَنْ آياتِ اللَّهِ تَعالى، (p-٥٤)فَيَخْبِطُونَ خَبْطَ عَشْواءٍ، ويُطَيِّبُونَ أنْفُسَهم بِما يَفْتَرُونَ. عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن قَوْلِهِمْ: يَهَبُ الذَّنْبَ الكَبِيرَ لِمَن يَشاءُ، ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ عَلى الذَّنَبِ الصَّغِيرِ. انْتَهى كَلامُهُ. وهو مَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ. وذَلِكَ أنَّ مَن ماتَ مُصِرًّا عَلى كَبِيرَةٍ لا يَغْفِرُ اللَّهُ لَهُ. وما ذَكَرَهُ عَنِ الحَسَنِ لا يَصِحُّ ألْبَتَّةَ. ومَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ وإنْ ماتَ مُصِرًّا عَلى كَبِيرَةٍ غَيْرَ تائِبٍ مِنها. ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ في هَذِهِ الجُمْلَةِ تَرْجِيحٌ لِجِهَةِ الإحْسانِ والإنْعامِ.

آل عمران 3:130

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا النَّهْيُ عَنْ أكْلِ الرِّبا اعْتَرَضَ أثْناءَ قِصَّةِ أُحُدٍ، ولا أحْفَظُ شَيْئًا في ذَلِكَ مَرْوِيًّا. انْتَهى. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها ومَجِيئُها بَيْنَ أثْناءِ القِصَّةِ: أنَّهُ لَمّا نَهى المُؤْمِنِينَ عَنِ اتِّخاذِ بِطانَةٍ مِن غَيْرِهِمْ، واسْتَطْرَدَ لِذِكْرِ قِصَّةِ أُحُدٍ، وكانَ الكُفّارُ أكْثَرَ مُعامَلاتِهِمْ بِالرِّبا مَعَ أمْثالِهِمْ ومَعَ المُؤْمِنِينَ، وهَذِهِ المُعامَلَةُ مُؤَدِّيَةٌ إلى مُخالَطَةِ الكُفّارِ - نُهُوا عَنْ هَذِهِ المُعامَلَةِ الَّتِي هي الرِّبا قَطْعًا؛ لِمُخالَطَةِ الكُفّارِ ومَوَدَّتِهِمْ، واتِّخاذِ أخِلّاءٍ مِنهم، لا سِيَّما والمُؤْمِنُونَ في أوَّلِ حالِ الإسْلامِ ذَوُو إعْسارٍ، والكُفّارُ مِنَ اليَهُودِ وغَيْرِهِمْ ذَوُو يَسارٍ. وكانَ أيْضًا أكْلُ الحَرامِ لَهُ مَدْخَلٌ عَظِيمٌ في عَدَمِ قَبُولِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ والأدْعِيَةِ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَسْتَجِيبُ لِمَن مَطْعَمُهُ حَرامٌ ومَشْرَبُهُ حَرامٌ إذا دَعا، وإنَّ آكِلَ الحَرامِ يَقُولُ إذا حَجَّ: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ. فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: لا لَبَّيْكَ ولا سَعْدَيْكَ، وحَجُّكَ مَرْدُودٌ عَلَيْكَ» فَناسَبَ ذِكْرَ هَذِهِ الآيَةِ هُنا. وقِيلَ: ناسَبَ اعْتِراضَ هَذِهِ الجُمْلَةِ هُنا أنَّهُ تَعالى وعَدَ المُؤْمِنِينَ بِالنَّصْرِ والإمْدادِ مَقْرُونًا بِالصَّبْرِ والتَّقْوى، فَبَدَأ بِالأهَمِّ مِنها وهو: ما كانُوا يَتَعاطَوْنَهُ مِن أكْلِ الأمْوالِ بِالباطِلِ، وأمْرٍ بِالتَّقْوى، ثُمَّ بِالطّاعَةِ. وقِيلَ: لَمّا قالَ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [آل عمران: ١٢٩] وبَيَّنَ أنَّ ما فِيهِما مِنَ المَوْجُوداتِ مِلْكٌ لَهُ، ولا يَجُوزُ أنْ يُتَصَرَّفَ في شَيْءٍ مِنها إلّا بِإذْنِهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي شَرَعَهُ، وآكِلُ الرِّبا مُتَصَرِّفٌ في مالِهِ بِغَيْرِ الوَجْهِ الَّذِي أمَرَ - نَبَّهَ تَعالى عَلى ذَلِكَ، ونَهى عَمّا كانُوا في الإسْلامِ مُسْتَمِرِّينَ عَلَيْهِ مِن حُكْمِ الجاهِلِيَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الرِّبا في سُورَةِ البَقَرَةِ. وانْتَصَبَ ”﴿أضْعافًا﴾“، نُهُوا عَنِ الحالَةِ الشَّنْعاءِ الَّتِي يُوقِعُونَ الرِّبا عَلَيْها، كانَ الطّالِبُ يَقُولُ: أتَقْضِي أمْ تَرْبِي، ورُبَّما اسْتَغْرَقَ بِالنَّزْرِ اليَسِيرِ مالَ المَدِينِ؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يَجِدْ وفاءً زادَ في الدَّيْنِ، وزادَ في الأصْلِ. وأشارَ بِقَوْلِهِ: ”﴿مُضاعَفَةً﴾“ إلى أنَّهم كانُوا يُكَرِّرُونَ التَّضْعِيفَ عامًا بَعْدَ عامٍ. والرِّبا مُحَرَّمٌ جَمِيعُ أنْواعِهِ، فَهَذِهِ الحالُ لا مَفْهُومَ لَها، ولَيْسَتْ قَيْدًا في النَّهْيِ، إذْ ما لا يَقَعُ أضْعافًا مُضاعَفَةً مُساوٍ في التَّحْرِيمِ لِما كانَ أضْعافًا مُضاعَفَةً. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في نِسْبَةِ الأكْلِ إلى الرِّبا في البَقَرَةِ. وقِيلَ: المُضاعَفَةُ مُنْصَرِفَةٌ إلى الأمْوالِ. فَإنْ كانَ الرِّبا في السِّنِّ يَرْفَعُونَها ابْنَةَ مَخاضٍ بِابْنَةِ لَبُونٍ، ثُمَّ حِقَّةً، ثُمَّ جَذَعَةً، ثُمَّ رَباعٌ، هَكَذا إلى فَوْقُ. وإنْ كانَ في النُّقُودِ فَمِائَةٌ إلى قابِلٍ بِمِائَتَيْنِ، فَإنْ لَمْ يُوَفِّهِما فَأرْبَعُمِائَةٍ. والأضْعافُ: جَمْعُ ضِعْفٍ، وهو مِن جُمُوعِ القِلَّةِ؛ فَلِذَلِكَ أرْدَفَهُ بِالمُضاعَفَةِ. ﴿واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ لَمّا نَهاهم عَنْ أمْرٍ صَعْبٍ عَلَيْهِمْ فِراقُهُ وهو الرِّبا، أمَرَ بِتَقْوى اللَّهِ إذْ هي الحامِلَةُ عَلى مُخالَفَةِ ما تَعَوَّدَهُ المَرْءُ مِمّا نَهى الشَّرْعُ عَنْهُ. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ التَّقْوى سَبَبٌ لِرَجاءِ الفَلّاحِ وهو الفَوْزُ، وأمَرَ بِها مُطْلَقًا لا مُقَيَّدًا بِفِعْلِ الرِّبا؛ لِأنَّهُ لَمّا نَهى عَنِ الرِّبا كانَ المُؤْمِنُونَ أسْرَعَ شَيْءٍ لِطَواعِيَةِ اللَّهِ تَعالى، فَلَمْ يَأْتِ واتَّقُوا اللَّهَ في أكْلِ الرِّبا بَلْ أُمِرُوا بِالتَّقْوى، لا بِالنِّسْبَةِ إلى شَيْءٍ خاصٍّ مَنَعُوهُ مِن جِهَةِ الشَّرِيعَةِ.

آل عمران 3:131

﴿واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ لِما تَقَدَّمَ ”واتَّقُوا اللَّهَ“، والذَّواتُ لا تُتَّقى، فَإنَّما المُتَّقى مَحْذُوفٌ أوْضَحَهُ في هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: واتَّقَوُا النّارَ. والألِفُ واللّامُ في النّارِ لِلْجِنْسِ، فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ النّارُ الَّتِي وعَدَ بِها آكِلَ الرِّبا أخَفَّ مِن نارِ الكافِرِ، أيْ أعَدَّ جِنْسَها لِلْكافِرِينَ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْعَهْدِ، فَيَكُونُ آكِلُ الرِّبا قَدْ تُوُعِّدَ بِالنّارِ الَّتِي يُعَذَّبُ بِها الكافِرُ. وقِيلَ: تُوُعِّدُ أكَلَةُ الرِّبا بِنارِ الكَفَرَةِ، إذِ النّارُ سَبْعُ طَبَقاتٍ: العُلْيا مِنها وهي جَهَنَّمُ لِلْعُصاةِ، والخَمْسُ لِلْكُفّارِ، والدَّرْكُ (p-٥٥)الأسْفَلُ لِلْمُنافِقِينَ. فَأكَلَةُ الرِّبا يُعَذَّبُونَ بِنارِ الكُفّارِ، لا بِنارِ العُصاةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا تَهْدِيدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ لِئَلّا يَسْتَحِلُّوا الرِّبا. وقالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى واتَّقُوا أنْ تُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ فَتَكْفُرُوا. وقِيلَ: اتَّقُوا العَمَلَ الَّذِي يَنْزِعُ مِنكُمُ الإيمانَ وتَسْتَوْجِبُونَ بِهِ النّارَ. وكانَ أبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: هي أخْوَفُ آيَةٍ في القُرْآنِ، حَيْثُ أوْعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ بِالنّارِ المُعَدَّةِ لِلْكافِرِينَ إنْ لَمْ يَتَّقُوهُ بِاجْتِنابِ مَحارِمِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَدْ أمَدَّ ذَلِكَ بِما أتْبَعَهُ مِن تَعْلِيقِ رَجاءِ المُؤْمِنِ لِرَحْمَتِهِ بِتَوَفُّرِهِمْ عَلى طاعَتِهِ وطاعَةِ رَسُولِهِ، ومَن تَأمَّلَ هَذِهِ الآياتِ وأمْثالَها لَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالأطْماعِ الفارِغَةِ والتَّمَنِّي عَلى اللَّهِ تَعالى. وفي ذِكْرِهِ تَعالى ”لَعَلَّ“ و”عَسى“ في نَحْوِ هَذِهِ المَواضِعِ وإنْ قالَ النّاسُ ما قالُوا ما لا يَخْفى عَلى العارِفِ الفَطِنِ مِن دِقَّةِ مَسْلَكِ التَّقْوى، وصُعُوبَةِ إصابَةِ رِضا اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وعَزَّةِ التَّوَصُّلِ إلى رَحْمَتِهِ وثَوابِهِ. انْتَهى كَلامُهُ. وهو جارٍ عَلى مَذْهَبِهِ مِن تَقْنِيطِ العاصِي غَيْرِ التّائِبِ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ، ووُلُوعِهِ بِمَذْهَبِهِ يَجْعَلُهُ يُحَمِّلُ ألْفاظَ القُرْآنِ ما لا يَحْتَمِلُهُ، أوْ ما هو بَعِيدٌ عَنْها. وتَقَدَّمَ شَرْحُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ في أوائِلِ البَقَرَةِ. ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ قِيلَ: أطِيعُوا اللَّهَ في الفَرائِضِ، والرَّسُولَ في السُّنَنِ. وقِيلَ: في تَحْرِيمِ الرِّبا، والرَّسُولَ فِيما بَلَّغَكم مِنَ التَّحْرِيمِ. وقِيلَ: وأطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ فِيما يَأْمُرُكم بِهِ ويَنْهاكم عَنْهُ. فَإنَّ طاعَةَ الرَّسُولِ طاعَةُ اللَّهِ، قالَ تَعالى: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] وقالَ الَمَهَدَوِيُّ: ذِكْرُ الرَّسُولِ زِيادَةٌ في التَّبْيِينِ والتَّأْكِيدِ والتَّعْرِيفِ بِأنَّ طاعَتَهُ طاعَةُ اللَّهِ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: هَذِهِ الآيَةُ هي ابْتِداءُ المُعاتَبَةِ في أمْرِ أُحُدٍ، وانْهِزامِ مَن فَرَّ، وزَوالِ الرُّماةِ مِن مَرْكَزِهِمْ. وقِيلَ: صِيغَتُها الأمْرُ، ومَعْناها العَتْبُ عَلى المُؤْمِنِينَ فِيما جَرى مِنهم مِن أكْلِ الرِّبا، والمُخالَفَةِ يَوْمَ أُحُدٍ. والرَّحْمَةُ مِنَ اللَّهِ إرادَةُ الخَيْرِ لِعَبِيدِهِ، أوْ ثَوابُهم عَلى أعْمالِهِمْ. وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ ضُرُوبًا مِنَ الفَصاحَةِ والبَدِيعِ، مِن ذَلِكَ: العامُّ المُرادُ بِهِ الخاصُّ في ”﴿مِن أهْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٢١]“، قالَ الجُمْهُورُ: أرادَ بِهِ بَيْتَ عائِشَةَ. فالِاخْتِصاصُ في: ”﴿واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٢١]“، وفي: ”﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٢]“، وفي: ”﴿ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [آل عمران: ١٢٩]“، وفي: ”﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ [آل عمران: ١٢٩]“ خَصَّ نَفْسَهُ بِذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ”﴿ومَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥]“، ”﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩]“، وفي ”﴿العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ١٢٦]“؛ لِأنَّ العِزَّ مِن ثَمَراتِ النَّصْرِ، والتَّدْبِيرَ الحَسَنَ مِن ثَمَراتِ الحِكْمَةِ. والتَّشْبِيهُ: في ”﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾ [آل عمران: ١٢٧]“، شَبَّهَ مَن قُتِلَ مِنهم وتَفَرَّقَ بِالشَّيْءِ المُقْتَطَعِ الَّذِي تَفَرَّقَتْ أجْزاؤُهُ وانْخَرَمَ نِظامُهُ، وفي: ”﴿ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٦]“ شَبَّهَ زَوالَ الخَوْفِ عَنِ القَلْبِ وسُكُونَهُ عَنْ غَلَيانِهِ بِاطْمِئْنانِ الرَّجُلِ السّاكِنِ الحَرَكَةِ. وفي: ”﴿فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٧]“ شَبَّهَ رُجُوعَهم بِلا ظَفَرٍ ولا غَنِيمَةٍ بِمَن أمَلَ خَيْرًا مِن رَجُلٍ فَأمَّهُ، فَأخْفَقَ أمَلَهُ وقَصْدَهُ. والطِّباقُ في ”نَصَرَكم“ و”أنْتُمْ أذِلَّةٌ“، النَّصْرُ إعْزازٌ وهو ضِدُّ الذُّلِّ. وفي: يَغْفِرُ ويُعَذِّبُ، الغُفْرانُ تَرْكُ المُؤاخَذَةِ، والتَّعْذِيبُ المُؤاخَذَةُ بِالذَّنْبِ. والتَّجَوُّزُ بِإطْلاقِ التَّثْنِيَةِ عَلى الجَمْعِ في: أنْ يَفْشَلا. وبِإقامَةِ اللّامِ مَقامَ ”إلى“ في ”﴿لَيْسَ لَكَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]“ أيْ إلَيْكَ، أوْ مَقامَ ”عَلى“ أيْ لَيْسَ عَلَيْكَ. والحَذْفُ والِاعْتِراضُ في مَواضِعَ اقْتَضَتْ ذَلِكَ، والتَّجْنِيسُ المُماثِلُ في: ”﴿أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠]“ . وتَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِما يَئُولُ إلَيْهِ في: ”لا تَأْكُلُوا“ سَمّى الأخْذَ أكْلًا؛ لِأنَّهُ يَئُولُ إلَيْهِ.

آل عمران 3:132

﴿واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ لِما تَقَدَّمَ ”واتَّقُوا اللَّهَ“، والذَّواتُ لا تُتَّقى، فَإنَّما المُتَّقى مَحْذُوفٌ أوْضَحَهُ في هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: واتَّقَوُا النّارَ. والألِفُ واللّامُ في النّارِ لِلْجِنْسِ، فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ النّارُ الَّتِي وعَدَ بِها آكِلَ الرِّبا أخَفَّ مِن نارِ الكافِرِ، أيْ أعَدَّ جِنْسَها لِلْكافِرِينَ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْعَهْدِ، فَيَكُونُ آكِلُ الرِّبا قَدْ تُوُعِّدَ بِالنّارِ الَّتِي يُعَذَّبُ بِها الكافِرُ. وقِيلَ: تُوُعِّدُ أكَلَةُ الرِّبا بِنارِ الكَفَرَةِ، إذِ النّارُ سَبْعُ طَبَقاتٍ: العُلْيا مِنها وهي جَهَنَّمُ لِلْعُصاةِ، والخَمْسُ لِلْكُفّارِ، والدَّرْكُ (p-٥٥)الأسْفَلُ لِلْمُنافِقِينَ. فَأكَلَةُ الرِّبا يُعَذَّبُونَ بِنارِ الكُفّارِ، لا بِنارِ العُصاةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا تَهْدِيدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ لِئَلّا يَسْتَحِلُّوا الرِّبا. وقالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى واتَّقُوا أنْ تُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ فَتَكْفُرُوا. وقِيلَ: اتَّقُوا العَمَلَ الَّذِي يَنْزِعُ مِنكُمُ الإيمانَ وتَسْتَوْجِبُونَ بِهِ النّارَ. وكانَ أبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: هي أخْوَفُ آيَةٍ في القُرْآنِ، حَيْثُ أوْعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ بِالنّارِ المُعَدَّةِ لِلْكافِرِينَ إنْ لَمْ يَتَّقُوهُ بِاجْتِنابِ مَحارِمِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَدْ أمَدَّ ذَلِكَ بِما أتْبَعَهُ مِن تَعْلِيقِ رَجاءِ المُؤْمِنِ لِرَحْمَتِهِ بِتَوَفُّرِهِمْ عَلى طاعَتِهِ وطاعَةِ رَسُولِهِ، ومَن تَأمَّلَ هَذِهِ الآياتِ وأمْثالَها لَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالأطْماعِ الفارِغَةِ والتَّمَنِّي عَلى اللَّهِ تَعالى. وفي ذِكْرِهِ تَعالى ”لَعَلَّ“ و”عَسى“ في نَحْوِ هَذِهِ المَواضِعِ وإنْ قالَ النّاسُ ما قالُوا ما لا يَخْفى عَلى العارِفِ الفَطِنِ مِن دِقَّةِ مَسْلَكِ التَّقْوى، وصُعُوبَةِ إصابَةِ رِضا اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وعَزَّةِ التَّوَصُّلِ إلى رَحْمَتِهِ وثَوابِهِ. انْتَهى كَلامُهُ. وهو جارٍ عَلى مَذْهَبِهِ مِن تَقْنِيطِ العاصِي غَيْرِ التّائِبِ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ، ووُلُوعِهِ بِمَذْهَبِهِ يَجْعَلُهُ يُحَمِّلُ ألْفاظَ القُرْآنِ ما لا يَحْتَمِلُهُ، أوْ ما هو بَعِيدٌ عَنْها. وتَقَدَّمَ شَرْحُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ في أوائِلِ البَقَرَةِ. ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ قِيلَ: أطِيعُوا اللَّهَ في الفَرائِضِ، والرَّسُولَ في السُّنَنِ. وقِيلَ: في تَحْرِيمِ الرِّبا، والرَّسُولَ فِيما بَلَّغَكم مِنَ التَّحْرِيمِ. وقِيلَ: وأطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ فِيما يَأْمُرُكم بِهِ ويَنْهاكم عَنْهُ. فَإنَّ طاعَةَ الرَّسُولِ طاعَةُ اللَّهِ، قالَ تَعالى: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] وقالَ الَمَهَدَوِيُّ: ذِكْرُ الرَّسُولِ زِيادَةٌ في التَّبْيِينِ والتَّأْكِيدِ والتَّعْرِيفِ بِأنَّ طاعَتَهُ طاعَةُ اللَّهِ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: هَذِهِ الآيَةُ هي ابْتِداءُ المُعاتَبَةِ في أمْرِ أُحُدٍ، وانْهِزامِ مَن فَرَّ، وزَوالِ الرُّماةِ مِن مَرْكَزِهِمْ. وقِيلَ: صِيغَتُها الأمْرُ، ومَعْناها العَتْبُ عَلى المُؤْمِنِينَ فِيما جَرى مِنهم مِن أكْلِ الرِّبا، والمُخالَفَةِ يَوْمَ أُحُدٍ. والرَّحْمَةُ مِنَ اللَّهِ إرادَةُ الخَيْرِ لِعَبِيدِهِ، أوْ ثَوابُهم عَلى أعْمالِهِمْ. وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ ضُرُوبًا مِنَ الفَصاحَةِ والبَدِيعِ، مِن ذَلِكَ: العامُّ المُرادُ بِهِ الخاصُّ في ”﴿مِن أهْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٢١]“، قالَ الجُمْهُورُ: أرادَ بِهِ بَيْتَ عائِشَةَ. فالِاخْتِصاصُ في: ”﴿واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٢١]“، وفي: ”﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٢]“، وفي: ”﴿ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [آل عمران: ١٢٩]“، وفي: ”﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ [آل عمران: ١٢٩]“ خَصَّ نَفْسَهُ بِذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ”﴿ومَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥]“، ”﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩]“، وفي ”﴿العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ١٢٦]“؛ لِأنَّ العِزَّ مِن ثَمَراتِ النَّصْرِ، والتَّدْبِيرَ الحَسَنَ مِن ثَمَراتِ الحِكْمَةِ. والتَّشْبِيهُ: في ”﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾ [آل عمران: ١٢٧]“، شَبَّهَ مَن قُتِلَ مِنهم وتَفَرَّقَ بِالشَّيْءِ المُقْتَطَعِ الَّذِي تَفَرَّقَتْ أجْزاؤُهُ وانْخَرَمَ نِظامُهُ، وفي: ”﴿ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٦]“ شَبَّهَ زَوالَ الخَوْفِ عَنِ القَلْبِ وسُكُونَهُ عَنْ غَلَيانِهِ بِاطْمِئْنانِ الرَّجُلِ السّاكِنِ الحَرَكَةِ. وفي: ”﴿فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٧]“ شَبَّهَ رُجُوعَهم بِلا ظَفَرٍ ولا غَنِيمَةٍ بِمَن أمَلَ خَيْرًا مِن رَجُلٍ فَأمَّهُ، فَأخْفَقَ أمَلَهُ وقَصْدَهُ. والطِّباقُ في ”نَصَرَكم“ و”أنْتُمْ أذِلَّةٌ“، النَّصْرُ إعْزازٌ وهو ضِدُّ الذُّلِّ. وفي: يَغْفِرُ ويُعَذِّبُ، الغُفْرانُ تَرْكُ المُؤاخَذَةِ، والتَّعْذِيبُ المُؤاخَذَةُ بِالذَّنْبِ. والتَّجَوُّزُ بِإطْلاقِ التَّثْنِيَةِ عَلى الجَمْعِ في: أنْ يَفْشَلا. وبِإقامَةِ اللّامِ مَقامَ ”إلى“ في ”﴿لَيْسَ لَكَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]“ أيْ إلَيْكَ، أوْ مَقامَ ”عَلى“ أيْ لَيْسَ عَلَيْكَ. والحَذْفُ والِاعْتِراضُ في مَواضِعَ اقْتَضَتْ ذَلِكَ، والتَّجْنِيسُ المُماثِلُ في: ”﴿أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠]“ . وتَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِما يَئُولُ إلَيْهِ في: ”لا تَأْكُلُوا“ سَمّى الأخْذَ أكْلًا؛ لِأنَّهُ يَئُولُ إلَيْهِ.

آل عمران 3:133

﴿وسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ والكاظِمِينَ الغَيْظَ والعافِينَ عَنِ النّاسِ واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] ﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم ذَكَرُوا اللَّهَ فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ومَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا اللَّهُ ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وهم يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥] ﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم مَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ وجَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ونِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٦] ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٧] ﴿هَذا بَيانٌ لِلنّاسِ وهُدًى ومَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٨] ﴿ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] ﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٠] ﴿ولِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَمْحَقَ الكافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤١] (p-٥٦)الكَظْمُ: الإمْساكُ عَلى غَيْظٍ وغَمٍّ. والكَظِيمُ: المُمْتَلِئُ أسَفًا، وهو المَكْظُومُ. وقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: ؎فَحَضَضْتُ قَوْمِيَ واحْتَسَبْتُ قِتالَهم والقَوْمُ مِن خَوْفِ المَنايا كُظَّمُ وكَظْمُ الغَيْظِ رَدَّهُ في الجَوْفِ إذا كانَ يَخْرُجُ مِن كَثْرَتِهِ، فَضَبْطُهُ ومَنعُهُ كَظْمٌ لَهُ. ويُقالُ: كَظَمَ القِرْبَةَ إذا شَدَّها وهي مَلْأى. والكِظامُ: السَّيْرُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ فَمُها. وكَظَمَ البَعِيرَ جَرَّتَهُ: رَدَّها في جَوْفِهِ، أوْ حَبَسَها قَبْلَ أنْ يُرْسِلَها إلى فِيهِ. ويُقالُ: كَظَمَ البَعِيرَ والنّاقَةَ، إذا لَمْ يَجْتَرّا، ومِنهُ قَوْلُ الرّاعِي: ؎فَأفَضْنَ بَعْدَ كُظُومِهِنَّ بِجِرَّةٍ ∗∗∗ مِن ذِي الأباطِحِ إذْ رَعَيْنَ حَقِيلا الحَقِيلُ: مَوْضِعٌ، والحَقِيلُ أيْضًا نَبْتٌ. ويُقالُ: لا تَمْنَعُ الإبِلُ جَرَّتَها إلّا عِنْدَ الجَهْدِ والفَزَعِ، فَلا تَجْتَرُّ. ومِنهُ قَوْلُ أعْشى باهِلَةَ يَصِفُ نَحّارَ الإبِلِ: ؎قَدْ تَكْظِمُ البَزْلَ مِنهُ حِينَ تُبْصِرُهُ ∗∗∗ حَتّى تَقَطَّعَ في أجْوافِها الجُرُرُ الإصْرارُ: اعْتِزامُ الدَّوامِ عَلى الأمْرِ. وتَرْكُ الإقْلاعِ عَنْهُ، مِن صَرَّ الدَّنانِيرَ رَبَطَ عَلَيْها. وقالَ أبُو السَّمّالِ: ؎عَلِــمَ اللَّهُ أنَّهَــا مِنِّــي صِــرًى أيْ: عَزِيمَةٌ. وقالَ الحُطَيْئَةُ يَصِفُ الخَيْلَ: ؎عَوابِسَ بِالشُّعْثِ الكُماةِ إذا ابْتَغَوْا ∗∗∗ عَلالَيْها بِالمُحْضَراتِ أصَرَّتِ أيْ ثَبَتَتْ عَلى عَدْوِها. وقالَ آخَرُ: ؎يُصِرُّ بِاللَّيْلِ ما تَخْفى شَواكِلُهُ ∗∗∗ يا ويْحَ كُلِّ مُصِرِّ القَلْبِ خَتّارِ السُّنَّةُ: الطَّرِيقَةُ. وقالَ المُفَضَّلُ: الأُمَّةُ، وأنْشَدَ: ؎ما عايَنَ النّاسُ مِن فَضْلٍ كَفَضْلِكُمُ ∗∗∗ ولا رُأوا مِثْلَهُ في سالِفِ السُّنَنِ وسُنَّةُ الإنْسانِ: الشَّيْءُ الَّذِي يَعْمَلُهُ ويُوالِيهِ، كَقَوْلِ خالِدٍ الهُذَلِيِّ لِأبِي ذُؤَيْبٍ: ؎فَلا تَجْزَعَنْ مِن سُنَّةٍ أنْتَ سِرْتَها ∗∗∗ فَأوَّلُ راضٍ سُنَّةً مَن يُسِيرُها وقالَ سُلَيْمانُ بْنُ قُتَيْبَةَ: ؎وإنَّ الأُلى بِألْطَفِ مِن آلِ هاشِمٍ ∗∗∗ تَأسَّوْا فَسَنُّوا لِلْكِرامِ التَّأسِّيا وقالَ لَبِيدٌ: ؎مِن أُمَّةٍ سَنَّتْ لَهم آباؤُهم ∗∗∗ ولِكُلِّ قَوْمٍ سُنَّةٌ وإمامُها وقالَ الخَلِيلُ: سَنَّ الشَّيْءَ: صَوَّرَهُ. والمَسْنُونُ المُصَوَّرُ، وسَنَّ عَلَيْهِمْ شَرًّا: صَبَّهُ، والماءُ والدِّرْعُ صَبَّهُما. واشْتِقاقُ السُّنَّةِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن أحَدِ هَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ، أوْ مِن سَنَّ السِّنانَ والنَّصْلَ: حَدَّهُما عَلى المِسَنِّ، أوْ مِن سَنَّ الإبِلَ: إذا أحْسَنَ رَعْيَها. السَّيْرُ في الأرْضِ: الذِّهابُ. وهَنَ الشَّيْءُ: ضَعُفَ، ووَهَنَهُ الشَّيْءُ: أضْعَفَهُ. يَكُونُ مُتَعَدِّيًا ولازِمًا. وفي الحَدِيثِ: «وهْنَتْهم حُمّى يَثْرِبَ» والوَهْنُ: الضَّعْفُ. وقالَ زُهَيْرٌ: ؎فَـأصْبَحَ الحَبْـلُ مِنهَـا واهِنًـا خَلِقَـا القَرْحُ والقُرْحُ لُغَتانِ، كالضَّعْفِ والضُّعْفِ، والكَرْهِ والكُرْهِ، الفَتْحُ لُغَةُ الحِجازِ وهو الجُرْحُ. قالَ حُنْدُجٌ: ؎وبُدِّلْتُ قَرْحًا دامِيًا بَعْدَ صِحَّةٍ ∗∗∗ لَعَلَّ مَنايانا تَحَوَّلْنَ أبْؤُسًا وقالَ الأخْفَشُ: هُما مَصْدَرانِ. ومَن قالَ: القَرْحُ بِالفَتْحِ الجُرْحُ، وبِالضَّمِّ المِدَّةُ، فَيَحْتاجُ في ذَلِكَ إلى صِحَّةِ نَقْلٍ عَنِ العَرَبِ. وأصْلُ الكَلِمَةِ الخُلُوصُ، ومِنهُ: ماءٌ قِراحٌ لا كُدُورَةَ فِيهِ، وأرْضٌ قِراحٌ خالِصَةُ الطِّينِ، (p-٥٧)وقَرِيحَةُ الرَّجُلِ خالِصَةُ طَبْعِهِ. المُداوَلَةُ: المُعاوَدَةُ، وهي المُعاهَدَةُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. يُقالُ: داوَلْتُ بَيْنَهُمُ الشَّيْءَ فَتَداوَلُوهُ. قالَ: ؎يَرِدُ المِياهَ فَلا يَزالُ مُداوِلًا ∗∗∗ في النّاسِ بَيْنَ تَمَثُّلٍ وسَماعِ وأدَلْتُهُ: جَعَلْتُ لَهُ دَوْلَةً وتَصْرِيفًا، والدُّولَةُ بِالضَّمِّ المَصْدَرُ، وبِالفَتْحِ الفَعْلَةُ الواحِدَةُ؛ فَلِذَلِكَ يُقالُ: في دَوْلَةِ فُلانٍ؛ لِأنَّها مَرَّةً في الدَّهْرِ. والدُّورُ والدَّوْلُ مُتَقارِبانِ، لَكِنَّ الدَّوْرَ أعَمُّ. فَإنَّ الدَّوْلَةَ لا تُقالُ إلّا في الحَظِّ الدُّنْيَوِيِّ. المَحْصُ كالفَحْصِ، لَكِنَّ الفَحْصَ يُقالُ في إبْرازِ الشَّيْءِ عَنْ خِلالِ أشْياءَ مُنْفَصِلَةٍ عَنْهُ. والمَحْصُ عَنْ إبْرازِهِ عَنْ أشْياءَ مُتَّصِلَةٍ بِهِ. قالَ الخَلِيلُ: التَّمْحِيصُ التَّخْلِيصُ عَنِ العُيُوبِ، ويُقالُ: مَحَّصَ الحَبْلَ إذا زالَ عَنْهُ - بِكَثْرَةِ مَرِّهِ عَلى اليَدِ زَئْبَرَهُ وأمْلَسَ، هَكَذا ساقَ الزَّجّاجُ اللَّفْظَةَ الحَبْلَ. ورَواها النَّقّاشُ: مَحَّصَ الجَمَلَ إذا زالَ عَنْهُ وبَرَهُ وأمْلَسَ. وقالَ حَنِيفُ الحَناتِمِ: وقَدْ ورَدَ ماءً اسْمُهُ طُوَيْلِعٌ، إنَّكَ لَمَحْصُ الرِّشاءِ، بَعِيدُ المُسْتَقى، مُطِلٌّ عَلى الأعْداءِ. المَعْنى: أنَّهُ لِبُعْدِهِ يَمْلَسُ حَبْلُهُ بِمَرِّ الأيْدِي. * * ﴿وسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ ونافِعٌ: ”سارِعُوا“ بِغَيْرِ واوٍ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والباقُونَ بِالواوِ عَلى العَطْفِ. لَمّا أُمِرُوا بِتَقْوى النّارِ أُمِرُوا بِالمُبادَرَةِ إلى أسْبابِ المَغْفِرَةِ والجَنَّةِ. وأمالَ الدُّورِيُّ في قِراءَةِ الكِسائِيِّ ”﴿وسارِعُوا﴾“ لِكَسْرَةِ الرّاءِ. وقَرَأ أُبَيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ: ”وسابِقُوا“ . والمُسارَعَةُ: مُفاعَلَةٌ. إذِ النّاسُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم لَيَصِلُ قَبْلَ غَيْرِهِ، فَبَيْنَهم في ذَلِكَ مُفاعَلَةٌ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ [البقرة: ١٤٨] والمُسارَعَةُ إلى سَبَبِ المَغْفِرَةِ وهو الإخْلاصُ، قالَهُ عُثْمانُ. أوْ أداءُ الفَرائِضِ، قالَهُ عَلِيٌّ. أوِ الإسْلامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. أوِ التَّكْبِيرَةُ الأُولى مِنَ الصَّلاةِ مَعَ الإمامِ، قالَهُ أنَسٌ ومَكْحُولٌ. أوِ الطّاعَةُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. أوِ التَّوْبَةُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. أوِ الهِجْرَةُ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. أوِ الجِهادُ، قالَهُ الضَّحّاكُ. أوِ الصَّلَواتُ الخَمْسُ، قالَهُ يَمانٌ. أوِ الأعْمالُ الصّالِحَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. ويَنْبَغِي أنْ تُحْمَلَ هَذِهِ الأقْوالُ عَلى التَّمْثِيلِ لا عَلى التَّعْيِينِ والحَصْرِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْنى المُسارَعَةِ إلى المَغْفِرَةِ والجَنَّةِ الإقْبالُ عَلى ما يَسْتَحِقّانِ بِهِ. انْتَهى. وفي ذِكْرِ الِاسْتِحْقاقِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ، وتَقَدَّمِ ذِكْرُ المَغْفِرَةِ عَلى الجَنَّةِ؛ لِأنَّها السَّبَبُ المُوصِلُ إلى الجَنَّةِ، وحُذِفَ المُضافُ مِنَ السَّماواتِ، أيْ عَرْضُ السَّماواتِ، بَعْدَ حَذْفِ أداةِ التَّشْبِيهِ أيْ: كَعَرْضِ. وبَعْدَ هَذا التَّقْدِيرِ اخْتَلَفُوا، هَلْ هو تَشْبِيهٌ حَقِيقِيٌّ، أوْ ذَهَبَ بِهِ مَذْهَبَ السِّعَةِ العَظِيمَةِ ؟ لَمّا كانَتِ الجَنَّةُ مِنَ الِاتِّساعِ والِانْفِساحِ في الغايَةِ القُصْوى؛ إذِ السَّماواتُ والأرْضُ أوْسَعُ ما عَلِمَهُ النّاسُ مِن مَخْلُوقاتِهِ وأبْسَطِهِ، وخَصَّ العَرْضَ؛ لِأنَّهُ في العادَةِ أدْنى مِنَ الطُّولِ لِلْمُبالَغَةِ، فَعَلى هَذا لا يُرادُ عَرْضٌ ولا طُولٌ حَقِيقَةً، قالَهُ الزَّجّاجُ. وتَقُولُ العَرَبُ: بِلادٌ عَرِيضَةٌ، أيْ واسِعَةٌ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎كَأنَّ بِلادَ اللَّهِ وهْيَ عَرِيضَةٌ عَلى الخائِفِ المَطْلُوبِ كِفَّةُ حابِلِ والقَوْلُ الأوَّلُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والجُمْهُورُ: تُقْرَنُ السَّماواتُ والأرْضُ بَعْضُها إلى بَعْضٍ كَما تُبْسَطُ الثِّيابُ، فَذَلِكَ عَرْضُ الجَنَّةِ، ولا يَعْلَمُ طُولَها إلّا اللَّهُ. انْتَهى ولا يُنْكَرُ هَذا؛ فَقَدْ ورَدَ في الحَدِيثِ في وصْفِ الجَنَّةِ وسِعَتِها ما يَشْهَدُ لِذَلِكَ. وأوْرَدَ ابْنُ عَطِيَّةَ مِن ذَلِكَ أشْياءَ في كِتابِهِ. والجَنَّةُ عَلى هَذا القَوْلِ أكْبَرُ مِنَ السَّماواتِ، وهي مُمْتَدَّةٌ في الطُّولِ حَيْثُ شاءَ اللَّهُ. وخَصَّ العَرْضَ بِالذِّكْرِ لِدَلالَتِهِ عَلى الطُّولِ، والطُّولُ إذا ذُكِرَ لا يَدُلُّ عَلى سِعَةِ العَرْضِ، إذْ قَدْ يَكُونُ العَرْضُ يَسِيرًا كَعَرْضِ الخَيْطِ. وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ كَعَرْضِ السَّماواتِ والأرْضِ طِباقًا، لا بِأنْ تُقْرَنَ كَبَسْطِ الثِّيابِ. فالجَنَّةُ في السَّماءِ وعَرْضُها كَعَرْضِها، وعَرَضُ ما وازاها مِنَ الأرَضِينَ إلى السّابِعَةِ، وهَذِهِ دَلالَةٌ عَلى العِظَمِ. وأغْنى ذِكْرُ العَرْضِ عَنْ ذِكْرِ الطُّولِ. وقالَ ابْنُ فُورَكٍ: الجَنَّةُ في السَّماءِ، ويُزادُ فِيها يَوْمُ القِيامَةِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الجَنَّةِ أخُلِقَتْ ؟ وهو ظاهِرُ القُرْآنِ، ونَصُّ الآثارِ الصَّحِيحَةِ النَّبَوِيَّةِ أمْ لَمْ تَخْلُقْ (p-٥٨)بَعْدُ ؟ وهو قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ، ووافَقَهم مِن أهْلِ بِلادِنا القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ. وأمّا قَوْلُ ابْنِ فُورَكٍ: إنَّهُ يُزادُ فِيها، فَيَحْتاجُ إلى صِحَّةِ نَقْلٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وقالَ الكَلْبِيُّ: الجِنانُ أرْبَعٌ: جَنَّةُ عَدْنٍ، وجَنَّةُ المَأْوى، وجَنَّةُ الفِرْدَوْسِ، وجَنَّةُ النَّعِيمِ. كُلُّ جَنَّةٍ مِنها كَعَرْضِ السَّماءِ والأرْضِ، لَوْ وُصِلَ بَعْضُها بِبَعْضٍ ما عَلِمَ طُولَها إلّا اللَّهُ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: هو مِن عَرْضِ المَتاعِ عَلى البَيْعِ، لا العَرْضُ المُقابِلُ لِلطُّولِ. أيْ لَوْ عُورِضَتْ بِها لَساواها نَصِيبُ كُلِّ واحِدٍ مِنكم، وجاءَ إعْدادُها لِلْمُتَّقِينَ، فَخُصُّوا بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا لَهم، وإعْلامًا بِأنَّهُمُ الأصْلُ في ذَلِكَ، وغَيْرُهم تَبَعٌ لَهم في إعْدادِها. وإنْ أُرِيدَ بِالمُتَّقِينَ مُتَّقُو الشِّرْكِ كانَ عامًّا في كُلِّ مُسْلِمٍ طائِعٍ أوْ عاصٍ.

آل عمران 3:134

﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: السَّرّاءُ اليُسْرُ، والضَّرّاءُ العُسْرُ. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ والضَّحّاكُ: الرَّخاءُ والشِّدَّةُ. وقِيلَ: في الحَياةِ، وبَعْدَ المَوْتِ بِأنْ يُوصِيَ. وقِيلَ: في الفَرَحِ وفي التَّرَحِ. وقِيلَ: فِيما يَسُرُّ كالنَّفَقَةِ عَلى الوَلَدِ والقَرابَةِ، وفِيما يَضُرُّ كالنَّفَقَةِ عَلى الأعْداءِ. وقِيلَ: في ضِيافَةِ الغَنِيِّ والإهْداءِ إلَيْهِ، وفِيما يُنْفِقُهُ عَلى أهْلِ الضُّرِّ ويَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: في المَنشَطِ والمَكْرَهِ. ويُحْتَمَلُ التَّقْيِيدُ بِهاتَيْنِ الحالَتَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعْنِيَ بِهِما جَمِيعَ الأحْوالِ؛ لِأنَّ هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ لا يَخْلُو المُنْفِقُ أنْ يَكُونَ عَلى إحْداهُما. والمَعْنى: لا يَمْنَعُهم حالُ سُرُورٍ ولا حالُ ابْتِلاءٍ عَنْ بَذْلِ المَعْرُوفِ. ورُوِيَ عَنْ عائِشَةَ أنَّها تَصَدَّقَتْ بِحَبَّةِ عِنَبٍ. وعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ بِبَصَلَةٍ. وابْتُدِئَ بِصِفَةِ التَّقْوى الشّامِ لَةِ لِجَمِيعِ الأوْصافِ الشَّرِيفَةِ، ثُمَّ جِيءَ بَعْدَها بِصِفَةِ البَذْلِ، إذْ كانَتْ أشُقُّ عَلى النَّفْسِ، وأدَلُّ عَلى الإخْلاصِ وأعْظَمِ الأعْمالِ؛ لِلْحاجَةِ إلى ذَلِكَ في الجِهادِ ومُواساةِ الفُقَراءِ. ويَجُوزُ في ”الَّذِينَ“ الإتْباعُ والقَطْعُ لِلرَّفْعِ والنَّصْبِ. ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ﴾ أيِ المُمْسِكِينَ ما في أنْفُسِهِمْ مِنَ الغَيْظِ بِالصَّبْرِ، ولا يَظْهَرُ لَهُ أثَرٌ، والغَيْظُ: أصْلُ الغَضَبِ، وكَثِيرًا ما يَتَلازَمانِ؛ ولِذَلِكَ فَسَّرَهُ بَعْضُهم هُنا بِالغَضَبِ. والغَيْظُ فِعْلٌ نَفْسانِيٌّ لا يَظْهَرُ عَلى الجَوارِحِ، والغَضَبُ فِعْلٌ لَها مَعَهُ ظُهُورٌ في الجَوارِحِ، وفِعْلٌ ما ولا بُدَّ؛ ولِذَلِكَ أُسْنِدَ إلى اللَّهِ تَعالى؛ إذْ هو عِبارَةٌ عَنْ أفْعالِهِ في المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ، ولا يُسْنَدُ الغَيْظُ إلَيْهِ تَعالى. ووَرَدَتْ أحادِيثُ في كَظْمِ الغَيْظِ وهو مِن أعْظَمِ العِبادَةِ، ورُوِيَ عَنْهُ ﷺ: «مَن كَظَمَ غَيْظًا وهو يَقْدِرُ عَلى إنْفاذِهِ مَلَأهُ اللَّهُ أمْنًا وإيمانًا» وعَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «ما مِن جُرْعَةٍ يَتَجَرَّعُها العَبْدُ خَيْرٌ لَهُ وأعْظَمُ أجْرًا مِن جُرْعَةِ غَيْظٍ في اللَّهِ» وعَنْ عائِشَةَ أنَّ خادِمًا لَها غاظَها، فَقالَتْ: لِلَّهِ دَرُّ التَّقْوى، ما تَرَكَتْ لِذِي غَيْظٍ شِفاءً. وقالَ مُقاتِلٌ: «بَلَغَنا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ”إنَّ هَذِهِ في أُمَّتِي لَقَلِيلٌ، وقَدْ كانُوا أكْثَرَ في الأُمَمِ الماضِيَةِ“» . وأنْشَدَ أبُو القاسِمِ بْنُ حَبِيبٍ: ؎وإذا غَضِبْتَ فَكُنْ وقُورًا كاظِمًا لِلْغَيْظِ تُبْصِرُ ما تَقُولُ وتَسْمَعُ ؎فَكَفى بِهِ شَرَفًا تَصَبُّرُ ساعَةً ∗∗∗ يَرْضى بِها عَنْكَ الإلَهُ ويَدْفَعُ ﴿والعافِينَ عَنِ النّاسِ﴾ أيِ الجُناةِ والمُسِيئِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو العالِيَةِ والرَّبِيعُ: المَمالِيكُ. وهَذا مِثالٌ؛ إذِ الأرِقّاءُ تَكْثُرُ ذُنُوبُهم لِجَهْلِهِمْ ومُلازَمَتِهِمْ، وإنْفاذُ العُقُوبَةِ عَلَيْهِمْ سَهْلٌ؛ لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ. وقالَ الحَسَنُ: والكاظِمِينَ الغَيْظَ عَنِ الأرِقّاءِ، والعافِينَ عَنِ النّاسِ إذا جَهِلُوا عَلَيْهِمْ. ووَرَدَتْ أخْبارٌ نَبَوِيَّةٌ في العَفْوِ، مِنها: ”يُنادِي مُنادٍ يَوْمَ القِيامَةِ: أيْنَ الَّذِينَ كانَتْ أُجُورُهم عَلى اللَّهِ، فَلْيَدْخُلُوا الجَنَّةَ، فَيُقالُ: مَن ذا الَّذِي أجْرُهُ عَلى اللَّهِ ؟ فَلا يَقُومُ إلّا مَن عَفا“ . ورَواهُ أبُو سُفْيانَ لِلرَّشِيدِ وقَدْ غَضِبَ عَلى رَجُلٍ، فَخَلّاهُ. ويَجُوزُ في الكاظِمِينَ والعافِينَ القَطْعُ إلى النَّصْبِ والإتْباعُ، بِشَرْطِ إتْباعْ ”الَّذِينَ يُنْفِقُونَ“ . ﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ الألِفُ واللّامُ لِلْجِنْسِ، فَيَتَناوَلُ كُلَّ مُحْسِنٍ. أوْ لِلْعَهْدِ فَيَكُونُ ذَلِكَ إشارَةً إلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ المُتَّصِفِينَ بِتِلْكَ الأوْصافِ. والأظْهَرُ الأوَّلُ، فَيَعُمُّ هَؤُلاءِ وغَيْرَهم. وهَذِهِ الآيَةُ في (p-٥٩)المَندُوبِ إلَيْهِ. ألا تَرى إلى حَدِيثِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «ما الإيمانُ» ؟ ”فَبَيَّنَ لَهُ العَقائِدَ“ «ما الإسْلامُ» ؟ فَبَيَّنَ لَهُ الفَرائِضَ. «ما الإحْسانُ» ؟ ”قالَ:“ «أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ» والمَعْنى أنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ، وهُمُ الَّذِينَ يُوقِعُونَ الأعْمالَ الصّالِحَةَ، مُراقِبِينَ اللَّهَ كَأنَّهم مُشاهِدُوهُ. وقالَ الحَسَنُ: الإحْسانُ أنْ تَعُمَّ ولا تَخُصَّ، كالرِّيحِ والمَطَرِ والشَّمْسِ والقَمَرِ. وقالَ الثَّوْرِيُّ: الإحْسانُ أنْ تُحْسِنَ إلى المُسِيءِ، فَإنَّ الإحْسانَ إلَيْهِ مُناجَزَةٌ، كَنَقْدِ السُّوقِ، خُذْ مِنِّي وهاتِ.

آل عمران 3:135

﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم ذَكَرُوا اللَّهَ فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ نَزَلَتْ في قَوْلِ الجُمْهُورِ بِسَبَبِ مَنهالِ التَّمّارِ، ويُكَنّى: أبا مُقْبِلٍ، أتَتْهُ امْرَأةٌ تَشْتَرِي مِنهُ تَمْرًا فَضَمَّها وقَبَّلَها ثُمَّ نَدِمَ. وقِيلَ: ضَرَبَ عَلى عَجُزِها. والعَطْفُ بِالواوِ مُشْعِرٌ بِالمُغايَرَةِ. لَمّا ذَكَرَ الصِّنْفَ الأعْلى وهُمُ المُتَّقُونَ المَوْصُوفُونَ بِتِلْكَ الأوْصافِ الجَمِيلَةِ، ذَكَرَ مَن دُونِهِمْ مِمَّنْ قارَفَ المَعاصِيَ وتابَ وأقْلَعَ، ولَيْسَ مِن بابِ عَطْفِ الصِّفاتِ واتِّحادِ المَوْصُوفِ. وقِيلَ: إنَّهُ مِن عَطْفِ الصِّفاتِ، وإنَّهُ مِن نَعْتِ المُتَّقِينَ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الفاحِشَةُ الزِّنا، وظُلْمُ النَّفْسِ ما دُونَهُ مِنَ النَّظَرِ واللَّمْسَةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: الفاحِشَةُ الزِّنا، وظُلْمُ النَّفْسِ سائِرُ المَعاصِي. وقالَ النَّخَعِيُّ: الفاحِشَةُ القَبائِحُ، وظُلْمُ النَّفْسِ مِنَ الفاحِشَةِ، وهو لِزِيادَةِ البَيانِ. وقِيلَ: جَمِيعُ المَعاصِي، وظُلْمُ النَّفْسِ العَمَلُ بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا حُجَّةٍ. وقالَ الباقِرُ: الفاحِشَةُ النَّظَرُ إلى الأفْعالِ، وظُلْمُ النَّفْسِ رُؤْيَةُ النَّجاةِ بِالأعْمالِ. وقِيلَ: الفاحِشَةُ الكَبِيرَةُ، وظُلْمُ النَّفْسِ الصَّغِيرَةُ. وقِيلَ: الفاحِشَةُ ما تُظُوهِرَ بِهِ مِنَ المَعاصِي، وقِيلَ: ما أُخْفِيَ مِنها. وقالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: الفاحِشَةُ ما دُونَ الزِّنا مِن قُبْلَةٍ أوْ لَمْسَةٍ أوْ نَظْرَةٍ فِيما لا يَحِلُّ، وظُلْمُ النَّفْسِ بِالمَعْصِيَةِ، وقِيلَ: الفاحِشَةُ الذَّنْبُ الَّذِي فِيهِ تَبِعَةٌ لِلْمَخْلُوقِينَ، وظُلْمُ النَّفْسِ ما بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ رَبِّهِ. وهَذِهِ تَخْصِيصاتٌ تَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ. وكَثُرَ اسْتِعْمالُ الفاحِشَةِ في الزِّنا؛ ولِذَلِكَ قالَ جابِرٌ حِينَ سَمِعَ الآيَةَ: زَنَوْا ورَبِّ الكَعْبَةِ. ومَعْنى ذَكَرُوا اللَّهَ: ذَكَرُوا وعِيدَهُ. قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ. وقِيلَ: العَرْضُ عَلى اللَّهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ. أوِ السُّؤالُ عَنْهُ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ والواقِدِيُّ. وقِيلَ: نَهْيُ اللَّهِ. وقِيلَ: غُفْرانُهُ. وقِيلَ: تَعَرَّضُوا لِذِكْرِهِ بِالقُلُوبِ لِيَبْعَثَهم عَلى التَّوْبَةِ. وقِيلَ: عَظِيمُ عَفْوِهِ، فَطَمِعُوا في مَغْفِرَتِهِ. وقِيلَ: إحْسانُهُ، فاسْتَحْيَوْا مِن إساءَتِهِمْ. وهَذِهِ الأقْوالُ كُلُّها عَلى أنَّ الذِّكْرَ هو بِالقَلْبِ. وقِيلَ: هو بِاللِّسانِ، وهو الِاسْتِغْفارُ. ذَكَرُوا اللَّهَ بِقُلُوبِهِمْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وعَطاءٌ في آخَرِينَ. ورُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «ما رَأيْتُ أكْثَرَ اسْتِغْفارًا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ» ولا بُدَّ مَعَ ذِكْرِ اللِّسانِ مِن مُواطَأةِ القَلْبِ، وإلّا فَلا اعْتِبارَ بِهَذا الِاسْتِغْفارِ. ومَنِ اسْتَغْفَرَ وهو مُصِرٌ فاسْتِغْفارُهُ يَحْتاجُ إلى اسْتِغْفارٍ. والِاسْتِغْفارُ سُؤالُ اللَّهِ بَعْدَ التَّوْبَةِ الغُفْرانَ. وقِيلَ: نَدِمُوا وإنْ لَمْ يَسْألُوا. والظّاهِرُ الأوَّلُ. ومَفْعُولُ ”اسْتَغْفِرُوا اللَّهَ“ مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى، أيْ فاسْتَغْفِرُوهُ لِذُنُوبِهِمْ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا الفِعْلِ وتَعْدِيَتِهِ. * * ﴿ومَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا اللَّهُ﴾ جُمْلَةُ اعْتِراضٌ بَيْنَ المُتَعاطِفِينَ، أوْ بَيْنَ ذِي الحالِ والحالِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ إعْرابًا في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠] وهَذِهِ الجُمْلَةُ الِاعْتِراضِيَّةُ فِيها تَرْفِيقٌ لِلنَّفْسِ، وداعِيَةٌ إلى رَجاءِ اللَّهِ وسِعَةِ عَفْوِهِ، واخْتِصاصِهِ بِغُفْرانِ الذَّنْبِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وصْفُ ذاتِهِ بِسِعَةِ الرَّحْمَةِ وقُرْبِ المَغْفِرَةِ، وأنَّ التّائِبَ مِنَ الذَّنْبِ عِنْدَهُ كَمَن لا ذَنْبَ لَهُ، وأنَّهُ لا مَفْزَعَ لِلْمُذْنِبِينَ إلّا فَضْلُهُ وكَرَمُهُ، وأنَّ عَدْلَهُ يُوجِبُ المَغْفِرَةَ لِلتّائِبِ؛ لِأنَّ العَبْدَ إذا جاءَ في الِاعْتِذارِ والتَّنَصُّلِ بِأقْصى ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ وجَبَ العَفْوُ والتَّجاوُزُ. وفِيهِ تَطْيِيبٌ لِنُفُوسِ العِبادِ، وتَنْشِيطٌ لِلتَّوْبَةِ وبَعْثٌ عَلَيْها، ورَدْعٌ عَنِ اليَأْسِ والقُنُوطِ. وأنَّ الذُّنُوبَ وإنْ جَلَّتْ فَإنَّ عَفْوَهُ أجَلُّ، وكَرَمَهُ أعْظَمُ. والمَعْنى: أنَّهُ وحْدَهُ مَعَهُ مُصَحِّحاتُ المَغْفِرَةِ. انْتَهى. وهو كَلامٌ حَسَنٌ، غَيْرَ أنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ ألْفاظِ المُعْتَزِلَةِ في قَوْلِهِ: وإنَّ عَدْلَهُ يُوجِبُ المَغْفِرَةَ (p-٦٠)لِلتّائِبِ. وفي قَوْلِهِ: وجَبَ العَفْوُ والتَّجاوُزُ، ولَوْ لَمْ نَعْلَمْ أنَّ مَذْهَبَهُ الِاعْتِزالُ لَتَأوَّلْنا كَلامَهُ بِأنَّ هَذا الوُجُوبَ هو بِالوَعْدِ الصّادِقِ، فَهو مِن جِهَةِ السَّمْعِ لا مِن جِهَةِ العَقْلِ فَقَطْ. ﴿ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وهم يَعْلَمُونَ﴾ أيْ ولَمْ يُقِيمُوا عَلى قَبِيحِ فِعْلِهِمْ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ”فاسْتَغْفَرُوا“، فَهي مِن بَعْضِ أجْزاءِ الجَزاءِ المُتَرَتِّبِ عَلى الشَّرْطِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْحالِ ويَكُونَ حالًا مِنَ الفاعِلِ في ”فاسْتَغْفَرُوا“ فَهي مِن بَعْضِ أجْزاءِ الجَزاءِ، أيْ: فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ غَيْرَ مُصِرِّينَ. وما مَوْصُولَةٌ اسْمِيَّةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً. قالَ قَتادَةُ: الإصْرارُ المُضِيُّ في الذَّنْبِ قُدُمًا. وقالَ الحَسَنُ: هو إتْيانُ الذَّنْبِ حَتّى يَتُوبَ. وقالَ مُجاهِدٌ: لَمْ يُصِرُّوا: لَمْ يَمْضُوا. وقالَ السُّدِّيُّ: هو تَرْكُ الِاسْتِغْفارِ والسُّكُوتُ عَنْهُ مَعَ الذَّنْبِ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: وهم يَعْلَمُونَ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: حالٌ مِن فِعْلِ الإصْرارِ، وحَرْفُ النَّفْيِ مُنْصَبٌّ عَلَيْهِما مَعًا، والمَعْنى: ولَيْسُوا مِمَّنْ يُصِرُّ عَلى الذُّنُوبِ وهم عالِمُونَ بِقُبْحِها وبِالنَّهْيِ عَنْها والوَعِيدِ عَلَيْها؛ لِأنَّهُ قَدْ يُعْذَرُ مَن لَمْ يَعْلَمْ قُبْحَ القَبِيحِ. وفِي هَذِهِ الآياتِ بَيانٌ قاطِعٌ أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا عَلى ثَلاثِ طَبَقاتٍ: مُتَّقُونَ، وتائِبُونَ، ومُصِرُّونَ. وأنَّ الجَنَّةَ لِلْمُتَّقِينَ والتّائِبِينَ مِنهم دُونَ المُصِرِّينَ، ومَن خالَفَ في ذَلِكَ فَقَدْ كابَرَ عَقْلَهُ وعانَدَ رَبَّهُ. انْتَهى كَلامُهُ، وآخِرُهُ عَلى طَرِيقَتِهِ الِاعْتِزالِيَّةِ مِن أنَّ مَن ماتَ مُصِرًّا دَخَلَ النّارَ ولا يَخْرُجُ مِنها أبَدًا. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ ”﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٧٥]“ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في فاسْتَغْفَرُوا، فَإنْ أعْرَبْنا ”﴿ولَمْ يُصِرُّوا﴾“ جُمْلَةً حالِيَّةً مِنَ الضَّمِيرِ في ”فاسْتَغْفَرُوا“ جازَ أنْ يَكُونَ ”﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٧٥]“ حالًا مِنهُ أيْضًا. وإنْ كانَ ولَمْ يُصِرُّوا مَعْطُوفًا عَلى فاسْتَغْفَرُوا كانَ ما قالَهُ أبُو البَقاءِ بَعِيدًا لِلْفَصْلِ بَيْنَ ذِي الحالِ والحالِ بِالجُمْلَةِ. وأمّا مُتَعَلِّقُ العِلْمِ فَتَقَدَّمَ في كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ. وقالَ أبُو البَقاءِ: وهم يَعْلَمُونَ المُؤاخَذَةَ بِها، أوْ عَفْوَ اللَّهِ عَنْها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: وهم يَعْلَمُونَ أنَّ تَرْكَهُ أوْلى مِنَ التَّمادِي. وقالَ مُجاهِدٌ وأبُو عِمارَةَ: يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلى مَن تابَ. وقالَ السُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ: يَعْلَمُونَ أنَّهم قَدْ أذْنَبُوا. وقِيلَ: يَذْكُرُونَ ذُنُوبَهم فَيَتُوبُونَ مِنها، أطْلَقَ اسْمَ العِلْمَ عَلى الذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ مِن ثَمَرَتِهِ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: يَعْلَمُونَ ما حَرَّمْتُ عَلَيْهِمْ. وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: يَعْلَمُونَ أنَّ لَهم رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: يَعْلَمُونَ بِالذَّنْبِ. وقِيلَ: يَعْلَمُونَ العَفْوَ عَنِ الذُّنُوبِ وإنْ كَثُرَتْ.

آل عمران 3:136

﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم مَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ وجَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها﴾ أُولَئِكَ إشارَةٌ إلى الصِّنْفَيْنِ. وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مُخْتَصًّا بِالصِّنْفِ الثّانِي، ويَكُونَ ”﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٣٥]“ مُبْتَدَأً، و”أُولَئِكَ“ وما بَعْدَهُ خَبَرَهُ، و”﴿جَزاؤُهم مَغْفِرَةٌ﴾“ مُبْتَدَأً وخَبَرًا في مَوْضِعِ خَبَرِ ”أُولَئِكَ“ . وثَمَّ مَحْذُوفٌ أيْ: جَزاءُ أعْمالِهِمْ مَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ لِذُنُوبِهِمْ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أوْجَبَ عَلى نَفْسِهِ بِهَذا الخَبَرِ الصّادِقِ قَبُولَ تَوْبَةِ التّائِبِ، ولَيْسَ يَجِبُ عَلَيْهِ تَعالى مِن جِهَةِ العَقْلِ شَيْءٌ، بَلْ هو بِحُكْمِ المِلْكِ لا مُعَقِّبَ لِأمْرِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قالَ أجْرُ العامِلِينَ بَعْدَ قَوْلِهِ جَزاؤُهم؛ لِأنَّهُما في مَعْنًى واحِدٍ، وإنَّما خالَفَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ لِزِيادَةِ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ذَلِكَ جَزاءٌ واجِبٌ عَلى عَمَلٍ، وأجْرٌ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ، لا كَما يَقُولُ المُبْطِلُونَ. ورُوِيَ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أوْحى إلى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ما أقَلَّ حَياءً مَن يَطْمَعُ في جَنَّتِي بِغَيْرِ عَمَلٍ، كَيْفَ أجُودُ بِرَحْمَتِي عَلى مَن يَبْخَلُ بِطاعَتِي ؟ وعَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ: طَلَبُ الجَنَّةِ بِلا عَمَلٍ ذَنْبٌ مِنَ الذُّنُوبِ، وانْتِظارُ الشَّفاعَةِ بِلا سَبَبٍ نَوْعٌ مِنَ الغُرُورِ، وارْتِجاءُ الرَّحْمَةِ مِمَّنْ لا يُطاعُ حُمْقٌ وجَهالَةٌ. وعَنِ الحَسَنِ: يَقُولُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ: «جُوزُوا الصِّراطَ بِعَفْوِي، وادْخُلُوا الجَنَّةَ بِرَحْمَتِي، واقْتَسِمُوها بِأعْمالِكم» . وعَنْ رابِعَةَ البَصْرِيَّةَ أنَّها كانَتْ تُنْشِدُ: ؎تَرْجُو النَّجاةَ ولَمْ تَسْلُكْ مَسالِكَها إنَّ السَّفِينَةَ لا تَجْرِي عَلى اليَبَسِ انْتَهى ما ذَكَرَهُ، والبَيْتُ الَّذِي كانَتْ رابِعَةُ تُنْشِدُهُ هو لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُبارَكِ. وكَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ جارٍ (p-٦١)عَلى مَذْهَبِهِ الِاعْتِزالِيِّ مِن أنَّ الإيمانَ دُونَ عَمَلٍ لا يَنْفَعُ في الآخِرَةِ. ﴿ونِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ المَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ونِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ ذَلِكَ، أيِ المَغْفِرَةُ والجَنَّةُ.

آل عمران 3:137

﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، والمَعْنى أنَّهُ إنْ ظَهَرَ عَلَيْكُمُ الكُفّارُ يَوْمَ أُحُدٍ فَإنَّ حُسْنَ العاقِبَةِ لِلْمُتَّقِينَ، وإنْ أُدِيلَ الكُفّارُ فالعاقِبَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ. وكَذَلِكم كُفّارُكم هَؤُلاءِ عاقِبَتُهم إلى الهَلاكِ. وقالَ النَّقّاشُ: الخِطابُ لِلْكُفّارِ؛ لِقَوْلِهِ بَعْدُ (ولا تَهِنُوا) . ولَمّا ذَكَرَ تَعالى الجُمَلَ المُعْتَرِضَةَ في قِصَّةِ أُحُدٍ عادَ إلى كَمالِها، فَخاطَبَهم بِأنَّهُ إنْ وقَعَتْ إدالَةُ الكُفّارِ فالعاقِبَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ. والمَعْنى: قَدْ تَقَدَّمَتْ ومَضَتْ. وقالَ الزَّجّاجُ: أهْلُ سُنَنٍ أيْ طَرائِقَ أوْ أُمَمٍ، عَلى شَرْحِ المُفَضَّلِ أنَّ السُّنَّةَ الأُمَّةَ. وقالَ الحَسَنُ: سُنَّةٌ أقْضِيَةٌ في إهْلاكِ الأُمَمِ السّالِفَةِ عادٍ وثَمُودَ وغَيْرِهِمْ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أمْثالٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وقائِعُ وطَلَبُ السَّيْرِ في الأرْضِ، وإنْ كانَتْ أحْوالُ مَن تَقَدَّمَ تُدْرَكُ بِالأخْبارِ دُونَ السِّيَرِ؛ لِأنَّ الأخْبارَ إنَّما تَكُونُ مِمَّنْ سارَ وعايَنَ، وعَنْهُ يُنْقَلُ، فَطَلَبَ مِنهُ الوَجْهَ الأكْمَلَ؛ إذْ لِلْمُشاهَدَةِ أثَرٌ أقْوى مِن أثَرِ السَّماعِ. وقِيلَ: السَّيْرُ هُنا مَجازٌ عَنِ التَّفَكُّرِ، وهو مِن تَشْبِيهِ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ. وقالَ الجُمْهُورُ: النَّظَرُ هُنا مِن نَظَرِ العَيْنِ. وقالَ قَوْمٌ: هو بِالفِكْرِ. والجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ لِـ ”انْظُرُوا“؛ لِأنَّها مُعَلَّقَةٌ، و”كَيْفَ“ في مَوْضِعِ نَصْبِ خَبَرِ كانَ. والمَعْنى: ما سُنَّةُ اللَّهِ في الأُمَمِ المُكَذِّبِينَ مِن وقائِعِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَكُلًّا أخَذْنا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٠] ﴿وقُتِّلُوا تَقْتِيلًا سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ﴾ [الأحزاب: ٦١] . وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى جَوازِ السَّفَرِ في فِجاجِ الأرْضِ؛ لِلِاعْتِبارِ ونَظَرِ ما حَوَتْ مِن عَجائِبِ مَخْلُوقاتِ اللَّهِ تَعالى، وزِيارَةِ الصّالِحِينَ، وزِيارَةِ الأماكِنِ المُعَظَّمَةِ، كَما يَفْعَلُهُ سُيّاحُ هَذِهِ المِلَّةِ، وجَوازُ النَّظَرِ في كُتُبِ المُؤَرِّخِينَ؛ لِأنَّها سَبِيلٌ إلى مَعْرِفَةِ سِيَرِ العالَمِ وما جَرى عَلَيْهِمْ مِنَ المَثُلاثِ.

آل عمران 3:138

﴿هَذا بَيانٌ لِلنّاسِ وهُدًى ومَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ والرَّبِيعُ: الإشارَةُ إلى القُرْآنِ. وقِيلَ: الإشارَةُ إلى قَوْلِهِ: ”﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ﴾ [آل عمران: ١٣٧]“ . قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، والطَّبَرِيُّ، وجَماعَةٌ. أيْ هَذا تَفْسِيرٌ لِلنّاسِ إنْ قَبِلُوهُ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: هَذا بَيانٌ لِلنّاسِ مِنَ العَمى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذا بَيانٌ لِلنّاسِ، إيضاحٌ لِسُوءِ عاقِبَةِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ التَّكْذِيبِ. يَعْنِي حَثَّهم عَلى النَّظَرِ في سُوءِ عَواقِبِ المُكَذِّبِينَ قَبْلَهم، والِاعْتِبارَ بِما يُعايِنُونَ مِن آثارِ هَلاكِهِمْ. ”﴿وهُدًى ومَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾“ يَعْنِي: أنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ بَيانًا وتَنْبِيهًا لِلْمُكَذِّبِينَ فَهو زِيادَةٌ وتَثْبِيتٌ ومَوْعِظَةٌ لِلَّذِينِ اتَّقَوْا مِنَ المُؤْمِنِينَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ خَلَتْ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ لِلْبَعْثِ عَلى الإيمانِ، وما يَسْتَحِقُّ بِهِ ما ذَكَرَ مِن أجْرِ العامِلِينَ. ويَكُونُ قَوْلُهُ: ”﴿هَذا بَيانٌ﴾“ إشارَةٌ إلى ما لَخَّصَ وبَيَّنَ مِن أمْرِ المُتَّقِينَ والتّائِبِينَ والمُصِرِّينَ. انْتَهى كَلامُهُ. وهو حَسَنٌ. ولَمّا كانَ ظاهِرًا واضِحًا قالَ: بَيانٌ لِلنّاسِ. ولَمّا كانَتِ المَوْعِظَةُ والهُدى لا يَكُونانِ إلّا لِمَنِ اتَّقى خَصَّ بِذَلِكَ المُتَّقِينَ؛ لِأنَّ مَن عَمى فِكْرُهُ وقَسا فُؤادُهُ لا يَهْتَدِي ولا يَتَّعِظُ، فَلا يُناسِبُ أنْ يُضافَ إلَيْهِ الهُدى والمَوْعِظَةُ.

آل عمران 3:139

﴿ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ لَمّا انْهَزَمَ مَنِ انْهَزَمَ مِنَ المُؤْمِنِينَ أقْبَلَ خالِدٌ يُرِيدُ أنْ يَعْلُوَ الجَبَلَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يَعْلُنَّ عَلَيْنا، اللَّهُمَّ لا قُوَّةَ لَنا إلّا بِكَ» فَنَزَلَتْ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وزادَ الواقِدِيُّ أنَّ رُماةَ المُسْلِمِينَ صَعِدُوا الجَبَلَ ورَمَوْا خَيْلَ المُشْرِكِينَ حَتّى هَزَمُوهم، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: وأنْتُمُ الغالِبُونَ بَعْدَ أُحُدٍ، فَلَمْ يَخْرُجُوا بَعْدَ ذَلِكَ إلّا ظَفِرُوا في كُلِّ عَسْكَرٍ كانَ في عَهْدِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وفي كُلِّ عَسْكَرٍ كانَ بَعْدُ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إلّا واحِدٌ مِنَ الصَّحابَةِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ بَعْدَ أُحُدٍ حِينَ أُمِرُوا بِطَلَبِ القَوْمِ مَعَ ما أصابَهم مِنَ الجِراحِ. وقالَ: لا يَخْرُجُ إلّا مَن شَهِدَ مَعَنا أمْسِ، فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ فَنَزَلَتْ، نَهاهم عَنْ أنْ يَضْعُفُوا عَنْ جِهادِ أعْدائِهِمْ، وعَنِ الحُزْنِ عَلى مَنِ اسْتُشْهِدَ مِن إخْوانِهِمْ؛ فَإنَّهم (p-٦٢)صارُوا إلى كَرامَةِ اللَّهِ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. أوْ لِأجْلِ هَزِيمَتِهِمْ وقَتْلِهِمْ يَوْمَ أُحُدٍ. قالَهُ مُقاتِلٌ. أوَلَمّا أصابَ النَّبِيَّ ﷺ مِن شَجِّهِ وكَسْرِ رُباعِيَّتِهِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. أوَلَمّا فاتَ مِنَ الغَنِيمَةِ، ذَكَرُهُ أحْمَدُ النَّيْسابُورِيُّ. أوْ لِمَجْمُوعِ ذَلِكَ. وآنَسَهم بِقَوْلِهِ: ”﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾“ أيِ الغالِبُونَ وأصْحابُ العاقِبَةِ. وهو إخْبارٌ بِعُلُوِّ كَلِمَةِ الإسْلامِ. قالَهُ الجُمْهُورُ، وهو الظّاهِرُ. وقِيلَ: ﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾، أيْ قَدْ أصَبْتُمْ بِبَدْرٍ ضِعْفَ ما أصابُوا مِنكم بِ أُحُدٍ أسْرًا وقَتْلًا، فَيَكُونُ ”﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾“ نَصْبًا عَلى الحالِ، أيْ تَحْزَنُوا عالِينَ أيْ مَنصُورِينَ عَلى عَدُوِّكم. انْتَهى. وأمّا كَوْنُهُ مِن عُلُوِّهِمُ الجَبَلَ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ في سَبَبِ النُّزُولِ فَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُبَيْرٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومِن كَرَمِ الخُلُقِ أنْ لا يَهُنِ الإنْسانُ في حَرْبِهِ وخِصامِهِ، ولا يَلِينُ إذا كانَ مُحِقًّا، وأنْ يَتَقَصّى جَمِيعَ قُدْرَتِهِ، ولا يَضْرَعَ ولَوْ ماتَ. وإنَّما يُحْسِنُ اللِّينَ في السِّلْمِ والرِّضا، ومِنهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «المُؤْمِنُ هَيِّنٌ لَيِّنٌ، والمُؤْمِنُونَ هَيِّنُونَ لَيِّنُوُنَ» وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: يَجِبُ بِهَذِهِ الآيَةِ ألّا يُوادِعَ العَدُوَّ ما كانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ قُوَّةٌ وشَوْكَةٌ، فَإنْ كانُوا في قُطْرٍ ما عَلى غَيْرِ ذَلِكَ فَيَنْظُرُ الإمامُ لَهم في الأصْلَحِ. انْتَهى. وفِي قَوْلِهِ: ﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾ دَلالَةٌ عَلى فَضِيلَةِ هَذِهِ الأُمَّةِ؛ إذْ خاطَبَهم مِثْلَ ما خاطَبَ مُوسى كَلِيمَهُ ﷺ عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ، إذْ قالَ لَهُ: ”﴿لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾ [طه: ٦٨]“ . وتَعَلَّقَ قَوْلُهُ: إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِالنَّهْيِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ هَزًّا لِلنُّفُوسِ يُوجِبُ قُوَّةَ القَلْبِ والثِّقَةَ بِصُنْعِ اللَّهِ، وقِلَّةَ المُبالاةِ بِالأعْداءِ. أوْ بِالجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ: أيْ إنْ صَدَّقْتُمْ بِما وعَدَكم وبَشَّرَكم بِهِ مِنَ الغَلَبَةِ. ويَكُونُ شَرْطًا عَلى بابِهِ يَحْصُلُ بِهِ الطَّعْنُ عَلى مَن ظَهَرَ نِفاقُهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ، أيْ: لا تَكُونُ الغَلَبَةُ والعُلُوُّ إلّا لِلْمُؤْمِنِينَ، فاسْتَمْسِكُوا بِالإيمانِ.

آل عمران 3:140

﴿إنْ يَمْسَسْكم قُرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قُرْحٌ مِثْلُهُ﴾ المَعْنى: إنْ نالُوا مِنكم يَوْمَ أُحُدٍ فَقَدْ نِلْتُمْ مِنهم يَوْمَ بَدْرٍ، ثُمَّ لَمْ يَضْعُفُوا إنْ قاتَلُوكم بَعْدَ ذَلِكَ، فَلا تَضْعُفُوا أنْتُمْ. أوْ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ في غَزْوَةِ أُحُدٍ قَبْلَ مُخالَفَةِ أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ونَحْوِهِ، فَإنَّهم يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ، وتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ. وهَذِهِ تَسْلِيَةٌ مِنهُ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ والتَّأسِّي فِيهِ أعْظَمُ مَسْلاةٍ. وقالَتِ الخَنْساءُ: ؎ولَوْلا كَثْرَةُ الباكِينَ حَوْلِي عَلى إخْوانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي ؎وما يَبْكُونَ مِثْلَ أخِي ولَكِنْ ∗∗∗ أُعَزِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأسِّي والمِثْلِيَّةُ تَصْدُقُ بِأدْنى مُشابَهَةٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: أصابَ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ ما أصابَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، اسْتُشْهِدَ مِنَ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ سَبْعُونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قُتِلَ يَوْمَئِذَ أيْ يَوْمَ أُحُدٍ خَلْقٌ مِنَ الكُفّارِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ تَحُسُّونَهم بِإذْنِهِ﴾ [آل عمران: ١٥٢] فَعَلى قَوْلِهِ يَكُونُ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ يَوْمَ بَدْرٍ. وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ القَوْمَ هُنا الأُمَمُ الَّتِي قَدْ خَلَتْ، أيْ نالَ مُؤْمِنُهم مِن أذى كافِرِهِمْ مِثْلَ الَّذِي نالَكم مِن أعْدائِكم. ثُمَّ كانَتِ العاقِبَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَلَكم بِهِمْ أُسْوَةٌ. فَإنَّ تَأسِّيَكُمُ بِهِمْ مِمّا يُخَفِّفُ ألَمَكم، ويُثَبِّتُ عِنْدَ اللِّقاءِ أقْدامَكم. وقَرَأ الأخَوانِ وأبُو بَكْرٍ والأعْمَشُ مِن طَرِيقَه ”قُرْحٌ“ بِضَمِّ القافِ فِيهِما، وباقِي السَّبْعَةِ بِالفَتْحِ، والسَّبْعَةُ عَلى تَسْكِينِ الرّاءِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: والفَتْحُ أوْلى. انْتَهى. ولا أوْلَوِيَّةَ؛ إذْ كِلاهُما مُتَواتِرٌ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ وابْنُ السَّمَيْقَعِ ”﴿قَرْحٌ﴾“ بِفَتْحِ القافِ والرّاءِ، وهي لُغَةٌ، كالطَّرْدِ والطَّرَدِ، والشَّلِّ والشَّلَلِ. وقَرَأ الأعْمَشُ: إنْ تَمْسَسْكم - بِالتّاءِ مِن فَوْقُ - قُرُوحٌ - بِالجَمْعِ - وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَتَأسَّوْا فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قُرْحٌ؛ لِأنَّ الماضِيَ مَعْنًى يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِلشَّرْطِ. ومَن زَعَمَ أنَّ جَوابَ الشَّرْطِ هو فَقَدْ مَسَّ، فَهو ذاهِلٌ. ﴿وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ أخْبَرَ تَعالى عَلى سَبِيلِ التَّسْلِيَةِ أنَّ الأيّامَ عَلى قَدِيمِ الدَّهْرِ لا تَبْقى لِناسٍ عَلى حالَةٍ واحِدَةٍ. والمُرادُ بِالأيّامِ أوْقاتُ الغَلَبَةِ والظَّفَرِ، يَصْرِفُها اللَّهُ عَلى ما أرادَ تارَةً لِهَؤُلاءِ وتارَةً لِهَؤُلاءِ، كَما جاءَ الحَرْبُ سِجالٌ. وقالَ:(p-٦٣) ؎فَيَوْمٌ عَلَيْنا ويَوْمٌ لَنا ∗∗∗ ويَوْمٌ نُساءُ ويَوْمٌ نُسَرُّ وسَمِعَ بَعْضُ العَرَبِ الأقْحاحِ قارِئًا يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ: إنَّما هو نُداوِلُها بَيْنَ العَرَبِ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّما هو بَيْنَ النّاسِ، فَقالَ: إنّا لِلَّهِ، ذَهَبَ مُلْكُ العَرَبِ ورَبِّ الكَعْبَةِ. وقُرِئَ شاذًّا ”يُداوِلُها“ بِالياءِ. وهو جارٍ عَلى الغَيْبَةِ قَبْلَهُ وبَعْدَهُ. وقِراءَةُ النُّونِ فِيها التِفاتٌ وإخْبارٌ بِنُونِ العَظَمَةِ المُناسِبَةِ لِمُداوَلَةِ الأيّامِ، والأيّامُ: صِفَةٌ لِتِلْكَ، أوْ بَدَلٌ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ. والخَبَرُ نُداوِلُها، أوْ خَبَرٌ لِتِلْكَ، و”﴿نُداوِلُها﴾“ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ. ﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ هَذِهِ لامُ كَيْ، قَبْلَها حَرْفُ العَطْفِ، فَتَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ مُتَأخِّرٍ أيْ: فَعَلْنا ذَلِكَ وهو المُداوَلَةُ، أوْ نَيْلُ الكُفّارِ مِنكم. أوْ هو مَعْطُوفٌ عَلى سَبَبٍ مَحْذُوفٍ هو وعامِلُهُ أيْ: فَعَلْنا ذَلِكَ لِيَكُونَ كَيْتَ وكَيْتَ ولِيَعْلَمَ. هَكَذا قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ، ولَمْ يُعَيِّنْ فاعِلَ العِلَّةِ المَحْذُوفَةِ إنَّما كَنّى عَنْهُ بِكَيْتَ وكَيْتَ، ولا يُكَنّى عَنِ الشَّيْءِ حَتّى يُعْرَفَ. فَفي هَذا الوَجْهِ حَذْفُ العِلَّةِ، وحَذْفُ عامِلِها، وإبْهامُ فاعِلِها. فالوَجْهُ الأوَّلُ أظْهَرُ؛ إذْ لَيْسَ فِيهِ غَيْرُ حَذْفِ العامِلِ. و”يَعْلَمُ“ هُنا ظاهِرُهُ التَّعَدِّي إلى واحِدٍ، فَيَكُونُ كَعَرَفَ. وقِيلَ: يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، الثّانِي مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: مُمَيَّزِينَ بِالإيمانِ مِن غَيْرِهِمْ. أيِ الحِكْمَةُ في هَذِهِ المُداوَلَةِ أنْ يَصِيرَ الَّذِينَ آمَنُوا مُتَمَيِّزِينَ عَنْ مَن يَدَّعِي الإيمانَ بِسَبَبِ صَبْرِهِمْ وثَباتِهِمْ عَلى الإسْلامِ. وعِلْمُ اللَّهِ تَعالى لا يَتَجَدَّدُ، بَلْ لَمْ يَزَلْ عالِمًا بِالأشْياءِ قَبْلَ كَوْنِها، وهو مِن بابِ التَّمْثِيلِ بِمَعْنى فَعَلْنا ذَلِكَ فِعْلَ مَن يُرِيدُ أنْ يَعْلَمَ مِنَ الثّابِتِ عَلى الإيمانِ مِنكم مِن غَيْرِ الثّابِتِ. وقِيلَ: مَعْناهُ لِيَظْهَرَ في الوُجُودِ إيمانُ الَّذِينَ قَدْ عُلِمَ أزَلًا أنَّهم يُؤْمِنُونَ، ويُساوِقَ عِلْمُهُ إيمانَهم ووُجُودَهم، وإلّا فُقِدَ عِلْمُهم في الأزَلِ. إذْ عِلْمُهُ لا يَطْرَأُ عَلَيْهِ التَّغَيُّرُ. ومِثْلُهُ أنْ يَضْرِبَ حاكِمٌ رَجُلًا ثُمَّ يُبَيِّنَ سَبَبَ الضَّرْبِ ويَقُولَ: فَعَلْتُ هَذا التَّبْيِينَ لِأضْرِبَ مُسْتَحِقًّا. مَعْناهُ: لِيَظْهَرَ أنَّ فِعْلِي وافَقَ اسْتِحْقاقَهُ. وقِيلَ: مَعْناهُ ولِيَعْلَمَهم عِلْمًا يَتَعَلَّقُ بِهِ الجَزاءُ، وهو أنْ يَعْلَمَهم مَوْجُودًا مِنهُمُ الثَّباتُ. وقِيلَ: العِلْمُ باقٍ عَلى مَدْلُولِهِ، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ التَّقْدِيرُ: ولِيَعْلَمَ أوْلِياءَ اللَّهِ، فَأسْنَدَ ذَلِكَ إلى نَفْسِهِ تَفْخِيمًا. ”﴿ويَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ﴾“ أيْ بِالقَتْلِ في سَبِيلِهِ، فَيُكْرِمُهم بِالشَّهادَةِ. يَعْنِي يَوْمَ أُحُدٍ. وقَدْ ورَدَ في فَضْلِ الشَّهِيدِ غَيْرُ ما آيَةٍ وحَدِيثٍ. أوْ شُهَداءَ عَلى النّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ أيْ ولِيَتَّخِذَ مِنكم مَن يَصْلُحُ لِلشَّهادَةِ عَلى الأُمَمِ يَوْمَ القِيامَةِ بِما يَبْتَلِي بِهِ صَبْرَكم عَلى الشَّدائِدِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] . والقَوْلُ الأوَّلُ أظْهَرُ وألْيَقُ بِقِصَّةِ أُحُدٍ. ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٥٧] أيْ لا يُحِبُّ مَن لا يَكُونُ ثابِتًا عَلى الإيمانِ صابِرًا عَلى الجِهادِ. وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ مَنِ انْخَذَلَ يَوْمَ أُحُدٍ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وأتْباعِهِ مِنَ المُنافِقِينَ، فَإنَّهم بِانْخِذالِهِمْ لَمْ يَطْهُرْ إيمانُهم، بَلْ نَجَمَ نِفاقُهم، ولَمْ يَصْلُحُوا لِاتِّخاذِهِمْ شُهَداءَ بِأنْ يُقْتَلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ. وذَلِكَ إشارَةٌ أيْضًا إلى أنَّ ما فُعِلَ مِن إدالَةِ الكُفّارِ لَيْسَ سَبَبُهُ المَحَبَّةَ مِنهُ تَعالى، بَلْ ما ذُكِرَ مِنَ الفَوائِدِ مِن ظُهُورِ إيمانِ المُؤْمِنِ وثُبُوتِهِ، واصْطِفائِهِ مَن شاءَ مِنَ المُؤْمِنِينَ لِلشَّهادَةِ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ اعْتُرِضَتْ بَيْنَ بَعْضِ العِلَلِ وبَعْضٍ، لِما فِيها مِنَ التَّشْدِيدِ والتَّأْكِيدِ. وأنَّ مَناطَ انْتِفاءِ المَحَبَّةِ هو الظُّلْمُ، وهو دَلِيلٌ عَلى فَحاشَتِهِ وقُبْحِهِ مِن سائِرِ الأوْصافِ القَبِيحَةِ.

آل عمران 3:141

﴿ولِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ يُطَهِّرَهم مِنَ الذُّنُوبِ، ويُخَلِّصَهم مِنَ العُيُوبِ، ويُصَفِّيهِمْ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ وابْنُ قُتَيْبَةَ في آخَرِينَ: التَّمْحِيصُ: الِابْتِلاءُ والِاخْتِبارُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎رَأيْتُ فُضَيْلًا كانَ شَيْئًا مُلَفَّفًا فَكَشَفَهُ التَّمْحِيصُ حَتّى بَدا لِيا وقالَ الزَّجّاجُ: التَّنْقِيَةُ والتَّخْلِيصُ، وذَكَرَهُ عَنِ المُبَرِّدِ وعَنِ الخَلِيلِ. وقِيلَ: التَّطْهِيرُ. وقالَ الفَرّاءُ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ ولِيُمَحِّصَ اللَّهُ ذُنُوبَ الَّذِينَ آمَنُوا. ﴿ويَمْحَقَ الكافِرِينَ﴾ أيْ يُهْلِكَهم شَيْئًا فَشَيْئًا. والمَعْنى: أنَّ الدَّوْلَةَ إنْ كانَتْ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ كانَتْ سَبَبًا لِتَمْيِيزِ المُؤْمِنِ مِن غَيْرِهِ، (p-٦٤)وسَبَبًا لِاسْتِشْهادِ مَن قُتِلَ مِنهم، وسَبَبًا لِتَطْهِيرِ المُؤْمِنِ مِنَ الذَّنْبِ. فَقَدْ جَمَعَتْ فَوائِدَ كَثِيرَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، وإنْ كانَ النَّصْرُ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى الكافِرِينَ كانَ سَبَبًا لِمَحْقِهِمْ بِالكُلِّيَّةِ واسْتِئْصالِهِمْ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: يُنْقِصُهم ويُقَلِّلُهم، وقالَهُ الفَرّاءُ. وقالَ مُقاتِلٌ: يُذْهِبُ دَعْوَتَهم. وقِيلَ: يُحْبِطُ أعْمالَهم، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ، فَيَكُونُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالكافِرِينَ هُنا طائِفَةٌ مَخْصُوصَةٌ، وهُمُ الَّذِينَ حارَبُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِأنَّهُ تَعالى لَمْ يَمْحَقْ كُلَّ كافِرٍ، بَلْ كَثِيرٌ مِنهم باقٍ عَلى كُفْرِهِ. فَلَفْظَةُ الكافِرِينَ عامٌّ أُرِيدَ بِهِ الخُصُوصُ. قِيلَ: وقابَلَ تَمْحِيصَ المُؤْمِنِ بِمَحْقِ الكافِرِ؛ لِأنَّ التَّمْحِيصَ إهْلاكُ الذُّنُوبِ، والمَحْقُ إهْلاكُ النُّفُوسِ، وهي مُقابَلَةٌ لَطِيفَةٌ في المَعْنى. انْتَهى. وفي ذِكْرِ ما يَلْحَقُ المُؤْمِنَ عِنْدَ إدالَةِ الكُفّارِ تَسْلِيَةٌ لَهم وتَبْشِيرٌ بِهَذِهِ الفَوائِدِ الجَلِيلَةِ، وأنَّ تِلْكَ الإدالَةَ لَمْ تَكُنْ لِهَوانٍ بِهِمْ، ولا تَحُطُّ مِن أقْدارِهِمْ، بَلْ لِما ذَكَرَ تَعالى. وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ فُنُونًا مِنَ الفَصاحَةِ والبَدِيعِ والبَيانِ، مِن ذَلِكَ الِاعْتِراضُ في ”﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]“، وفي ”﴿ومَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥]“، وفي ”﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٥٧]“، وتَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاسْمِ سَبَبِهِ في ”﴿إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣]“، والتَّشْبِيهُ في ”﴿عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣]“ . وقِيلَ: هَذِهِ اسْتِعارَةٌ وإضافَةُ الحُكْمِ إلى الأكْثَرِ في أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، وهي مُعَدَّةٌ لَهم ولِغَيْرِهِمْ مِنَ العُصاةِ. والطِّباقُ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ، وفي ”ولا تَهِنُوا“ و”الأعْلَوْنَ“؛ لِأنَّ الوَهَنَ والعُلُوَّ ضِدّانِ. وفي ”آمَنُوا“ و”الظّالِمِينَ“؛ لِأنَّ الظّالِمِينَ هُنا هُمُ الكافِرُونَ، وفي ”آمَنُوا“ و”يَمْحَقَ الكافِرِينَ“ . والعامُّ يُرادُ بِهِ الخاصُّ في: ”﴿والعافِينَ عَنِ النّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٤]“، يَعْنِي مَن ظَلَمَهم أوِ المَمالِيكَ. والتَّكْرارُ في: ”﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠]“، ”﴿واتَّقُوا النّارَ﴾ [آل عمران: ١٣١]“، وفي: لَفْظِ الجَلالَةِ، وفي: ”﴿واللَّهُ يُحِبُّ﴾ [آل عمران: ١٣٤]“، و”﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران: ١٣٥]“، وفي: ”﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٤٠]“، ”﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ﴾ [آل عمران: ٥٧]“، ”﴿ولِيُمَحِّصَ اللَّهُ﴾“، وفي: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ، والَّذِينَ إذا فَعَلُوا. والِاخْتِصاصُ في: ”﴿يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]“، وفي: ”﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٥]“، وفي: ”﴿عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٧]“، وفي: ”مَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ“، وفي: ”﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥]“، وفي: ”﴿لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٠]“، وفي: ”﴿ولِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾“، وفي: ”﴿ويَمْحَقَ الكافِرِينَ﴾“ . والِاسْتِعارَةُ في: ”فَسِيرُوا“، عَلى أنَّهُ مِن سَيْرِ الفِكْرِ لا القَدَمِ، وفي: ”﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾ [آل عمران: ١٣٩]“، إذا لَمْ تَكُنْ مِن عُلُوِّ المَكانِ، وفي: تِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها، وفي: ”ولِيُمَحِّصَ“، ”﴿ويَمْحَقَ﴾“، والإشارَةُ في هَذا بَيانٌ. وفي: ”﴿وتِلْكَ الأيّامُ﴾ [آل عمران: ١٤٠]“ . وإدْخالُ حَرْفِ الشَّرْطِ في الأمْرِ المُحَقَّقِ في: ”﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩١]“، إذا عُلِّقَ عَلَيْهِ النَّهْيَ والحَذْفَ في عِدَّةِ مَواضِعَ.

آل عمران 3:142

﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ مِن قَبْلِ أنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٤٣] ﴿وما مُحَمَّدٌ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكم ومَن يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وسَيَجْزِي اللَّهُ الشّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤] ﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ كِتابًا مُؤَجَّلًا ومَن يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها ومَن يُرِدْ ثَوابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنها وسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٥] ﴿وكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وهَنُوا لِما أصابَهم في سَبِيلِ اللَّهِ وما ضَعُفُوا وما اسْتَكانُوا واللَّهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦] ﴿وما كانَ قَوْلَهم إلّا أنْ قالُوا رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإسْرافَنا في أمْرِنا وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٧] ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٨] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكم عَلى أعْقابِكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٩] ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكم وهو خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٠] ﴿سَنُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا ومَأْواهُمُ النّارُ وبِئْسَ مَثْوى الظّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ١٥١] ﴿ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ إذْ تَحُسُّونَهم بِإذْنِهِ حَتّى إذا فَشِلْتُمْ وتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ وعَصَيْتُمْ مِن بَعْدِ ما أراكم ما تُحِبُّونَ مِنكم مَن يُرِيدُ الدُّنْيا ومِنكم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكم عَنْهم لِيَبْتَلِيَكم ولَقَدْ عَفا عَنْكم واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٢] . (p-٦٥)”كَأيِّنْ“ كَلِمَةٌ يُكَثَّرُ بِها بِمَعْنى كَمِ الخَبَرِيَّةِ، وقَلَّ الِاسْتِفْهامُ بِها. والكافُ لِلتَّشْبِيهِ، دَخَلَتْ عَلى ”أيْ“ وزالَ مَعْنى التَّشْبِيهِ، هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ، والوَقْفُ عَلى قَوْلِهِما بِغَيْرِ تَنْوِينٍ. وزَعَمَ أبُو الفَتْحِ: أنَّ أيًّا وزْنُهُ فِعْلٌ، وهو مَصْدَرُ ”أوى“ يَأْوِي، إذا انْضَمَّ واجْتَمَعَ، أصْلُهُ ”أوى“ عَمِلَ فِيهِ ما عَمِلَ في طَيٍّ مَصْدَرِ طَوَيَ. وهَذا كُلُّهُ دَعْوى لا يَقُومُ دَلِيلٌ عَلى شَيْءٍ مِنها. والَّذِي يَظْهُرُ أنَّهُ اسْمٌ مَبْنِيٌّ بَسِيطٌ لا تَرْكِيبَ فِيهِ، يَأْتِي لِلتَّكْثِيرِ مِثْلَ ”كَمْ“، وفِيهِ لُغاتٌ: الأُولى وهي الَّتِي تَقَدَّمَتْ، و”كائِنٌ“ ومَنِ ادَّعى أنَّ هَذِهِ اسْمُ فاعِلٍ مِن كانَ، فَقَوْلُهُ بِعِيدٌ. و”كَئَنَ“ عَلى وزْنِ كَعَنَ، وكَأيِّنْ وكَيَيِّنْ، ويُوقَفُ عَلَيْها بِالنُّونِ. وأكْثَرُ ما يَجِيءُ تَمْيِيزُها مَصْحُوبًا بِمِن. ووَهَمَ ابْنُ عُصْفُورٍ في قَوْلِهِ: إنَّهُ يَلْزَمُهُ مِن، وإذا حُذِفَتِ انْتَصَبَ التَّمْيِيزُ سَواءٌ أوَلِيَها أمْ لَمْ يَلِيها، نَحْوَ قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎أطْرُدُ اليَأْسَ بِالرَّجاءِ فَكَأيِّنْ ألَمًا عَمَّ يَسْرُهُ بَعْدَ عُسْرِ وقَوْلِ الآخَرِ: ؎وكَأيِّنْ لَنا فَضْلًا عَلَيْكم ونِعْمَةً ∗∗∗ قَدِيمًا ولا تَدْرُونَ ما مِن مُنْعِمِ الرُّعْبُ: الخَوْفُ، رَعَبْتُهُ فَهو مَرْعُوبٌ. وأصْلُهُ مِنَ المَلْئِ. يُقالُ: سَيْلٌ راعِبٌ يَمْلَأُ الوادِي، ورَعَبْتُ الحَوْضَ: مَلَأْتُهُ. السُّلْطانُ: الحُجَّةُ والبُرْهانُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْوالِي: سُلْطانٌ. وقِيلَ: اشْتِقاقُ السُّلْطانِ مِنَ السَّلِيطِ، وهو ما يُضِيءُ بِهِ السِّراجُ مِن دُهْنِ السِّمْسِمِ. وقِيلَ: السَّلِيطُ الحَدِيدُ، والسَّلاطَةُ الحِدَّةُ، والسَّلاطَةُ مِنَ التَّسْلِيطِ وهو القَهْرُ والسُّلْطانُ مِن ذَلِكَ، فالنُّونُ زائِدَةٌ. والسَّلِيطَةُ: المَرْأةُ الصَّخّابَةُ. والسَّلِيطُ: الرَّجُلُ الفَصِيحُ اللِّسانِ. المَثْوى: مَفْعَلْ مِن ثَوى يَثْوِي أقامَ. يَكُونُ لِلْمَصْدَرِ والزَّمانِ والمَكانِ، والثَّواءُ: الإقامَةُ بِالمَكانِ. الحَسُّ: القَتْلُ الذَّرِيعُ، يُقالُ: حَسَّهُ يُحُسُّهُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎حَسَسْناهم بِالسَّيْفِ حَسًّا فَأصْبَحَتْ ∗∗∗ بَقِيَّتُهم قَدْ شُرِّدُوا وتَبَدَّدُوا وجَرادٌ مَحْسُوسٌ: قَتَلَهُ البَرْدُ، وسَنَةٌ حَسُوسٌ: أتَتْ عَلى كُلِّ شَيْءٍ. التَّنازُعُ: الِاخْتِلافُ، وهو مِنَ النَّزْعِ وهو الجَذْبُ. ونَزَعَ يَنْزِعُ جَذَبَ، وهو مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ. ونازَعَ مُتَعَدٍّ إلى اثْنَيْنِ، وتَنازَعَ مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ. قالَ: ؎فَلَمّا تَنازَعْنا الحَدِيثَ وأسْمَحَتْ ∗∗∗ هَصَرْتُ بِغُصْنٍ ذِي شَمارِيخَ مَيّالِ ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ هَذِهِ الآيَةُ وما بَعْدَها عَتْبٌ شَدِيدٌ لِمَن وقَعَتْ مِنهُمُ الهَفَواتُ يَوْمَ أُحُدٍ. واسْتَفْهَمَ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ أنْ يَظُنَّ أحَدٌ أنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ وهو مُخِلٌّ بِما افْتُرِضَ عَلَيْهِ مِنَ الجِهادِ والصَّبْرِ عَلَيْهِ. والمُرادُ بِنَفْيِ العِلْمِ انْتِفاءُ مُتَعَلِّقِهِ؛ لِأنَّهُ مُنْتَفٍ بِانْتِفائِهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣] المَعْنى: لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ خَيْرٌ؛ لِأنَّ ما لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ عِلْمُ اللَّهِ تَعالى مَوْجُودًا لا يَكُونُ مَوَجُودًا أبَدًا. و”أمْ“ هُنا مُنْقَطِعَةٌ في قَوْلِ الأكْثَرِينَ تَتَقَدَّرُ بِبَلْ، والهَمْزَةُ عَلى ما قُرِّرَ في النَّحْوِ. وقِيلَ: هي بِمَعْنى الهَمْزَةِ. وقِيلَ: ”أمْ“ مُتَّصِلَةٌ. قالَ ابْنُ بَحْرٍ: هي عَدِيلَةُ هَمْزَةٍ تَتَقَدَّرُ مِن مَعْنى ما تَتَقَدَّمُ، وذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ﴾ [آل عمران: ١٤٠] إلى آخِرِ القِصَّةِ يَقْتَضِي أنْ يَتْبَعَ ذَلِكَ: أتَعْلَمُونَ أنَّ التَّكْلِيفَ يُوجِبُ ذَلِكَ، أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ مِن غَيْرِ اخْتِبارٍ وتَحَمُّلِ مَشَقَّةٍ، (p-٦٦)وأنْ تُجاهِدُوا فَيَعْلَمَ اللَّهُ ذَلِكَ مِنكم واقِعًا. انْتَهى كَلامُهُ. وتَقَدَّمَ لَنا إبْطالُ مِثْلِ هَذا القَوْلِ. وهَذا الِاسْتِفْهامُ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ مَعْناهُ الإنْكارُ والإضْرابُ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ أيْضًا هو تَرْكٌ لِما قَبْلَهُ مِن غَيْرِ إبْطالٍ وأخْذٍ فِيما بَعْدَهُ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْبَهانِيُّ: ”﴿أمْ حَسِبْتُمْ﴾“ نَهْيٌ وقَعَ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي يَأْتِي لِلتَّبْكِيتِ. وتَلْخِيصُهُ: لا تَحْسَبُوا أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَقَعْ مِنكُمُ الجِهادُ. لَمّا قالَ: ﴿ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا﴾ [آل عمران: ١٣٩] كانَ في مَعْنى: أتَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ كَما تُؤْمَرُونَ بِهِ، أمْ تَحْسَبُونَ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ مِن غَيْرِ مُجاهَدَةٍ وصَبْرٍ. وإنَّما اسْتُبْعِدَ هَذا لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أوْجَبَ الجِهادَ قَبْلَ هَذِهِ الواقِعَةِ، وأوْجَبَ الصَّبْرَ عَلى تَحَمُّلِ مَشاقِّها، وبَيَّنَ وُجُوهَ مَصالِحِها في الدِّينِ والدُّنْيا. فَلَمّا كانَ كَذَلِكَ كانَ مِنَ البُعْدِ أنْ يَصِلَ الإنْسانُ إلى السَّعادَةِ والجَنَّةِ مَعَ إهْمالِ هَذِهِ القاعِدَةِ. انْتَهى كَلامُهُ. وظاهِرُهُ: أنَّ ”أمْ“ مُتَّصِلَةٌ، وحَسِبْتُمْ هُنا بِمَعْنى ظَنَنْتُمُ التَّرْجِيحِيَّةِ، وسَدَّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْها ”أنْ“ وما بَعْدَها عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، وسَدَّ مَسَدَّ مَفْعُولٍ واحِدٍ والثّانِي مَحْذُوفٌ عَلى مَذْهَبِ أبِي الحَسَنِ. ”﴿ولَمّا يَعْلَمِ﴾“ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، وهي نَفْيٌ مُؤَكَّدٌ لِمُعادَلَتِهِ لِلْمُثْبَتِ المُؤَكَّدِ بِقَدْ. فَإذا قُلْتَ: قَدْ قامَ زَيْدٌ، فَفِيهِ مِنَ التَّثْبِيتِ والتَّأْكِيدِ ما لَيْسَ في قَوْلِكَ: قامَ زَيْدٌ. فَإذا نَفَيْتَهُ قُلْتَ: لَمّا يَقُمْ زَيْدٌ. وإذا قُلْتَ: قامَ زَيْدٌ كانَ نَفْيُهُ لَمْ يَقُمْ زَيْدٌ، قالَهُ سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَمّا بِمَعْنى لَمْ، إلّا أنَّ فِيهِ ضَرْبًا مِنَ التَّوَقُّعِ، فَدَلَّ عَلى نَفْيِ الجِهادِ فِيما مَضى، وعَلى تَوَقُّعِهِ فِيما يُسْتَقْبَلُ. وتَقُولُ: وعَدَنِي أنْ يَفْعَلَ كَذا، ولَمّا تُرِيدْ، ولَمْ يَفْعَلْ، وأنا أتَوَقَّعُ فِعْلَهُ. انْتَهى كَلامُهُ. وهَذا الَّذِي قالَهُ في ”لَمّا“ أنَّها تَدُلُّ عَلى تَوَقُّعِ الفِعْلِ المَنهِيِّ بِها فِيما يُسْتَقْبَلُ - لا أعْلَمَ أحَدًا مِنَ النَّحْوِيِّينَ ذَكَرَهُ. بَلْ ذَكَرُوا أنَّكَ إذا قُلْتَ: لَمّا يَخْرُجْ زَيْدٌ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى انْتِفاءِ الخُرُوجِ فِيما مَضى مُتَّصِلًا نَفْيُهُ إلى وقْتِ الإخْبارِ. أمّا أنَّها تَدُلُّ عَلى تَوَقُّعِهِ في المُسْتَقْبَلِ فَلا، لَكِنَّنِي وجَدْتُ في كَلامِ الفَرّاءِ شَيْئًا يُقارِبُ ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. قالَ: ”لَمّا“ لِتَعْرِيضِ الوُجُودِ بِخِلافِ ”لَمْ“ . وقَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ المِيمِ؛ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والنَّخَعِيُّ بِفَتْحِها، وخُرِّجَ عَلى أنَّهُ إتْباعٌ لِفَتْحَةِ اللّامِ وعَلى إرادَةِ النُّونِ الخَفِيفَةِ وحَذْفِها، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎لا تُهِينَ الفَقِيرَ عَلَّكَ أنْ ∗∗∗ تَرْكَعَ يَوْمًا والدَّهْرُ قَدْ رَفَعَهُ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”ويَعْلَمُ“ بِرَفْعِ المِيمِ، فَقِيلَ: هو مَجْزُومٌ، وأتْبَعَ المِيمَ اللّامَ في الفَتْحِ كَقِراءَةِ مَن قَرَأ: ”﴿ولَمّا يَعْلَمِ﴾“ بِفَتْحِ المِيمِ عَلى أحَدِ التَّخْرِيجَيْنِ. وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ. فَعَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ بِإضْمارِ ”أنْ“ بَعْدَ واوٍ مَـعَ نَحْوِ: لا تَأْكُلِ السَّمَكَ وتَشْرَبَ اللَّبَنَ. وعَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ بِواوِ الصَّرْفِ، وتَقْرِيرُ المَذْهَبَيْنِ في عِلْمِ النَّحْوِ. وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ يَعْمُرَ وأبُو حَيْوَةَ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ بِكَسْرِ المِيمِ عَطْفًا عَلى ”﴿ولَمّا يَعْلَمِ﴾“ . وقَرَأ عَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو ”ويَعْلَمُ“ بِرَفْعِ المِيمِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى أنَّ الواوَ لِلْحالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ولَمّا تُجاهِدُوا وأنْتُمْ صابِرُونَ. انْتَهى. ولا يَصْلُحُ ما قالَ؛ لِأنَّ واوَ الحالِ لا تَدْخُلُ عَلى المُضارِعِ، يَجُوزُ: جاءَ زَيْدٌ ويَضْحَكُ، وأنْتَ تُرِيدُ جاءَ زَيْدٌ يَضْحَكُ؛ لِأنَّ المُضارِعَ واقِعٌ مَوْقِعَ اسْمِ الفاعِلِ. فَكَما لا يَجُوزُ جاءَ زَيْدٌ وضاحِكًا، كَذَلِكَ لا يَجُوزُ جاءَ زَيْدٌ ويَضْحَكُ. فَإنْ أُوِّلَ عَلى أنَّ المُضارِعَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أمْكَنَ ذَلِكَ، التَّقْدِيرُ: وهو يَعْلَمُ الصّابِرِينَ، كَما أوَّلُوا قَوْلَهُ: نَجَوْتُ وأرْهَنُهم مالِكًا، أيْ وأنا أرْهَنُهم. وخَرَّجَ غَيْرُ الزَّمَخْشَرِيِّ قِراءَةَ الرَّفْعِ عَلى اسْتِئْنافِ الإخْبارِ، أيْ: وهو يَعْلَمُ الصّابِرِينَ. وفِي إنْكارِ اللَّهِ تَعالى عَلى مَن (p-٦٧)ظَنَّ أنَّ دُخُولَ الجَنَّةِ يَكُونُ مَعَ انْتِفاءِ الجِهادِ والصَّبْرِ عِنْدَ لِقاءِ العَدُوِّ - دَلِيلٌ عَلى فَرْضِيَّةِ الجِهادِ إذْ ذاكَ والثَّباتِ لِلْعَدُوِّ، وقَدْ ذُكِرَ في الحَدِيثِ «أنَّ التَّوَلِّيَ عِنْدَ الزَّحْفِ مِنَ السَّبْعِ المُوبِقاتِ» .

آل عمران 3:143

﴿ولَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ مِن قَبْلِ أنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وظاهِرُهُ العُمُومُ والمُرادُ الخُصُوصُ. وذَلِكَ أنَّ جَماعَةً مِنَ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَحْضُرُوا غَزْوَةَ بَدْرٍ؛ إذْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّما خَرَجَ مُبادِرًا يُرِيدُ عِيرًا لْقُرَيْشِ، فَلَمْ يَظُنُّوا حَرْبًا، وفازَ أهْلُ بَدْرٍ بِما فازُوا بِهِ مِنَ الكَرامَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَتَمَنَّوْا لِقاءَ العَدُوِّ لِيَكُونَ لَهم يَوْمٌ كَيَوْمِ بَدْرٍ، وهُمُ الَّذِينَ حَرَّضُوا عَلى الخُرُوجِ لِأُحُدٍ. فَلَمّا كانَ في يَوْمِ أُحُدٍ ما كانَ مِن قَتْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَمِيئَةَ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ الذّابَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ظانًّا أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقالَ: قَتَلْتُ مُحَمَّدًا، وصَرَخَ بِذَلِكَ صارِخٌ، وفَشا ذَلِكَ في النّاسِ، انْكَفُّوا فارِّينَ، فَدَعاهُمُ الرَّسُولُ ﷺ: «إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ» حَتّى انْحازَتْ إلَيْهِ طائِفَةٌ واسْتَعْذَرُوا عَنِ انْكِفافِهِمْ قائِلِينَ: أتانا خَبَرُ قَتْلِكَ، فَرُعِبَتْ قُلُوبُنا، فَوَلَّيْنا مُدْبِرِينَ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَلُومُهم عَلى ما صَدَرَ مِنهم مَعَ ما كانُوا قَرَّرُوا عَلى أنْفُسِهِمْ مِن تَمَنِّي المَوْتِ. وعَبَّرَ عَنْ مُلاقاةِ الرِّجالِ ومُجالَدَتِهِمْ بِالحَدِيدِ بِالمَوْتِ؛ إذْ هي حالَةٌ تَتَضَمَّنُ في الأغْلَبِ المَوْتَ، فَلا يَتَمَنّاها إلّا مَن طابَتْ نَفْسُهُ بِالمَوْتِ. ومُتَمَنِّي المَوْتِ في الجِهادِ لَيْسَ مُتَمَنِّيًا لِغَلَبَةِ الكافِرِ المُسْلِمِ، إنَّما يَجِيءُ ذَلِكَ في الضِّمْنِ لا أنَّهُ مَقْصُودٌ، إنَّما مَقْصِدُهُ نَيْلُ رُتْبَةِ الشَّهادَةِ؛ لِما فِيها مِنَ الكَرامَةِ عِنْدَ اللَّهِ. وأنْشَدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ وقَدْ نَهَضَ إلى مَوْتِهِ وقالَ لَهم: رَدَّكُمُ اللَّهُ تَعالى فَقالَ: ؎لَكِنَّنِي أسْألُ الرَّحْمَنَ مَغْفِرَةً وضَرْبَةً ذاتَ فَرْعٍ تَقْذِفُ الزَّبَدا ؎حَتّى يَقُولُوا إذا مَرُّوا عَلى جَدَثِي ∗∗∗ أرْشَدَهُ اللَّهُ مِن غازٍ وقَدْ رَشَدا ﴿مِن قَبْلِ أنْ تَلْقَوْهُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ أنْ تُشاهِدُوا شَدائِدَهُ ومَضائِقَهُ. وضَمِيرُ المَفْعُولِ في تَلْقَوْهُ عائِدٌ عَلى المَوْتِ، وقِيلَ: عَلى العَدُوِّ، وأُضْمِرَ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ. والأوَّلُ أظْهَرُ؛ لِأنَّهُ يَعُودُ عَلى مَذْكُورٍ. وقَرَأ النَّخَعِيُّ والزُّهْرِيُّ: تُلاقُوهُ، ومَعْناها ومَعْنى تَلْقَوْهُ سَواءٌ مِن حَيْثُ إنَّ مَعْنى لَقِيَ يَتَضَمَّنُ أنَّهُ مِنِ اثْنَيْنِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ عَلى وزْنِ فاعِلٍ. وقَرَأ مُجاهِدٌ ”مِن قَبْلُ“ بِضَمِّ اللّامِ مَقْطُوعًا عَنِ الإضافَةِ، فَيَكُونُ مَوْضِعُ أنْ تَلْقَوْهُ نَصْبًا عَلى أنَّهُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ المَوْتِ. ”﴿فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ﴾“ أيْ عايَنْتُمْ أسْبابَهُ وهي الحَرْبُ المُسْتَعِرَةُ كَما قالَ: ؎لَقَـدْ رَأيْتُ المَـوْتَ قَبْلَ ذَوْقِــهِ وقالَ: ؎ووَجَدْتُ رِيحَ المَوْتِ مِن تِلْقائِهِمْ ∗∗∗ في مَأْزِقٍ والخَيْلُ لَمْ تَتَبَدَّدِ وقِيلَ: مَعْنى الرُّؤْيَةِ هُنا العِلْمُ، ويَحْتاجُ إلى حَذْفِ المَفْعُولِ الثّانِي أيْ: فَقَدْ عَلِمْتُمُ المَوْتَ حاضِرًا، وحُذِفَ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ. وحَذْفُ أحَدِ مَفْعُولَيْ ظَنَّ وأخَواتِها عَزِيزٌ جِدًّا؛ ولِذَلِكَ وقَعَ فِيهِ الخِلافُ بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: ”فَلَقَدْ رَأيْتُمُوهُ“ بِاللّامِ. ”﴿وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾“ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ لِلتَّأْكِيدِ، ورُفِعَ ما يَحْتَمِلُهُ ”رَأيْتُمُوهُ“ مِنَ المَجازِ، أوْ مِنَ الِاشْتِراكِ الَّذِي بَيْنَ رُؤْيَةِ القَلْبِ ورُؤْيَةِ العَيْنِ، أيْ مُعايِنِينَ مُشاهِدِينَ لَهُ حِينَ قُتِلَ بَيْنَ أيْدِيكم مَن قُتِلَ مِن إخْوانِكم وأقارِبِكم، وشارَفْتُمْ أنْ تُقْتَلُوا، فَعَلى هَذا يَكُونُ مُتَعَلِّقُ النَّظَرِ مُتَعَلِّقَ الرُّؤْيَةِ، وهَذا قَوْلُ الأخْفَشِ، وهو الظّاهِرُ. وقِيلَ: وأنْتُمْ بُصَراءُ، أيْ لَيْسَ بِأعْيُنِكم عِلَّةٌ. ويَرْجِعُ مَعْناهُ إلى القَوْلِ الأوَّلِ، وقالَهُ الزَّجّاجُ والأخْفَشُ أيْضًا. وقِيلَ: تَنْظُرُونَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ وما فَعَلَ بِهِ. وقِيلَ: تَنْظُرُونَ نَظَرَ تَأمَّلَ بَعْدَ الرُّؤْيَةِ. وقِيلَ: تَنْظُرُونَ في أسْبابِ النَّجاةِ والفِرارِ، وفي أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَلْ قُتِلَ أمْ لا ؟ وقِيلَ: تَنْظُرُونَ ما تَمَنَّيْتُمْ، وهو عائِدٌ عَلى المَوْتِ. (p-٦٨)وقِيلَ: تَنْظُرُونَ في فِعْلِكُمُ الآنَ بَعْدَ انْقِضاءِ الحَرْبِ، هَلْ وفَّيْتُمْ أوْ خالَفْتُمْ ؟ فَعَلى هَذا المَعْنى لا تَكُونُ جُمْلَةً حالِيَّةً، بَلْ هي جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةُ الإخْبارِ أتى بِها عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ. فَكَأنَّهُ قِيلَ: وأنْتُمْ حُسَباءُ أنْفُسَكم فَتَأمَّلُوا قُبْحَ فِعْلِكم. وهَذِهِ الآيَةُ وإنْ كانَتْ صِيغَتُها صِيغَةُ الخَبَرِ فَمَعْناها العَتْبُ والإنْكارُ عَلى مَنِ انْهَزَمَ يَوْمَ أُحُدٍ، وفِيها مَحْذُوفٌ أخِيرًا بَعْدَ قَوْلِهِ: فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ، أيْ تَفَرُّقِهِمْ بَعْدَ رُؤْيَةِ أسْبابِهِ وكَشْفِ الغَيْبِ، أنَّ مُتَعَلِّقَ تَمَنِّيكم نَكَصْتُمْ عَنْهُ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يُقالُ: إنَّ مَعْنى رَأيْتُمُوهُ قابَلْتُمُوهُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ بِعُيُونِكم، ولِهَذِهِ العِلَّةِ ذُكِرَ النَّظَرُ بَعْدَ الرُّؤْيَةِ حِينَ اخْتَلَفَ مَعْناهُما؛ لِأنَّ الأوَّلَ بِمَعْنى المُقابَلَةِ والمُواجَهَةِ، والثّانِي بِمَعْنى رُؤْيَةِ العَيْنِ. انْتَهى. ويَكُونُ إذْ ذاكَ، وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ جُمْلَةً في مَوْضِعِ الحالِ المُبَيِّنَةِ لا المُؤَكِّدَةِ، إلّا أنَّ المَشْهُورَ في اللُّغَةِ أنَّ الرُّؤْيَةَ هي الإبْصارُ، لا المُقابَلَةُ والمُواجَهَةُ.

آل عمران 3:144

﴿وما مُحَمَّدٌ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ هَذا اسْتِمْرارٌ في عَتْبِهِمْ آخَرُ، أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولٌ كَمَن مَضى مِنَ الرُّسُلِ، بَلَّغَ عَنِ اللَّهِ كَما بَلَّغُوا. ولَيْسَ بَقاءُ الرُّسُلِ شَرْطًا في بَقاءِ شَرائِعِهِمْ، بَلْ هم يَمُوتُونَ وتَبْقى شَرائِعُهم يَلْتَزِمُها أتْباعُهم. فَكَما مَضَتِ الرُّسُلُ وانْقَضَوْا، فَكَذَلِكَ حُكْمُهم هو في ذَلِكَ واحِدٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ”الرُّسُلُ“ بِالتَّعْرِيفِ، عَلى سَبِيلِ التَّفْخِيمِ لِلرُّسُلِ، والتَّنْوِيهِ بِهِمْ عَلى مُقْتَضى حالِهِمْ مِنَ اللَّهِ. وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ ”رُسُلٌ“ بِالتَّنْكِيرِ، وبِها قَرَأ: ابْنُ عَبّاسٍ وقَحْطانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. ووَجْهُها أنَّهُ مَوْضِعُ تَبْشِيرٍ لِأمْرِ النَّبِيِّ ﷺ في مَعْنى الحَياةِ، ومَكانُ تَسْوِيَةٍ بَيْنِهِ وبَيْنَ البَشَرِ في ذَلِكَ. وهَكَذا يَتَّصِلُ في أماكِنِ الِاقْتِضاءِ بِهِ بِالشَّيْءِ ومِنهُ: ﴿وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبإ: ١٣] ﴿وما آمَنَ مَعَهُ إلّا قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠] إلى غَيْرِ ذَلِكَ. ذَكَرَ هَذا الفَرْقَ بَيْنَ التَّعْرِيفِ والتَّنْكِيرِ في نَحْوِ هَذا المَساقِ أبُو الفَتْحِ، وقِراءَةُ التَّعْرِيفِ أوْجَهُ، إذْ تَدُلُّ عَلى تَساوِي كُلٍّ في الخَلْقِ والمَوْتِ، فَهَذا الرَّسُولُ هو مِثْلُهم في ذَلِكَ. ﴿أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ﴾ لَمّا صُرِخَ بِأنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، تَزَلْزَلَتْ أقْدامُ المُؤْمِنِينَ، ورُعِبَتْ قُلُوبُهم، وأمْعَنُوا في الفِرارِ، وكانُوا ثَلاثَ فِرَقٍ: فِرْقَةٌ قالَتْ: ما نَصْنَعُ بِالحَياةِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قاتِلُوا عَلى ما قاتَلَ عَلَيْهِ، فَقاتَلُوا حَتّى قُتِلُوا، مِنهم: أنَسُ بْنُ النَّضْرِ. وفِرْقَةٌ قالُوا: نُلْقِي إلَيْهِمْ بِأيْدِينا فَإنَّهم قَوْمُنا وبَنُو عَمِّنا. وفِرْقَةٌ أظْهَرَتِ النِّفاقَ وقالُوا: ارْجِعُوا إلى دِينِكُمُ الأوَّلِ، فَلَوْ كانَ مُحَمَّدٌ نَبِيًّا ما قُتِلَ. وظاهِرُ الِانْقِلابِ عَلى العَقِبَيْنِ هو الِارْتِدادُ. وقِيلَ: هو بِالفِرارِ لا الِارْتِدادُ. وقَدْ جاءَ هَذا اللَّفْظُ في الِارْتِدادِ والكُفْرِ في قَوْلِهِ: ”﴿لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣]“ وهَذِهِ الهَمْزَةُ هي هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي مَعْناهُ الإنْكارُ. والفاءُ لِلْعَطْفِ، وأصْلُها التَّقْدِيمُ؛ إذِ التَّقْدِيرُ: فَــأإنْ ماتَ. لَكِنَّهم يَعْتَنُونَ بِالِاسْتِفْهامِ فَيُقَدِّمُونَهُ عَلى حَرْفِ العَطْفِ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا مِثْلُ هَذا وخِلافُ الزَّمَخْشَرِيِّ فِيهِ. وقالَ الخَطِيبُ كَمالُ الدِّينِ الزَّمَلْكانِيِّ: الأوْجُهُ أنْ يُقَدَّرَ مَحْذُوفٌ بَعْدَ الهَمْزَةِ، وقِيلَ الفاءُ، تَكُونُ الفاءُ عاطِفَةً عَلَيْهِ. ولَوْ صَرَّحَ بِهِ لَقِيلَ: أتُؤْمِنُونَ بِهِ مُدَّةَ حَيّاتِهِ، فَإنْ ماتَ ارْتَدَدْتُمْ، فَتُخالِفُوا سُنَنَ اتِّباعِ الأنْبِياءِ قَبْلَكم في ثَباتِهِمْ عَلى مِلَلِ أنْبِيائِهِمْ بَعْدَ وفاتِهِمْ. انْتَهى. وهَذِهِ نَزْعَةٌ زَمَخْشَرِيَّةٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ مَعَهُ في نَحْوِ ذَلِكَ. وأنَّ هَذِهِ الفاءَ إنَّما عَطَفَتِ الجُمْلَةَ المُسْتَفْهَمَ عَنْها عَلى الجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ قَبْلَها، وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ داخِلَةٌ عَلى جُمْلَةِ الشَّرْطِ وجَزائِهِ. وجَزاؤُهُ هو ”انْقَلَبْتُمْ“، فَلا تُغَيِّرُ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ شَيْئًا مِن أحْكامِ الشَّرْطِ وجَزائِهِ. فَإذا كانا مُضارِعَيْنِ كانا مَجْزُومَيْنِ نَحْوَ: أإنْ تَأْتِنِي آتِكَ. وذَهَبَ يُونُسُ إلى أنَّ الفِعْلَ الثّانِيَ يُبْنى عَلى أداةِ الِاسْتِفْهامِ، فَيُنْوى بِهِ التَّقْدِيمُ ولا بُدَّ، إذْ ذاكَ مِن جَعْلِ الفِعْلِ الأوَّلِ ماضِيًا؛ لِأنَّ جَوابَ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، ولا يُحْذَفُ الجَوابُ إلّا إذا كانَ فِعْلُ الشَّرْطِ لا يَظْهَرُ فِيهِ عَمَلٌ لِأداةِ الشَّرْطِ، فَيَلْزَمُ عِنْدَهُ أنْ تَقُولَ: أإنْ أكْرَمْتَنِي أُكْرِمْكَ. التَّقْدِيرُ فِيهِ: أُكْرِمْكَ إنْ أكْرَمْتَنِي، ولا يَجُوزُ عِنْدَهُ: إنْ تُكْرِمْنِي (p-٦٩)أُكْرِمْكَ بِجَزْمِهِما أصْلًا، ولا إنْ تُكْرِمْنِي أُكْرِمُكَ بِجَزْمِ الأوَّلِ ورَفْعِ الثّانِي إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ. والكَلامُ عَلى هَذِهِ المَسْألَةِ مُسْتَوْفًى في عِلْمِ النَّحْوِ. فَعَلى مَذْهَبِ يُونُسَ: تَكُونُ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ دَخَلَتْ في التَّقْدِيرِ عَلى انْقَلَبْتُمْ، وهو ماضٍ مَعْناهُ الِاسْتِقْبالُ؛ لِأنَّهُ مُقَيَّدٌ بِالمَوْتِ أوْ بِالقَتْلِ. وجَوابُ الشَّرْطِ عِنْدَ يُونُسَ مَحْذُوفٌ، وبِقَوْلِ يُونُسَ: قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ في الآيَةِ قالُوا: ألِفُ الِاسْتِفْهامِ دَخَلَتْ في غَيْرِ مَوْضِعِها؛ لِأنَّ الغَرَضَ إنَّما هو أتَنْقَلِبُونَ عَلى أعْقابِكم إنْ ماتَ مُحَمَّدٌ. ودَخَلَتْ إنْ هُنا عَلى المُحَقَّقِ ولَيْسَ مِن مَظانِّها؛ لِأنَّهُ أُورِدَ مَوْرِدَ المَشْكُوكِ فِيهِ؛ لِلتَّرَدُّدِ بَيْنَ المَوْتِ والقَتْلِ، وتَجْوِيزِ قَتْلِهِ عِنْدَ أكْثَرِ المُخاطَبِينَ. ألا تَرى إلَيْهِمْ حِينَ سَمِعُوا أنَّهُ قُتِلَ اضْطَرَبُوا وفَرُّوا، وانْقَسَمُوا إلى ثَلاثِ فِرَقٍ، ومَن ثَبَتَ مِنهم فَقاتَلَ حَتّى قُتِلَ ؟ قالَ بَعْضُهم: يا قَوْمُ إنْ كانَ مُحَمَّدٌ قَدْ قُتِلَ، فَإنَّ رَبَّ مُحَمَّدٍ لَمْ يُقْتَلْ، مُوتُوا عَلى ما ماتَ عَلَيْهِ. وقالَ بَعْضُهم: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ قَدْ قُتِلَ فَإنَّهُ قَدْ بَلَّغَ، فَقاتِلُوا عَنْ دِينِكم. فَهَذا يَدُلُّ عَلى تَجْوِيزِ أكْثَرِ المُخاطَبِينَ لِأنْ يُقْتَلَ. فَأمّا العِلْمُ بِأنَّهُ لا يُقْتَلُ مِن جِهَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] فَهو مُخْتَصٌّ بِالعُلَماءِ مِنَ المُؤْمِنِينَ وذَوِي البَصِيرَةِ مِنهم، ومَن سَمِعَ هَذِهِ الآيَةَ وعَرَفَ سَبَبَ نُزُولِها. ﴿ومَن يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾ أيْ مَن رَجَعَ إلى الكُفْرِ أوِ ارْتَدَّ فارًّا عَنِ القِتالِ وعَنْ ما كانَ عَلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ مِن أمْرِ الجِهادِ عَلى التَّفْسِيرَيْنِ السّابِقَيْنِ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ هي عامَّةٌ في أنَّ كُلَّ مَنِ انْقَلَبَ عَلى عَقِبَيْهِ فَلا يَضُرُّ إلّا نَفْسَهُ، ولا يَلْحَقُ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ لِلَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ تَعالى لا يَجُوزُ عَلَيْهِ مَضارُّ العَبْدِ. ولَمْ تَقَعْ رِدَّةٌ مِن أحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ في ذَلِكَ اليَوْمِ إلّا ما كانَ مِن قَوْلِ المُنافِقِينَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ”﴿عَلى عَقِبَيْهِ﴾“ بِالتَّثْنِيَةِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ عَلى عَقِبِهِ بِالإفْرادِ، وانْتِصابُ شَيْئًا عَلى المَصْدَرِ أيْ: شَيْئًا مِنَ الضَّرَرِ لا قَلِيلًا ولا كَثِيرًا. والِانْقِلابُ عَلى الأعْقابِ أوْ عَلى العَقِبَيْنِ أوِ العَقِبِ مِن بابِ التَّمْثِيلِ مِثْلَ مَن يَرْجِعُ إلى دِينِهِ الأوَّلِ بِمَن يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ. وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ. ﴿وسَيَجْزِي اللَّهُ الشّاكِرِينَ﴾ وعْدٌ عَظِيمٌ بِالجَزاءِ. وجاءَ بِالسِّينِ الَّتِي هي في قَوْلِ بَعْضِهِمْ: قَرِينَةُ التَّفْسِيرِ في الِاسْتِقْبالِ، أيْ: لا يَتَأخَّرُ جَزاءُ اللَّهِ إيّاهم عَنْهم. والشّاكِرِينَ هُمُ الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى دِينِهِ، وصَدَقُوا اللَّهَ فِيما وعَدُوهُ، وثَبَتُوا، شَكَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِالإسْلامِ، ولَمْ يَكْفُرُوها، كَأنَسِ بْنِ النَّضْرِ، وسَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، والأنْصارِيِّ الَّذِي كانَ يَتَشَحَّطُ في دَمِهِ، وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ ثَبَتَ ذَلِكَ اليَوْمَ. والشّاكِرُونَ لَفْظٌ عامٌّ يَنْدَرِجُ فِيهِ كُلُّ شاكِرٍ فِعْلًا وقَوْلًا. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الشُّكْرِ. وظاهِرُ هَذا الجَزاءِ أنَّهُ في الآخِرَةِ. وقِيلَ: في الدُّنْيا بِالرِّزْقِ والتَّمْكِينِ في الأرْضِ. وفَسَّرُوا الشّاكِرِينَ هُنا بِالثّابِتِينَ عَلى دِينِهِمْ، قالَهُ عَلِيٌّ. وقالَ هو والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: أبُو بَكْرٍ أمِيرُ الشّاكِرِينَ، يُشِيرانِ إلى ثَباتِهِ يَوْمَ ماتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، واضْطِرابِ النّاسِ إذْ ذاكَ، وثَباتِهِ في أمْرِ الرِّدَّةِ وما قامَ بِهِ مِن أعْباءِ الإسْلامِ. وفُسِّرَ أيْضًا بِالطّائِعِينَ.

آل عمران 3:145

﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَعْنى أنَّ مَوْتَ الأنْفُسِ مُحالٌ أنْ تَكُونَ إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، فَأخْرَجَهُ مَخْرَجَ فِعْلٍ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَقْدُمَ عَلَيْهِ إلّا أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لَهُ فِيهِ تَمْثِيلًا؛ ولِأنَّ مَلَكَ المَوْتِ هو المُوَكَّلُ بِذَلِكَ، فَلَيْسَ لَهُ أنْ يَقْبِضَ نَفْسًا إلّا بِإذْنٍ مِنَ اللَّهِ. وهو عَلى مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: تَحْرِيضُهم عَلى الجِهادِ، وتَشْجِيعُهم عَلى لِقاءِ العَدُوِّ، بِإعْلامِهِمْ أنَّ الحَذَرَ لا يَنْفَعُ، وأنَّ أحَدًا لا يَمُوتُ قَبْلَ بُلُوغِ أجَلِهِ، وإنْ خاضَ المَهالِكَ واقْتَحَمَ المَعارِكَ. والثّانِي: ذِكْرُ ما صَنَعَ اللَّهُ تَعالى بِرَسُولِهِ عِنْدَ غَلَبَةِ العَدُوِّ، والتِفافِهِمْ عَلَيْهِ، وإسْلامِ قَوْمِهِ لَهُ نُهْزَةً لِلْمُخْتَلِسِينَ مِنَ الحِفْظِ والكِلاءِ وتَأخُّرِ الأجَلِ. انْتَهى كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ، وهو حَسَنٌ، وهو بَسْطُ كَلامِ غَيْرِهِ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ لا تَمُوتُ نَفْسٌ إلّا بِأجَلٍ مَحْتُومٍ. فالجُبْنُ لا يَزِيدُ في الحَياةِ، والشَّجاعَةُ لا تُنْقِصُ مِنها. وفي هَذِهِ الجُمْلَةِ تَقْوِيَةٌ لِلنُّفُوسِ (p-٧٠)عَلى الجِهادِ، وفِيها تَسْلِيَةٌ في مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ . وقَوْلُ العَرَبِ: ما كانَ لِزَيْدٍ أنْ يَفْعَلَ، مَعْناهُ انْتِفاءُ الفِعْلِ عَنْ زَيْدٍ وامْتِناعُهُ. فَتارَةً يَكُونُ الِامْتِناعُ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ لِكَوْنِهِ مُمْتَنِعًا عَقْلًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ [مريم: ٣٥] وقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ [النمل: ٦٠] وتارَةً لِكَوْنِهِ مُمْتَنِعًا عادَةً نَحْوَ: ما كانَ لِزَيْدٍ أنْ يَطِيرَ. وتارَةً لِكَوْنِهِ مُمْتَنِعًا شَرْعًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٢] وتارَةً لِكَوْنِهِ مُمْتَنِعًا أدَبًا، كَقَوْلِ أبِي بَكْرٍ: ما كانَ لِابْنِ أبِي قُحافَةَ أنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ويُفْهَمُ هَذا مِن سِياقِ الكَلامِ. ولا تَتَضَمَّنُ هَذِهِ الصِّيغَةُ نَهْيًا كَما يَقُولُهُ بَعْضُهم. وقَوْلُهُ: لِنَفْسٍ، المُرادُ الجِنْسُ لا نَفْسٌ واحِدَةٌ. ومَعْنى: إلّا بِإذْنِ اللَّهِ، أيْ بِتَمْكِينِهِ وتَسْوِيغِهِ ذَلِكَ. وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الإذْنِ، والأحْسَنُ فِيهِ أنَّهُ تَمْكِينٌ مِنَ الشَّيْءِ مَعَ العِلْمِ بِهِ، فَإنِ انْضافَ إلى ذَلِكَ قَوْلٌ فَيَكُونُ أمْرًا. والمَعْنى: إلّا بِإذْنِ اللَّهِ لِلْمَلَكِ المُوَكَّلِ بِالقَبْضِ. و”﴿أنْ تَمُوتَ﴾“ في مَوْضِعِ اسْمِ كانَ، و”لِنَفْسٍ“ هو في مَوْضِعِ الخَبَرِ، فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ. وجَعَلَ بَعْضُهم ”كانَ“ زائِدَةً، فَيَكُونُ ”﴿أنْ تَمُوتَ﴾“ في مَوْضِعِ مُبْتَدَأٍ، ولِنَفْسٍ في مَوْضِعِ خَبَرِهِ. وقَدَّرَهُ الزَّجّاجُ عَلى المَعْنى، فَقالَ: وما كانَتْ نَفْسٌ لِتَمُوتَ، فَجَعَلَ ما كانَ اسْمًا خَبَرًا، وما كانَ خَبَرًا اسْمًا، ولا يُرِيدُ بِذَلِكَ الإعْرابَ، إنَّما فَسَّرَ مِن جِهَةِ المَعْنى. وقالَ أبُو البَقاءِ: اللّامُ في ”لِنَفْسٍ“ لِلتَّبْيِينِ، مُتَعَلِّقَةٌ بِكانَ. انْتَهى. وهَذا لا يَتِمُّ إلّا إنْ كانَتْ ”كانَ“ تامَّةً، وقَوْلُ مَن قالَ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: وما كانَ المَوْتُ لِنَفْسٍ، و”﴿أنْ تَمُوتَ﴾“ تَبْيِينٌ لِلْمَحْذُوفِ مَرْغُوبٌ عَنْهُ؛ لِأنَّ اسْمَ كانَ إنْ كانَتْ ناقِصَةً أوِ الفاعِلَ إنْ كانَتْ تامَّةً - لا يَجُوزُ حَذْفُهُ، ولِما في حَذْفِهِ أنْ لَوْ جازَ مِن حَذْفِ المَصْدَرِ وإبْقاءِ مَعْمُولِهِ، وهو لا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ. ﴿كِتابًا مُؤَجَّلًا﴾: أيْ لَهُ أجَلٌ لا يَتَقَدَّمُ ولا يَتَأخَّرُ، وفي هَذا رَدٌّ عَلى المُعْتَزِلَةِ في قَوْلِهِمْ بِالأجَلَيْنِ. والكِتابَةُ هُنا عِبارَةٌ عَنِ القَضاءِ، وقِيلَ: مَكْتُوبًا في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ مُبَيَّنًا فِيهِ. ويَحْتَمِلُ هَذا الكَلامُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِقَوْلِهِمْ: ”﴿لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦]“ . وانْتِصابُ كِتابًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ والتَّقْدِيرُ: كَتَبَ اللَّهُ كِتابًا مُؤَجَّلًا ونَظِيرُهُ: ﴿كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٨٨] و﴿وعَدَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٩٥] . وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ، أيِ الزَمُوا وآمِنُوا بِالقَدَرِ، وهَذا بِعِيدٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ”كِتابًا“ نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ، وهَذا لا يَظْهَرُ، فَإنَّ التَّمْيِيزَ كَما قَسَّمَهُ النُّحاةُ يَنْقَسِمُ إلى مَنقُولٍ وغَيْرِ مَنقُولٍ، وأقْسامُهُ في النَّوْعَيْنِ مَحْصُورَةٌ، ولَيْسَ هَذا واحِدًا مِنها. ﴿ومَن يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها ومَن يُرِدْ ثَوابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنها﴾: هَذا تَعْرِيضٌ بِالَّذِينِ رَغِبُوا في الغَنائِمِ يَوْمَ أُحُدٍ واشْتَغَلُوا بِها، والَّذِينَ ثَبَتُوا عَلى القِتالِ فِيهِ ولَمْ يَشْغَلْهم شَيْءٌ عَنْ نُصْرَةِ الدِّينِ، وهَذا الجَزاءُ مِن إيتاءِ اللَّهِ مَن أرادَ ثَوابَ الدُّنْيا مَشْرُوطٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، كَما جاءَ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ﴾ [الإسراء: ١٨] . وقَوْلُهُ: ”نُؤْتِهِ“ بِالنُّونِ فِيهِما وفي: ”﴿سَنَجْزِي﴾ [الأنعام: ١٥٧]“ قِراءَةُ الجُمْهُورِ وهو التِفاتٌ، إذْ هو خُرُوجٌ مِن غَيْبَةٍ إلى تَكَلُّمٍ بِنُونِ العَظَمَةِ. وقَرَأ الأعْمَشُ: يُؤْتِهِ بِالياءِ فِيهِما وفي ”سَيَجْزِي“، وهو جارٍ عَلى ما سَبَقَ مِنَ الغَيْبَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَلِكَ عَلى حَذْفِ الفاعِلِ؛ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ. انْتَهى. وهو وهْمٌ، وصَوابُهُ: عَلى إضْمارِ الفاعِلِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى اللَّهِ. وظاهِرُ التَّقْسِيمِ يَقْتَضِي اخْتِصاصَ كُلِّ واحِدٍ بِما أرادَ؛ لِأنَّ مَن كانَتْ نِيَّتُهُ مَقْصُورَةً عَلى طَلَبِ دُنْياهُ لا نَصِيبَ لَهُ في الآخِرَةِ، لَكِنَّ مَن كانَتْ نِيَّتُهُ مَقْصُورَةً عَلى طَلَبِ الآخِرَةِ قَدْ يُؤْتى نَصِيبًا مِنَ الدُّنْيا. ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيها أقْوالٌ: نُؤْتِهِ نَصِيبًا مِنَ الغَنِيمَةِ لِجِهادِهِ الكُفّارَ، أوْ لَمْ نَحْرِمْهُ ما قَسَمْناهُ لَهُ، إذْ مَن طَلَبَ الدُّنْيا بِعَمَلِ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنها، وما لَهُ في الآخِرَةِ مَن نَصِيبٍ. أوْ هي خاصَّةٌ في أصْحابِ أُحُدٍ، أوْ مَن أرادَ ثَوابَ الدُّنْيا بِالتَّعَرُّضِ لَها بِعَمَلِ النَّوافِلِ مَعَ مُواقَعَةِ الكَبائِرِ، جُوزِيَ عَلَيْها في الدُّنْيا والآخِرَةِ. ﴿وسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ﴾: وعْدٌ لِمَن شَكَرَ نِعَمَ اللَّهِ، فَقَصَرَ هَمَّهُ ونِيَّتَهُ عَلى طَلَبِ ثَوابِ الآخِرَةِ. قالَ ابْنُ فُورَكٍ: وفِيهِ (p-٧١)إشارَةٌ إلى أنَّهم يُنَعِّمُهُمُ اللَّهُ بِنَعِيمِ الدُّنْيا، ولا يُقْصِرُهم عَلى نَعِيمِ الآخِرَةِ. وأظْهَرَ الحَرَمِيّانِ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ في بَعْضِ طُرُقٍ مِن رِوايَةِ هِشامٍ، وابْنِ ذَكْوانَ دالَ ”يُرِدْ“ عِنْدَ ”ثَوابَ“، وأدْغَمَ في الوَصْلِ. وقَرَأ قالُونُ والحَلْوانِيُّ عَنْ هِشامٍ مِن طَرِيقٍ بِاخْتِلاسِ الحَرَكَةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالإشْباعِ. وأمّا في الوَقْفِ فَبِالسُّكُونِ لِلْجَمِيعِ. ووَجْهُ الإسْكانِ أنَّ الهاءَ لَمّا وقَعَتْ مَوْقِعَ المَحْذُوفِ الَّذِي كانَ حَقُّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ حَرْفَ عِلَّةٍ أنْ يَسْكُنَ، فَأُعْطِيَتِ الهاءُ ما تَسْتَحِقُّهُ مِنَ السُّكُونِ. وُوَجْهُ الِاخْتِلاسِ بِأنَّهُ اسْتَصْحَبَ ما كانَ لِلْهاءِ قَبْلَ أنْ تُحْذَفَ الياءُ؛ لِأنَّهُ قَبْلَ الحَذْفِ كانَ أصْلُهُ ”يُؤْتِيهِ“، والحَذْفُ عارِضٌ، فَلا يُعْتَدُّ بِهِ. ووَجْهُ الإشْباعِ بِأنَّهُ جازَ نَظَرًا إلى اللَّفْظِ وإنْ كانَتِ الهاءُ مُتَّصِلَةً بِحَرَكَةٍ، والأوْلى تَرْكُ هَذِهِ التَّوْجِيهاتِ، فَإنَّ اخْتِلاسَ الضَّمَّةِ والكَسْرَةِ بَعْدَ مُتَحَرِّكٍ لُغَةٌ حَكاها الكِسائِيُّ عَنْ بَنِي عَقِيلٍ وبَنِي كِلابٍ، قالَ الكِسائِيُّ: سَمِعْتُ أعْرابَ كِلابٍ وعَقِيلٍ يَقُولُونَ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: ٦] ولِرَبِّهِ لَكَنُودٌ بِغَيْرِ تَمامٍ ولَهُ مالٌ، ولَهُ مالٌ. وغَيْرُ بَنِي كِلابٍ وبَنِي عَقِيلٍ لا يُوجَدُ في كَلامِهِمُ اخْتِلاسٌ، ولا سُكُونَ في ”لَهُ“ وشِبْهِهِ إلّا في ضَرُورَةٍ نَحْوِ قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎لَهُ زَجَلٌ كَأنَّهُ صَوْتُ حادٍ إذا طَلَبَ الوَسِيقَةَ أوْ زَمِيرُ وقَوْلُ الآخَرِ: ؎وأشْرَبِ الماءَ ما بِي نَحْوَهُ عَطَشٌ ∗∗∗ إلّا لِأنَّ عُيُونَهُ سَيْلُ وادِيها

آل عمران 3:146

﴿وكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وهَنُوا لِما أصابَهم في سَبِيلِ اللَّهِ وما ضَعُفُوا وما اسْتَكانُوا﴾: (p-٧٢)لَمّا كانَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ما كانَ يَوْمَ أُحُدٍ، وعَتَبَ عَلَيْهِمُ اللَّهُ ما حَذَّرَ مِنهم في الآياتِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ، أخْبَرَهم بِأنَّ الأُمَمَ السّالِفَةَ قَتَلَتْ أنْبِياءً لَهم كَثِيرُونَ، أوْ قُتِلَ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ مَعَهم، فَلَمْ يَلْحَقْهم ما لَحِقَكم مِنَ الوَهْنِ والضَّعْفِ، ولا ثَناهم عَنِ القِتالِ فَجْعُهم بِقَتْلِ أنْبِيائِهِمْ، أوْ قَتْلِ رِبِّيِّيهِمْ، بَلْ مَضَوْا قُدُمًا في نُصْرَةِ دِينِهِمْ صابِرِينَ عَلى ما حَلَّ بِهِمْ. وقَتْلُ نَبِيٍّ أوْ أتْباعِهِ مِن أعْظَمِ المَصابِ، فَكَذَلِكَ كانَ يَنْبَغِي لَكُمُ التَّأسِّي بِمَن مَضى مِن صالِحِي الأُمَمِ السّابِقَةِ، هَذا وأنْتُمْ خَيْرُ الأُمَمِ، ونَبِيُّكم خَيْرُ الأنْبِياءِ. وفي هَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ العَتْبِ لِمَن فَرَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وقَرَأ الجُمْهُورُ ”وكَأيِّنْ“، قالُوا: وهي أصْلُ الكَلِمَةِ، إذْ هي ”أيٌّ“ دَخَلَ عَلَيْها كافُ التَّشْبِيهِ، وكُتِبَتْ بِنُونٍ في المُصْحَفِ، ووَقَفَ عَلَيْها أبُو عَمْرٍو. وسَوْرَةُ بْنُ المُبارَكِ عَنِ الكِسائِيِّ، بِياءٍ دُونَ نُونٍ، ووَقَفَ الجُمْهُورُ عَلى النُّونِ اتْباعًا لِلرَّسْمِ. واعْتَلَّ لِذَلِكَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ بِما يُوقَفُ عَلَيْهِ في كَلامِهِ، وذَلِكَ عَلى عادَةِ المُعَلِّلِينَ، ومِمّا جاءَ عَلى هَذِهِ اللُّغَةِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وكَأيِّنْ في المَعاسِرِ مِن أُناسٍ أخُوهم فَوْقَهم وهُمُ كِرامُ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ”وكائِنْ“ وهي أكْثَرُ اسْتِعْمالًا في لِسانِ العَرَبِ وأشْعارِها، قالَ: ؎وكائِنْ رَدَدْنا عَنْكُمُ مِن مُـدَجَّـجٍ وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِينٍ والأشْهَبُ العَقِيلِيُّ: وكَأيِّنْ عَلى مِثالِ كَعَيِّنْ. وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ مِنَ الشَّواذِّ ”كَيْئِنْ“، وهو مَقْلُوبُ قِراءَةِ ابْنِ مُحَيْصِينٍ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِينٍ أيْضًا فِيما حَكاهُ الدّانِي كانَ عَلى مِثالِ كَعِ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎كانَ صَدِيقٌ خِلْتُهُ صادِقَ الأخا ∗∗∗ أبانَ اخْتِبارِي أنَّهُ لِي مُداهِنُ وقَرَأ الحَسَنُ ”كَيٍّ“ بِكافٍ بَعْدَها ياءٌ مَكْسُورَةٌ مُنَوَّنَةٌ. وقَدْ طَوَّلَ المُفَسِّرُونَ - ابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُ - بِتَعْلِيلِ هَذِهِ التَّصَرُّفاتِ في ”كَأيِّنْ“، وبِما عُمِلَ في ”كَأيِّنْ“؛ فَلِذَلِكَ أضْرَبْنا عَنْ ذِكْرِهِ صَفْحًا. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو ”قُتِّلَ“ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَتادَةُ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ شَدَّدَ التّاءَ، وباقِي السَّبْعَةِ ”قاتَلَ“ بِألِفٍ، فِعْلًا ماضِيًا. وعَلى كُلٍّ مِن هَذِهِ القِراءاتِ يَصْلُحُ أنْ يُسْنَدَ الفِعْلُ إلى الضَّمِيرِ، فَيَكُونُ صاحِبُ الضَّمِيرِ هو الَّذِي قُتِلَ أوْ قُتِّلَ عَلى مَعْنى التَّكْثِيرِ بِالنِّسْبَةِ لِكَثْرَةِ الأشْخاصِ، لا بِالنِّسْبَةِ لِفَرْدٍ فَرْدٍ. إذِ القَتْلُ لا يَتَكَثَّرُ في كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ. أوْ هو قاتِلٌ ويَكُونُ قَوْلُهُ: ”مَعَهُ رِبِّيُّونَ“ مُحْتَمِلًا أنْ تَكُونَ جُمْلَةً في مَوْضِعِ الحالِ، فَيَرْتَفِعُ رِبِّيُّونَ بِالِابْتِداءِ، والظَّرْفُ قَبْلَهُ خَبَرُهُ، ولَمْ يَحْتَجْ إلى الواوِ لِأجْلِ الضَّمِيرِ في ”مَعَهُ“ العائِدِ عَلى ذِي الحالِ، ومُحْتَمِلًا أنْ يَرْتَفِعَ ”﴿رِبِّيُّونَ﴾“ عَلى الفاعِلِيَّةِ بِالظَّرْفِ، ويَكُونَ الظَّرْفُ هو الواقِعُ حالًا، التَّقْدِيرُ: كائِنًا مَعَهُ رِبِّيُّونَ، وهَذا هو الأحْسَنُ؛ لِأنَّ وُقُوعَ الحالِ مُفْرَدًا أحْسَنُ مِن وُقُوعِهِ جُمْلَةً. وقَدِ اعْتُمِدَ الظَّرْفُ لِكَوْنِهِ وقَعَ حالًا فَيَعْمَلُ، وهي حالٌ مَحْكِيَّةٌ؛ فَلِذَلِكَ ارْتَفَعَ ”﴿رِبِّيُّونَ﴾“ بِالظَّرْفِ، وإنْ كانَ العامِلُ ماضِيًا؛ لِأنَّهُ حَكى الحالَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَلْبُهم باسِطٌ ذِراعَيْهِ﴾ [الكهف: ١٨] وذَلِكَ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ. وأمّا الكِسائِيُّ وهِشامٌ، فَإنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَهُما إعْمالُ اسْمِ الفاعِلِ الماضِي غَيْرِ المُعَرَّفِ بِالألِفِ واللّامِ مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ، بِكَوْنِهِ حِكايَةَ حالٍ، ويَصْلُحُ أنْ يُسْنَدَ الفِعْلُ إلى رِبِّيُّونَ فَلا يَكُونُ فِيهِ ضَمِيرٌ، ويَكُونُ الرِّبِّيُّونَ هُمُ الَّذِينَ قُتِلُوا أوْ قُتِّلُوا أوْ قاتَلُوا، ومَوْضِعُ ”كَأيِّنْ“ رَفْعٌ عَلى الِابْتِداءِ. والظّاهِرُ أنَّ خَبَرَهُ بِالجُمْلَةِ مِن قَوْلِهِ: قُتِلَ أوْ قُتِّلَ أوْ قاتَلَ، سَواءٌ أرَفَعَ الفِعْلُ الضَّمِيرَ، أمِ الرِّبِّيِّينَ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ قُتِلَ إذا رُفِعَ الضَّمِيرُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ ومَعَهُ رِبِّيُّونَ في مَوْضِعِ الخَبَرِ كَما تَقُولُ: كَمْ مِن رَجُلٍ صالِحٍ مَعَهُ مالٌ. أوْ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، فَيَكُونُ قَدْ وُصِفَ بِكَوْنِهِ مَقْتُولًا، أوْ مُقَتَّلًا، أوْ مُقاتِلًا، وبِكَوْنِهِ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ. ويَكُونُ خَبَرُ كَأيِّنْ قَدْ حُذِفَ تَقْدِيرُهُ: في الدُّنْيا أوْ مَضى. وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الكَلامَ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ لا يَحْتاجُ إلى تَكَلُّفِ إضْمارٍ. وأمّا إذا رَفَعَ الظّاهِرَ فَجَوَّزُوا أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ مِن قُتِلَ ومُتَعَلِّقاتِها في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِنَبِيٍّ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ. وهَذا كَما قُلْنا (p-٧٣)ضَعِيفٌ. ولَمّا ذَكَرُوا أنَّ أصْلَ كَأيِّنْ هو ”أيٍّ“ دَخَلَتْ عَلَيْها كافُ التَّشْبِيهِ فَجَرَّتْها، فَهي عامِلَةٌ فِيها، كَما دَخَلَتْ عَلى ذا في قَوْلِهِمْ: لَهُ عِنْدِي كَذا. وكَما دَخَلَتْ عَلى أنَّ في قَوْلِهِمْ: كَأنَّ، ادَّعى أكْثَرُهم أنَّ كَأنَّ بَقِيَتْ فِيها الكافُ عَلى مَعْنى التَّشْبِيهِ. وأنَّ كَذا وكَأنَّ زالَ عَنْهُما مَعْنى التَّشْبِيهِ. فَعَلى هَذا لا تَتَعَلَّقُ الكافُ بِشَيْءٍ، وصارَ مَعْنى كَأيِّنْ مَعْنى كَمْ، فَلا تَدُلُّ عَلى التَّشْبِيهِ ألْبَتَّةَ. وقالَ الحَوْفِيُّ: أمّا العامِلُ في الكافِ فَإنْ حَمَلْناها عَلى حُكْمِ الأصْلِ فَمَحْمُولٌ عَلى المَعْنى، والمَعْنى: إصابَتْكم كَإصابَةِ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأنْبِياءِ وأصْحابِهِمْ. وإنْ حَمَلْنا الحُكْمَ عَلى الِانْتِقالِ إلى مَعْنى ”كَمْ“، كانَ العامِلُ بِتَقْدِيرِ الِابْتِداءِ، وكانَتْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ و”قُتِلَ“ الخَبَرُ. ومِن مُتَعَلِّقَةٌ بِمَعْنى الِاسْتِقْرارِ، والتَّقْدِيرُ الأوَّلُ أوْضَحُ؛ لِحَمْلِ الكَلامِ عَلى اللَّفْظِ دُونَ المَعْنى بِما يَجِبُ مِنَ الخَفْضِ في ”أيٍّ“ . وإذا كانَتْ ”أيٍّ“ عَلى بابِها مِن مُعامَلَةِ اللَّفْظِ، فَـ ”مِن“ مُتَعَلِّقَةٌ بِما تَعَلَّقَتْ بِهِ الكافُ مِنَ المَعْنى المَدْلُولِ عَلَيْهِ. انْتَهى كَلامُهُ، وهو كَلامٌ فِيهِ غَرابَةٌ. وجَرَّهم إلى التَّخْلِيطِ في هَذِهِ الكَلِمَةِ ادِّعاؤُهم بِأنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن كافِ التَّشْبِيهِ، وأنَّ أصْلَها ”أيٌّ“ فَجُرَّتْ بِكافِ التَّشْبِيهِ، وهي دَعْوى لا يَقُومُ عَلى صِحَّتِها دَلِيلٌ. وقَدْ ذَكَرْنا رَأْيَنا فِيها أنَّها بَسِيطَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى السُّكُونِ، والنُّونُ مِن أصْلِ الكَلِمَةِ ولَيْسَ بِتَنْوِينٍ، وحُمِلَتْ في البِناءِ عَلى نَظِيرَتِها ”كَمْ“، وإلى أنَّ الفِعْلَ مُسْنَدٌ إلى الضَّمِيرِ. ذَهَبَ الطَّبَرِيُّ وجَماعَةٌ ورَجَّحَ ذَلِكَ بِأنَّ القِصَّةَ هي سَبَبُ غَزْوَةِ أُحُدٍ وتَخاذُلِ المُؤْمِنِينَ حِينَ قُتِلَ مُحَمَّدٌ ﷺ فَضُرِبَ المَثَلُ بِنَبِيٍّ قُتِلَ. ويُؤَيِّدُ هَذا التَّرْجِيحَ قَوْلُهُ: ”﴿أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ﴾ [آل عمران: ١٤٤]“ . وقَدْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران: ١٦١]: النَّبِيُّ يُقْتَلُ، فَكَيْفَ لا يُخانُ ؟ وإذا أُسْنِدَ لِغَيْرِ النَّبِيِّ كانَ المَعْنى تَثْبِيتُ المُؤْمِنِينَ لِفَقْدِ مَن فُقِدَ مِنهم فَقَطْ. وإلى أنَّ الفِعْلَ مُسْنَدٌ إلى الرِّبِّيِّينَ ذَهَبَ الحَسَنُ وجَماعَةٌ. قالَ هو وابْنُ جُبَيْرَ: لَمْ يُقْتَلْ نَبِيٌّ في حَرْبٍ قَطُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قِراءَةُ مَن قَرَأ قاتَلَ أعَمُّ في المَدْحِ؛ لِأنَّهُ يُدْخِلُ فِيها مَن قُتِلَ ومَن بَقِيَ. ويَحْسُنُ عِنْدِي عَلى هَذِهِ القِراءَةِ إسْنادُ الفِعْلِ إلى الرِّبِّيِّينَ، وعَلى قِراءَةِ ”قُتِلَ“ إسْنادُهُ إلى ”نَبِيٍّ“ . انْتَهى كَلامُهُ. ونَقُولُ: ”قُتِلَ“ يَظْهَرُ أنَّها مَدْحٌ، وهي أبْلَغُ في مَقْصُودِ الخِطابِ؛ لِأنَّها نَصٌّ في وُقُوعِ القَتْلِ، ويَسْتَلْزِمُ المُقاتَلَةَ. وقاتَلَ لا تَدُّلُ عَلى القَتْلِ، إذْ لا يَلْزَمُ مِنَ المُقاتَلَةِ وُجُودُ القَتْلِ. قَدْ تَكُونُ مُقاتَلَةً ولا يَقَعُ قَتْلٌ. وما ذُكِرَ مِن أنَّهُ يَحْسُنُ عِنْدَهُ ما ذُكِرَ لا يَظْهَرُ حُسْنُهُ، بَلِ القِراءَتانِ تَحْتَمِلانِ الوَجْهَيْنِ. وقالَ أبُو الفَتْحِ بْنُ جِنِّي: في قِراءَةِ قَتادَةَ لا يَحْسُنُ أنْ يَسْتَنِدَ الفِعْلُ إلى الرِّبِّيِّينَ؛ لِما فِيهِ مِن مَعْنى التَّكْثِيرِ الَّذِي لا يَجُوزُ أنْ يُسْتَعْمَلَ في قَتْلِ شَخْصٍ واحِدٍ. فَإنْ قِيلَ: يَسْتَنِدُ إلى نَبِيٍّ مُراعاةً لِمَعْنى ”كَأيِّنْ“، فالجَوابُ: أنَّ اللَّفْظَ قَدْ مَشى عَلى جِهَةِ الإفْرادِ في قَوْلِهِ: ”﴿مِن نَبِيٍّ﴾“، ودَلَّ الضَّمِيرُ المُفْرَدُ في ”مَعَهُ“ عَلى أنَّ المُرادَ إنَّما هو التَّمْثِيلُ بِواحِدٍ واحِدٍ، فَخَرَجَ الكَلامُ عَلى مَعْنى كَأيِّنْ. قالَ أبُو الفَتْحِ: وهَذِهِ القِراءَةُ تُقَوِّي قَوْلَ مَن قالَ لِمَن قُتِلَ وقاتَلَ: إنَّما يَسْتَنِدُ إلى الرِّبِّيِّينَ. انْتَهى كَلامُهُ ولَيْسَ بِظاهِرٍ؛ لِأنَّ كَأيِّنْ مِثْلَ كَمْ، وأنْتَ خَبِيرٌ إذا قُلْتَ: كَمْ مِن عانٍ فَكَكْتُهُ، فَأفْرَدْتَ. راعَيْتَ لَفْظَ كَمْ ومَعْناها الجَمْعُ، وإذا قُلْتَ: كَمْ مِن عانٍ فَكَكْتُهم، راعَيْتَ مَعْنى كَمْ لا لَفْظَها. ولَيْسَ مَعْنى مُراعاةِ اللَّفْظِ إلّا أنَّكَ أفْرَدْتَ الضَّمِيرَ والمُرادُ بِهِ الجَمْعُ، فَلا فَرْقَ مِن حَيْثُ المَعْنى بَيْن فَكَكْتُهُ وفَكَكْتُهم، كَذَلِكَ لا فَرْقَ بَيْنَ قُتِلُوا مَعَهم رِبِّيُّونَ وقُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ، وإنَّما جازَ مُراعاةُ اللَّفْظِ تارَةً، ومُراعاةُ المَعْنى تارَةً؛ لِأنَّ مَدْلُولَ كَمْ وكَأيِّنْ كَثِيرٌ، والمَعْنى جَمْعٌ كَثِيرٌ. وإذا أُخْبِرْتَ عَنْ جَمْعٍ كَثِيرٍ فَتارَةً تُفْرِدُ مُراعاةً لِلَّفْظِ، وتارَةً تَجْمَعُ مُراعاةً لِلْمَعْنى كَما قالَ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٤] ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥] فَقالَ: ”﴿مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٤]“، وقالَ: ”﴿ويُوَلُّونَ﴾ [القمر: ٤٥]“، فَأفْرَدَ ”﴿مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٤]“، وجَمَعَ في ”يُوَلُّونَ“ . وقَوْلُ أبِي الفَتْحِ في جَوابِ السُّؤالِ الَّذِي فَرَضَهُ: إنَّ اللَّفْظَ قَدْ جَرى عَلى جِهَةِ الإفْرادِ في قَوْلِهِ: مِن نَبِيٍّ، أيْ رُوعِيَ لَفْظُ كَأيِّنْ لِكَوْنِ تَمْيِيزِها جاءَ مُفْرَدًا - فَناسَبَ لَمّا مُيِّزَتْ بِمُفْرَدٍ أنْ (p-٧٤)يُراعى لَفْظُها، والمَعْنى عَلى الجَمْعِ. وقَوْلُهُ: ودَلَّ الضَّمِيرُ المُفْرَدُ في ”مَعَهُ“ عَلى أنَّ المُرادَ إنَّما هو التَّمْثِيلُ بِواحِدٍ واحِدٍ، هَذا المُرادُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ أنْ يُفْرَدَ الضَّمِيرُ أوْ يُجْمَعَ؛ لِأنَّ الضَّمِيرَ المُفْرَدَ لَيْسَ مَعْناهُ هُنا إفْرادُ مَدْلُولِهِ، بَلْ لا فَرْقَ بَيْنَهُ مُفْرَدًا ومَجْمُوعًا مِن حَيْثُ المَعْنى. وإذْ لا فَرْقَ فَدَلالَتُهُ عامَّةٌ، وهي دَلالَتُهُ عَلى كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ. وقَوْلُهُ: فَخَرَجَ الكَلامُ عَنْ مَعْنى كَأيِّنْ، لَمْ يَخْرُجِ الكَلامُ عَنْ مَعْنى كَأيِّنْ، إنَّما خَرَجَ عَنْ جَمْعِ الضَّمِيرِ عَلى مَعْنى كَأيِّنْ دُونَ لَفْظِها؛ لِأنَّهُ إذا أُفْرِدَ لَفْظًا لَمْ يَكُنْ مَدْلُولُهُ مُفْرَدًا، إنَّما يَكُونُ جَمْعًا كَما قالُوا: هو أحْسَنُ الفِتْيانِ وأجْمَلُهُ، مَعْناهُ: وأجْمَلُهم. ومَن أسْنَدَ قُتِلَ أوْ قُتِّلَ إلى رِبِّيُّونَ، فالمَعْنى عِنْدَهُ: قُتِلَ بَعْضُهم. كَما تَقُولُ: قُتِلَ بَنُو فُلانٍ في وقْعَةِ كَذا، أيْ جَماعَةٌ مِنهم. والرِّبِّيُّ: عابِدُ الرَّبِّ، وكُسِرَ الرّاءُ مِن تَغْيِيرِ النِّسَبِ، كَما قالُوا: أمْسِيٌّ في النِّسْبَةِ إلى أمْسِ، قالَهُ الأخْفَشُ. أوِ الجَماعَةُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. أوْ مَنسُوبٌ إلى الرِّبَّةِ وهي الجَماعَةُ، ثُمَّ جُمِعَ بِالواوِ والنُّونِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. أوِ الجَماعَةُ الكَثِيرَةُ، قالَهُ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ. ورِبِّيُّونَ مَنسُوبٌ إلَيْها. قالَ قُطْرُبٌ: جَماعَةُ العُلَماءِ عَلى قَوْلِ يُونُسَ، وأمّا المُفَسِّرُونَ فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ الأُلُوفُ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ. عَدَّدَ ذَلِكَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، فَقالَ: هم عَشَرَةُ آلافٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، والرَّبِيعُ: هُمُ الجَماعاتُ الكَثِيرَةُ، واخْتارَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ الحَسَنِ: هُمُ العُلَماءُ الأتْقِياءُ الصُّبَّرُ عَلى ما يُصِيبُهم، واخْتارَهُ اليَزِيدِيُّ والزَّجّاجُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الأتْباعُ، والرَّبّانِيُّونَ الوُلاةُ. وقالَ ابْنُ فارِسٍ: الصّالِحُونَ العارِفُونَ بِاللَّهِ. وقِيلَ: وُزَراءُ الأنْبِياءِ. وقالَ الضَّحّاكُ: الرِّبِّيَّةُ الواحِدَةُ ألْفٌ، والرِّبِّيُونَ جَمْعُها. وقالَ الكَلْبِيُّ: الرِّبِّيَّةُ الواحِدَةُ عَشَرَةُ آلافٍ. وقالَ النَّقّاشُ: هُمُ المُكْثِرُونَ العِلْمَ مِن قَوْلِهِمْ: رَبا الشَّيْءُ يَرْبُو، إذا كَثُرَ. وهَذا لا يَصِحُّ؛ لِاخْتِلافِ المادَّتَيْنِ؛ لِأنَّ رِبا أُصُولُهُ راءٌ وباءٌ وواوٌ، وأُصُولُ هَذا راءٌ وباءٌ وباءٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الرّاءِ. وقَرَأ عَلِيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وعَطاءُ بْنُ السّائِبِ بِضَمِّ الرّاءِ، وهو مِن تَغْيِيرِ النَّسَبِ. كَما قالُوا: دُهْرِيٌّ بِضَمِّ الدّالِّ، وهو مَنسُوبٌ إلى الدُّهْرِ الطَّوِيلِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ - فِيما رَوى قَتادَةُ عَنْهُ - بِفَتْحِ الرّاءِ. قالَ ابْنُ جِنِّي: هي لُغَةُ تَمِيمٍ، وكُلُّها لُغاتٌ، والضَّمِيرُ في: وهَنُوا عائِدٌ عَلى الرِّبِّيِّينَ، إنْ كانَ الضَّمِيرُ في قُتِلَ عائِدًا عَلى النَّبِيِّ ﷺ وإنْ كانَ رِبِّيُّونَ مُسْنَدًا إلَيْهِ الفِعْلُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، فَكَذَلِكَ، أوْ لِلْمَفْعُولِ فالضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى مَن بَقِيَ مِنهم، إذِ المَعْنى يَدُلُّ عَلَيْهِ. إذْ لا يَصِحُّ عَوْدُهُ عَلى رِبِّيُّونَ لِأجْلِ العَطْفِ بِالفاءِ، لِما أصابَهم في سَبِيلِ اللَّهِ بِقَتْلِ أنْبِيائِهِمْ أوْ رِبِّيِّيهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”﴿وهَنُوا﴾“ بِفَتْحِ الهاءِ. وقَرَأ الأعْمَشُ، والحَسَنُ، وأبُو السَّمّالِ بِكَسْرِها. وهُما لُغَتانِ، وهَنَ يَهِنُ كَوَعَدَ يَعِدُ، ووَهَنَ يَوْهَنُ كَوَجَلَ يَوْجَلُ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ وأبُو السَّمّالِ أيْضًا: ”وهْنُوا“ بِإسْكانِ الهاءِ، كَما قالُوا نَعْمٌ في نَعَمْ، وشَهْدَ في شَهَدَ. وتَمِيمُ تُسَكِّنُ عَيْنَ فَعْلَ. وما ضَعُفُوا عَنِ الجِهادِ بَعْدَ ما أصابَهم، وقِيلَ: ما ضَعُفَ يَقِينُهم، ولا انْحَلَّتْ عَزِيمَتُهم. وأصْلُ الضَّعْفَ نُقْصانُ القُوَّةِ، ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ في الرَّأْيِ والعَقْلِ. وقُرِئَ ”ضَعَفُوا“ بِفَتْحِ العَيْنِ، وحَكاها الكِسائِيُّ لُغَةً. ”﴿وما اسْتَكانُوا﴾“ قالَ ابْنُ إسْحاقَ: ما قَعَدُوا عَنِ الجِهادِ في دِينِهِمْ. وقالَ السُّدِّيُّ: ما ذَلُّوا. وقالَ عَطاءٌ: ما تَضَرَّعُوا. وقالَ مُقاتِلٌ: ما اسْتَسْلَمُوا. وقالَ أبُو العالِيَةَ: ما جَبُنُوا. وقالَ المُفَضَّلُ: ما خَشَعُوا. وقالَ قَتادَةُ والرَّبِيعُ: ما ارْتَدُّوا عَنْ نُصْرَتِهِمْ دِينَهم، ولَكِنَّهم قاتَلُوا عَلى ما قاتَلَ عَلَيْهِ نَبِيُّهم حَتّى لَحِقُوا بِرَبِّهِمْ. وكُلُّ هَذِهِ أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ. وهَذا تَعْرِيضٌ لِما أصابَهم يَوْمَ أُحُدٍ مِنَ الوَهْنِ والِانْكِسارِ عِنْدَ الإرْجافِ بِقَتْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبِضَعْفِهِمْ عِنْدَ ذَلِكَ مِن مُجاهَدَةِ المُشْرِكِينَ واسْتِكانَتِهِمْ لَهم، حِينَ أرادَ بَعْضُهم أنْ يَعْتَضِدَ بِالمُنافِقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ في طَلَبِ الأمانِ (p-٧٥)مِن أبِي سُفْيانَ. واسْتَكانَ ظاهِرُهُ أنَّهُ اسْتَفْعَلَ مِنَ الكَوْنِ، فَتَكُونُ أصْلُ ألِفِهِ واوًا أوْ مِن قَوْلِ العَرَبِ: ماتَ فُلانٌ بِكِينَةِ سُوءٍ، أيْ بِحالَةِ سُوءٍ. وكانَهُ يَكِينُهُ إذا خَضَّعَهُ. قالَ هَذا الأزْهَرِيُّ وأبُو عَلِيٍّ. فَعَلى قَوْلِهِما أصْلُ الألِفِ ياءٌ. وقالَ الفَرّاءُ وطائِفَةٌ مِنَ النُّحاةِ: أنَّهُ افْتَعَلَ مِنَ السُّكُونِ، وأُشْبِعَتِ الفَتْحَةُ فَتَوَلَّدَ مِنها ألِفٌ. كَما قالَ: أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ العَقْرابِ، يُرِيدُ مِنَ العَقْرَبِ، وهَذا الإشْباعُ لا يَكُونُ إلّا في الشِّعْرِ. وهَذِهِ الكَلِمَةُ في جَمِيعِ تَصارِيفِها بُنِيَتْ عَلى هَذا الحَرْفِ، تَقُولُ: اسْتَكانَ يَسْتَكِينُ فَهو مُسْتَكِينٌ ومُسْتَكانٌ لَهُ، والإشْباعُ لا يَكُونُ عَلى هَذا الحَدِّ. ﴿واللَّهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ﴾: أيْ عَلى قِتالِ عَدُوِّهِمْ. قالَهُ الجُمْهُورُ. أوْ عَلى دِينِهِمْ وقِتالِ الكُفّارِ. والظّاهِرُ العُمُومُ لِكُلِّ صابِرٍ عَلى ما أصابَهُ مِن قَتْلٍ في سَبِيلِ اللَّهِ، أوْ جُرْحٍ، أوْ بَلاءٍ، أوْ أذًى يَنالُهُ بِقَوْلٍ أوْ فِعْلٍ، أوْ مُصِيبَةٍ في نَفْسِهِ، أوْ أهْلِهِ، أوْ مالِهِ، أوْ ما يَجْرِي مَجْرى ذَلِكَ. وكَثِيرًا ما تَمَدَّحَتِ العَرَبُ بِالصَّبْرِ وحَرَصَتْ عَلَيْهِ كَما قالَ طَرَفَةُ بْنُ العَبْدِ: ؎وتَشَكِّي النَّفْسُ ما أصابَ بِها ∗∗∗ فاصْبِرِي إنَّكِ مِن قَوْمٍ صُبُرُ ؎إنْ تُلاقِي سَفْسالًا بَلَغْنا ∗∗∗ فُرُحَ الخَيْرِ ولا تَكْبُوا لِضُر

آل عمران 3:147

﴿وما كانَ قَوْلَهم إلّا أنْ قالُوا رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإسْرافَنا في أمْرِنا وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾: لَمّا ذَكَرَ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الجَلَدِ والصَّبْرِ وعَدَمِ الوَهْنِ والِاسْتِكانَةِ لِلْعَدُوِّ، وذَلِكَ كُلُّهُ مِنَ الأفْعالِ النَّفْسانِيَّةِ الَّتِي يَظْهَرُ أثَرُها عَلى الجَوارِحِ، ذَكَرَ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الإنابَةِ والِاسْتِغْفارِ والِالتِجاءِ إلى اللَّهِ تَعالى بِالدُّعاءِ، وحَصَرَ قَوْلَهم في ذَلِكَ القَوْلِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهم مَلْجَأٌ ولا مَفْزَعٌ إلّا إلى اللَّهِ تَعالى، ولا قَوْلٌ إلّا هَذا القَوْلٌ، لا ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ يَوْمَ أُحُدٍ مِنَ الِاضْطِرابِ واخْتِلافِ الأقْوالِ، فَمِن قائِلٍ: نَأْخُذُ أمانًا مِن أبِي سُفْيانَ، ومِن قائِلٍ: نَرْجِعُ إلى دِينِنا، ومِن قائِلٍ ما قالَ حِينَ فَرَّ. وهَؤُلاءِ قَدْ فُجِعُوا بِمَوْتِ نَبِيِّهِمْ أوْ رِبِّيِّيهِمْ، لَمْ يَهِنُوا، بَلْ صَبَرُوا وقالُوا هَذا القَوْلَ، وهم رِبِّيُّونَ أحْبارٌ؛ هَضْمًا لِأنْفُسِهِمْ، وإشْعارًا أنَّ ما نَزَلْ مِن بَلايا الدُّنْيا إنَّما هو بِذُنُوبٍ مِنَ البَشَرِ، كَما كانَ في قِصَّةِ أُحُدٍ بِعِصْيانِ مَن عَصى. وقَرَأ الجُمْهُورُ ”قَوْلَهم“ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ و”أنْ قالُوا“ في مَوْضِعِ الِاسْمِ، جَعَلُوا ما كانَ أعْرَفَ الِاسْمَ؛ لِأنَّ إنْ وصِلَتَها تَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ الضَّمِيرِ. و”قَوْلَهم“: مُضافٌ لِلضَّمِيرِ، يَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ العِلْمِ. وقَرَأتْ طائِفَةٌ مِنهم حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ فِيما ذَكَرَهُ الَمَهَدَوِيُّ بِرَفْعِ ”قَوْلِهِمْ“، جَعَلُوهُ اسْمَ كانَ، والخَبَرَ ”أنْ قالُوا“، والوَجْهانِ فَصِيحانِ، وإنْ كانَ الأوَّلُ أكْثَرُ. وقَدْ قُرِئَ: ”﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ [الأنعام: ٢٣]“ بِالوَجْهَيْنِ في السَّبْعَةِ، وقَدَّمَ طَلَبَ الِاسْتِغْفارِ عَلى طَلَبِ تَثْبِيتِ الأقْدامِ والنُّصْرَةِ؛ لِيَكُونَ طَلَبُهم ذَلِكَ إلى اللَّهِ عَنْ زَكاةٍ وطَهارَةٍ، فَيَكُونُ طَلَبُهُمُ التَّثْبِيتَ بِتَقْدِيمِ الِاسْتِغْفارِ حَرِيًّا بِالإجابَةِ، وذُنُوبُنا وإسْرافُنا مُتَقارِبانِ مِن حَيْثُ المَعْنى، فَجاءَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ. وقِيلَ: الذُّنُوبُ ما دُونُ الكَبائِرِ، والإسْرافُ الكَبائِرُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الذُّنُوبُ هي الخَطايا، وإسْرافُنا أيْ تَفْرِيطُنا. وقالَ الضَّحّاكُ: الذُّنُوبُ عامٌّ، والإسْرافُ في الأمْرِ الكَبائِرُ خاصَّةً. والأقْدامُ هُنا قِيلَ: حَقِيقَةٌ، دَعَوْا بِتَثْبِيتِ الأقْدامِ في مَواطِئِ الحَرْبِ ولِقاءِ العَدُوِّ كَيْ لا تَزُلْ. وقِيلَ: المَعْنى: شَجِّعْ قُلُوبَنا عَلى لِقاءِ العَدُوِّ. وقِيلَ: ثَبِّتْ قُلُوبَنا عَلى دِينِكَ. والأحْسَنُ حَمْلُهُ عَلى الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّهُ مِن مَظانِّها. وثُبُوتُ القَدَمِ في الحَرْبِ لا يَكُونُ إلّا مِن ثُبُوتِ صاحِبِها في الدِّينِ. وكَثِيرًا ما جاءَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ دائِرَةً في الحَرْبِ ومَعَ النُّصْرَةِ كَقَوْلِهِ: ”﴿أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا﴾ [البقرة: ٢٥٠]“ ﴿إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكم ويُثَبِّتْ أقْدامَكُمْ﴾ [محمد: ٧] وقِيلَ: اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا في المُخالَفَةِ، وإسْرافَنا في الهَزِيمَةِ، وثَبِّتْ أقْدامَنا بِالمُصابَرَةِ، وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ بِالمُجاهَدَةِ. قالَ ابْنُ فُورَكٍ: في هَذا الدُّعاءِ رَدٌّ عَلى القَدَرِيَّةِ؛ لِقَوْلِهِمْ: إنَّ اللَّهَ لا يَخْلُقُ أفْعالَ العَبْدِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ لَمْ يَسُغْ أنْ يُدْعى فِيما لَمْ يَفْعَلْهُ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ الدُّعاءِ عِنْدَ لِقاءِ العَدُوِّ، وأنْ يَدْعُوَ بِهَذا الدُّعاءِ المُعَيَّنِ. وقَدْ جاءَ في القُرْآنِ أدْعِيَةٌ (p-٧٦)أعْقَبَ اللَّهُ بِالإجابَةِ فِيها.

آل عمران 3:148

﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾: قَرَأ الجَحْدَرِيُّ: ”﴿فَأثابَهُمُ﴾ [المائدة: ٨٥]“ مِنَ الإثابَةِ. ولَمّا تَقَدَّمَ في دُعائِهِمْ ما يَتَضَمَّنُ الإجابَةَ فِيهِ الثَّوابَيْنَ وهو قَوْلُهم: اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإسْرافَنا، فَهَذا يَتَضَمَّنُ ثَوابَ الآخِرَةِ، وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا يَتَضَمَّنُ ثَوابَ الدُّنْيا، أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ مَنَحَهُمُ الثَّوابَيْنِ، وهُناكَ بَدَأُوا في الطَّلَبِ بِالأهَمِّ عِنْدَهم، وهو ما يَنْشَأُ عَنْهُ ثَوابُ الآخِرَةِ، وهُنا أخْبَرَ بِما أعْطاهم مُقَدَّمًا. ذَكَرَ ثَوابَ الدُّنْيا لِيَكُونَ ذَلِكَ إشْعارًا لَهم بِقَبُولِ دُعائِهِمْ وإجابَتِهِمْ إلى طَلَبِهِمْ؛ ولِأنَّ ذَلِكَ في الزَّمانِ مُتَقَدِّمٌ عَلى ثَوابِ الآخِرَةِ. قالَ قَتادَةُ وابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُما: ثَوابُ الدُّنْيا هو الظُّهُورُ عَلى عَدُوِّهِمْ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هو الظَّفَرُ والغَنِيمَةُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ثَوابُ الدُّنْيا مِنَ النُّصْرَةِ والغَنِيمَةِ والعِزِّ وطِيبِ الذِّكْرِ. وقالَ النَّقّاشُ: لَيْسَ إلّا الظَّفَرُ والغَلَبَةُ؛ لِأنَّ الغَنِيمَةَ لَمْ تَحِلَّ إلّا لِهَذِهِ الأُمَّةِ. وهَذا صَحِيحٌ ثَبَتَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «وأُحِلَّتْ لِيَ الغَنائِمُ ولَمْ تَحِلَّ لِأحَدٍ قَبْلِي» وهي إحْدى الخَمْسِ الَّذِي أُوتِيها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يُؤْتَها أحَدٌ قَبْلَهُ. وحُسْنُ ثَوابِ الآخِرَةِ الجَنَّةُ بِلا خِلافٍ. قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقِيلَ: الأجْرُ والمَغْفِرَةُ. وخَصَّ ثَوابَ الآخِرَةِ بِالحُسْنِ دَلالَةً عَلى فَضْلِهِ وتَقَدُّمِهِ، وأنَّهُ هو المُعْتَدُّ بِهِ عِنْدَهُ ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا واللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ [الأنفال: ٦٧] وتَرْغِيبًا في طَلَبِ ما يُحَصِّلُهُ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ، ومُناسِبَةً لِآخِرِ الآيَةِ. قالَ عَلِيٌّ: مَن عَمِلَ لِدُنْياهُ أضَرَّ بِآخِرَتِهِ، ومَن عَمِلَ لِآخِرَتِهِ أضَرَّ بِدُنْياهُ، وقَدْ يَجْمَعُهُما اللَّهُ تَعالى لِأقْوامٍ. ﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾: قَدْ فَسَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الإحْسانَ حِينَ سُئِلَ عَنْ حَقِيقَتِهِ في حَدِيثِ سُؤالِ جِبْرِيلَ: أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ. وفَسَّرَهُ المُفَسِّرُونَ هُنا بِأحَدِ قَوْلَيْنِ، وهو مَن أحْسَنَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ رَبِّهِ في لُزُومِ طاعَتِهِ، أوْ مَن ثَبَتَ في القِتالِ مَعَ نَبِيِّهِ حَتّى يُقْتَلَ أوْ يَغْلِبَ.

آل عمران 3:149

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكم عَلى أعْقابِكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾: الخِطابُ عامٌّ يَتَناوَلُ أهْلَ أُحُدٍ وغَيْرِهِمْ. وما زالَ الكُفّارُ مُثابِرِينَ عَلى رُجُوعِ المُؤْمِنِينَ عَنْ دِينِهِمْ، ”﴿ودُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً﴾ [النساء: ٨٩]“ . ”﴿ووَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [الممتحنة: ٢]“، ”﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ﴾ [الممتحنة: ٣]“ ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا﴾ [البقرة: ١٠٩] . ﴿ودَّتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٩] وقِيلَ: الخِطابُ خاصٌّ بِمَن كانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ. فَعَلى الأوَّلِ عَلَّقَ عَلى مُطْلَقِ طاعَتِهِمُ الرَّدَّ عَلى العَقِبِ والِانْقِلابِ بِالخُسْرانِ، وهَذا غايَةٌ في التَّحَرُّزِ مِنهم والمُجانَبَةِ لَهم، فَلا يُطاعُونَ في شَيْءٍ ولا يُشاوَرُونَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَسْتَجِرُّ إلى مُوافَقَتِهِمْ، ويَكُونُ الَّذِينَ كَفَرُوا عامًّا، وعَلى القَوْلِ الثّانِي يَكُونُ الَّذِينَ كَفَرُوا خاصًّا. فَقالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ المُنافِقُونَ، قالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ لَمّا رَجَعُوا مِن أُحُدٍ: لَوْ كانَ نَبِيًّا ما أصابَهُ الَّذِي أصابَهُ، فارْجِعُوا إلى إخْوانِكم. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، وقالَهُ الحَسَنُ وعَنْهُ: إنْ تَسْتَنْصِحُوا اليَهُودَ والنَّصارى وتَقْبَلُوا مِنهم؛ لِأنَّهم كانُوا يَسْتَغْوُونَهم، ويُوقِعُونَ لَهُمُ الشُّبَهَ، ويَقُولُونَ: لَوْ كانَ لَكم نَبِيًّا حَقًّا لَما غُلِبَ، ولَما أصابَهُ وأصْحابَهُ ما أصابَهم، وإنَّما هو رَجُلٌ حالُهُ كَحالِ غَيْرِهِ مِنَ النّاسِ، يَوْمًا لَهُ ويَوْمًا عَلَيْهِ. وقالَ السُّدِّيُّ: هم أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ مِن عُبّادِ الأوْثانِ. وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: هو كَعْبٌ وأصْحابُهُ. وقالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: فِيها دَلالَةٌ عَلى النَّهْيِ عَنْ طاعَةِ الكُفّارِ مُطْلَقًا، لَكِنْ أجْمَعُ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّهُ لا يَنْدَرِجُ تَحْتَهُ مَن وثِقْنا بِنُصْحِهِ مِنهم، كالجاسُوسِ، والخِرِّيتِ الَّذِي يَهْدِي إلى الطَّرِيقِ، وصاحِبِ الرَّأْيِ ذِي المَصْلَحَةِ الظّاهِرَةِ، والزَّوْجَةِ تُشِيرُ بِصَوابٍ. والرِّدَّةُ هُنا عَلى العَقِبِ كِنايَةٌ عَنِ الرُّجُوعِ إلى الكُفْرِ. وخاسِرِينَ: أيْ مَغْبُونِينَ بِبَيْعِكُمُ الآخِرَةَ.

آل عمران 3:150

﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ﴾ ”بَلْ“: لِتَرْكِ الكَلامِ الأوَّلِ مِن غَيْرِ إبْطالٍ وأخْذٍ في كَلامٍ غَيْرِهِ. والمَعْنى: لَيْسَ الكُفّارُ أوْلِياءَ فَيُطاعُوا في شَيْءٍ، بَلِ اللَّهُ مَوْلاكم. وقَرَأ الحَسَنُ بِنَصْبِ الجَلالَةِ عَلى مَعْنى: بَلْ أطِيعُوا اللَّهَ؛ لِأنَّ الشَّرْطَ السّابِقَ يَتَضَمَّنُ مَعْنى النَّهْيِ، أيْ لا تُطِيعُوا (p-٧٧)الكُفّارَ فَتَكْفُرُوا، بَلْ أطِيعُوا اللَّهَ مَوْلاكم. ﴿وهُوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾: لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ مَوْلاهم، أيْ ناصِرِهم ذَكَرَ أنَّهُ خَيْرُ ناصِرٍ لا يَحْتاجُ مَعَهُ إلى نُصْرَةِ أحَدٍ، ولا وِلايَتِهِ. وفي هَذا دَلالَةٌ عَلى أنَّ مَن قاتَلَ لِنَصْرِ دِينِ اللَّهِ لا يُخْذَلُ ولا يُغْلَبُ؛ لِأنَّ اللَّهَ مَوْلاهُ. وقالَ تَعالى: ﴿إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧] ﴿إنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٠] .

آل عمران 3:151

﴿سَنُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾: أيْ هَؤُلاءِ الكُفّارِ، وإنْ كانُوا ظاهِرِينَ عَلَيْكم يَوْمَ أُحُدٍ فَإنّا نَخْذُلُهم بِإلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ. وأتى بِالسِّينِ القَرِيبَةِ الِاسْتِقْبالِ، وكَذا وقَعَ. ألْقى اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يَوْمَ أُحُدٍ، فانْهَزَمُوا إلى مَكَّةَ مِن غَيْرِ سَبَبٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، ولَهم إذْ ذاكَ القُوَّةُ والغَلَبَةُ. وقِيلَ: ذَهَبُوا إلى مَكَّةَ، فَلَمّا كانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ قالُوا: ما صَنَعْنا شَيْئًا، قَتَلْنا مِنهم ثُمَّ تَرَكْناهم ونَحْنُ قاهِرُونَ، ارْجِعُوا فاسْتَأْصِلُوهم، فَلَمّا عَزَمُوا عَلى ذَلِكَ ألْقى اللَّهُ الرُّعْبَ في قُلُوبِهِمْ، فَأمْسَكُوا. والإلْقاءُ حَقِيقَةٌ في الأجْرامِ، واسْتُعِيرَ هُنا لِلْجَعْلِ، ونَظِيرُهُ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ [النور: ٤] ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎هُما نَفَثا في فِيَّ مِن فَمَوَيْهِما عَلى النّابِحِ العاوِي أشَدَّ رِجامِ وقَرَأ الجُمْهُورُ: سَنُلْقِي بِالنُّونِ، وهو مُشْعِرٌ بِعِظَمِ ما يُلْقى؛ إذْ أسْنَدَهُ إلى المُتَكَلِّمِ بِنُونِ العَظَمَةِ. وقَرَأ أيُّوبُ السِّخْتِيانِيُّ: ”سَيُلْقِي“ بِالياءِ جَرْيًا عَلى الغَيْبَةِ السّابِقَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٠] وقَدَّمَ ”في قُلُوبِهِمْ“: وهو مَجْرُورٌ عَلى المَفْعُولِ؛ لِلِاهْتِمامِ بِالمَحَلِّ المُلْقى فِيهِ قَبْلَ ذِكْرِ المُلْقى. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ: ”الرُّعُبَ“ بِضَمِّ العَيْنِ، والباقُونَ بِسُكُونِها. فَقِيلَ: لُغَتانِ. وقِيلَ: الأصْلُ السُّكُونُ، وضُمَّ إتْباعًا، كالصُّبْحِ والصُّبُحِ. وقِيلَ: الأصْلُ الضَّمُّ، وسُكِّنَ تَخْفِيفًا، كالرُّسْلِ والرُّسُلِ. وذَكَرُوا في إلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِ الكُفّارِ يَوْمَ أُحُدٍ قِصَّةً طَوِيلَةً أرَدْنا أنْ لا نُخَلِّيَ الكِتابَ مِن شَيْءٍ مِنها، فَلَخَّصْنا مِنها أنْ عَلِيًّا أخْبَرَ الرَّسُولَ بِأنَّ أبا سُفْيانَ وأصْحابَهُ حِينَ ارْتَحَلُوا رَكِبُوا الإبِلَ وجَنَبُوا الخَيْلَ، فَسُرَّ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ رَجَعَ الرَّسُولُ إلى المَدِينَةِ فَتَجَهَزَ واتَّبَعَ المُشْرِكِينَ إلى حَمْراءَ الأسَدِ. وأنَّ مَعْبَدَ الخُزاعِيَّ جاءَ إلى الرَّسُولِ ﷺ وهو كافِرٌ مُمْتَعِضٌ مِمّا حَلَّ بِالمُسْلِمِينَ، وكانَتْ خُزاعَةُ تَمِيلُ إلى الرَّسُولِ ﷺ وأنَّ المُشْرِكِينَ هَمُّوا بِالرُّجُوعِ إلى القِتالِ، فَخَذَلَهم صَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ ومَعْبَدٌ. وقالَ مَعْبَدٌ: خَرَجُوا يَتَحَرَّقُونَ عَلَيْكم في جَمْعٍ لَمْ أرَ مِثْلَهُ، ولَمْ أرَ إلّا نَواصِيَ خَيْلِهِمْ قَدْ جاءَتْكم. وحَمَلَنِي ما رَأيْتُ أنِّي قُلْتُ في ذَلِكَ شِعْرًا وأنْشَدَ: ؎كادَتْ تُهَدُّ مِنَ الأصْواتِ راحِلَتِي ∗∗∗ إذْ سالَتِ الأرْضُ بِالجَرَدِ الأبابِيلِ ؎تَرْدِي بِأُسْدٍ كِرامٍ لا تَنابِلَةٍ ∗∗∗ عِنْدَ اللِّقاءِ ولا مِيلٍ مَهازِيلٍ ؎فَظَلْتُ أعْدُو أظُنُّ الأرْضَ مائِلَةً ∗∗∗ لَمّا سَمَوْا بِرَئِيسٍ غَيْرِ مَخْذُولِ إلى آخِرِ الشِّعْرِ، فَوَقَعَ الرُّعْبُ في قُلُوبِ الكُفّارِ. وقَوْلُهُ: ”سَنُلْقِي“ وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالنَّصْرِ بَعْدَ أُحُدٍ، والظَّفَرِ. وقالَ: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ. وفِيها دَلالَةٌ عَلى صِدْقِ نُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ أخْبَرَ عَنِ اللَّهِ بِأنَّهُ يُلْقِي الرُّعْبَ في قُلُوبِهِمْ، فَكانَ كَما أخْبَرَ بِهِ. ﴿بِما أشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾: الباءُ لِلسَّبَبِ، و”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ: أيْ بِسَبَبِ إشْراكِهِمْ بِاللَّهِ آلِهَةً لَمْ يُنَزِّلْ بِإشْراكِها حُجَّةً ولا بُرْهانًا، وتَسْلِيطُ النَّفْيِ عَلى الإنْزالِ والمَقْصُودُ: نَفْيُ السُّلْطانِ، أيْ: آلِهَةٌ لا سُلْطانَ في إشْراكِها، فَيَنْزِلُ نَحْوَ قَوْلِهِ: ؎عَلَـى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنَــارِهِ أيْ لا مَنارَ لَهُ فَيُهْتَدى بِهِ، وقَوْلُهُ: ؎ولا تَـرى الضَّبَّ بِهَـا يَنْجَحِــرُ أيْ لا يَنْجَحِرُ الضَّبُّ، فَيُرى بِها. والمُرادُ نَفْيُ السُّلْطانِ والنُّزُولُ مَعًا. وكانَ الإشْراكُ بِاللَّهِ سَبَبًا لِإلْقاءِ الرُّعْبِ؛ لِأنَّهم يَكْرَهُونَ المَوْتَ ويُؤْثِرُونَ الحَياةَ، إذْ لَمْ تَتَعَلَّقْ آمالُهم بِالآخِرَةِ ولا بِثَوابٍ فِيها ولا عِقابٍ، فَصارَ اعْتِقادُهم ذَلِكَ مُؤَثِّرًا في الرَّغْبَةِ في الحَياةِ الدُّنْيا كَما قالُوا: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٧] (p-٧٨)وفِي قَوْلِهِ: ”﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾“، دَلِيلٌ عَلى إبْطالِ التَّقْلِيدِ؛ إذْ لا بُرْهانَ مَعَ المُقَلِّدِ. ﴿ومَأْواهُمُ النّارُ﴾: أُخْبِرَ تَعالى بِأنَّ مَصِيرَهم ومَرْجِعَهم إلى النّارِ، فَهم في الدُّنْيا مَرْعُوبُونَ، وفي الآخِرَةِ مُعَذَّبُونَ، بِسَبَبِ إشْراكِهِمْ، فَهو جالِبٌ لَهُمُ الشَّرَّ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. ﴿وبِئْسَ مَثْوى الظّالِمِينَ﴾: بالَغَ في ذَمِّ مَثْواهم، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، أيْ: وبِئْسَ مَثْوى الظّالِمِينَ النّارُ. وجَعَلَ النّارَ مَأْواهم ومَثْواهم. وبَدَأ بِالمَأْوى وهو المَكانُ الَّذِي يَأْوِي إلَيْهِ الإنْسانُ، ولا يَلْزَمُ مِنهُ الثَّواءُ؛ لِأنَّ الثَّواءَ دالٌّ عَلى الإقامَةِ، فَجَعَلَها مَأْوًى ومَثْوًى كَما قالَ تَعالى: ﴿والنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد: ١٢] ونَبَّهَ عَلى الوَصْفِ الَّذِي اسْتَحَقُّوا بِهِ النّارَ وهو الظُّلْمُ ومُجاوَزَةُ الحَدِّ؛ إذْ أشْرَكُوا بِاللَّهِ غَيْرَهُ. كَما قالَ: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] .

آل عمران 3:152

﴿ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ إذْ تَحُسُّونَهم بِإذْنِهِ حَتّى إذا فَشِلْتُمْ وتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ وعَصَيْتُمْ مِن بَعْدِ ما أراكم ما تُحِبُّونَ﴾: هَذا جَوابٌ لِمَن رَجَعَ إلى المَدِينَةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، قالُوا: وعَدَنا اللَّهُ النَّصْرَ والإمْدادَ بِالمَلائِكَةِ، فَمِن أيِّ وجْهٍ أُتِينا، فَنَزَلَتْ إعْلامًا أنَّهُ تَعالى صَدَقَهُمُ الوَعْدَ ونَصَرَهم عَلى أعْدائِهِمْ أوَّلًا، وكانَ الإمْدادُ مَشْرُوطًا بِالصَّبْرِ والتَّقْوى. واتَّفَقَ مِن بَعْضِهِمْ مِنَ المُخالَفَةِ ما نَصَّ اللَّهُ في كِتابِهِ، وجاءَتِ المُخاطَبَةُ بِجَمْعِ ضَمِيرِ المُؤْمِنِينَ في هَذِهِ الآياتِ، وإنْ كانَ لَمْ يَصْدُرْ ما يُعاتَبُ عَلَيْهِ مِن جَمِيعِهِمْ، وذَلِكَ عَلى طَرِيقَةِ العَرَبِ في نِسْبَةِ ما يَقَعُ مِن بَعْضِهِمْ لِلْجَمِيعِ عَلى سَبِيلِ التَّجَوُّزِ، وفي ذَلِكَ إبْقاءٌ عَلى مَن فَعَلَ، وسَتَرَ إذْ لَمْ يُعَيِّنْ، وزَجْرٌ لِمَن لَمْ يَفْعَلْ أنْ يَفْعَلَ. وصِدْقُ الوَعْدُ: هو أنَّهم هَزَمُوا المُشْرِكِينَ أوَّلًا، وكانَ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وحَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ والزُّبَيْرِ وأبِي دُجانَةَ وعاصِمِ بْنِ أبِي الأفْلَحِ بَلاءٌ عَظِيمٌ في ذَلِكَ اليَوْمِ، وهو مَذْكُورٌ في السِّيَرِ. وكانَ المُشْرِكُونَ في ثَلاثَةِ آلافٍ، ومَعَهم مِائَتا فَرَسٍ. والمُسْلِمُونَ في سَبْعِمِائَةِ رَجُلٍ. وتَعَدَّتْ ”صَدَقَ“ هُنا إلى اثْنَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ تَتَعَدّى إلى الثّانِي بِحَرْفِ جَرٍّ، تَقُولُ: صَدَقْتُ زَيْدًا الحَدِيثَ، وصَدَقْتُ زَيْدًا في الحَدِيثِ، ذَكَرَها بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ في بابِ ما يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ. ويَجُوزُ أنْ يَتَعَدّى إلى الثّانِي بِحَرْفِ الجَرِّ، فَيَكُونُ مِن بابِ اسْتَغْفَرَ، واخْتارَ. والعامِلُ في ”إذْ“: ”﴿صَدَقَكُمُ﴾“ . ومَعْنى تَحَسُّونَهم: تَقْتُلُونَهم. وكانُوا قَتَلُوا مِنَ المُشْرِكِينَ اثْنَيْنِ وعِشْرِينَ رَجُلًا. وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ ”﴿تَحُسُّونَهُمْ﴾“ رُباعِيًّا مِنَ الإحْساسِ، أيْ تُذْهِبُونَ حِسَّهم بِالقَتْلِ. وتَمَنِّي القَتْلَ بِوَقْتِ الفَشَلِ وهو: الجُبْنُ، والضَّعْفُ. والتَّنازُعُ: وهو التَّجاذُبُ في الأمْرِ، وهَذا التَّنازُعُ صَدَرَ مِنَ الرُّماةِ، كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ رَتَّبَ الرُّماةَ عَلى فَمِ الوادِي وقالَ: ”اثْبُتُوا مَكانَكم، وإنْ رَأيْتُمُونا هَزَمْناهم، فَإنّا لا نَزالُ غالِبِينَ ما ثَبَتُّمْ مَكانَكم“ . ووَعَدَهم (p-٧٩)بِالنَّصْرِ إنِ انْتَهَوْا إلى أمْرِهِ. فَلَمّا انْهَزَمَ المُشْرِكُونَ قالَ بَعْضُ الرُّماةِ: قَدِ انْهَزَمُوا فَما مَوْقِفُنا هُنا ؟ الغَنِيمَةَ الغَنِيمَةَ، الحَقُوا بِالمُسْلِمِينَ. وقالَ بَعْضُهم: بَلْ نَثْبُتُ مَكانَنا كَما أمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وقِيلَ: التَّنازُعُ هو ما صَدَرَ مِنَ المُسْلِمِينَ مِنَ الِاخْتِلافِ حِينَ صِيحَ أنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ. والعِصْيانُ: هو ذَهابُ مَن ذَهَبَ مِنَ الرُّماةِ مِن مَكانِهِ طَلَبًا لِلنَّهْبِ والغَنِيمَةِ، وكانَ خالِدٌ حِينَ رَأى قِلَّةَ الرُّماةِ صاحَ في خَيْلِهِ وحَمَلَ عَلى مَن بَقِيَ مِنَ الرُّماةِ فَقَتَلَهم، وحَمَلَ عَلى عَسْكَرِ المُسْلِمِينَ، فَتَراجَعَ المُشْرِكُونَ، فَأُصِيبَ مِنَ المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ سَبْعُونَ رَجُلًا. ”﴿مِن بَعْدِ ما أراكم ما تُحِبُّونَ﴾“: وهو ظَفَرُ المُؤْمِنِينَ وغَلَبَتُهم. قالَ الزُّبَيْرُ بْنُ العَوّامِ: لَقَدْ رَأيْتُنِي أنْظُرُ إلى خَدَمِ هِنْدٍ وصَواحِبِها مُشَمِّراتٍ هَوارِبَ ما دُونَ أخْذِهِنَّ قَلِيلٌ ولا كَثِيرٌ؛ إذْ مالَتِ الرُّماةُ إلى العَسْكَرِ يُرِيدُونَ النَّهْبَ، وخَلُّوا ظُهُورَنا لِلْخَيْلِ، فَأُتِينا مِن أدْبارِنا، وصَرَخَ صارِخٌ: ألا إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، فانْكَفَأْنا وانْكَفَأ القَوْمُ عَلَيْنا. و”إذا“ في قَوْلِهِ: ”﴿إذا فَشِلْتُمْ﴾“، قِيلَ: بِمَعْنى إذْ، وحَتّى حَرْفُ جَرٍّ ولا جَوابَ لَها إذْ ذاكَ، ويَتَعَلَّقُ بِتَحُسُّونَهم أيْ: تَقْتُلُونَهم إلى هَذا الوَقْتِ. وقِيلَ: حَتّى حَرْفُ ابْتِداءٍ دَخَلَتْ عَلى الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ، كَما تَدْخُلُ عَلى جُمَلِ الِابْتِداءِ. والجَوابُ مَلْفُوظٌ بِهِ وهو قَوْلُهُ: وتَنازَعْتُمْ عَلى زِيادَةِ الواوِ، قالَهُ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ، وثُمَّ صَرَفَكم عَلى زِيادَةِ ثُمَّ، وهَذانِ القَوْلانِ واللَّذانِ قَبْلَهُما ضِعافٌ. والصَّحِيحُ: أنَّهُ مَحْذُوفٌ؛ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، فَقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: انْهَزَمْتُمْ. والزَّمَخْشَرِيُّ: مَنَعَكم نَصْرَهُ، وغَيْرُهُما: امْتُحِنْتُمْ. والتَّقادِيرُ مُتَقارِبَةٌ. وحَذْفُ جَوابِ الشَّرْطِ لِفَهْمِ المَعْنى جائِزٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ أوْ سُلَّمًا في السَّماءِ فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ﴾ [الأنعام: ٣٥] تَقْدِيرُهُ: فافْعَلْ. ويَظْهَرُ أنَّ الجَوابَ المَحْذُوفَ غَيْرُ ما قَدَّرُوهُ وهو: انْقَسَمْتُمْ إلى قِسْمَيْنِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ، وهو نَظِيرُ: ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ فَمِنهم مُقْتَصِدٌ﴾ [لقمان: ٣٢] التَّقْدِيرُ: انْقَسَمُوا قِسْمَيْنِ: فَمِنهم مُقْتَصِدٌ لا يُقالُ: كَيْفَ يُقالُ: انْقَسَمُوا فِيمَن فَشِلَ وتَنازَعَ وعَصى؛ لِأنَّ هَذِهِ الأفْعالَ لَمْ تَصْدُرْ مِن كُلِّهِمْ، بَلْ مِن بَعْضِهِمْ كَما ذَكَرْناهُ في أوَّلِ الكَلامِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ. وقالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى تَقَدُّمِ وعْدِ اللَّهِ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ بِالنَّصْرِ عَلى عَدُوِّهِمْ ما لَمْ يَعْصُوا بِتَنازُعِهِمْ وفَشَلِهِمْ، وكانَ كَما أخْبَرَ بِهِ هَزَمُوهم وقَتَلُوا، ودَلَّ ذَلِكَ عَلى صِدْقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ النَّبِيِّ بِأنَّ الإخْبارَ بِالغُيُوبِ مِن خَصائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ وصِفاتِ الأُلُوهِيَّةِ لا يَطَّلِعُ عَلَيْها إلّا مَن أطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَيْها، ولا يَنْتَهِي عِلْمُها إلَيْنا إلّا عَلى لِسانِ رَسُولٍ يُخْبِرُ بِها عَنِ اللَّهِ تَعالى. ﴿مِنكم مَن يُرِيدُ الدُّنْيا ومِنكم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: الدُّنْيا الغَنِيمَةُ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، ما شَعَرْنا أنَّ أحَدًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ الدُّنْيا حَتّى كانَ يَوْمُ أُحُدٍ، والَّذِينَ أرادُوا الآخِرَةَ هُمُ الَّذِينَ ثَبَتُوا في مَرْكَزِهِمْ مَعَ أمِيرِهِمْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُبَيْرٍ في نَفَرٍ دُونَ العَشْرَةِ قُتِلُوا جَمِيعًا، وكانَ الرُّماةُ خَمْسِينَ، ذَهَبَ مِنهم نَيِّفٌ عَلى أرْبَعِينَ لِلنَّهْبِ وعَصَوُا الأمْرَ. ومِمَّنْ أرادَ الآخِرَةَ مَن ثَبَتَ بَعْدَ تَخَلْخُلِ المُسْلِمِينَ، فَقاتَلَ حَتّى قُتِلَ، كَأنَسِ بْنِ النَّضْرِ وغَيْرِهِ مِمَّنْ لَمْ يَضْطَرِبْ في قِتالِهِ ولا في دِينِهِ. وهاتانِ الجُمْلَتانِ اعْتِراضٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ والمَعْطُوفِ. * * ﴿ثُمَّ صَرَفَكم عَنْهُمْ﴾ أيْ جَعَلَكم تَنْصَرِفُونَ. (لِيَبْتَلِيَكم) أيْ لِيَمْتَحِنَ صَبْرَكم عَلى المَصائِبِ وثَباتَكم عَلى الإيمانِ عِنْدَها. وقِيلَ: صَرَفَكم عَنْهم، أيْ لَمْ تَتَمادَ الكَسْرَةُ عَلَيْكم فَيَسْتَأْصِلُوكم. وقِيلَ: المَعْنى لَمْ يُكَلِّفْكم طَلَبَهم عَقِيبَ انْصِرافِهِمْ. وتَأوَّلَتْهُ المُعْتَزِلَةُ عَلى مَعْنى: ثُمَّ انْصَرَفْتُمْ عَنْهم، فَإضافَتُهُ إلى اللَّهِ تَعالى بِإخْراجِهِ الرُّعْبَ مِن قُلُوبِ الكافِرِينَ ابْتِلاءٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. وقِيلَ: مَعْنى لِيَبْتَلِيَكم أيْ لِيُنْزِلَ بِكم ذَلِكَ البَلاءَ مِنَ القَتْلِ والتَّمْحِيصِ. ﴿ولَقَدْ عَفا عَنْكُمْ﴾ قِيلَ: عَنْ عُقُوبَتِكم عَلى فِرارِكم، ولَمْ يُؤاخِذْكم بِهِ. وقِيلَ: بِرَدِّ العَدُوِّ عَنْكم. وقِيلَ: بِتَرْكِ الأمْرِ بِالعَوْدِ إلى قِتالِهِمْ مِن فَوْرِكم. وقِيلَ: بِتَرْكِ الِاسْتِئْصالِ بَعْدَ المَعْصِيَةِ والمُخالَفَةِ. فَمَعْنى (p-٨٠)عَفا عَنْكم: أبْقى عَلَيْكم. قالَ الحَسَنُ: قُتِلَ مِنهم جَماعَةٌ سَبْعُونَ، وقُتِلَ عَمُّ النَّبِيِّ ﷺ وشُجَّ وجْهُهُ وكُسِرَتْ رُباعِيَّتُهُ، وإنَّما العَفْوُ إنْ لَمْ يَسْتَأْصِلْهم هَؤُلاءِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وفي سَبِيلِ اللَّهِ غِضابٌ لِلَّهِ يُقاتِلُونَ أعْداءَ اللَّهِ، نُهُوا عَنْ شَيْءٍ فَضَيَّعُوهُ، فَواللَّهِ ما تُرِكُوا حَتّى غُمُّوا بِهَذا الغُمِّ، يا فِسْقَ الفاسِقِينَ ! اليَوْمَ يُحِلُّ كُلَّ كَبِيرَةٍ، ويَرْكَبُ كُلَّ داهِيَةٍ ويَسْحَبُ عَلَيْها ثِيابَهُ، ويَزْعُمُ أنْ لا بَأْسَ عَلَيْهِ، فَسَوْفَ يَعْلَمُ. انْتَهى كَلامُ الحَسَنِ. والظّاهِرُ أنَّ العَفْوَ إنَّما هو عَنِ الذَّنْبِ، أيْ لَمْ يُؤاخِذْكم بِالعِصْيانِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَرِينَةُ قَوْلِهِ: وعَصَيْتُمْ. والمَعْنى: أنَّ الذَّنْبَ كانَ يَسْتَحِقُّ أكْثَرَ مِمّا نَزَلَ بِكم، فَعَفا عَنْكم، فَهو إخْبارٌ بِالعَفْوِ عَمّا كانَ يُسْتَحَقُّ بِالذَّنْبِ مِنَ العِقابِ. وقالَ بِهَذا ابْنُ جُرَيْجٍ، وابْنُ إسْحاقَ، وجَماعَةٌ. وفِيهِ مَعَ ذَلِكَ تَحْذِيرٌ. ﴿واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ في الأحْوالِ، أوْ بِالعَفْوِ. وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ مِنَ البَيانِ والبَدِيعِ ضُرُوبًا: مِن ذَلِكَ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي مَعْناهُ الإنْكارُ في: أمْ حَسِبْتُمْ. والتَّجْنِيسُ المُماثِلُ في: انْقَلَبْتُمْ، ومَن يَنْقَلِبْ، وفي: ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ. والمُغايِرُ في قَوْلِهِمْ: إلّا أنْ قالُوا. وتَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاسْمِ سَبَبِهِ في: تَمَنَّوْنَ المَوْتَ أيِ الجِهادَ في سَبِيلِ اللَّهِ، وفي قَوْلِهِ: وثَبِّتْ أقْدامَنا فِيمَن فَسَّرَ ذَلِكَ بِالقُلُوبِ؛ لِأنَّ ثَباتَ الأقْدامِ مُتَسَبِّبٌ عَنْ ثَباتِ القُلُوبِ. والِالتِفاتُ في: وسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ. والتَّكْرارُ في: ولَمّا يَعْلَمْ، ويَعْلَمْ؛ لِاخْتِلافِ المُتَعَلِّقِ، أوْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى فَضْلِ الصّابِرِ. وفي: أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ؛ لِأنَّ العُرْفَ في المَوْتِ خِلافُ العُرْفِ في القَتْلِ، والمَعْنى: مُفارَقَةُ الرُّوحِ الجَسَدَ، فَهو واحِدٌ. ومَن في ”ومَن يُرِدْ ثَوابَ“ الجُمْلَتَيْنِ، وفي: ذُنُوبَنا وإسْرافَنا في قَوْلِ مَن سَوّى بَيْنَهُما، وفي: ”ثَوابَ“ و”﴿حُسْنُ الثَّوابِ﴾ [آل عمران: ١٩٥]“ . وفي: لَفْظِ الجَلالَةِ، وفي: ”﴿مِنكم مَن يُرِيدُ﴾“، الجُمْلَتَيْنِ. والتَّقْسِيمُ في: ”﴿ومَن يُرِدْ﴾ [آل عمران: ١٤٥]“ وفي ”﴿مِنكم مَن يُرِيدُ﴾“ . والِاخْتِصاصُ في: الشّاكِرِينَ، والصّابِرِينَ، والمُؤْمِنِينَ. والطِّباقُ في: ”﴿آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ١٤٩]“ . والتَّشْبِيهُ في: يَرُدُّوكم عَلى أعْقابِكم، شَبَّهَ الرُّجُوعَ عَنِ الدِّينِ بِالرّاجِعِ القَهْقَرى والَّذِي حَبِطَ عَمَلُهُ بِالكُفْرِ بِالخاسِرِ الَّذِي ضاعَ رِبْحُهُ ورَأْسُ مالِهِ، وبِالمُنْقَلِبِ الَّذِي يَرُوحُ في طَرِيقٍ ويَغْدُو في أُخْرى، وفي قَوْلِهِ: سَنَلْقى. وقِيلَ: هَذا كُلُّهُ اسْتِعارَةٌ. والحَذْفُ في عِدَّةِ مَواضِعَ.

آل عمران 3:153

﴿إذْ تُصْعِدُونَ ولا تَلْوُونَ عَلى أحَدٍ والرَّسُولُ يَدْعُوكم في أُخْراكم فَأثابَكم غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكم ولا ما أصابَكم واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْكم مِن بَعْدِ الغَمِّ أمَنَةً نُعاسًا يَغْشى طائِفَةً مِنكم وطائِفَةٌ قَدْ أهَمَّتْهم أنْفُسُهم يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ ظَنَّ الجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ في أنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا ها هُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ في بُيُوتِكم لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ إلى مَضاجِعِهِمْ ولِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما في صُدُورِكم ولِيُمَحِّصَ ما في قُلُوبِكم واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١٥٤] ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ إنَّما اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا ولَقَدْ عَفا اللَّهُ عَنْهم إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٥٥] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ كَفَرُوا وقالُوا لِإخْوانِهِمْ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ أوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ واللَّهُ يُحْيِي ويُمِيتُ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٥٦] ﴿ولَئِنْ قُتِلْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٧] ﴿ولَئِنْ مُتُّمْ أوْ قُتِلْتُمْ لَإلى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٨] ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهم ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ فاعْفُ عَنْهم واسْتَغْفِرْ لَهم وشاوِرْهم في الأمْرِ فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] ﴿إنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكم وإنْ يَخْذُلْكم فَمَن ذا الَّذِي يَنْصُرُكم مِن بَعْدِهِ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٠] ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ ومَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٦١] ﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ ومَأْواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ [آل عمران: ١٦٢] ﴿هم دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٣] . (p-٨١)الإصْعادُ: ابْتِداءُ السَّفَرِ، والمَخْرَجُ. والصُّعُودُ: مَصْدَرُ صَعِدَ، رَقى مِن سُفْلٍ إلى عُلُوٍّ، قالَهُ الفَرّاءُ، وأبُو حاتِمٍ، والزَّجّاجُ. وقالَ القُتَبِيُّ: أصْعَدَ: أبْعَدَ في الذَّهابِ، فَكَأنَّهُ إبْعادٌ كَإبْعادِ الِارْتِفاعِ. قالَ: ؎ألا أيُّهَذا السّائِلِي أيْنَ صَعِدْتَ فَإنَّ لَها في أرْضِ يَثْرِبَ مَوْعِدا وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ: ؎قَدْ كُنْتَ تُبْكِينِي عَلى الإصْعادِ ∗∗∗ فاليَوْمَ سَرَحْتُ وصاحَ الحادِي وقالَ المُفَضَّلُ: صَعِدَ، وأصْعَدَ، وصَعَدَ بِمَعْنًى واحِدٍ. والصَّعِيدُ: وجْهُ الأرْضِ. وصَعَدَةٌ: اسْمٌ مِن أسْماءِ الأرْضِ. وأصْعَدَ: مَعْناهُ دَخَلَ في الصَّعِيدِ. فاتَ الشَّيْءُ: أعْجَزَ إدْراكُهُ، وهو مُتَعَدٍّ، ومَصْدَرُهُ: فَوْتٌ، وهو قِياسُ فِعْلِ المُتَعَدِّي. النُّعاسُ: النَّوْمُ الخَفِيفُ. يُقالُ: نَعِسَ يَنْعَسُ نُعاسًا فَهو ناعِسٌ، ولا يُقالُ: نَعْسانُ. وقالَ الفَرّاءُ: قَدْ سَمِعْتُها، ولَكِنِّي لا أشْتَهِيها. المَضْجَعُ: المَكانُ الَّذِي يُتَّكَأُ فِيهِ لِلنَّوْمِ، ومِنهُ: ﴿واهْجُرُوهُنَّ في المَضاجِعِ﴾ [النساء: ٣٤] والمَضاجِعُ: المَصارِعُ، وهي أماكِنُ القَتْلِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِضَجْعَةِ المَقْتُولِ فِيها. الغَزْوُ: القَصْدُ وكَذَلِكَ المَغْزى، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى قَصْدٍ مَخْصُوصٍ وهو الإيقاعُ بِالعَدُوِّ. وتَقُولُ: غَزا بَنِي فُلانٍ، أوْقَعَ بِهِمُ القَتْلَ والنَّهْبَ وما أشْبَهَ ذَلِكَ. وغُزًّى: جَمْعُ غازٍ، كَعافٍ وعَفا. وقالُوا: غُزّاءٌ بِالمَدِّ. وكِلاهُما لا يَنْقاسُ. أجْرى جَمْعَ فاعِلِ الصِّفَةِ مِنَ المُعْتَلِّ اللّامِ مَجْرى صَحِيحِها، كَرُكَّعٍ وصُوّامٍ. والقِياسُ: فُعَلَةٌ كَقاضٍ وقُضاةٍ. ويُقالُ: أغْزَتِ النّاقَةُ: عَسُرَ لَقاحُها. وأتانٌ مُغْزِيَةٌ: تَأخَّرَ نِتاجُها ثُمَّ تُنْتِجُ. يُقالُ: لِأنَّ الشَّيْءَ يَلِينُ، فَهو لَيِّنٌ. والمَصْدَرُ: لِينٌ ولَيانٌ بِفَتْحِ اللّامِ، وأصْلُهُ في الجِرْمِ، وهو نُعُومَتُهُ وانْتِفاءُ خُشُونَتِهِ، ولا يُدْرَكُ إلّا بِاللَّمْسِ. ثُمَّ تَوَسَّعُوا ونَقَلُوهُ إلى المَعانِي. الفَظاظَةُ: الجَفْوَةُ في المُعاشَرَةِ قَوْلًا وفِعْلًا. قالَ الشّاعِرُ في ابْنَةٍ لَهُ: ؎أخْشى فَظاظَةَ عَمٍّ أوْ جَفاءَ أخٍ ∗∗∗ وكُنْتُ أخْشى عَلَيْها مِن أذى الكَلِمِ الغِلَظُ: أصْلُهُ في الجِرْمِ، وهو تَكَثُّرُ أجْزائِهِ. ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ في قِلَّةِ الِانْفِعالِ والإشْفاقِ والرَّحْمَةِ، كَما قالَ: ؎يَبْكِي عَلَيْنا ولا نَبْكِي عَلى أحَدٍ ∗∗∗ لَنَحْنُ أغْلَظُ أكْبادًا مِنَ الإبِلِ الِانْفِضاضُ: التَّفَرُّقُ. وفَضَضْتُ الشَّيْءَ كَسَرْتُهُ، وهو تَفْرِقَةُ أجْزائِهِ. الخَذْلُ والخِذْلانُ: هو التَّرْكُ في مَوْضِعٍ يُحْتاجُ فِيهِ إلى التّارِكِ. وأصْلُهُ: مِن خَذْلِ الظَّبْيِ؛ ولِهَذا قِيلَ لَها: خاذِلٌ إذا تَرَكَتْها أُمُّها. وهَذا عَلى النَّسَبِ، أيْ ذاتُ خَذْلٍ؛ لِأنَّ المَتْرُوكَةَ هي الخاذِلُ بِمَعْنى مَخْذُولَةٍ، ويُقالُ: خاذِلَةٌ. قالَ الشّاعِرُ: ؎بِجِيدِ مُغْزِلَةٍ أدْماءَ خاذِلَةٍ ∗∗∗ مِنَ الظِّباءِ تُراعِي شادِنًا خَرِقا ويُقالُ أيْضًا لَها: خَذُولٌ فَعُولٌ، بِمَعْنى مَفْعُولٍ. قالَ: ؎خَذُولٌ تُراعِي رَبْرَبًا بِخَمِيلَةٍ ∗∗∗ تَناوَلُ أطْرافَ البَرِيدِ وتَرْتَدِي الغُلُولُ: أخْذُ المالِ مِنَ الغَنِيمَةِ في خَفاءٍ. والفِعْلُ مِنهُ غَلَّ يَغُلُّ بِضَمِّ الغَيْنِ. والغِلُّ: الضَّغَنُ، والفِعْلُ مِنهُ غَلَّ يَغِلُّ بِكَسْرِ الغَيْنِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: تَقُولُ العَرَبُ: أغَلَّ الرَّجُلُ إغْلالًا، خانَ في الأمانَةِ. قالَ النَّمِرُ: ؎جَزى اللَّهُ عَنِّي جَمْرَةَ بْنَ نَوْفَلٍ ∗∗∗ جَزاءَ مُغِلٍّ بِالأمانَةِ كاذِبِ وقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: الغُلُولُ مَأْخُوذٌ مِنَ الغَلَلِ وهو الماءُ الجارِي في أُصُولِ الشَّجَرِ والرُّوحِ. ويُقالُ أيْضًا في الغُلُولِ: أغَلَّ إغْلالًا وأغَلَّ الحارِزُ، سَرَقَ شَيْئًا مِنَ اللَّحْمِ مَعَ الجِلْدِ. ويُقالُ: أغَلَّهُ، وجَدَهُ غالًّا، كَقَوْلِكَ: أبْخَلْتُهُ، وجَدْتَهُ بَخِيلًا. السُّخْطُ مَصْدَرُ سَخِطَ، جاءَ عَلى القِياسِ. ويُقالُ فِيهِ: السُّخْطُ بِضَمِّ السِّينِ وسُكُونِ الخاءِ. ويُقالُ: ماتَ فُلانٌ في سُخْطَةِ المَلِكِ، أيْ في سُخْطِهِ. والسُّخْطُ الكَراهَةُ المُفْرِطَةُ، ويُقابِلُهُ الرِّضا. ﴿إذْ تُصْعِدُونَ ولا تَلْوُونَ عَلى أحَدٍ والرَّسُولُ يَدْعُوكم في أُخْراكُمْ﴾ هَذِهِ الجُمَلُ الَّتِي تَضَمَّنَتِ (p-٨٢)التَّوْبِيخَ والعَتَبَ الشَّدِيدَ. إذْ هو تِذْكارٌ بِفِرارِ مَن فَرَّ وبالَغَ في الهَرَبِ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُوهُ إلَيْهِ. فَمِن شِدَّةِ الفِرارِ واشْتِغالِهِ بِنَفْسِهِ وهو يَرُومُ نَجاتَها لَمْ يُصْغِ إلى دُعاءِ الرَّسُولِ، وهَذا مِن أعْظَمِ العَتَبِ، حَيْثُ فَرَّ والحالَةُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ يَدْعُوهُ إلَيْهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: تُصْعِدُونَ مُضارِعُ أصْعَدَ، والهَمْزَةُ في أصْعَدَ لِلدُّخُولِ. أيْ: دَخَلْتُمْ في الصَّعِيدِ، ذَهَبْتُمْ فِيهِ. كَما تَقُولُ: أصْبَحَ زَيْدٌ، أيْ دَخَلَ في الصَّباحِ. فالمَعْنى: إذْ تَذْهَبُونَ في الأرْضِ. وتُبَيِّنُ ذَلِكَ قِراءَةُ أُبَيٍّ: ”إذْ تُصْعِدُونَ في الوادِي“ . وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ واليَزِيدِيُّ: تُصْعِدُونَ مِن صَعِدَ في الجَبَلِ، إذا ارْتَقى إلَيْهِ. وقَرَأ أبُو حَيْرَةَ: ”تَصَعَّدُونَ“ مِن تَصَعَّدَ في السُّلَّمِ، وأصْلُهُ: تَتَصَعَّدُونْ، فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ عَلى الخِلافِ في ذَلِكَ، أيْ تاءُ المُضارَعَةِ ؟ أمْ تاءُ تَفْعَلُ ؟ والجَمْعُ بَيْنَهُما أنَّهم أوَّلًا أصْعَدُوا في الوادِي لَمّا أرْهَقَهُمُ العَدْوُ، وصَعِدُوا في الجَبَلِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةِ شِبْلٍ: يَصْعَدُونَ ولا يَلْوُونَ بِالياءِ عَلى الخُرُوجِ مِنَ الخِطابِ إلى الغائِبِ. والعامِلُ في ”إذْ“: اذْكُرْ مَحْذُوفَةٌ، أوْ عَصَيْتُمْ، أوْ تَنازَعْتُمْ، أوْ فَشِلْتُمْ، أوْ عَفا عَنْكم، أوْ لِيَبْتَلِيَكم، أوْ صَرَفَكم، وهَذانِ عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ، وما قَبْلَهُ عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ. والثَّلاثَةُ قَبْلَهُ بَعِيدَةٌ لِطُولِ الفَصْلِ. والأوَّلُ جَيِّدٌ؛ لِأنَّ ما قَبْلَ ”إذْ“ جُمَلٌ مُسْتَقِلَّةٌ يَحْسُنُ السُّكُوتُ عَلَيْها، فَلَيْسَ لَها تَعَلُّقٌ إعْرابِيٌّ بِما بَعْدَها، إنَّما تَتَعَلَّقُ بِهِ مِن حَيْثُ إنَّ السِّياقَ كُلَّهَ في قِصَّةٍ واحِدَةٍ. وتَعَلُّقُهُ بِصَرَفَكم جَيِّدٌ مِن حَيْثُ المَعْنى، وبِعَفا عَنْكم جَيِّدٌ مِن حَيْثُ القُرْبِ. ومَعْنى ”﴿ولا تَلْوُونَ عَلى أحَدٍ﴾“: أيْ لا تَرْجِعُونَ لِأحَدٍ مِن شِدَّةِ الفِرارِ، لَوى بِكَذا: ذَهَبَ بِهِ، ولَوى عَلَيْهِ: كَرَّ عَلَيْهِ وعَطَفَ. وهَذا أشَدُّ في المُبالَغَةِ مِن قَوْلِهِ: ؎أخُو الجَهْدِ لا يَلْوِي عَلى مَن تَعَذَّرا لِأنَّهُ في الآيَةِ نَفْيٌ عامٌّ، وفي هَذا نَفْيٌ خاصٌّ، وهو عَلى مَن تَعَذَّرا، وقالَ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةَ: وهَلْ يَرُدُّ المُنْهَزِمَ شَيْءٌ وقُرِئَ ”تَلْئُونَ“ بِإبْدالِ الواوِ هَمْزَةَ وذَلِكَ لِكَراهَةِ اجْتِماعِ الواوَيْنِ، وقِياسُ هَذِهِ الواوِ المَضْمُومَةِ أنْ لا تُبْدَلَ هَمْزَةً؛ لِأنَّ الضَّمَّةَ فِيها عارِضَةٌ، ومَتى وقَعَتِ الواوُ غَيْرَ أوَّلٍ وهي مَضْمُومَةٌ فَلا يَجُوزُ الإبْدالُ مِنها هَمْزَةً إلّا بِشَرْطَيْنِ أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ الضَّمَّةُ لازِمَةً، الثّانِي: أنْ لا تَكُونَ يُمْكِنُ تَخْفِيفُها بِالإسْكانِ. مِثالُ ذَلِكَ: فَوُوجٌ وفَوُولٌ. وغَوُورٌ. فَهُنا يَجُوزُ فَئُوجٌ وقَئُولٌ وغَئُورٌ بِالهَمْزِ. ومِثْلُ كَوْنِها عارِضَةٌ: هَذا دُلُوكٌ. ومِثْلُ إمْكانِ تَخْفِيفِها بِالإسْكانِ: هَذا سُورٌ، ونُورٌ، جَمْعُ سُوارٍ ونُوارِ. فَإنَّكَ تَقُولُ فِيهِما: سُورٌ ونُورٌ. ونَبَّهَ بَعْضُ أصْحابِنا عَلى شَرْطٍ آخَرَ وهو لا بُدَّ مِنهُ، وهو: أنْ لا يَكُونَ مُدْغَمًا فِيها نَحْوَ: تَعُوذُ، فَلا يَجُوزُ فِيهِ تَعُؤْذُ بِإبْدالِ الواوِ المَضْمُومَةِ هَمْزَةً. وزادَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ شَرْطًا آخَرَ وهو: أنْ لا تَكُونَ الواوُ زائِدَةٌ نَحْوَ: التَّرَهْوُكُ، وهَذا الشَّرْطُ لَيْسَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ. وقَرَأ الحَسَنُ: تَلُونَ، وخَرَّجُوها عَلى قِراءَةِ مَن هَمَزِ الواوِ، ونَقَلَ الحَرَكَةَ إلى اللّامِ، وحَذْفِ الهَمْزَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وحُذِفَتْ إحْدى الواوَيْنِ السّاكِنَتَيْنَ، وكانَ قَدْ قالَ في هَذِهِ القِراءَةِ: هي قِراءَةٌ مُتَرَكِّبَةٌ عَلى قِراءَةِ مَن هَمَزَ الواوَ المَضْمُومَةِ، ثُمَّ نُقِلَتْ حَرَكَةُ الهَمْزَةِ إلى اللّامِ. انْتَهى. وهَذا كَلامٌ عَجِيبٌ تَخَيَّلَ هَذا الرَّجُلُ أنَّهُ قَدْ نُقِلَتِ الحَرَكَةُ إلى اللّامِ فاجْتَمَعَ واوانِ ساكِنانِ، إحْداهُما: الواوُ الَّتِي هي عَيْنُ الكَلِمَةِ، والأُخْرى: واوُ الضَّمِيرِ، فَحُذِفَتْ إحْدى الواوَيْنِ (p-٨٣)لِأنَّهُما ساكِنَتانِ، وهَذا قَوْلُ مَن لَمْ يُمْعِنْ في صِناعَةِ النَّحْوِ؛ لِأنَّها إذا كانَتْ مُتَرَكِّبَةً عَلى لُغَةِ مَن هَمَزَ الواوَ ثُمَّ نَقَلَ حَرَكَتَها إلى اللّامِ، فَإنَّ الهَمْزَةَ إذْ ذاكَ تُحْذَفُ، ولا يَلْتَقِي واوانِ ساكِنانِ. ولَوْ قالَ: اسْتُثْقِلَتِ الضَّمَّةُ عَلى الواوِ؛ لِأنَّ الضَّمَّةَ كَأنَّها واوٌ، فَصارَ ذَلِكَ كَأنَّهُ جَمَعَ ثَلاثَ واواتٍ، فَتَنْقَلِبُ الضَّمَّةُ إلى اللّامِ، فالتَقى ساكِنانِ، فَحُذِفَتِ الأُولى مِنهُما، ولَمْ يُبْهِمْ في قَوْلِهِ إحْدى الواوَيْنِ لَأمْكَنَ ذَلِكَ في تَوْجِيهِ هَذِهِ القِراءَةِ الشّاذَّةِ، أمّا أنْ يَبْنِيَ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ عَلى لُغَةِ مَن هَمَزَ عَلى زَعْمِهِ، فَلا يُتَصَوَّرُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُضارِعَ ولِيَ وعُدِّيَ بِعَلى، عَلى تَضْمِينِ مَعْنى العَطْفِ. أيْ: لا تَعْطِفُونَ عَلى أحَدٍ. وقَرَأ الأعْمَشُ وأبُو بَكْرٍ في رِوايَةٍ عَنْ عاصِمٍ: ”تُلْوُونَ“ مِن ألْوى، وهي لُغَةٌ في لَوى. وظاهِرُ قَوْلِهِ: ”عَلى أحَدٍ“ العُمُومُ. وقِيلَ: المُرادُ النَّبِيُّ ﷺ وعَبَّرَ بِـ ”أحَدٍ“ عَنْهُ تَعْظِيمًا لَهُ وصَوْنًا لِاسْمِهِ أنْ يُذْكَرَ عِنْدَ ذَهابِهِمْ عَنْهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والكَلْبِيُّ. وقَرَأ حُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ ”عَلى أُحُدٍ“ بِضَمِّ الهَمْزَةِ والحاءِ، وهو الجَبَلُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والقِراءَةُ الشَّهِيرَةُ أقْوى؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ عَلى الجَبَلِ إلّا بَعْدَ ما فَرَّ النّاسُ عَنْهُ، وهَذِهِ الحالُ مِن إصْعادِهِمْ إنَّما كانَتْ وهو يَدْعُوهم. انْتَهى. وقالَ غَيْرُهُ: الخِطابُ فِيهِ لِمَن أمْعَنَ في الهَرَبِ ولَمْ يَصْعَدِ الجَبَلَ عَلى مَن صَعِدَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أرادَ بِقَوْلِهِ: ولا تَلْوُونَ عَلى أُحُدٍ، أيْ مَن كانَ عَلى جَبَلِ أُحُدٍ، وهو النَّبِيُّ ﷺ ومَن مَعَهُ الَّذِينَ صَعِدُوا. وتَلْوُونَ هو مِن لَيِّ العُنُقِ؛ لِأنَّ مَن عَرَجَ عَلى الشَّيْءِ يَلْوِي عُنُقَهُ، أوْ عِنانَ دابَّتِهِ. والألِفُ واللّامُ في الرَّسُولِ لِلْعَهْدِ. ودُعاءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رُوِيَ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: «إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ» والنّاسُ يَفِرُّونَ عَنْهُ. ورُوِيَ: «أيْ عِبادَ اللَّهِ ارْجِعُوا» . قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وفي رِوايَةٍ: «ارْجِعُوا إلَيَّ فَإنِّي رَسُولُ اللَّهِ، مَن يَكِرُّ لَهُ الجَنَّةُ» وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ والرَّبِيعِ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وكانَ دُعاؤُهُ تَغْيِيرٌ لِلْمُنْكَرِ، ومُحالٌ أنْ يَرى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المُنْكَرَ وهو الِانْهِزامُ ثُمَّ لا يَنْهى عَنْهُ. ومَعْنى في أُخْراكم: أيْ في ساقَتِكم وجَماعَتِكُمُ الأُخْرى، وهي المُتَأخِّرَةُ. يُقالُ: جِئْتُ في آخِرِ النّاسِ وأُخْراهم، كَما تَقُولُ: في أوَّلِهِمْ وأُولاهم بِتَأْوِيلِ مُقَدِّمَتِهِمْ وجَماعَتِهِمُ الأُولى. وفي قَوْلِهِ: ”في أُخْراكم“ دَلالَةٌ عَظِيمَةٌ عَلى شَجاعَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإنَّ الوُقُوفَ عَلى أعْقابِ الشُّجْعانِ وهم فُرّارٌ والثَّباتُ فِيهِ إنَّما هو لِلْأبْطالِ الأنْجادِ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أشْجَعَ النّاسِ. قالَ سَلَمَةُ: كُنّا إذا احْمَرَّ البَأْسُ اتَّقَيْناهُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ﴿فَأثابَكم غَمًّا بِغَمٍّ﴾: الفاعِلُ بِأثابَكم هو اللَّهُ تَعالى. وقالَ الفَرّاءُ: الإثابَةُ هُنا بِمَعْنى المُغالَبَةِ. انْتَهى. وسُمِّيَ الغَمُّ ثَوابًا عَلى مَعْنى أنَّهُ قائِمٌ في هَذِهِ النّازِلَةِ مَقامَ الثَّوابِ الَّذِي كانَ يَحْصُلُ لَوْلا الفِرارُ. فَهو نَظِيرُ قَوْلِهِ: ؎تَحِيَّــةٌ بَيْنَهُــمْ ضَــرْبٌ وجِيــعٌ وقَوْلُهُ: ؎أخافَ زِيادًا أنْ يَكُونَ عَطاؤُهُ ∗∗∗ أداهِمَ سُودًا أوْ مُحَدْرَجَةً سُمْرا جَعَلَ القُيُودَ والسِّياطَ عَطاءً، ومُحَدْرَجَةٌ بِمَعْنى مُدَحْرَجَةٍ. والباءُ في ”بِغَمٍّ“ إمّا أنْ تَكُونَ لِلْمُصاحَبَةِ، أوْ لِلسَّبَبِ. فَإنْ كانَتْ لِلْمُصاحَبَةِ وهي الَّتِي عَبَّرَ بَعْضُهم عَنْها بِمَعْنى: مَعَ، والمَعْنى: غَمًّا مُصاحِبًا لِغَمٍّ - فَيَكُونُ الغَمّانِ إذْ ذاكَ لَهم، فالأوَّلُ هو ما أصابَهم مِنَ الهَزِيمَةِ والقَتْلِ، والثّانِي: إشْرافُ خالِدٍ بِخَيْلِ المُشْرِكِينَ عَلَيْهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ. وقِيلَ: الغَمُّ الأوَّلُ سَبَبُهُ فِرارُهُمُ الأوَّلُ، والثّانِي سَبَبُهُ فِرارُهم حِينَ سَمِعُوا أنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ. قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: الأوَّلُ ما فاتَهم مِنَ الغَنِيمَةِ وأصابَهم مِنَ الجِراحِ والقَتْلِ. والثّانِي حِينَ سَمِعُوا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قُتِلَ، قالَهُ قَتادَةُ والرَّبِيعُ. وقِيلَ عَكْسُ هَذا التَّرْتِيبِ، وعَزاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ إلى قَتادَةَ ومُجاهِدٍ. وقِيلَ: الأوَّلُ ما فاتَهم مِنَ الغَنِيمَةِ والفَتْحِ. والثّانِي: إشْرافُ أبِي سُفْيانَ عَلَيْهِمْ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ. وقِيلَ: الأوَّلُ هو قَتْلُهم وجِراحُهم وكُلُّ ما جَرى في ذَلِكَ المَأْزِقِ. والثّانِي: إشْرافُ أبِي سُفْيانَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ ومَن كانَ مَعَهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ ومُجاهِدٌ أيْضًا وغَيْرُهُما. وعَبَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْ (p-٨٤)هَذا المَعْنى وهو اجْتِماعُ الغَمَّيْنِ لَهم بِقَوْلِهِ: غَمًّا بَعْدَ غَمٍّ، وغَمًّا مُتَّصِلًا بِغَمٍّ، مِنَ الِاغْتِمامِ بِما أُرْجِفَ بِهِ مِن قَتْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والجُرْحِ، والقَتْلِ، وظَفَرِ المُشْرِكِينَ، وفَوْتِ الغَنِيمَةِ، والنَّصْرِ. انْتَهى كَلامُهُ. وقَوْلُهُ: غَمًّا بَعْدَ غَمٍّ تَفْسِيرٌ لِلْمَعْنى، لا تَفْسِيرُ إعْرابٍ؛ لِأنَّ الباءَ لا تَكُونُ بِمَعْنى بَعْدَ، وإنْ كانَ بَعْضُهم قَدْ ذَهَبَ إلى ذَلِكَ؛ ولِذَلِكَ قالَ بَعْضُهم: إنَّ المَعْنى غَمًّا عَلى غَمٍّ، فَيَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ عَلى تَفْسِيرِ المَعْنى، وإنْ كانَ بَعْضُهم قَدْ ذَهَبَ إلى ذَلِكَ. وإنْ كانَتِ الباءُ لِلسَّبَبِ وهي الَّتِي عَبَّرَ بَعْضُهم عَنْها أنَّها بِمَعْنى الجَزاءِ، فَيَكُونُ الغَمُّ الأوَّلُ لِلصَّحابَةِ. والثّانِي قالَ الحَسَنُ وغَيْرُهُ: مُتَعَلِّقُهُ المُشْرِكُونَ يَوْمَ بَدْرٍ. والمَعْنى: أثابَكم غَمًّا بِالغَمِّ الَّذِي أُوقِعَ عَلى أيْدِيكم بِالكُفّارِ يَوْمَ بَدْرٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فالباءُ عَلى هَذا باءُ مُعادِلَةٍ، كَما قالَ أبُو سُفْيانَ يَوْمَ بَدْرٍ: والحَرْبُ سِجالٌ. وقالَ قَوْمٌ مِنهُمُ الزَّجّاجُ، وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُتَعَلِّقُهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، والمَعْنى: جازاكم غَمًّا بِسَبَبِ الغَمِّ الَّذِي أدْخَلْتُمُوهُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وسائِرِ المُؤْمِنِينَ بِفَشَلِكم وتَنازُعِكم وعِصْيانِكم. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في: فَأثابَكم لِلرَّسُولِ، أيْ فَآساكم في الِاغْتِمامِ، وكَما غَمَّكم ما نَزَلْ بِهِ مِن كَسْرِ الرَّباعِيَةِ والشَّجَّةِ وغَيْرِهِما غَمَّهُ ما نَزَلْ بِكم، فَأثابَكم عَمّا اغْتَمَّهُ لِأجْلِكم بِسَبَبِ غَمٍّ اغْتَمَمْتُمُوهُ لِأجْلِهِ، ولَمْ يَثُرْ بِكم عَلى عِصْيانِكم ومُخالَفَتِكم، وإنَّما فَعَلَ ذَلِكَ لِيُسْلِيَكم ويُنَفِّسَ عَنْكم؛ كَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكم مِن نَصْرِ اللَّهِ، ولا عَلى ما أصابَكم مِن غَلَبَةِ العَدُوِّ. انْتَهى كَلامُهُ. وهو خِلافُ الظّاهِرِ؛ لِأنَّ المُسْنَدَ إلَيْهِ الأفْعالُ السّابِقَةُ هو اللَّهُ تَعالى، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ [آل عمران: ١٥٢] وقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ صَرَفَكم عَنْهم لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٢] ﴿ولَقَدْ عَفا عَنْكم واللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٥٢] فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ”فَأثابَكم“ مُسْنَدًا إلى اللَّهِ تَعالى. وذِكْرُ الرَّسُولِ إنَّما جاءَ في جُمْلَةٍ حالِيَّةٍ نَعى عَلَيْهِمْ فِرارَهم مَعَ كَوْنِ مَنِ اهْتَدَوْا عَلى يَدِهِ يَدْعُوهم، فَلَمْ يَجِئْ مَقْصُودًا لِأنْ يُحَدَّثَ عَنْهُ، إنَّما الجُمْلَةُ الَّتِي ذُكِرَ فِيها في تَقْدِيرِ المُفْرَدِ؛ إذْ هي حالٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ”فَأثابَكم“ عَطْفٌ عَلى ”صَرَفَكم“ . انْتَهى، وفِيهِ بُعْدٌ؛ لِطُولِ الفَصْلِ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ”﴿تُصْعِدُونَ ولا تَلْوُونَ﴾“؛ لِأنَّهُ مُضارِعٌ في مَعْنى الماضِي؛ لِأنَّ ”إذْ“ تَصْرِفُ المُضارِعَ إلى الماضِي، إذْ هي ظَرْفٌ لِما مَضى. والمَعْنى: إذْ صَعِدْتُمْ وما لَوَيْتُمْ عَلى أحَدٍ فَأثابَكم. ﴿لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكم ولا ما أصابَكُمْ﴾: اللّامُ لامُ كَيْ، وتَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: فَأثابَكم. فَقِيلَ: ”لا“ زائِدَةٌ؛ لِأنَّهُ لا يَتَرَتَّبُ عَلى الِاغْتِمامِ انْتِفاءُ الحُزْنِ. فالمَعْنى: عَلى أنَّهُ غَمَّهم لِيُحْزِنَهم عُقُوبَةً لَهم عَلى تَرْكِهِمْ مُوافَقَتِهِمْ. قالَهُ (p-٨٥)أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ. وتَكُونُ كَهي في قَوْلِهِ: ﴿لِئَلّا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [الحديد: ٢٩] إذْ تَقْدِيرُهُ: لِأنْ يَعْلَمَ. ويَكُونُ أعْلَمَهم بِذَلِكَ تَبْكِيتًا لَهم، وزَجْرًا أنْ يَعُودُوا لِمِثْلِهِ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّ ”لا“ ثابِتَةٌ عَلى مَعْناها مِنَ النَّفْيِ. واخْتَلَفُوا في تَعْلِيلِ الإثابَةِ بِانْتِفاءِ الحُزْنِ عَلى ما ذُكِرَ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ”﴿لِكَيْلا تَحْزَنُوا﴾“ لِتَتَمَرَّنُوا عَلى تَجَرُّعِ الغُمُومِ، وتُضْرَوْا بِاحْتِمالِ الشَّدائِدِ، فَلا تَحْزَنُوا فِيما بَعْدُ عَلى فائِتٍ مِنَ المَنافِعِ، ولا عَلى مُصِيبٍ مِنَ المَضارِّ. انْتَهى. فَجَعَلَ العِلَّةَ في الحَقِيقَةِ ثُبُوتِيَّةً، وهي التَّمَرُّنُ عَلى تَجَرُّعِ الغُمُومِ والِاعْتِيادِ لِاحْتِمالِ الشَّدائِدِ، ورَتَّبَ عَلى ذَلِكَ انْتِفاءَ الحُزْنِ، وجَعَلَ ظَرْفَ الحُزْنِ هو مُسْتَقْبَلٌ لا تَعَلُّقَ بِهِ بِقِصَّةِ أُحُدٍ، بَلْ لِيَنْتَفِيَ الحُزْنُ عَنْكم بَعْدَ هَذِهِ القِصَّةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَعْنى لِتَعْلَمُوا أنَّ ما وقَعَ بِكم إنَّما هو بِجِنايَتِكم، فَأنْتُمْ آذَيْتُمْ أنْفُسَكم. وعادَةُ البَشَرِ أنَّ جانِيَ الذَّنْبِ يَصْبِرُ لِلْعُقُوبَةِ، وأكْثَرُ قَلَقِ المُعاقَبِ وحُزْنِهِ إنَّما وقَعَ هو مَعَ ظَنِّهِ البَراءَةَ بِنَفْسِهِ. انْتَهى. وهَذا تَفْسِيرٌ مُخالِفٌ لِتَفْسِيرِ الزَّمَخْشَرِيِّ. ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ”﴿لِكَيْلا تَحْزَنُوا﴾“ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ عَفا عَنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٢]، ويَكُونُ اللَّهُ أعْلَمَهم بِذَلِكَ تَسْلِيَةً لِمَصابِهِمْ وعِوَضًا لَهم عَنْ ما أصابَهم مِنَ الغَمِّ؛ لِأنَّ عَفْوَهُ يُذْهِبُ كُلَّ غَمٍّ. وفِيهِ بُعْدٌ لِطُولِ الفَصْلِ؛ ولِأنَّ ظاهِرَهُ تَعَلُّقُهُ بِمُجاوِرِهِ وهو فَأثابَكم. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والَّذِي فاتَهم مِنَ الغَنِيمَةِ، والَّذِي أصابَهم مِنَ الفَشَلِ والهَزِيمَةِ، ومِمّا تَحْتَمِلُهُ الآيَةُ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ إصْعادَهم وفِرارَهم مُجِدِّينَ في الهَرَبِ في حالِ دُعاءِ الرَّسُولِ ﷺ إلَيْهِ بِالرُّجُوعِ عَنِ الهَرَبِ والِانْحِيازِ إلى فِئَتِهِ، كانَ الجِدُّ في الهَرَبِ سَبَبًا لِاتِّصالِ الغُمُومِ بِهِمْ، وشُغْلُهم بِأنْفُسِهِمْ طَلَبًا لِلنَّجاةِ مِنَ المَوْتِ، فَصارَ ذَلِكَ أيْ: شُغْلُهم بِأنْفُسِهِمْ واغْتِمامُهُمُ المُتَّصِلُ بِهِمْ مِن جِهَةِ خَوْفِ القَتْلِ سَبَبًا لِانْتِفاءِ الحُزْنِ عَلى فائِتٍ مِنَ الغَنِيمَةِ ومُصابٍ مِنَ الجِراحِ والقَتْلِ لِإخْوانِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: صارُوا في حالَةٍ مِنِ اغْتِمامِهِمْ واهْتِمامِهِمْ بِنَجاةِ أنْفُسِهِمْ بِحَيْثُ لا يَخْطُرُ لَهم بِبالٍ حُزْنٌ عَلى شَيْءٍ فايِتٍ ولا مُصابٍ وإنْ جَلَّ، فَقَدْ شَغَلَهم بِأنْفُسِهِمْ لِيَنْتَفِيَ الحُزْنُ مِنهم. ﴿واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَقْتَضِي تَهْدِيدًا، وخَصَّ العَمَلَ هُنا وإنْ كانَ تَعالى خَبِيرًا بِجَمِيعِ الأحْوالِ مِنَ الأعْمالِ والأقْوالِ والنِّيّاتِ - تَنْبِيهًا عَلى أعْمالِهِمْ مِن تَوْلِيَةِ الأدْبارِ والمُبالَغَةِ في الفِرارِ، وهي أعْمالٌ تُخْشى عاقِبَتُها وعِقابُها.

آل عمران 3:154

﴿ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْكم مِن بَعْدِ الغَمِّ أمَنَةً نُعاسًا﴾: الأمَنَةُ: الأمْنُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ وغَيْرُهُ. وفَرَّقَ آخَرُونَ فَقالُوا: الأمَنَةُ تَكُونُ مَعَ بَقاءِ أسْبابِ الخَوْفِ، والأمْنُ يَكُونُ مَعَ زَوالِ أسْبابِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أمَنَةٌ بِفَتْحِ المِيمِ، عَلى أنَّهُ بِمَعْنى الأمْنِ. أوْ جَمْعُ آمِنٍ كَـ بارٍّ وبَرَرَةٍ، ويَأْتِي إعْرابُهُ. وقَرَأ النَّخَعِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ”أمْنَةً“ بِسُكُونِ المِيمِ، بِمَعْنى الأمْنِ. ومَعْنى الآيَةِ: امْتِنانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِأمْنِهِمْ بَعْدَ الخَوْفِ والغَمِّ، بِحَيْثُ صارُوا مِنَ الأمْنِ يَنامُونَ، وذَلِكَ أنَّ الشَّدِيدَ الخَوْفَ والغَمَّ لا يَكادُ يَنامُ. ونَقَلَ المُفَسِّرُونَ ما أخْبَرَتْ بِهِ الصَّحابَةُ مِن غَلَبَةِ النَّوْمِ الَّذِي غَشِيَهم كَأبِي طَلْحَةَ، والزُّبَيْرِ، وابْنِ مَسْعُودٍ. واخْتَلَفُوا في الوَقْتِ الَّذِي غَشِيَهم فِيهِ النُّعاسُ. فَقالَ الجُمْهُورُ: حِينَ ارْتَحَلَ أبُو سُفْيانَ مِن مَوْضِعِ الحَرْبِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ وكانَ مِنَ المُتَحَيِّزِينَ إلَيْهِ: ”اذْهَبْ فانْظُرْ إلى القَوْمِ، فَإنْ كانُوا جَنَبُوا الخَيْلَ فَهم ناهِضُونَ إلى مَكَّةَ، وإنْ كانُوا عَلى خَيْلِهِمْ فَهم عائِدُونَ إلى المَدِينَةِ، فاتَّقُوا اللَّهَ واصْبِرُوا“ ووَطِّنْهم عَلى القِتالِ، فَمَضى عَلِيٌّ، ثُمَّ رَجَعَ فَأخْبَرَ أنَّهم جَنَبُوا الخَيْلَ، وقَعَدُوا عَلى أثْقالِهِمْ عِجالًا، فَأمِنَ المُؤْمِنُونَ المُصَدِّقُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وألْقى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمُ النُّعاسَ. وبَقِيَ المُنافِقُونَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ لا يُصَدِّقُونَ، بَلْ كانَ ظَنُّهم أنَّ أبا سُفْيانَ يَؤُمُّ المَدِينَةَ، فَلَمْ يَقَعْ عَلى أحَدٍ مِنهم نَوْمٌ، وإنَّما كانَ هَمُّهم في أحْوالِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ. وثَبَتَ في البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ أبِي طَلْحَةَ قالَ: «غَشِيَنا النُّعاسُ ونَحْنُ في مَصافِّنًا يَوْمَ أُحُدٍ، فَجَعَلَ يَسْقُطُ مِن يَدِي وآخُذُهُ، ويَسْقُطُ وآخُذُهُ»، وفي طَرِيقٍ «رَفَعْتُ رَأْسِي فَجَعَلْتُ ما أرى أحَدًا مِنَ القَوْمِ إلّا وهو يَمِيلُ تَحْتَ جَحْفَتِهِ» . وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم غَشِيَهُمُ النُّعاسُ وهم في (p-٨٦)المَصافِّ. وسِياقُ الآيَةِ والحَدِيثُ الأوَّلُ يَدُلّانِ عَلى خِلافِ ذَلِكَ. قالَ تَعالى: ﴿فَأثابَكم غَمًّا بِغَمٍّ﴾ [آل عمران: ١٥٣] . والغَمُّ كانَ بَعْدَ أنْ كُسِرُوا وتَفَرَّقُوا عَنْ مَصافِّهِمْ ورَحَلَ المُشْرِكُونَ عَنْهم. والجَمْعُ بَيْنَ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ أنَّ المَصافَّ الَّذِي أخْبَرَ عَنْهُ أبُو طَلْحَةَ كانَ في الجَبَلِ بَعْدَ الكَسْرَةِ، أشْرَفَ عَلَيْهِمْ أبُو سُفْيانَ مِن عُلُوٍّ في الخَيْلِ الكَثِيرَةِ، فَرَماهم مَن كانَ انْحازَ إلى الجَبَلِ مِنَ الصَّحابَةِ بِالحِجارَةِ، وأغْنى هُناكَ عُمَرُ حَتّى أنْزَلُوهم، وما زالُوا صافِّينَ حَتّى جاءَهم خَبَرُ قُرَيْشٍ أنَّهم عَزَمُوا عَلى الرَّحِيلِ إلى مَكَّةَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ النُّعاسَ في ذَلِكَ المَوْطِنِ، فَأمِنُوا ولَمْ يَأْمَنِ المُنافِقُونَ. والفاعِلُ بِـ ”أنْزَلَ“ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى اللَّهِ تَعالى، وهو مَعْطُوفٌ عَلى ”فَأثابَكم“ . و”عَلَيْكم“ يَدُلُّ عَلى تَجَلُّلِ النُّعاسِ واسْتِعْلائِهِ وغَلَبَتِهِ، ونِسْبَةُ الإنْزالِ مَجازٌ؛ لِأنَّ حَقِيقَتَهُ في الأجْرامِ. وأعْرَبُوا ”أمَنَةً“ مَفْعُولًا بِأنْزَلَ، ونُعاسًا بَدَلٌ مِنهُ، وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ؛ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما قَدْ يَتَصَوَّرُ اشْتِمالَهُ عَلى الآخَرِ، أوْ يَتَصَوَّرُ اشْتِمالَ العامِلِ عَلَيْهِما عَلى الخِلافِ في ذَلِكَ. أوْ عَطْفُ بَيانٍ، ولا يَجُوزُ عَلى رَأْيِ الجُمْهُورِ مِنَ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّ مِن شَرْطِ عَطْفِ البَيانِ عِنْدَهم أنْ يَكُونَ في المَعارِفِ، أوْ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ وهو ضَعِيفٌ؛ لِاخْتِلالِ أحَدِ الشُّرُوطِ وهو اتِّحادُ الفاعِلِ، فَفاعِلُ الإنْزالِ هو اللَّهُ تَعالى، وفاعِلُ النُّعاسِ هو المُنَزِّلُ عَلَيْهِمْ، وهَذا الشَّرْطُ هو عَلى مَذْهَبِ الجُمْهُورِ مِنَ النَّحْوِيِّينَ. وقِيلَ: نُعاسًا هو مَفْعُولُ ”أنْزَلَ“، وأمَنَةً حالٌ مِنهُ؛ لِأنَّهُ في الأصْلِ نَعْتٌ نَكِرَةٌ تَقَدَّمَ عَلَيْها فانْتَصَبَ عَلى الحالِ. التَّقْدِيرُ: نُعاسًا ذا أمَنَةٍ؛ لِأنَّ النُّعاسَ لَيْسَ هو الأمْنُ. أوْ حالٌ مِنَ المَجْرُورِ عَلى تَقْدِيرِ: ذَوِي أمَنَةٍ. أوْ عَلى أنَّهُ جَمْعُ آمِنٍ، أيْ آمِنِينَ، أوْ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ أيْ لِأمَنَةٍ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهو ضَعِيفٌ بِما ضَعَّفْنا بِهِ قَوْلَ مَن أعْرَبَ نُعاسًا مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ. ﴿يَغْشى طائِفَةً مِنكُمْ﴾: هُمُ المُؤْمِنُونَ. ويَدُلُّ هَذا عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْكم، عامٌّ مَخْصُوصٌ؛ لِأنَّهُ في الحَقِيقَةِ ما أنْزَلَ إلّا عَلى مَن آمَنَ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”تَغْشى“ بِالتّاءِ حَمْلًا عَلى لَفْظِ أمَنَةٍ، هَكَذا قالُوا. وقالُوا: الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، وهَذا لَيْسَ بِواضِحٍ؛ لِأنَّ النَّحْوِيِّينَ نَصُّوا عَلى أنَّ الصِّفَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلى البَدَلِ وعَلى عَطْفِ البَيانِ إذا اجْتَمَعَتْ. فَمَن أعْرَبَ نُعاسًا بَدَلًا أوْ عَطْفَ بَيانٍ لا يَتِمُّ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ مُخالِفٌ لِهَذِهِ القاعِدَةِ، ومَن أعْرَبَهُ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ فَفِيهِ أيْضًا الفَصْلُ بَيْنَ النَّعْتِ والمَنعُوتِ بِهَذِهِ الفَضْلَةِ. وفي جَوازِ ذَلِكَ نَظَرٌ مَعَ ما نَبَّهْنا عَلَيْهِ مِن فَواتِ الشَّرْطِ وهو: اتِّحادُ الفاعِلِ. فَإنْ جَعَلْتَ تَغْشى جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً وكَأنَّها جَوابٌ لِسُؤالِ مَن سَألَ: ما حُكْمُ هَذِهِ الأمَنَةِ ؟ فَأخْبَرَ تَعالى تَغْشى طائِفَةً مِنكم - جازَ ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أُسْنِدَ الفِعْلُ إلى ضَمِيرِ المُبْدَلِ مِنهُ. انْتَهى. لَمّا أعْرَبَ نُعاسًا بَدَلًا مِن أمَنَةٍ، كانَ القِياسُ أنْ يُحَدَّثَ عَنِ البَدَلِ لا عَنِ المُبْدَلِ مِنهُ، فَحَدَّثَ هُنا عَنِ المُبْدَلِ مِنهُ. فَإذا قُلْتَ: إنَّ هِنْدًا حُسْنُها فاتِنٌ، كانَ الخَبَرُ عَنْ حُسْنِها، هَذا هو المَشْهُورُ في كَلامِ العَرَبِ. وأجازَ بَعْضُ أصْحابِنا أنْ يُخْبَرَ عَنِ المُبْدَلِ مِنهُ كَما أجازَ ذَلِكَ ابْنُ عَطِيَّةَ في الآيَةِ، واسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ؎إنَّ السُّيُوفَ غُدُوُّها ورَواحُها تَرَكَتْ هَوازِنَ مِثْلَ قَرْنِ الأعْضَبِ وبِقَوْلِ الآخَرِ: ؎وكَأنَّهُ لَهَقُ السَّراةِ كَأنَّهُ ∗∗∗ ما حاجِبَيْهِ مُعَيَّنٌ بِسَوادِ فَقالَ: تَرَكْتُ، ولَمْ يَقُلْ تَرَكا. وقالَ مُعَيَّنٌ: ولَمْ يَقُلْ مُعَيَّنانِ، فَأعادَ الضَّمِيرَ عَلى المُبْدَلِ مِنهُ وهو السُّيُوفُ، والضَّمِيرُ في كَأنَّهُ ولَمْ يَعُدْ عَلى البَدَلِ وهي: غُدُوُّها ورَواحُها وحاجِبَيْهِ. و”ما“ زائِدَةٌ بَيْنَ المُبْدَلِ مِنهُ والبَدَلِ. ولا حُجَّةَ فِيما اسْتُدِلَّ بِهِ لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ انْتِصابُ غُدُوِّها ورَواحِها عَلى الظَّرْفِ لا عَلى البَدَلِ، ولِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ مُعَيَّنٌ خَبَرًا عَنْ حاجِبَيْهِ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُخْبِرَ عَنْ الِاثْنَيْنِ اللَّذَيْنِ لا يَسْتَغْنِي أحَدُهُما عَنِ الآخَرِ، كاليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ والعَيْنَيْنِ والحاجِبَيْنِ إخْبارَ الواحِدِ. كَما قالَ:(p-٨٧) ؎لِمَن زُحْلُوقَةٌ زُلُّ ∗∗∗ بِها العَيْنانِ تَنْهَلُّ وقالَ: ؎وكَأنَّ في العَيْنَيْنِ حَبَّ قَرَنْفُلٍ ∗∗∗ أوْ سُنْبُلًا كُحِلَتْ بِهِ فانْهَلْتِ فَقالَ: تَنْهَلُ، وكُحِلَتْ بِهِ، ولَمْ يَقُلْ تَنْهَلانِ ولا كُحّلَتا بِهِ، وهَذا كَما أجازُوا أنْ يُخْبَرَ عَنِ الواحِدِ مِن هَذَيْنِ إخْبارَ المُثَنّى، قالَ: إذا ذَكَرَتْ عَيْنَيَّ الزَّمانَ الَّذِي مَضى بِصَحْراءَ فَلْجٍ ظَلَّتا تَكِفانِ فَقالَ: ظَلَّتا ولَمْ يَقُلْ: ظَلَّتْ تَكِف. وقَرَأ الباقُونَ: ”يَغْشى“ بِالياءِ، حَمَلَهُ عَلى لَفْظِ النُّعاسِ. * * ﴿وطائِفَةٌ قَدْ أهَمَّتْهم أنْفُسُهم يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ ظَنَّ الجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ قالَ مَكِّيٌّ: أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ هَذِهِ الطّائِفَةَ هُمُ المُنافِقُونَ، وقالُوا: غَشِيَ النُّعاسُ أهْلَ الإيمانِ والإخْلاصِ، فَكانَ سَبَبًا لِأمْنِهِمْ وثَباتِهِمْ. وعَرّى مِنهُ أهْلَ النِّفاقِ والشَّكِّ، فَكانَ سَبَبًا لِجَزَعِهِمْ وانْكِشافِهِمْ عَنْ مَراتِبِهِمْ في مَصافِّهِمْ. انْتَهى. ويُقالُ: أهَمَّنِي الشَّيْءُ، أيْ: كانَ مِن هَمِّي وقَصْدِي، أيْ مِمّا أهَمَّ بِهِ أوْ قَصَدَ. وأهَمَّنِي الأمْرُ أقْلَقَنِي وأدْخَلَنِي في الهَمِّ، أيِ الغَمِّ. فَعَلى هَذا اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في قَدْ أهَمَّتْهم أنْفُسُهم. فَقالَ قَتادَةُ والرَّبِيعُ وابْنُ إسْحاقَ وأكْثَرُهم: هو بِمَعْنى الغَمِّ، والمَعْنى: أنَّ نُفُوسَهُمُ المَرِيضَةَ وظُنُونَهُمُ السَّيِّئَةَ قَدْ جَلَبَتْ إلَيْهِمْ خَوْفَ القَتْلِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ، أوْ قَدْ أوْقَعَتْهم أنْفُسُهم وما حَلَّ بِهِمْ في الغُمُومِ والأشْجانِ، فَهم في التَّشاكِي. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هو مِن هَمَّ بِالشَّيْءِ، أرادَ فِعْلَهُ. والمَعْنى: أهَمَّتْهم أنْفُسُهُمُ المُكاشِفَةَ ونَبْذَ الدِّينِ. وهَذا القَوْلُ مَن قالَ: قَدْ قُتِلَ مُحَمَّدٌ، فَلْنَرْجِعْ إلى دِينِنا الأوَّلِ، ونَحْوَ هَذا مِنَ الأقْوالِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في قَوْلِهِ: ”﴿قَدْ أهَمَّتْهم أنْفُسُهُمْ﴾“، ما بِهِمْ إلّا هَمُّ أنْفُسِهِمْ، لا هَمُّ الدِّينِ، ولا هَمُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُسْلِمِينَ. انْتَهى. فَيَكُونُ مِن قَوْلِهِمْ: أهَمَّنِي الشَّيْءُ أيْ: كانَ مِن هَمِّي وإرادَتِي. والمَعْنى: أهَمَّهم خَلاصُ أنْفُسِهِمْ خاصَّةً، أيْ: كانَ مِن هَمِّهِمْ وإرادَتِهِمْ خَلاصُ أنْفُسِهِمْ فَقَطْ، ومِن غَيْرِ الحَقِّ يَظُنُّونَ أنَّ الإسْلامَ لَيْسَ بِحَقٍّ، وأنَّ أمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَذْهَبُ ويَزُولُ. ومَعْنى ”﴿ظَنَّ الجاهِلِيَّةِ﴾“ عِنْدَ الجُمْهُورِ: المُدَّةُ الجاهِلِيَّةُ القَدِيمَةُ قَبْلَ الإسْلامِ، كَما قالَ: ﴿حَمِيَّةَ الجاهِلِيَّةِ﴾ [الفتح: ٢٦] ﴿ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ﴾ [الأحزاب: ٣٣] وكَما تَقُولُ: شِعْرُ الجاهِلِيَّةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَمِعْتُ أبِي في الجاهِلِيَّةِ يَقُولُ: اسْقِنا كَأْسًا دِهاقًا. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: المَعْنى ظَنُّ الفِرْقَةِ الجاهِلِيَّةِ، والإشارَةُ إلى أبِي سُفْيانَ ومَن مَعَهُ، ونَحا إلى هَذا القَوْلِ قَتادَةُ والطَّبَرِيُّ. قالَ مُقاتِلٌ: ظَنُّوا أنَّ أمْرَهُ مُضْمَحِلٌّ. وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّ مُدَّتَهُ قَدِ انْقَضَتْ. وقالَ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ظَنُّوا أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ قَدْ قُتِلَ. وقِيلَ: ظَنُّ الجاهِلِيَّةِ إبْطالُ النُّبُوّاتِ والشَّرائِعِ. وقِيلَ: يَأْسُهم مِن نَصْرِ اللَّهِ وشَكُّهم في سابِقِ وعْدِهِ بِالنُّصْرَةِ. وقِيلَ: يَظُنُّونَ أنَّ الحَقَّ ما عَلَيْهِ الكُفّارُ؛ فَلِذَلِكَ نُصِرُوا. وقِيلَ: كَذَّبُوا بِالقَدَرِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وظَنُّ الجاهِلِيَّةِ كَقَوْلِكَ: حاتِمُ الجُودِ ورَجُلُ صِدْقٍ، تُرِيدُ الظَّنَّ المُخْتَصَّ بِالمِلَّةِ الجاهِلِيَّةِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ ظَنُّ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، أيْ لا يَظُنُّ مِثْلَ ذَلِكَ الظَّنِّ إلّا أهْلُ الشِّرْكِ الجاهِلُونَ بِاللَّهِ. انْتَهى. وظاهِرُ قَوْلِهِ: هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ مِن شَيْءٍ الِاسْتِفْهامُ ؟ فَقِيلَ: سَألُوا الرَّسُولَ ﷺ هَلْ لَهم مَعاشِرِ المُسْلِمِينَ مِنَ النَّصْرِ والظُّهُورِ عَلى العَدُوِّ شَيْءٌ، أيْ نَصِيبٌ ؟ وأجِيبُوا بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ وهو النَّصْرُ والغَلَبَةُ. ”﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١]“ ”﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣]“ . وقِيلَ: المَعْنى لَيْسَ النَّصْرُ لَنا، بَلْ هو لِلْمُشْرِكِينَ. وقالَ قَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ: قِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولَ: قُتِلَ بَنُو الخَزْرَجِ، فَقالَ: وهَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ مِن شَيْءٍ ؟ يُرِيدُ أنَّ الرَّأْيَ لَيْسَ لَنا، ولَوْ كانَ لَنا مِنهُ شَيْءٌ لَسُمِعَ مِن رَأْيِنا ولَمْ نَخْرُجْ ولَمْ يُقْتَلْ أحَدٌ مِنّا. وهَذا مِنهم قَوْلٌ بِأجَلَيْنِ. وذَكَرَ الَمَهَدَوِيُّ وابْنُ فُورَكٍ: أنَّ المَعْنى لَسْنا عَلى حَقٍّ في اتِّباعِ مُحَمَّدٍ. ويُضَعِّفُ هَذا التَّأْوِيلَ (p-٨٨)الرَّدُّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: قُلْ، فافْهَمْ أنَّ كَلامَهم إنَّما هو في مَعْنى سُوءِ الرَّأْيِ في الخُرُوجِ، وأنَّهُ لَوْ لَمْ يَخْرُجْ لَمْ يُقْتَلْ أحَدٌ. وعَلى هَذا المَعْنى وما قَبْلَهُ مِن قَوْلِ قَتادَةَ وابْنِ جُرَيْجٍ يَكُونُ الِاسْتِفْهامُ مَعْناهُ النَّفْيُ. ولَمّا أُكِّدَ في كَلامِهِمْ بِزِيادَةِ ”مَن“ في قَوْلِهِ: مِن شَيْءٍ، جاءَ الكَلامُ مُؤَكَّدًا بِأنْ، وبُولِغَ في تَوْكِيدِ العُمُومِ بِقَوْلِهِ: كُلُّهُ لِلَّهِ، فَكانَ الجَوابُ أبْلَغَ. والخِطابُ بِقَوْلِهِ: قُلْ، مُتَوَجِّهٌ إلى الرَّسُولِ بِلا خِلافٍ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ اسْتِفْهامٌ باقٍ عَلى حَقِيقَتِهِ؛ لِأنَّهم أُجِيبُوا بِقَوْلِهِ: قُلْ إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ. ولَوْ كانَ مَعْناهُ النَّفْيُ لَمْ يُجابُوا بِذَلِكَ؛ لِأنَّ مَن نَفى عَنْ نَفْسِهِ أنْ يَكُونَ لَهُ شَيْءٌ مِنَ الأمْرِ لا يُجاوَبُ بِذَلِكَ، إلّا إنْ قُدِّرَ مَعَ جُمْلَةِ النَّفْيِ جُمْلَةً ثُبُوتِيَّةً لِغَيْرِهِمْ، فَكانَ المَعْنى: لَيْسَ لَنا مِنَ الأمْرِ مِن شَيْءٍ بَلْ لِغَيْرِنا مِمَّنْ حَمَلَنا عَلى الخُرُوجِ وأكْرَهَنا عَلَيْهِ، فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ جَوابًا لِهَذا المُقَدَّرِ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ الجَوابِيَّةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمَلِ الَّتِي أخْبَرَ اللَّهُ بِها عَنْهم. والواوُ في قَوْلِهِ: وطائِفَةٌ، واوُ الحالِ. وطائِفَةٌ مُبْتَدَأٌ، والجُمْلَةُ المُتَّصِلَةُ بِهِ خَبَرُهُ. وجازَ الِابْتِداءُ بِالنَّكِرَةِ هُنا؛ إذْ فِيهِ مُسَوِّغانِ: أحَدُهُما: واوُ الحالِ وقَدْ ذَكَرَها بَعْضُهم في المُسَوِّغاتِ، ولَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ أكْثَرُ أصْحابِنا، وقالَ الشّاعِرُ: ؎سَرَيْنا ونَجْمٌ قَدْ أضاءَ فَمُذْ بَدا مُحَيّاكَ أخْفى ضَوْؤُهُ كُلَّ شارِقِ والمُسَوِّغُ الثّانِي: أنَّ المَوْضِعَ مَوْضِعُ تَفْصِيلٍ؛ إذِ المَعْنى: يَغْشى طائِفَةً مِنكم، وطائِفَةٌ لَمْ يَنامُوا، فَصارَ نَظِيرَ قَوْلِهِ: ؎إذا ما بَكى مِن خَلْفِها انْصَرَفَتْ لَهُ ∗∗∗ بِشِقٍّ وشِقٌّ عِنْدَنا لَمْ يُحَوَّلِ ونَصْبُ ”طائِفَةً“ عَلى أنْ تَكُونَ المَسْألَةُ مِن بابِ الِاشْتِغالِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ مِنَ الإعْرابِ جائِزٌ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”﴿قَدْ أهَمَّتْهُمْ﴾“ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، و”يَظُنُّونَ“ الخَبَرُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ مَحْذُوفًا، والجُمْلَتانِ صِفَتانِ، التَّقْدِيرُ: ومِنكم طائِفَةٌ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ يَظُنُّونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ”أهَمَّتْهم“، وانْتِصابُ ”غَيْرَ الحَقِّ“ . قالَ أبُو البَقاءِ: عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ أوَّلٌ لِتَظُنُّونَ، أيْ أمْرًا غَيْرَ الحَقِّ، وبِاللَّهِ الثّانِي. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ”غَيْرَ الحَقِّ“ في حُكْمِ المَصْدَرِ، ومَعْناهُ: يَظُنُّونَ بِاللَّهِ ظَنَّ الجاهِلِيَّةِ، و”غَيْرَ الحَقِّ“ تَأْكِيدٌ لِيَظُنُّونَ كَقَوْلِكَ: هَذا القَوْلُ غَيْرُ ما تَقُولُ، وهَذا القَوْلُ لا قَوْلُكَ. انْتَهى. فَعَلى هَذا لَمْ يَذْكُرْ لِيَظُنُّونَ مَفْعُولَيْنِ، وتَكُونُ الباءُ ظَرْفِيَّةً كَما تَقُولُ: ظَنَنْتُ بِزَيْدٍ. وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ تَتَعَدَّ ظَنَنْتُ إلى مَفْعُولَيْنِ، وإنَّما المَعْنى: جَعَلْتُ مَكانَ ظَنِّي زَيْدًا. وقَدْ نَصَّ النَّحْوِيُّونَ عَلى هَذا. وعَلَيْهِ: ؎فَقُلْتُ لَهم ظُنُّوا بِألْفَيْ مُدَجَّجٍ ∗∗∗ سُراتُهم في السّائِرِيِّ المَسَرَّدِ أيِ اجْعَلُوا مَكانَ ظَنِّكم ألْفَيْ مُدَجَّجٍ. وانْتِصابُ ظَنَّ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ تَشْبِيهِيٌّ، أيْ: ظَنًّا مِثْلَ ظَنِّ الجاهِلِيَّةِ. ويَجُوزُ في ”يَقُولُونَ“ أنْ يَكُونَ صِفَةً، أوْ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في يَظُنُّونَ، أوْ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ عَلى مَذْهَبِ مَن يُجِيزُ تَعْدادَ الأخْبارِ في غَيْرِ ما اتَّفَقُوا عَلى جَوازِ تَعْدادِهِ. و”مِن شَيْءٍ“ في مَوْضِعِ مُبْتَدَأٍ؛ إذْ ”مِن“ زائِدَةٌ، وخَبَرُهُ في ”لَنا“، و”مِنَ الأمْرِ“ في مَوْضِعِ الحالِ؛ لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ عَنْ شَيْءٍ لَكانَ نَعْتًا لَهُ، فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ مِنَ الأمْرِ هو الخَبَرُ، ولَنا تَبْيِينٌ وبِهِ تَتِمُّ الفائِدَةُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] وهَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ ما جاءَ لِلتَّبْيِينِ العامِلُ فِيهِ مُقَدَّرٌ، وتَقْدِيرُهُ: أعْنِي لَنا هو جُمْلَةٌ أُخْرى، فَيَبْقى المُبْتَدَأُ والخَبَرُ جُمْلَةً لا تَسْتَقِلُّ بِالفائِدَةِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ. وأمّا تَمْثِيلُهُ بِقَوْلِهِ: ”﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]“ فَهُما لا سَواءٌ، لِأنَّ لَهُ مَعْمُولٌ لِكُفُوًا، ولَيْسَ تَبْيِينًا، فَيَكُونُ عامِلُهُ مُقَدَّرًا، والمَعْنى: ولَمْ يَكُنْ أحَدٌ كُفُوًا لَهُ، أيْ مُكافِيًا لَهُ، فَصارَ نَظِيرَ لَمْ يَكُنْ لَهُ ضارِبًا لِعَمْرٍو، فَقَوْلُهُ: لِعَمْرٍو لَيْسَ تَبْيِينًا، بَلْ مَعْمُولًا لِضارِبٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ”كُلَّهُ“ بِالنَّصْبِ تَأْكِيدًا لِلْأمْرِ. وقَرَأ أبُو عُمَروٍ: ”كُلُّهُ“ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، ويَجُوزُ أنْ يُعْرَبَ تَوْكِيدًا لِلْأمْرِ عَلى المَوْضِعِ عَلى مَذْهَبِ مَن يُجِيزُ ذَلِكَ وهو الجَرْمِيُّ، والزَّجّاجُ، والفَرّاءُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ورَجَّحَ النّاسُ قِراءَةَ الجُمْهُورِ؛ لِأنَّ التَّأْكِيدَ أمْلَكُ بِلَفْظَةِ ”كُلٍّ“ . انْتَهى. ولا تَرْجِيحَ؛ إذْ كُلٌّ مِنَ القِراءَتَيْنِ مُتَواتِرٌ، والِابْتِداءُ بِكُلٍّ كَثِيرٌ في لِسانِ (p-٨٩)العَرَبِ. * * ﴿يُخْفُونَ في أنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ﴾: قِيلَ: مَعْناهُ يَتَسَتَّرُونَ بِهَذِهِ الأقْوالِ الَّتِي لَيْسَتْ بِمَحْضِ كُفْرٍ، بَلْ هي جَهالَةٌ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا عَمّا يُخْفُونَهُ مِنَ الكُفْرِ الَّذِي لا يَقْدِرُونَ أنْ يُظْهِرُوا مِنهُ أكْثَرَ مِن هَذِهِ النَّزَغاتِ. وقِيلَ: الَّذِي أخْفَوْهُ قَوْلَهم: لَوْ كُنّا في بُيُوتِنا ما قُتِلْنا هاهُنا. وقِيلَ: النَّدَمُ عَلى حُضُورِهِمْ مَعَ المُسْلِمِينَ بِأُحُدٍ. ﴿يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا﴾ قالَ الزُّبَيْرُ بْنُ العَوّامِ فِيما أسْنَدَ عَنْهُ الطَّبَرِيُّ: واللَّهِ لِكَأنِّي أسْمَعُ قَوْلَ مُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ أخِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، والنُّعاسُ يَغْشانِي ما أسْمَعُهُ إلّا كالحُلُمِ حِينَ قالَ: لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا. ومُعَتِّبٌ هَذا شَهِدَ بَدْرًا، ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ، وكانَ مَغْمُوصًا عَلَيْهِ بِالنِّفاقِ. والمَعْنى: ما قُتِلَ أشْرافُنا وخِيارُنا، وهَذا إطْلاقُ اسْمِ الكُلِّ عَلى البَعْضِ مَجازًا. وقَوْلُهُ: ”يَقُولُونَ“ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هو الَّذِي أخْفَوْهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ تَفْسِيرًا بَعْدَ إبْهامِ قَوْلِهِ: ”﴿ما لا يُبْدُونَ لَكَ﴾“ . ومَعْناهُ: يَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ أوْ بَعْضُهم لِبَعْضٍ. وقَوْلُهُ: ”﴿مِنَ الأمْرِ﴾ [آل عمران: ١٢٨]“ فُسِّرَ الأمْرُ هُنا بِما فُسِّرَ في قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولَ: هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ مِن شَيْءٍ. فَقِيلَ: المَعْنى لَوْ كانَ الأمْرُ كَما قالَ مُحَمَّدٌ: إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ولِأوْلِيائِهِ وإنَّهُمُ الغالِبُونَ - لَما غُلِبْنا قَطُّ، ولَما قُتِلَ مِنَ المُسْلِمِينَ مَن قُتِلَ في هَذِهِ المَعْرَكَةِ، وقِيلَ: مِنَ الرَّأْيِ والتَّدْبِيرِ، وقِيلَ: مِن دِينِ مُحَمَّدٍ، أيْ لَسْنا عَلى حَقٍّ في اتِّباعِهِ. وجَوابُ ”لَوْ“ هو الجُمْلَةُ المَنفِيَّةُ بِما. وإذا نَفَيْتَ بِما فالفَصِيحُ أنْ لا تُدْخِلَ عَلَيْهِ اللّامَ. قِيلَ: وفي قِصَّةِ أُحُدٍ اضْطِرابٌ. فَفي أوَّلِها أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ومَن مَعَهُ مِنَ المُنافِقِينَ رَجَعُوا ولَمْ يَشْهَدُوا أُحُدًا، فَعَلى هَذا يَكُونُ قالُوا هَذا بِالمَدِينَةِ، ولَمْ يُقْتَلْ أحَدٌ مِنهم ولا مِن أصْحابِهِمْ بِالمَدِينَةِ، وإنَّما قُتِلُوا بِأُحُدٍ، فَكَيْفَ جاءَ قَوْلُهُ: ”هاهُنا“، وحَدِيثُ الزُّبَيْرِ في سَماعِهِ مُعَتِّبًا يَقُولُ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مُعَتِّبًا حَضَرَ أُحُدًا ! فَإنْ صَحَّ حَدِيثُ الزُّبَيْرِ فَيَكُونُ قَدْ تَخَلَّفَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بَعْضُ المُنافِقِينَ وحَضَرَ أُحُدًا، فَيَتَّجِهُ قَوْلُهُ: ”هاهُنا“، وإنْ لَمْ يَصِحَّ فَيُوَجَّهُ قَوْلُهُ: ”هاهُنا“ إلى أنَّهُ إشارَةٌ إلىأُحُدٍ إشارَةَ القَرِيبِ الحاضِرِ؛ لِقُرْبِ أُحُدٍ مِنَ المَدِينَةِ. ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ في بُيُوتِكم لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ إلى مَضاجِعِهِمْ﴾: هَذا النَّوْعُ عِنْدَ عُلَماءِ البَيانِ يُسَمّى الِاحْتِجاجُ النَّظَرِيُّ، وهو أنْ يَذْكُرَ المُتَكَلِّمُ مَعْنًى يَسْتَدِلُّ عَلَيْهِ بِضُرُوبٍ مِنَ المَعْقُولِ نَحْوَ: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩] ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ﴾ [يس: ٨١] وبَعْضُهم يُسَمِّيهِ: المَذْهَبُ الكَلامِيُّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎جَرى القَضاءُ بِما فِيهِ فَإنْ تُلِمِ فَلا مَلامَ عَلى ما خُطَّ بِالقَلَمِ وكَتَبَ: بِمَعْنى فَرَضَ، أوْ قَضى وحَتَّمَ، أوْ خَطَّ في اللَّوْحِ، أوْ كَتَبَ ذَلِكَ المَلَكُ عَلَيْهِمْ وهم أجِنَّةٌ، أقْوالٌ. ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ لَوْ تَخَلَّفْتُمْ في البُيُوتِ لَخَرَجَ مَن حُتِّمَ عَلَيْهِ القَتْلُ إلى مَكانِ مَصْرَعِهِ فَقُتِلَ فِيهِ، وهَذا رَدٌّ عَلى قَوْلِ مُعَتِّبٍ، ودَلِيلٌ عَلى أنَّ كُلَّ امْرِئٍ لَهُ أجْلٌ واحِدٌ لا يَتَعَدّاهُ. فَإنْ قِيلَ: فَهو الأجَلُ الَّذِي سَبَقَ لَهُ في الأزَلِ وإلّا ماتَ لِذَلِكَ الأجَلِ، ولا فَرْقَ بَيْنَ مَوْتِهِ وخُرُوجِ رُوحِهِ بِالقَتْلِ، أوْ بِأيِّ أسْبابِ المَرَضِ، أوْ فَجَأهُ مِن غَيْرِ مَرْضٍ، هو أجَلٌ واحِدٌ لِكُلِّ امْرِئٍ وإنْ تَعَدَّدَتِ الأسْبابُ. وقَدْ تَكَلَّمَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا بِألْفاظٍ مُسْهَبَةٍ عَلى عادَتِهِ. فَقالَ: لَوْ كُنْتُمْ في بُيُوتِكم يَعْنِي - مَن عَلِمَ اللَّهُ أنَّهُ يُقْتَلُ ويُصْرَعُ في هَذِهِ المُصارِعِ - وكَتَبَ ذَلِكَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن وُجُودِهِ. فَلَوْ قَعَدْتُمْ في بُيُوتِكم لَبَرَزَ مِن بَيْنِكُمُ الَّذِينَ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهم يُقْتَلُونَ إلى مَضاجِعِهِمْ وهي مَصارِعُهم؛ لِيَكُونَ ما عَلِمَ أنَّهُ يَكُونُ. والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ كَتَبَ في اللَّوْحِ قَتْلَ مَن يُقْتَلُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وكَتَبَ مَعَ ذَلِكَ أنَّهُمُ الغالِبُونَ؛ لِعِلْمِهِ أنَّ العاقِبَةَ في الغَلَبَةِ لَهم، وأنَّ دِينَ الإسْلامِ يَظْهَرُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ. وإنَّما يَنْكُبُونَ بِهِ في بَعْضِ الأوْقاتِ؛ تَمْحِيصًا لَهم، وتَرْغِيبًا في الشَّهادَةِ، وحِرْصُهم عَلى الشَّهادَةِ مِمّا يُحَرِّضُهم عَلى الجِهادِ فَتَحْصُلُ الغَلَبَةُ. انْتَهى كَلامُهُ. وهو نَوْعٌ مِنَ الخَطابَةِ، والمَعْنى في الآيَةِ واضِحٌ جِدًّا لا (p-٩٠)يَحْتاجُ إلى هَذا التَّطْوِيلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”لَبَرَزَ“ ثُلاثِيًّا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. أيْ لَصارُوا في البَرازِ مِنَ الأرْضِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: ”لَبُرِّزَ“ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدَ الرّاءِ، عَدّى بَرَّزَ بِالتَّضْعِيفِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”كُتِبَ“ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ورُفِعَ القَتْلُ. وقُرِئَ: ”كَتَبَ“ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، ونُصِبَ القَتْلُ. وقَرَأ الحَسَنُ والزُّهْرِيُّ: ”القِتالُ“ مَرْفُوعًا. وتَحْتَمِلُ هَذِهِ القِراءَةُ الِاسْتِغْناءَ عَنِ المُنافِقِينَ، أيْ لَوْ تَخَلَّفْتُمْ أنْتُمْ لَبَرَزَ المُطِيعُونَ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ فُرِضَ عَلَيْهِمُ القِتالُ، وخَرَجُوا طائِعِينَ إلى مَواضِعِ اسْتِشْهادِهِمْ، فاسْتَغْنى بِهِمْ عَنْكم. ﴿ولِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما في صُدُورِكم ولِيُمَحِّصَ ما في قُلُوبِكُمْ﴾ تَقَدَّمَ مَعْنى الِابْتِلاءِ والتَّمْحِيصِ. فَقِيلَ: المَعْنى إنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْكُمُ القِتالَ ولَمْ يَنْصُرْكم يَوْمَ أُحُدٍ لِيَخْتَبِرَ صَبْرَكم، ولِيُمَحِّصَ عَنْكم سَيِّئاتِكم إنْ تُبْتُمْ وأخْلَصْتُمْ. وقِيلَ: لِيُعامِلَكم مُعامَلَةَ المُخْتَبَرِ. وقِيلَ: لِيَقَعَ مِنكم مُشاهَدَةُ عِلْمِهِ غَيْبًا كَقَوْلِهِ: ﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٩] . وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ولِيَبْتَلِيَ أوْلِياءُ اللَّهِ ما في صُدُورِكم، فَأضافَهُ إلَيْهِ تَعالى تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ. والواوُ قِيلَ: زائِدَةٌ. وقِيلَ: لِلْعَطْفِ عَلى عِلَّةٍ مَحْذُوفَةٍ، أيْ: لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرَهُ ولِيَبْتَلِيَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: عَطْفٌ عَلى ”﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٢]“، لَمّا طالَ الكَلامُ أعادَهُ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ لِيُمَحِّصَ. وقِيلَ: تَتَعَلَّقُ اللّامُ بِفِعْلٍ مُتَأخِّرٍ، التَّقْدِيرُ: ولِيَبْتَلِيَ ولِيُمَحِّصَ فِعْلَ هَذِهِ الأُمُورِ الواقِعَةِ. وكانَ مُتَعَلِّقُ الِابْتِلاءِ ما انْطَوَتْ عَلَيْهِ الصُّدُورُ وهي القُلُوبُ كَما قالَ: ﴿ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] ومُتَعَلِّقُ التَّمْحِيصِ وهو التَّصْفِيَةُ والتَّطْهِيرُ ما انْطَوَتْ عَلَيْهِ القُلُوبُ مِنَ النِّيّاتِ والعَقائِدِ. ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾: تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، وجاءَ بِها عَقِيبَ قَوْلِهِ: ولِيُمَحِّصَ ما في قُلُوبِكم عَلى مَعْنى أنَّهُ عَلِيمٌ بِما انْطَوَتْ عَلَيْهِ الصُّدُورُ، وما أضْمَرَتْهُ مِنَ العَقائِدِ، فَهو يُمَحِّصُ مِنها ما أرادَ تَمْحِيصَهُ.

آل عمران 3:155

﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ إنَّما اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا﴾ خَطَبَ عُمَرُ يَوْمَ الجُمْعَةِ فَقَرَأ آلَ عِمْرانَ، وكانَ يُعْجِبُهُ إذا خَطَبَ أنْ يَقْرَأها، فَلَمّا انْتَهى إلى هَذِهِ الآيَةِ قالَ: لَمّا كانَ يَوْمُأُحُدٍ فَهُزِمْنا، مَرَرْتُ حَتّى صَعِدْتُ الجَبَلَ، فَلَقَدْ رَأيْتُنِي أنْزُو كَأنَّنِي أرَوى، والنّاسُ يَقُولُونَ: قُتِلَ مُحَمَّدٌ، فَقُلْتُ: لا أجِدُ أحَدًا يَقُولُ: قُتِلَ مُحَمَّدٌ إلّا قَتَلْتُهُ، حَتّى اجْتَمَعْنا عَلى الجَبَلِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ كُلُّها. وقالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ فِيمَن فَرَّ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِرارًا كَثِيرًا مِنهم: رافِعُ بْنُ المُعَلّى، وأبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ، ورَجُلٌ آخَرُ. والَّذِينَ تَوَلَّوْا: كُلُّ مَن ولّى الدُّبُرَ عَنِ المُشْرِكِينَ يَوْمَ أُحُدٍ. قالَهُ عُمَرُ، وقَتادَةُ، والرَّبِيعُ. أوْ كُلُّ مَن قَرُبَ مِنَ المَدِينَةِ وقْتَ الهَزِيمَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. أوْ رِجالٌ بِأعْيانِهِمْ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ مِنهم: عَتَبَةُ بْنُ عُثْمانَ الزُّرَقِيُّ، وأخُوهُ سَعْدٌ وغَيْرُهُما، بَلَغُوا الجَلْعِبَ جَبَلًا بِناحِيَةِ المَدِينَةِ مِمّا يَلِي الأعْوَصَ، فَأقامُوا بِهِ ثَلاثًا، ثُمَّ رَجَعُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ لَهم: لَقَدْ ذَهَبْتُمْ فِيها عَرِيضَةً. ولَمْ يَبْقَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ إلّا ثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا: أبُو بَكْرٍ، وعَلِيٌّ، وطَلْحَةُ، وسَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وباقِيهِمْ مِنَ الأنْصارِ مِنهم: أبُو طَلْحَةَ، وظاهِرُ ”تَوَلَّوْا“ يَدُلُّ عَلى مُطْلَقِ التَّوَلِّي يَوْمَ اللِّقاءِ، سَواءٌ فَرَّ إلى المَدِينَةِ، أمْ صَعِدَ الجَبَلَ. والجَمْعُ: اسْمُ جَمْعٍ. ونَصَّ النَّحْوِيُّونَ عَلى أنَّ اسْمَ الجَمْعِ لا يُثَنّى، لَكِنَّهُ هُنا أُطْلِقَ يُرادُ بِهِ مَعْقُولِيَّةَ اسْمِ الجَمْعِ، بَلْ بَعْضَ الخُصُوصِيّاتِ، أيْ جَمْعَ المُؤْمِنِينَ، وجَمْعَ المُشْرِكِينَ؛ فَلِذَلِكَ صَحَّتْ تَثْنِيَتُهُ. ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ؎وكُلُّ رَفِيقَيْ كُلِّ رَحْلٍ وإنْ هُما تَعاطى القَنا قَوْماهُما أخَوانِ فَثَنّى قَوْمًا؛ لِأنَّهُ أرادَ مَعْنى القَبِيلَةِ. واسْتَزَلَّ هُنا اسْتَفْعَلَ لِلطَّلَبِ، أيْ طَلَبَ مِنهُمُ الزَّلَلَ ودَعاهم إلَيْهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ هو مُقْتَضى وسْوَسَتِهِ وتَخْوِيفِهِ. هَكَذا قالُوهُ، ولا يَلْزَمُ مِن طَلَبِ الشَّيْءِ واسْتِدْعائِهِ حُصُولُهُ، فالأوْلى أنْ يَكُونَ اسْتَفْعَلْ هُنا بِمَعْنى أفْعَلَ، فَيَكُونُ المَعْنى: أزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ، فَيَدُلُّ عَلى حُصُولِ الزَّلَلِ، ويَكُونُ اسْتَزَلَّ وأزَلَ بِمَعْنًى واحِدٍ، كاسْتَبانَ وأبانَ، واسْتَبَلَّ وأبَلَّ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها﴾ [البقرة: ٣٦] عَلى أحَدِ (p-٩١)تَأْوِيلاتِهِ. واسْتِزْلالُ الشَّيْطانِ إيّاهم سابِقٌ عَلى وقْتِ التَّوَلِّي، أيْ كانُوا أطاعُوا الشَّيْطانَ واجْتَرَحُوا ذُنُوبًا قَبْلُ مَنَعَتْهُمُ النَّصْرَ، فَفَرُّوا. وقِيلَ: الِاسْتِزْلالُ هو تَوَلِّيهِمْ ذَلِكَ اليَوْمَ. أيْ: إنَّما اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ في التَّوَلِّي بِبَعْضِ ما سَبَقَتْ لَهم مِنَ الذُّنُوبِ؛ لِأنَّ الذَّنْبَ يَجُرُّ إلى الذَّنْبِ، فَيَكُونُ نَظِيرُ ذَلِكَ بِما عَصَوْا. وفي هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ يَكُونُ بَعْضُ ما كَسَبُوا هو تَرْكُهُمُ المَرْكَزَ الَّذِي أمَرَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالثَّباتِ فِيهِ، فَجَرَّهم ذَلِكَ إلى الهَزِيمَةِ. ولا يَظْهَرُ هَذا؛ لِأنَّ الَّذِينَ تَرَكُوا المَرْكَزَ مِنَ الرُّماةِ كانُوا دُونَ الأرْبَعِينَ، فَيَكُونُ مِن بابِ إطْلاقِ اسْمِ الكُلِّ عَلى البَعْضِ. وقالَ الَمَهَدَوِيُّ: بِبَعْضِ ما كَسَبُوا هو حُبُّهُمُ الغَنِيمَةَ، والحِرْصُ عَلى الحَياةِ. وذَهَبُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ إلى أنَّ المَعْنى أنَّ الشَّيْطانَ ذَكَّرَهم بِذُنُوبٍ لَهم مُتَقَدِّمَةٍ، فَكَرِهُوا المَوْتَ قَبْلَ التَّوْبَةِ مِنها والإقْلاعِ عَنْها، فَأخَّرُوا الجِهادَ حَتّى يُصْلِحُوا أمْرَهم ويُجاهِدُوا عَلى حالَةٍ مَرْضِيَّةٍ. ولا يَظْهَرُ هَذا القَوْلُ؛ لِأنَّهم كانُوا قادِرِينَ عَلى التَّوْبَةِ قَبْلَ القِتالِ وفي حالِ القَتّالِ، ”والتّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَن لا ذَنْبَ لَهُ“ وظاهِرُ التَّوَلِّي: هو تَوَلِّي الإدْبارِ والفِرارِ عَنِ القِتالِ، فَلا يَدْخُلُ فِيهِ مَن صَعِدَ إلى الجَبَلِ؛ لِأنَّهُ مِن مُتَحَيِّزٍ إلى جِهَةٍ اجْتَمَعَ في التَّحَيُّزِ إلَيْها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ومَن ثَبَتَ مَعَهُ فِيها. وظاهِرُ هَذا التَّوَلِّي أنَّهُ مَعْصِيَةٌ؛ لِذِكْرِ اسْتِزْلالِ الشَّيْطانِ وعَفْوِ اللَّهِ عَنْهم. ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ هَذا التَّوَلِّيَ لَيْسَ مَعْصِيَةً؛ لِأنَّهم قَصَدُوا التَّحَصُّنَ بِالمَدِينَةِ، وقَطْعَ طَمَعِ العَدُوِّ مِنهم لَمّا سَمِعُوا أنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، أوْ لِكَوْنِهِمْ لَمْ يَسْمَعُوا دُعاءَ النَّبِيِّ ﷺ: «إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ» لِلْهَوْلِ الَّذِي كانُوا فِيهِ، أوْ لِكَوْنِهِمْ كانُوا سَبْعَمِائَةٍ والعَدُوُّ ثَلاثَةَ آلافٍ، وعِنْدَ هَذا يَجُوزُ الِانْهِزامُ، أوْ لِكَوْنِهِمْ ظَنُّوا أنَّ الرَّسُولَ ما انْحازَ إلى الجَبَلِ، وأنَّهُ يَجْعَلُ ظَهْرَهُ المَدِينَةَ - فَمَذْهَبُهُ خِلافَ الظّاهِرِ، وهَذِهِ الأشْياءُ يَجُوزُ الفِرارُ مَعَها. وقَدْ ذَكَرَ تَعالى اسْتِزْلالَ الشَّيْطانِ إيّاهم وعَفْوَهُ تَعالى عَنْهم، ولا يَكُونُ ذَلِكَ فِيما يَجُوزُ فِعْلُهُ. وجاءَ قَوْلُهُ: بِبَعْضِ ما كَسَبُوا، ولَمْ يَجِئْ بِما كَسَبُوا؛ لِأنَّهُ تَعالى يَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [المائدة: ١٥] فالِاسْتِزْلالُ كانَ بِسَبَبِ بَعْضِ الذُّنُوبِ الَّتِي لَمْ يَعْفُ عَنْها، فَجُعِلَتْ سَبَبًا لِلِاسْتِزْلالِ. ولَوْ كانَ مَعْفُوًّا عَنْهُ لَما كانَ سَبَبًا لِلِاسْتِزْلالِ. ﴿ولَقَدْ عَفا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾: الجُمْهُورُ عَلى أنَّ مَعْنى العَفْوِ هُنا هو حَطُّ التَّبِعاتِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وكَذَلِكَ تَأوَّلَهُ عُثْمانُ في مُحاوَرَةٍ جَرَتْ بَيْنَهُ وبَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، قالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قَدْ كُنْتَ تَوَلَّيْتَ مَعَ مَن تَوَلّى يَوْمَ الجَمْعِ - يَعْنِي يَوْمَ أُحُدٍ - فَقالَ لَهُ عُثْمانُ: قالَ اللَّهُ: ”﴿ولَقَدْ عَفا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾“، فَكُنْتُ فِيمَن عَفا اللَّهُ عَنْهُ. وكَذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ مَعَ الرَّجُلِ العِراقِيِّ حِينَ نَشَدَهُ بِحُرْمَةِ هَذا البَيْتِ: أتَعْلَمُ أنَّ عُثْمانَ فَرَّ يَوْمَ أُحُدٍ ؟ أجابَهُ بِأنَّهُ يَشْهَدُ أنَّ اللَّهَ قَدْ عَفا عَنْهُ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: مَعْنى عَفا اللَّهُ عَنْهم أنَّهُ لَمْ يُعاقِبْهم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والفِرارُ مِنَ الزَّحْفِ كَبِيرَةٌ مِنَ الكَبائِرِ بِإجْماعٍ فِيما عَلِمْتُ، وعَدَّها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في المُوبِقاتِ مَعَ الشِّرْكِ وقَتْلِ النَّفْسِ وغَيْرِهِما. انْتَهى. ولَمّا كانَ مَذْهَبُ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّ العَفْوَ والغُفْرانَ عَنِ الذَّنْبِ لا يَكُونُ إلّا لِمَن تابَ، وأنَّ الذَّنْبَ إذا لَمْ يُتَبْ مِنهُ لا يَكُونُ مَعَهُ العَفْوُ - دَسَّ مَذْهَبَهُ في هَذِهِ الجُمْلَةِ، فَقالَ: ولَقَدْ عَفا اللَّهُ عَنْهم لِتَوْبَتِهِمْ واعْتِذارِهِمْ. انْتَهى. ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ أيْ غَفُوُرُ الذُّنُوبِ حَلِيمٌ لا يُعاجِلُ بِالعُقُوبَةِ. وجاءَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ كالتَّعْلِيلِ لِعَفْوِهِ تَعالى عَنْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ تَوَلَّوْا يَوْمَ أُحُدٍ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى واسِعُ المَغْفِرَةِ، واسِعُ الحِلْمِ.

آل عمران 3:156

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينِ كَفَرُوا وقالُوا لِإخْوانِهِمْ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ أوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا﴾ لَمّا تَقَدَّمَ مِن قَوْلِ المُنافِقِينَ: لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا، وأخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم أنَّهم ”﴿قالُوا لِإخْوانِهِمْ وقَعَدُوا لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٦٨]“، وكانَ قَوْلًا باطِلًا واعْتِقادًا فاسِدًا نَهى (p-٩٢)تَعالى المُؤْمِنِينَ أنْ يَكُونُوا مِثْلَهم في هَذِهِ المَقالَةِ الفاسِدَةِ والِاعْتِقادِ السَّيِّئِ. وهو أنَّ مَن سافَرَ في تِجارَةٍ ونَحْوِها فَماتَ، أوْ قاتَلَ فَقُتِلَ، لَوْ قَعَدَ في بَيْتِهِ لَعاشَ ولَمْ يَمُتْ في ذَلِكَ الوَقْتِ الَّذِي عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلسَّفَرِ فِيهِ أوْ لِلْقِتالِ، وهَذا هو مُعْتَقَدُ المُعْتَزِلَةِ في القَوْلِ بِالأجَلَيْنِ. والكُفّارِ القائِلُونَ، قِيلَ: هو عامٌّ، أيِ اعْتِقادُ الجَمِيعِ هَذا، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ، أوْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ سُمِعَ مِنهم هَذا القَوْلُ، قالَهُ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ وغَيْرُهُما، أوْ هو ومُعَتِّبٌ وجَدُّ بْنُ قَيْسٍ وأصْحابُهم. واللّامُ في ”لِإخْوانِهِمْ“ لامُ السَّبَبِ، أيْ لِأجْلِ إخْوانِهِمْ، ولَيْسَتْ لامَ التَّبْلِيغِ نَحْوَ: قُلْتُ لَكَ. والأُخُوَّةُ هُنا أُخُوَّةُ النَّسَبِ؛ إذْ كانَ قَتْلى أُحُدٍ مِنَ الأنْصارِ، وأكْثَرُهم مِنَ الخَزْرَجِ، ولَمْ يُقْتَلْ مِنَ المُهاجِرِينَ إلّا أرْبَعَةٌ. وقِيلَ: خَمْسَةٌ. ويَكُونُ القائِلُونَ مُنافِقِي الأنْصارِ، جَمَعَهم أبٌ قَرِيبٌ أوْ بَعِيدٌ، أوْ أُخُوَّةُ المُعْتَقَدِ والتَّآلُفِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣] وقالَ: ؎صَفَحْنا عَنْ بَنِي ذُهْلٍ وقُلْنا القَوْمُ إخْوانُ والضَّرْبُ في الأرْضِ: الإبْعادُ فِيها، والذَّهابُ لِحاجَةِ الإنْسانِ. وقالَ السُّدِّيُّ: الضَّرْبُ هُنا السَّيْرُ في التِّجارَةِ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: السَّيْرُ في الطّاعاتِ. وإذا ظَرْفٌ لِما يُسْتَقْبَلُ، و”قالُوا“ ماضٍ، فَلا يُمْكِنُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ. فَمِنهم مَن جَرَّدَهُ عَنْ الِاسْتِقْبالِ وجَعَلَهُ لِمُطْلَقِ الوَقْتِ بِمَعْنى حِينَ، فَأعْمَلُ فِيهِ قالَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: دَخَلَتْ إذا وهي حَرْفُ اسْتِقْبالٍ مِن حَيْثُ الَّذِينَ اسْمٌ فِيهِ إبْهامٌ يَعُمُّ مَن قالَ في الماضِي ومَن يَقُولُ في المُسْتَقْبَلِ، ومِن حَيْثُ هَذِهِ النّازِلَةِ تُتَصَوَّرُ في مُسْتَقْبَلِ الزَّمانِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ قِيلَ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ مَعَ قالُوا ؟ (قُلْتُ): هو حِكايَةُ الحالِ الماضِيَةِ، كَقَوْلِكَ: حِينَ تَضْرِبُونَ في الأرْضِ. انْتَهى كَلامُهُ. ويُمْكِنُ إقْرارُ ”إذا“ عَلى ما اسْتَقَرَّ لَها مِنَ الِاسْتِقْبالِ، والعامِلُ فِيها مُضافٌ مُسْتَقْبَلٌ مَحْذُوفٌ، وهو لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ غايَةُ ما فِيهِ أنّا نُقَدِّرُهُ مُسْتَقْبَلًا حَتّى يَعْمَلَ في الظَّرْفِ المُسْتَقْبَلِ، لَكِنْ يَكُونُ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: لَوْ كانُوا عائِدًا عَلى إخْوانِهِمْ لَفْظًا، وعَلى غَيْرِهِمْ مَعْنًى، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ﴾ [فاطر: ١١] وقَوْلُ العَرَبِ: عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ. وقَوْلُ الشّاعِرِ:(p-٩٣) ؎قالَتْ ألا لَيْتَما هَذا الحَمامُ لَنا ∗∗∗ إلى حَمامَتِنا ونِصْفُهُ فَقَدِ المَعْنى: مِن مُعَمَّرٍ آخَرَ ونِصْفُ دِرْهَمٍ آخَرَ، ونِصْفُ حَمامٍ آخَرَ، فَعادَ الضَّمِيرُ عَلى دِرْهَمٍ والحَمامِ لَفْظًا لا مَعْنًى. كَذَلِكَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ”لَوْ كانُوا“، يَعُودُ عَلى إخْوانِهِمْ لَفْظًا. والمَعْنى: لَوْ كانَ إخْوانُنا الآخَرُونَ. ويَكُونُ مَعْنى الآيَةِ: وقالُوا مَخافَةَ هَلاكِ إخْوانِهِمْ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ أوْ كانُوا غُزًّى: لَوْ كانَ إخْوانُنا الآخَرُونَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ مَوْتُهم وقَتْلُهم عِنْدَنا - أيْ مُقِيمِينَ لَمْ يُسافِرُوا - ما ماتُوا وما قُتِلُوا، فَتَكُونُ هَذِهِ المَقالَةُ تَثْبِيطًا لِإخْوانِهِمُ الباقِينَ عَنِ الضَّرْبِ في الأرْضِ وعَنِ الغَزْوِ، وإيهامًا لَهم أنْ يُصِيبَهم مِثْلُ ما أصابَ إخْوانِهِمُ الآخَرِينَ الَّذِينَ سَبَقَ مَوْتُهم وقَتْلُهم بِالضَّرْبِ في الأرْضِ والغَزْوِ، ويَكُونُ العامِلُ في إذا هَلاكٌ، وهو مَصْدَرٌ يَنْحَلُّ بِأنْ والمُضارِعِ، أيْ مَخافَةَ أنْ يَهْلَكَ إخْوانُهُمُ الباقُونَ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ، أوْ كانُوا غُزًّا. وهَذا أبْلَغُ في المَعْنى؛ إذْ عَرَضُوا لِلْأحْياءِ بِالإقامَةِ؛ لِئَلّا يُصِيبَهم ما أصابَ مَن ماتَ أوْ قُتِلَ. قالُوا: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ وقالُوا في مَعْنى ويَقُولُونَ، وتَعْمَلُ في إذا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إذا بِمَعْنى إذْ، فَيَبْقى وقالُوا عَلى مُضِيِّهِ. وفي الكَلامِ إذْ ذاكَ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ فَماتُوا، أوْ كانُوا غُزًّا فَقُتِلُوا. وما أجْهَلُ مَن يَدَّعِي أنَّهُ لَوْلا الضَّرْبُ في الأرْضِ والغَزْوُ وتَرْكُ القُعُودِ في الوَطَنِ لَما ماتَ المُسافِرُ ولا الغازِي، وأيْنَ عَقْلُ هَؤُلاءِ مِن عَقْلِ أبِي ذُؤَيْبٍ عَلى جاهِلِيَّتِهِ حَيْثُ يَقُولُ: ؎يَقُولُونَ لِي لَوْ كانَ بِالرَّمْلِ لَمْ يَمُتْ ∗∗∗ نُشَيْبَةُ والطُّرّاقِ يَكْذِبُ قِيلُها ؎ولَوْ أنَّنِي اسْتَوْدَعْتُهُ الشَّمْسَ لارْتَقَتْ ∗∗∗ إلَيْهِ المَنايا عَيْنُها ورَسُولُها قالَ الرّازِيُّ: وذَكَرَ الغَزْوَ بَعْدَ الضَّرْبِ؛ لِأنَّ مِنَ الغَزْوِ ما لا يَكُونُ ضَرْبًا؛ لِأنَّ الضَّرْبَ الإبْعادُ، والجِهادُ قَدْ يَكُونُ قَرِيبَ المَسافَةِ، فَلِذَلِكَ أفْرَدَ الغَزْوَ عَنِ الضَّرْبِ. انْتَهى. يَعْنِي أنَّ بَيْنَهُما عُمُومًا وخُصُوصًا فَتَغايَرا، فَصَحَّ إفْرادُهُ، إذْ لَمْ يَنْدَرِجْ مِن جِهَةٍ تَحْتَهُ. وقِيلَ: لا يُفْهَمُ الغَزْوُ مِنَ الضَّرْبِ، وإنَّما قُدِّمَ لِكَثْرَتِهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وآخَرُونَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠] . وقَرَأ الجُمْهُورُ غُزًّى بِتَشْدِيدِ الزّايِ، وقَرَأ الحَسَنُ والزُّهْرِيُّ بِتَخْفِيفِ الزّايِ. ووَجْهٌ عَلى حَذْفِ أحَدِ المُضَعَّفَيْنِ تَخْفِيفًا، وعَلى حَذْفِ التّاءِ، والمُرادُ: غُزاةٌ. وقالَ بَعْضُ مَن وجَّهَ عَلى أنَّهُ حَذْفُ التّاءِ وهو: ابْنُ عَطِيَّةَ، قالَ: وهَذا الحَذْفُ كَثِيرٌ في كَلامِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ يَمْدَحُ الكِسائِيَّ: ؎أبى الذَّمُّ أخْلاقَ الكِسائِيِّ وانْتَحى ∗∗∗ بِهِ المَجْدُ أخْلاقَ الأُبُوِّ السَّوابِقِ يُرِيدُ الأُبُوَّةَ، جَمْعُ أبٍ، كَما أنَّ العُمُومَةَ جَمْعُ عَمٍّ، والبُنُوَّةُ جَمْعُ ابْنٍ. وقَدْ قالُوا: ابْنٌ وبُنُوٌّ. انْتَهى. وقَوْلُهُ: وهَذا الحَذْفُ كَثِيرٌ في كَلامِهِمْ، لَيْسَ كَما ذَكَرَ، بَلْ لا يُوجَدُ مِثْلُ رامٍ ورَمى، ولا حامٍ وحَمى، يُرِيدُ: رُماةٌ وحُماةٌ. وإنْ أرادَ حَذْفَ التّاءِ مِن حَيْثُ الجُمْلَةِ كَثِيرٌ في كَلامِهِمْ فالمُدَّعى إنَّما هو الحَذْفُ مِن فِعْلِهِ، ولا نَقُولُ: إنَّ الحَذْفَ - أعْنِي حَذْفَ التّاءِ - كَثِيرٌ في كَلامِهِمْ؛ لِأنَّهُ يُشْعِرُ أنَّ بِناءَ الجَمْعِ جاءَ عَلَيْها، ثُمَّ حُذِفَتْ كَثِيرًا ولَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ الجَمْعُ جاءَ عَلى فَعُولٍ نَحْوَ: عَمٌّ وعُمُومٌ، وفَحْلٌ وفُحُولٌ، ثُمَّ جِيءَ بِالتّاءِ لِتَأْكِيدِ مَعْنى الجَمْعِ، فَلا نَقُولُ في عُمُومٍ: إنَّهُ حُذِفَتْ مِنهُ التّاءُ كَثِيرًا لِأنَّ الجَمْعَ لَمْ يُبْنَ عَلَيْها، بِخِلافِ قُضاةٍ ورُماةٍ، فَإنَّ الجَمْعَ بُنِيَ عَلَيْها، وإنَّما تَكَلَّفَ النَّحْوِيُّونَ لِدُخُولِها فِيما كانَ لا يَنْبَغِي أنْ تَدْخُلَ فِيهِ، إنَّ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ تَأْكِيدِ الجَمْعِ، لَمّا رَأوْا زائِدًا لا مَعْنًى لَهُ ذَكَرُوا أنَّهُ جاءَ بِمَعْنى التَّوْكِيدِ، كالزَّوائِدِ الَّتِي لا يُفْهَمُ لَها مَعْنًى غَيْرُ التَّأْكِيدِ. وأمّا البَيْتُ فالَّذِي يَقُولُهُ النَّحْوِيُّونَ فِيهِ: إنَّهُ مِمّا شَذَّ جَمْعُهُ ولَمْ يُعَلَّ، فَيُقالُ فِيهِ: أبى، كَما قالُوا: عَصى في عَصا، وهو عِنْدَهم جَمْعٌ عَلى فُعُولٍ، ولَيْسَ أصْلُهُ أُبُوَةُ. ولا يُجْمَعُ ابْنٌ عَلى بُنُوَّةٍ، وإنَّما هُما مَصْدَرانِ، والجُمْلَةُ مِن لَوْ (p-٩٤)وجَوابُها هي مَعْمُولُ القَوْلِ، فَهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِ، وجاءَتْ عَلى نَظْمِ ما بَعْدَ إذا مِن تَقْدِيمِ نَفْيِ المَوْتِ عَلى نَفْيِ القَتْلِ، كَما قَدَّمَ الضَّرْبَ عَلى الغَزْوِ. والضَّمِيرُ في: لَوْ كانُوا، هو لِقَتْلى أُحُدٍ، قالَهُ الجُمْهُورُ. أوْ لِلسَّرِيَّةِ الَّذِينَ قُتِلُوا بِبِئْرِ مَعُونَةَ. قالَهُ بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ الدِّمْياطِيُّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وما قُتِلُوا بِتَخْفِيفِ التّاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ بِتَشْدِيدِها لِلتَّكْثِيرِ في المَحالِّ، لا بِالنِّسْبَةِ إلى مَحَلٍّ واحِدٍ؛ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ التَّكْثِيرُ فِيهِ. ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ﴾ اخْتَلَفُوا في هَذِهِ اللّامِ، فَقِيلَ: هي لامُ كَيْ. وقِيلَ: لامُ الصَّيْرُورَةِ. فَإذا كانَتْ لامُ كَيْ فَبِماذا تَتَعَلَّقُ ؟ ولِماذا يُشارُ بِذَلِكَ ؟ فَذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّها تَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَعْنى الكَلامِ وسِياقُهُ، التَّقْدِيرُ: أوْقَعَ ذَلِكَ، أيِ القَوْلَ والمُعْتَقَدَ في قُلُوبِهِمْ لِيَجْعَلَهُ حَسْرَةً عَلَيْهِمْ. وإنَّما احْتِيجَ إلى تَقْدِيرِ هَذا المَحْذُوفِ؛ لِأنَّهُ لا يَصِحُّ أنْ تَتَعَلَّقَ اللّامُ عَلى أنَّها لامُ كَيْ، يُقالَ: لِأنَّهم لَمْ يَقُولُوا تِلْكَ المَقالَةَ لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ، فَلا يَصِحُّ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِقَوْلِهِمْ، وإنَّما قالُوا ذَلِكَ تَثْبِيطًا لِلْمُؤْمِنِينَ عَنِ الجِهادِ. ولا يَصِحُّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِالنَّهْيِ وهو: لا يَكُونُوا كالَّذِينِ كَفَرُوا؛ لِأنَّ جَعْلَ اللَّهِ ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ لا يَكُونُ سَبَبًا لِنَهْيِ اللَّهِ المُؤْمِنِينَ عَنْ مُماثَلَةِ الكُفّارِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَدْ أوْرَدَ سُؤالًا عَلى ما تَتَعَلَّقُ بِهِ ”لِيَجْعَلَ“، قالَ: أوْ لا يَكُونُوا بِمَعْنى: لا يَكُونُوا مِثْلَهم في النُّطْقِ بِذَلِكَ القَوْلِ واعْتِقادِهِ، لِيَجْعَلَهُ اللَّهُ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ خاصَّةً، ويَصُونَ مِنها قُلُوبَكم. انْتَهى كَلامُهُ. وهو كَلامُ شَيْخٍ لا تَحْقِيقَ فِيهِ؛ لِأنَّ جَعْلَ الحَسْرَةِ لا يَكُونُ سَبَبًا لِلنَّهْيِ كَما قُلْنا، إنَّما يَكُونُ سَبَبًا لِحُصُولِ امْتِثالِ النَّهْيِ، وهو: انْتِفاءُ المُماثَلَةِ، فَحُصُولُ ذَلِكَ الِانْتِفاءُ والمُخالَفَةِ فِيما يَقُولُونَ ويَعْتَقِدُونَ يَحْصُلُ عَنْهُ ما يَغِيظُهم ويَغُمُّهم، إذْ لَمْ يُوافِقُوهم فِيما قالُوهُ واعْتَقَدُوهُ. فَلا تَضْرِبُوا في الأرْضِ ولا تَغْزُوا، فالتَبَسَ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ اسْتِدْعاءُ انْتِفاءِ المُماثَلَةِ لِحُصُولِ الِانْتِفاءِ، وفَهْمُ هَذا فِيهِ خَفاءٌ ودِقَّةٌ. وقالَ ابْنُ عِيسى وغَيْرُهُ: اللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالكَوْنِ، أيْ: لا تَكُونُوا كَهَؤُلاءِ لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ دُونَكم. انْتَهى. ومِنهُ أخَذَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلَهُ: لَكِنَّ ابْنَ عِيسى نَصَّ عَلى ما تَتَعَلَّقُ بِهِ اللّامُ، وذاكَ لَمْ يُنَصَّ. وقَدْ بَيَّنّا فَسادَ هَذا القَوْلِ. وإذا كانَتْ لامُ الصَّيْرُورَةِ والعاقِبَةِ تَعَلَّقَتْ بِقالُوا، والمَعْنى: أنَّهم لَمْ يَقُولُوا لِجَعْلِ الحَسْرَةِ، إنَّما قالُوا ذَلِكَ لِعِلَّةٍ، فَصارَ مَآلُ ذَلِكَ إلى الحَسْرَةِ والنَّدامَةِ، ونَظَّرُوهُ بِقَوْلِهِ: ”﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]“ ولَمْ يَلْتَقِطُوهُ لِذَلِكَ، إنَّما آلَ أمْرُهُ إلى ذَلِكَ. وأكْثَرُ أصْحابِنا لا يُثْبِتُونَ لِلّامِ هَذا المَعْنى، أعْنِي أنْ تَكُونَ اللّامُ لِلْعاقِبَةِ والمَآلِ، ويَنْسُبُونَ هَذا المَذْهَبَ لِلْأخْفَشِ. وأمّا الإشارَةُ (p-٩٥)بِذَلِكَ فَقالَ الزَّجّاجُ: هو إشارَةٌ إلى الظَّنِّ، وهو أنَّهم إذا ظَنُّوا أنَّهم لَوْ لَمْ يَحْضُرُوا لَمْ يُقْتَلُوا، كانَ حَسْرَتُهم عَلى مَن قُتِلَ مِنهم أشَدَّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ ما مَعْناهُ الإشارَةُ إلى النُّطْقِ والِاعْتِقادِ بِالقَوْلِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى هَذا المُعْتَقَدِ الَّذِي لَهم، جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً؛ لِأنَّ الَّذِي يَتَيَقَّنُ أنَّ كُلَّ مَوْتٍ وقَتْلٍ بِأجَلٍ سابِقٍ يَجِدُ بَرْدَ اليَأْسِ والتَّسْلِيمِ لِلَّهِ تَعالى عَلى قَلْبِهِ، والَّذِي يَعْتَقِدُ أنَّ حَمِيمَهُ لَوْ قَعَدَ في بَيْتِهِ لَمْ يَمُتْ يَتَحَسَّرُ ويَتَلَهَّفُ. انْتَهى. وهَذِهِ أقْوالٌ مُتَوافِقَةٌ فِيما أُشِيرُ بِذَلِكَ إلَيْهِ. وقِيلَ: الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى نَهْيِ اللَّهِ تَعالى عَنِ الكَوْنِ مِثْلَ الكافِرِينَ في هَذا المُعْتَقَدِ؛ لِأنَّهم إذا رَأوْا أنَّ اللَّهَ قَدْ وسَمَهم بِمُعْتَقَدٍ وأمَرَ بِخِلافِهِمْ كانَ ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ عِنْدِي أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى النَّهْيِ والِانْتِهاءِ مَعًا، فَتَأمَّلْهُ. انْتَهى. وهَذِهِ كُلُّها أقْوالٌ تُخالِفُ الظّاهِرَ. والَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الآيَةِ أنَّ الإشارَةَ إلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن ”قالُوا“، وأنَّ اللّامَ لِلصَّيْرُورَةِ، والمَعْنى أنَّهم قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ قاصِدِينَ التَّثْبِيطَ عَنِ الجِهادِ والإبْعادِ في الأرْضِ، سَواءٌ كانُوا مُعْتَقِدِينَ صِحَّتَها أوْ لَمْ يَكُونُوا مُعْتَقِدِيها، إذْ كَثِيرٌ مِنَ الكُفّارِ قائِلٌ بِأجَلٍ واحِدٍ، فَخابَ هَذا القَصْدُ، وجَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ القَوْلَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ، أيْ غَمًّا عَلى ما فاتَهم، إذْ لَمْ يَبْلُغُوا مَقْصِدَهم مِنَ التَّثْبِيطِ عَنِ الجِهادِ. وظاهِرُ جَعْلِ الحَسْرَةِ وحُصُولِها أنَّهُ يَكُونُ ذَلِكَ في الدُّنْيا، وهو الغَمُّ الَّذِي يَلْحَقُهم عَلى ما فاتَ مِن بُلُوغِ مَقْصِدِهِمْ. وقِيلَ: الجَعْلُ يَوْمَ القِيامَةِ لِما هم فِيهِ مِنَ الخِزْيِ والنَّدامَةِ، ولِما فِيهِ المُسْلِمُونَ مِنَ النَّعِيمِ والكَرامَةِ. وأسْنَدَ الجَعْلَ إلى اللَّهِ؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي يَضَعُ الغَمَّ والحَسْرَةَ في قُلُوبِهِمْ عُقُوبَةً لَهم عَلى هَذا القَوْلِ الفاسِدِ. ﴿واللَّهُ يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ رَدٌّ عَلَيْهِمْ في تِلْكَ المَقالَةِ الفاسِدَةِ، بَلْ ذَلِكَ بِقَضائِهِ الحَتْمِ والأمْرُ بِيَدِهِ، قَدْ يُحْيِي المُسافِرَ والغازِي، ويُمِيتُ المُقِيمَ والقاعِدَ. وقالَ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ عِنْدَ مَوْتِهِ: ما فِيَّ مَوْضِعُ شِبْرٍ إلّا وفِيهِ ضَرْبَةٌ أوْ طَعْنَةٌ، وها أنا ذا أمُوتُ كَما يَمُوتُ البَعِيرُ، فَلا نامَتْ أعْيُنُ الجُبَناءِ. وقِيلَ: هَذِهِ الجُمْلَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ كَفَرُوا وقالُوا﴾ أيْ: لا تَقُولُوا مِثْلَ قَوْلِهِمْ، فَإنَّ اللَّهَ هو المُحْيِي، مَن قَدَّرَ حَياتَهُ لَمْ يُقْتَلْ في الجِهادِ، والمُمِيتُ، مَن قَدَّرَ لَهُ المَوْتَ لَمْ يَبْقَ وإنْ لَمْ يُجاهِدْ، قالَهُ الرّازِيُّ، وقالَ أيْضًا: المُرادُ مِنهُ إبْطالُ شُبْهَتِهِمْ، أيْ لا تَأْثِيرَ لِشَيْءٍ آخَرَ في الحَياةِ والمَوْتِ؛ لِأنَّ قَضاءَهُ لا يَتَبَدَّلُ. ولا يَلْزَمُ ذَلِكَ في الأعْمالِ؛ لِأنَّ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ. انْتَهى. ورُدَّ عَلَيْهِ هَذا الفَرْقُ بَيْنَ المَوْتِ والحَياةِ وسائِرِ الأعْمالِ؛ لِأنَّ سائِرَ الأعْمالِ مَفْرُوغٌ مِنها كالمَوْتِ والحَياةِ، فَما قُدِّرَ وُقُوعُهُ مِنها فَلا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ، وما لَمْ يُقَدَّرْ فَيَسْتَحِيلُ وُقُوعُهُ، فَإذًا لا فَرْقَ. ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ قالَ الرّاغِبُ: عَلَّقَ ذَلِكَ بِالبَصَرِ لا بِالسَّمْعِ، وإنْ كانَ الصّادِرُ مِنهم قَوْلًا مَسْمُوعًا لا فَعْلًا مَرْئِيًّا، لَمّا كانَ ذَلِكَ القَوْلُ مِنَ الكافِرِ قَصْدًا مِنهم إلى عَمَلٍ يُحاوِلُونَهُ، فَخَصَّ البَصَرَ بِذَلِكَ، كَقَوْلِكَ لِمَن يَقُولُ شَيْئًا وهو يَقْصِدُ فِعْلًا يُحاوِلُهُ: أنا أرى ما تَفْعَلُهُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ والأخَوانِ ”بِما يَعْمَلُونَ“ بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ، وهو وعِيدٌ لِلْمُنافِقِينَ. وقَرَأ الباقُونَ بِالتّاءِ عَلى خِطابِ المُؤْمِنِينَ، كَما قالَ: لا تَكُونُوا، فَهو تَوْكِيدٌ لِلنَّهْيِ، ووَعِيدٌ لِمَن خالَفَ، ووَعْدٌ لِمَنِ امْتَثَلَ.

آل عمران 3:157

﴿ولَئِنْ قُتِلْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾: تَقَدَّمَ قَبْلَ هَذا تَكْذِيبُ الكُفّارِ في دَعْواهم أنَّ مَن ماتَ أوْ قُتِلَ في سَفَرٍ وغَزْوٍ لَوْ كانَ أقامَ ما ماتَ وما قُتِلَ، ونَهى المُؤْمِنِينَ عَنْ أنْ يَقُولُوا مِثْلَ هَذِهِ المَقالَةِ؛ لِأنَّها سَبَبٌ لِلتَّخاذُلِ عَنِ الغَزْوِ، وأخْبَرَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ أنَّهُ إنْ تَمَّ ما يَحْذَرُونَهُ مِنَ القَتْلِ في سَبِيلِ اللَّهِ أوِ المَوْتِ فِيهِ، فَما يَحْصُلُ لَهم مِن مَغْفِرَةِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ مِن حُطامِ الدُّنْيا ومَنافِعِها لَوْ لَمْ يَهْلَكُوا بِالقَتْلِ أوِ المَوْتِ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِالقَسَمِ؛ لِأنَّ اللّامَ في ”لَئِنْ“ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ، وجَوابُ القَسَمِ هو: ”لَمَغْفِرَةٌ“، وكانَ نَكِرَةً إشارَةً إلى أنَّ أيْسَرَ جُزْءٍ مِنَ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا، وأنَّهُ كافٍ في فَوْزِ المُؤْمِنِ. وجازَ الِابْتِداءُ بِهِ؛ (p-٩٦)لِأنَّهُ وصْفٌ بِقَوْلِهِ: ”مِنَ اللَّهِ“، وعَطَفَ عَلَيْهِ نَكِرَةً، ومُسَوِّغُ الِابْتِداءِ بِها كَوْنُها عُطِفَتْ عَلى ما يَسُوغُ بِهِ الِابْتِداءُ. أوْ كَوْنُها مَوْصُوفَةً في المَعْنى، إذِ التَّقْدِيرُ: ورَحْمَةٌ مِنهُ. وثَمَّ صِفَةٌ أُخْرى مَحْذُوفَةٌ لا بُدَّ مِنها وتَقْدِيرُها: ورَحْمَةٌ لَكم. وخَيْرٌ هُنا عَلى بابِها مِن كَوْنِها أفْعَلُ تَفْضِيلٍ، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: خَيْرٌ مِن طِلاعِ الأرْضِ ذَهَبَةٌ حَمْراءُ. وارْتِفاعُ خَيْرٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ عَنْ قَوْلِهِ: لَمَغْفِرَةٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: لَمَغْفِرَةٌ إشارَةً إلى القَتْلِ أوِ المَوْتِ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَسَمّى ذَلِكَ مَغْفِرَةً ورَحْمَةً؛ إذْ هُما مُقْتَرِنانِ بِهِ. ويَجِيءُ التَّقْدِيرُ لِذَلِكَ: مَغْفِرَةٌ ورَحْمَةٌ. وتَرْتَفِعُ المَغْفِرَةُ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ المُقَدَّرِ. وقَوْلُهُ: خَيْرٌ صِفَةٌ لا خَبَرُ ابْتِداءٍ. انْتَهى قَوْلُهُ. وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وجَوابُ الشَّرْطِ الَّذِي هو ”إنْ قُتِلْتُمْ“ مَحْذُوفٌ؛ لِدَلالَةِ جَوابِ القَسَمِ عَلَيْهِ. وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: سَدَّ مَسَدَّ جَوابَ الشَّرْطِ، إنْ عَنى أنَّهُ حُذِفَ لِدَلالَتِهِ عَلَيْهِ، فَصَحِيحٌ، وإنْ عَنى أنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ، فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ. وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ جُعِلَتِ المَغْفِرَةُ والرَّحْمَةُ لِمَنِ اتَّفَقَ لَهُ أحَدُ هَذَيْنِ: القَتْلُ في سَبِيلِ اللَّهِ، أوِ المَوْتُ فِيهِ. وقالَ الرّازِيُّ: لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ إشارَةٌ إلى تَعَبُّدِهِ خَوْفًا مِن عِقابِهِ، ورَحْمَةٌ إشارَةٌ إلى تَعَبُّدِهِ لِطَلَبِ ثَوابِهِ. انْتَهى. ولَيْسَ بِالظّاهِرِ، وقَدَّمَ القَتْلَ هُنا لِأنَّهُ ابْتِداءُ إخْبارٍ، فَقَدَّمَ الأشْرَفَ الأهَمَّ في تَحْصِيلِ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ؛ إذِ القَتْلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أعْظَمُ ثَوابًا مِنَ المَوْتِ في سَبِيلِهِ. قالَ الرّاغِبُ: تَضَمَّنَتْ هاتانِ الآيَتانِ إلْزامًا هو جارٍ مَجْرى قِياسَيْنِ شَرْطِيَّيْنِ اقْتَضَيا الحِرْصَ عَلى القَتْلِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَمْثِيلُهُ: إنْ قُتِلْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ مُتُّمْ، حَصَلَتْ لَكُمُ المَغْفِرَةُ والرَّحْمَةُ، وهُما خَيْرٌ مِمّا تَجْمَعُونَ. فَإذا المَوْتُ والقَتْلُ في سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِمّا تَجْمَعُونَ. ولَئِنْ مُتُّمْ أوْ قُتِلْتُمْ فالحَشْرُ لَكم حاصِلٌ. وإذا كانَ المَوْتُ والقَتْلُ لا بُدَّ مِنهُ والحَشْرُ، فَنَتِيجَةُ ذَلِكَ أنَّ القَتْلَ والمَوْتَ اللَّذَيْنِ يُوجِبانِ المَغْفِرَةَ والرَّحْمَةَ خَيْرٌ مِنَ القَتْلِ والمَوْتِ اللَّذَيْنِ لا يُوجِبانِهِما. انْتَهى. وقَرَأ الِابْنانِ والأبَوانِ بِضَمِّ المِيمِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، وحَفْصٍ في هَذَيْنِ: ”﴿أوْ مُتُّمْ﴾“، ”﴿ولَئِنْ مُتُّمْ﴾“، وكَسَرَ الباقُونَ، والضَّمُّ أقْيَسُ وأشْهَرُ. والكَسْرُ مُسْتَعْمَلٌ كَثِيرًا وهو شاذٌّ في القِياسِ، جَعَلَهُ المازِنِيُّ مِن فَعَلَ يَفْعَلُ، نَظِيرُ دُمْتَ تَدُومُ، وفَضَّلْتَ تُفَضِّلُ، وكَذا أبُو عَلِيٍّ، فَحَكَما عَلَيْهِ بِالشُّذُوذِ. وقَدْ نَقَلَ غَيْرُهُما فِيهِ لُغَتَيْنِ إحْداهُما: فَعَلَ يَفْعُلُ، فَتَقُولُ ماتَ يَمُوتُ. والأُخْرى: فَعَلَ يَفْعَلُ نَحْوَ ماتَ يَماتُ، أصْلُهُ مَوَتَ، فَعَلى هَذا لَيْسَ بِشاذٍّ؛ إذْ هو مِثْلُ خافَ يَخافُ، فَأصْلُهُ مَوَتَ يَمُوتُ. فَمَن قَرَأ بِالكَسْرِ فَعَلى هَذِهِ اللُّغَةِ، ولا شُذُوذَ فِيهِ، وهي لُغَةُ الحِجازِ يَقُولُونَ: مُتُّمْ مِن ماتَ يَماتُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎عِيشِي ولا تُومِي بِأنْ تَماتِي وسُفْلى مُضَرَ يَقُولُونَ: مُتُّمْ بِضَمِّ المِيمِ مِن ماتَ يَمُوتُ، نَقَلَهُ الكُوفِيُّونَ: وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”تَجْمَعُونَ“ بِالتّاءِ عَلى سِياقِ الخِطابِ في قَوْلِهِ: ولَئِنْ قُتِلْتُمْ. وقَرَأ قَوْمٌ مِنهم حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالياءِ، أيْ مِمّا يَجْمَعُهُ الكُفّارُ المُنافِقُونَ وغَيْرُهم. ﴿ولَئِنْ مُتُّمْ أوْ قُتِلْتُمْ لَإلى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ هَذا خِطابٌ عامٌّ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ. أعْلَمَ فِيهِ أنَّ مَصِيرَ الجَمِيعِ إلَيْهِ، فَيُجازِي كُلًّا بِعَمَلِهِ، هَكَذا قالَ بَعْضُهم. وكَأنَّهُ لَمّا رَأى المَوْتَ والقَتْلَ أُطْلِقا ولَمْ يُقَيَّدا بِذِكْرِ سَبِيلِ اللَّهِ كَما قُيِّدا في الآيَةِ، فَهِمَ أنَّ ذَلِكَ عامٌّ، والظّاهِرُ أنَّهُ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ كالخِطابِ السّابِقِ؛ ولِذَلِكَ قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَإلى الرَّحِيمِ الواسِعِ الرَّحْمَةِ المُمِيتِ العَظِيمِ الثَّوابِ تُحْشَرُونَ. قالَ: ولِوُقُوعِ اسْمِ اللَّهِ هَذا المَوْقِعَ مَعَ تَقْدِيمِهِ وإدْخالِ اللّامِ عَلى الحَرْفِ المُتَّصِلِ بِهِ سِيّانِ لَيْسَ بِالخَفِيِّ. انْتَهى. يُشِيرُ بِذَلِكَ إلى مَذْهَبِهِ: مِن أنَّ التَّقْدِيمَ يُؤْذِنُ بِالِاخْتِصاصِ، فَكانَ المَعْنى عِنْدَهُ: فَإلى اللَّهِ لا غَيْرِهِ تُحْشَرُونَ. وهو عِنْدَنا لا يَدُلُّ بِالوَضْعِ عَلى ذَلِكَ، وإنَّما يَدُلُّ التَّقْدِيمُ عَلى الِاعْتِناءِ بِالشَّيْءِ والِاهْتِمامِ بِذِكْرِهِ، كَما قالَ سِيبَوَيْهِ: وزادَهُ حُسْنًا هُنا أنَّ تَأخُّرَ الفِعْلِ هُنا فاصِلَةٌ، فَلَوْ تَأخَّرَ المَجْرُورُ لَفاتَ هَذا الغَرَضُ وتَضَمَّنَتِ الآيَةُ تَحْقِيرَ أمْرِ الدُّنْيا والحِرْصَ عَلى الشَّهادَةِ، وأنَّ مَصِيرَ العالَمِ كُلِّهِمْ إلى اللَّهِ، فالمُوافاةُ عَلى الشَّهادَةِ أمْثَلُ بِالمَرْءِ لِيُحْرِزَ ثَوابَها ويَجِدْهُ وقْتَ الحَشْرِ. وقَدَّمَ المَوْتَ (p-٩٧)هُنا عَلى القَتْلِ؛ لِأنَّها آيَةُ وعْظٍ بِالآخِرَةِ والحَشْرِ، وتَزْهِيدٌ في الدُّنْيا والحَياةِ، والمَوْتُ فِيها مُطْلَقٌ لَمْ يُقَيَّدْ بِشَيْءٍ. فَإمّا أنْ يَكُونَ الخِطابُ مُخْتَصًّا بِمَن خُوطِبَ قَبْلُ، أوْ عامًّا وانْدَرَجَ أُولَئِكَ فِيهِ، فَقُدِّمَ لِعُمُومِهِ؛ ولِأنَّهُ أغْلَبُ في النّاسِ مِنَ القَتْلِ، فَهَذِهِ ثَلاثَةُ مَواضِعَ. ”﴿ما ماتُوا وما قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦]“، فَقَدَّمَ المَوْتَ عَلى القَتْلِ لِمُناسَبَةِ ما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ أوْ كانُوا غُزًّى﴾ [آل عمران: ١٥٦] وتَقَدَّمَ القَتْلُ عَلى المَوْتِ بَعْدُ؛ لِأنَّهُ مَحَلُّ تَحْرِيضٍ عَلى الجِهادِ، فَقَدَّمَ الأهَمَّ والأشْرَفَ. وقَدَّمَ المَوْتَ هُنا لِأنَّهُ الأغْلَبُ، ولَمْ يُؤَكَّدِ الفِعْلُ الواقِعُ جَوابًا لِلْقَسَمِ المَحْذُوفِ لِأنَّهُ فَصْلٌ بَيْنَ اللّامِ المُتَلَقّى بِها القَسَمُ وبَيْنَهُ بِالجارِّ والمَجْرُورِ. ولَوْ تَأخَّرَ لَكانَ: لَتُحْشَرُنَّ إلَيْهِ كَقَوْلِهِ: لِيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ. وسَواءٌ كانَ الفَصْلُ بِمَعْمُولِ الفِعْلِ كَهَذا، أوْ بِسَوْفَ. كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الشعراء: ٤٩] أوْ بِقَدْ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎كَذَبْتِ لَقَدْ أصْبى عَلى المَرْءِ عِرْسِهِ ∗∗∗ وأمْنَعُ عِرْسِي أنْ يَزِنَّ بِها الخالِي قالَ أبُو عَلِيٍّ: الأصْلُ دُخُولُ النُّونِ فَرْقًا بَيْنَ لامِ اليَمِينِ ولامِ الِابْتِداءِ، ولامُ الِابْتِداءِ لا تَدْخُلُ عَلى الفَضَلاتِ، فَبِدُخُولِ لامِ اليَمِينِ عَلى الفَضْلَةِ وقَعَ الفَصْلُ، فَلَمْ يُحْتَجْ إلى النُّونِ. وبِدُخُولِها عَلى سَوْفَ وقَعَ الفَرْقُ، فَلَمْ يُحْتَجْ إلى النُّونِ؛ لِأنَّ لامَ الِابْتِداءِ لا تَدْخُلُ عَلى الفِعْلِ إلّا إذا كانَ حالًا، أمّا إذا كانَ مُسْتَقْبَلًا فَلا.

آل عمران 3:158

﴿ولَئِنْ قُتِلْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾: تَقَدَّمَ قَبْلَ هَذا تَكْذِيبُ الكُفّارِ في دَعْواهم أنَّ مَن ماتَ أوْ قُتِلَ في سَفَرٍ وغَزْوٍ لَوْ كانَ أقامَ ما ماتَ وما قُتِلَ، ونَهى المُؤْمِنِينَ عَنْ أنْ يَقُولُوا مِثْلَ هَذِهِ المَقالَةِ؛ لِأنَّها سَبَبٌ لِلتَّخاذُلِ عَنِ الغَزْوِ، وأخْبَرَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ أنَّهُ إنْ تَمَّ ما يَحْذَرُونَهُ مِنَ القَتْلِ في سَبِيلِ اللَّهِ أوِ المَوْتِ فِيهِ، فَما يَحْصُلُ لَهم مِن مَغْفِرَةِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ مِن حُطامِ الدُّنْيا ومَنافِعِها لَوْ لَمْ يَهْلَكُوا بِالقَتْلِ أوِ المَوْتِ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِالقَسَمِ؛ لِأنَّ اللّامَ في ”لَئِنْ“ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ، وجَوابُ القَسَمِ هو: ”لَمَغْفِرَةٌ“، وكانَ نَكِرَةً إشارَةً إلى أنَّ أيْسَرَ جُزْءٍ مِنَ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا، وأنَّهُ كافٍ في فَوْزِ المُؤْمِنِ. وجازَ الِابْتِداءُ بِهِ؛ (p-٩٦)لِأنَّهُ وصْفٌ بِقَوْلِهِ: ”مِنَ اللَّهِ“، وعَطَفَ عَلَيْهِ نَكِرَةً، ومُسَوِّغُ الِابْتِداءِ بِها كَوْنُها عُطِفَتْ عَلى ما يَسُوغُ بِهِ الِابْتِداءُ. أوْ كَوْنُها مَوْصُوفَةً في المَعْنى، إذِ التَّقْدِيرُ: ورَحْمَةٌ مِنهُ. وثَمَّ صِفَةٌ أُخْرى مَحْذُوفَةٌ لا بُدَّ مِنها وتَقْدِيرُها: ورَحْمَةٌ لَكم. وخَيْرٌ هُنا عَلى بابِها مِن كَوْنِها أفْعَلُ تَفْضِيلٍ، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: خَيْرٌ مِن طِلاعِ الأرْضِ ذَهَبَةٌ حَمْراءُ. وارْتِفاعُ خَيْرٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ عَنْ قَوْلِهِ: لَمَغْفِرَةٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: لَمَغْفِرَةٌ إشارَةً إلى القَتْلِ أوِ المَوْتِ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَسَمّى ذَلِكَ مَغْفِرَةً ورَحْمَةً؛ إذْ هُما مُقْتَرِنانِ بِهِ. ويَجِيءُ التَّقْدِيرُ لِذَلِكَ: مَغْفِرَةٌ ورَحْمَةٌ. وتَرْتَفِعُ المَغْفِرَةُ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ المُقَدَّرِ. وقَوْلُهُ: خَيْرٌ صِفَةٌ لا خَبَرُ ابْتِداءٍ. انْتَهى قَوْلُهُ. وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وجَوابُ الشَّرْطِ الَّذِي هو ”إنْ قُتِلْتُمْ“ مَحْذُوفٌ؛ لِدَلالَةِ جَوابِ القَسَمِ عَلَيْهِ. وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: سَدَّ مَسَدَّ جَوابَ الشَّرْطِ، إنْ عَنى أنَّهُ حُذِفَ لِدَلالَتِهِ عَلَيْهِ، فَصَحِيحٌ، وإنْ عَنى أنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ، فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ. وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ جُعِلَتِ المَغْفِرَةُ والرَّحْمَةُ لِمَنِ اتَّفَقَ لَهُ أحَدُ هَذَيْنِ: القَتْلُ في سَبِيلِ اللَّهِ، أوِ المَوْتُ فِيهِ. وقالَ الرّازِيُّ: لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ إشارَةٌ إلى تَعَبُّدِهِ خَوْفًا مِن عِقابِهِ، ورَحْمَةٌ إشارَةٌ إلى تَعَبُّدِهِ لِطَلَبِ ثَوابِهِ. انْتَهى. ولَيْسَ بِالظّاهِرِ، وقَدَّمَ القَتْلَ هُنا لِأنَّهُ ابْتِداءُ إخْبارٍ، فَقَدَّمَ الأشْرَفَ الأهَمَّ في تَحْصِيلِ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ؛ إذِ القَتْلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أعْظَمُ ثَوابًا مِنَ المَوْتِ في سَبِيلِهِ. قالَ الرّاغِبُ: تَضَمَّنَتْ هاتانِ الآيَتانِ إلْزامًا هو جارٍ مَجْرى قِياسَيْنِ شَرْطِيَّيْنِ اقْتَضَيا الحِرْصَ عَلى القَتْلِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَمْثِيلُهُ: إنْ قُتِلْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ مُتُّمْ، حَصَلَتْ لَكُمُ المَغْفِرَةُ والرَّحْمَةُ، وهُما خَيْرٌ مِمّا تَجْمَعُونَ. فَإذا المَوْتُ والقَتْلُ في سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِمّا تَجْمَعُونَ. ولَئِنْ مُتُّمْ أوْ قُتِلْتُمْ فالحَشْرُ لَكم حاصِلٌ. وإذا كانَ المَوْتُ والقَتْلُ لا بُدَّ مِنهُ والحَشْرُ، فَنَتِيجَةُ ذَلِكَ أنَّ القَتْلَ والمَوْتَ اللَّذَيْنِ يُوجِبانِ المَغْفِرَةَ والرَّحْمَةَ خَيْرٌ مِنَ القَتْلِ والمَوْتِ اللَّذَيْنِ لا يُوجِبانِهِما. انْتَهى. وقَرَأ الِابْنانِ والأبَوانِ بِضَمِّ المِيمِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، وحَفْصٍ في هَذَيْنِ: ”﴿أوْ مُتُّمْ﴾“، ”﴿ولَئِنْ مُتُّمْ﴾“، وكَسَرَ الباقُونَ، والضَّمُّ أقْيَسُ وأشْهَرُ. والكَسْرُ مُسْتَعْمَلٌ كَثِيرًا وهو شاذٌّ في القِياسِ، جَعَلَهُ المازِنِيُّ مِن فَعَلَ يَفْعَلُ، نَظِيرُ دُمْتَ تَدُومُ، وفَضَّلْتَ تُفَضِّلُ، وكَذا أبُو عَلِيٍّ، فَحَكَما عَلَيْهِ بِالشُّذُوذِ. وقَدْ نَقَلَ غَيْرُهُما فِيهِ لُغَتَيْنِ إحْداهُما: فَعَلَ يَفْعُلُ، فَتَقُولُ ماتَ يَمُوتُ. والأُخْرى: فَعَلَ يَفْعَلُ نَحْوَ ماتَ يَماتُ، أصْلُهُ مَوَتَ، فَعَلى هَذا لَيْسَ بِشاذٍّ؛ إذْ هو مِثْلُ خافَ يَخافُ، فَأصْلُهُ مَوَتَ يَمُوتُ. فَمَن قَرَأ بِالكَسْرِ فَعَلى هَذِهِ اللُّغَةِ، ولا شُذُوذَ فِيهِ، وهي لُغَةُ الحِجازِ يَقُولُونَ: مُتُّمْ مِن ماتَ يَماتُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎عِيشِي ولا تُومِي بِأنْ تَماتِي وسُفْلى مُضَرَ يَقُولُونَ: مُتُّمْ بِضَمِّ المِيمِ مِن ماتَ يَمُوتُ، نَقَلَهُ الكُوفِيُّونَ: وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”تَجْمَعُونَ“ بِالتّاءِ عَلى سِياقِ الخِطابِ في قَوْلِهِ: ولَئِنْ قُتِلْتُمْ. وقَرَأ قَوْمٌ مِنهم حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالياءِ، أيْ مِمّا يَجْمَعُهُ الكُفّارُ المُنافِقُونَ وغَيْرُهم. ﴿ولَئِنْ مُتُّمْ أوْ قُتِلْتُمْ لَإلى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ هَذا خِطابٌ عامٌّ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ. أعْلَمَ فِيهِ أنَّ مَصِيرَ الجَمِيعِ إلَيْهِ، فَيُجازِي كُلًّا بِعَمَلِهِ، هَكَذا قالَ بَعْضُهم. وكَأنَّهُ لَمّا رَأى المَوْتَ والقَتْلَ أُطْلِقا ولَمْ يُقَيَّدا بِذِكْرِ سَبِيلِ اللَّهِ كَما قُيِّدا في الآيَةِ، فَهِمَ أنَّ ذَلِكَ عامٌّ، والظّاهِرُ أنَّهُ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ كالخِطابِ السّابِقِ؛ ولِذَلِكَ قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَإلى الرَّحِيمِ الواسِعِ الرَّحْمَةِ المُمِيتِ العَظِيمِ الثَّوابِ تُحْشَرُونَ. قالَ: ولِوُقُوعِ اسْمِ اللَّهِ هَذا المَوْقِعَ مَعَ تَقْدِيمِهِ وإدْخالِ اللّامِ عَلى الحَرْفِ المُتَّصِلِ بِهِ سِيّانِ لَيْسَ بِالخَفِيِّ. انْتَهى. يُشِيرُ بِذَلِكَ إلى مَذْهَبِهِ: مِن أنَّ التَّقْدِيمَ يُؤْذِنُ بِالِاخْتِصاصِ، فَكانَ المَعْنى عِنْدَهُ: فَإلى اللَّهِ لا غَيْرِهِ تُحْشَرُونَ. وهو عِنْدَنا لا يَدُلُّ بِالوَضْعِ عَلى ذَلِكَ، وإنَّما يَدُلُّ التَّقْدِيمُ عَلى الِاعْتِناءِ بِالشَّيْءِ والِاهْتِمامِ بِذِكْرِهِ، كَما قالَ سِيبَوَيْهِ: وزادَهُ حُسْنًا هُنا أنَّ تَأخُّرَ الفِعْلِ هُنا فاصِلَةٌ، فَلَوْ تَأخَّرَ المَجْرُورُ لَفاتَ هَذا الغَرَضُ وتَضَمَّنَتِ الآيَةُ تَحْقِيرَ أمْرِ الدُّنْيا والحِرْصَ عَلى الشَّهادَةِ، وأنَّ مَصِيرَ العالَمِ كُلِّهِمْ إلى اللَّهِ، فالمُوافاةُ عَلى الشَّهادَةِ أمْثَلُ بِالمَرْءِ لِيُحْرِزَ ثَوابَها ويَجِدْهُ وقْتَ الحَشْرِ. وقَدَّمَ المَوْتَ (p-٩٧)هُنا عَلى القَتْلِ؛ لِأنَّها آيَةُ وعْظٍ بِالآخِرَةِ والحَشْرِ، وتَزْهِيدٌ في الدُّنْيا والحَياةِ، والمَوْتُ فِيها مُطْلَقٌ لَمْ يُقَيَّدْ بِشَيْءٍ. فَإمّا أنْ يَكُونَ الخِطابُ مُخْتَصًّا بِمَن خُوطِبَ قَبْلُ، أوْ عامًّا وانْدَرَجَ أُولَئِكَ فِيهِ، فَقُدِّمَ لِعُمُومِهِ؛ ولِأنَّهُ أغْلَبُ في النّاسِ مِنَ القَتْلِ، فَهَذِهِ ثَلاثَةُ مَواضِعَ. ”﴿ما ماتُوا وما قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦]“، فَقَدَّمَ المَوْتَ عَلى القَتْلِ لِمُناسَبَةِ ما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ أوْ كانُوا غُزًّى﴾ [آل عمران: ١٥٦] وتَقَدَّمَ القَتْلُ عَلى المَوْتِ بَعْدُ؛ لِأنَّهُ مَحَلُّ تَحْرِيضٍ عَلى الجِهادِ، فَقَدَّمَ الأهَمَّ والأشْرَفَ. وقَدَّمَ المَوْتَ هُنا لِأنَّهُ الأغْلَبُ، ولَمْ يُؤَكَّدِ الفِعْلُ الواقِعُ جَوابًا لِلْقَسَمِ المَحْذُوفِ لِأنَّهُ فَصْلٌ بَيْنَ اللّامِ المُتَلَقّى بِها القَسَمُ وبَيْنَهُ بِالجارِّ والمَجْرُورِ. ولَوْ تَأخَّرَ لَكانَ: لَتُحْشَرُنَّ إلَيْهِ كَقَوْلِهِ: لِيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ. وسَواءٌ كانَ الفَصْلُ بِمَعْمُولِ الفِعْلِ كَهَذا، أوْ بِسَوْفَ. كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الشعراء: ٤٩] أوْ بِقَدْ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎كَذَبْتِ لَقَدْ أصْبى عَلى المَرْءِ عِرْسِهِ ∗∗∗ وأمْنَعُ عِرْسِي أنْ يَزِنَّ بِها الخالِي قالَ أبُو عَلِيٍّ: الأصْلُ دُخُولُ النُّونِ فَرْقًا بَيْنَ لامِ اليَمِينِ ولامِ الِابْتِداءِ، ولامُ الِابْتِداءِ لا تَدْخُلُ عَلى الفَضَلاتِ، فَبِدُخُولِ لامِ اليَمِينِ عَلى الفَضْلَةِ وقَعَ الفَصْلُ، فَلَمْ يُحْتَجْ إلى النُّونِ. وبِدُخُولِها عَلى سَوْفَ وقَعَ الفَرْقُ، فَلَمْ يُحْتَجْ إلى النُّونِ؛ لِأنَّ لامَ الِابْتِداءِ لا تَدْخُلُ عَلى الفِعْلِ إلّا إذا كانَ حالًا، أمّا إذا كانَ مُسْتَقْبَلًا فَلا.

آل عمران 3:159

﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ مُتَعَلِّقُ الرَّحْمَةِ المُؤْمِنُونَ. فالمَعْنى: فَبِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لِنْتَ لَهم، فَتَكُونُ الرَّحْمَةُ امْتُنَّ بِها عَلَيْهِمْ. أيْ: دَمِثَتْ أخْلاقُكَ ولانَ جانِبُكَ لَهم بَعْدَ ما خالَفُوا أمَرَكَ وعَصَوْكَ في هَذِهِ القِراءَةِ، وذَلِكَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ إيّاهم. وقِيلَ: مُتَعَلِّقُ الرَّحْمَةِ المُخاطَبُ، أيْ بِرَحْمَةِ اللَّهِ إيّاكَ جَعَلَكَ لَيِّنَ الجانِبِ مُوَطَّأ الأكْنافِ، فَرَحِمْتَهم ولِنْتَ لَهم، ولَمْ تُؤاخِذْهم بِالعِصْيانِ والفِرارِ وإفْرادِكَ لِلْأعْداءِ، ويَكُونُ ذَلِكَ امْتِنانًا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقُ الرَّحْمَةِ النَّبِيُّ ﷺ بِأنْ جَعَلَهُ عَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ، وبَعْثَهُ بِتَتْمِيمِ مَحاسِنِ الأخْلاقِ والمُؤْمِنِينَ، بِأنْ لَيَّنَهُ لَهم. و”ما“ هُنا زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، وزِيادَتُها بَيْنَ الباءِ وعَنْ ومِن والكافِ، وبَيْنَ مَجْرُوراتِها شَيْءٌ مَعْرُوفٌ في اللِّسانِ، مُقَرَّرٌ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ. وذَهَبَ بَعْضُ النّاسِ إلى أنَّها نَكِرَةٌ تامَّةٌ، و”رَحْمَةٍ“ بَدَلٌ مِنها. كَأنَّهُ قِيلَ: فَبِشَيْءٍ أُبْهِمَ، ثُمَّ أُبْدِلَ عَلى سَبِيلِ التَّوْضِيحِ، فَقالَ: رَحْمَةٌ. وكَأنَّ قائِلَ هَذا يَفِرُّ مِنَ الإطْلاقِ عَلَيْها أنَّها زائِدَةٌ. وقِيلَ: ”ما“ هُنا اسْتِفْهامِيَّةٌ. قالَ الرّازِيُّ: قالَ المُحَقِّقُونَ: دُخُولُ اللَّفْظِ المُهْمَلِ الوَضْعِ في كَلامِ أحْكَمِ الحاكِمِينَ غَيْرُ جائِزٍ، وهُنا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”ما“ اسْتِفْهامِيَّةٌ لِلتَّعَجُّبِ تَقْدِيرُهُ: فَبِأيِّ رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهم، وذَلِكَ بِأنَّ جِنايَتَهم لَمّا كانَتْ عَظِيمَةً (p-٩٨)ثُمَّ إنَّهُ ما أظْهَرَ ألْبَتَّةَ تَغْلِيظًا في القَوْلِ، ولا خُشُونَةً في الكَلامِ، عَلِمُوا أنَّ هَذا لا يَتَأتّى إلّا بِتَأْيِيدٍ رَبّانِيٍّ قَبْلَ ذَلِكَ. انْتَهى كَلامُهُ. وما قالَهُ المُحَقِّقُونَ صَحِيحٌ، لَكِنَّ زِيادَةَ ”ما“ لِلتَّوْكِيدِ لا يُنْكِرُهُ في أماكِنِهِ مَن لَهُ أدْنى تَعَلُّقٍ بِالعَرَبِيَّةِ، فَضْلًا عَنْ مَن يَتَعاطى تَفْسِيرَ كَلامِ اللَّهِ، ولَيْسَ ما في هَذا المَكانِ مِمّا يَتَوَهَّمُهُ أحَدٌ مُهْمَلًا فَلا يَحْتاجُ ذَلِكَ إلى تَأْوِيلِها بِأنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا لِلتَّعَجُّبِ. ثُمَّ إنَّ تَقْدِيرَهُ ذَلِكَ: فَبِأيِّ رَحْمَةٍ، دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ جَعَلَ ما مُضافَةً لِلرَّحْمَةِ، وما ذَهَبَ إلَيْهِ خَطَأٌ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لا تُضافُ ”ما“ الِاسْتِفْهامِيَّةُ، ولا أسْماءُ الِاسْتِفْهامِ غَيْرُ ”أيٍّ“ بِلا خِلافٍ، و”كَمْ“ عَلى مَذْهَبِ أبِي إسْحاقَ. والثّانِي: إذا لَمْ تَصِحَّ الإضافَةُ فَيَكُونُ إعْرابُهُ بَدَلًا، وإذا كانَ بَدَلًا مِنِ اسْمِ الِاسْتِفْهامِ فَلا بُدَّ مِن إعادَةِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ في البَدَلِ، وهَذا الرَّجُلُ لَحَظَ المَعْنى ولَمْ يَلْتَفِتْ إلى ما تَقَرَّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ مِن أحْكامِ الألْفاظِ، وكانَ يُغْنِيهِ عَنْ هَذا الِارْتِباكِ والتَّسَلُّقِ إلى ما لا يُحْسِنُهُ والتَّسَوُّرُ عَلَيْهِ قَوْلُ الزَّجّاجِ في ”ما“ هَذِهِ: إنَّها صِلَةٌ فِيها مَعْنى التَّوْكِيدِ بِإجْماعِ النَّحْوِيِّينَ. ﴿ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ﴾: بَيَّنَ تَعالى أنَّ ثَمَرَةَ اللِّينِ هي المَحَبَّةُ، والِاجْتِماعُ عَلَيْهِ. وأنَّ خِلافَها مِنَ الجَفْوَةِ والخُشُونَةِ مُؤَدٍّ إلى التَّفَرُّقِ، والمَعْنى: لَوْ شافَهْتُهم بِالمَلامَةِ عَلى ما صَدَرَ مِنهم مِنَ المُخالَفَةِ والفِرارِ لِتَفَرَّقُوا مِن حَوْلِكَ هَيْبَةً مِنكَ وحَياءً، فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِتَفَرُّقِ كَلِمَةِ الإسْلامِ وضَعْفِ مادَّتِهِ، وإطْماعًا لِلْعَدُوِّ واللِّينِ والرِّفْقِ، فَيَكُونُ فِيما لَمْ يُفْضِ إلى إهْمالِ حَقٍّ مِن حُقُوقِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ تَعالى في حَقِّ الكُفّارِ: ﴿واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] وفي وصْفِهِ في الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ أنَّهُ لَيْسَ بِفَظٍّ ولا غَلِيظٍ، ولا صَخّابٍ في الأسْواقِ. والوَصْفانِ قِيلَ بِمَعْنًى واحِدٍ، فَجُمِعا لِلتَّأْكِيدِ. وقِيلَ: الفَظاظَةُ الجَفْوَةُ قَوْلًا وفِعْلًا. وغِلَظُ القَلْبِ: عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِهِ خُلِقَ صُلْبًا لا يَلِينُ ولا يَتَأثَّرُ، وعَنِ الغِلَظِ تَنْشَأُ الفَظاظَةُ، تَقَدَّمَ ما هو ظاهِرٌ لِلْحِسِّ عَلى ما هو خافٍ، وإنَّما يُعْلَمُ بِظُهُورِ أثَرِهِ. ﴿فاعْفُ عَنْهم واسْتَغْفِرْ لَهم وشاوِرْهم في الأمْرِ﴾: أمَرَهُ تَعالى بِالعَفْوِ عَنْهم، وذَلِكَ فِيما كانَ خاصًّا بِهِ مِن تَبِعَةٍ لَهُ عَلَيْهِمْ، وبِالِاسْتِغْفارِ لَهم فِيما هو مُخْتَصٌّ بِحَقِّ اللَّهِ تَعالى وبِمُشاوَرَتِهِمْ. وفِيها فَوائِدُ: تَطْيِيبُ نُفُوسِهِمْ، والرَّفْعُ مِن مِقْدارِهِمْ بِصَفاءِ قَلْبِهِ لَهم، حَيْثُ أهَّلَهم لِلْمُشاوَرَةِ، وجَعَلَهم خَواصَّ بَعْدَ ما صَدَرَ مِنهم، وتَشْرِيعُ المُشاوَرَةِ لِمَن بَعْدَهُ، والِاسْتِظْهارُ بِرَأْيِهِمْ فِيما لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ وحْيٌ؛ فَقَدْ يَكُونُ عِنْدَهم مِن أُمُورِ الدُّنْيا ما يَنْتَفِعُ بِهِ، واخْتِبارُ عُقُولِهِمْ فَيُنْزِلُهم مَنازِلَهم، واجْتِهادُهم فِيما فِيهِ وجْهُ الصَّلاحِ. وجَرى عَلى مَناهِجِ العَرَبِ وعادَتِها في الِاسْتِشارَةِ في الأُمُورِ، وإذا لَمْ يُشاوِرْ أحَدًا مِنهم حَصَلَ في نَفْسِهِ شَيْءٌ؛ ولِذَلِكَ عَزَّ عَلى عَلِيٍّ وأهْلِ البَيْتِ كَوْنُهُمُ اسْتَبَدَّ عَلَيْهِمْ في المَشُورَةِ في خِلافَةِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أجْمَعِينَ. وفِيماذا أُمِرَ أنْ يُشاوِرَهم: قِيلَ: في أمْرِ الحَرْبِ والدُّنْيا. وقِيلَ: في الدِّينِ والدُّنْيا ما لَمْ يَرِدْ نَصٌّ؛ ولِذَلِكَ اسْتَشارَ في أسْرى بَدْرٍ. وظاهِرُ هَذِهِ الأوامِرِ يَقْتَضِي أنَّهُ أمَرَ بِهَذِهِ الأشْياءِ، ولا تَدُلُّ عَلى تَرْتِيبٍ زَمانِيٍّ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أمَرَ بِتَدْرِيجٍ بَلِيغٍ، أمَرَ بِالعَفْوِ عَنْهم فِيما (p-٩٩)يَخُصُّهُ، فَإذا صارُوا في هَذِهِ الدَّرَجَةِ أمَرَ بِالِاسْتِغْفارِ فِيما لِلَّهِ، فَإذا صارُوا في هَذِهِ الدَّرَجَةِ صارُوا أهْلًا لِلِاسْتِشارَةِ في الأُمُورِ. انْتَهى. وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ، ولا يَظْهَرُ هَذا التَّدْرِيجُ مِنَ اللَّفْظِ، ولَكِنْ هَذِهِ حِكْمَةُ تَقْدِيمِ هَذِهِ الأوامِرِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ. أمَرَ أوَّلًا بِالعَفْوِ عَنْهم، إذْ عَفْوُهُ عَنْهم مُسْقِطٌ لِحَقِّهِ، ودَلِيلٌ عَلى رِضاهُ عَلَيْهِمْ، وعَدَمِ مُؤاخَذَتِهِ. ولَمّا سَقَطَ حَقُّهُ بِعَفْوِهِ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ اللَّهُ لِيَكْمُلَ لَهم صَفْحُهُ وصَفْحُ اللَّهِ عَنْهم، ويَحْصُلُ لَهم رِضاهُ ورِضا اللَّهِ تَعالى. ولَمّا زالَتْ عَنْهُمُ التَّبِعاتُ مِنَ الجانِبَيْنِ شاوَرَهم إيذانًا بِأنَّهم أهْلٌ لِلْمَحَبَّةِ الصّادِقَةِ والخُلَّةِ النّاصِحَةِ، إذْ لا يَسْتَشِيرُ الإنْسانُ إلّا مَن كانَ مُعْتَقِدًا فِيهِ المَوَدَّةَ والعَقْلَ والتَّجْرِبَةَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: فاعْفُ عَنْهم أمْرٌ لَهُ بِالعَفْوِ. وقِيلَ: مَعْناهُ سَلْنِي العَفْوَ عَنْهم لِأعْفُوَ عَنْهم، والمَعْفُوُّ عَنْهُ والمَسْئُولُ الِاسْتِغْفارُ لِأجْلِهِ. قِيلَ: فِرارُهم يَوْمَ أُحُدٍ، وتَرْكُ إجابَتِهِ، وزَوالُ الرُّماةِ عَنْ مَراكِزِهِمْ. وقِيلَ: ما يُبْدُونَ مِن هَفَواتِهِمْ وألْسِنَتِهِمْ مِنَ السَّقَطاتِ الَّتِي لا يَعْتَقِدُونَها، كَمُناداتِهِمْ مِن وراءِ الحُجُراتِ. وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: أنْ كانَ ابْنُ عَمَّتِكَ، وجَرُّ رِداءِهِ حَتّى أثَّرَ في عُنُقِهِ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا وقَعَ مِنهم عَلى سَبِيلِ الهَفْوَةِ. ومِن غَرِيبِ النُّقُولِ والمَقُولِ وضَعِيفِهِ الَّذِي يُنَزَّهُ عَنْهُ القُرْآنُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ”﴿وشاوِرْهم في الأمْرِ﴾“، أنَّهُ مِنَ المَقْلُوبِ، والمَعْنى: ولِيُشاوِرُوكَ في الأمْرِ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ هُنا جُمْلَةً مِمّا ورَدَ في المُشاوَرَةِ مِنَ الآياتِ والأحادِيثِ والآثارِ. وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ الشُّورى مِن قَواعِدِ الشَّرِيعَةِ وعَزائِمِ الأحْكامِ، ومَن لا يَسْتَشِيرُ أهْلَ العِلْمِ والدِّينِ فَعَزْلُهُ واجِبٌ، هَذا ما لا خِلافَ لَهُ. والمُسْتَشارُ في الدِّينِ عالِمُ دِينٍ، وقَلَّ ما يَكُونُ ذَلِكَ إلّا في عاقِلٍ. قالَ الحَسَنُ: ما كَمُلَ دِينُ امْرِئٍ لَمْ يَكْمُلْ عَقْلُهُ، وفي الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ عاقِلٌ مُجَرِّبٌ وادٍ في المُسْتَشِيرِ. انْتَهى كَلامُ ابْنِ عَطِيَّةَ، وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. وقِراءَةُ الجُمْهُورِ: ”﴿فِي الأمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٢]“، ولَيْسَ عَلى العُمُومِ. إذْ لا يُشاوِرُ في التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ. والأمْرُ: اسْمُ جِنْسٍ يَقَعُ لِلْكُلِّ ولِلْبَعْضِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: في بَعْضِ الأمْرِ. ﴿فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾: أيْ: فَإذا عَقَدْتَ قَلْبَكَ عَلى أمْرٍ بَعْدَ الِاسْتِشارَةِ فاجْعَلْ تَفْوِيضَكَ فِيهِ إلى اللَّهِ تَعالى، فَإنَّهُ العالِمُ بِالأصْلَحِ لَكَ، والأرْشَدِ لِأمْرِكَ، لا يَعْلَمُهُ مَن أشارَ عَلَيْكَ. وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى المُشاوَرَةِ وتَخْمِيرِ الرَّأْيِ وتَنْقِيحِهِ، والفِكْرِ فِيهِ. وإنَّ ذَلِكَ مَطْلُوبٌ شَرْعًا خِلافًا لِما كانَ عَلَيْهِ بَعْضُ العَرَبِ مِن تَرْكِ المَشُورَةِ، ومِنَ الِاسْتِبْدادِ بِرَأْيِهِ مِن غَيْرِ فِكْرٍ في عاقِبَةٍ، كَما قالَ: ؎إذا هَمَّ ألْقى بَيْنَ عَيْنَيْهِ عَزْمَهُ ونَكَّبَ عَنْ ذِكْرِ العَواقِبِ جانِبًا ؎ولَمْ يَسْتَشِرْ في رَأْيِهِ غَيْرَ نَفْسِهِ ∗∗∗ ولَمْ يَرْضَ إلّا قائِمَ السَّيْفِ صاحِبا وقَرَأ الجُمْهُورُ ”عَزَمْتَ“ عَلى الخِطابِ كالَّذِي قَبْلَهُ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ وأبُو نَهِيكٍ وجَعْفَرٌ الصّادِقُ ”عَزَمْتُ“ بِضَمِّ التّاءِ عَلى أنَّها ضَمِيرٌ لِلَّهِ تَعالى، والمَعْنى فَإذا عَزَمْتُ لَكَ عَلى شَيْءٍ أيْ أرْشَدْتُكَ إلَيْهِ وجَعَلْتُكَ تَقْصِدُهُ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ”عَلى اللَّهِ“ مِن بابِ الِالتِفاتِ، إذْ لَوْ جَرى عَلى نَسَقِ ضَمِّ التّاءِ لَكانَ: فَتَوَكَّلْ عَلَيَّ، ونَظِيرُهُ في نِسْبَةِ العَزْمِ إلى اللَّهِ عَلى سَبِيلِ التَّجَوُّزِ قَوْلُ أُمِّ سَلَمَةَ، ثُمَّ عَزَمَ اللَّهُ. ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ﴾: حَثَّ عَلى التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ، إذْ أخْبَرَ أنَّهُ يُحِبُّ مَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ، والمَرْءُ ساعٍ فِيما يُحَصِّلُ لَهُ مَحَبَّةَ اللَّهِ تَعالى. وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ فُنُونًا مِنَ البَيانِ والبَدِيعِ والإبْهامِ في: ”﴿ولا تَلْوُونَ عَلى أحَدٍ﴾ [آل عمران: ١٥٣]“، فَمَن قالَ: هو الرَّسُولُ، أبْهَمَهُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، ولِأنَّ التَّصْرِيحَ فِيهِ هَضْمٌ لِقَدْرِهِ. والتَّجْنِيسُ المُماثِلُ في: ”﴿غَمًّا بِغَمٍّ﴾ [آل عمران: ١٥٣]“، ”﴿ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْكم مِن بَعْدِ الغَمِّ﴾ [آل عمران: ١٥٤]“ . والطِّباقُ في: يُخْفُونَ ويُبْدُونَ، وفي: فاتَكم وأصابَكم. والتَّجْنِيسُ المُغايِرُ في: تَظُنُّونَ وظَنَّ، وفي: فَتَوَكَّلْ والمُتَوَكِّلِينَ. وذَكَرَ بَعْضُهم ذَلِكَ في: فَظًّا ولانْفَضُّوا، ولَيْسَ مِنهُ؛ لِأنَّهُ قَدِ اخْتَلَفَتِ المادَّتانِ. والتَّفْسِيرُ بَعْدَ الإبْهامِ في: ما لا يُبْدُونَ يَقُولُونَ. والِاحْتِجاجُ النَّظَرِيُّ في: ”﴿لَوْ كُنْتُمْ في بُيُوتِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤]“، (p-١٠٠)والِاعْتِراضُ في: ”﴿قُلْ إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]“ . والِاخْتِصاصُ في: ”﴿بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]“، وفي ”﴿بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٥٦]“، وفي ﴿يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ﴾ . والإشارَةُ في قَوْلِهِ: ”﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً﴾ [آل عمران: ١٥٦]“ . والِاسْتِعارَةُ في: ”﴿إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ﴾ [آل عمران: ١٥٦]“، وفي: ”لِنْتَ“، وفي ”﴿غَلِيظَ القَلْبِ﴾“، والتَّكْرارُ في: ”﴿ما ماتُوا وما قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦]“، وما بَعْدَهُما، وفي: عَلى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ. وزِيادَةُ الحَرْفِ لِلتَّأْكِيدِ في: ”﴿فَبِما رَحْمَةٍ﴾“ . والِالتِفاتُ والحَذْفُ في عِدَّةِ مَواضِعَ.

آل عمران 3:160

﴿إنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكم وإنْ يَخْذُلْكم فَمَن ذا الَّذِي يَنْصُرُكم مِن بَعْدِهِ﴾: هَذا التِفاتٌ؛ إذْ هو خُرُوجٌ مِن غَيْبَةٍ إلى الخِطابِ. ولَمّا أمَرَهُ بِمُشاوَرَتِهِمْ وبِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، أوْضَحَ أنَّ ما صَدَرَ مِنَ النَّصْرِ أوِ الخِذْلانِ إنَّما هو راجِعٌ لِما يَشاءُ. وأنَّهُ مَتى نَصَرَكم لا يُمْكِنُ أنْ يَغْلِبَكم أحَدٌ، ومَتى خَذَلَكم فَلا ناصِرَ لَكم فِيما وقَعَ لَكم مِنَ النَّصْرِ، أوْ بِكم مِنَ الخِذْلانِ كَيَوْمَيْ بَدْرٍ وأُحُدٍ، فَبِمَشِيئَتِهِ. وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لَهم عَمّا وقَعَ لَهم مِنَ الفِرارِ. ثُمَّ أمَرَهم بِالتَّوَكُّلِ، وناطَ الأمْرَ بِالمُؤْمِنِينَ، فَنَبَّهَ عَلى الوَصْفِ الَّذِي يُناسِبُ مَعَهُ التَّوَكُّلَ وهو الإيمانُ؛ لِأنَّ المُؤْمِنَ مُصَدِّقٌ بِأنَّ اللَّهَ هو الفاعِلُ المُخْتارُ بِيَدِهِ النَّصْرُ والخِذْلانُ. وأشْرَكَهم مَعَ نَبِيِّهِمْ في مَطْلُوبِيَّةِ التَّوَكُّلِ، وهو إضافَةُ الأُمُورِ إلى اللَّهِ تَعالى وتَفْوِيضِها إلَيْهِ. والتَّوَكُّلُ عَلى اللَّهِ مِن فُرُوضِ الإيمانِ، ولَكِنَّهُ يَقْتَرِنُ بِالتَّشْمِيرِ في الطّاعَةِ والجَزامَةِ بِغايَةِ الجُهْدِ، ومُعاطاةِ أسْبابِ التَّحَرُّزِ، ولَيْسَ الإلْقاءُ بِاليَدِ والإهْمالُ لِما يَجِبُ مُراعاتُهُ بِتَوَكُّلٍ، وإنَّما هو كَما قالَ: ”قَيِّدْها وتَوَكَّلْ“ ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢] والضَّمِيرُ في ”مِن بَعْدِهِ“ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، إمّا عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: مِن بَعْدِ خِذْلانِهِ، أيْ مِن بَعْدِ ما يُخْذَلُ مِنَ الَّذِي يُنْصَرُ. وإمّا أنْ لا يُحْتاجَ إلى تَقْدِيرِ هَذا المَحْذُوفِ، بَلْ يَكُونُ المَعْنى: إذا جاوَزْتَهُ إلى غَيْرِهِ وقَدْ خَذَلَكَ فَمَن ذا الَّذِي تُجاوِزُهُ إلَيْهِ فَيَنْصُرُكَ ؟ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ”﴿وإنْ يَخْذُلْكُمْ﴾“، أيْ: مِن بَعْدِ الخِذْلانِ. وجاءَ جَوابُ: إنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ بِصَرِيحِ النَّفْيِ العامِّ، وجَوابُ ”﴿وإنْ يَخْذُلْكُمْ﴾“ يَتَضَمَّنُ النَّفْيَ وهو الِاسْتِفْهامُ، وهو مِن تَنْوِيعِ الكَلامِ في الفَصاحَةِ والتَّلَطُّفِ بِالمُؤْمِنِينَ حَتّى لا يُصَرِّحَ لَهم بِأنَّهُ لا ناصِرَ لَهم، بَلْ أبْرَزَ ذَلِكَ في صُورَةِ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي يَقْتَضِي السُّؤالَ عَنِ النّاصِرِ، وإنْ كانَ المَعْنى عَلى نَفْيِ النّاصِرِ. لَكِنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّرِيحِ والمُتَضَمِّنِ، فَلَمْ يُجْرِ المُؤْمِنِينَ في ذَلِكَ مَجْرى الكُفّارِ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ بِالصَّرِيحِ أنَّهُ لا ناصِرَ لَهم كَقَوْلِهِ: ﴿أهْلَكْناهم فَلا ناصِرَ لَهُمْ﴾ [محمد: ١٣] وظاهِرُ النُّصْرَةِ أنَّها في لِقاءِ العَدُوِّ، والإعانَةِ عَلى مُكافَحَتِهِ، والِاسْتِيلاءِ عَلَيْهِ. وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ جَعَلُوا النُّصْرَةَ بِالحُجَّةِ القاهِرَةِ، وبِالعاقِبَةِ في الآخِرَةِ. فَقالُوا: المَعْنى إنْ حَصَلَتْ لَكُمُ النُّصْرَةُ فَلا تَعُدُّوا ما يَعْرِضُ مِنَ العَوارِضِ الدُّنْيَوِيَّةِ في بَعْضِ الأحْوالِ غَلَبَةً، وإنْ خَذَلَكم في ذَلِكَ فَلا تَعُدُّوا ما يَحْصُلُ لَكم مِنَ القَهْرِ في الدُّنْيا نُصْرَةً، فالنُّصْرَةُ والخِذْلانُ مُعْتَبَرانِ بِالمَآلِ. وفي قَوْلِهِ: ”﴿إنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ﴾“ إشارَةٌ إلى التَّرْغِيبِ في طاعَةِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ بَيَّنَ فِيما تَقَدَّمَ أنَّ مَنِ اتَّقى اللَّهَ نَصَرَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في قَوْلِهِ: ”وعَلى اللَّهِ“، ولِيَخُصَّ المُؤْمِنُونَ رَبَّهم بِالتَّوَكُّلِ والتَّفْوِيضِ إلَيْهِ عَلَّمَهم أنَّهُ لا ناصِرَ سِواهُ؛ ولِأنَّ إيمانَكم يُوجِبُ ذَلِكَ ويَقْتَضِيهِ. انْتَهى كَلامُهُ. وأخَذَ الِاخْتِصاصَ مِن تَقْدِيمِ الجارِّ والمَجْرُورِ، وذَلِكَ عَلى طَرِيقَتِهِ بِأنَّ تَقْدِيمَ المَفْعُولِ يُوجِبُ الحَصْرَ والِاخْتِصاصَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَخْذُلُكم مِن خَذَلَ. وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: يَخْذُلُكم مِن أخْذَلَ رُباعِيًّا. والهَمْزَةُ فِيهِ لِلْجَعْلِ أيْ: يَجْعَلُكم. (p-١٠١)﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ: فُقِدَتْ قَطِيفَةٌ حَمْراءُ مِنَ المَغانِمِ يَوْمَ بَدْرٍ، فَقالَ بَعْضُ مَن كانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ: لَعَلَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أخَذَها، فَنَزَلَتْ، وقائِلُ ذَلِكَ مُؤْمِنٌ لَمْ يَظُنَّ في ذَلِكَ حَرَجًا. وقِيلَ: مُنافِقٌ، ورُوِيَ أنَّ المَفْقُودَ سَيْفٌ. وقالَ النَّقّاشُ: قالَتِ الرُّماةُ يَوْمَ أُحُدٍ: الغَنِيمَةُ الغَنِيمَةُ، أيُّها النّاسُ إنّا نَخْشى أنْ يَقُولَ النَّبِيُّ ﷺ: مَن أخَذَ شَيْئًا فَهو لَهُ، فَلَمّا ذَكَرُوا ذَلِكَ قالَ: ”خَشِيتُمْ أنْ نَغُلَّ“ فَنَزَلَتْ. ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ الكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ. وقِيلَ غَيْرُ هَذا، مِن ذَلِكَ ما قالَ ابْنُ إسْحاقَ: إنَّما نَزَلَتْ إعْلامًا بِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكْتُمْ شَيْئًا مِمّا أُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها مِن حَيْثُ إنَّها تَضَمَّنَتْ حُكْمًا مِن أحْكامِ الغَنائِمِ في الجِهادِ، وهي مِنَ المَعاصِي المُتَوَعَّدِ عَلَيْها بِالنّارِ كَما جاءَ في قِصَّةِ مِدْعَمٍ، فَحَذَّرَهم مِن ذَلِكَ. وتَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ في مَعْنى ما كانَ لِزَيْدٍ أنْ يَفْعَلَ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٍ ”أنْ يَغُلَّ“ مِن غَلَّ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يُمْكِنُ ذَلِكَ مِنهُ، لِأنَّ الغُلُولَ مَعْصِيَةٌ، والنَّبِيُّ ﷺ مَعْصُومٌ مِنَ المَعاصِي، فَلا يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ في شَيْءٍ مِنها. وهَذا النَّفْيُ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُتَوَهَّمَ فِيهِ ذَلِكَ، ولا أنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وباقِي السَّبْعَةِ: ”أنْ يُغَلَّ“ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الغَيْنِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. فَقالَ الجُمْهُورُ: هو مِن غَلَّ. والمَعْنى: لَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَخُونَهُ في الغَنِيمَةِ، فَهي نَهْيٌ لِلنّاسِ عَنِ الغُلُولِ في المَغانِمِ، وخُصَّ النَّبِيُّ ﷺ بِالذِّكْرِ وإنْ كانَ ذَلِكَ حَرامًا مَعَ غَيْرِهِ؛ لِأنَّ المَعْصِيَةَ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ أشْنَعُ لِما يَجِبُ مِن تَعْظِيمِهِ وتَوْقِيرِهِ، كالمَعْصِيَةِ بِالمَكانِ الشَّرِيفِ، واليَوْمِ المُعَظَّمِ. وقِيلَ: هو مِن أغَلَّ رُباعِيًّا، والمَعْنى: أنَّهُ يُوجَدُ غالًّا كَما تَقُولُ: أحْمَدَ الرَّجُلُ: وجَدَ مَحْمُودًا. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هو مِن أغَلَّ، أيْ نُسِبَ إلى الغُلُولِ. وقِيلَ لَهُ: غَلَلْتَ كَقَوْلِهِمْ: أكْفَرَ الرَّجُلُ، نُسِبَ إلى الكُفْرِ. ﴿ومَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾: ظاهِرُ هَذا أنَّهُ يَأْتِي بِعَيْنِ ما غَلَّ، ورَدَ ذَلِكَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ. فَفي الحَدِيثِ ذَكَرَ الغُلُولَ وعَظَّمَهُ وعَظَّمَ أمْرَهُ، ثُمَّ قالَ: «لا ألْفَيَنَّ أحَدَكم يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغاءٌ، فَيَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أغِثْنِي، فَأقُولُ: ما أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، قَدْ أبْلَغْتُكَ» الحَدِيثَ. وكَذَلِكَ ما جاءَ في حَدِيثِ ابْنِ اللُّتْبِيَّةِ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يَأْخُذُ أحَدٌ مِنها شَيْئًا إلّا جاءَ بِهِ يَحْمِلُهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رَقَبَتِهِ، إنْ كانَ بَعِيرًا لَهُ رُغاءٌ، أوْ بَقَرَةٌ لَها خُوارٌ، أوْ شاةٌ تَيْعِرُ» . ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا: «وفَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ» . وفي حَدِيثِ مِدْعَمٍ: «إنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي غُلَّتْ مِنَ المَغانِمِ يَوْمَ حُنَيْنٍ لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نارًا، ومَجِيئُهُ بِما غَلَّ فَضِيحَةٌ لَهُ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ يَوْمَ القِيامَةِ» . وقالَ الكَلْبِيُّ: يُمَثَّلُ لَهُ ذَلِكَ الشَّيْءُ الَّذِي غَلَّهُ في النّارِ، ثُمَّ يُقالُ لَهُ: انْزِلْ فَخُذْهُ، فَيَنْزِلُ فَيَحْمِلُهُ عَلى ظَهْرِهِ، فَإذا بَلَغَ صَوْمَعَتَهُ وقَعَ في النّارِ، ثُمَّ كُلِّفَ أنْ يَنْزِلَ إلَيْهِ فَيُخْرِجَهُ، يُفْعَلُ ذَلِكَ بِهِ. وقِيلَ: يَأْتِي حامِلًا إثْمَ ما غَلَّ. وقِيلَ: يُؤْخَذُ مِن حَسَناتِهِ عِوَضَ ما غَلَّ. وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في تَعْظِيمِ الغُلُولِ والوَعِيدِ عَلَيْهِ. ﴿ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾: هَذِهِ جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ، لَمّا ذَكَرَ مِن مَسْألَةِ الغُلُولِ، وما يَجْرِي لِصاحِبِها يَوْمَ القِيامَةِ ذَكَرَ أنَّ ذَلِكَ الجَزاءَ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِمَن غَلَّ، بَلْ كُلُّ نَفْسٍ تُوَفّى جَزاءَ ما كَسَبَتْ مِن غَيْرِ ظُلْمٍ، فَصارَ الغالُّ مَذْكُورًا مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً بِخُصُوصِهِ، ومَرَّةً بِانْدِراجِهِ في هَذا العامِّ؛ لِيَعْلَمَ أنَّهُ غَيْرُ مُتَخَلِّصٍ مِن تَبِعَةِ ما غَلَّ، ومِن تَبِعَةِ ما كَسَبَ مِن غَيْرِ الغُلُولِ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا.

آل عمران 3:161

﴿إنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكم وإنْ يَخْذُلْكم فَمَن ذا الَّذِي يَنْصُرُكم مِن بَعْدِهِ﴾: هَذا التِفاتٌ؛ إذْ هو خُرُوجٌ مِن غَيْبَةٍ إلى الخِطابِ. ولَمّا أمَرَهُ بِمُشاوَرَتِهِمْ وبِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، أوْضَحَ أنَّ ما صَدَرَ مِنَ النَّصْرِ أوِ الخِذْلانِ إنَّما هو راجِعٌ لِما يَشاءُ. وأنَّهُ مَتى نَصَرَكم لا يُمْكِنُ أنْ يَغْلِبَكم أحَدٌ، ومَتى خَذَلَكم فَلا ناصِرَ لَكم فِيما وقَعَ لَكم مِنَ النَّصْرِ، أوْ بِكم مِنَ الخِذْلانِ كَيَوْمَيْ بَدْرٍ وأُحُدٍ، فَبِمَشِيئَتِهِ. وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لَهم عَمّا وقَعَ لَهم مِنَ الفِرارِ. ثُمَّ أمَرَهم بِالتَّوَكُّلِ، وناطَ الأمْرَ بِالمُؤْمِنِينَ، فَنَبَّهَ عَلى الوَصْفِ الَّذِي يُناسِبُ مَعَهُ التَّوَكُّلَ وهو الإيمانُ؛ لِأنَّ المُؤْمِنَ مُصَدِّقٌ بِأنَّ اللَّهَ هو الفاعِلُ المُخْتارُ بِيَدِهِ النَّصْرُ والخِذْلانُ. وأشْرَكَهم مَعَ نَبِيِّهِمْ في مَطْلُوبِيَّةِ التَّوَكُّلِ، وهو إضافَةُ الأُمُورِ إلى اللَّهِ تَعالى وتَفْوِيضِها إلَيْهِ. والتَّوَكُّلُ عَلى اللَّهِ مِن فُرُوضِ الإيمانِ، ولَكِنَّهُ يَقْتَرِنُ بِالتَّشْمِيرِ في الطّاعَةِ والجَزامَةِ بِغايَةِ الجُهْدِ، ومُعاطاةِ أسْبابِ التَّحَرُّزِ، ولَيْسَ الإلْقاءُ بِاليَدِ والإهْمالُ لِما يَجِبُ مُراعاتُهُ بِتَوَكُّلٍ، وإنَّما هو كَما قالَ: ”قَيِّدْها وتَوَكَّلْ“ ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢] والضَّمِيرُ في ”مِن بَعْدِهِ“ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، إمّا عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: مِن بَعْدِ خِذْلانِهِ، أيْ مِن بَعْدِ ما يُخْذَلُ مِنَ الَّذِي يُنْصَرُ. وإمّا أنْ لا يُحْتاجَ إلى تَقْدِيرِ هَذا المَحْذُوفِ، بَلْ يَكُونُ المَعْنى: إذا جاوَزْتَهُ إلى غَيْرِهِ وقَدْ خَذَلَكَ فَمَن ذا الَّذِي تُجاوِزُهُ إلَيْهِ فَيَنْصُرُكَ ؟ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ”﴿وإنْ يَخْذُلْكُمْ﴾“، أيْ: مِن بَعْدِ الخِذْلانِ. وجاءَ جَوابُ: إنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ بِصَرِيحِ النَّفْيِ العامِّ، وجَوابُ ”﴿وإنْ يَخْذُلْكُمْ﴾“ يَتَضَمَّنُ النَّفْيَ وهو الِاسْتِفْهامُ، وهو مِن تَنْوِيعِ الكَلامِ في الفَصاحَةِ والتَّلَطُّفِ بِالمُؤْمِنِينَ حَتّى لا يُصَرِّحَ لَهم بِأنَّهُ لا ناصِرَ لَهم، بَلْ أبْرَزَ ذَلِكَ في صُورَةِ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي يَقْتَضِي السُّؤالَ عَنِ النّاصِرِ، وإنْ كانَ المَعْنى عَلى نَفْيِ النّاصِرِ. لَكِنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّرِيحِ والمُتَضَمِّنِ، فَلَمْ يُجْرِ المُؤْمِنِينَ في ذَلِكَ مَجْرى الكُفّارِ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ بِالصَّرِيحِ أنَّهُ لا ناصِرَ لَهم كَقَوْلِهِ: ﴿أهْلَكْناهم فَلا ناصِرَ لَهُمْ﴾ [محمد: ١٣] وظاهِرُ النُّصْرَةِ أنَّها في لِقاءِ العَدُوِّ، والإعانَةِ عَلى مُكافَحَتِهِ، والِاسْتِيلاءِ عَلَيْهِ. وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ جَعَلُوا النُّصْرَةَ بِالحُجَّةِ القاهِرَةِ، وبِالعاقِبَةِ في الآخِرَةِ. فَقالُوا: المَعْنى إنْ حَصَلَتْ لَكُمُ النُّصْرَةُ فَلا تَعُدُّوا ما يَعْرِضُ مِنَ العَوارِضِ الدُّنْيَوِيَّةِ في بَعْضِ الأحْوالِ غَلَبَةً، وإنْ خَذَلَكم في ذَلِكَ فَلا تَعُدُّوا ما يَحْصُلُ لَكم مِنَ القَهْرِ في الدُّنْيا نُصْرَةً، فالنُّصْرَةُ والخِذْلانُ مُعْتَبَرانِ بِالمَآلِ. وفي قَوْلِهِ: ”﴿إنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ﴾“ إشارَةٌ إلى التَّرْغِيبِ في طاعَةِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ بَيَّنَ فِيما تَقَدَّمَ أنَّ مَنِ اتَّقى اللَّهَ نَصَرَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في قَوْلِهِ: ”وعَلى اللَّهِ“، ولِيَخُصَّ المُؤْمِنُونَ رَبَّهم بِالتَّوَكُّلِ والتَّفْوِيضِ إلَيْهِ عَلَّمَهم أنَّهُ لا ناصِرَ سِواهُ؛ ولِأنَّ إيمانَكم يُوجِبُ ذَلِكَ ويَقْتَضِيهِ. انْتَهى كَلامُهُ. وأخَذَ الِاخْتِصاصَ مِن تَقْدِيمِ الجارِّ والمَجْرُورِ، وذَلِكَ عَلى طَرِيقَتِهِ بِأنَّ تَقْدِيمَ المَفْعُولِ يُوجِبُ الحَصْرَ والِاخْتِصاصَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَخْذُلُكم مِن خَذَلَ. وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: يَخْذُلُكم مِن أخْذَلَ رُباعِيًّا. والهَمْزَةُ فِيهِ لِلْجَعْلِ أيْ: يَجْعَلُكم. (p-١٠١)﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ: فُقِدَتْ قَطِيفَةٌ حَمْراءُ مِنَ المَغانِمِ يَوْمَ بَدْرٍ، فَقالَ بَعْضُ مَن كانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ: لَعَلَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أخَذَها، فَنَزَلَتْ، وقائِلُ ذَلِكَ مُؤْمِنٌ لَمْ يَظُنَّ في ذَلِكَ حَرَجًا. وقِيلَ: مُنافِقٌ، ورُوِيَ أنَّ المَفْقُودَ سَيْفٌ. وقالَ النَّقّاشُ: قالَتِ الرُّماةُ يَوْمَ أُحُدٍ: الغَنِيمَةُ الغَنِيمَةُ، أيُّها النّاسُ إنّا نَخْشى أنْ يَقُولَ النَّبِيُّ ﷺ: مَن أخَذَ شَيْئًا فَهو لَهُ، فَلَمّا ذَكَرُوا ذَلِكَ قالَ: ”خَشِيتُمْ أنْ نَغُلَّ“ فَنَزَلَتْ. ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ الكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ. وقِيلَ غَيْرُ هَذا، مِن ذَلِكَ ما قالَ ابْنُ إسْحاقَ: إنَّما نَزَلَتْ إعْلامًا بِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكْتُمْ شَيْئًا مِمّا أُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها مِن حَيْثُ إنَّها تَضَمَّنَتْ حُكْمًا مِن أحْكامِ الغَنائِمِ في الجِهادِ، وهي مِنَ المَعاصِي المُتَوَعَّدِ عَلَيْها بِالنّارِ كَما جاءَ في قِصَّةِ مِدْعَمٍ، فَحَذَّرَهم مِن ذَلِكَ. وتَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ في مَعْنى ما كانَ لِزَيْدٍ أنْ يَفْعَلَ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٍ ”أنْ يَغُلَّ“ مِن غَلَّ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يُمْكِنُ ذَلِكَ مِنهُ، لِأنَّ الغُلُولَ مَعْصِيَةٌ، والنَّبِيُّ ﷺ مَعْصُومٌ مِنَ المَعاصِي، فَلا يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ في شَيْءٍ مِنها. وهَذا النَّفْيُ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُتَوَهَّمَ فِيهِ ذَلِكَ، ولا أنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وباقِي السَّبْعَةِ: ”أنْ يُغَلَّ“ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الغَيْنِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. فَقالَ الجُمْهُورُ: هو مِن غَلَّ. والمَعْنى: لَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَخُونَهُ في الغَنِيمَةِ، فَهي نَهْيٌ لِلنّاسِ عَنِ الغُلُولِ في المَغانِمِ، وخُصَّ النَّبِيُّ ﷺ بِالذِّكْرِ وإنْ كانَ ذَلِكَ حَرامًا مَعَ غَيْرِهِ؛ لِأنَّ المَعْصِيَةَ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ أشْنَعُ لِما يَجِبُ مِن تَعْظِيمِهِ وتَوْقِيرِهِ، كالمَعْصِيَةِ بِالمَكانِ الشَّرِيفِ، واليَوْمِ المُعَظَّمِ. وقِيلَ: هو مِن أغَلَّ رُباعِيًّا، والمَعْنى: أنَّهُ يُوجَدُ غالًّا كَما تَقُولُ: أحْمَدَ الرَّجُلُ: وجَدَ مَحْمُودًا. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هو مِن أغَلَّ، أيْ نُسِبَ إلى الغُلُولِ. وقِيلَ لَهُ: غَلَلْتَ كَقَوْلِهِمْ: أكْفَرَ الرَّجُلُ، نُسِبَ إلى الكُفْرِ. ﴿ومَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾: ظاهِرُ هَذا أنَّهُ يَأْتِي بِعَيْنِ ما غَلَّ، ورَدَ ذَلِكَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ. فَفي الحَدِيثِ ذَكَرَ الغُلُولَ وعَظَّمَهُ وعَظَّمَ أمْرَهُ، ثُمَّ قالَ: «لا ألْفَيَنَّ أحَدَكم يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغاءٌ، فَيَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أغِثْنِي، فَأقُولُ: ما أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، قَدْ أبْلَغْتُكَ» الحَدِيثَ. وكَذَلِكَ ما جاءَ في حَدِيثِ ابْنِ اللُّتْبِيَّةِ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يَأْخُذُ أحَدٌ مِنها شَيْئًا إلّا جاءَ بِهِ يَحْمِلُهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رَقَبَتِهِ، إنْ كانَ بَعِيرًا لَهُ رُغاءٌ، أوْ بَقَرَةٌ لَها خُوارٌ، أوْ شاةٌ تَيْعِرُ» . ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا: «وفَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ» . وفي حَدِيثِ مِدْعَمٍ: «إنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي غُلَّتْ مِنَ المَغانِمِ يَوْمَ حُنَيْنٍ لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نارًا، ومَجِيئُهُ بِما غَلَّ فَضِيحَةٌ لَهُ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ يَوْمَ القِيامَةِ» . وقالَ الكَلْبِيُّ: يُمَثَّلُ لَهُ ذَلِكَ الشَّيْءُ الَّذِي غَلَّهُ في النّارِ، ثُمَّ يُقالُ لَهُ: انْزِلْ فَخُذْهُ، فَيَنْزِلُ فَيَحْمِلُهُ عَلى ظَهْرِهِ، فَإذا بَلَغَ صَوْمَعَتَهُ وقَعَ في النّارِ، ثُمَّ كُلِّفَ أنْ يَنْزِلَ إلَيْهِ فَيُخْرِجَهُ، يُفْعَلُ ذَلِكَ بِهِ. وقِيلَ: يَأْتِي حامِلًا إثْمَ ما غَلَّ. وقِيلَ: يُؤْخَذُ مِن حَسَناتِهِ عِوَضَ ما غَلَّ. وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في تَعْظِيمِ الغُلُولِ والوَعِيدِ عَلَيْهِ. ﴿ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾: هَذِهِ جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ، لَمّا ذَكَرَ مِن مَسْألَةِ الغُلُولِ، وما يَجْرِي لِصاحِبِها يَوْمَ القِيامَةِ ذَكَرَ أنَّ ذَلِكَ الجَزاءَ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِمَن غَلَّ، بَلْ كُلُّ نَفْسٍ تُوَفّى جَزاءَ ما كَسَبَتْ مِن غَيْرِ ظُلْمٍ، فَصارَ الغالُّ مَذْكُورًا مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً بِخُصُوصِهِ، ومَرَّةً بِانْدِراجِهِ في هَذا العامِّ؛ لِيَعْلَمَ أنَّهُ غَيْرُ مُتَخَلِّصٍ مِن تَبِعَةِ ما غَلَّ، ومِن تَبِعَةِ ما كَسَبَ مِن غَيْرِ الغُلُولِ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا.

آل عمران 3:162

﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ ومَأْواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾: هَذا الِاسْتِفْهامُ مَعْناهُ النَّفْيُ، أيْ لَيْسَ مَنِ اتَّبَعَ رِضا اللَّهِ فامْتَثَلَ أوامِرَهُ واجْتَنَبَ مَناهِيهِ كَمَن عَصاهُ فَباءَ بِسَخَطِهِ، وهَذا مِنَ الِاسْتِعارَةِ البَدِيعِيَّةِ، جَعَلَ ما شَرَعَهُ اللَّهُ كالدَّلِيلِ الَّذِي يَتْبَعُهُ مَن يَهْتَدِي بِهِ، وجَعَلَ العاصِيَ كالشَّخْصِ الَّذِي أُمِرَ بِأنْ يَتَّبِعَ شَيْئًا عَنِ اتِّباعِهِ ورَجَعَ مَصْحُوبًا بِما (p-١٠٢)يُخالِفُ الِاتِّباعَ. وفي الآيَةِ مِن حَيْثُ المَعْنى حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: أفَمَنِ اتَّبَعَ ما يَئُولُ بِهِ إلى رِضا اللَّهِ عَنْهُ، فَباءَ بِرِضاهُ كَمَن لَمْ يَتَّبِعْ ذَلِكَ فَباءَ بِسَخَطِهِ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والضَّحّاكُ والجُمْهُورُ: أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ فَلَمْ يَغُلَّ كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ حِينَ غَلَّ. وقالَ الزَّجّاجُ: أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ بِاتِّباعِ الرَّسُولِ يَوْمَ أُحُدٍ، كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ بِتَخَلُّفِهِ وهم جَماعَةٌ مِنَ المُنافِقِينَ. وقالَ الزَّجّاجُ أيْضًا: رِضْوانُ اللَّهِ الجِهادُ، والسُّخْطُ الفِرارُ. وقِيلَ: رِضا اللَّهِ طاعَتُهُ، وسُخْطُهُ عِقابُهُ. وقِيلَ: سُخْطُهُ مَعْصِيَتُهُ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ. ويَعْسُرُ ما يَزْعُمُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن تَقْدِيرِ مَعْطُوفٍ بَيْنَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وبَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ، وتَقْدِيرُهُ مُتَكَلَّفٌ جِدًّا فِيهِ، رَجَحَ إذْ ذاكَ مَذْهَبُ الجُمْهُورِ مِن أنَّ الفاءَ مَحَلُّها قَبْلَ الهَمْزَةِ، لَكِنْ قُدِّمَتِ الهَمْزَةُ؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ لَهُ صَدْرُ الكَلامِ. وتَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في ”رِضْوانَ“ في أوائِلِ هَذِهِ السُّورَةِ، والظّاهِرُ اسْتِئْنافٌ. ﴿ومَأْواهُ جَهَنَّمُ﴾: أخْبَرَ أنَّ مَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ فَمَكانُهُ الَّذِي يَأْوِي إلَيْهِ هو جَهَنَّمُ، وأفْهَمَ هَذا أنَّ مُقابِلَهُ وهو مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ مَأْواهُ الجَنَّةُ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في صِلَةِ ”مَن“ فَوَصَلَها بِقَوْلِهِ: ”باءَ“ . وبِهَذِهِ الجُمْلَةِ كانَ المَعْنى: كَمَن باءَ بِسَخَطِ اللَّهِ وآلَ إلى النّارِ. وبِئْسَ المَصِيرُ: أيْ جَهَنَّمَ. ﴿هم دَرَجاتٌ﴾: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: لِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِنَ الجَنَّةِ والنّارِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ كَقَوْلِهِ: هم طَبَقاتٌ. وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: أيْ ذَوُو دَرَجاتٍ، فَإنَّ بَعْضَ المُؤْمِنِينَ أفْضَلُ مِن بَعْضٍ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الغالِّ وتارِكِ الغُلُولِ، والدَّرَجَةُ: الرُّتْبَةُ. وقالَ الرّازِيُّ: تَقْدِيرُهُ: لَهم دَرَجاتٌ. قالَ بَعْضُ المُصَنِّفِينَ رادًّا عَلَيْهِ: اتَّبَعَ الرّازِيُّ في ذَلِكَ أكْثَرَ المُفَسِّرِينَ بِجَهْلِهِ وجَهْلِهِمْ بِلِسانِ العَرَبِ؛ لِأنَّ حَذْفَ لامِ الجَرِّ هُنا لا مَساغَ لَهُ؛ لِأنَّهُ إنَّما تُحْذَفُ لامُ الجَرِّ في مَواضِعِ الضَّرُورَةِ، أوْ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، وهَذا لَيْسَ مِن تِلْكَ المَواضِعِ. عَلى أنَّ المَعْنى دُونَ حَذْفِها حَسَنٌ مُتَمَكِّنٌ جِدًّا؛ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ، وكَأنَّهُ مُنْتَظِرٌ لِلْجَوابِ، قِيلَ لَهُ في الجَوابِ: لا، لَيْسُوا سَواءً، بَلْ هم دَرَجاتٌ (عِنْدَ اللَّهِ) عَلى حَسَبِ أعْمالِهِمْ. وهَذا مَعْنًى صَحِيحٌ لا يُحْتاجُ مَعَهُ إلى تَقْدِيرِ حَذْفِ اللّامِ لَوْ كانَ سائِغًا، كَيْفَ وهو غَيْرُ سائِغٍ. انْتَهى كَلامُ المُصَنِّفِ. ويَحْمِلُ تَفْسِيرُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنِ أنَّ المَعْنى: لِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِنَ الجَنَّةِ والنّارِ، عَلى تَفْسِيرِ المَعْنى لا تَفْسِيرِ اللَّفْظِ الإعْرابِيِّ. والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِمْ: هم دَرَجاتٌ، أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى الجَمِيعِ، فَهم مُتَفاوِتُونَ في الثَّوابِ والعِقابِ، وقَدْ جاءَ التَّفاوُتُ في العَذابِ كَما جاءَ التَّفاوُتُ في الثَّوابِ. ومَعْنى عِنْدَ اللَّهِ عَلى هَذا القَوْلِ: في حُكْمِ اللَّهِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى أهْلِ الرِّضْوانِ، فَيَكُونُ عِنْدَ اللَّهِ مَعْناها التَّشْرِيفُ والمَكانَةُ لا المَكانُ. كَقَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥] والدَّرَجاتُ إذْ ذاكَ مَخْصُوصَةٌ بِالجَنَّةِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ جُبَيْرٍ وأبِي صالِحٍ ومُقاتِلٍ، وظاهِرُ ما قالَهُ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ. والدَّرَجاتُ المَنازِلُ بَعْضُها أعْلى مِن بَعْضٍ مِنَ المَسافَةِ أوْ في التَّكْرِمَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ”دَرَجاتٌ“، فَهي مُطابِقَةٌ لِلَفْظِ ”هم“ . وقَرَأ النَّخَعِيُّ دَرَجَةً بِالإفْرادِ. ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾: أيْ عالِمٌ بِأعْمالِهِمْ ودَرَجاتِها، فَمُجازِيهِمْ عَلى حَسَبِها. وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ الطِّباقَ في: يَنْصُرُكم ويَخْذُلُكم، وفي رِضْوانِ اللَّهِ وبِسَخَطٍ. والتَّكْرارُ في: يَنْصُرُكم ويَنْصُرُكم، وفي الجَلالَةِ في مَواضِعَ. والتَّجْنِيسُ المُماثِلُ: في يَغُلُّ وما غَلَّ. والِاسْتِفْهامُ الَّذِي مَعْناهُ في: ”﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ﴾“ الآيَةَ. والِاخْتِصاصُ في: فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ، وفي: وما كانَ لِنَبِيٍّ، وفي: بِما يَعْمَلُونَ، خُصَّ العَمَلُ دُونَ القَوْلِ؛ لِأنَّ العَمَلَ جُلُّ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الجَزاءُ. والحَذْفُ في عِدَّةِ مَواضِعَ.

آل عمران 3:163

﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ ومَأْواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾: هَذا الِاسْتِفْهامُ مَعْناهُ النَّفْيُ، أيْ لَيْسَ مَنِ اتَّبَعَ رِضا اللَّهِ فامْتَثَلَ أوامِرَهُ واجْتَنَبَ مَناهِيهِ كَمَن عَصاهُ فَباءَ بِسَخَطِهِ، وهَذا مِنَ الِاسْتِعارَةِ البَدِيعِيَّةِ، جَعَلَ ما شَرَعَهُ اللَّهُ كالدَّلِيلِ الَّذِي يَتْبَعُهُ مَن يَهْتَدِي بِهِ، وجَعَلَ العاصِيَ كالشَّخْصِ الَّذِي أُمِرَ بِأنْ يَتَّبِعَ شَيْئًا عَنِ اتِّباعِهِ ورَجَعَ مَصْحُوبًا بِما (p-١٠٢)يُخالِفُ الِاتِّباعَ. وفي الآيَةِ مِن حَيْثُ المَعْنى حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: أفَمَنِ اتَّبَعَ ما يَئُولُ بِهِ إلى رِضا اللَّهِ عَنْهُ، فَباءَ بِرِضاهُ كَمَن لَمْ يَتَّبِعْ ذَلِكَ فَباءَ بِسَخَطِهِ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والضَّحّاكُ والجُمْهُورُ: أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ فَلَمْ يَغُلَّ كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ حِينَ غَلَّ. وقالَ الزَّجّاجُ: أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ بِاتِّباعِ الرَّسُولِ يَوْمَ أُحُدٍ، كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ بِتَخَلُّفِهِ وهم جَماعَةٌ مِنَ المُنافِقِينَ. وقالَ الزَّجّاجُ أيْضًا: رِضْوانُ اللَّهِ الجِهادُ، والسُّخْطُ الفِرارُ. وقِيلَ: رِضا اللَّهِ طاعَتُهُ، وسُخْطُهُ عِقابُهُ. وقِيلَ: سُخْطُهُ مَعْصِيَتُهُ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ. ويَعْسُرُ ما يَزْعُمُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن تَقْدِيرِ مَعْطُوفٍ بَيْنَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وبَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ، وتَقْدِيرُهُ مُتَكَلَّفٌ جِدًّا فِيهِ، رَجَحَ إذْ ذاكَ مَذْهَبُ الجُمْهُورِ مِن أنَّ الفاءَ مَحَلُّها قَبْلَ الهَمْزَةِ، لَكِنْ قُدِّمَتِ الهَمْزَةُ؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ لَهُ صَدْرُ الكَلامِ. وتَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في ”رِضْوانَ“ في أوائِلِ هَذِهِ السُّورَةِ، والظّاهِرُ اسْتِئْنافٌ. ﴿ومَأْواهُ جَهَنَّمُ﴾: أخْبَرَ أنَّ مَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ فَمَكانُهُ الَّذِي يَأْوِي إلَيْهِ هو جَهَنَّمُ، وأفْهَمَ هَذا أنَّ مُقابِلَهُ وهو مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ مَأْواهُ الجَنَّةُ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في صِلَةِ ”مَن“ فَوَصَلَها بِقَوْلِهِ: ”باءَ“ . وبِهَذِهِ الجُمْلَةِ كانَ المَعْنى: كَمَن باءَ بِسَخَطِ اللَّهِ وآلَ إلى النّارِ. وبِئْسَ المَصِيرُ: أيْ جَهَنَّمَ. ﴿هم دَرَجاتٌ﴾: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: لِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِنَ الجَنَّةِ والنّارِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ كَقَوْلِهِ: هم طَبَقاتٌ. وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: أيْ ذَوُو دَرَجاتٍ، فَإنَّ بَعْضَ المُؤْمِنِينَ أفْضَلُ مِن بَعْضٍ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الغالِّ وتارِكِ الغُلُولِ، والدَّرَجَةُ: الرُّتْبَةُ. وقالَ الرّازِيُّ: تَقْدِيرُهُ: لَهم دَرَجاتٌ. قالَ بَعْضُ المُصَنِّفِينَ رادًّا عَلَيْهِ: اتَّبَعَ الرّازِيُّ في ذَلِكَ أكْثَرَ المُفَسِّرِينَ بِجَهْلِهِ وجَهْلِهِمْ بِلِسانِ العَرَبِ؛ لِأنَّ حَذْفَ لامِ الجَرِّ هُنا لا مَساغَ لَهُ؛ لِأنَّهُ إنَّما تُحْذَفُ لامُ الجَرِّ في مَواضِعِ الضَّرُورَةِ، أوْ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، وهَذا لَيْسَ مِن تِلْكَ المَواضِعِ. عَلى أنَّ المَعْنى دُونَ حَذْفِها حَسَنٌ مُتَمَكِّنٌ جِدًّا؛ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ، وكَأنَّهُ مُنْتَظِرٌ لِلْجَوابِ، قِيلَ لَهُ في الجَوابِ: لا، لَيْسُوا سَواءً، بَلْ هم دَرَجاتٌ (عِنْدَ اللَّهِ) عَلى حَسَبِ أعْمالِهِمْ. وهَذا مَعْنًى صَحِيحٌ لا يُحْتاجُ مَعَهُ إلى تَقْدِيرِ حَذْفِ اللّامِ لَوْ كانَ سائِغًا، كَيْفَ وهو غَيْرُ سائِغٍ. انْتَهى كَلامُ المُصَنِّفِ. ويَحْمِلُ تَفْسِيرُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنِ أنَّ المَعْنى: لِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِنَ الجَنَّةِ والنّارِ، عَلى تَفْسِيرِ المَعْنى لا تَفْسِيرِ اللَّفْظِ الإعْرابِيِّ. والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِمْ: هم دَرَجاتٌ، أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى الجَمِيعِ، فَهم مُتَفاوِتُونَ في الثَّوابِ والعِقابِ، وقَدْ جاءَ التَّفاوُتُ في العَذابِ كَما جاءَ التَّفاوُتُ في الثَّوابِ. ومَعْنى عِنْدَ اللَّهِ عَلى هَذا القَوْلِ: في حُكْمِ اللَّهِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى أهْلِ الرِّضْوانِ، فَيَكُونُ عِنْدَ اللَّهِ مَعْناها التَّشْرِيفُ والمَكانَةُ لا المَكانُ. كَقَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥] والدَّرَجاتُ إذْ ذاكَ مَخْصُوصَةٌ بِالجَنَّةِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ جُبَيْرٍ وأبِي صالِحٍ ومُقاتِلٍ، وظاهِرُ ما قالَهُ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ. والدَّرَجاتُ المَنازِلُ بَعْضُها أعْلى مِن بَعْضٍ مِنَ المَسافَةِ أوْ في التَّكْرِمَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ”دَرَجاتٌ“، فَهي مُطابِقَةٌ لِلَفْظِ ”هم“ . وقَرَأ النَّخَعِيُّ دَرَجَةً بِالإفْرادِ. ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾: أيْ عالِمٌ بِأعْمالِهِمْ ودَرَجاتِها، فَمُجازِيهِمْ عَلى حَسَبِها. وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ الطِّباقَ في: يَنْصُرُكم ويَخْذُلُكم، وفي رِضْوانِ اللَّهِ وبِسَخَطٍ. والتَّكْرارُ في: يَنْصُرُكم ويَنْصُرُكم، وفي الجَلالَةِ في مَواضِعَ. والتَّجْنِيسُ المُماثِلُ: في يَغُلُّ وما غَلَّ. والِاسْتِفْهامُ الَّذِي مَعْناهُ في: ”﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ﴾“ الآيَةَ. والِاخْتِصاصُ في: فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ، وفي: وما كانَ لِنَبِيٍّ، وفي: بِما يَعْمَلُونَ، خُصَّ العَمَلُ دُونَ القَوْلِ؛ لِأنَّ العَمَلَ جُلُّ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الجَزاءُ. والحَذْفُ في عِدَّةِ مَواضِعَ.

آل عمران 3:164

﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِن أنْفُسِهِمْ﴾: مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الفَرِيقَيْنِ: (p-١٠٣)فَرِيقَ الرِّضْوانِ، وفَرِيقَ السُّخْطِ، وأنَّهم دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ مُجْمَلًا مِن غَيْرِ تَفْصِيلٍ، فَصَلَ أحْوالَهم وبَدَأ بِالمُؤْمِنِينَ، وذَكَرَ ما امْتَنَّ عَلَيْهِمْ بِهِ مِن بَعْثِ الرَّسُولِ إلَيْهِمْ تالِيًا لِآياتِ اللَّهِ، ومُبَيِّنًا لَهم طَرِيقَ الهُدى، ومُطَهِّرًا لَهم مِن أرْجاسِ الشِّرْكِ، ومُنْقِذًا لَهم مِن غَمْرَةِ الضَّلالَةِ بَعْدَ أنْ كانُوا فِيها. وسَلّاهم عَمّا أصابَهم يَوْمَ أُحُدٍ مِنَ الخِذْلانِ والقَتْلِ والجَرْحِ لِما أنالَهم يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ الظَّفَرِ والغَنِيمَةِ. ثُمَّ فَصَّلَ حالَ المُنافِقِينَ الَّذِينَ هم أهْلُ السُّخْطِ بِما نَصَّ عَلَيْهِ تَعالى. ومَعْنى ”مَنَّ“: تَطَوَّلَ وتَفَضَّلُ، وخَصَّ المُؤْمِنِينَ لِأنَّهم هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِبَعْثِهِ، والظّاهِرُ عُمُومُهُ. فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْنى مِن أنْفُسِهِمْ مِن أهْلِ مِلَّتِهم، كَما قالَ: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] والمَعْنى: مِن جِنْسِ بَنِي آدَمَ، والِامْتِنانُ بِذَلِكَ لِحُصُولِ الأُنْسِ بِكَوْنِهِ مِنَ الإنْسِ، فَيَسْهُلُ المُتَلَقّى مِنهُ، وتَزُولُ الوَحْشَةُ والنَّفْرَةُ الطَّبِيعِيَّةُ الَّتِي بَيْنَ الجِنْسَيْنِ المُخْتَلِفَيْنِ، ولِمَعْرِفَةِ قُوى جِنْسِهِمْ. فَإذا ظَهَرَتِ المُعْجِزَةُ أدْرَكُوا أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ في قُوى بَنِي آدَمَ، فَعَلِمُوا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَكانَ ذَلِكَ داعِيَةً إلى الإجابَةِ. ولَوْ كانَ الرَّسُولُ مِن غَيْرِ الجِنْسِ لَتُخُيِّلَ أنَّ تِلْكَ المُعْجِزَةَ هي في طِباعِهِ، أشارَ إلى هَذِهِ العِلَّةِ الماتُرِيدِيُّ. وقِيلَ: المُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ العَرَبُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ حَيٌّ مِن أحْياءِ العَرَبِ إلّا لَهُ فِيهِمْ نَسَبٌ مِن قَبْلِ أُمَّهاتِهِ، إلّا بَنِي تَغْلِبَ؛ لِنَصْرانِيَّتِهِمْ. قالَهُ النَّقّاشُ، فَصارَ بَعْثُهُ فِيهِمْ شَرَفًا لَهم عَلى سائِرِ الأُمَمِ. ويَكُونُ مَعْنى ”مِن أنْفُسِهِمْ“: أيْ مِن جِنْسِهِمْ عَرَبِيًّا مِثْلَهم. وقِيلَ: مِن ولَدِ إسْماعِيلَ، كَما أنَّهم مِن ولَدَهُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: قالَ ”مِن أنْفُسِهِمْ“ لِكَوْنِهِ مَعْرُوفَ النِّسَبِ فِيهِمْ، مَعْرُوفًا بِالأمانَةِ والصِّدْقِ. قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: لِيَسْهُلَ عَلَيْهِمُ التَّعْلِيمُ مِنهُ، لِمُوافَقَةِ اللِّسانِ. وقالَ الماوَرْدِيُّ: لِأنَّ شَرَفَهم يَتِمُّ بِظُهُورِ نَبِيٍّ مِنهم. انْتَهى. والمِنَّةُ عَلَيْهِمْ بِكَوْنِهِ مِن أنْفُسِهِمْ، إذْ كانَ اللِّسانُ واحِدًا، فَيَسْهُلُ عَلَيْهِمْ أخْذُ ما يَجِبُ أخْذُهُ عَنْهُ. وكانُوا واقِفِينَ عَلى أحْوالِهِ في الصِّدْقِ والأمانَةِ، فَكانَ ذَلِكَ أقْرَبَ إلى تَصْدِيقِهِ والوُثُوقِ بِهِ. وقُرِئَ شاذًّا: لِمِن مَنِّ اللَّهِ عَلى المُؤْمِنِينَ (p-١٠٤)بِمِنِ الجارَّةِ و”مَنِّ“ مَجْرُورٌ بِها بَدَلَ ”قَدْ مَنَّ“ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ وجْهانِ: أنْ يُرادَ لِمِن مَنِّ اللَّهِ عَلى المُؤْمِنِينَ مِنهُ أوْ بَعَثَهُ فِيهِمْ، فَحُذِفَ لِقِيامِ الدَّلالَةِ. أوْ يَكُونُ ”إذْ“ في مَحَلِّ الرَّفْعِ كَإذا في قَوْلِكَ: أخْطَبُ ما يَكُونُ الأمِيرُ، إذْ كانَ قائِمًا، بِمَعْنى لِمِن مَنِّ اللَّهِ عَلى المُؤْمِنِينَ وقْتَ بَعْثِهِ. انْتَهى. أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ فَهو سائِغٌ، وقَدْ حُذِفَ المُبْتَدَأُ مَعَ مِن في مَواضِعَ مِنها: ﴿وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ إلّا لِيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ [النساء: ١٥٩] ﴿وما مَنّا إلّا لَهُ مَقامٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] ﴿ومِنّا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الجن: ١١] عَلى قَوْلٍ. وأمّا الوَجْهُ الثّانِي فَهو فاسِدٌ؛ لِأنَّهُ جَعَلَ ”إذْ“ مُبْتَدَأةً ولَمْ يَسْتَعْمِلْها العَرَبُ مُتَصَرِّفَةً ألْبَتَّةَ، إنَّما تَكُونُ ظَرْفًا أوْ مُضافًا إلَيْها اسْمُ زَمانٍ، ومُفَعْوِلَةً بِاذْكُرْ عَلى قَوْلٍ. أمّا أنْ تُسْتَعْمَلَ مُبْتَدَأةً فَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ في لِسانِ العَرَبِ، لَيْسَ في كَلامِهِمْ نَحْوُ: إذْ قامَ زَيْدٌ طَوِيلٌ وأنْتَ، تُرِيدُ وقْتَ قِيامِ زَيْدٍ طَوِيلٍ. وقَدْ قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: لَمْ تَرِدْ إذْ وإذا في كَلامِ العَرَبِ إلّا ظَرْفَيْنِ، ولا يَكُونانِ فاعِلَيْنِ ولا مَفْعُولَيْنِ، ولا مُبْتَدَأيْنِ. انْتَهى كَلامُهُ. وأمّا قَوْلُهُ: في مَحَلِّ الرَّفْعِ كَإذا، فَهَذا التَّشْبِيهُ فاسِدٌ؛ لِأنَّ المُشَبَّهَ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، والمُشَبَّهَ بِهِ لَيْسَ مُبْتَدَأً. إنَّما هو ظَرْفٌ في مَوْضِعِ الخَبَرِ عَلى زَعْمِ مَن يَرى ذَلِكَ. ولَيْسَ في الحَقِيقَةِ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، بَلْ هو في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالعامِلِ المَحْذُوفِ، وذَلِكَ العامِلُ هو مَرْفُوعٌ. فَإذا قالَ النُّحاةُ: هَذا الظَّرْفُ الواقِعُ خَبَرًا في مَحَلِّ الرَّفْعِ، فَيَعْنُونَ أنَّهُ لَمّا قامَ مَقامَ المَرْفُوعِ صارَ في مَحَلِّهِ، وهو في التَّحْقِيقِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ كَما ذَكَرْنا. وأمّا قَوْلُهُ في قَوْلِكَ: أخْطَبُ ما يَكُونُ الأمِيرُ إذا كانَ قائِمًا، فَهَذا في غايَةِ الفَسادِ؛ لِأنَّ هَذا الظَّرْفَ عَلى مَذْهَبِ مَن يَجْعَلُهُ في مَوْضِعِ خَبَرِ المُبْتَدَأِ الَّذِي هو أخْطَبُ، لا يُجِيزُ أنْ يَنْطِقَ بِهِ، إنَّما هو أمْرٌ تَقْدِيرِيٌّ. ونَصَّ أرْبابُ هَذا المَذْهَبِ وهُمُ القائِلُونَ بِإعْرابِ أخْطَبَ مُبْتَدَأً، أنَّ هَذِهِ الحالَ سَدَّتْ مَسَدَّ الخَبَرِ، وأنَّهُ مِمّا يَجِبُ حَذْفُ الخَبَرِ فِيهِ لِسَدِّ هَذِهِ الحالِ مَسَدَّهُ. وفي تَقْرِيرِ هَذا الخَبَرِ أرْبَعَةُ مَذاهِبَ، ذُكِرَتْ في مَبْسُوطاتِ النَّحْوِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”مِن أنْفُسِهِمْ“ بِضَمِّ الفاءِ، جَمْعُ نَفْسٍ. وقَرَأتْ فاطِمَةُ، وعائِشَةُ، والضَّحّاكُ، وأبُو الجَوْزاءِ: ”مِن أنْفَسِهِمْ“ بِفَتْحِ الفاءِ مِنَ النَّفاسَةِ والشَّيْءِ النَّفِيسِ. ورُوِيَ عَنْ أنَسٍ أنَّهُ سَمِعَها كَذَلِكَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . «ورَوى عَلِيٌّ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”أنا مِن أنْفَسِكم نَسَبًا وحَسَبًا وصِهْرًا، ولا في آبائِي مِن آدَمَ إلى يَوْمِ وُلِدْتُ سِفاحٌ، كُلُّها نِكاحٌ والحَمْدُ لِلَّهِ“» . قِيلَ: والمَعْنى مِن أشْرَفِهِمْ؛ لِأنَّ عَدْنانَ ذُرْوَةُ ولَدِ إسْماعِيلَ، ومُضَرَ ذُرْوَةُ نِزارِ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنانَ، وخِنْدِفَ ذُرْوَةُ مُضَرَ، ومُدْرِكَةَ ذُرْوَةُ خِنْدِفَ، وقُرَيْشًا ذُرْوَةُ مُدْرِكَةَ، وذُرْوَةَ قُرَيْشٍ مُحَمَّدٌ ﷺ . وفِيما خَطَبَ بِهِ أبُو طالِبٍ في تَزْوِيجِ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها وقَدْ حَضَرَ مَعَهُ بَنُو هاشِمٍ ورُؤَساءُ مُضَرٍ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَنا مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، وزَرْعِ إسْماعِيلَ، وضِئْضِئِ مَعَدٍّ، وعُنْصُرِ مُضَرَ، وجَعَلَنا حَضَنَةَ بَيْتِهِ وسُوّاسَ حَرَمَهُ، وجَعَلَ لَنا بَيْتًا مَحْجُوجًا، وحَرَمًا آمِنًا، وجَعَلَنا الحُكّامَ عَلى النّاسِ، ثُمَّ إنَّ ابْنَ أخِي هَذا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَن لا يُوازَنُ بِهِ فَتًى مِن قُرَيْشٍ إلّا رَجَحَ بِهِ، وهو واللَّهِ بَعْدَ هَذا لَهُ نَبَأٌ عَظِيمٌ وخَطَرٌ جَلِيلٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما خَلَقَ اللَّهُ نَفْسًا هي أكْرَمُ عَلى اللَّهِ مِن مُحَمَّدٍ رَسُولِهِ ﷺ وما أقْسَمَ بِحَياةِ أحَدٍ غَيْرِهِ فَقالَ: ”﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: ٧٢]“ . ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾: تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمَلِ. ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ﴾: أيْ مِن قَبْلِ بَعْثِهِ. ﴿لَفِي ضَلالٍ﴾: (p-١٠٥)أيْ حَيْرَةٍ واضِحَةٍ فَهَداهم بِهِ. وإنْ هُنا هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها وعَلى اللّامِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كانَتْ لِكَبِيرَةً﴾ [البقرة: ١٤٣] والخِلافُ في ذَلِكَ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ هي الفارِقَةُ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ، وتَقْدِيرُهُ: وإنَّ الشَّأْنَ والحَدِيثَ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ. انْتَهى. وقالَ مَكِّيٌّ: وقَدْ ذَكَرَ أنَّهُ قَبْلَ إنْ نافِيَةٌ، واللّامُ بِمَعْنى إلّا، أيْ: وما كانُوا مِن قَبْلُ إلّا في ضَلالٍ مُبِينٍ، قالَ: وهَذا قَوْلُ الكُوفِيِّينَ. وأمّا سِيبَوَيْهِ فَإنَّهُ قالَ: إنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها مُضْمَرٌ، والتَّقْدِيرُ عَلى قَوْلِهِ: وإنَّهم كانُوا مِن قَبْلُ في ضَلالٍ مُبِينٍ. فَظَهَرَ مِن كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُ حِينَ خُفِّفَتْ حُذِفَ اسْمُها وهو ضَمِيرُ الشَّأْنِ والحَدِيثِ، ومِن كَلامِ مَكِّيٍّ أنَّها حِينَ خُفِّفَتْ حُذِفَ اسْمُها وهو ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى المُؤْمِنِينَ، وكِلا هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ لا نَعْرِفُ. نَحْوِيًّا ذَهَبَ إلَيْهِ. إنَّما تَقَرَّرَ عِنْدَنا في كُتُبِ النَّحْوِ ومِنَ الشُّيُوخِ أنَّكَ إذا قُلْتَ: إنَّ زَيْدًا قائِمٌ ثُمَّ خَفَّفْتَ، فَمَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ فِيها إذْ ذاكَ وجْهانِ، أحَدُهُما: جَوازُ الإعْمالِ، ويَكُونُ حالُها وهي مُخَفَّفَةٌ كَحالِها وهي مُشَدَّدَةٌ، إلّا أنَّها لا تَعْمَلُ في مُضْمَرٍ. ومَنَعَ ذَلِكَ الكُوفِيُّونَ، وهم مَحْجُوجُونَ بِالسَّماعِ الثّابِتِ مِن لِسانِ العَرَبِ. والوَجْهُ الثّانِي: وهو الأكْثَرُ عِنْدَهم أنْ تُهْمَلَ فَلا تَعْمَلُ، لا في ظاهِرٍ، ولا في مُضْمَرٍ، لا مَلْفُوظٍ بِهِ ولا مُقَدَّرٍ ألْبَتَّةَ. فَإنْ ولِيَها جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ ارْتَفَعَتْ بِالِابْتِداءِ والخَبَرِ، ولَزِمَتِ اللّامُ في ثانِي مَضْمُونَيْها إنْ لَمْ يُنْفَ، وفي أوَّلِهِما إنْ تَأخَّرَ، فَنَقُولُ: إنْ زَيْدٌ لَقائِمٌ، ومَدْلُولُهُ مَدْلُولُ إنَّ زَيْدًا قائِمٌ. وإنْ ولِيَها جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ فَلا بُدَّ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ أنْ تَكُونَ مِن فَواتِحِ الِابْتِداءِ. وإنْ جاءَ الفِعْلُ مِن غَيْرِها فَهو شاذٌّ لا يُقاسُ عَلَيْهِ عِنْدَ جُمْهُورِهِمْ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ”وإنْ كانُوا“ حالِيَّةٌ. والظّاهِرُ أنَّ العامِلَ فِيها هو: ”ويَعْلَمُهم“، فَهو حالٌ مِنَ المَفْعُولِ.

آل عمران 3:165

﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أنّى هَذا﴾ (p-١٠٦)الهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ الَّذِي مَعْناهُ الإنْكارُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: دَخَلَتْ عَلَيْها ألَّفُ التَّقْرِيرِ عَلى مَعْنى إلْزامِ المُؤْمِنِينَ هَذِهِ المَقالَةَ في هَذِهِ الحالِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: و”لَمّا“ نُصِبَ بِقُلْتُمْ وأصابَتْكم في مَحَلِّ الجَرِّ بِإضافَةِ ”لَمّا“ إلَيْهِ، وتَقْدِيرُهُ: أقَلْتُمْ حِينَ أصابَتْكم. وأنّى هَذا نَصْبٌ ! لِأنَّهُ مَقُولٌ، والهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيرِ والتَّقْرِيعِ. (فَإنْ قُلْتَ): عَلامَ عَطَفَتِ الواوُ هَذِهِ الجُمْلَةَ ؟ (قُلْتُ): عَلى ما مَضى مِن قِصَّةِ أُحُدٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ [آل عمران: ١٥٢] ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى مَحْذُوفٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: أفَعَلْتُمْ كَذا وقُلْتُمْ حِينَئِذٍ كَذا ؟ . انْتَهى. أمّا العَطْفُ عَلى ما مَضى مِن قِصَّةِ أُحُدٍ مِن قَوْلِهِ: ”﴿ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ [آل عمران: ١٥٢]“ . فَفِيهِ بُعْدٌ، وبِعِيدٌ أنْ يَقَعَ مِثْلُهُ في القُرْآنِ. وأمّا العَطْفُ عَلى مَحْذُوفٍ فَهو جارٍ عَلى ما تَقَرَّرَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن مَذْهَبِهِ، وقَدْ رَدَدْناهُ عَلَيْهِ. وأمّا عَلى مَذْهَبِ الجُمْهُورِ: سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ قالُوا: وأصْلُها التَّقْدِيمُ، وعُطِفَتِ الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ عَلى ما قَبْلَها. وأمّا قَوْلُهُ: ولَمّا نُصِبَ إلى آخِرِهِ وتَقْدِيرُهُ: وقُلْتُمْ حِينَئِذٍ كَذا - فَجَعَلَ لَمّا بِمَعْنى حِينَ، فَهَذا لَيْسَ مَذْهَبَ سِيبَوَيْهِ، وإنَّما هو مَذْهَبُ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ. زَعَمَ أنَّ لَمّا ظَرْفُ زَمانٍ بِمَعْنى حِينَ، والجُمْلَةُ بَعْدَها في مَوْضِعِ جَرٍّ بِها، فَجَعَلَها مِنَ الظُّرُوفِ الَّتِي تَجِبُ إضافَتُها إلى الجُمَلِ، وجَعَلَها مَعْمُولَةً لِلْفِعْلِ الواقِعِ جَوابًا لَها في نَحْوِ: لَمّا جاءَ زَيْدٌ جاءَ عَمْرٌو، فَلَمّا في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِجاءَ، مِن قَوْلِكَ: جاءَ عَمْرٌو. وأمّا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ فَلَمّا حَرْفٌ لا ظَرْفٌ، وهو حَرْفُ وُجُوبٍ لِوُجُوبٍ، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ هو الصَّحِيحُ. وقَدْ بَيَّنّا فَسادَ مَذْهَبِ أبِي عَلِيٍّ مِن وُجُوهٍ في كِتابِنا المُسَمّى بِالتَّكْمِيلِ. والمُصِيبَةُ: هي ما نَزَلَ بِالمُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ مِن قَتْلِ سَبْعِينَ مِنهم، وكَفِّهِمْ عَنِ الثَّباتِ لِلْقِتالِ. وإسْنادُ الإصابَةِ إلى المُصِيبَةِ هو مَجازٌ، كَإسْنادِ الإرادَةِ إلى الجِدارِ، والمِثْلانِ اللَّذانِ أصابُوهُما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ، والرَّبِيعُ، وجَماعَةٌ: قَتْلُهم يَوْمَ بَدْرٍ سَبْعِينَ، وأسْرُهم سَبْعِينَ، فالمِثْلِيَّةُ وقَعَتْ في العَدَدِ مِن إصابَةِ الرِّجالِ. وقالَ الزَّجّاجُ: قَتْلُهم يَوْمَ بَدْرٍ سَبْعِينَ وقَتْلُهم يَوْمَ أُحُدٍ اثْنَيْنِ وعِشْرِينَ، فَهو قَتْلٌ بِقَتْلٍ، ولا مَدْخَلَ لِلْأسْرى في الآيَةِ؛ لِأنَّهم فُدُوا، فَلا مُماثَلَةَ بَيْنَ حالِهِمْ وبَيْنَ قَتْلِ سَبْعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: المِثْلِيَّةُ في الِانْهِزامِ. هَزَمَ المُؤْمِنُونَ الكُفّارَ يَوْمَ بَدْرٍ، وهَزَمُوهم أوَّلًا يَوْمَ أُحُدٍ، وهَزَمَهُمُ المُشْرِكُونَ في آخِرِ يَوْمِ أُحُدٍ. ومُلَخَّصُ ذَلِكَ: هَلِ المِثْلِيَّةُ في الإصابَةِ مِن قَتْلٍ وأسْرٍ، أوْ مِن قَتْلٍ، أوْ مِن هَزِيمَةٍ ؟ ثَلاثَةُ أقْوالٍ، والأظْهَرُ الأوَّلُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها هو عَلى (p-١٠٧)طَرِيقِ التَّفَضُّلِ مِنهُ تَعالى عَلى المُؤْمِنِينَ بِإدالَتِهِمْ عَلى الكُفّارِ، والتَّسْلِيَةِ لَهم عَلى ما أصابَهم، فَيَكُونُ ذَلِكَ بِالأبْلَغِ في التَّسْلِيَةِ. وتَنْبِيهُهم عَلى أنَّهم قَتَلُوا مِنهم سَبْعِينَ، وأسَرُوا سَبْعِينَ أبْلَغُ في المِنَّةِ وفي التَّسْلِيَةِ. وأدْعى إلى أنْ يَذْكُرُوا نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِمُ السّابِقَةَ، وأنْ يَتَناسَوْا ما جَرى عَلَيْهِمْ يَوْمَ أُحُدٍ. وأنّى هَذا: جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ، وهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى أنَّها مَعْمُولَةٌ لِقَوْلِهِ: قُلْتُمْ. قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ والإنْكارِ لِما أصابَهم، والمَعْنى: كَيْفَ أصابَنا هَذا ونَحْنُ نُقاتِلُ أعْداءَ اللَّهِ، وقَدْ وُعِدْنا بِالنَّصْرِ وإمْدادِ المَلائِكَةِ ؟ فاسْتَفْهَمُوا عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ عَنْ ذَلِكَ. وأنّى سُؤالٌ عَنِ الحالِ هُنا، ولا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ هُنا بِمَعْنى أيْنَ أوْ مَتى؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ لَمْ يَقَعْ عَنِ المَكانِ ولا عَنِ الزَّمانِ هُنا، إنَّما الِاسْتِفْهامُ وقَعَ عَنِ الحالَةِ الَّتِي اقْتَضَتْ لَهم ذَلِكَ، سَألُوا عَنْها عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنّى هَذا: مِن أيْنَ هَذا، كَقَوْلِهِ: ”أنّى لَكَ هَذا“؛ لِقَوْلِهِ: ”مِن عِنْدِ أنْفُسِكم“ وقَوْلِهِ: ”مِن عِنْدِ اللَّهِ“ . انْتَهى كَلامُهُ. والظَّرْفُ إذا وقَعَ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ لا يُقَدَّرُ داخِلًا عَلَيْهِ حَرْفُ جَرٍّ غَيْرُ ”في“، أمّا أنْ يُقَدَّرَ داخِلًا عَلَيْهِ ”مِن“، فَلا؛ لِأنَّهُ إنَّما انْتَصَبَ عَلى إسْقاطِ ”في“ . وكَذَلِكَ إذا أُضْمِرَ الظَّرْفُ تَعَدّى إلَيْهِ الفِعْلُ بِوَساطَةِ ”في“ إلّا أنْ يُتَّسَعَ في الفِعْلِ فَيُنْصَبُ نَصْبَ التَّشْبِيهِ بِالمَفْعُولِ بِهِ، فَتَقْدِيرُ الزَّمَخْشَرِيِّ أنّى هَذا: مِن أيْنَ هَذا تَقْدِيرٌ غَيْرُ سائِغٍ، واسْتِدْلالُهُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ بِقَوْلِهِ: ”مِن عِنْدِ أنْفُسِكم“، وقَوْلِهِ: ”مِن عِنْدِ اللَّهِ“، وُقُوفٌ مَعَ مُطابَقَةِ الجَوابِ لِلسُّؤالِ في اللَّفْظِ، وذُهُولٌ عَنْ هَذِهِ القاعِدَةِ الَّتِي ذَكَرْناها. وأمّا عَلى ما قَرَّرْناهُ، فَإنَّ الجَوابَ جاءَ عَلى مُراعاةِ المَعْنى، لا عَلى مُطابَقَةِ الجَوابِ لِلسُّؤالِ في اللَّفْظِ. وقَدْ تَقَرَّرَ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ أنَّ الجَوابَ يَأْتِي عَلى حَسَبِ السُّؤالِ مُطابِقًا لَهُ في اللَّفْظِ، ومُراعًى فِيهِ المَعْنى لا اللَّفْظُ. والسُّؤالُ بِأنّى سُؤالٌ عَنْ تَعْيِينِ كَيْفِيَّةِ حُصُولِ هَذا الأمْرِ، والجَوابُ بِقَوْلِهِ: ”مِن عِنْدِ أنْفُسِكم“ يَتَضَمَّنُ تَعْيِينَ الكَيْفِيَّةِ؛ لِأنَّهُ بِتَعْيِينِ السَّبَبِ تَتَعَيَّنُ الكَيْفِيَّةُ مِن حَيْثُ المَعْنى لَوْ قِيلَ عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ والإنْكارِ: كَيْفَ لا يَحُجُّ زَيْدٌ الصّالِحُ، وأُجِيبَ ذَلِكَ بِأنْ يُقالَ: بِعَدَمِ اسْتِطاعَتِهِ حَصَلَ الجَوابُ وانْتَظَمَ مِنَ المَعْنى أنَّهُ لا يَحُجُّ وهو غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ. ﴿قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ﴾: الإضْمارُ في ”هو“ راجِعٌ إلى المُصِيبَةِ عَلى المَعْنى، لا عَلى اللَّفْظِ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ المُصِيبَةِ في تَفْسِيرِ مُقابِلِ المِثْلَيْنِ: أهْوَ القَتْلُ المُقابِلُ لِلْقَتْلِ والأسْرِ، أوِ المُقابِلُ لِلْقَتْلِ فَقَطْ ؟ أوِ الِانْهِزامُ المُقابِلُ لِلِانْهِزامَيْنِ ؟ والمَعْنى: أنَّ سَبَبَ هَذِهِ المُصِيبَةِ صَدَرَ مِن عِنْدِ أنْفُسِكم. فَقِيلَ: هو الفِداءُ الَّذِي آثَرُوهُ عَلى القَتْلِ يَوْمَ بَدْرٍ مِن غَيْرِ إذْنِ اللَّهِ تَعالى، قالَ مَعْناهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وعَلِيٌّ، والحَسَنُ، «ورَوى عَلِيٌّ في ذَلِكَ أنَّهُ لَمّا فَرُغَتْ هَزِيمَةُ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ جاءَ جِبْرِيلُ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: ”يا مُحَمَّدُ، إنَّ اللَّهَ قَدْ كَرِهَ ما صَنَعَ قَوْمُكَ في أخْذِهِمْ فَداءَ الأسْرى، وقَدْ أمَرَكَ أنْ تُخَيِّرَهم بَيْنَ أمْرَيْنِ: أنْ يُقَدِّمُوا الأسْرى فَتُضْرَبَ أعْناقُهم، أوْ يَأْخُذُوا الفِداءَ عَلى أنْ يُقْتَلَ مِن أصْحابِكَ عِدَّةُ هَؤُلاءِ الأسْرى، فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النّاسَ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهم، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، عَشائِرُنا وإخْوانُنا نَأْخُذُ فِداءَهم فَنَتَقَوّى بِهِ عَلى قِتالِ عَدُوِّنا، ويَسْتَشْهِدُ مِنّا عُدَّتُهم، فَلَيْسَ في ذَلِكَ ما نَكْرَهُ“ . فَقُتِلَ مِنهم يَوْمَ أُحُدٍ سَبْعُونَ رَجُلًا» . وقالَ الجُمْهُورُ: هو مُخالَفَةُ الرَّسُولِ في الرَّأْيِ حِينَ رَأى أنْ يُقِيمَ بِالمَدِينَةِ ويَتْرُكَ الكُفّارَ بِشَرِّ مَجْلِسٍ، فَخالَفُوا وخَرَجُوا حَتّى جَرَتِ القِصَّةُ. وقالَتْ طائِفَةٌ مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ: هو عِصْيانُ الرُّماةِ وتَسْبِيبِهِمُ الهَزِيمَةَ عَلى المُؤْمِنِينَ. وقَدْ لَخَّصَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذِهِ الأقْوالَ الثَّلاثَةَ أحْسَنَ تَلْخِيصٍ، فَقالَ: المَعْنى أنْتُمُ السَّبَبُ فِيما (p-١٠٨)أصابَكم؛ لِاخْتِيارِكُمُ الخُرُوجَ مِنَ المَدِينَةِ، أوْ لِتَخْلِيَتِكُمُ المَرْكَزَ. وعَنْ عَلِيٍّ: لِأخْذِكُمُ الفِداءَ مِن أُسارى بَدْرٍ قَبْلَ أنْ يُؤْذَنَ لَكم. انْتَهى. ولَمْ يُعَيِّنِ اللَّهُ تَعالى السَّبَبَ ما هو لُطْفًا بِالمُؤْمِنِينَ في خِطابِهِ تَعالى لَهم. والظّاهِرُ في قَوْلِهِ: ”أنّى هَذا“ هو مِن سُؤالِ المُؤْمِنِينَ عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ. وذَكَرَ الرّازِيُّ أنَّ اللَّهَ لَمّا حَكى عَنِ المُنافِقِينَ طَعْنَهم في الرَّسُولِ بِأنْ نَسَبُوهُ إلى الغُلُولِ والخِيانَةِ، حَكى عَنْهم شُبْهَةً أُخْرى في هَذِهِ الآيَةِ وهي قَوْلُهم: لَوْ كانَ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ لَما انْهَزَمَ عَسْكَرُهُ يَوْمَ أُحُدٍ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِمْ: أنّى هَذا. فَأجابَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكم، أيْ هَذا الِانْهِزامُ إنَّما حَصَلَ بِشُؤْمِ عِصْيانِكم. انْتَهى كَلامُهُ. ودَلَّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ”أنّى هَذا“ مِن كَلامِ المُنافِقِينَ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ أيْضًا: إنَّهُ مِن كَلامِ المُنافِقِينَ. والظّاهِرُ ما قُلْناهُ أنَّهُ مِن كَلامِ المُؤْمِنِينَ، وهُمُ المُخاطَبُونَ بِقَوْلِهِ: ”﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ﴾“؛ لِأنَّ المُنافِقِينَ لَمْ تُصِبْهم مُصِيبَةٌ؛ لِأنَّهم رَجَعُوا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، ولَمْ يَحْضُرُوا القِتالَ، إلّا أنْ تَجُوزَ في قَوْلِهِ: ”﴿أصابَتْكم مُصِيبَةٌ﴾“ بِمَعْنى أصابَتْ أقْرِباءَكم وإخْوانَكم، فَهو يُمْكِنُ عَلى بُعْدٍ. ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: أيْ قادِرٌ عَلى النَّصْرِ، وعَلى مَنعِهِ، وعَلى أنْ يُصِيبَ بِكم تارَةً، ويُصِيبَ مِنكم أُخْرى. ونَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى أنَّ ما أصابَهم كانَ لِوَهَنٍ في دِينِهِمْ، لا لِضَعْفٍ في قُدْرَةِ اللَّهِ؛ لِأنَّ مَن هو قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ هو قادِرٌ عَلى دِفاعِهِمْ عَلى كُلِّ حالٍ.

آل عمران 3:166

﴿وما أصابَكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ فَبِإذْنِ اللَّهِ﴾: هو يَوْمُ أُحُدٍ. والجَمْعانِ: جَمْعُ النَّبِيِّ ﷺ وكُفّارُ قُرَيْشٍ، والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ. و”ما“ مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ قَوْلُهُ: فَبِإذْنِ اللَّهِ، وهو عَلى إضْمارٍ أيْ: فَهو بِإذْنِ اللَّهِ. ودُخُولُ الفاءِ هُنا قالَ الحَوْفِيُّ: ”لَمّا“ في الكَلامِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ؛ لِطِلْبَتِهِ لِلْفِعْلِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ودَخَلَتِ الفاءُ رابِطَةً مُسَدِّدَةً، وذَلِكَ لِلْإبْهامِ الَّذِي في ”ما“ فَأشْبَهَ الكَلامُ الشَّرْطَ، وهَذا كَما قالَ سِيبَوَيْهِ: الَّذِي قامَ فَلَهُ دِرْهَمانِ، فَيَحْسُنُ دُخُولَ الفاءِ إذا كانَ القِيامُ سَبَبَ الإعْطاءِ. انْتَهى كَلامُهُ. وهو أحْسَنُ مِن كَلامِ الحَوْفِيِّ؛ لِأنَّ الحَوْفِيَّ زَعَمَ أنَّ في الكَلامِ مَعْنى الشَّرْطِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَأشْبَهَ الكَلامُ الشَّرْطَ. ودُخُولُ الفاءِ عَلى ما قالَهُ الجُمْهُورُ وقَرَّرُوهُ قَلَقٌ هُنا؛ وذَلِكَ أنَّهم قَرَّرُوا في جَوازِ دُخُولِ الفاءِ عَلى خَبَرِ المَوْصُولِ أنَّ الصِّلَةَ تَكُونُ مُسْتَقِلَّةً، فَلا يُجِيزُونَ: الَّذِي قامَ أمْسِ فَلَهُ دِرْهَمٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ الفاءَ إنَّما دَخَلَتْ في خَبَرِ المَوْصُولِ لِشِبْهِهِ بِالشَّرْطِ. فَكَما أنَّ فِعْلَ الشَّرْطِ لا يَكُونُ ماضِيًا مِن حَيْثُ المَعْنى، فَكَذَلِكَ الصِّلَةُ. والَّذِي أصابَهم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ هو ماضٍ حَقِيقَةً، فَهو إخْبارٌ عَنْ ماضٍ مِن حَيْثُ المَعْنى. فَعَلى ما قَرَّرُوهُ يُشْكِلُ دُخُولُ الفاءِ هُنا. والَّذِي نَذْهَبُ إلَيْهِ: أنَّهُ يَجُوزُ دُخُولُ الفاءِ في الخَبَرِ الصِّلَةِ ماضِيَةً مِن جِهَةِ المَعْنى؛ لِوُرُودِ هَذِهِ الآيَةِ، ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهم فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ﴾ [الحشر: ٦] ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا ماضٍ مَعْنًى، مَقْطُوعٌ بِوُقُوعِهِ صِلَةً وخَبَرًا، ويَكُونُ ذَلِكَ عَلى تَأْوِيلِ: وما يَتَبَيَّنُ إصابَتُهُ إيّاكم. كَما تَأوَّلُوا: ”﴿إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ﴾ [يوسف: ٢٦]“ أيْ إنْ تَبَيَّنَ كَوْنُ قَمِيصِهِ قُدَّ. وإذا تَقَرَّرَ هَذا فَيَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩] ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] فَإنَّ ظاهِرَ هَذِهِ كُلِّها إخْبارٌ عَنِ الأُمُورِ الماضِيَةِ. ويَكُونُ المَعْنى عَلى التَّبَيُّنِ المُسْتَقْبَلِ. وفُسِّرَ الإذْنَ هُنا بِالعِلْمِ، وعَبَّرَ عَنْهُ بِهِ؛ لِأنَّهُ مِن مُقْتَضَياتِهِ. قالَهُ الزَّجّاجُ. أوْ بِتَمْكِينِ اللَّهِ وتَخْلِيَتِهِ بَيْنَ الجَمْعَيْنِ. قالَهُ القَفّالُ. أوْ بِمَرْأًى ومَسْمَعٍ، أوْ بِقَضائِهِ وقَدَرِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَهو كائِنٌ بِإذْنِ اللَّهِ، اسْتَعارَ الإذْنَ لِتَخْلِيَةِ الكُفّارِ، وأنَّهُ لَمْ يَمْنَعْهم مِنهم لِيَبْتَلِيَهم؛ لِأنَّ الآذِنَ مُخِلٌّ بَيْنَ المَأْذُونِ لَهُ ومُرادِهِ. انْتَهى. وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ؛ لِأنَّ قَتْلَ الكُفّارِ لِلْمُؤْمِنِينَ قَبِيحٌ عِنْدَهُ، فَلا إذَنْ فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَحْسُنُ دُخُولُ الفاءِ إذا كانَ سَبَبُ الإعْطاءِ، وكَذَلِكَ تَرْتِيبُ هَذِهِ الآيَةِ. فالمَعْنى: إنَّما هو وما أذِنَ اللَّهُ فِيهِ فَهو الَّذِي أصابَ، لَكِنْ قَدَّمَ الأهَمَّ في نُفُوسِهِمْ والأقْرَبَ إلى حِسِّهِمْ، والإذْنُ: التَّمْكِينُ مِنَ الشَّيْءِ مَعَ العِلْمِ بِهِ. انْتَهى كَلامُهُ. لَمّا كانَ مِن حَيْثُ المَعْنى أنَّ (p-١٠٩)الإصابَةَ مُتَرَتِّبَةٌ عَلى تَمْكِينِ اللَّهِ، مِن ذَلِكَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ، وادَّعى تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، ولا تَحْتاجُ الآيَةُ إلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ شَرْطًا وجَزاءً فَيَحْتاجُ فِيهِ إلى ذَلِكَ، بَلْ هَذا مِن بابِ الإخْبارِ عَنْ شَيْءٍ ماضٍ، والإخْبارُ صَحِيحٌ. أخْبَرَ تَعالى أنَّ الَّذِي أصابَهم يَوْمَ أُحُدٍ كانَ لا مَحالَةَ بِإذْنِ اللَّهِ، فَهَذا إخْبارٌ صَحِيحٌ، ومَعْنًى صَحِيحٌ، فَلا نَتَكَلَّفُ تَقْدِيمًا ولا تَأْخِيرًا، ونَجْعَلُهُ مِن بابِ الشَّرْطِ والجَزاءِ. * * ﴿ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا﴾: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: ولِيَعْلَمَ إيمانَ المُؤْمِنِينَ، ويَعْلَمَ نِفاقَ الَّذِينَ نافَقُوا. أوِ المَعْنى: ولِيُمَيِّزَ أعْيانَ المُؤْمِنِينَ مِن أعْيانِ المُنافِقِينَ. وقِيلَ: لِيَكُونَ العِلْمُ مَعَ وُجُودِ المُؤْمِنِينَ والمُنافِقِينَ مُساوِقًا لِلْعِلْمِ الَّذِي لَمْ يَزَلْ ولا يَزالُ. وقِيلَ: لِيُظْهِرَ إيمانَ هَؤُلاءِ ونِفاقَ هَؤُلاءِ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَأْوِيلُ مِثْلِ هَذا في قَوْلِهِ: ﴿لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ﴾ [البقرة: ١٤٣] وقالُوا: تَتَعَلَّقُ الآيَةُ بِمَحْذُوفٍ أيْ: ولِكَذا فَعَلَ ذَلِكَ. والَّذِي يَظْهَرُ: أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ”بِإذْنِ اللَّهِ“ عَطَفَ السَّبَبِ عَلى السَّبَبِ. ولا فَرْقَ بَيْنَ الباءِ واللّامِ، فَهو مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَتْ بِهِ الباءُ مِن قَوْلِهِ: فَهو كائِنٌ. والَّذِينَ نافَقُوا هُنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ. ﴿وقِيلَ لَهم تَعالَوْا قاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أوِ ادْفَعُوا﴾: القائِلُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقِيلَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرامٍ الأنْصارِيُّ، أبُو جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، لَمّا انْخَذَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ في نَحْوِ ثَلاثِمِائَةٍ تَبِعَهم عَبْدُ اللَّهِ فَقالَ لَهم: اتَّقُوا اللَّهَ ولا تَتْرُكُوا نَبِيَّكم، وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أوِ ادْفَعُوا، ونَحْوَ هَذا مِنَ القَوْلِ. فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: ما أرى أنْ يَكُونَ قِتالٌ، ولَوْ عَلِمْناهُ لَكُنّا مَعَكم. فَلَمّا يَئِسَ مِنهم عَبْدُ اللَّهِ قالَ: اذْهَبُوا أعْداءَ اللَّهِ، فَسَيُغْنِي اللَّهُ عَنْكم، ومَضى حَتّى اسْتُشْهِدَ. قالَ السُّدِّيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، والضَّحّاكُ، والفَرّاءُ: مَعْناهُ: كَثِّرُوا السَّوادَ وإنْ لَمْ تُقاتِلُوا فَتَدْفَعُونَ القَوْمَ بِالتَّكْثِيرِ. وقالَ أبُو عَوْنٍ الأنْصارِيُّ مَعْناهُ: رابِطُوا، وهو قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ؛ لِأنَّ المُرابِطَ في الثُّغُورِ دافِعٌ لِلْعَدُوِّ؛ إذْ لَوْلاهُ لَطَرَقَها. قالَ أنَسٌ: رَأيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ يَوْمَ القادِسِيَّةِ وعَلَيْهِ دِرْعٌ يَجُرُّ أطْرافَها، وبِيَدِهِ رايَةٌ سَوْداءُ، فَقِيلَ لَهُ: ألَيْسَ قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ عُذْرَكَ ؟ قالَ: بَلى، ولَكِنِّي أُكَثِّرُ المُسْلِمِينَ بِنَفْسِي. وقِيلَ: القِتالُ بِالأنْفُسِ، والدَّفْعُ بِالأمْوالِ. وقِيلَ: المَعْنى: أوِ ادْفَعُوا حَمِيَّةً؛ لِأنَّهُ لَمّا دَعاهم أوَّلًا إلى أنْ يُقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ وجَدَ عَزائِمَهم مُنْحَلَّةً عَنْ ذَلِكَ، إذْ لا باعِثَ لَهم في ذَلِكَ؛ لِنِفاقِهِمْ، فاسْتَدْعى مِنهم أنْ يَدْفَعُوا عَنِ الحَوْزَةِ، فَنَبَّهَ عَلى ما يُقاتِلُ لِأجْلِهِ: إمّا لِإعْلاءِ الدِّينِ، أوْ لِحِمى الذِّمارِ. ألا تَرى إلى قَوْلِ قُزْمانَ: واللَّهِ ما قاتَلْتُ إلّا عَلى أحْسابِ قَوْمِي، وقَوْلِ الأنْصارِيِّ وقَدْ رَأى قُرَيْشًا تَرْعى زَرْعَ قَناهُ: أتَرْعى زُرُوعَ بَنِي قِيلَةَ ولَمّا تَضارَبُ، مَعَ أنَّهُ أمَرَ أنْ لا يُقاتِلَ أحَدٌ حَتّى يَأْمُرَهُ. و”أوْ“ عَلى بابِها مِن أنَّها لِأحَدِ الشَّيْئَيْنِ. وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الواوِ، فَطَلَبَ مِنهُمُ الشَّيْئَيْنِ: القِتالَ في سَبِيلِ اللَّهِ، والدَّفْعَ عَنِ الحَرِيمِ والأهْلِ والمالِ. فَكُفّارُ قُرَيْشٍ لا تُفَرِّقُ بَيْنَ المُؤْمِنِ والمُنافِقِ في القَتْلِ والسَّبْيِ والنَّهْبِ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: وقِيلَ لَهم: كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ. قَسَّمَ الأمْرَ عَلَيْهِمْ فِيهِ بَيْنَ أنْ يُقاتِلُوا لِلْآخِرَةِ، أوْ يَدْفَعُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ وأهْلِيهِمْ وأمْوالِهِمْ. حَكى اللَّهُ عَنْهم ما يَدُلُّ عَلى نِفاقِهِمْ في هَذا السُّؤالِ والجَوابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: وقِيلَ لَهم مَعْطُوفٌ عَلى نافَقُوا، فَيَكُونُ مِنَ الصِّلَةِ. ﴿قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكُمْ﴾: إنَّما لَمْ تَرِدْ بِالفاءِ لِأنَّهُ جَوابٌ لِسُؤالٍ اقْتَضاهُ دُعاؤُهم إلى القِتالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا ؟ فَقِيلَ: قالُوا لَوْ نَعْلَمُ، ونَعْلَمُ هُنا في مَعْنى عَلِمْنا؛ لِأنَّ لَوْ مِنَ القَرائِنِ الَّتِي تُخْلِصُ المُضارِعَ لِمَعْنى الماضِي إذا كانَتْ حَرْفًا لَما كانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ، فَإذا كانَتْ بِمَعْنى إنِ الشَّرْطِيَّةِ تُخْلِصُ المُضارِعَ لِمَعْنى الِاسْتِقْبالِ. ومَضْمُونُ هَذا الجَوابِ أنَّهم عَلَّقُوا الِاتِّباعَ عَلى تَقْدِيرِ وُجُودِ عِلْمِ القِتالِ، وعِلْمُهم لِلْقِتالِ مُنْتَفٍ، فانْتَفى الِاتِّباعُ، وإخْبارُهم بِانْتِفاءِ عِلْمِ القِتالِ مِنهم إمّا عَلى سَبِيلِ المُكابَرَةِ والمُكاذَبَةِ؛ إذْ مَعْلُومٌ أنَّهُ إذا خَرَجَ عَسْكَرانِ وتَلاقَيا وقَدْ قَصَدَ أحَدُهُما الآخَرَ مِن شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ في عَدَدٍ كَثِيرٍ وعُدَدٍ، وخَرَجَ إلَيْهِمُ العَسْكَرُ الآخَرُ مِن (p-١١٠)بَلَدِهِمْ لِلِقائِهِمْ قَبْلَ أنْ يَصِلُوا بَلَدَهم واثِقِينَ بِنَصْرِ اللَّهِ مُقاتِلِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ، وإنْ كانُوا أقَلَّ مِن أُولَئِكَ - أنَّهُ سَيَنْشُبُ بَيْنَهم قِتالٌ لا مَحالَةَ، فَأنْكَرُوا عِلْمَ ذَلِكَ رَأْسًا؛ لِما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ النِّفاقِ والدَّغَلِ والفَرَحِ بِالِاسْتِيلاءِ عَلى المُؤْمِنِينَ. وإمّا عَلى سَبِيلِ التَّخْطِئَةِ لَهم في ظَنِّهِمْ أنَّ ذَلِكَ قِتالٌ في سَبِيلِ اللَّهِ. ولَيْسَ كَذَلِكَ، إنَّما هو رَمْيُ النُّفُوسِ في التَّهْلُكَةِ؛ إذْ لا مُقاوَمَةَ لَهم بِحَرْبِ الكُفّارِ لِكَثْرَتِهِمْ وقِلَّةِ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ رَأْيَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ كانَ في الإقامَةِ بِالمَدِينَةِ وجَعْلِها ظَهْرًا لِلْمُؤْمِنِينَ، وما كانَ يَسْتَصْوِبُ الخُرُوجَ كَما مَرَّ ذِكْرُهُ في قِصَّةِ أُحُدٍ. ﴿هم لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أقْرَبُ مِنهم لِلْإيمانِ﴾: وجْهُ الأقْرَبِيَّةِ الَّتِي هي الزِّيادَةُ في القُرْبِ أنَّهم كانُوا يُظْهِرُونَ الإيمانَ، ولَمْ تَكُنْ تَظْهَرُ لَهم أمارَةٌ تَدُلُّ عَلى الكُفْرِ، فَلَمّا انْخَذَلُوا عَنِ المُؤْمِنِينَ وقالُوا ما قالُوا زادُوا قُرْبًا لِلْكُفْرِ، وتَباعَدُوا عَنِ الإيمانِ. وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: هم لِأهْلِ الكُفْرِ أقْرَبُ نُصْرَةً مِنهم لِأهْلِ الإيمانِ؛ لِأنَّ تَقْلِيلَهم سَوادَ المُسْلِمِينَ بِالِانْخِذالِ تَقْوِيَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ. وأقْرَبُ هُنا أفْعَلُ تَفْضِيلٍ، وهي مِنَ القُرْبِ المُقابِلِ لِلْبُعْدِ. ويُعَدّى بِإلى وبِاللّامِ وبِمِن، فَيُقالُ: زَيْدٌ أقْرَبُ لِكَذا، وإلى كَذا، ومِن كَذا مِن عَمْرٍو. فَمِنِ الأُولى لَيْسَتِ الَّتِي يَتَعَدّى بِها أفْعَلُ التَّفْضِيلِ مُطْلَقًا في نَحْوِ: زَيْدٌ أفْضَلُ مِن عَمْرٍو. وحَرْفا الجَرِّ هُنا يَتَعَلَّقانِ بِأقْرَبَ، وهَذا مِن خَواصِّ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، أنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَرْفا جَرٍّ مِن جِنْسٍ واحِدٍ، ولَيْسَ أحَدُهُما مَعْطُوفًا عَلى الآخَرِ، ولا بَدَلًا مِنهُ، بِخِلافِ سائِرِ العَوامِلِ، فَإنَّهُ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَرْفا جَرٍّ مِن جِنْسٍ واحِدٍ إلّا بِالعَطْفِ، أوْ عَلى سَبِيلِ البَدَلِ. فَتَقُولُ: زَيْدٌ بِالنَّحْوِ أبْصَرُ مِنهُ بِالفِقْهِ. والعامِلُ في ”يَوْمَئِذٍ“: ”أقْرَبُ“ . و”مِنهم“ مُتَعَلِّقٌ بِأقْرَبَ أيْضًا، والجُمْلَةُ المُعَوَّضُ مِنها التَّنْوِينُ هي السّابِقَةُ، أيْ: هم قَوْمٌ إذْ قالُوا: لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكم. وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ فِيما حَكى النَّقّاشُ: إلى أنَّ أقْرَبَ لَيْسَ هو هُنا المُقابِلُ لِلْأبْعَدِ، وإنَّما هو مِنَ القَرَبِ بِفَتْحِ القافِ والرّاءِ وهو المَطْلَبُ، والقارِبُ طالِبُ الماءِ، ولَيْلَةُ القَرَبِ لَيْلَةُ الوِدادِ، فاللَّفْظَةُ بِمَعْنى الطَّلَبِ. ويَتَعَيَّنُ عَلى هَذا القَوْلِ التَّعْدِيَةُ بِاللّامِ، ولا يَجُوزُ أنْ تُعَدّى بِإلى ولا بِمِنِ الَّتِي لا تَصْحَبُ كُلَّ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، وصارَ نَظِيرَ: زَيْدٌ أقْرَبُ لِعَمْرٍو مِن بَكْرٍ. وأكْثَرُ العُلَماءِ عَلى أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ تَضَمَّنَتِ النَّصَّ عَلى كُفْرِهِمْ. قالَ الحَسَنُ: إذا قالَ اللَّهُ: أقْرَبُ، فَهو اليَقِينُ بِأنَّهم مُشْرِكُونَ. كَقَوْلِهِ: ”﴿مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]“، فالزِّيادَةُ لا شَكَّ فِيها، والمُكَلَّفُ لا يَنْفَكُّ عَنِ الكُفْرِ أوِ الإيمانِ. فَلَمّا دَلَّتْ عَلى الأقْرَبِيَّةِ مِنَ الكُفْرِ لَزِمَ حُصُولُ الكُفْرِ. وقالَ الواحِدِيُّ في الوَسِيطِ: هَذِهِ الآيَةُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن أتى بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ لَمْ يَكْفُرْ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمْ يُطْلِقِ القَوْلَ عَلَيْهِمْ بِتَكْفِيرِهِمْ، مَعَ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ مَعَ إظْهارِهِمْ لِقَوْلِ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. قالَ الماتُرِيدِيُّ: أقْرَبُ أيْ ألْزَمُ عَلى الكُفْرِ، وأقْبَلَ لَهُ مَعَ وُجُودِ الكُفْرِ مِنهم حَقِيقَةً، لا عَلى القُرْبِ إلَيْهِ قَبْلَ الوُقُوعِ والوُجُودِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] أيْ هي لَهم لا عَلى القُرْبِ قَبْلَ الوُجُودِ، لَكِنَّهم لَمّا كانُوا أهْلَ نِفاقٍ والكُفْرُ لَمْ يُفارِقْ قُلُوبَهم، وما كانَ مِن إيمانِهِمْ كانَ بِظاهِرِ اللِّسانِ قَدْ يُفارِقُها في أكْثَرِ أوْقاتِهِمْ، وُصِفُوا بِهِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُحْمَلَ عَلى القُرْبِ مِن حَيْثُ كانُوا شاكِّينَ في الأمْرِ، والشّاكُّ في أمْرِ الكُفْرِ والإيمانِ تارِكٌ لِلْإيمانِ، فَهو أقْرَبُ إلى الكُفْرِ. أوْ مِن حَيْثُ قالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ: ”﴿ألَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ [النساء: ١٤١]“، ولِلْكافِرِينَ: ”﴿ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكم ونَمْنَعْكم مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤١]“ أوْ مِن حَيْثُ ما أظْهَرُوا مِنَ الإيمانِ كَذِبٌ، والكُفْرُ نَفْسُهُ كَذِبٌ. فَما أظْهَرُوا مِنَ الإيمانِ فَهو كَذِبٌ إلى الكَذِبِ الَّذِي هم أقْرَبُ إلَيْهِ وهو الكُفْرُ، أوْ مِن حَيْثُ إنَّهم أحَقُّ بِهِ أنْ يَعْرِفُوا. كَما جَعَلَ اللَّهُ لَهم أعْلامًا يُعْرَفُونَ بِها، أوْ مِن حَيْثُ لا يَعْبُدُونَ اللَّهَ ولا يَعْرِفُونَهُ، بَلْ هم عِبادُ الأصْنامِ لِاتِّخاذِهِمْ لَها أرْبابًا، أوْ لِتَقَرُّبِهِمْ بِها إلى اللَّهِ، فَإذا أصابَتْهم شِدَّةٌ فَزِعُوا إلى اللَّهِ، والمُؤْمِنُونَ يَرْجِعُونَ إلى اللَّهِ في الشِّدَّةِ والرَّخاءِ. ﴿يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾: أيْ يُظْهِرُونَ مِنَ الإسْلامِ ما يَحْقِنُونَ بِهِ دِماءَهم، ويَحْفَظُونَ أهْلِيهِمْ (p-١١١)مِنَ السَّبْيِ، وأمْوالَهم مِنَ النَّهْبِ. ولَيْسَ ما يُظْهِرُونَ ما تَنْطَوِي عَلَيْهِ ضَمائِرُهم، بَلْ هو لا يَتَجاوَزُ أفْواهَهم ومَخارِجَ الحُرُوفِ مِنها، ولَمْ تَعِ قُلُوبُهم مِنهُ شَيْئًا. وذِكْرُ الأفْواهِ مَعَ القُلُوبِ تَصْوِيرٌ لِنِفاقِهِمْ، وأنَّ إيمانَهم مَوْجُودٌ في أفْواهِهِمْ، مَعْدُومٌ في قُلُوبِهِمْ، بِخِلافِ إيمانِ المُؤْمِنِينَ في مُواطَأةِ عَقْدِ قُلُوبِهِمْ لِلَفْظِ ألْسِنَتِهِمْ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بِأفْواهِهِمْ تَوْكِيدٌ مِثْلُ: يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ. انْتَهى. ولا يَظْهَرُ أنَّهُ تَوْكِيدٌ؛ إذِ القَوْلُ يَنْطَلِقُ عَلى اللِّسانِيِّ والنَّفْسانِيِّ، فَهو مُخَصَّصٌ لِأحَدِ الِانْطِلاقَيْنِ، إلّا إنْ قُلْنا: إنَّ إطْلاقَهُ عَلى النَّفْسانِيِّ مَجازٌ، فَيَكُونُ إذْ ذاكَ تَوْكِيدًا لِحَقِيقَةِ القَوْلِ. ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ﴾: أيْ مِنَ الكُفْرِ وعَداوَةِ الدِّينِ. وقالَ: ”أعْلَمُ“؛ لِأنَّ عِلْمَهُ تَعالى بِهِمْ عِلْمُ إحاطَةٍ بِتَفاصِيلِ ما يَكْتُمُونَهُ وكَيْفِيّاتِهِ، ونَحْنُ نَعْلَمُ بَعْضَ ذَلِكَ عِلْمًا مُجْمَلًا. وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ التَّوَعُّدَ الشَّدِيدَ لَهم؛ إذِ المَعْنى: تَرَتُّبُ الجَزاءِ عَلى عِلْمِهِ تَعالى بِما يَكْتُمُونَ.

آل عمران 3:167

﴿وما أصابَكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ فَبِإذْنِ اللَّهِ﴾: هو يَوْمُ أُحُدٍ. والجَمْعانِ: جَمْعُ النَّبِيِّ ﷺ وكُفّارُ قُرَيْشٍ، والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ. و”ما“ مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ قَوْلُهُ: فَبِإذْنِ اللَّهِ، وهو عَلى إضْمارٍ أيْ: فَهو بِإذْنِ اللَّهِ. ودُخُولُ الفاءِ هُنا قالَ الحَوْفِيُّ: ”لَمّا“ في الكَلامِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ؛ لِطِلْبَتِهِ لِلْفِعْلِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ودَخَلَتِ الفاءُ رابِطَةً مُسَدِّدَةً، وذَلِكَ لِلْإبْهامِ الَّذِي في ”ما“ فَأشْبَهَ الكَلامُ الشَّرْطَ، وهَذا كَما قالَ سِيبَوَيْهِ: الَّذِي قامَ فَلَهُ دِرْهَمانِ، فَيَحْسُنُ دُخُولَ الفاءِ إذا كانَ القِيامُ سَبَبَ الإعْطاءِ. انْتَهى كَلامُهُ. وهو أحْسَنُ مِن كَلامِ الحَوْفِيِّ؛ لِأنَّ الحَوْفِيَّ زَعَمَ أنَّ في الكَلامِ مَعْنى الشَّرْطِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَأشْبَهَ الكَلامُ الشَّرْطَ. ودُخُولُ الفاءِ عَلى ما قالَهُ الجُمْهُورُ وقَرَّرُوهُ قَلَقٌ هُنا؛ وذَلِكَ أنَّهم قَرَّرُوا في جَوازِ دُخُولِ الفاءِ عَلى خَبَرِ المَوْصُولِ أنَّ الصِّلَةَ تَكُونُ مُسْتَقِلَّةً، فَلا يُجِيزُونَ: الَّذِي قامَ أمْسِ فَلَهُ دِرْهَمٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ الفاءَ إنَّما دَخَلَتْ في خَبَرِ المَوْصُولِ لِشِبْهِهِ بِالشَّرْطِ. فَكَما أنَّ فِعْلَ الشَّرْطِ لا يَكُونُ ماضِيًا مِن حَيْثُ المَعْنى، فَكَذَلِكَ الصِّلَةُ. والَّذِي أصابَهم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ هو ماضٍ حَقِيقَةً، فَهو إخْبارٌ عَنْ ماضٍ مِن حَيْثُ المَعْنى. فَعَلى ما قَرَّرُوهُ يُشْكِلُ دُخُولُ الفاءِ هُنا. والَّذِي نَذْهَبُ إلَيْهِ: أنَّهُ يَجُوزُ دُخُولُ الفاءِ في الخَبَرِ الصِّلَةِ ماضِيَةً مِن جِهَةِ المَعْنى؛ لِوُرُودِ هَذِهِ الآيَةِ، ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهم فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ﴾ [الحشر: ٦] ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا ماضٍ مَعْنًى، مَقْطُوعٌ بِوُقُوعِهِ صِلَةً وخَبَرًا، ويَكُونُ ذَلِكَ عَلى تَأْوِيلِ: وما يَتَبَيَّنُ إصابَتُهُ إيّاكم. كَما تَأوَّلُوا: ”﴿إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ﴾ [يوسف: ٢٦]“ أيْ إنْ تَبَيَّنَ كَوْنُ قَمِيصِهِ قُدَّ. وإذا تَقَرَّرَ هَذا فَيَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩] ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] فَإنَّ ظاهِرَ هَذِهِ كُلِّها إخْبارٌ عَنِ الأُمُورِ الماضِيَةِ. ويَكُونُ المَعْنى عَلى التَّبَيُّنِ المُسْتَقْبَلِ. وفُسِّرَ الإذْنَ هُنا بِالعِلْمِ، وعَبَّرَ عَنْهُ بِهِ؛ لِأنَّهُ مِن مُقْتَضَياتِهِ. قالَهُ الزَّجّاجُ. أوْ بِتَمْكِينِ اللَّهِ وتَخْلِيَتِهِ بَيْنَ الجَمْعَيْنِ. قالَهُ القَفّالُ. أوْ بِمَرْأًى ومَسْمَعٍ، أوْ بِقَضائِهِ وقَدَرِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَهو كائِنٌ بِإذْنِ اللَّهِ، اسْتَعارَ الإذْنَ لِتَخْلِيَةِ الكُفّارِ، وأنَّهُ لَمْ يَمْنَعْهم مِنهم لِيَبْتَلِيَهم؛ لِأنَّ الآذِنَ مُخِلٌّ بَيْنَ المَأْذُونِ لَهُ ومُرادِهِ. انْتَهى. وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ؛ لِأنَّ قَتْلَ الكُفّارِ لِلْمُؤْمِنِينَ قَبِيحٌ عِنْدَهُ، فَلا إذَنْ فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَحْسُنُ دُخُولُ الفاءِ إذا كانَ سَبَبُ الإعْطاءِ، وكَذَلِكَ تَرْتِيبُ هَذِهِ الآيَةِ. فالمَعْنى: إنَّما هو وما أذِنَ اللَّهُ فِيهِ فَهو الَّذِي أصابَ، لَكِنْ قَدَّمَ الأهَمَّ في نُفُوسِهِمْ والأقْرَبَ إلى حِسِّهِمْ، والإذْنُ: التَّمْكِينُ مِنَ الشَّيْءِ مَعَ العِلْمِ بِهِ. انْتَهى كَلامُهُ. لَمّا كانَ مِن حَيْثُ المَعْنى أنَّ (p-١٠٩)الإصابَةَ مُتَرَتِّبَةٌ عَلى تَمْكِينِ اللَّهِ، مِن ذَلِكَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ، وادَّعى تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، ولا تَحْتاجُ الآيَةُ إلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ شَرْطًا وجَزاءً فَيَحْتاجُ فِيهِ إلى ذَلِكَ، بَلْ هَذا مِن بابِ الإخْبارِ عَنْ شَيْءٍ ماضٍ، والإخْبارُ صَحِيحٌ. أخْبَرَ تَعالى أنَّ الَّذِي أصابَهم يَوْمَ أُحُدٍ كانَ لا مَحالَةَ بِإذْنِ اللَّهِ، فَهَذا إخْبارٌ صَحِيحٌ، ومَعْنًى صَحِيحٌ، فَلا نَتَكَلَّفُ تَقْدِيمًا ولا تَأْخِيرًا، ونَجْعَلُهُ مِن بابِ الشَّرْطِ والجَزاءِ. * * ﴿ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا﴾: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: ولِيَعْلَمَ إيمانَ المُؤْمِنِينَ، ويَعْلَمَ نِفاقَ الَّذِينَ نافَقُوا. أوِ المَعْنى: ولِيُمَيِّزَ أعْيانَ المُؤْمِنِينَ مِن أعْيانِ المُنافِقِينَ. وقِيلَ: لِيَكُونَ العِلْمُ مَعَ وُجُودِ المُؤْمِنِينَ والمُنافِقِينَ مُساوِقًا لِلْعِلْمِ الَّذِي لَمْ يَزَلْ ولا يَزالُ. وقِيلَ: لِيُظْهِرَ إيمانَ هَؤُلاءِ ونِفاقَ هَؤُلاءِ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَأْوِيلُ مِثْلِ هَذا في قَوْلِهِ: ﴿لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ﴾ [البقرة: ١٤٣] وقالُوا: تَتَعَلَّقُ الآيَةُ بِمَحْذُوفٍ أيْ: ولِكَذا فَعَلَ ذَلِكَ. والَّذِي يَظْهَرُ: أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ”بِإذْنِ اللَّهِ“ عَطَفَ السَّبَبِ عَلى السَّبَبِ. ولا فَرْقَ بَيْنَ الباءِ واللّامِ، فَهو مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَتْ بِهِ الباءُ مِن قَوْلِهِ: فَهو كائِنٌ. والَّذِينَ نافَقُوا هُنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ. ﴿وقِيلَ لَهم تَعالَوْا قاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أوِ ادْفَعُوا﴾: القائِلُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقِيلَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرامٍ الأنْصارِيُّ، أبُو جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، لَمّا انْخَذَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ في نَحْوِ ثَلاثِمِائَةٍ تَبِعَهم عَبْدُ اللَّهِ فَقالَ لَهم: اتَّقُوا اللَّهَ ولا تَتْرُكُوا نَبِيَّكم، وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أوِ ادْفَعُوا، ونَحْوَ هَذا مِنَ القَوْلِ. فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: ما أرى أنْ يَكُونَ قِتالٌ، ولَوْ عَلِمْناهُ لَكُنّا مَعَكم. فَلَمّا يَئِسَ مِنهم عَبْدُ اللَّهِ قالَ: اذْهَبُوا أعْداءَ اللَّهِ، فَسَيُغْنِي اللَّهُ عَنْكم، ومَضى حَتّى اسْتُشْهِدَ. قالَ السُّدِّيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، والضَّحّاكُ، والفَرّاءُ: مَعْناهُ: كَثِّرُوا السَّوادَ وإنْ لَمْ تُقاتِلُوا فَتَدْفَعُونَ القَوْمَ بِالتَّكْثِيرِ. وقالَ أبُو عَوْنٍ الأنْصارِيُّ مَعْناهُ: رابِطُوا، وهو قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ؛ لِأنَّ المُرابِطَ في الثُّغُورِ دافِعٌ لِلْعَدُوِّ؛ إذْ لَوْلاهُ لَطَرَقَها. قالَ أنَسٌ: رَأيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ يَوْمَ القادِسِيَّةِ وعَلَيْهِ دِرْعٌ يَجُرُّ أطْرافَها، وبِيَدِهِ رايَةٌ سَوْداءُ، فَقِيلَ لَهُ: ألَيْسَ قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ عُذْرَكَ ؟ قالَ: بَلى، ولَكِنِّي أُكَثِّرُ المُسْلِمِينَ بِنَفْسِي. وقِيلَ: القِتالُ بِالأنْفُسِ، والدَّفْعُ بِالأمْوالِ. وقِيلَ: المَعْنى: أوِ ادْفَعُوا حَمِيَّةً؛ لِأنَّهُ لَمّا دَعاهم أوَّلًا إلى أنْ يُقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ وجَدَ عَزائِمَهم مُنْحَلَّةً عَنْ ذَلِكَ، إذْ لا باعِثَ لَهم في ذَلِكَ؛ لِنِفاقِهِمْ، فاسْتَدْعى مِنهم أنْ يَدْفَعُوا عَنِ الحَوْزَةِ، فَنَبَّهَ عَلى ما يُقاتِلُ لِأجْلِهِ: إمّا لِإعْلاءِ الدِّينِ، أوْ لِحِمى الذِّمارِ. ألا تَرى إلى قَوْلِ قُزْمانَ: واللَّهِ ما قاتَلْتُ إلّا عَلى أحْسابِ قَوْمِي، وقَوْلِ الأنْصارِيِّ وقَدْ رَأى قُرَيْشًا تَرْعى زَرْعَ قَناهُ: أتَرْعى زُرُوعَ بَنِي قِيلَةَ ولَمّا تَضارَبُ، مَعَ أنَّهُ أمَرَ أنْ لا يُقاتِلَ أحَدٌ حَتّى يَأْمُرَهُ. و”أوْ“ عَلى بابِها مِن أنَّها لِأحَدِ الشَّيْئَيْنِ. وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الواوِ، فَطَلَبَ مِنهُمُ الشَّيْئَيْنِ: القِتالَ في سَبِيلِ اللَّهِ، والدَّفْعَ عَنِ الحَرِيمِ والأهْلِ والمالِ. فَكُفّارُ قُرَيْشٍ لا تُفَرِّقُ بَيْنَ المُؤْمِنِ والمُنافِقِ في القَتْلِ والسَّبْيِ والنَّهْبِ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: وقِيلَ لَهم: كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ. قَسَّمَ الأمْرَ عَلَيْهِمْ فِيهِ بَيْنَ أنْ يُقاتِلُوا لِلْآخِرَةِ، أوْ يَدْفَعُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ وأهْلِيهِمْ وأمْوالِهِمْ. حَكى اللَّهُ عَنْهم ما يَدُلُّ عَلى نِفاقِهِمْ في هَذا السُّؤالِ والجَوابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: وقِيلَ لَهم مَعْطُوفٌ عَلى نافَقُوا، فَيَكُونُ مِنَ الصِّلَةِ. ﴿قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكُمْ﴾: إنَّما لَمْ تَرِدْ بِالفاءِ لِأنَّهُ جَوابٌ لِسُؤالٍ اقْتَضاهُ دُعاؤُهم إلى القِتالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا ؟ فَقِيلَ: قالُوا لَوْ نَعْلَمُ، ونَعْلَمُ هُنا في مَعْنى عَلِمْنا؛ لِأنَّ لَوْ مِنَ القَرائِنِ الَّتِي تُخْلِصُ المُضارِعَ لِمَعْنى الماضِي إذا كانَتْ حَرْفًا لَما كانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ، فَإذا كانَتْ بِمَعْنى إنِ الشَّرْطِيَّةِ تُخْلِصُ المُضارِعَ لِمَعْنى الِاسْتِقْبالِ. ومَضْمُونُ هَذا الجَوابِ أنَّهم عَلَّقُوا الِاتِّباعَ عَلى تَقْدِيرِ وُجُودِ عِلْمِ القِتالِ، وعِلْمُهم لِلْقِتالِ مُنْتَفٍ، فانْتَفى الِاتِّباعُ، وإخْبارُهم بِانْتِفاءِ عِلْمِ القِتالِ مِنهم إمّا عَلى سَبِيلِ المُكابَرَةِ والمُكاذَبَةِ؛ إذْ مَعْلُومٌ أنَّهُ إذا خَرَجَ عَسْكَرانِ وتَلاقَيا وقَدْ قَصَدَ أحَدُهُما الآخَرَ مِن شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ في عَدَدٍ كَثِيرٍ وعُدَدٍ، وخَرَجَ إلَيْهِمُ العَسْكَرُ الآخَرُ مِن (p-١١٠)بَلَدِهِمْ لِلِقائِهِمْ قَبْلَ أنْ يَصِلُوا بَلَدَهم واثِقِينَ بِنَصْرِ اللَّهِ مُقاتِلِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ، وإنْ كانُوا أقَلَّ مِن أُولَئِكَ - أنَّهُ سَيَنْشُبُ بَيْنَهم قِتالٌ لا مَحالَةَ، فَأنْكَرُوا عِلْمَ ذَلِكَ رَأْسًا؛ لِما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ النِّفاقِ والدَّغَلِ والفَرَحِ بِالِاسْتِيلاءِ عَلى المُؤْمِنِينَ. وإمّا عَلى سَبِيلِ التَّخْطِئَةِ لَهم في ظَنِّهِمْ أنَّ ذَلِكَ قِتالٌ في سَبِيلِ اللَّهِ. ولَيْسَ كَذَلِكَ، إنَّما هو رَمْيُ النُّفُوسِ في التَّهْلُكَةِ؛ إذْ لا مُقاوَمَةَ لَهم بِحَرْبِ الكُفّارِ لِكَثْرَتِهِمْ وقِلَّةِ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ رَأْيَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ كانَ في الإقامَةِ بِالمَدِينَةِ وجَعْلِها ظَهْرًا لِلْمُؤْمِنِينَ، وما كانَ يَسْتَصْوِبُ الخُرُوجَ كَما مَرَّ ذِكْرُهُ في قِصَّةِ أُحُدٍ. ﴿هم لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أقْرَبُ مِنهم لِلْإيمانِ﴾: وجْهُ الأقْرَبِيَّةِ الَّتِي هي الزِّيادَةُ في القُرْبِ أنَّهم كانُوا يُظْهِرُونَ الإيمانَ، ولَمْ تَكُنْ تَظْهَرُ لَهم أمارَةٌ تَدُلُّ عَلى الكُفْرِ، فَلَمّا انْخَذَلُوا عَنِ المُؤْمِنِينَ وقالُوا ما قالُوا زادُوا قُرْبًا لِلْكُفْرِ، وتَباعَدُوا عَنِ الإيمانِ. وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: هم لِأهْلِ الكُفْرِ أقْرَبُ نُصْرَةً مِنهم لِأهْلِ الإيمانِ؛ لِأنَّ تَقْلِيلَهم سَوادَ المُسْلِمِينَ بِالِانْخِذالِ تَقْوِيَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ. وأقْرَبُ هُنا أفْعَلُ تَفْضِيلٍ، وهي مِنَ القُرْبِ المُقابِلِ لِلْبُعْدِ. ويُعَدّى بِإلى وبِاللّامِ وبِمِن، فَيُقالُ: زَيْدٌ أقْرَبُ لِكَذا، وإلى كَذا، ومِن كَذا مِن عَمْرٍو. فَمِنِ الأُولى لَيْسَتِ الَّتِي يَتَعَدّى بِها أفْعَلُ التَّفْضِيلِ مُطْلَقًا في نَحْوِ: زَيْدٌ أفْضَلُ مِن عَمْرٍو. وحَرْفا الجَرِّ هُنا يَتَعَلَّقانِ بِأقْرَبَ، وهَذا مِن خَواصِّ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، أنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَرْفا جَرٍّ مِن جِنْسٍ واحِدٍ، ولَيْسَ أحَدُهُما مَعْطُوفًا عَلى الآخَرِ، ولا بَدَلًا مِنهُ، بِخِلافِ سائِرِ العَوامِلِ، فَإنَّهُ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَرْفا جَرٍّ مِن جِنْسٍ واحِدٍ إلّا بِالعَطْفِ، أوْ عَلى سَبِيلِ البَدَلِ. فَتَقُولُ: زَيْدٌ بِالنَّحْوِ أبْصَرُ مِنهُ بِالفِقْهِ. والعامِلُ في ”يَوْمَئِذٍ“: ”أقْرَبُ“ . و”مِنهم“ مُتَعَلِّقٌ بِأقْرَبَ أيْضًا، والجُمْلَةُ المُعَوَّضُ مِنها التَّنْوِينُ هي السّابِقَةُ، أيْ: هم قَوْمٌ إذْ قالُوا: لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكم. وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ فِيما حَكى النَّقّاشُ: إلى أنَّ أقْرَبَ لَيْسَ هو هُنا المُقابِلُ لِلْأبْعَدِ، وإنَّما هو مِنَ القَرَبِ بِفَتْحِ القافِ والرّاءِ وهو المَطْلَبُ، والقارِبُ طالِبُ الماءِ، ولَيْلَةُ القَرَبِ لَيْلَةُ الوِدادِ، فاللَّفْظَةُ بِمَعْنى الطَّلَبِ. ويَتَعَيَّنُ عَلى هَذا القَوْلِ التَّعْدِيَةُ بِاللّامِ، ولا يَجُوزُ أنْ تُعَدّى بِإلى ولا بِمِنِ الَّتِي لا تَصْحَبُ كُلَّ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، وصارَ نَظِيرَ: زَيْدٌ أقْرَبُ لِعَمْرٍو مِن بَكْرٍ. وأكْثَرُ العُلَماءِ عَلى أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ تَضَمَّنَتِ النَّصَّ عَلى كُفْرِهِمْ. قالَ الحَسَنُ: إذا قالَ اللَّهُ: أقْرَبُ، فَهو اليَقِينُ بِأنَّهم مُشْرِكُونَ. كَقَوْلِهِ: ”﴿مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]“، فالزِّيادَةُ لا شَكَّ فِيها، والمُكَلَّفُ لا يَنْفَكُّ عَنِ الكُفْرِ أوِ الإيمانِ. فَلَمّا دَلَّتْ عَلى الأقْرَبِيَّةِ مِنَ الكُفْرِ لَزِمَ حُصُولُ الكُفْرِ. وقالَ الواحِدِيُّ في الوَسِيطِ: هَذِهِ الآيَةُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن أتى بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ لَمْ يَكْفُرْ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمْ يُطْلِقِ القَوْلَ عَلَيْهِمْ بِتَكْفِيرِهِمْ، مَعَ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ مَعَ إظْهارِهِمْ لِقَوْلِ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. قالَ الماتُرِيدِيُّ: أقْرَبُ أيْ ألْزَمُ عَلى الكُفْرِ، وأقْبَلَ لَهُ مَعَ وُجُودِ الكُفْرِ مِنهم حَقِيقَةً، لا عَلى القُرْبِ إلَيْهِ قَبْلَ الوُقُوعِ والوُجُودِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] أيْ هي لَهم لا عَلى القُرْبِ قَبْلَ الوُجُودِ، لَكِنَّهم لَمّا كانُوا أهْلَ نِفاقٍ والكُفْرُ لَمْ يُفارِقْ قُلُوبَهم، وما كانَ مِن إيمانِهِمْ كانَ بِظاهِرِ اللِّسانِ قَدْ يُفارِقُها في أكْثَرِ أوْقاتِهِمْ، وُصِفُوا بِهِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُحْمَلَ عَلى القُرْبِ مِن حَيْثُ كانُوا شاكِّينَ في الأمْرِ، والشّاكُّ في أمْرِ الكُفْرِ والإيمانِ تارِكٌ لِلْإيمانِ، فَهو أقْرَبُ إلى الكُفْرِ. أوْ مِن حَيْثُ قالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ: ”﴿ألَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ [النساء: ١٤١]“، ولِلْكافِرِينَ: ”﴿ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكم ونَمْنَعْكم مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤١]“ أوْ مِن حَيْثُ ما أظْهَرُوا مِنَ الإيمانِ كَذِبٌ، والكُفْرُ نَفْسُهُ كَذِبٌ. فَما أظْهَرُوا مِنَ الإيمانِ فَهو كَذِبٌ إلى الكَذِبِ الَّذِي هم أقْرَبُ إلَيْهِ وهو الكُفْرُ، أوْ مِن حَيْثُ إنَّهم أحَقُّ بِهِ أنْ يَعْرِفُوا. كَما جَعَلَ اللَّهُ لَهم أعْلامًا يُعْرَفُونَ بِها، أوْ مِن حَيْثُ لا يَعْبُدُونَ اللَّهَ ولا يَعْرِفُونَهُ، بَلْ هم عِبادُ الأصْنامِ لِاتِّخاذِهِمْ لَها أرْبابًا، أوْ لِتَقَرُّبِهِمْ بِها إلى اللَّهِ، فَإذا أصابَتْهم شِدَّةٌ فَزِعُوا إلى اللَّهِ، والمُؤْمِنُونَ يَرْجِعُونَ إلى اللَّهِ في الشِّدَّةِ والرَّخاءِ. ﴿يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾: أيْ يُظْهِرُونَ مِنَ الإسْلامِ ما يَحْقِنُونَ بِهِ دِماءَهم، ويَحْفَظُونَ أهْلِيهِمْ (p-١١١)مِنَ السَّبْيِ، وأمْوالَهم مِنَ النَّهْبِ. ولَيْسَ ما يُظْهِرُونَ ما تَنْطَوِي عَلَيْهِ ضَمائِرُهم، بَلْ هو لا يَتَجاوَزُ أفْواهَهم ومَخارِجَ الحُرُوفِ مِنها، ولَمْ تَعِ قُلُوبُهم مِنهُ شَيْئًا. وذِكْرُ الأفْواهِ مَعَ القُلُوبِ تَصْوِيرٌ لِنِفاقِهِمْ، وأنَّ إيمانَهم مَوْجُودٌ في أفْواهِهِمْ، مَعْدُومٌ في قُلُوبِهِمْ، بِخِلافِ إيمانِ المُؤْمِنِينَ في مُواطَأةِ عَقْدِ قُلُوبِهِمْ لِلَفْظِ ألْسِنَتِهِمْ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بِأفْواهِهِمْ تَوْكِيدٌ مِثْلُ: يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ. انْتَهى. ولا يَظْهَرُ أنَّهُ تَوْكِيدٌ؛ إذِ القَوْلُ يَنْطَلِقُ عَلى اللِّسانِيِّ والنَّفْسانِيِّ، فَهو مُخَصَّصٌ لِأحَدِ الِانْطِلاقَيْنِ، إلّا إنْ قُلْنا: إنَّ إطْلاقَهُ عَلى النَّفْسانِيِّ مَجازٌ، فَيَكُونُ إذْ ذاكَ تَوْكِيدًا لِحَقِيقَةِ القَوْلِ. ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ﴾: أيْ مِنَ الكُفْرِ وعَداوَةِ الدِّينِ. وقالَ: ”أعْلَمُ“؛ لِأنَّ عِلْمَهُ تَعالى بِهِمْ عِلْمُ إحاطَةٍ بِتَفاصِيلِ ما يَكْتُمُونَهُ وكَيْفِيّاتِهِ، ونَحْنُ نَعْلَمُ بَعْضَ ذَلِكَ عِلْمًا مُجْمَلًا. وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ التَّوَعُّدَ الشَّدِيدَ لَهم؛ إذِ المَعْنى: تَرَتُّبُ الجَزاءِ عَلى عِلْمِهِ تَعالى بِما يَكْتُمُونَ.

آل عمران 3:168

﴿الَّذِينَ قالُوا لِإخْوانِهِمْ وقَعَدُوا لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا﴾: هَذِهِ الآيَةُ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ”﴿وقالُوا لِإخْوانِهِمْ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ﴾ [آل عمران: ١٥٦]“ الآيَةَ. وفُسِّرَ الإخْوانُ هُنا بِما فُسِّرَ بِهِ هُناكَ. وتَحْتَمِلُ لامُ الجَرِّ ما احْتَمَلَتْهُ في تِلْكَ، وجَوَّزُوا في إعْرابِ الَّذِينَ وُجُوهًا: الرَّفْعُ عَلى النَّعْتِ لِلَّذِينِ نافَقُوا، أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الواوِ في يَكْتُمُونَ، والنَّصْبُ عَلى الذَّمِّ أيْ: أذُمُّ الَّذِينَ، والجَرُّ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ في بِأفْواهِهِمْ أوْ في قُلُوبِهِمْ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ”وقَعَدُوا“ حالِيَّةٌ أيْ: وقَدْ قَعَدُوا. ووُقُوعُ الماضِي حالًا في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ مَصْحُوبًا بِقَدْ، أوْ بِالواوِ، أوْ بِهِما، أوْ دُونِهِما - ثابِتٌ مِن لِسانِ العَرَبِ بِالسَّماعِ. ومُتَعَلِّقُ الطّاعَةِ هو تَرْكُ الخُرُوجِ. والقُعُودُ كَما قَعَدُوا هم، وهَذا مِنهم قَوْلٌ بِالأجَلَيْنِ أيْ: لَوْ وافَقُونا في التَّخَلُّفِ والقُعُودِ ما قُتِلُوا، كَما لَمْ نُقْتَلْ نَحْنُ. وقَرَأ الحَسَنُ: ما قُتِلُوا بِالتَّشْدِيدِ. ﴿قُلْ فادْرَءُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾: أكْذَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى في دَعْواهم ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: القَتْلُ ضَرْبٌ مِنَ المَوْتِ، فَإنْ كانَ لَكم سَبِيلٌ إلى دَفْعِهِ عَنْ أنْفُسِكم بِفِعْلٍ اخْتِيارِيٍّ فادْفَعُوا عَنْها المَوْتَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ دَلَّ عَلى أنَّكم مُبْطِلُونَ في دَعْواكم. والدَّرْءُ: الدَّفْعُ، وتَقَدَّمَتْ مادَّتُهُ في قَوْلِهِ: ”فادّارَأْتُمْ فِيها“ وقالَ دَغْفَلٌ النَّسّابَةُ: ؎صادَفَ دَرْءُ السَّيْلِ دَرْأً يَدْفَعُهُ والعِبْءُ لا تَعْرِفُهُ أوْ تَرْفَعُهُ والمَعْنى: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دَعْواكم أنَّ التَّحَيُّلَ والتَّحَرُّزَ يُنْجِي مِنَ المَوْتِ، فَجِدُّوا أنْتُمْ في دَفْعِهِ، ولَنْ تَجِدُوا إلى ذَلِكَ سَبِيلًا، بَلْ لا بُدَّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِكم بَعْضُ أسْبابِ المَنُونِ. وهَبْ أنَّكم عَلى زَعْمِكم دَفَعْتُمْ بِالقُعُودِ هَذا السَّبَبَ الخاصَّ، فادْفَعُوا سائِرَ أسْبابِ المَوْتِ، وهَذا لا يُمْكِنُ لَكم ألْبَتَّةَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَقَدْ كانُوا صادِقِينَ في أنَّهم دَفَعُوا القَتْلَ عَنْ أنْفُسِهِمْ بِالقُعُودِ، فَما مَعْنى قَوْلِهِ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ؟ (قُلْتَ): مَعْناهُ أنَّ النَّجاةَ مِنَ القَتْلِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ سَبَبُها القُعُودَ عَنِ القِتالِ، وأنْ يَكُونَ غَيْرُهُ؛ لِأنَّ أسْبابَ النَّجاةِ كَثِيرَةٌ. وقَدْ يَكُونُ قِتالُ الرَّجُلِ نَجاتَهُ، ولَوْ لَمْ يُقاتِلْ لَقُتِلَ، فَما يُدْرِيكم أنَّ سَبَبَ نَجاتِكُمُ القُعُودُ، وأنَّكم صادِقُونَ في مُقاتَلَتِكم وما أنْكَرْتُمْ أنْ يَكُونَ السَّبَبُ غَيْرَهُ ؟ ووَجْهٌ آخَرُ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في قَوْلِكم: لَوْ أطاعُونا وقَعَدُوا ما قُتِلُوا، يَعْنِي: أنَّهم لَوْ أطاعُوكم وقَعَدُوا لَقُتِلُوا قاعِدِينَ، كَما قُتِلُوا مُقاتِلِينَ. وقَوْلُهُ: فادْرَءُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ، اسْتِهْزاءٌ بِهِمْ، أيْ إنْ كُنْتُمْ رِجالًا دَفّاعِينَ لِأسْبابِ المَوْتِ فادْرَءُوا جَمِيعَ أسْبابِهِ حَتّى لا تَمُوتُوا. انْتَهى كَلامُهُ. وهو حَسَنٌ عَلى طُولِهِ.

آل عمران 3:169

﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (p-١١٢)قِيلَ: هم قَتْلى أُحُدٍ، وقِيلَ: شُهَداءُ بِئْرِ مَعُونَةَ. وقِيلَ: شُهَداءُ بَدْرٍ. وهَلْ سَبَبُ ذَلِكَ قَوْلُ مَنِ اسْتُشْهِدَ وقَدْ دَخَلَ الجَنَّةَ فَأكَلَ مِن ثِمارِها: مَن يُبَلِّغُ عَنّا إخْوانَنا أنّا في الجَنَّةِ نُرْزَقُ، لا تَزْهَدُوا في الجِهادِ. فَقالَ اللَّهُ: أنّا أُبَلِّغُ عَنْكم، فَنَزَلَتْ. أوْ قَوْلُ مَن لَمْ يَسْتَشْهِدْ مِن أوْلِياءِ الشُّهَداءِ: إذا أصابَتْهم نِعْمَةٌ نَحْنُ في النِّعْمَةِ والسُّرُورِ، وآباؤُنا وأبْناؤُنا وإخْوانُنا في القُبُورِ، فَنَزَلَتْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”ولا تَحْسَبَنَّ“ بِالتّاءِ، أيْ ولا تَحْسَبَنَّ أيُّها السّامِعُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أوْ لِكُلِّ أحَدٍ. وقَرَأ حُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ، وهِشامٌ بِخِلافٍ عَنْهُ بِالياءِ، أيْ: ولا يَحْسَبَنَّ هو، أيْ: حاسِبٌ واحِدٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأرى هَذِهِ القِراءَةَ بِضَمِّ الياءِ، فالمَعْنى: ولا يُحْسَبَنَّ النّاسُ. انْتَهى. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ قُتِلُوا فاعِلًا، ويَكُونَ التَّقْدِيرُ: ولا يَحْسَبَنَّهُمُ الَّذِينَ قُتِلُوا أمْواتًا، أيْ: لا تَحْسَبَّنَ الَّذِينَ قَتَلُوا أنْفُسَهم أمْواتًا. (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ جازَ حَذْفُ المَفْعُولِ الأوَّلِ ؟ (قُلْتُ): هو في الأصْلِ مُبْتَدَأٌ، فَحُذِفَ كَما حُذِفَ المُبْتَدَأُ في قَوْلِهِ: أحْياءٌ. والمَعْنى: هم أحْياءٌ؛ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْها. انْتَهى كَلامُهُ. وما ذَهَبَ إلَيْهِ مِن أنَّ التَّقْدِيرَ: ولا تَحْسَبَنَّهُمُ الَّذِينَ قُتِلُوا أمْواتًا، لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ فِيهِ تَقْدِيمُ المُضْمَرِ عَلى مُفَسِّرِهِ، وهو مَحْصُورٌ في أماكِنَ لا تَتَعَدّى، وهي: بابُ رُبَّ بِلا خِلافٍ، نَحْوَ: رُبَّهُ رَجُلًا أكْرَمْتُهُ. وبابُ نِعْمَ وبِئْسَ في نَحْوِ: نِعْمَ رَجُلًا زَيْدٌ، عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ. وبابُ التَّنازُعِ، عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، في نَحْوِ: ضَرَبانِي وضَرَبْتُ الزَّيْدَيْنِ، وضَمِيرِ الأمْرِ والشَّأْنِ وهو المُسَمّى بِالمَجْهُولِ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ نَحْوَ: هو زَيْدٌ مُنْطَلِقٌ. وبابُ البَدَلِ عَلى خِلافٍ فِيهِ بَيْنَ البَصْرِيِّينَ في نَحْوِ: مَرَرْتُ بِهِ زَيْدٌ، وزادَ بَعْضُ أصْحابِنا أنْ يَكُونَ الظّاهِرُ المُفَسَّرُ خَبَرًا لِلضَّمِيرِ، وجُعِلَ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ [الأنعام: ٢٩] التَّقْدِيرُ عِنْدَهُ: ما الحَياةُ إلّا حَياتُنا الدُّنْيا. وهَذا الَّذِي قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لَيْسَ واحِدًا مِن هَذِهِ الأماكِنِ المَذْكُورَةِ. وأمّا سُؤالُهُ وجَوابُهُ فَإنَّهُ قَدْ يَتَمَشّى عَلى رَأْيِ الجُمْهُورِ في أنَّهُ: يَجُوزُ حَذْفُ أحَدِ مَفْعُولَيْ ظَنَّ وأخَواتِها اخْتِصارًا، وحَذْفُ الِاخْتِصارِ هو لِفَهْمِ المَعْنى، لَكِنَّهُ عِنْدَهم قَلِيلٌ جِدًّا. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: حَذْفُهُ عَزِيزٌ جِدًّا، كَما أنَّ حَذْفَ خَبَرِ كانَ كَذَلِكَ، وإنِ اخْتَلَفَتْ جِهَتا القُبْحِ. انْتَهى قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ. وقَدْ ذَهَبَ الأُسْتاذُ أبُو إسْحاقَ إبْراهِيمُ بْنُ مَلْكُونَ الحَضْرَمِيُّ الإشْبِيلِيُّ إلى مَنعِ ذَلِكَ اقْتِصارًا، والحُجَّةُ لَهُ وعَلَيْهِ مَذْكُورَةٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. وما كانَ بِهَذِهِ المَثابَةِ مَمْنُوعًا عِنْدَ بَعْضِهِمْ عَزِيزًا حَذْفُهُ عِنْدَ الجُمْهُورِ، يَنْبَغِي أنْ لا يُحْمَلَ عَلَيْهِ كَلامُ اللَّهِ تَعالى. فَتَأْوِيلُ مَن تَأوَّلَ الفاعِلَ مُضْمَرًا يُفَسِّرُهُ المَعْنى، أيْ: لا يَحْسَبَنَّ هو، أيْ أحَدٌ، أوْ حاسِبٌ أوْلى. وتَتَّفِقُ القِراءَتانِ في كَوْنِ الفاعِلِ ضَمِيرًا، وإنِ اخْتَلَفَتْ بِالخِطابِ والغَيْبَةِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى مَوْتِ الشُّهَداءِ (p-١١٣)وحَياتِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ بَلْ أحْياءٌ﴾ [البقرة: ١٥٤] فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا. وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ عامِرٍ ”قُتِّلُوا“ بِالتَّشْدِيدِ. ورُوِيَ عَنْ عاصِمٍ: ”قاتَلُوا“ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”قُتِلُوا“ مُخَفَّفًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”بَلْ أحْياءٌ“ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: بَلْ هم أحْياءٌ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: أحْياءً بِالنَّصْبِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى مَعْنى بَلْ احْسَبْهم أحْياءً. انْتَهى. وتَبِعَ في إضْمارِ هَذا الفِعْلِ الزَّجّاجَ، قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ النَّصْبُ عَلى مَعْنى: بَلْ احْسَبْهم أحْياءً. ورَدَّهُ عَلَيْهِ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ في الإغْفالِ وقالَ: لا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الأمْرَ يَقِينٌ، فَلا يَجُوزُ أنْ يُؤْمَرَ فِيهِ بِمَحْسَبَةٍ، ولا يَصِحُّ أنْ يُضْمَرَ لَهُ إلّا فِعْلُ المَحْسَبَةِ. فَوَجْهُ قِراءَةِ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ أنْ يُضْمِرَ فِعْلًا غَيْرَ المَحْسَبَةِ اعْتَقِدْهم أوِ اجْعَلْهم، وذَلِكَ ضَعِيفٌ؛ إذْ لا دَلالَةَ في الكَلامِ عَلى ما يُضْمَرُ. انْتَهى كَلامُ أبِي عَلِيٍّ. وقَوْلُهُ: لا يَجُوزُ ذَلِكَ لِأنَّ الأمْرَ يَقِينٌ، فَلا يَجُوزُ أنْ يُؤْمَرَ فِيهِ بِمَحْسَبَةٍ مَعْناهُ: أنَّ المُتَيَقَّنَ لا يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالمَحْسَبَةِ، لِأنَّها لا تَكُونُ لِلْيَقِينِ. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ هو الأكْثَرُ، وقَدْ يَقَعُ حَسِبَ لِلْيَقِينِ كَما تَقَعُ ظَنَّ، لَكِنَّهُ في ظَنَّ كَثِيرٌ، وفي حَسِبَ قَلِيلٌ. ومِن ذَلِكَ في حَسِبَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎حَسِبْتُ التُّقى والحَمْدَ خَيْرَ تِجارَةٍ رَباحًا إذا ما المَرْءُ أصْبَحَ ثاقِلا وقَوْلُ الآخَرِ: ؎شَهِدْتُ وفاتُونِي وكُنْتُ حَسِبْتِنِي ∗∗∗ فَقِيرًا إلى أنْ يَشْهَدُوا وتَغِيبِي فَلَوْ قُدِّرَ بَعْدَ: بَلْ احْسَبْهم بِمَعْنى اعْلَمْهم، لَصَحَّ؛ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، لا لِدَلالَةِ لَفْظِ ”ولا تَحْسَبَنَّ“، لِاخْتِلافِ مَدْلُولَيْهِما. وإذا اخْتَلَفَ المَدْلُولُ فَلا يَدُلُّ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ. وقَوْلُهُ: ولا يَصِحُّ أنْ يُضْمَرَ لَهُ إلّا فِعْلُ المَحْسَبَةِ - غَيْرُ مُسَلَّمٍ، لِأنَّهُ إذا امْتَنَعَ مِن حَيْثُ المَعْنى إضْمارُهُ أضْمَرَ غَيْرَهُ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ لا اللَّفْظِ. وقَوْلُهُ: أوِ اجْعَلْهم، هَذا لا يَصِحُّ ألْبَتَّةَ، سَواءٌ كانَتْ اجْعَلْهم بِمَعْنى اخْلَقْهم، أوْ صَيِّرْهم، أوْ سَمِّهِمْ، أوْ ألْقِهِمْ. وقَوْلُهُ: وذَلِكَ ضَعِيفٌ أيِ النَّصْبُ، وقَوْلُهُ: إذْ لا دَلالَةَ في الكَلامِ عَلى ما يُضْمَرُ. إنْ عَنى مِن حَيْثُ اللَّفْظِ فَصَحِيحٌ، وإنْ عَنى مِن حَيْثُ المَعْنى فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ لَهُ، بَلِ المَعْنى يُسَوِّغُ النَّصْبَ عَلى مَعْنى أعْتَقِدُهم، وهَذا عَلى تَسْلِيمِ أنَّ حَسِبَ لا يُذْهَبُ بِها مَذْهَبَ العِلْمِ. ومَعْنى عِنْدَ رَبِّهِمْ: بِالمَكانَةِ والزُّلْفى، لا بِالمَكانِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فِيهِ حَذْفٌ مُضافٌ تَقْدِيرُهُ: عِنْدَ كَرامَةِ رَبِّهِمْ؛ لِأنَّ عِنْدَ تَقْتَضِي غايَةَ القُرْبِ؛ ولِذَلِكَ يَصْغُرُ. قالَهُ سِيبَوَيْهِ. انْتَهى. ويُحْتَمَلُ عِنْدَ رَبِّهِمْ أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا، وصِفَةً، وحالًا. وكَذَلِكَ يُرْزَقُونَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثالِثًا، وأنْ يَكُونَ صِفَةً ثانِيَةً. وقَدَّمَ صِفَةَ الظَّرْفِ عَلى صِفَةِ الجُمْلَةِ؛ لِأنَّ الأفْصَحَ هَذا وهو: أنْ يُقَدِّمَ الظَّرْفَ أوِ المَجْرُورَ عَلى الجُمْلَةِ إذا كانا وصْفَيْنِ؛ ولِأنَّ المَعْنى في الوَصْفِ بِالزُّلْفى عِنْدَ اللَّهِ والقُرْبِ مِنهُ أشْرَفُ مِنَ الوَصْفِ بِالرِّزْقِ. وأنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَسْتَكِنِّ في الظَّرْفِ، ويَكُونُ العامِلُ فِيهِ في الحَقِيقَةِ هو العامِلُ في الظَّرْفِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أخْبَرَ تَعالى عَنِ الشُّهَداءِ أنَّهم في الجَنَّةِ يُرْزَقُونَ، هَذا مَوْضِعُ الفائِدَةِ. ولا مَحالَةَ أنَّهم ماتُوا، وأنَّ أجْسادَهم في التُّرابِ، وأرْواحَهم حَيَّةٌ كَأرْواحِ سائِرِ المُؤْمِنِينَ. وفُضِّلُوا بِالرِّزْقِ في الجَنَّةِ مِن وقْتِ القَتْلِ، حَتّى كَأنَّ حَياةَ الدُّنْيا دائِمَةٌ لَهم. فَقَوْلُهُ: ”بَلْ أحْياءٌ“ مُقَدِّمَةٌ لِقَوْلِهِ: ”يُرْزَقُونَ“؛ إذْ لا يُرْزَقُ إلّا حَيٌّ. وهَذا كَما يَقُولُ لِمَن ذَمَّ رَجُلًا: بَلْ هو رَجُلٌ فاضِلٌ، فَتَجِيءُ بِاسْمِ الجِنْسِ الَّذِي تَرَكَّبَ عَلَيْهِ الوَصْفُ بِالفَضْلِ. انْتَهى ما قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. ولا يَلْزَمُ ما ذَكَرَهُ مِن أنَّ لَفْظَةَ أحْياءٍ جِيءَ بِها مُجْتَلَبَةً لِذِكْرِ الرِّزْقِ، لِكَوْنِ الحَياةِ مُشْتَرِكًا فِيها الشَّهِيدُ والمُؤْمِنُونَ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا الإخْبارُ بِحَياةِ الشُّهَداءِ مُتَقَدِّمًا عَلى الإخْبارِ بِأنَّ أرْواحَ المُؤْمِنِينَ عَلى العُمُومِ حَيَّةٌ، فاسْتُفِيدَ أوَّلًا حَياةُ أرْواحِ الشُّهَداءِ، ثُمَّ جاءَ بَعْدَ الإخْبارِ بِحَياةِ أرْواحِ المُؤْمِنِينَ. وأيْضًا فَفي ذِكْرِهِ النَّصُّ عَلى نَقِيضِ ما حَسِبُوهُ وهو كَوْنُ الشُّهَداءِ أمْواتًا. والبُعْدُ (p-١١٤)عَنْ أنْ يُرادَ بِقَوْلِهِ: يُرْزَقُونَ، ما يَحْتَمِلُهُ المُضارِعُ مِنَ الِاسْتِقْبالِ، فَإذا سَبَقَهُ ما يَدُلُّ عَلى الِالتِباسِ بِالوَصْفِ حالَةَ الإخْبارِ كانَ حُكْمُ ما بَعْدَهُ حُكْمُهُ، إذِ الأصْلُ في الإخْبارِ أنْ يَكُونَ مَن أُسْنِدَتْ إلَيْهِ مُتَّصِفًا بِذَلِكَ في الحالِ، إلّا إنْ دَلَّتْ قَرِينَةٌ عَلى مُضِيٍّ أوِ اسْتِقْبالٍ مِن لَفْظٍ أوْ مَعْنًى، فَيُصارُ إلَيْهِ.

آل عمران 3:170

﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾: أيْ مَسْرُورِينَ بِما أعْطاهُمُ اللَّهُ مِن قُرْبِهِ، ودُخُولِ جَنَّتِهِ، ورَزَقَهم فِيها، إلى سائِرِ ما أكْرَمَهم بِهِ، ولا تَعارُضَ بَيْنَ: فَرِحِينَ، وبَيْنَ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] في قِصَّةِ قارُونَ؛ لِأنَّ ذاكَ بِالمَلاذِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وهَذا بِالمَلاذُ الأُخْرَوِيَّةُ؛ ولِذَلِكَ جاءَ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ، فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا وجاءَ: ﴿وفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦] . ومِن يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ لِلسَّبَبِ، أيْ: ما آتاهُمُ اللَّهُ مُتَسَبَّبٌ عَنْ فَضْلِهِ، فَتَتَعَلَّقُ الباءُ بِآتاهم. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ، فَتَكُونُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَحْذُوفِ العائِدِ عَلى ”ما“، أيْ: بِما آتاهُمُوهُ اللَّهُ كائِنًا مِن فَضْلِهِ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِابْتِداءِ الغايَةِ، فَتَتَعَلَّقُ بِآتاهم. وجَوَّزُوا في فَرِحِينَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في يُرْزَقُونَ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في الظَّرْفِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في أحْياءٍ، وأنْ يَكُونَ صِفَةً لِأحْياءٍ إذا نُصِبَ. ﴿ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ﴾: وهم جَمِيعُ المُؤْمِنِينَ، أيْ: يَحْصُلُ لَهُمُ البُشْرى بِانْتِفاءِ الخَوْفِ والحُزْنِ عَنْ إخْوانِهِمُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ في الشَّهادَةِ، فَهم فَرِحُونَ بِما حَصَلَ لَهم، مُسْتَبْشِرُونَ بِما يَحْصُلُ لِإخْوانِهِمُ المُؤْمِنِينَ. قالَهُ الزَّجّاجُ وابْنُ فُورَكٍ وغَيْرُهُما. وقالَ قَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ والرَّبِيعُ وغَيْرُهم: هُمُ الشُّهَداءُ الَّذِينَ يَأْتُونَهم بَعْدُ مِن إخْوانِهِمُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ تَرَكُوهم يُجاهِدُونَ فَيَسْتَشْهِدُونَ، فَرِحُوا لِأنْفُسِهِمْ ولِمَن يَلْحَقُ بِهِمْ مِنَ الشُّهَداءِ، إذْ يَصِيرُونَ إلى ما صارُوا إلَيْهِ مِن كَرامَةِ اللَّهِ تَعالى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَيْسَتِ اسْتَفْعَلْ في هَذا المَوْضِعِ بِمَعْنى طَلَبِ البِشارَةِ، بَلْ هي بِمَعْنى اسْتَغْنى اللَّهُ واسْتَمْجَدَ المَرْخُ والعَفارُ. انْتَهى كَلامُهُ. أمّا قَوْلُهُ: لَيْسَتْ بِمَعْنى طَلَبِ البِشارَةِ فَصَحِيحٌ، وأمّا قَوْلُهُ: بَلْ هي بِمَعْنى اسْتَغْنى اللَّهُ واسْتَمْجَدَ المَرْخُ والعَفارُ، فَيَعْنِي أنَّها تَكُونُ بِمَعْنى الفِعْلِ المُجَرَّدِ كاسْتَغْنى بِمَعْنى غَنِيَ، واسْتَمْجَدَ بِمَعْنى مَجَّدَ، ونُقِلَ أنَّهُ يُقالُ: بُشِّرَ الرَّجُلُ بِكَسْرِ الشِّينِ، فَيَكُونُ اسْتَبْشَرْ بِمَعْناهُ. ولا يَتَعَيَّنُ هَذا المَعْنى، بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (p-١١٥)مُطاوِعًا لِأفْعَلَ، وهو الأظْهَرُ، أيْ: أبْشَرَهُ اللَّهُ فاسْتَبْشَرَ، كَقَوْلِهِمْ: أكانَهُ فاسْتَكانَ، وأشْلاهُ فاسْتَشْلى، وأراحَهُ فاسْتَراحَ، وأحْكَمَهُ فاسْتَحْكَمَ، وأكَنَّهُ فاسْتَكَنَّ، وأمَرَهُ فاسْتَمَرَّ، وهو كَثِيرٌ. وإنَّما كانَ هَذا الأظْهَرُ هُنا؛ لِأنَّهُ مِن حَيْثُ المُطاوَعَةِ يَكُونُ مُنْفَعِلًا عَنْ غَيْرِهِ، فَحَصَلَتْ لَهُ البُشْرى بِإبْشارِ اللَّهِ لَهُ بِذَلِكَ. ولا يَلْزَمُ هَذا المَعْنى إذا كانَ بِمَعْنى المُجَرَّدِ؛ لِأنَّهُ لا يَدُلُّ عَلى المُطاوَعَةِ. ومَعْنى: ”مِن خَلْفِهِمْ“، قَدْ بَقُوا بَعْدَهم، وهم قَدْ تَقَدَّمُوهم، إذا كانَ المَعْنى بِالَّذِينِ لَمْ يَلْحَقُوا الشُّهَداءَ، وإنْ كانَ المَعْنِيُّ بِهِمُ المُؤْمِنِينَ فَمَعْنى لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ أيْ: لَمْ يُدْرِكُوا فَضْلَهم ومَنزِلَتَهم. ﴿أنْ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾: وجَوَّزُوا في إعْرابِ ويَسْتَبْشِرُونَ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى فَرِحِينَ ومُسْتَبْشِرِينَ، كَقَوْلِهِ: ”﴿صافّاتٍ ويَقْبِضْنَ﴾ [الملك: ١٩]“ أيْ قابِضاتٍ، وأنْ يَكُونَ عَلى إضْمارِهِمْ. والواوُ لِلْحالِ، فَتَكُونُ حالِيَّةً مِنَ الضَّمِيرِ في فَرِحِينَ، أوْ مِن ضَمِيرِ المَفْعُولَيْ في آتاهم، أوْ لِلْعَطْفِ، ويَكُونُ مُسْتَأْنَفًا مِن بابِ عَطْفِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ أوِ الفِعْلِيَّةِ عَلى نَظِيرِها. وإنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها مَحْذُوفُ ضَمِيرِ الشَّأْنِ، وخَبَرُها الجُمْلَةُ المَنفِيَّةُ بِلا. وإنَّ ما بَعْدَها في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ مَجْرُورٍ عَلى أنَّهُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الَّذِينَ، فَيَكُونُ هو المُسْتَبْشَرُ بِهِ في الحَقِيقَةِ. أوْ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، فَيَكُونُ عِلَّةً لِلِاسْتِبْشارِ، والمُسْتَبْشَرُ بِهِ غَيْرُهُ، التَّقْدِيرُ: لِأنَّهُ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ. والذَّواتُ لا يُسْتَبْشَرُ بِها، فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ مُناسِبٍ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. وفِي ذِكْرِ حالِ الشُّهَداءِ واسْتِبْشارِهِمْ بِمَن خَلْفَهم بَعْثٌ لِلْباقِينَ بَعْدَهم عَلى ازْدِيادِ الطّاعَةِ، والجِدِّ في الجِهادِ، والرَّغْبَةِ في نَيْلِ مَنازِلِ الشُّهَداءِ وإصابَةِ فَضْلِهِمْ، وإحْمادٍ لِحالِ مَن يَرى نَفْسَهُ في خَيْرٍ، فَيَتَمَنّى مِثْلَهُ لِإخْوانِهِ في اللَّهِ، وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ بِالفَوْزِ في المَآبِ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهو كَلامٌ حَسَنٌ. قِيلَ: وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ مِن ضُرُوبِ البَدِيعِ: الطِّباقَ في قَوْلِهِ: ”لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ“ الآيَةَ، إذِ التَّقْدِيرُ: مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالهِدايَةِ، فَيَكُونُ في هَذا المُقَدَّرِ. وفي قَوْلِهِ: ”في ضَلالٍ مُبِينٍ“، وفي: ”يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ“، والقَوْلُ ظاهِرٌ و”يَكْتُمُونَ“ . وفي ”قالُوا لِإخْوانِهِمْ وقَعَدُوا“، إذِ التَّقْدِيرُ: حِينَ خَرَجُوا وقَعَدُوا هم. وفي: ”أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ“ وفي: فَرِحِينَ ويَحْزَنُونَ. والتَّكْرارَ في: ”ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ“، ”ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا“ الِاخْتِلافُ مُتَعَلِّقُ العِلْمِ. وفي فَرِحِينَ ويَسْتَبْشِرُونَ، والتَّجْنِيسَ المُغايِرَ في: أصابَتْكم مُصِيبَةٌ، والمُماثِلَ في: أصابَتْكم، قَدْ أصَبْتُمْ، والِاسْتِفْهامَ الَّذِي يُرادُ بِهِ الإنْكارُ في: ”أوَلَمّا أصابَتْكم“، والِاحْتِجاجَ النَّظَرِيَّ في: ”قُلْ فادْرَءُوا عَنْ أنْفُسِكم“، والتَّأْكِيدَ في: ”ولا هم يَحْزَنُونَ“، والحَذْفَ في عِدَّةِ مَواضِعَ لا يَتِمُّ المَعْنى إلّا بِتَقْدِيرِها.

آل عمران 3:171

﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ وأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القَرْحُ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهم واتَّقَوْا أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهم فَزادَهم إيمانًا وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ واتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٧٤] ﴿إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهم وخافُونِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥] ﴿ولا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ إنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ ألّا يَجْعَلَ لَهم حَظًّا في الآخِرَةِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٦] ﴿إنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإيمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٧] ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا ولَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨] ﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ ولَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُسُلِهِ مَن يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ وإنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا فَلَكم أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٩] ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هو خَيْرًا لَهم بَلْ هو شَرٌّ لَهم سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨٠] . الحَظُّ: (p-١١٦)النَّصِيبُ، وإذا لَمْ يُقَيَّدْ فَإنَّما يُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ. مازَ ومَيَّزَ: فَصَلَ الشَّيْءَ مِنَ الشَّيْءِ. قالَ يَعْقُوبُ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ. انْتَهى. والتَّضْعِيفُ لَيْسَ لِلنَّقْلِ. وقِيلَ: التَّشْدِيدُ أقْرَبُ إلى الفَخامَةِ وأكْثَرُ في الِاسْتِعْمالِ، ألا تَرى أنَّهُمُ اسْتَعْمَلُوا المَصْدَرَ عَلى نِيَّةِ التَّشْدِيدِ، فَقالُوا: التَّمْيِيزُ، ولَمْ يَقُولُوا المَيْزَ. انْتَهى. ويَعْنِي: ولَمْ تَقُولُوهُ مَسْمُوعًا، وأمّا بِطَرِيقِ القِياسِ فَيُقالُ. وقِيلَ: لا يَكُونُ مازَ إلّا في كَثِيرٍ مِن كَثِيرٍ، فَأمّا واحِدٌ مِن واحِدٍ فَيَتَمَيَّزُ عَلى مَعْنى يَعْزِلُ؛ ولِهَذا قالَ أبُو مُعاذٍ: يُقالُ: مَيَّزْتُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ، ومِزْتُ بَيْنَ الأشْياءِ. اجْتَبى: اخْتارَ واصْطَفى، وهي مَن جَبَيْتُ الماءَ والمالَ وجَبَوْتُهُما فاجْتَبى، افْتَعَلَ مِنهُ، فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اللّامُ واوًا أوْ ياءً. ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ وأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ﴾: كَرَّرَ الفِعْلَ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، إنْ كانَتِ النِّعْمَةُ والفَضْلُ بَيانًا لِمُتَعَلِّقِ الِاسْتِبْشارِ الأوَّلِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. قالَ: وكَرَّرَ يَسْتَبْشِرُونَ لِيُعَلِّقَ بِهِ ما هو بَيانٌ لِقَوْلِهِ: ﴿أنْ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [آل عمران: ١٧٠] مِن ذِكْرِ النِّعْمَةِ والفَضْلِ، وأنَّ ذَلِكَ أجْرٌ لَهم عَلى إيمانِهِمْ، يَجِبُ في عَدْلِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ أنْ يَحْصُلَ لَهم ولا يَضِيعَ. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ في ذِكْرِهِ وُجُوبَ الأجْرِ وتَحْصِيلَهُ عَلى إيمانِهِمْ. وسَلَكَ ابْنُ عَطِيَّةَ طَرِيقَةَ أهْلِ السُّنَّةِ فَقالَ: أكَّدَ اسْتِبْشارَهم بِقَوْلِهِ: ”يَسْتَبْشِرُونَ“، ثُمَّ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ وفَضْلُ إدْخالِهِمُ الجَنَّةَ الَّذِي هو فَضْلٌ مِنهُ لا بِعَمَلِ أحَدٍ، وأمّا النِّعْمَةُ في الجَنَّةِ والدَّرَجاتُ فَقَدْ أخْبَرَ أنَّها عَلى قَدْرِ الأعْمالِ. انْتَهى. وقالَ غَيْرُهُما: هو بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُدْخِلْ عَلَيْهِ واوَ العَطْفِ. ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ الجُمْلَةَ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في يَحْزَنُونَ، ويَحْزَنُونَ هو العامِلُ فِيها - فَبَعِيدٌ عَنِ الصَّوابِ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ اخْتِلافُ المَنفِيِّ عَنْهُ الحُزْنُ والمُسْتَبْشِرِ، ولِأنَّ الحالَ قُيِّدَ، والحُزْنُ لَيْسَ بِمُقَيَّدٍ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ”يَسْتَبْشِرُونَ“ لَيْسَ بِتَأْكِيدٍ لِلْأوَّلِ، بَلْ هو اسْتِئْنافٌ مُتَعَلِّقٌ بِهِمْ أنْفُسِهِمْ، لا بِالَّذِينِ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ. فَقَدِ اخْتَلَفَ مُتَعَلِّقُ الفِعْلَيْنِ، فَلا تَأْكِيدَ؛ لِأنَّ هَذا المُسْتَبْشِرَ بِهِ هو لَهم، وهو: نِعْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وفَضْلُهُ. وفي التَّنْكِيرِ دَلالَةٌ عَلى بَعْضٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وإشارَةٌ إلى إبْهامِ المُرادِ تَعْظِيمًا لِأمْرِهِ وتَنْبِيهًا عَلى صُعُوبَةِ إدْراكِهِ، كَما جاءَ: فِيها ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ. والظّاهِرُ تَبايُنُ النِّعْمَةِ والفَضْلِ لِلْعَطْفِ، ويُناسِبُ شَرْحُهُما أنْ يَنْزِلَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] فالحُسْنى هي النِّعْمَةُ، والزِّيادَةُ هي الفَضْلُ؛ لِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: أحْسَنُوا، وقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهم واتَّقَوْا أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ . وقالَ الزَّجّاجُ: النِّعْمَةُ هي الجَزاءُ، والفَضْلُ زائِدٌ عَلَيْهِ قَدْرَ الجَزاءِ. وقِيلَ: النِّعْمَةُ قَدْرُ الكِفايَةِ، والفَضْلُ المُضاعَفُ عَلَيْها مَعَ مُضاعَفَةِ السُّرُورِ بِها واللَّذَّةِ. وقِيلَ: الفَضْلُ داخِلٌ في النِّعْمَةِ دَلالَةٌ عَلى اتِّساعِها، وأنَّها لَيْسَتْ كَنِعَمِ الدُّنْيا. وقَرَأ الكِسائِيُّ وجَماعَةٌ: و”إنَّ اللَّهَ“ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ ومُصْحَفُهُ: ”واللَّهُ لا يُضِيعُ أجْرَ“ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعَلى أنَّ الجُمْلَةَ اعْتِراضٌ، وهي قِراءَةُ الكِسائِيِّ. انْتَهى. ولَيْسَتِ الجُمْلَةُ هُنا اعْتِراضًا؛ لِأنَّها لَمْ تَدْخُلْ بَيْنَ شَيْئَيْنِ أحَدُهُما يَتَعَلَّقُ بِالآخَرِ، وإنَّما جاءَتْ لِاسْتِئْنافِ أخْبارٍ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ والجُمْهُورُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَطْفًا عَلى مُتَعَلِّقِ الِاسْتِبْشارِ، فَهو داخِلٌ فِيهِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: يَسْتَبْشِرُونَ بِتَوْفِيرِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، ووُصُولِهِ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يُضِعْهُ وصَلَ إلَيْهِمْ ولَمْ يَبْخَسُوهُ. ولا يَصِحُّ الِاسْتِبْشارُ بِأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ الِاسْتِبْشارَ إنَّما يَكُونُ بِما لَمْ يَتَقَدَّمْ بِهِ عِلْمٌ، وقَدْ عَلِمُوا قَبْلَ مَوْتِهِمْ أنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ، فَهم يَسْتَبْشِرُونَ بِأنَّ اللَّهَ ما أضاعَ أُجُورَهم حَتّى اخْتَصَّهم بِالشَّهادَةِ ومَنَحَهم أتَمَّ النِّعْمَةِ، وخَتَمَ لَهم بِالنَّجاةِ والفَوْزِ، وقَدْ كانُوا يَخْشَوْنَ عَلى إيمانِهِمْ، ويَخافُونَ سُوءَ الخاتِمَةِ المُحْبِطَةِ لِلْأعْمالِ، فَلَمّا رَأوْا ما لِلْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ السَّعادَةِ وما اخْتَصَّهم بِهِ مِن حُسْنِ الخاتِمَةِ الَّتِي تَصِحُّ مَعَها الأُجُورُ وتُضاعَفُ الأعْمالُ، اسْتَبْشَرُوا؛ لِأنَّهم كانُوا عَلى وجَلٍ مِن ذَلِكَ. انْتَهى كَلامُهُ. وفِيهِ (p-١١٧)تَطْوِيلٌ شَبِيهٌ بِالخَطابَةِ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِبْشارُ لِمَن خَلَّفُوهُ بَعْدَهم مِنَ المُؤْمِنِينَ لَمّا عايَنُوا مَنزِلَتَهُ عِنْدَ اللَّهِ. ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القَرْحُ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهم واتَّقَوْا أجْرٌ عَظِيمٌ﴾: قِيلَ: الِاسْتِجابَةُ كانَتْ أثَرَ الِانْصِرافِ مِن أُحُدٍ. اسْتَنْفَرَ الرَّسُولُ لِطَلَبِ الكُفّارِ، فاسْتَجابَ لَهُ تِسْعُونَ. وذَلِكَ لَمّا ذُكِرَ لِلرَّسُولِ أنَّ أبا سُفْيانَ في جَمْعٍ كَثِيرٍ، فَأبى الرَّسُولُ إلّا أنْ يَطْلُبَهم، فَسَبَقَهُ أبُو سُفْيانَ ودَخَلَ مَكَّةَ، فَنَزَلَتْ. قالَهُ عَمْرُو بْنُ دِينارٍ. وفي ذِكْرِ هَذا السَّبَبِ اخْتِلافٌ في مَواضِعَ. وقِيلَ: الِاسْتِجابَةُ كانَتْ مِنَ العامِ القابِلِ بَعْدَ قِصَّةِ أُحُدٍ، حَيْثُ تَواعَدَ أبُو سُفْيانَ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَوْسِمَ بَدْرٍ، فَلَمّا كانَ العامُ المُقْبِلُ خَرَجَ أبُو سُفْيانَ فَأُرْعِبَ، وبَدا لَهُ الرُّجُوعُ، وقالَ لِنُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ: واعَدْتُ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ أنْ نَلْتَقِيَ بِمَوْسِمِ بَدْرٍ الصُّغْرى، وهو عامُ جَدْبٍ لا يَصْلُحُ لَنا، فَثَبِّطْهم عَنّا، وأعْلِمْهم أنّا في جَمْعٍ كَثِيرٍ، فَفَعَلَ وخَوَّفَهم، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأصْحابِهِ، وأقامُوا بِبَدْرٍ يَنْتَظِرُونَ أبا سُفْيانَ، فَنَزَلَتْ. قالَ مَعْناهُ: مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ. وقِيلَ: لَمّا كانَ الثّانِي مِن أُحُدٍ وهو يَوْمُ الأحَدِ، نادى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في النّاسِ بِاتِّباعِ المُشْرِكِينَ، وقالَ: لا يَخْرُجَنَّ مَعَنا إلّا مَن شاهَدَنا بِالأمْسِ. وكانَتْ بِالنّاسِ جِراحَةٌ وقَرْحٌ عَظِيمٌ، ولَكِنْ تَجَلَّدُوا، ونَهَضَ مَعَهُ مِائَتا رَجُلٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ حَتّى بَلَغَ حَمْراءَ الأسَدِ، وهي عَلى ثَمانِيَةِ أمْيالٍ مِنَ المَدِينَةِ، وأقامَ بِها ثَلاثَةَ أيّامٍ، وجَرَتْ قِصَّةُ مَعْبَدِ بْنِ أبِي مَعْبَدٍ، وقَدْ ذُكِرَتْ، ومَرَّتْ قُرَيْشٌ، فانْصَرَفَ الرَّسُولُ إلى المَدِينَةِ، فَنَزَلَتْ. ورُوِيَ أنَّهُ خَرَجَ أخَوانِ وبِهِما جِراحَةٌ شَدِيدَةٌ، وضَعُفَ أحَدُهُما، فَكانَ أخُوهُ يَحْمِلُهُ عُقْبَةً ويَمْشِي هو عُقْبَةً، ولَمّا لَمْ تَتِمَّ اسْتِجابَةُ العَبْدِ لِلَّهِ إلّا بِاسْتِجابَتِهِ لِلرَّسُولِ، جَمَعَ بَيْنِهِما؛ لِأنَّ ما لا يَتِمُّ الواجِبُ إلّا بِهِ فَهو واجِبٌ. قِيلَ: والِاسْتِجابَتانِ مُخْتَلِفَتانِ، فَإنَّهُما بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ بِالتَّوْحِيدِ والعِبادَةِ، ولِلرَّسُولِ بِتَلَقِّي الرِّسالَةِ مِنهُ والنَّصِيحَةِ لَهُ. والظّاهِرُ أنَّها اسْتِجابَةٌ واحِدَةٌ، وهو إجابَتُهم لَهُ حِينَ انْتَدَبَهم لِاتِّباعِ الكُفّارِ عَلى ما نُقِلَ في سَبَبِ النُّزُولِ. والإحْسانُ هُنا ما هو زائِدٌ عَلى الإيمانِ مِنَ الِاتِّصافِ بِما يُسْتَحَبُّ مَعَ الِاتِّصافِ بِما يَجِبُ. والظّاهِرُ إعْرابُ ”الَّذِينَ“ مُبْتَدَأً، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ الخَبَرُ. وجَوَّزُوا الإتْباعَ نَعْتًا، أوْ بَدَلًا، والقَطْعَ إلى الرَّفْعِ والنَّصْبِ. ومَن في: ”مِنهم“ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِلتَّبْيِينِ، مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩]؛ لِأنَّ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ قَدْ أحْسَنُوا كُلَّهم واتَّقَوْا، إلّا بَعْضَهم. وعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ: قالَتْ لِي عائِشَةُ: إنَّ أبَوَيْكَ لَمِمَّنِ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ. تَعْنِي: أبا بَكْرٍ والزُّبَيْرَ. انْتَهى. وقالَ أبُو البَقاءِ: ”مِنهم“ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في أحْسَنُوا، فَعَلى هَذا تَكُونُ ”مِن“ لِلتَّبْعِيضِ، وهو قَوْلُ مَن لا يَرى أنَّ ”مِن“ تَكُونُ لِبَيانِ الجِنْسِ. ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهم فَزادَهم إيمانًا وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾: قِيلَ: أُرِيدَ بِالنّاسِ الأُوَلِ أبُو نُعَيْمِ بْنُ مَسْعُودٍ الأشْجَعِيُّ، وهو قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ، وضَعَّفَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وبِالثّانِي: أبُو سُفْيانَ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ قِصَّةِ نُعَيْمٍ، وذَكَرَها المُفَسِّرُونَ مُطَوَّلَةً، وفِيها: «أنَّ أبا سُفْيانَ جَعَلَ لَهُ جُعْلًا عَلى تَثْبِيطِ الصَّحابَةِ عَنْ بَدْرٍ الصُّغْرى، وذَلِكَ عَشْرَةٌ مِنَ الإبِلِ، ضَمِنَها لَهُ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، فَقَدِمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأفْزَعَ النّاسَ وخَوَّفَهُمُ اللِّقاءَ، فَقالَ الرَّسُولُ ﷺ: ”والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأخْرُجَنَّ ولَوْ وحْدِي“ فَأمّا الجَبانُ فَرَجَعَ، وأمّا الشُّجاعُ فَتَجَهَّزَ لِلْقِتالِ وقالَ: حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ، فَوافى بَدْرًا الصُّغْرى، فَجَعَلُوا يَلْقَوْنَ المُشْرِكِينَ ويَسْألُونَهم عَنْ قُرَيْشٍ، فَيَقُولُونَ: قَدْ جَمَعُوا لَكم، وكانَتْ مَوْضِعَ سُوقٍ لَهم في الجاهِلِيَّةِ يَجْتَمِعُونَ إلَيْها في كُلِّ عامٍ ثَمانِيَةَ أيّامٍ، فَأقامَ بِبَدْرٍ يَنْتَظِرُ أبا سُفْيانَ، وقَدِ انْصَرَفَ أبُو سُفْيانَ مِن مَجَنَّةَ إلى مَكَّةَ، فَسَمّى أهْلُ مَكَّةَ حَبْسَةَ جَيْشِ السَّوِيقِ قالُوا: إنَّما خَرَجْتُمْ لِتَشْرَبُوا (p-١١٨)السَّوِيقَ. وكانَتْ مَعَ الصَّحابَةِ تِجاراتٌ ونَفَقاتٌ، فَباعُوا وأصابُوا لِلدِّرْهَمِ دِرْهَمَيْنِ، وانْصَرَفُوا إلى المَدِينَةِ غانِمِينَ، وحَسَبَها الرَّسُولُ لَهم غَزْوَةً، وظَفِرَ في وُجْهَةِ ذَلِكَ بِمُعاوِيَةَ بْنِ المُغِيرَةِ بْنِ العاصِ وأبِي عِزَّةَ الجُمَحِيِّ فَقَتَلَهُما» . فَعَلى هَذا القَوْلِ أنَّ المُثَبِّطَ أبُو نُعَيْمٍ وحْدَهُ، وأطْلَقَ عَلَيْهِ النّاسُ عَلى سَبِيلِ المَجازِ؛ لِأنَّهُ مِن جِنْسِ النّاسِ كَما يُقالُ: فُلانٌ يَرْكَبُ الخَيْلَ، ويَلْبَسُ البُرُودَ، وما لَهُ إلّا فَرَسٌ واحِدٌ وبُرْدٌ واحِدٌ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ أيْضًا: ولِأنَّهُ حِينَ قالَ ذَلِكَ لَمْ يَخْلُ مِن ناسٍ مِن أهْلِ المَدِينَةِ يُضامُّونَهُ ويَصِلُونَ جَناحَ كَلامِهِ، ويُثَبَّطُونَ مِثْلَ تَثْبِيطِهِ. انْتَهى. ولا يَجِيءُ هَذا عَلى تَقْدِيرِ السُّؤالِ وهو: أنْ نُعَيْمًا وحْدَهُ هو المُثَبِّطُ؛ لِأنَّهُ قَدِ انْضافَ إلَيْهِ ناسٌ، فَلا يَكُونُ إذْ ذاكَ مُنْفَرِدًا بِالتَّثْبِيطِ. وقِيلَ: النّاسُ الأُوَلُ رَكْبٌ مِن عَبْدِ القَيْسِ مَرُّوا عَلى أبِي سُفْيانَ يُرِيدُونَ المَدِينَةَ لِلْمِيرَةِ، فَجَعَلَ لَهم جُعْلًا وهو حِمْلُ إبِلِهِمْ زَبِيبًا عَلى أنْ يُخْبِرُوا أنَّهُ جَمَعَ لِيَسْتَأْصِلَ بَقِيَّةَ المُؤْمِنِينَ، فَأخْبَرُوا بِذَلِكَ، فَقالَ الرَّسُولُ وأصْحابُهُ - وهم إذْ ذاكَ بِحَمْراءِ الأسَدِ -: ﴿حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ والنّاسُ الثّانِي قُرَيْشٌ، وهَذا القَوْلُ أقْرَبُ إلى مَدْلُولِ اللَّفْظِ. وجَوَّزُوا في إعْرابِ ”الَّذِينَ قالَ“ أوْجُهُ ”الَّذِينَ“ قَبْلَهُ، والفاعِلُ بِـ ”زادَ“ ضَمِيرٌ مُسْتَكِنٌّ يَعُودُ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن ”قالَ“، أيْ: فَزادَهم ذَلِكَ القَوْلُ إيمانًا. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَعُودَ إلى القَوْلِ، وأنْ يَعُودَ إلى النّاسِ إذا أُرِيدَ بِهِ نُعَيْمٌ وحْدَهُ. وهُما ضَعِيفانِ، مِن حَيْثُ إنَّ الأوَّلَ لا يَزِيدُ إيمانًا إلّا بِالنُّطْقِ بِهِ، لا هو في نَفْسِهِ. ومِن حَيْثُ إنَّ الثّانِي إذا أطْلَقَ عَلى المُفْرَدِ لَفْظَ الجَمْعِ مَجازًا فَإنَّ الضَّمائِرَ تَجْرِي عَلى ذَلِكَ الجَمْعِ، لا عَلى المُفْرَدِ. فَيَقُولُ: مَفارِقُهُ شابَتْ، بِاعْتِبارِ الإخْبارِ عَنِ الجَمْعِ، ولا يَجُوزُ مَفارِقُهُ شابَ، بِاعْتِبارِ مَفْرِقِهِ شابَ. وظاهِرُ اللَّفْظِ أنَّ الإيمانَ يَزِيدُ، ومَعْناهُ هُنا: أنَّ ذَلِكَ القَوْلَ زادَهم تَثْبِيتًا واسْتِعْدادًا، فَزِيادَةُ الإيمانِ عَلى هَذا هي في الأعْمالِ. وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في ذَلِكَ، فَقالَ قَوْمٌ: سَيَزِيدُ ويَنْقُصُ بِاعْتِبارِ الطّاعاتِ؛ لِأنَّها مِن ثَمَراتِ الإيمانِ، ويَنْقُصُ بِالمَعْصِيَةِ وهو مَذْهَبُ مالِكٍ ونُسِبَ لِلشّافِعِيِّ. وقالَ قَوْمٌ: مِن جِهَةِ أعْمالِ القُلُوبِ كالنِّيَّةِ والإخْلاصِ والخَوْفِ والنَّصِيحَةِ. وقالَ قَوْمٌ: مِن طَرِيقِ الأدِلَّةِ وكَثْرَتِها وتَظافُرِها عَلى مُعْتَقَدٍ واحِدٍ. وقالَ قَوْمٌ: مِن طَرِيقِ نُزُولِ الفَرائِضِ والأخْبارِ في مُدَّةِ الرَّسُولِ. وقالَ قَوْمٌ: لا يَقْبَلُ الزِّيادَةَ والنَّقْصَ، وهو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ، وحَكاهُ الباقِلّانِيُّ عَنِ الشّافِعِيِّ. وقالَ أبُو المَعالِي في ”الإرْشادِ“: زِيادَتُهُ مِن حَيْثُ ثُبُوتِهِ وتَعاوُرِهِ دائِمًا؛ لِأنَّهُ عَرْضٌ لا يُثْبِتُ زَمانَيْنِ، فَهو لِلصّالِحِ مُتَعاقِبٌ مُتَوالٍ، ولِلْفاسِقِ والغافِلِ غَيْرُ مُتَوالٍ، فَهَذا مَعْنى الزِّيادَةِ والنَّقْصِ. وذَهَبَ قَوْمٌ: إلى ما نَطَقَ بِهِ النَّصُّ، وهو أنَّهُ يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ، وهو مَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ. ورُوِيَ شِبْهَهُ عَنِ ابْنِ المُبارَكِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ الإيمانَ إذا أُرِيدَ بِهِ التَّصْدِيقُ فَيُعَلَّقُ بِشَيْءٍ واحِدٍ: أنَّهُ تَسْتَحِيلُ فِيهِ الزِّيادَةُ والنَّقْصُ، فَإنَّما ذَلِكَ بِحَسَبِ مُتَعَلِّقاتِهِ دُونَ ذاتِهِ، وحُجَجُ هَذِهِ الأقْوالِ مَذْكُورَةٌ في المُصَنَّفاتِ الَّتِي تَضَمَّنَتْ هَذِهِ المَسْألَةَ، وقَدْ أفْرَدَها بَعْضُ العُلَماءِ بِالتَّصْنِيفِ في كِتابٍ. ولَمّا تَقَدَّمَ مِنَ المُثَبِّطِينَ إخْبارٌ بِأنَّ قُرَيْشًا قَدْ جَمَعُوا لَكم، وأمْرٌ مِنهم لَهم بِخَشْيَتِهِمْ لِهَذا الجَمْعِ الَّذِي جَمَعُوهُ - تَرَتَّبَ عَلى هَذا القَوْلِ شَيْئانِ: أحَدُهُما قَلْبِيٌّ وهو زِيادَةُ الإيمانِ، وهو مُقابِلٌ لِلْأمْرِ بِالخَشْيَةِ. فَأخْبَرَ بِحُصُولِ طُمَأْنِينَةٍ في القَلْبِ تُقابِلَ الخَشْيَةَ، وأخْبَرَ بَعْدُ بِما يُقابِلُ جَمْعَ النّاسِ وهو إنَّ كافِيَهم شَرَّ النّاسِ هو اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ أثْنَوْا عَلَيْهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ”ونِعْمَ الوَكِيلُ“، فَدَلَّ عَلى أنَّ قَوْلَهم: حَسْبُنا اللَّهُ هو مِنَ المُبالَغَةِ في التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، ورَبْطِ أُمُورِهِمْ بِهِ تَعالى. فانْظُرْ إلى بَراعَةِ هَذا الكَلامِ وبَلاغَتِهِ، حَيْثُ قُوبِلَ قَوْلٌ بِقَوْلٍ، ومُتَعَلِّقُ قَلْبٍ بِمُتَعَلِّقِ قَلْبٍ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في (حَسْبُ) في قَوْلِهِ: ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ﴾ [البقرة: ٢٠٦] ومِن قَوْلِهِمْ: أحْسَبَهُ الشَّيْءُ: كَفاهُ. وحَسْبُ بِمَعْنى المُحْسِبِ، أيِ الكافِي، أُطْلِقَ ويُرادُ بِهِ مَعْنى اسْمِ الفاعِلِ. ألا تَرى أنَّهُ يُوصَفُ بِهِ فَتَقُولُ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ حَسْبُكَ مِن رَجُلٍ، أيْ: كافِيكَ. فَتَصِفُ بِهِ النَّكِرَةَ، إذْ إضافَتُهُ (p-١١٩)غَيْرُ مَحْضَةٍ؛ لِكَوْنِهِ في مَعْنى اسْمِ الفاعِلِ غَيْرِ الماضِي المُجَرَّدِ مِن ألْ. وقالَ: ؎وحَسْبُكَ مِن غِنًى شِبَعٍ ورِيِّ أيْ كافِيكَ. والوَكِيلُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيِ المَوْكُولُ إلَيْهِ الأُمُورُ. قِيلَ: وهَذِهِ الحَسْبَلَةُ هي قَوْلُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ. والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى، التَّقْدِيرُ: ونِعْمَ الوَكِيلُ اللَّهُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الوَكِيلُ الرَّبُّ. قالَهُ قَوْمٌ. انْتَهى. والمَعْنى: أنَّهُ مِن أسْماءِ صِفاتِهِ تَعالى كَما تَقُولُ: القَهّارُ هو اللَّهُ. وقِيلَ: هو بِمَعْنى الوَلِيِّ والحَفِيظِ، وهو راجِعٌ إلى مَعْنى المَوْكُولِ إلَيْهِ الأُمُورُ. قالَ الفَرّاءُ: والوَكِيلُ الكَفِيلُ.