Al-Bahr Al-Muhit — النساء 4:121 – النساء 4:135
المحتويات
النساء 4:121
﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦] تَقَدَّمَ مِثْلُ تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، ونَزَلَتْ قِيلَ في طُعْمَةَ. وقِيلَ في نَفَرٍ مِن قُرَيْشٍ أسْلَمُوا، ثُمَّ انْقَلَبُوا إلى مَكَّةَ مُرْتَدِّينَ. وقِيلَ في شَيْخٍ قالَ: لَمْ أُشْرِكْ بِاللَّهِ مُنْذُ عَرَفْتُهُ؛ إلّا أنَّهُ كانَ يَأْتِي ذُنُوبًا، وأنَّهُ نَدِمَ، واسْتَغْفَرَ، إلّا أنَّ آخِرَ ما تَقَدَّمَ فَقَدِ افْتَرى إثْمًا عَظِيمًا، وآخِرُ هَذِهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا خُتِمَتْ كُلُّ آيَةٍ بِما يُناسِبُها. فَتِلْكَ كانَتْ في أهْلِ الكِتابِ، وهم مُطَّلِعُونَ مِن كُتُبِهِمْ عَلى ما لا يَشُكُّونَ في صِحَّتِهِ مِن أمْرِ الرَّسُولِ، ووُجُوبِ اتِّباعِ شَرِيعَتِهِ، ونَسْخِها لِجَمِيعِ الشَّرائِعِ، ومَعَ ذَلِكَ قَدْ أشْرَكُوا بِاللَّهِ مَعَ أنَّ عِنْدَهم ما يَدُلُّ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى والإيمانِ بِما نَزَلَ؛ فَصارَ ذَلِكَ افْتِراءً واخْتِلافًا مُبالَغًا في العِظَمِ والجُرْأةُ عَلى اللَّهِ.
وهَذِهِ الآيَةُ هي في ناسٍ مُشْرِكِينَ لَيْسُوا بِأهْلِ كُتُبٍ ولا عُلُومٍ؛ ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ جاءَهم بِالهُدى مِنَ اللَّهِ وبانَ لَهم طَرِيقُ الرُّشْدِ؛ فَأشْرَكُوا بِاللَّهِ، فَضَّلُوا بِذَلِكَ ضَلالًا يُسْتَبْعَدُ وُقُوعُهُ، أوْ يَبْعُدُ عَنِ الصَّوابِ. ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ: ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا إناثًا﴾، وجاءَ بَعْدَ تِلْكَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ٤٩]، وقَوْلُهُ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [النساء: ٥٠]، ولَمْ يَخْتَلِفْ أحَدٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ في أنَّ المُرادَ بِهِمُ اليَهُودُ، وإنْ كانَ اللَّفْظُ عامًّا. ولَمّا كانَ الشِّرْكُ مِن أعْظَمِ الكَبائِرِ؛ كانَ الضَّلالُ النّاشِئُ عَنْهُ بَعِيدًا عَنِ الصَّوابِ؛ لِأنَّ غَيْرَهُ مِنَ المَعاصِي، وإنْ كانَ ضَلالًا لَكِنَّهُ قَرِيبٌ مِن أنْ يُراجِعَ صاحِبُهُ الحَقَّ؛ لِأنَّ لَهُ رَأْسَ مالٍ يَرْجِعُ إلَيْهِ، وهو الإيمانُ، بِخِلافِ المُشْرِكِ. ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وما لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هو الضَّلالُ البَعِيدُ﴾ [الحج: ١٢]، وناسَبَ هُنا ذِكْرُ الضَّلالِ لِتَقَدُّمِ الهُدى قَبْلَهُ.
﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا إناثًا﴾ المَعْنى: ما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، ويَتَّخِذُونَهُ إلَهًا إلّا مُسَمَّياتٍ تَسْمِيَةَ الإناثِ. وكَنّى بِالدُّعاءِ عَنِ العِبادَةِ؛ لِأنَّ مَن عَبَدَ شَيْئًا دَعاهُ عِنْدَ حَوائِجِهِ ومَصالِحِهِ. وكانُوا يُحَلُّونَ الأصْنامَ بِأنْواعِ الحُلِيِّ ويُسَمُّونَها أُنْثى، وإناثٌ جَمْعُ أُنْثى كَرِبابٍ جَمْعُ رُبّى. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ: المُرادُ الخَشَبُ والحِجارَةُ؛ فَهي مُؤَنَّثاتٌ لا تَعْقِلُ؛ فَيُخْبَرُ عَنْها كَما يُخْبَرُ عَنِ المُؤَنَّثِ مِنَ الأشْياءِ. فَيَجِيءُ قَوْلُهُ ﴿إلّا إناثًا﴾ عِبارَةً عَنِ الجَماداتِ. وقالَ أبُو مالِكٍ والسُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهم: كانَتِ العَرَبُ تُسَمِّي أصْنامَها بِأسْماءٍ مُؤَنَّثَةٍ كاللّاتِ (p-٣٥٢)والعُزّى ومَناةَ ونايِلَةَ. ويُرَدُّ عَلى هَذا بِأنَّها كانَتْ تُسَمّى أيْضًا بِأسْماءٍ مُذَكَّرَةٍ: كَهُبَلَ، وذِي الخُلَصَةِ.
وقالَ الضَّحّاكُ وغَيْرُهُ: المُرادُ ما كانَتِ العَرَبُ تَعْتَقِدُهُ مِن تَأْنِيثِ المَلائِكَةِ وعِبادَتِهِمْ إيّاها؛ فَقِيلَ لَهم: هَذا عَلى إقامَةِ الحُجَّةِ مِن فاسِدِ قَوْلِهِمْ. وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَكُنْ حَيٌّ مِن أحْياءِ العَرَبِ إلّا ولَهم صَنَمٌ يَعْبُدُونَهُ يُسَمُّونَهُ أُنْثى بَنِي فُلانٍ، وفي هَذا تَعْبِيرُهم بِالتَّأْنِيثِ؛ لِنَقْصِهِ وخَساسَتِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلتَّذْكِيرِ. وقالَ الرّاغِبُ: أكْثَرُ ما عَبَدَتْهُ العَرَبُ مِنَ الأصْنامِ كانَتْ أشْياءَ مُنْفَعِلَةً غَيْرَ فاعِلَةٍ؛ فَبَكَّتْهُمُ اللَّهُ تَعالى أنَّهم مَعَ كَوْنِهِمْ فاعِلِينَ مِن وجْهٍ يَعْبُدُونَ ما لَيْسَ هو إلّا مُنْفَعِلًا مِن كُلِّ وجْهٍ، وعَلى هَذا نَبَّهَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ﴾ [مريم: ٤٢] .
وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: إنْ تَدْعُونَ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ ورُوِيَتْ عَنْ عاصِمٍ. وفي مُصْحَفِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها (إلّا أوْثانًا) جَمْعُ وثَنٍ، وهو الصَّنَمُ. وقَرَأ بِذَلِكَ أبُو السِّوارِ والهَنائِيُّ. وقَرَأ الحَسَنُ: (إلّا أُنْثى) عَلى التَّوْحِيدِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو حَيْوَةَ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو نَهِيكٍ، ومُعاذٌ القارِئُ (أُنْثًا) . قالَ الطَّبَرِيُّ: فِيما حَكى إناثٌ كَثِمارٍ وثَمَرٍ. وقالَ غَيْرُهُ: أنَثٌ جَمْعُ أنِيثٍ، كَغَرِيرٍ وغَرَرٍ. وقالَ المَغْرِبِيُّ: إلّا إناثًا إلّا ضِعافًا عاجِزِينَ لا قُدْرَةَ لَهم؛ يُقالُ: سَيْفٌ أنِيثٌ، ومِيناثَةٌ بِالهاءِ، ومَيْناثٌ غَيْرُ قاطِعٍ. قالَ الشّاعِرُ:
؎فَتُخْبِرُنِي بِأنَّ العَقْلَ عِنْدِي جُرازٌ لا أقَلَّ ولا أنِيثُ
أنَّثَ في أمْرِهِ: لانَ، والأنِيثُ المُخَنَّثُ الضَّعِيفُ مِنَ الرِّجالِ. وقَرَأ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ: (إلّا وثَنًا) بِفَتْحِ الواوِ والثّاءِ مِن غَيْرِ هَمْزَةٍ. وقَرَأ ابْنُ المُسَيَّبِ، ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ عُمَرَ، وعَطاءٍ: (إلّا أثَنًا) يُرِيدُونَ وثَنًا، فَأبْدَلَ الهَمْزَةَ واوًا، وخَرَجَ عَلى أنَّهُ جَمْعُ جَمْعٍ؛ إذْ أصْلُهُ وثَنٌ، فَجُمِعَ عَلى وِثانٍ كَجَمَلٍ وجِمالٍ، ثُمَّ وِثانٍ عَلى وُثُنٍ كَمِثالٍ ومُثُلٍ، وحِمارٍ وحُمُرٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا خَطَأٌ؛ لِأنَّ فِعالًا في جَمْعِ فِعْلٍ إنَّما هو لِلتَّكْثِيرِ، والجَمْعُ الَّذِي هو لِلتَّكْثِيرِ لا يُجْمَعُ؛ وإنَّما يُجْمَعُ جُمُوعَ التَّقْلِيلِ، والصَّوابُ أنْ يُقالَ: وُثْنٌ جَمْعُ وثَنٍ دُونَ واسِطَةٍ، كَأسَدٍ وأُسْدٍ انْتَهى. ولَيْسَ قَوْلُهُ: وإنَّما يُجْمَعُ جُمُوعُ التَّقْلِيلِ بِصَوابٍ كامِلٍ، الجُمُوعُ مُطْلَقًا لا يَجُوزُ أنْ تُجْمَعَ بِقِياسٍ سَواءٌ كانَتْ لِلتَّكْثِيرِ أمْ لِلتَّقْلِيلِ، نَصَّ عَلى ذَلِكَ النَّحْوِيُّونَ. وقَرَأ أيُّوبُ السِّجِسْتانِيُّ: (إلّا وُثُنًا) بِضَمِّ الواوِ والثّاءِ مِن غَيْرِ هَمْزَةٍ، كَشُقَقٍ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: إلّا أثْنًا بِسُكُونِ الثّاءِ، وأصْلُهُ وثْنًا، فاجْتَمَعَ في هَذا اللَّفْظِ ثَمانِي قِراءاتٍ: إناثًا، وأُنْثًا، وأوْثانًا، ووَثْنًا، ووُثُنًا، واثِنًا، وأثَنًا.
﴿وإنْ يَدْعُونَ إلّا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ المُرادُ بِهِ إبْلِيسُ قالَهُ الجُمْهُورُ، وهو الصَّوابُ؛ لِأنَّ ما قالَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مُبَيِّنٌ أنَّهُ هو. وقِيلَ الشَّيْطانُ المُعَيَّنُ بِكُلِّ صَنَمٍ: أُفْرِدَ لَفْظًا، وهو مَجْمُوعٌ في المَعْنى، الواحِدُ يَدُلُّ عَلى الجِنْسِ. قِيلَ كانَ يَدْخُلُ في أجْوافِ الأصْنامِ، فَيُكَلِّمُ داعِيَها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لَعَنَهُ اللَّهُ صِفَةً، وأنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْهُ. وقِيلَ هو دُعاءٌ، ولا يَتَعارَضُ الحَصْرانِ؛ لِأنَّ دُعاءَ الأصْنامِ ناشِئٌ عَنْ دُعائِهِمُ الشَّيْطانَ، لَمّا عَبَدُوا الشَّيْطانَ أغْراهم بِعِبادَةِ الأصْنامِ أوْ لِاخْتِلافِ الدُّعاءَيْنِ؛ فالأوَّلُ عِبادَةٌ والثّانِي طَواعِيَةٌ. وقالَ ابْنُ عِيسى: هو مِثْلُ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ [الأنفال: ١٧] يَعْنِي أنَّ نِسْبَةَ دُعائِهِمُ الأصْنامَ هو عَلى سَبِيلِ المَجازِ. وأمّا في الحَقِيقَةِ فَهم يَدْعُونَ الشَّيْطانَ.
﴿وقالَ لَأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾؛ أيْ نَصِيبًا واجِبًا؛ اقْتَطَعْتُهُ لِنَفْسِي مِن قَوْلِهِمْ: فَرَضَ لَهُ في العَطاءِ، وفَرْضُ الجُنْدِ: رِزْقُهم. والمَعْنى: لَأسْتَخْلِصَنَّهم لِغَوايَتِي، ولَأخُصَّنَّهم بِإضْلالِي، وهُمُ الكَفَرَةُ والعُصاةُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَفْرُوضُ هُنا مَعْناهُ المُنْحازُ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الفَرْضِ، وهو الحَزُّ في العُودِ وغَيْرِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ واجِبًا إنِ اتَّخَذَهُ، وبَعْثُ النّارِ هو نَصِيبُ إبْلِيسَ. قالَ الحَسَنُ: مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وتِسْعُونَ، قالُوا: ولَفْظُ نَصِيبٍ يَتَناوَلُ القَلِيلَ فَقَطْ. والنَّصُّ أنَّ أتْباعَ إبْلِيسَ هُمُ (p-٣٥٣)الكَثِيرُ بِدَلِيلِ: ﴿لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٢] ﴿فاتَّبَعُوهُ إلّا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [سبإ: ٢٠]، وهَذا مُتَعارِضٌ.
وأُجِيبَ أنَّ التَّفاوُتَ إنَّما يَحْصُلُ في نَوْعِ البَشَرِ، أمّا إذا ضَمَمْتَ أنْواعَ المَلائِكَةِ مَعَ كَثْرَتِهِمْ إلى المُؤْمِنِينَ كانَتِ الكَثْرَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ. وأيْضًا فالمُؤْمِنُونَ؛ وإنْ كانُوا قَلِيلِينَ في العَدَدِ؛ نُصِيبُهم عَظِيمٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. والكُفّارُ والفُسّاقُ، وإنْ كانُوا كَثِيرِينَ فَهم كالعَدَمِ. انْتَهى تَلْخِيصُ ما أُجِيبَ بِهِ. والَّذِي أقُولُ: إنَّ لَفْظَ نَصِيبٍ لا يَدُلُّ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٧] الآيَةَ. والواوُ: قِيلَ عاطِفَةٌ، وقِيلَ واوُ الحالِ.
﴿ولَأُضِلَّنَّهم ولَأُمَنِّيَنَّهم ولَآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ ولَآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ هَذِهِ خَمْسَةٌ أقْسَمَ إبْلِيسُ عَلَيْها: أحَدُها: اتِّخاذُ نَصِيبٍ مِن عِبادِ اللَّهِ، وهو اخْتِيارُهُ إيّاهم. والثّانِي: إضْلالُهم، وهو صَرْفُهم عَنِ الهِدايَةِ وأسْبابِها. والثّالِثُ: تَمْنِيَتُهُ لَهم، وهو التَّسْوِيلُ، ولا يَنْحَصِرُ في نَوْعٍ واحِدٍ؛ لِأنَّهُ يُمَنِّي كُلَّ إنْسانٍ بِما يُناسِبُ حالَهُ مِن طُولِ عُمْرٍ وبُلُوغِ وطَرٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، وهي كُلُّها أمانِيُّ كَواذِبُ باطِلَةٌ. وقِيلَ الأمانِيُّ تَأْخِيرُ التَّوْبَةِ. وقِيلَ هي اعْتِقادٌ أنْ لا جَنَّةَ ولا نارَ ولا بَعْثَ ولا حِسابَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَأُمَنِّيَنَّهُمُ الأمانِيَّ الباطِلَةَ مِن طُولِ الأعْمارِ، وبُلُوغِ الآمالِ، ورَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى لِلْمُجْرِمِينَ بِغَيْرِ تَوْبَةٍ والخُرُوجِ مِنَ النّارِ بَعْدَ دُخُولِها بِالشَّفاعَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ، انْتَهى. وهَذا عَلى مَنزَعِهِ الِاعْتِزالِيِّ، ووَلُوعِهِ بِتَفْسِيرِ كِتابِ اللَّهِ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ إشْعارِ لَفْظِ القُرْآنِ بِما يَقُولُهُ ويَنْحِلُهُ. والرّابِعُ: أمْرُهُ إيّاهُمُ النّاشِئُ عَنْهُ تَبْتِيكِ آذانِ الأنْعامِ، وهو فِعْلُهم بِالبَحائِرِ كانُوا يَشُقُّونَ آذانَ النّاقَةِ إذا ولَدَتْ خَمْسَةَ أبْطُنٍ. وجاءَ الخامِسُ ذَكَرًا، وحَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ الِانْتِفاعَ بِها؛ قالَهُ عِكْرِمَةُ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ. وقِيلَ فِيهِ إشارَةٌ إلى كُلِّ ما جَعَلَهُ اللَّهُ كامِلًا بِفِطْرَتِهِ، فَجَعَلَ الإنْسانَ ناقِصًا بِسُوءِ تَدْبِيرِهِ. والخامِسُ أمْرُهُ إيّاهُمُ النّاشِئُ عَنْهُ تَغْيِيرُ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وإبْراهِيمُ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ وغَيْرُهم. أرادَ تَغْيِيرَ دِينِ اللَّهِ؛ ذَهَبُوا في ذَلِكَ إلى الِاحْتِجاجِ بِقَوْلِهِ: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]
أيْ لِدِينِ اللَّهِ. والتَّبْدِيلُ يَقَعُ مَوْقِعَةَ التَّغْيِيرِ؛ وإنْ كانَ التَّغْيِيرُ أعَمَّ مِنهُ. ولَفْظُ ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] خَبَرٌ، ومَعْناهُ: النَّهْيُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنهُمُ الزَّجّاجُ: هو جَعْلُ الكُفّارِ آلِهَةً لَهم ما خُلِقَ لِلِاعْتِبارِ بِهِ مِنَ الشَّمْسِ والنّارِ والحِجارَةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا عَبَدُوهُ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ والحَسَنُ: هو الوَشْمُ، وما جَرى مَجْراهُ مِنَ التَّصَنُّعِ لِلتَّحْسِينِ، فَمِن ذَلِكَ الحَدِيثُ في: «لَعْنِ الواشِماتِ والمُسْتَوْشِماتِ والمُتَنَمِّصاتِ والمُتَفَلِّجاتِ المُغَيِّراتِ خَلْقَ اللَّهِ، ولَعْنِ الواصِلَةِ والمُسْتَوْصِلَةِ»، انْتَهى.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وأنَسٌ، وعِكْرِمَةُ، وأبُو صالِحٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ أيْضًا: هو الخِصاءُ، وهو في بَنِي آدَمَ مَحْظُورٌ. وكَرِهَ أنَسٌ خِصاءَ الغَنَمِ، وقَدْ رَخَّصَ جَماعَةٌ فِيهِ لِمَنفَعَةِ السِّمَنِ في المَأْكُولِ، ورَخَّصَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ في خِصاءِ الخَيْلِ. وقِيلَ لِلْحَسَنِ: إنَّ عِكْرِمَةَ قالَ هو الخِصاءُ، قالَ: كَذَبَ عِكْرِمَةُ، هو دِينُ اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ التَّخَنُّتُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو فَقْءُ عَيْنِ الحامِي، وإعْفاؤُهُ عَنِ الرُّكُوبِ، انْتَهى. وناسَبَ هَذا أنَّهُ ذَكَرَ أثَرَ ذَلِكَ تَبْتِيكَ آذانِ الأنْعامِ فَناسَبَ أنْ يَكُونَ التَّغْيِيرُ هَذا. وقِيلَ تَغْيِيرُ خَلْقِ اللَّهِ هو أنَّ كُلَّ ما يُوجِدُهُ اللَّهُ لِفَضِيلَةٍ؛ فاسْتَعانَ بِهِ في رَذِيلَةٍ، فَقَدْ غَيَّرَ خَلْقَهُ. وقَدْ دَخَلَ في عُمُومِهِ ما جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْإنْسانِ مِن شَهْوَةِ الجِماعِ، لِيَكُونَ سَبَبًا لِلتَّناسُلِ عَلى وجْهٍ مَخْصُوصٍ؛ فاسْتَعانَ بِهِ في السِّفاحِ واللِّواطِ؛ فَذَلِكَ تَغْيِيرُ خَلْقِ اللَّهِ. وكَذَلِكَ المُخَنَّثُ إذا نَتَفَ لِحْيَتَهُ، وتَقَنَّعَ تَشَبُّهًا بِالنِّساءِ، والفَتاةُ إذا تَرَجَّلَتْ مُتَشَبِّهَةً بِالفِتْيانِ. وكُلُّ ما حَلَّلَهُ اللَّهُ، فَحَرَّمُوهُ أوْ حَرَّمَهُ تَعالى فَحَلَّلُوهُ. وعَلى ذَلِكَ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالًا﴾ [يونس: ٥٩] وإلى هَذِهِ الجُمْلَةِ أشارَ المُفَسِّرُونَ، ولِهَذا قالُوا: هو تَغْيِيرُ أحْكامِ اللَّهِ. وقِيلَ هو تَغْيِيرُ الإنْسانِ بِالِاسْتِلْحاقِ أوِ النَّفْيِ. وقِيلَ خِضابُ الشَّيْبِ بِالسَّوادِ. وقِيلَ مُعاقَبَةُ الوُلاةِ بَعْضَ الجُناةِ بِقَطْعِ الآذانِ، وشَقِّ المَناخِرِ وكَلِّ العُيُونِ، (p-٣٥٤)وقَطْعِ الأُنْثَيَيْنِ. ومَن فَسَّرَ بِالوَشْمِ أوِ الخِصاءِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا هو خاصٌّ في التَّغْيِيرِ؛ فَإنَّما ذَلِكَ عَلى جِهَةِ التَّمْثِيلِ لا الحَصْرِ. وفي حَدِيثِ عِياضٍ المُجاشِعِيِّ: «وإنِّي خَلَقْتُ عِبادِي حُنَفاءَ كُلَّهم، وإنَّ الشَّياطِينَ ألْهَتْهم وأحالَتْهم عَنْ دِينِهِمْ؛ فَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ ما أحْلَلْتُ لَهم، وأمَرْتُهم أنْ لا يُشْرِكُوا بِي ما لَمْ أُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا، وأمَرَتْهم أنْ لا يُغَيِّرُوا خَلْقِي» .
ومَفْعُولُ أمَرَ الثّانِي مَحْذُوفٌ؛ أيْ ولَآمُرَنَّهم بِالتَّبْتِيكِ فَلَيُبَتِّكُنَّ، ولَآمُرُنَّهم بِالتَّغَيُّرِ فَلَيُغَيِّرُنَّ. وحُذِفَ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: ولَآمُرَنَّهم بِغَيْرِ ألِفٍ؛ كَذا قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقَرَأ أُبَيٌّ: وأُضِلَّنَّهم، وأُمَنِّيَنَّهم، وآمُرُنَّهم، انْتَهى. فَتَكُونُ جُمَلًا مَقُولَةً، لا مُقْسَمًا عَلَيْها. وجاءَ تَرْتِيبُ هَذِهِ الجُمَلِ المُقْسَمِ عَلَيْها في غايَةٍ مِنَ الفَصاحَةِ؛ بَدَأ أوَّلًا بِاسْتِخْلاصِ الشَّيْطانِ نَصِيبًا مِنهم، واصْطِفائِهِ إيّاهم، ثُمَّ ثانِيًا بِإضْلالِهِمْ، وهو عِبارَةٌ عَمّا يَحْصُلُ في عَقائِدِهِمْ مِنَ الكُفْرِ، ثُمَّ ثالِثًا بِتَمْنِيَتِهِمُ الأمانِيَّ الكَواذِبَ والإطْماعاتِ الفارِغَةَ، ثُمَّ رابِعًا بِتَبْتِيكِ آذانِ الأنْعامِ، هو حُكْمٌ لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ فِيهِ، ثُمَّ خامِسًا بِتَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ، وهو شامِلٌ لِلتَّبْتِيكِ وغَيْرِهِ مِنَ الأحْكامِ الَّتِي شَرَعَها لَهم. وإنَّما بَدَأ بِالأمْرِ بِالتَّبْتِيكِ، وإنْ كانَ مُنْدَرِجًا تَحْتَ عُمُومِ التَّغْيِيرِ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ اسْتِدْراجًا لِما يَكُونُ بَعْدَهُ مِنَ التَّغْيِيرِ العامِّ، واسْتِيضاحًا مِن إبْلِيسَ طَواعِيَتَهم في أوَّلِ شَيْءٍ يُلْقِيهِ إلَيْهِمْ، فَيَعْلَمَ بِذَلِكَ قَبُولَهم لَهُ. فَإذا قَبِلُوا ذَلِكَ أمَرَهم بِجَمِيعِ التَّغْيِيراتِ الَّتِي يُرِيدُها مِنهم، كَما يَفْعَلُ الإنْسانُ بِمَن يَقْصِدُ خِداعَهُ: يَأْمُرُهُ أوَّلًا بِشَيْءٍ سَهْلٍ؛ فَإذا رَآهُ قَدْ قَبِلَ ما ألْقاهُ إلَيْهِ مِن ذَلِكَ أمَرَهُ بِجَمِيعِ ما يُرِيدُ مِنهُ. وإقْسامُ إبْلِيسَ عَلى هَذِهِ الأشْياءِ لَيَفْعَلَنَّها يَقْتَضِي عِلْمَ ذَلِكَ، وأنَّها تَقَعُ إمّا لِقَوْلِهِ تَعالى.
﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥] أوْ؛ لِكَوْنِهِ عَلِمَ ذَلِكَ مِن جِهَةِ المَلائِكَةِ، أوْ لِكَوْنِهِ لَمّا اسْتَزَلَّ آدَمَ عَلِمَ أنَّ ذُرِّيَّتَهُ أضْعَفُ مِنهُ.
﴿ومَن يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ ولِيًّا مِن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا﴾؛ أيْ مِن يُؤْثِرُ حَظَّ الشَّيْطانِ عَلى حَظِّهِ مِنَ اللَّهِ. وكَأنَّهُ لَمّا قالَ إبْلِيسُ: لَأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا، فَذَكَرَ أنَّهُ يَصْطَفِيهِمْ لِنَفْسِهِ، أخْبَرَ أنَّهم قَبِلُوا ذَلِكَ الِاتِّخاذَ، وانْفَعَلُوا لَهُ؛ فاتَّخَذُوهُ ولِيًّا مِن دُونِ اللَّهِ. والوَلِيُّ هُنا قالَ مُقاتِلٌ: بِمَعْنى الرَّبِّ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: مِنَ المُوالاةِ، ورَتَّبَ عَلى هَذا الِاتِّخاذِ الخُسْرانَ المُبِينَ؛ لِأنَّ مَن تَرَكَ حَظَّهُ مِنَ اللَّهِ لِحَظِّ الشَّيْطانِ فَقَدْ خَسِرَتْ صَفْقَتُهُ. وقَوْلُهُ: مِن دُونِ اللَّهِ، قَيْدٌ لازِمٌ؛ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَتَّخِذَ الشَّيْطانَ ولِيًّا إلّا إذا لَمْ يَتَّخِذِ اللَّهَ ولِيًّا، ولا يُمْكِنُ أنْ يَتَّخِذَ الشَّيْطانَ ولِيًّا، ويَتَّخِذَ اللَّهَ ولِيًّا؛ لِأنَّهُما طَرِيقانِ مُتَبايِنانِ، لا يَجْتَمِعانِ، هُدًى وضَلالَةٌ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ مُحَذِّرَةٌ مِنَ اتِّباعِ الشَّيْطانِ.
﴿يَعِدُهم ويُمَنِّيهِمْ﴾ لَفْظانِ مُتَقارِبانِ؛ والمَعْنى: أنَّ الَّذِي أقْسَمَ عَلَيْهِ مِن أنْ يُمَنِّيَهم وقَعَ بِإخْبارِ اللَّهِ تَعالى عَنْهُ بِذَلِكَ، واكْتَفى مِنَ الإخْبارِ عَنْ وُقُوعِ تِلْكَ الجُمَلِ الَّتِي أقْسَمَ عَلَيْها إبْلِيسُ بِوُضُوحِها، وظُهُورِها. ولَمّا كانَ الوَعْدُ والتَّمْنِيَةُ مِن أُمُورِ الباطِنِ أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ بِها. والمَعْنى: أنَّهُ يَعِدُهم بِالأُمُورِ الباطِلَةِ والزَّخارِفِ الكاذِبَةِ، وأنَّهُ لا ثَوابَ، ولا عِقابَ.
﴿وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلّا غُرُورًا﴾ قَرَأ الأعْمَشُ: وما يَعِدُهم بِسُكُونِ الدّالِ خُفِّفَ؛ لِتَوالِي الحَرَكاتِ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الغُرُورِ، ومَعْناهُ: هُنا الخُدَعُ الَّتِي تُظَنُّ نافِعَةً، ويَكْشِفُ الغَيْبُ أنَّها ضارَّةٌ. واحْتَمَلَ النَّصْبُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا، أوْ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ، أوْ مَصْدَرًا عَلى غَيْرِ الصَّدْرِ؛ لِتَضْمِينِ يَعِدُهم مَعْنى يَغُرُّهم، ويَكُونُ ثَمَّ وصْفٌ مَحْذُوفٌ؛ أيْ إلّا غُرُورًا واضِحًا أوْ نَحْوَهُ، أوْ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ وعْدًا غُرُورًا أيْ ذا غُرُورٍ.
﴿أُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ ولا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصًا﴾ أخْبَرَ تَعالى أنَّ المَكانَ الَّذِي يَأْوُونَ إلَيْهِ، ويَسْتَقِرُّونَ فِيهِ هو جَهَنَّمُ، وأنَّهم لا يَجِدُونَ عَنْها مَراغًا يَرُوغُونَ إلَيْهِ. وعَنْها لا يَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ؛ لِأنَّها لا تَتَعَدّى بِـ (عْنَ)، ولا بِـ ﴿مَحِيصًا﴾، وإنْ كانَ المَعْنى عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ؛ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَبْيِينًا عَلى إضْمارِ (عَنِّي) . وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ حالًا مِن (مَحِيصٍ)، فَيَتَعَلَّقُ بِـ (مَحِيصٍ)؛ أيْ كائِنًا عَنْها، ولَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً. (p-٣٥٥)﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ لَمّا ذَكَرَ مَأْوى الكُفّارِ، ذَكَرَ مَأْوى المُؤْمِنِينَ، وأسْنَدَ الفِعْلَ إلى نُونِ العَظَمَةِ؛ اعْتِناءً بِأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي يَتَوَلّى إدْخالَهُمُ الجَنَّةَ، وتَشْرِيفًا لَهم. وقُرِئَ: سَيُدْخِلُهم بِالياءِ. ولَمّا رَتَّبَ تَعالى مَصِيرَ مَن كانَ تابِعًا لِإبْلِيسَ إلى النّارِ لِإشْراكِهِ وكُفْرِهِ، وتَغْيِيرِ أحْكامِ اللَّهِ تَعالى؛ رَتَّبَ هُنا دُخُولَ الجَنَّةِ عَلى الإيمانِ، وعَمَلِ الصّالِحاتِ.
﴿وعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ لَمّا ذَكَرَ أنَّ وعْدَ الشَّيْطانِ هو غُرُورٌ باطِلٌ، ذَكَرَ أنَّ هَذا الوَعْدَ مِنهُ تَعالى هو الحَقُّ الَّذِي لا ارْتِيابَ فِيهِ، ولا شَكَّ في إنْجازِهِ. والَّذِينَ مُبْتَدَأٌ وسَيُدْخِلُهُمُ الخَبَرُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ الِاشْتِغالِ؛ أيْ وسَنُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا سَنُدْخِلُهم. وانْتَصَبَ ﴿وعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِغَيْرِهِ؛ فَوَعْدُ اللَّهِ مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ: سَيُدْخِلُهم، وحَقًّا مُؤَكِّدٌ لِوَعْدِ اللَّهِ.
﴿ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ القِيلُ والقَوْلُ واحِدٌ؛ أيْ لا أحَدَ أصْدَقُ قَوْلًا مِنَ اللَّهِ. وهي جُمْلَةٌ مُؤَكِّدَةٌ أيْضًا لِما قَبْلَها. وفائِدَةُ هَذِهِ التَّواكِيدِ المُبالَغَةُ فِيما أخْبَرَ بِهِ تَعالى عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ بِخِلافِ مَواعِيدِ الشَّيْطانِ، وأمانَتِهِ الكاذِبَةِ المُخَلِّفَةِ لِأمانِيهِ.
﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، وأبُو صالِحٍ، ومَسْرُوقٌ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ وغَيْرُهم: الخِطابُ لِلْأُمَّةِ. قالَ بَعْضُهم: اخْتَلَفُوا مَعَ قَوْمٍ مِن أهْلِ الكِتابِ؛ فَقالُوا: دِينُنا أقْدَمُ مِن دِينِكم وأفْضَلُ؛ فَنَبِيُّنا قَبْلَ نَبِيِّكم. وقالَ المُؤْمِنُونَ: كِتابُنا يَقْضِي عَلى الكُتُبِ، ونَبِيُّنا خاتَمُ الأنْبِياءِ، ونَحْوُ هَذا مِنَ المُحاوَرَةِ فَنَزَلَتْ. وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ: الخِطابُ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ؛ وذَلِكَ أنَّهم قالُوا: لَنْ نُبْعَثَ ولَنْ نُعَذَّبَ؛ وإنَّما هي حَياتُنا لَنا فِيها النَّعِيمُ، ثُمَّ لا عَذابَ. وقالَتِ اليَهُودُ: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ، وأحِبّاؤُهُ. إلى نَحْوِ هَذا مِنَ الأقْوالِ كَقَوْلِهِمْ.
(لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى) فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلى الفَرِيقَيْنِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في لَيْسَ: ضَمِيرُ وعْدِ اللَّهِ؛ أيْ لَيْسَ يُنالُ ما وعَدَ اللَّهُ مِنَ الثَّوابِ بِأمانِيِّكم، ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ. والخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ؛ لِأنَّهُ لا يَتَمَنّى وعْدَ اللَّهِ إلّا مَن آمَنَ بِهِ؛ ولِذَلِكَ ذَكَرَ أهْلَ الكِتابِ مَعَهم لِمُشارَكَتِهِمْ لَهم في الإيمانِ. وعَنِ الحَسَنِ: لَيْسَ الإيمانُ بِالتَّمَنِّي؛ ولَكِنْ ما وقَرَ في القَلْبِ وصَدَّقَهُ العَمَلُ، إنَّ قَوْمًا ألْهَتْهم أمانِيُّ المَغْفِرَةِ حَتّى خَرَجُوا مِنَ الدُّنْيا، ولا حَسَنَةَ لَهم، وقالُوا: نُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ، وكَذَبُوا، لَوْ أحْسَنُوا الظَّنَّ بِهِ لَأحْسَنُوا العَمَلَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلْمُشْرِكِينَ؛ لِقَوْلِهِمْ: إنْ كانَ الأمْرُ كَما يَزْعُمُ هَؤُلاءِ، لَنَكُونَنَّ خَيْرًا مِنهم وأحْسَنَ حالًا؛ لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا، إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى. وكانَ أهْلُ الكِتابِ يَقُولُونَ: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ، لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً، ويُعَضِّدَهُ تَقَدُّمُ ذِكْرِ أهْلِ الشِّرْكِ، انْتَهى.
وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ وقَعَ الِاخْتِلافُ في اسْمِ لَيْسَ، وأقَرَّ بِها، إنَّ الَّذِي يَعُودُ الضَّمِيرُ عَلَيْهِ هو الوَعْدُ مِن أنَّهُ تَعالى يُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، ويَلِيهِ أنْ يَعُودَ عَلى الإيمانِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: (والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ) كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الحَسَنُ، ثُمَّ إنَّهُ يَعُودُ عَلى ما وقَعَتْ فِيهِ مُحاوَرَةُ المُؤْمِنِينَ وأهْلِ الكِتابِ، أوْ ما قالَتْهُ قُرَيْشٌ وأهْلُ الكِتابِ عَلى ما مَرَّ ذِكْرُهُ. وقالَ الحَوْفِيُّ: اسْمُ لَيْسَ مُضْمَرٌ فِيها عَلى مَعْنى: لَيْسَ الثَّوابُ عَنِ الحَسَناتِ، ولا العِقابُ عَلى السَّيِّئاتِ بِأمانِيِّكم؛ لِأنَّ الِاسْتِحْقاقَ إنَّما يَكُونُ بِالعَمَلِ لا بِالأمانِيِّ. وقالَ أبُو البَقاءِ: اسَمُ لَيْسَ مُضْمَرٌ فِيها، ولَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ، وإنَّما دَلَّ عَلَيْهِ سَبَبُ الآيَةِ، وذَلِكَ أنَّ اليَهُودَ والنَّصارى، قالُوا: نَحْنُ أصْحابُ الجَنَّةِ. وقالَ المُشْرِكُونَ: لا نُبْعَثُ. فَقالَ: لَيْسَ بِأمانِيِّكم؛ أيْ لَيْسَ ما ادَّعَيْتُمُوهُ بِأمانِيِّكم. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ بْنُ نِصاحٍ، والحَكَمُ، والأعْرَجُ: بِأمانِيكم، ولا أمانِي أهْلِ الكِتابِ ساكِنَةَ الياءِ، جُمِعَ عَلى فَعالِلْ، كَما يُقالُ: قَراقِيرُ، وقَراقِرْ، جَمْعُ قُرْقُورٍ.
﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قالَ الجُمْهُورُ: اللَّفْظُ عامٌّ والكافِرُ والمُؤْمِنُ مُجازَيانِ بِالسُّوءِ يَعْمَلانِهِ. فَمُجازاةُ الكافِرِ النّارُ والمُؤْمِنِ بِنَكَباتِ الدُّنْيا؛ «فَقالَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيق رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَمّا نَزَلَتْ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما أشَدَّ هَذِهِ الآيَةَ (p-٣٥٦)جاءَتْ قاصِمَةَ الظَّهْرِ، فَقالَ: إنَّما هي المُصِيباتُ في الدُّنْيا»، وقالَتْ بِمِثْلِ هَذا التَّأْوِيلِ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها. وقالَ بِهِ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ؛ وسَألَهُ الرَّبِيعُ بْنُ زِيادٍ عَنْ مَعْنى الآيَةِ، وكَأنَّهُ خافَها فَقالَ لَهُ: أيْ ما كُنْتُ أظُنُّكَ إلّا أفْقَهَ مِمّا أرى، ما يُصِيبُ الرَّجُلَ خَدْشٌ أوْ غَيْرُهُ إلّا بِذَنْبٍ، وما يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ أكْثَرُ. وخَصَّصَ الحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ بِالكُفّارِ يُجازَوْنَ عَلى الصَّغائِرِ والكَبائِرِ. وقالَ الضَّحّاكُ: يَعْنِي اليَهُودَ، والنَّصارى، والمَجُوسَ، وكَفّارَ العَرَبِ، ورَأى هَؤُلاءِ أنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ المُؤْمِنِينَ بِتَكْفِيرِ السَّيِّئاتِ. وخَصَّصَ السُّوءَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ بِالشِّرْكِ. وقِيلَ السُّوءُ عامٌّ في الكَبائِرِ.
﴿ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٧٣] رَوى ابْنُ بَكّارٍ، عَنِ ابْنِ عامِرٍ، ولا يَجِدُ بِالرَّفْعِ عَلى القَطْعِ.
﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ﴾ مِنَ الأُولى هي لِلتَّبْعِيضِ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ لا يَتَمَكَّنُ مِن عَمَلِ كُلِّ الصّالِحاتِ؛ وإنَّما يَعْمَلُ مِنها ما هو تَكْلِيفُهُ، وفي وُسْعِهِ. وكَمْ مُكَلَّفٍ لا يَلْزَمُهُ زَكاةٌ، ولا حَجٌّ، ولا جِهادٌ، وسَقَطَتْ عَنْهُ الصَّلاةُ في بَعْضِ الأحْوالِ عَلى بَعْضِ المَذاهِبِ. وحَكى الطَّبَرِيُّ عَنْ قَوْمٍ: أنَّ مِن زائِدَةٌ أيْ ومَن يَعْمَلِ الصّالِحاتِ. وزِيادَةُ (مِن) في الشَّرْطِ ضَعِيفٌ، ولا سِيَّما، وبَعْدَها مَعْرِفَةٌ. و(مِن) الثّانِيَةُ لِتَبْيِينِ الإبْهامِ في (ومَن يَعْمَلْ) . وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ”أوْ“ فِى قَوْلِهِ: ﴿لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكم مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾ [آل عمران: ١٩٥] جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، وقَيَّدَ في عَمَلِ الإنْسانِ؛ لِأنَّهُ لَوْ عَمِلَ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ ما عَمِلَ فَلا يَنْفَعُهُ إلّا أنْ كانَ مُؤْمِنًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإذا أبْطَلَ اللَّهُ الأمانِيَّ، وأثْبَتَ أنَّ الأمْرَ كُلَّهُ مَعْقُودٌ بِالعَمَلِ الصّالِحِ، وأنَّ مَن أصْلَحَ عَمَلَهُ فَهو الفائِزُ، ومَن أساءَ عَمَلَهُ فَهو الهالِكُ، تَبَيَّنَ الأمْرُ، ووَضَحَ، ووَجَبَ قَطْعُ الأمانِيِّ، وحَسْمُ المَطامِعِ والإقْبالُ عَلى العَمَلِ الصّالِحِ؛ ولَكِنَّهُ نُصْحٌ لا تَعِيهِ الآذانُ، ولا تُلْقى إلَيْهِ الأذْهانُ انْتَهى. والَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ الآيَةُ، أنَّ الإيمانَ شَرْطٌ في الِانْتِفاعِ بِالعَمَلِ؛ لِأنَّ العَمَلَ شَرْطٌ في صِحَّةِ الإيمانِ.
﴿ولا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ ظاهِرُهُ: أنَّهُ يَعُودُ إلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ، ويَكُونُ حُكْمُ الكُفّارِ كَذَلِكَ. إذْ ذِكْرُ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ يَدُلُّ عَلى الآخَرِ أنَّ كِلاهُما يُجْزى بِعَمَلِهِ، ولِأنَّ ظُلْمَ المُسِيءِ أنَّهُ يُزادُ في عِقابِهِ. ومَعْلُومٌ أنَّهُ تَعالى لا يَزِيدُ في عِقابِ المُجْرِمِ؛ فَكانَ ذِكْرُهُ مُسْتَغْنًى عَنْهُ. والمُحْسِنُ لَهُ ثَوابٌ، وتَوابِعُ لِلثَّوابِ مِن فَضْلِ اللَّهِ هي في حُكْمِ الثَّوابِ، فَجازَ أنْ يَنْقُصَ مِنَ الفَضْلِ. فَنَفْيُ الظُّلْمِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لا يَقَعُ نَقْصٌ في الفَضْلِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ، في: ولا يُظْلَمُونَ إلى الفَرِيقَيْنِ، عامِلُ السُّوءِ، وعامِلُ الصّالِحاتِ. وقَرَأ: يُدْخَلُونَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ هُنا وفي مَرْيَمَ وأوَّلَيْ غافِرٍ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عُمَرَ وأبُو بَكْرٍ. وقَرَأ كَذَلِكَ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ في ثانِيَةِ غافِرٍ. وقَرَأ كَذَلِكَ أبُو عَمْرٍو في فاطِرٍ. وقَرَأ الباقُونَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ.
﴿ومَن أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهو مُحْسِنٌ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَحْوِهِ في قَوْلَيْنِ مِن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهو مُحْسِنٌ.
﴿واتَّبَعَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ حَنِيفًا في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥] واتِّباعُهُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في التَّوْحِيدِ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: في القِيامِ لِلَّهِ بِما فَرَضَهُ. وقِيلَ: في جَمِيعِ شَرِيعَتِهِ إلّا ما نُسِخَ مِنها.
﴿واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا﴾ هَذا مَجازٌ عَنِ اصْطِفائِهِ واخْتِصاصِهِ بِكَرامَةٍ تُشْبِهُ كَرامَةَ الخَلِيلِ عِنْدَ خَلِيلِهِ. وتَقَدَّمَ اشْتِقاقُ الخَلِيلِ في المُفْرَداتِ. والجُمْهُورُ: عَلى أنَّها مِنَ الخُلَّةِ وهي المَوَدَّةُ الَّتِي لَيْسَ فِيها خَلَلٌ. وقَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى الهاشِمِيِّ: إنَّهُ إنَّما سُمِّيَ خَلِيلًا لِأنَّهُ تَخَلّى عَمّا سِوى خَلِيلِهِ. فَإنْ كانَ فَسَّرَ المَعْنى فَيُمْكِنُ، وإنْ كانَ أرادَ الِاشْتِقاقَ فَلا يَصِحُّ لِاخْتِلافِ المادَّتَيْنِ. «وعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: يا جِبْرِيلُ بِمَ اتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا ؟ قالَ: لِإطْعامِهِ الطَّعامَ»، والكَرامَةُ الَّتِي أكْرَمَهُ اللَّهُ بِها ذَكَرُوها في قِصَّةٍ مُطَوَّلَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَضْمُونُها: (p-٣٥٧)أنَّ اللَّهَ قَلَبَ لَهُ غَرائِرَ الرَّمْلِ دَقِيقًا حُوّارًى عَجَنَ وخَبَزَ وأطْعَمَ النّاسَ مِنهُ.
وعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «اتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا ومُوسى نَجِيًّا واتَّخَذَنِي حَبِيبًا ثُمَّ قالَ: وعِزَّتِي وجَلالِي لَأُوثِرَنَّ حَبِيبِي عَلى خَلِيلِي ونَجِيِّي» لَمّا أثْنى عَلى مَنِ اتَّبَعَ مِلَّةً إبْراهِيمَ أخْبَرَ بِمَزِيَّتِهِ عِنْدَهُ واصْطِفائِهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أدْعى إلى اتِّباعِهِ. لِأنَّ مَنِ اخْتَصَّهُ اللَّهُ بِالخُلَّةِ جَدِيرٌ بِأنْ يُتَّبَعَ أوْ لِيُبَيِّنَ أنَّ تِلْكَ الخُلَّةَ إنَّما سَبَبُها حَنِيفِيَّةُ إبْراهِيمَ عَنْ سائِرِ الأدْيانِ إلى دِينِ الحَقِّ كَقَوْلِهِ: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] أيْ قُدْوَةً لِإتْمامِكَ تِلْكَ الكَلِماتِ. ونَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى أنَّ مَن عَمِلَ بِشَرْعِهِ كانَ لَهُ نَصِيبٌ مِن مَقامِهِ. ولَيْسَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةً عَلى الجُمْلَةِ قَبْلَها، لِأنَّ الجُمْلَةَ قَبْلَها مَعْطُوفَةٌ عَلى صِلَةِ (مَن)، ولا تَصْلُحُ هَذِهِ لِلصِّلَةِ؛ وإنَّما هي مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ الَّتِي مَعْناها الخَبَرُ، أيْ: لا أحَدَ أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ، نَبَّهَتْ عَلى شَرَفِ المَنبَعِ وفَوْزِ المُتَّبِعِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ ؟ قُلْتُ: هي جُمْلَةٌ اعْتِراضِيَّةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ كَنَحْوِ ما يَجِيءُ في الشِّعْرِ مِن قَوْلِهِمْ: والحَوادِثُ جَمَّةٌ، وفائِدَتُها تَأْكِيدُ وُجُوبِ اتِّباعِ مِلَّتِهِ؛ لِأنَّ مَن بَلَغَ مِنَ الزُّلْفى عِنْدَ اللَّهِ أنِ اتَّخَذَهُ خَلِيلًا كانَ جَدِيرًا بِأنْ تُتَّبَعَ مِلَّتُهُ وطَرِيقَتُهُ، انْتَهى. فَإنْ عَنى بِالِاعْتِراضِ غَيْرَ المُصْطَلَحِ عَلَيْهِ في الضَّوْءِ فَيُمْكِنُ أنْ يَصِحَّ قَوْلُهُ؛ كَأنَّهُ يَقُولُ: اعْتَرَضْتُ الكَلامَ. وإنْ عَنى بِالِاعْتِراضِ المُصْطَلَحَ عَلَيْهِ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، إذْ لا يَعْتَرِضُ إلّا بَيْنَ مُفْتَقِرَيْنِ كَصِلَةٍ ومَوْصُولٍ، وشَرْطٍ وجَزاءٍ، وقَسَمٍ ومُقْسَمٍ عَلَيْهِ، وتابِعٍ ومَتْبُوعٍ، وعامِلٍ ومَعْمُولٍ. وقَوْلُهُ: كَنَحْوِ ما يَجِيءُ في الشِّعْرِ مِن قَوْلِهِمْ: والحَوادِثُ جَمَّةٌ، فالَّذِي نَحْفَظُهُ أنَّ مَجِيءَ الحَوادِثِ جَمَّةً إنَّما هو بَيْنَ مُفْتَقِرَيْنِ نَحْوَ قَوْلِهِ:
؎وقَدْ أدْرَكَتْنِي والحَوادِثُ جَمَّةٌ ∗∗∗ أسِنَّةُ قَوْمٍ لا ضِعافٌ ولا عُزْلُ
ونَحْوَ قَوْلِ الآخَرِ:
؎ألا هَلْ أتاها والحَوادِثُ جَمَّةٌ ∗∗∗ بِأنَّ أمْرَأ القَيْسِ بْنَ تَمْلِكَ بَيْقَرا
ولا نَحْفَظُهُ جاءَ آخِرَ كَلامٍ.
النساء 4:122
﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦] تَقَدَّمَ مِثْلُ تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، ونَزَلَتْ قِيلَ في طُعْمَةَ. وقِيلَ في نَفَرٍ مِن قُرَيْشٍ أسْلَمُوا، ثُمَّ انْقَلَبُوا إلى مَكَّةَ مُرْتَدِّينَ. وقِيلَ في شَيْخٍ قالَ: لَمْ أُشْرِكْ بِاللَّهِ مُنْذُ عَرَفْتُهُ؛ إلّا أنَّهُ كانَ يَأْتِي ذُنُوبًا، وأنَّهُ نَدِمَ، واسْتَغْفَرَ، إلّا أنَّ آخِرَ ما تَقَدَّمَ فَقَدِ افْتَرى إثْمًا عَظِيمًا، وآخِرُ هَذِهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا خُتِمَتْ كُلُّ آيَةٍ بِما يُناسِبُها. فَتِلْكَ كانَتْ في أهْلِ الكِتابِ، وهم مُطَّلِعُونَ مِن كُتُبِهِمْ عَلى ما لا يَشُكُّونَ في صِحَّتِهِ مِن أمْرِ الرَّسُولِ، ووُجُوبِ اتِّباعِ شَرِيعَتِهِ، ونَسْخِها لِجَمِيعِ الشَّرائِعِ، ومَعَ ذَلِكَ قَدْ أشْرَكُوا بِاللَّهِ مَعَ أنَّ عِنْدَهم ما يَدُلُّ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى والإيمانِ بِما نَزَلَ؛ فَصارَ ذَلِكَ افْتِراءً واخْتِلافًا مُبالَغًا في العِظَمِ والجُرْأةُ عَلى اللَّهِ.
وهَذِهِ الآيَةُ هي في ناسٍ مُشْرِكِينَ لَيْسُوا بِأهْلِ كُتُبٍ ولا عُلُومٍ؛ ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ جاءَهم بِالهُدى مِنَ اللَّهِ وبانَ لَهم طَرِيقُ الرُّشْدِ؛ فَأشْرَكُوا بِاللَّهِ، فَضَّلُوا بِذَلِكَ ضَلالًا يُسْتَبْعَدُ وُقُوعُهُ، أوْ يَبْعُدُ عَنِ الصَّوابِ. ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ: ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا إناثًا﴾، وجاءَ بَعْدَ تِلْكَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ٤٩]، وقَوْلُهُ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [النساء: ٥٠]، ولَمْ يَخْتَلِفْ أحَدٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ في أنَّ المُرادَ بِهِمُ اليَهُودُ، وإنْ كانَ اللَّفْظُ عامًّا. ولَمّا كانَ الشِّرْكُ مِن أعْظَمِ الكَبائِرِ؛ كانَ الضَّلالُ النّاشِئُ عَنْهُ بَعِيدًا عَنِ الصَّوابِ؛ لِأنَّ غَيْرَهُ مِنَ المَعاصِي، وإنْ كانَ ضَلالًا لَكِنَّهُ قَرِيبٌ مِن أنْ يُراجِعَ صاحِبُهُ الحَقَّ؛ لِأنَّ لَهُ رَأْسَ مالٍ يَرْجِعُ إلَيْهِ، وهو الإيمانُ، بِخِلافِ المُشْرِكِ. ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وما لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هو الضَّلالُ البَعِيدُ﴾ [الحج: ١٢]، وناسَبَ هُنا ذِكْرُ الضَّلالِ لِتَقَدُّمِ الهُدى قَبْلَهُ.
﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا إناثًا﴾ المَعْنى: ما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، ويَتَّخِذُونَهُ إلَهًا إلّا مُسَمَّياتٍ تَسْمِيَةَ الإناثِ. وكَنّى بِالدُّعاءِ عَنِ العِبادَةِ؛ لِأنَّ مَن عَبَدَ شَيْئًا دَعاهُ عِنْدَ حَوائِجِهِ ومَصالِحِهِ. وكانُوا يُحَلُّونَ الأصْنامَ بِأنْواعِ الحُلِيِّ ويُسَمُّونَها أُنْثى، وإناثٌ جَمْعُ أُنْثى كَرِبابٍ جَمْعُ رُبّى. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ: المُرادُ الخَشَبُ والحِجارَةُ؛ فَهي مُؤَنَّثاتٌ لا تَعْقِلُ؛ فَيُخْبَرُ عَنْها كَما يُخْبَرُ عَنِ المُؤَنَّثِ مِنَ الأشْياءِ. فَيَجِيءُ قَوْلُهُ ﴿إلّا إناثًا﴾ عِبارَةً عَنِ الجَماداتِ. وقالَ أبُو مالِكٍ والسُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهم: كانَتِ العَرَبُ تُسَمِّي أصْنامَها بِأسْماءٍ مُؤَنَّثَةٍ كاللّاتِ (p-٣٥٢)والعُزّى ومَناةَ ونايِلَةَ. ويُرَدُّ عَلى هَذا بِأنَّها كانَتْ تُسَمّى أيْضًا بِأسْماءٍ مُذَكَّرَةٍ: كَهُبَلَ، وذِي الخُلَصَةِ.
وقالَ الضَّحّاكُ وغَيْرُهُ: المُرادُ ما كانَتِ العَرَبُ تَعْتَقِدُهُ مِن تَأْنِيثِ المَلائِكَةِ وعِبادَتِهِمْ إيّاها؛ فَقِيلَ لَهم: هَذا عَلى إقامَةِ الحُجَّةِ مِن فاسِدِ قَوْلِهِمْ. وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَكُنْ حَيٌّ مِن أحْياءِ العَرَبِ إلّا ولَهم صَنَمٌ يَعْبُدُونَهُ يُسَمُّونَهُ أُنْثى بَنِي فُلانٍ، وفي هَذا تَعْبِيرُهم بِالتَّأْنِيثِ؛ لِنَقْصِهِ وخَساسَتِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلتَّذْكِيرِ. وقالَ الرّاغِبُ: أكْثَرُ ما عَبَدَتْهُ العَرَبُ مِنَ الأصْنامِ كانَتْ أشْياءَ مُنْفَعِلَةً غَيْرَ فاعِلَةٍ؛ فَبَكَّتْهُمُ اللَّهُ تَعالى أنَّهم مَعَ كَوْنِهِمْ فاعِلِينَ مِن وجْهٍ يَعْبُدُونَ ما لَيْسَ هو إلّا مُنْفَعِلًا مِن كُلِّ وجْهٍ، وعَلى هَذا نَبَّهَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ﴾ [مريم: ٤٢] .
وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: إنْ تَدْعُونَ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ ورُوِيَتْ عَنْ عاصِمٍ. وفي مُصْحَفِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها (إلّا أوْثانًا) جَمْعُ وثَنٍ، وهو الصَّنَمُ. وقَرَأ بِذَلِكَ أبُو السِّوارِ والهَنائِيُّ. وقَرَأ الحَسَنُ: (إلّا أُنْثى) عَلى التَّوْحِيدِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو حَيْوَةَ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو نَهِيكٍ، ومُعاذٌ القارِئُ (أُنْثًا) . قالَ الطَّبَرِيُّ: فِيما حَكى إناثٌ كَثِمارٍ وثَمَرٍ. وقالَ غَيْرُهُ: أنَثٌ جَمْعُ أنِيثٍ، كَغَرِيرٍ وغَرَرٍ. وقالَ المَغْرِبِيُّ: إلّا إناثًا إلّا ضِعافًا عاجِزِينَ لا قُدْرَةَ لَهم؛ يُقالُ: سَيْفٌ أنِيثٌ، ومِيناثَةٌ بِالهاءِ، ومَيْناثٌ غَيْرُ قاطِعٍ. قالَ الشّاعِرُ:
؎فَتُخْبِرُنِي بِأنَّ العَقْلَ عِنْدِي جُرازٌ لا أقَلَّ ولا أنِيثُ
أنَّثَ في أمْرِهِ: لانَ، والأنِيثُ المُخَنَّثُ الضَّعِيفُ مِنَ الرِّجالِ. وقَرَأ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ: (إلّا وثَنًا) بِفَتْحِ الواوِ والثّاءِ مِن غَيْرِ هَمْزَةٍ. وقَرَأ ابْنُ المُسَيَّبِ، ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ عُمَرَ، وعَطاءٍ: (إلّا أثَنًا) يُرِيدُونَ وثَنًا، فَأبْدَلَ الهَمْزَةَ واوًا، وخَرَجَ عَلى أنَّهُ جَمْعُ جَمْعٍ؛ إذْ أصْلُهُ وثَنٌ، فَجُمِعَ عَلى وِثانٍ كَجَمَلٍ وجِمالٍ، ثُمَّ وِثانٍ عَلى وُثُنٍ كَمِثالٍ ومُثُلٍ، وحِمارٍ وحُمُرٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا خَطَأٌ؛ لِأنَّ فِعالًا في جَمْعِ فِعْلٍ إنَّما هو لِلتَّكْثِيرِ، والجَمْعُ الَّذِي هو لِلتَّكْثِيرِ لا يُجْمَعُ؛ وإنَّما يُجْمَعُ جُمُوعَ التَّقْلِيلِ، والصَّوابُ أنْ يُقالَ: وُثْنٌ جَمْعُ وثَنٍ دُونَ واسِطَةٍ، كَأسَدٍ وأُسْدٍ انْتَهى. ولَيْسَ قَوْلُهُ: وإنَّما يُجْمَعُ جُمُوعُ التَّقْلِيلِ بِصَوابٍ كامِلٍ، الجُمُوعُ مُطْلَقًا لا يَجُوزُ أنْ تُجْمَعَ بِقِياسٍ سَواءٌ كانَتْ لِلتَّكْثِيرِ أمْ لِلتَّقْلِيلِ، نَصَّ عَلى ذَلِكَ النَّحْوِيُّونَ. وقَرَأ أيُّوبُ السِّجِسْتانِيُّ: (إلّا وُثُنًا) بِضَمِّ الواوِ والثّاءِ مِن غَيْرِ هَمْزَةٍ، كَشُقَقٍ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: إلّا أثْنًا بِسُكُونِ الثّاءِ، وأصْلُهُ وثْنًا، فاجْتَمَعَ في هَذا اللَّفْظِ ثَمانِي قِراءاتٍ: إناثًا، وأُنْثًا، وأوْثانًا، ووَثْنًا، ووُثُنًا، واثِنًا، وأثَنًا.
﴿وإنْ يَدْعُونَ إلّا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ المُرادُ بِهِ إبْلِيسُ قالَهُ الجُمْهُورُ، وهو الصَّوابُ؛ لِأنَّ ما قالَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مُبَيِّنٌ أنَّهُ هو. وقِيلَ الشَّيْطانُ المُعَيَّنُ بِكُلِّ صَنَمٍ: أُفْرِدَ لَفْظًا، وهو مَجْمُوعٌ في المَعْنى، الواحِدُ يَدُلُّ عَلى الجِنْسِ. قِيلَ كانَ يَدْخُلُ في أجْوافِ الأصْنامِ، فَيُكَلِّمُ داعِيَها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لَعَنَهُ اللَّهُ صِفَةً، وأنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْهُ. وقِيلَ هو دُعاءٌ، ولا يَتَعارَضُ الحَصْرانِ؛ لِأنَّ دُعاءَ الأصْنامِ ناشِئٌ عَنْ دُعائِهِمُ الشَّيْطانَ، لَمّا عَبَدُوا الشَّيْطانَ أغْراهم بِعِبادَةِ الأصْنامِ أوْ لِاخْتِلافِ الدُّعاءَيْنِ؛ فالأوَّلُ عِبادَةٌ والثّانِي طَواعِيَةٌ. وقالَ ابْنُ عِيسى: هو مِثْلُ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ [الأنفال: ١٧] يَعْنِي أنَّ نِسْبَةَ دُعائِهِمُ الأصْنامَ هو عَلى سَبِيلِ المَجازِ. وأمّا في الحَقِيقَةِ فَهم يَدْعُونَ الشَّيْطانَ.
﴿وقالَ لَأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾؛ أيْ نَصِيبًا واجِبًا؛ اقْتَطَعْتُهُ لِنَفْسِي مِن قَوْلِهِمْ: فَرَضَ لَهُ في العَطاءِ، وفَرْضُ الجُنْدِ: رِزْقُهم. والمَعْنى: لَأسْتَخْلِصَنَّهم لِغَوايَتِي، ولَأخُصَّنَّهم بِإضْلالِي، وهُمُ الكَفَرَةُ والعُصاةُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَفْرُوضُ هُنا مَعْناهُ المُنْحازُ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الفَرْضِ، وهو الحَزُّ في العُودِ وغَيْرِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ واجِبًا إنِ اتَّخَذَهُ، وبَعْثُ النّارِ هو نَصِيبُ إبْلِيسَ. قالَ الحَسَنُ: مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وتِسْعُونَ، قالُوا: ولَفْظُ نَصِيبٍ يَتَناوَلُ القَلِيلَ فَقَطْ. والنَّصُّ أنَّ أتْباعَ إبْلِيسَ هُمُ (p-٣٥٣)الكَثِيرُ بِدَلِيلِ: ﴿لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٢] ﴿فاتَّبَعُوهُ إلّا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [سبإ: ٢٠]، وهَذا مُتَعارِضٌ.
وأُجِيبَ أنَّ التَّفاوُتَ إنَّما يَحْصُلُ في نَوْعِ البَشَرِ، أمّا إذا ضَمَمْتَ أنْواعَ المَلائِكَةِ مَعَ كَثْرَتِهِمْ إلى المُؤْمِنِينَ كانَتِ الكَثْرَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ. وأيْضًا فالمُؤْمِنُونَ؛ وإنْ كانُوا قَلِيلِينَ في العَدَدِ؛ نُصِيبُهم عَظِيمٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. والكُفّارُ والفُسّاقُ، وإنْ كانُوا كَثِيرِينَ فَهم كالعَدَمِ. انْتَهى تَلْخِيصُ ما أُجِيبَ بِهِ. والَّذِي أقُولُ: إنَّ لَفْظَ نَصِيبٍ لا يَدُلُّ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٧] الآيَةَ. والواوُ: قِيلَ عاطِفَةٌ، وقِيلَ واوُ الحالِ.
﴿ولَأُضِلَّنَّهم ولَأُمَنِّيَنَّهم ولَآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ ولَآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ هَذِهِ خَمْسَةٌ أقْسَمَ إبْلِيسُ عَلَيْها: أحَدُها: اتِّخاذُ نَصِيبٍ مِن عِبادِ اللَّهِ، وهو اخْتِيارُهُ إيّاهم. والثّانِي: إضْلالُهم، وهو صَرْفُهم عَنِ الهِدايَةِ وأسْبابِها. والثّالِثُ: تَمْنِيَتُهُ لَهم، وهو التَّسْوِيلُ، ولا يَنْحَصِرُ في نَوْعٍ واحِدٍ؛ لِأنَّهُ يُمَنِّي كُلَّ إنْسانٍ بِما يُناسِبُ حالَهُ مِن طُولِ عُمْرٍ وبُلُوغِ وطَرٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، وهي كُلُّها أمانِيُّ كَواذِبُ باطِلَةٌ. وقِيلَ الأمانِيُّ تَأْخِيرُ التَّوْبَةِ. وقِيلَ هي اعْتِقادٌ أنْ لا جَنَّةَ ولا نارَ ولا بَعْثَ ولا حِسابَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَأُمَنِّيَنَّهُمُ الأمانِيَّ الباطِلَةَ مِن طُولِ الأعْمارِ، وبُلُوغِ الآمالِ، ورَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى لِلْمُجْرِمِينَ بِغَيْرِ تَوْبَةٍ والخُرُوجِ مِنَ النّارِ بَعْدَ دُخُولِها بِالشَّفاعَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ، انْتَهى. وهَذا عَلى مَنزَعِهِ الِاعْتِزالِيِّ، ووَلُوعِهِ بِتَفْسِيرِ كِتابِ اللَّهِ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ إشْعارِ لَفْظِ القُرْآنِ بِما يَقُولُهُ ويَنْحِلُهُ. والرّابِعُ: أمْرُهُ إيّاهُمُ النّاشِئُ عَنْهُ تَبْتِيكِ آذانِ الأنْعامِ، وهو فِعْلُهم بِالبَحائِرِ كانُوا يَشُقُّونَ آذانَ النّاقَةِ إذا ولَدَتْ خَمْسَةَ أبْطُنٍ. وجاءَ الخامِسُ ذَكَرًا، وحَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ الِانْتِفاعَ بِها؛ قالَهُ عِكْرِمَةُ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ. وقِيلَ فِيهِ إشارَةٌ إلى كُلِّ ما جَعَلَهُ اللَّهُ كامِلًا بِفِطْرَتِهِ، فَجَعَلَ الإنْسانَ ناقِصًا بِسُوءِ تَدْبِيرِهِ. والخامِسُ أمْرُهُ إيّاهُمُ النّاشِئُ عَنْهُ تَغْيِيرُ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وإبْراهِيمُ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ وغَيْرُهم. أرادَ تَغْيِيرَ دِينِ اللَّهِ؛ ذَهَبُوا في ذَلِكَ إلى الِاحْتِجاجِ بِقَوْلِهِ: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]
أيْ لِدِينِ اللَّهِ. والتَّبْدِيلُ يَقَعُ مَوْقِعَةَ التَّغْيِيرِ؛ وإنْ كانَ التَّغْيِيرُ أعَمَّ مِنهُ. ولَفْظُ ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] خَبَرٌ، ومَعْناهُ: النَّهْيُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنهُمُ الزَّجّاجُ: هو جَعْلُ الكُفّارِ آلِهَةً لَهم ما خُلِقَ لِلِاعْتِبارِ بِهِ مِنَ الشَّمْسِ والنّارِ والحِجارَةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا عَبَدُوهُ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ والحَسَنُ: هو الوَشْمُ، وما جَرى مَجْراهُ مِنَ التَّصَنُّعِ لِلتَّحْسِينِ، فَمِن ذَلِكَ الحَدِيثُ في: «لَعْنِ الواشِماتِ والمُسْتَوْشِماتِ والمُتَنَمِّصاتِ والمُتَفَلِّجاتِ المُغَيِّراتِ خَلْقَ اللَّهِ، ولَعْنِ الواصِلَةِ والمُسْتَوْصِلَةِ»، انْتَهى.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وأنَسٌ، وعِكْرِمَةُ، وأبُو صالِحٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ أيْضًا: هو الخِصاءُ، وهو في بَنِي آدَمَ مَحْظُورٌ. وكَرِهَ أنَسٌ خِصاءَ الغَنَمِ، وقَدْ رَخَّصَ جَماعَةٌ فِيهِ لِمَنفَعَةِ السِّمَنِ في المَأْكُولِ، ورَخَّصَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ في خِصاءِ الخَيْلِ. وقِيلَ لِلْحَسَنِ: إنَّ عِكْرِمَةَ قالَ هو الخِصاءُ، قالَ: كَذَبَ عِكْرِمَةُ، هو دِينُ اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ التَّخَنُّتُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو فَقْءُ عَيْنِ الحامِي، وإعْفاؤُهُ عَنِ الرُّكُوبِ، انْتَهى. وناسَبَ هَذا أنَّهُ ذَكَرَ أثَرَ ذَلِكَ تَبْتِيكَ آذانِ الأنْعامِ فَناسَبَ أنْ يَكُونَ التَّغْيِيرُ هَذا. وقِيلَ تَغْيِيرُ خَلْقِ اللَّهِ هو أنَّ كُلَّ ما يُوجِدُهُ اللَّهُ لِفَضِيلَةٍ؛ فاسْتَعانَ بِهِ في رَذِيلَةٍ، فَقَدْ غَيَّرَ خَلْقَهُ. وقَدْ دَخَلَ في عُمُومِهِ ما جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْإنْسانِ مِن شَهْوَةِ الجِماعِ، لِيَكُونَ سَبَبًا لِلتَّناسُلِ عَلى وجْهٍ مَخْصُوصٍ؛ فاسْتَعانَ بِهِ في السِّفاحِ واللِّواطِ؛ فَذَلِكَ تَغْيِيرُ خَلْقِ اللَّهِ. وكَذَلِكَ المُخَنَّثُ إذا نَتَفَ لِحْيَتَهُ، وتَقَنَّعَ تَشَبُّهًا بِالنِّساءِ، والفَتاةُ إذا تَرَجَّلَتْ مُتَشَبِّهَةً بِالفِتْيانِ. وكُلُّ ما حَلَّلَهُ اللَّهُ، فَحَرَّمُوهُ أوْ حَرَّمَهُ تَعالى فَحَلَّلُوهُ. وعَلى ذَلِكَ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالًا﴾ [يونس: ٥٩] وإلى هَذِهِ الجُمْلَةِ أشارَ المُفَسِّرُونَ، ولِهَذا قالُوا: هو تَغْيِيرُ أحْكامِ اللَّهِ. وقِيلَ هو تَغْيِيرُ الإنْسانِ بِالِاسْتِلْحاقِ أوِ النَّفْيِ. وقِيلَ خِضابُ الشَّيْبِ بِالسَّوادِ. وقِيلَ مُعاقَبَةُ الوُلاةِ بَعْضَ الجُناةِ بِقَطْعِ الآذانِ، وشَقِّ المَناخِرِ وكَلِّ العُيُونِ، (p-٣٥٤)وقَطْعِ الأُنْثَيَيْنِ. ومَن فَسَّرَ بِالوَشْمِ أوِ الخِصاءِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا هو خاصٌّ في التَّغْيِيرِ؛ فَإنَّما ذَلِكَ عَلى جِهَةِ التَّمْثِيلِ لا الحَصْرِ. وفي حَدِيثِ عِياضٍ المُجاشِعِيِّ: «وإنِّي خَلَقْتُ عِبادِي حُنَفاءَ كُلَّهم، وإنَّ الشَّياطِينَ ألْهَتْهم وأحالَتْهم عَنْ دِينِهِمْ؛ فَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ ما أحْلَلْتُ لَهم، وأمَرْتُهم أنْ لا يُشْرِكُوا بِي ما لَمْ أُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا، وأمَرَتْهم أنْ لا يُغَيِّرُوا خَلْقِي» .
ومَفْعُولُ أمَرَ الثّانِي مَحْذُوفٌ؛ أيْ ولَآمُرَنَّهم بِالتَّبْتِيكِ فَلَيُبَتِّكُنَّ، ولَآمُرُنَّهم بِالتَّغَيُّرِ فَلَيُغَيِّرُنَّ. وحُذِفَ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: ولَآمُرَنَّهم بِغَيْرِ ألِفٍ؛ كَذا قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقَرَأ أُبَيٌّ: وأُضِلَّنَّهم، وأُمَنِّيَنَّهم، وآمُرُنَّهم، انْتَهى. فَتَكُونُ جُمَلًا مَقُولَةً، لا مُقْسَمًا عَلَيْها. وجاءَ تَرْتِيبُ هَذِهِ الجُمَلِ المُقْسَمِ عَلَيْها في غايَةٍ مِنَ الفَصاحَةِ؛ بَدَأ أوَّلًا بِاسْتِخْلاصِ الشَّيْطانِ نَصِيبًا مِنهم، واصْطِفائِهِ إيّاهم، ثُمَّ ثانِيًا بِإضْلالِهِمْ، وهو عِبارَةٌ عَمّا يَحْصُلُ في عَقائِدِهِمْ مِنَ الكُفْرِ، ثُمَّ ثالِثًا بِتَمْنِيَتِهِمُ الأمانِيَّ الكَواذِبَ والإطْماعاتِ الفارِغَةَ، ثُمَّ رابِعًا بِتَبْتِيكِ آذانِ الأنْعامِ، هو حُكْمٌ لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ فِيهِ، ثُمَّ خامِسًا بِتَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ، وهو شامِلٌ لِلتَّبْتِيكِ وغَيْرِهِ مِنَ الأحْكامِ الَّتِي شَرَعَها لَهم. وإنَّما بَدَأ بِالأمْرِ بِالتَّبْتِيكِ، وإنْ كانَ مُنْدَرِجًا تَحْتَ عُمُومِ التَّغْيِيرِ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ اسْتِدْراجًا لِما يَكُونُ بَعْدَهُ مِنَ التَّغْيِيرِ العامِّ، واسْتِيضاحًا مِن إبْلِيسَ طَواعِيَتَهم في أوَّلِ شَيْءٍ يُلْقِيهِ إلَيْهِمْ، فَيَعْلَمَ بِذَلِكَ قَبُولَهم لَهُ. فَإذا قَبِلُوا ذَلِكَ أمَرَهم بِجَمِيعِ التَّغْيِيراتِ الَّتِي يُرِيدُها مِنهم، كَما يَفْعَلُ الإنْسانُ بِمَن يَقْصِدُ خِداعَهُ: يَأْمُرُهُ أوَّلًا بِشَيْءٍ سَهْلٍ؛ فَإذا رَآهُ قَدْ قَبِلَ ما ألْقاهُ إلَيْهِ مِن ذَلِكَ أمَرَهُ بِجَمِيعِ ما يُرِيدُ مِنهُ. وإقْسامُ إبْلِيسَ عَلى هَذِهِ الأشْياءِ لَيَفْعَلَنَّها يَقْتَضِي عِلْمَ ذَلِكَ، وأنَّها تَقَعُ إمّا لِقَوْلِهِ تَعالى.
﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥] أوْ؛ لِكَوْنِهِ عَلِمَ ذَلِكَ مِن جِهَةِ المَلائِكَةِ، أوْ لِكَوْنِهِ لَمّا اسْتَزَلَّ آدَمَ عَلِمَ أنَّ ذُرِّيَّتَهُ أضْعَفُ مِنهُ.
﴿ومَن يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ ولِيًّا مِن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا﴾؛ أيْ مِن يُؤْثِرُ حَظَّ الشَّيْطانِ عَلى حَظِّهِ مِنَ اللَّهِ. وكَأنَّهُ لَمّا قالَ إبْلِيسُ: لَأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا، فَذَكَرَ أنَّهُ يَصْطَفِيهِمْ لِنَفْسِهِ، أخْبَرَ أنَّهم قَبِلُوا ذَلِكَ الِاتِّخاذَ، وانْفَعَلُوا لَهُ؛ فاتَّخَذُوهُ ولِيًّا مِن دُونِ اللَّهِ. والوَلِيُّ هُنا قالَ مُقاتِلٌ: بِمَعْنى الرَّبِّ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: مِنَ المُوالاةِ، ورَتَّبَ عَلى هَذا الِاتِّخاذِ الخُسْرانَ المُبِينَ؛ لِأنَّ مَن تَرَكَ حَظَّهُ مِنَ اللَّهِ لِحَظِّ الشَّيْطانِ فَقَدْ خَسِرَتْ صَفْقَتُهُ. وقَوْلُهُ: مِن دُونِ اللَّهِ، قَيْدٌ لازِمٌ؛ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَتَّخِذَ الشَّيْطانَ ولِيًّا إلّا إذا لَمْ يَتَّخِذِ اللَّهَ ولِيًّا، ولا يُمْكِنُ أنْ يَتَّخِذَ الشَّيْطانَ ولِيًّا، ويَتَّخِذَ اللَّهَ ولِيًّا؛ لِأنَّهُما طَرِيقانِ مُتَبايِنانِ، لا يَجْتَمِعانِ، هُدًى وضَلالَةٌ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ مُحَذِّرَةٌ مِنَ اتِّباعِ الشَّيْطانِ.
﴿يَعِدُهم ويُمَنِّيهِمْ﴾ لَفْظانِ مُتَقارِبانِ؛ والمَعْنى: أنَّ الَّذِي أقْسَمَ عَلَيْهِ مِن أنْ يُمَنِّيَهم وقَعَ بِإخْبارِ اللَّهِ تَعالى عَنْهُ بِذَلِكَ، واكْتَفى مِنَ الإخْبارِ عَنْ وُقُوعِ تِلْكَ الجُمَلِ الَّتِي أقْسَمَ عَلَيْها إبْلِيسُ بِوُضُوحِها، وظُهُورِها. ولَمّا كانَ الوَعْدُ والتَّمْنِيَةُ مِن أُمُورِ الباطِنِ أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ بِها. والمَعْنى: أنَّهُ يَعِدُهم بِالأُمُورِ الباطِلَةِ والزَّخارِفِ الكاذِبَةِ، وأنَّهُ لا ثَوابَ، ولا عِقابَ.
﴿وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلّا غُرُورًا﴾ قَرَأ الأعْمَشُ: وما يَعِدُهم بِسُكُونِ الدّالِ خُفِّفَ؛ لِتَوالِي الحَرَكاتِ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الغُرُورِ، ومَعْناهُ: هُنا الخُدَعُ الَّتِي تُظَنُّ نافِعَةً، ويَكْشِفُ الغَيْبُ أنَّها ضارَّةٌ. واحْتَمَلَ النَّصْبُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا، أوْ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ، أوْ مَصْدَرًا عَلى غَيْرِ الصَّدْرِ؛ لِتَضْمِينِ يَعِدُهم مَعْنى يَغُرُّهم، ويَكُونُ ثَمَّ وصْفٌ مَحْذُوفٌ؛ أيْ إلّا غُرُورًا واضِحًا أوْ نَحْوَهُ، أوْ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ وعْدًا غُرُورًا أيْ ذا غُرُورٍ.
﴿أُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ ولا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصًا﴾ أخْبَرَ تَعالى أنَّ المَكانَ الَّذِي يَأْوُونَ إلَيْهِ، ويَسْتَقِرُّونَ فِيهِ هو جَهَنَّمُ، وأنَّهم لا يَجِدُونَ عَنْها مَراغًا يَرُوغُونَ إلَيْهِ. وعَنْها لا يَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ؛ لِأنَّها لا تَتَعَدّى بِـ (عْنَ)، ولا بِـ ﴿مَحِيصًا﴾، وإنْ كانَ المَعْنى عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ؛ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَبْيِينًا عَلى إضْمارِ (عَنِّي) . وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ حالًا مِن (مَحِيصٍ)، فَيَتَعَلَّقُ بِـ (مَحِيصٍ)؛ أيْ كائِنًا عَنْها، ولَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً. (p-٣٥٥)﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ لَمّا ذَكَرَ مَأْوى الكُفّارِ، ذَكَرَ مَأْوى المُؤْمِنِينَ، وأسْنَدَ الفِعْلَ إلى نُونِ العَظَمَةِ؛ اعْتِناءً بِأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي يَتَوَلّى إدْخالَهُمُ الجَنَّةَ، وتَشْرِيفًا لَهم. وقُرِئَ: سَيُدْخِلُهم بِالياءِ. ولَمّا رَتَّبَ تَعالى مَصِيرَ مَن كانَ تابِعًا لِإبْلِيسَ إلى النّارِ لِإشْراكِهِ وكُفْرِهِ، وتَغْيِيرِ أحْكامِ اللَّهِ تَعالى؛ رَتَّبَ هُنا دُخُولَ الجَنَّةِ عَلى الإيمانِ، وعَمَلِ الصّالِحاتِ.
﴿وعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ لَمّا ذَكَرَ أنَّ وعْدَ الشَّيْطانِ هو غُرُورٌ باطِلٌ، ذَكَرَ أنَّ هَذا الوَعْدَ مِنهُ تَعالى هو الحَقُّ الَّذِي لا ارْتِيابَ فِيهِ، ولا شَكَّ في إنْجازِهِ. والَّذِينَ مُبْتَدَأٌ وسَيُدْخِلُهُمُ الخَبَرُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ الِاشْتِغالِ؛ أيْ وسَنُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا سَنُدْخِلُهم. وانْتَصَبَ ﴿وعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِغَيْرِهِ؛ فَوَعْدُ اللَّهِ مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ: سَيُدْخِلُهم، وحَقًّا مُؤَكِّدٌ لِوَعْدِ اللَّهِ.
﴿ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ القِيلُ والقَوْلُ واحِدٌ؛ أيْ لا أحَدَ أصْدَقُ قَوْلًا مِنَ اللَّهِ. وهي جُمْلَةٌ مُؤَكِّدَةٌ أيْضًا لِما قَبْلَها. وفائِدَةُ هَذِهِ التَّواكِيدِ المُبالَغَةُ فِيما أخْبَرَ بِهِ تَعالى عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ بِخِلافِ مَواعِيدِ الشَّيْطانِ، وأمانَتِهِ الكاذِبَةِ المُخَلِّفَةِ لِأمانِيهِ.
﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، وأبُو صالِحٍ، ومَسْرُوقٌ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ وغَيْرُهم: الخِطابُ لِلْأُمَّةِ. قالَ بَعْضُهم: اخْتَلَفُوا مَعَ قَوْمٍ مِن أهْلِ الكِتابِ؛ فَقالُوا: دِينُنا أقْدَمُ مِن دِينِكم وأفْضَلُ؛ فَنَبِيُّنا قَبْلَ نَبِيِّكم. وقالَ المُؤْمِنُونَ: كِتابُنا يَقْضِي عَلى الكُتُبِ، ونَبِيُّنا خاتَمُ الأنْبِياءِ، ونَحْوُ هَذا مِنَ المُحاوَرَةِ فَنَزَلَتْ. وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ: الخِطابُ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ؛ وذَلِكَ أنَّهم قالُوا: لَنْ نُبْعَثَ ولَنْ نُعَذَّبَ؛ وإنَّما هي حَياتُنا لَنا فِيها النَّعِيمُ، ثُمَّ لا عَذابَ. وقالَتِ اليَهُودُ: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ، وأحِبّاؤُهُ. إلى نَحْوِ هَذا مِنَ الأقْوالِ كَقَوْلِهِمْ.
(لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى) فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلى الفَرِيقَيْنِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في لَيْسَ: ضَمِيرُ وعْدِ اللَّهِ؛ أيْ لَيْسَ يُنالُ ما وعَدَ اللَّهُ مِنَ الثَّوابِ بِأمانِيِّكم، ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ. والخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ؛ لِأنَّهُ لا يَتَمَنّى وعْدَ اللَّهِ إلّا مَن آمَنَ بِهِ؛ ولِذَلِكَ ذَكَرَ أهْلَ الكِتابِ مَعَهم لِمُشارَكَتِهِمْ لَهم في الإيمانِ. وعَنِ الحَسَنِ: لَيْسَ الإيمانُ بِالتَّمَنِّي؛ ولَكِنْ ما وقَرَ في القَلْبِ وصَدَّقَهُ العَمَلُ، إنَّ قَوْمًا ألْهَتْهم أمانِيُّ المَغْفِرَةِ حَتّى خَرَجُوا مِنَ الدُّنْيا، ولا حَسَنَةَ لَهم، وقالُوا: نُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ، وكَذَبُوا، لَوْ أحْسَنُوا الظَّنَّ بِهِ لَأحْسَنُوا العَمَلَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلْمُشْرِكِينَ؛ لِقَوْلِهِمْ: إنْ كانَ الأمْرُ كَما يَزْعُمُ هَؤُلاءِ، لَنَكُونَنَّ خَيْرًا مِنهم وأحْسَنَ حالًا؛ لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا، إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى. وكانَ أهْلُ الكِتابِ يَقُولُونَ: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ، لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً، ويُعَضِّدَهُ تَقَدُّمُ ذِكْرِ أهْلِ الشِّرْكِ، انْتَهى.
وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ وقَعَ الِاخْتِلافُ في اسْمِ لَيْسَ، وأقَرَّ بِها، إنَّ الَّذِي يَعُودُ الضَّمِيرُ عَلَيْهِ هو الوَعْدُ مِن أنَّهُ تَعالى يُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، ويَلِيهِ أنْ يَعُودَ عَلى الإيمانِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: (والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ) كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الحَسَنُ، ثُمَّ إنَّهُ يَعُودُ عَلى ما وقَعَتْ فِيهِ مُحاوَرَةُ المُؤْمِنِينَ وأهْلِ الكِتابِ، أوْ ما قالَتْهُ قُرَيْشٌ وأهْلُ الكِتابِ عَلى ما مَرَّ ذِكْرُهُ. وقالَ الحَوْفِيُّ: اسْمُ لَيْسَ مُضْمَرٌ فِيها عَلى مَعْنى: لَيْسَ الثَّوابُ عَنِ الحَسَناتِ، ولا العِقابُ عَلى السَّيِّئاتِ بِأمانِيِّكم؛ لِأنَّ الِاسْتِحْقاقَ إنَّما يَكُونُ بِالعَمَلِ لا بِالأمانِيِّ. وقالَ أبُو البَقاءِ: اسَمُ لَيْسَ مُضْمَرٌ فِيها، ولَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ، وإنَّما دَلَّ عَلَيْهِ سَبَبُ الآيَةِ، وذَلِكَ أنَّ اليَهُودَ والنَّصارى، قالُوا: نَحْنُ أصْحابُ الجَنَّةِ. وقالَ المُشْرِكُونَ: لا نُبْعَثُ. فَقالَ: لَيْسَ بِأمانِيِّكم؛ أيْ لَيْسَ ما ادَّعَيْتُمُوهُ بِأمانِيِّكم. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ بْنُ نِصاحٍ، والحَكَمُ، والأعْرَجُ: بِأمانِيكم، ولا أمانِي أهْلِ الكِتابِ ساكِنَةَ الياءِ، جُمِعَ عَلى فَعالِلْ، كَما يُقالُ: قَراقِيرُ، وقَراقِرْ، جَمْعُ قُرْقُورٍ.
﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قالَ الجُمْهُورُ: اللَّفْظُ عامٌّ والكافِرُ والمُؤْمِنُ مُجازَيانِ بِالسُّوءِ يَعْمَلانِهِ. فَمُجازاةُ الكافِرِ النّارُ والمُؤْمِنِ بِنَكَباتِ الدُّنْيا؛ «فَقالَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيق رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَمّا نَزَلَتْ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما أشَدَّ هَذِهِ الآيَةَ (p-٣٥٦)جاءَتْ قاصِمَةَ الظَّهْرِ، فَقالَ: إنَّما هي المُصِيباتُ في الدُّنْيا»، وقالَتْ بِمِثْلِ هَذا التَّأْوِيلِ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها. وقالَ بِهِ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ؛ وسَألَهُ الرَّبِيعُ بْنُ زِيادٍ عَنْ مَعْنى الآيَةِ، وكَأنَّهُ خافَها فَقالَ لَهُ: أيْ ما كُنْتُ أظُنُّكَ إلّا أفْقَهَ مِمّا أرى، ما يُصِيبُ الرَّجُلَ خَدْشٌ أوْ غَيْرُهُ إلّا بِذَنْبٍ، وما يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ أكْثَرُ. وخَصَّصَ الحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ بِالكُفّارِ يُجازَوْنَ عَلى الصَّغائِرِ والكَبائِرِ. وقالَ الضَّحّاكُ: يَعْنِي اليَهُودَ، والنَّصارى، والمَجُوسَ، وكَفّارَ العَرَبِ، ورَأى هَؤُلاءِ أنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ المُؤْمِنِينَ بِتَكْفِيرِ السَّيِّئاتِ. وخَصَّصَ السُّوءَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ بِالشِّرْكِ. وقِيلَ السُّوءُ عامٌّ في الكَبائِرِ.
﴿ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٧٣] رَوى ابْنُ بَكّارٍ، عَنِ ابْنِ عامِرٍ، ولا يَجِدُ بِالرَّفْعِ عَلى القَطْعِ.
﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ﴾ مِنَ الأُولى هي لِلتَّبْعِيضِ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ لا يَتَمَكَّنُ مِن عَمَلِ كُلِّ الصّالِحاتِ؛ وإنَّما يَعْمَلُ مِنها ما هو تَكْلِيفُهُ، وفي وُسْعِهِ. وكَمْ مُكَلَّفٍ لا يَلْزَمُهُ زَكاةٌ، ولا حَجٌّ، ولا جِهادٌ، وسَقَطَتْ عَنْهُ الصَّلاةُ في بَعْضِ الأحْوالِ عَلى بَعْضِ المَذاهِبِ. وحَكى الطَّبَرِيُّ عَنْ قَوْمٍ: أنَّ مِن زائِدَةٌ أيْ ومَن يَعْمَلِ الصّالِحاتِ. وزِيادَةُ (مِن) في الشَّرْطِ ضَعِيفٌ، ولا سِيَّما، وبَعْدَها مَعْرِفَةٌ. و(مِن) الثّانِيَةُ لِتَبْيِينِ الإبْهامِ في (ومَن يَعْمَلْ) . وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ”أوْ“ فِى قَوْلِهِ: ﴿لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكم مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾ [آل عمران: ١٩٥] جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، وقَيَّدَ في عَمَلِ الإنْسانِ؛ لِأنَّهُ لَوْ عَمِلَ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ ما عَمِلَ فَلا يَنْفَعُهُ إلّا أنْ كانَ مُؤْمِنًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإذا أبْطَلَ اللَّهُ الأمانِيَّ، وأثْبَتَ أنَّ الأمْرَ كُلَّهُ مَعْقُودٌ بِالعَمَلِ الصّالِحِ، وأنَّ مَن أصْلَحَ عَمَلَهُ فَهو الفائِزُ، ومَن أساءَ عَمَلَهُ فَهو الهالِكُ، تَبَيَّنَ الأمْرُ، ووَضَحَ، ووَجَبَ قَطْعُ الأمانِيِّ، وحَسْمُ المَطامِعِ والإقْبالُ عَلى العَمَلِ الصّالِحِ؛ ولَكِنَّهُ نُصْحٌ لا تَعِيهِ الآذانُ، ولا تُلْقى إلَيْهِ الأذْهانُ انْتَهى. والَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ الآيَةُ، أنَّ الإيمانَ شَرْطٌ في الِانْتِفاعِ بِالعَمَلِ؛ لِأنَّ العَمَلَ شَرْطٌ في صِحَّةِ الإيمانِ.
﴿ولا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ ظاهِرُهُ: أنَّهُ يَعُودُ إلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ، ويَكُونُ حُكْمُ الكُفّارِ كَذَلِكَ. إذْ ذِكْرُ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ يَدُلُّ عَلى الآخَرِ أنَّ كِلاهُما يُجْزى بِعَمَلِهِ، ولِأنَّ ظُلْمَ المُسِيءِ أنَّهُ يُزادُ في عِقابِهِ. ومَعْلُومٌ أنَّهُ تَعالى لا يَزِيدُ في عِقابِ المُجْرِمِ؛ فَكانَ ذِكْرُهُ مُسْتَغْنًى عَنْهُ. والمُحْسِنُ لَهُ ثَوابٌ، وتَوابِعُ لِلثَّوابِ مِن فَضْلِ اللَّهِ هي في حُكْمِ الثَّوابِ، فَجازَ أنْ يَنْقُصَ مِنَ الفَضْلِ. فَنَفْيُ الظُّلْمِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لا يَقَعُ نَقْصٌ في الفَضْلِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ، في: ولا يُظْلَمُونَ إلى الفَرِيقَيْنِ، عامِلُ السُّوءِ، وعامِلُ الصّالِحاتِ. وقَرَأ: يُدْخَلُونَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ هُنا وفي مَرْيَمَ وأوَّلَيْ غافِرٍ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عُمَرَ وأبُو بَكْرٍ. وقَرَأ كَذَلِكَ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ في ثانِيَةِ غافِرٍ. وقَرَأ كَذَلِكَ أبُو عَمْرٍو في فاطِرٍ. وقَرَأ الباقُونَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ.
﴿ومَن أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهو مُحْسِنٌ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَحْوِهِ في قَوْلَيْنِ مِن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهو مُحْسِنٌ.
﴿واتَّبَعَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ حَنِيفًا في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥] واتِّباعُهُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في التَّوْحِيدِ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: في القِيامِ لِلَّهِ بِما فَرَضَهُ. وقِيلَ: في جَمِيعِ شَرِيعَتِهِ إلّا ما نُسِخَ مِنها.
﴿واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا﴾ هَذا مَجازٌ عَنِ اصْطِفائِهِ واخْتِصاصِهِ بِكَرامَةٍ تُشْبِهُ كَرامَةَ الخَلِيلِ عِنْدَ خَلِيلِهِ. وتَقَدَّمَ اشْتِقاقُ الخَلِيلِ في المُفْرَداتِ. والجُمْهُورُ: عَلى أنَّها مِنَ الخُلَّةِ وهي المَوَدَّةُ الَّتِي لَيْسَ فِيها خَلَلٌ. وقَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى الهاشِمِيِّ: إنَّهُ إنَّما سُمِّيَ خَلِيلًا لِأنَّهُ تَخَلّى عَمّا سِوى خَلِيلِهِ. فَإنْ كانَ فَسَّرَ المَعْنى فَيُمْكِنُ، وإنْ كانَ أرادَ الِاشْتِقاقَ فَلا يَصِحُّ لِاخْتِلافِ المادَّتَيْنِ. «وعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: يا جِبْرِيلُ بِمَ اتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا ؟ قالَ: لِإطْعامِهِ الطَّعامَ»، والكَرامَةُ الَّتِي أكْرَمَهُ اللَّهُ بِها ذَكَرُوها في قِصَّةٍ مُطَوَّلَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَضْمُونُها: (p-٣٥٧)أنَّ اللَّهَ قَلَبَ لَهُ غَرائِرَ الرَّمْلِ دَقِيقًا حُوّارًى عَجَنَ وخَبَزَ وأطْعَمَ النّاسَ مِنهُ.
وعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «اتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا ومُوسى نَجِيًّا واتَّخَذَنِي حَبِيبًا ثُمَّ قالَ: وعِزَّتِي وجَلالِي لَأُوثِرَنَّ حَبِيبِي عَلى خَلِيلِي ونَجِيِّي» لَمّا أثْنى عَلى مَنِ اتَّبَعَ مِلَّةً إبْراهِيمَ أخْبَرَ بِمَزِيَّتِهِ عِنْدَهُ واصْطِفائِهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أدْعى إلى اتِّباعِهِ. لِأنَّ مَنِ اخْتَصَّهُ اللَّهُ بِالخُلَّةِ جَدِيرٌ بِأنْ يُتَّبَعَ أوْ لِيُبَيِّنَ أنَّ تِلْكَ الخُلَّةَ إنَّما سَبَبُها حَنِيفِيَّةُ إبْراهِيمَ عَنْ سائِرِ الأدْيانِ إلى دِينِ الحَقِّ كَقَوْلِهِ: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] أيْ قُدْوَةً لِإتْمامِكَ تِلْكَ الكَلِماتِ. ونَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى أنَّ مَن عَمِلَ بِشَرْعِهِ كانَ لَهُ نَصِيبٌ مِن مَقامِهِ. ولَيْسَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةً عَلى الجُمْلَةِ قَبْلَها، لِأنَّ الجُمْلَةَ قَبْلَها مَعْطُوفَةٌ عَلى صِلَةِ (مَن)، ولا تَصْلُحُ هَذِهِ لِلصِّلَةِ؛ وإنَّما هي مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ الَّتِي مَعْناها الخَبَرُ، أيْ: لا أحَدَ أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ، نَبَّهَتْ عَلى شَرَفِ المَنبَعِ وفَوْزِ المُتَّبِعِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ ؟ قُلْتُ: هي جُمْلَةٌ اعْتِراضِيَّةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ كَنَحْوِ ما يَجِيءُ في الشِّعْرِ مِن قَوْلِهِمْ: والحَوادِثُ جَمَّةٌ، وفائِدَتُها تَأْكِيدُ وُجُوبِ اتِّباعِ مِلَّتِهِ؛ لِأنَّ مَن بَلَغَ مِنَ الزُّلْفى عِنْدَ اللَّهِ أنِ اتَّخَذَهُ خَلِيلًا كانَ جَدِيرًا بِأنْ تُتَّبَعَ مِلَّتُهُ وطَرِيقَتُهُ، انْتَهى. فَإنْ عَنى بِالِاعْتِراضِ غَيْرَ المُصْطَلَحِ عَلَيْهِ في الضَّوْءِ فَيُمْكِنُ أنْ يَصِحَّ قَوْلُهُ؛ كَأنَّهُ يَقُولُ: اعْتَرَضْتُ الكَلامَ. وإنْ عَنى بِالِاعْتِراضِ المُصْطَلَحَ عَلَيْهِ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، إذْ لا يَعْتَرِضُ إلّا بَيْنَ مُفْتَقِرَيْنِ كَصِلَةٍ ومَوْصُولٍ، وشَرْطٍ وجَزاءٍ، وقَسَمٍ ومُقْسَمٍ عَلَيْهِ، وتابِعٍ ومَتْبُوعٍ، وعامِلٍ ومَعْمُولٍ. وقَوْلُهُ: كَنَحْوِ ما يَجِيءُ في الشِّعْرِ مِن قَوْلِهِمْ: والحَوادِثُ جَمَّةٌ، فالَّذِي نَحْفَظُهُ أنَّ مَجِيءَ الحَوادِثِ جَمَّةً إنَّما هو بَيْنَ مُفْتَقِرَيْنِ نَحْوَ قَوْلِهِ:
؎وقَدْ أدْرَكَتْنِي والحَوادِثُ جَمَّةٌ ∗∗∗ أسِنَّةُ قَوْمٍ لا ضِعافٌ ولا عُزْلُ
ونَحْوَ قَوْلِ الآخَرِ:
؎ألا هَلْ أتاها والحَوادِثُ جَمَّةٌ ∗∗∗ بِأنَّ أمْرَأ القَيْسِ بْنَ تَمْلِكَ بَيْقَرا
ولا نَحْفَظُهُ جاءَ آخِرَ كَلامٍ.
النساء 4:123
﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦] تَقَدَّمَ مِثْلُ تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، ونَزَلَتْ قِيلَ في طُعْمَةَ. وقِيلَ في نَفَرٍ مِن قُرَيْشٍ أسْلَمُوا، ثُمَّ انْقَلَبُوا إلى مَكَّةَ مُرْتَدِّينَ. وقِيلَ في شَيْخٍ قالَ: لَمْ أُشْرِكْ بِاللَّهِ مُنْذُ عَرَفْتُهُ؛ إلّا أنَّهُ كانَ يَأْتِي ذُنُوبًا، وأنَّهُ نَدِمَ، واسْتَغْفَرَ، إلّا أنَّ آخِرَ ما تَقَدَّمَ فَقَدِ افْتَرى إثْمًا عَظِيمًا، وآخِرُ هَذِهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا خُتِمَتْ كُلُّ آيَةٍ بِما يُناسِبُها. فَتِلْكَ كانَتْ في أهْلِ الكِتابِ، وهم مُطَّلِعُونَ مِن كُتُبِهِمْ عَلى ما لا يَشُكُّونَ في صِحَّتِهِ مِن أمْرِ الرَّسُولِ، ووُجُوبِ اتِّباعِ شَرِيعَتِهِ، ونَسْخِها لِجَمِيعِ الشَّرائِعِ، ومَعَ ذَلِكَ قَدْ أشْرَكُوا بِاللَّهِ مَعَ أنَّ عِنْدَهم ما يَدُلُّ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى والإيمانِ بِما نَزَلَ؛ فَصارَ ذَلِكَ افْتِراءً واخْتِلافًا مُبالَغًا في العِظَمِ والجُرْأةُ عَلى اللَّهِ.
وهَذِهِ الآيَةُ هي في ناسٍ مُشْرِكِينَ لَيْسُوا بِأهْلِ كُتُبٍ ولا عُلُومٍ؛ ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ جاءَهم بِالهُدى مِنَ اللَّهِ وبانَ لَهم طَرِيقُ الرُّشْدِ؛ فَأشْرَكُوا بِاللَّهِ، فَضَّلُوا بِذَلِكَ ضَلالًا يُسْتَبْعَدُ وُقُوعُهُ، أوْ يَبْعُدُ عَنِ الصَّوابِ. ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ: ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا إناثًا﴾، وجاءَ بَعْدَ تِلْكَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ٤٩]، وقَوْلُهُ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [النساء: ٥٠]، ولَمْ يَخْتَلِفْ أحَدٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ في أنَّ المُرادَ بِهِمُ اليَهُودُ، وإنْ كانَ اللَّفْظُ عامًّا. ولَمّا كانَ الشِّرْكُ مِن أعْظَمِ الكَبائِرِ؛ كانَ الضَّلالُ النّاشِئُ عَنْهُ بَعِيدًا عَنِ الصَّوابِ؛ لِأنَّ غَيْرَهُ مِنَ المَعاصِي، وإنْ كانَ ضَلالًا لَكِنَّهُ قَرِيبٌ مِن أنْ يُراجِعَ صاحِبُهُ الحَقَّ؛ لِأنَّ لَهُ رَأْسَ مالٍ يَرْجِعُ إلَيْهِ، وهو الإيمانُ، بِخِلافِ المُشْرِكِ. ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وما لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هو الضَّلالُ البَعِيدُ﴾ [الحج: ١٢]، وناسَبَ هُنا ذِكْرُ الضَّلالِ لِتَقَدُّمِ الهُدى قَبْلَهُ.
﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا إناثًا﴾ المَعْنى: ما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، ويَتَّخِذُونَهُ إلَهًا إلّا مُسَمَّياتٍ تَسْمِيَةَ الإناثِ. وكَنّى بِالدُّعاءِ عَنِ العِبادَةِ؛ لِأنَّ مَن عَبَدَ شَيْئًا دَعاهُ عِنْدَ حَوائِجِهِ ومَصالِحِهِ. وكانُوا يُحَلُّونَ الأصْنامَ بِأنْواعِ الحُلِيِّ ويُسَمُّونَها أُنْثى، وإناثٌ جَمْعُ أُنْثى كَرِبابٍ جَمْعُ رُبّى. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ: المُرادُ الخَشَبُ والحِجارَةُ؛ فَهي مُؤَنَّثاتٌ لا تَعْقِلُ؛ فَيُخْبَرُ عَنْها كَما يُخْبَرُ عَنِ المُؤَنَّثِ مِنَ الأشْياءِ. فَيَجِيءُ قَوْلُهُ ﴿إلّا إناثًا﴾ عِبارَةً عَنِ الجَماداتِ. وقالَ أبُو مالِكٍ والسُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهم: كانَتِ العَرَبُ تُسَمِّي أصْنامَها بِأسْماءٍ مُؤَنَّثَةٍ كاللّاتِ (p-٣٥٢)والعُزّى ومَناةَ ونايِلَةَ. ويُرَدُّ عَلى هَذا بِأنَّها كانَتْ تُسَمّى أيْضًا بِأسْماءٍ مُذَكَّرَةٍ: كَهُبَلَ، وذِي الخُلَصَةِ.
وقالَ الضَّحّاكُ وغَيْرُهُ: المُرادُ ما كانَتِ العَرَبُ تَعْتَقِدُهُ مِن تَأْنِيثِ المَلائِكَةِ وعِبادَتِهِمْ إيّاها؛ فَقِيلَ لَهم: هَذا عَلى إقامَةِ الحُجَّةِ مِن فاسِدِ قَوْلِهِمْ. وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَكُنْ حَيٌّ مِن أحْياءِ العَرَبِ إلّا ولَهم صَنَمٌ يَعْبُدُونَهُ يُسَمُّونَهُ أُنْثى بَنِي فُلانٍ، وفي هَذا تَعْبِيرُهم بِالتَّأْنِيثِ؛ لِنَقْصِهِ وخَساسَتِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلتَّذْكِيرِ. وقالَ الرّاغِبُ: أكْثَرُ ما عَبَدَتْهُ العَرَبُ مِنَ الأصْنامِ كانَتْ أشْياءَ مُنْفَعِلَةً غَيْرَ فاعِلَةٍ؛ فَبَكَّتْهُمُ اللَّهُ تَعالى أنَّهم مَعَ كَوْنِهِمْ فاعِلِينَ مِن وجْهٍ يَعْبُدُونَ ما لَيْسَ هو إلّا مُنْفَعِلًا مِن كُلِّ وجْهٍ، وعَلى هَذا نَبَّهَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ﴾ [مريم: ٤٢] .
وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: إنْ تَدْعُونَ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ ورُوِيَتْ عَنْ عاصِمٍ. وفي مُصْحَفِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها (إلّا أوْثانًا) جَمْعُ وثَنٍ، وهو الصَّنَمُ. وقَرَأ بِذَلِكَ أبُو السِّوارِ والهَنائِيُّ. وقَرَأ الحَسَنُ: (إلّا أُنْثى) عَلى التَّوْحِيدِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو حَيْوَةَ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو نَهِيكٍ، ومُعاذٌ القارِئُ (أُنْثًا) . قالَ الطَّبَرِيُّ: فِيما حَكى إناثٌ كَثِمارٍ وثَمَرٍ. وقالَ غَيْرُهُ: أنَثٌ جَمْعُ أنِيثٍ، كَغَرِيرٍ وغَرَرٍ. وقالَ المَغْرِبِيُّ: إلّا إناثًا إلّا ضِعافًا عاجِزِينَ لا قُدْرَةَ لَهم؛ يُقالُ: سَيْفٌ أنِيثٌ، ومِيناثَةٌ بِالهاءِ، ومَيْناثٌ غَيْرُ قاطِعٍ. قالَ الشّاعِرُ:
؎فَتُخْبِرُنِي بِأنَّ العَقْلَ عِنْدِي جُرازٌ لا أقَلَّ ولا أنِيثُ
أنَّثَ في أمْرِهِ: لانَ، والأنِيثُ المُخَنَّثُ الضَّعِيفُ مِنَ الرِّجالِ. وقَرَأ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ: (إلّا وثَنًا) بِفَتْحِ الواوِ والثّاءِ مِن غَيْرِ هَمْزَةٍ. وقَرَأ ابْنُ المُسَيَّبِ، ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ عُمَرَ، وعَطاءٍ: (إلّا أثَنًا) يُرِيدُونَ وثَنًا، فَأبْدَلَ الهَمْزَةَ واوًا، وخَرَجَ عَلى أنَّهُ جَمْعُ جَمْعٍ؛ إذْ أصْلُهُ وثَنٌ، فَجُمِعَ عَلى وِثانٍ كَجَمَلٍ وجِمالٍ، ثُمَّ وِثانٍ عَلى وُثُنٍ كَمِثالٍ ومُثُلٍ، وحِمارٍ وحُمُرٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا خَطَأٌ؛ لِأنَّ فِعالًا في جَمْعِ فِعْلٍ إنَّما هو لِلتَّكْثِيرِ، والجَمْعُ الَّذِي هو لِلتَّكْثِيرِ لا يُجْمَعُ؛ وإنَّما يُجْمَعُ جُمُوعَ التَّقْلِيلِ، والصَّوابُ أنْ يُقالَ: وُثْنٌ جَمْعُ وثَنٍ دُونَ واسِطَةٍ، كَأسَدٍ وأُسْدٍ انْتَهى. ولَيْسَ قَوْلُهُ: وإنَّما يُجْمَعُ جُمُوعُ التَّقْلِيلِ بِصَوابٍ كامِلٍ، الجُمُوعُ مُطْلَقًا لا يَجُوزُ أنْ تُجْمَعَ بِقِياسٍ سَواءٌ كانَتْ لِلتَّكْثِيرِ أمْ لِلتَّقْلِيلِ، نَصَّ عَلى ذَلِكَ النَّحْوِيُّونَ. وقَرَأ أيُّوبُ السِّجِسْتانِيُّ: (إلّا وُثُنًا) بِضَمِّ الواوِ والثّاءِ مِن غَيْرِ هَمْزَةٍ، كَشُقَقٍ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: إلّا أثْنًا بِسُكُونِ الثّاءِ، وأصْلُهُ وثْنًا، فاجْتَمَعَ في هَذا اللَّفْظِ ثَمانِي قِراءاتٍ: إناثًا، وأُنْثًا، وأوْثانًا، ووَثْنًا، ووُثُنًا، واثِنًا، وأثَنًا.
﴿وإنْ يَدْعُونَ إلّا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ المُرادُ بِهِ إبْلِيسُ قالَهُ الجُمْهُورُ، وهو الصَّوابُ؛ لِأنَّ ما قالَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مُبَيِّنٌ أنَّهُ هو. وقِيلَ الشَّيْطانُ المُعَيَّنُ بِكُلِّ صَنَمٍ: أُفْرِدَ لَفْظًا، وهو مَجْمُوعٌ في المَعْنى، الواحِدُ يَدُلُّ عَلى الجِنْسِ. قِيلَ كانَ يَدْخُلُ في أجْوافِ الأصْنامِ، فَيُكَلِّمُ داعِيَها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لَعَنَهُ اللَّهُ صِفَةً، وأنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْهُ. وقِيلَ هو دُعاءٌ، ولا يَتَعارَضُ الحَصْرانِ؛ لِأنَّ دُعاءَ الأصْنامِ ناشِئٌ عَنْ دُعائِهِمُ الشَّيْطانَ، لَمّا عَبَدُوا الشَّيْطانَ أغْراهم بِعِبادَةِ الأصْنامِ أوْ لِاخْتِلافِ الدُّعاءَيْنِ؛ فالأوَّلُ عِبادَةٌ والثّانِي طَواعِيَةٌ. وقالَ ابْنُ عِيسى: هو مِثْلُ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ [الأنفال: ١٧] يَعْنِي أنَّ نِسْبَةَ دُعائِهِمُ الأصْنامَ هو عَلى سَبِيلِ المَجازِ. وأمّا في الحَقِيقَةِ فَهم يَدْعُونَ الشَّيْطانَ.
﴿وقالَ لَأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾؛ أيْ نَصِيبًا واجِبًا؛ اقْتَطَعْتُهُ لِنَفْسِي مِن قَوْلِهِمْ: فَرَضَ لَهُ في العَطاءِ، وفَرْضُ الجُنْدِ: رِزْقُهم. والمَعْنى: لَأسْتَخْلِصَنَّهم لِغَوايَتِي، ولَأخُصَّنَّهم بِإضْلالِي، وهُمُ الكَفَرَةُ والعُصاةُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَفْرُوضُ هُنا مَعْناهُ المُنْحازُ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الفَرْضِ، وهو الحَزُّ في العُودِ وغَيْرِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ واجِبًا إنِ اتَّخَذَهُ، وبَعْثُ النّارِ هو نَصِيبُ إبْلِيسَ. قالَ الحَسَنُ: مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وتِسْعُونَ، قالُوا: ولَفْظُ نَصِيبٍ يَتَناوَلُ القَلِيلَ فَقَطْ. والنَّصُّ أنَّ أتْباعَ إبْلِيسَ هُمُ (p-٣٥٣)الكَثِيرُ بِدَلِيلِ: ﴿لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٢] ﴿فاتَّبَعُوهُ إلّا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [سبإ: ٢٠]، وهَذا مُتَعارِضٌ.
وأُجِيبَ أنَّ التَّفاوُتَ إنَّما يَحْصُلُ في نَوْعِ البَشَرِ، أمّا إذا ضَمَمْتَ أنْواعَ المَلائِكَةِ مَعَ كَثْرَتِهِمْ إلى المُؤْمِنِينَ كانَتِ الكَثْرَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ. وأيْضًا فالمُؤْمِنُونَ؛ وإنْ كانُوا قَلِيلِينَ في العَدَدِ؛ نُصِيبُهم عَظِيمٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. والكُفّارُ والفُسّاقُ، وإنْ كانُوا كَثِيرِينَ فَهم كالعَدَمِ. انْتَهى تَلْخِيصُ ما أُجِيبَ بِهِ. والَّذِي أقُولُ: إنَّ لَفْظَ نَصِيبٍ لا يَدُلُّ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٧] الآيَةَ. والواوُ: قِيلَ عاطِفَةٌ، وقِيلَ واوُ الحالِ.
﴿ولَأُضِلَّنَّهم ولَأُمَنِّيَنَّهم ولَآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ ولَآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ هَذِهِ خَمْسَةٌ أقْسَمَ إبْلِيسُ عَلَيْها: أحَدُها: اتِّخاذُ نَصِيبٍ مِن عِبادِ اللَّهِ، وهو اخْتِيارُهُ إيّاهم. والثّانِي: إضْلالُهم، وهو صَرْفُهم عَنِ الهِدايَةِ وأسْبابِها. والثّالِثُ: تَمْنِيَتُهُ لَهم، وهو التَّسْوِيلُ، ولا يَنْحَصِرُ في نَوْعٍ واحِدٍ؛ لِأنَّهُ يُمَنِّي كُلَّ إنْسانٍ بِما يُناسِبُ حالَهُ مِن طُولِ عُمْرٍ وبُلُوغِ وطَرٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، وهي كُلُّها أمانِيُّ كَواذِبُ باطِلَةٌ. وقِيلَ الأمانِيُّ تَأْخِيرُ التَّوْبَةِ. وقِيلَ هي اعْتِقادٌ أنْ لا جَنَّةَ ولا نارَ ولا بَعْثَ ولا حِسابَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَأُمَنِّيَنَّهُمُ الأمانِيَّ الباطِلَةَ مِن طُولِ الأعْمارِ، وبُلُوغِ الآمالِ، ورَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى لِلْمُجْرِمِينَ بِغَيْرِ تَوْبَةٍ والخُرُوجِ مِنَ النّارِ بَعْدَ دُخُولِها بِالشَّفاعَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ، انْتَهى. وهَذا عَلى مَنزَعِهِ الِاعْتِزالِيِّ، ووَلُوعِهِ بِتَفْسِيرِ كِتابِ اللَّهِ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ إشْعارِ لَفْظِ القُرْآنِ بِما يَقُولُهُ ويَنْحِلُهُ. والرّابِعُ: أمْرُهُ إيّاهُمُ النّاشِئُ عَنْهُ تَبْتِيكِ آذانِ الأنْعامِ، وهو فِعْلُهم بِالبَحائِرِ كانُوا يَشُقُّونَ آذانَ النّاقَةِ إذا ولَدَتْ خَمْسَةَ أبْطُنٍ. وجاءَ الخامِسُ ذَكَرًا، وحَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ الِانْتِفاعَ بِها؛ قالَهُ عِكْرِمَةُ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ. وقِيلَ فِيهِ إشارَةٌ إلى كُلِّ ما جَعَلَهُ اللَّهُ كامِلًا بِفِطْرَتِهِ، فَجَعَلَ الإنْسانَ ناقِصًا بِسُوءِ تَدْبِيرِهِ. والخامِسُ أمْرُهُ إيّاهُمُ النّاشِئُ عَنْهُ تَغْيِيرُ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وإبْراهِيمُ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ وغَيْرُهم. أرادَ تَغْيِيرَ دِينِ اللَّهِ؛ ذَهَبُوا في ذَلِكَ إلى الِاحْتِجاجِ بِقَوْلِهِ: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]
أيْ لِدِينِ اللَّهِ. والتَّبْدِيلُ يَقَعُ مَوْقِعَةَ التَّغْيِيرِ؛ وإنْ كانَ التَّغْيِيرُ أعَمَّ مِنهُ. ولَفْظُ ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] خَبَرٌ، ومَعْناهُ: النَّهْيُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنهُمُ الزَّجّاجُ: هو جَعْلُ الكُفّارِ آلِهَةً لَهم ما خُلِقَ لِلِاعْتِبارِ بِهِ مِنَ الشَّمْسِ والنّارِ والحِجارَةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا عَبَدُوهُ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ والحَسَنُ: هو الوَشْمُ، وما جَرى مَجْراهُ مِنَ التَّصَنُّعِ لِلتَّحْسِينِ، فَمِن ذَلِكَ الحَدِيثُ في: «لَعْنِ الواشِماتِ والمُسْتَوْشِماتِ والمُتَنَمِّصاتِ والمُتَفَلِّجاتِ المُغَيِّراتِ خَلْقَ اللَّهِ، ولَعْنِ الواصِلَةِ والمُسْتَوْصِلَةِ»، انْتَهى.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وأنَسٌ، وعِكْرِمَةُ، وأبُو صالِحٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ أيْضًا: هو الخِصاءُ، وهو في بَنِي آدَمَ مَحْظُورٌ. وكَرِهَ أنَسٌ خِصاءَ الغَنَمِ، وقَدْ رَخَّصَ جَماعَةٌ فِيهِ لِمَنفَعَةِ السِّمَنِ في المَأْكُولِ، ورَخَّصَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ في خِصاءِ الخَيْلِ. وقِيلَ لِلْحَسَنِ: إنَّ عِكْرِمَةَ قالَ هو الخِصاءُ، قالَ: كَذَبَ عِكْرِمَةُ، هو دِينُ اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ التَّخَنُّتُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو فَقْءُ عَيْنِ الحامِي، وإعْفاؤُهُ عَنِ الرُّكُوبِ، انْتَهى. وناسَبَ هَذا أنَّهُ ذَكَرَ أثَرَ ذَلِكَ تَبْتِيكَ آذانِ الأنْعامِ فَناسَبَ أنْ يَكُونَ التَّغْيِيرُ هَذا. وقِيلَ تَغْيِيرُ خَلْقِ اللَّهِ هو أنَّ كُلَّ ما يُوجِدُهُ اللَّهُ لِفَضِيلَةٍ؛ فاسْتَعانَ بِهِ في رَذِيلَةٍ، فَقَدْ غَيَّرَ خَلْقَهُ. وقَدْ دَخَلَ في عُمُومِهِ ما جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْإنْسانِ مِن شَهْوَةِ الجِماعِ، لِيَكُونَ سَبَبًا لِلتَّناسُلِ عَلى وجْهٍ مَخْصُوصٍ؛ فاسْتَعانَ بِهِ في السِّفاحِ واللِّواطِ؛ فَذَلِكَ تَغْيِيرُ خَلْقِ اللَّهِ. وكَذَلِكَ المُخَنَّثُ إذا نَتَفَ لِحْيَتَهُ، وتَقَنَّعَ تَشَبُّهًا بِالنِّساءِ، والفَتاةُ إذا تَرَجَّلَتْ مُتَشَبِّهَةً بِالفِتْيانِ. وكُلُّ ما حَلَّلَهُ اللَّهُ، فَحَرَّمُوهُ أوْ حَرَّمَهُ تَعالى فَحَلَّلُوهُ. وعَلى ذَلِكَ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالًا﴾ [يونس: ٥٩] وإلى هَذِهِ الجُمْلَةِ أشارَ المُفَسِّرُونَ، ولِهَذا قالُوا: هو تَغْيِيرُ أحْكامِ اللَّهِ. وقِيلَ هو تَغْيِيرُ الإنْسانِ بِالِاسْتِلْحاقِ أوِ النَّفْيِ. وقِيلَ خِضابُ الشَّيْبِ بِالسَّوادِ. وقِيلَ مُعاقَبَةُ الوُلاةِ بَعْضَ الجُناةِ بِقَطْعِ الآذانِ، وشَقِّ المَناخِرِ وكَلِّ العُيُونِ، (p-٣٥٤)وقَطْعِ الأُنْثَيَيْنِ. ومَن فَسَّرَ بِالوَشْمِ أوِ الخِصاءِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا هو خاصٌّ في التَّغْيِيرِ؛ فَإنَّما ذَلِكَ عَلى جِهَةِ التَّمْثِيلِ لا الحَصْرِ. وفي حَدِيثِ عِياضٍ المُجاشِعِيِّ: «وإنِّي خَلَقْتُ عِبادِي حُنَفاءَ كُلَّهم، وإنَّ الشَّياطِينَ ألْهَتْهم وأحالَتْهم عَنْ دِينِهِمْ؛ فَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ ما أحْلَلْتُ لَهم، وأمَرْتُهم أنْ لا يُشْرِكُوا بِي ما لَمْ أُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا، وأمَرَتْهم أنْ لا يُغَيِّرُوا خَلْقِي» .
ومَفْعُولُ أمَرَ الثّانِي مَحْذُوفٌ؛ أيْ ولَآمُرَنَّهم بِالتَّبْتِيكِ فَلَيُبَتِّكُنَّ، ولَآمُرُنَّهم بِالتَّغَيُّرِ فَلَيُغَيِّرُنَّ. وحُذِفَ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: ولَآمُرَنَّهم بِغَيْرِ ألِفٍ؛ كَذا قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقَرَأ أُبَيٌّ: وأُضِلَّنَّهم، وأُمَنِّيَنَّهم، وآمُرُنَّهم، انْتَهى. فَتَكُونُ جُمَلًا مَقُولَةً، لا مُقْسَمًا عَلَيْها. وجاءَ تَرْتِيبُ هَذِهِ الجُمَلِ المُقْسَمِ عَلَيْها في غايَةٍ مِنَ الفَصاحَةِ؛ بَدَأ أوَّلًا بِاسْتِخْلاصِ الشَّيْطانِ نَصِيبًا مِنهم، واصْطِفائِهِ إيّاهم، ثُمَّ ثانِيًا بِإضْلالِهِمْ، وهو عِبارَةٌ عَمّا يَحْصُلُ في عَقائِدِهِمْ مِنَ الكُفْرِ، ثُمَّ ثالِثًا بِتَمْنِيَتِهِمُ الأمانِيَّ الكَواذِبَ والإطْماعاتِ الفارِغَةَ، ثُمَّ رابِعًا بِتَبْتِيكِ آذانِ الأنْعامِ، هو حُكْمٌ لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ فِيهِ، ثُمَّ خامِسًا بِتَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ، وهو شامِلٌ لِلتَّبْتِيكِ وغَيْرِهِ مِنَ الأحْكامِ الَّتِي شَرَعَها لَهم. وإنَّما بَدَأ بِالأمْرِ بِالتَّبْتِيكِ، وإنْ كانَ مُنْدَرِجًا تَحْتَ عُمُومِ التَّغْيِيرِ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ اسْتِدْراجًا لِما يَكُونُ بَعْدَهُ مِنَ التَّغْيِيرِ العامِّ، واسْتِيضاحًا مِن إبْلِيسَ طَواعِيَتَهم في أوَّلِ شَيْءٍ يُلْقِيهِ إلَيْهِمْ، فَيَعْلَمَ بِذَلِكَ قَبُولَهم لَهُ. فَإذا قَبِلُوا ذَلِكَ أمَرَهم بِجَمِيعِ التَّغْيِيراتِ الَّتِي يُرِيدُها مِنهم، كَما يَفْعَلُ الإنْسانُ بِمَن يَقْصِدُ خِداعَهُ: يَأْمُرُهُ أوَّلًا بِشَيْءٍ سَهْلٍ؛ فَإذا رَآهُ قَدْ قَبِلَ ما ألْقاهُ إلَيْهِ مِن ذَلِكَ أمَرَهُ بِجَمِيعِ ما يُرِيدُ مِنهُ. وإقْسامُ إبْلِيسَ عَلى هَذِهِ الأشْياءِ لَيَفْعَلَنَّها يَقْتَضِي عِلْمَ ذَلِكَ، وأنَّها تَقَعُ إمّا لِقَوْلِهِ تَعالى.
﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥] أوْ؛ لِكَوْنِهِ عَلِمَ ذَلِكَ مِن جِهَةِ المَلائِكَةِ، أوْ لِكَوْنِهِ لَمّا اسْتَزَلَّ آدَمَ عَلِمَ أنَّ ذُرِّيَّتَهُ أضْعَفُ مِنهُ.
﴿ومَن يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ ولِيًّا مِن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا﴾؛ أيْ مِن يُؤْثِرُ حَظَّ الشَّيْطانِ عَلى حَظِّهِ مِنَ اللَّهِ. وكَأنَّهُ لَمّا قالَ إبْلِيسُ: لَأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا، فَذَكَرَ أنَّهُ يَصْطَفِيهِمْ لِنَفْسِهِ، أخْبَرَ أنَّهم قَبِلُوا ذَلِكَ الِاتِّخاذَ، وانْفَعَلُوا لَهُ؛ فاتَّخَذُوهُ ولِيًّا مِن دُونِ اللَّهِ. والوَلِيُّ هُنا قالَ مُقاتِلٌ: بِمَعْنى الرَّبِّ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: مِنَ المُوالاةِ، ورَتَّبَ عَلى هَذا الِاتِّخاذِ الخُسْرانَ المُبِينَ؛ لِأنَّ مَن تَرَكَ حَظَّهُ مِنَ اللَّهِ لِحَظِّ الشَّيْطانِ فَقَدْ خَسِرَتْ صَفْقَتُهُ. وقَوْلُهُ: مِن دُونِ اللَّهِ، قَيْدٌ لازِمٌ؛ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَتَّخِذَ الشَّيْطانَ ولِيًّا إلّا إذا لَمْ يَتَّخِذِ اللَّهَ ولِيًّا، ولا يُمْكِنُ أنْ يَتَّخِذَ الشَّيْطانَ ولِيًّا، ويَتَّخِذَ اللَّهَ ولِيًّا؛ لِأنَّهُما طَرِيقانِ مُتَبايِنانِ، لا يَجْتَمِعانِ، هُدًى وضَلالَةٌ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ مُحَذِّرَةٌ مِنَ اتِّباعِ الشَّيْطانِ.
﴿يَعِدُهم ويُمَنِّيهِمْ﴾ لَفْظانِ مُتَقارِبانِ؛ والمَعْنى: أنَّ الَّذِي أقْسَمَ عَلَيْهِ مِن أنْ يُمَنِّيَهم وقَعَ بِإخْبارِ اللَّهِ تَعالى عَنْهُ بِذَلِكَ، واكْتَفى مِنَ الإخْبارِ عَنْ وُقُوعِ تِلْكَ الجُمَلِ الَّتِي أقْسَمَ عَلَيْها إبْلِيسُ بِوُضُوحِها، وظُهُورِها. ولَمّا كانَ الوَعْدُ والتَّمْنِيَةُ مِن أُمُورِ الباطِنِ أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ بِها. والمَعْنى: أنَّهُ يَعِدُهم بِالأُمُورِ الباطِلَةِ والزَّخارِفِ الكاذِبَةِ، وأنَّهُ لا ثَوابَ، ولا عِقابَ.
﴿وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلّا غُرُورًا﴾ قَرَأ الأعْمَشُ: وما يَعِدُهم بِسُكُونِ الدّالِ خُفِّفَ؛ لِتَوالِي الحَرَكاتِ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الغُرُورِ، ومَعْناهُ: هُنا الخُدَعُ الَّتِي تُظَنُّ نافِعَةً، ويَكْشِفُ الغَيْبُ أنَّها ضارَّةٌ. واحْتَمَلَ النَّصْبُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا، أوْ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ، أوْ مَصْدَرًا عَلى غَيْرِ الصَّدْرِ؛ لِتَضْمِينِ يَعِدُهم مَعْنى يَغُرُّهم، ويَكُونُ ثَمَّ وصْفٌ مَحْذُوفٌ؛ أيْ إلّا غُرُورًا واضِحًا أوْ نَحْوَهُ، أوْ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ وعْدًا غُرُورًا أيْ ذا غُرُورٍ.
﴿أُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ ولا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصًا﴾ أخْبَرَ تَعالى أنَّ المَكانَ الَّذِي يَأْوُونَ إلَيْهِ، ويَسْتَقِرُّونَ فِيهِ هو جَهَنَّمُ، وأنَّهم لا يَجِدُونَ عَنْها مَراغًا يَرُوغُونَ إلَيْهِ. وعَنْها لا يَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ؛ لِأنَّها لا تَتَعَدّى بِـ (عْنَ)، ولا بِـ ﴿مَحِيصًا﴾، وإنْ كانَ المَعْنى عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ؛ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَبْيِينًا عَلى إضْمارِ (عَنِّي) . وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ حالًا مِن (مَحِيصٍ)، فَيَتَعَلَّقُ بِـ (مَحِيصٍ)؛ أيْ كائِنًا عَنْها، ولَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً. (p-٣٥٥)﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ لَمّا ذَكَرَ مَأْوى الكُفّارِ، ذَكَرَ مَأْوى المُؤْمِنِينَ، وأسْنَدَ الفِعْلَ إلى نُونِ العَظَمَةِ؛ اعْتِناءً بِأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي يَتَوَلّى إدْخالَهُمُ الجَنَّةَ، وتَشْرِيفًا لَهم. وقُرِئَ: سَيُدْخِلُهم بِالياءِ. ولَمّا رَتَّبَ تَعالى مَصِيرَ مَن كانَ تابِعًا لِإبْلِيسَ إلى النّارِ لِإشْراكِهِ وكُفْرِهِ، وتَغْيِيرِ أحْكامِ اللَّهِ تَعالى؛ رَتَّبَ هُنا دُخُولَ الجَنَّةِ عَلى الإيمانِ، وعَمَلِ الصّالِحاتِ.
﴿وعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ لَمّا ذَكَرَ أنَّ وعْدَ الشَّيْطانِ هو غُرُورٌ باطِلٌ، ذَكَرَ أنَّ هَذا الوَعْدَ مِنهُ تَعالى هو الحَقُّ الَّذِي لا ارْتِيابَ فِيهِ، ولا شَكَّ في إنْجازِهِ. والَّذِينَ مُبْتَدَأٌ وسَيُدْخِلُهُمُ الخَبَرُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ الِاشْتِغالِ؛ أيْ وسَنُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا سَنُدْخِلُهم. وانْتَصَبَ ﴿وعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِغَيْرِهِ؛ فَوَعْدُ اللَّهِ مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ: سَيُدْخِلُهم، وحَقًّا مُؤَكِّدٌ لِوَعْدِ اللَّهِ.
﴿ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ القِيلُ والقَوْلُ واحِدٌ؛ أيْ لا أحَدَ أصْدَقُ قَوْلًا مِنَ اللَّهِ. وهي جُمْلَةٌ مُؤَكِّدَةٌ أيْضًا لِما قَبْلَها. وفائِدَةُ هَذِهِ التَّواكِيدِ المُبالَغَةُ فِيما أخْبَرَ بِهِ تَعالى عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ بِخِلافِ مَواعِيدِ الشَّيْطانِ، وأمانَتِهِ الكاذِبَةِ المُخَلِّفَةِ لِأمانِيهِ.
﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، وأبُو صالِحٍ، ومَسْرُوقٌ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ وغَيْرُهم: الخِطابُ لِلْأُمَّةِ. قالَ بَعْضُهم: اخْتَلَفُوا مَعَ قَوْمٍ مِن أهْلِ الكِتابِ؛ فَقالُوا: دِينُنا أقْدَمُ مِن دِينِكم وأفْضَلُ؛ فَنَبِيُّنا قَبْلَ نَبِيِّكم. وقالَ المُؤْمِنُونَ: كِتابُنا يَقْضِي عَلى الكُتُبِ، ونَبِيُّنا خاتَمُ الأنْبِياءِ، ونَحْوُ هَذا مِنَ المُحاوَرَةِ فَنَزَلَتْ. وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ: الخِطابُ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ؛ وذَلِكَ أنَّهم قالُوا: لَنْ نُبْعَثَ ولَنْ نُعَذَّبَ؛ وإنَّما هي حَياتُنا لَنا فِيها النَّعِيمُ، ثُمَّ لا عَذابَ. وقالَتِ اليَهُودُ: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ، وأحِبّاؤُهُ. إلى نَحْوِ هَذا مِنَ الأقْوالِ كَقَوْلِهِمْ.
(لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى) فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلى الفَرِيقَيْنِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في لَيْسَ: ضَمِيرُ وعْدِ اللَّهِ؛ أيْ لَيْسَ يُنالُ ما وعَدَ اللَّهُ مِنَ الثَّوابِ بِأمانِيِّكم، ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ. والخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ؛ لِأنَّهُ لا يَتَمَنّى وعْدَ اللَّهِ إلّا مَن آمَنَ بِهِ؛ ولِذَلِكَ ذَكَرَ أهْلَ الكِتابِ مَعَهم لِمُشارَكَتِهِمْ لَهم في الإيمانِ. وعَنِ الحَسَنِ: لَيْسَ الإيمانُ بِالتَّمَنِّي؛ ولَكِنْ ما وقَرَ في القَلْبِ وصَدَّقَهُ العَمَلُ، إنَّ قَوْمًا ألْهَتْهم أمانِيُّ المَغْفِرَةِ حَتّى خَرَجُوا مِنَ الدُّنْيا، ولا حَسَنَةَ لَهم، وقالُوا: نُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ، وكَذَبُوا، لَوْ أحْسَنُوا الظَّنَّ بِهِ لَأحْسَنُوا العَمَلَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلْمُشْرِكِينَ؛ لِقَوْلِهِمْ: إنْ كانَ الأمْرُ كَما يَزْعُمُ هَؤُلاءِ، لَنَكُونَنَّ خَيْرًا مِنهم وأحْسَنَ حالًا؛ لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا، إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى. وكانَ أهْلُ الكِتابِ يَقُولُونَ: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ، لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً، ويُعَضِّدَهُ تَقَدُّمُ ذِكْرِ أهْلِ الشِّرْكِ، انْتَهى.
وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ وقَعَ الِاخْتِلافُ في اسْمِ لَيْسَ، وأقَرَّ بِها، إنَّ الَّذِي يَعُودُ الضَّمِيرُ عَلَيْهِ هو الوَعْدُ مِن أنَّهُ تَعالى يُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، ويَلِيهِ أنْ يَعُودَ عَلى الإيمانِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: (والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ) كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الحَسَنُ، ثُمَّ إنَّهُ يَعُودُ عَلى ما وقَعَتْ فِيهِ مُحاوَرَةُ المُؤْمِنِينَ وأهْلِ الكِتابِ، أوْ ما قالَتْهُ قُرَيْشٌ وأهْلُ الكِتابِ عَلى ما مَرَّ ذِكْرُهُ. وقالَ الحَوْفِيُّ: اسْمُ لَيْسَ مُضْمَرٌ فِيها عَلى مَعْنى: لَيْسَ الثَّوابُ عَنِ الحَسَناتِ، ولا العِقابُ عَلى السَّيِّئاتِ بِأمانِيِّكم؛ لِأنَّ الِاسْتِحْقاقَ إنَّما يَكُونُ بِالعَمَلِ لا بِالأمانِيِّ. وقالَ أبُو البَقاءِ: اسَمُ لَيْسَ مُضْمَرٌ فِيها، ولَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ، وإنَّما دَلَّ عَلَيْهِ سَبَبُ الآيَةِ، وذَلِكَ أنَّ اليَهُودَ والنَّصارى، قالُوا: نَحْنُ أصْحابُ الجَنَّةِ. وقالَ المُشْرِكُونَ: لا نُبْعَثُ. فَقالَ: لَيْسَ بِأمانِيِّكم؛ أيْ لَيْسَ ما ادَّعَيْتُمُوهُ بِأمانِيِّكم. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ بْنُ نِصاحٍ، والحَكَمُ، والأعْرَجُ: بِأمانِيكم، ولا أمانِي أهْلِ الكِتابِ ساكِنَةَ الياءِ، جُمِعَ عَلى فَعالِلْ، كَما يُقالُ: قَراقِيرُ، وقَراقِرْ، جَمْعُ قُرْقُورٍ.
﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قالَ الجُمْهُورُ: اللَّفْظُ عامٌّ والكافِرُ والمُؤْمِنُ مُجازَيانِ بِالسُّوءِ يَعْمَلانِهِ. فَمُجازاةُ الكافِرِ النّارُ والمُؤْمِنِ بِنَكَباتِ الدُّنْيا؛ «فَقالَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيق رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَمّا نَزَلَتْ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما أشَدَّ هَذِهِ الآيَةَ (p-٣٥٦)جاءَتْ قاصِمَةَ الظَّهْرِ، فَقالَ: إنَّما هي المُصِيباتُ في الدُّنْيا»، وقالَتْ بِمِثْلِ هَذا التَّأْوِيلِ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها. وقالَ بِهِ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ؛ وسَألَهُ الرَّبِيعُ بْنُ زِيادٍ عَنْ مَعْنى الآيَةِ، وكَأنَّهُ خافَها فَقالَ لَهُ: أيْ ما كُنْتُ أظُنُّكَ إلّا أفْقَهَ مِمّا أرى، ما يُصِيبُ الرَّجُلَ خَدْشٌ أوْ غَيْرُهُ إلّا بِذَنْبٍ، وما يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ أكْثَرُ. وخَصَّصَ الحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ بِالكُفّارِ يُجازَوْنَ عَلى الصَّغائِرِ والكَبائِرِ. وقالَ الضَّحّاكُ: يَعْنِي اليَهُودَ، والنَّصارى، والمَجُوسَ، وكَفّارَ العَرَبِ، ورَأى هَؤُلاءِ أنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ المُؤْمِنِينَ بِتَكْفِيرِ السَّيِّئاتِ. وخَصَّصَ السُّوءَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ بِالشِّرْكِ. وقِيلَ السُّوءُ عامٌّ في الكَبائِرِ.
﴿ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٧٣] رَوى ابْنُ بَكّارٍ، عَنِ ابْنِ عامِرٍ، ولا يَجِدُ بِالرَّفْعِ عَلى القَطْعِ.
﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ﴾ مِنَ الأُولى هي لِلتَّبْعِيضِ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ لا يَتَمَكَّنُ مِن عَمَلِ كُلِّ الصّالِحاتِ؛ وإنَّما يَعْمَلُ مِنها ما هو تَكْلِيفُهُ، وفي وُسْعِهِ. وكَمْ مُكَلَّفٍ لا يَلْزَمُهُ زَكاةٌ، ولا حَجٌّ، ولا جِهادٌ، وسَقَطَتْ عَنْهُ الصَّلاةُ في بَعْضِ الأحْوالِ عَلى بَعْضِ المَذاهِبِ. وحَكى الطَّبَرِيُّ عَنْ قَوْمٍ: أنَّ مِن زائِدَةٌ أيْ ومَن يَعْمَلِ الصّالِحاتِ. وزِيادَةُ (مِن) في الشَّرْطِ ضَعِيفٌ، ولا سِيَّما، وبَعْدَها مَعْرِفَةٌ. و(مِن) الثّانِيَةُ لِتَبْيِينِ الإبْهامِ في (ومَن يَعْمَلْ) . وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ”أوْ“ فِى قَوْلِهِ: ﴿لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكم مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾ [آل عمران: ١٩٥] جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، وقَيَّدَ في عَمَلِ الإنْسانِ؛ لِأنَّهُ لَوْ عَمِلَ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ ما عَمِلَ فَلا يَنْفَعُهُ إلّا أنْ كانَ مُؤْمِنًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإذا أبْطَلَ اللَّهُ الأمانِيَّ، وأثْبَتَ أنَّ الأمْرَ كُلَّهُ مَعْقُودٌ بِالعَمَلِ الصّالِحِ، وأنَّ مَن أصْلَحَ عَمَلَهُ فَهو الفائِزُ، ومَن أساءَ عَمَلَهُ فَهو الهالِكُ، تَبَيَّنَ الأمْرُ، ووَضَحَ، ووَجَبَ قَطْعُ الأمانِيِّ، وحَسْمُ المَطامِعِ والإقْبالُ عَلى العَمَلِ الصّالِحِ؛ ولَكِنَّهُ نُصْحٌ لا تَعِيهِ الآذانُ، ولا تُلْقى إلَيْهِ الأذْهانُ انْتَهى. والَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ الآيَةُ، أنَّ الإيمانَ شَرْطٌ في الِانْتِفاعِ بِالعَمَلِ؛ لِأنَّ العَمَلَ شَرْطٌ في صِحَّةِ الإيمانِ.
﴿ولا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ ظاهِرُهُ: أنَّهُ يَعُودُ إلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ، ويَكُونُ حُكْمُ الكُفّارِ كَذَلِكَ. إذْ ذِكْرُ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ يَدُلُّ عَلى الآخَرِ أنَّ كِلاهُما يُجْزى بِعَمَلِهِ، ولِأنَّ ظُلْمَ المُسِيءِ أنَّهُ يُزادُ في عِقابِهِ. ومَعْلُومٌ أنَّهُ تَعالى لا يَزِيدُ في عِقابِ المُجْرِمِ؛ فَكانَ ذِكْرُهُ مُسْتَغْنًى عَنْهُ. والمُحْسِنُ لَهُ ثَوابٌ، وتَوابِعُ لِلثَّوابِ مِن فَضْلِ اللَّهِ هي في حُكْمِ الثَّوابِ، فَجازَ أنْ يَنْقُصَ مِنَ الفَضْلِ. فَنَفْيُ الظُّلْمِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لا يَقَعُ نَقْصٌ في الفَضْلِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ، في: ولا يُظْلَمُونَ إلى الفَرِيقَيْنِ، عامِلُ السُّوءِ، وعامِلُ الصّالِحاتِ. وقَرَأ: يُدْخَلُونَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ هُنا وفي مَرْيَمَ وأوَّلَيْ غافِرٍ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عُمَرَ وأبُو بَكْرٍ. وقَرَأ كَذَلِكَ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ في ثانِيَةِ غافِرٍ. وقَرَأ كَذَلِكَ أبُو عَمْرٍو في فاطِرٍ. وقَرَأ الباقُونَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ.
﴿ومَن أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهو مُحْسِنٌ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَحْوِهِ في قَوْلَيْنِ مِن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهو مُحْسِنٌ.
﴿واتَّبَعَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ حَنِيفًا في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥] واتِّباعُهُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في التَّوْحِيدِ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: في القِيامِ لِلَّهِ بِما فَرَضَهُ. وقِيلَ: في جَمِيعِ شَرِيعَتِهِ إلّا ما نُسِخَ مِنها.
﴿واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا﴾ هَذا مَجازٌ عَنِ اصْطِفائِهِ واخْتِصاصِهِ بِكَرامَةٍ تُشْبِهُ كَرامَةَ الخَلِيلِ عِنْدَ خَلِيلِهِ. وتَقَدَّمَ اشْتِقاقُ الخَلِيلِ في المُفْرَداتِ. والجُمْهُورُ: عَلى أنَّها مِنَ الخُلَّةِ وهي المَوَدَّةُ الَّتِي لَيْسَ فِيها خَلَلٌ. وقَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى الهاشِمِيِّ: إنَّهُ إنَّما سُمِّيَ خَلِيلًا لِأنَّهُ تَخَلّى عَمّا سِوى خَلِيلِهِ. فَإنْ كانَ فَسَّرَ المَعْنى فَيُمْكِنُ، وإنْ كانَ أرادَ الِاشْتِقاقَ فَلا يَصِحُّ لِاخْتِلافِ المادَّتَيْنِ. «وعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: يا جِبْرِيلُ بِمَ اتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا ؟ قالَ: لِإطْعامِهِ الطَّعامَ»، والكَرامَةُ الَّتِي أكْرَمَهُ اللَّهُ بِها ذَكَرُوها في قِصَّةٍ مُطَوَّلَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَضْمُونُها: (p-٣٥٧)أنَّ اللَّهَ قَلَبَ لَهُ غَرائِرَ الرَّمْلِ دَقِيقًا حُوّارًى عَجَنَ وخَبَزَ وأطْعَمَ النّاسَ مِنهُ.
وعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «اتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا ومُوسى نَجِيًّا واتَّخَذَنِي حَبِيبًا ثُمَّ قالَ: وعِزَّتِي وجَلالِي لَأُوثِرَنَّ حَبِيبِي عَلى خَلِيلِي ونَجِيِّي» لَمّا أثْنى عَلى مَنِ اتَّبَعَ مِلَّةً إبْراهِيمَ أخْبَرَ بِمَزِيَّتِهِ عِنْدَهُ واصْطِفائِهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أدْعى إلى اتِّباعِهِ. لِأنَّ مَنِ اخْتَصَّهُ اللَّهُ بِالخُلَّةِ جَدِيرٌ بِأنْ يُتَّبَعَ أوْ لِيُبَيِّنَ أنَّ تِلْكَ الخُلَّةَ إنَّما سَبَبُها حَنِيفِيَّةُ إبْراهِيمَ عَنْ سائِرِ الأدْيانِ إلى دِينِ الحَقِّ كَقَوْلِهِ: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] أيْ قُدْوَةً لِإتْمامِكَ تِلْكَ الكَلِماتِ. ونَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى أنَّ مَن عَمِلَ بِشَرْعِهِ كانَ لَهُ نَصِيبٌ مِن مَقامِهِ. ولَيْسَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةً عَلى الجُمْلَةِ قَبْلَها، لِأنَّ الجُمْلَةَ قَبْلَها مَعْطُوفَةٌ عَلى صِلَةِ (مَن)، ولا تَصْلُحُ هَذِهِ لِلصِّلَةِ؛ وإنَّما هي مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ الَّتِي مَعْناها الخَبَرُ، أيْ: لا أحَدَ أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ، نَبَّهَتْ عَلى شَرَفِ المَنبَعِ وفَوْزِ المُتَّبِعِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ ؟ قُلْتُ: هي جُمْلَةٌ اعْتِراضِيَّةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ كَنَحْوِ ما يَجِيءُ في الشِّعْرِ مِن قَوْلِهِمْ: والحَوادِثُ جَمَّةٌ، وفائِدَتُها تَأْكِيدُ وُجُوبِ اتِّباعِ مِلَّتِهِ؛ لِأنَّ مَن بَلَغَ مِنَ الزُّلْفى عِنْدَ اللَّهِ أنِ اتَّخَذَهُ خَلِيلًا كانَ جَدِيرًا بِأنْ تُتَّبَعَ مِلَّتُهُ وطَرِيقَتُهُ، انْتَهى. فَإنْ عَنى بِالِاعْتِراضِ غَيْرَ المُصْطَلَحِ عَلَيْهِ في الضَّوْءِ فَيُمْكِنُ أنْ يَصِحَّ قَوْلُهُ؛ كَأنَّهُ يَقُولُ: اعْتَرَضْتُ الكَلامَ. وإنْ عَنى بِالِاعْتِراضِ المُصْطَلَحَ عَلَيْهِ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، إذْ لا يَعْتَرِضُ إلّا بَيْنَ مُفْتَقِرَيْنِ كَصِلَةٍ ومَوْصُولٍ، وشَرْطٍ وجَزاءٍ، وقَسَمٍ ومُقْسَمٍ عَلَيْهِ، وتابِعٍ ومَتْبُوعٍ، وعامِلٍ ومَعْمُولٍ. وقَوْلُهُ: كَنَحْوِ ما يَجِيءُ في الشِّعْرِ مِن قَوْلِهِمْ: والحَوادِثُ جَمَّةٌ، فالَّذِي نَحْفَظُهُ أنَّ مَجِيءَ الحَوادِثِ جَمَّةً إنَّما هو بَيْنَ مُفْتَقِرَيْنِ نَحْوَ قَوْلِهِ:
؎وقَدْ أدْرَكَتْنِي والحَوادِثُ جَمَّةٌ ∗∗∗ أسِنَّةُ قَوْمٍ لا ضِعافٌ ولا عُزْلُ
ونَحْوَ قَوْلِ الآخَرِ:
؎ألا هَلْ أتاها والحَوادِثُ جَمَّةٌ ∗∗∗ بِأنَّ أمْرَأ القَيْسِ بْنَ تَمْلِكَ بَيْقَرا
ولا نَحْفَظُهُ جاءَ آخِرَ كَلامٍ.
النساء 4:124
﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦] تَقَدَّمَ مِثْلُ تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، ونَزَلَتْ قِيلَ في طُعْمَةَ. وقِيلَ في نَفَرٍ مِن قُرَيْشٍ أسْلَمُوا، ثُمَّ انْقَلَبُوا إلى مَكَّةَ مُرْتَدِّينَ. وقِيلَ في شَيْخٍ قالَ: لَمْ أُشْرِكْ بِاللَّهِ مُنْذُ عَرَفْتُهُ؛ إلّا أنَّهُ كانَ يَأْتِي ذُنُوبًا، وأنَّهُ نَدِمَ، واسْتَغْفَرَ، إلّا أنَّ آخِرَ ما تَقَدَّمَ فَقَدِ افْتَرى إثْمًا عَظِيمًا، وآخِرُ هَذِهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا خُتِمَتْ كُلُّ آيَةٍ بِما يُناسِبُها. فَتِلْكَ كانَتْ في أهْلِ الكِتابِ، وهم مُطَّلِعُونَ مِن كُتُبِهِمْ عَلى ما لا يَشُكُّونَ في صِحَّتِهِ مِن أمْرِ الرَّسُولِ، ووُجُوبِ اتِّباعِ شَرِيعَتِهِ، ونَسْخِها لِجَمِيعِ الشَّرائِعِ، ومَعَ ذَلِكَ قَدْ أشْرَكُوا بِاللَّهِ مَعَ أنَّ عِنْدَهم ما يَدُلُّ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى والإيمانِ بِما نَزَلَ؛ فَصارَ ذَلِكَ افْتِراءً واخْتِلافًا مُبالَغًا في العِظَمِ والجُرْأةُ عَلى اللَّهِ.
وهَذِهِ الآيَةُ هي في ناسٍ مُشْرِكِينَ لَيْسُوا بِأهْلِ كُتُبٍ ولا عُلُومٍ؛ ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ جاءَهم بِالهُدى مِنَ اللَّهِ وبانَ لَهم طَرِيقُ الرُّشْدِ؛ فَأشْرَكُوا بِاللَّهِ، فَضَّلُوا بِذَلِكَ ضَلالًا يُسْتَبْعَدُ وُقُوعُهُ، أوْ يَبْعُدُ عَنِ الصَّوابِ. ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ: ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا إناثًا﴾، وجاءَ بَعْدَ تِلْكَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ٤٩]، وقَوْلُهُ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [النساء: ٥٠]، ولَمْ يَخْتَلِفْ أحَدٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ في أنَّ المُرادَ بِهِمُ اليَهُودُ، وإنْ كانَ اللَّفْظُ عامًّا. ولَمّا كانَ الشِّرْكُ مِن أعْظَمِ الكَبائِرِ؛ كانَ الضَّلالُ النّاشِئُ عَنْهُ بَعِيدًا عَنِ الصَّوابِ؛ لِأنَّ غَيْرَهُ مِنَ المَعاصِي، وإنْ كانَ ضَلالًا لَكِنَّهُ قَرِيبٌ مِن أنْ يُراجِعَ صاحِبُهُ الحَقَّ؛ لِأنَّ لَهُ رَأْسَ مالٍ يَرْجِعُ إلَيْهِ، وهو الإيمانُ، بِخِلافِ المُشْرِكِ. ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وما لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هو الضَّلالُ البَعِيدُ﴾ [الحج: ١٢]، وناسَبَ هُنا ذِكْرُ الضَّلالِ لِتَقَدُّمِ الهُدى قَبْلَهُ.
﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا إناثًا﴾ المَعْنى: ما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، ويَتَّخِذُونَهُ إلَهًا إلّا مُسَمَّياتٍ تَسْمِيَةَ الإناثِ. وكَنّى بِالدُّعاءِ عَنِ العِبادَةِ؛ لِأنَّ مَن عَبَدَ شَيْئًا دَعاهُ عِنْدَ حَوائِجِهِ ومَصالِحِهِ. وكانُوا يُحَلُّونَ الأصْنامَ بِأنْواعِ الحُلِيِّ ويُسَمُّونَها أُنْثى، وإناثٌ جَمْعُ أُنْثى كَرِبابٍ جَمْعُ رُبّى. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ: المُرادُ الخَشَبُ والحِجارَةُ؛ فَهي مُؤَنَّثاتٌ لا تَعْقِلُ؛ فَيُخْبَرُ عَنْها كَما يُخْبَرُ عَنِ المُؤَنَّثِ مِنَ الأشْياءِ. فَيَجِيءُ قَوْلُهُ ﴿إلّا إناثًا﴾ عِبارَةً عَنِ الجَماداتِ. وقالَ أبُو مالِكٍ والسُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهم: كانَتِ العَرَبُ تُسَمِّي أصْنامَها بِأسْماءٍ مُؤَنَّثَةٍ كاللّاتِ (p-٣٥٢)والعُزّى ومَناةَ ونايِلَةَ. ويُرَدُّ عَلى هَذا بِأنَّها كانَتْ تُسَمّى أيْضًا بِأسْماءٍ مُذَكَّرَةٍ: كَهُبَلَ، وذِي الخُلَصَةِ.
وقالَ الضَّحّاكُ وغَيْرُهُ: المُرادُ ما كانَتِ العَرَبُ تَعْتَقِدُهُ مِن تَأْنِيثِ المَلائِكَةِ وعِبادَتِهِمْ إيّاها؛ فَقِيلَ لَهم: هَذا عَلى إقامَةِ الحُجَّةِ مِن فاسِدِ قَوْلِهِمْ. وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَكُنْ حَيٌّ مِن أحْياءِ العَرَبِ إلّا ولَهم صَنَمٌ يَعْبُدُونَهُ يُسَمُّونَهُ أُنْثى بَنِي فُلانٍ، وفي هَذا تَعْبِيرُهم بِالتَّأْنِيثِ؛ لِنَقْصِهِ وخَساسَتِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلتَّذْكِيرِ. وقالَ الرّاغِبُ: أكْثَرُ ما عَبَدَتْهُ العَرَبُ مِنَ الأصْنامِ كانَتْ أشْياءَ مُنْفَعِلَةً غَيْرَ فاعِلَةٍ؛ فَبَكَّتْهُمُ اللَّهُ تَعالى أنَّهم مَعَ كَوْنِهِمْ فاعِلِينَ مِن وجْهٍ يَعْبُدُونَ ما لَيْسَ هو إلّا مُنْفَعِلًا مِن كُلِّ وجْهٍ، وعَلى هَذا نَبَّهَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ﴾ [مريم: ٤٢] .
وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: إنْ تَدْعُونَ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ ورُوِيَتْ عَنْ عاصِمٍ. وفي مُصْحَفِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها (إلّا أوْثانًا) جَمْعُ وثَنٍ، وهو الصَّنَمُ. وقَرَأ بِذَلِكَ أبُو السِّوارِ والهَنائِيُّ. وقَرَأ الحَسَنُ: (إلّا أُنْثى) عَلى التَّوْحِيدِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو حَيْوَةَ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو نَهِيكٍ، ومُعاذٌ القارِئُ (أُنْثًا) . قالَ الطَّبَرِيُّ: فِيما حَكى إناثٌ كَثِمارٍ وثَمَرٍ. وقالَ غَيْرُهُ: أنَثٌ جَمْعُ أنِيثٍ، كَغَرِيرٍ وغَرَرٍ. وقالَ المَغْرِبِيُّ: إلّا إناثًا إلّا ضِعافًا عاجِزِينَ لا قُدْرَةَ لَهم؛ يُقالُ: سَيْفٌ أنِيثٌ، ومِيناثَةٌ بِالهاءِ، ومَيْناثٌ غَيْرُ قاطِعٍ. قالَ الشّاعِرُ:
؎فَتُخْبِرُنِي بِأنَّ العَقْلَ عِنْدِي جُرازٌ لا أقَلَّ ولا أنِيثُ
أنَّثَ في أمْرِهِ: لانَ، والأنِيثُ المُخَنَّثُ الضَّعِيفُ مِنَ الرِّجالِ. وقَرَأ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ: (إلّا وثَنًا) بِفَتْحِ الواوِ والثّاءِ مِن غَيْرِ هَمْزَةٍ. وقَرَأ ابْنُ المُسَيَّبِ، ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ عُمَرَ، وعَطاءٍ: (إلّا أثَنًا) يُرِيدُونَ وثَنًا، فَأبْدَلَ الهَمْزَةَ واوًا، وخَرَجَ عَلى أنَّهُ جَمْعُ جَمْعٍ؛ إذْ أصْلُهُ وثَنٌ، فَجُمِعَ عَلى وِثانٍ كَجَمَلٍ وجِمالٍ، ثُمَّ وِثانٍ عَلى وُثُنٍ كَمِثالٍ ومُثُلٍ، وحِمارٍ وحُمُرٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا خَطَأٌ؛ لِأنَّ فِعالًا في جَمْعِ فِعْلٍ إنَّما هو لِلتَّكْثِيرِ، والجَمْعُ الَّذِي هو لِلتَّكْثِيرِ لا يُجْمَعُ؛ وإنَّما يُجْمَعُ جُمُوعَ التَّقْلِيلِ، والصَّوابُ أنْ يُقالَ: وُثْنٌ جَمْعُ وثَنٍ دُونَ واسِطَةٍ، كَأسَدٍ وأُسْدٍ انْتَهى. ولَيْسَ قَوْلُهُ: وإنَّما يُجْمَعُ جُمُوعُ التَّقْلِيلِ بِصَوابٍ كامِلٍ، الجُمُوعُ مُطْلَقًا لا يَجُوزُ أنْ تُجْمَعَ بِقِياسٍ سَواءٌ كانَتْ لِلتَّكْثِيرِ أمْ لِلتَّقْلِيلِ، نَصَّ عَلى ذَلِكَ النَّحْوِيُّونَ. وقَرَأ أيُّوبُ السِّجِسْتانِيُّ: (إلّا وُثُنًا) بِضَمِّ الواوِ والثّاءِ مِن غَيْرِ هَمْزَةٍ، كَشُقَقٍ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: إلّا أثْنًا بِسُكُونِ الثّاءِ، وأصْلُهُ وثْنًا، فاجْتَمَعَ في هَذا اللَّفْظِ ثَمانِي قِراءاتٍ: إناثًا، وأُنْثًا، وأوْثانًا، ووَثْنًا، ووُثُنًا، واثِنًا، وأثَنًا.
﴿وإنْ يَدْعُونَ إلّا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ المُرادُ بِهِ إبْلِيسُ قالَهُ الجُمْهُورُ، وهو الصَّوابُ؛ لِأنَّ ما قالَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مُبَيِّنٌ أنَّهُ هو. وقِيلَ الشَّيْطانُ المُعَيَّنُ بِكُلِّ صَنَمٍ: أُفْرِدَ لَفْظًا، وهو مَجْمُوعٌ في المَعْنى، الواحِدُ يَدُلُّ عَلى الجِنْسِ. قِيلَ كانَ يَدْخُلُ في أجْوافِ الأصْنامِ، فَيُكَلِّمُ داعِيَها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لَعَنَهُ اللَّهُ صِفَةً، وأنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْهُ. وقِيلَ هو دُعاءٌ، ولا يَتَعارَضُ الحَصْرانِ؛ لِأنَّ دُعاءَ الأصْنامِ ناشِئٌ عَنْ دُعائِهِمُ الشَّيْطانَ، لَمّا عَبَدُوا الشَّيْطانَ أغْراهم بِعِبادَةِ الأصْنامِ أوْ لِاخْتِلافِ الدُّعاءَيْنِ؛ فالأوَّلُ عِبادَةٌ والثّانِي طَواعِيَةٌ. وقالَ ابْنُ عِيسى: هو مِثْلُ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ [الأنفال: ١٧] يَعْنِي أنَّ نِسْبَةَ دُعائِهِمُ الأصْنامَ هو عَلى سَبِيلِ المَجازِ. وأمّا في الحَقِيقَةِ فَهم يَدْعُونَ الشَّيْطانَ.
﴿وقالَ لَأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾؛ أيْ نَصِيبًا واجِبًا؛ اقْتَطَعْتُهُ لِنَفْسِي مِن قَوْلِهِمْ: فَرَضَ لَهُ في العَطاءِ، وفَرْضُ الجُنْدِ: رِزْقُهم. والمَعْنى: لَأسْتَخْلِصَنَّهم لِغَوايَتِي، ولَأخُصَّنَّهم بِإضْلالِي، وهُمُ الكَفَرَةُ والعُصاةُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَفْرُوضُ هُنا مَعْناهُ المُنْحازُ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الفَرْضِ، وهو الحَزُّ في العُودِ وغَيْرِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ واجِبًا إنِ اتَّخَذَهُ، وبَعْثُ النّارِ هو نَصِيبُ إبْلِيسَ. قالَ الحَسَنُ: مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وتِسْعُونَ، قالُوا: ولَفْظُ نَصِيبٍ يَتَناوَلُ القَلِيلَ فَقَطْ. والنَّصُّ أنَّ أتْباعَ إبْلِيسَ هُمُ (p-٣٥٣)الكَثِيرُ بِدَلِيلِ: ﴿لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٢] ﴿فاتَّبَعُوهُ إلّا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [سبإ: ٢٠]، وهَذا مُتَعارِضٌ.
وأُجِيبَ أنَّ التَّفاوُتَ إنَّما يَحْصُلُ في نَوْعِ البَشَرِ، أمّا إذا ضَمَمْتَ أنْواعَ المَلائِكَةِ مَعَ كَثْرَتِهِمْ إلى المُؤْمِنِينَ كانَتِ الكَثْرَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ. وأيْضًا فالمُؤْمِنُونَ؛ وإنْ كانُوا قَلِيلِينَ في العَدَدِ؛ نُصِيبُهم عَظِيمٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. والكُفّارُ والفُسّاقُ، وإنْ كانُوا كَثِيرِينَ فَهم كالعَدَمِ. انْتَهى تَلْخِيصُ ما أُجِيبَ بِهِ. والَّذِي أقُولُ: إنَّ لَفْظَ نَصِيبٍ لا يَدُلُّ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٧] الآيَةَ. والواوُ: قِيلَ عاطِفَةٌ، وقِيلَ واوُ الحالِ.
﴿ولَأُضِلَّنَّهم ولَأُمَنِّيَنَّهم ولَآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ ولَآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ هَذِهِ خَمْسَةٌ أقْسَمَ إبْلِيسُ عَلَيْها: أحَدُها: اتِّخاذُ نَصِيبٍ مِن عِبادِ اللَّهِ، وهو اخْتِيارُهُ إيّاهم. والثّانِي: إضْلالُهم، وهو صَرْفُهم عَنِ الهِدايَةِ وأسْبابِها. والثّالِثُ: تَمْنِيَتُهُ لَهم، وهو التَّسْوِيلُ، ولا يَنْحَصِرُ في نَوْعٍ واحِدٍ؛ لِأنَّهُ يُمَنِّي كُلَّ إنْسانٍ بِما يُناسِبُ حالَهُ مِن طُولِ عُمْرٍ وبُلُوغِ وطَرٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، وهي كُلُّها أمانِيُّ كَواذِبُ باطِلَةٌ. وقِيلَ الأمانِيُّ تَأْخِيرُ التَّوْبَةِ. وقِيلَ هي اعْتِقادٌ أنْ لا جَنَّةَ ولا نارَ ولا بَعْثَ ولا حِسابَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَأُمَنِّيَنَّهُمُ الأمانِيَّ الباطِلَةَ مِن طُولِ الأعْمارِ، وبُلُوغِ الآمالِ، ورَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى لِلْمُجْرِمِينَ بِغَيْرِ تَوْبَةٍ والخُرُوجِ مِنَ النّارِ بَعْدَ دُخُولِها بِالشَّفاعَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ، انْتَهى. وهَذا عَلى مَنزَعِهِ الِاعْتِزالِيِّ، ووَلُوعِهِ بِتَفْسِيرِ كِتابِ اللَّهِ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ إشْعارِ لَفْظِ القُرْآنِ بِما يَقُولُهُ ويَنْحِلُهُ. والرّابِعُ: أمْرُهُ إيّاهُمُ النّاشِئُ عَنْهُ تَبْتِيكِ آذانِ الأنْعامِ، وهو فِعْلُهم بِالبَحائِرِ كانُوا يَشُقُّونَ آذانَ النّاقَةِ إذا ولَدَتْ خَمْسَةَ أبْطُنٍ. وجاءَ الخامِسُ ذَكَرًا، وحَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ الِانْتِفاعَ بِها؛ قالَهُ عِكْرِمَةُ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ. وقِيلَ فِيهِ إشارَةٌ إلى كُلِّ ما جَعَلَهُ اللَّهُ كامِلًا بِفِطْرَتِهِ، فَجَعَلَ الإنْسانَ ناقِصًا بِسُوءِ تَدْبِيرِهِ. والخامِسُ أمْرُهُ إيّاهُمُ النّاشِئُ عَنْهُ تَغْيِيرُ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وإبْراهِيمُ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ وغَيْرُهم. أرادَ تَغْيِيرَ دِينِ اللَّهِ؛ ذَهَبُوا في ذَلِكَ إلى الِاحْتِجاجِ بِقَوْلِهِ: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]
أيْ لِدِينِ اللَّهِ. والتَّبْدِيلُ يَقَعُ مَوْقِعَةَ التَّغْيِيرِ؛ وإنْ كانَ التَّغْيِيرُ أعَمَّ مِنهُ. ولَفْظُ ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] خَبَرٌ، ومَعْناهُ: النَّهْيُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنهُمُ الزَّجّاجُ: هو جَعْلُ الكُفّارِ آلِهَةً لَهم ما خُلِقَ لِلِاعْتِبارِ بِهِ مِنَ الشَّمْسِ والنّارِ والحِجارَةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا عَبَدُوهُ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ والحَسَنُ: هو الوَشْمُ، وما جَرى مَجْراهُ مِنَ التَّصَنُّعِ لِلتَّحْسِينِ، فَمِن ذَلِكَ الحَدِيثُ في: «لَعْنِ الواشِماتِ والمُسْتَوْشِماتِ والمُتَنَمِّصاتِ والمُتَفَلِّجاتِ المُغَيِّراتِ خَلْقَ اللَّهِ، ولَعْنِ الواصِلَةِ والمُسْتَوْصِلَةِ»، انْتَهى.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وأنَسٌ، وعِكْرِمَةُ، وأبُو صالِحٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ أيْضًا: هو الخِصاءُ، وهو في بَنِي آدَمَ مَحْظُورٌ. وكَرِهَ أنَسٌ خِصاءَ الغَنَمِ، وقَدْ رَخَّصَ جَماعَةٌ فِيهِ لِمَنفَعَةِ السِّمَنِ في المَأْكُولِ، ورَخَّصَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ في خِصاءِ الخَيْلِ. وقِيلَ لِلْحَسَنِ: إنَّ عِكْرِمَةَ قالَ هو الخِصاءُ، قالَ: كَذَبَ عِكْرِمَةُ، هو دِينُ اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ التَّخَنُّتُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو فَقْءُ عَيْنِ الحامِي، وإعْفاؤُهُ عَنِ الرُّكُوبِ، انْتَهى. وناسَبَ هَذا أنَّهُ ذَكَرَ أثَرَ ذَلِكَ تَبْتِيكَ آذانِ الأنْعامِ فَناسَبَ أنْ يَكُونَ التَّغْيِيرُ هَذا. وقِيلَ تَغْيِيرُ خَلْقِ اللَّهِ هو أنَّ كُلَّ ما يُوجِدُهُ اللَّهُ لِفَضِيلَةٍ؛ فاسْتَعانَ بِهِ في رَذِيلَةٍ، فَقَدْ غَيَّرَ خَلْقَهُ. وقَدْ دَخَلَ في عُمُومِهِ ما جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْإنْسانِ مِن شَهْوَةِ الجِماعِ، لِيَكُونَ سَبَبًا لِلتَّناسُلِ عَلى وجْهٍ مَخْصُوصٍ؛ فاسْتَعانَ بِهِ في السِّفاحِ واللِّواطِ؛ فَذَلِكَ تَغْيِيرُ خَلْقِ اللَّهِ. وكَذَلِكَ المُخَنَّثُ إذا نَتَفَ لِحْيَتَهُ، وتَقَنَّعَ تَشَبُّهًا بِالنِّساءِ، والفَتاةُ إذا تَرَجَّلَتْ مُتَشَبِّهَةً بِالفِتْيانِ. وكُلُّ ما حَلَّلَهُ اللَّهُ، فَحَرَّمُوهُ أوْ حَرَّمَهُ تَعالى فَحَلَّلُوهُ. وعَلى ذَلِكَ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالًا﴾ [يونس: ٥٩] وإلى هَذِهِ الجُمْلَةِ أشارَ المُفَسِّرُونَ، ولِهَذا قالُوا: هو تَغْيِيرُ أحْكامِ اللَّهِ. وقِيلَ هو تَغْيِيرُ الإنْسانِ بِالِاسْتِلْحاقِ أوِ النَّفْيِ. وقِيلَ خِضابُ الشَّيْبِ بِالسَّوادِ. وقِيلَ مُعاقَبَةُ الوُلاةِ بَعْضَ الجُناةِ بِقَطْعِ الآذانِ، وشَقِّ المَناخِرِ وكَلِّ العُيُونِ، (p-٣٥٤)وقَطْعِ الأُنْثَيَيْنِ. ومَن فَسَّرَ بِالوَشْمِ أوِ الخِصاءِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا هو خاصٌّ في التَّغْيِيرِ؛ فَإنَّما ذَلِكَ عَلى جِهَةِ التَّمْثِيلِ لا الحَصْرِ. وفي حَدِيثِ عِياضٍ المُجاشِعِيِّ: «وإنِّي خَلَقْتُ عِبادِي حُنَفاءَ كُلَّهم، وإنَّ الشَّياطِينَ ألْهَتْهم وأحالَتْهم عَنْ دِينِهِمْ؛ فَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ ما أحْلَلْتُ لَهم، وأمَرْتُهم أنْ لا يُشْرِكُوا بِي ما لَمْ أُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا، وأمَرَتْهم أنْ لا يُغَيِّرُوا خَلْقِي» .
ومَفْعُولُ أمَرَ الثّانِي مَحْذُوفٌ؛ أيْ ولَآمُرَنَّهم بِالتَّبْتِيكِ فَلَيُبَتِّكُنَّ، ولَآمُرُنَّهم بِالتَّغَيُّرِ فَلَيُغَيِّرُنَّ. وحُذِفَ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: ولَآمُرَنَّهم بِغَيْرِ ألِفٍ؛ كَذا قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقَرَأ أُبَيٌّ: وأُضِلَّنَّهم، وأُمَنِّيَنَّهم، وآمُرُنَّهم، انْتَهى. فَتَكُونُ جُمَلًا مَقُولَةً، لا مُقْسَمًا عَلَيْها. وجاءَ تَرْتِيبُ هَذِهِ الجُمَلِ المُقْسَمِ عَلَيْها في غايَةٍ مِنَ الفَصاحَةِ؛ بَدَأ أوَّلًا بِاسْتِخْلاصِ الشَّيْطانِ نَصِيبًا مِنهم، واصْطِفائِهِ إيّاهم، ثُمَّ ثانِيًا بِإضْلالِهِمْ، وهو عِبارَةٌ عَمّا يَحْصُلُ في عَقائِدِهِمْ مِنَ الكُفْرِ، ثُمَّ ثالِثًا بِتَمْنِيَتِهِمُ الأمانِيَّ الكَواذِبَ والإطْماعاتِ الفارِغَةَ، ثُمَّ رابِعًا بِتَبْتِيكِ آذانِ الأنْعامِ، هو حُكْمٌ لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ فِيهِ، ثُمَّ خامِسًا بِتَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ، وهو شامِلٌ لِلتَّبْتِيكِ وغَيْرِهِ مِنَ الأحْكامِ الَّتِي شَرَعَها لَهم. وإنَّما بَدَأ بِالأمْرِ بِالتَّبْتِيكِ، وإنْ كانَ مُنْدَرِجًا تَحْتَ عُمُومِ التَّغْيِيرِ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ اسْتِدْراجًا لِما يَكُونُ بَعْدَهُ مِنَ التَّغْيِيرِ العامِّ، واسْتِيضاحًا مِن إبْلِيسَ طَواعِيَتَهم في أوَّلِ شَيْءٍ يُلْقِيهِ إلَيْهِمْ، فَيَعْلَمَ بِذَلِكَ قَبُولَهم لَهُ. فَإذا قَبِلُوا ذَلِكَ أمَرَهم بِجَمِيعِ التَّغْيِيراتِ الَّتِي يُرِيدُها مِنهم، كَما يَفْعَلُ الإنْسانُ بِمَن يَقْصِدُ خِداعَهُ: يَأْمُرُهُ أوَّلًا بِشَيْءٍ سَهْلٍ؛ فَإذا رَآهُ قَدْ قَبِلَ ما ألْقاهُ إلَيْهِ مِن ذَلِكَ أمَرَهُ بِجَمِيعِ ما يُرِيدُ مِنهُ. وإقْسامُ إبْلِيسَ عَلى هَذِهِ الأشْياءِ لَيَفْعَلَنَّها يَقْتَضِي عِلْمَ ذَلِكَ، وأنَّها تَقَعُ إمّا لِقَوْلِهِ تَعالى.
﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥] أوْ؛ لِكَوْنِهِ عَلِمَ ذَلِكَ مِن جِهَةِ المَلائِكَةِ، أوْ لِكَوْنِهِ لَمّا اسْتَزَلَّ آدَمَ عَلِمَ أنَّ ذُرِّيَّتَهُ أضْعَفُ مِنهُ.
﴿ومَن يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ ولِيًّا مِن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا﴾؛ أيْ مِن يُؤْثِرُ حَظَّ الشَّيْطانِ عَلى حَظِّهِ مِنَ اللَّهِ. وكَأنَّهُ لَمّا قالَ إبْلِيسُ: لَأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا، فَذَكَرَ أنَّهُ يَصْطَفِيهِمْ لِنَفْسِهِ، أخْبَرَ أنَّهم قَبِلُوا ذَلِكَ الِاتِّخاذَ، وانْفَعَلُوا لَهُ؛ فاتَّخَذُوهُ ولِيًّا مِن دُونِ اللَّهِ. والوَلِيُّ هُنا قالَ مُقاتِلٌ: بِمَعْنى الرَّبِّ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: مِنَ المُوالاةِ، ورَتَّبَ عَلى هَذا الِاتِّخاذِ الخُسْرانَ المُبِينَ؛ لِأنَّ مَن تَرَكَ حَظَّهُ مِنَ اللَّهِ لِحَظِّ الشَّيْطانِ فَقَدْ خَسِرَتْ صَفْقَتُهُ. وقَوْلُهُ: مِن دُونِ اللَّهِ، قَيْدٌ لازِمٌ؛ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَتَّخِذَ الشَّيْطانَ ولِيًّا إلّا إذا لَمْ يَتَّخِذِ اللَّهَ ولِيًّا، ولا يُمْكِنُ أنْ يَتَّخِذَ الشَّيْطانَ ولِيًّا، ويَتَّخِذَ اللَّهَ ولِيًّا؛ لِأنَّهُما طَرِيقانِ مُتَبايِنانِ، لا يَجْتَمِعانِ، هُدًى وضَلالَةٌ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ مُحَذِّرَةٌ مِنَ اتِّباعِ الشَّيْطانِ.
﴿يَعِدُهم ويُمَنِّيهِمْ﴾ لَفْظانِ مُتَقارِبانِ؛ والمَعْنى: أنَّ الَّذِي أقْسَمَ عَلَيْهِ مِن أنْ يُمَنِّيَهم وقَعَ بِإخْبارِ اللَّهِ تَعالى عَنْهُ بِذَلِكَ، واكْتَفى مِنَ الإخْبارِ عَنْ وُقُوعِ تِلْكَ الجُمَلِ الَّتِي أقْسَمَ عَلَيْها إبْلِيسُ بِوُضُوحِها، وظُهُورِها. ولَمّا كانَ الوَعْدُ والتَّمْنِيَةُ مِن أُمُورِ الباطِنِ أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ بِها. والمَعْنى: أنَّهُ يَعِدُهم بِالأُمُورِ الباطِلَةِ والزَّخارِفِ الكاذِبَةِ، وأنَّهُ لا ثَوابَ، ولا عِقابَ.
﴿وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلّا غُرُورًا﴾ قَرَأ الأعْمَشُ: وما يَعِدُهم بِسُكُونِ الدّالِ خُفِّفَ؛ لِتَوالِي الحَرَكاتِ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الغُرُورِ، ومَعْناهُ: هُنا الخُدَعُ الَّتِي تُظَنُّ نافِعَةً، ويَكْشِفُ الغَيْبُ أنَّها ضارَّةٌ. واحْتَمَلَ النَّصْبُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا، أوْ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ، أوْ مَصْدَرًا عَلى غَيْرِ الصَّدْرِ؛ لِتَضْمِينِ يَعِدُهم مَعْنى يَغُرُّهم، ويَكُونُ ثَمَّ وصْفٌ مَحْذُوفٌ؛ أيْ إلّا غُرُورًا واضِحًا أوْ نَحْوَهُ، أوْ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ وعْدًا غُرُورًا أيْ ذا غُرُورٍ.
﴿أُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ ولا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصًا﴾ أخْبَرَ تَعالى أنَّ المَكانَ الَّذِي يَأْوُونَ إلَيْهِ، ويَسْتَقِرُّونَ فِيهِ هو جَهَنَّمُ، وأنَّهم لا يَجِدُونَ عَنْها مَراغًا يَرُوغُونَ إلَيْهِ. وعَنْها لا يَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ؛ لِأنَّها لا تَتَعَدّى بِـ (عْنَ)، ولا بِـ ﴿مَحِيصًا﴾، وإنْ كانَ المَعْنى عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ؛ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَبْيِينًا عَلى إضْمارِ (عَنِّي) . وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ حالًا مِن (مَحِيصٍ)، فَيَتَعَلَّقُ بِـ (مَحِيصٍ)؛ أيْ كائِنًا عَنْها، ولَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً. (p-٣٥٥)﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ لَمّا ذَكَرَ مَأْوى الكُفّارِ، ذَكَرَ مَأْوى المُؤْمِنِينَ، وأسْنَدَ الفِعْلَ إلى نُونِ العَظَمَةِ؛ اعْتِناءً بِأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي يَتَوَلّى إدْخالَهُمُ الجَنَّةَ، وتَشْرِيفًا لَهم. وقُرِئَ: سَيُدْخِلُهم بِالياءِ. ولَمّا رَتَّبَ تَعالى مَصِيرَ مَن كانَ تابِعًا لِإبْلِيسَ إلى النّارِ لِإشْراكِهِ وكُفْرِهِ، وتَغْيِيرِ أحْكامِ اللَّهِ تَعالى؛ رَتَّبَ هُنا دُخُولَ الجَنَّةِ عَلى الإيمانِ، وعَمَلِ الصّالِحاتِ.
﴿وعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ لَمّا ذَكَرَ أنَّ وعْدَ الشَّيْطانِ هو غُرُورٌ باطِلٌ، ذَكَرَ أنَّ هَذا الوَعْدَ مِنهُ تَعالى هو الحَقُّ الَّذِي لا ارْتِيابَ فِيهِ، ولا شَكَّ في إنْجازِهِ. والَّذِينَ مُبْتَدَأٌ وسَيُدْخِلُهُمُ الخَبَرُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ الِاشْتِغالِ؛ أيْ وسَنُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا سَنُدْخِلُهم. وانْتَصَبَ ﴿وعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِغَيْرِهِ؛ فَوَعْدُ اللَّهِ مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ: سَيُدْخِلُهم، وحَقًّا مُؤَكِّدٌ لِوَعْدِ اللَّهِ.
﴿ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ القِيلُ والقَوْلُ واحِدٌ؛ أيْ لا أحَدَ أصْدَقُ قَوْلًا مِنَ اللَّهِ. وهي جُمْلَةٌ مُؤَكِّدَةٌ أيْضًا لِما قَبْلَها. وفائِدَةُ هَذِهِ التَّواكِيدِ المُبالَغَةُ فِيما أخْبَرَ بِهِ تَعالى عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ بِخِلافِ مَواعِيدِ الشَّيْطانِ، وأمانَتِهِ الكاذِبَةِ المُخَلِّفَةِ لِأمانِيهِ.
﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، وأبُو صالِحٍ، ومَسْرُوقٌ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ وغَيْرُهم: الخِطابُ لِلْأُمَّةِ. قالَ بَعْضُهم: اخْتَلَفُوا مَعَ قَوْمٍ مِن أهْلِ الكِتابِ؛ فَقالُوا: دِينُنا أقْدَمُ مِن دِينِكم وأفْضَلُ؛ فَنَبِيُّنا قَبْلَ نَبِيِّكم. وقالَ المُؤْمِنُونَ: كِتابُنا يَقْضِي عَلى الكُتُبِ، ونَبِيُّنا خاتَمُ الأنْبِياءِ، ونَحْوُ هَذا مِنَ المُحاوَرَةِ فَنَزَلَتْ. وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ: الخِطابُ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ؛ وذَلِكَ أنَّهم قالُوا: لَنْ نُبْعَثَ ولَنْ نُعَذَّبَ؛ وإنَّما هي حَياتُنا لَنا فِيها النَّعِيمُ، ثُمَّ لا عَذابَ. وقالَتِ اليَهُودُ: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ، وأحِبّاؤُهُ. إلى نَحْوِ هَذا مِنَ الأقْوالِ كَقَوْلِهِمْ.
(لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى) فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلى الفَرِيقَيْنِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في لَيْسَ: ضَمِيرُ وعْدِ اللَّهِ؛ أيْ لَيْسَ يُنالُ ما وعَدَ اللَّهُ مِنَ الثَّوابِ بِأمانِيِّكم، ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ. والخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ؛ لِأنَّهُ لا يَتَمَنّى وعْدَ اللَّهِ إلّا مَن آمَنَ بِهِ؛ ولِذَلِكَ ذَكَرَ أهْلَ الكِتابِ مَعَهم لِمُشارَكَتِهِمْ لَهم في الإيمانِ. وعَنِ الحَسَنِ: لَيْسَ الإيمانُ بِالتَّمَنِّي؛ ولَكِنْ ما وقَرَ في القَلْبِ وصَدَّقَهُ العَمَلُ، إنَّ قَوْمًا ألْهَتْهم أمانِيُّ المَغْفِرَةِ حَتّى خَرَجُوا مِنَ الدُّنْيا، ولا حَسَنَةَ لَهم، وقالُوا: نُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ، وكَذَبُوا، لَوْ أحْسَنُوا الظَّنَّ بِهِ لَأحْسَنُوا العَمَلَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلْمُشْرِكِينَ؛ لِقَوْلِهِمْ: إنْ كانَ الأمْرُ كَما يَزْعُمُ هَؤُلاءِ، لَنَكُونَنَّ خَيْرًا مِنهم وأحْسَنَ حالًا؛ لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا، إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى. وكانَ أهْلُ الكِتابِ يَقُولُونَ: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ، لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً، ويُعَضِّدَهُ تَقَدُّمُ ذِكْرِ أهْلِ الشِّرْكِ، انْتَهى.
وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ وقَعَ الِاخْتِلافُ في اسْمِ لَيْسَ، وأقَرَّ بِها، إنَّ الَّذِي يَعُودُ الضَّمِيرُ عَلَيْهِ هو الوَعْدُ مِن أنَّهُ تَعالى يُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، ويَلِيهِ أنْ يَعُودَ عَلى الإيمانِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: (والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ) كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الحَسَنُ، ثُمَّ إنَّهُ يَعُودُ عَلى ما وقَعَتْ فِيهِ مُحاوَرَةُ المُؤْمِنِينَ وأهْلِ الكِتابِ، أوْ ما قالَتْهُ قُرَيْشٌ وأهْلُ الكِتابِ عَلى ما مَرَّ ذِكْرُهُ. وقالَ الحَوْفِيُّ: اسْمُ لَيْسَ مُضْمَرٌ فِيها عَلى مَعْنى: لَيْسَ الثَّوابُ عَنِ الحَسَناتِ، ولا العِقابُ عَلى السَّيِّئاتِ بِأمانِيِّكم؛ لِأنَّ الِاسْتِحْقاقَ إنَّما يَكُونُ بِالعَمَلِ لا بِالأمانِيِّ. وقالَ أبُو البَقاءِ: اسَمُ لَيْسَ مُضْمَرٌ فِيها، ولَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ، وإنَّما دَلَّ عَلَيْهِ سَبَبُ الآيَةِ، وذَلِكَ أنَّ اليَهُودَ والنَّصارى، قالُوا: نَحْنُ أصْحابُ الجَنَّةِ. وقالَ المُشْرِكُونَ: لا نُبْعَثُ. فَقالَ: لَيْسَ بِأمانِيِّكم؛ أيْ لَيْسَ ما ادَّعَيْتُمُوهُ بِأمانِيِّكم. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ بْنُ نِصاحٍ، والحَكَمُ، والأعْرَجُ: بِأمانِيكم، ولا أمانِي أهْلِ الكِتابِ ساكِنَةَ الياءِ، جُمِعَ عَلى فَعالِلْ، كَما يُقالُ: قَراقِيرُ، وقَراقِرْ، جَمْعُ قُرْقُورٍ.
﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قالَ الجُمْهُورُ: اللَّفْظُ عامٌّ والكافِرُ والمُؤْمِنُ مُجازَيانِ بِالسُّوءِ يَعْمَلانِهِ. فَمُجازاةُ الكافِرِ النّارُ والمُؤْمِنِ بِنَكَباتِ الدُّنْيا؛ «فَقالَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيق رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَمّا نَزَلَتْ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما أشَدَّ هَذِهِ الآيَةَ (p-٣٥٦)جاءَتْ قاصِمَةَ الظَّهْرِ، فَقالَ: إنَّما هي المُصِيباتُ في الدُّنْيا»، وقالَتْ بِمِثْلِ هَذا التَّأْوِيلِ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها. وقالَ بِهِ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ؛ وسَألَهُ الرَّبِيعُ بْنُ زِيادٍ عَنْ مَعْنى الآيَةِ، وكَأنَّهُ خافَها فَقالَ لَهُ: أيْ ما كُنْتُ أظُنُّكَ إلّا أفْقَهَ مِمّا أرى، ما يُصِيبُ الرَّجُلَ خَدْشٌ أوْ غَيْرُهُ إلّا بِذَنْبٍ، وما يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ أكْثَرُ. وخَصَّصَ الحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ بِالكُفّارِ يُجازَوْنَ عَلى الصَّغائِرِ والكَبائِرِ. وقالَ الضَّحّاكُ: يَعْنِي اليَهُودَ، والنَّصارى، والمَجُوسَ، وكَفّارَ العَرَبِ، ورَأى هَؤُلاءِ أنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ المُؤْمِنِينَ بِتَكْفِيرِ السَّيِّئاتِ. وخَصَّصَ السُّوءَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ بِالشِّرْكِ. وقِيلَ السُّوءُ عامٌّ في الكَبائِرِ.
﴿ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٧٣] رَوى ابْنُ بَكّارٍ، عَنِ ابْنِ عامِرٍ، ولا يَجِدُ بِالرَّفْعِ عَلى القَطْعِ.
﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ﴾ مِنَ الأُولى هي لِلتَّبْعِيضِ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ لا يَتَمَكَّنُ مِن عَمَلِ كُلِّ الصّالِحاتِ؛ وإنَّما يَعْمَلُ مِنها ما هو تَكْلِيفُهُ، وفي وُسْعِهِ. وكَمْ مُكَلَّفٍ لا يَلْزَمُهُ زَكاةٌ، ولا حَجٌّ، ولا جِهادٌ، وسَقَطَتْ عَنْهُ الصَّلاةُ في بَعْضِ الأحْوالِ عَلى بَعْضِ المَذاهِبِ. وحَكى الطَّبَرِيُّ عَنْ قَوْمٍ: أنَّ مِن زائِدَةٌ أيْ ومَن يَعْمَلِ الصّالِحاتِ. وزِيادَةُ (مِن) في الشَّرْطِ ضَعِيفٌ، ولا سِيَّما، وبَعْدَها مَعْرِفَةٌ. و(مِن) الثّانِيَةُ لِتَبْيِينِ الإبْهامِ في (ومَن يَعْمَلْ) . وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ”أوْ“ فِى قَوْلِهِ: ﴿لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكم مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾ [آل عمران: ١٩٥] جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، وقَيَّدَ في عَمَلِ الإنْسانِ؛ لِأنَّهُ لَوْ عَمِلَ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ ما عَمِلَ فَلا يَنْفَعُهُ إلّا أنْ كانَ مُؤْمِنًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإذا أبْطَلَ اللَّهُ الأمانِيَّ، وأثْبَتَ أنَّ الأمْرَ كُلَّهُ مَعْقُودٌ بِالعَمَلِ الصّالِحِ، وأنَّ مَن أصْلَحَ عَمَلَهُ فَهو الفائِزُ، ومَن أساءَ عَمَلَهُ فَهو الهالِكُ، تَبَيَّنَ الأمْرُ، ووَضَحَ، ووَجَبَ قَطْعُ الأمانِيِّ، وحَسْمُ المَطامِعِ والإقْبالُ عَلى العَمَلِ الصّالِحِ؛ ولَكِنَّهُ نُصْحٌ لا تَعِيهِ الآذانُ، ولا تُلْقى إلَيْهِ الأذْهانُ انْتَهى. والَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ الآيَةُ، أنَّ الإيمانَ شَرْطٌ في الِانْتِفاعِ بِالعَمَلِ؛ لِأنَّ العَمَلَ شَرْطٌ في صِحَّةِ الإيمانِ.
﴿ولا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ ظاهِرُهُ: أنَّهُ يَعُودُ إلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ، ويَكُونُ حُكْمُ الكُفّارِ كَذَلِكَ. إذْ ذِكْرُ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ يَدُلُّ عَلى الآخَرِ أنَّ كِلاهُما يُجْزى بِعَمَلِهِ، ولِأنَّ ظُلْمَ المُسِيءِ أنَّهُ يُزادُ في عِقابِهِ. ومَعْلُومٌ أنَّهُ تَعالى لا يَزِيدُ في عِقابِ المُجْرِمِ؛ فَكانَ ذِكْرُهُ مُسْتَغْنًى عَنْهُ. والمُحْسِنُ لَهُ ثَوابٌ، وتَوابِعُ لِلثَّوابِ مِن فَضْلِ اللَّهِ هي في حُكْمِ الثَّوابِ، فَجازَ أنْ يَنْقُصَ مِنَ الفَضْلِ. فَنَفْيُ الظُّلْمِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لا يَقَعُ نَقْصٌ في الفَضْلِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ، في: ولا يُظْلَمُونَ إلى الفَرِيقَيْنِ، عامِلُ السُّوءِ، وعامِلُ الصّالِحاتِ. وقَرَأ: يُدْخَلُونَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ هُنا وفي مَرْيَمَ وأوَّلَيْ غافِرٍ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عُمَرَ وأبُو بَكْرٍ. وقَرَأ كَذَلِكَ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ في ثانِيَةِ غافِرٍ. وقَرَأ كَذَلِكَ أبُو عَمْرٍو في فاطِرٍ. وقَرَأ الباقُونَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ.
﴿ومَن أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهو مُحْسِنٌ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَحْوِهِ في قَوْلَيْنِ مِن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهو مُحْسِنٌ.
﴿واتَّبَعَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ حَنِيفًا في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥] واتِّباعُهُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في التَّوْحِيدِ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: في القِيامِ لِلَّهِ بِما فَرَضَهُ. وقِيلَ: في جَمِيعِ شَرِيعَتِهِ إلّا ما نُسِخَ مِنها.
﴿واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا﴾ هَذا مَجازٌ عَنِ اصْطِفائِهِ واخْتِصاصِهِ بِكَرامَةٍ تُشْبِهُ كَرامَةَ الخَلِيلِ عِنْدَ خَلِيلِهِ. وتَقَدَّمَ اشْتِقاقُ الخَلِيلِ في المُفْرَداتِ. والجُمْهُورُ: عَلى أنَّها مِنَ الخُلَّةِ وهي المَوَدَّةُ الَّتِي لَيْسَ فِيها خَلَلٌ. وقَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى الهاشِمِيِّ: إنَّهُ إنَّما سُمِّيَ خَلِيلًا لِأنَّهُ تَخَلّى عَمّا سِوى خَلِيلِهِ. فَإنْ كانَ فَسَّرَ المَعْنى فَيُمْكِنُ، وإنْ كانَ أرادَ الِاشْتِقاقَ فَلا يَصِحُّ لِاخْتِلافِ المادَّتَيْنِ. «وعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: يا جِبْرِيلُ بِمَ اتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا ؟ قالَ: لِإطْعامِهِ الطَّعامَ»، والكَرامَةُ الَّتِي أكْرَمَهُ اللَّهُ بِها ذَكَرُوها في قِصَّةٍ مُطَوَّلَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَضْمُونُها: (p-٣٥٧)أنَّ اللَّهَ قَلَبَ لَهُ غَرائِرَ الرَّمْلِ دَقِيقًا حُوّارًى عَجَنَ وخَبَزَ وأطْعَمَ النّاسَ مِنهُ.
وعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «اتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا ومُوسى نَجِيًّا واتَّخَذَنِي حَبِيبًا ثُمَّ قالَ: وعِزَّتِي وجَلالِي لَأُوثِرَنَّ حَبِيبِي عَلى خَلِيلِي ونَجِيِّي» لَمّا أثْنى عَلى مَنِ اتَّبَعَ مِلَّةً إبْراهِيمَ أخْبَرَ بِمَزِيَّتِهِ عِنْدَهُ واصْطِفائِهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أدْعى إلى اتِّباعِهِ. لِأنَّ مَنِ اخْتَصَّهُ اللَّهُ بِالخُلَّةِ جَدِيرٌ بِأنْ يُتَّبَعَ أوْ لِيُبَيِّنَ أنَّ تِلْكَ الخُلَّةَ إنَّما سَبَبُها حَنِيفِيَّةُ إبْراهِيمَ عَنْ سائِرِ الأدْيانِ إلى دِينِ الحَقِّ كَقَوْلِهِ: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] أيْ قُدْوَةً لِإتْمامِكَ تِلْكَ الكَلِماتِ. ونَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى أنَّ مَن عَمِلَ بِشَرْعِهِ كانَ لَهُ نَصِيبٌ مِن مَقامِهِ. ولَيْسَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةً عَلى الجُمْلَةِ قَبْلَها، لِأنَّ الجُمْلَةَ قَبْلَها مَعْطُوفَةٌ عَلى صِلَةِ (مَن)، ولا تَصْلُحُ هَذِهِ لِلصِّلَةِ؛ وإنَّما هي مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ الَّتِي مَعْناها الخَبَرُ، أيْ: لا أحَدَ أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ، نَبَّهَتْ عَلى شَرَفِ المَنبَعِ وفَوْزِ المُتَّبِعِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ ؟ قُلْتُ: هي جُمْلَةٌ اعْتِراضِيَّةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ كَنَحْوِ ما يَجِيءُ في الشِّعْرِ مِن قَوْلِهِمْ: والحَوادِثُ جَمَّةٌ، وفائِدَتُها تَأْكِيدُ وُجُوبِ اتِّباعِ مِلَّتِهِ؛ لِأنَّ مَن بَلَغَ مِنَ الزُّلْفى عِنْدَ اللَّهِ أنِ اتَّخَذَهُ خَلِيلًا كانَ جَدِيرًا بِأنْ تُتَّبَعَ مِلَّتُهُ وطَرِيقَتُهُ، انْتَهى. فَإنْ عَنى بِالِاعْتِراضِ غَيْرَ المُصْطَلَحِ عَلَيْهِ في الضَّوْءِ فَيُمْكِنُ أنْ يَصِحَّ قَوْلُهُ؛ كَأنَّهُ يَقُولُ: اعْتَرَضْتُ الكَلامَ. وإنْ عَنى بِالِاعْتِراضِ المُصْطَلَحَ عَلَيْهِ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، إذْ لا يَعْتَرِضُ إلّا بَيْنَ مُفْتَقِرَيْنِ كَصِلَةٍ ومَوْصُولٍ، وشَرْطٍ وجَزاءٍ، وقَسَمٍ ومُقْسَمٍ عَلَيْهِ، وتابِعٍ ومَتْبُوعٍ، وعامِلٍ ومَعْمُولٍ. وقَوْلُهُ: كَنَحْوِ ما يَجِيءُ في الشِّعْرِ مِن قَوْلِهِمْ: والحَوادِثُ جَمَّةٌ، فالَّذِي نَحْفَظُهُ أنَّ مَجِيءَ الحَوادِثِ جَمَّةً إنَّما هو بَيْنَ مُفْتَقِرَيْنِ نَحْوَ قَوْلِهِ:
؎وقَدْ أدْرَكَتْنِي والحَوادِثُ جَمَّةٌ ∗∗∗ أسِنَّةُ قَوْمٍ لا ضِعافٌ ولا عُزْلُ
ونَحْوَ قَوْلِ الآخَرِ:
؎ألا هَلْ أتاها والحَوادِثُ جَمَّةٌ ∗∗∗ بِأنَّ أمْرَأ القَيْسِ بْنَ تَمْلِكَ بَيْقَرا
ولا نَحْفَظُهُ جاءَ آخِرَ كَلامٍ.
النساء 4:125
﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦] تَقَدَّمَ مِثْلُ تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، ونَزَلَتْ قِيلَ في طُعْمَةَ. وقِيلَ في نَفَرٍ مِن قُرَيْشٍ أسْلَمُوا، ثُمَّ انْقَلَبُوا إلى مَكَّةَ مُرْتَدِّينَ. وقِيلَ في شَيْخٍ قالَ: لَمْ أُشْرِكْ بِاللَّهِ مُنْذُ عَرَفْتُهُ؛ إلّا أنَّهُ كانَ يَأْتِي ذُنُوبًا، وأنَّهُ نَدِمَ، واسْتَغْفَرَ، إلّا أنَّ آخِرَ ما تَقَدَّمَ فَقَدِ افْتَرى إثْمًا عَظِيمًا، وآخِرُ هَذِهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا خُتِمَتْ كُلُّ آيَةٍ بِما يُناسِبُها. فَتِلْكَ كانَتْ في أهْلِ الكِتابِ، وهم مُطَّلِعُونَ مِن كُتُبِهِمْ عَلى ما لا يَشُكُّونَ في صِحَّتِهِ مِن أمْرِ الرَّسُولِ، ووُجُوبِ اتِّباعِ شَرِيعَتِهِ، ونَسْخِها لِجَمِيعِ الشَّرائِعِ، ومَعَ ذَلِكَ قَدْ أشْرَكُوا بِاللَّهِ مَعَ أنَّ عِنْدَهم ما يَدُلُّ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى والإيمانِ بِما نَزَلَ؛ فَصارَ ذَلِكَ افْتِراءً واخْتِلافًا مُبالَغًا في العِظَمِ والجُرْأةُ عَلى اللَّهِ.
وهَذِهِ الآيَةُ هي في ناسٍ مُشْرِكِينَ لَيْسُوا بِأهْلِ كُتُبٍ ولا عُلُومٍ؛ ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ جاءَهم بِالهُدى مِنَ اللَّهِ وبانَ لَهم طَرِيقُ الرُّشْدِ؛ فَأشْرَكُوا بِاللَّهِ، فَضَّلُوا بِذَلِكَ ضَلالًا يُسْتَبْعَدُ وُقُوعُهُ، أوْ يَبْعُدُ عَنِ الصَّوابِ. ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ: ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا إناثًا﴾، وجاءَ بَعْدَ تِلْكَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ٤٩]، وقَوْلُهُ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [النساء: ٥٠]، ولَمْ يَخْتَلِفْ أحَدٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ في أنَّ المُرادَ بِهِمُ اليَهُودُ، وإنْ كانَ اللَّفْظُ عامًّا. ولَمّا كانَ الشِّرْكُ مِن أعْظَمِ الكَبائِرِ؛ كانَ الضَّلالُ النّاشِئُ عَنْهُ بَعِيدًا عَنِ الصَّوابِ؛ لِأنَّ غَيْرَهُ مِنَ المَعاصِي، وإنْ كانَ ضَلالًا لَكِنَّهُ قَرِيبٌ مِن أنْ يُراجِعَ صاحِبُهُ الحَقَّ؛ لِأنَّ لَهُ رَأْسَ مالٍ يَرْجِعُ إلَيْهِ، وهو الإيمانُ، بِخِلافِ المُشْرِكِ. ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وما لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هو الضَّلالُ البَعِيدُ﴾ [الحج: ١٢]، وناسَبَ هُنا ذِكْرُ الضَّلالِ لِتَقَدُّمِ الهُدى قَبْلَهُ.
﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا إناثًا﴾ المَعْنى: ما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، ويَتَّخِذُونَهُ إلَهًا إلّا مُسَمَّياتٍ تَسْمِيَةَ الإناثِ. وكَنّى بِالدُّعاءِ عَنِ العِبادَةِ؛ لِأنَّ مَن عَبَدَ شَيْئًا دَعاهُ عِنْدَ حَوائِجِهِ ومَصالِحِهِ. وكانُوا يُحَلُّونَ الأصْنامَ بِأنْواعِ الحُلِيِّ ويُسَمُّونَها أُنْثى، وإناثٌ جَمْعُ أُنْثى كَرِبابٍ جَمْعُ رُبّى. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ: المُرادُ الخَشَبُ والحِجارَةُ؛ فَهي مُؤَنَّثاتٌ لا تَعْقِلُ؛ فَيُخْبَرُ عَنْها كَما يُخْبَرُ عَنِ المُؤَنَّثِ مِنَ الأشْياءِ. فَيَجِيءُ قَوْلُهُ ﴿إلّا إناثًا﴾ عِبارَةً عَنِ الجَماداتِ. وقالَ أبُو مالِكٍ والسُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهم: كانَتِ العَرَبُ تُسَمِّي أصْنامَها بِأسْماءٍ مُؤَنَّثَةٍ كاللّاتِ (p-٣٥٢)والعُزّى ومَناةَ ونايِلَةَ. ويُرَدُّ عَلى هَذا بِأنَّها كانَتْ تُسَمّى أيْضًا بِأسْماءٍ مُذَكَّرَةٍ: كَهُبَلَ، وذِي الخُلَصَةِ.
وقالَ الضَّحّاكُ وغَيْرُهُ: المُرادُ ما كانَتِ العَرَبُ تَعْتَقِدُهُ مِن تَأْنِيثِ المَلائِكَةِ وعِبادَتِهِمْ إيّاها؛ فَقِيلَ لَهم: هَذا عَلى إقامَةِ الحُجَّةِ مِن فاسِدِ قَوْلِهِمْ. وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَكُنْ حَيٌّ مِن أحْياءِ العَرَبِ إلّا ولَهم صَنَمٌ يَعْبُدُونَهُ يُسَمُّونَهُ أُنْثى بَنِي فُلانٍ، وفي هَذا تَعْبِيرُهم بِالتَّأْنِيثِ؛ لِنَقْصِهِ وخَساسَتِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلتَّذْكِيرِ. وقالَ الرّاغِبُ: أكْثَرُ ما عَبَدَتْهُ العَرَبُ مِنَ الأصْنامِ كانَتْ أشْياءَ مُنْفَعِلَةً غَيْرَ فاعِلَةٍ؛ فَبَكَّتْهُمُ اللَّهُ تَعالى أنَّهم مَعَ كَوْنِهِمْ فاعِلِينَ مِن وجْهٍ يَعْبُدُونَ ما لَيْسَ هو إلّا مُنْفَعِلًا مِن كُلِّ وجْهٍ، وعَلى هَذا نَبَّهَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ﴾ [مريم: ٤٢] .
وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: إنْ تَدْعُونَ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ ورُوِيَتْ عَنْ عاصِمٍ. وفي مُصْحَفِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها (إلّا أوْثانًا) جَمْعُ وثَنٍ، وهو الصَّنَمُ. وقَرَأ بِذَلِكَ أبُو السِّوارِ والهَنائِيُّ. وقَرَأ الحَسَنُ: (إلّا أُنْثى) عَلى التَّوْحِيدِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو حَيْوَةَ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو نَهِيكٍ، ومُعاذٌ القارِئُ (أُنْثًا) . قالَ الطَّبَرِيُّ: فِيما حَكى إناثٌ كَثِمارٍ وثَمَرٍ. وقالَ غَيْرُهُ: أنَثٌ جَمْعُ أنِيثٍ، كَغَرِيرٍ وغَرَرٍ. وقالَ المَغْرِبِيُّ: إلّا إناثًا إلّا ضِعافًا عاجِزِينَ لا قُدْرَةَ لَهم؛ يُقالُ: سَيْفٌ أنِيثٌ، ومِيناثَةٌ بِالهاءِ، ومَيْناثٌ غَيْرُ قاطِعٍ. قالَ الشّاعِرُ:
؎فَتُخْبِرُنِي بِأنَّ العَقْلَ عِنْدِي جُرازٌ لا أقَلَّ ولا أنِيثُ
أنَّثَ في أمْرِهِ: لانَ، والأنِيثُ المُخَنَّثُ الضَّعِيفُ مِنَ الرِّجالِ. وقَرَأ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ: (إلّا وثَنًا) بِفَتْحِ الواوِ والثّاءِ مِن غَيْرِ هَمْزَةٍ. وقَرَأ ابْنُ المُسَيَّبِ، ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ عُمَرَ، وعَطاءٍ: (إلّا أثَنًا) يُرِيدُونَ وثَنًا، فَأبْدَلَ الهَمْزَةَ واوًا، وخَرَجَ عَلى أنَّهُ جَمْعُ جَمْعٍ؛ إذْ أصْلُهُ وثَنٌ، فَجُمِعَ عَلى وِثانٍ كَجَمَلٍ وجِمالٍ، ثُمَّ وِثانٍ عَلى وُثُنٍ كَمِثالٍ ومُثُلٍ، وحِمارٍ وحُمُرٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا خَطَأٌ؛ لِأنَّ فِعالًا في جَمْعِ فِعْلٍ إنَّما هو لِلتَّكْثِيرِ، والجَمْعُ الَّذِي هو لِلتَّكْثِيرِ لا يُجْمَعُ؛ وإنَّما يُجْمَعُ جُمُوعَ التَّقْلِيلِ، والصَّوابُ أنْ يُقالَ: وُثْنٌ جَمْعُ وثَنٍ دُونَ واسِطَةٍ، كَأسَدٍ وأُسْدٍ انْتَهى. ولَيْسَ قَوْلُهُ: وإنَّما يُجْمَعُ جُمُوعُ التَّقْلِيلِ بِصَوابٍ كامِلٍ، الجُمُوعُ مُطْلَقًا لا يَجُوزُ أنْ تُجْمَعَ بِقِياسٍ سَواءٌ كانَتْ لِلتَّكْثِيرِ أمْ لِلتَّقْلِيلِ، نَصَّ عَلى ذَلِكَ النَّحْوِيُّونَ. وقَرَأ أيُّوبُ السِّجِسْتانِيُّ: (إلّا وُثُنًا) بِضَمِّ الواوِ والثّاءِ مِن غَيْرِ هَمْزَةٍ، كَشُقَقٍ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: إلّا أثْنًا بِسُكُونِ الثّاءِ، وأصْلُهُ وثْنًا، فاجْتَمَعَ في هَذا اللَّفْظِ ثَمانِي قِراءاتٍ: إناثًا، وأُنْثًا، وأوْثانًا، ووَثْنًا، ووُثُنًا، واثِنًا، وأثَنًا.
﴿وإنْ يَدْعُونَ إلّا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ المُرادُ بِهِ إبْلِيسُ قالَهُ الجُمْهُورُ، وهو الصَّوابُ؛ لِأنَّ ما قالَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مُبَيِّنٌ أنَّهُ هو. وقِيلَ الشَّيْطانُ المُعَيَّنُ بِكُلِّ صَنَمٍ: أُفْرِدَ لَفْظًا، وهو مَجْمُوعٌ في المَعْنى، الواحِدُ يَدُلُّ عَلى الجِنْسِ. قِيلَ كانَ يَدْخُلُ في أجْوافِ الأصْنامِ، فَيُكَلِّمُ داعِيَها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لَعَنَهُ اللَّهُ صِفَةً، وأنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْهُ. وقِيلَ هو دُعاءٌ، ولا يَتَعارَضُ الحَصْرانِ؛ لِأنَّ دُعاءَ الأصْنامِ ناشِئٌ عَنْ دُعائِهِمُ الشَّيْطانَ، لَمّا عَبَدُوا الشَّيْطانَ أغْراهم بِعِبادَةِ الأصْنامِ أوْ لِاخْتِلافِ الدُّعاءَيْنِ؛ فالأوَّلُ عِبادَةٌ والثّانِي طَواعِيَةٌ. وقالَ ابْنُ عِيسى: هو مِثْلُ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ [الأنفال: ١٧] يَعْنِي أنَّ نِسْبَةَ دُعائِهِمُ الأصْنامَ هو عَلى سَبِيلِ المَجازِ. وأمّا في الحَقِيقَةِ فَهم يَدْعُونَ الشَّيْطانَ.
﴿وقالَ لَأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾؛ أيْ نَصِيبًا واجِبًا؛ اقْتَطَعْتُهُ لِنَفْسِي مِن قَوْلِهِمْ: فَرَضَ لَهُ في العَطاءِ، وفَرْضُ الجُنْدِ: رِزْقُهم. والمَعْنى: لَأسْتَخْلِصَنَّهم لِغَوايَتِي، ولَأخُصَّنَّهم بِإضْلالِي، وهُمُ الكَفَرَةُ والعُصاةُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَفْرُوضُ هُنا مَعْناهُ المُنْحازُ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الفَرْضِ، وهو الحَزُّ في العُودِ وغَيْرِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ واجِبًا إنِ اتَّخَذَهُ، وبَعْثُ النّارِ هو نَصِيبُ إبْلِيسَ. قالَ الحَسَنُ: مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وتِسْعُونَ، قالُوا: ولَفْظُ نَصِيبٍ يَتَناوَلُ القَلِيلَ فَقَطْ. والنَّصُّ أنَّ أتْباعَ إبْلِيسَ هُمُ (p-٣٥٣)الكَثِيرُ بِدَلِيلِ: ﴿لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٢] ﴿فاتَّبَعُوهُ إلّا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [سبإ: ٢٠]، وهَذا مُتَعارِضٌ.
وأُجِيبَ أنَّ التَّفاوُتَ إنَّما يَحْصُلُ في نَوْعِ البَشَرِ، أمّا إذا ضَمَمْتَ أنْواعَ المَلائِكَةِ مَعَ كَثْرَتِهِمْ إلى المُؤْمِنِينَ كانَتِ الكَثْرَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ. وأيْضًا فالمُؤْمِنُونَ؛ وإنْ كانُوا قَلِيلِينَ في العَدَدِ؛ نُصِيبُهم عَظِيمٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. والكُفّارُ والفُسّاقُ، وإنْ كانُوا كَثِيرِينَ فَهم كالعَدَمِ. انْتَهى تَلْخِيصُ ما أُجِيبَ بِهِ. والَّذِي أقُولُ: إنَّ لَفْظَ نَصِيبٍ لا يَدُلُّ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٧] الآيَةَ. والواوُ: قِيلَ عاطِفَةٌ، وقِيلَ واوُ الحالِ.
﴿ولَأُضِلَّنَّهم ولَأُمَنِّيَنَّهم ولَآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ ولَآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ هَذِهِ خَمْسَةٌ أقْسَمَ إبْلِيسُ عَلَيْها: أحَدُها: اتِّخاذُ نَصِيبٍ مِن عِبادِ اللَّهِ، وهو اخْتِيارُهُ إيّاهم. والثّانِي: إضْلالُهم، وهو صَرْفُهم عَنِ الهِدايَةِ وأسْبابِها. والثّالِثُ: تَمْنِيَتُهُ لَهم، وهو التَّسْوِيلُ، ولا يَنْحَصِرُ في نَوْعٍ واحِدٍ؛ لِأنَّهُ يُمَنِّي كُلَّ إنْسانٍ بِما يُناسِبُ حالَهُ مِن طُولِ عُمْرٍ وبُلُوغِ وطَرٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، وهي كُلُّها أمانِيُّ كَواذِبُ باطِلَةٌ. وقِيلَ الأمانِيُّ تَأْخِيرُ التَّوْبَةِ. وقِيلَ هي اعْتِقادٌ أنْ لا جَنَّةَ ولا نارَ ولا بَعْثَ ولا حِسابَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَأُمَنِّيَنَّهُمُ الأمانِيَّ الباطِلَةَ مِن طُولِ الأعْمارِ، وبُلُوغِ الآمالِ، ورَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى لِلْمُجْرِمِينَ بِغَيْرِ تَوْبَةٍ والخُرُوجِ مِنَ النّارِ بَعْدَ دُخُولِها بِالشَّفاعَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ، انْتَهى. وهَذا عَلى مَنزَعِهِ الِاعْتِزالِيِّ، ووَلُوعِهِ بِتَفْسِيرِ كِتابِ اللَّهِ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ إشْعارِ لَفْظِ القُرْآنِ بِما يَقُولُهُ ويَنْحِلُهُ. والرّابِعُ: أمْرُهُ إيّاهُمُ النّاشِئُ عَنْهُ تَبْتِيكِ آذانِ الأنْعامِ، وهو فِعْلُهم بِالبَحائِرِ كانُوا يَشُقُّونَ آذانَ النّاقَةِ إذا ولَدَتْ خَمْسَةَ أبْطُنٍ. وجاءَ الخامِسُ ذَكَرًا، وحَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ الِانْتِفاعَ بِها؛ قالَهُ عِكْرِمَةُ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ. وقِيلَ فِيهِ إشارَةٌ إلى كُلِّ ما جَعَلَهُ اللَّهُ كامِلًا بِفِطْرَتِهِ، فَجَعَلَ الإنْسانَ ناقِصًا بِسُوءِ تَدْبِيرِهِ. والخامِسُ أمْرُهُ إيّاهُمُ النّاشِئُ عَنْهُ تَغْيِيرُ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وإبْراهِيمُ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ وغَيْرُهم. أرادَ تَغْيِيرَ دِينِ اللَّهِ؛ ذَهَبُوا في ذَلِكَ إلى الِاحْتِجاجِ بِقَوْلِهِ: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]
أيْ لِدِينِ اللَّهِ. والتَّبْدِيلُ يَقَعُ مَوْقِعَةَ التَّغْيِيرِ؛ وإنْ كانَ التَّغْيِيرُ أعَمَّ مِنهُ. ولَفْظُ ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] خَبَرٌ، ومَعْناهُ: النَّهْيُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنهُمُ الزَّجّاجُ: هو جَعْلُ الكُفّارِ آلِهَةً لَهم ما خُلِقَ لِلِاعْتِبارِ بِهِ مِنَ الشَّمْسِ والنّارِ والحِجارَةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا عَبَدُوهُ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ والحَسَنُ: هو الوَشْمُ، وما جَرى مَجْراهُ مِنَ التَّصَنُّعِ لِلتَّحْسِينِ، فَمِن ذَلِكَ الحَدِيثُ في: «لَعْنِ الواشِماتِ والمُسْتَوْشِماتِ والمُتَنَمِّصاتِ والمُتَفَلِّجاتِ المُغَيِّراتِ خَلْقَ اللَّهِ، ولَعْنِ الواصِلَةِ والمُسْتَوْصِلَةِ»، انْتَهى.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وأنَسٌ، وعِكْرِمَةُ، وأبُو صالِحٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ أيْضًا: هو الخِصاءُ، وهو في بَنِي آدَمَ مَحْظُورٌ. وكَرِهَ أنَسٌ خِصاءَ الغَنَمِ، وقَدْ رَخَّصَ جَماعَةٌ فِيهِ لِمَنفَعَةِ السِّمَنِ في المَأْكُولِ، ورَخَّصَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ في خِصاءِ الخَيْلِ. وقِيلَ لِلْحَسَنِ: إنَّ عِكْرِمَةَ قالَ هو الخِصاءُ، قالَ: كَذَبَ عِكْرِمَةُ، هو دِينُ اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ التَّخَنُّتُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو فَقْءُ عَيْنِ الحامِي، وإعْفاؤُهُ عَنِ الرُّكُوبِ، انْتَهى. وناسَبَ هَذا أنَّهُ ذَكَرَ أثَرَ ذَلِكَ تَبْتِيكَ آذانِ الأنْعامِ فَناسَبَ أنْ يَكُونَ التَّغْيِيرُ هَذا. وقِيلَ تَغْيِيرُ خَلْقِ اللَّهِ هو أنَّ كُلَّ ما يُوجِدُهُ اللَّهُ لِفَضِيلَةٍ؛ فاسْتَعانَ بِهِ في رَذِيلَةٍ، فَقَدْ غَيَّرَ خَلْقَهُ. وقَدْ دَخَلَ في عُمُومِهِ ما جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْإنْسانِ مِن شَهْوَةِ الجِماعِ، لِيَكُونَ سَبَبًا لِلتَّناسُلِ عَلى وجْهٍ مَخْصُوصٍ؛ فاسْتَعانَ بِهِ في السِّفاحِ واللِّواطِ؛ فَذَلِكَ تَغْيِيرُ خَلْقِ اللَّهِ. وكَذَلِكَ المُخَنَّثُ إذا نَتَفَ لِحْيَتَهُ، وتَقَنَّعَ تَشَبُّهًا بِالنِّساءِ، والفَتاةُ إذا تَرَجَّلَتْ مُتَشَبِّهَةً بِالفِتْيانِ. وكُلُّ ما حَلَّلَهُ اللَّهُ، فَحَرَّمُوهُ أوْ حَرَّمَهُ تَعالى فَحَلَّلُوهُ. وعَلى ذَلِكَ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالًا﴾ [يونس: ٥٩] وإلى هَذِهِ الجُمْلَةِ أشارَ المُفَسِّرُونَ، ولِهَذا قالُوا: هو تَغْيِيرُ أحْكامِ اللَّهِ. وقِيلَ هو تَغْيِيرُ الإنْسانِ بِالِاسْتِلْحاقِ أوِ النَّفْيِ. وقِيلَ خِضابُ الشَّيْبِ بِالسَّوادِ. وقِيلَ مُعاقَبَةُ الوُلاةِ بَعْضَ الجُناةِ بِقَطْعِ الآذانِ، وشَقِّ المَناخِرِ وكَلِّ العُيُونِ، (p-٣٥٤)وقَطْعِ الأُنْثَيَيْنِ. ومَن فَسَّرَ بِالوَشْمِ أوِ الخِصاءِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا هو خاصٌّ في التَّغْيِيرِ؛ فَإنَّما ذَلِكَ عَلى جِهَةِ التَّمْثِيلِ لا الحَصْرِ. وفي حَدِيثِ عِياضٍ المُجاشِعِيِّ: «وإنِّي خَلَقْتُ عِبادِي حُنَفاءَ كُلَّهم، وإنَّ الشَّياطِينَ ألْهَتْهم وأحالَتْهم عَنْ دِينِهِمْ؛ فَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ ما أحْلَلْتُ لَهم، وأمَرْتُهم أنْ لا يُشْرِكُوا بِي ما لَمْ أُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا، وأمَرَتْهم أنْ لا يُغَيِّرُوا خَلْقِي» .
ومَفْعُولُ أمَرَ الثّانِي مَحْذُوفٌ؛ أيْ ولَآمُرَنَّهم بِالتَّبْتِيكِ فَلَيُبَتِّكُنَّ، ولَآمُرُنَّهم بِالتَّغَيُّرِ فَلَيُغَيِّرُنَّ. وحُذِفَ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: ولَآمُرَنَّهم بِغَيْرِ ألِفٍ؛ كَذا قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقَرَأ أُبَيٌّ: وأُضِلَّنَّهم، وأُمَنِّيَنَّهم، وآمُرُنَّهم، انْتَهى. فَتَكُونُ جُمَلًا مَقُولَةً، لا مُقْسَمًا عَلَيْها. وجاءَ تَرْتِيبُ هَذِهِ الجُمَلِ المُقْسَمِ عَلَيْها في غايَةٍ مِنَ الفَصاحَةِ؛ بَدَأ أوَّلًا بِاسْتِخْلاصِ الشَّيْطانِ نَصِيبًا مِنهم، واصْطِفائِهِ إيّاهم، ثُمَّ ثانِيًا بِإضْلالِهِمْ، وهو عِبارَةٌ عَمّا يَحْصُلُ في عَقائِدِهِمْ مِنَ الكُفْرِ، ثُمَّ ثالِثًا بِتَمْنِيَتِهِمُ الأمانِيَّ الكَواذِبَ والإطْماعاتِ الفارِغَةَ، ثُمَّ رابِعًا بِتَبْتِيكِ آذانِ الأنْعامِ، هو حُكْمٌ لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ فِيهِ، ثُمَّ خامِسًا بِتَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ، وهو شامِلٌ لِلتَّبْتِيكِ وغَيْرِهِ مِنَ الأحْكامِ الَّتِي شَرَعَها لَهم. وإنَّما بَدَأ بِالأمْرِ بِالتَّبْتِيكِ، وإنْ كانَ مُنْدَرِجًا تَحْتَ عُمُومِ التَّغْيِيرِ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ اسْتِدْراجًا لِما يَكُونُ بَعْدَهُ مِنَ التَّغْيِيرِ العامِّ، واسْتِيضاحًا مِن إبْلِيسَ طَواعِيَتَهم في أوَّلِ شَيْءٍ يُلْقِيهِ إلَيْهِمْ، فَيَعْلَمَ بِذَلِكَ قَبُولَهم لَهُ. فَإذا قَبِلُوا ذَلِكَ أمَرَهم بِجَمِيعِ التَّغْيِيراتِ الَّتِي يُرِيدُها مِنهم، كَما يَفْعَلُ الإنْسانُ بِمَن يَقْصِدُ خِداعَهُ: يَأْمُرُهُ أوَّلًا بِشَيْءٍ سَهْلٍ؛ فَإذا رَآهُ قَدْ قَبِلَ ما ألْقاهُ إلَيْهِ مِن ذَلِكَ أمَرَهُ بِجَمِيعِ ما يُرِيدُ مِنهُ. وإقْسامُ إبْلِيسَ عَلى هَذِهِ الأشْياءِ لَيَفْعَلَنَّها يَقْتَضِي عِلْمَ ذَلِكَ، وأنَّها تَقَعُ إمّا لِقَوْلِهِ تَعالى.
﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥] أوْ؛ لِكَوْنِهِ عَلِمَ ذَلِكَ مِن جِهَةِ المَلائِكَةِ، أوْ لِكَوْنِهِ لَمّا اسْتَزَلَّ آدَمَ عَلِمَ أنَّ ذُرِّيَّتَهُ أضْعَفُ مِنهُ.
﴿ومَن يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ ولِيًّا مِن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا﴾؛ أيْ مِن يُؤْثِرُ حَظَّ الشَّيْطانِ عَلى حَظِّهِ مِنَ اللَّهِ. وكَأنَّهُ لَمّا قالَ إبْلِيسُ: لَأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا، فَذَكَرَ أنَّهُ يَصْطَفِيهِمْ لِنَفْسِهِ، أخْبَرَ أنَّهم قَبِلُوا ذَلِكَ الِاتِّخاذَ، وانْفَعَلُوا لَهُ؛ فاتَّخَذُوهُ ولِيًّا مِن دُونِ اللَّهِ. والوَلِيُّ هُنا قالَ مُقاتِلٌ: بِمَعْنى الرَّبِّ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: مِنَ المُوالاةِ، ورَتَّبَ عَلى هَذا الِاتِّخاذِ الخُسْرانَ المُبِينَ؛ لِأنَّ مَن تَرَكَ حَظَّهُ مِنَ اللَّهِ لِحَظِّ الشَّيْطانِ فَقَدْ خَسِرَتْ صَفْقَتُهُ. وقَوْلُهُ: مِن دُونِ اللَّهِ، قَيْدٌ لازِمٌ؛ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَتَّخِذَ الشَّيْطانَ ولِيًّا إلّا إذا لَمْ يَتَّخِذِ اللَّهَ ولِيًّا، ولا يُمْكِنُ أنْ يَتَّخِذَ الشَّيْطانَ ولِيًّا، ويَتَّخِذَ اللَّهَ ولِيًّا؛ لِأنَّهُما طَرِيقانِ مُتَبايِنانِ، لا يَجْتَمِعانِ، هُدًى وضَلالَةٌ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ مُحَذِّرَةٌ مِنَ اتِّباعِ الشَّيْطانِ.
﴿يَعِدُهم ويُمَنِّيهِمْ﴾ لَفْظانِ مُتَقارِبانِ؛ والمَعْنى: أنَّ الَّذِي أقْسَمَ عَلَيْهِ مِن أنْ يُمَنِّيَهم وقَعَ بِإخْبارِ اللَّهِ تَعالى عَنْهُ بِذَلِكَ، واكْتَفى مِنَ الإخْبارِ عَنْ وُقُوعِ تِلْكَ الجُمَلِ الَّتِي أقْسَمَ عَلَيْها إبْلِيسُ بِوُضُوحِها، وظُهُورِها. ولَمّا كانَ الوَعْدُ والتَّمْنِيَةُ مِن أُمُورِ الباطِنِ أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ بِها. والمَعْنى: أنَّهُ يَعِدُهم بِالأُمُورِ الباطِلَةِ والزَّخارِفِ الكاذِبَةِ، وأنَّهُ لا ثَوابَ، ولا عِقابَ.
﴿وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلّا غُرُورًا﴾ قَرَأ الأعْمَشُ: وما يَعِدُهم بِسُكُونِ الدّالِ خُفِّفَ؛ لِتَوالِي الحَرَكاتِ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الغُرُورِ، ومَعْناهُ: هُنا الخُدَعُ الَّتِي تُظَنُّ نافِعَةً، ويَكْشِفُ الغَيْبُ أنَّها ضارَّةٌ. واحْتَمَلَ النَّصْبُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا، أوْ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ، أوْ مَصْدَرًا عَلى غَيْرِ الصَّدْرِ؛ لِتَضْمِينِ يَعِدُهم مَعْنى يَغُرُّهم، ويَكُونُ ثَمَّ وصْفٌ مَحْذُوفٌ؛ أيْ إلّا غُرُورًا واضِحًا أوْ نَحْوَهُ، أوْ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ وعْدًا غُرُورًا أيْ ذا غُرُورٍ.
﴿أُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ ولا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصًا﴾ أخْبَرَ تَعالى أنَّ المَكانَ الَّذِي يَأْوُونَ إلَيْهِ، ويَسْتَقِرُّونَ فِيهِ هو جَهَنَّمُ، وأنَّهم لا يَجِدُونَ عَنْها مَراغًا يَرُوغُونَ إلَيْهِ. وعَنْها لا يَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ؛ لِأنَّها لا تَتَعَدّى بِـ (عْنَ)، ولا بِـ ﴿مَحِيصًا﴾، وإنْ كانَ المَعْنى عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ؛ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَبْيِينًا عَلى إضْمارِ (عَنِّي) . وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ حالًا مِن (مَحِيصٍ)، فَيَتَعَلَّقُ بِـ (مَحِيصٍ)؛ أيْ كائِنًا عَنْها، ولَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً. (p-٣٥٥)﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ لَمّا ذَكَرَ مَأْوى الكُفّارِ، ذَكَرَ مَأْوى المُؤْمِنِينَ، وأسْنَدَ الفِعْلَ إلى نُونِ العَظَمَةِ؛ اعْتِناءً بِأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي يَتَوَلّى إدْخالَهُمُ الجَنَّةَ، وتَشْرِيفًا لَهم. وقُرِئَ: سَيُدْخِلُهم بِالياءِ. ولَمّا رَتَّبَ تَعالى مَصِيرَ مَن كانَ تابِعًا لِإبْلِيسَ إلى النّارِ لِإشْراكِهِ وكُفْرِهِ، وتَغْيِيرِ أحْكامِ اللَّهِ تَعالى؛ رَتَّبَ هُنا دُخُولَ الجَنَّةِ عَلى الإيمانِ، وعَمَلِ الصّالِحاتِ.
﴿وعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ لَمّا ذَكَرَ أنَّ وعْدَ الشَّيْطانِ هو غُرُورٌ باطِلٌ، ذَكَرَ أنَّ هَذا الوَعْدَ مِنهُ تَعالى هو الحَقُّ الَّذِي لا ارْتِيابَ فِيهِ، ولا شَكَّ في إنْجازِهِ. والَّذِينَ مُبْتَدَأٌ وسَيُدْخِلُهُمُ الخَبَرُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ الِاشْتِغالِ؛ أيْ وسَنُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا سَنُدْخِلُهم. وانْتَصَبَ ﴿وعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِغَيْرِهِ؛ فَوَعْدُ اللَّهِ مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ: سَيُدْخِلُهم، وحَقًّا مُؤَكِّدٌ لِوَعْدِ اللَّهِ.
﴿ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ القِيلُ والقَوْلُ واحِدٌ؛ أيْ لا أحَدَ أصْدَقُ قَوْلًا مِنَ اللَّهِ. وهي جُمْلَةٌ مُؤَكِّدَةٌ أيْضًا لِما قَبْلَها. وفائِدَةُ هَذِهِ التَّواكِيدِ المُبالَغَةُ فِيما أخْبَرَ بِهِ تَعالى عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ بِخِلافِ مَواعِيدِ الشَّيْطانِ، وأمانَتِهِ الكاذِبَةِ المُخَلِّفَةِ لِأمانِيهِ.
﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، وأبُو صالِحٍ، ومَسْرُوقٌ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ وغَيْرُهم: الخِطابُ لِلْأُمَّةِ. قالَ بَعْضُهم: اخْتَلَفُوا مَعَ قَوْمٍ مِن أهْلِ الكِتابِ؛ فَقالُوا: دِينُنا أقْدَمُ مِن دِينِكم وأفْضَلُ؛ فَنَبِيُّنا قَبْلَ نَبِيِّكم. وقالَ المُؤْمِنُونَ: كِتابُنا يَقْضِي عَلى الكُتُبِ، ونَبِيُّنا خاتَمُ الأنْبِياءِ، ونَحْوُ هَذا مِنَ المُحاوَرَةِ فَنَزَلَتْ. وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ: الخِطابُ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ؛ وذَلِكَ أنَّهم قالُوا: لَنْ نُبْعَثَ ولَنْ نُعَذَّبَ؛ وإنَّما هي حَياتُنا لَنا فِيها النَّعِيمُ، ثُمَّ لا عَذابَ. وقالَتِ اليَهُودُ: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ، وأحِبّاؤُهُ. إلى نَحْوِ هَذا مِنَ الأقْوالِ كَقَوْلِهِمْ.
(لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى) فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلى الفَرِيقَيْنِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في لَيْسَ: ضَمِيرُ وعْدِ اللَّهِ؛ أيْ لَيْسَ يُنالُ ما وعَدَ اللَّهُ مِنَ الثَّوابِ بِأمانِيِّكم، ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ. والخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ؛ لِأنَّهُ لا يَتَمَنّى وعْدَ اللَّهِ إلّا مَن آمَنَ بِهِ؛ ولِذَلِكَ ذَكَرَ أهْلَ الكِتابِ مَعَهم لِمُشارَكَتِهِمْ لَهم في الإيمانِ. وعَنِ الحَسَنِ: لَيْسَ الإيمانُ بِالتَّمَنِّي؛ ولَكِنْ ما وقَرَ في القَلْبِ وصَدَّقَهُ العَمَلُ، إنَّ قَوْمًا ألْهَتْهم أمانِيُّ المَغْفِرَةِ حَتّى خَرَجُوا مِنَ الدُّنْيا، ولا حَسَنَةَ لَهم، وقالُوا: نُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ، وكَذَبُوا، لَوْ أحْسَنُوا الظَّنَّ بِهِ لَأحْسَنُوا العَمَلَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلْمُشْرِكِينَ؛ لِقَوْلِهِمْ: إنْ كانَ الأمْرُ كَما يَزْعُمُ هَؤُلاءِ، لَنَكُونَنَّ خَيْرًا مِنهم وأحْسَنَ حالًا؛ لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا، إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى. وكانَ أهْلُ الكِتابِ يَقُولُونَ: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ، لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً، ويُعَضِّدَهُ تَقَدُّمُ ذِكْرِ أهْلِ الشِّرْكِ، انْتَهى.
وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ وقَعَ الِاخْتِلافُ في اسْمِ لَيْسَ، وأقَرَّ بِها، إنَّ الَّذِي يَعُودُ الضَّمِيرُ عَلَيْهِ هو الوَعْدُ مِن أنَّهُ تَعالى يُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، ويَلِيهِ أنْ يَعُودَ عَلى الإيمانِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: (والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ) كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الحَسَنُ، ثُمَّ إنَّهُ يَعُودُ عَلى ما وقَعَتْ فِيهِ مُحاوَرَةُ المُؤْمِنِينَ وأهْلِ الكِتابِ، أوْ ما قالَتْهُ قُرَيْشٌ وأهْلُ الكِتابِ عَلى ما مَرَّ ذِكْرُهُ. وقالَ الحَوْفِيُّ: اسْمُ لَيْسَ مُضْمَرٌ فِيها عَلى مَعْنى: لَيْسَ الثَّوابُ عَنِ الحَسَناتِ، ولا العِقابُ عَلى السَّيِّئاتِ بِأمانِيِّكم؛ لِأنَّ الِاسْتِحْقاقَ إنَّما يَكُونُ بِالعَمَلِ لا بِالأمانِيِّ. وقالَ أبُو البَقاءِ: اسَمُ لَيْسَ مُضْمَرٌ فِيها، ولَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ، وإنَّما دَلَّ عَلَيْهِ سَبَبُ الآيَةِ، وذَلِكَ أنَّ اليَهُودَ والنَّصارى، قالُوا: نَحْنُ أصْحابُ الجَنَّةِ. وقالَ المُشْرِكُونَ: لا نُبْعَثُ. فَقالَ: لَيْسَ بِأمانِيِّكم؛ أيْ لَيْسَ ما ادَّعَيْتُمُوهُ بِأمانِيِّكم. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ بْنُ نِصاحٍ، والحَكَمُ، والأعْرَجُ: بِأمانِيكم، ولا أمانِي أهْلِ الكِتابِ ساكِنَةَ الياءِ، جُمِعَ عَلى فَعالِلْ، كَما يُقالُ: قَراقِيرُ، وقَراقِرْ، جَمْعُ قُرْقُورٍ.
﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قالَ الجُمْهُورُ: اللَّفْظُ عامٌّ والكافِرُ والمُؤْمِنُ مُجازَيانِ بِالسُّوءِ يَعْمَلانِهِ. فَمُجازاةُ الكافِرِ النّارُ والمُؤْمِنِ بِنَكَباتِ الدُّنْيا؛ «فَقالَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيق رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَمّا نَزَلَتْ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما أشَدَّ هَذِهِ الآيَةَ (p-٣٥٦)جاءَتْ قاصِمَةَ الظَّهْرِ، فَقالَ: إنَّما هي المُصِيباتُ في الدُّنْيا»، وقالَتْ بِمِثْلِ هَذا التَّأْوِيلِ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها. وقالَ بِهِ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ؛ وسَألَهُ الرَّبِيعُ بْنُ زِيادٍ عَنْ مَعْنى الآيَةِ، وكَأنَّهُ خافَها فَقالَ لَهُ: أيْ ما كُنْتُ أظُنُّكَ إلّا أفْقَهَ مِمّا أرى، ما يُصِيبُ الرَّجُلَ خَدْشٌ أوْ غَيْرُهُ إلّا بِذَنْبٍ، وما يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ أكْثَرُ. وخَصَّصَ الحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ بِالكُفّارِ يُجازَوْنَ عَلى الصَّغائِرِ والكَبائِرِ. وقالَ الضَّحّاكُ: يَعْنِي اليَهُودَ، والنَّصارى، والمَجُوسَ، وكَفّارَ العَرَبِ، ورَأى هَؤُلاءِ أنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ المُؤْمِنِينَ بِتَكْفِيرِ السَّيِّئاتِ. وخَصَّصَ السُّوءَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ بِالشِّرْكِ. وقِيلَ السُّوءُ عامٌّ في الكَبائِرِ.
﴿ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٧٣] رَوى ابْنُ بَكّارٍ، عَنِ ابْنِ عامِرٍ، ولا يَجِدُ بِالرَّفْعِ عَلى القَطْعِ.
﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ﴾ مِنَ الأُولى هي لِلتَّبْعِيضِ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ لا يَتَمَكَّنُ مِن عَمَلِ كُلِّ الصّالِحاتِ؛ وإنَّما يَعْمَلُ مِنها ما هو تَكْلِيفُهُ، وفي وُسْعِهِ. وكَمْ مُكَلَّفٍ لا يَلْزَمُهُ زَكاةٌ، ولا حَجٌّ، ولا جِهادٌ، وسَقَطَتْ عَنْهُ الصَّلاةُ في بَعْضِ الأحْوالِ عَلى بَعْضِ المَذاهِبِ. وحَكى الطَّبَرِيُّ عَنْ قَوْمٍ: أنَّ مِن زائِدَةٌ أيْ ومَن يَعْمَلِ الصّالِحاتِ. وزِيادَةُ (مِن) في الشَّرْطِ ضَعِيفٌ، ولا سِيَّما، وبَعْدَها مَعْرِفَةٌ. و(مِن) الثّانِيَةُ لِتَبْيِينِ الإبْهامِ في (ومَن يَعْمَلْ) . وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ”أوْ“ فِى قَوْلِهِ: ﴿لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكم مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾ [آل عمران: ١٩٥] جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، وقَيَّدَ في عَمَلِ الإنْسانِ؛ لِأنَّهُ لَوْ عَمِلَ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ ما عَمِلَ فَلا يَنْفَعُهُ إلّا أنْ كانَ مُؤْمِنًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإذا أبْطَلَ اللَّهُ الأمانِيَّ، وأثْبَتَ أنَّ الأمْرَ كُلَّهُ مَعْقُودٌ بِالعَمَلِ الصّالِحِ، وأنَّ مَن أصْلَحَ عَمَلَهُ فَهو الفائِزُ، ومَن أساءَ عَمَلَهُ فَهو الهالِكُ، تَبَيَّنَ الأمْرُ، ووَضَحَ، ووَجَبَ قَطْعُ الأمانِيِّ، وحَسْمُ المَطامِعِ والإقْبالُ عَلى العَمَلِ الصّالِحِ؛ ولَكِنَّهُ نُصْحٌ لا تَعِيهِ الآذانُ، ولا تُلْقى إلَيْهِ الأذْهانُ انْتَهى. والَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ الآيَةُ، أنَّ الإيمانَ شَرْطٌ في الِانْتِفاعِ بِالعَمَلِ؛ لِأنَّ العَمَلَ شَرْطٌ في صِحَّةِ الإيمانِ.
﴿ولا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ ظاهِرُهُ: أنَّهُ يَعُودُ إلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ، ويَكُونُ حُكْمُ الكُفّارِ كَذَلِكَ. إذْ ذِكْرُ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ يَدُلُّ عَلى الآخَرِ أنَّ كِلاهُما يُجْزى بِعَمَلِهِ، ولِأنَّ ظُلْمَ المُسِيءِ أنَّهُ يُزادُ في عِقابِهِ. ومَعْلُومٌ أنَّهُ تَعالى لا يَزِيدُ في عِقابِ المُجْرِمِ؛ فَكانَ ذِكْرُهُ مُسْتَغْنًى عَنْهُ. والمُحْسِنُ لَهُ ثَوابٌ، وتَوابِعُ لِلثَّوابِ مِن فَضْلِ اللَّهِ هي في حُكْمِ الثَّوابِ، فَجازَ أنْ يَنْقُصَ مِنَ الفَضْلِ. فَنَفْيُ الظُّلْمِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لا يَقَعُ نَقْصٌ في الفَضْلِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ، في: ولا يُظْلَمُونَ إلى الفَرِيقَيْنِ، عامِلُ السُّوءِ، وعامِلُ الصّالِحاتِ. وقَرَأ: يُدْخَلُونَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ هُنا وفي مَرْيَمَ وأوَّلَيْ غافِرٍ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عُمَرَ وأبُو بَكْرٍ. وقَرَأ كَذَلِكَ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ في ثانِيَةِ غافِرٍ. وقَرَأ كَذَلِكَ أبُو عَمْرٍو في فاطِرٍ. وقَرَأ الباقُونَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ.
﴿ومَن أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهو مُحْسِنٌ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَحْوِهِ في قَوْلَيْنِ مِن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهو مُحْسِنٌ.
﴿واتَّبَعَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ حَنِيفًا في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥] واتِّباعُهُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في التَّوْحِيدِ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: في القِيامِ لِلَّهِ بِما فَرَضَهُ. وقِيلَ: في جَمِيعِ شَرِيعَتِهِ إلّا ما نُسِخَ مِنها.
﴿واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا﴾ هَذا مَجازٌ عَنِ اصْطِفائِهِ واخْتِصاصِهِ بِكَرامَةٍ تُشْبِهُ كَرامَةَ الخَلِيلِ عِنْدَ خَلِيلِهِ. وتَقَدَّمَ اشْتِقاقُ الخَلِيلِ في المُفْرَداتِ. والجُمْهُورُ: عَلى أنَّها مِنَ الخُلَّةِ وهي المَوَدَّةُ الَّتِي لَيْسَ فِيها خَلَلٌ. وقَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى الهاشِمِيِّ: إنَّهُ إنَّما سُمِّيَ خَلِيلًا لِأنَّهُ تَخَلّى عَمّا سِوى خَلِيلِهِ. فَإنْ كانَ فَسَّرَ المَعْنى فَيُمْكِنُ، وإنْ كانَ أرادَ الِاشْتِقاقَ فَلا يَصِحُّ لِاخْتِلافِ المادَّتَيْنِ. «وعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: يا جِبْرِيلُ بِمَ اتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا ؟ قالَ: لِإطْعامِهِ الطَّعامَ»، والكَرامَةُ الَّتِي أكْرَمَهُ اللَّهُ بِها ذَكَرُوها في قِصَّةٍ مُطَوَّلَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَضْمُونُها: (p-٣٥٧)أنَّ اللَّهَ قَلَبَ لَهُ غَرائِرَ الرَّمْلِ دَقِيقًا حُوّارًى عَجَنَ وخَبَزَ وأطْعَمَ النّاسَ مِنهُ.
وعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «اتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا ومُوسى نَجِيًّا واتَّخَذَنِي حَبِيبًا ثُمَّ قالَ: وعِزَّتِي وجَلالِي لَأُوثِرَنَّ حَبِيبِي عَلى خَلِيلِي ونَجِيِّي» لَمّا أثْنى عَلى مَنِ اتَّبَعَ مِلَّةً إبْراهِيمَ أخْبَرَ بِمَزِيَّتِهِ عِنْدَهُ واصْطِفائِهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أدْعى إلى اتِّباعِهِ. لِأنَّ مَنِ اخْتَصَّهُ اللَّهُ بِالخُلَّةِ جَدِيرٌ بِأنْ يُتَّبَعَ أوْ لِيُبَيِّنَ أنَّ تِلْكَ الخُلَّةَ إنَّما سَبَبُها حَنِيفِيَّةُ إبْراهِيمَ عَنْ سائِرِ الأدْيانِ إلى دِينِ الحَقِّ كَقَوْلِهِ: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] أيْ قُدْوَةً لِإتْمامِكَ تِلْكَ الكَلِماتِ. ونَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى أنَّ مَن عَمِلَ بِشَرْعِهِ كانَ لَهُ نَصِيبٌ مِن مَقامِهِ. ولَيْسَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةً عَلى الجُمْلَةِ قَبْلَها، لِأنَّ الجُمْلَةَ قَبْلَها مَعْطُوفَةٌ عَلى صِلَةِ (مَن)، ولا تَصْلُحُ هَذِهِ لِلصِّلَةِ؛ وإنَّما هي مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ الَّتِي مَعْناها الخَبَرُ، أيْ: لا أحَدَ أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ، نَبَّهَتْ عَلى شَرَفِ المَنبَعِ وفَوْزِ المُتَّبِعِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ ؟ قُلْتُ: هي جُمْلَةٌ اعْتِراضِيَّةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ كَنَحْوِ ما يَجِيءُ في الشِّعْرِ مِن قَوْلِهِمْ: والحَوادِثُ جَمَّةٌ، وفائِدَتُها تَأْكِيدُ وُجُوبِ اتِّباعِ مِلَّتِهِ؛ لِأنَّ مَن بَلَغَ مِنَ الزُّلْفى عِنْدَ اللَّهِ أنِ اتَّخَذَهُ خَلِيلًا كانَ جَدِيرًا بِأنْ تُتَّبَعَ مِلَّتُهُ وطَرِيقَتُهُ، انْتَهى. فَإنْ عَنى بِالِاعْتِراضِ غَيْرَ المُصْطَلَحِ عَلَيْهِ في الضَّوْءِ فَيُمْكِنُ أنْ يَصِحَّ قَوْلُهُ؛ كَأنَّهُ يَقُولُ: اعْتَرَضْتُ الكَلامَ. وإنْ عَنى بِالِاعْتِراضِ المُصْطَلَحَ عَلَيْهِ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، إذْ لا يَعْتَرِضُ إلّا بَيْنَ مُفْتَقِرَيْنِ كَصِلَةٍ ومَوْصُولٍ، وشَرْطٍ وجَزاءٍ، وقَسَمٍ ومُقْسَمٍ عَلَيْهِ، وتابِعٍ ومَتْبُوعٍ، وعامِلٍ ومَعْمُولٍ. وقَوْلُهُ: كَنَحْوِ ما يَجِيءُ في الشِّعْرِ مِن قَوْلِهِمْ: والحَوادِثُ جَمَّةٌ، فالَّذِي نَحْفَظُهُ أنَّ مَجِيءَ الحَوادِثِ جَمَّةً إنَّما هو بَيْنَ مُفْتَقِرَيْنِ نَحْوَ قَوْلِهِ:
؎وقَدْ أدْرَكَتْنِي والحَوادِثُ جَمَّةٌ ∗∗∗ أسِنَّةُ قَوْمٍ لا ضِعافٌ ولا عُزْلُ
ونَحْوَ قَوْلِ الآخَرِ:
؎ألا هَلْ أتاها والحَوادِثُ جَمَّةٌ ∗∗∗ بِأنَّ أمْرَأ القَيْسِ بْنَ تَمْلِكَ بَيْقَرا
ولا نَحْفَظُهُ جاءَ آخِرَ كَلامٍ.
النساء 4:126
﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ لَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ عامِلِ السُّوءِ وعامِلِ الصّالِحاتِ أخْبَرَ بِعَظِيمِ مُلْكِهِ. ومُلْكُهُ بِجَمِيعِ ما في السَّماواتِ، وما في الأرْضِ، والعالَمُ مَمْلُوكٌ لَهُ، وعَلى المَمْلُوكِ طاعَةُ مالِكِهِ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ لِما ذَكَرْناهُ، ولَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ الخُلَّةِ؛ فَذَكَرَ أنَّهُ مَعَ الخُلَّةِ عَبْدُ اللَّهِ، وأنَّ الخُلَّةَ لَيْسَتْ لِاحْتِياجٍ؛ وإنَّما هي خُلَّةُ تَشْرِيفٍ مِنهُ تَعالى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ بَقائِهِ عَلى العُبُودِيَّةِ.
﴿وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ أيْ: عالِمًا بِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الجُزْئِيّاتِ والكُلِّيّاتِ؛ فَهو يُجازِيهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ خَيْرِها وشَرِّها، قَلِيلِها وكَثِيرِها. وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ أنْواعًا مِنَ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ والبَيانِ والبَدِيعِ. مِنها التَّجْنِيسُ المُغايِرُ في: ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا﴾ [النساء: ١١٦]، وفي ﴿فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا﴾ [النساء: ١١٩]، وفي (ومَن أحْسَنُ) و(هو مُحْسِنٌ) . والتَّكْرارُ في: (لا يَغْفِرُ) و(يَغْفِرُ)، وفي: (يُشْرِكُ) و(مَن يُشْرِكْ)، وفي (لَآمُرَنَّهم)، وفي: اسْمِ الشَّيْطانِ، وفي: (يَعِدُهم) (وما يَعِدُهم)، وفي الجَلالَةِ في مَواضِعَ، وفي: ﴿بِأمانِيِّكُمْ﴾ [النساء: ١٢٣] ﴿ولا أمانِيِّ﴾ [النساء: ١٢٣]، وفي: (مَن يَعْمَلْ) و(مَن يَعْمَلْ)، وفي: إبْراهِيمَ. والطِّباقُ المَعْنَوِيُّ في: ﴿ومَن يُشاقِقِ﴾ [النساء: ١١٥] و(الهُدى)، وفي: (أنْ يُشْرَكَ بِهِ) و(لِمَن يَشاءُ) يَعْنِي المُؤْمِنَ، وفي: (سَواءٌ) و(الصّالِحاتِ) . والِاخْتِصاصُ في: ﴿بِصَدَقَةٍ أوْ مَعْرُوفٍ أوْ إصْلاحٍ﴾ [النساء: ١١٤]، وفي ﴿وهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النساء: ١٢٤] و﴿مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ [النساء: ١٢٥]، وفي: ﴿ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ . والمُقابَلَةُ في: ﴿مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾ [النساء: ١٢٤] . والتَّأْكِيدُ بِالمَصْدَرِ في: ﴿وعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ [النساء: ١٢٢] . والِاسْتِعارَةُ في: ﴿وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٢٥]، عَبَّرَ بِهِ عَنِ القَصْدِ أوِ الجِهَةِ، وفي: ﴿مُحِيطًا﴾ عَبَّرَ بِهِ عَنِ العِلْمِ بِالشَّيْءِ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ. والحَذْفُ في عِدَّةِ مَواضِعَ.
النساء 4:127
(p-٣٥٨)﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ وما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ في يَتامى النِّساءِ اللّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الوِلْدانِ وأنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالقِسْطِ وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا أوْ إعْراضًا فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحًا والصُّلْحُ خَيْرٌ وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ وإنْ تُحْسِنُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ ولَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ فَتَذَرُوها كالمُعَلَّقَةِ وإنْ تُصْلِحُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٢٩] ﴿وإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِن سَعَتِهِ وكانَ اللَّهُ واسِعًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٣٠] ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ولَقَدْ وصَّيْنا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم وإيّاكم أنِ اتَّقُوا اللَّهَ وإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وكانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ [النساء: ١٣١] ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ [النساء: ١٣٢] ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ وكانَ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٣٣] ﴿مَن كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ وكانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ١٣٤] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلى أنْفُسِكم أوِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا فاللَّهُ أوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى أنْ تَعْدِلُوا وإنْ تَلْوُوا أوْ تُعْرِضُوا فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي أنْزِلَ مِن قَبْلُ. ومَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٣٧] ﴿بَشِّرِ المُنافِقِينَ بِأنَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ [النساء: ١٣٨] ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٣٩] ﴿وقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكم في الكِتابِ أنْ إذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها ويُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ إنَّكم إذًا مِثْلُهم إنَّ اللَّهَ جامِعُ المُنافِقِينَ والكافِرِينَ في جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٤٠] ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكم فَإنْ كانَ لَكم فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا ألَمْ نَكُنْ مَعَكم وإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكم ونَمْنَعْكم مِنَ المُؤْمِنِينَ فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ ولَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١] . الشُّحُّ: قالَ ابْنُ فارِسٍ البُخْلُ مَعَ الحِرْصِ. وتَشاحَّ الرَّجُلانِ في الأمْرِ لا يُرِيدانِ أنْ يَفُوتَهُما، وهو بِضَمِّ الشِّينِ وكَسْرِها. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الشُّحُّ الضَّبْطُ عَلى المُعْتَقَداتِ والإرادَةِ؛ فَفي الهِمَمِ والأمْوالِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا أفْرَطَ فِيهِ، وفِيهِ بَعْضُ المَذَمَّةِ. وما صارَ إلى حَيِّزِ الحُقُوقِ الشَّرْعِيَّةِ، وما تَقْتَضِيهِ المُرُوءَةُ فَهو البُخْلُ، وهو رَذِيلَةٌ. لَكِنَّها قَدْ تَكُونُ في المُؤْمِنِ، ومِنهُ الحَدِيثُ: «قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ، أيَكُونُ المُؤْمِنُ بَخِيلًا ؟ قالَ نَعَمْ»، وأمّا الشُّحُّ فَفي كُلِّ أحَدٍ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ﴾، ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ [الحشر: ٩] لِكُلِّ نَفْسٍ شُحٌّ، وقَوْلُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ: «أنْ تَصَدَّقَ وأنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ»، ولَمْ يُرِدْ بِهِ واحِدًا بِعَيْنِهِ، ولَيْسَ يُحْمَدُ أنْ يُقالَ هُنا أنْ تَصَدَّقَ وأنْتَ صَحِيحٌ بَخِيلٌ.
المُعَلَّقَةُ: هي الَّتِي لَيْسَتْ مُطَلَّقَةً، ولا ذاتَ بَعْلٍ. قالَ الرَّجُلُ: هَلْ هي إلّا خُطَّةٌ أوْ تَعْلِيقٌ أوْ صَلَفٌ، أوْ بَيْنَ ذاكَ تَعْلِيقٌ. وفي حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ: «زَوْجِي العَشَنَّقُ إنْ أُنْطِقَ أُطَلَّقْ، وإنْ أسْكُتْ أُعَلَّقْ» شَبَّهَتِ المَرْأةَ بِالشَّيْءِ المُعَلَّقِ مِن شَيْءٍ؛ لِأنَّهُ لا عَلى الأرْضِ اسْتَقَرَّ، ولا عَلى ما عُلِّقَ مِنهُ. وفي المَثَلِ: أرْضٌ مِنَ المَرْكَبِ بِالتَّعْلِيقِ.
الخَوْضُ: الِاقْتِحامُ في الشَّيْءِ، تَقُولُ: خُضْتُ الماءَ خَوْضًا وخِياضًا، وخُضْتُ الغَمَراتِ اقْتَحَمْتُها، وخاضَهُ بِالسَّيْفِ حَرَّكَ سَيْفَهُ في المَضْرُوبِ، وتَخاوَضُوا في الحَدِيثِ تَفاوَضُوا فِيهِ والمَخاضَةُ مَوْضِعُ الخَوْضِ. قالَ الشّاعِرُ، وهُ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شُبْرُمَةَ:
؎إذا شالَتِ الجَوْزاءُ والنَّجْمُ طالِعٌ فَكُلُّ مَخاضاتِ الفُراتِ مَعابِرُ
والخَوْضَةُ بِفَتْحِ الخاءِ اللُّؤْلُؤَةُ، واخْتاضَ بِمَعْنى خاضَ، وتَخَوَّضَ: تَكَلَّفَ الخَوْضَ. الِاسْتِحْواذُ: الِاسْتِيلاءُ والتَّغَلُّبُ؛ قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ والزَّجّاجُ. ويُقالُ: حاذَ يَحُوذُ حَوْذًا، وأحاذَ بِمَعْنًى مِثْلَ حاذَ وأحاذَ. (p-٣٥٩)وشَذَّتْ هَذِهِ الكَلِمَةُ فَصَحَّتْ عَيْنُها في النَّقّالِ، قاسَ عَلَيْها أبُو زَيْدٍ الأنْصارِيُّ.
﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ﴾ سَبَبُ نُزُولِها: أنَّ قَوْمًا مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم سَألُوا عَنْ أمْرِ النِّساءِ، وأحْكامِهِنَّ في المَوارِيثِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. وأمّا مُناسَبَتُها فَكَذَلِكَ عَلى تَرْبِيعِ العَرَبِ في كَلامِها أنَّها تَكُونُ في أمْرٍ، ثُمَّ تَخْرُجُ مِنهُ إلى شَيْءٍ، ثُمَّ تَعُودُ إلى ما كانَتْ فِيهِ أوَّلًا. وهَكَذا كِتابُ اللَّهِ يُبَيَّنُ فِيهِ أحْكامُ تَكْلِيفِهِ، ثُمَّ يُعْقَبُ بِالوَعْدِ والوَعِيدِ والتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، ثُمَّ يُعْقَبُ ذَلِكَ بِذِكْرِ المُخالِفِينَ المُعانِدِينَ، الَّذِينَ لا يَتَّبِعُونَ تِلْكَ الأحْكامَ، ثُمَّ بِما يَدُلُّ عَلى كِبْرِياءِ اللَّهِ تَعالى وجَلالِهِ، ثُمَّ يُعادُ لِتَبْيِينِ ما تَعَلَّقَ بِتِلْكَ الأحْكامِ السّابِقَةِ. وقَدْ عَرَضَ هُنا في هَذِهِ السُّورَةِ أنْ بَدَأ بِأحْكامِ النِّساءِ والمَوارِيثِ، وذِكْرِ اليَتامى، ثُمَّ ثانِيًا بِذِكْرِ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ، ثُمَّ أخِيرًا بِذِكْرِ شَيْءٍ مِنَ المَوارِيثِ أيْضًا. ولَمّا كانَتِ النِّساءُ مُطَّرِحًا أمْرُهُنَّ عِنْدَ العَرَبِ في المِيراثِ وغَيْرِهِ، وكَذَلِكَ اليَتامى أكَدَّ الحَدِيثَ فِيهِنَّ مِرارًا، لِيَرْجِعُوا عَنْ أحْكامِ الجاهِلِيَّةِ. والِاسْتِفْتاءُ طَلَبَ الإفْتاءِ، وأفْتاهُ إفْتاءً، وفُتْيا وفَتْوى، وأفْتَيْتُ فُلانًا في رُؤْياهُ عَبَرْتُها لَهُ. ومَعْنى الإفْتاءِ إظْهارُ المُشْكِلِ عَلى السّائِلِ. وأصْلُهُ مِنَ الفَتى، وهو الشّابُّ الَّذِي قَوِيَ وكَمُلَ؛ فالمَعْنى: كَأنَّهُ بَيانُ ما أشْكَلَ فَيَثْبُتُ ويَقْوى. والِاسْتِفْتاءُ لَيْسَ في ذَواتِ النِّساءِ؛ وإنَّما هو عَنْ شَيْءٍ مِن أحْكامِهِنَّ ولَمْ يُبَيَّنْ فَهو مُجْمَلٌ. ومَعْنى يُفْتِيكم فِيهِنَّ: يُبَيِّنُ لَكم حالَ ما سَألْتُمْ عَنْهُ وحُكْمَهُ.
* *
(p-٣٦٠)﴿وما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ في يَتامى النِّساءِ اللّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الوِلْدانِ﴾؛ ذَكَرُوا في مَوْضِعِ (ما) مِنَ الإعْرابِ: الرَّفْعَ والنَّصْبَ والجَرَّ؛ فالرَّفْعُ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى اسْمِ اللَّهِ؛ أيِ اللَّهُ يُفْتِيكم والمَتْلُوُّ في الكِتابِ في مَعْنى اليَتامى. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ أنْ لا تُقْسِطُوا في اليَتامى﴾ [النساء: ٣]، وهو قَوْلُهُ أعْجَبَنِي زَيْدٌ وكَرَمُهُ، انْتَهى. والثّانِي: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في يُفْتِيكم، وحَسُنَ الفَصْلُ بَيْنَهُما بِالمَفْعُولِ والجارِّ والمَجْرُورِ. الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ ما يُتْلى مُبْتَدَأً، وفي الكِتابِ خَبَرُهُ عَلى أنَّها جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ. والمُرادُ بِالكِتابِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ تَعْظِيمًا لِلْمَتْلُوِّ عَلَيْهِمْ، وأنَّ العَدْلَ والنُّصْفَةَ في حُقُوقِ اليَتامى مِن عَظائِمِ الأُمُورِ المَرْفُوعَةِ الدَّرَجاتِ عِنْدَ اللَّهِ الَّتِي يَجِبُ مُراعاتُها والمُحافَظَةُ عَلَيْها والمُخِلُّ ظالِمٌ مُتَهاوِنٌ بِما عَظَّمَهُ اللَّهُ. ونَحْوُهُ في تَعْظِيمِ القُرْآنِ، ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف: ٤] . وقِيلَ في هَذا الوَجْهِ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ: ﴿وما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ في يَتامى النِّساءِ﴾ لَكم أوْ يُفْتِيكم، وحُذِفَ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ. وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ في الكِتابِ بِقَوْلِهِ: ﴿يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾، أوْ تَكُونُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في يُتْلى، و﴿فِي يَتامى﴾ بَدَلٌ مِن ﴿فِي الكِتابِ﴾ . وقالَ أبُو البَقاءِ في الثّانِيَةِ: تَتَعَلَّقُ بِما تَعَلَّقَتْ بِهِ الأُولى؛ لِأنَّ مَعْناها يَخْتَلِفُ؛ فالأُولى ظَرْفٌ والثّانِيَةُ بِمَعْنى الباءِ؛ أيْ بِسَبَبِ اليَتامى، كَما تَقُولُ: جِئْتُكَ في يَوْمِ الجُمْعَةِ في أمْرِ زَيْدٍ. ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ الثّانِيَةُ بِالكِتابِ؛ أيْ فِيما كَتَبَ بِحُكْمِ اليَتامى. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الثّانِيَةُ حالًا، فَتَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ. وأمّا النَّصْبُ؛ فَعَلى التَّقْدِيرِ: ويُبَيِّنُ لَكم ما يُتْلى؛ لِأنَّ يُفْتِيكم مَعْناها يُبَيِّنُ فَدَلَّتْ عَلَيْها. وأمّا الجَرُّ فَمِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْقَسَمِ كَأنَّهُ قالَ: وأُقْسِمُ بِما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ والقَسَمُ بِمَعْنى التَّعْظِيمِ؛ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: والثّانِي: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في (فِيهِنَّ)؛ قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ أبِي مُوسى. وقالَ: أفْتاهُمُ اللَّهُ فِيما سَألُوا عَنْهُ، وفي ما لَمْ يَسْألُوا عَنْهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُضَعِّفُ هَذا التَّأْوِيلَ ما فِيهِ مِنَ العَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ المَخْفُوضِ بِغَيْرِ إعادَةِ حَرْفِ الخَفْضِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَيْسَ بِسَدِيدٍ أنْ يُعْطَفَ عَلى المَجْرُورِ في فِيهِنَّ؛ لِاخْتِلالِهِ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ والمَعْنى، انْتَهى.
والَّذِي أخْتارُهُ هَذا الوَجْهُ، وإنْ كانَ مَشْهُورَ مَذْهَبِ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ (p-٣٦١)أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ إلّا في الشِّعْرِ، لَكِنْ قَدْ ذَكَرْتُ دَلائِلَ جَوازِ ذَلِكَ في الكَلامِ. وأمْعَنْتُ في ذِكْرِ الدَّلائِلِ عَلى ذَلِكَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: (وكُفْرٌ بِهِ)، و(المَسْجِدِ الحَرامِ)، ولَيْسَ مُخْتَلًّا مِن حَيْثُ اللَّفْظُ؛ لِأنّا قَدِ اسْتَدْلَلْنا عَلى جَوازِ ذَلِكَ، ولا مِن حَيْثُ المَعْنى كَما زَعَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ؛ بَلِ المَعْنى عَلَيْهِ، ويَكُونُ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفٍ؛ أيْ يُفْتِيكم في مَتْلُوِّهِنَّ، وفِيما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ مِن إضافَةِ مَتْلُوٍّ إلى ضَمِيرِهِنَّ سائِغَةٌ؛ إذِ الإضافَةُ تَكُونُ لِأدْنى مُلابَسَةٍ لِما كانَ مَتْلُوًّا فِيهِنَّ صَحَّتِ الإضافَةُ إلَيْهِما. ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎إذا كَوْكَبُ الخَرْقاءِ لاحَ بِسَحَرَةٍ
وأمّا قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: لِاخْتِلالِهِ في اللَّفْظِ والمَعْنى، فَهو قَوْلُ الزَّجّاجِ بِعَيْنِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّفْظِ وإلى المَعْنى؛ أمّا لِلَّفْظِ فَإنَّهُ يَقْتَضِي عَطْفَ المُظْهَرِ عَلى المُضْمَرِ؛ وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ. كَما لَمْ يَجُزْ قَوْلُهُ: ﴿تَساءَلُونَ بِهِ والأرْحامَ﴾ [النساء: ١]، وأمّا المَعْنى فَإنَّهُ تَعالى أفْتى في تِلْكَ المَسائِلِ، وتَقْدِيرُ العَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ يَقْتَضِي أنَّهُ أفْتى فِيما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ. ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ ذَلِكَ؛ وإنَّما المُرادُ أنَّهُ تَعالى يُفْتِي فِيما سَألُوهُ مِنَ المَسائِلِ، انْتَهى كَلامُهُ. وقَدْ بَيَّنّا صِحَّةَ المَعْنى عَلى تَقْدِيرِ ذَلِكَ المَحْذُوفِ والرَّفْعِ عَلى العَطْفِ عَلى اللَّهِ، أوْ عَلى ضَمِيرٍ يُخْرِجُهُ عَنِ التَّأْسِيسِ. وعَلى الجُمْلَةِ تَخْرُجُ الجُمْلَةَ بِأسْرِها عَنِ التَّأْسِيسِ، وكَذَلِكَ الجَرُّ عَلى القَسَمِ؛ فالنَّصْبُ بِإضْمارِ فِعْلٍ والعَطْفُ عَلى الضَّمِيرِ يَجْعَلُهُ تَأْسِيسًا. وإذا أرادَ الأمْرَيْنِ: التَّأْسِيسَ والتَّأْكِيدَ، كانَ حَمْلُهُ عَلى التَّأْسِيسِ هو الأوْلى، ولا يَذْهَبُ إلى التَّأْكِيدِ إلّا عِنْدَ اتِّضاحِ عَدَمِ التَّأْسِيسِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في تَعَلُّقِ قَوْلِهِ: ﴿فِي يَتامى النِّساءِ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: بِمَ تَعَلَّقَ قَوْلُهُ: ﴿فِي يَتامى النِّساءِ﴾ ؟ قُلْتُ: في الوَجْهِ الأوَّلِ هو صِلَةُ (يُتْلى)؛ أيْ يُتْلى عَلَيْكم في مَعْناهُنَّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿فِي يَتامى النِّساءِ﴾ بَدَلًا مِن (فِيهِنَّ) . وأمّا في الوَجْهَيْنِ الأخِيرَيْنِ فَبَدَلٌ لا غَيْرُ، انْتَهى كَلامُهُ. ويَعْنِي بِقَوْلِهِ في الوَجْهِ الأوَّلِ: أنْ يَكُونَ وما يُتْلى في مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ فَأمّا ما أجازَهُ في هَذا الوَجْهِ مِن أنَّهُ يَكُونُ صِلَةَ يُتْلى؛ فَلا يُتَصَوَّرُ إلّا إنْ كانَ ﴿فِي يَتامى﴾ بَدَلًا مِن ﴿فِي الكِتابِ﴾، أوْ تَكُونُ في لِلسَّبَبِ؛ لِئَلّا يَتَعَلَّقَ حَرْفا جَرٍّ بِمَعْنًى واحِدٍ بِفِعْلٍ واحِدٍ؛ فَهو لا يَجُوزُ إلّا إنْ كانَ عَلى طَرِيقَةِ البَدَلِ أوْ بِالعَطْفِ. وأمّا ما أجازَهُ في هَذا الوَجْهِ أيْضًا مِن أنَّ في يَتامى بَدَلٌ مِن فِيهِنَّ؛ فالظّاهِرُ أنَّهُ لا يَجُوزُ لِلْفَصْلِ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ بِالعَطْفِ. ونَظِيرُ هَذا التَّرْكِيبِ: زَيْدٌ يُقِيمُ في الدّارِ، وعَمْرٌو في كِسْرٍ مِنها؛ فَفَصَلَتْ بَيْنَ في الدّارِ وبَيْنَ في كِسْرٍ مِنها بِالعَطْفِ والتَّرْكِيبِ المَعْهُودِ: زَيْدٌ يُقِيمُ في الدّارِ في كِسْرٍ مِنها وعَمْرٌو. واتَّفَقَ مَن وقَفْنا عَلى كَلامِهِ في التَّفْسِيرِ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إشارَةٌ إلى ما مَضى في صَدْرِ هَذِهِ السُّورَةِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]، وقَوْلُهُ: ﴿وآتُوا اليَتامى أمْوالَهُمْ﴾ [النساء: ٢]، وقَوْلُهُ: (p-٣٦٢)﴿كَبِيرًا وإنْ خِفْتُمْ ألّا تُقْسِطُوا في اليَتامى فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٢] «قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ يَعْنِي: ﴿وإنْ خِفْتُمْ أنْ لا تُقْسِطُوا في اليَتامى﴾ [النساء: ٣] أوَّلًا، ثُمَّ سَألَ ناسٌ بَعْدَها رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ أمْرِ النِّساءِ؛ فَنَزَلَتْ: ﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ﴾، وما يُتْلى عَلَيْكم؛» فَعَلى ما قالَهُ المُفَسِّرُونَ، وما نُقِلَ عَنْ عائِشَةَ يَكُونُ يُفْتِيكم، ويُتْلى فِيهِ وُضِعَ المُضارِعُ مَوْضِعَ الماضِي؛ لِأنَّ الإفْتاءَ والتِّلاوَةَ قَدْ سَبَقَتْ. والإضافَةُ في يَتامى النِّساءِ مِن بابِ إضافَةِ الخاصِّ إلى العامِّ؛ لِأنَّ النِّساءَ يَنْقَسِمْنَ إلى يَتامى وغَيْرِ يَتامى. وقالَ الكُوفِيُّونَ: هي مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ، وهَذا عِنْدَ البَصْرِيِّينَ لا يَجُوزُ، وذَلِكَ مُقَرَّرٌ في عِلْمِ النَّحْوِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: الإضافَةُ في يَتامى النِّساءِ ما هي ؟ قُلْتُ: إضافَةٌ بِمَعْنى (مِن) هي إضافَةُ الشَّيْءِ إلى جِنْسِهِ؛ كَقَوْلِكَ: خاتَمُ حَدِيدٍ، وثَوْبُ خَزٍّ، وخاتَمُ فِضَّةٍ. ويَجُوزُ الفَصْلُ، وإتْباعُ الجِنْسِ لِما قَبْلَهُ ونَصْبُهُ وجَرُّهُ بِـ (مِن) والَّذِي يَظْهَرُ في ﴿يَتامى النِّساءِ﴾، وفي سَحْقِ عِمامَةٍ أنَّها إضافَةٌ عَلى مَعْنى اللّامِ، ومَعْنى اللّامِ الِاخْتِصاصُ. وقَرَأ أبُو عَبْدِ اللَّهِ المَدَنِيُّ: (في يَتامى النِّساءِ) بِياءَيْنِ، وأخْرَجَهُ ابْنُ جِنِّيٍّ عَلى أنَّ الأصْلَ أيامى، فَأُبْدِلَ مِنَ الهَمْزَةِ ياءً، كَما قالُوا: باهِلَةُ بْنُ يَعْصُرَ، وإنَّما هو أعْصُرُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِقَوْلِهِ:
؎أثْناكَ أنَّ أباكَ غَيَّرَ لَوْنَهُ ∗∗∗ كَرُّ اللَّيالِي واخْتِلافُ الأعْصُرِ
وقالُوا في عَكْسِ ذَلِكَ: قَطَعَ اللَّهُ أيْدَهُ يُرِيدُونَ يَدَهُ؛ فَأُبْدِلَ مِنَ الياءِ هَمْزَةً. وأيامى جَمْعُ أيِّمٍ عَلى وزْنِ فَعِيلٍ، وهو مِمّا اخْتَصَّ بِهِ المُعْتَلُّ، وأصْلُهُ: أيايِمُ كَسَيايِدَ جَمْعُ سَيِّدٍ، قُلِبَتِ اللّامُ مَوْضِعَ العَيْنِ فَجاءَ أيامى، فَأُبْدِلَ مِنَ الكَسْرَةِ فَتْحَةً انْقَلَبَتِ الياءُ ألِفًا لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها. وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: ولَوْ قالَ قائِلٌ: كُسِّرَ أيِّمٍ عَلى أيْمى عَلى وزْنِ سَكْرى، ثُمَّ كُسِّرَ أيْمى عَلى أيامى لَكانَ وجَهًا حَسَنًا.
ومَعْنى ما كُتِبَ لَهُنَّ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ وجَماعَةٌ: هو المِيراثُ. وقالَ آخَرُونَ: هو الصَّداقُ، والمُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تُؤْتُونَهُنَّ﴾ أوْلِياءُ المَرْأةِ كانُوا يَأْخُذُونَ صَدَقاتِ النِّساءِ، ولا يُعْطُونَهُنَّ شَيْئًا. وقِيلَ أوْلِياءُ اليَتامى كانُوا يُزَوِّجُونَ اليَتامى اللَّواتِي في حُجُورِهِنَّ، ولا يَعْدِلُونَ في صَدَقاتِهِنَّ. وقُرِئَ: ”ما كَتَبَ اللَّهُ لَهُنَّ“ . وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾، هَذا اللَّفْظُ يَحْتَمِلُ الرَّغْبَةَ والنَّفْرَةَ؛ فالمَعْنى في الرَّغْبَةِ في أنْ تَنْكِحُوهُنَّ لِما لَهُنَّ أوْ لِجَمالِهِنَّ والنَّفْرَةِ، وتَرْغَبُونَ عَنْ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ لِقُبْحِهِنَّ فَتُمْسِكُوهُنَّ رَغْبَةً في أمْوالِهِنَّ. والأوَّلُ قَوْلُ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها وجَماعَةٍ انْتَهى. وكانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَأْخُذُ النّاسَ بِالدَّرَجَةِ الفُضْلى في هَذا المَعْنى؛ فَكانَ إذا سَألَ الوَلِيَّ عَنْ ولِيَّتِهِ؛ فَقِيلَ هي غَنِيَّةٌ جَمِيلَةٌ قالَ لَهُ: اطْلُبْ لَها مَن هو خَيْرٌ مِنكَ، وأعْوَدُ عَلَيْها بِالنَّفْعِ. وإذا قِيلَ هي دَمِيمَةٌ فَقِيرَةٌ قالَ لَهُ: أنْتَ أوْلى بِها وبِالسَّتْرِ عَلَيْها مِن غَيْرِكَ. و﴿المُسْتَضْعَفِينَ﴾ [النساء: ٩٨] مَعْطُوفٌ عَلى ﴿يَتامى النِّساءِ﴾ والَّذِي تُلِيَ فِيهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] الآيَةَ؛ وذَلِكَ أنَّ العَرَبَ كانَتْ لا تُوَرِّثُ الصَّبِيَّةَ، ولا الصَّبِيَّ الصَّغِيرَ، وكانَ الكَبِيرُ يَنْفَرِدُ بِالمالِ، وكانُوا يَقُولُونَ: إنَّما يَرِثُ مَن يَحْمِي الحَوْزَةَ، ويَرُدُّ الغَنِيمَةَ، ويُقاتِلُ عَنِ الحَرِيمِ، فَفَرَضَ اللَّهُ تَعالى لِكُلِّ واحِدٍ حَقَّهُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلْأوْصِياءِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ [النساء: ٢]، وقِيلَ المُسْتَضْعَفِينَ هُنا العَبِيدُ والإماءُ.
﴿وأنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالقِسْطِ﴾ هو في مَوْضِعِ جَرٍّ عَطْفًا عَلى ما قَبْلَهُ أيْ وفي أنْ تَقُومُوا. والَّذِي تُلِيَ في هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا ذُكِرَ في مالِ اليَتِيمِ. والقِسْطُ: العَدْلُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا؛ بِمَعْنى ويَأْمُرُكم، أنْ تَقُومُوا. وهو خِطابٌ لِلْأئِمَّةِ في أنْ يَنْظُرُوا لَهم، ويَسْتَوْفُوا لَهم حُقُوقَهم، ولا يُخَلُّوا أحَدًا يَهْتَضِمُهم، انْتَهى. وفي رَيِّ الظَّمْآنِ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرْفَعَ، وأنْ تَقُومُوا بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ خَيْرٌ (p-٣٦٣)لَكم، انْتَهى. وإذا أمْكَنَ حَمْلُهُ عَلى غَيْرِ حَذْفٍ؛ بِكَوْنِهِ قَدْ عُطِفَ عَلى مَجْرُورٍ، كانَ أوْلى مِن إضْمارِ ناصِبٍ؛ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ. ومِن كَوْنِهِ مُبْتَدَأً قَدْ حُذِفَ خَبَرُهُ.
﴿وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ لَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ النِّساءِ، ويَتامى النِّساءِ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الوِلْدانِ والقِيامِ بِالقِسْطِ؛ عَقَّبَ ذَلِكَ بِأنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ ما يَفْعَلُ مِنَ الخَيْرِ بِسَبَبِ مَن ذَكَرَ، فَيُجازِي عَلَيْهِ بِالثَّوابِ الجَزِيلِ. واقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ فِعْلِ الخَيْرِ؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي رَغَّبَ فِيهِ، وإنْ كانَ تَعالى يَعْلَمُ ما يَفْعَلُ مِن خَيْرٍ ومِن شَرٍّ، ويُجازِي عَلى ذَلِكَ بِثَوابِهِ، وعِقابِهِ.
﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا أوْ إعْراضًا فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحًا﴾ نَزَلَتْ بِسَبَبِ ابْنِ بِعَكَكَ وامْرَأتِهِ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ. وبِسَبَبِ رافِعِ بْنِ خُدَيْجٍ، وامْرَأتِهِ خَوْلَةَ بِنْتِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، وكانَتْ قَدْ أسَنَّتْ فَتَزَوَّجَ عَلَيْها شابَّةً فَآثَرَها؛ فَلَمْ تَصْبِرْ خَوْلَةُ فَطَلَّقَها ثُمَّ راجَعَها، وقالَ: إنَّما هي واحِدَةٌ؛ فَإمّا أنْ تَقْوَيْ عَلى الأثَرَةِ وإلّا طَلَّقْتُكِ فَفَرَّتْ؛ قالَهُ عُبَيْدَةُ وسُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ وابْنُ المُسَيَّبِ. أوْ بِسَبَبِ النَّبِيِّ ﷺ وسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ خَشِيَتْ طَلاقَها فَقالَتْ: لا تُطَلِّقْنِي، واحْبِسْنِي مَعَ نِسائِكَ، ولا تَقْسِمْ لِي؛ فَفَعَلَ؛ فَنَزَلَتْ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ.
والخَوْفُ هُنا عَلى بابِهِ؛ لَكِنَّهُ لا يَحْصُلُ إلّا بِظُهُورِ أماراتٍ ما تَدُلُّ عَلى وُقُوعِ الخَوْفِ. وقِيلَ مَعْنى خافَتْ عَلِمَتْ. وقِيلَ ظَنَّتْ. ولا يَنْبَغِي أنْ يَخْرُجَ عَنِ الظّاهِرِ؛ إذِ المَعْنى مَعَهُ يَصِحُّ. والنُّشُوزُ: أنْ يُجافِيَ عَنْها بِأنْ يَمْنَعَها نَفْسَهُ ونَفَقَتَهُ والمَوَدَّةَ الَّتِي بَيْنَهُما، وأنَّ يُؤْذِيَها بِسَبَبٍ أوْ ضَرْبٍ. والإعْراضُ: أنْ يُقِلَّ مُحادَثَتَها، ومُآنَسَتَها لِطَعْنٍ في سِنٍّ أوْ دَمامَةٍ، أوْ شَيْنٍ في خُلُقٍ أوْ خَلْقٍ، أوْ مَلالٍ، أوْ طُمُوحِ عَيْنٍ إلى أُخْرى، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وهو أخَفُّ النُّشُوزِ. فَرَفَعَ الجُناحَ بَيْنَهُما في الصُّلْحِ بِجَمِيعِ أنْواعٍ مِن بَذْلٍ مِنَ الزَّوْجِ لَها عَلى أنْ تَصْبِرَ، أوْ بَذْلٍ مِنها لَهُ عَلى أنْ يُؤْثِرَها، وعَنْ أنْ يُؤْثِرَ، وتَتَمَسَّكُ بِالعِصْمَةِ، أوْ عَلى صَبْرٍ عَلى الأثَرَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ فَهَذا كُلُّهُ مُباحٌ. ورَتَّبَ رَفْعَ الجُناحِ عَلى تَوَقُّعِ الخَوْفِ، وظُهُورِ أماراتِ النُّشُوزِ والإعْراضِ؛ وهو مَعَ وُقُوعِ تِلْكَ وتَحَقُّقِها أوْلى؛ لِأنَّهُ إذا أُبِيحَ الصُّلْحُ مَعَ خَوْفِ ذَلِكَ؛ فَهو مَعَ الوُقُوعِ أوْكَدُ؛ إذْ في الصُّلْحِ بَقاءُ الأُلْفَةِ والمَوَدَّةِ. ومِن أنْواعِ الصُّلْحِ أنْ تَهَبَ يَوْمَها لِغَيْرِها مِن نِسائِهِ كَما فَعَلَتْ سَوْدَةُ، وأنْ تَرْضى بِالقَسْمِ لَها في مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ مَرَّةً، أوْ تَهَبَ لَهُ المَهْرَ أوْ بَعْضَهُ أوِ النَّفَقَةَ؛ والحَقُّ الَّذِي لِلْمَرْأةِ عَلى الزَّوْجِ هو المَهْرُ والنَّفَقَةُ؛ والقَسَمُ هو عَلى إسْقاطِ ذَلِكَ أوْ شَيْءٍ مِنهُ عَلى أنْ لا يُطَلِّقَها، وذَلِكَ جائِزٌ.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: (يُصْلِحا) مِن أصْلَحَ عَلى وزْنِ أكْرَمَ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: يَصّالَحا، وأصْلُهُ يَتَصالَحا، وأُدْغِمَتِ التّاءُ في الصّادِ. وقَرَأ عَبِيدَةُ السَّلْمانِيُّ: يُصالِحا مِنَ المُفاعَلَةِ. وقَرَأ الأعْمَشُ: إنِ اصّالَحا، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ جُعِلَ ماضِيًا. وأصْلُهُ تَصالَحَ عَلى وزْنِ تَفاعَلَ، فَأدْغَمَ التّاءَ في الصّادِ، واجْتُلِبَتْ هَمْزَةُ الوَصْلِ والصُّلْحُ لَيْسَ مَصْدَرَ الشَّيْءِ مِن هَذِهِ الأفْعالِ الَّتِي قُرِئَتْ؛ فَإنْ كانَ اسْمًا لِما يُصْلَحُ بِهِ كالعَطاءِ والكَرامَةِ مَعَ أعْطَيْتُ، وأكْرَمْتُ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُهُ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ؛ أيْ يُصْلَحُ أيْ بِشَيْءٍ يَصْطَلِحانِ عَلَيْهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا لِهَذِهِ الأفْعالِ عَلى حَذْفِ الزَّوائِدِ.
﴿والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ ظاهِرُهُ أنَّ خَيْرًا أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، وأنَّ المُفَضَّلَ عَلَيْهِ هو مِنَ النُّشُوزِ والإعْراضِ، فَحُذِفَ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ. وقِيلَ مِنَ الفُرْقَةُ. وقِيلَ مِنَ الخُصُومَةِ، وتَكُونُ الألِفُ واللّامُ في الصُّلْحِ لِلْعَهْدِ، ويَعْنِي بِهِ صُلْحًا السّابِقَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ [المزمل: ١٥] ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٦] . وقِيلَ الصُّلْحُ عامٌّ. وقِيلَ الصُّلْحُ الحَقِيقِيُّ الَّذِي تَسْكُنُ إلَيْهِ النُّفُوسُ، ويَزُولُ بِهِ الخِلافُ، ويَنْدَرِجُ تَحْتَهُ صُلْحُ الزَّوْجَيْنِ، ويَكُونُ المَعْنى: خَيْرٌ مِنَ الفُرْقَةِ والِاخْتِلافِ. وقِيلَ خَيْرٌ هُنا لَيْسَ أفْعَلَ تَفْضِيلٍ، وإنَّما مَعْناهُ خَيْرٌ مِنَ الخُيُورِ، كَما أنَّ الخُصُومَةَ شَرٌّ مِنَ الشُّرُورِ.
﴿وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ﴾ هَذا مِن بابِ المُبالَغَةِ جُعِلَ الشُّحُّ كَأنَّهُ شَيْءٌ مُعَدٌّ في مَكانٍ. وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ، (p-٣٦٤)وسِيقَتْ إلَيْهِ، ولَمْ يَأْتِ، وأُحْضِرَ الشُّحُّ الأنْفُسَ فَيَكُونُ مَسُوقًا إلى الأنْفُسِ، بَلِ الأنْفُسُ سِيقَتْ إلَيْهِ؛ لِكَوْنِ الشُّحِّ مَجْبُولًا عَلَيْهِ الإنْسانُ، ومَرْكُوزًا في طَبِيعَتِهِ، وخَصَّ المُفَسِّرُونَ هَذِهِ اللَّفْظَةَ هُنا؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ: هو شُحُّ المَرْأةِ بِنَصِيبِها مِن زَوْجِها، ومالِها. وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ: هو شُحُّ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِحَقِّهِ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالشُّحِّ الحِرْصُ، وهو أنْ يَحْرِصَ كُلٌّ عَلى حَقِّهِ يُقالُ: هو شَحِيحٌ بِمَوَدَّتِكَ؛ أيْ حَرِيصٌ عَلى بَقائِها، ولا يُقالُ في هَذا بَخِيلٌ، فَكَأنَّ الشُّحَّ والحِرْصَ واحِدٌ في المَعْنى؛ وإنْ كانَ في أصْلِ الوَضْعِ الشُّحُّ لِلْمَنعِ والحِرْصُ لِلْمَطْلَبِ؛ فَأُطْلِقَ عَلى الحِرْصِ الشُّحُّ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما سَبَبٌ لِكَوْنِ الآخَرِ، ولِأنَّ البُخْلَ يُحْمَلُ عَلى الحِرْصِ، والحِرْصُ يُحْمَلُ عَلى البُخْلِ، انْتَهى.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في قَوْلِهِ: ﴿والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾، وهَذِهِ الجُمْلَةُ اعْتِراضٌ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ﴾ . ومَعْنى إحْضارِ الأنْفُسِ الشُّحَّ: أنَّ الشُّحَّ جُعِلَ حاضِرًا لَها لا يَغِيبُ عَنْها أبَدًا، ولا تَنْفَكُّ عَنْهُ؛ يَعْنِي: أنَّها مَطْبُوعَةٌ عَلَيْهِ. والغَرَضُ أنَّ المَرْأةَ لا تَكادُ تَسْمَحُ بِأنْ يُقْسَمَ لَها، أوْ يُمْسِكَها إذا رَغِبَ عَنْها، وأحَبَّ غَيْرَها، انْتَهى. قَوْلُهُ ﴿والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ جُمْلَةٌ اعْتِراضِيَّةٌ، وكَذَلِكَ، ﴿وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ﴾ هو بِاعْتِبارِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ يَتَفَرَّقا﴾ [النساء: ١٣٠] مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يُصْلِحا﴾، وقَوْلُهُ: ومَعْنى إحْضارِ الأنْفُسِ الشُّحَّ أنَّ الشُّحَّ جُعِلَ حاضِرًا لا يَغِيبُ عَنْها أبَدًا؛ جَعَلَهُ مِن بابِ القَلْبِ، ولَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ بَلِ التَّرْكِيبُ القُرْآنِيُّ يَقْتَضِي أنَّ الأنْفُسَ جُعِلَتْ حاضِرَةً لِلشُّحِّ لا تَغِيبُ عَنْهُ؛ لِأنَّ الأنْفَسَ هو المَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وهي الَّتِي كانَتْ فاعِلَةً قَبْلَ دُخُولِ هَمْزَةِ النَّقْلِ، إذِ الأصْلُ: حَضَرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ؛ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَ الجُمْهُورِ في هَذا البابِ إقامَةُ المَفْعُولِ الثّانِي مَقامَ الفاعِلِ عَلى تَفْصِيلٍ في ذَلِكَ؛ وإنْ كانَ الأجْوَدُ عِنْدَهم إقامَةَ الأوَّلِ. فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الأنْفَسُ هي المَفْعُولَ الثّانِيَ والشُّحُّ هو المَفْعُولَ الأوَّلَ، وقامَ الثّانِي مَقامَ الفاعِلِ. والأوْلى حَمْلُ القُرْآنِ عَلى الأفْصَحِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ. وقَرَأ العَدَوِيُّ: (الشِّحُّ) بِكَسْرِ الشِّينِ، وهي لُغَةٌ.
﴿وإنْ تُحْسِنُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ نَدَبَ تَعالى إلى الإحْسانِ في العِشْرَةِ عَلى النِّساءِ؛ وإنْ كَرِهْنَ مُراعاةً لِحَقِّ الصُّحْبَةِ، وأمَرَ بِالتَّقْوى في حالِهِنَّ؛ لِأنَّ الزَّوْجَ قَدْ تَحْمِلُهُ الكَراهَةُ لِلزَّوْجَةِ عَلى أذِيَّتِها، وخُصُومَتِها لا سِيَّما، وقَدْ ظَهَرَتْ مِنهُ أماراتُ الكَراهَةِ مِنَ النُّشُوزِ والإعْراضِ. وقَدْ وصّى النَّبِيُّ ﷺ بِهِنَّ؛ «فَإنَّهُنَّ عَوانٍ عِنْدَ الأزْواجِ» . وقالَ الماتُرِيدِيُّ: وإنْ تُحْسِنُوا في أنْ تُعْطُوهُنَّ أكْثَرَ مِن حَقِّهِنَّ، وتَتَّقُوا في أنْ لا تَنْقُصُوا مِن حَقِّهِنَّ شَيْئًا. أوْ أنْ تُحْسِنُوا في إيفاءِ حَقِّهِنَّ والتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُنَّ، وتَتَّقُوا الجَوْرَ والمَيْلَ، وتَفْضِيلَ بَعْضٍ عَلى بَعْضٍ. أوْ أنْ تُحْسِنُوا في اتِّباعِ ما أمَرَكُمُ اللَّهُ بِهِ مِن طاعَتِهِنَّ، وتَتَّقُوا ما نَهاكم عَنْهُ عَنْ مَعْصِيَتِهِ، انْتَهى. وخَتَمَ آخَرَ هَذِهِ بِصِفَةِ الخَبِيرِ، وهو عِلْمُ ما يَلْطُفُ إدْراكُهُ ويَدِقُّ؛ لِأنَّهُ قَدْ يَكُونُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ مِن خَفايا الأُمُورِ ما لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إلّا اللَّهُ تَعالى، ولا يَظْهَرُ أنَّ ذَلِكَ لِكُلِّ أحَدٍ. وكانَ عِمْرانُ بْنُ حِطّانَ الخارِجِيُّ مِن آدَمِ النّاسِ، وامْرَأتُهُ مِن أجْمَلِهِنَّ؛ فَأجالَتْ في وجْهِهِ نَظَرَها ثُمَّ تابَعَتِ الحَمْدَ لِلَّهِ، فَقالَ: ما لَكِ ؟ قالَتْ: حَمِدْتُ اللَّهَ عَلى أنِّي وإيّاكَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ قالَ: كَيْفَ ؟ قالَتْ: لِأنَّكَ رُزِقْتَ مِثْلِي فَشَكَرْتَ، ورُزِقْتُ مِثْلَكَ فَصَبَرْتُ، وقَدْ وعَدَ اللَّهُ الجَنَّةَ الشّاكِرِينَ والصّابِرِينَ.
النساء 4:128
(p-٣٥٨)﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ وما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ في يَتامى النِّساءِ اللّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الوِلْدانِ وأنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالقِسْطِ وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا أوْ إعْراضًا فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحًا والصُّلْحُ خَيْرٌ وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ وإنْ تُحْسِنُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ ولَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ فَتَذَرُوها كالمُعَلَّقَةِ وإنْ تُصْلِحُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٢٩] ﴿وإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِن سَعَتِهِ وكانَ اللَّهُ واسِعًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٣٠] ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ولَقَدْ وصَّيْنا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم وإيّاكم أنِ اتَّقُوا اللَّهَ وإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وكانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ [النساء: ١٣١] ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ [النساء: ١٣٢] ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ وكانَ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٣٣] ﴿مَن كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ وكانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ١٣٤] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلى أنْفُسِكم أوِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا فاللَّهُ أوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى أنْ تَعْدِلُوا وإنْ تَلْوُوا أوْ تُعْرِضُوا فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي أنْزِلَ مِن قَبْلُ. ومَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٣٧] ﴿بَشِّرِ المُنافِقِينَ بِأنَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ [النساء: ١٣٨] ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٣٩] ﴿وقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكم في الكِتابِ أنْ إذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها ويُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ إنَّكم إذًا مِثْلُهم إنَّ اللَّهَ جامِعُ المُنافِقِينَ والكافِرِينَ في جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٤٠] ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكم فَإنْ كانَ لَكم فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا ألَمْ نَكُنْ مَعَكم وإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكم ونَمْنَعْكم مِنَ المُؤْمِنِينَ فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ ولَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١] . الشُّحُّ: قالَ ابْنُ فارِسٍ البُخْلُ مَعَ الحِرْصِ. وتَشاحَّ الرَّجُلانِ في الأمْرِ لا يُرِيدانِ أنْ يَفُوتَهُما، وهو بِضَمِّ الشِّينِ وكَسْرِها. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الشُّحُّ الضَّبْطُ عَلى المُعْتَقَداتِ والإرادَةِ؛ فَفي الهِمَمِ والأمْوالِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا أفْرَطَ فِيهِ، وفِيهِ بَعْضُ المَذَمَّةِ. وما صارَ إلى حَيِّزِ الحُقُوقِ الشَّرْعِيَّةِ، وما تَقْتَضِيهِ المُرُوءَةُ فَهو البُخْلُ، وهو رَذِيلَةٌ. لَكِنَّها قَدْ تَكُونُ في المُؤْمِنِ، ومِنهُ الحَدِيثُ: «قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ، أيَكُونُ المُؤْمِنُ بَخِيلًا ؟ قالَ نَعَمْ»، وأمّا الشُّحُّ فَفي كُلِّ أحَدٍ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ﴾، ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ [الحشر: ٩] لِكُلِّ نَفْسٍ شُحٌّ، وقَوْلُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ: «أنْ تَصَدَّقَ وأنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ»، ولَمْ يُرِدْ بِهِ واحِدًا بِعَيْنِهِ، ولَيْسَ يُحْمَدُ أنْ يُقالَ هُنا أنْ تَصَدَّقَ وأنْتَ صَحِيحٌ بَخِيلٌ.
المُعَلَّقَةُ: هي الَّتِي لَيْسَتْ مُطَلَّقَةً، ولا ذاتَ بَعْلٍ. قالَ الرَّجُلُ: هَلْ هي إلّا خُطَّةٌ أوْ تَعْلِيقٌ أوْ صَلَفٌ، أوْ بَيْنَ ذاكَ تَعْلِيقٌ. وفي حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ: «زَوْجِي العَشَنَّقُ إنْ أُنْطِقَ أُطَلَّقْ، وإنْ أسْكُتْ أُعَلَّقْ» شَبَّهَتِ المَرْأةَ بِالشَّيْءِ المُعَلَّقِ مِن شَيْءٍ؛ لِأنَّهُ لا عَلى الأرْضِ اسْتَقَرَّ، ولا عَلى ما عُلِّقَ مِنهُ. وفي المَثَلِ: أرْضٌ مِنَ المَرْكَبِ بِالتَّعْلِيقِ.
الخَوْضُ: الِاقْتِحامُ في الشَّيْءِ، تَقُولُ: خُضْتُ الماءَ خَوْضًا وخِياضًا، وخُضْتُ الغَمَراتِ اقْتَحَمْتُها، وخاضَهُ بِالسَّيْفِ حَرَّكَ سَيْفَهُ في المَضْرُوبِ، وتَخاوَضُوا في الحَدِيثِ تَفاوَضُوا فِيهِ والمَخاضَةُ مَوْضِعُ الخَوْضِ. قالَ الشّاعِرُ، وهُ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شُبْرُمَةَ:
؎إذا شالَتِ الجَوْزاءُ والنَّجْمُ طالِعٌ فَكُلُّ مَخاضاتِ الفُراتِ مَعابِرُ
والخَوْضَةُ بِفَتْحِ الخاءِ اللُّؤْلُؤَةُ، واخْتاضَ بِمَعْنى خاضَ، وتَخَوَّضَ: تَكَلَّفَ الخَوْضَ. الِاسْتِحْواذُ: الِاسْتِيلاءُ والتَّغَلُّبُ؛ قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ والزَّجّاجُ. ويُقالُ: حاذَ يَحُوذُ حَوْذًا، وأحاذَ بِمَعْنًى مِثْلَ حاذَ وأحاذَ. (p-٣٥٩)وشَذَّتْ هَذِهِ الكَلِمَةُ فَصَحَّتْ عَيْنُها في النَّقّالِ، قاسَ عَلَيْها أبُو زَيْدٍ الأنْصارِيُّ.
﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ﴾ سَبَبُ نُزُولِها: أنَّ قَوْمًا مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم سَألُوا عَنْ أمْرِ النِّساءِ، وأحْكامِهِنَّ في المَوارِيثِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. وأمّا مُناسَبَتُها فَكَذَلِكَ عَلى تَرْبِيعِ العَرَبِ في كَلامِها أنَّها تَكُونُ في أمْرٍ، ثُمَّ تَخْرُجُ مِنهُ إلى شَيْءٍ، ثُمَّ تَعُودُ إلى ما كانَتْ فِيهِ أوَّلًا. وهَكَذا كِتابُ اللَّهِ يُبَيَّنُ فِيهِ أحْكامُ تَكْلِيفِهِ، ثُمَّ يُعْقَبُ بِالوَعْدِ والوَعِيدِ والتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، ثُمَّ يُعْقَبُ ذَلِكَ بِذِكْرِ المُخالِفِينَ المُعانِدِينَ، الَّذِينَ لا يَتَّبِعُونَ تِلْكَ الأحْكامَ، ثُمَّ بِما يَدُلُّ عَلى كِبْرِياءِ اللَّهِ تَعالى وجَلالِهِ، ثُمَّ يُعادُ لِتَبْيِينِ ما تَعَلَّقَ بِتِلْكَ الأحْكامِ السّابِقَةِ. وقَدْ عَرَضَ هُنا في هَذِهِ السُّورَةِ أنْ بَدَأ بِأحْكامِ النِّساءِ والمَوارِيثِ، وذِكْرِ اليَتامى، ثُمَّ ثانِيًا بِذِكْرِ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ، ثُمَّ أخِيرًا بِذِكْرِ شَيْءٍ مِنَ المَوارِيثِ أيْضًا. ولَمّا كانَتِ النِّساءُ مُطَّرِحًا أمْرُهُنَّ عِنْدَ العَرَبِ في المِيراثِ وغَيْرِهِ، وكَذَلِكَ اليَتامى أكَدَّ الحَدِيثَ فِيهِنَّ مِرارًا، لِيَرْجِعُوا عَنْ أحْكامِ الجاهِلِيَّةِ. والِاسْتِفْتاءُ طَلَبَ الإفْتاءِ، وأفْتاهُ إفْتاءً، وفُتْيا وفَتْوى، وأفْتَيْتُ فُلانًا في رُؤْياهُ عَبَرْتُها لَهُ. ومَعْنى الإفْتاءِ إظْهارُ المُشْكِلِ عَلى السّائِلِ. وأصْلُهُ مِنَ الفَتى، وهو الشّابُّ الَّذِي قَوِيَ وكَمُلَ؛ فالمَعْنى: كَأنَّهُ بَيانُ ما أشْكَلَ فَيَثْبُتُ ويَقْوى. والِاسْتِفْتاءُ لَيْسَ في ذَواتِ النِّساءِ؛ وإنَّما هو عَنْ شَيْءٍ مِن أحْكامِهِنَّ ولَمْ يُبَيَّنْ فَهو مُجْمَلٌ. ومَعْنى يُفْتِيكم فِيهِنَّ: يُبَيِّنُ لَكم حالَ ما سَألْتُمْ عَنْهُ وحُكْمَهُ.
* *
(p-٣٦٠)﴿وما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ في يَتامى النِّساءِ اللّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الوِلْدانِ﴾؛ ذَكَرُوا في مَوْضِعِ (ما) مِنَ الإعْرابِ: الرَّفْعَ والنَّصْبَ والجَرَّ؛ فالرَّفْعُ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى اسْمِ اللَّهِ؛ أيِ اللَّهُ يُفْتِيكم والمَتْلُوُّ في الكِتابِ في مَعْنى اليَتامى. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ أنْ لا تُقْسِطُوا في اليَتامى﴾ [النساء: ٣]، وهو قَوْلُهُ أعْجَبَنِي زَيْدٌ وكَرَمُهُ، انْتَهى. والثّانِي: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في يُفْتِيكم، وحَسُنَ الفَصْلُ بَيْنَهُما بِالمَفْعُولِ والجارِّ والمَجْرُورِ. الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ ما يُتْلى مُبْتَدَأً، وفي الكِتابِ خَبَرُهُ عَلى أنَّها جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ. والمُرادُ بِالكِتابِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ تَعْظِيمًا لِلْمَتْلُوِّ عَلَيْهِمْ، وأنَّ العَدْلَ والنُّصْفَةَ في حُقُوقِ اليَتامى مِن عَظائِمِ الأُمُورِ المَرْفُوعَةِ الدَّرَجاتِ عِنْدَ اللَّهِ الَّتِي يَجِبُ مُراعاتُها والمُحافَظَةُ عَلَيْها والمُخِلُّ ظالِمٌ مُتَهاوِنٌ بِما عَظَّمَهُ اللَّهُ. ونَحْوُهُ في تَعْظِيمِ القُرْآنِ، ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف: ٤] . وقِيلَ في هَذا الوَجْهِ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ: ﴿وما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ في يَتامى النِّساءِ﴾ لَكم أوْ يُفْتِيكم، وحُذِفَ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ. وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ في الكِتابِ بِقَوْلِهِ: ﴿يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾، أوْ تَكُونُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في يُتْلى، و﴿فِي يَتامى﴾ بَدَلٌ مِن ﴿فِي الكِتابِ﴾ . وقالَ أبُو البَقاءِ في الثّانِيَةِ: تَتَعَلَّقُ بِما تَعَلَّقَتْ بِهِ الأُولى؛ لِأنَّ مَعْناها يَخْتَلِفُ؛ فالأُولى ظَرْفٌ والثّانِيَةُ بِمَعْنى الباءِ؛ أيْ بِسَبَبِ اليَتامى، كَما تَقُولُ: جِئْتُكَ في يَوْمِ الجُمْعَةِ في أمْرِ زَيْدٍ. ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ الثّانِيَةُ بِالكِتابِ؛ أيْ فِيما كَتَبَ بِحُكْمِ اليَتامى. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الثّانِيَةُ حالًا، فَتَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ. وأمّا النَّصْبُ؛ فَعَلى التَّقْدِيرِ: ويُبَيِّنُ لَكم ما يُتْلى؛ لِأنَّ يُفْتِيكم مَعْناها يُبَيِّنُ فَدَلَّتْ عَلَيْها. وأمّا الجَرُّ فَمِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْقَسَمِ كَأنَّهُ قالَ: وأُقْسِمُ بِما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ والقَسَمُ بِمَعْنى التَّعْظِيمِ؛ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: والثّانِي: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في (فِيهِنَّ)؛ قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ أبِي مُوسى. وقالَ: أفْتاهُمُ اللَّهُ فِيما سَألُوا عَنْهُ، وفي ما لَمْ يَسْألُوا عَنْهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُضَعِّفُ هَذا التَّأْوِيلَ ما فِيهِ مِنَ العَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ المَخْفُوضِ بِغَيْرِ إعادَةِ حَرْفِ الخَفْضِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَيْسَ بِسَدِيدٍ أنْ يُعْطَفَ عَلى المَجْرُورِ في فِيهِنَّ؛ لِاخْتِلالِهِ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ والمَعْنى، انْتَهى.
والَّذِي أخْتارُهُ هَذا الوَجْهُ، وإنْ كانَ مَشْهُورَ مَذْهَبِ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ (p-٣٦١)أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ إلّا في الشِّعْرِ، لَكِنْ قَدْ ذَكَرْتُ دَلائِلَ جَوازِ ذَلِكَ في الكَلامِ. وأمْعَنْتُ في ذِكْرِ الدَّلائِلِ عَلى ذَلِكَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: (وكُفْرٌ بِهِ)، و(المَسْجِدِ الحَرامِ)، ولَيْسَ مُخْتَلًّا مِن حَيْثُ اللَّفْظُ؛ لِأنّا قَدِ اسْتَدْلَلْنا عَلى جَوازِ ذَلِكَ، ولا مِن حَيْثُ المَعْنى كَما زَعَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ؛ بَلِ المَعْنى عَلَيْهِ، ويَكُونُ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفٍ؛ أيْ يُفْتِيكم في مَتْلُوِّهِنَّ، وفِيما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ مِن إضافَةِ مَتْلُوٍّ إلى ضَمِيرِهِنَّ سائِغَةٌ؛ إذِ الإضافَةُ تَكُونُ لِأدْنى مُلابَسَةٍ لِما كانَ مَتْلُوًّا فِيهِنَّ صَحَّتِ الإضافَةُ إلَيْهِما. ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎إذا كَوْكَبُ الخَرْقاءِ لاحَ بِسَحَرَةٍ
وأمّا قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: لِاخْتِلالِهِ في اللَّفْظِ والمَعْنى، فَهو قَوْلُ الزَّجّاجِ بِعَيْنِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّفْظِ وإلى المَعْنى؛ أمّا لِلَّفْظِ فَإنَّهُ يَقْتَضِي عَطْفَ المُظْهَرِ عَلى المُضْمَرِ؛ وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ. كَما لَمْ يَجُزْ قَوْلُهُ: ﴿تَساءَلُونَ بِهِ والأرْحامَ﴾ [النساء: ١]، وأمّا المَعْنى فَإنَّهُ تَعالى أفْتى في تِلْكَ المَسائِلِ، وتَقْدِيرُ العَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ يَقْتَضِي أنَّهُ أفْتى فِيما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ. ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ ذَلِكَ؛ وإنَّما المُرادُ أنَّهُ تَعالى يُفْتِي فِيما سَألُوهُ مِنَ المَسائِلِ، انْتَهى كَلامُهُ. وقَدْ بَيَّنّا صِحَّةَ المَعْنى عَلى تَقْدِيرِ ذَلِكَ المَحْذُوفِ والرَّفْعِ عَلى العَطْفِ عَلى اللَّهِ، أوْ عَلى ضَمِيرٍ يُخْرِجُهُ عَنِ التَّأْسِيسِ. وعَلى الجُمْلَةِ تَخْرُجُ الجُمْلَةَ بِأسْرِها عَنِ التَّأْسِيسِ، وكَذَلِكَ الجَرُّ عَلى القَسَمِ؛ فالنَّصْبُ بِإضْمارِ فِعْلٍ والعَطْفُ عَلى الضَّمِيرِ يَجْعَلُهُ تَأْسِيسًا. وإذا أرادَ الأمْرَيْنِ: التَّأْسِيسَ والتَّأْكِيدَ، كانَ حَمْلُهُ عَلى التَّأْسِيسِ هو الأوْلى، ولا يَذْهَبُ إلى التَّأْكِيدِ إلّا عِنْدَ اتِّضاحِ عَدَمِ التَّأْسِيسِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في تَعَلُّقِ قَوْلِهِ: ﴿فِي يَتامى النِّساءِ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: بِمَ تَعَلَّقَ قَوْلُهُ: ﴿فِي يَتامى النِّساءِ﴾ ؟ قُلْتُ: في الوَجْهِ الأوَّلِ هو صِلَةُ (يُتْلى)؛ أيْ يُتْلى عَلَيْكم في مَعْناهُنَّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿فِي يَتامى النِّساءِ﴾ بَدَلًا مِن (فِيهِنَّ) . وأمّا في الوَجْهَيْنِ الأخِيرَيْنِ فَبَدَلٌ لا غَيْرُ، انْتَهى كَلامُهُ. ويَعْنِي بِقَوْلِهِ في الوَجْهِ الأوَّلِ: أنْ يَكُونَ وما يُتْلى في مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ فَأمّا ما أجازَهُ في هَذا الوَجْهِ مِن أنَّهُ يَكُونُ صِلَةَ يُتْلى؛ فَلا يُتَصَوَّرُ إلّا إنْ كانَ ﴿فِي يَتامى﴾ بَدَلًا مِن ﴿فِي الكِتابِ﴾، أوْ تَكُونُ في لِلسَّبَبِ؛ لِئَلّا يَتَعَلَّقَ حَرْفا جَرٍّ بِمَعْنًى واحِدٍ بِفِعْلٍ واحِدٍ؛ فَهو لا يَجُوزُ إلّا إنْ كانَ عَلى طَرِيقَةِ البَدَلِ أوْ بِالعَطْفِ. وأمّا ما أجازَهُ في هَذا الوَجْهِ أيْضًا مِن أنَّ في يَتامى بَدَلٌ مِن فِيهِنَّ؛ فالظّاهِرُ أنَّهُ لا يَجُوزُ لِلْفَصْلِ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ بِالعَطْفِ. ونَظِيرُ هَذا التَّرْكِيبِ: زَيْدٌ يُقِيمُ في الدّارِ، وعَمْرٌو في كِسْرٍ مِنها؛ فَفَصَلَتْ بَيْنَ في الدّارِ وبَيْنَ في كِسْرٍ مِنها بِالعَطْفِ والتَّرْكِيبِ المَعْهُودِ: زَيْدٌ يُقِيمُ في الدّارِ في كِسْرٍ مِنها وعَمْرٌو. واتَّفَقَ مَن وقَفْنا عَلى كَلامِهِ في التَّفْسِيرِ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إشارَةٌ إلى ما مَضى في صَدْرِ هَذِهِ السُّورَةِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]، وقَوْلُهُ: ﴿وآتُوا اليَتامى أمْوالَهُمْ﴾ [النساء: ٢]، وقَوْلُهُ: (p-٣٦٢)﴿كَبِيرًا وإنْ خِفْتُمْ ألّا تُقْسِطُوا في اليَتامى فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٢] «قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ يَعْنِي: ﴿وإنْ خِفْتُمْ أنْ لا تُقْسِطُوا في اليَتامى﴾ [النساء: ٣] أوَّلًا، ثُمَّ سَألَ ناسٌ بَعْدَها رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ أمْرِ النِّساءِ؛ فَنَزَلَتْ: ﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ﴾، وما يُتْلى عَلَيْكم؛» فَعَلى ما قالَهُ المُفَسِّرُونَ، وما نُقِلَ عَنْ عائِشَةَ يَكُونُ يُفْتِيكم، ويُتْلى فِيهِ وُضِعَ المُضارِعُ مَوْضِعَ الماضِي؛ لِأنَّ الإفْتاءَ والتِّلاوَةَ قَدْ سَبَقَتْ. والإضافَةُ في يَتامى النِّساءِ مِن بابِ إضافَةِ الخاصِّ إلى العامِّ؛ لِأنَّ النِّساءَ يَنْقَسِمْنَ إلى يَتامى وغَيْرِ يَتامى. وقالَ الكُوفِيُّونَ: هي مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ، وهَذا عِنْدَ البَصْرِيِّينَ لا يَجُوزُ، وذَلِكَ مُقَرَّرٌ في عِلْمِ النَّحْوِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: الإضافَةُ في يَتامى النِّساءِ ما هي ؟ قُلْتُ: إضافَةٌ بِمَعْنى (مِن) هي إضافَةُ الشَّيْءِ إلى جِنْسِهِ؛ كَقَوْلِكَ: خاتَمُ حَدِيدٍ، وثَوْبُ خَزٍّ، وخاتَمُ فِضَّةٍ. ويَجُوزُ الفَصْلُ، وإتْباعُ الجِنْسِ لِما قَبْلَهُ ونَصْبُهُ وجَرُّهُ بِـ (مِن) والَّذِي يَظْهَرُ في ﴿يَتامى النِّساءِ﴾، وفي سَحْقِ عِمامَةٍ أنَّها إضافَةٌ عَلى مَعْنى اللّامِ، ومَعْنى اللّامِ الِاخْتِصاصُ. وقَرَأ أبُو عَبْدِ اللَّهِ المَدَنِيُّ: (في يَتامى النِّساءِ) بِياءَيْنِ، وأخْرَجَهُ ابْنُ جِنِّيٍّ عَلى أنَّ الأصْلَ أيامى، فَأُبْدِلَ مِنَ الهَمْزَةِ ياءً، كَما قالُوا: باهِلَةُ بْنُ يَعْصُرَ، وإنَّما هو أعْصُرُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِقَوْلِهِ:
؎أثْناكَ أنَّ أباكَ غَيَّرَ لَوْنَهُ ∗∗∗ كَرُّ اللَّيالِي واخْتِلافُ الأعْصُرِ
وقالُوا في عَكْسِ ذَلِكَ: قَطَعَ اللَّهُ أيْدَهُ يُرِيدُونَ يَدَهُ؛ فَأُبْدِلَ مِنَ الياءِ هَمْزَةً. وأيامى جَمْعُ أيِّمٍ عَلى وزْنِ فَعِيلٍ، وهو مِمّا اخْتَصَّ بِهِ المُعْتَلُّ، وأصْلُهُ: أيايِمُ كَسَيايِدَ جَمْعُ سَيِّدٍ، قُلِبَتِ اللّامُ مَوْضِعَ العَيْنِ فَجاءَ أيامى، فَأُبْدِلَ مِنَ الكَسْرَةِ فَتْحَةً انْقَلَبَتِ الياءُ ألِفًا لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها. وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: ولَوْ قالَ قائِلٌ: كُسِّرَ أيِّمٍ عَلى أيْمى عَلى وزْنِ سَكْرى، ثُمَّ كُسِّرَ أيْمى عَلى أيامى لَكانَ وجَهًا حَسَنًا.
ومَعْنى ما كُتِبَ لَهُنَّ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ وجَماعَةٌ: هو المِيراثُ. وقالَ آخَرُونَ: هو الصَّداقُ، والمُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تُؤْتُونَهُنَّ﴾ أوْلِياءُ المَرْأةِ كانُوا يَأْخُذُونَ صَدَقاتِ النِّساءِ، ولا يُعْطُونَهُنَّ شَيْئًا. وقِيلَ أوْلِياءُ اليَتامى كانُوا يُزَوِّجُونَ اليَتامى اللَّواتِي في حُجُورِهِنَّ، ولا يَعْدِلُونَ في صَدَقاتِهِنَّ. وقُرِئَ: ”ما كَتَبَ اللَّهُ لَهُنَّ“ . وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾، هَذا اللَّفْظُ يَحْتَمِلُ الرَّغْبَةَ والنَّفْرَةَ؛ فالمَعْنى في الرَّغْبَةِ في أنْ تَنْكِحُوهُنَّ لِما لَهُنَّ أوْ لِجَمالِهِنَّ والنَّفْرَةِ، وتَرْغَبُونَ عَنْ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ لِقُبْحِهِنَّ فَتُمْسِكُوهُنَّ رَغْبَةً في أمْوالِهِنَّ. والأوَّلُ قَوْلُ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها وجَماعَةٍ انْتَهى. وكانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَأْخُذُ النّاسَ بِالدَّرَجَةِ الفُضْلى في هَذا المَعْنى؛ فَكانَ إذا سَألَ الوَلِيَّ عَنْ ولِيَّتِهِ؛ فَقِيلَ هي غَنِيَّةٌ جَمِيلَةٌ قالَ لَهُ: اطْلُبْ لَها مَن هو خَيْرٌ مِنكَ، وأعْوَدُ عَلَيْها بِالنَّفْعِ. وإذا قِيلَ هي دَمِيمَةٌ فَقِيرَةٌ قالَ لَهُ: أنْتَ أوْلى بِها وبِالسَّتْرِ عَلَيْها مِن غَيْرِكَ. و﴿المُسْتَضْعَفِينَ﴾ [النساء: ٩٨] مَعْطُوفٌ عَلى ﴿يَتامى النِّساءِ﴾ والَّذِي تُلِيَ فِيهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] الآيَةَ؛ وذَلِكَ أنَّ العَرَبَ كانَتْ لا تُوَرِّثُ الصَّبِيَّةَ، ولا الصَّبِيَّ الصَّغِيرَ، وكانَ الكَبِيرُ يَنْفَرِدُ بِالمالِ، وكانُوا يَقُولُونَ: إنَّما يَرِثُ مَن يَحْمِي الحَوْزَةَ، ويَرُدُّ الغَنِيمَةَ، ويُقاتِلُ عَنِ الحَرِيمِ، فَفَرَضَ اللَّهُ تَعالى لِكُلِّ واحِدٍ حَقَّهُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلْأوْصِياءِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ [النساء: ٢]، وقِيلَ المُسْتَضْعَفِينَ هُنا العَبِيدُ والإماءُ.
﴿وأنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالقِسْطِ﴾ هو في مَوْضِعِ جَرٍّ عَطْفًا عَلى ما قَبْلَهُ أيْ وفي أنْ تَقُومُوا. والَّذِي تُلِيَ في هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا ذُكِرَ في مالِ اليَتِيمِ. والقِسْطُ: العَدْلُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا؛ بِمَعْنى ويَأْمُرُكم، أنْ تَقُومُوا. وهو خِطابٌ لِلْأئِمَّةِ في أنْ يَنْظُرُوا لَهم، ويَسْتَوْفُوا لَهم حُقُوقَهم، ولا يُخَلُّوا أحَدًا يَهْتَضِمُهم، انْتَهى. وفي رَيِّ الظَّمْآنِ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرْفَعَ، وأنْ تَقُومُوا بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ خَيْرٌ (p-٣٦٣)لَكم، انْتَهى. وإذا أمْكَنَ حَمْلُهُ عَلى غَيْرِ حَذْفٍ؛ بِكَوْنِهِ قَدْ عُطِفَ عَلى مَجْرُورٍ، كانَ أوْلى مِن إضْمارِ ناصِبٍ؛ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ. ومِن كَوْنِهِ مُبْتَدَأً قَدْ حُذِفَ خَبَرُهُ.
﴿وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ لَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ النِّساءِ، ويَتامى النِّساءِ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الوِلْدانِ والقِيامِ بِالقِسْطِ؛ عَقَّبَ ذَلِكَ بِأنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ ما يَفْعَلُ مِنَ الخَيْرِ بِسَبَبِ مَن ذَكَرَ، فَيُجازِي عَلَيْهِ بِالثَّوابِ الجَزِيلِ. واقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ فِعْلِ الخَيْرِ؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي رَغَّبَ فِيهِ، وإنْ كانَ تَعالى يَعْلَمُ ما يَفْعَلُ مِن خَيْرٍ ومِن شَرٍّ، ويُجازِي عَلى ذَلِكَ بِثَوابِهِ، وعِقابِهِ.
﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا أوْ إعْراضًا فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحًا﴾ نَزَلَتْ بِسَبَبِ ابْنِ بِعَكَكَ وامْرَأتِهِ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ. وبِسَبَبِ رافِعِ بْنِ خُدَيْجٍ، وامْرَأتِهِ خَوْلَةَ بِنْتِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، وكانَتْ قَدْ أسَنَّتْ فَتَزَوَّجَ عَلَيْها شابَّةً فَآثَرَها؛ فَلَمْ تَصْبِرْ خَوْلَةُ فَطَلَّقَها ثُمَّ راجَعَها، وقالَ: إنَّما هي واحِدَةٌ؛ فَإمّا أنْ تَقْوَيْ عَلى الأثَرَةِ وإلّا طَلَّقْتُكِ فَفَرَّتْ؛ قالَهُ عُبَيْدَةُ وسُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ وابْنُ المُسَيَّبِ. أوْ بِسَبَبِ النَّبِيِّ ﷺ وسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ خَشِيَتْ طَلاقَها فَقالَتْ: لا تُطَلِّقْنِي، واحْبِسْنِي مَعَ نِسائِكَ، ولا تَقْسِمْ لِي؛ فَفَعَلَ؛ فَنَزَلَتْ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ.
والخَوْفُ هُنا عَلى بابِهِ؛ لَكِنَّهُ لا يَحْصُلُ إلّا بِظُهُورِ أماراتٍ ما تَدُلُّ عَلى وُقُوعِ الخَوْفِ. وقِيلَ مَعْنى خافَتْ عَلِمَتْ. وقِيلَ ظَنَّتْ. ولا يَنْبَغِي أنْ يَخْرُجَ عَنِ الظّاهِرِ؛ إذِ المَعْنى مَعَهُ يَصِحُّ. والنُّشُوزُ: أنْ يُجافِيَ عَنْها بِأنْ يَمْنَعَها نَفْسَهُ ونَفَقَتَهُ والمَوَدَّةَ الَّتِي بَيْنَهُما، وأنَّ يُؤْذِيَها بِسَبَبٍ أوْ ضَرْبٍ. والإعْراضُ: أنْ يُقِلَّ مُحادَثَتَها، ومُآنَسَتَها لِطَعْنٍ في سِنٍّ أوْ دَمامَةٍ، أوْ شَيْنٍ في خُلُقٍ أوْ خَلْقٍ، أوْ مَلالٍ، أوْ طُمُوحِ عَيْنٍ إلى أُخْرى، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وهو أخَفُّ النُّشُوزِ. فَرَفَعَ الجُناحَ بَيْنَهُما في الصُّلْحِ بِجَمِيعِ أنْواعٍ مِن بَذْلٍ مِنَ الزَّوْجِ لَها عَلى أنْ تَصْبِرَ، أوْ بَذْلٍ مِنها لَهُ عَلى أنْ يُؤْثِرَها، وعَنْ أنْ يُؤْثِرَ، وتَتَمَسَّكُ بِالعِصْمَةِ، أوْ عَلى صَبْرٍ عَلى الأثَرَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ فَهَذا كُلُّهُ مُباحٌ. ورَتَّبَ رَفْعَ الجُناحِ عَلى تَوَقُّعِ الخَوْفِ، وظُهُورِ أماراتِ النُّشُوزِ والإعْراضِ؛ وهو مَعَ وُقُوعِ تِلْكَ وتَحَقُّقِها أوْلى؛ لِأنَّهُ إذا أُبِيحَ الصُّلْحُ مَعَ خَوْفِ ذَلِكَ؛ فَهو مَعَ الوُقُوعِ أوْكَدُ؛ إذْ في الصُّلْحِ بَقاءُ الأُلْفَةِ والمَوَدَّةِ. ومِن أنْواعِ الصُّلْحِ أنْ تَهَبَ يَوْمَها لِغَيْرِها مِن نِسائِهِ كَما فَعَلَتْ سَوْدَةُ، وأنْ تَرْضى بِالقَسْمِ لَها في مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ مَرَّةً، أوْ تَهَبَ لَهُ المَهْرَ أوْ بَعْضَهُ أوِ النَّفَقَةَ؛ والحَقُّ الَّذِي لِلْمَرْأةِ عَلى الزَّوْجِ هو المَهْرُ والنَّفَقَةُ؛ والقَسَمُ هو عَلى إسْقاطِ ذَلِكَ أوْ شَيْءٍ مِنهُ عَلى أنْ لا يُطَلِّقَها، وذَلِكَ جائِزٌ.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: (يُصْلِحا) مِن أصْلَحَ عَلى وزْنِ أكْرَمَ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: يَصّالَحا، وأصْلُهُ يَتَصالَحا، وأُدْغِمَتِ التّاءُ في الصّادِ. وقَرَأ عَبِيدَةُ السَّلْمانِيُّ: يُصالِحا مِنَ المُفاعَلَةِ. وقَرَأ الأعْمَشُ: إنِ اصّالَحا، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ جُعِلَ ماضِيًا. وأصْلُهُ تَصالَحَ عَلى وزْنِ تَفاعَلَ، فَأدْغَمَ التّاءَ في الصّادِ، واجْتُلِبَتْ هَمْزَةُ الوَصْلِ والصُّلْحُ لَيْسَ مَصْدَرَ الشَّيْءِ مِن هَذِهِ الأفْعالِ الَّتِي قُرِئَتْ؛ فَإنْ كانَ اسْمًا لِما يُصْلَحُ بِهِ كالعَطاءِ والكَرامَةِ مَعَ أعْطَيْتُ، وأكْرَمْتُ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُهُ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ؛ أيْ يُصْلَحُ أيْ بِشَيْءٍ يَصْطَلِحانِ عَلَيْهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا لِهَذِهِ الأفْعالِ عَلى حَذْفِ الزَّوائِدِ.
﴿والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ ظاهِرُهُ أنَّ خَيْرًا أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، وأنَّ المُفَضَّلَ عَلَيْهِ هو مِنَ النُّشُوزِ والإعْراضِ، فَحُذِفَ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ. وقِيلَ مِنَ الفُرْقَةُ. وقِيلَ مِنَ الخُصُومَةِ، وتَكُونُ الألِفُ واللّامُ في الصُّلْحِ لِلْعَهْدِ، ويَعْنِي بِهِ صُلْحًا السّابِقَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ [المزمل: ١٥] ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٦] . وقِيلَ الصُّلْحُ عامٌّ. وقِيلَ الصُّلْحُ الحَقِيقِيُّ الَّذِي تَسْكُنُ إلَيْهِ النُّفُوسُ، ويَزُولُ بِهِ الخِلافُ، ويَنْدَرِجُ تَحْتَهُ صُلْحُ الزَّوْجَيْنِ، ويَكُونُ المَعْنى: خَيْرٌ مِنَ الفُرْقَةِ والِاخْتِلافِ. وقِيلَ خَيْرٌ هُنا لَيْسَ أفْعَلَ تَفْضِيلٍ، وإنَّما مَعْناهُ خَيْرٌ مِنَ الخُيُورِ، كَما أنَّ الخُصُومَةَ شَرٌّ مِنَ الشُّرُورِ.
﴿وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ﴾ هَذا مِن بابِ المُبالَغَةِ جُعِلَ الشُّحُّ كَأنَّهُ شَيْءٌ مُعَدٌّ في مَكانٍ. وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ، (p-٣٦٤)وسِيقَتْ إلَيْهِ، ولَمْ يَأْتِ، وأُحْضِرَ الشُّحُّ الأنْفُسَ فَيَكُونُ مَسُوقًا إلى الأنْفُسِ، بَلِ الأنْفُسُ سِيقَتْ إلَيْهِ؛ لِكَوْنِ الشُّحِّ مَجْبُولًا عَلَيْهِ الإنْسانُ، ومَرْكُوزًا في طَبِيعَتِهِ، وخَصَّ المُفَسِّرُونَ هَذِهِ اللَّفْظَةَ هُنا؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ: هو شُحُّ المَرْأةِ بِنَصِيبِها مِن زَوْجِها، ومالِها. وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ: هو شُحُّ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِحَقِّهِ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالشُّحِّ الحِرْصُ، وهو أنْ يَحْرِصَ كُلٌّ عَلى حَقِّهِ يُقالُ: هو شَحِيحٌ بِمَوَدَّتِكَ؛ أيْ حَرِيصٌ عَلى بَقائِها، ولا يُقالُ في هَذا بَخِيلٌ، فَكَأنَّ الشُّحَّ والحِرْصَ واحِدٌ في المَعْنى؛ وإنْ كانَ في أصْلِ الوَضْعِ الشُّحُّ لِلْمَنعِ والحِرْصُ لِلْمَطْلَبِ؛ فَأُطْلِقَ عَلى الحِرْصِ الشُّحُّ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما سَبَبٌ لِكَوْنِ الآخَرِ، ولِأنَّ البُخْلَ يُحْمَلُ عَلى الحِرْصِ، والحِرْصُ يُحْمَلُ عَلى البُخْلِ، انْتَهى.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في قَوْلِهِ: ﴿والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾، وهَذِهِ الجُمْلَةُ اعْتِراضٌ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ﴾ . ومَعْنى إحْضارِ الأنْفُسِ الشُّحَّ: أنَّ الشُّحَّ جُعِلَ حاضِرًا لَها لا يَغِيبُ عَنْها أبَدًا، ولا تَنْفَكُّ عَنْهُ؛ يَعْنِي: أنَّها مَطْبُوعَةٌ عَلَيْهِ. والغَرَضُ أنَّ المَرْأةَ لا تَكادُ تَسْمَحُ بِأنْ يُقْسَمَ لَها، أوْ يُمْسِكَها إذا رَغِبَ عَنْها، وأحَبَّ غَيْرَها، انْتَهى. قَوْلُهُ ﴿والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ جُمْلَةٌ اعْتِراضِيَّةٌ، وكَذَلِكَ، ﴿وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ﴾ هو بِاعْتِبارِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ يَتَفَرَّقا﴾ [النساء: ١٣٠] مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يُصْلِحا﴾، وقَوْلُهُ: ومَعْنى إحْضارِ الأنْفُسِ الشُّحَّ أنَّ الشُّحَّ جُعِلَ حاضِرًا لا يَغِيبُ عَنْها أبَدًا؛ جَعَلَهُ مِن بابِ القَلْبِ، ولَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ بَلِ التَّرْكِيبُ القُرْآنِيُّ يَقْتَضِي أنَّ الأنْفُسَ جُعِلَتْ حاضِرَةً لِلشُّحِّ لا تَغِيبُ عَنْهُ؛ لِأنَّ الأنْفَسَ هو المَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وهي الَّتِي كانَتْ فاعِلَةً قَبْلَ دُخُولِ هَمْزَةِ النَّقْلِ، إذِ الأصْلُ: حَضَرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ؛ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَ الجُمْهُورِ في هَذا البابِ إقامَةُ المَفْعُولِ الثّانِي مَقامَ الفاعِلِ عَلى تَفْصِيلٍ في ذَلِكَ؛ وإنْ كانَ الأجْوَدُ عِنْدَهم إقامَةَ الأوَّلِ. فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الأنْفَسُ هي المَفْعُولَ الثّانِيَ والشُّحُّ هو المَفْعُولَ الأوَّلَ، وقامَ الثّانِي مَقامَ الفاعِلِ. والأوْلى حَمْلُ القُرْآنِ عَلى الأفْصَحِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ. وقَرَأ العَدَوِيُّ: (الشِّحُّ) بِكَسْرِ الشِّينِ، وهي لُغَةٌ.
﴿وإنْ تُحْسِنُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ نَدَبَ تَعالى إلى الإحْسانِ في العِشْرَةِ عَلى النِّساءِ؛ وإنْ كَرِهْنَ مُراعاةً لِحَقِّ الصُّحْبَةِ، وأمَرَ بِالتَّقْوى في حالِهِنَّ؛ لِأنَّ الزَّوْجَ قَدْ تَحْمِلُهُ الكَراهَةُ لِلزَّوْجَةِ عَلى أذِيَّتِها، وخُصُومَتِها لا سِيَّما، وقَدْ ظَهَرَتْ مِنهُ أماراتُ الكَراهَةِ مِنَ النُّشُوزِ والإعْراضِ. وقَدْ وصّى النَّبِيُّ ﷺ بِهِنَّ؛ «فَإنَّهُنَّ عَوانٍ عِنْدَ الأزْواجِ» . وقالَ الماتُرِيدِيُّ: وإنْ تُحْسِنُوا في أنْ تُعْطُوهُنَّ أكْثَرَ مِن حَقِّهِنَّ، وتَتَّقُوا في أنْ لا تَنْقُصُوا مِن حَقِّهِنَّ شَيْئًا. أوْ أنْ تُحْسِنُوا في إيفاءِ حَقِّهِنَّ والتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُنَّ، وتَتَّقُوا الجَوْرَ والمَيْلَ، وتَفْضِيلَ بَعْضٍ عَلى بَعْضٍ. أوْ أنْ تُحْسِنُوا في اتِّباعِ ما أمَرَكُمُ اللَّهُ بِهِ مِن طاعَتِهِنَّ، وتَتَّقُوا ما نَهاكم عَنْهُ عَنْ مَعْصِيَتِهِ، انْتَهى. وخَتَمَ آخَرَ هَذِهِ بِصِفَةِ الخَبِيرِ، وهو عِلْمُ ما يَلْطُفُ إدْراكُهُ ويَدِقُّ؛ لِأنَّهُ قَدْ يَكُونُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ مِن خَفايا الأُمُورِ ما لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إلّا اللَّهُ تَعالى، ولا يَظْهَرُ أنَّ ذَلِكَ لِكُلِّ أحَدٍ. وكانَ عِمْرانُ بْنُ حِطّانَ الخارِجِيُّ مِن آدَمِ النّاسِ، وامْرَأتُهُ مِن أجْمَلِهِنَّ؛ فَأجالَتْ في وجْهِهِ نَظَرَها ثُمَّ تابَعَتِ الحَمْدَ لِلَّهِ، فَقالَ: ما لَكِ ؟ قالَتْ: حَمِدْتُ اللَّهَ عَلى أنِّي وإيّاكَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ قالَ: كَيْفَ ؟ قالَتْ: لِأنَّكَ رُزِقْتَ مِثْلِي فَشَكَرْتَ، ورُزِقْتُ مِثْلَكَ فَصَبَرْتُ، وقَدْ وعَدَ اللَّهُ الجَنَّةَ الشّاكِرِينَ والصّابِرِينَ.
النساء 4:129
﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ ولَوْ حَرَصْتُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في النَّبِيِّ ﷺ ومَيْلِهِ بِقَلْبِهِ إلى عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، انْتَهى. ونَبَّهَ تَعالى عَلى (p-٣٦٥)انْتِفاءِ اسْتِطاعَةِ العَدْلِ بَيْنَ النِّساءِ والتَّسْوِيَةِ، حَتّى لا يَقَعَ مَيْلٌ البَتَّةَ، ولا زِيادَةٌ ولا نُقْصانٌ فِيما يَجِبُ لَهُنَّ. وفي ذَلِكَ عُذْرٌ لِلرِّجالِ فِيما يَقَعُ مِنَ التَّفاوُتِ في المَيْلِ القَلْبِيِّ والتَّعَهُّدِ والنَّظَرِ والتَّأْنِيسِ والمُفاكَهَةِ؛ فَإنَّ التَّسْوِيَةَ في ذَلِكَ مَجالٌ خارِجٌ عَنْ حَدِّ الِاسْتِطاعَةِ؛ وعَلَّقَ انْتِفاءَ الِاسْتِطاعَةِ في التَّسْوِيَةِ عَلى تَقْدِيرِ وُجُودِ الحِرْصِ مِنَ الإنْسانِ عَلى ذَلِكَ. وقِيلَ مَعْنى أنْ تَعْدِلُوا في المَحَبَّةِ قالَهُ عُمَرُ وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ. وقِيلَ في التَّسْوِيَةِ والقَسَمِ. وقِيلَ في الجِماعِ. وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ " «أنَّهُ كانَ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسائِهِ فَيَعْدِلُ، ويَقُولُ: هَذِهِ قِسْمَتِي فِيما أمْلِكُ، فَلا تُؤاخِذْنِي فِيما تَمْلِكُ، ولا أمَلِكُ يَعْنِي المَحَبَّةَ»؛ لِأنَّ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها كانَتْ أحَبَّ إلَيْهِ، وكانَ عُمَرُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ قَلْبِي فَلا أمْلِكُهُ، وأمّا ما سِوى ذَلِكَ فَأرْجُو أنْ أعْدِلَ فِيهِ.
﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ فَتَذَرُوها كالمُعَلَّقَةِ﴾ نَهى تَعالى عَنِ الجَوْرِ عَلى المَرْغُوبِ؛ أيْ إنْ وقَعَ مِنكُمُ التَّفْرِيطُ في شَيْءٍ مِنَ المُساواةِ، فَلا تَجُورُوا كُلَّ الجَوْرِ. والضَّمِيرُ في فَتَذَرُوها عائِدٌ عَلى المَمِيلِ عَنْها، المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ﴾ .
وقَرَأ أُبَيٌّ: فَتَذْرُوها كالمَسْجُونَةِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: فَتَذْرُوها كَأنَّها مُعَلَّقَةٌ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ المُعَلَّقَةِ في الكَلامِ عَلى المُفْرَداتِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كالمَحْبُوسَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ. وقِيلَ مَعْنى كالمُعَلَّقَةِ كالبَعِيدَةِ عَنْ زَوْجِها. قِيلَ أوْ عَنْ حَقِّها، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ مَأْخُوذٌ مِن تَعْلِيقِ الشَّيْءِ لِبُعْدِهِ عَنْ قَرارِهِ. وتَذْرُوها يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَجْزُومًا عَطْفًا عَلى تَمِيلُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِإضْمارِ (أنْ) في جَوابِ النَّهْيِ. وكالمُعَلِّقَةِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ؛ فَتَتَعَلَّقَ الكافُ بِمَحْذُوفٍ. وفي الحَدِيثِ: «مَن كانَتْ لَهُ امْرَأتانِ يَمِيلُ مَعَ إحْداهُما جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ وأحَدُ شِقَّيْهِ مائِلٌ» والمَعْنى: يَمِيلُ مَعَ إحْداهُما كُلَّ المَيْلِ، لا مُطْلَقَ المَيْلِ. «وقَدْ فاضَلَ عُمَرُ في عَطاءٍ بَيْنَ أزْواجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَأبَتْ عائِشَةُ، وقالَتْ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَعْدِلُ بَيْنَنا في القَسِيمَةِ بِمالِهِ ونَفْسِهِ، فَساوى عُمَرُ بَيْنَهُنَّ»، وكانَ لِمُعاذٍ امْرَأتانِ؛ فَإذا كانَ عِنْدَ إحْداهُما، لَمْ يَتَوَضَّأْ في بَيْتِ الأُخْرى، فَماتَتا في الطّاعُونِ، فَدَفَنَهُما في قَبْرٍ واحِدٍ.
﴿وإنْ تُصْلِحُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنْ تُصْلِحُوا ما مَضى مِن قِبَلِكم، وتَتَدارَكُوهُ بِالتَّوْبَةِ، وتَتَّقُوا فِيما يُسْتَقْبَلُ غَفَرَ اللَّهُ لَكم انْتَهى. وفي ذَلِكَ نَزْغَةُ الِاعْتِزالِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإنْ تُصْلِحُوا ما أفْسَدْتُمْ بِسُوءِ العِشْرَةِ، وتَلْزَمُوا ما يَلْزَمُكم مِنَ العَدْلِ فِيما تَمْلِكُونَ؛ فَإنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا لِما تَمْلِكُونَهُ مُتَجاوِزًا عَنْهُ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: غَفُورًا لِما سَلَفَ مِنكم مِنَ المَيْلِ كُلَّ المَيْلِ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ، انْتَهى؛ فَعَلى هَذا هي مَغْفِرَةٌ مُخَصَّصَةٌ لِقَوْمٍ بِأعْيانِهِمْ واقَعُوا المَحْظُورَ في مُدَّةِ النَّبِيِّ ﷺ، وخَتَمَتْ تِلْكَ بِالإحْسانِ، وهَذِهِ بِالإصْلاحِ؛ لِأنَّ الأُولى في مَندُوبٍ إلَيْهِ إذْ لَهُ أنْ لا يُحْسِنَ، وأنْ يَشِحَّ، ويُصالِحَ بِما يُرْضِيهِ، وهَذِهِ في لازِمٍ إذْ لَيْسَ لَهُ إلّا أنْ يُصْلِحَ، بَلْ يَلْزَمُهُ العَدْلُ فِيما يَمْلِكُ.
﴿وإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِن سَعَتِهِ﴾ الضَّمِيرُ في يَتَفَرَّقا عائِدٌ عَلى الزَّوْجَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها﴾ [النساء: ١٢٨] والمَعْنى: وإنْ شَحَّ كُلٌّ مِنهُما، ولَمْ يَصْطَلِحا، وتَفَرَّقا بِطَلاقٍ؛ فاللَّهُ يُغْنِي كُلًّا مِنها عَنْ صاحِبِهِ بِفَضْلِهِ، ولُطْفِهِ في المالِ والعِشْرَةِ والسِّعَةِ. ووُجُودِ المُرادِ، والسِّعَةُ الغِنى والمَقْدِرَةُ، وهَذا وعْدٌ بِالغِنى لِكُلِّ واحِدٍ إذا تَفَرَّقا، وهو مَعْرُوفٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى. ونِسْبَةُ الفِعْلِ إلَيْهِما يَدُلُّ عَلى أنَّ لِكُلٍّ مِنهُما مَدْخَلًا في التَّفَرُّقِ، وهو التَّفَرُّقُ بِالأبْدانِ، وتَراخِي المُدَّةِ بِزَوالِ العِصْمَةِ، ولا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَفَرُّقٌ بِالقَوْلِ وهو طَلاقٌ؛ لِأنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالزَّوْجِ، ولا نَصِيبَ لِلْمَرْأةِ في التَّفَرُّقِ القَوْلِيِّ؛ فَيُسْنَدُ إلَيْها خِلافًا لِمَن ذَهَبَ إلى أنَّ التَّفَرُّقَ هاهُنا هو بِالقَوْلِ، وهو الطَّلاقُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ أفْلَحَ: وإنْ يَتَفارَقا بِألِفِ المُفاعَلَةِ؛ أيْ وإنْ (p-٣٦٦)يُفارِقْ كُلٌّ مِنهُما صاحِبَهُ. وهَذِهِ الآيَةُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقَوْلُ العَرَبِ: إنْ لَمْ يَكُنْ وِفاقٌ فَطَلاقٌ. فَنَبَّهَ تَعالى عَلى أنَّ لَهُما أنْ يَتَفارَقا؛ كَما أنَّ لَهُما أنْ يَصْطَلِحا. ودَلَّ ذَلِكَ عَلى الجَوازِ، قالُوا: وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِن سَعَتِهِ﴾ إشارَةٌ إلى الغِنى بِالمالِ. وكانَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما فِيما رَوَوْا طُلَقَةً ذُوَقَةً فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ فَقالَ: إنِّي رَأيْتُ اللَّهَ تَعالى عَلَّقَ الغِنى بِأمْرَيْنِ فَقالَ: ﴿وأنْكِحُوا الأيامى﴾ [النور: ٣٢] الآيَةَ، وقالَ: ﴿وإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِن سَعَتِهِ﴾ .
﴿وكانَ اللَّهُ واسِعًا حَكِيمًا﴾ ناسَبَ ذَلِكَ ذِكْرَ السَّعَةِ؛ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ مِن سِعَتِهِ. والواسِعُ عامٌّ في الغِنى والقُدْرَةِ والعِلْمِ، وسائِرِ الكِمالاتِ. وناسَبَ ذِكْرَ وصْفِ الحِكْمَةِ، وهو وضْعُ الشَّيْءِ مَوْضِعَ ما يُناسِبُ؛ لِأنَّ السَّعَةَ ما لَمْ تَكُنْ مَعَها الحِكْمَةُ كانَتْ إلى فَسادٍ أقْرَبَ مِنها لِلصَّلاحِ؛ قالَهُ الرّاغِبُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ فِيما حَكَمَ ووَعَظَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: فِيما حَكَمَ عَلى الزَّوْجِ مِن إمْساكِها بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٍ بِإحْسانٍ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: أوْ حَيْثُ نُدِبَ إلى الفُرْقَةِ عِنْدَ اخْتِلافِهِما وعَدَمِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُما.
﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى سَعَةَ رِزْقِهِ، وحِكْمَتَهُ، ذَكَرَ أنَّ لَهُ مُلْكَ ما في السَّماواتِ، وما في الأرْضِ؛ فَلا يَعْتاضُّ عَلَيْهِ غِنى أحَدٍ، ولا التَّوْسِعَةُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ مَن لَهُ ذَلِكَ هو الغَنِيُّ المُطْلَقُ.
﴿ولَقَدْ وصَّيْنا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم وإيّاكم أنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ وصَّيْنا: أمَرْنا أوْ عَهِدْنا إلَيْهِمْ وإلَيْكم، ومِن قَبْلِكم: يُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ (أُوتُوا)؛ وهو الأقْرَبُ، أوْ بِـ (وصَّيْنا) . والمَعْنى: أنَّ الوَصِيَّةَ بِالتَّقْوى هي سُنَّةُ اللَّهِ مَعَ الأُمَمِ الماضِيَةِ، فَلَسْتُمْ مَخْصُوصِينَ بِهَذِهِ الوَصِيَّةِ. و(إيّاكم) عَطْفٌ عَلى المَوْصُولِ، وتَقَدَّمَ المَوْصُولُ؛ لِأنَّ وصِيَّتَهُ هي السّابِقَةُ عَلى وصَّيْنا، فَهو تَقَدُّمٌ بِالزَّمانِ. ومِثْلُ هَذا العَطْفِ - أعْنِي عَطْفَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ المُنْفَصِلِ عَلى الظّاهِرِ - فَصِيحٌ جاءَ في القُرْآنِ وفي كَلامِ العَرَبِ، ولا يَخْتَصُّ بِالشِّعْرِ، وقَدْ وهِمَ في ذَلِكَ بَعْضُ أصْحابِنا وشُيُوخِنا؛ فَزَعَمَ أنَّهُ لا يَجُوزُ إلّا في الشِّعْرِ؛ لِأنَّكَ تَقْدِرُ عَلى أنْ تَأْتِيَ بِهِ مُتَّصِلًا؛ فَتَقُولُ: آتِيكَ وزَيْدًا. ولا يَجُوزُ عِنْدَهُ: رَأيْتُ زَيْدًا وإيّاكَ إلّا في الشِّعْرِ، وهَذا وهْمٌ فاحِشٌ؛ بَلْ مِن مُوجَبِ انْفِصالِ الضَّمِيرِ كَوْنُهُ يَكُونُ مَعْطُوفًا؛ فَيَجُوزُ قامَ زَيْدٌ وأنْتَ، وخَرَجَ بَكْرٌ وأنا، لا خِلافَ في جَوازِ ذَلِكَ؛ فَكَذَلِكَ ضَرَبْتُ زَيْدًا وإيّاكَ.
والَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ هو عامٌّ في الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى تَخْصِيصِ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِاليَهُودِ والنَّصارى كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ؛ لِأنَّ وصِيَّةَ اللَّهِ بِالتَّقْوى لَمْ تَزَلْ مُذْ أوْجَدَ العالَمَ؛ فَلَيْسَتْ مَخْصُوصَةً بِاليَهُودِ والنَّصارى. وأنِ اتَّقُوا: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أيْ بِأنِ اتَّقُوا اللَّهَ، وأنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً التَّقْدِيرُ أيِ اتَّقُوا اللَّهَ؛ لِأنَّ وصَّيْنا فِيهِ مَعْنى القَوْلِ.
﴿وإنْ تَكْفُرُوا﴾ ظاهِرُهُ الخِطابُ لِمَن وقَعَ لَهُ الخِطابُ بِقَوْلِهِ: وإيّاكم، وهم هَذِهِ الأُمَّةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ شامِلًا لِلَّذِينِ أُوتُوا الكِتابَ، ولِلْمُخاطَبِينَ وغَلَبَ الخِطابُ عَلى ما تَقَرَّرَ في لِسانِ العَرَبِ كَما تَقُولُ: قُلْتُ لِزَيْدٍ ذَلِكَ، لا تَضْرِبْ عَمْرًا، وكَما تَقُولُ: زَيْدٌ وأنْتَ تَخْرُجانِ.
﴿فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾؛ أيْ أنْتُمْ مِن جُمْلَةِ مَن يَمْلِكُهُ تَعالى، وهو المُتَصَرِّفُ فِيكم؛ إذْ هو خالِقُكم والمُنْعِمُ عَلَيْكم بِأصْنافِ النِّعَمِ، وأنْتُمْ مَمْلُوكُونَ لَهُ، فَلا يُناسِبُ أنْ تَكْفُرُوا مَن هو مالِكُكم، وتُخالِفُونَ أمْرَهُ؛ بَلْ حَقُّهُ أنْ يُطاعَ ولا يُعْصى، وأنْ يُتَّقى عِقابُهُ، ويُرْجى ثَوابُهُ، ولِلَّهِ ما في سَمائِهِ وأرْضِهِ مَن يُوَحِّدُهُ ويَعْبُدُهُ، ولا يَعْصِيهِ.
﴿وكانَ اللَّهُ غَنِيًّا﴾؛ أيْ عَنْ خَلْقِهِ، وعَنْ عِبادَتِهِمْ لا تَنْفَعُهُ طاعَتُهم، ولا يَضُرُّهُ كُفْرُهم.
(حَمِيدًا)؛ أيْ مُسْتَحِقًّا لِأنْ يُحْمَدَ لِكَثْرَةِ نِعَمِهِ، وإنْ كَفَرْتُمُوهُ أنْتُمْ.
﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ الوَكِيلُ القائِمُ بِالأُمُورِ، المُنْفِذُ فِيها ما يَراهُ؛ فَمَن لَهُ مُلْكُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ، فَهو كافٍ فِيما يَتَصَرَّفُ فِيهِ، لا يَعْتَمِدُ عَلى غَيْرِهِ. وأعادَ قَوْلَهُ: ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ثَلاثَ مَرّاتٍ بِحَسَبِ السِّياقِ. (p-٣٦٧)فَقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الأوَّلُ: تَنْبِيهٌ عَلى مَوْضِعِ الرَّجاءِ يَهْدِي المُتَفَرِّقِينَ. والثّانِي: تَنْبِيهٌ عَلى اسْتِغْنائِهِ عَنِ العِبادِ. والثّالِثُ: مُقَدِّمَةٌ لِلْوَعِيدِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وتَكْرِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ تَقْرِيرٌ لِما هو مُوجِبٌ تَقْواهُ لِيَتَّقُوهُ؛ فَيُطِيعُوهُ ولا يَعْصُوهُ؛ لِأنَّ الخَشْيَةَ والتَّقْوى أصْلُ الخَيْرِ كُلِّهِ. وقالَ الرّاغِبُ: الأوَّلُ: لِلتَّسْلِيَةِ عَمّا فاتَ. والثّانِي: أنَّ وصِيَّتَهُ لِرَحْمَتِهِ لا لِحاجَةٍ، وأنَّهم إنْ كَفَرُوهُ لا يَضُرُّوهُ شَيْئًا. والثّالِثُ: دَلالَتُهُ عَلى كَوْنِهِ غَنِيًّا. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: الأوَّلُ: تَقْرِيرُ كَوْنِهِ واسِعَ الجُودِ. والثّانِي: لِلتَّنْزِيهِ عَنْ طاعَةِ المُطِيعِينَ. والثّالِثُ: لِقُدْرَتِهِ عَلى الإفْناءِ والإيجادِ؛ والغَرَضُ مِنهُ: تَقْرِيرُ كَوْنِهِ قادِرًا عَلى مَدْلُولاتٍ كَثِيرَةٍ فَيَحْسُنُ أنْ يَذْكُرَ ذَلِكَ الدَّلِيلَ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِن مَدْلُولاتِهِ، وهَذِهِ الإعادَةُ أحْسَنُ وأوْلى مِنَ الِاكْتِفاءِ بِذِكْرِ الدَّلِيلِ مَرَّةً واحِدَةً؛ لِأنَّهُ عِنْدَهُ إعادَةُ ذِكْرِ الدَّلِيلِ يُحْضِرُ في الذِّهْنِ ما يُوجِبُ العِلْمَ بِالمَدْلُولِ؛ وكانَ العِلْمُ الحاصِلُ بِذَلِكَ المَدْلُولِ أقْوى وأجَلَّ؛ فَظَهَرَ أنَّ هَذا التَّكْرارَ في غايَةِ الكَمالِ. وقالَ مَكِّيٌّ: نَبَّهْنا أوَّلًا عَلى مُلْكِهِ وسَعَتِهِ. وثانِيًا عَلى حاجَتِنا إلَيْهِ وغِناهُ، وثالِثًا عَلى حِفْظِهِ لَنا، وعِلْمِهِ بِتَدْبِيرِنا.
﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ ظاهِرُهُ أنَّ الخِطابَ لِمَن تَقَدَّمَ لَهُ الخِطابُ أوَّلًا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الخِطابُ لِلْمُشْرِكِينَ والمُنافِقِينَ والمَعْنى: ويَأْتِ بِآخَرِينَ مِنكم. وقَرِيبٌ مِنهُ ما نَقَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن أنَّهُ خِطابٌ لِمَن كانَ يُعادِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنَ العَرَبِ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: الخِطابُ لِلْكُفّارِ، وهو تَهْدِيدٌ لَهم؛ كَأنَّهُ قالَ: إنْ يَشَأْ يُهْلِكْكم كَما أهْلَكَ مَن قَبْلَكم إذْ كَفَرُوا بِرُسُلِهِ. وقِيلَ لِلْمُؤْمِنِينَ يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ النّاسِ؛ والمَعْنى: إنْ شاءَ يُهْلِكْكم كَما أنْشَأكم، وأنْشَأ قَوْمًا آخَرِينَ يَعْبُدُونَهُ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: الخِطابُ لِلَّذِينِ شَفَعُوا في طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ، وخاصَمَ وخاصَمُوا عَنْهُ في أمْرِ خِيانَتِهِ في الدِّرْعِ والدَّقِيقِ. وهَذا التَّأْوِيلُ بَعِيدٌ، وقَدْ يَظْهَرُ العُمُومُ فَيَكُونُ خِطابًا لِلْعالِمِ الحاضِرِ الَّذِي يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ الخِطابُ والنِّداءُ. ويَأْتِ بِآخَرِينَ أيْ بِناسٍ غَيْرِكم؛ فالمَأْتِيُّ بِهِ مِن نَوْعِ المُذْهَبِ؛ فَيَكُونُ مِن جِنْسِ المُخاطَبِ المُنادى، وهُمُ النّاسُ.
ورُوِيَ أنَّها لَمّا نَزَلَتْ ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ عَلى ظَهْرِ سَلْمانَ، وقالَ: (إنَّهم قَوْمُ هَذا) يُرِيدُ ابْنَ فارِسَ، وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُما أنْ يَكُونَ المُرادُ بِآخَرِينَ مِن نَوْعِ المُخاطَبِينَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَأْتِ بِآخَرِينَ مَكانَكم أوْ خَلْقًا آخَرِينَ غَيْرَ الإنْسِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وعِيدًا لِجَمِيعِ بَنِي آدَمَ، ويَكُونَ الآخَرُونَ مِن غَيْرِ نَوْعِهِمْ. كَما أنَّهُ قَدْ رُوِيَ أنَّهُ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَعْبُدُونَ اللَّهَ قَبْلَ بَنِي آدَمَ، انْتَهى. وما جَوَّزَهُ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ مَدْلُولَ (آخَرَ) في اللُّغَةِ هو مَدْلُولٌ غَيْرُ خاصٍّ بِجِنْسِ ما تَقَدَّمَ؛ فَلَوْ قُلْتَ: جاءَ زَيْدٌ وآخَرُ مَعَهُ، أوْ مَرَرْتُ بِامْرَأةٍ وأُخْرى مَعَها، أوِ اشْتَرَيْتُ فَرَسًا وآخَرَ، وسابَقْتُ بَيْنَ حِمارٍ وآخَرَ؛ لَمْ يَكُنْ آخَرُ ولا أُخْرى مُؤَنَّثُهُ، ولا تَثْنِيَتُهُ، ولا جَمْعُهُ، إلّا مِن جِنْسِ ما يَكُونُ قَبْلَهُ. ولَوْ قُلْتَ: اشْتَرَيْتُ ثَوْبًا وآخَرَ، ويَعْنِي بِهِ: غَيْرَ ثَوْبٍ؛ لَمْ يَجُزْ. فَعَلى هَذا تَجْوِيزُهم أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: بِآخَرِينَ مِن غَيْرِ جِنْسِ ما تَقَدَّمَ، وهُمُ النّاسُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وهَذا هو الفَرْقُ بَيْنَ غَيْرٍ وبَيْنَ آخَرَ؛ لِأنَّ غَيْرًا تَقَعُ عَلى المُغايِرِ في جِنْسٍ أوْ في صِفَةٍ؛ فَتَقُولُ: اشْتَرَيْتُ ثَوْبًا وغَيْرَهُ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ثَوْبًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ ثَوْبٍ، (p-٣٦٨)وقَلَّ مَن يَعْرِفُ هَذا الفَرْقَ.
﴿وكانَ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾؛ أيْ عَلى إذْهابِكم والإتْيانِ بِآخَرِينَ. وأتى بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ في القُدْرَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ أرادَهُ، وهَذا غَضَبٌ عَلَيْهِمْ، وتَخْوِيفٌ وبَيانٌ لِاقْتِدارِهِ.
﴿مَن كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ؛ أيْ مَن كانَ لا رَغْبَةَ لَهُ إلّا في ثَوابِ الدُّنْيا، ولا يَعْتَقِدُ أنَّ ثَمَّ سِواهُ؛ فَلَيْسَ كَما ظَنَّ، بَلْ عِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدّارَيْنِ. فَمَن قَصَدَ الآخِرَةَ أعْطاهُ مِن ثَوابِ الدُّنْيا، وأعْطاهُ قَصْدَهُ، ومَن قَصَدَ الدُّنْيا فَقَطْ أعْطاهُ مِنَ الدُّنْيا ما قُدِّرَ لَهُ، وكانَ لَهُ في الآخِرَةِ العَذابُ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: مَن عَبَدَ الأصْنامَ طَلَبًا لِلْعِزِّ لا يَحْصُلُ لَهُ ذَلِكَ، ولَكِنْ عِنْدَ اللَّهِ عِزُّ الدُّنْيا والآخِرَةِ، أوْ لِلتَّقْرِيبِ والشَّفاعَةِ؛ أيْ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، ولَكِنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَعِنْدَهُ ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، لا عِنْدَ مَن تَطْلُبُونَ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في أهْلِ النِّفاقِ الَّذِينَ يُراءُونَ بِأعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ في الدُّنْيا لِثَوابِ الدُّنْيا لا غَيْرَ.
و(مَن) يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً؛ والظّاهِرُ أنَّها شَرْطٌ، وجَوابُهُ الجُمْلَةُ المَقْرُونةُ بِفاءِ الجَوابِ؛ ولا بُدَّ في الجُمْلَةِ الواقِعَةِ جَوابًا لِاسْمِ الشَّرْطِ غَيْرِ الظَّرْفِ مِن ضَمِيرٍ عائِدٍ عَلى اسْمِ الشَّرْطِ حَتّى يَتَعَلَّقَ الجَزاءُ بِالشَّرْطِ؛ والتَّقْدِيرُ: ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ لَهُ إنْ أرادَهُ؛ هَكَذا قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ جَوابَ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: مَن كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَلا يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ، ولْيَطْلُبِ الثَّوابَيْنِ؛ فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ. وقالَ الرّاغِبُ: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ تَبْكِيتٌ لِلْإنْسانِ؛ حَيْثُ اقْتَصَرَ عَلى أحَدِ السُّؤالَيْنِ، مَعَ كَوْنِ المَسْئُولِ مالِكًا لِلثَّوابَيْنِ، وحَثَّ عَلى أنْ يَطْلُبَ مِنهُ تَعالى ما هو أكْمَلُ، وأفْضَلُ مِن مَطْلُوبِهِ؛ فَمَن طَلَبَ خَسِيسًا مَعَ أنَّهُ يُمْكِنُهُ أنْ يَطْلُبَ نَفِيسًا؛ فَهو دَنِيءُ الهِمَّةِ. قِيلَ والآيَةُ وعِيدٌ لِلْمُنافِقِينَ، لا يُرِيدُونَ بِالجِهادِ غَيْرَ الغَنِيمَةِ. وقِيلَ هي حَضٌّ عَلى الجِهادِ.
﴿وكانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾؛ أيْ سَمِيعًا لِأقْوالِهِمْ؛ بَصِيرًا بِأعْمالِهِمْ ونِيّاتِهِمْ.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلى أنْفُسِكم أوِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ قالَ الطَّبَرِيُّ: هي سَبَبُ نازِلَةِ ابْنِ أُبَيْرِقٍ وقِيامِ مَن قامَ في أمْرِهِ بِغَيْرِ القِسْطِ. وقالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في اخْتِصامِ غَنِيٍّ وفَقِيرٍ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ .
ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ النِّساءَ والنُّشُوزَ والمُصالَحَةَ؛ أعْقَبَهُ بِالقِيامِ بِأداءِ حُقُوقِ اللَّهِ تَعالى، وفي الشَّهادَةِ حُقُوقُ اللَّهِ. أوْ لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ تَعالى طالِبَ الدُّنْيا، وأنَّهُ عِنْدَهُ ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ؛ بَيَّنَ أنَّ كَمالَ السَّعادَةِ أنْ يَكُونَ قَوْلُ الإنْسانِ وفِعْلُهُ لِلَّهِ تَعالى، أوْ لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ.
﴿وإنْ خِفْتُمْ أنْ لا تُقْسِطُوا في اليَتامى﴾ [النساء: ٣] والإشْهادُ عِنْدَ دَفْعِ أمْوالِ اليَتامى إلَيْهِمْ، وأمَرَ بِبَذْلِ النَّفْسِ والمالِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وذَكَرَ قِصَّةَ ابْنِ أُبَيْرِقٍ، واجْتِماعَ قَوْمِهِ عَلى الكَذِبِ والشَّهادَةِ بِالباطِلِ، ونَدَبَ لِلْمُصالَحَةِ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِأنْ أمَرَ عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ بِالقِيامِ بِالعَدْلِ والشَّهادَةِ لِوَجْهِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وأتى بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ في قَوّامِينَ حَتّى لا يَكُونَ مِنهم جَوْرٌ ما. والقِسْطُ: العَدْلُ. ومَعْنى ﴿شُهَداءَ لِلَّهِ﴾؛ أيْ لِوَجْهِ اللَّهِ، لا يُراعِي في الشَّهادَةِ إلّا جِهَةَ اللَّهِ تَعالى. والظّاهِرُ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿شُهَداءَ لِلَّهِ﴾ مِنَ الشَّهادَةِ في الحُقُوقِ؛ ولِذَلِكَ أتْبَعَهُ بِما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾، وهَكَذا فَسَّرَهُ المُفَسِّرُونَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: شُهَداءَ لِلَّهِ مَعْناهُ بِالوَحْدانِيَّةِ. (p-٣٦٩)ويَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾، بِقَوْلِهِ: ﴿قَوّامِينَ بِالقِسْطِ﴾؛ والتَّأْوِيلُ الأوَّلُ أبْيَنُ، انْتَهى كَلامُهُ. ويُضَعِّفُهُ أنَّهُ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وهم شُهَداءُ لِلَّهِ بِالوَحْدانِيَّةِ؛ إلّا إنْ أُرِيدَ اسْتِمْرارُ الشَّهادَةِ.
وتَقَدَّمَتْ صِفَةُ (قَوّامِينَ) بِالقِسْطِ عَلى ﴿شُهَداءَ لِلَّهِ﴾؛ لِأنَّ القِيامَ بِالقِسْطِ أعَمُّ والشَّهادَةَ أخَصُّ. ولِأنَّ القِيامَ بِالقِسْطِ فِعْلٌ وقَوْلٌ، والشَّهادَةَ قَوْلٌ فَقَطْ. ومَعْنى: ﴿ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾؛ أيْ تَشْهَدُونَ عَلى أنْفُسِكم؛ أيْ تُقِرُّونَ بِالحَقِّ، وتُقِيمُونَ القِسْطَ عَلَيْها. والظّاهِرُ أنَّهُ أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ أنْفُسَ الشُّهَداءِ لِلَّهِ تَعالى. وأبْعَدَ مَن جَوَّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى في أنْفُسِكم: الأهْلُ والأقارِبُ، وأنْ يَكُونَ ﴿أوِ الوالِدَيْنِ﴾ تَفْسِيرًا لِأنْفُسِكم، ويُضَعِّفُهُ العَطْفُ بَـ (أوْ) . وانْتَصَبَ (شُهَداءَ) عَلى أنَّهُ خَبْرٌ بَعْدَ خَبَرٍ. ومَن ذَهَبَ إلى جَعْلِهِ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في قَوّامِينَ كَأبِي البَقاءِ؛ فَقَوْلُهُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ فِيها تَقْيِيدَ القِيامِ بِالقِسْطِ؛ سَواءٌ كانَ مِثْلَ هَذا أمْ لا. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما ما يَشْهَدُ لِهَذا القَوْلِ الضَّعِيفِ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ كُونُوا قَوّامِينَ بِالعَدْلِ في الشَّهادَةِ عَلى مَن كانَ، ومَجِيءُ لَوْ هُنا لِاسْتِقْصاءِ جَمِيعِ ما يُمْكِنُ فِيهِ الشَّهادَةُ، لَما كانَتِ الشَّهادَةُ مِنَ الإنْسانِ عَلى نَفْسِهِ بِصَدَدِ أنْ لا يُقِيمَها لِما جُبِلَ عَلَيْهِ المَرْءُ مِن مُحاباةِ نَفْسِهِ، ومُراعاتِها. نَبَّهَ عَلى هَذِهِ الحالِ، وجاءَ هَذا التَّرْتِيبُ في الِاسْتِقْصاءِ في غايَةٍ مِنَ الحُسْنِ والفَصاحَةِ. فَبَدَأ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾؛ لِأنَّهُ لا شَيْءَ أعَزُّ عَلى الإنْسانِ مِن نَفْسِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ الوالِدَيْنِ، وهُما أقْرَبُ إلى الإنْسانِ، وسَبَبُ نَشْأتِهِ؛ وقَدْ أمَرَ بِبِرِّهِما، وتَعْظِيمِهِما والحَوْطَةِ لَهُما، ثُمَّ ذَكَرَ الأقْرَبِينَ؛ وهم مَظِنَّةُ المَحَبَّةِ والتَّعَصُّبِ. وإذا كانَ هَؤُلاءِ أُمِرَ في حَقِّهِمْ بِالقِسْطِ والشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ، فالأجْنَبِيُّ أحْرى بِذَلِكَ. والآيَةُ تَعَرَّضَتْ لِلشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ لا لَهم، فَلا دَلالَةَ فِيها عَلى الشَّهادَةِ لَهم، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ. ولَوْ شَرْطِيَّةٌ بِمَعْنى (إنْ)، وقَوْلُهُ عَلى أنْفُسِكم مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: وإنْ كُنْتُمْ شُهَداءَ عَلى أنْفُسِكم فَكُونُوا شُهَداءَ لِلَّهِ، هَذا تَقْرِيرُ الكَلامِ. وحَذْفُ (كانَ) بَعْدَ (لَوْ) كَثِيرٌ تَقُولُ: ائْتِنِي بِتَمْرٍ ولَوْ حَشَفًا؛ أيْ وإنْ كانَ التَّمْرُ حَشَفًا فائْتِنِي بِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَوْ عَلى أنْفُسِكم مُتَعَلِّقٌ بِشُهَداءَ. فَإنْ عَنى (شُهَداءَ) هَذا المَلْفُوظَ بِهِ فَلا يَصِحُّ ذَلِكَ، وإنْ عَنى الَّذِي قَدَّرْناهُ نَحْنُ فَيَصِحُّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَوْ عَلى أنْفُسِكم، ولَوْ كانَتِ الشَّهادَةُ عَلى أنْفُسِكم أوْ آبائِكم أوْ أقارِبِكم. فَإنْ قُلْتَ: الشَّهادَةُ عَلى الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ أنْ يَقُولَ: أشْهَدُ أنَّ لِفُلانٍ عَلى والِدِي كَذا، وعَلى أقارِبِي، فَما مَعْنى الشَّهادَةِ عَلى نَفْسِهِ ؟ قُلْتُ: هي الإقْرارُ عَلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى الشَّهادَةِ عَلَيْها بِإلْزامِ الحَقِّ لَها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وإنْ كانَتِ الشَّهادَةُ وبالًا عَلى أنْفُسِكم، أوْ عَلى (p-٣٧٠)آبائِكم وأقارِبِكم؛ وذَلِكَ أنْ يَشْهَدَ عَلى مَن تَوَقَّعَ ضَرَرَهُ مِن سُلْطانٍ ظالِمٍ أوْ غَيْرِهِ، انْتَهى كَلامُهُ. وتَقْدِيرُهُ: ولَوْ كانَتِ الشَّهادَةُ عَلى أنْفُسِكم لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ المَحْذُوفَ إنَّما يَكُونُ مِن جِنْسِ المَلْفُوظِ بِهِ قَبْلُ لِيَدُلَّ عَلَيْهِ؛ فَإذا قُلْتَ: كُنْ مُحْسِنًا لِمَن أساءَ إلَيْكَ، فَتُحْذَفُ (كانَ) واسْمُها والخَبَرُ، ويَبْقى مُتَعَلِّقُهُ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، ولا تُقَدِّرُهُ: ولَوْ كانَ إحْسانُكَ لِمَن أساءَ. فَلَوْ قُلْتَ: لِيَكُنْ مِنكَ إحْسانٌ، ولَوْ لِمَن أساءَ، فَتُقَدِّرُ: ولَوْ كانَ الإحْسانُ لِمَن أساءَ؛ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ؛ ولَوْ قَدَّرْتَهُ: ولَوْ كُنْتَ مُحْسِنًا لِمَن أساءَ إلَيْكَ لَمْ يَكُنْ جَيِّدًا؛ لِأنَّكَ تَحْذِفُ ما لا دَلالَةَ عَلَيْهِ بِلَفْظٍ مُطابِقٍ. وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وإنْ كانَتِ الشَّهادَةُ وبالًا عَلى أنْفُسِكم هَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ ما تَعَلَّقَ بِهِ الظَّرْفُ كَوْنٌ مُقَيَّدٌ، ولا يَجُوزُ حَذْفُ الكَوْنِ المُقَيَّدِ. لَوْ قُلْتَ: كانَ زَيْدٌ فِيكَ، وأنْتَ تُرِيدُ مُحِبًّا فِيكَ؛ لَمْ يَجُزْ؛ لِأنَّ مُحِبًّا مُقَيَّدٌ؛ وإنَّما ذَلِكَ جائِزٌ في الكَوْنِ المُطْلَقِ، وهو: تَقْدِيرٌ كائِنٌ أوْ مُسْتَقِرٌّ.
﴿إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا فاللَّهُ أوْلى بِهِما﴾؛ أيْ إنْ يَكُنِ المَشْهُودُ عَلَيْهِ غَنِيًّا، فَلا تَمْتَنِعُ مِنَ الشَّهادَةِ عَلَيْهِ لِغِناهُ، أوْ فَقِيرًا فَلا تَمْنَعْها تَرَحُّمًا عَلَيْهِ وإشْفاقًا. فَعَلى هَذا الجَوابُ مَحْذُوفٌ؛ لِأنَّ العَطْفَ هو بِـ (أوْ)، ولا يُثَنّى الضَّمِيرُ إذا عُطِفَ بِها، بَلْ يُفْرَدُ . وتَقْدِيرُ الجَوابِ: فَلْيَشْهَدْ عَلَيْهِ، ولا يُراعِي الغَنِيَّ لِغِناهُ، ولا لِخَوْفٍ مِنهُ، ولا الفَقِيرَ لِمَسْكَنَتِهِ وفَقْرِهِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: فاللَّهُ أوْلى بِهِما لَيْسَ هو الجَوابَ، بَلْ لَمّا جَرى ذِكْرُ الغَنِيِّ والفَقِيرِ عادَ الضَّمِيرُ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ؛ كَأنَّهُ قِيلَ فاللَّهُ أوْلى بِجِنْسَيِ الغَنِيِّ والفَقِيرِ؛ أيْ بِالأغْنِياءِ والفُقَراءِ. وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ: فاللَّهُ أوْلى بِهِمْ ما يَشْهَدُ بِإرادَةِ الجِنْسِ. وذَهَبَ الأخْفَشُ وقَوْمٌ إلى أنَّ (أوْ) في مَعْنى الواوِ؛ فَعَلى قَوْلِهِمْ يَكُونُ الجَوابُ: فاللَّهُ أوْلى بِهِما؛ أيْ حَيْثُ شَرَعَ الشَّهادَةَ عَلَيْهِما، وهو أنْظَرُ لَهُما مِنكم. ولَوْلا أنَّ الشَّهادَةَ عَلَيْهِما مَصْلَحَةٌ لَهُما لَما شَرَعَها. وقالَ الأُسْتاذُ أبُو الحَسَنِ بْنُ عُصْفُورٍ: وقَدْ ذَكَرَ العَطْفَ بِالواوِ وثُمَّ؛ وحَتّى ما نَصُّهُ تَقُولُ: زَيْدٌ أوْ عُمَرُ، وقامَ زَيْدٌ لا عُمَرُ وقامَ، وكَذَلِكَ سائِرُ ما بَقِيَ مِن حُرُوفِ العَطْفِ يَعْنِي غَيْرَ الواوِ وحَتّى والفاءِ وثُمَّ والَّذِي بَقِيَ بَلْ ولَكِنْ وأمْ. قالَ: لا تَقُولُ قاما؛ لِأنَّ القائِمَ إنَّما هو أحَدُهُما لا غَيْرُ، ولا يَجُوزُ قاما إلّا في أوْ خاصَّةً؛ وذَلِكَ شُذُوذٌ لا يُقاسُ عَلَيْهِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا فاللَّهُ أوْلى بِهِما﴾؛ فَأعادَ الضَّمِيرَ عَلى الغَنِيِّ والفَقِيرِ لِتَفَرُّقِهِما في الذِّكْرِ، انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِسَدِيدٍ. ولا شُذُوذَ في الآيَةِ، ولا دَلِيلَ فِيها عَلى جَوازِ: زَيْدٌ أوْ عَمْرٌو قاما عَلى جِهَةِ الشُّذُوذِ، ولا غَيْرُهُ. ولِأنَّ قَوْلَهُ ﴿فاللَّهُ أوْلى بِهِما﴾ لَيْسَ بِجَوابٍ كَما قَرَّرْناهُ، والضَّمِيرُ لَيْسَ عائِدًا عَلى الغَنِيِّ والفَقِيرِ المَلْفُوظِ بِهِما في الآيَةِ؛ وإنَّما يَعُودُ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى مِن جِنْسَيِ الغَنِيِّ والفَقِيرِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: إنْ يَكُنْ غَنِيٌّ أوْ فَقِيرٌ عَلى أنَّ (كانَ) تامَّةٌ.
﴿فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى أنْ تَعْدِلُوا﴾ لَمّا أمَرَ تَعالى بِالقِيامِ بِالعَدْلِ وبِالشَّهادَةِ لِمَرْضاةِ اللَّهِ نَهى عَنِ اتِّباعِ الهَوى، وهو ما تَمِيلُ إلَيْهِ النَّفْسُ مِمّا لَمْ يُبِحْهُ اللَّهُ تَعالى، وإنْ تَعْدِلُوا مِنَ العُدُولِ عَنِ الحَقِّ، أوْ مِنَ العَدْلِ، وهو القِسْطُ. فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: إرادَةَ أنْ تَجُورُوا، أوْ مَحَبَّةَ أنْ تَجُورُوا. وعَلى الثّانِي يَكُونُ التَّقْدِيرُ: كَراهَةَ أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النّاسِ، وتُقْسِطُوا. وعَكَسَ ابْنُ عَطِيَّةَ هَذا التَّقْدِيرَ؛ فَقالَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ مَخافَةَ أنْ تَعْدِلُوا، ويَكُونُ العَدْلُ بِمَعْنى القِسْطِ؛ كَأنَّهُ قالَ: انْتَهُوا خَوْفَ أنْ تَجُورُوا، أوْ مَحَبَّةَ أنْ تُقْسِطُوا. فَإنْ جَعَلْتَ العامِلَ (تَتَّبِعُوا) فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: مَحَبَّةَ أنْ تَجُورُوا انْتَهى كَلامُهُ. وهَذا الَّذِي قَرَّرَهُ مِنَ التَّقْدِيرِ يَكُونُ العامِلُ في أنْ تَعْدِلُوا فِعْلًا مَحْذُوفًا مِن مَعْنى النَّهْيِ. وكانَ الكَلامُ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى﴾، ثُمَّ أضْمَرَ فِعْلًا، وقَدَّرَهُ: انْتَهُوا خَوْفَ أنْ تَجُورُوا، أوْ مَحَبَّةَ أنْ تُقْسِطُوا؛ ولِذَلِكَ قالَ: فَإنْ جَعَلْتَ العامِلَ تَتَبَّعُوا. والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الظّاهِرُ أنَّ العامِلَ هو تَتَّبِعُوا، ولا حاجَةَ إلى إضْمارِ جُمْلَةٍ أُخْرى؛ فَيَكُونُ فِعْلُها عامِلًا في ﴿أنْ تَعْدِلُوا﴾ . وإذا كانَ العامِلُ تَتَّبِعُوا؛ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ الأوَّلُ هو المُتَّجِهُ، وعَلى هَذِهِ التَّقادِيرِ فَـ ﴿أنْ تَعْدِلُوا﴾ (p-٣٧١)مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: أنْ لا تَعْدِلُوا؛ فَحَذَفَ (لا) أيْ لا تَتَّبِعُوا الهَوى في تَرْكِ العَدْلِ. وقِيلَ المَعْنى لا تَتَّبِعُوا الهَوى لِتَعْدِلُوا؛ أيْ لِتَكُونُوا في اتِّباعِكُمُوهُ عُدُولًا؛ تَنْبِيهًا أنَّ اتِّباعَ الهَوى، وتَحَرِّيَ العَدالَةِ مُتَنافِيانِ لا يَجْتَمِعانِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: المَعْنى اتْرُكُوا مُتابَعَةَ الهَوى حَتّى تَصِيرُوا مَوْصُوفِينَ بِصِفَةِ العَدْلِ. والعَدْلُ عِبارَةٌ عَنْ تَرْكِ مُتابَعَةِ الهَوى، ومَن تَرَكَ أحَدَ النَّقِيضَيْنِ فَقَدْ حَصَلَ لَهُ الآخَرُ؛ فالتَّقْدِيرُ: لِأجْلِ أنْ تَعْدِلُوا.
﴿وإنْ تَلْوُوا أوْ تُعْرِضُوا﴾ الظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ لِلْمَأْمُورِينَ بِالقِيامِ بِالقِسْطِ والشَّهادَةِ لِلَّهِ والمَنهِيِّينَ عَنِ اتِّباعِ الهَوى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو في لَيِّ الحاكِمِ عُنُقَهُ عَنْ أحَدِ الخَصْمَيْنِ. وقالَ مُجاهِدٌ نَحْوَهُ قالَ: لَيُّ الحاكِمِ شِدْقَهُ لِأحَدِ الخَصْمَيْنِ مَيْلًا إلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ ومُجاهِدٌ: هي في الشُّهُودِ يَلْوِي الشَّهادَةَ بِلِسانِهِ فَيُحَرِّفُها، ولا يَقُولُ الحَقَّ فِيها، أوْ يُعْرِضُ عَنْ أداءِ الحَقِّ فِيها، ويَقُولُ مَعْناهُ: يُدافِعُوا الشَّهادَةَ مِن لَيِّ الغَرِيمِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنْ تَلْوُوا ألْسِنَتَكم عَنْ شَهادَةِ الحَقِّ، أوْ حُكُومَةِ العَدْلِ، أوْ تُعْرِضُوا عَنِ الشَّهادَةِ بِما عِنْدَكم، وتَمْنَعُوها.
وقَرَأ جَماعَةٌ في الشّاذِّ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ: وإنْ تَلُوا بِضَمِّ اللّامِ بِواوٍ واحِدَةٍ، ولَحَّنَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ قارِئَ هَذِهِ القِراءَةِ. قالَ: لا مَعْنى لِلِّوايَةِ هُنا؛ وهَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّها قِراءَةٌ مُتَواتِرَةٌ في السَّبْعِ، ولَها مَعْنًى صَحِيحٌ وتَخْرِيجٌ حَسَنٌ؛ فَنَقُولُ: اخْتُلِفَ في قَوْلِهِ ﴿وإنْ تَلْوُوا﴾ .
فَقِيلَ هي مِنَ الوِلايَةِ؛ أيْ وإنْ ولِيتُمْ إقامَةَ الشَّهادَةِ، أوْ أعْرَضْتُمْ عَنْ إقامَتِها؛ والوِلايَةُ عَلى الشَّيْءِ هو الإقْبالُ عَلَيْهِ. وقِيلَ هو مِنَ اللَّيِّ، وأصْلُهُ: تَلْوُوا، وأُبْدِلَتِ الواوُ المَضْمُومَةُ هَمْزَةً، ثُمَّ نُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى اللّامِ، وحُذِفَتْ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ وأبُو عَلِيٍّ والنَّحّاسُ، ونُقِلَ عَنِ النَّحّاسِ أيْضًا أنَّهُ اسْتُثْقِلَتِ الحَرَكَةُ عَلى الواوِ، فَأُلْقِيَتْ عَلى اللّامِ، وحُذِفَتْ إحْدى الواوَيْنِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ.
﴿فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ هَذا فِيهِ وعِيدٌ لِمَن لَوى عَنِ الشَّهادَةِ أوْ أعْرَضَ عَنْها.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي أنْزَلَ مِن قَبْلُ﴾ مُناسَبَتُها لِما قَبْلَها؛ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالقِيامِ بِالقِسْطِ والشَّهادَةِ لِلَّهِ؛ بَيَّنَ أنَّهُ لا يَتَّصِفُ بِذَلِكَ إلّا مَن كانَ راسِخَ القَدَمِ في الإيمانِ بِالأشْياءِ المَذْكُورَةِ، في هَذِهِ الآيَةِ، فَأمَرَ بِها. والظّاهِرُ أنَّهُ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. ومَعْنى: آمِنُوا داوِمُوا عَلى الإيمانِ؛ قالَهُ الحَسَنُ، وهو أرْجَحُ؛ لِأنَّ لَفْظَ المُؤْمِنِ مَتى أُطْلِقَ لا يَتَناوَلُ إلّا المُسْلِمَ. وقِيلَ لِلْمُنافِقِينَ؛ أيْ يا أيُّها الَّذِينَ أظْهَرُوا الإيمانَ بِألْسِنَتِهِمْ آمِنُوا بِقُلُوبِكم. وقِيلَ لِمَن آمَنَ بِمُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ؛ أيْ يا مَن آمَنَ بِنَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ آمِن بِمُحَمَّدٍ. وقِيلَ هم جَمِيعُ الخَلْقِ؛ أيْ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا يَوْمَ أخْذِ المِيثاقِ حِينَ قالَ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] . وقِيلَ اليَهُودُ خاصَّةً. وقِيلَ المُشْرِكُونَ آمَنُوا بِاللّاتَ والعُزّى والأصْنامِ والأوْثانِ. وقِيلَ: آمَنُوا عَلى سَبِيلِ التَّقْلِيدِ آمِنُوا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِدْلالِ. وقِيلَ آمَنُوا في الماضِي والحاضِرِ، آمِنُوا في المُسْتَقْبَلِ.
ونَظِيرُهُ: ﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] مَعَ أنَّهُ كانَ عالِمًا بِذَلِكَ. ورُوِيَ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ، وسَلّامًا ابْنَ أُخْتِهِ، وسَلَمَةَ ابْنَ أخِيهِ، وأسَدًا وأُسَيْدًا ابْنَيْ كَعْبٍ، وثَعْلَبَةَ بْنَ قَيْسٍ، ويامِينَ أتَوُا الرَّسُولَ، وقالُوا نُؤْمِنُ بِكَ وبِكِتابِكَ، ومُوسى والتَّوْراةِ، وعُزَيْرٍ، ونَكْفُرُ بِما سِواهُ مِنَ الكُتُبِ والرُّسُلِ؛ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: بَلْ آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وكِتابِهِ القُرْآنِ، وبِكُلِّ كِتابٍ كانَ قَبْلَهُ؛ فَقالُوا: لا نَفْعَلُ؛ فَنَزَلَتْ فَآمَنُوا كُلُّهم» .
﴿والكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ﴾ هو القُرْآنُ بِلا خِلافٍ ﴿والكِتابِ الَّذِي أنْزَلَ مِن قَبْلُ﴾ المُرادُ بِهِ جِنْسُ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ آخَرًا: وكَتَبَهُ، وإنْ كانَ الخِطابُ لِلْيَهُودِ والنَّصارى، فَكَيْفَ قِيلَ لَهم ﴿والكِتابِ الَّذِي أنْزَلَ مِن قَبْلُ﴾، وهم مُؤْمِنُونَ بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ. وأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ بِهِما فَحَسْبُ، وما كانُوا مُؤْمِنِينَ بِكُلِّ ما أُنْزِلَ (p-٣٧٢)مِنَ الكُتُبِ؛ فَأُمِرُوا أنْ يُؤْمِنُوا بِجَمِيعِ الكُتُبِ. أوْ لِأنَّ إيمانَهم بِبَعْضٍ لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ طَرِيقَ الإيمانِ بِالجَمِيعِ واحِدٌ، وهو المُعْجِزَةُ. وقَرَأ العَرَبِيّانِ، وابْنُ كَثِيرٍ: (نُزِّلَ) و(أُنْزِلَ) بِالبَنّاءِ لِلْمَفْعُولِ والباقُونَ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ، وأنْزَلَ مِن قَبْلُ ؟ قُلْتُ: لِأنَّ القُرْآنَ نَزَلَ مُنَجَّمًا مُفَرَّقًا في عِشْرِينَ سَنَةً بِخِلافِ الكُتُبِ قَبْلَهُ، انْتَهى. وهَذِهِ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ (نَزَّلَ) و(أنْزَلَ) لا تَصِحُّ لِأنَّ التَّضْعِيفَ في (نَزَّلَ) لَيْسَ لِلتَّكْثِيرِ والتَّفْرِيقِ؛ وإنَّما هو لِلتَّعْدِيَةِ، وهو مُرادِفٌ لِلْهَمْزَةِ. وقَدْ أشْبَعْنا الرَّدَّ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ في دَعْواهُ ذَلِكَ أوَّلَ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
﴿ومَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ جَوابُ الشَّرْطِ لَيْسَ مُتَرَتِّبًا عَلى الكُفْرِ بِالمَجْمُوعِ، بَلِ المَعْنى: ومَن يَكْفُرْ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ. وقُرِئَ: وكِتابِهِ عَلى الإفْرادِ والمُرادُ جِنْسُ الكُتُبِ. ولَمّا كانَ خَيْرَ الإيمانِ عَلِقَ بِثَلاثَةٍ: بِاللَّهِ والرَّسُولِ والكُتُبِ؛ لِأنَّ الإيمانَ بِالكُتُبِ تَضَمَّنَ الإيمانَ بِالمَلائِكَةِ واليَوْمِ الآخِرِ، وبُولِغَ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ المَلِكَ مُغَيَّبٌ عَنّا، وكَذَلِكَ اليَوْمُ الآخِرُ لَمْ يَقَعْ، وهو مُنْتَظَرٌ، فَنَصَّ عَلَيْهِما عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ؛ ولِئَلّا يَتَأوَّلَهُما مُتَأوِّلٌ عَلى خِلافِ ما هُما عَلَيْهِ. فَمَن أنْكَرَ المَلائِكَةَ أوِ القِيامَةَ فَهو كافِرٌ، وقَدَّمَ الكُتُبَ عَلى الرُّسُلِ عَلى التَّرْتِيبِ الوُجُودِيِّ؛ لِأنَّ المَلَكَ يَنْزِلُ بِالكُتُبِ والرُّسُلُ تَتَلَقّى الكُتُبَ مِنَ المَلَكِ. وقَدَّمَ في الأمْرِ بِالإيمانِ المَوْصُولِ عَلى الكِتابِ؛ لِأنَّ الرَّسُولَ أوَّلُ ما يُباشِرُهُ المُؤْمِنَ ثُمَّ يَتَلَقّى الكِتابَ مِنهُ. فَحَيْثُ نَفى الإيمانَ كانَ عَلى التَّرْتِيبِ الوُجُودِيِّ، وحَيْثُ أثْبَتَ كانَ عَلى التَّرْتِيبِ اللِّقائِيِّ، وهو راجِعٌ لِلْوُجُودِ في حَقِّ المُؤْمِنِ.
النساء 4:130
﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ ولَوْ حَرَصْتُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في النَّبِيِّ ﷺ ومَيْلِهِ بِقَلْبِهِ إلى عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، انْتَهى. ونَبَّهَ تَعالى عَلى (p-٣٦٥)انْتِفاءِ اسْتِطاعَةِ العَدْلِ بَيْنَ النِّساءِ والتَّسْوِيَةِ، حَتّى لا يَقَعَ مَيْلٌ البَتَّةَ، ولا زِيادَةٌ ولا نُقْصانٌ فِيما يَجِبُ لَهُنَّ. وفي ذَلِكَ عُذْرٌ لِلرِّجالِ فِيما يَقَعُ مِنَ التَّفاوُتِ في المَيْلِ القَلْبِيِّ والتَّعَهُّدِ والنَّظَرِ والتَّأْنِيسِ والمُفاكَهَةِ؛ فَإنَّ التَّسْوِيَةَ في ذَلِكَ مَجالٌ خارِجٌ عَنْ حَدِّ الِاسْتِطاعَةِ؛ وعَلَّقَ انْتِفاءَ الِاسْتِطاعَةِ في التَّسْوِيَةِ عَلى تَقْدِيرِ وُجُودِ الحِرْصِ مِنَ الإنْسانِ عَلى ذَلِكَ. وقِيلَ مَعْنى أنْ تَعْدِلُوا في المَحَبَّةِ قالَهُ عُمَرُ وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ. وقِيلَ في التَّسْوِيَةِ والقَسَمِ. وقِيلَ في الجِماعِ. وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ " «أنَّهُ كانَ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسائِهِ فَيَعْدِلُ، ويَقُولُ: هَذِهِ قِسْمَتِي فِيما أمْلِكُ، فَلا تُؤاخِذْنِي فِيما تَمْلِكُ، ولا أمَلِكُ يَعْنِي المَحَبَّةَ»؛ لِأنَّ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها كانَتْ أحَبَّ إلَيْهِ، وكانَ عُمَرُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ قَلْبِي فَلا أمْلِكُهُ، وأمّا ما سِوى ذَلِكَ فَأرْجُو أنْ أعْدِلَ فِيهِ.
﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ فَتَذَرُوها كالمُعَلَّقَةِ﴾ نَهى تَعالى عَنِ الجَوْرِ عَلى المَرْغُوبِ؛ أيْ إنْ وقَعَ مِنكُمُ التَّفْرِيطُ في شَيْءٍ مِنَ المُساواةِ، فَلا تَجُورُوا كُلَّ الجَوْرِ. والضَّمِيرُ في فَتَذَرُوها عائِدٌ عَلى المَمِيلِ عَنْها، المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ﴾ .
وقَرَأ أُبَيٌّ: فَتَذْرُوها كالمَسْجُونَةِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: فَتَذْرُوها كَأنَّها مُعَلَّقَةٌ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ المُعَلَّقَةِ في الكَلامِ عَلى المُفْرَداتِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كالمَحْبُوسَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ. وقِيلَ مَعْنى كالمُعَلَّقَةِ كالبَعِيدَةِ عَنْ زَوْجِها. قِيلَ أوْ عَنْ حَقِّها، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ مَأْخُوذٌ مِن تَعْلِيقِ الشَّيْءِ لِبُعْدِهِ عَنْ قَرارِهِ. وتَذْرُوها يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَجْزُومًا عَطْفًا عَلى تَمِيلُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِإضْمارِ (أنْ) في جَوابِ النَّهْيِ. وكالمُعَلِّقَةِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ؛ فَتَتَعَلَّقَ الكافُ بِمَحْذُوفٍ. وفي الحَدِيثِ: «مَن كانَتْ لَهُ امْرَأتانِ يَمِيلُ مَعَ إحْداهُما جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ وأحَدُ شِقَّيْهِ مائِلٌ» والمَعْنى: يَمِيلُ مَعَ إحْداهُما كُلَّ المَيْلِ، لا مُطْلَقَ المَيْلِ. «وقَدْ فاضَلَ عُمَرُ في عَطاءٍ بَيْنَ أزْواجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَأبَتْ عائِشَةُ، وقالَتْ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَعْدِلُ بَيْنَنا في القَسِيمَةِ بِمالِهِ ونَفْسِهِ، فَساوى عُمَرُ بَيْنَهُنَّ»، وكانَ لِمُعاذٍ امْرَأتانِ؛ فَإذا كانَ عِنْدَ إحْداهُما، لَمْ يَتَوَضَّأْ في بَيْتِ الأُخْرى، فَماتَتا في الطّاعُونِ، فَدَفَنَهُما في قَبْرٍ واحِدٍ.
﴿وإنْ تُصْلِحُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنْ تُصْلِحُوا ما مَضى مِن قِبَلِكم، وتَتَدارَكُوهُ بِالتَّوْبَةِ، وتَتَّقُوا فِيما يُسْتَقْبَلُ غَفَرَ اللَّهُ لَكم انْتَهى. وفي ذَلِكَ نَزْغَةُ الِاعْتِزالِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإنْ تُصْلِحُوا ما أفْسَدْتُمْ بِسُوءِ العِشْرَةِ، وتَلْزَمُوا ما يَلْزَمُكم مِنَ العَدْلِ فِيما تَمْلِكُونَ؛ فَإنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا لِما تَمْلِكُونَهُ مُتَجاوِزًا عَنْهُ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: غَفُورًا لِما سَلَفَ مِنكم مِنَ المَيْلِ كُلَّ المَيْلِ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ، انْتَهى؛ فَعَلى هَذا هي مَغْفِرَةٌ مُخَصَّصَةٌ لِقَوْمٍ بِأعْيانِهِمْ واقَعُوا المَحْظُورَ في مُدَّةِ النَّبِيِّ ﷺ، وخَتَمَتْ تِلْكَ بِالإحْسانِ، وهَذِهِ بِالإصْلاحِ؛ لِأنَّ الأُولى في مَندُوبٍ إلَيْهِ إذْ لَهُ أنْ لا يُحْسِنَ، وأنْ يَشِحَّ، ويُصالِحَ بِما يُرْضِيهِ، وهَذِهِ في لازِمٍ إذْ لَيْسَ لَهُ إلّا أنْ يُصْلِحَ، بَلْ يَلْزَمُهُ العَدْلُ فِيما يَمْلِكُ.
﴿وإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِن سَعَتِهِ﴾ الضَّمِيرُ في يَتَفَرَّقا عائِدٌ عَلى الزَّوْجَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها﴾ [النساء: ١٢٨] والمَعْنى: وإنْ شَحَّ كُلٌّ مِنهُما، ولَمْ يَصْطَلِحا، وتَفَرَّقا بِطَلاقٍ؛ فاللَّهُ يُغْنِي كُلًّا مِنها عَنْ صاحِبِهِ بِفَضْلِهِ، ولُطْفِهِ في المالِ والعِشْرَةِ والسِّعَةِ. ووُجُودِ المُرادِ، والسِّعَةُ الغِنى والمَقْدِرَةُ، وهَذا وعْدٌ بِالغِنى لِكُلِّ واحِدٍ إذا تَفَرَّقا، وهو مَعْرُوفٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى. ونِسْبَةُ الفِعْلِ إلَيْهِما يَدُلُّ عَلى أنَّ لِكُلٍّ مِنهُما مَدْخَلًا في التَّفَرُّقِ، وهو التَّفَرُّقُ بِالأبْدانِ، وتَراخِي المُدَّةِ بِزَوالِ العِصْمَةِ، ولا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَفَرُّقٌ بِالقَوْلِ وهو طَلاقٌ؛ لِأنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالزَّوْجِ، ولا نَصِيبَ لِلْمَرْأةِ في التَّفَرُّقِ القَوْلِيِّ؛ فَيُسْنَدُ إلَيْها خِلافًا لِمَن ذَهَبَ إلى أنَّ التَّفَرُّقَ هاهُنا هو بِالقَوْلِ، وهو الطَّلاقُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ أفْلَحَ: وإنْ يَتَفارَقا بِألِفِ المُفاعَلَةِ؛ أيْ وإنْ (p-٣٦٦)يُفارِقْ كُلٌّ مِنهُما صاحِبَهُ. وهَذِهِ الآيَةُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقَوْلُ العَرَبِ: إنْ لَمْ يَكُنْ وِفاقٌ فَطَلاقٌ. فَنَبَّهَ تَعالى عَلى أنَّ لَهُما أنْ يَتَفارَقا؛ كَما أنَّ لَهُما أنْ يَصْطَلِحا. ودَلَّ ذَلِكَ عَلى الجَوازِ، قالُوا: وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِن سَعَتِهِ﴾ إشارَةٌ إلى الغِنى بِالمالِ. وكانَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما فِيما رَوَوْا طُلَقَةً ذُوَقَةً فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ فَقالَ: إنِّي رَأيْتُ اللَّهَ تَعالى عَلَّقَ الغِنى بِأمْرَيْنِ فَقالَ: ﴿وأنْكِحُوا الأيامى﴾ [النور: ٣٢] الآيَةَ، وقالَ: ﴿وإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِن سَعَتِهِ﴾ .
﴿وكانَ اللَّهُ واسِعًا حَكِيمًا﴾ ناسَبَ ذَلِكَ ذِكْرَ السَّعَةِ؛ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ مِن سِعَتِهِ. والواسِعُ عامٌّ في الغِنى والقُدْرَةِ والعِلْمِ، وسائِرِ الكِمالاتِ. وناسَبَ ذِكْرَ وصْفِ الحِكْمَةِ، وهو وضْعُ الشَّيْءِ مَوْضِعَ ما يُناسِبُ؛ لِأنَّ السَّعَةَ ما لَمْ تَكُنْ مَعَها الحِكْمَةُ كانَتْ إلى فَسادٍ أقْرَبَ مِنها لِلصَّلاحِ؛ قالَهُ الرّاغِبُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ فِيما حَكَمَ ووَعَظَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: فِيما حَكَمَ عَلى الزَّوْجِ مِن إمْساكِها بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٍ بِإحْسانٍ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: أوْ حَيْثُ نُدِبَ إلى الفُرْقَةِ عِنْدَ اخْتِلافِهِما وعَدَمِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُما.
﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى سَعَةَ رِزْقِهِ، وحِكْمَتَهُ، ذَكَرَ أنَّ لَهُ مُلْكَ ما في السَّماواتِ، وما في الأرْضِ؛ فَلا يَعْتاضُّ عَلَيْهِ غِنى أحَدٍ، ولا التَّوْسِعَةُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ مَن لَهُ ذَلِكَ هو الغَنِيُّ المُطْلَقُ.
﴿ولَقَدْ وصَّيْنا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم وإيّاكم أنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ وصَّيْنا: أمَرْنا أوْ عَهِدْنا إلَيْهِمْ وإلَيْكم، ومِن قَبْلِكم: يُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ (أُوتُوا)؛ وهو الأقْرَبُ، أوْ بِـ (وصَّيْنا) . والمَعْنى: أنَّ الوَصِيَّةَ بِالتَّقْوى هي سُنَّةُ اللَّهِ مَعَ الأُمَمِ الماضِيَةِ، فَلَسْتُمْ مَخْصُوصِينَ بِهَذِهِ الوَصِيَّةِ. و(إيّاكم) عَطْفٌ عَلى المَوْصُولِ، وتَقَدَّمَ المَوْصُولُ؛ لِأنَّ وصِيَّتَهُ هي السّابِقَةُ عَلى وصَّيْنا، فَهو تَقَدُّمٌ بِالزَّمانِ. ومِثْلُ هَذا العَطْفِ - أعْنِي عَطْفَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ المُنْفَصِلِ عَلى الظّاهِرِ - فَصِيحٌ جاءَ في القُرْآنِ وفي كَلامِ العَرَبِ، ولا يَخْتَصُّ بِالشِّعْرِ، وقَدْ وهِمَ في ذَلِكَ بَعْضُ أصْحابِنا وشُيُوخِنا؛ فَزَعَمَ أنَّهُ لا يَجُوزُ إلّا في الشِّعْرِ؛ لِأنَّكَ تَقْدِرُ عَلى أنْ تَأْتِيَ بِهِ مُتَّصِلًا؛ فَتَقُولُ: آتِيكَ وزَيْدًا. ولا يَجُوزُ عِنْدَهُ: رَأيْتُ زَيْدًا وإيّاكَ إلّا في الشِّعْرِ، وهَذا وهْمٌ فاحِشٌ؛ بَلْ مِن مُوجَبِ انْفِصالِ الضَّمِيرِ كَوْنُهُ يَكُونُ مَعْطُوفًا؛ فَيَجُوزُ قامَ زَيْدٌ وأنْتَ، وخَرَجَ بَكْرٌ وأنا، لا خِلافَ في جَوازِ ذَلِكَ؛ فَكَذَلِكَ ضَرَبْتُ زَيْدًا وإيّاكَ.
والَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ هو عامٌّ في الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى تَخْصِيصِ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِاليَهُودِ والنَّصارى كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ؛ لِأنَّ وصِيَّةَ اللَّهِ بِالتَّقْوى لَمْ تَزَلْ مُذْ أوْجَدَ العالَمَ؛ فَلَيْسَتْ مَخْصُوصَةً بِاليَهُودِ والنَّصارى. وأنِ اتَّقُوا: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أيْ بِأنِ اتَّقُوا اللَّهَ، وأنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً التَّقْدِيرُ أيِ اتَّقُوا اللَّهَ؛ لِأنَّ وصَّيْنا فِيهِ مَعْنى القَوْلِ.
﴿وإنْ تَكْفُرُوا﴾ ظاهِرُهُ الخِطابُ لِمَن وقَعَ لَهُ الخِطابُ بِقَوْلِهِ: وإيّاكم، وهم هَذِهِ الأُمَّةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ شامِلًا لِلَّذِينِ أُوتُوا الكِتابَ، ولِلْمُخاطَبِينَ وغَلَبَ الخِطابُ عَلى ما تَقَرَّرَ في لِسانِ العَرَبِ كَما تَقُولُ: قُلْتُ لِزَيْدٍ ذَلِكَ، لا تَضْرِبْ عَمْرًا، وكَما تَقُولُ: زَيْدٌ وأنْتَ تَخْرُجانِ.
﴿فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾؛ أيْ أنْتُمْ مِن جُمْلَةِ مَن يَمْلِكُهُ تَعالى، وهو المُتَصَرِّفُ فِيكم؛ إذْ هو خالِقُكم والمُنْعِمُ عَلَيْكم بِأصْنافِ النِّعَمِ، وأنْتُمْ مَمْلُوكُونَ لَهُ، فَلا يُناسِبُ أنْ تَكْفُرُوا مَن هو مالِكُكم، وتُخالِفُونَ أمْرَهُ؛ بَلْ حَقُّهُ أنْ يُطاعَ ولا يُعْصى، وأنْ يُتَّقى عِقابُهُ، ويُرْجى ثَوابُهُ، ولِلَّهِ ما في سَمائِهِ وأرْضِهِ مَن يُوَحِّدُهُ ويَعْبُدُهُ، ولا يَعْصِيهِ.
﴿وكانَ اللَّهُ غَنِيًّا﴾؛ أيْ عَنْ خَلْقِهِ، وعَنْ عِبادَتِهِمْ لا تَنْفَعُهُ طاعَتُهم، ولا يَضُرُّهُ كُفْرُهم.
(حَمِيدًا)؛ أيْ مُسْتَحِقًّا لِأنْ يُحْمَدَ لِكَثْرَةِ نِعَمِهِ، وإنْ كَفَرْتُمُوهُ أنْتُمْ.
﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ الوَكِيلُ القائِمُ بِالأُمُورِ، المُنْفِذُ فِيها ما يَراهُ؛ فَمَن لَهُ مُلْكُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ، فَهو كافٍ فِيما يَتَصَرَّفُ فِيهِ، لا يَعْتَمِدُ عَلى غَيْرِهِ. وأعادَ قَوْلَهُ: ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ثَلاثَ مَرّاتٍ بِحَسَبِ السِّياقِ. (p-٣٦٧)فَقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الأوَّلُ: تَنْبِيهٌ عَلى مَوْضِعِ الرَّجاءِ يَهْدِي المُتَفَرِّقِينَ. والثّانِي: تَنْبِيهٌ عَلى اسْتِغْنائِهِ عَنِ العِبادِ. والثّالِثُ: مُقَدِّمَةٌ لِلْوَعِيدِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وتَكْرِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ تَقْرِيرٌ لِما هو مُوجِبٌ تَقْواهُ لِيَتَّقُوهُ؛ فَيُطِيعُوهُ ولا يَعْصُوهُ؛ لِأنَّ الخَشْيَةَ والتَّقْوى أصْلُ الخَيْرِ كُلِّهِ. وقالَ الرّاغِبُ: الأوَّلُ: لِلتَّسْلِيَةِ عَمّا فاتَ. والثّانِي: أنَّ وصِيَّتَهُ لِرَحْمَتِهِ لا لِحاجَةٍ، وأنَّهم إنْ كَفَرُوهُ لا يَضُرُّوهُ شَيْئًا. والثّالِثُ: دَلالَتُهُ عَلى كَوْنِهِ غَنِيًّا. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: الأوَّلُ: تَقْرِيرُ كَوْنِهِ واسِعَ الجُودِ. والثّانِي: لِلتَّنْزِيهِ عَنْ طاعَةِ المُطِيعِينَ. والثّالِثُ: لِقُدْرَتِهِ عَلى الإفْناءِ والإيجادِ؛ والغَرَضُ مِنهُ: تَقْرِيرُ كَوْنِهِ قادِرًا عَلى مَدْلُولاتٍ كَثِيرَةٍ فَيَحْسُنُ أنْ يَذْكُرَ ذَلِكَ الدَّلِيلَ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِن مَدْلُولاتِهِ، وهَذِهِ الإعادَةُ أحْسَنُ وأوْلى مِنَ الِاكْتِفاءِ بِذِكْرِ الدَّلِيلِ مَرَّةً واحِدَةً؛ لِأنَّهُ عِنْدَهُ إعادَةُ ذِكْرِ الدَّلِيلِ يُحْضِرُ في الذِّهْنِ ما يُوجِبُ العِلْمَ بِالمَدْلُولِ؛ وكانَ العِلْمُ الحاصِلُ بِذَلِكَ المَدْلُولِ أقْوى وأجَلَّ؛ فَظَهَرَ أنَّ هَذا التَّكْرارَ في غايَةِ الكَمالِ. وقالَ مَكِّيٌّ: نَبَّهْنا أوَّلًا عَلى مُلْكِهِ وسَعَتِهِ. وثانِيًا عَلى حاجَتِنا إلَيْهِ وغِناهُ، وثالِثًا عَلى حِفْظِهِ لَنا، وعِلْمِهِ بِتَدْبِيرِنا.
﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ ظاهِرُهُ أنَّ الخِطابَ لِمَن تَقَدَّمَ لَهُ الخِطابُ أوَّلًا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الخِطابُ لِلْمُشْرِكِينَ والمُنافِقِينَ والمَعْنى: ويَأْتِ بِآخَرِينَ مِنكم. وقَرِيبٌ مِنهُ ما نَقَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن أنَّهُ خِطابٌ لِمَن كانَ يُعادِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنَ العَرَبِ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: الخِطابُ لِلْكُفّارِ، وهو تَهْدِيدٌ لَهم؛ كَأنَّهُ قالَ: إنْ يَشَأْ يُهْلِكْكم كَما أهْلَكَ مَن قَبْلَكم إذْ كَفَرُوا بِرُسُلِهِ. وقِيلَ لِلْمُؤْمِنِينَ يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ النّاسِ؛ والمَعْنى: إنْ شاءَ يُهْلِكْكم كَما أنْشَأكم، وأنْشَأ قَوْمًا آخَرِينَ يَعْبُدُونَهُ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: الخِطابُ لِلَّذِينِ شَفَعُوا في طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ، وخاصَمَ وخاصَمُوا عَنْهُ في أمْرِ خِيانَتِهِ في الدِّرْعِ والدَّقِيقِ. وهَذا التَّأْوِيلُ بَعِيدٌ، وقَدْ يَظْهَرُ العُمُومُ فَيَكُونُ خِطابًا لِلْعالِمِ الحاضِرِ الَّذِي يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ الخِطابُ والنِّداءُ. ويَأْتِ بِآخَرِينَ أيْ بِناسٍ غَيْرِكم؛ فالمَأْتِيُّ بِهِ مِن نَوْعِ المُذْهَبِ؛ فَيَكُونُ مِن جِنْسِ المُخاطَبِ المُنادى، وهُمُ النّاسُ.
ورُوِيَ أنَّها لَمّا نَزَلَتْ ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ عَلى ظَهْرِ سَلْمانَ، وقالَ: (إنَّهم قَوْمُ هَذا) يُرِيدُ ابْنَ فارِسَ، وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُما أنْ يَكُونَ المُرادُ بِآخَرِينَ مِن نَوْعِ المُخاطَبِينَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَأْتِ بِآخَرِينَ مَكانَكم أوْ خَلْقًا آخَرِينَ غَيْرَ الإنْسِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وعِيدًا لِجَمِيعِ بَنِي آدَمَ، ويَكُونَ الآخَرُونَ مِن غَيْرِ نَوْعِهِمْ. كَما أنَّهُ قَدْ رُوِيَ أنَّهُ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَعْبُدُونَ اللَّهَ قَبْلَ بَنِي آدَمَ، انْتَهى. وما جَوَّزَهُ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ مَدْلُولَ (آخَرَ) في اللُّغَةِ هو مَدْلُولٌ غَيْرُ خاصٍّ بِجِنْسِ ما تَقَدَّمَ؛ فَلَوْ قُلْتَ: جاءَ زَيْدٌ وآخَرُ مَعَهُ، أوْ مَرَرْتُ بِامْرَأةٍ وأُخْرى مَعَها، أوِ اشْتَرَيْتُ فَرَسًا وآخَرَ، وسابَقْتُ بَيْنَ حِمارٍ وآخَرَ؛ لَمْ يَكُنْ آخَرُ ولا أُخْرى مُؤَنَّثُهُ، ولا تَثْنِيَتُهُ، ولا جَمْعُهُ، إلّا مِن جِنْسِ ما يَكُونُ قَبْلَهُ. ولَوْ قُلْتَ: اشْتَرَيْتُ ثَوْبًا وآخَرَ، ويَعْنِي بِهِ: غَيْرَ ثَوْبٍ؛ لَمْ يَجُزْ. فَعَلى هَذا تَجْوِيزُهم أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: بِآخَرِينَ مِن غَيْرِ جِنْسِ ما تَقَدَّمَ، وهُمُ النّاسُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وهَذا هو الفَرْقُ بَيْنَ غَيْرٍ وبَيْنَ آخَرَ؛ لِأنَّ غَيْرًا تَقَعُ عَلى المُغايِرِ في جِنْسٍ أوْ في صِفَةٍ؛ فَتَقُولُ: اشْتَرَيْتُ ثَوْبًا وغَيْرَهُ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ثَوْبًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ ثَوْبٍ، (p-٣٦٨)وقَلَّ مَن يَعْرِفُ هَذا الفَرْقَ.
﴿وكانَ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾؛ أيْ عَلى إذْهابِكم والإتْيانِ بِآخَرِينَ. وأتى بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ في القُدْرَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ أرادَهُ، وهَذا غَضَبٌ عَلَيْهِمْ، وتَخْوِيفٌ وبَيانٌ لِاقْتِدارِهِ.
﴿مَن كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ؛ أيْ مَن كانَ لا رَغْبَةَ لَهُ إلّا في ثَوابِ الدُّنْيا، ولا يَعْتَقِدُ أنَّ ثَمَّ سِواهُ؛ فَلَيْسَ كَما ظَنَّ، بَلْ عِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدّارَيْنِ. فَمَن قَصَدَ الآخِرَةَ أعْطاهُ مِن ثَوابِ الدُّنْيا، وأعْطاهُ قَصْدَهُ، ومَن قَصَدَ الدُّنْيا فَقَطْ أعْطاهُ مِنَ الدُّنْيا ما قُدِّرَ لَهُ، وكانَ لَهُ في الآخِرَةِ العَذابُ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: مَن عَبَدَ الأصْنامَ طَلَبًا لِلْعِزِّ لا يَحْصُلُ لَهُ ذَلِكَ، ولَكِنْ عِنْدَ اللَّهِ عِزُّ الدُّنْيا والآخِرَةِ، أوْ لِلتَّقْرِيبِ والشَّفاعَةِ؛ أيْ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، ولَكِنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَعِنْدَهُ ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، لا عِنْدَ مَن تَطْلُبُونَ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في أهْلِ النِّفاقِ الَّذِينَ يُراءُونَ بِأعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ في الدُّنْيا لِثَوابِ الدُّنْيا لا غَيْرَ.
و(مَن) يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً؛ والظّاهِرُ أنَّها شَرْطٌ، وجَوابُهُ الجُمْلَةُ المَقْرُونةُ بِفاءِ الجَوابِ؛ ولا بُدَّ في الجُمْلَةِ الواقِعَةِ جَوابًا لِاسْمِ الشَّرْطِ غَيْرِ الظَّرْفِ مِن ضَمِيرٍ عائِدٍ عَلى اسْمِ الشَّرْطِ حَتّى يَتَعَلَّقَ الجَزاءُ بِالشَّرْطِ؛ والتَّقْدِيرُ: ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ لَهُ إنْ أرادَهُ؛ هَكَذا قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ جَوابَ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: مَن كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَلا يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ، ولْيَطْلُبِ الثَّوابَيْنِ؛ فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ. وقالَ الرّاغِبُ: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ تَبْكِيتٌ لِلْإنْسانِ؛ حَيْثُ اقْتَصَرَ عَلى أحَدِ السُّؤالَيْنِ، مَعَ كَوْنِ المَسْئُولِ مالِكًا لِلثَّوابَيْنِ، وحَثَّ عَلى أنْ يَطْلُبَ مِنهُ تَعالى ما هو أكْمَلُ، وأفْضَلُ مِن مَطْلُوبِهِ؛ فَمَن طَلَبَ خَسِيسًا مَعَ أنَّهُ يُمْكِنُهُ أنْ يَطْلُبَ نَفِيسًا؛ فَهو دَنِيءُ الهِمَّةِ. قِيلَ والآيَةُ وعِيدٌ لِلْمُنافِقِينَ، لا يُرِيدُونَ بِالجِهادِ غَيْرَ الغَنِيمَةِ. وقِيلَ هي حَضٌّ عَلى الجِهادِ.
﴿وكانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾؛ أيْ سَمِيعًا لِأقْوالِهِمْ؛ بَصِيرًا بِأعْمالِهِمْ ونِيّاتِهِمْ.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلى أنْفُسِكم أوِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ قالَ الطَّبَرِيُّ: هي سَبَبُ نازِلَةِ ابْنِ أُبَيْرِقٍ وقِيامِ مَن قامَ في أمْرِهِ بِغَيْرِ القِسْطِ. وقالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في اخْتِصامِ غَنِيٍّ وفَقِيرٍ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ .
ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ النِّساءَ والنُّشُوزَ والمُصالَحَةَ؛ أعْقَبَهُ بِالقِيامِ بِأداءِ حُقُوقِ اللَّهِ تَعالى، وفي الشَّهادَةِ حُقُوقُ اللَّهِ. أوْ لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ تَعالى طالِبَ الدُّنْيا، وأنَّهُ عِنْدَهُ ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ؛ بَيَّنَ أنَّ كَمالَ السَّعادَةِ أنْ يَكُونَ قَوْلُ الإنْسانِ وفِعْلُهُ لِلَّهِ تَعالى، أوْ لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ.
﴿وإنْ خِفْتُمْ أنْ لا تُقْسِطُوا في اليَتامى﴾ [النساء: ٣] والإشْهادُ عِنْدَ دَفْعِ أمْوالِ اليَتامى إلَيْهِمْ، وأمَرَ بِبَذْلِ النَّفْسِ والمالِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وذَكَرَ قِصَّةَ ابْنِ أُبَيْرِقٍ، واجْتِماعَ قَوْمِهِ عَلى الكَذِبِ والشَّهادَةِ بِالباطِلِ، ونَدَبَ لِلْمُصالَحَةِ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِأنْ أمَرَ عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ بِالقِيامِ بِالعَدْلِ والشَّهادَةِ لِوَجْهِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وأتى بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ في قَوّامِينَ حَتّى لا يَكُونَ مِنهم جَوْرٌ ما. والقِسْطُ: العَدْلُ. ومَعْنى ﴿شُهَداءَ لِلَّهِ﴾؛ أيْ لِوَجْهِ اللَّهِ، لا يُراعِي في الشَّهادَةِ إلّا جِهَةَ اللَّهِ تَعالى. والظّاهِرُ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿شُهَداءَ لِلَّهِ﴾ مِنَ الشَّهادَةِ في الحُقُوقِ؛ ولِذَلِكَ أتْبَعَهُ بِما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾، وهَكَذا فَسَّرَهُ المُفَسِّرُونَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: شُهَداءَ لِلَّهِ مَعْناهُ بِالوَحْدانِيَّةِ. (p-٣٦٩)ويَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾، بِقَوْلِهِ: ﴿قَوّامِينَ بِالقِسْطِ﴾؛ والتَّأْوِيلُ الأوَّلُ أبْيَنُ، انْتَهى كَلامُهُ. ويُضَعِّفُهُ أنَّهُ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وهم شُهَداءُ لِلَّهِ بِالوَحْدانِيَّةِ؛ إلّا إنْ أُرِيدَ اسْتِمْرارُ الشَّهادَةِ.
وتَقَدَّمَتْ صِفَةُ (قَوّامِينَ) بِالقِسْطِ عَلى ﴿شُهَداءَ لِلَّهِ﴾؛ لِأنَّ القِيامَ بِالقِسْطِ أعَمُّ والشَّهادَةَ أخَصُّ. ولِأنَّ القِيامَ بِالقِسْطِ فِعْلٌ وقَوْلٌ، والشَّهادَةَ قَوْلٌ فَقَطْ. ومَعْنى: ﴿ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾؛ أيْ تَشْهَدُونَ عَلى أنْفُسِكم؛ أيْ تُقِرُّونَ بِالحَقِّ، وتُقِيمُونَ القِسْطَ عَلَيْها. والظّاهِرُ أنَّهُ أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ أنْفُسَ الشُّهَداءِ لِلَّهِ تَعالى. وأبْعَدَ مَن جَوَّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى في أنْفُسِكم: الأهْلُ والأقارِبُ، وأنْ يَكُونَ ﴿أوِ الوالِدَيْنِ﴾ تَفْسِيرًا لِأنْفُسِكم، ويُضَعِّفُهُ العَطْفُ بَـ (أوْ) . وانْتَصَبَ (شُهَداءَ) عَلى أنَّهُ خَبْرٌ بَعْدَ خَبَرٍ. ومَن ذَهَبَ إلى جَعْلِهِ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في قَوّامِينَ كَأبِي البَقاءِ؛ فَقَوْلُهُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ فِيها تَقْيِيدَ القِيامِ بِالقِسْطِ؛ سَواءٌ كانَ مِثْلَ هَذا أمْ لا. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما ما يَشْهَدُ لِهَذا القَوْلِ الضَّعِيفِ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ كُونُوا قَوّامِينَ بِالعَدْلِ في الشَّهادَةِ عَلى مَن كانَ، ومَجِيءُ لَوْ هُنا لِاسْتِقْصاءِ جَمِيعِ ما يُمْكِنُ فِيهِ الشَّهادَةُ، لَما كانَتِ الشَّهادَةُ مِنَ الإنْسانِ عَلى نَفْسِهِ بِصَدَدِ أنْ لا يُقِيمَها لِما جُبِلَ عَلَيْهِ المَرْءُ مِن مُحاباةِ نَفْسِهِ، ومُراعاتِها. نَبَّهَ عَلى هَذِهِ الحالِ، وجاءَ هَذا التَّرْتِيبُ في الِاسْتِقْصاءِ في غايَةٍ مِنَ الحُسْنِ والفَصاحَةِ. فَبَدَأ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾؛ لِأنَّهُ لا شَيْءَ أعَزُّ عَلى الإنْسانِ مِن نَفْسِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ الوالِدَيْنِ، وهُما أقْرَبُ إلى الإنْسانِ، وسَبَبُ نَشْأتِهِ؛ وقَدْ أمَرَ بِبِرِّهِما، وتَعْظِيمِهِما والحَوْطَةِ لَهُما، ثُمَّ ذَكَرَ الأقْرَبِينَ؛ وهم مَظِنَّةُ المَحَبَّةِ والتَّعَصُّبِ. وإذا كانَ هَؤُلاءِ أُمِرَ في حَقِّهِمْ بِالقِسْطِ والشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ، فالأجْنَبِيُّ أحْرى بِذَلِكَ. والآيَةُ تَعَرَّضَتْ لِلشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ لا لَهم، فَلا دَلالَةَ فِيها عَلى الشَّهادَةِ لَهم، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ. ولَوْ شَرْطِيَّةٌ بِمَعْنى (إنْ)، وقَوْلُهُ عَلى أنْفُسِكم مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: وإنْ كُنْتُمْ شُهَداءَ عَلى أنْفُسِكم فَكُونُوا شُهَداءَ لِلَّهِ، هَذا تَقْرِيرُ الكَلامِ. وحَذْفُ (كانَ) بَعْدَ (لَوْ) كَثِيرٌ تَقُولُ: ائْتِنِي بِتَمْرٍ ولَوْ حَشَفًا؛ أيْ وإنْ كانَ التَّمْرُ حَشَفًا فائْتِنِي بِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَوْ عَلى أنْفُسِكم مُتَعَلِّقٌ بِشُهَداءَ. فَإنْ عَنى (شُهَداءَ) هَذا المَلْفُوظَ بِهِ فَلا يَصِحُّ ذَلِكَ، وإنْ عَنى الَّذِي قَدَّرْناهُ نَحْنُ فَيَصِحُّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَوْ عَلى أنْفُسِكم، ولَوْ كانَتِ الشَّهادَةُ عَلى أنْفُسِكم أوْ آبائِكم أوْ أقارِبِكم. فَإنْ قُلْتَ: الشَّهادَةُ عَلى الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ أنْ يَقُولَ: أشْهَدُ أنَّ لِفُلانٍ عَلى والِدِي كَذا، وعَلى أقارِبِي، فَما مَعْنى الشَّهادَةِ عَلى نَفْسِهِ ؟ قُلْتُ: هي الإقْرارُ عَلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى الشَّهادَةِ عَلَيْها بِإلْزامِ الحَقِّ لَها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وإنْ كانَتِ الشَّهادَةُ وبالًا عَلى أنْفُسِكم، أوْ عَلى (p-٣٧٠)آبائِكم وأقارِبِكم؛ وذَلِكَ أنْ يَشْهَدَ عَلى مَن تَوَقَّعَ ضَرَرَهُ مِن سُلْطانٍ ظالِمٍ أوْ غَيْرِهِ، انْتَهى كَلامُهُ. وتَقْدِيرُهُ: ولَوْ كانَتِ الشَّهادَةُ عَلى أنْفُسِكم لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ المَحْذُوفَ إنَّما يَكُونُ مِن جِنْسِ المَلْفُوظِ بِهِ قَبْلُ لِيَدُلَّ عَلَيْهِ؛ فَإذا قُلْتَ: كُنْ مُحْسِنًا لِمَن أساءَ إلَيْكَ، فَتُحْذَفُ (كانَ) واسْمُها والخَبَرُ، ويَبْقى مُتَعَلِّقُهُ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، ولا تُقَدِّرُهُ: ولَوْ كانَ إحْسانُكَ لِمَن أساءَ. فَلَوْ قُلْتَ: لِيَكُنْ مِنكَ إحْسانٌ، ولَوْ لِمَن أساءَ، فَتُقَدِّرُ: ولَوْ كانَ الإحْسانُ لِمَن أساءَ؛ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ؛ ولَوْ قَدَّرْتَهُ: ولَوْ كُنْتَ مُحْسِنًا لِمَن أساءَ إلَيْكَ لَمْ يَكُنْ جَيِّدًا؛ لِأنَّكَ تَحْذِفُ ما لا دَلالَةَ عَلَيْهِ بِلَفْظٍ مُطابِقٍ. وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وإنْ كانَتِ الشَّهادَةُ وبالًا عَلى أنْفُسِكم هَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ ما تَعَلَّقَ بِهِ الظَّرْفُ كَوْنٌ مُقَيَّدٌ، ولا يَجُوزُ حَذْفُ الكَوْنِ المُقَيَّدِ. لَوْ قُلْتَ: كانَ زَيْدٌ فِيكَ، وأنْتَ تُرِيدُ مُحِبًّا فِيكَ؛ لَمْ يَجُزْ؛ لِأنَّ مُحِبًّا مُقَيَّدٌ؛ وإنَّما ذَلِكَ جائِزٌ في الكَوْنِ المُطْلَقِ، وهو: تَقْدِيرٌ كائِنٌ أوْ مُسْتَقِرٌّ.
﴿إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا فاللَّهُ أوْلى بِهِما﴾؛ أيْ إنْ يَكُنِ المَشْهُودُ عَلَيْهِ غَنِيًّا، فَلا تَمْتَنِعُ مِنَ الشَّهادَةِ عَلَيْهِ لِغِناهُ، أوْ فَقِيرًا فَلا تَمْنَعْها تَرَحُّمًا عَلَيْهِ وإشْفاقًا. فَعَلى هَذا الجَوابُ مَحْذُوفٌ؛ لِأنَّ العَطْفَ هو بِـ (أوْ)، ولا يُثَنّى الضَّمِيرُ إذا عُطِفَ بِها، بَلْ يُفْرَدُ . وتَقْدِيرُ الجَوابِ: فَلْيَشْهَدْ عَلَيْهِ، ولا يُراعِي الغَنِيَّ لِغِناهُ، ولا لِخَوْفٍ مِنهُ، ولا الفَقِيرَ لِمَسْكَنَتِهِ وفَقْرِهِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: فاللَّهُ أوْلى بِهِما لَيْسَ هو الجَوابَ، بَلْ لَمّا جَرى ذِكْرُ الغَنِيِّ والفَقِيرِ عادَ الضَّمِيرُ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ؛ كَأنَّهُ قِيلَ فاللَّهُ أوْلى بِجِنْسَيِ الغَنِيِّ والفَقِيرِ؛ أيْ بِالأغْنِياءِ والفُقَراءِ. وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ: فاللَّهُ أوْلى بِهِمْ ما يَشْهَدُ بِإرادَةِ الجِنْسِ. وذَهَبَ الأخْفَشُ وقَوْمٌ إلى أنَّ (أوْ) في مَعْنى الواوِ؛ فَعَلى قَوْلِهِمْ يَكُونُ الجَوابُ: فاللَّهُ أوْلى بِهِما؛ أيْ حَيْثُ شَرَعَ الشَّهادَةَ عَلَيْهِما، وهو أنْظَرُ لَهُما مِنكم. ولَوْلا أنَّ الشَّهادَةَ عَلَيْهِما مَصْلَحَةٌ لَهُما لَما شَرَعَها. وقالَ الأُسْتاذُ أبُو الحَسَنِ بْنُ عُصْفُورٍ: وقَدْ ذَكَرَ العَطْفَ بِالواوِ وثُمَّ؛ وحَتّى ما نَصُّهُ تَقُولُ: زَيْدٌ أوْ عُمَرُ، وقامَ زَيْدٌ لا عُمَرُ وقامَ، وكَذَلِكَ سائِرُ ما بَقِيَ مِن حُرُوفِ العَطْفِ يَعْنِي غَيْرَ الواوِ وحَتّى والفاءِ وثُمَّ والَّذِي بَقِيَ بَلْ ولَكِنْ وأمْ. قالَ: لا تَقُولُ قاما؛ لِأنَّ القائِمَ إنَّما هو أحَدُهُما لا غَيْرُ، ولا يَجُوزُ قاما إلّا في أوْ خاصَّةً؛ وذَلِكَ شُذُوذٌ لا يُقاسُ عَلَيْهِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا فاللَّهُ أوْلى بِهِما﴾؛ فَأعادَ الضَّمِيرَ عَلى الغَنِيِّ والفَقِيرِ لِتَفَرُّقِهِما في الذِّكْرِ، انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِسَدِيدٍ. ولا شُذُوذَ في الآيَةِ، ولا دَلِيلَ فِيها عَلى جَوازِ: زَيْدٌ أوْ عَمْرٌو قاما عَلى جِهَةِ الشُّذُوذِ، ولا غَيْرُهُ. ولِأنَّ قَوْلَهُ ﴿فاللَّهُ أوْلى بِهِما﴾ لَيْسَ بِجَوابٍ كَما قَرَّرْناهُ، والضَّمِيرُ لَيْسَ عائِدًا عَلى الغَنِيِّ والفَقِيرِ المَلْفُوظِ بِهِما في الآيَةِ؛ وإنَّما يَعُودُ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى مِن جِنْسَيِ الغَنِيِّ والفَقِيرِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: إنْ يَكُنْ غَنِيٌّ أوْ فَقِيرٌ عَلى أنَّ (كانَ) تامَّةٌ.
﴿فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى أنْ تَعْدِلُوا﴾ لَمّا أمَرَ تَعالى بِالقِيامِ بِالعَدْلِ وبِالشَّهادَةِ لِمَرْضاةِ اللَّهِ نَهى عَنِ اتِّباعِ الهَوى، وهو ما تَمِيلُ إلَيْهِ النَّفْسُ مِمّا لَمْ يُبِحْهُ اللَّهُ تَعالى، وإنْ تَعْدِلُوا مِنَ العُدُولِ عَنِ الحَقِّ، أوْ مِنَ العَدْلِ، وهو القِسْطُ. فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: إرادَةَ أنْ تَجُورُوا، أوْ مَحَبَّةَ أنْ تَجُورُوا. وعَلى الثّانِي يَكُونُ التَّقْدِيرُ: كَراهَةَ أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النّاسِ، وتُقْسِطُوا. وعَكَسَ ابْنُ عَطِيَّةَ هَذا التَّقْدِيرَ؛ فَقالَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ مَخافَةَ أنْ تَعْدِلُوا، ويَكُونُ العَدْلُ بِمَعْنى القِسْطِ؛ كَأنَّهُ قالَ: انْتَهُوا خَوْفَ أنْ تَجُورُوا، أوْ مَحَبَّةَ أنْ تُقْسِطُوا. فَإنْ جَعَلْتَ العامِلَ (تَتَّبِعُوا) فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: مَحَبَّةَ أنْ تَجُورُوا انْتَهى كَلامُهُ. وهَذا الَّذِي قَرَّرَهُ مِنَ التَّقْدِيرِ يَكُونُ العامِلُ في أنْ تَعْدِلُوا فِعْلًا مَحْذُوفًا مِن مَعْنى النَّهْيِ. وكانَ الكَلامُ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى﴾، ثُمَّ أضْمَرَ فِعْلًا، وقَدَّرَهُ: انْتَهُوا خَوْفَ أنْ تَجُورُوا، أوْ مَحَبَّةَ أنْ تُقْسِطُوا؛ ولِذَلِكَ قالَ: فَإنْ جَعَلْتَ العامِلَ تَتَبَّعُوا. والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الظّاهِرُ أنَّ العامِلَ هو تَتَّبِعُوا، ولا حاجَةَ إلى إضْمارِ جُمْلَةٍ أُخْرى؛ فَيَكُونُ فِعْلُها عامِلًا في ﴿أنْ تَعْدِلُوا﴾ . وإذا كانَ العامِلُ تَتَّبِعُوا؛ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ الأوَّلُ هو المُتَّجِهُ، وعَلى هَذِهِ التَّقادِيرِ فَـ ﴿أنْ تَعْدِلُوا﴾ (p-٣٧١)مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: أنْ لا تَعْدِلُوا؛ فَحَذَفَ (لا) أيْ لا تَتَّبِعُوا الهَوى في تَرْكِ العَدْلِ. وقِيلَ المَعْنى لا تَتَّبِعُوا الهَوى لِتَعْدِلُوا؛ أيْ لِتَكُونُوا في اتِّباعِكُمُوهُ عُدُولًا؛ تَنْبِيهًا أنَّ اتِّباعَ الهَوى، وتَحَرِّيَ العَدالَةِ مُتَنافِيانِ لا يَجْتَمِعانِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: المَعْنى اتْرُكُوا مُتابَعَةَ الهَوى حَتّى تَصِيرُوا مَوْصُوفِينَ بِصِفَةِ العَدْلِ. والعَدْلُ عِبارَةٌ عَنْ تَرْكِ مُتابَعَةِ الهَوى، ومَن تَرَكَ أحَدَ النَّقِيضَيْنِ فَقَدْ حَصَلَ لَهُ الآخَرُ؛ فالتَّقْدِيرُ: لِأجْلِ أنْ تَعْدِلُوا.
﴿وإنْ تَلْوُوا أوْ تُعْرِضُوا﴾ الظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ لِلْمَأْمُورِينَ بِالقِيامِ بِالقِسْطِ والشَّهادَةِ لِلَّهِ والمَنهِيِّينَ عَنِ اتِّباعِ الهَوى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو في لَيِّ الحاكِمِ عُنُقَهُ عَنْ أحَدِ الخَصْمَيْنِ. وقالَ مُجاهِدٌ نَحْوَهُ قالَ: لَيُّ الحاكِمِ شِدْقَهُ لِأحَدِ الخَصْمَيْنِ مَيْلًا إلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ ومُجاهِدٌ: هي في الشُّهُودِ يَلْوِي الشَّهادَةَ بِلِسانِهِ فَيُحَرِّفُها، ولا يَقُولُ الحَقَّ فِيها، أوْ يُعْرِضُ عَنْ أداءِ الحَقِّ فِيها، ويَقُولُ مَعْناهُ: يُدافِعُوا الشَّهادَةَ مِن لَيِّ الغَرِيمِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنْ تَلْوُوا ألْسِنَتَكم عَنْ شَهادَةِ الحَقِّ، أوْ حُكُومَةِ العَدْلِ، أوْ تُعْرِضُوا عَنِ الشَّهادَةِ بِما عِنْدَكم، وتَمْنَعُوها.
وقَرَأ جَماعَةٌ في الشّاذِّ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ: وإنْ تَلُوا بِضَمِّ اللّامِ بِواوٍ واحِدَةٍ، ولَحَّنَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ قارِئَ هَذِهِ القِراءَةِ. قالَ: لا مَعْنى لِلِّوايَةِ هُنا؛ وهَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّها قِراءَةٌ مُتَواتِرَةٌ في السَّبْعِ، ولَها مَعْنًى صَحِيحٌ وتَخْرِيجٌ حَسَنٌ؛ فَنَقُولُ: اخْتُلِفَ في قَوْلِهِ ﴿وإنْ تَلْوُوا﴾ .
فَقِيلَ هي مِنَ الوِلايَةِ؛ أيْ وإنْ ولِيتُمْ إقامَةَ الشَّهادَةِ، أوْ أعْرَضْتُمْ عَنْ إقامَتِها؛ والوِلايَةُ عَلى الشَّيْءِ هو الإقْبالُ عَلَيْهِ. وقِيلَ هو مِنَ اللَّيِّ، وأصْلُهُ: تَلْوُوا، وأُبْدِلَتِ الواوُ المَضْمُومَةُ هَمْزَةً، ثُمَّ نُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى اللّامِ، وحُذِفَتْ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ وأبُو عَلِيٍّ والنَّحّاسُ، ونُقِلَ عَنِ النَّحّاسِ أيْضًا أنَّهُ اسْتُثْقِلَتِ الحَرَكَةُ عَلى الواوِ، فَأُلْقِيَتْ عَلى اللّامِ، وحُذِفَتْ إحْدى الواوَيْنِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ.
﴿فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ هَذا فِيهِ وعِيدٌ لِمَن لَوى عَنِ الشَّهادَةِ أوْ أعْرَضَ عَنْها.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي أنْزَلَ مِن قَبْلُ﴾ مُناسَبَتُها لِما قَبْلَها؛ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالقِيامِ بِالقِسْطِ والشَّهادَةِ لِلَّهِ؛ بَيَّنَ أنَّهُ لا يَتَّصِفُ بِذَلِكَ إلّا مَن كانَ راسِخَ القَدَمِ في الإيمانِ بِالأشْياءِ المَذْكُورَةِ، في هَذِهِ الآيَةِ، فَأمَرَ بِها. والظّاهِرُ أنَّهُ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. ومَعْنى: آمِنُوا داوِمُوا عَلى الإيمانِ؛ قالَهُ الحَسَنُ، وهو أرْجَحُ؛ لِأنَّ لَفْظَ المُؤْمِنِ مَتى أُطْلِقَ لا يَتَناوَلُ إلّا المُسْلِمَ. وقِيلَ لِلْمُنافِقِينَ؛ أيْ يا أيُّها الَّذِينَ أظْهَرُوا الإيمانَ بِألْسِنَتِهِمْ آمِنُوا بِقُلُوبِكم. وقِيلَ لِمَن آمَنَ بِمُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ؛ أيْ يا مَن آمَنَ بِنَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ آمِن بِمُحَمَّدٍ. وقِيلَ هم جَمِيعُ الخَلْقِ؛ أيْ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا يَوْمَ أخْذِ المِيثاقِ حِينَ قالَ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] . وقِيلَ اليَهُودُ خاصَّةً. وقِيلَ المُشْرِكُونَ آمَنُوا بِاللّاتَ والعُزّى والأصْنامِ والأوْثانِ. وقِيلَ: آمَنُوا عَلى سَبِيلِ التَّقْلِيدِ آمِنُوا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِدْلالِ. وقِيلَ آمَنُوا في الماضِي والحاضِرِ، آمِنُوا في المُسْتَقْبَلِ.
ونَظِيرُهُ: ﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] مَعَ أنَّهُ كانَ عالِمًا بِذَلِكَ. ورُوِيَ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ، وسَلّامًا ابْنَ أُخْتِهِ، وسَلَمَةَ ابْنَ أخِيهِ، وأسَدًا وأُسَيْدًا ابْنَيْ كَعْبٍ، وثَعْلَبَةَ بْنَ قَيْسٍ، ويامِينَ أتَوُا الرَّسُولَ، وقالُوا نُؤْمِنُ بِكَ وبِكِتابِكَ، ومُوسى والتَّوْراةِ، وعُزَيْرٍ، ونَكْفُرُ بِما سِواهُ مِنَ الكُتُبِ والرُّسُلِ؛ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: بَلْ آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وكِتابِهِ القُرْآنِ، وبِكُلِّ كِتابٍ كانَ قَبْلَهُ؛ فَقالُوا: لا نَفْعَلُ؛ فَنَزَلَتْ فَآمَنُوا كُلُّهم» .
﴿والكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ﴾ هو القُرْآنُ بِلا خِلافٍ ﴿والكِتابِ الَّذِي أنْزَلَ مِن قَبْلُ﴾ المُرادُ بِهِ جِنْسُ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ آخَرًا: وكَتَبَهُ، وإنْ كانَ الخِطابُ لِلْيَهُودِ والنَّصارى، فَكَيْفَ قِيلَ لَهم ﴿والكِتابِ الَّذِي أنْزَلَ مِن قَبْلُ﴾، وهم مُؤْمِنُونَ بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ. وأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ بِهِما فَحَسْبُ، وما كانُوا مُؤْمِنِينَ بِكُلِّ ما أُنْزِلَ (p-٣٧٢)مِنَ الكُتُبِ؛ فَأُمِرُوا أنْ يُؤْمِنُوا بِجَمِيعِ الكُتُبِ. أوْ لِأنَّ إيمانَهم بِبَعْضٍ لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ طَرِيقَ الإيمانِ بِالجَمِيعِ واحِدٌ، وهو المُعْجِزَةُ. وقَرَأ العَرَبِيّانِ، وابْنُ كَثِيرٍ: (نُزِّلَ) و(أُنْزِلَ) بِالبَنّاءِ لِلْمَفْعُولِ والباقُونَ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ، وأنْزَلَ مِن قَبْلُ ؟ قُلْتُ: لِأنَّ القُرْآنَ نَزَلَ مُنَجَّمًا مُفَرَّقًا في عِشْرِينَ سَنَةً بِخِلافِ الكُتُبِ قَبْلَهُ، انْتَهى. وهَذِهِ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ (نَزَّلَ) و(أنْزَلَ) لا تَصِحُّ لِأنَّ التَّضْعِيفَ في (نَزَّلَ) لَيْسَ لِلتَّكْثِيرِ والتَّفْرِيقِ؛ وإنَّما هو لِلتَّعْدِيَةِ، وهو مُرادِفٌ لِلْهَمْزَةِ. وقَدْ أشْبَعْنا الرَّدَّ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ في دَعْواهُ ذَلِكَ أوَّلَ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
﴿ومَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ جَوابُ الشَّرْطِ لَيْسَ مُتَرَتِّبًا عَلى الكُفْرِ بِالمَجْمُوعِ، بَلِ المَعْنى: ومَن يَكْفُرْ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ. وقُرِئَ: وكِتابِهِ عَلى الإفْرادِ والمُرادُ جِنْسُ الكُتُبِ. ولَمّا كانَ خَيْرَ الإيمانِ عَلِقَ بِثَلاثَةٍ: بِاللَّهِ والرَّسُولِ والكُتُبِ؛ لِأنَّ الإيمانَ بِالكُتُبِ تَضَمَّنَ الإيمانَ بِالمَلائِكَةِ واليَوْمِ الآخِرِ، وبُولِغَ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ المَلِكَ مُغَيَّبٌ عَنّا، وكَذَلِكَ اليَوْمُ الآخِرُ لَمْ يَقَعْ، وهو مُنْتَظَرٌ، فَنَصَّ عَلَيْهِما عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ؛ ولِئَلّا يَتَأوَّلَهُما مُتَأوِّلٌ عَلى خِلافِ ما هُما عَلَيْهِ. فَمَن أنْكَرَ المَلائِكَةَ أوِ القِيامَةَ فَهو كافِرٌ، وقَدَّمَ الكُتُبَ عَلى الرُّسُلِ عَلى التَّرْتِيبِ الوُجُودِيِّ؛ لِأنَّ المَلَكَ يَنْزِلُ بِالكُتُبِ والرُّسُلُ تَتَلَقّى الكُتُبَ مِنَ المَلَكِ. وقَدَّمَ في الأمْرِ بِالإيمانِ المَوْصُولِ عَلى الكِتابِ؛ لِأنَّ الرَّسُولَ أوَّلُ ما يُباشِرُهُ المُؤْمِنَ ثُمَّ يَتَلَقّى الكِتابَ مِنهُ. فَحَيْثُ نَفى الإيمانَ كانَ عَلى التَّرْتِيبِ الوُجُودِيِّ، وحَيْثُ أثْبَتَ كانَ عَلى التَّرْتِيبِ اللِّقائِيِّ، وهو راجِعٌ لِلْوُجُودِ في حَقِّ المُؤْمِنِ.
النساء 4:131
﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ ولَوْ حَرَصْتُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في النَّبِيِّ ﷺ ومَيْلِهِ بِقَلْبِهِ إلى عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، انْتَهى. ونَبَّهَ تَعالى عَلى (p-٣٦٥)انْتِفاءِ اسْتِطاعَةِ العَدْلِ بَيْنَ النِّساءِ والتَّسْوِيَةِ، حَتّى لا يَقَعَ مَيْلٌ البَتَّةَ، ولا زِيادَةٌ ولا نُقْصانٌ فِيما يَجِبُ لَهُنَّ. وفي ذَلِكَ عُذْرٌ لِلرِّجالِ فِيما يَقَعُ مِنَ التَّفاوُتِ في المَيْلِ القَلْبِيِّ والتَّعَهُّدِ والنَّظَرِ والتَّأْنِيسِ والمُفاكَهَةِ؛ فَإنَّ التَّسْوِيَةَ في ذَلِكَ مَجالٌ خارِجٌ عَنْ حَدِّ الِاسْتِطاعَةِ؛ وعَلَّقَ انْتِفاءَ الِاسْتِطاعَةِ في التَّسْوِيَةِ عَلى تَقْدِيرِ وُجُودِ الحِرْصِ مِنَ الإنْسانِ عَلى ذَلِكَ. وقِيلَ مَعْنى أنْ تَعْدِلُوا في المَحَبَّةِ قالَهُ عُمَرُ وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ. وقِيلَ في التَّسْوِيَةِ والقَسَمِ. وقِيلَ في الجِماعِ. وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ " «أنَّهُ كانَ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسائِهِ فَيَعْدِلُ، ويَقُولُ: هَذِهِ قِسْمَتِي فِيما أمْلِكُ، فَلا تُؤاخِذْنِي فِيما تَمْلِكُ، ولا أمَلِكُ يَعْنِي المَحَبَّةَ»؛ لِأنَّ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها كانَتْ أحَبَّ إلَيْهِ، وكانَ عُمَرُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ قَلْبِي فَلا أمْلِكُهُ، وأمّا ما سِوى ذَلِكَ فَأرْجُو أنْ أعْدِلَ فِيهِ.
﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ فَتَذَرُوها كالمُعَلَّقَةِ﴾ نَهى تَعالى عَنِ الجَوْرِ عَلى المَرْغُوبِ؛ أيْ إنْ وقَعَ مِنكُمُ التَّفْرِيطُ في شَيْءٍ مِنَ المُساواةِ، فَلا تَجُورُوا كُلَّ الجَوْرِ. والضَّمِيرُ في فَتَذَرُوها عائِدٌ عَلى المَمِيلِ عَنْها، المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ﴾ .
وقَرَأ أُبَيٌّ: فَتَذْرُوها كالمَسْجُونَةِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: فَتَذْرُوها كَأنَّها مُعَلَّقَةٌ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ المُعَلَّقَةِ في الكَلامِ عَلى المُفْرَداتِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كالمَحْبُوسَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ. وقِيلَ مَعْنى كالمُعَلَّقَةِ كالبَعِيدَةِ عَنْ زَوْجِها. قِيلَ أوْ عَنْ حَقِّها، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ مَأْخُوذٌ مِن تَعْلِيقِ الشَّيْءِ لِبُعْدِهِ عَنْ قَرارِهِ. وتَذْرُوها يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَجْزُومًا عَطْفًا عَلى تَمِيلُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِإضْمارِ (أنْ) في جَوابِ النَّهْيِ. وكالمُعَلِّقَةِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ؛ فَتَتَعَلَّقَ الكافُ بِمَحْذُوفٍ. وفي الحَدِيثِ: «مَن كانَتْ لَهُ امْرَأتانِ يَمِيلُ مَعَ إحْداهُما جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ وأحَدُ شِقَّيْهِ مائِلٌ» والمَعْنى: يَمِيلُ مَعَ إحْداهُما كُلَّ المَيْلِ، لا مُطْلَقَ المَيْلِ. «وقَدْ فاضَلَ عُمَرُ في عَطاءٍ بَيْنَ أزْواجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَأبَتْ عائِشَةُ، وقالَتْ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَعْدِلُ بَيْنَنا في القَسِيمَةِ بِمالِهِ ونَفْسِهِ، فَساوى عُمَرُ بَيْنَهُنَّ»، وكانَ لِمُعاذٍ امْرَأتانِ؛ فَإذا كانَ عِنْدَ إحْداهُما، لَمْ يَتَوَضَّأْ في بَيْتِ الأُخْرى، فَماتَتا في الطّاعُونِ، فَدَفَنَهُما في قَبْرٍ واحِدٍ.
﴿وإنْ تُصْلِحُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنْ تُصْلِحُوا ما مَضى مِن قِبَلِكم، وتَتَدارَكُوهُ بِالتَّوْبَةِ، وتَتَّقُوا فِيما يُسْتَقْبَلُ غَفَرَ اللَّهُ لَكم انْتَهى. وفي ذَلِكَ نَزْغَةُ الِاعْتِزالِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإنْ تُصْلِحُوا ما أفْسَدْتُمْ بِسُوءِ العِشْرَةِ، وتَلْزَمُوا ما يَلْزَمُكم مِنَ العَدْلِ فِيما تَمْلِكُونَ؛ فَإنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا لِما تَمْلِكُونَهُ مُتَجاوِزًا عَنْهُ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: غَفُورًا لِما سَلَفَ مِنكم مِنَ المَيْلِ كُلَّ المَيْلِ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ، انْتَهى؛ فَعَلى هَذا هي مَغْفِرَةٌ مُخَصَّصَةٌ لِقَوْمٍ بِأعْيانِهِمْ واقَعُوا المَحْظُورَ في مُدَّةِ النَّبِيِّ ﷺ، وخَتَمَتْ تِلْكَ بِالإحْسانِ، وهَذِهِ بِالإصْلاحِ؛ لِأنَّ الأُولى في مَندُوبٍ إلَيْهِ إذْ لَهُ أنْ لا يُحْسِنَ، وأنْ يَشِحَّ، ويُصالِحَ بِما يُرْضِيهِ، وهَذِهِ في لازِمٍ إذْ لَيْسَ لَهُ إلّا أنْ يُصْلِحَ، بَلْ يَلْزَمُهُ العَدْلُ فِيما يَمْلِكُ.
﴿وإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِن سَعَتِهِ﴾ الضَّمِيرُ في يَتَفَرَّقا عائِدٌ عَلى الزَّوْجَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها﴾ [النساء: ١٢٨] والمَعْنى: وإنْ شَحَّ كُلٌّ مِنهُما، ولَمْ يَصْطَلِحا، وتَفَرَّقا بِطَلاقٍ؛ فاللَّهُ يُغْنِي كُلًّا مِنها عَنْ صاحِبِهِ بِفَضْلِهِ، ولُطْفِهِ في المالِ والعِشْرَةِ والسِّعَةِ. ووُجُودِ المُرادِ، والسِّعَةُ الغِنى والمَقْدِرَةُ، وهَذا وعْدٌ بِالغِنى لِكُلِّ واحِدٍ إذا تَفَرَّقا، وهو مَعْرُوفٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى. ونِسْبَةُ الفِعْلِ إلَيْهِما يَدُلُّ عَلى أنَّ لِكُلٍّ مِنهُما مَدْخَلًا في التَّفَرُّقِ، وهو التَّفَرُّقُ بِالأبْدانِ، وتَراخِي المُدَّةِ بِزَوالِ العِصْمَةِ، ولا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَفَرُّقٌ بِالقَوْلِ وهو طَلاقٌ؛ لِأنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالزَّوْجِ، ولا نَصِيبَ لِلْمَرْأةِ في التَّفَرُّقِ القَوْلِيِّ؛ فَيُسْنَدُ إلَيْها خِلافًا لِمَن ذَهَبَ إلى أنَّ التَّفَرُّقَ هاهُنا هو بِالقَوْلِ، وهو الطَّلاقُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ أفْلَحَ: وإنْ يَتَفارَقا بِألِفِ المُفاعَلَةِ؛ أيْ وإنْ (p-٣٦٦)يُفارِقْ كُلٌّ مِنهُما صاحِبَهُ. وهَذِهِ الآيَةُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقَوْلُ العَرَبِ: إنْ لَمْ يَكُنْ وِفاقٌ فَطَلاقٌ. فَنَبَّهَ تَعالى عَلى أنَّ لَهُما أنْ يَتَفارَقا؛ كَما أنَّ لَهُما أنْ يَصْطَلِحا. ودَلَّ ذَلِكَ عَلى الجَوازِ، قالُوا: وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِن سَعَتِهِ﴾ إشارَةٌ إلى الغِنى بِالمالِ. وكانَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما فِيما رَوَوْا طُلَقَةً ذُوَقَةً فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ فَقالَ: إنِّي رَأيْتُ اللَّهَ تَعالى عَلَّقَ الغِنى بِأمْرَيْنِ فَقالَ: ﴿وأنْكِحُوا الأيامى﴾ [النور: ٣٢] الآيَةَ، وقالَ: ﴿وإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِن سَعَتِهِ﴾ .
﴿وكانَ اللَّهُ واسِعًا حَكِيمًا﴾ ناسَبَ ذَلِكَ ذِكْرَ السَّعَةِ؛ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ مِن سِعَتِهِ. والواسِعُ عامٌّ في الغِنى والقُدْرَةِ والعِلْمِ، وسائِرِ الكِمالاتِ. وناسَبَ ذِكْرَ وصْفِ الحِكْمَةِ، وهو وضْعُ الشَّيْءِ مَوْضِعَ ما يُناسِبُ؛ لِأنَّ السَّعَةَ ما لَمْ تَكُنْ مَعَها الحِكْمَةُ كانَتْ إلى فَسادٍ أقْرَبَ مِنها لِلصَّلاحِ؛ قالَهُ الرّاغِبُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ فِيما حَكَمَ ووَعَظَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: فِيما حَكَمَ عَلى الزَّوْجِ مِن إمْساكِها بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٍ بِإحْسانٍ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: أوْ حَيْثُ نُدِبَ إلى الفُرْقَةِ عِنْدَ اخْتِلافِهِما وعَدَمِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُما.
﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى سَعَةَ رِزْقِهِ، وحِكْمَتَهُ، ذَكَرَ أنَّ لَهُ مُلْكَ ما في السَّماواتِ، وما في الأرْضِ؛ فَلا يَعْتاضُّ عَلَيْهِ غِنى أحَدٍ، ولا التَّوْسِعَةُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ مَن لَهُ ذَلِكَ هو الغَنِيُّ المُطْلَقُ.
﴿ولَقَدْ وصَّيْنا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم وإيّاكم أنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ وصَّيْنا: أمَرْنا أوْ عَهِدْنا إلَيْهِمْ وإلَيْكم، ومِن قَبْلِكم: يُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ (أُوتُوا)؛ وهو الأقْرَبُ، أوْ بِـ (وصَّيْنا) . والمَعْنى: أنَّ الوَصِيَّةَ بِالتَّقْوى هي سُنَّةُ اللَّهِ مَعَ الأُمَمِ الماضِيَةِ، فَلَسْتُمْ مَخْصُوصِينَ بِهَذِهِ الوَصِيَّةِ. و(إيّاكم) عَطْفٌ عَلى المَوْصُولِ، وتَقَدَّمَ المَوْصُولُ؛ لِأنَّ وصِيَّتَهُ هي السّابِقَةُ عَلى وصَّيْنا، فَهو تَقَدُّمٌ بِالزَّمانِ. ومِثْلُ هَذا العَطْفِ - أعْنِي عَطْفَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ المُنْفَصِلِ عَلى الظّاهِرِ - فَصِيحٌ جاءَ في القُرْآنِ وفي كَلامِ العَرَبِ، ولا يَخْتَصُّ بِالشِّعْرِ، وقَدْ وهِمَ في ذَلِكَ بَعْضُ أصْحابِنا وشُيُوخِنا؛ فَزَعَمَ أنَّهُ لا يَجُوزُ إلّا في الشِّعْرِ؛ لِأنَّكَ تَقْدِرُ عَلى أنْ تَأْتِيَ بِهِ مُتَّصِلًا؛ فَتَقُولُ: آتِيكَ وزَيْدًا. ولا يَجُوزُ عِنْدَهُ: رَأيْتُ زَيْدًا وإيّاكَ إلّا في الشِّعْرِ، وهَذا وهْمٌ فاحِشٌ؛ بَلْ مِن مُوجَبِ انْفِصالِ الضَّمِيرِ كَوْنُهُ يَكُونُ مَعْطُوفًا؛ فَيَجُوزُ قامَ زَيْدٌ وأنْتَ، وخَرَجَ بَكْرٌ وأنا، لا خِلافَ في جَوازِ ذَلِكَ؛ فَكَذَلِكَ ضَرَبْتُ زَيْدًا وإيّاكَ.
والَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ هو عامٌّ في الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى تَخْصِيصِ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِاليَهُودِ والنَّصارى كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ؛ لِأنَّ وصِيَّةَ اللَّهِ بِالتَّقْوى لَمْ تَزَلْ مُذْ أوْجَدَ العالَمَ؛ فَلَيْسَتْ مَخْصُوصَةً بِاليَهُودِ والنَّصارى. وأنِ اتَّقُوا: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أيْ بِأنِ اتَّقُوا اللَّهَ، وأنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً التَّقْدِيرُ أيِ اتَّقُوا اللَّهَ؛ لِأنَّ وصَّيْنا فِيهِ مَعْنى القَوْلِ.
﴿وإنْ تَكْفُرُوا﴾ ظاهِرُهُ الخِطابُ لِمَن وقَعَ لَهُ الخِطابُ بِقَوْلِهِ: وإيّاكم، وهم هَذِهِ الأُمَّةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ شامِلًا لِلَّذِينِ أُوتُوا الكِتابَ، ولِلْمُخاطَبِينَ وغَلَبَ الخِطابُ عَلى ما تَقَرَّرَ في لِسانِ العَرَبِ كَما تَقُولُ: قُلْتُ لِزَيْدٍ ذَلِكَ، لا تَضْرِبْ عَمْرًا، وكَما تَقُولُ: زَيْدٌ وأنْتَ تَخْرُجانِ.
﴿فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾؛ أيْ أنْتُمْ مِن جُمْلَةِ مَن يَمْلِكُهُ تَعالى، وهو المُتَصَرِّفُ فِيكم؛ إذْ هو خالِقُكم والمُنْعِمُ عَلَيْكم بِأصْنافِ النِّعَمِ، وأنْتُمْ مَمْلُوكُونَ لَهُ، فَلا يُناسِبُ أنْ تَكْفُرُوا مَن هو مالِكُكم، وتُخالِفُونَ أمْرَهُ؛ بَلْ حَقُّهُ أنْ يُطاعَ ولا يُعْصى، وأنْ يُتَّقى عِقابُهُ، ويُرْجى ثَوابُهُ، ولِلَّهِ ما في سَمائِهِ وأرْضِهِ مَن يُوَحِّدُهُ ويَعْبُدُهُ، ولا يَعْصِيهِ.
﴿وكانَ اللَّهُ غَنِيًّا﴾؛ أيْ عَنْ خَلْقِهِ، وعَنْ عِبادَتِهِمْ لا تَنْفَعُهُ طاعَتُهم، ولا يَضُرُّهُ كُفْرُهم.
(حَمِيدًا)؛ أيْ مُسْتَحِقًّا لِأنْ يُحْمَدَ لِكَثْرَةِ نِعَمِهِ، وإنْ كَفَرْتُمُوهُ أنْتُمْ.
﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ الوَكِيلُ القائِمُ بِالأُمُورِ، المُنْفِذُ فِيها ما يَراهُ؛ فَمَن لَهُ مُلْكُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ، فَهو كافٍ فِيما يَتَصَرَّفُ فِيهِ، لا يَعْتَمِدُ عَلى غَيْرِهِ. وأعادَ قَوْلَهُ: ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ثَلاثَ مَرّاتٍ بِحَسَبِ السِّياقِ. (p-٣٦٧)فَقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الأوَّلُ: تَنْبِيهٌ عَلى مَوْضِعِ الرَّجاءِ يَهْدِي المُتَفَرِّقِينَ. والثّانِي: تَنْبِيهٌ عَلى اسْتِغْنائِهِ عَنِ العِبادِ. والثّالِثُ: مُقَدِّمَةٌ لِلْوَعِيدِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وتَكْرِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ تَقْرِيرٌ لِما هو مُوجِبٌ تَقْواهُ لِيَتَّقُوهُ؛ فَيُطِيعُوهُ ولا يَعْصُوهُ؛ لِأنَّ الخَشْيَةَ والتَّقْوى أصْلُ الخَيْرِ كُلِّهِ. وقالَ الرّاغِبُ: الأوَّلُ: لِلتَّسْلِيَةِ عَمّا فاتَ. والثّانِي: أنَّ وصِيَّتَهُ لِرَحْمَتِهِ لا لِحاجَةٍ، وأنَّهم إنْ كَفَرُوهُ لا يَضُرُّوهُ شَيْئًا. والثّالِثُ: دَلالَتُهُ عَلى كَوْنِهِ غَنِيًّا. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: الأوَّلُ: تَقْرِيرُ كَوْنِهِ واسِعَ الجُودِ. والثّانِي: لِلتَّنْزِيهِ عَنْ طاعَةِ المُطِيعِينَ. والثّالِثُ: لِقُدْرَتِهِ عَلى الإفْناءِ والإيجادِ؛ والغَرَضُ مِنهُ: تَقْرِيرُ كَوْنِهِ قادِرًا عَلى مَدْلُولاتٍ كَثِيرَةٍ فَيَحْسُنُ أنْ يَذْكُرَ ذَلِكَ الدَّلِيلَ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِن مَدْلُولاتِهِ، وهَذِهِ الإعادَةُ أحْسَنُ وأوْلى مِنَ الِاكْتِفاءِ بِذِكْرِ الدَّلِيلِ مَرَّةً واحِدَةً؛ لِأنَّهُ عِنْدَهُ إعادَةُ ذِكْرِ الدَّلِيلِ يُحْضِرُ في الذِّهْنِ ما يُوجِبُ العِلْمَ بِالمَدْلُولِ؛ وكانَ العِلْمُ الحاصِلُ بِذَلِكَ المَدْلُولِ أقْوى وأجَلَّ؛ فَظَهَرَ أنَّ هَذا التَّكْرارَ في غايَةِ الكَمالِ. وقالَ مَكِّيٌّ: نَبَّهْنا أوَّلًا عَلى مُلْكِهِ وسَعَتِهِ. وثانِيًا عَلى حاجَتِنا إلَيْهِ وغِناهُ، وثالِثًا عَلى حِفْظِهِ لَنا، وعِلْمِهِ بِتَدْبِيرِنا.
﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ ظاهِرُهُ أنَّ الخِطابَ لِمَن تَقَدَّمَ لَهُ الخِطابُ أوَّلًا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الخِطابُ لِلْمُشْرِكِينَ والمُنافِقِينَ والمَعْنى: ويَأْتِ بِآخَرِينَ مِنكم. وقَرِيبٌ مِنهُ ما نَقَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن أنَّهُ خِطابٌ لِمَن كانَ يُعادِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنَ العَرَبِ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: الخِطابُ لِلْكُفّارِ، وهو تَهْدِيدٌ لَهم؛ كَأنَّهُ قالَ: إنْ يَشَأْ يُهْلِكْكم كَما أهْلَكَ مَن قَبْلَكم إذْ كَفَرُوا بِرُسُلِهِ. وقِيلَ لِلْمُؤْمِنِينَ يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ النّاسِ؛ والمَعْنى: إنْ شاءَ يُهْلِكْكم كَما أنْشَأكم، وأنْشَأ قَوْمًا آخَرِينَ يَعْبُدُونَهُ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: الخِطابُ لِلَّذِينِ شَفَعُوا في طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ، وخاصَمَ وخاصَمُوا عَنْهُ في أمْرِ خِيانَتِهِ في الدِّرْعِ والدَّقِيقِ. وهَذا التَّأْوِيلُ بَعِيدٌ، وقَدْ يَظْهَرُ العُمُومُ فَيَكُونُ خِطابًا لِلْعالِمِ الحاضِرِ الَّذِي يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ الخِطابُ والنِّداءُ. ويَأْتِ بِآخَرِينَ أيْ بِناسٍ غَيْرِكم؛ فالمَأْتِيُّ بِهِ مِن نَوْعِ المُذْهَبِ؛ فَيَكُونُ مِن جِنْسِ المُخاطَبِ المُنادى، وهُمُ النّاسُ.
ورُوِيَ أنَّها لَمّا نَزَلَتْ ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ عَلى ظَهْرِ سَلْمانَ، وقالَ: (إنَّهم قَوْمُ هَذا) يُرِيدُ ابْنَ فارِسَ، وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُما أنْ يَكُونَ المُرادُ بِآخَرِينَ مِن نَوْعِ المُخاطَبِينَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَأْتِ بِآخَرِينَ مَكانَكم أوْ خَلْقًا آخَرِينَ غَيْرَ الإنْسِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وعِيدًا لِجَمِيعِ بَنِي آدَمَ، ويَكُونَ الآخَرُونَ مِن غَيْرِ نَوْعِهِمْ. كَما أنَّهُ قَدْ رُوِيَ أنَّهُ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَعْبُدُونَ اللَّهَ قَبْلَ بَنِي آدَمَ، انْتَهى. وما جَوَّزَهُ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ مَدْلُولَ (آخَرَ) في اللُّغَةِ هو مَدْلُولٌ غَيْرُ خاصٍّ بِجِنْسِ ما تَقَدَّمَ؛ فَلَوْ قُلْتَ: جاءَ زَيْدٌ وآخَرُ مَعَهُ، أوْ مَرَرْتُ بِامْرَأةٍ وأُخْرى مَعَها، أوِ اشْتَرَيْتُ فَرَسًا وآخَرَ، وسابَقْتُ بَيْنَ حِمارٍ وآخَرَ؛ لَمْ يَكُنْ آخَرُ ولا أُخْرى مُؤَنَّثُهُ، ولا تَثْنِيَتُهُ، ولا جَمْعُهُ، إلّا مِن جِنْسِ ما يَكُونُ قَبْلَهُ. ولَوْ قُلْتَ: اشْتَرَيْتُ ثَوْبًا وآخَرَ، ويَعْنِي بِهِ: غَيْرَ ثَوْبٍ؛ لَمْ يَجُزْ. فَعَلى هَذا تَجْوِيزُهم أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: بِآخَرِينَ مِن غَيْرِ جِنْسِ ما تَقَدَّمَ، وهُمُ النّاسُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وهَذا هو الفَرْقُ بَيْنَ غَيْرٍ وبَيْنَ آخَرَ؛ لِأنَّ غَيْرًا تَقَعُ عَلى المُغايِرِ في جِنْسٍ أوْ في صِفَةٍ؛ فَتَقُولُ: اشْتَرَيْتُ ثَوْبًا وغَيْرَهُ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ثَوْبًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ ثَوْبٍ، (p-٣٦٨)وقَلَّ مَن يَعْرِفُ هَذا الفَرْقَ.
﴿وكانَ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾؛ أيْ عَلى إذْهابِكم والإتْيانِ بِآخَرِينَ. وأتى بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ في القُدْرَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ أرادَهُ، وهَذا غَضَبٌ عَلَيْهِمْ، وتَخْوِيفٌ وبَيانٌ لِاقْتِدارِهِ.
﴿مَن كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ؛ أيْ مَن كانَ لا رَغْبَةَ لَهُ إلّا في ثَوابِ الدُّنْيا، ولا يَعْتَقِدُ أنَّ ثَمَّ سِواهُ؛ فَلَيْسَ كَما ظَنَّ، بَلْ عِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدّارَيْنِ. فَمَن قَصَدَ الآخِرَةَ أعْطاهُ مِن ثَوابِ الدُّنْيا، وأعْطاهُ قَصْدَهُ، ومَن قَصَدَ الدُّنْيا فَقَطْ أعْطاهُ مِنَ الدُّنْيا ما قُدِّرَ لَهُ، وكانَ لَهُ في الآخِرَةِ العَذابُ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: مَن عَبَدَ الأصْنامَ طَلَبًا لِلْعِزِّ لا يَحْصُلُ لَهُ ذَلِكَ، ولَكِنْ عِنْدَ اللَّهِ عِزُّ الدُّنْيا والآخِرَةِ، أوْ لِلتَّقْرِيبِ والشَّفاعَةِ؛ أيْ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، ولَكِنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَعِنْدَهُ ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، لا عِنْدَ مَن تَطْلُبُونَ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في أهْلِ النِّفاقِ الَّذِينَ يُراءُونَ بِأعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ في الدُّنْيا لِثَوابِ الدُّنْيا لا غَيْرَ.
و(مَن) يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً؛ والظّاهِرُ أنَّها شَرْطٌ، وجَوابُهُ الجُمْلَةُ المَقْرُونةُ بِفاءِ الجَوابِ؛ ولا بُدَّ في الجُمْلَةِ الواقِعَةِ جَوابًا لِاسْمِ الشَّرْطِ غَيْرِ الظَّرْفِ مِن ضَمِيرٍ عائِدٍ عَلى اسْمِ الشَّرْطِ حَتّى يَتَعَلَّقَ الجَزاءُ بِالشَّرْطِ؛ والتَّقْدِيرُ: ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ لَهُ إنْ أرادَهُ؛ هَكَذا قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ جَوابَ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: مَن كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَلا يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ، ولْيَطْلُبِ الثَّوابَيْنِ؛ فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ. وقالَ الرّاغِبُ: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ تَبْكِيتٌ لِلْإنْسانِ؛ حَيْثُ اقْتَصَرَ عَلى أحَدِ السُّؤالَيْنِ، مَعَ كَوْنِ المَسْئُولِ مالِكًا لِلثَّوابَيْنِ، وحَثَّ عَلى أنْ يَطْلُبَ مِنهُ تَعالى ما هو أكْمَلُ، وأفْضَلُ مِن مَطْلُوبِهِ؛ فَمَن طَلَبَ خَسِيسًا مَعَ أنَّهُ يُمْكِنُهُ أنْ يَطْلُبَ نَفِيسًا؛ فَهو دَنِيءُ الهِمَّةِ. قِيلَ والآيَةُ وعِيدٌ لِلْمُنافِقِينَ، لا يُرِيدُونَ بِالجِهادِ غَيْرَ الغَنِيمَةِ. وقِيلَ هي حَضٌّ عَلى الجِهادِ.
﴿وكانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾؛ أيْ سَمِيعًا لِأقْوالِهِمْ؛ بَصِيرًا بِأعْمالِهِمْ ونِيّاتِهِمْ.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلى أنْفُسِكم أوِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ قالَ الطَّبَرِيُّ: هي سَبَبُ نازِلَةِ ابْنِ أُبَيْرِقٍ وقِيامِ مَن قامَ في أمْرِهِ بِغَيْرِ القِسْطِ. وقالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في اخْتِصامِ غَنِيٍّ وفَقِيرٍ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ .
ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ النِّساءَ والنُّشُوزَ والمُصالَحَةَ؛ أعْقَبَهُ بِالقِيامِ بِأداءِ حُقُوقِ اللَّهِ تَعالى، وفي الشَّهادَةِ حُقُوقُ اللَّهِ. أوْ لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ تَعالى طالِبَ الدُّنْيا، وأنَّهُ عِنْدَهُ ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ؛ بَيَّنَ أنَّ كَمالَ السَّعادَةِ أنْ يَكُونَ قَوْلُ الإنْسانِ وفِعْلُهُ لِلَّهِ تَعالى، أوْ لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ.
﴿وإنْ خِفْتُمْ أنْ لا تُقْسِطُوا في اليَتامى﴾ [النساء: ٣] والإشْهادُ عِنْدَ دَفْعِ أمْوالِ اليَتامى إلَيْهِمْ، وأمَرَ بِبَذْلِ النَّفْسِ والمالِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وذَكَرَ قِصَّةَ ابْنِ أُبَيْرِقٍ، واجْتِماعَ قَوْمِهِ عَلى الكَذِبِ والشَّهادَةِ بِالباطِلِ، ونَدَبَ لِلْمُصالَحَةِ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِأنْ أمَرَ عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ بِالقِيامِ بِالعَدْلِ والشَّهادَةِ لِوَجْهِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وأتى بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ في قَوّامِينَ حَتّى لا يَكُونَ مِنهم جَوْرٌ ما. والقِسْطُ: العَدْلُ. ومَعْنى ﴿شُهَداءَ لِلَّهِ﴾؛ أيْ لِوَجْهِ اللَّهِ، لا يُراعِي في الشَّهادَةِ إلّا جِهَةَ اللَّهِ تَعالى. والظّاهِرُ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿شُهَداءَ لِلَّهِ﴾ مِنَ الشَّهادَةِ في الحُقُوقِ؛ ولِذَلِكَ أتْبَعَهُ بِما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾، وهَكَذا فَسَّرَهُ المُفَسِّرُونَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: شُهَداءَ لِلَّهِ مَعْناهُ بِالوَحْدانِيَّةِ. (p-٣٦٩)ويَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾، بِقَوْلِهِ: ﴿قَوّامِينَ بِالقِسْطِ﴾؛ والتَّأْوِيلُ الأوَّلُ أبْيَنُ، انْتَهى كَلامُهُ. ويُضَعِّفُهُ أنَّهُ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وهم شُهَداءُ لِلَّهِ بِالوَحْدانِيَّةِ؛ إلّا إنْ أُرِيدَ اسْتِمْرارُ الشَّهادَةِ.
وتَقَدَّمَتْ صِفَةُ (قَوّامِينَ) بِالقِسْطِ عَلى ﴿شُهَداءَ لِلَّهِ﴾؛ لِأنَّ القِيامَ بِالقِسْطِ أعَمُّ والشَّهادَةَ أخَصُّ. ولِأنَّ القِيامَ بِالقِسْطِ فِعْلٌ وقَوْلٌ، والشَّهادَةَ قَوْلٌ فَقَطْ. ومَعْنى: ﴿ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾؛ أيْ تَشْهَدُونَ عَلى أنْفُسِكم؛ أيْ تُقِرُّونَ بِالحَقِّ، وتُقِيمُونَ القِسْطَ عَلَيْها. والظّاهِرُ أنَّهُ أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ أنْفُسَ الشُّهَداءِ لِلَّهِ تَعالى. وأبْعَدَ مَن جَوَّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى في أنْفُسِكم: الأهْلُ والأقارِبُ، وأنْ يَكُونَ ﴿أوِ الوالِدَيْنِ﴾ تَفْسِيرًا لِأنْفُسِكم، ويُضَعِّفُهُ العَطْفُ بَـ (أوْ) . وانْتَصَبَ (شُهَداءَ) عَلى أنَّهُ خَبْرٌ بَعْدَ خَبَرٍ. ومَن ذَهَبَ إلى جَعْلِهِ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في قَوّامِينَ كَأبِي البَقاءِ؛ فَقَوْلُهُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ فِيها تَقْيِيدَ القِيامِ بِالقِسْطِ؛ سَواءٌ كانَ مِثْلَ هَذا أمْ لا. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما ما يَشْهَدُ لِهَذا القَوْلِ الضَّعِيفِ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ كُونُوا قَوّامِينَ بِالعَدْلِ في الشَّهادَةِ عَلى مَن كانَ، ومَجِيءُ لَوْ هُنا لِاسْتِقْصاءِ جَمِيعِ ما يُمْكِنُ فِيهِ الشَّهادَةُ، لَما كانَتِ الشَّهادَةُ مِنَ الإنْسانِ عَلى نَفْسِهِ بِصَدَدِ أنْ لا يُقِيمَها لِما جُبِلَ عَلَيْهِ المَرْءُ مِن مُحاباةِ نَفْسِهِ، ومُراعاتِها. نَبَّهَ عَلى هَذِهِ الحالِ، وجاءَ هَذا التَّرْتِيبُ في الِاسْتِقْصاءِ في غايَةٍ مِنَ الحُسْنِ والفَصاحَةِ. فَبَدَأ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾؛ لِأنَّهُ لا شَيْءَ أعَزُّ عَلى الإنْسانِ مِن نَفْسِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ الوالِدَيْنِ، وهُما أقْرَبُ إلى الإنْسانِ، وسَبَبُ نَشْأتِهِ؛ وقَدْ أمَرَ بِبِرِّهِما، وتَعْظِيمِهِما والحَوْطَةِ لَهُما، ثُمَّ ذَكَرَ الأقْرَبِينَ؛ وهم مَظِنَّةُ المَحَبَّةِ والتَّعَصُّبِ. وإذا كانَ هَؤُلاءِ أُمِرَ في حَقِّهِمْ بِالقِسْطِ والشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ، فالأجْنَبِيُّ أحْرى بِذَلِكَ. والآيَةُ تَعَرَّضَتْ لِلشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ لا لَهم، فَلا دَلالَةَ فِيها عَلى الشَّهادَةِ لَهم، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ. ولَوْ شَرْطِيَّةٌ بِمَعْنى (إنْ)، وقَوْلُهُ عَلى أنْفُسِكم مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: وإنْ كُنْتُمْ شُهَداءَ عَلى أنْفُسِكم فَكُونُوا شُهَداءَ لِلَّهِ، هَذا تَقْرِيرُ الكَلامِ. وحَذْفُ (كانَ) بَعْدَ (لَوْ) كَثِيرٌ تَقُولُ: ائْتِنِي بِتَمْرٍ ولَوْ حَشَفًا؛ أيْ وإنْ كانَ التَّمْرُ حَشَفًا فائْتِنِي بِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَوْ عَلى أنْفُسِكم مُتَعَلِّقٌ بِشُهَداءَ. فَإنْ عَنى (شُهَداءَ) هَذا المَلْفُوظَ بِهِ فَلا يَصِحُّ ذَلِكَ، وإنْ عَنى الَّذِي قَدَّرْناهُ نَحْنُ فَيَصِحُّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَوْ عَلى أنْفُسِكم، ولَوْ كانَتِ الشَّهادَةُ عَلى أنْفُسِكم أوْ آبائِكم أوْ أقارِبِكم. فَإنْ قُلْتَ: الشَّهادَةُ عَلى الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ أنْ يَقُولَ: أشْهَدُ أنَّ لِفُلانٍ عَلى والِدِي كَذا، وعَلى أقارِبِي، فَما مَعْنى الشَّهادَةِ عَلى نَفْسِهِ ؟ قُلْتُ: هي الإقْرارُ عَلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى الشَّهادَةِ عَلَيْها بِإلْزامِ الحَقِّ لَها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وإنْ كانَتِ الشَّهادَةُ وبالًا عَلى أنْفُسِكم، أوْ عَلى (p-٣٧٠)آبائِكم وأقارِبِكم؛ وذَلِكَ أنْ يَشْهَدَ عَلى مَن تَوَقَّعَ ضَرَرَهُ مِن سُلْطانٍ ظالِمٍ أوْ غَيْرِهِ، انْتَهى كَلامُهُ. وتَقْدِيرُهُ: ولَوْ كانَتِ الشَّهادَةُ عَلى أنْفُسِكم لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ المَحْذُوفَ إنَّما يَكُونُ مِن جِنْسِ المَلْفُوظِ بِهِ قَبْلُ لِيَدُلَّ عَلَيْهِ؛ فَإذا قُلْتَ: كُنْ مُحْسِنًا لِمَن أساءَ إلَيْكَ، فَتُحْذَفُ (كانَ) واسْمُها والخَبَرُ، ويَبْقى مُتَعَلِّقُهُ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، ولا تُقَدِّرُهُ: ولَوْ كانَ إحْسانُكَ لِمَن أساءَ. فَلَوْ قُلْتَ: لِيَكُنْ مِنكَ إحْسانٌ، ولَوْ لِمَن أساءَ، فَتُقَدِّرُ: ولَوْ كانَ الإحْسانُ لِمَن أساءَ؛ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ؛ ولَوْ قَدَّرْتَهُ: ولَوْ كُنْتَ مُحْسِنًا لِمَن أساءَ إلَيْكَ لَمْ يَكُنْ جَيِّدًا؛ لِأنَّكَ تَحْذِفُ ما لا دَلالَةَ عَلَيْهِ بِلَفْظٍ مُطابِقٍ. وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وإنْ كانَتِ الشَّهادَةُ وبالًا عَلى أنْفُسِكم هَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ ما تَعَلَّقَ بِهِ الظَّرْفُ كَوْنٌ مُقَيَّدٌ، ولا يَجُوزُ حَذْفُ الكَوْنِ المُقَيَّدِ. لَوْ قُلْتَ: كانَ زَيْدٌ فِيكَ، وأنْتَ تُرِيدُ مُحِبًّا فِيكَ؛ لَمْ يَجُزْ؛ لِأنَّ مُحِبًّا مُقَيَّدٌ؛ وإنَّما ذَلِكَ جائِزٌ في الكَوْنِ المُطْلَقِ، وهو: تَقْدِيرٌ كائِنٌ أوْ مُسْتَقِرٌّ.
﴿إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا فاللَّهُ أوْلى بِهِما﴾؛ أيْ إنْ يَكُنِ المَشْهُودُ عَلَيْهِ غَنِيًّا، فَلا تَمْتَنِعُ مِنَ الشَّهادَةِ عَلَيْهِ لِغِناهُ، أوْ فَقِيرًا فَلا تَمْنَعْها تَرَحُّمًا عَلَيْهِ وإشْفاقًا. فَعَلى هَذا الجَوابُ مَحْذُوفٌ؛ لِأنَّ العَطْفَ هو بِـ (أوْ)، ولا يُثَنّى الضَّمِيرُ إذا عُطِفَ بِها، بَلْ يُفْرَدُ . وتَقْدِيرُ الجَوابِ: فَلْيَشْهَدْ عَلَيْهِ، ولا يُراعِي الغَنِيَّ لِغِناهُ، ولا لِخَوْفٍ مِنهُ، ولا الفَقِيرَ لِمَسْكَنَتِهِ وفَقْرِهِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: فاللَّهُ أوْلى بِهِما لَيْسَ هو الجَوابَ، بَلْ لَمّا جَرى ذِكْرُ الغَنِيِّ والفَقِيرِ عادَ الضَّمِيرُ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ؛ كَأنَّهُ قِيلَ فاللَّهُ أوْلى بِجِنْسَيِ الغَنِيِّ والفَقِيرِ؛ أيْ بِالأغْنِياءِ والفُقَراءِ. وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ: فاللَّهُ أوْلى بِهِمْ ما يَشْهَدُ بِإرادَةِ الجِنْسِ. وذَهَبَ الأخْفَشُ وقَوْمٌ إلى أنَّ (أوْ) في مَعْنى الواوِ؛ فَعَلى قَوْلِهِمْ يَكُونُ الجَوابُ: فاللَّهُ أوْلى بِهِما؛ أيْ حَيْثُ شَرَعَ الشَّهادَةَ عَلَيْهِما، وهو أنْظَرُ لَهُما مِنكم. ولَوْلا أنَّ الشَّهادَةَ عَلَيْهِما مَصْلَحَةٌ لَهُما لَما شَرَعَها. وقالَ الأُسْتاذُ أبُو الحَسَنِ بْنُ عُصْفُورٍ: وقَدْ ذَكَرَ العَطْفَ بِالواوِ وثُمَّ؛ وحَتّى ما نَصُّهُ تَقُولُ: زَيْدٌ أوْ عُمَرُ، وقامَ زَيْدٌ لا عُمَرُ وقامَ، وكَذَلِكَ سائِرُ ما بَقِيَ مِن حُرُوفِ العَطْفِ يَعْنِي غَيْرَ الواوِ وحَتّى والفاءِ وثُمَّ والَّذِي بَقِيَ بَلْ ولَكِنْ وأمْ. قالَ: لا تَقُولُ قاما؛ لِأنَّ القائِمَ إنَّما هو أحَدُهُما لا غَيْرُ، ولا يَجُوزُ قاما إلّا في أوْ خاصَّةً؛ وذَلِكَ شُذُوذٌ لا يُقاسُ عَلَيْهِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا فاللَّهُ أوْلى بِهِما﴾؛ فَأعادَ الضَّمِيرَ عَلى الغَنِيِّ والفَقِيرِ لِتَفَرُّقِهِما في الذِّكْرِ، انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِسَدِيدٍ. ولا شُذُوذَ في الآيَةِ، ولا دَلِيلَ فِيها عَلى جَوازِ: زَيْدٌ أوْ عَمْرٌو قاما عَلى جِهَةِ الشُّذُوذِ، ولا غَيْرُهُ. ولِأنَّ قَوْلَهُ ﴿فاللَّهُ أوْلى بِهِما﴾ لَيْسَ بِجَوابٍ كَما قَرَّرْناهُ، والضَّمِيرُ لَيْسَ عائِدًا عَلى الغَنِيِّ والفَقِيرِ المَلْفُوظِ بِهِما في الآيَةِ؛ وإنَّما يَعُودُ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى مِن جِنْسَيِ الغَنِيِّ والفَقِيرِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: إنْ يَكُنْ غَنِيٌّ أوْ فَقِيرٌ عَلى أنَّ (كانَ) تامَّةٌ.
﴿فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى أنْ تَعْدِلُوا﴾ لَمّا أمَرَ تَعالى بِالقِيامِ بِالعَدْلِ وبِالشَّهادَةِ لِمَرْضاةِ اللَّهِ نَهى عَنِ اتِّباعِ الهَوى، وهو ما تَمِيلُ إلَيْهِ النَّفْسُ مِمّا لَمْ يُبِحْهُ اللَّهُ تَعالى، وإنْ تَعْدِلُوا مِنَ العُدُولِ عَنِ الحَقِّ، أوْ مِنَ العَدْلِ، وهو القِسْطُ. فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: إرادَةَ أنْ تَجُورُوا، أوْ مَحَبَّةَ أنْ تَجُورُوا. وعَلى الثّانِي يَكُونُ التَّقْدِيرُ: كَراهَةَ أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النّاسِ، وتُقْسِطُوا. وعَكَسَ ابْنُ عَطِيَّةَ هَذا التَّقْدِيرَ؛ فَقالَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ مَخافَةَ أنْ تَعْدِلُوا، ويَكُونُ العَدْلُ بِمَعْنى القِسْطِ؛ كَأنَّهُ قالَ: انْتَهُوا خَوْفَ أنْ تَجُورُوا، أوْ مَحَبَّةَ أنْ تُقْسِطُوا. فَإنْ جَعَلْتَ العامِلَ (تَتَّبِعُوا) فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: مَحَبَّةَ أنْ تَجُورُوا انْتَهى كَلامُهُ. وهَذا الَّذِي قَرَّرَهُ مِنَ التَّقْدِيرِ يَكُونُ العامِلُ في أنْ تَعْدِلُوا فِعْلًا مَحْذُوفًا مِن مَعْنى النَّهْيِ. وكانَ الكَلامُ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى﴾، ثُمَّ أضْمَرَ فِعْلًا، وقَدَّرَهُ: انْتَهُوا خَوْفَ أنْ تَجُورُوا، أوْ مَحَبَّةَ أنْ تُقْسِطُوا؛ ولِذَلِكَ قالَ: فَإنْ جَعَلْتَ العامِلَ تَتَبَّعُوا. والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الظّاهِرُ أنَّ العامِلَ هو تَتَّبِعُوا، ولا حاجَةَ إلى إضْمارِ جُمْلَةٍ أُخْرى؛ فَيَكُونُ فِعْلُها عامِلًا في ﴿أنْ تَعْدِلُوا﴾ . وإذا كانَ العامِلُ تَتَّبِعُوا؛ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ الأوَّلُ هو المُتَّجِهُ، وعَلى هَذِهِ التَّقادِيرِ فَـ ﴿أنْ تَعْدِلُوا﴾ (p-٣٧١)مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: أنْ لا تَعْدِلُوا؛ فَحَذَفَ (لا) أيْ لا تَتَّبِعُوا الهَوى في تَرْكِ العَدْلِ. وقِيلَ المَعْنى لا تَتَّبِعُوا الهَوى لِتَعْدِلُوا؛ أيْ لِتَكُونُوا في اتِّباعِكُمُوهُ عُدُولًا؛ تَنْبِيهًا أنَّ اتِّباعَ الهَوى، وتَحَرِّيَ العَدالَةِ مُتَنافِيانِ لا يَجْتَمِعانِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: المَعْنى اتْرُكُوا مُتابَعَةَ الهَوى حَتّى تَصِيرُوا مَوْصُوفِينَ بِصِفَةِ العَدْلِ. والعَدْلُ عِبارَةٌ عَنْ تَرْكِ مُتابَعَةِ الهَوى، ومَن تَرَكَ أحَدَ النَّقِيضَيْنِ فَقَدْ حَصَلَ لَهُ الآخَرُ؛ فالتَّقْدِيرُ: لِأجْلِ أنْ تَعْدِلُوا.
﴿وإنْ تَلْوُوا أوْ تُعْرِضُوا﴾ الظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ لِلْمَأْمُورِينَ بِالقِيامِ بِالقِسْطِ والشَّهادَةِ لِلَّهِ والمَنهِيِّينَ عَنِ اتِّباعِ الهَوى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو في لَيِّ الحاكِمِ عُنُقَهُ عَنْ أحَدِ الخَصْمَيْنِ. وقالَ مُجاهِدٌ نَحْوَهُ قالَ: لَيُّ الحاكِمِ شِدْقَهُ لِأحَدِ الخَصْمَيْنِ مَيْلًا إلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ ومُجاهِدٌ: هي في الشُّهُودِ يَلْوِي الشَّهادَةَ بِلِسانِهِ فَيُحَرِّفُها، ولا يَقُولُ الحَقَّ فِيها، أوْ يُعْرِضُ عَنْ أداءِ الحَقِّ فِيها، ويَقُولُ مَعْناهُ: يُدافِعُوا الشَّهادَةَ مِن لَيِّ الغَرِيمِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنْ تَلْوُوا ألْسِنَتَكم عَنْ شَهادَةِ الحَقِّ، أوْ حُكُومَةِ العَدْلِ، أوْ تُعْرِضُوا عَنِ الشَّهادَةِ بِما عِنْدَكم، وتَمْنَعُوها.
وقَرَأ جَماعَةٌ في الشّاذِّ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ: وإنْ تَلُوا بِضَمِّ اللّامِ بِواوٍ واحِدَةٍ، ولَحَّنَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ قارِئَ هَذِهِ القِراءَةِ. قالَ: لا مَعْنى لِلِّوايَةِ هُنا؛ وهَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّها قِراءَةٌ مُتَواتِرَةٌ في السَّبْعِ، ولَها مَعْنًى صَحِيحٌ وتَخْرِيجٌ حَسَنٌ؛ فَنَقُولُ: اخْتُلِفَ في قَوْلِهِ ﴿وإنْ تَلْوُوا﴾ .
فَقِيلَ هي مِنَ الوِلايَةِ؛ أيْ وإنْ ولِيتُمْ إقامَةَ الشَّهادَةِ، أوْ أعْرَضْتُمْ عَنْ إقامَتِها؛ والوِلايَةُ عَلى الشَّيْءِ هو الإقْبالُ عَلَيْهِ. وقِيلَ هو مِنَ اللَّيِّ، وأصْلُهُ: تَلْوُوا، وأُبْدِلَتِ الواوُ المَضْمُومَةُ هَمْزَةً، ثُمَّ نُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى اللّامِ، وحُذِفَتْ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ وأبُو عَلِيٍّ والنَّحّاسُ، ونُقِلَ عَنِ النَّحّاسِ أيْضًا أنَّهُ اسْتُثْقِلَتِ الحَرَكَةُ عَلى الواوِ، فَأُلْقِيَتْ عَلى اللّامِ، وحُذِفَتْ إحْدى الواوَيْنِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ.
﴿فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ هَذا فِيهِ وعِيدٌ لِمَن لَوى عَنِ الشَّهادَةِ أوْ أعْرَضَ عَنْها.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي أنْزَلَ مِن قَبْلُ﴾ مُناسَبَتُها لِما قَبْلَها؛ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالقِيامِ بِالقِسْطِ والشَّهادَةِ لِلَّهِ؛ بَيَّنَ أنَّهُ لا يَتَّصِفُ بِذَلِكَ إلّا مَن كانَ راسِخَ القَدَمِ في الإيمانِ بِالأشْياءِ المَذْكُورَةِ، في هَذِهِ الآيَةِ، فَأمَرَ بِها. والظّاهِرُ أنَّهُ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. ومَعْنى: آمِنُوا داوِمُوا عَلى الإيمانِ؛ قالَهُ الحَسَنُ، وهو أرْجَحُ؛ لِأنَّ لَفْظَ المُؤْمِنِ مَتى أُطْلِقَ لا يَتَناوَلُ إلّا المُسْلِمَ. وقِيلَ لِلْمُنافِقِينَ؛ أيْ يا أيُّها الَّذِينَ أظْهَرُوا الإيمانَ بِألْسِنَتِهِمْ آمِنُوا بِقُلُوبِكم. وقِيلَ لِمَن آمَنَ بِمُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ؛ أيْ يا مَن آمَنَ بِنَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ آمِن بِمُحَمَّدٍ. وقِيلَ هم جَمِيعُ الخَلْقِ؛ أيْ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا يَوْمَ أخْذِ المِيثاقِ حِينَ قالَ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] . وقِيلَ اليَهُودُ خاصَّةً. وقِيلَ المُشْرِكُونَ آمَنُوا بِاللّاتَ والعُزّى والأصْنامِ والأوْثانِ. وقِيلَ: آمَنُوا عَلى سَبِيلِ التَّقْلِيدِ آمِنُوا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِدْلالِ. وقِيلَ آمَنُوا في الماضِي والحاضِرِ، آمِنُوا في المُسْتَقْبَلِ.
ونَظِيرُهُ: ﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] مَعَ أنَّهُ كانَ عالِمًا بِذَلِكَ. ورُوِيَ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ، وسَلّامًا ابْنَ أُخْتِهِ، وسَلَمَةَ ابْنَ أخِيهِ، وأسَدًا وأُسَيْدًا ابْنَيْ كَعْبٍ، وثَعْلَبَةَ بْنَ قَيْسٍ، ويامِينَ أتَوُا الرَّسُولَ، وقالُوا نُؤْمِنُ بِكَ وبِكِتابِكَ، ومُوسى والتَّوْراةِ، وعُزَيْرٍ، ونَكْفُرُ بِما سِواهُ مِنَ الكُتُبِ والرُّسُلِ؛ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: بَلْ آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وكِتابِهِ القُرْآنِ، وبِكُلِّ كِتابٍ كانَ قَبْلَهُ؛ فَقالُوا: لا نَفْعَلُ؛ فَنَزَلَتْ فَآمَنُوا كُلُّهم» .
﴿والكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ﴾ هو القُرْآنُ بِلا خِلافٍ ﴿والكِتابِ الَّذِي أنْزَلَ مِن قَبْلُ﴾ المُرادُ بِهِ جِنْسُ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ آخَرًا: وكَتَبَهُ، وإنْ كانَ الخِطابُ لِلْيَهُودِ والنَّصارى، فَكَيْفَ قِيلَ لَهم ﴿والكِتابِ الَّذِي أنْزَلَ مِن قَبْلُ﴾، وهم مُؤْمِنُونَ بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ. وأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ بِهِما فَحَسْبُ، وما كانُوا مُؤْمِنِينَ بِكُلِّ ما أُنْزِلَ (p-٣٧٢)مِنَ الكُتُبِ؛ فَأُمِرُوا أنْ يُؤْمِنُوا بِجَمِيعِ الكُتُبِ. أوْ لِأنَّ إيمانَهم بِبَعْضٍ لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ طَرِيقَ الإيمانِ بِالجَمِيعِ واحِدٌ، وهو المُعْجِزَةُ. وقَرَأ العَرَبِيّانِ، وابْنُ كَثِيرٍ: (نُزِّلَ) و(أُنْزِلَ) بِالبَنّاءِ لِلْمَفْعُولِ والباقُونَ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ، وأنْزَلَ مِن قَبْلُ ؟ قُلْتُ: لِأنَّ القُرْآنَ نَزَلَ مُنَجَّمًا مُفَرَّقًا في عِشْرِينَ سَنَةً بِخِلافِ الكُتُبِ قَبْلَهُ، انْتَهى. وهَذِهِ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ (نَزَّلَ) و(أنْزَلَ) لا تَصِحُّ لِأنَّ التَّضْعِيفَ في (نَزَّلَ) لَيْسَ لِلتَّكْثِيرِ والتَّفْرِيقِ؛ وإنَّما هو لِلتَّعْدِيَةِ، وهو مُرادِفٌ لِلْهَمْزَةِ. وقَدْ أشْبَعْنا الرَّدَّ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ في دَعْواهُ ذَلِكَ أوَّلَ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
﴿ومَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ جَوابُ الشَّرْطِ لَيْسَ مُتَرَتِّبًا عَلى الكُفْرِ بِالمَجْمُوعِ، بَلِ المَعْنى: ومَن يَكْفُرْ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ. وقُرِئَ: وكِتابِهِ عَلى الإفْرادِ والمُرادُ جِنْسُ الكُتُبِ. ولَمّا كانَ خَيْرَ الإيمانِ عَلِقَ بِثَلاثَةٍ: بِاللَّهِ والرَّسُولِ والكُتُبِ؛ لِأنَّ الإيمانَ بِالكُتُبِ تَضَمَّنَ الإيمانَ بِالمَلائِكَةِ واليَوْمِ الآخِرِ، وبُولِغَ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ المَلِكَ مُغَيَّبٌ عَنّا، وكَذَلِكَ اليَوْمُ الآخِرُ لَمْ يَقَعْ، وهو مُنْتَظَرٌ، فَنَصَّ عَلَيْهِما عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ؛ ولِئَلّا يَتَأوَّلَهُما مُتَأوِّلٌ عَلى خِلافِ ما هُما عَلَيْهِ. فَمَن أنْكَرَ المَلائِكَةَ أوِ القِيامَةَ فَهو كافِرٌ، وقَدَّمَ الكُتُبَ عَلى الرُّسُلِ عَلى التَّرْتِيبِ الوُجُودِيِّ؛ لِأنَّ المَلَكَ يَنْزِلُ بِالكُتُبِ والرُّسُلُ تَتَلَقّى الكُتُبَ مِنَ المَلَكِ. وقَدَّمَ في الأمْرِ بِالإيمانِ المَوْصُولِ عَلى الكِتابِ؛ لِأنَّ الرَّسُولَ أوَّلُ ما يُباشِرُهُ المُؤْمِنَ ثُمَّ يَتَلَقّى الكِتابَ مِنهُ. فَحَيْثُ نَفى الإيمانَ كانَ عَلى التَّرْتِيبِ الوُجُودِيِّ، وحَيْثُ أثْبَتَ كانَ عَلى التَّرْتِيبِ اللِّقائِيِّ، وهو راجِعٌ لِلْوُجُودِ في حَقِّ المُؤْمِنِ.
النساء 4:132
﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ ولَوْ حَرَصْتُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في النَّبِيِّ ﷺ ومَيْلِهِ بِقَلْبِهِ إلى عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، انْتَهى. ونَبَّهَ تَعالى عَلى (p-٣٦٥)انْتِفاءِ اسْتِطاعَةِ العَدْلِ بَيْنَ النِّساءِ والتَّسْوِيَةِ، حَتّى لا يَقَعَ مَيْلٌ البَتَّةَ، ولا زِيادَةٌ ولا نُقْصانٌ فِيما يَجِبُ لَهُنَّ. وفي ذَلِكَ عُذْرٌ لِلرِّجالِ فِيما يَقَعُ مِنَ التَّفاوُتِ في المَيْلِ القَلْبِيِّ والتَّعَهُّدِ والنَّظَرِ والتَّأْنِيسِ والمُفاكَهَةِ؛ فَإنَّ التَّسْوِيَةَ في ذَلِكَ مَجالٌ خارِجٌ عَنْ حَدِّ الِاسْتِطاعَةِ؛ وعَلَّقَ انْتِفاءَ الِاسْتِطاعَةِ في التَّسْوِيَةِ عَلى تَقْدِيرِ وُجُودِ الحِرْصِ مِنَ الإنْسانِ عَلى ذَلِكَ. وقِيلَ مَعْنى أنْ تَعْدِلُوا في المَحَبَّةِ قالَهُ عُمَرُ وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ. وقِيلَ في التَّسْوِيَةِ والقَسَمِ. وقِيلَ في الجِماعِ. وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ " «أنَّهُ كانَ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسائِهِ فَيَعْدِلُ، ويَقُولُ: هَذِهِ قِسْمَتِي فِيما أمْلِكُ، فَلا تُؤاخِذْنِي فِيما تَمْلِكُ، ولا أمَلِكُ يَعْنِي المَحَبَّةَ»؛ لِأنَّ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها كانَتْ أحَبَّ إلَيْهِ، وكانَ عُمَرُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ قَلْبِي فَلا أمْلِكُهُ، وأمّا ما سِوى ذَلِكَ فَأرْجُو أنْ أعْدِلَ فِيهِ.
﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ فَتَذَرُوها كالمُعَلَّقَةِ﴾ نَهى تَعالى عَنِ الجَوْرِ عَلى المَرْغُوبِ؛ أيْ إنْ وقَعَ مِنكُمُ التَّفْرِيطُ في شَيْءٍ مِنَ المُساواةِ، فَلا تَجُورُوا كُلَّ الجَوْرِ. والضَّمِيرُ في فَتَذَرُوها عائِدٌ عَلى المَمِيلِ عَنْها، المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ﴾ .
وقَرَأ أُبَيٌّ: فَتَذْرُوها كالمَسْجُونَةِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: فَتَذْرُوها كَأنَّها مُعَلَّقَةٌ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ المُعَلَّقَةِ في الكَلامِ عَلى المُفْرَداتِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كالمَحْبُوسَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ. وقِيلَ مَعْنى كالمُعَلَّقَةِ كالبَعِيدَةِ عَنْ زَوْجِها. قِيلَ أوْ عَنْ حَقِّها، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ مَأْخُوذٌ مِن تَعْلِيقِ الشَّيْءِ لِبُعْدِهِ عَنْ قَرارِهِ. وتَذْرُوها يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَجْزُومًا عَطْفًا عَلى تَمِيلُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِإضْمارِ (أنْ) في جَوابِ النَّهْيِ. وكالمُعَلِّقَةِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ؛ فَتَتَعَلَّقَ الكافُ بِمَحْذُوفٍ. وفي الحَدِيثِ: «مَن كانَتْ لَهُ امْرَأتانِ يَمِيلُ مَعَ إحْداهُما جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ وأحَدُ شِقَّيْهِ مائِلٌ» والمَعْنى: يَمِيلُ مَعَ إحْداهُما كُلَّ المَيْلِ، لا مُطْلَقَ المَيْلِ. «وقَدْ فاضَلَ عُمَرُ في عَطاءٍ بَيْنَ أزْواجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَأبَتْ عائِشَةُ، وقالَتْ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَعْدِلُ بَيْنَنا في القَسِيمَةِ بِمالِهِ ونَفْسِهِ، فَساوى عُمَرُ بَيْنَهُنَّ»، وكانَ لِمُعاذٍ امْرَأتانِ؛ فَإذا كانَ عِنْدَ إحْداهُما، لَمْ يَتَوَضَّأْ في بَيْتِ الأُخْرى، فَماتَتا في الطّاعُونِ، فَدَفَنَهُما في قَبْرٍ واحِدٍ.
﴿وإنْ تُصْلِحُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنْ تُصْلِحُوا ما مَضى مِن قِبَلِكم، وتَتَدارَكُوهُ بِالتَّوْبَةِ، وتَتَّقُوا فِيما يُسْتَقْبَلُ غَفَرَ اللَّهُ لَكم انْتَهى. وفي ذَلِكَ نَزْغَةُ الِاعْتِزالِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإنْ تُصْلِحُوا ما أفْسَدْتُمْ بِسُوءِ العِشْرَةِ، وتَلْزَمُوا ما يَلْزَمُكم مِنَ العَدْلِ فِيما تَمْلِكُونَ؛ فَإنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا لِما تَمْلِكُونَهُ مُتَجاوِزًا عَنْهُ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: غَفُورًا لِما سَلَفَ مِنكم مِنَ المَيْلِ كُلَّ المَيْلِ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ، انْتَهى؛ فَعَلى هَذا هي مَغْفِرَةٌ مُخَصَّصَةٌ لِقَوْمٍ بِأعْيانِهِمْ واقَعُوا المَحْظُورَ في مُدَّةِ النَّبِيِّ ﷺ، وخَتَمَتْ تِلْكَ بِالإحْسانِ، وهَذِهِ بِالإصْلاحِ؛ لِأنَّ الأُولى في مَندُوبٍ إلَيْهِ إذْ لَهُ أنْ لا يُحْسِنَ، وأنْ يَشِحَّ، ويُصالِحَ بِما يُرْضِيهِ، وهَذِهِ في لازِمٍ إذْ لَيْسَ لَهُ إلّا أنْ يُصْلِحَ، بَلْ يَلْزَمُهُ العَدْلُ فِيما يَمْلِكُ.
﴿وإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِن سَعَتِهِ﴾ الضَّمِيرُ في يَتَفَرَّقا عائِدٌ عَلى الزَّوْجَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها﴾ [النساء: ١٢٨] والمَعْنى: وإنْ شَحَّ كُلٌّ مِنهُما، ولَمْ يَصْطَلِحا، وتَفَرَّقا بِطَلاقٍ؛ فاللَّهُ يُغْنِي كُلًّا مِنها عَنْ صاحِبِهِ بِفَضْلِهِ، ولُطْفِهِ في المالِ والعِشْرَةِ والسِّعَةِ. ووُجُودِ المُرادِ، والسِّعَةُ الغِنى والمَقْدِرَةُ، وهَذا وعْدٌ بِالغِنى لِكُلِّ واحِدٍ إذا تَفَرَّقا، وهو مَعْرُوفٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى. ونِسْبَةُ الفِعْلِ إلَيْهِما يَدُلُّ عَلى أنَّ لِكُلٍّ مِنهُما مَدْخَلًا في التَّفَرُّقِ، وهو التَّفَرُّقُ بِالأبْدانِ، وتَراخِي المُدَّةِ بِزَوالِ العِصْمَةِ، ولا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَفَرُّقٌ بِالقَوْلِ وهو طَلاقٌ؛ لِأنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالزَّوْجِ، ولا نَصِيبَ لِلْمَرْأةِ في التَّفَرُّقِ القَوْلِيِّ؛ فَيُسْنَدُ إلَيْها خِلافًا لِمَن ذَهَبَ إلى أنَّ التَّفَرُّقَ هاهُنا هو بِالقَوْلِ، وهو الطَّلاقُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ أفْلَحَ: وإنْ يَتَفارَقا بِألِفِ المُفاعَلَةِ؛ أيْ وإنْ (p-٣٦٦)يُفارِقْ كُلٌّ مِنهُما صاحِبَهُ. وهَذِهِ الآيَةُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقَوْلُ العَرَبِ: إنْ لَمْ يَكُنْ وِفاقٌ فَطَلاقٌ. فَنَبَّهَ تَعالى عَلى أنَّ لَهُما أنْ يَتَفارَقا؛ كَما أنَّ لَهُما أنْ يَصْطَلِحا. ودَلَّ ذَلِكَ عَلى الجَوازِ، قالُوا: وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِن سَعَتِهِ﴾ إشارَةٌ إلى الغِنى بِالمالِ. وكانَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما فِيما رَوَوْا طُلَقَةً ذُوَقَةً فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ فَقالَ: إنِّي رَأيْتُ اللَّهَ تَعالى عَلَّقَ الغِنى بِأمْرَيْنِ فَقالَ: ﴿وأنْكِحُوا الأيامى﴾ [النور: ٣٢] الآيَةَ، وقالَ: ﴿وإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِن سَعَتِهِ﴾ .
﴿وكانَ اللَّهُ واسِعًا حَكِيمًا﴾ ناسَبَ ذَلِكَ ذِكْرَ السَّعَةِ؛ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ مِن سِعَتِهِ. والواسِعُ عامٌّ في الغِنى والقُدْرَةِ والعِلْمِ، وسائِرِ الكِمالاتِ. وناسَبَ ذِكْرَ وصْفِ الحِكْمَةِ، وهو وضْعُ الشَّيْءِ مَوْضِعَ ما يُناسِبُ؛ لِأنَّ السَّعَةَ ما لَمْ تَكُنْ مَعَها الحِكْمَةُ كانَتْ إلى فَسادٍ أقْرَبَ مِنها لِلصَّلاحِ؛ قالَهُ الرّاغِبُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ فِيما حَكَمَ ووَعَظَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: فِيما حَكَمَ عَلى الزَّوْجِ مِن إمْساكِها بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٍ بِإحْسانٍ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: أوْ حَيْثُ نُدِبَ إلى الفُرْقَةِ عِنْدَ اخْتِلافِهِما وعَدَمِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُما.
﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى سَعَةَ رِزْقِهِ، وحِكْمَتَهُ، ذَكَرَ أنَّ لَهُ مُلْكَ ما في السَّماواتِ، وما في الأرْضِ؛ فَلا يَعْتاضُّ عَلَيْهِ غِنى أحَدٍ، ولا التَّوْسِعَةُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ مَن لَهُ ذَلِكَ هو الغَنِيُّ المُطْلَقُ.
﴿ولَقَدْ وصَّيْنا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم وإيّاكم أنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ وصَّيْنا: أمَرْنا أوْ عَهِدْنا إلَيْهِمْ وإلَيْكم، ومِن قَبْلِكم: يُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ (أُوتُوا)؛ وهو الأقْرَبُ، أوْ بِـ (وصَّيْنا) . والمَعْنى: أنَّ الوَصِيَّةَ بِالتَّقْوى هي سُنَّةُ اللَّهِ مَعَ الأُمَمِ الماضِيَةِ، فَلَسْتُمْ مَخْصُوصِينَ بِهَذِهِ الوَصِيَّةِ. و(إيّاكم) عَطْفٌ عَلى المَوْصُولِ، وتَقَدَّمَ المَوْصُولُ؛ لِأنَّ وصِيَّتَهُ هي السّابِقَةُ عَلى وصَّيْنا، فَهو تَقَدُّمٌ بِالزَّمانِ. ومِثْلُ هَذا العَطْفِ - أعْنِي عَطْفَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ المُنْفَصِلِ عَلى الظّاهِرِ - فَصِيحٌ جاءَ في القُرْآنِ وفي كَلامِ العَرَبِ، ولا يَخْتَصُّ بِالشِّعْرِ، وقَدْ وهِمَ في ذَلِكَ بَعْضُ أصْحابِنا وشُيُوخِنا؛ فَزَعَمَ أنَّهُ لا يَجُوزُ إلّا في الشِّعْرِ؛ لِأنَّكَ تَقْدِرُ عَلى أنْ تَأْتِيَ بِهِ مُتَّصِلًا؛ فَتَقُولُ: آتِيكَ وزَيْدًا. ولا يَجُوزُ عِنْدَهُ: رَأيْتُ زَيْدًا وإيّاكَ إلّا في الشِّعْرِ، وهَذا وهْمٌ فاحِشٌ؛ بَلْ مِن مُوجَبِ انْفِصالِ الضَّمِيرِ كَوْنُهُ يَكُونُ مَعْطُوفًا؛ فَيَجُوزُ قامَ زَيْدٌ وأنْتَ، وخَرَجَ بَكْرٌ وأنا، لا خِلافَ في جَوازِ ذَلِكَ؛ فَكَذَلِكَ ضَرَبْتُ زَيْدًا وإيّاكَ.
والَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ هو عامٌّ في الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى تَخْصِيصِ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِاليَهُودِ والنَّصارى كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ؛ لِأنَّ وصِيَّةَ اللَّهِ بِالتَّقْوى لَمْ تَزَلْ مُذْ أوْجَدَ العالَمَ؛ فَلَيْسَتْ مَخْصُوصَةً بِاليَهُودِ والنَّصارى. وأنِ اتَّقُوا: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أيْ بِأنِ اتَّقُوا اللَّهَ، وأنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً التَّقْدِيرُ أيِ اتَّقُوا اللَّهَ؛ لِأنَّ وصَّيْنا فِيهِ مَعْنى القَوْلِ.
﴿وإنْ تَكْفُرُوا﴾ ظاهِرُهُ الخِطابُ لِمَن وقَعَ لَهُ الخِطابُ بِقَوْلِهِ: وإيّاكم، وهم هَذِهِ الأُمَّةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ شامِلًا لِلَّذِينِ أُوتُوا الكِتابَ، ولِلْمُخاطَبِينَ وغَلَبَ الخِطابُ عَلى ما تَقَرَّرَ في لِسانِ العَرَبِ كَما تَقُولُ: قُلْتُ لِزَيْدٍ ذَلِكَ، لا تَضْرِبْ عَمْرًا، وكَما تَقُولُ: زَيْدٌ وأنْتَ تَخْرُجانِ.
﴿فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾؛ أيْ أنْتُمْ مِن جُمْلَةِ مَن يَمْلِكُهُ تَعالى، وهو المُتَصَرِّفُ فِيكم؛ إذْ هو خالِقُكم والمُنْعِمُ عَلَيْكم بِأصْنافِ النِّعَمِ، وأنْتُمْ مَمْلُوكُونَ لَهُ، فَلا يُناسِبُ أنْ تَكْفُرُوا مَن هو مالِكُكم، وتُخالِفُونَ أمْرَهُ؛ بَلْ حَقُّهُ أنْ يُطاعَ ولا يُعْصى، وأنْ يُتَّقى عِقابُهُ، ويُرْجى ثَوابُهُ، ولِلَّهِ ما في سَمائِهِ وأرْضِهِ مَن يُوَحِّدُهُ ويَعْبُدُهُ، ولا يَعْصِيهِ.
﴿وكانَ اللَّهُ غَنِيًّا﴾؛ أيْ عَنْ خَلْقِهِ، وعَنْ عِبادَتِهِمْ لا تَنْفَعُهُ طاعَتُهم، ولا يَضُرُّهُ كُفْرُهم.
(حَمِيدًا)؛ أيْ مُسْتَحِقًّا لِأنْ يُحْمَدَ لِكَثْرَةِ نِعَمِهِ، وإنْ كَفَرْتُمُوهُ أنْتُمْ.
﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ الوَكِيلُ القائِمُ بِالأُمُورِ، المُنْفِذُ فِيها ما يَراهُ؛ فَمَن لَهُ مُلْكُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ، فَهو كافٍ فِيما يَتَصَرَّفُ فِيهِ، لا يَعْتَمِدُ عَلى غَيْرِهِ. وأعادَ قَوْلَهُ: ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ثَلاثَ مَرّاتٍ بِحَسَبِ السِّياقِ. (p-٣٦٧)فَقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الأوَّلُ: تَنْبِيهٌ عَلى مَوْضِعِ الرَّجاءِ يَهْدِي المُتَفَرِّقِينَ. والثّانِي: تَنْبِيهٌ عَلى اسْتِغْنائِهِ عَنِ العِبادِ. والثّالِثُ: مُقَدِّمَةٌ لِلْوَعِيدِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وتَكْرِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ تَقْرِيرٌ لِما هو مُوجِبٌ تَقْواهُ لِيَتَّقُوهُ؛ فَيُطِيعُوهُ ولا يَعْصُوهُ؛ لِأنَّ الخَشْيَةَ والتَّقْوى أصْلُ الخَيْرِ كُلِّهِ. وقالَ الرّاغِبُ: الأوَّلُ: لِلتَّسْلِيَةِ عَمّا فاتَ. والثّانِي: أنَّ وصِيَّتَهُ لِرَحْمَتِهِ لا لِحاجَةٍ، وأنَّهم إنْ كَفَرُوهُ لا يَضُرُّوهُ شَيْئًا. والثّالِثُ: دَلالَتُهُ عَلى كَوْنِهِ غَنِيًّا. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: الأوَّلُ: تَقْرِيرُ كَوْنِهِ واسِعَ الجُودِ. والثّانِي: لِلتَّنْزِيهِ عَنْ طاعَةِ المُطِيعِينَ. والثّالِثُ: لِقُدْرَتِهِ عَلى الإفْناءِ والإيجادِ؛ والغَرَضُ مِنهُ: تَقْرِيرُ كَوْنِهِ قادِرًا عَلى مَدْلُولاتٍ كَثِيرَةٍ فَيَحْسُنُ أنْ يَذْكُرَ ذَلِكَ الدَّلِيلَ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِن مَدْلُولاتِهِ، وهَذِهِ الإعادَةُ أحْسَنُ وأوْلى مِنَ الِاكْتِفاءِ بِذِكْرِ الدَّلِيلِ مَرَّةً واحِدَةً؛ لِأنَّهُ عِنْدَهُ إعادَةُ ذِكْرِ الدَّلِيلِ يُحْضِرُ في الذِّهْنِ ما يُوجِبُ العِلْمَ بِالمَدْلُولِ؛ وكانَ العِلْمُ الحاصِلُ بِذَلِكَ المَدْلُولِ أقْوى وأجَلَّ؛ فَظَهَرَ أنَّ هَذا التَّكْرارَ في غايَةِ الكَمالِ. وقالَ مَكِّيٌّ: نَبَّهْنا أوَّلًا عَلى مُلْكِهِ وسَعَتِهِ. وثانِيًا عَلى حاجَتِنا إلَيْهِ وغِناهُ، وثالِثًا عَلى حِفْظِهِ لَنا، وعِلْمِهِ بِتَدْبِيرِنا.
﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ ظاهِرُهُ أنَّ الخِطابَ لِمَن تَقَدَّمَ لَهُ الخِطابُ أوَّلًا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الخِطابُ لِلْمُشْرِكِينَ والمُنافِقِينَ والمَعْنى: ويَأْتِ بِآخَرِينَ مِنكم. وقَرِيبٌ مِنهُ ما نَقَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن أنَّهُ خِطابٌ لِمَن كانَ يُعادِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنَ العَرَبِ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: الخِطابُ لِلْكُفّارِ، وهو تَهْدِيدٌ لَهم؛ كَأنَّهُ قالَ: إنْ يَشَأْ يُهْلِكْكم كَما أهْلَكَ مَن قَبْلَكم إذْ كَفَرُوا بِرُسُلِهِ. وقِيلَ لِلْمُؤْمِنِينَ يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ النّاسِ؛ والمَعْنى: إنْ شاءَ يُهْلِكْكم كَما أنْشَأكم، وأنْشَأ قَوْمًا آخَرِينَ يَعْبُدُونَهُ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: الخِطابُ لِلَّذِينِ شَفَعُوا في طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ، وخاصَمَ وخاصَمُوا عَنْهُ في أمْرِ خِيانَتِهِ في الدِّرْعِ والدَّقِيقِ. وهَذا التَّأْوِيلُ بَعِيدٌ، وقَدْ يَظْهَرُ العُمُومُ فَيَكُونُ خِطابًا لِلْعالِمِ الحاضِرِ الَّذِي يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ الخِطابُ والنِّداءُ. ويَأْتِ بِآخَرِينَ أيْ بِناسٍ غَيْرِكم؛ فالمَأْتِيُّ بِهِ مِن نَوْعِ المُذْهَبِ؛ فَيَكُونُ مِن جِنْسِ المُخاطَبِ المُنادى، وهُمُ النّاسُ.
ورُوِيَ أنَّها لَمّا نَزَلَتْ ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ عَلى ظَهْرِ سَلْمانَ، وقالَ: (إنَّهم قَوْمُ هَذا) يُرِيدُ ابْنَ فارِسَ، وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُما أنْ يَكُونَ المُرادُ بِآخَرِينَ مِن نَوْعِ المُخاطَبِينَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَأْتِ بِآخَرِينَ مَكانَكم أوْ خَلْقًا آخَرِينَ غَيْرَ الإنْسِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وعِيدًا لِجَمِيعِ بَنِي آدَمَ، ويَكُونَ الآخَرُونَ مِن غَيْرِ نَوْعِهِمْ. كَما أنَّهُ قَدْ رُوِيَ أنَّهُ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَعْبُدُونَ اللَّهَ قَبْلَ بَنِي آدَمَ، انْتَهى. وما جَوَّزَهُ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ مَدْلُولَ (آخَرَ) في اللُّغَةِ هو مَدْلُولٌ غَيْرُ خاصٍّ بِجِنْسِ ما تَقَدَّمَ؛ فَلَوْ قُلْتَ: جاءَ زَيْدٌ وآخَرُ مَعَهُ، أوْ مَرَرْتُ بِامْرَأةٍ وأُخْرى مَعَها، أوِ اشْتَرَيْتُ فَرَسًا وآخَرَ، وسابَقْتُ بَيْنَ حِمارٍ وآخَرَ؛ لَمْ يَكُنْ آخَرُ ولا أُخْرى مُؤَنَّثُهُ، ولا تَثْنِيَتُهُ، ولا جَمْعُهُ، إلّا مِن جِنْسِ ما يَكُونُ قَبْلَهُ. ولَوْ قُلْتَ: اشْتَرَيْتُ ثَوْبًا وآخَرَ، ويَعْنِي بِهِ: غَيْرَ ثَوْبٍ؛ لَمْ يَجُزْ. فَعَلى هَذا تَجْوِيزُهم أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: بِآخَرِينَ مِن غَيْرِ جِنْسِ ما تَقَدَّمَ، وهُمُ النّاسُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وهَذا هو الفَرْقُ بَيْنَ غَيْرٍ وبَيْنَ آخَرَ؛ لِأنَّ غَيْرًا تَقَعُ عَلى المُغايِرِ في جِنْسٍ أوْ في صِفَةٍ؛ فَتَقُولُ: اشْتَرَيْتُ ثَوْبًا وغَيْرَهُ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ثَوْبًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ ثَوْبٍ، (p-٣٦٨)وقَلَّ مَن يَعْرِفُ هَذا الفَرْقَ.
﴿وكانَ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾؛ أيْ عَلى إذْهابِكم والإتْيانِ بِآخَرِينَ. وأتى بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ في القُدْرَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ أرادَهُ، وهَذا غَضَبٌ عَلَيْهِمْ، وتَخْوِيفٌ وبَيانٌ لِاقْتِدارِهِ.
﴿مَن كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ؛ أيْ مَن كانَ لا رَغْبَةَ لَهُ إلّا في ثَوابِ الدُّنْيا، ولا يَعْتَقِدُ أنَّ ثَمَّ سِواهُ؛ فَلَيْسَ كَما ظَنَّ، بَلْ عِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدّارَيْنِ. فَمَن قَصَدَ الآخِرَةَ أعْطاهُ مِن ثَوابِ الدُّنْيا، وأعْطاهُ قَصْدَهُ، ومَن قَصَدَ الدُّنْيا فَقَطْ أعْطاهُ مِنَ الدُّنْيا ما قُدِّرَ لَهُ، وكانَ لَهُ في الآخِرَةِ العَذابُ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: مَن عَبَدَ الأصْنامَ طَلَبًا لِلْعِزِّ لا يَحْصُلُ لَهُ ذَلِكَ، ولَكِنْ عِنْدَ اللَّهِ عِزُّ الدُّنْيا والآخِرَةِ، أوْ لِلتَّقْرِيبِ والشَّفاعَةِ؛ أيْ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، ولَكِنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَعِنْدَهُ ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، لا عِنْدَ مَن تَطْلُبُونَ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في أهْلِ النِّفاقِ الَّذِينَ يُراءُونَ بِأعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ في الدُّنْيا لِثَوابِ الدُّنْيا لا غَيْرَ.
و(مَن) يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً؛ والظّاهِرُ أنَّها شَرْطٌ، وجَوابُهُ الجُمْلَةُ المَقْرُونةُ بِفاءِ الجَوابِ؛ ولا بُدَّ في الجُمْلَةِ الواقِعَةِ جَوابًا لِاسْمِ الشَّرْطِ غَيْرِ الظَّرْفِ مِن ضَمِيرٍ عائِدٍ عَلى اسْمِ الشَّرْطِ حَتّى يَتَعَلَّقَ الجَزاءُ بِالشَّرْطِ؛ والتَّقْدِيرُ: ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ لَهُ إنْ أرادَهُ؛ هَكَذا قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ جَوابَ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: مَن كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَلا يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ، ولْيَطْلُبِ الثَّوابَيْنِ؛ فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ. وقالَ الرّاغِبُ: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ تَبْكِيتٌ لِلْإنْسانِ؛ حَيْثُ اقْتَصَرَ عَلى أحَدِ السُّؤالَيْنِ، مَعَ كَوْنِ المَسْئُولِ مالِكًا لِلثَّوابَيْنِ، وحَثَّ عَلى أنْ يَطْلُبَ مِنهُ تَعالى ما هو أكْمَلُ، وأفْضَلُ مِن مَطْلُوبِهِ؛ فَمَن طَلَبَ خَسِيسًا مَعَ أنَّهُ يُمْكِنُهُ أنْ يَطْلُبَ نَفِيسًا؛ فَهو دَنِيءُ الهِمَّةِ. قِيلَ والآيَةُ وعِيدٌ لِلْمُنافِقِينَ، لا يُرِيدُونَ بِالجِهادِ غَيْرَ الغَنِيمَةِ. وقِيلَ هي حَضٌّ عَلى الجِهادِ.
﴿وكانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾؛ أيْ سَمِيعًا لِأقْوالِهِمْ؛ بَصِيرًا بِأعْمالِهِمْ ونِيّاتِهِمْ.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلى أنْفُسِكم أوِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ قالَ الطَّبَرِيُّ: هي سَبَبُ نازِلَةِ ابْنِ أُبَيْرِقٍ وقِيامِ مَن قامَ في أمْرِهِ بِغَيْرِ القِسْطِ. وقالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في اخْتِصامِ غَنِيٍّ وفَقِيرٍ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ .
ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ النِّساءَ والنُّشُوزَ والمُصالَحَةَ؛ أعْقَبَهُ بِالقِيامِ بِأداءِ حُقُوقِ اللَّهِ تَعالى، وفي الشَّهادَةِ حُقُوقُ اللَّهِ. أوْ لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ تَعالى طالِبَ الدُّنْيا، وأنَّهُ عِنْدَهُ ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ؛ بَيَّنَ أنَّ كَمالَ السَّعادَةِ أنْ يَكُونَ قَوْلُ الإنْسانِ وفِعْلُهُ لِلَّهِ تَعالى، أوْ لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ.
﴿وإنْ خِفْتُمْ أنْ لا تُقْسِطُوا في اليَتامى﴾ [النساء: ٣] والإشْهادُ عِنْدَ دَفْعِ أمْوالِ اليَتامى إلَيْهِمْ، وأمَرَ بِبَذْلِ النَّفْسِ والمالِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وذَكَرَ قِصَّةَ ابْنِ أُبَيْرِقٍ، واجْتِماعَ قَوْمِهِ عَلى الكَذِبِ والشَّهادَةِ بِالباطِلِ، ونَدَبَ لِلْمُصالَحَةِ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِأنْ أمَرَ عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ بِالقِيامِ بِالعَدْلِ والشَّهادَةِ لِوَجْهِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وأتى بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ في قَوّامِينَ حَتّى لا يَكُونَ مِنهم جَوْرٌ ما. والقِسْطُ: العَدْلُ. ومَعْنى ﴿شُهَداءَ لِلَّهِ﴾؛ أيْ لِوَجْهِ اللَّهِ، لا يُراعِي في الشَّهادَةِ إلّا جِهَةَ اللَّهِ تَعالى. والظّاهِرُ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿شُهَداءَ لِلَّهِ﴾ مِنَ الشَّهادَةِ في الحُقُوقِ؛ ولِذَلِكَ أتْبَعَهُ بِما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾، وهَكَذا فَسَّرَهُ المُفَسِّرُونَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: شُهَداءَ لِلَّهِ مَعْناهُ بِالوَحْدانِيَّةِ. (p-٣٦٩)ويَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾، بِقَوْلِهِ: ﴿قَوّامِينَ بِالقِسْطِ﴾؛ والتَّأْوِيلُ الأوَّلُ أبْيَنُ، انْتَهى كَلامُهُ. ويُضَعِّفُهُ أنَّهُ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وهم شُهَداءُ لِلَّهِ بِالوَحْدانِيَّةِ؛ إلّا إنْ أُرِيدَ اسْتِمْرارُ الشَّهادَةِ.
وتَقَدَّمَتْ صِفَةُ (قَوّامِينَ) بِالقِسْطِ عَلى ﴿شُهَداءَ لِلَّهِ﴾؛ لِأنَّ القِيامَ بِالقِسْطِ أعَمُّ والشَّهادَةَ أخَصُّ. ولِأنَّ القِيامَ بِالقِسْطِ فِعْلٌ وقَوْلٌ، والشَّهادَةَ قَوْلٌ فَقَطْ. ومَعْنى: ﴿ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾؛ أيْ تَشْهَدُونَ عَلى أنْفُسِكم؛ أيْ تُقِرُّونَ بِالحَقِّ، وتُقِيمُونَ القِسْطَ عَلَيْها. والظّاهِرُ أنَّهُ أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ أنْفُسَ الشُّهَداءِ لِلَّهِ تَعالى. وأبْعَدَ مَن جَوَّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى في أنْفُسِكم: الأهْلُ والأقارِبُ، وأنْ يَكُونَ ﴿أوِ الوالِدَيْنِ﴾ تَفْسِيرًا لِأنْفُسِكم، ويُضَعِّفُهُ العَطْفُ بَـ (أوْ) . وانْتَصَبَ (شُهَداءَ) عَلى أنَّهُ خَبْرٌ بَعْدَ خَبَرٍ. ومَن ذَهَبَ إلى جَعْلِهِ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في قَوّامِينَ كَأبِي البَقاءِ؛ فَقَوْلُهُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ فِيها تَقْيِيدَ القِيامِ بِالقِسْطِ؛ سَواءٌ كانَ مِثْلَ هَذا أمْ لا. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما ما يَشْهَدُ لِهَذا القَوْلِ الضَّعِيفِ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ كُونُوا قَوّامِينَ بِالعَدْلِ في الشَّهادَةِ عَلى مَن كانَ، ومَجِيءُ لَوْ هُنا لِاسْتِقْصاءِ جَمِيعِ ما يُمْكِنُ فِيهِ الشَّهادَةُ، لَما كانَتِ الشَّهادَةُ مِنَ الإنْسانِ عَلى نَفْسِهِ بِصَدَدِ أنْ لا يُقِيمَها لِما جُبِلَ عَلَيْهِ المَرْءُ مِن مُحاباةِ نَفْسِهِ، ومُراعاتِها. نَبَّهَ عَلى هَذِهِ الحالِ، وجاءَ هَذا التَّرْتِيبُ في الِاسْتِقْصاءِ في غايَةٍ مِنَ الحُسْنِ والفَصاحَةِ. فَبَدَأ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾؛ لِأنَّهُ لا شَيْءَ أعَزُّ عَلى الإنْسانِ مِن نَفْسِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ الوالِدَيْنِ، وهُما أقْرَبُ إلى الإنْسانِ، وسَبَبُ نَشْأتِهِ؛ وقَدْ أمَرَ بِبِرِّهِما، وتَعْظِيمِهِما والحَوْطَةِ لَهُما، ثُمَّ ذَكَرَ الأقْرَبِينَ؛ وهم مَظِنَّةُ المَحَبَّةِ والتَّعَصُّبِ. وإذا كانَ هَؤُلاءِ أُمِرَ في حَقِّهِمْ بِالقِسْطِ والشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ، فالأجْنَبِيُّ أحْرى بِذَلِكَ. والآيَةُ تَعَرَّضَتْ لِلشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ لا لَهم، فَلا دَلالَةَ فِيها عَلى الشَّهادَةِ لَهم، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ. ولَوْ شَرْطِيَّةٌ بِمَعْنى (إنْ)، وقَوْلُهُ عَلى أنْفُسِكم مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: وإنْ كُنْتُمْ شُهَداءَ عَلى أنْفُسِكم فَكُونُوا شُهَداءَ لِلَّهِ، هَذا تَقْرِيرُ الكَلامِ. وحَذْفُ (كانَ) بَعْدَ (لَوْ) كَثِيرٌ تَقُولُ: ائْتِنِي بِتَمْرٍ ولَوْ حَشَفًا؛ أيْ وإنْ كانَ التَّمْرُ حَشَفًا فائْتِنِي بِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَوْ عَلى أنْفُسِكم مُتَعَلِّقٌ بِشُهَداءَ. فَإنْ عَنى (شُهَداءَ) هَذا المَلْفُوظَ بِهِ فَلا يَصِحُّ ذَلِكَ، وإنْ عَنى الَّذِي قَدَّرْناهُ نَحْنُ فَيَصِحُّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَوْ عَلى أنْفُسِكم، ولَوْ كانَتِ الشَّهادَةُ عَلى أنْفُسِكم أوْ آبائِكم أوْ أقارِبِكم. فَإنْ قُلْتَ: الشَّهادَةُ عَلى الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ أنْ يَقُولَ: أشْهَدُ أنَّ لِفُلانٍ عَلى والِدِي كَذا، وعَلى أقارِبِي، فَما مَعْنى الشَّهادَةِ عَلى نَفْسِهِ ؟ قُلْتُ: هي الإقْرارُ عَلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى الشَّهادَةِ عَلَيْها بِإلْزامِ الحَقِّ لَها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وإنْ كانَتِ الشَّهادَةُ وبالًا عَلى أنْفُسِكم، أوْ عَلى (p-٣٧٠)آبائِكم وأقارِبِكم؛ وذَلِكَ أنْ يَشْهَدَ عَلى مَن تَوَقَّعَ ضَرَرَهُ مِن سُلْطانٍ ظالِمٍ أوْ غَيْرِهِ، انْتَهى كَلامُهُ. وتَقْدِيرُهُ: ولَوْ كانَتِ الشَّهادَةُ عَلى أنْفُسِكم لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ المَحْذُوفَ إنَّما يَكُونُ مِن جِنْسِ المَلْفُوظِ بِهِ قَبْلُ لِيَدُلَّ عَلَيْهِ؛ فَإذا قُلْتَ: كُنْ مُحْسِنًا لِمَن أساءَ إلَيْكَ، فَتُحْذَفُ (كانَ) واسْمُها والخَبَرُ، ويَبْقى مُتَعَلِّقُهُ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، ولا تُقَدِّرُهُ: ولَوْ كانَ إحْسانُكَ لِمَن أساءَ. فَلَوْ قُلْتَ: لِيَكُنْ مِنكَ إحْسانٌ، ولَوْ لِمَن أساءَ، فَتُقَدِّرُ: ولَوْ كانَ الإحْسانُ لِمَن أساءَ؛ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ؛ ولَوْ قَدَّرْتَهُ: ولَوْ كُنْتَ مُحْسِنًا لِمَن أساءَ إلَيْكَ لَمْ يَكُنْ جَيِّدًا؛ لِأنَّكَ تَحْذِفُ ما لا دَلالَةَ عَلَيْهِ بِلَفْظٍ مُطابِقٍ. وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وإنْ كانَتِ الشَّهادَةُ وبالًا عَلى أنْفُسِكم هَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ ما تَعَلَّقَ بِهِ الظَّرْفُ كَوْنٌ مُقَيَّدٌ، ولا يَجُوزُ حَذْفُ الكَوْنِ المُقَيَّدِ. لَوْ قُلْتَ: كانَ زَيْدٌ فِيكَ، وأنْتَ تُرِيدُ مُحِبًّا فِيكَ؛ لَمْ يَجُزْ؛ لِأنَّ مُحِبًّا مُقَيَّدٌ؛ وإنَّما ذَلِكَ جائِزٌ في الكَوْنِ المُطْلَقِ، وهو: تَقْدِيرٌ كائِنٌ أوْ مُسْتَقِرٌّ.
﴿إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا فاللَّهُ أوْلى بِهِما﴾؛ أيْ إنْ يَكُنِ المَشْهُودُ عَلَيْهِ غَنِيًّا، فَلا تَمْتَنِعُ مِنَ الشَّهادَةِ عَلَيْهِ لِغِناهُ، أوْ فَقِيرًا فَلا تَمْنَعْها تَرَحُّمًا عَلَيْهِ وإشْفاقًا. فَعَلى هَذا الجَوابُ مَحْذُوفٌ؛ لِأنَّ العَطْفَ هو بِـ (أوْ)، ولا يُثَنّى الضَّمِيرُ إذا عُطِفَ بِها، بَلْ يُفْرَدُ . وتَقْدِيرُ الجَوابِ: فَلْيَشْهَدْ عَلَيْهِ، ولا يُراعِي الغَنِيَّ لِغِناهُ، ولا لِخَوْفٍ مِنهُ، ولا الفَقِيرَ لِمَسْكَنَتِهِ وفَقْرِهِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: فاللَّهُ أوْلى بِهِما لَيْسَ هو الجَوابَ، بَلْ لَمّا جَرى ذِكْرُ الغَنِيِّ والفَقِيرِ عادَ الضَّمِيرُ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ؛ كَأنَّهُ قِيلَ فاللَّهُ أوْلى بِجِنْسَيِ الغَنِيِّ والفَقِيرِ؛ أيْ بِالأغْنِياءِ والفُقَراءِ. وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ: فاللَّهُ أوْلى بِهِمْ ما يَشْهَدُ بِإرادَةِ الجِنْسِ. وذَهَبَ الأخْفَشُ وقَوْمٌ إلى أنَّ (أوْ) في مَعْنى الواوِ؛ فَعَلى قَوْلِهِمْ يَكُونُ الجَوابُ: فاللَّهُ أوْلى بِهِما؛ أيْ حَيْثُ شَرَعَ الشَّهادَةَ عَلَيْهِما، وهو أنْظَرُ لَهُما مِنكم. ولَوْلا أنَّ الشَّهادَةَ عَلَيْهِما مَصْلَحَةٌ لَهُما لَما شَرَعَها. وقالَ الأُسْتاذُ أبُو الحَسَنِ بْنُ عُصْفُورٍ: وقَدْ ذَكَرَ العَطْفَ بِالواوِ وثُمَّ؛ وحَتّى ما نَصُّهُ تَقُولُ: زَيْدٌ أوْ عُمَرُ، وقامَ زَيْدٌ لا عُمَرُ وقامَ، وكَذَلِكَ سائِرُ ما بَقِيَ مِن حُرُوفِ العَطْفِ يَعْنِي غَيْرَ الواوِ وحَتّى والفاءِ وثُمَّ والَّذِي بَقِيَ بَلْ ولَكِنْ وأمْ. قالَ: لا تَقُولُ قاما؛ لِأنَّ القائِمَ إنَّما هو أحَدُهُما لا غَيْرُ، ولا يَجُوزُ قاما إلّا في أوْ خاصَّةً؛ وذَلِكَ شُذُوذٌ لا يُقاسُ عَلَيْهِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا فاللَّهُ أوْلى بِهِما﴾؛ فَأعادَ الضَّمِيرَ عَلى الغَنِيِّ والفَقِيرِ لِتَفَرُّقِهِما في الذِّكْرِ، انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِسَدِيدٍ. ولا شُذُوذَ في الآيَةِ، ولا دَلِيلَ فِيها عَلى جَوازِ: زَيْدٌ أوْ عَمْرٌو قاما عَلى جِهَةِ الشُّذُوذِ، ولا غَيْرُهُ. ولِأنَّ قَوْلَهُ ﴿فاللَّهُ أوْلى بِهِما﴾ لَيْسَ بِجَوابٍ كَما قَرَّرْناهُ، والضَّمِيرُ لَيْسَ عائِدًا عَلى الغَنِيِّ والفَقِيرِ المَلْفُوظِ بِهِما في الآيَةِ؛ وإنَّما يَعُودُ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى مِن جِنْسَيِ الغَنِيِّ والفَقِيرِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: إنْ يَكُنْ غَنِيٌّ أوْ فَقِيرٌ عَلى أنَّ (كانَ) تامَّةٌ.
﴿فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى أنْ تَعْدِلُوا﴾ لَمّا أمَرَ تَعالى بِالقِيامِ بِالعَدْلِ وبِالشَّهادَةِ لِمَرْضاةِ اللَّهِ نَهى عَنِ اتِّباعِ الهَوى، وهو ما تَمِيلُ إلَيْهِ النَّفْسُ مِمّا لَمْ يُبِحْهُ اللَّهُ تَعالى، وإنْ تَعْدِلُوا مِنَ العُدُولِ عَنِ الحَقِّ، أوْ مِنَ العَدْلِ، وهو القِسْطُ. فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: إرادَةَ أنْ تَجُورُوا، أوْ مَحَبَّةَ أنْ تَجُورُوا. وعَلى الثّانِي يَكُونُ التَّقْدِيرُ: كَراهَةَ أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النّاسِ، وتُقْسِطُوا. وعَكَسَ ابْنُ عَطِيَّةَ هَذا التَّقْدِيرَ؛ فَقالَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ مَخافَةَ أنْ تَعْدِلُوا، ويَكُونُ العَدْلُ بِمَعْنى القِسْطِ؛ كَأنَّهُ قالَ: انْتَهُوا خَوْفَ أنْ تَجُورُوا، أوْ مَحَبَّةَ أنْ تُقْسِطُوا. فَإنْ جَعَلْتَ العامِلَ (تَتَّبِعُوا) فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: مَحَبَّةَ أنْ تَجُورُوا انْتَهى كَلامُهُ. وهَذا الَّذِي قَرَّرَهُ مِنَ التَّقْدِيرِ يَكُونُ العامِلُ في أنْ تَعْدِلُوا فِعْلًا مَحْذُوفًا مِن مَعْنى النَّهْيِ. وكانَ الكَلامُ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى﴾، ثُمَّ أضْمَرَ فِعْلًا، وقَدَّرَهُ: انْتَهُوا خَوْفَ أنْ تَجُورُوا، أوْ مَحَبَّةَ أنْ تُقْسِطُوا؛ ولِذَلِكَ قالَ: فَإنْ جَعَلْتَ العامِلَ تَتَبَّعُوا. والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الظّاهِرُ أنَّ العامِلَ هو تَتَّبِعُوا، ولا حاجَةَ إلى إضْمارِ جُمْلَةٍ أُخْرى؛ فَيَكُونُ فِعْلُها عامِلًا في ﴿أنْ تَعْدِلُوا﴾ . وإذا كانَ العامِلُ تَتَّبِعُوا؛ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ الأوَّلُ هو المُتَّجِهُ، وعَلى هَذِهِ التَّقادِيرِ فَـ ﴿أنْ تَعْدِلُوا﴾ (p-٣٧١)مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: أنْ لا تَعْدِلُوا؛ فَحَذَفَ (لا) أيْ لا تَتَّبِعُوا الهَوى في تَرْكِ العَدْلِ. وقِيلَ المَعْنى لا تَتَّبِعُوا الهَوى لِتَعْدِلُوا؛ أيْ لِتَكُونُوا في اتِّباعِكُمُوهُ عُدُولًا؛ تَنْبِيهًا أنَّ اتِّباعَ الهَوى، وتَحَرِّيَ العَدالَةِ مُتَنافِيانِ لا يَجْتَمِعانِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: المَعْنى اتْرُكُوا مُتابَعَةَ الهَوى حَتّى تَصِيرُوا مَوْصُوفِينَ بِصِفَةِ العَدْلِ. والعَدْلُ عِبارَةٌ عَنْ تَرْكِ مُتابَعَةِ الهَوى، ومَن تَرَكَ أحَدَ النَّقِيضَيْنِ فَقَدْ حَصَلَ لَهُ الآخَرُ؛ فالتَّقْدِيرُ: لِأجْلِ أنْ تَعْدِلُوا.
﴿وإنْ تَلْوُوا أوْ تُعْرِضُوا﴾ الظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ لِلْمَأْمُورِينَ بِالقِيامِ بِالقِسْطِ والشَّهادَةِ لِلَّهِ والمَنهِيِّينَ عَنِ اتِّباعِ الهَوى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو في لَيِّ الحاكِمِ عُنُقَهُ عَنْ أحَدِ الخَصْمَيْنِ. وقالَ مُجاهِدٌ نَحْوَهُ قالَ: لَيُّ الحاكِمِ شِدْقَهُ لِأحَدِ الخَصْمَيْنِ مَيْلًا إلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ ومُجاهِدٌ: هي في الشُّهُودِ يَلْوِي الشَّهادَةَ بِلِسانِهِ فَيُحَرِّفُها، ولا يَقُولُ الحَقَّ فِيها، أوْ يُعْرِضُ عَنْ أداءِ الحَقِّ فِيها، ويَقُولُ مَعْناهُ: يُدافِعُوا الشَّهادَةَ مِن لَيِّ الغَرِيمِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنْ تَلْوُوا ألْسِنَتَكم عَنْ شَهادَةِ الحَقِّ، أوْ حُكُومَةِ العَدْلِ، أوْ تُعْرِضُوا عَنِ الشَّهادَةِ بِما عِنْدَكم، وتَمْنَعُوها.
وقَرَأ جَماعَةٌ في الشّاذِّ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ: وإنْ تَلُوا بِضَمِّ اللّامِ بِواوٍ واحِدَةٍ، ولَحَّنَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ قارِئَ هَذِهِ القِراءَةِ. قالَ: لا مَعْنى لِلِّوايَةِ هُنا؛ وهَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّها قِراءَةٌ مُتَواتِرَةٌ في السَّبْعِ، ولَها مَعْنًى صَحِيحٌ وتَخْرِيجٌ حَسَنٌ؛ فَنَقُولُ: اخْتُلِفَ في قَوْلِهِ ﴿وإنْ تَلْوُوا﴾ .
فَقِيلَ هي مِنَ الوِلايَةِ؛ أيْ وإنْ ولِيتُمْ إقامَةَ الشَّهادَةِ، أوْ أعْرَضْتُمْ عَنْ إقامَتِها؛ والوِلايَةُ عَلى الشَّيْءِ هو الإقْبالُ عَلَيْهِ. وقِيلَ هو مِنَ اللَّيِّ، وأصْلُهُ: تَلْوُوا، وأُبْدِلَتِ الواوُ المَضْمُومَةُ هَمْزَةً، ثُمَّ نُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى اللّامِ، وحُذِفَتْ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ وأبُو عَلِيٍّ والنَّحّاسُ، ونُقِلَ عَنِ النَّحّاسِ أيْضًا أنَّهُ اسْتُثْقِلَتِ الحَرَكَةُ عَلى الواوِ، فَأُلْقِيَتْ عَلى اللّامِ، وحُذِفَتْ إحْدى الواوَيْنِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ.
﴿فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ هَذا فِيهِ وعِيدٌ لِمَن لَوى عَنِ الشَّهادَةِ أوْ أعْرَضَ عَنْها.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي أنْزَلَ مِن قَبْلُ﴾ مُناسَبَتُها لِما قَبْلَها؛ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالقِيامِ بِالقِسْطِ والشَّهادَةِ لِلَّهِ؛ بَيَّنَ أنَّهُ لا يَتَّصِفُ بِذَلِكَ إلّا مَن كانَ راسِخَ القَدَمِ في الإيمانِ بِالأشْياءِ المَذْكُورَةِ، في هَذِهِ الآيَةِ، فَأمَرَ بِها. والظّاهِرُ أنَّهُ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. ومَعْنى: آمِنُوا داوِمُوا عَلى الإيمانِ؛ قالَهُ الحَسَنُ، وهو أرْجَحُ؛ لِأنَّ لَفْظَ المُؤْمِنِ مَتى أُطْلِقَ لا يَتَناوَلُ إلّا المُسْلِمَ. وقِيلَ لِلْمُنافِقِينَ؛ أيْ يا أيُّها الَّذِينَ أظْهَرُوا الإيمانَ بِألْسِنَتِهِمْ آمِنُوا بِقُلُوبِكم. وقِيلَ لِمَن آمَنَ بِمُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ؛ أيْ يا مَن آمَنَ بِنَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ آمِن بِمُحَمَّدٍ. وقِيلَ هم جَمِيعُ الخَلْقِ؛ أيْ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا يَوْمَ أخْذِ المِيثاقِ حِينَ قالَ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] . وقِيلَ اليَهُودُ خاصَّةً. وقِيلَ المُشْرِكُونَ آمَنُوا بِاللّاتَ والعُزّى والأصْنامِ والأوْثانِ. وقِيلَ: آمَنُوا عَلى سَبِيلِ التَّقْلِيدِ آمِنُوا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِدْلالِ. وقِيلَ آمَنُوا في الماضِي والحاضِرِ، آمِنُوا في المُسْتَقْبَلِ.
ونَظِيرُهُ: ﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] مَعَ أنَّهُ كانَ عالِمًا بِذَلِكَ. ورُوِيَ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ، وسَلّامًا ابْنَ أُخْتِهِ، وسَلَمَةَ ابْنَ أخِيهِ، وأسَدًا وأُسَيْدًا ابْنَيْ كَعْبٍ، وثَعْلَبَةَ بْنَ قَيْسٍ، ويامِينَ أتَوُا الرَّسُولَ، وقالُوا نُؤْمِنُ بِكَ وبِكِتابِكَ، ومُوسى والتَّوْراةِ، وعُزَيْرٍ، ونَكْفُرُ بِما سِواهُ مِنَ الكُتُبِ والرُّسُلِ؛ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: بَلْ آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وكِتابِهِ القُرْآنِ، وبِكُلِّ كِتابٍ كانَ قَبْلَهُ؛ فَقالُوا: لا نَفْعَلُ؛ فَنَزَلَتْ فَآمَنُوا كُلُّهم» .
﴿والكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ﴾ هو القُرْآنُ بِلا خِلافٍ ﴿والكِتابِ الَّذِي أنْزَلَ مِن قَبْلُ﴾ المُرادُ بِهِ جِنْسُ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ آخَرًا: وكَتَبَهُ، وإنْ كانَ الخِطابُ لِلْيَهُودِ والنَّصارى، فَكَيْفَ قِيلَ لَهم ﴿والكِتابِ الَّذِي أنْزَلَ مِن قَبْلُ﴾، وهم مُؤْمِنُونَ بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ. وأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ بِهِما فَحَسْبُ، وما كانُوا مُؤْمِنِينَ بِكُلِّ ما أُنْزِلَ (p-٣٧٢)مِنَ الكُتُبِ؛ فَأُمِرُوا أنْ يُؤْمِنُوا بِجَمِيعِ الكُتُبِ. أوْ لِأنَّ إيمانَهم بِبَعْضٍ لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ طَرِيقَ الإيمانِ بِالجَمِيعِ واحِدٌ، وهو المُعْجِزَةُ. وقَرَأ العَرَبِيّانِ، وابْنُ كَثِيرٍ: (نُزِّلَ) و(أُنْزِلَ) بِالبَنّاءِ لِلْمَفْعُولِ والباقُونَ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ، وأنْزَلَ مِن قَبْلُ ؟ قُلْتُ: لِأنَّ القُرْآنَ نَزَلَ مُنَجَّمًا مُفَرَّقًا في عِشْرِينَ سَنَةً بِخِلافِ الكُتُبِ قَبْلَهُ، انْتَهى. وهَذِهِ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ (نَزَّلَ) و(أنْزَلَ) لا تَصِحُّ لِأنَّ التَّضْعِيفَ في (نَزَّلَ) لَيْسَ لِلتَّكْثِيرِ والتَّفْرِيقِ؛ وإنَّما هو لِلتَّعْدِيَةِ، وهو مُرادِفٌ لِلْهَمْزَةِ. وقَدْ أشْبَعْنا الرَّدَّ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ في دَعْواهُ ذَلِكَ أوَّلَ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
﴿ومَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ جَوابُ الشَّرْطِ لَيْسَ مُتَرَتِّبًا عَلى الكُفْرِ بِالمَجْمُوعِ، بَلِ المَعْنى: ومَن يَكْفُرْ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ. وقُرِئَ: وكِتابِهِ عَلى الإفْرادِ والمُرادُ جِنْسُ الكُتُبِ. ولَمّا كانَ خَيْرَ الإيمانِ عَلِقَ بِثَلاثَةٍ: بِاللَّهِ والرَّسُولِ والكُتُبِ؛ لِأنَّ الإيمانَ بِالكُتُبِ تَضَمَّنَ الإيمانَ بِالمَلائِكَةِ واليَوْمِ الآخِرِ، وبُولِغَ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ المَلِكَ مُغَيَّبٌ عَنّا، وكَذَلِكَ اليَوْمُ الآخِرُ لَمْ يَقَعْ، وهو مُنْتَظَرٌ، فَنَصَّ عَلَيْهِما عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ؛ ولِئَلّا يَتَأوَّلَهُما مُتَأوِّلٌ عَلى خِلافِ ما هُما عَلَيْهِ. فَمَن أنْكَرَ المَلائِكَةَ أوِ القِيامَةَ فَهو كافِرٌ، وقَدَّمَ الكُتُبَ عَلى الرُّسُلِ عَلى التَّرْتِيبِ الوُجُودِيِّ؛ لِأنَّ المَلَكَ يَنْزِلُ بِالكُتُبِ والرُّسُلُ تَتَلَقّى الكُتُبَ مِنَ المَلَكِ. وقَدَّمَ في الأمْرِ بِالإيمانِ المَوْصُولِ عَلى الكِتابِ؛ لِأنَّ الرَّسُولَ أوَّلُ ما يُباشِرُهُ المُؤْمِنَ ثُمَّ يَتَلَقّى الكِتابَ مِنهُ. فَحَيْثُ نَفى الإيمانَ كانَ عَلى التَّرْتِيبِ الوُجُودِيِّ، وحَيْثُ أثْبَتَ كانَ عَلى التَّرْتِيبِ اللِّقائِيِّ، وهو راجِعٌ لِلْوُجُودِ في حَقِّ المُؤْمِنِ.
النساء 4:133
﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ ولَوْ حَرَصْتُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في النَّبِيِّ ﷺ ومَيْلِهِ بِقَلْبِهِ إلى عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، انْتَهى. ونَبَّهَ تَعالى عَلى (p-٣٦٥)انْتِفاءِ اسْتِطاعَةِ العَدْلِ بَيْنَ النِّساءِ والتَّسْوِيَةِ، حَتّى لا يَقَعَ مَيْلٌ البَتَّةَ، ولا زِيادَةٌ ولا نُقْصانٌ فِيما يَجِبُ لَهُنَّ. وفي ذَلِكَ عُذْرٌ لِلرِّجالِ فِيما يَقَعُ مِنَ التَّفاوُتِ في المَيْلِ القَلْبِيِّ والتَّعَهُّدِ والنَّظَرِ والتَّأْنِيسِ والمُفاكَهَةِ؛ فَإنَّ التَّسْوِيَةَ في ذَلِكَ مَجالٌ خارِجٌ عَنْ حَدِّ الِاسْتِطاعَةِ؛ وعَلَّقَ انْتِفاءَ الِاسْتِطاعَةِ في التَّسْوِيَةِ عَلى تَقْدِيرِ وُجُودِ الحِرْصِ مِنَ الإنْسانِ عَلى ذَلِكَ. وقِيلَ مَعْنى أنْ تَعْدِلُوا في المَحَبَّةِ قالَهُ عُمَرُ وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ. وقِيلَ في التَّسْوِيَةِ والقَسَمِ. وقِيلَ في الجِماعِ. وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ " «أنَّهُ كانَ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسائِهِ فَيَعْدِلُ، ويَقُولُ: هَذِهِ قِسْمَتِي فِيما أمْلِكُ، فَلا تُؤاخِذْنِي فِيما تَمْلِكُ، ولا أمَلِكُ يَعْنِي المَحَبَّةَ»؛ لِأنَّ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها كانَتْ أحَبَّ إلَيْهِ، وكانَ عُمَرُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ قَلْبِي فَلا أمْلِكُهُ، وأمّا ما سِوى ذَلِكَ فَأرْجُو أنْ أعْدِلَ فِيهِ.
﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ فَتَذَرُوها كالمُعَلَّقَةِ﴾ نَهى تَعالى عَنِ الجَوْرِ عَلى المَرْغُوبِ؛ أيْ إنْ وقَعَ مِنكُمُ التَّفْرِيطُ في شَيْءٍ مِنَ المُساواةِ، فَلا تَجُورُوا كُلَّ الجَوْرِ. والضَّمِيرُ في فَتَذَرُوها عائِدٌ عَلى المَمِيلِ عَنْها، المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ﴾ .
وقَرَأ أُبَيٌّ: فَتَذْرُوها كالمَسْجُونَةِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: فَتَذْرُوها كَأنَّها مُعَلَّقَةٌ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ المُعَلَّقَةِ في الكَلامِ عَلى المُفْرَداتِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كالمَحْبُوسَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ. وقِيلَ مَعْنى كالمُعَلَّقَةِ كالبَعِيدَةِ عَنْ زَوْجِها. قِيلَ أوْ عَنْ حَقِّها، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ مَأْخُوذٌ مِن تَعْلِيقِ الشَّيْءِ لِبُعْدِهِ عَنْ قَرارِهِ. وتَذْرُوها يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَجْزُومًا عَطْفًا عَلى تَمِيلُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِإضْمارِ (أنْ) في جَوابِ النَّهْيِ. وكالمُعَلِّقَةِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ؛ فَتَتَعَلَّقَ الكافُ بِمَحْذُوفٍ. وفي الحَدِيثِ: «مَن كانَتْ لَهُ امْرَأتانِ يَمِيلُ مَعَ إحْداهُما جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ وأحَدُ شِقَّيْهِ مائِلٌ» والمَعْنى: يَمِيلُ مَعَ إحْداهُما كُلَّ المَيْلِ، لا مُطْلَقَ المَيْلِ. «وقَدْ فاضَلَ عُمَرُ في عَطاءٍ بَيْنَ أزْواجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَأبَتْ عائِشَةُ، وقالَتْ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَعْدِلُ بَيْنَنا في القَسِيمَةِ بِمالِهِ ونَفْسِهِ، فَساوى عُمَرُ بَيْنَهُنَّ»، وكانَ لِمُعاذٍ امْرَأتانِ؛ فَإذا كانَ عِنْدَ إحْداهُما، لَمْ يَتَوَضَّأْ في بَيْتِ الأُخْرى، فَماتَتا في الطّاعُونِ، فَدَفَنَهُما في قَبْرٍ واحِدٍ.
﴿وإنْ تُصْلِحُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنْ تُصْلِحُوا ما مَضى مِن قِبَلِكم، وتَتَدارَكُوهُ بِالتَّوْبَةِ، وتَتَّقُوا فِيما يُسْتَقْبَلُ غَفَرَ اللَّهُ لَكم انْتَهى. وفي ذَلِكَ نَزْغَةُ الِاعْتِزالِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإنْ تُصْلِحُوا ما أفْسَدْتُمْ بِسُوءِ العِشْرَةِ، وتَلْزَمُوا ما يَلْزَمُكم مِنَ العَدْلِ فِيما تَمْلِكُونَ؛ فَإنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا لِما تَمْلِكُونَهُ مُتَجاوِزًا عَنْهُ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: غَفُورًا لِما سَلَفَ مِنكم مِنَ المَيْلِ كُلَّ المَيْلِ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ، انْتَهى؛ فَعَلى هَذا هي مَغْفِرَةٌ مُخَصَّصَةٌ لِقَوْمٍ بِأعْيانِهِمْ واقَعُوا المَحْظُورَ في مُدَّةِ النَّبِيِّ ﷺ، وخَتَمَتْ تِلْكَ بِالإحْسانِ، وهَذِهِ بِالإصْلاحِ؛ لِأنَّ الأُولى في مَندُوبٍ إلَيْهِ إذْ لَهُ أنْ لا يُحْسِنَ، وأنْ يَشِحَّ، ويُصالِحَ بِما يُرْضِيهِ، وهَذِهِ في لازِمٍ إذْ لَيْسَ لَهُ إلّا أنْ يُصْلِحَ، بَلْ يَلْزَمُهُ العَدْلُ فِيما يَمْلِكُ.
﴿وإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِن سَعَتِهِ﴾ الضَّمِيرُ في يَتَفَرَّقا عائِدٌ عَلى الزَّوْجَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها﴾ [النساء: ١٢٨] والمَعْنى: وإنْ شَحَّ كُلٌّ مِنهُما، ولَمْ يَصْطَلِحا، وتَفَرَّقا بِطَلاقٍ؛ فاللَّهُ يُغْنِي كُلًّا مِنها عَنْ صاحِبِهِ بِفَضْلِهِ، ولُطْفِهِ في المالِ والعِشْرَةِ والسِّعَةِ. ووُجُودِ المُرادِ، والسِّعَةُ الغِنى والمَقْدِرَةُ، وهَذا وعْدٌ بِالغِنى لِكُلِّ واحِدٍ إذا تَفَرَّقا، وهو مَعْرُوفٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى. ونِسْبَةُ الفِعْلِ إلَيْهِما يَدُلُّ عَلى أنَّ لِكُلٍّ مِنهُما مَدْخَلًا في التَّفَرُّقِ، وهو التَّفَرُّقُ بِالأبْدانِ، وتَراخِي المُدَّةِ بِزَوالِ العِصْمَةِ، ولا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَفَرُّقٌ بِالقَوْلِ وهو طَلاقٌ؛ لِأنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالزَّوْجِ، ولا نَصِيبَ لِلْمَرْأةِ في التَّفَرُّقِ القَوْلِيِّ؛ فَيُسْنَدُ إلَيْها خِلافًا لِمَن ذَهَبَ إلى أنَّ التَّفَرُّقَ هاهُنا هو بِالقَوْلِ، وهو الطَّلاقُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ أفْلَحَ: وإنْ يَتَفارَقا بِألِفِ المُفاعَلَةِ؛ أيْ وإنْ (p-٣٦٦)يُفارِقْ كُلٌّ مِنهُما صاحِبَهُ. وهَذِهِ الآيَةُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقَوْلُ العَرَبِ: إنْ لَمْ يَكُنْ وِفاقٌ فَطَلاقٌ. فَنَبَّهَ تَعالى عَلى أنَّ لَهُما أنْ يَتَفارَقا؛ كَما أنَّ لَهُما أنْ يَصْطَلِحا. ودَلَّ ذَلِكَ عَلى الجَوازِ، قالُوا: وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِن سَعَتِهِ﴾ إشارَةٌ إلى الغِنى بِالمالِ. وكانَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما فِيما رَوَوْا طُلَقَةً ذُوَقَةً فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ فَقالَ: إنِّي رَأيْتُ اللَّهَ تَعالى عَلَّقَ الغِنى بِأمْرَيْنِ فَقالَ: ﴿وأنْكِحُوا الأيامى﴾ [النور: ٣٢] الآيَةَ، وقالَ: ﴿وإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِن سَعَتِهِ﴾ .
﴿وكانَ اللَّهُ واسِعًا حَكِيمًا﴾ ناسَبَ ذَلِكَ ذِكْرَ السَّعَةِ؛ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ مِن سِعَتِهِ. والواسِعُ عامٌّ في الغِنى والقُدْرَةِ والعِلْمِ، وسائِرِ الكِمالاتِ. وناسَبَ ذِكْرَ وصْفِ الحِكْمَةِ، وهو وضْعُ الشَّيْءِ مَوْضِعَ ما يُناسِبُ؛ لِأنَّ السَّعَةَ ما لَمْ تَكُنْ مَعَها الحِكْمَةُ كانَتْ إلى فَسادٍ أقْرَبَ مِنها لِلصَّلاحِ؛ قالَهُ الرّاغِبُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ فِيما حَكَمَ ووَعَظَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: فِيما حَكَمَ عَلى الزَّوْجِ مِن إمْساكِها بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٍ بِإحْسانٍ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: أوْ حَيْثُ نُدِبَ إلى الفُرْقَةِ عِنْدَ اخْتِلافِهِما وعَدَمِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُما.
﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى سَعَةَ رِزْقِهِ، وحِكْمَتَهُ، ذَكَرَ أنَّ لَهُ مُلْكَ ما في السَّماواتِ، وما في الأرْضِ؛ فَلا يَعْتاضُّ عَلَيْهِ غِنى أحَدٍ، ولا التَّوْسِعَةُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ مَن لَهُ ذَلِكَ هو الغَنِيُّ المُطْلَقُ.
﴿ولَقَدْ وصَّيْنا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم وإيّاكم أنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ وصَّيْنا: أمَرْنا أوْ عَهِدْنا إلَيْهِمْ وإلَيْكم، ومِن قَبْلِكم: يُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ (أُوتُوا)؛ وهو الأقْرَبُ، أوْ بِـ (وصَّيْنا) . والمَعْنى: أنَّ الوَصِيَّةَ بِالتَّقْوى هي سُنَّةُ اللَّهِ مَعَ الأُمَمِ الماضِيَةِ، فَلَسْتُمْ مَخْصُوصِينَ بِهَذِهِ الوَصِيَّةِ. و(إيّاكم) عَطْفٌ عَلى المَوْصُولِ، وتَقَدَّمَ المَوْصُولُ؛ لِأنَّ وصِيَّتَهُ هي السّابِقَةُ عَلى وصَّيْنا، فَهو تَقَدُّمٌ بِالزَّمانِ. ومِثْلُ هَذا العَطْفِ - أعْنِي عَطْفَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ المُنْفَصِلِ عَلى الظّاهِرِ - فَصِيحٌ جاءَ في القُرْآنِ وفي كَلامِ العَرَبِ، ولا يَخْتَصُّ بِالشِّعْرِ، وقَدْ وهِمَ في ذَلِكَ بَعْضُ أصْحابِنا وشُيُوخِنا؛ فَزَعَمَ أنَّهُ لا يَجُوزُ إلّا في الشِّعْرِ؛ لِأنَّكَ تَقْدِرُ عَلى أنْ تَأْتِيَ بِهِ مُتَّصِلًا؛ فَتَقُولُ: آتِيكَ وزَيْدًا. ولا يَجُوزُ عِنْدَهُ: رَأيْتُ زَيْدًا وإيّاكَ إلّا في الشِّعْرِ، وهَذا وهْمٌ فاحِشٌ؛ بَلْ مِن مُوجَبِ انْفِصالِ الضَّمِيرِ كَوْنُهُ يَكُونُ مَعْطُوفًا؛ فَيَجُوزُ قامَ زَيْدٌ وأنْتَ، وخَرَجَ بَكْرٌ وأنا، لا خِلافَ في جَوازِ ذَلِكَ؛ فَكَذَلِكَ ضَرَبْتُ زَيْدًا وإيّاكَ.
والَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ هو عامٌّ في الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى تَخْصِيصِ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِاليَهُودِ والنَّصارى كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ؛ لِأنَّ وصِيَّةَ اللَّهِ بِالتَّقْوى لَمْ تَزَلْ مُذْ أوْجَدَ العالَمَ؛ فَلَيْسَتْ مَخْصُوصَةً بِاليَهُودِ والنَّصارى. وأنِ اتَّقُوا: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أيْ بِأنِ اتَّقُوا اللَّهَ، وأنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً التَّقْدِيرُ أيِ اتَّقُوا اللَّهَ؛ لِأنَّ وصَّيْنا فِيهِ مَعْنى القَوْلِ.
﴿وإنْ تَكْفُرُوا﴾ ظاهِرُهُ الخِطابُ لِمَن وقَعَ لَهُ الخِطابُ بِقَوْلِهِ: وإيّاكم، وهم هَذِهِ الأُمَّةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ شامِلًا لِلَّذِينِ أُوتُوا الكِتابَ، ولِلْمُخاطَبِينَ وغَلَبَ الخِطابُ عَلى ما تَقَرَّرَ في لِسانِ العَرَبِ كَما تَقُولُ: قُلْتُ لِزَيْدٍ ذَلِكَ، لا تَضْرِبْ عَمْرًا، وكَما تَقُولُ: زَيْدٌ وأنْتَ تَخْرُجانِ.
﴿فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾؛ أيْ أنْتُمْ مِن جُمْلَةِ مَن يَمْلِكُهُ تَعالى، وهو المُتَصَرِّفُ فِيكم؛ إذْ هو خالِقُكم والمُنْعِمُ عَلَيْكم بِأصْنافِ النِّعَمِ، وأنْتُمْ مَمْلُوكُونَ لَهُ، فَلا يُناسِبُ أنْ تَكْفُرُوا مَن هو مالِكُكم، وتُخالِفُونَ أمْرَهُ؛ بَلْ حَقُّهُ أنْ يُطاعَ ولا يُعْصى، وأنْ يُتَّقى عِقابُهُ، ويُرْجى ثَوابُهُ، ولِلَّهِ ما في سَمائِهِ وأرْضِهِ مَن يُوَحِّدُهُ ويَعْبُدُهُ، ولا يَعْصِيهِ.
﴿وكانَ اللَّهُ غَنِيًّا﴾؛ أيْ عَنْ خَلْقِهِ، وعَنْ عِبادَتِهِمْ لا تَنْفَعُهُ طاعَتُهم، ولا يَضُرُّهُ كُفْرُهم.
(حَمِيدًا)؛ أيْ مُسْتَحِقًّا لِأنْ يُحْمَدَ لِكَثْرَةِ نِعَمِهِ، وإنْ كَفَرْتُمُوهُ أنْتُمْ.
﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ الوَكِيلُ القائِمُ بِالأُمُورِ، المُنْفِذُ فِيها ما يَراهُ؛ فَمَن لَهُ مُلْكُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ، فَهو كافٍ فِيما يَتَصَرَّفُ فِيهِ، لا يَعْتَمِدُ عَلى غَيْرِهِ. وأعادَ قَوْلَهُ: ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ثَلاثَ مَرّاتٍ بِحَسَبِ السِّياقِ. (p-٣٦٧)فَقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الأوَّلُ: تَنْبِيهٌ عَلى مَوْضِعِ الرَّجاءِ يَهْدِي المُتَفَرِّقِينَ. والثّانِي: تَنْبِيهٌ عَلى اسْتِغْنائِهِ عَنِ العِبادِ. والثّالِثُ: مُقَدِّمَةٌ لِلْوَعِيدِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وتَكْرِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ تَقْرِيرٌ لِما هو مُوجِبٌ تَقْواهُ لِيَتَّقُوهُ؛ فَيُطِيعُوهُ ولا يَعْصُوهُ؛ لِأنَّ الخَشْيَةَ والتَّقْوى أصْلُ الخَيْرِ كُلِّهِ. وقالَ الرّاغِبُ: الأوَّلُ: لِلتَّسْلِيَةِ عَمّا فاتَ. والثّانِي: أنَّ وصِيَّتَهُ لِرَحْمَتِهِ لا لِحاجَةٍ، وأنَّهم إنْ كَفَرُوهُ لا يَضُرُّوهُ شَيْئًا. والثّالِثُ: دَلالَتُهُ عَلى كَوْنِهِ غَنِيًّا. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: الأوَّلُ: تَقْرِيرُ كَوْنِهِ واسِعَ الجُودِ. والثّانِي: لِلتَّنْزِيهِ عَنْ طاعَةِ المُطِيعِينَ. والثّالِثُ: لِقُدْرَتِهِ عَلى الإفْناءِ والإيجادِ؛ والغَرَضُ مِنهُ: تَقْرِيرُ كَوْنِهِ قادِرًا عَلى مَدْلُولاتٍ كَثِيرَةٍ فَيَحْسُنُ أنْ يَذْكُرَ ذَلِكَ الدَّلِيلَ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِن مَدْلُولاتِهِ، وهَذِهِ الإعادَةُ أحْسَنُ وأوْلى مِنَ الِاكْتِفاءِ بِذِكْرِ الدَّلِيلِ مَرَّةً واحِدَةً؛ لِأنَّهُ عِنْدَهُ إعادَةُ ذِكْرِ الدَّلِيلِ يُحْضِرُ في الذِّهْنِ ما يُوجِبُ العِلْمَ بِالمَدْلُولِ؛ وكانَ العِلْمُ الحاصِلُ بِذَلِكَ المَدْلُولِ أقْوى وأجَلَّ؛ فَظَهَرَ أنَّ هَذا التَّكْرارَ في غايَةِ الكَمالِ. وقالَ مَكِّيٌّ: نَبَّهْنا أوَّلًا عَلى مُلْكِهِ وسَعَتِهِ. وثانِيًا عَلى حاجَتِنا إلَيْهِ وغِناهُ، وثالِثًا عَلى حِفْظِهِ لَنا، وعِلْمِهِ بِتَدْبِيرِنا.
﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ ظاهِرُهُ أنَّ الخِطابَ لِمَن تَقَدَّمَ لَهُ الخِطابُ أوَّلًا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الخِطابُ لِلْمُشْرِكِينَ والمُنافِقِينَ والمَعْنى: ويَأْتِ بِآخَرِينَ مِنكم. وقَرِيبٌ مِنهُ ما نَقَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن أنَّهُ خِطابٌ لِمَن كانَ يُعادِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنَ العَرَبِ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: الخِطابُ لِلْكُفّارِ، وهو تَهْدِيدٌ لَهم؛ كَأنَّهُ قالَ: إنْ يَشَأْ يُهْلِكْكم كَما أهْلَكَ مَن قَبْلَكم إذْ كَفَرُوا بِرُسُلِهِ. وقِيلَ لِلْمُؤْمِنِينَ يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ النّاسِ؛ والمَعْنى: إنْ شاءَ يُهْلِكْكم كَما أنْشَأكم، وأنْشَأ قَوْمًا آخَرِينَ يَعْبُدُونَهُ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: الخِطابُ لِلَّذِينِ شَفَعُوا في طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ، وخاصَمَ وخاصَمُوا عَنْهُ في أمْرِ خِيانَتِهِ في الدِّرْعِ والدَّقِيقِ. وهَذا التَّأْوِيلُ بَعِيدٌ، وقَدْ يَظْهَرُ العُمُومُ فَيَكُونُ خِطابًا لِلْعالِمِ الحاضِرِ الَّذِي يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ الخِطابُ والنِّداءُ. ويَأْتِ بِآخَرِينَ أيْ بِناسٍ غَيْرِكم؛ فالمَأْتِيُّ بِهِ مِن نَوْعِ المُذْهَبِ؛ فَيَكُونُ مِن جِنْسِ المُخاطَبِ المُنادى، وهُمُ النّاسُ.
ورُوِيَ أنَّها لَمّا نَزَلَتْ ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ عَلى ظَهْرِ سَلْمانَ، وقالَ: (إنَّهم قَوْمُ هَذا) يُرِيدُ ابْنَ فارِسَ، وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُما أنْ يَكُونَ المُرادُ بِآخَرِينَ مِن نَوْعِ المُخاطَبِينَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَأْتِ بِآخَرِينَ مَكانَكم أوْ خَلْقًا آخَرِينَ غَيْرَ الإنْسِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وعِيدًا لِجَمِيعِ بَنِي آدَمَ، ويَكُونَ الآخَرُونَ مِن غَيْرِ نَوْعِهِمْ. كَما أنَّهُ قَدْ رُوِيَ أنَّهُ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَعْبُدُونَ اللَّهَ قَبْلَ بَنِي آدَمَ، انْتَهى. وما جَوَّزَهُ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ مَدْلُولَ (آخَرَ) في اللُّغَةِ هو مَدْلُولٌ غَيْرُ خاصٍّ بِجِنْسِ ما تَقَدَّمَ؛ فَلَوْ قُلْتَ: جاءَ زَيْدٌ وآخَرُ مَعَهُ، أوْ مَرَرْتُ بِامْرَأةٍ وأُخْرى مَعَها، أوِ اشْتَرَيْتُ فَرَسًا وآخَرَ، وسابَقْتُ بَيْنَ حِمارٍ وآخَرَ؛ لَمْ يَكُنْ آخَرُ ولا أُخْرى مُؤَنَّثُهُ، ولا تَثْنِيَتُهُ، ولا جَمْعُهُ، إلّا مِن جِنْسِ ما يَكُونُ قَبْلَهُ. ولَوْ قُلْتَ: اشْتَرَيْتُ ثَوْبًا وآخَرَ، ويَعْنِي بِهِ: غَيْرَ ثَوْبٍ؛ لَمْ يَجُزْ. فَعَلى هَذا تَجْوِيزُهم أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: بِآخَرِينَ مِن غَيْرِ جِنْسِ ما تَقَدَّمَ، وهُمُ النّاسُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وهَذا هو الفَرْقُ بَيْنَ غَيْرٍ وبَيْنَ آخَرَ؛ لِأنَّ غَيْرًا تَقَعُ عَلى المُغايِرِ في جِنْسٍ أوْ في صِفَةٍ؛ فَتَقُولُ: اشْتَرَيْتُ ثَوْبًا وغَيْرَهُ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ثَوْبًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ ثَوْبٍ، (p-٣٦٨)وقَلَّ مَن يَعْرِفُ هَذا الفَرْقَ.
﴿وكانَ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾؛ أيْ عَلى إذْهابِكم والإتْيانِ بِآخَرِينَ. وأتى بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ في القُدْرَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ أرادَهُ، وهَذا غَضَبٌ عَلَيْهِمْ، وتَخْوِيفٌ وبَيانٌ لِاقْتِدارِهِ.
﴿مَن كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ؛ أيْ مَن كانَ لا رَغْبَةَ لَهُ إلّا في ثَوابِ الدُّنْيا، ولا يَعْتَقِدُ أنَّ ثَمَّ سِواهُ؛ فَلَيْسَ كَما ظَنَّ، بَلْ عِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدّارَيْنِ. فَمَن قَصَدَ الآخِرَةَ أعْطاهُ مِن ثَوابِ الدُّنْيا، وأعْطاهُ قَصْدَهُ، ومَن قَصَدَ الدُّنْيا فَقَطْ أعْطاهُ مِنَ الدُّنْيا ما قُدِّرَ لَهُ، وكانَ لَهُ في الآخِرَةِ العَذابُ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: مَن عَبَدَ الأصْنامَ طَلَبًا لِلْعِزِّ لا يَحْصُلُ لَهُ ذَلِكَ، ولَكِنْ عِنْدَ اللَّهِ عِزُّ الدُّنْيا والآخِرَةِ، أوْ لِلتَّقْرِيبِ والشَّفاعَةِ؛ أيْ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، ولَكِنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَعِنْدَهُ ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، لا عِنْدَ مَن تَطْلُبُونَ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في أهْلِ النِّفاقِ الَّذِينَ يُراءُونَ بِأعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ في الدُّنْيا لِثَوابِ الدُّنْيا لا غَيْرَ.
و(مَن) يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً؛ والظّاهِرُ أنَّها شَرْطٌ، وجَوابُهُ الجُمْلَةُ المَقْرُونةُ بِفاءِ الجَوابِ؛ ولا بُدَّ في الجُمْلَةِ الواقِعَةِ جَوابًا لِاسْمِ الشَّرْطِ غَيْرِ الظَّرْفِ مِن ضَمِيرٍ عائِدٍ عَلى اسْمِ الشَّرْطِ حَتّى يَتَعَلَّقَ الجَزاءُ بِالشَّرْطِ؛ والتَّقْدِيرُ: ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ لَهُ إنْ أرادَهُ؛ هَكَذا قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ جَوابَ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: مَن كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَلا يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ، ولْيَطْلُبِ الثَّوابَيْنِ؛ فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ. وقالَ الرّاغِبُ: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ تَبْكِيتٌ لِلْإنْسانِ؛ حَيْثُ اقْتَصَرَ عَلى أحَدِ السُّؤالَيْنِ، مَعَ كَوْنِ المَسْئُولِ مالِكًا لِلثَّوابَيْنِ، وحَثَّ عَلى أنْ يَطْلُبَ مِنهُ تَعالى ما هو أكْمَلُ، وأفْضَلُ مِن مَطْلُوبِهِ؛ فَمَن طَلَبَ خَسِيسًا مَعَ أنَّهُ يُمْكِنُهُ أنْ يَطْلُبَ نَفِيسًا؛ فَهو دَنِيءُ الهِمَّةِ. قِيلَ والآيَةُ وعِيدٌ لِلْمُنافِقِينَ، لا يُرِيدُونَ بِالجِهادِ غَيْرَ الغَنِيمَةِ. وقِيلَ هي حَضٌّ عَلى الجِهادِ.
﴿وكانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾؛ أيْ سَمِيعًا لِأقْوالِهِمْ؛ بَصِيرًا بِأعْمالِهِمْ ونِيّاتِهِمْ.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلى أنْفُسِكم أوِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ قالَ الطَّبَرِيُّ: هي سَبَبُ نازِلَةِ ابْنِ أُبَيْرِقٍ وقِيامِ مَن قامَ في أمْرِهِ بِغَيْرِ القِسْطِ. وقالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في اخْتِصامِ غَنِيٍّ وفَقِيرٍ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ .
ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ النِّساءَ والنُّشُوزَ والمُصالَحَةَ؛ أعْقَبَهُ بِالقِيامِ بِأداءِ حُقُوقِ اللَّهِ تَعالى، وفي الشَّهادَةِ حُقُوقُ اللَّهِ. أوْ لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ تَعالى طالِبَ الدُّنْيا، وأنَّهُ عِنْدَهُ ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ؛ بَيَّنَ أنَّ كَمالَ السَّعادَةِ أنْ يَكُونَ قَوْلُ الإنْسانِ وفِعْلُهُ لِلَّهِ تَعالى، أوْ لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ.
﴿وإنْ خِفْتُمْ أنْ لا تُقْسِطُوا في اليَتامى﴾ [النساء: ٣] والإشْهادُ عِنْدَ دَفْعِ أمْوالِ اليَتامى إلَيْهِمْ، وأمَرَ بِبَذْلِ النَّفْسِ والمالِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وذَكَرَ قِصَّةَ ابْنِ أُبَيْرِقٍ، واجْتِماعَ قَوْمِهِ عَلى الكَذِبِ والشَّهادَةِ بِالباطِلِ، ونَدَبَ لِلْمُصالَحَةِ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِأنْ أمَرَ عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ بِالقِيامِ بِالعَدْلِ والشَّهادَةِ لِوَجْهِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وأتى بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ في قَوّامِينَ حَتّى لا يَكُونَ مِنهم جَوْرٌ ما. والقِسْطُ: العَدْلُ. ومَعْنى ﴿شُهَداءَ لِلَّهِ﴾؛ أيْ لِوَجْهِ اللَّهِ، لا يُراعِي في الشَّهادَةِ إلّا جِهَةَ اللَّهِ تَعالى. والظّاهِرُ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿شُهَداءَ لِلَّهِ﴾ مِنَ الشَّهادَةِ في الحُقُوقِ؛ ولِذَلِكَ أتْبَعَهُ بِما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾، وهَكَذا فَسَّرَهُ المُفَسِّرُونَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: شُهَداءَ لِلَّهِ مَعْناهُ بِالوَحْدانِيَّةِ. (p-٣٦٩)ويَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾، بِقَوْلِهِ: ﴿قَوّامِينَ بِالقِسْطِ﴾؛ والتَّأْوِيلُ الأوَّلُ أبْيَنُ، انْتَهى كَلامُهُ. ويُضَعِّفُهُ أنَّهُ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وهم شُهَداءُ لِلَّهِ بِالوَحْدانِيَّةِ؛ إلّا إنْ أُرِيدَ اسْتِمْرارُ الشَّهادَةِ.
وتَقَدَّمَتْ صِفَةُ (قَوّامِينَ) بِالقِسْطِ عَلى ﴿شُهَداءَ لِلَّهِ﴾؛ لِأنَّ القِيامَ بِالقِسْطِ أعَمُّ والشَّهادَةَ أخَصُّ. ولِأنَّ القِيامَ بِالقِسْطِ فِعْلٌ وقَوْلٌ، والشَّهادَةَ قَوْلٌ فَقَطْ. ومَعْنى: ﴿ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾؛ أيْ تَشْهَدُونَ عَلى أنْفُسِكم؛ أيْ تُقِرُّونَ بِالحَقِّ، وتُقِيمُونَ القِسْطَ عَلَيْها. والظّاهِرُ أنَّهُ أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ أنْفُسَ الشُّهَداءِ لِلَّهِ تَعالى. وأبْعَدَ مَن جَوَّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى في أنْفُسِكم: الأهْلُ والأقارِبُ، وأنْ يَكُونَ ﴿أوِ الوالِدَيْنِ﴾ تَفْسِيرًا لِأنْفُسِكم، ويُضَعِّفُهُ العَطْفُ بَـ (أوْ) . وانْتَصَبَ (شُهَداءَ) عَلى أنَّهُ خَبْرٌ بَعْدَ خَبَرٍ. ومَن ذَهَبَ إلى جَعْلِهِ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في قَوّامِينَ كَأبِي البَقاءِ؛ فَقَوْلُهُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ فِيها تَقْيِيدَ القِيامِ بِالقِسْطِ؛ سَواءٌ كانَ مِثْلَ هَذا أمْ لا. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما ما يَشْهَدُ لِهَذا القَوْلِ الضَّعِيفِ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ كُونُوا قَوّامِينَ بِالعَدْلِ في الشَّهادَةِ عَلى مَن كانَ، ومَجِيءُ لَوْ هُنا لِاسْتِقْصاءِ جَمِيعِ ما يُمْكِنُ فِيهِ الشَّهادَةُ، لَما كانَتِ الشَّهادَةُ مِنَ الإنْسانِ عَلى نَفْسِهِ بِصَدَدِ أنْ لا يُقِيمَها لِما جُبِلَ عَلَيْهِ المَرْءُ مِن مُحاباةِ نَفْسِهِ، ومُراعاتِها. نَبَّهَ عَلى هَذِهِ الحالِ، وجاءَ هَذا التَّرْتِيبُ في الِاسْتِقْصاءِ في غايَةٍ مِنَ الحُسْنِ والفَصاحَةِ. فَبَدَأ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾؛ لِأنَّهُ لا شَيْءَ أعَزُّ عَلى الإنْسانِ مِن نَفْسِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ الوالِدَيْنِ، وهُما أقْرَبُ إلى الإنْسانِ، وسَبَبُ نَشْأتِهِ؛ وقَدْ أمَرَ بِبِرِّهِما، وتَعْظِيمِهِما والحَوْطَةِ لَهُما، ثُمَّ ذَكَرَ الأقْرَبِينَ؛ وهم مَظِنَّةُ المَحَبَّةِ والتَّعَصُّبِ. وإذا كانَ هَؤُلاءِ أُمِرَ في حَقِّهِمْ بِالقِسْطِ والشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ، فالأجْنَبِيُّ أحْرى بِذَلِكَ. والآيَةُ تَعَرَّضَتْ لِلشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ لا لَهم، فَلا دَلالَةَ فِيها عَلى الشَّهادَةِ لَهم، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ. ولَوْ شَرْطِيَّةٌ بِمَعْنى (إنْ)، وقَوْلُهُ عَلى أنْفُسِكم مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: وإنْ كُنْتُمْ شُهَداءَ عَلى أنْفُسِكم فَكُونُوا شُهَداءَ لِلَّهِ، هَذا تَقْرِيرُ الكَلامِ. وحَذْفُ (كانَ) بَعْدَ (لَوْ) كَثِيرٌ تَقُولُ: ائْتِنِي بِتَمْرٍ ولَوْ حَشَفًا؛ أيْ وإنْ كانَ التَّمْرُ حَشَفًا فائْتِنِي بِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَوْ عَلى أنْفُسِكم مُتَعَلِّقٌ بِشُهَداءَ. فَإنْ عَنى (شُهَداءَ) هَذا المَلْفُوظَ بِهِ فَلا يَصِحُّ ذَلِكَ، وإنْ عَنى الَّذِي قَدَّرْناهُ نَحْنُ فَيَصِحُّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَوْ عَلى أنْفُسِكم، ولَوْ كانَتِ الشَّهادَةُ عَلى أنْفُسِكم أوْ آبائِكم أوْ أقارِبِكم. فَإنْ قُلْتَ: الشَّهادَةُ عَلى الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ أنْ يَقُولَ: أشْهَدُ أنَّ لِفُلانٍ عَلى والِدِي كَذا، وعَلى أقارِبِي، فَما مَعْنى الشَّهادَةِ عَلى نَفْسِهِ ؟ قُلْتُ: هي الإقْرارُ عَلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى الشَّهادَةِ عَلَيْها بِإلْزامِ الحَقِّ لَها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وإنْ كانَتِ الشَّهادَةُ وبالًا عَلى أنْفُسِكم، أوْ عَلى (p-٣٧٠)آبائِكم وأقارِبِكم؛ وذَلِكَ أنْ يَشْهَدَ عَلى مَن تَوَقَّعَ ضَرَرَهُ مِن سُلْطانٍ ظالِمٍ أوْ غَيْرِهِ، انْتَهى كَلامُهُ. وتَقْدِيرُهُ: ولَوْ كانَتِ الشَّهادَةُ عَلى أنْفُسِكم لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ المَحْذُوفَ إنَّما يَكُونُ مِن جِنْسِ المَلْفُوظِ بِهِ قَبْلُ لِيَدُلَّ عَلَيْهِ؛ فَإذا قُلْتَ: كُنْ مُحْسِنًا لِمَن أساءَ إلَيْكَ، فَتُحْذَفُ (كانَ) واسْمُها والخَبَرُ، ويَبْقى مُتَعَلِّقُهُ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، ولا تُقَدِّرُهُ: ولَوْ كانَ إحْسانُكَ لِمَن أساءَ. فَلَوْ قُلْتَ: لِيَكُنْ مِنكَ إحْسانٌ، ولَوْ لِمَن أساءَ، فَتُقَدِّرُ: ولَوْ كانَ الإحْسانُ لِمَن أساءَ؛ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ؛ ولَوْ قَدَّرْتَهُ: ولَوْ كُنْتَ مُحْسِنًا لِمَن أساءَ إلَيْكَ لَمْ يَكُنْ جَيِّدًا؛ لِأنَّكَ تَحْذِفُ ما لا دَلالَةَ عَلَيْهِ بِلَفْظٍ مُطابِقٍ. وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وإنْ كانَتِ الشَّهادَةُ وبالًا عَلى أنْفُسِكم هَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ ما تَعَلَّقَ بِهِ الظَّرْفُ كَوْنٌ مُقَيَّدٌ، ولا يَجُوزُ حَذْفُ الكَوْنِ المُقَيَّدِ. لَوْ قُلْتَ: كانَ زَيْدٌ فِيكَ، وأنْتَ تُرِيدُ مُحِبًّا فِيكَ؛ لَمْ يَجُزْ؛ لِأنَّ مُحِبًّا مُقَيَّدٌ؛ وإنَّما ذَلِكَ جائِزٌ في الكَوْنِ المُطْلَقِ، وهو: تَقْدِيرٌ كائِنٌ أوْ مُسْتَقِرٌّ.
﴿إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا فاللَّهُ أوْلى بِهِما﴾؛ أيْ إنْ يَكُنِ المَشْهُودُ عَلَيْهِ غَنِيًّا، فَلا تَمْتَنِعُ مِنَ الشَّهادَةِ عَلَيْهِ لِغِناهُ، أوْ فَقِيرًا فَلا تَمْنَعْها تَرَحُّمًا عَلَيْهِ وإشْفاقًا. فَعَلى هَذا الجَوابُ مَحْذُوفٌ؛ لِأنَّ العَطْفَ هو بِـ (أوْ)، ولا يُثَنّى الضَّمِيرُ إذا عُطِفَ بِها، بَلْ يُفْرَدُ . وتَقْدِيرُ الجَوابِ: فَلْيَشْهَدْ عَلَيْهِ، ولا يُراعِي الغَنِيَّ لِغِناهُ، ولا لِخَوْفٍ مِنهُ، ولا الفَقِيرَ لِمَسْكَنَتِهِ وفَقْرِهِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: فاللَّهُ أوْلى بِهِما لَيْسَ هو الجَوابَ، بَلْ لَمّا جَرى ذِكْرُ الغَنِيِّ والفَقِيرِ عادَ الضَّمِيرُ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ؛ كَأنَّهُ قِيلَ فاللَّهُ أوْلى بِجِنْسَيِ الغَنِيِّ والفَقِيرِ؛ أيْ بِالأغْنِياءِ والفُقَراءِ. وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ: فاللَّهُ أوْلى بِهِمْ ما يَشْهَدُ بِإرادَةِ الجِنْسِ. وذَهَبَ الأخْفَشُ وقَوْمٌ إلى أنَّ (أوْ) في مَعْنى الواوِ؛ فَعَلى قَوْلِهِمْ يَكُونُ الجَوابُ: فاللَّهُ أوْلى بِهِما؛ أيْ حَيْثُ شَرَعَ الشَّهادَةَ عَلَيْهِما، وهو أنْظَرُ لَهُما مِنكم. ولَوْلا أنَّ الشَّهادَةَ عَلَيْهِما مَصْلَحَةٌ لَهُما لَما شَرَعَها. وقالَ الأُسْتاذُ أبُو الحَسَنِ بْنُ عُصْفُورٍ: وقَدْ ذَكَرَ العَطْفَ بِالواوِ وثُمَّ؛ وحَتّى ما نَصُّهُ تَقُولُ: زَيْدٌ أوْ عُمَرُ، وقامَ زَيْدٌ لا عُمَرُ وقامَ، وكَذَلِكَ سائِرُ ما بَقِيَ مِن حُرُوفِ العَطْفِ يَعْنِي غَيْرَ الواوِ وحَتّى والفاءِ وثُمَّ والَّذِي بَقِيَ بَلْ ولَكِنْ وأمْ. قالَ: لا تَقُولُ قاما؛ لِأنَّ القائِمَ إنَّما هو أحَدُهُما لا غَيْرُ، ولا يَجُوزُ قاما إلّا في أوْ خاصَّةً؛ وذَلِكَ شُذُوذٌ لا يُقاسُ عَلَيْهِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا فاللَّهُ أوْلى بِهِما﴾؛ فَأعادَ الضَّمِيرَ عَلى الغَنِيِّ والفَقِيرِ لِتَفَرُّقِهِما في الذِّكْرِ، انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِسَدِيدٍ. ولا شُذُوذَ في الآيَةِ، ولا دَلِيلَ فِيها عَلى جَوازِ: زَيْدٌ أوْ عَمْرٌو قاما عَلى جِهَةِ الشُّذُوذِ، ولا غَيْرُهُ. ولِأنَّ قَوْلَهُ ﴿فاللَّهُ أوْلى بِهِما﴾ لَيْسَ بِجَوابٍ كَما قَرَّرْناهُ، والضَّمِيرُ لَيْسَ عائِدًا عَلى الغَنِيِّ والفَقِيرِ المَلْفُوظِ بِهِما في الآيَةِ؛ وإنَّما يَعُودُ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى مِن جِنْسَيِ الغَنِيِّ والفَقِيرِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: إنْ يَكُنْ غَنِيٌّ أوْ فَقِيرٌ عَلى أنَّ (كانَ) تامَّةٌ.
﴿فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى أنْ تَعْدِلُوا﴾ لَمّا أمَرَ تَعالى بِالقِيامِ بِالعَدْلِ وبِالشَّهادَةِ لِمَرْضاةِ اللَّهِ نَهى عَنِ اتِّباعِ الهَوى، وهو ما تَمِيلُ إلَيْهِ النَّفْسُ مِمّا لَمْ يُبِحْهُ اللَّهُ تَعالى، وإنْ تَعْدِلُوا مِنَ العُدُولِ عَنِ الحَقِّ، أوْ مِنَ العَدْلِ، وهو القِسْطُ. فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: إرادَةَ أنْ تَجُورُوا، أوْ مَحَبَّةَ أنْ تَجُورُوا. وعَلى الثّانِي يَكُونُ التَّقْدِيرُ: كَراهَةَ أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النّاسِ، وتُقْسِطُوا. وعَكَسَ ابْنُ عَطِيَّةَ هَذا التَّقْدِيرَ؛ فَقالَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ مَخافَةَ أنْ تَعْدِلُوا، ويَكُونُ العَدْلُ بِمَعْنى القِسْطِ؛ كَأنَّهُ قالَ: انْتَهُوا خَوْفَ أنْ تَجُورُوا، أوْ مَحَبَّةَ أنْ تُقْسِطُوا. فَإنْ جَعَلْتَ العامِلَ (تَتَّبِعُوا) فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: مَحَبَّةَ أنْ تَجُورُوا انْتَهى كَلامُهُ. وهَذا الَّذِي قَرَّرَهُ مِنَ التَّقْدِيرِ يَكُونُ العامِلُ في أنْ تَعْدِلُوا فِعْلًا مَحْذُوفًا مِن مَعْنى النَّهْيِ. وكانَ الكَلامُ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى﴾، ثُمَّ أضْمَرَ فِعْلًا، وقَدَّرَهُ: انْتَهُوا خَوْفَ أنْ تَجُورُوا، أوْ مَحَبَّةَ أنْ تُقْسِطُوا؛ ولِذَلِكَ قالَ: فَإنْ جَعَلْتَ العامِلَ تَتَبَّعُوا. والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الظّاهِرُ أنَّ العامِلَ هو تَتَّبِعُوا، ولا حاجَةَ إلى إضْمارِ جُمْلَةٍ أُخْرى؛ فَيَكُونُ فِعْلُها عامِلًا في ﴿أنْ تَعْدِلُوا﴾ . وإذا كانَ العامِلُ تَتَّبِعُوا؛ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ الأوَّلُ هو المُتَّجِهُ، وعَلى هَذِهِ التَّقادِيرِ فَـ ﴿أنْ تَعْدِلُوا﴾ (p-٣٧١)مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: أنْ لا تَعْدِلُوا؛ فَحَذَفَ (لا) أيْ لا تَتَّبِعُوا الهَوى في تَرْكِ العَدْلِ. وقِيلَ المَعْنى لا تَتَّبِعُوا الهَوى لِتَعْدِلُوا؛ أيْ لِتَكُونُوا في اتِّباعِكُمُوهُ عُدُولًا؛ تَنْبِيهًا أنَّ اتِّباعَ الهَوى، وتَحَرِّيَ العَدالَةِ مُتَنافِيانِ لا يَجْتَمِعانِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: المَعْنى اتْرُكُوا مُتابَعَةَ الهَوى حَتّى تَصِيرُوا مَوْصُوفِينَ بِصِفَةِ العَدْلِ. والعَدْلُ عِبارَةٌ عَنْ تَرْكِ مُتابَعَةِ الهَوى، ومَن تَرَكَ أحَدَ النَّقِيضَيْنِ فَقَدْ حَصَلَ لَهُ الآخَرُ؛ فالتَّقْدِيرُ: لِأجْلِ أنْ تَعْدِلُوا.
﴿وإنْ تَلْوُوا أوْ تُعْرِضُوا﴾ الظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ لِلْمَأْمُورِينَ بِالقِيامِ بِالقِسْطِ والشَّهادَةِ لِلَّهِ والمَنهِيِّينَ عَنِ اتِّباعِ الهَوى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو في لَيِّ الحاكِمِ عُنُقَهُ عَنْ أحَدِ الخَصْمَيْنِ. وقالَ مُجاهِدٌ نَحْوَهُ قالَ: لَيُّ الحاكِمِ شِدْقَهُ لِأحَدِ الخَصْمَيْنِ مَيْلًا إلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ ومُجاهِدٌ: هي في الشُّهُودِ يَلْوِي الشَّهادَةَ بِلِسانِهِ فَيُحَرِّفُها، ولا يَقُولُ الحَقَّ فِيها، أوْ يُعْرِضُ عَنْ أداءِ الحَقِّ فِيها، ويَقُولُ مَعْناهُ: يُدافِعُوا الشَّهادَةَ مِن لَيِّ الغَرِيمِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنْ تَلْوُوا ألْسِنَتَكم عَنْ شَهادَةِ الحَقِّ، أوْ حُكُومَةِ العَدْلِ، أوْ تُعْرِضُوا عَنِ الشَّهادَةِ بِما عِنْدَكم، وتَمْنَعُوها.
وقَرَأ جَماعَةٌ في الشّاذِّ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ: وإنْ تَلُوا بِضَمِّ اللّامِ بِواوٍ واحِدَةٍ، ولَحَّنَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ قارِئَ هَذِهِ القِراءَةِ. قالَ: لا مَعْنى لِلِّوايَةِ هُنا؛ وهَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّها قِراءَةٌ مُتَواتِرَةٌ في السَّبْعِ، ولَها مَعْنًى صَحِيحٌ وتَخْرِيجٌ حَسَنٌ؛ فَنَقُولُ: اخْتُلِفَ في قَوْلِهِ ﴿وإنْ تَلْوُوا﴾ .
فَقِيلَ هي مِنَ الوِلايَةِ؛ أيْ وإنْ ولِيتُمْ إقامَةَ الشَّهادَةِ، أوْ أعْرَضْتُمْ عَنْ إقامَتِها؛ والوِلايَةُ عَلى الشَّيْءِ هو الإقْبالُ عَلَيْهِ. وقِيلَ هو مِنَ اللَّيِّ، وأصْلُهُ: تَلْوُوا، وأُبْدِلَتِ الواوُ المَضْمُومَةُ هَمْزَةً، ثُمَّ نُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى اللّامِ، وحُذِفَتْ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ وأبُو عَلِيٍّ والنَّحّاسُ، ونُقِلَ عَنِ النَّحّاسِ أيْضًا أنَّهُ اسْتُثْقِلَتِ الحَرَكَةُ عَلى الواوِ، فَأُلْقِيَتْ عَلى اللّامِ، وحُذِفَتْ إحْدى الواوَيْنِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ.
﴿فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ هَذا فِيهِ وعِيدٌ لِمَن لَوى عَنِ الشَّهادَةِ أوْ أعْرَضَ عَنْها.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي أنْزَلَ مِن قَبْلُ﴾ مُناسَبَتُها لِما قَبْلَها؛ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالقِيامِ بِالقِسْطِ والشَّهادَةِ لِلَّهِ؛ بَيَّنَ أنَّهُ لا يَتَّصِفُ بِذَلِكَ إلّا مَن كانَ راسِخَ القَدَمِ في الإيمانِ بِالأشْياءِ المَذْكُورَةِ، في هَذِهِ الآيَةِ، فَأمَرَ بِها. والظّاهِرُ أنَّهُ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. ومَعْنى: آمِنُوا داوِمُوا عَلى الإيمانِ؛ قالَهُ الحَسَنُ، وهو أرْجَحُ؛ لِأنَّ لَفْظَ المُؤْمِنِ مَتى أُطْلِقَ لا يَتَناوَلُ إلّا المُسْلِمَ. وقِيلَ لِلْمُنافِقِينَ؛ أيْ يا أيُّها الَّذِينَ أظْهَرُوا الإيمانَ بِألْسِنَتِهِمْ آمِنُوا بِقُلُوبِكم. وقِيلَ لِمَن آمَنَ بِمُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ؛ أيْ يا مَن آمَنَ بِنَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ آمِن بِمُحَمَّدٍ. وقِيلَ هم جَمِيعُ الخَلْقِ؛ أيْ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا يَوْمَ أخْذِ المِيثاقِ حِينَ قالَ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] . وقِيلَ اليَهُودُ خاصَّةً. وقِيلَ المُشْرِكُونَ آمَنُوا بِاللّاتَ والعُزّى والأصْنامِ والأوْثانِ. وقِيلَ: آمَنُوا عَلى سَبِيلِ التَّقْلِيدِ آمِنُوا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِدْلالِ. وقِيلَ آمَنُوا في الماضِي والحاضِرِ، آمِنُوا في المُسْتَقْبَلِ.
ونَظِيرُهُ: ﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] مَعَ أنَّهُ كانَ عالِمًا بِذَلِكَ. ورُوِيَ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ، وسَلّامًا ابْنَ أُخْتِهِ، وسَلَمَةَ ابْنَ أخِيهِ، وأسَدًا وأُسَيْدًا ابْنَيْ كَعْبٍ، وثَعْلَبَةَ بْنَ قَيْسٍ، ويامِينَ أتَوُا الرَّسُولَ، وقالُوا نُؤْمِنُ بِكَ وبِكِتابِكَ، ومُوسى والتَّوْراةِ، وعُزَيْرٍ، ونَكْفُرُ بِما سِواهُ مِنَ الكُتُبِ والرُّسُلِ؛ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: بَلْ آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وكِتابِهِ القُرْآنِ، وبِكُلِّ كِتابٍ كانَ قَبْلَهُ؛ فَقالُوا: لا نَفْعَلُ؛ فَنَزَلَتْ فَآمَنُوا كُلُّهم» .
﴿والكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ﴾ هو القُرْآنُ بِلا خِلافٍ ﴿والكِتابِ الَّذِي أنْزَلَ مِن قَبْلُ﴾ المُرادُ بِهِ جِنْسُ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ آخَرًا: وكَتَبَهُ، وإنْ كانَ الخِطابُ لِلْيَهُودِ والنَّصارى، فَكَيْفَ قِيلَ لَهم ﴿والكِتابِ الَّذِي أنْزَلَ مِن قَبْلُ﴾، وهم مُؤْمِنُونَ بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ. وأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ بِهِما فَحَسْبُ، وما كانُوا مُؤْمِنِينَ بِكُلِّ ما أُنْزِلَ (p-٣٧٢)مِنَ الكُتُبِ؛ فَأُمِرُوا أنْ يُؤْمِنُوا بِجَمِيعِ الكُتُبِ. أوْ لِأنَّ إيمانَهم بِبَعْضٍ لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ طَرِيقَ الإيمانِ بِالجَمِيعِ واحِدٌ، وهو المُعْجِزَةُ. وقَرَأ العَرَبِيّانِ، وابْنُ كَثِيرٍ: (نُزِّلَ) و(أُنْزِلَ) بِالبَنّاءِ لِلْمَفْعُولِ والباقُونَ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ، وأنْزَلَ مِن قَبْلُ ؟ قُلْتُ: لِأنَّ القُرْآنَ نَزَلَ مُنَجَّمًا مُفَرَّقًا في عِشْرِينَ سَنَةً بِخِلافِ الكُتُبِ قَبْلَهُ، انْتَهى. وهَذِهِ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ (نَزَّلَ) و(أنْزَلَ) لا تَصِحُّ لِأنَّ التَّضْعِيفَ في (نَزَّلَ) لَيْسَ لِلتَّكْثِيرِ والتَّفْرِيقِ؛ وإنَّما هو لِلتَّعْدِيَةِ، وهو مُرادِفٌ لِلْهَمْزَةِ. وقَدْ أشْبَعْنا الرَّدَّ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ في دَعْواهُ ذَلِكَ أوَّلَ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
﴿ومَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ جَوابُ الشَّرْطِ لَيْسَ مُتَرَتِّبًا عَلى الكُفْرِ بِالمَجْمُوعِ، بَلِ المَعْنى: ومَن يَكْفُرْ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ. وقُرِئَ: وكِتابِهِ عَلى الإفْرادِ والمُرادُ جِنْسُ الكُتُبِ. ولَمّا كانَ خَيْرَ الإيمانِ عَلِقَ بِثَلاثَةٍ: بِاللَّهِ والرَّسُولِ والكُتُبِ؛ لِأنَّ الإيمانَ بِالكُتُبِ تَضَمَّنَ الإيمانَ بِالمَلائِكَةِ واليَوْمِ الآخِرِ، وبُولِغَ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ المَلِكَ مُغَيَّبٌ عَنّا، وكَذَلِكَ اليَوْمُ الآخِرُ لَمْ يَقَعْ، وهو مُنْتَظَرٌ، فَنَصَّ عَلَيْهِما عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ؛ ولِئَلّا يَتَأوَّلَهُما مُتَأوِّلٌ عَلى خِلافِ ما هُما عَلَيْهِ. فَمَن أنْكَرَ المَلائِكَةَ أوِ القِيامَةَ فَهو كافِرٌ، وقَدَّمَ الكُتُبَ عَلى الرُّسُلِ عَلى التَّرْتِيبِ الوُجُودِيِّ؛ لِأنَّ المَلَكَ يَنْزِلُ بِالكُتُبِ والرُّسُلُ تَتَلَقّى الكُتُبَ مِنَ المَلَكِ. وقَدَّمَ في الأمْرِ بِالإيمانِ المَوْصُولِ عَلى الكِتابِ؛ لِأنَّ الرَّسُولَ أوَّلُ ما يُباشِرُهُ المُؤْمِنَ ثُمَّ يَتَلَقّى الكِتابَ مِنهُ. فَحَيْثُ نَفى الإيمانَ كانَ عَلى التَّرْتِيبِ الوُجُودِيِّ، وحَيْثُ أثْبَتَ كانَ عَلى التَّرْتِيبِ اللِّقائِيِّ، وهو راجِعٌ لِلْوُجُودِ في حَقِّ المُؤْمِنِ.
النساء 4:134
﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ ولَوْ حَرَصْتُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في النَّبِيِّ ﷺ ومَيْلِهِ بِقَلْبِهِ إلى عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، انْتَهى. ونَبَّهَ تَعالى عَلى (p-٣٦٥)انْتِفاءِ اسْتِطاعَةِ العَدْلِ بَيْنَ النِّساءِ والتَّسْوِيَةِ، حَتّى لا يَقَعَ مَيْلٌ البَتَّةَ، ولا زِيادَةٌ ولا نُقْصانٌ فِيما يَجِبُ لَهُنَّ. وفي ذَلِكَ عُذْرٌ لِلرِّجالِ فِيما يَقَعُ مِنَ التَّفاوُتِ في المَيْلِ القَلْبِيِّ والتَّعَهُّدِ والنَّظَرِ والتَّأْنِيسِ والمُفاكَهَةِ؛ فَإنَّ التَّسْوِيَةَ في ذَلِكَ مَجالٌ خارِجٌ عَنْ حَدِّ الِاسْتِطاعَةِ؛ وعَلَّقَ انْتِفاءَ الِاسْتِطاعَةِ في التَّسْوِيَةِ عَلى تَقْدِيرِ وُجُودِ الحِرْصِ مِنَ الإنْسانِ عَلى ذَلِكَ. وقِيلَ مَعْنى أنْ تَعْدِلُوا في المَحَبَّةِ قالَهُ عُمَرُ وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ. وقِيلَ في التَّسْوِيَةِ والقَسَمِ. وقِيلَ في الجِماعِ. وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ " «أنَّهُ كانَ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسائِهِ فَيَعْدِلُ، ويَقُولُ: هَذِهِ قِسْمَتِي فِيما أمْلِكُ، فَلا تُؤاخِذْنِي فِيما تَمْلِكُ، ولا أمَلِكُ يَعْنِي المَحَبَّةَ»؛ لِأنَّ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها كانَتْ أحَبَّ إلَيْهِ، وكانَ عُمَرُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ قَلْبِي فَلا أمْلِكُهُ، وأمّا ما سِوى ذَلِكَ فَأرْجُو أنْ أعْدِلَ فِيهِ.
﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ فَتَذَرُوها كالمُعَلَّقَةِ﴾ نَهى تَعالى عَنِ الجَوْرِ عَلى المَرْغُوبِ؛ أيْ إنْ وقَعَ مِنكُمُ التَّفْرِيطُ في شَيْءٍ مِنَ المُساواةِ، فَلا تَجُورُوا كُلَّ الجَوْرِ. والضَّمِيرُ في فَتَذَرُوها عائِدٌ عَلى المَمِيلِ عَنْها، المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ﴾ .
وقَرَأ أُبَيٌّ: فَتَذْرُوها كالمَسْجُونَةِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: فَتَذْرُوها كَأنَّها مُعَلَّقَةٌ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ المُعَلَّقَةِ في الكَلامِ عَلى المُفْرَداتِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كالمَحْبُوسَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ. وقِيلَ مَعْنى كالمُعَلَّقَةِ كالبَعِيدَةِ عَنْ زَوْجِها. قِيلَ أوْ عَنْ حَقِّها، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ مَأْخُوذٌ مِن تَعْلِيقِ الشَّيْءِ لِبُعْدِهِ عَنْ قَرارِهِ. وتَذْرُوها يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَجْزُومًا عَطْفًا عَلى تَمِيلُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِإضْمارِ (أنْ) في جَوابِ النَّهْيِ. وكالمُعَلِّقَةِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ؛ فَتَتَعَلَّقَ الكافُ بِمَحْذُوفٍ. وفي الحَدِيثِ: «مَن كانَتْ لَهُ امْرَأتانِ يَمِيلُ مَعَ إحْداهُما جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ وأحَدُ شِقَّيْهِ مائِلٌ» والمَعْنى: يَمِيلُ مَعَ إحْداهُما كُلَّ المَيْلِ، لا مُطْلَقَ المَيْلِ. «وقَدْ فاضَلَ عُمَرُ في عَطاءٍ بَيْنَ أزْواجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَأبَتْ عائِشَةُ، وقالَتْ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَعْدِلُ بَيْنَنا في القَسِيمَةِ بِمالِهِ ونَفْسِهِ، فَساوى عُمَرُ بَيْنَهُنَّ»، وكانَ لِمُعاذٍ امْرَأتانِ؛ فَإذا كانَ عِنْدَ إحْداهُما، لَمْ يَتَوَضَّأْ في بَيْتِ الأُخْرى، فَماتَتا في الطّاعُونِ، فَدَفَنَهُما في قَبْرٍ واحِدٍ.
﴿وإنْ تُصْلِحُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنْ تُصْلِحُوا ما مَضى مِن قِبَلِكم، وتَتَدارَكُوهُ بِالتَّوْبَةِ، وتَتَّقُوا فِيما يُسْتَقْبَلُ غَفَرَ اللَّهُ لَكم انْتَهى. وفي ذَلِكَ نَزْغَةُ الِاعْتِزالِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإنْ تُصْلِحُوا ما أفْسَدْتُمْ بِسُوءِ العِشْرَةِ، وتَلْزَمُوا ما يَلْزَمُكم مِنَ العَدْلِ فِيما تَمْلِكُونَ؛ فَإنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا لِما تَمْلِكُونَهُ مُتَجاوِزًا عَنْهُ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: غَفُورًا لِما سَلَفَ مِنكم مِنَ المَيْلِ كُلَّ المَيْلِ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ، انْتَهى؛ فَعَلى هَذا هي مَغْفِرَةٌ مُخَصَّصَةٌ لِقَوْمٍ بِأعْيانِهِمْ واقَعُوا المَحْظُورَ في مُدَّةِ النَّبِيِّ ﷺ، وخَتَمَتْ تِلْكَ بِالإحْسانِ، وهَذِهِ بِالإصْلاحِ؛ لِأنَّ الأُولى في مَندُوبٍ إلَيْهِ إذْ لَهُ أنْ لا يُحْسِنَ، وأنْ يَشِحَّ، ويُصالِحَ بِما يُرْضِيهِ، وهَذِهِ في لازِمٍ إذْ لَيْسَ لَهُ إلّا أنْ يُصْلِحَ، بَلْ يَلْزَمُهُ العَدْلُ فِيما يَمْلِكُ.
﴿وإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِن سَعَتِهِ﴾ الضَّمِيرُ في يَتَفَرَّقا عائِدٌ عَلى الزَّوْجَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها﴾ [النساء: ١٢٨] والمَعْنى: وإنْ شَحَّ كُلٌّ مِنهُما، ولَمْ يَصْطَلِحا، وتَفَرَّقا بِطَلاقٍ؛ فاللَّهُ يُغْنِي كُلًّا مِنها عَنْ صاحِبِهِ بِفَضْلِهِ، ولُطْفِهِ في المالِ والعِشْرَةِ والسِّعَةِ. ووُجُودِ المُرادِ، والسِّعَةُ الغِنى والمَقْدِرَةُ، وهَذا وعْدٌ بِالغِنى لِكُلِّ واحِدٍ إذا تَفَرَّقا، وهو مَعْرُوفٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى. ونِسْبَةُ الفِعْلِ إلَيْهِما يَدُلُّ عَلى أنَّ لِكُلٍّ مِنهُما مَدْخَلًا في التَّفَرُّقِ، وهو التَّفَرُّقُ بِالأبْدانِ، وتَراخِي المُدَّةِ بِزَوالِ العِصْمَةِ، ولا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَفَرُّقٌ بِالقَوْلِ وهو طَلاقٌ؛ لِأنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالزَّوْجِ، ولا نَصِيبَ لِلْمَرْأةِ في التَّفَرُّقِ القَوْلِيِّ؛ فَيُسْنَدُ إلَيْها خِلافًا لِمَن ذَهَبَ إلى أنَّ التَّفَرُّقَ هاهُنا هو بِالقَوْلِ، وهو الطَّلاقُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ أفْلَحَ: وإنْ يَتَفارَقا بِألِفِ المُفاعَلَةِ؛ أيْ وإنْ (p-٣٦٦)يُفارِقْ كُلٌّ مِنهُما صاحِبَهُ. وهَذِهِ الآيَةُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقَوْلُ العَرَبِ: إنْ لَمْ يَكُنْ وِفاقٌ فَطَلاقٌ. فَنَبَّهَ تَعالى عَلى أنَّ لَهُما أنْ يَتَفارَقا؛ كَما أنَّ لَهُما أنْ يَصْطَلِحا. ودَلَّ ذَلِكَ عَلى الجَوازِ، قالُوا: وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِن سَعَتِهِ﴾ إشارَةٌ إلى الغِنى بِالمالِ. وكانَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما فِيما رَوَوْا طُلَقَةً ذُوَقَةً فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ فَقالَ: إنِّي رَأيْتُ اللَّهَ تَعالى عَلَّقَ الغِنى بِأمْرَيْنِ فَقالَ: ﴿وأنْكِحُوا الأيامى﴾ [النور: ٣٢] الآيَةَ، وقالَ: ﴿وإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِن سَعَتِهِ﴾ .
﴿وكانَ اللَّهُ واسِعًا حَكِيمًا﴾ ناسَبَ ذَلِكَ ذِكْرَ السَّعَةِ؛ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ مِن سِعَتِهِ. والواسِعُ عامٌّ في الغِنى والقُدْرَةِ والعِلْمِ، وسائِرِ الكِمالاتِ. وناسَبَ ذِكْرَ وصْفِ الحِكْمَةِ، وهو وضْعُ الشَّيْءِ مَوْضِعَ ما يُناسِبُ؛ لِأنَّ السَّعَةَ ما لَمْ تَكُنْ مَعَها الحِكْمَةُ كانَتْ إلى فَسادٍ أقْرَبَ مِنها لِلصَّلاحِ؛ قالَهُ الرّاغِبُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ فِيما حَكَمَ ووَعَظَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: فِيما حَكَمَ عَلى الزَّوْجِ مِن إمْساكِها بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٍ بِإحْسانٍ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: أوْ حَيْثُ نُدِبَ إلى الفُرْقَةِ عِنْدَ اخْتِلافِهِما وعَدَمِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُما.
﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى سَعَةَ رِزْقِهِ، وحِكْمَتَهُ، ذَكَرَ أنَّ لَهُ مُلْكَ ما في السَّماواتِ، وما في الأرْضِ؛ فَلا يَعْتاضُّ عَلَيْهِ غِنى أحَدٍ، ولا التَّوْسِعَةُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ مَن لَهُ ذَلِكَ هو الغَنِيُّ المُطْلَقُ.
﴿ولَقَدْ وصَّيْنا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم وإيّاكم أنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ وصَّيْنا: أمَرْنا أوْ عَهِدْنا إلَيْهِمْ وإلَيْكم، ومِن قَبْلِكم: يُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ (أُوتُوا)؛ وهو الأقْرَبُ، أوْ بِـ (وصَّيْنا) . والمَعْنى: أنَّ الوَصِيَّةَ بِالتَّقْوى هي سُنَّةُ اللَّهِ مَعَ الأُمَمِ الماضِيَةِ، فَلَسْتُمْ مَخْصُوصِينَ بِهَذِهِ الوَصِيَّةِ. و(إيّاكم) عَطْفٌ عَلى المَوْصُولِ، وتَقَدَّمَ المَوْصُولُ؛ لِأنَّ وصِيَّتَهُ هي السّابِقَةُ عَلى وصَّيْنا، فَهو تَقَدُّمٌ بِالزَّمانِ. ومِثْلُ هَذا العَطْفِ - أعْنِي عَطْفَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ المُنْفَصِلِ عَلى الظّاهِرِ - فَصِيحٌ جاءَ في القُرْآنِ وفي كَلامِ العَرَبِ، ولا يَخْتَصُّ بِالشِّعْرِ، وقَدْ وهِمَ في ذَلِكَ بَعْضُ أصْحابِنا وشُيُوخِنا؛ فَزَعَمَ أنَّهُ لا يَجُوزُ إلّا في الشِّعْرِ؛ لِأنَّكَ تَقْدِرُ عَلى أنْ تَأْتِيَ بِهِ مُتَّصِلًا؛ فَتَقُولُ: آتِيكَ وزَيْدًا. ولا يَجُوزُ عِنْدَهُ: رَأيْتُ زَيْدًا وإيّاكَ إلّا في الشِّعْرِ، وهَذا وهْمٌ فاحِشٌ؛ بَلْ مِن مُوجَبِ انْفِصالِ الضَّمِيرِ كَوْنُهُ يَكُونُ مَعْطُوفًا؛ فَيَجُوزُ قامَ زَيْدٌ وأنْتَ، وخَرَجَ بَكْرٌ وأنا، لا خِلافَ في جَوازِ ذَلِكَ؛ فَكَذَلِكَ ضَرَبْتُ زَيْدًا وإيّاكَ.
والَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ هو عامٌّ في الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى تَخْصِيصِ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِاليَهُودِ والنَّصارى كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ؛ لِأنَّ وصِيَّةَ اللَّهِ بِالتَّقْوى لَمْ تَزَلْ مُذْ أوْجَدَ العالَمَ؛ فَلَيْسَتْ مَخْصُوصَةً بِاليَهُودِ والنَّصارى. وأنِ اتَّقُوا: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أيْ بِأنِ اتَّقُوا اللَّهَ، وأنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً التَّقْدِيرُ أيِ اتَّقُوا اللَّهَ؛ لِأنَّ وصَّيْنا فِيهِ مَعْنى القَوْلِ.
﴿وإنْ تَكْفُرُوا﴾ ظاهِرُهُ الخِطابُ لِمَن وقَعَ لَهُ الخِطابُ بِقَوْلِهِ: وإيّاكم، وهم هَذِهِ الأُمَّةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ شامِلًا لِلَّذِينِ أُوتُوا الكِتابَ، ولِلْمُخاطَبِينَ وغَلَبَ الخِطابُ عَلى ما تَقَرَّرَ في لِسانِ العَرَبِ كَما تَقُولُ: قُلْتُ لِزَيْدٍ ذَلِكَ، لا تَضْرِبْ عَمْرًا، وكَما تَقُولُ: زَيْدٌ وأنْتَ تَخْرُجانِ.
﴿فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾؛ أيْ أنْتُمْ مِن جُمْلَةِ مَن يَمْلِكُهُ تَعالى، وهو المُتَصَرِّفُ فِيكم؛ إذْ هو خالِقُكم والمُنْعِمُ عَلَيْكم بِأصْنافِ النِّعَمِ، وأنْتُمْ مَمْلُوكُونَ لَهُ، فَلا يُناسِبُ أنْ تَكْفُرُوا مَن هو مالِكُكم، وتُخالِفُونَ أمْرَهُ؛ بَلْ حَقُّهُ أنْ يُطاعَ ولا يُعْصى، وأنْ يُتَّقى عِقابُهُ، ويُرْجى ثَوابُهُ، ولِلَّهِ ما في سَمائِهِ وأرْضِهِ مَن يُوَحِّدُهُ ويَعْبُدُهُ، ولا يَعْصِيهِ.
﴿وكانَ اللَّهُ غَنِيًّا﴾؛ أيْ عَنْ خَلْقِهِ، وعَنْ عِبادَتِهِمْ لا تَنْفَعُهُ طاعَتُهم، ولا يَضُرُّهُ كُفْرُهم.
(حَمِيدًا)؛ أيْ مُسْتَحِقًّا لِأنْ يُحْمَدَ لِكَثْرَةِ نِعَمِهِ، وإنْ كَفَرْتُمُوهُ أنْتُمْ.
﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ الوَكِيلُ القائِمُ بِالأُمُورِ، المُنْفِذُ فِيها ما يَراهُ؛ فَمَن لَهُ مُلْكُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ، فَهو كافٍ فِيما يَتَصَرَّفُ فِيهِ، لا يَعْتَمِدُ عَلى غَيْرِهِ. وأعادَ قَوْلَهُ: ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ثَلاثَ مَرّاتٍ بِحَسَبِ السِّياقِ. (p-٣٦٧)فَقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الأوَّلُ: تَنْبِيهٌ عَلى مَوْضِعِ الرَّجاءِ يَهْدِي المُتَفَرِّقِينَ. والثّانِي: تَنْبِيهٌ عَلى اسْتِغْنائِهِ عَنِ العِبادِ. والثّالِثُ: مُقَدِّمَةٌ لِلْوَعِيدِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وتَكْرِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ تَقْرِيرٌ لِما هو مُوجِبٌ تَقْواهُ لِيَتَّقُوهُ؛ فَيُطِيعُوهُ ولا يَعْصُوهُ؛ لِأنَّ الخَشْيَةَ والتَّقْوى أصْلُ الخَيْرِ كُلِّهِ. وقالَ الرّاغِبُ: الأوَّلُ: لِلتَّسْلِيَةِ عَمّا فاتَ. والثّانِي: أنَّ وصِيَّتَهُ لِرَحْمَتِهِ لا لِحاجَةٍ، وأنَّهم إنْ كَفَرُوهُ لا يَضُرُّوهُ شَيْئًا. والثّالِثُ: دَلالَتُهُ عَلى كَوْنِهِ غَنِيًّا. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: الأوَّلُ: تَقْرِيرُ كَوْنِهِ واسِعَ الجُودِ. والثّانِي: لِلتَّنْزِيهِ عَنْ طاعَةِ المُطِيعِينَ. والثّالِثُ: لِقُدْرَتِهِ عَلى الإفْناءِ والإيجادِ؛ والغَرَضُ مِنهُ: تَقْرِيرُ كَوْنِهِ قادِرًا عَلى مَدْلُولاتٍ كَثِيرَةٍ فَيَحْسُنُ أنْ يَذْكُرَ ذَلِكَ الدَّلِيلَ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِن مَدْلُولاتِهِ، وهَذِهِ الإعادَةُ أحْسَنُ وأوْلى مِنَ الِاكْتِفاءِ بِذِكْرِ الدَّلِيلِ مَرَّةً واحِدَةً؛ لِأنَّهُ عِنْدَهُ إعادَةُ ذِكْرِ الدَّلِيلِ يُحْضِرُ في الذِّهْنِ ما يُوجِبُ العِلْمَ بِالمَدْلُولِ؛ وكانَ العِلْمُ الحاصِلُ بِذَلِكَ المَدْلُولِ أقْوى وأجَلَّ؛ فَظَهَرَ أنَّ هَذا التَّكْرارَ في غايَةِ الكَمالِ. وقالَ مَكِّيٌّ: نَبَّهْنا أوَّلًا عَلى مُلْكِهِ وسَعَتِهِ. وثانِيًا عَلى حاجَتِنا إلَيْهِ وغِناهُ، وثالِثًا عَلى حِفْظِهِ لَنا، وعِلْمِهِ بِتَدْبِيرِنا.
﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ ظاهِرُهُ أنَّ الخِطابَ لِمَن تَقَدَّمَ لَهُ الخِطابُ أوَّلًا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الخِطابُ لِلْمُشْرِكِينَ والمُنافِقِينَ والمَعْنى: ويَأْتِ بِآخَرِينَ مِنكم. وقَرِيبٌ مِنهُ ما نَقَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن أنَّهُ خِطابٌ لِمَن كانَ يُعادِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنَ العَرَبِ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: الخِطابُ لِلْكُفّارِ، وهو تَهْدِيدٌ لَهم؛ كَأنَّهُ قالَ: إنْ يَشَأْ يُهْلِكْكم كَما أهْلَكَ مَن قَبْلَكم إذْ كَفَرُوا بِرُسُلِهِ. وقِيلَ لِلْمُؤْمِنِينَ يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ النّاسِ؛ والمَعْنى: إنْ شاءَ يُهْلِكْكم كَما أنْشَأكم، وأنْشَأ قَوْمًا آخَرِينَ يَعْبُدُونَهُ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: الخِطابُ لِلَّذِينِ شَفَعُوا في طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ، وخاصَمَ وخاصَمُوا عَنْهُ في أمْرِ خِيانَتِهِ في الدِّرْعِ والدَّقِيقِ. وهَذا التَّأْوِيلُ بَعِيدٌ، وقَدْ يَظْهَرُ العُمُومُ فَيَكُونُ خِطابًا لِلْعالِمِ الحاضِرِ الَّذِي يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ الخِطابُ والنِّداءُ. ويَأْتِ بِآخَرِينَ أيْ بِناسٍ غَيْرِكم؛ فالمَأْتِيُّ بِهِ مِن نَوْعِ المُذْهَبِ؛ فَيَكُونُ مِن جِنْسِ المُخاطَبِ المُنادى، وهُمُ النّاسُ.
ورُوِيَ أنَّها لَمّا نَزَلَتْ ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ عَلى ظَهْرِ سَلْمانَ، وقالَ: (إنَّهم قَوْمُ هَذا) يُرِيدُ ابْنَ فارِسَ، وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُما أنْ يَكُونَ المُرادُ بِآخَرِينَ مِن نَوْعِ المُخاطَبِينَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَأْتِ بِآخَرِينَ مَكانَكم أوْ خَلْقًا آخَرِينَ غَيْرَ الإنْسِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وعِيدًا لِجَمِيعِ بَنِي آدَمَ، ويَكُونَ الآخَرُونَ مِن غَيْرِ نَوْعِهِمْ. كَما أنَّهُ قَدْ رُوِيَ أنَّهُ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَعْبُدُونَ اللَّهَ قَبْلَ بَنِي آدَمَ، انْتَهى. وما جَوَّزَهُ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ مَدْلُولَ (آخَرَ) في اللُّغَةِ هو مَدْلُولٌ غَيْرُ خاصٍّ بِجِنْسِ ما تَقَدَّمَ؛ فَلَوْ قُلْتَ: جاءَ زَيْدٌ وآخَرُ مَعَهُ، أوْ مَرَرْتُ بِامْرَأةٍ وأُخْرى مَعَها، أوِ اشْتَرَيْتُ فَرَسًا وآخَرَ، وسابَقْتُ بَيْنَ حِمارٍ وآخَرَ؛ لَمْ يَكُنْ آخَرُ ولا أُخْرى مُؤَنَّثُهُ، ولا تَثْنِيَتُهُ، ولا جَمْعُهُ، إلّا مِن جِنْسِ ما يَكُونُ قَبْلَهُ. ولَوْ قُلْتَ: اشْتَرَيْتُ ثَوْبًا وآخَرَ، ويَعْنِي بِهِ: غَيْرَ ثَوْبٍ؛ لَمْ يَجُزْ. فَعَلى هَذا تَجْوِيزُهم أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: بِآخَرِينَ مِن غَيْرِ جِنْسِ ما تَقَدَّمَ، وهُمُ النّاسُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وهَذا هو الفَرْقُ بَيْنَ غَيْرٍ وبَيْنَ آخَرَ؛ لِأنَّ غَيْرًا تَقَعُ عَلى المُغايِرِ في جِنْسٍ أوْ في صِفَةٍ؛ فَتَقُولُ: اشْتَرَيْتُ ثَوْبًا وغَيْرَهُ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ثَوْبًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ ثَوْبٍ، (p-٣٦٨)وقَلَّ مَن يَعْرِفُ هَذا الفَرْقَ.
﴿وكانَ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾؛ أيْ عَلى إذْهابِكم والإتْيانِ بِآخَرِينَ. وأتى بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ في القُدْرَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ أرادَهُ، وهَذا غَضَبٌ عَلَيْهِمْ، وتَخْوِيفٌ وبَيانٌ لِاقْتِدارِهِ.
﴿مَن كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ؛ أيْ مَن كانَ لا رَغْبَةَ لَهُ إلّا في ثَوابِ الدُّنْيا، ولا يَعْتَقِدُ أنَّ ثَمَّ سِواهُ؛ فَلَيْسَ كَما ظَنَّ، بَلْ عِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدّارَيْنِ. فَمَن قَصَدَ الآخِرَةَ أعْطاهُ مِن ثَوابِ الدُّنْيا، وأعْطاهُ قَصْدَهُ، ومَن قَصَدَ الدُّنْيا فَقَطْ أعْطاهُ مِنَ الدُّنْيا ما قُدِّرَ لَهُ، وكانَ لَهُ في الآخِرَةِ العَذابُ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: مَن عَبَدَ الأصْنامَ طَلَبًا لِلْعِزِّ لا يَحْصُلُ لَهُ ذَلِكَ، ولَكِنْ عِنْدَ اللَّهِ عِزُّ الدُّنْيا والآخِرَةِ، أوْ لِلتَّقْرِيبِ والشَّفاعَةِ؛ أيْ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، ولَكِنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَعِنْدَهُ ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، لا عِنْدَ مَن تَطْلُبُونَ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في أهْلِ النِّفاقِ الَّذِينَ يُراءُونَ بِأعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ في الدُّنْيا لِثَوابِ الدُّنْيا لا غَيْرَ.
و(مَن) يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً؛ والظّاهِرُ أنَّها شَرْطٌ، وجَوابُهُ الجُمْلَةُ المَقْرُونةُ بِفاءِ الجَوابِ؛ ولا بُدَّ في الجُمْلَةِ الواقِعَةِ جَوابًا لِاسْمِ الشَّرْطِ غَيْرِ الظَّرْفِ مِن ضَمِيرٍ عائِدٍ عَلى اسْمِ الشَّرْطِ حَتّى يَتَعَلَّقَ الجَزاءُ بِالشَّرْطِ؛ والتَّقْدِيرُ: ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ لَهُ إنْ أرادَهُ؛ هَكَذا قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ جَوابَ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: مَن كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَلا يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ، ولْيَطْلُبِ الثَّوابَيْنِ؛ فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ. وقالَ الرّاغِبُ: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ تَبْكِيتٌ لِلْإنْسانِ؛ حَيْثُ اقْتَصَرَ عَلى أحَدِ السُّؤالَيْنِ، مَعَ كَوْنِ المَسْئُولِ مالِكًا لِلثَّوابَيْنِ، وحَثَّ عَلى أنْ يَطْلُبَ مِنهُ تَعالى ما هو أكْمَلُ، وأفْضَلُ مِن مَطْلُوبِهِ؛ فَمَن طَلَبَ خَسِيسًا مَعَ أنَّهُ يُمْكِنُهُ أنْ يَطْلُبَ نَفِيسًا؛ فَهو دَنِيءُ الهِمَّةِ. قِيلَ والآيَةُ وعِيدٌ لِلْمُنافِقِينَ، لا يُرِيدُونَ بِالجِهادِ غَيْرَ الغَنِيمَةِ. وقِيلَ هي حَضٌّ عَلى الجِهادِ.
﴿وكانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾؛ أيْ سَمِيعًا لِأقْوالِهِمْ؛ بَصِيرًا بِأعْمالِهِمْ ونِيّاتِهِمْ.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلى أنْفُسِكم أوِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ قالَ الطَّبَرِيُّ: هي سَبَبُ نازِلَةِ ابْنِ أُبَيْرِقٍ وقِيامِ مَن قامَ في أمْرِهِ بِغَيْرِ القِسْطِ. وقالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في اخْتِصامِ غَنِيٍّ وفَقِيرٍ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ .
ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ النِّساءَ والنُّشُوزَ والمُصالَحَةَ؛ أعْقَبَهُ بِالقِيامِ بِأداءِ حُقُوقِ اللَّهِ تَعالى، وفي الشَّهادَةِ حُقُوقُ اللَّهِ. أوْ لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ تَعالى طالِبَ الدُّنْيا، وأنَّهُ عِنْدَهُ ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ؛ بَيَّنَ أنَّ كَمالَ السَّعادَةِ أنْ يَكُونَ قَوْلُ الإنْسانِ وفِعْلُهُ لِلَّهِ تَعالى، أوْ لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ.
﴿وإنْ خِفْتُمْ أنْ لا تُقْسِطُوا في اليَتامى﴾ [النساء: ٣] والإشْهادُ عِنْدَ دَفْعِ أمْوالِ اليَتامى إلَيْهِمْ، وأمَرَ بِبَذْلِ النَّفْسِ والمالِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وذَكَرَ قِصَّةَ ابْنِ أُبَيْرِقٍ، واجْتِماعَ قَوْمِهِ عَلى الكَذِبِ والشَّهادَةِ بِالباطِلِ، ونَدَبَ لِلْمُصالَحَةِ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِأنْ أمَرَ عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ بِالقِيامِ بِالعَدْلِ والشَّهادَةِ لِوَجْهِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وأتى بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ في قَوّامِينَ حَتّى لا يَكُونَ مِنهم جَوْرٌ ما. والقِسْطُ: العَدْلُ. ومَعْنى ﴿شُهَداءَ لِلَّهِ﴾؛ أيْ لِوَجْهِ اللَّهِ، لا يُراعِي في الشَّهادَةِ إلّا جِهَةَ اللَّهِ تَعالى. والظّاهِرُ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿شُهَداءَ لِلَّهِ﴾ مِنَ الشَّهادَةِ في الحُقُوقِ؛ ولِذَلِكَ أتْبَعَهُ بِما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾، وهَكَذا فَسَّرَهُ المُفَسِّرُونَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: شُهَداءَ لِلَّهِ مَعْناهُ بِالوَحْدانِيَّةِ. (p-٣٦٩)ويَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾، بِقَوْلِهِ: ﴿قَوّامِينَ بِالقِسْطِ﴾؛ والتَّأْوِيلُ الأوَّلُ أبْيَنُ، انْتَهى كَلامُهُ. ويُضَعِّفُهُ أنَّهُ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وهم شُهَداءُ لِلَّهِ بِالوَحْدانِيَّةِ؛ إلّا إنْ أُرِيدَ اسْتِمْرارُ الشَّهادَةِ.
وتَقَدَّمَتْ صِفَةُ (قَوّامِينَ) بِالقِسْطِ عَلى ﴿شُهَداءَ لِلَّهِ﴾؛ لِأنَّ القِيامَ بِالقِسْطِ أعَمُّ والشَّهادَةَ أخَصُّ. ولِأنَّ القِيامَ بِالقِسْطِ فِعْلٌ وقَوْلٌ، والشَّهادَةَ قَوْلٌ فَقَطْ. ومَعْنى: ﴿ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾؛ أيْ تَشْهَدُونَ عَلى أنْفُسِكم؛ أيْ تُقِرُّونَ بِالحَقِّ، وتُقِيمُونَ القِسْطَ عَلَيْها. والظّاهِرُ أنَّهُ أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ أنْفُسَ الشُّهَداءِ لِلَّهِ تَعالى. وأبْعَدَ مَن جَوَّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى في أنْفُسِكم: الأهْلُ والأقارِبُ، وأنْ يَكُونَ ﴿أوِ الوالِدَيْنِ﴾ تَفْسِيرًا لِأنْفُسِكم، ويُضَعِّفُهُ العَطْفُ بَـ (أوْ) . وانْتَصَبَ (شُهَداءَ) عَلى أنَّهُ خَبْرٌ بَعْدَ خَبَرٍ. ومَن ذَهَبَ إلى جَعْلِهِ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في قَوّامِينَ كَأبِي البَقاءِ؛ فَقَوْلُهُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ فِيها تَقْيِيدَ القِيامِ بِالقِسْطِ؛ سَواءٌ كانَ مِثْلَ هَذا أمْ لا. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما ما يَشْهَدُ لِهَذا القَوْلِ الضَّعِيفِ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ كُونُوا قَوّامِينَ بِالعَدْلِ في الشَّهادَةِ عَلى مَن كانَ، ومَجِيءُ لَوْ هُنا لِاسْتِقْصاءِ جَمِيعِ ما يُمْكِنُ فِيهِ الشَّهادَةُ، لَما كانَتِ الشَّهادَةُ مِنَ الإنْسانِ عَلى نَفْسِهِ بِصَدَدِ أنْ لا يُقِيمَها لِما جُبِلَ عَلَيْهِ المَرْءُ مِن مُحاباةِ نَفْسِهِ، ومُراعاتِها. نَبَّهَ عَلى هَذِهِ الحالِ، وجاءَ هَذا التَّرْتِيبُ في الِاسْتِقْصاءِ في غايَةٍ مِنَ الحُسْنِ والفَصاحَةِ. فَبَدَأ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾؛ لِأنَّهُ لا شَيْءَ أعَزُّ عَلى الإنْسانِ مِن نَفْسِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ الوالِدَيْنِ، وهُما أقْرَبُ إلى الإنْسانِ، وسَبَبُ نَشْأتِهِ؛ وقَدْ أمَرَ بِبِرِّهِما، وتَعْظِيمِهِما والحَوْطَةِ لَهُما، ثُمَّ ذَكَرَ الأقْرَبِينَ؛ وهم مَظِنَّةُ المَحَبَّةِ والتَّعَصُّبِ. وإذا كانَ هَؤُلاءِ أُمِرَ في حَقِّهِمْ بِالقِسْطِ والشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ، فالأجْنَبِيُّ أحْرى بِذَلِكَ. والآيَةُ تَعَرَّضَتْ لِلشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ لا لَهم، فَلا دَلالَةَ فِيها عَلى الشَّهادَةِ لَهم، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ. ولَوْ شَرْطِيَّةٌ بِمَعْنى (إنْ)، وقَوْلُهُ عَلى أنْفُسِكم مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: وإنْ كُنْتُمْ شُهَداءَ عَلى أنْفُسِكم فَكُونُوا شُهَداءَ لِلَّهِ، هَذا تَقْرِيرُ الكَلامِ. وحَذْفُ (كانَ) بَعْدَ (لَوْ) كَثِيرٌ تَقُولُ: ائْتِنِي بِتَمْرٍ ولَوْ حَشَفًا؛ أيْ وإنْ كانَ التَّمْرُ حَشَفًا فائْتِنِي بِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَوْ عَلى أنْفُسِكم مُتَعَلِّقٌ بِشُهَداءَ. فَإنْ عَنى (شُهَداءَ) هَذا المَلْفُوظَ بِهِ فَلا يَصِحُّ ذَلِكَ، وإنْ عَنى الَّذِي قَدَّرْناهُ نَحْنُ فَيَصِحُّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَوْ عَلى أنْفُسِكم، ولَوْ كانَتِ الشَّهادَةُ عَلى أنْفُسِكم أوْ آبائِكم أوْ أقارِبِكم. فَإنْ قُلْتَ: الشَّهادَةُ عَلى الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ أنْ يَقُولَ: أشْهَدُ أنَّ لِفُلانٍ عَلى والِدِي كَذا، وعَلى أقارِبِي، فَما مَعْنى الشَّهادَةِ عَلى نَفْسِهِ ؟ قُلْتُ: هي الإقْرارُ عَلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى الشَّهادَةِ عَلَيْها بِإلْزامِ الحَقِّ لَها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وإنْ كانَتِ الشَّهادَةُ وبالًا عَلى أنْفُسِكم، أوْ عَلى (p-٣٧٠)آبائِكم وأقارِبِكم؛ وذَلِكَ أنْ يَشْهَدَ عَلى مَن تَوَقَّعَ ضَرَرَهُ مِن سُلْطانٍ ظالِمٍ أوْ غَيْرِهِ، انْتَهى كَلامُهُ. وتَقْدِيرُهُ: ولَوْ كانَتِ الشَّهادَةُ عَلى أنْفُسِكم لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ المَحْذُوفَ إنَّما يَكُونُ مِن جِنْسِ المَلْفُوظِ بِهِ قَبْلُ لِيَدُلَّ عَلَيْهِ؛ فَإذا قُلْتَ: كُنْ مُحْسِنًا لِمَن أساءَ إلَيْكَ، فَتُحْذَفُ (كانَ) واسْمُها والخَبَرُ، ويَبْقى مُتَعَلِّقُهُ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، ولا تُقَدِّرُهُ: ولَوْ كانَ إحْسانُكَ لِمَن أساءَ. فَلَوْ قُلْتَ: لِيَكُنْ مِنكَ إحْسانٌ، ولَوْ لِمَن أساءَ، فَتُقَدِّرُ: ولَوْ كانَ الإحْسانُ لِمَن أساءَ؛ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ؛ ولَوْ قَدَّرْتَهُ: ولَوْ كُنْتَ مُحْسِنًا لِمَن أساءَ إلَيْكَ لَمْ يَكُنْ جَيِّدًا؛ لِأنَّكَ تَحْذِفُ ما لا دَلالَةَ عَلَيْهِ بِلَفْظٍ مُطابِقٍ. وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وإنْ كانَتِ الشَّهادَةُ وبالًا عَلى أنْفُسِكم هَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ ما تَعَلَّقَ بِهِ الظَّرْفُ كَوْنٌ مُقَيَّدٌ، ولا يَجُوزُ حَذْفُ الكَوْنِ المُقَيَّدِ. لَوْ قُلْتَ: كانَ زَيْدٌ فِيكَ، وأنْتَ تُرِيدُ مُحِبًّا فِيكَ؛ لَمْ يَجُزْ؛ لِأنَّ مُحِبًّا مُقَيَّدٌ؛ وإنَّما ذَلِكَ جائِزٌ في الكَوْنِ المُطْلَقِ، وهو: تَقْدِيرٌ كائِنٌ أوْ مُسْتَقِرٌّ.
﴿إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا فاللَّهُ أوْلى بِهِما﴾؛ أيْ إنْ يَكُنِ المَشْهُودُ عَلَيْهِ غَنِيًّا، فَلا تَمْتَنِعُ مِنَ الشَّهادَةِ عَلَيْهِ لِغِناهُ، أوْ فَقِيرًا فَلا تَمْنَعْها تَرَحُّمًا عَلَيْهِ وإشْفاقًا. فَعَلى هَذا الجَوابُ مَحْذُوفٌ؛ لِأنَّ العَطْفَ هو بِـ (أوْ)، ولا يُثَنّى الضَّمِيرُ إذا عُطِفَ بِها، بَلْ يُفْرَدُ . وتَقْدِيرُ الجَوابِ: فَلْيَشْهَدْ عَلَيْهِ، ولا يُراعِي الغَنِيَّ لِغِناهُ، ولا لِخَوْفٍ مِنهُ، ولا الفَقِيرَ لِمَسْكَنَتِهِ وفَقْرِهِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: فاللَّهُ أوْلى بِهِما لَيْسَ هو الجَوابَ، بَلْ لَمّا جَرى ذِكْرُ الغَنِيِّ والفَقِيرِ عادَ الضَّمِيرُ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ؛ كَأنَّهُ قِيلَ فاللَّهُ أوْلى بِجِنْسَيِ الغَنِيِّ والفَقِيرِ؛ أيْ بِالأغْنِياءِ والفُقَراءِ. وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ: فاللَّهُ أوْلى بِهِمْ ما يَشْهَدُ بِإرادَةِ الجِنْسِ. وذَهَبَ الأخْفَشُ وقَوْمٌ إلى أنَّ (أوْ) في مَعْنى الواوِ؛ فَعَلى قَوْلِهِمْ يَكُونُ الجَوابُ: فاللَّهُ أوْلى بِهِما؛ أيْ حَيْثُ شَرَعَ الشَّهادَةَ عَلَيْهِما، وهو أنْظَرُ لَهُما مِنكم. ولَوْلا أنَّ الشَّهادَةَ عَلَيْهِما مَصْلَحَةٌ لَهُما لَما شَرَعَها. وقالَ الأُسْتاذُ أبُو الحَسَنِ بْنُ عُصْفُورٍ: وقَدْ ذَكَرَ العَطْفَ بِالواوِ وثُمَّ؛ وحَتّى ما نَصُّهُ تَقُولُ: زَيْدٌ أوْ عُمَرُ، وقامَ زَيْدٌ لا عُمَرُ وقامَ، وكَذَلِكَ سائِرُ ما بَقِيَ مِن حُرُوفِ العَطْفِ يَعْنِي غَيْرَ الواوِ وحَتّى والفاءِ وثُمَّ والَّذِي بَقِيَ بَلْ ولَكِنْ وأمْ. قالَ: لا تَقُولُ قاما؛ لِأنَّ القائِمَ إنَّما هو أحَدُهُما لا غَيْرُ، ولا يَجُوزُ قاما إلّا في أوْ خاصَّةً؛ وذَلِكَ شُذُوذٌ لا يُقاسُ عَلَيْهِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا فاللَّهُ أوْلى بِهِما﴾؛ فَأعادَ الضَّمِيرَ عَلى الغَنِيِّ والفَقِيرِ لِتَفَرُّقِهِما في الذِّكْرِ، انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِسَدِيدٍ. ولا شُذُوذَ في الآيَةِ، ولا دَلِيلَ فِيها عَلى جَوازِ: زَيْدٌ أوْ عَمْرٌو قاما عَلى جِهَةِ الشُّذُوذِ، ولا غَيْرُهُ. ولِأنَّ قَوْلَهُ ﴿فاللَّهُ أوْلى بِهِما﴾ لَيْسَ بِجَوابٍ كَما قَرَّرْناهُ، والضَّمِيرُ لَيْسَ عائِدًا عَلى الغَنِيِّ والفَقِيرِ المَلْفُوظِ بِهِما في الآيَةِ؛ وإنَّما يَعُودُ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى مِن جِنْسَيِ الغَنِيِّ والفَقِيرِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: إنْ يَكُنْ غَنِيٌّ أوْ فَقِيرٌ عَلى أنَّ (كانَ) تامَّةٌ.
﴿فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى أنْ تَعْدِلُوا﴾ لَمّا أمَرَ تَعالى بِالقِيامِ بِالعَدْلِ وبِالشَّهادَةِ لِمَرْضاةِ اللَّهِ نَهى عَنِ اتِّباعِ الهَوى، وهو ما تَمِيلُ إلَيْهِ النَّفْسُ مِمّا لَمْ يُبِحْهُ اللَّهُ تَعالى، وإنْ تَعْدِلُوا مِنَ العُدُولِ عَنِ الحَقِّ، أوْ مِنَ العَدْلِ، وهو القِسْطُ. فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: إرادَةَ أنْ تَجُورُوا، أوْ مَحَبَّةَ أنْ تَجُورُوا. وعَلى الثّانِي يَكُونُ التَّقْدِيرُ: كَراهَةَ أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النّاسِ، وتُقْسِطُوا. وعَكَسَ ابْنُ عَطِيَّةَ هَذا التَّقْدِيرَ؛ فَقالَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ مَخافَةَ أنْ تَعْدِلُوا، ويَكُونُ العَدْلُ بِمَعْنى القِسْطِ؛ كَأنَّهُ قالَ: انْتَهُوا خَوْفَ أنْ تَجُورُوا، أوْ مَحَبَّةَ أنْ تُقْسِطُوا. فَإنْ جَعَلْتَ العامِلَ (تَتَّبِعُوا) فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: مَحَبَّةَ أنْ تَجُورُوا انْتَهى كَلامُهُ. وهَذا الَّذِي قَرَّرَهُ مِنَ التَّقْدِيرِ يَكُونُ العامِلُ في أنْ تَعْدِلُوا فِعْلًا مَحْذُوفًا مِن مَعْنى النَّهْيِ. وكانَ الكَلامُ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى﴾، ثُمَّ أضْمَرَ فِعْلًا، وقَدَّرَهُ: انْتَهُوا خَوْفَ أنْ تَجُورُوا، أوْ مَحَبَّةَ أنْ تُقْسِطُوا؛ ولِذَلِكَ قالَ: فَإنْ جَعَلْتَ العامِلَ تَتَبَّعُوا. والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الظّاهِرُ أنَّ العامِلَ هو تَتَّبِعُوا، ولا حاجَةَ إلى إضْمارِ جُمْلَةٍ أُخْرى؛ فَيَكُونُ فِعْلُها عامِلًا في ﴿أنْ تَعْدِلُوا﴾ . وإذا كانَ العامِلُ تَتَّبِعُوا؛ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ الأوَّلُ هو المُتَّجِهُ، وعَلى هَذِهِ التَّقادِيرِ فَـ ﴿أنْ تَعْدِلُوا﴾ (p-٣٧١)مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: أنْ لا تَعْدِلُوا؛ فَحَذَفَ (لا) أيْ لا تَتَّبِعُوا الهَوى في تَرْكِ العَدْلِ. وقِيلَ المَعْنى لا تَتَّبِعُوا الهَوى لِتَعْدِلُوا؛ أيْ لِتَكُونُوا في اتِّباعِكُمُوهُ عُدُولًا؛ تَنْبِيهًا أنَّ اتِّباعَ الهَوى، وتَحَرِّيَ العَدالَةِ مُتَنافِيانِ لا يَجْتَمِعانِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: المَعْنى اتْرُكُوا مُتابَعَةَ الهَوى حَتّى تَصِيرُوا مَوْصُوفِينَ بِصِفَةِ العَدْلِ. والعَدْلُ عِبارَةٌ عَنْ تَرْكِ مُتابَعَةِ الهَوى، ومَن تَرَكَ أحَدَ النَّقِيضَيْنِ فَقَدْ حَصَلَ لَهُ الآخَرُ؛ فالتَّقْدِيرُ: لِأجْلِ أنْ تَعْدِلُوا.
﴿وإنْ تَلْوُوا أوْ تُعْرِضُوا﴾ الظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ لِلْمَأْمُورِينَ بِالقِيامِ بِالقِسْطِ والشَّهادَةِ لِلَّهِ والمَنهِيِّينَ عَنِ اتِّباعِ الهَوى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو في لَيِّ الحاكِمِ عُنُقَهُ عَنْ أحَدِ الخَصْمَيْنِ. وقالَ مُجاهِدٌ نَحْوَهُ قالَ: لَيُّ الحاكِمِ شِدْقَهُ لِأحَدِ الخَصْمَيْنِ مَيْلًا إلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ ومُجاهِدٌ: هي في الشُّهُودِ يَلْوِي الشَّهادَةَ بِلِسانِهِ فَيُحَرِّفُها، ولا يَقُولُ الحَقَّ فِيها، أوْ يُعْرِضُ عَنْ أداءِ الحَقِّ فِيها، ويَقُولُ مَعْناهُ: يُدافِعُوا الشَّهادَةَ مِن لَيِّ الغَرِيمِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنْ تَلْوُوا ألْسِنَتَكم عَنْ شَهادَةِ الحَقِّ، أوْ حُكُومَةِ العَدْلِ، أوْ تُعْرِضُوا عَنِ الشَّهادَةِ بِما عِنْدَكم، وتَمْنَعُوها.
وقَرَأ جَماعَةٌ في الشّاذِّ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ: وإنْ تَلُوا بِضَمِّ اللّامِ بِواوٍ واحِدَةٍ، ولَحَّنَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ قارِئَ هَذِهِ القِراءَةِ. قالَ: لا مَعْنى لِلِّوايَةِ هُنا؛ وهَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّها قِراءَةٌ مُتَواتِرَةٌ في السَّبْعِ، ولَها مَعْنًى صَحِيحٌ وتَخْرِيجٌ حَسَنٌ؛ فَنَقُولُ: اخْتُلِفَ في قَوْلِهِ ﴿وإنْ تَلْوُوا﴾ .
فَقِيلَ هي مِنَ الوِلايَةِ؛ أيْ وإنْ ولِيتُمْ إقامَةَ الشَّهادَةِ، أوْ أعْرَضْتُمْ عَنْ إقامَتِها؛ والوِلايَةُ عَلى الشَّيْءِ هو الإقْبالُ عَلَيْهِ. وقِيلَ هو مِنَ اللَّيِّ، وأصْلُهُ: تَلْوُوا، وأُبْدِلَتِ الواوُ المَضْمُومَةُ هَمْزَةً، ثُمَّ نُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى اللّامِ، وحُذِفَتْ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ وأبُو عَلِيٍّ والنَّحّاسُ، ونُقِلَ عَنِ النَّحّاسِ أيْضًا أنَّهُ اسْتُثْقِلَتِ الحَرَكَةُ عَلى الواوِ، فَأُلْقِيَتْ عَلى اللّامِ، وحُذِفَتْ إحْدى الواوَيْنِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ.
﴿فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ هَذا فِيهِ وعِيدٌ لِمَن لَوى عَنِ الشَّهادَةِ أوْ أعْرَضَ عَنْها.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي أنْزَلَ مِن قَبْلُ﴾ مُناسَبَتُها لِما قَبْلَها؛ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالقِيامِ بِالقِسْطِ والشَّهادَةِ لِلَّهِ؛ بَيَّنَ أنَّهُ لا يَتَّصِفُ بِذَلِكَ إلّا مَن كانَ راسِخَ القَدَمِ في الإيمانِ بِالأشْياءِ المَذْكُورَةِ، في هَذِهِ الآيَةِ، فَأمَرَ بِها. والظّاهِرُ أنَّهُ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. ومَعْنى: آمِنُوا داوِمُوا عَلى الإيمانِ؛ قالَهُ الحَسَنُ، وهو أرْجَحُ؛ لِأنَّ لَفْظَ المُؤْمِنِ مَتى أُطْلِقَ لا يَتَناوَلُ إلّا المُسْلِمَ. وقِيلَ لِلْمُنافِقِينَ؛ أيْ يا أيُّها الَّذِينَ أظْهَرُوا الإيمانَ بِألْسِنَتِهِمْ آمِنُوا بِقُلُوبِكم. وقِيلَ لِمَن آمَنَ بِمُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ؛ أيْ يا مَن آمَنَ بِنَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ آمِن بِمُحَمَّدٍ. وقِيلَ هم جَمِيعُ الخَلْقِ؛ أيْ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا يَوْمَ أخْذِ المِيثاقِ حِينَ قالَ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] . وقِيلَ اليَهُودُ خاصَّةً. وقِيلَ المُشْرِكُونَ آمَنُوا بِاللّاتَ والعُزّى والأصْنامِ والأوْثانِ. وقِيلَ: آمَنُوا عَلى سَبِيلِ التَّقْلِيدِ آمِنُوا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِدْلالِ. وقِيلَ آمَنُوا في الماضِي والحاضِرِ، آمِنُوا في المُسْتَقْبَلِ.
ونَظِيرُهُ: ﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] مَعَ أنَّهُ كانَ عالِمًا بِذَلِكَ. ورُوِيَ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ، وسَلّامًا ابْنَ أُخْتِهِ، وسَلَمَةَ ابْنَ أخِيهِ، وأسَدًا وأُسَيْدًا ابْنَيْ كَعْبٍ، وثَعْلَبَةَ بْنَ قَيْسٍ، ويامِينَ أتَوُا الرَّسُولَ، وقالُوا نُؤْمِنُ بِكَ وبِكِتابِكَ، ومُوسى والتَّوْراةِ، وعُزَيْرٍ، ونَكْفُرُ بِما سِواهُ مِنَ الكُتُبِ والرُّسُلِ؛ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: بَلْ آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وكِتابِهِ القُرْآنِ، وبِكُلِّ كِتابٍ كانَ قَبْلَهُ؛ فَقالُوا: لا نَفْعَلُ؛ فَنَزَلَتْ فَآمَنُوا كُلُّهم» .
﴿والكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ﴾ هو القُرْآنُ بِلا خِلافٍ ﴿والكِتابِ الَّذِي أنْزَلَ مِن قَبْلُ﴾ المُرادُ بِهِ جِنْسُ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ آخَرًا: وكَتَبَهُ، وإنْ كانَ الخِطابُ لِلْيَهُودِ والنَّصارى، فَكَيْفَ قِيلَ لَهم ﴿والكِتابِ الَّذِي أنْزَلَ مِن قَبْلُ﴾، وهم مُؤْمِنُونَ بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ. وأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ بِهِما فَحَسْبُ، وما كانُوا مُؤْمِنِينَ بِكُلِّ ما أُنْزِلَ (p-٣٧٢)مِنَ الكُتُبِ؛ فَأُمِرُوا أنْ يُؤْمِنُوا بِجَمِيعِ الكُتُبِ. أوْ لِأنَّ إيمانَهم بِبَعْضٍ لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ طَرِيقَ الإيمانِ بِالجَمِيعِ واحِدٌ، وهو المُعْجِزَةُ. وقَرَأ العَرَبِيّانِ، وابْنُ كَثِيرٍ: (نُزِّلَ) و(أُنْزِلَ) بِالبَنّاءِ لِلْمَفْعُولِ والباقُونَ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ، وأنْزَلَ مِن قَبْلُ ؟ قُلْتُ: لِأنَّ القُرْآنَ نَزَلَ مُنَجَّمًا مُفَرَّقًا في عِشْرِينَ سَنَةً بِخِلافِ الكُتُبِ قَبْلَهُ، انْتَهى. وهَذِهِ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ (نَزَّلَ) و(أنْزَلَ) لا تَصِحُّ لِأنَّ التَّضْعِيفَ في (نَزَّلَ) لَيْسَ لِلتَّكْثِيرِ والتَّفْرِيقِ؛ وإنَّما هو لِلتَّعْدِيَةِ، وهو مُرادِفٌ لِلْهَمْزَةِ. وقَدْ أشْبَعْنا الرَّدَّ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ في دَعْواهُ ذَلِكَ أوَّلَ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
﴿ومَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ جَوابُ الشَّرْطِ لَيْسَ مُتَرَتِّبًا عَلى الكُفْرِ بِالمَجْمُوعِ، بَلِ المَعْنى: ومَن يَكْفُرْ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ. وقُرِئَ: وكِتابِهِ عَلى الإفْرادِ والمُرادُ جِنْسُ الكُتُبِ. ولَمّا كانَ خَيْرَ الإيمانِ عَلِقَ بِثَلاثَةٍ: بِاللَّهِ والرَّسُولِ والكُتُبِ؛ لِأنَّ الإيمانَ بِالكُتُبِ تَضَمَّنَ الإيمانَ بِالمَلائِكَةِ واليَوْمِ الآخِرِ، وبُولِغَ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ المَلِكَ مُغَيَّبٌ عَنّا، وكَذَلِكَ اليَوْمُ الآخِرُ لَمْ يَقَعْ، وهو مُنْتَظَرٌ، فَنَصَّ عَلَيْهِما عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ؛ ولِئَلّا يَتَأوَّلَهُما مُتَأوِّلٌ عَلى خِلافِ ما هُما عَلَيْهِ. فَمَن أنْكَرَ المَلائِكَةَ أوِ القِيامَةَ فَهو كافِرٌ، وقَدَّمَ الكُتُبَ عَلى الرُّسُلِ عَلى التَّرْتِيبِ الوُجُودِيِّ؛ لِأنَّ المَلَكَ يَنْزِلُ بِالكُتُبِ والرُّسُلُ تَتَلَقّى الكُتُبَ مِنَ المَلَكِ. وقَدَّمَ في الأمْرِ بِالإيمانِ المَوْصُولِ عَلى الكِتابِ؛ لِأنَّ الرَّسُولَ أوَّلُ ما يُباشِرُهُ المُؤْمِنَ ثُمَّ يَتَلَقّى الكِتابَ مِنهُ. فَحَيْثُ نَفى الإيمانَ كانَ عَلى التَّرْتِيبِ الوُجُودِيِّ، وحَيْثُ أثْبَتَ كانَ عَلى التَّرْتِيبِ اللِّقائِيِّ، وهو راجِعٌ لِلْوُجُودِ في حَقِّ المُؤْمِنِ.
النساء 4:135
﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ ولَوْ حَرَصْتُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في النَّبِيِّ ﷺ ومَيْلِهِ بِقَلْبِهِ إلى عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، انْتَهى. ونَبَّهَ تَعالى عَلى (p-٣٦٥)انْتِفاءِ اسْتِطاعَةِ العَدْلِ بَيْنَ النِّساءِ والتَّسْوِيَةِ، حَتّى لا يَقَعَ مَيْلٌ البَتَّةَ، ولا زِيادَةٌ ولا نُقْصانٌ فِيما يَجِبُ لَهُنَّ. وفي ذَلِكَ عُذْرٌ لِلرِّجالِ فِيما يَقَعُ مِنَ التَّفاوُتِ في المَيْلِ القَلْبِيِّ والتَّعَهُّدِ والنَّظَرِ والتَّأْنِيسِ والمُفاكَهَةِ؛ فَإنَّ التَّسْوِيَةَ في ذَلِكَ مَجالٌ خارِجٌ عَنْ حَدِّ الِاسْتِطاعَةِ؛ وعَلَّقَ انْتِفاءَ الِاسْتِطاعَةِ في التَّسْوِيَةِ عَلى تَقْدِيرِ وُجُودِ الحِرْصِ مِنَ الإنْسانِ عَلى ذَلِكَ. وقِيلَ مَعْنى أنْ تَعْدِلُوا في المَحَبَّةِ قالَهُ عُمَرُ وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ. وقِيلَ في التَّسْوِيَةِ والقَسَمِ. وقِيلَ في الجِماعِ. وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ " «أنَّهُ كانَ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسائِهِ فَيَعْدِلُ، ويَقُولُ: هَذِهِ قِسْمَتِي فِيما أمْلِكُ، فَلا تُؤاخِذْنِي فِيما تَمْلِكُ، ولا أمَلِكُ يَعْنِي المَحَبَّةَ»؛ لِأنَّ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها كانَتْ أحَبَّ إلَيْهِ، وكانَ عُمَرُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ قَلْبِي فَلا أمْلِكُهُ، وأمّا ما سِوى ذَلِكَ فَأرْجُو أنْ أعْدِلَ فِيهِ.
﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ فَتَذَرُوها كالمُعَلَّقَةِ﴾ نَهى تَعالى عَنِ الجَوْرِ عَلى المَرْغُوبِ؛ أيْ إنْ وقَعَ مِنكُمُ التَّفْرِيطُ في شَيْءٍ مِنَ المُساواةِ، فَلا تَجُورُوا كُلَّ الجَوْرِ. والضَّمِيرُ في فَتَذَرُوها عائِدٌ عَلى المَمِيلِ عَنْها، المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ﴾ .
وقَرَأ أُبَيٌّ: فَتَذْرُوها كالمَسْجُونَةِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: فَتَذْرُوها كَأنَّها مُعَلَّقَةٌ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ المُعَلَّقَةِ في الكَلامِ عَلى المُفْرَداتِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كالمَحْبُوسَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ. وقِيلَ مَعْنى كالمُعَلَّقَةِ كالبَعِيدَةِ عَنْ زَوْجِها. قِيلَ أوْ عَنْ حَقِّها، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ مَأْخُوذٌ مِن تَعْلِيقِ الشَّيْءِ لِبُعْدِهِ عَنْ قَرارِهِ. وتَذْرُوها يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَجْزُومًا عَطْفًا عَلى تَمِيلُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِإضْمارِ (أنْ) في جَوابِ النَّهْيِ. وكالمُعَلِّقَةِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ؛ فَتَتَعَلَّقَ الكافُ بِمَحْذُوفٍ. وفي الحَدِيثِ: «مَن كانَتْ لَهُ امْرَأتانِ يَمِيلُ مَعَ إحْداهُما جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ وأحَدُ شِقَّيْهِ مائِلٌ» والمَعْنى: يَمِيلُ مَعَ إحْداهُما كُلَّ المَيْلِ، لا مُطْلَقَ المَيْلِ. «وقَدْ فاضَلَ عُمَرُ في عَطاءٍ بَيْنَ أزْواجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَأبَتْ عائِشَةُ، وقالَتْ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَعْدِلُ بَيْنَنا في القَسِيمَةِ بِمالِهِ ونَفْسِهِ، فَساوى عُمَرُ بَيْنَهُنَّ»، وكانَ لِمُعاذٍ امْرَأتانِ؛ فَإذا كانَ عِنْدَ إحْداهُما، لَمْ يَتَوَضَّأْ في بَيْتِ الأُخْرى، فَماتَتا في الطّاعُونِ، فَدَفَنَهُما في قَبْرٍ واحِدٍ.
﴿وإنْ تُصْلِحُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنْ تُصْلِحُوا ما مَضى مِن قِبَلِكم، وتَتَدارَكُوهُ بِالتَّوْبَةِ، وتَتَّقُوا فِيما يُسْتَقْبَلُ غَفَرَ اللَّهُ لَكم انْتَهى. وفي ذَلِكَ نَزْغَةُ الِاعْتِزالِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإنْ تُصْلِحُوا ما أفْسَدْتُمْ بِسُوءِ العِشْرَةِ، وتَلْزَمُوا ما يَلْزَمُكم مِنَ العَدْلِ فِيما تَمْلِكُونَ؛ فَإنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا لِما تَمْلِكُونَهُ مُتَجاوِزًا عَنْهُ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: غَفُورًا لِما سَلَفَ مِنكم مِنَ المَيْلِ كُلَّ المَيْلِ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ، انْتَهى؛ فَعَلى هَذا هي مَغْفِرَةٌ مُخَصَّصَةٌ لِقَوْمٍ بِأعْيانِهِمْ واقَعُوا المَحْظُورَ في مُدَّةِ النَّبِيِّ ﷺ، وخَتَمَتْ تِلْكَ بِالإحْسانِ، وهَذِهِ بِالإصْلاحِ؛ لِأنَّ الأُولى في مَندُوبٍ إلَيْهِ إذْ لَهُ أنْ لا يُحْسِنَ، وأنْ يَشِحَّ، ويُصالِحَ بِما يُرْضِيهِ، وهَذِهِ في لازِمٍ إذْ لَيْسَ لَهُ إلّا أنْ يُصْلِحَ، بَلْ يَلْزَمُهُ العَدْلُ فِيما يَمْلِكُ.
﴿وإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِن سَعَتِهِ﴾ الضَّمِيرُ في يَتَفَرَّقا عائِدٌ عَلى الزَّوْجَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها﴾ [النساء: ١٢٨] والمَعْنى: وإنْ شَحَّ كُلٌّ مِنهُما، ولَمْ يَصْطَلِحا، وتَفَرَّقا بِطَلاقٍ؛ فاللَّهُ يُغْنِي كُلًّا مِنها عَنْ صاحِبِهِ بِفَضْلِهِ، ولُطْفِهِ في المالِ والعِشْرَةِ والسِّعَةِ. ووُجُودِ المُرادِ، والسِّعَةُ الغِنى والمَقْدِرَةُ، وهَذا وعْدٌ بِالغِنى لِكُلِّ واحِدٍ إذا تَفَرَّقا، وهو مَعْرُوفٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى. ونِسْبَةُ الفِعْلِ إلَيْهِما يَدُلُّ عَلى أنَّ لِكُلٍّ مِنهُما مَدْخَلًا في التَّفَرُّقِ، وهو التَّفَرُّقُ بِالأبْدانِ، وتَراخِي المُدَّةِ بِزَوالِ العِصْمَةِ، ولا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَفَرُّقٌ بِالقَوْلِ وهو طَلاقٌ؛ لِأنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالزَّوْجِ، ولا نَصِيبَ لِلْمَرْأةِ في التَّفَرُّقِ القَوْلِيِّ؛ فَيُسْنَدُ إلَيْها خِلافًا لِمَن ذَهَبَ إلى أنَّ التَّفَرُّقَ هاهُنا هو بِالقَوْلِ، وهو الطَّلاقُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ أفْلَحَ: وإنْ يَتَفارَقا بِألِفِ المُفاعَلَةِ؛ أيْ وإنْ (p-٣٦٦)يُفارِقْ كُلٌّ مِنهُما صاحِبَهُ. وهَذِهِ الآيَةُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقَوْلُ العَرَبِ: إنْ لَمْ يَكُنْ وِفاقٌ فَطَلاقٌ. فَنَبَّهَ تَعالى عَلى أنَّ لَهُما أنْ يَتَفارَقا؛ كَما أنَّ لَهُما أنْ يَصْطَلِحا. ودَلَّ ذَلِكَ عَلى الجَوازِ، قالُوا: وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِن سَعَتِهِ﴾ إشارَةٌ إلى الغِنى بِالمالِ. وكانَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما فِيما رَوَوْا طُلَقَةً ذُوَقَةً فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ فَقالَ: إنِّي رَأيْتُ اللَّهَ تَعالى عَلَّقَ الغِنى بِأمْرَيْنِ فَقالَ: ﴿وأنْكِحُوا الأيامى﴾ [النور: ٣٢] الآيَةَ، وقالَ: ﴿وإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِن سَعَتِهِ﴾ .
﴿وكانَ اللَّهُ واسِعًا حَكِيمًا﴾ ناسَبَ ذَلِكَ ذِكْرَ السَّعَةِ؛ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ مِن سِعَتِهِ. والواسِعُ عامٌّ في الغِنى والقُدْرَةِ والعِلْمِ، وسائِرِ الكِمالاتِ. وناسَبَ ذِكْرَ وصْفِ الحِكْمَةِ، وهو وضْعُ الشَّيْءِ مَوْضِعَ ما يُناسِبُ؛ لِأنَّ السَّعَةَ ما لَمْ تَكُنْ مَعَها الحِكْمَةُ كانَتْ إلى فَسادٍ أقْرَبَ مِنها لِلصَّلاحِ؛ قالَهُ الرّاغِبُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ فِيما حَكَمَ ووَعَظَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: فِيما حَكَمَ عَلى الزَّوْجِ مِن إمْساكِها بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٍ بِإحْسانٍ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: أوْ حَيْثُ نُدِبَ إلى الفُرْقَةِ عِنْدَ اخْتِلافِهِما وعَدَمِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُما.
﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى سَعَةَ رِزْقِهِ، وحِكْمَتَهُ، ذَكَرَ أنَّ لَهُ مُلْكَ ما في السَّماواتِ، وما في الأرْضِ؛ فَلا يَعْتاضُّ عَلَيْهِ غِنى أحَدٍ، ولا التَّوْسِعَةُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ مَن لَهُ ذَلِكَ هو الغَنِيُّ المُطْلَقُ.
﴿ولَقَدْ وصَّيْنا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم وإيّاكم أنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ وصَّيْنا: أمَرْنا أوْ عَهِدْنا إلَيْهِمْ وإلَيْكم، ومِن قَبْلِكم: يُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ (أُوتُوا)؛ وهو الأقْرَبُ، أوْ بِـ (وصَّيْنا) . والمَعْنى: أنَّ الوَصِيَّةَ بِالتَّقْوى هي سُنَّةُ اللَّهِ مَعَ الأُمَمِ الماضِيَةِ، فَلَسْتُمْ مَخْصُوصِينَ بِهَذِهِ الوَصِيَّةِ. و(إيّاكم) عَطْفٌ عَلى المَوْصُولِ، وتَقَدَّمَ المَوْصُولُ؛ لِأنَّ وصِيَّتَهُ هي السّابِقَةُ عَلى وصَّيْنا، فَهو تَقَدُّمٌ بِالزَّمانِ. ومِثْلُ هَذا العَطْفِ - أعْنِي عَطْفَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ المُنْفَصِلِ عَلى الظّاهِرِ - فَصِيحٌ جاءَ في القُرْآنِ وفي كَلامِ العَرَبِ، ولا يَخْتَصُّ بِالشِّعْرِ، وقَدْ وهِمَ في ذَلِكَ بَعْضُ أصْحابِنا وشُيُوخِنا؛ فَزَعَمَ أنَّهُ لا يَجُوزُ إلّا في الشِّعْرِ؛ لِأنَّكَ تَقْدِرُ عَلى أنْ تَأْتِيَ بِهِ مُتَّصِلًا؛ فَتَقُولُ: آتِيكَ وزَيْدًا. ولا يَجُوزُ عِنْدَهُ: رَأيْتُ زَيْدًا وإيّاكَ إلّا في الشِّعْرِ، وهَذا وهْمٌ فاحِشٌ؛ بَلْ مِن مُوجَبِ انْفِصالِ الضَّمِيرِ كَوْنُهُ يَكُونُ مَعْطُوفًا؛ فَيَجُوزُ قامَ زَيْدٌ وأنْتَ، وخَرَجَ بَكْرٌ وأنا، لا خِلافَ في جَوازِ ذَلِكَ؛ فَكَذَلِكَ ضَرَبْتُ زَيْدًا وإيّاكَ.
والَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ هو عامٌّ في الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى تَخْصِيصِ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِاليَهُودِ والنَّصارى كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ؛ لِأنَّ وصِيَّةَ اللَّهِ بِالتَّقْوى لَمْ تَزَلْ مُذْ أوْجَدَ العالَمَ؛ فَلَيْسَتْ مَخْصُوصَةً بِاليَهُودِ والنَّصارى. وأنِ اتَّقُوا: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أيْ بِأنِ اتَّقُوا اللَّهَ، وأنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً التَّقْدِيرُ أيِ اتَّقُوا اللَّهَ؛ لِأنَّ وصَّيْنا فِيهِ مَعْنى القَوْلِ.
﴿وإنْ تَكْفُرُوا﴾ ظاهِرُهُ الخِطابُ لِمَن وقَعَ لَهُ الخِطابُ بِقَوْلِهِ: وإيّاكم، وهم هَذِهِ الأُمَّةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ شامِلًا لِلَّذِينِ أُوتُوا الكِتابَ، ولِلْمُخاطَبِينَ وغَلَبَ الخِطابُ عَلى ما تَقَرَّرَ في لِسانِ العَرَبِ كَما تَقُولُ: قُلْتُ لِزَيْدٍ ذَلِكَ، لا تَضْرِبْ عَمْرًا، وكَما تَقُولُ: زَيْدٌ وأنْتَ تَخْرُجانِ.
﴿فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾؛ أيْ أنْتُمْ مِن جُمْلَةِ مَن يَمْلِكُهُ تَعالى، وهو المُتَصَرِّفُ فِيكم؛ إذْ هو خالِقُكم والمُنْعِمُ عَلَيْكم بِأصْنافِ النِّعَمِ، وأنْتُمْ مَمْلُوكُونَ لَهُ، فَلا يُناسِبُ أنْ تَكْفُرُوا مَن هو مالِكُكم، وتُخالِفُونَ أمْرَهُ؛ بَلْ حَقُّهُ أنْ يُطاعَ ولا يُعْصى، وأنْ يُتَّقى عِقابُهُ، ويُرْجى ثَوابُهُ، ولِلَّهِ ما في سَمائِهِ وأرْضِهِ مَن يُوَحِّدُهُ ويَعْبُدُهُ، ولا يَعْصِيهِ.
﴿وكانَ اللَّهُ غَنِيًّا﴾؛ أيْ عَنْ خَلْقِهِ، وعَنْ عِبادَتِهِمْ لا تَنْفَعُهُ طاعَتُهم، ولا يَضُرُّهُ كُفْرُهم.
(حَمِيدًا)؛ أيْ مُسْتَحِقًّا لِأنْ يُحْمَدَ لِكَثْرَةِ نِعَمِهِ، وإنْ كَفَرْتُمُوهُ أنْتُمْ.
﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ الوَكِيلُ القائِمُ بِالأُمُورِ، المُنْفِذُ فِيها ما يَراهُ؛ فَمَن لَهُ مُلْكُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ، فَهو كافٍ فِيما يَتَصَرَّفُ فِيهِ، لا يَعْتَمِدُ عَلى غَيْرِهِ. وأعادَ قَوْلَهُ: ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ثَلاثَ مَرّاتٍ بِحَسَبِ السِّياقِ. (p-٣٦٧)فَقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الأوَّلُ: تَنْبِيهٌ عَلى مَوْضِعِ الرَّجاءِ يَهْدِي المُتَفَرِّقِينَ. والثّانِي: تَنْبِيهٌ عَلى اسْتِغْنائِهِ عَنِ العِبادِ. والثّالِثُ: مُقَدِّمَةٌ لِلْوَعِيدِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وتَكْرِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ تَقْرِيرٌ لِما هو مُوجِبٌ تَقْواهُ لِيَتَّقُوهُ؛ فَيُطِيعُوهُ ولا يَعْصُوهُ؛ لِأنَّ الخَشْيَةَ والتَّقْوى أصْلُ الخَيْرِ كُلِّهِ. وقالَ الرّاغِبُ: الأوَّلُ: لِلتَّسْلِيَةِ عَمّا فاتَ. والثّانِي: أنَّ وصِيَّتَهُ لِرَحْمَتِهِ لا لِحاجَةٍ، وأنَّهم إنْ كَفَرُوهُ لا يَضُرُّوهُ شَيْئًا. والثّالِثُ: دَلالَتُهُ عَلى كَوْنِهِ غَنِيًّا. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: الأوَّلُ: تَقْرِيرُ كَوْنِهِ واسِعَ الجُودِ. والثّانِي: لِلتَّنْزِيهِ عَنْ طاعَةِ المُطِيعِينَ. والثّالِثُ: لِقُدْرَتِهِ عَلى الإفْناءِ والإيجادِ؛ والغَرَضُ مِنهُ: تَقْرِيرُ كَوْنِهِ قادِرًا عَلى مَدْلُولاتٍ كَثِيرَةٍ فَيَحْسُنُ أنْ يَذْكُرَ ذَلِكَ الدَّلِيلَ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِن مَدْلُولاتِهِ، وهَذِهِ الإعادَةُ أحْسَنُ وأوْلى مِنَ الِاكْتِفاءِ بِذِكْرِ الدَّلِيلِ مَرَّةً واحِدَةً؛ لِأنَّهُ عِنْدَهُ إعادَةُ ذِكْرِ الدَّلِيلِ يُحْضِرُ في الذِّهْنِ ما يُوجِبُ العِلْمَ بِالمَدْلُولِ؛ وكانَ العِلْمُ الحاصِلُ بِذَلِكَ المَدْلُولِ أقْوى وأجَلَّ؛ فَظَهَرَ أنَّ هَذا التَّكْرارَ في غايَةِ الكَمالِ. وقالَ مَكِّيٌّ: نَبَّهْنا أوَّلًا عَلى مُلْكِهِ وسَعَتِهِ. وثانِيًا عَلى حاجَتِنا إلَيْهِ وغِناهُ، وثالِثًا عَلى حِفْظِهِ لَنا، وعِلْمِهِ بِتَدْبِيرِنا.
﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ ظاهِرُهُ أنَّ الخِطابَ لِمَن تَقَدَّمَ لَهُ الخِطابُ أوَّلًا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الخِطابُ لِلْمُشْرِكِينَ والمُنافِقِينَ والمَعْنى: ويَأْتِ بِآخَرِينَ مِنكم. وقَرِيبٌ مِنهُ ما نَقَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن أنَّهُ خِطابٌ لِمَن كانَ يُعادِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنَ العَرَبِ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: الخِطابُ لِلْكُفّارِ، وهو تَهْدِيدٌ لَهم؛ كَأنَّهُ قالَ: إنْ يَشَأْ يُهْلِكْكم كَما أهْلَكَ مَن قَبْلَكم إذْ كَفَرُوا بِرُسُلِهِ. وقِيلَ لِلْمُؤْمِنِينَ يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ النّاسِ؛ والمَعْنى: إنْ شاءَ يُهْلِكْكم كَما أنْشَأكم، وأنْشَأ قَوْمًا آخَرِينَ يَعْبُدُونَهُ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: الخِطابُ لِلَّذِينِ شَفَعُوا في طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ، وخاصَمَ وخاصَمُوا عَنْهُ في أمْرِ خِيانَتِهِ في الدِّرْعِ والدَّقِيقِ. وهَذا التَّأْوِيلُ بَعِيدٌ، وقَدْ يَظْهَرُ العُمُومُ فَيَكُونُ خِطابًا لِلْعالِمِ الحاضِرِ الَّذِي يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ الخِطابُ والنِّداءُ. ويَأْتِ بِآخَرِينَ أيْ بِناسٍ غَيْرِكم؛ فالمَأْتِيُّ بِهِ مِن نَوْعِ المُذْهَبِ؛ فَيَكُونُ مِن جِنْسِ المُخاطَبِ المُنادى، وهُمُ النّاسُ.
ورُوِيَ أنَّها لَمّا نَزَلَتْ ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ عَلى ظَهْرِ سَلْمانَ، وقالَ: (إنَّهم قَوْمُ هَذا) يُرِيدُ ابْنَ فارِسَ، وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُما أنْ يَكُونَ المُرادُ بِآخَرِينَ مِن نَوْعِ المُخاطَبِينَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَأْتِ بِآخَرِينَ مَكانَكم أوْ خَلْقًا آخَرِينَ غَيْرَ الإنْسِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وعِيدًا لِجَمِيعِ بَنِي آدَمَ، ويَكُونَ الآخَرُونَ مِن غَيْرِ نَوْعِهِمْ. كَما أنَّهُ قَدْ رُوِيَ أنَّهُ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَعْبُدُونَ اللَّهَ قَبْلَ بَنِي آدَمَ، انْتَهى. وما جَوَّزَهُ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ مَدْلُولَ (آخَرَ) في اللُّغَةِ هو مَدْلُولٌ غَيْرُ خاصٍّ بِجِنْسِ ما تَقَدَّمَ؛ فَلَوْ قُلْتَ: جاءَ زَيْدٌ وآخَرُ مَعَهُ، أوْ مَرَرْتُ بِامْرَأةٍ وأُخْرى مَعَها، أوِ اشْتَرَيْتُ فَرَسًا وآخَرَ، وسابَقْتُ بَيْنَ حِمارٍ وآخَرَ؛ لَمْ يَكُنْ آخَرُ ولا أُخْرى مُؤَنَّثُهُ، ولا تَثْنِيَتُهُ، ولا جَمْعُهُ، إلّا مِن جِنْسِ ما يَكُونُ قَبْلَهُ. ولَوْ قُلْتَ: اشْتَرَيْتُ ثَوْبًا وآخَرَ، ويَعْنِي بِهِ: غَيْرَ ثَوْبٍ؛ لَمْ يَجُزْ. فَعَلى هَذا تَجْوِيزُهم أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: بِآخَرِينَ مِن غَيْرِ جِنْسِ ما تَقَدَّمَ، وهُمُ النّاسُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وهَذا هو الفَرْقُ بَيْنَ غَيْرٍ وبَيْنَ آخَرَ؛ لِأنَّ غَيْرًا تَقَعُ عَلى المُغايِرِ في جِنْسٍ أوْ في صِفَةٍ؛ فَتَقُولُ: اشْتَرَيْتُ ثَوْبًا وغَيْرَهُ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ثَوْبًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ ثَوْبٍ، (p-٣٦٨)وقَلَّ مَن يَعْرِفُ هَذا الفَرْقَ.
﴿وكانَ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾؛ أيْ عَلى إذْهابِكم والإتْيانِ بِآخَرِينَ. وأتى بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ في القُدْرَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ أرادَهُ، وهَذا غَضَبٌ عَلَيْهِمْ، وتَخْوِيفٌ وبَيانٌ لِاقْتِدارِهِ.
﴿مَن كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ؛ أيْ مَن كانَ لا رَغْبَةَ لَهُ إلّا في ثَوابِ الدُّنْيا، ولا يَعْتَقِدُ أنَّ ثَمَّ سِواهُ؛ فَلَيْسَ كَما ظَنَّ، بَلْ عِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدّارَيْنِ. فَمَن قَصَدَ الآخِرَةَ أعْطاهُ مِن ثَوابِ الدُّنْيا، وأعْطاهُ قَصْدَهُ، ومَن قَصَدَ الدُّنْيا فَقَطْ أعْطاهُ مِنَ الدُّنْيا ما قُدِّرَ لَهُ، وكانَ لَهُ في الآخِرَةِ العَذابُ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: مَن عَبَدَ الأصْنامَ طَلَبًا لِلْعِزِّ لا يَحْصُلُ لَهُ ذَلِكَ، ولَكِنْ عِنْدَ اللَّهِ عِزُّ الدُّنْيا والآخِرَةِ، أوْ لِلتَّقْرِيبِ والشَّفاعَةِ؛ أيْ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، ولَكِنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَعِنْدَهُ ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، لا عِنْدَ مَن تَطْلُبُونَ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في أهْلِ النِّفاقِ الَّذِينَ يُراءُونَ بِأعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ في الدُّنْيا لِثَوابِ الدُّنْيا لا غَيْرَ.
و(مَن) يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً؛ والظّاهِرُ أنَّها شَرْطٌ، وجَوابُهُ الجُمْلَةُ المَقْرُونةُ بِفاءِ الجَوابِ؛ ولا بُدَّ في الجُمْلَةِ الواقِعَةِ جَوابًا لِاسْمِ الشَّرْطِ غَيْرِ الظَّرْفِ مِن ضَمِيرٍ عائِدٍ عَلى اسْمِ الشَّرْطِ حَتّى يَتَعَلَّقَ الجَزاءُ بِالشَّرْطِ؛ والتَّقْدِيرُ: ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ لَهُ إنْ أرادَهُ؛ هَكَذا قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ جَوابَ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: مَن كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَلا يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ، ولْيَطْلُبِ الثَّوابَيْنِ؛ فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ. وقالَ الرّاغِبُ: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ تَبْكِيتٌ لِلْإنْسانِ؛ حَيْثُ اقْتَصَرَ عَلى أحَدِ السُّؤالَيْنِ، مَعَ كَوْنِ المَسْئُولِ مالِكًا لِلثَّوابَيْنِ، وحَثَّ عَلى أنْ يَطْلُبَ مِنهُ تَعالى ما هو أكْمَلُ، وأفْضَلُ مِن مَطْلُوبِهِ؛ فَمَن طَلَبَ خَسِيسًا مَعَ أنَّهُ يُمْكِنُهُ أنْ يَطْلُبَ نَفِيسًا؛ فَهو دَنِيءُ الهِمَّةِ. قِيلَ والآيَةُ وعِيدٌ لِلْمُنافِقِينَ، لا يُرِيدُونَ بِالجِهادِ غَيْرَ الغَنِيمَةِ. وقِيلَ هي حَضٌّ عَلى الجِهادِ.
﴿وكانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾؛ أيْ سَمِيعًا لِأقْوالِهِمْ؛ بَصِيرًا بِأعْمالِهِمْ ونِيّاتِهِمْ.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلى أنْفُسِكم أوِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ قالَ الطَّبَرِيُّ: هي سَبَبُ نازِلَةِ ابْنِ أُبَيْرِقٍ وقِيامِ مَن قامَ في أمْرِهِ بِغَيْرِ القِسْطِ. وقالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في اخْتِصامِ غَنِيٍّ وفَقِيرٍ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ .
ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ النِّساءَ والنُّشُوزَ والمُصالَحَةَ؛ أعْقَبَهُ بِالقِيامِ بِأداءِ حُقُوقِ اللَّهِ تَعالى، وفي الشَّهادَةِ حُقُوقُ اللَّهِ. أوْ لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ تَعالى طالِبَ الدُّنْيا، وأنَّهُ عِنْدَهُ ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ؛ بَيَّنَ أنَّ كَمالَ السَّعادَةِ أنْ يَكُونَ قَوْلُ الإنْسانِ وفِعْلُهُ لِلَّهِ تَعالى، أوْ لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ.
﴿وإنْ خِفْتُمْ أنْ لا تُقْسِطُوا في اليَتامى﴾ [النساء: ٣] والإشْهادُ عِنْدَ دَفْعِ أمْوالِ اليَتامى إلَيْهِمْ، وأمَرَ بِبَذْلِ النَّفْسِ والمالِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وذَكَرَ قِصَّةَ ابْنِ أُبَيْرِقٍ، واجْتِماعَ قَوْمِهِ عَلى الكَذِبِ والشَّهادَةِ بِالباطِلِ، ونَدَبَ لِلْمُصالَحَةِ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِأنْ أمَرَ عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ بِالقِيامِ بِالعَدْلِ والشَّهادَةِ لِوَجْهِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وأتى بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ في قَوّامِينَ حَتّى لا يَكُونَ مِنهم جَوْرٌ ما. والقِسْطُ: العَدْلُ. ومَعْنى ﴿شُهَداءَ لِلَّهِ﴾؛ أيْ لِوَجْهِ اللَّهِ، لا يُراعِي في الشَّهادَةِ إلّا جِهَةَ اللَّهِ تَعالى. والظّاهِرُ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿شُهَداءَ لِلَّهِ﴾ مِنَ الشَّهادَةِ في الحُقُوقِ؛ ولِذَلِكَ أتْبَعَهُ بِما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾، وهَكَذا فَسَّرَهُ المُفَسِّرُونَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: شُهَداءَ لِلَّهِ مَعْناهُ بِالوَحْدانِيَّةِ. (p-٣٦٩)ويَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾، بِقَوْلِهِ: ﴿قَوّامِينَ بِالقِسْطِ﴾؛ والتَّأْوِيلُ الأوَّلُ أبْيَنُ، انْتَهى كَلامُهُ. ويُضَعِّفُهُ أنَّهُ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وهم شُهَداءُ لِلَّهِ بِالوَحْدانِيَّةِ؛ إلّا إنْ أُرِيدَ اسْتِمْرارُ الشَّهادَةِ.
وتَقَدَّمَتْ صِفَةُ (قَوّامِينَ) بِالقِسْطِ عَلى ﴿شُهَداءَ لِلَّهِ﴾؛ لِأنَّ القِيامَ بِالقِسْطِ أعَمُّ والشَّهادَةَ أخَصُّ. ولِأنَّ القِيامَ بِالقِسْطِ فِعْلٌ وقَوْلٌ، والشَّهادَةَ قَوْلٌ فَقَطْ. ومَعْنى: ﴿ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾؛ أيْ تَشْهَدُونَ عَلى أنْفُسِكم؛ أيْ تُقِرُّونَ بِالحَقِّ، وتُقِيمُونَ القِسْطَ عَلَيْها. والظّاهِرُ أنَّهُ أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ أنْفُسَ الشُّهَداءِ لِلَّهِ تَعالى. وأبْعَدَ مَن جَوَّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى في أنْفُسِكم: الأهْلُ والأقارِبُ، وأنْ يَكُونَ ﴿أوِ الوالِدَيْنِ﴾ تَفْسِيرًا لِأنْفُسِكم، ويُضَعِّفُهُ العَطْفُ بَـ (أوْ) . وانْتَصَبَ (شُهَداءَ) عَلى أنَّهُ خَبْرٌ بَعْدَ خَبَرٍ. ومَن ذَهَبَ إلى جَعْلِهِ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في قَوّامِينَ كَأبِي البَقاءِ؛ فَقَوْلُهُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ فِيها تَقْيِيدَ القِيامِ بِالقِسْطِ؛ سَواءٌ كانَ مِثْلَ هَذا أمْ لا. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما ما يَشْهَدُ لِهَذا القَوْلِ الضَّعِيفِ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ كُونُوا قَوّامِينَ بِالعَدْلِ في الشَّهادَةِ عَلى مَن كانَ، ومَجِيءُ لَوْ هُنا لِاسْتِقْصاءِ جَمِيعِ ما يُمْكِنُ فِيهِ الشَّهادَةُ، لَما كانَتِ الشَّهادَةُ مِنَ الإنْسانِ عَلى نَفْسِهِ بِصَدَدِ أنْ لا يُقِيمَها لِما جُبِلَ عَلَيْهِ المَرْءُ مِن مُحاباةِ نَفْسِهِ، ومُراعاتِها. نَبَّهَ عَلى هَذِهِ الحالِ، وجاءَ هَذا التَّرْتِيبُ في الِاسْتِقْصاءِ في غايَةٍ مِنَ الحُسْنِ والفَصاحَةِ. فَبَدَأ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾؛ لِأنَّهُ لا شَيْءَ أعَزُّ عَلى الإنْسانِ مِن نَفْسِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ الوالِدَيْنِ، وهُما أقْرَبُ إلى الإنْسانِ، وسَبَبُ نَشْأتِهِ؛ وقَدْ أمَرَ بِبِرِّهِما، وتَعْظِيمِهِما والحَوْطَةِ لَهُما، ثُمَّ ذَكَرَ الأقْرَبِينَ؛ وهم مَظِنَّةُ المَحَبَّةِ والتَّعَصُّبِ. وإذا كانَ هَؤُلاءِ أُمِرَ في حَقِّهِمْ بِالقِسْطِ والشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ، فالأجْنَبِيُّ أحْرى بِذَلِكَ. والآيَةُ تَعَرَّضَتْ لِلشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ لا لَهم، فَلا دَلالَةَ فِيها عَلى الشَّهادَةِ لَهم، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ. ولَوْ شَرْطِيَّةٌ بِمَعْنى (إنْ)، وقَوْلُهُ عَلى أنْفُسِكم مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: وإنْ كُنْتُمْ شُهَداءَ عَلى أنْفُسِكم فَكُونُوا شُهَداءَ لِلَّهِ، هَذا تَقْرِيرُ الكَلامِ. وحَذْفُ (كانَ) بَعْدَ (لَوْ) كَثِيرٌ تَقُولُ: ائْتِنِي بِتَمْرٍ ولَوْ حَشَفًا؛ أيْ وإنْ كانَ التَّمْرُ حَشَفًا فائْتِنِي بِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَوْ عَلى أنْفُسِكم مُتَعَلِّقٌ بِشُهَداءَ. فَإنْ عَنى (شُهَداءَ) هَذا المَلْفُوظَ بِهِ فَلا يَصِحُّ ذَلِكَ، وإنْ عَنى الَّذِي قَدَّرْناهُ نَحْنُ فَيَصِحُّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَوْ عَلى أنْفُسِكم، ولَوْ كانَتِ الشَّهادَةُ عَلى أنْفُسِكم أوْ آبائِكم أوْ أقارِبِكم. فَإنْ قُلْتَ: الشَّهادَةُ عَلى الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ أنْ يَقُولَ: أشْهَدُ أنَّ لِفُلانٍ عَلى والِدِي كَذا، وعَلى أقارِبِي، فَما مَعْنى الشَّهادَةِ عَلى نَفْسِهِ ؟ قُلْتُ: هي الإقْرارُ عَلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى الشَّهادَةِ عَلَيْها بِإلْزامِ الحَقِّ لَها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وإنْ كانَتِ الشَّهادَةُ وبالًا عَلى أنْفُسِكم، أوْ عَلى (p-٣٧٠)آبائِكم وأقارِبِكم؛ وذَلِكَ أنْ يَشْهَدَ عَلى مَن تَوَقَّعَ ضَرَرَهُ مِن سُلْطانٍ ظالِمٍ أوْ غَيْرِهِ، انْتَهى كَلامُهُ. وتَقْدِيرُهُ: ولَوْ كانَتِ الشَّهادَةُ عَلى أنْفُسِكم لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ المَحْذُوفَ إنَّما يَكُونُ مِن جِنْسِ المَلْفُوظِ بِهِ قَبْلُ لِيَدُلَّ عَلَيْهِ؛ فَإذا قُلْتَ: كُنْ مُحْسِنًا لِمَن أساءَ إلَيْكَ، فَتُحْذَفُ (كانَ) واسْمُها والخَبَرُ، ويَبْقى مُتَعَلِّقُهُ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، ولا تُقَدِّرُهُ: ولَوْ كانَ إحْسانُكَ لِمَن أساءَ. فَلَوْ قُلْتَ: لِيَكُنْ مِنكَ إحْسانٌ، ولَوْ لِمَن أساءَ، فَتُقَدِّرُ: ولَوْ كانَ الإحْسانُ لِمَن أساءَ؛ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ؛ ولَوْ قَدَّرْتَهُ: ولَوْ كُنْتَ مُحْسِنًا لِمَن أساءَ إلَيْكَ لَمْ يَكُنْ جَيِّدًا؛ لِأنَّكَ تَحْذِفُ ما لا دَلالَةَ عَلَيْهِ بِلَفْظٍ مُطابِقٍ. وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وإنْ كانَتِ الشَّهادَةُ وبالًا عَلى أنْفُسِكم هَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ ما تَعَلَّقَ بِهِ الظَّرْفُ كَوْنٌ مُقَيَّدٌ، ولا يَجُوزُ حَذْفُ الكَوْنِ المُقَيَّدِ. لَوْ قُلْتَ: كانَ زَيْدٌ فِيكَ، وأنْتَ تُرِيدُ مُحِبًّا فِيكَ؛ لَمْ يَجُزْ؛ لِأنَّ مُحِبًّا مُقَيَّدٌ؛ وإنَّما ذَلِكَ جائِزٌ في الكَوْنِ المُطْلَقِ، وهو: تَقْدِيرٌ كائِنٌ أوْ مُسْتَقِرٌّ.
﴿إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا فاللَّهُ أوْلى بِهِما﴾؛ أيْ إنْ يَكُنِ المَشْهُودُ عَلَيْهِ غَنِيًّا، فَلا تَمْتَنِعُ مِنَ الشَّهادَةِ عَلَيْهِ لِغِناهُ، أوْ فَقِيرًا فَلا تَمْنَعْها تَرَحُّمًا عَلَيْهِ وإشْفاقًا. فَعَلى هَذا الجَوابُ مَحْذُوفٌ؛ لِأنَّ العَطْفَ هو بِـ (أوْ)، ولا يُثَنّى الضَّمِيرُ إذا عُطِفَ بِها، بَلْ يُفْرَدُ . وتَقْدِيرُ الجَوابِ: فَلْيَشْهَدْ عَلَيْهِ، ولا يُراعِي الغَنِيَّ لِغِناهُ، ولا لِخَوْفٍ مِنهُ، ولا الفَقِيرَ لِمَسْكَنَتِهِ وفَقْرِهِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: فاللَّهُ أوْلى بِهِما لَيْسَ هو الجَوابَ، بَلْ لَمّا جَرى ذِكْرُ الغَنِيِّ والفَقِيرِ عادَ الضَّمِيرُ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ؛ كَأنَّهُ قِيلَ فاللَّهُ أوْلى بِجِنْسَيِ الغَنِيِّ والفَقِيرِ؛ أيْ بِالأغْنِياءِ والفُقَراءِ. وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ: فاللَّهُ أوْلى بِهِمْ ما يَشْهَدُ بِإرادَةِ الجِنْسِ. وذَهَبَ الأخْفَشُ وقَوْمٌ إلى أنَّ (أوْ) في مَعْنى الواوِ؛ فَعَلى قَوْلِهِمْ يَكُونُ الجَوابُ: فاللَّهُ أوْلى بِهِما؛ أيْ حَيْثُ شَرَعَ الشَّهادَةَ عَلَيْهِما، وهو أنْظَرُ لَهُما مِنكم. ولَوْلا أنَّ الشَّهادَةَ عَلَيْهِما مَصْلَحَةٌ لَهُما لَما شَرَعَها. وقالَ الأُسْتاذُ أبُو الحَسَنِ بْنُ عُصْفُورٍ: وقَدْ ذَكَرَ العَطْفَ بِالواوِ وثُمَّ؛ وحَتّى ما نَصُّهُ تَقُولُ: زَيْدٌ أوْ عُمَرُ، وقامَ زَيْدٌ لا عُمَرُ وقامَ، وكَذَلِكَ سائِرُ ما بَقِيَ مِن حُرُوفِ العَطْفِ يَعْنِي غَيْرَ الواوِ وحَتّى والفاءِ وثُمَّ والَّذِي بَقِيَ بَلْ ولَكِنْ وأمْ. قالَ: لا تَقُولُ قاما؛ لِأنَّ القائِمَ إنَّما هو أحَدُهُما لا غَيْرُ، ولا يَجُوزُ قاما إلّا في أوْ خاصَّةً؛ وذَلِكَ شُذُوذٌ لا يُقاسُ عَلَيْهِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا فاللَّهُ أوْلى بِهِما﴾؛ فَأعادَ الضَّمِيرَ عَلى الغَنِيِّ والفَقِيرِ لِتَفَرُّقِهِما في الذِّكْرِ، انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِسَدِيدٍ. ولا شُذُوذَ في الآيَةِ، ولا دَلِيلَ فِيها عَلى جَوازِ: زَيْدٌ أوْ عَمْرٌو قاما عَلى جِهَةِ الشُّذُوذِ، ولا غَيْرُهُ. ولِأنَّ قَوْلَهُ ﴿فاللَّهُ أوْلى بِهِما﴾ لَيْسَ بِجَوابٍ كَما قَرَّرْناهُ، والضَّمِيرُ لَيْسَ عائِدًا عَلى الغَنِيِّ والفَقِيرِ المَلْفُوظِ بِهِما في الآيَةِ؛ وإنَّما يَعُودُ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى مِن جِنْسَيِ الغَنِيِّ والفَقِيرِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: إنْ يَكُنْ غَنِيٌّ أوْ فَقِيرٌ عَلى أنَّ (كانَ) تامَّةٌ.
﴿فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى أنْ تَعْدِلُوا﴾ لَمّا أمَرَ تَعالى بِالقِيامِ بِالعَدْلِ وبِالشَّهادَةِ لِمَرْضاةِ اللَّهِ نَهى عَنِ اتِّباعِ الهَوى، وهو ما تَمِيلُ إلَيْهِ النَّفْسُ مِمّا لَمْ يُبِحْهُ اللَّهُ تَعالى، وإنْ تَعْدِلُوا مِنَ العُدُولِ عَنِ الحَقِّ، أوْ مِنَ العَدْلِ، وهو القِسْطُ. فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: إرادَةَ أنْ تَجُورُوا، أوْ مَحَبَّةَ أنْ تَجُورُوا. وعَلى الثّانِي يَكُونُ التَّقْدِيرُ: كَراهَةَ أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النّاسِ، وتُقْسِطُوا. وعَكَسَ ابْنُ عَطِيَّةَ هَذا التَّقْدِيرَ؛ فَقالَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ مَخافَةَ أنْ تَعْدِلُوا، ويَكُونُ العَدْلُ بِمَعْنى القِسْطِ؛ كَأنَّهُ قالَ: انْتَهُوا خَوْفَ أنْ تَجُورُوا، أوْ مَحَبَّةَ أنْ تُقْسِطُوا. فَإنْ جَعَلْتَ العامِلَ (تَتَّبِعُوا) فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: مَحَبَّةَ أنْ تَجُورُوا انْتَهى كَلامُهُ. وهَذا الَّذِي قَرَّرَهُ مِنَ التَّقْدِيرِ يَكُونُ العامِلُ في أنْ تَعْدِلُوا فِعْلًا مَحْذُوفًا مِن مَعْنى النَّهْيِ. وكانَ الكَلامُ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى﴾، ثُمَّ أضْمَرَ فِعْلًا، وقَدَّرَهُ: انْتَهُوا خَوْفَ أنْ تَجُورُوا، أوْ مَحَبَّةَ أنْ تُقْسِطُوا؛ ولِذَلِكَ قالَ: فَإنْ جَعَلْتَ العامِلَ تَتَبَّعُوا. والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الظّاهِرُ أنَّ العامِلَ هو تَتَّبِعُوا، ولا حاجَةَ إلى إضْمارِ جُمْلَةٍ أُخْرى؛ فَيَكُونُ فِعْلُها عامِلًا في ﴿أنْ تَعْدِلُوا﴾ . وإذا كانَ العامِلُ تَتَّبِعُوا؛ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ الأوَّلُ هو المُتَّجِهُ، وعَلى هَذِهِ التَّقادِيرِ فَـ ﴿أنْ تَعْدِلُوا﴾ (p-٣٧١)مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: أنْ لا تَعْدِلُوا؛ فَحَذَفَ (لا) أيْ لا تَتَّبِعُوا الهَوى في تَرْكِ العَدْلِ. وقِيلَ المَعْنى لا تَتَّبِعُوا الهَوى لِتَعْدِلُوا؛ أيْ لِتَكُونُوا في اتِّباعِكُمُوهُ عُدُولًا؛ تَنْبِيهًا أنَّ اتِّباعَ الهَوى، وتَحَرِّيَ العَدالَةِ مُتَنافِيانِ لا يَجْتَمِعانِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: المَعْنى اتْرُكُوا مُتابَعَةَ الهَوى حَتّى تَصِيرُوا مَوْصُوفِينَ بِصِفَةِ العَدْلِ. والعَدْلُ عِبارَةٌ عَنْ تَرْكِ مُتابَعَةِ الهَوى، ومَن تَرَكَ أحَدَ النَّقِيضَيْنِ فَقَدْ حَصَلَ لَهُ الآخَرُ؛ فالتَّقْدِيرُ: لِأجْلِ أنْ تَعْدِلُوا.
﴿وإنْ تَلْوُوا أوْ تُعْرِضُوا﴾ الظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ لِلْمَأْمُورِينَ بِالقِيامِ بِالقِسْطِ والشَّهادَةِ لِلَّهِ والمَنهِيِّينَ عَنِ اتِّباعِ الهَوى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو في لَيِّ الحاكِمِ عُنُقَهُ عَنْ أحَدِ الخَصْمَيْنِ. وقالَ مُجاهِدٌ نَحْوَهُ قالَ: لَيُّ الحاكِمِ شِدْقَهُ لِأحَدِ الخَصْمَيْنِ مَيْلًا إلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ ومُجاهِدٌ: هي في الشُّهُودِ يَلْوِي الشَّهادَةَ بِلِسانِهِ فَيُحَرِّفُها، ولا يَقُولُ الحَقَّ فِيها، أوْ يُعْرِضُ عَنْ أداءِ الحَقِّ فِيها، ويَقُولُ مَعْناهُ: يُدافِعُوا الشَّهادَةَ مِن لَيِّ الغَرِيمِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنْ تَلْوُوا ألْسِنَتَكم عَنْ شَهادَةِ الحَقِّ، أوْ حُكُومَةِ العَدْلِ، أوْ تُعْرِضُوا عَنِ الشَّهادَةِ بِما عِنْدَكم، وتَمْنَعُوها.
وقَرَأ جَماعَةٌ في الشّاذِّ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ: وإنْ تَلُوا بِضَمِّ اللّامِ بِواوٍ واحِدَةٍ، ولَحَّنَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ قارِئَ هَذِهِ القِراءَةِ. قالَ: لا مَعْنى لِلِّوايَةِ هُنا؛ وهَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّها قِراءَةٌ مُتَواتِرَةٌ في السَّبْعِ، ولَها مَعْنًى صَحِيحٌ وتَخْرِيجٌ حَسَنٌ؛ فَنَقُولُ: اخْتُلِفَ في قَوْلِهِ ﴿وإنْ تَلْوُوا﴾ .
فَقِيلَ هي مِنَ الوِلايَةِ؛ أيْ وإنْ ولِيتُمْ إقامَةَ الشَّهادَةِ، أوْ أعْرَضْتُمْ عَنْ إقامَتِها؛ والوِلايَةُ عَلى الشَّيْءِ هو الإقْبالُ عَلَيْهِ. وقِيلَ هو مِنَ اللَّيِّ، وأصْلُهُ: تَلْوُوا، وأُبْدِلَتِ الواوُ المَضْمُومَةُ هَمْزَةً، ثُمَّ نُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى اللّامِ، وحُذِفَتْ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ وأبُو عَلِيٍّ والنَّحّاسُ، ونُقِلَ عَنِ النَّحّاسِ أيْضًا أنَّهُ اسْتُثْقِلَتِ الحَرَكَةُ عَلى الواوِ، فَأُلْقِيَتْ عَلى اللّامِ، وحُذِفَتْ إحْدى الواوَيْنِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ.
﴿فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ هَذا فِيهِ وعِيدٌ لِمَن لَوى عَنِ الشَّهادَةِ أوْ أعْرَضَ عَنْها.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي أنْزَلَ مِن قَبْلُ﴾ مُناسَبَتُها لِما قَبْلَها؛ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالقِيامِ بِالقِسْطِ والشَّهادَةِ لِلَّهِ؛ بَيَّنَ أنَّهُ لا يَتَّصِفُ بِذَلِكَ إلّا مَن كانَ راسِخَ القَدَمِ في الإيمانِ بِالأشْياءِ المَذْكُورَةِ، في هَذِهِ الآيَةِ، فَأمَرَ بِها. والظّاهِرُ أنَّهُ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. ومَعْنى: آمِنُوا داوِمُوا عَلى الإيمانِ؛ قالَهُ الحَسَنُ، وهو أرْجَحُ؛ لِأنَّ لَفْظَ المُؤْمِنِ مَتى أُطْلِقَ لا يَتَناوَلُ إلّا المُسْلِمَ. وقِيلَ لِلْمُنافِقِينَ؛ أيْ يا أيُّها الَّذِينَ أظْهَرُوا الإيمانَ بِألْسِنَتِهِمْ آمِنُوا بِقُلُوبِكم. وقِيلَ لِمَن آمَنَ بِمُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ؛ أيْ يا مَن آمَنَ بِنَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ آمِن بِمُحَمَّدٍ. وقِيلَ هم جَمِيعُ الخَلْقِ؛ أيْ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا يَوْمَ أخْذِ المِيثاقِ حِينَ قالَ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] . وقِيلَ اليَهُودُ خاصَّةً. وقِيلَ المُشْرِكُونَ آمَنُوا بِاللّاتَ والعُزّى والأصْنامِ والأوْثانِ. وقِيلَ: آمَنُوا عَلى سَبِيلِ التَّقْلِيدِ آمِنُوا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِدْلالِ. وقِيلَ آمَنُوا في الماضِي والحاضِرِ، آمِنُوا في المُسْتَقْبَلِ.
ونَظِيرُهُ: ﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] مَعَ أنَّهُ كانَ عالِمًا بِذَلِكَ. ورُوِيَ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ، وسَلّامًا ابْنَ أُخْتِهِ، وسَلَمَةَ ابْنَ أخِيهِ، وأسَدًا وأُسَيْدًا ابْنَيْ كَعْبٍ، وثَعْلَبَةَ بْنَ قَيْسٍ، ويامِينَ أتَوُا الرَّسُولَ، وقالُوا نُؤْمِنُ بِكَ وبِكِتابِكَ، ومُوسى والتَّوْراةِ، وعُزَيْرٍ، ونَكْفُرُ بِما سِواهُ مِنَ الكُتُبِ والرُّسُلِ؛ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: بَلْ آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وكِتابِهِ القُرْآنِ، وبِكُلِّ كِتابٍ كانَ قَبْلَهُ؛ فَقالُوا: لا نَفْعَلُ؛ فَنَزَلَتْ فَآمَنُوا كُلُّهم» .
﴿والكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ﴾ هو القُرْآنُ بِلا خِلافٍ ﴿والكِتابِ الَّذِي أنْزَلَ مِن قَبْلُ﴾ المُرادُ بِهِ جِنْسُ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ آخَرًا: وكَتَبَهُ، وإنْ كانَ الخِطابُ لِلْيَهُودِ والنَّصارى، فَكَيْفَ قِيلَ لَهم ﴿والكِتابِ الَّذِي أنْزَلَ مِن قَبْلُ﴾، وهم مُؤْمِنُونَ بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ. وأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ بِهِما فَحَسْبُ، وما كانُوا مُؤْمِنِينَ بِكُلِّ ما أُنْزِلَ (p-٣٧٢)مِنَ الكُتُبِ؛ فَأُمِرُوا أنْ يُؤْمِنُوا بِجَمِيعِ الكُتُبِ. أوْ لِأنَّ إيمانَهم بِبَعْضٍ لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ طَرِيقَ الإيمانِ بِالجَمِيعِ واحِدٌ، وهو المُعْجِزَةُ. وقَرَأ العَرَبِيّانِ، وابْنُ كَثِيرٍ: (نُزِّلَ) و(أُنْزِلَ) بِالبَنّاءِ لِلْمَفْعُولِ والباقُونَ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ، وأنْزَلَ مِن قَبْلُ ؟ قُلْتُ: لِأنَّ القُرْآنَ نَزَلَ مُنَجَّمًا مُفَرَّقًا في عِشْرِينَ سَنَةً بِخِلافِ الكُتُبِ قَبْلَهُ، انْتَهى. وهَذِهِ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ (نَزَّلَ) و(أنْزَلَ) لا تَصِحُّ لِأنَّ التَّضْعِيفَ في (نَزَّلَ) لَيْسَ لِلتَّكْثِيرِ والتَّفْرِيقِ؛ وإنَّما هو لِلتَّعْدِيَةِ، وهو مُرادِفٌ لِلْهَمْزَةِ. وقَدْ أشْبَعْنا الرَّدَّ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ في دَعْواهُ ذَلِكَ أوَّلَ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
﴿ومَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ جَوابُ الشَّرْطِ لَيْسَ مُتَرَتِّبًا عَلى الكُفْرِ بِالمَجْمُوعِ، بَلِ المَعْنى: ومَن يَكْفُرْ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ. وقُرِئَ: وكِتابِهِ عَلى الإفْرادِ والمُرادُ جِنْسُ الكُتُبِ. ولَمّا كانَ خَيْرَ الإيمانِ عَلِقَ بِثَلاثَةٍ: بِاللَّهِ والرَّسُولِ والكُتُبِ؛ لِأنَّ الإيمانَ بِالكُتُبِ تَضَمَّنَ الإيمانَ بِالمَلائِكَةِ واليَوْمِ الآخِرِ، وبُولِغَ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ المَلِكَ مُغَيَّبٌ عَنّا، وكَذَلِكَ اليَوْمُ الآخِرُ لَمْ يَقَعْ، وهو مُنْتَظَرٌ، فَنَصَّ عَلَيْهِما عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ؛ ولِئَلّا يَتَأوَّلَهُما مُتَأوِّلٌ عَلى خِلافِ ما هُما عَلَيْهِ. فَمَن أنْكَرَ المَلائِكَةَ أوِ القِيامَةَ فَهو كافِرٌ، وقَدَّمَ الكُتُبَ عَلى الرُّسُلِ عَلى التَّرْتِيبِ الوُجُودِيِّ؛ لِأنَّ المَلَكَ يَنْزِلُ بِالكُتُبِ والرُّسُلُ تَتَلَقّى الكُتُبَ مِنَ المَلَكِ. وقَدَّمَ في الأمْرِ بِالإيمانِ المَوْصُولِ عَلى الكِتابِ؛ لِأنَّ الرَّسُولَ أوَّلُ ما يُباشِرُهُ المُؤْمِنَ ثُمَّ يَتَلَقّى الكِتابَ مِنهُ. فَحَيْثُ نَفى الإيمانَ كانَ عَلى التَّرْتِيبِ الوُجُودِيِّ، وحَيْثُ أثْبَتَ كانَ عَلى التَّرْتِيبِ اللِّقائِيِّ، وهو راجِعٌ لِلْوُجُودِ في حَقِّ المُؤْمِنِ.