Al-Bahr Al-Muhit — النساء 4:28 – النساء 4:69
المحتويات
- النساء 4:28
- النساء 4:29
- النساء 4:30
- النساء 4:31
- النساء 4:32
- النساء 4:33
- النساء 4:34
- النساء 4:35
- النساء 4:36
- النساء 4:37
- النساء 4:38
- النساء 4:39
- النساء 4:40
- النساء 4:41
- النساء 4:42
- النساء 4:43
- النساء 4:44
- النساء 4:45
- النساء 4:46
- النساء 4:47
- النساء 4:48
- النساء 4:49
- النساء 4:50
- النساء 4:51
- النساء 4:52
- النساء 4:53
- النساء 4:54
- النساء 4:55
- النساء 4:56
- النساء 4:57
- النساء 4:58
- النساء 4:59
- النساء 4:60
- النساء 4:61
- النساء 4:62
- النساء 4:63
- النساء 4:64
- النساء 4:65
- النساء 4:66
- النساء 4:67
- النساء 4:68
- النساء 4:69
النساء 4:28
﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكم ويَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم ويَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ مَفْعُولُ (يَتُوبَ) مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ: يُرِيدُ اللَّهُ، (p-٢٢٥)هَذا هو مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ فِيما نَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ، أيْ: تَحْلِيلُ ما حَلَّلَ، وتَحْرِيمُ ما حَرَّمَ، وتَشْرِيعُ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. والمَعْنى: يُرِيدُ اللَّهُ تَكْلِيفَ ما كَلَّفَ بِهِ عِبادَهُ مِمّا ذَكَرَ لِأجْلِ التَّبْيِينِ لَهم بِهِدايَتِهِمْ، فَمُتَعَلِّقُ الإرادَةِ غَيْرُ التَّبْيِينِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ، هَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ. ولا يَجُوزُ عِنْدَهم أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقُ الإرادَةِ التَّبْيِينَ، لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى تَعَدِّي الفِعْلِ إلى مَفْعُولِهِ المُتَأخِّرِ بِوَساطَةِ اللّامِ، وإلى إضْمارِ (أنْ) بَعْدَ لامٍ لَيْسَتْ لامَ الجُحُودِ، ولا لامَ كَيْ، وكِلاهُما لا يَجُوزُ عِنْدَهم. ومَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ: أنَّ مُتَعَلِّقَ الإرادَةِ هو التَّبْيِينُ، واللّامُ هي النّاصِبَةُ بِنَفْسِها لا (أنْ) مُضْمَرَةٌ بَعْدَها. وقالَ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ: إذا جاءَ مِثْلُ هَذا قُدِّرَ الفِعْلُ الَّذِي قَبْلَ اللّامِ بِالمَصْدَرِ، فالتَّقْدِيرُ: إرادَةُ اللَّهِ لِما يُرِيدُ لِيُبَيِّنَ، وكَذَلِكَ أُرِيدُ لا يَنْسى ذِكْرَها، أيْ: إرادَتِي لا يَنْسى ذِكْرَها. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٧١] أيْ: أُمِرْنا بِما أُمِرْنا لِنُسْلِمَ انْتَهى. وهَذا القَوْلُ نَسَبَهُ ابْنُ عِيسى لِسِيبَوَيْهِ والبَصْرِيِّينَ، وهَذا يُبْحَثُ في عِلْمِ النَّحْوِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أصْلُهُ: يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُبَيِّنَ لَكم، فَزِيدَتِ اللّامُ مُؤَكِّدَةً لِإرادَةِ التَّبْيِينِ، كَما زِيدَتْ في لا أبا لَكَ لِتَأْكِيدِ إضافَةِ الأبِ، والمَعْنى: يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُبَيِّنَ لَكم ما خَفِيَ عَنْكم مِن مَصالِحِكم وأفاضِلِ أعْمالِكُمُ. انْتَهى كَلامُهُ وهو خارِجٌ عَنْ أقْوالِ البَصْرِيِّينَ والكُوفِيِّينَ. وأمّا كَوْنُهُ خارِجًا عَنْ أقْوالِ البَصْرِيِّينَ فَلِأنَّهُ جَعَلَ اللّامَ مُؤَكِّدَةً مُقَوِّيَةً لِتَعَدِّي (يُرِيدُ)، والمَفْعُولُ مُتَأخِّرٌ، وأضْمَرَ (أنْ) بَعْدَ هَذِهِ اللّامِ. وأمّا كَوْنُهُ خارِجًا عَنْ قَوْلِ الكُوفِيِّينَ فَإنَّهم يَجْعَلُونَ النَّصْبَ بِاللّامِ، لا بِـ (أنْ)، وهو جَعْلُ النَّصْبِ بِـ (أنْ) مُضْمَرَةً بَعْدَ اللّامِ. وذَهَبَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّ اللّامَ في قَوْلِهِ: لِيُبَيِّنَ لَكم لامُ العاقِبَةِ، قالَ: كَما في قَوْلِهِ: ﴿لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] ولَمْ يُذْكَرْ مَفْعُولُ (يُبَيِّنَ) .
قالَ عَطاءٌ: يُبَيِّنُ لَكم ما يُقَرِّبُكم. وقالَ أبُو الكَلْبِيُّ: يُبَيِّنُ لَكم أنَّ الصَّبْرَ عَنْ نِكاحِ الإماءِ خَيْرٌ. وقِيلَ: ما فَصَّلَ مِنَ المُحَرَّماتِ والمُحَلَّلاتِ. وقِيلَ: شَرائِعَ دِينِكم، ومَصالِحَ أُمُورِكم. وقِيلَ: طَرِيقَ مَن قَبْلَكم إلى الجَنَّةِ. ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ مِن بابِ الإعْمالِ، فَيَكُونُ مَفْعُولُ (لِيُبَيِّنَ) ضَمِيرًا مَحْذُوفًا يُفَسِّرُهُ مَفْعُولُ (ويَهْدِيَكم)، نَحْوَ: ضَرَبْتُ وأهَنْتُ زَيْدًا، التَّقْدِيرُ: لِيُبَيِّنَها لَكم ويَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم، أيْ لِيُبَيِّنَ لَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم.
والسُّنَنُ: جُمَعُ سُنَّةٍ، وهي الطَّرِيقَةُ. واخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾، هَلْ ذَلِكَ عَلى ظاهِرِهِ مِنَ الهِدايَةِ (p-٢٢٦)لِسُنَنِهِمْ ؟ أوْ عَلى التَّشْبِيهِ ؟ أيْ: سُنَنًا مِثْلَ سُنَنِ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم. فَمَن قالَ بِالأوَّلِ أرادَ أنَّ السُّنَنَ هي ما حَرُمَ عَلَيْنا وعَلَيْهِمْ بِالنَّسَبِ والرَّضاعِ والمُصاهَرَةِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالسُّنَنِ ما عَنى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣] وقِيلَ: المُرادُ بِها ما ذَكَرَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] وقِيلَ: طُرُقُ مَن قَبْلَكم إلى الجَنَّةِ. وقِيلَ: مَناهِجُ مَن كانَ قَبْلَكم مِنَ الأنْبِياءِ والصّالِحِينَ، والطُّرُقُ الَّتِي سَلَكُوها في دِينِهِمْ لِتَقْتَدُوا بِهِمْ، وهَذا قَرِيبٌ مِمّا قَبْلَهُ. وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ فَيَكُونُ ﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ المُرادُ بِهِ الأنْبِياءُ وأهْلُ الخَيْرِ. وقِيلَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ سُنَنَ طُرُقُ أهْلِ الخَيْرِ والرُّشْدِ والغَيِّ، ومَن كانَ قَبْلَكم مِن أهْلِ الحَقِّ والباطِلِ، لِتَجْتَنِبُوا الباطِلَ، وتَتَّبِعُوا الحَقَّ.
والَّذِينَ قالُوا: إنَّ ذَلِكَ عَلى التَّشْبِيهِ - قالُوا: إنَّ المَعْنى أنَّ طُرُقَ الأُمَمِ السّابِقَةِ في هِدايَتِها كانَ بِإرْسالِ الرُّسُلِ، وإنْزالِ الكُتُبِ، وبَيانِ الأحْكامِ، وكَذَلِكَ جُعِلَ طَرِيقُكم أنْتُمْ. فَأرادَ أنْ يُرْشِدَكم إلى شَرائِعِ دِينِكم وأحْكامِ مِلَّتِكم بِالبَيانِ والتَّفْصِيلِ، كَما أرْشَدَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم مِنَ المُؤْمِنِينَ. وقِيلَ: الهِدايَةُ في أحَدِ أمْرَيْنِ: أمّا أنّا خُوطِبْنا في كُلِّ قِصَّةٍ نَهْيًا أوْ أمْرًا كَما خُوطِبُوا هم أيْضًا في قِصَصِهِمْ، وشُرِعَ لَنا كَما شُرِعَ لَهم، فَهِدايَتُنا سُنَنُهم في الإرْشادِ، وإنِ اخْتَلَفَتْ أحْكامُنا وأحْكامُهم. والأمْرُ الثّانِي: أنَّ هِدايَتَنا سُنَنَهم في أنْ سَمِعْنا وأطَعْنا كَما سَمِعُوا وأطاعُوا، فَوَقَعَ التَّماثُلُ مِن هَذِهِ الجِهَةِ.
والمُرادُ بِالهِدايَةِ هُنا الإرْشادُ والتَّوْضِيحُ، ولا يَتَوَجَّهُ غَيْرُ ذَلِكَ بِقَرِينَةِ السُّنَنِ، والَّذِينَ مِن قَبْلِنا هُمُ المُؤْمِنُونَ مِن كُلِّ شَرِيعَةٍ. وقالَ صاحِبُ رَيِّ الظَّمْآنِ وهو أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أبِي الفَضْلِ المُرْسِيُّ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾، أيْ: يُرِيدُ أنْ يُبَيِّنَ، أوْ يُرِيدُ إنْزالَ الآياتِ لِيُبَيِّنَ لَكم. وقَوْلُهُ تَعالى: ويَهْدِيكم، قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُما واحِدٌ، والتَّكْرارُ لِأجْلِ التَّأْكِيدِ، وهَذا ضَعِيفٌ. والحَقُّ أنَّ المُرادَ مِنَ الأوَّلِ تَبْيِينُ التَّكالِيفِ، ثُمَّ قالَ: ويَهْدِيَكم. وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ كُلَّ ما بَيَّنَ تَحْرِيمَهُ لَنا وتَحْلِيلَهُ مِنَ النِّساءِ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ، فَقَدْ كانَ الحُكْمُ كَذَلِكَ أيْضًا في جَمِيعِ الشَّرائِعِ، وإنْ كانَتْ مُخْتَلِفَةً في نَفْسِها، مُتَّفِقَةً في بابِ المَصالِحِ. انْتَهى. وتَقَدَّمَ مَعْنى هَذِهِ الأقْوالِ الَّتِي ذَكَرَها. وقَوْلُهُ: أيْ يُرِيدُ أنْ يُبَيِّنَ، مُوافِقٌ لِقَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ.
﴿ويَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ يَرُدَّكم مِن عِصْيانِهِ إلى طاعَتِهِ، ويُوَفِّقَكم لَها.
﴿واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ عَلِيمٌ بِأحْوالِكم وبِما تَقَدَّمَ مِنَ الشَّرائِعِ والمَصالِحِ، حَكِيمٌ يُصِيبُ بِالأشْياءِ مَواضِعَها بِحَسَبِ الحِكْمَةِ والإتْقانِ.
﴿واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكم ويُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ تُعَلَّقُ الإرادَةُ أوَّلًا بِالتَّوْبَةِ عَلى سَبِيلِ العِلِّيَّةِ عَلى ما اخْتَرْناهُ مِنَ الأقْوالِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ويَتُوبَ عَلَيْكم، مَعْطُوفٌ عَلى العِلَّةِ، فَهو عِلَّةٌ. وتَعَلُّقُها هُنا عَلى سَبِيلِ المَفْعُولِيَّةِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ التَّعَلُّقانِ فَلا تَكْرارَ. وكَما أرادَ سَبَبَ التَّوْبَةِ فَقَدْ أرادَ التَّوْبَةَ عَلَيْهِمْ، إذْ قَدْ يَصِحُّ إرادَةُ السَّبَبِ دُونَ الفِعْلِ. ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ مُتَعَلِّقَ الإرادَةِ في المَوْضِعَيْنِ واحِدٌ كانَ قَوْلُهُ: واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكم تَكْرارًا لِقَوْلِهِ: ويَتُوبَ عَلَيْكم، لِأنَّ قَوْلَهُ: ويَتُوبَ عَلَيْكم، مَعْطُوفٌ عَلى مَفْعُولٍ، فَهو مَفْعُولٌ بِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وتَكْرارُ إرادَةِ اللَّهِ لِلتَّوْبَةِ عَلى عِبادِهِ تَقْوِيَةٌ لِلْإخْبارِ الأوَّلِ، ولَيْسَ المَقْصِدُ في الآيَةِ إلّا الإخْبارَ عَنْ إرادَةِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ، فَقُدِّمَتْ إرادَةُ اللَّهِ تَوْطِئَةً مُظْهِرَةً لِفَسادِ مُتَّبِعِي الشَّهَواتِ. انْتَهى كَلامُهُ. فاخْتارَ مَذْهَبَ الكُوفِيِّينَ في أنْ جَعَلُوا قَوْلَهُ: لِيُبَيِّنَ، في مَعْنى أنْ يُبَيِّنَ، فَيَكُونُ مَفْعُولًا لِـ(يُرِيدُ)، وعُطِفَ عَلَيْهِ: ويَتُوبَ، فَهو مَفْعُولٌ مِثْلُهُ، ولِذَلِكَ قالَ: وتَكْرارُ إرادَةِ اللَّهِ التَّوْبَةَ عَلى عِبادِهِ إلى آخَرَ كَلامِهِ. وكانَ قَدْ حَكى قَوْلَ الكُوفِيِّينَ وقالَ: وهَذا ضَعِيفٌ، فَرَجَعَ أخِيرًا إلى ما ضَعَّفَهُ، وكانَ قَدْ قَدَّمَ أنَّ مَذْهَبَ سِيبَوَيْهِ: أنَّ مَفْعُولَ (يُرِيدُ) مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: يُرِيدُ اللَّهُ هَذا التَّبْيِينَ.
والشَّهَواتُ جَمْعُ شَهْوَةٍ، وهي ما يَغْلِبُ عَلى (p-٢٢٧)النَّفْسِ مَحَبَّتُهُ وهَواهُ. ولَمّا كانَتِ التَّكالِيفُ الشَّرْعِيَّةُ فِيها قَمْعُ النَّفْسِ ورَدُّها عَنْ مُشْتَهَياتِها، كانَ اتِّباعُ شَهَواتِها سَبَبًا لِكُلِّ مَذَمَّةٍ، وعُبِّرَ عَنِ الكافِرِ والفاسِقِ بِمُتَّبَعِ الشَّهَواتِ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أضاعُوا الصَّلاةَ واتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩] واتِّباعُ الشَّهْوَةِ في كُلِّ حالٍ مَذْمُومٌ، لِأنَّ ذَلِكَ ائْتِمارٌ لَها مِن حَيْثُ ما دَعَتْهُ الشَّهْوَةُ إلَيْهِ. أمّا إذا كانَ الِاتِّباعُ مِن حَيْثُ العَقْلِ أوِ الشَّرْعِ فَذَلِكَ هو اتِّباعٌ لَهُما لا لِلشَّهْوَةِ. ومُتَّبِعُو الشَّهَواتِ هُنا هُمُ الزُّناةُ قالَهُ مُجاهِدٌ، أوِ اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ السُّدِّيُّ. أوِ اليَهُودُ خاصَّةً؛ لِأنَّهم أرادُوا أنْ يَتْبَعَهُمُ المُسْلِمُونَ في نِكاحِ الأخَواتِ مِنَ الأبِ، أوِ المَجُوسُ كانُوا يُحِلُّونَ نِكاحَ الأخَواتِ مِنَ الأبِ، ونِكاحَ بَناتِ الأخِ، وبَناتِ الأُخْتِ، فَلَمّا حَرَّمَهُنَّ اللَّهُ قالُوا: فَإنَّكم تُحِلُّونَ بِنْتَ الخالَةِ والعَمَّةِ، والعَمَّةُ عَلَيْكم حَرامٌ، فانْكِحُوا بَناتِ الأخِ والأُخْتِ، أوْ مُتَّبِعُو كُلِّ شَهْوَةٍ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ. وظاهَرَهُ العُمُومُ والمَيْلُ، وإنْ كانَ مُطْلَقًا فالمُرادُ هُنا المَيْلُ عَنِ الحَقِّ، وهو الجَوْرُ والخُرُوجُ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ. ولِذَلِكَ قابَلَ إرادَةَ اللَّهِ بِإرادَةِ مُتَّبِعِي الشَّهَواتِ، وشَتّانَ ما بَيْنَ الإرادَتَيْنِ. وأكَّدَ فِعْلَ المَيْلِ بِالمَصْدَرِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، لَمْ يَكْتَفِ حَتّى وصْفَهُ بِالعِظَمِ. وذَلِكَ أنَّ المُيُولَ قَدْ تَخْتَلِفُ، فَقَدْ يَتْرُكُ الإنْسانُ فِعْلَ الخَيْرِ لِعارِضٍ شَغَلَ أوْ لِكَسَلٍ أوْ لِفِسْقٍ يَسْتَلِذُّ بِهِ، أوْ لِضَلالَةٍ بِأنْ يَسْبِقَ لَهُ سُوءُ اعْتِقادٍ. ويَتَفاوَتُ رُتَبُ مُعالَجَةِ هَذِهِ الأشْياءِ، فَبَعْضُها أسْهَلُ مِن بَعْضٍ، فَوُصِفَ مِثْلُ هَؤُلاءِ بِالعِظَمِ، إذْ هو أبْعَدُ المُيُولِ مُعالَجَةً وهو الكُفْرُ. كَما قالَ تَعالى: ﴿ودُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [النساء: ٨٩] ﴿ويُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ [النساء: ٤٤] .
وقَرَأ الجُمْهُورُ: أنْ تَمِيلُوا بِتاءِ الخِطابِ. وقُرِئَ: بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ. فالضَّمِيرُ في (يَمِيلُوا) يَعُودُ عَلى الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: مَيْلًا بِسُكُونِ الياءِ. وقَرَأ الحَسَنُ بِفَتْحِها، وجاءَتِ الجُمْلَةُ الأُولى اسْمِيَّةً، والثّانِيَةُ فِعْلِيَّةً لِإظْهارِ تَأْكِيدِ الجُمْلَةِ الأُولى، لِأنَّها أدَلُّ عَلى الثُّبُوتِ. ولِتَكْرِيرِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى فِيها عَلى طَرِيقِ الإظْهارِ والإضْمارِ. وأمّا الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ فَجاءَتْ فِعْلِيَّةً مُشْعِرَةً بِالتَّجَدُّدِ، لِأنَّ إرادَتَهم تَتَجَدَّدُ في كُلِّ وقْتٍ. والواوُ في قَوْلِهِ: ويُرِيدُ لِلْعَطْفِ عَلى ما قَرَّرْناهُ. وأجازَ الرّاغِبُ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْحالِ لا لِلْعَطْفِ، قالَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ يُرِيدُ التَّوْبَةَ عَلَيْكم في حالِ ما تُرِيدُونَ أنْ تَمِيلُوا، فَخالَفَ بَيْنَ الإخْبارَيْنِ في تَقْدِيمِ المُخْبَرِ عَنْهُ في الجُمَلِ الأُولى، وتَأْخِيرِهِ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ، لِيُبَيِّنَ أنَّ الثّانِيَ لَيْسَ عَلى العِطْفِ انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأنَّ إرادَتَهُ تَعالى التَّوْبَةَ عَلَيْنا لَيْسَتْ مُقَيَّدَةً بِإرادَةِ غَيْرِهِ المَيْلَ، ولِأنَّ المُضارِعَ باشَرَتْهُ الواوُ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ، وقَدْ جاءَ مِنهُ شَيْءٌ نادِرٌ يُئَوَّلُ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ قَبْلَهُ، لا يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ القُرْآنُ عَلَيْهِ، لا سِيَّما إذا كانَ لِلْكَلامِ مَحْمَلٌ صَحِيحٌ فَصِيحٌ، فَحَمْلُهُ عَلى النّادِرِ تَعَسُّفٌ لا يَجُوزُ.
﴿يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ لَمْ يَذْكُرْ مُتَعَلِّقَ التَّخْفِيفِ، وفي ذَلِكَ أقْوالٌ: أحَدُها أنْ يَكُونَ في إباحَةِ نِكاحِ الأمَةِ وغَيْرِهِ مِنَ الرُّخَصِ. الثّانِي في تَكْلِيفِ النَّظَرِ وإزالَةِ الحَيْرَةِ فِيما بَيَّنَ لَكم مِمّا يَجُوزُ لَكم مِنَ النِّكاحِ وما لا يَجُوزُ. الثّالِثُ: في وضْعِ الإصْرِ المَكْتُوبِ عَلى مَن قَبْلَنا، وبِمَجِيءِ هَذِهِ المِلَّةِ الحَنِيفِيَّةِ سَهْلَةً سَمْحَةً. الرّابِعُ: بِإيصالِكم إلى ثَوابِ ما كَلَّفَكم مِن تَحَمُّلِ التَّكالِيفِ. الخامِسُ: أنْ يُخَفِّفَ عَنْكم إثْمَ ما تَرْتَكِبُونَ مِنَ المَآثِمِ لِجَهْلِكم. وأعْرَبُوا هَذِهِ الجُمْلَةَ حالًا مِن قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾، والعامِلُ في الحالِ (يُرِيدُ)، التَّقْدِيرُ: واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكم مُرِيدًا أنْ يُخَفِّفَ عَنْكم، وهَذا الإعْرابُ ضَعِيفٌ، لِأنَّهُ قَدْ فَصَلَ بَيْنَ العامِلِ والحالِ بِجُمْلَةٍ مَعْطُوفَةٍ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي في ضِمْنِها العامِلُ، وهي جُمْلَةٌ أجْنَبِيَّةٌ مِنَ العامِلِ والحالِ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يَتَجَوَّزَ إلّا بِسَماعٍ مِنَ العَرَبِ. ولِأنَّهُ رَفَعَ الفِعْلُ الواقِعُ حالًا الِاسْمَ الظّاهِرَ، ويَنْبَغِي أنْ يَرْفَعَ ضَمِيرَهُ لا ظاهِرَهُ، فَصارَ نَظِيرَ: زَيْدٌ يَخْرُجُ، يَضْرِبُ زَيْدٌ عَمْرًا. (p-٢٢٨)والَّذِي سُمِعَ مِن ذَلِكَ إنَّما هو في الجُمْلَةِ الِابْتِدائِيَّةِ، أوْ في شَيْءٍ مِن نَواسِخِها. أمّا في جُمْلَةِ الحالِ فَلا أعْرِفُ ذَلِكَ. وجَوازُ ذَلِكَ فِيما ورَدَ إنَّما هو فَصِيحٌ حَيْثُ يُرادُ التَّفْخِيمُ والتَّعْظِيمُ، فَيَكُونُ الرَّبْطُ في الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا بِالظّاهِرِ. أمّا جُمْلَةُ الحالِ أوِ الصِّفَةِ فَيَحْتاجُ الرَّبْطُ بِالظّاهِرِ فِيها إلى سَماعٍ مِنَ العَرَبِ، والأحْسَنُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً، فَلا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ. أخْبَرَ بِها تَعالى عَنْ إرادَتِهِ التَّخْفِيفَ عَنّا، كَما جاءَ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] .
﴿وخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا﴾ قالَ مُجاهِدٌ وطاوُسٌ وابْنُ زَيْدٍ: الإخْبارُ عَنْ ضَعْفِ الإنْسانِ إنَّما هو في بابِ النِّساءِ، أيْ لَمّا عَلِمْنا ضَعْفَكم عَنِ النِّساءِ خَفَّفْنا عَنْكم بِإباحَةِ الإماءِ. قالَ طاوُسٌ: لَيْسَ يَكُونُ الإنْسانُ أضْعَفَ مِنهُ في أمْرِ النِّساءِ. وقالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: ما أيِسَ الشَّيْطانُ مِن بَنِي آدَمَ قَطُّ إلّا أتاهم مِنَ النِّساءِ، فَقَدْ أتى عَلَيَّ ثَمانُونَ سُنَّةً وذَهَبَتْ إحْدى عَيْنَيَّ وأنا أعْشَقُ بِالأُخْرى، وإنَّ أخْوَفَ ما أخافُ عَلَيَّ فِتْنَةُ النِّساءِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ضَعِيفًا لا يَصْبِرُ عَنِ الشَّهَواتِ، وعَلى مَشاقِّ الطّاعاتِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ثُمَّ بَعْدَ هَذا المَقْصِدِ أيْ: تَخْفِيفِ اللَّهِ بِإباحَةِ الإماءِ، يُخْرِجُ الآيَةَ مَخْرَجَ التَّفَضُّلِ، لِأنَّها تَتَناوَلُ كُلَّ ما خَفَّفَ اللَّهُ عَنْ عِبادِهِ وجَعَلَهُ الدِّينُ يُسْرًا، ويَقَعُ الإخْبارُ عَنْ ضَعْفِ الإنْسانِ عامًّا حَسَبَ ما هو في نَفْسِهِ ضَعِيفٌ يَسْتَمِيلُهُ هَواهُ في الأغْلَبِ. قالَ الرّاغِبُ: ووَصْفُ الإنْسانِ بِأنَّهُ خُلِقَ ضَعِيفًا، إنَّما هو بِاعْتِبارِهِ بِالمَلَأِ الأعْلى نَحْوَ: ﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ﴾ [النازعات: ٢٧] أوْ بِاعْتِبارِهِ بِنَفْسِهِ دُونَ ما يَعْتَرِيهِ مِن فَيْضِ اللَّهِ ومَعُونَتِهِ، أوِ اعْتِبارًا بِكَثْرَةِ حاجاتِهِ وافْتِقارِ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ، أوِ اعْتِبارًا بِمَبْدَئِهِ ومُنْتَهاهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ﴾ [الروم: ٥٤] فَأمّا إذا اعْتُبِرَ بِعَقْلِهِ وما أعْطاهُ مِنَ القُوَّةِ الَّتِي يَتَمَكَّنُ بِها مِن خِلافَةِ اللَّهِ في أرْضِهِ ويَبْلُغُ بِها في الآخِرَةِ إلى جِوارِهِ تَعالى، فَهو أقْوى ما في هَذا العالَمِ. ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿وفَضَّلْناهم عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠] . وقالَ الحَسَنُ: ضَعِيفًا لِأنَّهُ خُلِقَ مِن ماءٍ مَهِينٍ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ﴾ [الروم: ٥٤] . وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: وخَلَقَ الإنْسانَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ مُسْنَدًا إلى ضَمِيرِ اسْمِ اللَّهِ، وانْتِصابُ ضَعِيفًا عَلى الحالِ. وقِيلَ: انْتَصَبَ عَلى التَّمْيِيزِ. لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ بِـ (مِن)، وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ. وقِيلَ: انْتَصَبَ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، والتَّقْدِيرُ: مِن شَيْءٍ ضَعِيفٍ، أيْ مِن طِينٍ، أوْ مِن نُطْفَةٍ وعَلَقَةٍ ومُضْغَةٍ. ولَمّا حَذَفَ المَوْصُوفَ والجابِرَ انْتَصَبَتِ الصِّفَةُ بِالفِعْلِ نَفْسِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ خُلِقَ بِمَعْنى جُعِلَ، فَيُكْسِبُها ذَلِكَ قُوَّةَ التَّعَدِّي إلى مَفْعُولَيْنِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ضَعِيفًا مَفْعُولًا ثانِيًا. انْتَهى. وهَذا هو الَّذِي ذَكَرَهُ مِن أنَّ (خَلَقَ) يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ بِجَعْلِها بِمَعْنى جَعَلَ، لا أعْلَمُ أحَدًا مِنَ النَّحْوِيِّينَ ذَهَبَ إلى ذَلِكَ، بَلِ الَّذِي ذَكَرَ النّاسُ أنَّ مِن أقْسامِ جَعَلَ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى خَلَقَ، فَيَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] أمّا العَكْسُ فَلَمْ يَذْهَبْ إلى ذَلِكَ أحَدٌ فِيما عَلِمْناهُ، والمُتَأخِّرُونَ الَّذِينَ تَتَبَّعُوا هَذِهِ الأفْعالَ لَمْ يَذْكُرُوا ذَلِكَ. وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ أنْواعًا مِنَ البَيانِ والبَدِيعِ. مِنها: التَّجَوُّزُ بِإطْلاقِ اسْمِ الكُلِّ عَلى البَعْضِ في قَوْلِهِ: ﴿يَأْتِينَ الفاحِشَةَ﴾ [النساء: ١٥]، لِأنَّ (ألْ) تَسْتَغْرِقُ كُلَّ فاحِشَةٍ ولَيْسَ المُرادُ، بَلْ بَعْضُها، وإنَّما أُطْلِقَ عَلى البَعْضِ اسْمُ الكُلِّ تَعْظِيمًا لِقُبْحِهِ وفُحْشِهِ، فَإنْ كانَ العُرْفُ في الفاحِشَةِ الزِّنا، فَلَيْسَ مِن هَذا البابِ إذْ تَكُونُ الألِفُ واللّامُ لِلْعَهْدِ. والتَّجَوُّزُ بِالمُرادِ مِنَ المُطْلَقِ بَعْضُ مَدْلُولِهِ في قَوْلِهِ: فَآذُوهُما إذْ فُسِّرَ بِالتَّعْيِيرِ أوِ الضَّرْبِ بِالنِّعالِ، أوِ الجَمْعِ بَيْنَهُما، وبِقَوْلِهِ: سَبِيلًا والمُرادُ الحَدُّ، أوْ رَجْمُ المُحْصَنِ. وبِقَوْلِهِ: ﴿فَأعْرِضُوا عَنْهُما﴾ [النساء: ١٦] أيِ اتْرُكُوهُما. وإسْنادُ الفِعْلِ إلى غَيْرِ فاعِلِهِ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ المَوْتُ﴾ [النساء: ١٥]، وفي قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ﴾ [النساء: ١٨] . والتَّجْنِيسُ المُغايِرُ في: إنْ تابا، ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ تَوّابًا﴾ [النساء: ١٦]، وفي: ﴿أرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] و﴿مِنَ الرَّضاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]، وفي: مُحْصَناتُ، فَإذا أُحْصِنَّ. والتَّجْنِيسُ المُماثِلُ في: ﴿فَإنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أنْ تَكْرَهُوا﴾ [النساء: ١٩]، وفي: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ﴾ [النساء: ٢٢] . (p-٢٢٩)والتَّكْرارُ في اسْمِ اللَّهِ في مَواضِعَ، وفي: ﴿إنَّما التَّوْبَةُ﴾ [النساء: ١٧]، ﴿ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ﴾ [النساء: ١٨]، وفي: ﴿زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ﴾ [النساء: ٢٠]، وفي: أُمَّهاتُكم، ﴿وأُمَّهاتُكُمُ اللّاتِي﴾ [النساء: ٢٣]، وفي: ﴿إلّا ما قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢]، وفي: (المُؤْمِناتِ) في قَوْلِهِ: ﴿المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ﴾ [النساء: ٢٥]، وفي: ﴿فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ﴾ [النساء: ٢٥]، وفي: فَرِيضَةً و﴿مِن بَعْدِ الفَرِيضَةِ﴾ [النساء: ٢٤]، وفي: ﴿المُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٢٤] والمُحْصَناتُ، و﴿نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ﴾ [النساء: ٢٥]، وفي: ﴿بَعْضُكم مِن بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢٥]، وفي: (يُرِيدُ) في أرْبَعَةِ مَواضِعَ، وفي: (يَتُوبُ) و(أنْ يَتُوبَ)، وفي: إطْلاقِ المُسْتَقْبَلِ عَلى الماضِي، في: ﴿واللّاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ﴾ [النساء: ١٥] وفي: ﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكُمْ﴾ [النساء: ١٦]، وفي: ﴿يَعْمَلُونَ السُّوءَ﴾ [النساء: ١٧] وفي: ثُمَّ يَتُوبُونَ، وفي: (يُرِيدُ)، وفي: لِيُبَيِّنَ، لِأنَّ إرادَةَ اللَّهِ وبَيانَهُ قَدِيمانِ، إذْ تِبْيانُهُ في كُتُبِهِ المُنَزَّلَةِ والإرادَةُ والكَلامُ مِن صِفاتِ ذاتِهِ وهي قَدِيمَةٌ. والإشارَةُ والإيماءُ في قَوْلِهِ: كَرْهًا، فَإنَّ تَحْرِيمَ الإرْثِ كَرْهًا يُومِئُ إلى جَوازِهِ طَوْعًا، وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: فَإنْ طِبْنَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ولا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩]، فَلَهُ أنْ يَعْضُلَها عَلى غَيْرِ هَذِهِ الصِّفَةِ لِمَصْلَحَةٍ لَها تَتَعَلَّقُ بِها، أوْ بِمالِها، وفي: ﴿إنَّهُ كانَ فاحِشَةً﴾ [النساء: ٢٢] أوْمَأ إلى نِكاحِ الأبْناءِ في الجاهِلِيَّةِ نِساءَ الآباءِ، وفي: ﴿أُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ في المُحَرَّماتِ، ﴿ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ العَنَتَ﴾ [النساء: ٢٥] إشارَةٌ إلى تَزْوِيجِ الإماءِ. والمُبالَغَةُ في تَفْخِيمِ الأمْرِ وتَأْكِيدِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا﴾ [النساء: ٢٠] عَظَّمَ الأمْرَ حَتّى يُنْتَهى عَنْهُ. والِاسْتِعارَةُ في قَوْلِهِ: ﴿وأخَذْنَ مِنكم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢١]، اسْتَعارَ الأخْذَ لِلْوُثُوقِ بِالمِيثاقِ والتَّمَسُّكِ بِهِ، والمِيثاقُ مَعْنًى لا يَتَهَيَّأُ فِيهِ الأخْذُ حَقِيقَةً، وفي: ﴿كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] أيْ فَرْضَ اللَّهِ، اسْتَعارَ لِلْفَرْضِ لَفْظَ الكِتابِ لِثُبُوتِهِ وتَقْرِيرِهِ، فَدَلَّ بِالأمْرِ المَحْسُوسِ عَلى المَعْنى المَعْقُولِ. وفي: مُحْصِنِينَ، اسْتَعارَ لَفْظَ الإحْصانِ وهو الِامْتِناعُ في المَكانِ الحَصِينِ لِلِامْتِناعِ بِالعِقابِ، واسْتَعارَ لِكَثْرَةِ الزِّنا السَّفْحَ وهو صَبُّ الماءِ في الأنْهارِ والعُيُونِ بِتَدَفُّقٍ وسُرْعَةٍ، وكَذَلِكَ: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤] اسْتَعارَ لَفْظَ الأُجُورِ لِلْمُهُورِ، والأجْرُ هو ما يَدُلُّ عَلى عَمَلٍ، فَجَعَلَ تَمْكِينَ المَرْأةِ مِنَ الِانْتِفاعِ بِها كَأنَّهُ عَمَلٌ تَعْمَلُهُ. وفي قَوْلِهِ: طَوْلًا اسْتِعارَةٌ لِلْمَهْرِ يُتَوَصَّلُ بِهِ لِلْغَرَضِ، والطَّوْلُ وهو الفَضْلُ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى مَعالِي الأُمُورِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ﴾ اسْتَعارَ الِاتِّباعَ والمَيْلَ اللَّذَيْنِ هُما حَقِيقَةٌ في الإجْرامِ لِمُوافَقَةِ هَوى النَّفْسِ المُؤَدِّي إلى الخُرُوجِ عَنِ الحَقِّ. وفي قَوْلِهِ: أنْ يُخَفِّفَ، والتَّخْفِيفُ أصْلُهُ مِن خِفَّةِ الوَزْنِ وثِقَلِ الجِرْمِ، وتَخْفِيفُ التَّكالِيفِ رَفْعُ مَشاقِّها مِنَ النَّفْسِ، وذَلِكَ مِنَ المَعانِي. وتَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِما يَئُولُ إلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا﴾ [النساء: ١٩]، سُمِّيَ تَزْوِيجُ النِّساءِ أوْ مَنعُهُنَّ لِلْأزْواجِ إرْثًا، لِأنَّ ذَلِكَ سَبَبُ الإرْثِ في الجاهِلِيَّةِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿وخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا﴾ جَعَلَهُ ضَعِيفًا باسِمِ ما يَئُولُ إلَيْهِ، أوْ بِاسْمِ أصْلِهِ. والطِّباقُ المَعْنَوِيُّ في قَوْلِهِ: ﴿فَعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا ويَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩]، وقَدْ فُسِّرَ الخَيْرُ الكَثِيرُ بِما هو مَحْبُوبٌ. وفي قَوْلِهِ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٢٤]، أيْ حَرامٌ عَلَيْكم ثُمَّ قالَ: وأُحِلَّ لَكم. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ مِنَ الطِّباقِ اللَّفْظِيِّ، لِأنَّ صَدْرَ الآيَةِ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، ثُمَّ نَسَقَ المُحَرَّماتِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وأُحِلَّ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، فَهَذا هو الطِّباقُ. وفي قَوْلِهِ: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤]، والمُحْصِنُ الَّذِي يَمْنَعُ فَرْجَهُ، والمُسافِحُ الَّذِي يَبْذُلُهُ. والِاحْتِراسُ في قَوْلِهِ: ﴿اللّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] احْتَرَزَ مِنَ اللّاتِي لَمْ يُدْخَلْ بِهِنَّ، وفي ﴿ورَبائِبُكُمُ اللّاتِي في حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] احْتَرَسَ مِنَ اللّاتِي لَيْسَتْ في الحُجُورِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٢٤] إذِ المُحْصَناتُ قَدْ يُرادُ بِها الأنْفُسُ المُحْصَناتُ، فَيَدْخُلُ تَحْتَها الرِّجالُ، فاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: مِنَ النِّساءِ. والِاعْتِراضُ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِإيمانِكم بَعْضُكم مِن بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢٥] . والحَذْفُ في مَواضِعَ لا يَتِمُّ المَعْنى إلّا بِها.
النساء 4:29
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ إلّا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكم ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم إنَّ اللَّهَ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوانًا وظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ٣٠] ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكم ونُدْخِلْكم مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١] ﴿ولا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبُوا ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبْنَ واسْألُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ إنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [النساء: ٣٢] ﴿ولِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكم فَآتُوهم نَصِيبَهم إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٣٣] ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ وبِما أنْفَقُوا مِن أمْوالِهِمْ فالصّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ واللّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ واهْجُرُوهُنَّ في المَضاجِعِ واضْرِبُوهُنَّ فَإنْ أطَعْنَكم فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٤] ﴿وإنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فابْعَثُوا حَكَمًا مِن أهْلِهِ وحَكَمًا مِن أهْلِها إنْ يُرِيدا إصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٥] ﴿واعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا وبِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ والجارِ ذِي القُرْبى والجارِ الجُنُبِ والصّاحِبِ بِالجَنْبِ وابْنِ السَّبِيلِ وما مَلَكَتْ أيْمانُكم إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ مُخْتالًا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦] ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ ويَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ٣٧] ﴿والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ ومَن يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا فَساءَ قَرِينًا﴾ [النساء: ٣٨] (p-٢٣٠)الجارُ: القَرِيبُ المَسْكَنِ مِنكَ، وألِفُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ واوٍ لِقَوْلِهِمْ: جاوَرْتُ، ويُجْمَعُ عَلى جِيرانٍ وجِيرَةٍ. والجُنُبُ: البَعِيدُ. والجَنابَةُ البُعْدُ، قالَ:
؎فَلا تَحْرِمَنِّي نائِلًا عَنْ جَنابَةٍ فَإنِّي امْرُؤٌ وسَطَ القِبابِ غَرِيبُ
وهُوَ مِنَ الِاجْتِنابِ، وهو أنْ يُتْرَكَ الرَّجُلُ جانِبًا. وقالَ تَعالى: (واجْنُبْنِي) أيْ بَعِّدْنِي، وهو وصْفٌ عَلى فِعْلٍ كَناقَةٍ سَرَحٍ.
المُخْتالُ: المُتَكَبِّرُ، وهو اسْمُ فاعِلٍ مِنِ اخْتالَ، وألِفُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ ياءٍ؛ لِقَوْلِهِمُ: الخُيَلاءُ والمَخِيلَةُ. ويُقالُ: خالَ الرَّجُلُ يَخُولُ خَوْلًا إذا تَكَبَّرَ وأُعْجِبَ بِنَفْسِهِ، فَتَكُونُ هَذِهِ مادَّةً أُخْرى، لِأنَّ تِلْكَ مُرَكَّبَةٌ مِن خَيَلَ (خ ي ل)، وهَذِهِ مادَّةٌ مِن (خ و ل) . الفَخُورُ: فَعُولٌ مِن فَخَرَ، والفَخْرُ عَدُّ المَناقِبِ عَلى سَبِيلِ الشُّغُوفِ والتَّطاوُلِ.
القَرِينُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفاعِلٍ، مِن قارَنَهُ إذا لازَمَهُ وخالَطَهُ، ومِنهُ سُمِّيَتِ الزَّوْجَةُ قَرِينَةً. ومِنهُ قِيلَ لَمّا يَلْزَمْنَ الإبِلَ والبَقَرَ: قَرِينانِ، ولِلْحَبَلِ الَّذِي يَشُدّانِ بِهِ قَرْنٌ، قالَ الشّاعِرُ:
؎وابْنُ اللَّبُونِ إذا ما لُزَّ في قَرَنٍ ∗∗∗ لَمْ يَسْتَطِعْ صَوْلَةَ البُزْلِ القَناعِيسِ
وقالَ:
؎كَمُدْخِلٍ رَأْسَهُ لَمْ يُدْنِهِ أحَدٌ ∗∗∗ مِنَ القَرِينَيْنِ حَتّى لَزَّهُ القَرَنُ
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ تَقَدَّمَ شَرْحُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ وتُدْلُوا﴾ [البقرة: ١٨٨] ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ التَّصَرُّفِ في النُّفُوسِ بِالنِّكاحِ، بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ التَّصَرُّفِ في الأمْوالِ المُوَصِّلَةِ إلى النِّكاحِ، وإلى مِلْكِ اليَمِينِ، وأنَّ المُهُورَ والأثْمانَ المَبْذُولَةَ في ذَلِكَ لا تَكُونُ مِمّا مُلِكَتْ بِالباطِلِ، والباطِلُ هو كُلُّ طَرِيقٍ لَمْ تُبِحْهُ الشَّرِيعَةُ، فَيَدْخُلُ فِيهِ: السَّرِقَةُ، والخِيانَةُ، والغَصْبُ، والقِمارُ، وعُقُودُ الرِّبا، وأثْمانُ البَياعاتِ الفاسِدَةِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ بَيْعُ العُرْبانِ، وهو أنْ يَأْخُذَ مِنكَ السِّلْعَةَ ويَكْرِيَ الدّابَّةَ ويُعْطِيَ دِرْهَمًا مَثَلًا عُرْبانًا، فَإنِ اشْتَرى، أوْ رَكِبَ، فالدِّرْهَمُ مِن ثَمَنِ السِّلْعَةِ أوِ الكِراءِ، وإلّا فَهو لِلْبائِعِ. فَهَذا لا يَصِحُّ ولا يَجُوزُ عِنْدَ جَماهِيرِ الفُقَهاءِ، لِأنَّهُ مِن بابِ أكْلِ المالِ بِالباطِلِ. وأجازَ قَوْمٌ، مِنهُمُ ابْنُ سِيرِينَ، ومُجاهِدٌ، ونافِعُ بْنُ عُبَيْدٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: بَيْعَ العُرْبانِ عَلى ما وصَفْناهُ، والحُجَجُ في كُتُبِ الفِقْهِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: بِالباطِلِ. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: هو أنْ يَأْكُلَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ. وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي مَنسُوخَةٌ، إذْ يَجُوزُ أكْلُ المالِ بِغَيْرِ عِوَضٍ إذا كانَ هِبَةً أوْ صَدَقَةً أوْ تَمْلِيكًا أوْ وارِثًا، أوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمّا أباحَتِ الشَّرِيعَةُ أخْذَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: هو أنْ يَأْكُلَ بِالرِّبا والقِمارِ والبَخْسِ والظُّلْمِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لَمْ يُبِحِ اللَّهُ (p-٢٣١)تَعالى أكْلَ المالِ بِهِ. وعَلى هَذا تَكُونُ الآيَةُ مَحْكَمَةً وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ والجُمْهُورِ. وقالَ بَعْضُهُمُ: الآيَةُ مُجْمَلَةٌ، لِأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: بِالباطِلِ، بِطَرِيقٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ. ولَمّا لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الطَّرِيقُ المَشْرُوعَةُ مَذْكُورَةً هُنا عَلى التَّفْصِيلِ، صارَتِ الآيَةُ مُجْمَلَةً. وإضافَةُ الأمْوالِ إلى المُخاطَبِينَ مَعْناهُ: أمْوالُ بَعْضِكم. كَما قالَ تَعالى: ﴿فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٥] وقَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ وقِيلَ: يَشْمَلُ قَوْلُهُ (أمْوالُكم) مالَ الغَيْرِ ومالَ نَفْسِهِ. فَنَهى أنْ يَأْكُلَ مالَ غَيْرِهِ إلّا بِطَرِيقٍ مَشْرُوعٍ، ونَهى أنْ يَأْكُلَ مالَ نَفْسِهِ بِالباطِلِ، وهو: إنْفاقُهُ في مَعاصِي اللَّهِ تَعالى. وعَبَّرَ هُنا عَنْ أخْذِ المالِ بِالأكْلِ، لِأنَّ الأكْلَ مِن أغْلَبِ مَقاصِدِهِ وألْزَمِها.
* *
﴿إلّا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ هَذا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ التِّجارَةَ لَمْ تَنْدَرِجْ في الأمْوالِ المَأْكُولَةِ بِالباطِلِ فَتُسْتَثْنى مِنها، سَواءٌ أفَسَّرْتَ قَوْلَهُ بِالباطِلِ بِغَيْرِ عِوَضٍ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، أمْ بِغَيْرِ طَرِيقٍ شَرْعِيٍّ كَما قالَهُ غَيْرُهُ. والثّانِي: أنَّ الِاسْتِثْناءَ إنَّما وقَعَ عَلى الكَوْنِ، والكَوْنُ مَعْنًى مِنَ المَعانِي لَيْسَ مالًا مِنَ الأمْوالِ. ومَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ فَغَيْرُ مُصِيبٍ لِما ذَكَرْناهُ. وهَذا الِاسْتِثْناءُ المُنْقَطِعُ لا يَدُلُّ عَلى الحَصْرِ في أنَّهُ لا يَجُوزُ أكْلُ المالِ إلّا بِالتِّجارَةِ فَقَطْ، بَلْ ذُكِرَ نَوْعٌ غالِبٌ مِن أكْلِ المالِ بِهِ، وهو التِّجارَةُ، إذْ أسْبابُ الرِّزْقِ أكْثَرُها مُتَعَلِّقٌ بِها.
وفِي قَوْلِهِ: عَنْ تَراضٍ دَلالَةٌ عَلى أنَّ ما كانَ عَلى طَرِيقِ التِّجارَةِ فَشَرْطُهُ التَّراضِي، وهو مِنِ اثْنَيْنِ: الباذِلِ لِلثَّمَنِ، والبائِعِ لِلْعَيْنِ. ولَمْ يُذْكَرْ في الآيَةِ غَيْرُ التَّراضِي، فَعَلى هَذا ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَوْ باعَ ما يُساوِي مِائَةً بِدِرْهَمٍ جازَ إذا تَراضَيا عَلى ذَلِكَ، وسَواءٌ أعَلِمَ مِقْدارَ ما يُساوِي أمْ لَمْ يَعْلَمْ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: إذا لَمْ يَعْلَمْ قَدْرَ الغَبْنِ وتَجاوَزَ الثُّلُثَ، رُدَّ البَيْعُ. وظاهِرُها يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إذا تَعاقَدَ بِالكَلامِ أنَّهُ تَراضٍ مِنهُما ولا خِيارَ لَهُما، وإنْ لَمْ يَتَفَرَّقا. وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ، ومالِكٌ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عُمَرَ. وقالَ الثَّوْرِيُّ، واللَّيْثُ، وعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الحَسَنِ، والشّافِعِيُّ: إذا عَقَدا فَهُما عَلى الخِيارِ ما لَمْ يَتَفَرَّقا، واسْتَثْنَوْا صُوَرًا لا يُشْتَرَطُ فِيها التَّفَرُّقُ، واخْتَلَفُوا في التَّفَرُّقِ. فَقِيلَ: بِأنْ يَتَوارى كُلٌّ مِنهُما عَنْ صاحِبِهِ. وقالَ اللَّيْثُ: بِقِيامِ كُلٍّ مِنهُما مِنَ المَجْلِسِ. وكُلُّ مَن أوْجَبَ الخِيارَ يَقُولُ إذا خَيَّرَهُ في المَجْلِسِ فاخْتارَ، فَقَدْ وجَبَ البَيْعُ. ورُوِيَ خِيارُ المَجْلِسِ عَنْ عُمَرَ أيْضًا. وأطالَ المُفَسِّرُونَ بِذِكْرِ الِاحْتِجاجِ لِكُلٍّ مِن هَذِهِ المَذاهِبِ، ومَوْضُوعُ ذَلِكَ كُتُبِ الفِقْهِ.
والتِّجارَةُ اسْمٌ يَقَعُ عَلى عُقُودِ المُعاوَضاتِ، المَقْصُودُ مِنها طَلَبُ الأرْباحِ. وأنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ أيْ: لَكِنَّ كَوْنَ تِجارَةٍ عَنْ تَراضٍ غَيْرُ مَنهِيٍّ عَنْهُ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: تِجارَةً بِالنَّصْبِ، عَلى أنْ تَكُونَ ناقِصَةً عَلى تَقْدِيرِ مُضْمَرٍ فِيها يَعُودُ عَلى الأمْوالِ، أوْ يُفَسِّرُهُ التِّجارَةُ، والتَّقْدِيرُ: إلّا أنْ تَكُونَ الأمْوالُ تِجارَةً، أوْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: إلّا أنْ تَكُونَ التِّجارَةُ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكم. كَما قالَ: إذا كانَ يَوْمًا ذا كَوْكَبٍ أشْنَعا. أيْ إذا كانَ هَوايَ اليَوْمَ يَوْمًا ذا كَوْكَبٍ. واخْتارَ قِراءَةَ الكُوفِيِّينَ أبُو عُبَيْدٍ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: (تِجارَةٌ) بِالرَّفْعِ، عَلى أنَّ (كانَ) تامَّةٌ. وقالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: الأكْثَرُ في كَلامِ العَرَبِ أنَّ قَوْلَهم إلّا أنْ تَكُونَ في الِاسْتِثْناءِ بِغَيْرِ ضَمِيرٍ فِيها عَلى مَعْنى يَحْدُثُ أوْ يَقَعُ، وهَذا مُخالِفٌ لِاخْتِيارِ أبِي عُبَيْدٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَمامُ (كانَ) يَتَرَجَّحُ عِنْدَ بَعْضٍ؛ لِأنَّها صِلَةٌ، فَهي مَحْطُوطَةٌ عَنْ دَرَجَتِها إذا كانَتْ سَلِيمَةً مِن صِلَةٍ وغَيْرِها، وهَذا تَرْجِيحٌ لَيْسَ بِالقَوِيِّ، ولَكِنَّهُ حَسَنٌ. انْتَهى ما ذَكَرَهُ. ويَحْتاجُ هَذا الكَلامُ إلى فِكْرٍ، ولَعَلَّهُ نَقَصَ مِنَ النُّسْخَةِ شَيْءٌ يَتَّضِحُ بِهِ هَذا المَعْنى الَّذِي أرادَهُ. و﴿عَنْ تَراضٍ﴾ صِفَةٌ لِلتِّجارَةِ، أيْ: تِجارَةٌ صادِرَةٌ عَنْ تَراضٍ.
* *
﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ ظاهِرُهُ النَّهْيُ عَنْ قَتْلِ الإنْسانِ نَفْسَهُ كَما يَفْعَلُهُ بَعْضُ الجَهَلَةِ بِقَصْدٍ مِنهُ، أوْ بِحَمْلِها عَلى غَرَرٍ يَمُوتُ بِسَبَبِهِ، كَما يَصْنَعُ بَعْضُ الفُتّاكِ بِالمُلُوكِ، فَإنَّهم يَقْتُلُونَ المَلِكَ ويُقْتَلُونَ بِلا شَكٍّ. وقَدِ احْتَجَّ عَمْرُو بْنُ العاصِ بِهَذِهِ الآيَةِ حِينَ امْتَنَعَ مِنَ الِاغْتِسالِ بِالماءِ البارِدِ، وأقَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (p-٢٣٢)احْتِجاجَهُ. وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لا تَفْعَلُوا ما تَسْتَحِقُّونَ بِهِ القَتْلَ مِنَ القَتْلِ والرِّدَّةِ والزِّنا بَعْدَ الإحْصانِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأجْمَعُ المُتَأوِّلُونَ أنَّ القَصْدَ النَّهْيُ عَنْ أنْ يَقْتُلَ بَعْضُ النّاسِ بَعْضًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَنِ الحَسَنِ: إنَّ المَعْنى لا تَقْتُلُوا إخْوانَكُمُ انْتَهى. وعَلى هَذا المَعْنى أضافَ القَتْلَ إلى أنْفُسِهِمْ لِأنَّهم كَنَفْسٍ واحِدَةٍ، أوْ مِن جِنْسٍ واحِدٍ، أوْ مِن جَوْهَرٍ واحِدٍ. ولِأنَّهُ إذا قَتَلَ قَتَلَ عَلى سَبِيلِ القِصاصِ، وكَأنَّهُ هو الَّذِي قَتَلَ نَفْسَهُ. وما ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ مِن إجْماعِ المُتَأوِّلِينَ ذَكَرَ غَيْرُهُ فِيهِ الخِلافَ. قالَ ما مُلَخَّصُهُ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ حَقِيقَةُ القَتْلِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لا يَقْتُلْ بَعْضُكم بَعْضًا. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لا يَقْتُلْ أحَدٌ نَفْسَهُ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، أوْ ظُلْمٍ أصابَهُ، أوْ جُرْحٍ أخْرَجَهُ عَنْ حَدِّ الِاسْتِقامَةِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ مَجازُ القَتْلِ أيْ: يَأْكُلُ المالَ بِالباطِلِ، أوْ بِطَلَبِ المالِ والِانْهِماكِ فِيهِ، أوْ يَحْمِلُ نَفْسَهُ عَلى الغَرَرِ المُؤَدِّي إلى الهَلاكِ، أوْ بِفِعْلِ هَذِهِ المَعاصِي والِاسْتِمْرارِ عَلَيْها. فَيَكُونُ القَتْلُ عُبِّرَ بِهِ عَنِ الهَلاكِ مَجازًا كَما جاءَ: شاهِدٌ قَتَلَ ثَلاثًا: نَفْسَهُ، والمَشْهُودَ لَهُ، والمَشْهُودَ عَلَيْهِ، أيْ: أهْلَكَ. وقَرَأ عَلِيٌّ والحَسَنُ: (ولا تَقْتُلُوا) بِالتَّشْدِيدِ.
* *
﴿إنَّ اللَّهَ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ حَيْثُ نَهاكم عَنْ إتْلافِ النُّفُوسِ، وعَنْ أكْلِ الحَرامِ، وبَيَّنَ لَكم جِهَةَ الحِلِّ الَّتِي يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ قِوامَ الأنْفُسِ وحَياتَها بِما يُكْتَسَبُ مِنها، لِأنَّ طِيبَ الكَسْبِ يَنْبَنِي عَلَيْهِ صَلاحُ العِباداتِ وقَبُولُها. ألا تَرى إلى ما ورَدَ: مَن حَجَّ بِمالٍ حَرامٍ أنَّهُ إذا قالَ: لَبَّيْكَ، قالَ اللَّهُ لَهُ: لا لَبَّيْكَ ولا سَعْدَيْكَ، وحَجُّكَ مَرْدُودٌ عَلَيْكَ. وألا تَرى إلى الدّاعِي رَبَّهُ، ومَطْعَمُهُ حَرامٌ، ومَلْبَسُهُ حَرامٌ، كَيْفَ جاءَ: أنّى يُسْتَجابُ لَهُ ؟ وكانَ النَّهْيُ عَنْ أكْلِ المالِ بِالباطِلِ مُتَقَدِّمًا عَلى النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ أنْفُسِهِمْ، لِأنَّهُ أكْثَرُ وُقُوعًا، وأفْشى في النّاسِ مِنَ القَتْلِ، لا سِيَّما إنْ كانَ المُرادُ ظاهِرَ الآيَةِ مِن أنَّهُ نَهى أنْ يَقْتُلَ الإنْسانُ نَفْسَهُ، فَإنَّ هَذِهِ الحالَةَ نادِرَةٌ. وقِيلَ: رَحِيمًا حَيْثُ لَمْ يُكَلِّفْكم قَتْلَ أنْفُسِكم حِينَ التَّوْبَةِ كَما كَلَّفَ بَنِي إسْرائِيلَ قَتْلَهم أنْفُسَهم، وجَعَلَ ذَلِكَ تَوْبَةً لَهم وتَمْحِيصًا لِخَطاياهم.
النساء 4:30
﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوانًا وظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا﴾ الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ما وقَعَ النَّهْيُ عَنْهُ في هَذِهِ الجُمْلَةِ مِن أكْلِ المالِ بِالباطِلِ، وقَتْلِ الأنْفُسِ. لِأنَّ النَّهْيَ عَنْهُما جاءَ مُتَّسِقًا مَسْرُودًا، ثُمَّ ورَدَ الوَعِيدُ حَسَبَ النَّهْيِ. وذَهَبَ إلى هَذا القَوْلِ جَماعَةٌ. وتَقْيِيدُ أكْلِ المالِ بِالباطِلِ بِالِاعْتِداءِ والظُّلْمِ عَلى هَذا القَوْلِ لَيْسَ المَعْنى أنْ يَقَعَ عَلى جِهَةٍ لا يَكُونُ اعْتِداءً وظُلْمًا، بَلْ هو مِنَ الأوْصافِ الَّتِي لا يَقَعُ الفِعْلُ إلّا عَلَيْهِ. وقِيلَ: إنَّما قالَ: عُدْوانًا وظُلْمًا لِيَخْرُجَ مِنهُ السَّهْوُ والغَلَطُ، وما كانَ طَرِيقُهُ الِاجْتِهادَ في الأحْكامِ. وأمّا تَقْيِيدُ قَتْلِ الأنْفُسِ عَلى تَفْسِيرِ قَتْلِ بَعْضِنا بَعْضًا بِقَوْلِهِ: عُدْوانًا وظُلْمًا، فَإنَّما ذَلِكَ لِأنَّ القَتْلَ يَقَعُ كَذَلِكَ، ويَقَعُ خَطَأً واقْتِصاصًا. وقِيلَ الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ وهو: قَتْلُ الأنْفُسِ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ، واخْتِيارُ الزَّمَخْشَرِيِّ. قالَ: ذَلِكَ إشارَةٌ إلى القَتْلِ أيْ: ومَن يُقْدِمُ عَلى قَتْلِ الأنْفُسِ عُدْوانًا وظُلْمًا لا خَطَأً ولا اقْتِصاصًا انْتَهى. ويَكُونُ نَظِيرَ قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] وذَهَبَ الطَّبَرِيُّ إلى أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما سَبَقَ مِنَ النَّهْيِ الَّذِي لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ وعِيدٌ، وهو مِن قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا ولا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩] إلى هَذا النَّهْيِ الَّذِي هو ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم، فَأمّا ما قَبْلَ ذَلِكَ مِنَ النَّهْيِ فَقَدِ اقْتَرَنَ بِهِ الوَعِيدُ. وما ذَهَبَ إلَيْهِ الطَّبَرِيُّ بَعِيدٌ جِدًّا لِأنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ قَدِ اسْتَقَلَّتْ بِنَفْسِها، ولا يَظْهَرُ لَها تَعَلُّقٌ بِما بَعْدَها إلّا تَعَلُّقَ المُناسَبَةِ، ولا تَعَلُّقَ اضْطِرارِ المَعْنى. وأبْعَدُ مِن قَوْلِ الطَّبَرِيِّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ جَماعَةٌ مِن أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى كُلِّ ما نَهى عَنْهُ مِنَ القَضايا، مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى النَّهْيِ الَّذِي أعْقَبَهُ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ . وجَوَّزَ الماتُرِيدِيُّ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إشارَةً إلى أكْلِ المالِ بِالباطِلِ، قالَ: وذَلِكَ يَرْجِعُ إلى ما سَبَقَ مِن أكْلِ المالِ بِالباطِلِ، أوْ قَتْلِ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ، (p-٢٣٣)أوْ إلَيْهِما جَمِيعًا. انْتَهى. فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ في المُشارِ إلَيْهِ بِذَلِكَ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
وانْتِصابُ ﴿عُدْوانًا وظُلْمًا﴾ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونا مَصْدَرَيْنِ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: مُعْتَدِينَ وظالِمِينَ. وقُرِئَ: (عِدْوانًا) بِالكَسْرِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: نُصْلِيهِ بِضَمِّ النُّونِ. وقَرَأ النَّخَعِيُّ والأعْمَشُ: بِفَتْحِها مِن صَلاهُ، ومِنهُ شاةٌ مَصْلِيَّةٌ. وقُرِئَ أيْضًا: (نُصَلِّيهِ) مُشَدَّدًا. وقُرِئَ: (يُصْلِيهِ) بِالياءِ، والظّاهِرُ أنَّ الفاعِلَ هو ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى اللَّهِ، أيْ: فَسَوْفَ يُصْلِيهِ هو، أيِ اللَّهُ تَعالى. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلى ذَلِكَ، قالَ: لِكَوْنِهِ سَبَبًا لِلْمُصَلِّي، وفِيهِ بُعْدٌ. ومَدْلُولُ (نارًا) مُطْلَقٌ، والمُرادُ - واللَّهُ أعْلَمُ - تَقْيِيدُها بِوَصْفِ الشِّدَّةِ، أوْ ما يُناسِبُ هَذا الجِرْمَ العَظِيمَ مِن أكْلِ المالِ بِالباطِلِ وقَتْلِ الأنْفُسِ.
﴿وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى إصْلائِهِ النّارَ، ويُسْرُهُ عَلَيْهِ تَعالى سُهُولَتُهُ، لِأنَّ حُجَّتَهُ بالِغَةٌ وحُكْمَهُ لا مُعَقِّبَ لَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِأنَّ الحِكْمَةَ تَدْعُو إلَيْهِ، ولا صارِفَ عَنْهُ مِن ظُلْمٍ أوْ نَحْوِهِ. وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ.
النساء 4:31
﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكم ونُدْخِلْكم مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ ظاهِرَةٌ، لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الوَعِيدَ عَلى فِعْلِ بَعْضِ الكَبائِرِ، ذَكَرَ الوَعْدَ عَلى اجْتِنابِ الكَبائِرِ. والظّاهِرُ أنَّ الذُّنُوبَ تَنْقَسِمُ إلى كَبائِرَ وسَيِّئاتٍ، وهي الَّتِي عَبَّرَ عَنْها أكْثَرُ العُلَماءِ بِالصَّغائِرِ. وقَدِ اخْتَلَفُوا في ذَلِكَ، فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى انْقِسامِ الذُّنُوبِ إلى كَبائِرَ وصَغائِرَ، فَمِنَ الصَّغائِرِ النَّظْرَةُ واللَّمْسَةُ والقُبْلَةُ ونَحْوُ ذَلِكَ مِمّا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ التَّحْرِيمِ، وتُكَفَّرُ الصَّغائِرُ بِاجْتِنابِ الكَبائِرِ. وذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ الأُصُولِيِّينَ، مِنهُمُ الأُسْتاذُ أبُو إسْحاقَ الإسْفَرايِينِيُّ، وأبُو المَعالِي، وأبُو نَصْرٍ عَبْدُ الرَّحِيمِ القُشَيْرِيُّ: إلى أنَّ الذُّنُوبَ كُلَّها كَبائِرُ، وإنَّما يُقالُ لِبَعْضِها صَغِيرَةٌ بِالإضافَةِ إلى ما هو أكْبَرُ مِنها، كَما يُقالُ: الزِّنا صَغِيرَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الكُفْرِ، والقُبْلَةُ المُحَرَّمَةُ صَغِيرَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الزِّنا، ولا ذَنْبَ يُغْفَرُ بِاجْتِنابِ ذَنْبٍ آخَرَ، بَلْ كُلُّ ذَنْبٍ كَبِيرَةٌ وصاحِبُهُ ومُرْتَكِبُهُ في المَشِيئَةِ غَيْرَ الكُفْرِ. وحَمَلُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ عَلى أنْواعِ الشِّرْكِ والكُفْرِ، قالُوا: ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ (كَبِيرٌ) عَلى التَّوْحِيدِ، وقَوْلُهُ ﷺ: «(مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ فَقَدْ أوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النّارَ وحَرَّمَ عَلَيْهِ الجَنَّةَ) فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ وإنْ كانَ يَسِيرًا ؟ قالَ: (وإنْ كانَ قَضِيبًا مِن أراكٍ)» فَقَدْ جاءَ الوَعِيدُ عَلى اليَسِيرِ، كَما جاءَ عَلى الكَثِيرِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلُ قَوْلِ هَؤُلاءِ قالَ: كُلُّ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ فَهو كَبِيرَةٌ.
والَّذِينَ ذَهَبُوا إلى انْقِسامِ الذُّنُوبِ إلى كَبائِرَ وصَغائِرَ، وأنَّ الصَّغائِرَ تُكَفَّرُ بِاجْتِنابِ الكَبائِرِ عَلى ما اقْتَضاهُ ظاهِرُ الآيَةِ وعَضَّدَهُ الحَدِيثُ الثّابِتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن قَوْلِهِ: (ما مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ (p-٢٣٤)تَحْضُرُهُ صَلاةٌ مَكْتُوبَةٌ فَيُحْسِنُ وضَوْءَها وخُشُوعَها ورُكُوعَها إلّا كانَتْ كَفّارَةً لِما قَبْلَها مِنَ الذُّنُوبِ ما لَمْ يَأْتِ كَبِيرَةً وذَلِكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ) وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: (الصَّلَواتُ الخَمْسُ والجُمُعَةُ إلى الجُمُعَةِ ورَمَضانُ إلى رَمَضانَ مُكَفِّراتٌ لِما بَيْنَهُنَّ إذا اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ) .
واخْتَلَفُوا في الكَبائِرِ فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هي ثَلاثٌ، القُنُوطُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، واليَأْسُ مِن رُوحِ اللَّهِ، والأمْنُ مِن مَكْرِ اللَّهِ. ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّها أرْبَعٌ: فَزادَ الإشْراكَ بِاللَّهِ. وقالَ عَلِيٌّ: هي سَبْعٌ: الإشْراكُ بِاللَّهِ، وقَتْلُ النَّفْسِ، وقَذْفُ المُحْصَنَةِ، وأكْلُ مالِ اليَتِيمِ، وأكْلُ الرِّبا، والفِرارُ يَوْمَ الزَّحْفِ، والتَّعَرُّبِ بَعْدَ الهِجْرَةِ. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: الكَبائِرُ سَبْعٌ كَقَوْلِ عَلِيٍّ، في كُلِّ واحِدَةٍ مِنها آيَةٌ في كِتابِ اللَّهِ، وجَعَلَ الآيَةَ في التَّعَرُّبِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى﴾ [محمد: ٢٥] الآيَةَ وفي البُخارِيِّ: (اتَّقُوا السَّبْعَ المُوبِقاتِ) فَذَكَرَ هَذِهِ إلّا التَّعَرُّبَ، فَجاءَ بَدَلَهُ السِّحْرُ. وقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ هَذِهِ الكَبائِرَ هي هَذِهِ السَّبْعُ الَّتِي ثَبَتَتْ في البُخارِيِّ. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: فَذَكَرَ هَذِهِ إلّا السِّحْرَ، وزادَ الإلْحادَ في المَسْجِدِ الحَرامِ. والَّذِي يَسْتَسْخِرُ بِالوالِدَيْنِ مِنَ العُقُوقِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ أيْضًا والنَّخَعِيُّ: هي جَمِيعُ ما نُهِيَ عَنْهُ مِن أوَّلِ سُورَةِ النِّساءِ إلى ثَلاثِينَ آيَةً مِنها، وهي: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا فِيما رُوِيَ عَنْهُ: هي إلى السَّبْعِينَ أقْرَبُ مِنها إلى السَّبْعِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الكَبائِرُ كُلُّ ما ورَدَ عَلَيْهِ وعِيدٌ بِنارٍ، أوْ عَذابٍ، أوْ لَعْنَةٍ، أوْ ما أشْبَهَ ذَلِكَ. وإلى نَحْوٍ مِن هَذا ذَهَبَ أبُو مُحَمَّدٍ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ حَزْمٍ الفارِسِيُّ القُرْطُبِيُّ، قالَ: قَدْ أطَلْتُ التَّفْتِيشَ عَنْ هَذا مُنْذُ سِنِينَ فَصَحَّ لِي أنَّ كُلَّ ما تَوَعَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالنّارِ فَهو مِنَ الكَبائِرِ، ووَجَدْناهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ أدْخَلَ في الكَبائِرِ بِنَصِّ لَفْظِهِ أشْياءَ غَيْرَ الَّتِي ذَكَرَ في الحَدِيثِ - يَعْنِي الَّذِي في البُخارِيِّ - فَمِنها: قَوْلُ الزُّورِ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ، والكَذِبُ عَلَيْهِ، وتَعْرِيضُ المَرْءِ أبَوَيْهِ لِلسَّبِّ بِأنْ يَسُبَّ آباءَ النّاسِ، وذَكَرَ عَلَيْهِ السَّلامُ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ بِالنّارِ عَلى الكِبْرِ، وعَلى كُفْرِ نِعْمَةِ المُحْسِنِ في الحَقِّ، وعَلى النِّياحَةِ في المَآتِمِ، وحَلْقِ الشَّعْرِ فِيها، وخَرْقِ الجُيُوبِ، والنَّمِيمَةِ، وتَرْكِ التَّحَفُّظِ مِنَ البَوْلِ، وقَطِيعَةِ الرَّحِمِ، وعَلى الخَمْرِ، وعَلى تَعْذِيبِ الحَيَوانِ بِغَيْرِ الذَّكاةِ لِأكْلِ ما يَحِلُّ أكْلُهُ مِنها أوْ ما أُبِيحَ أكْلُهُ مِنها، وعَلى إسْبالِ الإزارِ عَلى سَبِيلِ التَّجَوُّهِ، وعَلى المَنّانِ بِما يَفْعَلُ مِنَ الخَيْرِ، وعَلى المُنْفِقِ سِلْعَتَهُ بِالحَلِفِ الكاذِبِ، وعَلى المانِعِ فَضْلَ مائِهِ مِنَ الشّارِبِ، وعَلى الغَلُولِ، وعَلى مُتابَعَةِ الأئِمَّةِ لِلدُّنْيا فَإنْ أُعْطُوا مِنها وُفِّيَ لَهم وإنْ لَمْ يُعْطُوا مِنها لَمْ يُوَفَّ لَهم، وعَلى المُقْتَطِعِ بِيَمِينِهِ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، وعَلى الإمامِ الغاشِّ لِرَعِيَّتِهِ، ومَنِ ادَّعى إلى غَيْرِ أبِيهِ، وعَلى العَبْدِ الآبِقِ، وعَلى مَن غَلَّ، ومَنِ ادَّعى ما لَيْسَ لَهُ، وعَلى لاعِنِ مَن لا يَسْتَحِقُّ اللَّعْنَ، وعَلى بُغْضِ الأنْصارِ، وعَلى تارِكِ الصَّلاةِ، وعَلى تارِكِ الزَّكاةِ، وعَلى بُغْضِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ووَجَدْنا الوَعِيدَ الشَّدِيدَ في نَصِّ القُرْآنِ قَدْ جاءَ عَلى الزُّناةِ، وعَلى المُفْسِدِينَ في الأرْضِ بِالحِرابَةِ، فَصَحَّ بِهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. انْتَهى كَلامُهُ. يَعْنِي قَوْلُهُ: هي إلى السَّبْعِينَ أقْرَبُ مِنها إلى السَّبْعِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هي إلى سَبْعِمِائَةٍ أقْرَبُ، لِأنَّهُ لا صَغِيرَةَ مَعَ الإصْرارِ، ولا كَبِيرَةَ مَعَ الِاسْتِغْفارِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ القائِلُونَ بِأنَّهُ يُكَفَّرُ الصَّغائِرُ بِاجْتِنابِ الكَبائِرِ، هَلِ التَّكْفِيرُ قَطْعِيٌّ ؟ أوْ غالِبُ ظَنٍّ ؟ فَجَماعَةٌ مِنَ الفُقَهاءِ وأهْلِ الحَدِيثِ ذَهَبُوا إلى أنَّهُ قَطْعِيٌّ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَةُ والأحادِيثُ، والأُصُولِيُّونَ قالُوا: هو عَلى غَلَبَةِ الظَّنِّ، وقالُوا: لَوْ كانَ ذَلِكَ قَطْعِيًّا لَكانَتِ الصَّغائِرُ في حُكْمِ المُباحِ يُقْطَعُ بِأنْ لا تَبِعَةَ فِيهِ، ووَصَفَ (مُدْخَلًا) بِقَوْلِهِ: (كَرِيمًا)، ومَعْنى كَرَمِهِ: فَضِيلَتُهُ، ونَفى العُيُوبَ عَنْهُ كَما تَقُولُ: ثَوْبٌ كَرِيمٌ، وفُلانٌ كَرِيمُ المَحْتِدِ. ومَعْنى تَكْفِيرِ السَّيِّئاتِ إزالَةُ ما يُسْتَحَقُّ عَلَيْها مِنَ العُقُوباتِ، وجَعْلُها كَأنْ لَمْ تَكُنْ، وذَلِكَ مُرَتَّبٌ عَلى اجْتِنابِ الكَبائِرِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ (إنْ تَجْتَنِبُوا كَبِيرَ) عَلى الإفْرادِ، وقَدْ ذَكَرْنا مَنِ (p-٢٣٥)احْتَجَّ بِهِ عَلى أنَّهُ أُرِيدَ الكُفْرُ. وأمّا مَن لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ فَهو عِنْدَهُ جِنْسٌ.
وقَرَأ المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: (يُكَفِّرْ ويُدْخِلْكم) بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: (مِن سَيِّئاتِكم) بِزِيادَةِ (مِن) .
وقَرَأ نافِعٌ: (مُدْخَلًا) هُنا، وفي الحَجِّ بِفَتْحِ المِيمِ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي بَكْرٍ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِضَمِّها وانْتِصابِ المَضْمُومِ المِيمِ إمّا عَلى المَصْدَرِ أيْ: إدْخالًا، والمُدْخَلُ فِيهِ مَحْذُوفٌ، أيْ: ويُدْخِلْكُمُ الجَنَّةَ إدْخالًا كَرِيمًا. وإمّا عَلى أنَّهُ مَكانُ الدُّخُولِ، فَيَجِيءُ الخِلافُ الَّذِي في دَخَلَ، أهِيَ مُتَعَدِّيَةٌ لِهَذِهِ الأماكِنِ عَلى سَبِيلِ التَّعْدِيَةِ لِلْمَفْعُولِ ؟ أمْ عَلى سَبِيلِ الظَّرْفِ ؟ فَإذا دَخَلَتْ هَمْزَةُ النَّقْلِ فالخِلافُ. وأمّا انْتِصابُ المَفْتُوحِ المِيمِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرَ الدَّخْلِ المُطاوِعِ لِأدْخَلَ، التَّقْدِيرُ: ويُدْخِلْكم فَتَدْخُلُونَ دُخُولًا كَرِيمًا، وحَذَفَ (فَتَدْخُلُونَ) لِدَلالَةِ المُطاوِعِ عَلَيْهِ، ولِدَلالَةِ مَصْدَرِهِ أيْضًا. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ المَكانُ، فَيَنْتَصِبُ إذْ ذاكَ إمّا بِـ (يُدْخِلْكم)، وإمّا بِـ (دَخَلْتُمُ) المَحْذُوفَةِ عَلى الخِلافِ، أهُوَ مَفْعُولٌ بِهِ أوْ ظَرْفٌ.
النساء 4:32
﴿ولا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ﴾ قالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ: لَمّا نَزَلَ ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] قالَ الرِّجالَ: إنّا لَنَرْجُوَ أنْ نُفَضَّلَ عَلى النِّساءِ في الحَسَناتِ كالمِيراثِ.
وقالَ النِّساءُ: إنّا لِنَرْجُوَ أنْ يَكُونَ الوِزْرُ عَلَيْنا نِصْفَ ما عَلى الرِّجالِ كالمِيراثِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: قالَ النِّساءَ: ودِدْنا أنَّ اللَّهَ جَعَلَ لَنا الغَزْوَ فَنُصِيبُ مِنَ الأجْرِ مِثْلَ ما يُصِيبُ الرِّجالُ. وزادَ مُجاهِدٌ: أنَّ ذَلِكَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ. وأنَّها قالَتْ: وإنَّما لَنا نِصْفُ المِيراثِ، فَنَزَلَتْ. ورُوِيَ عَنْها أنَّها قالَتْ: لَيْتَنا كُنّا رِجالًا، فَنَزَلَتْ.
ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها: أنَّهُ تَعالى لَمّا نَهى عَنْ أكْلِ المالِ بِالباطِلِ، وعَنْ قَتْلِ الأنْفُسِ، وكانَ ما نَهى عَنْهُ مَدْعاةً إلى التَّبَسُّطِ في الدُّنْيا والعُلُوِّ فِيها وتَحْصِيلِ حُطامِها، نَهاهم عَنْ تَمَنِّي ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ، إذِ التَّمَنِّي لِذَلِكَ سَبَبٌ مُؤَثِّرٌ في تَحْصِيلِ الدُّنْيا وشَوْقِ النَّفْسِ إلَيْها بِكُلِّ طَرِيقٍ، فَلَمْ يَكْتَفِ بِالنَّهْيِ عَنْ تَحْصِيلِ المالِ بِالباطِلِ وقَتْلِ الأنْفُسِ، حَتّى نَهى عَنِ السَّبَبِ المُحَرِّضِ عَلى ذَلِكَ، وكانَتِ المُبادَرَةُ إلى النَّهْيِ عَنِ المُسَبِّبِ آكَدُ لِفَظاعَتِهِ ومَشَقَّتِهِ، فَبُدِئَ بِهِ، ثُمَّ أتْبَعَ بِالنَّهْيِ عَنِ السَّبَبِ حَسْمًا لِمادَّةِ المُسَبِّبِ، ولِيُوافِقَ العَمَلُ القَلْبِيُّ العَمَلَ الخارِجِيَّ فَيَسْتَوِي الباطِنُ والظّاهِرُ في الِامْتِناعِ عَنِ الأفْعالِ القَبِيحَةِ. وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى النَّهْيِ أنْ يَتَمَنّى الإنْسانُ لِنَفْسِهِ ما فُضِّلَ بِهِ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، بَلْ عَلَيْهِ أنْ يَرْضى بِما قَسَمَ اللَّهُ لَهُ.
وتَمَنِّي ذَلِكَ هو أنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلُ ما لِذَلِكَ المُفَضَّلِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعَطاءٌ: هو أنْ يَتَمَنّى مالَ غَيْرِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نُهُوا عَنِ الحَسَدِ، وعَنْ تَمَنِّي ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَ النّاسِ عَلى بَعْضٍ مِنَ الجاهِ والمالِ، لِأنَّ ذَلِكَ التَّفْضِيلَ قِسْمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى صادِرَةٌ عَنْ حِكْمَةٍ وتَدْبِيرٍ وعِلْمٍ بِأحْوالِ العِبادِ، وبِما يَصْلُحُ لِلْمَقْسُومِ لَهُ مِن بَسْطٍ في الرِّزْقِ أوْ قَبْضٍ انْتَهى. وهو كَلامٌ حَسَنٌ. وظاهِرُ النَّهْيِ إنَّما يَتَناوَلُ ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ. أمّا تَمَنِّي أشْياءَ مِن أحْوالٍ صالِحَةٍ لَهُ في الدُّنْيا وأعْمالٍ يَرْجُو بِها الثَّوابَ في الآخِرَةِ فَهو حَسَنٌ لَمْ يَدْخُلْ في الآيَةِ. وقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ (ودِدْتُ أنْ أُقْتَلَ في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيى ثُمَّ أُقْتَلُ) في آخِرِ الآيَةِ: ﴿واسْألُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾ فَدَلَّ عَلى جَوازِ ذَلِكَ. وإذا كانَ مُطْلَقُ تَمَنِّي ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ مَنهِيًّا عَنْهُ، فَأنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِقَيْدِ زَوالِ نِعْمَةِ مَن فُضِّلَ عَلَيْهِ عَنْهُ - بِجِهَةِ الأحْرى. والأوْلى إذْ هو الحَسَدُ المَنهِيُّ عَنْهُ في الشَّرْعِ، والمُسْتَعاذُ بِاللَّهِ مِنهُ في نَصِّ القُرْآنِ. وقَدِ اخْتَلَفُوا إذا تَمَنّى حُصُولَ مِثْلِ نِعْمَةِ المُفَضَّلِ عَلَيْهِ لَهُ مِن غَيْرِ أنْ تَذْهَبَ عَنِ المُفَضَّلِ، فَظاهِرُ الآيَةِ المَنعُ، وبِهِ قالَ المُحَقِّقُونَ، لِأنَّ تِلْكَ النِّعْمَةَ رُبَّما كانَتْ مَفْسَدَةً في حَقِّهِ في الدِّينِ، ومَضَرَّةً عَلَيْهِ في الدُّنْيا، فَلا يَجُوزُ أنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ أعْطِنِي دارًا مِثْلَ دارِ فُلانٍ، ولا زَوْجًا مِثْلَ زَوْجِهِ، بَلْ يَسْألُ اللَّهَ ما شاءَ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِمَن فُضِّلَ عَلَيْهِ. وقَدْ أجازَهُ بَعْضُ النّاسِ.
* *
﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبُوا ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبْنَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ: مَعْناهُ مِنَ المِيراثِ، لِأنَّ العَرَبَ كانَتْ لا تُوَرِّثُ النِّساءَ. وضُعِّفَ هَذا القَوْلُ؛ لِأنَّ لَفْظَ الِاكْتِسابِ يَنْبُو عَنْهُ، لِأنَّ الِاكْتِسابَ (p-٢٣٦)يَدُلُّ عَلى الِاعْتِمالِ والتَّطَلُّبِ لِلْمَكْسُوبِ، وهَذا لا يَكُونُ في الإرْثِ، لِأنَّهُ مالٌ يَأْخُذُهُ الوارِثُ عَفْوًا بِغَيْرِ اكْتِسابٍ فِيهِ، وتَفْسِيرُ قَتادَةَ هَذا مُتَرَكِّبٌ عَلى ما قالَهُ في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ. وقِيلَ: يُعَبَّرُ بِالكَسْبِ عَنِ الإصابَةِ، كَما رُوِيَ أنَّ بَعْضَ العَرَبِ أصابَ كَنْزًا فَقالَ لَهُ ابْنُهُ: بِاللَّهِ يا أبَةِ أعْطِنِي مِن كَسْبِكَ نَصِيبًا، أيْ مِمّا أصَبْتَ. ومِنهُ قَوْلُ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: وتَكْسِبُ المَعْدُومَ. قالُوا: ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَإنْ أكْسَبُونِي نَزْرَ مالٍ فَإنَّنِي كَسَبْتَهُمُ حَمْدًا يَدُومُ مَعَ الدَّهْرِ
وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ لِكُلٍّ مِنَ الصِّنْفَيْنِ مَكاسِبَ تَخْتَصُّ بِهِ، فَلا يَتَمَنّى أحَدٌ مِنها ما جُعِلَ لِلْآخَرِ. فَجُعِلَ لِلرِّجالِ الجِهادُ والإنْفاقُ في المَعِيشَةِ وحَمْلُ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ كالأحْكامِ والإمارَةِ والحِسْبَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وجُعِلَ لِلنِّساءِ الحَمْلُ ومَشَقَّتُهُ، وحُسْنُ التَّبَعُّلِ، وحِفْظُ غَيْبِ الزَّوْجِ، وخِدْمَةُ البُيُوتِ. وقِيلَ: المَعْنى مِمّا اكْتَسَبَ مِن نَعِيمِ الدُّنْيا، فَيَنْبَغِي أنْ يَرْضى بِما قَسَمَ اللَّهُ لَهُ. وهَذِهِ الأقْوالُ الثَّلاثَةُ هي بِالنِّسْبَةِ لِأحْوالِ الدُّنْيا. وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى نَصِيبٌ مِنَ الأجْرِ والحَسَناتِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جُعِلَ ما قُسِمَ لِكُلٍّ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ عَلى حَسَبِ ما عَرَفَ اللَّهُ مِن حالِهِ المُوجِبَةِ لِلْبَسْطِ والقَبْضِ كَسْبًا لَهُ انْتَهى. وفي قَوْلِهِ: عَرَفَ اللَّهُ نَظَرُهُ، فَإنَّهُ لا يُقالُ في اللَّهِ عارِفٌ، نَصَّ الأئِمَّةُ عَلى ذَلِكَ، لِأنَّ المَعْرِفَةَ في اللُّغَةِ تَسْتَدْعِي قَبْلَها جَهْلًا بِالمَعْرُوفِ، وذَلِكَ بِخِلافِ العِلْمِ، فَإنَّهُ لا يَسْتَدْعِي جَهْلًا قَبْلَهُ. وتَسْمِيَةُ ما قَسَمَ اللَّهُ كَسْبًا لَهُ فِيهِ نَظَرٌ أيْضًا، فَإنَّ الِاكْتِسابَ يَقْتَضِي الِاعْتِمالَ والتَّطَلُّبَ كَما قُلْناهُ، إلّا إنْ قُلْنا أنَّ أكْثَرَ ما قَسَمَ لَهُ يَسْتَدْعِي اكْتِسابًا مِنَ الشَّخْصِ، فَأُطْلِقَ الِاكْتِسابُ عَلى جَمِيعِ ما قَسَمَ لَهُ تَغْلِيبًا لِلْأكْثَرِ. وفي تَعْلِيقِ النَّصِيبِ بِالِاكْتِسابِ حَضٌّ عَلى العَمَلِ، وتَنْبِيهٌ عَلى كَسْبِ الخَيْرِ.
* *
﴿واسْألُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ مِن زِيادَةِ إحْسانِهِ ونِعَمِهِ. لَمّا نَهاهم عَنْ تَمَنِّي ما فَضَّلَ بِهِ بَعْضَهم، أمَرَهم بِأنْ يَعْتَمِدُوا في المَزِيدِ عَلَيْهِ تَبارَكَ وتَعالى. وظاهِرُ قَوْلِهِ: مِن فَضْلِهِ العُمُومُ فِيما يَتَعَلَّقُ بِأحْوالِ الدُّنْيا وأحْوالِ الآخِرَةِ، لِأنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ﴾ العُمُومُ أيْضًا، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ ولَيْثُ بْنُ أبِي سُلَيْمٍ: هَذا في العِباداتِ والدِّينِ وأعْمالِ البِرِّ، ولَيْسَ في فَضْلِ الدُّنْيا. وفي قَوْلِهِ: (مِن فَضْلِهِ) دَلالَةٌ عَلى عَدَمِ تَعْيِينِ المَطْلُوبِ، لَكِنْ يَطْلُبُ مِن فَضْلِ اللَّهِ ما يَكُونُ سَبَبًا لِإصْلاحِ دِينِهِ ودُنْياهُ عَلى سَبِيلِ الإطْلاقِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١] .
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ والكِسائِيُّ: (وسَلُوا) بِحَذْفِ الهَمْزَةِ وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى السِّينِ، وذَلِكَ إذا كانَ أمْرًا لِلْمُخاطَبِ، وقَبْلَ السِّينِ واوٌ أوْ فاءٌ نَحْوَ: (فَسَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ) و(فَسَلُوا أهْلَ الذِّكْرِ) . وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالهَمْزِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إلّا في قَوْلِهِ: ﴿واسْألُوا ما أنْفَقْتُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠] فَإنَّهم أجْمَعُوا عَلى الهَمْزِ فِيهِ انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وهم، بَلْ نُصُوصُ المُقْرِئِينَ في كُتُبِهِمْ عَلى أنَّ ﴿واسْألُوا ما أنْفَقْتُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠] مِن جُمْلَةِ المُخْتَلَفِ فِيهِ بَيْنَ ابْنِ كَثِيرٍ والكِسائِيِّ، وبَيْنَ الجَماعَةِ، ونَصَّ عَلى ذَلِكَ بِلَفْظِهِ ابْنُ شِيطا في كِتابِ التِّذْكارِ، ولَعَلَّ الوَهْمَ وقَعَ لَهُ في ذَلِكَ مِن قَوْلِ ابْنِ مُجاهِدٍ في كِتابِ السَّبْعَةِ لَهُ، ولَمْ يَخْتَلِفُوا في قَوْلِهِ: ﴿ولْيَسْألُوا ما أنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠] أنَّهُ مَهْمُوزٌ لِأنَّهُ لِغائِبٍ انْتَهى. ورَوى الكِسائِيُّ عَنِ إسْماعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ وشَيْبَةَ: أنَّهُما لَمْ يَهْمِزا وسَلْ ولا فَسَلْ، مِثْلَ قِراءَةِ الكِسائِيِّ، وحَذْفُ الهَمْزَةِ في سَلْ لُغَةُ الحِجازِ، وإثْباتُها لُغَةٌ لِبَعْضِ تَمِيمٍ. ورَوى اليَزِيدِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو: أنَّ لُغَةَ قُرَيْشٍ سَلْ. فَإذا أدْخَلُوا الواوَ والفاءَ هَمَزُوا، وسَألَ يَقْتَضِي مَفْعُولَيْنِ، والثّانِي لِقَوْلِهِ: واسْألُوا اللَّهَ هو قَوْلُهُ: مِن فَضْلِهِ. كَما تَقُولُ: أطْعَمْتُ زَيْدًا مِنَ اللَّحْمِ، وكَسَوْتُهُ مِنَ الحَرِيرِ، والتَّقْدِيرُ: شَيْئًا مِن فَضْلِهِ، وشَيْئًا مِنَ اللَّحْمِ، وشَيْئًا مِنَ الحَرِيرِ. وقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: (مِن) زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: وسَلُوا اللَّهَ فَضْلَهُ، وهَذا لا يَجُوزُ إلّا عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ.
(p-٢٣٧)وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْسُنُ عِنْدِي أنْ يُقَدَّرَ المَفْعُولُ (أمانِيَكم) إذْ ما تَقَدَّمَ يُحَسِّنُ هَذا المَعْنى.
* *
﴿إنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ أيْ عِلْمُهُ مُحِيطٌ بِجَمِيعِ الأشْياءِ فَهو عالِمٌ بِما فَضَّلَ بِهِ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ وما يَصْلُحُ لِكُلٍّ مِنكم مِن تَوْسِيعٍ أوْ تَقْتِيرٍ فَإيّاكم والِاعْتِراضَ بِتَمَنٍّ أوْ غَيْرِهِ وهو عالِمٌ أيْضًا بِسُؤالِكم مِن فَضْلِهِ فَيَسْتَجِيبُ دُعاءَكم ﴿ولِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكم فَآتُوهم نَصِيبَهُمْ﴾ لَمّا نَهى عَنِ التَّمَنِّي المَذْكُورِ، وأمَرَ بِسُؤالِ اللَّهِ مِن فَضْلِهِ، أخْبَرَ تَعالى بِشَيْءٍ مِن أحْوالِ المِيراثِ، وأنَّ في شَرْعِهِ ذَلِكَ مَصْلَحَةً عَظِيمَةً مِن تَحْصِيلِ مالٍ لِلْوارِثِ لَمْ يَسْعَ فِيهِ، ولَمْ يَتَعَنَّ بِطَلَبِهِ، فَرُبَّ ساعٍ لِقاعِدٍ. و(كُلٌّ) لا تُسْتَعْمَلُ إلّا مُضافَةً، إمّا لِظّاهِرٍ، وإمّا لْمُقَدَّرٍ، واخْتَلَفُوا في تَعْيِينِ المُقَدَّرِ هُنا، فَقِيلَ: المَحْذُوفُ إنْسانٌ، وقِيلَ: المَحْذُوفُ مالٌ. والمَوْلى: لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ مَعانٍ كَثِيرَةٍ، مِنها: الوارِثُ وهو الَّذِي يَحْسُنُ أنْ يُفَسَّرَ بِهِ هُنا، لِأنَّهُ يَصْلُحُ لِتَقْدِيرِ إنْسانٍ وتَقْدِيرِ مالٍ، وبِذَلِكَ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ وغَيْرُهم: أنَّ المَوالِيَ العُصْبَةُ والوَرَثَةُ، فَإذا فَرَّعْنا عَلى أنَّ المَعْنى: ولِكُلِّ إنْسانٍ، احْتَمَلَ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ لِـ(كُلٍّ) مُتَعَلِّقًا بِـ (جَعَلْنا)، والضَّمِيرُ في (تَرَكَ) عائِدٌ عَلى (كُلٍّ) المُضافِ لِإنْسانٍ، والتَّقْدِيرُ: وجَعَلَ لِكُلِّ إنْسانٍ وارِثًا مِمّا تَرَكَ، فَيَتَعَلَّقُ (مِمّا) بِما في مَعْنى مَوالِي مِن مَعْنى الفِعْلِ، أوْ بِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ المَعْنى، التَّقْدِيرُ: يَرِثُونَ مِمّا تَرَكَ، وتَكُونُ الجُمْلَةُ قَدْ تَمَّتْ عِنْدَ قَوْلِهِ: مِمّا تَرَكَ، ويَرْتَفِعُ (الوالِدانِ) عَلى إضْمارٍ كَأنَّهُ قِيلَ: ومَنِ الوارِثُ ؟ فَقِيلَ: هُمُ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ وُرّاثًا، والكَلامُ جُمْلَتانِ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وجَعَلْنا لِكُلِّ إنْسانٍ مُوالِيَ، أيْ وُرّاثًا. ثُمَّ أُضْمِرَ فِعْلٌ، أيْ: يَرِثُ المَوالِي مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ، فَيَكُونُ الفاعِلُ بِتَرْكِ الوالِدانِ. وكَأنَّهُ لَمّا أبْهَمَ في قَوْلِهِ: وجَعَلْنا لِكُلِّ إنْسانٍ مُوالِيَ - بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الإنْسانَ الَّذِي جَعَلَ لَهُ ورَثَةً هو الوالِدانِ والأقْرَبُونَ، فَأُولَئِكَ الوُرّاثُ يَرِثُونَ مِمّا تَرَكَ والِداهم وأقْرَبُوهم، ويَكُونُ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ مَوْرُوثِينَ. وعَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ لا يَكُونُ في (جَعَلْنا) مُضْمَرٌ مَحْذُوفٌ، ويَكُونُ مَفْعُولُ (جَعَلْناهُ) لَفْظَ مَوالِيَ. والكَلامُ جُمْلَتانِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ولِكُلِّ قَوْمٍ جَعَلْناهم مَوالِيَ، أيْ: وُرّاثًا نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ والِداهم وأقْرَبُوهم، فَيَكُونُ (جَعَلْنا) صِفَةً لِـ(كُلٍّ)، والضَّمِيرُ مِنَ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ صِفَةً - مَحْذُوفٌ، وهو مَفْعُولُ (جَعَلْنا) . و(مَوالِي) مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، وفاعِلُ (تَرَكَ) الوالِدانِ. والكَلامُ مُنْعَقِدٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ، فَيَتَعَلَّقُ لِكُلٍّ بِمَحْذُوفٍ، إذْ هو خَبَرُ المُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ القائِمِ مَقامَهُ صِفَتُهُ وهو الجارُّ والمَجْرُورُ، إذْ قُدِّرَ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ. والكَلامُ إذْ ذاكَ جُمْلَةٌ واحِدَةٌ كَما تَقُولُ: لِكُلِّ مَن خَلَقَهُ اللَّهُ إنْسانًا مِن رِزْقِ اللَّهِ، أيْ حَظٌّ مِن رِزْقِ اللَّهَ. وإذا فَرَّعْنا عَلى أنَّ المَعْنى: ولِكُلِّ مالٍ، فَقالُوا: التَّقْدِيرُ ولِكُلِّ مالٍ مِمّا تَرَكَهُ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ - جَعَلْنا مَوالِيَ، أيْ: وُرّاثًا يَلُونَهُ ويُحْرِزُونَهُ. وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ (مِمّا تَرَكَ) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ(كُلٍّ)، والوالِدانِ والأقْرَبُونَ فاعِلٌ بِتَرَكَ ويَكُونُونَ مَوْرُوثِينَ، ولِكُلٍّ مُتَعَلِّقٌ بِجَعَلْنا. إلّا أنَّ في هَذا التَّقْدِيرِ الفَصْلَ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ بِالجُمْلَةِ المُتَعَلِّقَةِ بِالفِعْلِ الَّذِي فِيها المَجْرُورُ وهو نَظِيرُ قَوْلِكَ: بِكُلِّ رِجْلٍ مَرَرْتُ تِمِيمِيٍّ، وفي جَوازِ ذَلِكَ نَظَرٌ.
واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالمُعاقَدَةِ هُنا. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ، والسُّدِّيُّ وغَيْرُهم: هي الحَلِفُ. فَإنَّ العَرَبَ كانَتْ تَتَوارَثُ بِالحَلِفِ، فَقَرَّرَ ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥] وعَنْهُ أيْضًا هي: الحَلِفُ، والنَّصِيبُ هو المُؤازَرَةُ في الحَقِّ والنَّصْرِ، والوَفاءُ بِالكُلَفِ، لا المِيراثِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هي المُؤاخاةُ، كانُوا يَتَوارَثُونَ بِها حَتّى نُسِخَ. وعَنْهُ كانَ المُهاجِرُونَ يَرِثُونَ الأنْصارَ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِمْ حَتّى نُسِخَ بِما تَقَدَّمَ، وبَقِيَ اثْنانِ: النَّصِيبُ مِنَ النَّصْرِ والمَعُونَةِ، ومِنَ المالِ عَلى جِهَةِ النَّدْبِ في الوَصِيَّةِ. وقالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: هي التَّبَنِّي، والنَّصِيبُ الَّذِي أُمِرْنا بِإتْيانِهِ هو الوَصِيَّةُ (p-٢٣٨)لا المِيراثُ، ومَعْنى (عاقَدَتْ أيْمانُكم) في هَذا القَوْلِ: عاقَدَتْهم أيْمانُكم وماسَحْتُمُوهم. وقِيلَ: كانُوا يَتَوارَثُونَ بِالتَّبَنِّي لِقَوْمٍ يَمُوتُونَ قَبْلَ الوَصِيَّةِ ووُجُوبِها، فَأُمِرَ المُوصِي أنْ يُؤَدِّيَها إلى ورَثَةِ المُوصِي لَهُ. وقِيلَ: المُعاقَدَةُ هُنا الزَّواجُ، والنِّكاحُ يُسَمّى عَقْدًا، فَذَكَرَ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ، وذَكَرَ مَعَهُمُ الزَّوْجَ والزَّوْجَةَ. وقِيلَ: المُعاقَدَةُ هُنا الوَلاءُ. وقِيلَ: هي حَلِفُ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أنْ لا يُوَرِّثَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ شَيْئًا، فَلَمّا أسْلَمَ أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُؤْتِيَهُ نَصِيبَهُ مِنَ المالِ، قالَ أبُو رَوْقٍ: وفِيهِما نَزَلَتْ.
فَتَلَخَّصَ مِن هَذِهِ الأقْوالِ في المُعاقَدَةِ، أهِيَ الحَلِفُ أنْ لا يُورَثُ الحالِفُ ؟ أمِ المُؤاخاةُ ؟ أمِ التَّبَنِّي ؟ أمِ الوَصِيَّةُ المَشْرُوحَةُ ؟ أمِ الزَّواجُ ؟ أمِ المُوالاةُ ؟ سَبْعَةُ أقْوالٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَفْظَةُ المُعاقَدَةِ والأيْمانِ تُرَجِّحُ أنَّ المُرادَ الأحْلافُ، لِأنَّ ما ذُكِرَ مِن غَيْرِ الأحْلافِ لَيْسَ في جَمِيعِهِ مُعاقَدَةٌ ولا أيْمانٌ. انْتَهى.
وكَيْفِيَّةُ الحَلِفِ في الجاهِلِيَّةِ: كانَ الرَّجُلُ يُعاقِدُ الرَّجُلَ فَيَقُولُ: دَمِي دَمُكَ، وهَدْمِي هَدْمُكَ، ونارِي نارُكَ، وحَرْبِي حَرْبُكَ، وسِلْمِي سِلْمُكَ، وتَرِثُنِي وأرِثُكَ، وتَطْلُبُ بِي وأطْلُبُ بِكَ، وتَعْقِلُ عَنِّي وأعْقِلُ عَنْكَ. فَيَكُونُ لِلْحَلِيفِ السُّدُسُ مِن مِيراثِ الحَلِيفِ، فَنَسَخَ اللَّهُ ذَلِكَ. وعَلى الأقْوالِ السّابِقَةِ جاءَ الخِلافُ في قَوْلِهِ: (والَّذِينَ عاقَدَتْ أيْمانُكم) أهْوَ مَنسُوخٌ أمْ لا ؟ وقَدِ اسْتُدِلَّ بِها عَلى مِيراثِ مَوْلى المُوالاةِ، وبِهِ قالَ أبُو يُوسُفَ، وأبُو حَنِيفَةَ، وزُفَرُ، ومُحَمَّدٌ، قالُوا: مَن أسْلَمَ عَلى يَدِ رَجُلٍ ووالاهُ وعاقَدَهُ ثُمَّ ماتَ ولا وارِثَ لَهُ غَيْرَهُ، فَمِيراثُهُ لَهُ. ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ، ورَبِيعَةَ، وابْنِ المُسَيَّبِ، والزُّهْرِيِّ، وإبْراهِيمَ، والحَسَنِ، وعُمَرَ، وابْنِ مَسْعُودٍ. وقالَ مالِكٌ، وابْنُ شُبْرُمَةَ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، والشّافِعِيُّ: مِيراثُهُ لِلْمُسْلِمِينَ. وقَدْ أطالَ الكَلامَ في هَذِهِ المَسْألَةِ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ ناصِرًا مَذْهَبَ أبِي حَنِيفَةَ.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: (عَقَدَتْ) بِتَخْفِيفِ القافِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، وشَدَّدَ القافَ حَمْزَةُ مِن رِوايَةِ عَلِيِّ بْنِ كَبْشَةَ، والباقُونَ عاقَدَتْ بِألِفِ، وجَوَّزُوا في إعْرابِ (الَّذِينَ) وُجُوهًا. أحَدُها: أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، والخَبَرُ (فَآتُوهم) . والثّانِي: أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا مِن بابِ الِاشْتِغالِ، نَحْوَ: زَيْدًا فاضْرِبْهُ. الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا مَعْطُوفًا عَلى ﴿الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾، والضَّمِيرُ في (فَآتُوهم) عائِدٌ عَلى (مَوالِيَ) إذا كانَ الوالِدانِ ومَن عُطِفَ عَلَيْهِ مَوْرُوثِينَ، وإنْ كانُوا وارِثِينَ فَيَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى مَوالِيَ، ويَجُوزَ أنْ يَعُودَ عَلى الوالِدَيْنِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ. الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا مَعْطُوفًا عَلى مَوالِيَ، قالَهُ أبُو البَقاءِ، وقالَ: أيْ: وجَعَلْنا الَّذِينَ عاقَدَتْ وُرّاثًا، وكانَ ذَلِكَ ونُسِخَ انْتَهى. ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ الَّذِي قَدَّرَهُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى مَوالِيَ لِفَسادِ العَطْفِ، إذْ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: ولِكُلِّ إنْسانٍ، أوْ: لِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ المالِ جَعَلْنا وُرّاثًا. والَّذِينَ عاقَدَتْ أيْمانُكم، فَإنْ كانَ مِن عَطْفِ الجُمَلِ وحَذْفِ المَفْعُولِ الثّانِي لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ أمْكَنَ ذَلِكَ، أيْ: جَعَلْنا وُرّاثًا لِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ المالِ، أيْ: لِكُلِّ إنْسانٍ، وجَعَلْنا الَّذِينَ عاقَدَتْ أيْمانُكم وُرّاثًا. وهو بَعْدَ ذَلِكَ تَوْجِيهٌ مُتَكَلَّفٌ، ومَفْعُولُ (عاقَدَتْ) ضَمِيرٌ مَحْذُوفٌ أيْ: عاقَدَتْهم أيْمانُكم، وكَذَلِكَ في قِراءَةِ (عَقَدَتْ) هو مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: عَقَدَتْ حِلْفَهم أوْ عَهْدَهم أيْمانُكم. وإسْنادُ المُعاقَدَةِ أوِ العَقْدِ لِلْإيمانِ، سَواءٌ أُرِيدَ بِها القَسَمُ أمِ الجارِحَةُ - مَجازٌ، بَلْ فاعِلُ ذَلِكَ هو الشَّخْصُ.
﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى تَشْرِيعَ التَّوْرِيثِ، وأمَرَ بِإيتاءِ النَّصِيبِ، أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ فَهو المُجازِي بِهِ، وفي ذَلِكَ تَهْدِيدٌ لِلْعاصِي، ووَعْدٌ لِلْمُطِيعِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ شَهِيدٌ عَلى المُعاقَدَةِ بَيْنَكم. والصِّلَةُ فَأوْفُوا بِالعَهْدِ.
النساء 4:33
﴿ولا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ﴾ قالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ: لَمّا نَزَلَ ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] قالَ الرِّجالَ: إنّا لَنَرْجُوَ أنْ نُفَضَّلَ عَلى النِّساءِ في الحَسَناتِ كالمِيراثِ.
وقالَ النِّساءُ: إنّا لِنَرْجُوَ أنْ يَكُونَ الوِزْرُ عَلَيْنا نِصْفَ ما عَلى الرِّجالِ كالمِيراثِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: قالَ النِّساءَ: ودِدْنا أنَّ اللَّهَ جَعَلَ لَنا الغَزْوَ فَنُصِيبُ مِنَ الأجْرِ مِثْلَ ما يُصِيبُ الرِّجالُ. وزادَ مُجاهِدٌ: أنَّ ذَلِكَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ. وأنَّها قالَتْ: وإنَّما لَنا نِصْفُ المِيراثِ، فَنَزَلَتْ. ورُوِيَ عَنْها أنَّها قالَتْ: لَيْتَنا كُنّا رِجالًا، فَنَزَلَتْ.
ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها: أنَّهُ تَعالى لَمّا نَهى عَنْ أكْلِ المالِ بِالباطِلِ، وعَنْ قَتْلِ الأنْفُسِ، وكانَ ما نَهى عَنْهُ مَدْعاةً إلى التَّبَسُّطِ في الدُّنْيا والعُلُوِّ فِيها وتَحْصِيلِ حُطامِها، نَهاهم عَنْ تَمَنِّي ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ، إذِ التَّمَنِّي لِذَلِكَ سَبَبٌ مُؤَثِّرٌ في تَحْصِيلِ الدُّنْيا وشَوْقِ النَّفْسِ إلَيْها بِكُلِّ طَرِيقٍ، فَلَمْ يَكْتَفِ بِالنَّهْيِ عَنْ تَحْصِيلِ المالِ بِالباطِلِ وقَتْلِ الأنْفُسِ، حَتّى نَهى عَنِ السَّبَبِ المُحَرِّضِ عَلى ذَلِكَ، وكانَتِ المُبادَرَةُ إلى النَّهْيِ عَنِ المُسَبِّبِ آكَدُ لِفَظاعَتِهِ ومَشَقَّتِهِ، فَبُدِئَ بِهِ، ثُمَّ أتْبَعَ بِالنَّهْيِ عَنِ السَّبَبِ حَسْمًا لِمادَّةِ المُسَبِّبِ، ولِيُوافِقَ العَمَلُ القَلْبِيُّ العَمَلَ الخارِجِيَّ فَيَسْتَوِي الباطِنُ والظّاهِرُ في الِامْتِناعِ عَنِ الأفْعالِ القَبِيحَةِ. وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى النَّهْيِ أنْ يَتَمَنّى الإنْسانُ لِنَفْسِهِ ما فُضِّلَ بِهِ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، بَلْ عَلَيْهِ أنْ يَرْضى بِما قَسَمَ اللَّهُ لَهُ.
وتَمَنِّي ذَلِكَ هو أنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلُ ما لِذَلِكَ المُفَضَّلِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعَطاءٌ: هو أنْ يَتَمَنّى مالَ غَيْرِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نُهُوا عَنِ الحَسَدِ، وعَنْ تَمَنِّي ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَ النّاسِ عَلى بَعْضٍ مِنَ الجاهِ والمالِ، لِأنَّ ذَلِكَ التَّفْضِيلَ قِسْمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى صادِرَةٌ عَنْ حِكْمَةٍ وتَدْبِيرٍ وعِلْمٍ بِأحْوالِ العِبادِ، وبِما يَصْلُحُ لِلْمَقْسُومِ لَهُ مِن بَسْطٍ في الرِّزْقِ أوْ قَبْضٍ انْتَهى. وهو كَلامٌ حَسَنٌ. وظاهِرُ النَّهْيِ إنَّما يَتَناوَلُ ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ. أمّا تَمَنِّي أشْياءَ مِن أحْوالٍ صالِحَةٍ لَهُ في الدُّنْيا وأعْمالٍ يَرْجُو بِها الثَّوابَ في الآخِرَةِ فَهو حَسَنٌ لَمْ يَدْخُلْ في الآيَةِ. وقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ (ودِدْتُ أنْ أُقْتَلَ في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيى ثُمَّ أُقْتَلُ) في آخِرِ الآيَةِ: ﴿واسْألُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾ فَدَلَّ عَلى جَوازِ ذَلِكَ. وإذا كانَ مُطْلَقُ تَمَنِّي ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ مَنهِيًّا عَنْهُ، فَأنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِقَيْدِ زَوالِ نِعْمَةِ مَن فُضِّلَ عَلَيْهِ عَنْهُ - بِجِهَةِ الأحْرى. والأوْلى إذْ هو الحَسَدُ المَنهِيُّ عَنْهُ في الشَّرْعِ، والمُسْتَعاذُ بِاللَّهِ مِنهُ في نَصِّ القُرْآنِ. وقَدِ اخْتَلَفُوا إذا تَمَنّى حُصُولَ مِثْلِ نِعْمَةِ المُفَضَّلِ عَلَيْهِ لَهُ مِن غَيْرِ أنْ تَذْهَبَ عَنِ المُفَضَّلِ، فَظاهِرُ الآيَةِ المَنعُ، وبِهِ قالَ المُحَقِّقُونَ، لِأنَّ تِلْكَ النِّعْمَةَ رُبَّما كانَتْ مَفْسَدَةً في حَقِّهِ في الدِّينِ، ومَضَرَّةً عَلَيْهِ في الدُّنْيا، فَلا يَجُوزُ أنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ أعْطِنِي دارًا مِثْلَ دارِ فُلانٍ، ولا زَوْجًا مِثْلَ زَوْجِهِ، بَلْ يَسْألُ اللَّهَ ما شاءَ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِمَن فُضِّلَ عَلَيْهِ. وقَدْ أجازَهُ بَعْضُ النّاسِ.
* *
﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبُوا ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبْنَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ: مَعْناهُ مِنَ المِيراثِ، لِأنَّ العَرَبَ كانَتْ لا تُوَرِّثُ النِّساءَ. وضُعِّفَ هَذا القَوْلُ؛ لِأنَّ لَفْظَ الِاكْتِسابِ يَنْبُو عَنْهُ، لِأنَّ الِاكْتِسابَ (p-٢٣٦)يَدُلُّ عَلى الِاعْتِمالِ والتَّطَلُّبِ لِلْمَكْسُوبِ، وهَذا لا يَكُونُ في الإرْثِ، لِأنَّهُ مالٌ يَأْخُذُهُ الوارِثُ عَفْوًا بِغَيْرِ اكْتِسابٍ فِيهِ، وتَفْسِيرُ قَتادَةَ هَذا مُتَرَكِّبٌ عَلى ما قالَهُ في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ. وقِيلَ: يُعَبَّرُ بِالكَسْبِ عَنِ الإصابَةِ، كَما رُوِيَ أنَّ بَعْضَ العَرَبِ أصابَ كَنْزًا فَقالَ لَهُ ابْنُهُ: بِاللَّهِ يا أبَةِ أعْطِنِي مِن كَسْبِكَ نَصِيبًا، أيْ مِمّا أصَبْتَ. ومِنهُ قَوْلُ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: وتَكْسِبُ المَعْدُومَ. قالُوا: ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَإنْ أكْسَبُونِي نَزْرَ مالٍ فَإنَّنِي كَسَبْتَهُمُ حَمْدًا يَدُومُ مَعَ الدَّهْرِ
وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ لِكُلٍّ مِنَ الصِّنْفَيْنِ مَكاسِبَ تَخْتَصُّ بِهِ، فَلا يَتَمَنّى أحَدٌ مِنها ما جُعِلَ لِلْآخَرِ. فَجُعِلَ لِلرِّجالِ الجِهادُ والإنْفاقُ في المَعِيشَةِ وحَمْلُ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ كالأحْكامِ والإمارَةِ والحِسْبَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وجُعِلَ لِلنِّساءِ الحَمْلُ ومَشَقَّتُهُ، وحُسْنُ التَّبَعُّلِ، وحِفْظُ غَيْبِ الزَّوْجِ، وخِدْمَةُ البُيُوتِ. وقِيلَ: المَعْنى مِمّا اكْتَسَبَ مِن نَعِيمِ الدُّنْيا، فَيَنْبَغِي أنْ يَرْضى بِما قَسَمَ اللَّهُ لَهُ. وهَذِهِ الأقْوالُ الثَّلاثَةُ هي بِالنِّسْبَةِ لِأحْوالِ الدُّنْيا. وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى نَصِيبٌ مِنَ الأجْرِ والحَسَناتِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جُعِلَ ما قُسِمَ لِكُلٍّ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ عَلى حَسَبِ ما عَرَفَ اللَّهُ مِن حالِهِ المُوجِبَةِ لِلْبَسْطِ والقَبْضِ كَسْبًا لَهُ انْتَهى. وفي قَوْلِهِ: عَرَفَ اللَّهُ نَظَرُهُ، فَإنَّهُ لا يُقالُ في اللَّهِ عارِفٌ، نَصَّ الأئِمَّةُ عَلى ذَلِكَ، لِأنَّ المَعْرِفَةَ في اللُّغَةِ تَسْتَدْعِي قَبْلَها جَهْلًا بِالمَعْرُوفِ، وذَلِكَ بِخِلافِ العِلْمِ، فَإنَّهُ لا يَسْتَدْعِي جَهْلًا قَبْلَهُ. وتَسْمِيَةُ ما قَسَمَ اللَّهُ كَسْبًا لَهُ فِيهِ نَظَرٌ أيْضًا، فَإنَّ الِاكْتِسابَ يَقْتَضِي الِاعْتِمالَ والتَّطَلُّبَ كَما قُلْناهُ، إلّا إنْ قُلْنا أنَّ أكْثَرَ ما قَسَمَ لَهُ يَسْتَدْعِي اكْتِسابًا مِنَ الشَّخْصِ، فَأُطْلِقَ الِاكْتِسابُ عَلى جَمِيعِ ما قَسَمَ لَهُ تَغْلِيبًا لِلْأكْثَرِ. وفي تَعْلِيقِ النَّصِيبِ بِالِاكْتِسابِ حَضٌّ عَلى العَمَلِ، وتَنْبِيهٌ عَلى كَسْبِ الخَيْرِ.
* *
﴿واسْألُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ مِن زِيادَةِ إحْسانِهِ ونِعَمِهِ. لَمّا نَهاهم عَنْ تَمَنِّي ما فَضَّلَ بِهِ بَعْضَهم، أمَرَهم بِأنْ يَعْتَمِدُوا في المَزِيدِ عَلَيْهِ تَبارَكَ وتَعالى. وظاهِرُ قَوْلِهِ: مِن فَضْلِهِ العُمُومُ فِيما يَتَعَلَّقُ بِأحْوالِ الدُّنْيا وأحْوالِ الآخِرَةِ، لِأنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ﴾ العُمُومُ أيْضًا، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ ولَيْثُ بْنُ أبِي سُلَيْمٍ: هَذا في العِباداتِ والدِّينِ وأعْمالِ البِرِّ، ولَيْسَ في فَضْلِ الدُّنْيا. وفي قَوْلِهِ: (مِن فَضْلِهِ) دَلالَةٌ عَلى عَدَمِ تَعْيِينِ المَطْلُوبِ، لَكِنْ يَطْلُبُ مِن فَضْلِ اللَّهِ ما يَكُونُ سَبَبًا لِإصْلاحِ دِينِهِ ودُنْياهُ عَلى سَبِيلِ الإطْلاقِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١] .
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ والكِسائِيُّ: (وسَلُوا) بِحَذْفِ الهَمْزَةِ وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى السِّينِ، وذَلِكَ إذا كانَ أمْرًا لِلْمُخاطَبِ، وقَبْلَ السِّينِ واوٌ أوْ فاءٌ نَحْوَ: (فَسَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ) و(فَسَلُوا أهْلَ الذِّكْرِ) . وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالهَمْزِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إلّا في قَوْلِهِ: ﴿واسْألُوا ما أنْفَقْتُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠] فَإنَّهم أجْمَعُوا عَلى الهَمْزِ فِيهِ انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وهم، بَلْ نُصُوصُ المُقْرِئِينَ في كُتُبِهِمْ عَلى أنَّ ﴿واسْألُوا ما أنْفَقْتُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠] مِن جُمْلَةِ المُخْتَلَفِ فِيهِ بَيْنَ ابْنِ كَثِيرٍ والكِسائِيِّ، وبَيْنَ الجَماعَةِ، ونَصَّ عَلى ذَلِكَ بِلَفْظِهِ ابْنُ شِيطا في كِتابِ التِّذْكارِ، ولَعَلَّ الوَهْمَ وقَعَ لَهُ في ذَلِكَ مِن قَوْلِ ابْنِ مُجاهِدٍ في كِتابِ السَّبْعَةِ لَهُ، ولَمْ يَخْتَلِفُوا في قَوْلِهِ: ﴿ولْيَسْألُوا ما أنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠] أنَّهُ مَهْمُوزٌ لِأنَّهُ لِغائِبٍ انْتَهى. ورَوى الكِسائِيُّ عَنِ إسْماعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ وشَيْبَةَ: أنَّهُما لَمْ يَهْمِزا وسَلْ ولا فَسَلْ، مِثْلَ قِراءَةِ الكِسائِيِّ، وحَذْفُ الهَمْزَةِ في سَلْ لُغَةُ الحِجازِ، وإثْباتُها لُغَةٌ لِبَعْضِ تَمِيمٍ. ورَوى اليَزِيدِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو: أنَّ لُغَةَ قُرَيْشٍ سَلْ. فَإذا أدْخَلُوا الواوَ والفاءَ هَمَزُوا، وسَألَ يَقْتَضِي مَفْعُولَيْنِ، والثّانِي لِقَوْلِهِ: واسْألُوا اللَّهَ هو قَوْلُهُ: مِن فَضْلِهِ. كَما تَقُولُ: أطْعَمْتُ زَيْدًا مِنَ اللَّحْمِ، وكَسَوْتُهُ مِنَ الحَرِيرِ، والتَّقْدِيرُ: شَيْئًا مِن فَضْلِهِ، وشَيْئًا مِنَ اللَّحْمِ، وشَيْئًا مِنَ الحَرِيرِ. وقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: (مِن) زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: وسَلُوا اللَّهَ فَضْلَهُ، وهَذا لا يَجُوزُ إلّا عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ.
(p-٢٣٧)وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْسُنُ عِنْدِي أنْ يُقَدَّرَ المَفْعُولُ (أمانِيَكم) إذْ ما تَقَدَّمَ يُحَسِّنُ هَذا المَعْنى.
* *
﴿إنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ أيْ عِلْمُهُ مُحِيطٌ بِجَمِيعِ الأشْياءِ فَهو عالِمٌ بِما فَضَّلَ بِهِ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ وما يَصْلُحُ لِكُلٍّ مِنكم مِن تَوْسِيعٍ أوْ تَقْتِيرٍ فَإيّاكم والِاعْتِراضَ بِتَمَنٍّ أوْ غَيْرِهِ وهو عالِمٌ أيْضًا بِسُؤالِكم مِن فَضْلِهِ فَيَسْتَجِيبُ دُعاءَكم ﴿ولِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكم فَآتُوهم نَصِيبَهُمْ﴾ لَمّا نَهى عَنِ التَّمَنِّي المَذْكُورِ، وأمَرَ بِسُؤالِ اللَّهِ مِن فَضْلِهِ، أخْبَرَ تَعالى بِشَيْءٍ مِن أحْوالِ المِيراثِ، وأنَّ في شَرْعِهِ ذَلِكَ مَصْلَحَةً عَظِيمَةً مِن تَحْصِيلِ مالٍ لِلْوارِثِ لَمْ يَسْعَ فِيهِ، ولَمْ يَتَعَنَّ بِطَلَبِهِ، فَرُبَّ ساعٍ لِقاعِدٍ. و(كُلٌّ) لا تُسْتَعْمَلُ إلّا مُضافَةً، إمّا لِظّاهِرٍ، وإمّا لْمُقَدَّرٍ، واخْتَلَفُوا في تَعْيِينِ المُقَدَّرِ هُنا، فَقِيلَ: المَحْذُوفُ إنْسانٌ، وقِيلَ: المَحْذُوفُ مالٌ. والمَوْلى: لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ مَعانٍ كَثِيرَةٍ، مِنها: الوارِثُ وهو الَّذِي يَحْسُنُ أنْ يُفَسَّرَ بِهِ هُنا، لِأنَّهُ يَصْلُحُ لِتَقْدِيرِ إنْسانٍ وتَقْدِيرِ مالٍ، وبِذَلِكَ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ وغَيْرُهم: أنَّ المَوالِيَ العُصْبَةُ والوَرَثَةُ، فَإذا فَرَّعْنا عَلى أنَّ المَعْنى: ولِكُلِّ إنْسانٍ، احْتَمَلَ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ لِـ(كُلٍّ) مُتَعَلِّقًا بِـ (جَعَلْنا)، والضَّمِيرُ في (تَرَكَ) عائِدٌ عَلى (كُلٍّ) المُضافِ لِإنْسانٍ، والتَّقْدِيرُ: وجَعَلَ لِكُلِّ إنْسانٍ وارِثًا مِمّا تَرَكَ، فَيَتَعَلَّقُ (مِمّا) بِما في مَعْنى مَوالِي مِن مَعْنى الفِعْلِ، أوْ بِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ المَعْنى، التَّقْدِيرُ: يَرِثُونَ مِمّا تَرَكَ، وتَكُونُ الجُمْلَةُ قَدْ تَمَّتْ عِنْدَ قَوْلِهِ: مِمّا تَرَكَ، ويَرْتَفِعُ (الوالِدانِ) عَلى إضْمارٍ كَأنَّهُ قِيلَ: ومَنِ الوارِثُ ؟ فَقِيلَ: هُمُ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ وُرّاثًا، والكَلامُ جُمْلَتانِ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وجَعَلْنا لِكُلِّ إنْسانٍ مُوالِيَ، أيْ وُرّاثًا. ثُمَّ أُضْمِرَ فِعْلٌ، أيْ: يَرِثُ المَوالِي مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ، فَيَكُونُ الفاعِلُ بِتَرْكِ الوالِدانِ. وكَأنَّهُ لَمّا أبْهَمَ في قَوْلِهِ: وجَعَلْنا لِكُلِّ إنْسانٍ مُوالِيَ - بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الإنْسانَ الَّذِي جَعَلَ لَهُ ورَثَةً هو الوالِدانِ والأقْرَبُونَ، فَأُولَئِكَ الوُرّاثُ يَرِثُونَ مِمّا تَرَكَ والِداهم وأقْرَبُوهم، ويَكُونُ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ مَوْرُوثِينَ. وعَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ لا يَكُونُ في (جَعَلْنا) مُضْمَرٌ مَحْذُوفٌ، ويَكُونُ مَفْعُولُ (جَعَلْناهُ) لَفْظَ مَوالِيَ. والكَلامُ جُمْلَتانِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ولِكُلِّ قَوْمٍ جَعَلْناهم مَوالِيَ، أيْ: وُرّاثًا نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ والِداهم وأقْرَبُوهم، فَيَكُونُ (جَعَلْنا) صِفَةً لِـ(كُلٍّ)، والضَّمِيرُ مِنَ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ صِفَةً - مَحْذُوفٌ، وهو مَفْعُولُ (جَعَلْنا) . و(مَوالِي) مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، وفاعِلُ (تَرَكَ) الوالِدانِ. والكَلامُ مُنْعَقِدٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ، فَيَتَعَلَّقُ لِكُلٍّ بِمَحْذُوفٍ، إذْ هو خَبَرُ المُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ القائِمِ مَقامَهُ صِفَتُهُ وهو الجارُّ والمَجْرُورُ، إذْ قُدِّرَ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ. والكَلامُ إذْ ذاكَ جُمْلَةٌ واحِدَةٌ كَما تَقُولُ: لِكُلِّ مَن خَلَقَهُ اللَّهُ إنْسانًا مِن رِزْقِ اللَّهِ، أيْ حَظٌّ مِن رِزْقِ اللَّهَ. وإذا فَرَّعْنا عَلى أنَّ المَعْنى: ولِكُلِّ مالٍ، فَقالُوا: التَّقْدِيرُ ولِكُلِّ مالٍ مِمّا تَرَكَهُ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ - جَعَلْنا مَوالِيَ، أيْ: وُرّاثًا يَلُونَهُ ويُحْرِزُونَهُ. وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ (مِمّا تَرَكَ) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ(كُلٍّ)، والوالِدانِ والأقْرَبُونَ فاعِلٌ بِتَرَكَ ويَكُونُونَ مَوْرُوثِينَ، ولِكُلٍّ مُتَعَلِّقٌ بِجَعَلْنا. إلّا أنَّ في هَذا التَّقْدِيرِ الفَصْلَ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ بِالجُمْلَةِ المُتَعَلِّقَةِ بِالفِعْلِ الَّذِي فِيها المَجْرُورُ وهو نَظِيرُ قَوْلِكَ: بِكُلِّ رِجْلٍ مَرَرْتُ تِمِيمِيٍّ، وفي جَوازِ ذَلِكَ نَظَرٌ.
واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالمُعاقَدَةِ هُنا. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ، والسُّدِّيُّ وغَيْرُهم: هي الحَلِفُ. فَإنَّ العَرَبَ كانَتْ تَتَوارَثُ بِالحَلِفِ، فَقَرَّرَ ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥] وعَنْهُ أيْضًا هي: الحَلِفُ، والنَّصِيبُ هو المُؤازَرَةُ في الحَقِّ والنَّصْرِ، والوَفاءُ بِالكُلَفِ، لا المِيراثِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هي المُؤاخاةُ، كانُوا يَتَوارَثُونَ بِها حَتّى نُسِخَ. وعَنْهُ كانَ المُهاجِرُونَ يَرِثُونَ الأنْصارَ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِمْ حَتّى نُسِخَ بِما تَقَدَّمَ، وبَقِيَ اثْنانِ: النَّصِيبُ مِنَ النَّصْرِ والمَعُونَةِ، ومِنَ المالِ عَلى جِهَةِ النَّدْبِ في الوَصِيَّةِ. وقالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: هي التَّبَنِّي، والنَّصِيبُ الَّذِي أُمِرْنا بِإتْيانِهِ هو الوَصِيَّةُ (p-٢٣٨)لا المِيراثُ، ومَعْنى (عاقَدَتْ أيْمانُكم) في هَذا القَوْلِ: عاقَدَتْهم أيْمانُكم وماسَحْتُمُوهم. وقِيلَ: كانُوا يَتَوارَثُونَ بِالتَّبَنِّي لِقَوْمٍ يَمُوتُونَ قَبْلَ الوَصِيَّةِ ووُجُوبِها، فَأُمِرَ المُوصِي أنْ يُؤَدِّيَها إلى ورَثَةِ المُوصِي لَهُ. وقِيلَ: المُعاقَدَةُ هُنا الزَّواجُ، والنِّكاحُ يُسَمّى عَقْدًا، فَذَكَرَ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ، وذَكَرَ مَعَهُمُ الزَّوْجَ والزَّوْجَةَ. وقِيلَ: المُعاقَدَةُ هُنا الوَلاءُ. وقِيلَ: هي حَلِفُ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أنْ لا يُوَرِّثَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ شَيْئًا، فَلَمّا أسْلَمَ أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُؤْتِيَهُ نَصِيبَهُ مِنَ المالِ، قالَ أبُو رَوْقٍ: وفِيهِما نَزَلَتْ.
فَتَلَخَّصَ مِن هَذِهِ الأقْوالِ في المُعاقَدَةِ، أهِيَ الحَلِفُ أنْ لا يُورَثُ الحالِفُ ؟ أمِ المُؤاخاةُ ؟ أمِ التَّبَنِّي ؟ أمِ الوَصِيَّةُ المَشْرُوحَةُ ؟ أمِ الزَّواجُ ؟ أمِ المُوالاةُ ؟ سَبْعَةُ أقْوالٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَفْظَةُ المُعاقَدَةِ والأيْمانِ تُرَجِّحُ أنَّ المُرادَ الأحْلافُ، لِأنَّ ما ذُكِرَ مِن غَيْرِ الأحْلافِ لَيْسَ في جَمِيعِهِ مُعاقَدَةٌ ولا أيْمانٌ. انْتَهى.
وكَيْفِيَّةُ الحَلِفِ في الجاهِلِيَّةِ: كانَ الرَّجُلُ يُعاقِدُ الرَّجُلَ فَيَقُولُ: دَمِي دَمُكَ، وهَدْمِي هَدْمُكَ، ونارِي نارُكَ، وحَرْبِي حَرْبُكَ، وسِلْمِي سِلْمُكَ، وتَرِثُنِي وأرِثُكَ، وتَطْلُبُ بِي وأطْلُبُ بِكَ، وتَعْقِلُ عَنِّي وأعْقِلُ عَنْكَ. فَيَكُونُ لِلْحَلِيفِ السُّدُسُ مِن مِيراثِ الحَلِيفِ، فَنَسَخَ اللَّهُ ذَلِكَ. وعَلى الأقْوالِ السّابِقَةِ جاءَ الخِلافُ في قَوْلِهِ: (والَّذِينَ عاقَدَتْ أيْمانُكم) أهْوَ مَنسُوخٌ أمْ لا ؟ وقَدِ اسْتُدِلَّ بِها عَلى مِيراثِ مَوْلى المُوالاةِ، وبِهِ قالَ أبُو يُوسُفَ، وأبُو حَنِيفَةَ، وزُفَرُ، ومُحَمَّدٌ، قالُوا: مَن أسْلَمَ عَلى يَدِ رَجُلٍ ووالاهُ وعاقَدَهُ ثُمَّ ماتَ ولا وارِثَ لَهُ غَيْرَهُ، فَمِيراثُهُ لَهُ. ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ، ورَبِيعَةَ، وابْنِ المُسَيَّبِ، والزُّهْرِيِّ، وإبْراهِيمَ، والحَسَنِ، وعُمَرَ، وابْنِ مَسْعُودٍ. وقالَ مالِكٌ، وابْنُ شُبْرُمَةَ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، والشّافِعِيُّ: مِيراثُهُ لِلْمُسْلِمِينَ. وقَدْ أطالَ الكَلامَ في هَذِهِ المَسْألَةِ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ ناصِرًا مَذْهَبَ أبِي حَنِيفَةَ.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: (عَقَدَتْ) بِتَخْفِيفِ القافِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، وشَدَّدَ القافَ حَمْزَةُ مِن رِوايَةِ عَلِيِّ بْنِ كَبْشَةَ، والباقُونَ عاقَدَتْ بِألِفِ، وجَوَّزُوا في إعْرابِ (الَّذِينَ) وُجُوهًا. أحَدُها: أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، والخَبَرُ (فَآتُوهم) . والثّانِي: أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا مِن بابِ الِاشْتِغالِ، نَحْوَ: زَيْدًا فاضْرِبْهُ. الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا مَعْطُوفًا عَلى ﴿الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾، والضَّمِيرُ في (فَآتُوهم) عائِدٌ عَلى (مَوالِيَ) إذا كانَ الوالِدانِ ومَن عُطِفَ عَلَيْهِ مَوْرُوثِينَ، وإنْ كانُوا وارِثِينَ فَيَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى مَوالِيَ، ويَجُوزَ أنْ يَعُودَ عَلى الوالِدَيْنِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ. الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا مَعْطُوفًا عَلى مَوالِيَ، قالَهُ أبُو البَقاءِ، وقالَ: أيْ: وجَعَلْنا الَّذِينَ عاقَدَتْ وُرّاثًا، وكانَ ذَلِكَ ونُسِخَ انْتَهى. ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ الَّذِي قَدَّرَهُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى مَوالِيَ لِفَسادِ العَطْفِ، إذْ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: ولِكُلِّ إنْسانٍ، أوْ: لِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ المالِ جَعَلْنا وُرّاثًا. والَّذِينَ عاقَدَتْ أيْمانُكم، فَإنْ كانَ مِن عَطْفِ الجُمَلِ وحَذْفِ المَفْعُولِ الثّانِي لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ أمْكَنَ ذَلِكَ، أيْ: جَعَلْنا وُرّاثًا لِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ المالِ، أيْ: لِكُلِّ إنْسانٍ، وجَعَلْنا الَّذِينَ عاقَدَتْ أيْمانُكم وُرّاثًا. وهو بَعْدَ ذَلِكَ تَوْجِيهٌ مُتَكَلَّفٌ، ومَفْعُولُ (عاقَدَتْ) ضَمِيرٌ مَحْذُوفٌ أيْ: عاقَدَتْهم أيْمانُكم، وكَذَلِكَ في قِراءَةِ (عَقَدَتْ) هو مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: عَقَدَتْ حِلْفَهم أوْ عَهْدَهم أيْمانُكم. وإسْنادُ المُعاقَدَةِ أوِ العَقْدِ لِلْإيمانِ، سَواءٌ أُرِيدَ بِها القَسَمُ أمِ الجارِحَةُ - مَجازٌ، بَلْ فاعِلُ ذَلِكَ هو الشَّخْصُ.
﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى تَشْرِيعَ التَّوْرِيثِ، وأمَرَ بِإيتاءِ النَّصِيبِ، أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ فَهو المُجازِي بِهِ، وفي ذَلِكَ تَهْدِيدٌ لِلْعاصِي، ووَعْدٌ لِلْمُطِيعِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ شَهِيدٌ عَلى المُعاقَدَةِ بَيْنَكم. والصِّلَةُ فَأوْفُوا بِالعَهْدِ.
النساء 4:34
﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ وبِما أنْفَقُوا مِن أمْوالِهِمْ﴾ قِيلَ: سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ امْرَأةً لَطَمَها زَوْجُها فاسْتَعْدَتْ، فَقُضِيَ لَها بِالقِصاصِ، فَنَزَلَتْ. فَقالَ: (أرَدْتِ أمْرًا وأرادَ اللَّهُ غَيْرَهُ) قالَهُ: الحَسَنُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ، والسُّدِّيُّ وغَيْرُهم. فَذَكَرَ التِّبْرِيزِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ: أنَّها حَبِيبَةُ بِنْتُ زَيْدِ بْنِ أبِي زُهَيْرٍ زَوْجُ (p-٢٣٩)الرَّبِيعِ بْنِ عُمَرَ، وأحَدُ النُّقَباءِ مِنَ الأنْصارِ. وطَوَّلُوا القِصَّةَ، وفي آخِرِها: فَرُفِعَ القِصاصُ بَيْنَ الرَّجُلِ والمَرْأةِ، وقالَ أبُو الكَلْبِيُّ: هي حَبِيبَةُ بِنْتُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ زَوْجُ سَعِيدِ بْنِ الرَّبِيعِ. وقالَ أبُو رَوْقٍ: هي جَمِيلَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى زَوْجُ ثابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ. وقِيلَ: نَزَلَ مَعَها: ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤] وفي سَبَبٍ مِن عَيْنِ المَرْأةِ أنَّ زَوْجَها لَطَمَها بِسَبَبِ نُشُوزِها. وقِيلَ: سَبَبُ النُّزُولِ قَوْلُ أُمِّ سَلَمَةَ المُتَقَدِّمُ: لَمّا تَمَنّى النِّساءُ دَرَجَةَ الرِّجالِ عَرَفْنَ وجْهَ الفَضِيلَةِ قِيلَ: المُرادُ بِالرِّجالِ هُنا مَن فِيهِمْ صَدامَةٌ وحَزْمٌ، لا مُطْلَقُ مَن لَهُ لِحْيَةٌ. فَكَمْ مِن ذِي لِحْيَةٍ لا يَكُونُ لَهُ نَفْعٌ ولا ضُرٌّ ولا حُرَمٌ، ولِذَلِكَ يُقالُ: رَجُلٌ بَيِّنُ الرُّجُولِيَّةِ والرُّجُولَةِ. ولِذَلِكَ ادَّعى بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا تَقْدِيرُهُ: الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ إنْ كانُوا رِجالًا. وأنْشَدَ:
؎أكُلُّ امْرِئٍ تَحْسَبِينَ امْرَأً ونارٍ تُوقَدُ بِاللَّيْلِ نارًا
والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ هَذا إخْبارٌ عَنِ الجِنْسِ لَمْ يَتَعَرَّضْ فِيهِ إلى اعْتِبارِ أفْرادِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا الجِنْسُ قَوّامٌ عَلى هَذا الجِنْسِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قَوّامُونَ مُسَلَّطُونَ عَلى تَأْدِيبِ النِّساءِ في الحَقِّ. ويَشْهَدُ لِهَذا القَوْلِ (طاعَتُهُنَّ لَهم في طاعَةِ اللَّهِ) . وقَوّامُ: صِفَةُ مُبالَغَةٍ، ويُقالُ: قَيّامٌ وقَيِّمٌ، وهو الَّذِي يَقُومُ بِالأمْرِ ويَحْفَظُهُ. وفي الحَدِيثِ: (أنْتَ قَيّامُ السَّماواتِ والأرْضِ ومِن فِيهِنَّ) والباءُ في (بِما) لِلسَّبَبِ، و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: بِتَفْضِيلِ اللَّهِ. ومَن جَعَلَها بِمَعْنى الَّذِي فَقَدَ أبْعَدَ، إذْ لا ضَمِيرَ في الجُمْلَةِ، وتَقْدِيرُهُ مَحْذُوفًا مُسَوِّغٌ لِحَذْفِهِ، فَلا يَجُوزُ.
والضَّمِيرُ في بَعْضِهِمْ عائِدٌ عَلى الرِّجالِ والنِّساءِ. وذُكِرَ تَغْلِيبًا لِلْمُذَكَّرِ عَلى المُؤَنَّثِ، والمُرادُ بِالبَعْضِ الأوَّلِ الرِّجالُ، وبِالثّانِي النِّساءُ. والمَعْنى: أنَّهم قَوّامُونَ عَلَيْهِنَّ بِسَبَبِ تَفْضِيلِ اللَّهِ الرِّجالَ عَلى النِّساءِ، هَكَذا قَرَّرُوا هَذا المَعْنى. قالُوا: وعَدَلَ عَنِ الضَّمِيرَيْنِ فَلَمْ يَأْتِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ عَلَيْهِنَّ لِما في ذِكْرِ بَعْضٍ مِنَ الإبْهامِ الَّذِي لا يَقْتَضِي عُمُومَ الضَّمِيرِ، فَرُبَّ أُنْثى فَضَلَتْ ذَكَرًا. وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ الوِلايَةَ تُسْتَحَقُّ بِالفَضْلِ لا بِالتَّغَلُّبِ والِاسْتِطالَةِ، وذَكَرُوا أشْياءَ مِمّا فُضِّلَ بِهِ الرِّجالُ عَلى النِّساءِ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ. فَقالَ الرَّبِيعُ: الجُمُعَةُ والجَماعَةُ. وقالَ الحَسَنُ: النَّفَقَةُ عَلَيْهِنَّ. ويَنْبُو عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿وبِما أنْفَقُوا﴾ . وقِيلَ: التَّصَرُّفُ والتِّجاراتُ. وقِيلَ: الغَزْوُ، وكَمالُ الدِّينِ، والعَقْلِ. وقِيلَ: العَقْلُ، والرَّأْيُ، وحِلُّ الأرْبَعِ، ومِلْكُ النِّكاحِ، والطَّلاقُ، والرَّجْعَةُ، وكَمالُ العِباداتِ، وفَضِيلَةُ الشَّهاداتِ، والتَّعْصِيبُ، وزِيادَةُ السَّهْمِ في المِيراثِ والدِّياتِ، والصَّلاحِيَّةُ لِلنُّبُوَّةِ، والخِلافَةُ، والإمامَةُ، والخَطابَةُ، والجِهادُ، والرَّمْيُ، والأذانُ، والِاعْتِكافُ، والحَمالَةُ، والقَسامَةُ، وانْتِسابُ الأوْلادِ، واللِّحى، وكَشْفُ الوُجُوهِ، والعَمائِمُ الَّتِي هي تِيجانُ العَرَبِ، والوِلايَةُ، والتَّزْوِيجُ، والِاسْتِدْعاءُ إلى الفِراشِ، والكِتابَةُ في الغالِبِ، وعَدَدُ الزَّوْجاتِ، والوَطْءُ بِمِلْكِ اليَمِينِ.
* *
﴿وبِما أنْفَقُوا مِن أمْوالِهِمْ﴾ مَعْناهُ: عَلَيْهِنَّ، و(ما): مَصْدَرِيَّةٌ، أوْ بِمَعْنى الَّذِي، والعائِدُ مَحْذُوفٌ فِيهِ مُسَوِّغُ الحَذْفِ. قِيلَ: المَعْنى بِما أخْرَجُوا بِسَبَبِ النِّكاحِ مِن مُهُورِهِنَّ، ومِنَ النَّفَقاتِ عَلَيْهِنَّ المُسْتَمِرَّةِ. ورَوى مُعاذٌ: أنَّهُ قالَ: (لَوْ أمَرْتُ أحَدًا أنْ يَسْجُدَ لِأحَدٍ لَأمَرْتُ المَرْأةَ أنْ تَسْجُدَ لِبَعْلِها) . قالَ القُرْطُبِيُّ: فَهِمَ الجُمْهُورُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وبِما أنْفَقُوا مِن أمْوالِهِمْ﴾، أنَّهُ مَتى عَجَزَ عَنْ نَفَقَتِها لَمْ يَكُنْ قَوّامًا عَلَيْها، وإذا لَمْ يَكُنْ قَوّامًا عَلَيْها كانَ لَها فَسْخُ العَقْدِ لِزَوالِ المَعْقُودِ الَّذِي شُرِعَ لِأجْلِهِ النِّكاحُ. وفِيهِ دَلالَةٌ واضِحَةٌ مِن هَذا الوَجْهِ عَلى ثُبُوتِ فَسْخِ النِّكاحِ عِنْدَ الإعْسارِ بِالنَّفَقَةِ والكُسْوَةِ، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ والشّافِعِيِّ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا يُفْسَخُ لِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] .
* *
﴿فالصّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الصّالِحاتُ المُحْسِناتُ لِأزْواجِهِنَّ، لِأنَّهُنَّ إذا أحْسَنَّ لِأزْواجِهِنَّ فَقَدْ صَلَحَ حالُهُنَّ مَعَهم. وقالَ ابْنُ المُبارَكِ: المُعامَلاتُ بِالخَيْرِ. وقِيلَ: (p-٢٤٠)اللّائِي أصْلَحَهُنَّ اللَّهُ لِأزْواجِهِنَّ، قالَ تَعالى: ﴿وأصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء: ٩٠] . وقِيلَ: اللَّواتِي أصْلَحْنَ أقْوالَهُنَّ وأفْعالَهُنَّ. وقِيلَ: الصَّلاحُ الدِّينُ هُنا.
وهَذِهِ الأقْوالُ مُتَقارِبَةٌ، والقانِتاتُ: المُطِيعاتُ لِأزْواجِهِنَّ، أوْ لِلَّهِ تَعالى في حِفْظِ أزْواجِهِنَّ، وامْتِثالِ أمْرِهِمْ، أوْ لِلَّهِ تَعالى في كُلِّ أحْوالِهِنَّ، أوْ قائِماتٌ بِما عَلَيْهِنَّ لِلْأزْواجِ، أوِ المُصَلِّياتُ، أقْوالٌ، آخِرُها لِلزَّجّاجِ.
﴿حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ قالَ عَطاءٌ والسُّدِّيُّ: يَحْفَظْنَ ما غابَ عَنِ الأزْواجِ، وما يَجِبُ لَهُنَّ مِن صِيانَةِ أنْفُسِهِنَّ لَهم، ولا يَتَحَدَّثْنَ بِما كانَ بَيْنَهم وبَيْنَهُنَّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الغَيْبُ، كُلُّ ما غابَ عَنْ عِلْمِ زَوْجِها مِمّا اسْتَتَرَ عَنْهُ، وذَلِكَ يَعُمُّ حالَ غَيْبَةِ الزَّوْجِ، وحالَ حُضُورِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الغَيْبُ خِلافُ الشَّهادَةِ، أيْ حافِظاتٍ لِمَواجِبِ الغَيْبِ إذا كانَ الأزْواجُ غَيْرَ شاهِدِينَ لَهُنَّ، حَفِظْنَ ما يَجِبُ عَلَيْهِنَّ حِفْظُهُ في حالِ الغَيْبَةِ مِنَ الزَّوْجِ والبُيُوتِ والأمْوالِ. انْتَهى. والألِفُ واللّامُ في الغَيْبِ تُغْنِي عَنِ الضَّمِيرِ، والِاسْتِغْناءُ بِها كَثِيرٌ كَقَوْلِهِ: ﴿واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: ٤] أيْ رَأْسِي. وقالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎لَمْياءُ في شَفَتَيْها حُوَّةٌ لَعَسٌ وفي اللِّثاتِ وفي أنْيابِها شَنَبُ
تُرِيدُ: وفي لِثاتِها. ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: ( «خَيْرُ النِّساءِ امْرَأةٌ إذا نَظَرْتَ إلَيْها سَرَّتْكَ، وإذا أمَرْتَها أطاعَتْكَ، وإذا غِبْتَ عَنْها حَفِظَتْكَ في مالِها ونَفْسِها، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِرَفْعِ الجَلالَةِ، فالظّاهِرُ أنْ تَكُونَ» ) ما (مَصْدَرِيَّةً، والتَّقْدِيرُ: بِحِفْظِ اللَّهِ إيّاهُنَّ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعَطاءٌ ومُجاهِدٌ. ويَحْتَمِلُ هَذا الحِفْظُ وُجُوهًا أيْ: يَحْفَظُ، أيْ: بِتَوْفِيقِهِ إيّاهُنَّ لِحِفْظِ الغَيْبِ، أوْ لِحِفْظِهِ إيّاهُنَّ حِينَ أوْصى بِهِنَّ الأزْواجَ في كِتابِهِ وأمَرَ رَسُولُهُ ﷺ، فَقالَ: (اسْتَوْصُوا بِالنِّساءِ خَيْرًا) ( أوْ بِحِفْظِهِنَّ حِينَ وعَدَهُنَّ الثَّوابَ العَظِيمَ عَلى حِفْظِ الغَيْبِ، وأوْعَدَهُنَّ العَذابَ الشَّدِيدَ عَلى الخِيانَةِ. وجَوَّزُوا أنْ تَكُونَ) (ما) بِمَعْنى الَّذِي، والعائِدُ عَلى (ما) مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: بِما حَفِظَهُ اللَّهُ لَهُنَّ مِن مُهُورِ أزْواجِهِنَّ، والنَّفَقَةِ عَلَيْهِنَّ، قالَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَكُونُ المَعْنى إمّا حِفْظُ اللَّهِ ورِعايَتُهُ الَّتِي لا يَتِمُّ أمْرٌ دُونَها، وإمّا أوامِرُهُ ونَواهِيهِ لِلنِّساءِ، وكَأنَّها حِفْظُهُ، فَمَعْناهُ: أنَّ النِّساءَ يَحْفَظْنَ بِإزاءِ ذَلِكَ وبِقَدْرِهِ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ (ما) نَكِرَةً مَوْصُوفَةً.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ: بِنَصْبِ الجَلالَةِ فالظّاهِرُ أنَّ (ما) بِمَعْنى الَّذِي، وفي حَفِظَ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى (ما) مَرْفُوعٌ، أيْ: بِالطّاعَةِ والبِرِّ الَّذِي حَفِظَ اللَّهُ في امْتِثالِ أمْرِهِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ بِالأمْرِ الَّذِي حَفِظَ حَقَّ اللَّهِ وأمانَتَهُ، وهو التَّعَفُّفُ والتَّحَصُّنُ والشَّفَقَةُ عَلى الرِّجالِ والنَّصِيحَةُ لَهم. وقَدَّرَهُ ابْنُ جِنِّي: بِما حَفِظَ دِينَ اللَّهِ، أوْ أمْرَ اللَّهِ. وحَذْفُ المُضافِ مُتَعَيِّنٌ تَقْدِيرُهُ: لِأنَّ الذّاتَ المُقَدَّسَةَ لا يُنْسَبُ إلَيْها أنَّها يَحْفَظُها أحَدٌ. وقِيلَ: (ما) مَصْدَرِيَّةٌ، وفي ﴿حَفِظَ﴾ ضَمِيرٌ مَرْفُوعٌ تَقْدِيرُهُ: بِما حَفِظْنَ اللَّهَ، وهو عائِدٌ عَلى الصّالِحاتِ. قِيلَ: وحُذِفَ ذَلِكَ الضَّمِيرُ، وفي حَذْفِهِ قُبْحٌ لا يَجُوزُ إلّا في الشِّعْرِ كَما قالَ:
؎فَإنَّ الحَوادِثَ أوْدى بِها
يُرِيدُ: أوْدَيْنَ بِها. والمَعْنى: يَحْفَظْنَ اللَّهَ في أمْرِهِ حِينَ امْتَثَلَتْهُ. والأحْسَنُ في هَذا أنْ لا يُقالَ إنَّهُ حَذَفَ الضَّمِيرَ، بَلْ يُقالُ: إنَّهُ عادَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِنَّ مُفْرَدًا، كَأنَّهُ لُوحِظَ الجِنْسُ، وكَأنَّ الصّالِحاتِ في مَعْنى مَن صَلَحَ، وهَذا كُلُّهُ تَوْجِيهُ شُذُوذٍ أدّى إلَيْهِ قَوْلُ مَن قالَ في هَذِهِ القِراءَةِ: إنَّ (ما) مَصْدَرِيَّةٌ. ولا حاجَةَ إلى هَذا القَوْلِ، بَلْ يُنَزَّهُ القُرْآنُ عَنْهُ. وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ ومُصْحَفِهِ: (فالصَّوالِحُ قَوانِتُ حَوافِظُ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ فَأصْلِحُوا إلَيْهِنَّ) . ويَنْبَغِي حَمْلُها عَلى التَّفْسِيرِ لِأنَّها مُخالِفَةٌ لِسَوادِ الإمامِ، وفِيها زِيادَةٌ. وقَدْ صَحَّ عَنْهُ بِالنَّقْلِ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ أنَّهُ قَرَأ: وأقْرَأُ عَلى رَسْمِ السَّوادِ، فَلِذَلِكَ يَنْبَغِي أنَّ تُحْمَلَ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى التَّفْسِيرِ. قالَ ابْنُ جِنِّي: والتَّكْسِيرُ أشْبَهُ بِالمَعْنى، إذْ هو يُعْطِي الكَثْرَةَ وهي المَقْصُودَةُ هُنا. ومَعْنى قَوْلِهِ: (فَأصْلِحُوا إلَيْهِنَّ) أيْ: أحْسِنُوا، ضُمِّنَ أصْلِحُوا مَعْنى أحْسِنُوا، ولِذَلِكَ عَدّاهُ بِـ (إلى) . رُوِيَ في الحَدِيثِ: (يَسْتَغْفِرُ لِلْمَرْأةِ المُطِيعَةِ لِزَوْجِها الطَّيْرُ في (p-٢٤١)الهَواءِ، والحِيتانُ في البَحْرِ، والمَلائِكَةُ في السَّماءِ، والسِّباعُ في البَرارِيِّ) . «قالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، نِساءُ الدُّنْيا أفْضَلُ أمِ الحُورُ ؟ فَقالَ: نِساءُ الدُّنْيا أفْضَلُ مِنَ الحُورِ. قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، بِمَ ؟ قالَ: بِصَلاتِهِنَّ، وصِيامِهِنَّ، وعِبادَتِهِنَّ، وطاعَةِ أزْواجِهِنَّ» .
* *
﴿واللّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ واهْجُرُوهُنَّ في المَضاجِعِ واضْرِبُوهُنَّ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى صالِحاتِ الأزْواجِ وأنَّهُنَّ مِنَ المُطِيعاتِ الحافِظاتِ لِلْغَيْبِ، ذَكَرَ مُقابِلَهُنَّ وهُنَّ العاصِياتُ لِلْأزْواجِ. والخَوْفُ هُنا قِيلَ: مَعْناهُ اليَقِينُ، ذَهَبَ في ذَلِكَ إلى أنَّ الأوامِرَ الَّتِي بَعْدَ ذَلِكَ إنَّما يُوجِبُها وُقُوعُ النُّشُوزِ لا تَوَقُّعُهُ، واحْتُجَّ في جَوازِ وُقُوعِ الخَوْفِ مَوْقِعَ اليَقِينِ بِقَوْلِ أبِي مِحْجَنٍ الثَّقَفِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
؎ولا تَدْفِنَنِّي بِالفَلاةِ فَإنَّنِي أخافُ إذا ما مُتُّ أنْ لا أذُوقَها
وقِيلَ الخَوْفُ عَلى بابِهِ مِن بَعْضِ الظَّنِّ. قالَ:
؎أتانِي كَلامٌ مِن نَصِيبٍ يَقُولُهُ ∗∗∗ وما خِفْتُ يا سَلّامُ أنَّكَ عاتِبِي
أيْ: وما ظَنَنْتُ. وفي الحَدِيثِ: (أُمِرْتُ بِالسِّواكِ حَتّى خِفْتُ لَأدْرَدَنَّ) وقِيلَ: الخَوْفُ عَلى بابِهِ مِن ضِدِّ الأمْنِ، فالمَعْنى: يَحْذَرُونَ ويَتَوَقَّعُونَ، لِأنَّ الوَعْظَ وما بَعْدَهُ إنَّما هو في دَوامِ ما ظَهَرَ مِن مَبادِئِ ما يُتَخَوَّفُ. والنُّشُوزُ: أنْ تَتَعَوَّجَ المَرْأةُ ويَرْتَفِعَ خُلُقُها وتَسْتَعْلِي عَلى زَوْجِها، ويُقالُ: نُسُورٌ بِالسِّينِ والرّاءِ المُهْمَلَتَيْنِ، ويُقالُ: نُصُورٌ، ويُقالُ: نُشُوصٌ. وامْرَأةٌ ناشِرٌ وناشِصٌ. قالَ الأعْشى:
؎تَجَلَّلَها شَيْخٌ عِشاءً فَأصْبَحَتْ ∗∗∗ قُضاعِيَّةً تَأْتِي الكَواهِنَ ناشِصا
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نُشُوزُهُنَّ عِصْيانُهُنَّ. وقالَ عَطاءٌ: نُشُوزُها أنْ لا تَتَعَطَّرُ، وتَمْنَعُهُ مِن نَفْسِها، وتَتَغَيَّرُ عَنْ أشْياءَ كانَتْ تَتَصَنَّعُ لِلزَّوْجِ بِها. وقالَ أبُو مَنصُورٍ: نُشُوزُها كَراهِيَّتُها لِلزَّوْجِ. وقِيلَ: امْتِناعُها مِنَ المَقامِ مَعَهُ في بَيْتِهِ، وإقامَتُها في مَكانٍ لا يُرِيدُ الإقامَةَ فِيهِ. وقِيلَ: مَنعُها نَفْسَها مِنَ الِاسْتِمْتاعِ بِها إذا طَلَبَها لِذَلِكَ. وهَذِهِ الأقْوالُ كُلُّها مُتَقارِبَةٌ.
ووَعْظُهُنَّ: تَذْكِيرُهُنَّ أمْرَ اللَّهِ بِطاعَةِ الزَّوْجِ، وتَعْرِيفُهُنَّ أنَّ اللَّهَ أباحَ ضَرْبَهُنَّ عِنْدَ عِصْيانِهِنَّ، وعِقابُ اللَّهِ لَهُنَّ عَلى العِصْيانِ قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَقُولُ لَها: اتَّقِي اللَّهَ، وارْجِعِي إلى فِراشِكِ. وقِيلَ: يَقُولُ لَها إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: (لَوْ أمَرْتُ أحَدًا أنْ يَسْجُدَ لِأحَدٍ لَأمَرْتُ المَرْأةَ أنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِها) وقالَ ﷺ: (لا تَمْنَعْهُ نَفْسَها ولَوْ كانَتْ عَلى قَتَبٍ) . وقالَ: (أيُّما امْرَأةٍ باتَتْ هاجِرَةً فِراشَ زَوْجِها لَعَنَتْها المَلائِكَةُ حَتّى تُصْبِحَ) وزادَ آخَرُونَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: (ثَلاثَةٌ لا تُجاوِزُ صَلاتُهم آذانَهُمُ العَبْدُ الآبِقُ وامْرَأةٌ باتَ عَلَيْها زَوْجُها ساخِطًا وإمامُ قَوْمٍ هم لَهُ كارِهُونَ) .
وهَجْرُهُنَّ في المَضاجِعِ: تَرْكُهُنَّ لِكَراهَةٍ في المَراقِدِ. والمَضْجَعُ المَكانُ الَّذِي يُضْطَجَعُ فِيهِ عَلى جَنْبٍ. وأصْلُ الِاضْطِجاعِ الِاسْتِلْقاءُ، يُقالُ: ضَجَعَ ضُجُوعًا واضْطَجَعَ اسْتَلْقى لِلنَّوْمِ، وأضْجَعْتُهُ أمَلْتُهُ إلى الأرْضِ، وكُلُّ شَيْءٍ أمَلْتَهُ مِن إناءٍ وغَيْرِهِ فَقَدَ أضْجَعْتَهُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: مَعْناهُ لا تُجامِعُوهُنَّ. وقالَ الضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ: اتْرُكُوا كَلامَهُنَّ، ووَلُّوهُنَّ ظُهُورَكم في الفِراشِ. وقالَ مُجاهِدٌ: فارِقُوهُنَّ في الفَرْشِ، أيْ نامُوا ناحِيَةً في فَرْشٍ غَيْرِ فَرْشِهِنَّ. وقالَ عِكْرِمَةُ والحَسَنُ: قُولُوا لَهُنَّ في المَضاجِعِ هَجْرًا، أيْ كَلامًا غَلِيظًا. وقِيلَ: اهْجُرُوهُنَّ في الكَلامِ ثَلاثَةَ أيّامٍ فَما دُونَها. وكَنّى بِالمَضاجِعِ عَنِ البُيُوتِ، لِأنَّ كُلَّ مَكانٍ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مَحَلًّا لِلِاضْطِجاعِ. وقالَ النَّخَعِيُّ، والشَّعْبِيُّ، والسُّدِّيُّ، والحَسَنُ: مِنَ الهِجْرانِ، وهو البُعْدُ، وقِيلَ: اهْجُرُوهُنَّ بِتَرْكِ الجِماعِ والِاجْتِماعِ، وإظْهارِ التَّجَهُّمِ، والإعْراضِ عَنْهُنَّ مُدَّةً نِهايَتُها شَهْرٌ كَما فَعَلَ عَلَيْهِ السَّلامُ (حِينَ حَلَفَ أنْ لا يَدْخُلُ عَلى نِسائِهِ شَهْرًا) وقِيلَ: ارْبُطُوهُنَّ بِالهِجارِ، وأكْرِهُوهُنَّ عَلى الجِماعِ؛ مِن قَوْلِهِمْ: هَجَرَ البَعِيرَ إذا شَدَّهُ بِالهِجارِ، وهو حَبَلٌ يُشَدُّ بِهِ البَعِيرُ، قالَهُ: الطَّبَرِيُّ ورَجَّحَهُ. وقَدَحَ (p-٢٤٢)فِي سائِرِ الأقْوالِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في قَوْلِ الطَّبَرِيِّ: وهَذا مِن تَفْسِيرِ الثُّقَلاءِ انْتَهى. وقِيلَ في لِلسَّبَبِ: أيِ اهْجُرُوهُنَّ بِسَبَبِ تَخَلُّفِهِنَّ عَنِ الفَرْشِ. وقَرَأ الأعْمَشِ والنَّخَعِيُّ: في المَضْجَعِ عَلى الأفْرادِ وفِيهِ مَعْنى الجَمْعِ، لِأنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ.
وضَرْبُهُنَّ هو أنْ يَكُونَ غَيْرَ مُبَرِّحٍ ولا ناهِكٍ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِالسِّواكِ ونَحْوِهِ. والضَّرْبُ غَيْرُ المُبَرِّحِ هو الَّذِي لا يُهَشِّمُ عَظْمًا، ولا يُتْلِفُ عُضْوًا، ولا يَعْقُبُ شَيْئًا، والنّاهِكُ البالِغُ، ولْيَجْتَنِبِ الوَجْهَ. وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: (عَلِّقْ سَوْطَكَ حَيْثُ يَراهُ أهْلُكَ) وعَنْ أسْماءَ بِنْتِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: كُنْتُ رابِعَةَ أرْبَعِ نِسْوَةٍ عِنْدَ الزُّبَيْرِ، فَإذا غَضِبَ عَلى إحْدانا ضَرَبَها بِعُودِ المِشْجَبِ حَتّى يَكْسِرَهُ عَلَيْها. وهَذا يُخالِفُ قَوْلَ ابْنِ عَبّاسٍ، وكَذَلِكَ ما رَواهُ ابْنُ وهْبٍ عَنْ مالِكٍ: أنَّ أسْماءَ زَوْجَ الزُّبَيْرِ كانَتْ تَخْرُجُ حَتّى عُوتِبَتْ في ذَلِكَ وعِيبَ عَلَيْها وعَلى ضَرّاتِها، فَعَقَدَ شَعَرَ واحِدَةٍ بِالأُخْرى، ثُمَّ ضَرَبَهُما ضَرْبًا شَدِيدًا، وكانَتِ الضَّرَّةُ أحْسَنَ اتِّقاءً، وكانَتْ أسْماءُ لا تَتَّقِي الضَّرْبَ، فَكانَ الضَّرْبُ بِها أكْثَرَ، فَشَكَتْ إلى أبِيها أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ: يا بُنَيَّةُ اصْبِرِي فَإنَّ الزُّبَيْرَ رَجُلٌ صالِحٌ، ولَعَلَّهُ أنْ يَكُونَ زَوْجَكِ في الجَنَّةِ.
وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ: عَلى أنَّهُ يَعِظُ، ويَهْجُرُ في المَضْجَعِ، ويَضْرِبُ الَّتِي يَخافُ نُشُوزَها. ويَجْمَعُ بَيْنَها، ويَبْدَأُ بِما شاءَ، لِأنَّ الواوَ لا تُرَتِّبُ. وقالَ بِهَذا قَوْمٌ، وقالَ الجُمْهُورُ: الوَعْظُ عِنْدَ خَوْفِ النُّشُوزِ، والضَّرْبُ عِنْدَ ظُهُورِهِ. وقالابْنُ عَطِيَّةَ: هَذِهِ العِظَةُ والهَجْرُ والضَّرْبُ مَراتِبُ، إنْ وقَعَتِ الطّاعَةُ عِنْدَ إحْداها لَمْ يَتَعَدَّ إلى سائِرِها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أُمِرَ بِوَعْظِهِنَّ أوَّلًا، ثُمَّ بِهِجْرانِهِنَّ في المَضاجِعِ، ثُمَّ بِالضَّرْبِ إنْ لَمْ يَنْجَعْ فِيهِنَّ الوَعْظُ والهِجْرانُ. وقالَ الرّازِيُّ ما مُلَخَّصُهُ: يُبْدَأُ بِلَيِّنِ القَوْلِ في الوَعْظِ، فَإنْ لَمْ يُفِدْ فَبِخَشِنِهِ، ثُمَّ يَتْرُكُ مُضاجَعَتَها، ثُمَّ بِالإعْراضِ عَنْها كُلِّيَّةً، ثُمَّ بِالضَّرْبِ الخَفِيفِ كاللَّطْمَةِ واللَّكْزَةِ ونَحْوِها مِمّا يُشْعِرُ بِالِاحْتِقارِ وإسْقاطِ الحُرْمَةِ، ثُمَّ بِالضَّرْبِ بِالسَّوْطِ والقَضِيبِ اللَّيِّنِ ونَحْوِهِ مِمّا يَحْصُلُ بِهِ الألَمُ والإنْكاءُ ولا يَحْصُلُ عَنْهُ هَشْمٌ ولا إراقَةُ دَمٍ، فَإنْ لَمْ يُفِدْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ رَبَطَها بِالهِجارِ وهو الحَبْلُ، وأكْرَهَها عَلى الوَطْءِ، لِأنَّ ذَلِكَ حَقُّهُ. وأيُّ شَيْءٍ مِن هَذِهِ رَجَعَتْ بِهِ عَنْ نُشُوزِها عَلى ما رَتَّبْناهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ أنْ يَنْتَقِلَ إلى غَيْرِهِ لِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ أطَعْنَكم فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ . انْتَهى. وقَوْلُهُ: فَإنْ أطَعْنَكم أيْ: وافَقْنَكم وانْقَدْنَ إلى ما أوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِنَّ مِن طاعَتِكم. يَدُلُّ عَلى أنَّهُنَّ كُنَّ عاصِياتٍ بِالنُّشُوزِ، وأنَّ النُّشُوزَ مِنهُنَّ كانَ واقِعًا، فَإذًا لَيْسَ الأمْرُ مُرَتَّبًا عَلى خَوْفِ النُّشُوزِ. وآخِرُها يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مُرَتَّبٌ عَلى عِصْيانِهِنَّ بِالنُّشُوزِ، فَهَذا مِمّا حَمَلَ عَلى تَأوُّلِ الخَوْفِ بِمَعْنى التَّيَقُّنِ. والأحْسَنُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ ثَمَّ مَعْطُوفٌ حُذِفَ لِفَهْمِ المَعْنى واقْتِضائِهِ لَهُ، وتَقْدِيرُهُ: واللّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ ونَشَزْنَ. كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ: ﴿اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ فانْفَجَرَتْ﴾ [البقرة: ٦٠] تَقْدِيرُهُ فَضَرَبَ فانْفَجَرَتْ، لِأنَّ الِانْفِجارَ لا يَتَسَبَّبُ عَنِ الأمْرِ، إنَّما هو مُتَسَبِّبٌ عَنِ الضَّرْبِ. فَرُتِّبَتْ هَذِهِ الأوامِرُ عَلى المَلْفُوظِ بِهِ. والمَحْذُوفُ: أمَرَ بِالوَعْظِ عِنْدَ خَوْفِ النُّشُوزِ، وأمَرَ بِالهَجْرِ والضَّرْبِ عِنْدَ النُّشُوزِ.
ومَعْنى ﴿فَلا تَبْغُوا﴾: فَلا تَطْلُبُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا مِنَ السُّبُلِ الثَّلاثَةِ المُباحَةِ، وهي: الوَعْظُ، والهَجْرُ، والضَّرْبُ. وقالَ سُفْيانُ: مَعْناهُ لا تُكَلِّفُوهُنَّ ما لَيْسَ في قُدْرَتِهِنَّ مِنَ المَيْلِ والمَحَبَّةِ، فَإنَّ ذَلِكَ إلى اللَّهِ. وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَبِعُوا مِنَ البَغْيِ وهو الظُّلْمُ، والمَعْنى: فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ مِن طَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ. وانْتِصابُ سَبِيلًا عَلى هَذا هو عَلى إسْقاطِ الخافِضِ. وقِيلَ: المَعْنى فَإنْ أطَعْنَكم فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا مِن سُبُلِ البَغْيِ لَهُنَّ والإضْرارِ بِهِنَّ تَوْصِيلًا بِذَلِكَ إلى نُشُوزِهِنَّ أيْ: إذا كانَتْ طائِعَةً فَلا يَفْعَلُ مَعَها ما يُؤَدِّي إلى نُشُوزِها. ولَفْظُ عَلَيْهِنَّ يُؤْذِنُ بِهَذا المَعْنى. وسَبِيلًا نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ، فَيَعُمُّ النَّهْيَ عَنِ الأذى بِقَوْلٍ أوْ فِعْلٍ.
* *
﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ لَمّا كانَ في تَأْدِيبِهِنَّ بِما أمَرَ تَعالى بِهِ الزَّوْجَ - اعْتِلاءٌ لِلزَّوْجِ عَلى المَرْأةِ، (p-٢٤٣)خَتَمَ تَعالى الآيَةَ بِصِفَةِ العُلُوِّ والكِبَرِ، لِيُنَبِّهَ العَبْدَ عَلى أنَّ المُتَّصِفَ بِذَلِكَ حَقِيقَةً هو اللَّهُ تَعالى. وإنَّما أذِنَ لَكم فِيما أذِنَ عَلى سَبِيلِ التَّأْدِيبِ لَهُنَّ، فَلا تَسْتَعْلُوا عَلَيْهِنَّ، ولا تَتَكَبَّرُوا عَلَيْهِنَّ، فَإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مَشْرُوعًا لَكم. وفي هَذا وعْظٌ عَظِيمٌ لِلْأزْواجِ، وإنْذارٌ أنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ عَلَيْكم فَوْقَ قُدْرَتِكم عَلَيْهِنَّ. وفي «حَدِيثِ أبِي مَسْعُودٍ وقَدْ ضَرَبَ غُلامًا لَهُ (اعْلَمْ أبا مَسْعُودٍ أنَّ اللَّهَ أقْدَرُ عَلَيْكَ مِنكَ عَلى هَذا العَبْدِ») . أوْ يَكُونُ المَعْنى: إنَّكم تَعْصُونَهُ تَعالى عَلى عُلُوِّ شَأْنِهِ وكِبْرِياءِ سُلْطانِهِ، ثُمَّ يَتُوبُ عَلَيْكم، فَيَحِقُّ لَكم أنْ تَعْفُوا عَنْهُنَّ إذا أطَعْنَكم.
النساء 4:35
﴿وإنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فابْعَثُوا حَكَمًا مِن أهْلِهِ وحَكَمًا مِن أهْلِها﴾ الخِلافُ في الخَوْفِ هُنا مِثْلُهُ في: ﴿واللّاتِي تَخافُونَ﴾ [النساء: ٣٤] . ولَمّا كانَ حالُ المَرْأةِ مَعَ زَوْجِها إمّا الطَّواعِيَةَ، وإمّا النُّشُوزَ. وكانَ النُّشُوزُ إمّا تَعْقُبُهُ الطَّواعِيَةُ، وإمّا النُّشُوزُ المُسْتَمِرُّ، فَإنْ أعْقَبَتْهُ الطَّواعِيَةُ فَتَعُودُ كالطّائِعَةِ أوَّلًا. وإنِ اسْتَمَرَّ النُّشُوزُ واشْتَدَّ، بُعِثَ الحَكَمانِ.
والشِّقاقُ: المُشاقَّةُ. والأصْلُ شِقاقًا بَيْنَهُما، فاتَّسَعَ وأُضِيفُ. والمَعْنى عَلى الظَّرْفِ كَما تَقُولُ: يُعْجِبُنِي سَيْرُ اللَّيْلَةِ المُقْمِرَةِ. أوْ يَكُونُ اسْتُعْمِلَ اسْمًا وزالَ مَعْنى الظَّرْفِ، أوْ أجْرى البَيْنَ هُنا مَجْرى حالِهِما وعِشْرَتِهِما وصُحْبَتِهِما.
والخِطابُ في: ﴿وإنْ خِفْتُمْ﴾، وفي (فابْعَثُوا) - لِلْحُكّامِ، ومَن يَتَوَلّى الفَصْلَ بَيْنَ النّاسِ. وقِيلَ: لِلْأوْلِياءِ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَلُونَ أمْرَ النّاسِ في العُقُودِ والفُسُوخِ، ولَهم نَصْبُ الحَكَمَيْنِ. وقِيلَ: خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ خِطابٌ لِلْأزْواجِ، إذْ لَوْ كانَ خِطابًا لِلْأزْواجِ لَقالَ: وإنْ خافا شِقاقَ بَيْنِهِما فَلْيَبْعَثا، أوْ لَقالَ: فَإنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِكم، لَكِنَّهُ انْتِقالٌ مِن خِطابِ الأزْواجِ إلى خِطابِ مَن لَهُ الحُكْمُ والفَصْلُ بَيْنَ النّاسِ، وإلى أنَّهُ خِطابٌ لِلْأزْواجِ ذَهَبَ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ. والضَّمِيرُ في بَيْنِهِما عائِدٌ عَلى الزَّوْجَيْنِ، ولَمْ يُجَرِّدْ ذِكْرَهُما، لَكِنْ جَرى ما يَدُلُّ عَلَيْهِما مِن ذِكْرِ الرِّجالِ والنِّساءِ.
والحَكَمُ: هو مَن يَصْلُحُ لِلْحُكُومَةِ بَيْنَ النّاسِ والإصْلاحِ. ولَمْ تَتَعَرَّضِ الآيَةُ لِماذا يَحْكُمانِ فِيهِ، وإنَّما كانَ مِنَ الأهْلِ، لِأنَّهُ أعْرَفُ بِباطِنِ الحالِ، وتَسْكُنُ إلَيْهِ النَّفْسُ، ويُطْلِعُ كُلٌّ مِنهُما حَكَمَهُ عَلى ما في ضَمِيرِهِ مِن حُبٍّ وبُغْضٍ وإرادَةِ صُحْبَةٍ وفُرْقَةٍ. قالَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: لا بُدَّ أنْ يَكُونا عارِفَيْنِ بِأحْوالِ الزَّوْجَيْنِ، عَدْلَيْنِ، حَسَنَيِ السِّياسَةِ والنَّظَرِ في حُصُولِ المَصْلَحَةِ، عالِمَيْنِ بِحُكْمِ اللَّهِ في الواقِعَةِ الَّتِي حَكَما فِيها. فَإنْ لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِهِما مَن يَصْلُحُ لِذَلِكَ أُرْسِلَ مِن غَيْرِهِما عَدْلَيْنِ عالِمَيْنِ، وذَلِكَ إذا أشْكَلَ أمْرُهُما ورَغِبا فِيمَن يَفْصِلُ بَيْنَهُما. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّما هَذا الشَّرْطُ في الحَكَمَيْنِ اللَّذَيْنِ يَبْعَثُهُما الحاكِمُ. وأمّا الحَكَمانِ اللَّذانِ يَبْعَثُهُما الزَّوْجانِ فَلا يُشْتَرَطُ فِيهِما إلّا أنْ يَكُونا بالِغَيْنِ عاقِلَيْنِ مُسْلِمَيْنِ، مِن أهْلِ العَفافِ والسِّتْرِ، يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ نُصْحُهُما. واخْتَلَفُوا في المِقْدارِ الَّذِي يَنْظُرُ فِيهِ الحَكَمانِ، فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّهُما يَنْظُرانِ في كُلِّ شَيْءٍ، ويَحْمِلانِ عَلى الظّالِمِ، ويَمْضِيانِ ما رَأيا مِن بَقاءٍ أوْ فِراقٍ، وبِهِ قالَ: مالِكٌ، والأوْزاعِيُّ، وإسْحاقُ، وأبُو ثَوْرٍ. وهو مَرْوِيٌّ عَنْ: عَلِيٍّ، وعُثْمانَ، وابْنِ عَبّاسٍ، والشَّعْبِيِّ، والنَّخَعِيِّ، ومُجاهِدٍ، وأبِي سَلَمَةَ، وطاوُسٍ. قالَ مالِكٌ: إذا رَأيا التَّفْرِيقَ فَرَّقا، سَواءٌ أوافَقَ مَذْهَبَ قاضِي البَلَدِ أوْ خالَفَهُ، وكَّلاهُ أمْ لا، والفِراقُ في ذَلِكَ طَلاقٌ بائِنٌ، وقالَتْ طائِفَةٌ: لا يَنْظُرُ الحَكَمانِ إلّا فِيما وكَّلَهُما بِهِ الزَّوْجانِ وصَرَّحا بِتَقْدِيمِهِما عَلَيْهِ، فالحَكَمانِ وكِيلانِ: أحَدُهُما لِلزَّوْجِ، والآخَرُ لِلزَّوْجَةِ، ولا تَقَعُ الفُرْقَةُ إلّا بِرِضا الزَّوْجَيْنِ، وهو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ، وعَنِ الشّافِعِيِّ القَوْلانِ. وقالَ الحَسَنُ وغَيْرُهُ: يَنْظُرُ الحَكَمانِ في الإصْلاحِ وفي الأخْذِ والإعْطاءِ، إلّا في الفُرْقَةِ فَإنَّها لَيْسَتْ إلَيْهِما. وأمّا ما يَقُولُ الحَكَمانِ، فَقالَ جَماعَةٌ: يَقُولُ حَكَمُ الزَّوْجِ لَهُ: أخْبِرْنِي ما في خاطِرِكَ، فَإنْ قالَ: لا حاجَةَ لِي فِيها، خُذْ لِي ما اسْتَطَعْتَ وفَرِّقْ بَيْنَنا، عَلِمَ أنَّ النُّشُوزَ مِن قِبَلِهِ. وإنْ قالَ: أهْواها ورَضِّها مِن مالِي بِما شِئْتَ ولا تُفَرِّقْ بَيْنَنا، عَلِمَ أنَّهُ لَيْسَ بِناشِزٍ ويَقُولُ الحَكَمُ مِن جِهَتِها لَها كَذَلِكَ، فَإذا ظَهَرَ لَهُما أنَّ النُّشُوزَ مِن جِهَتِهِ وعَظاهُ، وزَجَراهُ، ونَهَياهُ.
* *
﴿إنْ يُرِيدا إصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما﴾ الضَّمِيرُ في (يُرِيدا) عائِدٌ عَلى الحَكَمَيْنِ (p-٢٤٤)قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُما. وفي (بَيْنِهِما) عائِدٌ عَلى الزَّوْجَيْنِ، أيْ: قَصَدا إصْلاحَ ذاتِ البَيْنِ، وصَحَّتْ نِيَّتُهُما، ونَصَحا لِوَجْهِ اللَّهِ، وفَّقَ اللَّهُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وألَّفَ بَيْنَهُما، وألْقى في نُفُوسِهِما المَوَدَّةَ. وقِيلَ: الضَّمِيرانِ مَعًا عائِدانِ عَلى الحَكَمَيْنِ أيْ: إنْ قَصَدا إصْلاحَ ذاتِ البَيْنِ، وفَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُما فَيَجْتَمِعانِ عَلى كَلِمَةٍ واحِدَةٍ، ويَتَساعَدانِ في طَلَبِ الوِفاقِ حَتّى يَحْصُلَ الغَرَضُ. وقِيلَ: الضَّمِيرانِ عائِدانِ عَلى الزَّوْجَيْنِ أيْ: إنْ يُرِدِ الزَّوْجانِ إصْلاحًا بَيْنَهُما، وزَوالَ شِقاقٍ، يُزِلِ اللَّهُ ذَلِكَ ويُؤَلِّفْ بَيْنَهُما. وقِيلَ: يَكُونُ في (يُرِيدا) عائِدًا عَلى الزَّوْجَيْنِ، وفي (بَيْنِهِما) عائِدًا عَلى الحَكَمَيْنِ، أيْ: إنْ يُرِدِ الزَّوْجانِ إصْلاحًا وفَّقَ اللَّهُ بَيْنَ الحَكَمَيْنِ فاجْتَمَعا عَلى كَلِمَةٍ واحِدَةٍ، وأصْلَحا، ونَصَحا.
وظاهِرُ الآيَةِ أنَّهُ لا بُدَّ مِن إرْسالِ الحَكَمَيْنِ وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ.
ورُوِيَ عَنْ مالِكٍ: أنَّهُ يَجْرِي إرْسالٌ واحِدٌ، ولَمْ تَتَعَرَّضِ الآيَةُ لِعَدالَةِ الحَكَمَيْنِ، فَلَوْ كانا غَيْرَ عَدْلَيْنِ فَقالَ عَبْدُ المَلِكِ: حُكْمُهُما مَنقُوضٌ. وقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: الصَّحِيحُ نُفُوذُهُ. وأجْمَعَ أهْلُ الحَلِّ والعَقْدِ: عَلى أنَّ الحَكَمَيْنِ يَجُوزُ تَحْكِيمُهُما. وذَهَبَتِ الخَوارِجُ: إلى أنَّ التَّحْكِيمَ لَيْسَ بِجائِزٍ، ولَوْ فَرَّقَ الحَكَمانِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ خَلَعا بِرِضا الزَّوْجَيْنِ. فَهَلْ يَصِحُّ مِن غَيْرِ أمْرِ سُلْطانٍ ؟ ذَهَبَ الحَسَنُ وابْنُ سِيرِينَ: إلى أنَّهُ لا يَجُوزُ الصُّلْحُ إلّا عِنْدَ السُّلْطانِ. وذَهَبَ عُمَرُ وعُثْمانُ وابْنُ عُمَرَ وجَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ: إلى أنَّهُ يَصِحُّ مِن غَيْرِ أمْرِ السُّلْطانِ، مِنهم: مالِكٌ، وأبُو حَنِيفَةَ، وأصْحابُهُ، والشّافِعِيُّ.
﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ يَعْلَمُ ما يَقْصِدُ الحَكَمانِ، وكَيْفَ يُوَفِّقا بَيْنَ المُخْتَلِفَيْنِ، ويَخْبُرُ خَفايا ما يَنْطِقانِ بِهِ في أمْرِ الزَّوْجَيْنِ.
النساء 4:36
﴿واعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا وبِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ﴾ مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ الرِّجالَ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ بِتَفْضِيلِ اللَّهِ إيّاهم عَلَيْهِنَّ، وبِإنْفاقِ أمْوالِهِمْ، ودَلَّ بِمَفْهُومِ اللَّقَبِ أنَّهُ لا يَكُونُ قَوّامًا عَلى غَيْرِهِنَّ، أوْضَحَ أنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ قَوّامًا عَلى النِّساءِ هو أيْضًا مَأْمُورٌ بِالإحْسانِ إلى الوالِدَيْنِ، وإلى مَن عَطَفَهُ عَلى الوالِدَيْنِ. فَجاءَتْ حَثًّا عَلى الإحْسانِ، واسْتِطْرادًا لِمَكارِمِ الأخْلاقِ. وأنَّ المُؤْمِنَ لا يَكْتَفِي مِنَ التَّكالِيفِ الإحْسانِيَّةِ بِما يَتَعَلَّقُ بِزَوْجَتِهِ فَقَطْ، بَلْ عَلَيْهِ غَيْرُها مِن بِرِّ الوالِدَيْنِ وغَيْرِهِمْ. وافْتَتَحَ التَّوَصُّلَ إلى ذَلِكَ بِالأمْرِ بِإفْرادِ اللَّهِ تَعالى بِالعِبادَةِ، إذْ هي مَبْدَأُ الخَيْرِ الَّذِي تَتَرَتَّبُ الأعْمالُ الصّالِحَةُ عَلَيْهِ. ونَظِيرُ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ [البقرة: ٨٣] وتَقَدَّمَ شَرْحُ قَوْلِهِ: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا وبِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ﴾ إلّا أنْ هُنا وبِذِي، وهُناكَ وذِي، وإعادَةُ الباءِ تَدُلُّ عَلى التَّوْكِيدِ والمُبالَغَةِ، فَبُولِغَ في هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّها في حَقِّ هَذِهِ الأُمَّةِ، ولَمْ يُبالَغْ في حَقِّ تِلْكَ، لِأنَّها في حَقِّ بَنِي إسْرائِيلَ. والِاعْتِناءُ بِهَذِهِ الأُمَّةِ أكْثَرُ مِنَ الِاعْتِناءِ بِغَيْرِها، إذْ هي خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: وبِالوالِدَيْنِ إحْسانٌ بِالرَّفْعِ، وهو مُبْتَدَأٌ أوْ خَبَرٌ فِيهِ ما في المَنصُوبِ مِن مَعْنى الأمْرِ، وإنْ كانَ جُمْلَةً خَبَرِيَّةً نَحْوَ قَوْلِهِ:
؎فَصَبْرٌ جَمِيلٌ فَكِلانا مُبْتَلى
﴿والجارِ ذِي القُرْبى﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ، ومُقاتِلٌ في آخَرِينَ: هو الجارُ القَرِيبُ النَّسَبِ، والجارُ الجُنُبُ هو الجارُ الأجْنَبِيُّ، الَّذِي لا قَرابَةَ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ. وقالَ بَلْعاءُ بْنُ قَيْسٍ:
؎لا يَجْتَوِينا مُجاوِرٌ أبَدًا ∗∗∗ ذُو رَحِمٍ أوْ مُجاوِرٌ جُنُبُ
وقالَ نَوْفٌ الشّامِيُّ: هو الجارُ المُسْلِمُ.
* *
﴿والجارِ الجُنُبِ﴾ هو: الجارُ اليَهُودِيُّ، والنَّصْرانِيُّ. فَهي عِنْدَهُ قَرابَةُ الإسْلامِ، وأجْنَبِيَّةُ الكُفْرِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ، هو الجارُ القَرِيبُ المَسْكَنِ مِنكَ، والجُنُبُ هو البَعِيدُ المَسْكَنِ مِنكَ. كَأنَّهُ انْتُزِعَ مِنَ الحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ: إنَّ لِي جارَيْنِ فَإلى أيِّهِما أُهْدِي ؟ قالَ: (إلى أقْرَبِهِما مِنكَ بابًا) . وقالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ: ﴿والجارِ ذِي القُرْبى﴾ أُرِيدَ بِهِ الجارُ القَرِيبُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (p-٢٤٥)وهَذا خَطَأٌ في اللِّسانِ، لِأنَّهُ جَمَعَ عَلى تَأْوِيلِهِ بَيْنَ الألِفِ واللّامِ والإضافَةِ، وكانَ وجْهُ الكَلامِ: وجارِ ذِي القُرْبى. انْتَهى. ويُمْكِنُ تَصْحِيحُ قَوْلِ مَيْمُونٍ عَلى أنْ لا يَكُونَ جَمْعًا بَيْنَ الألِفِ واللّامِ والإضافَةِ عَلى ما زَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ بِأنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ذِي القُرْبى بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: والجارِ، عَلى حَذْفِ مُضافٍ التَّقْدِيرُ: والجارِ جارِ ذِي القُرْبى، فَحَذَفَ (جارِ) لِدَلالَةِ الجارِ عَلَيْهِ، وقَدْ حَذَفُوا البَدَلَ في مِثْلِ هَذا. قالَ الشّاعِرُ:
؎رَحِمَ اللَّهُ أعْظُمًا دَفَنُوها بِسِجِسْتانَ طَلْحَةِ الطَّلَحاتِ
يُرِيدُ: أعْظُمَ طَلْحَةِ الطَّلَحاتِ. ومِن كَلامِ العَرَبِ: لَوْ يَعْلَمُونَ العِلْمَ الكَبِيرَةِ سَنَةً، يُرِيدُونَ: عِلْمَ الكَبِيرَةِ سَنَةً. والجُنُبُ: هو البَعِيدُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِبُعْدِهِ عَنِ القَرابَةِ. وقالَ: فَلا تَحْرِمَنِّي نائِلًا عَنْ جَنابَةٍ. والمُجاوَرَةُ مُساكَنَةُ الرَّجُلِ الرَّجُلَ في مَحَلَّةٍ، أوْ مَدِينَةٍ، أوْ كَيْنُونَةُ أرْبَعِينَ دارًا مِن كُلِّ جانِبٍ، أوْ يُعْتَبَرُ بِسَماعِ الأذانِ، أوْ بِسَماعِ الإقامَةِ، أقْوالٌ أرْبَعَةٌ، ثانِيها قَوْلُ الأوْزاعِيِّ. ورَوى في ذَلِكَ حَدِيثًا أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أمَرَ مُنادِيَهُ يُنادِي: (ألا إنَّ أرْبَعِينَ دارًا جِوارٌ، ولا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن لا يَأْمَنُ جارُهُ بَوائِقَهُ) والمُجاوَرَةُ مَراتِبُ، بَعْضُها ألْصَقُ مِن بَعْضٍ، أقْرَبُها الزَّوْجَةُ. قالَ الأعْشى:
؎أجارَتَنا بِينِي فَإنَّكِ طالِقَهْ
وقُرِئَ: (والجارَ ذا القُرْبى) . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نَصْبًا عَلى الِاخْتِصاصِ كَما قُرِئَ ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ [البقرة: ٢٣٨] تَنْبِيهًا عَلى عِظَمِ حَقِّهِ لِإدْلائِهِ بِحَقَّيِ الجِوارِ والقُرْبى انْتَهى، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ المُفَضَّلِ عَنْهُ: (والجارِ الجَنْبِ) بِفَتْحِ الجِيمِ وسُكُونِ النُّونِ، ومَعْناهُ البَعِيدُ. وسُئِلَ أعْرابِيٌّ عَنِ الجارِ الجُنُبِ فَقالَ: هو الَّذِي يَجِيءُ فَيَحِلُّ حَيْثُ تَقَعُ عَيْنُكَ عَلَيْهِ.
* *
﴿والصّاحِبِ بِالجَنْبِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيُّ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ: هو الرَّفِيقُ في السَّفَرِ. وقالَ عَلِيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ والنَّخَعِيُّ، وابْنُ أبِي لَيْلى: الزَّوْجَةُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو مَن يَعْتَرِيكَ ويُلِمُّ بِكَ لِتَنْفَعَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو الَّذِي صَحِبَكَ بِأنْ حَصَلَ بِجَنْبِكَ إمّا رَفِيقًا في سَفَرٍ، وإمّا جارًا مُلاصِقًا، وإمّا شَرِيكًا في تَعَلُّمِ عِلْمٍ أوْ حِرْفَةِ، وإمّا قاعِدًا إلى جَنْبِكَ في مَجْلِسٍ أوْ مَسْجِدٍ، أوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِن أدْنى صُحْبَةٍ التَأمَتْ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ، فَعَلَيْكَ أنْ تُراعِيَ ذَلِكَ الحَقَّ ولا تَنْساهُ، وتَجْعَلَهُ ذَرِيعَةً لِلْإحْسانِ. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: هو الَّذِي يَصْحَبُكَ سَفَرًا وحَضَرًا. وقِيلَ: الرَّفِيقُ الصّالِحُ.
(وابْنِ السَّبِيلِ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ.
﴿وما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ قِيلَ: ما وقَعَتْ عَلى العاقِلِ بِاعْتِبارِ النَّوْعِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٣] وقِيلَ: لِأنَّها أعَمُّ مِن (مَن)، فَتَشْمَلُ الحَيَواناتِ عَلى إطْلاقِها مِن عَبِيدٍ وغَيْرِهِمْ، والحَيَواناتُ غَيْرُ الأرِقّاءِ أكْثَرُ في يَدِ الإنْسانِ مِنَ الأرِقّاءِ، فَغَلَّبَ جانِبَ الكَثْرَةِ، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى بِالإحْسانِ إلى كُلِّ مَمْلُوكٍ مِن آدَمِيٍّ وحَيَوانٍ غَيْرِهِ. وقَدْ ورَدَ غَيْرُ ما حَدِيثٍ في الوَصِيَّةِ بِالأرِقّاءِ خَيْرًا في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ. ومِن غَرِيبِ التَّفْسِيرِ ما نُقِلَ عَنْ سَهْلٍ التُّسْتَرِيِّ قالَ: الجارُ ذُو القُرْبى هو القَلْبُ، والجارُ الجُنُبُ النَّفْسُ، والصّاحِبُ بِالجَنْبِ العَقْلُ الَّذِي يَجْهَرُ عَلى اقْتِداءِ السُّنَّةِ والشَّرائِعِ، وابْنُ السَّبِيلِ الجَوارِحُ المُطِيعَةُ.
* *
﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ مُخْتالًا فَخُورًا﴾ نَفى تَعالى مَحَبَّتَهُ عَمَّنِ اتَّصَفَ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ: الِاخْتِيالُ وهو التَّكَبُّرُ، والفَخْرُ هو عَدُّ المَناقِبِ عَلى سَبِيلِ التَّطاوُلِ بِها والتَّعاظُمِ عَلى النّاسِ. لِأنَّ مَنِ اتَّصَفَ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ حَمَلَتاهُ عَلى الإخْلالِ بِمَن ذُكِرَ في الآيَةِ مِمَّنْ يَكُونُ لَهم حاجَةٌ إلَيْهِ. وقالَ أبُو رَجاءٍ الهَرَوِيُّ: لا تَجِدُ سَيِّئَ المَلَكَةِ إلّا وجَدْتَهُ مُخْتالًا فَخُورًا، ولا عاقًّا إلّا وجَدْتَهُ جَبّارًا شَقِيًّا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمُخْتالُ التَّيّاهُ الجَهُولُ الَّذِي يَتَكَبَّرُ عَنْ إكْرامِ أقارِبِهِ وأصْحابِهِ ومَمالِيكِهِ، فَلا يَحْتَفِي بِهِمْ، ولا يَلْتَفِتُ إلَيْهِمْ. وقالَ غَيْرُهُ: ذَكَرَ تَعالى الِاخْتِيالَ لِأنَّ المُخْتالَ يَأْنَفُ مِن ذَوِي قَرابَتِهِ إذا كانُوا فُقَراءَ، ومِن جِيرانِهِ إذا كانُوا ضُعَفاءَ، ومِنَ الأيْتامِ لِاسْتِضْعافِهِمْ ومِنَ المَساكِينِ لِاحْتِقارِهِمْ، ومِنِ ابْنِ السَّبِيلِ لِبُعْدِهِ عَنْ أهْلِهِ ومالِهِ، ومِن مَمالِيكِهِ لِأسْرِهِمْ في يَدِهِ (p-٢٤٦)انْتَهى. وتَظافَرَتْ هَذِهِ النُّقُولُ عَلى أنَّ ذِكْرَ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ في آخِرِ الآيَةِ إنَّما جاءَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَنِ اتَّصَفَ بِالخُيَلاءِ والفَخْرِ يَأْنَفُ مِنَ الإحْسانِ لِلْأصْنافِ المَذْكُورِينَ، وأنَّ الحامِلَ لَهُ عَلى ذَلِكَ اتِّصافُهُ بِتَيْنِكَ الصِّفَتَيْنِ. والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ مَساقَهُما غَيْرُ هَذا المَساقِ الَّذِي ذَكَرُوهُ، وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالإحْسانِ لِلْأصْنافِ المَذْكُورَةِ والتَّحَفِّي بِهِمْ وإكْرامِهِمْ، كانَ في العادَةِ أنْ يَنْشَأ عَنْ مَنِ اتَّصَفَ بِمَكارِمِ الأخْلاقِ أنْ يَجِدَ في نَفْسِهِ زَهْوًا وخُيَلاءَ وافْتِخارًا بِما صَدَرَ مِنهُ مِنَ الإحْسانِ. وكَثِيرًا ما افْتَخَرَتِ العَرَبُ بِذَلِكَ وتَعاظَمَتْ في نَثْرِها ونَظْمِها بِهِ، فَأرادَ تَعالى أنْ يُنَبِّهَ عَلى التَّحَلِّي بِصِفَةِ التَّواضُعِ، وأنْ لا يَرى لِنَفْسِهِ شُفُوفًا عَلى مَن أحْسَنَ إلَيْهِ، وأنْ لا يَفْخَرَ عَلَيْهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤] فَنَفى تَعالى مَحَبَّتَهُ عَنِ المُتَحَلِّي بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ. وكانَ المَعْنى أنَّهم أُمِرُوا بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، وبِالإحْسانِ إلى الوالِدَيْنِ. ومَن ذُكِرَ مَعَهُما: ونُهُوا عَنِ الخُيَلاءِ والفَخْرِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولا تَخْتالُوا وتَفْخَرُوا عَلى مَن أحْسَنْتُمْ إلَيْهِ، إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ مُخْتالًا فَخُورًا. إلّا أنَّ ما ذَكَرْناهُ لا يَتِمُّ إلّا عَلى أنْ يَكُونَ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ مُبْتَدَأً مُقْتَطَعًا مِمّا قَبْلَهُ، أمّا إنْ كانَ مُتَّصِلًا بِما قَبْلَهُ فَيَأْتِي المَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ، ويَأْتِي إعْرابُ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ، وبِهِ يَتَّضِحُ المَعْنى الَّذِي ذَكَرُوهُ، والمَعْنى الَّذِي ذَكَرْناهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
النساء 4:37
﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ ويَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في قَوْمٍ كُفّارٍ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ زَيْدٍ، وحَضْرَمِيٍّ: أنَّها نَزَلَتْ في أحْبارِ اليَهُودِ بَخِلُوا بِالإعْلامِ بِأمْرِ مُحَمَّدٍ، وكَتَمُوا ما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ في ذَلِكَ، وأمَرُوا بِالبُخْلِ عَلى جِهَتَيْنِ: أمَرُوا أتْباعَهم بِجُحُودِ أمْرِ مُحَمَّدٍ وقالُوا لِلْأنْصارِ: لِمَ تُنْفِقُونَ عَلى المُهاجِرِينَ فَتَفْتَقِرُونَ ؟ وقِيلَ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ. وقِيلَ: في مُشْرِكِي مَكَّةَ.
وعَلى اخْتِلافِ سَبَبِ النُّزُولِ اخْتَلَفَ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ مِنَ المَعْنى بِالَّذِينِ يَبْخَلُونَ. وقِيلَ: هي عامَّةٌ في كُلِّ مَن يَبْخَلُ ويَأْمُرُ بِالبُخْلِ مِنَ اليَهُودِ وغَيْرِهِمْ. والبُخْلُ في كَلامِ العَرَبِ: مَنعُ السّائِلِ شَيْئًا مِمّا في يَدِ المَسْئُولِ مِنَ المالِ، وعِنْدَهُ فَضْلٌ. قالَ طاوُسٌ: البُخْلُ أنْ يَبْخَلَ الإنْسانُ بِما في يَدِهِ، والشُّحُّ أنْ يَشُحَّ عَلى ما في أيْدِي النّاسِ. والبُخْلُ في الشَّرِيعَةِ، هو مَنعُ الواجِبِ. وقالَ الرّاغِبُ: لَمْ يُرِدِ البُخْلَ بِالمالِ، بَلْ بِجَمِيعِ ما فِيهِ نَفْعٌ لِلْغَيْرِ. انْتَهى. ولَمّا أمَرَ تَعالى بِالإحْسانِ إلى الوالِدَيْنِ ومَن ذَكَرَ مَعَهُما مِنَ المُحْتاجِينَ عَلى سَبِيلِ ابْتِداعِ أمْرِ اللَّهِ، بَيَّنَ أنَّ مَن لا يَفْعَلُ ذَلِكَ قِسْمانِ. أحَدُهُما: البَخِيلُ الَّذِي لا يُقْدِمُ عَلى إنْفاقِ المالِ ألْبَتَّةَ حَتّى أفْرَطَ في ذَلِكَ وأمَرَ بِالبُخْلِ. والثّانِي: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ النّاسِ، لا لِغَرَضِ أمْرِ اللَّهِ وامْتِثالِهِ وطاعَتِهِ. وذَمَّ تَعالى القِسْمَيْنِ بِأنْ أعْقَبَ القِسْمَ الأوَّلَ: وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ، وأعْقَبَ الثّانِيَ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا﴾ [النساء: ٣٨] .
والبُخْلُ أنْواعٌ: بُخْلٌ بِالمالِ، وبُخْلٌ بِالعِلْمِ وبُخْلٌ بِالطَّعامِ، وبُخْلٌ بِالسَّلامِ، وبُخْلٌ بِالكَلامِ، وبُخْلٌ عَلى الأقارِبِ دُونَ الأجانِبِ، وبُخْلٌ بِالجاهِ، وكُلُّها نَقائِضُ ورَذائِلُ مَذْمُومَةٌ عَقْلًا وشَرْعًا وقَدْ جاءَتْ أحادِيثُ في مَدْحِ السَّماحَةِ وذَمِّ البُخْلِ، مِنها: (خَصْلَتانِ لا يَجْتَمِعانِ في مُؤْمِنٍ البُخْلُ وسُوءُ الخُلُقِ)، وظاهِرُ قَوْلِهِ: بِالبُخْلِ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ويَأْمُرُونَ، كَما تَقُولُ: أمَرْتُ زَيْدًا بِالصَّبْرِ، فالبُخْلُ مَأْمُورٌ بِهِ. وقِيلَ: مُتَعَلِّقُ الأمْرِ مَحْذُوفٌ، والباءُ في (بِالبُخْلِ) حالِيَّةٌ، والمَعْنى: ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِشُكْرِهِمْ مَعَ التِباسِهِمْ بِالبُخْلِ، فَيَكُونُ نَحْوَ ما أشارَ إلَيْهِ الشّاعِرُ بِقَوْلِهِ:
؎أجْمَعْتَ أمْرَيْنِ ضاعَ الحَزْمُ بَيْنَهُما تِيهَ المُلُوكِ وأفْعالَ المَمالِيكِ
وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِالبُخْلِ بِضَمِّ الباءِ وسُكُونِ الخاءِ. وعِيسى بْنُ عَمْرٍو والحَسَنُ: بِضَمِّهِما. وحَمْزَةُ الكِسائِيُّ: بِفَتْحِهِما، وابْنُ الزُّبَيْرِ والسُّدِّيُّ وجَماعَةٌ بِفَتْحِ الباءِ، وسُكُونِ الخاءِ. وهي كُلُّها لُغاتٌ. قالَ الفَرّاءُ: البَخَلُ (p-٢٤٧)مُثَقَّلَةً لِأسَدٍ، والبُخْلُ خَفِيفَةً لِتَمِيمٍ، والبُخْلُ لِأهْلِ الحِجازِ. ويُخَفِّفُونَ أيْضًا فَتَصِيرُ لُغَتُهم ولُغَةُ تَمِيمٍ واحِدَةً، وبَعْضُ بَكْرِ بْنِ وائِلٍ يَقُولُونَ البَخْلَ قالَ جَرِيرٌ:
؎تُرِيدِينَ أنْ نَرْضى وأنْتِ بَخِيلَةٌ ∗∗∗ ومَن ذا الَّذِي يُرْضِي الأخِلّاءَ بِالبَخْلِ
وأنْشَدَنِي المُفَضَّلُ:
؎وأوْفاهم أوانَ بَخْلٍ
ويُنْشَدُ هَذا البَيْتُ بِفَتْحَتَيْنِ وضَمَّتَيْنِ:
؎وإنَّ امْرَأً لا يُرْتَجى الخَيْرُ عِنْدَهُ ∗∗∗ لَذُو بَخَلٍ كُلٌّ عَلى مَن يُصاحِبُ
واخْتَلَفُوا في إعْرابِ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ، فَقِيلَ: هو في مَوْضِعِ نَصْبِ، بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: مَن كانَ. وقِيلَ: مِن قَوْلِهِ مُخْتالًا فَخُورًا. أفْرَدَ اسْمَ (كانَ) والخَبَرَ عَلى لَفْظِ (مَن)، وجَمَعَ الَّذِينَ حَمْلًا عَلى المَعْنى. وقِيلَ: انْتَصَبَ عَلى الذَّمِّ. ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَن، ولَمْ يَذْكُرُوا هَذا الوَجْهَ. وقِيلَ: هو في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هُمُ الَّذِينَ. وقالَ أبُو البَقاءِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ في فَخُورًا، وهو قَلِقٌ. فَهَذِهِ سِتَّةُ أوْجُهٍ يَكُونُ فِيها (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ) مُتَعَلِّقًا بِما قَبْلَهُ، ويَكُونُ الباخِلُونَ مَنفِيًّا عَنْهم مَحَبَّةُ اللَّهِ تَعالى، وتَكُونُ الآيَةُ إذًا في المُؤْمِنِينَ، والمَعْنى: أحْسِنُوا أيُّها المُؤْمِنُونَ إلى مَن سَمّى اللَّهُ، فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن فِيهِ الخِلالُ المانِعَةُ مِنَ الإحْسانِ إلَيْهِمْ، وهي: الخُيَلاءُ، والفَخْرُ، والبُخْلُ، والأمْرُ بِهِ، وكِتْمانُ ما أعْطاهُمُ اللَّهُ مِنَ الرِّزْقِ والمالِ. وقِيلَ: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، واخْتَلَفُوا في الخَبَرِ: أهُوَ مَحْذُوفٌ ؟ أمْ مَلْفُوظٌ بِهِ ؟ فَقِيلَ: هو مَلْفُوظٌ بِهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾ [النساء: ٤٠] ويَكُونُ الرّابِطُ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: مِثْقالَ ذَرَّةٍ لَهم، أوْ لا يَظْلِمُهم مِثْقالَ ذَرَّةٍ. وإلى هَذا ذَهَبَ الزَّجّاجُ، وهو بَعِيدٌ مُتَكَلَّفٌ لِكَثْرَةِ الفَواصِلِ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، ولِأنَّ الخَبَرَ لا يَنْتَظِمُ مَعَ المُبْتَدَأِ، مَعْناهُ: انْتِظامًا واضِحًا لِأنَّ سِياقَ المُبْتَدَأِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ ظاهِرٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء: ٣٨]، لا يُناسِبُ أنْ يُخْبَرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها ويُؤْتِ مِن لَدُنْهُ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠]، بَلْ مَساقُ إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافَ كَلامٍ إخْبارًا عَنْ عَدْلِهِ وعَنْ فَضْلِهِ تَعالى وتَقَدَّسَ. وقِيلَ: هو مَحْذُوفٌ فَقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَفْعَلُونَ ويَصْنَعُونَ أحِقّاءُ بِكُلِّ مَلامَةٍ. وقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: مُعَذَّبُونَ أوْ مُجازَوْنَ ونَحْوَهُ. وقَدَّرَهُ أبُو البَقاءِ: أُولَئِكَ قُرَناؤُهُمُ الشَّيْطانُ، وقَدَّرَهُ أيْضًا: مُبْغَضُونَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: كافِرُونَ (وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ) فَإنْ كانَ ما قَبْلَ الخَبَرِ مِمّا يَقْتَضِي كُفْرًا حَقِيقَةً كَتَفْسِيرِهِمُ البُخْلَ بِأنَّهُ بُخْلٌ بِصِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وبِإظْهارِ نُبُوَّتِهِ. والأمْرُ بِالبُخْلِ لِأتْباعِهِمْ أيْ: بِكِتْمانِ ذَلِكَ، وكَتْمِهِمْ ما تَضَمَّنَتْهُ التَّوْراةُ مِن نُبُوَّتِهِ وشَرِيعَتِهِ، كانَ قَوْلُهُ: ﴿وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ﴾ حَقِيقَةً، فَإنْ كانَ ما قَبْلَ الخَبَرِ كُفْرَ نِعْمَةٍ كَتَفْسِيرِهِمْ: أنَّها في المُؤْمِنِينَ، كانَ قَوْلُهُ: وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ كُفْرَ نِعْمَةٍ ولِكُلٍّ مِن هَذِهِ التَّقادِيرِ مُناسِبٌ مِنَ الآيَةِ، والآيَةُ عَلى هَذِهِ التَّقادِيرِ وقَوْلِ الزَّجّاجِ - في الكُفّارِ، ويُبَيِّنُ ذَلِكَ سَبَبُ النُّزُولِ المُتَقَدِّمُ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ البُخْلِ والأمْرِ بِهِ والكِتْمانِ عَلى هَذا الوَجْهِ في سَبَبِ النُّزُولِ. وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ: أيْ أعْدَدْنا وهَيَّأْنا. والعَتِيدُ: الحاضِرُ المُهَيَّأُ والمَهِينُ الَّذِي فِيهِ خِزْيٌ وذُلٌّ، وهو أنَكى وأشُدُّ عَلى المُعَذَّبِ.
النساء 4:38
﴿والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة: ٢٦٤] وهُنا: ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ، وهُناكَ: واليَوْمِ الآخِرِ. قالَ السُّدِّيُّ، والزَّجّاجُ وأبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ والجُمْهُورُ: هُمُ المُنافِقُونَ نَزَلَتْ فِيهِمْ، وإنْفاقُهم هو إعْطاؤُهُمُ الزَّكاةَ، وإخْراجُهُمُ المالَ في السَّفَرِ لِلْغَزْوِ رِئاءً ودَفْعًا عَنْ أنْفُسِهِمْ، لا إيمانًا ولا حُبًّا في الدِّينِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ومُقاتِلٌ، ومُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ. وضَعَّفَهُ الطَّبَرِيُّ مِن حَيْثُ إنَّهم يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ. ووَجَّهَ ابْنُ عَطِيَّةَ (p-٢٤٨)هَذا القَوْلَ بِأنَّهم لَمْ يُؤْمِنُوا عَلى ما يَنْبَغِي؛ جَعَلَ إيمانَهم كَلا إيمانٍ مِن حَيْثُ لا يَنْفَعُهم. وقِيلَ: هم مُشْرِكُو مَكَّةَ، لِأنَّهم كانُوا يُنْكِرُونَ البَعْثَ. وإنْفاقُ اليَهُودِ هو ما أعانُوا بِهِ قُرَيْشًا في غَزْوَةِ أُحُدٍ وغَزْوَةِ الخَنْدَقِ، وإنْفاقُ مُشْرِكِي مَكَّةَ هو ما كانَ في عَداوَةِ النَّبِيِّ ﷺ وطَلَبِهِمُ الِانْتِصارَ. وفي إعْرابِ ﴿والَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾ وُجُوهٌ، أحَدُها: أنَّهُ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، ويُقَدَّرُ: مُعَذَّبُونَ، أوْ قَرِينُهُمُ الشَّيْطانُ، ويَكُونُ العَطْفُ مِن عَطْفِ الجُمَلِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الكافِرِينَ، فَيَكُونُ مَجْرُورًا، قالَهُ: الطَّبَرِيُّ. والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الَّذِينَ يَبْخَلُونَ، فَيَكُونُ إعْرابُهُ كَإعْرابِ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ. والعَطْفُ في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ. ورِئاءَ مَصْدَرُ راءَ، أوِ انْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، وفِيهِ شُرُوطُهُ فَيَنْبَغِي أنْ يُعْدَلَ عَنْهُ. وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ قالَهُ: ابْنُ عَطِيَّةَ، ولَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: ولا يُؤْمِنُونَ أنَّهُ عَطَفَ عَلى صِلَةِ الَّذِينَ، فَيَكُونُ صِلَةً. ولا يَضُرُّ الفَصْلُ بَيْنَ أبْعاضِ الصِّلَةِ بِمَعْمُولٍ لِلصِّلَةِ، إذِ انْتِصابُ رِئاءَ عَلى وجْهَيْهِ بِـ يُنْفِقُونَ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ: ولا يُؤْمِنُونَ في مَوْضِعِ الحالِ، فَتَكُونُ الواوُ واوَ الحالِ أيْ: غَيْرَ مُؤْمِنِينَ، والعامِلُ فِيها يُنْفِقُونَ أيْضًا. وحَكى المَهْدَوِيُّ: أنَّهُ يَجُوزُ انْتِصابُ رِئاءَ عَلى الحالِ مِن نَفْسِ المَوْصُولِ لا مِنَ الضَّمِيرِ في يُنْفِقُونَ، فَعَلى هَذا لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ: ولا يُؤْمِنُونَ مَعْطُوفًا عَلى الصِّلَةِ، ولا حالًا مِن ضَمِيرِ يُنْفِقُونَ، لِما يُلْزَمُ مِنَ الفَصْلِ بَيْنَ أبِعاضِ الصِّلَةِ، أوْ بَيْنَ مَعْمُولِ الصِّلَةِ بِأجْنَبِيٍّ وهو رِئاءَ المَنصُوبُ عَلى الحالِ مِن نَفْسِ المَوْصُولِ، بَلْ يَكُونُ قَوْلُهُ: ولا يُؤْمِنُونَ مُسْتَأْنَفٌ. وهَذا وجْهٌ مُتَكَلَّفٌ. وتُعَلُّقُ رِئاءَ بِقَوْلِهِ: يُنْفِقُونَ واضِحٌ، إمّا عَلى المَفْعُولِ لَهُ، أوِ الحالِ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يُعْدَلَ عَنْهُ. وتَكْرارُ لا وحَرْفِ الجَرِّ في قَوْلِهِ: ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ مُفِيدٌ لِانْتِفاءِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ، ومِنَ الإيمانِ بِاليَوْمِ الآخِرِ. لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: لا أضْرِبُ زَيْدًا وعَمْرًا، احْتَمَلَ أنْ لا تَجْمَعُ بَيْنَ ضَرْبَيْهِما. ولِذَلِكَ يَجُوزُ أنْ تَقُولَ بَعْدَ ذَلِكَ: بَلْ أحَدَهُما. واحْتَمَلَ نَفْيَ الضَّرْبِ عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما عَلى سَبِيلِ الجَمْعِ، وعَلى سَبِيلِ الإفْرادِ. فَإذا قُلْتَ: لا أضْرِبُ زَيْدًا ولا عَمْرًا، تَعَيَّنَ هَذا الِاحْتِمالُ الثّانِي الَّذِي كانَ دُونَ تَكْرارِ ﴿ومَن يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا فَساءَ قَرِينًا﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى مَنِ اتَّصَفَ بِالبُخْلِ والأمْرِ بِهِ وكِتْمانِ فَضْلِ اللَّهِ تَعالى، والإنْفاقِ رِئاءً، وانْتِفاءَ إيمانِهِ بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ، ذَكَرَ أنَّ هَذِهِ مِن نَتائِجِ مُقارَنَةِ الشَّيْطانِ ومُخالَطَتِهِ ومُلازَمَتِهِ لِلْمُتَّصِفِ بِذَلِكَ، لِأنَّها شَرٌّ مَحْضٌ، إذْ جَمَعَتْ بَيْنَ سُوءِ الِاعْتِقادِ الصّادِرِ عَنْهُ الإنْفاقُ رِئاءً، وسائِرِ تِلْكَ الأوْصافِ المَذْمُومَةِ. ولِذَلِكَ قَدَّمَ تِلْكَ الأوْصافَ وذَكَرَ ما صَدَرَتْ عَنْهُ وهو انْتِفاءُ الإيمانِ بِالمُوجِدِ، وبِدارِ الجَزاءِ. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ ذَلِكَ مِن مُقارَنَةِ الشَّيْطانِ. والقَرِينُ هُنا فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفاعِلٍ، كالجَلِيسِ والخَلِيطِ أيِ: المُجالِسُ والمُخالِطُ. والشَّيْطانُ هُنا جِنْسٌ لا يُرادُ بِهِ إبْلِيسُ وحْدَهُ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦] ولَهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ قَرِينًا أيْ: قَرِينًا لَهُ. والفاءُ جَوابُ الشَّرْطِ، وساءَ هُنا هي الَّتِي بِمَعْنى بِئْسَ لِلْمُبالَغَةِ في الذَّمِّ، وفاعِلُها عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ ضَمِيرٌ عامٌّ، وقَرِينًا تَمْيِيزٌ لِذَلِكَ الضَّمِيرِ. والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ وهو العائِدُ عَلى الشَّيْطانِ الَّذِي هو قَرِينٌ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ساءَ هُنا هي المُتَعَدِّيَةُ ومَفْعُولُها مَحْذُوفٌ وقَرِينًا حالَ، لِأنَّها إذْ ذاكَ تَكُونُ فِعْلًا مُتَصَرِّفًا فَلا تَدْخُلُهُ الفاءُ، أوْ تَدْخُلُهُ مَصْحُوبَةً بِقَدْ. وقَدْ جَوَّزُوا انْتِصابَ قَرِينًا عَلى الحالِ، أوْ عَلى القَطْعِ، وهو ضَعِيفٌ. وبُولِغَ في ذَمِّ هَذا القَرِينِ لِحَمْلِهِ عَلى تِلْكَ الأوْصافِ الذَّمِيمَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ وعِيدًا لَهم بِأنَّ الشَّيْطانَ يُقْرَنُ بِهِمْ في النّارِ. انْتَهى. فَتَكُونُ المُقارَنَةُ إذْ ذاكَ في الآخِرَةِ يُقْرَنُ بِهِ في النّارِ فَيَتَلاعَنانِ ويَتَباغَضانِ كَما قالَ: مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ (p-٢٤٩)و(إذا أُلْقُوا مِنها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ) . وقالَ الجُمْهُورُ: هَذِهِ المُقارَنَةُ هي في الدُّنْيا كَقَوْلِهِ: ﴿وقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ﴾ [فصلت: ٢٥] و﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦] و﴿قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ﴾ [ق: ٢٧]، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَنَ الطَّبَرِيُّ هَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠] وذَلِكَ مَرْدُودٌ، لِأنَّ بَدَلًا حالٌ، وفي هَذا نَظَرٌ. والَّذِي قالَهُ الطَّبَرِيُّ صَحِيحٌ، وبَدَلًا تَمْيِيزٌ لا حالٌ، وهو مُفَسِّرٌ لِلضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في بِئْسَ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: هم أيِ الشَّيْطانُ وذُرِّيَّتُهُ. وإنَّما ذَهَبَ إلى إعْرابِ المَنصُوبِ بَعْدَ نِعْمَ وبِئْسَ حالًا الكُوفِيُّونَ عَلى اخْتِلافٍ بَيْنَهم مُقَرَّرٌ في عِلْمِ النَّحْوِ.
النساء 4:39
﴿وماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ ظاهِرُ هَذا الكَلامِ أنَّهُ مُلْتَحِمٌ لُحْمَةً واحِدَةً، والمُرادُ بِذَلِكَ: ذَمُّهم وتَوْبِيخُهم وتَجْهِيلُهم بِمَكانِ سَعادَتِهِمْ، وإلّا فَكَلُّ الفَلاحِ والمَنفَعَةِ في اتِّصافِهِمْ بِما ذَكَرَ تَعالى. فَعَلى هَذا الظّاهِرِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ جُمْلَتَيْنِ، وتَكُونُ لَوْ عَلى بابِها مِن كَوْنِها حَرْفًا لِما كانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ، والتَّقْدِيرُ: وماذا عَلَيْهِمْ في الإيمانِ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ والإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ لَحَصَلَتْ لَهُمُ السَّعادَةُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً واحِدَةً، وذَلِكَ عَلى مَذْهَبِ مَن يُثْبِتُ أنَّ لَوْ تَكُونُ مَصْدَرِيَّةً في مَعْنى: أنْ، كَأنَّهُ قِيلَ: وماذا عَلَيْهِمْ أنْ آمَنُوا، أيْ في الإيمانِ بِاللَّهِ، ولا جَوابَ لَها إذْ ذاكَ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ:
؎وماذا عَلَيْهِ أنْ ذَكَرْتُ أوانِسا كَغِزْلانِ رَمْلٍ في مَحارِيبِ أقْيالِ
قالُوا: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: وماذا عَلَيْهِمْ، مُسْتَقِلًّا لا تَعَلُّقَ بِهِ بِما بَعْدَهُ، بَلْ ما بَعْدَهُ مُسْتَأْنَفٌ. أيْ: وماذا عَلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ الوَبالِ والنَّكالِ بِاتِّصافِهِمْ بِالبُخْلِ وتِلْكَ الأوْصافِ المَذْمُومَةِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ وقالَ: لَوْ آمَنُوا، وحَذَفَ جَوابَ لَوْ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وجَوابُ لَوْ في قَوْلِهِ: ماذا، فَهو جَوابٌ مُقَدَّمٌ انْتَهى. فَإنْ أرادَ ظاهِرَ هَذا الكَلامِ فَلَيْسَ مُوافِقًا لِكَلامِ النَّحْوِيِّينَ، لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ لا يَقَعُ جَوابَ لَوْ، ولِأنَّ قَوْلَهم: أكْرَمْتُكَ لَوْ قامَ زَيْدٌ، إنْ ثَبَتَ أنَّهُ مِن كَلامِ العَرَبِ حُمِلَ عَلى أكْرَمْتُكَ دالٌّ عَلى الجَوابِ، لا جَوابٌ كَما قالُوا في قَوْلِهِمْ: أنْتَ ظالِمٌ إنْ فَعَلْتَ. وإنْ أرادَ تَفْسِيرَ المَعْنى فَيُمْكِنُ ما قالَهُ.
وماذا: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ كُلُّها اسْتِفْهامًا، والخَبَرُ في عَلَيْهِمْ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (ما) هو الِاسْتِفْهامَ، و(ذا) بِمَعْنى الَّذِي وهو الخَبَرُ، وعَلَيْهِمْ صِلَةُ ذا. وإذا كانَ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ مِن مُتَعَلِّقاتِ قَوْلِهِ: وماذا عَلَيْهِمْ، كانَ في ذَلِكَ تَفَجُّعٌ عَلَيْهِمْ واحْتِياطٌ وشَفَقَةٌ، وقَدْ تَعَلَّقَتِ المُعْتَزِلَةُ بِذَلِكَ. قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ مَذْهَبِ الجَهْمِيَّةِ أهَّلِ الجَبْرِ، لِأنَّهم لَوْ لَمْ يَكُونُوا مُسْتَطِيعِينَ لِلْإيمانِ بِاللَّهِ والإنْفاقِ لَما أجازَ أنْ يُقالَ ذَلِكَ فِيهِمْ، لِأنَّ عُذْرَهم واضِحٌ وهو أنَّهم غَيْرُ مُتَمَكِّنِينَ مِمّا دُعُوا إلَيْهِ، ولا قادِرِينَ، كَما لا يُقالُ لِلْأعْمى: ماذا عَلَيْهِ لَوْ أبْصَرَ، ولا يُقالُ لِلْمَرِيضِ ماذا عَلَيْهِ لَوْ كانَ صَحِيحًا. وفي ذَلِكَ أوْضَحُ دَلِيلٍ عَلى أنَّ اللَّهَ قَدْ قَطَعَ عُذْرَهم في فِعْلِ ما كَلَّفَهم مِنَ الإيمانِ وسائِرِ الطّاعاتِ، وأنَّهم مُتَمَكِّنُونَ مِن فِعْلِها انْتَهى كَلامُهُ. وهو قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ، والمَذاهِبُ في هَذا أرْبَعَةٌ كَما تَقَرَّرَ: الجَبْرِيَّةُ، والقَدَرِيَّةُ، والمُعْتَزِلَةُ، وأهْلُ السُّنَّةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والِانْفِصالُ عَنْ شُبْهَةِ المُعْتَزِلَةِ أنَّ المَطْلُوبَ إنَّما هو تَكَسُّبُهم واجْتِهادُهم وإقْبالُهم عَلى الإيمانِ، وأمّا الِاخْتِراعُ فاللَّهُ المُنْفَرِدُ بِهِ انْتَهى. ولَمّا وصَفَهم تَعالى بِتِلْكَ الأوْصافِ المَذْمُومَةِ كانَ فِيهِ التَّرَقِّي مِن وصْفٍ قَبِيحٍ إلى أقْبَحَ مِنهُ، فَبَدَأ أوَّلًا بِالبُخْلِ، ثُمَّ بِالأمْرِ بِهِ، ثُمَّ بِكِتْمانِ فَضْلِ اللَّهِ، ثُمَّ بِالإنْفاقِ رِياءً، ثُمَّ بِالكُفْرِ بِاللَّهِ (p-٢٥٠)وبِاليَوْمِ الآخِرِ. ولَمّا وبَّخَهم وتَلَطَّفَ في اسْتِدْعائِهِمْ بَدَأ بِالإيمانِ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، إذْ بِذَلِكَ تَحْصُلُ السَّعادَةُ الأبَدِيَّةُ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ الإنْفاقَ أيْ: في سَبِيلِ اللَّهِ، إذْ بِهِ يَحْصُلُ نَفْيُ تِلْكَ الأوْصافِ القَبِيحَةِ مِنَ البُخْلِ، والأمْرِ بِهِ وكِتْمانِ فَضْلِ اللَّهِ والإنْفاقِ رِئاءَ النّاسِ.
﴿وكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ خَبَرٌ يَتَضَمَّنُ وعِيدًا وتَنْبِيهًا عَلى سُوءِ بَواطِنِهِمْ، وأنَّهُ تَعالى مُطَّلِعٌ عَلى ما أخْفَوْهُ في أنْفُسِهِمْ.
* *
قِيلَ: وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ أنْواعًا مِنَ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ والبَدِيعِ: التَّكْرارُ وهو في: ﴿نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبُوا﴾ [النساء: ٣٢]، و﴿نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبْنَ﴾ [النساء: ٣٢]، والجَلالَةِ في ﴿واسْألُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ٣٢]، إنَّ اللَّهَ، و﴿حَكَمًا مِن أهْلِهِ﴾ [النساء: ٣٥]، وحَكَمًا مِن أهْلِها، و﴿بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٢]، ﴿والجارِ ذِي القُرْبى والجارِ الجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦]، ﴿والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء: ٣٨] . وقَوْلِهِ: ﴿لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ و(قَرِينًا) و(ساءَ قَرِينًا)، والجَلالَةِ في: ﴿مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾، وكانَ اللَّهُ. والتَّجْنِيسُ المُغايِرُ في: ﴿حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٤]، وفي: يَبْخَلُونَ وبِالبُخْلِ. ونَسَقُ الصِّفاتِ مِن غَيْرِ حَرْفٍ في: ﴿قانِتاتٌ حافِظاتٌ﴾ [النساء: ٣٤] . والنَّسَقُ بِالحُرُوفِ عَلى طَرِيقِ ذِكْرِ الأوْكَدِ فالأوْكَدِ في: وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا وما بَعْدَهُ. والطِّباقُ المَعْنَوِيُّ في: ﴿نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤]، ﴿فَإنْ أطَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٣٤]، وفي: ﴿شِقاقَ بَيْنِهِما﴾ [النساء: ٣٥]، و﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٥] . والِاخْتِصاصُ في قَوْلِهِ: ﴿مِن أهْلِهِ﴾ [النساء: ٣٥] ومِن أهْلِها، وفي قَوْلِهِ: (عاقَدَتْ أيْمانُكم) . والإبْهامُ في قَوْلِهِ: بِهِ شَيْئًا وإحْسانًا، وما مَلَكَتْ فَشُيُوعُ (شَيْئًا) و(إحْسانًا) و(ما) واضِحٌ. والتَّعْرِيضُ في: ﴿مُخْتالًا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦] . عَرَّضَ بِذَلِكَ إلى ذَمِّ الكِبْرِ المُؤَدِّي لِلْبُعْدِ عَنِ الأقارِبِ الفُقَراءِ واحْتِقارِهِمْ واحْتِقارِ مَن ذُكِرَ مَعَهم. والتَّأْكِيدُ بِإضافَةِ المِلْكِ إلى اليَمِينِ في: ﴿وما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٦] . والتَّمْثِيلُ في: ﴿ومَن يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا فَساءَ قَرِينًا﴾ [النساء: ٣٨] . والحَذْفُ في عِدَّةِ مَواضِعَ.
النساء 4:40
﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها ويُؤْتِ مِن لَدُنْهُ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ ولا جُنُبًا إلّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتّى تَغْتَسِلُوا وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكم إنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٤٣] . المِثْقالُ: مِفْعالٌ مِنَ الثِّقَلِ، ومِثْقالُ كُلِّ شَيْءٍ وزْنُهُ، ولا تَظُنَّ أنَّهُ الدِّينارُ لا غَيْرَ. الذَّرَّةُ: النَّمْلَةُ الصَّغِيرَةُ وقِيلَ: أصْغُرُ ما تَكُونُ إذا مَرَّ عَلَيْها حَوْلٌ، وقِيلَ في وصْفِها الحَمْراءُ. قِيلَ: إذا مَرَّ عَلَيْها حَوْلٌ صَغُرَتْ وجَرَتْ. قالَ:
؎مِنَ القاصِراتِ الطَّرْفِ لَوْ دَبَّ مُحْوِلٌ مِنَ الذَّرِّ فَوْقَ الإتْبِ مِنها لَأثَّرا
وقالَ حَسّانُ:
؎لَوْ يَدُبُّ الحَوْلِيُّ مِن ولَدِ الذَّرِّ ∗∗∗ عَلَيْها لَأنْدَبَتْها الكُلُومُ
وقِيلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الذَّرَّةُ رَأْسُ النَّمْلَةِ. وقِيلَ عَنْهُ: أدْخَلَ يَدَهُ في التُّرابِ ورَفَعَها ثُمَّ نَفَخَ فِيهِ، وقالَ: كُلُّ واحِدَةٍ مِن هَؤُلاءِ ذَرَّةٌ. وقِيلَ: كُلُّ جُزْءِ الهَباءِ في الكُوَّةِ ذَرَّةٌ. وقِيلَ: الذَّرَّةُ هي الخَرْدَلَةُ.
السُّكْرُ: انْسِدادُ طَرِيقِ التَّمْيِيزِ بِشُرْبِ ما يُسْكِرُ مِن قَوْلِهِمْ: سَكِرَتْ عَيْنُ البازِي، إذا خالَها النَّوْمُ. ومِنهُ: سَكِرَ النَّهْرُ إذا انْسَدَّتْ مَجارِيهِ وسَكِرْتُهُ أنا. والسُّكْرُ: أيْضًا بِضَمِّ السِّينِ السَّدُّ. قالَ:
؎فَما زِلْنا عَلى الشُّرْبِ ∗∗∗ نُداوِي السُّكْرَ بِالسُّكْرِ
والسَّكَرُ: بِالفَتْحِ ما أسْكَرَ، أيْ مَنَعَ مِنَ التَّمْيِيزِ.
الغائِطُ: ما انْخَفَضَ مِنَ الأرْضِ، وجَمْعُهُ غِيطانُ. ويُقالُ: عَيْطٌ وغَوْطٌ. وزَعَمَ ابْنُ جِنِّي: أنَّ غَيْطًا فَعِيلٌ، إذْ أصْلُهُ عِنْدَهُ غَيِّطٌ مِثْلَ هَيِّنٍ وسَيِّدٍ إذا أخْفَفْتَهُما. والصَّحِيحُ: أنَّهُ فَعْلٌ. كَما أنَّ غَوْطًا فَعْلٌ، لِأنَّ العَرَبَ قالَتْ: غاطَ يَغُوطُ ويَغِيطُ، فَأتَتْ بِهِ مَرَّةً في ذَواتِ الياءِ، ومَرَّةً في ذَواتِ الواوِ. وجَمَعُوا غَوْطًا عَلى أغْواطٍ (p-٢٥١)ويُقالُ: تَغَوَّطَ إذا أحْدَثَ، وغاطَ في الأرْضِ يَغِيطُ ويَغُوطُ غابَ فِيها حَتّى لا يَظْهَرَ إلّا لِمَن وقَفَ عَلَيْهِ. وكانَ الرَّجُلُ إذا أرادَ التَّبَرُّزَ ارْتادَ غائِطًا مِنَ الأرْضِ يَسْتَتِرُ فِيهِ عَنْ أعْيُنِ النّاسِ، ثُمَّ قِيلَ لِلْحَدَثِ نَفْسِهِ: غائِطًا، كَما قِيلَ: سالَ المِيزانُ وجَرى النَّهْرُ.
* *
﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ نَزَلَتْ في المُهاجِرِينَ الأوَّلِينَ. وقِيلَ: في الخُصُومِ. وقِيلَ: في عامَّةِ المُؤْمِنِينَ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ لِما قَبْلَها واضِحَةٌ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِعِبادَتِهِ تَعالى وبِالإحْسانِ لِلْوالِدَيْنِ ومَن ذُكِرَ مَعَهم، ثُمَّ أعْقَبَ ذَلِكَ بِذَمِّ البُخْلِ والأوْصافِ المَذْكُورَةِ مَعَهُ، ثُمَّ وبَّخَ مَن لَمْ يُؤْمِن، ولَمْ يُنْفِقْ في طاعَةِ اللَّهِ، فَكانَ هَذا كُلُّهُ تَوْطِئَةً لِذِكْرِ الجَزاءِ عَلى الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ فَأخْبَرَ تَعالى بِصِفَةِ عَدْلِهِ، وأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ لا يَظْلِمُ أدْنى شَيْءٍ، ثُمَّ أخْبَرَ بِصِفَةِ الإحْسانِ فَقالَ.
* *
﴿وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها ويُؤْتِ مِن لَدُنْهُ أجْرًا عَظِيمًا﴾ وضَرَبَ مَثَلًا لِأحْقَرِ الأشْياءِ وزْنَ ذَرَّةٍ، وذَلِكَ مُبالَغَةٌ عَظِيمَةٌ في الِانْتِفاءِ عَنِ الظُّلْمِ البَتَّةَ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: مِثْقالَ ذَرَّةٍ أنَّ الذَّرَّةَ لَها وزْنٌ. وقِيلَ: الذَّرَّةُ لا وزْنَ لَها، وأنَّهُ امْتَحَنَ ذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ لَها وزْنٌ. وإذا كانَ تَعالى لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فَلِأنْ لا يَظْلِمُ فَوْقَ ذَلِكَ أبْلَغُ، ولَمّا كانَتِ الذَّرَّةُ أصْغَرَ المَوْجُوداتِ ضَرَبَ بِها المَثَلَ في القِلَّةِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: (مِثْقالَ نَمْلَةٍ)، ولَعَلَّ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الشَّرْحِ لِلذَّرَّةِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَوْ نَقَصَ مِن أجْرِهِ أدْنى شَيْءٍ وأصْغُرُهُ، أوْ زادَ في العِقابِ، لَكانَ ظُلْمًا. وأنَّهُ لا يَفْعَلُهُ لِاسْتِحالَتِهِ في الحِكْمَةِ، لا لِاسْتِحالَتِهِ في القُدْرَةِ انْتَهى. وهي نَزْعَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ. وثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: (إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً يُعْطى بِها في الدُّنْيا ويُجْزى بِها في الآخِرَةِ وأمّا الكافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَناتِهِ ما عَمِلَ بِهِ في الدُّنْيا حَتّى إذا أفْضى إلى الآخِرَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزى بِها) و(يُظْلَمُ) يَتَعَدّى لِواحِدٍ، وهو مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُهُ: لا يَظْلِمُ أحَدًا مِثْقالَ ذَرَّةٍ. ويَنْتَصِبُ (مِثْقالَ) عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: ظُلْمًا وزَنَ ذَرَّةٍ، كَما تَقُولُ: لا أظْلِمُ قَلِيلًا ولا كَثِيرًا. وقِيلَ: ضُمِّنَتْ مَعْنى ما يَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ، فانْتَصَبَ (مِثْقالَ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ، والأوَّلُ مَحْذُوفٌ، التَّقْدِيرِ: لا يَنْقُصُ، أوْ لا يَغْصِبُ، أوْ لا يَبْخَسُ أحَدًا مِثْقالَ ذَرَّةٍ مِنَ الخَيْرِ أوِ الشَّرِّ، ﴿وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها ويُؤْتِ مِن لَدُنْهُ أجْرًا عَظِيمًا﴾ .
حُذِفَتِ النُّونُ مِن تِلْكَ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، وكانَ القِياسُ إثْباتَ الواوِ، لِأنَّ الواوَ إنَّما حُذِفَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. فَكانَ يَنْبَغِي أنَّهُ إذا حُذِفَتْ تَرْجِعُ الواوُ، ولِأنَّ المُوجِبَ لِحَذْفِها قَدْ زالَ. ولِجَوازِ حَذْفِها شَرْطٌ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، وهو أنْ تُلاقِيَ ساكِنانِ، فَإنْ لاقَتْهُ نَحْوَ: لَمْ يَكُنِ ابْنُكَ قائِمًا، ولَمْ يَكُنِ الرَّجُلُ ذاهِبًا، لَمْ يَجُزْ حَذْفُها. وأجازَهُ يُونُسُ، وشَرْطُ جَوازِ هَذا الحَذْفِ دُخُولُ جازِمٍ عَلى مُضارِعٍ مُعْرَبٍ مَرْفُوعٍ بِالضَّمَّةِ، فَلَوْ كانَ مَبْنِيًّا عَلى نُونِ التَّوْكِيدِ، أوْ نُونِ الإناثِ، أوْ مَرْفُوعًا بِالنُّونِ، لَمْ يَجُزْ حَذْفُها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: حَسَنَةً بِالنَّصْبِ، فَتَكُونُ ناقِصَةً، واسْمُها مُسْتَتِرٌ فِيها عائِدٌ عَلى مِثْقالٍ. وأنَّثَ الفِعْلَ لِعَوْدِهِ عَلى مُضافٍ إلى مُؤَنَّثٍ، أوْ عَلى مُراعاةِ المَعْنى، لِأنَّ مِثْقالَ مَعْناهُ زِنَةٌ أيْ: وإنْ تَكْ زِنَةَ ذَرَّةٍ. وقَرَأ الحَسَنُ والحَرَمِيّانِ: (حَسَنَةٌ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ (تَكُ) تامَّةٌ، التَّقْدِيرُ: وإنْ تَقَعْ أوْ تُوجَدْ حَسَنَةٌ. وقَرَأ الِابْنانِ: (يُضَعِّفْها) مُشَدَّدَةً مِن غَيْرِ ألِفٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: المَعْنى فِيهِما واحِدٌ، وهُما لُغَتانِ. ويَدُلُّ عَلى هَذا قِراءَةُ مَن قَرَأ (يُضَعَّفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ) و(فَيُضَعِّفَ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً) . وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ في كِتابِ المَجازِ والطَّبَرِيُّ: ضاعَفَ يَقْتَضِي مِرارًا كَثِيرَةً، وضَعَّفَ يَقْتَضِي مَرَّتَيْنِ، وكَلامُ العَرَبِ يَقْتَضِي عَكْسَ هَذا. لِأنَّ المُضاعَفَةَ تَقْتَضِي زِيادَةَ المِثْلِ، فَإذا شُدِّدَتِ اقْتَضَتِ البِنْيَةُ التَّكْثِيرَ فَوْقَ مَرَّتَيْنِ إلى أقْصى ما يَزِيدُ مِنَ العَدَدِ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ في هَذا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُضاعَفُ ثَوابُها لِاسْتِحْقاقِها ضِدَّهُ الثَّوابَ في كُلِّ وقْتٍ مِنَ (p-٢٥٢)الأوْقاتِ المُسْتَقْبَلَةِ غَيْرِ المُتَناهِيَةِ. ووَرَدَ تَضْعِيفُ الحَسَنَةِ لِعَشْرِ أمْثالِها في كِتابِ اللَّهِ، وتَضْعِيفُ النَّفَقَةِ إلى سَبْعِمِائَةٍ، ووَرَدَتْ أحادِيثُ بِالتَّضْعِيفِ ألْفًا وألْفَ ألْفٍ، ولا تَضادَّ في ذَلِكَ، إذِ المُرادُ الكَثْرَةُ لا التَّحْدِيدُ. وإنْ أُرِيدَ التَّحْدِيدُ فَلا تَضادَّ أيْضًا، لِأنَّ المَوْعُودَ بِذَلِكَ جَمِيعُ المُؤْمِنِينَ، ويَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأعْمالِ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ الآيَةَ أنَّها عامَّةٌ في كُلِّ أحَدٍ، وتَخْصِيصُ ذَلِكَ بِالمُهاجِرِينَ غَيْرُ ظاهِرٍ. (مِن لَدُنْهُ) أيْ: مِن عِنْدِهِ عَلى سَبِيلِ التَّفَضُّلِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سَمّاهُ أجْرًا لِأنَّهُ تابِعٌ لِلْأجْرِ لا يَثْبُتُ إلّا بِثَباتِهِ. انْتَهى. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ زَيْدٍ: الأجْرُ هُنا الجَنَّةُ. وقِيلَ: لا حَدَّ لَهُ ولا عَدَّ.
النساء 4:41
﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ هو نَبِيُّهم يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِما فَعَلُوا كَما قالَ تَعالى: ﴿وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧] والأُمَّةُ هُنا مَن بُعِثَ إلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ مِن مُؤْمِنٍ بِهِ وكافِرٍ. لَمّا أعْلَمَ تَعالى بِعَدْلِهِ وإيتاءِ فَضْلِهِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِأنْ نُبِّهَ عَلى الحالَةِ الَّتِي يَحْضُرُونَها لِلْجَزاءِ ويَشْهَدُ عَلَيْهِمْ فِيها.
و(كَيْفَ) في مَوْضِعِ رَفْعٍ إنْ كانَ المَحْذُوفُ مُبْتَدَأً، التَّقْدِيرُ: فَكَيْفَ حالُ هَؤُلاءِ السّابِقِ ذِكْرُهم، أوْ كَيْفَ صُنْعُهم. وهَذا المُبْتَدَأُ هو العامِلُ في إذا، أوْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ إنْ كانَ المَحْذُوفُ فِعْلًا أيْ: فَكَيْفَ يَصْنَعُونَ، أوْ كَيْفَ يَكُونُونَ. والفِعْلُ أيْضًا هو العامِلُ في إذا. ونَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ مَكِّيٍّ: أنَّ العامِلَ في (كَيْفَ) (جِئْنا) . قالَ: وهو خَطَأٌ، والِاسْتِفْهامُ هُنا لِلتَّوْبِيخِ، والتَّقْرِيعِ، والإشارَةُ بِهَؤُلاءِ إلى أُمَّةِ الرَّسُولِ ﷺ . وقالَ مُقاتِلٌ: إلى الكُفّارِ. وقِيلَ: إلى اليَهُودِ والنَّصارى. وقِيلَ: إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ. وقِيلَ: إلى المُكَذِّبِينَ وشَهادَتُهُ بِالتَّبْلِيغِ لِأُمَّتِهِ قالَهُ: ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ جُرَيْجٍ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ. أوْ بِإيمانِهِمْ قالَهُ أبُو العالِيَةِ، أوْ بِأعْمالِهِمْ قالَهُ: مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ. والظّاهِرُ أنَّ الشَّهادَةَ تَكُونُ عَلى المَشْهُودِ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: عَلى بِمَعْنى اللّامِ، أيْ: وجِئْنا بِكَ لِهَؤُلاءِ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ. وقالَ الزَّجّاجِيُّ: يَشْهَدُ لَهم وعَلَيْهِمْ، وحُذِفَ المَشْهُودُ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ لِجَرَيانِ ذِكْرِهِ في الجارِّ والمَجْرُورِ فاخْتُصِرَ، والتَّقْدِيرُ: مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ عَلى أُمَّتِهِ. وظاهِرُ المُقابَلَةِ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ الشَّهادَةُ عَلَيْهِمْ لا لَهم، ولا يَكُونُ عَلَيْهِمْ إلّا والمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ كانُوا مُنْكِرِينَ مُكَذِّبِينَ بِما شَهِدَ عَلَيْهِمْ بِهِ. ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ فاضَتْ عَيْناهُ، وكَذَلِكَ حِينَ قَرَأ عَلَيْهِ ابْنُ مَسْعُودٍ ذَرَفَتْ عَيْناهُ وبُكاؤُهُ - واللَّهُ أعْلَمُ - هو إشْفاقٌ عَلى أُمَّتِهِ ورَحْمَةٌ لَهم مِن هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: وجِئْنا بِكَ، أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ. وقِيلَ: حالٌ عَلى تَقْدِيرِ قَدْ أيْ وقَدْ جِئْنا.
النساء 4:42
﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ﴾ التَّنْوِينُ في (يَوْمَئِذٍ) هو تَنْوِينُ العِوَضِ، حُذِفَتِ الجُمْلَةُ السّابِقَةُ وعُوِّضَ مِنها هَذا التَّنْوِينُ، والتَّقْدِيرُ: يَوْمَ إذْ جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَّرُوا وعَصَوُا الرَّسُولَ أيْ: كَفَرُوا بِاللَّهِ وعَصَوْا رَسُولَهُ. والرَّسُولُ: هُنا اسْمُ جِنْسٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّنْوِينُ عِوَضًا مِنَ الجُمْلَةِ الأخِيرَةِ، ويَكُونُ الرَّسُولُ مُحَمَّدًا ﷺ . وأُبْرِزَ ظاهِرًا، ولَمْ يَأْتِ وعَصَوْكَ لِما في ذِكْرِ الرَّسُولِ مِنَ الشَّرَفِ والتَّنْوِيهِ بِالرِّسالَةِ الَّتِي هي أشْرَفُ ما تَحَمَّلَها الإنْسانُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، إذْ هي سَبَبُ السَّعادَةِ الدُّنْيَوِيَّةَ والأُخْرَوِيَّةِ، والعامِلَ في: (يَوْمَ) (يَوَدُّ) . ومَعْنى يَوَدُّ: يَتَمَنّى. وظاهَرُ (وعَصَوْا) أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى (كَفَرُوا) . وقِيلَ: هو عَلى إضْمارِ مَوْصُولٍ آخَرَ أيْ: والَّذِينَ عَصَوْا فَهُما فِرْقَتانِ. وقِيلَ: الواوُ واوُ الحالِ أيْ: كَفَرُوا وقَدْ عَصَوُا الرَّسُولَ. وقالَ الحَوْفِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (يَوْمَ) مَبْنِيًّا مَعَ إذْ، لِأنَّ الظَّرْفَ إذا (p-٢٥٣)أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ جازَ بِناؤُهُ مَعَهُ. و(إذْ) في هَذا المَوْضِعِ اسْمٌ لَيْسَتْ بِظَرْفٍ، لِأنَّ الظُّرُوفَ إذا أُضِيفَ إلَيْها خَرَجَتْ إلى مَعْنى الِاسْمِيَّةِ مِن أجْلِ تَخْصِيصِ المُضافِ إلَيْها، كَما تُخَصَّصُ الأسْماءُ، ومَعَ اسْتِحْقاقِها الجَرَّ، والجَرُّ لَيْسَ مِن عَلاماتِ الظُّرُوفِ انْتَهى، وهو كَلامٌ جَيِّدٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: وعَصَوُا الرَّسُولَ بِضَمِّ الواوِ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ وأبُو السَّمّالِ: (وعَصَوُا الرَّسُولَ) بِكَسْرِ الواوِ عَلى أصْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ: تُسَوّى بِضَمِّ التّاءِ وتَخْفِيفِ السِّينِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وهو مُضارِعُ سَوّى. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: بِفَتْحِ التّاءِ وتَشْدِيدِ السِّينِ، وأصْلُهُ تَتَسَوّى، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في السِّينِ، وهو مُضارِعُ تَسَوّى. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (تَسَوّى) بِفَتْحِ التّاءِ وتَخْفِيفِ السِّينِ، وذَلِكَ عَلى حَذْفِ التّاءِ، إذْ أصْلُهُ تَتَسَوّى وهو مُضارِعُ تَسَوّى. فَعَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ تَتَسَوّى وتُسَوّى فَتَكُونُ الأرْضُ فاعِلَةً. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وجَماعَةٌ: مَعْناهُ لَوْ تَنْشَقُّ الأرْضُ ويَكُونُونَ فِيها، وتَتَسَوّى هي في نَفْسِها عَلَيْهِمْ. والباءُ بِمَعْنى عَلى. وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ لَوْ تُسَوّى هي مَعَهم في أنْ يَكُونُوا تُرابًا كالبَهائِمِ، فَجاءَ اللَّفْظُ عَلى أنَّ الأرْضَ هي المُسَوِّيَةُ مَعَهم، والمَعْنى: إنَّما هو أنَّهم يَسْتَوُونَ مَعَ الأرْضِ. فَفي اللَّفْظِ قَلْبٌ يَخْرُجُ عَلى قَوْلِهِمْ: أدْخَلْتُ القَلَنْسُوَةَ في رَأْسِي. وعَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: تُسَوّى مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، فالمَعْنى أنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ذَلِكَ عَلى حَسَبِ المَعْنَيَيْنِ السّابِقَيْنِ. وقِيلَ: المَعْنى لَوْ يُدْفَنُونَ فَتُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ كَما تُسَوّى بِالمَوْتى، ومَعْنى هَذا القَوْلِ هو مَعْنى القَوْلِ الأوَّلِ. وقِيلَ: المَعْنى لَوْ تُعْدَلُ بِهِمُ الأرْضُ أيْ: يُؤْخَذُ مِنهم ما عَلَيْها فِدْيَةً.
والعامِلُ في ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ﴾، ومَفْعُولُ يَوَدُّ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: تَسْوِيَةَ الأرْضِ بِهِمْ، ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ. ولَوْ حَرْفٌ لِما كانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ، وجَوابُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرِهِ: لَسُرُّوا بِذَلِكَ، وحُذِفَ لِدَلالَةِ يَوَدُّ عَلَيْهِ. ومَن أجازَ في لَوْ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً مِثْلَ أنْ جَوَّزَ ذَلِكَ هُنا، وكانَتْ إذْ ذاكَ لا جَوابَ لَها، بَلْ تَكُونُ في مَوْضِعِ مَفْعُولِ يَوَدُّ.
* *
﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ مَعْنى هَذِهِ: ودُّوا إذْ فَضَحَتْهم جَوارِحُهم أنَّهم لَمْ يَكْتُمُوا اللَّهَ شِرْكَهم. ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا: أنَّهم لَمّا شَهِدَتْ عَلَيْهِمْ جَوارِحُهم لَمْ يَكْتُمُوا اللَّهَ شَيْئًا. وقالَ الحَسَنُ: القِيامَةُ مَواقِفُ، فَفي مَوْطِنٍ يَعْرِفُونَ سُوءَ أعْمالِهِمْ ويَسْألُونَ أنْ يُرَدُّوا إلى الدُّنْيا، وفي مَوْطِنٍ يَكْتُمُونَ ويَقُولُونَ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] . وقالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: هو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لا يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: وتُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ، والمَعْنى: لا يَقْدِرُونَ عَلى كِتْمانِ الحَدِيثِ لِأنَّهُ ظاهِرٌ عِنْدَ اللَّهِ. وقِيلَ: ودُّوا لَوْ سُوِّيَتْ بِهِمُ الأرْضُ، وأنَّهم لَمْ يَكْتُمُوا اللَّهَ حَدِيثًا. وقِيلَ: لَمْ يَعْتَقِدُوا أنَّهم مُشْرِكُونَ، وإنَّما اعْتَقَدُوا أنَّ عِبادَةَ الأصْنامِ طاعَةٌ، ذَكَرَ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ ابْنُ الأنْبارِيِّ. قالَ القاضِي: أخْبَرُوا بِما تَوَهَّمُوا، وكانُوا يَظُنُّونَ أنَّهم لَيْسُوا بِمُشْرِكِينَ، وذَلِكَ لا يُخْرِجُهم أنَّهم قَدْ كَذَّبُوا. وإذا كانَتِ الجُمْلَةُ مُنْدَرِجَةً تَحْتَ يَوَدُّ فَقالَ الجُمْهُورُ: هو قَوْلُهم ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ، وهَذا يَتَعَلَّقُ بِالآخِرَةِ. وقالَ عَطاءٌ: أمْرُ الرَّسُولِ ونَعْتُهُ وبَعْثُهُ، وهَذا مُتَعَلِّقٌ بِالدُّنْيا. انْتَهى ما لُخِّصَّ مِن كِتابِ التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ما مُلَخَّصُهُ: اسْتَأْنَفَ الكَلامَ وأخْبَرَ أنَّهم لا يَكْتُمُونَ حَدِيثًا لِنُطْقِ جَوارِحِهِمْ بِذَلِكَ كُلِّهِ حَتّى يَقُولَ بَعْضُهم: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى: كَذَبْتُمْ، ثُمَّ تَنْطِقُ جَوارِحُهم فَلا تَكْتُمُ حَدِيثًا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَتْ طائِفَةٌ مِثْلَهُ: إلّا أنَّها قالَتِ: اسْتَأْنَفَ لِيُخْبِرَ أنَّ الكَتْمَ لا يَنْفَعُ وإنْ كَتَمُوا لَعَلِمَ اللَّهُ جَمِيعَ أسْرارِهِمْ، فالمَعْنى: لَيْسَ ذَلِكَ المَقامُ الهائِلُ مَقامًا يَنْفَعُ فِيهِ الكَتْمُ. والفَرْقُ بَيْنَ هَذا والأوَّلِ، أنَّ الأوَّلَ يَقْتَضِي أنَّ الكَتْمَ لا يَقَعُ بِوَجْهٍ، والآخَرُ يَقْتَضِي أنَّ الكَتْمَ لا يَنْفَعُ وقَعَ أوْ لَمْ يَقَعْ، كَما تَقُولُ: هَذا مَجْلِسٌ لا يُقالُ فِيهِ باطِلٌ، وأنْتَ تُرِيدُ أنَّهُ لا يَنْفَعُ فِيهِ ولا يَسْتَمِعُ إلَيْهِ. وقالَتْ طائِفَةٌ: الكَلامُ كُلُّهُ مُتَّصِلٌ، والمَعْنى: ويَوَدُّونَ أنَّهم لا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا. ووَدُّهم (p-٢٥٤)ذَلِكَ إنَّما هو نَدَمٌ عَلى كَذِبِهِمْ حِينَ قالُوا: واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ. وقالَتْ طائِفَةٌ: هي مَواطِنُ وفِرَقٌ انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا يَقْدِرُونَ عَلى كِتْمانِهِ، لِأنَّ جَوارِحَهم تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ.
وقِيلَ: الواوُ لِلْحالِ يَوَدُّونَ أنْ يُدْفَنُوا تَحْتَ الأرْضِ، وأنَّهم لا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا، ولا يَكْذِبُونَ في قَوْلِهِمْ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] . لِأنَّهم إذا قالُوا ذَلِكَ وجَحَدُوا شِرْكَهم، خَتَمَ اللَّهُ عَلى أفْواهِهِمْ عِنْدَ ذَلِكَ وتَكَلَّمَتْ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِتَكْذِيبِهِمْ، والشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ بِالشِّرْكِ. فَلِشِدَّةِ الأمْرِ عَلَيْهِمْ يَتَمَنَّوْنَ أنْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ انْتَهى. والَّذِي يَتَلَخَّصُ في هَذِهِ الجُمْلَةِ أنَّ الواوَ في قَوْلِهِ: ولا يَكْتُمُونَ إمّا أنْ تَكُونَ لِلْحالِ، أوْ لِلْعَطْفِ فَإنْ كانَتْ لِلْحالِ كانَ المَعْنى: أنَّهم يَوْمَ القِيامَةِ يَوَدُّونَ إنْ كانُوا ماتُوا وسُوِّيَتْ بِهِمُ الأرْضُ، غَيْرَ كاتِمِينَ اللَّهَ حَدِيثًا، فَهي حالٌ مِن بِهِمْ، والعامِلُ فِيها تُسَوّى. وهَذِهِ الحالُ عَلى جَعْلِ لَوْ مَصْدَرِيَّةً بِمَعْنى أنْ، ويَصِحُّ أيْضًا الحالُ عَلى جَعْلِ (لَوْ) حَرْفًا لِما سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ، أيْ: لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ غَيْرَ كاتِمِينَ اللَّهَ حَدِيثًا لَكانَ بُغْيَتَهَمْ وطِلْبَتَهم. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، والعامِلُ يَوَدُّ عَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ لَوْ مَصْدَرِيَّةً أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ كانُوا سُوِّيَتْ بِهِمُ الأرْضُ غَيْرَ كاتِمِينَ، وتَكُونُ هَذِهِ الحالُ قَيْدًا في الوِدادَةِ. أيْ تَقَعُ الوِدادَةُ مِنهم لِما ذُكِرَ في حالِ انْتِفاءِ الكِتْمانِ، وهي حالَةُ إقْرارِهِمْ بِما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، ويَكُونُ إقْرارُهم في مَوْطِنٍ دُونَ مَوْطِنٍ، إذْ قَدْ ورَدَ أنَّهم يَكْتُمُونَ، ويَبْعُدُ أنْ يَكُونَ حالًا عَلى هَذا الوَجْهِ. ولَوْ حَرْفٌ لِما كانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الحالِ، وعامِلِها بِالجُمْلَةِ. وإنْ كانَتِ الواوُ في: ولا يَكْتُمُونَ، لِلْعَطْفِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ، ومِن عَطْفِ الجُمَلِ. فَإنْ كانَتْ مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ كانَ ذَلِكَ مَعْطُوفًا عَلى مَفْعُولِ يَوَدُّ أيْ: يَوَدُّونَ تَسْوِيَةَ الأرْضِ بِهِمْ وانْتِفاءَ الكِتْمانِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ انْتِفاءُ الكِتْمانِ في الدُّنْيا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في الآخِرَةِ، وهو قَوْلُهم: واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ. ويَبْعُدُ جِدًّا أنْ يَكُونَ عُطِفَ عَلى مَفْعُولِ يَوَدُّ المَحْذُوفِ، ولَوْ حَرْفٌ لِما كانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ. وإنْ كانَتْ مِن عَطْفِ الجُمَلِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى يَوَدُّ، أيْ: يَوَدُّونَ كَذا ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا، فَأخْبَرَ تَعالى عَنْهم بِخَبْرَيْنِ الوِدادَةِ وانْتِفاءِ الكِتْمانِ، ويَكُونُ انْتِفاءُ الكِتْمانِ في بَعْضِ مَواقِفِ القِيامَةِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولُ يَوَدُّ مَحْذُوفًا كَما قَرَّرْناهُ، ولَوْ حَرْفٌ لِما كانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ، وجَوابُها مَحْذُوفٌ كَما تَقَدَّمَ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ولا يَكْتُمُونَ مَعْطُوفَةٌ عَلى لَوْ ومُقْتَضِيَتُها، ويَكُونُ تَعالى قَدْ أخْبَرَ بِثَلاثِ جُمَلٍ: جُمْلَةِ الوِدادَةِ، والجُمْلَةِ التَّعْلِيقِيَّةِ مِن لَوْ وجَوابِها، وجُمْلَةِ انْتِفاءِ الكِتْمانِ.
النساء 4:43
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ رُوِيَ أنَّ جَماعَةً مِنَ الصَّحابَةِ شَرِبُوا الخَمْرَ قَبْلَ التَّحْرِيمِ، وحانَتْ صَلاةٌ، فَتَقَدَّمَ أحَدُهم فَقَرَأ: قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ فَخَلَطَ فِيها فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَوْلِ عُمَرَ ثانِيًا: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنا في الخَمْرِ بَيانًا شافِيًا، وكانُوا يَتَحامَوْنَها أوْقاتَ الصَّلَواتِ، فَإذا صَلَّوُا العِشاءَ شَرِبُوها، فَلا يُصْبِحُونَ إلّا وقَدْ ذَهَبَ عَنْهُمُ السُّكْرُ، إلى أنْ سَألَ عُمَرُ ثالِثًا فَنَزَلَ تَحْرِيمُها مُطْلَقًا. وهَذِهِ الآيَةُ مُحْكَمَةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ. وذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ إلى أنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ المائِدَةِ. وأعْجَبُ مِن هَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ: إنَّ قَوْلَهُ ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦] الآيَةَ أيْ أُبِيحَ لَهم أنْ يُؤَخِّرُوا الصَّلاةَ حَتّى يَزُولَ السُّكْرُ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ فَأُمِرُوا بِالصَّلاةِ عَلى كُلِّ حالٍ، ثُمَّ نُسِخَ شُرْبُ الخَمْرِ بِقَوْلِهِ: (فاجْتَنِبُوهُ) ولَمْ يُنْزِلِ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ في إباحَةِ الخَمْرِ فَلا تَكُونُ مَنسُوخَةً، ولا أباحَ بَعْدَ إنْزالِها مُجامَعَةَ الصَّلاةِ مَعَ السُّكْرِ. ووَجْهُ قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ مَفْهُومَ الخِطابِ يَدُلُّ عَلى جَوازِ السُّكْرِ، وإنَّما حَرُمَ قُرْبانُ الصَّلاةِ في تِلْكَ الحالِ، فَنُسِخَ ما فُهِمَ مِن جَوازِ الشُّرْبِ والسُّكْرِ بِتَحْرِيمِ الخَمْرِ.
ومُناسِبَةُ (p-٢٥٥)هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها هي: أنَّهُ لَمّا أمَرَ تَعالى بِعِبادَةِ اللَّهِ والإخْلاصِ فِيها، وأمَرَ بِبِرِّ الوالِدَيْنِ ومَكارِمِ الأخْلاقِ، وذَمَّ البُخْلَ، واسْتَطْرَدَ مِنهُ إلى شَيْءٍ مِن أحْوالِ القِيامَةِ، وكانَ قَدْ وقَعَ مِن بَعْضِ المُسْلِمِينَ تَخْلِيطٌ في الصَّلاةِ الَّتِي هي رَأْسُ العِبادَةِ بِسَبَبِ شُرْبِ الخَمْرِ، ناسَبَ أنْ تَخْلُصَ الصَّلاةُ مِن شَوائِبِ الكَدَرِ الَّتِي يُوقِعُها عَلى غَيْرِ وجْهِها، فَأمَرَ تَعالى بِإتْيانِها عَلى وجْهِها دُونَ ما يُفْسِدُها، لِيَجْمَعَ لَهم بَيْنَ إخْلاصِ عِبادَةِ الحَقِّ ومَكارِمِ الأخْلاقِ الَّتِي بَيْنَهم، وبَيْنَ الخَلْقِ، والخِطابُ بِقَوْلِهِ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِلصّاحِينَ، لِأنَّ السَّكْرانَ إذا عَدِمَ التَّمْيِيزَ لِسُكْرِهِ لَيْسَ بِمُخاطَبٍ، لَكِنَّهُ مُخاطَبٌ إذا صَحا بِامْتِثالِ ما يَجِبُ عَلَيْهِ، وبِتَكْفِيرِهِ ما أضاعَ في وقْتِ سُكْرِهِ مِنَ الأحْكامِ الَّتِي تَقَرَّرَ تَكْلِيفُهُ إيّاها قَبْلَ السُّكْرِ، ولَيْسَ في هَذا تَكْلِيفُ ما لا يُطاقُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ النّاسِ.
وبالَغَ تَعالى في النَّهْيِ عَنْ أنْ يُصَلِّيَ المُؤْمِنُ وهو سَكْرانُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ﴾ لِأنَّ النَّهْيَ عَنْ قُرْبانِ الصَّلاةِ أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ: لا تُصَلُّوا وأنْتُمْ سُكارى ومِنهُ: (ولا تَقْرَبُوا الزِّنى) ﴿ولا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ﴾ [الأنعام: ١٥١] ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ﴾ [الأنعام: ١٥٢] والمَعْنى: لا تَغُشُّوا الصَّلاةَ. وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: لا تَقْرَبُوا مَواضِعَ الصَّلاةِ لِقَوْلِهِ: ﴿ولا جُنُبًا إلّا عابِرِي سَبِيلٍ﴾ عَلى أحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ في عابِرِي سَبِيلٍ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ. ومَواضِعُ الصَّلاةِ هي المَساجِدُ لِقَوْلِهِ: (جَنِّبُوا مَساجِدَكم صِبْيانَكم ومَجانِينَكم) .
والجُمْهُورُ عَلى أنَّ المُرادَ: وأنْتُمْ سُكارى مِنَ الخَمْرِ. وقالَ الضَّحّاكُ: المُرادُ السُّكْرُ مِنَ النَّوْمِ، لِقَوْلِهِ: (إذا نَعَسَ أحَدُكم في الصَّلاةِ فَلْيَرْقُدْ حَتّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ، فَإنَّهُ لا يَدْرِي لَعَلَّهُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبُّ نَفْسَهُ) وقالَ عَبِيدَةُ السَّلْمانِيُّ: المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿وأنْتُمْ سُكارى﴾ إذا كُنْتُمْ حاقِنِينَ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: (لا يُصَلِّيَنَّ أحَدُكم وهو حاقِنٌ) . وفي رِوايَةٍ: (وهُوَ ضامٌّ فَخِذَيْهِ) واسْتُضْعِفَ قَوْلُ الضَّحّاكِ وعَبِيدَةَ واسْتُبْعِدَ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: قَوْلُهُما صَحِيحُ المَعْنى، لِأنَّ المَطْلُوبَ مِنَ المُصَلِّي الإقْبالُ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى بِقَلْبِهِ وقالَبِهِ، بِصَرْفِ الأسْبابِ الَّتِي تُشَوِّشُ عَلَيْهِ وتُقِلُّ خُشُوعَهُ مِن: نَوْمٍ، وحُقْنَةٍ، وجُوعٍ، وغَيْرِهِ مِمّا يَشْغَلُ البالَ. وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى النَّهْيِ عَنْ قُرْبانِ الصَّلاةِ في حالَةِ السُّكْرِ. وقِيلَ: المُرادُ النَّهْيُ عَنِ السُّكْرِ، لِأنَّ الصَّلاةَ قَدْ فُرِضَتْ عَلَيْهِمْ وأوْقاتُ السُّكْرِ لَيْسَتْ مَحْفُوظَةً عِنْدَهم ولا بِمُقَدَّرَةٍ، لِأنَّ السُّكْرَ قَدْ يَقَعُ تارَةً بِالقَلِيلِ وتارَةً بِالكَثِيرِ، وإذا لَمْ يَتَحَرَّرْ وقْتُ ذَلِكَ عِنْدَهم تَرَكُوا الشُّرْبَ احْتِياطًا لِأداءِ ما فُرِضَ عَلَيْهِمْ مِنَ الصَّلَواتِ. وأيْضًا فالسُّكْرُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ أمْزِجَةِ الشّارِبِينَ، فَمِنهم مَن سُكْرُهُ الكَثِيرُ، ومِنهم مَن سُكْرُهُ القَلِيلُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: سُكارى بِضَمِّ السِّينِ. واخْتَلَفُوا: أهْوَ جَمْعُ تَكْسِيرٍ ؟ أمِ اسْمُ جَمْعٍ ؟ ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ جَمْعُ تَكْسِيرٍ. قالَ سِيبَوَيْهِ في حَدِّ تَكْسِيرِ الصِّفاتِ: وقَدْ يَكْسِرُونَ بَعْضَ هَذِهِ عَلى فُعالى، وذَلِكَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: سُكارى وعُجالى. فَهَذا نَصٌّ مِنهُ عَلى أنَّ فُعالى جَمْعٌ. ووَهِمَ الأُسْتاذُ أبُو الحَسَنِ بْنُ الباذِشِ فَنَسَبَ إلى سِيبَوَيْهِ أنَّهُ اسْمٌ جَمْعٌ، وأنَّ سِيبَوَيْهِ بَيَّنَ ذَلِكَ في الأبْنِيَةِ. قالَ ابْنُ الباذِشِ: وهو القِياسُ، لِأنَّهُ جاءَ عَلى بِناءٍ لَمْ يَجِئْ عَلَيْهِ جَمْعٌ ألْبَتَّةَ، ولَيْسَ في الأبْنِيَةِ إلّا نَصُّ سِيبَوَيْهِ عَلى أنَّهُ تَكْسِيرٌ، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: ويَكُونُ فُعالى في الِاسْمِ نَحْوَ حُبارى وسُمانى وكُبارى، ولا يَكُونُ وصْفًا، إلّا أنْ يُكَسَّرَ عَلَيْهِ الواحِدُ لِلْجَمْعِ نَحْوَ عُجالى وسُكارى وكُسالى. وحَكى السِّيرافِيُّ فِيهِ القَوْلَيْنِ، ورَجَّحَ أنَّهُ تَكْسِيرٌ، وأنَّهُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلامُ سِيبَوَيْهِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: سُكارى بِفَتْحِ السِّينِ نَحْوَ نَدْمانَ ونَدامى، وهو جَمْعُ تَكْسِيرٍ. وقَرَأ النَّخَعِيُّ: سَكْرى، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِواحِدَةٍ مُؤَنَّثَةٍ كامْرَأةٍ سَكْرى، وجَرى عَلى جَماعَةٍ إذْ مَعْناهُ: وأنْتُمْ جَماعَةٌ سَكْرى. وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: هو جَمْعُ سَكْرانَ عَلى وزْنِ فَعْلى كَقَوْلِهِ: رَوْبى نِيامًا وكَقَوْلِهِمْ: هَلْكى ومَيْدى جَمْعُ هالِكٍ ومائِدٍ. وقَرَأ الأعْمَشُ: (سُكْرى) بِضَمِّ السِّينِ عَلى وزْنِ حُبْلى، وتَخْرِيجُهُ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِجَماعَةٍ أيْ: وأنْتُمْ جَماعَةٌ سُكْرى. وحَكى جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ: كَسْلى وكُسْلى بِالضَّمِّ (p-٢٥٦)والفَتْحِ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. ومَعْنى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ: حَتّى تَصْحُوا فَتَعْلَمُوا. جَعَلَ غايَةَ السَّبَبِ والمُرادُ السَّبَبُ، لِأنَّهُ ما دامَ سَكْرانُ - لا يَعْلَمُ ما يَقُولُ، وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ السَّكْرانَ لا يَعْلَمُ ما يَقُولُ، ولِذَلِكَ ذَهَبَ عُثْمانُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وطاوُسٌ، وعَطاءٌ، والقاسِمُ، ورَبِيعَةُ، واللَّيْثُ، وإسْحاقُ، وأبُو ثَوْرٍ، والمُزَنِيُّ إلى أنَّ السَّكْرانَ لا يَلْزَمُهُ طَلاقٌ، واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ. وقالَ أجْمَعُ العُلَماءِ: عَلى أنَّ طَلاقَ المَعْتُوهِ لا يَجُوزُ، والسَّكْرانُ مَعْتُوهٌ كالمُوَسْوِسِ مَعْتُوهٌ بِالوَسْواسِ. ولا يَخْتَلِفُونَ في أنَّ طَلاقَ مَن ذَهَبَ عَقْلُهُ بِالبِنْجِ غَيْرُ جائِزٍ، فَكَذَلِكَ مَن سَكِرَ مِنَ الشَّرابِ. ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ ومُعاوِيَةَ وجَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ: أنَّ طَلاقَهُ نافِذٌ عَلَيْهِ وهو قَوْلُ: أبِي حَنِيفَةَ، والثَّوْرِيِّ، والأوْزاعِيِّ. قالَ أبُو حَنِيفَةَ: أفْعالُهُ وعُقُودُهُ كُلُّها ثابِتَةٌ كَأفْعالِ الصّاحِي إلّا الرِّدَّةَ، فَإنَّهُ إذا ارْتَدَّ لا تَبِينُ امْرَأتُهُ مِنهُ. وقالَ أبُو يُوسُفَ: يَكُونُ مُرْتَدًّا في حالِ سُكْرِهِ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ، إلّا أنَّهُ لا يَقْتُلُهُ في حالِ سُكْرِهِ، ولا يَسْتَتِيبُهُ. واخْتَلَفَ قَوْلُهُ في الطَّلاقِ، وألْزَمَ مالِكٌ السَّكْرانَ الطَّلاقَ والقَوَدَ في الجِراحِ والعَقْلَ، ولَمْ يُلْزِمْهُ النِّكاحَ والبَيْعَ. قالَ الماوَرْدِيُّ: وقَدْ رُوِيَتْ عِنْدَنا رِوايَةٌ شاذَّةٌ أنَّهُ لا يَلْزَمُهُ طَلاقُهُ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الحَكَمِ: لا يَلْزَمُهُ طَلاقٌ ولا عِتاقٌ. واخْتَلَفُوا في السُّكْرِ. فَقِيلَ: هو الَّذِي لا يَعْرِفُ صاحِبُهُ الرَّجُلَ مِنَ المَرْأةِ قالَهُ جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ، وهو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ . فَظاهِرُهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ السُّكْرَ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الحُكْمُ هو الَّذِي لا يَعْقِلُ صاحِبُهُ ما يَقُولُ. وقالَ الثَّوْرِيُّ: السُّكْرُ اخْتِلالُ العَقْلِ، فَإذا خَلَطَ في قِراءَتِهِ وتَكَلَّمَ بِما لا يَعْرِفُ حَدَّهُ. وقالَ أحْمَدُ: إذا تَغَيَّرَ عَقْلُهُ في حالِ الصِّحَّةِ فَهو سَكْرانُ. وحُكِيَ عَنْ مالِكٍ نَحْوُهُ.
قِيلَ: وفي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الشُّرْبَ كانَ مُباحًا في أوَّلِ الإسْلامِ حَتّى يَنْتَهِيَ بِصاحِبِهِ إلى السُّكْرِ. وقالَ القَفّالُ: يُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ أُبِيحَ لَهم مِنَ الشَّرابِ ما يُحَرِّكُ الطَّبْعَ إلى السَّخاءِ والشَّجاعَةِ والحَمِيَّةِ، وأمّا ما يُزِيلُ العَقْلَ حَتّى يَصِيرَ صاحِبُهُ في حالَةِ الجُنُونِ والإغْماءِ فَما أُبِيحَ قَصْدُهُ، بَلْ لَوْ أنْفَقَ مِن غَيْرِ قَصْدٍ كانَ مَرْفُوعًا عَنْ صاحِبِهِ.
* *
﴿ولا جُنُبًا﴾ هَذِهِ حالَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: وأنْتُمْ سُكارى. إذْ هي جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ أبْلَغُ لِتَكْرارِ الضَّمِيرِ، فالتَّقْيِيدُ بِها أبْلَغُ في الِانْتِفاءِ مِنها مِنَ التَّقْيِيدِ بِالمُفْرَدِ الَّذِي هو: ولا جُنُبًا. ودُخُولُ لا دالٌّ عَلى مُراعاةِ كُلِّ قَيْدٍ مِنهُما بِانْفِرادِهِ. وإذا كانَ النَّهْيُ عَنْ إيقاعِ الصَّلاةِ مُصاحِبَةً لِكُلِّ حالٍ مِنهُما بِانْفِرادِهِ، فالنَّهْيُ عَنْ إيقاعِها بِهِما مُجْتَمِعَيْنِ، وأُدْخِلَ في الحَظْرِ. والجُنُبُ: هو غَيْرُ الطّاهِرِ مِن إنْزالٍ أوْ مُجاوَزَةِ خِتانٍ، هَذا قَوْلُ جُمْهُورِ الأُمَّةِ وعَنْ بَعْضِ الصَّحابَةِ: لا غُسْلَ إلّا عَلى مَن أنْزَلَ، وبِهِ قالَ الأعْمَشُ وداوُدُ. وهي مَسْألَةٌ تُذْكَرُ أدِلَّتُها في عِلْمِ الفِقْهِ.
والجُنُبُ مِنَ الجَنابَةِ وهي البُعْدُ، كَأنَّهُ جانَبَ الطُّهْرَ، أوْ مِنَ الجَنْبِ كَأنَّهُ ضاجَعَ ومَسَّ بِجَنْبِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الجَنُبُ يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ، والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، لِأنَّهُ اسْمٌ جَرى مَجْرى المَصْدَرِ الَّذِي هو الإجْنابُ انْتَهى. والَّذِي ذَكَرَهُ هو المَشْهُورُ في اللُّغَةِ والفَصِيحِ، وبِهِ جاءَ القُرْآنُ. وقَدْ جَمَعُوهُ جَمْعَ سَلامَةٍ بِالواوِ والنُّونِ قالُوا: قَوْمٌ جُنُبُونَ، وجَمْعَ تَكْسِيرٍ قالُوا: قَوْمٌ أجْنابٌ. وأمّا تَثْنِيَتُهُ فَقالُوا: جُنُبانِ.
﴿إلّا عابِرِي سَبِيلٍ﴾ العُبُورُ: الخُطُورُ والجَوازُ، ومِنهُ ناقَةٌ عُبْرُ الهَواجِرِ وعُبْرُ أسْفارٍ قالَ:
؎عَيْرانَةٌ سُرُحُ اليَدَيْنِ شَمْلَةٌ عُبْرُ الهَواجِرِ كالهِجَفِّ الخاضِبِ
وعابِرُ السَّبِيلِ هو المارُّ في المَسْجِدِ مِن غَيْرِ لُبْثٍ فِيهِ، وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ قالَ: يَمُرُّ فِيهِ ولا يَقْعُدُ فِيهِ. وقالَ اللَّيْثُ: لا يَمُرُّ فِيهِ إلّا إنْ كانَ بابُهُ إلى المَسْجِدِ. وقالَ أحْمَدُ وإسْحاقُ: إذا تَوَضَّأ الجُنُبُ فَلا بَأْسَ بِهِ أنْ يَقْعُدَ في المَسْجِدِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَن فَسَّرَ الصَّلاةَ بِالمَسْجِدِ قالَ: مَعْناهُ لا تَقْرَبُوا المَسْجِدَ جُنُبًا إلّا (p-٢٥٧)مُجْتازِينَ فِيهِ، إذا كانَ الطَّرِيقُ فِيهِ إلى الماءِ، أوْ كانَ الماءُ فِيهِ، أوِ احْتَلَمْتُمْ فِيهِ. وقِيلَ: إنَّ رِجالًا مِنَ الأنْصارِ كانَتْ أبْوابُهم في المَسْجِدِ فَتُصِيبُهُمُ الجَنابَةُ ولا يَجِدُونَ مَمَرًّا إلّا في المَسْجِدِ، فَرُخِّصَ لَهم.
ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ: (لَمْ يَأْذَنْ لِأحَدٍ أنْ يَجْلِسَ في المَسْجِدِ أنْ يَمُرَّ فِيهِ وهو جُنُبٌ، إلّا لِعَلِيٍّ. لِأنَّهُ بَيْتُهُ كانَ في المَسْجِدِ) وقالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وابْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ والحَكَمُ وغَيْرُهم: عابِرُ السَّبِيلِ المُسافِرُ، فَلا يَصِحُّ لِأحَدٍ أنْ يَقْرَبَ الصَّلاةَ وهو جُنُبٌ إلّا بَعْدَ الِاغْتِسالِ، إلّا المُسافِرَ فَإنَّهُ يَتَيَمَّمُ وهو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ، وأبِي يُوسُفَ، ومُحَمَّدٍ، وزُفَرَ، قالُوا: لا يَدْخُلُ المَسْجِدَ إلّا الطّاهِرُ سَواءٌ أرادَ القُعُودَ فِيهِ أمِ الِاجْتِيازَ، وهو قَوْلُ: مالِكٍ والثَّوْرِيِّ وجَماعَةٍ. ورُجِّحَ هَذا القَوْلُ بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ﴾ يَبْقى عَلى ظاهِرِهِ، وحَقِيقَتُهُ بِخِلافِ تَأْوِيلِ مَواضِعِ الصَّلاةِ فَإنَّهُ مَجازٌ، ولا يُعْدَلُ إلَيْهِ إلّا بَعْدَ تَعَذُّرِ حَمْلِ الكَلامِ عَلى حَقِيقَتِهِ. ولَيْسَ في المَسْجِدِ قَوْلٌ مَشْرُوطٌ يَمْنَعُ مِن دُخُولِهِ لِتَعَذُّرِهِ عَلَيْهِ عِنْدَ السُّكْرِ، وفي الصَّلاةِ قِراءَةٌ مَشْرُوطَةٌ يُمْنَعُ لِأجْلِ تَعَذُّرِ إقامَتِها مِن فِعْلِ الصَّلاةِ. وسُمِّيَ المُسافِرُ عابِرَ سَبِيلٍ لِأنَّهُ عَلى الطَّرِيقِ، كَما سُمِّيَ ابْنُ السَّبِيلِ.
وأفادَ الكَلامُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: جَوازُ التَّيَمُّمِ لِلْجُنُبِ إذا لَمْ يَجِدِ الماءَ والصَّلاةِ بِهِ. والثّانِي: أنَّ التَّيَمُّمَ لا يَرْفَعُ الجَنابَةَ، لِأنَّهُ سَمّاهُ جُنُبًا مَعَ كَوْنِهِ مُتَيَمِّمًا. وعَلى هَذا المَعْنى فَسَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ الآيَةَ أوَّلًا فَقالَ: إلّا عابِرِي سَبِيلٍ، الِاسْتِثْناءُ مِن عامَّةِ أحْوالِ المُخاطَبِينَ، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ. فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ جَمَعَ بَيْنَ هَذِهِ الحالِ والَّتِي قَبْلَها ؟ قُلْتُ: كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ في حالِ الجَنابَةِ إلّا ومَعَكم حالٌ أُخْرى تُعْذَرُونَ فِيها وهي حالُ السَّفَرِ، وعُبُورُ السَّبِيلِ عِبارَةٌ عَنْهُ. ويَجُوزُ أنْ لا يَكُونُ حالًا ولَكِنْ صِفَةً كَقَوْلِهِ: جُنُبًا أيْ: ولا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ جُنُبًا غَيْرَ عابِرِي سَبِيلٍ، أيْ: جُنُبًا مُقِيمِينَ غَيْرَ مَعْذُورِينَ. فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ تَصِحُّ صَلاتُهم عَلى الجَنابَةِ لِعُذْرِ السَّفَرِ ؟ قُلْتُ: أُرِيدَ بِالجُنُبِ الَّذِينَ لَمْ يَغْتَسِلُوا، كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ غَيْرَ مُغْتَسِلِينَ حَتّى تَغْتَسِلُوا، إلّا أنْ تَكُونُوا مُسافِرِينَ انْتَهى كَلامُهُ. ومَن قالَ بِمَنعِ الجُنُبِ مِنَ المُرُورِ في المَسْجِدِ والجُلُوسِ فِيهِ تَعْظِيمًا لَهُ، فالأوْلى أنْ يَمْنَعَهُ والحائِضَ مِن قِراءَةِ القُرْآنِ، وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ، فَلا يَجُوزُ لَهُما أنْ يَقْرَآ مِنهُ شَيْئًا سَواءٌ كانَ كَثِيرًا أمْ قَلِيلًا حَتّى يَغْتَسِلا، ورَخَّصَ مالِكٌ لَهُما في الآيَةِ اليَسِيرَةِ لِلتَّعَوُّذِ، وأجازَ لِلْحائِضِ أنْ تَقْرَأ مُطْلَقًا إذا خافَتِ النِّسْيانَ عِنْدَ الحَيْضِ، وذَكَرُوا هَذِهِ المَسْألَةَ ولا تَعَلُّقَ لَها في التَّفْسِيرِ بِلَفْظِ القُرْآنِ.
* *
﴿حَتّى تَغْتَسِلُوا﴾ هَذِهِ غايَةٌ لِامْتِناعِ الجُنُبِ مِنَ الصَّلاةِ، وهي داخِلَةٌ في الحَظْرِ إلى أنْ يُوقِعَ الِاغْتِسالَ مُسْتَوْعِبًا جَمِيعَهُ. والخِلافُ: هَلْ يَدْخُلُ في ماهِيَّةِ الغُسْلِ إمْرارُ اليَدِ أوْ شَبَهِها مَعَ الماءِ عَلى المَغْسُولِ ؟ فَلَوِ انْغَمَسَ في الماءِ أوْ صَبَّهُ عَلَيْهِ فَمَشْهُورُ مَذْهَبِ مالِكٍ: أنَّهُ لا يُجْزِئُهُ حَتّى يَتَدَلَّكَ، وبِهِ قالَ المُزَنِيُّ: ومَذْهَبُ الجُمْهُورِ: أنَّهُ يُجْزِئُهُ مِن غَيْرِ تَدَلُّكٍ. وهَلْ يَجِبُ في الغَسْلِ تَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ ؟ فِيهِ عَنْ مالِكٍ خِلافٌ. وأمّا المَضْمَضَةُ والِاسْتِنْشاقُ في الغَسْلِ فَذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ إلى فَرْضِيَّتِهِما فِيهِ لا في الوُضُوءِ. وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى وإسْحاقُ وأحْمَدُ وبَعْضُ أصْحابِ داوُدَ: هُما فَرْضٌ فِيهِما. ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ، والزُّهْرِيِّ وقالَ مُجاهِدٌ وجَماعَةٌ مِنَ التّابِعِينَ، ومالِكٌ، والأوْزاعِيُّ، واللَّيْثُ، والشّافِعِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ: لَيْسا بِفَرْضٍ فِيهِما. ورُوِيَ عَنْ أحْمَدَ: أنَّ المَضْمَضَةَ سُنَّةٌ، والِاسْتِنْشاقَ فَرْضٌ، وقالَ بِهِ بَعْضُ أصْحابِ داوُدَ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَغْتَسِلُوا﴾ حُصُولُ الِاغْتِسالِ، ولَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِ نِيَّةُ الِاغْتِسالِ، بَلْ ذُكِرَ حُصُولُ مُطْلَقِ الِاغْتِسالِ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ في كُلِّ طَهارَةٍ بِالماءِ. ورَوى هَذا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ مالِكٍ، ومَشْهُورُ مَذْهَبِهِ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ النِّيَّةِ، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ وأحْمَدُ وإسْحاقُ وأبُو ثَوْرٍ.
* *
﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكُمْ﴾ (p-٢٥٨)قالَ الجُمْهُورُ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ عَدَمِ الصَّحابَةِ الماءَ في غَزْوَةِ المُرَيْسِيعِ، حِينَ أقامَ عَلى التِماسِ العِقْدِ. وقالَ النَّخَعِيُّ: في قَوْمٍ أصابَتْهم جِراحٌ وأجْنَبُوا. وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، و(مَرْضى) يَعْنِي في الحَضَرِ. ويَدُلُّ عَلى مُطْلَقِ المَرَضِ قَلَّ أوْ كَثُرَ، زادَ أوْ نَقَصَ، تَأخَّرَ بُرْؤُهُ أوْ تَعَجَّلَ، وبِهِ قالَ داوُدُ. فَأجازَ التَّيَمُّمَ لِكُلِّ مَن صَدَقَ عَلَيْهِ مُطْلَقُ الِاسْمِ. وخَصَّصَ العُلَماءُ غَيْرُهُ المَرَضَ بِالجُدَرِيِّ، والحَصْبَةِ، والعِلَلِ المَخُوفِ عَلَيْها مِنَ الماءِ فَقالُوا: إنْ خافَ تَيَمَّمَ بِلا خِلافٍ، إلّا ما رُوِيَ عَنْ عَطاءٍ والحَسَنِ: أنَّهُ يَتَطَهَّرُ وإنْ ماتَ، وهُما مَحْجُوجانِ «بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ العاصِ في غَزْوَةِ ذاتِ السَّلاسِلِ، وأنَّهُ أشْفَقَ أنْ يَهْلَكَ إنِ اغْتَسَلَ فَتَيَمَّمَ، فَأقَرَّهُ الرَّسُولُ ﷺ عَلى ذَلِكَ»، خَرَّجَهُ أبُو داوُدَ والدّارَقُطْنِيُّ.
* *
وإنْ خافَ حُدُوثَ مَرَضٍ أوْ زِيادَتَهُ، أوْ تَأخُّرَ البُرْءِ، فَذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ ومالِكٌ: إلى أنَّهُ يَتَيَمَّمُ. وقالَ الشّافِعِيُّ: لا يَجُوزُ، وقِيلَ: الصَّحِيحُ عَنِ الشّافِعِيِّ أنَّهُ إذا خافَ طُولَ المَرَضِ جازَ لَهُ التَّيَمُّمُ. وظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ عَلى سَفَرٍ﴾ مُطْلَقُ السَّفَرِ، فَلَوْ لَمْ يَجِدِ الماءَ في الحَضَرِ جازَ لَهُ التَّيَمُّمُ عِنْدَ مالِكٍ وأبِي حَنِيفَةَ ومُحَمَّدٍ. وقالَ الشّافِعِيُّ والطَّبَرِيُّ: لا يَتَيَمَّمُ. وقالَ اللَّيْثُ والشّافِعِيُّ أيْضًا: إنْ خافَ فَوْتَ الوَقْتِ تَيَمَّمَ وصَلّى، ثُمَّ إذا وجَدَ الماءَ أعادَ. وقالَ أبُو يُوسُفَ وزُفَرُ: لا يَتَيَمَّمُ إلّا لِخَوْفِ الوَقْتِ. والسَّفَرُ المُبِيحُ عِنْدَ الجُمْهُورِ مُطْلَقُ السَّفَرِ، سَواءٌ أكانَ مِمّا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلاةُ أوْ لا تُقْصَرُ. وشَرَطَ قَوْمٌ سَفَرًا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلاةُ، وشَرَطَ آخَرُونَ أنْ يَكُونَ سَفَرَ طاعَةٍ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لَوْ خَرَجَ مِن مِصْرِهِ لِغَيْرِ سَفَرٍ فَلَمْ يَجِدِ الماءَ جازَ لَهُ التَّيَمُّمُ، وقَدْرُ المَسافَةِ أنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الماءِ مَيْلٌ. وقِيلَ: إذا كانَ بِحَيْثُ لا يَسْمَعُ أصْواتَ النّاسِ، لِأنَّهُ في مَعْنى المُسافِرِ. فَلَوْ وجَدَ ماءً قَلِيلًا إنْ تَوَضَّأ بِهِ خافَ عَلى نَفْسِهِ العَطَشَ تَيَمَّمَ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ، فَلَوْ وجَدَهُ بِثَمَنِ مِثْلِهِ فَلا خِلافَ أنَّهُ يَلْزَمُهُ شِراؤُهُ، أوْ بِما زادَ. فَمَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ والشّافِعِيِّ: يَتَيَمَّمُ. ومَذْهَبُ مالِكٍ: يَشْتَرِيهِ بِمالِهِ كُلِّهِ ويَبْقى عَدِيمًا. فَلَوْ حالَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الماءِ عَدُوٌّ أوْ سَبُعٌ أوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا يَحُولُ فَكالعادِمِ لِلْماءِ.
* *
ومَجِيئُهُ مِنَ الغائِطِ كِنايَةٌ عَنِ الحَدَثِ بِالغائِطِ، وحُمِلَ عَلَيْهِ الرِّيحُ والبَوْلُ والمَنِيُّ والوَدْيُ، لا خِلافَ أنَّ هَذِهِ السِّتَّةَ أحْداثٌ. وقَدِ اخْتَلَفُوا في أشْياءَ ذُكِرَتْ في كُتُبِ الفِقْهِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: (مِنَ الغَيْطِ)، وخُرِّجَ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَصْدَرٌ إذْ قالُوا: غاطَ يَغِيطُ. والثّانِي: أنَّ أصْلَهُ فَيْعِلٌ، ثُمَّ حُذِفَ كَمَيِّتٍ. واخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ اللَّمْسِ، فَقالَ عَمْرُو بْنُ مَسْعُودٍ وغَيْرُهُما: هو اللَّمْسُ بِاليَدِ، ولا ذِكْرَ لِلْجُنُبِ إنَّما يَغْتَسِلُ أوْ يَدَعُ الصَّلاةَ حَتّى يَجِدَ الماءَ. قالَ أبُو عُمَرَ: لَمْ يَقُلْ بِقَوْلِهِمْ أحَدٌ مِن فُقَهاءِ الأمْصارِ لِحَدِيثِ عَمّارٍ، وأبِي ذَرٍّ، وعُمْرانَ بْنِ حَصِينٍ في تَيَمُّمِ الجُنُبِ. وقالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: المُرادُ الجِماعُ، والجُنُبُ يَتَيَمَّمُ. ولا ذِكْرَ لِلّامِسِ بِيَدِهِ، وهو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ. فَلَوْ قَبَّلَ ولَوْ بِلَذَّةٍ لَمْ يَنْتَقِضِ الوُضُوءُ. وقالَ مالِكٌ: المُلامِسُ بِالجِماعِ يَتَيَمَّمُ، وكَذا بِاليَدِ إذا التَذَّ فَإنْ لَمَسَ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ فَلا وُضُوءَ، وبِهِ قالَ أحْمَدُ وإسْحاقُ. وقالَ الشّافِعِيُّ: إذا أفْضى بِشَيْءٍ مِن جَسَدِهِ إلى بَدَنِ المَرْأةِ نَقَضَ الطَّهارَةَ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عُمَرَ، والزُّهْرِيِّ، ورَبِيعَةَ، وعُبَيْدَةَ، والشَّعْبِيِّ، وإبْراهِيمَ، ومَنصُورٍ، وابْنِ سِيرِينَ. وقالَ الأوْزاعِيُّ: إنْ كانَ بِاليَدِ نَقَضَ وإلّا فَلا. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: (لَمَسْتُمْ)، وباقِي السَّبْعَةِ بِالألْفِ، وفاعِلُ هُنا مُوافِقٌ فِعْلَ المُجَرَّدِ نَحْوَ: جاوَزْتُ الشَّيْءَ وجُزْتُهُ، ولَيْسَتْ لِأقْسامِ الفاعِلِيَّةِ والمَفْعُولِيَّةِ لَفْظًا، والِاشْتِراكُ فِيهِما مَعْنًى، وقَدْ حَمَلَها الشّافِعِيُّ عَلى ذَلِكَ في أظْهَرِ قَوْلَيْهِ.
فَقالَ: المَلْمُوسُ كاللّامِسِ في نَقْضِ الطَّهارَةِ.
* *
وقَوْلُهُ: ﴿أوْ عَلى سَفَرٍ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى (مَرْضى) . وفي قَوْلِهِ: أوْ جاءَ، أوْ لامَسْتُمْ دَلِيلُ عَلى جَوازِ وُقُوعِ الماضِي خَبَرًا لِكانَ مِن غَيْرِ قَدْ، وادِّعاءُ إضْمارِها تَكَلُّفٌ خِلافًا لِلْكُوفِيِّينَ لِعَطْفِها عَلى خَبَرِ كانَ، والمَعْطُوفُ عَلى الخَبَرِ خَبَرٌ.
(p-٢٥٩)﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً﴾ الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى مَن أُسْنِدَ إلَيْهِمُ الحُكْمُ في الأخْبارِ الأرْبَعَةِ. وفِيهِ تَغْلِيبُ الخِطابِ إذْ قَدِ اجْتَمَعَ خِطابٌ وغَيْبَةٌ، فالخِطابُ: ﴿كُنْتُمْ مَرْضى﴾، ﴿أوْ عَلى سَفَرٍ﴾، ﴿أوْ لامَسْتُمُ﴾ . والغَيْبَةُ قَوْلُهُ: ﴿أوْ جاءَ أحَدٌ﴾ . وما أحْسَنَ ما جاءَتْ هَذِهِ الغَيْبَةُ، لِأنَّهُ لَمّا كَنّى عَنِ الحاجَةِ بِالغائِطِ كَرِهَ إسْنادَ ذَلِكَ إلى المُخاطَبِينَ، فَنَزَعَ بِهِ إلى لَفْظِ الغائِبِ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْ جاءَ أحَدٌ﴾، وهَذا مِن أحْسَنِ المُلاحَظاتِ وأجْمَلِ المُخاطَباتِ. ولَمّا كانَ المَرَضُ والسَّفَرُ ولَمْسُ النِّساءِ لا يَفْحُشُ الخِطابُ بِها جاءَتْ عَلى سَبِيلِ الخِطابِ. وظاهِرُ انْتِفاءِ الوِجْدانِ سَبَقَ تَطَلُّبُهُ وعَدَمُ الوُصُولِ إلَيْهِ، فَأمّا في حَقِّ المَرِيضِ فَجَعَلَ المَوْجُودَ حِسًّا في حَقِّهِ إذا كانَ لا يَسْتَطِيعُ اسْتِعْمالَهُ كالمَفْقُودِ شَرْعًا، وأمّا غَيْرُهُ باقِي الأرْبَعَةِ فانْتِفاءُ وِجْدانِ الماءِ في حَقِّهِمْ هو عَلى ظاهِرِهِ. و﴿فَلَمْ تَجِدُوا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى فِعْلِ الشَّرْطِ ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ هَذا جَوابُ الشَّرْطِ، أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِالتَّيَمُّمِ عِنْدَ حُصُولِ سَبَبٍ مِن هَذِهِ الأسْبابِ الأرْبَعَةِ وفُقْدانِ الماءِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ نَظَمَ في سِلْكٍ واحِدٍ بَيْنَ المَرْضى والمُسافِرِينَ، وبَيْنَ المُحْدِثِينَ والمُجْنِبِينَ، والمَرَضُ والسَّفَرُ سَبَبانِ مِن أسْبابِ الرُّخْصَةِ، والحَدَثُ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الوُضُوءِ، والجَنابَةُ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الغُسْلِ ؟ قُلْتُ: أرادَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنْ يُرَخِّصَ لِلَّذِينِ وجَبَ عَلَيْهِمُ التَّطَهُّرُ وهم عادِمُونَ لِلْماءِ في التَّيَمُّمِ والتُّرابِ، فَخَصَّ أوَّلًا مِن بَيْنِهِمْ مَرْضاهم وسَفَرَهم لِأنَّهُمُ المُتَقَدِّمُونَ في اسْتِحْقاقِ بَيانِ الرُّخْصَةِ لَهم، لِكَثْرَةِ المَرَضِ والسَّفَرِ وغَلَبَتِهِما عَلى سائِرِ الأسْبابِ المُوجِبَةِ لِلرُّخْصَةِ، ثُمَّ عَمَّ كُلَّ مَن وجَبَ عَلَيْهِ التَّطَهُّرُ وأعْوَزَهُ الماءُ لِخَوْفِ عَدُوٍّ، أوْ سَبُعٍ، أوْ عَدَمِ آلَةِ اسْتِقاءٍ، أوْ إرْهاقٍ في مَكانٍ لا ماءَ فِيهِ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يَكْثُرُ كَثْرَةَ المَرَضِ والسَّفَرِ انْتَهى. وفِيهِ: تَفْسِيرُهُ ﴿أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الجِماعُ الَّذِي تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الجَنابَةُ، فَسَّرَ ذَلِكَ عَلى مَذْهَبِ أبِي حَنِيفَةَ، ولَمْ يَنْقُلْ غَيْرَهُ مِنَ المَذاهِبِ. ومُلَخَّصُ ما طُوِّلَ بِهِ: أنَّهُ اعْتَذَرَ عَنْ تَقْدِيمِ المَرَضِ والسَّفَرِ بِما ذَكَرَ. ومَن يَحْمِلُ اللَّمْسَ عَلى ظاهِرِهِ يَقُولُ: إنَّ هَذا مِن بابِ التَّرَقِّي مِنَ الأقَلِّ إلى الأكْثَرِ، لِأنَّ حالَةَ المَرَضِ أقَلُّ مِن حالَةِ السَّفَرِ، وحالَةُ السَّفَرِ أقَلُّ مِن حالَةِ قَضاءِ الحاجَةِ، وحالَةُ قَضاءِ الحاجَةِ أقَلُّ مِن حالَةِ لَمْسِ المَرْأةِ. ألا تَرى أنَّ حالَةَ الصِّحَّةِ غالِبًا أكْثَرُ مِن حالِ المَرَضِ، وكَذا في سائِرِ البَواقِي ؟ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والفَرّاءُ: الصَّعِيدُ التُّرابُ. وقالَ اللَّيْثُ: الصَّعِيدُ الأرْضُ المُسْتَوِيَةُ لا شَيْءَ فِيها مِن غِراسٍ ونَباتٍ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، قالَ: الصَّعِيدُ الأرْضُ المَلْساءُ. وقالَ الخَلِيلُ: الصَّعِيدُ ما صَعِدَ مِن وجْهِ الأرْضِ، يُرِيدُ وجْهَ الأرْضِ. وقالَ الزَّجّاجُ: الصَّعِيدُ وجْهُ الأرْضِ تُرابًا كانَ أوْ غَيْرَهُ، وإنْ كانَ صَخْرًا لا تُرابَ عَلَيْهِ، زادَ غَيْرُهُ: أوْ رَمْلًا، أوْ مَعْدِنًا، أوْ سَبْخَةً. والطَّيِّبُ الطّاهِرُ وهَذا تَفْسِيرُ طائِفَةٍ، ومَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ ومالِكٍ واخْتِيارُ الطَّبَرِيِّ. ومِنهُ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٢] أيْ طاهِرِينَ مِن أدْناسِ المُخالَفاتِ. وقالَ قَوْمٌ: الطَّيِّبُ هُنا الحَلالُ، قالَهُ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ وغَيْرُهُ. وقالَ الشّافِعِيُّ وجَماعَةٌ: الطَّيِّبُ المَنبَتِ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ﴾ [الأعراف: ٥٨] فالصَّعِيدُ عَلى هَذا التُّرابُ. وهَؤُلاءِ يُجِيزُونَ التَّيَمُّمَ بِغَيْرِ ذَلِكَ، فَمَحَلُّ الإجْماعِ هو أنْ يَتَيَمَّمَ بِتُرابٍ مُنْبِتٍ طاهِرٍ غَيْرِ مَنقُولٍ ولا مَغْصُوبٍ. ومَحَلُّ المَنعِ إجْماعًا هو: أنْ يَتَيَمَّمَ عَلى ذَهَبٍ صَرْفٍ، أوْ فِضَّةٍ، أوْ ياقُوتٍ، أوْ زُمُرُّدٍ، وأطْعِمَةٍ كَخُبْزٍ ولَحْمٍ، أوْ عَلى نَجاسَةٍ، واخْتُلِفَ في المَعادِنِ: فَأُجِيزَ، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ، ومُنِعَ وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ. وفي المِلْحِ، وفي الثَّلْجِ، وفي التُّرابِ المَنقُولِ، وفي المَطْبُوخِ كالآجُرِّ، وعَلى الجِدارِ، وعَلى النَّباتِ، والعُودِ، والشَّجَرِ خِلافٌ. وأجازَ الثَّوْرِيُّ وأحْمَدُ بِغُبارِ اليَدِ. وقالَ أحْمَدُ وأبُو يُوسُفَ: لا يَجُوزُ إلّا بِالتُّرابِ والرَّمْلِ، والجُمْهُورُ عَلى إجازَتِهِ بِالسِّباخِ، إلّا ابْنَ راهَوَيْهِ. وأجازَ ابْنُ عُلَيَّةَ وابْنُ كَيْسانَ التَّيَمُّمَ بِالمِسْكِ والزَّعْفَرانِ.
* *
وظاهِرُ الكَلامِ: أنَّ التَّيَمُّمَ مَسْحُ الوَجْهِ واليَدَيْنِ مِنَ الصَّعِيدِ الطَّيِّبِ، فَمَتى حَصَلَتْ هَذِهِ الكَيْفِيَّةُ حَصَلَ التَّيَمُّمُ. والعَطْفُ بِالواوِ لا يَقْتَضِي تَرْتِيبًا بَيْنَ الوَجْهِ واليَدَيْنِ (p-٢٦٠)والباءُ في ﴿بِوُجُوهِكُمْ﴾ مِمّا يُعَدّى بِها الفِعْلُ تارَةً، وتارَةً بِنَفْسِهِ. حَكى سِيبَوَيْهِ: مَسَحْتُ رَأْسَهُ وبِرَأْسِهِ، وخَشَنْتُ صَدْرَهُ وبِصَدْرِهِ عَلى مَعْنًى واحِدٍ. وظاهِرُ مَسْحِ الوَجْهِ التَّعْمِيمُ، فَيَمْسَحُهُ جَمِيعَهُ كَما يَغْسِلُهُ بِالماءِ جَمِيعَهُ. وأجازَ بَعْضُهم ألّا يَتَتَبَّعَ الغُضُونَ. وأمّا اليَدانِ فَظاهِرُ مَسْحِهِما تَعْمِيمُ مَدْلُولِهِما، وهي تَنْطَلِقُ لُغَةً إلى المَناكِبِ، وبِهِ قالَ ابْنُ شِهابٍ، قالَ: يَمْسَحُ إلى الآباطِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وفي سُنَنِ أبِي داوُدَ: (أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَسَحَ إلى أنْصافِ ذِراعَيْهِ) قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمْ يَقُلْ أحَدٌ بِهَذا الحَدِيثِ فِيما حَفِظْتُ. انْتَهى. وذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ، وأصْحابُهُما، والثَّوْرِيُّ، وابْنُ أبِي سَلَمَةَ، واللَّيْثُ: أنَّهُ يَمْسَحُ إلى بُلُوغِ المِرْفَقَيْنِ فَرْضًا واجِبًا، وهو قَوْلُ جابِرٍ، وابْنِ عُمَرَ، والحَسَنِ، وإبْراهِيمَ. وذَهَبَ طائِفَةٌ إلى أنَّهُ يَبْلُغُ بِهِ إلى الكُوعَيْنِ وهُما الرُّسْغانِ، وهو قَوْلُ عَلِيٍّ، وعَطاءٍ، والشَّعْبِيِّ، ومَكْحُولٍ، والأوْزاعِيِّ، وأحْمَدَ، وإسْحاقَ، وداوُدَ بْنِ عَلِيٍّ، والطَّبَرِيِّ، والشّافِعِيِّ في القَدِيمِ، ورُوِيَ عَنْ مالِكٍ. وذَهَبَ الشَّعْبِيُّ إلى أنَّهُ يَمْسَحُ كَفَّيْهِ فَقَطْ، وبِهِ قالَ بَعْضُ فُقَهاءِ الحَدِيثِ، وهو الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُذْهَبَ إلَيْهِ لِصِحَّتِهِ في الحَدِيثِ. فَفي مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ عَمّارٍ (إنَّما كانَ يَكْفِيكَ أنْ تَضْرِبَ بِيَدِكَ الأرْضَ ثُمَّ تَنْفُخَ وتَمْسَحَ بِها وجْهَكَ وكَفَّيْكَ) وعَنْهُ في هَذا الحَدِيثِ: (وضَرَبَ بِيَدِهِ الأرْضَ فَنَفَضَ يَدَيْهِ، فَمَسَحَ وجْهَهُ وكَفَّيْهِ)، ولِلْبُخارِيِّ: (أدْناهُما مِن فِيهِ، ثُمَّ مَسَحَ بِهِما وجْهَهُ وكَفَّيْهِ) وفي مُسْلِمٍ أيْضًا: (أما يَكْفِيكَ أنْ تَقُولَ بِيَدِكَ هَكَذا، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ الأرْضَ ضَرْبَةً واحِدَةً، ثُمَّ مَسَحَ الشِّمالَ عَلى اليَمِينِ وظاهِرَ كَفَّيْهِ ووَجْهَهُ) وعِنْدَ أبِي داوُدَ (فَضَرَبَ بِيَدِهِ الأرْضَ فَقَبَضَها، ثُمَّ ضَرَبَ بِشِمالِهِ عَلى يَمِينِهِ وبِيَمِينِهِ عَلى شِمالِهِ عَلى الكَفَّيْنِ، ثُمَّ مَسَحَ وجْهَهُ) . فَهَذِهِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ مُبِيِّنَةٌ ما تَطَرَّقَ إلَيْهِ الِاحْتِمالُ في الآيَةِ مِن مَحَلِّ المَسْحِ وكَيْفِيَّتِهِ. وظاهِرُ هَذِهِ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى الِاجْتِزاءِ بِضَرْبَةٍ واحِدَةٍ لِلْوَجْهِ واليَدَيْنِ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ والشَّعْبِيِّ في رِوايَةٍ، والأوْزاعِيِّ في الأشْهَرِ عَنْهُ، وأحْمَدَ وإسْحاقَ وداوُدَ والطَّبَرِيِّ. وذَهَبَ مالِكٌ في المُدَوَّنَةِ، والأوْزاعِيُّ في رِوايَةٍ، وأبُو حَنِيفَةَ والشّافِعِيُّ وأصْحابُهم، والثَّوْرِيُّ، واللَّيْثُ، وابْنُ أبِي سَلَمَةَ: إلى وُجُوبِ ضَرْبَتَيْنِ: ضَرْبَةٍ لِلْوَجْهِ، وضَرْبَةٍ لِلْيَدَيْنِ، وذَهَبَ ابْنُ أبِي لَيْلى والحَسَنُ إلى أنَّهُ ضَرْبَتانِ، ويَمْسَحُ بِكُلِّ ضَرْبَةٍ مِنهُما وجْهَهُ وذِراعَيْهِ ومِرْفَقَيْهِ، ولَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ أحَدٌ مِن أهْلِ العِلْمِ غَيْرَهُما. وأحْكامُ التَّيَمُّمِ ومَسائِلُهُ كَثِيرَةٌ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ الفِقْهِ، ولَمْ يُذْكَرْ في هَذِهِ السُّورَةِ مِنهُ، وذُكِرَ ذَلِكَ في المائِدَةِ، فَدَلَّتْ عَلى مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ في نَقْلِ شَيْءٍ مِنَ المَمْسُوحِ بِهِ إلى الوَجْهِ والكَفَّيْنِ، وحُمِلَ هَذا المُطْلَقُ عَلى ذَلِكَ المُقَيَّدِ، ولِذَلِكَ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: فَما تَصْنَعُ بِقَوْلِهِ في سُورَةِ المائِدَةِ: ﴿فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكم مِنهُ﴾ [المائدة: ٦] أيْ بَعْضَهُ وهَذا لا يَتَأتّى في الصَّخْرِ الَّذِي لا تُرابَ عَلَيْهِ ؟ قُلْتُ: قالُوا: إنَّها - أيْ: مِن - لِابْتِداءِ الغايَةِ. فَإنْ قُلْتَ: قَوْلُهم إنَّها لِابْتِداءِ الغايَةِ قَوْلٌ مُتَعَسِّفٌ، ولا يَفْهَمُ أحَدٌ مِنَ العَرَبِ مِن قَوْلِ القائِلِ: مَسَحْتُ بِرَأْسِهِ مِنَ الدُّهْنِ، ومِنَ الماءِ، ومِنَ التُّرابِ - إلّا مَعْنى التَّبْعِيضِ؛ قُلْتُ: هو كَما تَقُولُ، والإذْعانُ لِلْحَقِّ أحَقُّ مِنَ المِراءِ.
﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ كِنايَةٌ عَنِ التَّرْخِيصِ والتَّيْسِيرِ، لِأنَّ مَن كانَتْ عادَتُهُ أنْ يَعْفُوَ عَنِ الخَطّائِينَ ويَغْفِرَ لَهم، آثَرَ أنْ يَكُونَ مُيَسِّرًا غَيْرَ مُعَسِّرٍ انْتَهى كَلامُهُ. والعَجَبُ مِنهُ إذْ أذَعْنَ إلى الحَقِّ، ولَيْسَ مَن عادَتِهِ، بَلْ عادَتُهُ أنْ يُحَرِّفَ الكَلامَ عَنْ ظاهِرِهِ ويَحْمِلَهُ عَلى غَيْرِ مَحْمَلِهِ لِأجْلِ ما تَقَرَّرَ مِن مَذْهَبِهِ. وأيْضًا فَكَلامُهُ أخِيرًا حَيْثُ أطْلَقَ أنَّ اللَّهَ يَعْفُو عَنِ الخَطّائِينَ ويَغْفِرُ لَهم، العَجَبُ لَهُ إذْ لَمْ يُقَيِّدْ ذَلِكَ بِالتَّوْبَةِ عَلى مَذْهَبِهِ وعادَتِهِ فِيما هو يُشْبِهُ هَذا الكَلامَ.
النساء 4:44
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ قالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ. وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: في رِفاعَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ التّابُوتِ. وقِيلَ: في غَيْرِهِ مِنَ اليَهُودِ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ (p-٢٦١)الآخِرَةِ، وأنَّ الكُفّارَ إذْ ذاكَ يَوَدُّونَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا، وجاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ بَعْدَ ذَلِكَ كالِاعْتِراضِ بَيْنَ ذِكْرِ أحْوالِ الكُفّارِ في الآخِرَةِ، وذِكْرِ أحْوالِهِمْ في الدُّنْيا وما هم عَلَيْهِ مِن مُعاداةِ المُؤْمِنِينَ، وكَيْفَ يُعامِلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الَّذِي يَأْتِي شَهِيدًا عَلَيْهِمْ وعَلى غَيْرِهِمْ. ولَمّا كانَ اليَهُودُ أشَدَّ إنْكارًا لِلْحَقِّ، وأبْعَدَ مِن قَبُولِ الخَيْرِ. وكانَ قَدْ تَقَدَّمَ أيْضًا ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ ويَكْتُمُونَ﴾ [النساء: ٣٧]، وهم أشَدُّ النّاسِ تَحَلِّيًا بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ، أخَذَ يُذَكِّرُهم بِخُصُوصِيَّتِهِمْ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ﴾ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣] فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ.
والنَّصِيبُ: الحَظُّ. ومِنَ الكِتابِ: يُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ ﴿أُوتُوا﴾، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لَ نَصِيبًا. وظاهِرُ لَفْظِ ﴿الَّذِينَ أُوتُوا﴾ يَشْمَلُ اليَهُودَ والنَّصارى، ويَكُونُ الكِتابُ عِبارَةً عَنِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ. وقِيلَ: الكِتابُ هُنا التَّوْراةُ، والنَّصِيبُ قِيلَ: بَعْضُ عِلْمِ التَّوْراةِ، لا العَمَلِ بِما فِيها. وقِيلَ: عِلْمُ ما هو حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ مِنهُ فَحَسْبُ. وقِيلَ: كُفْرُهم بِهِ. وقِيلَ: عِلْمُ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ.
﴿يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ﴾ المَعْنى: يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ بِالهُدى، كَما قالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ [البقرة: ١٦] .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اسْتَبْدَلُوا الضَّلالَةَ بِالإيمانِ. وقالَ مُقاتِلٌ: اسْتَبْدَلُوا التَّكْذِيبَ بِالنَّبِيِّ بَعْدَ ظُهُورِهِ بِإيمانِهِمْ بِهِ قَبْلَ ظُهُورِهِ واسْتِنْصارِهِمْ بِهِ انْتَهى. ودَلَّ لَفْظُ الِاشْتِراءِ عَلى إيثارِ الضَّلالَةِ عَلى الهُدى، فَصارَ ذَلِكَ بَغْيًا شَدِيدًا عَلَيْهِمْ، وتَوْبِيخًا فاضِحًا لَهم، حَيْثُ هم عِنْدَهم حَظٌّ مِن عِلْمِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، ومَعَ ذَلِكَ آثَرُوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ. وكِتابُهم طافِحٌ بِوُجُوبِ اتِّباعِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ. وقِيلَ: اشْتِراءُ الضَّلالَةِ هُنا هو ما كانُوا يَبْذُلُونَ مِن أمْوالِهِمْ لِأحْبارِهِمْ عَلى تَثْبِيتِ دِينِهِمْ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
﴿ويُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ أيْ: لَمْ يَكْفِهِمْ أنْ ضَلُّوا في أنْفُسِهِمْ حَتّى تَعَلَّقَتْ آمالُهم بِضَلالِكم أنْتُمْ أيُّها المُؤْمِنُونَ عَنْ سَبِيلِ الحَقِّ، لِأنَّهم لَمّا عَلِمُوا أنَّهم قَدْ خَرَجُوا مِنَ الحَقِّ إلى الباطِلِ كَرِهُوا أنْ يَكُونَ المُؤْمِنُونَ مُخْتَصِّينَ بِاتِّباعِ الحَقِّ، فَأرادُوا أنْ يَضِلُّوا كَما ضَلُّوا هم كَما قالَ تَعالى: ﴿ودُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً﴾ [النساء: ٨٩] وقَرَأ النَّخَعِيُّ: وتُرِيدُونَ بِالتّاءِ بِاثْنَتَيْنِ مِن فَوْقُ، قِيلَ: مَعْناهُ وتُرِيدُونَ أيُّها المُؤْمِنُونَ أنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ أيْ: تَدَّعُونَ الصَّوابَ في اجْتِنابِهِمْ، وتَحْسَبُونَهم غَيْرَ أعْداءِ اللَّهِ. وقُرِئَ: أنْ يَضِلُّوا بِالياءِ وفَتْحِ الضّادِ وكَسْرِها.
﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِأعْدائِكُمْ﴾ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى الوَصْفِ المُنافِي لِوِدادِ الخَيْرِ لِلْمُؤْمِنِينَ وهي العَداوَةُ. وفِيهِ إشارَةٌ إلى التَّحْذِيرِ مِنهم، وتَوْبِيخٌ عَلى الِاسْتِنامَةِ إلَيْهِمْ والرُّكُونِ، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى قَدْ أخْبَرَ بِعَداوَتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَيَجِبُ حَذَرُهم كَما قالَ تَعالى: ﴿هُمُ العَدُوُّ فاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون: ٤] و(أعْلَمُ) عَلى بابِها مِنَ التَّفْضِيلِ، أيْ: أعْلَمُ بِأعْدائِكم مِنكم. وقِيلَ: بِمَعْنى عَلِيمٍ، أيْ: عَلِيمٌ بِأعْدائِكم.
﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ ومَن كانَ اللَّهُ ولَيَّهُ ونَصِيرَهُ فَلا يُبالِي بِالأعْداءِ، فَثِقُوا بِوِلايَتِهِ ونُصْرَتِهِ دُونَهم أوْ لا تُبالُوا بِهِمْ، فَإنَّهُ يَنْصُرُكم عَلَيْهِمْ، ويَكْفِيكم مَكْرَهم. وقِيلَ: المَعْنى ولِيًّا لِرَسُولِهِ، نَصِيرًا لِدِينِهِ.
والباءُ في (بِاللَّهِ) زائِدَةٌ، ويَجُوزُ حَذْفُها كَما قالَ: سُحَيْمٌ:
؎كَفى الشَّيْبُ والإسْلامُ لِلْمَرْءِ ناهِيًا
وزِيادَتُها في فاعِلِ كَفى وفاعِلِ يَكْفِي مُطَّرِدَةٌ كَما قالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣] وقالَ الزَّجّاجُ: دَخَلَتِ الباءُ في الفاعِلِ، لِأنَّ مَعْنى الكَلامِ الأمْرُ، أيِ: اكْتَفُوا بِاللَّهِ. وكَلامُ الزَّجّاجِ مُشْعِرٌ أنَّ الباءَ لَيْسَتْ بِزائِدَةٍ، ولا يَصِحُّ ما قالَ مِنَ المَعْنى، لِأنَّ الأمْرَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ فاعِلُهُ هُمُ المُخاطِبُونَ، ويَكُونُ (بِاللَّهِ) مُتَعَلِّقًا بِهِ. وكَوْنُ الباءِ دَخَلَتْ في الفاعِلِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الفاعِلُ هو اللَّهُ لا المُخاطَبُونَ، فَتُناقِضُ قَوْلَهُ. وقالَ ابْنُ السَّرّاجِ: مَعْناهُ كَفى الِاكْتِفاءُ بِاللَّهِ، وهَذا أيْضًا يَدُلُّ عَلى أنَّ الباءَ لَيْسَتْ زائِدَةً إذْ تَتَعَلَّقُ بِالِاكْتِفاءِ، فالِاكْتِفاءُ هو الفاعِلُ لِكَفى. وهَذا أيْضًا لا يَصِحُّ لِأنَّ فِيهِ حَذْفَ المَصْدَرِ وهو مَوْصُولٌ، وإبْقاءَ مَعْمُولِهِ (p-٢٦٢)وهُوَ لا يَجُوزُ إلّا في الشِّعْرِ نَحْوَ قَوْلِهِ:
؎هَلْ تَذْكُرُنَّ إلى الدِّيرَيْنِ هِجْرَتَكم ∗∗∗ ومَسْحَكم صُلْبَكم رَحْمانَ قُرْبانا
التَّقْدِيرُ: وقَوْلُكم يا رَحْمَنُ قُرْبانا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بِاللَّهِ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِتَقْدِيرِ زِيادَةِ الخافِضِ، وفائِدَةُ زِيادَتِهِ تَبْيِينُ مَعْنى الأمْرِ في صُورَةِ الخَبَرِ، أيِ: اكْتَفَوْا بِاللَّهِ، فالباءُ تَدُلُّ عَلى المُرادِ مِن ذَلِكَ. وهَذا الَّذِي قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ مُلَفَّقٌ بَعْضُهُ مِن كَلامِ الزَّجّاجِ، وهو أفْسَدُ مِن قَوْلِ الزَّجّاجِ، لِأنَّهُ زادَ عَلى تَناقُضِ اخْتِلافِ الفاعِلِ اخْتِلافَ مَعْنى الحَرْفِ، إذْ بِالنِّسْبَةِ لِكَوْنِ اللَّهِ فاعِلًا هو زائِدٌ، وبِالنِّسْبَةِ إلى أنَّ مَعْناهُ اكْتَفُوا بِاللَّهِ هو غَيْرُ زائِدٍ. وقالَ ابْنُ عِيسى: إنَّما دَخَلَتِ الباءُ في (كَفى بِاللَّهِ) لِأنَّهُ كانَ يَتَّصِلُ الفاعِلُ، وبِدُخُولِ الباءِ اتَّصَلَ اتِّصالَ المُضافِ واتِّصالَ الفاعِلِ، لِأنَّ الكِفايَةَ مِنهُ لَيْسَتْ كالكِفايَةِ مِن غَيْرِهِ، فَضُوعِفَ لَفْظُها المُضاعَفَةَ مَعْناها، وهو كَلامٌ يَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى كَفى بِاللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٦] لَكِنْ تَكَرَّرَ هُنا لِما تَضَمَّنَ مِن مَزِيدِ نُقُولٍ ورَدَ بَعْضُها. وانْتِصابُ ولِيًّا ونَصِيرًا قِيلَ: عَلى الحالِ. وقِيلَ: عَلى التَّمْيِيزِ، وهو أجْوَدُ لِجَوازِ دُخُولِ مِن.
النساء 4:45
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ قالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ. وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: في رِفاعَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ التّابُوتِ. وقِيلَ: في غَيْرِهِ مِنَ اليَهُودِ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ (p-٢٦١)الآخِرَةِ، وأنَّ الكُفّارَ إذْ ذاكَ يَوَدُّونَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا، وجاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ بَعْدَ ذَلِكَ كالِاعْتِراضِ بَيْنَ ذِكْرِ أحْوالِ الكُفّارِ في الآخِرَةِ، وذِكْرِ أحْوالِهِمْ في الدُّنْيا وما هم عَلَيْهِ مِن مُعاداةِ المُؤْمِنِينَ، وكَيْفَ يُعامِلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الَّذِي يَأْتِي شَهِيدًا عَلَيْهِمْ وعَلى غَيْرِهِمْ. ولَمّا كانَ اليَهُودُ أشَدَّ إنْكارًا لِلْحَقِّ، وأبْعَدَ مِن قَبُولِ الخَيْرِ. وكانَ قَدْ تَقَدَّمَ أيْضًا ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ ويَكْتُمُونَ﴾ [النساء: ٣٧]، وهم أشَدُّ النّاسِ تَحَلِّيًا بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ، أخَذَ يُذَكِّرُهم بِخُصُوصِيَّتِهِمْ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ﴾ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣] فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ.
والنَّصِيبُ: الحَظُّ. ومِنَ الكِتابِ: يُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ ﴿أُوتُوا﴾، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لَ نَصِيبًا. وظاهِرُ لَفْظِ ﴿الَّذِينَ أُوتُوا﴾ يَشْمَلُ اليَهُودَ والنَّصارى، ويَكُونُ الكِتابُ عِبارَةً عَنِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ. وقِيلَ: الكِتابُ هُنا التَّوْراةُ، والنَّصِيبُ قِيلَ: بَعْضُ عِلْمِ التَّوْراةِ، لا العَمَلِ بِما فِيها. وقِيلَ: عِلْمُ ما هو حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ مِنهُ فَحَسْبُ. وقِيلَ: كُفْرُهم بِهِ. وقِيلَ: عِلْمُ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ.
﴿يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ﴾ المَعْنى: يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ بِالهُدى، كَما قالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ [البقرة: ١٦] .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اسْتَبْدَلُوا الضَّلالَةَ بِالإيمانِ. وقالَ مُقاتِلٌ: اسْتَبْدَلُوا التَّكْذِيبَ بِالنَّبِيِّ بَعْدَ ظُهُورِهِ بِإيمانِهِمْ بِهِ قَبْلَ ظُهُورِهِ واسْتِنْصارِهِمْ بِهِ انْتَهى. ودَلَّ لَفْظُ الِاشْتِراءِ عَلى إيثارِ الضَّلالَةِ عَلى الهُدى، فَصارَ ذَلِكَ بَغْيًا شَدِيدًا عَلَيْهِمْ، وتَوْبِيخًا فاضِحًا لَهم، حَيْثُ هم عِنْدَهم حَظٌّ مِن عِلْمِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، ومَعَ ذَلِكَ آثَرُوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ. وكِتابُهم طافِحٌ بِوُجُوبِ اتِّباعِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ. وقِيلَ: اشْتِراءُ الضَّلالَةِ هُنا هو ما كانُوا يَبْذُلُونَ مِن أمْوالِهِمْ لِأحْبارِهِمْ عَلى تَثْبِيتِ دِينِهِمْ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
﴿ويُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ أيْ: لَمْ يَكْفِهِمْ أنْ ضَلُّوا في أنْفُسِهِمْ حَتّى تَعَلَّقَتْ آمالُهم بِضَلالِكم أنْتُمْ أيُّها المُؤْمِنُونَ عَنْ سَبِيلِ الحَقِّ، لِأنَّهم لَمّا عَلِمُوا أنَّهم قَدْ خَرَجُوا مِنَ الحَقِّ إلى الباطِلِ كَرِهُوا أنْ يَكُونَ المُؤْمِنُونَ مُخْتَصِّينَ بِاتِّباعِ الحَقِّ، فَأرادُوا أنْ يَضِلُّوا كَما ضَلُّوا هم كَما قالَ تَعالى: ﴿ودُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً﴾ [النساء: ٨٩] وقَرَأ النَّخَعِيُّ: وتُرِيدُونَ بِالتّاءِ بِاثْنَتَيْنِ مِن فَوْقُ، قِيلَ: مَعْناهُ وتُرِيدُونَ أيُّها المُؤْمِنُونَ أنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ أيْ: تَدَّعُونَ الصَّوابَ في اجْتِنابِهِمْ، وتَحْسَبُونَهم غَيْرَ أعْداءِ اللَّهِ. وقُرِئَ: أنْ يَضِلُّوا بِالياءِ وفَتْحِ الضّادِ وكَسْرِها.
﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِأعْدائِكُمْ﴾ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى الوَصْفِ المُنافِي لِوِدادِ الخَيْرِ لِلْمُؤْمِنِينَ وهي العَداوَةُ. وفِيهِ إشارَةٌ إلى التَّحْذِيرِ مِنهم، وتَوْبِيخٌ عَلى الِاسْتِنامَةِ إلَيْهِمْ والرُّكُونِ، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى قَدْ أخْبَرَ بِعَداوَتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَيَجِبُ حَذَرُهم كَما قالَ تَعالى: ﴿هُمُ العَدُوُّ فاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون: ٤] و(أعْلَمُ) عَلى بابِها مِنَ التَّفْضِيلِ، أيْ: أعْلَمُ بِأعْدائِكم مِنكم. وقِيلَ: بِمَعْنى عَلِيمٍ، أيْ: عَلِيمٌ بِأعْدائِكم.
﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ ومَن كانَ اللَّهُ ولَيَّهُ ونَصِيرَهُ فَلا يُبالِي بِالأعْداءِ، فَثِقُوا بِوِلايَتِهِ ونُصْرَتِهِ دُونَهم أوْ لا تُبالُوا بِهِمْ، فَإنَّهُ يَنْصُرُكم عَلَيْهِمْ، ويَكْفِيكم مَكْرَهم. وقِيلَ: المَعْنى ولِيًّا لِرَسُولِهِ، نَصِيرًا لِدِينِهِ.
والباءُ في (بِاللَّهِ) زائِدَةٌ، ويَجُوزُ حَذْفُها كَما قالَ: سُحَيْمٌ:
؎كَفى الشَّيْبُ والإسْلامُ لِلْمَرْءِ ناهِيًا
وزِيادَتُها في فاعِلِ كَفى وفاعِلِ يَكْفِي مُطَّرِدَةٌ كَما قالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣] وقالَ الزَّجّاجُ: دَخَلَتِ الباءُ في الفاعِلِ، لِأنَّ مَعْنى الكَلامِ الأمْرُ، أيِ: اكْتَفُوا بِاللَّهِ. وكَلامُ الزَّجّاجِ مُشْعِرٌ أنَّ الباءَ لَيْسَتْ بِزائِدَةٍ، ولا يَصِحُّ ما قالَ مِنَ المَعْنى، لِأنَّ الأمْرَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ فاعِلُهُ هُمُ المُخاطِبُونَ، ويَكُونُ (بِاللَّهِ) مُتَعَلِّقًا بِهِ. وكَوْنُ الباءِ دَخَلَتْ في الفاعِلِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الفاعِلُ هو اللَّهُ لا المُخاطَبُونَ، فَتُناقِضُ قَوْلَهُ. وقالَ ابْنُ السَّرّاجِ: مَعْناهُ كَفى الِاكْتِفاءُ بِاللَّهِ، وهَذا أيْضًا يَدُلُّ عَلى أنَّ الباءَ لَيْسَتْ زائِدَةً إذْ تَتَعَلَّقُ بِالِاكْتِفاءِ، فالِاكْتِفاءُ هو الفاعِلُ لِكَفى. وهَذا أيْضًا لا يَصِحُّ لِأنَّ فِيهِ حَذْفَ المَصْدَرِ وهو مَوْصُولٌ، وإبْقاءَ مَعْمُولِهِ (p-٢٦٢)وهُوَ لا يَجُوزُ إلّا في الشِّعْرِ نَحْوَ قَوْلِهِ:
؎هَلْ تَذْكُرُنَّ إلى الدِّيرَيْنِ هِجْرَتَكم ∗∗∗ ومَسْحَكم صُلْبَكم رَحْمانَ قُرْبانا
التَّقْدِيرُ: وقَوْلُكم يا رَحْمَنُ قُرْبانا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بِاللَّهِ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِتَقْدِيرِ زِيادَةِ الخافِضِ، وفائِدَةُ زِيادَتِهِ تَبْيِينُ مَعْنى الأمْرِ في صُورَةِ الخَبَرِ، أيِ: اكْتَفَوْا بِاللَّهِ، فالباءُ تَدُلُّ عَلى المُرادِ مِن ذَلِكَ. وهَذا الَّذِي قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ مُلَفَّقٌ بَعْضُهُ مِن كَلامِ الزَّجّاجِ، وهو أفْسَدُ مِن قَوْلِ الزَّجّاجِ، لِأنَّهُ زادَ عَلى تَناقُضِ اخْتِلافِ الفاعِلِ اخْتِلافَ مَعْنى الحَرْفِ، إذْ بِالنِّسْبَةِ لِكَوْنِ اللَّهِ فاعِلًا هو زائِدٌ، وبِالنِّسْبَةِ إلى أنَّ مَعْناهُ اكْتَفُوا بِاللَّهِ هو غَيْرُ زائِدٍ. وقالَ ابْنُ عِيسى: إنَّما دَخَلَتِ الباءُ في (كَفى بِاللَّهِ) لِأنَّهُ كانَ يَتَّصِلُ الفاعِلُ، وبِدُخُولِ الباءِ اتَّصَلَ اتِّصالَ المُضافِ واتِّصالَ الفاعِلِ، لِأنَّ الكِفايَةَ مِنهُ لَيْسَتْ كالكِفايَةِ مِن غَيْرِهِ، فَضُوعِفَ لَفْظُها المُضاعَفَةَ مَعْناها، وهو كَلامٌ يَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى كَفى بِاللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٦] لَكِنْ تَكَرَّرَ هُنا لِما تَضَمَّنَ مِن مَزِيدِ نُقُولٍ ورَدَ بَعْضُها. وانْتِصابُ ولِيًّا ونَصِيرًا قِيلَ: عَلى الحالِ. وقِيلَ: عَلى التَّمْيِيزِ، وهو أجْوَدُ لِجَوازِ دُخُولِ مِن.
النساء 4:46
﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ ظاهِرُهُ الِانْقِطاعُ في الإعْرابِ عَنْ ما قَبْلَهُ، فَيَكُونُ عَلى حَذْفِ مَوْصُوفٍ هو مُبْتَدَأٌ، ومِنَ الَّذِينَ خَبَرُهُ، والتَّقْدِيرُ: مِنَ الَّذِينَ هادُوا قَوْمٌ يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ، وهَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، وأبِي عَلِيٍّ، وحَذْفُ المَوْصُوفِ بَعْدَ (مِن) - جائِزٌ، وإنْ كانَتِ الصِّفَةُ فِعْلًا كَقَوْلِهِمْ: مِنّا ظَعَنَ، ومِنّا أقامَ أيْ: مِنّا نَفَرٌ ظَعَنَ، ومِنّا نَفَرٌ أقامَ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎وما الدَّهْرُ إلّا تارَتانِ فَمِنهُما أمُوتُ وأُخْرى أبْتَغِي العَيْشَ أكْدَحُ
يُرِيدُ: فَمِنهُما تارَةً أمُوتُ فِيها. وخَرَّجَهُ الفَرّاءُ عَلى إضْمارِ مَنِ المَوْصُولَةِ أيْ: مِنَ الَّذِينَ هادُوا مَن يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ، وهَذا عِنْدَ البَصْرِيِّينَ لا يَجُوزُ. وتَأوَّلُوا ما جاءَ مِمّا يُشْبِهُ هَذا عَلى أنَّهُ مِن حَذْفِ المَوْصُوفِ وإقامَةِ الصِّفَةِ مَقامَهُ، قالَ الفَرّاءُ: ومِثْلُهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
؎فَظَلُّوا ومِنهم دَمْعُهُ سابِقٌ لَها ∗∗∗ وآخَرُ يُثْنِي دَمْعَةَ العَيْنِ بِاليَدِ
وهَذا لا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ المَحْذُوفُ مَوْصُولًا، بَلْ يَتَرَجَّحُ أنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا لِعَطْفِ النَّكِرَةِ عَلَيْهِ وهو آخَرُ، إذْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: فَظَلُّوا ومِنهم عاشِقٌ دَمْعُهُ سابِقٌ لَها. وقِيلَ: هو عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ، التَّقْدِيرُ: هم مِنَ الَّذِينَ هادُوا، ويُحَرِّفُونَ حالٌ مِن ضَمِيرِ هادُوا، ومِنَ الَّذِينَ هادُوا مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ، فَقِيلَ: بِـ نَصِيرًا أيْ نَصِيرًا مِنَ الَّذِينَ هادُوا وعَدّاهُ بِـ (مِن) كَما عَدّاهُ في: ﴿ونَصَرْناهُ مِنَ القَوْمِ﴾ [الأنبياء: ٧٧] و﴿فَمَن يَنْصُرُنا مِن بَأْسِ اللَّهِ﴾ [غافر: ٢٩] أيْ: (ومَنَعْناهُ) و(فَمَن يَمْنَعُنا) . وقِيلَ: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ بَيانٌ لِقَوْلِهِ: بِأعْدائِكم، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ. وقِيلَ: حالٌ مِنَ الفاعِلِ في يُرِيدُونَ، قالَهُ أبُو البَقاءِ. قالَ: ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في أُوتُوا لِأنَّ شَيْئًا واحِدًا لا يَكُونُ لَهُ أكْثَرُ مِن حالٍ واحِدَةٍ، إلّا أنْ يَعْطِفَ بَعْضَ الأحْوالِ عَلى بَعْضٍ، ولا يَكُونُ حالًا مِنَ الَّذِينَ لِهَذا المَعْنى انْتَهى. وما ذَكَرَهُ مِن أنَّ ذا الحالِ إذا لَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّدًا لا يَقْتَضِي أكْثَرَ مِن حالٍ واحِدَةٍ - مَسْألَةُ خِلافٍ، فَمِنَ النَّحْوِيِّينَ مَن أجازَ ذَلِكَ. وقِيلَ: مِنَ الَّذِينَ هادُوا بَيانُ ﴿الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ [النساء: ٤٤] لِأنَّهم يَهُودُ ونَصارى، وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِأعْدائِكُمْ﴾ [النساء: ٤٥] ﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا﴾ [النساء: ٤٥] ﴿وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥] جُمَلٌ تَوَسَّطَتْ بَيْنَ البَيانِ والمُبَيَّنِ عَلى سَبِيلِ الِاعْتِراضِ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وبَدَأ بِهِ. ويُضَعِّفُهُ أنَّ هَذِهِ جُمَلٌ ثَلاثٌ، وإذا كانَ الفارِسِيُّ قَدْ مَنَعَ أنْ يُعْتَرَضَ بِجُمْلَتَيْنِ، فَأحْرى أنْ يُمْنَعَ أنْ يُعْتَرَضَ بِثَلاثٍ.
﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ﴾ أيْ: كَلِمَ التَّوْراةِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ، أوْ كَلِمَ القُرْآنِ، وهو قَوْلُ طائِفَةٍ، أوْ كَلِمَ الرَّسُولِ ﷺ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ: كانَ اليَهُودُ يَأْتُونَ النَّبِيَّ ﷺ ويَسْألُونَهُ عَنِ الأمْرِ فَيُخْبِرُهم، ويَرى (p-٢٦٣)أنَّهم يَأْخُذُونَ بِقَوْلِهِ، فَإذا انْصَرَفُوا مِن عِنْدِهِ حَرَّفُوا الكَلامَ. وكَذا قالَ مَكِّيٌّ: إنَّهُ كَلامُ النَّبِيِّ ﷺ . فَتَحْرِيفُ كَلِمِ التَّوْراةِ بِتَغْيِيرِ اللَّفْظِ، وهو الأقَلُّ لِتَحْرِيفِهِمْ (أسْمَرَ رَبْعَةً) في صِفَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِـ (آدَمَ طُوالٍ) مَكانَهُ، وتَحْرِيفِهِمُ الرَّجْمَ بِالحَدِيدِ لَهُ، وبِتَغْيِيرِ التَّأْوِيلِ، وهو الأكْثَرُ قالَهُ الطَّبَرِيُّ. وكانُوا يَتَأوَّلُونَ التَّوْراةَ بِغَيْرِ التَّأْوِيلِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ مَعانِي ألْفاظِها لِأُمُورٍ يَخْتارُونَها ويَتَوَصَّلُونَ بِها إلى أمْوالِ سِفْلَتِهِمْ، وأنَّ التَّحْرِيفَ في كَلِمِ القُرْآنِ أوْ كَلِمِ الرَّسُولِ فَلا يَكُونُ إلّا في التَّأْوِيلِ.
وقُرِئَ: يُحَرِّفُونَ الكِلْمَ بِكَسْرِ الكافِ وسُكُونِ اللّامِ، جَمْعُ كِلْمَةٍ تَخْفِيفِ كَلِمَةٍ. وقَرَأ النَّخَعِيُّ وأبُو رَجاءٍ: يُحَرِّفُونَ الكَلامَ، وجاءَ هُنا ﴿عَنْ مَواضِعِهِ﴾ . وفي المائِدَةِ جاءَ: ﴿عَنْ مَواضِعِهِ﴾ [المائدة: ١٣] وجاءَ ﴿مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ [المائدة: ٤١] .
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أمّا ﴿عَنْ مَواضِعِهِ﴾ فَعَلى ما فَسَّرْنا مِن إزالَتِهِ عَنْ مَواضِعِهِ الَّتِي أوْجَبَتْ حِكْمَةُ اللَّهِ وضْعَهُ فِيها بِما اقْتَضَتْ شَهَواتُهم مِن إبْدالِ غَيْرِهِ مَكانَهُ. وأمّا ﴿مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ [المائدة: ٤١] فالمَعْنى أنَّهُ كانَتْ لَهُ مَواضِعُ هو قَمِنٌ بَأنْ يَكُونَ فِيها، فَحِينَ حَرَّفُوهُ تَرَكُوهُ كالغَرِيبِ الَّذِي لا مَوْضِعَ لَهُ بَعْدَ مَواضِعِهِ ومَقارِّهِ، والمَعْنَيانِ مُتَقارِبانِ. انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُما سِياقانِ، فَحَيْثُ وُصِفُوا بِشِدَّةِ التَّمَرُّدِ والطُّغْيانِ، وإظْهارِ العَداوَةِ، واشْتِرائِهِمُ الضَّلالَةَ، ونَقْضِ المِيثاقِ، جاءَ ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ . ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿ويَقُولُونَ سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾ وقَوْلِهِ: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم لَعَنّاهم وجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ [المائدة: ١٣] فَكَأنَّهم لَمْ يَتْرُكُوا الكَلِمَ مِنَ التَّحْرِيفِ عَنْ ما يُرادُ بِها، ولَمْ تَسْتَقِرَّ في مَواضِعِها، فَيَكُونُ التَّحْرِيفُ بَعْدَ اسْتِقْرارِها، بَلْ بادَرُوا إلى تَحْرِيفِها بِأوَّلِ وهْلَةٍ. وحَيْثُ وُصِفُوا بِبَعْضِ لِينٍ وتَرْدِيدٍ وتَحْكِيمٍ لِلرَّسُولِ في بَعْضِ الأمْرِ، جاءَ﴿مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ [المائدة: ٤١] . ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿يَقُولُونَ إنْ أُوتِيتُمْ هَذا فَخُذُوهُ وإنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فاحْذَرُوا﴾ [المائدة: ٤١] وقَوْلِهِ بَعْدُ: ﴿فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢] فَكَأنَّهم لَمْ يُبادِرُوا بِالتَّحْرِيفِ، بَلْ عَرَضَ لَهُمُ التَّحْرِيفُ بَعْدَ اسْتِقْرارِ الكَلِمِ في مَواضِعِها. وقَدْ يُقالُ أنَّهُما شَيْئانِ، لَكِنَّهُ حَذَفَ هُنا وفي أوَّلِ المائِدَةِ: ﴿مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ [المائدة: ٤١]، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَنْ مَواضِعِهِ﴾ يَدُلُّ عَلى اسْتِقْرارِ مَواضِعَ لَهُ، وحُذِفَ في ثانِي المائِدَةِ ﴿عَنْ مَواضِعِهِ﴾ [المائدة: ١٣]؛ لِأنَّ التَّحْرِيفَ مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَحْرِيفٌ عَنْ مَواضِعِهِ، فالأصْلُ ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ [المائدة: ٤١] . فَحَذَفَ هُنا البَعْدِيَّةَ، وهُناكَ حَذَفَ عَنْها. كُلُّ ذَلِكَ تَوَسُّعٌ في العِبارَةِ، وكانَتِ البَداءَةُ هُنا بِقَوْلِهِ: عَنْ مَواضِعِهِ، لِأنَّهُ أخْصَرُ. وفِيهِ تَنْصِيصٌ بِاللَّفْظِ عَلى عَنْ، وعَلى المَواضِعِ، وإشارَةٌ إلى البَعْدِيَّةِ.
﴿ويَقُولُونَ سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾ أيْ: سَمِعْنا قَوْلَكَ، وعَصَيْنا أمْرَكَ، أوْ سَمِعْناهُ جَهْرًا، وعَصَيْناهُ سِرًّا قَوْلانِ. والظّاهِرُ أنَّهم شافَهُوا بِالجُمْلَتَيْنِ النَّبِيَّ ﷺ مُبالَغَةً مِنهم في عُتُوِّهِمْ في الكُفْرِ، وجَرْيًا عَلى عادَتِهِمْ مَعَ الأنْبِياءِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾ [البقرة: ٩٣] .
﴿واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ هَذا الكَلامُ غَيْرُ مُوَجَّهٍ، ويَحْتَمِلُ وُجُوهًا. والظّاهِرُ أنَّهم أرادُوا بِهِ الوَجْهَ المَكْرُوهَ لِسِياقِ ما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ: سَمِعْنا وعَصَيْنا، فَيَكُونُ مَعْناهُ: اسْمَعْ لا سَمِعْتَ. دَعَوْا عَلَيْهِ بِالمَوْتِ أوْ بِالصَّمَمِ، وأرادُوا ذَلِكَ في الباطِنِ، وأرادُوا في الظّاهِرِ تَعْظِيمَهُ بِذَلِكَ. إذْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: واسْمَعْ غَيْرَ مَأْمُورٍ وغَيْرَ صالِحٍ أنْ تَسْمَعَ مَأْمُورًا بِذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوِ اسْمَعْ غَيْرَ مُجابٍ إلى ما تَدْعُو إلَيْهِ ومَعْناهُ: غَيْرَ مُسْمَعٍ جَوابًا يُوافِقُكَ، فَكَأنَّكَ لَمْ تَسْمَعْ شَيْئًا انْتَهى، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوِ اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ كَلامًا تَرْضاهُ، فَسَمْعُكَ عَنْهُ نابٍ. ويَجُوزُ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ غَيْرُ مَسْمَعٍ مَفْعُولَ اسْمَعْ، أيِ: اسْمَعْ كَلامًا غَيْرَ مُسْمَعٍ إيّاكَ، لِأنَّ أُذُنَكَ لا تَعِيهِ نُبُوًّا عَنْهُ. ويُحْتَمَلُ المَدْحُ أيِ: اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ مَكْرُوهًا مِن قَوْلِكَ: أسْمَعَ فُلانٌ فُلانًا إذا سَبَّهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومَن قالَ: غَيْرَ مُسْمَعٍ غَيْرَ مَقْبُولٍ مِنكَ، فَإنَّهُ لا يُساعِدُهُ التَّصْرِيفُ، وقَدْ حَكاهُ الطَّبَرِيُّ عَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ انْتَهى. ووَجْهُ أنَّ التَّصْرِيفَ لا يُساعِدُ عَلَيْهِ هو (p-٢٦٤)أنَّ العَرَبَ لا تَقُولُ أسْمَعْتُكَ بِمَعْنى قَبِلْتُ مِنكَ، وإنَّما تَقُولُ: سَمِعْتُ مِنكَ بِمَعْنى قَبِلْتُ، فَيُعَبِّرُونَ عَنِ القَبُولِ بِالسَّماعِ عَلى جِهَةِ المَجازِ، لا بِالأسْماعِ. ولَوْ أُرِيدَ ما قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ لَكانَ اللَّفْظُ: واسْمَعْ غَيْرَ مَسْمُوعٍ مِنكَ.
﴿وراعِنا لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ وطَعْنًا في الدِّينِ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ راعِنا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا﴾ [البقرة: ١٠٤] ومَعْنى ﴿لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ﴾ أيْ فَتْلًا بِها. وتَحْرِيفًا عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ حَيْثُ يَضَعُونَ راعِنا مَكانَ انْظُرْنا، وغَيْرَ مُسْمَعٍ مَكانَ لا أُسْمِعْتَ مَكْرُوهًا. أوْ يَفْتِلُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ما يُضْمِرُونَهُ مِنَ الشَّتْمِ إلى ما يُظْهِرُونَهُ مِنَ التَّوْقِيرِ نِفاقًا. وانْتِصابُ ﴿غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ عَلى الحالِ مِنَ المُضْمَرِ في اسْمَعْ، وتَقَدَّمَ إعْرابُ الزَّمَخْشَرِيِّ إيّاهُ مَفْعُولًا في أحَدِ التَّقادِيرِ، وانْتِصابُ لَيًّا وطَعْنًا عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ. وقِيلَ: هُما مَصْدَرانِ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: لاوِينَ وطاعِنِينَ. ومَعْنى: وطَعْنًا في الدِّينِ، أيْ بِاللِّسانِ. وطَعْنُهم فِيهِ إنْكارُ نُبُوَّتِهِ، وتَغْيِيرُ نَعْتِهِ، أوْ عَيْبُ أحْكامِ شَرِيعَتِهِ، أوْ تَجْهِيلُهُ. وقَوْلُهم: لَوْ كانَ نَبِيًّا لَدَرى أنّا نَسُبُّهُ، أوِ اسْتِخْفافُهم واعْتِراضُهم وتَشْكِيكُهُمُ أتْباعَهُ أقْوالٌ أرْبَعَةٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا اللَّيُّ بِاللِّسانِ إلى خِلافِ ما في القَلْبِ مَوْجُودٌ حَتّى الآنَ في بَنِي إسْرائِيلَ، ويُحْفَظُ مِنهُ في عَصْرِنا أمْثِلَةٌ، إلّا أنَّهُ لا يَلِيقُ ذِكْرُها بِهَذا الكِتابِ. انْتَهى. وهو يُحْكى عَنْ يَهُودِ الأنْدَلُسِ، وقَدْ شاهَدْناهم وشاهَدْنا يَهُودَ دِيارِ مِصْرَ عَلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، وكَأنَّهم يُرَبُّونَ أوْلادَهُمُ الصِّغارَ عَلى ذَلِكَ، ويُحَفِّظُونَهم ما يُخاطِبُونَ بِهِ المُسْلِمِينَ مِمّا ظاهِرُهُ التَّوْقِيرُ ويُرِيدُونَ بِهِ التَّحْقِيرَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ جاءُوا بِالقَوْلِ المُحْتَمِلِ ذِي الوَجْهَيْنِ، بَعْدَما صَرَّحُوا وقالُوا سَمِعْنا وعَصَيْنا ؟ قُلْتُ: جَمِيعُ الكَفَرَةِ كانُوا يُواجِهُونَهُ بِالكُفْرِ والعِصْيانِ، ولا يُواجِهُونَهُ بِالسَّبِّ ودُعاءِ السُّوءِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَقُولُوهُ فِيما بَيْنَهم، ويَجُوزُ أنْ لا يَنْطِقُوا بِذَلِكَ، ولَكِنَّهم لَمّا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ جَعَلُوا كَأنَّهم نَطَقُوا بِهِ.
﴿ولَوْ أنَّهم قالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا واسْمَعْ وانْظُرْنا لَكانَ خَيْرًا لَهم وأقْوَمَ﴾ أيْ: لَوْ تَبَدَّلُوا بِالعِصْيانِ الطّاعَةَ، ومِنَ الطّاعَةِ الإيمانُ بِكَ، واقْتَصَرُوا عَلى لَفْظِ اسْمَعْ، وتَبَدَّلُوا بِراعِنا قَوْلَهم: وانْظُرْنا، فَعَدَلُوا عَنِ الألْفاظِ الدّالَّةِ عَلى عَدَمِ الِانْقِيادِ، والمُوهِمَةِ إلى ما أُمِرُوا بِهِ، لَكانَ أيْ: ذَلِكَ القَوْلُ، خَيْرًا لَهم عِنْدَ اللَّهِ وأعْدَلَ أيْ: أقْوَمُ وأصْوَبُ. قالَ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ وغَيْرُهُما: أنْظِرْنا أيِ انْتَظِرْنا بِمَعْنى أفْهِمْنا وتَمَهَّلْ عَلَيْنا حَتّى نَفْهَمَ عَنْكَ ونَعِيَ قَوْلَكَ، كَما قالَ الحُطَيْئَةُ:
؎وقَدْ نَظَرْتُكُمُ أثْناءَ صادِرَةٍ ∗∗∗ لِلْخَمْسِ طالَ بِها مَسْحِي وإبْساسِي
وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ انْظُرْ إلَيْنا، وكَأنَّهُ اسْتِدْعاءُ اهْتِبالٍ وتَحَفٍّ مِنهم. ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ قَيْسِ الرُّقَيّاتِ:
؎ظاهِراتُ الجَمالِ والحُسْنِ يَنْظُرْ ∗∗∗ نَ كَما تَنْظُرُ الأراكَ الظِّباءُ
وقَرَأ أُبَيٌّ: وأنْظِرْنا مِنَ الإنْظارِ وهو الإمْهالُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَعْنى ولَوْ ثَبَتَ قَوْلُهم سَمِعْنا وأطَعْنا لَكانَ قَوْلُهم ذَلِكَ خَيْرًا لَهم وأقْوَمَ وأعْدَلَ وأسَدَّ انْتَهى. فَسَبَكَ مِن أنَّهم قالُوا مَصْدَرًا مُرْتَفِعًا بِثَبْتٍ عَلى الفاعِلِيَّةِ، وهَذا مَذْهَبُ المُبَرِّدِ خِلافًا لِسِيبَوَيْهِ. إذْ يَرى سِيبَوَيْهِ أنَّ أنْ بَعْدَ لَوْ مَعَ ما عَمِلَتْ فِيهِ مُقَدَّرٌ بِاسْمٍ مُبْتَدَأٍ، وهَلِ الخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أمْ لا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ خَبَرٍ لِجَرَيانِ المُسْنَدِ والمُسْنَدِ إلَيْهِ في صِلَةِ أنْ ؟ قَوْلانِ أصَحُّهُما هَذا. فالزَّمَخْشَرِيُّ وافَقَ مَذْهَبَ المُبَرِّدِ، وهو مَذْهَبٌ مَرْجُوحٌ في عِلْمِ النَّحْوِ.
﴿ولَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ أيْ: أبْعَدَهُمُ اللَّهُ عَنِ الهُدى بِسَبَبِ كُفْرِهِمُ السّابِقِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ خَذَلَهم بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وأبْعَدَهم عَنْ ألْطافِهِ. انْتَهى. وهَذا عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِيِّ.
﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ اسْتِثْناءٌ مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ في لَعَنَهم أيْ: إلّا قَلِيلًا لَمْ يَلْعَنْهم فَآمَنُوا، أوِ اسْتِثْناءٌ مِنَ الفاعِلِ في: فَلا يُؤْمِنُونَ، أيْ: إلّا قَلِيلًا فَآمَنُوا كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وكَعْبِ الأحْبارِ، وغَيْرِهِما. أوْ هو راجِعٌ إلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: فَلا يُؤْمِنُونَ أيْ: إلّا إيمانًا قَلِيلًا قَلَّلَهُ إذْ آمَنُوا بِالتَّوْحِيدِ، وكَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ (p-٢٦٥)وبِشَرائِعِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إلّا إيمانًا قَلِيلًا أيْ: ضَعِيفًا رَكِيكًا لا يُعْبَأُ بِهِ، وهو إيمانُهم بِمَن خَلَقَهم مَعَ كُفْرِهِمْ بِغَيْرِهِ. وأرادَ بِالقِلَّةِ العَدَمَ كَقَوْلِهِ:
؎قَلِيلُ التَّشَكِّي لِلْهُمُومِ تُصِيبُهُ
أيْ: عَدِيمُ التَّشَكِّي. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَن عَبَّرَ بِالقِلَّةِ عَنِ الإيمانِ قالَ: هي عِبارَةٌ عَنْ عَدَمِهِ ما حَكى سِيبَوَيْهِ مِن قَوْلِهِمْ: أرْضٌ قَلَّما تُنْبِتُ كَذا، وهي لا تُنْبِتُهُ جُمْلَةً. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ مِن أنَّ التَّقْلِيلَ يُرادُ بِهِ العَدَمُ هو صَحِيحٌ في نَفْسِهِ، لَكِنْ لَيْسَ هَذا التَّرْكِيبُ الِاسْتِثْنائِيُّ مِن تَراكِيبِهِ. فَإذا قُلْتَ: لا أقُومُ إلّا قَلِيلًا، لَمْ يُوضَعْ هَذا لِانْتِقاءِ القِيامِ ألْبَتَّةَ، بَلْ هَذا يَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ القِيامِ مِنكَ إلّا قَلِيلًا فَيُوجَدُ مِنكَ. وإذا قُلْتَ: قَلَّما يَقُومُ أحَدٌ إلّا زِيدٌ، وأقَلُّ رَجُلٍ يَقُولُ ذَلِكَ، احْتَمَلَ هَذا أنْ يُرادَ بِهِ التَّقْلِيلُ المُقابِلُ لِلتَّكْثِيرِ، واحْتَمَلَ أنْ يُرادَ بِهِ النَّفْيُ المَحْضُ. وكَأنَّكَ قُلْتَ: ما يَقُومُ أحَدٌ إلّا زِيدٌ، وما رَجُلٌ يَقُولُ ذَلِكَ. إمّا أنْ تَنْفِيَ ثُمَّ تُوجِبَ ويَصِيرُ الإيجابُ بَعْدَ النَّفْيِ يَدُلُّ عَلى النَّفْيِ، فَلا إذْ تَكُونُ إلّا وما بَعْدَها عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، جِيءَ بِها لَغْوًا لا فائِدَةَ فِيهِ، إذِ الِانْتِفاءُ قَدْ فُهِمَ مِن قَوْلِكِ: لا أقُومُ. فَأيُّ فائِدَةٍ في اسْتِثْناءٍ مُثْبَتٍ يُرادُ بِهِ الِانْتِفاءُ المَفْهُومُ مِنَ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، وأيْضًا، فَإنَّهُ يُؤَدِّي إلى أنْ يَكُونَ ما بَعْدَ (إلّا) مُوافِقًا لِما قَبْلَها في المَعْنى. وبابُ الِاسْتِثْناءِ لا يَكُونُ فِيهِ ما بَعْدَ (إلّا) مُوافِقًا لِما قَبْلَها، وظاهِرُ قَوْلِهِ: فَلا يُؤْمِنُونَ إلّا قَلِيلًا، إذا جَعَلْناهُ عائِدًا إلى الإيمانِ - أنَّ الإيمانَ يَتَجَزَّأُ بِالقِلَّةِ والكَثْرَةِ، فَيَزِيدُ ويَنْقُصُ، والجَوابُ: أنَّ زِيادَتَهُ ونَقَصَهُ هو بِحَسَبِ قِلَّةِ المُتَعَلِّقاتِ وكَثْرَتِها. وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ أنْواعًا مِنَ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ والبَدِيعِ. قالُوا: التَّجَوُّزُ بِإطْلاقِ الشَّيْءِ عَلى ما يُقارِبُهُ في المَعْنى في قَوْلِهِ: إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ، أطْلَقَ الظُّلْمَ عَلى انْتِقاصِ الأجْرِ مِن حَيْثُ إنَّ نَقْصَهُ عَنِ المَوْعُودِ بِهِ قَرِيبٌ في المَعْنى مِنَ الظُّلْمِ، والتَّنْبِيهُ بِما هو أدْنى عَلى ما هو أعْلى في قَوْلِهِ: ﴿مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] . والإبْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿يُضاعِفْها﴾ [النساء: ٤٠]، إذْ لَمْ يُبَيِّنْ فِيهِ المُضاعَفَةَ في الأجْرِ. والسُّؤالُ عَنِ المَعْلُومِ لِتَوْبِيخِ السّامِعِ، أوْ تَقْرِيرِهِ لِنَفْسِهِ في: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا﴾ [النساء: ٤١] . والعُدُولُ مِن بِناءٍ إلى بِناءٍ لِمَعْنى في: ﴿بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] . والتَّجْنِيسُ المُماثِلُ في: ﴿وجِئْنا﴾ [النساء: ٤١] وفي: ﴿وجِئْنا﴾ [النساء: ٤١] وفي: ﴿بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١] وشَهِيدًا. والتَّجْنِيسُ المُغايِرُ: في ﴿واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ . والتَّجَوُّزُ بِإطْلاقِ المَحَلِّ عَلى الحالِّ فِيهِ في: ﴿مِنَ الغائِطِ﴾ [النساء: ٤٣] . والكِنايَةُ في: ﴿أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ [النساء: ٤٣] . والتَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ في: ﴿إلّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣] . والِاسْتِفْهامُ المُرادُ بِهِ التَّعَجُّبُ في: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ [النساء: ٤٩] . والِاسْتِعارَةُ في: ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ﴾ [النساء: ٤٤] . والطِّباقُ في: (هَذا) أيْ: بِالهُدى، والطِّباقُ الظّاهِرُ في: ﴿وعَصَيْنا﴾ وأطَعْنا. والتَّكْرارُ في: ﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا﴾ [النساء: ٤٥]، وكَفى بِاللَّهِ، وفي ﴿سَمِعْنا﴾ و﴿سَمِعْنا﴾ . والحَذْفُ في عِدَّةِ مَواضِعَ.
النساء 4:47
﴿يا أيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكم مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها أوْ نَلْعَنَهم كَما لَعَنّا أصْحابَ السَّبْتِ وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨] ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهم بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٤٩] ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وكَفى بِهِ إثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ٥٠] ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ ويَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء: ٥١] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ومَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٢] ﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ فَإذًا لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ٥٣] ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٥٤] ﴿فَمِنهم مَن آمَنَ بِهِ ومِنهم مَن صَدَّ عَنْهُ وكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ٥٥] ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا العَذابَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٥٦] طَمَسَ: مُتَعَدٍّ ولازِمٌ. تَقُولُ: طَمَسَ المَطَرُ الأعْلامَ، أيْ: مَحا آثارَها، وطُمِسَتِ الأعْلامُ دَرَسَتْ، وطَمَسَ الطَّرِيقُ دَرَسَ وعَفَتْ أعْلامُهُ، قالَهُ أبُو زَيْدٍ. ومِنَ (p-٢٦٦)المُتَعَدِّي: ﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ [المرسلات: ٨] أيِ اسْتُؤْصِلَتْ. وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ في قَوْلِهِ: ﴿اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ﴾ [يونس: ٨٨] أيْ أذْهِبْها كُلِّيَّةً، وأعْمى مَطْمُوسٌ، أيْ: مَسْدُودُ العَيْنَيْنِ. وقالَ كَعْبٌ:
؎مِن كُلِّ نَضّاخَةِ الذِّفْرى إذا عَرِقَتْ عُرْضَتُها طامِسُ الأعْلامِ مَجْهُولُ
والطَّمْسُ والطَّسْمُ والطَّلْسُ والدَّرْسُ كُلُّها مُتَقارِبَةٌ في المَعْنى. الفَتِيلُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ. فَقِيلَ: هو الخَيْطُ الَّذِي في شِقِّ نَواةِ التَّمْرَةِ. وقِيلَ: ما خَرَجَ مِنَ الوَسَخِ مِن بَيْنِ كَفَّيْكَ وأُصْبُعَيْكَ إذا فَتَلْتَهُما. الجِبْتُ: اسْمٌ لِصَنَمٍ ثُمَّ صارَ مُسْتَعْمَلًا لِكُلِّ باطِلٍ، ولِذَلِكَ اخْتَلَفَتْ فِيهِ أقاوِيلُ المُفَسِّرِينَ عَلى ما سَيَأْتِي. وقالَ قُطْرُبٌ: الجِبْتُ الجِبْسُ، وهو الَّذِي لا خَيْرَ عِنْدَهُ، قُلِبَتِ السِّينُ تاءً. قِيلَ: وإنَّما قالَ هَذا لِأنَّ الجِبْتَ مُهْمَلٌ. النَّقِيرُ: النُّقْطَةُ الَّتِي عَلى ظَهْرِ النَّواةِ مِنها تَنْبُتُ النَّخْلَةُ قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ الضَّحّاكُ: هو البَياضُ الَّذِي في وسَطِها. النُّضْجُ: أخْذُ الشَّيْءِ في التَّهَرِّي وتَفَرَّقُ أجْزائِهِ، ومِنهُ نُضْجُ اللَّحْمِ، ونُضْجُ الثَّمَرَةِ. يُقالُ: نَضِجَ الشَّيْءُ يَنْضَجُ نُضْجًا ونِضاجًا. الجِلْدُ مَعْرُوفٌ.
﴿ياأيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾ دَعا رَسُولُ اللَّهِ أحْبارَ اليَهُودِ مِنهم الأعْمَشِ بْنُ صُورِيا إلى الإسْلامِ وقالَ لَهم: (إنَّكم لَتَعْلَمُونَ أنَّ الَّذِي جِئْتُ بِهِ حَقٌّ) فَقالُوا: ما نَعْرِفُ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها هو أنَّهُ تَعالى لَمّا رَجّاهم بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّهم قالُوا﴾ [النساء: ٤٦] الآيَةَ. خاطَبَ مَن يُرْجى إيمانُهُ مِنهم بِالأمْرِ بِالإيمانِ، وقَرَنَ بِالوَعِيدِ البالِغِ عَلى تَرْكِهِ لِيَكُونَ أدْعى لَهم إلى الإيمانِ والتَّصْدِيقِ بِهِ، ثُمَّ أزالَ خَوْفَهم مِن سُوءِ الكَبائِرِ السّابِقَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] الآيَةَ. وأعْلَمَهم أنَّ تَزْكِيَتَهم أنْفُسَهم بِما لَمْ يُزَكِّهِمْ بِهِ اللَّهُ لا يَنْفَعُ.
والَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ هُنا اليَهُودُ، والكِتابُ التَّوْراةُ قالَهُ: الجُمْهُورُ، أوِ اليَهُودُ والنَّصارى قالَهُ: الماوَرْدِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ. والكِتابُ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، و﴿بِما نَزَّلْنا﴾ هو القُرْآنُ بِلا خِلافٍ، ولِما مَعَكم مِن شَرْعٍ ومِلَّةٍ لا لِما مَعَهم مِن مُبَدَّلٍ ومُغَيَّرٍ، ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها﴾ . قَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿نَطْمِسَ﴾ بِكَسْرِ المِيمِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: بِضَمِّها. وهُما لُغَتانِ، والظّاهِرُ أنْ يُرادَ بِالوُجُوهِ مَدْلُولُها الحَقِيقِيُّ، وأمّا طَمْسُها فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعَطِيَّةُ العَوْفِيُّ: هو أنْ تُزالَ العَيْنانِ خاصَّةً مِنها وتُرَدَّ في القَفا، فَيَكُونُ ذَلِكَ رَدًّا عَلى الدُّبُرِ ويَمْشِي القَهْقَرى. وعَلى هَذا يَكُونُ ذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ عُيُونَ وُجُوهٍ، ولا يُرادُ بِذَلِكَ مُطْلَقُ وُجُوهٍ، بَلِ المَعْنى وُجُوهُكم. وقالَتْ طائِفَةٌ: طَمْسُ الوُجُوهِ أنْ يُعَفّى آثارُ الحَواسِّ مِنها فَتَرْجِعَ كَسائِرِ الأعْضاءِ في الخُلُوِّ مِن آثارِ الحَواسِّ مِنها، والرَّدُّ عَلى الأدْبارِ هو بِالمَعْنى أيْ: خُلُوُّهُ مِنَ الحَواسِّ دَثِرَ الوَجْهُ لِكَوْنِهِ عابِرًا بِها، وحَسَّنَ هَذا القَوْلَ الزَّمَخْشَرِيُّ وجَوَّزَهُ وأوْضَحَهُ، فَقالَ: أنْ (p-٢٦٧)نَطْمِسَ وُجُوهًا، أيْ: نَمْحُوَ تَخْطِيطَ صُوَرِها مِن عَيْنٍ وحاجِبٍ وأنْفٍ وفَمٍ، فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها، فَنَجْعَلَها عَلى هَيْئَةِ أدْبارِها وهي الأقْفاءُ، مَطْمُوسَةً مِثْلَها. والفاءُ لِلتَّسْبِيبِ، وإنْ جَعَلْتَها لِلتَّعْقِيبِ عَلى أنَّهم تُوُعِّدُوا بِالعِقابَيْنِ أحَدُهُما عَقِيبَ الآخَرِ رَدُّها عَلى أدْبارِها بَعْدَ طَمْسِها، فالمَعْنى: أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنُنَكِّسَها، الوُجُوهُ إلى خَلْفُ، والأقْفاءُ إلى قُدّامُ انْتَهى. والطَّمْسُ بِمَعْنى المَحْوِ الَّذِي ذَكَرَهُ - مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ القُتَبِيُّ. وقالَ قَتادَةُ والضَّحّاكُ: مَعْناهُ نُعْمِي أعْيُنَها. وذَكَرَ الوُجُوهَ وأرادَ العُيُونَ، لِأنَّ الطَّمْسَ مِن نُعُوتِ العَيْنِ. قالَ تَعالى: ﴿فَطَمَسْنا أعْيُنَهُمْ﴾ [القمر: ٣٧] . ويُرْوى هَذا أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ الفَرّاءُ: طَمْسُ الوُجُوهِ جَعْلُها مَنابِتَ لِلشَّعْرِ كَوُجُوهِ القِرَدَةِ. وقِيلَ: رَدُّها إلى صُورَةٍ بَشِعَةٍ كَوُجُوهِ الخَنازِيرِ والقِرَدَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ والحَسَنُ: ذَلِكَ تَجَوُّزٌ، والمُرادُ وُجُوهُ الهُدى والرُّشْدِ، وطَمْسُها حَتْمُ الإضْلالِ والصَّدِّ عَنْها، والرَّدُّ عَلى الأدْبارِ التَّصْيِيرُ إلى الكُفْرِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الوُجُوهُ هي أوْطانُهم وسُكْناهم في بِلادِهِمُ الَّتِي خَرَجُوا إلَيْها، وطَمْسُها إخْراجُهم مِنها. والرَّدُّ عَلى الأدْبارِ رُجُوعُهم إلى الشّامِ مِن حَيْثُ أتَوْا أوَّلًا. وحَسَّنَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا القَوْلَ، فَقالَ: ووَجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يُرادَ بِالطَّمْسِ القَلْبُ والتَّغْيِيرُ، كَما طَمَسَ أمْوالَ القِبْطِ فَقَلَبَها حِجارَةً، وبِالوُجُوهِ رُءُوسُهم ووُجَهاؤُهم أيْ: مِن قَبْلِ أنْ نُغَيِّرَ أحْوالَ وُجَهائِهِمْ فَنَسْلُبَهم إقْبالَهم ووَجاهَتَهم، وتَكْسُوها صِغارُهم وأدْبارُهم، أوْ نَرُدُّهم إلى حَيْثُ جاءُوا مِنهُ. وهي أذْرِعاتُ الشّامِ، يُرِيدُ إجْلاءَ بَنِي النَّضِيرِ انْتَهى.
﴿أوْ نَلْعَنَهُمْ﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: أنْ نَطْمِسَ. وظاهِرُ اللَّعْنَةِ هو المُتَعارَفُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿مَن لَعَنَهُ اللَّهُ وغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٦٠] . وقالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ نَمْسَخُهم كَما مَسَخْنا أصْحابَ السَّبْتِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هم أصْحابُ أيْلَةَ الَّذِينَ اعْتَدَوْا في السَّبْتِ بِالصَّيْدِ، وكانَتْ لَعْنَتُهم أنْ مُسِخُوا خَنازِيرَ وقِرْدَةً. وقِيلَ: مَعْناهُ نَهِيمُهم في التِّيهِ حَتّى يَمُوتَ أكْثَرُهم.
وظاهِرُ قَوْلِهِ: مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ أوْ نَلْعَنَ - أنَّ ذَلِكَ يَكُونُ في الدُّنْيا. ولِذَلِكَ رُوِيَ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ لَمّا سَمِعَ هَذِهِ الآيَةَ جاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَ أهْلَهُ ويَدُهُ عَلى وجْهِهِ فَأسْلَمَ وقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما كُنْتُ أرى أنْ أصِلَ إلَيْكَ حَتّى يُحَوَّلَ وجْهِي في قَفايَ. وقالَ مالِكٌ: كانَ إسْلامُ كَعْبِ الأحْبارِ أنَّهُ مَرَّ بِرَجُلٍ مِنَ اللَّيْلِ وهو يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ، فَوَضَعَ كَفَّهُ عَلى وجْهِهِ ورَجَعَ القَهْقَرى إلى بَيْتِهِ فَأسْلَمَ مَكانَهُ، وقالَ: واللَّهِ لَقَدْ خِفْتُ أنْ لا أبْلُغُ بَيْتِي حَتّى يُطْمَسَ وجْهِي. وقِيلَ: الطَّمْسُ المَسْخُ لِلْيَهُودِ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ ولا بُدَّ. وقِيلَ: المُرادُ أنَّهُ يَحِلُّ بِهِمْ في القِيامَةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أنَكى لَهم لِفَضِيحَتِهِمْ بَيْنَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، ويَكُونُ ذَلِكَ أوَّلَ ما عُجِّلَ لَهم مِنَ العَذابِ. وهَذا إذا حُمِلَ طَمْسُ الوُجُوهِ عَلى الحَقِيقَةِ، وإمّا إنْ أُرِيدَ بِذَلِكَ تَغْيِيرُ أحْوالِ وُجَهائِهِمْ أوْ وُجُوهِ الهُدى والرُّشْدِ، فَقَدْ وقَعَ ذَلِكَ. وإنْ كانَ الطَّمْسُ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ حَصَلَ اللَّعْنُ، فَإنَّهم مَلْعُونُونَ بِكُلِّ لِسانٍ. وتَعْلِيقُ الإيمانِ بِقَبْلِيَّةِ أحَدِ أمْرَيْنِ لا يَلْزَمُ مِنهُ وُقُوعُهُما، بَلْ مَتى وقَعَ أحَدُهُما صَحَّ التَّعْلِيقُ، ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ تَعْيِينُ أحَدِهِما. وقِيلَ: الوَعِيدُ مَشْرُوطٌ بِالإيمانِ، وقَدْ آمَنَ مِنهم ناسٌ. و(مِن قَبْلُ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (آمَنُوا)، و﴿عَلى أدْبارِها﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿فَنَرُدَّها﴾ .
وقالَ أبُو البَقاءِ: عَلى أدْبارِها حالٌ مِن ضَمِيرِ الوُجُوهِ، والضَّمِيرِ المَنصُوبِ في ﴿نَلْعَنَهُمْ﴾ .
قِيلَ: عائِدٌ عَلى الوُجُوهِ إنْ أُرِيدَ بِهِ الوُجَهاءُ، أوْ عائِدٌ عَلى أصْحابِ الوُجُوهِ، لِأنَّ المَعْنى: مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهَ قَوْمٍ، أوْ عَلى الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ، وهَذا عِنْدِي أحْسَنُ. ومُحَسِّنُ هَذا الِالتِفاتِ هو أنَّهُ تَعالى لَمّا ناداهم كانَ ذَلِكَ تَشْرِيفًا لَهم، وهَزَّ السَّماعِ ما يُلْقِيهِ إلَيْهِمْ، ثُمَّ ألْقى إلَيْهِمُ الأمْرَ بِالإيمانِ بِما نَزَلَ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ الَّذِي نَزَلَ هو مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم مِن كِتابٍ، فَكانَ ذَلِكَ أدْعى إلى الإيمانِ، ثُمَّ ذَكَرَ هَذا الوَعِيدَ البالِغَ فَحَذَفَ المُضافَ إلَيْهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ (p-٢٦٨)والمَعْنى: وُجُوهَكم، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿أوْ نَلْعَنَهُمْ﴾، فَأتى بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ، لِأنَّ الخِطابَ حِينَ كانَ الوَعِيدُ بِطَمْسِ الوُجُوهِ وبِاللَّعْنَةِ لَيْسَ لَهم لِيَبْقى التَّأْنِيسُ والهَمُّ والِاسْتِدْعاءُ إلى الإيمانِ غَيْرَ مَشُوبٍ بِمُفاجَأةِ الخِطابِ الَّذِي يُوحِشُ السّامِعَ ويُرَوِّعُ القَلْبَ ويَصِيرُ أدْعى إلى عَدَمِ القَبُولِ، وهَذا مِن جَلِيلِ المُخاطَبَةِ. وبَدِيعِ المُحاوَرَةِ.
﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ الأمْرُ هُنا واحِدُ الأُمُورِ، واكْتَفى بِهِ لِأنَّهُ دالٌّ عَلى الجِنْسِ، وهو عِبارَةٌ عَنِ المَخْلُوقاتِ: كالعَذابِ، واللَّعْنَةِ، والمَغْفِرَةِ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ المَأْمُورُ، مَصْدَرٌ وقَعَ مَوْقِعُ المَفْعُولِ، والمَعْنى: الَّذِي أرادَهُ أوْجَدَهُ. وقِيلَ: مَعْناهُ أنَّ كُلَّ أمْرٍ أُخِّرَ تَكْوِينُهُ فَهو كائِنٌ لا مَحالَةَ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى لا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ شَيْءٌ يُرِيدُ أنْ يَفْعَلَهُ. وقالَ: وكانَ إخْبارًا عَنْ جَرَيانِ عادَةِ اللَّهِ في تَهْدِيدِهِ الأُمَمَ السّالِفَةَ، وأنَّ ذَلِكَ واقِعٌ لا مَحالَةَ، فاحْتَرِزُوا وكُونُوا عَلى حَذَرٍ مِن هَذا الوَعِيدِ. ولِذَلِكَ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولا بُدَّ أنْ يَقَعَ أحَدُ الأمْرَيْنِ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا، يَعْنِي الطَّمْسَ واللَّعْنَةَ.
النساء 4:48
﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ قالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: نَزَلَتْ في وحْشِيٍّ وأصْحابِهِ، وكانَ جُعِلَ لَهُ عَلى قَتْلِ حَمْزَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنْ يُعْتَقَ، فَلَمْ يُوَفَّ لَهُ، فَقَدِمَ مَكَّةَ ونَدِمَ عَلى الَّذِي صَنَعَهُ هو وأصْحابُهُ، فَكَتَبُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إنّا قَدْ نَدِمْنا عَلى ما صَنَعْنا، ولَيْسَ يَمْنَعُنا عَنِ الإسْلامِ إلّا أنّا سَمِعْناكَ تَقُولُ بِمَكَّةَ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] الآياتِ وقَدْ دَعَوْنا مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ، وقَتَلْنا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، وزَنَيْنا، فَلَوْلا هَذِهِ الآياتُ لاتَّبَعْناكَ، فَنَزَلَتْ: ﴿إلّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ﴾ [الفرقان: ٧٠] الآياتِ، فَبُعِثَ بِها إلَيْهِمْ فَكَتَبُوا: إنَّ هَذا شَرْطٌ شَدِيدٌ نَخافُ أنْ لا نَعْمَلَ عَمَلًا صالِحًا، فَنَزَلَتْ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآيَةَ، فَبُعِثَ بِها إلَيْهِمْ، فَبَعَثُوا إنّا نَخافُ أنْ لا نَكُونَ مِن أهْلِ مَشِيئَتِهِ، فَنَزَلَتْ: ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣] الآياتِ فَبُعِثَ بِها إلَيْهِمْ، فَدَخَلُوا في الإسْلامِ، فَقُبِلَ مِنهم ثُمَّ قالَ لِوَحْشِيٍّ: (أخْبِرْنِي كَيْفَ قَتَلْتَ حَمْزَةَ) ؟ فَلَمّا أخْبَرَهُ قالَ: (ويْحَكَ غَيِّبْ عَنِّي وجْهَكَ) فَلَحِقَ وحْشِيٌّ بِالشّامِ إلى أنْ ماتَ.
وأجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى تَخْلِيدِ مَن ماتَ كافِرًا في النّارِ، وعَلى تَخْلِيدِ مَن ماتَ مُؤْمِنًا لَمْ يُذْنِبْ قَطُّ في الجَنَّةِ. فَأمّا تائِبٌ ماتَ عَلى تَوْبَتِهِ فالجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ لاحِقٌ بِالمُؤْمِنِ الَّذِي لَمْ يُذْنِبْ، وطَرِيقَةُ بَعْضِ المُتَكَلِّمِينَ أنَّهُ في المَشِيئَةِ. وأمّا مُذْنِبٌ ماتَ قَبْلَ تَوْبَتِهِ فالخَوارِجُ تَقُولُ: هو مُخَلَّدٌ في النّارِ، سَواءٌ كانَ صاحِبَ كَبِيرَةٍ أمْ صاحِبَ صَغِيرَةٍ. والمُرْجِئَةُ تَقُولُ: هو في الجَنَّةِ بِإيمانِهِ ولا تَضُرُّهُ سَيِّئاتُهُ. والمُعْتَزِلَةُ تَقُولُ: إنْ كانَ صاحِبَ كَبِيرَةٍ خُلِّدَ في النّارِ. وأمّا أهْلُ السُّنَّةِ فَيَقُولُونَ: هو في المَشِيئَةِ، فَإنْ شاءَ غَفَرَ لَهُ وأدْخَلَهُ الجَنَّةَ مِن أوَّلِ وهْلَةٍ، وإنْ شاءَ عَذَّبَهُ وأخْرَجَهُ مِنَ النّارِ وأدْخَلَهُ الجَنَّةَ بَعْدُ مُخَلَّدًا فِيها.
وسَبَبُ هَذا الِاخْتِلافِ تَعارُضُ عُمُوماتِ آياتِ الوَعِيدِ وآياتِ الوَعْدِ، فالخَوارِجُ جَعَلُوا آياتِ الوَعِيدِ عامَّةً في العُصاةِ كافِرِينَ ومُؤْمِنِينَ غَيْرَ تائِبِينَ. وآياتُ الوَعْدِ مَخْصُوصَةٌ في المُؤْمِنِ الَّذِي لَمْ يُذْنِبْ قَطُّ، أوِ المُذْنِبِ التّائِبِ. والمُرْجِئَةُ جَعَلُوا آياتِ الوَعِيدِ مَخْصُوصَةً في الكُفّارِ، وآياتِ الوَعْدِ مَخْصُوصَةً في المُؤْمِنِ تَقِيِّهِمْ وعاصِيهِمْ. وأهْلُ السُّنَّةِ خَصَّصُوا آياتِ الوَعِيدِ بِالكُفْرِ وبِمَن سَبَقَ في عِلْمِهِ أنَّهُ يُعَذِّبُهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ العُصاةِ، وخَصَّصُوا آياتِ الوَعْدِ بِالمُؤْمِنِ الَّذِي لَمْ يُذْنِبْ، وبِالتّائِبِ، وبِمَن سَبَقَ في عِلْمِهِ العَفُوُّ عَنْهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ العُصاةِ. والمُعْتَزِلَةُ خَصَّصُوا آياتِ الوَعْدِ بِالمُؤْمِنِ الَّذِي لَمْ يُذْنِبْ، وبِالتّائِبِ، وآياتِ الوَعِيدِ بِالكافِرِ وذِي الكَبِيرَةِ الَّذِي لَمْ يَتُبْ.
وهَذِهِ الآيَةُ هي الحاكِمَةُ بِالنَّصِّ في مَوْضِعِ النِّزاعِ، وهي جَلَتِ الشَّكَّ، ورَدَّتْ عَلى هَذِهِ الطَّوائِفِ الثَّلاثِ. فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾، والمَعْنى: أنَّ مَن ماتَ مُشْرِكًا لا يُغْفَرُ لَهُ، هو أصْلٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ مِنَ (p-٢٦٩)الطَّوائِفِ الأرْبَعِ. وقَوْلُهُ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ﴾ رادٌّ عَلى الخَوارِجِ وعَلى المُعْتَزِلَةِ، لِأنَّ ما دُونَ ذَلِكَ عامٌّ تَدْخُلُ فِيهِ الكَبائِرُ والصَّغائِرُ. وقَوْلُهُ: لِمَن يَشاءُ رادٌّ عَلى المُرْجِئَةِ، إذْ مَدْلُولُهُ أنَّ غُفْرانَ ما دُونَ الشِّرْكِ إنَّما هو لِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ عَلى ما شاءَ تَعالى، بِخِلافِ ما زَعَمُوهُ بِأنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ مَغْفُورٌ لَهُ. وأدِلَّةُ هَؤُلاءِ الطَّوائِفِ مَذْكُورَةٌ في عِلْمِ أُصُولِ الدِّينِ. وقَدْ رامَتِ المُعْتَزِلَةُ والمُرْجِئَةُ رَدَّ هَذِهِ الآيَةِ إلى مَقالاتِهِما بِتَأْوِيلاتٍ لا تَصِحُّ، وهي مُنافِيَةٌ لِما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَةُ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: قَدْ ثَبَتَ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وعَلا يَغْفِرُ الشِّرْكَ لِمَن تابَ مِنهُ، وأنَّهُ لا يَغْفِرُ ما دُونَ الشِّرْكِ مِنَ الكَبائِرِ إلّا بِالتَّوْبَةِ، فَما وجْهُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ ؟ قُلْتُ: الوَجْهُ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ المَنفِيُّ والمُثْبَتُ جَمِيعًا مُوَجَّهَيْنِ إلى قَوْلِهِ: ﴿لِمَن يَشاءُ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ الشِّرْكَ، ويَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ما دُونَ الشِّرْكِ. عَلى أنَّ المُرادَ بِالأوَّلِ مَن لَمْ يَتُبْ، وبِالثّانِي مَن تابَ. ونَظِيرُهُ قَوْلُكَ: إنَّ الأمِيرَ لا يَبْذُلُ الدِّينارَ ويَبْذُلُ القِنْطارَ لِمَن يَسْتَأْهِلُهُ انْتَهى كَلامُهُ. فَتَأوَّلَ الآيَةَ عَلى مَذْهَبِهِ. وقَوْلُهُ: قَدْ ثَبَتَ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وعَلا يَغْفِرُ الشِّرْكَ لِمَن تابَ عَنْهُ، هَذا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ. وقَوْلُهُ: وإنَّهُ لا يَغْفِرُ ما دُونَ الشِّرْكِ مِنَ الكَبائِرِ إلّا بِالتَّوْبَةِ. فَنَقُولُ لَهُ: وأيْنَ ثَبَتَ هَذا ؟ وإنَّما يَسْتَدِلُّونَ بِعُمُوماتٍ تَحْتَمِلُ التَّخْصِيصَ، كاسْتِدْلالِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣] الآيَةَ، وقَدْ خَصَّصَها ابْنُ عَبّاسٍ بِالمُسْتَحِلِّ ذَلِكَ وهو كافِرٌ. وقَوْلُهُ: قالَ: فَجَزاؤُهُ أنْ جازاهُ اللَّهُ. وقالَ: الخُلُودُ يُرادُ بِهِ المُكْثُ الطَّوِيلُ لا الدَّيْمُومَةُ لا إلى نِهايَةٍ، وكَلامُ العَرَبِ شاهِدٌ بِذَلِكَ. وقَوْلُهُ: إنَّ الوَجْهَ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ المَنفِيُّ والمُثْبَتُ جَمِيعًا مُوَجَّهَيْنِ إلى قَوْلِهِ: لِمَن يَشاءُ، إنْ عَنى أنَّ الجارَّ يَتَعَلَّقُ بِالفِعْلَيْنِ، فَلا يَصِحُّ ذَلِكَ. وإنْ عَنى أنْ يُقَيِّدَ الأوَّلَ بِالمَشِيئَةِ كَما قَيَّدَ الثّانِي فَهو تَأْوِيلٌ. والَّذِي يُفْهَمُ مِن كَلامِهِ أنَّ الضَّمِيرَ الفاعِلَ في قَوْلِهِ: يَشاءُ عائِدٌ عَلى (مَن)، لا عَلى (اللَّهِ) . لِأنَّ المَعْنى عِنْدَهُ: أنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ الشِّرْكَ لِمَن يَشاءُ أنْ لا يَغْفِرَ لَهُ بِكَوْنِهِ ماتَ عَلى الشِّرْكِ غَيْرَ تائِبٍ مِنهُ، ويَغْفِرُ ما دُونُ الشِّرْكِ مِنَ الكَبائِرِ لِمَن يَشاءُ أنْ يَغْفِرَ لَهُ بِكَوْنِهِ تابَ مِنها. والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ الكَلامِ أنَّهُ لا قَيْدَ في الفِعْلِ الأوَّلِ بِالمَشِيئَةِ، وإنْ كانَتْ جَمِيعُ الكائِناتِ مُتَوَقِّفًا وُجُودُها عَلى مَشِيئَتِهِ عَلى مَذْهَبِنا. وأنَّ الفاعِلَ في يَشاءُ هو عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، لا عَلى (مَن)، والمَعْنى: ويَغْفِرُ ما دُونَ الشِّرْكِ لِمَن يَشاءُ أنْ يَغْفِرَ لَهُ. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِمَن يَشاءُ﴾ تَرْجِئَةٌ عَظِيمَةٌ بِكَوْنِ مَن ماتَ عَلى ذَنْبٍ غَيْرِ الشِّرْكِ لانْقَطَعَ عَلَيْهِ بِالعَذابِ، وإنْ ماتَ مُصِرًّا.
قالَ الأعْمَشِ بْنُ عُمَرَ: كُنّا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ إذا ماتَ الرَّجُلُ عَلى كَبِيرَةٍ شَهِدْنا لَهُ أنَّهُ مِن أهْلِ النّارِ، حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَأمْسَكْنا عَنِ الشَّهاداتِ. وفي حَدِيثِ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ في آخِرِهِ (ومَن أصابَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ أيْ - مِنَ المَعاصِي الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها - فَسَتَرَهُ عَلَيْهِ، فَأمْرُهُ إلى اللَّهِ إنْ شاءَ عَفا عَنْهُ وإنْ شاءَ عَذَّبَهُ) أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. ويُرْوى عَنْ عَلِيٍّ وغَيْرِهِ مِنَ الصَّحابَةِ: ما في القُرْآنِ آيَةٌ أحَبُّ إلَيْنا مِن هَذِهِ الآيَةِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اليَهُودِيَّ يُسَمّى مُشْرِكًا في عُرْفِ الشَّرْعِ، وإلّا كانَ مُغايِرًا لِلْمُشْرِكِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَغْفُورًا لَهُ. ولِأنَّ اتِّصالَ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها إنَّما كانَ لِأنَّها تَتَضَمَّنُ تَهْدِيدَ اليَهُودِ، فاليَهُودُ داخِلَةٌ تَحْتَ اسْمِ الشِّرْكِ. فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا﴾ [المائدة: ٦٩] ثُمَّ قالَ: ﴿والَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ [المائدة: ٨٢] وقَوْلُهُ: ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٠٥] و﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: ١] فالمُغايَرَةُ وقَعَتْ بِحَسَبِ المَفْهُومِ اللُّغَوِيِّ، والِاتِّحادُ بِحَسَبِ المَفْهُومِ الشَّرْعِيِّ.
وقَدْ قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ كافِرٍ مُشْرِكٌ، لِأنَّهُ إذا كَفَرَ مَثَلًا بِنَبِيٍّ زَعَمَ أنَّ هَذِهِ الآياتِ الَّتِي أتى بِها لَيْسَتْ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَيَجْعَلُ ما لا يَكُونُ إلّا لِلَّهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، فَيَصِيرُ مُشْرِكًا بِهَذا المَعْنى. فَعَلى هَذا يَكُونُ التَّقْدِيرُ: إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ كُفْرَ مَن كَفَرَ بِهِ، أوْ بِنَبِيٍّ مِن أنْبِيائِهِ. والمُرادُ: إذْ ألْقى اللَّهُ بِذَلِكَ، لِأنَّ الإيمانَ يُزِيلُ عَنْهُ إطْلاقَ (p-٢٧٠)الوَصْفِ بِما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكُفْرِ بِإجْماعٍ، ولِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: (الإسْلامُ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ) .
﴿ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إثْمًا عَظِيمًا﴾ أيِ اخْتَلَقَ وافْتَعَلَ ما لا يُمْكِنُ. وسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ ؟ قالَ: (أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وقَدْ خَلَقَكَ) .
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهُمْ﴾ قالَ الجُمْهُورُ: هُمُ اليَهُودُ. وقالَ الحَسَنُ وابْنُ زَيْدٍ: هُمُ النَّصارى. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يُزَكِّي بَعْضُهم بَعْضًا لِتُقْبِلَ عَلَيْهِمُ المُلُوكُ وسَفِلَتُهم، ويُواصِلُوهم بِالرِّشا. وقالَ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: قالُوا آباؤُنا الَّذِينَ ماتُوا يُزَكُّونَنا عِنْدَ اللَّهِ ويَشْفَعُونَ لَنا. وقالَ الضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ في آخَرِينَ: أتى مَرْحَبُ بْنُ زَيْدٍ وبَحْرِيُّ بْنُ عَمْرٍو وجَماعَةٌ مِنَ اليَهُودِ إلى النَّبِيِّ ﷺ ومَعَهم أطْفالُهم فَقالُوا: هَلْ عَلى هَؤُلاءِ مِن ذَنْبٍ ؟ فَقالَ: لا. فَقالُوا: نَحْنُ كَهم، ما أذْنَبْنا بِاللَّيْلِ يُكَفَّرُ عَنّا بِالنَّهارِ، وما أذْنَبْنا بِالنَّهارِ يُكَفَّرُ عَنّا بِاللَّيْلِ فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: هو قَوْلُهم: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ. وعَلى القَوْلِ بِأنَّهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى فَتُزَكِّيهِمْ أنْفُسُهم. قالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو مالِكٍ: كانُوا يُقَدِّمُونَ الصِّبْيانَ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ فَيُصَلُّونَ بِهِمْ ويَقُولُونَ: لَيْسَتْ لَهم ذُنُوبٌ، فَإذا صَلّى بِنا المَغْفُورُ لَهُ غُفِرَ لَنا. وقالَ قَتادَةُ والحَسَنُ: هو قَوْلُهم: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١] ﴿كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٣٥] وفي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى الغَضِّ مِمَّنْ يُزَكِّي نَفْسَهُ بِلِسانِهِ ويَصِفُها بِزِيادَةِ الطّاعَةِ والتَّقْوى والزُّلْفى عِنْدَ اللَّهِ. وقَوْلُهُ: (واللَّهِ إنِّي لَأمِينٌ في السَّماءِ، أمِينٌ في الأرْضِ) حِينَ قالَ لَهُ المُنافِقُونَ: اعْدِلْ في القِسْمَةِ؛ إكْذابٌ لَهم إذْ وصَفُوهُ بِخِلافِ ما وصَفَهُ بِهِ رَبُّهُ، وشَتّانَ مَن شَهِدَ اللَّهُ لَهُ بِالتَّزْكِيَةِ، ومَن شَهِدَ لِنَفْسِهِ أوْ شَهِدَ لَهُ مَن لا يَعْلَمُ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ.
قالَ الرّاغِبُ ما مُلَخَّصُهُ: التَّزْكِيَةُ ضَرْبانِ: بِالفِعْلِ، وهو أنْ يَتَحَرّى فِعْلَ ما يُظْهِرُهُ، وبِالقَوْلِ وهو الإخْبارُ عَنْهُ بِذَلِكَ ومَدْحُهُ بِهِ. وحَظَرَ أنْ يُزَكِّيَ الإنْسانُ نَفْسَهُ، بَلْ أنْ يُزَكِّيَ غَيْرَهُ، إلّا عَلى وجْهٍ مَخْصُوصٍ. فالتَّزْكِيَةُ إخْبارٌ بِما يَنْطَوِي عَلَيْهِ الإنْسانُ، ولا يَعْلَمُ ذَلِكَ إلّا اللَّهُ تَعالى.
﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾: بَلْ إضْرابٌ عَنْ تَزْكِيَتِهِمْ أنْفُسَهم، إذْ لَيْسُوا أهْلًا لِذَلِكَ. واعْلَمْ أنَّ المُزَكِّيَ هو اللَّهُ تَعالى، وأنَّهُ تَعالى هو المُعْتَدُّ بِتَزْكِيَتِهِ، إذْ هو العالِمُ بِبَواطِنِ الأشْياءِ والمُطَّلِعُ عَلى خَفِيّاتِها. ومَعْنى يُزَكِّي مَن يَشاءُ أيْ: مَن يَشاءُ تَزْكِيَتَهُ بِأنْ جَعْلَهُ طاهِرًا مُطَهَّرًا، فَذَلِكَ هو الَّذِي يَصِفُهُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ مُزَكًّى.
﴿ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ إشارَةٌ إلى أقَلِّ شَيْءٍ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] فَإذا كانَ تَعالى لا يَظْلِمُ مِقْدارَ فَتِيلٍ، فَكَيْفَ يَظْلِمُ ما هو أكْبَرُ مِنهُ ؟ وجَوَّزُوا أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ في: ولا يَظْلِمُونَ، إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهم، وأنْ يَعُودَ إلى مَن عَلى المَعْنى، إذْ لَوْ عادَ عَلى اللَّفْظِ لَكانَ: ولا يَظْلِمُ وهو أظْهَرُ، لِأنَّهُ أقْرَبُ مَذْكُورٍ، ولِقَطْعِ (بَلْ) ما بَعْدَها عَمّا قَبْلَها. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المَذْكُورَيْنِ مَن زَكّى نَفْسَهُ، ومَن يُزَكِّيهِ اللَّهُ. ولَمْ يَذْكُرِ ابْنُ عَطِيَّةَ غَيْرَ هَذا القَوْلِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ولا يُظْلَمُونَ﴾ أيِ: الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهم يُعاقَبُونَ عَلى تَزْكِيَتِهِمْ أنْفُسَهم حَقَّ جَزائِهِمْ، أوْ مَن يَشاءُ يُثابُونَ ولا يُنْقَصُونَ مِن ثَوابِهِمْ ونَحْوِهِ، فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكم، هو أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى، انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ألَمْ تَرَ بِفَتْحِ الرّاءِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ: بِسُكُونِها إجْراءً لِلْوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ. وقِيلَ: هي لُغَةُ قَوْمٍ لا يَكْتَفُونَ بِالجَزْمِ بِحَذْفِ لامِ الفِعْلِ، بَلْ يُسَكِّنُونَ بَعْدَهُ عَيْنَ الفِعْلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولا يُظْلَمُونَ﴾ بِالياءِ. وقَرَأتْ طائِفَةٌ: (ولا تُظْلَمُونَ) بِتاءِ الخِطابِ. وانْتِصابُ ﴿فَتِيلًا﴾ - قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ، ويَعْنِي عَلى تَضْمِينِ (تُظْلَمُونَ) مَعْنى ما يَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ، والمَعْنى: مِقْدارَ فَتِيلٍ، وهو كِنايَةٌ عَنْ أحْقَرِ شَيْءٍ. وإلى أنَّهُ الخَيْطُ الَّذِي في شِقِّ النَّواةِ - ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ وعَطاءٌ ومُجاهِدٌ. وإلى أنَّهُ ما يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الأصابِعِ أوِ الكَفَّيْنِ بِالفَتْلِ ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وأبُو مالِكٍ والسُّدِّيُّ. وإلى أنَّهُ نَفْسُ الشِّقِّ ذَهَبَ الحَسَنُ.
النساء 4:49
﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ قالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: نَزَلَتْ في وحْشِيٍّ وأصْحابِهِ، وكانَ جُعِلَ لَهُ عَلى قَتْلِ حَمْزَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنْ يُعْتَقَ، فَلَمْ يُوَفَّ لَهُ، فَقَدِمَ مَكَّةَ ونَدِمَ عَلى الَّذِي صَنَعَهُ هو وأصْحابُهُ، فَكَتَبُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إنّا قَدْ نَدِمْنا عَلى ما صَنَعْنا، ولَيْسَ يَمْنَعُنا عَنِ الإسْلامِ إلّا أنّا سَمِعْناكَ تَقُولُ بِمَكَّةَ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] الآياتِ وقَدْ دَعَوْنا مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ، وقَتَلْنا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، وزَنَيْنا، فَلَوْلا هَذِهِ الآياتُ لاتَّبَعْناكَ، فَنَزَلَتْ: ﴿إلّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ﴾ [الفرقان: ٧٠] الآياتِ، فَبُعِثَ بِها إلَيْهِمْ فَكَتَبُوا: إنَّ هَذا شَرْطٌ شَدِيدٌ نَخافُ أنْ لا نَعْمَلَ عَمَلًا صالِحًا، فَنَزَلَتْ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآيَةَ، فَبُعِثَ بِها إلَيْهِمْ، فَبَعَثُوا إنّا نَخافُ أنْ لا نَكُونَ مِن أهْلِ مَشِيئَتِهِ، فَنَزَلَتْ: ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣] الآياتِ فَبُعِثَ بِها إلَيْهِمْ، فَدَخَلُوا في الإسْلامِ، فَقُبِلَ مِنهم ثُمَّ قالَ لِوَحْشِيٍّ: (أخْبِرْنِي كَيْفَ قَتَلْتَ حَمْزَةَ) ؟ فَلَمّا أخْبَرَهُ قالَ: (ويْحَكَ غَيِّبْ عَنِّي وجْهَكَ) فَلَحِقَ وحْشِيٌّ بِالشّامِ إلى أنْ ماتَ.
وأجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى تَخْلِيدِ مَن ماتَ كافِرًا في النّارِ، وعَلى تَخْلِيدِ مَن ماتَ مُؤْمِنًا لَمْ يُذْنِبْ قَطُّ في الجَنَّةِ. فَأمّا تائِبٌ ماتَ عَلى تَوْبَتِهِ فالجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ لاحِقٌ بِالمُؤْمِنِ الَّذِي لَمْ يُذْنِبْ، وطَرِيقَةُ بَعْضِ المُتَكَلِّمِينَ أنَّهُ في المَشِيئَةِ. وأمّا مُذْنِبٌ ماتَ قَبْلَ تَوْبَتِهِ فالخَوارِجُ تَقُولُ: هو مُخَلَّدٌ في النّارِ، سَواءٌ كانَ صاحِبَ كَبِيرَةٍ أمْ صاحِبَ صَغِيرَةٍ. والمُرْجِئَةُ تَقُولُ: هو في الجَنَّةِ بِإيمانِهِ ولا تَضُرُّهُ سَيِّئاتُهُ. والمُعْتَزِلَةُ تَقُولُ: إنْ كانَ صاحِبَ كَبِيرَةٍ خُلِّدَ في النّارِ. وأمّا أهْلُ السُّنَّةِ فَيَقُولُونَ: هو في المَشِيئَةِ، فَإنْ شاءَ غَفَرَ لَهُ وأدْخَلَهُ الجَنَّةَ مِن أوَّلِ وهْلَةٍ، وإنْ شاءَ عَذَّبَهُ وأخْرَجَهُ مِنَ النّارِ وأدْخَلَهُ الجَنَّةَ بَعْدُ مُخَلَّدًا فِيها.
وسَبَبُ هَذا الِاخْتِلافِ تَعارُضُ عُمُوماتِ آياتِ الوَعِيدِ وآياتِ الوَعْدِ، فالخَوارِجُ جَعَلُوا آياتِ الوَعِيدِ عامَّةً في العُصاةِ كافِرِينَ ومُؤْمِنِينَ غَيْرَ تائِبِينَ. وآياتُ الوَعْدِ مَخْصُوصَةٌ في المُؤْمِنِ الَّذِي لَمْ يُذْنِبْ قَطُّ، أوِ المُذْنِبِ التّائِبِ. والمُرْجِئَةُ جَعَلُوا آياتِ الوَعِيدِ مَخْصُوصَةً في الكُفّارِ، وآياتِ الوَعْدِ مَخْصُوصَةً في المُؤْمِنِ تَقِيِّهِمْ وعاصِيهِمْ. وأهْلُ السُّنَّةِ خَصَّصُوا آياتِ الوَعِيدِ بِالكُفْرِ وبِمَن سَبَقَ في عِلْمِهِ أنَّهُ يُعَذِّبُهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ العُصاةِ، وخَصَّصُوا آياتِ الوَعْدِ بِالمُؤْمِنِ الَّذِي لَمْ يُذْنِبْ، وبِالتّائِبِ، وبِمَن سَبَقَ في عِلْمِهِ العَفُوُّ عَنْهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ العُصاةِ. والمُعْتَزِلَةُ خَصَّصُوا آياتِ الوَعْدِ بِالمُؤْمِنِ الَّذِي لَمْ يُذْنِبْ، وبِالتّائِبِ، وآياتِ الوَعِيدِ بِالكافِرِ وذِي الكَبِيرَةِ الَّذِي لَمْ يَتُبْ.
وهَذِهِ الآيَةُ هي الحاكِمَةُ بِالنَّصِّ في مَوْضِعِ النِّزاعِ، وهي جَلَتِ الشَّكَّ، ورَدَّتْ عَلى هَذِهِ الطَّوائِفِ الثَّلاثِ. فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾، والمَعْنى: أنَّ مَن ماتَ مُشْرِكًا لا يُغْفَرُ لَهُ، هو أصْلٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ مِنَ (p-٢٦٩)الطَّوائِفِ الأرْبَعِ. وقَوْلُهُ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ﴾ رادٌّ عَلى الخَوارِجِ وعَلى المُعْتَزِلَةِ، لِأنَّ ما دُونَ ذَلِكَ عامٌّ تَدْخُلُ فِيهِ الكَبائِرُ والصَّغائِرُ. وقَوْلُهُ: لِمَن يَشاءُ رادٌّ عَلى المُرْجِئَةِ، إذْ مَدْلُولُهُ أنَّ غُفْرانَ ما دُونَ الشِّرْكِ إنَّما هو لِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ عَلى ما شاءَ تَعالى، بِخِلافِ ما زَعَمُوهُ بِأنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ مَغْفُورٌ لَهُ. وأدِلَّةُ هَؤُلاءِ الطَّوائِفِ مَذْكُورَةٌ في عِلْمِ أُصُولِ الدِّينِ. وقَدْ رامَتِ المُعْتَزِلَةُ والمُرْجِئَةُ رَدَّ هَذِهِ الآيَةِ إلى مَقالاتِهِما بِتَأْوِيلاتٍ لا تَصِحُّ، وهي مُنافِيَةٌ لِما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَةُ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: قَدْ ثَبَتَ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وعَلا يَغْفِرُ الشِّرْكَ لِمَن تابَ مِنهُ، وأنَّهُ لا يَغْفِرُ ما دُونَ الشِّرْكِ مِنَ الكَبائِرِ إلّا بِالتَّوْبَةِ، فَما وجْهُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ ؟ قُلْتُ: الوَجْهُ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ المَنفِيُّ والمُثْبَتُ جَمِيعًا مُوَجَّهَيْنِ إلى قَوْلِهِ: ﴿لِمَن يَشاءُ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ الشِّرْكَ، ويَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ما دُونَ الشِّرْكِ. عَلى أنَّ المُرادَ بِالأوَّلِ مَن لَمْ يَتُبْ، وبِالثّانِي مَن تابَ. ونَظِيرُهُ قَوْلُكَ: إنَّ الأمِيرَ لا يَبْذُلُ الدِّينارَ ويَبْذُلُ القِنْطارَ لِمَن يَسْتَأْهِلُهُ انْتَهى كَلامُهُ. فَتَأوَّلَ الآيَةَ عَلى مَذْهَبِهِ. وقَوْلُهُ: قَدْ ثَبَتَ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وعَلا يَغْفِرُ الشِّرْكَ لِمَن تابَ عَنْهُ، هَذا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ. وقَوْلُهُ: وإنَّهُ لا يَغْفِرُ ما دُونَ الشِّرْكِ مِنَ الكَبائِرِ إلّا بِالتَّوْبَةِ. فَنَقُولُ لَهُ: وأيْنَ ثَبَتَ هَذا ؟ وإنَّما يَسْتَدِلُّونَ بِعُمُوماتٍ تَحْتَمِلُ التَّخْصِيصَ، كاسْتِدْلالِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣] الآيَةَ، وقَدْ خَصَّصَها ابْنُ عَبّاسٍ بِالمُسْتَحِلِّ ذَلِكَ وهو كافِرٌ. وقَوْلُهُ: قالَ: فَجَزاؤُهُ أنْ جازاهُ اللَّهُ. وقالَ: الخُلُودُ يُرادُ بِهِ المُكْثُ الطَّوِيلُ لا الدَّيْمُومَةُ لا إلى نِهايَةٍ، وكَلامُ العَرَبِ شاهِدٌ بِذَلِكَ. وقَوْلُهُ: إنَّ الوَجْهَ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ المَنفِيُّ والمُثْبَتُ جَمِيعًا مُوَجَّهَيْنِ إلى قَوْلِهِ: لِمَن يَشاءُ، إنْ عَنى أنَّ الجارَّ يَتَعَلَّقُ بِالفِعْلَيْنِ، فَلا يَصِحُّ ذَلِكَ. وإنْ عَنى أنْ يُقَيِّدَ الأوَّلَ بِالمَشِيئَةِ كَما قَيَّدَ الثّانِي فَهو تَأْوِيلٌ. والَّذِي يُفْهَمُ مِن كَلامِهِ أنَّ الضَّمِيرَ الفاعِلَ في قَوْلِهِ: يَشاءُ عائِدٌ عَلى (مَن)، لا عَلى (اللَّهِ) . لِأنَّ المَعْنى عِنْدَهُ: أنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ الشِّرْكَ لِمَن يَشاءُ أنْ لا يَغْفِرَ لَهُ بِكَوْنِهِ ماتَ عَلى الشِّرْكِ غَيْرَ تائِبٍ مِنهُ، ويَغْفِرُ ما دُونُ الشِّرْكِ مِنَ الكَبائِرِ لِمَن يَشاءُ أنْ يَغْفِرَ لَهُ بِكَوْنِهِ تابَ مِنها. والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ الكَلامِ أنَّهُ لا قَيْدَ في الفِعْلِ الأوَّلِ بِالمَشِيئَةِ، وإنْ كانَتْ جَمِيعُ الكائِناتِ مُتَوَقِّفًا وُجُودُها عَلى مَشِيئَتِهِ عَلى مَذْهَبِنا. وأنَّ الفاعِلَ في يَشاءُ هو عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، لا عَلى (مَن)، والمَعْنى: ويَغْفِرُ ما دُونَ الشِّرْكِ لِمَن يَشاءُ أنْ يَغْفِرَ لَهُ. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِمَن يَشاءُ﴾ تَرْجِئَةٌ عَظِيمَةٌ بِكَوْنِ مَن ماتَ عَلى ذَنْبٍ غَيْرِ الشِّرْكِ لانْقَطَعَ عَلَيْهِ بِالعَذابِ، وإنْ ماتَ مُصِرًّا.
قالَ الأعْمَشِ بْنُ عُمَرَ: كُنّا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ إذا ماتَ الرَّجُلُ عَلى كَبِيرَةٍ شَهِدْنا لَهُ أنَّهُ مِن أهْلِ النّارِ، حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَأمْسَكْنا عَنِ الشَّهاداتِ. وفي حَدِيثِ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ في آخِرِهِ (ومَن أصابَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ أيْ - مِنَ المَعاصِي الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها - فَسَتَرَهُ عَلَيْهِ، فَأمْرُهُ إلى اللَّهِ إنْ شاءَ عَفا عَنْهُ وإنْ شاءَ عَذَّبَهُ) أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. ويُرْوى عَنْ عَلِيٍّ وغَيْرِهِ مِنَ الصَّحابَةِ: ما في القُرْآنِ آيَةٌ أحَبُّ إلَيْنا مِن هَذِهِ الآيَةِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اليَهُودِيَّ يُسَمّى مُشْرِكًا في عُرْفِ الشَّرْعِ، وإلّا كانَ مُغايِرًا لِلْمُشْرِكِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَغْفُورًا لَهُ. ولِأنَّ اتِّصالَ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها إنَّما كانَ لِأنَّها تَتَضَمَّنُ تَهْدِيدَ اليَهُودِ، فاليَهُودُ داخِلَةٌ تَحْتَ اسْمِ الشِّرْكِ. فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا﴾ [المائدة: ٦٩] ثُمَّ قالَ: ﴿والَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ [المائدة: ٨٢] وقَوْلُهُ: ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٠٥] و﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: ١] فالمُغايَرَةُ وقَعَتْ بِحَسَبِ المَفْهُومِ اللُّغَوِيِّ، والِاتِّحادُ بِحَسَبِ المَفْهُومِ الشَّرْعِيِّ.
وقَدْ قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ كافِرٍ مُشْرِكٌ، لِأنَّهُ إذا كَفَرَ مَثَلًا بِنَبِيٍّ زَعَمَ أنَّ هَذِهِ الآياتِ الَّتِي أتى بِها لَيْسَتْ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَيَجْعَلُ ما لا يَكُونُ إلّا لِلَّهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، فَيَصِيرُ مُشْرِكًا بِهَذا المَعْنى. فَعَلى هَذا يَكُونُ التَّقْدِيرُ: إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ كُفْرَ مَن كَفَرَ بِهِ، أوْ بِنَبِيٍّ مِن أنْبِيائِهِ. والمُرادُ: إذْ ألْقى اللَّهُ بِذَلِكَ، لِأنَّ الإيمانَ يُزِيلُ عَنْهُ إطْلاقَ (p-٢٧٠)الوَصْفِ بِما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكُفْرِ بِإجْماعٍ، ولِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: (الإسْلامُ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ) .
﴿ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إثْمًا عَظِيمًا﴾ أيِ اخْتَلَقَ وافْتَعَلَ ما لا يُمْكِنُ. وسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ ؟ قالَ: (أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وقَدْ خَلَقَكَ) .
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهُمْ﴾ قالَ الجُمْهُورُ: هُمُ اليَهُودُ. وقالَ الحَسَنُ وابْنُ زَيْدٍ: هُمُ النَّصارى. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يُزَكِّي بَعْضُهم بَعْضًا لِتُقْبِلَ عَلَيْهِمُ المُلُوكُ وسَفِلَتُهم، ويُواصِلُوهم بِالرِّشا. وقالَ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: قالُوا آباؤُنا الَّذِينَ ماتُوا يُزَكُّونَنا عِنْدَ اللَّهِ ويَشْفَعُونَ لَنا. وقالَ الضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ في آخَرِينَ: أتى مَرْحَبُ بْنُ زَيْدٍ وبَحْرِيُّ بْنُ عَمْرٍو وجَماعَةٌ مِنَ اليَهُودِ إلى النَّبِيِّ ﷺ ومَعَهم أطْفالُهم فَقالُوا: هَلْ عَلى هَؤُلاءِ مِن ذَنْبٍ ؟ فَقالَ: لا. فَقالُوا: نَحْنُ كَهم، ما أذْنَبْنا بِاللَّيْلِ يُكَفَّرُ عَنّا بِالنَّهارِ، وما أذْنَبْنا بِالنَّهارِ يُكَفَّرُ عَنّا بِاللَّيْلِ فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: هو قَوْلُهم: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ. وعَلى القَوْلِ بِأنَّهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى فَتُزَكِّيهِمْ أنْفُسُهم. قالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو مالِكٍ: كانُوا يُقَدِّمُونَ الصِّبْيانَ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ فَيُصَلُّونَ بِهِمْ ويَقُولُونَ: لَيْسَتْ لَهم ذُنُوبٌ، فَإذا صَلّى بِنا المَغْفُورُ لَهُ غُفِرَ لَنا. وقالَ قَتادَةُ والحَسَنُ: هو قَوْلُهم: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١] ﴿كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٣٥] وفي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى الغَضِّ مِمَّنْ يُزَكِّي نَفْسَهُ بِلِسانِهِ ويَصِفُها بِزِيادَةِ الطّاعَةِ والتَّقْوى والزُّلْفى عِنْدَ اللَّهِ. وقَوْلُهُ: (واللَّهِ إنِّي لَأمِينٌ في السَّماءِ، أمِينٌ في الأرْضِ) حِينَ قالَ لَهُ المُنافِقُونَ: اعْدِلْ في القِسْمَةِ؛ إكْذابٌ لَهم إذْ وصَفُوهُ بِخِلافِ ما وصَفَهُ بِهِ رَبُّهُ، وشَتّانَ مَن شَهِدَ اللَّهُ لَهُ بِالتَّزْكِيَةِ، ومَن شَهِدَ لِنَفْسِهِ أوْ شَهِدَ لَهُ مَن لا يَعْلَمُ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ.
قالَ الرّاغِبُ ما مُلَخَّصُهُ: التَّزْكِيَةُ ضَرْبانِ: بِالفِعْلِ، وهو أنْ يَتَحَرّى فِعْلَ ما يُظْهِرُهُ، وبِالقَوْلِ وهو الإخْبارُ عَنْهُ بِذَلِكَ ومَدْحُهُ بِهِ. وحَظَرَ أنْ يُزَكِّيَ الإنْسانُ نَفْسَهُ، بَلْ أنْ يُزَكِّيَ غَيْرَهُ، إلّا عَلى وجْهٍ مَخْصُوصٍ. فالتَّزْكِيَةُ إخْبارٌ بِما يَنْطَوِي عَلَيْهِ الإنْسانُ، ولا يَعْلَمُ ذَلِكَ إلّا اللَّهُ تَعالى.
﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾: بَلْ إضْرابٌ عَنْ تَزْكِيَتِهِمْ أنْفُسَهم، إذْ لَيْسُوا أهْلًا لِذَلِكَ. واعْلَمْ أنَّ المُزَكِّيَ هو اللَّهُ تَعالى، وأنَّهُ تَعالى هو المُعْتَدُّ بِتَزْكِيَتِهِ، إذْ هو العالِمُ بِبَواطِنِ الأشْياءِ والمُطَّلِعُ عَلى خَفِيّاتِها. ومَعْنى يُزَكِّي مَن يَشاءُ أيْ: مَن يَشاءُ تَزْكِيَتَهُ بِأنْ جَعْلَهُ طاهِرًا مُطَهَّرًا، فَذَلِكَ هو الَّذِي يَصِفُهُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ مُزَكًّى.
﴿ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ إشارَةٌ إلى أقَلِّ شَيْءٍ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] فَإذا كانَ تَعالى لا يَظْلِمُ مِقْدارَ فَتِيلٍ، فَكَيْفَ يَظْلِمُ ما هو أكْبَرُ مِنهُ ؟ وجَوَّزُوا أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ في: ولا يَظْلِمُونَ، إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهم، وأنْ يَعُودَ إلى مَن عَلى المَعْنى، إذْ لَوْ عادَ عَلى اللَّفْظِ لَكانَ: ولا يَظْلِمُ وهو أظْهَرُ، لِأنَّهُ أقْرَبُ مَذْكُورٍ، ولِقَطْعِ (بَلْ) ما بَعْدَها عَمّا قَبْلَها. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المَذْكُورَيْنِ مَن زَكّى نَفْسَهُ، ومَن يُزَكِّيهِ اللَّهُ. ولَمْ يَذْكُرِ ابْنُ عَطِيَّةَ غَيْرَ هَذا القَوْلِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ولا يُظْلَمُونَ﴾ أيِ: الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهم يُعاقَبُونَ عَلى تَزْكِيَتِهِمْ أنْفُسَهم حَقَّ جَزائِهِمْ، أوْ مَن يَشاءُ يُثابُونَ ولا يُنْقَصُونَ مِن ثَوابِهِمْ ونَحْوِهِ، فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكم، هو أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى، انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ألَمْ تَرَ بِفَتْحِ الرّاءِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ: بِسُكُونِها إجْراءً لِلْوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ. وقِيلَ: هي لُغَةُ قَوْمٍ لا يَكْتَفُونَ بِالجَزْمِ بِحَذْفِ لامِ الفِعْلِ، بَلْ يُسَكِّنُونَ بَعْدَهُ عَيْنَ الفِعْلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولا يُظْلَمُونَ﴾ بِالياءِ. وقَرَأتْ طائِفَةٌ: (ولا تُظْلَمُونَ) بِتاءِ الخِطابِ. وانْتِصابُ ﴿فَتِيلًا﴾ - قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ، ويَعْنِي عَلى تَضْمِينِ (تُظْلَمُونَ) مَعْنى ما يَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ، والمَعْنى: مِقْدارَ فَتِيلٍ، وهو كِنايَةٌ عَنْ أحْقَرِ شَيْءٍ. وإلى أنَّهُ الخَيْطُ الَّذِي في شِقِّ النَّواةِ - ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ وعَطاءٌ ومُجاهِدٌ. وإلى أنَّهُ ما يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الأصابِعِ أوِ الكَفَّيْنِ بِالفَتْلِ ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وأبُو مالِكٍ والسُّدِّيُّ. وإلى أنَّهُ نَفْسُ الشِّقِّ ذَهَبَ الحَسَنُ.
النساء 4:50
﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ هو خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ . ولَمّا خاطَبَهُ أوَّلًا بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ [النساء: ٤٩] أيْ (p-٢٧١)ألا تَعْجَبُ لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهم ؟ خاطَبَهُ ثانِيًا بِالنَّظَرِ في كَيْفِيَّةِ افْتِرائِهِمُ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ، وأتى بِصِيغَةِ يَفْتَرُونَ الدّالَّةِ عَلى المُلابَسَةِ والدَّيْمُومَةِ، ولَمْ يَخُصَّ الكَذِبَ في تَزْكِيَتِهِمْ أنْفُسَهم، بَلْ عَمَّمَ في ذَلِكَ وفي غَيْرِهِ. وأيُّ ذَنْبٍ أعْظَمُ مِمَّنْ يَفْتَرِي عَلى اللَّهِ الكَذِبَ ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام: ٢١] فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ.
وكَيْفَ: سُؤالٌ عَنْ حالٍ، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ والعامِلُ فِيهِ يَفْتَرُونَ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِانْظُرْ؛ لِأنَّ انْظُرْ مُعَلَّقَةٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وكَيْفَ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ يَفْتَرُونَ ؟ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ والخَبَرِ في قَوْلِهِ: يَفْتَرُونَ انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: يَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ يَفْتَرُونَ، فَصَحِيحٌ عَلى ما قَرَّرْناهُ؛ وأمّا قَوْلُهُ: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ في قَوْلِهِ يَفْتَرُونَ، فَهَذا لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أحَدٌ؛ لِأنَّ كَيْفَ لَيْسَتْ مِنَ الأسْماءِ الَّتِي يَجُوزُ الِابْتِداءُ بِها؛ وإنَّما قَوْلُهُ: كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ في التَّرْكِيبِ نَظِيرُ كَيْفَ يَضْرِبُ زَيْدٌ عَمْرًا، ولَوْ كانَتْ مِمّا يَجُوزُ الِابْتِداءُ بِها ما جازَ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً في هَذا التَّرْكِيبِ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ أنَّ الخَبَرَ هي الجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: يَفْتَرُونَ، ولَيْسَ فِيها رابِطٌ يَرْبُطُ هَذِهِ الجُمْلَةَ بِالمُبْتَدَأِ، ولَيْسَتِ الجُمْلَةُ نَفْسَ المُبْتَدَأِ في المَعْنى؛ فَلا يَحْتاجُ إلى رابِطٍ. فَهَذا الَّذِي قالَ فِيهِ ويَصِحُّ، هو فاسِدٌ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ.
﴿وكَفى بِهِ إثْمًا مُبِينًا﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ في نَظِيرِهِ، وكَفى بِهِ. والضَّمِيرُ في بِهِ، عائِدٌ عَلى الِافْتِراءِ، وهو الَّذِي أنْكَرَ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ عَلى الكَذِبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكَفى بِزَعْمِهِمْ؛ لِأنَّهُ قالَ: ”كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ“ في زَعْمِهِمْ أنَّهم عِنْدَ اللَّهِ أزْكِياءُ، وكَفى بِزَعْمِهِمْ هَذا إثْمًا مُبِينًا مِن بَيْنِ سائِرِ آثامِهِمْ انْتَهى. فَجَعَلَ افْتِراءَهُمُ الكَذِبَ مَخْصُوصًا بِالتَّزْكِيَةِ، وذَكَرْنا نَحْنُ أنَّهُ في هَذا وفي غَيْرِهِ، وانْتِصابُ إثْمًا عَلى التَّمْيِيزِ، ومَعْنى مُبِينًا؛ أيْ بَيِّنًا واضِحًا لِكُلِّ أحَدٍ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وكَفى بِهِ خَبَرٌ في ضِمْنِهِ تَعَجُّبٌ وتَعْجِيبٌ مِنَ الأمْرِ، ولِذَلِكَ دَخَلَتِ الباءُ؛ لِتَدُلَّ عَلى مَعْنى الأمْرِ بِالتَّعَجُّبِ أنْ يَكْتَفِيَ لَهم بِهَذا الكَذِبِ إثْمًا، ولا يَطْلُبَ لَهم غَيْرَهُ؛ إذْ هو مَوْبِقٌ ومُهْلِكٌ انْتَهى. وفي ما ذُكِرَ مِن أنَّ الباءَ دَخَلَتْ؛ لِتَدُلَّ عَلى مَعْنى الأمْرِ بِالتَّعَجُّبِ نَظَرٌ، وقَدْ أمْعَنّا الكَلامَ في قَوْلِهِ.
﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا﴾ [النساء: ٤٥] فَيُطالَعُ هُناكَ.
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١] أجْمَعُوا أنَّها في اليَهُودِ. وسَبَبُ نُزُولِها أنَّ كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ، وحُيَيَّ بْنَ أخْطَبَ وجَماعَةً مَعَهُما، ورَدُوا مَكَّةَ يُحالِفُونَ قُرَيْشًا عَلى مُحارَبَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: أنْتُمْ أهْلُ كِتابٍ، وأنْتُمْ أقْرَبُ إلى مُحَمَّدٍ مِنكم إلَيْنا فَلا نَأْمَنُ مَكْرَكم فاسْجُدُوا لِآلِهَتِنا حَتّى نَطْمَئِنَّ إلَيْكم، فَفَعَلُوا. وقالَ أبُو سُفْيانَ: أنَحْنُ أهْدى سَبِيلًا أمْ مُحَمَّدٌ ؟ فَقالَ كَعْبٌ: ماذا يَقُولُ مُحَمَّدٌ ؟ قالُوا: يَأْمُرُ بِعِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ، ويَنْهى عَنِ الشِّرْكِ. قالَ: وما دِينُكم ؟ قالُوا: نَحْنُ وُلاةُ البَيْتِ نَسْقِي الحاجَّ، ونُقْرِي الضَّيْفَ، ونَفُكُّ العانِيَ، وذَكَرُوا أفْعالَهم. فَقالَ: أنْتُمْ أهْدى سَبِيلًا. وفي بَعْضِ ألْفاظِ هَذا السَّبَبِ خِلافٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ عِكْرِمَةُ: خَرَجَ كَعْبٌ في سَبْعِينَ راكِبًا مِنَ اليَهُودِ إلى مَكَّةَ بَعْدَ وقْعَةِ أُحُدٍ، والكِتابُ هُنا التَّوْراةُ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ.
والجِبْتُ والطّاغُوتُ صَنَمانِ كانا لِقُرَيْشٍ؛ قالَهُ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ. أوِ الجِبْتُ هُنا حُيَيٌّ والطّاغُوتُ كَعْبٌ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا. أوِ الجِبْتُ السِّحْرُ والطّاغُوتُ الشَّيْطانُ، قالَهُ مُجاهِدٌ والشَّعْبِيُّ. ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ: والجِبْتُ السّاحِرُ والطّاغُوتُ الشَّيْطانُ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ. أوِ الجِبْتُ السّاحِرُ والطّاغُوتُ الكاهِنُ، قالَهُ رَفِيعٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ. أوِ الجِبْتُ الكاهِنُ والطّاغُوتُ الشَّيْطانُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا. أوِ الجِبْتُ الكاهِنُ والطّاغُوتُ السّاحِرُ؛ قالَهُ ابْنُ سِيرِينَ. أوِ الجِبْتُ الشَّيْطانُ والطّاغُوتُ (p-٢٧٢)الكاهِنُ؛ قالَهُ قَتادَةُ. أوِ الجِبْتُ كَعْبٌ والطّاغُوتُ الشَّيْطانُ كانَ في صُورَةِ إنْسانٍ. أوِ الجِبْتُ الأصْنامُ، وكُلُّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ والطّاغُوتُ الشَّيْطانُ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. أوِ الجِبْتُ والطّاغُوتُ كُلُّ مَعْبُودٍ مِن دُونِ اللَّهِ مِن حَجَرٍ، أوْ صُورَةٍ، أوْ شَيْطانٍ قالَهُ الزَّجّاجُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
وأوْرَدَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ الخِلافَ مُفَرَّقًا فَقالَ: الجِبْتُ السِّحْرُ قالَهُ عُمَرُ، ومُجاهِدٌ والشَّعْبِيُّ. أوِ الأصْنامُ رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ والفَرّاءُ، أوْ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ. رَواهُ الضَّحّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ولَيْثٍ، عَنْ مُجاهِدٍ. أوِ الكاهِنُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مَكْحُولٌ، وابْنُ سِيرِينَ. أوِ الشَّيْطانُ قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ في رِوايَةٍ، وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ. أوِ السّاحِرُ قالَهُ أبُو العالِيَةِ، وابْنُ زَيْدٍ. ورَوى أبُو بِشْرٍ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ قالَ: الجِبْتُ السّاحِرُ بِلِسانِ الحَبَشَةِ، وأمّا الطّاغُوتُ فالشَّيْطانُ قالَهُ عُمَرُ، ومُجاهِدٌ في رِوايَةِ الشَّعْبِيِّ، وابْنُ زَيْدٍ. أوِ المُتَرْجِمُونَ بَيْنَ يَدَيِ الأصْنامِ رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوْ كَعْبٍ. رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ والفَرّاءُ. أوِ الكاهِنُ قالَهُ عِكْرِمَةُ أوِ السّاحِرُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ سِيرِينَ، ومَكْحُولٍ، أوْ كُلِّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ قالَهُ مالِكٌ. وقالَ قَوْمٌ: الجِبْتُ والطّاغُوتُ مُتَرادِفانِ عَلى مَعْنًى واحِدٍ والجُمْهُورُ، وأقْوالُ المُفَسِّرِينَ عَلى خِلافِ ذَلِكَ؛ وأنَّهُما اثْنانِ. وقَدْ جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الكَلامَ عَلى المُغَيَّباتِ جِبْتًا؛ لِكَوْنِ عَلِمَ الغَيْبِ يَخْتَصُّ بِاللَّهِ تَعالى. خَرَّجَ أبُو داوُدَ في سُنَنِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «الطَّرْقُ والطِّيَرَةُ والعِيافَةُ مِنَ الجِبْتِ» الطَّرْقُ الزَّجْرُ والعِيافَةُ الخَطُّ. فَإنَّ الجِبْتَ والطّاغُوتَ الأصْنامُ أوْ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ؛ فالإيمانُ بِهِما التَّصْدِيقُ بِأنَّهُما آلِهَةٌ يَشْرَكُونَهُما في العِبادَةِ مَعَ اللَّهِ؛ وإنْ كانَ حُيَيًّا وكَعْبًا، أوْ جَماعَةً مِنَ اليَهُودِ، أوِ السّاحِرَ، أوِ الكاهِنَ، أوِ الشَّيْطانَ؛ فالإيمانُ بِهِمْ عِبارَةٌ عَنْ طاعَتِهِمْ ومُوافَقَتِهِمْ عَلى ما هم عَلَيْهِ، ويَكُونُ مِن بابِ إطْلاقِ ثَمَرَةِ الإيمانِ؛ وهي الطّاعَةُ عَلى الإيمانِ.
النساء 4:51
﴿ويَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ الضَّمِيرُ في يَقُولُونَ عائِدٌ عَلى الَّذِينَ أُوتُوا. وفي سَبَبِ النُّزُولِ أنَّ كَعْبًا هو قائِلُ هَذِهِ المَقالَةِ. والجُمْلَةُ مِن يُؤْمِنُونَ حالٌ، ويَقُولُونَ مَعْطُوفٌ عَلى يُؤْمِنُونَ فَهي حالٌ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافَ أخْبارٍ تُبَيِّنُ التَّعَجُّبَ مِنهم كَأنَّهُ قالَ: ألا تَعْجَبُ إلى حالِ الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ، وما حالُهم، وهم قَدْ أُوتُوا نَصِيبًا مِن كِتابِ اللَّهِ ؟ فَقالَ: يُؤْمِنُونَ بِكَذا، ويَقُولُونَ كَذا؛ أيْ أنَّ أحْوالَهم مُتَنافِيَةٌ؛ فَكَوْنُهم أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يَقْتَضِي لَهم أنْ لا يَقَعُوا فِيما وقَعُوا فِيهِ؛ ولَكِنَّ الحامِلَ لَهم عَلى ذَلِكَ هو الحَسَدُ. واللّامُ في لِلَّذِينِ كَفَرُوا لِلتَّبْلِيغِ مُتَعَلِّقَةٌ بِيَقُولُونَ. والَّذِينَ كَفَرُوا هم قُرَيْشٌ والإشارَةُ بِهَؤُلاءِ إلَيْهِمْ والَّذِينَ آمَنُوا هُمُ النَّبِيُّ وأُمَّتُهُ. والظّاهِرُ أنَّهم أطْلَقُوا أفْعَلَ التَّفْضِيلِ، ولَمْ يَلْحَظُوا مَعْنى التَّشْرِيكِ فِيهِ، أوْ قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ لِكُفْرِهِمْ.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ إشارَةٌ إلى مَن آمَنَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ، وقالَ تِلْكَ المَقالَةَ، أبْعَدَهُمُ اللَّهُ تَعالى، ومَقَتَهم.
﴿ومَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾؛ أيْ مَن يَنْصُرُهُ، ويَمْنَعُهُ مِن آثارِ اللَّعْنَةِ، وهو العَذابُ العَظِيمُ.
﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ﴾ أمْ هُنا مُنْقَطِعَةُ التَّقْدِيرِ: بَلْ ألَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ انْتَقَلَ مِنَ الكَلامِ إلى كَلامٍ تامٍّ، واسْتَفْهَمَ عَلى الإنْكارِ أنْ يَكُونَ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ. وحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ أنَّ أمْ يُسْتَفْهَمُ بِها ابْتِداءً. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ. أمْ هُنا بِمَعْنى بَلْ؛ وفَسَّرُوا عَلى سَبِيلِ الإخْبارِ أنَّهم مُلُوكُ أهْلِ الدُّنْيا، وعُتُوٌّ وتَنَعُّمٌ لا يَبْغُونَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَهم بُخَلاءُ حَرِيصُونَ عَلى أنْ لا يَكُونَ ظُهُورٌ لِغَيْرِهِمْ. والمَعْنى عَلى القَوْلِ الأوَّلِ: بَلْ ألَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ ؟ فَلَوْ كانَ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ لَبَخِلُوا بِهِ. والمُلْكُ مُلْكُ أهْلِ الدُّنْيا؛ وهو الظّاهِرُ، أوْ مُلْكُ اللَّهِ لِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إذًا لَأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفاقِ﴾ [الإسراء: ١٠٠]، وقِيلَ المالُ؛ لِأنَّهُ بِهِ يُنالُ المُلْكُ، وهو أساسُهُ. وقِيلَ اسْتِحْقاقُ الطّاعَةِ. وقِيلَ النُّبُوَّةُ (p-٢٧٣)وقِيلَ صِدْقُ الفِراسَةِ ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. والأفْصَحُ إلْغاءُ (إذًا) بَعْدَ حَرْفِ العَطْفِ الواوِ والفاءِ، وعَلَيْهِ أكْثَرُ القُرّاءِ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ: (لا يُؤْتُوا) بِحَذْفِ النُّونِ عَلى إعْمالِ إذًا. والنّاسُ هُنا العَرَبُ، أوِ المُؤْمِنُونَ، أوِ النَّبِيُّ، أوْ مِنَ اليَهُودِ، وغَيْرِهِمْ أقْوالٌ. والنَّقِيرُ: النُّقْطَةُ في ظَهْرِ النَّواةِ رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وعَطاءٌ وقَتادَةُ والضِّحاكُ، وابْنُ زَيْدٍ والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ في آخَرِينَ. وقِيلَ القِشْرُ يَكُونُ في وسَطِ النَّواةِ. رَواهُ التَّمِيمِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. أوِ الخَيْطُ في وسَطِ النَّواةِ. رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، أوْ نَقْرُ الرَّجُلِ الشَّيْءَ بِطَرَفِ إبْهامِهِ رَواهُ أبُو العالِيَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. أوْ حَبَّةُ النَّواةِ الَّتِي في وسَطِها رَواهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: الفَتِيلُ والنَّقِيرُ والقِطْمِيرُ يُضْرَبُ مَثَلًا لِلشَّيْءِ التّافِهِ الحَقِيرِ؛ وخُصَّتِ الأشْياءُ الحَقِيرَةُ بِقَوْلِهِ: ”فَتِيلًا“ في قَوْلِهِ: ”ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا“، وهُنا بِقَوْلِهِ نَقِيرًا لِوِفاقِ النَّظِيرِ مِنَ الفَواصِلِ.
النساء 4:52
﴿ويَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ الضَّمِيرُ في يَقُولُونَ عائِدٌ عَلى الَّذِينَ أُوتُوا. وفي سَبَبِ النُّزُولِ أنَّ كَعْبًا هو قائِلُ هَذِهِ المَقالَةِ. والجُمْلَةُ مِن يُؤْمِنُونَ حالٌ، ويَقُولُونَ مَعْطُوفٌ عَلى يُؤْمِنُونَ فَهي حالٌ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافَ أخْبارٍ تُبَيِّنُ التَّعَجُّبَ مِنهم كَأنَّهُ قالَ: ألا تَعْجَبُ إلى حالِ الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ، وما حالُهم، وهم قَدْ أُوتُوا نَصِيبًا مِن كِتابِ اللَّهِ ؟ فَقالَ: يُؤْمِنُونَ بِكَذا، ويَقُولُونَ كَذا؛ أيْ أنَّ أحْوالَهم مُتَنافِيَةٌ؛ فَكَوْنُهم أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يَقْتَضِي لَهم أنْ لا يَقَعُوا فِيما وقَعُوا فِيهِ؛ ولَكِنَّ الحامِلَ لَهم عَلى ذَلِكَ هو الحَسَدُ. واللّامُ في لِلَّذِينِ كَفَرُوا لِلتَّبْلِيغِ مُتَعَلِّقَةٌ بِيَقُولُونَ. والَّذِينَ كَفَرُوا هم قُرَيْشٌ والإشارَةُ بِهَؤُلاءِ إلَيْهِمْ والَّذِينَ آمَنُوا هُمُ النَّبِيُّ وأُمَّتُهُ. والظّاهِرُ أنَّهم أطْلَقُوا أفْعَلَ التَّفْضِيلِ، ولَمْ يَلْحَظُوا مَعْنى التَّشْرِيكِ فِيهِ، أوْ قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ لِكُفْرِهِمْ.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ إشارَةٌ إلى مَن آمَنَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ، وقالَ تِلْكَ المَقالَةَ، أبْعَدَهُمُ اللَّهُ تَعالى، ومَقَتَهم.
﴿ومَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾؛ أيْ مَن يَنْصُرُهُ، ويَمْنَعُهُ مِن آثارِ اللَّعْنَةِ، وهو العَذابُ العَظِيمُ.
﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ﴾ أمْ هُنا مُنْقَطِعَةُ التَّقْدِيرِ: بَلْ ألَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ انْتَقَلَ مِنَ الكَلامِ إلى كَلامٍ تامٍّ، واسْتَفْهَمَ عَلى الإنْكارِ أنْ يَكُونَ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ. وحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ أنَّ أمْ يُسْتَفْهَمُ بِها ابْتِداءً. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ. أمْ هُنا بِمَعْنى بَلْ؛ وفَسَّرُوا عَلى سَبِيلِ الإخْبارِ أنَّهم مُلُوكُ أهْلِ الدُّنْيا، وعُتُوٌّ وتَنَعُّمٌ لا يَبْغُونَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَهم بُخَلاءُ حَرِيصُونَ عَلى أنْ لا يَكُونَ ظُهُورٌ لِغَيْرِهِمْ. والمَعْنى عَلى القَوْلِ الأوَّلِ: بَلْ ألَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ ؟ فَلَوْ كانَ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ لَبَخِلُوا بِهِ. والمُلْكُ مُلْكُ أهْلِ الدُّنْيا؛ وهو الظّاهِرُ، أوْ مُلْكُ اللَّهِ لِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إذًا لَأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفاقِ﴾ [الإسراء: ١٠٠]، وقِيلَ المالُ؛ لِأنَّهُ بِهِ يُنالُ المُلْكُ، وهو أساسُهُ. وقِيلَ اسْتِحْقاقُ الطّاعَةِ. وقِيلَ النُّبُوَّةُ (p-٢٧٣)وقِيلَ صِدْقُ الفِراسَةِ ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. والأفْصَحُ إلْغاءُ (إذًا) بَعْدَ حَرْفِ العَطْفِ الواوِ والفاءِ، وعَلَيْهِ أكْثَرُ القُرّاءِ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ: (لا يُؤْتُوا) بِحَذْفِ النُّونِ عَلى إعْمالِ إذًا. والنّاسُ هُنا العَرَبُ، أوِ المُؤْمِنُونَ، أوِ النَّبِيُّ، أوْ مِنَ اليَهُودِ، وغَيْرِهِمْ أقْوالٌ. والنَّقِيرُ: النُّقْطَةُ في ظَهْرِ النَّواةِ رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وعَطاءٌ وقَتادَةُ والضِّحاكُ، وابْنُ زَيْدٍ والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ في آخَرِينَ. وقِيلَ القِشْرُ يَكُونُ في وسَطِ النَّواةِ. رَواهُ التَّمِيمِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. أوِ الخَيْطُ في وسَطِ النَّواةِ. رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، أوْ نَقْرُ الرَّجُلِ الشَّيْءَ بِطَرَفِ إبْهامِهِ رَواهُ أبُو العالِيَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. أوْ حَبَّةُ النَّواةِ الَّتِي في وسَطِها رَواهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: الفَتِيلُ والنَّقِيرُ والقِطْمِيرُ يُضْرَبُ مَثَلًا لِلشَّيْءِ التّافِهِ الحَقِيرِ؛ وخُصَّتِ الأشْياءُ الحَقِيرَةُ بِقَوْلِهِ: ”فَتِيلًا“ في قَوْلِهِ: ”ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا“، وهُنا بِقَوْلِهِ نَقِيرًا لِوِفاقِ النَّظِيرِ مِنَ الفَواصِلِ.
النساء 4:53
﴿ويَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ الضَّمِيرُ في يَقُولُونَ عائِدٌ عَلى الَّذِينَ أُوتُوا. وفي سَبَبِ النُّزُولِ أنَّ كَعْبًا هو قائِلُ هَذِهِ المَقالَةِ. والجُمْلَةُ مِن يُؤْمِنُونَ حالٌ، ويَقُولُونَ مَعْطُوفٌ عَلى يُؤْمِنُونَ فَهي حالٌ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافَ أخْبارٍ تُبَيِّنُ التَّعَجُّبَ مِنهم كَأنَّهُ قالَ: ألا تَعْجَبُ إلى حالِ الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ، وما حالُهم، وهم قَدْ أُوتُوا نَصِيبًا مِن كِتابِ اللَّهِ ؟ فَقالَ: يُؤْمِنُونَ بِكَذا، ويَقُولُونَ كَذا؛ أيْ أنَّ أحْوالَهم مُتَنافِيَةٌ؛ فَكَوْنُهم أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يَقْتَضِي لَهم أنْ لا يَقَعُوا فِيما وقَعُوا فِيهِ؛ ولَكِنَّ الحامِلَ لَهم عَلى ذَلِكَ هو الحَسَدُ. واللّامُ في لِلَّذِينِ كَفَرُوا لِلتَّبْلِيغِ مُتَعَلِّقَةٌ بِيَقُولُونَ. والَّذِينَ كَفَرُوا هم قُرَيْشٌ والإشارَةُ بِهَؤُلاءِ إلَيْهِمْ والَّذِينَ آمَنُوا هُمُ النَّبِيُّ وأُمَّتُهُ. والظّاهِرُ أنَّهم أطْلَقُوا أفْعَلَ التَّفْضِيلِ، ولَمْ يَلْحَظُوا مَعْنى التَّشْرِيكِ فِيهِ، أوْ قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ لِكُفْرِهِمْ.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ إشارَةٌ إلى مَن آمَنَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ، وقالَ تِلْكَ المَقالَةَ، أبْعَدَهُمُ اللَّهُ تَعالى، ومَقَتَهم.
﴿ومَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾؛ أيْ مَن يَنْصُرُهُ، ويَمْنَعُهُ مِن آثارِ اللَّعْنَةِ، وهو العَذابُ العَظِيمُ.
﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ﴾ أمْ هُنا مُنْقَطِعَةُ التَّقْدِيرِ: بَلْ ألَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ انْتَقَلَ مِنَ الكَلامِ إلى كَلامٍ تامٍّ، واسْتَفْهَمَ عَلى الإنْكارِ أنْ يَكُونَ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ. وحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ أنَّ أمْ يُسْتَفْهَمُ بِها ابْتِداءً. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ. أمْ هُنا بِمَعْنى بَلْ؛ وفَسَّرُوا عَلى سَبِيلِ الإخْبارِ أنَّهم مُلُوكُ أهْلِ الدُّنْيا، وعُتُوٌّ وتَنَعُّمٌ لا يَبْغُونَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَهم بُخَلاءُ حَرِيصُونَ عَلى أنْ لا يَكُونَ ظُهُورٌ لِغَيْرِهِمْ. والمَعْنى عَلى القَوْلِ الأوَّلِ: بَلْ ألَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ ؟ فَلَوْ كانَ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ لَبَخِلُوا بِهِ. والمُلْكُ مُلْكُ أهْلِ الدُّنْيا؛ وهو الظّاهِرُ، أوْ مُلْكُ اللَّهِ لِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إذًا لَأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفاقِ﴾ [الإسراء: ١٠٠]، وقِيلَ المالُ؛ لِأنَّهُ بِهِ يُنالُ المُلْكُ، وهو أساسُهُ. وقِيلَ اسْتِحْقاقُ الطّاعَةِ. وقِيلَ النُّبُوَّةُ (p-٢٧٣)وقِيلَ صِدْقُ الفِراسَةِ ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. والأفْصَحُ إلْغاءُ (إذًا) بَعْدَ حَرْفِ العَطْفِ الواوِ والفاءِ، وعَلَيْهِ أكْثَرُ القُرّاءِ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ: (لا يُؤْتُوا) بِحَذْفِ النُّونِ عَلى إعْمالِ إذًا. والنّاسُ هُنا العَرَبُ، أوِ المُؤْمِنُونَ، أوِ النَّبِيُّ، أوْ مِنَ اليَهُودِ، وغَيْرِهِمْ أقْوالٌ. والنَّقِيرُ: النُّقْطَةُ في ظَهْرِ النَّواةِ رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وعَطاءٌ وقَتادَةُ والضِّحاكُ، وابْنُ زَيْدٍ والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ في آخَرِينَ. وقِيلَ القِشْرُ يَكُونُ في وسَطِ النَّواةِ. رَواهُ التَّمِيمِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. أوِ الخَيْطُ في وسَطِ النَّواةِ. رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، أوْ نَقْرُ الرَّجُلِ الشَّيْءَ بِطَرَفِ إبْهامِهِ رَواهُ أبُو العالِيَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. أوْ حَبَّةُ النَّواةِ الَّتِي في وسَطِها رَواهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: الفَتِيلُ والنَّقِيرُ والقِطْمِيرُ يُضْرَبُ مَثَلًا لِلشَّيْءِ التّافِهِ الحَقِيرِ؛ وخُصَّتِ الأشْياءُ الحَقِيرَةُ بِقَوْلِهِ: ”فَتِيلًا“ في قَوْلِهِ: ”ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا“، وهُنا بِقَوْلِهِ نَقِيرًا لِوِفاقِ النَّظِيرِ مِنَ الفَواصِلِ.
النساء 4:54
﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ (أمْ) أيْضًا مُنْقَطِعَةٌ فَتُقَدَّرُ بِـ (بَلْ) . والهَمْزَةُ قِيلَ: لِلِانْتِقالِ مِن كَلامٍ إلى كَلامٍ. والهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ الَّذِي يَصْحَبُهُ الإنْكارُ. أنْكَرَ عَلَيْهِمْ أوَّلًا البُخْلَ، ثُمَّ ثانِيًا الحَسَدَ. فالبُخْلُ مَنعُ وُصُولِ خَيْرٍ مِنَ الإنْسانِ إلى غَيْرِهِ، والحَسَدُ تَمَنِّي زَوالِ ما أعْطى اللَّهُ الإنْسانَ مِنَ الخَيْرِ، وإيتاؤُهُ لَهُ. نَعى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ تَحَلِّيَهم بِهاتَيْنِ الخَصْلَتَيْنِ الذَّمِيمَتَيْنِ. ولَمّا كانَ الحَسَدُ شَرَّ الخَصْلَتَيْنِ تَرَقّى إلى ذِكْرِهِ بَعْدَ ذِكْرِ البُخْلِ. والنّاسُ هُنا: النَّبِيُّ ﷺ . والفَضْلُ: النُّبُوَّةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ والضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ أيْضًا: والفَضْلُ ما أُبِيحَ لَهُ مِنَ النِّساءِ. وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ عِنْدَهم أنَّ اليَهُودَ قالَتْ لِكُفّارِ العَرَبِ: انْظُرُوا إلى هَذا الَّذِي يَقُولُ إنَّهُ بُعِثَ بِالتَّواضُعِ، وإنَّهُ لا يَمْلَأُ بَطْنَهُ طَعامًا، لَيْسَ هَمُّهُ إلّا في النِّساءِ، ونَحْوَ هَذا؛ فَنَزَلَتْ. والمَعْنى: لِمَ تَخُصُّونَهُ بِالحَسَدِ، ولا تَحْسُدُونَ آلَ إبْراهِيمَ - يَعْنِي -: سُلَيْمانَ وداوُدَ في أنَّهُما أُعْطِيا النُّبُوَّةَ والكِتابَ، وأُعْطِيا مَعَ ذَلِكَ مُلْكًا عَظِيمًا في أمْرِ النِّساءِ؛ وهو ما رُوِيَ أنَّهُ كانَ لِسُلَيْمانَ سَبْعُمِائَةِ امْرَأةٍ، وثَلاثُمِائَةِ سُرِّيَّةٍ، ولِداوُدَ مِائَةُ امْرَأةٍ. فالمُلْكُ في هَذا القَوْلِ إباحَةُ النِّساءِ، كَأنَّهُ المَقْصُودُ أوَّلًا بِالذِّكْرِ. وقالَ قَتادَةُ: النّاسُ هُنا العَرَبُ حَسَدَتْها بَنُو إسْرائِيلَ أنْ كانَ الرَّسُولُ ﷺ مِنها، والفَضْلُ هُنا الرَّسُولُ. والمَعْنى: لِمَ يَحْسُدُونَ العَرَبَ عَلى هَذا النَّبِيِّ، وقَدْ أُوتِيَ أسْلافُهم أنْبِياءً وكُتُبًا كالتَّوْراةِ والزَّبُورِ، وحِكْمَةً وهي الفَهْمُ في الدِّينِ مِمّا لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ الكِتابُ ؟ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: نَحْنُ النّاسُ يُرِيدُ قُرَيْشًا.
﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا﴾ أيْ مُلْكَ سُلَيْمانَ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو النُّبُوَّةُ. وقالَ هَمّامُ بْنُ الحارِثِ، وأبُو مَسْلَمَةَ، وابْنُ زَيْدٍ: هو التَّأْيِيدُ بِالمَلائِكَةِ. وقِيلَ النّاسُ هُنا الرَّسُولُ وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ. والكِتابُ: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ أوْ هُما والزَّبُورُ أقْوالٌ، والحِكْمَةُ: النُّبُوَّةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ، أوِ الفِقْهُ في الدِّينِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. وقِيلَ المُلْكُ العَظِيمُ هو الجَمْعُ بَيْنَ سِياسَةِ الدُّنْيا وشَرْعِ الدِّينِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أمْ يَحْسُدُونَهم عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ النُّصْرَةِ والغَلَبَةِ وازْدِيادِ العِزِّ والتَّقَدُّمِ كُلَّ يَوْمٍ. (فَقَدْ آتَيْنا) إلْزامٌ لَهم بِما عَرَفُوهُ مِن إيتاءِ اللَّهِ الكِتابِ والحِكْمَةِ آلَ إبْراهِيمَ الَّذِينَ هم أسْلافُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وأنَّهُ لَيْسَ بِبِدْعٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ مِثْلَ ما أُوتِيَ أسْلافُهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: المُلْكُ في آلِ إبْراهِيمَ مُلْكُ يُوسُفَ وداوُدَ وسُلَيْمانَ. انْتَهى كَلامُهُ. وهو كَلامٌ حَسَنٌ.
﴿فَمِنهم مَن آمَنَ بِهِ ومِنهم مَن صَدَّ عَنْهُ﴾ أيْ مِن آلِ إبْراهِيمَ مَن آمَنَ بِإبْراهِيمَ، ومِنهم مَن كَفَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَمِنهم مُهْتَدٍ وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٦]؛ قالَهُ السُّدِّيُّ: أوْ فَمِن آلِ إبْراهِيمَ مَن آمَنَ بِالكِتابِ، أوْ فَمِنَ اليَهُودِ المُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا﴾ [النساء: ٤٧] . مَن آمَنَ بِهِ أيْ بِالقُرْآنِ، وهو المَأْمُورُ بِالإيمانِ بِهِ في قَوْلِهِ: بِما نَزَّلْنا؛ قالَهُ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ والفَرّاءُ والجُمْهُورُ (p-٢٧٤)ولِذَلِكَ ارْتَفَعَ الطَّمْسُ، ولَمْ يَقَعْ. أوْ فَمِنَ اليَهُودِ مَن آمَنَ بِالفَضْلِ الَّذِي أُوتِيَهُ الرَّسُولُ ﷺ أوِ العَرَبُ عَلى ما تَقَدَّمَ. أوْ فَمِنَ اليَهُودِ مَن آمَنَ بِهِ؛ أيْ بِما ذُكِرَ مِن حَدِيثِ آلِ إبْراهِيمَ. أوْ فَمِنَ اليَهُودِ مَن آمَنَ بِرَسُولِ اللَّهِ، ومِنهم مَن أنْكَرَ نُبُوَّتَهُ. والظّاهِرُ أنَّهُ تَعالى لَمّا أنْكَرَ عَلى اليَهُودِ حَسَدَهُمُ النّاسَ عَلى فَضْلِ اللَّهِ الَّذِي آتاهم؛ أتى بِما بَعْدَهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ والنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهُ لا يَنْبَغِي لَكم أنْ تَحْسُدُوا فَقَدْ حازَ أسْلافُكم مِنَ الشَّرَفِ ما يَنْبَغِي أنْ لا تَحْسُدُوا أحَدًا.
وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَسْلِيَةَ الرَّسُولِ ﷺ في كَوْنِهِمْ يَحْسُدُونَهُ ولا يَتَّبِعُونَهُ؛ فَذَكَرَ أنَّهم أيْضًا مَعَ أسْلافِهِمْ وأنْبِيائِهِمُ انْقَسَمُوا إلى مُؤْمِنٍ وكافِرٍ. هَذا وهم أسْلافُهم فَكَيْفَ بِنَبِيٍّ لَيْسَ هو مِنهم ؟ .
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ يَعْمَرَ، والجَحْدَرِيُّ: (ومَن صُدَّ عَنْهُ) بِرَفْعِ الصّادِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ أُبَيٌّ، وأبُو الحَوْراءِ، وأبُو رَجاءٍ والحَوْفِيُّ، بِكَسْرِ الصّادِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. والمُضاعَفُ المُدْغَمُ الثُّلاثِيُّ يَجُوزُ فِيهِ إذا بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ ما جازَ في باعَ إذا بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ؛ فَتَقُولُ: حُبُّ زَيْدٍ بِالضَّمِّ، وحِبٌّ بِالكَسْرِ. ويَجُوزُ الإشْمامُ. والصَّدُّ لَيْسَ مُقابِلًا لِلْإيمانِ إلّا مِن حَيْثُ المَعْنى؛ وكانَ المَعْنى واللَّهُ أعْلَمُ: فَمِنهم مَن آمَنَ بِهِ واتَّبَعَهُ، ومِنهم مَن كَذَّبَ بِهِ وصَدَّ عَنْهُ.
﴿وكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ أيِ احْتِراقًا والتِهابًا أيْ لِمَن صَدَّ عَنْهُ. وسَعِيرًا تَمْيِيزٌ وهو شِدَّةُ تَوَقُّدِ النّارِ. والتَّقْدِيرُ: وكَفى بِسَعِيرِ جَهَنَّمَ سَعِيرًا؛ وهو كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ العَذابِ والعُقُوبَةِ.
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا﴾ لَمّا ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿ومِنهم مَن صَدَّ عَنْهُ وكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ أتْبَعَ ذَلِكَ بِما أعَدَّ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ بِآياتِهِ؛ ثُمَّ بَعْدُ يُتْبَعُ بِما أعَدَّ لِلْمُؤْمِنِينَ، وصارَ نَظِيرَ ﴿وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦] . وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿نُصْلِيهِمْ﴾ مِن أصْلى. وقَرَأ حُمَيْدٌ: نَصْلِيهِمْ مِن صَلِيَتْ. وقَرَأ سَلّامٌ ويَعْقُوبُ: ﴿نُصْلِيهِمْ﴾ بِضَمِّ الهاءِ.
﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها﴾ انْتِصابٌ عَلى (كُلِّ) الظَّرْفِ لِأنَّهُ مُضافٌ إلى (ما) المَصْدَرِيَّةِ الظَّرْفِيَّةِ، والعامِلُ فِيهِ بَدَّلْناهم؛ وهي جُمْلَةٌ فِيها مَعْنى الشَّرْطِ. وهي في مَوْضِعِ الحالِ، والعامِلُ فِيها ﴿نُصْلِيهِمْ﴾ . والتَّبْدِيلُ عَلى مَعْنَيَيْنِ: تَبْدِيلٌ في الصِّفاتِ مَعَ بَقاءِ العَيْنِ، وتَبْدِيلٌ في الذَّواتِ بِأنْ تَذْهَبَ العَيْنُ وتَجِيءَ مَكانَها عَيْنٌ أُخْرى؛ يُقالُ: هَذا بَدَلُ هَذا. والظّاهِرُ في الآيَةِ هَذا المَعْنى. الثّانِي. وأنَّهُ إذا نَضِجَ ذَلِكَ الجِلْدُ وتَهَرّى وتَلاشى جِيءَ بِجِلْدٍ آخَرَ مَكانَهُ؛ ولِهَذا قالَ: جُلُودًا غَيْرَها. قالَ السُّدِّيُّ: إنَّ الجُلُودَ تُخْلَقُ مِنَ اللَّحْمِ؛ فَإذا أُحْرِقَ جِلْدٌ بَدَّلَهُ اللَّهُ مِن لَحْمِ الكافِرِ جِلْدًا آخَرَ. وقِيلَ: هي بِعَيْنِها تُعادُ بَعْدَ إحْراقِها؛ كَما تُعادُ الأجْسادُ بَعْدَ البِلى في القُبُورِ؛ فَيَكُونُ ذَلِكَ عائِدًا إلى الصِّفَةِ، لا إلى الذّاتِ. وقالَ الفُضَيْلُ: يُجْعَلُ النُّضْجُ غَيْرَ نَضِيجٍ. وقِيلَ: تُبَدَّلُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعَ مَرّاتٍ. وقالَ الحَسَنُ: سَبْعِينَ. وأبْعَدُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الجُلُودَ هي سَرابِيلُ مِن قَطِرانٍ تُخالِطُ جُلُودَهم مُخالَطَةً لا يُمْكِنُ إزالَتُها. فَيُبَدِّلُ اللَّهُ تِلْكَ السَّرابِيلَ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ. أوْ كَما قِيلَ: مِائَةَ ألْفِ مَرَّةٍ. وسُمِّيَتْ جُلُودًا لِمُلابَسَتِها الجُلُودَ. وأبْعَدُ - أيْضًا - مَن ذَهَبَ إلى أنَّ هَذا اسْتِعارَةٌ عَنِ الدَّوامِ؛ كُلَّما انْتَهى فَقَدِ ابْتَدَأ مِن أوَّلِهِ، يَعْنِي: كُلَّما ظَنُّوا أنَّهم نَضِجُوا واحْتَرَقُوا وانْتَهَوْا إلى الهَلاكِ أعْطَيْناهم قُوَّةً جَدِيدَةً مِنَ الحَياةِ؛ بِحَيْثُ ظَنُّوا أنَّهُمُ الآنَ حَدَّثُوا ووَجَدُوا؛ فَيَكُونُ المَقْصُودُ بَيانُ دَوامِ العَذابِ وعَدَمِ انْقِطاعِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُلْبِسُهُمُ اللَّهُ جُلُودًا بَيْضاءَ كَأنَّها قَراطِيسُ. وقالَ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى: يَلْبَسُ أهْلُ النّارِ جُلُودًا تُؤْلِمُهم ولا تُؤْلَمُ هي.
﴿لِيَذُوقُوا العَذابَ﴾ أيْ ذَلِكَ التَّبْدِيلَ كُلَّما نَضِجَتِ الجُلُودُ، هو لِيَذُوقُوا ألَمَ العَذابِ. وأتى بِلَفْظِ الذَّوْقِ المُشْعِرِ بِالإحْساسِ الأوَّلِ وهو آلَمُ؛ فَجَعَلَ كُلَّما وقَعَ التَّبْدِيلُ كانَ لِذَوْقِ العَذابِ بِخِلافِ مَن تَمَرَّنَ عَلى العَذابِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِيَذُوقُوا العَذابَ لِيَدُومَ لَهم دُونَهُ ولا يَنْقَطِعَ؛ كَقَوْلِكَ لِلْعَزِيزِ: أعَزَّكَ اللَّهُ أيْ أدامَكَ عَلى عِزِّكَ، وزادَكَ فِيهِ.
﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ أيْ عَزِيزًا (p-٢٧٥)لا يُغالَبُ، حَكِيمًا يَضَعُ الأشْياءَ مَواضِعَها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَزِيزٌ لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمّا يُرِيدُهُ بِالمُجْرِمِينَ، حَكِيمٌ لا يُعَذِّبُ إلّا بِعَدْلٍ مَن يَسْتَحِقُّهُ.
النساء 4:55
﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ (أمْ) أيْضًا مُنْقَطِعَةٌ فَتُقَدَّرُ بِـ (بَلْ) . والهَمْزَةُ قِيلَ: لِلِانْتِقالِ مِن كَلامٍ إلى كَلامٍ. والهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ الَّذِي يَصْحَبُهُ الإنْكارُ. أنْكَرَ عَلَيْهِمْ أوَّلًا البُخْلَ، ثُمَّ ثانِيًا الحَسَدَ. فالبُخْلُ مَنعُ وُصُولِ خَيْرٍ مِنَ الإنْسانِ إلى غَيْرِهِ، والحَسَدُ تَمَنِّي زَوالِ ما أعْطى اللَّهُ الإنْسانَ مِنَ الخَيْرِ، وإيتاؤُهُ لَهُ. نَعى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ تَحَلِّيَهم بِهاتَيْنِ الخَصْلَتَيْنِ الذَّمِيمَتَيْنِ. ولَمّا كانَ الحَسَدُ شَرَّ الخَصْلَتَيْنِ تَرَقّى إلى ذِكْرِهِ بَعْدَ ذِكْرِ البُخْلِ. والنّاسُ هُنا: النَّبِيُّ ﷺ . والفَضْلُ: النُّبُوَّةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ والضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ أيْضًا: والفَضْلُ ما أُبِيحَ لَهُ مِنَ النِّساءِ. وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ عِنْدَهم أنَّ اليَهُودَ قالَتْ لِكُفّارِ العَرَبِ: انْظُرُوا إلى هَذا الَّذِي يَقُولُ إنَّهُ بُعِثَ بِالتَّواضُعِ، وإنَّهُ لا يَمْلَأُ بَطْنَهُ طَعامًا، لَيْسَ هَمُّهُ إلّا في النِّساءِ، ونَحْوَ هَذا؛ فَنَزَلَتْ. والمَعْنى: لِمَ تَخُصُّونَهُ بِالحَسَدِ، ولا تَحْسُدُونَ آلَ إبْراهِيمَ - يَعْنِي -: سُلَيْمانَ وداوُدَ في أنَّهُما أُعْطِيا النُّبُوَّةَ والكِتابَ، وأُعْطِيا مَعَ ذَلِكَ مُلْكًا عَظِيمًا في أمْرِ النِّساءِ؛ وهو ما رُوِيَ أنَّهُ كانَ لِسُلَيْمانَ سَبْعُمِائَةِ امْرَأةٍ، وثَلاثُمِائَةِ سُرِّيَّةٍ، ولِداوُدَ مِائَةُ امْرَأةٍ. فالمُلْكُ في هَذا القَوْلِ إباحَةُ النِّساءِ، كَأنَّهُ المَقْصُودُ أوَّلًا بِالذِّكْرِ. وقالَ قَتادَةُ: النّاسُ هُنا العَرَبُ حَسَدَتْها بَنُو إسْرائِيلَ أنْ كانَ الرَّسُولُ ﷺ مِنها، والفَضْلُ هُنا الرَّسُولُ. والمَعْنى: لِمَ يَحْسُدُونَ العَرَبَ عَلى هَذا النَّبِيِّ، وقَدْ أُوتِيَ أسْلافُهم أنْبِياءً وكُتُبًا كالتَّوْراةِ والزَّبُورِ، وحِكْمَةً وهي الفَهْمُ في الدِّينِ مِمّا لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ الكِتابُ ؟ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: نَحْنُ النّاسُ يُرِيدُ قُرَيْشًا.
﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا﴾ أيْ مُلْكَ سُلَيْمانَ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو النُّبُوَّةُ. وقالَ هَمّامُ بْنُ الحارِثِ، وأبُو مَسْلَمَةَ، وابْنُ زَيْدٍ: هو التَّأْيِيدُ بِالمَلائِكَةِ. وقِيلَ النّاسُ هُنا الرَّسُولُ وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ. والكِتابُ: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ أوْ هُما والزَّبُورُ أقْوالٌ، والحِكْمَةُ: النُّبُوَّةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ، أوِ الفِقْهُ في الدِّينِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. وقِيلَ المُلْكُ العَظِيمُ هو الجَمْعُ بَيْنَ سِياسَةِ الدُّنْيا وشَرْعِ الدِّينِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أمْ يَحْسُدُونَهم عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ النُّصْرَةِ والغَلَبَةِ وازْدِيادِ العِزِّ والتَّقَدُّمِ كُلَّ يَوْمٍ. (فَقَدْ آتَيْنا) إلْزامٌ لَهم بِما عَرَفُوهُ مِن إيتاءِ اللَّهِ الكِتابِ والحِكْمَةِ آلَ إبْراهِيمَ الَّذِينَ هم أسْلافُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وأنَّهُ لَيْسَ بِبِدْعٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ مِثْلَ ما أُوتِيَ أسْلافُهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: المُلْكُ في آلِ إبْراهِيمَ مُلْكُ يُوسُفَ وداوُدَ وسُلَيْمانَ. انْتَهى كَلامُهُ. وهو كَلامٌ حَسَنٌ.
﴿فَمِنهم مَن آمَنَ بِهِ ومِنهم مَن صَدَّ عَنْهُ﴾ أيْ مِن آلِ إبْراهِيمَ مَن آمَنَ بِإبْراهِيمَ، ومِنهم مَن كَفَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَمِنهم مُهْتَدٍ وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٦]؛ قالَهُ السُّدِّيُّ: أوْ فَمِن آلِ إبْراهِيمَ مَن آمَنَ بِالكِتابِ، أوْ فَمِنَ اليَهُودِ المُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا﴾ [النساء: ٤٧] . مَن آمَنَ بِهِ أيْ بِالقُرْآنِ، وهو المَأْمُورُ بِالإيمانِ بِهِ في قَوْلِهِ: بِما نَزَّلْنا؛ قالَهُ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ والفَرّاءُ والجُمْهُورُ (p-٢٧٤)ولِذَلِكَ ارْتَفَعَ الطَّمْسُ، ولَمْ يَقَعْ. أوْ فَمِنَ اليَهُودِ مَن آمَنَ بِالفَضْلِ الَّذِي أُوتِيَهُ الرَّسُولُ ﷺ أوِ العَرَبُ عَلى ما تَقَدَّمَ. أوْ فَمِنَ اليَهُودِ مَن آمَنَ بِهِ؛ أيْ بِما ذُكِرَ مِن حَدِيثِ آلِ إبْراهِيمَ. أوْ فَمِنَ اليَهُودِ مَن آمَنَ بِرَسُولِ اللَّهِ، ومِنهم مَن أنْكَرَ نُبُوَّتَهُ. والظّاهِرُ أنَّهُ تَعالى لَمّا أنْكَرَ عَلى اليَهُودِ حَسَدَهُمُ النّاسَ عَلى فَضْلِ اللَّهِ الَّذِي آتاهم؛ أتى بِما بَعْدَهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ والنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهُ لا يَنْبَغِي لَكم أنْ تَحْسُدُوا فَقَدْ حازَ أسْلافُكم مِنَ الشَّرَفِ ما يَنْبَغِي أنْ لا تَحْسُدُوا أحَدًا.
وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَسْلِيَةَ الرَّسُولِ ﷺ في كَوْنِهِمْ يَحْسُدُونَهُ ولا يَتَّبِعُونَهُ؛ فَذَكَرَ أنَّهم أيْضًا مَعَ أسْلافِهِمْ وأنْبِيائِهِمُ انْقَسَمُوا إلى مُؤْمِنٍ وكافِرٍ. هَذا وهم أسْلافُهم فَكَيْفَ بِنَبِيٍّ لَيْسَ هو مِنهم ؟ .
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ يَعْمَرَ، والجَحْدَرِيُّ: (ومَن صُدَّ عَنْهُ) بِرَفْعِ الصّادِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ أُبَيٌّ، وأبُو الحَوْراءِ، وأبُو رَجاءٍ والحَوْفِيُّ، بِكَسْرِ الصّادِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. والمُضاعَفُ المُدْغَمُ الثُّلاثِيُّ يَجُوزُ فِيهِ إذا بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ ما جازَ في باعَ إذا بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ؛ فَتَقُولُ: حُبُّ زَيْدٍ بِالضَّمِّ، وحِبٌّ بِالكَسْرِ. ويَجُوزُ الإشْمامُ. والصَّدُّ لَيْسَ مُقابِلًا لِلْإيمانِ إلّا مِن حَيْثُ المَعْنى؛ وكانَ المَعْنى واللَّهُ أعْلَمُ: فَمِنهم مَن آمَنَ بِهِ واتَّبَعَهُ، ومِنهم مَن كَذَّبَ بِهِ وصَدَّ عَنْهُ.
﴿وكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ أيِ احْتِراقًا والتِهابًا أيْ لِمَن صَدَّ عَنْهُ. وسَعِيرًا تَمْيِيزٌ وهو شِدَّةُ تَوَقُّدِ النّارِ. والتَّقْدِيرُ: وكَفى بِسَعِيرِ جَهَنَّمَ سَعِيرًا؛ وهو كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ العَذابِ والعُقُوبَةِ.
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا﴾ لَمّا ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿ومِنهم مَن صَدَّ عَنْهُ وكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ أتْبَعَ ذَلِكَ بِما أعَدَّ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ بِآياتِهِ؛ ثُمَّ بَعْدُ يُتْبَعُ بِما أعَدَّ لِلْمُؤْمِنِينَ، وصارَ نَظِيرَ ﴿وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦] . وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿نُصْلِيهِمْ﴾ مِن أصْلى. وقَرَأ حُمَيْدٌ: نَصْلِيهِمْ مِن صَلِيَتْ. وقَرَأ سَلّامٌ ويَعْقُوبُ: ﴿نُصْلِيهِمْ﴾ بِضَمِّ الهاءِ.
﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها﴾ انْتِصابٌ عَلى (كُلِّ) الظَّرْفِ لِأنَّهُ مُضافٌ إلى (ما) المَصْدَرِيَّةِ الظَّرْفِيَّةِ، والعامِلُ فِيهِ بَدَّلْناهم؛ وهي جُمْلَةٌ فِيها مَعْنى الشَّرْطِ. وهي في مَوْضِعِ الحالِ، والعامِلُ فِيها ﴿نُصْلِيهِمْ﴾ . والتَّبْدِيلُ عَلى مَعْنَيَيْنِ: تَبْدِيلٌ في الصِّفاتِ مَعَ بَقاءِ العَيْنِ، وتَبْدِيلٌ في الذَّواتِ بِأنْ تَذْهَبَ العَيْنُ وتَجِيءَ مَكانَها عَيْنٌ أُخْرى؛ يُقالُ: هَذا بَدَلُ هَذا. والظّاهِرُ في الآيَةِ هَذا المَعْنى. الثّانِي. وأنَّهُ إذا نَضِجَ ذَلِكَ الجِلْدُ وتَهَرّى وتَلاشى جِيءَ بِجِلْدٍ آخَرَ مَكانَهُ؛ ولِهَذا قالَ: جُلُودًا غَيْرَها. قالَ السُّدِّيُّ: إنَّ الجُلُودَ تُخْلَقُ مِنَ اللَّحْمِ؛ فَإذا أُحْرِقَ جِلْدٌ بَدَّلَهُ اللَّهُ مِن لَحْمِ الكافِرِ جِلْدًا آخَرَ. وقِيلَ: هي بِعَيْنِها تُعادُ بَعْدَ إحْراقِها؛ كَما تُعادُ الأجْسادُ بَعْدَ البِلى في القُبُورِ؛ فَيَكُونُ ذَلِكَ عائِدًا إلى الصِّفَةِ، لا إلى الذّاتِ. وقالَ الفُضَيْلُ: يُجْعَلُ النُّضْجُ غَيْرَ نَضِيجٍ. وقِيلَ: تُبَدَّلُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعَ مَرّاتٍ. وقالَ الحَسَنُ: سَبْعِينَ. وأبْعَدُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الجُلُودَ هي سَرابِيلُ مِن قَطِرانٍ تُخالِطُ جُلُودَهم مُخالَطَةً لا يُمْكِنُ إزالَتُها. فَيُبَدِّلُ اللَّهُ تِلْكَ السَّرابِيلَ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ. أوْ كَما قِيلَ: مِائَةَ ألْفِ مَرَّةٍ. وسُمِّيَتْ جُلُودًا لِمُلابَسَتِها الجُلُودَ. وأبْعَدُ - أيْضًا - مَن ذَهَبَ إلى أنَّ هَذا اسْتِعارَةٌ عَنِ الدَّوامِ؛ كُلَّما انْتَهى فَقَدِ ابْتَدَأ مِن أوَّلِهِ، يَعْنِي: كُلَّما ظَنُّوا أنَّهم نَضِجُوا واحْتَرَقُوا وانْتَهَوْا إلى الهَلاكِ أعْطَيْناهم قُوَّةً جَدِيدَةً مِنَ الحَياةِ؛ بِحَيْثُ ظَنُّوا أنَّهُمُ الآنَ حَدَّثُوا ووَجَدُوا؛ فَيَكُونُ المَقْصُودُ بَيانُ دَوامِ العَذابِ وعَدَمِ انْقِطاعِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُلْبِسُهُمُ اللَّهُ جُلُودًا بَيْضاءَ كَأنَّها قَراطِيسُ. وقالَ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى: يَلْبَسُ أهْلُ النّارِ جُلُودًا تُؤْلِمُهم ولا تُؤْلَمُ هي.
﴿لِيَذُوقُوا العَذابَ﴾ أيْ ذَلِكَ التَّبْدِيلَ كُلَّما نَضِجَتِ الجُلُودُ، هو لِيَذُوقُوا ألَمَ العَذابِ. وأتى بِلَفْظِ الذَّوْقِ المُشْعِرِ بِالإحْساسِ الأوَّلِ وهو آلَمُ؛ فَجَعَلَ كُلَّما وقَعَ التَّبْدِيلُ كانَ لِذَوْقِ العَذابِ بِخِلافِ مَن تَمَرَّنَ عَلى العَذابِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِيَذُوقُوا العَذابَ لِيَدُومَ لَهم دُونَهُ ولا يَنْقَطِعَ؛ كَقَوْلِكَ لِلْعَزِيزِ: أعَزَّكَ اللَّهُ أيْ أدامَكَ عَلى عِزِّكَ، وزادَكَ فِيهِ.
﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ أيْ عَزِيزًا (p-٢٧٥)لا يُغالَبُ، حَكِيمًا يَضَعُ الأشْياءَ مَواضِعَها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَزِيزٌ لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمّا يُرِيدُهُ بِالمُجْرِمِينَ، حَكِيمٌ لا يُعَذِّبُ إلّا بِعَدْلٍ مَن يَسْتَحِقُّهُ.
النساء 4:56
﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ (أمْ) أيْضًا مُنْقَطِعَةٌ فَتُقَدَّرُ بِـ (بَلْ) . والهَمْزَةُ قِيلَ: لِلِانْتِقالِ مِن كَلامٍ إلى كَلامٍ. والهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ الَّذِي يَصْحَبُهُ الإنْكارُ. أنْكَرَ عَلَيْهِمْ أوَّلًا البُخْلَ، ثُمَّ ثانِيًا الحَسَدَ. فالبُخْلُ مَنعُ وُصُولِ خَيْرٍ مِنَ الإنْسانِ إلى غَيْرِهِ، والحَسَدُ تَمَنِّي زَوالِ ما أعْطى اللَّهُ الإنْسانَ مِنَ الخَيْرِ، وإيتاؤُهُ لَهُ. نَعى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ تَحَلِّيَهم بِهاتَيْنِ الخَصْلَتَيْنِ الذَّمِيمَتَيْنِ. ولَمّا كانَ الحَسَدُ شَرَّ الخَصْلَتَيْنِ تَرَقّى إلى ذِكْرِهِ بَعْدَ ذِكْرِ البُخْلِ. والنّاسُ هُنا: النَّبِيُّ ﷺ . والفَضْلُ: النُّبُوَّةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ والضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ أيْضًا: والفَضْلُ ما أُبِيحَ لَهُ مِنَ النِّساءِ. وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ عِنْدَهم أنَّ اليَهُودَ قالَتْ لِكُفّارِ العَرَبِ: انْظُرُوا إلى هَذا الَّذِي يَقُولُ إنَّهُ بُعِثَ بِالتَّواضُعِ، وإنَّهُ لا يَمْلَأُ بَطْنَهُ طَعامًا، لَيْسَ هَمُّهُ إلّا في النِّساءِ، ونَحْوَ هَذا؛ فَنَزَلَتْ. والمَعْنى: لِمَ تَخُصُّونَهُ بِالحَسَدِ، ولا تَحْسُدُونَ آلَ إبْراهِيمَ - يَعْنِي -: سُلَيْمانَ وداوُدَ في أنَّهُما أُعْطِيا النُّبُوَّةَ والكِتابَ، وأُعْطِيا مَعَ ذَلِكَ مُلْكًا عَظِيمًا في أمْرِ النِّساءِ؛ وهو ما رُوِيَ أنَّهُ كانَ لِسُلَيْمانَ سَبْعُمِائَةِ امْرَأةٍ، وثَلاثُمِائَةِ سُرِّيَّةٍ، ولِداوُدَ مِائَةُ امْرَأةٍ. فالمُلْكُ في هَذا القَوْلِ إباحَةُ النِّساءِ، كَأنَّهُ المَقْصُودُ أوَّلًا بِالذِّكْرِ. وقالَ قَتادَةُ: النّاسُ هُنا العَرَبُ حَسَدَتْها بَنُو إسْرائِيلَ أنْ كانَ الرَّسُولُ ﷺ مِنها، والفَضْلُ هُنا الرَّسُولُ. والمَعْنى: لِمَ يَحْسُدُونَ العَرَبَ عَلى هَذا النَّبِيِّ، وقَدْ أُوتِيَ أسْلافُهم أنْبِياءً وكُتُبًا كالتَّوْراةِ والزَّبُورِ، وحِكْمَةً وهي الفَهْمُ في الدِّينِ مِمّا لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ الكِتابُ ؟ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: نَحْنُ النّاسُ يُرِيدُ قُرَيْشًا.
﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا﴾ أيْ مُلْكَ سُلَيْمانَ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو النُّبُوَّةُ. وقالَ هَمّامُ بْنُ الحارِثِ، وأبُو مَسْلَمَةَ، وابْنُ زَيْدٍ: هو التَّأْيِيدُ بِالمَلائِكَةِ. وقِيلَ النّاسُ هُنا الرَّسُولُ وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ. والكِتابُ: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ أوْ هُما والزَّبُورُ أقْوالٌ، والحِكْمَةُ: النُّبُوَّةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ، أوِ الفِقْهُ في الدِّينِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. وقِيلَ المُلْكُ العَظِيمُ هو الجَمْعُ بَيْنَ سِياسَةِ الدُّنْيا وشَرْعِ الدِّينِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أمْ يَحْسُدُونَهم عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ النُّصْرَةِ والغَلَبَةِ وازْدِيادِ العِزِّ والتَّقَدُّمِ كُلَّ يَوْمٍ. (فَقَدْ آتَيْنا) إلْزامٌ لَهم بِما عَرَفُوهُ مِن إيتاءِ اللَّهِ الكِتابِ والحِكْمَةِ آلَ إبْراهِيمَ الَّذِينَ هم أسْلافُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وأنَّهُ لَيْسَ بِبِدْعٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ مِثْلَ ما أُوتِيَ أسْلافُهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: المُلْكُ في آلِ إبْراهِيمَ مُلْكُ يُوسُفَ وداوُدَ وسُلَيْمانَ. انْتَهى كَلامُهُ. وهو كَلامٌ حَسَنٌ.
﴿فَمِنهم مَن آمَنَ بِهِ ومِنهم مَن صَدَّ عَنْهُ﴾ أيْ مِن آلِ إبْراهِيمَ مَن آمَنَ بِإبْراهِيمَ، ومِنهم مَن كَفَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَمِنهم مُهْتَدٍ وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٦]؛ قالَهُ السُّدِّيُّ: أوْ فَمِن آلِ إبْراهِيمَ مَن آمَنَ بِالكِتابِ، أوْ فَمِنَ اليَهُودِ المُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا﴾ [النساء: ٤٧] . مَن آمَنَ بِهِ أيْ بِالقُرْآنِ، وهو المَأْمُورُ بِالإيمانِ بِهِ في قَوْلِهِ: بِما نَزَّلْنا؛ قالَهُ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ والفَرّاءُ والجُمْهُورُ (p-٢٧٤)ولِذَلِكَ ارْتَفَعَ الطَّمْسُ، ولَمْ يَقَعْ. أوْ فَمِنَ اليَهُودِ مَن آمَنَ بِالفَضْلِ الَّذِي أُوتِيَهُ الرَّسُولُ ﷺ أوِ العَرَبُ عَلى ما تَقَدَّمَ. أوْ فَمِنَ اليَهُودِ مَن آمَنَ بِهِ؛ أيْ بِما ذُكِرَ مِن حَدِيثِ آلِ إبْراهِيمَ. أوْ فَمِنَ اليَهُودِ مَن آمَنَ بِرَسُولِ اللَّهِ، ومِنهم مَن أنْكَرَ نُبُوَّتَهُ. والظّاهِرُ أنَّهُ تَعالى لَمّا أنْكَرَ عَلى اليَهُودِ حَسَدَهُمُ النّاسَ عَلى فَضْلِ اللَّهِ الَّذِي آتاهم؛ أتى بِما بَعْدَهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ والنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهُ لا يَنْبَغِي لَكم أنْ تَحْسُدُوا فَقَدْ حازَ أسْلافُكم مِنَ الشَّرَفِ ما يَنْبَغِي أنْ لا تَحْسُدُوا أحَدًا.
وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَسْلِيَةَ الرَّسُولِ ﷺ في كَوْنِهِمْ يَحْسُدُونَهُ ولا يَتَّبِعُونَهُ؛ فَذَكَرَ أنَّهم أيْضًا مَعَ أسْلافِهِمْ وأنْبِيائِهِمُ انْقَسَمُوا إلى مُؤْمِنٍ وكافِرٍ. هَذا وهم أسْلافُهم فَكَيْفَ بِنَبِيٍّ لَيْسَ هو مِنهم ؟ .
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ يَعْمَرَ، والجَحْدَرِيُّ: (ومَن صُدَّ عَنْهُ) بِرَفْعِ الصّادِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ أُبَيٌّ، وأبُو الحَوْراءِ، وأبُو رَجاءٍ والحَوْفِيُّ، بِكَسْرِ الصّادِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. والمُضاعَفُ المُدْغَمُ الثُّلاثِيُّ يَجُوزُ فِيهِ إذا بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ ما جازَ في باعَ إذا بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ؛ فَتَقُولُ: حُبُّ زَيْدٍ بِالضَّمِّ، وحِبٌّ بِالكَسْرِ. ويَجُوزُ الإشْمامُ. والصَّدُّ لَيْسَ مُقابِلًا لِلْإيمانِ إلّا مِن حَيْثُ المَعْنى؛ وكانَ المَعْنى واللَّهُ أعْلَمُ: فَمِنهم مَن آمَنَ بِهِ واتَّبَعَهُ، ومِنهم مَن كَذَّبَ بِهِ وصَدَّ عَنْهُ.
﴿وكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ أيِ احْتِراقًا والتِهابًا أيْ لِمَن صَدَّ عَنْهُ. وسَعِيرًا تَمْيِيزٌ وهو شِدَّةُ تَوَقُّدِ النّارِ. والتَّقْدِيرُ: وكَفى بِسَعِيرِ جَهَنَّمَ سَعِيرًا؛ وهو كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ العَذابِ والعُقُوبَةِ.
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا﴾ لَمّا ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿ومِنهم مَن صَدَّ عَنْهُ وكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ أتْبَعَ ذَلِكَ بِما أعَدَّ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ بِآياتِهِ؛ ثُمَّ بَعْدُ يُتْبَعُ بِما أعَدَّ لِلْمُؤْمِنِينَ، وصارَ نَظِيرَ ﴿وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦] . وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿نُصْلِيهِمْ﴾ مِن أصْلى. وقَرَأ حُمَيْدٌ: نَصْلِيهِمْ مِن صَلِيَتْ. وقَرَأ سَلّامٌ ويَعْقُوبُ: ﴿نُصْلِيهِمْ﴾ بِضَمِّ الهاءِ.
﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها﴾ انْتِصابٌ عَلى (كُلِّ) الظَّرْفِ لِأنَّهُ مُضافٌ إلى (ما) المَصْدَرِيَّةِ الظَّرْفِيَّةِ، والعامِلُ فِيهِ بَدَّلْناهم؛ وهي جُمْلَةٌ فِيها مَعْنى الشَّرْطِ. وهي في مَوْضِعِ الحالِ، والعامِلُ فِيها ﴿نُصْلِيهِمْ﴾ . والتَّبْدِيلُ عَلى مَعْنَيَيْنِ: تَبْدِيلٌ في الصِّفاتِ مَعَ بَقاءِ العَيْنِ، وتَبْدِيلٌ في الذَّواتِ بِأنْ تَذْهَبَ العَيْنُ وتَجِيءَ مَكانَها عَيْنٌ أُخْرى؛ يُقالُ: هَذا بَدَلُ هَذا. والظّاهِرُ في الآيَةِ هَذا المَعْنى. الثّانِي. وأنَّهُ إذا نَضِجَ ذَلِكَ الجِلْدُ وتَهَرّى وتَلاشى جِيءَ بِجِلْدٍ آخَرَ مَكانَهُ؛ ولِهَذا قالَ: جُلُودًا غَيْرَها. قالَ السُّدِّيُّ: إنَّ الجُلُودَ تُخْلَقُ مِنَ اللَّحْمِ؛ فَإذا أُحْرِقَ جِلْدٌ بَدَّلَهُ اللَّهُ مِن لَحْمِ الكافِرِ جِلْدًا آخَرَ. وقِيلَ: هي بِعَيْنِها تُعادُ بَعْدَ إحْراقِها؛ كَما تُعادُ الأجْسادُ بَعْدَ البِلى في القُبُورِ؛ فَيَكُونُ ذَلِكَ عائِدًا إلى الصِّفَةِ، لا إلى الذّاتِ. وقالَ الفُضَيْلُ: يُجْعَلُ النُّضْجُ غَيْرَ نَضِيجٍ. وقِيلَ: تُبَدَّلُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعَ مَرّاتٍ. وقالَ الحَسَنُ: سَبْعِينَ. وأبْعَدُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الجُلُودَ هي سَرابِيلُ مِن قَطِرانٍ تُخالِطُ جُلُودَهم مُخالَطَةً لا يُمْكِنُ إزالَتُها. فَيُبَدِّلُ اللَّهُ تِلْكَ السَّرابِيلَ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ. أوْ كَما قِيلَ: مِائَةَ ألْفِ مَرَّةٍ. وسُمِّيَتْ جُلُودًا لِمُلابَسَتِها الجُلُودَ. وأبْعَدُ - أيْضًا - مَن ذَهَبَ إلى أنَّ هَذا اسْتِعارَةٌ عَنِ الدَّوامِ؛ كُلَّما انْتَهى فَقَدِ ابْتَدَأ مِن أوَّلِهِ، يَعْنِي: كُلَّما ظَنُّوا أنَّهم نَضِجُوا واحْتَرَقُوا وانْتَهَوْا إلى الهَلاكِ أعْطَيْناهم قُوَّةً جَدِيدَةً مِنَ الحَياةِ؛ بِحَيْثُ ظَنُّوا أنَّهُمُ الآنَ حَدَّثُوا ووَجَدُوا؛ فَيَكُونُ المَقْصُودُ بَيانُ دَوامِ العَذابِ وعَدَمِ انْقِطاعِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُلْبِسُهُمُ اللَّهُ جُلُودًا بَيْضاءَ كَأنَّها قَراطِيسُ. وقالَ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى: يَلْبَسُ أهْلُ النّارِ جُلُودًا تُؤْلِمُهم ولا تُؤْلَمُ هي.
﴿لِيَذُوقُوا العَذابَ﴾ أيْ ذَلِكَ التَّبْدِيلَ كُلَّما نَضِجَتِ الجُلُودُ، هو لِيَذُوقُوا ألَمَ العَذابِ. وأتى بِلَفْظِ الذَّوْقِ المُشْعِرِ بِالإحْساسِ الأوَّلِ وهو آلَمُ؛ فَجَعَلَ كُلَّما وقَعَ التَّبْدِيلُ كانَ لِذَوْقِ العَذابِ بِخِلافِ مَن تَمَرَّنَ عَلى العَذابِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِيَذُوقُوا العَذابَ لِيَدُومَ لَهم دُونَهُ ولا يَنْقَطِعَ؛ كَقَوْلِكَ لِلْعَزِيزِ: أعَزَّكَ اللَّهُ أيْ أدامَكَ عَلى عِزِّكَ، وزادَكَ فِيهِ.
﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ أيْ عَزِيزًا (p-٢٧٥)لا يُغالَبُ، حَكِيمًا يَضَعُ الأشْياءَ مَواضِعَها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَزِيزٌ لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمّا يُرِيدُهُ بِالمُجْرِمِينَ، حَكِيمٌ لا يُعَذِّبُ إلّا بِعَدْلٍ مَن يَسْتَحِقُّهُ.
النساء 4:57
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيهِ أبَدًا﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى وعِيدَ الكُفّارِ أعْقَبَ بِوَعْدِ المُؤْمِنِينَ، وجاءَتْ جُمْلَةُ الكُفّارِ مُؤَكَّدَةً بِأنَّ عَلى سَبِيلِ تَحْقِيقِ الوَعِيدِ المُؤَكَّدِ. ولَمْ يَحْتَجْ إلى ذَلِكَ في جُمْلَةِ المُؤْمِنِينَ، وأتى فِيها بِالسِّينِ المُشْعِرَةِ بِقِصَرِ مُدَّةِ التَّنْفِيسِ عَلى سَبِيلِ تَقْرِيبِ الخَيْرِ مِنَ المُؤْمِنِ، وتَبْشِيرِهِ بِهِ.
﴿لَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا.
﴿ونُدْخِلُهم ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ؛ أيْ يَقِي مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ. ويَصِحُّ أنْ يُرِيدَ أنَّهُ ظِلٌّ لا يَنْتَقِلُ؛ كَما يَفْعَلُ ظِلُّ الدُّنْيا؛ فَأكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ظَلِيلًا لِذَلِكَ. ويَصِحُّ أنْ يَصِفَهُ بِظَلِيلٍ لِامْتِدادِهِ؛ فَقَدْ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إنَّ في الجَنَّةِ شَجَرَةً يُسَيِّرُ الرّاكِبُ الجَوادَ المُضْمَرَ في ظِلِّها مِائَةَ سَنَةٍ ما يَقْطَعُها» . انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: الظَّلِيلُ هو القَوِيُّ المُتَمَكِّنُ. قالَ: ونَعْتُ الشَّيْءِ بِمِثْلِ ما اشْتُقَّ مِن لَفْظِهِ يَكُونُ مُبالَغَةً كَقَوْلِهِمْ: لَيْلٌ ألْيَلُ، وداهِيَةٌ دَهْياءُ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: وإنَّما قالَ ظِلًّا ظَلِيلًا؛ لِأنَّ بِلادَ العَرَبِ في غايَةِ الحَرارَةِ؛ فَكانَ الظِّلُّ عِنْدَهم مِن أعْظَمِ أسْبابِ الرّاحَةِ؛ ولِهَذا المَعْنى جُعِلَ كِنايَةً عَنِ الرّاحَةِ، ووَصْفُهُ بِالظَّلِيلِ مُبالَغَةٌ في الرّاحَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ظَلِيلٌ صِفَةٌ مُشْتَقَّةٌ مِن لَفْظِ الظِّلِّ؛ لِتَأْكِيدِ مَعْناهُ، كَما يُقالُ: لَيْلٌ ألْيَلُ، ويَوْمٌ أيْوَمُ، وما أشْبَهَ ذَلِكَ؛ وهو ما كانَ فَيْنانًا لا جَوْبَ فِيهِ، ودائِمًا لا تَنْسَخُهُ الشَّمْسُ. وسَجْسَجًا لا حَرَّ فِيهِ، ولا بَرْدَ، ولَيْسَ ذَلِكَ إلّا ظَلُّ الجَنَّةِ رَزَقَنا اللَّهُ بِتَوْفِيقِهِ ما يُزْلِفُ إلَيْهِ التَّقَيُّؤَ تَحْتَ ذَلِكَ الظِّلِّ. وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: (سَيُدْخِلُهم) بِالياءِ انْتَهى. وقالَ الحَسَنُ: قَدْ يَكُونُ ظِلًّا لَيْسَ بِظَلِيلٍ يَدْخُلُهُ الحَرُّ والشَّمْسُ؛ فَلِذَلِكَ وصَفَ ظَلَّ الجَنَّةِ بِأنَّهُ ظَلِيلٌ. وعَنِ الحَسَنِ: ظِلُّ أهْلِ الجَنَّةِ يَقِي الحَرَّ والسَّمُومِ، وظِلُّ أهْلِ النّارِ مِن يَحْمُومٍ لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ. ويُقالُ: إنَّ أوْقاتِ الجَنَّةِ كُلُّها سَواءٌ؛ اعْتِدالٌ لا حَرَّ فِيها ولا بَرْدَ. وقَرَأ النَّخَعِيُّ وابْنُ وثّابٍ: (سَيُدْخِلُهم) بِالياءِ، وكَذا (ويُدْخِلُهم ظِلًّا)؛ فَمَن قَرَأ بِالنُّونِ، وهُمُ الجُمْهُورُ فَلاحَظَ قَوْلَهُ في وعِيدِ الكُفّارِ: ﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ﴾ [النساء: ٥٦]، ومَن قَرَأ بِالياءِ لاحَظَ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٥٦] فَأجْراهُ عَلى الغَيْبَةِ.
وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ الكَرِيمَةُ أنْواعًا مِنَ الفَصاحَةِ والبَيانِ والبَدِيعِ: الِاسْتِفْهامُ الَّذِي يُرادُ بِهِ التَّعَجُّبُ في: ألَمْ تَرَ في المَوْضِعَيْنِ، والخِطابُ العامُّ ويُرادُ بِهِ الخاصُّ في: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا﴾ [النساء: ٤٧]، وهو دُعاءُ الرَّسُولِ ﷺ ابْنَ صُورِيّا، وكَعْبًا، وغَيْرَهُما مِنَ الأحْبارِ إلى الإيمانِ حَسَبَ ما في سَبَبِ النُّزُولِ، والِاسْتِعارَةُ في قَوْلِهِ: مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا، في قَوْلِ مَن قالَ: هو الصَّرْفُ عَنِ الحَقِّ، وفي: لِيَذُوقُوا العَذابَ، أُطْلِقَ اسْمُ الذَّوْقِ الَّذِي هو مُخْتَصٌّ بِحاسَّةِ اللِّسانِ، وسَقْفِ الحَلْقِ عَلى وُصُولِ الألَمِ لِلْقَلْبِ. والطِّباقُ في: ﴿فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها﴾ [النساء: ٤٧]؛ والوَجْهُ ضِدُّ القَفا. وفي ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النساء: ٥١] . وفي: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ﴾ [النساء: ٥٦] . وفي: مَن آمَنَ، ومَن صَدَّ، وهَذا طِباقٌ مَعْنَوِيٌّ. والِاسْتِطْرادُ في: ﴿أوْ نَلْعَنَهم كَما لَعَنّا أصْحابَ السَّبْتِ﴾ [النساء: ٤٧] . والتَّكْرارُ في: يَغْفِرُ. وفي: لَفْظِ الجَلالَةِ، وفي: لَفْظِ النّاسِ. وفي: آتَيْنا وآتَيْناهم. وفي: فَمِنهم ومِنهم. وفي: جُلُودُهم، و﴿جُلُودًا﴾ [النساء: ٥٦]، وفي: سَنُدْخِلُهم، ونُدْخِلُهم. والتَّجْنِيسُ المُماثِلُ في: نَلْعَنَهم كَما لَعَنّا. وفي: ﴿لا يَغْفِرُ﴾ [النساء: ٤٨]، ﴿ويَغْفِرُ﴾ [النساء: ٤٨] . وفي: ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ [النساء: ٥٢]، ”ومَن يَلْعَنِ اللَّهُ“، وفي ( ﴿لا يُؤْتُونَ النّاسَ﴾ [النساء: ٥٣] ﴿آتاهُمُ﴾ [النساء: ٥٤] ﴿آتَيْنا﴾ [النساء: ٥٤] ﴿وآتَيْناهُمْ﴾ [النساء: ٥٤] . وفي: يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ، وآمَنُوا أهْدى. والتَّعَجُّبُ: بِلَفْظِ الأمْرِ في قَوْلِهِ: ”انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ“ . وتَلْوِينُ الخِطابِ في: ﴿يَفْتَرُونَ﴾ [النساء: ٥٠] أقامَ المُضارِعَ مَقامَ الماضِي إعْلامًا أنَّهم مُسْتَمِرُّونَ عَلى ذَلِكَ. والِاسْتِفْهامُ الَّذِي مَعْناهُ التَّوْبِيخُ والتَّقْرِيعُ في:﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ﴾ [النساء: ٥٣] . وفي: أمْ يَحْسُدُونَ. والإشارَةُ في: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ﴾ [النساء: ٥٢] . والتَّقْسِيمُ في: ﴿فَمِنهم مَن آمَنَ بِهِ ومِنهم مَن صَدَّ عَنْهُ﴾ [النساء: ٥٥] . والتَّعْرِيضُ في: ﴿فَإذًا لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ٥٣] عَرَّضَ بِشِدَّةِ بُخْلِهِمْ. (p-٢٧٦)وإطْلاقُ الجَمْعِ عَلى الواحِدِ في: ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ﴾ [النساء: ٥٤] إذًا فُسِّرَ بِالرَّسُولِ. وإقامَةُ المُنَكَّرِ مَقامَ المُعَرَّفِ لِمُلاحَظَةِ الشُّيُوعِ. والكَثْرَةُ في: ﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا﴾ [النساء: ٥٦] . والِاخْتِصاصُ في: ﴿عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٥٦] . والحَذْفُ في مَواضِعَ.
النساء 4:58
﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها وإذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ إنَّ اللَّهَ نِعِمّا يَعِظُكم بِهِ إنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكم فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ ويُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُضِلَّهم ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠] ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ رَأيْتَ المُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء: ٦١] ﴿فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ ثُمَّ جاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنْ أرَدْنا إلّا إحْسانًا وتَوْفِيقًا﴾ [النساء: ٦٢] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ فَأعْرِضْ عَنْهم وعِظْهم وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء: ٦٣]
الزَّعْمُ: قَوْلٌ يَقْتَرِنُ بِهِ الِاعْتِقادُ الظَّنِّيُّ. وهو بِضَمِّ الزّايِ وفَتْحِها وكَسْرِها. قالَ الشّاعِرُ، وهو أبُو ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيُّ:
؎فَإنْ تَزْعُمِينِي كُنْتُ أجْهَلَ فِيكم فَإنِّي شَرَيْتُ الحِلْمَ بَعْدَكِ بِالجَهْلِ
وقالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: أكْثَرُ ما يَقَعُ عَلى الباطِلِ. وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”مَطِيَّةُ الرَّجُلِ زَعَمُوا“ . وقالَ الأعْشى:
؎ونُبِّئْتُ قَيْسًا ولَمْ أبْلُهُ
؎كَما زَعَمُوا خَيْرَ أهْلِ اليَمَن ∗∗∗
فَقالَ المَمْدُوحُ، وما هو إلّا الزَّعْمُ، وحَرَمَهُ. وإذا قالَ سِيبَوَيْهِ: زَعَمَ الخَلِيلُ؛ فَإنَّما يَسْتَعْمِلُها فِيما انْفَرَدَ الخَلِيلُ بِهِ، وكانَ أقْوى. وذَكَرَ صاحِبُ العَيْنِ: أنَّ الأحْسَنَ في زَعْمِ أنْ تُوقَعَ عَلى أنْ قالَ، قالَ: وقَدْ تُوقَعُ في الشِّعْرِ عَلى الِاسْمِ. وأنْشَدَ بَيْتَ أبِي ذُؤَيْبٍ هَذا، وقَوْلَ الآخَرِ:
؎زَعَمَتْنِي شَيْخًا ولَسْتُ بِشَيْخِ ∗∗∗ إنَّما الشَّيْخُ مَن يَدِبُّ دَبِيبًا
ويُقالُ: زَعَمَ بِمَعْنى كَفَلَ، وبِمَعْنى رَأسَ؛ فَيَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ مَرَّةً، وبِحَرْفِ جَرٍّ أُخْرى. ويُقالُ: زَعَمَتِ الشّاةُ؛ أيْ سَمِنَتْ، وبِمَعْنى هَزَلَتْ، ولا يَتَعَدّى. التَّوْفِيقُ: مَصْدَرُ وفَقَ والوِفاقُ والوَفْقُ ضِدَّ المُخالَفَةِ.
﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها وإذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ﴾ سَبَبُ نُزُولِها فِيما رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَهُ مُجاهِدٌ والزُّهْرِيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ ومُقاتِلٌ: ما ذَكَرُوا في قِصَّةٍ مُطَوَّلَةٍ مَضْمُونُها: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أخَذَ مِفْتاحَ الكَعْبَةِ مِن سادِنِيها عُثْمانَ بْنِ طَلْحَةَ، وابْنِ عَمِّهِ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمانَ بَعْدَ تَأبٍّ مِن عُثْمانَ، ولَمْ يَكُنْ أسْلَمَ، فَسَألَ العَبّاسُ الرَّسُولَ ﷺ أنْ يَجْمَعَ لَهُ بَيْنَ السِّقايَةِ والسِّدانَةِ؛ فَنَزَلَتْ فَرَدَّ المِفْتاحَ إلَيْهِما، وأسْلَمَ عُثْمانُ. وقالَ الرَّسُولُ (p-٢٧٧)ﷺ: «خُذُوها يا بَنِي طَلْحَةَ خالِدَةً تالِدَةً لا يَأْخُذُها مِنكم إلّا ظالِمٌ» . ورَوى ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، ومَكْحُولٌ، واخْتارَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: نَزَلَتْ في الأُمَراءِ أنْ يُؤَدُّوا الأمانَةَ فِيما ائْتَمَنَهُمُ اللَّهُ مِن أمْرِ رَعِيَّتِهِ. وقِيلَ نَزَلَتْ عامَّةً، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ: أُبَيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ.
ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها هو أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ وعْدَ المُؤْمِنِينَ، وذَكَرَ عَمَلَ الصّالِحاتِ، نَبَّهَ عَلى هَذَيْنِ العَمَلَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ اللَّذَيْنِ مَنِ اتَّصَفَ بِهِما كانَ أحْرى أنْ يَتَّصِفَ بِغَيْرِهِما مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ؛ فَأحَدُهُما ما يَخْتَصُّ بِهِ الإنْسانُ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ، وهو أداءُ الأمانَةِ الَّتِي عُرِضَتْ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها، والثّانِي ما يَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ مِنَ الفَصْلِ بَيْنَهُما بِالحُكْمِ العَدْلِ الخالِي عَنِ الهَوى، وهو مِنَ الأعْمالِ العَظِيمَةِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِها رُسُلَهُ وأنْبِياءَهُ والمُؤْمِنِينَ. ولَمّا كانَ التَّرْتِيبُ الصَّحِيحُ أنْ يَبْدَأ الإنْسانُ بِنَفْسِهِ في جَلْبِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ، ثُمَّ يَشْتَغِلُ بِحالِ غَيْرِهِ، أُمِرَ بِأداءِ الأمانَةِ أوَّلًا ثُمَّ بَعْدَهُ بِالأمْرِ بِالحُكْمِ بِالحَقِّ. والظّاهِرُ في: يَأْمُرُكم أنَّ الخِطابَ عامٌّ لِكُلِّ أحَدٍ في كُلِّ أمانَةٍ.
وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ في شَأْنِ مِفْتاحِ الكَعْبَةِ. وقالَ عَلِيٌّ وابْنُ أسْلَمَ وشَهْرٌ وابْنُ زَيْدٍ: خِطابٌ لِوُلاةِ المُسْلِمِينَ خاصَّةً؛ فَهو لِلنَّبِيِّ ﷺ، وأُمَرائِهِ، ثُمَّ يَتَناوَلُ مَن بَعْدَهم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في الوُلاةِ أنْ يَعِظُوا النِّساءَ في النُّشُوزِ، ونَحْوَهُ، ويَرُدُّوهُنَّ إلى الأزْواجِ. وقِيلَ خِطابٌ لِلْيَهُودِ أُمِرُوا بِرَدِّ ما عِنْدَهم مِنَ الأمانَةِ، مِن نَعْتِ الرَّسُولِ أنْ يُظْهِرُوهُ لِأهْلِهِ؛ إذِ الخِطابُ مَعَهم قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ. ونَقَلَ التَّبْرِيزِيُّ: أنَّها خِطابٌ لِأُمَراءِ السَّرايا بِحِفْظِ الغَنائِمِ، ووَضْعِها في أهْلِها. وقِيلَ ذَلِكَ عامٌّ فِيما كَلَّفَهُ العَبْدُ مِنَ العِباداتِ. والأظْهَرُ ما قَدَّمْناهُ مِن أنَّ الخِطابَ عامٌّ يَتَناوَلُ الوُلاةَ فِيما إلَيْهِمْ مِنَ الأماناتِ في قِسْمَةِ الأمْوالِ، ورَدِّ الظُّلاماتِ وعَدْلِ الحُكُوماتِ. ومِنهُ دُونَهم مِنَ النّاسِ في الوَدائِعِ والعَوارِي والشَّهاداتِ، والرَّجُلُ يَحْكُمُ في نازِلَةٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ يُرَخِّصِ اللَّهُ لِمُوسِرٍ، ولا مُعْسِرٍ أنْ يُمْسِكَ الأمانَةَ.
وقُرِئَ: ”أنْ تُؤَدُّوا الأمانَةَ“ عَلى التَّوْحِيدِ، وأنْ تَحْكُمُوا؛ ظاهِرُهُ: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ”أنْ تُؤَدُّوا“، وفَصَلَ بَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ والمَعْطُوفِ بِإذا. وقَدْ ذَهَبَ إلى ذَلِكَ بَعْضُ أصْحابِنا، وجَعَلَهُ كَقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١] ﴿وجَعَلْنا مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ سَدًّا ومِن خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ [يس: ٩] ﴿سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] فَفَصَلَ في هَذِهِ الآيَةِ بَيْنَ الواوِ والمَعْطُوفِ بِالمَجْرُورِ. وأبُو عَلِيٍّ يَخُصُّ هَذا بِالشِّعْرِ، ولَيْسَ بِصَوابٍ. فَإنْ كانَ المَعْطُوفُ مَجْرُورًا أُعِيدَ الجارُّ نَحْوَ: امْرُرْ بِزَيْدٍ، وغَدًا بِعَمْرٍو. ولَكِنْ قَوْلُهُ: ﴿وإذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أنْ تَحْكُمُوا﴾؛ لَيْسَ مِن هَذِهِ الآياتِ؛ لِأنَّ حَرْفَ الجَرِّ يَتَعَلَّقُ في هَذِهِ الآياتِ بِالعامِلِ في المَعْطُوفِ؛ والظَّرْفُ هُنا ظاهِرُهُ أنَّهُ مَنصُوبٌ بِأنْ تَحْكُمُوا، ولا يُمْكِنُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الفِعْلَ في صِلَةِ (أنْ)، ولا يُمْكِنُ أنْ يَنْتَصِبَ بِالنّاصِبِ؛ لِـ ﴿أنْ تَحْكُمُوا﴾؛ لِأنَّ الأمْرَ لَيْسَ واقِعًا وقْتَ الحُكْمِ. وقَدْ خَرَّجَهُ عَلى هَذا بَعْضُهم. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ (إذا) مَعْمُولَةٌ؛ لِـ ﴿أنْ تَحْكُمُوا﴾ مُقَدَّرَةٍ، وأنْ تَحْكُمُوا المَذْكُورَةُ مُفَسِّرَةٌ لِتِلْكَ المُقَدَّرَةِ؛ هَذا إذا فَرَّعْنا عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ. وأمّا إذا قُلْنا بِمَذْهَبِ الفَرّاءِ فَإذا مَنصُوبَةٌ بِـ ﴿أنْ تَحْكُمُوا﴾ هَذِهِ المَلْفُوظُ بِها؛ لِأنَّهُ يُجِيزُ: يُعْجِبُنِي العَسَلُ أنْ يُشْرَبَ، فَتَقَدَّمَ مَعْمُولُ صِلَةِ (أنْ) عَلَيْها.
﴿إنَّ اللَّهَ نِعِمّا يَعِظُكم بِهِ﴾ أصْلُهُ: نِعْمَ ما، و(ما) مَعْرِفَةٌ تامَّةٌ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ والكِسائِيِّ. كَأنَّهُ قالَ: نِعْمَ الشَّيْءُ يَعِظُكم بِهِ؛ أيْ شَيْءٌ يَعِظُكم بِهِ. ويَعِظُكم صِفَةٌ لِشَيْءٍ، وشَيْءٌ هو المَخْصُوصُ بِالمَدْحِ ومَوْصُولَةٌ عَلى مَذْهَبِ الفارِسِيِّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ. والمَخْصُوصُ مَحْذُوفٌ التَّقْدِيرُ: نِعْمَ الَّذِي يَعِظُكم بِهِ تَأْدِيَةُ الأمانَةِ والحُكْمُ بِالعَدْلِ، ونَكِرَةٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى التَّمْيِيزِ، ويَعِظُكم صِفَةٌ لَهُ عَلى مَذْهَبِ الفارِسِيِّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ، والمَخْصُوصُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ كَتَقْدِيرِ ما قَبْلَهُ. وقَدْ تَأوَّلْتُ (ما) هُنا عَلى كُلِّ هَذِهِ (p-٢٧٨)الأقْوالِ، وتَحْقِيقُ ذَلِكَ في عِلْمِ النَّحْوِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وما المُرْدَفَةُ عَلى نِعْمَ إنَّما هي مُهَيَّئَةٌ لِاتِّصالِ الفِعْلِ بِها كَما هي في (رُبَّما)، و(مِمّا) في قَوْلِهِ: وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِمّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ، وكَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎وإنّا لَمِمّا نَضْرِبُ الكَبْشَ ضَرْبَةً ∗∗∗ عَلى رَأْسِهِ تُلْقِي اللِّسانَ مِنَ الفَمِ
ونَحْوِهِ. وفي هَذا هي بِمَنزِلَةِ (رُبَّما)، وهي لَها مُخالِفَةٌ في المَعْنى؛ لِأنَّ (رُبَّما) مَعْناها التَّقْلِيلُ، ومِمّا مَعْناها التَّكْثِيرُ. ومَعَ أنَّ (ما) مُوَطِّئَةٌ، فَهي بِمَعْنى الَّذِي. و(ما) وطَّأتْ إلّا وهي اسْمٌ، ولَكِنَّ القَصْدَ إنَّما هو لِما يَلِيها مِنَ المَعْنى الَّذِي في الفِعْلِ. انْتَهى كَلامُهُ. وهو كَلامٌ مُتَهافِتٌ؛ لِأنَّهُ مِن حَيْثُ جَعْلُها مُوَطِّئَةً مُهَيِّئَةً لا تَكُونُ اسْمًا، ومِن حَيْثُ جَعْلُها بِمَعْنى الَّذِي لا تَكُونُ مُهَيِّئَةً مُوَطِّئَةً فَتَدافَعا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نِعِمّا) بِكَسْرِ العَيْنِ إتْباعًا لِحَرَكَةِ العَيْنِ. وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: (نَعِمّا) بِفَتْحِ النُّونِ عَلى الأصْلِ؛ إذِ الأصْلُ نَعِمَ عَلى وزْنِ شَهِدَ. ونُسِبَ إلى أبِي عَمْرٍو سُكُونُ العَيْنِ؛ فَيَكُونُ جَمْعًا بَيْنَ ساكِنَيْنِ.
﴿إنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعًا﴾؛ أيْ لِأقْوالِكُمُ الصّادِرَةِ مِنكم في الأحْكامِ.
﴿بَصِيرًا﴾ بِرَدِّ الأماناتِ إلى أهْلِها.
النساء 4:59
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾ قِيلَ نَزَلَتْ في أُمَراءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وذَكَرُوا قِصَّةً طَوِيلَةً مَضْمُونُها: أنَّ عَمّارًا أجارَ رَجُلًا قَدْ أسْلَمَ، وفَرَّ أصْحابُهُ حِينَ أُنْذِرُوا بِالسَّرِيَّةِ فَهَرَبُوا، وأقامَ الرَّجُلُ، وإنَّ أمِيرَها خالِدًا أخَذَ الرَّجُلَ، ومالَهُ، فَأخْبَرَهُ عَمّارٌ بِإسْلامِهِ، وإجارَتِهِ إيّاهُ فَقالَ خالِدٌ: وأنْتَ تُجِيرُ ؟ فاسْتَبّا، وارْتَفَعا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأجازَ أمانَ عَمّارٍ، ونَهاهُ أنْ يُجِيرَ عَلى أمِيرٍ.
ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا أمَرَ الوُلاةَ أنْ يَحْكُمُوا بِالعَدْلِ أمَرَ الرَّعِيَّةَ بِطاعَتِهِمْ. قالَ عَطاءٌ: أطِيعُوا اللَّهَ في فَرِيضَتِهِ والرَّسُولَ ﷺ في سُنَّتِهِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: في أوامِرِهِ ونَواهِيهِ، والرَّسُولَ ما دامَ حَيًّا، وسُنَّتَهُ بَعْدَ وفاتِهِ. وقِيلَ فِيما شَرَعَ والرَّسُولَ ﷺ فِيما شَرَحَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ: أُولُو الأمْرِ هُمُ الأُمَراءُ. وقالَ مُجاهِدٌ: أصْحابُ الرَّسُولِ ﷺ . وقالَ التَّبْرِيزِيُّ: المُهاجِرُونَ والأنْصارُ. وقِيلَ الصَّحابَةُ والتّابِعُونَ. وقِيلَ الخُلَفاءُ الأرْبَعُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ. وقالَ جابِرٌ والحَسَنُ وعَطاءٌ وأبُو العالِيَةِ ومُجاهِدٌ أيْضًا: العُلَماءُ، واخْتارَهُ مالِكٌ. وقالَ مَيْمُونٌ، ومُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ أُمَراءُ السَّرايا، أوِ الأئِمَّةُ مِن أهْلِ البَيْتِ قالَهُ الشِّيعَةُ. أوْ عَلِيٌّ وحْدَهُ قالُوهُ أيْضًا. والظّاهِرُ أنَّهُ كُلُّ مَن ولِيَ أمْرَ شَيْءٍ وِلايَةً صَحِيحَةً. قالُوا: حَتّى المَرْأةُ يَجِبُ عَلَيْها طاعَةُ زَوْجِها، والعَبْدُ مَعَ سَيِّدِهِ والوَلَدُ مَعَ والِدَيْهِ واليَتِيمُ مَعَ وصِيِّهِ فِيما يُرْضِي اللَّهَ، ولَهُ فِيهِ مَصْلَحَةٌ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمُرادُ بِـ أُولِي الأمْرِ مِنكم أُمَراءُ الحَقِّ؛ لِأنَّ أُمَراءَ الجَوْرِ اللَّهُ ورَسُولُهُ بَرِيئانِ مِنهم؛ فَلا يُعْطَفُونَ عَلى اللَّهِ ورَسُولِهِ. وكانَ أوَّلُ الخُلَفاءُ يَقُولُ: أطِيعُونِي ما عَدَلْتُ فِيكم، فَإنْ خالَفْتُ فَلا طاعَةَ لِي عَلَيْكم. وعَنْ أبِي حازِمٍ: أنَّ مَسْلَمَةَ بْنَ عَبْدِ المَلِكِ قالَ لَهُ: ألَسْتُمْ أُمِرْتُمْ بِطاعَتِنا في قَوْلِهِ: ﴿وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾ ؟ قالَ: ألَيْسَ قَدْ نُزِعَتْ مِنكم إذْ خالَفْتُمُ الحَقَّ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ . وقِيلَ هم أُمَراءُ السَّرايا.
وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «مَن أطاعَنِي فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ، ومَن عَصانِي فَقَدْ عَصى اللَّهَ ومَن يُطِعْ أمِيرِي فَقَدْ أطاعَنِي، ومَن يَعْصِ أمِيرِي فَقَدْ عَصانِي»، وقِيلَ هُمُ العُلَماءُ الدَّيِّنُونَ الَّذِينَ يُعَلِّمُونَ النّاسَ الدِّينَ؛ يَأْمُرُونَهم بِالمَعْرُوفِ، ويَنْهَوْنَهم عَنِ المُنْكَرِ انْتَهى. وقالَ سَهْلٌ التُّسْتَرِيُّ: أطِيعُوا السُّلْطانَ في سَبْعَةٍ: ضَرْبِ الدَّنانِيرِ والدَّراهِمِ والمَكايِيلِ والأوْزانِ والأحْكامِ والحَجِّ والجُمْعَةِ والعِيدَيْنِ والجِهادِ. وإذا نَهى السُّلْطانُ العالِمَ أنْ يُفْتِيَ فَلَيْسَ لَهُ أنْ يُفْتِيَ؛ فَإنْ أفْتى فَهو عاصٍ، وإنْ كانَ أمِيرًا جائِرًا. قِيلَ، ويُحْمَلُ قَوْلُ سَهْلٍ عَلى أنَّهُ يَتْرُكُ الفُتْيا إذا خافَ مِنهُ عَلى نَفْسِهِ. وقالَ ابْنُ خُوَيْزِمِندادَ: وأمّا طاعَةُ السُّلْطانِ فَتَجِبُ فِيما كانَ فِيهِ طاعَةٌ، ولا تَجِبُ فِيما كانَ فِيهِ مَعْصِيَةٌ. قالَ: ولِذَلِكَ قُلْنا: إنَّ أُمَراءَ زَمانِنا لا تَجُوزُ طاعَتُهم ولا مُعاوَنَتُهم ولا تَعْظِيمُهم، ويَجِبُ الغَزْوُ مَعَهم مَتى (p-٢٧٩)غَزَوْا، والحُكْمُ مِن قِبَلِهِمْ، وتَوْلِيَةُ الإمامَةِ والحِسْبَةِ، وإقامَةُ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الشَّرِيعَةِ. فَإنْ صَلَّوْا بِنا، وكانُوا فَسَقَةً مِن جِهَةِ المَعاصِي جازَتِ الصَّلاةُ مَعَهم، وإنْ كانُوا مُبْتَدِعَةً لَمْ تَجُزِ الصَّلاةُ مَعَهم إلّا أنْ يَخافُوا فَتُصَلّى مَعَهم تَقِيَّةً، وتُعادُ الصَّلاةُ فِيما بَعْدُ. انْتَهى.
واسْتَدَلَّ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ عَلى إبْطالِ قَوْلِ مَن قالَ: بِإمامٍ مَعْصُومٍ بِقَوْلِهِ: ﴿وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾ . فَإنَّ الأُمَراءَ والفُقَهاءَ يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الغَلَطُ والسَّهْوُ، وقَدْ أُمِرْنا بِطاعَتِهِمْ. ومِن شَرْطِ الإمامِ العِصْمَةُ فَلا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَيْهِ؛ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الإمامَ؛ لِأنَّهُ قالَ في نَسَقِ الخِطابِ: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾؛ فَلَوْ كانَ هُناكَ إمامٌ مَفْرُوضُ الطّاعَةِ لَكانَ الرَّدُّ إلَيْهِ واجِبًا، وكانَ هو يَقْطَعُ التَّنازُعَ؛ فَلَمّا أمَرَ بِرَدِّ المُتَنازَعِ فِيهِ إلى الكِتابِ والسُّنَّةِ دُونَ الإمامِ؛ دَلَّ عَلى بُطْلانِ الإمامَةِ. وتَأْوِيلُهم: أنَّ أُولِي الأمْرِ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فاسِدٌ؛ لِأنَّ أُولِي الأمْرِ جَمْعٌ، وعَلِيٌّ واحِدٌ. وكانَ النّاسُ مَأْمُورِينَ بِطاعَةِ أُولِي الأمْرِ في حَياةِ الرَّسُولِ ﷺ، وعَلِيٌّ لَمْ يَكُنْ إمامًا في حَياتِهِ فَثَبَتَ أنَّهم كانُوا أُمَراءَ.
وعَلى المُوَلّى عَلَيْهِمْ طاعَتُهم ما لَمْ يَأْمُرُوا بِمَعْصِيَةٍ. فَكَذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ في لُزُومِ اتِّباعِهِمْ طاعَتَهم ما لَمْ تَكُنْ مَعْصِيَةً. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: ﴿وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى الإجْماعِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ أمَرَ بِطاعَةِ أُولِي الأمْرِ عَلى سَبِيلِ الجَزْمِ في هَذِهِ الآيَةِ؛ ومَن أمَرَ بِطاعَتِهِ عَلى الجَزْمِ والقَطْعِ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مَعْصُومًا عَنِ الخَطَأِ وإلّا لَكانَ بِتَقْدِيرِ إقْدامِهِ عَلى الخَطَأِ مَأْمُورًا بِاتِّباعِهِ والخَطَأُ مَنهِيٌّ عَنْهُ؛ فَيُؤَدِّي إلى اجْتِماعِ الأمْرِ والنَّهْيِ في فِعْلٍ واحِدٍ بِاعْتِبارٍ واحِدٍ، وأنَّهُ مُحالٌ. ولَيْسَ أحَدٌ مَعْصُومًا بَعْدَ الرَّسُولِ إلّا جَمْعُ الأُمَّةِ أهْلُ العَقْدِ والحَلِّ، ومُوجِبُ ذَلِكَ أنَّ إجْماعَ الأُمَّةِ حُجَّةٌ.
﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسَّدِّيُّ، والأعْمَشُ، ومَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ: فَرُدُّوهُ إلى كِتابِ اللَّهِ، وسُؤالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في حَياتِهِ وإلى سُنَّتِهِ بَعْدَ وفاتِهِ. وقالَ قَوْمٌ مِنهُمُ الأصَمُّ: مَعْناهُ قُولُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنِ اخْتَلَفْتُمْ أنْتُمْ وأُولُوا الأمْرِ في شَيْءٍ مِن أُمُورِ الدِّينِ فَرُدُّوهُ ارْجِعُوا فِيهِ إلى الكِتابِ والسُّنَّةِ انْتَهى. وقَدِ اسْتَدَلَّ نُفاةُ القِياسِ، ومُثْبِتُوهُ بِقَوْلِهِ: فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ، وهي مَسْألَةٌ يُبْحَثُ فِيها في أُصُولِ الفِقْهِ.
﴿إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ شَرْطٌ، وجَوابُهُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ. وهو شَرْطٌ يُرادُ بِهِ الحَضُّ عَلى اتِّباعِ الحَقِّ؛ لِأنَّهُ ناداهم أوَّلًا بِـ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ فَصارَ نَظِيرَ: إنْ كُنْتَ ابْنِي فَأطِعْنِي. وفِيهِ إشْعارٌ بِوَعِيدِ مَن لَمْ يَرُدَّ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ.
﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ ذَلِكَ الرَّدُّ إلى الكِتابِ والسُّنَّةِ، أوْ إلى أنْ تَقُولُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ. وقالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ: أحْسَنُ عاقِبَةً. وقالَ مُجاهِدٌ: أحْسَنُ جَزاءً. وقِيلَ أحْسَنُ تَأْوِيلًا مِن تَأْوِيلِكم أنْتُمْ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: أنَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ أحْسَنُ نَظَرًا، وتَأْوِيلًا مِنكم إذا انْفَرَدْتُمْ بِتَأْوِيلِكم.
النساء 4:60
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ ويُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُضِلَّهم ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ذُكِرَ في سَبَبِ نُزُولِها قَصَصٌ طَوِيلٌ مُلَخَّصُهُ: أنَّ أبا بُرْدَةَ الأسْلَمِيَّ كانَ كاهِنًا يَقْضِي بَيْنَ اليَهُودِ، فَتَنافَرَ إلَيْهِ نَفَرٌ مِن أسْلَمَ، أوْ أنَّ قَيْسًا الأنْصارِيَّ أحَدَ مَن يَدَّعِي الإسْلامَ، ورَجُلًا مِنَ اليَهُودِ تَداعَيا إلى الكاهِنِ، وتَرَكا الرَّسُولَ ﷺ بَعْدَما دَعا اليَهُودِيُّ إلى الرَّسُولِ والأنْصارِيُّ يَأْبى إلّا الكاهِنَ. أوْ أنَّ مُنافِقًا ويَهُودِيًّا اخْتَصَما؛ فاخْتارَ اليَهُودِيُّ الرَّسُولَ ﷺ، واخْتارَ المُنافِقُ كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ؛ فَأبى اليَهُودِيُّ، وتَحاكَما إلى الرَّسُولِ فَقَضى لِلْيَهُودِيِّ، فَخَرَجا ولَزِمَهُ المُنافِقُ، وقالَ: نَنْطَلِقُ إلى عُمَرَ، فانْطَلَقا إلَيْهِ فَقالَ اليَهُودِيُّ: قَدْ تَحاكَمْنا إلى الرَّسُولِ ﷺ، فَلَمْ يَرْضَ بِقَضائِهِ، فَأقَرَّ المُنافِقُ بِذَلِكَ عِنْدَ عُمَرَ، فَقَتَلَهُ عُمَرُ، وقالَ: هَكَذا أقْضِي فِيمَن لَمْ يَرْضَ بِقَضاءِ اللَّهِ، وقَضاءِ رَسُولِهِ.
ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها (p-٢٨٠)ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِطاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، وأُولِي الأمْرِ ذَكَرَ أنَّهُ يَعْجَبُ بَعْدَ وُرُودِ هَذا الأمْرِ مِن حالِ مَن يَدَّعِي الإيمانَ، ويُرِيدُ أنْ يَتَحاكَمَ إلى الطّاغُوتِ، ويَتْرُكَ الرَّسُولَ. وظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ؛ لِأنَّهُ قالَ: يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أنْزِلُ إلَيْكَ، وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ؛ فَلَوْ كانَتْ في يَهُودٍ أوْ في مُؤْمِنٍ ويَهُودِيٍّ كانَ ذَلِكَ بَعِيدًا مِن لَفْظِ الآيَةِ، إلّا إنْ حُمِلَ عَلى التَّوْزِيعِ؛ فَيَجْعَلُ بِما أنْزِلُ إلَيْكَ في مُنافِقٍ، وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ في يَهُودِيٍّ، وشُمِلُوا في ضَمِيرِ ﴿يَزْعُمُونَ﴾ فَيُمْكِنُ. وقالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ مِن قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، تَفاخَرُوا بِسَبَبِ تَكافُؤِ دِمائِهِمْ؛ إذْ كانَتِ النَّضِيرُ في الجاهِلِيَّةِ تَدِي مَن قَتَلَتْ، وتَسْتَقِيهِ إذا قَتَلَتْ قُرَيْظَةُ مِنهم، فَأبَتْ قُرَيْظَةُ لَمّا جاءَ الإسْلامُ، وطَلَبُوا المُنافَرَةَ، فَدَعا المُؤْمِنُونَ مِنهم إلى النَّبِيِّ ﷺ، ودَعا المُنافِقُونَ إلى بُرْدَةَ الكاهِنِ فَنَزَلَتْ. وقالَ الحَسَنُ: احْتَكَمَ المُنافِقُونَ بِالقِداحِ الَّتِي يُضْرَبُ بِها عِنْدَ الأوْثانِ فَنَزَلَتْ. أوْ لِسَبَبِ اخْتِلافِهِمْ في أسْبابِ النُّزُولِ اخْتَلَفُوا في الطّاغُوتِ. فَقِيلَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ. وقِيلَ الأوْثانُ، وقِيلَ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ، وقِيلَ الكُهّانُ.
* *
﴿وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن قَوْلِهِ: يُرِيدُونَ. و(يُرِيدُونَ) حالٌ؛ فَهي حالٌ مُتَداخِلَةٌ. وأعادَ الضَّمِيرُ هُنا مُذَكَّرًا، وأعادَهُ مُؤَنَّثًا في قَوْلِهِ: ﴿اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها﴾ [الزمر: ١٧] . وقَرَأ بِها هَنا عَبّاسُ بْنُ الفَضْلِ عَلى التَّأْنِيثِ، وأعادَ الضَّمِيرَ كَضَمِيرِ جَمْعِ العُقَلاءِ في قَوْلِهِ: ﴿أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٧] .
﴿ويُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُضِلَّهم ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ضَلالًا لَيْسَ جارِيًا عَلى ﴿يُضِلَّهُمْ﴾؛ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جُعِلَ مَكانَ (إضْلالٍ)، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرَ المُطاوِعِ ﴿يُضِلَّهُمْ﴾؛ أيْ فَيَضِلُّونَ ضَلالًا بَعِيدًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ، وما أُنْزِلُ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ فِيهِما. وقُرِئَ: مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ فِيهِما.
﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ رَأيْتَ المُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ قَرَأ الحَسَنُ: تَعالُوا بِضَمِّ اللّامِ. قالَ أبُو الفَتْحِ: وجْهُها أنَّ لامَ الفِعْلِ مِن تَعالَيْتُ حُذِفَتْ تَخْفِيفًا، وضُمَّتِ اللّامُ الَّتِي هي عَيْنُ الفِعْلِ؛ لِوُقُوعِ واوِ الجَمْعِ بَعْدَها. ونَظَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ حَذْفَ لامِ الكَلِمَةِ هُنا بِحَذْفِها في قَوْلِهِمْ: ما بالَيْتُ بِهِ بالَةً؛ وأصْلُهُ: بالِيَةٌ كَعافِيَةٍ. وكَمَذْهَبِ الكِسائِيِّ في (آيَةٍ) أنَّ أصْلَها (أيْلَةٌ) فَحُذِفَتِ اللّامُ. قالَ: ومِنهُ قَوْلُ أهْلِ مَكَّةَ: تَعالِي بِكَسْرِ اللّامِ لِلْمَرْأةِ. وفي شِعْرِ الحَمَدانِيِّ:
؎تَعالِي أُقاسِمْكِ الهُمُومَ تَعالِي
والوَجْهُ: فَتْحُ اللّامِ انْتَهى. وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: قَوْلُ أهْلِ مَكَّةَ (تَعالِي) يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ عَرَبِيَّةً قَدِيمَةً، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِمّا غَيَّرَتْهُ عَنْ وجْهِهِ العَرَبِيِّ فَلا يَكُونُ عَرَبِيًّا. وأمّا قَوْلُهُ في شِعْرِ الحَمَدانِيِّ فَقَدْ صَرَّحَ بَعْضُهم بِأنَّهُ أبُو فِراسٍ. وطالَعْتُ دِيوانَهُ جَمْعَ الحُسَيْنِ بْنِ خالَوَيْهِ فَلَمْ أجِدْ ذَلِكَ فِيهِ. وبَنُو حَمْدانَ كَثِيرُونَ، وفِيهِمْ عِدَّةٌ مِنَ الشُّعَراءِ؛ وعَلى تَقْدِيرِ ثُبُوتِ ذَلِكَ في شِعْرِهِمْ لا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ لا يُسْتَشْهَدُ بِكَلامِ المُوَلَّدِينَ. والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿رَأيْتَ المُنافِقِينَ﴾ أنَّها مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ، صَدُّوا مُجاهَرَةً، وتَصْرِيحًا؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ؛ أيْ عُلِمَتْ. ويَكُونُ صَدُّهم مَكْرًا وتَخابُثًا ومُسارَقَةً حَتّى لا يَعْلَمَ ذَلِكَ مِنهُ إلّا بِالتَّأْوِيلِ عَلَيْهِ. وصُدُودًا: مَصْدَرٌ لِـ (صَدَّ)، وهو هُنا مُتَعَدٍّ بِحَرْفِ الجَرِّ، وقَدْ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ نَحْوَ: ﴿فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ﴾ [النمل: ٢٤] . وقِياسُ صَدَّ في المَصْدَرِ فَعَلَ نَحْوَ: صَدَّهُ صَدًّا. وحَكى ابْنُ عَطِيَّةَ: أنَّ ﴿صُدُودًا﴾ هُنا لَيْسَ مَصْدَرًا والمَصْدَرُ عِنْدَهُ (صَدٌّ) .
﴿فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ ثُمَّ جاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنْ أرَدْنا إلّا إحْسانًا وتَوْفِيقًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: كَيْفَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ تَقْدِيرُهُ: كَيْفَ تَراهم، أوْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ أيْ فَكَيْفَ صَنِيعُهم والمُصِيبَةُ. قالَ الزَّجّاجُ: قُتِلَ عُمَرُ الَّذِي رَدَّ حُكْمَ الرَّسُولِ ﷺ . وقِيلَ كُلُّ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ المُنافِقِينَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ثُمَّ عادَ الكَلامُ إلى ما سَبَقَ يُخْبِرُ عَنْ فِعْلِهِمْ، فَقالَ: ﴿ثُمَّ جاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ . وقِيلَ هي هَدْمُ مَسْجِدِ الضِّرارِ؛ وفِيهِ نَزَلَتِ الآيَةُ، حَلَفُوا دِفاعًا عَنْ أنْفُسِهِمْ ما أرَدْنا بِبِناءِ المَسْجِدِ إلّا طاعَةً، ومُوافَقَةَ الكِتابِ. وقِيلَ تَرْكُ الِاسْتِعانَةِ (p-٢٨١)بِهِمْ، وما يَلْحَقُهم مِنَ الذُّلِّ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ [التوبة: ٨٣]، والَّذِي قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ رَدُّهم حُكْمَ الرَّسُولِ أوْ مَعاصِيهِمُ المُتَقَدِّمَةُ أوْ نِفاقُهم، واسْتِهْزاؤُهم ثَلاثَةَ أقْوالٍ. وقِيلَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا إحْسانًا وتَوْفِيقًا﴾؛ أيْ ما أرَدْنا بِطَلَبِ دَمِ صاحِبِنا الَّذِي قَتَلَهُ عُمَرُ إلّا إحْسانًا إلَيْنا، وما يُوافِقُ الحَقَّ في أمْرِنا. وقِيلَ ما أرَدْنا بِالرَّفْعِ إلى عُمَرَ إلّا إحْسانًا إلى صاحِبِنا بِحُكُومَةِ العَدْلِ، وتَوْفِيقًا بَيْنَهُ وبَيْنَ خَصْمِهِ. وقِيلَ جاءُوا يَعْتَذِرُونَ إلى الرَّسُولِ ﷺ مِن مُحاكَمَتِهِمْ إلى غَيْرِهِ ما أرَدْنا في عُدُولِنا عَنْكَ إلّا إحْسانًا بِالتَّقْرِيبِ في الحُكْمِ، وتَوْفِيقًا بَيْنَ الخُصُومِ دُونَ الحَمْلِ عَلى الحَقِّ. وفي قَوْلِهِ: ﴿فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ﴾ وعِيدٌ لَهم عَلى فِعْلِهِمْ، وأنَّهم سَيَنْدَمُونَ عَلَيْهِ عِنْدَ حُلُولِ بَأْسِ اللَّهِ تَعالى حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ النَّدَمُ، ولا يُغْنِي عَنْهُمُ الِاعْتِذارُ.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ فَأعْرِضْ عَنْهم وعِظْهم وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ أيْ: يَعْلَمُ ما في قُلُوبِهِمْ مِنَ النِّفاقِ. والمَعْنى: يَعْلَمُهُ فَيُجازِيهِمْ عَلَيْهِ، أوْ يُجازِيهِمْ عَلى ما أسَرُّوهُ مِنَ الكُفْرِ، وأظْهَرُوهُ مِنَ الحَلِفِ الكاذِبِ. وعَبَّرَ بِالعِلْمِ عَنِ المُجازاةِ. فَأعْرِضْ عَنْهم: أيْ عَنْ مُعاتَبَتِهِمْ وشَغْلِ البالِ بِهِمْ، وقَبُولِ إيمانِهِمْ وأعْذارِهِمْ. وقِيلَ: المَعْنى بِالإعْراضِ مُعامَلَتُهم بِالرِّفْقِ والأناةِ، فَفي ذَلِكَ تَأْدِيبٌ لَهم؛ وهو عِتابُهم. ولا يُرادُ بِالإعْراضِ الهَجْرُ والقَطِيعَةُ؛ فَإنَّ قَوْلَهُ: وعِظْهم يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ. وعِظْهم: أيْ خَوِّفْهم بِعَذابِ اللَّهِ وازْجُرْهم. وأنْكَرُ عَلَيْهِمْ أنْ يَعُودُوا لِمِثْلِ ما فَعَلُوا.
والقَوْلُ البَلِيغُ هو الزَّجْرُ والرَّدْعُ. قالَ الحَسَنُ: هو التَّوَعُّدُ بِالقَتْلِ إنِ اسْتَدامُوا حالَةَ النِّفاقِ. ويَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ: ﴿فِي أنْفُسِهِمْ﴾ بِقَوْلِهِ: قُلْ عَلى أحَدِ مَعْنَيَيْنِ؛ أيْ: قُلْ لَهم خالِيًا بِهِمْ لا يَكُونُ مَعَهم أحَدٌ مِن غَيْرِهِمْ مُسارًّا؛ لِأنَّ النُّصْحَ إذا كانَ في السِّرِّ كانَ أنْجَحَ، وكانَ بِصَدَدِ أنْ يُقْبَلَ سَرِيعًا. ومَعْنى ﴿بَلِيغًا﴾: أيْ مُؤَثِّرًا فِيهِمْ. أوْ قُلْ لَهم في مَعْنى أنْفُسِهِمُ النَّجِسَةِ المُنْطَوِيَةِ عَلى النِّفاقِ قَوْلًا يَبْلُغُ مِنهم ما يَزْجُرُهم عَنِ العَوْدِ إلى ما فَعَلُوا.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: بِمَ تَعَلَّقَ قَوْلُهُ: ﴿فِي أنْفُسِهِمْ﴾ ؟ قُلْتُ: بِقَوْلِهِ: ﴿بَلِيغًا﴾ أيْ: قُلْ لَهم قَوْلًا بَلِيغًا في أنْفُسِهِمْ؛ مُؤَثِّرًا في قُلُوبِهِمْ يَغْتَمُّونَ بِهِ اغْتِمامًا، ويَسْتَشْعِرُونَ مِنهُ الخَوْفَ اسْتِشْعارًا، وهو التَّوَعُّدُ بِالقَتْلِ والِاسْتِئْصالِ إنْ نَجَمَ مِنهُمُ النِّفاقُ، وأطْلَعَ قَرْنَهُ، وأخْبَرَهم أنَّ ما في نُفُوسِهِمْ مِنَ الدَّغَلِ والنِّفاقِ مَعْلُومٌ عِنْدَ اللَّهِ، وأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَكم وبَيْنَ المُشْرِكِينَ. وما هَذِهِ المُكافَّةُ إلّا لِإظْهارِكُمُ الإيمانَ، وإسْرارِكُمُ الكُفْرَ وإضْمارِهِ؛ فَإنْ فَعَلْتُمْ ما تَكْشِفُونَ بِهِ غِطاءَكم لَمْ يَبْقَ إلّا السَّيْفُ، انْتَهى كَلامُهُ. وتَعْلِيقُهُ في أنْفُسِهِمْ بِقَوْلِهِ: بَلِيغًا لا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، لِأنَّ مَعْمُولَ الصِّفَةِ لا يَتَقَدَّمُ عِنْدَهم عَلى المَوْصُوفِ. لَوْ قُلْتُ: هَذا رَجُلٌ (p-٢٨٢)ضارِبٌ زَيْدًا لَمْ يَجُزْ أنْ تَقُولَ: هَذا زَيْدًا رَجُلٌ ضارِبٌ، لِأنَّ حَقَّ المَعْمُولِ ألّا يَحِلَّ إلّا في مَوْضِعٍ يَحِلُّ فِيهِ العامِلُ؛ ومَعْلُومٌ أنَّ النَّعْتَ لا يَتَقَدَّمُ عَلى المَنعُوتِ؛ لِأنَّهُ تابِعٌ، والتّابِعُ في ذَلِكَ بِمَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ. وأمّا ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الكَلامِ المُسْهَبِ فَهو مِن نَوْعِ الخَطابَةِ، وتَحْمِيلِ لَفْظِ القُرْآنِ ما لا يَحْتَمِلُهُ، وتَقْوِيلِ اللَّهِ تَعالى ما لَمْ يَقُلْهُ، وتِلْكَ عادَتُهُ في تَفْسِيرِهِ وهو تَكْثِيرُ الألْفاظِ، ونِسْبَةِ أشْياءَ إلى اللَّهِ تَعالى لَمْ يَقُلْها اللَّهُ تَعالى، ولا دَلَّ عَلَيْها اللَّفْظُ دَلالَةً واضِحَةً، والتَّفْسِيرُ في الحَقِيقَةِ إنَّما هو شَرْحُ اللَّفْظِ المُسْتَغْلَقِ عِنْدَ السّامِعِ مِمّا هو واضِحٌ عِنْدَهُ مِمّا يُرادِفُهُ أوْ يُقارِبُهُ، أوْ لَهُ دَلالَةٌ عَلَيْهِ بِإحْدى طُرُقِ الدَّلالاتِ. وحُكِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِي أنْفُسِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: مُصِيبَةٌ، وهو مُؤَخَّرٌ بِمَعْنى التَّقْدِيمِ؛ وهَذا يُنَزَّهُ مُجاهِدٌ أنْ يَقُولَهُ، فَإنَّهُ في غايَةِ الفَسادِ.
* *
من الآية الرابعة والستين للآية الثانية والسبعين
النساء 4:61
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ ويُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُضِلَّهم ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ذُكِرَ في سَبَبِ نُزُولِها قَصَصٌ طَوِيلٌ مُلَخَّصُهُ: أنَّ أبا بُرْدَةَ الأسْلَمِيَّ كانَ كاهِنًا يَقْضِي بَيْنَ اليَهُودِ، فَتَنافَرَ إلَيْهِ نَفَرٌ مِن أسْلَمَ، أوْ أنَّ قَيْسًا الأنْصارِيَّ أحَدَ مَن يَدَّعِي الإسْلامَ، ورَجُلًا مِنَ اليَهُودِ تَداعَيا إلى الكاهِنِ، وتَرَكا الرَّسُولَ ﷺ بَعْدَما دَعا اليَهُودِيُّ إلى الرَّسُولِ والأنْصارِيُّ يَأْبى إلّا الكاهِنَ. أوْ أنَّ مُنافِقًا ويَهُودِيًّا اخْتَصَما؛ فاخْتارَ اليَهُودِيُّ الرَّسُولَ ﷺ، واخْتارَ المُنافِقُ كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ؛ فَأبى اليَهُودِيُّ، وتَحاكَما إلى الرَّسُولِ فَقَضى لِلْيَهُودِيِّ، فَخَرَجا ولَزِمَهُ المُنافِقُ، وقالَ: نَنْطَلِقُ إلى عُمَرَ، فانْطَلَقا إلَيْهِ فَقالَ اليَهُودِيُّ: قَدْ تَحاكَمْنا إلى الرَّسُولِ ﷺ، فَلَمْ يَرْضَ بِقَضائِهِ، فَأقَرَّ المُنافِقُ بِذَلِكَ عِنْدَ عُمَرَ، فَقَتَلَهُ عُمَرُ، وقالَ: هَكَذا أقْضِي فِيمَن لَمْ يَرْضَ بِقَضاءِ اللَّهِ، وقَضاءِ رَسُولِهِ.
ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها (p-٢٨٠)ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِطاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، وأُولِي الأمْرِ ذَكَرَ أنَّهُ يَعْجَبُ بَعْدَ وُرُودِ هَذا الأمْرِ مِن حالِ مَن يَدَّعِي الإيمانَ، ويُرِيدُ أنْ يَتَحاكَمَ إلى الطّاغُوتِ، ويَتْرُكَ الرَّسُولَ. وظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ؛ لِأنَّهُ قالَ: يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أنْزِلُ إلَيْكَ، وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ؛ فَلَوْ كانَتْ في يَهُودٍ أوْ في مُؤْمِنٍ ويَهُودِيٍّ كانَ ذَلِكَ بَعِيدًا مِن لَفْظِ الآيَةِ، إلّا إنْ حُمِلَ عَلى التَّوْزِيعِ؛ فَيَجْعَلُ بِما أنْزِلُ إلَيْكَ في مُنافِقٍ، وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ في يَهُودِيٍّ، وشُمِلُوا في ضَمِيرِ ﴿يَزْعُمُونَ﴾ فَيُمْكِنُ. وقالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ مِن قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، تَفاخَرُوا بِسَبَبِ تَكافُؤِ دِمائِهِمْ؛ إذْ كانَتِ النَّضِيرُ في الجاهِلِيَّةِ تَدِي مَن قَتَلَتْ، وتَسْتَقِيهِ إذا قَتَلَتْ قُرَيْظَةُ مِنهم، فَأبَتْ قُرَيْظَةُ لَمّا جاءَ الإسْلامُ، وطَلَبُوا المُنافَرَةَ، فَدَعا المُؤْمِنُونَ مِنهم إلى النَّبِيِّ ﷺ، ودَعا المُنافِقُونَ إلى بُرْدَةَ الكاهِنِ فَنَزَلَتْ. وقالَ الحَسَنُ: احْتَكَمَ المُنافِقُونَ بِالقِداحِ الَّتِي يُضْرَبُ بِها عِنْدَ الأوْثانِ فَنَزَلَتْ. أوْ لِسَبَبِ اخْتِلافِهِمْ في أسْبابِ النُّزُولِ اخْتَلَفُوا في الطّاغُوتِ. فَقِيلَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ. وقِيلَ الأوْثانُ، وقِيلَ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ، وقِيلَ الكُهّانُ.
* *
﴿وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن قَوْلِهِ: يُرِيدُونَ. و(يُرِيدُونَ) حالٌ؛ فَهي حالٌ مُتَداخِلَةٌ. وأعادَ الضَّمِيرُ هُنا مُذَكَّرًا، وأعادَهُ مُؤَنَّثًا في قَوْلِهِ: ﴿اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها﴾ [الزمر: ١٧] . وقَرَأ بِها هَنا عَبّاسُ بْنُ الفَضْلِ عَلى التَّأْنِيثِ، وأعادَ الضَّمِيرَ كَضَمِيرِ جَمْعِ العُقَلاءِ في قَوْلِهِ: ﴿أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٧] .
﴿ويُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُضِلَّهم ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ضَلالًا لَيْسَ جارِيًا عَلى ﴿يُضِلَّهُمْ﴾؛ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جُعِلَ مَكانَ (إضْلالٍ)، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرَ المُطاوِعِ ﴿يُضِلَّهُمْ﴾؛ أيْ فَيَضِلُّونَ ضَلالًا بَعِيدًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ، وما أُنْزِلُ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ فِيهِما. وقُرِئَ: مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ فِيهِما.
﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ رَأيْتَ المُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ قَرَأ الحَسَنُ: تَعالُوا بِضَمِّ اللّامِ. قالَ أبُو الفَتْحِ: وجْهُها أنَّ لامَ الفِعْلِ مِن تَعالَيْتُ حُذِفَتْ تَخْفِيفًا، وضُمَّتِ اللّامُ الَّتِي هي عَيْنُ الفِعْلِ؛ لِوُقُوعِ واوِ الجَمْعِ بَعْدَها. ونَظَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ حَذْفَ لامِ الكَلِمَةِ هُنا بِحَذْفِها في قَوْلِهِمْ: ما بالَيْتُ بِهِ بالَةً؛ وأصْلُهُ: بالِيَةٌ كَعافِيَةٍ. وكَمَذْهَبِ الكِسائِيِّ في (آيَةٍ) أنَّ أصْلَها (أيْلَةٌ) فَحُذِفَتِ اللّامُ. قالَ: ومِنهُ قَوْلُ أهْلِ مَكَّةَ: تَعالِي بِكَسْرِ اللّامِ لِلْمَرْأةِ. وفي شِعْرِ الحَمَدانِيِّ:
؎تَعالِي أُقاسِمْكِ الهُمُومَ تَعالِي
والوَجْهُ: فَتْحُ اللّامِ انْتَهى. وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: قَوْلُ أهْلِ مَكَّةَ (تَعالِي) يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ عَرَبِيَّةً قَدِيمَةً، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِمّا غَيَّرَتْهُ عَنْ وجْهِهِ العَرَبِيِّ فَلا يَكُونُ عَرَبِيًّا. وأمّا قَوْلُهُ في شِعْرِ الحَمَدانِيِّ فَقَدْ صَرَّحَ بَعْضُهم بِأنَّهُ أبُو فِراسٍ. وطالَعْتُ دِيوانَهُ جَمْعَ الحُسَيْنِ بْنِ خالَوَيْهِ فَلَمْ أجِدْ ذَلِكَ فِيهِ. وبَنُو حَمْدانَ كَثِيرُونَ، وفِيهِمْ عِدَّةٌ مِنَ الشُّعَراءِ؛ وعَلى تَقْدِيرِ ثُبُوتِ ذَلِكَ في شِعْرِهِمْ لا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ لا يُسْتَشْهَدُ بِكَلامِ المُوَلَّدِينَ. والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿رَأيْتَ المُنافِقِينَ﴾ أنَّها مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ، صَدُّوا مُجاهَرَةً، وتَصْرِيحًا؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ؛ أيْ عُلِمَتْ. ويَكُونُ صَدُّهم مَكْرًا وتَخابُثًا ومُسارَقَةً حَتّى لا يَعْلَمَ ذَلِكَ مِنهُ إلّا بِالتَّأْوِيلِ عَلَيْهِ. وصُدُودًا: مَصْدَرٌ لِـ (صَدَّ)، وهو هُنا مُتَعَدٍّ بِحَرْفِ الجَرِّ، وقَدْ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ نَحْوَ: ﴿فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ﴾ [النمل: ٢٤] . وقِياسُ صَدَّ في المَصْدَرِ فَعَلَ نَحْوَ: صَدَّهُ صَدًّا. وحَكى ابْنُ عَطِيَّةَ: أنَّ ﴿صُدُودًا﴾ هُنا لَيْسَ مَصْدَرًا والمَصْدَرُ عِنْدَهُ (صَدٌّ) .
﴿فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ ثُمَّ جاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنْ أرَدْنا إلّا إحْسانًا وتَوْفِيقًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: كَيْفَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ تَقْدِيرُهُ: كَيْفَ تَراهم، أوْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ أيْ فَكَيْفَ صَنِيعُهم والمُصِيبَةُ. قالَ الزَّجّاجُ: قُتِلَ عُمَرُ الَّذِي رَدَّ حُكْمَ الرَّسُولِ ﷺ . وقِيلَ كُلُّ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ المُنافِقِينَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ثُمَّ عادَ الكَلامُ إلى ما سَبَقَ يُخْبِرُ عَنْ فِعْلِهِمْ، فَقالَ: ﴿ثُمَّ جاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ . وقِيلَ هي هَدْمُ مَسْجِدِ الضِّرارِ؛ وفِيهِ نَزَلَتِ الآيَةُ، حَلَفُوا دِفاعًا عَنْ أنْفُسِهِمْ ما أرَدْنا بِبِناءِ المَسْجِدِ إلّا طاعَةً، ومُوافَقَةَ الكِتابِ. وقِيلَ تَرْكُ الِاسْتِعانَةِ (p-٢٨١)بِهِمْ، وما يَلْحَقُهم مِنَ الذُّلِّ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ [التوبة: ٨٣]، والَّذِي قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ رَدُّهم حُكْمَ الرَّسُولِ أوْ مَعاصِيهِمُ المُتَقَدِّمَةُ أوْ نِفاقُهم، واسْتِهْزاؤُهم ثَلاثَةَ أقْوالٍ. وقِيلَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا إحْسانًا وتَوْفِيقًا﴾؛ أيْ ما أرَدْنا بِطَلَبِ دَمِ صاحِبِنا الَّذِي قَتَلَهُ عُمَرُ إلّا إحْسانًا إلَيْنا، وما يُوافِقُ الحَقَّ في أمْرِنا. وقِيلَ ما أرَدْنا بِالرَّفْعِ إلى عُمَرَ إلّا إحْسانًا إلى صاحِبِنا بِحُكُومَةِ العَدْلِ، وتَوْفِيقًا بَيْنَهُ وبَيْنَ خَصْمِهِ. وقِيلَ جاءُوا يَعْتَذِرُونَ إلى الرَّسُولِ ﷺ مِن مُحاكَمَتِهِمْ إلى غَيْرِهِ ما أرَدْنا في عُدُولِنا عَنْكَ إلّا إحْسانًا بِالتَّقْرِيبِ في الحُكْمِ، وتَوْفِيقًا بَيْنَ الخُصُومِ دُونَ الحَمْلِ عَلى الحَقِّ. وفي قَوْلِهِ: ﴿فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ﴾ وعِيدٌ لَهم عَلى فِعْلِهِمْ، وأنَّهم سَيَنْدَمُونَ عَلَيْهِ عِنْدَ حُلُولِ بَأْسِ اللَّهِ تَعالى حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ النَّدَمُ، ولا يُغْنِي عَنْهُمُ الِاعْتِذارُ.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ فَأعْرِضْ عَنْهم وعِظْهم وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ أيْ: يَعْلَمُ ما في قُلُوبِهِمْ مِنَ النِّفاقِ. والمَعْنى: يَعْلَمُهُ فَيُجازِيهِمْ عَلَيْهِ، أوْ يُجازِيهِمْ عَلى ما أسَرُّوهُ مِنَ الكُفْرِ، وأظْهَرُوهُ مِنَ الحَلِفِ الكاذِبِ. وعَبَّرَ بِالعِلْمِ عَنِ المُجازاةِ. فَأعْرِضْ عَنْهم: أيْ عَنْ مُعاتَبَتِهِمْ وشَغْلِ البالِ بِهِمْ، وقَبُولِ إيمانِهِمْ وأعْذارِهِمْ. وقِيلَ: المَعْنى بِالإعْراضِ مُعامَلَتُهم بِالرِّفْقِ والأناةِ، فَفي ذَلِكَ تَأْدِيبٌ لَهم؛ وهو عِتابُهم. ولا يُرادُ بِالإعْراضِ الهَجْرُ والقَطِيعَةُ؛ فَإنَّ قَوْلَهُ: وعِظْهم يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ. وعِظْهم: أيْ خَوِّفْهم بِعَذابِ اللَّهِ وازْجُرْهم. وأنْكَرُ عَلَيْهِمْ أنْ يَعُودُوا لِمِثْلِ ما فَعَلُوا.
والقَوْلُ البَلِيغُ هو الزَّجْرُ والرَّدْعُ. قالَ الحَسَنُ: هو التَّوَعُّدُ بِالقَتْلِ إنِ اسْتَدامُوا حالَةَ النِّفاقِ. ويَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ: ﴿فِي أنْفُسِهِمْ﴾ بِقَوْلِهِ: قُلْ عَلى أحَدِ مَعْنَيَيْنِ؛ أيْ: قُلْ لَهم خالِيًا بِهِمْ لا يَكُونُ مَعَهم أحَدٌ مِن غَيْرِهِمْ مُسارًّا؛ لِأنَّ النُّصْحَ إذا كانَ في السِّرِّ كانَ أنْجَحَ، وكانَ بِصَدَدِ أنْ يُقْبَلَ سَرِيعًا. ومَعْنى ﴿بَلِيغًا﴾: أيْ مُؤَثِّرًا فِيهِمْ. أوْ قُلْ لَهم في مَعْنى أنْفُسِهِمُ النَّجِسَةِ المُنْطَوِيَةِ عَلى النِّفاقِ قَوْلًا يَبْلُغُ مِنهم ما يَزْجُرُهم عَنِ العَوْدِ إلى ما فَعَلُوا.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: بِمَ تَعَلَّقَ قَوْلُهُ: ﴿فِي أنْفُسِهِمْ﴾ ؟ قُلْتُ: بِقَوْلِهِ: ﴿بَلِيغًا﴾ أيْ: قُلْ لَهم قَوْلًا بَلِيغًا في أنْفُسِهِمْ؛ مُؤَثِّرًا في قُلُوبِهِمْ يَغْتَمُّونَ بِهِ اغْتِمامًا، ويَسْتَشْعِرُونَ مِنهُ الخَوْفَ اسْتِشْعارًا، وهو التَّوَعُّدُ بِالقَتْلِ والِاسْتِئْصالِ إنْ نَجَمَ مِنهُمُ النِّفاقُ، وأطْلَعَ قَرْنَهُ، وأخْبَرَهم أنَّ ما في نُفُوسِهِمْ مِنَ الدَّغَلِ والنِّفاقِ مَعْلُومٌ عِنْدَ اللَّهِ، وأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَكم وبَيْنَ المُشْرِكِينَ. وما هَذِهِ المُكافَّةُ إلّا لِإظْهارِكُمُ الإيمانَ، وإسْرارِكُمُ الكُفْرَ وإضْمارِهِ؛ فَإنْ فَعَلْتُمْ ما تَكْشِفُونَ بِهِ غِطاءَكم لَمْ يَبْقَ إلّا السَّيْفُ، انْتَهى كَلامُهُ. وتَعْلِيقُهُ في أنْفُسِهِمْ بِقَوْلِهِ: بَلِيغًا لا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، لِأنَّ مَعْمُولَ الصِّفَةِ لا يَتَقَدَّمُ عِنْدَهم عَلى المَوْصُوفِ. لَوْ قُلْتُ: هَذا رَجُلٌ (p-٢٨٢)ضارِبٌ زَيْدًا لَمْ يَجُزْ أنْ تَقُولَ: هَذا زَيْدًا رَجُلٌ ضارِبٌ، لِأنَّ حَقَّ المَعْمُولِ ألّا يَحِلَّ إلّا في مَوْضِعٍ يَحِلُّ فِيهِ العامِلُ؛ ومَعْلُومٌ أنَّ النَّعْتَ لا يَتَقَدَّمُ عَلى المَنعُوتِ؛ لِأنَّهُ تابِعٌ، والتّابِعُ في ذَلِكَ بِمَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ. وأمّا ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الكَلامِ المُسْهَبِ فَهو مِن نَوْعِ الخَطابَةِ، وتَحْمِيلِ لَفْظِ القُرْآنِ ما لا يَحْتَمِلُهُ، وتَقْوِيلِ اللَّهِ تَعالى ما لَمْ يَقُلْهُ، وتِلْكَ عادَتُهُ في تَفْسِيرِهِ وهو تَكْثِيرُ الألْفاظِ، ونِسْبَةِ أشْياءَ إلى اللَّهِ تَعالى لَمْ يَقُلْها اللَّهُ تَعالى، ولا دَلَّ عَلَيْها اللَّفْظُ دَلالَةً واضِحَةً، والتَّفْسِيرُ في الحَقِيقَةِ إنَّما هو شَرْحُ اللَّفْظِ المُسْتَغْلَقِ عِنْدَ السّامِعِ مِمّا هو واضِحٌ عِنْدَهُ مِمّا يُرادِفُهُ أوْ يُقارِبُهُ، أوْ لَهُ دَلالَةٌ عَلَيْهِ بِإحْدى طُرُقِ الدَّلالاتِ. وحُكِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِي أنْفُسِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: مُصِيبَةٌ، وهو مُؤَخَّرٌ بِمَعْنى التَّقْدِيمِ؛ وهَذا يُنَزَّهُ مُجاهِدٌ أنْ يَقُولَهُ، فَإنَّهُ في غايَةِ الفَسادِ.
* *
من الآية الرابعة والستين للآية الثانية والسبعين
النساء 4:62
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ ويُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُضِلَّهم ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ذُكِرَ في سَبَبِ نُزُولِها قَصَصٌ طَوِيلٌ مُلَخَّصُهُ: أنَّ أبا بُرْدَةَ الأسْلَمِيَّ كانَ كاهِنًا يَقْضِي بَيْنَ اليَهُودِ، فَتَنافَرَ إلَيْهِ نَفَرٌ مِن أسْلَمَ، أوْ أنَّ قَيْسًا الأنْصارِيَّ أحَدَ مَن يَدَّعِي الإسْلامَ، ورَجُلًا مِنَ اليَهُودِ تَداعَيا إلى الكاهِنِ، وتَرَكا الرَّسُولَ ﷺ بَعْدَما دَعا اليَهُودِيُّ إلى الرَّسُولِ والأنْصارِيُّ يَأْبى إلّا الكاهِنَ. أوْ أنَّ مُنافِقًا ويَهُودِيًّا اخْتَصَما؛ فاخْتارَ اليَهُودِيُّ الرَّسُولَ ﷺ، واخْتارَ المُنافِقُ كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ؛ فَأبى اليَهُودِيُّ، وتَحاكَما إلى الرَّسُولِ فَقَضى لِلْيَهُودِيِّ، فَخَرَجا ولَزِمَهُ المُنافِقُ، وقالَ: نَنْطَلِقُ إلى عُمَرَ، فانْطَلَقا إلَيْهِ فَقالَ اليَهُودِيُّ: قَدْ تَحاكَمْنا إلى الرَّسُولِ ﷺ، فَلَمْ يَرْضَ بِقَضائِهِ، فَأقَرَّ المُنافِقُ بِذَلِكَ عِنْدَ عُمَرَ، فَقَتَلَهُ عُمَرُ، وقالَ: هَكَذا أقْضِي فِيمَن لَمْ يَرْضَ بِقَضاءِ اللَّهِ، وقَضاءِ رَسُولِهِ.
ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها (p-٢٨٠)ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِطاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، وأُولِي الأمْرِ ذَكَرَ أنَّهُ يَعْجَبُ بَعْدَ وُرُودِ هَذا الأمْرِ مِن حالِ مَن يَدَّعِي الإيمانَ، ويُرِيدُ أنْ يَتَحاكَمَ إلى الطّاغُوتِ، ويَتْرُكَ الرَّسُولَ. وظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ؛ لِأنَّهُ قالَ: يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أنْزِلُ إلَيْكَ، وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ؛ فَلَوْ كانَتْ في يَهُودٍ أوْ في مُؤْمِنٍ ويَهُودِيٍّ كانَ ذَلِكَ بَعِيدًا مِن لَفْظِ الآيَةِ، إلّا إنْ حُمِلَ عَلى التَّوْزِيعِ؛ فَيَجْعَلُ بِما أنْزِلُ إلَيْكَ في مُنافِقٍ، وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ في يَهُودِيٍّ، وشُمِلُوا في ضَمِيرِ ﴿يَزْعُمُونَ﴾ فَيُمْكِنُ. وقالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ مِن قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، تَفاخَرُوا بِسَبَبِ تَكافُؤِ دِمائِهِمْ؛ إذْ كانَتِ النَّضِيرُ في الجاهِلِيَّةِ تَدِي مَن قَتَلَتْ، وتَسْتَقِيهِ إذا قَتَلَتْ قُرَيْظَةُ مِنهم، فَأبَتْ قُرَيْظَةُ لَمّا جاءَ الإسْلامُ، وطَلَبُوا المُنافَرَةَ، فَدَعا المُؤْمِنُونَ مِنهم إلى النَّبِيِّ ﷺ، ودَعا المُنافِقُونَ إلى بُرْدَةَ الكاهِنِ فَنَزَلَتْ. وقالَ الحَسَنُ: احْتَكَمَ المُنافِقُونَ بِالقِداحِ الَّتِي يُضْرَبُ بِها عِنْدَ الأوْثانِ فَنَزَلَتْ. أوْ لِسَبَبِ اخْتِلافِهِمْ في أسْبابِ النُّزُولِ اخْتَلَفُوا في الطّاغُوتِ. فَقِيلَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ. وقِيلَ الأوْثانُ، وقِيلَ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ، وقِيلَ الكُهّانُ.
* *
﴿وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن قَوْلِهِ: يُرِيدُونَ. و(يُرِيدُونَ) حالٌ؛ فَهي حالٌ مُتَداخِلَةٌ. وأعادَ الضَّمِيرُ هُنا مُذَكَّرًا، وأعادَهُ مُؤَنَّثًا في قَوْلِهِ: ﴿اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها﴾ [الزمر: ١٧] . وقَرَأ بِها هَنا عَبّاسُ بْنُ الفَضْلِ عَلى التَّأْنِيثِ، وأعادَ الضَّمِيرَ كَضَمِيرِ جَمْعِ العُقَلاءِ في قَوْلِهِ: ﴿أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٧] .
﴿ويُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُضِلَّهم ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ضَلالًا لَيْسَ جارِيًا عَلى ﴿يُضِلَّهُمْ﴾؛ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جُعِلَ مَكانَ (إضْلالٍ)، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرَ المُطاوِعِ ﴿يُضِلَّهُمْ﴾؛ أيْ فَيَضِلُّونَ ضَلالًا بَعِيدًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ، وما أُنْزِلُ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ فِيهِما. وقُرِئَ: مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ فِيهِما.
﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ رَأيْتَ المُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ قَرَأ الحَسَنُ: تَعالُوا بِضَمِّ اللّامِ. قالَ أبُو الفَتْحِ: وجْهُها أنَّ لامَ الفِعْلِ مِن تَعالَيْتُ حُذِفَتْ تَخْفِيفًا، وضُمَّتِ اللّامُ الَّتِي هي عَيْنُ الفِعْلِ؛ لِوُقُوعِ واوِ الجَمْعِ بَعْدَها. ونَظَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ حَذْفَ لامِ الكَلِمَةِ هُنا بِحَذْفِها في قَوْلِهِمْ: ما بالَيْتُ بِهِ بالَةً؛ وأصْلُهُ: بالِيَةٌ كَعافِيَةٍ. وكَمَذْهَبِ الكِسائِيِّ في (آيَةٍ) أنَّ أصْلَها (أيْلَةٌ) فَحُذِفَتِ اللّامُ. قالَ: ومِنهُ قَوْلُ أهْلِ مَكَّةَ: تَعالِي بِكَسْرِ اللّامِ لِلْمَرْأةِ. وفي شِعْرِ الحَمَدانِيِّ:
؎تَعالِي أُقاسِمْكِ الهُمُومَ تَعالِي
والوَجْهُ: فَتْحُ اللّامِ انْتَهى. وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: قَوْلُ أهْلِ مَكَّةَ (تَعالِي) يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ عَرَبِيَّةً قَدِيمَةً، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِمّا غَيَّرَتْهُ عَنْ وجْهِهِ العَرَبِيِّ فَلا يَكُونُ عَرَبِيًّا. وأمّا قَوْلُهُ في شِعْرِ الحَمَدانِيِّ فَقَدْ صَرَّحَ بَعْضُهم بِأنَّهُ أبُو فِراسٍ. وطالَعْتُ دِيوانَهُ جَمْعَ الحُسَيْنِ بْنِ خالَوَيْهِ فَلَمْ أجِدْ ذَلِكَ فِيهِ. وبَنُو حَمْدانَ كَثِيرُونَ، وفِيهِمْ عِدَّةٌ مِنَ الشُّعَراءِ؛ وعَلى تَقْدِيرِ ثُبُوتِ ذَلِكَ في شِعْرِهِمْ لا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ لا يُسْتَشْهَدُ بِكَلامِ المُوَلَّدِينَ. والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿رَأيْتَ المُنافِقِينَ﴾ أنَّها مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ، صَدُّوا مُجاهَرَةً، وتَصْرِيحًا؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ؛ أيْ عُلِمَتْ. ويَكُونُ صَدُّهم مَكْرًا وتَخابُثًا ومُسارَقَةً حَتّى لا يَعْلَمَ ذَلِكَ مِنهُ إلّا بِالتَّأْوِيلِ عَلَيْهِ. وصُدُودًا: مَصْدَرٌ لِـ (صَدَّ)، وهو هُنا مُتَعَدٍّ بِحَرْفِ الجَرِّ، وقَدْ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ نَحْوَ: ﴿فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ﴾ [النمل: ٢٤] . وقِياسُ صَدَّ في المَصْدَرِ فَعَلَ نَحْوَ: صَدَّهُ صَدًّا. وحَكى ابْنُ عَطِيَّةَ: أنَّ ﴿صُدُودًا﴾ هُنا لَيْسَ مَصْدَرًا والمَصْدَرُ عِنْدَهُ (صَدٌّ) .
﴿فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ ثُمَّ جاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنْ أرَدْنا إلّا إحْسانًا وتَوْفِيقًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: كَيْفَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ تَقْدِيرُهُ: كَيْفَ تَراهم، أوْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ أيْ فَكَيْفَ صَنِيعُهم والمُصِيبَةُ. قالَ الزَّجّاجُ: قُتِلَ عُمَرُ الَّذِي رَدَّ حُكْمَ الرَّسُولِ ﷺ . وقِيلَ كُلُّ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ المُنافِقِينَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ثُمَّ عادَ الكَلامُ إلى ما سَبَقَ يُخْبِرُ عَنْ فِعْلِهِمْ، فَقالَ: ﴿ثُمَّ جاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ . وقِيلَ هي هَدْمُ مَسْجِدِ الضِّرارِ؛ وفِيهِ نَزَلَتِ الآيَةُ، حَلَفُوا دِفاعًا عَنْ أنْفُسِهِمْ ما أرَدْنا بِبِناءِ المَسْجِدِ إلّا طاعَةً، ومُوافَقَةَ الكِتابِ. وقِيلَ تَرْكُ الِاسْتِعانَةِ (p-٢٨١)بِهِمْ، وما يَلْحَقُهم مِنَ الذُّلِّ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ [التوبة: ٨٣]، والَّذِي قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ رَدُّهم حُكْمَ الرَّسُولِ أوْ مَعاصِيهِمُ المُتَقَدِّمَةُ أوْ نِفاقُهم، واسْتِهْزاؤُهم ثَلاثَةَ أقْوالٍ. وقِيلَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا إحْسانًا وتَوْفِيقًا﴾؛ أيْ ما أرَدْنا بِطَلَبِ دَمِ صاحِبِنا الَّذِي قَتَلَهُ عُمَرُ إلّا إحْسانًا إلَيْنا، وما يُوافِقُ الحَقَّ في أمْرِنا. وقِيلَ ما أرَدْنا بِالرَّفْعِ إلى عُمَرَ إلّا إحْسانًا إلى صاحِبِنا بِحُكُومَةِ العَدْلِ، وتَوْفِيقًا بَيْنَهُ وبَيْنَ خَصْمِهِ. وقِيلَ جاءُوا يَعْتَذِرُونَ إلى الرَّسُولِ ﷺ مِن مُحاكَمَتِهِمْ إلى غَيْرِهِ ما أرَدْنا في عُدُولِنا عَنْكَ إلّا إحْسانًا بِالتَّقْرِيبِ في الحُكْمِ، وتَوْفِيقًا بَيْنَ الخُصُومِ دُونَ الحَمْلِ عَلى الحَقِّ. وفي قَوْلِهِ: ﴿فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ﴾ وعِيدٌ لَهم عَلى فِعْلِهِمْ، وأنَّهم سَيَنْدَمُونَ عَلَيْهِ عِنْدَ حُلُولِ بَأْسِ اللَّهِ تَعالى حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ النَّدَمُ، ولا يُغْنِي عَنْهُمُ الِاعْتِذارُ.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ فَأعْرِضْ عَنْهم وعِظْهم وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ أيْ: يَعْلَمُ ما في قُلُوبِهِمْ مِنَ النِّفاقِ. والمَعْنى: يَعْلَمُهُ فَيُجازِيهِمْ عَلَيْهِ، أوْ يُجازِيهِمْ عَلى ما أسَرُّوهُ مِنَ الكُفْرِ، وأظْهَرُوهُ مِنَ الحَلِفِ الكاذِبِ. وعَبَّرَ بِالعِلْمِ عَنِ المُجازاةِ. فَأعْرِضْ عَنْهم: أيْ عَنْ مُعاتَبَتِهِمْ وشَغْلِ البالِ بِهِمْ، وقَبُولِ إيمانِهِمْ وأعْذارِهِمْ. وقِيلَ: المَعْنى بِالإعْراضِ مُعامَلَتُهم بِالرِّفْقِ والأناةِ، فَفي ذَلِكَ تَأْدِيبٌ لَهم؛ وهو عِتابُهم. ولا يُرادُ بِالإعْراضِ الهَجْرُ والقَطِيعَةُ؛ فَإنَّ قَوْلَهُ: وعِظْهم يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ. وعِظْهم: أيْ خَوِّفْهم بِعَذابِ اللَّهِ وازْجُرْهم. وأنْكَرُ عَلَيْهِمْ أنْ يَعُودُوا لِمِثْلِ ما فَعَلُوا.
والقَوْلُ البَلِيغُ هو الزَّجْرُ والرَّدْعُ. قالَ الحَسَنُ: هو التَّوَعُّدُ بِالقَتْلِ إنِ اسْتَدامُوا حالَةَ النِّفاقِ. ويَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ: ﴿فِي أنْفُسِهِمْ﴾ بِقَوْلِهِ: قُلْ عَلى أحَدِ مَعْنَيَيْنِ؛ أيْ: قُلْ لَهم خالِيًا بِهِمْ لا يَكُونُ مَعَهم أحَدٌ مِن غَيْرِهِمْ مُسارًّا؛ لِأنَّ النُّصْحَ إذا كانَ في السِّرِّ كانَ أنْجَحَ، وكانَ بِصَدَدِ أنْ يُقْبَلَ سَرِيعًا. ومَعْنى ﴿بَلِيغًا﴾: أيْ مُؤَثِّرًا فِيهِمْ. أوْ قُلْ لَهم في مَعْنى أنْفُسِهِمُ النَّجِسَةِ المُنْطَوِيَةِ عَلى النِّفاقِ قَوْلًا يَبْلُغُ مِنهم ما يَزْجُرُهم عَنِ العَوْدِ إلى ما فَعَلُوا.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: بِمَ تَعَلَّقَ قَوْلُهُ: ﴿فِي أنْفُسِهِمْ﴾ ؟ قُلْتُ: بِقَوْلِهِ: ﴿بَلِيغًا﴾ أيْ: قُلْ لَهم قَوْلًا بَلِيغًا في أنْفُسِهِمْ؛ مُؤَثِّرًا في قُلُوبِهِمْ يَغْتَمُّونَ بِهِ اغْتِمامًا، ويَسْتَشْعِرُونَ مِنهُ الخَوْفَ اسْتِشْعارًا، وهو التَّوَعُّدُ بِالقَتْلِ والِاسْتِئْصالِ إنْ نَجَمَ مِنهُمُ النِّفاقُ، وأطْلَعَ قَرْنَهُ، وأخْبَرَهم أنَّ ما في نُفُوسِهِمْ مِنَ الدَّغَلِ والنِّفاقِ مَعْلُومٌ عِنْدَ اللَّهِ، وأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَكم وبَيْنَ المُشْرِكِينَ. وما هَذِهِ المُكافَّةُ إلّا لِإظْهارِكُمُ الإيمانَ، وإسْرارِكُمُ الكُفْرَ وإضْمارِهِ؛ فَإنْ فَعَلْتُمْ ما تَكْشِفُونَ بِهِ غِطاءَكم لَمْ يَبْقَ إلّا السَّيْفُ، انْتَهى كَلامُهُ. وتَعْلِيقُهُ في أنْفُسِهِمْ بِقَوْلِهِ: بَلِيغًا لا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، لِأنَّ مَعْمُولَ الصِّفَةِ لا يَتَقَدَّمُ عِنْدَهم عَلى المَوْصُوفِ. لَوْ قُلْتُ: هَذا رَجُلٌ (p-٢٨٢)ضارِبٌ زَيْدًا لَمْ يَجُزْ أنْ تَقُولَ: هَذا زَيْدًا رَجُلٌ ضارِبٌ، لِأنَّ حَقَّ المَعْمُولِ ألّا يَحِلَّ إلّا في مَوْضِعٍ يَحِلُّ فِيهِ العامِلُ؛ ومَعْلُومٌ أنَّ النَّعْتَ لا يَتَقَدَّمُ عَلى المَنعُوتِ؛ لِأنَّهُ تابِعٌ، والتّابِعُ في ذَلِكَ بِمَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ. وأمّا ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الكَلامِ المُسْهَبِ فَهو مِن نَوْعِ الخَطابَةِ، وتَحْمِيلِ لَفْظِ القُرْآنِ ما لا يَحْتَمِلُهُ، وتَقْوِيلِ اللَّهِ تَعالى ما لَمْ يَقُلْهُ، وتِلْكَ عادَتُهُ في تَفْسِيرِهِ وهو تَكْثِيرُ الألْفاظِ، ونِسْبَةِ أشْياءَ إلى اللَّهِ تَعالى لَمْ يَقُلْها اللَّهُ تَعالى، ولا دَلَّ عَلَيْها اللَّفْظُ دَلالَةً واضِحَةً، والتَّفْسِيرُ في الحَقِيقَةِ إنَّما هو شَرْحُ اللَّفْظِ المُسْتَغْلَقِ عِنْدَ السّامِعِ مِمّا هو واضِحٌ عِنْدَهُ مِمّا يُرادِفُهُ أوْ يُقارِبُهُ، أوْ لَهُ دَلالَةٌ عَلَيْهِ بِإحْدى طُرُقِ الدَّلالاتِ. وحُكِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِي أنْفُسِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: مُصِيبَةٌ، وهو مُؤَخَّرٌ بِمَعْنى التَّقْدِيمِ؛ وهَذا يُنَزَّهُ مُجاهِدٌ أنْ يَقُولَهُ، فَإنَّهُ في غايَةِ الفَسادِ.
* *
من الآية الرابعة والستين للآية الثانية والسبعين
النساء 4:63
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ ويُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُضِلَّهم ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ذُكِرَ في سَبَبِ نُزُولِها قَصَصٌ طَوِيلٌ مُلَخَّصُهُ: أنَّ أبا بُرْدَةَ الأسْلَمِيَّ كانَ كاهِنًا يَقْضِي بَيْنَ اليَهُودِ، فَتَنافَرَ إلَيْهِ نَفَرٌ مِن أسْلَمَ، أوْ أنَّ قَيْسًا الأنْصارِيَّ أحَدَ مَن يَدَّعِي الإسْلامَ، ورَجُلًا مِنَ اليَهُودِ تَداعَيا إلى الكاهِنِ، وتَرَكا الرَّسُولَ ﷺ بَعْدَما دَعا اليَهُودِيُّ إلى الرَّسُولِ والأنْصارِيُّ يَأْبى إلّا الكاهِنَ. أوْ أنَّ مُنافِقًا ويَهُودِيًّا اخْتَصَما؛ فاخْتارَ اليَهُودِيُّ الرَّسُولَ ﷺ، واخْتارَ المُنافِقُ كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ؛ فَأبى اليَهُودِيُّ، وتَحاكَما إلى الرَّسُولِ فَقَضى لِلْيَهُودِيِّ، فَخَرَجا ولَزِمَهُ المُنافِقُ، وقالَ: نَنْطَلِقُ إلى عُمَرَ، فانْطَلَقا إلَيْهِ فَقالَ اليَهُودِيُّ: قَدْ تَحاكَمْنا إلى الرَّسُولِ ﷺ، فَلَمْ يَرْضَ بِقَضائِهِ، فَأقَرَّ المُنافِقُ بِذَلِكَ عِنْدَ عُمَرَ، فَقَتَلَهُ عُمَرُ، وقالَ: هَكَذا أقْضِي فِيمَن لَمْ يَرْضَ بِقَضاءِ اللَّهِ، وقَضاءِ رَسُولِهِ.
ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها (p-٢٨٠)ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِطاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، وأُولِي الأمْرِ ذَكَرَ أنَّهُ يَعْجَبُ بَعْدَ وُرُودِ هَذا الأمْرِ مِن حالِ مَن يَدَّعِي الإيمانَ، ويُرِيدُ أنْ يَتَحاكَمَ إلى الطّاغُوتِ، ويَتْرُكَ الرَّسُولَ. وظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ؛ لِأنَّهُ قالَ: يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أنْزِلُ إلَيْكَ، وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ؛ فَلَوْ كانَتْ في يَهُودٍ أوْ في مُؤْمِنٍ ويَهُودِيٍّ كانَ ذَلِكَ بَعِيدًا مِن لَفْظِ الآيَةِ، إلّا إنْ حُمِلَ عَلى التَّوْزِيعِ؛ فَيَجْعَلُ بِما أنْزِلُ إلَيْكَ في مُنافِقٍ، وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ في يَهُودِيٍّ، وشُمِلُوا في ضَمِيرِ ﴿يَزْعُمُونَ﴾ فَيُمْكِنُ. وقالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ مِن قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، تَفاخَرُوا بِسَبَبِ تَكافُؤِ دِمائِهِمْ؛ إذْ كانَتِ النَّضِيرُ في الجاهِلِيَّةِ تَدِي مَن قَتَلَتْ، وتَسْتَقِيهِ إذا قَتَلَتْ قُرَيْظَةُ مِنهم، فَأبَتْ قُرَيْظَةُ لَمّا جاءَ الإسْلامُ، وطَلَبُوا المُنافَرَةَ، فَدَعا المُؤْمِنُونَ مِنهم إلى النَّبِيِّ ﷺ، ودَعا المُنافِقُونَ إلى بُرْدَةَ الكاهِنِ فَنَزَلَتْ. وقالَ الحَسَنُ: احْتَكَمَ المُنافِقُونَ بِالقِداحِ الَّتِي يُضْرَبُ بِها عِنْدَ الأوْثانِ فَنَزَلَتْ. أوْ لِسَبَبِ اخْتِلافِهِمْ في أسْبابِ النُّزُولِ اخْتَلَفُوا في الطّاغُوتِ. فَقِيلَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ. وقِيلَ الأوْثانُ، وقِيلَ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ، وقِيلَ الكُهّانُ.
* *
﴿وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن قَوْلِهِ: يُرِيدُونَ. و(يُرِيدُونَ) حالٌ؛ فَهي حالٌ مُتَداخِلَةٌ. وأعادَ الضَّمِيرُ هُنا مُذَكَّرًا، وأعادَهُ مُؤَنَّثًا في قَوْلِهِ: ﴿اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها﴾ [الزمر: ١٧] . وقَرَأ بِها هَنا عَبّاسُ بْنُ الفَضْلِ عَلى التَّأْنِيثِ، وأعادَ الضَّمِيرَ كَضَمِيرِ جَمْعِ العُقَلاءِ في قَوْلِهِ: ﴿أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٧] .
﴿ويُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُضِلَّهم ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ضَلالًا لَيْسَ جارِيًا عَلى ﴿يُضِلَّهُمْ﴾؛ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جُعِلَ مَكانَ (إضْلالٍ)، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرَ المُطاوِعِ ﴿يُضِلَّهُمْ﴾؛ أيْ فَيَضِلُّونَ ضَلالًا بَعِيدًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ، وما أُنْزِلُ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ فِيهِما. وقُرِئَ: مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ فِيهِما.
﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ رَأيْتَ المُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ قَرَأ الحَسَنُ: تَعالُوا بِضَمِّ اللّامِ. قالَ أبُو الفَتْحِ: وجْهُها أنَّ لامَ الفِعْلِ مِن تَعالَيْتُ حُذِفَتْ تَخْفِيفًا، وضُمَّتِ اللّامُ الَّتِي هي عَيْنُ الفِعْلِ؛ لِوُقُوعِ واوِ الجَمْعِ بَعْدَها. ونَظَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ حَذْفَ لامِ الكَلِمَةِ هُنا بِحَذْفِها في قَوْلِهِمْ: ما بالَيْتُ بِهِ بالَةً؛ وأصْلُهُ: بالِيَةٌ كَعافِيَةٍ. وكَمَذْهَبِ الكِسائِيِّ في (آيَةٍ) أنَّ أصْلَها (أيْلَةٌ) فَحُذِفَتِ اللّامُ. قالَ: ومِنهُ قَوْلُ أهْلِ مَكَّةَ: تَعالِي بِكَسْرِ اللّامِ لِلْمَرْأةِ. وفي شِعْرِ الحَمَدانِيِّ:
؎تَعالِي أُقاسِمْكِ الهُمُومَ تَعالِي
والوَجْهُ: فَتْحُ اللّامِ انْتَهى. وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: قَوْلُ أهْلِ مَكَّةَ (تَعالِي) يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ عَرَبِيَّةً قَدِيمَةً، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِمّا غَيَّرَتْهُ عَنْ وجْهِهِ العَرَبِيِّ فَلا يَكُونُ عَرَبِيًّا. وأمّا قَوْلُهُ في شِعْرِ الحَمَدانِيِّ فَقَدْ صَرَّحَ بَعْضُهم بِأنَّهُ أبُو فِراسٍ. وطالَعْتُ دِيوانَهُ جَمْعَ الحُسَيْنِ بْنِ خالَوَيْهِ فَلَمْ أجِدْ ذَلِكَ فِيهِ. وبَنُو حَمْدانَ كَثِيرُونَ، وفِيهِمْ عِدَّةٌ مِنَ الشُّعَراءِ؛ وعَلى تَقْدِيرِ ثُبُوتِ ذَلِكَ في شِعْرِهِمْ لا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ لا يُسْتَشْهَدُ بِكَلامِ المُوَلَّدِينَ. والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿رَأيْتَ المُنافِقِينَ﴾ أنَّها مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ، صَدُّوا مُجاهَرَةً، وتَصْرِيحًا؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ؛ أيْ عُلِمَتْ. ويَكُونُ صَدُّهم مَكْرًا وتَخابُثًا ومُسارَقَةً حَتّى لا يَعْلَمَ ذَلِكَ مِنهُ إلّا بِالتَّأْوِيلِ عَلَيْهِ. وصُدُودًا: مَصْدَرٌ لِـ (صَدَّ)، وهو هُنا مُتَعَدٍّ بِحَرْفِ الجَرِّ، وقَدْ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ نَحْوَ: ﴿فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ﴾ [النمل: ٢٤] . وقِياسُ صَدَّ في المَصْدَرِ فَعَلَ نَحْوَ: صَدَّهُ صَدًّا. وحَكى ابْنُ عَطِيَّةَ: أنَّ ﴿صُدُودًا﴾ هُنا لَيْسَ مَصْدَرًا والمَصْدَرُ عِنْدَهُ (صَدٌّ) .
﴿فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ ثُمَّ جاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنْ أرَدْنا إلّا إحْسانًا وتَوْفِيقًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: كَيْفَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ تَقْدِيرُهُ: كَيْفَ تَراهم، أوْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ أيْ فَكَيْفَ صَنِيعُهم والمُصِيبَةُ. قالَ الزَّجّاجُ: قُتِلَ عُمَرُ الَّذِي رَدَّ حُكْمَ الرَّسُولِ ﷺ . وقِيلَ كُلُّ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ المُنافِقِينَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ثُمَّ عادَ الكَلامُ إلى ما سَبَقَ يُخْبِرُ عَنْ فِعْلِهِمْ، فَقالَ: ﴿ثُمَّ جاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ . وقِيلَ هي هَدْمُ مَسْجِدِ الضِّرارِ؛ وفِيهِ نَزَلَتِ الآيَةُ، حَلَفُوا دِفاعًا عَنْ أنْفُسِهِمْ ما أرَدْنا بِبِناءِ المَسْجِدِ إلّا طاعَةً، ومُوافَقَةَ الكِتابِ. وقِيلَ تَرْكُ الِاسْتِعانَةِ (p-٢٨١)بِهِمْ، وما يَلْحَقُهم مِنَ الذُّلِّ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ [التوبة: ٨٣]، والَّذِي قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ رَدُّهم حُكْمَ الرَّسُولِ أوْ مَعاصِيهِمُ المُتَقَدِّمَةُ أوْ نِفاقُهم، واسْتِهْزاؤُهم ثَلاثَةَ أقْوالٍ. وقِيلَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا إحْسانًا وتَوْفِيقًا﴾؛ أيْ ما أرَدْنا بِطَلَبِ دَمِ صاحِبِنا الَّذِي قَتَلَهُ عُمَرُ إلّا إحْسانًا إلَيْنا، وما يُوافِقُ الحَقَّ في أمْرِنا. وقِيلَ ما أرَدْنا بِالرَّفْعِ إلى عُمَرَ إلّا إحْسانًا إلى صاحِبِنا بِحُكُومَةِ العَدْلِ، وتَوْفِيقًا بَيْنَهُ وبَيْنَ خَصْمِهِ. وقِيلَ جاءُوا يَعْتَذِرُونَ إلى الرَّسُولِ ﷺ مِن مُحاكَمَتِهِمْ إلى غَيْرِهِ ما أرَدْنا في عُدُولِنا عَنْكَ إلّا إحْسانًا بِالتَّقْرِيبِ في الحُكْمِ، وتَوْفِيقًا بَيْنَ الخُصُومِ دُونَ الحَمْلِ عَلى الحَقِّ. وفي قَوْلِهِ: ﴿فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ﴾ وعِيدٌ لَهم عَلى فِعْلِهِمْ، وأنَّهم سَيَنْدَمُونَ عَلَيْهِ عِنْدَ حُلُولِ بَأْسِ اللَّهِ تَعالى حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ النَّدَمُ، ولا يُغْنِي عَنْهُمُ الِاعْتِذارُ.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ فَأعْرِضْ عَنْهم وعِظْهم وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ أيْ: يَعْلَمُ ما في قُلُوبِهِمْ مِنَ النِّفاقِ. والمَعْنى: يَعْلَمُهُ فَيُجازِيهِمْ عَلَيْهِ، أوْ يُجازِيهِمْ عَلى ما أسَرُّوهُ مِنَ الكُفْرِ، وأظْهَرُوهُ مِنَ الحَلِفِ الكاذِبِ. وعَبَّرَ بِالعِلْمِ عَنِ المُجازاةِ. فَأعْرِضْ عَنْهم: أيْ عَنْ مُعاتَبَتِهِمْ وشَغْلِ البالِ بِهِمْ، وقَبُولِ إيمانِهِمْ وأعْذارِهِمْ. وقِيلَ: المَعْنى بِالإعْراضِ مُعامَلَتُهم بِالرِّفْقِ والأناةِ، فَفي ذَلِكَ تَأْدِيبٌ لَهم؛ وهو عِتابُهم. ولا يُرادُ بِالإعْراضِ الهَجْرُ والقَطِيعَةُ؛ فَإنَّ قَوْلَهُ: وعِظْهم يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ. وعِظْهم: أيْ خَوِّفْهم بِعَذابِ اللَّهِ وازْجُرْهم. وأنْكَرُ عَلَيْهِمْ أنْ يَعُودُوا لِمِثْلِ ما فَعَلُوا.
والقَوْلُ البَلِيغُ هو الزَّجْرُ والرَّدْعُ. قالَ الحَسَنُ: هو التَّوَعُّدُ بِالقَتْلِ إنِ اسْتَدامُوا حالَةَ النِّفاقِ. ويَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ: ﴿فِي أنْفُسِهِمْ﴾ بِقَوْلِهِ: قُلْ عَلى أحَدِ مَعْنَيَيْنِ؛ أيْ: قُلْ لَهم خالِيًا بِهِمْ لا يَكُونُ مَعَهم أحَدٌ مِن غَيْرِهِمْ مُسارًّا؛ لِأنَّ النُّصْحَ إذا كانَ في السِّرِّ كانَ أنْجَحَ، وكانَ بِصَدَدِ أنْ يُقْبَلَ سَرِيعًا. ومَعْنى ﴿بَلِيغًا﴾: أيْ مُؤَثِّرًا فِيهِمْ. أوْ قُلْ لَهم في مَعْنى أنْفُسِهِمُ النَّجِسَةِ المُنْطَوِيَةِ عَلى النِّفاقِ قَوْلًا يَبْلُغُ مِنهم ما يَزْجُرُهم عَنِ العَوْدِ إلى ما فَعَلُوا.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: بِمَ تَعَلَّقَ قَوْلُهُ: ﴿فِي أنْفُسِهِمْ﴾ ؟ قُلْتُ: بِقَوْلِهِ: ﴿بَلِيغًا﴾ أيْ: قُلْ لَهم قَوْلًا بَلِيغًا في أنْفُسِهِمْ؛ مُؤَثِّرًا في قُلُوبِهِمْ يَغْتَمُّونَ بِهِ اغْتِمامًا، ويَسْتَشْعِرُونَ مِنهُ الخَوْفَ اسْتِشْعارًا، وهو التَّوَعُّدُ بِالقَتْلِ والِاسْتِئْصالِ إنْ نَجَمَ مِنهُمُ النِّفاقُ، وأطْلَعَ قَرْنَهُ، وأخْبَرَهم أنَّ ما في نُفُوسِهِمْ مِنَ الدَّغَلِ والنِّفاقِ مَعْلُومٌ عِنْدَ اللَّهِ، وأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَكم وبَيْنَ المُشْرِكِينَ. وما هَذِهِ المُكافَّةُ إلّا لِإظْهارِكُمُ الإيمانَ، وإسْرارِكُمُ الكُفْرَ وإضْمارِهِ؛ فَإنْ فَعَلْتُمْ ما تَكْشِفُونَ بِهِ غِطاءَكم لَمْ يَبْقَ إلّا السَّيْفُ، انْتَهى كَلامُهُ. وتَعْلِيقُهُ في أنْفُسِهِمْ بِقَوْلِهِ: بَلِيغًا لا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، لِأنَّ مَعْمُولَ الصِّفَةِ لا يَتَقَدَّمُ عِنْدَهم عَلى المَوْصُوفِ. لَوْ قُلْتُ: هَذا رَجُلٌ (p-٢٨٢)ضارِبٌ زَيْدًا لَمْ يَجُزْ أنْ تَقُولَ: هَذا زَيْدًا رَجُلٌ ضارِبٌ، لِأنَّ حَقَّ المَعْمُولِ ألّا يَحِلَّ إلّا في مَوْضِعٍ يَحِلُّ فِيهِ العامِلُ؛ ومَعْلُومٌ أنَّ النَّعْتَ لا يَتَقَدَّمُ عَلى المَنعُوتِ؛ لِأنَّهُ تابِعٌ، والتّابِعُ في ذَلِكَ بِمَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ. وأمّا ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الكَلامِ المُسْهَبِ فَهو مِن نَوْعِ الخَطابَةِ، وتَحْمِيلِ لَفْظِ القُرْآنِ ما لا يَحْتَمِلُهُ، وتَقْوِيلِ اللَّهِ تَعالى ما لَمْ يَقُلْهُ، وتِلْكَ عادَتُهُ في تَفْسِيرِهِ وهو تَكْثِيرُ الألْفاظِ، ونِسْبَةِ أشْياءَ إلى اللَّهِ تَعالى لَمْ يَقُلْها اللَّهُ تَعالى، ولا دَلَّ عَلَيْها اللَّفْظُ دَلالَةً واضِحَةً، والتَّفْسِيرُ في الحَقِيقَةِ إنَّما هو شَرْحُ اللَّفْظِ المُسْتَغْلَقِ عِنْدَ السّامِعِ مِمّا هو واضِحٌ عِنْدَهُ مِمّا يُرادِفُهُ أوْ يُقارِبُهُ، أوْ لَهُ دَلالَةٌ عَلَيْهِ بِإحْدى طُرُقِ الدَّلالاتِ. وحُكِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِي أنْفُسِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: مُصِيبَةٌ، وهو مُؤَخَّرٌ بِمَعْنى التَّقْدِيمِ؛ وهَذا يُنَزَّهُ مُجاهِدٌ أنْ يَقُولَهُ، فَإنَّهُ في غايَةِ الفَسادِ.
* *
من الآية الرابعة والستين للآية الثانية والسبعين
النساء 4:64
﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا لِيُطاعَ بِإذْنِ اللَّهِ ولَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم جاءُوكَ فاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوّابًا رَحِيمًا﴾ ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] ﴿ولَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكم ما فَعَلُوهُ إلّا قَلِيلٌ مِنهم ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهم وأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: ٦٦] ﴿وإذًا لَآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٦٧] ﴿ولَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ٦٨] ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] ﴿ذَلِكَ الفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ [النساء: ٧٠] ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكم فانْفِرُوا ثُباتٍ أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء: ٧١] ﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهم شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٢]
شَجَرَ الأمْرُ: التَبَسَ يَشْجُرُ شُجُورًا، وشَجَرًا، وشاجَرَ الرَّجُلُ غَيْرَهُ في الأمْرِ نازَعَهُ فِيهِ، وتَشاجَرُوا. وخَشَباتُ الهَوْدَجِ يُقالُ لَها شِجارٌ؛ لِتَداخُلِ بَعْضِها بِبَعْضٍ. ورُمْحٌ شاجِرٌ والشَّجِيرُ الَّذِي امْتَزَجَتْ مَوَدَّتُهُ بِمَوَدَّةِ غَيْرِهِ، وهو مِنَ الشَّجَرِ شُبِّهَ بِالتِفافِ الأغْصانِ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذِهِ المادَّةِ في البَقَرَةِ، وأُعِيدَتْ لِمَزِيدِ الفائِدَةِ.
نَفَرَ الرَّجُلُ يَنْفِرُ نَفِيرًا، خَرَجَ مُجِدًّا بِكَسْرِ الفاءِ في المُضارِعِ وضَمِّها، وأصْلُهُ الفَزَعُ. يُقالُ: نَفَرَ إلَيْهِ إذا فَزِعَ إلَيْهِ؛ أيْ طَلَبَ إزالَةَ الفَزَعِ. والنَّفِيرُ النّافُورُ والنَّفَرُ الجَماعَةُ. ونَفَرَتِ الدّابَّةُ تَنْفِرُ بِضَمِّ الفاءِ نُفُورًا؛ أيْ هَرَبَتْ بِاسْتِعْجالٍ.
الثِّبَةُ: الجَماعَةُ الِاثْنانِ والثَّلاثَةُ في كَلامِ العَرَبِ قالَهُ الماتُرِيدِيُّ. وقِيلَ هي فَوْقَ العَشْرَةِ مِنَ الرِّجالِ، وزْنُها فِعْلَةٌ. ولامُها قِيلَ واوٌ، وقِيلَ ياءٌ؛ مُشْتَقَّةٌ مِن: تَثَبَّيْتُ عَلى الرَّجُلِ إذا أثْنَيْتَ عَلَيْهِ، كَأنَّكَ جَمَعْتَ مَحاسِنَهُ. ومَن قالَ: إنَّ لامَها واوٌ، جَعَلَها مِن (ثَبا) يَثْبُو مِثْلَ حَلا يَحْلُو. وتُجْمَعُ بِالألِفِ والتّاءِ وبِالواوِ والنُّونِ فَتُضَمُّ في هَذا الجَمْعِ تاؤُهْا، أوْ تُكْسَرُ، وثِبَةُ الحَوْضِ وسَطُهُ الَّذِي يَثُوبُ الماءُ إلَيْهِ، المَحْذُوفُ مِنهُ عَيْنُهُ؛ لِأنَّهُ مِن ثابَ يَثُوبُ؛ وتَصْغِيرُهُ ثُوَيْبَةٌ كَما تَقُولُ في سَهٍّ سُيَيْهَةٌ، وتَصْغِيرُ تِلْكَ ثُبَيَّةٌ. البُطْءُ: التَّثَبُّطُ عَنِ الشَّيْءِ. يُقالُ: أبْطَأ، وبَطُؤَ مِثْلَ أسْرَعَ، وسَرُعَ مُقابِلَهُ، وبُطْآنِ اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنى بَطُؤَ.
﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا لِيُطاعَ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ نَبَّهَ تَعالى عَلى جَلالَةِ الرُّسُلِ، وأنَّ العالَمَ يَلْزَمُهم طاعَتُهم والرَّسُولُ مِنهم تَجِبُ طاعَتُهُ. ولامُ ﴿لِيُطاعَ﴾ لامُ كَيْ، وهو اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِنَ المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ؛ أيْ: وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا لِأجْلِ الطّاعَةِ. وبِإذْنِ اللَّهِ؛ أيْ بِأمْرِهِ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. أوْ بِعِلْمِهِ وتَوْفِيقِهِ وإرْشادِهِ. وحَقِيقَةُ الإذْنِ التَّمْكِينُ مَعَ العِلْمِ بِقَدْرِ ما مُكِّنَ فِيهِ. والظّاهِرُ أنَّ ﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيُطاعَ﴾ . وقِيلَ بِأرْسَلْنا؛ أيْ: وما أرْسَلْنا بِأمْرِ اللَّهِ؛ أيْ بِشَرِيعَتِهِ، ودِينِهِ وعِبادَتِهِ مِن رَسُولٍ إلّا لِيُطاعَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعَلى التَّعْلِيقَيْنِ فالكَلامُ عامُّ اللَّفْظِ، خاصُّ (p-٢٨٣)المَعْنى لِأنّا نَقْطَعُ أنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى قَدْ أرادَ مِن بَعْضِ خَلْقِهِ أنْ لا يُطِيعُوهُ؛ ولِذَلِكَ خَرَّجَتْ طائِفَةٌ مَعْنى الإذْنِ إلى العِلْمِ، وطائِفَةٌ خَرَّجَتْهُ إلى الإرْشادِ لِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ، وهو تَخْرِيجٌ حَسَنٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ إذا عَلِمَ مِن أحَدٍ أنَّهُ يُؤْمِنُ وفَّقَهُ لِذَلِكَ؛ فَكَأنَّهُ أذِنَ لَهُ. انْتَهى.
ولا يَلْزَمُ ما ذَكَرَهُ مِن أنَّ الكَلامَ عامُّ اللَّفْظِ خاصُّ المَعْنى؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِيُطاعَ﴾ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، ولا يَلْزَمُ مِنَ الفاعِلِ المَحْذُوفِ أنْ يَكُونَ عامًّا؛ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: لِيُطِيعَهُ العالَمُ، بَلِ المَحْذُوفُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ خاصًّا لِيُوافِقَ المَوْجُودَ، فَيَكُونَ أصْلَهُ: إلّا لِيُطِيعَهُ مَن أرَدْنا طاعَتَهُ. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ الرّازِيُّ: والآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ لا رَسُولَ إلّا ومَعَهُ شَرِيعَةٌ لِيَكُونَ مُطاعًا في تِلْكَ الشَّرِيعَةِ ومَتْبُوعًا فِيها؛ إذْ لَوْ كانَ لا يَدْعُو إلّا إلى شَرْعِ مَن قَبْلَهُ لَمْ يَكُنْ هو في الحَقِيقَةِ مُطاعًا؛ بَلِ المُطاعُ هو الرَّسُولُ المُتَقَدِّمُ الَّذِي هو الواضِعُ لِتِلْكَ الشَّرِيعَةِ، واللَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلى كُلِّ رَسُولٍ بِأنَّهُ مُطاعٌ انْتَهى. ولا يُعْجِبُنِي قَوْلُهُ: الواضِعُ لِتِلْكَ الشَّرِيعَةِ والأحْسَنُ أنْ يُقالَ: الَّذِي جاءَ بِتِلْكَ الشَّرِيعَةِ مِن عِنْدِ اللَّهِ.
* *
﴿ولَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم جاءُوكَ فاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوّابًا رَحِيمًا﴾ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِسُخْطِهِمْ لِقَضائِكَ أوْ بِتَحاكُمِهِمْ إلى الطّاغُوتِ، أوْ بِجَمِيعِ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ المَعاصِي. جاءُوكَ فاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ بِالإخْلاصِ، واعْتَذَرُوا إلَيْكَ. واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ؛ أيْ شَفَعَ لَهُمُ الرَّسُولُ في غُفْرانِ ذُنُوبِهِمْ. والعامِلُ في إذْ جاءُوكَ والتَفَتَ في قَوْلِهِ: ﴿واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ ولَمْ يَجِئْ عَلى ضَمِيرِ الخِطابِ في جاءُوكَ تَفْخِيمًا لِشَأْنِ الرَّسُولِ، وتَعْظِيمًا لِاسْتِغْفارِهِ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ شَفاعَةَ مَنِ اسْمُهُ الرَّسُولُ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِمَكانٍ، وعَلى أنَّ هَذا الوَصْفَ الشَّرِيفَ، وهو إرْسالُ اللَّهِ إيّاهُ مُوجِبٌ لِطاعَتِهِ، وعَلى أنَّهُ مُنْدَرِجٌ في عُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا لِيُطاعَ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ . ومَعْنى وجَدُوا: عَلِمُوا؛ أيْ بِإخْبارِهِ أنَّهُ قَبِلَ تَوْبَتَهم، ورَحِمَهم.
وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ ما مُلَخَّصُهُ: فائِدَةٌ ضُمَّ اسْتِغْفارُ الرَّسُولِ إلى اسْتِغْفارِهِمْ بِأنَّهم بِتَحاكُمِهِمْ إلى الطّاغُوتِ خالَفُوا حُكْمَ اللَّهِ، وأساءُوا إلى الرَّسُولِ ﷺ، فَوَجَبَ عَلَيْهِمْ أنْ يَعْتَذِرُوا ويَطْلُبُوا مِنَ الرَّسُولِ الِاسْتِغْفارَ. أوْ لَمّا لَمْ يَرْضَوْا بِحُكْمِ الرَّسُولِ ظَهَرَ مِنهُمُ التَّمَرُّدُ؛ فَإذا تابُوا وجَبَ أنْ يَظْهَرَ مِنهم ما يُزِيلُ التَّمَرُّدَ بِأنْ يَذْهَبُوا إلى الرَّسُولِ، ويَطْلُبُوا مِنهُ الِاسْتِغْفارَ أوْ إذا تابُوا بِالتَّوْبَةِ أتَوْا بِها عَلى وجْهٍ مِنَ الخَلَلِ، فَإذا انْضَمَّ إلَيْها اسْتِغْفارُ الرَّسُولِ ﷺ صارَتْ مُسْتَحَقَّةً. والآيَةُ تَدُلُّ عَلى قَبُولِ تَوْبَةِ التّائِبِ؛ لِأنَّهُ قالَ بَعْدَها: ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ﴾، وهَذا لا يَنْطَبِقُ عَلى ذَلِكَ الكَلامِ إلّا إذا كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿تَوّابًا رَحِيمًا﴾ قَبُولَ تَوْبَتِهِ انْتَهى. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: قَدِمَ عَلَيْنا أعْرابِيٌّ بَعْدَما دَفَنّا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِثَلاثَةِ أيّامٍ فَرَمى بِنَفْسِهِ عَلى قَبْرِهِ، وحَثا مِن تُرابِهِ عَلى رَأْسِهِ، ثُمَّ قالَ:
؎يا خَيْرَ مَن دُفِنَتْ في التُّرْبِ أعْظُمُهُ فَطابَ مِن طِيبِهِنَّ القاعُ والأكَمُ
؎نَفْسِي الفِداءُ لِقَبْرٍ أنْتَ ساكِنُهُ ∗∗∗ فِيهِ العَفافُ، وفِيهِ الجُودُ والكَرَمُ
ثُمَّ قالَ: قَدْ قُلْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ فَسَمِعْنا قَوْلَكَ، ووَعَيْتَ عَنِ اللَّهِ فَوَعَيْنا عَنْكَ، وكانَ فِيما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ ﴿ولَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم جاءُوكَ﴾ الآيَةَ، وقَدْ ظَلَمْتُ نَفْسِي وجِئْتُ أسْتَغْفِرُ اللَّهَ ذَنْبِي، فاسْتَغْفِرْ لِي مِن رَبِّي، فَنُودِيَ مِنَ القَبْرِ أنَّهُ قَدْ غُفِرَ لَكَ.
النساء 4:65
﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: نَزَلَتْ فِيمَن أرادَ التَّحاكُمَ إلى الطّاغُوتِ. ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ؛ لِأنَّهُ أشْبَهُ بِنَسَقِ الآياتِ. وقِيلَ في شَأْنِ الرَّجُلِ الَّذِي خاصَمَ الزُّبَيْرَ في السَّقْيِ بِماءِ الحَرَّةِ، وأنَّ الرَّسُولَ ﷺ قالَ: «اسْقِ يا زُبَيْرُ ثُمَّ أرْسِلِ الماءَ إلى جارِكَ فَغَضِبَ، وقالَ: " أنْ كانَ ابْنَ عَمَّتِكَ، فَغَضِبَ الرَّسُولُ ﷺ، واسْتَوْعَبَ لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ؛ فَقالَ: احْبِسْ يا زُبَيْرُ الماءَ حَتّى يَبْلُغَ الجَدْرَ، ثُمَّ أرْسِلِ الماءَ» . والرَّجُلُ هو مِنَ الأنْصارِ بَدْرِيٌّ، (p-٢٨٤)وقِيلَ هُ وحاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ. وقِيلَ نَزَلَتْ نافِيَةً لِإيمانِ الرَّجُلِ الَّذِي قَتَلَهُ عُمَرُ؛ لِكَوْنِهِ رَدَّ حُكْمَ النَّبِيِّ ﷺ، ومُقِيمَةً عُذْرَ عُمَرَ في قَتْلِهِ، إذْ قالَ النَّبِيُّ: «ما كُنْتُ أظُنُّ أنَّ عُمَرَ يَجْتَرِئُ عَلى قَتْلِ رَجُلٍ مُؤْمِنٍ» . وأقْسَمَ بِإضافَةِ الرَّبِّ إلى كافِ الخِطابِ تَعْظِيمًا لِلنَّبِيِّ ﷺ، وهو التِفاتٌ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ: (جاءُوكَ)
ولا في قَوْلِهِ: فَلا. قالَ الطَّبَرِيُّ: هي رَدٌّ عَلى ما تَقَدَّمَ تَقْدِيرَهُ: فَلَيْسَ الأمْرُ كَما يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ القَسَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ . وقالَ غَيْرُهُ: قَدَّمَ لا عَلى القَسَمِ اهْتِمامًا بِالنَّفْيِ، ثُمَّ كَرَّرَها بَعْدُ تَوْكِيدًا لِلِاهْتِمامِ بِالنَّفْيِ، وكانَ يَصِحُّ إسْقاطُ (لا) الثّانِيَةِ، ويَبْقى أكْثَرُ الِاهْتِمامِ بِتَقْدِيمِ الأُولى وكانَ يَصِحُّ إسْقاطُ الأُولى ويَبْقى مَعْنى النَّفْيِ ويَذْهَبُ مَعْنى الِاهْتِمامِ. وقِيلَ الثّانِيَةُ زائِدَةٌ والقَسَمُ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ حَرْفِ النَّفْيِ والمَنفِيِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا مَزِيدَةٌ؛ لِتَأْكِيدِ مَعْنى القَسَمِ، كَما زِيدَتْ في ﴿لِئَلّا يَعْلَمَ﴾ [الحديد: ٢٩]؛ لِتَأْكِيدِ وُجُوبِ العِلْمِ. ولا يُؤْمِنُونَ جَوابُ القَسَمِ. (فَإنْ قُلْتَ): هَلّا زَعَمْتَ أنَّها زِيدَتْ؛ لِتُظاهِرَ (لا) في لا يُؤْمِنُونَ. (قُلْتُ): يَأْبى ذَلِكَ اسْتِواءُ النَّفْيِ والإثْباتِ فِيهِ؛ وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ وما لا تُبْصِرُونَ إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة: ٣٨] . انْتَهى كَلامُهُ. ومِثْلُ الآيَةِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ولا واللَّهِ لا يُلْفى لِما بِي ولا لِلِما بِهِمْ أبَدًا دَواءُ
وحَتّى هُنا غايَةٌ؛ أيْ يَنْتَفِي عَنْهُمُ الإيمانُ إلى هَذِهِ الغايَةِ؛ فَإذا وجَدَ ما بَعْدَ الغايَةِ كانُوا مُؤْمِنِينَ. وفِيما شَجَرَ بَيْنَهم عامٌّ في كُلِّ أمْرٍ وقَعَ بَيْنَهم فِيهِ نِزاعٌ وتَجاذُبٌ. ومَعْنى يُحَكِّمُوكَ، يَجْعَلُوكَ حَكَمًا. وفي الكَلامِ حَذْفُ التَّقْدِيرِ: فَتَقْضِي بَيْنَهم.
﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾؛ أيْ ضِيقًا مِن حُكْمِكَ. وقالَ مُجاهِدٌ: شَكًّا؛ لِأنَّ الشّاكَّ في ضِيقٍ مِن أمْرِهِ حَتّى يَلُوحَ لَهُ البَيانُ. وقالَ الضَّحّاكُ: إثْمًا؛ أيْ سَبَبُ إثْمٍ. والمَعْنى: لا يَخْطُرُ بِبالِهِمْ ما يَأْثَمُونَ بِهِ مِن عَدَمِ الرِّضا. وقِيلَ هَمًّا وحُزْنًا، ويُسَلِّمُوا؛ أيْ يَنْقادُوا، ويُذْعِنُوا لِقَضائِكَ، لا يُعارِضُونَ فِيهِ بِشَيْءٍ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والجُمْهُورُ. وقِيلَ مَعْناهُ ويُسَلِّمُوا ما تَنازَعُوا فِيهِ لِحُكْمِكَ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ؛ وأكَّدَ الفِعْلَ بِالمَصْدَرِ عَلى سَبِيلِ صُدُورِ التَّسْلِيمِ حَقِيقَةً؛ وحَسَّنَهُ كَوْنُهُ فاصِلَةً. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: فِيما شَجْرَ بِسُكُونِ الجِيمِ، وكَأنَّهُ فَرَّ مِن تَوالِي الحَرَكاتِ، ولَيْسَ بِقَوِيٍّ لِخِفَّةِ الفَتْحَةِ بِخِلافِ الضَّمَّةِ والكَسْرَةِ؛ فَإنَّ السُّكُونَ بَدَلَهُما مُطَّرِدٌ عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ.
﴿ولَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكم ما فَعَلُوهُ إلّا قَلِيلٌ مِنهُمْ﴾ قالَتِ اليَهُودُ لَمّا لَمْ يَرْضَ المُنافِقُ بِحُكْمِ الرَّسُولِ: ما رَأيْنا أسْخَفَ مِن هَؤُلاءِ لا يُؤْمِنُونَ بِمُحَمَّدٍ، ويَتَّبِعُونَهُ، ويَطَئُونَ عَقِبَهُ، ثُمَّ لا يَرْضَوْنَ بِحُكْمِهِ، ونَحْنُ قَدْ أُمِرْنا بِقَتْلِ أنْفُسِنا فَفَعَلْنا، وبَلَغَ القَتْلُ فِينا سَبْعِينَ ألْفًا. فَقالَ ثابِتُ بْنُ قَيْسٍ: لَوْ كُتِبَ ذَلِكَ عَلَيْنا لَفَعَلْنا فَنَزَلَتْ. ورُوِيَ هَذا السَّبَبُ بِألْفاظٍ مُتَغايِرَةٍ والمَعْنى قَرِيبٌ.
ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ تَعالى لَوْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ أنْ يَقْتُلُوا أنْفُسَهم، إمّا أنْ يَقْتُلَ نَفْسَهُ بِيَدِهِ، أوْ يَقْتُلَ بَعْضُهم بَعْضًا، أوْ أنْ يَخْرُجُوا مِن دِيارِهِمْ كَما فَرَضَ ذَلِكَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ حِينَ اسْتُتِيبُوا مِن عِبادَةِ العِجْلِ لَمْ يُطِعْ مِنهم إلّا القَلِيلُ، وهَذا فِيهِ تَوْبِيخٌ عَظِيمٌ، حَيْثُ لا يَمْتَثِلُ أمْرَ اللَّهِ إلّا القَلِيلُ. وقالَ السَّبِيعِيُّ: لَمّا نَزَلَتْ قالَ رَجُلٌ: لَوْ أمَرَنا لَفَعَلْنا، والحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عافانا. فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «إنَّ مِن أُمَّتِي رِجالًا الإيمانُ أثْبَتُ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الجِبالِ الرَّواسِي»؛ قالَ ابْنُ وهْبٍ: الرَّجُلُ القائِلُ ذَلِكَ هُ وأبُو بَكْرٍ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: لَوْ كُتِبَ عَلَيْنا ذَلِكَ؛ لَبَدَأْتُ بِنَفْسِي، وأهْلِ بَيْتِي. وذَكَرَ النَّقّاشُ أنَّهُ عُمَرُ. وذَكَرَ أبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ: أنَّ القائِلَ مِنهم عَمّارٌ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وثابِتُ بْنُ قَيْسٍ.
والضَّمِيرُ في عَلَيْهِمْ قِيلَ يَعُودُ عَلى المُنافِقِينَ؛ أيْ ما فَعَلَهُ إلّا قَلِيلٌ مِنهم رِياءً، وسُمْعَةً، وحِينَئِذٍ يَصْعُبُ الأمْرُ عَلَيْهِمْ، ويَنْكَشِفُ كُفْرُهم. وقِيلَ يَعُودُ عَلى النّاسِ مُؤْمِنِهِمْ، ومُنافِقِهِمْ. وكَسَرَ النُّونَ مِن (أنِ)، وضَمَّ الواوَ مِن (أوُ)، أبُو عَمْرٍو (p-٢٨٥)وكَسَرَهُما حَمْزَةُ، وعاصِمٌ، وضَمَّهُما باقِي السَّبْعَةِ. وأنْ هُنا يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ تَفْسِيرِيَّةً، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً عَلى ما قَرَّرُوا أنَّ (أنْ) تُوصَلُ بِفِعْلِ الأمْرِ.
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى صُعُوبَةِ الخُرُوجِ مِنَ الدِّيارِ؛ إذْ قَرَنَهُ اللَّهُ تَعالى بِقَتْلِ الأنْفُسِ. وقَدْ خَرَجَ الصَّحابَةُ المُهاجِرُونَ مِن دِيارِهِمْ وفارَقُوا أهالِيَهم حِينَ أمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالهِجْرَةِ، وارْتَفَعَ (قَلِيلٌ) عَلى البَدَلِ مِنَ الواوِ في فَعَلُوهُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، وعَلى العَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ عَلى قَوْلِ الكُوفِيِّينَ وبِالرَّفْعِ قَرَأ الجُمْهُورُ. وقَرَأ أُبَيٌّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وابْنُ عامِرٍ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ: (إلّا قَلِيلًا) بِالنَّصْبِ، ونَصَّ النَّحْوِيُّونَ عَلى أنَّ الِاخْتِيارَ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ اتِّباعُ ما بَعْدَ إلّا لِما قَبْلَها في الإعْرابِ عَلى طَرِيقَةِ البَدَلِ أوِ العَطْفِ، بِاعْتِبارِ المَذْهَبَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْناهُما.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ (إلّا قَلِيلًا) بِالنَّصْبِ عَلى أصْلِ الِاسْتِثْناءِ، أوْ عَلى إلّا فِعْلًا قَلِيلًا انْتَهى. إلّا ما النَّصْبُ عَلى أصْلِ الِاسْتِثْناءِ فَهو الَّذِي وجَّهَ النّاسُ عَلَيْهِ هَذِهِ القِراءَةَ. وأمّا قَوْلُهُ: عَلى إلّا فِعْلًا قَلِيلًا فَهو ضَعِيفٌ؛ لِمُخالَفَةِ مَفْهُومِ التَّأْوِيلِ قِراءَةَ الرَّفْعِ، ولِقَوْلِهِ مِنهم فَإنَّهُ تَعَلَّقَ عَلى هَذا التَّرْكِيبِ: لَوْ قُلْتَ ما ضَرَبُوا زَيْدًا إلّا ضَرْبًا قَلِيلًا مِنهم لَمْ يُحْسِنْ أنْ يَكُونَ مِنهم لا فائِدَةَ في ذِكْرِهِ. وضَمِيرُ النَّصْبِ في فَعَلُوهُ عائِدٌ عَلى أحَدِ المَصْدَرَيْنِ المَفْهُومَيْنِ مِن قَوْلِهِ: أنِ اقْتُلُوا أوِ اخْرُجُوا. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: الكِنايَةُ في قَوْلِهِ ما فَعَلُوهُ عائِدٌ عَلى القَتْلِ والخُرُوجِ مَعًا، وذَلِكَ لِأنَّ الفِعْلَ جِنْسٌ واحِدٌ، وإنِ اخْتَلَفَتْ صُورَتُهُ انْتَهى. وهو كَلامٌ غَيْرُ نَحْوِيٍّ.
﴿ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهم وأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ الضَّمِيرُ في: ولَوْ أنَّهم مُخْتَصٌّ بِالمُنافِقِينَ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ أوَّلُ الآيَةِ عامًّا، وآخِرُها خاصًّا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ما يُوعَظُونَ بِهِ مِنَ اتِّباعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وطاعَتِهِ والِانْقِيادِ لِما يَراهُ، ويَحْكُمُ بِهِ لِأنَّهُ الصّادِقُ المَصْدُوقُ الَّذِي لا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى لَكانَ خَيْرًا لَهم في عاجِلِهِمْ وآجِلِهِمْ، وأشَدَّ تَثْبِيتًا لِإيمانِهِمْ، وأبْعَدَ مِن الِاضْطِرابِ فِيهِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَوْ أنَّ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ اتَّعَظُوا، وأنابُوا لَكانَ خَيْرًا لَهم، وتَثْبِيتًا مَعْناهُ يَقِينًا، وتَصْدِيقًا انْتَهى. وكِلاهُما شَرَحَ ما يُوعَظُونَ بِهِ بِخِلافِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الظّاهِرُ؛ لِأنَّ الَّذِي يُوعَظُ بِهِ لَيْسَ هو اتِّباعَ الرَّسُولِ وطاعَتَهُ. ولَيْسَ مَدْلُولُ ما يُوعَظُونَ بِهِ اتَّعَظُوا وأنابُوا. وقِيلَ الوَعْظُ هُنا بِمَعْنى الأمْرِ؛ أيْ ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُؤْمَرُونَ بِهِ فانْتَهَوْا عَمّا نُهُوا عَنْهُ. وقالَ في رَيِّ الظَّمْآنِ: ما يُوعَظُونَ بِهِ؛ أيْ ما يُوصَوْنَ ويُؤْمَرُونَ بِهِ مِنَ الإخْلاصِ والتَّسْلِيمِ. وقالَ الرّاغِبُ: أخْبَرَ أنَّهم لَوْ قَبِلُوا المَوْعِظَةَ لَكانَ خَيْرًا لَهم. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: المُرادُ أنَّهم لَوْ فَعَلُوا ما كُلِّفُوا بِهِ وأُمِرُوا، وسُمِّيَ هَذا التَّكْلِيفُ والأمْرُ وعْظًا؛ لِأنَّ تَكالِيفَ اللَّهِ تَعالى مَقْرُونَةٌ بِالوَعْدِ والوَعِيدِ والتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ والثَّوابِ والعِقابِ، وما كانَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ يُسَمّى وعْظًا. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: وقِيلَ ما يُوعَظُونَ بِهِ مِنَ الأمْرِ مِنَ القُرْآنِ.
وهَذِهِ كُلُّها تَفاسِيرُ تُخالِفُ الظّاهِرَ؛ لِأنَّ الوَعْظَ هو التِّذْكارُ بِما يَحِلُّ بِمَن خالَفَ أمْرَ اللَّهِ تَعالى مِنَ العِقابِ؛ فالمَوْعُوظُ بِهِ هي الجُمَلُ الدّالَّةُ عَلى ذَلِكَ، ولا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى هَذا الظّاهِرِ؛ لِأنَّهم لَمْ يُؤْمَرُوا بِأنْ يَفْعَلُوا المَوْعُوظَ بِهِ؛ وإنَّما عَرَضَ لَهم شَرْحُ ذَلِكَ بِما خالَفَ الظّاهِرَ؛ لِأنَّهم عَلَّقُوا بِهِ بِقَوْلِهِ: ما يُوعَظُونَ، عَلى طَرِيقَةِ ما يُفْهَمُ مِن قَوْلِكَ: وعَظْتُكَ بِكَذا، فَتَكُونُ الباءُ قَدْ دَخَلَتْ عَلى الشَّيْءِ المَوْعُوظِ بِهِ، وهي الجُمْلَةُ الدّالَّةُ عَلى الوَعْظِ؛ أمّا إذا كانَ المَعْنى عَلى أنَّ الباءَ لِلسَّبَبِيَّةِ فَيُحْمَلُ إذْ ذاكَ اللَّفْظُ عَلى الظّاهِرِ؛ ويَصِحُّ المَعْنى، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا الشَّيْءَ الَّذِي يُوعَظُونَ بِسَبَبِهِ؛ أيْ بِسَبَبِ تَرْكِهِ. ودَلَّ عَلى حَذْفِ تَرْكِهِ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا﴾، ويَبْقى لَفْظُ ﴿يُوعَظُونَ﴾ عَلى ظاهِرِهِ، ولا يُحْتاجُ إلى ما تَأوَّلُوهُ.
﴿لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾؛ أيْ يَحْصُلُ لَهم خَيْرُ الدّارَيْنِ، فَلا يَكُونُ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَهُ؛ أيْ لَكانَ أنْفَعَ لَهم مِن غَيْرِهِ: وأشَدَّ تَثْبِيتًا؛ لِأنَّهُ حَقٌّ، فَهو أبْقى وأثْبَتُ. أوْ لِأنَّ الطّاعَةَ تَدْعُو إلى أمْثالِها، أوْ لِأنَّ الإنْسانَ (p-٢٨٦)يَطْلُبُ أوَّلًا تَحْصِيلَ الخَيْرِ؛ فَإذا حَصَّلَهُ طَلَبَ بَقاءَهُ. فَقَوْلُهُ: لَكانَ خَيْرًا لَهم إشارَةٌ إلى الحالَةِ الأُولى. وقَوْلُهُ: وأشَدَّ تَثْبِيتًا إشارَةٌ إلى الحالَةِ الثّانِيَةِ؛ قالَهُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ.
النساء 4:66
﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: نَزَلَتْ فِيمَن أرادَ التَّحاكُمَ إلى الطّاغُوتِ. ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ؛ لِأنَّهُ أشْبَهُ بِنَسَقِ الآياتِ. وقِيلَ في شَأْنِ الرَّجُلِ الَّذِي خاصَمَ الزُّبَيْرَ في السَّقْيِ بِماءِ الحَرَّةِ، وأنَّ الرَّسُولَ ﷺ قالَ: «اسْقِ يا زُبَيْرُ ثُمَّ أرْسِلِ الماءَ إلى جارِكَ فَغَضِبَ، وقالَ: " أنْ كانَ ابْنَ عَمَّتِكَ، فَغَضِبَ الرَّسُولُ ﷺ، واسْتَوْعَبَ لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ؛ فَقالَ: احْبِسْ يا زُبَيْرُ الماءَ حَتّى يَبْلُغَ الجَدْرَ، ثُمَّ أرْسِلِ الماءَ» . والرَّجُلُ هو مِنَ الأنْصارِ بَدْرِيٌّ، (p-٢٨٤)وقِيلَ هُ وحاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ. وقِيلَ نَزَلَتْ نافِيَةً لِإيمانِ الرَّجُلِ الَّذِي قَتَلَهُ عُمَرُ؛ لِكَوْنِهِ رَدَّ حُكْمَ النَّبِيِّ ﷺ، ومُقِيمَةً عُذْرَ عُمَرَ في قَتْلِهِ، إذْ قالَ النَّبِيُّ: «ما كُنْتُ أظُنُّ أنَّ عُمَرَ يَجْتَرِئُ عَلى قَتْلِ رَجُلٍ مُؤْمِنٍ» . وأقْسَمَ بِإضافَةِ الرَّبِّ إلى كافِ الخِطابِ تَعْظِيمًا لِلنَّبِيِّ ﷺ، وهو التِفاتٌ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ: (جاءُوكَ)
ولا في قَوْلِهِ: فَلا. قالَ الطَّبَرِيُّ: هي رَدٌّ عَلى ما تَقَدَّمَ تَقْدِيرَهُ: فَلَيْسَ الأمْرُ كَما يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ القَسَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ . وقالَ غَيْرُهُ: قَدَّمَ لا عَلى القَسَمِ اهْتِمامًا بِالنَّفْيِ، ثُمَّ كَرَّرَها بَعْدُ تَوْكِيدًا لِلِاهْتِمامِ بِالنَّفْيِ، وكانَ يَصِحُّ إسْقاطُ (لا) الثّانِيَةِ، ويَبْقى أكْثَرُ الِاهْتِمامِ بِتَقْدِيمِ الأُولى وكانَ يَصِحُّ إسْقاطُ الأُولى ويَبْقى مَعْنى النَّفْيِ ويَذْهَبُ مَعْنى الِاهْتِمامِ. وقِيلَ الثّانِيَةُ زائِدَةٌ والقَسَمُ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ حَرْفِ النَّفْيِ والمَنفِيِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا مَزِيدَةٌ؛ لِتَأْكِيدِ مَعْنى القَسَمِ، كَما زِيدَتْ في ﴿لِئَلّا يَعْلَمَ﴾ [الحديد: ٢٩]؛ لِتَأْكِيدِ وُجُوبِ العِلْمِ. ولا يُؤْمِنُونَ جَوابُ القَسَمِ. (فَإنْ قُلْتَ): هَلّا زَعَمْتَ أنَّها زِيدَتْ؛ لِتُظاهِرَ (لا) في لا يُؤْمِنُونَ. (قُلْتُ): يَأْبى ذَلِكَ اسْتِواءُ النَّفْيِ والإثْباتِ فِيهِ؛ وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ وما لا تُبْصِرُونَ إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة: ٣٨] . انْتَهى كَلامُهُ. ومِثْلُ الآيَةِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ولا واللَّهِ لا يُلْفى لِما بِي ولا لِلِما بِهِمْ أبَدًا دَواءُ
وحَتّى هُنا غايَةٌ؛ أيْ يَنْتَفِي عَنْهُمُ الإيمانُ إلى هَذِهِ الغايَةِ؛ فَإذا وجَدَ ما بَعْدَ الغايَةِ كانُوا مُؤْمِنِينَ. وفِيما شَجَرَ بَيْنَهم عامٌّ في كُلِّ أمْرٍ وقَعَ بَيْنَهم فِيهِ نِزاعٌ وتَجاذُبٌ. ومَعْنى يُحَكِّمُوكَ، يَجْعَلُوكَ حَكَمًا. وفي الكَلامِ حَذْفُ التَّقْدِيرِ: فَتَقْضِي بَيْنَهم.
﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾؛ أيْ ضِيقًا مِن حُكْمِكَ. وقالَ مُجاهِدٌ: شَكًّا؛ لِأنَّ الشّاكَّ في ضِيقٍ مِن أمْرِهِ حَتّى يَلُوحَ لَهُ البَيانُ. وقالَ الضَّحّاكُ: إثْمًا؛ أيْ سَبَبُ إثْمٍ. والمَعْنى: لا يَخْطُرُ بِبالِهِمْ ما يَأْثَمُونَ بِهِ مِن عَدَمِ الرِّضا. وقِيلَ هَمًّا وحُزْنًا، ويُسَلِّمُوا؛ أيْ يَنْقادُوا، ويُذْعِنُوا لِقَضائِكَ، لا يُعارِضُونَ فِيهِ بِشَيْءٍ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والجُمْهُورُ. وقِيلَ مَعْناهُ ويُسَلِّمُوا ما تَنازَعُوا فِيهِ لِحُكْمِكَ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ؛ وأكَّدَ الفِعْلَ بِالمَصْدَرِ عَلى سَبِيلِ صُدُورِ التَّسْلِيمِ حَقِيقَةً؛ وحَسَّنَهُ كَوْنُهُ فاصِلَةً. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: فِيما شَجْرَ بِسُكُونِ الجِيمِ، وكَأنَّهُ فَرَّ مِن تَوالِي الحَرَكاتِ، ولَيْسَ بِقَوِيٍّ لِخِفَّةِ الفَتْحَةِ بِخِلافِ الضَّمَّةِ والكَسْرَةِ؛ فَإنَّ السُّكُونَ بَدَلَهُما مُطَّرِدٌ عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ.
﴿ولَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكم ما فَعَلُوهُ إلّا قَلِيلٌ مِنهُمْ﴾ قالَتِ اليَهُودُ لَمّا لَمْ يَرْضَ المُنافِقُ بِحُكْمِ الرَّسُولِ: ما رَأيْنا أسْخَفَ مِن هَؤُلاءِ لا يُؤْمِنُونَ بِمُحَمَّدٍ، ويَتَّبِعُونَهُ، ويَطَئُونَ عَقِبَهُ، ثُمَّ لا يَرْضَوْنَ بِحُكْمِهِ، ونَحْنُ قَدْ أُمِرْنا بِقَتْلِ أنْفُسِنا فَفَعَلْنا، وبَلَغَ القَتْلُ فِينا سَبْعِينَ ألْفًا. فَقالَ ثابِتُ بْنُ قَيْسٍ: لَوْ كُتِبَ ذَلِكَ عَلَيْنا لَفَعَلْنا فَنَزَلَتْ. ورُوِيَ هَذا السَّبَبُ بِألْفاظٍ مُتَغايِرَةٍ والمَعْنى قَرِيبٌ.
ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ تَعالى لَوْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ أنْ يَقْتُلُوا أنْفُسَهم، إمّا أنْ يَقْتُلَ نَفْسَهُ بِيَدِهِ، أوْ يَقْتُلَ بَعْضُهم بَعْضًا، أوْ أنْ يَخْرُجُوا مِن دِيارِهِمْ كَما فَرَضَ ذَلِكَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ حِينَ اسْتُتِيبُوا مِن عِبادَةِ العِجْلِ لَمْ يُطِعْ مِنهم إلّا القَلِيلُ، وهَذا فِيهِ تَوْبِيخٌ عَظِيمٌ، حَيْثُ لا يَمْتَثِلُ أمْرَ اللَّهِ إلّا القَلِيلُ. وقالَ السَّبِيعِيُّ: لَمّا نَزَلَتْ قالَ رَجُلٌ: لَوْ أمَرَنا لَفَعَلْنا، والحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عافانا. فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «إنَّ مِن أُمَّتِي رِجالًا الإيمانُ أثْبَتُ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الجِبالِ الرَّواسِي»؛ قالَ ابْنُ وهْبٍ: الرَّجُلُ القائِلُ ذَلِكَ هُ وأبُو بَكْرٍ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: لَوْ كُتِبَ عَلَيْنا ذَلِكَ؛ لَبَدَأْتُ بِنَفْسِي، وأهْلِ بَيْتِي. وذَكَرَ النَّقّاشُ أنَّهُ عُمَرُ. وذَكَرَ أبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ: أنَّ القائِلَ مِنهم عَمّارٌ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وثابِتُ بْنُ قَيْسٍ.
والضَّمِيرُ في عَلَيْهِمْ قِيلَ يَعُودُ عَلى المُنافِقِينَ؛ أيْ ما فَعَلَهُ إلّا قَلِيلٌ مِنهم رِياءً، وسُمْعَةً، وحِينَئِذٍ يَصْعُبُ الأمْرُ عَلَيْهِمْ، ويَنْكَشِفُ كُفْرُهم. وقِيلَ يَعُودُ عَلى النّاسِ مُؤْمِنِهِمْ، ومُنافِقِهِمْ. وكَسَرَ النُّونَ مِن (أنِ)، وضَمَّ الواوَ مِن (أوُ)، أبُو عَمْرٍو (p-٢٨٥)وكَسَرَهُما حَمْزَةُ، وعاصِمٌ، وضَمَّهُما باقِي السَّبْعَةِ. وأنْ هُنا يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ تَفْسِيرِيَّةً، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً عَلى ما قَرَّرُوا أنَّ (أنْ) تُوصَلُ بِفِعْلِ الأمْرِ.
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى صُعُوبَةِ الخُرُوجِ مِنَ الدِّيارِ؛ إذْ قَرَنَهُ اللَّهُ تَعالى بِقَتْلِ الأنْفُسِ. وقَدْ خَرَجَ الصَّحابَةُ المُهاجِرُونَ مِن دِيارِهِمْ وفارَقُوا أهالِيَهم حِينَ أمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالهِجْرَةِ، وارْتَفَعَ (قَلِيلٌ) عَلى البَدَلِ مِنَ الواوِ في فَعَلُوهُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، وعَلى العَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ عَلى قَوْلِ الكُوفِيِّينَ وبِالرَّفْعِ قَرَأ الجُمْهُورُ. وقَرَأ أُبَيٌّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وابْنُ عامِرٍ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ: (إلّا قَلِيلًا) بِالنَّصْبِ، ونَصَّ النَّحْوِيُّونَ عَلى أنَّ الِاخْتِيارَ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ اتِّباعُ ما بَعْدَ إلّا لِما قَبْلَها في الإعْرابِ عَلى طَرِيقَةِ البَدَلِ أوِ العَطْفِ، بِاعْتِبارِ المَذْهَبَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْناهُما.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ (إلّا قَلِيلًا) بِالنَّصْبِ عَلى أصْلِ الِاسْتِثْناءِ، أوْ عَلى إلّا فِعْلًا قَلِيلًا انْتَهى. إلّا ما النَّصْبُ عَلى أصْلِ الِاسْتِثْناءِ فَهو الَّذِي وجَّهَ النّاسُ عَلَيْهِ هَذِهِ القِراءَةَ. وأمّا قَوْلُهُ: عَلى إلّا فِعْلًا قَلِيلًا فَهو ضَعِيفٌ؛ لِمُخالَفَةِ مَفْهُومِ التَّأْوِيلِ قِراءَةَ الرَّفْعِ، ولِقَوْلِهِ مِنهم فَإنَّهُ تَعَلَّقَ عَلى هَذا التَّرْكِيبِ: لَوْ قُلْتَ ما ضَرَبُوا زَيْدًا إلّا ضَرْبًا قَلِيلًا مِنهم لَمْ يُحْسِنْ أنْ يَكُونَ مِنهم لا فائِدَةَ في ذِكْرِهِ. وضَمِيرُ النَّصْبِ في فَعَلُوهُ عائِدٌ عَلى أحَدِ المَصْدَرَيْنِ المَفْهُومَيْنِ مِن قَوْلِهِ: أنِ اقْتُلُوا أوِ اخْرُجُوا. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: الكِنايَةُ في قَوْلِهِ ما فَعَلُوهُ عائِدٌ عَلى القَتْلِ والخُرُوجِ مَعًا، وذَلِكَ لِأنَّ الفِعْلَ جِنْسٌ واحِدٌ، وإنِ اخْتَلَفَتْ صُورَتُهُ انْتَهى. وهو كَلامٌ غَيْرُ نَحْوِيٍّ.
﴿ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهم وأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ الضَّمِيرُ في: ولَوْ أنَّهم مُخْتَصٌّ بِالمُنافِقِينَ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ أوَّلُ الآيَةِ عامًّا، وآخِرُها خاصًّا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ما يُوعَظُونَ بِهِ مِنَ اتِّباعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وطاعَتِهِ والِانْقِيادِ لِما يَراهُ، ويَحْكُمُ بِهِ لِأنَّهُ الصّادِقُ المَصْدُوقُ الَّذِي لا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى لَكانَ خَيْرًا لَهم في عاجِلِهِمْ وآجِلِهِمْ، وأشَدَّ تَثْبِيتًا لِإيمانِهِمْ، وأبْعَدَ مِن الِاضْطِرابِ فِيهِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَوْ أنَّ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ اتَّعَظُوا، وأنابُوا لَكانَ خَيْرًا لَهم، وتَثْبِيتًا مَعْناهُ يَقِينًا، وتَصْدِيقًا انْتَهى. وكِلاهُما شَرَحَ ما يُوعَظُونَ بِهِ بِخِلافِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الظّاهِرُ؛ لِأنَّ الَّذِي يُوعَظُ بِهِ لَيْسَ هو اتِّباعَ الرَّسُولِ وطاعَتَهُ. ولَيْسَ مَدْلُولُ ما يُوعَظُونَ بِهِ اتَّعَظُوا وأنابُوا. وقِيلَ الوَعْظُ هُنا بِمَعْنى الأمْرِ؛ أيْ ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُؤْمَرُونَ بِهِ فانْتَهَوْا عَمّا نُهُوا عَنْهُ. وقالَ في رَيِّ الظَّمْآنِ: ما يُوعَظُونَ بِهِ؛ أيْ ما يُوصَوْنَ ويُؤْمَرُونَ بِهِ مِنَ الإخْلاصِ والتَّسْلِيمِ. وقالَ الرّاغِبُ: أخْبَرَ أنَّهم لَوْ قَبِلُوا المَوْعِظَةَ لَكانَ خَيْرًا لَهم. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: المُرادُ أنَّهم لَوْ فَعَلُوا ما كُلِّفُوا بِهِ وأُمِرُوا، وسُمِّيَ هَذا التَّكْلِيفُ والأمْرُ وعْظًا؛ لِأنَّ تَكالِيفَ اللَّهِ تَعالى مَقْرُونَةٌ بِالوَعْدِ والوَعِيدِ والتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ والثَّوابِ والعِقابِ، وما كانَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ يُسَمّى وعْظًا. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: وقِيلَ ما يُوعَظُونَ بِهِ مِنَ الأمْرِ مِنَ القُرْآنِ.
وهَذِهِ كُلُّها تَفاسِيرُ تُخالِفُ الظّاهِرَ؛ لِأنَّ الوَعْظَ هو التِّذْكارُ بِما يَحِلُّ بِمَن خالَفَ أمْرَ اللَّهِ تَعالى مِنَ العِقابِ؛ فالمَوْعُوظُ بِهِ هي الجُمَلُ الدّالَّةُ عَلى ذَلِكَ، ولا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى هَذا الظّاهِرِ؛ لِأنَّهم لَمْ يُؤْمَرُوا بِأنْ يَفْعَلُوا المَوْعُوظَ بِهِ؛ وإنَّما عَرَضَ لَهم شَرْحُ ذَلِكَ بِما خالَفَ الظّاهِرَ؛ لِأنَّهم عَلَّقُوا بِهِ بِقَوْلِهِ: ما يُوعَظُونَ، عَلى طَرِيقَةِ ما يُفْهَمُ مِن قَوْلِكَ: وعَظْتُكَ بِكَذا، فَتَكُونُ الباءُ قَدْ دَخَلَتْ عَلى الشَّيْءِ المَوْعُوظِ بِهِ، وهي الجُمْلَةُ الدّالَّةُ عَلى الوَعْظِ؛ أمّا إذا كانَ المَعْنى عَلى أنَّ الباءَ لِلسَّبَبِيَّةِ فَيُحْمَلُ إذْ ذاكَ اللَّفْظُ عَلى الظّاهِرِ؛ ويَصِحُّ المَعْنى، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا الشَّيْءَ الَّذِي يُوعَظُونَ بِسَبَبِهِ؛ أيْ بِسَبَبِ تَرْكِهِ. ودَلَّ عَلى حَذْفِ تَرْكِهِ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا﴾، ويَبْقى لَفْظُ ﴿يُوعَظُونَ﴾ عَلى ظاهِرِهِ، ولا يُحْتاجُ إلى ما تَأوَّلُوهُ.
﴿لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾؛ أيْ يَحْصُلُ لَهم خَيْرُ الدّارَيْنِ، فَلا يَكُونُ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَهُ؛ أيْ لَكانَ أنْفَعَ لَهم مِن غَيْرِهِ: وأشَدَّ تَثْبِيتًا؛ لِأنَّهُ حَقٌّ، فَهو أبْقى وأثْبَتُ. أوْ لِأنَّ الطّاعَةَ تَدْعُو إلى أمْثالِها، أوْ لِأنَّ الإنْسانَ (p-٢٨٦)يَطْلُبُ أوَّلًا تَحْصِيلَ الخَيْرِ؛ فَإذا حَصَّلَهُ طَلَبَ بَقاءَهُ. فَقَوْلُهُ: لَكانَ خَيْرًا لَهم إشارَةٌ إلى الحالَةِ الأُولى. وقَوْلُهُ: وأشَدَّ تَثْبِيتًا إشارَةٌ إلى الحالَةِ الثّانِيَةِ؛ قالَهُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ.
النساء 4:67
﴿وإذًا لَآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا ولَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإذًا جَوابٌ لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ، وماذا يَكُونُ لَهم أيْضًا بَعْدَ التَّثْبِيتِ ؟ فَقِيلَ، وإذًا لَوْ ثَبَتُوا لَأتَيْناهم؛ لِأنَّ (إذًا) جَوابٌ، وجَزاءٌ، انْتَهى. وظاهِرُ قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ:؛ لِأنَّ (إذًا) جَوابٌ، وجَزاءٌ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّها تَكُونُ لِلْمَعْنَيَيْنِ في حالٍ واحِدٍ عَلى كُلِّ حالٍ، وهَذِهِ مَسْألَةُ خِلافٍ. ذَهَبَ الفارِسِيُّ إلى أنَّها قَدْ تَكُونُ جَوابًا فَقَطْ في مَوْضِعٍ، وجَوابًا، وجَزاءً في مَوْضِعِ نَفْيٍ، مِثْلَ: إذًا أظُنُّكَ صادِقًا لِمَن قالَ: أزُورُكَ، هي جَوابُ خاصَّةٍ. وفي مِثْلِ: إذًا أُكْرِمَكَ لِمَن قالَ: أزُورُكَ، هي جَوابٌ، وجَزاءٌ. وذَهَبَ الأُسْتاذُ أبُو عَلِيٍّ إلى أنَّها تَتَقَدَّرُ بِالجَوابِ والجَزاءِ في كُلِّ مَوْضِعٍ وُقُوفًا مَعَ ظاهِرِ كَلامِ سِيبَوَيْهِ. والصَّحِيحُ قَوْلُ الفارِسِيِّ، وهي مَسْألَةٌ يُبْحَثُ عَنْها في عِلْمِ النَّحْوِ.
والأجْرُ كِنايَةٌ عَنِ الثَّوابِ عَلى الطّاعَةِ، ووَصْفُهُ بِالعِظَمِ بِاعْتِبارِ الكَثْرَةِ، أوْ بِاعْتِبارِ الشَّرَفِ. والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ هو الإيمانُ المُؤَدِّي إلى الجَنَّةِ؛ قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقِيلَ هو الطَّرِيقُ إلى الجَنَّةِ. وقِيلَ الأعْمالُ الصّالِحَةُ. ولَمّا فَسَّرَ ابْنُ عَطِيَّةَ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ بِالإيمانِ قالَ: وجاءَ تَرْتِيبُ هَذِهِ الآيَةِ كَذا. ومَعْلُومٌ أنَّ الهِدايَةَ قَبْلَ إعْطاءِ الأجْرِ؛ لِأنَّ المَقْصِدَ إنَّما هو تَعْدِيدُ ما كانَ اللَّهُ يُنْعِمُ بِهِ عَلَيْهِمْ دُونَ تَرْتِيبٍ؛ فالمَعْنى: وكَهَدَيْناهم قَبْلُ حَتّى يَكُونُوا مِمَّنْ يُؤْتى الأجْرَ، انْتَهى. وأمّا إذا فُسِّرَتِ الهِدايَةُ إلى الصِّراطِ هُنا بِأنَّهُ طَرِيقُ الجَنَّةِ، أوِ الأعْمالُ الصّالِحَةُ، فَإنَّهُ يُظْهِرُ التَّرْتِيبَ.
﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: «نَزَلَتْ في ثَوْبانِ مَوْلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكانَ شَدِيدَ الحُبِّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأتى ذاتَ يَوْمٍ، وقَدْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، ونَحَلَ جِسْمُهُ فَقالَ: يا ثَوْبانُ ما غَيَّرَ لَوْنَكَ ؟ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما بِي مَرَضٌ، ولا وجَعٌ، غَيْرَ أنِّي إذا لَمْ أرَكَ اشْتَقْتُ إلَيْكَ، واسْتَوْحَشْتُ، وحْشَةً شَدِيدَةً حَتّى ألْقاكَ ثُمَّ ذَكَرْتُ الآخِرَةَ فَأخافُ أنْ لا أراكَ هُناكَ لِأنِّي أعْرِفُ أنَّكَ تُرْفَعُ مَعَ النَّبِيِّينَ، وإنِّي وإنْ كُنْتُ أدْخُلُ الجَنَّةَ كُنْتُ في مَنزِلٍ أدْنى مِن مَنزِلِكَ، وإنْ لَمْ أدْخُلِ الجَنَّةَ فَذَلِكَ حِينَ لا أراكَ أبَدًا» . انْتَهى قَوْلُ الكَلْبِيِّ. وحُكِيَ مِثْلُ قَوْلِ ثَوْبانِ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ مِنهم: «عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ الأنْصارِيُّ، وهو الَّذِي أُرِيَ الأذانَ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إذا مُتَّ ومُتْنا، كُنْتَ في عِلِّيِّينَ فَلا نَراكَ ولا نَجْتَمِعُ بِكَ، وذَكَرَ حُزْنَهُ عَلى ذَلِكَ؛ فَنَزَلَتْ» . وحَكى مَكِّيٌّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ هَذا أنَّهُ لَمّا ماتَ النَّبِيُّ ﷺ قالَ: اللَّهُمَّ أعْمِنِي حَتّى لا أرى شَيْئًا بَعْدَهُ، فَعَمِيَ. والمَعْنى في مَعَ النَّبِيِّينَ: إنَّهُ مَعَهم في دارٍ واحِدَةٍ، وكُلُّ مَن فِيها رُزِقَ الرِّضا بِحالِهِ، وهم بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مِن رُؤْيَةِ الآخَرِ، وإنْ بَعُدَ مَكانُهُ.
وقِيلَ المَعِيَّةُ هُنا كَوْنُهم يُرْفَعُونَ إلى مَنازِلِ الأنْبِياءِ مَتى شاءُوا تَكْرِمَةً لَهم، ثُمَّ يَعُودُونَ إلى مَنازِلِهِمْ. وقِيلَ: إنَّ الأنْبِياءَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءَ يَنْحَدِرُونَ إلى مَن أسْفَلَ مِنهم لِيَتَذاكَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ؛ ذَكَرَهُ المَهْدَوِيُّ في تَفْسِيرِهِ الكَبِيرِ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ تَنْبِيهٌ عَلى أمْرَيْنِ مِن أحْوالِ المَعادِ: الأوَّلُ: إشْراقُ الأرْواحِ بِأنْوارِ المَعْرِفَةِ. والثّانِي: كَوْنُهم مَعَ النَّبِيِّينَ. ولَيْسَ المُرادُ بِهَذِهِ المَعِيَّةِ في الدَّرَجَةِ، فَإنَّ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ، بَلْ مَعْناهُ: إنَّ الأرْواحَ النّاقِصَةَ إذا اسْتَكْمَلَتْ عَلائِقَها مَعَ الأرْواحِ الكامِلَةِ في الدُّنْيا بَقِيَتْ بَعْدَ المُفارَقَةِ تِلْكَ العَلائِقُ؛ فَيَنْعَكِسُ الشُّعاعُ مِن بَعْضِها عَلى بَعْضٍ، فَتَصِيرُ أنْوارُها في غايَةِ القُوَّةِ، فَهَذا ما خَطَرَ لِي. انْتَهى كَلامُهُ. وهو شَبِيهٌ بِما قالَتْهُ الفَلاسِفَةُ في الأرْواحِ إذا فارَقَتِ الأجْسادَ. وأهْلُ الإسْلامِ يَأْبَوْنَ هَذِهِ الألْفاظَ ومَدْلُولاتِها؛ ولَكِنْ مَن غَلَبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ (p-٢٨٧)وحُبُّهُ جَرى في كَلامِهِ.
وقَوْلُهُ: ”مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ“ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧]، وهم مَن ذُكِرَ في هَذِهِ الآيَةِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: مِنَ النَّبِيِّينَ تَفْسِيرٌ لِلَّذِينِ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. فَكَأنَّهُ قِيلَ مَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ مِنكم ألْحَقَهُ اللَّهُ بِالَّذِينِ تَقَدَّمَهم مِمَّنْ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ. قالَ الرّاغِبُ: مِمَّنْ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ مِنَ الفِرَقِ الأرْبَعِ في المَنزِلَةِ والثَّوابِ: النَّبِيُّ بِالنَّبِيِّ والصِّدِّيقُ بِالصِّدِّيقِ والشَّهِيدُ بِالشَّهِيدُ والصّالِحُ بِالصّالِحِ. وأجازَ الرّاغِبُ أنْ يَتَعَلَّقَ ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ﴾؛ أيْ مِنَ النَّبِيِّينَ، ومَن بَعْدَهم، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ إشارَةً إلى المَلَأِ الأعْلى. ثُمَّ قالَ: ﴿وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾، ويُبَيِّنُ ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ حِينَ المَوْتِ (اللَّهُمَّ ألْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ الأعْلى)، وهَذا ظاهِرٌ، انْتَهى. وهَذا الوَجْهُ الَّذِي هو عِنْدَهُ ظاهِرٌ فاسِدٌ مِن جِهَةِ المَعْنى، ومِن جِهَةِ النَّحْوِ أمّا مِن جِهَةِ المَعْنى فَإنَّ الرَّسُولَ هُنا هو مُحَمَّدٌ ﷺ؛ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّ مَن يُطِيعُهُ، ويُطِيعُ رَسُولَهُ فَهو مَعَ مَن ذَكَرَ، ولَوْ كانَ ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ مُعَلَّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ﴾؛ لَكانَ قَوْلُهُ: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ تَفْسِيرًا لِمَن في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يُطِعِ﴾ . فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ في زَمانِ الرَّسُولِ أوْ بَعْدَهُ أنْبِياءُ يُطِيعُونَهُ، وهَذا غَيْرُ مُمْكِنٍ؛ لِأنَّهُ قَدْ أخْبَرَ تَعالى أنَّ مُحَمَّدًا هو خاتَمُ النَّبِيِّينَ. وقالَ هو: «لا نَبِيَّ بَعْدِي» . وأمّا مِن جِهَةِ النَّحْوِ فَما قَبْلَ فاءِ الجَزاءِ لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَها، لَوْ قُلْتَ: إنْ تَقُمْ هِنْدٌ فَعَمْرٌو ذاهِبٌ ضاحِكَةً، لَمْ يَجُزْ.
واخْتَلَفُوا في الأوْصافِ الثَّلاثَةِ الَّتِي بَعْدَ النَّبِيِّينَ؛ فَقالَ بَعْضُهم: كُلُّها أوْصافٌ لِمَوْصُوفٍ واحِدٍ، وهي صِفاتٌ مُتَداخِلَةٌ، فَإنَّهُ لا يَمْتَنِعُ في الشَّخْصِ الواحِدِ أنْ يَكُونَ صِدِّيقًا وشَهِيدًا وصالِحًا. وقِيلَ المُرادُ بِكُلِّ وصْفِ صِنْفٌ مِنَ النّاسِ. فَأمّا الصِّدِّيقُ فَهو فِعِّيلٌ لِلْمُبالَغَةِ كَشِرِّيبٍ؛ فَقِيلَ هو الكَثِيرُ الصِّدْقِ، وقِيلَ هو الكَثِيرُ الصَّدَقَةِ. ولِلْمُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ كُلَّ مَن صَدَّقَ بِكُلِّ الَّذِي لا يَتَخالَجُهُ فِيهِ شَكٌّ فَهو صِدِّيقٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ [الحديد: ١٩] . الثّانِي: أفاضِلُ أصْحابِ الرَّسُولِ. الثّالِثُ: السّابِقُ إلى تَصْدِيقِ الرَّسُولِ. فَصارَ في ذَلِكَ قُدْوَةً لِسائِرِ النّاسِ. وأمّا الشَّهِيدُ: فَهو المَقْتُولُ في سَبِيلِ اللَّهِ؛ المَخْصُوصُ بِفَضْلِ المَيْتَةِ. وفَرَّقَ الشَّرْعُ حُكْمَهم في تَرْكِ الغُسْلِ والصَّلاةِ؛ لِأنَّهم أكْرَمُ مِن أنْ يُشَفَّعَ فِيهِمْ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في كَوْنِهِمْ سُمُّوا شُهَداءَ، ولَكِنَّ لَفْظَ الشُّهَداءِ في الآيَةِ يَعُمُّ أنْواعَ الشُّهَداءِ الَّذِينَ ذَكَرَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الشَّهادَةُ مُفَسَّرَةً بِكَوْنِ الإنْسانِ مَقْتُولَ الكافِرِ؛ بَلْ نَقُولُ: الشَّهِيدُ فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، وهو الَّذِي يَشْهَدُ لِدِينِ اللَّهِ تارَةً بِالحُجَّةِ بِالبَيانِ، وتارَةً بِالسَّيْفِ والسِّنانِ. فالشُّهَداءُ هُمُ القائِمُونَ بِالقِسْطِ وهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ في قَوْلِهِ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] . والصّالِحُ: هو الَّذِي يَكُونُ صالِحًا في اعْتِقادِهِ، وعَمَلِهِ. وجاءَ هَذا التَّرْكِيبُ عَلى هَذا القَوْلِ عَلى حَسَبِ التَّنَزُّلِ مِنَ الأعْلى إلى الأدْنى، إلى أدْنى مِنهُ. وفي هَذا التَّرْغِيبُ لِلْمُؤْمِنِينَ في طاعَةِ اللَّهِ، وطاعَةِ رَسُولِهِ حَيْثُ وُعِدُوا بِمُرافَقَةِ أقْرَبِ عِبادِ اللَّهِ إلى اللَّهِ، وأرْفَعِهِمْ دَرَجاتٍ عِنْدَهُ.
وقالَ الرّاغِبُ: قَسَّمَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ في هَذِهِ الآيَةِ أرْبَعَةَ أقْسامٍ، وجَعَلَ لَهم أرْبَعَةَ مَنازِلَ بَعْضُها دُونَ بَعْضٍ، وحَثَّ كافَّةَ النّاسِ أنْ يَتَأخَّرُوا عَنْ مَنزِلٍ واحِدٍ مِنهم؛ الأوَّلُ: الأنْبِياءُ الَّذِينَ تُمِدُّهم قُوَّةُ الإلَهِيَّةِ، ومَثَلُهم كَمَن يَرى الشَّيْءَ عِيانًا مِن قَرِيبٍ. ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿أفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى﴾ [النجم: ١٢] . الثّانِي: الصِّدِّيقُونَ؛ وهُمُ الَّذِينَ يُزاحِمُونَ الأنْبِياءَ في المَعْرِفَةِ، ومَثَلُهم كَمَن يَرى الشَّيْءَ عِيانًا مِن بَعِيدٍ، وإيّاهُ عَنى أمِيرُ المُؤْمِنِينَ حِينَ قِيلَ لَهُ: هَلْ رَأيْتَ اللَّهَ ؟ فَقالَ: ما كُنْتُ عَبْدَ شَيْءٍ لَمْ أرَهُ. ثُمَّ قالَ: " لَمْ تَرَهُ العُيُونُ بِشَواهِدِ الأبْصارِ؛ ولَكِنْ رَأتْهُ القُلُوبُ بِحَقائِقِ الإيمانِ. الثّالِثُ: الشُّهَداءُ، وهُمُ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ الشَّيْءَ (p-٢٨٨)بِالبَراهِينِ. ومَثَلُهم كَمَن يَرى الشَّيْءَ في المِرْآةِ مِن مَكانٍ قَرِيبٍ كَحالِ حارِثَةَ، حَيْثُ قالَ: كَأنِّي أنْظُرُ إلى عَرْشِ رَبِّي، وإيّاهُ قَصَدَ النَّبِيُّ ﷺ حَيْثُ قالَ: «اعْبُدِ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ» . الرّابِعُ: الصّالِحُونَ، وهُمُ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ الشَّيْءَ بِاتِّباعاتِ وتَقْلِيداتِ الرّاسِخِينَ في العِلْمِ، ومَثَلُهم كَمَن يَرى الشَّيْءَ مِن بَعِيدٍ في مِرْآةٍ. وإيّاهُ قَصَدَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: «اعْبُدِ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ»، انْتَهى كَلامُهُ. وهو شَبِيهٌ بِكَلامِ المُتَصَوِّفَةِ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: النَّبِيُّونَ مُحَمَّدٌ والصِّدِّيقُونَ أبُو بَكْرٍ والشُّهَداءُ عُمَرُ، وعُثْمانُ، وعَلِيٌّ والصّالِحُونَ صالِحُو أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، انْتَهى. ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ التَّمْثِيلِ، وأمّا عَلى طَرِيقِ الحَصْرِ فَلا، ولا يُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ: ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ ظاهِرُ اللَّفْظِ مِنَ الِاكْتِفاءِ بِالطّاعَةِ الواحِدَةِ إذِ اللَّفْظُ الدّالُّ عَلى الصِّفَةِ يَكْفِي في العَمَلِ في جانِبِ الثُّبُوتِ حُصُولَ ذَلِكَ المُسَمّى مَرَّةً واحِدَةً لِدُخُولِ المُنافِقِينَ فِيهِ؛ لِأنَّهم قَدْ يَأْتُونَ بِالطّاعَةِ الواحِدَةِ، بَلْ يُحْمَلُ عَلى غَيْرِ الظّاهِرِ بِأنْ تُحْمَلَ الطّاعَةُ عَلى فِعْلِ جَمِيعِ المَأْمُوراتِ، وتَرْكِ جَمِيعِ المَنهِيّاتِ.
﴿وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ أُولَئِكَ: إشارَةٌ إلى النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ. لَمْ يَكْتَفِ بِالمَعِيَّةِ حَتّى جَعَلَهم رُفَقاءَ لَهم، فالمُطِيعُ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ يُوافِقُونَهُ، ويَصْحَبُونَهُ والرَّفِيقُ الصّاحِبُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِلِارْتِفاقِ بِهِ. وعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ رَفِيقًا عَلى الحالِ مِن أُولَئِكَ، أوْ عَلى التَّمْيِيزِ. وإذا انْتَصَبَ عَلى التَّمْيِيزِ فَيُحْتَمَلُ أنْ لا يَكُونَ مَنقُولًا؛ فَيَجُوزُ دُخُولُ مِن عَلَيْهِ، ويَكُونُ هو المُمَيَّزَ. وجاءَ مُفْرَدًا إمّا لِأنَّ الرَّفِيقَ مِثْلَ الخَلِيطِ والصَّدِيقِ يَكُونُ لِلْمُفْرَدِ والمُثَنّى والمَجْمُوعِ بِلَفْظٍ واحِدٍ. وإمّا لِإطْلاقِ المُفْرَدِ في بابِ التَّمْيِيزِ اكْتِفاءً، ويُرادُ بِهِ الجَمْعُ، ويُحَسِّنُ ذَلِكَ هُنا كَوْنُهُ فاصِلَةً. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَنقُولًا مِنَ الفاعِلِ، فَلا يَكُونُ هو المُمَيَّزَ، والتَّقْدِيرُ: وحَسُنَ رَفِيقُ أُولَئِكَ، فَلا تَدْخُلُ عَلَيْهِ (مِن)، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُولَئِكَ إشارَةً إلى مَن (p-٢٨٩)يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ، وجُمِعَ عَلى مَعْنى مِن، ويَجُوزُ في انْتِصابِ ﴿رَفِيقًا﴾ الأوْجُهُ السّابِقَةُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: وحَسُنَ بِضَمِّ السِّينِ، وهي الأصْلُ، ولُغَةُ الحِجازِ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: وحَسْنَ بِسُكُونِ السِّينِ، وهي لُغَةُ تَمِيمَ. ويَجُوزُ: وحُسْنٌ بِسُكُونِ السِّينِ، وضَمِّ الحاءِ عَلى تَقْدِيرِ نَقْلِ حَرَكَةِ السِّينِ إلَيْها؛ وهي لُغَةُ بَعْضِ بَنِي قَيْسٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ فِيهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: وما أحْسَنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا. ولِاسْتِقْلالِهِ بِمَعْنى التَّعَجُّبِ: وحَسُنَ بِسُكُونِ السِّينِ. يَقُولُ المُتَعَجِّبُ. وحَسُنَ الوَجْهُ وجْهُكَ بِالفَتْحِ والضَّمِّ مَعَ التَّسْكِينِ، انْتَهى كَلامُهُ. وهو تَخْلِيطُ وتَرْكِيبُ مَذْهَبٍ عَلى مَذْهَبٍ. فَنَقُولُ: اخْتَلَفُوا في فِعْلٍ المُرادُ بِهِ المَدْحُ والذَّمُّ؛ فَذَهَبَ الفارِسِيُّ وأكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ إلى جَوازِ إلْحاقِهِ بِبابِ نِعْمَ وبِئْسَ فَقَطْ، فَلا يَكُونُ فاعِلًا إلّا بِما يَكُونُ فاعِلًا لَهُما. وذَهَبَ الأخْفَشُ والمُبَرِّدُ إلى جَوازِ إلْحاقِهِ بِبابِ نِعْمَ وبِئْسَ؛ فَيُجْعَلُ فاعِلُها كَفاعِلِهِما؛ وذَلِكَ إذا لَمْ يَدْخُلْهُ مَعْنى التَّعَجُّبِ. وإلى جَوازِ إلْحاقِهِ بِفِعْلِ التَّعَجُّبِ فَلا يَجْرِي مَجْرى نِعْمَ وبِئْسَ في الفاعِلِ، ولا في بَقِيَّةِ أحْكامِهِما؛ بَلْ يَكُونُ فاعِلُهُ ما يَكُونُ مَفْعُولًا لِفِعْلِ التَّعَجُّبِ؛ فَيَقُولُ: لَضَرَبْتُ يَدَكَ، ولَضَرَبْتُ اليَدَ. والكَلامُ عَلى هَذَيْنِ المَذْهَبَيْنِ - تَصْحِيحًا وإبْطالًا - مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. والزَّمَخْشَرِيُّ لَمْ يَتَّبِعْ واحِدًا مِن هَذَيْنِ المَذْهَبَيْنِ، بَلْ خَلَّطَ ورَكَّبَ، فَأخَذَ التَّعَجُّبَ مِن مَذْهَبِ الأخْفَشِ، وأخَذَ التَّمْثِيلَ بِقَوْلِهِ: وحَسُنَ الوَجْهُ وجْهُكَ، وحَسُنَ الوَجْهُ وجْهُكَ مِن مَذْهَبِ الفارِسِيِّ. وأمّا قَوْلُهُ: ولِاسْتِقْلالِهِ بِمَعْنى التَّعَجُّبِ، قُرِئَ: وحُسْنٌ بِسُكُونِ السِّينِ، وذَكَرَ أنَّ المُتَعَجِّبَ يَقُولُ: وحَسُنَ وحُسْنٌ، فَهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ الفَرّاءَ ذَكَرَ أنَّ تِلْكَ لُغاتٌ لِلْعَرَبِ؛ فَلا يَكُونُ التَّسْكِينُ، ولا هو والنَّقْلُ جُلَّ التَّعَجُّبِ.
﴿ذَلِكَ الفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الإشارَةَ إلى كَيْنُونَةِ المُطِيعِ مِنَ النَّبِيِّينَ، ومَن عُطِفَ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ هو المَحْكُومُ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ﴾، وكَأنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالٍ؛ أيْ وما المُوجِبُ لَهُمُ اسْتِواؤُهم مَعَ النَّبِيِّينَ في الآخِرَةِ، مَعَ أنَّ الفَرْقَ بَيْنَهم في الدُّنْيا بَيِّنٌ ؟ فَذَكَرَ أنَّ ذَلِكَ بِفَضْلِهِ، لا بِوُجُوبٍ عَلَيْهِ. ومَعَ اسْتِوائِهِمْ مَعَهم في الجَنَّةِ فَهم مُتَبايِنُونَ في المَنازِلِ.
وقِيلَ: الإشارَةُ إلى الثَّوابِ في قَوْلِهِ أجْرًا عَظِيمًا. وقِيلَ: إلى الطّاعَةِ. وقِيلَ: إلى المُرافَقَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ ما أُعْطِيَ المُطِيعُونَ مِنَ الأجْرِ العَظِيمِ ومُرافَقَةِ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ تَفَضَّلَ بِهِ عَلَيْهِمْ تَبَعًا لِثَوابِهِمْ، و(ذَلِكَ) مُبْتَدَأٌ و(الفَضْلُ) خَبَرُهُ، و(مِنَ اللَّهِ) حالٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (الفَضْلُ) صِفَةً، والخَبَرُ مِنَ اللَّهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونا خَبَرَيْنِ عَلى مَذْهَبِ مَن يُجِيزُ ذَلِكَ.
﴿وكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ لَمّا ذَكَرَ الطّاعَةَ وذَكَرَ جَزاءَ مَن يُطِيعُ أتى بِصِفَةِ العِلْمِ الَّتِي تَتَضَمَّنُ (p-٢٩٠)الجَزاءَ أيْ: وكَفى بِهِ مُجازِيًا لِمَن أطاعَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فِيهِ مَعْنى أنْ تَقُولَ: فَشَمِلُوا فِعْلَ اللَّهِ وتَفَضُّلَهُ مِن الِاعْتِراضِ عَلَيْهِ، واكْتَفَوْا بِعِلْمِهِ في ذَلِكَ وغَيْرِهِ؛ ولِذَلِكَ دَخَلَتِ الباءُ عَلى اسْمِ اللَّهِ تَعالى لِتَدُلَّ عَلى الأمْرِ الَّذِي في قَوْلِهِ: وكَفى، انْتَهى. وقَدْ بَيَّنّا فَسادَ قَوْلِ مَن يَدَّعِي أنَّ قَوْلَكَ: كَفى بِزَيْدٍ مَعْناهُ اكْتَفِ بِزَيْدٍ عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا بِجَزاءِ مَن أطاعَهُ. أوْ أرادَ فَصْلَ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ، ومَزِيَّتَهم مِنَ اللَّهِ؛ لِأنَّهُمُ اكْتَسَبُوهُ بِتَمْكِينِهِ وتَوْفِيقِهِ، وكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا بِعِبادِهِ؛ فَهو يُوَفِّقُهم عَلى حَسَبِ أحْوالِهِمْ، انْتَهى. وهي ألْفاظُ المُعْتَزِلَةِ.
النساء 4:68
﴿وإذًا لَآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا ولَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإذًا جَوابٌ لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ، وماذا يَكُونُ لَهم أيْضًا بَعْدَ التَّثْبِيتِ ؟ فَقِيلَ، وإذًا لَوْ ثَبَتُوا لَأتَيْناهم؛ لِأنَّ (إذًا) جَوابٌ، وجَزاءٌ، انْتَهى. وظاهِرُ قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ:؛ لِأنَّ (إذًا) جَوابٌ، وجَزاءٌ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّها تَكُونُ لِلْمَعْنَيَيْنِ في حالٍ واحِدٍ عَلى كُلِّ حالٍ، وهَذِهِ مَسْألَةُ خِلافٍ. ذَهَبَ الفارِسِيُّ إلى أنَّها قَدْ تَكُونُ جَوابًا فَقَطْ في مَوْضِعٍ، وجَوابًا، وجَزاءً في مَوْضِعِ نَفْيٍ، مِثْلَ: إذًا أظُنُّكَ صادِقًا لِمَن قالَ: أزُورُكَ، هي جَوابُ خاصَّةٍ. وفي مِثْلِ: إذًا أُكْرِمَكَ لِمَن قالَ: أزُورُكَ، هي جَوابٌ، وجَزاءٌ. وذَهَبَ الأُسْتاذُ أبُو عَلِيٍّ إلى أنَّها تَتَقَدَّرُ بِالجَوابِ والجَزاءِ في كُلِّ مَوْضِعٍ وُقُوفًا مَعَ ظاهِرِ كَلامِ سِيبَوَيْهِ. والصَّحِيحُ قَوْلُ الفارِسِيِّ، وهي مَسْألَةٌ يُبْحَثُ عَنْها في عِلْمِ النَّحْوِ.
والأجْرُ كِنايَةٌ عَنِ الثَّوابِ عَلى الطّاعَةِ، ووَصْفُهُ بِالعِظَمِ بِاعْتِبارِ الكَثْرَةِ، أوْ بِاعْتِبارِ الشَّرَفِ. والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ هو الإيمانُ المُؤَدِّي إلى الجَنَّةِ؛ قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقِيلَ هو الطَّرِيقُ إلى الجَنَّةِ. وقِيلَ الأعْمالُ الصّالِحَةُ. ولَمّا فَسَّرَ ابْنُ عَطِيَّةَ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ بِالإيمانِ قالَ: وجاءَ تَرْتِيبُ هَذِهِ الآيَةِ كَذا. ومَعْلُومٌ أنَّ الهِدايَةَ قَبْلَ إعْطاءِ الأجْرِ؛ لِأنَّ المَقْصِدَ إنَّما هو تَعْدِيدُ ما كانَ اللَّهُ يُنْعِمُ بِهِ عَلَيْهِمْ دُونَ تَرْتِيبٍ؛ فالمَعْنى: وكَهَدَيْناهم قَبْلُ حَتّى يَكُونُوا مِمَّنْ يُؤْتى الأجْرَ، انْتَهى. وأمّا إذا فُسِّرَتِ الهِدايَةُ إلى الصِّراطِ هُنا بِأنَّهُ طَرِيقُ الجَنَّةِ، أوِ الأعْمالُ الصّالِحَةُ، فَإنَّهُ يُظْهِرُ التَّرْتِيبَ.
﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: «نَزَلَتْ في ثَوْبانِ مَوْلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكانَ شَدِيدَ الحُبِّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأتى ذاتَ يَوْمٍ، وقَدْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، ونَحَلَ جِسْمُهُ فَقالَ: يا ثَوْبانُ ما غَيَّرَ لَوْنَكَ ؟ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما بِي مَرَضٌ، ولا وجَعٌ، غَيْرَ أنِّي إذا لَمْ أرَكَ اشْتَقْتُ إلَيْكَ، واسْتَوْحَشْتُ، وحْشَةً شَدِيدَةً حَتّى ألْقاكَ ثُمَّ ذَكَرْتُ الآخِرَةَ فَأخافُ أنْ لا أراكَ هُناكَ لِأنِّي أعْرِفُ أنَّكَ تُرْفَعُ مَعَ النَّبِيِّينَ، وإنِّي وإنْ كُنْتُ أدْخُلُ الجَنَّةَ كُنْتُ في مَنزِلٍ أدْنى مِن مَنزِلِكَ، وإنْ لَمْ أدْخُلِ الجَنَّةَ فَذَلِكَ حِينَ لا أراكَ أبَدًا» . انْتَهى قَوْلُ الكَلْبِيِّ. وحُكِيَ مِثْلُ قَوْلِ ثَوْبانِ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ مِنهم: «عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ الأنْصارِيُّ، وهو الَّذِي أُرِيَ الأذانَ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إذا مُتَّ ومُتْنا، كُنْتَ في عِلِّيِّينَ فَلا نَراكَ ولا نَجْتَمِعُ بِكَ، وذَكَرَ حُزْنَهُ عَلى ذَلِكَ؛ فَنَزَلَتْ» . وحَكى مَكِّيٌّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ هَذا أنَّهُ لَمّا ماتَ النَّبِيُّ ﷺ قالَ: اللَّهُمَّ أعْمِنِي حَتّى لا أرى شَيْئًا بَعْدَهُ، فَعَمِيَ. والمَعْنى في مَعَ النَّبِيِّينَ: إنَّهُ مَعَهم في دارٍ واحِدَةٍ، وكُلُّ مَن فِيها رُزِقَ الرِّضا بِحالِهِ، وهم بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مِن رُؤْيَةِ الآخَرِ، وإنْ بَعُدَ مَكانُهُ.
وقِيلَ المَعِيَّةُ هُنا كَوْنُهم يُرْفَعُونَ إلى مَنازِلِ الأنْبِياءِ مَتى شاءُوا تَكْرِمَةً لَهم، ثُمَّ يَعُودُونَ إلى مَنازِلِهِمْ. وقِيلَ: إنَّ الأنْبِياءَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءَ يَنْحَدِرُونَ إلى مَن أسْفَلَ مِنهم لِيَتَذاكَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ؛ ذَكَرَهُ المَهْدَوِيُّ في تَفْسِيرِهِ الكَبِيرِ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ تَنْبِيهٌ عَلى أمْرَيْنِ مِن أحْوالِ المَعادِ: الأوَّلُ: إشْراقُ الأرْواحِ بِأنْوارِ المَعْرِفَةِ. والثّانِي: كَوْنُهم مَعَ النَّبِيِّينَ. ولَيْسَ المُرادُ بِهَذِهِ المَعِيَّةِ في الدَّرَجَةِ، فَإنَّ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ، بَلْ مَعْناهُ: إنَّ الأرْواحَ النّاقِصَةَ إذا اسْتَكْمَلَتْ عَلائِقَها مَعَ الأرْواحِ الكامِلَةِ في الدُّنْيا بَقِيَتْ بَعْدَ المُفارَقَةِ تِلْكَ العَلائِقُ؛ فَيَنْعَكِسُ الشُّعاعُ مِن بَعْضِها عَلى بَعْضٍ، فَتَصِيرُ أنْوارُها في غايَةِ القُوَّةِ، فَهَذا ما خَطَرَ لِي. انْتَهى كَلامُهُ. وهو شَبِيهٌ بِما قالَتْهُ الفَلاسِفَةُ في الأرْواحِ إذا فارَقَتِ الأجْسادَ. وأهْلُ الإسْلامِ يَأْبَوْنَ هَذِهِ الألْفاظَ ومَدْلُولاتِها؛ ولَكِنْ مَن غَلَبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ (p-٢٨٧)وحُبُّهُ جَرى في كَلامِهِ.
وقَوْلُهُ: ”مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ“ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧]، وهم مَن ذُكِرَ في هَذِهِ الآيَةِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: مِنَ النَّبِيِّينَ تَفْسِيرٌ لِلَّذِينِ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. فَكَأنَّهُ قِيلَ مَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ مِنكم ألْحَقَهُ اللَّهُ بِالَّذِينِ تَقَدَّمَهم مِمَّنْ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ. قالَ الرّاغِبُ: مِمَّنْ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ مِنَ الفِرَقِ الأرْبَعِ في المَنزِلَةِ والثَّوابِ: النَّبِيُّ بِالنَّبِيِّ والصِّدِّيقُ بِالصِّدِّيقِ والشَّهِيدُ بِالشَّهِيدُ والصّالِحُ بِالصّالِحِ. وأجازَ الرّاغِبُ أنْ يَتَعَلَّقَ ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ﴾؛ أيْ مِنَ النَّبِيِّينَ، ومَن بَعْدَهم، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ إشارَةً إلى المَلَأِ الأعْلى. ثُمَّ قالَ: ﴿وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾، ويُبَيِّنُ ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ حِينَ المَوْتِ (اللَّهُمَّ ألْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ الأعْلى)، وهَذا ظاهِرٌ، انْتَهى. وهَذا الوَجْهُ الَّذِي هو عِنْدَهُ ظاهِرٌ فاسِدٌ مِن جِهَةِ المَعْنى، ومِن جِهَةِ النَّحْوِ أمّا مِن جِهَةِ المَعْنى فَإنَّ الرَّسُولَ هُنا هو مُحَمَّدٌ ﷺ؛ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّ مَن يُطِيعُهُ، ويُطِيعُ رَسُولَهُ فَهو مَعَ مَن ذَكَرَ، ولَوْ كانَ ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ مُعَلَّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ﴾؛ لَكانَ قَوْلُهُ: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ تَفْسِيرًا لِمَن في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يُطِعِ﴾ . فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ في زَمانِ الرَّسُولِ أوْ بَعْدَهُ أنْبِياءُ يُطِيعُونَهُ، وهَذا غَيْرُ مُمْكِنٍ؛ لِأنَّهُ قَدْ أخْبَرَ تَعالى أنَّ مُحَمَّدًا هو خاتَمُ النَّبِيِّينَ. وقالَ هو: «لا نَبِيَّ بَعْدِي» . وأمّا مِن جِهَةِ النَّحْوِ فَما قَبْلَ فاءِ الجَزاءِ لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَها، لَوْ قُلْتَ: إنْ تَقُمْ هِنْدٌ فَعَمْرٌو ذاهِبٌ ضاحِكَةً، لَمْ يَجُزْ.
واخْتَلَفُوا في الأوْصافِ الثَّلاثَةِ الَّتِي بَعْدَ النَّبِيِّينَ؛ فَقالَ بَعْضُهم: كُلُّها أوْصافٌ لِمَوْصُوفٍ واحِدٍ، وهي صِفاتٌ مُتَداخِلَةٌ، فَإنَّهُ لا يَمْتَنِعُ في الشَّخْصِ الواحِدِ أنْ يَكُونَ صِدِّيقًا وشَهِيدًا وصالِحًا. وقِيلَ المُرادُ بِكُلِّ وصْفِ صِنْفٌ مِنَ النّاسِ. فَأمّا الصِّدِّيقُ فَهو فِعِّيلٌ لِلْمُبالَغَةِ كَشِرِّيبٍ؛ فَقِيلَ هو الكَثِيرُ الصِّدْقِ، وقِيلَ هو الكَثِيرُ الصَّدَقَةِ. ولِلْمُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ كُلَّ مَن صَدَّقَ بِكُلِّ الَّذِي لا يَتَخالَجُهُ فِيهِ شَكٌّ فَهو صِدِّيقٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ [الحديد: ١٩] . الثّانِي: أفاضِلُ أصْحابِ الرَّسُولِ. الثّالِثُ: السّابِقُ إلى تَصْدِيقِ الرَّسُولِ. فَصارَ في ذَلِكَ قُدْوَةً لِسائِرِ النّاسِ. وأمّا الشَّهِيدُ: فَهو المَقْتُولُ في سَبِيلِ اللَّهِ؛ المَخْصُوصُ بِفَضْلِ المَيْتَةِ. وفَرَّقَ الشَّرْعُ حُكْمَهم في تَرْكِ الغُسْلِ والصَّلاةِ؛ لِأنَّهم أكْرَمُ مِن أنْ يُشَفَّعَ فِيهِمْ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في كَوْنِهِمْ سُمُّوا شُهَداءَ، ولَكِنَّ لَفْظَ الشُّهَداءِ في الآيَةِ يَعُمُّ أنْواعَ الشُّهَداءِ الَّذِينَ ذَكَرَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الشَّهادَةُ مُفَسَّرَةً بِكَوْنِ الإنْسانِ مَقْتُولَ الكافِرِ؛ بَلْ نَقُولُ: الشَّهِيدُ فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، وهو الَّذِي يَشْهَدُ لِدِينِ اللَّهِ تارَةً بِالحُجَّةِ بِالبَيانِ، وتارَةً بِالسَّيْفِ والسِّنانِ. فالشُّهَداءُ هُمُ القائِمُونَ بِالقِسْطِ وهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ في قَوْلِهِ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] . والصّالِحُ: هو الَّذِي يَكُونُ صالِحًا في اعْتِقادِهِ، وعَمَلِهِ. وجاءَ هَذا التَّرْكِيبُ عَلى هَذا القَوْلِ عَلى حَسَبِ التَّنَزُّلِ مِنَ الأعْلى إلى الأدْنى، إلى أدْنى مِنهُ. وفي هَذا التَّرْغِيبُ لِلْمُؤْمِنِينَ في طاعَةِ اللَّهِ، وطاعَةِ رَسُولِهِ حَيْثُ وُعِدُوا بِمُرافَقَةِ أقْرَبِ عِبادِ اللَّهِ إلى اللَّهِ، وأرْفَعِهِمْ دَرَجاتٍ عِنْدَهُ.
وقالَ الرّاغِبُ: قَسَّمَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ في هَذِهِ الآيَةِ أرْبَعَةَ أقْسامٍ، وجَعَلَ لَهم أرْبَعَةَ مَنازِلَ بَعْضُها دُونَ بَعْضٍ، وحَثَّ كافَّةَ النّاسِ أنْ يَتَأخَّرُوا عَنْ مَنزِلٍ واحِدٍ مِنهم؛ الأوَّلُ: الأنْبِياءُ الَّذِينَ تُمِدُّهم قُوَّةُ الإلَهِيَّةِ، ومَثَلُهم كَمَن يَرى الشَّيْءَ عِيانًا مِن قَرِيبٍ. ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿أفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى﴾ [النجم: ١٢] . الثّانِي: الصِّدِّيقُونَ؛ وهُمُ الَّذِينَ يُزاحِمُونَ الأنْبِياءَ في المَعْرِفَةِ، ومَثَلُهم كَمَن يَرى الشَّيْءَ عِيانًا مِن بَعِيدٍ، وإيّاهُ عَنى أمِيرُ المُؤْمِنِينَ حِينَ قِيلَ لَهُ: هَلْ رَأيْتَ اللَّهَ ؟ فَقالَ: ما كُنْتُ عَبْدَ شَيْءٍ لَمْ أرَهُ. ثُمَّ قالَ: " لَمْ تَرَهُ العُيُونُ بِشَواهِدِ الأبْصارِ؛ ولَكِنْ رَأتْهُ القُلُوبُ بِحَقائِقِ الإيمانِ. الثّالِثُ: الشُّهَداءُ، وهُمُ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ الشَّيْءَ (p-٢٨٨)بِالبَراهِينِ. ومَثَلُهم كَمَن يَرى الشَّيْءَ في المِرْآةِ مِن مَكانٍ قَرِيبٍ كَحالِ حارِثَةَ، حَيْثُ قالَ: كَأنِّي أنْظُرُ إلى عَرْشِ رَبِّي، وإيّاهُ قَصَدَ النَّبِيُّ ﷺ حَيْثُ قالَ: «اعْبُدِ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ» . الرّابِعُ: الصّالِحُونَ، وهُمُ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ الشَّيْءَ بِاتِّباعاتِ وتَقْلِيداتِ الرّاسِخِينَ في العِلْمِ، ومَثَلُهم كَمَن يَرى الشَّيْءَ مِن بَعِيدٍ في مِرْآةٍ. وإيّاهُ قَصَدَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: «اعْبُدِ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ»، انْتَهى كَلامُهُ. وهو شَبِيهٌ بِكَلامِ المُتَصَوِّفَةِ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: النَّبِيُّونَ مُحَمَّدٌ والصِّدِّيقُونَ أبُو بَكْرٍ والشُّهَداءُ عُمَرُ، وعُثْمانُ، وعَلِيٌّ والصّالِحُونَ صالِحُو أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، انْتَهى. ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ التَّمْثِيلِ، وأمّا عَلى طَرِيقِ الحَصْرِ فَلا، ولا يُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ: ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ ظاهِرُ اللَّفْظِ مِنَ الِاكْتِفاءِ بِالطّاعَةِ الواحِدَةِ إذِ اللَّفْظُ الدّالُّ عَلى الصِّفَةِ يَكْفِي في العَمَلِ في جانِبِ الثُّبُوتِ حُصُولَ ذَلِكَ المُسَمّى مَرَّةً واحِدَةً لِدُخُولِ المُنافِقِينَ فِيهِ؛ لِأنَّهم قَدْ يَأْتُونَ بِالطّاعَةِ الواحِدَةِ، بَلْ يُحْمَلُ عَلى غَيْرِ الظّاهِرِ بِأنْ تُحْمَلَ الطّاعَةُ عَلى فِعْلِ جَمِيعِ المَأْمُوراتِ، وتَرْكِ جَمِيعِ المَنهِيّاتِ.
﴿وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ أُولَئِكَ: إشارَةٌ إلى النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ. لَمْ يَكْتَفِ بِالمَعِيَّةِ حَتّى جَعَلَهم رُفَقاءَ لَهم، فالمُطِيعُ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ يُوافِقُونَهُ، ويَصْحَبُونَهُ والرَّفِيقُ الصّاحِبُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِلِارْتِفاقِ بِهِ. وعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ رَفِيقًا عَلى الحالِ مِن أُولَئِكَ، أوْ عَلى التَّمْيِيزِ. وإذا انْتَصَبَ عَلى التَّمْيِيزِ فَيُحْتَمَلُ أنْ لا يَكُونَ مَنقُولًا؛ فَيَجُوزُ دُخُولُ مِن عَلَيْهِ، ويَكُونُ هو المُمَيَّزَ. وجاءَ مُفْرَدًا إمّا لِأنَّ الرَّفِيقَ مِثْلَ الخَلِيطِ والصَّدِيقِ يَكُونُ لِلْمُفْرَدِ والمُثَنّى والمَجْمُوعِ بِلَفْظٍ واحِدٍ. وإمّا لِإطْلاقِ المُفْرَدِ في بابِ التَّمْيِيزِ اكْتِفاءً، ويُرادُ بِهِ الجَمْعُ، ويُحَسِّنُ ذَلِكَ هُنا كَوْنُهُ فاصِلَةً. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَنقُولًا مِنَ الفاعِلِ، فَلا يَكُونُ هو المُمَيَّزَ، والتَّقْدِيرُ: وحَسُنَ رَفِيقُ أُولَئِكَ، فَلا تَدْخُلُ عَلَيْهِ (مِن)، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُولَئِكَ إشارَةً إلى مَن (p-٢٨٩)يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ، وجُمِعَ عَلى مَعْنى مِن، ويَجُوزُ في انْتِصابِ ﴿رَفِيقًا﴾ الأوْجُهُ السّابِقَةُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: وحَسُنَ بِضَمِّ السِّينِ، وهي الأصْلُ، ولُغَةُ الحِجازِ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: وحَسْنَ بِسُكُونِ السِّينِ، وهي لُغَةُ تَمِيمَ. ويَجُوزُ: وحُسْنٌ بِسُكُونِ السِّينِ، وضَمِّ الحاءِ عَلى تَقْدِيرِ نَقْلِ حَرَكَةِ السِّينِ إلَيْها؛ وهي لُغَةُ بَعْضِ بَنِي قَيْسٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ فِيهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: وما أحْسَنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا. ولِاسْتِقْلالِهِ بِمَعْنى التَّعَجُّبِ: وحَسُنَ بِسُكُونِ السِّينِ. يَقُولُ المُتَعَجِّبُ. وحَسُنَ الوَجْهُ وجْهُكَ بِالفَتْحِ والضَّمِّ مَعَ التَّسْكِينِ، انْتَهى كَلامُهُ. وهو تَخْلِيطُ وتَرْكِيبُ مَذْهَبٍ عَلى مَذْهَبٍ. فَنَقُولُ: اخْتَلَفُوا في فِعْلٍ المُرادُ بِهِ المَدْحُ والذَّمُّ؛ فَذَهَبَ الفارِسِيُّ وأكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ إلى جَوازِ إلْحاقِهِ بِبابِ نِعْمَ وبِئْسَ فَقَطْ، فَلا يَكُونُ فاعِلًا إلّا بِما يَكُونُ فاعِلًا لَهُما. وذَهَبَ الأخْفَشُ والمُبَرِّدُ إلى جَوازِ إلْحاقِهِ بِبابِ نِعْمَ وبِئْسَ؛ فَيُجْعَلُ فاعِلُها كَفاعِلِهِما؛ وذَلِكَ إذا لَمْ يَدْخُلْهُ مَعْنى التَّعَجُّبِ. وإلى جَوازِ إلْحاقِهِ بِفِعْلِ التَّعَجُّبِ فَلا يَجْرِي مَجْرى نِعْمَ وبِئْسَ في الفاعِلِ، ولا في بَقِيَّةِ أحْكامِهِما؛ بَلْ يَكُونُ فاعِلُهُ ما يَكُونُ مَفْعُولًا لِفِعْلِ التَّعَجُّبِ؛ فَيَقُولُ: لَضَرَبْتُ يَدَكَ، ولَضَرَبْتُ اليَدَ. والكَلامُ عَلى هَذَيْنِ المَذْهَبَيْنِ - تَصْحِيحًا وإبْطالًا - مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. والزَّمَخْشَرِيُّ لَمْ يَتَّبِعْ واحِدًا مِن هَذَيْنِ المَذْهَبَيْنِ، بَلْ خَلَّطَ ورَكَّبَ، فَأخَذَ التَّعَجُّبَ مِن مَذْهَبِ الأخْفَشِ، وأخَذَ التَّمْثِيلَ بِقَوْلِهِ: وحَسُنَ الوَجْهُ وجْهُكَ، وحَسُنَ الوَجْهُ وجْهُكَ مِن مَذْهَبِ الفارِسِيِّ. وأمّا قَوْلُهُ: ولِاسْتِقْلالِهِ بِمَعْنى التَّعَجُّبِ، قُرِئَ: وحُسْنٌ بِسُكُونِ السِّينِ، وذَكَرَ أنَّ المُتَعَجِّبَ يَقُولُ: وحَسُنَ وحُسْنٌ، فَهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ الفَرّاءَ ذَكَرَ أنَّ تِلْكَ لُغاتٌ لِلْعَرَبِ؛ فَلا يَكُونُ التَّسْكِينُ، ولا هو والنَّقْلُ جُلَّ التَّعَجُّبِ.
﴿ذَلِكَ الفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الإشارَةَ إلى كَيْنُونَةِ المُطِيعِ مِنَ النَّبِيِّينَ، ومَن عُطِفَ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ هو المَحْكُومُ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ﴾، وكَأنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالٍ؛ أيْ وما المُوجِبُ لَهُمُ اسْتِواؤُهم مَعَ النَّبِيِّينَ في الآخِرَةِ، مَعَ أنَّ الفَرْقَ بَيْنَهم في الدُّنْيا بَيِّنٌ ؟ فَذَكَرَ أنَّ ذَلِكَ بِفَضْلِهِ، لا بِوُجُوبٍ عَلَيْهِ. ومَعَ اسْتِوائِهِمْ مَعَهم في الجَنَّةِ فَهم مُتَبايِنُونَ في المَنازِلِ.
وقِيلَ: الإشارَةُ إلى الثَّوابِ في قَوْلِهِ أجْرًا عَظِيمًا. وقِيلَ: إلى الطّاعَةِ. وقِيلَ: إلى المُرافَقَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ ما أُعْطِيَ المُطِيعُونَ مِنَ الأجْرِ العَظِيمِ ومُرافَقَةِ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ تَفَضَّلَ بِهِ عَلَيْهِمْ تَبَعًا لِثَوابِهِمْ، و(ذَلِكَ) مُبْتَدَأٌ و(الفَضْلُ) خَبَرُهُ، و(مِنَ اللَّهِ) حالٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (الفَضْلُ) صِفَةً، والخَبَرُ مِنَ اللَّهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونا خَبَرَيْنِ عَلى مَذْهَبِ مَن يُجِيزُ ذَلِكَ.
﴿وكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ لَمّا ذَكَرَ الطّاعَةَ وذَكَرَ جَزاءَ مَن يُطِيعُ أتى بِصِفَةِ العِلْمِ الَّتِي تَتَضَمَّنُ (p-٢٩٠)الجَزاءَ أيْ: وكَفى بِهِ مُجازِيًا لِمَن أطاعَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فِيهِ مَعْنى أنْ تَقُولَ: فَشَمِلُوا فِعْلَ اللَّهِ وتَفَضُّلَهُ مِن الِاعْتِراضِ عَلَيْهِ، واكْتَفَوْا بِعِلْمِهِ في ذَلِكَ وغَيْرِهِ؛ ولِذَلِكَ دَخَلَتِ الباءُ عَلى اسْمِ اللَّهِ تَعالى لِتَدُلَّ عَلى الأمْرِ الَّذِي في قَوْلِهِ: وكَفى، انْتَهى. وقَدْ بَيَّنّا فَسادَ قَوْلِ مَن يَدَّعِي أنَّ قَوْلَكَ: كَفى بِزَيْدٍ مَعْناهُ اكْتَفِ بِزَيْدٍ عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا بِجَزاءِ مَن أطاعَهُ. أوْ أرادَ فَصْلَ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ، ومَزِيَّتَهم مِنَ اللَّهِ؛ لِأنَّهُمُ اكْتَسَبُوهُ بِتَمْكِينِهِ وتَوْفِيقِهِ، وكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا بِعِبادِهِ؛ فَهو يُوَفِّقُهم عَلى حَسَبِ أحْوالِهِمْ، انْتَهى. وهي ألْفاظُ المُعْتَزِلَةِ.
النساء 4:69
﴿وإذًا لَآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا ولَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإذًا جَوابٌ لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ، وماذا يَكُونُ لَهم أيْضًا بَعْدَ التَّثْبِيتِ ؟ فَقِيلَ، وإذًا لَوْ ثَبَتُوا لَأتَيْناهم؛ لِأنَّ (إذًا) جَوابٌ، وجَزاءٌ، انْتَهى. وظاهِرُ قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ:؛ لِأنَّ (إذًا) جَوابٌ، وجَزاءٌ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّها تَكُونُ لِلْمَعْنَيَيْنِ في حالٍ واحِدٍ عَلى كُلِّ حالٍ، وهَذِهِ مَسْألَةُ خِلافٍ. ذَهَبَ الفارِسِيُّ إلى أنَّها قَدْ تَكُونُ جَوابًا فَقَطْ في مَوْضِعٍ، وجَوابًا، وجَزاءً في مَوْضِعِ نَفْيٍ، مِثْلَ: إذًا أظُنُّكَ صادِقًا لِمَن قالَ: أزُورُكَ، هي جَوابُ خاصَّةٍ. وفي مِثْلِ: إذًا أُكْرِمَكَ لِمَن قالَ: أزُورُكَ، هي جَوابٌ، وجَزاءٌ. وذَهَبَ الأُسْتاذُ أبُو عَلِيٍّ إلى أنَّها تَتَقَدَّرُ بِالجَوابِ والجَزاءِ في كُلِّ مَوْضِعٍ وُقُوفًا مَعَ ظاهِرِ كَلامِ سِيبَوَيْهِ. والصَّحِيحُ قَوْلُ الفارِسِيِّ، وهي مَسْألَةٌ يُبْحَثُ عَنْها في عِلْمِ النَّحْوِ.
والأجْرُ كِنايَةٌ عَنِ الثَّوابِ عَلى الطّاعَةِ، ووَصْفُهُ بِالعِظَمِ بِاعْتِبارِ الكَثْرَةِ، أوْ بِاعْتِبارِ الشَّرَفِ. والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ هو الإيمانُ المُؤَدِّي إلى الجَنَّةِ؛ قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقِيلَ هو الطَّرِيقُ إلى الجَنَّةِ. وقِيلَ الأعْمالُ الصّالِحَةُ. ولَمّا فَسَّرَ ابْنُ عَطِيَّةَ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ بِالإيمانِ قالَ: وجاءَ تَرْتِيبُ هَذِهِ الآيَةِ كَذا. ومَعْلُومٌ أنَّ الهِدايَةَ قَبْلَ إعْطاءِ الأجْرِ؛ لِأنَّ المَقْصِدَ إنَّما هو تَعْدِيدُ ما كانَ اللَّهُ يُنْعِمُ بِهِ عَلَيْهِمْ دُونَ تَرْتِيبٍ؛ فالمَعْنى: وكَهَدَيْناهم قَبْلُ حَتّى يَكُونُوا مِمَّنْ يُؤْتى الأجْرَ، انْتَهى. وأمّا إذا فُسِّرَتِ الهِدايَةُ إلى الصِّراطِ هُنا بِأنَّهُ طَرِيقُ الجَنَّةِ، أوِ الأعْمالُ الصّالِحَةُ، فَإنَّهُ يُظْهِرُ التَّرْتِيبَ.
﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: «نَزَلَتْ في ثَوْبانِ مَوْلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكانَ شَدِيدَ الحُبِّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأتى ذاتَ يَوْمٍ، وقَدْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، ونَحَلَ جِسْمُهُ فَقالَ: يا ثَوْبانُ ما غَيَّرَ لَوْنَكَ ؟ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما بِي مَرَضٌ، ولا وجَعٌ، غَيْرَ أنِّي إذا لَمْ أرَكَ اشْتَقْتُ إلَيْكَ، واسْتَوْحَشْتُ، وحْشَةً شَدِيدَةً حَتّى ألْقاكَ ثُمَّ ذَكَرْتُ الآخِرَةَ فَأخافُ أنْ لا أراكَ هُناكَ لِأنِّي أعْرِفُ أنَّكَ تُرْفَعُ مَعَ النَّبِيِّينَ، وإنِّي وإنْ كُنْتُ أدْخُلُ الجَنَّةَ كُنْتُ في مَنزِلٍ أدْنى مِن مَنزِلِكَ، وإنْ لَمْ أدْخُلِ الجَنَّةَ فَذَلِكَ حِينَ لا أراكَ أبَدًا» . انْتَهى قَوْلُ الكَلْبِيِّ. وحُكِيَ مِثْلُ قَوْلِ ثَوْبانِ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ مِنهم: «عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ الأنْصارِيُّ، وهو الَّذِي أُرِيَ الأذانَ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إذا مُتَّ ومُتْنا، كُنْتَ في عِلِّيِّينَ فَلا نَراكَ ولا نَجْتَمِعُ بِكَ، وذَكَرَ حُزْنَهُ عَلى ذَلِكَ؛ فَنَزَلَتْ» . وحَكى مَكِّيٌّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ هَذا أنَّهُ لَمّا ماتَ النَّبِيُّ ﷺ قالَ: اللَّهُمَّ أعْمِنِي حَتّى لا أرى شَيْئًا بَعْدَهُ، فَعَمِيَ. والمَعْنى في مَعَ النَّبِيِّينَ: إنَّهُ مَعَهم في دارٍ واحِدَةٍ، وكُلُّ مَن فِيها رُزِقَ الرِّضا بِحالِهِ، وهم بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مِن رُؤْيَةِ الآخَرِ، وإنْ بَعُدَ مَكانُهُ.
وقِيلَ المَعِيَّةُ هُنا كَوْنُهم يُرْفَعُونَ إلى مَنازِلِ الأنْبِياءِ مَتى شاءُوا تَكْرِمَةً لَهم، ثُمَّ يَعُودُونَ إلى مَنازِلِهِمْ. وقِيلَ: إنَّ الأنْبِياءَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءَ يَنْحَدِرُونَ إلى مَن أسْفَلَ مِنهم لِيَتَذاكَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ؛ ذَكَرَهُ المَهْدَوِيُّ في تَفْسِيرِهِ الكَبِيرِ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ تَنْبِيهٌ عَلى أمْرَيْنِ مِن أحْوالِ المَعادِ: الأوَّلُ: إشْراقُ الأرْواحِ بِأنْوارِ المَعْرِفَةِ. والثّانِي: كَوْنُهم مَعَ النَّبِيِّينَ. ولَيْسَ المُرادُ بِهَذِهِ المَعِيَّةِ في الدَّرَجَةِ، فَإنَّ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ، بَلْ مَعْناهُ: إنَّ الأرْواحَ النّاقِصَةَ إذا اسْتَكْمَلَتْ عَلائِقَها مَعَ الأرْواحِ الكامِلَةِ في الدُّنْيا بَقِيَتْ بَعْدَ المُفارَقَةِ تِلْكَ العَلائِقُ؛ فَيَنْعَكِسُ الشُّعاعُ مِن بَعْضِها عَلى بَعْضٍ، فَتَصِيرُ أنْوارُها في غايَةِ القُوَّةِ، فَهَذا ما خَطَرَ لِي. انْتَهى كَلامُهُ. وهو شَبِيهٌ بِما قالَتْهُ الفَلاسِفَةُ في الأرْواحِ إذا فارَقَتِ الأجْسادَ. وأهْلُ الإسْلامِ يَأْبَوْنَ هَذِهِ الألْفاظَ ومَدْلُولاتِها؛ ولَكِنْ مَن غَلَبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ (p-٢٨٧)وحُبُّهُ جَرى في كَلامِهِ.
وقَوْلُهُ: ”مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ“ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧]، وهم مَن ذُكِرَ في هَذِهِ الآيَةِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: مِنَ النَّبِيِّينَ تَفْسِيرٌ لِلَّذِينِ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. فَكَأنَّهُ قِيلَ مَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ مِنكم ألْحَقَهُ اللَّهُ بِالَّذِينِ تَقَدَّمَهم مِمَّنْ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ. قالَ الرّاغِبُ: مِمَّنْ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ مِنَ الفِرَقِ الأرْبَعِ في المَنزِلَةِ والثَّوابِ: النَّبِيُّ بِالنَّبِيِّ والصِّدِّيقُ بِالصِّدِّيقِ والشَّهِيدُ بِالشَّهِيدُ والصّالِحُ بِالصّالِحِ. وأجازَ الرّاغِبُ أنْ يَتَعَلَّقَ ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ﴾؛ أيْ مِنَ النَّبِيِّينَ، ومَن بَعْدَهم، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ إشارَةً إلى المَلَأِ الأعْلى. ثُمَّ قالَ: ﴿وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾، ويُبَيِّنُ ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ حِينَ المَوْتِ (اللَّهُمَّ ألْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ الأعْلى)، وهَذا ظاهِرٌ، انْتَهى. وهَذا الوَجْهُ الَّذِي هو عِنْدَهُ ظاهِرٌ فاسِدٌ مِن جِهَةِ المَعْنى، ومِن جِهَةِ النَّحْوِ أمّا مِن جِهَةِ المَعْنى فَإنَّ الرَّسُولَ هُنا هو مُحَمَّدٌ ﷺ؛ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّ مَن يُطِيعُهُ، ويُطِيعُ رَسُولَهُ فَهو مَعَ مَن ذَكَرَ، ولَوْ كانَ ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ مُعَلَّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ﴾؛ لَكانَ قَوْلُهُ: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ تَفْسِيرًا لِمَن في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يُطِعِ﴾ . فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ في زَمانِ الرَّسُولِ أوْ بَعْدَهُ أنْبِياءُ يُطِيعُونَهُ، وهَذا غَيْرُ مُمْكِنٍ؛ لِأنَّهُ قَدْ أخْبَرَ تَعالى أنَّ مُحَمَّدًا هو خاتَمُ النَّبِيِّينَ. وقالَ هو: «لا نَبِيَّ بَعْدِي» . وأمّا مِن جِهَةِ النَّحْوِ فَما قَبْلَ فاءِ الجَزاءِ لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَها، لَوْ قُلْتَ: إنْ تَقُمْ هِنْدٌ فَعَمْرٌو ذاهِبٌ ضاحِكَةً، لَمْ يَجُزْ.
واخْتَلَفُوا في الأوْصافِ الثَّلاثَةِ الَّتِي بَعْدَ النَّبِيِّينَ؛ فَقالَ بَعْضُهم: كُلُّها أوْصافٌ لِمَوْصُوفٍ واحِدٍ، وهي صِفاتٌ مُتَداخِلَةٌ، فَإنَّهُ لا يَمْتَنِعُ في الشَّخْصِ الواحِدِ أنْ يَكُونَ صِدِّيقًا وشَهِيدًا وصالِحًا. وقِيلَ المُرادُ بِكُلِّ وصْفِ صِنْفٌ مِنَ النّاسِ. فَأمّا الصِّدِّيقُ فَهو فِعِّيلٌ لِلْمُبالَغَةِ كَشِرِّيبٍ؛ فَقِيلَ هو الكَثِيرُ الصِّدْقِ، وقِيلَ هو الكَثِيرُ الصَّدَقَةِ. ولِلْمُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ كُلَّ مَن صَدَّقَ بِكُلِّ الَّذِي لا يَتَخالَجُهُ فِيهِ شَكٌّ فَهو صِدِّيقٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ [الحديد: ١٩] . الثّانِي: أفاضِلُ أصْحابِ الرَّسُولِ. الثّالِثُ: السّابِقُ إلى تَصْدِيقِ الرَّسُولِ. فَصارَ في ذَلِكَ قُدْوَةً لِسائِرِ النّاسِ. وأمّا الشَّهِيدُ: فَهو المَقْتُولُ في سَبِيلِ اللَّهِ؛ المَخْصُوصُ بِفَضْلِ المَيْتَةِ. وفَرَّقَ الشَّرْعُ حُكْمَهم في تَرْكِ الغُسْلِ والصَّلاةِ؛ لِأنَّهم أكْرَمُ مِن أنْ يُشَفَّعَ فِيهِمْ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في كَوْنِهِمْ سُمُّوا شُهَداءَ، ولَكِنَّ لَفْظَ الشُّهَداءِ في الآيَةِ يَعُمُّ أنْواعَ الشُّهَداءِ الَّذِينَ ذَكَرَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الشَّهادَةُ مُفَسَّرَةً بِكَوْنِ الإنْسانِ مَقْتُولَ الكافِرِ؛ بَلْ نَقُولُ: الشَّهِيدُ فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، وهو الَّذِي يَشْهَدُ لِدِينِ اللَّهِ تارَةً بِالحُجَّةِ بِالبَيانِ، وتارَةً بِالسَّيْفِ والسِّنانِ. فالشُّهَداءُ هُمُ القائِمُونَ بِالقِسْطِ وهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ في قَوْلِهِ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] . والصّالِحُ: هو الَّذِي يَكُونُ صالِحًا في اعْتِقادِهِ، وعَمَلِهِ. وجاءَ هَذا التَّرْكِيبُ عَلى هَذا القَوْلِ عَلى حَسَبِ التَّنَزُّلِ مِنَ الأعْلى إلى الأدْنى، إلى أدْنى مِنهُ. وفي هَذا التَّرْغِيبُ لِلْمُؤْمِنِينَ في طاعَةِ اللَّهِ، وطاعَةِ رَسُولِهِ حَيْثُ وُعِدُوا بِمُرافَقَةِ أقْرَبِ عِبادِ اللَّهِ إلى اللَّهِ، وأرْفَعِهِمْ دَرَجاتٍ عِنْدَهُ.
وقالَ الرّاغِبُ: قَسَّمَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ في هَذِهِ الآيَةِ أرْبَعَةَ أقْسامٍ، وجَعَلَ لَهم أرْبَعَةَ مَنازِلَ بَعْضُها دُونَ بَعْضٍ، وحَثَّ كافَّةَ النّاسِ أنْ يَتَأخَّرُوا عَنْ مَنزِلٍ واحِدٍ مِنهم؛ الأوَّلُ: الأنْبِياءُ الَّذِينَ تُمِدُّهم قُوَّةُ الإلَهِيَّةِ، ومَثَلُهم كَمَن يَرى الشَّيْءَ عِيانًا مِن قَرِيبٍ. ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿أفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى﴾ [النجم: ١٢] . الثّانِي: الصِّدِّيقُونَ؛ وهُمُ الَّذِينَ يُزاحِمُونَ الأنْبِياءَ في المَعْرِفَةِ، ومَثَلُهم كَمَن يَرى الشَّيْءَ عِيانًا مِن بَعِيدٍ، وإيّاهُ عَنى أمِيرُ المُؤْمِنِينَ حِينَ قِيلَ لَهُ: هَلْ رَأيْتَ اللَّهَ ؟ فَقالَ: ما كُنْتُ عَبْدَ شَيْءٍ لَمْ أرَهُ. ثُمَّ قالَ: " لَمْ تَرَهُ العُيُونُ بِشَواهِدِ الأبْصارِ؛ ولَكِنْ رَأتْهُ القُلُوبُ بِحَقائِقِ الإيمانِ. الثّالِثُ: الشُّهَداءُ، وهُمُ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ الشَّيْءَ (p-٢٨٨)بِالبَراهِينِ. ومَثَلُهم كَمَن يَرى الشَّيْءَ في المِرْآةِ مِن مَكانٍ قَرِيبٍ كَحالِ حارِثَةَ، حَيْثُ قالَ: كَأنِّي أنْظُرُ إلى عَرْشِ رَبِّي، وإيّاهُ قَصَدَ النَّبِيُّ ﷺ حَيْثُ قالَ: «اعْبُدِ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ» . الرّابِعُ: الصّالِحُونَ، وهُمُ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ الشَّيْءَ بِاتِّباعاتِ وتَقْلِيداتِ الرّاسِخِينَ في العِلْمِ، ومَثَلُهم كَمَن يَرى الشَّيْءَ مِن بَعِيدٍ في مِرْآةٍ. وإيّاهُ قَصَدَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: «اعْبُدِ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ»، انْتَهى كَلامُهُ. وهو شَبِيهٌ بِكَلامِ المُتَصَوِّفَةِ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: النَّبِيُّونَ مُحَمَّدٌ والصِّدِّيقُونَ أبُو بَكْرٍ والشُّهَداءُ عُمَرُ، وعُثْمانُ، وعَلِيٌّ والصّالِحُونَ صالِحُو أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، انْتَهى. ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ التَّمْثِيلِ، وأمّا عَلى طَرِيقِ الحَصْرِ فَلا، ولا يُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ: ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ ظاهِرُ اللَّفْظِ مِنَ الِاكْتِفاءِ بِالطّاعَةِ الواحِدَةِ إذِ اللَّفْظُ الدّالُّ عَلى الصِّفَةِ يَكْفِي في العَمَلِ في جانِبِ الثُّبُوتِ حُصُولَ ذَلِكَ المُسَمّى مَرَّةً واحِدَةً لِدُخُولِ المُنافِقِينَ فِيهِ؛ لِأنَّهم قَدْ يَأْتُونَ بِالطّاعَةِ الواحِدَةِ، بَلْ يُحْمَلُ عَلى غَيْرِ الظّاهِرِ بِأنْ تُحْمَلَ الطّاعَةُ عَلى فِعْلِ جَمِيعِ المَأْمُوراتِ، وتَرْكِ جَمِيعِ المَنهِيّاتِ.
﴿وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ أُولَئِكَ: إشارَةٌ إلى النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ. لَمْ يَكْتَفِ بِالمَعِيَّةِ حَتّى جَعَلَهم رُفَقاءَ لَهم، فالمُطِيعُ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ يُوافِقُونَهُ، ويَصْحَبُونَهُ والرَّفِيقُ الصّاحِبُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِلِارْتِفاقِ بِهِ. وعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ رَفِيقًا عَلى الحالِ مِن أُولَئِكَ، أوْ عَلى التَّمْيِيزِ. وإذا انْتَصَبَ عَلى التَّمْيِيزِ فَيُحْتَمَلُ أنْ لا يَكُونَ مَنقُولًا؛ فَيَجُوزُ دُخُولُ مِن عَلَيْهِ، ويَكُونُ هو المُمَيَّزَ. وجاءَ مُفْرَدًا إمّا لِأنَّ الرَّفِيقَ مِثْلَ الخَلِيطِ والصَّدِيقِ يَكُونُ لِلْمُفْرَدِ والمُثَنّى والمَجْمُوعِ بِلَفْظٍ واحِدٍ. وإمّا لِإطْلاقِ المُفْرَدِ في بابِ التَّمْيِيزِ اكْتِفاءً، ويُرادُ بِهِ الجَمْعُ، ويُحَسِّنُ ذَلِكَ هُنا كَوْنُهُ فاصِلَةً. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَنقُولًا مِنَ الفاعِلِ، فَلا يَكُونُ هو المُمَيَّزَ، والتَّقْدِيرُ: وحَسُنَ رَفِيقُ أُولَئِكَ، فَلا تَدْخُلُ عَلَيْهِ (مِن)، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُولَئِكَ إشارَةً إلى مَن (p-٢٨٩)يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ، وجُمِعَ عَلى مَعْنى مِن، ويَجُوزُ في انْتِصابِ ﴿رَفِيقًا﴾ الأوْجُهُ السّابِقَةُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: وحَسُنَ بِضَمِّ السِّينِ، وهي الأصْلُ، ولُغَةُ الحِجازِ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: وحَسْنَ بِسُكُونِ السِّينِ، وهي لُغَةُ تَمِيمَ. ويَجُوزُ: وحُسْنٌ بِسُكُونِ السِّينِ، وضَمِّ الحاءِ عَلى تَقْدِيرِ نَقْلِ حَرَكَةِ السِّينِ إلَيْها؛ وهي لُغَةُ بَعْضِ بَنِي قَيْسٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ فِيهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: وما أحْسَنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا. ولِاسْتِقْلالِهِ بِمَعْنى التَّعَجُّبِ: وحَسُنَ بِسُكُونِ السِّينِ. يَقُولُ المُتَعَجِّبُ. وحَسُنَ الوَجْهُ وجْهُكَ بِالفَتْحِ والضَّمِّ مَعَ التَّسْكِينِ، انْتَهى كَلامُهُ. وهو تَخْلِيطُ وتَرْكِيبُ مَذْهَبٍ عَلى مَذْهَبٍ. فَنَقُولُ: اخْتَلَفُوا في فِعْلٍ المُرادُ بِهِ المَدْحُ والذَّمُّ؛ فَذَهَبَ الفارِسِيُّ وأكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ إلى جَوازِ إلْحاقِهِ بِبابِ نِعْمَ وبِئْسَ فَقَطْ، فَلا يَكُونُ فاعِلًا إلّا بِما يَكُونُ فاعِلًا لَهُما. وذَهَبَ الأخْفَشُ والمُبَرِّدُ إلى جَوازِ إلْحاقِهِ بِبابِ نِعْمَ وبِئْسَ؛ فَيُجْعَلُ فاعِلُها كَفاعِلِهِما؛ وذَلِكَ إذا لَمْ يَدْخُلْهُ مَعْنى التَّعَجُّبِ. وإلى جَوازِ إلْحاقِهِ بِفِعْلِ التَّعَجُّبِ فَلا يَجْرِي مَجْرى نِعْمَ وبِئْسَ في الفاعِلِ، ولا في بَقِيَّةِ أحْكامِهِما؛ بَلْ يَكُونُ فاعِلُهُ ما يَكُونُ مَفْعُولًا لِفِعْلِ التَّعَجُّبِ؛ فَيَقُولُ: لَضَرَبْتُ يَدَكَ، ولَضَرَبْتُ اليَدَ. والكَلامُ عَلى هَذَيْنِ المَذْهَبَيْنِ - تَصْحِيحًا وإبْطالًا - مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. والزَّمَخْشَرِيُّ لَمْ يَتَّبِعْ واحِدًا مِن هَذَيْنِ المَذْهَبَيْنِ، بَلْ خَلَّطَ ورَكَّبَ، فَأخَذَ التَّعَجُّبَ مِن مَذْهَبِ الأخْفَشِ، وأخَذَ التَّمْثِيلَ بِقَوْلِهِ: وحَسُنَ الوَجْهُ وجْهُكَ، وحَسُنَ الوَجْهُ وجْهُكَ مِن مَذْهَبِ الفارِسِيِّ. وأمّا قَوْلُهُ: ولِاسْتِقْلالِهِ بِمَعْنى التَّعَجُّبِ، قُرِئَ: وحُسْنٌ بِسُكُونِ السِّينِ، وذَكَرَ أنَّ المُتَعَجِّبَ يَقُولُ: وحَسُنَ وحُسْنٌ، فَهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ الفَرّاءَ ذَكَرَ أنَّ تِلْكَ لُغاتٌ لِلْعَرَبِ؛ فَلا يَكُونُ التَّسْكِينُ، ولا هو والنَّقْلُ جُلَّ التَّعَجُّبِ.
﴿ذَلِكَ الفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الإشارَةَ إلى كَيْنُونَةِ المُطِيعِ مِنَ النَّبِيِّينَ، ومَن عُطِفَ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ هو المَحْكُومُ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ﴾، وكَأنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالٍ؛ أيْ وما المُوجِبُ لَهُمُ اسْتِواؤُهم مَعَ النَّبِيِّينَ في الآخِرَةِ، مَعَ أنَّ الفَرْقَ بَيْنَهم في الدُّنْيا بَيِّنٌ ؟ فَذَكَرَ أنَّ ذَلِكَ بِفَضْلِهِ، لا بِوُجُوبٍ عَلَيْهِ. ومَعَ اسْتِوائِهِمْ مَعَهم في الجَنَّةِ فَهم مُتَبايِنُونَ في المَنازِلِ.
وقِيلَ: الإشارَةُ إلى الثَّوابِ في قَوْلِهِ أجْرًا عَظِيمًا. وقِيلَ: إلى الطّاعَةِ. وقِيلَ: إلى المُرافَقَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ ما أُعْطِيَ المُطِيعُونَ مِنَ الأجْرِ العَظِيمِ ومُرافَقَةِ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ تَفَضَّلَ بِهِ عَلَيْهِمْ تَبَعًا لِثَوابِهِمْ، و(ذَلِكَ) مُبْتَدَأٌ و(الفَضْلُ) خَبَرُهُ، و(مِنَ اللَّهِ) حالٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (الفَضْلُ) صِفَةً، والخَبَرُ مِنَ اللَّهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونا خَبَرَيْنِ عَلى مَذْهَبِ مَن يُجِيزُ ذَلِكَ.
﴿وكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ لَمّا ذَكَرَ الطّاعَةَ وذَكَرَ جَزاءَ مَن يُطِيعُ أتى بِصِفَةِ العِلْمِ الَّتِي تَتَضَمَّنُ (p-٢٩٠)الجَزاءَ أيْ: وكَفى بِهِ مُجازِيًا لِمَن أطاعَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فِيهِ مَعْنى أنْ تَقُولَ: فَشَمِلُوا فِعْلَ اللَّهِ وتَفَضُّلَهُ مِن الِاعْتِراضِ عَلَيْهِ، واكْتَفَوْا بِعِلْمِهِ في ذَلِكَ وغَيْرِهِ؛ ولِذَلِكَ دَخَلَتِ الباءُ عَلى اسْمِ اللَّهِ تَعالى لِتَدُلَّ عَلى الأمْرِ الَّذِي في قَوْلِهِ: وكَفى، انْتَهى. وقَدْ بَيَّنّا فَسادَ قَوْلِ مَن يَدَّعِي أنَّ قَوْلَكَ: كَفى بِزَيْدٍ مَعْناهُ اكْتَفِ بِزَيْدٍ عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا بِجَزاءِ مَن أطاعَهُ. أوْ أرادَ فَصْلَ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ، ومَزِيَّتَهم مِنَ اللَّهِ؛ لِأنَّهُمُ اكْتَسَبُوهُ بِتَمْكِينِهِ وتَوْفِيقِهِ، وكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا بِعِبادِهِ؛ فَهو يُوَفِّقُهم عَلى حَسَبِ أحْوالِهِمْ، انْتَهى. وهي ألْفاظُ المُعْتَزِلَةِ.