Al-Bahr Al-Muhit — النساء 4:70 – النساء 4:104
المحتويات
- النساء 4:70
- النساء 4:71
- النساء 4:72
- النساء 4:73
- النساء 4:74
- النساء 4:75
- النساء 4:76
- النساء 4:77
- النساء 4:78
- النساء 4:79
- النساء 4:80
- النساء 4:81
- النساء 4:82
- النساء 4:83
- النساء 4:84
- النساء 4:85
- النساء 4:86
- النساء 4:87
- النساء 4:88
- النساء 4:89
- النساء 4:90
- النساء 4:91
- النساء 4:92
- النساء 4:93
- النساء 4:94
- النساء 4:95
- النساء 4:96
- النساء 4:97
- النساء 4:98
- النساء 4:99
- النساء 4:100
- النساء 4:101
- النساء 4:102
- النساء 4:103
- النساء 4:104
النساء 4:70
﴿وإذًا لَآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا ولَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإذًا جَوابٌ لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ، وماذا يَكُونُ لَهم أيْضًا بَعْدَ التَّثْبِيتِ ؟ فَقِيلَ، وإذًا لَوْ ثَبَتُوا لَأتَيْناهم؛ لِأنَّ (إذًا) جَوابٌ، وجَزاءٌ، انْتَهى. وظاهِرُ قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ:؛ لِأنَّ (إذًا) جَوابٌ، وجَزاءٌ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّها تَكُونُ لِلْمَعْنَيَيْنِ في حالٍ واحِدٍ عَلى كُلِّ حالٍ، وهَذِهِ مَسْألَةُ خِلافٍ. ذَهَبَ الفارِسِيُّ إلى أنَّها قَدْ تَكُونُ جَوابًا فَقَطْ في مَوْضِعٍ، وجَوابًا، وجَزاءً في مَوْضِعِ نَفْيٍ، مِثْلَ: إذًا أظُنُّكَ صادِقًا لِمَن قالَ: أزُورُكَ، هي جَوابُ خاصَّةٍ. وفي مِثْلِ: إذًا أُكْرِمَكَ لِمَن قالَ: أزُورُكَ، هي جَوابٌ، وجَزاءٌ. وذَهَبَ الأُسْتاذُ أبُو عَلِيٍّ إلى أنَّها تَتَقَدَّرُ بِالجَوابِ والجَزاءِ في كُلِّ مَوْضِعٍ وُقُوفًا مَعَ ظاهِرِ كَلامِ سِيبَوَيْهِ. والصَّحِيحُ قَوْلُ الفارِسِيِّ، وهي مَسْألَةٌ يُبْحَثُ عَنْها في عِلْمِ النَّحْوِ.
والأجْرُ كِنايَةٌ عَنِ الثَّوابِ عَلى الطّاعَةِ، ووَصْفُهُ بِالعِظَمِ بِاعْتِبارِ الكَثْرَةِ، أوْ بِاعْتِبارِ الشَّرَفِ. والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ هو الإيمانُ المُؤَدِّي إلى الجَنَّةِ؛ قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقِيلَ هو الطَّرِيقُ إلى الجَنَّةِ. وقِيلَ الأعْمالُ الصّالِحَةُ. ولَمّا فَسَّرَ ابْنُ عَطِيَّةَ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ بِالإيمانِ قالَ: وجاءَ تَرْتِيبُ هَذِهِ الآيَةِ كَذا. ومَعْلُومٌ أنَّ الهِدايَةَ قَبْلَ إعْطاءِ الأجْرِ؛ لِأنَّ المَقْصِدَ إنَّما هو تَعْدِيدُ ما كانَ اللَّهُ يُنْعِمُ بِهِ عَلَيْهِمْ دُونَ تَرْتِيبٍ؛ فالمَعْنى: وكَهَدَيْناهم قَبْلُ حَتّى يَكُونُوا مِمَّنْ يُؤْتى الأجْرَ، انْتَهى. وأمّا إذا فُسِّرَتِ الهِدايَةُ إلى الصِّراطِ هُنا بِأنَّهُ طَرِيقُ الجَنَّةِ، أوِ الأعْمالُ الصّالِحَةُ، فَإنَّهُ يُظْهِرُ التَّرْتِيبَ.
﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: «نَزَلَتْ في ثَوْبانِ مَوْلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكانَ شَدِيدَ الحُبِّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأتى ذاتَ يَوْمٍ، وقَدْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، ونَحَلَ جِسْمُهُ فَقالَ: يا ثَوْبانُ ما غَيَّرَ لَوْنَكَ ؟ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما بِي مَرَضٌ، ولا وجَعٌ، غَيْرَ أنِّي إذا لَمْ أرَكَ اشْتَقْتُ إلَيْكَ، واسْتَوْحَشْتُ، وحْشَةً شَدِيدَةً حَتّى ألْقاكَ ثُمَّ ذَكَرْتُ الآخِرَةَ فَأخافُ أنْ لا أراكَ هُناكَ لِأنِّي أعْرِفُ أنَّكَ تُرْفَعُ مَعَ النَّبِيِّينَ، وإنِّي وإنْ كُنْتُ أدْخُلُ الجَنَّةَ كُنْتُ في مَنزِلٍ أدْنى مِن مَنزِلِكَ، وإنْ لَمْ أدْخُلِ الجَنَّةَ فَذَلِكَ حِينَ لا أراكَ أبَدًا» . انْتَهى قَوْلُ الكَلْبِيِّ. وحُكِيَ مِثْلُ قَوْلِ ثَوْبانِ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ مِنهم: «عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ الأنْصارِيُّ، وهو الَّذِي أُرِيَ الأذانَ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إذا مُتَّ ومُتْنا، كُنْتَ في عِلِّيِّينَ فَلا نَراكَ ولا نَجْتَمِعُ بِكَ، وذَكَرَ حُزْنَهُ عَلى ذَلِكَ؛ فَنَزَلَتْ» . وحَكى مَكِّيٌّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ هَذا أنَّهُ لَمّا ماتَ النَّبِيُّ ﷺ قالَ: اللَّهُمَّ أعْمِنِي حَتّى لا أرى شَيْئًا بَعْدَهُ، فَعَمِيَ. والمَعْنى في مَعَ النَّبِيِّينَ: إنَّهُ مَعَهم في دارٍ واحِدَةٍ، وكُلُّ مَن فِيها رُزِقَ الرِّضا بِحالِهِ، وهم بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مِن رُؤْيَةِ الآخَرِ، وإنْ بَعُدَ مَكانُهُ.
وقِيلَ المَعِيَّةُ هُنا كَوْنُهم يُرْفَعُونَ إلى مَنازِلِ الأنْبِياءِ مَتى شاءُوا تَكْرِمَةً لَهم، ثُمَّ يَعُودُونَ إلى مَنازِلِهِمْ. وقِيلَ: إنَّ الأنْبِياءَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءَ يَنْحَدِرُونَ إلى مَن أسْفَلَ مِنهم لِيَتَذاكَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ؛ ذَكَرَهُ المَهْدَوِيُّ في تَفْسِيرِهِ الكَبِيرِ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ تَنْبِيهٌ عَلى أمْرَيْنِ مِن أحْوالِ المَعادِ: الأوَّلُ: إشْراقُ الأرْواحِ بِأنْوارِ المَعْرِفَةِ. والثّانِي: كَوْنُهم مَعَ النَّبِيِّينَ. ولَيْسَ المُرادُ بِهَذِهِ المَعِيَّةِ في الدَّرَجَةِ، فَإنَّ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ، بَلْ مَعْناهُ: إنَّ الأرْواحَ النّاقِصَةَ إذا اسْتَكْمَلَتْ عَلائِقَها مَعَ الأرْواحِ الكامِلَةِ في الدُّنْيا بَقِيَتْ بَعْدَ المُفارَقَةِ تِلْكَ العَلائِقُ؛ فَيَنْعَكِسُ الشُّعاعُ مِن بَعْضِها عَلى بَعْضٍ، فَتَصِيرُ أنْوارُها في غايَةِ القُوَّةِ، فَهَذا ما خَطَرَ لِي. انْتَهى كَلامُهُ. وهو شَبِيهٌ بِما قالَتْهُ الفَلاسِفَةُ في الأرْواحِ إذا فارَقَتِ الأجْسادَ. وأهْلُ الإسْلامِ يَأْبَوْنَ هَذِهِ الألْفاظَ ومَدْلُولاتِها؛ ولَكِنْ مَن غَلَبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ (p-٢٨٧)وحُبُّهُ جَرى في كَلامِهِ.
وقَوْلُهُ: ”مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ“ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧]، وهم مَن ذُكِرَ في هَذِهِ الآيَةِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: مِنَ النَّبِيِّينَ تَفْسِيرٌ لِلَّذِينِ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. فَكَأنَّهُ قِيلَ مَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ مِنكم ألْحَقَهُ اللَّهُ بِالَّذِينِ تَقَدَّمَهم مِمَّنْ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ. قالَ الرّاغِبُ: مِمَّنْ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ مِنَ الفِرَقِ الأرْبَعِ في المَنزِلَةِ والثَّوابِ: النَّبِيُّ بِالنَّبِيِّ والصِّدِّيقُ بِالصِّدِّيقِ والشَّهِيدُ بِالشَّهِيدُ والصّالِحُ بِالصّالِحِ. وأجازَ الرّاغِبُ أنْ يَتَعَلَّقَ ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ﴾؛ أيْ مِنَ النَّبِيِّينَ، ومَن بَعْدَهم، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ إشارَةً إلى المَلَأِ الأعْلى. ثُمَّ قالَ: ﴿وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾، ويُبَيِّنُ ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ حِينَ المَوْتِ (اللَّهُمَّ ألْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ الأعْلى)، وهَذا ظاهِرٌ، انْتَهى. وهَذا الوَجْهُ الَّذِي هو عِنْدَهُ ظاهِرٌ فاسِدٌ مِن جِهَةِ المَعْنى، ومِن جِهَةِ النَّحْوِ أمّا مِن جِهَةِ المَعْنى فَإنَّ الرَّسُولَ هُنا هو مُحَمَّدٌ ﷺ؛ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّ مَن يُطِيعُهُ، ويُطِيعُ رَسُولَهُ فَهو مَعَ مَن ذَكَرَ، ولَوْ كانَ ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ مُعَلَّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ﴾؛ لَكانَ قَوْلُهُ: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ تَفْسِيرًا لِمَن في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يُطِعِ﴾ . فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ في زَمانِ الرَّسُولِ أوْ بَعْدَهُ أنْبِياءُ يُطِيعُونَهُ، وهَذا غَيْرُ مُمْكِنٍ؛ لِأنَّهُ قَدْ أخْبَرَ تَعالى أنَّ مُحَمَّدًا هو خاتَمُ النَّبِيِّينَ. وقالَ هو: «لا نَبِيَّ بَعْدِي» . وأمّا مِن جِهَةِ النَّحْوِ فَما قَبْلَ فاءِ الجَزاءِ لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَها، لَوْ قُلْتَ: إنْ تَقُمْ هِنْدٌ فَعَمْرٌو ذاهِبٌ ضاحِكَةً، لَمْ يَجُزْ.
واخْتَلَفُوا في الأوْصافِ الثَّلاثَةِ الَّتِي بَعْدَ النَّبِيِّينَ؛ فَقالَ بَعْضُهم: كُلُّها أوْصافٌ لِمَوْصُوفٍ واحِدٍ، وهي صِفاتٌ مُتَداخِلَةٌ، فَإنَّهُ لا يَمْتَنِعُ في الشَّخْصِ الواحِدِ أنْ يَكُونَ صِدِّيقًا وشَهِيدًا وصالِحًا. وقِيلَ المُرادُ بِكُلِّ وصْفِ صِنْفٌ مِنَ النّاسِ. فَأمّا الصِّدِّيقُ فَهو فِعِّيلٌ لِلْمُبالَغَةِ كَشِرِّيبٍ؛ فَقِيلَ هو الكَثِيرُ الصِّدْقِ، وقِيلَ هو الكَثِيرُ الصَّدَقَةِ. ولِلْمُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ كُلَّ مَن صَدَّقَ بِكُلِّ الَّذِي لا يَتَخالَجُهُ فِيهِ شَكٌّ فَهو صِدِّيقٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ [الحديد: ١٩] . الثّانِي: أفاضِلُ أصْحابِ الرَّسُولِ. الثّالِثُ: السّابِقُ إلى تَصْدِيقِ الرَّسُولِ. فَصارَ في ذَلِكَ قُدْوَةً لِسائِرِ النّاسِ. وأمّا الشَّهِيدُ: فَهو المَقْتُولُ في سَبِيلِ اللَّهِ؛ المَخْصُوصُ بِفَضْلِ المَيْتَةِ. وفَرَّقَ الشَّرْعُ حُكْمَهم في تَرْكِ الغُسْلِ والصَّلاةِ؛ لِأنَّهم أكْرَمُ مِن أنْ يُشَفَّعَ فِيهِمْ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في كَوْنِهِمْ سُمُّوا شُهَداءَ، ولَكِنَّ لَفْظَ الشُّهَداءِ في الآيَةِ يَعُمُّ أنْواعَ الشُّهَداءِ الَّذِينَ ذَكَرَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الشَّهادَةُ مُفَسَّرَةً بِكَوْنِ الإنْسانِ مَقْتُولَ الكافِرِ؛ بَلْ نَقُولُ: الشَّهِيدُ فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، وهو الَّذِي يَشْهَدُ لِدِينِ اللَّهِ تارَةً بِالحُجَّةِ بِالبَيانِ، وتارَةً بِالسَّيْفِ والسِّنانِ. فالشُّهَداءُ هُمُ القائِمُونَ بِالقِسْطِ وهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ في قَوْلِهِ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] . والصّالِحُ: هو الَّذِي يَكُونُ صالِحًا في اعْتِقادِهِ، وعَمَلِهِ. وجاءَ هَذا التَّرْكِيبُ عَلى هَذا القَوْلِ عَلى حَسَبِ التَّنَزُّلِ مِنَ الأعْلى إلى الأدْنى، إلى أدْنى مِنهُ. وفي هَذا التَّرْغِيبُ لِلْمُؤْمِنِينَ في طاعَةِ اللَّهِ، وطاعَةِ رَسُولِهِ حَيْثُ وُعِدُوا بِمُرافَقَةِ أقْرَبِ عِبادِ اللَّهِ إلى اللَّهِ، وأرْفَعِهِمْ دَرَجاتٍ عِنْدَهُ.
وقالَ الرّاغِبُ: قَسَّمَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ في هَذِهِ الآيَةِ أرْبَعَةَ أقْسامٍ، وجَعَلَ لَهم أرْبَعَةَ مَنازِلَ بَعْضُها دُونَ بَعْضٍ، وحَثَّ كافَّةَ النّاسِ أنْ يَتَأخَّرُوا عَنْ مَنزِلٍ واحِدٍ مِنهم؛ الأوَّلُ: الأنْبِياءُ الَّذِينَ تُمِدُّهم قُوَّةُ الإلَهِيَّةِ، ومَثَلُهم كَمَن يَرى الشَّيْءَ عِيانًا مِن قَرِيبٍ. ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿أفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى﴾ [النجم: ١٢] . الثّانِي: الصِّدِّيقُونَ؛ وهُمُ الَّذِينَ يُزاحِمُونَ الأنْبِياءَ في المَعْرِفَةِ، ومَثَلُهم كَمَن يَرى الشَّيْءَ عِيانًا مِن بَعِيدٍ، وإيّاهُ عَنى أمِيرُ المُؤْمِنِينَ حِينَ قِيلَ لَهُ: هَلْ رَأيْتَ اللَّهَ ؟ فَقالَ: ما كُنْتُ عَبْدَ شَيْءٍ لَمْ أرَهُ. ثُمَّ قالَ: " لَمْ تَرَهُ العُيُونُ بِشَواهِدِ الأبْصارِ؛ ولَكِنْ رَأتْهُ القُلُوبُ بِحَقائِقِ الإيمانِ. الثّالِثُ: الشُّهَداءُ، وهُمُ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ الشَّيْءَ (p-٢٨٨)بِالبَراهِينِ. ومَثَلُهم كَمَن يَرى الشَّيْءَ في المِرْآةِ مِن مَكانٍ قَرِيبٍ كَحالِ حارِثَةَ، حَيْثُ قالَ: كَأنِّي أنْظُرُ إلى عَرْشِ رَبِّي، وإيّاهُ قَصَدَ النَّبِيُّ ﷺ حَيْثُ قالَ: «اعْبُدِ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ» . الرّابِعُ: الصّالِحُونَ، وهُمُ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ الشَّيْءَ بِاتِّباعاتِ وتَقْلِيداتِ الرّاسِخِينَ في العِلْمِ، ومَثَلُهم كَمَن يَرى الشَّيْءَ مِن بَعِيدٍ في مِرْآةٍ. وإيّاهُ قَصَدَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: «اعْبُدِ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ»، انْتَهى كَلامُهُ. وهو شَبِيهٌ بِكَلامِ المُتَصَوِّفَةِ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: النَّبِيُّونَ مُحَمَّدٌ والصِّدِّيقُونَ أبُو بَكْرٍ والشُّهَداءُ عُمَرُ، وعُثْمانُ، وعَلِيٌّ والصّالِحُونَ صالِحُو أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، انْتَهى. ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ التَّمْثِيلِ، وأمّا عَلى طَرِيقِ الحَصْرِ فَلا، ولا يُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ: ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ ظاهِرُ اللَّفْظِ مِنَ الِاكْتِفاءِ بِالطّاعَةِ الواحِدَةِ إذِ اللَّفْظُ الدّالُّ عَلى الصِّفَةِ يَكْفِي في العَمَلِ في جانِبِ الثُّبُوتِ حُصُولَ ذَلِكَ المُسَمّى مَرَّةً واحِدَةً لِدُخُولِ المُنافِقِينَ فِيهِ؛ لِأنَّهم قَدْ يَأْتُونَ بِالطّاعَةِ الواحِدَةِ، بَلْ يُحْمَلُ عَلى غَيْرِ الظّاهِرِ بِأنْ تُحْمَلَ الطّاعَةُ عَلى فِعْلِ جَمِيعِ المَأْمُوراتِ، وتَرْكِ جَمِيعِ المَنهِيّاتِ.
﴿وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ أُولَئِكَ: إشارَةٌ إلى النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ. لَمْ يَكْتَفِ بِالمَعِيَّةِ حَتّى جَعَلَهم رُفَقاءَ لَهم، فالمُطِيعُ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ يُوافِقُونَهُ، ويَصْحَبُونَهُ والرَّفِيقُ الصّاحِبُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِلِارْتِفاقِ بِهِ. وعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ رَفِيقًا عَلى الحالِ مِن أُولَئِكَ، أوْ عَلى التَّمْيِيزِ. وإذا انْتَصَبَ عَلى التَّمْيِيزِ فَيُحْتَمَلُ أنْ لا يَكُونَ مَنقُولًا؛ فَيَجُوزُ دُخُولُ مِن عَلَيْهِ، ويَكُونُ هو المُمَيَّزَ. وجاءَ مُفْرَدًا إمّا لِأنَّ الرَّفِيقَ مِثْلَ الخَلِيطِ والصَّدِيقِ يَكُونُ لِلْمُفْرَدِ والمُثَنّى والمَجْمُوعِ بِلَفْظٍ واحِدٍ. وإمّا لِإطْلاقِ المُفْرَدِ في بابِ التَّمْيِيزِ اكْتِفاءً، ويُرادُ بِهِ الجَمْعُ، ويُحَسِّنُ ذَلِكَ هُنا كَوْنُهُ فاصِلَةً. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَنقُولًا مِنَ الفاعِلِ، فَلا يَكُونُ هو المُمَيَّزَ، والتَّقْدِيرُ: وحَسُنَ رَفِيقُ أُولَئِكَ، فَلا تَدْخُلُ عَلَيْهِ (مِن)، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُولَئِكَ إشارَةً إلى مَن (p-٢٨٩)يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ، وجُمِعَ عَلى مَعْنى مِن، ويَجُوزُ في انْتِصابِ ﴿رَفِيقًا﴾ الأوْجُهُ السّابِقَةُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: وحَسُنَ بِضَمِّ السِّينِ، وهي الأصْلُ، ولُغَةُ الحِجازِ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: وحَسْنَ بِسُكُونِ السِّينِ، وهي لُغَةُ تَمِيمَ. ويَجُوزُ: وحُسْنٌ بِسُكُونِ السِّينِ، وضَمِّ الحاءِ عَلى تَقْدِيرِ نَقْلِ حَرَكَةِ السِّينِ إلَيْها؛ وهي لُغَةُ بَعْضِ بَنِي قَيْسٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ فِيهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: وما أحْسَنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا. ولِاسْتِقْلالِهِ بِمَعْنى التَّعَجُّبِ: وحَسُنَ بِسُكُونِ السِّينِ. يَقُولُ المُتَعَجِّبُ. وحَسُنَ الوَجْهُ وجْهُكَ بِالفَتْحِ والضَّمِّ مَعَ التَّسْكِينِ، انْتَهى كَلامُهُ. وهو تَخْلِيطُ وتَرْكِيبُ مَذْهَبٍ عَلى مَذْهَبٍ. فَنَقُولُ: اخْتَلَفُوا في فِعْلٍ المُرادُ بِهِ المَدْحُ والذَّمُّ؛ فَذَهَبَ الفارِسِيُّ وأكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ إلى جَوازِ إلْحاقِهِ بِبابِ نِعْمَ وبِئْسَ فَقَطْ، فَلا يَكُونُ فاعِلًا إلّا بِما يَكُونُ فاعِلًا لَهُما. وذَهَبَ الأخْفَشُ والمُبَرِّدُ إلى جَوازِ إلْحاقِهِ بِبابِ نِعْمَ وبِئْسَ؛ فَيُجْعَلُ فاعِلُها كَفاعِلِهِما؛ وذَلِكَ إذا لَمْ يَدْخُلْهُ مَعْنى التَّعَجُّبِ. وإلى جَوازِ إلْحاقِهِ بِفِعْلِ التَّعَجُّبِ فَلا يَجْرِي مَجْرى نِعْمَ وبِئْسَ في الفاعِلِ، ولا في بَقِيَّةِ أحْكامِهِما؛ بَلْ يَكُونُ فاعِلُهُ ما يَكُونُ مَفْعُولًا لِفِعْلِ التَّعَجُّبِ؛ فَيَقُولُ: لَضَرَبْتُ يَدَكَ، ولَضَرَبْتُ اليَدَ. والكَلامُ عَلى هَذَيْنِ المَذْهَبَيْنِ - تَصْحِيحًا وإبْطالًا - مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. والزَّمَخْشَرِيُّ لَمْ يَتَّبِعْ واحِدًا مِن هَذَيْنِ المَذْهَبَيْنِ، بَلْ خَلَّطَ ورَكَّبَ، فَأخَذَ التَّعَجُّبَ مِن مَذْهَبِ الأخْفَشِ، وأخَذَ التَّمْثِيلَ بِقَوْلِهِ: وحَسُنَ الوَجْهُ وجْهُكَ، وحَسُنَ الوَجْهُ وجْهُكَ مِن مَذْهَبِ الفارِسِيِّ. وأمّا قَوْلُهُ: ولِاسْتِقْلالِهِ بِمَعْنى التَّعَجُّبِ، قُرِئَ: وحُسْنٌ بِسُكُونِ السِّينِ، وذَكَرَ أنَّ المُتَعَجِّبَ يَقُولُ: وحَسُنَ وحُسْنٌ، فَهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ الفَرّاءَ ذَكَرَ أنَّ تِلْكَ لُغاتٌ لِلْعَرَبِ؛ فَلا يَكُونُ التَّسْكِينُ، ولا هو والنَّقْلُ جُلَّ التَّعَجُّبِ.
﴿ذَلِكَ الفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الإشارَةَ إلى كَيْنُونَةِ المُطِيعِ مِنَ النَّبِيِّينَ، ومَن عُطِفَ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ هو المَحْكُومُ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ﴾، وكَأنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالٍ؛ أيْ وما المُوجِبُ لَهُمُ اسْتِواؤُهم مَعَ النَّبِيِّينَ في الآخِرَةِ، مَعَ أنَّ الفَرْقَ بَيْنَهم في الدُّنْيا بَيِّنٌ ؟ فَذَكَرَ أنَّ ذَلِكَ بِفَضْلِهِ، لا بِوُجُوبٍ عَلَيْهِ. ومَعَ اسْتِوائِهِمْ مَعَهم في الجَنَّةِ فَهم مُتَبايِنُونَ في المَنازِلِ.
وقِيلَ: الإشارَةُ إلى الثَّوابِ في قَوْلِهِ أجْرًا عَظِيمًا. وقِيلَ: إلى الطّاعَةِ. وقِيلَ: إلى المُرافَقَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ ما أُعْطِيَ المُطِيعُونَ مِنَ الأجْرِ العَظِيمِ ومُرافَقَةِ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ تَفَضَّلَ بِهِ عَلَيْهِمْ تَبَعًا لِثَوابِهِمْ، و(ذَلِكَ) مُبْتَدَأٌ و(الفَضْلُ) خَبَرُهُ، و(مِنَ اللَّهِ) حالٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (الفَضْلُ) صِفَةً، والخَبَرُ مِنَ اللَّهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونا خَبَرَيْنِ عَلى مَذْهَبِ مَن يُجِيزُ ذَلِكَ.
﴿وكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ لَمّا ذَكَرَ الطّاعَةَ وذَكَرَ جَزاءَ مَن يُطِيعُ أتى بِصِفَةِ العِلْمِ الَّتِي تَتَضَمَّنُ (p-٢٩٠)الجَزاءَ أيْ: وكَفى بِهِ مُجازِيًا لِمَن أطاعَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فِيهِ مَعْنى أنْ تَقُولَ: فَشَمِلُوا فِعْلَ اللَّهِ وتَفَضُّلَهُ مِن الِاعْتِراضِ عَلَيْهِ، واكْتَفَوْا بِعِلْمِهِ في ذَلِكَ وغَيْرِهِ؛ ولِذَلِكَ دَخَلَتِ الباءُ عَلى اسْمِ اللَّهِ تَعالى لِتَدُلَّ عَلى الأمْرِ الَّذِي في قَوْلِهِ: وكَفى، انْتَهى. وقَدْ بَيَّنّا فَسادَ قَوْلِ مَن يَدَّعِي أنَّ قَوْلَكَ: كَفى بِزَيْدٍ مَعْناهُ اكْتَفِ بِزَيْدٍ عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا بِجَزاءِ مَن أطاعَهُ. أوْ أرادَ فَصْلَ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ، ومَزِيَّتَهم مِنَ اللَّهِ؛ لِأنَّهُمُ اكْتَسَبُوهُ بِتَمْكِينِهِ وتَوْفِيقِهِ، وكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا بِعِبادِهِ؛ فَهو يُوَفِّقُهم عَلى حَسَبِ أحْوالِهِمْ، انْتَهى. وهي ألْفاظُ المُعْتَزِلَةِ.
النساء 4:71
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكم فانْفِرُوا ثُباتٍ أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها هو أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ طاعَتَهُ وطاعَةَ رَسُولِهِ، وكانَ مِن أهَمِّ الطّاعاتِ إحْياءُ دِينِ اللَّهِ أمَرَ بِالقِيامِ بِإحْياءِ دِينِهِ، وإعْلاءِ دَعْوَتِهِ، وأمَرَهم أنْ لا يَقْتَحِمُوا عَلى عَدُوِّهِمْ عَلى جَهالَةٍ فَقالَ: خُذُوا حِذْرَكم. فَعَلَّمَهم مُباشَرَةَ الحُرُوبِ. ولَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ المُنافِقِينَ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ تَحْذِيرَ المُؤْمِنِينَ مِن قَبُولِ مَقالاتِهِمْ وتَثْبِيطِهِمْ عَنِ الجِهادِ، فَنادى ولا باسِمِ الإيمانِ عَلى عادَتِهِ تَعالى إذا أرادَ أنْ يَأْمُرَ المُؤْمِنِينَ أوْ يَنْهاهم، والحَذَرَ والحَذَرَ بِمَعْنًى واحِدٍ. قالُوا: ولَمْ يُسْمَعْ في هَذا التَّرْكِيبِ الأخْذُ حِذْرَكَ لِأخْذِ حِذْرِكَ. ومَعْنى خُذْ حِذْرَكَ: أيِ اسْتَعِدَّ بِأنْواعِ ما يُسْتَعَدُّ بِهِ لِلِقاءِ مَن تَلَقّاهُ، فَيَدْخُلُ فِيهِ أخْذُ السِّلاحِ وغَيْرِهِ. ويُقالُ: أخَذَ حِذْرَهُ إذا احْتَرَزَ مِنَ المُخَوَّفِ، كَأنَّهُ جَعَلَ الحَذَرَ آلَتَهُ الَّتِي يَتَّقِي بِها ويَعْتَصِمُ، والمَعْنى: احْتَرِزُوا مِنَ العَدُوِّ. ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِالخُرُوجِ إلى الجِهادِ جَماعَةً جَماعَةً، وسَرِيَّةً بَعْدَ سَرِيَّةٍ، أوْ كَتِيبَةً واحِدَةً مُجْتَمِعَةً.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فانْفِرُوا﴾ بِكَسْرِ الفاءِ فِيهِما. وقَرَأ الأعْمَشُ: بِضَمِّها فِيهِما، وانْتِصابِ (ثُباتًا) و(جَمِيعًا) عَلى الحالِ. ولَمْ يُقْرَأْ (ثُباتٍ) فِيما عَلِمْناهُ إلّا بِكَسْرِ التّاءِ. وقالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَخْفِضُ هَذِهِ التّاءَ في النَّصْبِ وتَنْصِبُها. أنْشَدَنِي بَعْضُهم:
؎فَلَمّا جَلاها بِالايّامِ تَحَيَّزَتْ ثُباتًا عَلَيْها ذُلُّها واكْتِئابُها
يُنْشَدُ بِكَسْرِ التّاءِ وفَتْحِها انْتَهى. وأوْفى أوِ انْفَرُوا لِلتَّخْيِيرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذِهِ الآيَةُ نَسَخَتْها.
﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] قِيلَ: وإنَّما عُنِيَ بِذَلِكَ التَّخْصِيصُ إذْ لَيْسَ يُلْزَمُ النَّفْرُ جَماعَتَهم.
﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ الخِطابُ لِعَسْكَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ وابْنُ زَيْدٍ في آخَرِينَ: لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ هُمُ المُنافِقُونَ، وجُعِلُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ بِاعْتِبارِ الجِنْسِ، أوِ النَّسَبِ، أوِ الِانْتِماءِ إلى الإيمانِ ظاهِرًا. وقالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ. وقِيلَ: هم ضَعَفَةُ المُؤْمِنِينَ. ويُبْعِدُ هَذا القَوْلَ قَوْلُهُ: عِنْدَ مُصِيبَةِ المُؤْمِنِينَ ﴿قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهم شَهِيدًا﴾ وقَوْلُهُ: (p-٢٩١)﴿كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ [النساء: ٧٣] ومِثْلُ هَذا لا يَصْدُرُ عَنْ مُؤْمِنٍ؛ إنَّما يَصْدُرُ عَنْ مُنافِقٍ. واللّامُ في لَيُبَطِّئَنَّ لامُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ التَّقْدِيرُ: لَلَّذِي واللَّهِ لَيُبَطِّئَنَّ. والجُمْلَتانِ مِنَ القَسَمِ وجَوابِهِ صِلَةٌ لِمَن، والعائِدُ الضَّمِيرُ المُسْتَكِنُّ في ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ .
قالُوا: وفي هَذِهِ الآيَةِ رَدٌّ عَلى مَن زَعَمَ مِن قُدَماءِ النُّحاةِ أنَّهُ لا يَجُوزُ وصْلُ المَوْصُولِ بِالقَسَمِ وجَوابِهِ إذا كانَتْ جُمْلَةُ القَسَمِ قَدْ عَرِيَتْ مِن ضَمِيرٍ؛ فَلا يَجُوزُ جاءَنِي الَّذِي أُقْسِمُ بِاللَّهِ لَقَدْ قامَ أبُوهُ، ولا حُجَّةَ فِيها لِأنَّ جُمْلَةَ القَسَمِ مَحْذُوفَةٌ؛ فاحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ فِيها ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى المَوْصُولِ، واحْتُمِلَ أنْ لا يَكُونَ. وما كانَ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ لا حُجَّةَ فِيهِ عَلى تَعْيِينِ أحَدِهِما، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ كُلًّا لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهُمْ﴾ [هود: ١١١] في قِراءَةِ مَن نَصَبَ (كُلًّا) وخَفَّفَ مِيمَ (لَما) أيْ: وإنْ كُلًّا لَلَّذِي لَيُوَفِّيَنَّهم عَلى أحْسَنِ التَّخارِيجِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: اللّامُ في ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ لامُ قَسَمٍ عِنْدَ الجُمْهُورِ. وقِيلَ: هي لامُ تَأْكِيدٍ بَعْدَ تَأْكِيدٍ انْتَهى. وهَذا القَوْلُ الثّانِي خَطَأٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: لَيُبَطِّئَنَّ بِالتَّخْفِيفِ. والقِراءَتانِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ فِيهِما لازِمًا؛ لِأنَّهم يَقُولُونَ: أبْطَأ وبَطَّأ في مَعْنى بَطُؤَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا بِالهَمْزَةِ أوِ التَّضْعِيفِ مِن بَطُؤَ، فَعَلى اللُّزُومِ المَعْنى أنَّهُ يَتَثاقَلُ ويُثَبَّطُ عَنِ الخُرُوجِ لِلْجِهادِ، وعَلى التَّعَدِّي أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ.
﴿فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهم شَهِيدًا﴾ المُصِيبَةُ: الهَزِيمَةُ. سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِما يَلْحَقُ الإنْسانَ مِنَ العَتَبِ بِتَوْلِيَةِ الأدْبارِ وعَدَمِ الثَّباتِ. ومِنَ العَرَبِ مَن يَخْتارُ المَوْتَ عَلى الهَزِيمَةِ وقَدْ قالَ الشّاعِرُ:
؎إنْ كُنْتِ صادِقَةً كَما حَدَّثْتِنِي ∗∗∗ فَنَجَوْتِ مَنجى الحارِثِ بْنِ هِشامِ
؎تَرَكَ الأحِبَّةَ أنْ يُقاتِلَ عَنْهُمُ ∗∗∗ ونَجا بِرَأْسِ طِمِرَّةٍ ولِجامِ
عَيَّرَهُ بِالِانْهِزامِ وبِالفِرارِ عَنِ الأحِبَّةِ. وقالَ آخَرُ في المَدْحِ عَلى الثَّباتِ في الحَرْبِ والقَتْلِ فِيهِ:
؎وقَدْ كانَ فَوْتُ المَوْتِ سَهْلًا فَرَدَّهُ ∗∗∗ إلَيْهِ حِفاظُ المُرِّ والخُلُقُ الوَعْرُ
؎فَأثْبَتَ في مُسْتَنْقَعِ المَوْتِ رِجْلَهُ ∗∗∗ وقالَ لَها مِن تَحْتِ أُخْمُصِكِ الحَشْرُ
وقِيلَ: المُصِيبَةُ القَتْلُ في سَبِيلِ اللَّهِ؛ سَمَّوْا ذَلِكَ مُصِيبَةً عَلى اعْتِقادِهِمُ الفاسِدِ، أوْ عَلى أنَّ المَوْتَ كُلَّهُ مُصِيبَةٌ كَما سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى. وقِيلَ: المُصِيبَةُ الهَزِيمَةُ والقَتْلُ. والشَّهِيدُ هُنا الحاضِرُ مَعَهم في مُعْتَرَكِ الحَرْبِ، أوِ المَقْتُولُ في سَبِيلِ اللَّهِ، يَقُولُهُ المُنافِقُ اسْتِهْزاءً؛ لِأنَّهُ لا يَعْتَقِدُ حَقِيقَةَ المُشاهَدَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ.
النساء 4:72
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكم فانْفِرُوا ثُباتٍ أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها هو أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ طاعَتَهُ وطاعَةَ رَسُولِهِ، وكانَ مِن أهَمِّ الطّاعاتِ إحْياءُ دِينِ اللَّهِ أمَرَ بِالقِيامِ بِإحْياءِ دِينِهِ، وإعْلاءِ دَعْوَتِهِ، وأمَرَهم أنْ لا يَقْتَحِمُوا عَلى عَدُوِّهِمْ عَلى جَهالَةٍ فَقالَ: خُذُوا حِذْرَكم. فَعَلَّمَهم مُباشَرَةَ الحُرُوبِ. ولَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ المُنافِقِينَ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ تَحْذِيرَ المُؤْمِنِينَ مِن قَبُولِ مَقالاتِهِمْ وتَثْبِيطِهِمْ عَنِ الجِهادِ، فَنادى ولا باسِمِ الإيمانِ عَلى عادَتِهِ تَعالى إذا أرادَ أنْ يَأْمُرَ المُؤْمِنِينَ أوْ يَنْهاهم، والحَذَرَ والحَذَرَ بِمَعْنًى واحِدٍ. قالُوا: ولَمْ يُسْمَعْ في هَذا التَّرْكِيبِ الأخْذُ حِذْرَكَ لِأخْذِ حِذْرِكَ. ومَعْنى خُذْ حِذْرَكَ: أيِ اسْتَعِدَّ بِأنْواعِ ما يُسْتَعَدُّ بِهِ لِلِقاءِ مَن تَلَقّاهُ، فَيَدْخُلُ فِيهِ أخْذُ السِّلاحِ وغَيْرِهِ. ويُقالُ: أخَذَ حِذْرَهُ إذا احْتَرَزَ مِنَ المُخَوَّفِ، كَأنَّهُ جَعَلَ الحَذَرَ آلَتَهُ الَّتِي يَتَّقِي بِها ويَعْتَصِمُ، والمَعْنى: احْتَرِزُوا مِنَ العَدُوِّ. ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِالخُرُوجِ إلى الجِهادِ جَماعَةً جَماعَةً، وسَرِيَّةً بَعْدَ سَرِيَّةٍ، أوْ كَتِيبَةً واحِدَةً مُجْتَمِعَةً.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فانْفِرُوا﴾ بِكَسْرِ الفاءِ فِيهِما. وقَرَأ الأعْمَشُ: بِضَمِّها فِيهِما، وانْتِصابِ (ثُباتًا) و(جَمِيعًا) عَلى الحالِ. ولَمْ يُقْرَأْ (ثُباتٍ) فِيما عَلِمْناهُ إلّا بِكَسْرِ التّاءِ. وقالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَخْفِضُ هَذِهِ التّاءَ في النَّصْبِ وتَنْصِبُها. أنْشَدَنِي بَعْضُهم:
؎فَلَمّا جَلاها بِالايّامِ تَحَيَّزَتْ ثُباتًا عَلَيْها ذُلُّها واكْتِئابُها
يُنْشَدُ بِكَسْرِ التّاءِ وفَتْحِها انْتَهى. وأوْفى أوِ انْفَرُوا لِلتَّخْيِيرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذِهِ الآيَةُ نَسَخَتْها.
﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] قِيلَ: وإنَّما عُنِيَ بِذَلِكَ التَّخْصِيصُ إذْ لَيْسَ يُلْزَمُ النَّفْرُ جَماعَتَهم.
﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ الخِطابُ لِعَسْكَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ وابْنُ زَيْدٍ في آخَرِينَ: لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ هُمُ المُنافِقُونَ، وجُعِلُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ بِاعْتِبارِ الجِنْسِ، أوِ النَّسَبِ، أوِ الِانْتِماءِ إلى الإيمانِ ظاهِرًا. وقالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ. وقِيلَ: هم ضَعَفَةُ المُؤْمِنِينَ. ويُبْعِدُ هَذا القَوْلَ قَوْلُهُ: عِنْدَ مُصِيبَةِ المُؤْمِنِينَ ﴿قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهم شَهِيدًا﴾ وقَوْلُهُ: (p-٢٩١)﴿كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ [النساء: ٧٣] ومِثْلُ هَذا لا يَصْدُرُ عَنْ مُؤْمِنٍ؛ إنَّما يَصْدُرُ عَنْ مُنافِقٍ. واللّامُ في لَيُبَطِّئَنَّ لامُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ التَّقْدِيرُ: لَلَّذِي واللَّهِ لَيُبَطِّئَنَّ. والجُمْلَتانِ مِنَ القَسَمِ وجَوابِهِ صِلَةٌ لِمَن، والعائِدُ الضَّمِيرُ المُسْتَكِنُّ في ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ .
قالُوا: وفي هَذِهِ الآيَةِ رَدٌّ عَلى مَن زَعَمَ مِن قُدَماءِ النُّحاةِ أنَّهُ لا يَجُوزُ وصْلُ المَوْصُولِ بِالقَسَمِ وجَوابِهِ إذا كانَتْ جُمْلَةُ القَسَمِ قَدْ عَرِيَتْ مِن ضَمِيرٍ؛ فَلا يَجُوزُ جاءَنِي الَّذِي أُقْسِمُ بِاللَّهِ لَقَدْ قامَ أبُوهُ، ولا حُجَّةَ فِيها لِأنَّ جُمْلَةَ القَسَمِ مَحْذُوفَةٌ؛ فاحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ فِيها ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى المَوْصُولِ، واحْتُمِلَ أنْ لا يَكُونَ. وما كانَ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ لا حُجَّةَ فِيهِ عَلى تَعْيِينِ أحَدِهِما، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ كُلًّا لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهُمْ﴾ [هود: ١١١] في قِراءَةِ مَن نَصَبَ (كُلًّا) وخَفَّفَ مِيمَ (لَما) أيْ: وإنْ كُلًّا لَلَّذِي لَيُوَفِّيَنَّهم عَلى أحْسَنِ التَّخارِيجِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: اللّامُ في ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ لامُ قَسَمٍ عِنْدَ الجُمْهُورِ. وقِيلَ: هي لامُ تَأْكِيدٍ بَعْدَ تَأْكِيدٍ انْتَهى. وهَذا القَوْلُ الثّانِي خَطَأٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: لَيُبَطِّئَنَّ بِالتَّخْفِيفِ. والقِراءَتانِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ فِيهِما لازِمًا؛ لِأنَّهم يَقُولُونَ: أبْطَأ وبَطَّأ في مَعْنى بَطُؤَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا بِالهَمْزَةِ أوِ التَّضْعِيفِ مِن بَطُؤَ، فَعَلى اللُّزُومِ المَعْنى أنَّهُ يَتَثاقَلُ ويُثَبَّطُ عَنِ الخُرُوجِ لِلْجِهادِ، وعَلى التَّعَدِّي أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ.
﴿فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهم شَهِيدًا﴾ المُصِيبَةُ: الهَزِيمَةُ. سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِما يَلْحَقُ الإنْسانَ مِنَ العَتَبِ بِتَوْلِيَةِ الأدْبارِ وعَدَمِ الثَّباتِ. ومِنَ العَرَبِ مَن يَخْتارُ المَوْتَ عَلى الهَزِيمَةِ وقَدْ قالَ الشّاعِرُ:
؎إنْ كُنْتِ صادِقَةً كَما حَدَّثْتِنِي ∗∗∗ فَنَجَوْتِ مَنجى الحارِثِ بْنِ هِشامِ
؎تَرَكَ الأحِبَّةَ أنْ يُقاتِلَ عَنْهُمُ ∗∗∗ ونَجا بِرَأْسِ طِمِرَّةٍ ولِجامِ
عَيَّرَهُ بِالِانْهِزامِ وبِالفِرارِ عَنِ الأحِبَّةِ. وقالَ آخَرُ في المَدْحِ عَلى الثَّباتِ في الحَرْبِ والقَتْلِ فِيهِ:
؎وقَدْ كانَ فَوْتُ المَوْتِ سَهْلًا فَرَدَّهُ ∗∗∗ إلَيْهِ حِفاظُ المُرِّ والخُلُقُ الوَعْرُ
؎فَأثْبَتَ في مُسْتَنْقَعِ المَوْتِ رِجْلَهُ ∗∗∗ وقالَ لَها مِن تَحْتِ أُخْمُصِكِ الحَشْرُ
وقِيلَ: المُصِيبَةُ القَتْلُ في سَبِيلِ اللَّهِ؛ سَمَّوْا ذَلِكَ مُصِيبَةً عَلى اعْتِقادِهِمُ الفاسِدِ، أوْ عَلى أنَّ المَوْتَ كُلَّهُ مُصِيبَةٌ كَما سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى. وقِيلَ: المُصِيبَةُ الهَزِيمَةُ والقَتْلُ. والشَّهِيدُ هُنا الحاضِرُ مَعَهم في مُعْتَرَكِ الحَرْبِ، أوِ المَقْتُولُ في سَبِيلِ اللَّهِ، يَقُولُهُ المُنافِقُ اسْتِهْزاءً؛ لِأنَّهُ لا يَعْتَقِدُ حَقِيقَةَ المُشاهَدَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ.
النساء 4:73
﴿ولَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَأفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ الفَضْلُ هُنا: الظَّفَرُ بِالعَدُوِّ والغَنِيمَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: لَيَقُولَنَّ بِفَتْحِ اللّامِ. وقَرَأ الحَسَنُ: لَيَقُولُنَّ بِضَمِّ (p-٢٩٢)اللّامِ؛ أُضْمِرَ فِيهِ ضَمِيرُ الجَمْعِ عَلى مَعْنى (مَن) . وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ ”كَأنْ لَمْ تَكُنْ“ بِتاءِ التَّأْنِيثِ والباقُونَ بِالياءِ. وقَرَأ الحَسَنُ ويَزِيدُ النَّحْوِيُّ: فَأفُوزُ بِرَفْعِ الزّايِ عَطْفًا عَلى كُنْتُ؛ فَتَكُونُ الكَيْنُونَةُ مَعَهم والفَوْزُ بِالقِسْمَةِ داخِلَيْنِ في التَّمَنِّي، أوْ عَلى الِاسْتِئْنافِ أيْ فَأنا أفُوزُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِنَصْبِ الزّايِ، وهو جَوابُ التَّمَنِّي. ومَذْهَبُ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ: أنَّ النَّصْبَ بِإضْمارِ (أنْ) بَعْدَ الفاءِ، وهي حَرْفُ عَطْفٍ عَطَفَتِ المَصْدَرَ المُنْسَبِكَ مِن (أنِ) المُضْمَرَةِ والفِعْلِ المَنصُوبِ بِها عَلى مَصْدَرٍ مُتَوَهَّمٍ. ومَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ: أنَّهُ انْتَصَبَ بِالخِلافِ. ومَذْهَبُ الجَرْمِيِّ: أنَّهُ انْتَصَبَ بِالفاءِ نَفْسِها، و(يا) عِنْدَ قَوْمٍ لِلنِّداءِ والمُنادى مَحْذُوفٌ؛ تَقْدِيرُهُ: يا قَوْمُ لَيْتَنِي. وذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ: إلى أنَّ (يا) لِلتَّنْبِيهِ، ولَيْسَ في الكَلامِ مُنادًى مَحْذُوفٌ، وهو الصَّحِيحُ. و(كَأنْ) هُنا مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ. وإذا ولِيَتْها الجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ فَتَكُونُ مَبْدُوءَةً بِقَدْ، نَحْوَ قَوْلِهِ:
؎لا يَهُولَنَّكَ اصْطِلاؤُكَ لِلْحَرِّ فَمَحْذُورُها كَأنْ قَدْ ألَمّا
أوْ بِـ (لَمْ) كَقَوْلِهِ: كَأنْ لَمْ يَكُنْ، ﴿كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ﴾ [يونس: ٢٤]، ووَجَدْتُ في شِعْرِ عَمّارٍ الكَلْبِيِّ ابْتِداءَها في قَوْلِهِ:
؎بَدَّدَتْ مِنها اللَّيالِي شَمْلَهم ∗∗∗ فَكَأنْ لَمّا يَكُونُوا قَبْلُ ثَمَّ
ويَنْبَغِي التَّوَقُّفُ في جَوازِ ذَلِكَ حَتّى يُسْمَعَ مِن لِسانِ العَرَبِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: و(كَأنْ) مُضَمَّنَةٌ مَعْنى التَّشْبِيهِ؛ ولَكِنَّها لَيْسَتْ كالثَّقِيلَةِ في الحاجَةِ إلى الِاسْمِ والخَبَرِ؛ وإنَّما تَجِيءُ بَعْدَها الجُمَلُ انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ غَيْرَ مُحَرَّرٍ ولا عَلى إطْلاقِهِ؛ أمّا إذا خُفِّفَّتْ ووَلِيَها ما كانَ يَلِيها، وهي ثَقِيلَةٌ، فالأكْثَرُ والأفْصَحُ أنْ تَرْتَفِعَ تِلْكَ الجُمْلَةُ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ، ويَكُونُ اسْمُ كانَ ضَمِيرَ شَأْنٍ مَحْذُوفًا، وتَكُونُ تِلْكَ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ رَفْعِ خَبَرِ كانَ. وإذا لَمْ يُنْوَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ جازَ لَها أنَّ تَنْصِبَ الِاسْمَ إذا كانَ مُظْهَرًا، وتَرْفَعَ الخَبَرَ هَذا ظاهِرُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ. ولا يُخَصُّ ذَلِكَ بِالشِّعْرِ؛ فَنَقُولُ: كَأنْ زَيْدًا قائِمٌ.
قالَ سِيبَوَيْهِ: وحَدَّثَنا مَن يَوْثَقُ بِهِ أنَّهُ سَمِعَ مِنَ العَرَبِ مَن يَقُولُ: إنْ عُمَرَ المُنْطَلِقُ. وأهْلُ المَدِينَةِ يَقْرَءُونَ: ”وإنْ كُلًّا لَمّا“ يُخَفِّفُونَ، ويَنْصِبُونَ كَما قالَ: كَأنْ ثَدْيَيْهِ حُقّانِ، وذَلِكَ؛ لِأنَّ الحَرْفَ بِمَنزِلَةِ الفِعْلِ، فَلَمّا حُذِفَ مِن نَفْسِهِ شَيْءٌ لَمْ يُغَيِّرْ عَمَلَهُ، كَما لَمْ يُغَيِّرْ عَمَلَ (لَمْ يَكُ)، ولَمْ أُبْلَ حِينَ حُذِفَ، انْتَهى. فَظاهِرُ تَشْبِيهِ سِيبَوَيْهِ: أنْ عُمَرَ المُنْطَلِقُ بِقَوْلِهِ: كَأنْ ثَدْيَيْهِ (p-٢٩٣)حُقّانِ جَوازُ ذَلِكَ في الكَلامِ، وأنَّهُ لا يَخْتَصُّ بِالشِّعْرِ.
وقَدْ نَقَلَ صاحِبُ رُءُوسِ المَسائِلِ: أنَّ (كَأنْ) إذا خُفِّفَتْ لا يَجُوزُ إعْمالُها عِنْدَ الكُوفِيِّينَ، وأنَّ البَصْرِيِّينَ أجازُوا ذَلِكَ؛ فَعَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ قَدْ يَتَمَشّى قَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ في (أنْ) كَـ (أنِ) المُخَفِّفَةِ لَيْسَتْ كالثَّقِيلَةِ في الحاجَةِ إلى الِاسْمِ والخَبَرِ، وأمّا عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ فَلا؛ لِأنَّها عِنْدَهم لا بُدَّ لَها مِنَ اسْمٍ وخَبَرٍ.
والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: كَأنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فِيها، ونَحْنُ نَسْرُدُ كَلامَ مَن وقَفْنا عَلى كَلامِهِ فِيها. فَنَقُولُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اعْتِراضٌ بَيْنَ الفِعْلِ الَّذِي هو لَيَقُولَنَّ وبَيْنَ مَفْعُولِهِ؛ وهو يا لَيْتَنِي والمَعْنى: كَأنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ مَعَكم مَوَدَّةٌ؛ لِأنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يُوادُّونَ المُؤْمِنِينَ، ويُصادِقُونَهم في الظّاهِرِ؛ وإنْ كانُوا يَبْغُونَ لَهُمُ الغَوائِلَ في الباطِنِ. والظّاهِرُ أنَّهُ تَهَكُّمٌ؛ لِأنَّهم كانُوا أعْدى عَدُوٍّ لِلْمُؤْمِنِينَ، وأشَدَّهم حَسَدًا لَهم، فَكَيْفَ يُوصَفُونَ بِالمَوَدَّةِ إلّا عَلى وجْهِ العَكْسِ تَهَكُّمًا بِحالِهِمْ ؟ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المُنافِقُ يُعاطِي المُؤْمِنِينَ المَوَدَّةَ، ويُعاهِدُ عَلى التِزامِ كُلَفِ الإسْلامِ، ثُمَّ يَتَخَلَّفُ نِفاقًا وشَكًّا وكُفْرًا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، ثُمَّ يَتَمَنّى عِنْدَما يَكْشِفُ الغَيْبَ الظَّفَرُ لِلْمُؤْمِنِينَ. فَعَلى هَذا يَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ التِفاتَةً بَلِيغَةً، واعْتِراضًا بَيْنَ القائِلِ والمَقُولِ بِلَفْظٍ يُظْهِرُ زِيادَةً في قُبْحِ فِعْلِهِمْ. وقالَ الزَّجّاجُ: هَذِهِ الجُمْلَةُ اعْتِراضٌ، أخْبَرَ تَعالى بِذَلِكَ؛ لِأنَّهم كانُوا يُوادُّونَ المُؤْمِنِينَ. وقالَ أيْضًا وتَبِعَهُ الماتُرِيدِيُّ هَذا عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ تَقْدِيرُهُ: فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قالَ: قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهم شَهِيدًا، كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ، ولَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ.
قالَ الرّاغِبُ: وذَلِكَ مُسْتَقْبَحٌ فَإنَّهُ لا يُفْصَلُ بَيْنَ الجُمْلَةِ وبَعْضِ ما يَتَعَلَّقُ بِجُمْلَةٍ أُخْرى. وقالَ أيْضًا: وتَبِعَهُ أبُو البَقاءِ: مَوْضِعُ الجُمْلَةِ نَصْبٌ عَلى الحالِ كَما تَقُولُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ، وكَأنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ مَعْرِفَةٌ، فَضْلًا عَنْ مَوَدَّةٍ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن قَوْلِ المُنافِقِينَ الَّذِينَ أقْعَدُوهم عَنِ الجِهادِ، وخَرَجُوا هم.
﴿كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ﴾ أيْ وبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ مَوَدَّةٌ فَيُخْرِجَكم مَعَهم لِتَأْخُذُوا مِنَ الغَنِيمَةِ، لِيُبَغِّضُوا بِذَلِكَ الرَّسُولَ إلَيْهِمْ. وتَبِعَ أبُو عَلِيٍّ في ذَلِكَ مُقاتِلًا. قالَ مُقاتِلٌ: مَعْناهُ كَأنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِ مِلَّتِكم، ولا مَوَدَّةَ بَيْنَكم؛ يُرِيدُ: أنَّ المُبَطِّئَ قالَ لِمَن تَخَلَّفَ عَنِ الغَزْوِ مِنَ المُنافِقِينَ وضَعَفَةِ المُؤْمِنِينَ، ومَن تَخَلَّفَ بِإذْنٍ كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَ مُحَمَّدٍ مَوَدَّةٌ فَيُخْرِجَكم إلى الجِهادِ، فَتَفُوزُونَ بِما فازَ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: هو اعْتِراضٌ في غايَةِ الحُسْنِ؛ لِأنَّ مَن أحَبَّ إنْسانًا فَرِحَ عِنْدَ فَرَحِهِ، وحَزِنَ عِنْدَ حُزْنِهِ؛ فَإذا قَلَبَ القَضِيَّةَ فَذَلِكَ إظْهارٌ لِلْعَداوَةِ. فَنَقُولُ: حَكى تَعالى عَنِ المُنافِقِ سُرُورَهُ وقْتَ نَكْبَةِ المُسْلِمِينَ، ثُمَّ أرادَ أنْ يَحْكِيَ حُزْنَهُ عِنْدَ دَوْلَةِ المُسْلِمِينَ بِسَبَبِ أنَّهُ فاتَتْهُ الغَنِيمَةُ فَقَبْلَ أنْ يَذْكُرَ الكَلامَ بِتَمامِهِ ألْقى قَوْلَهُ: كَأنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ والمُرادُ التَّعَجُّبُ. كَأنَّهُ يَقُولُ تَعالى: انْظُرُوا إلى ما يَقُولُهُ هَذا المُنافِقُ، كَأنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ أيُّها المُؤْمِنُونَ، ولا مُخالَطَةَ أصْلًا؛ فَهَذا هو المُرادُ مِنَ الكَلامِ.
وقالَ قَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ: قَوْلُ المُنافِقِ: يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم عَلى مَعْنى الحَسَدِ مِنهُ لِلْمُؤْمِنِينَ في نَيْلِ رَغْبَتِهِ.
وتَلَخَّصَ مِن هَذِهِ الأقْوالِ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ: إمّا أنْ يَكُونَ لَها مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ نَصْبٌ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في (لَيَقُولَنَّ)، أوْ نَصْبٌ عَلى المَفْعُولِ بِـ (يَقُولَنَّ) عَلى الحِكايَةِ، فَيَكُونُ مِن جُمْلَةِ المَقُولِ، وجُمْلَةُ المَقُولِ هو مَجْمُوعُ الجُمْلَتَيْنِ: جُمْلَةُ التَّشْبِيهِ، وجُمْلَةُ التَّمَنِّي. وضَمِيرُ الخِطابِ لِلْمُتَخَلِّفِينَ عَنِ الجِهادِ، وضَمِيرُ الغَيْبَةِ في (وبَيْنَهُ) لِلرَّسُولِ. وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ ضَمِيرُ الخِطابِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وضَمِيرُ الغَيْبَةِ لِلْقائِلِ. وإمّا أنْ لا يَكُونَ لَها مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ لِكَوْنِها اعْتِراضًا في الأصْلِ بَيْنَ جُمْلَةِ الشَّرْطِ وجُمْلَةِ القَسَمِ، وأُخِّرَتْ والنِّيَّةُ بِها التَّوَسُّطُ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ. أوْ لِكَوْنِها اعْتِراضًا بَيْنَ (لَيَقُولَنَّ) ومَعْمُولِهِ الَّذِي هو جُمْلَةُ التَّمَنِّي، ولَيْسَ اعْتِراضًا يَتَعَلَّقُ بِمَضْمُونِ (p-٢٩٤)هَذِهِ الجُمْلَةِ المُتَأخِّرَةِ، بَلْ يَتَعَلَّقُ بِمَضْمُونِ الجُمْلَتَيْنِ، والضَّمِيرُ لِلْخِطابِ هو لِلْمُؤْمِنِينَ، وفي (بَيْنَهُ) لِلْقائِلِ. واعْتَرَضَ بِهِ بَيْنَ أثْناءَ الحَمْلَةِ الأخِيرَةِ، ولَمْ يَتَأخَّرْ بَعْدَها، وإنْ كانَ مِن حَيْثُ المَعْنى مُتَأخِّرًا إذْ مَعْناهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَضْمُونِ الجُمْلَتَيْنِ؛ لِأنَّ مَعْمُولَ القَوْلِ النِّيَّةُ بِهِ التَّقْدِيمُ، لَكِنَّهُ حَسَّنَ تَأْخِيرَهُ كَوْنُهُ وقَعَ فاصِلَةً. ولَوْ تَأخَّرَتْ جُمْلَةُ الِاعْتِراضِ لَمْ يَحْسُنْ لِكَوْنِها لَيْسَتْ فاصِلَةٌ؛ والتَّقْدِيرُ: لَيَقُولَنَّ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَأفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا كَأنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ؛ إذْ صَدَرَ مِنهُ قَوْلُهُ وقْتَ المُصِيبَةِ: قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهم شَهِيدًا. وقَوْلُهُ وقْتَ الغَنِيمَةِ: يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم؛ وهَذا قَوْلُ مَن لَمْ تَسْبِقْ مِنهُ مَوَدَّةٌ لَكم.
وفِي الآيَتَيْنِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم لا يَعُدُّونَ مِنَ المَنحِ إلّا أغْراضَ الدُّنْيا، يَفْرَحُونَ بِما يَنالُونَ مِنها، ولا مِنَ المِحَنِ إلّا مَصائِبَها فَيَتَألَّمُونَ لِما يُصِيبُهم مِنها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأمّا الإنْسانُ إذا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ﴾ [الفجر: ١٥] الآيَةَ. وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ أنْواعًا مِنَ الفَصاحَةِ والبَدِيعِ: دُخُولُ حَرْفِ الشَّرْطِ عَلى ما لَيْسَ بِشَرْطٍ في الحَقِيقَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ﴾ [النساء: ٥٩] . والإشارَةُ في: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [النساء: ٥٩]، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ﴾ [النساء: ٦٣]، ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ﴾ [النساء: ٦٩]، ﴿وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]، ﴿ذَلِكَ الفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٠] .
والِاسْتِفْهامُ المُرادُ بِهِ التَّعَجُّبُ في: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ [النساء: ٦٠] . والتَّجْنِيسُ المُغايِرُ في: ﴿أنْ يُضِلَّهم ضَلالًا﴾ [النساء: ٦٠]، وفي: ﴿أصابَتْهم مُصِيبَةٌ﴾ [النساء: ٦٢]، وفي: ﴿وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ قَوْلًا﴾ [النساء: ٦٣]، وفي: ﴿يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء: ٦١]، وفي: ﴿ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، وفي: ﴿فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ﴾ [النساء: ٧٢]، وفي: ﴿فَأفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ . والِاسْتِعارَةُ في: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، أصْلُ المُنازَعَةِ الجَذْبُ بِاليَدِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلتَّنازُعِ في الكَلامِ. وفي: ﴿ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠] اسْتَعارَ البُعْدَ المُخْتَصَّ بِالأزْمِنَةِ والأمْكِنَةِ لِلْمَعانِي المُخْتَصَّةِ بِالقُلُوبِ لِدَوامِ القُلُوبِ عَلَيْها. وفي: ﴿فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] اسْتَعارَ ما اشْتَبَكَ وتَضايَقَ مِنَ الشَّجَرِ لِلْمُنازَعَةِ الَّتِي يَدْخُلُ بِها بَعْضُ الكَلامِ في بَعْضٍ اسْتِعارَةَ المَحْسُوسِ لِلْمَعْقُولِ
و﴿فِي أنْفُسِهِمْ حَرَجًا﴾ [النساء: ٦٥] أطْلَقَ اسْمَ الحَرَجِ الَّذِي هو مِن وصْفِ الشَّجْرِ إذا تَضايَقَ عَلى الأمْرِ الَّذِي يَشُقُّ عَلى النَّفْسِ لِلْمُناسَبَةِ الَّتِي بَيْنَهُما وهو مِنَ الضِّيقِ والتَّتْمِيمِ، وهو أنْ يَتْبَعَ الكَلامَ كَلِمَةٌ تَزِيدُ المَعْنى تَمُكُّنًا وبَيانًا لِلْمَعْنى المُرادِ وهو في قَوْلِهِ ﴿قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء: ٦٣] أيْ: يَبْلُغُ إلى قُلُوبِهِمْ ألَمُهُ أوْ بالِغًا في زَجْرِهِمْ. وزِيادَةُ الحَرْفِ لِزِيادَةِ المَعْنى في: ﴿مِن رَسُولٍ﴾ [النساء: ٦٤] أتَتْ لِلِاسْتِغْراقِ إذْ لَوْ لَمْ تَدْخُلْ (لا) وهُمُ الواحِدُ. والتَّكْرارُ في: (اسْتَغْفَرَ) و(اسْتَغْفَرُوا) أنْفُسُهم، و﴿فِي أنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٦٣] واسْمُ اللَّهِ في مَواضِعَ. والِالتِفاتُ في: ﴿واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ [النساء: ٦٤] . والتَّوْكِيدُ بِالمَصْدَرِ في: ﴿ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] . والتَّقْسِيمُ البَلِيغُ في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩] . وإسْنادُ الفِعْلِ إلى ما لا يَصِحُّ وُقُوعُهُ مِنهُ حَقِيقَةً في: ﴿أصابَتْكم مُصِيبَةٌ﴾ [النساء: ٧٢]، و﴿أصابَكم فَضْلٌ﴾ . وجَعْلُ الشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ ولَيْسَ مِنهُ لِمُناسَبَةٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء: ٧٢] . والِاعْتِراضُ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ في قَوْلِهِ: كَأنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ. والحَذْفُ في مَواضِعَ ﴿فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ ومَن يُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٧٤] ﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أخْرِجْنا مِن هَذِهِ القَرْيَةِ الظّالِمِ أهْلُها واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ ولِيًّا واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٧٥] ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ الطّاغُوتِ فَقاتِلُوا أوْلِياءَ الشَّيْطانِ إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦] ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكم وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ إذا فَرِيقٌ مِنهم يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أوْ أشَدَّ خَشْيَةً وقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ لَوْلا أخَّرْتَنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ والآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى ولا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٧٧] ﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ ولَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨] (p-٢٩٥)إدْراكُ الشَّيْءِ الوُصُولُ إلَيْهِ، ونَيْلُهُ. البُرْجُ الحَصِنُ، وقِيلَ القَصْرُ. والبُرُوجُ: مَنازِلُ القَمَرِ، وكُلُّها مِن بَرَجَ إذا ظَهَرَ، ومِنهُ التَّبَرُّجُ، وهو إظْهارُ المَرْأةِ مَحاسِنَها، والبَرَجُ في العَيْنِ اتِّساعُها. المُشَيَّدُ: المَصْنُوعُ بِالشِّيدِ، وهو الجِصُّ. يُقالُ: شادَ، وشَيَّدَ كَرَّرَ العَيْنَ لِلْمُبالَغَةِ، كَكَسَرْتُ العُودَ مَرَّةً، وكَسَّرْتُهُ في مَواضِعَ، وخَرَقْتُ الثَّوْبَ، وخَرَّقْتُهُ إذا كانَ الخَرِقُ مِنهُ في مَواضِعَ؛ فَعَلى هَذا يُقالُ: شادَ الجِدارَ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎شادَهُ مَرْمَرًا وجَلَّلَهُ كَلْـ ∗∗∗ ـسًا فَلِلطَّيْرِ في ذُراهُ وُكُورُ
والمُشَيَّدُ: المُطَوَّلُ المَرْفُوعُ يُقالُ: شَيَّدَ، وأشادَ البِناءَ رَفَعَهُ، وطَوَّلَهُ، ومِنهُ أشادَ الرَّجُلُ ذِكْرَ الرَّجُلِ إذا رَفَعَهُ. الفِقْهُ: الفَهْمُ. يُقالُ: فَقِهْتُ الحَدِيثَ إذا فَهِمْتُهُ، وفَقُهَ الرَّجُلُ صارَ فَقِيهًا.
النساء 4:74
﴿فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ﴾ قِيلَ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ أُحُدٍ. ويَشْرُونَ بِمَعْنى يَشْتَرُونَ. والمَعْنى: أخْلَصُوا الإيمانَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، ثُمَّ جاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ. وقِيلَ نَزَلَتْ في المُؤْمِنِينَ المُتَخَلِّفِينَ ويَشْرُونَ بِمَعْنى يَبْغُونَ ويُؤْثِرُونَ الآجِلَةَ عَلى العاجِلَةِ ويَسْتَبْدِلُونَها بِها أمْرَ اللَّهِ بِالجِهادِ مَن تَخَلَّفَ مِن ضَعَفَةِ المُؤْمِنِينَ.
﴿ومَن يُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ثُمَّ وعَدَ مَن قاتَلَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِالأجْرِ العَظِيمِ، سَواءٌ اسْتُشْهِدَ، أوْ غُلِبَ. واكْتَفى في الحالَتَيْنِ بِالغايَةِ؛ لِأنَّ غايَةَ المَغْلُوبِ في القِتالِ أنْ يُقْتَلَ، وغايَةُ الَّذِي يَقْتُلُ أنْ يَغْلِبَ ويَغْنَمَ، فَأشْرَفُ الحالَتَيْنِ ما بُدِئَ بِهِ مِن ذِكْرِ الِاسْتِشْهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ، ويَلِيها أنْ يَقْتُلَ أعْداءَ اللَّهِ، ودُونَ ذَلِكَ الظَّفَرُ بِالغَنِيمَةِ، ودُونَ ذَلِكَ أنْ يَغْزُوَ فَلا يُصِيبَ، ولا يُصابَ. ولَفْظُ الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ يَشْمَلُ هَذِهِ الأحْوالَ. والأجْرُ العَظِيمُ فُسِّرَ بِالجَنَّةِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ مَزِيدُ ثَوابٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى مِثْلَ كَوْنِهِمْ أحْياءً عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ؛ لِأنَّ الجَنَّةَ مَوْعُودٌ دُخُولُها بِالإيمانِ. وكَأنَّ الَّذِي فَسَّرَهُ بِالجَنَّةِ يَنْظُرُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] الآيَةَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَلْيُقاتِلْ﴾ بِسُكُونِ لامِ الأمْرِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: بِكَسْرِها عَلى الأصْلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَيُقْتَلْ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ مُحارِبُ بْنُ دِثارٍ: فَيَقْتُلْ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ. وأدْغَمَ (يَغْلِبْ) في الفاءِ أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وهِشامٌ، وخَلّادٌ بِخِلافٍ عَنْهُ، وأظْهَرَها باقِي السَّبْعَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: نُؤْتِيهِ بِالنُّونِ. وقَرَأ الأعْمَشُ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: يُؤْتِيهِ بِالياءِ.
النساء 4:75
﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أخْرِجْنا مِن هَذِهِ القَرْيَةِ الظّالِمِ أهْلُها واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ ولِيًّا واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ فِيهِ حَثٌّ وتَحْرِيضٌ عَلى الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وعَلى تَخْلِيصِ المُسْتَضْعَفِينَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا تُقاتِلُونَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وما لَكَمْ في أنْ لا تُقاتِلُوا، فَلَمّا حُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ، وحُذِفَ أنْ ارْتَفَعَ الفِعْلُ ”والمُسْتَضْعَفِينَ“ هو مَعْطُوفٌ عَلى اسْمِ اللَّهِ؛ أيْ وفي سَبِيلِ المُسْتَضْعَفِينَ. وقالَ المُبَرِّدُ والزَّجّاجُ: هو مَعْطُوفٌ عَلى سَبِيلِ اللَّهِ؛ أيْ في سَبِيلِ اللَّهِ وفي خَلاصِ المُسْتَضْعَفِينَ.
وقَرَأ ابْنُ شِهابٍ: في سَبِيلِ اللَّهِ المُسْتَضْعَفِينَ بِغَيْرِ واوِ عَطْفٍ. فَإمّا أنْ يَخْرُجَ عَلى إضْمارِ حَرْفِ العَطْفِ، وإمّا عَلى البَدَلِ مِن سَبِيلِ اللَّهِ؛ أيْ في سَبِيلِ اللَّهِ سَبِيلِ المُسْتَضْعَفِينَ؛ لِأنَّهُ سَبِيلُ اللَّهِ تَعالى. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ: والمُسْتَضْعَفِينَ مَنصُوبًا عَلى الِاخْتِصاصِ يَعْنِي: واخْتَصَّ مِن سَبِيلِ اللَّهِ خَلاصَ المُسْتَضْعَفِينَ؛ لِأنَّ سَبِيلَ اللَّهِ عامٌّ في كُلِّ خَيْرٍ، وخَلاصُ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُسْلِمِينَ مِن أيْدِي الكُفّارِ مِن أعْظَمِ الخَيْرِ وأخَصِّهِ، انْتَهى كَلامُهُ. ولا حاجَةَ إلى تَكَلُّفِ نَصْبِهِ عَلى الِاخْتِصاصِ؛ إذْ هو خِلافُ الظّاهِرِ.
ويَعْنِي بِالمُسْتَضْعَفِينَ مَن كانَ بِمَكَّةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ تَحْتَ إذْلالِ قُرَيْشٍ وأذاهم إذْ كانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ خُرُوجًا، ولا تَطِيبُ لَهم (p-٢٩٦)عَلى الأذى إقامَةٌ. ومِنَ المُسْتَضْعَفِينَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ، وأُمُّهُ، وقَدْ دَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّجاةِ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وسَمّى مِنهم: الوَلِيدَ بْنَ الوَلِيدِ، وسَلَمَةَ بْنَ هِشامٍ، وعَيّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ. وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ﴾ تَبْيِينٌ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ.
والظّاهِرُ أنَّ الوِلْدانَ المُرادُ بِهِ الصِّبْيانُ، وهو جَمْعُ ولِيدٍ. قِيلَ: وقَدْ يَكُونُ جَمْعَ ولَدٍ، كَوَرَلٍ ووِرْلانٍ. ونَبَّهَ عَلى الوِلْدانِ تَسْجِيلًا بِإفْراطِ ظُلْمِ مَن ظَلَمَهم؛ وهم غَيْرُ مُكَلَّفِينَ لِيَتَأذّى بِذَلِكَ آباؤُهم، ولِأنَّهم كانُوا يُشْرِكُونَ آباءَهم في الدُّعاءِ طَلَبًا لِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى، وتَخْلِيصِهِمْ مِن أذى الكُفّارِ. وهم أقْرَبُ إلى الإجابَةِ حَيْثُ لَمْ تَكُنْ لَهم ذُنُوبٌ كَما فَعَلَ قَوْمُ يُونُسَ، وكَما هي السُّنَّةُ في خُرُوجِ الصِّبْيانِ في العِيدِ؛ لِأنَّهُ يُطْلَقُ عَلى العَبْدِ ولِيدٌ، وعَلى الأمَةِ ولِيدَةٌ، وغَلَبَ المُذَكَّرُ عَلى المُؤَنَّثِ إذْ دَرَجَ المُؤَنَّثُ في الجَمْعِ الِاسْتِسْقاءَ. وقِيلَ المُرادُ بِقَوْلِهِ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ الأحْرارُ وبِالوِلْدانِ العَبِيدُ لِأنَّهُ يُطْلَقُ عَلى العَبْدِ ولِيدٌ وعَلى الأمَةِ ولِيدَةٌ، وغَلَبَ المُذَكَّرُ ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أخْرِجْنا﴾ لَيْسَ لَهم مِنَ القُوَّةِ والمَنَعَةِ مِنَ الظُّلْمِ إلّا بِالدُّعاءِ والِاسْتِنْصارِ بِاللَّهِ تَعالى والقَرْيَةُ هُنا مَكَّةُ بِإجْماعٍ.
وتَكَلَّمُوا في جَرَيانِ الظّالِمِ، وهو مُذَكَّرٌ عَلى القَرْيَةِ، وهو مُؤَنَّثٌ، وهَذا مِن واضِحِ النَّحْوِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَوْ أُنِّثَ فَقِيلَ الظّالِمَةِ، أوْ جُمِعَ فَقِيلَ الظّالِمِينَ، وأجابَ عَنْ ذَلِكَ وهَذا لَمْ يُقْرَأْ بِهِ؛ فَيُحْتاجُ إلى الكَلامِ فِيهِ. ولَوْ تَعَرَّضْنا لِما يَجُوزُ في العَرَبِيَّةِ في تَراكِيبِ القُرْآنِ لَطالَ ذَلِكَ، وخَرَجْنا بِهِ عَنْ طَرِيقَةِ التَّفْسِيرِ. ووَصَفَ أهْلَها بِالظُّلْمِ إمّا لِإشْراكِهِمْ، وإمّا لِما حَصَلَ مِنهم مِن شِدَّةِ الوَطْأةِ عَلى المُؤْمِنِينَ وإذْلالِهِمْ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والآيَةُ تَتَناوَلُ المُؤْمِنِينَ والأسْرى، وحَواضِرَ الشِّرْكِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ انْتَهى. ولَمّا دَعَوْا رَبَّهم أجابَ كَثِيرًا مِنهم في الخُرُوجِ؛ فَهاجَرَ بَعْضُهم إلى المَدِينَةِ، وفَرَّ بَعْضُهم إلى الحَبَشَةِ، وبَقِيَ بَعْضُهم إلى الفَتْحِ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى اسْتَجابَ دُعاءَهم؛ فَجَعَلَ لَهم مِن لَدُنْهُ خَيْرَ ولِيٍّ وناصِرٍ؛ وهو مُحَمَّدٌ؛ فَتَوَلّاهم أحْسَنَ التَّوَلِّي، ونَصَرَهم أقْوى النَّصْرِ. ولَمّا خَرَجَ مِن مَكَّةَ ولّى عَلَيْهِمْ عَتّابَ بْنَ أُسَيْدٍ، وعُمْرُهُ واحِدٌ وعِشْرُونَ سَنَةً، فَرَأوْا مِنهُ الوِلايَةَ والنَّصْرَ كَما سَألُوا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ يُنْصِفُ الضَّعِيفَ مِنَ القَوِيِّ، حَتّى كانُوا أعَزَّ بِها مِنَ الظَّلَمَةِ.
النساء 4:76
﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ الطّاغُوتِ فَقاتِلُوا أوْلِياءَ الشَّيْطانِ إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ . لَمّا أمَرَ تَعالى المُؤْمِنِينَ أوَّلًا بِالنَّفْرِ إلى الجِهادِ ثُمَّ ثانِيًا بِقَوْلِهِ: ﴿فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٤] ثُمَّ ثالِثًا عَلى طَرِيقِ الحَثِّ والحَضِّ بِقَوْلِهِ: ﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ﴾ [النساء: ٧٥] أخْبَرَ في هَذِهِ الآيَةِ بِالتَّقْسِيمِ أنَّ المُؤْمِنَ هو الَّذِي يُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ، وأنَّ الكافِرَ هو الَّذِي يُقاتِلُ في سَبِيلِ الطّاغُوتِ، لِيُبَيِّنَ لِلْمُؤْمِنِينَ فَرْقَ ما بَيْنَهم وبَيْنَ الكُفّارِ، ويُقَوِّيَهم بِذَلِكَ ويُشَجِّعَهم ويُحَرِّضَهم. وإنَّ مَن قاتَلَ في سَبِيلِ اللَّهِ هو الَّذِي يَغْلِبُ؛ لِأنَّ اللَّهَ هو ولِيُّهُ وناصِرُهُ. ومَن قاتَلَ في سَبِيلِ اللَّهِ الطّاغُوتِ فَهو المَخْذُولُ المَغْلُوبُ. والطّاغُوتُ هُنا الشَّيْطانُ؛ لِقَوْلِهِ: فَقاتِلُوا أوْلِياءَ الشَّيْطانِ. وهُنا مَحْذُوفٌ، التَّقْدِيرُ: فَقاتِلُوا أوْلِياءَ الشَّيْطانِ فَإنَّكم لِقُوَّتِكم بِاللَّهِ، ثُمَّ عَلَّلَ هَذا المَحْذُوفَ، وهو غَلَبَتُكم إيّاهم بِأنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ ضَعِيفٌ؛ فَلا يُقاوِمُ نَصْرَ اللَّهِ وتَأْيِيدَهُ؛ وشَتّانَ بَيْنِ عَزْمٍ يَرْجِعُ إلى إيمانٍ بِاللَّهِ وبِما وعَدَ عَلى الجِهادِ، وعَزْمٍ يَرْجِعُ إلى غُرُورٍ وأمانٍ كاذِبَةٍ. ودَخَلَتْ كانَ في قَوْلِهِ: ﴿كانَ ضَعِيفًا﴾ إشْعارًا بِأنَّ هَذا الوَصْفَ سابِقٌ لِكَيْدِ الشَّيْطانِ، وأنَّهُ لَمْ يَزَلْ ضَعِيفًا. وقِيلَ هي بِمَعْنى أيْ صارَ ضَعِيفًا بِالإسْلامِ. وقَوْلُ مِن زَعَمَ: أنَّها زائِدَةٌ؛ لَيْسَ بِشَيْءٍ. وقالَ الحَسَنُ: أخْبَرَهم أنَّهم سَيَظْهَرُونَ عَلَيْهِمْ؛ فَلِذَلِكَ كانَ ضَعِيفًا.
النساء 4:77
(p-٢٩٧)﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكم وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ إذا فَرِيقٌ مِنهم يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أوْ أشَدَّ خَشْيَةً﴾ خَرَّجَ النَّسائِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وأصْحابًا لَهُ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ فَقالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ كُنّا في عِزٍّ، ونَحْنُ مُشْرِكُونَ؛ فَلَمّا آمَنّا صِرْنا أذِلَّةً. فَقالَ: إنِّي أُمِرْتُ بِالعَفْوِ فَلا تُقاتِلُوا القَوْمَ؛ فَلَمّا حَوَّلَهُ اللَّهُ تَعالى إلى المَدِينَةِ أمَرَهُ بِالقِتالِ فَكَفُّوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ» . ونَحْوُ هَذا رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ والسُّدِّيِّ، ومُقاتِلٍ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: نَزَلَتْ واصِفَةً أحْوالَ قَوْمٍ كانُوا في الزَّمَنِ المُتَقَدِّمِ. قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: كَأنَّهُ يُومِئُ إلى قِصَّةِ الَّذِينَ قالُوا: ﴿ابْعَثْ لَنا مَلِكًا﴾ [البقرة: ٢٤٦] .
وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ. وقالَ الحَسَنُ: في المُؤْمِنِينَ لِقَوْلِهِ: يَخْشَوْنَ النّاسَ؛ أيْ مُشْرِكِي مَكَّةَ. والخَشْيَةُ هي ما طُبِعَ عَلَيْهِ البَشَرُ مِنَ المَخافَةِ، لا عَلى المُخالَفَةِ. ونَحْوُ ما قالَ الحَسَنُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قالَ كَعَّ فَرِيقٌ مِنهم لا شَكًّا في الدِّينِ ولا رَغْبَةً عَنْهُ؛ ولَكِنْ نُفُورًا عَنِ الأخْطارِ بِالأرْواحِ، وخَوْفًا مِنَ المَوْتِ. وقالَ قَوْمٌ: كانَ كَثِيرٌ مِنَ العَرَبِ اسْتَحْسَنُوا الدُّخُولَ في الدِّينِ عَلى فَرائِضِهِ الَّتِي قَبْلَ القِتالِ مِنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، ونَحْوِها والمُوادَعَةِ، فَلَمّا نَزَلَ القِتالُ شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وجَزِعُوا لَهُ فَنَزَلَتْ.
ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالقِتالِ حِينَ طَلَبُوهُ وجَبَ امْتِثالُ أمْرِ اللَّهِ؛ فَلَمّا كَعَّ عَنْهُ بَعْضُهم قالَ تَعالى: ألا تَعْجَبُ يا مُحَمَّدُ مِن ناسٍ طَلَبُوا القِتالَ فَأُمِرُوا بِالمُوادَعَةِ؛ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ فَرِقَ فَرِيقٌ وجَزِعَ. ومَعْنى ﴿كُفُّوا أيْدِيَكُمْ﴾؛ أيْ عَنِ القِتالِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ: فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: لا يُقالُ (كُفُّوا) إلّا لِلرّاغِبِينَ فِيهِ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ. وقِيلَ يُرِيدُ المُنافِقِينَ. وإنَّما قالَ: كُفُّوا؛ لِأنَّهم كانُوا يُظْهِرُونَ الرَّغْبَةَ فِيهِ، انْتَهى.
وقالَ أيْضًا: ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ إيجابَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ كانَ مُقَدَّمًا عَلى إيجابِ الجِهادِ، وهَذا التَّرْتِيبُ هو المُطابِقُ لِما في العُقُولِ؛ لِأنَّ الصَّلاةَ عِبارَةٌ عَنِ التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ، والزَّكاةُ عِبارَةٌ عَنِ الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ. ولا شَكَّ أنَّهُما مُتَقَدِّمانِ عَلى الجِهادِ. والفَرِيقُ إمّا مُنافِقُونَ، وإمّا مُؤْمِنُونَ، أوْ ناسٌ في الزَّمانِ المُتَقَدِّمِ، أوْ أسْلَمُوا قَبْلَ فَرْضِ القِتالِ حَسَبَ اخْتِلافِ سَبَبِ النُّزُولِ. والنّاسُ هُنا أهْلُ مَكَّةَ قالَهُ الجُمْهُورُ، أوْ كُفّارُ أهْلِ الكِتابِ، ومُشْرِكُو العَرَبِ.
و(لَمّا) حَرْفُ وُجُوبٍ لِوُجُوبٍ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، وظَرْفُ زَمانٍ بِمَعْنى حِينَ عَلى مَذْهَبِ أبِي عَلِيٍّ. وإذا كانَتْ حَرْفًا، وهو الصَّحِيحُ فَجَوابُهُ إذا الفُجائِيَّةُ، وإذا كانَتْ ظَرْفًا فَيَحْتاجُ إلى عامِلٍ فِيها فَيَعْسُرُ؛ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَعْمَلَ ما بَعْدَ إذا الفُجائِيَّةِ فِيما قَبْلَها، ولا يُمْكِنُ أنْ يَعْمَلَ في لَمّا الفِعْلُ الَّذِي يَلِيها؛ لِأنَّ لَمّا هي مُضافَةٌ إلى الجُمْلَةِ بَعْدَها. فَقالَ بَعْضُهم: العامِلُ في لَمّا مَعْنى يَخْشَوْنَ، كَأنَّهُ قِيلَ جَزِعُوا. قالَ: وجَزِعُوا هو العامِلُ في (إذا) بِتَقْدِيرِ الِاسْتِقْبالِ. وهَذِهِ الآيَةُ مُشْكِلَةٌ؛ لِأنَّ فِيها ظَرْفَيْنِ أحَدُهُما لِما مَضى، والآخَرُ لِما يُسْتَقْبَلُ، انْتَهى. والَّذِي نَخْتارُهُ مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ في لَمّا، وأنَّها حَرْفٌ. ونَخْتارُ أنَّ إذا الفُجائِيَّةَ ظَرْفُ مَكانٍ يَصِحُّ أنْ يُجْعَلَ خَبَرًا لِلِاسْمِ المَرْفُوعِ بَعْدَهُ عَلى الِابْتِداءِ، ويَصِحُّ أنْ يُجْعَلَ مَعْمُولًا لِلْخَبَرِ. فَإذا قُلْتَ: لَمّا جاءَ زَيْدٌ إذا عَمْرٌو قائِمٌ، يَجُوزُ نَصْبُ قائِمٌ عَلى الحالِ. وإذا حَرْفٌ يَصِحُّ رَفْعُهُ عَلى الخَبَرِ، وهو عامِلٌ في إذا. وهُنا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إذا مَعْمُولًا لِيَخْشَوْنَ، ويَخْشَوْنَ خَبَرُ فَرِيقٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا، و(يَخْشَوْنَ) حالٌ مِن (فَرِيقٌ)، و(مِنهم) عَلى الوَجْهَيْنِ صِفَةٌ لِفَرِيقٍ. ومَن زَعَمَ أنَّ إذا هُنا ظَرْفُ زَمانٍ لِما يُسْتَقْبَلُ فَقَوْلُهُ فاسِدٌ؛ لِأنَّهُ إنْ كانَ العامِلُ فِيها ما قَبْلَها اسْتَحالَ؛ لِأنَّ (كُتِبَ) ماضٍ، و(إذا) لِلْمُسْتَقْبَلِ. وإنْ تُسُومِحَ فَجُعِلَتْ (إذا) بِمَعْنى إذْ صارَ التَّقْدِيرُ: فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ في وقْتِ خَشْيَةِ فَرِيقٍ مِنهم، وهَذا يَفْتَقِرُ إلى جَوابِ (لَمّا)، ولا جَوابَ لَها. وإنْ كانَ العامِلُ فِيها ما بَعْدَها احْتاجَتْ إلى جَوابٍ هو العامِلُ فِيها، ولا جَوابَ لَها. والقَوْلُ في إذا الفُجائِيَّةِ: أهِيَ ظَرْفُ زَمانٍ ؟ أمْ ظَرْفُ مَكانٍ ؟ أمْ حَرْفٌ مَذْكُورٌ في (p-٢٩٨)عِلْمِ النَّحْوِ ؟ والكافُ في ﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ. قِيلَ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ خَشْيَةً كَخَشْيَةِ اللَّهِ. وعَلى ما تَقَرَّرَ مِن مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ أنَّها عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ الخَشْيَةِ المَحْذُوفِ؛ أيْ يَخْشَوْنَها النّاسَ أيْ يَخْشَوْنَ الخَشْيَةَ النّاسَ مُشْبِهَةً خَشْيَةَ اللَّهِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَحَلٌّ كَخَشْيَةِ اللَّهِ مِنَ الإعْرابِ ؟ قُلْتُ: مَحَلُّها النَّصْبُ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في يَخْشَوْنَ أيْ يَخْشَوْنَ النّاسَ مِثْلَ أهْلِ خَشْيَةِ اللَّهِ؛ أيْ مُشْبِهِينَ لِأهْلِ خَشْيَةِ اللَّهِ. أوْ أشَدَّ خَشْيَةً، يَعْنِي: أوْ أشَدَّ خَشْيَةً مِن أهْلِ خَشْيَةِ اللَّهِ. و(أشَدَّ) مَعْطُوفٌ عَلى الحالِ. فَإنْ قُلْتَ: لِمَ عَدَلْتَ عَنِ الظّاهِرِ، وهو كَوْنُهُ صِفَةً لِلْمَصْدَرِ، ولَمْ تُقَدِّرْهُ: يَخْشَوْنَ خَشْيَةَ اللَّهِ بِمَعْنى مِثْلَ ما يُخْشى اللَّهُ ؟ قُلْتُ: أبى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أوْ أشَدَّ خَشْيَةً﴾؛ لِأنَّهُ وما عُطِفَ عَلَيْهِ في حُكْمٍ واحِدٍ. ولَوْ قُلْتَ: يَخْشَوْنَ النّاسَ أشَدَّ خَشْيَةً لَمْ يَكُنْ إلّا حالًا عَنْ ضَمِيرِ الفَرِيقِ، ولَمْ يَنْتَصِبِ انْتِصابَ المَصْدَرِ لِأنَّكَ لا تَقُولُ: خَشِيَ فُلانٌ أشَدَّ خَشْيَةً؛ فَتَنْصِبَ خَشْيَةً، وأنْتِ تُرِيدُ المَصْدَرَ؛ إنَّما تَقُولُ: أشَدَّ خَشْيَةٍ فَتَجُرُّها، وإذا نَصَبْتَها لَمْ يَكُنْ أشَدَّ خَشْيَةً إلّا عِبارَةً عَنِ الفاعِلِ حالًا مِنهُ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ تَجْعَلَ الخَشْيَةَ خاشِيَةً عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ: جِدُّ جِدِّهِ، فَتَزْعُمُ أنَّ مَعْناهُ يَخْشَوْنَ النّاسَ خَشْيَةً مِثْلَ خَشْيَةٍ أشَدَّ خَشْيَةً مِن خَشْيَةِ اللَّهِ. ويَجُوزُ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ مَحَلُّ (أشَدَّ) مَجْرُورًا عَطْفًا عَلى خَشْيَةِ اللَّهِ، يُرِيدُ: كَخَشْيَةِ اللَّهِ أوْ كَخَشْيَةٍ أشَدَّ خَشْيَةً مِنها، انْتَهى كَلامُهُ. وقَدْ يَصِحُّ خَشْيَةً، ولا يَكُونُ تَمْيِيزًا فَيَلْزَمُ مِن ذَلِكَ ما التَزَمَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، بَلْ يَكُونُ خَشْيَةً مَعْطُوفًا عَلى مَحَلِّ الكافِ، وأشَدَّ مَنصُوبًا عَلى الحالِ؛ لِأنَّهُ كانَ نَعْتَ نَكِرَةٍ تَقَدَّمَ عَلَيْها فانْتَصَبَ عَلى الحالِ والتَّقْدِيرُ: يَخْشَوْنَ النّاسَ مِثْلَ خَشْيَةِ اللَّهِ أوْ خَشْيَةً أشَدَّ مِنها. وقَدْ ذَكَرْنا هَذا التَّخْرِيجَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ أشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠]، وأوْضَحْناهُ هُناكَ.
وخَشْيَةُ اللَّهِ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ والفاعِلُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ كَخَشْيَتِهِمُ اللَّهَ. وأوْ عَلى بابِها مِنَ الشَّكِّ في حَقِّ المُخاطَبِ، وقِيلَ لِلْإبْهامِ عَلى المُخاطَبِ. وقِيلَ لِلتَّخْيِيرِ. وقِيلَ بِمَعْنى الواوِ. وقِيلَ بِمَعْنى بَلْ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الأقْوالِ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ أشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤]، ولَوْ قِيلَ إنَّها لِلتَّنْوِيهِ، لَكانَ قَوْلًا يَعْنِي: أنَّ مِنهم مَن يَخْشى النّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ، ومِنهم مَن يَخْشاهم خَشْيَةً تَزِيدُ عَلى خَشْيَتِهِمُ اللَّهَ.
* *
﴿وقالُوا رَبَّنا لَمْ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ لَوْلا أخَّرْتَنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ الظّاهِرُ أنَّ القائِلِينَ هَذا: هم مُنافِقُونَ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى إذا أمَرَ بِشَيْءٍ لا يَسْألُ عَنْ عِلَّتِهِ مَن هو خالِصُ الإيمانِ، ولِهَذا جاءَ السِّياقُ بَعْدَهُ: ﴿وإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ﴾، وهَذا لا يَصْدُرُ إلّا مِن مُنافِقٍ. و(لَوْلا) لِلتَّحْضِيضِ بِمَعْنى هَلّا، وهي كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ. والأجَلُ القَرِيبُ هُنا هو مَوْتُهم عَلى فُرُشِهِمْ كَذا قالَهُ المُفَسِّرُونَ. وذُكِرَ في حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: لَوْلا أخَّرْتَنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ فَنَمُوتَ حَتْفَ أنْفِنا، ولا نُقْتَلَ، فَتُسَرُّ بِذَلِكَ الأعْداءُ. ومَن قالَ: إنَّهُ مِن قَوْلِ المُؤْمِنِينَ، فَيَكُونُونَ قَدْ طَلَبُوا التَّأْخِيرَ في كُتُبِ القِتالِ إلى وقْتِ ظُهُورِ الإسْلامِ (p-٢٩٩)وكَثْرَتِهِ، وهو بَعِيدٌ؛ لِأنَّ لَفْظَ (لَمْ) رُدَّ في صَدْرِ أمْرِ اللَّهِ وعَدَمِ اسْتِسْلامِهِمْ لَهُ مَعَ قَوْلِهِمْ: وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَوْلا أخَّرْتَنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ اسْتِزادَةٌ في مُدَّةِ الكَفِّ، واسْتِمْهالٌ إلى وقْتٍ آخَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ فَأصَّدَّقَ﴾ [المنافقون: ١٠] . وقالَ الرّاغِبُ: وقالُوا رَبَّنا لَمْ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَفَوَّهُوا بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اعْتَقَدُوهُ، وقالُوا في أنْفُسِهِمْ، فَحَكى تَعالى ذَلِكَ عَنْهم تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم لَمّا اسْتَصْعَبُوا ذَلِكَ دَلَّ اسْتِصْعابُهم عَلى أنَّهم غَيْرُ واثِقِينَ بِأحْوالِهِمْ.
﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ والآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى كَوْنِ مَتاعِ الدُّنْيا قَلِيلًا في قَوْلِهِ: ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ [آل عمران: ١٩٧]، وإنَّما قَلَّ؛ لِأنَّهُ فانٍ، ونَعِيمُ الآخِرَةِ مُؤَبَّدٌ، فَهو خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى اللَّهَ، وامْتَثَلَ أمْرَهُ في ما أحَبَّ، وفي ما كانَ شاقًّا مِن قِتالٍ وغَيْرِهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وابْنُ كَثِيرٍ ﴿ولا يُظْلَمُونَ﴾ [النساء: ٤٩] بِالياءِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، وهو التِفاتٌ؛ أيْ لا تُنْقَصُونَ مِن أُجُورِ أعْمالِكم، ومَشاقِّ التَّكالِيفِ أدْنى شَيْءٍ؛ فَلا تَرْغَبُوا عَنِ الأجْرِ.
﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ المَوْتُ ولَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾؛ أيْ هَذا التَّأخُّرُ الَّذِي سَألُوهُ لا فائِدَةَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ لا مُنْجِيَ مِنَ المَوْتِ سَواءٌ أكانَ بِقَتْلٍ أمْ بِغَيْرِهِ، فَلا فائِدَةَ في خَوَرِ الطَّبْعِ، وحُبِّ الحَياةِ. وتَحْتَمِلُ هَذِهِ الجُمْلَةُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَحْتَ مَعْمُولِ قُلْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنَ اللَّهِ مُسْتَأْنَفًا بِأنَّهُ لا يَنْجُو مِنَ المَوْتِ أحَدٌ. والبُرُوجُ هُنا القُصُورُ في الأرْضِ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُرَيْجٍ والجُمْهُورُ. أوِ القُصُورُ مِن حَدِيدٍ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. أوْ قُصُورٌ في سَماءِ الدُّنْيا مَبْنِيَّةٌ قالَهُ السُّدِّيُّ. أوِ الحُصُونُ والآكامُ والقِلاعُ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. أوِ البُيُوتُ الَّتِي تَكُونُ فَوْقَ الحُصُونِ قالَهُ بَعْضُهم. أوْ بُرُوجُ السَّماءِ الَّتِي هي مَنازِلُ القَمَرِ؛ قالَهُ الرَّبِيعُ وأنَسٌ والثَّوْرِيُّ، وحَكاهُ ابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ. وقالَ: ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ [البروج: ١]، وجَعَلَ فِيها بُرُوجًا ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ [الحجر: ١٦]، وقالَ زُهَيْرٌ:
؎ومَن هابَ أسْبابَ المَنِيَّةِ يَلْقَها ولَوْ رامَ أسْبابَ السَّماءِ بِسُلَّمِ
مُشَيَّدَةٌ مُطَوَّلَةٌ؛ قالَهُ أبُو مالِكٍ ومُقاتِلٌ وابْنُ قُتَيْبَةَ والزَّجّاجُ. أوْ مَطْلِيَّةٌ بِالشِّيدِ؛ قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. أوْ حَصِينَةٌ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ. ومَن قالَ: إنَّها بُرُوجٌ في السَّماءِ؛ فَلِأنَّها بِيضٌ شَبَّهَها بِالمِبْيَضِ بِالشِّيدِ، ولِهَذا قالَ الَّذِي هي قُصُورٌ بِيضٌ في السَّماءِ مَبْنِيَّةٌ.
والجَزْمُ في يُدْرِكْكم عَلى جَوابِ الشَّرْطِ، وأيْنَما تَدُلُّ عَلى العُمُومِ، وكَأنَّهُ قِيلَ في أيِّ مَكانٍ تَكُونُونَ فِيهِ أدْرَكَكُمُ المَوْتُ. ولَوْ هُنا بِمَعْنى إنْ، وجاءَتْ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ النَّجاةِ مِنَ المَوْتِ بِتَقْدِيرِ: إنْ لَوْ كانُوا في بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ، ولِإظْهارِ اسْتِقْصاءِ العُمُومِ في أيْنَما. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ: يُدْرِكُكم بِرَفْعِ الكافَيْنِ، وخَرَّجَهُ أبُو الفَتْحِ: عَلى حَذْفِ فاءِ الجَوابِ؛ أيْ فَيُدْرِكُكُمُ المَوْتُ، وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: حُمِلَ عَلى ما يَقَعُ مَوْقِعَ ﴿أيْنَما تَكُونُوا﴾، وهو: أيْنَما كُنْتُمْ كَما حُمِلَ، ولا ناعِبَ عَلى ما يَقَعُ مَوْقِعَ لَيْسُوا مُصْلِحِينَ، وهو لَيْسُوا بِمُصْلِحِينَ. فَرُفِعَ كَما رَفَعَ زُهَيْرٌ يَقُولُ: لا غائِبَ ما لِي ولا حَرَمٌ. وهو قَوْلُ نَحْوِيٍّ سِيبَوَيْهِيٍّ، انْتَهى.
ويَعْنِي: أنَّهُ جَعَلَ ﴿يُدْرِكُكُمُ﴾ ارْتَفَعَ لِكَوْنِ ﴿أيْنَما تَكُونُوا﴾ في مَعْنى أيْنَما كُنْتُمْ، بِتَوَهُّمِ أنَّهُ نَطَقَ بِهِ. وذَلِكَ أنَّهُ مَتى كانَ فِعْلُ الشَّرْطِ ماضِيًا في اللَّفْظِ فَإنَّهُ يَجُوزُ في المُضارِعِ بَعْدَهُ وجْهانِ: أحَدُهُما: الجَزْمُ عَلى الجَوابِ. والثّانِي: الرَّفْعُ. وفي تَوْجِيهِ الرَّفْعِ خِلافٌ. الأصَحُّ أنَّهُ لَيْسَ الجَوابَ، بَلْ ذَلِكَ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ والجَوابُ مَحْذُوفٌ. وإذا حُذِفَ الجَوابُ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ فِعْلُ الشَّرْطِ ماضِيَ اللَّفْظِ؛ فَتَخْرِيجُ هَذِهِ القِراءَةِ عَلى هَذا يَأْباهُ كَوْنُ فِعْلِ الشَّرْطِ مُضارِعًا. وحَمْلُهُ عَلى (ولا ناعِبَ) لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ (ولا ناعِبَ) عَطْفٌ عَلى التَّوَهُّمِ والعَطْفُ عَلى التَّوَهُّمِ لا يَنْقاسُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْضًا، ويَجُوزُ أنْ يَتَّصِلَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾؛ أيْ لا تُنْقَصُونَ شَيْئًا مِمّا كُتِبَ (p-٣٠٠)مِن آجالِكم أيْنَما تَكُونُوا في مَلاحِمِ حُرُوبٍ أوْ غَيْرِها. ثُمَّ ابْتَدَأ بِقَوْلِهِ: ﴿يُدْرِكُكُمُ المَوْتُ ولَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ . والوَقْفُ عَلى هَذا الوَجْهِ ﴿أيْنَما تَكُونُوا﴾، انْتَهى كَلامُهُ. وهَذا تَخْرِيجٌ لَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ، لا مِن حَيْثُ المَعْنى، ولا مِن حَيْثُ الصِّناعَةُ النَّحْوِيَّةُ؛ أمّا مِن حَيْثُ المَعْنى فَإنَّهُ لا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾؛ لِأنَّ ظاهِرَ انْتِفاءِ الظُّلْمِ إنَّما هو في الآخِرَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ والآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى﴾
وأمّا مِن حَيْثُ الصِّناعَةُ النَّحْوِيَّةُ فَإنَّهُ عَلى ظاهِرِ كَلامِهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ ﴿أيْنَما تَكُونُوا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تُظْلَمُونَ﴾، ما فَسَّرَهُ مِن قَوْلِهِ؛ أيْ لا تُنْقَصُونَ شَيْئًا مِمّا كُتِبَ مِن آجالِكم أيْنَما تَكُونُوا في مَلاحِمِ الحَرْبِ أوْ غَيْرِها؛ وهَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ أيْنَما اسْمُ شَرْطٍ، فالعامِلُ فِيهِ إنَّما هو فِعْلُ الشَّرْطِ بَعْدَهُ. ولِأنَّ اسْمَ الشَّرْطِ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ عامِلُهُ، فَلا يُمْكِنُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ، ﴿ولا تُظْلَمُونَ﴾ . بَلْ إذا جاءَ نَحْوَ: اضْرِبْ زَيْدًا مَتى جاءَ، لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ النّاصِبُ لِمَتى اضْرِبْ. فَإنْ قالَ: يُقَدَّرُ لَهُ جَوابٌ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، وهو: ﴿ولا تُظْلَمُونَ﴾؛ كَما تُقَدَّرُ في اضْرِبْ زَيْدًا مَتى جاءَ؛ فالتَّقْدِيرُ: أيْنَما تَكُونُوا فَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا؛ أيْ فَلا يَنْقُصُ شَيْءٌ مِن آجالِكم، وحَذَفَهُ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ. قِيلَ لَهُ: لا يُحْذَفُ الجَوابُ إلّا إذا كانَ فِعْلُ الشَّرْطِ بِصِيغَةِ الماضِي، وفِعْلُ الشَّرْطِ هُنا مُضارِعٌ. تَقُولُ العَرَبُ: أنْتَ ظالِمٌ إنْ فَعَلْتَ، ولا تَقُلْ أنْتَ ظالِمٌ إنْ تَفْعَلْ. وقَرَأ نُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ: مَشِيدَةٌ بِكَسْرِ الياءِ وصْفًا لَها بِفِعْلِ فاعِلِها مَجازًا، كَما قالَ: قَصِيدَةٌ شاعِرَةٌ، وإنَّما الشّاعِرُ ناظِمُها.
النساء 4:78
(p-٢٩٧)﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكم وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ إذا فَرِيقٌ مِنهم يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أوْ أشَدَّ خَشْيَةً﴾ خَرَّجَ النَّسائِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وأصْحابًا لَهُ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ فَقالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ كُنّا في عِزٍّ، ونَحْنُ مُشْرِكُونَ؛ فَلَمّا آمَنّا صِرْنا أذِلَّةً. فَقالَ: إنِّي أُمِرْتُ بِالعَفْوِ فَلا تُقاتِلُوا القَوْمَ؛ فَلَمّا حَوَّلَهُ اللَّهُ تَعالى إلى المَدِينَةِ أمَرَهُ بِالقِتالِ فَكَفُّوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ» . ونَحْوُ هَذا رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ والسُّدِّيِّ، ومُقاتِلٍ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: نَزَلَتْ واصِفَةً أحْوالَ قَوْمٍ كانُوا في الزَّمَنِ المُتَقَدِّمِ. قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: كَأنَّهُ يُومِئُ إلى قِصَّةِ الَّذِينَ قالُوا: ﴿ابْعَثْ لَنا مَلِكًا﴾ [البقرة: ٢٤٦] .
وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ. وقالَ الحَسَنُ: في المُؤْمِنِينَ لِقَوْلِهِ: يَخْشَوْنَ النّاسَ؛ أيْ مُشْرِكِي مَكَّةَ. والخَشْيَةُ هي ما طُبِعَ عَلَيْهِ البَشَرُ مِنَ المَخافَةِ، لا عَلى المُخالَفَةِ. ونَحْوُ ما قالَ الحَسَنُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قالَ كَعَّ فَرِيقٌ مِنهم لا شَكًّا في الدِّينِ ولا رَغْبَةً عَنْهُ؛ ولَكِنْ نُفُورًا عَنِ الأخْطارِ بِالأرْواحِ، وخَوْفًا مِنَ المَوْتِ. وقالَ قَوْمٌ: كانَ كَثِيرٌ مِنَ العَرَبِ اسْتَحْسَنُوا الدُّخُولَ في الدِّينِ عَلى فَرائِضِهِ الَّتِي قَبْلَ القِتالِ مِنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، ونَحْوِها والمُوادَعَةِ، فَلَمّا نَزَلَ القِتالُ شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وجَزِعُوا لَهُ فَنَزَلَتْ.
ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالقِتالِ حِينَ طَلَبُوهُ وجَبَ امْتِثالُ أمْرِ اللَّهِ؛ فَلَمّا كَعَّ عَنْهُ بَعْضُهم قالَ تَعالى: ألا تَعْجَبُ يا مُحَمَّدُ مِن ناسٍ طَلَبُوا القِتالَ فَأُمِرُوا بِالمُوادَعَةِ؛ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ فَرِقَ فَرِيقٌ وجَزِعَ. ومَعْنى ﴿كُفُّوا أيْدِيَكُمْ﴾؛ أيْ عَنِ القِتالِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ: فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: لا يُقالُ (كُفُّوا) إلّا لِلرّاغِبِينَ فِيهِ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ. وقِيلَ يُرِيدُ المُنافِقِينَ. وإنَّما قالَ: كُفُّوا؛ لِأنَّهم كانُوا يُظْهِرُونَ الرَّغْبَةَ فِيهِ، انْتَهى.
وقالَ أيْضًا: ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ إيجابَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ كانَ مُقَدَّمًا عَلى إيجابِ الجِهادِ، وهَذا التَّرْتِيبُ هو المُطابِقُ لِما في العُقُولِ؛ لِأنَّ الصَّلاةَ عِبارَةٌ عَنِ التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ، والزَّكاةُ عِبارَةٌ عَنِ الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ. ولا شَكَّ أنَّهُما مُتَقَدِّمانِ عَلى الجِهادِ. والفَرِيقُ إمّا مُنافِقُونَ، وإمّا مُؤْمِنُونَ، أوْ ناسٌ في الزَّمانِ المُتَقَدِّمِ، أوْ أسْلَمُوا قَبْلَ فَرْضِ القِتالِ حَسَبَ اخْتِلافِ سَبَبِ النُّزُولِ. والنّاسُ هُنا أهْلُ مَكَّةَ قالَهُ الجُمْهُورُ، أوْ كُفّارُ أهْلِ الكِتابِ، ومُشْرِكُو العَرَبِ.
و(لَمّا) حَرْفُ وُجُوبٍ لِوُجُوبٍ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، وظَرْفُ زَمانٍ بِمَعْنى حِينَ عَلى مَذْهَبِ أبِي عَلِيٍّ. وإذا كانَتْ حَرْفًا، وهو الصَّحِيحُ فَجَوابُهُ إذا الفُجائِيَّةُ، وإذا كانَتْ ظَرْفًا فَيَحْتاجُ إلى عامِلٍ فِيها فَيَعْسُرُ؛ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَعْمَلَ ما بَعْدَ إذا الفُجائِيَّةِ فِيما قَبْلَها، ولا يُمْكِنُ أنْ يَعْمَلَ في لَمّا الفِعْلُ الَّذِي يَلِيها؛ لِأنَّ لَمّا هي مُضافَةٌ إلى الجُمْلَةِ بَعْدَها. فَقالَ بَعْضُهم: العامِلُ في لَمّا مَعْنى يَخْشَوْنَ، كَأنَّهُ قِيلَ جَزِعُوا. قالَ: وجَزِعُوا هو العامِلُ في (إذا) بِتَقْدِيرِ الِاسْتِقْبالِ. وهَذِهِ الآيَةُ مُشْكِلَةٌ؛ لِأنَّ فِيها ظَرْفَيْنِ أحَدُهُما لِما مَضى، والآخَرُ لِما يُسْتَقْبَلُ، انْتَهى. والَّذِي نَخْتارُهُ مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ في لَمّا، وأنَّها حَرْفٌ. ونَخْتارُ أنَّ إذا الفُجائِيَّةَ ظَرْفُ مَكانٍ يَصِحُّ أنْ يُجْعَلَ خَبَرًا لِلِاسْمِ المَرْفُوعِ بَعْدَهُ عَلى الِابْتِداءِ، ويَصِحُّ أنْ يُجْعَلَ مَعْمُولًا لِلْخَبَرِ. فَإذا قُلْتَ: لَمّا جاءَ زَيْدٌ إذا عَمْرٌو قائِمٌ، يَجُوزُ نَصْبُ قائِمٌ عَلى الحالِ. وإذا حَرْفٌ يَصِحُّ رَفْعُهُ عَلى الخَبَرِ، وهو عامِلٌ في إذا. وهُنا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إذا مَعْمُولًا لِيَخْشَوْنَ، ويَخْشَوْنَ خَبَرُ فَرِيقٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا، و(يَخْشَوْنَ) حالٌ مِن (فَرِيقٌ)، و(مِنهم) عَلى الوَجْهَيْنِ صِفَةٌ لِفَرِيقٍ. ومَن زَعَمَ أنَّ إذا هُنا ظَرْفُ زَمانٍ لِما يُسْتَقْبَلُ فَقَوْلُهُ فاسِدٌ؛ لِأنَّهُ إنْ كانَ العامِلُ فِيها ما قَبْلَها اسْتَحالَ؛ لِأنَّ (كُتِبَ) ماضٍ، و(إذا) لِلْمُسْتَقْبَلِ. وإنْ تُسُومِحَ فَجُعِلَتْ (إذا) بِمَعْنى إذْ صارَ التَّقْدِيرُ: فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ في وقْتِ خَشْيَةِ فَرِيقٍ مِنهم، وهَذا يَفْتَقِرُ إلى جَوابِ (لَمّا)، ولا جَوابَ لَها. وإنْ كانَ العامِلُ فِيها ما بَعْدَها احْتاجَتْ إلى جَوابٍ هو العامِلُ فِيها، ولا جَوابَ لَها. والقَوْلُ في إذا الفُجائِيَّةِ: أهِيَ ظَرْفُ زَمانٍ ؟ أمْ ظَرْفُ مَكانٍ ؟ أمْ حَرْفٌ مَذْكُورٌ في (p-٢٩٨)عِلْمِ النَّحْوِ ؟ والكافُ في ﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ. قِيلَ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ خَشْيَةً كَخَشْيَةِ اللَّهِ. وعَلى ما تَقَرَّرَ مِن مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ أنَّها عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ الخَشْيَةِ المَحْذُوفِ؛ أيْ يَخْشَوْنَها النّاسَ أيْ يَخْشَوْنَ الخَشْيَةَ النّاسَ مُشْبِهَةً خَشْيَةَ اللَّهِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَحَلٌّ كَخَشْيَةِ اللَّهِ مِنَ الإعْرابِ ؟ قُلْتُ: مَحَلُّها النَّصْبُ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في يَخْشَوْنَ أيْ يَخْشَوْنَ النّاسَ مِثْلَ أهْلِ خَشْيَةِ اللَّهِ؛ أيْ مُشْبِهِينَ لِأهْلِ خَشْيَةِ اللَّهِ. أوْ أشَدَّ خَشْيَةً، يَعْنِي: أوْ أشَدَّ خَشْيَةً مِن أهْلِ خَشْيَةِ اللَّهِ. و(أشَدَّ) مَعْطُوفٌ عَلى الحالِ. فَإنْ قُلْتَ: لِمَ عَدَلْتَ عَنِ الظّاهِرِ، وهو كَوْنُهُ صِفَةً لِلْمَصْدَرِ، ولَمْ تُقَدِّرْهُ: يَخْشَوْنَ خَشْيَةَ اللَّهِ بِمَعْنى مِثْلَ ما يُخْشى اللَّهُ ؟ قُلْتُ: أبى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أوْ أشَدَّ خَشْيَةً﴾؛ لِأنَّهُ وما عُطِفَ عَلَيْهِ في حُكْمٍ واحِدٍ. ولَوْ قُلْتَ: يَخْشَوْنَ النّاسَ أشَدَّ خَشْيَةً لَمْ يَكُنْ إلّا حالًا عَنْ ضَمِيرِ الفَرِيقِ، ولَمْ يَنْتَصِبِ انْتِصابَ المَصْدَرِ لِأنَّكَ لا تَقُولُ: خَشِيَ فُلانٌ أشَدَّ خَشْيَةً؛ فَتَنْصِبَ خَشْيَةً، وأنْتِ تُرِيدُ المَصْدَرَ؛ إنَّما تَقُولُ: أشَدَّ خَشْيَةٍ فَتَجُرُّها، وإذا نَصَبْتَها لَمْ يَكُنْ أشَدَّ خَشْيَةً إلّا عِبارَةً عَنِ الفاعِلِ حالًا مِنهُ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ تَجْعَلَ الخَشْيَةَ خاشِيَةً عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ: جِدُّ جِدِّهِ، فَتَزْعُمُ أنَّ مَعْناهُ يَخْشَوْنَ النّاسَ خَشْيَةً مِثْلَ خَشْيَةٍ أشَدَّ خَشْيَةً مِن خَشْيَةِ اللَّهِ. ويَجُوزُ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ مَحَلُّ (أشَدَّ) مَجْرُورًا عَطْفًا عَلى خَشْيَةِ اللَّهِ، يُرِيدُ: كَخَشْيَةِ اللَّهِ أوْ كَخَشْيَةٍ أشَدَّ خَشْيَةً مِنها، انْتَهى كَلامُهُ. وقَدْ يَصِحُّ خَشْيَةً، ولا يَكُونُ تَمْيِيزًا فَيَلْزَمُ مِن ذَلِكَ ما التَزَمَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، بَلْ يَكُونُ خَشْيَةً مَعْطُوفًا عَلى مَحَلِّ الكافِ، وأشَدَّ مَنصُوبًا عَلى الحالِ؛ لِأنَّهُ كانَ نَعْتَ نَكِرَةٍ تَقَدَّمَ عَلَيْها فانْتَصَبَ عَلى الحالِ والتَّقْدِيرُ: يَخْشَوْنَ النّاسَ مِثْلَ خَشْيَةِ اللَّهِ أوْ خَشْيَةً أشَدَّ مِنها. وقَدْ ذَكَرْنا هَذا التَّخْرِيجَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ أشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠]، وأوْضَحْناهُ هُناكَ.
وخَشْيَةُ اللَّهِ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ والفاعِلُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ كَخَشْيَتِهِمُ اللَّهَ. وأوْ عَلى بابِها مِنَ الشَّكِّ في حَقِّ المُخاطَبِ، وقِيلَ لِلْإبْهامِ عَلى المُخاطَبِ. وقِيلَ لِلتَّخْيِيرِ. وقِيلَ بِمَعْنى الواوِ. وقِيلَ بِمَعْنى بَلْ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الأقْوالِ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ أشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤]، ولَوْ قِيلَ إنَّها لِلتَّنْوِيهِ، لَكانَ قَوْلًا يَعْنِي: أنَّ مِنهم مَن يَخْشى النّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ، ومِنهم مَن يَخْشاهم خَشْيَةً تَزِيدُ عَلى خَشْيَتِهِمُ اللَّهَ.
* *
﴿وقالُوا رَبَّنا لَمْ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ لَوْلا أخَّرْتَنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ الظّاهِرُ أنَّ القائِلِينَ هَذا: هم مُنافِقُونَ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى إذا أمَرَ بِشَيْءٍ لا يَسْألُ عَنْ عِلَّتِهِ مَن هو خالِصُ الإيمانِ، ولِهَذا جاءَ السِّياقُ بَعْدَهُ: ﴿وإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ﴾، وهَذا لا يَصْدُرُ إلّا مِن مُنافِقٍ. و(لَوْلا) لِلتَّحْضِيضِ بِمَعْنى هَلّا، وهي كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ. والأجَلُ القَرِيبُ هُنا هو مَوْتُهم عَلى فُرُشِهِمْ كَذا قالَهُ المُفَسِّرُونَ. وذُكِرَ في حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: لَوْلا أخَّرْتَنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ فَنَمُوتَ حَتْفَ أنْفِنا، ولا نُقْتَلَ، فَتُسَرُّ بِذَلِكَ الأعْداءُ. ومَن قالَ: إنَّهُ مِن قَوْلِ المُؤْمِنِينَ، فَيَكُونُونَ قَدْ طَلَبُوا التَّأْخِيرَ في كُتُبِ القِتالِ إلى وقْتِ ظُهُورِ الإسْلامِ (p-٢٩٩)وكَثْرَتِهِ، وهو بَعِيدٌ؛ لِأنَّ لَفْظَ (لَمْ) رُدَّ في صَدْرِ أمْرِ اللَّهِ وعَدَمِ اسْتِسْلامِهِمْ لَهُ مَعَ قَوْلِهِمْ: وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَوْلا أخَّرْتَنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ اسْتِزادَةٌ في مُدَّةِ الكَفِّ، واسْتِمْهالٌ إلى وقْتٍ آخَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ فَأصَّدَّقَ﴾ [المنافقون: ١٠] . وقالَ الرّاغِبُ: وقالُوا رَبَّنا لَمْ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَفَوَّهُوا بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اعْتَقَدُوهُ، وقالُوا في أنْفُسِهِمْ، فَحَكى تَعالى ذَلِكَ عَنْهم تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم لَمّا اسْتَصْعَبُوا ذَلِكَ دَلَّ اسْتِصْعابُهم عَلى أنَّهم غَيْرُ واثِقِينَ بِأحْوالِهِمْ.
﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ والآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى كَوْنِ مَتاعِ الدُّنْيا قَلِيلًا في قَوْلِهِ: ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ [آل عمران: ١٩٧]، وإنَّما قَلَّ؛ لِأنَّهُ فانٍ، ونَعِيمُ الآخِرَةِ مُؤَبَّدٌ، فَهو خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى اللَّهَ، وامْتَثَلَ أمْرَهُ في ما أحَبَّ، وفي ما كانَ شاقًّا مِن قِتالٍ وغَيْرِهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وابْنُ كَثِيرٍ ﴿ولا يُظْلَمُونَ﴾ [النساء: ٤٩] بِالياءِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، وهو التِفاتٌ؛ أيْ لا تُنْقَصُونَ مِن أُجُورِ أعْمالِكم، ومَشاقِّ التَّكالِيفِ أدْنى شَيْءٍ؛ فَلا تَرْغَبُوا عَنِ الأجْرِ.
﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ المَوْتُ ولَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾؛ أيْ هَذا التَّأخُّرُ الَّذِي سَألُوهُ لا فائِدَةَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ لا مُنْجِيَ مِنَ المَوْتِ سَواءٌ أكانَ بِقَتْلٍ أمْ بِغَيْرِهِ، فَلا فائِدَةَ في خَوَرِ الطَّبْعِ، وحُبِّ الحَياةِ. وتَحْتَمِلُ هَذِهِ الجُمْلَةُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَحْتَ مَعْمُولِ قُلْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنَ اللَّهِ مُسْتَأْنَفًا بِأنَّهُ لا يَنْجُو مِنَ المَوْتِ أحَدٌ. والبُرُوجُ هُنا القُصُورُ في الأرْضِ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُرَيْجٍ والجُمْهُورُ. أوِ القُصُورُ مِن حَدِيدٍ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. أوْ قُصُورٌ في سَماءِ الدُّنْيا مَبْنِيَّةٌ قالَهُ السُّدِّيُّ. أوِ الحُصُونُ والآكامُ والقِلاعُ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. أوِ البُيُوتُ الَّتِي تَكُونُ فَوْقَ الحُصُونِ قالَهُ بَعْضُهم. أوْ بُرُوجُ السَّماءِ الَّتِي هي مَنازِلُ القَمَرِ؛ قالَهُ الرَّبِيعُ وأنَسٌ والثَّوْرِيُّ، وحَكاهُ ابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ. وقالَ: ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ [البروج: ١]، وجَعَلَ فِيها بُرُوجًا ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ [الحجر: ١٦]، وقالَ زُهَيْرٌ:
؎ومَن هابَ أسْبابَ المَنِيَّةِ يَلْقَها ولَوْ رامَ أسْبابَ السَّماءِ بِسُلَّمِ
مُشَيَّدَةٌ مُطَوَّلَةٌ؛ قالَهُ أبُو مالِكٍ ومُقاتِلٌ وابْنُ قُتَيْبَةَ والزَّجّاجُ. أوْ مَطْلِيَّةٌ بِالشِّيدِ؛ قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. أوْ حَصِينَةٌ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ. ومَن قالَ: إنَّها بُرُوجٌ في السَّماءِ؛ فَلِأنَّها بِيضٌ شَبَّهَها بِالمِبْيَضِ بِالشِّيدِ، ولِهَذا قالَ الَّذِي هي قُصُورٌ بِيضٌ في السَّماءِ مَبْنِيَّةٌ.
والجَزْمُ في يُدْرِكْكم عَلى جَوابِ الشَّرْطِ، وأيْنَما تَدُلُّ عَلى العُمُومِ، وكَأنَّهُ قِيلَ في أيِّ مَكانٍ تَكُونُونَ فِيهِ أدْرَكَكُمُ المَوْتُ. ولَوْ هُنا بِمَعْنى إنْ، وجاءَتْ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ النَّجاةِ مِنَ المَوْتِ بِتَقْدِيرِ: إنْ لَوْ كانُوا في بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ، ولِإظْهارِ اسْتِقْصاءِ العُمُومِ في أيْنَما. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ: يُدْرِكُكم بِرَفْعِ الكافَيْنِ، وخَرَّجَهُ أبُو الفَتْحِ: عَلى حَذْفِ فاءِ الجَوابِ؛ أيْ فَيُدْرِكُكُمُ المَوْتُ، وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: حُمِلَ عَلى ما يَقَعُ مَوْقِعَ ﴿أيْنَما تَكُونُوا﴾، وهو: أيْنَما كُنْتُمْ كَما حُمِلَ، ولا ناعِبَ عَلى ما يَقَعُ مَوْقِعَ لَيْسُوا مُصْلِحِينَ، وهو لَيْسُوا بِمُصْلِحِينَ. فَرُفِعَ كَما رَفَعَ زُهَيْرٌ يَقُولُ: لا غائِبَ ما لِي ولا حَرَمٌ. وهو قَوْلُ نَحْوِيٍّ سِيبَوَيْهِيٍّ، انْتَهى.
ويَعْنِي: أنَّهُ جَعَلَ ﴿يُدْرِكُكُمُ﴾ ارْتَفَعَ لِكَوْنِ ﴿أيْنَما تَكُونُوا﴾ في مَعْنى أيْنَما كُنْتُمْ، بِتَوَهُّمِ أنَّهُ نَطَقَ بِهِ. وذَلِكَ أنَّهُ مَتى كانَ فِعْلُ الشَّرْطِ ماضِيًا في اللَّفْظِ فَإنَّهُ يَجُوزُ في المُضارِعِ بَعْدَهُ وجْهانِ: أحَدُهُما: الجَزْمُ عَلى الجَوابِ. والثّانِي: الرَّفْعُ. وفي تَوْجِيهِ الرَّفْعِ خِلافٌ. الأصَحُّ أنَّهُ لَيْسَ الجَوابَ، بَلْ ذَلِكَ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ والجَوابُ مَحْذُوفٌ. وإذا حُذِفَ الجَوابُ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ فِعْلُ الشَّرْطِ ماضِيَ اللَّفْظِ؛ فَتَخْرِيجُ هَذِهِ القِراءَةِ عَلى هَذا يَأْباهُ كَوْنُ فِعْلِ الشَّرْطِ مُضارِعًا. وحَمْلُهُ عَلى (ولا ناعِبَ) لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ (ولا ناعِبَ) عَطْفٌ عَلى التَّوَهُّمِ والعَطْفُ عَلى التَّوَهُّمِ لا يَنْقاسُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْضًا، ويَجُوزُ أنْ يَتَّصِلَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾؛ أيْ لا تُنْقَصُونَ شَيْئًا مِمّا كُتِبَ (p-٣٠٠)مِن آجالِكم أيْنَما تَكُونُوا في مَلاحِمِ حُرُوبٍ أوْ غَيْرِها. ثُمَّ ابْتَدَأ بِقَوْلِهِ: ﴿يُدْرِكُكُمُ المَوْتُ ولَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ . والوَقْفُ عَلى هَذا الوَجْهِ ﴿أيْنَما تَكُونُوا﴾، انْتَهى كَلامُهُ. وهَذا تَخْرِيجٌ لَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ، لا مِن حَيْثُ المَعْنى، ولا مِن حَيْثُ الصِّناعَةُ النَّحْوِيَّةُ؛ أمّا مِن حَيْثُ المَعْنى فَإنَّهُ لا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾؛ لِأنَّ ظاهِرَ انْتِفاءِ الظُّلْمِ إنَّما هو في الآخِرَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ والآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى﴾
وأمّا مِن حَيْثُ الصِّناعَةُ النَّحْوِيَّةُ فَإنَّهُ عَلى ظاهِرِ كَلامِهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ ﴿أيْنَما تَكُونُوا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تُظْلَمُونَ﴾، ما فَسَّرَهُ مِن قَوْلِهِ؛ أيْ لا تُنْقَصُونَ شَيْئًا مِمّا كُتِبَ مِن آجالِكم أيْنَما تَكُونُوا في مَلاحِمِ الحَرْبِ أوْ غَيْرِها؛ وهَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ أيْنَما اسْمُ شَرْطٍ، فالعامِلُ فِيهِ إنَّما هو فِعْلُ الشَّرْطِ بَعْدَهُ. ولِأنَّ اسْمَ الشَّرْطِ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ عامِلُهُ، فَلا يُمْكِنُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ، ﴿ولا تُظْلَمُونَ﴾ . بَلْ إذا جاءَ نَحْوَ: اضْرِبْ زَيْدًا مَتى جاءَ، لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ النّاصِبُ لِمَتى اضْرِبْ. فَإنْ قالَ: يُقَدَّرُ لَهُ جَوابٌ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، وهو: ﴿ولا تُظْلَمُونَ﴾؛ كَما تُقَدَّرُ في اضْرِبْ زَيْدًا مَتى جاءَ؛ فالتَّقْدِيرُ: أيْنَما تَكُونُوا فَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا؛ أيْ فَلا يَنْقُصُ شَيْءٌ مِن آجالِكم، وحَذَفَهُ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ. قِيلَ لَهُ: لا يُحْذَفُ الجَوابُ إلّا إذا كانَ فِعْلُ الشَّرْطِ بِصِيغَةِ الماضِي، وفِعْلُ الشَّرْطِ هُنا مُضارِعٌ. تَقُولُ العَرَبُ: أنْتَ ظالِمٌ إنْ فَعَلْتَ، ولا تَقُلْ أنْتَ ظالِمٌ إنْ تَفْعَلْ. وقَرَأ نُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ: مَشِيدَةٌ بِكَسْرِ الياءِ وصْفًا لَها بِفِعْلِ فاعِلِها مَجازًا، كَما قالَ: قَصِيدَةٌ شاعِرَةٌ، وإنَّما الشّاعِرُ ناظِمُها.
النساء 4:79
﴿وإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ﴾ [النساء: ٧٨] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الضَّمِيرُ لِلْمُنافِقِينَ واليَهُودِ، وقالَ الحَسَنُ: لِلْمُنافِقِينَ، وقالَ السُّدِّيُّ: لِلْيَهُودِ. والظّاهِرُ أنَّهُ لِلْمُنافِقِينَ لِأنَّ مِثْلَ هَذا لا يَصْدُرُ مِن مُؤْمِنٍ، واليَهُودُ لَمْ يَكُونُوا في طاعَةِ الإسْلامِ حَتّى يُكْتَبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ الحَسَنَةَ هُنا هي السَّلامَةُ والأمْنُ، والسَّيِّئَةُ الأمْراضُ والخَوْفُ. وعَنْهُ أيْضًا: الحَسَنَةُ الخِصْبُ والرَّخاءُ، والسَّيِّئَةُ الجَدْبُ والغَلاءُ. وعَنْهُ أيْضًا: الحَسَنَةُ السَّرّاءُ، والسَّيِّئَةُ الضَّرّاءُ. وقالَ الحَسَنُ وابْنُ زَيْدٍ: الحَسَنَةُ النِّعْمَةُ والفَتْحُ والغَنِيمَةُ يَوْمَ بَدْرٍ، والسَّيِّئَةُ البَلِيَّةُ والشِّدَّةُ والقَتْلُ يَوْمَ أُحُدٍ. وقِيلَ: الحَسَنَةُ الغِنى، والسَّيِّئَةُ الفَقْرُ.
والمَعْنى: أنَّ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ إذا أصابَتْهم حَسَنَةٌ نَسَبُوها إلى اللَّهِ تَعالى، وأنَّها لَيْسَتْ بِاتِّباعِ الرَّسُولِ، ولا الإيمانِ بِهِ، وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ أضافُوها إلى الرَّسُولِ وقالُوا: هي بِسَبَبِهِ، كَما جاءَ في قَوْمِ مُوسى: ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١] وفي قَوْمِ صالِحٍ: ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ﴾ [النمل: ٤٧] . ورَوى جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ قالَ اليَهُودُ والمُنافِقُونَ: ما زِلْنا نَعْرِفُ النَّقْصَ في ثِمارِنا ومَزارِعِنا مُذْ قَدِمَ عَلَيْنا هَذا الرَّجُلُ وأصْحابُهُ.
﴿قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨] أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنْ يُخْبِرَهم أنَّ كُلًّا مِنَ الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ إنَّما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ، لا خالِقَ ولا مُخْتَرِعَ سِواهُ، فَلَيْسَ الأمْرُ كَما زَعَمْتُمْ؛ فاللَّهُ تَعالى وحْدَهُ هو النّافِعُ الضّارُّ، وعَنْ إرادَتِهِ تَصْدُرُ جَمِيعُ الكائِناتِ.
﴿فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨] هَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَّعَجُّبُ مِن هَذِهِ المَقالَةِ، وكَيْفَ يُنْسَبُ ما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ؟ أيْ أنَّ هَؤُلاءِ كانُوا يَنْبَغِي لَهم أنْ يَكُونُوا مِمَّنْ يَتَفَهَّمُ الأشْياءَ، ويَتَوَقَّفُونَ عَمّا يُرِيدُونَ أنْ يَقُولُوا حَتّى يَعْرِضُوهُ عَلى عُقُولِهِمْ. وبالَغَ تَعالى في قِلَّةِ فَهْمِهِمْ وتَعَلُّقِهِمْ؛ حَتّى نَفى مُقارَبَةَ الفِقْهِ، ونَفْيُ المُقارَبَةِ أبْلَغُ مِن نَفْيِ الفِعْلِ. وهَذا النَّوْعُ مِنَ الِاسْتِفْهامِ يَتَضَمَّنُ إنْكارَ ما اسْتُفْهِمَ عَنْ عِلَّتِهِ، وأنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يُوجَدَ مُقابِلُهُ. فَإذا قِيلَ: ما لَكَ قائِمًا، فَهو إنْكارٌ لِلْقِيامِ، ومُتَضَمِّنٌ أنْ يُوجَدَ مُقابِلُهُ. وإذا قِيلَ: ما لَكَ (p-٣٠١)لا تَقُومُ، فَهو إنْكارٌ لِتَرْكِ القِيامِ، ومُتَضَمِّنٌ أنْ يُوجَدَ مُقابِلُهُ. قِيلَ في قَوْلِهِ: حَدِيثًا، أيِ القُرْآنُ لَوْ تَدَبَّرُوهُ لَبَصَّرَهم في الدِّينِ، وأوْرَثَهُمُ اليَقِينَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: لامَهم عَلى تَرْكِ التَّفَقُّهِ فِيما أعْلَمَهم بِهِ وأدَّبَهم في كِتابِهِ. ووَقَفَ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ عَلى قَوْلِهِ: (فَما)، ووَقَفَ الباقُونَ عَلى اللّامِ في قَوْلِهِ: (فَمالِ) اتِّباعًا لِلْخَطِّ. ولا يَنْبَغِي تَعَمُّدُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الوَقْفَ عَلى (فَما) فِيهِ قَطْعٌ عَنِ الخَبَرِ، وعَلى اللّامِ فِيهِ قَطْعٌ عَنِ المَجْرُورِ دُونَ حَرْفِ الجَرِّ؛ وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ لِضَرُورَةِ انْقِطاعِ النَّفَسِ.
﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ الخِطابُ عامٌّ؛ كَأنَّهُ قِيلَ ما أصابَكَ يا إنْسانُ. وقِيلَ لِلرَّسُولِ والمُرادُ غَيْرُهُ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: هو خِطابٌ لِلْفَرِيقِ في قَوْلِهِ: ﴿إذا فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ [النساء: ٧٧] قالَ: ولَمّا كانَ لَفْظُ الفَرِيقِ مُفْرَدًا صَحَّ أنْ يُخْبِرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الواحِدِ تارَةً، وبِلَفْظِ الجَمْعِ تارَةً. وعَلَيْهِ قَوْلُهُ:
؎تُفَرِّقُ أهْلًا نابِثِينَ فَمِنهُمُ فَرِيقٌ أقامَ واسْتَقَلَّ فَرِيقُ
هَذا مُقْتَضى اللَّفْظِ. وأمّا المَعْنى بِالنّاسِ خاصَّتِهِمْ، وعامَّتِهِمْ مُرادٌ بِقَوْلِهِ: ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ، والرَّبِيعُ وأبُو صالِحٍ: مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ أخْبَرَ تَعالى عَلى سَبِيلِ الِاسْتِئْنافِ والقَطْعِ أنَّ الحَسَنَةَ مِنهُ بِفَضْلِهِ، والسَّيِّئَةَ مِنَ الإنْسانِ بِذُنُوبِهِ، ومِنَ اللَّهِ بِالخَلْقِ والِاخْتِراعِ. وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: فَمِن نَفْسِكَ وإنَّما قَضَيْتُها عَلَيْكَ، وقَرَأ بِها ابْنُ عَبّاسٍ. وحَكى أبُو عَمْرٍو: أنَّها في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأنا كَتَبْتُها. ورُوِيَ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ، وأُبَيًّا قَرَآ: وأنا قَدَّرْتُها عَلَيْكَ. ويُؤَيِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ أحادِيثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَعْناها: أنَّ ما يُصِيبُ الإنْسانَ مِنَ المَصائِبِ فَإنَّما هو عُقُوبَةُ ذُنُوبِهِ، وقالَتْ طائِفَةٌ: مَعْنى الآيَةِ هو عَلى قَوْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا ؟ يَقُولُونَ: ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ، الآيَةَ. والِابْتِداءُ بِقَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْناكَ﴾ والوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: فَمِن نَفْسِكَ. وقالَتْ طائِفَةٌ: ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ، هو اسْتِئْنافُ إخْبارٍ مِنَ اللَّهِ أنَّ الحَسَنَةَ مِنهُ وبِفَضْلِهِ. ثُمَّ قالَ: وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ، عَلى وجْهِ الإنْكارِ. والتَّقْدِيرُ: وألِفُ الِاسْتِفْهامِ مَحْذُوفَةٌ مِنَ الكَلامِ كَقَوْلِهِ: ﴿وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ﴾ [الشعراء: ٢٢]؛ أيْ وتِلْكَ نِعْمَةٌ. وكَذا ﴿بازِغًا قالَ هَذا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٧] عَلى أحَدِ الأقْوالِ. والعَرَبُ تَحْذِفُ ألِفَ الِاسْتِفْهامِ قالَ أبُو خِراشٍ:
؎رَمَوْنِي وقالُوا يا خُوَيْلِدُ لَمْ تُرْعَ ∗∗∗ فَقُلْتُ وأنْكَرْتُ الوُجُوهَ هُمُ هُمُ
أيْ: أهم هم. وحُكِيَ هَذا الوَجْهُ عَنِ ابْنِ الأنْبارِيِّ. ورَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الحَسَنَةَ هُنا ما أصابَ المُسْلِمِينَ مِنَ الظَّفَرِ والغَنِيمَةِ يَوْمَ بَدْرٍ، والسَّيِّئَةَ ما نُكِبُوا بِهِ يَوْمَ أُحُدٍ.
وعَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «ما مِن مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ وصَبٌ ولا نَصَبٌ، حَتّى الشَّوْكَةَ يُشاكُها، حَتّى انْقِطاعَ نَعْلِهِ إلّا بِذَنْبٍ، وما يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ أكْثَرُ» . وقالَ تَعالى: ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] .
وقَدْ تَجاذَبَتِ القَدَرِيَّةُ وأهْلُ السُّنَّةِ الدَّلالَةَ مِن هَذِهِ الآياتِ عَلى مَذاهِبِهِمْ، فَتَعَلَّقَتِ القَدَرِيَّةُ بِالثّانِيَةِ، وقالُوا: يَنْبَغِي أنْ لا يُنْسَبَ فِعْلُ السَّيِّئَةِ إلى اللَّهِ بِوَجْهٍ، وجَعَلُوا الحَسَنَةَ والسَّيِّئَةَ في الأُولى بِمَعْنى الخِصْبِ والجَدَبِ والغِنى والفَقْرِ. وتَعَلَّقَ أهْلُ السُّنَّةِ بِالأُولى، وقالُوا: ﴿قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨] عامٌّ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأفْعالَ الظّاهِرَةَ مِنَ العِبادِ هي مِنَ اللَّهِ تَعالى، وتَأوَّلُوا الثّانِيَةَ؛ وهي مَسْألَةٌ يُبْحَثُ عَنْها في أُصُولِ الدِّينِ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: هَذِهِ الآياتُ لا يَتَعَلَّقُ بِها إلّا الجُهّالُ مِنَ الفَرِيقَيْنِ؛ لِأنَّهم بَنَوْا ذَلِكَ عَلى أنَّ السَّيِّئَةَ هي المَعْصِيَةُ، ولَيْسَتْ كَذَلِكَ. والقَدَرِيَّةُ قالُوا: ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ؛ أيْ مِن طاعَةٍ فَمِنَ اللَّهِ، ولَيْسَ هَذا اعْتِقادَهم؛ لِأنَّ اعْتِقادَهُمُ الَّذِي بَنَوْا عَلَيْهِ مَذاهِبَهم: أنَّ الحَسَنَةَ فِعْلُ المُحْسِنِ والسَّيِّئَةَ فِعْلُ المُسِيءِ. وأيْضًا فَلَوْ كانَ لَهم فِيهِ حُجَّةٌ لَكانَ يَقُولُ: ما أصَبْتَ مِن حَسَنَةٍ، وما أصَبْتَ مِن سَيِّئَةٍ؛ لِأنَّهُ الفاعِلُ لِلْحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ جَمِيعًا، فَلا تُضافُ إلَيْهِ إلّا (p-٣٠٢)بِفِعْلِهِ لَهُما لا بِفِعْلِ غَيْرِهِ؛ نَصَّ عَلى هَذا الإمامُ أبُو الحَسَنِ شِيثُ بْنُ إبْراهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَيْدَرٍ في كِتابِهِ المُسَمّى بِحَزِّ العَلاصِمِ في إفْحامِ المُخاصِمِ.
وقالَ الرّاغِبُ: إذا تُؤُمِّلَ مَوْرِدُ الكَلامِ، وسَبَبُ النُّزُولِ، فَلا تَعَلُّقَ لِأحَدِ الفَرِيقَيْنِ بِالآيَةِ عَلى وجْهٍ يُثْلِجُ صَدْرًا أوْ يُزِيلُ شَكًّا إذْ نَزَلَتْ في قَوْمٍ أسْلَمُوا ذَرِيعَةً إلى غِنًى وخِصْبٍ يَنالُونَهُ، وظَفَرٍ يُحَصِّلُونَهُ، فَكانَ أحَدُهم إذا نابَتْهُ نائِبَةٌ، أوْ فاتَهُ مَحْبُوبٌ، أوْ نالَهُ مَكْرُوهٌ، أضافَ سَبَبَهُ إلى الرَّسُولِ مُتَطَيِّرًا بِهِ.
والحَسَنَةُ هُنا والسَّيِّئَةُ كَهُما في: ﴿وبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ﴾ [الأعراف: ١٦٨]، وفي ﴿فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالُوا لَنا هَذِهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١] انْتَهى. وقَدْ طَعَنَ بَعْضُ المَلاحِدَةِ فَقالَ: هَذا تَناقُضٌ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨]، وقالَ عَقِيبَهُ: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ﴾ الآيَةَ.
وقالَ الرّاغِبُ: وهَذا ظاهِرُ الوَهْيِ؛ لِأنَّ الحَسَنَةَ والسَّيِّئَةَ مِنَ الألْفاظِ المُشْتَرَكَةِ كالحَيَوانِ الَّذِي يَقَعُ عَلى الإنْسانِ والفَرَسِ والحِمارِ. ومِنَ الأسْماءِ المُخْتَلِفَةِ كالعَيْنِ. فَلَوْ أنَّ قائِلًا قالَ: الحَيَوانُ المُتَكَلِّمُ والحَيَوانُ غَيْرُ المُتَكَلِّمِ، وأرادَ بِالأوَّلِ الإنْسانَ وبِالثّانِي الفَرَسَ أوِ الحِمارَ، لَمْ يَكُنْ مُتَناقِضًا. وكَذَلِكَ إذا قالَ: العَيْنُ في الوَجْهِ والعَيْنُ لَيْسَ في الوَجْهِ، وأرادَ بِالأُولى الجارِحَةَ وبِالثّانِيَةِ عَيْنَ المِيزانِ أوِ السَّحابِ. وكَذَلِكَ الآيَةُ أُرِيدُ بِهِما في الأُولى غَيْرُ ما أُرِيدُ في الثّانِيَةِ كَما بَيَّنّاهُ انْتَهى.
والَّذِي اصْطَلَحَ عَلَيْهِ الرّاغِبُ بِالمُشْتَرَكَةِ وبِالمُخْتَلِفَةِ لَيْسَ اصْطِلاحَ النّاسِ اليَوْمَ؛ لِأنَّ المُشْتَرَكَ هو عِنْدَهم كالعَيْنِ والمُخْتَلِفَةَ هي المُتَبايِنَةُ. والرّاغِبُ جَعَلَ الحَيَوانَ مِنَ الأسْماءِ المُشْتَرَكَةِ، وهو مَوْضُوعٌ لِلْقَدْرِ المُشْتَرَكِ، وجَعَلَ العَيْنَ مِنَ الأسْماءِ المُخْتَلِفَةِ، وهو في الِاصْطِلاحِ اليَوْمَ مِنَ المُشْتَرَكِ.
قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: والفَرْقُ بَيْنَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ومِنَ اللَّهِ: أنَّ مِن عِنْدِ اللَّهِ أعَمُّ. يُقالُ: فِيما كانَ بِرِضاهُ، وبِسُخْطِهِ، وفِيما يَحْصُلُ، وقَدْ أمَرَ بِهِ، ونَهى عَنْهُ، ولا يُقالُ: هو مِنَ اللَّهِ إلّا فِيما كانَ بِرِضاهُ وبِأمْرِهِ؛ وبِهَذا النَّظَرِ قالَ عُمَرُ: إنْ أصَبْتُ فَمِنَ اللَّهِ، وإنْ أخْطَأْتُ فَمِنَ الشَّيْطانِ، انْتَهى. وعَنى بِالنَّفْسِ هُنا المَذْكُورَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ النَّفْسَ لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣]، وقَرَأتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: ﴿فَمِن نَفْسِكَ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ، ورَفْعِ السِّينِ فَـ (مَنِ) اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإنْكارُ؛ أيْ فَمَن نَفْسُكَ حَتّى يُنْسَبَ إلَيْها فِعْلُ المَعْنى ما لِلنَّفْسِ في الشَّيْءِ فِعْلٌ.
﴿وأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولًا﴾ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ قَدْ أزاحَ عِلَلَهم بِإرْسالِهِ، فَلا حُجَّةَ لَهم لِقَوْلِهِ: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، ولِلنّاسِ عامٌّ عَرَبِهِمْ وعَجَمِهِمْ، وانْتَصَبَ رَسُولًا عَلى الحالِ المُؤَكِّدَةِ. وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنى إرْسالًا وهو ضَعِيفٌ.
﴿وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾؛ أيْ مُطَّلِعًا عَلى ما يَصْدُرُ مِنكَ، ومِنهم، أوْ شَهِيدًا عَلى رِسالَتِكَ. ولا يَنْبَغِي لِمَن كانَ اللَّهُ شاهِدَهُ إلّا أنْ يُطاعَ ويُتَّبَعَ؛ لِأنَّهُ جاءَ بِالحَقِّ والصِّدْقِ، وشَهِدَ اللَّهُ لَهُ بِذَلِكَ.
وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ مِنَ البَيانِ والبَدِيعِ: الِاسْتِعارَةُ في: ﴿يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ﴾ [النساء: ٧٤]، وفي: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٧٤] لِما يَنالُهُ مِنَ النَّعِيمِ في الآخِرَةِ. وفي ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٤]، وفي ﴿سَبِيلِ الطّاغُوتِ﴾ [النساء: ٧٦] اسْتَعارَ الطَّرِيقَ لِلِاتِّباعِ ولِلْمُخالَفَةِ وفي: ﴿كُفُّوا أيْدِيَكُمْ﴾ [النساء: ٧٧] أطْلَقَ كَفَّ اليَدِ الَّذِي هو مُخْتَصٌّ بِالإجْرامِ عَلى الإمْساكِ عَنِ القِتالِ. والِاسْتِفْهامُ الَّذِي مَعْناهُ الِاسْتِبْطاءُ والِاسْتِبْعادُ في: ﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ﴾ [النساء: ٧٥] .
والِاسْتِفْهامُ الَّذِي مَعْناهُ التَّعَجُّبُ في: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا﴾ [النساء: ٧٧] . والتَّجَوُّزُ بِفي الَّتِي لِلْوِعاءِ عَنْ دُخُولِهِمْ في (الجِهادِ) . والِالتِفاتُ في: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ﴾ [النساء: ٧٤] في قِراءَةِ النُّونِ. والتَّكْرارُ في: ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٤]، وفي: ﴿واجْعَل لَنا مِن لَدُنْكَ﴾ [النساء: ٧٥]، وفي: يُقاتِلُونَ، وفي: الشَّيْطانِ، وفي: وإنْ تُصِبْهم، وفي: ما أصابَكَ، وفي اسْمِ اللَّهِ. والطِّباقُ اللَّفْظِيُّ في: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النساء: ٧٦] ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ٧٦] . والمَعْنَوِيُّ في: سَبِيلِ اللَّهِ طاعَةٌ وفي سَبِيلِ الطّاغُوتِ مَعْصِيَةٌ. والِاخْتِصاصُ في: ﴿إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦] . وفي ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى﴾ [النساء: ٧٧] . والتَّجَوُّزُ بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى غَيْرِ فاعِلِهِ في ﴿يُدْرِكُكُمُ المَوْتُ﴾ [النساء: ٧٨] . وفي: إنْ تُصِبْهم. وفي: ما أصابَكَ. والتَّشْبِيهُ في: ﴿كَخَشْيَةِ﴾ [النساء: ٧٧] . وإيقاعُ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ حَيْثُ لا مُشارَكَةَ في: ﴿خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى﴾ [النساء: ٧٧] . والتَّجْنِيسُ المُغايِرُ في: (p-٣٠٣)(يَخْشَوْنَ) و﴿كَخَشْيَةِ﴾ [النساء: ٧٧] . والحَذْفُ في مَواضِعَ.
النساء 4:80
﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ ومَن تَوَلّى فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ ﴿ويَقُولُونَ طاعَةٌ فَإذا بَرَزُوا مِن عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنهم غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ واللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأعْرِضْ عَنْهم وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ ﴿وإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ ولَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهم ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إلّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٨٣] ﴿فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إلّا نَفْسَكَ وحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَسى اللَّهُ أنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا واللَّهُ أشَدُّ بَأْسًا وأشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ [النساء: ٨٤] ﴿مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنها ومَن يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنها وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ [النساء: ٨٥] ﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦] التَّبْيِيتُ قالَ الأصْمَعِيُّ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وأبُو العَبّاسِ: كُلُّ أمْرٍ قُضِيَ بِلَيْلٍ قِيلَ قَدْ بُيِّتَ. وقالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ أمْرٍ مُكِرَ فِيهِ أوْ خِيضَ بِلَيْلٍ فَقَدْ بُيِّتَ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎أتَوْنِي فَلَمْ أرْضَ ما بَيَّتُوا وكانُوا أتَوْنِي بِأمْرٍ نُكُرْ
وقالَ الأخْفَشُ: العَرَبُ تَقُولُ لِلشَّيْءِ إذا قُدِّرَ: بُيِّتَ. وقالَ أبُو رَزِينٍ: بُيِّتَ أُلِّفَ. وقِيلَ هُيِّئَ وزُوِّرَ، وقِيلَ قُصِدَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَمّا تَبَيَّتْنا أخا تَمِيمٍ ∗∗∗ أعْطى عَطاءَ اللَّحِزِ اللَّئِيمِ
أيْ: قَصَدْنا. وقِيلَ التَّبْيِيتُ التَّبْدِيلُ بِلُغَةِ طَيِّئٍ، قالَ شاعِرُهم:
؎وتَبْيِيتُ قَوْلِي عِنْدَ المَلِيكِ ∗∗∗ قاتَلَكَ اللَّهُ عَبْدًا كَفُورًا
التَّدَبُّرُ: تَأمُّلُ الأمْرِ والنَّظَرُ في أدْبارِهِ، وما يَئُولُ إلَيْهِ في عاقِبَتِهِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في كُلِّ تَأمُّلٍ. والدَّبَرُ: المالُ الكَثِيرُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ يَبْقى لِلْأعْقابِ ولِلْأدْبارِ، قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ.
الإذاعَةُ: إظْهارُ الشَّيْءِ، وإفْشاؤُهُ يُقالُ: ذاعَ يَذِيعُ وأذاعَ، ويَتَعَدّى بِنَفْسِهِ وبِالباءِ؛ فَيَكُونُ إذْ ذاكَ أذاعَ في مَعْنى الفِعْلِ المُجَرَّدِ. قالَ أبُو الأسْوَدِ:
؎أذاعُوا بِهِ في النّاسِ حَتّى كَأنَّهُ ∗∗∗ بِعَلْياءِ نارٍ أُوقِدَتْ بِثُقُوبِ
الِاسْتِنْباطُ: الِاسْتِخْراجُ والنَّبَطُ الماءُ يَخْرُجُ مِنَ البِئْرِ أوَّلَ ما تُحْفَرُ، والإنْباطُ والِاسْتِنْباطُ إخْراجُهُ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎نَعَمْ صادِقًا والفاعِلُ القائِلُ الَّذِي ∗∗∗ إذا قالَ قَوْلًا أنْبَطَ الماءَ في الثَّرى
وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: يُقالُ لِلرَّجُلِ إذا كانَ بَعِيدَ العِزِّ والمَنَعَةِ ما يَجِدُ عَدُوُّهُ لَهُ: نَبَطًا. قالَ كَعْبٌ:
؎قَرِيبٌ تَراهُ لا يَنالُ عَدُوُّهُ ∗∗∗ لَهُ نَبَطًا آبى الهَوانَ قُطُوبُ
والنَّبَطُ الَّذِينَ يَسْتَخْرِجُونَ المِياهَ والنَّباتَ مِنَ الأرْضِ. وقالَ الفَرّاءُ: نَبَطَ مِثْلَ اسْتَنْبَطَ، ونَبَطَ الماءُ يَنْبُطُ بِضَمِّ الباءِ وفَتْحِها. التَّحْرِيضُ: الحَثُّ. التَّنْكِيلُ: الأخْذُ بِأنْواعِ العَذابِ وتَرْدِيدُهُ عَلى المُعَذَّبِ، وكَأنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ النِّكْلِ وهو: القَيْدُ. الكِفْلُ: النَّصِيبُ والنَّصِيبُ في الخَيْرِ أكْثَرُ اسْتِعْمالًا. والكِفْلُ في الشَّرِّ أكْثَرُ مِنهُ في الخَيْرِ. المُقِيتُ: المُقْتَدِرُ. قالَ الزُّبَيْرُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ:
؎وذِي ضَغَنٍ كَفَفْتُ النَّفْسَ عَنْهُ ∗∗∗ وكانَ عَلى إساءَتِهِ مُقِيتًا
أيْ مُقْتَدِرًا. وقالَ السَّمَوْءَلُ:
؎لَيْتَ شِعْرِي وأشْعَرْنَ إذا ما ∗∗∗ قَرَّبُوها مَنشُورَةً ودُعِيتُ
؎ألِي الفَضْلُ أمْ عَلَيَّ إذا حُو ∗∗∗ سِبْتُ إنِّي عَلى الحِسابِ مُقِيتُ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المُقِيتُ الحاضِرُ. وقالَ ابْنُ فارِسٍ: المُقِيتُ المُقْتَدِرُ، والمُقِيتُ: الحافِظُ والشّاهِدُ. (p-٣٠٤)وقالَ النَّحّاسُ: هو مُشْتَقٌّ مِنَ القُوتِ، والقُوتُ مِقْدارُ ما يُحْفَظُ بِهِ الإنْسانُ مِنَ التَّلَفِ. التَّحِيَّةُ قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إدْرِيسَ: هي المُلْكُ، وأنْشَدَ:
؎أؤُمُّ بِها أبا قابُوسَ حَتّى ∗∗∗ أُنِيخَ عَلى تَحِيَّتِهِ بِجُنْدِي
وقالَ الأزْهَرِيُّ: التَّحِيَّةُ بِمَعْنى المُلْكِ، وبِمَعْنى البَقاءِ، ثُمَّ صارَتْ بِمَعْنى السَّلامَةِ. انْتَهى. ووَزْنُها تَفْعِلَةٌ، ولَيْسَ الإدْغامُ في هَذا الوَزْنِ واجِبًا عَلى مَذْهَبِ المازِنِيِّ، بَلْ يَجُوزُ الإظْهارُ كَما قالُوا: أعْيِيَةٌ بِالإظْهارِ، وأعِيَّةٌ بِالإدْغامِ في جَمْعِ عَيِيٍّ. وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّهُ يَجِبُ الإدْغامُ في تَحِيَّةٍ، والكَلامُ عَلى المَذْهَبَيْنِ مَذْكُورٌ في كُتُبِ النَّحْوِ.
﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ ومَن تَوَلّى فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ قالَ: «مَن أحَبَّنِي فَقَدْ أحَبَّ اللَّهَ» فاعْتَرَضَتِ اليَهُودُ فَقالُوا: هَذا مُحَمَّدٌ يَأْمُرُ بِعِبادَةِ اللَّهِ، وهو في هَذا القَوْلِ مُدَّعٍ لِلرُّبُوبِيَّةِ فَنَزَلَتْ. وفي رِوايَةٍ: قالَ المُنافِقُونَ لَقَدْ قارَبَ الشِّرْكَ. وفي رِوايَةٍ: قالُوا ما يُرِيدُ هَذا الرَّجُلُ إلّا أنْ يُتَّخَذَ رَبًّا كَما اتَّخَذَتِ النَّصارى عِيسى. وتَعَلُّقُ الطّاعَتَيْنِ؛ لِأنَّهُ لا يَأْمُرُ إلّا بِما أمَرَ اللَّهُ بِهِ، ولا يَنْهى إلّا عَمّا نَهى اللَّهُ عَنْهُ، فَكانَتْ طاعَتُهُ في ذَلِكَ طاعَةَ اللَّهِ. ومَن تَوَلّى بِنِفاقٍ أوْ أمْرٍ؛ ﴿فَما أرْسَلْناكَ﴾ هَذا التِفاتٌ؛ إذْ لَوْ جَرى عَلى الرَّسُولِ لَكانَ فَما أرْسَلَهُ. والحافِظُ هُنا المُحاسِبُ عَلى الأعْمالِ، أوِ الحافِظُ لِلْأعْمالِ، أوِ الحافِظُ مِنَ المَعاصِي، أوِ الحافِظُ عَنِ التَّوَلِّي، أوِ المُسَلَّطُ مِنَ الحُفّاظِ، أقْوالٌ. وتَتَضَمَّنُ هَذِهِ الآيَةُ الإعْراضَ عَمَّنْ تَوَلّى، والتَّرْكُ رِفْقٌ مِنَ اللَّهِ، وهي قَبْلَ نُزُولِ القِتالِ.
﴿ويَقُولُونَ طاعَةٌ﴾ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ بِاتِّفاقٍ؛ أيْ إذا أمَرْتَهم بِشَيْءٍ قالُوا طاعَةٌ؛ أيْ أمْرُنا طاعَةٌ، أوْ مِنّا طاعَةٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ النَّصْبُ بِمَعْنى أطَعْناكَ طاعَةً، وهَذا مِن قَوْلِ المُرْتَسِمِ سَمْعًا وطاعَةً، وسَمْعٌ وطاعَةٌ ونَحْوُهُ قَوْلُ سِيبَوَيْهِ. وسَمِعْنا بَعْضَ العَرَبِ المَوْثُوقِ بِهِمْ يُقالُ لَهُ: كَيْفَ أصْبَحْتَ ؟ فَيَقُولُ: حَمْدًا لِلَّهِ وثَناءً عَلَيْهِ، كَأنَّهُ قالَ: أمْرِي وشَأْنِي حَمْدُ اللَّهِ. ولَوْ نَصَبَ حَمْدَ اللَّهِ وثَناءً عَلَيْهِ كانَ عَلى الفِعْلِ. والرَّفْعُ يَدُلُّ عَلى ثَباتِ الطّاعَةِ، واسْتِقْرارِها انْتَهى. ولا حاجَةَ لِذِكْرِ ما لَمْ يُقْرَأْ بِهِ، ولا لِتَوْجِيهِهِ، ولا لِتَنْظِيرِهِ بِغَيْرِهِ؛ خُصُوصًا في كِتابِهِ الَّذِي وضَعَهُ عَلى الِاخْتِصارِ لا عَلى التَّطْوِيلِ.
﴿فَإذا بَرَزُوا مِن عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنهم غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾؛ أيْ إذا خَرَجُوا مِن عِنْدِكَ رَوَوْا وسَوَّوْا؛ أيْ طائِفَةٌ مِنهم غَيْرَ الَّذِي تَقُولُهُ لَكَ يا مُحَمَّدُ مِن إظْهارِ الطّاعَةِ، وهم في الباطِنِ كاذِبُونَ عاصُونَ؛ فَعَلى هَذا الضَّمِيرُ في تَقُولُ عائِدٌ عَلى الطّائِفَةِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. وقِيلَ يَعُودُ عَلى الرَّسُولِ؛ أيْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُهُ وتُرْسَمُ بِهِ يا مُحَمَّدُ، وهو الخِلافُ والعِصْيانُ المُشْتَمِلُ عَلَيْهِ بَواطِنُهم. ويُؤَيِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ بَيَّتَ مُبَيِّتٌ مِنهم يا مُحَمَّدُ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ يَقُولُ: بِالياءِ؛ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلرَّسُولِ، ويَكُونَ التِفاتًا إذْ خَرَجَ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ في ﴿مِن عِنْدِكَ﴾ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الطّائِفَةِ؛ لِأنَّها في مَعْنى القَوْمِ أوِ الفَرِيقِ، وخَصَّ طائِفَتَهُ بِالتَّبْيِينِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُونُوا لِيَجْتَمِعُوا كُلُّهم في دارٍ واحِدَةٍ أوْ لِأنَّهُ إخْبارٌ عَنْ مَن عَلِمَ اللَّهُ أنَّهُ يَبْقى عَلى كُفْرِهِ ونِفاقِهِ. وأدْغَمَ حَمْزَةُ، وأبُو عَمْرٍوُ ﴿بَيَّتَ طائِفَةٌ﴾، وأظْهَرَ الباقُونَ.
﴿واللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ﴾؛ أيْ يَكْتُبُهُ في صَحائِفِ أعْمالِهِمْ حَسَبَما تَكْتُبُهُ الحَفَظَةُ لِيُجازَوْا بِهِ. وقالَ الزَّجّاجُ: يَكْتُبُهُ في كِتابِهِ إلَيْكَ؛ أيْ يُنْزِلُهُ في القُرْآنِ ويَعْلَمُ بِهِ، ويَطَّلِعُ عَلى سِرِّهِمْ. وقِيلَ يَكْتُبُ يُعَلِّمُ عَبَّرَ بِالكِتابَةِ عَنِ العِلْمِ؛ لِأنَّهُ مِن ثَمَراتِها.
﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ هَذا مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ومَن تَوَلّى فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾؛ أيْ لا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِالِانْتِقامِ مِنهم. ولَيْسَ المَعْنى فَأعْرِضْ عَنْ دَعْوَتِهِمْ إلى الإيمانِ، وعَنْ وعْظِهِمْ. وقالَ الضَّحّاكُ: مَعْنى أعْرِضْ عَنْهم لا تُخْبِرْ بِأسْمائِهِمْ فَيُجاهِرُوكَ بِالعَداوَةِ بَعْدَ المُجامَلَةِ في القَوْلِ، ثُمَّ أمَرَهُ بِإدامَةِ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، هو يَنْتَقِمُ لَكَ مِنهم، وهَذا أيْضًا قَبْلَ نُزُولِ القِتالِ.
﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: يَتَدَبَّرُونَ بِياءٍ، وتاءٍ بَعْدَها (p-٣٠٥)عَلى الأصْلِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِإدْغامِ التّاءِ في الدّالِ، وهَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإنْكارُ؛ أيْ فَلا يَتَأمَّلُونَ ما نَزَلَ عَلَيْكَ مِنَ الوَحْيِ ولا يُعْرِضُونَ عَنْهُ؛ فَإنَّهُ في تَدَبُّرِهِ يَظْهَرُ بُرْهانُهُ ويَسْطَعُ نُورُهُ، ولا يَظْهَرُ ذَلِكَ لِمَن أعْرَضَ عَنْهُ ولَمْ يَتَأمَّلْهُ.
﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ الظّاهِرُ أنَّ المُضْمَرَ في فِيهِ عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، وهَذا في عِلْمِ البَيانِ الِاحْتِجاجُ النَّظَرِيُّ، وقَوْمٌ يُسَمُّونَهُ المَذْهَبَ الكَلامِيَّ. ووَجْهُ هَذا الدَّلِيلِ أنَّهُ لَيْسَ مِن مُتَكَلِّمٍ كَلامًا طَوِيلًا إلّا وُجِدَ في كَلامِهِ اخْتِلافٌ كَثِيرٌ؛ إمّا في الوَصْفِ واللَّفْظِ، وإمّا في المَعْنى بِتَناقُضِ أخْبارٍ، أوِ الوُقُوعِ عَلى خِلافِ المُخْبَرِ بِهِ، أوِ اشْتِمالِهِ عَلى ما لا يَلْتَئِمُ، أوْ كَوْنِهِ يُمْكِنُ مُعارَضَتُهُ. والقُرْآنُ العَظِيمُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ كَلامُ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ، مُناسِبٌ بَلاغَةً مُعْجِزَةً فائِتَةً لِقُوى البُلَغاءِ، وتَضافُرَ صِدْقِ أخْبارٍ وصِحَّةِ مَعانٍ؛ فَلا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا العالِمُ بِما لا يَعْلَمُهُ أحَدٌ سِواهُ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَإنْ عَرَضَتْ لِأحَدٍ شُبْهَةٌ، وظَنَّ اخْتِلافًا فالواجِبُ أنْ يَتَّهِمَ نَظَرَهُ، ويَسْألَ مَن هو أعْلَمُ مِنهُ. وما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الزَّنادِقَةِ المُعانِدِينَ مِن أنَّ فِيهِ أحْكامًا مُخْتَلِفَةً وألْفاظًا غَيْرَ مُؤْتَلِفَةٍ فَقَدْ أبْطَلَ مَقالَتَهم عُلَماءُ الإسْلامِ، وما جاءَ في القُرْآنِ مِنَ اخْتِلافٍ في تَفْسِيرٍ وتَأْوِيلٍ وقِراءَةٍ، وناسِخٍ ومَنسُوخٍ، ومُحْكَمٍ ومُتَشابِهٍ، وعامٍّ وخاصٍّ، ومُطْلَقٍ ومُقَيَّدٍ؛ فَلَيْسَ هو المَقْصُودَ في الآيَةِ، بَلْ هَذِهِ مِن عُلُومِ القُرْآنِ الدّالَّةِ عَلى اتِّساعِ مَعانِيهِ، وأحْكامِ مَبانِيهِ. وذَهَبَ الزَّجّاجُ إلى أنَّ الضَّمِيرَ في فِيهِ عائِدٌ عَلى ما يُخْبِرُهُ بِهِ اللَّهُ تَعالى مِمّا يُبَيِّتُونَ، ويُسِرُّونَ والمَعْنى: أنَّكَ تُخْبِرُهم بِهِ عَلى حَدِّ ما يَقَعُ، وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ غَيْبٌ مِنَ الغُيُوبِ. وفي ذِكْرِ تُدَبِّرُ القُرْآنِ رَدٌّ عَلى مَن قالَ مِنَ الرّافِضَةِ: إنَّ القُرْآنَ لا يُفْهَمُ مَعْناهُ إلّا بِتَفْسِيرِ الرَّسُولِ.
النساء 4:81
﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ ومَن تَوَلّى فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ ﴿ويَقُولُونَ طاعَةٌ فَإذا بَرَزُوا مِن عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنهم غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ واللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأعْرِضْ عَنْهم وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ ﴿وإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ ولَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهم ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إلّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٨٣] ﴿فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إلّا نَفْسَكَ وحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَسى اللَّهُ أنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا واللَّهُ أشَدُّ بَأْسًا وأشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ [النساء: ٨٤] ﴿مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنها ومَن يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنها وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ [النساء: ٨٥] ﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦] التَّبْيِيتُ قالَ الأصْمَعِيُّ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وأبُو العَبّاسِ: كُلُّ أمْرٍ قُضِيَ بِلَيْلٍ قِيلَ قَدْ بُيِّتَ. وقالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ أمْرٍ مُكِرَ فِيهِ أوْ خِيضَ بِلَيْلٍ فَقَدْ بُيِّتَ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎أتَوْنِي فَلَمْ أرْضَ ما بَيَّتُوا وكانُوا أتَوْنِي بِأمْرٍ نُكُرْ
وقالَ الأخْفَشُ: العَرَبُ تَقُولُ لِلشَّيْءِ إذا قُدِّرَ: بُيِّتَ. وقالَ أبُو رَزِينٍ: بُيِّتَ أُلِّفَ. وقِيلَ هُيِّئَ وزُوِّرَ، وقِيلَ قُصِدَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَمّا تَبَيَّتْنا أخا تَمِيمٍ ∗∗∗ أعْطى عَطاءَ اللَّحِزِ اللَّئِيمِ
أيْ: قَصَدْنا. وقِيلَ التَّبْيِيتُ التَّبْدِيلُ بِلُغَةِ طَيِّئٍ، قالَ شاعِرُهم:
؎وتَبْيِيتُ قَوْلِي عِنْدَ المَلِيكِ ∗∗∗ قاتَلَكَ اللَّهُ عَبْدًا كَفُورًا
التَّدَبُّرُ: تَأمُّلُ الأمْرِ والنَّظَرُ في أدْبارِهِ، وما يَئُولُ إلَيْهِ في عاقِبَتِهِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في كُلِّ تَأمُّلٍ. والدَّبَرُ: المالُ الكَثِيرُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ يَبْقى لِلْأعْقابِ ولِلْأدْبارِ، قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ.
الإذاعَةُ: إظْهارُ الشَّيْءِ، وإفْشاؤُهُ يُقالُ: ذاعَ يَذِيعُ وأذاعَ، ويَتَعَدّى بِنَفْسِهِ وبِالباءِ؛ فَيَكُونُ إذْ ذاكَ أذاعَ في مَعْنى الفِعْلِ المُجَرَّدِ. قالَ أبُو الأسْوَدِ:
؎أذاعُوا بِهِ في النّاسِ حَتّى كَأنَّهُ ∗∗∗ بِعَلْياءِ نارٍ أُوقِدَتْ بِثُقُوبِ
الِاسْتِنْباطُ: الِاسْتِخْراجُ والنَّبَطُ الماءُ يَخْرُجُ مِنَ البِئْرِ أوَّلَ ما تُحْفَرُ، والإنْباطُ والِاسْتِنْباطُ إخْراجُهُ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎نَعَمْ صادِقًا والفاعِلُ القائِلُ الَّذِي ∗∗∗ إذا قالَ قَوْلًا أنْبَطَ الماءَ في الثَّرى
وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: يُقالُ لِلرَّجُلِ إذا كانَ بَعِيدَ العِزِّ والمَنَعَةِ ما يَجِدُ عَدُوُّهُ لَهُ: نَبَطًا. قالَ كَعْبٌ:
؎قَرِيبٌ تَراهُ لا يَنالُ عَدُوُّهُ ∗∗∗ لَهُ نَبَطًا آبى الهَوانَ قُطُوبُ
والنَّبَطُ الَّذِينَ يَسْتَخْرِجُونَ المِياهَ والنَّباتَ مِنَ الأرْضِ. وقالَ الفَرّاءُ: نَبَطَ مِثْلَ اسْتَنْبَطَ، ونَبَطَ الماءُ يَنْبُطُ بِضَمِّ الباءِ وفَتْحِها. التَّحْرِيضُ: الحَثُّ. التَّنْكِيلُ: الأخْذُ بِأنْواعِ العَذابِ وتَرْدِيدُهُ عَلى المُعَذَّبِ، وكَأنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ النِّكْلِ وهو: القَيْدُ. الكِفْلُ: النَّصِيبُ والنَّصِيبُ في الخَيْرِ أكْثَرُ اسْتِعْمالًا. والكِفْلُ في الشَّرِّ أكْثَرُ مِنهُ في الخَيْرِ. المُقِيتُ: المُقْتَدِرُ. قالَ الزُّبَيْرُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ:
؎وذِي ضَغَنٍ كَفَفْتُ النَّفْسَ عَنْهُ ∗∗∗ وكانَ عَلى إساءَتِهِ مُقِيتًا
أيْ مُقْتَدِرًا. وقالَ السَّمَوْءَلُ:
؎لَيْتَ شِعْرِي وأشْعَرْنَ إذا ما ∗∗∗ قَرَّبُوها مَنشُورَةً ودُعِيتُ
؎ألِي الفَضْلُ أمْ عَلَيَّ إذا حُو ∗∗∗ سِبْتُ إنِّي عَلى الحِسابِ مُقِيتُ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المُقِيتُ الحاضِرُ. وقالَ ابْنُ فارِسٍ: المُقِيتُ المُقْتَدِرُ، والمُقِيتُ: الحافِظُ والشّاهِدُ. (p-٣٠٤)وقالَ النَّحّاسُ: هو مُشْتَقٌّ مِنَ القُوتِ، والقُوتُ مِقْدارُ ما يُحْفَظُ بِهِ الإنْسانُ مِنَ التَّلَفِ. التَّحِيَّةُ قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إدْرِيسَ: هي المُلْكُ، وأنْشَدَ:
؎أؤُمُّ بِها أبا قابُوسَ حَتّى ∗∗∗ أُنِيخَ عَلى تَحِيَّتِهِ بِجُنْدِي
وقالَ الأزْهَرِيُّ: التَّحِيَّةُ بِمَعْنى المُلْكِ، وبِمَعْنى البَقاءِ، ثُمَّ صارَتْ بِمَعْنى السَّلامَةِ. انْتَهى. ووَزْنُها تَفْعِلَةٌ، ولَيْسَ الإدْغامُ في هَذا الوَزْنِ واجِبًا عَلى مَذْهَبِ المازِنِيِّ، بَلْ يَجُوزُ الإظْهارُ كَما قالُوا: أعْيِيَةٌ بِالإظْهارِ، وأعِيَّةٌ بِالإدْغامِ في جَمْعِ عَيِيٍّ. وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّهُ يَجِبُ الإدْغامُ في تَحِيَّةٍ، والكَلامُ عَلى المَذْهَبَيْنِ مَذْكُورٌ في كُتُبِ النَّحْوِ.
﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ ومَن تَوَلّى فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ قالَ: «مَن أحَبَّنِي فَقَدْ أحَبَّ اللَّهَ» فاعْتَرَضَتِ اليَهُودُ فَقالُوا: هَذا مُحَمَّدٌ يَأْمُرُ بِعِبادَةِ اللَّهِ، وهو في هَذا القَوْلِ مُدَّعٍ لِلرُّبُوبِيَّةِ فَنَزَلَتْ. وفي رِوايَةٍ: قالَ المُنافِقُونَ لَقَدْ قارَبَ الشِّرْكَ. وفي رِوايَةٍ: قالُوا ما يُرِيدُ هَذا الرَّجُلُ إلّا أنْ يُتَّخَذَ رَبًّا كَما اتَّخَذَتِ النَّصارى عِيسى. وتَعَلُّقُ الطّاعَتَيْنِ؛ لِأنَّهُ لا يَأْمُرُ إلّا بِما أمَرَ اللَّهُ بِهِ، ولا يَنْهى إلّا عَمّا نَهى اللَّهُ عَنْهُ، فَكانَتْ طاعَتُهُ في ذَلِكَ طاعَةَ اللَّهِ. ومَن تَوَلّى بِنِفاقٍ أوْ أمْرٍ؛ ﴿فَما أرْسَلْناكَ﴾ هَذا التِفاتٌ؛ إذْ لَوْ جَرى عَلى الرَّسُولِ لَكانَ فَما أرْسَلَهُ. والحافِظُ هُنا المُحاسِبُ عَلى الأعْمالِ، أوِ الحافِظُ لِلْأعْمالِ، أوِ الحافِظُ مِنَ المَعاصِي، أوِ الحافِظُ عَنِ التَّوَلِّي، أوِ المُسَلَّطُ مِنَ الحُفّاظِ، أقْوالٌ. وتَتَضَمَّنُ هَذِهِ الآيَةُ الإعْراضَ عَمَّنْ تَوَلّى، والتَّرْكُ رِفْقٌ مِنَ اللَّهِ، وهي قَبْلَ نُزُولِ القِتالِ.
﴿ويَقُولُونَ طاعَةٌ﴾ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ بِاتِّفاقٍ؛ أيْ إذا أمَرْتَهم بِشَيْءٍ قالُوا طاعَةٌ؛ أيْ أمْرُنا طاعَةٌ، أوْ مِنّا طاعَةٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ النَّصْبُ بِمَعْنى أطَعْناكَ طاعَةً، وهَذا مِن قَوْلِ المُرْتَسِمِ سَمْعًا وطاعَةً، وسَمْعٌ وطاعَةٌ ونَحْوُهُ قَوْلُ سِيبَوَيْهِ. وسَمِعْنا بَعْضَ العَرَبِ المَوْثُوقِ بِهِمْ يُقالُ لَهُ: كَيْفَ أصْبَحْتَ ؟ فَيَقُولُ: حَمْدًا لِلَّهِ وثَناءً عَلَيْهِ، كَأنَّهُ قالَ: أمْرِي وشَأْنِي حَمْدُ اللَّهِ. ولَوْ نَصَبَ حَمْدَ اللَّهِ وثَناءً عَلَيْهِ كانَ عَلى الفِعْلِ. والرَّفْعُ يَدُلُّ عَلى ثَباتِ الطّاعَةِ، واسْتِقْرارِها انْتَهى. ولا حاجَةَ لِذِكْرِ ما لَمْ يُقْرَأْ بِهِ، ولا لِتَوْجِيهِهِ، ولا لِتَنْظِيرِهِ بِغَيْرِهِ؛ خُصُوصًا في كِتابِهِ الَّذِي وضَعَهُ عَلى الِاخْتِصارِ لا عَلى التَّطْوِيلِ.
﴿فَإذا بَرَزُوا مِن عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنهم غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾؛ أيْ إذا خَرَجُوا مِن عِنْدِكَ رَوَوْا وسَوَّوْا؛ أيْ طائِفَةٌ مِنهم غَيْرَ الَّذِي تَقُولُهُ لَكَ يا مُحَمَّدُ مِن إظْهارِ الطّاعَةِ، وهم في الباطِنِ كاذِبُونَ عاصُونَ؛ فَعَلى هَذا الضَّمِيرُ في تَقُولُ عائِدٌ عَلى الطّائِفَةِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. وقِيلَ يَعُودُ عَلى الرَّسُولِ؛ أيْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُهُ وتُرْسَمُ بِهِ يا مُحَمَّدُ، وهو الخِلافُ والعِصْيانُ المُشْتَمِلُ عَلَيْهِ بَواطِنُهم. ويُؤَيِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ بَيَّتَ مُبَيِّتٌ مِنهم يا مُحَمَّدُ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ يَقُولُ: بِالياءِ؛ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلرَّسُولِ، ويَكُونَ التِفاتًا إذْ خَرَجَ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ في ﴿مِن عِنْدِكَ﴾ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الطّائِفَةِ؛ لِأنَّها في مَعْنى القَوْمِ أوِ الفَرِيقِ، وخَصَّ طائِفَتَهُ بِالتَّبْيِينِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُونُوا لِيَجْتَمِعُوا كُلُّهم في دارٍ واحِدَةٍ أوْ لِأنَّهُ إخْبارٌ عَنْ مَن عَلِمَ اللَّهُ أنَّهُ يَبْقى عَلى كُفْرِهِ ونِفاقِهِ. وأدْغَمَ حَمْزَةُ، وأبُو عَمْرٍوُ ﴿بَيَّتَ طائِفَةٌ﴾، وأظْهَرَ الباقُونَ.
﴿واللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ﴾؛ أيْ يَكْتُبُهُ في صَحائِفِ أعْمالِهِمْ حَسَبَما تَكْتُبُهُ الحَفَظَةُ لِيُجازَوْا بِهِ. وقالَ الزَّجّاجُ: يَكْتُبُهُ في كِتابِهِ إلَيْكَ؛ أيْ يُنْزِلُهُ في القُرْآنِ ويَعْلَمُ بِهِ، ويَطَّلِعُ عَلى سِرِّهِمْ. وقِيلَ يَكْتُبُ يُعَلِّمُ عَبَّرَ بِالكِتابَةِ عَنِ العِلْمِ؛ لِأنَّهُ مِن ثَمَراتِها.
﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ هَذا مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ومَن تَوَلّى فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾؛ أيْ لا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِالِانْتِقامِ مِنهم. ولَيْسَ المَعْنى فَأعْرِضْ عَنْ دَعْوَتِهِمْ إلى الإيمانِ، وعَنْ وعْظِهِمْ. وقالَ الضَّحّاكُ: مَعْنى أعْرِضْ عَنْهم لا تُخْبِرْ بِأسْمائِهِمْ فَيُجاهِرُوكَ بِالعَداوَةِ بَعْدَ المُجامَلَةِ في القَوْلِ، ثُمَّ أمَرَهُ بِإدامَةِ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، هو يَنْتَقِمُ لَكَ مِنهم، وهَذا أيْضًا قَبْلَ نُزُولِ القِتالِ.
﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: يَتَدَبَّرُونَ بِياءٍ، وتاءٍ بَعْدَها (p-٣٠٥)عَلى الأصْلِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِإدْغامِ التّاءِ في الدّالِ، وهَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإنْكارُ؛ أيْ فَلا يَتَأمَّلُونَ ما نَزَلَ عَلَيْكَ مِنَ الوَحْيِ ولا يُعْرِضُونَ عَنْهُ؛ فَإنَّهُ في تَدَبُّرِهِ يَظْهَرُ بُرْهانُهُ ويَسْطَعُ نُورُهُ، ولا يَظْهَرُ ذَلِكَ لِمَن أعْرَضَ عَنْهُ ولَمْ يَتَأمَّلْهُ.
﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ الظّاهِرُ أنَّ المُضْمَرَ في فِيهِ عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، وهَذا في عِلْمِ البَيانِ الِاحْتِجاجُ النَّظَرِيُّ، وقَوْمٌ يُسَمُّونَهُ المَذْهَبَ الكَلامِيَّ. ووَجْهُ هَذا الدَّلِيلِ أنَّهُ لَيْسَ مِن مُتَكَلِّمٍ كَلامًا طَوِيلًا إلّا وُجِدَ في كَلامِهِ اخْتِلافٌ كَثِيرٌ؛ إمّا في الوَصْفِ واللَّفْظِ، وإمّا في المَعْنى بِتَناقُضِ أخْبارٍ، أوِ الوُقُوعِ عَلى خِلافِ المُخْبَرِ بِهِ، أوِ اشْتِمالِهِ عَلى ما لا يَلْتَئِمُ، أوْ كَوْنِهِ يُمْكِنُ مُعارَضَتُهُ. والقُرْآنُ العَظِيمُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ كَلامُ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ، مُناسِبٌ بَلاغَةً مُعْجِزَةً فائِتَةً لِقُوى البُلَغاءِ، وتَضافُرَ صِدْقِ أخْبارٍ وصِحَّةِ مَعانٍ؛ فَلا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا العالِمُ بِما لا يَعْلَمُهُ أحَدٌ سِواهُ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَإنْ عَرَضَتْ لِأحَدٍ شُبْهَةٌ، وظَنَّ اخْتِلافًا فالواجِبُ أنْ يَتَّهِمَ نَظَرَهُ، ويَسْألَ مَن هو أعْلَمُ مِنهُ. وما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الزَّنادِقَةِ المُعانِدِينَ مِن أنَّ فِيهِ أحْكامًا مُخْتَلِفَةً وألْفاظًا غَيْرَ مُؤْتَلِفَةٍ فَقَدْ أبْطَلَ مَقالَتَهم عُلَماءُ الإسْلامِ، وما جاءَ في القُرْآنِ مِنَ اخْتِلافٍ في تَفْسِيرٍ وتَأْوِيلٍ وقِراءَةٍ، وناسِخٍ ومَنسُوخٍ، ومُحْكَمٍ ومُتَشابِهٍ، وعامٍّ وخاصٍّ، ومُطْلَقٍ ومُقَيَّدٍ؛ فَلَيْسَ هو المَقْصُودَ في الآيَةِ، بَلْ هَذِهِ مِن عُلُومِ القُرْآنِ الدّالَّةِ عَلى اتِّساعِ مَعانِيهِ، وأحْكامِ مَبانِيهِ. وذَهَبَ الزَّجّاجُ إلى أنَّ الضَّمِيرَ في فِيهِ عائِدٌ عَلى ما يُخْبِرُهُ بِهِ اللَّهُ تَعالى مِمّا يُبَيِّتُونَ، ويُسِرُّونَ والمَعْنى: أنَّكَ تُخْبِرُهم بِهِ عَلى حَدِّ ما يَقَعُ، وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ غَيْبٌ مِنَ الغُيُوبِ. وفي ذِكْرِ تُدَبِّرُ القُرْآنِ رَدٌّ عَلى مَن قالَ مِنَ الرّافِضَةِ: إنَّ القُرْآنَ لا يُفْهَمُ مَعْناهُ إلّا بِتَفْسِيرِ الرَّسُولِ.
النساء 4:82
﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ ومَن تَوَلّى فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ ﴿ويَقُولُونَ طاعَةٌ فَإذا بَرَزُوا مِن عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنهم غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ واللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأعْرِضْ عَنْهم وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ ﴿وإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ ولَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهم ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إلّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٨٣] ﴿فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إلّا نَفْسَكَ وحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَسى اللَّهُ أنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا واللَّهُ أشَدُّ بَأْسًا وأشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ [النساء: ٨٤] ﴿مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنها ومَن يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنها وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ [النساء: ٨٥] ﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦] التَّبْيِيتُ قالَ الأصْمَعِيُّ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وأبُو العَبّاسِ: كُلُّ أمْرٍ قُضِيَ بِلَيْلٍ قِيلَ قَدْ بُيِّتَ. وقالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ أمْرٍ مُكِرَ فِيهِ أوْ خِيضَ بِلَيْلٍ فَقَدْ بُيِّتَ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎أتَوْنِي فَلَمْ أرْضَ ما بَيَّتُوا وكانُوا أتَوْنِي بِأمْرٍ نُكُرْ
وقالَ الأخْفَشُ: العَرَبُ تَقُولُ لِلشَّيْءِ إذا قُدِّرَ: بُيِّتَ. وقالَ أبُو رَزِينٍ: بُيِّتَ أُلِّفَ. وقِيلَ هُيِّئَ وزُوِّرَ، وقِيلَ قُصِدَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَمّا تَبَيَّتْنا أخا تَمِيمٍ ∗∗∗ أعْطى عَطاءَ اللَّحِزِ اللَّئِيمِ
أيْ: قَصَدْنا. وقِيلَ التَّبْيِيتُ التَّبْدِيلُ بِلُغَةِ طَيِّئٍ، قالَ شاعِرُهم:
؎وتَبْيِيتُ قَوْلِي عِنْدَ المَلِيكِ ∗∗∗ قاتَلَكَ اللَّهُ عَبْدًا كَفُورًا
التَّدَبُّرُ: تَأمُّلُ الأمْرِ والنَّظَرُ في أدْبارِهِ، وما يَئُولُ إلَيْهِ في عاقِبَتِهِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في كُلِّ تَأمُّلٍ. والدَّبَرُ: المالُ الكَثِيرُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ يَبْقى لِلْأعْقابِ ولِلْأدْبارِ، قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ.
الإذاعَةُ: إظْهارُ الشَّيْءِ، وإفْشاؤُهُ يُقالُ: ذاعَ يَذِيعُ وأذاعَ، ويَتَعَدّى بِنَفْسِهِ وبِالباءِ؛ فَيَكُونُ إذْ ذاكَ أذاعَ في مَعْنى الفِعْلِ المُجَرَّدِ. قالَ أبُو الأسْوَدِ:
؎أذاعُوا بِهِ في النّاسِ حَتّى كَأنَّهُ ∗∗∗ بِعَلْياءِ نارٍ أُوقِدَتْ بِثُقُوبِ
الِاسْتِنْباطُ: الِاسْتِخْراجُ والنَّبَطُ الماءُ يَخْرُجُ مِنَ البِئْرِ أوَّلَ ما تُحْفَرُ، والإنْباطُ والِاسْتِنْباطُ إخْراجُهُ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎نَعَمْ صادِقًا والفاعِلُ القائِلُ الَّذِي ∗∗∗ إذا قالَ قَوْلًا أنْبَطَ الماءَ في الثَّرى
وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: يُقالُ لِلرَّجُلِ إذا كانَ بَعِيدَ العِزِّ والمَنَعَةِ ما يَجِدُ عَدُوُّهُ لَهُ: نَبَطًا. قالَ كَعْبٌ:
؎قَرِيبٌ تَراهُ لا يَنالُ عَدُوُّهُ ∗∗∗ لَهُ نَبَطًا آبى الهَوانَ قُطُوبُ
والنَّبَطُ الَّذِينَ يَسْتَخْرِجُونَ المِياهَ والنَّباتَ مِنَ الأرْضِ. وقالَ الفَرّاءُ: نَبَطَ مِثْلَ اسْتَنْبَطَ، ونَبَطَ الماءُ يَنْبُطُ بِضَمِّ الباءِ وفَتْحِها. التَّحْرِيضُ: الحَثُّ. التَّنْكِيلُ: الأخْذُ بِأنْواعِ العَذابِ وتَرْدِيدُهُ عَلى المُعَذَّبِ، وكَأنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ النِّكْلِ وهو: القَيْدُ. الكِفْلُ: النَّصِيبُ والنَّصِيبُ في الخَيْرِ أكْثَرُ اسْتِعْمالًا. والكِفْلُ في الشَّرِّ أكْثَرُ مِنهُ في الخَيْرِ. المُقِيتُ: المُقْتَدِرُ. قالَ الزُّبَيْرُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ:
؎وذِي ضَغَنٍ كَفَفْتُ النَّفْسَ عَنْهُ ∗∗∗ وكانَ عَلى إساءَتِهِ مُقِيتًا
أيْ مُقْتَدِرًا. وقالَ السَّمَوْءَلُ:
؎لَيْتَ شِعْرِي وأشْعَرْنَ إذا ما ∗∗∗ قَرَّبُوها مَنشُورَةً ودُعِيتُ
؎ألِي الفَضْلُ أمْ عَلَيَّ إذا حُو ∗∗∗ سِبْتُ إنِّي عَلى الحِسابِ مُقِيتُ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المُقِيتُ الحاضِرُ. وقالَ ابْنُ فارِسٍ: المُقِيتُ المُقْتَدِرُ، والمُقِيتُ: الحافِظُ والشّاهِدُ. (p-٣٠٤)وقالَ النَّحّاسُ: هو مُشْتَقٌّ مِنَ القُوتِ، والقُوتُ مِقْدارُ ما يُحْفَظُ بِهِ الإنْسانُ مِنَ التَّلَفِ. التَّحِيَّةُ قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إدْرِيسَ: هي المُلْكُ، وأنْشَدَ:
؎أؤُمُّ بِها أبا قابُوسَ حَتّى ∗∗∗ أُنِيخَ عَلى تَحِيَّتِهِ بِجُنْدِي
وقالَ الأزْهَرِيُّ: التَّحِيَّةُ بِمَعْنى المُلْكِ، وبِمَعْنى البَقاءِ، ثُمَّ صارَتْ بِمَعْنى السَّلامَةِ. انْتَهى. ووَزْنُها تَفْعِلَةٌ، ولَيْسَ الإدْغامُ في هَذا الوَزْنِ واجِبًا عَلى مَذْهَبِ المازِنِيِّ، بَلْ يَجُوزُ الإظْهارُ كَما قالُوا: أعْيِيَةٌ بِالإظْهارِ، وأعِيَّةٌ بِالإدْغامِ في جَمْعِ عَيِيٍّ. وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّهُ يَجِبُ الإدْغامُ في تَحِيَّةٍ، والكَلامُ عَلى المَذْهَبَيْنِ مَذْكُورٌ في كُتُبِ النَّحْوِ.
﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ ومَن تَوَلّى فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ قالَ: «مَن أحَبَّنِي فَقَدْ أحَبَّ اللَّهَ» فاعْتَرَضَتِ اليَهُودُ فَقالُوا: هَذا مُحَمَّدٌ يَأْمُرُ بِعِبادَةِ اللَّهِ، وهو في هَذا القَوْلِ مُدَّعٍ لِلرُّبُوبِيَّةِ فَنَزَلَتْ. وفي رِوايَةٍ: قالَ المُنافِقُونَ لَقَدْ قارَبَ الشِّرْكَ. وفي رِوايَةٍ: قالُوا ما يُرِيدُ هَذا الرَّجُلُ إلّا أنْ يُتَّخَذَ رَبًّا كَما اتَّخَذَتِ النَّصارى عِيسى. وتَعَلُّقُ الطّاعَتَيْنِ؛ لِأنَّهُ لا يَأْمُرُ إلّا بِما أمَرَ اللَّهُ بِهِ، ولا يَنْهى إلّا عَمّا نَهى اللَّهُ عَنْهُ، فَكانَتْ طاعَتُهُ في ذَلِكَ طاعَةَ اللَّهِ. ومَن تَوَلّى بِنِفاقٍ أوْ أمْرٍ؛ ﴿فَما أرْسَلْناكَ﴾ هَذا التِفاتٌ؛ إذْ لَوْ جَرى عَلى الرَّسُولِ لَكانَ فَما أرْسَلَهُ. والحافِظُ هُنا المُحاسِبُ عَلى الأعْمالِ، أوِ الحافِظُ لِلْأعْمالِ، أوِ الحافِظُ مِنَ المَعاصِي، أوِ الحافِظُ عَنِ التَّوَلِّي، أوِ المُسَلَّطُ مِنَ الحُفّاظِ، أقْوالٌ. وتَتَضَمَّنُ هَذِهِ الآيَةُ الإعْراضَ عَمَّنْ تَوَلّى، والتَّرْكُ رِفْقٌ مِنَ اللَّهِ، وهي قَبْلَ نُزُولِ القِتالِ.
﴿ويَقُولُونَ طاعَةٌ﴾ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ بِاتِّفاقٍ؛ أيْ إذا أمَرْتَهم بِشَيْءٍ قالُوا طاعَةٌ؛ أيْ أمْرُنا طاعَةٌ، أوْ مِنّا طاعَةٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ النَّصْبُ بِمَعْنى أطَعْناكَ طاعَةً، وهَذا مِن قَوْلِ المُرْتَسِمِ سَمْعًا وطاعَةً، وسَمْعٌ وطاعَةٌ ونَحْوُهُ قَوْلُ سِيبَوَيْهِ. وسَمِعْنا بَعْضَ العَرَبِ المَوْثُوقِ بِهِمْ يُقالُ لَهُ: كَيْفَ أصْبَحْتَ ؟ فَيَقُولُ: حَمْدًا لِلَّهِ وثَناءً عَلَيْهِ، كَأنَّهُ قالَ: أمْرِي وشَأْنِي حَمْدُ اللَّهِ. ولَوْ نَصَبَ حَمْدَ اللَّهِ وثَناءً عَلَيْهِ كانَ عَلى الفِعْلِ. والرَّفْعُ يَدُلُّ عَلى ثَباتِ الطّاعَةِ، واسْتِقْرارِها انْتَهى. ولا حاجَةَ لِذِكْرِ ما لَمْ يُقْرَأْ بِهِ، ولا لِتَوْجِيهِهِ، ولا لِتَنْظِيرِهِ بِغَيْرِهِ؛ خُصُوصًا في كِتابِهِ الَّذِي وضَعَهُ عَلى الِاخْتِصارِ لا عَلى التَّطْوِيلِ.
﴿فَإذا بَرَزُوا مِن عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنهم غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾؛ أيْ إذا خَرَجُوا مِن عِنْدِكَ رَوَوْا وسَوَّوْا؛ أيْ طائِفَةٌ مِنهم غَيْرَ الَّذِي تَقُولُهُ لَكَ يا مُحَمَّدُ مِن إظْهارِ الطّاعَةِ، وهم في الباطِنِ كاذِبُونَ عاصُونَ؛ فَعَلى هَذا الضَّمِيرُ في تَقُولُ عائِدٌ عَلى الطّائِفَةِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. وقِيلَ يَعُودُ عَلى الرَّسُولِ؛ أيْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُهُ وتُرْسَمُ بِهِ يا مُحَمَّدُ، وهو الخِلافُ والعِصْيانُ المُشْتَمِلُ عَلَيْهِ بَواطِنُهم. ويُؤَيِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ بَيَّتَ مُبَيِّتٌ مِنهم يا مُحَمَّدُ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ يَقُولُ: بِالياءِ؛ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلرَّسُولِ، ويَكُونَ التِفاتًا إذْ خَرَجَ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ في ﴿مِن عِنْدِكَ﴾ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الطّائِفَةِ؛ لِأنَّها في مَعْنى القَوْمِ أوِ الفَرِيقِ، وخَصَّ طائِفَتَهُ بِالتَّبْيِينِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُونُوا لِيَجْتَمِعُوا كُلُّهم في دارٍ واحِدَةٍ أوْ لِأنَّهُ إخْبارٌ عَنْ مَن عَلِمَ اللَّهُ أنَّهُ يَبْقى عَلى كُفْرِهِ ونِفاقِهِ. وأدْغَمَ حَمْزَةُ، وأبُو عَمْرٍوُ ﴿بَيَّتَ طائِفَةٌ﴾، وأظْهَرَ الباقُونَ.
﴿واللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ﴾؛ أيْ يَكْتُبُهُ في صَحائِفِ أعْمالِهِمْ حَسَبَما تَكْتُبُهُ الحَفَظَةُ لِيُجازَوْا بِهِ. وقالَ الزَّجّاجُ: يَكْتُبُهُ في كِتابِهِ إلَيْكَ؛ أيْ يُنْزِلُهُ في القُرْآنِ ويَعْلَمُ بِهِ، ويَطَّلِعُ عَلى سِرِّهِمْ. وقِيلَ يَكْتُبُ يُعَلِّمُ عَبَّرَ بِالكِتابَةِ عَنِ العِلْمِ؛ لِأنَّهُ مِن ثَمَراتِها.
﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ هَذا مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ومَن تَوَلّى فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾؛ أيْ لا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِالِانْتِقامِ مِنهم. ولَيْسَ المَعْنى فَأعْرِضْ عَنْ دَعْوَتِهِمْ إلى الإيمانِ، وعَنْ وعْظِهِمْ. وقالَ الضَّحّاكُ: مَعْنى أعْرِضْ عَنْهم لا تُخْبِرْ بِأسْمائِهِمْ فَيُجاهِرُوكَ بِالعَداوَةِ بَعْدَ المُجامَلَةِ في القَوْلِ، ثُمَّ أمَرَهُ بِإدامَةِ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، هو يَنْتَقِمُ لَكَ مِنهم، وهَذا أيْضًا قَبْلَ نُزُولِ القِتالِ.
﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: يَتَدَبَّرُونَ بِياءٍ، وتاءٍ بَعْدَها (p-٣٠٥)عَلى الأصْلِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِإدْغامِ التّاءِ في الدّالِ، وهَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإنْكارُ؛ أيْ فَلا يَتَأمَّلُونَ ما نَزَلَ عَلَيْكَ مِنَ الوَحْيِ ولا يُعْرِضُونَ عَنْهُ؛ فَإنَّهُ في تَدَبُّرِهِ يَظْهَرُ بُرْهانُهُ ويَسْطَعُ نُورُهُ، ولا يَظْهَرُ ذَلِكَ لِمَن أعْرَضَ عَنْهُ ولَمْ يَتَأمَّلْهُ.
﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ الظّاهِرُ أنَّ المُضْمَرَ في فِيهِ عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، وهَذا في عِلْمِ البَيانِ الِاحْتِجاجُ النَّظَرِيُّ، وقَوْمٌ يُسَمُّونَهُ المَذْهَبَ الكَلامِيَّ. ووَجْهُ هَذا الدَّلِيلِ أنَّهُ لَيْسَ مِن مُتَكَلِّمٍ كَلامًا طَوِيلًا إلّا وُجِدَ في كَلامِهِ اخْتِلافٌ كَثِيرٌ؛ إمّا في الوَصْفِ واللَّفْظِ، وإمّا في المَعْنى بِتَناقُضِ أخْبارٍ، أوِ الوُقُوعِ عَلى خِلافِ المُخْبَرِ بِهِ، أوِ اشْتِمالِهِ عَلى ما لا يَلْتَئِمُ، أوْ كَوْنِهِ يُمْكِنُ مُعارَضَتُهُ. والقُرْآنُ العَظِيمُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ كَلامُ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ، مُناسِبٌ بَلاغَةً مُعْجِزَةً فائِتَةً لِقُوى البُلَغاءِ، وتَضافُرَ صِدْقِ أخْبارٍ وصِحَّةِ مَعانٍ؛ فَلا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا العالِمُ بِما لا يَعْلَمُهُ أحَدٌ سِواهُ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَإنْ عَرَضَتْ لِأحَدٍ شُبْهَةٌ، وظَنَّ اخْتِلافًا فالواجِبُ أنْ يَتَّهِمَ نَظَرَهُ، ويَسْألَ مَن هو أعْلَمُ مِنهُ. وما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الزَّنادِقَةِ المُعانِدِينَ مِن أنَّ فِيهِ أحْكامًا مُخْتَلِفَةً وألْفاظًا غَيْرَ مُؤْتَلِفَةٍ فَقَدْ أبْطَلَ مَقالَتَهم عُلَماءُ الإسْلامِ، وما جاءَ في القُرْآنِ مِنَ اخْتِلافٍ في تَفْسِيرٍ وتَأْوِيلٍ وقِراءَةٍ، وناسِخٍ ومَنسُوخٍ، ومُحْكَمٍ ومُتَشابِهٍ، وعامٍّ وخاصٍّ، ومُطْلَقٍ ومُقَيَّدٍ؛ فَلَيْسَ هو المَقْصُودَ في الآيَةِ، بَلْ هَذِهِ مِن عُلُومِ القُرْآنِ الدّالَّةِ عَلى اتِّساعِ مَعانِيهِ، وأحْكامِ مَبانِيهِ. وذَهَبَ الزَّجّاجُ إلى أنَّ الضَّمِيرَ في فِيهِ عائِدٌ عَلى ما يُخْبِرُهُ بِهِ اللَّهُ تَعالى مِمّا يُبَيِّتُونَ، ويُسِرُّونَ والمَعْنى: أنَّكَ تُخْبِرُهم بِهِ عَلى حَدِّ ما يَقَعُ، وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ غَيْبٌ مِنَ الغُيُوبِ. وفي ذِكْرِ تُدَبِّرُ القُرْآنِ رَدٌّ عَلى مَن قالَ مِنَ الرّافِضَةِ: إنَّ القُرْآنَ لا يُفْهَمُ مَعْناهُ إلّا بِتَفْسِيرِ الرَّسُولِ.
النساء 4:83
﴿وإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ﴾ رَوى مُسْلِمٌ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ عُمَرَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا اعْتَزَلَ نِساءَهُ؛ فَدَخَلَ عُمَرُ المَسْجِدَ فَسَمِعَ النّاسَ يَقُولُونَ: طَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نِساءَهُ؛ فَدَخَلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَسَألَهُ: أطَلَّقْتَ نِساءَكَ ؟ قالَ: لا. فَخَرَجَ فَنادى: ألا إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُطَلِّقْ نِساءَهُ؛ فَنَزَلَتْ» . وكانَ هو الَّذِي اسْتَنْبَطَ الأمْرَ، ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ الرَّسُولَ كانَ إذا بَعَثَ سَرِيَّةً مِنَ السَّرايا فَغَلَبَتْ أوْ غُلِبَتْ؛ تَحَدَّثُوا بِذَلِكَ وأفْشَوْهُ، ولَمْ يَصْبِرُوا حَتّى يَكُونَ هو المُحَدِّثَ بِهِ؛ فَنَزَلَتْ.
والضَّمِيرُ في جاءَهم عَلى المُنافِقِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والجُمْهُورُ. أوْ عَلى ناسٍ مِن ضَعَفَةِ المُؤْمِنِينَ قالَهُ الحَسَنُ والزَّجّاجُ. ولَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَهُ أوْ عَلَيْهِما نَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، أوْ عَلى اليَهُودِ قالَهُ بَعْضُهم. والأمْرُ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ فَوْزُ السَّرِيَّةِ بِالظَّفَرِ والغَنِيمَةِ، أوِ الخَيْبَةِ والنَّكْبَةِ، فَيُبادِرُونَ بِإفْشائِهِ قَبْلَ أنْ يُخْبِرَ الرَّسُولُ بِذَلِكَ. أوْ ما كانَ يَنْزِلُ مِنَ الوَحْيِ بِالوَعْظِ بِالظَّفَرِ، أوْ بِتَخْفِيفٍ مِن جِهَةِ الكُفّارِ، كانَ يُسِرُّ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ إلَيْهِمْ فَيُفْشُونَهُ، وكانَ في ذَلِكَ مَضَرَّةٌ عَلى المُسْلِمِينَ، أوْ ما يَعْزِمُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ مِنَ الوَداعَةِ والأمانِ لِقَوْمٍ والخَوْفُ الخَبَرُ يَأْتِي أنَّ قَوْمًا يَجْمَعُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَيَخافُ المُسْلِمُونَ مِنهم قالَهُ الزَّجّاجُ والماوَرْدِيُّ، وأبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَعْنى أنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يَشْرَئِبُّونَ إلى سَماعِ ما يَسُوءُ النَّبِيَّ ﷺ في سَراياهُ؛ فَإذا طَرَأتْ لَهم شُبْهَةُ أمْنٍ لِلْمُسْلِمِينَ، أوْ فُتِحَ عَلَيْهِمْ؛ حَقَّرُوها وصَغَّرُوا شَأْنَها انْتَهى. والضَّمِيرُ في بِهِ عائِدٌ عَلى الأمْرِ؛ قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى الأمْنِ أوِ الخَوْفِ، ووَحَّدَ الضَّمِيرَ؛ لِأنَّ (أوْ) تَقْتَضِي أحَدَهُما.
﴿ولَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمْ﴾؛ أيْ ولَوْ رَدُّوا الأمْرَ الَّذِي بَلَغَهم إلى الرَّسُولِ، وأُولِي الأمْرِ، وهُمُ الخُلَفاءُ الأرْبَعَةُ، ومَن يَجْرِي عَلى سَنَنِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أوْ أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ خاصَّةً، قالَهُ عِكْرِمَةُ. أوْ أُمَراءُ السَّرايا قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ زَيْدٍ. أوِ العُلَماءُ مِنَ الصَّحابَةِ قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ. والمَعْنى: لَوْ أمْسَكُوا (p-٣٠٦)عَنِ الخَوْضِ فِيما بَلَغَهم، واسْتَقْصَوُا الأمْرَ مِنَ الرَّسُولِ وأُولِي الأمْرِ؛ لَعَلِمَ حَقِيقَةَ ذَلِكَ الأمْرِ الوارِدِ مَن لَهُ بَحْثٌ ونَظَرٌ وتَجْرِبَةٌ؛ فَأخْبَرُوهم بِحَقِيقَةِ ذَلِكَ، وأنَّ الأمْرَ لَيْسَ جارِيًا عَلى أوَّلِ خَبَرٍ يَطْرَأُ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هم ناسٌ مِن ضَعَفَةِ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ لَمْ تَكُنْ فِيهِمْ خِبْرَةٌ بِالأحْوالِ والِاسْتِبْطانِ لِلْأُمُورِ، كانُوا إذا بَلَغَهم خَبَرٌ عَنْ سَرايا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن أمْنٍ، وسَلامَةٍ أوْ خَوْفٍ وخَلَلٍ أذاعُوا بِهِ، وكانَتْ إذاعَتُهم مَفْسَدَةً. ولَوْ رَدُّوا ذَلِكَ الخَبَرَ إلى رَسُولِ اللَّهِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم، وهم كِبارُ الصَّحابَةِ البُصَراءُ بِالأُمُورِ، أوِ الَّذِينَ كانُوا يُؤَمَّرُونَ مِنهم لَعَلِمَهُ لِعِلْمِ تَدْبِيرِ ما أخْبَرُوا بِهِ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ؛ أيِ الَّذِينَ يَسْتَخْرِجُونَ تَدْبِيرَهُ بِفِطْنِهِمْ، وتَجارِبِهِمْ، ومَعْرِفَتِهِمْ بِأُمُورِ الحَرْبِ، ومَكايِدِها. وقِيلَ كانُوا يَقِفُونَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأُولِي الأمْرِ عَلى أمْنٍ، ووُثُوقٍ بِالظُّهُورِ عَلى بَعْضِ الأعْداءِ، أوْ عَلى خَوْفٍ واسْتِشْعارٍ؛ فَيُذِيعُونَهُ فَيُنْشَرُ، فَيَبْلُغُ الأعْداءَ فَتَعُودُ إذاعَتُهم مَفْسَدَةً، ولَوْ رَدُّوهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإلى أُولِي الأمْرِ، وفَوَّضُوهُ إلَيْهِمْ، وكانُوا كَأنْ لَمْ يَسْمَعُوا لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَ تَدْبِيرَهُ كَيْفَ يُدَبِّرُونَهُ، وما يَأْتُونَ ويَدْرُونَ فِيهِ. وقِيلَ كانُوا يَسْمَعُونَ مِن أفْواهِ المُنافِقِينَ شَيْئًا مِنَ الخَبَرِ عَنِ السَّرايا مَظْنُونًا غَيْرَ مَعْلُومِ الصِّحَّةِ فَيُذِيعُونَهُ؛ فَيَعُودُ ذَلِكَ وبالًا عْلى المُؤْمِنِينَ. ولَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ، وقالُوا: نَسْكُتُ حَتّى نَسْمَعَهُ مِنهم، ونَعْلَمَ هَلْ هو مِمّا يُذاعُ أوْ لا يُذاعُ ؟ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهم لِعِلْمِ صِحَّتِهِ، وهَلْ هو مِمّا يُذِيعُ هَؤُلاءِ المُذِيعُونَ، وهُمُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنَ الرَّسُولِ وأُولِي الأمْرِ؛ أيْ يَتَلَقَّوْنَهُ مِنهم، ويَسْتَخْرِجُونَ عِلْمَهُ مِن جِهَتِهِمْ، انْتَهى كَلامُهُ.
وهَذِهِ كُلُّها تَأْوِيلاتٌ حَسَنَةٌ، وأجْراها عَلى نَسَقِ الكَلامِ هَذا التَّأْوِيلُ الأخِيرُ؛ وهو: أنَّ المَعْنى إذا طَرَأ خَبَرٌ بِأمْنِ المُسْلِمِينَ أوْ خَوْفٍ؛ فَيَنْبَغِي أنْ يُشاعَ، وأنْ يُرَدَّ إلى الرَّسُولِ، وأُولِي الأمْرِ، فَإنَّهم يُخْبِرُونَ عَنْ حَقِيقَةِ الأمْرِ فَيَعْلَمُهُ مَن يَسْألُهم، ويَسْتَخْرِجُ ذَلِكَ مِن جِهَتِهِمْ؛ لِأنَّ ما أخْبَرَ بِهِ الرَّسُولَ، وأُولُوا الأمْرِ إذْ هم مُخْبِرُونَ عَنْهُ حَقٌّ لا شَكَّ فِيهِ. وقالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: في هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى وُجُوبِ القَوْلِ بِالقِياسِ، واجْتِهادِ الرَّأْيِ في أحْكامِ الحَوادِثِ؛ لِأنَّهُ أمْرٌ بِرَدِّ الحَوادِثِ إلى الرَّسُولِ في حَياتِهِ إذْ كانُوا بِحَضْرَتِهِ وإلى العُلَماءِ بَعْدَ وفاتِهِ والغَيْبَةِ عَنْ حَضْرَتِهِ. والمَنصُوصُ عَلَيْهِ لا يَحْتاجُ إلى اسْتِنْباطِهِ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ مِنَ الأحْكامِ ما هو مُودَعٌ في النَّصِّ، قَدْ كُلِّفَ الوُصُولُ إلى عِلْمِهِ بِالِاسْتِدْلالِ والِاسْتِنْباطِ. وطَوَّلَ الرّازِيُّ في هَذِهِ المَسْألَةِ اعْتِراضًا وانْفِصالًا واسْتَقْرَأ مِنَ الآيَةِ أحْكامًا.
قالَ: ويَدُلُّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ القائِلِ بِالإمامَةِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الأحْكامِ مَنصُوصًا عَلَيْهِ يَعْرِفُهُ الإمامُ لَزالَ مَوْضِعُ الِاسْتِنْباطِ، وسَقَطَ الرَّدُّ إلى أُولِي الأمْرِ، بَلْ كانَ الواجِبُ الرَّدَّ إلى الإمامِ الَّذِي يَعْرِفُ صِحَّةَ ذَلِكَ مِن باطِلِهِ مِن جِهَةِ النَّصِّ. وقالَ الشَّيْخُ جَمالُ الدِّينِ أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمانَ بْنِ النَّقِيبِ، وهو جامِعُ كِتابِ التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ لِأقْوالِ أئِمَّةِ التَّفْسِيرِ ما نَصُّهُ في ذَلِكَ الكِتابِ: وقَدْ لاحَ لِي في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا وتَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، وأنَّ هَذا الكَلامَ مُتَعَلِّقٌ بِالَّذِي قَبْلَهُ مَرْدُودٌ إلَيْهِ، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ﴾ [النساء: ٨٢]، ولَوْ تَدَبَّرُوهُ لَعَلِمُوا أنَّهُ مِن كَلامِ اللَّهِ، والمُشْكِلُ عَلَيْهِمْ مِن مُتَشابِهِهِ لَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهم يَعْنِي: لَعَلِمَ مَعْنى ذَلِكَ المُتَشابِهِ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهم مِن أهْلِ العِلْمِ بِالكِتابِ إلّا قَلِيلًا؛ وهو ما اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِهِ مِن عَلِمِ كِتابِهِ، ومَكْنُونِ خِطابِهِ. ثُمَّ قالَ: ﴿وإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ﴾ والَّذِي حَسَّنَ لَهم ذَلِكَ، وزَيَّنَهُ الشَّيْطانُ، ثُمَّ التَفَتَ إلى المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ الآيَةَ. وقَدْ أشارَ إلى شَيْءٍ مِن هَذا أبُو طالِبٍ المَكِّيُّ في كِتابِهِ المَعْرُوفِ بِقُوتِ القُلُوبِ، وقالَ: إنَّ قَوْلَهُ: (إلّا قَلِيلًا) مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمْ﴾، وعَلى هَذا (p-٣٠٧)يَكُونُ الِاسْتِنْباطُ اسْتِخْراجًا مِن مَعْنى اللَّفْظِ المُتَشابِهِ بِنَوْعٍ مِنَ النَّظْرَةِ والِاجْتِهادِ والتَّفَكُّرِ، انْتَهى كَلامُهُ. وهو كَما تَرى تَرْكِيبٌ، ونَظْمٌ غَيْرُ تَرْكِيبِ القُرْآنِ ونَظْمِهِ، وكَثِيرًا ما يَذْكُرُ هَذا الرَّجُلُ في القُرْآنِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا. وأغْرَبُ مِن ذَلِكَ أنَّهُ يَجْعَلُهُ مِن أنْواعِ عِلْمِ البَيانِ؛ وأصْحابُنا وحُذّاقُ النَّحْوِيِّينَ يَجْعَلُونَهُ مِن بابِ ضَرائِرِ الأشْعارِ، وشَتّانَ ما بَيْنَ القَوْلَيْنِ.
وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: (لَعَلْمَهُ) بِسُكُونِ اللّامِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَلِكَ مِثْلُ شَجْرَ بَيْنَهم، انْتَهى. ولَيْسَ مِثْلَهُ؛ لِأنَّ تَسْكِينَ عِلْمٍ قِياسٌ مُطَّرِدٌ في لُغَةِ تَمِيمٍ، و(شَجْرَ) لَيْسَ قِياسًا مُطَّرِدًا، إنَّما هو عَلى سَبِيلِ الشُّذُوذِ. وتَسْكِينُ (عَلْمَ) مِثْلُ التَّسْكِينِ في قَوْلِهِ:
؎فَإنْ تَبْلُهُ يَضْجَرْ كَما ضَجْرَ بازِلٌ مِنَ الأُدْمِ دَبَرَتْ صَفْحَتاهُ وغارِبُهُ
﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إلّا قَلِيلًا﴾ هَذا خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِاتِّفاقٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ؛ قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. قالَ: والمَعْنى لَوْلا هِدايَةُ اللَّهِ لَكم وإرْشادُهُ لَبَقِيتُمْ عَلى كُفْرِكم، وهو اتِّباعُ الشَّيْطانِ. وقِيلَ الفَضْلُ الرَّسُولُ. وقِيلَ الإسْلامُ. وقِيلَ القُرْآنُ. وقِيلَ في الرَّحْمَةِ أنَّها الوَحْيُ. وقِيلَ اللُّطْفُ. وقِيلَ النِّعْمَةُ. وقِيلَ التَّوْفِيقُ. والظّاهِرُ أنَّ الِاسْتِثْناءَ هو مِن فاعِلِ ﴿اتَّبَعْتُمْ﴾ [الأعراف: ٩٠] . قالَ الضَّحّاكُ: هَدى الكُلَّ مِنهم لِلْإيمانِ؛ فَمِنهم مَن تَمَكَّنَ فِيهِ حَتّى لَمْ يَخْطُرْ لَهُ قَطُّ خاطِرُ شَكٍّ، ولا عَنَتْ لَهُ شُبْهَةُ ارْتِيابٍ؛ وذَلِكَ هو القَلِيلُ. وسائِرُ مَن أسْلَمَ مِنَ العَرَبِ لَمْ يَخْلُ مِنَ الخَواطِرِ، فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ بِتَجْرِيدِ الهِدايَةِ لَهم لَضَلُّوا، واتَّبَعُوا الشَّيْطانَ، ويَكُونُ الفَضْلُ مُعَيَّنًا؛ أيْ رِسالَةُ مُحَمَّدٍ والقُرْآنُ؛ لِأنَّ الكُلَّ إنَّما هُدِيَ بِفَضْلِ اللَّهِ عَلى الإطْلاقِ.
وقالَ قَوْمٌ: إلّا قَلِيلًا إشارَةٌ إلى مَن كانَ قَبْلَ الإسْلامِ غَيْرَ مُتَّبِعٍ لِلشَّيْطانِ عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ؛ أدْرَكُوا بِعُقُولِهِمْ مَعْرِفَةَ اللَّهِ، ووَحَّدُوهُ قَبْلَ أنْ يُبْعَثَ الرَّسُولُ كَزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ أدْرَكَ فَسادَ ما عَلَيْهِ اليَهُودُ والنَّصارى والعَرَبُ؛ فَوَحَّدَ اللَّهَ وآمَنَ بِهِ؛ فَعَلى هَذا يَكُونُ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا؛ إذْ لَيْسَ مُنْدَرِجًا في المُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿لاتَّبَعْتُمُ﴾ .
وقالَ قَوْمٌ: الِاسْتِثْناءُ إنَّما هو مِنَ الِاتِّباعِ، فَقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: إلّا اتَّباعًا قَلِيلًا؛ فَجَعَلَهُ مُسْتَثْنًى مِنَ المَصْدَرِ الدّالِّ عَلَيْهِ الفِعْلُ، وهو ﴿لاتَّبَعْتُمُ﴾ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: في تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِنَ الِاتِّباعِ، قالَ: أيْ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ كُلُّكم إلّا قَلِيلًا مِنَ الأُمُورِ كُنْتُمْ لا تَتَّبِعُونَهُ فِيها، فَفَسَّرَهُ في الِاسْتِثْناءِ بِالمُتَّبَعِ فِيهِ، فَيَكُونُ اسْتِثْناءً مِنَ المُتَّبَعِ فِيهِ المَحْذُوفِ لا مِنَ الِاتِّباعِ، ويَكُونُ اسْتِثْناءً مُفَرَّغًا والتَّقْدِيرُ: لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ في كُلِّ شَيْءٍ إلّا قَلِيلًا مِنَ الأشْياءِ فَلا تَتَّبِعُونَهُ فِيهِ. فَإنْ كانَ ابْنُ عَطِيَّةَ شَرَحَ مِن حَيْثُ المَعْنى فَهو صَحِيحٌ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ (p-٣٠٨)الِاتِّباعُ القَلِيلُ أنْ يَكُونَ المُتَّبَعُ فِيهِ قَلِيلًا؛ وإنْ كانَ شَرْحٌ مِن حَيْثُ الصِّناعَةُ النَّحْوِيَّةُ فَلَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: إلّا اتِّباعًا قَلِيلًا لا يُرادِفُ إلّا قَلِيلًا مِنَ الأُمُورِ كُنْتُمْ لا تَتَّبِعُونَهُ فِيها. وقالَ قَوْمٌ: قَوْلُهُ إلّا قَلِيلًا عِبارَةٌ عَنِ العَدَمِ، يُرِيدُ: لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ كُلُّكم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلٌ قَلِقٌ، ولَيْسَ يُشْبِهُ ما حَكى سِيبَوَيْهِ مِن قَوْلِهِمْ: أرْضٌ قَلَّما تُنْبِتُ كَذا، بِمَعْنى لا تُنْبِتُهُ؛ لِأنَّ اقْتِرانَ القِلَّةِ بِالِاسْتِثْناءِ يَقْتَضِي حُصُولَها؛ ولَكِنْ ذَكَرَهُ الطَّبَرِيُّ، انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ صَحِيحٌ، ولَكِنْ قَدْ جَوَّزَهُ هو في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٤٦]، ولَمْ يَقْلَقْ عِنْدَهُ هُناكَ ولا رَدَّهُ، وقَدْ رَدَدْناهُ عَلَيْهِ هُناكَ فَيُطالَعُ ثَمَّةَ.
وقِيلَ ﴿إلّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٤٦] مُسْتَثْنًى مِن قَوْلِهِ: ﴿أذاعُوا بِهِ﴾ والتَّقْدِيرُ: أذاعُوا بِهِ إلّا قَلِيلًا؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ زَيْدٍ، واخْتارَهُ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ حَرْبٍ وجَماعَةٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ. وقِيلَ مُسْتَثْنًى مِن قَوْلِهِ: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمْ﴾؛ قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ، واخْتارَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ. وقالَ مَكِّيٌّ: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾؛ أيْ رَحْمَتُهُ ونِعْمَتُهُ إذْ عافاكم مِمّا ابْتَلى بِهِ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ الَّذِينَ وصَفَهم بِالتَّبْيِيتِ والخِلافِ.
﴿لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ﴾ هو خِطابٌ لِلَّذِينِ قالَ لَهم: ﴿خُذُوا حِذْرَكم فانْفِرُوا ثُباتٍ﴾ [النساء: ٧١]، وقِيلَ الخِطابُ عامٌّ والقَلِيلُ المُسْتَثْنى هم أُمَّةُ الرَّسُولِ؛ لِأنَّهم قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الكُفّارِ. وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «ما أنْتُمْ إلّا كالرَّقْمَةِ البَيْضاءِ في الثَّوْرِ الأسْوَدِ» .
النساء 4:84
﴿فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إلّا نَفْسَكَ وحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ﴾ قِيلَ نَزَلَتْ في بَدْرٍ الصُّغْرى. دَعا النّاسَ إلى الخُرُوجِ، وكانَ أبُو سُفْيانَ واعَدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اللِّقاءَ فِيها؛ فَكَرِهَ بَعْضُ النّاسِ أنْ يَخْرُجُوا فَنَزَلَتْ. فَخَرَجَ، وما مَعَهُ إلّا سَبْعُونَ لَمْ يَلْوِ عَلى أحَدٍ، ولَوْ لَمْ يَتْبَعْهُ أحَدٌ لَخَرَجَ وحْدَهُ.
ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ هي أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ في الآياتِ قَبْلَها تَثْبِيطَهم عَنِ القِتالِ، واسْتَطْرَدَ مِن ذَلِكَ إلى أنَّ المَوْتَ يُدْرِكُ كُلَّ أحَدٍ، ولَوِ اعْتَصَمَ بِأعْظَمِ مُعْتَصِمٍ، فَلا فائِدَةَ في الهَرَبِ مِنَ القِتالِ، وأتْبَعَ ذَلِكَ بِما أتْبَعَ مِن سُوءِ خِطابِ المُنافِقِينَ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ وفِعْلِهِمْ مَعَهُ مِن إظْهارِ الطّاعَةِ بِالقَوْلِ وخِلافِها بِالفِعْلِ، وبَكَّتَهم في عَدَمِ تَأمُّلِهِمْ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ مِنَ القُرْآنِ الَّذِي فِيهِ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ؛ عادَ إلى أمْرِ القِتالِ. وهَكَذا عادَةُ كَلامِ العَرَبِ تَكُونُ في شَيْءٍ ثُمَّ تَسْتَطْرِدُ مِن ذَلِكَ إلى شَيْءٍ آخَرَ لَهُ بِهِ مُناسَبَةٌ وتَعَلُّقٌ، ثُمَّ تَعُودُ إلى ذَلِكَ الأوَّلِ.
والفاءُ هُنا عاطِفَةٌ جُمْلَةَ كَلامٍ عَلى جُمْلَةِ كَلامٍ يَلِيهِ؛ ومَن زَعَمَ أنَّ وجْهَ العَطْفِ بِالفاءِ هو أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ: ﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ﴾ [النساء: ٧٥] أوْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٧٤]، وهو مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى عَلى تَقْدِيرِ شَرْطٍ؛ أيْ إنْ أرَدْتَ الفَوْزَ فَقاتِلْ. أوْ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَقاتِلُوا أوْلِياءَ الشَّيْطانِ﴾ [النساء: ٧٦] فَقَدْ أُبْعِدَ. وظاهِرُ الأمْرِ أنَّهُ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ وحْدَهُ، ويُؤَكِّدُهُ: لا تُكَلَّفُ إلّا نَفْسَكَ. وحَمَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى تَقْدِيرِ شَرْطٍ، قالَ أيْ إنْ أفْرَدُوكَ وتَرَكُوكَ وحْدَكَ لا تُكَلَّفُ إلّا نَفْسَكَ وحْدَها أنْ تُقَدِّمَها لِلْجِهادِ، فَإنَّ اللَّهَ هو ناصِرُكَ لا الجُنُودُ؛ فَإنْ شاءَ نَصَرَكَ وحْدَكَ كَما يَنْصُرُكَ وحَوْلَكَ الأُلُوفُ، انْتَهى. وسَبَقَهُ إلَيْهِ الزَّجّاجُ قالَ: أمَرَهُ بِالجِهادِ؛ وإنْ قاتَلَ وحْدَهُ؛ لِأنَّهُ ضَمِنَ لَهُ النُّصْرَةَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمْ نَجِدْ قَطُّ في خَبَرٍ أنَّ القِتالَ فُرِضَ عَلى النَّبِيِّ دُونَ الأُمَّةِ مَرَّةً ما؛ فالمَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّهُ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ في اللَّفْظِ، وهو مِثالُ ما يُقالُ لِكُلِّ واحِدٍ في خاصَّةِ نَفْسِهِ؛ أيْ أنْتَ يا مُحَمَّدُ وكُلُّ واحِدٍ مِن أُمَّتِكَ القَوْلُ لَهُ فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ، ولِهَذا يَنْبَغِي لِكُلِّ مُؤْمِنٍ أنْ يَسْتَشْعِرَ أنْ يُجاهِدَ، ولَوْ وحْدَهُ. ومِن ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «لَأُقاتِلَنَّهم حَتّى تَنْفَرِدَ سالِفَتَيَّ» (p-٣٠٩)وقَوْلُ أبِي بَكْرٍ وقْتَ الرِّدَّةِ: ولَوْ خالَفَتْنِي يَمِينِي لَجاهَدْتُها بِشِمالِي.
ومَعْنى ﴿لا تُكَلَّفُ إلّا نَفْسَكَ﴾؛ أيْ لا تُكَلَّفُ في القِتالِ إلّا نَفْسَكَ؛ فَقاتِلْ ولَوْ وحْدَكَ. وقِيلَ المَعْنى إلّا طاقَتَكَ ووُسْعَكَ. والنَّفْسُ يُعَبَّرُ بِها عَنِ القُوَّةِ، يُقالُ: سَقَطَتْ نَفْسُهُ؛ أيْ قُوَّتُهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لا تُكَلَّفُ) خَبَرًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، قالُوا: والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنَ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ لا حالًا شُرِعَ لَهُ فِيها أنَّهُ لا يُكَلَّفُ أمْرَ غَيْرِهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ إنَّما يُكَلَّفُ أمْرَ نَفْسِهِ فَقَطْ. وقُرِئَ: (لا نُكَلِّفُ) بِالنُّونِ وكَسْرِ اللّامِ، ويَحْتَمِلُ وجْهَيِ الإعْرابِ: الحالُ والِاسْتِئْنافُ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: لا تُكَلَّفْ بِالتّاءِ وفَتْحِ اللّامِ والجَزْمِ عَلى جَوابِ الأمْرِ. وأمَرَهُ تَعالى بِحَثِّ المُؤْمِنِينَ عَلى القِتالِ وتَحْرِيكِ هِمَمِهِمْ إلى الشَّهادَةِ.
﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ: عَسى مِنَ اللَّهِ واجِبَةٌ، ومِنَ البَشَرِ مُتَوَقَّعَةٌ مَرْجُوَّةٌ. والَّذِينَ كَفَرُوا: هم كُفّارُ قُرَيْشٍ، وقَدْ كَفَّ اللَّهُ تَعالى بَأْسَهم وبَدا لِأبِي سُفْيانَ تَرْكُ القِتالِ. وقالَ: هَذا عامٌ مُجْدِبٌ، وما كانَ مَعَهم إلّا السَّوِيقُ، ولا يَلْقَوْنَ إلّا في عامٍ مُخْصِبٍ فَرَجَعَ بِهِمْ. وقِيلَ كَفُّ البَأْسِ يَكُونُ عِنْدَ نُزُولِ عِيسى بْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقِيلَ ذَلِكَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةَ. وقِيلَ هي فِيمَن ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الجِزْيَةُ. والجُمْهُورُ عَلى ما قَدَّمْناهُ مِن أنَّ ذَلِكَ كانَ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ إلى بَدْرٍ الصُّغْرى. والظّاهِرُ في هَذا أنَّهُ لا يَتَقَيَّدُ كَفُّ بَأْسِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما ذَكَرُوا، والتَّخْصِيصُ بِشَيْءٍ يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ.
﴿واللَّهُ أشَدُّ بَأْسًا وأشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ هَذا تَقْوِيَةٌ لِقُلُوبِ المُؤْمِنِينَ، وأنَّ بَأْسَ اللَّهِ أشَدُّ مِن بَأْسِ الكُفّارِ. وقَدْ رَجى كَفَّ بَأْسِهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ ما أعَدَّ لَهم مِنَ النَّكالِ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى هو أشَدُّ عُقُوبَةً. فَذَكَرَ قُوَّتَهُ، وقُدْرَتَهُ عَلَيْهِمْ، وما يَئُولُ إلَيْهِ أمْرُهم مِنَ التَّعْذِيبِ. قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: ﴿وأشَدُّ تَنْكِيلًا﴾؛ أيْ عُقُوبَةً فاضِحَةً، والأظْهَرُ أنَّ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ هُنا عَلى بابِها. وقِيلَ هو مِن بابِ: العَسَلُ أحْلى مِنَ الخَلِّ؛ لِأنَّ بَأْسَهم بِالنِّسْبَةِ إلى بَأْسِهِ تَعالى لَيْسَ بِشَيْءٍ.
النساء 4:85
﴿مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنها، ومَن يَشْفَعُ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنها﴾ قالَ قَوْمٌ: مَن يَكُنْ شَفِيعًا لِوِتْرِ أصْحابِكِ، يا مُحَمَّدُ في الجِهادِ؛ فَيُسْعِفُهم في جِهادِ عَدُوِّهِمْ يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنَ الجِهادِ، أوْ مَن يَشْفَعْ وِتْرَ الإسْلامِ بِالمَعُونَةِ لِلْمُسْلِمِينَ؛ فَتِلْكَ حَسَنَةٌ، ولَهُ نَصِيبٌ مِنها. وحَمَلَهم عَلى هَذا التَّأْوِيلِ ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ القِتالِ والأمْرِ بِهِ، وقالَ قَرِيبًا مِنهُ الطَّبَرِيُّ. وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهم: هي في حَوائِجِ النّاسِ؛ فَمَن يَشْفَعْ لِنَفْعٍ فَلَهُ نَصِيبٌ، ومَن يَشْفَعْ لِضُرٍّ فَلَهُ كِفْلٌ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الشَّفاعَةُ الحَسَنَةُ هي الَّتِي رُوعِيَ فِيها حَقُّ مُسْلِمٍ، ودُفِعَ عَنْهُ بِها شَرٌّ، أوْ جُلِبَ إلَيْهِ خَيْرٌ، وابْتُغِيُ بِها وجْهُ اللَّهِ، ولَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْها رِشْوَةٌ، وكانَتْ في أمْرٍ جائِزٍ، لا في حَدٍّ مِن حُدُودِ اللَّهِ، ولا حَقٍّ مِنَ الحُقُوقِ. والسَّيِّئَةُ ما كانَ بِخِلافِ ذَلِكَ انْتَهى.
وهَذا بَسْطُ ما قالَهُ الحَسَنُ؛ قالَ: الشَّفاعَةُ الحَسَنَةُ هي في البِرِّ والطّاعَةِ، والسَّيِّئَةُ في المَعاصِي. وقِيلَ الشَّفاعَةُ الحَسَنَةُ هي الدَّعْوَةُ لِلْمُسْلِمِ؛ لِأنَّها في مَعْنى الشَّفاعَةِ إلى اللَّهِ تَعالى. وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «مَن دَعا لِأخِيهِ بِظَهْرِ الغَيْبِ اسْتُجِيبَ لَهُ، وقالَ لَهُ المَلَكُ: ولَكَ مِثْلُ ذَلِكَ النَّصِيبِ» والدَّعْوَةُ عَلى المُسْلِمِ بِضِدٍّ ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ ومُقاتِلٌ: الشَّفاعَةُ الحَسَنَةُ هُنا الصُّلْحُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ، والسَّيِّئَةُ الإفْسادُ بَيْنَهُما والسَّعْيُ بِالنَّمِيمَةِ. وقِيلَ الشَّفاعَةُ الحَسَنَةُ أنْ يَشْفَعَ إلى الكافِرِ حَتّى يُوَضِّحَ لَهُ مِنَ الحُجَجِ لَعَلَّهُ يُسْلِمُ، والسَّيِّئَةُ أنْ يَشْفَعَ إلى المُسْلِمِ عَسى يَرْتَدُّ أوْ يُنافِقُ. والظّاهِرُ أنَّ (مَن) لِلسَّبَبِ؛ أيْ نَصِيبٌ مِنَ الخَيْرِ بِسَبَبِها، وكِفْلٌ مِنَ الشَّرِّ بِسَبَبِها. وتَقَدَّمَ في المُفْرَداتِ أنَّ الكِفْلَ النَّصِيبُ.
وقالَ أبانُ بْنُ تَغْلِبَ: الكِفْلُ المِثْلُ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: هو الوِزْرُ والإثْمُ، وغايَرَ في النَّصِيبِ، فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ الكِفْلِ في الشَّفاعَةِ السَّيِّئَةِ؛ لِأنَّهُ أكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ في الشَّرِّ، وإنْ كانَ قَدِ اسْتُعْمِلَ في الخَيْرِ لِقَوْلِهِ: ﴿يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨] قالُوا: وهو مُسْتَعارٌ مِن كِفْلِ البَعِيرِ، وهو كِساءٌ يُدارُ عَلى سَنامِهِ لِيُرْكَبَ عَلَيْهِ، وسُمِّي كِفْلًا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَعُمَّ الظَّهْرَ؛ بَلْ (p-٣١٠)نَصِيبًا مِنهُ.
﴿وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾؛ أيْ مُقْتَدِرًا؛ قالَهُ السُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ والكِسائِيُّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: حَفِيظًا، وشَهِيدًا. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ: واصِبًا قَيِّمًا بِالأُمُورِ. وقِيلَ المُحِيطُ. وقِيلَ الحَسِيبُ. وقِيلَ المُجازِي. وقِيلَ المُواظِبُ لِلشَّيْءِ الدّائِمُ عَلَيْهِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهو قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا. وهَذِهِ أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ لِاسْتِلْزامِ بَعْضِها مَعْنى بَعْضٍ. وقالَ الطَّبَرِيُّ في قَوْلِهِ: إنِّي عَلى الحِسابِ مُقِيتٌ، إنَّهُ مِن غَيْرِ هَذِهِ المَعانِي المُتَقَدِّمَةِ، وإنَّهُ بِمَعْنى مَوْقُوتٍ. وهَذا يُضْعِفُهُ أنْ يَكُونَ بِناءُ اسْمِ الفاعِلِ بِمَعْنى بِناءِ اسْمِ المَفْعُولِ. وقالَ غَيْرُهُ: مَعْناهُ مُقْتَدِرٌ.
﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها﴾ الظّاهِرُ أنَّ التَّحِيَّةَ هُنا السَّلامُ، وأنَّ المُسَلَّمَ عَلَيْهِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أنْ يَرُدَّ أحْسَنَ مِنها أوْ أنْ يَرُدَّها يَعْنِي مِثْلَها، فَـ (أوْ) هُنا لِلتَّخْيِيرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: بِأحْسَنَ مِنها إذا كانَ مُسْلِمًا، أوْ رَدُّوها إذا كانَ يُسَلِّمُ عَلَيْكَ كافِرٌ فارْدُدْ، وإنْ كانَ مَجُوسِيًّا فَتَكُونُ أوْ هُنا لِلتَّنْوِيعِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ الكافِرَ لا يُرَدُّ عَلَيْهِ مِثْلُ تَحِيَّتِهِ؛ لِأنَّ المَشْرُوعَ في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ أنْ يُقالَ لَهم: وعَلَيْكم، ولا يُزادُوا عَلى ذَلِكَ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: وإذا حُيِّيتُمْ مَعْناهُ: وإذا حَيّاكُمُ المُسْلِمُونَ، وإلى هَذا ذَهَبَ عَطاءٌ. وعَنِ الحَسَنِ: ويَجُوزُ أنْ يُقالَ لِلْكافِرِ: وعَلَيْكَ السَّلامُ، ولا يَقُلْ: ورَحْمَةُ اللَّهِ؛ فَإنَّها اسْتِغْفارٌ. وعَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ قالَ لِنَصْرانِيٍّ سَلَّمَ عَلَيْهِ: وعَلَيْكَ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللَّهُ فَقِيلَ لَهُ، فَقالَ: ألَيْسَ في رَحْمَةِ اللَّهِ يَعِيشُ ؟ وكَأنَّ مَن قالَ بِهَذا أخَذَ بِعُمُومِ ﴿وإذا حُيِّيتُمْ﴾، لَكِنَّ ذَلِكَ مُخالِفٌ لِلنَّصِّ النَّبَوِيِّ مِن قَوْلِهِ: «فَقُولُوا وعَلَيْكم» وكَيْفِيَّةُ رَدِّ الأحْسَنِ أنَّهُ إذا قالَ: سَلامٌ عَلَيْكَ؛ فَيَقُولُ: عَلَيْكَ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللَّهِ. فَإذا قالَ: سَلامٌ عَلَيْكَ ورَحْمَةُ اللَّهِ قالَ: عَلَيْكَ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ. فَإذا قالَ المُسْلِمُ هَذا بِكَمالِهِ رُدَّ عَلَيْهِ مِثْلُهُ. ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ، وغَيْرِهِما: أنَّ غايَةَ السَّلامِ إلى البَرَكَةِ.
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الرَّدَّ واجِبٌ لِأجْلِ الأمْرِ، ولا يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ البَداءَةِ، بَلْ هي سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ. هَذا مَذْهَبُ أكْثَرِ العُلَماءِ، والجُمْهُورُ عَلى أنْ لا يُبْدَأ أهْلُ الكِتابِ بِالسَّلامِ، وشَذَّ قَوْمٌ فَأباحُوا ذَلِكَ. وقَدْ طَوَّلَ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ بِذَكَرِ فُرُوعٍ كَثِيرَةٍ في السَّلامِ، ومَوْضُوعُها عِلْمُ الفِقْهِ. وذَهَبَ مُجاهِدٌ: إلى تَخْصِيصِ هَذِهِ التَّحِيَّةِ بِالجِهادِ؛ فَقالَ: إذا حُيِّيتُمْ في سَفَرِكم بِتَحِيَّةِ الإسْلامِ (فَلا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا) فَإنَّ أحْكامَ الإسْلامِ تَجْرِي عَلَيْهِمْ. ورَوى ابْنُ وهْبٍ، وابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في تَشْمِيتِ العاطِسِ، والرَّدِّ عَلى المُشَمِّتِ. وضَعَّفَ ابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُ مِن أصْحابِ مالِكٍ هَذا القَوْلَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَلامِ عَلى ذَلِكَ دَلالَةٌ. أمّا أنَّ الرَّدَّ عَلى المُشَمِّتِ مِمّا يَدْخُلُ بِالقِياسِ في مَعْنى رَدِّ التَّحِيَّةِ، وهَذا هو مَنحى مالِكٍ إنْ صَحَّ ذَلِكَ، انْتَهى. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ المُرادَ بِالتَّحِيَّةِ هُنا الهِدايَةُ واللُّطْفُ، وقالَ: حَقُّ مَن أعْطى شَيْئًا مِن ذَلِكَ أنْ يُعْطى مِثْلَهُ أوْ أحْسَنَ مِنهُ.
قالَ ابْنُ خُوَيْزِمِندادَ: يَجُوزُ أنَّ تُحْمَلَ هَذِهِ الآيَةُ عَلى الهِبَةِ إذا كانَتْ لِلثَّوابِ، وقَدْ شَحَنَ بَعْضُ النّاسِ تَأْلِيفَهُ هُنا بِفُرُوعٍ مِن أحْكامِ القِتالِ والسَّلامِ وتَشْمِيتِ العاطِسِ والهَدايا، ومَوْضُوعُها عِلْمُ الفِقْهِ، وذَكَرُوا أيْضًا في ما يَدْخُلُ في التَّحِيَّةِ مُقارِنًا لِلسَّلامِ واللِّقاءِ والمُصافَحَةِ، وأنَّ الرَّسُولَ ﷺ أمَرَ بِها وفَعَلَها مَعَ السَّلامِ والمُعانَقَةِ، وأوَّلُ مَن سَنَّها إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، والقِبْلَةُ. وعَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] قالَ: كانَ الرَّجُلُ يَلْقى أخاهُ فَما يُفارِقُهُ حَتّى يَلْزَمَهُ ويُقَبِّلَهُ. وعَنْ عَلِيٍّ: قُبْلَةُ الوَلَدِ رَحْمَةٌ، وقُبْلَةُ المَرْأةِ شَهْوَةٌ، وقُبْلَةُ الوالِدَيْنِ بِرٌّ، وقُبْلَةُ الأخِ دِينٌ، وقُبْلَةُ الإمامِ العادِلِ طاعَةٌ، وقُبْلَةُ العالِمِ إجْلالُ اللَّهِ تَعالى. قالَ القُشَيْرِيُّ: في الآيَةِ تَعْلِيمٌ لَهم حُسْنَ العِشْرَةِ وآدابَ الصُّحْبَةِ، وأنَّ مَن حَمَّلَكَ فَضْلًا صارَ ذَلِكَ في ذِمَّتِكَ قَرْضًا، فَإنْ زِدْتَ عَلى فِعْلِهِ وإلّا فَلا تَنْقُصْ عَنْ مِثْلِهِ.
﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ أيْ: حاسِبًا مِنَ الحِسابِ، أوْ مُحْسِبًا مِنَ الإحْسابِ وهو الكِفايَةُ. فَإمّا فَعِيلٌ لِلْمُبالَغَةِ، وإمّا (p-٣١١)بِمَعْنى مُفْعِلٍ.
وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ مِنَ البَيانِ والبَدِيعِ أنْواعًا الِالتِفاتَ في قَوْلِهِ: ﴿فَما أرْسَلْناكَ﴾ [النساء: ٨٠] . والتَّكْرارَ في: ﴿مَن يُطِعِ﴾ [النساء: ٨٠]، ﴿فَقَدْ أطاعَ﴾ [النساء: ٨٠]، وفي: بَيَّتَ ويُبَيِّتُونَ، وفي اسْمِ اللَّهِ في مَواضِعَ، وفي: (أشَدَّ)، وفي: ﴿مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً﴾ . والتَّجْنِيسَ المُماثِلَ في: يُطِعْ وأطاعَ، وفي: بَيَّتَ ويُبَيِّتُونَ، وفي: ﴿حُيِّيتُمْ﴾ ﴿فَحَيُّوا﴾ . والمُغايِرَ في: وتَوَكَّلْ ووَكِيلًا، وفي: ﴿مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً﴾، وفي: ﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾ . والِاسْتِفْهامَ المُرادُ بِهِ الإنْكارُ في: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ﴾ [النساء: ٨٢] . والطِّباقَ في: ﴿مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ﴾ [النساء: ٨٣]، وفي: ﴿شَفاعَةً حَسَنَةً﴾ و﴿شَفاعَةً سَيِّئَةً﴾ . والتَّوْجِيهَ في: ﴿غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ [النساء: ٨١] . والِاحْتِجاجَ النَّظَرِيَّ ويُسَمّى المَذْهَبَ الكَلامِيَّ في: ﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٨٢] . وخِطابَ العَيْنِ والمُرادُ بِهِ الغَيْرُ في: ﴿فَقاتِلْ﴾ [النساء: ٨٤] والِاسْتِعارَةَ في ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٨٤]، وفي: ﴿أنْ يَكُفَّ بَأْسَ﴾ [النساء: ٨٤]، وأفْعَلَ في غَيْرِ المُفاضَلَةِ في (أشَدُّ) . وإطْلاقَ كُلٍّ عَلى بَعْضٍ في: ﴿بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ٨٤] واللَّفْظُ مُطْلَقٌ والمُرادُ بَدْرٌ الصُّغْرى. والحَذْفَ في عِدَّةِ مَواضِعَ تَقْتَضِيها الدَّلالَةُ.
النساء 4:86
﴿مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنها، ومَن يَشْفَعُ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنها﴾ قالَ قَوْمٌ: مَن يَكُنْ شَفِيعًا لِوِتْرِ أصْحابِكِ، يا مُحَمَّدُ في الجِهادِ؛ فَيُسْعِفُهم في جِهادِ عَدُوِّهِمْ يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنَ الجِهادِ، أوْ مَن يَشْفَعْ وِتْرَ الإسْلامِ بِالمَعُونَةِ لِلْمُسْلِمِينَ؛ فَتِلْكَ حَسَنَةٌ، ولَهُ نَصِيبٌ مِنها. وحَمَلَهم عَلى هَذا التَّأْوِيلِ ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ القِتالِ والأمْرِ بِهِ، وقالَ قَرِيبًا مِنهُ الطَّبَرِيُّ. وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهم: هي في حَوائِجِ النّاسِ؛ فَمَن يَشْفَعْ لِنَفْعٍ فَلَهُ نَصِيبٌ، ومَن يَشْفَعْ لِضُرٍّ فَلَهُ كِفْلٌ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الشَّفاعَةُ الحَسَنَةُ هي الَّتِي رُوعِيَ فِيها حَقُّ مُسْلِمٍ، ودُفِعَ عَنْهُ بِها شَرٌّ، أوْ جُلِبَ إلَيْهِ خَيْرٌ، وابْتُغِيُ بِها وجْهُ اللَّهِ، ولَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْها رِشْوَةٌ، وكانَتْ في أمْرٍ جائِزٍ، لا في حَدٍّ مِن حُدُودِ اللَّهِ، ولا حَقٍّ مِنَ الحُقُوقِ. والسَّيِّئَةُ ما كانَ بِخِلافِ ذَلِكَ انْتَهى.
وهَذا بَسْطُ ما قالَهُ الحَسَنُ؛ قالَ: الشَّفاعَةُ الحَسَنَةُ هي في البِرِّ والطّاعَةِ، والسَّيِّئَةُ في المَعاصِي. وقِيلَ الشَّفاعَةُ الحَسَنَةُ هي الدَّعْوَةُ لِلْمُسْلِمِ؛ لِأنَّها في مَعْنى الشَّفاعَةِ إلى اللَّهِ تَعالى. وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «مَن دَعا لِأخِيهِ بِظَهْرِ الغَيْبِ اسْتُجِيبَ لَهُ، وقالَ لَهُ المَلَكُ: ولَكَ مِثْلُ ذَلِكَ النَّصِيبِ» والدَّعْوَةُ عَلى المُسْلِمِ بِضِدٍّ ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ ومُقاتِلٌ: الشَّفاعَةُ الحَسَنَةُ هُنا الصُّلْحُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ، والسَّيِّئَةُ الإفْسادُ بَيْنَهُما والسَّعْيُ بِالنَّمِيمَةِ. وقِيلَ الشَّفاعَةُ الحَسَنَةُ أنْ يَشْفَعَ إلى الكافِرِ حَتّى يُوَضِّحَ لَهُ مِنَ الحُجَجِ لَعَلَّهُ يُسْلِمُ، والسَّيِّئَةُ أنْ يَشْفَعَ إلى المُسْلِمِ عَسى يَرْتَدُّ أوْ يُنافِقُ. والظّاهِرُ أنَّ (مَن) لِلسَّبَبِ؛ أيْ نَصِيبٌ مِنَ الخَيْرِ بِسَبَبِها، وكِفْلٌ مِنَ الشَّرِّ بِسَبَبِها. وتَقَدَّمَ في المُفْرَداتِ أنَّ الكِفْلَ النَّصِيبُ.
وقالَ أبانُ بْنُ تَغْلِبَ: الكِفْلُ المِثْلُ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: هو الوِزْرُ والإثْمُ، وغايَرَ في النَّصِيبِ، فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ الكِفْلِ في الشَّفاعَةِ السَّيِّئَةِ؛ لِأنَّهُ أكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ في الشَّرِّ، وإنْ كانَ قَدِ اسْتُعْمِلَ في الخَيْرِ لِقَوْلِهِ: ﴿يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨] قالُوا: وهو مُسْتَعارٌ مِن كِفْلِ البَعِيرِ، وهو كِساءٌ يُدارُ عَلى سَنامِهِ لِيُرْكَبَ عَلَيْهِ، وسُمِّي كِفْلًا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَعُمَّ الظَّهْرَ؛ بَلْ (p-٣١٠)نَصِيبًا مِنهُ.
﴿وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾؛ أيْ مُقْتَدِرًا؛ قالَهُ السُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ والكِسائِيُّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: حَفِيظًا، وشَهِيدًا. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ: واصِبًا قَيِّمًا بِالأُمُورِ. وقِيلَ المُحِيطُ. وقِيلَ الحَسِيبُ. وقِيلَ المُجازِي. وقِيلَ المُواظِبُ لِلشَّيْءِ الدّائِمُ عَلَيْهِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهو قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا. وهَذِهِ أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ لِاسْتِلْزامِ بَعْضِها مَعْنى بَعْضٍ. وقالَ الطَّبَرِيُّ في قَوْلِهِ: إنِّي عَلى الحِسابِ مُقِيتٌ، إنَّهُ مِن غَيْرِ هَذِهِ المَعانِي المُتَقَدِّمَةِ، وإنَّهُ بِمَعْنى مَوْقُوتٍ. وهَذا يُضْعِفُهُ أنْ يَكُونَ بِناءُ اسْمِ الفاعِلِ بِمَعْنى بِناءِ اسْمِ المَفْعُولِ. وقالَ غَيْرُهُ: مَعْناهُ مُقْتَدِرٌ.
﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها﴾ الظّاهِرُ أنَّ التَّحِيَّةَ هُنا السَّلامُ، وأنَّ المُسَلَّمَ عَلَيْهِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أنْ يَرُدَّ أحْسَنَ مِنها أوْ أنْ يَرُدَّها يَعْنِي مِثْلَها، فَـ (أوْ) هُنا لِلتَّخْيِيرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: بِأحْسَنَ مِنها إذا كانَ مُسْلِمًا، أوْ رَدُّوها إذا كانَ يُسَلِّمُ عَلَيْكَ كافِرٌ فارْدُدْ، وإنْ كانَ مَجُوسِيًّا فَتَكُونُ أوْ هُنا لِلتَّنْوِيعِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ الكافِرَ لا يُرَدُّ عَلَيْهِ مِثْلُ تَحِيَّتِهِ؛ لِأنَّ المَشْرُوعَ في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ أنْ يُقالَ لَهم: وعَلَيْكم، ولا يُزادُوا عَلى ذَلِكَ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: وإذا حُيِّيتُمْ مَعْناهُ: وإذا حَيّاكُمُ المُسْلِمُونَ، وإلى هَذا ذَهَبَ عَطاءٌ. وعَنِ الحَسَنِ: ويَجُوزُ أنْ يُقالَ لِلْكافِرِ: وعَلَيْكَ السَّلامُ، ولا يَقُلْ: ورَحْمَةُ اللَّهِ؛ فَإنَّها اسْتِغْفارٌ. وعَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ قالَ لِنَصْرانِيٍّ سَلَّمَ عَلَيْهِ: وعَلَيْكَ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللَّهُ فَقِيلَ لَهُ، فَقالَ: ألَيْسَ في رَحْمَةِ اللَّهِ يَعِيشُ ؟ وكَأنَّ مَن قالَ بِهَذا أخَذَ بِعُمُومِ ﴿وإذا حُيِّيتُمْ﴾، لَكِنَّ ذَلِكَ مُخالِفٌ لِلنَّصِّ النَّبَوِيِّ مِن قَوْلِهِ: «فَقُولُوا وعَلَيْكم» وكَيْفِيَّةُ رَدِّ الأحْسَنِ أنَّهُ إذا قالَ: سَلامٌ عَلَيْكَ؛ فَيَقُولُ: عَلَيْكَ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللَّهِ. فَإذا قالَ: سَلامٌ عَلَيْكَ ورَحْمَةُ اللَّهِ قالَ: عَلَيْكَ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ. فَإذا قالَ المُسْلِمُ هَذا بِكَمالِهِ رُدَّ عَلَيْهِ مِثْلُهُ. ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ، وغَيْرِهِما: أنَّ غايَةَ السَّلامِ إلى البَرَكَةِ.
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الرَّدَّ واجِبٌ لِأجْلِ الأمْرِ، ولا يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ البَداءَةِ، بَلْ هي سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ. هَذا مَذْهَبُ أكْثَرِ العُلَماءِ، والجُمْهُورُ عَلى أنْ لا يُبْدَأ أهْلُ الكِتابِ بِالسَّلامِ، وشَذَّ قَوْمٌ فَأباحُوا ذَلِكَ. وقَدْ طَوَّلَ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ بِذَكَرِ فُرُوعٍ كَثِيرَةٍ في السَّلامِ، ومَوْضُوعُها عِلْمُ الفِقْهِ. وذَهَبَ مُجاهِدٌ: إلى تَخْصِيصِ هَذِهِ التَّحِيَّةِ بِالجِهادِ؛ فَقالَ: إذا حُيِّيتُمْ في سَفَرِكم بِتَحِيَّةِ الإسْلامِ (فَلا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا) فَإنَّ أحْكامَ الإسْلامِ تَجْرِي عَلَيْهِمْ. ورَوى ابْنُ وهْبٍ، وابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في تَشْمِيتِ العاطِسِ، والرَّدِّ عَلى المُشَمِّتِ. وضَعَّفَ ابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُ مِن أصْحابِ مالِكٍ هَذا القَوْلَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَلامِ عَلى ذَلِكَ دَلالَةٌ. أمّا أنَّ الرَّدَّ عَلى المُشَمِّتِ مِمّا يَدْخُلُ بِالقِياسِ في مَعْنى رَدِّ التَّحِيَّةِ، وهَذا هو مَنحى مالِكٍ إنْ صَحَّ ذَلِكَ، انْتَهى. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ المُرادَ بِالتَّحِيَّةِ هُنا الهِدايَةُ واللُّطْفُ، وقالَ: حَقُّ مَن أعْطى شَيْئًا مِن ذَلِكَ أنْ يُعْطى مِثْلَهُ أوْ أحْسَنَ مِنهُ.
قالَ ابْنُ خُوَيْزِمِندادَ: يَجُوزُ أنَّ تُحْمَلَ هَذِهِ الآيَةُ عَلى الهِبَةِ إذا كانَتْ لِلثَّوابِ، وقَدْ شَحَنَ بَعْضُ النّاسِ تَأْلِيفَهُ هُنا بِفُرُوعٍ مِن أحْكامِ القِتالِ والسَّلامِ وتَشْمِيتِ العاطِسِ والهَدايا، ومَوْضُوعُها عِلْمُ الفِقْهِ، وذَكَرُوا أيْضًا في ما يَدْخُلُ في التَّحِيَّةِ مُقارِنًا لِلسَّلامِ واللِّقاءِ والمُصافَحَةِ، وأنَّ الرَّسُولَ ﷺ أمَرَ بِها وفَعَلَها مَعَ السَّلامِ والمُعانَقَةِ، وأوَّلُ مَن سَنَّها إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، والقِبْلَةُ. وعَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] قالَ: كانَ الرَّجُلُ يَلْقى أخاهُ فَما يُفارِقُهُ حَتّى يَلْزَمَهُ ويُقَبِّلَهُ. وعَنْ عَلِيٍّ: قُبْلَةُ الوَلَدِ رَحْمَةٌ، وقُبْلَةُ المَرْأةِ شَهْوَةٌ، وقُبْلَةُ الوالِدَيْنِ بِرٌّ، وقُبْلَةُ الأخِ دِينٌ، وقُبْلَةُ الإمامِ العادِلِ طاعَةٌ، وقُبْلَةُ العالِمِ إجْلالُ اللَّهِ تَعالى. قالَ القُشَيْرِيُّ: في الآيَةِ تَعْلِيمٌ لَهم حُسْنَ العِشْرَةِ وآدابَ الصُّحْبَةِ، وأنَّ مَن حَمَّلَكَ فَضْلًا صارَ ذَلِكَ في ذِمَّتِكَ قَرْضًا، فَإنْ زِدْتَ عَلى فِعْلِهِ وإلّا فَلا تَنْقُصْ عَنْ مِثْلِهِ.
﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ أيْ: حاسِبًا مِنَ الحِسابِ، أوْ مُحْسِبًا مِنَ الإحْسابِ وهو الكِفايَةُ. فَإمّا فَعِيلٌ لِلْمُبالَغَةِ، وإمّا (p-٣١١)بِمَعْنى مُفْعِلٍ.
وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ مِنَ البَيانِ والبَدِيعِ أنْواعًا الِالتِفاتَ في قَوْلِهِ: ﴿فَما أرْسَلْناكَ﴾ [النساء: ٨٠] . والتَّكْرارَ في: ﴿مَن يُطِعِ﴾ [النساء: ٨٠]، ﴿فَقَدْ أطاعَ﴾ [النساء: ٨٠]، وفي: بَيَّتَ ويُبَيِّتُونَ، وفي اسْمِ اللَّهِ في مَواضِعَ، وفي: (أشَدَّ)، وفي: ﴿مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً﴾ . والتَّجْنِيسَ المُماثِلَ في: يُطِعْ وأطاعَ، وفي: بَيَّتَ ويُبَيِّتُونَ، وفي: ﴿حُيِّيتُمْ﴾ ﴿فَحَيُّوا﴾ . والمُغايِرَ في: وتَوَكَّلْ ووَكِيلًا، وفي: ﴿مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً﴾، وفي: ﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾ . والِاسْتِفْهامَ المُرادُ بِهِ الإنْكارُ في: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ﴾ [النساء: ٨٢] . والطِّباقَ في: ﴿مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ﴾ [النساء: ٨٣]، وفي: ﴿شَفاعَةً حَسَنَةً﴾ و﴿شَفاعَةً سَيِّئَةً﴾ . والتَّوْجِيهَ في: ﴿غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ [النساء: ٨١] . والِاحْتِجاجَ النَّظَرِيَّ ويُسَمّى المَذْهَبَ الكَلامِيَّ في: ﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٨٢] . وخِطابَ العَيْنِ والمُرادُ بِهِ الغَيْرُ في: ﴿فَقاتِلْ﴾ [النساء: ٨٤] والِاسْتِعارَةَ في ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٨٤]، وفي: ﴿أنْ يَكُفَّ بَأْسَ﴾ [النساء: ٨٤]، وأفْعَلَ في غَيْرِ المُفاضَلَةِ في (أشَدُّ) . وإطْلاقَ كُلٍّ عَلى بَعْضٍ في: ﴿بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ٨٤] واللَّفْظُ مُطْلَقٌ والمُرادُ بَدْرٌ الصُّغْرى. والحَذْفَ في عِدَّةِ مَواضِعَ تَقْتَضِيها الدَّلالَةُ.
النساء 4:87
﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ ﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ واللَّهُ أرْكَسَهم بِما كَسَبُوا أتُرِيدُونَ أنْ تَهْدُوا مَن أضَلَّ اللَّهُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٨٨] ﴿ودُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنهم أوْلِياءَ حَتّى يُهاجِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فَإنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهم واقْتُلُوهم حَيْثُ وجَدْتُمُوهم ولا تَتَّخِذُوا مِنهم ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ [النساء: ٨٩] ﴿إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ أوْ جاءُوكم حَصِرَتْ صُدُورُهم أنْ يُقاتِلُوكم أوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهم ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهم عَلَيْكم فَلَقاتَلُوكم فَإنِ اعْتَزَلُوكم فَلَمْ يُقاتِلُوكم وألْقَوْا إلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكم عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٩٠] ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أنْ يَأْمَنُوكم ويَأْمَنُوا قَوْمَهم كُلَّما رُدُّوا إلى الفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكم ويُلْقُوا إلَيْكُمُ السَّلَمَ ويَكُفُّوا أيْدِيَهم فَخُذُوهم واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهم وأُولَئِكم جَعَلْنا لَكم عَلَيْهِمْ سُلْطانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ٩١] ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلّا خَطَأً ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ودِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ إلّا أنْ يَصَّدَّقُوا فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكم وهو مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وإنْ كانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ وتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٩٢] ﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ ولَعَنَهُ وأعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣]
الإرْكاسُ: الرَّدُّ والرَّجْعُ. قِيلَ مِن آخِرِهِ عَلى أوَّلِهِ والرِّكْسُ: الرَّجِيعُ. ومِنهُ قَوْلُهُ في «الرَّوْثَةِ هَذا رِكْسٌ»، وقالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ:
؎فَأُرْكِسُوا في حَمِيمِ النّارِ أنَّهُمُ كانُوا عُصاةً وقالُوا الإفْكَ والزُّورا
وحَكى الكِسائِيُّ والنَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: رَكَسَ وأرْكَسَ بِمَعْنًى واحِدٍ أيْ رَجَعَهم. ويُقالُ: رَكَّسَ مُشَدَّدًا بِمَعْنى أرْكَسَ، وارْتَكَسَ هو أيِ ارْتَجَعَ، وقِيلَ أرْكَسَهُ أوْبَقَهُ قالَ:
؎بِشُؤْمِكَ أرْكَسْتَنِي في الخَنا ∗∗∗ وأرْمَيْتَنِي بِضُرُوبِ العَنا
وقِيلَ أضَلَّهم. وقالَ الشّاعِرُ:
؎وأرْكَسْتَنِي عَنْ طَرِيقِ الهُدى ∗∗∗ وصَيَّرْتَنِي مَثَلًا لَلْعِدا
وقِيلَ نَكَّسَهُ. قالَهُ الزَّجّاجُ قالَ:
؎رَكَسُوا في فِتْنَةٍ مُظْلِمَةٍ ∗∗∗ كَسَوادِ اللَّيْلِ يَتْلُوها فِتَنْ
الدِّيَةُ: ما غُرِمَ في القَتْلِ مِنَ المالِ، وكانَ لَها في الجاهِلِيَّةِ أحْكامٌ، ومَقادِيرُ، ولَها في الشَّرْعِ أحْكامٌ، ومَقادِيرُ، سَيَأْتِي ذِكْرُ شَيْءٍ مِنها. وأصْلُها: مَصْدَرٌ أُطْلِقَ عَلى المالِ المَذْكُورِ، وتَقُولُ: مِنهُ ودى يَدِي ودْيًا ودِيَةً. كَما تَقُولُ: وشى يَشِي وشْيًا وشِيَةً، ومِثالُهُ مِن صَحِيحِ اللّامِ: زِنَةٌ وعِدَةٌ.
التَّعَمُّدُ والعَمْدُ: القَصْدُ إلى الشَّيْءِ (p-٣١٢)﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ فِيمَن شَكَّ في البَعْثِ؛ فَأقْسَمَ اللَّهُ لَيَبْعَثَنَّهُ. ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ، وهي أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا تَلاهُ بِالإعْلامِ بِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى والحَشْرِ والبَعْثِ مِنَ القُبُورِ لِلْحِسابِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لا إلَهَ إلّا هو خَبَرًا عَنِ اللَّهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةَ اعْتِراضٍ، والخَبَرُ الجُمْلَةُ المُقْسَمُ عَلَيْها، وحُذِفَ هُنا القَسَمُ لِلْعِلْمِ بِهِ. وإلى إمّا عَلى بابِها، ومَعْناها: مِنَ الغايَةِ، ويَكُونُ الجَمْعُ في القُبُورِ، أوْ يُضَمَّنُ مَعْنى: لَيَجْمَعَنَّكم مَعْنى: لَيَحْشُرَنَّكم، فَيُعَدّى بِإلى. قِيلَ أوْ تَكُونُ إلى بِمَعْنى في، كَما أوَّلُوهُ في قَوْلِ النّابِغَةِ:
؎فَلا تَتْرُكْنِي بِالوَعِيدِ كَأنَّنِي ∗∗∗ إلى النّاسِ مَطْلِيٌّ بِهِ القارُ أجْرَبُ
أيْ: في النّاسِ. وقِيلَ إلى بِمَعْنى مَعَ. والقِيامَةُ والقِيامُ بِمَعْنًى واحِدٍ، كالطِّلابَةِ والطِّلابِ. قِيلَ، ودَخَلَتِ الهاءُ لِلْمُبالَغَةِ لِشِدَّةِ ما يَقَعُ فِيهِ مِنَ الهَوْلِ، وسُمِّيَ بِذَلِكَ إمّا لِقِيامِهِمْ مِنَ القُبُورِ، أوْ لِقِيامِهِمْ لِلْحِسابِ. قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦]، ولَمّا كانَ الحَشْرُ جائِزًا بِالعَقْلِ واجِبًا بِالسَّمْعِ أكَّدَهُ بِالقَسَمِ قَبْلَهُ وبِالجُمْلَةِ بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: لا رَيْبَ فِيهِ. واحْتَمَلَ الضَّمِيرُ في (فِيهِ) أنْ يَعُودَ إلى اليَوْمِ، وهو الظّاهِرُ. وأنْ يَعُودَ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: لَيَجْمَعَنَّكم. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] في أوَّلِ البَقَرَةِ.
﴿ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ . هَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ النَّفْيُ، التَّقْدِيرُ: لا أحَدَ أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا. وفَسَّرَ الحَدِيثَ بِالخَبَرِ أوْ بِالوَعْدِ قَوْلانِ والأظْهَرُ هُنا الخَبَرُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَلِكَ أنَّ دُخُولَ الكَذِبِ في حَدِيثِ البَشَرِ، إنَّما عِلَّتُهُ الخَوْفُ أوِ الرَّجاءُ أوْ سُوءُ السَّجِيَّةِ، وهَذِهِ مَنفِيَّةٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، والصِّدْقُ في حَقِيقَتِهِ أنْ يَكُونَ ما يَجْرِي عَلى لِسانِ المُخْبِرِ مُوافِقًا لِما في قَلْبِهِ والأمْرِ المُخْبَرِ عَنْهُ في وُجُودِهِ انْتَهى. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: أيْ أنَّكم تَقْبَلُونَ حَدِيثَ بَعْضِكم مِن بَعْضٍ مَعَ احْتِمالِ صِدْقِهِ وكَذِبِهِ؛ فَإنْ تَقْبَلُوا حَدِيثَ مَن يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ الكَذِبُ في كُلِّ ما أخْبَرَكم بِهِ مِن طَرِيقِ الأوْلى. وطَوَّلَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا إشْعارًا بِمَذْهَبِهِ فَقالَ: لا يَجُوزُ عَلَيْهِ الكَذِبُ، وذَلِكَ أنَّ الكَذِبَ مُسْتَقْبَلٌ بِصارِفٍ عَنِ الإقْدامِ عَلَيْهِ، وهو قُبْحُهُ الَّذِي هو كَوْنُهُ كَذِبًا، وإخْبارًا عَنِ الشَّيْءِ بِخِلافِ ما هو عَلَيْهِ، فَمَن كَذَبَ لَمْ يَكْذِبْ إلّا لِأنَّهُ مُحْتاجٌ إلى أنْ يَكْذِبَ لِيَجُرَّ مَنفَعَةً، أوْ يَدْفَعَ مَضَرَّةً، أوْ هو غَنِيٌّ عَنْهُ إلّا أنَّهُ يَجْهَلُ غِناهُ، أوْ هو جاهِلٌ بِقُبْحِهِ، أوْ هو سَفِيهٌ لا يُفَرِّقُ بَيْنَ الصِّدْقِ والكَذِبِ في أخْبارِهِ، ولا يُبالِي بِأيِّهِما نَطَقَ، ورُبَّما كانَ الكَذِبُ أحْلى عَلى حَنَكِهِ مِنَ الصِّدْقِ. وعَنْ بَعْضِ السُّفَهاءِ: أنَّهُ عُوتِبَ عَلى الكَذِبِ فَقالَ: لَوْ غَرْغَرَتْ لَهَواتُكَ بِهِ ما فارَقْتَهُ. وقِيلَ لِكَذّابٍ: هَلْ صَدَقْتَ قَطُّ ؟ فَقالَ: لَوْلا أنِّي صادِقٌ في قَوْلِي لا لَقُلْتُها. فَكانَ الحَكِيمُ الغَنِيُّ الَّذِي لا تَجُوزُ عَلَيْهِ الحاجاتُ، العالِمُ بِكُلِّ مَعْلُومٍ مُنَزَّهًا عَنْهُ كَما هو مُنَزَّهٌ عَنْ سائِرِ القَبائِحِ انْتَهى. وكَلامُهُ تَكْثِيرٌ لا يَلِيقُ بِكِتابِهِ، فَإنَّهُ مُخْتَصَرٌ في التَّفْسِيرِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (أصْدَقُ) بِإشْمامِ الصّادِ زايًا، وكَذا فِيما كانَ مِثْلَهُ مِن صادٍ ساكِنَةٍ بَعْدَها دالٌ نَحْوَ: يَصْدُقُونَ، وتَصْدِيَةً. وأمّا إبْدالُها زايًا مَحْضَةً في ذَلِكَ فَهي لُغَةُ كَلْبٍ. وأنْشَدُوا:
؎يَزِيدُ اللَّهُ في خَيْراتِهِ ∗∗∗ حامِي الذِّمارِ عِنْدَهُ مَصْدُوقاتُهُ
يُرِيدُ: عِنْدَ مَصْدُوقاتِهِ.
النساء 4:88
﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ ذَكَرُوا في سَبَبِ نُزُولِها أقْوالًا طَوَّلُوا بِها، ومُلَخَّصُها: أنَّهم قَوْمٌ أسْلَمُوا فاسْتَوْبَئُوا المَدِينَةَ فَخَرَجُوا، فَقِيلَ لِهم: أما لَكم في الرَّسُولِ أُسْوَةٌ ؟ أوْ ناسٌ رَجَعُوا مِن أُحُدٍ لَمّا خَرَجَ الرَّسُولُ، وهَذا في الصَّحِيحَيْنِ مِن قَوْلِ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ. أوْ ناسٍ بِمَكَّةَ تَكَلَّمُوا بِالإسْلامِ وهم يُعِينُونَ الكُفّارَ، فَخَرَجُوا مِن مَكَّةَ. قالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ: خَرَجُوا لِحاجَةٍ لَهم؛ فَقالَ قَوْمٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، اخْرُجُوا إلَيْهِمْ فاقْتُلُوهم؛ فَإنَّهم يُظاهِرُونَ عَدُوَّكم.
وقالَ قَوْمٌ: كَيْفَ نَقْتُلُهم، وقَدْ تَكَلَّمُوا (p-٣١٣)بِالإسْلامِ رَواهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. أوْ قَوْمٌ قَدِمُوا المَدِينَةَ، وأظْهَرُوا الإسْلامَ، ثُمَّ رَجَعُوا إلى مَكَّةَ، فَأظْهَرُوا الشِّرْكَ، أوْ قَوْمٌ أعْلَنُوا الإيمانَ بِمَكَّةَ، وامْتَنَعُوا مِنَ الهِجْرَةِ قالَهُ الضَّحّاكُ. أوِ العُرَنِيُّونَ الَّذِينَ أغارُوا عَلى السَّرْحِ وقَتَلُوا يَسارًا، أوِ المُنافِقُونَ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا في حَدِيثِ الإفْكِ.
وما كانَ مِن هَذِهِ الأقْوالِ يَتَضَمَّنُ أنَّهم كانُوا بِالمَدِينَةِ يَرُدُّهُ قَوْلُهُ: ﴿حَتّى يُهاجِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٨٩] إلّا إنْ حَمَلْتَ المُهاجَرَةَ عَلى هِجْرَةِ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ؛ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى أنْكَرَ عَلَيْهِمُ اخْتِلافَهم في نِفاقِ مَن ظَهَرَ مِنهُ النِّفاقُ؛ أيْ مَن ظَهَرَ مِنهُ النِّفاقُ قُطِعَ بِنِفاقِهِ، ولَوْ لَمْ يَكُونُوا بادِيًا نِفاقُهم؛ لَما أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ النِّفاقِ. و﴿فِي المُنافِقِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ لَكم، وهو كائِنٌ أيْ شَيْءٌ كائِنٌ لَكم في شَأْنِ المُنافِقِينَ. أوْ بِمَعْنى فِئَتَيْنِ؛ أيْ فِرْقَتَيْنِ في أمْرِ المُنافِقِينَ. وانْتَصَبَ (فِئَتَيْنِ) عَلى الحالِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ في لَكم والعامِلُ فِيها العامِلُ في لَكم. وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى إضْمارِ (كانَ)؛ أيْ كُنْتُمْ فِئَتَيْنِ. ويُجِيزُونَ ما لَكَ الشّاتِمَ؛ أيْ كُنْتَ الشّاتِمَ، وهَذا عِنْدَ البَصْرِيِّينَ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ عِنْدَهم حالٌ والحالُ لا يَجُوزُ تَعْرِيفُها.
﴿واللَّهُ أرْكَسَهم بِما كَسَبُوا﴾ أيْ رَجَّعَهم ورَدَّهم في كُفْرِهِمْ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. واخْتارَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: أوْبَقَهم. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أوْ أضَلَّهم؛ قالَهُ السُّدِّيُّ. أوْ أهْلَكَهم؛ قالَهُ قَتادَةُ، أوْ نَكَّسَهم قالَهُ الزَّجّاجُ. وكُلُّها مُتَقارِبَةٌ. ومَن عَبَّرَ بِهِ عَنِ الإهْلاكِ فَإنَّهُ أخَذَ بِلازِمِ الإرْكاسِ. ومَعْنى بِما كَسَبُوا؛ أيْ بِما أجْراهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ المُخالَفَةِ، وذَلِكَ الإرْكاسُ هو بِخَلْقِ اللَّهِ واخْتِراعِهِ، ويُنْسَبُ لِلْعَبْدِ كَسْبًا.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: واللَّهُ أرْكَسَهم؛ أيْ رَدَّهم في حُكْمِ المُشْرِكِينَ كَما كانُوا بِما كَسَبُوا مِنِ ارْتِدادِهِمْ، ولُحُوقِهِمْ بِالمُشْرِكِينَ، واحْتِيالِهِمْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . أوْ أرْكَسَهم في الكُفْرِ بِأنْ خَذَلَهم حَتّى ارْتَكَبُوا فِيهِ لِما عَلِمَ مِن مَرَضِ قُلُوبِهِمْ، انْتَهى. وهو جارٍ عَلى عَقِيدَتِهِ الِاعْتِزالِيَّةِ؛ فَلا يَنْسُبُ الإرْكاسَ إلى اللَّهِ حَقِيقَةً، بَلْ يُؤَوِّلُهُ عَلى مَعْنى الخِذْلانِ وتَرْكِ اللُّطْفِ، أوْ عَلى الحُكْمِ بِكَوْنِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ. إذْ هم فاعِلُو الكُفْرِ ومُخْتَرِعُوهُ لا اللَّهُ؛ تَعالى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: رَكَسَهم ثُلاثِيًّا. وقُرِئَ: رَكَّسَهم رَكَسُوا فِيها بِالتَّشْدِيدِ؛ قالَ الرّاغِبُ: الرِّكْسُ والنِّكْسُ الرَّذْلُ والرِّكْسُ أبْلَغُ مِنَ النِّكْسِ؛ لِأنَّ النِّكْسَ ما جُعِلَ أسْفَلُهُ أعْلاهُ والرِّكْسُ أصْلُهُ ما رَجَعَ رَجِيعًا بَعْدَ أنْ كانَ طَعامًا، فَهو كالرِّجْسِ، وصَفَ أعْمالَهم بِهِ، كَما قالَ: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، وأرْكَسَهُ أبْلَغُ مَن رَكَسَهُ، كَما أنَّ أسْقاهُ أبْلَغُ مِن سَقاهُ، انْتَهى. وهَذِهِ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ أنْكَرَ تَعالى عَلَيْهِمُ اخْتِلافَهم في هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ، في حالِ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ رَدَّهم في الكُفْرِ؛ ومَن يَرُدُّهُ اللَّهُ إلى الكُفْرِ لا يُخْتَلَفُ في كُفْرِهِ.
﴿أتُرِيدُونَ أنْ تَهْدُوا مَن أضَلَّ اللَّهُ﴾ هَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ؛ أيْ مَن أرادَ اللَّهُ ضَلالَهُ، لا يُرِيدُ أحَدٌ هِدايَتَهُ؛ لِئَلّا تَقَعَ إرادَتُهُ مُخالِفَةً إرادَةَ اللَّهِ تَعالى، ومَن قَضى اللَّهُ عَلَيْهِ بِالضَّلالِ لا يُمْكِنُ إرْشادُهُ، ومَن أضَلَّ اللَّهُ انْدَرَجَ فِيهِ المُرْكِسُونَ وغَيْرُهم مِمَّنْ أضَلَّهُ اللَّهُ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ أتُرِيدُونَ أنْ تَهْدُوا هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ ؟ ومَن أضَلَّهُ اللَّهُ تَعالى مِن غَيْرِهِمْ. وانْدِراجُهم في عُمُومِ (مَن) بَعْدِ قَوْلِهِ ﴿واللَّهُ أرْكَسَهُمْ﴾ هو عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ؛ إذْ ذُكِرُوا أوَّلًا عَلى سَبِيلِ الخُصُوصِ، وثانِيًا عَلى سَبِيلِ انْدِراجِهِمْ في العُمُومِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا مِن جُمْلَةِ المُهْتَدِينَ ؟ مَن أضَلَّهُ اللَّهُ مَن جَعَلَهُ مِنَ الضُّلّالِ وحَكَمَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ أوْ خَذَلَهُ حَتّى ضَلَّ، انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَتِهِ الِاعْتِزالِيَّةِ مِن أنَّهُ لا يَنْسُبُ الإضْلالَ إلى اللَّهِ عَلى سَبِيلِ الحَقِيقَةِ.
﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾؛ أيْ فَلَنْ تَجِدَ لِهِدايَتِهِ سَبِيلًا. والمَعْنى: لِخَلْقِ الهِدايَةِ في قَلْبِهِ، وهَذا هو المَنفِيُّ. والهِدايَةُ بِمَعْنى الإرْشادِ والتَّبْيِينِ هي لِلرُّسُلِ. وخَرَجَ مِن خِطابِهِمْ إلى خِطابِ الرَّسُولِ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ في حَقِّ المُخْتَلِفِينَ؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ فالأحْرى أنْ لا يَكُونَ ذَلِكَ لَهم. وقِيلَ مَن يَحْرِمُهُ (p-٣١٤)الثَّوابَ والجَنَّةَ لا يَجِدُ لَهُ أحَدٌ طَرِيقًا إلَيْهِما. وقِيلَ مَن يُهْلِكُهُ اللَّهُ فَلَيْسَ لِأحَدٍ طَرِيقٌ إلى نَجاتِهِ مِنَ الهَلاكِ. وقِيلَ، ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ مَخْرَجًا وحُجَّةً.
النساء 4:89
﴿ودُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً﴾ مَن أثْبَتَ أنَّ (لَوْ) تَكُونُ مَصْدَرِيَّةً قَدَّرَهُ: ودُّوا كُفْرَكم كَما كَفَرُوا. ومَن جَعَلَ (لَوْ) حَرْفًا لِما كانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ، جَعَلَ مَفْعُولَ ودُّوا مَحْذُوفًا؛ وجَوابَ لَوْ مَحْذُوفًا. والتَّقْدِيرُ: ودُّوا كُفْرَكم لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً لَسُرُّوا بِذَلِكَ. وسَبَبُ وُدِّهِمْ ذَلِكَ إمّا حَسَدًا لِما ظَهَرَ مِن عُلُوِّ الإسْلامِ كَما قالَ في نَظِيرَتِها: ﴿حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩]، وإمّا إيثارًا لَهم أنْ يَكُونُوا عُبّادَ أصْنامٍ لِكَوْنِهِمْ يَرَوْنَ المُؤْمِنِينَ عَلى غَيْرِ شَيْءٍ، وهَذا كَشْفٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِخَبِيثِ مُعْتَقَدِهِمْ، وتَحْذِيرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنهم. وفَتَكُونُونَ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: تَكْفُرُونَ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَوْ نُصِبَ عَلى جَوابِ التَّمَنِّي لَجازَ والمَعْنى: ودُّوا كُفْرَكم وكَوْنَكم مَعَهم شَرْعًا واحِدًا فِيما هم عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالِ واتِّباعِ دِينِ الآباءِ، انْتَهى. وكَوْنُ التَّمَنِّي بِلَفْظِ الفِعْلِ، ويَكُونُ لَهُ جَوابٌ فِيهِ نَظَرٌ. وإنَّما المَنقُولُ أنَّ الفِعْلَ يَنْتَصِبُ في جَوابِ التَّمَنِّي إذا كانَ بِالحَرْفِ نَحْوَ: لَيْتَ، ولَوْ وإلّا إذا أُشْرِبَتا مَعْنى التَّمَنِّي، أمّا إذا كانَ بِالفِعْلِ فَيَحْتاجُ إلى سَماعٍ مِنَ العَرَبِ. بَلْ لَوْ جاءَ لَمْ تَتَحَقَّقْ فِيهِ الجَوابِيَّةُ؛ لِأنَّ ودَّ الَّتِي تَدُلُّ عَلى التَّمَنِّي إنَّما مُتَعَلِّقُها المَصادِرُ لا الذَّواتُ، فَإذا نُصِبَ الفِعْلُ بَعْدَ الفاءِ لَمْ يَتَعَيَّنْ أنْ تَكُونَ فاءَ جَوابٍ؛ لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ مِن بابِ عَطْفِ المَصْدَرِ المُقَدَّرِ عَلى المَصْدَرِ المَلْفُوظِ بِهِ؛ فَيَكُونُ مِن بابِ: لَلُبْسُ عَباءَةٍ وتَقَرُّ عَيْنِي.
﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنهم أوْلِياءَ حَتّى يُهاجِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لَمّا نَصَّ عَلى كُفْرِهِمْ، وأنَّهم تَمَنَّوْا أنْ تَكُونُوا مِثْلَهم بانَتْ عَداوَتُهم لِاخْتِلافِ الدِّينَيْنِ؛ فَنَهى تَعالى أنْ يُوالى مِنهم أحَدٌ؛ وإنْ آمَنُوا حَتّى يُظاهِرُوا بِالهِجْرَةِ الصَّحِيحَةِ جُلَّ الإيمانِ، لا جُلَّ حَظِّ الدُّنْيا؛ وإنَّما غَيّا بِالهِجْرَةِ فَقَطْ؛ لِأنَّها تَتَضَمَّنُ الإيمانَ. وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ الهِجْرَةِ إلى النَّبِيِّ ﷺ إلى المَدِينَةِ، ولَمْ يَزَلْ حُكْمُها كَذَلِكَ إلى أنْ فُتِحَتْ مَكَّةُ، فَنُسِخَ بِقَوْلِهِ ﷺ: «لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ؛ ولَكِنْ جِهادٌ ونِيَّةٌ، وإذا اسْتُنْفِرْتُمْ فانْفِرُوا» . وخالَفَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ فَقالَ بِوُجُوبِها، وأنَّ حُكْمَها لَمْ يُنْسَخْ، وهو باقٍ فَتَحْرُمُ الإقامَةُ بَعْدَ الإسْلامِ في دارِ الشِّرْكِ. وإجْماعُ أهْلِ المَذاهِبِ عَلى خِلافِهِ. قالَ القاضِي أبُو يَعْلى وغَيْرُهُ: مَن هو قادِرٌ عَلى الهِجْرَةِ ولا يَقْدِرُ عَلى إظْهارِ دِينِهِ فَهي تَجِبُ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ [النساء: ٩٧]، ومَن كانَ قادِرًا عَلى إظْهارِ دِينِهِ اسْتُحِبَّتْ لَهُ، ومَن لا يَقْدِرُ عَلى إظْهارِ دِينِهِ ولا عَلى الحَرَكَةِ كالشَّيْخِ الفانِي والزَّمِنِ، لا يُسْتَحَبُّ لَهُ.
﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهم واقْتُلُوهم حَيْثُ وجَدْتُمُوهم ولا تَتَّخِذُوا مِنهم ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾؛ أيْ فَإنْ تَوَلَّوْا عَنِ الإيمانِ المُظاهَرِ بِالهِجْرَةِ الصَّحِيحَةِ؛ فَحُكْمُهم حُكْمُ الكُفّارِ؛ يُقْتَلُونَ حَيْثُ (p-٣١٥)وُجِدُوا في حِلٍّ وحَرَمٍ، وجانِبُوهم مُجانَبَةً كُلِّيَّةً، ولَوْ بَذَلُوا لَكُمُ الوِلايَةَ والنُّصْرَةَ؛ فَلا تَقْبَلُوا مِنهم.
﴿إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ أوْ جاءُوكم حَصِرَتْ صُدُورُهم أنْ يُقاتِلُوكم أوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ [النساء: ٩٠] هَذا اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَخُذُوهم واقْتُلُوهُمْ﴾ والوُصُولُ هُنا: البُلُوغُ إلى قَوْمٍ. وقِيلَ مَعْناهُ يَنْتَسِبُونَ قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. وأنْشَدَ الأعْشى:
؎إذا اتَّصَلَتْ قالَتْ لِبَكْرِ بْنِ وائِلٍ وبَكْرٌ سَبَتْها والأُنُوفُ رَواغِمُ
وقالَ النَّحّاسُ: هَذا غَلَطٌ عَظِيمٌ؛ لِأنَّهُ ذَهَبَ إلى أنَّهُ تَعالى حَظَرَ أنْ يُقاتَلَ أحَدٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُسْلِمِينَ نَسَبٌ؛ والمُشْرِكُونَ قَدْ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ المُسْلِمِينَ السّابِقِينَ أنْسابٌ؛ يَعْنِي: وقَدْ قاتَلَ الرَّسُولُ ومَن مَعَهُ مَنِ انْتَسَبَ إلَيْهِمْ بِالنَّسَبِ الحَقِيقِيِّ؛ فَضْلًا عَنْ الِانْتِسابِ. قالَ النَّحّاسُ: وأشَدُّ مِن هَذا الجَهْلِ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ كانَ ثُمَّ نُسِخَ؛ لِأنَّ أهْلَ التَّأْوِيلِ مُجْمِعُونَ عَلى أنَّ النّاسِخَ لَهُ بَراءَةٌ، وإنَّما نَزَلَتْ بَعْدَ الفَتْحِ، وبَعْدَ أنِ انْقَطَعَتِ الحُرُوبُ، ووافَقَهُ عَلى ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ.
وقالَ القُرْطُبِيُّ: حَمَلَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ مَعْنى يَنْتَسِبُونَ عَلى الأمانِ، أوْ أنْ يَنْتَسِبَ إلى أهْلِ الأمانِ، لا عَلى مَعْنى النَّسَبِ الَّذِي هو القَرابَةُ انْتَهى. قالَ عِكْرِمَةُ: إلى قَوْمٍ هم قَوْمُ هِلالِ بْنِ عُوَيْمِرٍ الأسْلَمِيِّ، وادَعَ الرَّسُولَ عَلى أنْ لا يُعِينَهُ، ولا يُعِينَ عَلَيْهِ، ومَن لَجَأ إلَيْهِمْ؛ فَلَهُ مِثْلُ ما لِهِلالٍ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهم بَنُو بَكْرِ بْنِ زَيْدِ مَناةَ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّهم خُزاعَةُ، وذُو خُزاعَةَ. وقالَ مُقاتِلٌ: خُزاعَةُ، وبَنُو مُدْلِجٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: كانَ هَذا الحُكْمُ في أوَّلِ الإسْلامِ قَبْلَ أنْ يَسْتَحْكِمَ أمْرُ الطّاعَةِ مِنَ النّاسِ؛ فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ هادَنَ مِنَ العَرَبِ قَبائِلَ كَرَهْطِ هِلالِ بْنِ عُوَيْمِرٍ الأسْلَمِيِّ، وسُراقَةَ بْنِ مالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ، وخُزَيْمَةَ بْنِ عامِرِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ؛ فَقَضَتْ هَذِهِ الآيَةُ أنَّهُ مَن وصَلَ مِنَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا عَهْدَ بَيْنَهم وبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ إلى هَؤُلاءِ أهْلِ العَهْدِ ودَخَلَ في عِدادِهِمْ وفَعَلَ فِعْلَهم مِنَ المُوادَعَةِ، فَلا سَبِيلَ عَلَيْهِ. قالَ عِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ: ثُمَّ لَمّا تَقَوّى الإسْلامُ، وكَثُرَ ناصِرُهُ نُسِخَتْ هَذِهِ الآيَةُ والَّتِي بَعْدَها بِما في سُورَةِ بَراءَةَ، انْتَهى. وقِيلَ هم خُزاعَةُ، وخُزَيْمَةُ بْنُ عَبْدِ مَنافٍ. والَّذِينَ حَصِرَتْ صُدُورُهم هم بَنُو مُدْلِجٍ، اتَّصَلُوا بِقُرَيْشٍ وبِهِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّهم قَوْمٌ مِنَ الكُفّارِ، اعْتَزَلُوا المُسْلِمِينَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ؛ فَلَمْ يَكُونُوا مَعَ الكافِرِينَ، ولا مَعَ المُسْلِمِينَ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِآيَةِ القِتالِ.
وأصْلُ الِاسْتِثْناءِ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا، وظاهِرُ الآيَةِ وهَذِهِ الأقْوالِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ. والمَعْنى: إلّا الكُفّارَ الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ مُعانِدِينَ، أوْ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ جاءُوكم غَيْرَ مُقاتِلِينَ، ولا مُقاتِلِي قَوْمِهِمْ. إنْ كانَ جاءُوكم عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ صِفَةِ قَوْمٍ، وكِلا العَطْفَيْنِ جَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ، إلّا أنَّهُما اخْتارا العَطْفَ عَلى الصِّلَةِ؛ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، بَعْدَ أنْ ذَكَرَ العَطْفَ عَلى الصِّلَةِ، قالَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى قَوْلِهِ: بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ والمَعْنى في العَطْفَيْنِ مُخْتَلِفٌ، انْتَهى. واخْتِلافُهُ أنَّ المُسْتَثْنى إمّا أنْ يَكُونا صِنْفَيْنِ، واصِلًا إلى مُعاهَدٍ، وجائِيًا كافًّا عَنِ القِتالِ. أوْ صِنْفًا واحِدًا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ مَن وصَلَ إلَيْهِ مِن مُعاهَدٍ أوْ كافٍّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا أيْضًا حُكْمٌ كانَ قَبْلَ أنْ يَسْتَحْكِمَ أمْرُ الإسْلامِ؛ فَكانَ المُشْرِكُ إذا جاءَ إلى دارِ الإسْلامِ مُسالِمًا كارِهًا لِقِتالِ قَوْمِهِ مَعَ المُسْلِمِينَ، ولِقِتالِ المُسْلِمِينَ مَعَ قَوْمِهِ، لا سَبِيلَ عَلَيْهِ. وهَذِهِ نُسِخَتْ أيْضًا بِما في بَراءَةَ، انْتَهى.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الوَجْهُ العَطْفُ عَلى العِلَّةِ لِقَوْلِهِ: ﴿فَإنِ اعْتَزَلُوكم فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ﴾ [النساء: ٩٠] الآيَةَ بَعْدَ قَوْلِهِ: فَخُذُوهم، واقْتُلُوهم، فَقَرَّرَ أنَّ كَفَّهم عَنِ القِتالِ أحَدُ سَبَبَيِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِنَفْيِ التَّعَرُّضِ لَهم وتَرْكِ الإيقاعِ بِهِمْ. فَإنْ قُلْتَ: كُلُّ واحِدٍ مِن الِاتِّصالَيْنِ لَهُ تَأْثِيرٌ في صِحَّةِ الِاسْتِثْناءِ، واسْتِحْقاقُ تَرْكِ التَّعَرُّضِ الِاتِّصالُ بِالمُعاهَدِينَ والِاتِّصالُ بِالكافِّينَ فَهَلّا (p-٣١٦)جَوَّزْتَ أنْ يَكُونَ العَطْفُ عَلى صِفَةِ قَوْمٍ، ويَكُونَ قَوْلُهُ: فَإنِ اعْتَزَلُوكم تَقْرِيرًا لِحُكْمِ اتِّصالِهِمْ بِالكافِّينِ، واخْتِلاطِهِمْ فِيهِمْ وجَرْيِهِمْ عَلى سَنَنِهِمْ ؟ قُلْتُ: هو جائِزٌ، ولَكِنَّ الأوَّلَ أظْهَرُ وأجْرى عَلى أُسْلُوبِ الكَلامِ، انْتَهى. وإنَّما كانَ أظْهَرَ وأجْرى عَلى أُسْلُوبِ الكَلامِ؛ لِأنَّ المُسْتَثْنى مُحَدَّثٌ عَنْهُ مَحْكُومٌ لَهُ بِخِلافِ حُكْمِ المُسْتَثْنى مِنهُ. وإذا عُطِفَتْ عَلى الصِّلَةِ كانَ مُحَدَّثًا عَنْهُ، وإذا عُطِفَتْ عَلى الصِّفَةِ لَمْ يَكُنْ مُحَدَّثًا عَنْهُ؛ إنَّما يَكُونُ ذَلِكَ تَقْيِيدًا في قَوْمِ الَّذِينَ هم قَيْدٌ في الصِّلَةِ المُحَدَّثِ عَنْ صاحِبِها. ومَتى دارَ الأمْرُ بَيْنَ أنْ تَكُونَ النِّسْبَةُ إسْنادِيَّةً في المَعْنى وبَيْنَ أنْ تَكُونَ تَقْيِيدِيَّةً، كانَ حَمْلُها عَلى الإسْنادِيَّةِ أوْلى لِلِاسْتِثْقالِ الحاصِلِ بِها دُونَ التَّقْيِيدِيَّةِ؛ هَذا مِن جِهَةِ الصِّناعَةِ النَّحْوِيَّةِ. وأمّا مِن حَيْثُ ما يَتَرَتَّبُ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ العَطْفَيْنِ مِنَ المَعْنى؛ فَإنَّهُ يَكُونُ تَرْكُهُمُ القِتالَ سَبَبًا لِتَرْكِ التَّعَرُّضِ لَهم، وهو سَبَبٌ قَرِيبٌ، وذَلِكَ عَلى العَطْفِ عَلى الصِّلَةِ. ووُصُولُهم إلى مَن يَتْرُكُ القِتالَ سَبَبٌ لِتَرْكِ التَّعَرُّضِ لَهم، وهو سَبَبٌ بَعِيدٌ؛ وذَلِكَ عَلى العَطْفِ عَلى الصِّفَةِ. ومُراعاةُ السَّبَبِ القَرِيبِ أوْلى مِن مُراعاةِ البَعِيدِ. وعَلى أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُتَّصِلٌ مِن مَفْعُولِ ﴿فَخُذُوهم واقْتُلُوهُمْ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى أوْجَبَ قَتْلَ الكافِرِ إلّا إذا كانَ مُعاهَدًا أوْ داخِلًا في حُكْمِ المُعاهَدِ، أوْ تارِكًا لِلْقِتالِ؛ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ قَتْلُهم. وقَوْلُ الجُمْهُورِ: إنَّ المُسْتَثْنَيْنَ كُفّارٌ.
وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: إنَّهُ تَعالى لَمّا أوْجَبَ الهِجْرَةَ عَلى كُلِّ مَن أسْلَمَ، اسْتَثْنى مَن لَهُ عُذْرٌ فَقالَ: ﴿إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ﴾ [النساء: ٩٠]، وهم قَوْمٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ قَصَدُوا الرَّسُولَ بِالهِجْرَةِ والنُّصْرَةِ؛ إلّا أنَّهم كانَ في طَرِيقِهِمْ مِنَ الكُفّارِ ما لَمْ يَجِدُوا طَرِيقًا إلَيْهِ خَوْفًا مِن أُولَئِكَ الكُفّارِ؛ فَصارُوا إلى قَوْمٍ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وبَيْنَهم عَهْدٌ، وأقامُوا عِنْدَهم إلى أنْ يُمْكِنَهُمُ الخَلاصُ، واسْتَثْنى بَعْدَ ذَلِكَ مَن صارَ إلى الرَّسُولِ وإلى الصَّحابَةِ؛ لِأنَّهُ يَخافُ اللَّهَ فِيهِ، ولا يُقاتِلُ الكُفّارَ أيْضًا؛ لِأنَّهم أقارِبُهُ، أوْ لِأنَّهُ بَقِيَ أزْواجُهُ وأوْلادُهُ بَيْنَهم فَيَخافُ لَوْ قاتَلَهم أنْ يَقْتُلُوا أوْلادَهُ وأصْحابَهُ. فَهَذانِ الفَرِيقانِ مِنَ المُسْلِمِينَ لا يَحِلُّ قِتالُهم، وإنْ كانَ لَمْ تُوجَدْ مِنهُمُ الهِجْرَةُ، ولا مُقاتَلَةُ الكُفّارِ، انْتَهى. واخْتارَهُ الرّاغِبُ. وعَلى قَوْلِ أبِي مُسْلِمٍ: يَكُونُ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا؛ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَدْخُلُوا تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨] .
وقالَ الماتُرِيدِيُّ: إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ؛ أيْ إنْ لَحِقَ المُنافِقُونَ بِمَن لا مِيثاقَ بَيْنَكم وبَيْنَهم فاقْتُلُوهم حَتّى يَتُوبُوا ويُهاجِرُوا؛ وإنْ لَحِقُوا بِأهْلِ المِيثاقِ؛ فَلا تُقاتِلُوهم، أوْ جاءُوكم حَصِرَتْ صُدُورُهم هَذا صِفَةٌ لِمَن سَبَقَ ذِكْرُهم؛ فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ عَنِ الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى أهْلِ العَهْدِ، إذا كانَ وصْفُهم أنْ تَضِيقَ صُدُورُهم عَنْ مُقاتَلَةِ المُؤْمِنِينَ والكُفّارِ جَمِيعًا؛ إمّا لِنِفارِ طِباعِهِمْ، وإمّا لِوَفاءِ العَهْدِ، وإمّا لِكَوْنِهِمْ في مُهْلَةِ النَّظَرِ لِيَتَبَيَّنُوا الحَقَّ مِنَ الباطِلِ. وعَلى هَذا وصَفَ اللَّهُ جَمِيعَ المُعاهَدِينَ الَّذِينَ عَزَمُوا عَلى الوَفاءِ بِالعَهْدِ: أنَّهم إنَّما قَبِلُوا العَهْدَ والذِّمَّةَ لَمّا تَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ قِتالُ المُسْلِمِينَ، وأبَتْ نُفُوسُهم مُعاوَنَةَ المُسْلِمِينَ عَلى قَوْمِهِمْ؛ فَلَمْ يُسْلِمُوا حَقِيقَةً؛ ولَكِنْ سالَمُوا لِقَبُولِ العَهْدِ، انْتَهى. وقالَ القَفّالُ بَعْدَ ذِكْرِ مَن دَخَلَ في عَهْدِ مَن كانَ داخِلًا في عَهْدِكم؛ فَهو أيْضًا داخِلٌ في العَهْدِ. قالَ: وقَدْ يَدْخُلُ في الآيَةِ أنْ يَقْصِدَ قَوْمٌ حَضْرَةَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ فَيَتَعَذَّرُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ المَطْلُوبُ، فَيَلِجُوا إلى قَوْمٍ بَيْنَهم وبَيْنَ الرَّسُولِ عَهْدٌ إلى أنْ يَجِدُوا السَّبِيلَ إلَيْهِ، انْتَهى.
وفِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ وقِراءَتِهِ: مِيثاقٌ جاءُوكم بِغَيْرِ واوٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ووَجْهُهُ أنْ يَكُونَ جاءُوكم بَيانًا لِيَصِلُونَ أوْ بَدَلًا، أوِ اسْتِئْنافًا، أوْ صِفَةً (p-٣١٧)بَعْدَ صِفَةٍ لِقَوْمٍ، انْتَهى. وهي وُجُوهٌ مُحْتَمَلَةٌ، وفي بَعْضِها ضَعْفٌ. وهو البَيانُ والبَدَلُ؛ لِأنَّ البَيانَ لا يَكُونُ في الأفْعالِ، ولِأنَّ البَدَلَ لا يَتَأتّى؛ لِكَوْنِهِ لَيْسَ إيّاهُ ولا بَعْضًا، ولا مُشْتَمِلًا. ومَعْنى ﴿حَصِرَتْ﴾ [النساء: ٩٠] ضاقَتْ، وأصْلُ الحَصْرِ في المَكانِ، ثُمَّ تُوُسِّعَ فِيهِ حَتّى صارَ في القَوْلِ. قالَ:
؎ولَقَدْ تَكَنَّفَنِي الوُشاةُ فَصادَفُوا ∗∗∗ حَصْرًا بِسِرِّكِ يا أُمَيْمُ ضَنِينا
وقِيلَ مَعْناهُ كَرِهَتْ. والمَعْنى: كَرِهُوا قِتالَكم مَعَ قَوْمِهِمْ مَعَكم. وقِيلَ مَعْناهُ أنَّهم لا يُقاتِلُونَكم، ولا يُقاتِلُونَ قَوْمَهم مَعَكم، فَيَكُونُونَ لا عَلَيْكم، ولا لَكم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: حَصِرَتْ. وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ويَعْقُوبُ: حَصْرَةٌ عَلى وزْنِ نَبْقَةٍ؛ وكَذا قالَ المَهْدَوِيُّ عَنْ عاصِمٍ في رِوايَةِ حَفْصٍ. وحُكِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ (حَصِراتٍ)، وقُرِئَ (حاصِراتٍ)، وقُرِئَ (حَصْرَةٌ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ؛ أيْ صُدُورُهم حَصْرَةٌ؛ وهي جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ في مَوْضِعِ الحالِ. فَأمّا قِراءَةُ الجُمْهُورِ فَجُمْهُورُ النَّحْوِيِّينَ عَلى أنَّ الفِعْلَ في مَوْضِعِ الحالِ. فَمَن شَرَطَ دُخُولَ قَدْ عَلى الماضِي إذا وقَعَ حالًا؛ زَعَمَ أنَّها مُقَدَّرَةٌ، ومَن لَمْ يَرَ ذَلِكَ لَمْ يَحْتَجْ إلى تَقْدِيرِها؛ فَقَدْ جاءَ مِنهُ ما لا يُحْصى كَثْرَةً بِغَيْرِ قَدْ. ويُؤَيِّدُ كَوْنَهُ في مَوْضِعِ الحالِ قِراءَةُ مَن قَرَأ ذَلِكَ اسْمًا مَنصُوبًا.
وعَنِ المُبَرِّدِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ (ثَمَّ) مَحْذُوفًا هو الحالُ، وهَذا الفِعْلُ صِفَتُهُ؛ أيْ أوْ جاءُوكم قَوْمًا حَصِرَتْ صُدُورُهم. والآخَرُ: أنَّهُ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ؛ فَلا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإعْرابِ. ورَدَّ الفارِسِيُّ عَلى المُبَرِّدِ في أنَّهُ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِأنّا أُمِرْنا أنْ نَقُولَ: اللَّهُمَّ أوْقِعْ بَيْنَ الكُفّارِ العَداوَةَ؛ فَيَكُونُ في قَوْلِهِ: أوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهم في ما اقْتَضاهُ دُعاءُ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَخْرُجُ قَوْلُ المُبَرِّدِ عَلى أنَّ الدُّعاءَ عَلَيْهِمْ بِأنْ لا يُقاتِلُوا المُسْلِمِينَ تَعْجِيزٌ لَهم والدُّعاءُ عَلَيْهِمْ بِأنْ لا يُقاتِلُوا قَوْمَهم تَحْقِيرٌ لَهم أيْ هم أقَلُّ وأحْقَرُ، ويُسْتَغْنى عَنْهم كَما تَقُولُ إذا أرَدْتَ هَذا المَعْنى: لا جَعَلَ اللَّهُ فُلانًا عَلَيَّ، ولا مَعِي، بِمَعْنى: أسْتَغْنِي عَنْهُ وأسْتَقِلُّ دُونَهُ. وقالَ غَيْر ابْنِ عَطِيَّةَ: أوْ تَكُونُ سُؤالًا لِمَوْتِهِمْ عَلى أنَّ قَوْلَهُ (قَوْمَهم) قَدْ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ مَن لَيْسُوا مِنهم، بَلْ عَنْ مُعادِيهِمْ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ حَصِرَتْ في مَوْضِعِ جَرٍّ صِفَةً لِقَوْمٍ وواوُ جاءُوكم مُعْتَرِضٌ. قالَ: يَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن أسْقَطَ (أوْ) وهو أُبَيٌّ. وأجازَ أيْضًا أنْ يَكُونَ حَصِرَتْ بَدَلًا مِن جاءُوكم؛ قالَ: بَدَلُ اشْتِمالٍ؛ لِأنَّ المَجِيءَ مُشْتَمِلٌ عَلى الحَصْرِ وغَيْرِهِ. وقالَ الزَّجّاجُ: حَصِرَتْ صُدُورُهم خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُفَرِّقُ بَيْنَ تَقْدِيرِ الحالِ وبَيْنَ خَبَرٍ مُسْتَأْنَفٍ في قَوْلِكَ: جاءَ زَيْدٌ رَكِبَ الفَرَسَ. أنَّكَ إنْ أرَدْتَ الحالَ بِقَوْلِكَ: رَكِبَ الفَرَسَ؛ قَدَّرْتَ قَدْ. وإنْ أرَدْتَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ لَمْ نَحْتَجْ إلى تَقْدِيرِها. وقالَ الجُرْجانِيُّ: تَقْدِيرُهُ إنْ جاءُوكم حَصِرَتْ؛ فَحَذْفُ (إنْ) . وما ادَّعاهُ مِنَ الإضْمارِ لا يُوافَقُ عَلَيْهِ أنْ يُقاتِلُوكم تَقْدِيرُهُ: عَنْ أنْ يُقاتِلُوكم.
﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهم عَلَيْكم فَلَقاتَلُوكُمْ﴾ [النساء: ٩٠] هَذا تَقْرِيرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى مِقْدارِ نِعْمَتِهِ تَعالى عَلَيْهِمْ؛ أيْ لَوْ شاءَ لَقَوّاهم، وجَرَّأهم عَلَيْكم؛ فَإذًا قَدْ أنْعَمَ عَلَيْكم بِالهُدْنَةِ فاقْبَلُوها. وهَذا إذا كانَ المُسْتَثْنَوْنَ كُفّارًا؛ فَأمّا عَلى قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهم مُؤْمِنُونَ؛ فالمَعْنى أنَّهُ تَعالى أظْهَرَ نِعْمَتَهُ عَلى المُسْلِمِينَ، وأنَّهُ تَعالى لَوْ لَمْ يَهْدِهِمْ، لَكانُوا في جُمْلَةِ المُسَلَّطِينَ عَلَيْكم.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُسَلِّطَ اللَّهُ الكَفَرَةَ عَلى المُؤْمِنِينَ، ما كانَ مُكافَّتُهم إلّا لِقَذْفِ اللَّهِ الرُّعْبَ في قُلُوبِهِمْ ؟ ولَوْ شاءَ لِمَصْلَحَةٍ يَراها مِنِ ابْتِلاءٍ ونَحْوِهِ لَمْ يَقْذِفْهُ؛ فَكانُوا مُسَلَّطِينَ مُقاتِلِينَ غَيْرَ كافِّينَ؛ فَذَلِكَ مَعْنى التَّسْلِيطِ، انْتَهى. وهَذا عَلى طَرِيقَتِهِ الِاعْتِزالِيَّةِ. وهَذا الَّذِي قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَهُ أبُو هاشِمٍ قَبْلَهُ. قالَ: أخْبَرَ تَعالى عَنْ قُدْرَتِهِ عَلى ما يَشاءُ أنْ يَفْعَلَ. وتَسْلِيطُ اللَّهِ المُشْرِكِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ لَيْسَ بِأمْرٍ مِنهُ؛ وإنَّما هو بِإزالَةِ خَوْفِ المُسْلِمِينَ مِن قُلُوبِهِمْ، وتَقْوِيَةِ أسْبابِ الجُرْأةِ عَلَيْهِمْ. والغَرَضُ بِتَسْلِيطِهِمْ عَلَيْهِمْ أُمُورٌ ثَلاثَةٌ: أحَدُها: تَأْدِيبًا لَهم، وعُقُوبَةً لِما اجْتَرَحُوا مِنَ الذُّنُوبِ. الثّانِي: ابْتِلاءً لِصَبْرِهِمْ، واخْتِبارًا لِقُوَّةِ إيمانِهِمْ (p-٣١٨)وإخْلاصِهِمْ؛ كَما قالَ: (ولَنَبْلُوَنَّكم) الآيَةَ. الثّالِثُ: لِرَفْعِ دَرَجاتِهِمْ، وتَكْثِيرِ حَسَناتِهِمْ. أوِ المَجْمُوعِ، وهو أقْرَبُ لِلصَّوابِ انْتَهى.
وأمّا غَيْرُهُما مِنَ المُعْتَزِلَةِ فَقالَ الجُبّائِيُّ: قَدْ بَيَّنّا أنَّ القَوْمَ الَّذِينَ اسْتُثْنُوا مُؤْمِنُونَ لا كافِرُونَ، وعَلى هَذا مَعْنى الآيَةِ. ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهم عَلَيْكم بِتَقْوِيَةِ قُلُوبِهِمْ لِيَدْفَعُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ إنْ أقْدَمْتُمْ عَلى مُقاتَلَتِهِمْ عَلى سَبِيلِ الظُّلْمِ. وقالَ الكَعْبِيُّ: إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّهُ لَوْ شاءَ فَعَلَ؛ وهَذا لا يُفِيدُ إلّا أنَّهُ قادِرٌ عَلى الظُّلْمِ، وهَذا مَذْهَبُنا؛ إلّا أنّا نَقُولُ: إنَّهُ تَعالى لا يَفْعَلُ الظُّلْمَ، ولَيْسَ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ شاءَ ذَلِكَ وأرادَهُ، انْتَهى كَلامُهُ.
وقالَ أهْلُ السُّنَّةِ: في هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَقْبُحُ مِنهُ تَسْلِيطُ الكافِرِ عَلى المُؤْمِنِ، وتَقْوِيَتُهُ عَلَيْهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَلَقاتَلُوكُمْ﴾ [النساء: ٩٠] بِألِفِ المُفاعَلَةِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ وطائِفَةٌ: (فَلَقَتَلُوكم) عَلى وزْنِ ضَرَبُوكم. وقَرَأ الحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ: فَلَقَتَّلُوكم بِالتَّشْدِيدِ، واللّامُ في (لَقاتَلُوكم) لامُ جَوابِ (لَوْ) لِأنَّ المَعْطُوفَ عَلى الجَوابِ جَوابٌ؛ كَما لَوْ قُلْتَ: لَوْ قامَ زَيْدٌ لَقامَ عَمْرٌو، ولَقامَ بَكْرٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: واللّامُ في لَسَلَّطَهم جَوابُ (لَوْ)، وفي ﴿فَلَقاتَلُوكُمْ﴾ [النساء: ٩٠] لامُ المُحاذاةِ والِازْدِواجِ؛ لِأنَّها بِمَثابَةِ الأُولى لَوْ لَمْ تَكُنِ الأُولى كُنْتَ تَقُولُ: لَقاتَلُوكم، انْتَهى. وتَسْمِيَتُهُ هَذِهِ اللّامَ لامَ المُحاذاةِ والِازْدِواجِ تَسْمِيَةٌ غَرِيبَةٌ، لَمْ أرَ ذَلِكَ إلّا في عِبارَةِ هَذا الرَّجُلِ وعِبارَةِ مَكِّيٍّ قَبْلَهُ.
النساء 4:90
﴿فَإنِ اعْتَزَلُوكم فَلَمْ يُقاتِلُوكم وألْقَوْا إلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكم عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ إذا كانَ المُسْتَثْنَوْنَ كُفّارًا؛ فالِاعْتِزالُ حَقِيقَةً لا يَتَهَيَّأُ إلّا في حالَةِ المُواجَهَةِ في الحَرْبِ كَأنَّهُ يَقُولُ: إذا اعْتَزَلُوكم بِانْفِرادِهِمْ عَنْ قَوْمِهِمُ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكم فَلا تَقْتُلُوهم. وقِيلَ أرادَ بِالِاعْتِزالِ هُنا المُهادَنَةَ. وسُمِّيَتِ اعْتِزالًا؛ لِأنَّها سَبَبُ الِاعْتِزالِ عَنِ القِتالِ. والسَّلَمُ هُنا الِانْقِيادُ؛ قالَهُ الحَسَنُ، أوِ الصُّلْحُ؛ قالَهُ الرَّبِيعُ ومُقاتِلٌ، أوِ الإسْلامُ قالَهُ الحَسَنُ أيْضًا. وأمّا عَلى مَن قالَ: إنَّ المُسْتَثْنَيْنَ مُؤْمِنُونَ، فالمَعْنى أنَّهم إذْ قَدِ اعْتَزَلُوكم، وأظْهَرُوا الإسْلامَ فاتْرُكُوهم؛ فَعَلى هَذا تَكُونُ في الَّذِينَ أسْلَمُوا ولَمْ يَسْتَحْكِمْ إيمانُهم والمَعْنى: سَبِيلًا إلى قَتْلِهِمْ ومُقاتَلَتِهِمْ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: السَّلْمُ بِسُكُونِ اللّامِ. وقَرَأ الحَسَنُ: بِكَسْرِ السِّينِ وسُكُونِ اللّامِ.
﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أنْ يَأْمَنُوكم ويَأْمَنُوا قَوْمَهم كُلَّما رُدُّوا إلى الفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها﴾ لَمّا ذَكَرَ صِفَةَ المُحِقِّينَ في المُتارَكَةِ المُجِدِّينَ في إلْقاءِ السَّلَمِ نَبَّهَ عَلى طائِفَةٍ أُخْرى مُخادِعَةٍ يُرِيدُونَ الإقامَةَ في مَواضِعِهِمْ مَعَ أهْلِيهِمْ يَقُولُونَ لَهم: نَحْنُ مَعَكم وعَلى دِينِكم، ويَقُولُونَ لِلْمُسْلِمِينَ كَذَلِكَ إذا وجَدُوا. قِيلَ كانَتْأسَدٌ وغَطَفانُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَنَزَلَتْ فِيهِمْ؛ قالَهُ مُقاتِلٌ. وقِيلَ نَزَلَتْ في نُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ الأشْجَعِيِّ كانَ يَنْقُلُ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ الأخْبارَ؛ قالَهُ السُّدِّيُّ. وقِيلَ في قَوْمٍ يَجِيئُونَ مِن مَكَّةَ إلى النَّبِيِّ ﷺ رِياءً، ويُظْهِرُونَ الإسْلامَ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ إلى قُرَيْشٍ يَكْفُرُونَ؛ (p-٣١٩)فَفَضَحَهُمُ اللَّهُ تَعالى، وأعْلَمَ أنَّهم لَيْسُوا عَلى صِفَةِ مَن تَقَدَّمَ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ إنَّهم مِن أهْلِ تِهامَةَ؛ قالَهُ قَتادَةُ. وقِيلَ إنَّهم مِنَ المُنافِقِينَ قالَهُ الحَسَنُ.
والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ: سَتَجِدُونَ آخَرِينَ أنَّهم قَوْمٌ غَيْرُ المُسْتَثْنَيْنَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ﴾ . وذَهَبَ قَوْمٌ: إلى أنَّها بِمَنزِلَةِ الآيَةِ الأُولى والقَوْمُ الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمْ هُمُ الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمُ الأُولى. وجاءَتْ مُؤَكِّدَةً لِمَعْنى الأُولى مُقَرِّرَةً لَها. والسِّينُ في ﴿سَتَجِدُونَ﴾ لَيْسَتْ لِلِاسْتِقْبالِ قالُوا: إنَّما هي دالَّةٌ عَلى اسْتِمْرارِهِمْ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ في الزَّمَنِ المُسْتَقْبَلِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ﴾ [البقرة: ١٤٢]، وما نَزَلَتْ إلّا بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ [البقرة: ١٤٢] فَدَخَلَتِ السِّينُ إشْعارًا بِالِاسْتِمْرارِ، انْتَهى. ولا تَحْرِيرَ في قَوْلِهِمْ: إنَّ السِّينَ لَيْسَتْ لِلِاسْتِقْبالِ، وإنَّما تُشْعِرُ بِالِاسْتِمْرارِ؛ بَلِ السِّينُ لِلِاسْتِقْبالِ، لَكِنْ لَيْسَ في ابْتِداءِ الفِعْلِ؛ لَكِنْ في اسْتِمْرارِهِ أنْ يَأْمَنُوكم؛ أيْ يَأْمَنُوا أذاكم، ويَأْمَنُوا أذى قَوْمِهِمْ. والفِتْنَةُ هُنا: المِحْنَةُ في إظْهارِ الكُفْرِ. ومَعْنى أُرْكِسُوا فِيها رَجَعُوا أقْبَحَ رُجُوعٍ وأشْنَعَهُ، وكانُوا شَرًّا فِيها مِن كُلِّ عَدُوٍّ. وحُكِيَ أنَّهم كانُوا يَرْجِعُونَ إلى قَوْمِهِمْ، فَيُقالُ لِأحَدِهِمْ: قُلْ رَبِّي الخُنْفُساءُ، ورَبِّي القِرَدَةُ، ورَبِّي العَقْرَبُ، ونَحْوَهُ فَيَقُولُها. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ: رِدُّوا بِكَسْرِ الرّاءِ، لَمّا أدْغَمَ نَقَلَ الكَسْرَةَ إلى الرّاءِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: رُكِسُوا بِضَمِّ الرّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ مُخَفَّفًا. وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ عَنْهُ: بِشَدِّ الكافِ.
﴿فَإنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكم ويُلْقُوا إلَيْكُمُ السَّلَمَ ويَكُفُّوا أيْدِيَهم فَخُذُوهم واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ أمَرَ تَعالى بِقَتْلِ هَؤُلاءِ في أيِّ مَكانٍ ظَفِرَ بِهِمْ، عَلى تَقْدِيرِ انْتِفاءِ الِاعْتِزالِ وإلْقاءِ السَّلَمِ، وكَفِّ الأيْدِي. ومَفْهُومُ الشَّرْطِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إذا وجَّهُوا الِاعْتِزالَ. وإلْقاءَ السَّلَمِ وكَفَّ الأيْدِي لَمْ يُؤْخَذُوا ولَمْ يُقْتَلُوا.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ الآيَةُ حَضٌّ عَلى قَتْلِ هَؤُلاءِ المُخادِعِينَ إذا لَمْ يَرْجِعُوا عَنْ حالِهِمْ إلى حالِ الآخَرِينَ المُعْتَزِلِينَ المُلْقِينَ لِلسَّلَمِ. وتَأمَّلْ فَصاحَةَ الكَلامِ في أنْ ساقَهُ في الصِّيغَةِ المُتَقَدِّمَةِ قَبْلَ هَذِهِ سِياقَ إيجابِ الِاعْتِزالِ، وإيجابِ إلْقاءِ السَّلَمِ ونَفْيِ المُقاتَلَةِ؛ إذْ كانُوا مُحِقِّينَ في ذَلِكَ مُعْتَقِدِينَ لَهُ. وسِياقُهُ في هَذِهِ الصِّيغَةِ المُتَأخِّرَةِ سِياقُ نَفْيِ الِاعْتِزالِ، ونَفْيِ إلْقاءِ السَّلَمِ؛ إذْ كانُوا مُبْطِلِينَ فِيهِ مُخادِعِينَ والحُكْمُ سَواءٌ عَلى السِّياقَيْنِ؛ لِأنَّ الَّذِينَ لَمْ يَجْعَلْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا لَوْ لَمْ يَعْتَزِلُوا؛ لَكانَ حُكْمُهم حُكْمَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ جُعِلَ عَلَيْهِمُ السُّلْطانُ المُبِينُ. وكَذَلِكَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ عَلَيْهِمُ السُّلْطانُ إذا لَمْ يَعْتَزِلُوا، لَوِ اعْتَزَلُوا كانَ حُكْمُهم حُكْمَ الَّذِينَ لا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ، ولَكِنَّهم بِهَذِهِ العِبارَةِ تَحْتَ القَتْلِ إنْ لَمْ يَعْتَزِلُوا، انْتَهى كَلامُهُ. وهو حَسَنٌ. ولَمّا كانَ أمْرُ الفِرْقَةِ الأُولى أخَفَّ رَتَّبَ تَعالى انْتِفاءَ جَعْلِ السَّبِيلِ عَلَيْهِمْ عَلى تَقْدِيرِ سَبَبَيْنِ: وُجُودُ الِاعْتِزالِ وإلْقاءُ السَّلَمِ. ولَمّا كانَ أمْرُ هَذِهِ الفِرْقَةِ المُخادِعَةِ أشَدَّ؛ رَتَّبَ أخْذَهم وقَتْلَهم عَلى وُجُودِ ثَلاثَةِ أشْياءَ: نَفْيُ الِاعْتِزالِ، ونَفْيُ إلْقاءِ السَّلَمِ، ونَفْيُ كَفِّ الأذى. كُلُّ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ في حَقِّهِمْ والتَّشْدِيدِ.
النساء 4:91
﴿فَإنِ اعْتَزَلُوكم فَلَمْ يُقاتِلُوكم وألْقَوْا إلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكم عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ إذا كانَ المُسْتَثْنَوْنَ كُفّارًا؛ فالِاعْتِزالُ حَقِيقَةً لا يَتَهَيَّأُ إلّا في حالَةِ المُواجَهَةِ في الحَرْبِ كَأنَّهُ يَقُولُ: إذا اعْتَزَلُوكم بِانْفِرادِهِمْ عَنْ قَوْمِهِمُ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكم فَلا تَقْتُلُوهم. وقِيلَ أرادَ بِالِاعْتِزالِ هُنا المُهادَنَةَ. وسُمِّيَتِ اعْتِزالًا؛ لِأنَّها سَبَبُ الِاعْتِزالِ عَنِ القِتالِ. والسَّلَمُ هُنا الِانْقِيادُ؛ قالَهُ الحَسَنُ، أوِ الصُّلْحُ؛ قالَهُ الرَّبِيعُ ومُقاتِلٌ، أوِ الإسْلامُ قالَهُ الحَسَنُ أيْضًا. وأمّا عَلى مَن قالَ: إنَّ المُسْتَثْنَيْنَ مُؤْمِنُونَ، فالمَعْنى أنَّهم إذْ قَدِ اعْتَزَلُوكم، وأظْهَرُوا الإسْلامَ فاتْرُكُوهم؛ فَعَلى هَذا تَكُونُ في الَّذِينَ أسْلَمُوا ولَمْ يَسْتَحْكِمْ إيمانُهم والمَعْنى: سَبِيلًا إلى قَتْلِهِمْ ومُقاتَلَتِهِمْ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: السَّلْمُ بِسُكُونِ اللّامِ. وقَرَأ الحَسَنُ: بِكَسْرِ السِّينِ وسُكُونِ اللّامِ.
﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أنْ يَأْمَنُوكم ويَأْمَنُوا قَوْمَهم كُلَّما رُدُّوا إلى الفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها﴾ لَمّا ذَكَرَ صِفَةَ المُحِقِّينَ في المُتارَكَةِ المُجِدِّينَ في إلْقاءِ السَّلَمِ نَبَّهَ عَلى طائِفَةٍ أُخْرى مُخادِعَةٍ يُرِيدُونَ الإقامَةَ في مَواضِعِهِمْ مَعَ أهْلِيهِمْ يَقُولُونَ لَهم: نَحْنُ مَعَكم وعَلى دِينِكم، ويَقُولُونَ لِلْمُسْلِمِينَ كَذَلِكَ إذا وجَدُوا. قِيلَ كانَتْأسَدٌ وغَطَفانُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَنَزَلَتْ فِيهِمْ؛ قالَهُ مُقاتِلٌ. وقِيلَ نَزَلَتْ في نُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ الأشْجَعِيِّ كانَ يَنْقُلُ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ الأخْبارَ؛ قالَهُ السُّدِّيُّ. وقِيلَ في قَوْمٍ يَجِيئُونَ مِن مَكَّةَ إلى النَّبِيِّ ﷺ رِياءً، ويُظْهِرُونَ الإسْلامَ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ إلى قُرَيْشٍ يَكْفُرُونَ؛ (p-٣١٩)فَفَضَحَهُمُ اللَّهُ تَعالى، وأعْلَمَ أنَّهم لَيْسُوا عَلى صِفَةِ مَن تَقَدَّمَ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ إنَّهم مِن أهْلِ تِهامَةَ؛ قالَهُ قَتادَةُ. وقِيلَ إنَّهم مِنَ المُنافِقِينَ قالَهُ الحَسَنُ.
والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ: سَتَجِدُونَ آخَرِينَ أنَّهم قَوْمٌ غَيْرُ المُسْتَثْنَيْنَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ﴾ . وذَهَبَ قَوْمٌ: إلى أنَّها بِمَنزِلَةِ الآيَةِ الأُولى والقَوْمُ الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمْ هُمُ الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمُ الأُولى. وجاءَتْ مُؤَكِّدَةً لِمَعْنى الأُولى مُقَرِّرَةً لَها. والسِّينُ في ﴿سَتَجِدُونَ﴾ لَيْسَتْ لِلِاسْتِقْبالِ قالُوا: إنَّما هي دالَّةٌ عَلى اسْتِمْرارِهِمْ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ في الزَّمَنِ المُسْتَقْبَلِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ﴾ [البقرة: ١٤٢]، وما نَزَلَتْ إلّا بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ [البقرة: ١٤٢] فَدَخَلَتِ السِّينُ إشْعارًا بِالِاسْتِمْرارِ، انْتَهى. ولا تَحْرِيرَ في قَوْلِهِمْ: إنَّ السِّينَ لَيْسَتْ لِلِاسْتِقْبالِ، وإنَّما تُشْعِرُ بِالِاسْتِمْرارِ؛ بَلِ السِّينُ لِلِاسْتِقْبالِ، لَكِنْ لَيْسَ في ابْتِداءِ الفِعْلِ؛ لَكِنْ في اسْتِمْرارِهِ أنْ يَأْمَنُوكم؛ أيْ يَأْمَنُوا أذاكم، ويَأْمَنُوا أذى قَوْمِهِمْ. والفِتْنَةُ هُنا: المِحْنَةُ في إظْهارِ الكُفْرِ. ومَعْنى أُرْكِسُوا فِيها رَجَعُوا أقْبَحَ رُجُوعٍ وأشْنَعَهُ، وكانُوا شَرًّا فِيها مِن كُلِّ عَدُوٍّ. وحُكِيَ أنَّهم كانُوا يَرْجِعُونَ إلى قَوْمِهِمْ، فَيُقالُ لِأحَدِهِمْ: قُلْ رَبِّي الخُنْفُساءُ، ورَبِّي القِرَدَةُ، ورَبِّي العَقْرَبُ، ونَحْوَهُ فَيَقُولُها. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ: رِدُّوا بِكَسْرِ الرّاءِ، لَمّا أدْغَمَ نَقَلَ الكَسْرَةَ إلى الرّاءِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: رُكِسُوا بِضَمِّ الرّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ مُخَفَّفًا. وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ عَنْهُ: بِشَدِّ الكافِ.
﴿فَإنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكم ويُلْقُوا إلَيْكُمُ السَّلَمَ ويَكُفُّوا أيْدِيَهم فَخُذُوهم واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ أمَرَ تَعالى بِقَتْلِ هَؤُلاءِ في أيِّ مَكانٍ ظَفِرَ بِهِمْ، عَلى تَقْدِيرِ انْتِفاءِ الِاعْتِزالِ وإلْقاءِ السَّلَمِ، وكَفِّ الأيْدِي. ومَفْهُومُ الشَّرْطِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إذا وجَّهُوا الِاعْتِزالَ. وإلْقاءَ السَّلَمِ وكَفَّ الأيْدِي لَمْ يُؤْخَذُوا ولَمْ يُقْتَلُوا.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ الآيَةُ حَضٌّ عَلى قَتْلِ هَؤُلاءِ المُخادِعِينَ إذا لَمْ يَرْجِعُوا عَنْ حالِهِمْ إلى حالِ الآخَرِينَ المُعْتَزِلِينَ المُلْقِينَ لِلسَّلَمِ. وتَأمَّلْ فَصاحَةَ الكَلامِ في أنْ ساقَهُ في الصِّيغَةِ المُتَقَدِّمَةِ قَبْلَ هَذِهِ سِياقَ إيجابِ الِاعْتِزالِ، وإيجابِ إلْقاءِ السَّلَمِ ونَفْيِ المُقاتَلَةِ؛ إذْ كانُوا مُحِقِّينَ في ذَلِكَ مُعْتَقِدِينَ لَهُ. وسِياقُهُ في هَذِهِ الصِّيغَةِ المُتَأخِّرَةِ سِياقُ نَفْيِ الِاعْتِزالِ، ونَفْيِ إلْقاءِ السَّلَمِ؛ إذْ كانُوا مُبْطِلِينَ فِيهِ مُخادِعِينَ والحُكْمُ سَواءٌ عَلى السِّياقَيْنِ؛ لِأنَّ الَّذِينَ لَمْ يَجْعَلْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا لَوْ لَمْ يَعْتَزِلُوا؛ لَكانَ حُكْمُهم حُكْمَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ جُعِلَ عَلَيْهِمُ السُّلْطانُ المُبِينُ. وكَذَلِكَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ عَلَيْهِمُ السُّلْطانُ إذا لَمْ يَعْتَزِلُوا، لَوِ اعْتَزَلُوا كانَ حُكْمُهم حُكْمَ الَّذِينَ لا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ، ولَكِنَّهم بِهَذِهِ العِبارَةِ تَحْتَ القَتْلِ إنْ لَمْ يَعْتَزِلُوا، انْتَهى كَلامُهُ. وهو حَسَنٌ. ولَمّا كانَ أمْرُ الفِرْقَةِ الأُولى أخَفَّ رَتَّبَ تَعالى انْتِفاءَ جَعْلِ السَّبِيلِ عَلَيْهِمْ عَلى تَقْدِيرِ سَبَبَيْنِ: وُجُودُ الِاعْتِزالِ وإلْقاءُ السَّلَمِ. ولَمّا كانَ أمْرُ هَذِهِ الفِرْقَةِ المُخادِعَةِ أشَدَّ؛ رَتَّبَ أخْذَهم وقَتْلَهم عَلى وُجُودِ ثَلاثَةِ أشْياءَ: نَفْيُ الِاعْتِزالِ، ونَفْيُ إلْقاءِ السَّلَمِ، ونَفْيُ كَفِّ الأذى. كُلُّ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ في حَقِّهِمْ والتَّشْدِيدِ.
النساء 4:92
﴿وأُولَئِكم جَعَلْنا لَكم عَلَيْهِمْ سُلْطانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ٩١]؛ أيْ عَلى أخْذِهِمْ وقَتْلِهِمْ حُجَّةً واضِحَةً؛ وذَلِكَ لِظُهُورِ عَداوَتِهِمْ وانْكِشافِ حالِهِمْ في الكُفْرِ والغَدْرِ وإضْرارِهِمْ بِأهْلِ الإسْلامِ، أوْ حُجَّةً ظاهِرَةً حَيْثُ أذِنّا لَكم في قَتْلِهِمْ. قالَ عِكْرِمَةُ: حَيْثُما وقَعَ السُّلْطانُ في كِتابِ اللَّهِ فالمُرادُ بِهِ الحُجَّةُ.
﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلّا خَطَأً﴾ رُوِيَ «أنَّ عَيّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ، وكانَ أخا أبِي جَهْلٍ لِأُمِّهِ؛ أسْلَمَ وهاجَرَ خَوْفًا مِن قَوْمِهِ إلى المَدِينَةِ، وذَلِكَ قَبْلَ هِجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأقْسَمَتْ أُمُّهُ لا تَأْكُلُ ولا تَشْرَبُ ولا يُؤْوِيها سَقْفٌ حَتّى يَرْجِعَ؛ فَخَرَجَ أبُو جَهْلٍ ومَعَهُ الحارِثُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أبِي أُنَيْسَةَ؛ فَأتَياهُ وهو في أُطُمٍ؛ فَفَتَكَ مِنهُ أبُو جَهْلٍ في الزَّرُودِ والغارِبِ، وقالَ: ألَيْسَ مُحَمَّدٌ يَحُثُّكَ عَلى صِلَةِ الرَّحِمِ ؟ انْصَرِفْ وبِرَّ أُمَّكَ، وأنْتَ عَلى دِينِكَ؛ حَتّى نَزَلَ وذَهَبَ مَعَهُما؛ فَلَمّا أبْعَدا عَنِ المَدِينَةِ كَتَّفاهُ وجَلَدَهُ كُلُّ واحِدٍ مِائَةَ جَلْدَةٍ؛ فَقالَ لِلْحارِثِ: هَذا أخِي فَمَن أنْتَ يا حارِثُ للَّهِ عَلَيَّ إنْ وجَدْتُكَ خالِيًا أنْ أقْتُلَكَ. وقَدِما بِهِ عَلى أُمِّهِ فَحَلَفَتْ لا تُحَلُّ كِتافُهُ أوْ يَرْتَدَّ؛ فَفَعَلَ. (p-٣٢٠)ثُمَّ هاجَرَ بَعْدَ ذَلِكَ، وأسْلَمَ الحارِثُ وهاجَرَ فَلَقِيَهُ عَيّاشٌ بِظَهْرِ قُباءَ، ولَمْ يَشْعُرْ بِإسْلامِهِ، فَأنْحى عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ أُخْبِرَ بِإسْلامِهِ، فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: قَتَلْتُهُ ولَمْ أشْعُرْ بِإسْلامِهِ؛ فَنَزَلَتْ» . وقِيلَ نَزَلَتْ في رَجُلٍ كانَ يَرْعى غَنَمًا؛ فَقَتَلَهُ في بَعْضِ السَّرايا أبُو الدَّرْداءِ وهو يَتَشَهَّدُ، وساقَ غَنَمَهُ، فَعَنَّفَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَتْ. وقِيلَ نَزَلَتْ في أبِي حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ حِينَ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ خَطَأً. وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، انْتَهى.
ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها: أنَّهُ تَعالى لَمّا رَغَّبَ في مُقاتَلَةِ الكُفّارِ؛ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ما يَتَعَلَّقُ بِالمُحارَبَةِ، ومِنها أنْ يَظُنَّ رَجُلًا حَرْبِيًّا، وهو مُسْلِمٌ فَيَقْتُلَهُ. وهَذا التَّرْكِيبُ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها إلّا خائِفِينَ﴾ [البقرة: ١١٤]، وفي قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران: ١٦١]، وكانَ يُغْنِي الكَلامُ هُناكَ عَنِ الكَلامِ هُنا، ولَكِنْ رَأيْنا جَمْعَ ما قالَهُ مَن وقَفْنا عَلى كَلامِهِ مِنَ المُفَسِّرِينَ هُنا.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ما كانَ لِمُؤْمِنٍ: ما صَلُحَ لَهُ، ولا اسْتَقامَ ولا لاقَ بِحالِهِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران: ١٦١]، وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ، أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا ابْتِداءً غَيْرَ قِصاصٍ إلّا خَطَأً عَلى وجْهِ الخَطَأِ. فَإنْ قُلْتَ: بِما انْتَصَبَ خَطَأٌ ؟ قُلْتُ: بِأنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ؛ أيْ ما يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَقْتُلَهُ لِعِلَّةٍ مِنَ العِلَلِ إلّا لِلْخَطَأِ وحْدَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا بِمَعْنى: لا يَقْتُلُهُ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا في حالِ الخَطَأِ، وأنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ؛ أيْ إلّا قَتْلًا خَطَأً.
والمَعْنى: أنَّ مِن شَأْنِ المُؤْمِنِ أنْ تَنْتَفِيَ عَنْهُ وُجُوهُ قَتْلِ المُؤْمِنِ ابْتِداءً البَتَّةَ؛ إلّا إذا وُجِدَ مِنهُ خَطَأٌ مِن غَيْرِ قَصْدٍ بِأنْ يَرْمِيَ كافِرًا فَيُصِيبَ مُسْلِمًا، أوْ يَرْمِيَ شَخْصًا عَلى أنَّهُ كافِرٌ فَإذا هو مُسْلِمٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قالَ جُمْهُورُ أهْلِ التَّفْسِيرِ: ما كانَ في إذَنْ اللَّهِ، ولا في أمْرِهِ لِلْمُؤْمِنِ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا بِوَجْهٍ، ثُمَّ اسْتَثْنى اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، وهو الَّذِي يَكُونُ فِيهِ إلّا بِمَعْنى (لَكِنْ) والتَّقْدِيرُ: ولَكِنَّ الخَطَأ قَدْ يَقَعُ، ويَتَّجِهُ وجْهًا آخَرَ؛ وهو أنْ تُقَدَّرَ كانَ بِمَعْنى اسْتَقَرَّ ووُجِدَ. كَأنَّهُ قالَ: وما وُجِدَ ولا تَقَرَّرَ، ولا ساغَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلّا خَطَأً إذْ هو مَغْلُوبٌ فِيهِ أحْيانًا؛ فَيَجِيءُ الِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا غَيْرَ مُنْقَطِعٍ، وتَتَضَمَّنُ الآيَةُ عَلى هَذا إعْظامَ العَهْدِ وبَشاعَةَ شَأْنِهِ كَما تَقُولُ: ما كانَ لَكَ يا فُلانُ أنْ تَتَكَلَّمَ بِهَذا إلّا ناسِيًا إعْظامًا لِلْعَمْدِ والقَصْدِ، مَعَ حَظْرِ الكَلامِ بِهِ البَتَّةَ.
وقالَ الرّاغِبُ: إنْ قِيلَ أيَجُوزُ أنْ يُقْتَلَ المُؤْمِنُ خَطَأً حَتّى يُقالَ: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلّا خَطَأً﴾، قِيلَ قَوْلُكَ يَجُوزُ أوْ لا يَجُوزُ ؟ إنَّما يُقالُ في الأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ المَقْصُودَةِ؛ فَأمّا الخَطَأُ فَلا يُقالُ فِيهِ ذَلِكَ، وما كانَ لَكَ أنْ تَفْعَلَ كَذا وما كُنْتَ لِتَفْعَلَ كَذا مُتَقارِبانِ، وهُما لا يُقالانِ بِمَعْنًى؛ وإنْ كانَ أكْثَرُ ما يُقالُ الأوَّلَ لَمّا كانَ الإحْجامُ عَنْهُ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ؛ أيْ ما كانَ المُؤْمِنُ لِيَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلّا خَطَأً؛ ولِهَذا المَعْنى أرادَ مَن قالَ مَعْناهُ: ما يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا؛ لَكِنْ يَقَعُ ذَلِكَ مِنهُ خَطَأً. وكَذا مَن قالَ: لَيْسَ في حُكْمِ اللَّهِ أنْ يُقْتَلَ المُؤْمِنُ إلّا خَطَأً. وقالَ الأصَمُّ: مَعْناهُ لَيْسَ القَتْلُ لِمُؤْمِنٍ بِمَتْرُوكٍ أنْ يَقْتَضِيَ لَهُ؛ إلّا أنْ يَكُونَ قَتْلُهُ خَطَأً.
وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: وما كانَ؛ أيْ فِيما آتاهُ اللَّهُ أوْ عَهِدَ إلَيْهِ، أوْ ما كانَ لَهُ في شَيْءٍ مِنَ الأزْمِنَةِ ذَلِكَ والغَرَضُ مِنهُ بَيانُ أنَّ حُرْمَةَ القَتْلِ كانَتْ ثابِتَةً مِن أوَّلِ زَمانِ التَّكْلِيفِ. وقالَ أبُو هاشِمٍ: تَقْدِيرُ الآيَةِ؛ وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا ويَبْقى مُؤْمِنًا إلّا أنْ يَقْتُلَهُ خَطَأً؛ فَيَبْقى حِينَئِذٍ مُؤْمِنًا، وهَذا الَّذِي قالَهُ أبُو هاشِمٍ قالَهُ السُّدِّيُّ. قالَ السُّدِّيُّ: قَتْلُ المُؤْمِنِ المُؤْمِنَ يُخْرِجُهُ عَنْ أنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا؛ إلّا أنْ يَكُونَ خَطَأً، ولَيْسَ هَذا مُعْتَقَدَ أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ. وقِيلَ هو نَفْيُ جَوازِ قَتْلِ المُؤْمِنِ؛ ومَعْناهُ: النَّهْيُ، وأفادَ دُخُولُ كانَ أنَّهُ لَمْ يَزَلْ حُكْمَ اللَّهِ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: الإشْكالُ أنَّ اللَّهَ تَعالى نَهى المُؤْمِنَ عَنِ القَتْلِ مُطْلَقًا، واسْتَثْنى الخَطَأ والِاسْتِثْناءُ مِنَ النَّفْيِ إثْباتٌ، ومِنَ التَّحْرِيمِ إباحَةٌ. وقَتْلُ الخَطَأِ لَيْسَ بِمُباحٍ بِالإجْماعِ؛ وفي كَوْنِهِ حَرامًا كَلامٌ، انْتَهى.
ومُلَخَّصُ ما بُنِيَ عَلى هَذا أنَّهُ إنْ كانَ نَفْيًا، وأُرِيدَ بِهِ مَعْنى النَّهْيِ كانَ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا؛ إذْ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ المَعْنى: (p-٣٢١)إلّا خَطَأً فَلَهُ قَتْلُهُ. وإنْ كانَ نَفْيًا أُرِيدَ بِهِ التَّحْرِيمُ؛ فَيَكُونُ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا؛ إذْ يَصِيرُ المَعْنى: إلّا خَطَأً بِأنْ عَرَفَهُ كافِرًا فَقَتَلَهُ، وكَشَفَ الغَيْبُ أنَّهُ كانَ مُؤْمِنًا؛ فَيَكُونُ قَدْ أُبِيحَ الإقْدامُ عَلى قَتْلِ الكَفَرَةِ؛ وإنْ كانَ فِيهِمْ مَن أسْلَمَ؛ إذا لَمْ يَعْلَمْ بِهِمْ؛ فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مِنَ الحَظْرِ إباحَةً. وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: المَعْنى، وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا عَمْدًا ولا خَطَأً فَيَكُونُ إلّا بِمَعْنى (ولا) . وأنْكَرَ الفَرّاءُ هَذا القَوْلَ، وقالَ: مِثْلُ هَذا لا يَجُوزُ؛ إلّا إذا تَقَدَّمَ اسْتِثْناءٌ آخَرُ، ويَكُونُ الثّانِي عَطْفَ اسْتِثْناءٍ عَلى اسْتِثْناءٍ، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎ما بِالمَدِينَةِ دارٌ غَيْرَ واحِدَةٍ دارُ الخَلِيفَةِ إلّا دارَ مَرْوانا
ورَوى أبُو عُبَيْدَةَ عَنْ يُونُسَ أنَّهُ سَألَ رُؤْبَةَ بْنَ العَجّاجِ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: لَيْسَ لَهُ أنْ يَقْتُلَهُ عَمْدًا ولا خَطَأً؛ ولَكِنَّهُ أقامَ (إلّا) مَقامَ الواوِ، وهو كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎وكُلُّ أخٍ مُفارِقُهُ أخُوهُ ∗∗∗ لَعَمْرُ أبِيكِ إلّا الفَرْقَدانِ
والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ قَوْلَهُ: إلّا خَطَأً اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ مِنهم: أبانُ بْنُ تَغْلِبَ. والمَعْنى: لَكِنَّ المُؤْمِنَ قَدْ يَقْتُلُ المُؤْمِنَ خَطَأً والقَتْلُ عِنْدَ مالِكٍ عَمْدٌ وخَطَأٌ؛ فَيُقادُ بِاللَّطْمَةِ والعَضَّةِ، وضَرْبِ السَّوْطِ مِمّا لا يَقْتُلُ غالِبًا. وعِنْدَ الشّافِعِيِّ: عَمْدٌ، وشِبْهُ عَمْدٍ. ولا قِصاصَ في شِبْهِ العَمْدِ ولا الخَطَأِ. وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ: عَمْدٌ وخَطَأٌ وشِبْهُ عَمْدٍ وما لَيْسَ بِخَطَأٍ ولا عَمْدٍ ولا شِبْهِ عَمْدٍ. والخَطَأُ ضَرْبانِ: أنْ يَقْصِدَ رَمْيَ مُشْرِكٍ أوْ طائِرٍ فَيُصِيبَ مُسْلِمًا، أوْ يَظُنَّهُ مُشْرِكًا؛ لِكَوْنِهِ عَلَيْهِ سِيما أهْلِ الشِّرْكِ، أوْ في حَيِّزِهِمْ. وشِبْهُ العَمْدِ ما يُعْمَدُ بِما لا يَقْتُلُ غالِبًا مِن حَجَرٍ أوْ عَصًا، وما لَيْسَ بِخَطَأٍ ولا عَمْدٍ ولا شِبْهِ عَمْدٍ قَتْلُ السّاهِي والنّائِمِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ خَطّاءً عَلى وزْنِ بَنّاءٍ. وقَرَأ الحَسَنُ والأعْمَشُ: عَلى وزْنِ سَماءٍ مَمْدُودًا. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: عَلى وزْنِ عَصًا مَقْصُورًا؛ لِكَوْنِهِ خَفَّفَ الهَمْزَةَ بِإبْدالِها ألِفًا أوْ إلْحاقًا بِدَمٍ، أوْ حَذَفَ الهَمْزَةَ حَذْفًا كَما حَذَفَ لامَ (دَمٍ) . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وُجُوهُ الخَطَأِ كَثِيرَةٌ، ومَرْبِطُها عَدَمُ القَصْدِ.
﴿ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ودِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ إلّا أنْ يَصَّدَّقُوا﴾ التَّحْرِيرُ: الإعْتاقُ، والعَتِيقُ: الكَرِيمُ؛ لِأنَّ الكَرَمَ في الأحْرارِ كَما أنَّ اللُّؤْمَ في العَبِيدِ. ومِنهُ عِتاقُ الطَّيْرِ، وعِتاقُ الخَيْلِ لِكِرامِها. وحُرُّ الوَجْهِ أكْرَمُ مَوْضِعٍ (p-٣٢٢)مِنهُ والرَّقَبَةُ عُبِّرَ بِها عَنِ النَّسَمَةِ؛ كَما عُبِّرَ عَنْها بِالرَّأْسِ في قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَمْلِكُ كَذا رَأْسًا مِنَ الرَّقِيقِ. والظّاهِرُ أنَّ كُلَّ رَقَبَةٍ اتَّصَفَتْ بِأنْ يُحْكَمَ لَها بِالإيمانِ مُنْتَظِمٌ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾، انْتِظامَ عُمُومِ البَدَلِ؛ فَيَنْدَرِجُ فِيها مَن وُلِدَ بَيْنَ مُسْلِمَيْنِ، ومَن أحَدُ أبَوَيْهِ مُسْلِمٌ؛ صَغِيرًا كانَ أوْ كَبِيرًا، ومَن سَباهُ مُسْلِمٌ مِن دارِ الحَرْبِ قَبْلَ البُلُوغِ.
وقالَ إبْراهِيمُ: لا يُجْزِئُ إلّا البالِغُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، وقَتادَةُ وغَيْرُهم: لا يُجْزِئُ إلّا الَّتِي صامَتْ وعَقَلَتِ الأيْمانَ، لا يُجْزِئُ في ذَلِكَ الصَّغِيرَةُ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ، والأوْزاعِيُّ، ومالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وأبُو يُوسُفَ، ومُحَمَّدُ بْنُ زِيادٍ وزُفَرُ: يُجْزِئُ في كَفّارَةِ القَتْلِ الصَّبِيُّ إذا كانَ أحَدُ أبَوَيْهِ مُسْلِمًا. وقالَ عَطاءٌ: يُجْزِئُ الصَّغِيرُ المَوْلُودُ بَيْنَ المُسْلِمَيْنِ. وقالَ مالِكٌ: مَن صَلّى وصامَ أحَبُّ إلَيَّ، ولا خِلافَ أنَّ قَوْلَهُ: ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا؛ يَنْتَظِمُ الصَّغِيرَ والكَبِيرَ؛ وكَذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ في ”فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ“ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ عَلى أنَّ النّاقِصَ النُّقْصانَ الكَبِيرَ كَقَطْعِ اليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ والأعْمى لا يُجْزِئُ فِيما حَفِظْتُ؛ فَإنْ كانَ يَسِيرًا يُمْكِنُ مَعَهُ المَعِيشَةُ والتَّحَرُّفُ كالعَرَجِ ونَحْوِهِ؛ فَفِيهِ قَوْلانِ. وقالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: لا خِلافَ بَيْنَ الأُمَّةِ أنَّهُ لا يُجْزِئُ في الكَفّارَةِ أعْمى ولا مُقْعَدٌ ولا مَقْطُوعُ اليَدَيْنِ أوِ الرِّجْلَيْنِ، ولا أشَلُّهُما، واخْتَلَفُوا في الأعْرَجِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ: يُجْزِئُ مَقْطُوعُ إحْدى اليَدَيْنِ أوِ الرِّجْلَيْنِ. وقالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ والأكْثَرُونَ: لا يُجْزِئُ عِنْدَ أكْثَرِهِمُ المَجْنُونُ المُطْبَقُ، ولا عِنْدَ مالِكٍ الَّذِي يُجَنُّ ويُفِيقُ، ولا المُعْتَقُ إلى سِنِينَ، ويُجْزِئانِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ. ولا يُجْزِئُ المُدَبَّرُ عِنْدَ مالِكٍ، والأوْزاعِيِّ، وأصْحابِ الرَّأْيِ، ويُجْزِئُ في قَوْلِ الشّافِعِيِّ وأبِي ثَوْرٍ، واخْتارَهُ ابْنُ المُنْذِرِ. وقالَ مالِكٌ: لا يَصِحُّ مَن أُعْتِقَ بَعْضُهُ. واخْتَلَفُوا في سَبَبِ وُجُوبِ الكَفّارَةِ في قَتْلِ الخَطَأِ. فَقِيلَ تَمْحِيصًا، وطُهْرًا لذَنْبِ القاتِلِ؛ حَيْثُ تَرَكَ الِاحْتِياطَ والتَّحَفُّظَ حَتّى هَلَكَ عَلى يَدَيْهِ امْرُؤٌ مَحْقُونُ الدَّمِ. وقِيلَ لَمّا أخْرَجَ نَفْسًا مُؤْمِنَةً عَنْ جُمْلَةِ الأحْياءِ لَزِمَهُ أنْ يُدْخِلَ نَفْسًا مِثْلَها في جُمْلَةِ الأحْرارِ؛ لِأنَّ إطْلاقَها مِن قَيْدِ الرِّقِّ حَياتُها مِن قِبَلِ أنَّ الرَّقِيقَ مَمْنُوعٌ مِن تَصَرُّفِ الأحْرارِ.
والظّاهِرُ أنَّ وُجُوبَ التَّحْرِيرِ والدِّيَةِ عَلى القاتِلِ؛ لِأنَّهُ مُسْتَقِرٌّ في الكِتابِ والسُّنَّةِ: أنَّ مَن فَعَلَ شَيْئًا يَلْزَمُ فِيهِ أمْرٌ مِنَ الغَراماتِ مِثْلَ الكَفّاراتِ؛ إنَّما يَجِبُ ذَلِكَ عَلى فاعِلِهِ. فَأمّا التَّحْرِيرُ فَفي مالِ القاتِلِ. وأمّا الدِّيَةُ فَعَلى العاقِلَةِ كُلِّها في قَوْلِ طائِفَةٍ مِنهُمُ: الأوْزاعِيُّ والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ. وما جاوَزَ الثُّلُثَ في قَوْلِ الجُمْهُورِ أبِي حَنِيفَةَ ومالِكٍ والشّافِعِيِّ واللَّيْثِ وابْنِ شُبْرُمَةَ وغَيْرِهِمْ. وأمّا الثُّلُثُ فَفي مالِ الجانِي، ولَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمْ إلّا عَلى سَبِيلِ المُواساةِ. وهي خِلافُ قِياسِ الأُصُولِ في الغَراماتِ والمُتْلَفاتِ. والدِّيَةُ كانَتْ مُسْتَقِرَّةً في الجاهِلِيَّةِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎نَأْسُوا بِأمْوالِنا آثارَ أيْدِينا
ولَمْ تَتَعَرَّضِ الآيَةُ لِمِقْدارِ ما يُعْطى في الدِّيَةِ، ولا مِن أيِّ شَيْءٍ تَكُونُ. فَذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ: إلى أنَّها مِنَ الإبِلِ مِائَةٌ عَلى ما يَأْتِي تَفْصِيلُها والدَّنانِيرُ والدَّراهِمُ ألْفُ دِينارٍ، أوْ عَشَرَةُ آلافِ دِرْهَمٍ. وقالَ أبُو يُوسُفَ، ومُحَمَّدٌ: ومِنَ البَقَرِ والشّاةِ والحُلَلِ، وبِهِ قالَتْ طائِفَةٌ مِنَ التّابِعِينَ، وهو قَوْلُ الفُقَهاءِ السَّبْعَةِ المَدَنِيِّينَ. فَمِنَ البَقَرِ مِائَتا بَقَرَةٍ، ومِنَ الشّاةِ ألْفُ شاةٍ، ومِنَ الحُلَلِ مِائَتا حُلَّةٍ، وذَلِكَ فِعْلُ عُمَرَ. وجَعَلَهُ عَلى كُلِّ أهْلِ صِنْفٍ مِن ذَلِكَ ما ذَكَرَ.
وقالَ مالِكٌ: أهْلُ الذَّهَبِ أهْلُ الشّامِ ومِصْرَ، وأهْلُ الوَرِقِ أهْلُ العِراقِ، وأهْلُ الإبِلِ أهْلُ البَوادِي، فَلا يُقْبَلُ مِن أهْلِ الإبِلِ إلّا الإبِلُ، ولا مِن أهْلِ الذَّهَبِ إلّا الذَّهَبُ، ولا مِن أهْلِ الوَرِقِ إلّا الوَرَقُ. وقالَتْ طائِفَةٌ مِنهم طاوُسُ والشّافِعِيُّ: هي مِائَةٌ مِنَ الإبِلِ لا غَيْرُ. قالَ الشّافِعِيُّ: والدَّراهِمُ والدَّنانِيرُ بَدَلٌ عَنْها إذا عُدِمَتْ، ولَهُ قَوْلٌ آخَرُ: إنَّهُ يَجِبُ اثْنا عَشَرَ ألْفَ دِرْهَمٍ، أوْ ألْفُ دِينارٍ. قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: أجْمَعَ فُقَهاءُ الأمْصارِ أبُو حَنِيفَةَ والشّافِعِيُّ، ومالِكٌ أنَّ دِيَةَ الخَطَأِ أخْماسٌ، واخْتَلَفُوا في الأسْنانِ. فَقالَ أصْحابُنا جَمِيعًا: (p-٣٢٣)عِشْرُونَ بَنِي مَخاضٍ، وعِشْرُونَ بَناتِ لَبُونٍ، وعِشْرُونَ حِقَّةً، وعِشْرُونَ جَذَعَةً، وهو مَذْهَبُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وبِهِ قالَ أحْمَدُ. وقالَ مالِكٌ: عِشْرُونَ حِقاقًا، وعِشْرُونَ جِذاعًا، وعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وعِشْرُونَ ابْنَ لَبُونٍ، وعِشْرُونَ بِنْتَ مَخاضٍ. وحُكِيَ هَذا عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، وسُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ والزُّهْرِيِّ ورَبِيعَةَ واللَّيْثِ.
وقالَ الشّافِعِيُّ: الدِّيَةُ قِسْمانِ؛ مُغَلَّظَةٌ أثْلاثًا؛ ثَلاثُونَ حِقَّةً، وثَلاثُونَ جَذْعَةً، وأرْبَعُونَ خَلِفَةً في بُطُونِها أوْلادُها، ومُخَفَّفَةٌ أخْماسًا كَقَوْلِ مالِكٍ. ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ أنَّ دِيَةَ الخَطَأِ أرْبَعٌ؛ خَمْسٌ وعِشْرُونَ حِقَّةً، وخَمْسٌ وعِشْرُونَ جَذْعَةً، وخَمْسٌ وعِشْرُونَ بِنْتَ مَخاضٍ، وخَمْسٌ وعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ مِثْلَ أسْنانِ الذُّكُورِ. وقالَ عُمَرُ، وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: في الخَطَأِ ثَلاثُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وثَلاثُونَ جَذَعَةً، وعِشْرُونَ ابْنَ لَبُونٍ، وعِشْرُونَ بِنْتَ مَخاضٍ. ورُوِيَ عَنْهُما مَكانَ الجِذاعِ الحِقّاتُ.
والظّاهِرُ أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ القَتْلِ خَطَأً في الحَرَمِ، وفي شَهْرٍ حَرامٍ وبَيْنَهُ في الحِلِّ، وفي شَهْرٍ غَيْرِ حَرامٍ. وسُئِلَ الأوْزاعِيُّ عَنِ القَتْلِ في الشَّهْرِ الحَرامِ، أوْ في الحَرَمِ هَلْ تُغَلَّظُ فِيهِ الدِّيَةُ ؟ فَقالَ: بَلَغَنا أنَّهُ إذا قَتَلَ في الشَّهْرِ الحَرامِ أوْ في الحَرَمِ زِيدَ عَلى القاتِلِ الثُّلُثُ، ويُزادُ في شِبْهِ العَمْدِ في أسْنانِ الإبِلِ.
وأمّا مَنِ العاقِلَةِ فَقِيلَ هُمُ العَصَباتُ الأرْبَعَةُ: الأبُ، والجَدُّ وإنْ عَلا، والِابْنُ، وابْنُ الِابْنِ، وإنْ سَفُلَ. وهو قَوْلُ مالِكٍ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ: هم أهْلُ دِيوانِهِ دُونَ أقْرِبائِهِ؛ فَإنْ لَمْ يَكُنِ القاتِلُ مِن أهْلِ الدِّيوانِ فُرِضَتْ عَلى عاقِلَتِهِ الأقْرَبَ فالأقْرَبَ، ويُضَمُّ إلَيْهِمُ القَبائِلُ في النَّسَبِ. وقالَ الشّافِعِيُّ فِيما رَوى عَنْهُ المُزَنِيُّ في مُخْتَصَرِهِ: العَقْلُ عَلى ذَوِي الأنْسابِ دُونَ أهْلِ الدِّيوانِ والحُلَفاءِ، عَلى الأقْرَبِ فالأقْرَبِ مِن بَنِي أبِيهِ ثُمَّ جَدِّهِ، ثُمَّ بَنِي جَدِّ أبِيهِ.
وأمّا المُدَّةُ الَّتِي تُؤَدّى فِيها الدِّيَةُ فَقَدِ انْعَقَدَ الإجْماعُ ووَرَدَتْ بِهِ الأحادِيثُ الصِّحاحُ: أنَّها تَتَأدّى في ثَلاثِ سِنِينَ، وفي الدِّيَةِ والعاقِلَةِ أحْكامٌ كَثِيرَةٌ تَعَرَّضَ لَها بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، وهي مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ الفِقْهِ.
ومَعْنى ﴿مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ﴾ أيْ مُؤَدّاةٌ مَدْفُوعَةٌ إلى أهْلِ المَقْتُولِ؛ أيْ أوْلِيائِهِ الَّذِينَ يَرِثُونَهُ يَقْتَسِمُونَها كالمِيراثِ، لا فَرْقَ بَيْنَها وبَيْنَ سائِرِ التَّرِكَةِ في كُلِّ شَيْءٍ يُقْضى مِنها الدَّيْنُ، وتُنَفَّذُ الوَصِيَّةُ. وإذا لَمْ يَكُنْ وارِثٌ فَهي لِبَيْتِ المالِ. وقالَ شَرِيكٌ: لا يُقْضى مِنَ الدِّيَةِ دَيْنٌ، ولا تُنَفَّذُ مِنها وصِيَّةٌ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَرِثُ كُلُّ وارِثٍ مِنها غَيْرَ القاتِلِ؛ ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يَصَّدَّقُوا﴾؛ أيَ إلّا أنْ يَعْفُوَ وُرّاثُهُ عَنِ الدِّيَةِ فَلا دِيَةَ. وجاءَ بِلَفْظِ التَّصَدُّقِ تَنْبِيهًا عَلى فَضِيلَةِ العَفْوِ وحَضًّا عَلَيْهِ، وأنَّهُ جارٍ مَجْرى الصَّدَقَةِ، واسْتِحْقاقِ الثَّوابِ الآجِلِ بِهِ دُونَ طَلَبِ العَرَضِ العاجِلِ، وهَذا حُكْمُ مَن قُتِلَ في دارِ الإسْلامِ خَطَأً. وفي قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يَصَّدَّقُوا﴾ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ البَراءَةِ مِنَ الدَّيْنِ بِلَفْظِ الصَّدَقَةِ، ودَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا يُشْتَرَطُ القَبُولُ في الإبْراءِ خِلافًا لِزُفَرَ؛ فَإنَّهُ قالَ: لا يَبْرَأُ الغَرِيمُ مِنَ الدَّيْنِ إلّا أنْ يَقْبَلَ البَراءَةَ. والظّاهِرُ أنَّ الجَماعَةَ إذا اشْتَرَكُوا في قَتْلِ رَجُلٍ خَطَأً أنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ إلّا كَفّارَةٌ واحِدَةٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ومَن قَتَلَ، وتَرْتِيبُ تَحْرِيرِ رَقَبَةٍ واحِدَةٍ ودِيَةٍ عَلى ذَلِكَ. وبِهِ قالَتْ طائِفَةٌ هَكَذا قالَ أبُو ثَوْرٍ، وحُكِيَ عَنِ الأوْزاعِيِّ ذَلِكَ. وقالَ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، والنَّخَعِيُّ، والحارِثُ ومالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، والشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ، وإسْحاقُ، وأبُو ثَوْرٍ وأصْحابُ الرَّأْيِ: عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهُمُ الكَفّارَةُ.
وهَذا الِاسْتِثْناءُ قِيلَ مُنْقَطِعٌ، وقِيلَ إنَّهُ مُتَّصِلٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): بِمَ تَعَلَّقَ ﴿أنْ يَصَّدَّقُوا﴾ ؟ وما مَحَلُّهُ ؟ قُلْتُ: تَعَلَّقَ بِعَلَيْهِ، أوْ بِـ (مُسَلَّمَةٌ) . كَأنْ قِيلَ: وتَجِبُ عَلَيْهِ الدِّيَةُ أوْ يُسَلِّمُها، إلّا حِينَ يَتَصَدَّقُونَ عَلَيْهِ، ومَحَلُّها النَّصْبُ عَلى الظَّرْفِ بِتَقْدِيرِ حَذْفِ الزَّمانِ كَقَوْلِهِمُ: اجْلِسْ ما دامَ زَيْدٌ جالِسًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن أهْلِهِ بِمَعْنى: إلّا مُتَصَدِّقِينَ، انْتَهى كَلامُهُ. وكِلا التَّخْرِيجَيْنِ خَطَأٌ؛ أمّا جَعْلُ أنْ وما بَعْدَها ظَرْفًا فَلا يَجُوزُ، نَصَّ النَّحْوِيُّونَ عَلى ذَلِكَ، وأنَّهُ مِمّا انْفَرَدَتْ بِهِ (ما) المَصْدَرِيَّةُ، ومَنَعُوا أنْ تَقُولَ: أجِيئُكَ أنْ يَصِيحَ الدِّيكُ، يُرِيدُ وقْتَ صِياحِ الدِّيكِ. وأمّا أنْ يَنْسِبَكَ مِنها (p-٣٢٤)مَصْدَرٌ؛ فَيَكُونُ في مَوْضِعِ الحالِ فَنَصُّوا أيْضًا عَلى أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ. قالَ سِيبَوَيْهِ في قَوْلِ العَرَبِ: أنْتَ الرَّجُلُ أنْ تُنازِلَ أوْ أنْ تُخاصِمَ في مَعْنى أنْتَ الرَّجُلُ نِزالًا وخُصُومَةً: إنَّ انْتِصابَ هَذا انْتِصابَ المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ؛ لِأنَّ المُسْتَقْبَلَ لا يَكُونُ حالًا؛ فَعَلى هَذا الَّذِي قَرَّرْناهُ يَكُونُ كَوْنُهُ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا هو الصَّوابُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿يَصَّدَّقُوا﴾؛ وأصْلُهُ يَتَصَدَّقُوا؛ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الصّادِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وعَبْدُ الوارِثِ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: (تَصَّدَّقُوا) بِالتّاءِ عَلى المُخاطِبَةِ لِلْحاضِرَةِ. وقُرِئَ: تَصَدَّقُوا بِالتّاءُ وتَخْفِيفِ الصّادِ؛ وأصْلُهُ تَتَصَدَّقُوا؛ فَحَذَفَ إحْدى التّاءَيْنِ عَلى الخِلافِ في أيِّهِما هي المَحْذُوفَةُ. وفي حَرْفِ أُبَيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ: يَتَصَدَّقُوا بِالياءِ والتّاءِ.
* *
﴿فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكم وهو مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، والنَّخَعِيُّ، والسُّدِّيُّ، وعِكْرِمَةُ وغَيْرُهم: المَعْنى إنْ كانَ هَذا المَقْتُولُ خَطَأً رَجُلًا مُؤْمِنًا قَدْ آمَنَ، وبَقِيَ في قَوْمِهِ، وهم كَفَرَةٌ عَدُوٌّ لَكم فَلا دِيَةَ فِيهِ؛ وإنَّما كَفّارَتُهُ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ. والسَّبَبُ عِنْدَهم في نُزُولِها: أنَّ جُيُوشَ المُسْلِمِينَ كانَتْ تَمُرُّ بِقَبائِلِ الكَفَرَةِ؛ فَرُبَّما قُتِلَ مَن آمَنَ ولَمْ يُهاجِرْ، أوْ مَن هاجَرَ ثُمَّ رَجَعَ إلى قَوْمِهِ؛ فَيُقْتَلُ في حَمَلاتِ الحَرْبِ عَلى أنَّهُ مِنَ الكُفّارِ؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ. وسَقَطَتِ الدِّيَةُ عِنْدَ هَؤُلاءِ؛ لِأنَّ أوْلِياءَ المَقْتُولِ كَفَرَةٌ؛ فَلا يُعْطَوْنَ ما يَتَقَوَّوْنَ بِهِ. ولِأنَّ حُرْمَتَهُ إذا آمَنَ ولَمْ يُهاجِرْ قَلِيلَةٌ فَلا دِيَةَ. وإذا قُتِلَ مُؤْمِنٌ في بِلادِ المُسْلِمِينَ، وقَوْمُهُ حَرْبٌ، فَفِيهِ الدِّيَةُ لِبَيْتِ المالِ والكَفّارَةُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الوَجْهُ في سُقُوطِ الدِّيَةِ أنَّ أوْلِياءَهُ كُفّارٌ؛ سَواءٌ أكانَ القَتْلُ خَطَأً بَيْنَ أظْهُرِ المُسْلِمِينَ وبَيْنَ قَوْمِهِ، ولَمْ يُهاجِرْ أوْ هاجَرَ ثُمَّ رَجَعَ إلى قَوْمِهِ، وكَفّارَتُهُ لَيْسَ إلّا التَّحْرِيرَ؛ لِأنَّهُ إنْ قُتِلَ بَيْنَ أظْهُرِ قَوْمِهِ فَهو مُسَلِّطٌ عَلى نَفْسِهِ، أوْ بَيْنَ أظْهُرِ المُسْلِمِينَ؛ فَأهْلُهُ لا يَسْتَحِقُّونَ الدِّيَةَ، ولا المُسْلِمُونَ؛ لِأنَّهم لَيْسُوا أهْلَهُ، فَلا تَجِبُ عَلى الحالَيْنِ؛ هَذا قَوْلُ مالِكٍ، والأوْزاعِيِّ، والثَّوْرِيِّ، والشّافِعِيِّ وأبِي ثَوْرٍ. وقالَ إبْراهِيمُ: المُؤْمِنُ المَقْتُولُ خَطَأً إنْ كانَ قَوْمُهُ المُشْرِكُونَ لَيْسَ بَيْنَهم وبَيْنَ النَّبِيِّ عَهْدٌ؛ فَعَلى قاتِلِهِ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ، أوْ كانَ فَتُؤَدّى دِيَتُهُ لِقَرابَتِهِ المُعاهَدِينَ.
قالَ بَعْضُ المُصَنِّفِينَ: اخْتَلَفَتْ فُقَهاءُ الأمْصارِ في مَن أسْلَمَ في دارِ الحَرْبِ وقُتِلَ قَبْلَ أنْ يُهاجِرَ؛ فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ، وأبُو يُوسُفَ في المَشْهُورِ عَنْهُ: إنْ قَتَلَهُ مُسْلِمٌ مُسْتَأْمَنٌ فَكَفّارَةُ الخَطَأِ، أوْ كانا مُسْتَأْمَنَيْنِ فَعَلى القاتِلِ الدِّيَةُ وكَفّارَةُ الخَطَأِ، أوْ أسِيرَيْنِ فَعَلى القاتِلِ كَفّارَةُ الخَطَأِ في قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ. وقالَ مُحَمَّدٌ وأبُو يُوسُفَ: الدِّيَةُ في العَمْدِ والخَطَأِ. وقالَ مالِكٌ: عَلى قاتِلِ مَن أسْلَمَ في دارِ الحَرْبِ ولَمْ يَخْرُجِ الدِّيَةُ والكَفّارَةُ إنْ كانَ خَطَأً. والآيَةُ إنَّما كانَتْ في صُلْحِ النَّبِيِّ ﷺ أهْلَ مَكَّةَ؛ لِأنَّهُ مَن لَمْ يُهاجِرْ لَمْ يُوَرَّثْ؛ لِأنَّهم كانُوا يَتَوارَثُونَ بِالهِجْرَةِ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ صالِحٍ: إذا أقامَ بِدارِ الحَرْبِ، وهو قادِرٌ عَلى الخُرُوجِ حُكِمَ عَلَيْهِ بِما يُحْكَمُ عَلى أهْلِ الحَرْبِ في نَفْسِهِ، ومالِهِ؛ وإذا لَحِقَ بِدارِ الحَرْبِ، ولَمْ يَرْتَدَّ عَنِ الإسْلامِ فَهو مُرْتَدٌّ بِتَرْكِهِ دارَ الإسْلامِ. وقالَ الشّافِعِيُّ: إذا قَتَلَ مُسْلِمًا في دارِ الحَرْبِ في الغارَةِ، وهو لا يَعْلَمُهُ مُسْلِمًا فَلا عَقْلَ فِيهِ ولا قَوْدَ، وعَلَيْهِ الكَفّارَةُ. وسَواءٌ أكانَ المُسْلِمُ أسِيرًا، أوْ مُسْتَأْمَنًا أوْ رَجُلًا أسْلَمَ هُناكَ؛ وإنْ عَلِمَهُ مُسْلِمًا فَقَتَلَهُ، فَعَلَيْهِ القَوْدُ انْتَهى ما نَقَلَهُ هَذا المُصَنِّفُ. والَّذِي يَظْهَرُ مِن مَدْلُولِ هَذِهِ الجُمَلِ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ أحْكامَ المُؤْمِنِ المَقْتُولِ خَطَأً في هَذِهِ الجُمَلِ الثَّلاثِ؛ ولِذَلِكَ قابَلَها بِقَوْلِهِ: ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا؛ فَهو المُؤْمِنُ المَقْتُولُ خَطَأً إنْ كانَ أهْلُهُ مُؤْمِنِينَ أوْ مُعاهَدِينَ؛ فالتَّحْرِيرُ والدِّيَةُ. ونَزَلَ المُعاهَدُونَ في أخْذِ الدِّيَةِ مَنزِلَةَ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ أحْكامَ المُؤْمِنِينَ جارِيَةٌ عَلَيْهِمْ، وإنْ كانَ أهْلُهُ حَرْبِيِّينَ، فالتَّحْرِيرُ فَقَطْ.
﴿وإنْ كانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ وتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ قالَ الحَسَنُ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وإبْراهِيمُ وغَيْرُهم: وإنْ كانَ المَقْتُولُ خَطَأً (p-٣٢٥)مُؤْمِنًا مِن قَوْمٍ مُعاهَدِينَ لَكم؛ فَعَهْدُهم يُوجِبُ أنَّهم أحَقُّ بِدِيَةِ صاحِبِهِمْ؛ وكَفّارَتُهُ التَّحْرِيرُ وأداءُ الدِّيَةِ إلَيْهِمْ. وقالَ النَّخَعِيُّ: مِيراثُهُ لِلْمُسْلِمِينَ. وقَرَأها الحَسَنُ، وإنْ كانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ، وهو مُؤْمِنٌ. وبِهَذا قالَ مالِكٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والشَّعْبِيُّ، وإبْراهِيمُ أيْضًا والزُّهْرِيُّ: المَقْتُولُ مِن أهْلِ العَهْدِ خَطَأً؛ كانَ مُؤْمِنًا أوْ كافِرًا عَلى عَهْدِ قَوْمِهِ فِيهِ الدِّيَةُ كَدِيَةِ المُسْلِمِ والتَّحْرِيرُ.
واخْتُلِفَ عَلى هَذا في دِيَةِ المُعاهَدِ. فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وغَيْرُهُ: دِيَتُهُ كَدِيَةِ المُسْلِمِ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ. وقالَ مالِكٌ وأصْحابُهُ: نِصْفُ دِيَةِ المُسْلِمِ. وقالَ الشّافِعِيُّ وأبُو ثَوْرٍ: ثُلُثُ دِيَةِ المُسْلِمِ. والَّذِي يَظْهَرُ مِن دَلالَةِ (مِنَ) التَّبْعِيضِيَّةِ أنَّها قَيْدٌ في الجُمْلَةِ الأوْلى بِكَوْنِهِ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ، وقَيْدٌ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ بِكَوْنِهِ مِن قَوْمٍ مُعاهَدِينَ؛ والمَعْنى في النَّسَبِ لا في الدِّينِ؛ لِأنَّهُ مُؤْمِنٌ وهم كُفّارٌ. فَإذا تَقَيَّدَتْ هاتانِ الجُمْلَتانِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى تَقْيِيدِ الأُولى بِأنْ يَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في النَّسَبِ، وهي مَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً؛ كَأنَّهُ قالَ: وأهْلُهُ مُؤْمِنُونَ لا حَرْبِيُّونَ ولا مُعاهَدُونَ. ولا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى الإطْلاقِ لِلتَّعارُضِ والتَّعانُدِ الَّذِي بَيْنَهُ وبَيْنَ الآيَتَيْنِ بَعْدُ.
وقالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: قَوْلُهُ: ﴿وإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمُ﴾ اسْتِئْنافُ كَلامٍ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ في الخِطابِ؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أعْطِ هَذا رَجُلًا وإنْ كانَ رَجُلًا فَأعْطِهِ؛ فَهَذا كَلامٌ فاسِدٌ لا يَتَكَلَّمُ بِهِ حَكِيمٌ؛ فَثَبَتَ أنَّ هَذا المُؤْمِنَ المَعْطُوفَ عَلى الأوَّلِ غَيْرُ داخِلٍ في الخِطابِ. ثُمَّ قالَ: ظاهِرُ الآيَةِ يَعْنِي: ﴿وإنْ كانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المَقْتُولُ المَذْكُورُ في الآيَةِ ذا عَهْدٍ، وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ إضْمارُ الإيمانِ لَهُ إلّا بِدَلالَةٍ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ: أنَّهُ لَمّا أرادَ مُؤْمِنًا مِن أهْلِ دارِ الحَرْبِ، ذَكَرَ الإيمانَ، فَقالَ: وهو مُؤْمِنٌ؛ لِأنَّهُ لَوْ أطْلَقَ لاقْتَضى الإطْلاقُ أنْ يَكُونَ كافِرًا مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكم. انْتَهى كَلامُهُ.
أمّا قَوْلُهُ: اسْتِئْنافٌ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ في الخِطابِ؛ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، بَلْ تَقَدَّمَ لَهُ ذِكْرٌ في الخِطابِ في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلّا خَطَأً ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ ولَكِنَّهُ لَيْسَ اسْتِئْنافًا؛ إنَّما هو مِن بابِ التَّقْسِيمِ كَما ذَكَرْناهُ. بَدَأ أوَّلًا بِالأشْرَفِ، وهو المُؤْمِنُ وأهْلُهُ مُؤْمِنُونَ لَيْسُوا بِحَرْبِيِّينَ ولا مُعاهَدِينَ. وأمّا قَوْلُهُ؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أعْطِ هَذا رَجُلًا، وإنْ كانَ رَجُلًا فَأعْطِهِ؛ فَهَذا لَيْسَ نَظِيرَ الآيَةِ بِوَجْهٍ؛ وإنَّما الضَّمِيرُ في كانَ عائِدٌ عَلى المَقْتُولِ خَطَأً المُؤْمِنُ إذا كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكم. وجاءَ قَوْلُهُ: وهو مُؤْمِنٌ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ لا سَبِيلِ التَّقْيِيدِ؛ إذِ القَيْدُ مَفْهُومٌ مِمّا قَبْلَهُ في الِاسْتِثْناءِ، وفي جُمْلَةِ الشَّرْطِ. وقَوْلُهُ: ويَدُلُّ عَلَيْهِ إلى آخِرِهِ، لا يَدُلُّ عَلَيْهِ لِما ذَكَرْنا أنَّ الحالَ مُؤَكِّدَةٌ؛ وفائِدَةُ تَأْكِيدِها أنْ لا يُتَوَهَّمَ أنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلى مُطْلَقِ المَقْتُولِ، لا بِقَيْدِ الإيمانِ. وقَوْلُهُ لِأنَّهُ لَوْ أُطْلِقَ لاقْتَضى الإطْلاقُ أنْ يَكُونَ كافِرًا مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ؛ ولَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ لَوْ لَمْ يَأْتِ بِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ مُؤْمِنٌ﴾؛ لَكانَ الضَّمِيرُ الَّذِي في كانَ عائِدًا عَلى المَقْتُولِ خَطَأً؛ لِأنَّهُ لَمْ يُجَرِّدْ ذِكْرَ لِغَيْرِهِ؛ فَلا يَعُودُ الضَّمِيرُ عَلى غَيْرِ مَن لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ، ويُتْرَكُ عَوْدُهُ عَلى ما يَجْرِي عَلَيْهِ ذِكْرٌ.
﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ﴾ يَعْنِي رَقَبَةً لَمْ يَمْلِكْها، ولا وجَدَ ما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى مِلْكِها؛ فَعَلَيْهِ صِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ. وظاهِرُ الآيَةِ يَقْضِي أنَّهُ لا يَجِبُ غَيْرُ ذَلِكَ؛ إذْ لَوْ وجَبَتِ الدِّيَةُ لِعَطَفَها عَلى الصِّيامِ وإلى هَذا ذَهَبَ الشَّعْبِيُّ ومَسْرُوقٌ، وذَهَبَ الجُمْهُورُ: إلى وُجُوبِ الدِّيَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وما قالَهُ الشَّعْبِيُّ ومَسْرُوقٌ وهْمٌ؛ لِأنَّ الدِّيَةَ إنَّما هي عَلى العاقِلَةِ؛ ولَيْسَتْ عَلى القاتِلِ انْتَهى. ولَيْسَ بِوَهْمٍ؛ بَلْ هو ظاهِرُ الآيَةِ كَما ذَكَرْناهُ.
ومَعْنى التَّتابُعِ: لا يَتَخَلَّلُها فِطْرٌ. فَإنْ عَرَضَ حَيْضٌ في أثْنائِهِ لَمْ يُعَدَّ قاطِعًا بِإجْماعٍ. ولَيْسَ لَهُ أنْ يُسافِرَ فَيُفْطِرَ، والمَرَضُ كالحَيْضِ عِنْدَ: ابْنِ المُسَيَّبِ، وسُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ، والحَسَنِ، والشَّعْبِيِّ، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وطاوُسٍ، ومالِكٍ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ، والنَّخَعِيُّ، والحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ، وعَطاءٌ الخُراسانِيُّ، والحَسَنُ بْنُ حَيٍّ، وأبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ: يَسْتَأْنِفُ إذا أفْطَرَ لِمَرَضٍ. ولِلشّافِعِيِّ القَوْلانِ. وقالَ (p-٣٢٦)ابْنُ شُبْرُمَةَ: يَقْضِي ذَلِكَ اليَوْمَ وحْدَهُ إنْ كانَ عُذْرٌ غالِبٌ كَصَوْمِ رَمَضانَ.
﴿تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾ انْتَصَبَ عَلى المَصْدَرِ أيْ رُجُوعًا مِنهُ إلى التَّسْهِيلِ والتَّخْفِيفِ؛ حَيْثُ نَقَلَكم مِنَ الرَّقَبَةِ إلى الصَّوْمِ. أوْ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ؛ أيْ قَبُولًا مِنهُ ورَحْمَةَ مَن تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ إذا قَبِلَ تَوْبَتَهُ. ودَعا تَعالى قاتِلَ الخَطَأِ إلى التَّوْبَةِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَتَحَرَّزْ، وكانَ مِن حَقِّهِ أنْ يَتَحَفَّظَ.
﴿وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أيْ عَلِيمًا بِمَن قَتَلَ خَطَأً، حَكِيمًا حَيْثُ رَتَّبَ ما رَتَّبَ عَلى هَذِهِ الجِنايَةِ عَلى ما اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ تَعالى.
النساء 4:93
﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ ولَعَنَهُ وأعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا﴾ نَزَلَتْ في مِقْيَسِ بْنِ صُبابَةَ؛ حِينَ قَتَلَ أخاهُ هِشامَ بْنَ صُبابَةَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ؛ فَأخَذَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الدِّيَةَ، ثُمَّ بَعَثَهُ مَعَ رَجُلٍ مِن فِهْرٍ بَعْدَ ذَلِكَ في أمْرٍ ما؛ فَقَتَلَهُ مِقْيَسٌ، ورَجَعَ إلى مَكَّةَ مُرْتَدًّا، وجَعَلَ يُنْشِدُ:
؎قَتَلْتُ بِهِ فِهْرًا وحَمَّلْتُ عَقْلَهُ سَرّاةَ بَنِي النَّجّارِ أرْبابَ فارِعِ
؎حَلَلْتُ بِهِ وتْرِي وأدْرَكْتُ ثَوْرَتِي ∗∗∗ وكُنْتُ إلى الأوْثانِ أوَّلَ راجِعِ
فَقالَ: لا أُؤَمِّنُهُ في حِلٍّ ولا حَرَمٍ وأمَرَ بِقَتْلِهِ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وهو مُتَعَلِّقٌ بِالكَعْبَةِ؛ وهَذا السَّبَبُ يَخُصُّ عُمُومَ قَوْلِهِ: ومَن يَقْتُلُ؛ فَيَكُونُ خاصًّا بِالكافِرِ، أوْ يَكُونُ عَلى ما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ؛ قالَ: مَعْنى مُتَعَمِّدًا؛ أيْ مُسْتَحِلًّا؛ فَهَذا يَئُولُ أيْضًا إلى الكُفْرِ. وأمّا إذا كانَتْ عامَّةً؛ فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ شَرْطٍ كَسائِرِ التَّوَعُّداتِ عَلى سائِرِ المَعاصِي؛ والمَعْنى: فَجَزاؤُهُ - إنْ جازاهُ - أيْ هو ذَلِكَ ومُسْتَحَقُّهُ؛ لِعِظَمِ ذَنْبِهِ. هَذا مَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ. ويَكُونُ الخُلُودُ عِبارَةً في حَقِّ المُؤْمِنِ العاصِي عَنِ المُكْثِ الطَّوِيلِ، لا المُقْتَرِنِ بِالتَّأْبِيدِ؛ إذْ لا يَكُونُ كَذَلِكَ إلّا في حَقِّ الكُفّارِ.
وذَهَبَتِ المُعْتَزِلَةُ إلى عُمُومِ هَذِهِ الآيَةِ، وأنَّها مُخَصَّصَةٌ بِعُمُومِها؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، واعْتَمَدُوا عَلى ما رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتِ الشَّدِيدَةُ بَعْدَ الهَيِّنَةِ يُرِيدُ نَزَلَتْ: ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا بِعَدُوٍّ يَغْفِرْ ما دُونَ ذَلِكَ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ، ويَغْفِرُ ما دُونُ ذَلِكَ إلّا مَن قَتَلَ عَمْدًا. وقَدْ نازَعُوا في دَلالَةِ مَنِ الشَّرْطِيَّةِ عَلى العُمُومِ. وقِيلَ هو لَفْظٌ يَقَعُ كَثِيرًا لِلْخُصُوصِ كَقَوْلِهِ: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، ولَيْسَ مَن حَكَمَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِغَيْرِ ما أنْزَلَ اللَّهُ بِكافِرٍ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎ومَن لا يَذُدْ عَنْ حَوْضِهِ بِسِلاحِهِ يُهَدَّمْ ∗∗∗ ومَن لا يَظْلِمِ النّاسَ يُظْلَمِ
وإذا سُلِّمَ العُمُومُ فَقَدْ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ بِالإجْماعِ مِنَ المُعْتَزِلَةِ وأهْلِ السُّنَّةِ فِيمَن شَهِدَ عَلَيْهِ بِالقَتْلِ عَمْدًا أوْ أقَرَّ بِأنَّهُ قَتَلَ عَمْدًا، وأتى السُّلْطانَ أوِ الأوْلِياءَ فَأُقِيمَ عَلَيْهِ الحَدُّ وقُتِلَ، فَهَذا غَيْرُ مُتَّبَعٍ في الآخِرَةِ. والوَعِيدُ غَيْرُ صائِرٍ إلَيْهِ إجْماعًا لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ عُبادَةَ: «أنَّهُ مَن عُوقِبَ في الدُّنْيا فَهو كَفّارَةٌ لَهُ» وهَذا تَخْصِيصٌ لِلْعُمُومِ. وإذا دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ فَيَكُونُ مُخْتَصًّا بِالكافِرِ ويَشْهَدُ لَهُ سَبَبُ النُّزُولِ كَما قَدَّمْنا.
ولَمْ تَتَعَرَّضِ الآيَةُ لِتَوْبَةِ القاتِلِ، وتَكَلَّمَ فِيها المُفَسِّرُونَ هُنا. فَقالَتْ جَماعَةٌ: لا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنِابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ. وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقُولُ: الشِّرْكُ والقَتْلُ سَهْمانِ مَن ماتَ عَلَيْهِما خُلِّدَ، وكانَ يَقُولُ: هَذِهِ الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ نَسَخَتِ الَّتِي في الفُرْقانِ؛ لِأنَّها مَكِّيَّةٌ. وكانَ ابْنُ شِهابٍ إذا سَألَهُ مَن يَفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ قَتَلَ قالَ لَهُ: تَوْبَتُكَ مَقْبُولَةٌ، ومَن لَمْ يَقْتُلْ قالَ: لا تَوْبَةَ لِلْقاتِلِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في تَفْسِيرِ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ نَحْوٌ مِن كَلامِ ابْنِ شِهابٍ. وعَنْ سُفْيانَ كانَ أهْلُ العِلْمِ إذا سُئِلُوا قالُوا: لا تَوْبَةَ لَهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وذَلِكَ مَحْمُولٌ مِنهم عَلى الِاقْتِداءِ بِسُنَّةِ اللَّهِ في التَّغْلِيظِ والتَّشْدِيدِ؛ وإلّا فَكَلُّ ذَنْبٍ مَمْحُوٌّ بِالتَّوْبَةِ، وناهِيكَ بِمَحْوِ الشِّرْكِ دَلِيلًا. وفي الحَدِيثِ: «مَن أعانَ عَلى قَتْلِ مُسْلِمٍ مُؤْمِنٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ آيِسٌ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ» .
والعَجَبُ مِن قَوْمٍ يَقْرَءُونَ هَذِهِ الآيَةَ (p-٣٢٧)ويَرَوْنَ ما فِيها، ويَسْمَعُونَ هَذِهِ الأحادِيثَ القَطْعِيَّةَ وقَوْلَ ابْنِ عَبّاسٍ مَعَ التَّوْبَةِ، ثُمَّ لا تَدَعُهم أشْعِبِيَّتُهم وطَماعِيَّتُهُمُ الفارِغَةُ واتِّباعُهم هَواهم، وما يُخَيَّلُ إلَيْهِمْ مُناهم أنْ يَطْمَعُوا في العَفْوِ عَنْ قاتِلِ المُؤْمِنِ بِغَيْرِ تَوْبَةٍ؛ ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ [محمد: ٢٤] ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى التَّوْبَةَ في قَتْلِ الخَطَأِ لِما عَسى أنْ يَقَعَ مِن نَوْعِ تَفْرِيطٍ فِيما يَجِبُ مِنَ الِاحْتِياطِ والتَّحَفُّظِ فِيهِ حَسْمًا لِلْأطْماعِ وأيُّ حَسْمٍ؛ ولَكِنْ لا حَياةَ لِمَن تُنادِي. فَإنْ قُلْتَ: هَلْ فِيها دَلِيلٌ عَلى طَرْدِ مَن لَمْ يَتُبْ مَن أهْلِ الكَبائِرِ ؟ قُلْتُ: ما أبْيَنَ الدَّلِيلَ فِيها، وهو تُناوَلُ قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَقْتُلْ﴾، أيُّ قاتِلٍ كانَ مِن مُسْلِمٍ أوْ كافِرٍ تائِبٍ أوْ غَيْرِ تائِبٍ إلّا أنَّ التّائِبَ أخْرَجَهُ الدَّلِيلُ. فَمَنِ ادَّعى إخْراجَ المُسْلِمِ غَيْرِ التّائِبِ فَلْيَأْتِ بِدَلِيلٍ مِثْلِهِ، انْتَهى كَلامُهُ. وهو عَلى طَرِيقَتِهِ الِاعْتِزالِيَّةِ والتَّعَرُّضُ لِمُخالِفِيهِ بِالسَّبِّ والتَّشْنِيعِ. وأمّا قَوْلُهُ: ما أبْيَنَ الدَّلِيلَ فِيها؛ فَلَيْسَ بَيِّنٌ؛ لِأنَّ المُدَّعِيَ هَلْ فِيها دَلِيلٌ عَلى خُلُودِ مَن لَمْ يَتُبْ مِنَ الكَبائِرِ، وهَذا عامٌّ في الكَبائِرِ. والآيَةُ في كَبِيرَةٍ مَخْصُوصَةٍ وهي: القَتْلُ لِمُؤْمِنٍ عَمْدًا؛ وهي كَوْنُها أكْبَرَ الكَبائِرِ بَعْدَ الشِّرْكِ؛ فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الكَبِيرَةُ المَخْصُوصَةُ حُكْمُها غَيْرُ حُكْمِ سائِرِ الكَبائِرِ؛ مَخْصُوصَةٌ كَوْنُها أكْبَرَ الكَبائِرِ بَعْدَ الشِّرْكِ؛ فَلا يَكُونُ في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى ما ذُكِرَ.
فَظَهَرَ أنَّ قَوْلَهُ: ما أبْيَنَ الدَّلِيلَ مِنها غَيْرُ صَحِيحٍ. واخْتَلَفُوا في ما بِهِ يَكُونُ قَتْلُ العَمْدِ. وفي الحُرِّ يَقْتُلُ عَبْدًا عَمْدًا مُؤْمِنًا؛ هَلْ يُقْتَصُّ مِنهُ ؟ وذَلِكَ مُوَضَّحٌ في كُتُبِ الفِقْهِ. وانْتَصَبَ مُتَعَمِّدًا عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في (يَقْتُلْ)، والمَعْنى: مُتَعَمِّدًا قَتْلَهُ. ورَوى عَبْدانُ عَنِ الكِسائِيِّ: تَسْكِينَ تاءِ مُتْعَمِّدًا؛ كَأنَّهُ يَرى تَوالِيَ الحَرَكاتِ. وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ مِنَ البَلاغَةِ والبَيانِ والبَدِيعِ أنْواعًا: التَّتْمِيمُ في: ﴿ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧]، والِاسْتِفْهامُ بِمَعْنى الإنْكارِ في: ﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ﴾ [النساء: ٨٨]، وفي: ﴿أتُرِيدُونَ أنْ تَهْدُوا﴾ [النساء: ٨٨] . والطِّباقُ في: ﴿أنْ تَهْدُوا مَن أضَلَّ اللَّهُ﴾ [النساء: ٨٨] . والتَّجْنِيسُ المُماثِلُ في: ﴿لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا﴾ [النساء: ٨٩]، وفي: ﴿بَيْنَكم وبَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٩٢]، وفي: ﴿أنْ يُقاتِلُوكم أوْ يُقاتِلُوا﴾ [النساء: ٩٠]، وفي: ﴿أنْ يَأْمَنُوكم ويَأْمَنُوا﴾ [النساء: ٩١]، وفي: (خَطَأً) و(خَطَأً) . والِاسْتِعارَةُ في: ﴿بَيْنَكم وبَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٩٢]، وفي: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: ٩٠]، وفي: ﴿فَإنِ اعْتَزَلُوكُمْ﴾ [النساء: ٩٠] ﴿وألْقَوْا إلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ [النساء: ٩٠]، وفي: (سَبِيلًا) و﴿كُلَّما رُدُّوا إلى الفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ﴾ [النساء: ٩١] الآيَةَ. والِاعْتِراضُ في: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ﴾ [النساء: ٩٠] . والتَّكْرارُ في مَواضِعَ. والتَّقْسِيمُ في: ومَن قَتَلَ إلى آخِرِهِ. والحَذْفُ في مَواضِعَ.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكم فَتَبَيَّنُوا إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ٩٤] ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ والمُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ عَلى القاعِدِينَ دَرَجَةً وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى وفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٥] ﴿دَرَجاتٍ مِنهُ ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦] ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ قالُوا ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ٩٧] ﴿إلّا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٩٨] ﴿فَأُولَئِكَ عَسى اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهم وكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٩] ﴿ومَن يُهاجِرْ في سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ في الأرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا وسَعَةً ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٠] . المَغْنَمُ: مَفْعَلٌ مِن غَنِمَ؛ يَصْلُحُ لِلزَّمانِ والمَكانِ والمَصْدَرِ، ويُطْلَقُ عَلى الغَنِيمَةِ تَسْمِيَةً لِلْمَفْعُولِ بِالمَصْدَرِ؛ أيِ المَغْنُومُ، وهو ما يُصِيبُهُ الرَّجُلُ مِن مالِ العَدُوِّ في الغَزْوِ. المُراغَمُ: مَكانُ المُراغَمَةِ، وهي أنْ يُرْغِمَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ المُتَنازِعِينَ بِحُصُولِهِ في مَنَعَةٍ مِنهُ أنْفَ صاحِبِهِ بِأنْ (p-٣٢٨)يَغْلِبَ عَلى مُرادِهِ يُقالُ: راغَمْتُ فُلانًا إذا فارَقْتَهُ وهو يَكْرَهُ مُفارَقَتَكَ لِمَذَلَّةٍ تَلْحَقُهُ بِذَلِكَ. والرَّغْمُ الذُّلُّ والهَوانُ، وأصْلُهُ: لُصُوقُ الأنْفِ بِالرِّغامِ، وهو التُّرابُ.
النساء 4:94
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ: «أنَّ رَجُلًا مِن سُلَيْمٍ مَرَّ عَلى نَفَرٍ مِنَ الصَّحابَةِ ومَعَهُ غَنَمٌ؛ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، فَقالُوا: ما سَلَّمَ إلّا لِيَتَعَوَّذَ فَقَتَلُوهُ، وأخَذُوا غَنَمَهُ، وأتَوْا بِها الرَّسُولَ فَنَزَلَتْ» . وقِيلَ بَعَثَ سَرِيَّةً فِيها المِقْدادُ؛ فَتَفَرَّقَ القَوْمُ وبَقِيَ رَجُلٌ لَهُ مالٌ كَثِيرٌ لَمْ يَبْرَحْ فَتَشَهَّدَ؛ فَقَتَلَهُ المِقْدادُ؛ فَأخْبَرَ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ فَقالَ: «أقَتَلْتَ رَجُلًا قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ؛ فَكَيْفَ لَكَ بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ غَدًا ؟» . وقِيلَ لَقِيَ الصَّحابَةُ المُشْرِكِينَ فَهَزَمُوهم؛ فَشَدَّ رَجُلٌ مِنهم عَلى رَجُلٍ؛ فَلَمّا غَشِيَهُ السِّنانُ قالَ: إنِّي مُسْلِمٌ؛ فَقَتَلَهُ وأخَذَ مَتاعَهُ؛ فَرُفِعَ ذَلِكَ إلى الرَّسُولِ فَقالَ: «قَتَلْتَهُ وقَدْ زَعَمَ أنَّهُ مُسْلِمٌ ؟ فَقالَ: قالَها مُتَعَوِّذًا قالَ: " هَلّا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ ؟» في قِصَّةٍ آخِرُها: إنَّ القاتِلَ ماتَ فَلَفَظَتْهُ الأرْضُ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا؛ فَطُرِحَ في بَعْضِ الشِّعابِ. وقِيلَ هي السَّرِيَّةُ الَّتِي قَتَلَ فِيها أُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ مِرْداسَ بْنَ نَهِيكٍ مِن أهْلِ فَدَكَ، وهي مَشْهُورَةٌ. وقِيلَ «بَعَثَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلامُ أبا حَدْرَدٍ الأسْلَمِيَّ وأبا قَتادَةَ، ومُحَلَّمَ بْنَ جَثّامَةَ في سِرِّيَّةٍ إلى أسْلَمَ؛ فَلَمّا بَلَغُوا إلى عامِرِ بْنِ الأضْبَطِ الأشْجَعِيِّ حَيّاهم بِتَحِيَّةِ الإسْلامِ؛ فَقَتَلَهُ مُحَلَّمٌ وسَلَبَهُ؛ فَلَمّا قَدِمُوا قالَ: أقَتَلْتَهُ بَعْدَما قالَ آمَنتُ ؟ فَنَزَلَتْ».
ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ؛ وهي أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ جَزاءَ مَن قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا، وأنَّ لَهُ جَهَنَّمَ، وذَكَرَ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهِ، ولَعْنَتَهُ، وإعْدادَ العَذابِ العَظِيمِ لَهُ؛ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالتَّثَبُّتِ والتَّبَيُّنِ، وأنْ لا يُقْدِمَ الإنْسانُ عَلى قَتْلِ مَن أظْهَرَ الإيمانَ، وأنْ لا يَسْفِكُوا دَمًا حَرامًا بِتَأْوِيلٍ ضَعِيفٍ، وكَرَّرَ ذَلِكَ آخِرَ الآيَةِ تَأْكِيدًا أنْ لا يُقَدَّمَ عِنْدَ الشُّبَهِ والإشْكالِ حَتّى يَتَّضِحَ لَهُ ما يُقْدِمُ عَلَيْهِ. ولَمّا كانَ خَفاءُ ذَلِكَ مَنُوطًا بِالأسْفارِ والغَمَزاتِ، قالَ: إذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ وإلّا فالتَّثَبُّتُ والتَّبَيُّنُ لازِمٌ في قَتْلِ مَن تَظاهَرَ بِالإسْلامِ في السَّفَرِ وفي الحَضَرِ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الضَّرْبِ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا في الأرْضِ﴾ [البقرة: ٢٧٣] .
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: فَتَثَبَّتُوا بِالثّاءِ المُثَلَّثَةِ، والباقُونَ: فَتَبَيَّنُوا. وكِلاهُما تَفَعَّلَ بِمَعْنى اسْتَفْعَلَ الَّتِي لِلطَّلَبِ؛ أيِ اطْلُبُوا إثْباتَ الأمْرِ وبَيانَهُ، ولا تَقَدَّمُوا مِن غَيْرِ رَوِيَّةٍ وإيضاحٍ. وقالَ قَوْمٌ: (تَبَيَّنُوا) أبْلَغُ وأشَدُّ مِن (فَتَثَبَّتُوا)؛ لِأنَّ المُتَثَبِّتَ قَدْ لا يَتَبَيَّنُ. وقالَ الرّاغِبُ؛ لِأنَّهُ قَلَّما يَكُونُ إلّا بَعْدَ تَثَبُّتٍ، وقَدْ يَكُونُ التَّثَبُّتُ ولا تَبَيُّنَ، وقَدْ قُوبِلَ بِالعَجَلَةِ في قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «التَّبَيُّنُ مِنَ اللَّهِ والعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطانِ» . وقالَ أبُو عُبَيْدٍ هُما: مُتَقارِبانِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والصَّحِيحُ ما قالَ أبُو عُبَيْدٍ؛ لِأنَّ تَبَيُّنَ الرَّجُلِ لا يَقْتَضِي أنَّ الشَّيْءَ بانَ، بَلْ يَقْتَضِي مُحاوَلَةً لِلتَّبَيُّنِ؛ كَما أنَّ تَثَبَّتَ يَقْتَضِي مُحاوَلَةً لِلتَّبَيُّنِ؛ فَهُما سَواءٌ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: التَّثَبُّتُ هو خِلافُ الإقْدامِ والمُرادُ: التَّأنِّي والتَّثَبُّتُ أشَدُّ اخْتِصاصًا بِهَذا المَوْضِعِ. ومِمّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: ٦٦]؛ أيْ أشَدَّ وقْفًا لَهم عَنْ ما وُعِظُوا بِأنْ لا يُقْدِمُوا عَلَيْهِ. وكَلامُ النّاسِ تَثَبَّتْ في أمْرِكَ. وقَدْ جاءَ: «إنَّ التَّبَيُّنَ مِنَ اللَّهِ والعَجَلَةَ مِنَ الشَّيْطانِ»؛ ومُقابَلَةُ العَجَلَةِ بِالتَّبَيُّنِ دَلالَةٌ عَلى تَقارُبِ اللَّفْظَيْنِ.
والأكْثَرُونَ عَلى أنَّ القاتِلَ هُ ومُحَلَّمٌ والمَقْتُولَ عامِرٌ كَما ذَكَرْنا؛ وكَذا هو في سِيَرِ ابْنِ إسْحاقَ، ومُصَنَّفِ أبِي داوُدَ، وفي الِاسْتِيعابِ. وقِيلَ: المَقْتُولُ مِرْداسٌ وقاتِلُهُ أُسامَةُ. وقِيلَ قاتِلُهُ غالِبُ بْنُ فَضالَةَ اللِّيثِيُّ. وقِيلَ القاتِلُ أبُو الدَّرْداءِ. وقِيلَ أبُو قَتادَةَ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ وحَفْصٌ (السَّلامَ) بِألِفٍ. قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى التَّسْلِيمِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الِاسْتِسْلامِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وابْنُ كَثِيرٍ. مِن بَعْضِ طُرُقِهِ، وجَبَلَةُ عَنِ المُفَضَّلِ عَنْ عاصِمٍ: بِفَتْحِ السِّينِ واللّامِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، وهو مِنَ الِاسْتِسْلامِ. وقَرَأ أبانُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عاصِمٍ: بِكَسْرِ السِّينِ، (p-٣٢٩)وإسْكانِ اللّامِ، وهو الِانْقِيادُ والطّاعَةُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالسَّلامِ الِانْحِيازُ والتَّرْكُ؛ قالَ الأخْفَشُ: يُقالُ فُلانٌ سَلامٌ إذا كانَ لا يُخالِطُ أحَدًا. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ؛ أيْ لا تَقُولُوا لِمَنِ اعْتَزَلَكم ولَمْ يُقاتِلْكم لَسْتَ مُؤْمِنًا؛ وأصْلُهُ مِنَ السَّلامَةِ؛ لِأنَّ المُعْتَزِلَ عَنِ النّاسِ طالِبٌ لِلسَّلامَةِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: بِفَتْحِ السِّينِ، وسُكُونِ اللّامِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: مَأْمَنًا بِفَتْحِ المِيمِ؛ أيْ لا نُؤَمِّنُكَ في نَفْسِكَ، وهي قِراءَةُ عَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةَ، وأبِي العالِيَةِ، ويَحْيى بْنِ يَعْمَرَ. ومَعْنى قِراءَةِ الجُمْهُورِ لَيْسَ لِإيمانِكَ حَقِيقَةٌ أنَّكَ أسْلَمْتَ خَوْفًا مِنَ القَتْلِ. قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: حَكَمَ تَعالى بِصِحَّةِ إسْلامِ مَن أظْهَرَ الإسْلامَ وأمَرَ بِإجْرائِهِ عَلى أحْكامِ المُسْلِمِينَ؛ وإنْ كانَ في الغَيْبِ عَلى خِلافِهِ. وهَذا مِمّا يُحْتَجُّ بِهِ عَلى تَوْبَةِ الزِّنْدِيقِ إذا أظْهَرَ الإسْلامَ، فَهو مُسْلِمٌ انْتَهى. والغَرَضُ هُنا هو ما كانَ مَعَ المَقْتُولِ مِن غَنِيمَةٍ أوْ مِن حَمْلٍ ومَتاعٍ، عَلى الخِلافِ الَّذِي في سَبَبِ النُّزُولِ.
والمَعْنى: تَطْلُبُونَ الغَنِيمَةَ الَّتِي هي حُطامٌ سَرِيعُ الزَّوالِ. وتَبْتَغُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ (ولا تَقُولُوا)؛ وفي ذَلِكَ إشْعارٌ بِأنَّ الدّاعِيَ إلى تَرْكِ التَّثَبُّتِ أوِ التَّبَيُّنِ هو طَلَبُكم عَرَضَ الدُّنْيا؛ فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ؛ هَذِهِ عِدَّةٌ بِما يُسْنِي اللَّهُ تَعالى لَهم مِنَ الغَنائِمِ عَلى وجْهِها مِن حِلٍّ دُونَ ارْتِكابِ مَحْظُورٍ بِشُبْهَةٍ وغَيْرِ تَثَبُّتٍ؛ قالَهُ الجُمْهُورُ. وقالَ مُقاتِلٌ: أرادَ ما أعَدَّهُ تَعالى لَهم في الآخِرَةِ مِن جَزِيلِ الثَّوابِ والنَّعِيمِ الدّائِمِ الَّذِي هو أجَلُّ المَغانِمِ.
﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكم فَتَبَيَّنُوا﴾ قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: مَعْناهُ كُنْتُمْ مُسْتَخْفِينَ مِن قَوْمِكم بِإسْلامِكم؛ خائِفِينَ مِنهم عَلى أنْفُسِكم؛ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكم بِإعْزازِ دِينِكم، فَهُمُ الآنَ كَذَلِكَ كُلٌّ مِنهم خائِفٌ في قَوْمِهِ مُتَرَبِّصٌ أنْ يَصِلَ إلَيْكم؛ فَلَمْ يَصْلُحْ إذا وصَلَ أنْ تَقْتُلُوهُ، حَتّى تَتَبَيَّنُوا أمْرَهُ.
قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: وهَذا فِيهِ إشْكالٌ؛ لِأنَّ إخْفاءَ الإيمانِ ما كانَ عامًّا فِيهِمْ، انْتَهى. ولا إشْكالَ فِيهِ؛ لِأنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا أوَّلَ الإسْلامِ يُحِبُّونَ دِينَهم؛ فالتَّشْبِيهُ وقَعَ بِتِلْكَ الحالِ الأُولى. وعَلى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ أنَّ إخْفاءَ الإيمانِ ما كانَ عامًّا فِيهِمْ؛ لا إشْكالَ أيْضًا؛ لِأنَّهُ يُنْسَبُ إلى الجُمْلَةِ ما وُجِدَ مِن بَعْضِهِمْ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كَذَلِكَ كُنْتُمْ كَفَرَةً فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكم بِأنْ أسْلَمْتُمْ؛ فَلا تُنْكِرُوا أنْ يَكُونَ هو كافِرًا ثُمَّ يُسْلِمُ لِحِينِهِ حِينَ لَقِيَكم؛ فَيَجِبُ أنْ يُتَثَبَّتَ في أمْرِهِ، وقالَ الأكْثَرُونَ: المَعْنى أنَّكم قَبْلَ الهِجْرَةِ حِينَ كُنْتُمْ فِيما بَيْنَ الكُفّارِ تُؤْمِنُونَ بِكَلِمَةِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ؛ فاقْبَلُوا مِنهم ذَلِكَ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: فِيهِ إشْكالٌ؛ لِأنَّ لَهم أنْ يَقُولُوا ما كانَ إيمانُنا مِثْلَ إيمانِهِمْ؛ لِأنّا آمَنّا اخْتِيارًا؛ وهَؤُلاءِ أظْهَرُوا الإيمانَ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ انْتَهى. ولا إشْكالَ في ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ التَّشْبِيهُ مِن كُلِّ الوُجُوهِ؛ إذْ كانَ يَكُونُ المُشَبَّهُ هو المُشَبَّهَ بِهِ؛ وذَلِكَ مُحالٌ، ولا مِن مُعْظَمِ الوُجُوهِ. والتَّشْبِيهُ هُنا وقَعَ في بَعْضِ الوُجُوهِ؛ وهو: أنَّ الدُّخُولَ في الإسْلامِ هو كانَ بِكَلِمَةِ الشَّهادَةِ، وقَدْ حَسَّنَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا القَوْلَ؛ وطَوَّلَهُ جِدًّا. فَقالَ: أوَّلَ ما دَخَلْتُمْ في الإسْلامِ سَمِعْتُ مِن أفْواهِكم كَلِمَةَ الشَّهادَةِ؛ فَحَصَّنْتُ دِماءَكم وأمْوالَكم، مِن غَيْرِ انْتِظارِ الِاطِّلاعِ عَلى مُواطَأةِ قُلُوبِكم لِألْسِنَتِكم؛ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكم بِالِاسْتِقامَةِ والِاشْتِهارِ بِالإيمانِ والتَّقَدُّمِ؛ وإنْ صِرْتُمْ أعْلامًا فِيهِ فَعَلَيْكم أنْ تَفْعَلُوا بِالدّاخِلِينَ في الإسْلامِ كَما فُعِلَ بِكم، وأنْ تَعْتَبِرُوا ظاهِرَ الإسْلامِ في الكافَّةِ، ولا تَقُولُوا إنَّ تَهْلِيلَ هَذا لِاتِّقاءِ القَتْلِ لا لِصِدْقِ النِّيَّةِ فَتَجْعَلُوهُ سِلْمًا إلى اسْتِباحَةِ دَمِهِ ومالِهِ، وقَدْ حَرَّمَهُما اللَّهُ تَعالى، انْتَهى.
قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: والأقْرَبُ عِنْدِي أنْ يُقالَ: إنَّ مَن يَنْتَقِلُ عَنْ دِينٍ إلى دِينٍ؛ فَفي أوَّلِ الأمْرِ يَحْدُثُ لَهُ مَيْلٌ بِسَبَبٍ ضَعِيفٍ، ثُمَّ لا يَزالُ ذَلِكَ المَيْلُ يَتَأكَّدُ ويَتَقَوّى إلى أنْ يَكْمُلَ ويَسْتَحْكِمَ ويَحْصُلَ الِانْتِقالُ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهم: كُنْتُمْ في أوَّلِ الإسْلامِ إنَّما حَدَثَ فِيكم مَيْلٌ ضَعِيفٌ بِأسْبابِ ضَعِيفَةٍ إلى الإسْلامِ، ثُمَّ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكم بِتَقْوِيَةِ ذَلِكَ المَيْلِ، وتَأْكِيدِ النُّفْرَةِ عَنِ الكُفْرِ؛ فَكَذَلِكَ هَؤُلاءِ لَمّا حَدَثَ فِيهِمْ مَيْلٌ ضَعِيفٌ إلى الإسْلامِ بِسَبَبِ هَذا الخَوْفِ فاقْبَلُوا (p-٣٣٠)مِنهم هَذا الإيمانَ؛ فَإنَّ اللَّهَ يُؤَكِّدُ حَلاوَةَ الإيمانِ في قُلُوبِهِمْ، ويُقَوِّي تِلْكَ الرَّغْبَةَ في صُدُورِهِمْ، انْتَهى كَلامُهُ. ولَيْسَ كُلُّ مَن آمَنَ مِنَ الصَّحابَةِ كانَ مَيْلُهُ أوَّلًا إلى الإسْلامِ مَيْلًا ضَعِيفًا ثُمَّ يَقْوى، بَلْ مِنَ الصَّحابَةِ مَنِ اسْتَبْصَرَ بِأوَّلِ وهْلَةٍ دُعاءَ الرَّسُولِ، أوْ رَأى الرَّسُولَ كَأبِي بَكْرٍ، وأبِي ذَرٍّ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وأمْثالِهِمْ مِمَّنْ كانَ مُسْتَبْصِرًا مُنْتَظِرًا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى إشارَةً بِذَلِكَ إلى القَتْلِ قَبْلَ التَّثَبُّتِ؛ أيْ عَلى هَذِهِ الحالِ في جاهِلِيَّتِكم لا تَثْبُتُونَ؛ حَتّى جاءَ الإسْلامُ، ومَنَّ اللَّهُ عَلَيْكم، انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكم، هو مِن تَمامِ ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ﴾ . وقِيلَ مِن تَمامِ ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾، وما قَبْلَهُ؛ فالمَعْنى: مَنَّ عَلَيْكم بِأنْ قَبِلَ تَوْبَتَكم عَنْ ذَلِكَ الفِعْلِ المُنْكَرِ؛ قالَهُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ، ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾: تَقَدَّمَ أنَّهُ قُرِئَ فَتَثَبَّتُوا. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا تَأْكِيدًا لِلْأوَّلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ في قِراءَةِ مَن جَعَلَهُ مِنَ التَّبَيُّنِ أنْ لا يَكُونَ تَأْكِيدُ الِاخْتِلافِ مُتَعَلَّقَ التَّبَيُّنِ؛ فالمَعْنى في الأوَّلِ: فَتَبَيَّنُوا أمْرَ مَن تُقْدِمُونَ عَلى قَتْلِهِ، وفي الثّانِي: فَتَبَيَّنُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم بِالإسْلامِ.
﴿إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾؛ أيْ خَبِيرًا بِنِيّاتِكم وطَلَباتِكم؛ فَكُونُوا مُحْتاطِينَ فِيما تَقْصِدُونَهُ؛ مُتَوَخِّينَ أمْرَ اللَّهِ تَعالى. وهَذا فِيهِ تَحْذِيرٌ؛ فاحْفَظُوا أنْفُسَكم مِن مَوارِدِ الزَّلَلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إنَّ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ. وقُرِئَ بِفَتْحِها عَلى أنْ تَكُونَ مَعْمُولَةً لِقَوْلِهِ: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ .
﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ والمُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٥] قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: نَزَلَتْ مِن أجْلِ قَوْمٍ كانُوا إذا حَضَرَتْ غَزاةٌ يَسْتَأْذِنُونَ في القُعُودِ والتَّخَلُّفِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وأمّا غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ فَسَبَبُها قَوْلُ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ: كَيْفَ مَن لا يَسْتَطِيعُ الجِهادَ ؟ .
ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا رَغَّبَ المُؤْمِنِينَ في القِتالِ في سَبِيلِ اللَّهِ أعْداءَ اللَّهِ الكُفّارَ، واسْتَطْرَدَ مِن ذَلِكَ إلى قَتْلِ المُؤْمِنِ خَطَأً وعَمْدًا بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ وبِتَأْوِيلٍ؛ فَنَهى أنْ يُقْدِمَ عَلى قَتْلِهِ بِتَأْوِيلِ أمْرٍ يَحْمِلُهُ عَلى الإسْلامِ؛ إذا كانَ ظاهِرُهُ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ. ذَكَرَ بَيانَ فَضْلِ المُجاهِدِ عَلى القاعِدِ وبَيانَ تَفاوُتِهِما، وأنَّ ذَلِكَ لا يَمْنَعُ مِنهُ كَوْنُ الجِهادِ مَظِنَّةَ أنْ يُصِيبَ المُجاهِدُ مُؤْمِنًا خَطَأً، أوْ مَن يُلْقِي السَّلَمَ فَيَقْتُلَهُ بِتَأْوِيلٍ فَيَتَقاعَسُ عَنِ الجِهادِ لِهَذِهِ الشُّبْهَةِ؛ فَأتى عَقِيبَ ذَلِكَ بِفَضْلِ الجِهادِ، وفَوْزِهِ بِما ذَكَرَ في الآيَةِ مِنَ الدَّرَجاتِ والمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ والأجْرِ العَظِيمِ دَفْعًا لِهَذِهِ الشُّبْهَةِ.
ويَسْتَوِي هُنا مِنَ الأفْعالِ الَّتِي لا تَكْتَفِي بِفاعِلٍ واحِدٍ، وإثْباتُهُ لا يَدُلُّ عَلى عُمُومِ المُساواةِ، وكَذَلِكَ نَفْيُهُ؛ وإنَّما عَنى نَفْيَ المُساواةِ في الفَضْلِ، وفي ذَلِكَ إبْهامٌ عَلى السّامِعِ، وهو أبْلَغُ مِن تَحْرِيرِ المَنزِلَةِ الَّتِي بَيْنَ القاعِدِ والمُجاهِدِ. فالمُتَأمِّلُ يَبْقى مَعَ فِكْرِهِ، ولا يَزالُ يَتَخَيَّلُ الدَّرَجاتِ بَيْنَهُما والقاعِدُ هو المُتَخَلِّفُ عَنِ الجِهادِ. وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالقُعُودِ؛ لِأنَّ القُعُودَ هَيْئَةُ مَن لا يَتَحَرَّكُ إلى الأمْرِ المَقْعُودِ عَنْهُ في الأغْلَبِ. وأُولُو الضَّرَرِ هم مَن لا يَقْدِرُ عَلى الجِهادِ لِعَمًى، أوْ مَرَضٍ أوْ عَرَجٍ أوْ فَقْدِ أُهْبَةٍ. والمَعْنى: لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ القادِرُونَ عَلى الغَزْوِ والمُجاهِدُونَ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ: (غَيْرُ) بِرَفْعِ الرّاءِ. ونافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ: بِالنَّصْبِ، ورَوَيا عَنْ عاصِمٍ. وقَرَأ الأعْمَشُ وأبُو حَيْوَةَ: بِكَسْرِها. فَأمّا قِراءَةُ الرَّفْعِ فَوَجَّهَها الأكْثَرُونَ عَلى الصِّفَةِ؛ وهو قَوْلُ سِيبَوَيْهِ؛ كَما هي عِنْدَهُ صِفَةٌ في ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧]، ومِثْلُهُ قَوْلُ لَبِيدٍ:
؎وإذا جُوزِيتَ قَرْضًا فاجْزِهِ إنَّما يَجْزِي الفَتى غَيْرُ الجُمَلْ
كَذا ذَكَرَهُ أبُو عَلِيٍّ، ويُرْوى: لَيْسَ الجَمَلْ. وأجازَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ فِيهِ البَدَلَ. قِيلَ: وهو إعْرابٌ ظاهِرٌ؛ لِأنَّهُ جاءَ بَعْدَ نَفْيٍ، وهو أوْلى مِنَ الصِّفَةِ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهم نَصُّوا عَلى أنَّ الأفْصَحَ في النَّفْيِ البَدَلُ، ثُمَّ النَّصْبُ عَلى الِاسْتِثْناءِ، ثُمَّ الوَصْفُ في رُتْبَةٍ ثالِثَةٍ. الثّانِي: أنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ أنْ غَيْرًا نَكِرَةٌ في (p-٣٣١)أصْلِ الوَضْعِ، وإنْ أُضِيفَتْ إلى مَعْرِفَةٍ؛ هَذا هو المَشْهُورُ، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ. وإنْ كانَتْ قَدْ تَتَعَرَّفُ في بَعْضِ المَواضِعِ؛ فَجَعَلَها هُنا صِفَةً يُخْرِجُها عَنْ أصْلِ وضْعِها؛ إمّا بِاعْتِقادِ التَّعْرِيفِ فِيها، وإمّا بِاعْتِقادِ أنَّ القاعِدِينَ لَمّا لَمْ يَكُونُوا ناسًا مُعَيَّنِينَ؛ كانَتِ الألِفُ واللّامُ فِيهِ جِنْسِيَّةً، فَأُجْرِيَ مَجْرى النَّكِراتِ حَتّى وُصِفَ بِالنَّكِرَةِ، وهَذا كُلُّهُ ضَعِيفٌ.
وأمّا قِراءَةُ النَّصْبِ فَهي عَلى الِاسْتِثْناءِ مِنَ القاعِدِينَ. وقِيلَ اسْتِثْناءٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ. والأوَّلُ أظْهَرُ؛ لِأنَّهُ المُحَدَّثُ عَنْهُ. وقِيلَ انْتَصَبَ عَلى الحالِ مِنَ القاعِدِينَ. وأمّا قِراءَةُ الجَرِّ فَعَلى الصِّفَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ كَتَخْرِيجِ مَن خَرَّجَ ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] عَلى الصِّفَةِ مِنَ ﴿الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧]، ومِنَ المُؤْمِنِينَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن قَوْلِهِ: ﴿القاعِدُونَ﴾ [النساء: ٩٥]؛ أيْ كائِنِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ.
واخْتَلَفُوا: هَلْ أُولُو الضَّرَرِ يُساوُونَ المُجاهِدِينَ أمْ لا ؟ فَإنِ اعْتَبَرْنا مَفْهُومَ الصِّفَةِ، أوْ قُلْنا بِالأرْجَحِ مِن أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ النَّفْيِ إثْباتٌ؛ لَزِمَتِ المُساواةُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا مَرْدُودٌ؛ لِأنَّ الضَّرَرَ لا يُساوُونَ المُجاهِدِينَ. وغايَتُهم إنْ خَرَجُوا مِنَ التَّوْبِيخِ والمَذَمَّةِ الَّتِي لَزِمَتِ القاعِدِينَ مِن غَيْرِ عُذْرٍ، وكَذا قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الِاسْتِثْناءُ لِرَفْعِ العِقابِ، لا لِنَيْلِ الثَّوابِ. المَعْذُورُ يَسْتَوْفِي في الأجْرِ مَعَ الَّذِي خَرَجَ إلى الجِهادِ؛ إذْ كانَ يَتَمَنّى لَوْ كانَ قادِرًا لَخَرَجَ. قالَ: اسْتَثْنى المَعْذُورَ مِنَ القاعِدِينَ والِاسْتِثْناءُ مِنَ النَّفْيِ إثْباتٌ؛ فَثَبَتَ الِاسْتِواءُ بَيْنَ المُجاهِدِ والقاعِدِ المَعْذُورِ. انْتَهى. وإنَّما نَفى الِاسْتِواءَ فِيما عَلِمَ أنَّهُ مُنْتَفٍ ضَرُورَةً لِإذْكارِهِ ما بَيْنَ القاعِدِ بِغَيْرِ عُذْرٍ والمُجاهِدِ مِنَ التَّفاوُتِ العَظِيمِ؛ فَيَأْنَفُ القاعِدُ مِنَ انْحِطاطِ مُنْزِلَتِهِ فَيَهْتَزُّ لِلْجِهادِ، ويَرْغَبُ فِيهِ. ومِثْلُهُ: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] أُرِيدَ بِهِ التَّحْرِيكُ مِن حَمِيَّةِ الجاهِلِ، وأنَفَتِهِ لِيَنْهَضِمَ إلى التَّعَلُّمِ، ويَرْتَقِيَ عَنْ حَضِيضِ الجَهْلِ إلى شَرَفِ العِلْمِ.
قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: كانَ نُزُولُ هَذِهِ الآيَةِ في الوَقْتِ الَّذِي كانَ الجِهادُ فِيهِ تَطَوُّعًا وإلّا لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ: لا يَسْتَوِي مَعْنى؛ لِأنَّ مَن تَرَكَ الفَرْضَ لا يُقالُ: إنَّهُ لا يَسْتَوِي هو والآتِي بِهِ؛ بَلْ يَلْحَقُ الوَعِيدُ بِالتّارِكِ، ويَرْغَبُ الآتِي بِهِ في الثَّوابِ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: نَفْيُ التَّساوِي بَيْنَ فاعِلِ الجِهادِ وتارِكِهِ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ الجِهادَ ما كانَ فَرْضًا في ذَلِكَ الوَقْتِ. ألا تَرى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨] نَفى المُساواةَ بَيْنَ المُؤْمِنِ والفاسِقِ والإيمانِ فَرْضًا. وقالَ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ﴾ [الجاثية: ٢١] الآيَةَ، وقالَ: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]، والعِلْمُ في كَثِيرٍ مِنَ الأشْياءِ فَرْضٌ. وإذْ جازَ نَفْيُ الِاسْتِواءِ بَيْنَ فاعِلِ التَّطَوُّعِ وتارِكِهِ، فَلِأنْ يَجُوزَ بَيْنَ فاعِلِ الفَرْضِ، وتارِكِهِ بِطَرِيقِ الأوْلى؛ وإنَّما لَمْ يَلْحَقِ الإثْمُ تارِكَهُ؛ لِأنَّهُ فَرْضُ كِفايَةٍ، انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ نَفْيَ هَذا الِاسْتِواءِ لَيْسَ مَخْصُوصًا بِقاعِدَةٍ عَنْ جِهادٍ مَخْصُوصٍ، ولا مُجاهِدٍ جِهادًا مَخْصُوصًا بَلْ ذَلِكَ عامٌّ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ عَنْ بَدْرٍ والخارِجُونَ إلَيْها. وعَنْ مُقاتِلٍ: إلى تَبُوكَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: أُولُو الضَّرَرِ هم أهْلُ الأعْذارِ. إذْ قَدْ أضَرَّتْ بِهِمْ حَتّى مَنَعَتْهُمُ الجِهادَ. وفي الحَدِيثِ: «لَقَدْ خَلَّفْتُمْ بِالمَدِينَةِ أقْوامًا ما سِرْتُمْ مَسِيرًا ولا قَطَعْتُمْ وادِيًا إلّا كانُوا مَعَكم حَبَسَهُمُ العُذْرُ» . وجاءَ هُنا تَقْدِيمُ الأمْوالِ عَلى الأنْفُسِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١] تَقْدِيمُ الأنْفُسِ عَلى الأمْوالِ لِتَبايُنِ الغَرَضَيْنِ؛ لِأنَّ المُجاهِدَ بائِعٌ، فَأخَّرَ ذِكْرَها تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المُضايَقَةَ فِيها أشَدُّ؛ فَلا يَرْضى بِبَذْلِها إلّا في آخِرِ المَراتِبِ. والمُشْتَرِي قُدِّمَتْ لَهُ النَّفْسُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الرَّغْبَةَ فِيها أشَدُّ؛ وإنَّما يَرْغَبُ أوَّلًا في الأنْفَسِ الغالِي.
﴿فَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ عَلى القاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ [النساء: ٩٥] الظّاهِرُ أنَّ المُفَضَّلَ عَلَيْهِمْ هُمُ القاعِدُونَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ؛ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ نَفى التَّسْوِيَةَ بَيْنَهم؛ فَذَكَرَ ما امْتازُوا بِهِ عَلَيْهِمْ، وهو تَفْضِيلُهم عَلَيْهِمْ (p-٣٣٢)بِدَرَجَةٍ؛ فَهَذِهِ الجُمْلَةُ بَيانٌ لِلْجُمْلَةِ الأُولى جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ؛ كَأنَّ قائِلًا قالَ: ما لَهم لا يَسْتَوُونَ ؟ فَقِيلَ ﴿فَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ﴾ [النساء: ٩٥] والمُفَضَّلُ عَلَيْهِمْ هُنا دَرَجَةً هُمُ المُفَضَّلُ عَلَيْهِمْ آخِرًا دَرَجاتٍ وما بَعْدَها، وهُمُ القاعِدُونَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ. وتَكَرَّرَ التَّفْضِيلانِ بِاعْتِبارِ مُتَعَلِّقِهِما؛ فالتَّفْضِيلُ الأوَّلُ بِالدَّرَجَةِ هو ما يُؤْتى في الدُّنْيا مِنَ الغَنِيمَةِ، والتَّفْضِيلُ الثّانِي هو ما يُخَوِّلُهم في الآخِرَةِ؛ فَنَبَّهَ بِإفْرادِ الأوَّلِ، وجَمَعَ الثّانِي عَلى أنَّ ثَوابَ الدُّنْيا في جَنْبِ ثَوابِ الآخِرَةِ يَسِيرٌ. وقِيلَ المُجاهِدُونَ تَتَساوى رُتَبُهم في الدُّنْيا بِالنِّسْبَةِ إلى أحْوالِهِمْ؛ كَتَساوِي القاتِلِينَ بِالنِّسْبَةِ إلى أخْذِ سَلَبِ مَن قَتَلُوهُ، وتَساوِي نَصِيبِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الفُرْسانِ، ونَصِيبِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الرِّجالِ، وهم في الآخِرَةِ مُتَفاوِتُونَ بِحَسَبِ إيمانِهِمْ؛ فَلَهم دَرَجاتٌ بِحَسَبِ اسْتِحْقاقِهِمْ؛ فَمِنهم مَن يَكُونُ لَهُ الغُفْرانُ، ومِنهم مَن يَكُونُ لَهُ الرَّحْمَةُ فَقَطْ. فَكَأنَّ الرَّحْمَةَ أدْنى المَنازِلِ، والمَغْفِرَةُ فَوْقَ الرَّحْمَةِ، ثُمَّ بُعْدُ الدَّرَجاتِ عَلى الطَّبَقاتِ؛ وعَلى هَذا نَبَّهَ بِقَوْلِهِ: ﴿هم دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٣] . ومَنازِلُ الآخِرَةِ تَتَفاوَتُ. وقِيلَ الدَّرَجَةُ المَدْحُ والتَّعْظِيمُ والدَّرَجاتُ مَنازِلُ الجَنَّةِ. وقِيلَ المُفَضَّلُ عَلَيْهِمْ أوَّلًا غَيْرُ المُفَضَّلِ عَلَيْهِمْ ثانِيًا. فالأوَّلُ هُمُ القاعِدُونَ بِعُذْرٍ والثّانِي هُمُ القاعِدُونَ بِغَيْرِ عُذْرٍ؛ ولِذَلِكَ اخْتَلَفَ المُفَضَّلُ بِهِ: فَفي الأوَّلِ دَرَجَةٌ، وفي الثّانِي دَرَجاتٌ وإلى هَذا ذَهَبَ ابْنُ جُرَيْجٍ، وهو مَن لا يَسْتَوِي عِنْدَهُ أُولُو الضَّرَرِ والمُجاهِدُونَ.
وقِيلَ اخْتَلَفَ الجِهادانِ، فاخْتَلَفَ ما فُضِّلَ بِهِ. وذَلِكَ أنَّ الجِهادَ جِهادانِ: صَغِيرٌ وكَبِيرٌ؛ فالصَّغِيرُ مُجاهَدَةُ الكُفّارِ، والكَبِيرُ مُجاهَدَةُ النَّفْسِ. وعَلى ذَلِكَ دَلَّ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «رَجَعْنا مِنَ الجِهادِ الأصْغَرِ إلى الجِهادِ الأكْبَرِ»؛ وإنَّما كانَ مُجاهَدَةُ النَّفْسِ أعْظَمَ؛ لِأنَّ مَن جاهَدَ نَفْسَهُ فَقَدْ جاهَدَ الدُّنْيا، ومَن غَلَبَ الدُّنْيا هانَتْ عَلَيْهِ مُجاهَدَةُ العِدا؛ فَخَصَّ مُجاهَدَةَ النَّفْسِ بِالدَّرَجاتِ تَعْظِيمًا لَها. وقَدْ تَناقَضَ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَفْسِيرِ القاعِدِينَ فَقالَ: فَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ جُمْلَةٌ مُوَضِّحَةٌ لِما نُفِيَ مِنَ اسْتِواءِ القاعِدِينَ والمُجاهِدِينَ؛ كَأنَّهُ قِيلَ ما لَهم لا يَسْتَوُونَ ؟ فَأُجِيبَ بِذَلِكَ: والمَعْنى عَلى القاعِدِينَ غَيْرِ أُولِي الضَّرَرِ، لِكَوْنِ الجُمْلَةِ بَيانًا لِلْجُمْلَةِ الأُولى المُتَضَمِّنَةِ لِهَذا الوَصْفِ. ثُمَّ قالَ: فَإنْ قُلْتَ: قَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى مُفَضَّلِينَ دَرَجَةً ومُفَضَّلِينَ دَرَجاتٍ، مَن هم ؟ قُلْتُ: أمّا المُفَضَّلُونَ دَرَجَةً واحِدَةً فَهُمُ الَّذِينَ فُضِّلُوا عَلى القاعِدِينَ الأضِرّاءِ، وأمّا المُفَضَّلُونَ دَرَجاتٍ فالَّذِينَ فُضِّلُوا عَلى القاعِدِينَ الَّذِينَ أُذِنَ لَهم في التَّخَلُّفِ اكْتِفاءً بِغَيْرِهِمْ؛ لِأنَّ الغَزْوَ فَرْضُ كِفايَةٍ، انْتَهى كَلامُهُ. فَقالَ: أوَّلًا المَعْنى عَلى القاعِدِينَ غَيْرِ أُولِي الضَّرَرِ، وقالَ في هَذا الجَوابِ: عَلى القاعِدِينَ الأضِرّاءِ، وهَذا تَناقُضٌ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: دَرَجاتٍ، لا يُرادُ بِهِ عَدَدٌ مَخْصُوصٌ؛ بَلْ ذَلِكَ عَلى حَسَبِ اخْتِلافِ المُجاهِدِينَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هي السَّبْعُ المَذْكُورَةُ في بَراءَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم لا يُصِيبُهم ظَمَأٌ﴾ [التوبة: ١٢٠] الآياتِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: دَرَجاتُ الجِهادِ لَوْ حُصِرَتْ لَكانَتْ أكْثَرَ مِن هَذِهِ، انْتَهى. وقالَ ابْنُ مُحَيْرِيزٍ: الدَّرَجاتُ في الجَنَّةِ سَبْعُونَ دَرَجَةً؛ كُلُّ دَرَجَتَيْنِ حَضْرُ الجَوادِ المُضْمَرِ سَبْعِينَ سَنَةً. وإلى نَحْوِهِ ذَهَبَ مُقاتِلٌ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ. وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «أنَّ في الجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أعَدَّها اللَّهُ تَعالى لِلْمُجاهِدِينَ في سَبِيلِهِ بَيْنَ الدَّرَجَةِ والدَّرَجَةِ كَما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ» . وذَهَبَ بَعْضُ العُلَماءِ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ أجْرًا عَظِيمًا دَرَجاتٍ مِنهُ﴾ [النساء: ٩٥] هو عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، لا أنَّ مَدْلُولَ دَرَجَةٍ مُخالِفٌ لِمَدْلُولِ دَرَجاتٍ في المَعْنى؛ بَلْ هُما سَواءٌ في المَعْنى. قالَ تَعالى: ﴿ولِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨] لا يُرادُ بِها شَيْءٌ واحِدٌ؛ بَلْ أشْياءُ. وكَرَّرَ التَّفْضِيلَ لِلتَّأْكِيدِ والتَّرْغِيبِ في أمْرِ الجِهادِ وإلى هَذا ذَهَبَ الماتُرِيدِيُّ قالَ: وفي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الجِهادَ فَرْضُ كِفايَةٍ؛ حَيْثُ يَسْقُطُ بِقِيامِ بَعْضٍ، وإنْ كانَ خِطابُ قَوْلِهِ: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٠] يَعُمُّ، انْتَهى.
﴿وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ [النساء: ٩٥]؛ أيْ (وكُلًّا) مِنَ القاعِدِينَ والمُجاهِدِينَ. وقِيلَ (وكُلًّا) مِنَ (p-٣٣٣)القاعِدِينَ غَيْرِ أُولِي الضَّرَرِ، وأُولِي الضَّرَرِ والمُجاهِدِينَ. والحُسْنى هُنا: الجَنَّةُ بِاتِّفاقٍ. وقالَ عَبْدُ الجَبّارِ: هَذا الوَعْدُ لا يَلِيقُ بِأمْرِ الآخِرَةِ. ولَمّا ذَكَرَ ما لِلْمُجاهِدِينَ مِنَ الحَظِّ عاجِلًا جازَ أنْ يُتَوَهَّمَ أنَّهُ كَما اخْتُصَّ بِهَذِهِ النِّعَمِ؛ فَكَذَلِكَ يُخْتَصُّ بِالثَّوابِ. فَبَيَّنَ أنَّ لِلْقاعِدِينَ ما لِلْمُجاهِدِينَ مِنَ الحُسْنى في الوَعْدِ مَعَ ذَلِكَ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ لَهم فَضْلَ دَرَجاتٍ؛ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ لَأوْهَمَ أنَّ حالَهُما في الوَعْدِ بِالحُسْنى سَواءٌ، انْتَهى. وانْتَصَبَ كُلًّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ أوَّلُ لِـ (وعَدَ) والثّانِي هو الحُسْنى. وقُرِئَ: وكُلٌّ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، وحَذْفِ العائِدِ؛ أيْ وكُلَّهم وعَدَ اللَّهُ.
النساء 4:95
﴿وفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿دَرَجاتٍ مِنهُ ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ قِيلَ الدَّرَجاتُ بِاعْتِبارِ المَنازِلِ الرَّفِيعَةِ بَعْدَ إدْخالِ الجَنَّةِ والمَغْفِرَةِ بِاعْتِبارِ سَتْرِ الذَّنْبِ والرَّحْمَةُ بِاعْتِبارِ دُخُولِ الجَنَّةِ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّفْضِيلَ الخاصَّ لِلْمُجاهِدِ بِنَفْسِهِ ومالِهِ، ومَن تَفَرَّدَ بِأحَدِهِما لَيْسَ كَذَلِكَ. ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ مَن جاهَدَ، ومَن أنْفَقَ مالَهُ في الجِهادِ، لَيْسَ كَمَن جاهَدَ بِنَفَقَةٍ مِن عِنْدِ غَيْرِهِ.
وفِي انْتِصابِ دَرَجَةً، ودَرَجاتٍ وُجُوهٌ؛ أحَدُها: أنَّهُما يَنْتَصِبانِ انْتِصابَ المَصْدرِ لِوُقُوعِ دَرَجَةٍ مَوْقِعَ المَرَّةِ في التَّفْضِيلِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ فَضَّلَهم تَفْضِيلَهُ. كَما تَقُولُ: ضَرَبْتُهُ سَوْطًا، ووُقُوعُ دَرَجاتٍ مَوْقِعَ تَفْضِيلاتٍ كَما تَقُولُ: ضَرَبْتُهُ أسْواطًا تَعْنِي: ضَرَباتٍ. والثّانِي: أنَّهُما يَنْتَصِبانِ انْتِصابَ الحالِ؛ أيْ ذَوِي دَرَجَةٍ وذَوِي دَرَجاتٍ. والثّالِثُ: عَلى تَقْدِيرِ حَرْفِ الجَرِّ أيْ بِدَرَجَةٍ وبِدَرَجاتٍ. والرّابِعُ: أنَّهُما انْتَصَبا عَلى مَعْنى الظَّرْفِ؛ إذْ وقَعا مَوْقِعَهُ؛ أيْ في دَرَجَةٍ وفي دَرَجاتٍ. وقِيلَ انْتِصابُ دَرَجاتٍ عَلى البَدَلِ مِن أجْرًا قِيلَ ﴿ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً﴾ مَعْطُوفانِ عَلى دَرَجاتٍ. وقِيلَ انْتَصَبا بِإضْمارِ فِعْلِهِما؛ أيْ غَفَرَ ذَنْبَهم مَغْفِرَةً، ورَحِمَهم رَحْمَةً. وأمّا انْتِصابُ أجْرًا عَظِيمًا فَقِيلَ عَلى المَصْدَرِ؛ لِأنَّ مَعْنى فَضَّلَ مَعْنى أجْرٍ، فَهو مَصْدَرٌ مِنَ المَعْنى لا مِنَ اللَّفْظِ. وقِيلَ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ أيْ بِأجْرٍ. وقِيلَ مَفْعُولُ بِفَضْلِهِمْ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى (أعْطاهم) . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ونَصَبَ ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ النَّكِرَةِ الَّتِي هي دَرَجاتٌ مُقَدَّمَةٌ عَلَيْها، انْتَهى. وهَذا لا يَظْهَرُ؛ لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِعَدَمِ المُطابَقَةِ؛ لِأنَّ أجْرًا عَظِيمًا مُفْرَدٌ، ولا يَكُونُ نَعْتًا لِدَرَجاتٍ لِأنَّها جَمْعٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ونَصَبَ دَرَجاتٍ؛ إمّا عَلى البَدَلِ مِنَ الأجْرِ، وإمّا بِإضْمارِ فِعْلٍ (عَلى) أنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِلْأجْرِ، كَما نَقُولُ لَكَ: عَلَيَّ ألْفُ دِرْهَمٍ عُرْفًا؛ كَأنَّكَ قُلْتَ: أعْرِفُها عُرْفًا انْتَهى. وهَذا فِيهِ نَظَرٌ.
﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ﴾ رَوى البُخارِيُّ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ ناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ كانُوا مَعَ المُشْرِكِينَ يُكَثِّرُونَ سَوادَهم عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، يَأْتِي السَّهْمُ يُرْمى بِهِ فَيُصِيبُ أحَدَهم، أوْ يُضْرَبُ فَيَقْتُلُ؛ فَنَزَلَتْ. وقِيلَ قَوْمٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ أسْلَمُوا؛ فَلَمّا هاجَرَ الرَّسُولُ أقامُوا مَعَ قَوْمِهِمْ، وفُتِنَ مِنهم جَماعَةٌ؛ فَلَمّا كانَ يَوْمَ بَدْرٍ خَرَجَ مِنهم قَوْمٌ مَعَ الكُفّارِ؛ فَقُتِلُوا بِبَدْرٍ فَنَزَلَتْ» . قالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ في خَمْسَةٍ قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ: قَيْسُ بْنُ النّائِحَةِ بْنِ المُغِيرَةِ، والحارِثُ بْنُ زَمْعَةَ بْنِ الأسْوَدِ بْنِ أسَدٍ، وقَيْسُ بْنُ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وأبُو العاصِي بْنُ مُنَبِّهِ بْنِ الحَجّاجِ، وعَلِيُّ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ. وقالَ النَّقّاشُ: في أُناسٍ سِواهم أسْلَمُوا ثُمَّ خَرَجُوا إلى بَدْرٍ؛ فَلَمّا رَأوْا قِلَّةَ المُسْلِمِينَ قالُوا: غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهم.
ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها هي أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ثَوابَ مَن أقْدَمَ عَلى الجِهادِ؛ أتْبَعَهُ بِعِقابِ مَن قَعَدَ عَنِ الجِهادِ، وسَكَنَ في بِلادِ الكُفْرِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ: التَّوَفِّي هُنا قَبْضُ الأرْواحِ. وقالَ الحَسَنُ: الحَشْرُ إلى النّارِ. والمَلائِكَةُ هُنا قِيلَ مَلَكُ المَوْتِ، وهو مِن بابِ إطْلاقِ الجَمْعِ عَلى الواحِدَةِ تَفْخِيمًا لَهُ، وتَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ﴾ [السجدة: ١١] هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقِيلَ المُرادُ مَلَكُ المَوْتِ، وأعْوانُهُ، وهم سِتَّةٌ؛ ثَلاثَةٌ لِأرْواحِ (p-٣٣٤)المُؤْمِنِينَ، وثَلاثَةٌ لِأرْواحِ الكافِرِينَ. ويَشْهَدُ لِهَذا ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وهم لا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١]، وظُلْمُهم أنْفُسَهم بِتَرْكِ الهِجْرَةِ وقُعُودِهِمْ مَعَ قَوْمِهِمْ حِينَ رَجَعُوا لِلْقِتالِ، أوْ بِرُجُوعِهِمْ إلى الكُفْرِ، أوْ بِشَكِّهِمْ، أوْ بِإعانَةِ المُشْرِكِينَ، أقْوالٌ أرْبَعَةٌ: وتَوَفّاهم: ماضٍ لِقِراءَةِ مَن قَرَأ تَوَفَّتْهم، ولَمْ يُلْحِقْ تاءَ التَّأْنِيثِ لِلْفَصْلِ، ولِكَوْنِ تَأْنِيثِ المَلائِكَةِ مَجازًا، أوْ مُضارِعٌ، وأصْلُهُ تَتَوَفّاهم.
وقَرَأ إبْراهِيمُ: تُوَفّاهم بِضَمِّ التّاءِ مُضارِعُ وفَّيْتُ؛ والمَعْنى: إنَّ اللَّهَ يُوَفِّي المَلائِكَةَ أنْفُسَهم فَيَتَوَفَّوْنَها أيْ يُمَكِّنُهم مِنَ اسْتِيفائِها فَيَسْتَوْفُونَها. والضَّمِيرُ في (قالُوا) لِلْمَلائِكَةِ، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ، والرّابِطُ ضَمِيرٌ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى؛ التَّقْدِيرُ: قالُوا: قالُوا لَهم فِيمَ كُنْتُمْ ؟ وهَذا الِاسْتِفْهامُ مَعْناهُ التَّوْبِيخُ والتَّقْرِيعُ. والمَعْنى: في أيِّ شَيْءٍ كُنْتُمْ مِن أمْرِ دِينِكم ؟ وقِيلَ إنَّ أحْوالَ الدُّنْيا، وجَوابُهم لِلْمَلائِكَةِ اعْتِذارٌ عَنْ تَخَلُّفِهِمْ عَنِ الهِجْرَةِ، وإقامَتِهِمْ بِدارِ الكُفْرِ، وهو اعْتِذارٌ غَيْرُ صَحِيحٍ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ صَحَّ وُقُوعُ قَوْلِهِ: ﴿كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ﴾ جَوابًا عَنْ قَوْلِهِمْ: فِيمَ كُنْتُمْ ؟ وكانَ حَقُّ الجَوابِ أنْ يَقُولُوا: كُنّا في كَذا، ولَمْ يَكُنْ في شَيْءٍ ؟ قُلْتُ: مَعْنى فِيمَ كُنْتُمْ، التَّوْبِيخُ بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا في شَيْءٍ مِنَ الدِّينِ حَيْثُ قَدَرُوا عَلى الهِجْرَةِ، ولَمْ يُهاجِرُوا؛ فَقالُوا: كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ اعْتِذارًا مِمّا وُبِّخُوا بِهِ، واعْتِلالًا بِالِاسْتِضْعافِ، وأنَّهم لَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنَ الهِجْرَةِ حَتّى يَكُونُوا في شَيْءٍ، انْتَهى كَلامُهُ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ قَوْلَهم: كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ جَوابٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾ عَلى المَعْنى، لا عَلى اللَّفْظِ؛ لِأنَّ مَعْنى: ﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾ في أيِّ حالٍ مانِعَةٍ مِنَ الهِجْرَةِ كُنْتُمْ، قالُوا: كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ؛ أيْ في حالَةِ اسْتِضْعافٍ في الأرْضِ، بِحَيْثُ لا نَقْدِرُ عَلى الهِجْرَةِ، وهو جَوابٌ كَذِبٌ والأرْضُ هُنا أرْضُ مَكَّةَ.
﴿قالُوا ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ هَذا تَبْكِيتٌ مِنَ المَلائِكَةِ لَهم، ورَدٌّ لِما اعْتَذَرُوا بِهِ؛ أيْ لَسْتُمْ مُسْتَضْعَفِينَ، بَلْ كانَتْ لَكُمُ القُدْرَةُ عَلى الخُرُوجِ إلى بَعْضِ الأقْطارِ فَتُهاجِرُوا حَتّى تَلْحَقُوا بِالمُهاجِرِينَ، كَما فَعَلَ الَّذِينَ هاجَرُوا إلى الحَبَشَةِ، ثُمَّ لَحِقُوا بَعْدُ بِالمُؤْمِنِينَ بِالمَدِينَةِ. ومَعْنى فَتُهاجِرُوا فِيها؛ أيْ في قُطْرٍ مِن أقْطارِها، بِحَيْثُ تَأْمَنُونَ عَلى دِينِكم. وقِيلَ أرْضُ اللَّهِ أيِ المَدِينَةُ. واسِعَةً آمِنَةً لَكم مِنَ العَدُوِّ فَتَخْرُجُوا إلَيْها. وهَلْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ مُسْلِمُونَ خَرَجُوا مَعَ المُشْرِكِينَ في قِتالٍ فَقُتِلُوا ؟ أوْ مُنافِقُونَ، أوْ مُشْرِكُونَ ؟ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. الثّالِثُ قالَهُ الحَسَنُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قَوْلُ المَلائِكَةِ لَهم بَعْدَ تَوَفِّي أرْواحِهِمْ يَدُلُّ عَلى أنَّهم مُسْلِمُونَ، ولَوْ كانُوا كُفّارًا لَمْ يُقَلْ لَهم شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، وإنَّما لَمْ يُذْكَرُوا في الصَّحابَةِ لِشِدَّةِ ما واقَعُوهُ، ولِعَدَمِ تَعَيُّنِ أحَدٍ مِنهم بِالإيمانِ، واحْتِمالِ رِدَّتِهِ. انْتَهى مُلَخَّصًا. وقالَ السُّدِّيُّ: يَوْمَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ كانَ مَن أسْلَمَ ولَمْ يُهاجِرْ كافِرًا حَتّى يُهاجِرَ إلّا مَن لا يَسْتَطِيعُ حِيلَةً، ولا يَهْتَدِي سَبِيلًا، انْتَهى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والَّذِي تَقْتَضِيهِ الأُصُولُ أنَّ مَنِ ارْتَدَّ مِن أُولَئِكَ كافِرٌ، ومَأْواهُ جَهَنَّمُ عَلى جِهَةِ الخُلُودِ، ومَن كانَ مُؤْمِنًا فَماتَ بِمَكَّةَ ولَمْ يُهاجِرْ، أوْ أُخْرِجَ كُرْهًا فَقُتِلَ عاصٍ مَأْواهُ جَهَنَّمُ دُونَ خُلُودٍ. ولا حُجَّةَ لِلْمُعْتَزِلَةِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى التَّكْفِيرِ بِالمَعاصِي. وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن لا يَتَمَكَّنُ مِن إقامَةِ دِينِهِ في بَلَدٍ كَما يُحِبُّ وجَبَتْ عَلَيْهِ الهِجْرَةُ. ورُوِيَ في الحَدِيثِ «مَن فَرَّ بِدِينِهِ مَن أرْضٍ إلى أرْضٍ، وإنْ كانَ شِبْرًا مِنَ الأرْضِ اسْتَوْجَبْتُ لَهُ الجَنَّةَ، وكانَ رَفِيقَ أبِيهِ إبْراهِيمَ، ونَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ» .
﴿فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ الفاءُ لِلْعَطْفِ؛ عَطَفَتْ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ. وقِيلَ (فَأُولَئِكَ) خَبَرُ (إنَّ)، ودَخَلَتِ الفاءُ في خَبَرِ إنَّ تَشْبِيهًا لِاسْمِها بِاسْمِ الشَّرْطِ، وقالُوا: فِيمَ كُنْتُمْ حالٌ مِنَ المَلائِكَةِ، أوْ صِفَةٌ لِظالِمِي أنْفُسِهِمْ أيْ ظالِمِينَ أنْفُسَهم قائِلًا لَهُمُ المَلائِكَةُ: فِيمَ كُنْتُمْ ؟ وقِيلَ خَبَرُ إنَّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: هَلَكُوا، ثُمَّ فَسَّرَ الهَلاكَ بِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ .
(p-٣٣٥)﴿إلّا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ مِنَ الرِّجالِ جَماعَةٌ؛ كَعَيّاشِ بْنِ أبِي زَمْعَةَ، وسَلَمَةَ بْنِ هِشامٍ، والوَلِيدِ بْنِ الوَلِيدِ. ومِنَ النِّساءِ جَماعَةٌ: كَأُمِّ الفَضْلِ أُمامَةَ بِنْتِ الحارِثِ أُمِّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ. ومِنَ الوِلْدانِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ. فَإنْ أُرِيدَ بِالوِلْدانِ العَبِيدُ والإماءُ البالِغُونَ فَلا إشْكالَ في دُخُولِهِمْ في المُسْتَثْنَيْنَ، وإنْ أُرِيدَ بِالوِلْدانِ الأطْفالُ فَهم لا يَكُونُونَ إلّا عاجِزِينَ فَلا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِمْ وعِيدٌ بِخِلافِ الرِّجالِ والنِّساءِ قَدْ يَكُونُونَ عاجِزِينَ، وقَدْ يَكُونُونَ غَيْرَ عاجِزِينَ؛ وإنَّما ذُكِرُوا مَعَ الرِّجالِ والنِّساءِ، وإنْ كانُوا لا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِمُ الوَعِيدُ بِاعْتِبارِ أنَّ عَجْزَهم هو عَجْزٌ لِآبائِهِمُ الرِّجالِ والنِّساءِ؛ لِأنَّ مِن أقْوى أسْبابِ العَجْزِ وعَدَمِ الحِنْكَةِ كَوْنُ الرِّجالِ والنِّساءِ مَشْغُولِينَ بِأطْفالِهِمْ، مَشْغُوفِينَ بِهِمْ، فَيَعْجِزُونَ عَنِ الهِجْرَةِ بِسَبَبِ خَوْفِ ضَياعِ أطْفالِهِمْ ووِلْدانِهِمْ. فَذِكْرُ الوِلْدانِ في المُسْتَثْنَيْنَ، تَنْبِيهٌ عَلى أعْظَمِ طَرْقِ العَجْزِ لِلرِّجالِ والنِّساءِ؛ لِأنَّ طُرُقَ العَجْزِ لا تَنْحَصِرُ؛ فَنَبَّهَ بِذِكْرِ عَجْزِ الوِلْدانِ عَلى قُوَّةِ عَجْزِ الآباءِ والأُمَّهاتِ بِسَبَبِهِمْ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ المُراهِقُونَ مِنهُمُ الَّذِينَ عَقَلُوا ما يَعْقِلُ الرِّجالُ والنِّساءُ، فَيَلْحَقُوا بِهِمْ في التَّكْلِيفِ، انْتَهى. ولَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ المُراهِقَ لا يَلْحَقُ بِالمُكَلَّفِ أصْلًا، ولا وعِيدَ عَلَيْهِ ما لَمْ يُكَلَّفْ. وقِيلَ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالمُسْتَضْعَفِينَ أسْرى المُسْلِمِينَ الَّذِينَ هم في أيْدِي المُشْرِكِينَ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً إلى الخُرُوجِ، ولا يَهْتَدُونَ إلى تَخْلِيصِ أنْفُسِهِمْ. وهَذا الِاسْتِثْناءُ قالَ الزَّجّاجُ: هو مِن قَوْلِهِ: (مَأْواهم جَهَنَّمُ) . قالَ غَيْرُهُ: كَأنَّهُ قِيلَ فَأُولَئِكَ في جَهَنَّمَ إلّا المُسْتَضْعَفِينَ؛ فَعَلى هَذا اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ. والَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ إلى آخِرِهِ يَعُودُ الضَّمِيرُ في مَأْواهم إلَيْهِمْ. وهم عَلى أقْوالِ المُفَسِّرِينَ إمّا كَفّارٌ، وإمّا عُصاةٌ بِالتَّخَلُّفِ عَنِ الهِجْرَةِ، وهم قادِرُونَ؛ فَلَمْ يَنْدَرِجْ فِيهِمُ المُسْتَضْعَفُونَ المُسْتَثْنَوْنَ؛ لِأنَّهم عاجِزُونَ، فَهو مُنْقَطِعٌ.
﴿لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ . الحِيلَةُ: لَفْظٌ عامٌّ لِأنْواعِ أسْبابِ التَّخَلُّصِ. والسَّبِيلُ هُنا طَرِيقُ المَدِينَةِ قالَهُ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ. وغَيْرُهُما. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والصَّوابُ أنَّهُ عامٌّ في جَمِيعِ السُّبُلِ؛ يَعْنِي المُخَلِّصَةُ مِن دارِ الكُفْرِ، انْتَهى. وقِيلَ لا يَعْرِفُونَ طَرِيقًا إلى الخُرُوجِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ قِيلَ مُسْتَأْنَفَةٌ، وقِيلَ في مَوْضِعِ الحالِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: صِفَةٌ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ، أوِ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ. قالَ: وإنَّما جازَ ذَلِكَ والجُمَلُ نَكِراتٌ؛ لِأنَّ المَوْصُوفَ، وإنْ كانَ فِيهِ حَرْفُ التَّعْرِيفِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ بِعَيْنِهِ كَقَوْلِهِ:
؎ولَقَدْ أمُرُّ عَلى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي
انْتَهى كَلامُهُ.
وهُوَ تَخْرِيجٌ ذَهَبَ إلى مِثْلِهِ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ﴾ [يس: ٣٧]، وهو هَدْمٌ لِلْقاعِدَةِ المَشْهُورَةِ: بِأنَّ النَّكِرَةَ لا تُنْعَتُ إلّا بِالنَّكِرَةِ، والمَعْرِفَةَ لا تُنْعَتُ إلّا بِالمَعْرِفَةِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّها جُمْلَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِقَوْلِهِ: المُسْتَضْعَفِينَ؛ لِأنَّها في مَعْنى: إلّا الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فَجاءَ بَيانًا وتَفْسِيرًا لِذَلِكَ؛ لِأنَّ الِاسْتِضْعافَ يَكُونُ بِوُجُوهٍ فَبَيَّنَ جِهَةَ الِاسْتِضْعافِ النّافِعِ في التَّخَلُّفِ عَنِ الهِجْرَةِ، وهي عَدَمُ اسْتِطاعَةِ الحِيلَةِ وعَدَمُ اهْتِداءِ السَّبِيلِ. والثّانِي مُنْدَرِجٌ تَحْتَ الأوَّلِ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ انْتِفاءِ القُدْرَةِ عَلى الحِيلَةِ الَّتِي يَتَخَلَّصُ بِها انْتِفاءُ اهْتِداءِ السَّبِيلِ. ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ إلى مُسْلِمِي مَكَّةَ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ فَقالَ جُنْدُبُ بْنُ ضَمْرَةَ اللَّيْثِيُّ: ويُقالُ: جُنْدُعٌ بِالعَيْنِ، أوْ ضَمْرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ لِبَنِيهِ: احْمِلُونِي فَإنِّي لَسْتُ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ، وإنِّي لَأهْتَدِي (p-٣٣٦)الطَّرِيقَ، واللَّهِ لا أبِيتُ اللَّيْلَةَ بِمَكَّةَ، فَحَمَلُوهُ عَلى سَرِيرٍ مُتَوَجِّهًا إلى المَدِينَةِ، وكانَ شَيْخًا كَبِيرًا فَماتَ بِالتَّنْعِيمِ» .
﴿فَأُولَئِكَ عَسى اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ عَسى: كَلِمَةُ إطْماعٍ وتَرْجِيَةٍ، وأتى بِها، وإنْ كانَتْ مِنَ اللَّهِ واجِبَةً، دَلالَةً عَلى أنَّ تَرْكَ الهِجْرَةِ أمْرٌ صَعْبٌ لا فُسْحَةَ فِيهِ، حَتّى إنَّ المُضْطَرَّ البَيِّنَ الِاضْطِرارِ مِن حَقِّهِ أنْ يَقُولَ: عَسى اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنِّي. وقِيلَ مَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ يَعْفُو عَنْهُ في المُسْتَقْبَلِ، كَأنَّهُ وعَدَهم غُفْرانَ ذُنُوبِهِمْ، كَما قالَ: «إنَّ اللَّهَ قَدِ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ» فَقالَ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرَتْ لَكم.
﴿وكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ تَأْكِيدٌ في وقْعِ عَفْوِهِ عَنْ هَؤُلاءِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ هَذا المُتَرَجّى هو واقِعٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمْ يَزَلْ مُتَّصِفًا بِالعَفْوِ والمَغْفِرَةِ.
النساء 4:96
﴿وفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿دَرَجاتٍ مِنهُ ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ قِيلَ الدَّرَجاتُ بِاعْتِبارِ المَنازِلِ الرَّفِيعَةِ بَعْدَ إدْخالِ الجَنَّةِ والمَغْفِرَةِ بِاعْتِبارِ سَتْرِ الذَّنْبِ والرَّحْمَةُ بِاعْتِبارِ دُخُولِ الجَنَّةِ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّفْضِيلَ الخاصَّ لِلْمُجاهِدِ بِنَفْسِهِ ومالِهِ، ومَن تَفَرَّدَ بِأحَدِهِما لَيْسَ كَذَلِكَ. ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ مَن جاهَدَ، ومَن أنْفَقَ مالَهُ في الجِهادِ، لَيْسَ كَمَن جاهَدَ بِنَفَقَةٍ مِن عِنْدِ غَيْرِهِ.
وفِي انْتِصابِ دَرَجَةً، ودَرَجاتٍ وُجُوهٌ؛ أحَدُها: أنَّهُما يَنْتَصِبانِ انْتِصابَ المَصْدرِ لِوُقُوعِ دَرَجَةٍ مَوْقِعَ المَرَّةِ في التَّفْضِيلِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ فَضَّلَهم تَفْضِيلَهُ. كَما تَقُولُ: ضَرَبْتُهُ سَوْطًا، ووُقُوعُ دَرَجاتٍ مَوْقِعَ تَفْضِيلاتٍ كَما تَقُولُ: ضَرَبْتُهُ أسْواطًا تَعْنِي: ضَرَباتٍ. والثّانِي: أنَّهُما يَنْتَصِبانِ انْتِصابَ الحالِ؛ أيْ ذَوِي دَرَجَةٍ وذَوِي دَرَجاتٍ. والثّالِثُ: عَلى تَقْدِيرِ حَرْفِ الجَرِّ أيْ بِدَرَجَةٍ وبِدَرَجاتٍ. والرّابِعُ: أنَّهُما انْتَصَبا عَلى مَعْنى الظَّرْفِ؛ إذْ وقَعا مَوْقِعَهُ؛ أيْ في دَرَجَةٍ وفي دَرَجاتٍ. وقِيلَ انْتِصابُ دَرَجاتٍ عَلى البَدَلِ مِن أجْرًا قِيلَ ﴿ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً﴾ مَعْطُوفانِ عَلى دَرَجاتٍ. وقِيلَ انْتَصَبا بِإضْمارِ فِعْلِهِما؛ أيْ غَفَرَ ذَنْبَهم مَغْفِرَةً، ورَحِمَهم رَحْمَةً. وأمّا انْتِصابُ أجْرًا عَظِيمًا فَقِيلَ عَلى المَصْدَرِ؛ لِأنَّ مَعْنى فَضَّلَ مَعْنى أجْرٍ، فَهو مَصْدَرٌ مِنَ المَعْنى لا مِنَ اللَّفْظِ. وقِيلَ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ أيْ بِأجْرٍ. وقِيلَ مَفْعُولُ بِفَضْلِهِمْ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى (أعْطاهم) . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ونَصَبَ ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ النَّكِرَةِ الَّتِي هي دَرَجاتٌ مُقَدَّمَةٌ عَلَيْها، انْتَهى. وهَذا لا يَظْهَرُ؛ لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِعَدَمِ المُطابَقَةِ؛ لِأنَّ أجْرًا عَظِيمًا مُفْرَدٌ، ولا يَكُونُ نَعْتًا لِدَرَجاتٍ لِأنَّها جَمْعٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ونَصَبَ دَرَجاتٍ؛ إمّا عَلى البَدَلِ مِنَ الأجْرِ، وإمّا بِإضْمارِ فِعْلٍ (عَلى) أنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِلْأجْرِ، كَما نَقُولُ لَكَ: عَلَيَّ ألْفُ دِرْهَمٍ عُرْفًا؛ كَأنَّكَ قُلْتَ: أعْرِفُها عُرْفًا انْتَهى. وهَذا فِيهِ نَظَرٌ.
﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ﴾ رَوى البُخارِيُّ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ ناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ كانُوا مَعَ المُشْرِكِينَ يُكَثِّرُونَ سَوادَهم عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، يَأْتِي السَّهْمُ يُرْمى بِهِ فَيُصِيبُ أحَدَهم، أوْ يُضْرَبُ فَيَقْتُلُ؛ فَنَزَلَتْ. وقِيلَ قَوْمٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ أسْلَمُوا؛ فَلَمّا هاجَرَ الرَّسُولُ أقامُوا مَعَ قَوْمِهِمْ، وفُتِنَ مِنهم جَماعَةٌ؛ فَلَمّا كانَ يَوْمَ بَدْرٍ خَرَجَ مِنهم قَوْمٌ مَعَ الكُفّارِ؛ فَقُتِلُوا بِبَدْرٍ فَنَزَلَتْ» . قالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ في خَمْسَةٍ قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ: قَيْسُ بْنُ النّائِحَةِ بْنِ المُغِيرَةِ، والحارِثُ بْنُ زَمْعَةَ بْنِ الأسْوَدِ بْنِ أسَدٍ، وقَيْسُ بْنُ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وأبُو العاصِي بْنُ مُنَبِّهِ بْنِ الحَجّاجِ، وعَلِيُّ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ. وقالَ النَّقّاشُ: في أُناسٍ سِواهم أسْلَمُوا ثُمَّ خَرَجُوا إلى بَدْرٍ؛ فَلَمّا رَأوْا قِلَّةَ المُسْلِمِينَ قالُوا: غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهم.
ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها هي أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ثَوابَ مَن أقْدَمَ عَلى الجِهادِ؛ أتْبَعَهُ بِعِقابِ مَن قَعَدَ عَنِ الجِهادِ، وسَكَنَ في بِلادِ الكُفْرِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ: التَّوَفِّي هُنا قَبْضُ الأرْواحِ. وقالَ الحَسَنُ: الحَشْرُ إلى النّارِ. والمَلائِكَةُ هُنا قِيلَ مَلَكُ المَوْتِ، وهو مِن بابِ إطْلاقِ الجَمْعِ عَلى الواحِدَةِ تَفْخِيمًا لَهُ، وتَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ﴾ [السجدة: ١١] هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقِيلَ المُرادُ مَلَكُ المَوْتِ، وأعْوانُهُ، وهم سِتَّةٌ؛ ثَلاثَةٌ لِأرْواحِ (p-٣٣٤)المُؤْمِنِينَ، وثَلاثَةٌ لِأرْواحِ الكافِرِينَ. ويَشْهَدُ لِهَذا ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وهم لا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١]، وظُلْمُهم أنْفُسَهم بِتَرْكِ الهِجْرَةِ وقُعُودِهِمْ مَعَ قَوْمِهِمْ حِينَ رَجَعُوا لِلْقِتالِ، أوْ بِرُجُوعِهِمْ إلى الكُفْرِ، أوْ بِشَكِّهِمْ، أوْ بِإعانَةِ المُشْرِكِينَ، أقْوالٌ أرْبَعَةٌ: وتَوَفّاهم: ماضٍ لِقِراءَةِ مَن قَرَأ تَوَفَّتْهم، ولَمْ يُلْحِقْ تاءَ التَّأْنِيثِ لِلْفَصْلِ، ولِكَوْنِ تَأْنِيثِ المَلائِكَةِ مَجازًا، أوْ مُضارِعٌ، وأصْلُهُ تَتَوَفّاهم.
وقَرَأ إبْراهِيمُ: تُوَفّاهم بِضَمِّ التّاءِ مُضارِعُ وفَّيْتُ؛ والمَعْنى: إنَّ اللَّهَ يُوَفِّي المَلائِكَةَ أنْفُسَهم فَيَتَوَفَّوْنَها أيْ يُمَكِّنُهم مِنَ اسْتِيفائِها فَيَسْتَوْفُونَها. والضَّمِيرُ في (قالُوا) لِلْمَلائِكَةِ، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ، والرّابِطُ ضَمِيرٌ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى؛ التَّقْدِيرُ: قالُوا: قالُوا لَهم فِيمَ كُنْتُمْ ؟ وهَذا الِاسْتِفْهامُ مَعْناهُ التَّوْبِيخُ والتَّقْرِيعُ. والمَعْنى: في أيِّ شَيْءٍ كُنْتُمْ مِن أمْرِ دِينِكم ؟ وقِيلَ إنَّ أحْوالَ الدُّنْيا، وجَوابُهم لِلْمَلائِكَةِ اعْتِذارٌ عَنْ تَخَلُّفِهِمْ عَنِ الهِجْرَةِ، وإقامَتِهِمْ بِدارِ الكُفْرِ، وهو اعْتِذارٌ غَيْرُ صَحِيحٍ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ صَحَّ وُقُوعُ قَوْلِهِ: ﴿كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ﴾ جَوابًا عَنْ قَوْلِهِمْ: فِيمَ كُنْتُمْ ؟ وكانَ حَقُّ الجَوابِ أنْ يَقُولُوا: كُنّا في كَذا، ولَمْ يَكُنْ في شَيْءٍ ؟ قُلْتُ: مَعْنى فِيمَ كُنْتُمْ، التَّوْبِيخُ بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا في شَيْءٍ مِنَ الدِّينِ حَيْثُ قَدَرُوا عَلى الهِجْرَةِ، ولَمْ يُهاجِرُوا؛ فَقالُوا: كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ اعْتِذارًا مِمّا وُبِّخُوا بِهِ، واعْتِلالًا بِالِاسْتِضْعافِ، وأنَّهم لَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنَ الهِجْرَةِ حَتّى يَكُونُوا في شَيْءٍ، انْتَهى كَلامُهُ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ قَوْلَهم: كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ جَوابٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾ عَلى المَعْنى، لا عَلى اللَّفْظِ؛ لِأنَّ مَعْنى: ﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾ في أيِّ حالٍ مانِعَةٍ مِنَ الهِجْرَةِ كُنْتُمْ، قالُوا: كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ؛ أيْ في حالَةِ اسْتِضْعافٍ في الأرْضِ، بِحَيْثُ لا نَقْدِرُ عَلى الهِجْرَةِ، وهو جَوابٌ كَذِبٌ والأرْضُ هُنا أرْضُ مَكَّةَ.
﴿قالُوا ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ هَذا تَبْكِيتٌ مِنَ المَلائِكَةِ لَهم، ورَدٌّ لِما اعْتَذَرُوا بِهِ؛ أيْ لَسْتُمْ مُسْتَضْعَفِينَ، بَلْ كانَتْ لَكُمُ القُدْرَةُ عَلى الخُرُوجِ إلى بَعْضِ الأقْطارِ فَتُهاجِرُوا حَتّى تَلْحَقُوا بِالمُهاجِرِينَ، كَما فَعَلَ الَّذِينَ هاجَرُوا إلى الحَبَشَةِ، ثُمَّ لَحِقُوا بَعْدُ بِالمُؤْمِنِينَ بِالمَدِينَةِ. ومَعْنى فَتُهاجِرُوا فِيها؛ أيْ في قُطْرٍ مِن أقْطارِها، بِحَيْثُ تَأْمَنُونَ عَلى دِينِكم. وقِيلَ أرْضُ اللَّهِ أيِ المَدِينَةُ. واسِعَةً آمِنَةً لَكم مِنَ العَدُوِّ فَتَخْرُجُوا إلَيْها. وهَلْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ مُسْلِمُونَ خَرَجُوا مَعَ المُشْرِكِينَ في قِتالٍ فَقُتِلُوا ؟ أوْ مُنافِقُونَ، أوْ مُشْرِكُونَ ؟ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. الثّالِثُ قالَهُ الحَسَنُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قَوْلُ المَلائِكَةِ لَهم بَعْدَ تَوَفِّي أرْواحِهِمْ يَدُلُّ عَلى أنَّهم مُسْلِمُونَ، ولَوْ كانُوا كُفّارًا لَمْ يُقَلْ لَهم شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، وإنَّما لَمْ يُذْكَرُوا في الصَّحابَةِ لِشِدَّةِ ما واقَعُوهُ، ولِعَدَمِ تَعَيُّنِ أحَدٍ مِنهم بِالإيمانِ، واحْتِمالِ رِدَّتِهِ. انْتَهى مُلَخَّصًا. وقالَ السُّدِّيُّ: يَوْمَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ كانَ مَن أسْلَمَ ولَمْ يُهاجِرْ كافِرًا حَتّى يُهاجِرَ إلّا مَن لا يَسْتَطِيعُ حِيلَةً، ولا يَهْتَدِي سَبِيلًا، انْتَهى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والَّذِي تَقْتَضِيهِ الأُصُولُ أنَّ مَنِ ارْتَدَّ مِن أُولَئِكَ كافِرٌ، ومَأْواهُ جَهَنَّمُ عَلى جِهَةِ الخُلُودِ، ومَن كانَ مُؤْمِنًا فَماتَ بِمَكَّةَ ولَمْ يُهاجِرْ، أوْ أُخْرِجَ كُرْهًا فَقُتِلَ عاصٍ مَأْواهُ جَهَنَّمُ دُونَ خُلُودٍ. ولا حُجَّةَ لِلْمُعْتَزِلَةِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى التَّكْفِيرِ بِالمَعاصِي. وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن لا يَتَمَكَّنُ مِن إقامَةِ دِينِهِ في بَلَدٍ كَما يُحِبُّ وجَبَتْ عَلَيْهِ الهِجْرَةُ. ورُوِيَ في الحَدِيثِ «مَن فَرَّ بِدِينِهِ مَن أرْضٍ إلى أرْضٍ، وإنْ كانَ شِبْرًا مِنَ الأرْضِ اسْتَوْجَبْتُ لَهُ الجَنَّةَ، وكانَ رَفِيقَ أبِيهِ إبْراهِيمَ، ونَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ» .
﴿فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ الفاءُ لِلْعَطْفِ؛ عَطَفَتْ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ. وقِيلَ (فَأُولَئِكَ) خَبَرُ (إنَّ)، ودَخَلَتِ الفاءُ في خَبَرِ إنَّ تَشْبِيهًا لِاسْمِها بِاسْمِ الشَّرْطِ، وقالُوا: فِيمَ كُنْتُمْ حالٌ مِنَ المَلائِكَةِ، أوْ صِفَةٌ لِظالِمِي أنْفُسِهِمْ أيْ ظالِمِينَ أنْفُسَهم قائِلًا لَهُمُ المَلائِكَةُ: فِيمَ كُنْتُمْ ؟ وقِيلَ خَبَرُ إنَّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: هَلَكُوا، ثُمَّ فَسَّرَ الهَلاكَ بِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ .
(p-٣٣٥)﴿إلّا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ مِنَ الرِّجالِ جَماعَةٌ؛ كَعَيّاشِ بْنِ أبِي زَمْعَةَ، وسَلَمَةَ بْنِ هِشامٍ، والوَلِيدِ بْنِ الوَلِيدِ. ومِنَ النِّساءِ جَماعَةٌ: كَأُمِّ الفَضْلِ أُمامَةَ بِنْتِ الحارِثِ أُمِّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ. ومِنَ الوِلْدانِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ. فَإنْ أُرِيدَ بِالوِلْدانِ العَبِيدُ والإماءُ البالِغُونَ فَلا إشْكالَ في دُخُولِهِمْ في المُسْتَثْنَيْنَ، وإنْ أُرِيدَ بِالوِلْدانِ الأطْفالُ فَهم لا يَكُونُونَ إلّا عاجِزِينَ فَلا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِمْ وعِيدٌ بِخِلافِ الرِّجالِ والنِّساءِ قَدْ يَكُونُونَ عاجِزِينَ، وقَدْ يَكُونُونَ غَيْرَ عاجِزِينَ؛ وإنَّما ذُكِرُوا مَعَ الرِّجالِ والنِّساءِ، وإنْ كانُوا لا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِمُ الوَعِيدُ بِاعْتِبارِ أنَّ عَجْزَهم هو عَجْزٌ لِآبائِهِمُ الرِّجالِ والنِّساءِ؛ لِأنَّ مِن أقْوى أسْبابِ العَجْزِ وعَدَمِ الحِنْكَةِ كَوْنُ الرِّجالِ والنِّساءِ مَشْغُولِينَ بِأطْفالِهِمْ، مَشْغُوفِينَ بِهِمْ، فَيَعْجِزُونَ عَنِ الهِجْرَةِ بِسَبَبِ خَوْفِ ضَياعِ أطْفالِهِمْ ووِلْدانِهِمْ. فَذِكْرُ الوِلْدانِ في المُسْتَثْنَيْنَ، تَنْبِيهٌ عَلى أعْظَمِ طَرْقِ العَجْزِ لِلرِّجالِ والنِّساءِ؛ لِأنَّ طُرُقَ العَجْزِ لا تَنْحَصِرُ؛ فَنَبَّهَ بِذِكْرِ عَجْزِ الوِلْدانِ عَلى قُوَّةِ عَجْزِ الآباءِ والأُمَّهاتِ بِسَبَبِهِمْ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ المُراهِقُونَ مِنهُمُ الَّذِينَ عَقَلُوا ما يَعْقِلُ الرِّجالُ والنِّساءُ، فَيَلْحَقُوا بِهِمْ في التَّكْلِيفِ، انْتَهى. ولَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ المُراهِقَ لا يَلْحَقُ بِالمُكَلَّفِ أصْلًا، ولا وعِيدَ عَلَيْهِ ما لَمْ يُكَلَّفْ. وقِيلَ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالمُسْتَضْعَفِينَ أسْرى المُسْلِمِينَ الَّذِينَ هم في أيْدِي المُشْرِكِينَ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً إلى الخُرُوجِ، ولا يَهْتَدُونَ إلى تَخْلِيصِ أنْفُسِهِمْ. وهَذا الِاسْتِثْناءُ قالَ الزَّجّاجُ: هو مِن قَوْلِهِ: (مَأْواهم جَهَنَّمُ) . قالَ غَيْرُهُ: كَأنَّهُ قِيلَ فَأُولَئِكَ في جَهَنَّمَ إلّا المُسْتَضْعَفِينَ؛ فَعَلى هَذا اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ. والَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ إلى آخِرِهِ يَعُودُ الضَّمِيرُ في مَأْواهم إلَيْهِمْ. وهم عَلى أقْوالِ المُفَسِّرِينَ إمّا كَفّارٌ، وإمّا عُصاةٌ بِالتَّخَلُّفِ عَنِ الهِجْرَةِ، وهم قادِرُونَ؛ فَلَمْ يَنْدَرِجْ فِيهِمُ المُسْتَضْعَفُونَ المُسْتَثْنَوْنَ؛ لِأنَّهم عاجِزُونَ، فَهو مُنْقَطِعٌ.
﴿لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ . الحِيلَةُ: لَفْظٌ عامٌّ لِأنْواعِ أسْبابِ التَّخَلُّصِ. والسَّبِيلُ هُنا طَرِيقُ المَدِينَةِ قالَهُ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ. وغَيْرُهُما. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والصَّوابُ أنَّهُ عامٌّ في جَمِيعِ السُّبُلِ؛ يَعْنِي المُخَلِّصَةُ مِن دارِ الكُفْرِ، انْتَهى. وقِيلَ لا يَعْرِفُونَ طَرِيقًا إلى الخُرُوجِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ قِيلَ مُسْتَأْنَفَةٌ، وقِيلَ في مَوْضِعِ الحالِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: صِفَةٌ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ، أوِ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ. قالَ: وإنَّما جازَ ذَلِكَ والجُمَلُ نَكِراتٌ؛ لِأنَّ المَوْصُوفَ، وإنْ كانَ فِيهِ حَرْفُ التَّعْرِيفِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ بِعَيْنِهِ كَقَوْلِهِ:
؎ولَقَدْ أمُرُّ عَلى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي
انْتَهى كَلامُهُ.
وهُوَ تَخْرِيجٌ ذَهَبَ إلى مِثْلِهِ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ﴾ [يس: ٣٧]، وهو هَدْمٌ لِلْقاعِدَةِ المَشْهُورَةِ: بِأنَّ النَّكِرَةَ لا تُنْعَتُ إلّا بِالنَّكِرَةِ، والمَعْرِفَةَ لا تُنْعَتُ إلّا بِالمَعْرِفَةِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّها جُمْلَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِقَوْلِهِ: المُسْتَضْعَفِينَ؛ لِأنَّها في مَعْنى: إلّا الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فَجاءَ بَيانًا وتَفْسِيرًا لِذَلِكَ؛ لِأنَّ الِاسْتِضْعافَ يَكُونُ بِوُجُوهٍ فَبَيَّنَ جِهَةَ الِاسْتِضْعافِ النّافِعِ في التَّخَلُّفِ عَنِ الهِجْرَةِ، وهي عَدَمُ اسْتِطاعَةِ الحِيلَةِ وعَدَمُ اهْتِداءِ السَّبِيلِ. والثّانِي مُنْدَرِجٌ تَحْتَ الأوَّلِ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ انْتِفاءِ القُدْرَةِ عَلى الحِيلَةِ الَّتِي يَتَخَلَّصُ بِها انْتِفاءُ اهْتِداءِ السَّبِيلِ. ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ إلى مُسْلِمِي مَكَّةَ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ فَقالَ جُنْدُبُ بْنُ ضَمْرَةَ اللَّيْثِيُّ: ويُقالُ: جُنْدُعٌ بِالعَيْنِ، أوْ ضَمْرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ لِبَنِيهِ: احْمِلُونِي فَإنِّي لَسْتُ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ، وإنِّي لَأهْتَدِي (p-٣٣٦)الطَّرِيقَ، واللَّهِ لا أبِيتُ اللَّيْلَةَ بِمَكَّةَ، فَحَمَلُوهُ عَلى سَرِيرٍ مُتَوَجِّهًا إلى المَدِينَةِ، وكانَ شَيْخًا كَبِيرًا فَماتَ بِالتَّنْعِيمِ» .
﴿فَأُولَئِكَ عَسى اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ عَسى: كَلِمَةُ إطْماعٍ وتَرْجِيَةٍ، وأتى بِها، وإنْ كانَتْ مِنَ اللَّهِ واجِبَةً، دَلالَةً عَلى أنَّ تَرْكَ الهِجْرَةِ أمْرٌ صَعْبٌ لا فُسْحَةَ فِيهِ، حَتّى إنَّ المُضْطَرَّ البَيِّنَ الِاضْطِرارِ مِن حَقِّهِ أنْ يَقُولَ: عَسى اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنِّي. وقِيلَ مَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ يَعْفُو عَنْهُ في المُسْتَقْبَلِ، كَأنَّهُ وعَدَهم غُفْرانَ ذُنُوبِهِمْ، كَما قالَ: «إنَّ اللَّهَ قَدِ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ» فَقالَ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرَتْ لَكم.
﴿وكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ تَأْكِيدٌ في وقْعِ عَفْوِهِ عَنْ هَؤُلاءِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ هَذا المُتَرَجّى هو واقِعٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمْ يَزَلْ مُتَّصِفًا بِالعَفْوِ والمَغْفِرَةِ.
النساء 4:97
﴿وفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿دَرَجاتٍ مِنهُ ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ قِيلَ الدَّرَجاتُ بِاعْتِبارِ المَنازِلِ الرَّفِيعَةِ بَعْدَ إدْخالِ الجَنَّةِ والمَغْفِرَةِ بِاعْتِبارِ سَتْرِ الذَّنْبِ والرَّحْمَةُ بِاعْتِبارِ دُخُولِ الجَنَّةِ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّفْضِيلَ الخاصَّ لِلْمُجاهِدِ بِنَفْسِهِ ومالِهِ، ومَن تَفَرَّدَ بِأحَدِهِما لَيْسَ كَذَلِكَ. ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ مَن جاهَدَ، ومَن أنْفَقَ مالَهُ في الجِهادِ، لَيْسَ كَمَن جاهَدَ بِنَفَقَةٍ مِن عِنْدِ غَيْرِهِ.
وفِي انْتِصابِ دَرَجَةً، ودَرَجاتٍ وُجُوهٌ؛ أحَدُها: أنَّهُما يَنْتَصِبانِ انْتِصابَ المَصْدرِ لِوُقُوعِ دَرَجَةٍ مَوْقِعَ المَرَّةِ في التَّفْضِيلِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ فَضَّلَهم تَفْضِيلَهُ. كَما تَقُولُ: ضَرَبْتُهُ سَوْطًا، ووُقُوعُ دَرَجاتٍ مَوْقِعَ تَفْضِيلاتٍ كَما تَقُولُ: ضَرَبْتُهُ أسْواطًا تَعْنِي: ضَرَباتٍ. والثّانِي: أنَّهُما يَنْتَصِبانِ انْتِصابَ الحالِ؛ أيْ ذَوِي دَرَجَةٍ وذَوِي دَرَجاتٍ. والثّالِثُ: عَلى تَقْدِيرِ حَرْفِ الجَرِّ أيْ بِدَرَجَةٍ وبِدَرَجاتٍ. والرّابِعُ: أنَّهُما انْتَصَبا عَلى مَعْنى الظَّرْفِ؛ إذْ وقَعا مَوْقِعَهُ؛ أيْ في دَرَجَةٍ وفي دَرَجاتٍ. وقِيلَ انْتِصابُ دَرَجاتٍ عَلى البَدَلِ مِن أجْرًا قِيلَ ﴿ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً﴾ مَعْطُوفانِ عَلى دَرَجاتٍ. وقِيلَ انْتَصَبا بِإضْمارِ فِعْلِهِما؛ أيْ غَفَرَ ذَنْبَهم مَغْفِرَةً، ورَحِمَهم رَحْمَةً. وأمّا انْتِصابُ أجْرًا عَظِيمًا فَقِيلَ عَلى المَصْدَرِ؛ لِأنَّ مَعْنى فَضَّلَ مَعْنى أجْرٍ، فَهو مَصْدَرٌ مِنَ المَعْنى لا مِنَ اللَّفْظِ. وقِيلَ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ أيْ بِأجْرٍ. وقِيلَ مَفْعُولُ بِفَضْلِهِمْ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى (أعْطاهم) . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ونَصَبَ ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ النَّكِرَةِ الَّتِي هي دَرَجاتٌ مُقَدَّمَةٌ عَلَيْها، انْتَهى. وهَذا لا يَظْهَرُ؛ لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِعَدَمِ المُطابَقَةِ؛ لِأنَّ أجْرًا عَظِيمًا مُفْرَدٌ، ولا يَكُونُ نَعْتًا لِدَرَجاتٍ لِأنَّها جَمْعٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ونَصَبَ دَرَجاتٍ؛ إمّا عَلى البَدَلِ مِنَ الأجْرِ، وإمّا بِإضْمارِ فِعْلٍ (عَلى) أنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِلْأجْرِ، كَما نَقُولُ لَكَ: عَلَيَّ ألْفُ دِرْهَمٍ عُرْفًا؛ كَأنَّكَ قُلْتَ: أعْرِفُها عُرْفًا انْتَهى. وهَذا فِيهِ نَظَرٌ.
﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ﴾ رَوى البُخارِيُّ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ ناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ كانُوا مَعَ المُشْرِكِينَ يُكَثِّرُونَ سَوادَهم عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، يَأْتِي السَّهْمُ يُرْمى بِهِ فَيُصِيبُ أحَدَهم، أوْ يُضْرَبُ فَيَقْتُلُ؛ فَنَزَلَتْ. وقِيلَ قَوْمٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ أسْلَمُوا؛ فَلَمّا هاجَرَ الرَّسُولُ أقامُوا مَعَ قَوْمِهِمْ، وفُتِنَ مِنهم جَماعَةٌ؛ فَلَمّا كانَ يَوْمَ بَدْرٍ خَرَجَ مِنهم قَوْمٌ مَعَ الكُفّارِ؛ فَقُتِلُوا بِبَدْرٍ فَنَزَلَتْ» . قالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ في خَمْسَةٍ قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ: قَيْسُ بْنُ النّائِحَةِ بْنِ المُغِيرَةِ، والحارِثُ بْنُ زَمْعَةَ بْنِ الأسْوَدِ بْنِ أسَدٍ، وقَيْسُ بْنُ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وأبُو العاصِي بْنُ مُنَبِّهِ بْنِ الحَجّاجِ، وعَلِيُّ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ. وقالَ النَّقّاشُ: في أُناسٍ سِواهم أسْلَمُوا ثُمَّ خَرَجُوا إلى بَدْرٍ؛ فَلَمّا رَأوْا قِلَّةَ المُسْلِمِينَ قالُوا: غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهم.
ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها هي أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ثَوابَ مَن أقْدَمَ عَلى الجِهادِ؛ أتْبَعَهُ بِعِقابِ مَن قَعَدَ عَنِ الجِهادِ، وسَكَنَ في بِلادِ الكُفْرِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ: التَّوَفِّي هُنا قَبْضُ الأرْواحِ. وقالَ الحَسَنُ: الحَشْرُ إلى النّارِ. والمَلائِكَةُ هُنا قِيلَ مَلَكُ المَوْتِ، وهو مِن بابِ إطْلاقِ الجَمْعِ عَلى الواحِدَةِ تَفْخِيمًا لَهُ، وتَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ﴾ [السجدة: ١١] هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقِيلَ المُرادُ مَلَكُ المَوْتِ، وأعْوانُهُ، وهم سِتَّةٌ؛ ثَلاثَةٌ لِأرْواحِ (p-٣٣٤)المُؤْمِنِينَ، وثَلاثَةٌ لِأرْواحِ الكافِرِينَ. ويَشْهَدُ لِهَذا ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وهم لا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١]، وظُلْمُهم أنْفُسَهم بِتَرْكِ الهِجْرَةِ وقُعُودِهِمْ مَعَ قَوْمِهِمْ حِينَ رَجَعُوا لِلْقِتالِ، أوْ بِرُجُوعِهِمْ إلى الكُفْرِ، أوْ بِشَكِّهِمْ، أوْ بِإعانَةِ المُشْرِكِينَ، أقْوالٌ أرْبَعَةٌ: وتَوَفّاهم: ماضٍ لِقِراءَةِ مَن قَرَأ تَوَفَّتْهم، ولَمْ يُلْحِقْ تاءَ التَّأْنِيثِ لِلْفَصْلِ، ولِكَوْنِ تَأْنِيثِ المَلائِكَةِ مَجازًا، أوْ مُضارِعٌ، وأصْلُهُ تَتَوَفّاهم.
وقَرَأ إبْراهِيمُ: تُوَفّاهم بِضَمِّ التّاءِ مُضارِعُ وفَّيْتُ؛ والمَعْنى: إنَّ اللَّهَ يُوَفِّي المَلائِكَةَ أنْفُسَهم فَيَتَوَفَّوْنَها أيْ يُمَكِّنُهم مِنَ اسْتِيفائِها فَيَسْتَوْفُونَها. والضَّمِيرُ في (قالُوا) لِلْمَلائِكَةِ، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ، والرّابِطُ ضَمِيرٌ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى؛ التَّقْدِيرُ: قالُوا: قالُوا لَهم فِيمَ كُنْتُمْ ؟ وهَذا الِاسْتِفْهامُ مَعْناهُ التَّوْبِيخُ والتَّقْرِيعُ. والمَعْنى: في أيِّ شَيْءٍ كُنْتُمْ مِن أمْرِ دِينِكم ؟ وقِيلَ إنَّ أحْوالَ الدُّنْيا، وجَوابُهم لِلْمَلائِكَةِ اعْتِذارٌ عَنْ تَخَلُّفِهِمْ عَنِ الهِجْرَةِ، وإقامَتِهِمْ بِدارِ الكُفْرِ، وهو اعْتِذارٌ غَيْرُ صَحِيحٍ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ صَحَّ وُقُوعُ قَوْلِهِ: ﴿كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ﴾ جَوابًا عَنْ قَوْلِهِمْ: فِيمَ كُنْتُمْ ؟ وكانَ حَقُّ الجَوابِ أنْ يَقُولُوا: كُنّا في كَذا، ولَمْ يَكُنْ في شَيْءٍ ؟ قُلْتُ: مَعْنى فِيمَ كُنْتُمْ، التَّوْبِيخُ بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا في شَيْءٍ مِنَ الدِّينِ حَيْثُ قَدَرُوا عَلى الهِجْرَةِ، ولَمْ يُهاجِرُوا؛ فَقالُوا: كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ اعْتِذارًا مِمّا وُبِّخُوا بِهِ، واعْتِلالًا بِالِاسْتِضْعافِ، وأنَّهم لَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنَ الهِجْرَةِ حَتّى يَكُونُوا في شَيْءٍ، انْتَهى كَلامُهُ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ قَوْلَهم: كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ جَوابٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾ عَلى المَعْنى، لا عَلى اللَّفْظِ؛ لِأنَّ مَعْنى: ﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾ في أيِّ حالٍ مانِعَةٍ مِنَ الهِجْرَةِ كُنْتُمْ، قالُوا: كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ؛ أيْ في حالَةِ اسْتِضْعافٍ في الأرْضِ، بِحَيْثُ لا نَقْدِرُ عَلى الهِجْرَةِ، وهو جَوابٌ كَذِبٌ والأرْضُ هُنا أرْضُ مَكَّةَ.
﴿قالُوا ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ هَذا تَبْكِيتٌ مِنَ المَلائِكَةِ لَهم، ورَدٌّ لِما اعْتَذَرُوا بِهِ؛ أيْ لَسْتُمْ مُسْتَضْعَفِينَ، بَلْ كانَتْ لَكُمُ القُدْرَةُ عَلى الخُرُوجِ إلى بَعْضِ الأقْطارِ فَتُهاجِرُوا حَتّى تَلْحَقُوا بِالمُهاجِرِينَ، كَما فَعَلَ الَّذِينَ هاجَرُوا إلى الحَبَشَةِ، ثُمَّ لَحِقُوا بَعْدُ بِالمُؤْمِنِينَ بِالمَدِينَةِ. ومَعْنى فَتُهاجِرُوا فِيها؛ أيْ في قُطْرٍ مِن أقْطارِها، بِحَيْثُ تَأْمَنُونَ عَلى دِينِكم. وقِيلَ أرْضُ اللَّهِ أيِ المَدِينَةُ. واسِعَةً آمِنَةً لَكم مِنَ العَدُوِّ فَتَخْرُجُوا إلَيْها. وهَلْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ مُسْلِمُونَ خَرَجُوا مَعَ المُشْرِكِينَ في قِتالٍ فَقُتِلُوا ؟ أوْ مُنافِقُونَ، أوْ مُشْرِكُونَ ؟ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. الثّالِثُ قالَهُ الحَسَنُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قَوْلُ المَلائِكَةِ لَهم بَعْدَ تَوَفِّي أرْواحِهِمْ يَدُلُّ عَلى أنَّهم مُسْلِمُونَ، ولَوْ كانُوا كُفّارًا لَمْ يُقَلْ لَهم شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، وإنَّما لَمْ يُذْكَرُوا في الصَّحابَةِ لِشِدَّةِ ما واقَعُوهُ، ولِعَدَمِ تَعَيُّنِ أحَدٍ مِنهم بِالإيمانِ، واحْتِمالِ رِدَّتِهِ. انْتَهى مُلَخَّصًا. وقالَ السُّدِّيُّ: يَوْمَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ كانَ مَن أسْلَمَ ولَمْ يُهاجِرْ كافِرًا حَتّى يُهاجِرَ إلّا مَن لا يَسْتَطِيعُ حِيلَةً، ولا يَهْتَدِي سَبِيلًا، انْتَهى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والَّذِي تَقْتَضِيهِ الأُصُولُ أنَّ مَنِ ارْتَدَّ مِن أُولَئِكَ كافِرٌ، ومَأْواهُ جَهَنَّمُ عَلى جِهَةِ الخُلُودِ، ومَن كانَ مُؤْمِنًا فَماتَ بِمَكَّةَ ولَمْ يُهاجِرْ، أوْ أُخْرِجَ كُرْهًا فَقُتِلَ عاصٍ مَأْواهُ جَهَنَّمُ دُونَ خُلُودٍ. ولا حُجَّةَ لِلْمُعْتَزِلَةِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى التَّكْفِيرِ بِالمَعاصِي. وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن لا يَتَمَكَّنُ مِن إقامَةِ دِينِهِ في بَلَدٍ كَما يُحِبُّ وجَبَتْ عَلَيْهِ الهِجْرَةُ. ورُوِيَ في الحَدِيثِ «مَن فَرَّ بِدِينِهِ مَن أرْضٍ إلى أرْضٍ، وإنْ كانَ شِبْرًا مِنَ الأرْضِ اسْتَوْجَبْتُ لَهُ الجَنَّةَ، وكانَ رَفِيقَ أبِيهِ إبْراهِيمَ، ونَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ» .
﴿فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ الفاءُ لِلْعَطْفِ؛ عَطَفَتْ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ. وقِيلَ (فَأُولَئِكَ) خَبَرُ (إنَّ)، ودَخَلَتِ الفاءُ في خَبَرِ إنَّ تَشْبِيهًا لِاسْمِها بِاسْمِ الشَّرْطِ، وقالُوا: فِيمَ كُنْتُمْ حالٌ مِنَ المَلائِكَةِ، أوْ صِفَةٌ لِظالِمِي أنْفُسِهِمْ أيْ ظالِمِينَ أنْفُسَهم قائِلًا لَهُمُ المَلائِكَةُ: فِيمَ كُنْتُمْ ؟ وقِيلَ خَبَرُ إنَّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: هَلَكُوا، ثُمَّ فَسَّرَ الهَلاكَ بِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ .
(p-٣٣٥)﴿إلّا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ مِنَ الرِّجالِ جَماعَةٌ؛ كَعَيّاشِ بْنِ أبِي زَمْعَةَ، وسَلَمَةَ بْنِ هِشامٍ، والوَلِيدِ بْنِ الوَلِيدِ. ومِنَ النِّساءِ جَماعَةٌ: كَأُمِّ الفَضْلِ أُمامَةَ بِنْتِ الحارِثِ أُمِّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ. ومِنَ الوِلْدانِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ. فَإنْ أُرِيدَ بِالوِلْدانِ العَبِيدُ والإماءُ البالِغُونَ فَلا إشْكالَ في دُخُولِهِمْ في المُسْتَثْنَيْنَ، وإنْ أُرِيدَ بِالوِلْدانِ الأطْفالُ فَهم لا يَكُونُونَ إلّا عاجِزِينَ فَلا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِمْ وعِيدٌ بِخِلافِ الرِّجالِ والنِّساءِ قَدْ يَكُونُونَ عاجِزِينَ، وقَدْ يَكُونُونَ غَيْرَ عاجِزِينَ؛ وإنَّما ذُكِرُوا مَعَ الرِّجالِ والنِّساءِ، وإنْ كانُوا لا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِمُ الوَعِيدُ بِاعْتِبارِ أنَّ عَجْزَهم هو عَجْزٌ لِآبائِهِمُ الرِّجالِ والنِّساءِ؛ لِأنَّ مِن أقْوى أسْبابِ العَجْزِ وعَدَمِ الحِنْكَةِ كَوْنُ الرِّجالِ والنِّساءِ مَشْغُولِينَ بِأطْفالِهِمْ، مَشْغُوفِينَ بِهِمْ، فَيَعْجِزُونَ عَنِ الهِجْرَةِ بِسَبَبِ خَوْفِ ضَياعِ أطْفالِهِمْ ووِلْدانِهِمْ. فَذِكْرُ الوِلْدانِ في المُسْتَثْنَيْنَ، تَنْبِيهٌ عَلى أعْظَمِ طَرْقِ العَجْزِ لِلرِّجالِ والنِّساءِ؛ لِأنَّ طُرُقَ العَجْزِ لا تَنْحَصِرُ؛ فَنَبَّهَ بِذِكْرِ عَجْزِ الوِلْدانِ عَلى قُوَّةِ عَجْزِ الآباءِ والأُمَّهاتِ بِسَبَبِهِمْ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ المُراهِقُونَ مِنهُمُ الَّذِينَ عَقَلُوا ما يَعْقِلُ الرِّجالُ والنِّساءُ، فَيَلْحَقُوا بِهِمْ في التَّكْلِيفِ، انْتَهى. ولَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ المُراهِقَ لا يَلْحَقُ بِالمُكَلَّفِ أصْلًا، ولا وعِيدَ عَلَيْهِ ما لَمْ يُكَلَّفْ. وقِيلَ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالمُسْتَضْعَفِينَ أسْرى المُسْلِمِينَ الَّذِينَ هم في أيْدِي المُشْرِكِينَ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً إلى الخُرُوجِ، ولا يَهْتَدُونَ إلى تَخْلِيصِ أنْفُسِهِمْ. وهَذا الِاسْتِثْناءُ قالَ الزَّجّاجُ: هو مِن قَوْلِهِ: (مَأْواهم جَهَنَّمُ) . قالَ غَيْرُهُ: كَأنَّهُ قِيلَ فَأُولَئِكَ في جَهَنَّمَ إلّا المُسْتَضْعَفِينَ؛ فَعَلى هَذا اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ. والَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ إلى آخِرِهِ يَعُودُ الضَّمِيرُ في مَأْواهم إلَيْهِمْ. وهم عَلى أقْوالِ المُفَسِّرِينَ إمّا كَفّارٌ، وإمّا عُصاةٌ بِالتَّخَلُّفِ عَنِ الهِجْرَةِ، وهم قادِرُونَ؛ فَلَمْ يَنْدَرِجْ فِيهِمُ المُسْتَضْعَفُونَ المُسْتَثْنَوْنَ؛ لِأنَّهم عاجِزُونَ، فَهو مُنْقَطِعٌ.
﴿لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ . الحِيلَةُ: لَفْظٌ عامٌّ لِأنْواعِ أسْبابِ التَّخَلُّصِ. والسَّبِيلُ هُنا طَرِيقُ المَدِينَةِ قالَهُ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ. وغَيْرُهُما. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والصَّوابُ أنَّهُ عامٌّ في جَمِيعِ السُّبُلِ؛ يَعْنِي المُخَلِّصَةُ مِن دارِ الكُفْرِ، انْتَهى. وقِيلَ لا يَعْرِفُونَ طَرِيقًا إلى الخُرُوجِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ قِيلَ مُسْتَأْنَفَةٌ، وقِيلَ في مَوْضِعِ الحالِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: صِفَةٌ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ، أوِ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ. قالَ: وإنَّما جازَ ذَلِكَ والجُمَلُ نَكِراتٌ؛ لِأنَّ المَوْصُوفَ، وإنْ كانَ فِيهِ حَرْفُ التَّعْرِيفِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ بِعَيْنِهِ كَقَوْلِهِ:
؎ولَقَدْ أمُرُّ عَلى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي
انْتَهى كَلامُهُ.
وهُوَ تَخْرِيجٌ ذَهَبَ إلى مِثْلِهِ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ﴾ [يس: ٣٧]، وهو هَدْمٌ لِلْقاعِدَةِ المَشْهُورَةِ: بِأنَّ النَّكِرَةَ لا تُنْعَتُ إلّا بِالنَّكِرَةِ، والمَعْرِفَةَ لا تُنْعَتُ إلّا بِالمَعْرِفَةِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّها جُمْلَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِقَوْلِهِ: المُسْتَضْعَفِينَ؛ لِأنَّها في مَعْنى: إلّا الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فَجاءَ بَيانًا وتَفْسِيرًا لِذَلِكَ؛ لِأنَّ الِاسْتِضْعافَ يَكُونُ بِوُجُوهٍ فَبَيَّنَ جِهَةَ الِاسْتِضْعافِ النّافِعِ في التَّخَلُّفِ عَنِ الهِجْرَةِ، وهي عَدَمُ اسْتِطاعَةِ الحِيلَةِ وعَدَمُ اهْتِداءِ السَّبِيلِ. والثّانِي مُنْدَرِجٌ تَحْتَ الأوَّلِ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ انْتِفاءِ القُدْرَةِ عَلى الحِيلَةِ الَّتِي يَتَخَلَّصُ بِها انْتِفاءُ اهْتِداءِ السَّبِيلِ. ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ إلى مُسْلِمِي مَكَّةَ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ فَقالَ جُنْدُبُ بْنُ ضَمْرَةَ اللَّيْثِيُّ: ويُقالُ: جُنْدُعٌ بِالعَيْنِ، أوْ ضَمْرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ لِبَنِيهِ: احْمِلُونِي فَإنِّي لَسْتُ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ، وإنِّي لَأهْتَدِي (p-٣٣٦)الطَّرِيقَ، واللَّهِ لا أبِيتُ اللَّيْلَةَ بِمَكَّةَ، فَحَمَلُوهُ عَلى سَرِيرٍ مُتَوَجِّهًا إلى المَدِينَةِ، وكانَ شَيْخًا كَبِيرًا فَماتَ بِالتَّنْعِيمِ» .
﴿فَأُولَئِكَ عَسى اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ عَسى: كَلِمَةُ إطْماعٍ وتَرْجِيَةٍ، وأتى بِها، وإنْ كانَتْ مِنَ اللَّهِ واجِبَةً، دَلالَةً عَلى أنَّ تَرْكَ الهِجْرَةِ أمْرٌ صَعْبٌ لا فُسْحَةَ فِيهِ، حَتّى إنَّ المُضْطَرَّ البَيِّنَ الِاضْطِرارِ مِن حَقِّهِ أنْ يَقُولَ: عَسى اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنِّي. وقِيلَ مَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ يَعْفُو عَنْهُ في المُسْتَقْبَلِ، كَأنَّهُ وعَدَهم غُفْرانَ ذُنُوبِهِمْ، كَما قالَ: «إنَّ اللَّهَ قَدِ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ» فَقالَ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرَتْ لَكم.
﴿وكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ تَأْكِيدٌ في وقْعِ عَفْوِهِ عَنْ هَؤُلاءِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ هَذا المُتَرَجّى هو واقِعٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمْ يَزَلْ مُتَّصِفًا بِالعَفْوِ والمَغْفِرَةِ.
النساء 4:98
﴿وفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿دَرَجاتٍ مِنهُ ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ قِيلَ الدَّرَجاتُ بِاعْتِبارِ المَنازِلِ الرَّفِيعَةِ بَعْدَ إدْخالِ الجَنَّةِ والمَغْفِرَةِ بِاعْتِبارِ سَتْرِ الذَّنْبِ والرَّحْمَةُ بِاعْتِبارِ دُخُولِ الجَنَّةِ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّفْضِيلَ الخاصَّ لِلْمُجاهِدِ بِنَفْسِهِ ومالِهِ، ومَن تَفَرَّدَ بِأحَدِهِما لَيْسَ كَذَلِكَ. ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ مَن جاهَدَ، ومَن أنْفَقَ مالَهُ في الجِهادِ، لَيْسَ كَمَن جاهَدَ بِنَفَقَةٍ مِن عِنْدِ غَيْرِهِ.
وفِي انْتِصابِ دَرَجَةً، ودَرَجاتٍ وُجُوهٌ؛ أحَدُها: أنَّهُما يَنْتَصِبانِ انْتِصابَ المَصْدرِ لِوُقُوعِ دَرَجَةٍ مَوْقِعَ المَرَّةِ في التَّفْضِيلِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ فَضَّلَهم تَفْضِيلَهُ. كَما تَقُولُ: ضَرَبْتُهُ سَوْطًا، ووُقُوعُ دَرَجاتٍ مَوْقِعَ تَفْضِيلاتٍ كَما تَقُولُ: ضَرَبْتُهُ أسْواطًا تَعْنِي: ضَرَباتٍ. والثّانِي: أنَّهُما يَنْتَصِبانِ انْتِصابَ الحالِ؛ أيْ ذَوِي دَرَجَةٍ وذَوِي دَرَجاتٍ. والثّالِثُ: عَلى تَقْدِيرِ حَرْفِ الجَرِّ أيْ بِدَرَجَةٍ وبِدَرَجاتٍ. والرّابِعُ: أنَّهُما انْتَصَبا عَلى مَعْنى الظَّرْفِ؛ إذْ وقَعا مَوْقِعَهُ؛ أيْ في دَرَجَةٍ وفي دَرَجاتٍ. وقِيلَ انْتِصابُ دَرَجاتٍ عَلى البَدَلِ مِن أجْرًا قِيلَ ﴿ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً﴾ مَعْطُوفانِ عَلى دَرَجاتٍ. وقِيلَ انْتَصَبا بِإضْمارِ فِعْلِهِما؛ أيْ غَفَرَ ذَنْبَهم مَغْفِرَةً، ورَحِمَهم رَحْمَةً. وأمّا انْتِصابُ أجْرًا عَظِيمًا فَقِيلَ عَلى المَصْدَرِ؛ لِأنَّ مَعْنى فَضَّلَ مَعْنى أجْرٍ، فَهو مَصْدَرٌ مِنَ المَعْنى لا مِنَ اللَّفْظِ. وقِيلَ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ أيْ بِأجْرٍ. وقِيلَ مَفْعُولُ بِفَضْلِهِمْ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى (أعْطاهم) . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ونَصَبَ ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ النَّكِرَةِ الَّتِي هي دَرَجاتٌ مُقَدَّمَةٌ عَلَيْها، انْتَهى. وهَذا لا يَظْهَرُ؛ لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِعَدَمِ المُطابَقَةِ؛ لِأنَّ أجْرًا عَظِيمًا مُفْرَدٌ، ولا يَكُونُ نَعْتًا لِدَرَجاتٍ لِأنَّها جَمْعٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ونَصَبَ دَرَجاتٍ؛ إمّا عَلى البَدَلِ مِنَ الأجْرِ، وإمّا بِإضْمارِ فِعْلٍ (عَلى) أنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِلْأجْرِ، كَما نَقُولُ لَكَ: عَلَيَّ ألْفُ دِرْهَمٍ عُرْفًا؛ كَأنَّكَ قُلْتَ: أعْرِفُها عُرْفًا انْتَهى. وهَذا فِيهِ نَظَرٌ.
﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ﴾ رَوى البُخارِيُّ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ ناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ كانُوا مَعَ المُشْرِكِينَ يُكَثِّرُونَ سَوادَهم عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، يَأْتِي السَّهْمُ يُرْمى بِهِ فَيُصِيبُ أحَدَهم، أوْ يُضْرَبُ فَيَقْتُلُ؛ فَنَزَلَتْ. وقِيلَ قَوْمٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ أسْلَمُوا؛ فَلَمّا هاجَرَ الرَّسُولُ أقامُوا مَعَ قَوْمِهِمْ، وفُتِنَ مِنهم جَماعَةٌ؛ فَلَمّا كانَ يَوْمَ بَدْرٍ خَرَجَ مِنهم قَوْمٌ مَعَ الكُفّارِ؛ فَقُتِلُوا بِبَدْرٍ فَنَزَلَتْ» . قالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ في خَمْسَةٍ قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ: قَيْسُ بْنُ النّائِحَةِ بْنِ المُغِيرَةِ، والحارِثُ بْنُ زَمْعَةَ بْنِ الأسْوَدِ بْنِ أسَدٍ، وقَيْسُ بْنُ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وأبُو العاصِي بْنُ مُنَبِّهِ بْنِ الحَجّاجِ، وعَلِيُّ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ. وقالَ النَّقّاشُ: في أُناسٍ سِواهم أسْلَمُوا ثُمَّ خَرَجُوا إلى بَدْرٍ؛ فَلَمّا رَأوْا قِلَّةَ المُسْلِمِينَ قالُوا: غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهم.
ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها هي أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ثَوابَ مَن أقْدَمَ عَلى الجِهادِ؛ أتْبَعَهُ بِعِقابِ مَن قَعَدَ عَنِ الجِهادِ، وسَكَنَ في بِلادِ الكُفْرِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ: التَّوَفِّي هُنا قَبْضُ الأرْواحِ. وقالَ الحَسَنُ: الحَشْرُ إلى النّارِ. والمَلائِكَةُ هُنا قِيلَ مَلَكُ المَوْتِ، وهو مِن بابِ إطْلاقِ الجَمْعِ عَلى الواحِدَةِ تَفْخِيمًا لَهُ، وتَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ﴾ [السجدة: ١١] هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقِيلَ المُرادُ مَلَكُ المَوْتِ، وأعْوانُهُ، وهم سِتَّةٌ؛ ثَلاثَةٌ لِأرْواحِ (p-٣٣٤)المُؤْمِنِينَ، وثَلاثَةٌ لِأرْواحِ الكافِرِينَ. ويَشْهَدُ لِهَذا ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وهم لا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١]، وظُلْمُهم أنْفُسَهم بِتَرْكِ الهِجْرَةِ وقُعُودِهِمْ مَعَ قَوْمِهِمْ حِينَ رَجَعُوا لِلْقِتالِ، أوْ بِرُجُوعِهِمْ إلى الكُفْرِ، أوْ بِشَكِّهِمْ، أوْ بِإعانَةِ المُشْرِكِينَ، أقْوالٌ أرْبَعَةٌ: وتَوَفّاهم: ماضٍ لِقِراءَةِ مَن قَرَأ تَوَفَّتْهم، ولَمْ يُلْحِقْ تاءَ التَّأْنِيثِ لِلْفَصْلِ، ولِكَوْنِ تَأْنِيثِ المَلائِكَةِ مَجازًا، أوْ مُضارِعٌ، وأصْلُهُ تَتَوَفّاهم.
وقَرَأ إبْراهِيمُ: تُوَفّاهم بِضَمِّ التّاءِ مُضارِعُ وفَّيْتُ؛ والمَعْنى: إنَّ اللَّهَ يُوَفِّي المَلائِكَةَ أنْفُسَهم فَيَتَوَفَّوْنَها أيْ يُمَكِّنُهم مِنَ اسْتِيفائِها فَيَسْتَوْفُونَها. والضَّمِيرُ في (قالُوا) لِلْمَلائِكَةِ، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ، والرّابِطُ ضَمِيرٌ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى؛ التَّقْدِيرُ: قالُوا: قالُوا لَهم فِيمَ كُنْتُمْ ؟ وهَذا الِاسْتِفْهامُ مَعْناهُ التَّوْبِيخُ والتَّقْرِيعُ. والمَعْنى: في أيِّ شَيْءٍ كُنْتُمْ مِن أمْرِ دِينِكم ؟ وقِيلَ إنَّ أحْوالَ الدُّنْيا، وجَوابُهم لِلْمَلائِكَةِ اعْتِذارٌ عَنْ تَخَلُّفِهِمْ عَنِ الهِجْرَةِ، وإقامَتِهِمْ بِدارِ الكُفْرِ، وهو اعْتِذارٌ غَيْرُ صَحِيحٍ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ صَحَّ وُقُوعُ قَوْلِهِ: ﴿كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ﴾ جَوابًا عَنْ قَوْلِهِمْ: فِيمَ كُنْتُمْ ؟ وكانَ حَقُّ الجَوابِ أنْ يَقُولُوا: كُنّا في كَذا، ولَمْ يَكُنْ في شَيْءٍ ؟ قُلْتُ: مَعْنى فِيمَ كُنْتُمْ، التَّوْبِيخُ بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا في شَيْءٍ مِنَ الدِّينِ حَيْثُ قَدَرُوا عَلى الهِجْرَةِ، ولَمْ يُهاجِرُوا؛ فَقالُوا: كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ اعْتِذارًا مِمّا وُبِّخُوا بِهِ، واعْتِلالًا بِالِاسْتِضْعافِ، وأنَّهم لَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنَ الهِجْرَةِ حَتّى يَكُونُوا في شَيْءٍ، انْتَهى كَلامُهُ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ قَوْلَهم: كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ جَوابٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾ عَلى المَعْنى، لا عَلى اللَّفْظِ؛ لِأنَّ مَعْنى: ﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾ في أيِّ حالٍ مانِعَةٍ مِنَ الهِجْرَةِ كُنْتُمْ، قالُوا: كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ؛ أيْ في حالَةِ اسْتِضْعافٍ في الأرْضِ، بِحَيْثُ لا نَقْدِرُ عَلى الهِجْرَةِ، وهو جَوابٌ كَذِبٌ والأرْضُ هُنا أرْضُ مَكَّةَ.
﴿قالُوا ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ هَذا تَبْكِيتٌ مِنَ المَلائِكَةِ لَهم، ورَدٌّ لِما اعْتَذَرُوا بِهِ؛ أيْ لَسْتُمْ مُسْتَضْعَفِينَ، بَلْ كانَتْ لَكُمُ القُدْرَةُ عَلى الخُرُوجِ إلى بَعْضِ الأقْطارِ فَتُهاجِرُوا حَتّى تَلْحَقُوا بِالمُهاجِرِينَ، كَما فَعَلَ الَّذِينَ هاجَرُوا إلى الحَبَشَةِ، ثُمَّ لَحِقُوا بَعْدُ بِالمُؤْمِنِينَ بِالمَدِينَةِ. ومَعْنى فَتُهاجِرُوا فِيها؛ أيْ في قُطْرٍ مِن أقْطارِها، بِحَيْثُ تَأْمَنُونَ عَلى دِينِكم. وقِيلَ أرْضُ اللَّهِ أيِ المَدِينَةُ. واسِعَةً آمِنَةً لَكم مِنَ العَدُوِّ فَتَخْرُجُوا إلَيْها. وهَلْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ مُسْلِمُونَ خَرَجُوا مَعَ المُشْرِكِينَ في قِتالٍ فَقُتِلُوا ؟ أوْ مُنافِقُونَ، أوْ مُشْرِكُونَ ؟ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. الثّالِثُ قالَهُ الحَسَنُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قَوْلُ المَلائِكَةِ لَهم بَعْدَ تَوَفِّي أرْواحِهِمْ يَدُلُّ عَلى أنَّهم مُسْلِمُونَ، ولَوْ كانُوا كُفّارًا لَمْ يُقَلْ لَهم شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، وإنَّما لَمْ يُذْكَرُوا في الصَّحابَةِ لِشِدَّةِ ما واقَعُوهُ، ولِعَدَمِ تَعَيُّنِ أحَدٍ مِنهم بِالإيمانِ، واحْتِمالِ رِدَّتِهِ. انْتَهى مُلَخَّصًا. وقالَ السُّدِّيُّ: يَوْمَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ كانَ مَن أسْلَمَ ولَمْ يُهاجِرْ كافِرًا حَتّى يُهاجِرَ إلّا مَن لا يَسْتَطِيعُ حِيلَةً، ولا يَهْتَدِي سَبِيلًا، انْتَهى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والَّذِي تَقْتَضِيهِ الأُصُولُ أنَّ مَنِ ارْتَدَّ مِن أُولَئِكَ كافِرٌ، ومَأْواهُ جَهَنَّمُ عَلى جِهَةِ الخُلُودِ، ومَن كانَ مُؤْمِنًا فَماتَ بِمَكَّةَ ولَمْ يُهاجِرْ، أوْ أُخْرِجَ كُرْهًا فَقُتِلَ عاصٍ مَأْواهُ جَهَنَّمُ دُونَ خُلُودٍ. ولا حُجَّةَ لِلْمُعْتَزِلَةِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى التَّكْفِيرِ بِالمَعاصِي. وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن لا يَتَمَكَّنُ مِن إقامَةِ دِينِهِ في بَلَدٍ كَما يُحِبُّ وجَبَتْ عَلَيْهِ الهِجْرَةُ. ورُوِيَ في الحَدِيثِ «مَن فَرَّ بِدِينِهِ مَن أرْضٍ إلى أرْضٍ، وإنْ كانَ شِبْرًا مِنَ الأرْضِ اسْتَوْجَبْتُ لَهُ الجَنَّةَ، وكانَ رَفِيقَ أبِيهِ إبْراهِيمَ، ونَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ» .
﴿فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ الفاءُ لِلْعَطْفِ؛ عَطَفَتْ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ. وقِيلَ (فَأُولَئِكَ) خَبَرُ (إنَّ)، ودَخَلَتِ الفاءُ في خَبَرِ إنَّ تَشْبِيهًا لِاسْمِها بِاسْمِ الشَّرْطِ، وقالُوا: فِيمَ كُنْتُمْ حالٌ مِنَ المَلائِكَةِ، أوْ صِفَةٌ لِظالِمِي أنْفُسِهِمْ أيْ ظالِمِينَ أنْفُسَهم قائِلًا لَهُمُ المَلائِكَةُ: فِيمَ كُنْتُمْ ؟ وقِيلَ خَبَرُ إنَّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: هَلَكُوا، ثُمَّ فَسَّرَ الهَلاكَ بِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ .
(p-٣٣٥)﴿إلّا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ مِنَ الرِّجالِ جَماعَةٌ؛ كَعَيّاشِ بْنِ أبِي زَمْعَةَ، وسَلَمَةَ بْنِ هِشامٍ، والوَلِيدِ بْنِ الوَلِيدِ. ومِنَ النِّساءِ جَماعَةٌ: كَأُمِّ الفَضْلِ أُمامَةَ بِنْتِ الحارِثِ أُمِّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ. ومِنَ الوِلْدانِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ. فَإنْ أُرِيدَ بِالوِلْدانِ العَبِيدُ والإماءُ البالِغُونَ فَلا إشْكالَ في دُخُولِهِمْ في المُسْتَثْنَيْنَ، وإنْ أُرِيدَ بِالوِلْدانِ الأطْفالُ فَهم لا يَكُونُونَ إلّا عاجِزِينَ فَلا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِمْ وعِيدٌ بِخِلافِ الرِّجالِ والنِّساءِ قَدْ يَكُونُونَ عاجِزِينَ، وقَدْ يَكُونُونَ غَيْرَ عاجِزِينَ؛ وإنَّما ذُكِرُوا مَعَ الرِّجالِ والنِّساءِ، وإنْ كانُوا لا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِمُ الوَعِيدُ بِاعْتِبارِ أنَّ عَجْزَهم هو عَجْزٌ لِآبائِهِمُ الرِّجالِ والنِّساءِ؛ لِأنَّ مِن أقْوى أسْبابِ العَجْزِ وعَدَمِ الحِنْكَةِ كَوْنُ الرِّجالِ والنِّساءِ مَشْغُولِينَ بِأطْفالِهِمْ، مَشْغُوفِينَ بِهِمْ، فَيَعْجِزُونَ عَنِ الهِجْرَةِ بِسَبَبِ خَوْفِ ضَياعِ أطْفالِهِمْ ووِلْدانِهِمْ. فَذِكْرُ الوِلْدانِ في المُسْتَثْنَيْنَ، تَنْبِيهٌ عَلى أعْظَمِ طَرْقِ العَجْزِ لِلرِّجالِ والنِّساءِ؛ لِأنَّ طُرُقَ العَجْزِ لا تَنْحَصِرُ؛ فَنَبَّهَ بِذِكْرِ عَجْزِ الوِلْدانِ عَلى قُوَّةِ عَجْزِ الآباءِ والأُمَّهاتِ بِسَبَبِهِمْ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ المُراهِقُونَ مِنهُمُ الَّذِينَ عَقَلُوا ما يَعْقِلُ الرِّجالُ والنِّساءُ، فَيَلْحَقُوا بِهِمْ في التَّكْلِيفِ، انْتَهى. ولَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ المُراهِقَ لا يَلْحَقُ بِالمُكَلَّفِ أصْلًا، ولا وعِيدَ عَلَيْهِ ما لَمْ يُكَلَّفْ. وقِيلَ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالمُسْتَضْعَفِينَ أسْرى المُسْلِمِينَ الَّذِينَ هم في أيْدِي المُشْرِكِينَ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً إلى الخُرُوجِ، ولا يَهْتَدُونَ إلى تَخْلِيصِ أنْفُسِهِمْ. وهَذا الِاسْتِثْناءُ قالَ الزَّجّاجُ: هو مِن قَوْلِهِ: (مَأْواهم جَهَنَّمُ) . قالَ غَيْرُهُ: كَأنَّهُ قِيلَ فَأُولَئِكَ في جَهَنَّمَ إلّا المُسْتَضْعَفِينَ؛ فَعَلى هَذا اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ. والَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ إلى آخِرِهِ يَعُودُ الضَّمِيرُ في مَأْواهم إلَيْهِمْ. وهم عَلى أقْوالِ المُفَسِّرِينَ إمّا كَفّارٌ، وإمّا عُصاةٌ بِالتَّخَلُّفِ عَنِ الهِجْرَةِ، وهم قادِرُونَ؛ فَلَمْ يَنْدَرِجْ فِيهِمُ المُسْتَضْعَفُونَ المُسْتَثْنَوْنَ؛ لِأنَّهم عاجِزُونَ، فَهو مُنْقَطِعٌ.
﴿لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ . الحِيلَةُ: لَفْظٌ عامٌّ لِأنْواعِ أسْبابِ التَّخَلُّصِ. والسَّبِيلُ هُنا طَرِيقُ المَدِينَةِ قالَهُ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ. وغَيْرُهُما. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والصَّوابُ أنَّهُ عامٌّ في جَمِيعِ السُّبُلِ؛ يَعْنِي المُخَلِّصَةُ مِن دارِ الكُفْرِ، انْتَهى. وقِيلَ لا يَعْرِفُونَ طَرِيقًا إلى الخُرُوجِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ قِيلَ مُسْتَأْنَفَةٌ، وقِيلَ في مَوْضِعِ الحالِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: صِفَةٌ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ، أوِ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ. قالَ: وإنَّما جازَ ذَلِكَ والجُمَلُ نَكِراتٌ؛ لِأنَّ المَوْصُوفَ، وإنْ كانَ فِيهِ حَرْفُ التَّعْرِيفِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ بِعَيْنِهِ كَقَوْلِهِ:
؎ولَقَدْ أمُرُّ عَلى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي
انْتَهى كَلامُهُ.
وهُوَ تَخْرِيجٌ ذَهَبَ إلى مِثْلِهِ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ﴾ [يس: ٣٧]، وهو هَدْمٌ لِلْقاعِدَةِ المَشْهُورَةِ: بِأنَّ النَّكِرَةَ لا تُنْعَتُ إلّا بِالنَّكِرَةِ، والمَعْرِفَةَ لا تُنْعَتُ إلّا بِالمَعْرِفَةِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّها جُمْلَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِقَوْلِهِ: المُسْتَضْعَفِينَ؛ لِأنَّها في مَعْنى: إلّا الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فَجاءَ بَيانًا وتَفْسِيرًا لِذَلِكَ؛ لِأنَّ الِاسْتِضْعافَ يَكُونُ بِوُجُوهٍ فَبَيَّنَ جِهَةَ الِاسْتِضْعافِ النّافِعِ في التَّخَلُّفِ عَنِ الهِجْرَةِ، وهي عَدَمُ اسْتِطاعَةِ الحِيلَةِ وعَدَمُ اهْتِداءِ السَّبِيلِ. والثّانِي مُنْدَرِجٌ تَحْتَ الأوَّلِ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ انْتِفاءِ القُدْرَةِ عَلى الحِيلَةِ الَّتِي يَتَخَلَّصُ بِها انْتِفاءُ اهْتِداءِ السَّبِيلِ. ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ إلى مُسْلِمِي مَكَّةَ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ فَقالَ جُنْدُبُ بْنُ ضَمْرَةَ اللَّيْثِيُّ: ويُقالُ: جُنْدُعٌ بِالعَيْنِ، أوْ ضَمْرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ لِبَنِيهِ: احْمِلُونِي فَإنِّي لَسْتُ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ، وإنِّي لَأهْتَدِي (p-٣٣٦)الطَّرِيقَ، واللَّهِ لا أبِيتُ اللَّيْلَةَ بِمَكَّةَ، فَحَمَلُوهُ عَلى سَرِيرٍ مُتَوَجِّهًا إلى المَدِينَةِ، وكانَ شَيْخًا كَبِيرًا فَماتَ بِالتَّنْعِيمِ» .
﴿فَأُولَئِكَ عَسى اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ عَسى: كَلِمَةُ إطْماعٍ وتَرْجِيَةٍ، وأتى بِها، وإنْ كانَتْ مِنَ اللَّهِ واجِبَةً، دَلالَةً عَلى أنَّ تَرْكَ الهِجْرَةِ أمْرٌ صَعْبٌ لا فُسْحَةَ فِيهِ، حَتّى إنَّ المُضْطَرَّ البَيِّنَ الِاضْطِرارِ مِن حَقِّهِ أنْ يَقُولَ: عَسى اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنِّي. وقِيلَ مَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ يَعْفُو عَنْهُ في المُسْتَقْبَلِ، كَأنَّهُ وعَدَهم غُفْرانَ ذُنُوبِهِمْ، كَما قالَ: «إنَّ اللَّهَ قَدِ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ» فَقالَ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرَتْ لَكم.
﴿وكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ تَأْكِيدٌ في وقْعِ عَفْوِهِ عَنْ هَؤُلاءِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ هَذا المُتَرَجّى هو واقِعٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمْ يَزَلْ مُتَّصِفًا بِالعَفْوِ والمَغْفِرَةِ.
النساء 4:99
﴿وفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿دَرَجاتٍ مِنهُ ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ قِيلَ الدَّرَجاتُ بِاعْتِبارِ المَنازِلِ الرَّفِيعَةِ بَعْدَ إدْخالِ الجَنَّةِ والمَغْفِرَةِ بِاعْتِبارِ سَتْرِ الذَّنْبِ والرَّحْمَةُ بِاعْتِبارِ دُخُولِ الجَنَّةِ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّفْضِيلَ الخاصَّ لِلْمُجاهِدِ بِنَفْسِهِ ومالِهِ، ومَن تَفَرَّدَ بِأحَدِهِما لَيْسَ كَذَلِكَ. ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ مَن جاهَدَ، ومَن أنْفَقَ مالَهُ في الجِهادِ، لَيْسَ كَمَن جاهَدَ بِنَفَقَةٍ مِن عِنْدِ غَيْرِهِ.
وفِي انْتِصابِ دَرَجَةً، ودَرَجاتٍ وُجُوهٌ؛ أحَدُها: أنَّهُما يَنْتَصِبانِ انْتِصابَ المَصْدرِ لِوُقُوعِ دَرَجَةٍ مَوْقِعَ المَرَّةِ في التَّفْضِيلِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ فَضَّلَهم تَفْضِيلَهُ. كَما تَقُولُ: ضَرَبْتُهُ سَوْطًا، ووُقُوعُ دَرَجاتٍ مَوْقِعَ تَفْضِيلاتٍ كَما تَقُولُ: ضَرَبْتُهُ أسْواطًا تَعْنِي: ضَرَباتٍ. والثّانِي: أنَّهُما يَنْتَصِبانِ انْتِصابَ الحالِ؛ أيْ ذَوِي دَرَجَةٍ وذَوِي دَرَجاتٍ. والثّالِثُ: عَلى تَقْدِيرِ حَرْفِ الجَرِّ أيْ بِدَرَجَةٍ وبِدَرَجاتٍ. والرّابِعُ: أنَّهُما انْتَصَبا عَلى مَعْنى الظَّرْفِ؛ إذْ وقَعا مَوْقِعَهُ؛ أيْ في دَرَجَةٍ وفي دَرَجاتٍ. وقِيلَ انْتِصابُ دَرَجاتٍ عَلى البَدَلِ مِن أجْرًا قِيلَ ﴿ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً﴾ مَعْطُوفانِ عَلى دَرَجاتٍ. وقِيلَ انْتَصَبا بِإضْمارِ فِعْلِهِما؛ أيْ غَفَرَ ذَنْبَهم مَغْفِرَةً، ورَحِمَهم رَحْمَةً. وأمّا انْتِصابُ أجْرًا عَظِيمًا فَقِيلَ عَلى المَصْدَرِ؛ لِأنَّ مَعْنى فَضَّلَ مَعْنى أجْرٍ، فَهو مَصْدَرٌ مِنَ المَعْنى لا مِنَ اللَّفْظِ. وقِيلَ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ أيْ بِأجْرٍ. وقِيلَ مَفْعُولُ بِفَضْلِهِمْ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى (أعْطاهم) . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ونَصَبَ ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ النَّكِرَةِ الَّتِي هي دَرَجاتٌ مُقَدَّمَةٌ عَلَيْها، انْتَهى. وهَذا لا يَظْهَرُ؛ لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِعَدَمِ المُطابَقَةِ؛ لِأنَّ أجْرًا عَظِيمًا مُفْرَدٌ، ولا يَكُونُ نَعْتًا لِدَرَجاتٍ لِأنَّها جَمْعٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ونَصَبَ دَرَجاتٍ؛ إمّا عَلى البَدَلِ مِنَ الأجْرِ، وإمّا بِإضْمارِ فِعْلٍ (عَلى) أنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِلْأجْرِ، كَما نَقُولُ لَكَ: عَلَيَّ ألْفُ دِرْهَمٍ عُرْفًا؛ كَأنَّكَ قُلْتَ: أعْرِفُها عُرْفًا انْتَهى. وهَذا فِيهِ نَظَرٌ.
﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ﴾ رَوى البُخارِيُّ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ ناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ كانُوا مَعَ المُشْرِكِينَ يُكَثِّرُونَ سَوادَهم عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، يَأْتِي السَّهْمُ يُرْمى بِهِ فَيُصِيبُ أحَدَهم، أوْ يُضْرَبُ فَيَقْتُلُ؛ فَنَزَلَتْ. وقِيلَ قَوْمٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ أسْلَمُوا؛ فَلَمّا هاجَرَ الرَّسُولُ أقامُوا مَعَ قَوْمِهِمْ، وفُتِنَ مِنهم جَماعَةٌ؛ فَلَمّا كانَ يَوْمَ بَدْرٍ خَرَجَ مِنهم قَوْمٌ مَعَ الكُفّارِ؛ فَقُتِلُوا بِبَدْرٍ فَنَزَلَتْ» . قالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ في خَمْسَةٍ قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ: قَيْسُ بْنُ النّائِحَةِ بْنِ المُغِيرَةِ، والحارِثُ بْنُ زَمْعَةَ بْنِ الأسْوَدِ بْنِ أسَدٍ، وقَيْسُ بْنُ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وأبُو العاصِي بْنُ مُنَبِّهِ بْنِ الحَجّاجِ، وعَلِيُّ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ. وقالَ النَّقّاشُ: في أُناسٍ سِواهم أسْلَمُوا ثُمَّ خَرَجُوا إلى بَدْرٍ؛ فَلَمّا رَأوْا قِلَّةَ المُسْلِمِينَ قالُوا: غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهم.
ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها هي أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ثَوابَ مَن أقْدَمَ عَلى الجِهادِ؛ أتْبَعَهُ بِعِقابِ مَن قَعَدَ عَنِ الجِهادِ، وسَكَنَ في بِلادِ الكُفْرِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ: التَّوَفِّي هُنا قَبْضُ الأرْواحِ. وقالَ الحَسَنُ: الحَشْرُ إلى النّارِ. والمَلائِكَةُ هُنا قِيلَ مَلَكُ المَوْتِ، وهو مِن بابِ إطْلاقِ الجَمْعِ عَلى الواحِدَةِ تَفْخِيمًا لَهُ، وتَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ﴾ [السجدة: ١١] هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقِيلَ المُرادُ مَلَكُ المَوْتِ، وأعْوانُهُ، وهم سِتَّةٌ؛ ثَلاثَةٌ لِأرْواحِ (p-٣٣٤)المُؤْمِنِينَ، وثَلاثَةٌ لِأرْواحِ الكافِرِينَ. ويَشْهَدُ لِهَذا ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وهم لا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١]، وظُلْمُهم أنْفُسَهم بِتَرْكِ الهِجْرَةِ وقُعُودِهِمْ مَعَ قَوْمِهِمْ حِينَ رَجَعُوا لِلْقِتالِ، أوْ بِرُجُوعِهِمْ إلى الكُفْرِ، أوْ بِشَكِّهِمْ، أوْ بِإعانَةِ المُشْرِكِينَ، أقْوالٌ أرْبَعَةٌ: وتَوَفّاهم: ماضٍ لِقِراءَةِ مَن قَرَأ تَوَفَّتْهم، ولَمْ يُلْحِقْ تاءَ التَّأْنِيثِ لِلْفَصْلِ، ولِكَوْنِ تَأْنِيثِ المَلائِكَةِ مَجازًا، أوْ مُضارِعٌ، وأصْلُهُ تَتَوَفّاهم.
وقَرَأ إبْراهِيمُ: تُوَفّاهم بِضَمِّ التّاءِ مُضارِعُ وفَّيْتُ؛ والمَعْنى: إنَّ اللَّهَ يُوَفِّي المَلائِكَةَ أنْفُسَهم فَيَتَوَفَّوْنَها أيْ يُمَكِّنُهم مِنَ اسْتِيفائِها فَيَسْتَوْفُونَها. والضَّمِيرُ في (قالُوا) لِلْمَلائِكَةِ، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ، والرّابِطُ ضَمِيرٌ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى؛ التَّقْدِيرُ: قالُوا: قالُوا لَهم فِيمَ كُنْتُمْ ؟ وهَذا الِاسْتِفْهامُ مَعْناهُ التَّوْبِيخُ والتَّقْرِيعُ. والمَعْنى: في أيِّ شَيْءٍ كُنْتُمْ مِن أمْرِ دِينِكم ؟ وقِيلَ إنَّ أحْوالَ الدُّنْيا، وجَوابُهم لِلْمَلائِكَةِ اعْتِذارٌ عَنْ تَخَلُّفِهِمْ عَنِ الهِجْرَةِ، وإقامَتِهِمْ بِدارِ الكُفْرِ، وهو اعْتِذارٌ غَيْرُ صَحِيحٍ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ صَحَّ وُقُوعُ قَوْلِهِ: ﴿كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ﴾ جَوابًا عَنْ قَوْلِهِمْ: فِيمَ كُنْتُمْ ؟ وكانَ حَقُّ الجَوابِ أنْ يَقُولُوا: كُنّا في كَذا، ولَمْ يَكُنْ في شَيْءٍ ؟ قُلْتُ: مَعْنى فِيمَ كُنْتُمْ، التَّوْبِيخُ بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا في شَيْءٍ مِنَ الدِّينِ حَيْثُ قَدَرُوا عَلى الهِجْرَةِ، ولَمْ يُهاجِرُوا؛ فَقالُوا: كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ اعْتِذارًا مِمّا وُبِّخُوا بِهِ، واعْتِلالًا بِالِاسْتِضْعافِ، وأنَّهم لَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنَ الهِجْرَةِ حَتّى يَكُونُوا في شَيْءٍ، انْتَهى كَلامُهُ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ قَوْلَهم: كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ جَوابٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾ عَلى المَعْنى، لا عَلى اللَّفْظِ؛ لِأنَّ مَعْنى: ﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾ في أيِّ حالٍ مانِعَةٍ مِنَ الهِجْرَةِ كُنْتُمْ، قالُوا: كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ؛ أيْ في حالَةِ اسْتِضْعافٍ في الأرْضِ، بِحَيْثُ لا نَقْدِرُ عَلى الهِجْرَةِ، وهو جَوابٌ كَذِبٌ والأرْضُ هُنا أرْضُ مَكَّةَ.
﴿قالُوا ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ هَذا تَبْكِيتٌ مِنَ المَلائِكَةِ لَهم، ورَدٌّ لِما اعْتَذَرُوا بِهِ؛ أيْ لَسْتُمْ مُسْتَضْعَفِينَ، بَلْ كانَتْ لَكُمُ القُدْرَةُ عَلى الخُرُوجِ إلى بَعْضِ الأقْطارِ فَتُهاجِرُوا حَتّى تَلْحَقُوا بِالمُهاجِرِينَ، كَما فَعَلَ الَّذِينَ هاجَرُوا إلى الحَبَشَةِ، ثُمَّ لَحِقُوا بَعْدُ بِالمُؤْمِنِينَ بِالمَدِينَةِ. ومَعْنى فَتُهاجِرُوا فِيها؛ أيْ في قُطْرٍ مِن أقْطارِها، بِحَيْثُ تَأْمَنُونَ عَلى دِينِكم. وقِيلَ أرْضُ اللَّهِ أيِ المَدِينَةُ. واسِعَةً آمِنَةً لَكم مِنَ العَدُوِّ فَتَخْرُجُوا إلَيْها. وهَلْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ مُسْلِمُونَ خَرَجُوا مَعَ المُشْرِكِينَ في قِتالٍ فَقُتِلُوا ؟ أوْ مُنافِقُونَ، أوْ مُشْرِكُونَ ؟ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. الثّالِثُ قالَهُ الحَسَنُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قَوْلُ المَلائِكَةِ لَهم بَعْدَ تَوَفِّي أرْواحِهِمْ يَدُلُّ عَلى أنَّهم مُسْلِمُونَ، ولَوْ كانُوا كُفّارًا لَمْ يُقَلْ لَهم شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، وإنَّما لَمْ يُذْكَرُوا في الصَّحابَةِ لِشِدَّةِ ما واقَعُوهُ، ولِعَدَمِ تَعَيُّنِ أحَدٍ مِنهم بِالإيمانِ، واحْتِمالِ رِدَّتِهِ. انْتَهى مُلَخَّصًا. وقالَ السُّدِّيُّ: يَوْمَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ كانَ مَن أسْلَمَ ولَمْ يُهاجِرْ كافِرًا حَتّى يُهاجِرَ إلّا مَن لا يَسْتَطِيعُ حِيلَةً، ولا يَهْتَدِي سَبِيلًا، انْتَهى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والَّذِي تَقْتَضِيهِ الأُصُولُ أنَّ مَنِ ارْتَدَّ مِن أُولَئِكَ كافِرٌ، ومَأْواهُ جَهَنَّمُ عَلى جِهَةِ الخُلُودِ، ومَن كانَ مُؤْمِنًا فَماتَ بِمَكَّةَ ولَمْ يُهاجِرْ، أوْ أُخْرِجَ كُرْهًا فَقُتِلَ عاصٍ مَأْواهُ جَهَنَّمُ دُونَ خُلُودٍ. ولا حُجَّةَ لِلْمُعْتَزِلَةِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى التَّكْفِيرِ بِالمَعاصِي. وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن لا يَتَمَكَّنُ مِن إقامَةِ دِينِهِ في بَلَدٍ كَما يُحِبُّ وجَبَتْ عَلَيْهِ الهِجْرَةُ. ورُوِيَ في الحَدِيثِ «مَن فَرَّ بِدِينِهِ مَن أرْضٍ إلى أرْضٍ، وإنْ كانَ شِبْرًا مِنَ الأرْضِ اسْتَوْجَبْتُ لَهُ الجَنَّةَ، وكانَ رَفِيقَ أبِيهِ إبْراهِيمَ، ونَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ» .
﴿فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ الفاءُ لِلْعَطْفِ؛ عَطَفَتْ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ. وقِيلَ (فَأُولَئِكَ) خَبَرُ (إنَّ)، ودَخَلَتِ الفاءُ في خَبَرِ إنَّ تَشْبِيهًا لِاسْمِها بِاسْمِ الشَّرْطِ، وقالُوا: فِيمَ كُنْتُمْ حالٌ مِنَ المَلائِكَةِ، أوْ صِفَةٌ لِظالِمِي أنْفُسِهِمْ أيْ ظالِمِينَ أنْفُسَهم قائِلًا لَهُمُ المَلائِكَةُ: فِيمَ كُنْتُمْ ؟ وقِيلَ خَبَرُ إنَّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: هَلَكُوا، ثُمَّ فَسَّرَ الهَلاكَ بِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ .
(p-٣٣٥)﴿إلّا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ مِنَ الرِّجالِ جَماعَةٌ؛ كَعَيّاشِ بْنِ أبِي زَمْعَةَ، وسَلَمَةَ بْنِ هِشامٍ، والوَلِيدِ بْنِ الوَلِيدِ. ومِنَ النِّساءِ جَماعَةٌ: كَأُمِّ الفَضْلِ أُمامَةَ بِنْتِ الحارِثِ أُمِّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ. ومِنَ الوِلْدانِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ. فَإنْ أُرِيدَ بِالوِلْدانِ العَبِيدُ والإماءُ البالِغُونَ فَلا إشْكالَ في دُخُولِهِمْ في المُسْتَثْنَيْنَ، وإنْ أُرِيدَ بِالوِلْدانِ الأطْفالُ فَهم لا يَكُونُونَ إلّا عاجِزِينَ فَلا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِمْ وعِيدٌ بِخِلافِ الرِّجالِ والنِّساءِ قَدْ يَكُونُونَ عاجِزِينَ، وقَدْ يَكُونُونَ غَيْرَ عاجِزِينَ؛ وإنَّما ذُكِرُوا مَعَ الرِّجالِ والنِّساءِ، وإنْ كانُوا لا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِمُ الوَعِيدُ بِاعْتِبارِ أنَّ عَجْزَهم هو عَجْزٌ لِآبائِهِمُ الرِّجالِ والنِّساءِ؛ لِأنَّ مِن أقْوى أسْبابِ العَجْزِ وعَدَمِ الحِنْكَةِ كَوْنُ الرِّجالِ والنِّساءِ مَشْغُولِينَ بِأطْفالِهِمْ، مَشْغُوفِينَ بِهِمْ، فَيَعْجِزُونَ عَنِ الهِجْرَةِ بِسَبَبِ خَوْفِ ضَياعِ أطْفالِهِمْ ووِلْدانِهِمْ. فَذِكْرُ الوِلْدانِ في المُسْتَثْنَيْنَ، تَنْبِيهٌ عَلى أعْظَمِ طَرْقِ العَجْزِ لِلرِّجالِ والنِّساءِ؛ لِأنَّ طُرُقَ العَجْزِ لا تَنْحَصِرُ؛ فَنَبَّهَ بِذِكْرِ عَجْزِ الوِلْدانِ عَلى قُوَّةِ عَجْزِ الآباءِ والأُمَّهاتِ بِسَبَبِهِمْ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ المُراهِقُونَ مِنهُمُ الَّذِينَ عَقَلُوا ما يَعْقِلُ الرِّجالُ والنِّساءُ، فَيَلْحَقُوا بِهِمْ في التَّكْلِيفِ، انْتَهى. ولَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ المُراهِقَ لا يَلْحَقُ بِالمُكَلَّفِ أصْلًا، ولا وعِيدَ عَلَيْهِ ما لَمْ يُكَلَّفْ. وقِيلَ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالمُسْتَضْعَفِينَ أسْرى المُسْلِمِينَ الَّذِينَ هم في أيْدِي المُشْرِكِينَ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً إلى الخُرُوجِ، ولا يَهْتَدُونَ إلى تَخْلِيصِ أنْفُسِهِمْ. وهَذا الِاسْتِثْناءُ قالَ الزَّجّاجُ: هو مِن قَوْلِهِ: (مَأْواهم جَهَنَّمُ) . قالَ غَيْرُهُ: كَأنَّهُ قِيلَ فَأُولَئِكَ في جَهَنَّمَ إلّا المُسْتَضْعَفِينَ؛ فَعَلى هَذا اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ. والَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ إلى آخِرِهِ يَعُودُ الضَّمِيرُ في مَأْواهم إلَيْهِمْ. وهم عَلى أقْوالِ المُفَسِّرِينَ إمّا كَفّارٌ، وإمّا عُصاةٌ بِالتَّخَلُّفِ عَنِ الهِجْرَةِ، وهم قادِرُونَ؛ فَلَمْ يَنْدَرِجْ فِيهِمُ المُسْتَضْعَفُونَ المُسْتَثْنَوْنَ؛ لِأنَّهم عاجِزُونَ، فَهو مُنْقَطِعٌ.
﴿لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ . الحِيلَةُ: لَفْظٌ عامٌّ لِأنْواعِ أسْبابِ التَّخَلُّصِ. والسَّبِيلُ هُنا طَرِيقُ المَدِينَةِ قالَهُ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ. وغَيْرُهُما. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والصَّوابُ أنَّهُ عامٌّ في جَمِيعِ السُّبُلِ؛ يَعْنِي المُخَلِّصَةُ مِن دارِ الكُفْرِ، انْتَهى. وقِيلَ لا يَعْرِفُونَ طَرِيقًا إلى الخُرُوجِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ قِيلَ مُسْتَأْنَفَةٌ، وقِيلَ في مَوْضِعِ الحالِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: صِفَةٌ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ، أوِ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ. قالَ: وإنَّما جازَ ذَلِكَ والجُمَلُ نَكِراتٌ؛ لِأنَّ المَوْصُوفَ، وإنْ كانَ فِيهِ حَرْفُ التَّعْرِيفِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ بِعَيْنِهِ كَقَوْلِهِ:
؎ولَقَدْ أمُرُّ عَلى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي
انْتَهى كَلامُهُ.
وهُوَ تَخْرِيجٌ ذَهَبَ إلى مِثْلِهِ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ﴾ [يس: ٣٧]، وهو هَدْمٌ لِلْقاعِدَةِ المَشْهُورَةِ: بِأنَّ النَّكِرَةَ لا تُنْعَتُ إلّا بِالنَّكِرَةِ، والمَعْرِفَةَ لا تُنْعَتُ إلّا بِالمَعْرِفَةِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّها جُمْلَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِقَوْلِهِ: المُسْتَضْعَفِينَ؛ لِأنَّها في مَعْنى: إلّا الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فَجاءَ بَيانًا وتَفْسِيرًا لِذَلِكَ؛ لِأنَّ الِاسْتِضْعافَ يَكُونُ بِوُجُوهٍ فَبَيَّنَ جِهَةَ الِاسْتِضْعافِ النّافِعِ في التَّخَلُّفِ عَنِ الهِجْرَةِ، وهي عَدَمُ اسْتِطاعَةِ الحِيلَةِ وعَدَمُ اهْتِداءِ السَّبِيلِ. والثّانِي مُنْدَرِجٌ تَحْتَ الأوَّلِ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ انْتِفاءِ القُدْرَةِ عَلى الحِيلَةِ الَّتِي يَتَخَلَّصُ بِها انْتِفاءُ اهْتِداءِ السَّبِيلِ. ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ إلى مُسْلِمِي مَكَّةَ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ فَقالَ جُنْدُبُ بْنُ ضَمْرَةَ اللَّيْثِيُّ: ويُقالُ: جُنْدُعٌ بِالعَيْنِ، أوْ ضَمْرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ لِبَنِيهِ: احْمِلُونِي فَإنِّي لَسْتُ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ، وإنِّي لَأهْتَدِي (p-٣٣٦)الطَّرِيقَ، واللَّهِ لا أبِيتُ اللَّيْلَةَ بِمَكَّةَ، فَحَمَلُوهُ عَلى سَرِيرٍ مُتَوَجِّهًا إلى المَدِينَةِ، وكانَ شَيْخًا كَبِيرًا فَماتَ بِالتَّنْعِيمِ» .
﴿فَأُولَئِكَ عَسى اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ عَسى: كَلِمَةُ إطْماعٍ وتَرْجِيَةٍ، وأتى بِها، وإنْ كانَتْ مِنَ اللَّهِ واجِبَةً، دَلالَةً عَلى أنَّ تَرْكَ الهِجْرَةِ أمْرٌ صَعْبٌ لا فُسْحَةَ فِيهِ، حَتّى إنَّ المُضْطَرَّ البَيِّنَ الِاضْطِرارِ مِن حَقِّهِ أنْ يَقُولَ: عَسى اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنِّي. وقِيلَ مَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ يَعْفُو عَنْهُ في المُسْتَقْبَلِ، كَأنَّهُ وعَدَهم غُفْرانَ ذُنُوبِهِمْ، كَما قالَ: «إنَّ اللَّهَ قَدِ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ» فَقالَ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرَتْ لَكم.
﴿وكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ تَأْكِيدٌ في وقْعِ عَفْوِهِ عَنْ هَؤُلاءِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ هَذا المُتَرَجّى هو واقِعٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمْ يَزَلْ مُتَّصِفًا بِالعَفْوِ والمَغْفِرَةِ.
النساء 4:100
﴿ومَن يُهاجِرْ في سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ في الأرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا وسَعَةً﴾ قِيلَ نَزَلَتْ في أكْثَمِ بْنِ صَيْفِيِّ، ولَمّا رَغَّبَ تَعالى في الهِجْرَةِ ذَكَرَ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها مِن وُجُودِ السَّعَةِ والمَذاهِبِ الكَثِيرَةِ لِيَذْهَبَ عَنْهُ ما يَتَوَهَّمُ وُجُودَهُ في الغُرْبَةِ، ومُفارَقَةِ الوَطَنِ مِنَ الشِّدَّةِ، وهَذا مُقَرَّرُ ما قالَتْهُ المَلائِكَةُ: ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ [النساء: ٩٧] .
ومَعْنى مُراغَمًا: مُتَحَوَّلًا ومَذْهَبًا؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضِّحاكُ، والرَّبِيعُ، وغَيْرُهم. وقالَ مُجاهِدٌ: المُزَحْزَحُ عَمّا يَكْرَهُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُهاجَرُ. وقالَ السُّدِّيُّ: المُبْتَغى لِلْمَعِيشَةِ. وقَرَأ الجَرّاحُ ونُبَيْحٌ والحَسَنُ بْنُ عِمْرانَ: مَرْغَمًا عَلى وزْنِ مَفْعَلٍ كَمَذْهَبٍ. قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: هو عَلى حَذْفِ الزَّوائِدِ مِن راغَمَ. والسِّعَةُ هُنا في الرِّزْقِ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ والرَّبِيعُ، وغَيْرُهم. وقالَ قَتادَةُ: سَعَةٌ مِنَ الضَّلالَةِ إلى الهُدى، ومِنَ القِلَّةِ إلى الغِنى. وقالَ مالِكٌ: السِّعَةُ سَعَةُ البِلادِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والمُشْبِهُ لِفَصاحَةِ العَرَبِ، أنْ يُرِيدَ سَعَةَ الأرْضِ، وكَثْرَةَ المَعاقِلِ، وبِذَلِكَ تَكُونُ السَّعَةُ في الرِّزْقِ، واتِّساعِ الصَّدْرِ عَنْ هُمُومِهِ وفِكْرِهِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ الفَرَحِ. ونَحْوُ هَذا المَعْنى قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَكانَ لِي مُضْطَرَبٌ واسِعٌ في الأرْضِ ذاتِ الطُّولِ والعَرْضِ
انْتَهى. وقَدَّمَ مُراغَمَةَ الأعْداءِ عَلى سَعَةِ العَيْشِ؛ لِأنَّ الِابْتِهاجَ بِرَغْمِ أُنُوفِ الأعْداءِ لِسُوءِ مُعامَلَتِهِمْ أشَدُّ مِن الِابْتِهاجِ بِالسَّعَةِ.
﴿ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ قِيلَ نَزَلَتْ في جُنْدُبِ بْنِ ضَمْرَةَ، وتَقَدَّمَتْ قِصَّتُهُ قَبْلُ. وقِيلَ في ضَمْرَةِ بْنِ بَغِيضٍ. وقِيلَ أبُو بَغِيضٍ ضَمْرَةُ بْنُ زِنْباعٍ الخُزاعِيُّ. وقِيلَ خالِدُ بْنُ حَرامِ بْنِ خُوَيْلِدٍ أخُو حَكِيمِ بْنِ حَرامٍ خَرَجَ مُهاجِرًا إلى الحَبَشَةِ؛ فَماتَ في الطَّرِيقِ. وقِيلَ ضَمْرَةُ بْنُ ضَمْرَةَ بْنِ نُعَيْمٍ. وقِيلَ ضَمْرَةُ بْنُ خُزاعَةَ. وقِيلَ رَجُلٌ مِن كِنانَةَ هاجَرَ فَماتَ في الطَّرِيقِ، فَسَخِرَ مِنهُ قَوْمُهُ فَقالُوا: لا هو بَلَغَ ما يُرِيدُ، ولا هو أقامَ في أهْلِهِ حَتّى دُفِنَ. والصَّحِيحُ: أنَّهُ ضَمْرَةُ بْنُ بَغِيضٍ، أوْ بَغِيضُ بْنُ ضَمْرَةَ بْنِ الزِّنْباعِ؛ لِأنَّ عِكْرِمَةَ سَألَ عَنْهُ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً وصَحَّحَهُ. وجَوابُ الشَّرْطِ ﴿فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾، وهَذِهِ مُبالَغَةٌ في ثُبُوتِ الأجْرِ ولُزُومِهِ، ووُصُولِ الثَّوابِ إلَيْهِ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ، وتَكْرِيمًا. وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالوُقُوعِ مُبالَغَةً. وقَرَأ النَّخَعِيُّ وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: ﴿ثُمَّ يُدْرِكْهُ﴾ بِرَفْعِ الكافِ. قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: هَذا رُفِعَ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ ثُمَّ هو يُدْرِكُهُ المَوْتُ، فَعَطَفَ الجُمْلَةَ مِنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ عَلى الفِعْلِ المَجْزُومِ وفاعِلِهِ. وعَلى هَذا حَمَلَ يُونُسُ قَوْلَ الأعْشى:
؎إنْ تَرْكَبُوا فَرُكُوبُ الخَيْرِ عادَتُنا ∗∗∗ أوْ تَنْزِلُونَ فَإنّا مَعْشَرٌ نُزُلُ
المُرادُ: أوْ أنْتُمْ تَنْزِلُونَ، وعَلَيْهِ قَوْلُ الآخَرِ:
؎إنْ تُذْنِبُوا ثُمَّ يَأْتِينِي نَعِيقُكم ∗∗∗ فَما عَلَيَّ بِذَنْبٍ عِنْدِكم قُوتُ
المَعْنى: ثُمَّ أنْتُمْ يَأْتِينِي نَعِيقُكم. وهَذا أوْجَهُ مِن أنْ يُحْمَلَ عَلى ألَمْ يَأْتِيكَ، انْتَهى. وخُرِّجَ عَلى وجْهٍ آخَرَ وهو: (p-٣٣٧)أنَّ رَفْعَ الكافِ مَنقُولٌ مِنَ الهاءِ؛ كَأنَّهُ أرادَ أنْ يَقِفَ عَلَيْها، ثُمَّ نَقَلَ حَرَكَةَ الهاءِ إلى الكافِ كَقَوْلِهِ:
؎مِن عُرى سَلْبِي لَمْ أضْرِبُهُ
(يُرِيدُ: لَمْ أضْرِبْهُ؛ فَنَقَلَ حَرَكَةَ الهاءِ إلى الباءِ المَجْزُومَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ ونُبَيْحٌ والجَرّاحُ: ( ثُمَّ يُدْرِكَهُ) بِنَصْبِ الكافِ، وذَلِكَ عَلى إضْماراتٍ كَقَوْلِ الأعْشى:
؎ويَأْوِي إلَيْها المُسْتَجِيرُ فَيُعْصَما
( قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: هَذا لَيْسَ بِالسَّهْلِ، وإنَّما بابُهُ الشِّعْرُ لا القُرْآنُ وأنْشَدَ أبُو زَيْدٍ فِيهِ:
؎سَأتْرُكُ مَنزِلِي لِبَنِي تَمِيمٍ ∗∗∗ وألْحَقُ بِالحِجازِ فَأسْتَرِيحا
والآيَةُ أقْوى مِن هَذا لِتَقَدُّمِ الشَّرْطِ قَبْلَ المَعْطُوفِ، انْتَهى. وتَقُولُ: أجْرى ثُمَّ مُجْرى الواوِ والفاءِ؛ فَكَما جازَ نَصْبُ الفِعْلِ بِإضْمارِ أنْ بَعْدَهُما بَيْنَ الشَّرْطِ وجَوابِهِ؛ كَذَلِكَ جازَ في ثُمَّ إجْراءُ لَها مُجْراهُما، وهَذا مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ، واسْتَدَلُّوا بِهَذِهِ القِراءَةِ. وقالَ الشّاعِرُ في الفاءِ:
؎ومَن لا يُقَدِّمْ رِجْلَهُ مُطَمْئِنَةً ∗∗∗ فَيُثْبِتَها في مُسْتَوى القاعِ يَزْلَقُ
وقالَ آخَرُ في الواوِ:
؎ومَن يَقْتَرِبْ مِنّا ويُخْضِعْ نُؤْوِهِ
ولا يَخْشَ ظُلْمًا ما أقامَ ولا هَضْمًا وقالُوا: كُلُّ هِجْرَةٍ لِغَرَضٍ دِينِيٍّ مِن: طَلَبِ عِلْمٍ، أوْ حَجٍّ، أوْ جِهادٍ، أوْ فِرارٍ إلى بَلَدٍ يَزْدادُ فِيهِ طاعَةً، أوْ قَناعَةً، وزُهْدًا في الدُّنْيا، أوِ ابْتِغاءَ رِزْقٍ طَيِّبٍ؛ فَهي هِجْرَةٌ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ. وإنْ أدْرَكَهُ المَوْتُ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ تَعالى.
قِيلَ: وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الغازِيَ إذا خَرَجَ إلى الغَزْوِ وماتَ قَبْلَ القِتالِ فَلَهُ سَهْمُهُ وإنْ لَمْ يَحْضُرِ الحَرْبَ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أهْلِ المَدِينَةِ، وابْنِ المُبارَكِ. وقالُوا: إذا لَمْ يُحْرَمِ الأجْرَ لَمْ يُحْرَمِ الغَنِيمَةَ. ولا تُدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ الغَنِيمَةَ لا تُسْتَحَقُّ إلّا بَعْدَ الحِيازَةِ؛ فالسَّهْمُ مُتَعَلِّقٌ بِالحِيازَةِ، وهَذا ماتَ قَبْلَ أنْ يَغْنَمَ، ولا حُجَّةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ عَلى ذَلِكَ، لِأنَّهُ لا خِلافَ في أنَّهُ لَوْ ماتَ في دارِ الإسْلامِ وقَدْ خَرَجَ إلى الغَزْوِ وما دَخَلَ في دارِ الحَرْبِ، أنَّهُ لا يُسْهَمُ لَهُ، وقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ كَما وقَعَ أجْرُ الَّذِي خَرَجَ مُهاجِرًا فَماتَ قَبْلَ بُلُوغِهِ دارَ الهِجْرَةِ.
﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أيْ: غَفُورًا لِما سَلَفَ مِن ذُنُوبِهِ رَحِيمًا بِوُقُوعِ أجْرِهِ عَلَيْهِ ومُكافَأتِهِ عَلى هِجْرَتِهِ ونِيَّتِهِ. وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ أنْواعًا مِنَ البَلاغَةِ والبَدِيعِ؛ مِنها الِاسْتِعارَةُ في قَوْلِهِ: ﴿إذا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٩٤]، اسْتَعارَ الضَّرْبَ لِلسَّعْيِ في قِتالِ الأعْداءِ، والسَّبِيلَ لِدِينِهِ. وفي: (لا يَسْتَوِي) عَبَّرَ بِهِ وهو حَقِيقَةٌ في المَكانِ عَنِ التَّساوِي في المَنزِلَةِ والفَضِيلَةِ وفي: دَرَجَةِ حَقِيقَتِها في المَكانِ فَعَبَّرَ بِهِ عَنِ المَعْنى الَّذِي اقْتَضى التَّفْضِيلَ. وفي: ﴿يُدْرِكْهُ﴾ اسْتَعارَ الإدْراكَ الَّذِي هو صِفَةُ مَن فِيهِ حَياةٌ لِحُلُولِ المَوْتِ. وفي: فَقَدْ وقَعَ اسْتَعارَ الوُقُوعَ الَّذِي هو مِن صِفاتِ الإجْرامِ لِثُبُوتِ الأجْرِ. والتَّكْرارُ في اسْمِ اللَّهِ تَعالى، وفي: فَتَبَيَّنُوا، وفي ﴿وفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ﴾ [النساء: ٩٥] . والتَّجْنِيسُ المُماثِلُ في: (مَغْفِرَةً) و(غَفُورًا) . والمُغايِرُ في: ﴿أنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ [النساء: ٩٩] و(عَفُوًّا)، وفي: (يُهاجِرْ) و(مُهاجِرًا) . وإطْلاقُ الجَمْعِ عَلى الواحِدِ في: ﴿تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ [النساء: ٩٧] عَلى قَوْلِ مَن قالَ إنَّهُ مَلَكُ المَوْتِ وحْدَهُ. والِاسْتِفْهامُ المُرادُ مِنهُ التَّوْبِيخُ في: فِيمَ كُنْتُمْ، وفي: ألَمْ تَكُنْ. والإشارَةُ في كَذَلِكَ وفي: فَأُولَئِكَ. والسُّؤالُ والجَوابُ في: فِيمَ كُنْتُمْ وما بَعْدَها. والحَذْفُ في عِدَّةِ مَواضِعَ.
﴿وإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنَّ الكافِرِينَ كانُوا لَكم عَدُوًّا مُبِينًا﴾ ﴿وإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ ولْيَأْخُذُوا أسْلِحَتَهم فَإذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن ورائِكم ولْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ ولْيَأْخُذُوا حِذْرَهم وأسْلِحَتَهم ودَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أسْلِحَتِكم وأمْتِعَتِكم فَيَمِيلُونَ عَلَيْكم مَيْلَةً واحِدَةً ولا جُناحَ عَلَيْكم إنْ كانَ بِكم أذًى مِن مَطَرٍ أوْ كُنْتُمْ مَرْضى أنْ تَضَعُوا أسْلِحَتَكم وخُذُوا حِذْرَكم إنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٠٢] ( (p-٣٣٨)السِّلاحُ: مَعْرُوفٌ، وهو ما يَتَحَصَّنُ بِهِ الإنْسانُ مِن سَيْفٍ ورُمْحٍ، وخِنْجَرٍ ودَبُّوسٍ، ونَحْوِ ذَلِكَ، وهو مُفْرَدٌ مُذَكَّرٌ، يُجْمَعُ عَلى أسْلِحَةٍ، وأفْعِلَةٍ جَمْعَ فِعالٍ المُذَكَّرِ نَحْوَ: حِمارٍ وأحْمِرَةٍ، ويَجُوزُ تَأْنِيثُهُ. قالَ الطِّرِّماحُ:
يَهُزُّ سَلاحًا لَمْ يَرِثْها كَلالَةً يَشُكُّ بِها مِنها غُمُوضَ المَغابِنِ وقالَ اللَّيْثَ: يُقالُ لِلسَّيْفِ وحْدَهُ سِلاحٌ، ولِلْعَصا وحْدَها سِلاحٌ. وقالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: يُقالُ: السِّلاحُ والسِّلْحُ والمَسْلَحُ والمُسْلَحانُ، يَعْنِي: عَلى وزْنِ الحِمارِ والضِّلْعِ والنَّعْرِ والسُّلْطانِ. ويُقالُ: رَجُلٌ سالِحٌ إذا كانَ مَعَهُ السِّلاحُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السِّلاحُ ما قُوتِلَ بِهِ.
( ﴿وإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ رَوى مُجاهِدٌ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعُسَفانَ، وعَلى المُشْرِكِينَ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ، وقالَ المُشْرِكُونَ: لَقَدْ أصَبْنا غِرَّةً لَوْ حَمَلْنا عَلَيْهِمْ، وهم في الصَّلاةِ، فَنَزَلَتْ آيَةُ القَصْرِ فِيما بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ»، الضَّرْبُ في الأرْضِ. والظّاهِرُ جَوازُ القَصْرِ في مُطْلَقِ السَّفَرِ، وبِهِ قالَ أهْلُ الظّاهِرِ.
واخْتَلَفَتْ فُقَهاءُ الأمْصارِ في حَدِّ المَسافَةِ الَّتِي تُقْصَرُ فِيها الصَّلاةُ؛ فَقالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ وإسْحاقُ: تُقْصَرُ في أرْبَعَةِ بُرُدٍ؛ وذَلِكَ ثَمانِيَةٌ وأرْبَعُونَ مِيلًا. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ والثَّوْرِيُّ: مَسِيرَةُ ثَلاثٍ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: ثَلاثَةُ أيّامٍ ولَيالِيها بِسَيْرِ الإبِلِ، ومَشْيِ الأقْدامِ. وقالَ الأوْزاعِيُّ: مَسِيرَةُ يَوْمٍ تامٍّ، وحَكاهُ عَنْ عامَّةِ العُلَماءِ. وقالَ الحَسَنُ والزُّهْرِيُّ: مَسِيرَةُ يَوْمَيْنِ. ورُوِيَ عَنْ مالِكٍ: يَوْمٌ ولَيْلَةٌ. وقَصَرَ أنَسٌ في خَمْسَةَ عَشَرَ مِيلًا. والظّاهِرُ أنَّهُ لا يُعْتَبَرُ نَوْعُ سَفَرٍ؛ بَلْ يَكْفِي مُطْلَقُ السَّفَرِ؛ سَواءٌ كانَ في طاعَةٍ أوْ مُباحٍ أوْ مَعْصِيَةٍ؛ وبِهِ قالَ الأوْزاعِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أنَّهُ لا يُقْصَرُ إلّا في حَجٍّ أوْ جِهادٍ. وقالَ عَطاءٌ: لا تُقْصَرُ الصَّلاةُ إلّا في سَفَرِ طاعَةٍ؛ ورُوِيَ عَنْهُ: أنَّها تُقْصَرُ في السَّفَرِ المُباحِ. وأجْمَعُوا عَلى القَصْرِ في سَفَرِ الحَجِّ والعُمْرَةِ والجِهادِ، وما ضارَعَها مِن صِلَةِ رَحِمٍ، وإحْياءِ نَفْسٍ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ في سَفَرِ المَعْصِيَةِ كالباغِي وقاطِعِ الطَّرِيقِ وما في مَعْناهُما. والظّاهِرُ أنَّهُ لا يَقْصُرُ إلّا حَتّى يَتَّصِفَ بِالسَّفَرِ بِالفِعْلِ، ولا اعْتِبارَ بِمَسافَةٍ مُعَيَّنَةٍ ولا زَمانٍ. ورُوِيَ عَنِ الحارِثِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ: أنَّهُ أرادَ سَفَرًا فَصَلّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ في مَنزِلِهِ والأسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ، وغَيْرُ واحِدٍ مِن أصْحابِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ وبِهِ قالَ عَطاءٌ، وسُلَيْمانُ بْنُ مُوسى. والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ لا يَقْصُرُ حَتّى يَخْرُجَ مِن بُيُوتِ القَرْيَةِ. ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: لا يَقْصُرُ المُسافِرُ يَوْمَهُ الأوَّلَ حَتّى اللَّيْلِ. والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ﴾ أنَّ القَصْرَ مُباحٌ. وقالَ مالِكٌ في المَبْسُوطِ: سُنَّةٌ. وقالَ حَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ وأبُو حَنِيفَةَ ومُحَمَّدُ بْنُ سُحْنُونٍ وإسْماعِيلُ القاضِي: فُرِضَ، ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنْ تَقْصُرُوا﴾ مُطْلَقٌ في القَصْرِ، ويَحْتاجُ إلى مِقْدارِ ما يَنْقُصُ مِنها. فَذَهَبَتْ جَماعَةٌ إلى أنَّهُ قَصْرٌ مِن أرْبَعٍ إلى اثْنَيْنِ. وقالَ قَوْمٌ: مِن رَكْعَتَيْنِ في السَّفَرِ إلى رَكْعَةٍ والرَّكْعَتانِ في السَّفَرِ تَمامٌ.
﴿إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ظاهِرُهُ أنَّ إباحَةَ القَصْرِ مَشْرُوطَةٌ بِالخَوْفِ المَذْكُورِ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ جَماعَةٌ. ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ القَصْرَ هو مِن رَكْعَتِي السَّفَرِ إلى رَكْعَةٍ شَرَطَ الخَوْفَ، وقالَ: تُصَلِّي كُلُّ طائِفَةٍ رَكْعَةً لا تَزِيدُ عَلَيْها، ويَكُونُ لِلْإمامِ رَكْعَتانِ. وقالَتْ طائِفَةٌ: لا يُرادُ بِالقَصْرِ الصَّلاةُ هُنا القَصْرُ مِن رَكْعَتَيْها؛ وإنَّما المُرادُ القَصْرُ مِن هَيْئَتِها بِتَرْكِ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ في الإيماءِ، وتَرْكِ القِيامِ إلى الرُّكُوعِ. ورُوِيَ فِعْلُ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وطاوُسٍ. وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّ الآيَةَ مُبِيحَةٌ القَصْرَ مِن حُدُودِ الصَّلاةِ وهَيْآتِها عِنْدَ المُسايَفَةِ واشْتِعالِ الحَرْبِ؛ فَأُبِيحَ لِمَن هَذِهِ حالَهُ أنْ يُصَلِّيَ إيماءً (p-٣٣٩)بِرَأْسِهِ، ويُصَلِّيَ رَكْعَةً واحِدَةً حَيْثُ تَوَجَّهَ إلى رَكْعَتَيْنِ، ورَجَّحَ هَذا القَوْلَ الطَّبَرِيُّ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [النساء: ١٠٣]؛ أيْ بِحُدُودِها، وهَيْآتِها الكامِلَةِ. والحَدِيثُ الصَّحِيحُ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الشَّرْطَ لا مَفْهُومَ لَهُ، فَلا فَرْقَ بَيْنَ الخَوْفِ والأمْنِ. وحَدِيثُ يَعْلى في ذَلِكَ مَشْهُورٌ صَحِيحٌ.
والفِتْنَةُ هُنا هي التَّعَرُّضُ بِما يَكْرَهُ مِن قِتالٍ وغَيْرِهِ. ولُغَةُ الحِجازِ: فَتَنَ، ولُغَةُ تَمِيمٍ ورَبِيعَةَ وقَيْسٍ: أفْتَنَ رُباعِيًّا. وقالَ أبُو زَيْدٍ: قَصَرَ مِن صَلاتِهِ قَصْرًا أنْقَصَ مِن عَدَدِها. وقالَ الأزْهَرِيُّ: قَصَرَ، وأقْصَرَ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿أنْ تَقْصُرُوا﴾ رُباعِيًّا، وبِهِ قَرَأ الضَّبِّيُّ عَنْ رِجالِهِ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: ﴿تَقْصُرُوا﴾ مُشَدَّدًا، ومَن لِلتَّبْعِيضِ. وقِيلَ زائِدَةٌ. وقِيلَ الشَّرْطُ لَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِقَصْرِ الصَّلاةِ، بَلْ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾، ثُمَّ ابْتَدَأ حُكْمُ الخَوْفِ. ويُؤَيِّدُهُ عَلى قَوْلٍ أنَّ تُجّارًا قالُوا: إنّا نَضْرِبُ في الأرْضِ، فَكَيْفَ نُصَلِّي ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿وإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾، ثُمَّ انْقَطَعَ الكَلامُ. فَلَمّا كانَ بَعْدَ ذَلِكَ بِسَنَةٍ في غَزاةِ بَنِي أسَدٍ حِينَ صُلِّيَتِ الظُّهْرُ قالَ بَعْضُ العَدُوِّ: هَلّا شَدَدْتُمْ عَلَيْهِمْ، وقَدْ مَكَّنُوكم مِن ظُهُورِهِمْ ؟ فَقالُوا: إنَّ لَهم بَعْدَها صَلاةً هي أحَبُّ إلَيْهِمْ مِن آبائِهِمْ، وأوْلادِهِمْ؛ فَنَزَلَتْ: ﴿إنْ خِفْتُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿عَذابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٠٢] صَلاةُ الخَوْفِ. ورَجَّحَ هَذا بِأنَّهُ إذا عَلَّقَ الشَّرْطَ بِما قَبْلَهُ كانَ جَوازُ القَصْرِ مَعَ الأمْنِ مُسْتَفادًا مِن السُّنَّةِ، ويَلْزَمُ مِنهُ نَسْخُ الكِتابِ بِالسُّنَّةِ. وعَلى تَقْدِيرِ الِاسْتِئْنافِ لا يَلْزَمُ، ومَتى اسْتَقامَ اللَّفْظُ، وتَمَّ المَعْنى مِن غَيْرِ مَحْذُورِ النَّسْخِ كانَ أوْلى، انْتَهى. ولَيْسَ هَذا بِنَسْخٍ؛ إنَّما فِيهِ عَدَمُ اعْتِبارِ مَفْهُومِ الشَّرْطِ، وهو كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎عَزِيزٌ إذا حَلَّ الخَلِيقانِ حَوْلَهُ ∗∗∗ بِذِي لُحْبِ لَجْأتِهِ وضَواهِلِهْ
وفِي قِراءَةِ أُبَيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ: ”أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ أنْ يَفْتِنَكم“ بِإسْقاطِ ﴿إنْ خِفْتُمْ﴾، وهو مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ مِن حَيْثُ المَعْنى؛ أيْ مَخافَةَ أنْ يَفْتِنَكم. وأصْلُ الفِتْنَةِ الِاخْتِبارُ بِالشَّدائِدِ.
﴿إنَّ الكافِرِينَ كانُوا لَكم عَدُوًّا مُبِينًا﴾ عَدُوٌّ: وصْفٌ يُوصَفُ بِهِ الواحِدُ والجَمْعُ. قالَ: (هُمُ العَدُوُّ) . ومَعْنى مُبِينًا؛ أيْ مُظْهِرًا لِلْعَداوَةِ؛ بِحَيْثُ إنَّ عَداوَتَهُ لَيْسَتْ مَسْتُورَةً، ولا هو يُخْفِيها، فَمَتى قَدَرَ عَلى أذِيَّةٍ فَعَلَها.
﴿وإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ ولْيَأْخُذُوا أسْلِحَتَهم فَإذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن ورائِكم ولْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ ولْيَأْخُذُوا حِذْرَهم وأسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] اسْتَدَلَّ بِظاهِرِ الخِطابِ لِلرَّسُولِ ﷺ مَن لا يَرى صَلاةَ الخَوْفِ بَعْدَ الرَّسُولِ حَيْثُ شَرَطَ كَوْنَهُ فِيهِمْ، وكَوْنَهُ هو المُقِيمَ لَهُمُ الصَّلاةَ. وهو مَذْهَبُ ابْنِ عُلَيَّةَ وأبِي يُوسُفَ؛ لِأنَّ الصَّلاةَ بِإمامَتِهِ لا عِوَضَ عَنْها وغَيْرُهُ مِنَ العِوَضِ؛ فَيُصَلِّي النّاسُ بِإمامَيْنِ طائِفَةً بَعْدَ طائِفَةٍ. وقالَ الجُمْهُورُ: الخِطابُ لَهُ يَتَناوَلُ الأُمَراءَ بَعْدَهُ والضَّمِيرُ في فِيهِمْ عائِدٌ عَلى الخائِفِينَ. وقِيلَ عَلى الضّارِبِينَ في الأرْضِ. والظّاهِرُ أنَّ صَلاةَ الخَوْفِ لا تَكُونُ إلّا في السَّفَرِ، ولا تَكُونُ في الحَضَرِ، وإنْ كانَ خَوْفٌ. وذَهَبَ إلَيْهِ قَوْمٌ. وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ الحَضَرَ إذا كانَ خَوْفٌ كالسَّفَرِ.
ومَعْنى: فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ أقَمْتَ حُدُودَها وهَيْآتِها. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ المَعْنى فَأقَمْتَ بِهِمْ. وعَبَّرَ بِالإقامَةِ إذْ هي فَرْضٌ عَلى المُصَلِّي في قَوْلٍ عَنْ ذَلِكَ. ومَعْنى: فَلْتَقُمْ هو مِنَ القِيامِ، وهو الوُقُوفُ. وقِيلَ (p-٣٤٠)فَلْتَقُمْ بِأمْرِ صَلاتِها حَتّى تَقَعَ عَلى وفْقِ صَلاتِكَ مَن قامَ بِالأمْرِ اهْتَمَّ بِهِ، وجَعَلَهُ شُغْلَهُ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في: ﴿ولْيَأْخُذُوا أسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] عائِدٌ عَلى طائِفَةٍ لِقُرْبِها مِنَ الضَّمِيرِ، ولِكَوْنِها لَها فِيما بَعْدَها في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا سَجَدُوا﴾ [النساء: ١٠٢] . وقِيلَ إنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى غَيْرِهِمْ، وهي الطّائِفَةُ الحارِسَةُ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ. وقالَ النَّحّاسُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْجَمِيعِ؛ لِأنَّهُ أهَيْبُ لِلْعَدُوِّ: فَإذا سَجَدُوا؛ أيْ هَذِهِ الطّائِفَةُ. ومَعْنى سَجَدُوا: صَلَّوْا. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ السُّجُودَ قَدْ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الصَّلاةِ، ومِنهُ: «إذا جاءَ أحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ»؛ أيْ فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ.
النساء 4:101
﴿ومَن يُهاجِرْ في سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ في الأرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا وسَعَةً﴾ قِيلَ نَزَلَتْ في أكْثَمِ بْنِ صَيْفِيِّ، ولَمّا رَغَّبَ تَعالى في الهِجْرَةِ ذَكَرَ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها مِن وُجُودِ السَّعَةِ والمَذاهِبِ الكَثِيرَةِ لِيَذْهَبَ عَنْهُ ما يَتَوَهَّمُ وُجُودَهُ في الغُرْبَةِ، ومُفارَقَةِ الوَطَنِ مِنَ الشِّدَّةِ، وهَذا مُقَرَّرُ ما قالَتْهُ المَلائِكَةُ: ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ [النساء: ٩٧] .
ومَعْنى مُراغَمًا: مُتَحَوَّلًا ومَذْهَبًا؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضِّحاكُ، والرَّبِيعُ، وغَيْرُهم. وقالَ مُجاهِدٌ: المُزَحْزَحُ عَمّا يَكْرَهُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُهاجَرُ. وقالَ السُّدِّيُّ: المُبْتَغى لِلْمَعِيشَةِ. وقَرَأ الجَرّاحُ ونُبَيْحٌ والحَسَنُ بْنُ عِمْرانَ: مَرْغَمًا عَلى وزْنِ مَفْعَلٍ كَمَذْهَبٍ. قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: هو عَلى حَذْفِ الزَّوائِدِ مِن راغَمَ. والسِّعَةُ هُنا في الرِّزْقِ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ والرَّبِيعُ، وغَيْرُهم. وقالَ قَتادَةُ: سَعَةٌ مِنَ الضَّلالَةِ إلى الهُدى، ومِنَ القِلَّةِ إلى الغِنى. وقالَ مالِكٌ: السِّعَةُ سَعَةُ البِلادِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والمُشْبِهُ لِفَصاحَةِ العَرَبِ، أنْ يُرِيدَ سَعَةَ الأرْضِ، وكَثْرَةَ المَعاقِلِ، وبِذَلِكَ تَكُونُ السَّعَةُ في الرِّزْقِ، واتِّساعِ الصَّدْرِ عَنْ هُمُومِهِ وفِكْرِهِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ الفَرَحِ. ونَحْوُ هَذا المَعْنى قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَكانَ لِي مُضْطَرَبٌ واسِعٌ في الأرْضِ ذاتِ الطُّولِ والعَرْضِ
انْتَهى. وقَدَّمَ مُراغَمَةَ الأعْداءِ عَلى سَعَةِ العَيْشِ؛ لِأنَّ الِابْتِهاجَ بِرَغْمِ أُنُوفِ الأعْداءِ لِسُوءِ مُعامَلَتِهِمْ أشَدُّ مِن الِابْتِهاجِ بِالسَّعَةِ.
﴿ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ قِيلَ نَزَلَتْ في جُنْدُبِ بْنِ ضَمْرَةَ، وتَقَدَّمَتْ قِصَّتُهُ قَبْلُ. وقِيلَ في ضَمْرَةِ بْنِ بَغِيضٍ. وقِيلَ أبُو بَغِيضٍ ضَمْرَةُ بْنُ زِنْباعٍ الخُزاعِيُّ. وقِيلَ خالِدُ بْنُ حَرامِ بْنِ خُوَيْلِدٍ أخُو حَكِيمِ بْنِ حَرامٍ خَرَجَ مُهاجِرًا إلى الحَبَشَةِ؛ فَماتَ في الطَّرِيقِ. وقِيلَ ضَمْرَةُ بْنُ ضَمْرَةَ بْنِ نُعَيْمٍ. وقِيلَ ضَمْرَةُ بْنُ خُزاعَةَ. وقِيلَ رَجُلٌ مِن كِنانَةَ هاجَرَ فَماتَ في الطَّرِيقِ، فَسَخِرَ مِنهُ قَوْمُهُ فَقالُوا: لا هو بَلَغَ ما يُرِيدُ، ولا هو أقامَ في أهْلِهِ حَتّى دُفِنَ. والصَّحِيحُ: أنَّهُ ضَمْرَةُ بْنُ بَغِيضٍ، أوْ بَغِيضُ بْنُ ضَمْرَةَ بْنِ الزِّنْباعِ؛ لِأنَّ عِكْرِمَةَ سَألَ عَنْهُ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً وصَحَّحَهُ. وجَوابُ الشَّرْطِ ﴿فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾، وهَذِهِ مُبالَغَةٌ في ثُبُوتِ الأجْرِ ولُزُومِهِ، ووُصُولِ الثَّوابِ إلَيْهِ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ، وتَكْرِيمًا. وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالوُقُوعِ مُبالَغَةً. وقَرَأ النَّخَعِيُّ وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: ﴿ثُمَّ يُدْرِكْهُ﴾ بِرَفْعِ الكافِ. قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: هَذا رُفِعَ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ ثُمَّ هو يُدْرِكُهُ المَوْتُ، فَعَطَفَ الجُمْلَةَ مِنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ عَلى الفِعْلِ المَجْزُومِ وفاعِلِهِ. وعَلى هَذا حَمَلَ يُونُسُ قَوْلَ الأعْشى:
؎إنْ تَرْكَبُوا فَرُكُوبُ الخَيْرِ عادَتُنا ∗∗∗ أوْ تَنْزِلُونَ فَإنّا مَعْشَرٌ نُزُلُ
المُرادُ: أوْ أنْتُمْ تَنْزِلُونَ، وعَلَيْهِ قَوْلُ الآخَرِ:
؎إنْ تُذْنِبُوا ثُمَّ يَأْتِينِي نَعِيقُكم ∗∗∗ فَما عَلَيَّ بِذَنْبٍ عِنْدِكم قُوتُ
المَعْنى: ثُمَّ أنْتُمْ يَأْتِينِي نَعِيقُكم. وهَذا أوْجَهُ مِن أنْ يُحْمَلَ عَلى ألَمْ يَأْتِيكَ، انْتَهى. وخُرِّجَ عَلى وجْهٍ آخَرَ وهو: (p-٣٣٧)أنَّ رَفْعَ الكافِ مَنقُولٌ مِنَ الهاءِ؛ كَأنَّهُ أرادَ أنْ يَقِفَ عَلَيْها، ثُمَّ نَقَلَ حَرَكَةَ الهاءِ إلى الكافِ كَقَوْلِهِ:
؎مِن عُرى سَلْبِي لَمْ أضْرِبُهُ
(يُرِيدُ: لَمْ أضْرِبْهُ؛ فَنَقَلَ حَرَكَةَ الهاءِ إلى الباءِ المَجْزُومَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ ونُبَيْحٌ والجَرّاحُ: ( ثُمَّ يُدْرِكَهُ) بِنَصْبِ الكافِ، وذَلِكَ عَلى إضْماراتٍ كَقَوْلِ الأعْشى:
؎ويَأْوِي إلَيْها المُسْتَجِيرُ فَيُعْصَما
( قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: هَذا لَيْسَ بِالسَّهْلِ، وإنَّما بابُهُ الشِّعْرُ لا القُرْآنُ وأنْشَدَ أبُو زَيْدٍ فِيهِ:
؎سَأتْرُكُ مَنزِلِي لِبَنِي تَمِيمٍ ∗∗∗ وألْحَقُ بِالحِجازِ فَأسْتَرِيحا
والآيَةُ أقْوى مِن هَذا لِتَقَدُّمِ الشَّرْطِ قَبْلَ المَعْطُوفِ، انْتَهى. وتَقُولُ: أجْرى ثُمَّ مُجْرى الواوِ والفاءِ؛ فَكَما جازَ نَصْبُ الفِعْلِ بِإضْمارِ أنْ بَعْدَهُما بَيْنَ الشَّرْطِ وجَوابِهِ؛ كَذَلِكَ جازَ في ثُمَّ إجْراءُ لَها مُجْراهُما، وهَذا مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ، واسْتَدَلُّوا بِهَذِهِ القِراءَةِ. وقالَ الشّاعِرُ في الفاءِ:
؎ومَن لا يُقَدِّمْ رِجْلَهُ مُطَمْئِنَةً ∗∗∗ فَيُثْبِتَها في مُسْتَوى القاعِ يَزْلَقُ
وقالَ آخَرُ في الواوِ:
؎ومَن يَقْتَرِبْ مِنّا ويُخْضِعْ نُؤْوِهِ
ولا يَخْشَ ظُلْمًا ما أقامَ ولا هَضْمًا وقالُوا: كُلُّ هِجْرَةٍ لِغَرَضٍ دِينِيٍّ مِن: طَلَبِ عِلْمٍ، أوْ حَجٍّ، أوْ جِهادٍ، أوْ فِرارٍ إلى بَلَدٍ يَزْدادُ فِيهِ طاعَةً، أوْ قَناعَةً، وزُهْدًا في الدُّنْيا، أوِ ابْتِغاءَ رِزْقٍ طَيِّبٍ؛ فَهي هِجْرَةٌ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ. وإنْ أدْرَكَهُ المَوْتُ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ تَعالى.
قِيلَ: وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الغازِيَ إذا خَرَجَ إلى الغَزْوِ وماتَ قَبْلَ القِتالِ فَلَهُ سَهْمُهُ وإنْ لَمْ يَحْضُرِ الحَرْبَ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أهْلِ المَدِينَةِ، وابْنِ المُبارَكِ. وقالُوا: إذا لَمْ يُحْرَمِ الأجْرَ لَمْ يُحْرَمِ الغَنِيمَةَ. ولا تُدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ الغَنِيمَةَ لا تُسْتَحَقُّ إلّا بَعْدَ الحِيازَةِ؛ فالسَّهْمُ مُتَعَلِّقٌ بِالحِيازَةِ، وهَذا ماتَ قَبْلَ أنْ يَغْنَمَ، ولا حُجَّةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ عَلى ذَلِكَ، لِأنَّهُ لا خِلافَ في أنَّهُ لَوْ ماتَ في دارِ الإسْلامِ وقَدْ خَرَجَ إلى الغَزْوِ وما دَخَلَ في دارِ الحَرْبِ، أنَّهُ لا يُسْهَمُ لَهُ، وقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ كَما وقَعَ أجْرُ الَّذِي خَرَجَ مُهاجِرًا فَماتَ قَبْلَ بُلُوغِهِ دارَ الهِجْرَةِ.
﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أيْ: غَفُورًا لِما سَلَفَ مِن ذُنُوبِهِ رَحِيمًا بِوُقُوعِ أجْرِهِ عَلَيْهِ ومُكافَأتِهِ عَلى هِجْرَتِهِ ونِيَّتِهِ. وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ أنْواعًا مِنَ البَلاغَةِ والبَدِيعِ؛ مِنها الِاسْتِعارَةُ في قَوْلِهِ: ﴿إذا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٩٤]، اسْتَعارَ الضَّرْبَ لِلسَّعْيِ في قِتالِ الأعْداءِ، والسَّبِيلَ لِدِينِهِ. وفي: (لا يَسْتَوِي) عَبَّرَ بِهِ وهو حَقِيقَةٌ في المَكانِ عَنِ التَّساوِي في المَنزِلَةِ والفَضِيلَةِ وفي: دَرَجَةِ حَقِيقَتِها في المَكانِ فَعَبَّرَ بِهِ عَنِ المَعْنى الَّذِي اقْتَضى التَّفْضِيلَ. وفي: ﴿يُدْرِكْهُ﴾ اسْتَعارَ الإدْراكَ الَّذِي هو صِفَةُ مَن فِيهِ حَياةٌ لِحُلُولِ المَوْتِ. وفي: فَقَدْ وقَعَ اسْتَعارَ الوُقُوعَ الَّذِي هو مِن صِفاتِ الإجْرامِ لِثُبُوتِ الأجْرِ. والتَّكْرارُ في اسْمِ اللَّهِ تَعالى، وفي: فَتَبَيَّنُوا، وفي ﴿وفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ﴾ [النساء: ٩٥] . والتَّجْنِيسُ المُماثِلُ في: (مَغْفِرَةً) و(غَفُورًا) . والمُغايِرُ في: ﴿أنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ [النساء: ٩٩] و(عَفُوًّا)، وفي: (يُهاجِرْ) و(مُهاجِرًا) . وإطْلاقُ الجَمْعِ عَلى الواحِدِ في: ﴿تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ [النساء: ٩٧] عَلى قَوْلِ مَن قالَ إنَّهُ مَلَكُ المَوْتِ وحْدَهُ. والِاسْتِفْهامُ المُرادُ مِنهُ التَّوْبِيخُ في: فِيمَ كُنْتُمْ، وفي: ألَمْ تَكُنْ. والإشارَةُ في كَذَلِكَ وفي: فَأُولَئِكَ. والسُّؤالُ والجَوابُ في: فِيمَ كُنْتُمْ وما بَعْدَها. والحَذْفُ في عِدَّةِ مَواضِعَ.
﴿وإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنَّ الكافِرِينَ كانُوا لَكم عَدُوًّا مُبِينًا﴾ ﴿وإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ ولْيَأْخُذُوا أسْلِحَتَهم فَإذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن ورائِكم ولْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ ولْيَأْخُذُوا حِذْرَهم وأسْلِحَتَهم ودَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أسْلِحَتِكم وأمْتِعَتِكم فَيَمِيلُونَ عَلَيْكم مَيْلَةً واحِدَةً ولا جُناحَ عَلَيْكم إنْ كانَ بِكم أذًى مِن مَطَرٍ أوْ كُنْتُمْ مَرْضى أنْ تَضَعُوا أسْلِحَتَكم وخُذُوا حِذْرَكم إنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٠٢] ( (p-٣٣٨)السِّلاحُ: مَعْرُوفٌ، وهو ما يَتَحَصَّنُ بِهِ الإنْسانُ مِن سَيْفٍ ورُمْحٍ، وخِنْجَرٍ ودَبُّوسٍ، ونَحْوِ ذَلِكَ، وهو مُفْرَدٌ مُذَكَّرٌ، يُجْمَعُ عَلى أسْلِحَةٍ، وأفْعِلَةٍ جَمْعَ فِعالٍ المُذَكَّرِ نَحْوَ: حِمارٍ وأحْمِرَةٍ، ويَجُوزُ تَأْنِيثُهُ. قالَ الطِّرِّماحُ:
يَهُزُّ سَلاحًا لَمْ يَرِثْها كَلالَةً يَشُكُّ بِها مِنها غُمُوضَ المَغابِنِ وقالَ اللَّيْثَ: يُقالُ لِلسَّيْفِ وحْدَهُ سِلاحٌ، ولِلْعَصا وحْدَها سِلاحٌ. وقالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: يُقالُ: السِّلاحُ والسِّلْحُ والمَسْلَحُ والمُسْلَحانُ، يَعْنِي: عَلى وزْنِ الحِمارِ والضِّلْعِ والنَّعْرِ والسُّلْطانِ. ويُقالُ: رَجُلٌ سالِحٌ إذا كانَ مَعَهُ السِّلاحُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السِّلاحُ ما قُوتِلَ بِهِ.
( ﴿وإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ رَوى مُجاهِدٌ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعُسَفانَ، وعَلى المُشْرِكِينَ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ، وقالَ المُشْرِكُونَ: لَقَدْ أصَبْنا غِرَّةً لَوْ حَمَلْنا عَلَيْهِمْ، وهم في الصَّلاةِ، فَنَزَلَتْ آيَةُ القَصْرِ فِيما بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ»، الضَّرْبُ في الأرْضِ. والظّاهِرُ جَوازُ القَصْرِ في مُطْلَقِ السَّفَرِ، وبِهِ قالَ أهْلُ الظّاهِرِ.
واخْتَلَفَتْ فُقَهاءُ الأمْصارِ في حَدِّ المَسافَةِ الَّتِي تُقْصَرُ فِيها الصَّلاةُ؛ فَقالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ وإسْحاقُ: تُقْصَرُ في أرْبَعَةِ بُرُدٍ؛ وذَلِكَ ثَمانِيَةٌ وأرْبَعُونَ مِيلًا. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ والثَّوْرِيُّ: مَسِيرَةُ ثَلاثٍ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: ثَلاثَةُ أيّامٍ ولَيالِيها بِسَيْرِ الإبِلِ، ومَشْيِ الأقْدامِ. وقالَ الأوْزاعِيُّ: مَسِيرَةُ يَوْمٍ تامٍّ، وحَكاهُ عَنْ عامَّةِ العُلَماءِ. وقالَ الحَسَنُ والزُّهْرِيُّ: مَسِيرَةُ يَوْمَيْنِ. ورُوِيَ عَنْ مالِكٍ: يَوْمٌ ولَيْلَةٌ. وقَصَرَ أنَسٌ في خَمْسَةَ عَشَرَ مِيلًا. والظّاهِرُ أنَّهُ لا يُعْتَبَرُ نَوْعُ سَفَرٍ؛ بَلْ يَكْفِي مُطْلَقُ السَّفَرِ؛ سَواءٌ كانَ في طاعَةٍ أوْ مُباحٍ أوْ مَعْصِيَةٍ؛ وبِهِ قالَ الأوْزاعِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أنَّهُ لا يُقْصَرُ إلّا في حَجٍّ أوْ جِهادٍ. وقالَ عَطاءٌ: لا تُقْصَرُ الصَّلاةُ إلّا في سَفَرِ طاعَةٍ؛ ورُوِيَ عَنْهُ: أنَّها تُقْصَرُ في السَّفَرِ المُباحِ. وأجْمَعُوا عَلى القَصْرِ في سَفَرِ الحَجِّ والعُمْرَةِ والجِهادِ، وما ضارَعَها مِن صِلَةِ رَحِمٍ، وإحْياءِ نَفْسٍ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ في سَفَرِ المَعْصِيَةِ كالباغِي وقاطِعِ الطَّرِيقِ وما في مَعْناهُما. والظّاهِرُ أنَّهُ لا يَقْصُرُ إلّا حَتّى يَتَّصِفَ بِالسَّفَرِ بِالفِعْلِ، ولا اعْتِبارَ بِمَسافَةٍ مُعَيَّنَةٍ ولا زَمانٍ. ورُوِيَ عَنِ الحارِثِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ: أنَّهُ أرادَ سَفَرًا فَصَلّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ في مَنزِلِهِ والأسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ، وغَيْرُ واحِدٍ مِن أصْحابِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ وبِهِ قالَ عَطاءٌ، وسُلَيْمانُ بْنُ مُوسى. والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ لا يَقْصُرُ حَتّى يَخْرُجَ مِن بُيُوتِ القَرْيَةِ. ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: لا يَقْصُرُ المُسافِرُ يَوْمَهُ الأوَّلَ حَتّى اللَّيْلِ. والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ﴾ أنَّ القَصْرَ مُباحٌ. وقالَ مالِكٌ في المَبْسُوطِ: سُنَّةٌ. وقالَ حَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ وأبُو حَنِيفَةَ ومُحَمَّدُ بْنُ سُحْنُونٍ وإسْماعِيلُ القاضِي: فُرِضَ، ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنْ تَقْصُرُوا﴾ مُطْلَقٌ في القَصْرِ، ويَحْتاجُ إلى مِقْدارِ ما يَنْقُصُ مِنها. فَذَهَبَتْ جَماعَةٌ إلى أنَّهُ قَصْرٌ مِن أرْبَعٍ إلى اثْنَيْنِ. وقالَ قَوْمٌ: مِن رَكْعَتَيْنِ في السَّفَرِ إلى رَكْعَةٍ والرَّكْعَتانِ في السَّفَرِ تَمامٌ.
﴿إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ظاهِرُهُ أنَّ إباحَةَ القَصْرِ مَشْرُوطَةٌ بِالخَوْفِ المَذْكُورِ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ جَماعَةٌ. ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ القَصْرَ هو مِن رَكْعَتِي السَّفَرِ إلى رَكْعَةٍ شَرَطَ الخَوْفَ، وقالَ: تُصَلِّي كُلُّ طائِفَةٍ رَكْعَةً لا تَزِيدُ عَلَيْها، ويَكُونُ لِلْإمامِ رَكْعَتانِ. وقالَتْ طائِفَةٌ: لا يُرادُ بِالقَصْرِ الصَّلاةُ هُنا القَصْرُ مِن رَكْعَتَيْها؛ وإنَّما المُرادُ القَصْرُ مِن هَيْئَتِها بِتَرْكِ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ في الإيماءِ، وتَرْكِ القِيامِ إلى الرُّكُوعِ. ورُوِيَ فِعْلُ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وطاوُسٍ. وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّ الآيَةَ مُبِيحَةٌ القَصْرَ مِن حُدُودِ الصَّلاةِ وهَيْآتِها عِنْدَ المُسايَفَةِ واشْتِعالِ الحَرْبِ؛ فَأُبِيحَ لِمَن هَذِهِ حالَهُ أنْ يُصَلِّيَ إيماءً (p-٣٣٩)بِرَأْسِهِ، ويُصَلِّيَ رَكْعَةً واحِدَةً حَيْثُ تَوَجَّهَ إلى رَكْعَتَيْنِ، ورَجَّحَ هَذا القَوْلَ الطَّبَرِيُّ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [النساء: ١٠٣]؛ أيْ بِحُدُودِها، وهَيْآتِها الكامِلَةِ. والحَدِيثُ الصَّحِيحُ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الشَّرْطَ لا مَفْهُومَ لَهُ، فَلا فَرْقَ بَيْنَ الخَوْفِ والأمْنِ. وحَدِيثُ يَعْلى في ذَلِكَ مَشْهُورٌ صَحِيحٌ.
والفِتْنَةُ هُنا هي التَّعَرُّضُ بِما يَكْرَهُ مِن قِتالٍ وغَيْرِهِ. ولُغَةُ الحِجازِ: فَتَنَ، ولُغَةُ تَمِيمٍ ورَبِيعَةَ وقَيْسٍ: أفْتَنَ رُباعِيًّا. وقالَ أبُو زَيْدٍ: قَصَرَ مِن صَلاتِهِ قَصْرًا أنْقَصَ مِن عَدَدِها. وقالَ الأزْهَرِيُّ: قَصَرَ، وأقْصَرَ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿أنْ تَقْصُرُوا﴾ رُباعِيًّا، وبِهِ قَرَأ الضَّبِّيُّ عَنْ رِجالِهِ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: ﴿تَقْصُرُوا﴾ مُشَدَّدًا، ومَن لِلتَّبْعِيضِ. وقِيلَ زائِدَةٌ. وقِيلَ الشَّرْطُ لَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِقَصْرِ الصَّلاةِ، بَلْ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾، ثُمَّ ابْتَدَأ حُكْمُ الخَوْفِ. ويُؤَيِّدُهُ عَلى قَوْلٍ أنَّ تُجّارًا قالُوا: إنّا نَضْرِبُ في الأرْضِ، فَكَيْفَ نُصَلِّي ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿وإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾، ثُمَّ انْقَطَعَ الكَلامُ. فَلَمّا كانَ بَعْدَ ذَلِكَ بِسَنَةٍ في غَزاةِ بَنِي أسَدٍ حِينَ صُلِّيَتِ الظُّهْرُ قالَ بَعْضُ العَدُوِّ: هَلّا شَدَدْتُمْ عَلَيْهِمْ، وقَدْ مَكَّنُوكم مِن ظُهُورِهِمْ ؟ فَقالُوا: إنَّ لَهم بَعْدَها صَلاةً هي أحَبُّ إلَيْهِمْ مِن آبائِهِمْ، وأوْلادِهِمْ؛ فَنَزَلَتْ: ﴿إنْ خِفْتُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿عَذابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٠٢] صَلاةُ الخَوْفِ. ورَجَّحَ هَذا بِأنَّهُ إذا عَلَّقَ الشَّرْطَ بِما قَبْلَهُ كانَ جَوازُ القَصْرِ مَعَ الأمْنِ مُسْتَفادًا مِن السُّنَّةِ، ويَلْزَمُ مِنهُ نَسْخُ الكِتابِ بِالسُّنَّةِ. وعَلى تَقْدِيرِ الِاسْتِئْنافِ لا يَلْزَمُ، ومَتى اسْتَقامَ اللَّفْظُ، وتَمَّ المَعْنى مِن غَيْرِ مَحْذُورِ النَّسْخِ كانَ أوْلى، انْتَهى. ولَيْسَ هَذا بِنَسْخٍ؛ إنَّما فِيهِ عَدَمُ اعْتِبارِ مَفْهُومِ الشَّرْطِ، وهو كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎عَزِيزٌ إذا حَلَّ الخَلِيقانِ حَوْلَهُ ∗∗∗ بِذِي لُحْبِ لَجْأتِهِ وضَواهِلِهْ
وفِي قِراءَةِ أُبَيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ: ”أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ أنْ يَفْتِنَكم“ بِإسْقاطِ ﴿إنْ خِفْتُمْ﴾، وهو مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ مِن حَيْثُ المَعْنى؛ أيْ مَخافَةَ أنْ يَفْتِنَكم. وأصْلُ الفِتْنَةِ الِاخْتِبارُ بِالشَّدائِدِ.
﴿إنَّ الكافِرِينَ كانُوا لَكم عَدُوًّا مُبِينًا﴾ عَدُوٌّ: وصْفٌ يُوصَفُ بِهِ الواحِدُ والجَمْعُ. قالَ: (هُمُ العَدُوُّ) . ومَعْنى مُبِينًا؛ أيْ مُظْهِرًا لِلْعَداوَةِ؛ بِحَيْثُ إنَّ عَداوَتَهُ لَيْسَتْ مَسْتُورَةً، ولا هو يُخْفِيها، فَمَتى قَدَرَ عَلى أذِيَّةٍ فَعَلَها.
﴿وإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ ولْيَأْخُذُوا أسْلِحَتَهم فَإذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن ورائِكم ولْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ ولْيَأْخُذُوا حِذْرَهم وأسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] اسْتَدَلَّ بِظاهِرِ الخِطابِ لِلرَّسُولِ ﷺ مَن لا يَرى صَلاةَ الخَوْفِ بَعْدَ الرَّسُولِ حَيْثُ شَرَطَ كَوْنَهُ فِيهِمْ، وكَوْنَهُ هو المُقِيمَ لَهُمُ الصَّلاةَ. وهو مَذْهَبُ ابْنِ عُلَيَّةَ وأبِي يُوسُفَ؛ لِأنَّ الصَّلاةَ بِإمامَتِهِ لا عِوَضَ عَنْها وغَيْرُهُ مِنَ العِوَضِ؛ فَيُصَلِّي النّاسُ بِإمامَيْنِ طائِفَةً بَعْدَ طائِفَةٍ. وقالَ الجُمْهُورُ: الخِطابُ لَهُ يَتَناوَلُ الأُمَراءَ بَعْدَهُ والضَّمِيرُ في فِيهِمْ عائِدٌ عَلى الخائِفِينَ. وقِيلَ عَلى الضّارِبِينَ في الأرْضِ. والظّاهِرُ أنَّ صَلاةَ الخَوْفِ لا تَكُونُ إلّا في السَّفَرِ، ولا تَكُونُ في الحَضَرِ، وإنْ كانَ خَوْفٌ. وذَهَبَ إلَيْهِ قَوْمٌ. وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ الحَضَرَ إذا كانَ خَوْفٌ كالسَّفَرِ.
ومَعْنى: فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ أقَمْتَ حُدُودَها وهَيْآتِها. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ المَعْنى فَأقَمْتَ بِهِمْ. وعَبَّرَ بِالإقامَةِ إذْ هي فَرْضٌ عَلى المُصَلِّي في قَوْلٍ عَنْ ذَلِكَ. ومَعْنى: فَلْتَقُمْ هو مِنَ القِيامِ، وهو الوُقُوفُ. وقِيلَ (p-٣٤٠)فَلْتَقُمْ بِأمْرِ صَلاتِها حَتّى تَقَعَ عَلى وفْقِ صَلاتِكَ مَن قامَ بِالأمْرِ اهْتَمَّ بِهِ، وجَعَلَهُ شُغْلَهُ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في: ﴿ولْيَأْخُذُوا أسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] عائِدٌ عَلى طائِفَةٍ لِقُرْبِها مِنَ الضَّمِيرِ، ولِكَوْنِها لَها فِيما بَعْدَها في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا سَجَدُوا﴾ [النساء: ١٠٢] . وقِيلَ إنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى غَيْرِهِمْ، وهي الطّائِفَةُ الحارِسَةُ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ. وقالَ النَّحّاسُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْجَمِيعِ؛ لِأنَّهُ أهَيْبُ لِلْعَدُوِّ: فَإذا سَجَدُوا؛ أيْ هَذِهِ الطّائِفَةُ. ومَعْنى سَجَدُوا: صَلَّوْا. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ السُّجُودَ قَدْ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الصَّلاةِ، ومِنهُ: «إذا جاءَ أحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ»؛ أيْ فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ.
النساء 4:102
﴿فَلْيَكُونُوا مِن ورائِكُمْ﴾: ظاهِرُهُ أنَّ الضَّمِيرَ في فَلْيَكُونُوا عائِدٌ عَلى السّاجِدِينَ؛ والمَعْنى: أنَّهم إذا فَرَغُوا مِنَ السُّجُودِ انْتَقَلُوا إلى الحِراسَةِ فَكانُوا وراءَكم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَلْيَكُونُوا يَعْنِي: غَيْرَ المُصَلِّينَ مِن ورائِكم يَحْرُسُونَكم، وجَوَّزَ الوَجْهَيْنِ ابْنُ عَطِيَّةَ، قالَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ سَجَدُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الطّائِفَةُ القائِمَةُ أوَّلًا بِإزاءِ العَدُوِّ. وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ: (فَلِتَقُمْ) بِكَسْرِ اللّامِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: (ولِيَأْتِ) بِياءٍ بِثِنْتَيْنِ تَحْتَها عَلى تَذْكِيرِ الطّائِفَةِ، واخْتُلِفَ عَنْ أبِي عَمْرٍو في إدْغامِ التّاءِ في الطّاءِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُمُ انْقَسَمُوا طائِفَتَيْنِ: طائِفَةٌ حارِسَةٌ أوَّلًا، وطائِفَةٌ مُصَلِّيَةٌ أوَّلًا مَعَهُ، ثُمَّ الَّتِي صَلَّتْ أوَّلًا صارَتْ حارِسَةً، وجاءَتِ الحارِسَةُ أوَّلًا فَصَلَّتْ مَعَهُ. والظّاهِرُ أنَّ الأمْرَ بِأخْذِ الأسْلِحَةِ، واجِبٌ؛ لِأنَّ فِيهِ اطْمِئْنانَ المُصَلِّي؛ وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ وأهْلُ الظّاهِرِ. وذَهَبَ الأكْثَرُونَ إلى الِاسْتِحْبابِ.
ودَلَّتْ هَذِهِ الكَيْفِيَّةُ الَّتِي ذُكِرَتْ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ طائِفَةً صَلَّتْ مَعَ الرَّسُولِ بَعْضَ صَلاةٍ، ولا دَلالَةَ فِيها عَلى مِقْدارِ ما صَلَّتْ مَعَهُ، ولا كَيْفِيَّةِ إتْمامِهِمْ؛ وإنَّما جاءَ ذَلِكَ في السُّنَّةِ.
ونَحْنُ نَذْكُرُ تِلْكَ الكَيْفِيّاتِ عَلى سَبِيلِ الِاخْتِصارِ؛ لِأنَّها مُبَيِّنَةٌ ما أُجْمِلَ في القُرْآنِ. الكَيْفِيَّةُ الأُولى: صَلَّتْ طائِفَةٌ مَعَهُ، وطائِفَةٌ وُجاهَ العَدُوِّ، وثَبَتَتْ قائِمَةً حَتّى تَتِمَّ صَلاتُهم، ويَذْهَبُوا وُجاهَ العَدُوِّ، وجاءَتْ هَذِهِ الَّتِي كانَتْ وُجاهَ العَدُوِّ أوَّلًا فَصَلّى بِهِمُ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ، ثُمَّ ثَبَتَ جالِسًا حَتّى أتَمُّوا لِأنْفُسِهِمْ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ، وهَذِهِ كانَتْ بِذاتِ الرِّقاعِ. الكَيْفِيَّةُ الثّانِيَةُ: كالأُولى، إلّا أنَّهُ حِينَ صَلّى بِالطّائِفَةِ الأخِيرَةِ رَكْعَةً سَلَّمَ، ثُمَّ قَضَتْ بَعْدَ سَلامِهِ. وهَذِهِ مَرْوِيَّةٌ في ذاتِ الرِّقاعِ أيْضًا. الكَيْفِيَّةُ الثّالِثَةُ: صَفَّ العَسْكَرَ خَلْفَهُ صَفَّيْنِ، ثُمَّ كَبَّرَ، وكَبَّرُوا جَمِيعًا، ورَكَعُوا مَعَهُ، ورَفَعُوا مِنَ الرُّكُوعِ جَمِيعًا، ثُمَّ سَجَدَ هو بِالصَّفِّ الَّذِي يَلِيهِ والآخَرُونَ قِيامٌ يَحْرُسُونَهم؛ فَلَمّا سَجَدُوا، وقامُوا سَجَدَ الآخَرُونَ في مَكانِهِمْ، ثُمَّ تَقَدَّمُوا إلى مَصافِّ المُتَقَدِّمِينَ، وتَأخَّرَ المُتَقَدِّمُونَ إلى مَصافِّ المُتَأخِّرِينَ، ثُمَّ رَكَعُوا مَعَهُ جَمِيعًا، ثُمَّ سَجَدَ فَسَجَدَ مَعَهُ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ؛ فَلَمّا صَلّى سَجَدَ الآخَرُونَ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ جَمِيعًا. وهَذِهِ صَلاتُهُ بِعُسَفانَ والعَدُوُّ في قِبْلَتِهِ. الكَيْفِيَّةُ الرّابِعَةُ: مِثْلَ هَذا إلّا أنَّهُ قالَ: «يَنْكُصُ الصَّفُّ المُتَقَدِّمُ القَهْقَرى حِينَ يَرْفَعُونَ رُءُوسَهم مِنَ السُّجُودِ، ويَتَقَدَّمُ الآخَرُ فَيَسْجُدُونَ في مَصافِّ الأوَّلِينَ» . الكَيْفِيَّةُ الخامِسَةُ: صَلّى بِإحْدى الطّائِفَتَيْنِ رَكْعَةً والأُخْرى مُواجَهَةُ العَدُوِّ، ثُمَّ انْصَرَفُوا، وقامُوا في مَقامِ أصْحابِهِمْ مُقْبِلِينَ عَلى العَدُوِّ، وجاءَ أُولَئِكَ فَصَلّى بِهِمْ رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ قَضى بِهَؤُلاءِ رَكْعَةً، وهَؤُلاءِ رَكْعَةً في حِينٍ واحِدٍ.
الكَيْفِيَّةُ السّادِسَةُ: يُصَلِّي بِطائِفَةٍ رَكْعَةً ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ تُجاهَ العَدُوِّ، وتَأْتِي الأُخْرى فَيُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَةً ثُمَّ يُسَلِّمُ، وتَقُومُ الَّتِي مَعَهُ تَقْضِي، فَإذا فَرَغُوا سارُوا تُجاهَ العَدُوِّ، وقَضَتِ الأُخْرى. الكَيْفِيَّةُ السّابِعَةُ: صَلّى بِكُلِّ طائِفَةٍ رَكْعَةً، ولَمْ يَقْضِ أحَدٌ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ شَيْئًا زائِدًا عَلى رَكْعَةٍ واحِدَةٍ. الكَيْفِيَّةُ الثّامِنَةُ: صَلّى بِكُلِّ طائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فَكانَتْ لَهُ أرْبَعٌ، ولِكُلِّ رَجُلٍ رَكْعَتانِ. الكَيْفِيَّةُ التّاسِعَةُ: يُصَلِّي بِإحْدى الطّائِفَتَيْنِ رَكْعَةً؛ إنْ كانَتِ الصَّلاةُ رَكْعَتَيْنِ والأُخْرى بِإزاءِ العَدُوِّ، ثُمَّ تَقِفُ هَذِهِ بِإزاءِ العَدُوِّ، وتَأْتِي الأُولى فَتُؤَدِّي الرَّكْعَةَ بِغَيْرِ قِراءَةٍ، وتُتِمُّ صَلاتَها ثُمَّ تَحْرُسُ، وتَأْتِي الأُخْرى فَتُؤَدِّي الرَّكْعَةَ بِقِراءَةٍ، (p-٣٤١)وتُتِمُّ صِلاتَها، وكَذا في المَغْرِبِ. إلّا أنَّهُ يُصَلِّي بِالأُولى رَكْعَتَيْنِ وبِالثّانِيَةِ رَكْعَةً. الكَيْفِيَّةُ العاشِرَةُ: قامَتْ مَعَهُ طائِفَةٌ، وطائِفَةٌ أُخْرى مُقابِلَ العَدُوِّ، وظُهُورُهم إلى القِبْلَةِ؛ فَكَبَّرَتِ الطّائِفَتانِ مَعَهُ، ثُمَّ رَكَعَ، ورَكَعَ مَعَهُ الَّذِينَ مَعَهُ، وسَجَدُوا كَذَلِكَ، ثُمَّ قامَ فَصارَتِ الَّتِي مَعَهُ إلى إزاءِ العَدُوِّ، وأقْبَلَتِ الَّتِي كانَتْ بِإزاءِ العَدُوِّ فَرَكَعُوا، وسَجَدُوا، وهو قائِمٌ كَما هو، ثُمَّ قامُوا فَرَكَعَ رَكْعَةً أُخْرى، ورَكَعُوا مَعَهُ، وسَجَدُوا مَعَهُ، ثُمَّ أقْبَلَتِ الَّتِي بِإزاءِ العَدُوِّ فَرَكَعُوا وسَجَدُوا، وهو قاعِدٌ، ثُمَّ سَلَّمَ وسَلَّمَ الطّائِفَتانِ مَعَهُ جَمِيعًا. وهَذِهِ كانَتْ في غَزْوَةِ نَجْدٍ. الكَيْفِيَّةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ: صَلّى بِطائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ جاءَتِ الطّائِفَةُ الأُخْرى فَصَلّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ وسَلَّمَ.
وهَذِهِ كانَتْ بِبَطْنِ نَخْلٍ. واخْتِلافُ هَذِهِ الكَيْفِيّاتِ يَرُدُّ عَلى مُجاهِدٍ قَوْلَهُ: إنَّهُ ما صَلّى الرَّسُولُ إلّا مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً بِذاتِ الرِّقاعِ مِن أرْضِ بَنِي سُلَيْمٍ، ومُرَّةً بِعُسَفانَ والمُشْرِكُونَ بِضِخْيانَ بَيْنَهم وبَيْنَ القِبْلَةِ. وذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ: أنَّهُ كانَ في غَزْوَةِ ذِي قُرَدٍ صَلاةُ الخَوْفِ. وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: رُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ صَلّى صَلاةَ الخَوْفِ أرْبَعًا وعِشْرِينَ مَرَّةً، يَعْنِي كَيْفِيَّةً. وقالَ ابْنُ حَنْبَلٍ: لا نَعْلَمُ أنَّهُ رُوِيَ في صَلاةِ الخَوْفِ إلّا حَدِيثٌ ثابِتٌ صَحِيحٌ؛ فَعَلى أيِّ حَدِيثٍ صَلَّيْتَ أجْزَأ. وكَذا قالَ الطَّبَرِيُّ. وجَمَعَ في الأخْذِ بَيْنَ الحَذَرِ والأسْلِحَةِ؛ فَإنَّهُ جَعَلَ الحَذَرَ أنَّهُ يُحْتَرَزُ بِها كَما يُحْتَرَزُ بِالأسْلِحَةِ كَما جاءَ: ﴿تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ﴾ [الحشر: ٩] جَعَلَ الإيمانَ مُسْتَقِرًّا لِتَمَكُّنِهِمْ فِيهِ.
﴿ودَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أسْلِحَتِكم وأمْتِعَتِكم فَيَمِيلُونَ عَلَيْكم مَيْلَةً واحِدَةً﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ في (لَوْ) بَعْدَ (ودَّ) في قَوْلِهِ: ﴿يَوَدُّ أحَدُهم لَوْ يُعَمَّرُ﴾ [البقرة: ٩٦] أيْ: يَشُدُّونَ عَلَيْكم شِدَّةً واحِدَةً: وقُرِئَ: وأمْتِعاتِكم، وهو شاذٌّ إذْ هو جَمْعُ الجَمْعِ كَما قالُوا: أشَقِياتٌ وأُعْطِياتٌ في أشَقِيَةٍ وأُعْطِيَةٍ، جَمْعُ شَقاءٍ وعَطاءٍ. وفي هَذا الإخْبارِ تَنْبِيهٌ وتَحْذِيرٌ مِنَ الغَفْلَةِ، وأفْرَدَ المَسْألَةَ؛ لِأنَّها أبْلَغُ في الإيصالِ.
﴿ولا جُناحَ عَلَيْكم إنْ كانَ بِكم أذًى مِن مَطَرٍ أوْ كُنْتُمْ مَرْضى أنْ تَضَعُوا أسْلِحَتَكم وخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ؛ كانَ مَرِيضًا فَوَضَعَ سِلاحَهُ فَعَنَّفَهُ بَعْضُ النّاسِ. ولَمّا كانَتْ هاتانِ الحالَتانِ مِمّا يَشُقُّ حَمْلُ السِّلاحِ فِيهِما، ورُخِّصَ في ذَلِكَ لِلْمَرِيضِ لِأنَّ حَمْلَهُ السِّلاحَ مِمّا يُكْرَهُ بِهِ ويَزِيدُ في مَرَضِهِ. ورُخِّصَ في ذَلِكَ إنْ كانَ مَطَرٌ، لِأنَّ المَطَرَ مِمّا يُثْقِلُ العَدُوَّ ويَمْنَعُهُ مِن خِفَّةِ الحَرَكَةِ لِلْقِتالِ. وقالَ: إنْ يَتَأذَّوْا مِن مَطَرٍ إلّا لَحِقَ الكُفّارَ مِن أذاهُ ما لَحِقَ المُسْلِمِينَ غالِبًا إنْ كانا مُتَقارِبَيْنِ في المَسافَةِ. ومَرَضٌ إمّا لِجِراحَةٍ سَبَقَتْ، أوْ لِضَعْفِ بِنْيَةٍ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُعَدُّ مَرَضًا. وتَكْرِيرُ الأمْرِ بِأخْذِ الحَذَرِ في الصَّلاةِ. وفي هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ مِمّا يَدُلُّ عَلى تَوْكِيدِ التَّأهُّبِ والِاحْتِرازِ مِنَ العَدُوِّ؛ فَإنَّ الجَيْشَ كَثِيرًا ما يُصابُ مِنَ التَّفْرِيطِ في الحَذَرِ. وقالَ الضَّحّاكُ في قَوْلِهِ: ﴿وخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾، أيْ: تَقَلَّدُوا سُيُوفَكم؛ فَإنَّ ذَلِكَ حَذَرَ الغُزاةَ.
﴿إنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الأمْرُ بِالحَذَرِ مِنَ العَدُوِّ يُوهِمُ تَوَقُّعَ غَلَبَةٍ واغْتِرارٍ؛ فَنَفى عَنْهم ذَلِكَ الإيهامَ بِإخْبارِهِمْ أنَّ اللَّهَ يُهِينُ عَدُوَّهم ويَخْذُلُهم ويَنْصُرُهم عَلَيْهِ لِتَقْوى قُلُوبُهم، ولِيَعْلَمُوا أنَّ الأمْرَ بِالحَذَرِ لَيْسَ لِذَلِكَ؛ وإنَّما هو تَعَبُّدٌ مِنَ اللَّهِ، كَما قالَ: ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] .
﴿فَإذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فاذْكُرُوا اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِكم فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ مَعْنى قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ؛ أيَّ فَرَغْتُمْ مِنها. والصَّلاةُ هُنا صَلاةُ الخَوْفِ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الجُمْهُورُ، وكَذا فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والذِّكْرُ المَأْمُورُ بِهِ هُنا هو الذِّكْرُ بِاللِّسانِ إثْرَ صَلاةِ الخَوْفِ عَلى حَدِّ ما أُمِرُوا بِهِ عِنْدَ قَضاءِ المَناسِكِ بِذِكْرِ اللَّهِ، فَأُمِرُوا بِذِكْرِ اللَّهِ مِنَ: التَّهْلِيلِ والتَّكْبِيرِ والتَّسْبِيحِ والدُّعاءِ بِالنَّصْرِ والتَّأْيِيدِ في جَمِيعِ الأحْوالِ؛ فَإنَّ ما هم فِيهِ مِنَ ارْتِقابِ مُقارَعَةِ العَدُوِّ حَقِيقٌ بِالذِّكْرِ والِالتِجاءِ إلى اللَّهِ؛ أيْ فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأقِيمُوا الصَّلاةَ؛ أيْ أتِمُّوها. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ مَعْنى قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ: تَلَبَّسْتُمْ بِالصَّلاةِ، (p-٣٤٢)وشَرَعْتُمْ فِيها. ومَعْنى الأمْرِ بِالذِّكْرِ؛ أيْ صَلُّوها (قِيامًا) في حالِ المُسايَفَةِ والِاخْتِلاطِ (وقُعُودًا) جاثِينَ عَلى الرُّكَبِ مِن أنِينٍ، ﴿وعَلى جُنُوبِكُمْ﴾ مُثْخَنِينَ بِالجِراحِ؛ فَهي هَيْآتٌ لِأحْوالٍ عَلى حَسَبِ تَفْصِيلِها. فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ حِينَ تَضَعُ الحَرْبُ أوْزارَها وآمَنتُمْ؛ فَأقِيمُوا الصَّلاةَ؛ أيْ فاقْضُوا ما صَلَّيْتُمْ في تِلْكَ الأحْوالِ الَّتِي هي أحْوالُ القَلَقِ والِانْزِعاجِ؛ وبِهَذا الوَجْهِ بَدَأ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ. قالَ: وهَذا ظاهِرٌ عَلى مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ في إيجابِهِ الصَّلاةَ عَلى المُحارِبِ في حالِ المُسايَفَةِ والمَشْيِ والِاضْطِرابِ في المَعْرَكَةِ إذا حَضَرَ وقْتُها؛ فَإذا اطْمَأنَّ فَعَلَيْهِ القَضاءُ، وأمّا عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ فَهو مَعْذُورٌ في تَرْكِها إلى أنْ يَطْمَئِنَّ. وقِيلَ قَوْلُهُ: ﴿فَإذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فاذْكُرُوا﴾ أنَّهُ أمْرٌ بِالصَّلاةِ حالَةَ الأمْنِ بَعْدِ الخَوْفِ قِيامًا لِلْأصِحّاءِ (وقُعُودًا) لِلْعاجِزِينَ عَنِ القُعُودِ لِزَمانَةٍ أوْ جِراحَةٍ أوْ مَرَضٍ لا يَسْتَطِيعُ القُعُودَ مَعَها؛ ﴿فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾؛ أيْ أمِنتُمْ مِنَ الخَوْفِ قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ؛ ﴿فَأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾؛ أيْ صَلُّوها لا كَصَلاةِ الخَوْفِ، بَلْ كَصَلاةِ الأمْنِ في السَّفَرِ. وقِيلَ ﴿فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾؛ أيْ فَإذا رَجَعْتُمْ مِن سَفَرِكم إلى الحَضَرِ، فَأقِيمُوها تامَّةً أرْبَعًا.
﴿إنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلى المُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا﴾؛ أيْ واجِبَةً في أوْقاتٍ مَعْلُومَةٍ؛ قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ، وقَتادَةُ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. ولَمْ يَقُلْ مَوْقُوتَةً؛ لِأنَّ الكِتابَ مَصْدَرٌ؛ فَهو مُذَكَّرٌ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ المَعْنى فَرْضًا مَفْرُوضًا؛ فَهُما لَفْظانِ بِمَعْنًى واحِدٍ والظّاهِرُ الأوَّلُ؛ أيْ فَرْضًا مُنَجَّمًا في أوْقاتٍ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: أجْمَلَ هُنا تِلْكَ الأوْقاتَ، وفَسَّرَها في أوْقاتٍ خَمْسًا، وتَوْقِيتُها بِأوْقاتٍ خَمْسَةٍ في نِهايَةِ الحُسْنِ نَظَرًا إلى المَعْقُولِ؛ لِأنَّ الحَوادِثَ لَها مَراتِبُ خَمْسٌ: مَرْتَبَةُ الحُدُوثِ، ومَرْتَبَةُ الوُقُوفِ، ومَرْتَبَةُ الكُهُولَةِ. وفِيها نُقْصانٌ خَفِيٌّ، ومَرْتَبَةُ الشَّيْخُوخَةِ والخامِسَةُ: أنْ تَبْقى آثارُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ مُدَّةً ثُمَّ تُمْحى. وهَذِهِ المَراتِبُ حَصَلَتْ لِلشَّمْسِ بِحَسَبِ طُلُوعِها وغُرُوبِها، فَأوْجَبَ اللَّهُ عِنْدَ كُلِّ مَرْتَبَةٍ مِن أحْوالِها الخَمْسِ صَلاةً انْتَهى. ما لَخَّصْناهُ مِن كَلامِهِ، وطَوَّلَ هو كَثِيرًا في شَيْءٍ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ القُرْآنُ، ولا تَقْتَضِيهِ لُغَةُ العَرَبِ؛ ذَكَرَ ذَلِكَ في تَفْسِيرِهِ فَمَن أرادَهُ فَلْيُطالِعْهُ فِيهِ.
﴿ولا تَهِنُوا في ابْتِغاءِ القَوْمِ إنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهم يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ﴾ قِيلَ نَزَلَتْ في الجِهادِ مُطْلَقًا. وقِيلَ في انْصِرافِ الصَّحابَةِ مِن أُحُدٍ، وكانَ الرَّسُولُ أمَرَهم بِاتِّباعِ أبِي سُفْيانَ وأصْحابِهِ، أمَرَ أنْ لا يَخْرُجَ إلّا مَن كانَ مَعَهُ في أُحُدٍ، فَشَكَوْا بِأنَّ فِيهِمْ جِراحاتٍ. وهَذِهِ الآيَةُ تُشِيرُ إلى أنَّ القَضاءَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ﴾ إنَّما هو قَضاءُ صَلاةِ الخَوْفِ.
وقَرَأ الحَسَنُ: تَهِنُوا بِفَتْحِ الهاءِ، وهي لُغَةٌ. فُتِحَتِ الهاءُ كَما فُتِحَتْ دالُ يَدَعُ، جَلَّ حَرْفُ الحَلْقِ والمَعْنى: ولا تَضْعُفُوا أوْ تَخُورُوا جُبْنًا في طَلَبِ القَوْمِ. وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: ولا تُهانُوا مِنَ الإهانَةِ. نُهُوا عَنْ أنْ يَقَعَ مِنهم ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ إهانَتُهم مِن كَوْنِهِمْ يَجْنُونَ عَلى أعْدائِهِمْ فَيُهانُونَ كَقَوْلِهِمْ: ”لا أرَيْناكَ هاهُنا“، ثُمَّ شَجَّعَهم عَلى طَلَبِ القَوْمِ وألْزَمْهُمُ الحُجَّةَ؛ فَإنَّ ما فِيهِمْ مِنَ الألَمِ مُشْتَرَكٌ وتَزِيدُونَ عَلَيْهِمْ أنَّكم تَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ الثَّوابَ، وإظْهارَ دِينِهِ بِوَعْدِهِ الصّادِقِ، وهم لا يَرْجُونَهُ؛ فَيَنْبَغِي أنْ تَكُونُوا أشْجَعَ مِنهم وأبْعَدَ عَنِ الجُبْنِ. وإذا كانُوا يَصْبِرُونَ عَلى الآلامِ والجِراحاتِ والقَتْلِ، وهم لا يَرْجُونَ ثَوابًا في الآخِرَةِ؛ فَأنْتُمْ أحْرى؛ إنْ تَصْبِرُوا. ونَظِيرُ ذِكْرِ هَذا الأمْرِ المُشْتَرَكِ فِيهِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قاتِلُوا القَوْمَ يا خِداعُ ولا يَأْخُذْكم مِن قِتالِهِمْ قَتْلُ
؎القَوْمُ أمْثالُكم لَهم شَعَرٌ ∗∗∗ في الرَّأْسِ لا يُنْشَرُونَ إنْ قُتِلُوا
والرَّجاءُ هُنا عَلى بابِهِ، وقِيلَ مَعْناهُ الخَوْفُ الَّذِي تَخافُونَ مِن عَذابِ اللَّهِ ما لا تَخافُونَ كَقَوْلِهِ: (p-٣٤٣)
؎إذا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَها
أيْ لَمْ يَخَفْ. وزَعَمَ الفَرّاءُ أنَّ الرَّجاءَ لا يَكُونُ بِمَعْنى الخَوْفِ إلّا مَعَ النَّفْيِ، ولا يُقالُ رَجَوْتُكَ بِمَعْنى خِفْتُكَ. وقَرَأ الأعْرَجُ: أنْ تَكُونُوا بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ: تِئْلِمُونَ بِكَسْرِ التّاءِ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ ومَنصُورُ بْنُ المُعْتَمِرِ: تِئْلِمُونَ بِكَسْرِ تاءِ المُضارَعَةِ فِيهِما ويائِهِما، وهي لُغَةٌ.
﴿وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾؛ أيْ عَلِيمًا بِنِيّاتِكم؛ حَكِيمًا فِيما يَأْمُرُكم بِهِ ويَنْهاكم عَنْهُ.
﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ طَوَّلَ المُفَسِّرُونَ في سَبَبِ النُّزُولِ، ولَخَّصْنا مِنهُ انْتِهاءَ ما في قَوْلِ قَتادَةَ وغَيْرِهِ. نَزَلَتْ في طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ؛ سَرَقَ دِرْعًا في جِرابٍ فِيهِ دَقِيقٌ لِقَتادَةَ بْنِ النُّعْمانِ، وخَبَّأها عِنْدَ يَهُودِيٍّ، فَحَلَفَ طُعْمَةُ ما لِي بِها عِلْمٌ، فاتَّبَعُوا أثَرَ الدَّقِيقِ إلى دارِ اليَهُودِيِّ؛ فَقالَ اليَهُودِيُّ: دَفَعَها إلَيَّ طُعْمَةُ. وقِيلَ اسْتَوْدَعَ يَهُودِيٌّ دِرْعًا فَخانَهُ، فَلَمّا خافَ اطِّلاعَهم عَلَيْها ألْقاها في دارِ أبِي مَلِيكٍ الأنْصارِيِّ. قالَ السُّدِّيُّ: وقِيلَ السِّلاحُ والطَّعامُ كانَ لِرِفاعَةَ بْنِ زَيْدٍ عَمِّ قَتادَةَ، وأنَّ بَنِي أُبَيْرِقٍ نَقَبُوا مَشْرَبِيَّتَهُ وأخَذُوا ذَلِكَ، وهم بُشَيْرٌ بِضَمِّ الباءِ ومُبَشِّرٌ وبِشْرٌ، وأوْهَمُوا أنَّ فاعِلَ ذَلِكَ هُ ولَبِيدُ بْنُ سَهْلٍ، فَشَكاهم قَتادَةُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأنَّ الرَّسُولَ هَمَّ أنْ يُجادِلَ عَنْ طُعْمَةَ أوْ عَنْ أُبَيْرِقٍ، ويُقالُ فِيهِ: طُعَيْمَةُ.
وقالَ الكِرْمانِيُّ: أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ في طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ أحَدِ بَنِي ظُفَرِ بْنِ الحارِثِ إلّا ابْنَ بَحْرٍ؛ فَإنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، وهو مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨]، انْتَهى. وفي هَذِهِ الآيَةِ تَشْرِيفٌ لِلرَّسُولِ، وتَفْوِيضُ الأُمُورِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ﴾ .
ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها: أنَّهُ لَمّا صَرَّحَ بِأحْوالِ المُنافِقِينَ، واتَّصَلَ بِذَلِكَ أمَرَ المُحارِبَةَ، وما يَتَعَلَّقُ بِها مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ رَجَعَ إلى أحْوالِ المُنافِقِينَ؛ فَإنَّهم خانُوا الرَّسُولَ عَلى ما لا يَنْبَغِي، فَأطْلَعَهُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ، وأمَرَهُ أنْ لا يَلْتَفِتَ إلَيْهِمْ، وكانَ بُشَيْرٌ مُنافِقًا ويَهْجُو الصَّحابَةَ، ويَنْحِلُ الشِّعْرَ لِغَيْرِهِ، وأمّا طُعْمَةُ فارْتَدَّ، وأنَّهُ لَمّا بَيَّنَ الأحْكامَ الكَثِيرَةَ عَرَفَ أنَّ كُلَّها مِنَ اللَّهِ، وأنَّهُ لَيْسَ لِلرَّسُولِ أنْ يَحِيدَ عَنْ شَيْءٍ مِنها طَلَبًا لِرِضا قَوْمٍ. أوْ أنَّهُ: لِما أنَّهُ يُجاهِدُ الكُفّارَ أنَّهُ لا يَجُوزُ إلْحاقُ ما لَمْ يَفْعَلُوا بِهِمْ، وأنَّ كُفْرَهُ لا يُبِيحُ المُسامَحَةَ في النَّظَرِ إلَيْهِ، بَلِ الواجِبُ في الدِّينِ أنْ يَحْكُمَ لَهُ وعَلَيْهِ، بِما أنْزَلَ اللَّهُ، ولا يَلْحَقُ بِهِ حَيْفٌ لِأجْلِ أنْ يُرْضِيَ المُنافِقَ.
والكِتابُ هُنا القُرْآنُ. ومَعْنى بِالحَقِّ؛ أيْ لا عِوَجَ فِيهِ، ولا مَيْلَ. والنّاسُ هُنا عامٌّ، وبِما أراكَ اللَّهُ بِما أعْلَمَكَ مِنَ الوَحْيِ. وقِيلَ بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ فَإنَّهُ مَحْرُوسٌ في اجْتِهادِهِ، مَعْصُومٌ في الأقْوالِ والأفْعالِ. وقِيلَ بِما ألْقاهُ في قَلْبِكَ مِن أنْوارِ المَعْرِفَةِ وصَفاءِ الباطِنِ. وعَنْ عُمَرَ: لا يَقُولَنَّ أحَدُكم قَضَيْتُ بِما أرانِي اللَّهُ؛ فَإنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ إلّا لِنَبِيِّهِ؛ لِأنَّ الرَّأْيَ كانَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُصِيبًا؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ يُرِيهِ إيّاهُ، وهو مِنّا الظَّنُّ والتَّكْلِيفُ دُونَ الإهْمالِ، أوْ بِما لِهِ عاقِبَةٌ حَمِيدَةٌ؛ لِأنَّ ما لَيْسَ كَذَلِكَ عَبَثٌ وباطِلٌ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: بِالحَقِّ؛ أيْ مُوافِقًا لِما هو الحَقُّ عَلى العِبادِ ولِما لِبَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ لِيَعْلَمُوا بِذَلِكَ، أوْ بَيانًا لِأمْرِهِ. وحُقٌّ كائِنٌ ثابِتٌ، وهو البَعْثُ والقِيامَةُ لِيَتَزَوَّدُوا لَهُ. أوْ بِما يَحْمِلُ عَلَيْهِمْ فاعِلُهُ، أوْ بِالعَدْلِ والصِّدْقِ عَلى الأمْنِ مِنَ التَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ. بِما أراكُ اللَّهُ: فِيهِ دَلِيلُ جَوازِ اجْتِهادِهِ، واجْتِهادُهُ كالنَّصِّ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ أنَّهُ يُرِيهِ ذَلِكَ أوْ لا يُرِيهِ غَيْرَ الصَّوابِ، انْتَهى كَلامُهُ.
﴿ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾؛ أيْ مُخاصِمًا، كَجَلِيسٍ بِمَعْنى مَجالِسٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ والفارِسِيُّ، وغَيْرُهُما. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْمُبالَغَةِ مِن خَصَمَ والخائِنُونَ جَمْعٌ. فَإنَّ بَنِي أُبَيْرِقٍ الثَّلاثَةِ هُمُ الَّذِينَ نَقَبُوا المَشْرُبَةَ؛ فَظاهِرُ إطْلاقِ الجَمْعِ عَلَيْهِمْ، وإنْ كانَ وحْدَهُ هو الرَّجُلُ الَّذِي خانَ في الدِّرْعِ أوْ سَرَقَها؛ فَجاءَ الجَمْعُ بِاعْتِبارِهِ، واعْتِبارِ مَن شَهِدَ لَهُ بِالبَراءَةِ مِن قَوْمِهِ كَأُسَيْدِ بْنِ عُرْوَةَ، ومَن تابَعَهُ مِمَّنْ زَكّاهُ؛ فَكانُوا شُرَكاءَ لَهُ في الإثْمِ؛ خُصُوصًا مَن يَعْلَمُ أنَّهُ هو السّارِقُ. أوْ جاءَ الجَمْعُ (p-٣٤٤)لِيَتَناوَلَ طُعْمَةَ، وكُلَّ مِن خانَ خِيانَتَهُ، فَلا يُخاصِمُ لِخائِنٍ قَطُّ، ولا يُحاوِلُ عَنْهُ. وخَصِيمًا يَحْتاجُ مُتَعَلِّقًا مَحْذُوفًا؛ أيِ البَراءُ. والبَرِيءُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ حَسَبَ الِاخْتِلافِ في السَّبَبِ: أهُوَ اليَهُودِيُّ الَّذِي دَفَعَ إلَيْهِ طُعْمَةُ الدِّرْعَ وهُ وزَيْدُ بْنُ السُّمَيْنِ، أوْ أبُو مَلِيكٍ الأنْصارِيُّ ؟ وهو الَّذِي ألْقى طُعْمَةُ الدِّرْعَ في دارِهِ لَمّا خافَ الِافْتِضاحَ، أوْ لَبِيدُ بْنُ سَهْلٍ ؟ وقالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ وكانَ يَهُودِيًّا. وذَكَرَ المَهْدَوِيُّ أنَّهُ كانَ مُسْلِمًا. وأدْخَلَهُ أبُو عَمْرِو بْنُ عَبْدِ البَرِّ في كِتابِ الصَّحابَةِ؛ فَدَلَّ عَلى إسْلامِهِ كَما ذَكَرَ المَهْدَوِيُّ. ولَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ هَرَبَ طُعْمَةُ إلى مَكَّةَ، وارْتَدَّ ونَزَلَ عَلى سُلافَةَ، فَرَماها حَسّانُ بِهِ في شِعْرٍ قالَهُ، ومِنهُ:
؎وقَدْ أنْزَلَتْهُ بِنْتُ سَعْدٍ وأصْبَحَتْ ∗∗∗ يُنازِعُها جِلْدَ اسْتِها وتُنازِعُهْ
؎ظَنَنْتُمْ بِأنْ يَخْفى الَّذِي قَدْ صَنَعْتُمُو ∗∗∗ وفِينا نَبِيٌّ عِنْدَهُ الوَحْيُ واضِعُهْ
فَأخْرَجَتْهُ ورَمَتْ رَحْلَهُ خارِجَ المَنزِلِ، وقالَتْ: ما كُنْتَ تَأْتِينِي بِخَيْرٍ أهْدَيْتَ لِي شَعْرَ حِسانَ؛ فَنَزَلَ عَلى الحَجّاجِ بْنِ عِلاطٍ وسَرَقَهُ فَطَرَدَهُ، ثُمَّ نَقَبَ بَيْتًا لِيَسْرِقَ مِنهُ فَسَقَطَ الحائِطُ عَلَيْهِ فَماتَ. وقِيلَ اتَّبَعَ قَوْمًا مِنَ العَرَبِ فَسَرَقَهم فَقَتَلُوهُ.
﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾؛ أيِ اسْتَغْفِرْ لِأُمَّتِكَ المُذْنِبِينَ المُتَخاصِمِينَ بِالباطِلِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: واسْتَغْفِرِ اللَّهَ مِمّا هَمَمْتَ بِهِ مِن عِقابِ اليَهُودِيِّ. وقالَ الطَّبَرِيُّ والزَّجّاجُ: واسْتَغْفَرِ اللَّهَ أيْ مِن ذَنْبِكَ في خِصامِكَ لِأجْلِ الخائِنِينَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا لَيْسَ بِذَنْبٍ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما دافَعَ عَلى الظّاهِرِ، وهو يَعْتَقِدُ بَراءَتَهم، انْتَهى. وقِيلَ هو أمْرٌ بِالِاسْتِغْفارِ عَلى سَبِيلِ التَّسْبِيحِ مِن غَيْرِ ذَنْبٍ أوْ قَصْدِ تَوْبَةٍ؛ كَما يَقُولُ الرَّجُلُ: اسْتَغْفِرِ اللَّهَ. وقِيلَ الخِطابُ صُورَةٌ لِلنَّبِيِّ والمُرادُ بَنُو أُبَيْرِقٍ. وقِيلَ المَعْنى، واسْتَغْفِرِ اللَّهَ مِمّا هَمَمْتَ بِهِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ.
﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ هَذا عامٌّ يَنْدَرِجُ فِيهِ أصْحابُ النّازِلَةِ، ويَتَقَرَّرُ بِهِ تَوْبِيخُهم. واخْتِيانُ الأنْفُسِ هو مِمّا يَعُودُ عَلَيْها مِنَ العُقُوبَةِ في الآخِرَةِ والدُّنْيا، كَما جاءَ نِسْبَةُ ظُلْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ. والنَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ لا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المَنهِيُّ مُلابِسًا لِلْمَنهِيِّ عَنْهُ. ورَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ الرَّسُولَ خاصَمَ عَنْ طُعْمَةَ، وقامَ يَعْذُرُ خَطِيبًا. ورَوى قَتادَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ: أنَّهُ هَمَّ بِذَلِكَ، ولَمْ يَفْعَلْهُ.
﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا أثِيمًا﴾ أتى بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ في الخِيانَةِ والإثْمِ لِيُخْرِجَ مِنهُ مَن وقَعَ مِنهُ المَرَّةَ، ومَن صَدَرَتْ مِنهُ الخِيانَةُ عَلى سَبِيلِ الغَفْلَةِ وعَدَمِ القَصْدِ. وفي صِفَتِي المُبالَغَةِ دَلِيلٌ عَلى إفْراطِ طُعْمَةَ في الخِيانَةِ، وارْتِكابِ المَآثِمِ. وقِيلَ إذا عَثَرْتَ مِن رَجُلٍ سَيِّئَةً فاعْلَمْ أنَّ لَها أخَواتٍ. وعَنْ عُمَرَ أنَّهُ أمَرَ بِقَطْعِ يَدِ سارِقٍ؛ فَجاءَتْ أُمُّهُ تَبْكِي، وقالَتْ: هَذِهِ أوَّلُ سَرِقَةٍ سَرَقَها فاعْفُ عَنْهُ فَقالَ: كَذَبْتِ إنَّ اللَّهَ لا يُؤاخِذُ عَبْدَهُ في أوَّلِ مَرَّةٍ. وتَقَدَّمَتْ صِفَةُ الخِيانَةِ عَلى صِفَةِ المَآثِمِ؛ لِأنَّها سَبَبٌ لِلْإثْمِ خانَ فَأثِمَ، ولِتَواخِيَ الفَواصِلِ.
﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وهو مَعَهم إذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ﴾ الضَّمِيرُ في يَسْتَخْفُونَ الظّاهِرُ: أنَّهُ يَعُودُ عَلى الَّذِينَ يَخْتانُونَ، وفي ذَلِكَ تَوْبِيخٌ عَظِيمٌ وتَقْرِيعٌ؛ حَيْثُ يَرْتَكِبُونَ المَعاصِيَ مُسْتَتِرِينَ بِها عَنِ النّاسِ، إنِ اطَّلَعُوا عَلَيْها، ودَخَلَ مَعَهم في ذَلِكَ مَن فَعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِمْ. وقِيلَ الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى الصِّنْفِ المُرْتَكِبِ لِلْمَعاصِي، ويَنْدَرِجُ هَؤُلاءِ فِيهِمْ، وهم أهْلُ الخِيانَةِ المَذْكُورَةِ والمُتَناصِرُونَ لَهم. وقِيلَ يَعُودُ عَلى (مَن) بِاعْتِبارِ المَعْنى، وتَكُونُ الجُمْلَةُ نَعْتًا. وهو مَعَهم؛ أيْ عالِمٌ بِهِمْ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِمْ، لا يَخْفى عَنْهُ تَعالى شَيْءٌ مِن أسْرارِهِمْ، وهي جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكَفى بِهَذِهِ الآيَةِ ناعِيَةً عَلى النّاسِ ما هم عَلَيْهِ مِن قِلَّةِ الحَياءِ والخَشْيَةِ مِن رَبِّهِمْ مَعَ عِلْمِهِمْ، إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ أنَّهم في حَضْرَتِهِ لا سُتْرَةَ ولا غَفْلَةَ ولا غَيْبَةَ، ولَيْسَ إلّا الكَشْفُ الصَّرِيحُ والِافْتِضاحُ، انْتَهى. وهَذا كَقَوْلِ الشّاعِرِ:(p-٣٤٥)
؎يا لَلْعِجاجِ لِمَن يَعْصِي ويَزْعُمُ إذْ ∗∗∗ قَدْ آمَنُوا بِالَّذِي جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ
؎أتى بِجامِعِ إيمانٍ لِمَعْصِيَةٍ ∗∗∗ كُلًّا أمانِي كَذِبٍ ساقَها الأمَلُ
أيْ إنَّ المَعْصِيَةَ كُلًّا أمانِي كَذِبٍ ساقَها الأمَلُ الِاسْتِخْفاءُ الِاسْتِتارُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الِاسْتِحْياءُ اسْتَحى فاسْتَخْفى؛ إذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ الَّذِي رَمَوْا بِهِ البَرِيءَ، ودافَعُوا بِهِ عَنِ السّارِقِ. والعامِلُ في (إذِ) العامِلُ في مَعَهم، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في التَّبْيِيتِ.
﴿وكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ كِنايَةٌ عَنِ المُبالَغَةِ في العِلْمِ. ولِما كانَتْ قِصَّةُ طُعْمَةَ جَمَعَتْ بَيْنَ عَمَلٍ وقَوْلٍ؛ جاءَ ﴿وهُوَ مَعَهم إذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ وكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾، فَنَبَّهَ عَلى أنَّهُ عالِمٌ بِأقْوالِهِمْ وأعْمالِهِمْ. وتَضَمَّنَ ذَلِكَ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ والتَّقْرِيعَ البالِغَ؛ إذْ كانَ تَعالى مُحِيطًا بِجَمِيعِ الأقْوالِ والأعْمالِ؛ فَكانَ يَنْبَغِي أنْ تُسْتَرَ القَبائِحُ عَنْهُ بِعَدَمِ ارْتِكابِها.
﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهم في الحَياةِ الدُّنْيا فَمَن يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهم يَوْمَ القِيامَةِ أمَّنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وكِيلًا﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿هاأنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾ [محمد: ٣٨]، وعَلى الجُمْلَةِ بَعْدَها، قِراءَةً وإعْرابًا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ والخِطابُ لِلَّذِينِ يَتَعَصَّبُونَ لِأهْلِ الرِّيَبِ والمَعاصِي، ويَنْدَرِجُ في هَذا العُمُومِ أهْلُ النّازِلَةِ. والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ خِطابًا لِلْمُتَعَصِّبِينَ في قِصَّةِ طُعَيْمَةَ، ويَنْدَرِجُ فِيهِ مَن عَمِلَ عَمَلَهم. ويُقَوِّي ذَلِكَ أنَّ هَؤُلاءِ إشارَةٌ إلى حاضِرِينَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ عَنْهُ في المَوْضِعَيْنِ أيْ عَنْ طُعْمَةَ. وفي قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ﴾ وعِيدٌ مَحْضٌ؛ أيْ إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ حَقِيقَةَ الأمْرِ؛ فَلا يُمْكِنُ أنْ يَلْبِسَ عَلَيْهِ بِجِدالٍ ولا غَيْرِهِ. ومَعْنى هَذا الِاسْتِفْهامِ النَّفْيُ؛ أيْ لا أحَدَ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهم يَوْمَ القِيامَةِ إذا حَلَّ بِهِمْ عَذابُهُ. والوَكِيلُ: الحافِظُ المُحامِي والَّذِي يَكِلُ الإنْسانُ إلَيْهِ أُمُورَهُ. وهَذا الِاسْتِفْهامُ مَعْناهُ النَّفْيُ أيْضًا؛ كَأنَّهُ قالَ: لا أحَدَ يَكُونُ وكِيلًا عَلَيْهِمْ فَيُدافِعُ عَنْهم ويَحْفَظُهم. وهاتانِ الجُمْلَتانِ انْتَفى في الأُولى مِنهُما المُجادَلَةُ، وهي المُدافَعَةُ بِالفِعْلِ والنُّصْرَةُ بِالقُوَّةِ.
النساء 4:103
﴿فَلْيَكُونُوا مِن ورائِكُمْ﴾: ظاهِرُهُ أنَّ الضَّمِيرَ في فَلْيَكُونُوا عائِدٌ عَلى السّاجِدِينَ؛ والمَعْنى: أنَّهم إذا فَرَغُوا مِنَ السُّجُودِ انْتَقَلُوا إلى الحِراسَةِ فَكانُوا وراءَكم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَلْيَكُونُوا يَعْنِي: غَيْرَ المُصَلِّينَ مِن ورائِكم يَحْرُسُونَكم، وجَوَّزَ الوَجْهَيْنِ ابْنُ عَطِيَّةَ، قالَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ سَجَدُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الطّائِفَةُ القائِمَةُ أوَّلًا بِإزاءِ العَدُوِّ. وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ: (فَلِتَقُمْ) بِكَسْرِ اللّامِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: (ولِيَأْتِ) بِياءٍ بِثِنْتَيْنِ تَحْتَها عَلى تَذْكِيرِ الطّائِفَةِ، واخْتُلِفَ عَنْ أبِي عَمْرٍو في إدْغامِ التّاءِ في الطّاءِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُمُ انْقَسَمُوا طائِفَتَيْنِ: طائِفَةٌ حارِسَةٌ أوَّلًا، وطائِفَةٌ مُصَلِّيَةٌ أوَّلًا مَعَهُ، ثُمَّ الَّتِي صَلَّتْ أوَّلًا صارَتْ حارِسَةً، وجاءَتِ الحارِسَةُ أوَّلًا فَصَلَّتْ مَعَهُ. والظّاهِرُ أنَّ الأمْرَ بِأخْذِ الأسْلِحَةِ، واجِبٌ؛ لِأنَّ فِيهِ اطْمِئْنانَ المُصَلِّي؛ وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ وأهْلُ الظّاهِرِ. وذَهَبَ الأكْثَرُونَ إلى الِاسْتِحْبابِ.
ودَلَّتْ هَذِهِ الكَيْفِيَّةُ الَّتِي ذُكِرَتْ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ طائِفَةً صَلَّتْ مَعَ الرَّسُولِ بَعْضَ صَلاةٍ، ولا دَلالَةَ فِيها عَلى مِقْدارِ ما صَلَّتْ مَعَهُ، ولا كَيْفِيَّةِ إتْمامِهِمْ؛ وإنَّما جاءَ ذَلِكَ في السُّنَّةِ.
ونَحْنُ نَذْكُرُ تِلْكَ الكَيْفِيّاتِ عَلى سَبِيلِ الِاخْتِصارِ؛ لِأنَّها مُبَيِّنَةٌ ما أُجْمِلَ في القُرْآنِ. الكَيْفِيَّةُ الأُولى: صَلَّتْ طائِفَةٌ مَعَهُ، وطائِفَةٌ وُجاهَ العَدُوِّ، وثَبَتَتْ قائِمَةً حَتّى تَتِمَّ صَلاتُهم، ويَذْهَبُوا وُجاهَ العَدُوِّ، وجاءَتْ هَذِهِ الَّتِي كانَتْ وُجاهَ العَدُوِّ أوَّلًا فَصَلّى بِهِمُ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ، ثُمَّ ثَبَتَ جالِسًا حَتّى أتَمُّوا لِأنْفُسِهِمْ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ، وهَذِهِ كانَتْ بِذاتِ الرِّقاعِ. الكَيْفِيَّةُ الثّانِيَةُ: كالأُولى، إلّا أنَّهُ حِينَ صَلّى بِالطّائِفَةِ الأخِيرَةِ رَكْعَةً سَلَّمَ، ثُمَّ قَضَتْ بَعْدَ سَلامِهِ. وهَذِهِ مَرْوِيَّةٌ في ذاتِ الرِّقاعِ أيْضًا. الكَيْفِيَّةُ الثّالِثَةُ: صَفَّ العَسْكَرَ خَلْفَهُ صَفَّيْنِ، ثُمَّ كَبَّرَ، وكَبَّرُوا جَمِيعًا، ورَكَعُوا مَعَهُ، ورَفَعُوا مِنَ الرُّكُوعِ جَمِيعًا، ثُمَّ سَجَدَ هو بِالصَّفِّ الَّذِي يَلِيهِ والآخَرُونَ قِيامٌ يَحْرُسُونَهم؛ فَلَمّا سَجَدُوا، وقامُوا سَجَدَ الآخَرُونَ في مَكانِهِمْ، ثُمَّ تَقَدَّمُوا إلى مَصافِّ المُتَقَدِّمِينَ، وتَأخَّرَ المُتَقَدِّمُونَ إلى مَصافِّ المُتَأخِّرِينَ، ثُمَّ رَكَعُوا مَعَهُ جَمِيعًا، ثُمَّ سَجَدَ فَسَجَدَ مَعَهُ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ؛ فَلَمّا صَلّى سَجَدَ الآخَرُونَ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ جَمِيعًا. وهَذِهِ صَلاتُهُ بِعُسَفانَ والعَدُوُّ في قِبْلَتِهِ. الكَيْفِيَّةُ الرّابِعَةُ: مِثْلَ هَذا إلّا أنَّهُ قالَ: «يَنْكُصُ الصَّفُّ المُتَقَدِّمُ القَهْقَرى حِينَ يَرْفَعُونَ رُءُوسَهم مِنَ السُّجُودِ، ويَتَقَدَّمُ الآخَرُ فَيَسْجُدُونَ في مَصافِّ الأوَّلِينَ» . الكَيْفِيَّةُ الخامِسَةُ: صَلّى بِإحْدى الطّائِفَتَيْنِ رَكْعَةً والأُخْرى مُواجَهَةُ العَدُوِّ، ثُمَّ انْصَرَفُوا، وقامُوا في مَقامِ أصْحابِهِمْ مُقْبِلِينَ عَلى العَدُوِّ، وجاءَ أُولَئِكَ فَصَلّى بِهِمْ رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ قَضى بِهَؤُلاءِ رَكْعَةً، وهَؤُلاءِ رَكْعَةً في حِينٍ واحِدٍ.
الكَيْفِيَّةُ السّادِسَةُ: يُصَلِّي بِطائِفَةٍ رَكْعَةً ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ تُجاهَ العَدُوِّ، وتَأْتِي الأُخْرى فَيُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَةً ثُمَّ يُسَلِّمُ، وتَقُومُ الَّتِي مَعَهُ تَقْضِي، فَإذا فَرَغُوا سارُوا تُجاهَ العَدُوِّ، وقَضَتِ الأُخْرى. الكَيْفِيَّةُ السّابِعَةُ: صَلّى بِكُلِّ طائِفَةٍ رَكْعَةً، ولَمْ يَقْضِ أحَدٌ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ شَيْئًا زائِدًا عَلى رَكْعَةٍ واحِدَةٍ. الكَيْفِيَّةُ الثّامِنَةُ: صَلّى بِكُلِّ طائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فَكانَتْ لَهُ أرْبَعٌ، ولِكُلِّ رَجُلٍ رَكْعَتانِ. الكَيْفِيَّةُ التّاسِعَةُ: يُصَلِّي بِإحْدى الطّائِفَتَيْنِ رَكْعَةً؛ إنْ كانَتِ الصَّلاةُ رَكْعَتَيْنِ والأُخْرى بِإزاءِ العَدُوِّ، ثُمَّ تَقِفُ هَذِهِ بِإزاءِ العَدُوِّ، وتَأْتِي الأُولى فَتُؤَدِّي الرَّكْعَةَ بِغَيْرِ قِراءَةٍ، وتُتِمُّ صَلاتَها ثُمَّ تَحْرُسُ، وتَأْتِي الأُخْرى فَتُؤَدِّي الرَّكْعَةَ بِقِراءَةٍ، (p-٣٤١)وتُتِمُّ صِلاتَها، وكَذا في المَغْرِبِ. إلّا أنَّهُ يُصَلِّي بِالأُولى رَكْعَتَيْنِ وبِالثّانِيَةِ رَكْعَةً. الكَيْفِيَّةُ العاشِرَةُ: قامَتْ مَعَهُ طائِفَةٌ، وطائِفَةٌ أُخْرى مُقابِلَ العَدُوِّ، وظُهُورُهم إلى القِبْلَةِ؛ فَكَبَّرَتِ الطّائِفَتانِ مَعَهُ، ثُمَّ رَكَعَ، ورَكَعَ مَعَهُ الَّذِينَ مَعَهُ، وسَجَدُوا كَذَلِكَ، ثُمَّ قامَ فَصارَتِ الَّتِي مَعَهُ إلى إزاءِ العَدُوِّ، وأقْبَلَتِ الَّتِي كانَتْ بِإزاءِ العَدُوِّ فَرَكَعُوا، وسَجَدُوا، وهو قائِمٌ كَما هو، ثُمَّ قامُوا فَرَكَعَ رَكْعَةً أُخْرى، ورَكَعُوا مَعَهُ، وسَجَدُوا مَعَهُ، ثُمَّ أقْبَلَتِ الَّتِي بِإزاءِ العَدُوِّ فَرَكَعُوا وسَجَدُوا، وهو قاعِدٌ، ثُمَّ سَلَّمَ وسَلَّمَ الطّائِفَتانِ مَعَهُ جَمِيعًا. وهَذِهِ كانَتْ في غَزْوَةِ نَجْدٍ. الكَيْفِيَّةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ: صَلّى بِطائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ جاءَتِ الطّائِفَةُ الأُخْرى فَصَلّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ وسَلَّمَ.
وهَذِهِ كانَتْ بِبَطْنِ نَخْلٍ. واخْتِلافُ هَذِهِ الكَيْفِيّاتِ يَرُدُّ عَلى مُجاهِدٍ قَوْلَهُ: إنَّهُ ما صَلّى الرَّسُولُ إلّا مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً بِذاتِ الرِّقاعِ مِن أرْضِ بَنِي سُلَيْمٍ، ومُرَّةً بِعُسَفانَ والمُشْرِكُونَ بِضِخْيانَ بَيْنَهم وبَيْنَ القِبْلَةِ. وذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ: أنَّهُ كانَ في غَزْوَةِ ذِي قُرَدٍ صَلاةُ الخَوْفِ. وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: رُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ صَلّى صَلاةَ الخَوْفِ أرْبَعًا وعِشْرِينَ مَرَّةً، يَعْنِي كَيْفِيَّةً. وقالَ ابْنُ حَنْبَلٍ: لا نَعْلَمُ أنَّهُ رُوِيَ في صَلاةِ الخَوْفِ إلّا حَدِيثٌ ثابِتٌ صَحِيحٌ؛ فَعَلى أيِّ حَدِيثٍ صَلَّيْتَ أجْزَأ. وكَذا قالَ الطَّبَرِيُّ. وجَمَعَ في الأخْذِ بَيْنَ الحَذَرِ والأسْلِحَةِ؛ فَإنَّهُ جَعَلَ الحَذَرَ أنَّهُ يُحْتَرَزُ بِها كَما يُحْتَرَزُ بِالأسْلِحَةِ كَما جاءَ: ﴿تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ﴾ [الحشر: ٩] جَعَلَ الإيمانَ مُسْتَقِرًّا لِتَمَكُّنِهِمْ فِيهِ.
﴿ودَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أسْلِحَتِكم وأمْتِعَتِكم فَيَمِيلُونَ عَلَيْكم مَيْلَةً واحِدَةً﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ في (لَوْ) بَعْدَ (ودَّ) في قَوْلِهِ: ﴿يَوَدُّ أحَدُهم لَوْ يُعَمَّرُ﴾ [البقرة: ٩٦] أيْ: يَشُدُّونَ عَلَيْكم شِدَّةً واحِدَةً: وقُرِئَ: وأمْتِعاتِكم، وهو شاذٌّ إذْ هو جَمْعُ الجَمْعِ كَما قالُوا: أشَقِياتٌ وأُعْطِياتٌ في أشَقِيَةٍ وأُعْطِيَةٍ، جَمْعُ شَقاءٍ وعَطاءٍ. وفي هَذا الإخْبارِ تَنْبِيهٌ وتَحْذِيرٌ مِنَ الغَفْلَةِ، وأفْرَدَ المَسْألَةَ؛ لِأنَّها أبْلَغُ في الإيصالِ.
﴿ولا جُناحَ عَلَيْكم إنْ كانَ بِكم أذًى مِن مَطَرٍ أوْ كُنْتُمْ مَرْضى أنْ تَضَعُوا أسْلِحَتَكم وخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ؛ كانَ مَرِيضًا فَوَضَعَ سِلاحَهُ فَعَنَّفَهُ بَعْضُ النّاسِ. ولَمّا كانَتْ هاتانِ الحالَتانِ مِمّا يَشُقُّ حَمْلُ السِّلاحِ فِيهِما، ورُخِّصَ في ذَلِكَ لِلْمَرِيضِ لِأنَّ حَمْلَهُ السِّلاحَ مِمّا يُكْرَهُ بِهِ ويَزِيدُ في مَرَضِهِ. ورُخِّصَ في ذَلِكَ إنْ كانَ مَطَرٌ، لِأنَّ المَطَرَ مِمّا يُثْقِلُ العَدُوَّ ويَمْنَعُهُ مِن خِفَّةِ الحَرَكَةِ لِلْقِتالِ. وقالَ: إنْ يَتَأذَّوْا مِن مَطَرٍ إلّا لَحِقَ الكُفّارَ مِن أذاهُ ما لَحِقَ المُسْلِمِينَ غالِبًا إنْ كانا مُتَقارِبَيْنِ في المَسافَةِ. ومَرَضٌ إمّا لِجِراحَةٍ سَبَقَتْ، أوْ لِضَعْفِ بِنْيَةٍ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُعَدُّ مَرَضًا. وتَكْرِيرُ الأمْرِ بِأخْذِ الحَذَرِ في الصَّلاةِ. وفي هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ مِمّا يَدُلُّ عَلى تَوْكِيدِ التَّأهُّبِ والِاحْتِرازِ مِنَ العَدُوِّ؛ فَإنَّ الجَيْشَ كَثِيرًا ما يُصابُ مِنَ التَّفْرِيطِ في الحَذَرِ. وقالَ الضَّحّاكُ في قَوْلِهِ: ﴿وخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾، أيْ: تَقَلَّدُوا سُيُوفَكم؛ فَإنَّ ذَلِكَ حَذَرَ الغُزاةَ.
﴿إنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الأمْرُ بِالحَذَرِ مِنَ العَدُوِّ يُوهِمُ تَوَقُّعَ غَلَبَةٍ واغْتِرارٍ؛ فَنَفى عَنْهم ذَلِكَ الإيهامَ بِإخْبارِهِمْ أنَّ اللَّهَ يُهِينُ عَدُوَّهم ويَخْذُلُهم ويَنْصُرُهم عَلَيْهِ لِتَقْوى قُلُوبُهم، ولِيَعْلَمُوا أنَّ الأمْرَ بِالحَذَرِ لَيْسَ لِذَلِكَ؛ وإنَّما هو تَعَبُّدٌ مِنَ اللَّهِ، كَما قالَ: ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] .
﴿فَإذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فاذْكُرُوا اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِكم فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ مَعْنى قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ؛ أيَّ فَرَغْتُمْ مِنها. والصَّلاةُ هُنا صَلاةُ الخَوْفِ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الجُمْهُورُ، وكَذا فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والذِّكْرُ المَأْمُورُ بِهِ هُنا هو الذِّكْرُ بِاللِّسانِ إثْرَ صَلاةِ الخَوْفِ عَلى حَدِّ ما أُمِرُوا بِهِ عِنْدَ قَضاءِ المَناسِكِ بِذِكْرِ اللَّهِ، فَأُمِرُوا بِذِكْرِ اللَّهِ مِنَ: التَّهْلِيلِ والتَّكْبِيرِ والتَّسْبِيحِ والدُّعاءِ بِالنَّصْرِ والتَّأْيِيدِ في جَمِيعِ الأحْوالِ؛ فَإنَّ ما هم فِيهِ مِنَ ارْتِقابِ مُقارَعَةِ العَدُوِّ حَقِيقٌ بِالذِّكْرِ والِالتِجاءِ إلى اللَّهِ؛ أيْ فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأقِيمُوا الصَّلاةَ؛ أيْ أتِمُّوها. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ مَعْنى قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ: تَلَبَّسْتُمْ بِالصَّلاةِ، (p-٣٤٢)وشَرَعْتُمْ فِيها. ومَعْنى الأمْرِ بِالذِّكْرِ؛ أيْ صَلُّوها (قِيامًا) في حالِ المُسايَفَةِ والِاخْتِلاطِ (وقُعُودًا) جاثِينَ عَلى الرُّكَبِ مِن أنِينٍ، ﴿وعَلى جُنُوبِكُمْ﴾ مُثْخَنِينَ بِالجِراحِ؛ فَهي هَيْآتٌ لِأحْوالٍ عَلى حَسَبِ تَفْصِيلِها. فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ حِينَ تَضَعُ الحَرْبُ أوْزارَها وآمَنتُمْ؛ فَأقِيمُوا الصَّلاةَ؛ أيْ فاقْضُوا ما صَلَّيْتُمْ في تِلْكَ الأحْوالِ الَّتِي هي أحْوالُ القَلَقِ والِانْزِعاجِ؛ وبِهَذا الوَجْهِ بَدَأ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ. قالَ: وهَذا ظاهِرٌ عَلى مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ في إيجابِهِ الصَّلاةَ عَلى المُحارِبِ في حالِ المُسايَفَةِ والمَشْيِ والِاضْطِرابِ في المَعْرَكَةِ إذا حَضَرَ وقْتُها؛ فَإذا اطْمَأنَّ فَعَلَيْهِ القَضاءُ، وأمّا عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ فَهو مَعْذُورٌ في تَرْكِها إلى أنْ يَطْمَئِنَّ. وقِيلَ قَوْلُهُ: ﴿فَإذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فاذْكُرُوا﴾ أنَّهُ أمْرٌ بِالصَّلاةِ حالَةَ الأمْنِ بَعْدِ الخَوْفِ قِيامًا لِلْأصِحّاءِ (وقُعُودًا) لِلْعاجِزِينَ عَنِ القُعُودِ لِزَمانَةٍ أوْ جِراحَةٍ أوْ مَرَضٍ لا يَسْتَطِيعُ القُعُودَ مَعَها؛ ﴿فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾؛ أيْ أمِنتُمْ مِنَ الخَوْفِ قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ؛ ﴿فَأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾؛ أيْ صَلُّوها لا كَصَلاةِ الخَوْفِ، بَلْ كَصَلاةِ الأمْنِ في السَّفَرِ. وقِيلَ ﴿فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾؛ أيْ فَإذا رَجَعْتُمْ مِن سَفَرِكم إلى الحَضَرِ، فَأقِيمُوها تامَّةً أرْبَعًا.
﴿إنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلى المُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا﴾؛ أيْ واجِبَةً في أوْقاتٍ مَعْلُومَةٍ؛ قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ، وقَتادَةُ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. ولَمْ يَقُلْ مَوْقُوتَةً؛ لِأنَّ الكِتابَ مَصْدَرٌ؛ فَهو مُذَكَّرٌ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ المَعْنى فَرْضًا مَفْرُوضًا؛ فَهُما لَفْظانِ بِمَعْنًى واحِدٍ والظّاهِرُ الأوَّلُ؛ أيْ فَرْضًا مُنَجَّمًا في أوْقاتٍ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: أجْمَلَ هُنا تِلْكَ الأوْقاتَ، وفَسَّرَها في أوْقاتٍ خَمْسًا، وتَوْقِيتُها بِأوْقاتٍ خَمْسَةٍ في نِهايَةِ الحُسْنِ نَظَرًا إلى المَعْقُولِ؛ لِأنَّ الحَوادِثَ لَها مَراتِبُ خَمْسٌ: مَرْتَبَةُ الحُدُوثِ، ومَرْتَبَةُ الوُقُوفِ، ومَرْتَبَةُ الكُهُولَةِ. وفِيها نُقْصانٌ خَفِيٌّ، ومَرْتَبَةُ الشَّيْخُوخَةِ والخامِسَةُ: أنْ تَبْقى آثارُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ مُدَّةً ثُمَّ تُمْحى. وهَذِهِ المَراتِبُ حَصَلَتْ لِلشَّمْسِ بِحَسَبِ طُلُوعِها وغُرُوبِها، فَأوْجَبَ اللَّهُ عِنْدَ كُلِّ مَرْتَبَةٍ مِن أحْوالِها الخَمْسِ صَلاةً انْتَهى. ما لَخَّصْناهُ مِن كَلامِهِ، وطَوَّلَ هو كَثِيرًا في شَيْءٍ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ القُرْآنُ، ولا تَقْتَضِيهِ لُغَةُ العَرَبِ؛ ذَكَرَ ذَلِكَ في تَفْسِيرِهِ فَمَن أرادَهُ فَلْيُطالِعْهُ فِيهِ.
﴿ولا تَهِنُوا في ابْتِغاءِ القَوْمِ إنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهم يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ﴾ قِيلَ نَزَلَتْ في الجِهادِ مُطْلَقًا. وقِيلَ في انْصِرافِ الصَّحابَةِ مِن أُحُدٍ، وكانَ الرَّسُولُ أمَرَهم بِاتِّباعِ أبِي سُفْيانَ وأصْحابِهِ، أمَرَ أنْ لا يَخْرُجَ إلّا مَن كانَ مَعَهُ في أُحُدٍ، فَشَكَوْا بِأنَّ فِيهِمْ جِراحاتٍ. وهَذِهِ الآيَةُ تُشِيرُ إلى أنَّ القَضاءَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ﴾ إنَّما هو قَضاءُ صَلاةِ الخَوْفِ.
وقَرَأ الحَسَنُ: تَهِنُوا بِفَتْحِ الهاءِ، وهي لُغَةٌ. فُتِحَتِ الهاءُ كَما فُتِحَتْ دالُ يَدَعُ، جَلَّ حَرْفُ الحَلْقِ والمَعْنى: ولا تَضْعُفُوا أوْ تَخُورُوا جُبْنًا في طَلَبِ القَوْمِ. وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: ولا تُهانُوا مِنَ الإهانَةِ. نُهُوا عَنْ أنْ يَقَعَ مِنهم ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ إهانَتُهم مِن كَوْنِهِمْ يَجْنُونَ عَلى أعْدائِهِمْ فَيُهانُونَ كَقَوْلِهِمْ: ”لا أرَيْناكَ هاهُنا“، ثُمَّ شَجَّعَهم عَلى طَلَبِ القَوْمِ وألْزَمْهُمُ الحُجَّةَ؛ فَإنَّ ما فِيهِمْ مِنَ الألَمِ مُشْتَرَكٌ وتَزِيدُونَ عَلَيْهِمْ أنَّكم تَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ الثَّوابَ، وإظْهارَ دِينِهِ بِوَعْدِهِ الصّادِقِ، وهم لا يَرْجُونَهُ؛ فَيَنْبَغِي أنْ تَكُونُوا أشْجَعَ مِنهم وأبْعَدَ عَنِ الجُبْنِ. وإذا كانُوا يَصْبِرُونَ عَلى الآلامِ والجِراحاتِ والقَتْلِ، وهم لا يَرْجُونَ ثَوابًا في الآخِرَةِ؛ فَأنْتُمْ أحْرى؛ إنْ تَصْبِرُوا. ونَظِيرُ ذِكْرِ هَذا الأمْرِ المُشْتَرَكِ فِيهِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قاتِلُوا القَوْمَ يا خِداعُ ولا يَأْخُذْكم مِن قِتالِهِمْ قَتْلُ
؎القَوْمُ أمْثالُكم لَهم شَعَرٌ ∗∗∗ في الرَّأْسِ لا يُنْشَرُونَ إنْ قُتِلُوا
والرَّجاءُ هُنا عَلى بابِهِ، وقِيلَ مَعْناهُ الخَوْفُ الَّذِي تَخافُونَ مِن عَذابِ اللَّهِ ما لا تَخافُونَ كَقَوْلِهِ: (p-٣٤٣)
؎إذا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَها
أيْ لَمْ يَخَفْ. وزَعَمَ الفَرّاءُ أنَّ الرَّجاءَ لا يَكُونُ بِمَعْنى الخَوْفِ إلّا مَعَ النَّفْيِ، ولا يُقالُ رَجَوْتُكَ بِمَعْنى خِفْتُكَ. وقَرَأ الأعْرَجُ: أنْ تَكُونُوا بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ: تِئْلِمُونَ بِكَسْرِ التّاءِ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ ومَنصُورُ بْنُ المُعْتَمِرِ: تِئْلِمُونَ بِكَسْرِ تاءِ المُضارَعَةِ فِيهِما ويائِهِما، وهي لُغَةٌ.
﴿وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾؛ أيْ عَلِيمًا بِنِيّاتِكم؛ حَكِيمًا فِيما يَأْمُرُكم بِهِ ويَنْهاكم عَنْهُ.
﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ طَوَّلَ المُفَسِّرُونَ في سَبَبِ النُّزُولِ، ولَخَّصْنا مِنهُ انْتِهاءَ ما في قَوْلِ قَتادَةَ وغَيْرِهِ. نَزَلَتْ في طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ؛ سَرَقَ دِرْعًا في جِرابٍ فِيهِ دَقِيقٌ لِقَتادَةَ بْنِ النُّعْمانِ، وخَبَّأها عِنْدَ يَهُودِيٍّ، فَحَلَفَ طُعْمَةُ ما لِي بِها عِلْمٌ، فاتَّبَعُوا أثَرَ الدَّقِيقِ إلى دارِ اليَهُودِيِّ؛ فَقالَ اليَهُودِيُّ: دَفَعَها إلَيَّ طُعْمَةُ. وقِيلَ اسْتَوْدَعَ يَهُودِيٌّ دِرْعًا فَخانَهُ، فَلَمّا خافَ اطِّلاعَهم عَلَيْها ألْقاها في دارِ أبِي مَلِيكٍ الأنْصارِيِّ. قالَ السُّدِّيُّ: وقِيلَ السِّلاحُ والطَّعامُ كانَ لِرِفاعَةَ بْنِ زَيْدٍ عَمِّ قَتادَةَ، وأنَّ بَنِي أُبَيْرِقٍ نَقَبُوا مَشْرَبِيَّتَهُ وأخَذُوا ذَلِكَ، وهم بُشَيْرٌ بِضَمِّ الباءِ ومُبَشِّرٌ وبِشْرٌ، وأوْهَمُوا أنَّ فاعِلَ ذَلِكَ هُ ولَبِيدُ بْنُ سَهْلٍ، فَشَكاهم قَتادَةُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأنَّ الرَّسُولَ هَمَّ أنْ يُجادِلَ عَنْ طُعْمَةَ أوْ عَنْ أُبَيْرِقٍ، ويُقالُ فِيهِ: طُعَيْمَةُ.
وقالَ الكِرْمانِيُّ: أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ في طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ أحَدِ بَنِي ظُفَرِ بْنِ الحارِثِ إلّا ابْنَ بَحْرٍ؛ فَإنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، وهو مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨]، انْتَهى. وفي هَذِهِ الآيَةِ تَشْرِيفٌ لِلرَّسُولِ، وتَفْوِيضُ الأُمُورِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ﴾ .
ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها: أنَّهُ لَمّا صَرَّحَ بِأحْوالِ المُنافِقِينَ، واتَّصَلَ بِذَلِكَ أمَرَ المُحارِبَةَ، وما يَتَعَلَّقُ بِها مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ رَجَعَ إلى أحْوالِ المُنافِقِينَ؛ فَإنَّهم خانُوا الرَّسُولَ عَلى ما لا يَنْبَغِي، فَأطْلَعَهُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ، وأمَرَهُ أنْ لا يَلْتَفِتَ إلَيْهِمْ، وكانَ بُشَيْرٌ مُنافِقًا ويَهْجُو الصَّحابَةَ، ويَنْحِلُ الشِّعْرَ لِغَيْرِهِ، وأمّا طُعْمَةُ فارْتَدَّ، وأنَّهُ لَمّا بَيَّنَ الأحْكامَ الكَثِيرَةَ عَرَفَ أنَّ كُلَّها مِنَ اللَّهِ، وأنَّهُ لَيْسَ لِلرَّسُولِ أنْ يَحِيدَ عَنْ شَيْءٍ مِنها طَلَبًا لِرِضا قَوْمٍ. أوْ أنَّهُ: لِما أنَّهُ يُجاهِدُ الكُفّارَ أنَّهُ لا يَجُوزُ إلْحاقُ ما لَمْ يَفْعَلُوا بِهِمْ، وأنَّ كُفْرَهُ لا يُبِيحُ المُسامَحَةَ في النَّظَرِ إلَيْهِ، بَلِ الواجِبُ في الدِّينِ أنْ يَحْكُمَ لَهُ وعَلَيْهِ، بِما أنْزَلَ اللَّهُ، ولا يَلْحَقُ بِهِ حَيْفٌ لِأجْلِ أنْ يُرْضِيَ المُنافِقَ.
والكِتابُ هُنا القُرْآنُ. ومَعْنى بِالحَقِّ؛ أيْ لا عِوَجَ فِيهِ، ولا مَيْلَ. والنّاسُ هُنا عامٌّ، وبِما أراكَ اللَّهُ بِما أعْلَمَكَ مِنَ الوَحْيِ. وقِيلَ بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ فَإنَّهُ مَحْرُوسٌ في اجْتِهادِهِ، مَعْصُومٌ في الأقْوالِ والأفْعالِ. وقِيلَ بِما ألْقاهُ في قَلْبِكَ مِن أنْوارِ المَعْرِفَةِ وصَفاءِ الباطِنِ. وعَنْ عُمَرَ: لا يَقُولَنَّ أحَدُكم قَضَيْتُ بِما أرانِي اللَّهُ؛ فَإنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ إلّا لِنَبِيِّهِ؛ لِأنَّ الرَّأْيَ كانَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُصِيبًا؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ يُرِيهِ إيّاهُ، وهو مِنّا الظَّنُّ والتَّكْلِيفُ دُونَ الإهْمالِ، أوْ بِما لِهِ عاقِبَةٌ حَمِيدَةٌ؛ لِأنَّ ما لَيْسَ كَذَلِكَ عَبَثٌ وباطِلٌ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: بِالحَقِّ؛ أيْ مُوافِقًا لِما هو الحَقُّ عَلى العِبادِ ولِما لِبَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ لِيَعْلَمُوا بِذَلِكَ، أوْ بَيانًا لِأمْرِهِ. وحُقٌّ كائِنٌ ثابِتٌ، وهو البَعْثُ والقِيامَةُ لِيَتَزَوَّدُوا لَهُ. أوْ بِما يَحْمِلُ عَلَيْهِمْ فاعِلُهُ، أوْ بِالعَدْلِ والصِّدْقِ عَلى الأمْنِ مِنَ التَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ. بِما أراكُ اللَّهُ: فِيهِ دَلِيلُ جَوازِ اجْتِهادِهِ، واجْتِهادُهُ كالنَّصِّ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ أنَّهُ يُرِيهِ ذَلِكَ أوْ لا يُرِيهِ غَيْرَ الصَّوابِ، انْتَهى كَلامُهُ.
﴿ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾؛ أيْ مُخاصِمًا، كَجَلِيسٍ بِمَعْنى مَجالِسٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ والفارِسِيُّ، وغَيْرُهُما. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْمُبالَغَةِ مِن خَصَمَ والخائِنُونَ جَمْعٌ. فَإنَّ بَنِي أُبَيْرِقٍ الثَّلاثَةِ هُمُ الَّذِينَ نَقَبُوا المَشْرُبَةَ؛ فَظاهِرُ إطْلاقِ الجَمْعِ عَلَيْهِمْ، وإنْ كانَ وحْدَهُ هو الرَّجُلُ الَّذِي خانَ في الدِّرْعِ أوْ سَرَقَها؛ فَجاءَ الجَمْعُ بِاعْتِبارِهِ، واعْتِبارِ مَن شَهِدَ لَهُ بِالبَراءَةِ مِن قَوْمِهِ كَأُسَيْدِ بْنِ عُرْوَةَ، ومَن تابَعَهُ مِمَّنْ زَكّاهُ؛ فَكانُوا شُرَكاءَ لَهُ في الإثْمِ؛ خُصُوصًا مَن يَعْلَمُ أنَّهُ هو السّارِقُ. أوْ جاءَ الجَمْعُ (p-٣٤٤)لِيَتَناوَلَ طُعْمَةَ، وكُلَّ مِن خانَ خِيانَتَهُ، فَلا يُخاصِمُ لِخائِنٍ قَطُّ، ولا يُحاوِلُ عَنْهُ. وخَصِيمًا يَحْتاجُ مُتَعَلِّقًا مَحْذُوفًا؛ أيِ البَراءُ. والبَرِيءُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ حَسَبَ الِاخْتِلافِ في السَّبَبِ: أهُوَ اليَهُودِيُّ الَّذِي دَفَعَ إلَيْهِ طُعْمَةُ الدِّرْعَ وهُ وزَيْدُ بْنُ السُّمَيْنِ، أوْ أبُو مَلِيكٍ الأنْصارِيُّ ؟ وهو الَّذِي ألْقى طُعْمَةُ الدِّرْعَ في دارِهِ لَمّا خافَ الِافْتِضاحَ، أوْ لَبِيدُ بْنُ سَهْلٍ ؟ وقالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ وكانَ يَهُودِيًّا. وذَكَرَ المَهْدَوِيُّ أنَّهُ كانَ مُسْلِمًا. وأدْخَلَهُ أبُو عَمْرِو بْنُ عَبْدِ البَرِّ في كِتابِ الصَّحابَةِ؛ فَدَلَّ عَلى إسْلامِهِ كَما ذَكَرَ المَهْدَوِيُّ. ولَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ هَرَبَ طُعْمَةُ إلى مَكَّةَ، وارْتَدَّ ونَزَلَ عَلى سُلافَةَ، فَرَماها حَسّانُ بِهِ في شِعْرٍ قالَهُ، ومِنهُ:
؎وقَدْ أنْزَلَتْهُ بِنْتُ سَعْدٍ وأصْبَحَتْ ∗∗∗ يُنازِعُها جِلْدَ اسْتِها وتُنازِعُهْ
؎ظَنَنْتُمْ بِأنْ يَخْفى الَّذِي قَدْ صَنَعْتُمُو ∗∗∗ وفِينا نَبِيٌّ عِنْدَهُ الوَحْيُ واضِعُهْ
فَأخْرَجَتْهُ ورَمَتْ رَحْلَهُ خارِجَ المَنزِلِ، وقالَتْ: ما كُنْتَ تَأْتِينِي بِخَيْرٍ أهْدَيْتَ لِي شَعْرَ حِسانَ؛ فَنَزَلَ عَلى الحَجّاجِ بْنِ عِلاطٍ وسَرَقَهُ فَطَرَدَهُ، ثُمَّ نَقَبَ بَيْتًا لِيَسْرِقَ مِنهُ فَسَقَطَ الحائِطُ عَلَيْهِ فَماتَ. وقِيلَ اتَّبَعَ قَوْمًا مِنَ العَرَبِ فَسَرَقَهم فَقَتَلُوهُ.
﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾؛ أيِ اسْتَغْفِرْ لِأُمَّتِكَ المُذْنِبِينَ المُتَخاصِمِينَ بِالباطِلِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: واسْتَغْفِرِ اللَّهَ مِمّا هَمَمْتَ بِهِ مِن عِقابِ اليَهُودِيِّ. وقالَ الطَّبَرِيُّ والزَّجّاجُ: واسْتَغْفَرِ اللَّهَ أيْ مِن ذَنْبِكَ في خِصامِكَ لِأجْلِ الخائِنِينَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا لَيْسَ بِذَنْبٍ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما دافَعَ عَلى الظّاهِرِ، وهو يَعْتَقِدُ بَراءَتَهم، انْتَهى. وقِيلَ هو أمْرٌ بِالِاسْتِغْفارِ عَلى سَبِيلِ التَّسْبِيحِ مِن غَيْرِ ذَنْبٍ أوْ قَصْدِ تَوْبَةٍ؛ كَما يَقُولُ الرَّجُلُ: اسْتَغْفِرِ اللَّهَ. وقِيلَ الخِطابُ صُورَةٌ لِلنَّبِيِّ والمُرادُ بَنُو أُبَيْرِقٍ. وقِيلَ المَعْنى، واسْتَغْفِرِ اللَّهَ مِمّا هَمَمْتَ بِهِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ.
﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ هَذا عامٌّ يَنْدَرِجُ فِيهِ أصْحابُ النّازِلَةِ، ويَتَقَرَّرُ بِهِ تَوْبِيخُهم. واخْتِيانُ الأنْفُسِ هو مِمّا يَعُودُ عَلَيْها مِنَ العُقُوبَةِ في الآخِرَةِ والدُّنْيا، كَما جاءَ نِسْبَةُ ظُلْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ. والنَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ لا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المَنهِيُّ مُلابِسًا لِلْمَنهِيِّ عَنْهُ. ورَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ الرَّسُولَ خاصَمَ عَنْ طُعْمَةَ، وقامَ يَعْذُرُ خَطِيبًا. ورَوى قَتادَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ: أنَّهُ هَمَّ بِذَلِكَ، ولَمْ يَفْعَلْهُ.
﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا أثِيمًا﴾ أتى بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ في الخِيانَةِ والإثْمِ لِيُخْرِجَ مِنهُ مَن وقَعَ مِنهُ المَرَّةَ، ومَن صَدَرَتْ مِنهُ الخِيانَةُ عَلى سَبِيلِ الغَفْلَةِ وعَدَمِ القَصْدِ. وفي صِفَتِي المُبالَغَةِ دَلِيلٌ عَلى إفْراطِ طُعْمَةَ في الخِيانَةِ، وارْتِكابِ المَآثِمِ. وقِيلَ إذا عَثَرْتَ مِن رَجُلٍ سَيِّئَةً فاعْلَمْ أنَّ لَها أخَواتٍ. وعَنْ عُمَرَ أنَّهُ أمَرَ بِقَطْعِ يَدِ سارِقٍ؛ فَجاءَتْ أُمُّهُ تَبْكِي، وقالَتْ: هَذِهِ أوَّلُ سَرِقَةٍ سَرَقَها فاعْفُ عَنْهُ فَقالَ: كَذَبْتِ إنَّ اللَّهَ لا يُؤاخِذُ عَبْدَهُ في أوَّلِ مَرَّةٍ. وتَقَدَّمَتْ صِفَةُ الخِيانَةِ عَلى صِفَةِ المَآثِمِ؛ لِأنَّها سَبَبٌ لِلْإثْمِ خانَ فَأثِمَ، ولِتَواخِيَ الفَواصِلِ.
﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وهو مَعَهم إذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ﴾ الضَّمِيرُ في يَسْتَخْفُونَ الظّاهِرُ: أنَّهُ يَعُودُ عَلى الَّذِينَ يَخْتانُونَ، وفي ذَلِكَ تَوْبِيخٌ عَظِيمٌ وتَقْرِيعٌ؛ حَيْثُ يَرْتَكِبُونَ المَعاصِيَ مُسْتَتِرِينَ بِها عَنِ النّاسِ، إنِ اطَّلَعُوا عَلَيْها، ودَخَلَ مَعَهم في ذَلِكَ مَن فَعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِمْ. وقِيلَ الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى الصِّنْفِ المُرْتَكِبِ لِلْمَعاصِي، ويَنْدَرِجُ هَؤُلاءِ فِيهِمْ، وهم أهْلُ الخِيانَةِ المَذْكُورَةِ والمُتَناصِرُونَ لَهم. وقِيلَ يَعُودُ عَلى (مَن) بِاعْتِبارِ المَعْنى، وتَكُونُ الجُمْلَةُ نَعْتًا. وهو مَعَهم؛ أيْ عالِمٌ بِهِمْ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِمْ، لا يَخْفى عَنْهُ تَعالى شَيْءٌ مِن أسْرارِهِمْ، وهي جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكَفى بِهَذِهِ الآيَةِ ناعِيَةً عَلى النّاسِ ما هم عَلَيْهِ مِن قِلَّةِ الحَياءِ والخَشْيَةِ مِن رَبِّهِمْ مَعَ عِلْمِهِمْ، إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ أنَّهم في حَضْرَتِهِ لا سُتْرَةَ ولا غَفْلَةَ ولا غَيْبَةَ، ولَيْسَ إلّا الكَشْفُ الصَّرِيحُ والِافْتِضاحُ، انْتَهى. وهَذا كَقَوْلِ الشّاعِرِ:(p-٣٤٥)
؎يا لَلْعِجاجِ لِمَن يَعْصِي ويَزْعُمُ إذْ ∗∗∗ قَدْ آمَنُوا بِالَّذِي جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ
؎أتى بِجامِعِ إيمانٍ لِمَعْصِيَةٍ ∗∗∗ كُلًّا أمانِي كَذِبٍ ساقَها الأمَلُ
أيْ إنَّ المَعْصِيَةَ كُلًّا أمانِي كَذِبٍ ساقَها الأمَلُ الِاسْتِخْفاءُ الِاسْتِتارُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الِاسْتِحْياءُ اسْتَحى فاسْتَخْفى؛ إذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ الَّذِي رَمَوْا بِهِ البَرِيءَ، ودافَعُوا بِهِ عَنِ السّارِقِ. والعامِلُ في (إذِ) العامِلُ في مَعَهم، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في التَّبْيِيتِ.
﴿وكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ كِنايَةٌ عَنِ المُبالَغَةِ في العِلْمِ. ولِما كانَتْ قِصَّةُ طُعْمَةَ جَمَعَتْ بَيْنَ عَمَلٍ وقَوْلٍ؛ جاءَ ﴿وهُوَ مَعَهم إذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ وكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾، فَنَبَّهَ عَلى أنَّهُ عالِمٌ بِأقْوالِهِمْ وأعْمالِهِمْ. وتَضَمَّنَ ذَلِكَ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ والتَّقْرِيعَ البالِغَ؛ إذْ كانَ تَعالى مُحِيطًا بِجَمِيعِ الأقْوالِ والأعْمالِ؛ فَكانَ يَنْبَغِي أنْ تُسْتَرَ القَبائِحُ عَنْهُ بِعَدَمِ ارْتِكابِها.
﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهم في الحَياةِ الدُّنْيا فَمَن يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهم يَوْمَ القِيامَةِ أمَّنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وكِيلًا﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿هاأنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾ [محمد: ٣٨]، وعَلى الجُمْلَةِ بَعْدَها، قِراءَةً وإعْرابًا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ والخِطابُ لِلَّذِينِ يَتَعَصَّبُونَ لِأهْلِ الرِّيَبِ والمَعاصِي، ويَنْدَرِجُ في هَذا العُمُومِ أهْلُ النّازِلَةِ. والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ خِطابًا لِلْمُتَعَصِّبِينَ في قِصَّةِ طُعَيْمَةَ، ويَنْدَرِجُ فِيهِ مَن عَمِلَ عَمَلَهم. ويُقَوِّي ذَلِكَ أنَّ هَؤُلاءِ إشارَةٌ إلى حاضِرِينَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ عَنْهُ في المَوْضِعَيْنِ أيْ عَنْ طُعْمَةَ. وفي قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ﴾ وعِيدٌ مَحْضٌ؛ أيْ إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ حَقِيقَةَ الأمْرِ؛ فَلا يُمْكِنُ أنْ يَلْبِسَ عَلَيْهِ بِجِدالٍ ولا غَيْرِهِ. ومَعْنى هَذا الِاسْتِفْهامِ النَّفْيُ؛ أيْ لا أحَدَ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهم يَوْمَ القِيامَةِ إذا حَلَّ بِهِمْ عَذابُهُ. والوَكِيلُ: الحافِظُ المُحامِي والَّذِي يَكِلُ الإنْسانُ إلَيْهِ أُمُورَهُ. وهَذا الِاسْتِفْهامُ مَعْناهُ النَّفْيُ أيْضًا؛ كَأنَّهُ قالَ: لا أحَدَ يَكُونُ وكِيلًا عَلَيْهِمْ فَيُدافِعُ عَنْهم ويَحْفَظُهم. وهاتانِ الجُمْلَتانِ انْتَفى في الأُولى مِنهُما المُجادَلَةُ، وهي المُدافَعَةُ بِالفِعْلِ والنُّصْرَةُ بِالقُوَّةِ.
النساء 4:104
﴿فَلْيَكُونُوا مِن ورائِكُمْ﴾: ظاهِرُهُ أنَّ الضَّمِيرَ في فَلْيَكُونُوا عائِدٌ عَلى السّاجِدِينَ؛ والمَعْنى: أنَّهم إذا فَرَغُوا مِنَ السُّجُودِ انْتَقَلُوا إلى الحِراسَةِ فَكانُوا وراءَكم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَلْيَكُونُوا يَعْنِي: غَيْرَ المُصَلِّينَ مِن ورائِكم يَحْرُسُونَكم، وجَوَّزَ الوَجْهَيْنِ ابْنُ عَطِيَّةَ، قالَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ سَجَدُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الطّائِفَةُ القائِمَةُ أوَّلًا بِإزاءِ العَدُوِّ. وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ: (فَلِتَقُمْ) بِكَسْرِ اللّامِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: (ولِيَأْتِ) بِياءٍ بِثِنْتَيْنِ تَحْتَها عَلى تَذْكِيرِ الطّائِفَةِ، واخْتُلِفَ عَنْ أبِي عَمْرٍو في إدْغامِ التّاءِ في الطّاءِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُمُ انْقَسَمُوا طائِفَتَيْنِ: طائِفَةٌ حارِسَةٌ أوَّلًا، وطائِفَةٌ مُصَلِّيَةٌ أوَّلًا مَعَهُ، ثُمَّ الَّتِي صَلَّتْ أوَّلًا صارَتْ حارِسَةً، وجاءَتِ الحارِسَةُ أوَّلًا فَصَلَّتْ مَعَهُ. والظّاهِرُ أنَّ الأمْرَ بِأخْذِ الأسْلِحَةِ، واجِبٌ؛ لِأنَّ فِيهِ اطْمِئْنانَ المُصَلِّي؛ وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ وأهْلُ الظّاهِرِ. وذَهَبَ الأكْثَرُونَ إلى الِاسْتِحْبابِ.
ودَلَّتْ هَذِهِ الكَيْفِيَّةُ الَّتِي ذُكِرَتْ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ طائِفَةً صَلَّتْ مَعَ الرَّسُولِ بَعْضَ صَلاةٍ، ولا دَلالَةَ فِيها عَلى مِقْدارِ ما صَلَّتْ مَعَهُ، ولا كَيْفِيَّةِ إتْمامِهِمْ؛ وإنَّما جاءَ ذَلِكَ في السُّنَّةِ.
ونَحْنُ نَذْكُرُ تِلْكَ الكَيْفِيّاتِ عَلى سَبِيلِ الِاخْتِصارِ؛ لِأنَّها مُبَيِّنَةٌ ما أُجْمِلَ في القُرْآنِ. الكَيْفِيَّةُ الأُولى: صَلَّتْ طائِفَةٌ مَعَهُ، وطائِفَةٌ وُجاهَ العَدُوِّ، وثَبَتَتْ قائِمَةً حَتّى تَتِمَّ صَلاتُهم، ويَذْهَبُوا وُجاهَ العَدُوِّ، وجاءَتْ هَذِهِ الَّتِي كانَتْ وُجاهَ العَدُوِّ أوَّلًا فَصَلّى بِهِمُ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ، ثُمَّ ثَبَتَ جالِسًا حَتّى أتَمُّوا لِأنْفُسِهِمْ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ، وهَذِهِ كانَتْ بِذاتِ الرِّقاعِ. الكَيْفِيَّةُ الثّانِيَةُ: كالأُولى، إلّا أنَّهُ حِينَ صَلّى بِالطّائِفَةِ الأخِيرَةِ رَكْعَةً سَلَّمَ، ثُمَّ قَضَتْ بَعْدَ سَلامِهِ. وهَذِهِ مَرْوِيَّةٌ في ذاتِ الرِّقاعِ أيْضًا. الكَيْفِيَّةُ الثّالِثَةُ: صَفَّ العَسْكَرَ خَلْفَهُ صَفَّيْنِ، ثُمَّ كَبَّرَ، وكَبَّرُوا جَمِيعًا، ورَكَعُوا مَعَهُ، ورَفَعُوا مِنَ الرُّكُوعِ جَمِيعًا، ثُمَّ سَجَدَ هو بِالصَّفِّ الَّذِي يَلِيهِ والآخَرُونَ قِيامٌ يَحْرُسُونَهم؛ فَلَمّا سَجَدُوا، وقامُوا سَجَدَ الآخَرُونَ في مَكانِهِمْ، ثُمَّ تَقَدَّمُوا إلى مَصافِّ المُتَقَدِّمِينَ، وتَأخَّرَ المُتَقَدِّمُونَ إلى مَصافِّ المُتَأخِّرِينَ، ثُمَّ رَكَعُوا مَعَهُ جَمِيعًا، ثُمَّ سَجَدَ فَسَجَدَ مَعَهُ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ؛ فَلَمّا صَلّى سَجَدَ الآخَرُونَ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ جَمِيعًا. وهَذِهِ صَلاتُهُ بِعُسَفانَ والعَدُوُّ في قِبْلَتِهِ. الكَيْفِيَّةُ الرّابِعَةُ: مِثْلَ هَذا إلّا أنَّهُ قالَ: «يَنْكُصُ الصَّفُّ المُتَقَدِّمُ القَهْقَرى حِينَ يَرْفَعُونَ رُءُوسَهم مِنَ السُّجُودِ، ويَتَقَدَّمُ الآخَرُ فَيَسْجُدُونَ في مَصافِّ الأوَّلِينَ» . الكَيْفِيَّةُ الخامِسَةُ: صَلّى بِإحْدى الطّائِفَتَيْنِ رَكْعَةً والأُخْرى مُواجَهَةُ العَدُوِّ، ثُمَّ انْصَرَفُوا، وقامُوا في مَقامِ أصْحابِهِمْ مُقْبِلِينَ عَلى العَدُوِّ، وجاءَ أُولَئِكَ فَصَلّى بِهِمْ رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ قَضى بِهَؤُلاءِ رَكْعَةً، وهَؤُلاءِ رَكْعَةً في حِينٍ واحِدٍ.
الكَيْفِيَّةُ السّادِسَةُ: يُصَلِّي بِطائِفَةٍ رَكْعَةً ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ تُجاهَ العَدُوِّ، وتَأْتِي الأُخْرى فَيُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَةً ثُمَّ يُسَلِّمُ، وتَقُومُ الَّتِي مَعَهُ تَقْضِي، فَإذا فَرَغُوا سارُوا تُجاهَ العَدُوِّ، وقَضَتِ الأُخْرى. الكَيْفِيَّةُ السّابِعَةُ: صَلّى بِكُلِّ طائِفَةٍ رَكْعَةً، ولَمْ يَقْضِ أحَدٌ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ شَيْئًا زائِدًا عَلى رَكْعَةٍ واحِدَةٍ. الكَيْفِيَّةُ الثّامِنَةُ: صَلّى بِكُلِّ طائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فَكانَتْ لَهُ أرْبَعٌ، ولِكُلِّ رَجُلٍ رَكْعَتانِ. الكَيْفِيَّةُ التّاسِعَةُ: يُصَلِّي بِإحْدى الطّائِفَتَيْنِ رَكْعَةً؛ إنْ كانَتِ الصَّلاةُ رَكْعَتَيْنِ والأُخْرى بِإزاءِ العَدُوِّ، ثُمَّ تَقِفُ هَذِهِ بِإزاءِ العَدُوِّ، وتَأْتِي الأُولى فَتُؤَدِّي الرَّكْعَةَ بِغَيْرِ قِراءَةٍ، وتُتِمُّ صَلاتَها ثُمَّ تَحْرُسُ، وتَأْتِي الأُخْرى فَتُؤَدِّي الرَّكْعَةَ بِقِراءَةٍ، (p-٣٤١)وتُتِمُّ صِلاتَها، وكَذا في المَغْرِبِ. إلّا أنَّهُ يُصَلِّي بِالأُولى رَكْعَتَيْنِ وبِالثّانِيَةِ رَكْعَةً. الكَيْفِيَّةُ العاشِرَةُ: قامَتْ مَعَهُ طائِفَةٌ، وطائِفَةٌ أُخْرى مُقابِلَ العَدُوِّ، وظُهُورُهم إلى القِبْلَةِ؛ فَكَبَّرَتِ الطّائِفَتانِ مَعَهُ، ثُمَّ رَكَعَ، ورَكَعَ مَعَهُ الَّذِينَ مَعَهُ، وسَجَدُوا كَذَلِكَ، ثُمَّ قامَ فَصارَتِ الَّتِي مَعَهُ إلى إزاءِ العَدُوِّ، وأقْبَلَتِ الَّتِي كانَتْ بِإزاءِ العَدُوِّ فَرَكَعُوا، وسَجَدُوا، وهو قائِمٌ كَما هو، ثُمَّ قامُوا فَرَكَعَ رَكْعَةً أُخْرى، ورَكَعُوا مَعَهُ، وسَجَدُوا مَعَهُ، ثُمَّ أقْبَلَتِ الَّتِي بِإزاءِ العَدُوِّ فَرَكَعُوا وسَجَدُوا، وهو قاعِدٌ، ثُمَّ سَلَّمَ وسَلَّمَ الطّائِفَتانِ مَعَهُ جَمِيعًا. وهَذِهِ كانَتْ في غَزْوَةِ نَجْدٍ. الكَيْفِيَّةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ: صَلّى بِطائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ جاءَتِ الطّائِفَةُ الأُخْرى فَصَلّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ وسَلَّمَ.
وهَذِهِ كانَتْ بِبَطْنِ نَخْلٍ. واخْتِلافُ هَذِهِ الكَيْفِيّاتِ يَرُدُّ عَلى مُجاهِدٍ قَوْلَهُ: إنَّهُ ما صَلّى الرَّسُولُ إلّا مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً بِذاتِ الرِّقاعِ مِن أرْضِ بَنِي سُلَيْمٍ، ومُرَّةً بِعُسَفانَ والمُشْرِكُونَ بِضِخْيانَ بَيْنَهم وبَيْنَ القِبْلَةِ. وذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ: أنَّهُ كانَ في غَزْوَةِ ذِي قُرَدٍ صَلاةُ الخَوْفِ. وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: رُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ صَلّى صَلاةَ الخَوْفِ أرْبَعًا وعِشْرِينَ مَرَّةً، يَعْنِي كَيْفِيَّةً. وقالَ ابْنُ حَنْبَلٍ: لا نَعْلَمُ أنَّهُ رُوِيَ في صَلاةِ الخَوْفِ إلّا حَدِيثٌ ثابِتٌ صَحِيحٌ؛ فَعَلى أيِّ حَدِيثٍ صَلَّيْتَ أجْزَأ. وكَذا قالَ الطَّبَرِيُّ. وجَمَعَ في الأخْذِ بَيْنَ الحَذَرِ والأسْلِحَةِ؛ فَإنَّهُ جَعَلَ الحَذَرَ أنَّهُ يُحْتَرَزُ بِها كَما يُحْتَرَزُ بِالأسْلِحَةِ كَما جاءَ: ﴿تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ﴾ [الحشر: ٩] جَعَلَ الإيمانَ مُسْتَقِرًّا لِتَمَكُّنِهِمْ فِيهِ.
﴿ودَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أسْلِحَتِكم وأمْتِعَتِكم فَيَمِيلُونَ عَلَيْكم مَيْلَةً واحِدَةً﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ في (لَوْ) بَعْدَ (ودَّ) في قَوْلِهِ: ﴿يَوَدُّ أحَدُهم لَوْ يُعَمَّرُ﴾ [البقرة: ٩٦] أيْ: يَشُدُّونَ عَلَيْكم شِدَّةً واحِدَةً: وقُرِئَ: وأمْتِعاتِكم، وهو شاذٌّ إذْ هو جَمْعُ الجَمْعِ كَما قالُوا: أشَقِياتٌ وأُعْطِياتٌ في أشَقِيَةٍ وأُعْطِيَةٍ، جَمْعُ شَقاءٍ وعَطاءٍ. وفي هَذا الإخْبارِ تَنْبِيهٌ وتَحْذِيرٌ مِنَ الغَفْلَةِ، وأفْرَدَ المَسْألَةَ؛ لِأنَّها أبْلَغُ في الإيصالِ.
﴿ولا جُناحَ عَلَيْكم إنْ كانَ بِكم أذًى مِن مَطَرٍ أوْ كُنْتُمْ مَرْضى أنْ تَضَعُوا أسْلِحَتَكم وخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ؛ كانَ مَرِيضًا فَوَضَعَ سِلاحَهُ فَعَنَّفَهُ بَعْضُ النّاسِ. ولَمّا كانَتْ هاتانِ الحالَتانِ مِمّا يَشُقُّ حَمْلُ السِّلاحِ فِيهِما، ورُخِّصَ في ذَلِكَ لِلْمَرِيضِ لِأنَّ حَمْلَهُ السِّلاحَ مِمّا يُكْرَهُ بِهِ ويَزِيدُ في مَرَضِهِ. ورُخِّصَ في ذَلِكَ إنْ كانَ مَطَرٌ، لِأنَّ المَطَرَ مِمّا يُثْقِلُ العَدُوَّ ويَمْنَعُهُ مِن خِفَّةِ الحَرَكَةِ لِلْقِتالِ. وقالَ: إنْ يَتَأذَّوْا مِن مَطَرٍ إلّا لَحِقَ الكُفّارَ مِن أذاهُ ما لَحِقَ المُسْلِمِينَ غالِبًا إنْ كانا مُتَقارِبَيْنِ في المَسافَةِ. ومَرَضٌ إمّا لِجِراحَةٍ سَبَقَتْ، أوْ لِضَعْفِ بِنْيَةٍ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُعَدُّ مَرَضًا. وتَكْرِيرُ الأمْرِ بِأخْذِ الحَذَرِ في الصَّلاةِ. وفي هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ مِمّا يَدُلُّ عَلى تَوْكِيدِ التَّأهُّبِ والِاحْتِرازِ مِنَ العَدُوِّ؛ فَإنَّ الجَيْشَ كَثِيرًا ما يُصابُ مِنَ التَّفْرِيطِ في الحَذَرِ. وقالَ الضَّحّاكُ في قَوْلِهِ: ﴿وخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾، أيْ: تَقَلَّدُوا سُيُوفَكم؛ فَإنَّ ذَلِكَ حَذَرَ الغُزاةَ.
﴿إنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الأمْرُ بِالحَذَرِ مِنَ العَدُوِّ يُوهِمُ تَوَقُّعَ غَلَبَةٍ واغْتِرارٍ؛ فَنَفى عَنْهم ذَلِكَ الإيهامَ بِإخْبارِهِمْ أنَّ اللَّهَ يُهِينُ عَدُوَّهم ويَخْذُلُهم ويَنْصُرُهم عَلَيْهِ لِتَقْوى قُلُوبُهم، ولِيَعْلَمُوا أنَّ الأمْرَ بِالحَذَرِ لَيْسَ لِذَلِكَ؛ وإنَّما هو تَعَبُّدٌ مِنَ اللَّهِ، كَما قالَ: ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] .
﴿فَإذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فاذْكُرُوا اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِكم فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ مَعْنى قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ؛ أيَّ فَرَغْتُمْ مِنها. والصَّلاةُ هُنا صَلاةُ الخَوْفِ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الجُمْهُورُ، وكَذا فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والذِّكْرُ المَأْمُورُ بِهِ هُنا هو الذِّكْرُ بِاللِّسانِ إثْرَ صَلاةِ الخَوْفِ عَلى حَدِّ ما أُمِرُوا بِهِ عِنْدَ قَضاءِ المَناسِكِ بِذِكْرِ اللَّهِ، فَأُمِرُوا بِذِكْرِ اللَّهِ مِنَ: التَّهْلِيلِ والتَّكْبِيرِ والتَّسْبِيحِ والدُّعاءِ بِالنَّصْرِ والتَّأْيِيدِ في جَمِيعِ الأحْوالِ؛ فَإنَّ ما هم فِيهِ مِنَ ارْتِقابِ مُقارَعَةِ العَدُوِّ حَقِيقٌ بِالذِّكْرِ والِالتِجاءِ إلى اللَّهِ؛ أيْ فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأقِيمُوا الصَّلاةَ؛ أيْ أتِمُّوها. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ مَعْنى قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ: تَلَبَّسْتُمْ بِالصَّلاةِ، (p-٣٤٢)وشَرَعْتُمْ فِيها. ومَعْنى الأمْرِ بِالذِّكْرِ؛ أيْ صَلُّوها (قِيامًا) في حالِ المُسايَفَةِ والِاخْتِلاطِ (وقُعُودًا) جاثِينَ عَلى الرُّكَبِ مِن أنِينٍ، ﴿وعَلى جُنُوبِكُمْ﴾ مُثْخَنِينَ بِالجِراحِ؛ فَهي هَيْآتٌ لِأحْوالٍ عَلى حَسَبِ تَفْصِيلِها. فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ حِينَ تَضَعُ الحَرْبُ أوْزارَها وآمَنتُمْ؛ فَأقِيمُوا الصَّلاةَ؛ أيْ فاقْضُوا ما صَلَّيْتُمْ في تِلْكَ الأحْوالِ الَّتِي هي أحْوالُ القَلَقِ والِانْزِعاجِ؛ وبِهَذا الوَجْهِ بَدَأ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ. قالَ: وهَذا ظاهِرٌ عَلى مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ في إيجابِهِ الصَّلاةَ عَلى المُحارِبِ في حالِ المُسايَفَةِ والمَشْيِ والِاضْطِرابِ في المَعْرَكَةِ إذا حَضَرَ وقْتُها؛ فَإذا اطْمَأنَّ فَعَلَيْهِ القَضاءُ، وأمّا عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ فَهو مَعْذُورٌ في تَرْكِها إلى أنْ يَطْمَئِنَّ. وقِيلَ قَوْلُهُ: ﴿فَإذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فاذْكُرُوا﴾ أنَّهُ أمْرٌ بِالصَّلاةِ حالَةَ الأمْنِ بَعْدِ الخَوْفِ قِيامًا لِلْأصِحّاءِ (وقُعُودًا) لِلْعاجِزِينَ عَنِ القُعُودِ لِزَمانَةٍ أوْ جِراحَةٍ أوْ مَرَضٍ لا يَسْتَطِيعُ القُعُودَ مَعَها؛ ﴿فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾؛ أيْ أمِنتُمْ مِنَ الخَوْفِ قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ؛ ﴿فَأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾؛ أيْ صَلُّوها لا كَصَلاةِ الخَوْفِ، بَلْ كَصَلاةِ الأمْنِ في السَّفَرِ. وقِيلَ ﴿فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾؛ أيْ فَإذا رَجَعْتُمْ مِن سَفَرِكم إلى الحَضَرِ، فَأقِيمُوها تامَّةً أرْبَعًا.
﴿إنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلى المُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا﴾؛ أيْ واجِبَةً في أوْقاتٍ مَعْلُومَةٍ؛ قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ، وقَتادَةُ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. ولَمْ يَقُلْ مَوْقُوتَةً؛ لِأنَّ الكِتابَ مَصْدَرٌ؛ فَهو مُذَكَّرٌ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ المَعْنى فَرْضًا مَفْرُوضًا؛ فَهُما لَفْظانِ بِمَعْنًى واحِدٍ والظّاهِرُ الأوَّلُ؛ أيْ فَرْضًا مُنَجَّمًا في أوْقاتٍ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: أجْمَلَ هُنا تِلْكَ الأوْقاتَ، وفَسَّرَها في أوْقاتٍ خَمْسًا، وتَوْقِيتُها بِأوْقاتٍ خَمْسَةٍ في نِهايَةِ الحُسْنِ نَظَرًا إلى المَعْقُولِ؛ لِأنَّ الحَوادِثَ لَها مَراتِبُ خَمْسٌ: مَرْتَبَةُ الحُدُوثِ، ومَرْتَبَةُ الوُقُوفِ، ومَرْتَبَةُ الكُهُولَةِ. وفِيها نُقْصانٌ خَفِيٌّ، ومَرْتَبَةُ الشَّيْخُوخَةِ والخامِسَةُ: أنْ تَبْقى آثارُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ مُدَّةً ثُمَّ تُمْحى. وهَذِهِ المَراتِبُ حَصَلَتْ لِلشَّمْسِ بِحَسَبِ طُلُوعِها وغُرُوبِها، فَأوْجَبَ اللَّهُ عِنْدَ كُلِّ مَرْتَبَةٍ مِن أحْوالِها الخَمْسِ صَلاةً انْتَهى. ما لَخَّصْناهُ مِن كَلامِهِ، وطَوَّلَ هو كَثِيرًا في شَيْءٍ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ القُرْآنُ، ولا تَقْتَضِيهِ لُغَةُ العَرَبِ؛ ذَكَرَ ذَلِكَ في تَفْسِيرِهِ فَمَن أرادَهُ فَلْيُطالِعْهُ فِيهِ.
﴿ولا تَهِنُوا في ابْتِغاءِ القَوْمِ إنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهم يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ﴾ قِيلَ نَزَلَتْ في الجِهادِ مُطْلَقًا. وقِيلَ في انْصِرافِ الصَّحابَةِ مِن أُحُدٍ، وكانَ الرَّسُولُ أمَرَهم بِاتِّباعِ أبِي سُفْيانَ وأصْحابِهِ، أمَرَ أنْ لا يَخْرُجَ إلّا مَن كانَ مَعَهُ في أُحُدٍ، فَشَكَوْا بِأنَّ فِيهِمْ جِراحاتٍ. وهَذِهِ الآيَةُ تُشِيرُ إلى أنَّ القَضاءَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ﴾ إنَّما هو قَضاءُ صَلاةِ الخَوْفِ.
وقَرَأ الحَسَنُ: تَهِنُوا بِفَتْحِ الهاءِ، وهي لُغَةٌ. فُتِحَتِ الهاءُ كَما فُتِحَتْ دالُ يَدَعُ، جَلَّ حَرْفُ الحَلْقِ والمَعْنى: ولا تَضْعُفُوا أوْ تَخُورُوا جُبْنًا في طَلَبِ القَوْمِ. وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: ولا تُهانُوا مِنَ الإهانَةِ. نُهُوا عَنْ أنْ يَقَعَ مِنهم ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ إهانَتُهم مِن كَوْنِهِمْ يَجْنُونَ عَلى أعْدائِهِمْ فَيُهانُونَ كَقَوْلِهِمْ: ”لا أرَيْناكَ هاهُنا“، ثُمَّ شَجَّعَهم عَلى طَلَبِ القَوْمِ وألْزَمْهُمُ الحُجَّةَ؛ فَإنَّ ما فِيهِمْ مِنَ الألَمِ مُشْتَرَكٌ وتَزِيدُونَ عَلَيْهِمْ أنَّكم تَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ الثَّوابَ، وإظْهارَ دِينِهِ بِوَعْدِهِ الصّادِقِ، وهم لا يَرْجُونَهُ؛ فَيَنْبَغِي أنْ تَكُونُوا أشْجَعَ مِنهم وأبْعَدَ عَنِ الجُبْنِ. وإذا كانُوا يَصْبِرُونَ عَلى الآلامِ والجِراحاتِ والقَتْلِ، وهم لا يَرْجُونَ ثَوابًا في الآخِرَةِ؛ فَأنْتُمْ أحْرى؛ إنْ تَصْبِرُوا. ونَظِيرُ ذِكْرِ هَذا الأمْرِ المُشْتَرَكِ فِيهِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قاتِلُوا القَوْمَ يا خِداعُ ولا يَأْخُذْكم مِن قِتالِهِمْ قَتْلُ
؎القَوْمُ أمْثالُكم لَهم شَعَرٌ ∗∗∗ في الرَّأْسِ لا يُنْشَرُونَ إنْ قُتِلُوا
والرَّجاءُ هُنا عَلى بابِهِ، وقِيلَ مَعْناهُ الخَوْفُ الَّذِي تَخافُونَ مِن عَذابِ اللَّهِ ما لا تَخافُونَ كَقَوْلِهِ: (p-٣٤٣)
؎إذا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَها
أيْ لَمْ يَخَفْ. وزَعَمَ الفَرّاءُ أنَّ الرَّجاءَ لا يَكُونُ بِمَعْنى الخَوْفِ إلّا مَعَ النَّفْيِ، ولا يُقالُ رَجَوْتُكَ بِمَعْنى خِفْتُكَ. وقَرَأ الأعْرَجُ: أنْ تَكُونُوا بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ: تِئْلِمُونَ بِكَسْرِ التّاءِ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ ومَنصُورُ بْنُ المُعْتَمِرِ: تِئْلِمُونَ بِكَسْرِ تاءِ المُضارَعَةِ فِيهِما ويائِهِما، وهي لُغَةٌ.
﴿وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾؛ أيْ عَلِيمًا بِنِيّاتِكم؛ حَكِيمًا فِيما يَأْمُرُكم بِهِ ويَنْهاكم عَنْهُ.
﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ طَوَّلَ المُفَسِّرُونَ في سَبَبِ النُّزُولِ، ولَخَّصْنا مِنهُ انْتِهاءَ ما في قَوْلِ قَتادَةَ وغَيْرِهِ. نَزَلَتْ في طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ؛ سَرَقَ دِرْعًا في جِرابٍ فِيهِ دَقِيقٌ لِقَتادَةَ بْنِ النُّعْمانِ، وخَبَّأها عِنْدَ يَهُودِيٍّ، فَحَلَفَ طُعْمَةُ ما لِي بِها عِلْمٌ، فاتَّبَعُوا أثَرَ الدَّقِيقِ إلى دارِ اليَهُودِيِّ؛ فَقالَ اليَهُودِيُّ: دَفَعَها إلَيَّ طُعْمَةُ. وقِيلَ اسْتَوْدَعَ يَهُودِيٌّ دِرْعًا فَخانَهُ، فَلَمّا خافَ اطِّلاعَهم عَلَيْها ألْقاها في دارِ أبِي مَلِيكٍ الأنْصارِيِّ. قالَ السُّدِّيُّ: وقِيلَ السِّلاحُ والطَّعامُ كانَ لِرِفاعَةَ بْنِ زَيْدٍ عَمِّ قَتادَةَ، وأنَّ بَنِي أُبَيْرِقٍ نَقَبُوا مَشْرَبِيَّتَهُ وأخَذُوا ذَلِكَ، وهم بُشَيْرٌ بِضَمِّ الباءِ ومُبَشِّرٌ وبِشْرٌ، وأوْهَمُوا أنَّ فاعِلَ ذَلِكَ هُ ولَبِيدُ بْنُ سَهْلٍ، فَشَكاهم قَتادَةُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأنَّ الرَّسُولَ هَمَّ أنْ يُجادِلَ عَنْ طُعْمَةَ أوْ عَنْ أُبَيْرِقٍ، ويُقالُ فِيهِ: طُعَيْمَةُ.
وقالَ الكِرْمانِيُّ: أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ في طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ أحَدِ بَنِي ظُفَرِ بْنِ الحارِثِ إلّا ابْنَ بَحْرٍ؛ فَإنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، وهو مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨]، انْتَهى. وفي هَذِهِ الآيَةِ تَشْرِيفٌ لِلرَّسُولِ، وتَفْوِيضُ الأُمُورِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ﴾ .
ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها: أنَّهُ لَمّا صَرَّحَ بِأحْوالِ المُنافِقِينَ، واتَّصَلَ بِذَلِكَ أمَرَ المُحارِبَةَ، وما يَتَعَلَّقُ بِها مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ رَجَعَ إلى أحْوالِ المُنافِقِينَ؛ فَإنَّهم خانُوا الرَّسُولَ عَلى ما لا يَنْبَغِي، فَأطْلَعَهُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ، وأمَرَهُ أنْ لا يَلْتَفِتَ إلَيْهِمْ، وكانَ بُشَيْرٌ مُنافِقًا ويَهْجُو الصَّحابَةَ، ويَنْحِلُ الشِّعْرَ لِغَيْرِهِ، وأمّا طُعْمَةُ فارْتَدَّ، وأنَّهُ لَمّا بَيَّنَ الأحْكامَ الكَثِيرَةَ عَرَفَ أنَّ كُلَّها مِنَ اللَّهِ، وأنَّهُ لَيْسَ لِلرَّسُولِ أنْ يَحِيدَ عَنْ شَيْءٍ مِنها طَلَبًا لِرِضا قَوْمٍ. أوْ أنَّهُ: لِما أنَّهُ يُجاهِدُ الكُفّارَ أنَّهُ لا يَجُوزُ إلْحاقُ ما لَمْ يَفْعَلُوا بِهِمْ، وأنَّ كُفْرَهُ لا يُبِيحُ المُسامَحَةَ في النَّظَرِ إلَيْهِ، بَلِ الواجِبُ في الدِّينِ أنْ يَحْكُمَ لَهُ وعَلَيْهِ، بِما أنْزَلَ اللَّهُ، ولا يَلْحَقُ بِهِ حَيْفٌ لِأجْلِ أنْ يُرْضِيَ المُنافِقَ.
والكِتابُ هُنا القُرْآنُ. ومَعْنى بِالحَقِّ؛ أيْ لا عِوَجَ فِيهِ، ولا مَيْلَ. والنّاسُ هُنا عامٌّ، وبِما أراكَ اللَّهُ بِما أعْلَمَكَ مِنَ الوَحْيِ. وقِيلَ بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ فَإنَّهُ مَحْرُوسٌ في اجْتِهادِهِ، مَعْصُومٌ في الأقْوالِ والأفْعالِ. وقِيلَ بِما ألْقاهُ في قَلْبِكَ مِن أنْوارِ المَعْرِفَةِ وصَفاءِ الباطِنِ. وعَنْ عُمَرَ: لا يَقُولَنَّ أحَدُكم قَضَيْتُ بِما أرانِي اللَّهُ؛ فَإنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ إلّا لِنَبِيِّهِ؛ لِأنَّ الرَّأْيَ كانَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُصِيبًا؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ يُرِيهِ إيّاهُ، وهو مِنّا الظَّنُّ والتَّكْلِيفُ دُونَ الإهْمالِ، أوْ بِما لِهِ عاقِبَةٌ حَمِيدَةٌ؛ لِأنَّ ما لَيْسَ كَذَلِكَ عَبَثٌ وباطِلٌ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: بِالحَقِّ؛ أيْ مُوافِقًا لِما هو الحَقُّ عَلى العِبادِ ولِما لِبَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ لِيَعْلَمُوا بِذَلِكَ، أوْ بَيانًا لِأمْرِهِ. وحُقٌّ كائِنٌ ثابِتٌ، وهو البَعْثُ والقِيامَةُ لِيَتَزَوَّدُوا لَهُ. أوْ بِما يَحْمِلُ عَلَيْهِمْ فاعِلُهُ، أوْ بِالعَدْلِ والصِّدْقِ عَلى الأمْنِ مِنَ التَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ. بِما أراكُ اللَّهُ: فِيهِ دَلِيلُ جَوازِ اجْتِهادِهِ، واجْتِهادُهُ كالنَّصِّ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ أنَّهُ يُرِيهِ ذَلِكَ أوْ لا يُرِيهِ غَيْرَ الصَّوابِ، انْتَهى كَلامُهُ.
﴿ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾؛ أيْ مُخاصِمًا، كَجَلِيسٍ بِمَعْنى مَجالِسٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ والفارِسِيُّ، وغَيْرُهُما. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْمُبالَغَةِ مِن خَصَمَ والخائِنُونَ جَمْعٌ. فَإنَّ بَنِي أُبَيْرِقٍ الثَّلاثَةِ هُمُ الَّذِينَ نَقَبُوا المَشْرُبَةَ؛ فَظاهِرُ إطْلاقِ الجَمْعِ عَلَيْهِمْ، وإنْ كانَ وحْدَهُ هو الرَّجُلُ الَّذِي خانَ في الدِّرْعِ أوْ سَرَقَها؛ فَجاءَ الجَمْعُ بِاعْتِبارِهِ، واعْتِبارِ مَن شَهِدَ لَهُ بِالبَراءَةِ مِن قَوْمِهِ كَأُسَيْدِ بْنِ عُرْوَةَ، ومَن تابَعَهُ مِمَّنْ زَكّاهُ؛ فَكانُوا شُرَكاءَ لَهُ في الإثْمِ؛ خُصُوصًا مَن يَعْلَمُ أنَّهُ هو السّارِقُ. أوْ جاءَ الجَمْعُ (p-٣٤٤)لِيَتَناوَلَ طُعْمَةَ، وكُلَّ مِن خانَ خِيانَتَهُ، فَلا يُخاصِمُ لِخائِنٍ قَطُّ، ولا يُحاوِلُ عَنْهُ. وخَصِيمًا يَحْتاجُ مُتَعَلِّقًا مَحْذُوفًا؛ أيِ البَراءُ. والبَرِيءُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ حَسَبَ الِاخْتِلافِ في السَّبَبِ: أهُوَ اليَهُودِيُّ الَّذِي دَفَعَ إلَيْهِ طُعْمَةُ الدِّرْعَ وهُ وزَيْدُ بْنُ السُّمَيْنِ، أوْ أبُو مَلِيكٍ الأنْصارِيُّ ؟ وهو الَّذِي ألْقى طُعْمَةُ الدِّرْعَ في دارِهِ لَمّا خافَ الِافْتِضاحَ، أوْ لَبِيدُ بْنُ سَهْلٍ ؟ وقالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ وكانَ يَهُودِيًّا. وذَكَرَ المَهْدَوِيُّ أنَّهُ كانَ مُسْلِمًا. وأدْخَلَهُ أبُو عَمْرِو بْنُ عَبْدِ البَرِّ في كِتابِ الصَّحابَةِ؛ فَدَلَّ عَلى إسْلامِهِ كَما ذَكَرَ المَهْدَوِيُّ. ولَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ هَرَبَ طُعْمَةُ إلى مَكَّةَ، وارْتَدَّ ونَزَلَ عَلى سُلافَةَ، فَرَماها حَسّانُ بِهِ في شِعْرٍ قالَهُ، ومِنهُ:
؎وقَدْ أنْزَلَتْهُ بِنْتُ سَعْدٍ وأصْبَحَتْ ∗∗∗ يُنازِعُها جِلْدَ اسْتِها وتُنازِعُهْ
؎ظَنَنْتُمْ بِأنْ يَخْفى الَّذِي قَدْ صَنَعْتُمُو ∗∗∗ وفِينا نَبِيٌّ عِنْدَهُ الوَحْيُ واضِعُهْ
فَأخْرَجَتْهُ ورَمَتْ رَحْلَهُ خارِجَ المَنزِلِ، وقالَتْ: ما كُنْتَ تَأْتِينِي بِخَيْرٍ أهْدَيْتَ لِي شَعْرَ حِسانَ؛ فَنَزَلَ عَلى الحَجّاجِ بْنِ عِلاطٍ وسَرَقَهُ فَطَرَدَهُ، ثُمَّ نَقَبَ بَيْتًا لِيَسْرِقَ مِنهُ فَسَقَطَ الحائِطُ عَلَيْهِ فَماتَ. وقِيلَ اتَّبَعَ قَوْمًا مِنَ العَرَبِ فَسَرَقَهم فَقَتَلُوهُ.
﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾؛ أيِ اسْتَغْفِرْ لِأُمَّتِكَ المُذْنِبِينَ المُتَخاصِمِينَ بِالباطِلِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: واسْتَغْفِرِ اللَّهَ مِمّا هَمَمْتَ بِهِ مِن عِقابِ اليَهُودِيِّ. وقالَ الطَّبَرِيُّ والزَّجّاجُ: واسْتَغْفَرِ اللَّهَ أيْ مِن ذَنْبِكَ في خِصامِكَ لِأجْلِ الخائِنِينَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا لَيْسَ بِذَنْبٍ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما دافَعَ عَلى الظّاهِرِ، وهو يَعْتَقِدُ بَراءَتَهم، انْتَهى. وقِيلَ هو أمْرٌ بِالِاسْتِغْفارِ عَلى سَبِيلِ التَّسْبِيحِ مِن غَيْرِ ذَنْبٍ أوْ قَصْدِ تَوْبَةٍ؛ كَما يَقُولُ الرَّجُلُ: اسْتَغْفِرِ اللَّهَ. وقِيلَ الخِطابُ صُورَةٌ لِلنَّبِيِّ والمُرادُ بَنُو أُبَيْرِقٍ. وقِيلَ المَعْنى، واسْتَغْفِرِ اللَّهَ مِمّا هَمَمْتَ بِهِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ.
﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ هَذا عامٌّ يَنْدَرِجُ فِيهِ أصْحابُ النّازِلَةِ، ويَتَقَرَّرُ بِهِ تَوْبِيخُهم. واخْتِيانُ الأنْفُسِ هو مِمّا يَعُودُ عَلَيْها مِنَ العُقُوبَةِ في الآخِرَةِ والدُّنْيا، كَما جاءَ نِسْبَةُ ظُلْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ. والنَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ لا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المَنهِيُّ مُلابِسًا لِلْمَنهِيِّ عَنْهُ. ورَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ الرَّسُولَ خاصَمَ عَنْ طُعْمَةَ، وقامَ يَعْذُرُ خَطِيبًا. ورَوى قَتادَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ: أنَّهُ هَمَّ بِذَلِكَ، ولَمْ يَفْعَلْهُ.
﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا أثِيمًا﴾ أتى بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ في الخِيانَةِ والإثْمِ لِيُخْرِجَ مِنهُ مَن وقَعَ مِنهُ المَرَّةَ، ومَن صَدَرَتْ مِنهُ الخِيانَةُ عَلى سَبِيلِ الغَفْلَةِ وعَدَمِ القَصْدِ. وفي صِفَتِي المُبالَغَةِ دَلِيلٌ عَلى إفْراطِ طُعْمَةَ في الخِيانَةِ، وارْتِكابِ المَآثِمِ. وقِيلَ إذا عَثَرْتَ مِن رَجُلٍ سَيِّئَةً فاعْلَمْ أنَّ لَها أخَواتٍ. وعَنْ عُمَرَ أنَّهُ أمَرَ بِقَطْعِ يَدِ سارِقٍ؛ فَجاءَتْ أُمُّهُ تَبْكِي، وقالَتْ: هَذِهِ أوَّلُ سَرِقَةٍ سَرَقَها فاعْفُ عَنْهُ فَقالَ: كَذَبْتِ إنَّ اللَّهَ لا يُؤاخِذُ عَبْدَهُ في أوَّلِ مَرَّةٍ. وتَقَدَّمَتْ صِفَةُ الخِيانَةِ عَلى صِفَةِ المَآثِمِ؛ لِأنَّها سَبَبٌ لِلْإثْمِ خانَ فَأثِمَ، ولِتَواخِيَ الفَواصِلِ.
﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وهو مَعَهم إذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ﴾ الضَّمِيرُ في يَسْتَخْفُونَ الظّاهِرُ: أنَّهُ يَعُودُ عَلى الَّذِينَ يَخْتانُونَ، وفي ذَلِكَ تَوْبِيخٌ عَظِيمٌ وتَقْرِيعٌ؛ حَيْثُ يَرْتَكِبُونَ المَعاصِيَ مُسْتَتِرِينَ بِها عَنِ النّاسِ، إنِ اطَّلَعُوا عَلَيْها، ودَخَلَ مَعَهم في ذَلِكَ مَن فَعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِمْ. وقِيلَ الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى الصِّنْفِ المُرْتَكِبِ لِلْمَعاصِي، ويَنْدَرِجُ هَؤُلاءِ فِيهِمْ، وهم أهْلُ الخِيانَةِ المَذْكُورَةِ والمُتَناصِرُونَ لَهم. وقِيلَ يَعُودُ عَلى (مَن) بِاعْتِبارِ المَعْنى، وتَكُونُ الجُمْلَةُ نَعْتًا. وهو مَعَهم؛ أيْ عالِمٌ بِهِمْ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِمْ، لا يَخْفى عَنْهُ تَعالى شَيْءٌ مِن أسْرارِهِمْ، وهي جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكَفى بِهَذِهِ الآيَةِ ناعِيَةً عَلى النّاسِ ما هم عَلَيْهِ مِن قِلَّةِ الحَياءِ والخَشْيَةِ مِن رَبِّهِمْ مَعَ عِلْمِهِمْ، إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ أنَّهم في حَضْرَتِهِ لا سُتْرَةَ ولا غَفْلَةَ ولا غَيْبَةَ، ولَيْسَ إلّا الكَشْفُ الصَّرِيحُ والِافْتِضاحُ، انْتَهى. وهَذا كَقَوْلِ الشّاعِرِ:(p-٣٤٥)
؎يا لَلْعِجاجِ لِمَن يَعْصِي ويَزْعُمُ إذْ ∗∗∗ قَدْ آمَنُوا بِالَّذِي جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ
؎أتى بِجامِعِ إيمانٍ لِمَعْصِيَةٍ ∗∗∗ كُلًّا أمانِي كَذِبٍ ساقَها الأمَلُ
أيْ إنَّ المَعْصِيَةَ كُلًّا أمانِي كَذِبٍ ساقَها الأمَلُ الِاسْتِخْفاءُ الِاسْتِتارُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الِاسْتِحْياءُ اسْتَحى فاسْتَخْفى؛ إذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ الَّذِي رَمَوْا بِهِ البَرِيءَ، ودافَعُوا بِهِ عَنِ السّارِقِ. والعامِلُ في (إذِ) العامِلُ في مَعَهم، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في التَّبْيِيتِ.
﴿وكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ كِنايَةٌ عَنِ المُبالَغَةِ في العِلْمِ. ولِما كانَتْ قِصَّةُ طُعْمَةَ جَمَعَتْ بَيْنَ عَمَلٍ وقَوْلٍ؛ جاءَ ﴿وهُوَ مَعَهم إذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ وكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾، فَنَبَّهَ عَلى أنَّهُ عالِمٌ بِأقْوالِهِمْ وأعْمالِهِمْ. وتَضَمَّنَ ذَلِكَ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ والتَّقْرِيعَ البالِغَ؛ إذْ كانَ تَعالى مُحِيطًا بِجَمِيعِ الأقْوالِ والأعْمالِ؛ فَكانَ يَنْبَغِي أنْ تُسْتَرَ القَبائِحُ عَنْهُ بِعَدَمِ ارْتِكابِها.
﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهم في الحَياةِ الدُّنْيا فَمَن يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهم يَوْمَ القِيامَةِ أمَّنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وكِيلًا﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿هاأنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾ [محمد: ٣٨]، وعَلى الجُمْلَةِ بَعْدَها، قِراءَةً وإعْرابًا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ والخِطابُ لِلَّذِينِ يَتَعَصَّبُونَ لِأهْلِ الرِّيَبِ والمَعاصِي، ويَنْدَرِجُ في هَذا العُمُومِ أهْلُ النّازِلَةِ. والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ خِطابًا لِلْمُتَعَصِّبِينَ في قِصَّةِ طُعَيْمَةَ، ويَنْدَرِجُ فِيهِ مَن عَمِلَ عَمَلَهم. ويُقَوِّي ذَلِكَ أنَّ هَؤُلاءِ إشارَةٌ إلى حاضِرِينَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ عَنْهُ في المَوْضِعَيْنِ أيْ عَنْ طُعْمَةَ. وفي قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ﴾ وعِيدٌ مَحْضٌ؛ أيْ إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ حَقِيقَةَ الأمْرِ؛ فَلا يُمْكِنُ أنْ يَلْبِسَ عَلَيْهِ بِجِدالٍ ولا غَيْرِهِ. ومَعْنى هَذا الِاسْتِفْهامِ النَّفْيُ؛ أيْ لا أحَدَ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهم يَوْمَ القِيامَةِ إذا حَلَّ بِهِمْ عَذابُهُ. والوَكِيلُ: الحافِظُ المُحامِي والَّذِي يَكِلُ الإنْسانُ إلَيْهِ أُمُورَهُ. وهَذا الِاسْتِفْهامُ مَعْناهُ النَّفْيُ أيْضًا؛ كَأنَّهُ قالَ: لا أحَدَ يَكُونُ وكِيلًا عَلَيْهِمْ فَيُدافِعُ عَنْهم ويَحْفَظُهم. وهاتانِ الجُمْلَتانِ انْتَفى في الأُولى مِنهُما المُجادَلَةُ، وهي المُدافَعَةُ بِالفِعْلِ والنُّصْرَةُ بِالقُوَّةِ.