Lafzullah

Al-Bahr Al-Muhit — النساء 4:136 – النساء 4:154

المؤلف / المصدر: Al-Bahr Al-Muhit

المحتويات
  1. النساء 4:136
  2. النساء 4:137
  3. النساء 4:138
  4. النساء 4:139
  5. النساء 4:140
  6. النساء 4:141
  7. النساء 4:142
  8. النساء 4:143
  9. النساء 4:144
  10. النساء 4:145
  11. النساء 4:146
  12. النساء 4:147
  13. النساء 4:148
  14. النساء 4:149
  15. النساء 4:150
  16. النساء 4:151
  17. النساء 4:152
  18. النساء 4:153
  19. النساء 4:154

النساء 4:136

﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ ولَوْ حَرَصْتُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في النَّبِيِّ ﷺ ومَيْلِهِ بِقَلْبِهِ إلى عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، انْتَهى. ونَبَّهَ تَعالى عَلى (p-٣٦٥)انْتِفاءِ اسْتِطاعَةِ العَدْلِ بَيْنَ النِّساءِ والتَّسْوِيَةِ، حَتّى لا يَقَعَ مَيْلٌ البَتَّةَ، ولا زِيادَةٌ ولا نُقْصانٌ فِيما يَجِبُ لَهُنَّ. وفي ذَلِكَ عُذْرٌ لِلرِّجالِ فِيما يَقَعُ مِنَ التَّفاوُتِ في المَيْلِ القَلْبِيِّ والتَّعَهُّدِ والنَّظَرِ والتَّأْنِيسِ والمُفاكَهَةِ؛ فَإنَّ التَّسْوِيَةَ في ذَلِكَ مَجالٌ خارِجٌ عَنْ حَدِّ الِاسْتِطاعَةِ؛ وعَلَّقَ انْتِفاءَ الِاسْتِطاعَةِ في التَّسْوِيَةِ عَلى تَقْدِيرِ وُجُودِ الحِرْصِ مِنَ الإنْسانِ عَلى ذَلِكَ. وقِيلَ مَعْنى أنْ تَعْدِلُوا في المَحَبَّةِ قالَهُ عُمَرُ وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ. وقِيلَ في التَّسْوِيَةِ والقَسَمِ. وقِيلَ في الجِماعِ. وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ " «أنَّهُ كانَ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسائِهِ فَيَعْدِلُ، ويَقُولُ: هَذِهِ قِسْمَتِي فِيما أمْلِكُ، فَلا تُؤاخِذْنِي فِيما تَمْلِكُ، ولا أمَلِكُ يَعْنِي المَحَبَّةَ»؛ لِأنَّ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها كانَتْ أحَبَّ إلَيْهِ، وكانَ عُمَرُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ قَلْبِي فَلا أمْلِكُهُ، وأمّا ما سِوى ذَلِكَ فَأرْجُو أنْ أعْدِلَ فِيهِ. ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ فَتَذَرُوها كالمُعَلَّقَةِ﴾ نَهى تَعالى عَنِ الجَوْرِ عَلى المَرْغُوبِ؛ أيْ إنْ وقَعَ مِنكُمُ التَّفْرِيطُ في شَيْءٍ مِنَ المُساواةِ، فَلا تَجُورُوا كُلَّ الجَوْرِ. والضَّمِيرُ في فَتَذَرُوها عائِدٌ عَلى المَمِيلِ عَنْها، المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ﴾ . وقَرَأ أُبَيٌّ: فَتَذْرُوها كالمَسْجُونَةِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: فَتَذْرُوها كَأنَّها مُعَلَّقَةٌ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ المُعَلَّقَةِ في الكَلامِ عَلى المُفْرَداتِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كالمَحْبُوسَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ. وقِيلَ مَعْنى كالمُعَلَّقَةِ كالبَعِيدَةِ عَنْ زَوْجِها. قِيلَ أوْ عَنْ حَقِّها، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ مَأْخُوذٌ مِن تَعْلِيقِ الشَّيْءِ لِبُعْدِهِ عَنْ قَرارِهِ. وتَذْرُوها يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَجْزُومًا عَطْفًا عَلى تَمِيلُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِإضْمارِ (أنْ) في جَوابِ النَّهْيِ. وكالمُعَلِّقَةِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ؛ فَتَتَعَلَّقَ الكافُ بِمَحْذُوفٍ. وفي الحَدِيثِ: «مَن كانَتْ لَهُ امْرَأتانِ يَمِيلُ مَعَ إحْداهُما جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ وأحَدُ شِقَّيْهِ مائِلٌ» والمَعْنى: يَمِيلُ مَعَ إحْداهُما كُلَّ المَيْلِ، لا مُطْلَقَ المَيْلِ. «وقَدْ فاضَلَ عُمَرُ في عَطاءٍ بَيْنَ أزْواجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَأبَتْ عائِشَةُ، وقالَتْ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَعْدِلُ بَيْنَنا في القَسِيمَةِ بِمالِهِ ونَفْسِهِ، فَساوى عُمَرُ بَيْنَهُنَّ»، وكانَ لِمُعاذٍ امْرَأتانِ؛ فَإذا كانَ عِنْدَ إحْداهُما، لَمْ يَتَوَضَّأْ في بَيْتِ الأُخْرى، فَماتَتا في الطّاعُونِ، فَدَفَنَهُما في قَبْرٍ واحِدٍ. ﴿وإنْ تُصْلِحُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنْ تُصْلِحُوا ما مَضى مِن قِبَلِكم، وتَتَدارَكُوهُ بِالتَّوْبَةِ، وتَتَّقُوا فِيما يُسْتَقْبَلُ غَفَرَ اللَّهُ لَكم انْتَهى. وفي ذَلِكَ نَزْغَةُ الِاعْتِزالِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإنْ تُصْلِحُوا ما أفْسَدْتُمْ بِسُوءِ العِشْرَةِ، وتَلْزَمُوا ما يَلْزَمُكم مِنَ العَدْلِ فِيما تَمْلِكُونَ؛ فَإنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا لِما تَمْلِكُونَهُ مُتَجاوِزًا عَنْهُ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: غَفُورًا لِما سَلَفَ مِنكم مِنَ المَيْلِ كُلَّ المَيْلِ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ، انْتَهى؛ فَعَلى هَذا هي مَغْفِرَةٌ مُخَصَّصَةٌ لِقَوْمٍ بِأعْيانِهِمْ واقَعُوا المَحْظُورَ في مُدَّةِ النَّبِيِّ ﷺ، وخَتَمَتْ تِلْكَ بِالإحْسانِ، وهَذِهِ بِالإصْلاحِ؛ لِأنَّ الأُولى في مَندُوبٍ إلَيْهِ إذْ لَهُ أنْ لا يُحْسِنَ، وأنْ يَشِحَّ، ويُصالِحَ بِما يُرْضِيهِ، وهَذِهِ في لازِمٍ إذْ لَيْسَ لَهُ إلّا أنْ يُصْلِحَ، بَلْ يَلْزَمُهُ العَدْلُ فِيما يَمْلِكُ. ﴿وإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِن سَعَتِهِ﴾ الضَّمِيرُ في يَتَفَرَّقا عائِدٌ عَلى الزَّوْجَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها﴾ [النساء: ١٢٨] والمَعْنى: وإنْ شَحَّ كُلٌّ مِنهُما، ولَمْ يَصْطَلِحا، وتَفَرَّقا بِطَلاقٍ؛ فاللَّهُ يُغْنِي كُلًّا مِنها عَنْ صاحِبِهِ بِفَضْلِهِ، ولُطْفِهِ في المالِ والعِشْرَةِ والسِّعَةِ. ووُجُودِ المُرادِ، والسِّعَةُ الغِنى والمَقْدِرَةُ، وهَذا وعْدٌ بِالغِنى لِكُلِّ واحِدٍ إذا تَفَرَّقا، وهو مَعْرُوفٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى. ونِسْبَةُ الفِعْلِ إلَيْهِما يَدُلُّ عَلى أنَّ لِكُلٍّ مِنهُما مَدْخَلًا في التَّفَرُّقِ، وهو التَّفَرُّقُ بِالأبْدانِ، وتَراخِي المُدَّةِ بِزَوالِ العِصْمَةِ، ولا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَفَرُّقٌ بِالقَوْلِ وهو طَلاقٌ؛ لِأنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالزَّوْجِ، ولا نَصِيبَ لِلْمَرْأةِ في التَّفَرُّقِ القَوْلِيِّ؛ فَيُسْنَدُ إلَيْها خِلافًا لِمَن ذَهَبَ إلى أنَّ التَّفَرُّقَ هاهُنا هو بِالقَوْلِ، وهو الطَّلاقُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ أفْلَحَ: وإنْ يَتَفارَقا بِألِفِ المُفاعَلَةِ؛ أيْ وإنْ (p-٣٦٦)يُفارِقْ كُلٌّ مِنهُما صاحِبَهُ. وهَذِهِ الآيَةُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقَوْلُ العَرَبِ: إنْ لَمْ يَكُنْ وِفاقٌ فَطَلاقٌ. فَنَبَّهَ تَعالى عَلى أنَّ لَهُما أنْ يَتَفارَقا؛ كَما أنَّ لَهُما أنْ يَصْطَلِحا. ودَلَّ ذَلِكَ عَلى الجَوازِ، قالُوا: وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِن سَعَتِهِ﴾ إشارَةٌ إلى الغِنى بِالمالِ. وكانَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما فِيما رَوَوْا طُلَقَةً ذُوَقَةً فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ فَقالَ: إنِّي رَأيْتُ اللَّهَ تَعالى عَلَّقَ الغِنى بِأمْرَيْنِ فَقالَ: ﴿وأنْكِحُوا الأيامى﴾ [النور: ٣٢] الآيَةَ، وقالَ: ﴿وإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِن سَعَتِهِ﴾ . ﴿وكانَ اللَّهُ واسِعًا حَكِيمًا﴾ ناسَبَ ذَلِكَ ذِكْرَ السَّعَةِ؛ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ مِن سِعَتِهِ. والواسِعُ عامٌّ في الغِنى والقُدْرَةِ والعِلْمِ، وسائِرِ الكِمالاتِ. وناسَبَ ذِكْرَ وصْفِ الحِكْمَةِ، وهو وضْعُ الشَّيْءِ مَوْضِعَ ما يُناسِبُ؛ لِأنَّ السَّعَةَ ما لَمْ تَكُنْ مَعَها الحِكْمَةُ كانَتْ إلى فَسادٍ أقْرَبَ مِنها لِلصَّلاحِ؛ قالَهُ الرّاغِبُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ فِيما حَكَمَ ووَعَظَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: فِيما حَكَمَ عَلى الزَّوْجِ مِن إمْساكِها بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٍ بِإحْسانٍ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: أوْ حَيْثُ نُدِبَ إلى الفُرْقَةِ عِنْدَ اخْتِلافِهِما وعَدَمِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُما. ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى سَعَةَ رِزْقِهِ، وحِكْمَتَهُ، ذَكَرَ أنَّ لَهُ مُلْكَ ما في السَّماواتِ، وما في الأرْضِ؛ فَلا يَعْتاضُّ عَلَيْهِ غِنى أحَدٍ، ولا التَّوْسِعَةُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ مَن لَهُ ذَلِكَ هو الغَنِيُّ المُطْلَقُ. ﴿ولَقَدْ وصَّيْنا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم وإيّاكم أنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ وصَّيْنا: أمَرْنا أوْ عَهِدْنا إلَيْهِمْ وإلَيْكم، ومِن قَبْلِكم: يُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ (أُوتُوا)؛ وهو الأقْرَبُ، أوْ بِـ (وصَّيْنا) . والمَعْنى: أنَّ الوَصِيَّةَ بِالتَّقْوى هي سُنَّةُ اللَّهِ مَعَ الأُمَمِ الماضِيَةِ، فَلَسْتُمْ مَخْصُوصِينَ بِهَذِهِ الوَصِيَّةِ. و(إيّاكم) عَطْفٌ عَلى المَوْصُولِ، وتَقَدَّمَ المَوْصُولُ؛ لِأنَّ وصِيَّتَهُ هي السّابِقَةُ عَلى وصَّيْنا، فَهو تَقَدُّمٌ بِالزَّمانِ. ومِثْلُ هَذا العَطْفِ - أعْنِي عَطْفَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ المُنْفَصِلِ عَلى الظّاهِرِ - فَصِيحٌ جاءَ في القُرْآنِ وفي كَلامِ العَرَبِ، ولا يَخْتَصُّ بِالشِّعْرِ، وقَدْ وهِمَ في ذَلِكَ بَعْضُ أصْحابِنا وشُيُوخِنا؛ فَزَعَمَ أنَّهُ لا يَجُوزُ إلّا في الشِّعْرِ؛ لِأنَّكَ تَقْدِرُ عَلى أنْ تَأْتِيَ بِهِ مُتَّصِلًا؛ فَتَقُولُ: آتِيكَ وزَيْدًا. ولا يَجُوزُ عِنْدَهُ: رَأيْتُ زَيْدًا وإيّاكَ إلّا في الشِّعْرِ، وهَذا وهْمٌ فاحِشٌ؛ بَلْ مِن مُوجَبِ انْفِصالِ الضَّمِيرِ كَوْنُهُ يَكُونُ مَعْطُوفًا؛ فَيَجُوزُ قامَ زَيْدٌ وأنْتَ، وخَرَجَ بَكْرٌ وأنا، لا خِلافَ في جَوازِ ذَلِكَ؛ فَكَذَلِكَ ضَرَبْتُ زَيْدًا وإيّاكَ. والَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ هو عامٌّ في الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى تَخْصِيصِ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِاليَهُودِ والنَّصارى كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ؛ لِأنَّ وصِيَّةَ اللَّهِ بِالتَّقْوى لَمْ تَزَلْ مُذْ أوْجَدَ العالَمَ؛ فَلَيْسَتْ مَخْصُوصَةً بِاليَهُودِ والنَّصارى. وأنِ اتَّقُوا: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أيْ بِأنِ اتَّقُوا اللَّهَ، وأنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً التَّقْدِيرُ أيِ اتَّقُوا اللَّهَ؛ لِأنَّ وصَّيْنا فِيهِ مَعْنى القَوْلِ. ﴿وإنْ تَكْفُرُوا﴾ ظاهِرُهُ الخِطابُ لِمَن وقَعَ لَهُ الخِطابُ بِقَوْلِهِ: وإيّاكم، وهم هَذِهِ الأُمَّةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ شامِلًا لِلَّذِينِ أُوتُوا الكِتابَ، ولِلْمُخاطَبِينَ وغَلَبَ الخِطابُ عَلى ما تَقَرَّرَ في لِسانِ العَرَبِ كَما تَقُولُ: قُلْتُ لِزَيْدٍ ذَلِكَ، لا تَضْرِبْ عَمْرًا، وكَما تَقُولُ: زَيْدٌ وأنْتَ تَخْرُجانِ. ﴿فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾؛ أيْ أنْتُمْ مِن جُمْلَةِ مَن يَمْلِكُهُ تَعالى، وهو المُتَصَرِّفُ فِيكم؛ إذْ هو خالِقُكم والمُنْعِمُ عَلَيْكم بِأصْنافِ النِّعَمِ، وأنْتُمْ مَمْلُوكُونَ لَهُ، فَلا يُناسِبُ أنْ تَكْفُرُوا مَن هو مالِكُكم، وتُخالِفُونَ أمْرَهُ؛ بَلْ حَقُّهُ أنْ يُطاعَ ولا يُعْصى، وأنْ يُتَّقى عِقابُهُ، ويُرْجى ثَوابُهُ، ولِلَّهِ ما في سَمائِهِ وأرْضِهِ مَن يُوَحِّدُهُ ويَعْبُدُهُ، ولا يَعْصِيهِ. ﴿وكانَ اللَّهُ غَنِيًّا﴾؛ أيْ عَنْ خَلْقِهِ، وعَنْ عِبادَتِهِمْ لا تَنْفَعُهُ طاعَتُهم، ولا يَضُرُّهُ كُفْرُهم. (حَمِيدًا)؛ أيْ مُسْتَحِقًّا لِأنْ يُحْمَدَ لِكَثْرَةِ نِعَمِهِ، وإنْ كَفَرْتُمُوهُ أنْتُمْ. ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ الوَكِيلُ القائِمُ بِالأُمُورِ، المُنْفِذُ فِيها ما يَراهُ؛ فَمَن لَهُ مُلْكُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ، فَهو كافٍ فِيما يَتَصَرَّفُ فِيهِ، لا يَعْتَمِدُ عَلى غَيْرِهِ. وأعادَ قَوْلَهُ: ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ثَلاثَ مَرّاتٍ بِحَسَبِ السِّياقِ. (p-٣٦٧)فَقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الأوَّلُ: تَنْبِيهٌ عَلى مَوْضِعِ الرَّجاءِ يَهْدِي المُتَفَرِّقِينَ. والثّانِي: تَنْبِيهٌ عَلى اسْتِغْنائِهِ عَنِ العِبادِ. والثّالِثُ: مُقَدِّمَةٌ لِلْوَعِيدِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وتَكْرِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ تَقْرِيرٌ لِما هو مُوجِبٌ تَقْواهُ لِيَتَّقُوهُ؛ فَيُطِيعُوهُ ولا يَعْصُوهُ؛ لِأنَّ الخَشْيَةَ والتَّقْوى أصْلُ الخَيْرِ كُلِّهِ. وقالَ الرّاغِبُ: الأوَّلُ: لِلتَّسْلِيَةِ عَمّا فاتَ. والثّانِي: أنَّ وصِيَّتَهُ لِرَحْمَتِهِ لا لِحاجَةٍ، وأنَّهم إنْ كَفَرُوهُ لا يَضُرُّوهُ شَيْئًا. والثّالِثُ: دَلالَتُهُ عَلى كَوْنِهِ غَنِيًّا. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: الأوَّلُ: تَقْرِيرُ كَوْنِهِ واسِعَ الجُودِ. والثّانِي: لِلتَّنْزِيهِ عَنْ طاعَةِ المُطِيعِينَ. والثّالِثُ: لِقُدْرَتِهِ عَلى الإفْناءِ والإيجادِ؛ والغَرَضُ مِنهُ: تَقْرِيرُ كَوْنِهِ قادِرًا عَلى مَدْلُولاتٍ كَثِيرَةٍ فَيَحْسُنُ أنْ يَذْكُرَ ذَلِكَ الدَّلِيلَ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِن مَدْلُولاتِهِ، وهَذِهِ الإعادَةُ أحْسَنُ وأوْلى مِنَ الِاكْتِفاءِ بِذِكْرِ الدَّلِيلِ مَرَّةً واحِدَةً؛ لِأنَّهُ عِنْدَهُ إعادَةُ ذِكْرِ الدَّلِيلِ يُحْضِرُ في الذِّهْنِ ما يُوجِبُ العِلْمَ بِالمَدْلُولِ؛ وكانَ العِلْمُ الحاصِلُ بِذَلِكَ المَدْلُولِ أقْوى وأجَلَّ؛ فَظَهَرَ أنَّ هَذا التَّكْرارَ في غايَةِ الكَمالِ. وقالَ مَكِّيٌّ: نَبَّهْنا أوَّلًا عَلى مُلْكِهِ وسَعَتِهِ. وثانِيًا عَلى حاجَتِنا إلَيْهِ وغِناهُ، وثالِثًا عَلى حِفْظِهِ لَنا، وعِلْمِهِ بِتَدْبِيرِنا. ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ ظاهِرُهُ أنَّ الخِطابَ لِمَن تَقَدَّمَ لَهُ الخِطابُ أوَّلًا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الخِطابُ لِلْمُشْرِكِينَ والمُنافِقِينَ والمَعْنى: ويَأْتِ بِآخَرِينَ مِنكم. وقَرِيبٌ مِنهُ ما نَقَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن أنَّهُ خِطابٌ لِمَن كانَ يُعادِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنَ العَرَبِ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: الخِطابُ لِلْكُفّارِ، وهو تَهْدِيدٌ لَهم؛ كَأنَّهُ قالَ: إنْ يَشَأْ يُهْلِكْكم كَما أهْلَكَ مَن قَبْلَكم إذْ كَفَرُوا بِرُسُلِهِ. وقِيلَ لِلْمُؤْمِنِينَ يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ النّاسِ؛ والمَعْنى: إنْ شاءَ يُهْلِكْكم كَما أنْشَأكم، وأنْشَأ قَوْمًا آخَرِينَ يَعْبُدُونَهُ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: الخِطابُ لِلَّذِينِ شَفَعُوا في طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ، وخاصَمَ وخاصَمُوا عَنْهُ في أمْرِ خِيانَتِهِ في الدِّرْعِ والدَّقِيقِ. وهَذا التَّأْوِيلُ بَعِيدٌ، وقَدْ يَظْهَرُ العُمُومُ فَيَكُونُ خِطابًا لِلْعالِمِ الحاضِرِ الَّذِي يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ الخِطابُ والنِّداءُ. ويَأْتِ بِآخَرِينَ أيْ بِناسٍ غَيْرِكم؛ فالمَأْتِيُّ بِهِ مِن نَوْعِ المُذْهَبِ؛ فَيَكُونُ مِن جِنْسِ المُخاطَبِ المُنادى، وهُمُ النّاسُ. ورُوِيَ أنَّها لَمّا نَزَلَتْ ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ عَلى ظَهْرِ سَلْمانَ، وقالَ: (إنَّهم قَوْمُ هَذا) يُرِيدُ ابْنَ فارِسَ، وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُما أنْ يَكُونَ المُرادُ بِآخَرِينَ مِن نَوْعِ المُخاطَبِينَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَأْتِ بِآخَرِينَ مَكانَكم أوْ خَلْقًا آخَرِينَ غَيْرَ الإنْسِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وعِيدًا لِجَمِيعِ بَنِي آدَمَ، ويَكُونَ الآخَرُونَ مِن غَيْرِ نَوْعِهِمْ. كَما أنَّهُ قَدْ رُوِيَ أنَّهُ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَعْبُدُونَ اللَّهَ قَبْلَ بَنِي آدَمَ، انْتَهى. وما جَوَّزَهُ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ مَدْلُولَ (آخَرَ) في اللُّغَةِ هو مَدْلُولٌ غَيْرُ خاصٍّ بِجِنْسِ ما تَقَدَّمَ؛ فَلَوْ قُلْتَ: جاءَ زَيْدٌ وآخَرُ مَعَهُ، أوْ مَرَرْتُ بِامْرَأةٍ وأُخْرى مَعَها، أوِ اشْتَرَيْتُ فَرَسًا وآخَرَ، وسابَقْتُ بَيْنَ حِمارٍ وآخَرَ؛ لَمْ يَكُنْ آخَرُ ولا أُخْرى مُؤَنَّثُهُ، ولا تَثْنِيَتُهُ، ولا جَمْعُهُ، إلّا مِن جِنْسِ ما يَكُونُ قَبْلَهُ. ولَوْ قُلْتَ: اشْتَرَيْتُ ثَوْبًا وآخَرَ، ويَعْنِي بِهِ: غَيْرَ ثَوْبٍ؛ لَمْ يَجُزْ. فَعَلى هَذا تَجْوِيزُهم أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: بِآخَرِينَ مِن غَيْرِ جِنْسِ ما تَقَدَّمَ، وهُمُ النّاسُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وهَذا هو الفَرْقُ بَيْنَ غَيْرٍ وبَيْنَ آخَرَ؛ لِأنَّ غَيْرًا تَقَعُ عَلى المُغايِرِ في جِنْسٍ أوْ في صِفَةٍ؛ فَتَقُولُ: اشْتَرَيْتُ ثَوْبًا وغَيْرَهُ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ثَوْبًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ ثَوْبٍ، (p-٣٦٨)وقَلَّ مَن يَعْرِفُ هَذا الفَرْقَ. ﴿وكانَ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾؛ أيْ عَلى إذْهابِكم والإتْيانِ بِآخَرِينَ. وأتى بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ في القُدْرَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ أرادَهُ، وهَذا غَضَبٌ عَلَيْهِمْ، وتَخْوِيفٌ وبَيانٌ لِاقْتِدارِهِ. ﴿مَن كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ؛ أيْ مَن كانَ لا رَغْبَةَ لَهُ إلّا في ثَوابِ الدُّنْيا، ولا يَعْتَقِدُ أنَّ ثَمَّ سِواهُ؛ فَلَيْسَ كَما ظَنَّ، بَلْ عِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدّارَيْنِ. فَمَن قَصَدَ الآخِرَةَ أعْطاهُ مِن ثَوابِ الدُّنْيا، وأعْطاهُ قَصْدَهُ، ومَن قَصَدَ الدُّنْيا فَقَطْ أعْطاهُ مِنَ الدُّنْيا ما قُدِّرَ لَهُ، وكانَ لَهُ في الآخِرَةِ العَذابُ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: مَن عَبَدَ الأصْنامَ طَلَبًا لِلْعِزِّ لا يَحْصُلُ لَهُ ذَلِكَ، ولَكِنْ عِنْدَ اللَّهِ عِزُّ الدُّنْيا والآخِرَةِ، أوْ لِلتَّقْرِيبِ والشَّفاعَةِ؛ أيْ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، ولَكِنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَعِنْدَهُ ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، لا عِنْدَ مَن تَطْلُبُونَ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في أهْلِ النِّفاقِ الَّذِينَ يُراءُونَ بِأعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ في الدُّنْيا لِثَوابِ الدُّنْيا لا غَيْرَ. و(مَن) يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً؛ والظّاهِرُ أنَّها شَرْطٌ، وجَوابُهُ الجُمْلَةُ المَقْرُونةُ بِفاءِ الجَوابِ؛ ولا بُدَّ في الجُمْلَةِ الواقِعَةِ جَوابًا لِاسْمِ الشَّرْطِ غَيْرِ الظَّرْفِ مِن ضَمِيرٍ عائِدٍ عَلى اسْمِ الشَّرْطِ حَتّى يَتَعَلَّقَ الجَزاءُ بِالشَّرْطِ؛ والتَّقْدِيرُ: ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ لَهُ إنْ أرادَهُ؛ هَكَذا قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ جَوابَ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: مَن كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَلا يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ، ولْيَطْلُبِ الثَّوابَيْنِ؛ فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ. وقالَ الرّاغِبُ: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ تَبْكِيتٌ لِلْإنْسانِ؛ حَيْثُ اقْتَصَرَ عَلى أحَدِ السُّؤالَيْنِ، مَعَ كَوْنِ المَسْئُولِ مالِكًا لِلثَّوابَيْنِ، وحَثَّ عَلى أنْ يَطْلُبَ مِنهُ تَعالى ما هو أكْمَلُ، وأفْضَلُ مِن مَطْلُوبِهِ؛ فَمَن طَلَبَ خَسِيسًا مَعَ أنَّهُ يُمْكِنُهُ أنْ يَطْلُبَ نَفِيسًا؛ فَهو دَنِيءُ الهِمَّةِ. قِيلَ والآيَةُ وعِيدٌ لِلْمُنافِقِينَ، لا يُرِيدُونَ بِالجِهادِ غَيْرَ الغَنِيمَةِ. وقِيلَ هي حَضٌّ عَلى الجِهادِ. ﴿وكانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾؛ أيْ سَمِيعًا لِأقْوالِهِمْ؛ بَصِيرًا بِأعْمالِهِمْ ونِيّاتِهِمْ. ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلى أنْفُسِكم أوِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ قالَ الطَّبَرِيُّ: هي سَبَبُ نازِلَةِ ابْنِ أُبَيْرِقٍ وقِيامِ مَن قامَ في أمْرِهِ بِغَيْرِ القِسْطِ. وقالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في اخْتِصامِ غَنِيٍّ وفَقِيرٍ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ . ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ النِّساءَ والنُّشُوزَ والمُصالَحَةَ؛ أعْقَبَهُ بِالقِيامِ بِأداءِ حُقُوقِ اللَّهِ تَعالى، وفي الشَّهادَةِ حُقُوقُ اللَّهِ. أوْ لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ تَعالى طالِبَ الدُّنْيا، وأنَّهُ عِنْدَهُ ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ؛ بَيَّنَ أنَّ كَمالَ السَّعادَةِ أنْ يَكُونَ قَوْلُ الإنْسانِ وفِعْلُهُ لِلَّهِ تَعالى، أوْ لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ. ﴿وإنْ خِفْتُمْ أنْ لا تُقْسِطُوا في اليَتامى﴾ [النساء: ٣] والإشْهادُ عِنْدَ دَفْعِ أمْوالِ اليَتامى إلَيْهِمْ، وأمَرَ بِبَذْلِ النَّفْسِ والمالِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وذَكَرَ قِصَّةَ ابْنِ أُبَيْرِقٍ، واجْتِماعَ قَوْمِهِ عَلى الكَذِبِ والشَّهادَةِ بِالباطِلِ، ونَدَبَ لِلْمُصالَحَةِ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِأنْ أمَرَ عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ بِالقِيامِ بِالعَدْلِ والشَّهادَةِ لِوَجْهِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وأتى بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ في قَوّامِينَ حَتّى لا يَكُونَ مِنهم جَوْرٌ ما. والقِسْطُ: العَدْلُ. ومَعْنى ﴿شُهَداءَ لِلَّهِ﴾؛ أيْ لِوَجْهِ اللَّهِ، لا يُراعِي في الشَّهادَةِ إلّا جِهَةَ اللَّهِ تَعالى. والظّاهِرُ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿شُهَداءَ لِلَّهِ﴾ مِنَ الشَّهادَةِ في الحُقُوقِ؛ ولِذَلِكَ أتْبَعَهُ بِما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾، وهَكَذا فَسَّرَهُ المُفَسِّرُونَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: شُهَداءَ لِلَّهِ مَعْناهُ بِالوَحْدانِيَّةِ. (p-٣٦٩)ويَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾، بِقَوْلِهِ: ﴿قَوّامِينَ بِالقِسْطِ﴾؛ والتَّأْوِيلُ الأوَّلُ أبْيَنُ، انْتَهى كَلامُهُ. ويُضَعِّفُهُ أنَّهُ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وهم شُهَداءُ لِلَّهِ بِالوَحْدانِيَّةِ؛ إلّا إنْ أُرِيدَ اسْتِمْرارُ الشَّهادَةِ. وتَقَدَّمَتْ صِفَةُ (قَوّامِينَ) بِالقِسْطِ عَلى ﴿شُهَداءَ لِلَّهِ﴾؛ لِأنَّ القِيامَ بِالقِسْطِ أعَمُّ والشَّهادَةَ أخَصُّ. ولِأنَّ القِيامَ بِالقِسْطِ فِعْلٌ وقَوْلٌ، والشَّهادَةَ قَوْلٌ فَقَطْ. ومَعْنى: ﴿ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾؛ أيْ تَشْهَدُونَ عَلى أنْفُسِكم؛ أيْ تُقِرُّونَ بِالحَقِّ، وتُقِيمُونَ القِسْطَ عَلَيْها. والظّاهِرُ أنَّهُ أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ أنْفُسَ الشُّهَداءِ لِلَّهِ تَعالى. وأبْعَدَ مَن جَوَّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى في أنْفُسِكم: الأهْلُ والأقارِبُ، وأنْ يَكُونَ ﴿أوِ الوالِدَيْنِ﴾ تَفْسِيرًا لِأنْفُسِكم، ويُضَعِّفُهُ العَطْفُ بَـ (أوْ) . وانْتَصَبَ (شُهَداءَ) عَلى أنَّهُ خَبْرٌ بَعْدَ خَبَرٍ. ومَن ذَهَبَ إلى جَعْلِهِ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في قَوّامِينَ كَأبِي البَقاءِ؛ فَقَوْلُهُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ فِيها تَقْيِيدَ القِيامِ بِالقِسْطِ؛ سَواءٌ كانَ مِثْلَ هَذا أمْ لا. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما ما يَشْهَدُ لِهَذا القَوْلِ الضَّعِيفِ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ كُونُوا قَوّامِينَ بِالعَدْلِ في الشَّهادَةِ عَلى مَن كانَ، ومَجِيءُ لَوْ هُنا لِاسْتِقْصاءِ جَمِيعِ ما يُمْكِنُ فِيهِ الشَّهادَةُ، لَما كانَتِ الشَّهادَةُ مِنَ الإنْسانِ عَلى نَفْسِهِ بِصَدَدِ أنْ لا يُقِيمَها لِما جُبِلَ عَلَيْهِ المَرْءُ مِن مُحاباةِ نَفْسِهِ، ومُراعاتِها. نَبَّهَ عَلى هَذِهِ الحالِ، وجاءَ هَذا التَّرْتِيبُ في الِاسْتِقْصاءِ في غايَةٍ مِنَ الحُسْنِ والفَصاحَةِ. فَبَدَأ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾؛ لِأنَّهُ لا شَيْءَ أعَزُّ عَلى الإنْسانِ مِن نَفْسِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ الوالِدَيْنِ، وهُما أقْرَبُ إلى الإنْسانِ، وسَبَبُ نَشْأتِهِ؛ وقَدْ أمَرَ بِبِرِّهِما، وتَعْظِيمِهِما والحَوْطَةِ لَهُما، ثُمَّ ذَكَرَ الأقْرَبِينَ؛ وهم مَظِنَّةُ المَحَبَّةِ والتَّعَصُّبِ. وإذا كانَ هَؤُلاءِ أُمِرَ في حَقِّهِمْ بِالقِسْطِ والشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ، فالأجْنَبِيُّ أحْرى بِذَلِكَ. والآيَةُ تَعَرَّضَتْ لِلشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ لا لَهم، فَلا دَلالَةَ فِيها عَلى الشَّهادَةِ لَهم، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ. ولَوْ شَرْطِيَّةٌ بِمَعْنى (إنْ)، وقَوْلُهُ عَلى أنْفُسِكم مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: وإنْ كُنْتُمْ شُهَداءَ عَلى أنْفُسِكم فَكُونُوا شُهَداءَ لِلَّهِ، هَذا تَقْرِيرُ الكَلامِ. وحَذْفُ (كانَ) بَعْدَ (لَوْ) كَثِيرٌ تَقُولُ: ائْتِنِي بِتَمْرٍ ولَوْ حَشَفًا؛ أيْ وإنْ كانَ التَّمْرُ حَشَفًا فائْتِنِي بِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَوْ عَلى أنْفُسِكم مُتَعَلِّقٌ بِشُهَداءَ. فَإنْ عَنى (شُهَداءَ) هَذا المَلْفُوظَ بِهِ فَلا يَصِحُّ ذَلِكَ، وإنْ عَنى الَّذِي قَدَّرْناهُ نَحْنُ فَيَصِحُّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَوْ عَلى أنْفُسِكم، ولَوْ كانَتِ الشَّهادَةُ عَلى أنْفُسِكم أوْ آبائِكم أوْ أقارِبِكم. فَإنْ قُلْتَ: الشَّهادَةُ عَلى الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ أنْ يَقُولَ: أشْهَدُ أنَّ لِفُلانٍ عَلى والِدِي كَذا، وعَلى أقارِبِي، فَما مَعْنى الشَّهادَةِ عَلى نَفْسِهِ ؟ قُلْتُ: هي الإقْرارُ عَلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى الشَّهادَةِ عَلَيْها بِإلْزامِ الحَقِّ لَها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وإنْ كانَتِ الشَّهادَةُ وبالًا عَلى أنْفُسِكم، أوْ عَلى (p-٣٧٠)آبائِكم وأقارِبِكم؛ وذَلِكَ أنْ يَشْهَدَ عَلى مَن تَوَقَّعَ ضَرَرَهُ مِن سُلْطانٍ ظالِمٍ أوْ غَيْرِهِ، انْتَهى كَلامُهُ. وتَقْدِيرُهُ: ولَوْ كانَتِ الشَّهادَةُ عَلى أنْفُسِكم لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ المَحْذُوفَ إنَّما يَكُونُ مِن جِنْسِ المَلْفُوظِ بِهِ قَبْلُ لِيَدُلَّ عَلَيْهِ؛ فَإذا قُلْتَ: كُنْ مُحْسِنًا لِمَن أساءَ إلَيْكَ، فَتُحْذَفُ (كانَ) واسْمُها والخَبَرُ، ويَبْقى مُتَعَلِّقُهُ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، ولا تُقَدِّرُهُ: ولَوْ كانَ إحْسانُكَ لِمَن أساءَ. فَلَوْ قُلْتَ: لِيَكُنْ مِنكَ إحْسانٌ، ولَوْ لِمَن أساءَ، فَتُقَدِّرُ: ولَوْ كانَ الإحْسانُ لِمَن أساءَ؛ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ؛ ولَوْ قَدَّرْتَهُ: ولَوْ كُنْتَ مُحْسِنًا لِمَن أساءَ إلَيْكَ لَمْ يَكُنْ جَيِّدًا؛ لِأنَّكَ تَحْذِفُ ما لا دَلالَةَ عَلَيْهِ بِلَفْظٍ مُطابِقٍ. وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وإنْ كانَتِ الشَّهادَةُ وبالًا عَلى أنْفُسِكم هَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ ما تَعَلَّقَ بِهِ الظَّرْفُ كَوْنٌ مُقَيَّدٌ، ولا يَجُوزُ حَذْفُ الكَوْنِ المُقَيَّدِ. لَوْ قُلْتَ: كانَ زَيْدٌ فِيكَ، وأنْتَ تُرِيدُ مُحِبًّا فِيكَ؛ لَمْ يَجُزْ؛ لِأنَّ مُحِبًّا مُقَيَّدٌ؛ وإنَّما ذَلِكَ جائِزٌ في الكَوْنِ المُطْلَقِ، وهو: تَقْدِيرٌ كائِنٌ أوْ مُسْتَقِرٌّ. ﴿إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا فاللَّهُ أوْلى بِهِما﴾؛ أيْ إنْ يَكُنِ المَشْهُودُ عَلَيْهِ غَنِيًّا، فَلا تَمْتَنِعُ مِنَ الشَّهادَةِ عَلَيْهِ لِغِناهُ، أوْ فَقِيرًا فَلا تَمْنَعْها تَرَحُّمًا عَلَيْهِ وإشْفاقًا. فَعَلى هَذا الجَوابُ مَحْذُوفٌ؛ لِأنَّ العَطْفَ هو بِـ (أوْ)، ولا يُثَنّى الضَّمِيرُ إذا عُطِفَ بِها، بَلْ يُفْرَدُ‌‌‌‌ . وتَقْدِيرُ الجَوابِ: فَلْيَشْهَدْ عَلَيْهِ، ولا يُراعِي الغَنِيَّ لِغِناهُ، ولا لِخَوْفٍ مِنهُ، ولا الفَقِيرَ لِمَسْكَنَتِهِ وفَقْرِهِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: فاللَّهُ أوْلى بِهِما لَيْسَ هو الجَوابَ، بَلْ لَمّا جَرى ذِكْرُ الغَنِيِّ والفَقِيرِ عادَ الضَّمِيرُ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ؛ كَأنَّهُ قِيلَ فاللَّهُ أوْلى بِجِنْسَيِ الغَنِيِّ والفَقِيرِ؛ أيْ بِالأغْنِياءِ والفُقَراءِ. وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ: فاللَّهُ أوْلى بِهِمْ ما يَشْهَدُ بِإرادَةِ الجِنْسِ. وذَهَبَ الأخْفَشُ وقَوْمٌ إلى أنَّ (أوْ) في مَعْنى الواوِ؛ فَعَلى قَوْلِهِمْ يَكُونُ الجَوابُ: فاللَّهُ أوْلى بِهِما؛ أيْ حَيْثُ شَرَعَ الشَّهادَةَ عَلَيْهِما، وهو أنْظَرُ لَهُما مِنكم. ولَوْلا أنَّ الشَّهادَةَ عَلَيْهِما مَصْلَحَةٌ لَهُما لَما شَرَعَها. وقالَ الأُسْتاذُ أبُو الحَسَنِ بْنُ عُصْفُورٍ: وقَدْ ذَكَرَ العَطْفَ بِالواوِ وثُمَّ؛ وحَتّى ما نَصُّهُ تَقُولُ: زَيْدٌ أوْ عُمَرُ، وقامَ زَيْدٌ لا عُمَرُ وقامَ، وكَذَلِكَ سائِرُ ما بَقِيَ مِن حُرُوفِ العَطْفِ يَعْنِي غَيْرَ الواوِ وحَتّى والفاءِ وثُمَّ والَّذِي بَقِيَ بَلْ ولَكِنْ وأمْ. قالَ: لا تَقُولُ قاما؛ لِأنَّ القائِمَ إنَّما هو أحَدُهُما لا غَيْرُ، ولا يَجُوزُ قاما إلّا في أوْ خاصَّةً؛ وذَلِكَ شُذُوذٌ لا يُقاسُ عَلَيْهِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا فاللَّهُ أوْلى بِهِما﴾؛ فَأعادَ الضَّمِيرَ عَلى الغَنِيِّ والفَقِيرِ لِتَفَرُّقِهِما في الذِّكْرِ، انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِسَدِيدٍ. ولا شُذُوذَ في الآيَةِ، ولا دَلِيلَ فِيها عَلى جَوازِ: زَيْدٌ أوْ عَمْرٌو قاما عَلى جِهَةِ الشُّذُوذِ، ولا غَيْرُهُ. ولِأنَّ قَوْلَهُ ﴿فاللَّهُ أوْلى بِهِما﴾ لَيْسَ بِجَوابٍ كَما قَرَّرْناهُ، والضَّمِيرُ لَيْسَ عائِدًا عَلى الغَنِيِّ والفَقِيرِ المَلْفُوظِ بِهِما في الآيَةِ؛ وإنَّما يَعُودُ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى مِن جِنْسَيِ الغَنِيِّ والفَقِيرِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: إنْ يَكُنْ غَنِيٌّ أوْ فَقِيرٌ عَلى أنَّ (كانَ) تامَّةٌ. ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى أنْ تَعْدِلُوا﴾ لَمّا أمَرَ تَعالى بِالقِيامِ بِالعَدْلِ وبِالشَّهادَةِ لِمَرْضاةِ اللَّهِ نَهى عَنِ اتِّباعِ الهَوى، وهو ما تَمِيلُ إلَيْهِ النَّفْسُ مِمّا لَمْ يُبِحْهُ اللَّهُ تَعالى، وإنْ تَعْدِلُوا مِنَ العُدُولِ عَنِ الحَقِّ، أوْ مِنَ العَدْلِ، وهو القِسْطُ. فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: إرادَةَ أنْ تَجُورُوا، أوْ مَحَبَّةَ أنْ تَجُورُوا. وعَلى الثّانِي يَكُونُ التَّقْدِيرُ: كَراهَةَ أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النّاسِ، وتُقْسِطُوا. وعَكَسَ ابْنُ عَطِيَّةَ هَذا التَّقْدِيرَ؛ فَقالَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ مَخافَةَ أنْ تَعْدِلُوا، ويَكُونُ العَدْلُ بِمَعْنى القِسْطِ؛ كَأنَّهُ قالَ: انْتَهُوا خَوْفَ أنْ تَجُورُوا، أوْ مَحَبَّةَ أنْ تُقْسِطُوا. فَإنْ جَعَلْتَ العامِلَ (تَتَّبِعُوا) فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: مَحَبَّةَ أنْ تَجُورُوا انْتَهى كَلامُهُ. وهَذا الَّذِي قَرَّرَهُ مِنَ التَّقْدِيرِ يَكُونُ العامِلُ في أنْ تَعْدِلُوا فِعْلًا مَحْذُوفًا مِن مَعْنى النَّهْيِ. وكانَ الكَلامُ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى﴾، ثُمَّ أضْمَرَ فِعْلًا، وقَدَّرَهُ: انْتَهُوا خَوْفَ أنْ تَجُورُوا، أوْ مَحَبَّةَ أنْ تُقْسِطُوا؛ ولِذَلِكَ قالَ: فَإنْ جَعَلْتَ العامِلَ تَتَبَّعُوا. والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الظّاهِرُ أنَّ العامِلَ هو تَتَّبِعُوا، ولا حاجَةَ إلى إضْمارِ جُمْلَةٍ أُخْرى؛ فَيَكُونُ فِعْلُها عامِلًا في ﴿أنْ تَعْدِلُوا﴾ . وإذا كانَ العامِلُ تَتَّبِعُوا؛ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ الأوَّلُ هو المُتَّجِهُ، وعَلى هَذِهِ التَّقادِيرِ فَـ ﴿أنْ تَعْدِلُوا﴾ (p-٣٧١)مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: أنْ لا تَعْدِلُوا؛ فَحَذَفَ (لا) أيْ لا تَتَّبِعُوا الهَوى في تَرْكِ العَدْلِ. وقِيلَ المَعْنى لا تَتَّبِعُوا الهَوى لِتَعْدِلُوا؛ أيْ لِتَكُونُوا في اتِّباعِكُمُوهُ عُدُولًا؛ تَنْبِيهًا أنَّ اتِّباعَ الهَوى، وتَحَرِّيَ العَدالَةِ مُتَنافِيانِ لا يَجْتَمِعانِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: المَعْنى اتْرُكُوا مُتابَعَةَ الهَوى حَتّى تَصِيرُوا مَوْصُوفِينَ بِصِفَةِ العَدْلِ. والعَدْلُ عِبارَةٌ عَنْ تَرْكِ مُتابَعَةِ الهَوى، ومَن تَرَكَ أحَدَ النَّقِيضَيْنِ فَقَدْ حَصَلَ لَهُ الآخَرُ؛ فالتَّقْدِيرُ: لِأجْلِ أنْ تَعْدِلُوا. ﴿وإنْ تَلْوُوا أوْ تُعْرِضُوا﴾ الظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ لِلْمَأْمُورِينَ بِالقِيامِ بِالقِسْطِ والشَّهادَةِ لِلَّهِ والمَنهِيِّينَ عَنِ اتِّباعِ الهَوى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو في لَيِّ الحاكِمِ عُنُقَهُ عَنْ أحَدِ الخَصْمَيْنِ. وقالَ مُجاهِدٌ نَحْوَهُ قالَ: لَيُّ الحاكِمِ شِدْقَهُ لِأحَدِ الخَصْمَيْنِ مَيْلًا إلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ ومُجاهِدٌ: هي في الشُّهُودِ يَلْوِي الشَّهادَةَ بِلِسانِهِ فَيُحَرِّفُها، ولا يَقُولُ الحَقَّ فِيها، أوْ يُعْرِضُ عَنْ أداءِ الحَقِّ فِيها، ويَقُولُ مَعْناهُ: يُدافِعُوا الشَّهادَةَ مِن لَيِّ الغَرِيمِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنْ تَلْوُوا ألْسِنَتَكم عَنْ شَهادَةِ الحَقِّ، أوْ حُكُومَةِ العَدْلِ، أوْ تُعْرِضُوا عَنِ الشَّهادَةِ بِما عِنْدَكم، وتَمْنَعُوها. وقَرَأ جَماعَةٌ في الشّاذِّ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ: وإنْ تَلُوا بِضَمِّ اللّامِ بِواوٍ واحِدَةٍ، ولَحَّنَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ قارِئَ هَذِهِ القِراءَةِ. قالَ: لا مَعْنى لِلِّوايَةِ هُنا؛ وهَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّها قِراءَةٌ مُتَواتِرَةٌ في السَّبْعِ، ولَها مَعْنًى صَحِيحٌ وتَخْرِيجٌ حَسَنٌ؛ فَنَقُولُ: اخْتُلِفَ في قَوْلِهِ ﴿وإنْ تَلْوُوا﴾ . فَقِيلَ هي مِنَ الوِلايَةِ؛ أيْ وإنْ ولِيتُمْ إقامَةَ الشَّهادَةِ، أوْ أعْرَضْتُمْ عَنْ إقامَتِها؛ والوِلايَةُ عَلى الشَّيْءِ هو الإقْبالُ عَلَيْهِ. وقِيلَ هو مِنَ اللَّيِّ، وأصْلُهُ: تَلْوُوا، وأُبْدِلَتِ الواوُ المَضْمُومَةُ هَمْزَةً، ثُمَّ نُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى اللّامِ، وحُذِفَتْ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ وأبُو عَلِيٍّ والنَّحّاسُ، ونُقِلَ عَنِ النَّحّاسِ أيْضًا أنَّهُ اسْتُثْقِلَتِ الحَرَكَةُ عَلى الواوِ، فَأُلْقِيَتْ عَلى اللّامِ، وحُذِفَتْ إحْدى الواوَيْنِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. ﴿فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ هَذا فِيهِ وعِيدٌ لِمَن لَوى عَنِ الشَّهادَةِ أوْ أعْرَضَ عَنْها. ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي أنْزَلَ مِن قَبْلُ﴾ مُناسَبَتُها لِما قَبْلَها؛ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالقِيامِ بِالقِسْطِ والشَّهادَةِ لِلَّهِ؛ بَيَّنَ أنَّهُ لا يَتَّصِفُ بِذَلِكَ إلّا مَن كانَ راسِخَ القَدَمِ في الإيمانِ بِالأشْياءِ المَذْكُورَةِ، في هَذِهِ الآيَةِ، فَأمَرَ بِها. والظّاهِرُ أنَّهُ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. ومَعْنى: آمِنُوا داوِمُوا عَلى الإيمانِ؛ قالَهُ الحَسَنُ، وهو أرْجَحُ؛ لِأنَّ لَفْظَ المُؤْمِنِ مَتى أُطْلِقَ لا يَتَناوَلُ إلّا المُسْلِمَ. وقِيلَ لِلْمُنافِقِينَ؛ أيْ يا أيُّها الَّذِينَ أظْهَرُوا الإيمانَ بِألْسِنَتِهِمْ آمِنُوا بِقُلُوبِكم. وقِيلَ لِمَن آمَنَ بِمُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ؛ أيْ يا مَن آمَنَ بِنَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ آمِن بِمُحَمَّدٍ. وقِيلَ هم جَمِيعُ الخَلْقِ؛ أيْ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا يَوْمَ أخْذِ المِيثاقِ حِينَ قالَ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] . وقِيلَ اليَهُودُ خاصَّةً. وقِيلَ المُشْرِكُونَ آمَنُوا بِاللّاتَ والعُزّى والأصْنامِ والأوْثانِ. وقِيلَ: آمَنُوا عَلى سَبِيلِ التَّقْلِيدِ آمِنُوا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِدْلالِ. وقِيلَ آمَنُوا في الماضِي والحاضِرِ، آمِنُوا في المُسْتَقْبَلِ. ونَظِيرُهُ: ﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] مَعَ أنَّهُ كانَ عالِمًا بِذَلِكَ. ورُوِيَ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ، وسَلّامًا ابْنَ أُخْتِهِ، وسَلَمَةَ ابْنَ أخِيهِ، وأسَدًا وأُسَيْدًا ابْنَيْ كَعْبٍ، وثَعْلَبَةَ بْنَ قَيْسٍ، ويامِينَ أتَوُا الرَّسُولَ، وقالُوا نُؤْمِنُ بِكَ وبِكِتابِكَ، ومُوسى والتَّوْراةِ، وعُزَيْرٍ، ونَكْفُرُ بِما سِواهُ مِنَ الكُتُبِ والرُّسُلِ؛ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: بَلْ آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وكِتابِهِ القُرْآنِ، وبِكُلِّ كِتابٍ كانَ قَبْلَهُ؛ فَقالُوا: لا نَفْعَلُ؛ فَنَزَلَتْ فَآمَنُوا كُلُّهم» . ﴿والكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ﴾ هو القُرْآنُ بِلا خِلافٍ ﴿والكِتابِ الَّذِي أنْزَلَ مِن قَبْلُ﴾ المُرادُ بِهِ جِنْسُ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ آخَرًا: وكَتَبَهُ، وإنْ كانَ الخِطابُ لِلْيَهُودِ والنَّصارى، فَكَيْفَ قِيلَ لَهم ﴿والكِتابِ الَّذِي أنْزَلَ مِن قَبْلُ﴾، وهم مُؤْمِنُونَ بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ. وأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ بِهِما فَحَسْبُ، وما كانُوا مُؤْمِنِينَ بِكُلِّ ما أُنْزِلَ (p-٣٧٢)مِنَ الكُتُبِ؛ فَأُمِرُوا أنْ يُؤْمِنُوا بِجَمِيعِ الكُتُبِ. أوْ لِأنَّ إيمانَهم بِبَعْضٍ لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ طَرِيقَ الإيمانِ بِالجَمِيعِ واحِدٌ، وهو المُعْجِزَةُ. وقَرَأ العَرَبِيّانِ، وابْنُ كَثِيرٍ: (نُزِّلَ) و(أُنْزِلَ) بِالبَنّاءِ لِلْمَفْعُولِ والباقُونَ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ، وأنْزَلَ مِن قَبْلُ ؟ قُلْتُ: لِأنَّ القُرْآنَ نَزَلَ مُنَجَّمًا مُفَرَّقًا في عِشْرِينَ سَنَةً بِخِلافِ الكُتُبِ قَبْلَهُ، انْتَهى. وهَذِهِ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ (نَزَّلَ) و(أنْزَلَ) لا تَصِحُّ لِأنَّ التَّضْعِيفَ في (نَزَّلَ) لَيْسَ لِلتَّكْثِيرِ والتَّفْرِيقِ؛ وإنَّما هو لِلتَّعْدِيَةِ، وهو مُرادِفٌ لِلْهَمْزَةِ. وقَدْ أشْبَعْنا الرَّدَّ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ في دَعْواهُ ذَلِكَ أوَّلَ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. ﴿ومَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ جَوابُ الشَّرْطِ لَيْسَ مُتَرَتِّبًا عَلى الكُفْرِ بِالمَجْمُوعِ، بَلِ المَعْنى: ومَن يَكْفُرْ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ. وقُرِئَ: وكِتابِهِ عَلى الإفْرادِ والمُرادُ جِنْسُ الكُتُبِ. ولَمّا كانَ خَيْرَ الإيمانِ عَلِقَ بِثَلاثَةٍ: بِاللَّهِ والرَّسُولِ والكُتُبِ؛ لِأنَّ الإيمانَ بِالكُتُبِ تَضَمَّنَ الإيمانَ بِالمَلائِكَةِ واليَوْمِ الآخِرِ، وبُولِغَ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ المَلِكَ مُغَيَّبٌ عَنّا، وكَذَلِكَ اليَوْمُ الآخِرُ لَمْ يَقَعْ، وهو مُنْتَظَرٌ، فَنَصَّ عَلَيْهِما عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ؛ ولِئَلّا يَتَأوَّلَهُما مُتَأوِّلٌ عَلى خِلافِ ما هُما عَلَيْهِ. فَمَن أنْكَرَ المَلائِكَةَ أوِ القِيامَةَ فَهو كافِرٌ، وقَدَّمَ الكُتُبَ عَلى الرُّسُلِ عَلى التَّرْتِيبِ الوُجُودِيِّ؛ لِأنَّ المَلَكَ يَنْزِلُ بِالكُتُبِ والرُّسُلُ تَتَلَقّى الكُتُبَ مِنَ المَلَكِ. وقَدَّمَ في الأمْرِ بِالإيمانِ المَوْصُولِ عَلى الكِتابِ؛ لِأنَّ الرَّسُولَ أوَّلُ ما يُباشِرُهُ المُؤْمِنَ ثُمَّ يَتَلَقّى الكِتابَ مِنهُ. فَحَيْثُ نَفى الإيمانَ كانَ عَلى التَّرْتِيبِ الوُجُودِيِّ، وحَيْثُ أثْبَتَ كانَ عَلى التَّرْتِيبِ اللِّقائِيِّ، وهو راجِعٌ لِلْوُجُودِ في حَقِّ المُؤْمِنِ.

النساء 4:137

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم سَبِيلًا﴾ لَمّا أمَرَ بِالأشْياءِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها، وذَكَرَ أنَّ مَن كَفَرَ بِها أوْ بِشَيْءٍ مِنها فَهو ضالٌّ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِفَسادٍ وطَرِيقَةِ مَن كَفَرَ بَعْدَ الإيمانِ، وأنَّهُ لا يَغْفِرُ لَهُ عَلى ما بَيَّنَ. والظّاهِرُ أنَّها في المُنافِقِينَ إذْ هُمُ المُتَلاعِبُونَ بِالدِّينِ؛ فَحَيْثُ لَقُوا المُؤْمِنِينَ ”قالُوا آمَنّا“، وإذا لَقُوا أصْحابَهم ”قالُوا إنّا مُسْتَهْزِئُونَ“، ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ بَشِّرِ المُنافِقِينَ، فَهم مُتَرَدِّدُونَ بَيْنَ إظْهارِ الإيمانِ والكُفْرِ بِاعْتِبارِ مَن يَلْقَوْنَهُ. ومَعْنى ازْدادَ كُفْرًا بِأنْ تَمَّ عَلى نِفاقِهِ حَتّى ماتَ. وقِيلَ ازْدِيادُ كُفْرِهِمْ هو اجْتِماعُهم في اسْتِخْراجِ أنْواعِ المَكْرِ والكَيْدِ في حَرْبِ المُسْلِمِينَ وإلى هَذا ذَهَبَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ. وقالَ الحَسَنُ: هي في الطّائِفَةِ مِن أهْلِ الكِتابِ الَّتِي قالَتْ: ﴿آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ [آل عمران: ٧٢] قَصَدُوا تَشْكِيكَ المُسْلِمِينَ، وازْدِيادَ كُفْرِهِمْ هو أنَّهم بَلَغُوا في ذَلِكَ إلى حَدِّ الِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ بِالإسْلامِ. قالَ قَتادَةَ وأبُو العالِيَةِ وطائِفَةٌ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ: هي في اليَهُودِ والنَّصارى، آمَنَتِ اليَهُودُ بِمُوسى والتَّوْراةِ، ثُمَّ كَفَرُوا، وآمَنَتِ النَّصارى بِعِيسى والإنْجِيلِ، ثُمَّ كَفَرُوا، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ وضَعَّفَ هَذا القَوْلَ ابْنُ عَطِيَّةَ؛ قالَ: يَدْفَعُهُ ألْفاظُ الآيَةِ؛ لِأنَّها في طائِفَةٍ يَتَّصِفُ كُلُّ واحِدٍ مِنها بِهَذِهِ الصِّفَةِ مِنَ المُتَرَدِّدِينَ بَيْنَ الكُفْرِ والإيمانِ ثُمَّ يَزْدادُ. وقالَ بَعْضُهم: هي في اليَهُودِ آمَنُوا بِالتَّوْراةِ، ومُوسى ثُمَّ كَفَرا بِعُزَيْرٍ، ثُمَّ آمَنُوا بِداوُدَ، ثُمَّ كَفَرُوا بِعِيسى، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا عِنْدَ مَقْدَمِ مُحَمَّدٍ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ الآيَةَ في المُتَرَدِّدِينَ، فَإنَّ المُؤْمِنَ إذا ارْتَدَّ ثُمَّ آمَنَ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ إلى الثَّلاثِ، ثُمَّ لا تُقْبَلُ، ويُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالنّارِ. وقالَ القَفّالُ: لَيْسَ المُرادُ بَيانَ هَذا العَدَدِ، بَلِ المُرادُ تَرَدُّدُهم كَما قالَ: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [النساء: ١٤٣]، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿بَشِّرِ المُنافِقِينَ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَعْنى أنَّ الَّذِينَ تَكَرَّرَ مِنهُمُ الِارْتِدادُ، وعُهِدَ مِنهُمُ ازْدِيادُ الكُفْرِ والإصْرارُ عَلَيْهِ يُسْتَبْعَدُ مِنهم أنْ يُحْدِثُوا ما يَسْتَحِقُّونَ بِهِ المَغْفِرَةَ، ويَسْتَوْجِبُونَ اللُّطْفَ مِن إيمانٍ صَحِيحٍ ثابِتٍ يَرْضاهُ اللَّهُ؛ لِأنَّ قُلُوبَ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَذا دَيْدَنُهم قُلُوبٌ قَدْ ضُرِبَتْ بِالكُفْرِ، ومَرِئَتْ عَلى الرِّدَّةِ، وكانَ الإيمانُ أهْوَنَ شَيْءٍ (p-٣٧٣)عِنْدَهم، وأدْوَنَهُ حَيْثُ يَدُلُّونَهم فِيهِ كَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، ولَيْسَ المَعْنى أنَّهم لَوْ أخْلَصُوا الإيمانَ بَعْدَ تَكْرارِ الرِّدَّةِ، ونَصَحَتْ تَوْبَتُهم لَمْ تُقْبَلْ مِنهم، ولَمْ يُغْفَرْ لَهم؛ لِأنَّ ذَلِكَ مَقْبُولٌ حَيْثُ هو بَذْلُ الطّاقَةِ، واسْتِفْراغُ الوُسْعِ، ولَكِنَّهُ اسْتِبْعادٌ لَهُ واسْتِغْرابٌ، وأنَّهُ أمْرٌ لا يَكادُ يَكُونُ. وهَكَذا نَرى الفاسِقَ الَّذِي يَتُوبُ، ثُمَّ يَرْجِعُ لا يَكادُ يُرْجى مِنهُ الثَّباتُ؛ والغالِبُ أنَّهُ يَمُوتُ عَلى شَرِّ حالٍ وأقْبَحِ صُورَةٍ، انْتَهى كَلامُهُ. وفي بَعْضِهِ ألْفاظٌ مِن ألْفاظِ الِاعْتِزالِ. ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ الجُمْهُورُ عَلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ؛ أيْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا، وماتُوا عَلى الكُفْرِ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ مِن هَذِهِ الشَّرِيعَةِ أنَّهُ لَوْ آمَنَ وكَفَرَ مِرارًا، ثُمَّ تابَ عَنِ الكُفْرِ، وآمَنَ ووافى تائِبًا أنَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ ما جَناهُ في كُفْرِهِ السّابِقِ، وإنْ تَرَدَّدَ فِيهِ مِرارًا. وقِيلَ يَحْمِلُ عَلى قَوْمٍ مُعَيَّنِينَ عَلِمَ اللَّهُ مِنهم أنَّهم يَمُوتُونَ عَلى الكُفْرِ، ولا يَتُوبُونَ عَنْهُ؛ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم إخْبارًا عَنْ مَوْتِهِمْ عَلى الكُفْرِ. وقِيلَ الكَلامُ خَرَجَ عَلى الغالِبِ المُعْتادِ، وهو أنَّ مَن كانَ كَثِيرَ الِانْتِقالِ مِنَ الإسْلامِ إلى الكُفْرِ لَمْ يَكُنْ لِلْإيمانِ في قَلْبِهِ وقْعٌ، ولا عِظَمُ قَدْرٍ. والظّاهِرُ مِن حالِ مِثْلِ هَذا أنَّهُ يَمُوتُ عَلى الكُفْرِ. وفِي قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ مَخْتُومٌ عَلَيْهِمْ بِانْتِفاءِ الغُفْرانِ وهِدايَةِ السَّبِيلِ، وأنَّهم تَقَرَّرَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ في الدُّنْيا، وهم أحْياءُ، وهَذِهِ فائِدَةُ المَجِيءِ بِلامِ الجُحُودِ، فَفَرْقٌ بَيْنَ لَمْ يَكُنْ زَيْدٌ يَقُومُ، وبَيْنَ لَمْ يَكُنْ زَيْدٌ لِيَقُومَ. فالأوَّلُ لَيْسَ فِيهِ إلّا انْتِفاءُ القِيامِ والثّانِي فِيهِ انْتِفاءُ الإرادَةِ والإيتاءِ لِلْقِيامِ، ويَلْزَمُ مِنَ انْتِفاءِ إرادَةِ القِيامِ نَفْيُ القِيامِ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ عَلى ذَلِكَ مُشْبِعًا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نَفْيٌ لِلْغُفْرانِ والهِدايَةِ، وهي اللُّطْفُ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ الَّتِي تُوَطِّئُها اللّامُ؛ والمُرادُ: بِنَفْيِهِما نَفْيُ ما يَقْتَضِيهِما، وهو الإيمانُ الخالِصُ الثّابِتُ، انْتَهى. وظاهِرُ كَلامِهِ أنَّهُ يَقُولُ بِقَوْلِ الكُوفِيِّينَ، وهو أنَّهم يَقُولُونَ: إذا قُلْتَ لَمْ يَكُنْ زَيْدٌ لِيَقُومَ: إنَّ خَبَرَ لَمْ يَكُنْ هو قَوْلُكَ (لِيَقُومَ) واللّامُ لِلتَّأْكِيدِ زِيدَتْ في النَّفْيِ، والمَنفِيُّ هو القِيامُ، ولَيْسَتْ أنْ مُضْمَرَةً بَلِ اللّامُ هي النّاصِبَةُ. والبَصْرِيُّونَ يَقُولُونَ: النَّصْبُ بِإضْمارِ (أنْ)، ويَنْسَبِكُ مِن (أنِ) المُضْمَرَةِ والفِعْلِ بَعْدَها مَصْدَرٌ، وذَلِكَ المَصْدَرُ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ خَبَرًا؛ لِأنَّهُ مَعْنًى والمُخْبَرُ عَنْهُ جُثَّةٌ. ولَكِنَّ الخَبَرَ مَحْذُوفٌ واللّامُ تَقْوِيَةٌ لِتَعْدِيَةِ ذَلِكَ الخَبَرِ إلى المَصْدَرِ لِأنَّهُ جُثَّةٌ. وأُضْمِرَتْ (أنْ) بَعْدَها، وصارَتِ اللّامُ كالعِوَضِ مِن أنِ المَحْذُوفَةِ؛ ولِذَلِكَ لا يَجُوزُ حَذْفُ هَذِهِ اللّامِ، ولا الجَمْعُ بَيْنَها وبَيْنَ (أنْ) ظاهِرَةً. ومَعْنى قَوْلِهِ: والمُرادُ بِنَفْيِهِما نَفْيُ ما يَقْتَضِيهِما أنَّ المَعْنى لَمْ يَكُونُوا لِيُؤْمِنُوا فَيَغْفِرَ اللَّهُ لَهم، ويَهْدِيَهم. ﴿بَشِّرِ المُنافِقِينَ بِأنَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ الخِطابُ لِلرَّسُولِ. ومَعْنى (بَشِّرْ) أخْبِرْ، وجاءَ بِلَفْظِ (بَشِّرْ) عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١]؛ أيِ القائِمِ لَهم مَقامَ البِشارَةِ، هو الإخْبارُ بِالعَذابِ، كَما قالَ: ؎تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعٌ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: جاءَتِ البِشارَةِ هُنا مِصُرَّحًا بِفَيْدِها؛ فَلِذَلِكَ حَسُنَ اسْتِعْمالُها في المَكْرُوهِ. ومَتى جاءَتْ مُطْلَقَةً فَإنَّما عَرَفَها في المَحْبُوبِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الَّتِي قَبْلَها إنَّما هي في المُنافِقِينَ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: بَشِّرِ المُنافِقِينَ يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ [النساء: ١٣٦] في أهْلِ النِّفاقِ والمُراءاةِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ ذِكْرٌ لِلْمُنافِقِينَ سِوى هَذِهِ الآيَةِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءً مِن غَيْرِ تَقَدُّمِ ذِكْرِ المُنافِقِينَ. ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ اليَهُودِ والنَّصارى ومُشْرِكِي العَرَبِ، أوْلِياءَ أنْصارًا ومُعِينِينَ يُوالُونَهم عَلى الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ، ونَصَّ مِن صِفاتِ المُنافِقِينَ عَلى أشَدِّها ضَرَرًا عَلى المُؤْمِنِينَ، وهي مُوالاتُهُمُ الكُفّارَ، واطِّراحُهُمُ المُؤْمِنِينَ، ونَبَّهَ عَلى فَسادِ ذَلِكَ لِيَدَعَهُ مَن عَسى أنْ يَقَعَ في نَوْعٍ مِنهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَفْلَةً أوْ جَهالَةً أوْ مُسامَحَةً. والَّذِينَ: نَعْتٌ لِلْمُنافِقِينَ، أوْ نَصْبٌ عَلى الذَّمِّ، أوْ رَفْعٌ عَلى خَبَرِ المُبْتَدَأِ؛ أيْ هُمُ الَّذِينَ. (p-٢٧٤)﴿أيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ﴾ أيِ الغَلَبَةَ والشِّدَّةَ والمَنَعَةَ بِمُوالاتِهِمْ، وقَوْلِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ: لا يَتِمُّ أمْرُ مُحَمَّدٍ. وفي هَذا الِاسْتِفْهامِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم لا عِزَّةَ لَهم؛ فَكَيْفَ تَبْتَغِي مِنهم ؟ وعَلى خُبْثِ مَقْصِدِهِمْ. وهو طَلَبُ العِزَّةِ بِالكَفّارِ والِاسْتِكْثارُ بِهِمْ. ﴿فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾؛ أيْ لِأوْلِيائِهِ الَّذِينَ كَتَبَ لَهُمُ العِزَّ والغَلَبَةَ عَلى اليَهُودِ وغَيْرِهِمْ. قالَ تَعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١] . وقالَ: ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: ٨] . وقالَ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَلِلَّهِ العِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠] والفاءُ في ﴿فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ﴾ دَخَلَتْ لِما في الكَلامِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ والمَعْنى أنْ تَبْتَغُوا العِزَّةَ مِن هَؤُلاءِ فَإنَّ العِزَّةَ، وانْتَصَبَ جَمِيعًا عَلى الحالِ. ﴿وقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكم في الكِتابِ أنْ إذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها ويُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ الخِطابُ لِمَن أظْهَرَ الإيمانَ مِن مُخْلِصٍ ومُنافِقٍ. وقِيلَ لِلْمُنافِقِينَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم، ويَكُونُ التِفاتًا. وكانُوا يَجْلِسُونَ إلى أحْبارِ اليَهُودِ، وهم يَخُوضُونَ في القُرْآنِ يَسْمَعُونَ مِنهم؛ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ، وذُكِّرُوا بِما نُزِّلَ عَلَيْهِمْ بِ مَكَّةَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عَنْهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: وقَدْ نُزِّلَ مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ عاصِمٌ: نَزَّلَ مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وحُمَيْدٌ: نَزَلَ مُخَفَّفًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ النَّخَعِيُّ: أُنْزِلَ بِالهَمْزَةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ومَحَلُّ (أنْ) رَفْعٌ أوْ نَصْبٌ عَلى حَسَبِ العامِلِ؛ فَنُصِبَ عَلى قِراءَةِ عاصِمٍ، ورُفِعَ عَلى الفاعِلِ عَلى قِراءَةِ أبِي حَيْوَةَ وحُمَيْدٍ، وعَلى المَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ عَلى قِراءَةِ الباقِينَ. وإنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُهُ: ذَلِكَ أنَّهُ إذا سَمِعْتُمْ. وما قَدَّرَهُ أبُو البَقاءِ مِن قَوْلِهِ: أنَّكم إذا سَمِعْتُمْ لَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأنَّها إذا خُفِّفَتْ إنْ لَمْ تَعْمَلْ في ضَمِيرِ إلّا إذا كانَ ضَمِيرَ أمْرٍ وشَأْنٍ مَحْذُوفٍ، وإعْمالُها في غَيْرِهِ ضَرُورَةٌ نَحْوُ قَوْلِهِ: ؎فَلَوْ أنْكِ في يَوْمِ الرَّخاءِ سَألْتِنِي ∗∗∗ طَلاقَكِ لَمْ أبْخَلْ وأنْتِ صَدِيقُ وخَبَرُ أنْ هي الجُمْلَةُ مِن (إذا) وجَوابِها. ومِثالُ وُقُوعِ جُمْلَةِ الشَّرْطِ خَبَرًا لِـ (أنْ) المُخَفَّفَةِ مِنَ الثَّقِيلَةِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَعَلِمْتُ أنْ مَن تَتَّقُوهُ فَإنَّهُ ∗∗∗ جُزْرٌ لِخامِعَةٍ وفَرْخِ عُقابِ و(يُكْفَرُ بِها) في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والضَّمِيرُ في مَعَهم عائِدٌ عَلى المَحْذُوفِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: يُكْفَرُ بِها ويُسْتَهْزَأُ؛ أيْ فَلا تَقْعُدُوا مَعَ الكافِرِينَ المُسْتَهْزِئِينَ، وحَتّى غايَةٌ لِتَرْكِ القُعُودِ مَعَهم. ومَفْهُومُ الغايَةِ أنَّهم إذا خاضُوا في غَيْرِ الكُفْرِ والِاسْتِهْزاءِ ارْتَفَعَ النَّهْيُ؛ فَجازَ لَهم أنْ يَقْعُدُوا مَعَهم. والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى؛ أيْ في حَدِيثٍ غَيْرِ حَدِيثِهِمُ الَّذِي هو كُفْرٌ واسْتِهْزاءٌ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُفْرَدَ الضَّمِيرُ، وإنْ كانَ عائِدًا عَلى الكُفْرِ، وعَلى الِاسْتِهْزاءِ المَفْهُومَيْنِ مِن قَوْلِهِ: يُكْفَرُ بِها، ويُسْتَهْزَأُ بِها؛ لِأنَّهُما راجِعانِ إلى مَعْنًى واحِدٍ، ولِأنَّهُ أجْرى الضَّمِيرَ مَجْرى اسْمِ الإشارَةِ في كَوْنِهِ لِمُفْرَدٍ، وإنْ كانَ المُرادُ بِهِ اثْنَيْنِ. ﴿إنَّكم إذًا مِثْلُهُمْ﴾ حَكَمَ تَعالى بِأنَّهم إذا قَعَدُوا مَعَهم، وهم يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ، ويَسْتَهْزِئُونَ بِها، وهم قادِرُونَ عَلى الإنْكارِ مِثْلُهم في الكُفْرِ؛ لِأنَّهم يَكُونُونَ راضِينَ بِالكُفْرِ والرِّضا بِالكُفْرِ كُفْرٌ. والخِطابُ في أنَّكم عَلى الخِلافِ السّابِقِ أهْوَ لِلْمُنافِقِينَ ؟ أمْ لِلْمُؤْمِنِينَ ؟ ولَمْ يَحْكم تَعالى عَلى المُسْلِمِينَ الَّذِينَ كانُوا يُجالِسُونَ الخائِضِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ بِأنَّهم مِثْلُ المُشْرِكِينَ لِعَجْزِ المُسْلِمِينَ إذْ ذاكَ عَنِ الإنْكارِ بِخِلافِ المَدِينَةِ؛ فَإنَّ الإسْلامَ كانَ الغالِبَ فِيها والأعْلى؛ فَهم قادِرُونَ عَلى الإنْكارِ والسّامِعُ لِلذَّمِّ شَرِيكٌ لِلْقائِلِ، وما أحْسَنَ ما قالَ الشّاعِرُ: ؎وسَمْعَكَ صُنْ عَنْ سَماعِ القَبِيحِ ∗∗∗ كَصَوْنِ اللِّسانِ عَنِ النُّطْقِ بِهْ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ المُماثَلَةُ لَيْسَتْ في جَمِيعِ الصِّفاتِ، ولَكِنَّهُ إلْزامٌ شُبِّهَ بِحُكْمِ الظّاهِرِ مِنَ المُقارَنَةِ (p-٣٧٥)كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎عَنِ المَرْءِ لا تَسْألْ وسَلْ عَنْ قَرِينِهِ ∗∗∗ فَكُلُّ قَرِينٍ بِالمُقارَنِ يَقْتَدِي ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ أنَّهُ أخَذَ قَوْمًا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ؛ فَقِيلَ لَهُ عَنْ أحَدِ الحاضِرِينَ: إنَّهُ صائِمٌ فَحَمَلَ عَلَيْهِ الأدَبَ، وقَرَأ: ﴿إنَّكم إذًا مِثْلُهُمْ﴾ . ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إنَّكم إذًا مِثْلُهُمْ﴾، إنْ خُضْتُمْ كَخَوْضِهِمْ، ووافَقْتُمُوهم عَلى ذَلِكَ فَأنْتُمْ كُفّارٌ مِثْلُهم، قَوْلُهُ تَنْبُو عَنْهُ دَلالَةُ الكَلامِ. وإنَّما المَعْنى ما قَدَّمْناهُ مِن أنَّكم إذا قَعَدْتُمْ مَعَهم مِثْلُهم. وإذا هُنا تَوَسَّطَتْ بَيْنَ الِاسْمِ والخَبَرِ، وأفْرَدَ مِثْلَ لِأنَّ المَعْنى، إنَّ عِصْيانَكم مِثْلُ عِصْيانِهِمْ؛ فالمَعْنى عَلى المَصْدَرِ كَقَوْلِهِ: ﴿أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا﴾ [المؤمنون: ٤٧]، وقَدْ جَمَعَ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]، وفي قَوْلِهِ: ﴿حُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٣] والإفْرادُ والمُطابَقَةُ في التَّثْنِيَةِ أوِ الجَمْعِ جائِزانِ. وقُرِئَ شاذًّا (مِثْلَهم) بِفَتْحِ اللّامِ، فَخَرَّجَهُ البَصْرِيُّونَ عَلى أنَّهُ مَبْنِيٌّ لِإضافَتِهِ إلى مَبْنِيٍّ كَقَوْلِهِ: ﴿لَحَقٌّ مِثْلَ ما أنَّكم تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٣] عَلى قِراءَةِ مَن فَتَحَ اللّامَ والكُوفِيُّونَ يُجِيزُونَ في (مِثْلَ) أنْ يَنْتَصِبَ مَحَلًّا، وهو الظَّرْفُ، فَيَجُوزُ عِنْدَهم زَيْدٌ مِثْلَكَ بِالنَّصْبِ أيْ في مِثْلِ حالِكَ؛ فَعَلى قَوْلِهِمْ يَكُونُ انْتِصابُ ”مِثْلَهم“ عَلى المَحَلِّ، وهو الظَّرْفُ. ﴿إنَّ اللَّهَ جامِعُ المُنافِقِينَ والكافِرِينَ في جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ لِما اتَّخَذُوهم في الدُّنْيا أوْلِياءَ، جَمَعَ بَيْنَهم في الآخِرَةِ في النّارِ والمَرْءُ مَعَ مَن أحَبَّ، وهَذا تَوَعُّدٌ مِنهُ تَعالى، تَأكَّدَ بِهِ التَّحْذِيرُ مِن مُجالَسَتِهِمْ ومُخالَطَتِهِمْ.

النساء 4:138

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم سَبِيلًا﴾ لَمّا أمَرَ بِالأشْياءِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها، وذَكَرَ أنَّ مَن كَفَرَ بِها أوْ بِشَيْءٍ مِنها فَهو ضالٌّ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِفَسادٍ وطَرِيقَةِ مَن كَفَرَ بَعْدَ الإيمانِ، وأنَّهُ لا يَغْفِرُ لَهُ عَلى ما بَيَّنَ. والظّاهِرُ أنَّها في المُنافِقِينَ إذْ هُمُ المُتَلاعِبُونَ بِالدِّينِ؛ فَحَيْثُ لَقُوا المُؤْمِنِينَ ”قالُوا آمَنّا“، وإذا لَقُوا أصْحابَهم ”قالُوا إنّا مُسْتَهْزِئُونَ“، ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ بَشِّرِ المُنافِقِينَ، فَهم مُتَرَدِّدُونَ بَيْنَ إظْهارِ الإيمانِ والكُفْرِ بِاعْتِبارِ مَن يَلْقَوْنَهُ. ومَعْنى ازْدادَ كُفْرًا بِأنْ تَمَّ عَلى نِفاقِهِ حَتّى ماتَ. وقِيلَ ازْدِيادُ كُفْرِهِمْ هو اجْتِماعُهم في اسْتِخْراجِ أنْواعِ المَكْرِ والكَيْدِ في حَرْبِ المُسْلِمِينَ وإلى هَذا ذَهَبَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ. وقالَ الحَسَنُ: هي في الطّائِفَةِ مِن أهْلِ الكِتابِ الَّتِي قالَتْ: ﴿آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ [آل عمران: ٧٢] قَصَدُوا تَشْكِيكَ المُسْلِمِينَ، وازْدِيادَ كُفْرِهِمْ هو أنَّهم بَلَغُوا في ذَلِكَ إلى حَدِّ الِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ بِالإسْلامِ. قالَ قَتادَةَ وأبُو العالِيَةِ وطائِفَةٌ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ: هي في اليَهُودِ والنَّصارى، آمَنَتِ اليَهُودُ بِمُوسى والتَّوْراةِ، ثُمَّ كَفَرُوا، وآمَنَتِ النَّصارى بِعِيسى والإنْجِيلِ، ثُمَّ كَفَرُوا، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ وضَعَّفَ هَذا القَوْلَ ابْنُ عَطِيَّةَ؛ قالَ: يَدْفَعُهُ ألْفاظُ الآيَةِ؛ لِأنَّها في طائِفَةٍ يَتَّصِفُ كُلُّ واحِدٍ مِنها بِهَذِهِ الصِّفَةِ مِنَ المُتَرَدِّدِينَ بَيْنَ الكُفْرِ والإيمانِ ثُمَّ يَزْدادُ. وقالَ بَعْضُهم: هي في اليَهُودِ آمَنُوا بِالتَّوْراةِ، ومُوسى ثُمَّ كَفَرا بِعُزَيْرٍ، ثُمَّ آمَنُوا بِداوُدَ، ثُمَّ كَفَرُوا بِعِيسى، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا عِنْدَ مَقْدَمِ مُحَمَّدٍ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ الآيَةَ في المُتَرَدِّدِينَ، فَإنَّ المُؤْمِنَ إذا ارْتَدَّ ثُمَّ آمَنَ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ إلى الثَّلاثِ، ثُمَّ لا تُقْبَلُ، ويُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالنّارِ. وقالَ القَفّالُ: لَيْسَ المُرادُ بَيانَ هَذا العَدَدِ، بَلِ المُرادُ تَرَدُّدُهم كَما قالَ: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [النساء: ١٤٣]، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿بَشِّرِ المُنافِقِينَ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَعْنى أنَّ الَّذِينَ تَكَرَّرَ مِنهُمُ الِارْتِدادُ، وعُهِدَ مِنهُمُ ازْدِيادُ الكُفْرِ والإصْرارُ عَلَيْهِ يُسْتَبْعَدُ مِنهم أنْ يُحْدِثُوا ما يَسْتَحِقُّونَ بِهِ المَغْفِرَةَ، ويَسْتَوْجِبُونَ اللُّطْفَ مِن إيمانٍ صَحِيحٍ ثابِتٍ يَرْضاهُ اللَّهُ؛ لِأنَّ قُلُوبَ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَذا دَيْدَنُهم قُلُوبٌ قَدْ ضُرِبَتْ بِالكُفْرِ، ومَرِئَتْ عَلى الرِّدَّةِ، وكانَ الإيمانُ أهْوَنَ شَيْءٍ (p-٣٧٣)عِنْدَهم، وأدْوَنَهُ حَيْثُ يَدُلُّونَهم فِيهِ كَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، ولَيْسَ المَعْنى أنَّهم لَوْ أخْلَصُوا الإيمانَ بَعْدَ تَكْرارِ الرِّدَّةِ، ونَصَحَتْ تَوْبَتُهم لَمْ تُقْبَلْ مِنهم، ولَمْ يُغْفَرْ لَهم؛ لِأنَّ ذَلِكَ مَقْبُولٌ حَيْثُ هو بَذْلُ الطّاقَةِ، واسْتِفْراغُ الوُسْعِ، ولَكِنَّهُ اسْتِبْعادٌ لَهُ واسْتِغْرابٌ، وأنَّهُ أمْرٌ لا يَكادُ يَكُونُ. وهَكَذا نَرى الفاسِقَ الَّذِي يَتُوبُ، ثُمَّ يَرْجِعُ لا يَكادُ يُرْجى مِنهُ الثَّباتُ؛ والغالِبُ أنَّهُ يَمُوتُ عَلى شَرِّ حالٍ وأقْبَحِ صُورَةٍ، انْتَهى كَلامُهُ. وفي بَعْضِهِ ألْفاظٌ مِن ألْفاظِ الِاعْتِزالِ. ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ الجُمْهُورُ عَلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ؛ أيْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا، وماتُوا عَلى الكُفْرِ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ مِن هَذِهِ الشَّرِيعَةِ أنَّهُ لَوْ آمَنَ وكَفَرَ مِرارًا، ثُمَّ تابَ عَنِ الكُفْرِ، وآمَنَ ووافى تائِبًا أنَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ ما جَناهُ في كُفْرِهِ السّابِقِ، وإنْ تَرَدَّدَ فِيهِ مِرارًا. وقِيلَ يَحْمِلُ عَلى قَوْمٍ مُعَيَّنِينَ عَلِمَ اللَّهُ مِنهم أنَّهم يَمُوتُونَ عَلى الكُفْرِ، ولا يَتُوبُونَ عَنْهُ؛ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم إخْبارًا عَنْ مَوْتِهِمْ عَلى الكُفْرِ. وقِيلَ الكَلامُ خَرَجَ عَلى الغالِبِ المُعْتادِ، وهو أنَّ مَن كانَ كَثِيرَ الِانْتِقالِ مِنَ الإسْلامِ إلى الكُفْرِ لَمْ يَكُنْ لِلْإيمانِ في قَلْبِهِ وقْعٌ، ولا عِظَمُ قَدْرٍ. والظّاهِرُ مِن حالِ مِثْلِ هَذا أنَّهُ يَمُوتُ عَلى الكُفْرِ. وفِي قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ مَخْتُومٌ عَلَيْهِمْ بِانْتِفاءِ الغُفْرانِ وهِدايَةِ السَّبِيلِ، وأنَّهم تَقَرَّرَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ في الدُّنْيا، وهم أحْياءُ، وهَذِهِ فائِدَةُ المَجِيءِ بِلامِ الجُحُودِ، فَفَرْقٌ بَيْنَ لَمْ يَكُنْ زَيْدٌ يَقُومُ، وبَيْنَ لَمْ يَكُنْ زَيْدٌ لِيَقُومَ. فالأوَّلُ لَيْسَ فِيهِ إلّا انْتِفاءُ القِيامِ والثّانِي فِيهِ انْتِفاءُ الإرادَةِ والإيتاءِ لِلْقِيامِ، ويَلْزَمُ مِنَ انْتِفاءِ إرادَةِ القِيامِ نَفْيُ القِيامِ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ عَلى ذَلِكَ مُشْبِعًا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نَفْيٌ لِلْغُفْرانِ والهِدايَةِ، وهي اللُّطْفُ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ الَّتِي تُوَطِّئُها اللّامُ؛ والمُرادُ: بِنَفْيِهِما نَفْيُ ما يَقْتَضِيهِما، وهو الإيمانُ الخالِصُ الثّابِتُ، انْتَهى. وظاهِرُ كَلامِهِ أنَّهُ يَقُولُ بِقَوْلِ الكُوفِيِّينَ، وهو أنَّهم يَقُولُونَ: إذا قُلْتَ لَمْ يَكُنْ زَيْدٌ لِيَقُومَ: إنَّ خَبَرَ لَمْ يَكُنْ هو قَوْلُكَ (لِيَقُومَ) واللّامُ لِلتَّأْكِيدِ زِيدَتْ في النَّفْيِ، والمَنفِيُّ هو القِيامُ، ولَيْسَتْ أنْ مُضْمَرَةً بَلِ اللّامُ هي النّاصِبَةُ. والبَصْرِيُّونَ يَقُولُونَ: النَّصْبُ بِإضْمارِ (أنْ)، ويَنْسَبِكُ مِن (أنِ) المُضْمَرَةِ والفِعْلِ بَعْدَها مَصْدَرٌ، وذَلِكَ المَصْدَرُ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ خَبَرًا؛ لِأنَّهُ مَعْنًى والمُخْبَرُ عَنْهُ جُثَّةٌ. ولَكِنَّ الخَبَرَ مَحْذُوفٌ واللّامُ تَقْوِيَةٌ لِتَعْدِيَةِ ذَلِكَ الخَبَرِ إلى المَصْدَرِ لِأنَّهُ جُثَّةٌ. وأُضْمِرَتْ (أنْ) بَعْدَها، وصارَتِ اللّامُ كالعِوَضِ مِن أنِ المَحْذُوفَةِ؛ ولِذَلِكَ لا يَجُوزُ حَذْفُ هَذِهِ اللّامِ، ولا الجَمْعُ بَيْنَها وبَيْنَ (أنْ) ظاهِرَةً. ومَعْنى قَوْلِهِ: والمُرادُ بِنَفْيِهِما نَفْيُ ما يَقْتَضِيهِما أنَّ المَعْنى لَمْ يَكُونُوا لِيُؤْمِنُوا فَيَغْفِرَ اللَّهُ لَهم، ويَهْدِيَهم. ﴿بَشِّرِ المُنافِقِينَ بِأنَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ الخِطابُ لِلرَّسُولِ. ومَعْنى (بَشِّرْ) أخْبِرْ، وجاءَ بِلَفْظِ (بَشِّرْ) عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١]؛ أيِ القائِمِ لَهم مَقامَ البِشارَةِ، هو الإخْبارُ بِالعَذابِ، كَما قالَ: ؎تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعٌ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: جاءَتِ البِشارَةِ هُنا مِصُرَّحًا بِفَيْدِها؛ فَلِذَلِكَ حَسُنَ اسْتِعْمالُها في المَكْرُوهِ. ومَتى جاءَتْ مُطْلَقَةً فَإنَّما عَرَفَها في المَحْبُوبِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الَّتِي قَبْلَها إنَّما هي في المُنافِقِينَ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: بَشِّرِ المُنافِقِينَ يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ [النساء: ١٣٦] في أهْلِ النِّفاقِ والمُراءاةِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ ذِكْرٌ لِلْمُنافِقِينَ سِوى هَذِهِ الآيَةِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءً مِن غَيْرِ تَقَدُّمِ ذِكْرِ المُنافِقِينَ. ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ اليَهُودِ والنَّصارى ومُشْرِكِي العَرَبِ، أوْلِياءَ أنْصارًا ومُعِينِينَ يُوالُونَهم عَلى الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ، ونَصَّ مِن صِفاتِ المُنافِقِينَ عَلى أشَدِّها ضَرَرًا عَلى المُؤْمِنِينَ، وهي مُوالاتُهُمُ الكُفّارَ، واطِّراحُهُمُ المُؤْمِنِينَ، ونَبَّهَ عَلى فَسادِ ذَلِكَ لِيَدَعَهُ مَن عَسى أنْ يَقَعَ في نَوْعٍ مِنهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَفْلَةً أوْ جَهالَةً أوْ مُسامَحَةً. والَّذِينَ: نَعْتٌ لِلْمُنافِقِينَ، أوْ نَصْبٌ عَلى الذَّمِّ، أوْ رَفْعٌ عَلى خَبَرِ المُبْتَدَأِ؛ أيْ هُمُ الَّذِينَ. (p-٢٧٤)﴿أيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ﴾ أيِ الغَلَبَةَ والشِّدَّةَ والمَنَعَةَ بِمُوالاتِهِمْ، وقَوْلِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ: لا يَتِمُّ أمْرُ مُحَمَّدٍ. وفي هَذا الِاسْتِفْهامِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم لا عِزَّةَ لَهم؛ فَكَيْفَ تَبْتَغِي مِنهم ؟ وعَلى خُبْثِ مَقْصِدِهِمْ. وهو طَلَبُ العِزَّةِ بِالكَفّارِ والِاسْتِكْثارُ بِهِمْ. ﴿فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾؛ أيْ لِأوْلِيائِهِ الَّذِينَ كَتَبَ لَهُمُ العِزَّ والغَلَبَةَ عَلى اليَهُودِ وغَيْرِهِمْ. قالَ تَعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١] . وقالَ: ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: ٨] . وقالَ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَلِلَّهِ العِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠] والفاءُ في ﴿فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ﴾ دَخَلَتْ لِما في الكَلامِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ والمَعْنى أنْ تَبْتَغُوا العِزَّةَ مِن هَؤُلاءِ فَإنَّ العِزَّةَ، وانْتَصَبَ جَمِيعًا عَلى الحالِ. ﴿وقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكم في الكِتابِ أنْ إذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها ويُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ الخِطابُ لِمَن أظْهَرَ الإيمانَ مِن مُخْلِصٍ ومُنافِقٍ. وقِيلَ لِلْمُنافِقِينَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم، ويَكُونُ التِفاتًا. وكانُوا يَجْلِسُونَ إلى أحْبارِ اليَهُودِ، وهم يَخُوضُونَ في القُرْآنِ يَسْمَعُونَ مِنهم؛ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ، وذُكِّرُوا بِما نُزِّلَ عَلَيْهِمْ بِ مَكَّةَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عَنْهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: وقَدْ نُزِّلَ مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ عاصِمٌ: نَزَّلَ مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وحُمَيْدٌ: نَزَلَ مُخَفَّفًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ النَّخَعِيُّ: أُنْزِلَ بِالهَمْزَةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ومَحَلُّ (أنْ) رَفْعٌ أوْ نَصْبٌ عَلى حَسَبِ العامِلِ؛ فَنُصِبَ عَلى قِراءَةِ عاصِمٍ، ورُفِعَ عَلى الفاعِلِ عَلى قِراءَةِ أبِي حَيْوَةَ وحُمَيْدٍ، وعَلى المَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ عَلى قِراءَةِ الباقِينَ. وإنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُهُ: ذَلِكَ أنَّهُ إذا سَمِعْتُمْ. وما قَدَّرَهُ أبُو البَقاءِ مِن قَوْلِهِ: أنَّكم إذا سَمِعْتُمْ لَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأنَّها إذا خُفِّفَتْ إنْ لَمْ تَعْمَلْ في ضَمِيرِ إلّا إذا كانَ ضَمِيرَ أمْرٍ وشَأْنٍ مَحْذُوفٍ، وإعْمالُها في غَيْرِهِ ضَرُورَةٌ نَحْوُ قَوْلِهِ: ؎فَلَوْ أنْكِ في يَوْمِ الرَّخاءِ سَألْتِنِي ∗∗∗ طَلاقَكِ لَمْ أبْخَلْ وأنْتِ صَدِيقُ وخَبَرُ أنْ هي الجُمْلَةُ مِن (إذا) وجَوابِها. ومِثالُ وُقُوعِ جُمْلَةِ الشَّرْطِ خَبَرًا لِـ (أنْ) المُخَفَّفَةِ مِنَ الثَّقِيلَةِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَعَلِمْتُ أنْ مَن تَتَّقُوهُ فَإنَّهُ ∗∗∗ جُزْرٌ لِخامِعَةٍ وفَرْخِ عُقابِ و(يُكْفَرُ بِها) في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والضَّمِيرُ في مَعَهم عائِدٌ عَلى المَحْذُوفِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: يُكْفَرُ بِها ويُسْتَهْزَأُ؛ أيْ فَلا تَقْعُدُوا مَعَ الكافِرِينَ المُسْتَهْزِئِينَ، وحَتّى غايَةٌ لِتَرْكِ القُعُودِ مَعَهم. ومَفْهُومُ الغايَةِ أنَّهم إذا خاضُوا في غَيْرِ الكُفْرِ والِاسْتِهْزاءِ ارْتَفَعَ النَّهْيُ؛ فَجازَ لَهم أنْ يَقْعُدُوا مَعَهم. والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى؛ أيْ في حَدِيثٍ غَيْرِ حَدِيثِهِمُ الَّذِي هو كُفْرٌ واسْتِهْزاءٌ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُفْرَدَ الضَّمِيرُ، وإنْ كانَ عائِدًا عَلى الكُفْرِ، وعَلى الِاسْتِهْزاءِ المَفْهُومَيْنِ مِن قَوْلِهِ: يُكْفَرُ بِها، ويُسْتَهْزَأُ بِها؛ لِأنَّهُما راجِعانِ إلى مَعْنًى واحِدٍ، ولِأنَّهُ أجْرى الضَّمِيرَ مَجْرى اسْمِ الإشارَةِ في كَوْنِهِ لِمُفْرَدٍ، وإنْ كانَ المُرادُ بِهِ اثْنَيْنِ. ﴿إنَّكم إذًا مِثْلُهُمْ﴾ حَكَمَ تَعالى بِأنَّهم إذا قَعَدُوا مَعَهم، وهم يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ، ويَسْتَهْزِئُونَ بِها، وهم قادِرُونَ عَلى الإنْكارِ مِثْلُهم في الكُفْرِ؛ لِأنَّهم يَكُونُونَ راضِينَ بِالكُفْرِ والرِّضا بِالكُفْرِ كُفْرٌ. والخِطابُ في أنَّكم عَلى الخِلافِ السّابِقِ أهْوَ لِلْمُنافِقِينَ ؟ أمْ لِلْمُؤْمِنِينَ ؟ ولَمْ يَحْكم تَعالى عَلى المُسْلِمِينَ الَّذِينَ كانُوا يُجالِسُونَ الخائِضِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ بِأنَّهم مِثْلُ المُشْرِكِينَ لِعَجْزِ المُسْلِمِينَ إذْ ذاكَ عَنِ الإنْكارِ بِخِلافِ المَدِينَةِ؛ فَإنَّ الإسْلامَ كانَ الغالِبَ فِيها والأعْلى؛ فَهم قادِرُونَ عَلى الإنْكارِ والسّامِعُ لِلذَّمِّ شَرِيكٌ لِلْقائِلِ، وما أحْسَنَ ما قالَ الشّاعِرُ: ؎وسَمْعَكَ صُنْ عَنْ سَماعِ القَبِيحِ ∗∗∗ كَصَوْنِ اللِّسانِ عَنِ النُّطْقِ بِهْ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ المُماثَلَةُ لَيْسَتْ في جَمِيعِ الصِّفاتِ، ولَكِنَّهُ إلْزامٌ شُبِّهَ بِحُكْمِ الظّاهِرِ مِنَ المُقارَنَةِ (p-٣٧٥)كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎عَنِ المَرْءِ لا تَسْألْ وسَلْ عَنْ قَرِينِهِ ∗∗∗ فَكُلُّ قَرِينٍ بِالمُقارَنِ يَقْتَدِي ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ أنَّهُ أخَذَ قَوْمًا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ؛ فَقِيلَ لَهُ عَنْ أحَدِ الحاضِرِينَ: إنَّهُ صائِمٌ فَحَمَلَ عَلَيْهِ الأدَبَ، وقَرَأ: ﴿إنَّكم إذًا مِثْلُهُمْ﴾ . ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إنَّكم إذًا مِثْلُهُمْ﴾، إنْ خُضْتُمْ كَخَوْضِهِمْ، ووافَقْتُمُوهم عَلى ذَلِكَ فَأنْتُمْ كُفّارٌ مِثْلُهم، قَوْلُهُ تَنْبُو عَنْهُ دَلالَةُ الكَلامِ. وإنَّما المَعْنى ما قَدَّمْناهُ مِن أنَّكم إذا قَعَدْتُمْ مَعَهم مِثْلُهم. وإذا هُنا تَوَسَّطَتْ بَيْنَ الِاسْمِ والخَبَرِ، وأفْرَدَ مِثْلَ لِأنَّ المَعْنى، إنَّ عِصْيانَكم مِثْلُ عِصْيانِهِمْ؛ فالمَعْنى عَلى المَصْدَرِ كَقَوْلِهِ: ﴿أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا﴾ [المؤمنون: ٤٧]، وقَدْ جَمَعَ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]، وفي قَوْلِهِ: ﴿حُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٣] والإفْرادُ والمُطابَقَةُ في التَّثْنِيَةِ أوِ الجَمْعِ جائِزانِ. وقُرِئَ شاذًّا (مِثْلَهم) بِفَتْحِ اللّامِ، فَخَرَّجَهُ البَصْرِيُّونَ عَلى أنَّهُ مَبْنِيٌّ لِإضافَتِهِ إلى مَبْنِيٍّ كَقَوْلِهِ: ﴿لَحَقٌّ مِثْلَ ما أنَّكم تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٣] عَلى قِراءَةِ مَن فَتَحَ اللّامَ والكُوفِيُّونَ يُجِيزُونَ في (مِثْلَ) أنْ يَنْتَصِبَ مَحَلًّا، وهو الظَّرْفُ، فَيَجُوزُ عِنْدَهم زَيْدٌ مِثْلَكَ بِالنَّصْبِ أيْ في مِثْلِ حالِكَ؛ فَعَلى قَوْلِهِمْ يَكُونُ انْتِصابُ ”مِثْلَهم“ عَلى المَحَلِّ، وهو الظَّرْفُ. ﴿إنَّ اللَّهَ جامِعُ المُنافِقِينَ والكافِرِينَ في جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ لِما اتَّخَذُوهم في الدُّنْيا أوْلِياءَ، جَمَعَ بَيْنَهم في الآخِرَةِ في النّارِ والمَرْءُ مَعَ مَن أحَبَّ، وهَذا تَوَعُّدٌ مِنهُ تَعالى، تَأكَّدَ بِهِ التَّحْذِيرُ مِن مُجالَسَتِهِمْ ومُخالَطَتِهِمْ.

النساء 4:139

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم سَبِيلًا﴾ لَمّا أمَرَ بِالأشْياءِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها، وذَكَرَ أنَّ مَن كَفَرَ بِها أوْ بِشَيْءٍ مِنها فَهو ضالٌّ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِفَسادٍ وطَرِيقَةِ مَن كَفَرَ بَعْدَ الإيمانِ، وأنَّهُ لا يَغْفِرُ لَهُ عَلى ما بَيَّنَ. والظّاهِرُ أنَّها في المُنافِقِينَ إذْ هُمُ المُتَلاعِبُونَ بِالدِّينِ؛ فَحَيْثُ لَقُوا المُؤْمِنِينَ ”قالُوا آمَنّا“، وإذا لَقُوا أصْحابَهم ”قالُوا إنّا مُسْتَهْزِئُونَ“، ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ بَشِّرِ المُنافِقِينَ، فَهم مُتَرَدِّدُونَ بَيْنَ إظْهارِ الإيمانِ والكُفْرِ بِاعْتِبارِ مَن يَلْقَوْنَهُ. ومَعْنى ازْدادَ كُفْرًا بِأنْ تَمَّ عَلى نِفاقِهِ حَتّى ماتَ. وقِيلَ ازْدِيادُ كُفْرِهِمْ هو اجْتِماعُهم في اسْتِخْراجِ أنْواعِ المَكْرِ والكَيْدِ في حَرْبِ المُسْلِمِينَ وإلى هَذا ذَهَبَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ. وقالَ الحَسَنُ: هي في الطّائِفَةِ مِن أهْلِ الكِتابِ الَّتِي قالَتْ: ﴿آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ [آل عمران: ٧٢] قَصَدُوا تَشْكِيكَ المُسْلِمِينَ، وازْدِيادَ كُفْرِهِمْ هو أنَّهم بَلَغُوا في ذَلِكَ إلى حَدِّ الِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ بِالإسْلامِ. قالَ قَتادَةَ وأبُو العالِيَةِ وطائِفَةٌ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ: هي في اليَهُودِ والنَّصارى، آمَنَتِ اليَهُودُ بِمُوسى والتَّوْراةِ، ثُمَّ كَفَرُوا، وآمَنَتِ النَّصارى بِعِيسى والإنْجِيلِ، ثُمَّ كَفَرُوا، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ وضَعَّفَ هَذا القَوْلَ ابْنُ عَطِيَّةَ؛ قالَ: يَدْفَعُهُ ألْفاظُ الآيَةِ؛ لِأنَّها في طائِفَةٍ يَتَّصِفُ كُلُّ واحِدٍ مِنها بِهَذِهِ الصِّفَةِ مِنَ المُتَرَدِّدِينَ بَيْنَ الكُفْرِ والإيمانِ ثُمَّ يَزْدادُ. وقالَ بَعْضُهم: هي في اليَهُودِ آمَنُوا بِالتَّوْراةِ، ومُوسى ثُمَّ كَفَرا بِعُزَيْرٍ، ثُمَّ آمَنُوا بِداوُدَ، ثُمَّ كَفَرُوا بِعِيسى، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا عِنْدَ مَقْدَمِ مُحَمَّدٍ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ الآيَةَ في المُتَرَدِّدِينَ، فَإنَّ المُؤْمِنَ إذا ارْتَدَّ ثُمَّ آمَنَ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ إلى الثَّلاثِ، ثُمَّ لا تُقْبَلُ، ويُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالنّارِ. وقالَ القَفّالُ: لَيْسَ المُرادُ بَيانَ هَذا العَدَدِ، بَلِ المُرادُ تَرَدُّدُهم كَما قالَ: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [النساء: ١٤٣]، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿بَشِّرِ المُنافِقِينَ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَعْنى أنَّ الَّذِينَ تَكَرَّرَ مِنهُمُ الِارْتِدادُ، وعُهِدَ مِنهُمُ ازْدِيادُ الكُفْرِ والإصْرارُ عَلَيْهِ يُسْتَبْعَدُ مِنهم أنْ يُحْدِثُوا ما يَسْتَحِقُّونَ بِهِ المَغْفِرَةَ، ويَسْتَوْجِبُونَ اللُّطْفَ مِن إيمانٍ صَحِيحٍ ثابِتٍ يَرْضاهُ اللَّهُ؛ لِأنَّ قُلُوبَ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَذا دَيْدَنُهم قُلُوبٌ قَدْ ضُرِبَتْ بِالكُفْرِ، ومَرِئَتْ عَلى الرِّدَّةِ، وكانَ الإيمانُ أهْوَنَ شَيْءٍ (p-٣٧٣)عِنْدَهم، وأدْوَنَهُ حَيْثُ يَدُلُّونَهم فِيهِ كَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، ولَيْسَ المَعْنى أنَّهم لَوْ أخْلَصُوا الإيمانَ بَعْدَ تَكْرارِ الرِّدَّةِ، ونَصَحَتْ تَوْبَتُهم لَمْ تُقْبَلْ مِنهم، ولَمْ يُغْفَرْ لَهم؛ لِأنَّ ذَلِكَ مَقْبُولٌ حَيْثُ هو بَذْلُ الطّاقَةِ، واسْتِفْراغُ الوُسْعِ، ولَكِنَّهُ اسْتِبْعادٌ لَهُ واسْتِغْرابٌ، وأنَّهُ أمْرٌ لا يَكادُ يَكُونُ. وهَكَذا نَرى الفاسِقَ الَّذِي يَتُوبُ، ثُمَّ يَرْجِعُ لا يَكادُ يُرْجى مِنهُ الثَّباتُ؛ والغالِبُ أنَّهُ يَمُوتُ عَلى شَرِّ حالٍ وأقْبَحِ صُورَةٍ، انْتَهى كَلامُهُ. وفي بَعْضِهِ ألْفاظٌ مِن ألْفاظِ الِاعْتِزالِ. ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ الجُمْهُورُ عَلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ؛ أيْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا، وماتُوا عَلى الكُفْرِ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ مِن هَذِهِ الشَّرِيعَةِ أنَّهُ لَوْ آمَنَ وكَفَرَ مِرارًا، ثُمَّ تابَ عَنِ الكُفْرِ، وآمَنَ ووافى تائِبًا أنَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ ما جَناهُ في كُفْرِهِ السّابِقِ، وإنْ تَرَدَّدَ فِيهِ مِرارًا. وقِيلَ يَحْمِلُ عَلى قَوْمٍ مُعَيَّنِينَ عَلِمَ اللَّهُ مِنهم أنَّهم يَمُوتُونَ عَلى الكُفْرِ، ولا يَتُوبُونَ عَنْهُ؛ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم إخْبارًا عَنْ مَوْتِهِمْ عَلى الكُفْرِ. وقِيلَ الكَلامُ خَرَجَ عَلى الغالِبِ المُعْتادِ، وهو أنَّ مَن كانَ كَثِيرَ الِانْتِقالِ مِنَ الإسْلامِ إلى الكُفْرِ لَمْ يَكُنْ لِلْإيمانِ في قَلْبِهِ وقْعٌ، ولا عِظَمُ قَدْرٍ. والظّاهِرُ مِن حالِ مِثْلِ هَذا أنَّهُ يَمُوتُ عَلى الكُفْرِ. وفِي قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ مَخْتُومٌ عَلَيْهِمْ بِانْتِفاءِ الغُفْرانِ وهِدايَةِ السَّبِيلِ، وأنَّهم تَقَرَّرَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ في الدُّنْيا، وهم أحْياءُ، وهَذِهِ فائِدَةُ المَجِيءِ بِلامِ الجُحُودِ، فَفَرْقٌ بَيْنَ لَمْ يَكُنْ زَيْدٌ يَقُومُ، وبَيْنَ لَمْ يَكُنْ زَيْدٌ لِيَقُومَ. فالأوَّلُ لَيْسَ فِيهِ إلّا انْتِفاءُ القِيامِ والثّانِي فِيهِ انْتِفاءُ الإرادَةِ والإيتاءِ لِلْقِيامِ، ويَلْزَمُ مِنَ انْتِفاءِ إرادَةِ القِيامِ نَفْيُ القِيامِ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ عَلى ذَلِكَ مُشْبِعًا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نَفْيٌ لِلْغُفْرانِ والهِدايَةِ، وهي اللُّطْفُ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ الَّتِي تُوَطِّئُها اللّامُ؛ والمُرادُ: بِنَفْيِهِما نَفْيُ ما يَقْتَضِيهِما، وهو الإيمانُ الخالِصُ الثّابِتُ، انْتَهى. وظاهِرُ كَلامِهِ أنَّهُ يَقُولُ بِقَوْلِ الكُوفِيِّينَ، وهو أنَّهم يَقُولُونَ: إذا قُلْتَ لَمْ يَكُنْ زَيْدٌ لِيَقُومَ: إنَّ خَبَرَ لَمْ يَكُنْ هو قَوْلُكَ (لِيَقُومَ) واللّامُ لِلتَّأْكِيدِ زِيدَتْ في النَّفْيِ، والمَنفِيُّ هو القِيامُ، ولَيْسَتْ أنْ مُضْمَرَةً بَلِ اللّامُ هي النّاصِبَةُ. والبَصْرِيُّونَ يَقُولُونَ: النَّصْبُ بِإضْمارِ (أنْ)، ويَنْسَبِكُ مِن (أنِ) المُضْمَرَةِ والفِعْلِ بَعْدَها مَصْدَرٌ، وذَلِكَ المَصْدَرُ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ خَبَرًا؛ لِأنَّهُ مَعْنًى والمُخْبَرُ عَنْهُ جُثَّةٌ. ولَكِنَّ الخَبَرَ مَحْذُوفٌ واللّامُ تَقْوِيَةٌ لِتَعْدِيَةِ ذَلِكَ الخَبَرِ إلى المَصْدَرِ لِأنَّهُ جُثَّةٌ. وأُضْمِرَتْ (أنْ) بَعْدَها، وصارَتِ اللّامُ كالعِوَضِ مِن أنِ المَحْذُوفَةِ؛ ولِذَلِكَ لا يَجُوزُ حَذْفُ هَذِهِ اللّامِ، ولا الجَمْعُ بَيْنَها وبَيْنَ (أنْ) ظاهِرَةً. ومَعْنى قَوْلِهِ: والمُرادُ بِنَفْيِهِما نَفْيُ ما يَقْتَضِيهِما أنَّ المَعْنى لَمْ يَكُونُوا لِيُؤْمِنُوا فَيَغْفِرَ اللَّهُ لَهم، ويَهْدِيَهم. ﴿بَشِّرِ المُنافِقِينَ بِأنَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ الخِطابُ لِلرَّسُولِ. ومَعْنى (بَشِّرْ) أخْبِرْ، وجاءَ بِلَفْظِ (بَشِّرْ) عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١]؛ أيِ القائِمِ لَهم مَقامَ البِشارَةِ، هو الإخْبارُ بِالعَذابِ، كَما قالَ: ؎تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعٌ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: جاءَتِ البِشارَةِ هُنا مِصُرَّحًا بِفَيْدِها؛ فَلِذَلِكَ حَسُنَ اسْتِعْمالُها في المَكْرُوهِ. ومَتى جاءَتْ مُطْلَقَةً فَإنَّما عَرَفَها في المَحْبُوبِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الَّتِي قَبْلَها إنَّما هي في المُنافِقِينَ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: بَشِّرِ المُنافِقِينَ يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ [النساء: ١٣٦] في أهْلِ النِّفاقِ والمُراءاةِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ ذِكْرٌ لِلْمُنافِقِينَ سِوى هَذِهِ الآيَةِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءً مِن غَيْرِ تَقَدُّمِ ذِكْرِ المُنافِقِينَ. ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ اليَهُودِ والنَّصارى ومُشْرِكِي العَرَبِ، أوْلِياءَ أنْصارًا ومُعِينِينَ يُوالُونَهم عَلى الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ، ونَصَّ مِن صِفاتِ المُنافِقِينَ عَلى أشَدِّها ضَرَرًا عَلى المُؤْمِنِينَ، وهي مُوالاتُهُمُ الكُفّارَ، واطِّراحُهُمُ المُؤْمِنِينَ، ونَبَّهَ عَلى فَسادِ ذَلِكَ لِيَدَعَهُ مَن عَسى أنْ يَقَعَ في نَوْعٍ مِنهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَفْلَةً أوْ جَهالَةً أوْ مُسامَحَةً. والَّذِينَ: نَعْتٌ لِلْمُنافِقِينَ، أوْ نَصْبٌ عَلى الذَّمِّ، أوْ رَفْعٌ عَلى خَبَرِ المُبْتَدَأِ؛ أيْ هُمُ الَّذِينَ. (p-٢٧٤)﴿أيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ﴾ أيِ الغَلَبَةَ والشِّدَّةَ والمَنَعَةَ بِمُوالاتِهِمْ، وقَوْلِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ: لا يَتِمُّ أمْرُ مُحَمَّدٍ. وفي هَذا الِاسْتِفْهامِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم لا عِزَّةَ لَهم؛ فَكَيْفَ تَبْتَغِي مِنهم ؟ وعَلى خُبْثِ مَقْصِدِهِمْ. وهو طَلَبُ العِزَّةِ بِالكَفّارِ والِاسْتِكْثارُ بِهِمْ. ﴿فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾؛ أيْ لِأوْلِيائِهِ الَّذِينَ كَتَبَ لَهُمُ العِزَّ والغَلَبَةَ عَلى اليَهُودِ وغَيْرِهِمْ. قالَ تَعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١] . وقالَ: ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: ٨] . وقالَ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَلِلَّهِ العِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠] والفاءُ في ﴿فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ﴾ دَخَلَتْ لِما في الكَلامِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ والمَعْنى أنْ تَبْتَغُوا العِزَّةَ مِن هَؤُلاءِ فَإنَّ العِزَّةَ، وانْتَصَبَ جَمِيعًا عَلى الحالِ. ﴿وقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكم في الكِتابِ أنْ إذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها ويُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ الخِطابُ لِمَن أظْهَرَ الإيمانَ مِن مُخْلِصٍ ومُنافِقٍ. وقِيلَ لِلْمُنافِقِينَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم، ويَكُونُ التِفاتًا. وكانُوا يَجْلِسُونَ إلى أحْبارِ اليَهُودِ، وهم يَخُوضُونَ في القُرْآنِ يَسْمَعُونَ مِنهم؛ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ، وذُكِّرُوا بِما نُزِّلَ عَلَيْهِمْ بِ مَكَّةَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عَنْهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: وقَدْ نُزِّلَ مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ عاصِمٌ: نَزَّلَ مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وحُمَيْدٌ: نَزَلَ مُخَفَّفًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ النَّخَعِيُّ: أُنْزِلَ بِالهَمْزَةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ومَحَلُّ (أنْ) رَفْعٌ أوْ نَصْبٌ عَلى حَسَبِ العامِلِ؛ فَنُصِبَ عَلى قِراءَةِ عاصِمٍ، ورُفِعَ عَلى الفاعِلِ عَلى قِراءَةِ أبِي حَيْوَةَ وحُمَيْدٍ، وعَلى المَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ عَلى قِراءَةِ الباقِينَ. وإنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُهُ: ذَلِكَ أنَّهُ إذا سَمِعْتُمْ. وما قَدَّرَهُ أبُو البَقاءِ مِن قَوْلِهِ: أنَّكم إذا سَمِعْتُمْ لَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأنَّها إذا خُفِّفَتْ إنْ لَمْ تَعْمَلْ في ضَمِيرِ إلّا إذا كانَ ضَمِيرَ أمْرٍ وشَأْنٍ مَحْذُوفٍ، وإعْمالُها في غَيْرِهِ ضَرُورَةٌ نَحْوُ قَوْلِهِ: ؎فَلَوْ أنْكِ في يَوْمِ الرَّخاءِ سَألْتِنِي ∗∗∗ طَلاقَكِ لَمْ أبْخَلْ وأنْتِ صَدِيقُ وخَبَرُ أنْ هي الجُمْلَةُ مِن (إذا) وجَوابِها. ومِثالُ وُقُوعِ جُمْلَةِ الشَّرْطِ خَبَرًا لِـ (أنْ) المُخَفَّفَةِ مِنَ الثَّقِيلَةِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَعَلِمْتُ أنْ مَن تَتَّقُوهُ فَإنَّهُ ∗∗∗ جُزْرٌ لِخامِعَةٍ وفَرْخِ عُقابِ و(يُكْفَرُ بِها) في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والضَّمِيرُ في مَعَهم عائِدٌ عَلى المَحْذُوفِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: يُكْفَرُ بِها ويُسْتَهْزَأُ؛ أيْ فَلا تَقْعُدُوا مَعَ الكافِرِينَ المُسْتَهْزِئِينَ، وحَتّى غايَةٌ لِتَرْكِ القُعُودِ مَعَهم. ومَفْهُومُ الغايَةِ أنَّهم إذا خاضُوا في غَيْرِ الكُفْرِ والِاسْتِهْزاءِ ارْتَفَعَ النَّهْيُ؛ فَجازَ لَهم أنْ يَقْعُدُوا مَعَهم. والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى؛ أيْ في حَدِيثٍ غَيْرِ حَدِيثِهِمُ الَّذِي هو كُفْرٌ واسْتِهْزاءٌ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُفْرَدَ الضَّمِيرُ، وإنْ كانَ عائِدًا عَلى الكُفْرِ، وعَلى الِاسْتِهْزاءِ المَفْهُومَيْنِ مِن قَوْلِهِ: يُكْفَرُ بِها، ويُسْتَهْزَأُ بِها؛ لِأنَّهُما راجِعانِ إلى مَعْنًى واحِدٍ، ولِأنَّهُ أجْرى الضَّمِيرَ مَجْرى اسْمِ الإشارَةِ في كَوْنِهِ لِمُفْرَدٍ، وإنْ كانَ المُرادُ بِهِ اثْنَيْنِ. ﴿إنَّكم إذًا مِثْلُهُمْ﴾ حَكَمَ تَعالى بِأنَّهم إذا قَعَدُوا مَعَهم، وهم يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ، ويَسْتَهْزِئُونَ بِها، وهم قادِرُونَ عَلى الإنْكارِ مِثْلُهم في الكُفْرِ؛ لِأنَّهم يَكُونُونَ راضِينَ بِالكُفْرِ والرِّضا بِالكُفْرِ كُفْرٌ. والخِطابُ في أنَّكم عَلى الخِلافِ السّابِقِ أهْوَ لِلْمُنافِقِينَ ؟ أمْ لِلْمُؤْمِنِينَ ؟ ولَمْ يَحْكم تَعالى عَلى المُسْلِمِينَ الَّذِينَ كانُوا يُجالِسُونَ الخائِضِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ بِأنَّهم مِثْلُ المُشْرِكِينَ لِعَجْزِ المُسْلِمِينَ إذْ ذاكَ عَنِ الإنْكارِ بِخِلافِ المَدِينَةِ؛ فَإنَّ الإسْلامَ كانَ الغالِبَ فِيها والأعْلى؛ فَهم قادِرُونَ عَلى الإنْكارِ والسّامِعُ لِلذَّمِّ شَرِيكٌ لِلْقائِلِ، وما أحْسَنَ ما قالَ الشّاعِرُ: ؎وسَمْعَكَ صُنْ عَنْ سَماعِ القَبِيحِ ∗∗∗ كَصَوْنِ اللِّسانِ عَنِ النُّطْقِ بِهْ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ المُماثَلَةُ لَيْسَتْ في جَمِيعِ الصِّفاتِ، ولَكِنَّهُ إلْزامٌ شُبِّهَ بِحُكْمِ الظّاهِرِ مِنَ المُقارَنَةِ (p-٣٧٥)كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎عَنِ المَرْءِ لا تَسْألْ وسَلْ عَنْ قَرِينِهِ ∗∗∗ فَكُلُّ قَرِينٍ بِالمُقارَنِ يَقْتَدِي ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ أنَّهُ أخَذَ قَوْمًا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ؛ فَقِيلَ لَهُ عَنْ أحَدِ الحاضِرِينَ: إنَّهُ صائِمٌ فَحَمَلَ عَلَيْهِ الأدَبَ، وقَرَأ: ﴿إنَّكم إذًا مِثْلُهُمْ﴾ . ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إنَّكم إذًا مِثْلُهُمْ﴾، إنْ خُضْتُمْ كَخَوْضِهِمْ، ووافَقْتُمُوهم عَلى ذَلِكَ فَأنْتُمْ كُفّارٌ مِثْلُهم، قَوْلُهُ تَنْبُو عَنْهُ دَلالَةُ الكَلامِ. وإنَّما المَعْنى ما قَدَّمْناهُ مِن أنَّكم إذا قَعَدْتُمْ مَعَهم مِثْلُهم. وإذا هُنا تَوَسَّطَتْ بَيْنَ الِاسْمِ والخَبَرِ، وأفْرَدَ مِثْلَ لِأنَّ المَعْنى، إنَّ عِصْيانَكم مِثْلُ عِصْيانِهِمْ؛ فالمَعْنى عَلى المَصْدَرِ كَقَوْلِهِ: ﴿أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا﴾ [المؤمنون: ٤٧]، وقَدْ جَمَعَ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]، وفي قَوْلِهِ: ﴿حُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٣] والإفْرادُ والمُطابَقَةُ في التَّثْنِيَةِ أوِ الجَمْعِ جائِزانِ. وقُرِئَ شاذًّا (مِثْلَهم) بِفَتْحِ اللّامِ، فَخَرَّجَهُ البَصْرِيُّونَ عَلى أنَّهُ مَبْنِيٌّ لِإضافَتِهِ إلى مَبْنِيٍّ كَقَوْلِهِ: ﴿لَحَقٌّ مِثْلَ ما أنَّكم تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٣] عَلى قِراءَةِ مَن فَتَحَ اللّامَ والكُوفِيُّونَ يُجِيزُونَ في (مِثْلَ) أنْ يَنْتَصِبَ مَحَلًّا، وهو الظَّرْفُ، فَيَجُوزُ عِنْدَهم زَيْدٌ مِثْلَكَ بِالنَّصْبِ أيْ في مِثْلِ حالِكَ؛ فَعَلى قَوْلِهِمْ يَكُونُ انْتِصابُ ”مِثْلَهم“ عَلى المَحَلِّ، وهو الظَّرْفُ. ﴿إنَّ اللَّهَ جامِعُ المُنافِقِينَ والكافِرِينَ في جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ لِما اتَّخَذُوهم في الدُّنْيا أوْلِياءَ، جَمَعَ بَيْنَهم في الآخِرَةِ في النّارِ والمَرْءُ مَعَ مَن أحَبَّ، وهَذا تَوَعُّدٌ مِنهُ تَعالى، تَأكَّدَ بِهِ التَّحْذِيرُ مِن مُجالَسَتِهِمْ ومُخالَطَتِهِمْ.

النساء 4:140

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم سَبِيلًا﴾ لَمّا أمَرَ بِالأشْياءِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها، وذَكَرَ أنَّ مَن كَفَرَ بِها أوْ بِشَيْءٍ مِنها فَهو ضالٌّ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِفَسادٍ وطَرِيقَةِ مَن كَفَرَ بَعْدَ الإيمانِ، وأنَّهُ لا يَغْفِرُ لَهُ عَلى ما بَيَّنَ. والظّاهِرُ أنَّها في المُنافِقِينَ إذْ هُمُ المُتَلاعِبُونَ بِالدِّينِ؛ فَحَيْثُ لَقُوا المُؤْمِنِينَ ”قالُوا آمَنّا“، وإذا لَقُوا أصْحابَهم ”قالُوا إنّا مُسْتَهْزِئُونَ“، ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ بَشِّرِ المُنافِقِينَ، فَهم مُتَرَدِّدُونَ بَيْنَ إظْهارِ الإيمانِ والكُفْرِ بِاعْتِبارِ مَن يَلْقَوْنَهُ. ومَعْنى ازْدادَ كُفْرًا بِأنْ تَمَّ عَلى نِفاقِهِ حَتّى ماتَ. وقِيلَ ازْدِيادُ كُفْرِهِمْ هو اجْتِماعُهم في اسْتِخْراجِ أنْواعِ المَكْرِ والكَيْدِ في حَرْبِ المُسْلِمِينَ وإلى هَذا ذَهَبَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ. وقالَ الحَسَنُ: هي في الطّائِفَةِ مِن أهْلِ الكِتابِ الَّتِي قالَتْ: ﴿آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ [آل عمران: ٧٢] قَصَدُوا تَشْكِيكَ المُسْلِمِينَ، وازْدِيادَ كُفْرِهِمْ هو أنَّهم بَلَغُوا في ذَلِكَ إلى حَدِّ الِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ بِالإسْلامِ. قالَ قَتادَةَ وأبُو العالِيَةِ وطائِفَةٌ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ: هي في اليَهُودِ والنَّصارى، آمَنَتِ اليَهُودُ بِمُوسى والتَّوْراةِ، ثُمَّ كَفَرُوا، وآمَنَتِ النَّصارى بِعِيسى والإنْجِيلِ، ثُمَّ كَفَرُوا، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ وضَعَّفَ هَذا القَوْلَ ابْنُ عَطِيَّةَ؛ قالَ: يَدْفَعُهُ ألْفاظُ الآيَةِ؛ لِأنَّها في طائِفَةٍ يَتَّصِفُ كُلُّ واحِدٍ مِنها بِهَذِهِ الصِّفَةِ مِنَ المُتَرَدِّدِينَ بَيْنَ الكُفْرِ والإيمانِ ثُمَّ يَزْدادُ. وقالَ بَعْضُهم: هي في اليَهُودِ آمَنُوا بِالتَّوْراةِ، ومُوسى ثُمَّ كَفَرا بِعُزَيْرٍ، ثُمَّ آمَنُوا بِداوُدَ، ثُمَّ كَفَرُوا بِعِيسى، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا عِنْدَ مَقْدَمِ مُحَمَّدٍ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ الآيَةَ في المُتَرَدِّدِينَ، فَإنَّ المُؤْمِنَ إذا ارْتَدَّ ثُمَّ آمَنَ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ إلى الثَّلاثِ، ثُمَّ لا تُقْبَلُ، ويُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالنّارِ. وقالَ القَفّالُ: لَيْسَ المُرادُ بَيانَ هَذا العَدَدِ، بَلِ المُرادُ تَرَدُّدُهم كَما قالَ: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [النساء: ١٤٣]، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿بَشِّرِ المُنافِقِينَ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَعْنى أنَّ الَّذِينَ تَكَرَّرَ مِنهُمُ الِارْتِدادُ، وعُهِدَ مِنهُمُ ازْدِيادُ الكُفْرِ والإصْرارُ عَلَيْهِ يُسْتَبْعَدُ مِنهم أنْ يُحْدِثُوا ما يَسْتَحِقُّونَ بِهِ المَغْفِرَةَ، ويَسْتَوْجِبُونَ اللُّطْفَ مِن إيمانٍ صَحِيحٍ ثابِتٍ يَرْضاهُ اللَّهُ؛ لِأنَّ قُلُوبَ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَذا دَيْدَنُهم قُلُوبٌ قَدْ ضُرِبَتْ بِالكُفْرِ، ومَرِئَتْ عَلى الرِّدَّةِ، وكانَ الإيمانُ أهْوَنَ شَيْءٍ (p-٣٧٣)عِنْدَهم، وأدْوَنَهُ حَيْثُ يَدُلُّونَهم فِيهِ كَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، ولَيْسَ المَعْنى أنَّهم لَوْ أخْلَصُوا الإيمانَ بَعْدَ تَكْرارِ الرِّدَّةِ، ونَصَحَتْ تَوْبَتُهم لَمْ تُقْبَلْ مِنهم، ولَمْ يُغْفَرْ لَهم؛ لِأنَّ ذَلِكَ مَقْبُولٌ حَيْثُ هو بَذْلُ الطّاقَةِ، واسْتِفْراغُ الوُسْعِ، ولَكِنَّهُ اسْتِبْعادٌ لَهُ واسْتِغْرابٌ، وأنَّهُ أمْرٌ لا يَكادُ يَكُونُ. وهَكَذا نَرى الفاسِقَ الَّذِي يَتُوبُ، ثُمَّ يَرْجِعُ لا يَكادُ يُرْجى مِنهُ الثَّباتُ؛ والغالِبُ أنَّهُ يَمُوتُ عَلى شَرِّ حالٍ وأقْبَحِ صُورَةٍ، انْتَهى كَلامُهُ. وفي بَعْضِهِ ألْفاظٌ مِن ألْفاظِ الِاعْتِزالِ. ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ الجُمْهُورُ عَلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ؛ أيْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا، وماتُوا عَلى الكُفْرِ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ مِن هَذِهِ الشَّرِيعَةِ أنَّهُ لَوْ آمَنَ وكَفَرَ مِرارًا، ثُمَّ تابَ عَنِ الكُفْرِ، وآمَنَ ووافى تائِبًا أنَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ ما جَناهُ في كُفْرِهِ السّابِقِ، وإنْ تَرَدَّدَ فِيهِ مِرارًا. وقِيلَ يَحْمِلُ عَلى قَوْمٍ مُعَيَّنِينَ عَلِمَ اللَّهُ مِنهم أنَّهم يَمُوتُونَ عَلى الكُفْرِ، ولا يَتُوبُونَ عَنْهُ؛ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم إخْبارًا عَنْ مَوْتِهِمْ عَلى الكُفْرِ. وقِيلَ الكَلامُ خَرَجَ عَلى الغالِبِ المُعْتادِ، وهو أنَّ مَن كانَ كَثِيرَ الِانْتِقالِ مِنَ الإسْلامِ إلى الكُفْرِ لَمْ يَكُنْ لِلْإيمانِ في قَلْبِهِ وقْعٌ، ولا عِظَمُ قَدْرٍ. والظّاهِرُ مِن حالِ مِثْلِ هَذا أنَّهُ يَمُوتُ عَلى الكُفْرِ. وفِي قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ مَخْتُومٌ عَلَيْهِمْ بِانْتِفاءِ الغُفْرانِ وهِدايَةِ السَّبِيلِ، وأنَّهم تَقَرَّرَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ في الدُّنْيا، وهم أحْياءُ، وهَذِهِ فائِدَةُ المَجِيءِ بِلامِ الجُحُودِ، فَفَرْقٌ بَيْنَ لَمْ يَكُنْ زَيْدٌ يَقُومُ، وبَيْنَ لَمْ يَكُنْ زَيْدٌ لِيَقُومَ. فالأوَّلُ لَيْسَ فِيهِ إلّا انْتِفاءُ القِيامِ والثّانِي فِيهِ انْتِفاءُ الإرادَةِ والإيتاءِ لِلْقِيامِ، ويَلْزَمُ مِنَ انْتِفاءِ إرادَةِ القِيامِ نَفْيُ القِيامِ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ عَلى ذَلِكَ مُشْبِعًا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نَفْيٌ لِلْغُفْرانِ والهِدايَةِ، وهي اللُّطْفُ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ الَّتِي تُوَطِّئُها اللّامُ؛ والمُرادُ: بِنَفْيِهِما نَفْيُ ما يَقْتَضِيهِما، وهو الإيمانُ الخالِصُ الثّابِتُ، انْتَهى. وظاهِرُ كَلامِهِ أنَّهُ يَقُولُ بِقَوْلِ الكُوفِيِّينَ، وهو أنَّهم يَقُولُونَ: إذا قُلْتَ لَمْ يَكُنْ زَيْدٌ لِيَقُومَ: إنَّ خَبَرَ لَمْ يَكُنْ هو قَوْلُكَ (لِيَقُومَ) واللّامُ لِلتَّأْكِيدِ زِيدَتْ في النَّفْيِ، والمَنفِيُّ هو القِيامُ، ولَيْسَتْ أنْ مُضْمَرَةً بَلِ اللّامُ هي النّاصِبَةُ. والبَصْرِيُّونَ يَقُولُونَ: النَّصْبُ بِإضْمارِ (أنْ)، ويَنْسَبِكُ مِن (أنِ) المُضْمَرَةِ والفِعْلِ بَعْدَها مَصْدَرٌ، وذَلِكَ المَصْدَرُ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ خَبَرًا؛ لِأنَّهُ مَعْنًى والمُخْبَرُ عَنْهُ جُثَّةٌ. ولَكِنَّ الخَبَرَ مَحْذُوفٌ واللّامُ تَقْوِيَةٌ لِتَعْدِيَةِ ذَلِكَ الخَبَرِ إلى المَصْدَرِ لِأنَّهُ جُثَّةٌ. وأُضْمِرَتْ (أنْ) بَعْدَها، وصارَتِ اللّامُ كالعِوَضِ مِن أنِ المَحْذُوفَةِ؛ ولِذَلِكَ لا يَجُوزُ حَذْفُ هَذِهِ اللّامِ، ولا الجَمْعُ بَيْنَها وبَيْنَ (أنْ) ظاهِرَةً. ومَعْنى قَوْلِهِ: والمُرادُ بِنَفْيِهِما نَفْيُ ما يَقْتَضِيهِما أنَّ المَعْنى لَمْ يَكُونُوا لِيُؤْمِنُوا فَيَغْفِرَ اللَّهُ لَهم، ويَهْدِيَهم. ﴿بَشِّرِ المُنافِقِينَ بِأنَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ الخِطابُ لِلرَّسُولِ. ومَعْنى (بَشِّرْ) أخْبِرْ، وجاءَ بِلَفْظِ (بَشِّرْ) عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١]؛ أيِ القائِمِ لَهم مَقامَ البِشارَةِ، هو الإخْبارُ بِالعَذابِ، كَما قالَ: ؎تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعٌ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: جاءَتِ البِشارَةِ هُنا مِصُرَّحًا بِفَيْدِها؛ فَلِذَلِكَ حَسُنَ اسْتِعْمالُها في المَكْرُوهِ. ومَتى جاءَتْ مُطْلَقَةً فَإنَّما عَرَفَها في المَحْبُوبِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الَّتِي قَبْلَها إنَّما هي في المُنافِقِينَ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: بَشِّرِ المُنافِقِينَ يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ [النساء: ١٣٦] في أهْلِ النِّفاقِ والمُراءاةِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ ذِكْرٌ لِلْمُنافِقِينَ سِوى هَذِهِ الآيَةِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءً مِن غَيْرِ تَقَدُّمِ ذِكْرِ المُنافِقِينَ. ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ اليَهُودِ والنَّصارى ومُشْرِكِي العَرَبِ، أوْلِياءَ أنْصارًا ومُعِينِينَ يُوالُونَهم عَلى الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ، ونَصَّ مِن صِفاتِ المُنافِقِينَ عَلى أشَدِّها ضَرَرًا عَلى المُؤْمِنِينَ، وهي مُوالاتُهُمُ الكُفّارَ، واطِّراحُهُمُ المُؤْمِنِينَ، ونَبَّهَ عَلى فَسادِ ذَلِكَ لِيَدَعَهُ مَن عَسى أنْ يَقَعَ في نَوْعٍ مِنهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَفْلَةً أوْ جَهالَةً أوْ مُسامَحَةً. والَّذِينَ: نَعْتٌ لِلْمُنافِقِينَ، أوْ نَصْبٌ عَلى الذَّمِّ، أوْ رَفْعٌ عَلى خَبَرِ المُبْتَدَأِ؛ أيْ هُمُ الَّذِينَ. (p-٢٧٤)﴿أيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ﴾ أيِ الغَلَبَةَ والشِّدَّةَ والمَنَعَةَ بِمُوالاتِهِمْ، وقَوْلِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ: لا يَتِمُّ أمْرُ مُحَمَّدٍ. وفي هَذا الِاسْتِفْهامِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم لا عِزَّةَ لَهم؛ فَكَيْفَ تَبْتَغِي مِنهم ؟ وعَلى خُبْثِ مَقْصِدِهِمْ. وهو طَلَبُ العِزَّةِ بِالكَفّارِ والِاسْتِكْثارُ بِهِمْ. ﴿فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾؛ أيْ لِأوْلِيائِهِ الَّذِينَ كَتَبَ لَهُمُ العِزَّ والغَلَبَةَ عَلى اليَهُودِ وغَيْرِهِمْ. قالَ تَعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١] . وقالَ: ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: ٨] . وقالَ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَلِلَّهِ العِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠] والفاءُ في ﴿فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ﴾ دَخَلَتْ لِما في الكَلامِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ والمَعْنى أنْ تَبْتَغُوا العِزَّةَ مِن هَؤُلاءِ فَإنَّ العِزَّةَ، وانْتَصَبَ جَمِيعًا عَلى الحالِ. ﴿وقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكم في الكِتابِ أنْ إذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها ويُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ الخِطابُ لِمَن أظْهَرَ الإيمانَ مِن مُخْلِصٍ ومُنافِقٍ. وقِيلَ لِلْمُنافِقِينَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم، ويَكُونُ التِفاتًا. وكانُوا يَجْلِسُونَ إلى أحْبارِ اليَهُودِ، وهم يَخُوضُونَ في القُرْآنِ يَسْمَعُونَ مِنهم؛ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ، وذُكِّرُوا بِما نُزِّلَ عَلَيْهِمْ بِ مَكَّةَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عَنْهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: وقَدْ نُزِّلَ مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ عاصِمٌ: نَزَّلَ مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وحُمَيْدٌ: نَزَلَ مُخَفَّفًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ النَّخَعِيُّ: أُنْزِلَ بِالهَمْزَةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ومَحَلُّ (أنْ) رَفْعٌ أوْ نَصْبٌ عَلى حَسَبِ العامِلِ؛ فَنُصِبَ عَلى قِراءَةِ عاصِمٍ، ورُفِعَ عَلى الفاعِلِ عَلى قِراءَةِ أبِي حَيْوَةَ وحُمَيْدٍ، وعَلى المَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ عَلى قِراءَةِ الباقِينَ. وإنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُهُ: ذَلِكَ أنَّهُ إذا سَمِعْتُمْ. وما قَدَّرَهُ أبُو البَقاءِ مِن قَوْلِهِ: أنَّكم إذا سَمِعْتُمْ لَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأنَّها إذا خُفِّفَتْ إنْ لَمْ تَعْمَلْ في ضَمِيرِ إلّا إذا كانَ ضَمِيرَ أمْرٍ وشَأْنٍ مَحْذُوفٍ، وإعْمالُها في غَيْرِهِ ضَرُورَةٌ نَحْوُ قَوْلِهِ: ؎فَلَوْ أنْكِ في يَوْمِ الرَّخاءِ سَألْتِنِي ∗∗∗ طَلاقَكِ لَمْ أبْخَلْ وأنْتِ صَدِيقُ وخَبَرُ أنْ هي الجُمْلَةُ مِن (إذا) وجَوابِها. ومِثالُ وُقُوعِ جُمْلَةِ الشَّرْطِ خَبَرًا لِـ (أنْ) المُخَفَّفَةِ مِنَ الثَّقِيلَةِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَعَلِمْتُ أنْ مَن تَتَّقُوهُ فَإنَّهُ ∗∗∗ جُزْرٌ لِخامِعَةٍ وفَرْخِ عُقابِ و(يُكْفَرُ بِها) في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والضَّمِيرُ في مَعَهم عائِدٌ عَلى المَحْذُوفِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: يُكْفَرُ بِها ويُسْتَهْزَأُ؛ أيْ فَلا تَقْعُدُوا مَعَ الكافِرِينَ المُسْتَهْزِئِينَ، وحَتّى غايَةٌ لِتَرْكِ القُعُودِ مَعَهم. ومَفْهُومُ الغايَةِ أنَّهم إذا خاضُوا في غَيْرِ الكُفْرِ والِاسْتِهْزاءِ ارْتَفَعَ النَّهْيُ؛ فَجازَ لَهم أنْ يَقْعُدُوا مَعَهم. والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى؛ أيْ في حَدِيثٍ غَيْرِ حَدِيثِهِمُ الَّذِي هو كُفْرٌ واسْتِهْزاءٌ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُفْرَدَ الضَّمِيرُ، وإنْ كانَ عائِدًا عَلى الكُفْرِ، وعَلى الِاسْتِهْزاءِ المَفْهُومَيْنِ مِن قَوْلِهِ: يُكْفَرُ بِها، ويُسْتَهْزَأُ بِها؛ لِأنَّهُما راجِعانِ إلى مَعْنًى واحِدٍ، ولِأنَّهُ أجْرى الضَّمِيرَ مَجْرى اسْمِ الإشارَةِ في كَوْنِهِ لِمُفْرَدٍ، وإنْ كانَ المُرادُ بِهِ اثْنَيْنِ. ﴿إنَّكم إذًا مِثْلُهُمْ﴾ حَكَمَ تَعالى بِأنَّهم إذا قَعَدُوا مَعَهم، وهم يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ، ويَسْتَهْزِئُونَ بِها، وهم قادِرُونَ عَلى الإنْكارِ مِثْلُهم في الكُفْرِ؛ لِأنَّهم يَكُونُونَ راضِينَ بِالكُفْرِ والرِّضا بِالكُفْرِ كُفْرٌ. والخِطابُ في أنَّكم عَلى الخِلافِ السّابِقِ أهْوَ لِلْمُنافِقِينَ ؟ أمْ لِلْمُؤْمِنِينَ ؟ ولَمْ يَحْكم تَعالى عَلى المُسْلِمِينَ الَّذِينَ كانُوا يُجالِسُونَ الخائِضِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ بِأنَّهم مِثْلُ المُشْرِكِينَ لِعَجْزِ المُسْلِمِينَ إذْ ذاكَ عَنِ الإنْكارِ بِخِلافِ المَدِينَةِ؛ فَإنَّ الإسْلامَ كانَ الغالِبَ فِيها والأعْلى؛ فَهم قادِرُونَ عَلى الإنْكارِ والسّامِعُ لِلذَّمِّ شَرِيكٌ لِلْقائِلِ، وما أحْسَنَ ما قالَ الشّاعِرُ: ؎وسَمْعَكَ صُنْ عَنْ سَماعِ القَبِيحِ ∗∗∗ كَصَوْنِ اللِّسانِ عَنِ النُّطْقِ بِهْ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ المُماثَلَةُ لَيْسَتْ في جَمِيعِ الصِّفاتِ، ولَكِنَّهُ إلْزامٌ شُبِّهَ بِحُكْمِ الظّاهِرِ مِنَ المُقارَنَةِ (p-٣٧٥)كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎عَنِ المَرْءِ لا تَسْألْ وسَلْ عَنْ قَرِينِهِ ∗∗∗ فَكُلُّ قَرِينٍ بِالمُقارَنِ يَقْتَدِي ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ أنَّهُ أخَذَ قَوْمًا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ؛ فَقِيلَ لَهُ عَنْ أحَدِ الحاضِرِينَ: إنَّهُ صائِمٌ فَحَمَلَ عَلَيْهِ الأدَبَ، وقَرَأ: ﴿إنَّكم إذًا مِثْلُهُمْ﴾ . ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إنَّكم إذًا مِثْلُهُمْ﴾، إنْ خُضْتُمْ كَخَوْضِهِمْ، ووافَقْتُمُوهم عَلى ذَلِكَ فَأنْتُمْ كُفّارٌ مِثْلُهم، قَوْلُهُ تَنْبُو عَنْهُ دَلالَةُ الكَلامِ. وإنَّما المَعْنى ما قَدَّمْناهُ مِن أنَّكم إذا قَعَدْتُمْ مَعَهم مِثْلُهم. وإذا هُنا تَوَسَّطَتْ بَيْنَ الِاسْمِ والخَبَرِ، وأفْرَدَ مِثْلَ لِأنَّ المَعْنى، إنَّ عِصْيانَكم مِثْلُ عِصْيانِهِمْ؛ فالمَعْنى عَلى المَصْدَرِ كَقَوْلِهِ: ﴿أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا﴾ [المؤمنون: ٤٧]، وقَدْ جَمَعَ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]، وفي قَوْلِهِ: ﴿حُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٣] والإفْرادُ والمُطابَقَةُ في التَّثْنِيَةِ أوِ الجَمْعِ جائِزانِ. وقُرِئَ شاذًّا (مِثْلَهم) بِفَتْحِ اللّامِ، فَخَرَّجَهُ البَصْرِيُّونَ عَلى أنَّهُ مَبْنِيٌّ لِإضافَتِهِ إلى مَبْنِيٍّ كَقَوْلِهِ: ﴿لَحَقٌّ مِثْلَ ما أنَّكم تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٣] عَلى قِراءَةِ مَن فَتَحَ اللّامَ والكُوفِيُّونَ يُجِيزُونَ في (مِثْلَ) أنْ يَنْتَصِبَ مَحَلًّا، وهو الظَّرْفُ، فَيَجُوزُ عِنْدَهم زَيْدٌ مِثْلَكَ بِالنَّصْبِ أيْ في مِثْلِ حالِكَ؛ فَعَلى قَوْلِهِمْ يَكُونُ انْتِصابُ ”مِثْلَهم“ عَلى المَحَلِّ، وهو الظَّرْفُ. ﴿إنَّ اللَّهَ جامِعُ المُنافِقِينَ والكافِرِينَ في جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ لِما اتَّخَذُوهم في الدُّنْيا أوْلِياءَ، جَمَعَ بَيْنَهم في الآخِرَةِ في النّارِ والمَرْءُ مَعَ مَن أحَبَّ، وهَذا تَوَعُّدٌ مِنهُ تَعالى، تَأكَّدَ بِهِ التَّحْذِيرُ مِن مُجالَسَتِهِمْ ومُخالَطَتِهِمْ.

النساء 4:141

﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكم فَإنْ كانَ لَكم فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا ألَمْ نَكُنْ مَعَكم وإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكم ونَمْنَعْكم مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ المَعْنى الَّذِينَ يَنْتَظِرُونَ بِكم ما يَتَجَدَّدُ مِنَ الأحْوالِ مَن ظَفَرٍ لَكم أوْ بِكم؛ فَإنْ كانَ لَكم فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا: ﴿ألَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ مُظاهِرِينَ. والمَعْنى: فَأسْهِمُوا لَنا بِحُكْمِ أنَّنا مُؤْمِنُونَ، وإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ أيِ اليَهُودِ نَصِيبٌ؛ أيْ نَيْلٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ، قالُوا: ﴿ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾؛ أيْ ألَمْ نَغْلِبْكم، ونَتَمَكَّنْ مِن قَتْلِكم وأسْرِكم، وأبْقَيْنا عَلَيْكم، ونَمْنَعْكم مِنَ المُؤْمِنِينَ بِأنْ ثَبَّطْناهم عَنْكم، فَأسْهِمُوا لَنا بِحُكْمِ أنَّنا نُوالِيكم فَلا نُؤْذِيكم ولا نَتْرُكُ أحَدًا يُؤْذِيكم. قِيلَ المَعْنى أنَّ الكُفّارَ واليَهُودَ هَمُّوا بِالدُّخُولِ في الإسْلامِ، فَحَذَّرَهُمُ المُنافِقُونَ عَنْ ذَلِكَ، وبالَغُوا في تَنْفِيرِهِمْ سَيَضْعُفُ أمْرُ الرَّسُولِ، فَمَنُّوا عَلَيْهِمْ عِنْدَ حُصُولِ نَصِيبٍ لَهم بِأنَّهم قَدْ أرْشَدُوهم لِهَذِهِ المَصالِحِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ونَمْنَعْكم مِنَ اتِّباعِ المُؤْمِنِينَ والدُّخُولِ في دِينِهِمْ؛ فَأسْهِمُوا لَنا. وقِيلَ المَعْنى ألَمْ نُخْبِرْكم بِأمْرِ مُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ، ونُطْلِعْكم عَلى سِرِّهِمْ ؟ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ألَمْ نَحُطَّ مِن ورائِكم ؟ والَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بَدَلٌ مِنَ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ، أوْ صِفَةٌ لِلْمُنافِقِينَ، أوْ نَصْبٌ عَلى الذَّمِّ، أوْ رَفْعٌ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ مَحْذُوفٌ. وسَمّى تَعالى ظَفَرَ المُؤْمِنِينَ فَتْحًا عَظِيمًا لَهم، وجَعَلَ مَنَّهُ تَعالى فَقالَ: فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ، وظَفَرَ الكافِرِينَ نَصِيبًا، ولَمْ يَنْسُبْهُ إلَيْهِ تَعالى تَحْقِيرًا لَهم، وتَخْسِيسًا لِما نالُوهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ ظَفَرَ المُؤْمِنِينَ أمْرٌ عَظِيمٌ تُفْتَحُ لَهُ أبْوابُ السَّماءِ، كَما قالَ أبُو تَمّامٍ في فَتْحِ المُعْتَصِمِ عَمُّورِيَّةَ بِلادَ الرُّومِ: ؎فَتْحٌ تُفَتَّحُ أبْوابُ السَّماءِ لَهُ وتَبْرُزُ الأرْضُ في أثْوابِها القُشُبِ وأمّا ظَفَرُ الكافِرِينَ فَهو حَظٌّ دُنْيَوِيٌّ يُصِيبُونَهُ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ونَمْنَعَكم بِنَصْبِ العَيْنِ بِإضْمارٍ بَعْدَ واوِ الجَمْعِ، والمَعْنى: ألَمْ نَجْمَعْ بَيْنَ الِاسْتِحْواذِ عَلَيْكم، ومَنعِكم مِنَ المُؤْمِنِينَ ؟ ونَظِيرُهُ قَوْلُ الحُطَيْئَةِ: ؎ألَمْ أكُ جارَكم ويَكُونَ بَيْنِي ∗∗∗ وبَيْنَكُمُ المَوَدَّةُ والإخاءُ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ونَمْنَعَكم بِفَتْحِ العَيْنِ عَلى الصَّرْفِ، انْتَهى. يَعْنِي الصَّرْفَ عَنِ التَّشْرِيكِ لِما بَعْدَها في إعْرابِ الفِعْلِ الَّذِي قَبْلَها، ولَيْسَ النَّصْبُ عَلى الصَّرْفِ مِنَ اصْطِلاحِ البَصْرِيِّينَ. وقَرَأ أُبَيٌّ: ومَنَعْناكم مِنَ المُؤْمِنِينَ، وهَذا مَعْطُوفٌ عَلى مَعْنى التَّقْدِيرِ: لِأنَّ المَعْنى أما اسْتَحْوَذْنا عَلَيْكم ومَنَعْناكم كَقَوْلِهِ: (p-٣٧٦)﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] ﴿ووَضَعْنا﴾ [الشرح: ٢] . إذِ المَعْنى: أما شَرَحْنا لَكَ صَدْرَكَ ووَضَعْنا. ﴿فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ وبَيْنَهم ويُنْصِفُكم مِن جَمِيعِهِمْ. ويُحْتَمَلُ أنْ لا عَطْفَ، ومَعْنى بَيْنَكم أيْ: بَيْنَ الجَمْعِ مِنكم ومِنهم، وغَلَبَ الخِطابُ. وهَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وأُنْسٌ بِما وعَدَهم بِهِ. ﴿ولَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ؛ قالَهُ: عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ. ورُوِيَ عَنْ سُبَيْعٍ الحَضْرَمِيِّ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ عَلِيَّ فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ أرَأيْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى: ﴿ولَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ كَيْفَ ذَلِكَ وهم يُقاتِلُونَنا ويَظْهَرُونَ عَلَيْنا أحْيانًا ؟ فَقالَ عَلِيٌّ: مَعْنى ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، يَوْمَ الحُكْمِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وبِهَذا قالَ جَمِيعُ أهْلِ التَّأْوِيلِ. قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: وهَذا ضَعِيفٌ لِعَدَمِ فائِدَةِ الخَبَرِ فِيهِ، وإنْ أوْهَمَ صَدْرُ الكَلامِ مَعْناهُ لِقَوْلِهِ: ﴿فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ . وقِيلَ: إنَّهُ تَعالى لا يَمْحُو بِالكُفْرِ مِلَّةَ الإسْلامِ ولا يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهم كَما جاءَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ ثَوْبانَ، قالَ: «فَإنِّي سَألْتُ رَبِّي أنْ لا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِن سِوى أنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهم، ولَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَن بِأقْطارِها حَتّى يَكُونَ بَعْضُهم يُهْلِكُ بَعْضًا ويَسْبِي بَعْضُهم بَعْضًا» . وقِيلَ: المَعْنى أنْ لا يَتَواصَوْا بِالباطِلِ، ولا يَتَناهَوْا عَنِ المُنْكَرِ، ويَتَقاعَدُوا عَنِ التَّوْبَةِ؛ فَيَكُونَ تَسْلِيطُ العَدُوِّ عَلَيْهِمْ مِن قِبَلِهِمْ كَما قالَ تَعالى: ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] . قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: وهَذا بَيِّنٌ جِدًّا، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في حَدِيثِ ثَوْبانَ: «حَتّى يَكُونَ بَعْضُهم يُهْلِكُ بَعْضًا» . وذَلِكَ أنَّ ”حَتّى“ غايَةٌ فَيَقْتَضِي ظاهِرُ الكَلامِ أنَّهُ لا يُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ عَدُوَّهم فَيَسْتَبِيحُهم إلّا إذا كانَ مِنهم هَلاكُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وسَبْيُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ. وقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ في هَذِهِ الأزْمانِ بِالفِتَنِ الواقِعَةِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، فَغَلُظَتْ شَوْكَةُ الكُفّارِ، واسْتَوْلَوْا عَلى بِلادِ المُسْلِمِينَ حَتّى لَمْ يَبْقَ مِنَ الإسْلامِ إلّا أقَلُّهُ. وقِيلَ: سَبِيلًا مِن جِهَةِ الشَّرْعِ؛ فَإنْ وُجِدَ فَبِخِلافِ الشَّرْعِ. وقِيلَ: (سَبِيلًا) حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ ولا عَقْلِيَّةٌ يَسْتَظْهِرُونَ بِها إلّا أبْطَلَها ودُحِضَتْ. وقِيلَ: سَبِيلًا أيْ ظُهُورًا؛ قالَهُ: الكَلْبِيُّ. ويُحْمَلُ عَلى الظُّهُورِ الدّائِمِ الكُلِّيِّ، فَيُؤَوَّلُ مَعْناهُ إلى أنَّهم لا يَسْتَبِيحُونَ بَيْضَةَ الإسْلامِ وإلّا فَقَدَ ظَهَرُوا في مَواطِنَ كَأُحُدٍ قَبْلُ. وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ مِنَ الفَصاحَةِ والبَدِيعِ فُنُونَ التَّجْنِيسِ المُغايِرِ في: ﴿أنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحًا﴾ [النساء: ١٢٨]، وفي: فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ، وفي: فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا، وفي: (كَفَرُوا) و(كَفَرُوا) . والتَّجْنِيسِ المُماثِلِ في: (ويَسْتَفْتُونَكَ) و(يُفْتِيكم)، وفي: (صُلْحًا) و(الصُّلْحُ)، وفي: (جامِعُ) و(جَمِيعًا) . والتَّكْرارَ في: لَفْظِ النِّساءِ، وفي لَفْظِ يَتامى، واليَتامى ورَسُولُهُ، ولَفْظِ الكِتابِ، وفي آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا، وفي المُنافِقِينَ. والتَّشْبِيهِ في: كالمُعَلَّقَةِ. واللَّفْظُ المُحْتَمِلُ لِلضِّدَّيْنِ في: ﴿وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] . والِاسْتِعارَةُ في: نُشُوزًا، وفي: ﴿وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: ١٢٨]، وفي: فَلا تَمِيلُوا، وفي: قَوّامِينَ، وفي: ﴿وإنْ تَلْوُوا أوْ تُعْرِضُوا﴾ [النساء: ١٣٥]، وفي: ﴿لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٣٧]، وفي: يَتَرَبَّصُونَ، وفي: فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ، وفي: ﴿ألَمْ نَسْتَحْوِذْ﴾، وفي: سَبِيلًا. وهَذِهِ كُلُّها لِلْأجْسامِ اسْتُعِيرَتْ لِلْمَعانِي. والطِّباقُ في: ﴿غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥]، وفي: ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى أنْ تَعْدِلُوا﴾ [النساء: ١٣٥] واتِّباعُ الهَوى جَوْرٌ وفي الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ. والِاخْتِصاصُ في: بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا خَصَّ العَمَلَ. والِالتِفاتُ في: ﴿وقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ١٤٠] إذا كانَ الخِطابُ لِلْمُنافِقِينَ. والحَذْفُ في مَواضِعَ.

النساء 4:142

﴿إنَّ المُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهم وإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراءُونَ النّاسَ ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إلى هَؤُلاءِ ولا إلى هَؤُلاءِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ . الكَسَلُ: التَّثاقُلُ والتَّثَبُّطُ والفُتُورُ عَنِ الشَّيْءِ. ويُقالُ: أكْسَلَ الرَّجُلُ إذا جامَعَ فَأدْرَكَهُ الفُتُورُ ولَمْ يُنْزِلْ. الذَّبْذَبَةُ: الِاضْطِرابُ بِحَيْثُ لا يَبْقى عَلى حالٍ؛ قالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ والتَّرَدُّدُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ. وقالَ النّابِغَةُ: ؎ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أعْطاكَ سُورَةً تَرى كُلَّ مُلْكٍ دُونَها يَتَذَبْذَبُ (p-٣٧٧)وقالَ آخَرُ: ؎خَيالٌ لِأُمِّ السَّلْسَبِيلِ ودُونَها ∗∗∗ مَسِيرَةَ شَهْرٍ لِلْبَرِيدِ المُذَبْذَبِ بِكَسْرِ الثّانِيَةِ. قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ؛ أيِ القَلَقُ الَّذِي لا يَثْبُتُ. قِيلَ وأصْلُهُ الذَّبُّ، وهو ثُلاثِيُّ الأصْلِ ضُعِّفَ فَقِيلَ ذَبَبَ، ثُمَّ أُبْدِلَ مِن أحَدِ المُضَعَّفَيْنِ، وهي الباءُ الثّانِيَةُ ذالًا؛ فَقِيلَ ذَبْذَبَ، وهَذا عَلى أصْلِ الكُوفِيِّينَ. وأمّا البَصْرِيُّونَ فَهو عِنْدَهم رُباعِيٌّ كَدَحْرَجَ. ﴿إنَّ المُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهُمْ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرٌ يُخادِعُونَ اللَّهَ في أوَّلِ البَقَرَةِ. ومَعْنى، وهو خادِعُهم؛ أيْ مُنْزِلٌ الخِداعَ بِهِمْ، وهَذِهِ عِبارَةٌ عَنْ عُقُوبَةٍ سَمّاها بِاسْمِ الذَّنْبَ. فَعُقُوبَتُهم في الدُّنْيا ذُلُّهم، وخَوْفُهم، وفي الآخِرَةِ عَذابُ جَهَنَّمَ؛ قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهم مِنَ المُفَسِّرِينَ: هَذا الخِداعُ هو أنَّهُ تَعالى يُعْطِي هَذِهِ الأُمَّةَ يَوْمَ القِيامَةِ نُورًا لِكُلِّ إنْسانٍ مُؤْمِنٍ أوْ مُنافِقٍ؛ فَيَفْرَحُ المُنافِقُونَ، ويَظُنُّونَ أنَّهم قَدْ نَجَوْا، فَإذا جاءُوا إلى الصِّراطِ طُفِئَ نُورُ كُلِّ مُنافِقٍ، ونَهَضَ المُؤْمِنُونَ. وذَلِكَ قَوْلُ المُنافِقِينَ: انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكم، وذَلِكَ هو الخِداعُ الَّذِي يَجْرِي عَلى المُنافِقِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهو خادِعُهم، وهو فاعِلٌ بِهِمْ ما يَفْعَلُ الغالِبُ في الخِداعِ؛ حَيْثُ تَرَكَهم مَعْصُومِينَ الدِّماءَ والأمْوالَ في الدُّنْيا، وأعَدَّ لَهُمُ الدَّرْكَ الأسْفَلَ مِنَ النّارِ في الآخِرَةِ، ولَمْ يُخْلِهِمْ في العاجِلِ مِن فَضِيحَةٍ وإحْلالِ بَأْسٍ ونِقْمَةٍ ورُعْبٍ دائِمٍ. والخادِعُ مِن خَدَعْتُهُ إذا غَلَبْتَهُ، وكُنْتَ أخْدَعَ مِنهُ، انْتَهى. وبَعْضُهُ مُسْتَرَقٌ مِن كَلامِ الزَّجّاجِ. قالَ الزَّجّاجُ: لَمّا أمَرَ بِقَبُولِ ما أظْهَرُوا كانَ خادِعًا لَهم بِذَلِكَ. وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّحْوِيُّ: خادِعْهم بِإسْكانِ العَيْنِ عَلى التَّخْفِيفِ، واسْتِثْقالِ الخُرُوجِ مِن كَسْرٍ إلى ضَمٍّ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى خَبَرِ (إنَّ) . وقالَ أبُو البَقاءِ: هو في مَوْضِعِ الحالِ. ﴿وإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى﴾ أيْ مُتَوانِينَ لا نَشاطَ لَهم فِيها؛ لِأنَّهم إنَّما يُصَلُّونَ تَسَتُّرًا وتَكَلُّفًا، ويَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أنْ يَتَحَرَّزَ مِن هَذِهِ الخَصْلَةِ الَّتِي ذَمَّ المُنافِقُونَ، وأنْ يُقْبِلَ إلى صَلاتِهِ بِنَشاطٍ وفَرَغِ قَلْبٍ، وتَمَهُّلٍ في فِعْلِها، ولا يَتَقاعَسُ عَنْها فِعْلَ المُنافِقِ الَّذِي يُصَلِّي عَلى كُرْهٍ، لا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ورَغْبَةٍ. وما زالَ في كُلِّ عَصْرٍ مُنافِقُونَ يَتَسَتَّرُونَ بِالإسْلامِ، ويَحْضُرُونَ الصَّلَواتِ كالمُتَفَلْسِفِينَ المَوْجُودِينَ في عَصْرِنا هَذا، وقَدْ أشارَ بَعْضُ عُلَمائِنا إلَيْهِمْ في شِعْرٍ قالَهُ، وضَمَّنَ فِيهِ بَعْضَ الآيَةِ؛ فَقالَ في أبِي الوَلِيدِ بْنِ رُشْدٍ الحَفِيدِ، وأمْثالِهِ مِن مُتَفَلْسِفَةِ الإسْلامِ: ؎لِأشْياعِ الفَلاسِفَةِ اعْتِقادُ ∗∗∗ يَرَوْنَ بِهِ عَنِ الشَّرْحِ انْحِلالًا ؎أباحُوا كُلَّ مَحْظُورٍ حَرامٍ ∗∗∗ ورَدُّوهُ لِأنْفُسِهِمْ حَلالًا ؎وما انْتَسَبُوا إلى الإسْلامِ إلّا ∗∗∗ لِصَوْنِ دِمائِهِمْ أنْ لا تُسالا ؎فَيَأْتُونَ المَناكِرَ في نَشاطٍ ∗∗∗ ويَأْتُونَ الصَّلاةَ وهم كُسالى وقَرَأ الجُمْهُورُ: كُسالى بِضَمِّ الكافِ، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ. وقَرَأ الأعْرَجُ: (كَسالى) بِفَتْحِ الكافِ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ وأسَدٍ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ: (كَسْلى) عَلى وزْنِ (فَعْلى) وُصِفَ بِما يُوصَفُ بِهِ المُؤَنَّثُ المُفْرَدُ عَلى مُراعاةِ الجَماعَةِ كَقِراءَةِ. (وتَرى النّاسَ سَكْرى) . ﴿يُراءُونَ النّاسَ﴾؛ أيْ يَقْصِدُونَ بِصَلاتِهِمُ الرِّياءَ والسُّمْعَةَ، وأنَّهم مُسْلِمُونَ. وهي مِن بابِ المُفاعَلَةِ، يُرِي المُرائِي النّاسَ تَجَمُّلَهُ بِأفْعالِ الطّاعَةِ، وهم يُرُونَهُ اسْتِحْسانَ ذَلِكَ العَمَلِ. وقَدْ يَكُونُ مِن بابِ فاعَلَ بِمَعْنى فَعَلَ؛ نَحْوَ نِعْمَةٍ وناعِمَةٍ. ورَوىأبُو زَيْدٍ: رَأتِ المَرْأةُ المِرْآةَ إذا أمْسَكَتْها لِتَرى وجْهَها. وقُرِئَ: يُرَءُّونَ بِهَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ مُشَدَّدَةٍ بَيْنَ الرّاءِ والواوِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي أقْوى في المَعْنى مَن يُراءُونَ؛ لِأنَّ مَعْناها يَحْمِلُونَ النّاسَ عَلى أنْ يَرَوْهم، ويَتَظاهَرُونَ لَهم بِالصَّلاةِ، وهم يُبْطِنُونَ النِّفاقَ. ونَسَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذِهِ القِراءَةَ لِابْنِ أبِي إسْحاقَ (p-٣٧٨)إلّا أنَّهُ قالَ قَرَأ: يُرَءُّونَهم هَمْزَةٌ مُشَدَّدَةٌ مِثْلَ: يُرَعُّونَهم؛ أيْ يُبَصَّرُونَهم أعْمالَهم، ويُراءُونَهم كَذَلِكَ. ﴿ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا﴾ قالَ الحَسَنُ: قُلْ لِأنَّهُ كانَ يَعْمَلُ لِغَيْرِ اللَّهِ. وقالَ قَتادَةُ: ما مَعْناهُ إنَّما قَلَّ لِكَوْنِهِ لَمْ يَقْبَلْهُ، وما رَدَّهُ اللَّهُ فَكَثِيرُهُ قَلِيلٌ، وما قَبِلَهُ فَقَلِيلُهُ كَثِيرٌ. وقالَ غَيْرُهُ: قُلْ بِالنِّسْبَةِ إلى خَوْضِهِمْ في الباطِلِ، وقَوْلِهِمُ الزُّورَ والكُفْرَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إلّا قَلِيلًا؛ لِأنَّهم لا يُصَلُّونَ قَطُّ غائِبِينَ عَنْ عُيُونِ النّاسِ إلّا ما يُجاهِرُونَ بِهِ، وما يُجاهِرُونَ بِهِ قَلِيلٌ؛ لِأنَّهم ما وجَدُوا مَندُوحَةً مِن تَكَلُّفِ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ لَمْ يَتَكَلَّفُوهُ، أوْ لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ بِالتَّسْبِيحِ والتَّهْلِيلِ إلّا ذِكْرًا قَلِيلًا. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالقِلَّةِ العَدَمُ، انْتَهى. ولا يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ العَدَمُ؛ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ يَأْباهُ، وقَدْ رَدَدْنا هَذا القَوْلَ عَلَيْهِ، وعَلى ابْنِ عَطِيَّةَ في هَذِهِ السُّورَةِ. وقِيلَ قَلَّ؛ لِأنَّهم قَصَدُوا بِهِ الدُّنْيا، وزَهْرَتَها؛ وذَلِكَ فَإنَّ (مَتاعَ الدُّنْيا قَلِيلٌ)، وقِيلَ في الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: ولا يَذْكُرُونَ عِقابَ اللَّهِ، وثَوابَهُ إلّا قَلِيلًا لِاسْتِغْراقِهِمْ في الدُّنْيا، وغَلَبَةِ الغَفْلَةِ عَلى قُلُوبِهِمْ. والظّاهِرُ أنَّ الذِّكْرَ هُنا هو بِاللِّسانِ، وأنَّهم قَلَّ أنْ يَذْكُرُوا اللَّهَ بِخِلافِ المُؤْمِنِ المُخْلِصِ؛ فَإنَّهُ يَغْلِبُ عَلى أحْوالِهِ ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى. ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾؛ أيْ مُقَلَّقِينَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ذَبْذَبَهُمُ الشَّيْطانُ والهَوى، بَيْنَ الإيمانِ والكُفْرِ، يَتَرَدَّدُونَ بَيْنَهُما مُتَحَيِّرِينَ؛ كَأنَّهُ يُذَبُّ عَنْ كِلا الجانِبَيْنِ؛ أيْ يُذادُ فَلا يَقِرُّ في جانِبٍ واحِدٍ، كَما يُقالُ: فُلانٌ يَرْمِي بِهِ الرَّحَوانِ؛ إلّا أنَّ الذَّبْذَبَةَ فِيها تَكْرِيرٌ لَيْسَ في الذَّبِّ، كَأنَّ المَعْنى: كُلَّما مالَ إلى جانِبٍ ذُبَّ عَنْهُ، انْتَهى. ونَسَبَ الذَّبْذَبَةَ إلى الشَّيْطانِ، وأهْلُ السُّنَّةِ يَقُولُونَ: إنَّ هَذِهِ الحَياةَ والذَّبْذَبَةَ إنَّما حَصَلَتْ بِإيجادِ اللَّهِ. وفي الحَدِيثِ: «مَثَلُ المُنافِقِ مَثَلُ الشّاةِ العايِرِ بَيْنَ الغَنَمَيْنِ» والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى حالَتَيِ الكُفْرِ والإيمانِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨] أيْ بَيْنَ البِكْرِ والفارِضِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأشارَ إلَيْهِ، وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُ الظُّهُورِ لِضِمْنِ الكَلامِ لَهُ، كَما جاءَ: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢] و﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦]، انْتَهى. ولَيْسَ كَما ذَكَرَ، بَلْ تَقَدَّمَ ما تَصِحُّ إلَيْهِ الإشارَةُ مِنَ المَصْدَرَيْنِ اللَّذَيْنِ دَلَّ عَلَيْهِما ذِكْرُ الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ؛ فَهو مِن بابِ: إذا نَهى السَّفِيهُ جَرى إلَيْهِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ: مُذَبْذِبِينَ بِكَسْرِ الذّالِ الثّانِيَةِ، جَعَلاهُ اسْمَ فاعِلٍ؛ أيْ مُذَبْذِبِينَ أنْفُسَهم أوْ دِينَهم، أوْ بِمَعْنى مُتَذَبْذِبِينَ كَما جاءَ صَلْصَلَ، وتَصَلْصَلَ بِمَعْنى. وقَرَأ أُبَيٌّ: مُتَذَبْذِبِينَ اسْمَ فاعِلٍ مِن تَذَبْذَبَ؛ أيِ اضْطَرَبَ، وكَذا في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ. وقَرَأ الحَسَنُ: مَذَبْذَبِينَ بِفَتْحِ المِيمِ والذّالَيْنِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي قِراءَةٌ مَرْدُودَةٌ. انْتَهى. والحَسَنُ البَصْرِيُّ مِن أفْصَحِ النّاسِ يُحْتَجُّ بِكَلامِهِ؛ فَلا يَنْبَغِي أنْ تُرَدَّ قِراءَتُهُ، ولَها وجْهٌ في العَرَبِيَّةِ، وهو أنَّهُ أتْبَعَ (p-٣٧٩)حَرَكَةَ المِيمِ بِحَرَكَةِ الذّالِ؛ وإذا كانُوا قَدْ أتْبَعُوا حَرَكَةَ المِيمِ بِحَرَكَةِ عَيْنِ الكَلِمَةِ، في مِثْلِ مِنتِنٍ، وبَيْنَهُما حاجِزٌ فَلَأنْ يُتْبِعُوا بِغَيْرِ حاجِزٍ أوْلى. وكَذَلِكَ أتْبَعُوا حَرَكَةَ عَيْنِ مُنْفَعِلٍ بِحَرَكَةِ اللّامِ في حالَةِ الرَّفْعِ؛ فَقالُوا: مُنْحَدِرٌ، وهَذا أوْلى؛ لِأنَّ حَرَكَةَ الإعْرابِ لَيْسَتْ ثابِتَةً خِلافَ حَرَكَةِ الذّالِ، وهَذا كُلُّهُ تَوْجِيهُ شُذُوذٍ. وعَلى تَقْدِيرِ صِحَّةِ النَّقْلِ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ بِفَتْحِ المِيمِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: مُدَبْدِبِينَ بِالدّالِ غَيْرَ مُعْجَمَةٍ كَأنَّ المَعْنى: أخَذَتْهم تارَةً بِدَبَّةٍ وتارَةً في دَبَّةٍ؛ فَلَيْسُوا بِماضِينَ عَلى دَبَّةٍ واحِدَةٍ. والدَّبَّةُ الطَّرِيقَةُ، وهي في حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ: «اتَّبِعُوا دَبَّةَ قُرَيْشٍ ولا تُفارِقُوا الجَماعَةَ»، ويُقالُ: دَعْنِي ودُبَّتِي أيْ طَرِيقَتِي وسَجِيَّتِي. قالَ الشّاعِرُ: ؎طَها هِذْرِيانُ قَلَّ تَغْمِيضُ عَيْنِهِ ∗∗∗ عَلى دَبَّةٍ مِثْلِ الخَنِيقِ المُرَعْبَلِ وانْتِصابُ مُذَبْذَبِينَ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ يُراءُونَ، أوْ فاعِلٍ ولا يَذْكُرُونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُذَبْذَبِينَ إمّا حالٌ مِن قَوْلِهِ: ولا (يَذْكُرُونَ) عَنْ واوِ (يُراءُونَهم)؛ أيْ يُراءُونَهم غَيْرَ ذاكِرِينَ مُذَبْذَبِينَ. أوْ مَنصُوبٌ عَلى الذَّمِّ. ﴿لا إلى هَؤُلاءِ ولا إلى هَؤُلاءِ﴾ والمُرادُ بِأحَدِ المُشارِ إلَيْهِمُ المُؤْمِنُونَ وبِالآخَرِ الكافِرُونَ. والمَعْنى: لا يَعْتَقِدُونَ الإيمانَ فَيُعَدُّوا مِنَ المُؤْمِنِينَ، ولَمْ يُقِيمُوا عَلى إظْهارِ الكُفْرِ فَيُعَدُّوا مَعَ الكافِرِينَ. ويَتَعَلَّقُ إلى بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: ولا مَنسُوبِينَ إلى هَؤُلاءِ، وهو مَوْضِعُ الحالِ. ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾؛ أيْ فَلَنْ تَجِدَ لِهِدايَتِهِ سَبِيلًا، أوْ فَلَنْ تَجِدَ سَبِيلًا إلى هِدايَتِهِ. ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤٤] لَمّا كانَ هَذا الوَصْفُ مِن أوْصافِ المُنافِقِينَ وتَقَدَّمَ ذَمُّهم بِذَلِكَ نَهى اللَّهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ عَنْ هَذا الوَصْفِ. «وكانَ لِلْأنْصارِ في بَنِي قُرَيْظَةَ رَضاعٌ وحِلْفٌ ومَوَدَّةٌ، فَقالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: مَن نَتَوَلّى ؟ فَقالَ: (المُهاجِرُونَ)» . وقالَ القَفّالُ: هَذا نَهْيٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَنْ مُوالاةِ المُنافِقِينَ، يَقُولُ: قَدْ بَيَّنْتُ لَكم أخْلاقَ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ فَلا تَتَّخِذُوا مِنهم أوْلِياءَ، انْتَهى. فَعَلى هَذا هَلِ الكافِرُونَ هُنا اليَهُودُ أوِ المُنافِقُونَ قَوْلانِ ؟ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: خِطابُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ يَدْخُلُ فِيهِ بِحُكْمِ الظّاهِرِ، المُنافِقُونَ المُظْهِرُونَ لِلْإيمانِ، وفي اللَّفْظِ رِفْقٌ بِهِمْ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿أتُرِيدُونَ أنْ﴾ [النساء: ١٤٤] هَذا التَّوْفِيقُ إنَّما هو لِمَن ألَمَّ بِشَيْءٍ مِنَ العَقْلِ المُؤَدِّي إلى هَذِهِ الحالِ والمُؤْمِنُونَ المُخْلِصُونَ ما ألَمُّوا بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ. ويُقَوِّي هَذا المَنزَعَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤٤]؛ أيْ والمُؤْمِنُونَ العارِفُونَ المُخْلِصُونَ غُيَّبٌ عَنْ هَذِهِ المُوالاةِ، وهَذا لا يُقالُ لِلْمُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ بَلِ المَعْنى: يا أيُّها الَّذِينَ أظْهَرُوا الإيمانَ والتَزَمُوا لَوازِمَهُ، انْتَهى. قِيلَ: وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الكُفّارَ لا يَسْتَحِقُّ عَلى المُسْلِمِ وِلايَةً بِوَجْهٍ ولَدًا كانَ أوْ غَيْرَهُ، وأنْ لا يُسْتَعانَ بِذِمِّيٍّ في أمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ نُصْرَةٌ، ووِلايَةٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٨]، وقَدْ كَرِهَ بَعْضُ العُلَماءِ تَوْكِيلَهُ في الشِّراءِ والبَيْعِ، وفي دَفْعِ المالِ إلَيْهِ مُضارَبَةً.

النساء 4:143

﴿إنَّ المُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهم وإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراءُونَ النّاسَ ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إلى هَؤُلاءِ ولا إلى هَؤُلاءِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ . الكَسَلُ: التَّثاقُلُ والتَّثَبُّطُ والفُتُورُ عَنِ الشَّيْءِ. ويُقالُ: أكْسَلَ الرَّجُلُ إذا جامَعَ فَأدْرَكَهُ الفُتُورُ ولَمْ يُنْزِلْ. الذَّبْذَبَةُ: الِاضْطِرابُ بِحَيْثُ لا يَبْقى عَلى حالٍ؛ قالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ والتَّرَدُّدُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ. وقالَ النّابِغَةُ: ؎ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أعْطاكَ سُورَةً تَرى كُلَّ مُلْكٍ دُونَها يَتَذَبْذَبُ (p-٣٧٧)وقالَ آخَرُ: ؎خَيالٌ لِأُمِّ السَّلْسَبِيلِ ودُونَها ∗∗∗ مَسِيرَةَ شَهْرٍ لِلْبَرِيدِ المُذَبْذَبِ بِكَسْرِ الثّانِيَةِ. قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ؛ أيِ القَلَقُ الَّذِي لا يَثْبُتُ. قِيلَ وأصْلُهُ الذَّبُّ، وهو ثُلاثِيُّ الأصْلِ ضُعِّفَ فَقِيلَ ذَبَبَ، ثُمَّ أُبْدِلَ مِن أحَدِ المُضَعَّفَيْنِ، وهي الباءُ الثّانِيَةُ ذالًا؛ فَقِيلَ ذَبْذَبَ، وهَذا عَلى أصْلِ الكُوفِيِّينَ. وأمّا البَصْرِيُّونَ فَهو عِنْدَهم رُباعِيٌّ كَدَحْرَجَ. ﴿إنَّ المُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهُمْ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرٌ يُخادِعُونَ اللَّهَ في أوَّلِ البَقَرَةِ. ومَعْنى، وهو خادِعُهم؛ أيْ مُنْزِلٌ الخِداعَ بِهِمْ، وهَذِهِ عِبارَةٌ عَنْ عُقُوبَةٍ سَمّاها بِاسْمِ الذَّنْبَ. فَعُقُوبَتُهم في الدُّنْيا ذُلُّهم، وخَوْفُهم، وفي الآخِرَةِ عَذابُ جَهَنَّمَ؛ قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهم مِنَ المُفَسِّرِينَ: هَذا الخِداعُ هو أنَّهُ تَعالى يُعْطِي هَذِهِ الأُمَّةَ يَوْمَ القِيامَةِ نُورًا لِكُلِّ إنْسانٍ مُؤْمِنٍ أوْ مُنافِقٍ؛ فَيَفْرَحُ المُنافِقُونَ، ويَظُنُّونَ أنَّهم قَدْ نَجَوْا، فَإذا جاءُوا إلى الصِّراطِ طُفِئَ نُورُ كُلِّ مُنافِقٍ، ونَهَضَ المُؤْمِنُونَ. وذَلِكَ قَوْلُ المُنافِقِينَ: انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكم، وذَلِكَ هو الخِداعُ الَّذِي يَجْرِي عَلى المُنافِقِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهو خادِعُهم، وهو فاعِلٌ بِهِمْ ما يَفْعَلُ الغالِبُ في الخِداعِ؛ حَيْثُ تَرَكَهم مَعْصُومِينَ الدِّماءَ والأمْوالَ في الدُّنْيا، وأعَدَّ لَهُمُ الدَّرْكَ الأسْفَلَ مِنَ النّارِ في الآخِرَةِ، ولَمْ يُخْلِهِمْ في العاجِلِ مِن فَضِيحَةٍ وإحْلالِ بَأْسٍ ونِقْمَةٍ ورُعْبٍ دائِمٍ. والخادِعُ مِن خَدَعْتُهُ إذا غَلَبْتَهُ، وكُنْتَ أخْدَعَ مِنهُ، انْتَهى. وبَعْضُهُ مُسْتَرَقٌ مِن كَلامِ الزَّجّاجِ. قالَ الزَّجّاجُ: لَمّا أمَرَ بِقَبُولِ ما أظْهَرُوا كانَ خادِعًا لَهم بِذَلِكَ. وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّحْوِيُّ: خادِعْهم بِإسْكانِ العَيْنِ عَلى التَّخْفِيفِ، واسْتِثْقالِ الخُرُوجِ مِن كَسْرٍ إلى ضَمٍّ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى خَبَرِ (إنَّ) . وقالَ أبُو البَقاءِ: هو في مَوْضِعِ الحالِ. ﴿وإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى﴾ أيْ مُتَوانِينَ لا نَشاطَ لَهم فِيها؛ لِأنَّهم إنَّما يُصَلُّونَ تَسَتُّرًا وتَكَلُّفًا، ويَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أنْ يَتَحَرَّزَ مِن هَذِهِ الخَصْلَةِ الَّتِي ذَمَّ المُنافِقُونَ، وأنْ يُقْبِلَ إلى صَلاتِهِ بِنَشاطٍ وفَرَغِ قَلْبٍ، وتَمَهُّلٍ في فِعْلِها، ولا يَتَقاعَسُ عَنْها فِعْلَ المُنافِقِ الَّذِي يُصَلِّي عَلى كُرْهٍ، لا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ورَغْبَةٍ. وما زالَ في كُلِّ عَصْرٍ مُنافِقُونَ يَتَسَتَّرُونَ بِالإسْلامِ، ويَحْضُرُونَ الصَّلَواتِ كالمُتَفَلْسِفِينَ المَوْجُودِينَ في عَصْرِنا هَذا، وقَدْ أشارَ بَعْضُ عُلَمائِنا إلَيْهِمْ في شِعْرٍ قالَهُ، وضَمَّنَ فِيهِ بَعْضَ الآيَةِ؛ فَقالَ في أبِي الوَلِيدِ بْنِ رُشْدٍ الحَفِيدِ، وأمْثالِهِ مِن مُتَفَلْسِفَةِ الإسْلامِ: ؎لِأشْياعِ الفَلاسِفَةِ اعْتِقادُ ∗∗∗ يَرَوْنَ بِهِ عَنِ الشَّرْحِ انْحِلالًا ؎أباحُوا كُلَّ مَحْظُورٍ حَرامٍ ∗∗∗ ورَدُّوهُ لِأنْفُسِهِمْ حَلالًا ؎وما انْتَسَبُوا إلى الإسْلامِ إلّا ∗∗∗ لِصَوْنِ دِمائِهِمْ أنْ لا تُسالا ؎فَيَأْتُونَ المَناكِرَ في نَشاطٍ ∗∗∗ ويَأْتُونَ الصَّلاةَ وهم كُسالى وقَرَأ الجُمْهُورُ: كُسالى بِضَمِّ الكافِ، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ. وقَرَأ الأعْرَجُ: (كَسالى) بِفَتْحِ الكافِ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ وأسَدٍ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ: (كَسْلى) عَلى وزْنِ (فَعْلى) وُصِفَ بِما يُوصَفُ بِهِ المُؤَنَّثُ المُفْرَدُ عَلى مُراعاةِ الجَماعَةِ كَقِراءَةِ. (وتَرى النّاسَ سَكْرى) . ﴿يُراءُونَ النّاسَ﴾؛ أيْ يَقْصِدُونَ بِصَلاتِهِمُ الرِّياءَ والسُّمْعَةَ، وأنَّهم مُسْلِمُونَ. وهي مِن بابِ المُفاعَلَةِ، يُرِي المُرائِي النّاسَ تَجَمُّلَهُ بِأفْعالِ الطّاعَةِ، وهم يُرُونَهُ اسْتِحْسانَ ذَلِكَ العَمَلِ. وقَدْ يَكُونُ مِن بابِ فاعَلَ بِمَعْنى فَعَلَ؛ نَحْوَ نِعْمَةٍ وناعِمَةٍ. ورَوىأبُو زَيْدٍ: رَأتِ المَرْأةُ المِرْآةَ إذا أمْسَكَتْها لِتَرى وجْهَها. وقُرِئَ: يُرَءُّونَ بِهَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ مُشَدَّدَةٍ بَيْنَ الرّاءِ والواوِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي أقْوى في المَعْنى مَن يُراءُونَ؛ لِأنَّ مَعْناها يَحْمِلُونَ النّاسَ عَلى أنْ يَرَوْهم، ويَتَظاهَرُونَ لَهم بِالصَّلاةِ، وهم يُبْطِنُونَ النِّفاقَ. ونَسَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذِهِ القِراءَةَ لِابْنِ أبِي إسْحاقَ (p-٣٧٨)إلّا أنَّهُ قالَ قَرَأ: يُرَءُّونَهم هَمْزَةٌ مُشَدَّدَةٌ مِثْلَ: يُرَعُّونَهم؛ أيْ يُبَصَّرُونَهم أعْمالَهم، ويُراءُونَهم كَذَلِكَ. ﴿ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا﴾ قالَ الحَسَنُ: قُلْ لِأنَّهُ كانَ يَعْمَلُ لِغَيْرِ اللَّهِ. وقالَ قَتادَةُ: ما مَعْناهُ إنَّما قَلَّ لِكَوْنِهِ لَمْ يَقْبَلْهُ، وما رَدَّهُ اللَّهُ فَكَثِيرُهُ قَلِيلٌ، وما قَبِلَهُ فَقَلِيلُهُ كَثِيرٌ. وقالَ غَيْرُهُ: قُلْ بِالنِّسْبَةِ إلى خَوْضِهِمْ في الباطِلِ، وقَوْلِهِمُ الزُّورَ والكُفْرَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إلّا قَلِيلًا؛ لِأنَّهم لا يُصَلُّونَ قَطُّ غائِبِينَ عَنْ عُيُونِ النّاسِ إلّا ما يُجاهِرُونَ بِهِ، وما يُجاهِرُونَ بِهِ قَلِيلٌ؛ لِأنَّهم ما وجَدُوا مَندُوحَةً مِن تَكَلُّفِ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ لَمْ يَتَكَلَّفُوهُ، أوْ لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ بِالتَّسْبِيحِ والتَّهْلِيلِ إلّا ذِكْرًا قَلِيلًا. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالقِلَّةِ العَدَمُ، انْتَهى. ولا يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ العَدَمُ؛ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ يَأْباهُ، وقَدْ رَدَدْنا هَذا القَوْلَ عَلَيْهِ، وعَلى ابْنِ عَطِيَّةَ في هَذِهِ السُّورَةِ. وقِيلَ قَلَّ؛ لِأنَّهم قَصَدُوا بِهِ الدُّنْيا، وزَهْرَتَها؛ وذَلِكَ فَإنَّ (مَتاعَ الدُّنْيا قَلِيلٌ)، وقِيلَ في الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: ولا يَذْكُرُونَ عِقابَ اللَّهِ، وثَوابَهُ إلّا قَلِيلًا لِاسْتِغْراقِهِمْ في الدُّنْيا، وغَلَبَةِ الغَفْلَةِ عَلى قُلُوبِهِمْ. والظّاهِرُ أنَّ الذِّكْرَ هُنا هو بِاللِّسانِ، وأنَّهم قَلَّ أنْ يَذْكُرُوا اللَّهَ بِخِلافِ المُؤْمِنِ المُخْلِصِ؛ فَإنَّهُ يَغْلِبُ عَلى أحْوالِهِ ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى. ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾؛ أيْ مُقَلَّقِينَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ذَبْذَبَهُمُ الشَّيْطانُ والهَوى، بَيْنَ الإيمانِ والكُفْرِ، يَتَرَدَّدُونَ بَيْنَهُما مُتَحَيِّرِينَ؛ كَأنَّهُ يُذَبُّ عَنْ كِلا الجانِبَيْنِ؛ أيْ يُذادُ فَلا يَقِرُّ في جانِبٍ واحِدٍ، كَما يُقالُ: فُلانٌ يَرْمِي بِهِ الرَّحَوانِ؛ إلّا أنَّ الذَّبْذَبَةَ فِيها تَكْرِيرٌ لَيْسَ في الذَّبِّ، كَأنَّ المَعْنى: كُلَّما مالَ إلى جانِبٍ ذُبَّ عَنْهُ، انْتَهى. ونَسَبَ الذَّبْذَبَةَ إلى الشَّيْطانِ، وأهْلُ السُّنَّةِ يَقُولُونَ: إنَّ هَذِهِ الحَياةَ والذَّبْذَبَةَ إنَّما حَصَلَتْ بِإيجادِ اللَّهِ. وفي الحَدِيثِ: «مَثَلُ المُنافِقِ مَثَلُ الشّاةِ العايِرِ بَيْنَ الغَنَمَيْنِ» والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى حالَتَيِ الكُفْرِ والإيمانِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨] أيْ بَيْنَ البِكْرِ والفارِضِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأشارَ إلَيْهِ، وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُ الظُّهُورِ لِضِمْنِ الكَلامِ لَهُ، كَما جاءَ: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢] و﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦]، انْتَهى. ولَيْسَ كَما ذَكَرَ، بَلْ تَقَدَّمَ ما تَصِحُّ إلَيْهِ الإشارَةُ مِنَ المَصْدَرَيْنِ اللَّذَيْنِ دَلَّ عَلَيْهِما ذِكْرُ الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ؛ فَهو مِن بابِ: إذا نَهى السَّفِيهُ جَرى إلَيْهِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ: مُذَبْذِبِينَ بِكَسْرِ الذّالِ الثّانِيَةِ، جَعَلاهُ اسْمَ فاعِلٍ؛ أيْ مُذَبْذِبِينَ أنْفُسَهم أوْ دِينَهم، أوْ بِمَعْنى مُتَذَبْذِبِينَ كَما جاءَ صَلْصَلَ، وتَصَلْصَلَ بِمَعْنى. وقَرَأ أُبَيٌّ: مُتَذَبْذِبِينَ اسْمَ فاعِلٍ مِن تَذَبْذَبَ؛ أيِ اضْطَرَبَ، وكَذا في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ. وقَرَأ الحَسَنُ: مَذَبْذَبِينَ بِفَتْحِ المِيمِ والذّالَيْنِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي قِراءَةٌ مَرْدُودَةٌ. انْتَهى. والحَسَنُ البَصْرِيُّ مِن أفْصَحِ النّاسِ يُحْتَجُّ بِكَلامِهِ؛ فَلا يَنْبَغِي أنْ تُرَدَّ قِراءَتُهُ، ولَها وجْهٌ في العَرَبِيَّةِ، وهو أنَّهُ أتْبَعَ (p-٣٧٩)حَرَكَةَ المِيمِ بِحَرَكَةِ الذّالِ؛ وإذا كانُوا قَدْ أتْبَعُوا حَرَكَةَ المِيمِ بِحَرَكَةِ عَيْنِ الكَلِمَةِ، في مِثْلِ مِنتِنٍ، وبَيْنَهُما حاجِزٌ فَلَأنْ يُتْبِعُوا بِغَيْرِ حاجِزٍ أوْلى. وكَذَلِكَ أتْبَعُوا حَرَكَةَ عَيْنِ مُنْفَعِلٍ بِحَرَكَةِ اللّامِ في حالَةِ الرَّفْعِ؛ فَقالُوا: مُنْحَدِرٌ، وهَذا أوْلى؛ لِأنَّ حَرَكَةَ الإعْرابِ لَيْسَتْ ثابِتَةً خِلافَ حَرَكَةِ الذّالِ، وهَذا كُلُّهُ تَوْجِيهُ شُذُوذٍ. وعَلى تَقْدِيرِ صِحَّةِ النَّقْلِ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ بِفَتْحِ المِيمِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: مُدَبْدِبِينَ بِالدّالِ غَيْرَ مُعْجَمَةٍ كَأنَّ المَعْنى: أخَذَتْهم تارَةً بِدَبَّةٍ وتارَةً في دَبَّةٍ؛ فَلَيْسُوا بِماضِينَ عَلى دَبَّةٍ واحِدَةٍ. والدَّبَّةُ الطَّرِيقَةُ، وهي في حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ: «اتَّبِعُوا دَبَّةَ قُرَيْشٍ ولا تُفارِقُوا الجَماعَةَ»، ويُقالُ: دَعْنِي ودُبَّتِي أيْ طَرِيقَتِي وسَجِيَّتِي. قالَ الشّاعِرُ: ؎طَها هِذْرِيانُ قَلَّ تَغْمِيضُ عَيْنِهِ ∗∗∗ عَلى دَبَّةٍ مِثْلِ الخَنِيقِ المُرَعْبَلِ وانْتِصابُ مُذَبْذَبِينَ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ يُراءُونَ، أوْ فاعِلٍ ولا يَذْكُرُونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُذَبْذَبِينَ إمّا حالٌ مِن قَوْلِهِ: ولا (يَذْكُرُونَ) عَنْ واوِ (يُراءُونَهم)؛ أيْ يُراءُونَهم غَيْرَ ذاكِرِينَ مُذَبْذَبِينَ. أوْ مَنصُوبٌ عَلى الذَّمِّ. ﴿لا إلى هَؤُلاءِ ولا إلى هَؤُلاءِ﴾ والمُرادُ بِأحَدِ المُشارِ إلَيْهِمُ المُؤْمِنُونَ وبِالآخَرِ الكافِرُونَ. والمَعْنى: لا يَعْتَقِدُونَ الإيمانَ فَيُعَدُّوا مِنَ المُؤْمِنِينَ، ولَمْ يُقِيمُوا عَلى إظْهارِ الكُفْرِ فَيُعَدُّوا مَعَ الكافِرِينَ. ويَتَعَلَّقُ إلى بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: ولا مَنسُوبِينَ إلى هَؤُلاءِ، وهو مَوْضِعُ الحالِ. ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾؛ أيْ فَلَنْ تَجِدَ لِهِدايَتِهِ سَبِيلًا، أوْ فَلَنْ تَجِدَ سَبِيلًا إلى هِدايَتِهِ. ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤٤] لَمّا كانَ هَذا الوَصْفُ مِن أوْصافِ المُنافِقِينَ وتَقَدَّمَ ذَمُّهم بِذَلِكَ نَهى اللَّهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ عَنْ هَذا الوَصْفِ. «وكانَ لِلْأنْصارِ في بَنِي قُرَيْظَةَ رَضاعٌ وحِلْفٌ ومَوَدَّةٌ، فَقالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: مَن نَتَوَلّى ؟ فَقالَ: (المُهاجِرُونَ)» . وقالَ القَفّالُ: هَذا نَهْيٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَنْ مُوالاةِ المُنافِقِينَ، يَقُولُ: قَدْ بَيَّنْتُ لَكم أخْلاقَ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ فَلا تَتَّخِذُوا مِنهم أوْلِياءَ، انْتَهى. فَعَلى هَذا هَلِ الكافِرُونَ هُنا اليَهُودُ أوِ المُنافِقُونَ قَوْلانِ ؟ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: خِطابُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ يَدْخُلُ فِيهِ بِحُكْمِ الظّاهِرِ، المُنافِقُونَ المُظْهِرُونَ لِلْإيمانِ، وفي اللَّفْظِ رِفْقٌ بِهِمْ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿أتُرِيدُونَ أنْ﴾ [النساء: ١٤٤] هَذا التَّوْفِيقُ إنَّما هو لِمَن ألَمَّ بِشَيْءٍ مِنَ العَقْلِ المُؤَدِّي إلى هَذِهِ الحالِ والمُؤْمِنُونَ المُخْلِصُونَ ما ألَمُّوا بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ. ويُقَوِّي هَذا المَنزَعَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤٤]؛ أيْ والمُؤْمِنُونَ العارِفُونَ المُخْلِصُونَ غُيَّبٌ عَنْ هَذِهِ المُوالاةِ، وهَذا لا يُقالُ لِلْمُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ بَلِ المَعْنى: يا أيُّها الَّذِينَ أظْهَرُوا الإيمانَ والتَزَمُوا لَوازِمَهُ، انْتَهى. قِيلَ: وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الكُفّارَ لا يَسْتَحِقُّ عَلى المُسْلِمِ وِلايَةً بِوَجْهٍ ولَدًا كانَ أوْ غَيْرَهُ، وأنْ لا يُسْتَعانَ بِذِمِّيٍّ في أمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ نُصْرَةٌ، ووِلايَةٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٨]، وقَدْ كَرِهَ بَعْضُ العُلَماءِ تَوْكِيلَهُ في الشِّراءِ والبَيْعِ، وفي دَفْعِ المالِ إلَيْهِ مُضارَبَةً.

النساء 4:144

﴿أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكم سُلْطانًا مُبِينًا﴾؛ أيْ حُجَّةً ظاهِرَةً واضِحَةً بِمُوالاتِكُمُ الكافِرِينَ أوِ المُنافِقِينَ عَلى قَوْلِ القَفّالِ. والمَعْنى: أنَّهُ يَأْخُذُكم إنْ والَيْتُمُ الكُفّارَ بِانْتِقامٍ مِنهُ، ولَهُ عَلَيْكم في ذَلِكَ الحُجَّةُ الواضِحَةُ؛ إذْ قَدْ بَيَّنَ لَكم أحْوالَهم، ونَهاكم عَنْ مُوالاتِهِمْ. وقِيلَ السُّلْطانُ هُنا القَهْرُ والقُدْرَةُ. والمَعْنى: أنَّهُ يُسَلَّطُ عَلَيْكم بِسَبَبِ اتِّخاذِكُمِ الكُفّارَ أوْلِياءَ والسُّلْطانَ. قالَ الفَرّاءُ: أُنِّثَ، وذُكِّرَ، وبَعْضُ العَرَبِ يَقُولُ: قَضَتْ بِهِ عَلَيْكَ السُّلْطانُ، وقَدْ أخَذَتْ فُلانًا السُّلْطانُ والتَّأْنِيثُ عِنْدَ الفُصَحاءِ أكْثَرُ، انْتَهى. فَمَن ذَكَّرَ ذَهَبَ بِهِ إلى البُرْهانِ والِاحْتِجاجِ، ومَن أنَّثَ ذَهَبَ بِهِ إلى الحُجَّةِ، وإنَّما اخْتِيرَ التَّذْكِيرُ هُنا في الصِّفَةِ، وإنْ كانَ التَّأْنِيثُ أكْثَرَ؛ لِأنَّهُ وقَعَ الوَصْفُ فاصِلَةً؛ فَهَذا هو المُرَجِّحُ لِلتَّذْكِيرِ عَلى التَّأْنِيثِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والتَّذْكِيرُ أشْهَرُ، وهي لُغَةُ القُرْآنِ حَيْثُ وقَعَ، وهَذا مُخالِفٌ لِما قالَهُ الفَرّاءُ. وإذا سُمِّيَ بِهِ صاحِبُ الأمْرِ فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، والتَّقْدِيرُ: ذُو السُّلْطانِ؛ أيْ ذُو الحُجَّةِ عَلى النّاسِ إذْ هو مُدَبِّرُهم، والنّاظِرُ في مَصالِحِهِمْ ومَنافِعِهِمْ. وقالَ (p-٣٨٠)الزَّمَخْشَرِيُّ: لا تَتَشَبَّهُوا بِالمُنافِقِينَ في اتِّخاذِهِمُ اليَهُودَ، وغَيْرِهِمْ مِن أعْداءِ الإسْلامِ أوْلِياءَ، سُلْطانٌ: حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ، يَعْنِي: أنَّ مُوالاةَ الكافِرِينَ بَيِّنَةٌ عَلى المُنافِقِينَ. وعَنْ صَعْصَةَ بْنِ صَرْحانِ أنَّهُ قالَ لِابْنِ أخٍ لَهُ: خالِصِ المُؤْمِنَ، وخالِقِ الكافِرَ والفاجِرَ: فَإنَّ الفاجِرَ يَرْضى مِنكَ بِالخُلُقِ الحَسَنِ، وإنَّهُ يَحِقُّ عَلَيْكَ أنْ تُخالِصَ المُؤْمِنَ. ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الدَّرْكُ لِأهْلِ النّارِ كالدَّرَجِ لِأهْلِ الجَنَّةِ، إلّا أنَّ الدَّرَجاتِ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ والدِّرْكاتُ بَعْضُها أسْفَلَ مِن بَعْضٍ، انْتَهى. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الدَّرَكاتُ الطَّبَقاتُ: وأصْلُها مِنَ الإدْراكِ؛ أيْ هي مُتَدارِكَةٌ مُتَلاحِقَةٌ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ: هي مِن تَوابِيتَ مِن حَدِيدٍ مُتَعَلِّقَةٍ في قَعْرِ جَهَنَّمَ، والنّارُ سَبْعُ دَرَكاتٍ، قِيلَ أوَّلُها جَهَنَّمُ، ثُمَّ لَظًى، ثُمَّ الحُطَمَةُ، ثُمَّ السَّعِيرُ، ثُمَّ سَقَرُ، ثُمَّ الجَحِيمُ، ثُمَّ الهاوِيَةُ. وقَدْ تُسَمّى جَمِيعُها بِاسْمِ الطَّبَقَةِ الأُولى، وبَعْضُ الطَّبَقاتِ بِاسْمِ بَعْضٍ؛ لِأنَّ لَفْظَ النّارِ يَجْمَعُها. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: أشَدُّ النّاسِ عَذابًا يَوْمَ القِيامَةِ المُنافِقُونَ، ومَن كَفَرَ مِن أصْحابِ المائِدَةِ وآلِ فِرْعَوْنَ. وتَصْدِيقُ ذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ هَذِهِ الآيَةُ في المُنافِقِينَ و﴿فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥] و﴿أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٦]؛ وإنَّما كانَ المُنافِقُ أشَدَّ عَذابًا مِن غَيْرِهِ مِنَ الكُفّارِ؛ لِأنَّهُ مِثْلُهُ في الكُفْرِ، وضَمَّ إلى الكُفْرِ الِاسْتِهْزاءَ بِالإسْلامِ، وأهْلِهِ والمُداجاةَ، وإطْلاعَ الكُفّارِ عَلى أسْرارِ المُسْلِمِينَ فَهو أشَدُّ غَوائِلَ مِنَ الكُفّارِ، وأشَدُّ تَمْكِينًا مِن أذى المُسْلِمِينَ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ والعَرَبِيّانِ: ﴿فِي الدَّرْكِ﴾ بِفَتْحِ الرّاءِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ والأعْمَشُ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: بِسُكُونِها، واخْتُلِفَ عَنْ عاصِمٍ. ورَوى الأعْمَشُ والبَرْجَمِيُّ الفَتْحَ. وغَيْرُهُما الإسْكانَ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهُما لُغَتانِ كالشَّمْعِ والشَّمَعِ، واخْتارَ بَعْضُهُمُ الفَتْحَ لِقَوْلِهِمْ: في الجَمْعِ أدْراكٌ كَجَمَلٍ وأجْمالٍ يَعْنِي: أنَّهُ يَنْقاسُ في فَعَلٍ وأفْعالٍ، ولا يَنْقاسُ في فَعْلٍ. وقالَ عاصِمٌ: لَوْ كانَ بِالفَتْحِ لَقِيلَ السُّفْلى. قالَ بَعْضُهم: ذَهَبَ عاصِمٌ إلى أنَّ الفَتْحَ إنَّما هو عَلى أنَّهُ جَمْعُ دَرَكَةٍ كَبَقَرَةٍ وبَقَرٍ، انْتَهى. ولا يَلْزَمُ ما ذَكَرَهُ مِنَ التَّأْنِيثِ؛ لِأنَّ الجِنْسَ المُمَيَّزَ مُفْرَدُهُ بِهاءِ التَّأْنِيثِ يُؤَنَّثُ في لُغَةِ الحِجازِ، ويُذَكَّرُ في لُغَةِ تَمِيمٍ ونَجْدٍ، وقَدْ جاءَ القُرْآنُ بِهِما إلّا ما اسْتُثْنِيَ؛ لِأنَّهُ يَتَحَتَّمُ فِيهِ التَّأْنِيثُ أوِ التَّذْكِيرُ، ولَيْسَ دَرَكَةٌ ودَرَكٌ مِن ذَلِكَ؛ فَعَلى هَذا يَجُوزُ تَذْكِيرُ الدَّرَكِ وتَأْنِيثُهُ. ﴿ولَنْ تَجِدَ لَهم نَصِيرًا﴾ أيْ مانِعًا مِنَ العَذابِ، ولا شافِعًا يَشْفَعُ. ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا واعْتَصَمُوا بِاللَّهِ، وأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ تابُوا مِنَ النِّفاقِ، وأصْلَحُوا أعْمالَهم، وتَمَسَّكُوا بِاللَّهِ وكِتابِهِ ولَمْ يَكُنْ لَهم مَلْجَأٌ ولا مَلاذٌ إلّا اللَّهَ وأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ؛ أيْ لا يَبْتَغُونَ بِعَمَلِ الطّاعاتِ إلّا وجْهَ اللَّهِ تَعالى؛ ولَمّا كانَ المُنافِقُ مُتَّصِفًا بِنَقائِصِ هَذِهِ الأوْصافِ مِنَ الكُفْرِ، وفَسادِ الأعْمالِ والمُوالاةِ لِلْكافِرِينَ، والِاعْتِزازِ بِهِمْ والمُراءاةِ لِلْمُؤْمِنِينَ شَرَطَ في تَوْبَتِهِمْ ما يُناقِضُ تِلْكَ الأوْصافَ، وهي التَّوْبَةُ مِنَ النِّفاقِ، وهي الوَصْفُ المُحْتَوِي عَلى بَقِيَّةِ الأوْصافِ مِن حَيْثُ المَعْنى. ثُمَّ فَصَّلَ ما أجْمَلَ فِيها، وهو الإصْلاحُ لِلْعَمَلِ المُسْتَأْنَفِ المُقابِلِ لِفَسادِ أعْمالِهِمُ الماضِيَةِ، ثُمَّ الِاعْتِصامُ بِاللَّهِ في المُسْتَقْبَلِ، وهو المُقابِلُ لِمُوالاةِ الكافِرِينَ، والِاعْتِمادُ عَلَيْهِمْ في الماضِي، ثُمَّ الإخْلاصِ لِدِينِ اللَّهِ، وهو المُقابِلُ لِلرِّياءِ الَّذِي كانَ لَهم في الماضِي، ثُمَّ بَعْدَ تَحْصِيلِ هَذِهِ الأوْصافِ جَمِيعِها أشارَ إلَيْهِمْ بِأنَّهم مَعَ المُؤْمِنِينَ، ولَمْ يَحْكم عَلَيْهِمْ بِأنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ، ولا مِنَ المُؤْمِنِينَ، وإنْ كانَ قَدْ صارُوا مُؤْمِنِينَ تَنْفِيرًا مِمّا كانُوا عَلَيْهِ مِن عِظَمِ كُفْرِ النِّفاقِ، وتَعْظِيمًا لِحالِ مَن كانَ مُتَلَبِّسًا بِهِ. ومَعْنى: مَعَ المُؤْمِنِينَ، رُفَقاؤُهم ومُصاحِبُوهم في الدّارَيْنِ. والَّذِينَ تابُوا مُسْتَثْنًى مِن قَوْلِهِ: ﴿فِي الدَّرْكِ﴾ . وقِيلَ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ﴾ [الإسراء: ٩٧] . وقِيلَ هو مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ (فَأُولَئِكَ) . وقالَ الحَوْفِيُّ: ودَخَلَتِ الفاءُ لِما في الكَلامِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ المُتَعَلِّقِ بِالَّذِينَ. (p-٣٨١)﴿وسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ أتى بِـ (سَوْفَ)؛ لِأنَّ إيتاءَ الأجْرِ هو يَوْمَ القِيامَةِ وهو زَمانٌ مُسْتَقْبَلٌ لَيْسَ قَرِيبًا مِنَ الزَّمانِ الحاضِرِ. وقَدْ قالُوا: إنَّ (سَوْفَ) أبْلَغُ في التَّنْفِيسِ مِنَ السِّينِ، ولَمْ يَعُدِ الضَّمِيرُ عَلَيْهِمْ، فَيُقالُ: وسَوْفَ يُؤْتِيهِمْ، بَلْ أخْلَصَ ذَلِكَ الأجْرَ لِلْمُؤْمِنِينَ، وهم رُفَقاؤُهم، فَيُشارِكُونَهم فِيهِ، ويُساهِمُونَهم. وكَتَبَ (يُؤْتِ) في المُصْحَفِ بِغَيْرِ ياءٍ، لَمّا حُذِفَتْ في اللَّفْظِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ حُذِفَتْ في الخَطِّ؛ ولِهَذا نَظائِرُ في القُرْآنِ. ووَقَفَ يَعْقُوبُ عَلَيْها بِالياءِ، ووَقَفَ السَّبْعَةُ بِغَيْرِ ياءٍ اتِّباعًا لِرَسْمِ المُصْحَفِ. وقَدْ رُوِيَ الوَقْفُ بِالياءِ عَنْ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ ونافِعٍ. وقالَ أبُو عَمْرٍو: يَنْبَغِي أنْ لا يُوقَفَ عَلَيْها؛ لِأنَّهُ إنْ وُقِفَ بِغَيْرِ ياءٍ خالَفَ النَّحْوِيِّينَ، وإنْ وقَفَ بِياءٍ خالَفَ لَفْظَ المُصْحَفِ. والأجْرُ العَظِيمُ هو الخُلُودُ في الجَنَّةِ. ﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ﴾ الخِطابُ قِيلَ لِلْمُؤْمِنِينَ. وقِيلَ: لِلْكافِرِينَ، وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ سِياقُ الكَلامِ. وهَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ النَّفْيُ؛ أيْ ما يُعَذِّبُكم، إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ. والمَعْنى: أنَّهُ لا مَنفَعَةَ لَهُ في ذَلِكَ، ولا حاجَةَ؛ لِأنَّ العَذابَ إنَّما يَكُونُ لِشَيْءٍ يَعُودُ نَفْعُهُ أوْ يَنْدَفِعُ ضُرُّهُ عَنِ المُعَذَّبِ؛ واللَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ؛ وإنَّما عِقابُهُ المُسِيءَ لِأمْرٍ قَضَتْ بِهِ حِكْمَتُهُ تَعالى، فَمَن شَكَرَهُ وآمَنَ بِهِ لا يُعَذِّبُهُ. و(ما) اسْتِفْهامٌ كَما ذَكَرْنا في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ؛ التَّقْدِيرُ: أيَّ شَيْءٍ يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم. والباءُ لِلسَّبَبِ اسْتِشْفاءً أمْ إدْراكَ نارٍ، أمْ جَلْبَ مَنفَعَةٍ، أمْ دَفْعَ مَضَرَّةٍ، فَهو تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ (ما) نافِيَةً، قالَ: والمَعْنى: ما يُعَذِّبُكم. ويَلْزَمُ عَلى قَوْلِهِ أنْ تَكُونَ الباءُ زائِدَةً، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ؛ أيْ، إنْ شَكَرْتُمْ، وآمَنتُمْ فَما يَفْعَلُ بِعَذابِكم. ذُكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ بِالشُّكْرِ هُنا تَوْحِيدُ اللَّهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قَدَّمَ الشُّكْرَ عَلى الإيمانِ ؟ قُلْتُ: لِأنَّ العاقِلَ يَنْظُرُ إلى ما عَلَيْهِ مِنَ النِّعْمَةِ العَظِيمَةِ في خَلْقِهِ، وتَعْرِيضِهِ لِلْمَنافِعِ فَيَشْكُرُ شُكْرًا مُبْهَمًا؛ فَإذا انْتَهى بِهِ النَّظَرُ إلى مَعْرِفَةِ المُؤْمِنِ بِهِ المُنَعَّمِ آمَنَ بِهِ، ثُمَّ شَكَرَ شُكْرًا مُفَصَّلًا؛ فَكانَ الشُّكْرُ مُتَقَّدِمًا عَلى الإيمانِ، وكانَ أصْلَ التَّكْلِيفِ ومَدارَهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الشُّكْرُ عَلى الحَقِيقَةِ لا يَكُونُ إلّا مُقْتَرِنًا بِالإيمانِ؛ لَكِنَّهُ ذَكَرَ الإيمانَ تَأْكِيدًا، وتَنْبِيهًا عَلى جَلالَةِ مَوْقِعِهِ، انْتَهى. وأبْعَدُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ؛ أيْ إنْ آمَنتُمْ وشَكَرْتُمْ. ﴿وكانَ اللَّهُ شاكِرًا عَلِيمًا﴾ شاكِرًا أيْ مُثِيبًا مُوفِيًا أُجُورَكم. وأتى بِصِفَةِ الشُّكْرِ بِاسْمِ الفاعِلِ بِلا مُبالَغَةٍ لِيَدُلَّ عَلى أنَّهُ يَتَقَبَّلُ، ولَوْ أقَلَّ شَيْءٍ مِنَ العَمَلِ، ويُنَمِّيهِ عَلِيمًا بِشُكْرِكم وإيمانِكم فَيُجازِيكم. وفي قَوْلِهِ: عَلِيمًا تَحْذِيرٌ ونَدْبٌ إلى الإخْلاصِ لِلَّهِ تَعالى. وقِيلَ الشُّكْرُ مِنَ اللَّهِ إدامَةُ النِّعَمِ عَلى الشّاكِرِ. ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلّا مَن ظُلِمَ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: تَضَّيَفُ رَجُلٌ قَوْمًا فَأساءُوا قِراهُ، فاشْتَكاهم فَعُوتِبَ؛ فَنَزَلَتْ. وقالَ مُقاتِلٌ: «نالَ رَجُلٌ مِن أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ والرَّسُولُ عَلَيْهِ (p-٣٨٢)السَّلامُ حاضِرٌ، فَسَكَتَ عَنْهُ أبُو بَكْرٍ مِرارًا ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ؛ فَقامَ الرَّسُولُ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ شَتَمَنِي فَلَمْ تَقُلْ شَيْئًا، حَتّى إذا رَدَدْتُ عَلَيْهِ قُمْتَ، فَقالَ: ”إنْ مَلَكًا كانَ يُجِيبُ عَنْكَ، فَلَمّا رَدَّدْتَ عَلَيْهِ ذَهَبَ، وجاءَ الشَّيْطانُ“»؛ فَنَزَلَتْ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها هي أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مِن أحْوالِ المُنافِقِينَ وذَمِّهِمْ، وإظْهارِ فَضائِحِهِمْ ما ذَكَرَ وبَيَّنَ ظُلْمَهم، واهْتِضامَهم جانِبَ المُؤْمِنِينَ سَوَّغَ هُنا لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يُذَكِّرُوهم بِما فِيهِمْ مِنَ الأوْصافِ الذَّمِيمَةِ. وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «اذْكُرُوا الفاسِقَ بِما فِيهِ كَيْ يَحْذَرَهُ النّاسُ» . وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إلّا مَن ظُلِمَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: إلّا مَن ظُلِمَ؛ فَإنَّ لَهُ أنْ يَدْعُوَ عَلى مَن ظَلَمَهُ، وكانَ ذَلِكَ رُخْصَةً مِنَ اللَّهِ لَهُ، وإنْ صَبَرَ فَهو خَيْرٌ لَهُ. وقالَ الحَسَنُ: لا يَدْعُو عَلَيْهِ، ولَكِنْ لِيَقُلِ: اللَّهُمَّ أعِنِّي عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ اسْتَخْرِجْ حَقِّي، اللَّهُمَّ حُلْ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما يُرِيدُ مِن ظُلْمِي. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: يُجازِيهِ بِمِثْلِ فِعْلِهِ، ولا يَزِيدُ عَلَيْهِ. وقِيلَ هو أنْ يَبْدَأ بِالشَّتْمِ فَيَرُدَّ عَلى مَن شَتَمَهُ، وتَقَدَّمَ قَوْلُ مُجاهِدٍ أنَّها في الضَّيْفِ يَشْكُو سُوءَ صَنِيعِ المُضِيفِ مَعَهُ، ونُسِبَ إلى الظُّلْمِ؛ لِأنَّهُ مُخالِفٌ لِلشَّرْعِ والمُرُوءَةِ. وقالَ المُنِيرُ: مَعْناهُ إلّا مَن أُكْرِهَ عَلى أنْ يَجْهَرَ بِالسُّوءِ كُفْرًا ونَحْوَهُ؛ فَذَلِكَ مُباحٌ والآيَةُ في الإكْراهِ، وهَذا الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ مُضافٍ أيِ إلّا جَهْرَ مَن ظُلِمَ. وقِيلَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، والتَّقْدِيرُ: لَكِنَّ المَظْلُومَ لَهُ أنْ يَنْتَصِفَ مِن ظالِمِهِ بِما يُوازِي ظُلامَتَهُ؛ قالَهُ السُّدِّيُّ والحَسَنُ، وغَيْرُهُما. و(بِالسُّوءِ) مُتَعَلِّقٌ بِالجَهْرِ، وهو مَصْدَرٌ مُعَرَّفٌ بِالألِفِ واللّامِ، والفاعِلُ مَحْذُوفٌ و(بِالجَهْرِ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ. ومَن أجازَ أنْ يُنْوى في المَصْدَرِ بِناؤُهُ لِلْمَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ قَدَّرَ أنَّ بِالسُّوءِ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، التَّقْدِيرُ: أنْ يُجْهَرَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ مَن ظُلِمَ بَدَلًا مِن ذَلِكَ الفاعِلِ المَحْذُوفِ، التَّقْدِيرُ: إنْ أحَدٌ إلّا المَظْلُومَ، وهَذا مَذْهَبُ الفَرّاءِ. أجازَ الفَرّاءُ فِيما قامَ إلّا زَيْدٌ أنْ يَكُونَ زَيْدٌ بَدَلًا مِن أحَدٍ. وأمّا عَلى مَذْهَبِ الجُمْهُورِ؛ فَإنَّهُ يَكُونُ مِنَ المُسْتَثْنى الَّذِي فَرَغَ لَهُ العامِلُ؛ فَيَكُونُ مَرْفُوعًا عَلى الفاعِلِيَّةِ بِالمَصْدَرِ. وحَسَّنَ ذَلِكَ كَوْنُ الجَهْرِ في حَيِّزِ النَّفْيِ، وكَأنَّهُ قِيلَ لا يَجْهَرُ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلّا المَظْلُومُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعَطاءُ بْنُ السّائِبِ والضَّحّاكُ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، ومُسْلِمُ بْنُ يَسارٍ، والحَسَنُ، وابْنُ المُسَيَّبِ، وقَتادَةُ وأبُو رَجاءٍ: إلّا مَن ظَلَمَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وهو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ. (p-٣٨٣)فَقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِأنَّ الظّالِمَ راكِبٌ ما لَمْ يُحِبَّهُ اللَّهُ فَيَجْهَرُ بِالسُّوءِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى إلّا مَن ظَلَمَ في فِعْلٍ أوْ قَوْلٍ فاجْهُرُوا لَهُ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ في مَعْنى النَّهْيِ عَنْ فِعْلِهِ والتَّوْبِيخِ والرَّدِّ عَلَيْهِ. قالَ: وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنِ المُنافِقِينَ أنَّهم في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ، كانَ ذَلِكَ خَبَرًا بِسُوءٍ مِنَ القَوْلِ ثُمَّ قالَ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ﴾ الآيَةَ عَلى مَعْنى التَّأْسِيسِ والِاسْتِدْعاءِ إلى الشُّكْرِ والإيمانِ، ثُمَّ قالَ لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلّا مَن ظُلِمَ﴾ في إقامَتِهِ عَلى النِّفاقِ؛ فَإنَّهُ يَقُولُ لَهُ: ألَسْتَ المُنافِقَ الكافِرَ الَّذِي لَكَ في الآخِرَةِ الدَّرْكُ الأسْفَلُ ؟ ونَحْوَ هَذا مِنَ الأقْوالِ. وقالَ قَوْمٌ: تَقْدِيرُهُ: لَكِنْ مَن ظُلِمَ فَهو يَجْهَرُ بِالسُّوءِ، وهو ظالِمٌ في ذَلِكَ؛ فَهي ثَلاثَةُ تَقادِيرَ في هَذا الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ: أحَدُها: راجِعٌ لِلْجُمْلَةِ الأُولى، وهي لا يُحِبُّ؛ كَأنَّهُ قِيلَ لَكِنَّ الظّالِمَ يُحِبُّ الجَهْرَ بِالسُّوءِ فَهو يَفْعَلُهُ والثّانِي: راجِعٌ إلى فاعِلِ الجَهْرِ؛ أيْ لا يُحِبُّ اللَّهُ أنْ يَجْهَرَ أحَدٌ بِالسُّوءِ؛ لَكِنَّ الظّالِمَ يَجْهَرُ بِالسُّوءِ. والثّالِثُ: راجِعٌ إلى مُتَعَلِّقِ الجَهْرِ الفَضْلَةِ المَحْذُوفَةِ؛ أيْ إنْ يَجْهَرْ أحَدُكم لِأحَدٍ بِالسُّوءِ؛ لَكِنْ مَن ظَلَمَ فاجْهُرُوا لَهُ بِالسُّوءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإعْرابُ مَن يَحْتَمِلُ في بَعْضِ هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ النَّصْبَ، ويَحْتَمِلُ الرَّفْعَ عَلى البَدَلِ مِن ”أحَدٌ“ المُقَدَّرِ، انْتَهى. ويَعْنِي بِأحَدٍ المُقَدَّرِ في المَصْدَرِ إذِ التَّقْدِيرُ: إنْ يَجْهَرْ أحَدٌ، وما ذَكَرَهُ مِن جَوازِ الرَّفْعِ عَلى البَدَلِ لا يَصِحُّ، وذَلِكَ أنَّ الِاسْتِثْناءَ المُنْقَطِعَ عَلى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ يُسَوَّغُ فِيهِ (p-٣٨٤)البَدَلُ، وهو ما يُمْكِنُ تَوَجُّهُ العامِلِ عَلَيْهِ نَحْوَ: ما في الدّارِ أحَدٌ إلّا حِمارٌ، فَهَذا فِيهِ البَدَلُ في لُغَةِ تَمِيمٍ، والنُّصْبُ عَلى الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ في لُغَةِ الحِجازِ؛ وإنَّما جازَ فِيهِ البَدَلُ؛ لِأنَّكَ لَوْ قُلْتَ: ما في الدّارِ إلّا حِمارٌ صَحَّ المَعْنى. وقِسْمٌ يَتَحَتَّمُ فِيهِ النَّصْبُ عَلى الِاسْتِثْناءِ، ولا يُسَوَّغُ فِيهِ البَدَلُ، وهو ما لا يُمْكِنُ تَوَجُّهُ العامِلِ عَلَيْهِ نَحْوَ: المالُ ما زادَ إلّا النَّقْصَ. التَّقْدِيرُ: لَكِنَّ النَّقْصَ حَصَلَ لَهُ؛ فَهَذا لا يُمْكِنُ أنْ يَتَوَجَّهَ زادَ عَلى النَّقْصِ؛ لِأنَّكَ لَوْ قُلْتَ: ما زادَ إلّا النَّقْصُ لَمْ يَصِحَّ المَعْنى، والآيَةُ مِن هَذا القِسْمِ؛ لِأنَّكَ لَوْ قُلْتَ: لا يُحِبُّ اللَّهُ أنْ يَجْهَرَ بِالسُّوءِ إلّا الظّالِمُ، فَيُفَرَّغُ أنْ يَجْهَرَ؛ لِأنْ يَعْمَلَ في الظّالِمِ لَمْ يَصِحَّ المَعْنى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَن مَرْفُوعًا؛ كَأنَّهُ قِيلَ لا يُحِبُّ الجَهْرَ بِالسُّوءِ إلّا الظّالِمُ، عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: ما جاءَنِي زَيْدٌ إلّا عَمْرٌو، بِمَعْنى: ما جاءَنِي إلّا عَمْرٌو. ومِنهُ ﴿لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، انْتَهى. وهَذا الَّذِي جَوَّزَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ يُذْكَرُ لَغْوًا زائِدًا، ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الظّالِمُ بَدَلًا مِنَ اللَّهِ، ولا عَمْرٌو بَدَلًا مِن زَيْدٍ؛ لِأنَّ البَدَلَ في هَذا البابِ راجِعٌ في المَعْنى إلى كَوْنِهِ بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، إمّا عَلى سَبِيلِ الحَقِيقَةِ نَحْوَ: ما قامَ القَوْمُ إلّا زَيْدٌ، وإمّا عَلى سَبِيلِ المَجازِ نَحْوَ: ما في الدّارِ أحَدٌ إلّا حِمارٌ، وهَذا لا يُمْكِنُ فِيهِ البَدَلُ المَذْكُورُ لا عَلى سَبِيلِ الحَقِيقَةِ، ولا عَلى سَبِيلِ المَجازِ؛ لِأنَّ اللَّهَ عَلَمٌ، وكَذا زَيْدٌ هو عَلَمٌ؛ فَلا يُمْكِنُ أنْ يُتَخَيَّلَ فِيهِ عُمُومٌ، فَيَكُونُ الظّالِمُ بَدَلًا مِنَ اللَّهِ، وعَمْرٌو بَدَلًا مِن زَيْدٍ. وأمّا ما يَجُوزُ فِيهِ البَدَلُ مِن الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ فَإنَّهُ يُتَخَيَّلُ فِيما قَبْلَهُ عُمُومٌ؛ ولِذَلِكَ صَحَّ البَدَلُ مِنهُ عَلى طَرِيقِ المَجازِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ بَعْضًا مِنَ المُسْتَثْنى مِنهُ حَقِيقَةً. وأمّا قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ ما جاءَنِي زَيْدٌ إلّا عَمْرٌو، فَلا نَعْلَمُ هَذِهِ اللُّغَةَ إلّا أنَّ في كِتابِ سِيبَوَيْهِ بَعْدَ أنْ أنْشَدَ أبْياتًا مِنَ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ آخِرُها قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎عَشِيَّةَ لا تُغْنِي الرِّماحُ مَكانَها ولا النَّبْلُ إلّا المَشْرَفِيُّ المُصَمَّمُ ما نَصُّهُ وهَذا يُقَوِّي: ما أتانِي زَيْدٌ إلّا عَمْرٌو، وما أعانَهُ إخْوانُكم إلّا إخِوانُهُ؛ لِأنَّها مَعارِفُ لَيْسَتِ الأسْماءُ الآخِرَةُ بِها، ولا مِنها، انْتَهى كَلامُ سِيبَوَيْهِ. ولَمْ يُصَرِّحْ، ولا لَوَّحَ أنَّ قَوْلَهُ: ما أتانِي زَيْدٌ إلّا عَمْرٌو مِن كَلامِ العَرَبِ. وقِيلَ مِن شَرْحِ سِيبَوَيْهِ؛ فَهَذا يُقَوِّي: ما أتانِي زَيْدٌ إلّا عَمْرٌو؛ أيْ يَنْبَغِي أنْ يَثْبُتَ هَذا مِن كَلامِهِمْ؛ لِأنَّ النَّبْلَ مَعْرِفَةٌ لَيْسَ بِالمَشْرَفِيِّ، كَما أنَّ زَيْدًا لَيْسَ بِعَمْرٍو، وكَما أنَّ أُخْوَةَ زَيْدٍ لَيْسُوا إخْوانَكم، انْتَهى. ولَيْسَ ما أتانِي زَيْدٌ إلّا عَمْرٌو نَظِيرًا لِلْبَيْتِ؛ لِأنَّهُ يُتَخَيَّلُ عُمُومٌ في البَيْتِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ لا يُغْنِي السِّلاحُ مَكانَها إلّا المَشْرَفِيُّ، بِخِلافِ ما أتانِي زَيْدٌ إلّا عَمْرٌو، فَإنَّهُ لا يُتَخَيَّلُ في ما أتانِي زَيْدٌ. عُمُومٌ البَتَّةَ عَلى أنَّهُ لَوْ سُمِعَ هَذا مِن كَلامِ العَرَبِ وجَبَ تَأْوِيلُهُ حَتّى يَصِحَّ البَدَلُ؛ فَكانَ يَصِحُّ ما جاءَنِي زَيْدٌ، ولا غَيْرُهُ إلّا عَمْرٌو. كَأنَّهُ يَدُلُّ عَلى حَذْفِ المَعْطُوفِ وُجُودُ هَذا الِاسْتِثْناءِ؛ إمّا أنْ يَكُونَ عَلى إلْغاءِ هَذا الفاعِلِ، وزِيادَتِهِ، أوْ عَلى كَوْنِ عَمْرٍو بَدَلًا مِن زَيْدٍ؛ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ لِما ذَكَرْناهُ. وأمّا قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: ومِنهُ ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، فَلَيْسَ مِن بابِ ما ذُكِرَ؛ لِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ (مَن) مُفَعْوِلَةً و(الغَيْبَ) بَدَلًا مِن بَدَلِ اشْتِمالٍ؛ أيْ لا يَعْلَمُ غَيْبَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا اللَّهُ؛ أيْ ما يُسِرُّونَهُ، ويُخْفُونَهُ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ. وإنْ سَلَّمْنا أنَّ مَن مَرْفُوعَةٌ؛ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ بَدَلًا مِن (مَن) عَلى سَبِيلِ المَجازِ في مَن؛ لِأنَّ (مَن في السَّماواتِ) يُتَخَيَّلُ فِيهِ عُمُومٌ؛ كَأنَّهُ قِيلَ قُلْ لا يَعْلَمُ المَوْجُودَ دُونَ الغَيْبِ إلّا اللَّهُ. أوْ عَلى سَبِيلِ المَجازِ في الظَّرْفِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى، ولِذا جاءَ عَنْهُ ذَلِكَ في القُرْآنِ، وفي السُّنَّةِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾ [الأنعام: ٣]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤]، وفي الحَدِيثِ (p-٣٨٥)«أيْنَ اللَّهُ ؟ قالَتْ: في السَّماءِ»، ومِن كَلامِ العَرَبِ: لا وذِي في السَّماءِ بَيْتُهُ؛ يَعْنُونَ اللَّهَ تَعالى. وإذا احْتَمَلَتِ الآيَةُ هَذِهِ الوُجُوهَ لَمْ يَتَعَيَّنْ حَمْلُها عَلى ما ذُكِرَ، وخَصَّ الجَهْرَ بِالذِّكْرِ إمّا إخْراجًا لَهُ مُخْرَجَ الغائِبِ، وإمّا اكْتِفاءً بِالجَهْرِ عَنْ مُقابِلِهِ، أوْ لِكَوْنِهِ أفْحَشَ. ﴿وكانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ أيْ سَمِيعًا لِما يُجْهَرُ بِهِ مِنَ السُّوءِ، عَلِيمًا بِما يُسَرُّ بِهِ مِنهُ. وقِيلَ سَمِيعًا لِكَلامِ المَظْلُومِ عَلِيمًا بِالظّالِمِ. وقِيلَ سَمِيعًا بِشَكْوى المَظْلُومِ عَلِيمًا بِعُقْبى الظّالِمِ، أوْ عَلِيمًا بِما في قَلْبِ المَظْلُومِ؛ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ ولا يَقُلْ إلّا الحَقَّ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرٌ، ومَعْناهُ التَّهْدِيدُ والتَّحْذِيرُ. ﴿إنْ تُبْدُوا خَيْرًا أوْ تُخْفُوهُ أوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ الظّاهِرُ أنَّ الهاءَ في تُخْفُوهُ تَعُودُ عَلى الخَيْرِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ مِن أعْمالِ البِرِّ كالصِّيامِ والصَّدَقَةِ. وقالَ بَعْضُهم: في تُخْفُوهُ عائِدٌ عَلى الخَيْرِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ مِن أعْمالِ البَرِّ كالصِّيامِ والصَّدَقَةِ. وقالَ بَعْضُهم: في تُخْفُوهُ عائِدٌ عَلى السُّوءِ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى لَمّا أباحَ الجَهْرَ بِالسُّوءِ لِمَن كانَ مَظْلُومًا قالَ لَهُ، ولِجِنْسِهِ: إنْ تُبْدُو خَيْرًا بَدَلًا مِنَ السُّوءِ، أوْ تُخْفُوا السُّوءَ، أوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ. فالعَفْوُ أوْلى، وإنْ كانَ غَيْرُ المَعْفُوِّ مُباحًا، انْتَهى. وذَكَرَ إبْداءَ الخَيْرِ، وإخْفاءَهُ تَسَبُّبًا لِذَلِكَ العَفْوِ، ثُمَّ عَطَفَهُ عَلَيْهِما تَنْبِيهًا عَلى مَنزِلَتِهِ، واعْتِدادًا بِهِ، وإنْ كانَ مُنْدَرِجًا في إبْداءِ الخَيْرِ، وإخْفائِهِ؛ فَجَعَلَهُ قَسَمًا بِالعَطْفِ لا قَسِيمًا اعْتِناءً بِهِ. ولِذَلِكَ أتى سُبْحانَهُ وتَعالى بِصِفَةِ العَفْوِ والقُدْرَةِ مَنسُوبَةً لَهُ تَعالى لِيُقْتَدى بِسُنَّتِهِ، ويُتَخَلَّقَ بِشَيْءٍ مِن صِفاتِهِ تَعالى. والمَعْنى: أنَّهُ يَعْفُو عَنِ الجانِينَ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى الِانْتِقامِ، وكانَ بِالصِّفَتَيْنِ عَلى طَرِيقِ المُبالَغَةِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ العَبْدَ يَنْبَغِي أنْ يَكْثُرَ مِنهُ العَفْوُ مَعَ كَثْرَةِ القُدْرَةِ عَلى الِانْتِقامِ. وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «مَن كَظَمَ غَيْظًا، وهو يَقْدِرُ عَلى إنْفاذِهِ مَلَأ اللَّهُ قَلْبَهُ أمْنًا وإيمانًا» . وقالَ تَعالى: ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ والعافِينَ عَنِ النّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٤] . وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى أنَّهُ تَعالى يَعْفُو عَنِ الجانِينَ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى الِانْتِقامِ، فَعَلَيْكم بِالعَفْوِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مَعْناهُ أنِّي أقْدَرُ عَلى العَفْوِ عَنْ ذُنُوبِكَ مِنكَ عَلى عَفْوِكَ عَنْ صاحِبِكَ. وقِيلَ عَفُوًّا لِمَن عَفى، قَدِيرًا عَلى إيصالِ الثَّوابِ إلَيْهِ.

النساء 4:145

﴿أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكم سُلْطانًا مُبِينًا﴾؛ أيْ حُجَّةً ظاهِرَةً واضِحَةً بِمُوالاتِكُمُ الكافِرِينَ أوِ المُنافِقِينَ عَلى قَوْلِ القَفّالِ. والمَعْنى: أنَّهُ يَأْخُذُكم إنْ والَيْتُمُ الكُفّارَ بِانْتِقامٍ مِنهُ، ولَهُ عَلَيْكم في ذَلِكَ الحُجَّةُ الواضِحَةُ؛ إذْ قَدْ بَيَّنَ لَكم أحْوالَهم، ونَهاكم عَنْ مُوالاتِهِمْ. وقِيلَ السُّلْطانُ هُنا القَهْرُ والقُدْرَةُ. والمَعْنى: أنَّهُ يُسَلَّطُ عَلَيْكم بِسَبَبِ اتِّخاذِكُمِ الكُفّارَ أوْلِياءَ والسُّلْطانَ. قالَ الفَرّاءُ: أُنِّثَ، وذُكِّرَ، وبَعْضُ العَرَبِ يَقُولُ: قَضَتْ بِهِ عَلَيْكَ السُّلْطانُ، وقَدْ أخَذَتْ فُلانًا السُّلْطانُ والتَّأْنِيثُ عِنْدَ الفُصَحاءِ أكْثَرُ، انْتَهى. فَمَن ذَكَّرَ ذَهَبَ بِهِ إلى البُرْهانِ والِاحْتِجاجِ، ومَن أنَّثَ ذَهَبَ بِهِ إلى الحُجَّةِ، وإنَّما اخْتِيرَ التَّذْكِيرُ هُنا في الصِّفَةِ، وإنْ كانَ التَّأْنِيثُ أكْثَرَ؛ لِأنَّهُ وقَعَ الوَصْفُ فاصِلَةً؛ فَهَذا هو المُرَجِّحُ لِلتَّذْكِيرِ عَلى التَّأْنِيثِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والتَّذْكِيرُ أشْهَرُ، وهي لُغَةُ القُرْآنِ حَيْثُ وقَعَ، وهَذا مُخالِفٌ لِما قالَهُ الفَرّاءُ. وإذا سُمِّيَ بِهِ صاحِبُ الأمْرِ فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، والتَّقْدِيرُ: ذُو السُّلْطانِ؛ أيْ ذُو الحُجَّةِ عَلى النّاسِ إذْ هو مُدَبِّرُهم، والنّاظِرُ في مَصالِحِهِمْ ومَنافِعِهِمْ. وقالَ (p-٣٨٠)الزَّمَخْشَرِيُّ: لا تَتَشَبَّهُوا بِالمُنافِقِينَ في اتِّخاذِهِمُ اليَهُودَ، وغَيْرِهِمْ مِن أعْداءِ الإسْلامِ أوْلِياءَ، سُلْطانٌ: حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ، يَعْنِي: أنَّ مُوالاةَ الكافِرِينَ بَيِّنَةٌ عَلى المُنافِقِينَ. وعَنْ صَعْصَةَ بْنِ صَرْحانِ أنَّهُ قالَ لِابْنِ أخٍ لَهُ: خالِصِ المُؤْمِنَ، وخالِقِ الكافِرَ والفاجِرَ: فَإنَّ الفاجِرَ يَرْضى مِنكَ بِالخُلُقِ الحَسَنِ، وإنَّهُ يَحِقُّ عَلَيْكَ أنْ تُخالِصَ المُؤْمِنَ. ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الدَّرْكُ لِأهْلِ النّارِ كالدَّرَجِ لِأهْلِ الجَنَّةِ، إلّا أنَّ الدَّرَجاتِ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ والدِّرْكاتُ بَعْضُها أسْفَلَ مِن بَعْضٍ، انْتَهى. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الدَّرَكاتُ الطَّبَقاتُ: وأصْلُها مِنَ الإدْراكِ؛ أيْ هي مُتَدارِكَةٌ مُتَلاحِقَةٌ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ: هي مِن تَوابِيتَ مِن حَدِيدٍ مُتَعَلِّقَةٍ في قَعْرِ جَهَنَّمَ، والنّارُ سَبْعُ دَرَكاتٍ، قِيلَ أوَّلُها جَهَنَّمُ، ثُمَّ لَظًى، ثُمَّ الحُطَمَةُ، ثُمَّ السَّعِيرُ، ثُمَّ سَقَرُ، ثُمَّ الجَحِيمُ، ثُمَّ الهاوِيَةُ. وقَدْ تُسَمّى جَمِيعُها بِاسْمِ الطَّبَقَةِ الأُولى، وبَعْضُ الطَّبَقاتِ بِاسْمِ بَعْضٍ؛ لِأنَّ لَفْظَ النّارِ يَجْمَعُها. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: أشَدُّ النّاسِ عَذابًا يَوْمَ القِيامَةِ المُنافِقُونَ، ومَن كَفَرَ مِن أصْحابِ المائِدَةِ وآلِ فِرْعَوْنَ. وتَصْدِيقُ ذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ هَذِهِ الآيَةُ في المُنافِقِينَ و﴿فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥] و﴿أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٦]؛ وإنَّما كانَ المُنافِقُ أشَدَّ عَذابًا مِن غَيْرِهِ مِنَ الكُفّارِ؛ لِأنَّهُ مِثْلُهُ في الكُفْرِ، وضَمَّ إلى الكُفْرِ الِاسْتِهْزاءَ بِالإسْلامِ، وأهْلِهِ والمُداجاةَ، وإطْلاعَ الكُفّارِ عَلى أسْرارِ المُسْلِمِينَ فَهو أشَدُّ غَوائِلَ مِنَ الكُفّارِ، وأشَدُّ تَمْكِينًا مِن أذى المُسْلِمِينَ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ والعَرَبِيّانِ: ﴿فِي الدَّرْكِ﴾ بِفَتْحِ الرّاءِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ والأعْمَشُ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: بِسُكُونِها، واخْتُلِفَ عَنْ عاصِمٍ. ورَوى الأعْمَشُ والبَرْجَمِيُّ الفَتْحَ. وغَيْرُهُما الإسْكانَ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهُما لُغَتانِ كالشَّمْعِ والشَّمَعِ، واخْتارَ بَعْضُهُمُ الفَتْحَ لِقَوْلِهِمْ: في الجَمْعِ أدْراكٌ كَجَمَلٍ وأجْمالٍ يَعْنِي: أنَّهُ يَنْقاسُ في فَعَلٍ وأفْعالٍ، ولا يَنْقاسُ في فَعْلٍ. وقالَ عاصِمٌ: لَوْ كانَ بِالفَتْحِ لَقِيلَ السُّفْلى. قالَ بَعْضُهم: ذَهَبَ عاصِمٌ إلى أنَّ الفَتْحَ إنَّما هو عَلى أنَّهُ جَمْعُ دَرَكَةٍ كَبَقَرَةٍ وبَقَرٍ، انْتَهى. ولا يَلْزَمُ ما ذَكَرَهُ مِنَ التَّأْنِيثِ؛ لِأنَّ الجِنْسَ المُمَيَّزَ مُفْرَدُهُ بِهاءِ التَّأْنِيثِ يُؤَنَّثُ في لُغَةِ الحِجازِ، ويُذَكَّرُ في لُغَةِ تَمِيمٍ ونَجْدٍ، وقَدْ جاءَ القُرْآنُ بِهِما إلّا ما اسْتُثْنِيَ؛ لِأنَّهُ يَتَحَتَّمُ فِيهِ التَّأْنِيثُ أوِ التَّذْكِيرُ، ولَيْسَ دَرَكَةٌ ودَرَكٌ مِن ذَلِكَ؛ فَعَلى هَذا يَجُوزُ تَذْكِيرُ الدَّرَكِ وتَأْنِيثُهُ. ﴿ولَنْ تَجِدَ لَهم نَصِيرًا﴾ أيْ مانِعًا مِنَ العَذابِ، ولا شافِعًا يَشْفَعُ. ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا واعْتَصَمُوا بِاللَّهِ، وأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ تابُوا مِنَ النِّفاقِ، وأصْلَحُوا أعْمالَهم، وتَمَسَّكُوا بِاللَّهِ وكِتابِهِ ولَمْ يَكُنْ لَهم مَلْجَأٌ ولا مَلاذٌ إلّا اللَّهَ وأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ؛ أيْ لا يَبْتَغُونَ بِعَمَلِ الطّاعاتِ إلّا وجْهَ اللَّهِ تَعالى؛ ولَمّا كانَ المُنافِقُ مُتَّصِفًا بِنَقائِصِ هَذِهِ الأوْصافِ مِنَ الكُفْرِ، وفَسادِ الأعْمالِ والمُوالاةِ لِلْكافِرِينَ، والِاعْتِزازِ بِهِمْ والمُراءاةِ لِلْمُؤْمِنِينَ شَرَطَ في تَوْبَتِهِمْ ما يُناقِضُ تِلْكَ الأوْصافَ، وهي التَّوْبَةُ مِنَ النِّفاقِ، وهي الوَصْفُ المُحْتَوِي عَلى بَقِيَّةِ الأوْصافِ مِن حَيْثُ المَعْنى. ثُمَّ فَصَّلَ ما أجْمَلَ فِيها، وهو الإصْلاحُ لِلْعَمَلِ المُسْتَأْنَفِ المُقابِلِ لِفَسادِ أعْمالِهِمُ الماضِيَةِ، ثُمَّ الِاعْتِصامُ بِاللَّهِ في المُسْتَقْبَلِ، وهو المُقابِلُ لِمُوالاةِ الكافِرِينَ، والِاعْتِمادُ عَلَيْهِمْ في الماضِي، ثُمَّ الإخْلاصِ لِدِينِ اللَّهِ، وهو المُقابِلُ لِلرِّياءِ الَّذِي كانَ لَهم في الماضِي، ثُمَّ بَعْدَ تَحْصِيلِ هَذِهِ الأوْصافِ جَمِيعِها أشارَ إلَيْهِمْ بِأنَّهم مَعَ المُؤْمِنِينَ، ولَمْ يَحْكم عَلَيْهِمْ بِأنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ، ولا مِنَ المُؤْمِنِينَ، وإنْ كانَ قَدْ صارُوا مُؤْمِنِينَ تَنْفِيرًا مِمّا كانُوا عَلَيْهِ مِن عِظَمِ كُفْرِ النِّفاقِ، وتَعْظِيمًا لِحالِ مَن كانَ مُتَلَبِّسًا بِهِ. ومَعْنى: مَعَ المُؤْمِنِينَ، رُفَقاؤُهم ومُصاحِبُوهم في الدّارَيْنِ. والَّذِينَ تابُوا مُسْتَثْنًى مِن قَوْلِهِ: ﴿فِي الدَّرْكِ﴾ . وقِيلَ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ﴾ [الإسراء: ٩٧] . وقِيلَ هو مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ (فَأُولَئِكَ) . وقالَ الحَوْفِيُّ: ودَخَلَتِ الفاءُ لِما في الكَلامِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ المُتَعَلِّقِ بِالَّذِينَ. (p-٣٨١)﴿وسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ أتى بِـ (سَوْفَ)؛ لِأنَّ إيتاءَ الأجْرِ هو يَوْمَ القِيامَةِ وهو زَمانٌ مُسْتَقْبَلٌ لَيْسَ قَرِيبًا مِنَ الزَّمانِ الحاضِرِ. وقَدْ قالُوا: إنَّ (سَوْفَ) أبْلَغُ في التَّنْفِيسِ مِنَ السِّينِ، ولَمْ يَعُدِ الضَّمِيرُ عَلَيْهِمْ، فَيُقالُ: وسَوْفَ يُؤْتِيهِمْ، بَلْ أخْلَصَ ذَلِكَ الأجْرَ لِلْمُؤْمِنِينَ، وهم رُفَقاؤُهم، فَيُشارِكُونَهم فِيهِ، ويُساهِمُونَهم. وكَتَبَ (يُؤْتِ) في المُصْحَفِ بِغَيْرِ ياءٍ، لَمّا حُذِفَتْ في اللَّفْظِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ حُذِفَتْ في الخَطِّ؛ ولِهَذا نَظائِرُ في القُرْآنِ. ووَقَفَ يَعْقُوبُ عَلَيْها بِالياءِ، ووَقَفَ السَّبْعَةُ بِغَيْرِ ياءٍ اتِّباعًا لِرَسْمِ المُصْحَفِ. وقَدْ رُوِيَ الوَقْفُ بِالياءِ عَنْ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ ونافِعٍ. وقالَ أبُو عَمْرٍو: يَنْبَغِي أنْ لا يُوقَفَ عَلَيْها؛ لِأنَّهُ إنْ وُقِفَ بِغَيْرِ ياءٍ خالَفَ النَّحْوِيِّينَ، وإنْ وقَفَ بِياءٍ خالَفَ لَفْظَ المُصْحَفِ. والأجْرُ العَظِيمُ هو الخُلُودُ في الجَنَّةِ. ﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ﴾ الخِطابُ قِيلَ لِلْمُؤْمِنِينَ. وقِيلَ: لِلْكافِرِينَ، وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ سِياقُ الكَلامِ. وهَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ النَّفْيُ؛ أيْ ما يُعَذِّبُكم، إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ. والمَعْنى: أنَّهُ لا مَنفَعَةَ لَهُ في ذَلِكَ، ولا حاجَةَ؛ لِأنَّ العَذابَ إنَّما يَكُونُ لِشَيْءٍ يَعُودُ نَفْعُهُ أوْ يَنْدَفِعُ ضُرُّهُ عَنِ المُعَذَّبِ؛ واللَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ؛ وإنَّما عِقابُهُ المُسِيءَ لِأمْرٍ قَضَتْ بِهِ حِكْمَتُهُ تَعالى، فَمَن شَكَرَهُ وآمَنَ بِهِ لا يُعَذِّبُهُ. و(ما) اسْتِفْهامٌ كَما ذَكَرْنا في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ؛ التَّقْدِيرُ: أيَّ شَيْءٍ يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم. والباءُ لِلسَّبَبِ اسْتِشْفاءً أمْ إدْراكَ نارٍ، أمْ جَلْبَ مَنفَعَةٍ، أمْ دَفْعَ مَضَرَّةٍ، فَهو تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ (ما) نافِيَةً، قالَ: والمَعْنى: ما يُعَذِّبُكم. ويَلْزَمُ عَلى قَوْلِهِ أنْ تَكُونَ الباءُ زائِدَةً، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ؛ أيْ، إنْ شَكَرْتُمْ، وآمَنتُمْ فَما يَفْعَلُ بِعَذابِكم. ذُكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ بِالشُّكْرِ هُنا تَوْحِيدُ اللَّهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قَدَّمَ الشُّكْرَ عَلى الإيمانِ ؟ قُلْتُ: لِأنَّ العاقِلَ يَنْظُرُ إلى ما عَلَيْهِ مِنَ النِّعْمَةِ العَظِيمَةِ في خَلْقِهِ، وتَعْرِيضِهِ لِلْمَنافِعِ فَيَشْكُرُ شُكْرًا مُبْهَمًا؛ فَإذا انْتَهى بِهِ النَّظَرُ إلى مَعْرِفَةِ المُؤْمِنِ بِهِ المُنَعَّمِ آمَنَ بِهِ، ثُمَّ شَكَرَ شُكْرًا مُفَصَّلًا؛ فَكانَ الشُّكْرُ مُتَقَّدِمًا عَلى الإيمانِ، وكانَ أصْلَ التَّكْلِيفِ ومَدارَهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الشُّكْرُ عَلى الحَقِيقَةِ لا يَكُونُ إلّا مُقْتَرِنًا بِالإيمانِ؛ لَكِنَّهُ ذَكَرَ الإيمانَ تَأْكِيدًا، وتَنْبِيهًا عَلى جَلالَةِ مَوْقِعِهِ، انْتَهى. وأبْعَدُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ؛ أيْ إنْ آمَنتُمْ وشَكَرْتُمْ. ﴿وكانَ اللَّهُ شاكِرًا عَلِيمًا﴾ شاكِرًا أيْ مُثِيبًا مُوفِيًا أُجُورَكم. وأتى بِصِفَةِ الشُّكْرِ بِاسْمِ الفاعِلِ بِلا مُبالَغَةٍ لِيَدُلَّ عَلى أنَّهُ يَتَقَبَّلُ، ولَوْ أقَلَّ شَيْءٍ مِنَ العَمَلِ، ويُنَمِّيهِ عَلِيمًا بِشُكْرِكم وإيمانِكم فَيُجازِيكم. وفي قَوْلِهِ: عَلِيمًا تَحْذِيرٌ ونَدْبٌ إلى الإخْلاصِ لِلَّهِ تَعالى. وقِيلَ الشُّكْرُ مِنَ اللَّهِ إدامَةُ النِّعَمِ عَلى الشّاكِرِ. ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلّا مَن ظُلِمَ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: تَضَّيَفُ رَجُلٌ قَوْمًا فَأساءُوا قِراهُ، فاشْتَكاهم فَعُوتِبَ؛ فَنَزَلَتْ. وقالَ مُقاتِلٌ: «نالَ رَجُلٌ مِن أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ والرَّسُولُ عَلَيْهِ (p-٣٨٢)السَّلامُ حاضِرٌ، فَسَكَتَ عَنْهُ أبُو بَكْرٍ مِرارًا ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ؛ فَقامَ الرَّسُولُ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ شَتَمَنِي فَلَمْ تَقُلْ شَيْئًا، حَتّى إذا رَدَدْتُ عَلَيْهِ قُمْتَ، فَقالَ: ”إنْ مَلَكًا كانَ يُجِيبُ عَنْكَ، فَلَمّا رَدَّدْتَ عَلَيْهِ ذَهَبَ، وجاءَ الشَّيْطانُ“»؛ فَنَزَلَتْ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها هي أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مِن أحْوالِ المُنافِقِينَ وذَمِّهِمْ، وإظْهارِ فَضائِحِهِمْ ما ذَكَرَ وبَيَّنَ ظُلْمَهم، واهْتِضامَهم جانِبَ المُؤْمِنِينَ سَوَّغَ هُنا لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يُذَكِّرُوهم بِما فِيهِمْ مِنَ الأوْصافِ الذَّمِيمَةِ. وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «اذْكُرُوا الفاسِقَ بِما فِيهِ كَيْ يَحْذَرَهُ النّاسُ» . وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إلّا مَن ظُلِمَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: إلّا مَن ظُلِمَ؛ فَإنَّ لَهُ أنْ يَدْعُوَ عَلى مَن ظَلَمَهُ، وكانَ ذَلِكَ رُخْصَةً مِنَ اللَّهِ لَهُ، وإنْ صَبَرَ فَهو خَيْرٌ لَهُ. وقالَ الحَسَنُ: لا يَدْعُو عَلَيْهِ، ولَكِنْ لِيَقُلِ: اللَّهُمَّ أعِنِّي عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ اسْتَخْرِجْ حَقِّي، اللَّهُمَّ حُلْ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما يُرِيدُ مِن ظُلْمِي. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: يُجازِيهِ بِمِثْلِ فِعْلِهِ، ولا يَزِيدُ عَلَيْهِ. وقِيلَ هو أنْ يَبْدَأ بِالشَّتْمِ فَيَرُدَّ عَلى مَن شَتَمَهُ، وتَقَدَّمَ قَوْلُ مُجاهِدٍ أنَّها في الضَّيْفِ يَشْكُو سُوءَ صَنِيعِ المُضِيفِ مَعَهُ، ونُسِبَ إلى الظُّلْمِ؛ لِأنَّهُ مُخالِفٌ لِلشَّرْعِ والمُرُوءَةِ. وقالَ المُنِيرُ: مَعْناهُ إلّا مَن أُكْرِهَ عَلى أنْ يَجْهَرَ بِالسُّوءِ كُفْرًا ونَحْوَهُ؛ فَذَلِكَ مُباحٌ والآيَةُ في الإكْراهِ، وهَذا الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ مُضافٍ أيِ إلّا جَهْرَ مَن ظُلِمَ. وقِيلَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، والتَّقْدِيرُ: لَكِنَّ المَظْلُومَ لَهُ أنْ يَنْتَصِفَ مِن ظالِمِهِ بِما يُوازِي ظُلامَتَهُ؛ قالَهُ السُّدِّيُّ والحَسَنُ، وغَيْرُهُما. و(بِالسُّوءِ) مُتَعَلِّقٌ بِالجَهْرِ، وهو مَصْدَرٌ مُعَرَّفٌ بِالألِفِ واللّامِ، والفاعِلُ مَحْذُوفٌ و(بِالجَهْرِ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ. ومَن أجازَ أنْ يُنْوى في المَصْدَرِ بِناؤُهُ لِلْمَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ قَدَّرَ أنَّ بِالسُّوءِ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، التَّقْدِيرُ: أنْ يُجْهَرَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ مَن ظُلِمَ بَدَلًا مِن ذَلِكَ الفاعِلِ المَحْذُوفِ، التَّقْدِيرُ: إنْ أحَدٌ إلّا المَظْلُومَ، وهَذا مَذْهَبُ الفَرّاءِ. أجازَ الفَرّاءُ فِيما قامَ إلّا زَيْدٌ أنْ يَكُونَ زَيْدٌ بَدَلًا مِن أحَدٍ. وأمّا عَلى مَذْهَبِ الجُمْهُورِ؛ فَإنَّهُ يَكُونُ مِنَ المُسْتَثْنى الَّذِي فَرَغَ لَهُ العامِلُ؛ فَيَكُونُ مَرْفُوعًا عَلى الفاعِلِيَّةِ بِالمَصْدَرِ. وحَسَّنَ ذَلِكَ كَوْنُ الجَهْرِ في حَيِّزِ النَّفْيِ، وكَأنَّهُ قِيلَ لا يَجْهَرُ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلّا المَظْلُومُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعَطاءُ بْنُ السّائِبِ والضَّحّاكُ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، ومُسْلِمُ بْنُ يَسارٍ، والحَسَنُ، وابْنُ المُسَيَّبِ، وقَتادَةُ وأبُو رَجاءٍ: إلّا مَن ظَلَمَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وهو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ. (p-٣٨٣)فَقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِأنَّ الظّالِمَ راكِبٌ ما لَمْ يُحِبَّهُ اللَّهُ فَيَجْهَرُ بِالسُّوءِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى إلّا مَن ظَلَمَ في فِعْلٍ أوْ قَوْلٍ فاجْهُرُوا لَهُ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ في مَعْنى النَّهْيِ عَنْ فِعْلِهِ والتَّوْبِيخِ والرَّدِّ عَلَيْهِ. قالَ: وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنِ المُنافِقِينَ أنَّهم في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ، كانَ ذَلِكَ خَبَرًا بِسُوءٍ مِنَ القَوْلِ ثُمَّ قالَ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ﴾ الآيَةَ عَلى مَعْنى التَّأْسِيسِ والِاسْتِدْعاءِ إلى الشُّكْرِ والإيمانِ، ثُمَّ قالَ لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلّا مَن ظُلِمَ﴾ في إقامَتِهِ عَلى النِّفاقِ؛ فَإنَّهُ يَقُولُ لَهُ: ألَسْتَ المُنافِقَ الكافِرَ الَّذِي لَكَ في الآخِرَةِ الدَّرْكُ الأسْفَلُ ؟ ونَحْوَ هَذا مِنَ الأقْوالِ. وقالَ قَوْمٌ: تَقْدِيرُهُ: لَكِنْ مَن ظُلِمَ فَهو يَجْهَرُ بِالسُّوءِ، وهو ظالِمٌ في ذَلِكَ؛ فَهي ثَلاثَةُ تَقادِيرَ في هَذا الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ: أحَدُها: راجِعٌ لِلْجُمْلَةِ الأُولى، وهي لا يُحِبُّ؛ كَأنَّهُ قِيلَ لَكِنَّ الظّالِمَ يُحِبُّ الجَهْرَ بِالسُّوءِ فَهو يَفْعَلُهُ والثّانِي: راجِعٌ إلى فاعِلِ الجَهْرِ؛ أيْ لا يُحِبُّ اللَّهُ أنْ يَجْهَرَ أحَدٌ بِالسُّوءِ؛ لَكِنَّ الظّالِمَ يَجْهَرُ بِالسُّوءِ. والثّالِثُ: راجِعٌ إلى مُتَعَلِّقِ الجَهْرِ الفَضْلَةِ المَحْذُوفَةِ؛ أيْ إنْ يَجْهَرْ أحَدُكم لِأحَدٍ بِالسُّوءِ؛ لَكِنْ مَن ظَلَمَ فاجْهُرُوا لَهُ بِالسُّوءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإعْرابُ مَن يَحْتَمِلُ في بَعْضِ هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ النَّصْبَ، ويَحْتَمِلُ الرَّفْعَ عَلى البَدَلِ مِن ”أحَدٌ“ المُقَدَّرِ، انْتَهى. ويَعْنِي بِأحَدٍ المُقَدَّرِ في المَصْدَرِ إذِ التَّقْدِيرُ: إنْ يَجْهَرْ أحَدٌ، وما ذَكَرَهُ مِن جَوازِ الرَّفْعِ عَلى البَدَلِ لا يَصِحُّ، وذَلِكَ أنَّ الِاسْتِثْناءَ المُنْقَطِعَ عَلى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ يُسَوَّغُ فِيهِ (p-٣٨٤)البَدَلُ، وهو ما يُمْكِنُ تَوَجُّهُ العامِلِ عَلَيْهِ نَحْوَ: ما في الدّارِ أحَدٌ إلّا حِمارٌ، فَهَذا فِيهِ البَدَلُ في لُغَةِ تَمِيمٍ، والنُّصْبُ عَلى الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ في لُغَةِ الحِجازِ؛ وإنَّما جازَ فِيهِ البَدَلُ؛ لِأنَّكَ لَوْ قُلْتَ: ما في الدّارِ إلّا حِمارٌ صَحَّ المَعْنى. وقِسْمٌ يَتَحَتَّمُ فِيهِ النَّصْبُ عَلى الِاسْتِثْناءِ، ولا يُسَوَّغُ فِيهِ البَدَلُ، وهو ما لا يُمْكِنُ تَوَجُّهُ العامِلِ عَلَيْهِ نَحْوَ: المالُ ما زادَ إلّا النَّقْصَ. التَّقْدِيرُ: لَكِنَّ النَّقْصَ حَصَلَ لَهُ؛ فَهَذا لا يُمْكِنُ أنْ يَتَوَجَّهَ زادَ عَلى النَّقْصِ؛ لِأنَّكَ لَوْ قُلْتَ: ما زادَ إلّا النَّقْصُ لَمْ يَصِحَّ المَعْنى، والآيَةُ مِن هَذا القِسْمِ؛ لِأنَّكَ لَوْ قُلْتَ: لا يُحِبُّ اللَّهُ أنْ يَجْهَرَ بِالسُّوءِ إلّا الظّالِمُ، فَيُفَرَّغُ أنْ يَجْهَرَ؛ لِأنْ يَعْمَلَ في الظّالِمِ لَمْ يَصِحَّ المَعْنى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَن مَرْفُوعًا؛ كَأنَّهُ قِيلَ لا يُحِبُّ الجَهْرَ بِالسُّوءِ إلّا الظّالِمُ، عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: ما جاءَنِي زَيْدٌ إلّا عَمْرٌو، بِمَعْنى: ما جاءَنِي إلّا عَمْرٌو. ومِنهُ ﴿لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، انْتَهى. وهَذا الَّذِي جَوَّزَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ يُذْكَرُ لَغْوًا زائِدًا، ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الظّالِمُ بَدَلًا مِنَ اللَّهِ، ولا عَمْرٌو بَدَلًا مِن زَيْدٍ؛ لِأنَّ البَدَلَ في هَذا البابِ راجِعٌ في المَعْنى إلى كَوْنِهِ بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، إمّا عَلى سَبِيلِ الحَقِيقَةِ نَحْوَ: ما قامَ القَوْمُ إلّا زَيْدٌ، وإمّا عَلى سَبِيلِ المَجازِ نَحْوَ: ما في الدّارِ أحَدٌ إلّا حِمارٌ، وهَذا لا يُمْكِنُ فِيهِ البَدَلُ المَذْكُورُ لا عَلى سَبِيلِ الحَقِيقَةِ، ولا عَلى سَبِيلِ المَجازِ؛ لِأنَّ اللَّهَ عَلَمٌ، وكَذا زَيْدٌ هو عَلَمٌ؛ فَلا يُمْكِنُ أنْ يُتَخَيَّلَ فِيهِ عُمُومٌ، فَيَكُونُ الظّالِمُ بَدَلًا مِنَ اللَّهِ، وعَمْرٌو بَدَلًا مِن زَيْدٍ. وأمّا ما يَجُوزُ فِيهِ البَدَلُ مِن الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ فَإنَّهُ يُتَخَيَّلُ فِيما قَبْلَهُ عُمُومٌ؛ ولِذَلِكَ صَحَّ البَدَلُ مِنهُ عَلى طَرِيقِ المَجازِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ بَعْضًا مِنَ المُسْتَثْنى مِنهُ حَقِيقَةً. وأمّا قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ ما جاءَنِي زَيْدٌ إلّا عَمْرٌو، فَلا نَعْلَمُ هَذِهِ اللُّغَةَ إلّا أنَّ في كِتابِ سِيبَوَيْهِ بَعْدَ أنْ أنْشَدَ أبْياتًا مِنَ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ آخِرُها قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎عَشِيَّةَ لا تُغْنِي الرِّماحُ مَكانَها ولا النَّبْلُ إلّا المَشْرَفِيُّ المُصَمَّمُ ما نَصُّهُ وهَذا يُقَوِّي: ما أتانِي زَيْدٌ إلّا عَمْرٌو، وما أعانَهُ إخْوانُكم إلّا إخِوانُهُ؛ لِأنَّها مَعارِفُ لَيْسَتِ الأسْماءُ الآخِرَةُ بِها، ولا مِنها، انْتَهى كَلامُ سِيبَوَيْهِ. ولَمْ يُصَرِّحْ، ولا لَوَّحَ أنَّ قَوْلَهُ: ما أتانِي زَيْدٌ إلّا عَمْرٌو مِن كَلامِ العَرَبِ. وقِيلَ مِن شَرْحِ سِيبَوَيْهِ؛ فَهَذا يُقَوِّي: ما أتانِي زَيْدٌ إلّا عَمْرٌو؛ أيْ يَنْبَغِي أنْ يَثْبُتَ هَذا مِن كَلامِهِمْ؛ لِأنَّ النَّبْلَ مَعْرِفَةٌ لَيْسَ بِالمَشْرَفِيِّ، كَما أنَّ زَيْدًا لَيْسَ بِعَمْرٍو، وكَما أنَّ أُخْوَةَ زَيْدٍ لَيْسُوا إخْوانَكم، انْتَهى. ولَيْسَ ما أتانِي زَيْدٌ إلّا عَمْرٌو نَظِيرًا لِلْبَيْتِ؛ لِأنَّهُ يُتَخَيَّلُ عُمُومٌ في البَيْتِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ لا يُغْنِي السِّلاحُ مَكانَها إلّا المَشْرَفِيُّ، بِخِلافِ ما أتانِي زَيْدٌ إلّا عَمْرٌو، فَإنَّهُ لا يُتَخَيَّلُ في ما أتانِي زَيْدٌ. عُمُومٌ البَتَّةَ عَلى أنَّهُ لَوْ سُمِعَ هَذا مِن كَلامِ العَرَبِ وجَبَ تَأْوِيلُهُ حَتّى يَصِحَّ البَدَلُ؛ فَكانَ يَصِحُّ ما جاءَنِي زَيْدٌ، ولا غَيْرُهُ إلّا عَمْرٌو. كَأنَّهُ يَدُلُّ عَلى حَذْفِ المَعْطُوفِ وُجُودُ هَذا الِاسْتِثْناءِ؛ إمّا أنْ يَكُونَ عَلى إلْغاءِ هَذا الفاعِلِ، وزِيادَتِهِ، أوْ عَلى كَوْنِ عَمْرٍو بَدَلًا مِن زَيْدٍ؛ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ لِما ذَكَرْناهُ. وأمّا قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: ومِنهُ ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، فَلَيْسَ مِن بابِ ما ذُكِرَ؛ لِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ (مَن) مُفَعْوِلَةً و(الغَيْبَ) بَدَلًا مِن بَدَلِ اشْتِمالٍ؛ أيْ لا يَعْلَمُ غَيْبَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا اللَّهُ؛ أيْ ما يُسِرُّونَهُ، ويُخْفُونَهُ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ. وإنْ سَلَّمْنا أنَّ مَن مَرْفُوعَةٌ؛ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ بَدَلًا مِن (مَن) عَلى سَبِيلِ المَجازِ في مَن؛ لِأنَّ (مَن في السَّماواتِ) يُتَخَيَّلُ فِيهِ عُمُومٌ؛ كَأنَّهُ قِيلَ قُلْ لا يَعْلَمُ المَوْجُودَ دُونَ الغَيْبِ إلّا اللَّهُ. أوْ عَلى سَبِيلِ المَجازِ في الظَّرْفِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى، ولِذا جاءَ عَنْهُ ذَلِكَ في القُرْآنِ، وفي السُّنَّةِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾ [الأنعام: ٣]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤]، وفي الحَدِيثِ (p-٣٨٥)«أيْنَ اللَّهُ ؟ قالَتْ: في السَّماءِ»، ومِن كَلامِ العَرَبِ: لا وذِي في السَّماءِ بَيْتُهُ؛ يَعْنُونَ اللَّهَ تَعالى. وإذا احْتَمَلَتِ الآيَةُ هَذِهِ الوُجُوهَ لَمْ يَتَعَيَّنْ حَمْلُها عَلى ما ذُكِرَ، وخَصَّ الجَهْرَ بِالذِّكْرِ إمّا إخْراجًا لَهُ مُخْرَجَ الغائِبِ، وإمّا اكْتِفاءً بِالجَهْرِ عَنْ مُقابِلِهِ، أوْ لِكَوْنِهِ أفْحَشَ. ﴿وكانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ أيْ سَمِيعًا لِما يُجْهَرُ بِهِ مِنَ السُّوءِ، عَلِيمًا بِما يُسَرُّ بِهِ مِنهُ. وقِيلَ سَمِيعًا لِكَلامِ المَظْلُومِ عَلِيمًا بِالظّالِمِ. وقِيلَ سَمِيعًا بِشَكْوى المَظْلُومِ عَلِيمًا بِعُقْبى الظّالِمِ، أوْ عَلِيمًا بِما في قَلْبِ المَظْلُومِ؛ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ ولا يَقُلْ إلّا الحَقَّ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرٌ، ومَعْناهُ التَّهْدِيدُ والتَّحْذِيرُ. ﴿إنْ تُبْدُوا خَيْرًا أوْ تُخْفُوهُ أوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ الظّاهِرُ أنَّ الهاءَ في تُخْفُوهُ تَعُودُ عَلى الخَيْرِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ مِن أعْمالِ البِرِّ كالصِّيامِ والصَّدَقَةِ. وقالَ بَعْضُهم: في تُخْفُوهُ عائِدٌ عَلى الخَيْرِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ مِن أعْمالِ البَرِّ كالصِّيامِ والصَّدَقَةِ. وقالَ بَعْضُهم: في تُخْفُوهُ عائِدٌ عَلى السُّوءِ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى لَمّا أباحَ الجَهْرَ بِالسُّوءِ لِمَن كانَ مَظْلُومًا قالَ لَهُ، ولِجِنْسِهِ: إنْ تُبْدُو خَيْرًا بَدَلًا مِنَ السُّوءِ، أوْ تُخْفُوا السُّوءَ، أوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ. فالعَفْوُ أوْلى، وإنْ كانَ غَيْرُ المَعْفُوِّ مُباحًا، انْتَهى. وذَكَرَ إبْداءَ الخَيْرِ، وإخْفاءَهُ تَسَبُّبًا لِذَلِكَ العَفْوِ، ثُمَّ عَطَفَهُ عَلَيْهِما تَنْبِيهًا عَلى مَنزِلَتِهِ، واعْتِدادًا بِهِ، وإنْ كانَ مُنْدَرِجًا في إبْداءِ الخَيْرِ، وإخْفائِهِ؛ فَجَعَلَهُ قَسَمًا بِالعَطْفِ لا قَسِيمًا اعْتِناءً بِهِ. ولِذَلِكَ أتى سُبْحانَهُ وتَعالى بِصِفَةِ العَفْوِ والقُدْرَةِ مَنسُوبَةً لَهُ تَعالى لِيُقْتَدى بِسُنَّتِهِ، ويُتَخَلَّقَ بِشَيْءٍ مِن صِفاتِهِ تَعالى. والمَعْنى: أنَّهُ يَعْفُو عَنِ الجانِينَ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى الِانْتِقامِ، وكانَ بِالصِّفَتَيْنِ عَلى طَرِيقِ المُبالَغَةِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ العَبْدَ يَنْبَغِي أنْ يَكْثُرَ مِنهُ العَفْوُ مَعَ كَثْرَةِ القُدْرَةِ عَلى الِانْتِقامِ. وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «مَن كَظَمَ غَيْظًا، وهو يَقْدِرُ عَلى إنْفاذِهِ مَلَأ اللَّهُ قَلْبَهُ أمْنًا وإيمانًا» . وقالَ تَعالى: ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ والعافِينَ عَنِ النّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٤] . وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى أنَّهُ تَعالى يَعْفُو عَنِ الجانِينَ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى الِانْتِقامِ، فَعَلَيْكم بِالعَفْوِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مَعْناهُ أنِّي أقْدَرُ عَلى العَفْوِ عَنْ ذُنُوبِكَ مِنكَ عَلى عَفْوِكَ عَنْ صاحِبِكَ. وقِيلَ عَفُوًّا لِمَن عَفى، قَدِيرًا عَلى إيصالِ الثَّوابِ إلَيْهِ.

النساء 4:146

﴿أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكم سُلْطانًا مُبِينًا﴾؛ أيْ حُجَّةً ظاهِرَةً واضِحَةً بِمُوالاتِكُمُ الكافِرِينَ أوِ المُنافِقِينَ عَلى قَوْلِ القَفّالِ. والمَعْنى: أنَّهُ يَأْخُذُكم إنْ والَيْتُمُ الكُفّارَ بِانْتِقامٍ مِنهُ، ولَهُ عَلَيْكم في ذَلِكَ الحُجَّةُ الواضِحَةُ؛ إذْ قَدْ بَيَّنَ لَكم أحْوالَهم، ونَهاكم عَنْ مُوالاتِهِمْ. وقِيلَ السُّلْطانُ هُنا القَهْرُ والقُدْرَةُ. والمَعْنى: أنَّهُ يُسَلَّطُ عَلَيْكم بِسَبَبِ اتِّخاذِكُمِ الكُفّارَ أوْلِياءَ والسُّلْطانَ. قالَ الفَرّاءُ: أُنِّثَ، وذُكِّرَ، وبَعْضُ العَرَبِ يَقُولُ: قَضَتْ بِهِ عَلَيْكَ السُّلْطانُ، وقَدْ أخَذَتْ فُلانًا السُّلْطانُ والتَّأْنِيثُ عِنْدَ الفُصَحاءِ أكْثَرُ، انْتَهى. فَمَن ذَكَّرَ ذَهَبَ بِهِ إلى البُرْهانِ والِاحْتِجاجِ، ومَن أنَّثَ ذَهَبَ بِهِ إلى الحُجَّةِ، وإنَّما اخْتِيرَ التَّذْكِيرُ هُنا في الصِّفَةِ، وإنْ كانَ التَّأْنِيثُ أكْثَرَ؛ لِأنَّهُ وقَعَ الوَصْفُ فاصِلَةً؛ فَهَذا هو المُرَجِّحُ لِلتَّذْكِيرِ عَلى التَّأْنِيثِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والتَّذْكِيرُ أشْهَرُ، وهي لُغَةُ القُرْآنِ حَيْثُ وقَعَ، وهَذا مُخالِفٌ لِما قالَهُ الفَرّاءُ. وإذا سُمِّيَ بِهِ صاحِبُ الأمْرِ فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، والتَّقْدِيرُ: ذُو السُّلْطانِ؛ أيْ ذُو الحُجَّةِ عَلى النّاسِ إذْ هو مُدَبِّرُهم، والنّاظِرُ في مَصالِحِهِمْ ومَنافِعِهِمْ. وقالَ (p-٣٨٠)الزَّمَخْشَرِيُّ: لا تَتَشَبَّهُوا بِالمُنافِقِينَ في اتِّخاذِهِمُ اليَهُودَ، وغَيْرِهِمْ مِن أعْداءِ الإسْلامِ أوْلِياءَ، سُلْطانٌ: حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ، يَعْنِي: أنَّ مُوالاةَ الكافِرِينَ بَيِّنَةٌ عَلى المُنافِقِينَ. وعَنْ صَعْصَةَ بْنِ صَرْحانِ أنَّهُ قالَ لِابْنِ أخٍ لَهُ: خالِصِ المُؤْمِنَ، وخالِقِ الكافِرَ والفاجِرَ: فَإنَّ الفاجِرَ يَرْضى مِنكَ بِالخُلُقِ الحَسَنِ، وإنَّهُ يَحِقُّ عَلَيْكَ أنْ تُخالِصَ المُؤْمِنَ. ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الدَّرْكُ لِأهْلِ النّارِ كالدَّرَجِ لِأهْلِ الجَنَّةِ، إلّا أنَّ الدَّرَجاتِ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ والدِّرْكاتُ بَعْضُها أسْفَلَ مِن بَعْضٍ، انْتَهى. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الدَّرَكاتُ الطَّبَقاتُ: وأصْلُها مِنَ الإدْراكِ؛ أيْ هي مُتَدارِكَةٌ مُتَلاحِقَةٌ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ: هي مِن تَوابِيتَ مِن حَدِيدٍ مُتَعَلِّقَةٍ في قَعْرِ جَهَنَّمَ، والنّارُ سَبْعُ دَرَكاتٍ، قِيلَ أوَّلُها جَهَنَّمُ، ثُمَّ لَظًى، ثُمَّ الحُطَمَةُ، ثُمَّ السَّعِيرُ، ثُمَّ سَقَرُ، ثُمَّ الجَحِيمُ، ثُمَّ الهاوِيَةُ. وقَدْ تُسَمّى جَمِيعُها بِاسْمِ الطَّبَقَةِ الأُولى، وبَعْضُ الطَّبَقاتِ بِاسْمِ بَعْضٍ؛ لِأنَّ لَفْظَ النّارِ يَجْمَعُها. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: أشَدُّ النّاسِ عَذابًا يَوْمَ القِيامَةِ المُنافِقُونَ، ومَن كَفَرَ مِن أصْحابِ المائِدَةِ وآلِ فِرْعَوْنَ. وتَصْدِيقُ ذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ هَذِهِ الآيَةُ في المُنافِقِينَ و﴿فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥] و﴿أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٦]؛ وإنَّما كانَ المُنافِقُ أشَدَّ عَذابًا مِن غَيْرِهِ مِنَ الكُفّارِ؛ لِأنَّهُ مِثْلُهُ في الكُفْرِ، وضَمَّ إلى الكُفْرِ الِاسْتِهْزاءَ بِالإسْلامِ، وأهْلِهِ والمُداجاةَ، وإطْلاعَ الكُفّارِ عَلى أسْرارِ المُسْلِمِينَ فَهو أشَدُّ غَوائِلَ مِنَ الكُفّارِ، وأشَدُّ تَمْكِينًا مِن أذى المُسْلِمِينَ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ والعَرَبِيّانِ: ﴿فِي الدَّرْكِ﴾ بِفَتْحِ الرّاءِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ والأعْمَشُ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: بِسُكُونِها، واخْتُلِفَ عَنْ عاصِمٍ. ورَوى الأعْمَشُ والبَرْجَمِيُّ الفَتْحَ. وغَيْرُهُما الإسْكانَ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهُما لُغَتانِ كالشَّمْعِ والشَّمَعِ، واخْتارَ بَعْضُهُمُ الفَتْحَ لِقَوْلِهِمْ: في الجَمْعِ أدْراكٌ كَجَمَلٍ وأجْمالٍ يَعْنِي: أنَّهُ يَنْقاسُ في فَعَلٍ وأفْعالٍ، ولا يَنْقاسُ في فَعْلٍ. وقالَ عاصِمٌ: لَوْ كانَ بِالفَتْحِ لَقِيلَ السُّفْلى. قالَ بَعْضُهم: ذَهَبَ عاصِمٌ إلى أنَّ الفَتْحَ إنَّما هو عَلى أنَّهُ جَمْعُ دَرَكَةٍ كَبَقَرَةٍ وبَقَرٍ، انْتَهى. ولا يَلْزَمُ ما ذَكَرَهُ مِنَ التَّأْنِيثِ؛ لِأنَّ الجِنْسَ المُمَيَّزَ مُفْرَدُهُ بِهاءِ التَّأْنِيثِ يُؤَنَّثُ في لُغَةِ الحِجازِ، ويُذَكَّرُ في لُغَةِ تَمِيمٍ ونَجْدٍ، وقَدْ جاءَ القُرْآنُ بِهِما إلّا ما اسْتُثْنِيَ؛ لِأنَّهُ يَتَحَتَّمُ فِيهِ التَّأْنِيثُ أوِ التَّذْكِيرُ، ولَيْسَ دَرَكَةٌ ودَرَكٌ مِن ذَلِكَ؛ فَعَلى هَذا يَجُوزُ تَذْكِيرُ الدَّرَكِ وتَأْنِيثُهُ. ﴿ولَنْ تَجِدَ لَهم نَصِيرًا﴾ أيْ مانِعًا مِنَ العَذابِ، ولا شافِعًا يَشْفَعُ. ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا واعْتَصَمُوا بِاللَّهِ، وأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ تابُوا مِنَ النِّفاقِ، وأصْلَحُوا أعْمالَهم، وتَمَسَّكُوا بِاللَّهِ وكِتابِهِ ولَمْ يَكُنْ لَهم مَلْجَأٌ ولا مَلاذٌ إلّا اللَّهَ وأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ؛ أيْ لا يَبْتَغُونَ بِعَمَلِ الطّاعاتِ إلّا وجْهَ اللَّهِ تَعالى؛ ولَمّا كانَ المُنافِقُ مُتَّصِفًا بِنَقائِصِ هَذِهِ الأوْصافِ مِنَ الكُفْرِ، وفَسادِ الأعْمالِ والمُوالاةِ لِلْكافِرِينَ، والِاعْتِزازِ بِهِمْ والمُراءاةِ لِلْمُؤْمِنِينَ شَرَطَ في تَوْبَتِهِمْ ما يُناقِضُ تِلْكَ الأوْصافَ، وهي التَّوْبَةُ مِنَ النِّفاقِ، وهي الوَصْفُ المُحْتَوِي عَلى بَقِيَّةِ الأوْصافِ مِن حَيْثُ المَعْنى. ثُمَّ فَصَّلَ ما أجْمَلَ فِيها، وهو الإصْلاحُ لِلْعَمَلِ المُسْتَأْنَفِ المُقابِلِ لِفَسادِ أعْمالِهِمُ الماضِيَةِ، ثُمَّ الِاعْتِصامُ بِاللَّهِ في المُسْتَقْبَلِ، وهو المُقابِلُ لِمُوالاةِ الكافِرِينَ، والِاعْتِمادُ عَلَيْهِمْ في الماضِي، ثُمَّ الإخْلاصِ لِدِينِ اللَّهِ، وهو المُقابِلُ لِلرِّياءِ الَّذِي كانَ لَهم في الماضِي، ثُمَّ بَعْدَ تَحْصِيلِ هَذِهِ الأوْصافِ جَمِيعِها أشارَ إلَيْهِمْ بِأنَّهم مَعَ المُؤْمِنِينَ، ولَمْ يَحْكم عَلَيْهِمْ بِأنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ، ولا مِنَ المُؤْمِنِينَ، وإنْ كانَ قَدْ صارُوا مُؤْمِنِينَ تَنْفِيرًا مِمّا كانُوا عَلَيْهِ مِن عِظَمِ كُفْرِ النِّفاقِ، وتَعْظِيمًا لِحالِ مَن كانَ مُتَلَبِّسًا بِهِ. ومَعْنى: مَعَ المُؤْمِنِينَ، رُفَقاؤُهم ومُصاحِبُوهم في الدّارَيْنِ. والَّذِينَ تابُوا مُسْتَثْنًى مِن قَوْلِهِ: ﴿فِي الدَّرْكِ﴾ . وقِيلَ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ﴾ [الإسراء: ٩٧] . وقِيلَ هو مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ (فَأُولَئِكَ) . وقالَ الحَوْفِيُّ: ودَخَلَتِ الفاءُ لِما في الكَلامِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ المُتَعَلِّقِ بِالَّذِينَ. (p-٣٨١)﴿وسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ أتى بِـ (سَوْفَ)؛ لِأنَّ إيتاءَ الأجْرِ هو يَوْمَ القِيامَةِ وهو زَمانٌ مُسْتَقْبَلٌ لَيْسَ قَرِيبًا مِنَ الزَّمانِ الحاضِرِ. وقَدْ قالُوا: إنَّ (سَوْفَ) أبْلَغُ في التَّنْفِيسِ مِنَ السِّينِ، ولَمْ يَعُدِ الضَّمِيرُ عَلَيْهِمْ، فَيُقالُ: وسَوْفَ يُؤْتِيهِمْ، بَلْ أخْلَصَ ذَلِكَ الأجْرَ لِلْمُؤْمِنِينَ، وهم رُفَقاؤُهم، فَيُشارِكُونَهم فِيهِ، ويُساهِمُونَهم. وكَتَبَ (يُؤْتِ) في المُصْحَفِ بِغَيْرِ ياءٍ، لَمّا حُذِفَتْ في اللَّفْظِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ حُذِفَتْ في الخَطِّ؛ ولِهَذا نَظائِرُ في القُرْآنِ. ووَقَفَ يَعْقُوبُ عَلَيْها بِالياءِ، ووَقَفَ السَّبْعَةُ بِغَيْرِ ياءٍ اتِّباعًا لِرَسْمِ المُصْحَفِ. وقَدْ رُوِيَ الوَقْفُ بِالياءِ عَنْ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ ونافِعٍ. وقالَ أبُو عَمْرٍو: يَنْبَغِي أنْ لا يُوقَفَ عَلَيْها؛ لِأنَّهُ إنْ وُقِفَ بِغَيْرِ ياءٍ خالَفَ النَّحْوِيِّينَ، وإنْ وقَفَ بِياءٍ خالَفَ لَفْظَ المُصْحَفِ. والأجْرُ العَظِيمُ هو الخُلُودُ في الجَنَّةِ. ﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ﴾ الخِطابُ قِيلَ لِلْمُؤْمِنِينَ. وقِيلَ: لِلْكافِرِينَ، وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ سِياقُ الكَلامِ. وهَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ النَّفْيُ؛ أيْ ما يُعَذِّبُكم، إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ. والمَعْنى: أنَّهُ لا مَنفَعَةَ لَهُ في ذَلِكَ، ولا حاجَةَ؛ لِأنَّ العَذابَ إنَّما يَكُونُ لِشَيْءٍ يَعُودُ نَفْعُهُ أوْ يَنْدَفِعُ ضُرُّهُ عَنِ المُعَذَّبِ؛ واللَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ؛ وإنَّما عِقابُهُ المُسِيءَ لِأمْرٍ قَضَتْ بِهِ حِكْمَتُهُ تَعالى، فَمَن شَكَرَهُ وآمَنَ بِهِ لا يُعَذِّبُهُ. و(ما) اسْتِفْهامٌ كَما ذَكَرْنا في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ؛ التَّقْدِيرُ: أيَّ شَيْءٍ يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم. والباءُ لِلسَّبَبِ اسْتِشْفاءً أمْ إدْراكَ نارٍ، أمْ جَلْبَ مَنفَعَةٍ، أمْ دَفْعَ مَضَرَّةٍ، فَهو تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ (ما) نافِيَةً، قالَ: والمَعْنى: ما يُعَذِّبُكم. ويَلْزَمُ عَلى قَوْلِهِ أنْ تَكُونَ الباءُ زائِدَةً، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ؛ أيْ، إنْ شَكَرْتُمْ، وآمَنتُمْ فَما يَفْعَلُ بِعَذابِكم. ذُكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ بِالشُّكْرِ هُنا تَوْحِيدُ اللَّهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قَدَّمَ الشُّكْرَ عَلى الإيمانِ ؟ قُلْتُ: لِأنَّ العاقِلَ يَنْظُرُ إلى ما عَلَيْهِ مِنَ النِّعْمَةِ العَظِيمَةِ في خَلْقِهِ، وتَعْرِيضِهِ لِلْمَنافِعِ فَيَشْكُرُ شُكْرًا مُبْهَمًا؛ فَإذا انْتَهى بِهِ النَّظَرُ إلى مَعْرِفَةِ المُؤْمِنِ بِهِ المُنَعَّمِ آمَنَ بِهِ، ثُمَّ شَكَرَ شُكْرًا مُفَصَّلًا؛ فَكانَ الشُّكْرُ مُتَقَّدِمًا عَلى الإيمانِ، وكانَ أصْلَ التَّكْلِيفِ ومَدارَهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الشُّكْرُ عَلى الحَقِيقَةِ لا يَكُونُ إلّا مُقْتَرِنًا بِالإيمانِ؛ لَكِنَّهُ ذَكَرَ الإيمانَ تَأْكِيدًا، وتَنْبِيهًا عَلى جَلالَةِ مَوْقِعِهِ، انْتَهى. وأبْعَدُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ؛ أيْ إنْ آمَنتُمْ وشَكَرْتُمْ. ﴿وكانَ اللَّهُ شاكِرًا عَلِيمًا﴾ شاكِرًا أيْ مُثِيبًا مُوفِيًا أُجُورَكم. وأتى بِصِفَةِ الشُّكْرِ بِاسْمِ الفاعِلِ بِلا مُبالَغَةٍ لِيَدُلَّ عَلى أنَّهُ يَتَقَبَّلُ، ولَوْ أقَلَّ شَيْءٍ مِنَ العَمَلِ، ويُنَمِّيهِ عَلِيمًا بِشُكْرِكم وإيمانِكم فَيُجازِيكم. وفي قَوْلِهِ: عَلِيمًا تَحْذِيرٌ ونَدْبٌ إلى الإخْلاصِ لِلَّهِ تَعالى. وقِيلَ الشُّكْرُ مِنَ اللَّهِ إدامَةُ النِّعَمِ عَلى الشّاكِرِ. ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلّا مَن ظُلِمَ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: تَضَّيَفُ رَجُلٌ قَوْمًا فَأساءُوا قِراهُ، فاشْتَكاهم فَعُوتِبَ؛ فَنَزَلَتْ. وقالَ مُقاتِلٌ: «نالَ رَجُلٌ مِن أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ والرَّسُولُ عَلَيْهِ (p-٣٨٢)السَّلامُ حاضِرٌ، فَسَكَتَ عَنْهُ أبُو بَكْرٍ مِرارًا ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ؛ فَقامَ الرَّسُولُ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ شَتَمَنِي فَلَمْ تَقُلْ شَيْئًا، حَتّى إذا رَدَدْتُ عَلَيْهِ قُمْتَ، فَقالَ: ”إنْ مَلَكًا كانَ يُجِيبُ عَنْكَ، فَلَمّا رَدَّدْتَ عَلَيْهِ ذَهَبَ، وجاءَ الشَّيْطانُ“»؛ فَنَزَلَتْ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها هي أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مِن أحْوالِ المُنافِقِينَ وذَمِّهِمْ، وإظْهارِ فَضائِحِهِمْ ما ذَكَرَ وبَيَّنَ ظُلْمَهم، واهْتِضامَهم جانِبَ المُؤْمِنِينَ سَوَّغَ هُنا لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يُذَكِّرُوهم بِما فِيهِمْ مِنَ الأوْصافِ الذَّمِيمَةِ. وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «اذْكُرُوا الفاسِقَ بِما فِيهِ كَيْ يَحْذَرَهُ النّاسُ» . وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إلّا مَن ظُلِمَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: إلّا مَن ظُلِمَ؛ فَإنَّ لَهُ أنْ يَدْعُوَ عَلى مَن ظَلَمَهُ، وكانَ ذَلِكَ رُخْصَةً مِنَ اللَّهِ لَهُ، وإنْ صَبَرَ فَهو خَيْرٌ لَهُ. وقالَ الحَسَنُ: لا يَدْعُو عَلَيْهِ، ولَكِنْ لِيَقُلِ: اللَّهُمَّ أعِنِّي عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ اسْتَخْرِجْ حَقِّي، اللَّهُمَّ حُلْ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما يُرِيدُ مِن ظُلْمِي. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: يُجازِيهِ بِمِثْلِ فِعْلِهِ، ولا يَزِيدُ عَلَيْهِ. وقِيلَ هو أنْ يَبْدَأ بِالشَّتْمِ فَيَرُدَّ عَلى مَن شَتَمَهُ، وتَقَدَّمَ قَوْلُ مُجاهِدٍ أنَّها في الضَّيْفِ يَشْكُو سُوءَ صَنِيعِ المُضِيفِ مَعَهُ، ونُسِبَ إلى الظُّلْمِ؛ لِأنَّهُ مُخالِفٌ لِلشَّرْعِ والمُرُوءَةِ. وقالَ المُنِيرُ: مَعْناهُ إلّا مَن أُكْرِهَ عَلى أنْ يَجْهَرَ بِالسُّوءِ كُفْرًا ونَحْوَهُ؛ فَذَلِكَ مُباحٌ والآيَةُ في الإكْراهِ، وهَذا الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ مُضافٍ أيِ إلّا جَهْرَ مَن ظُلِمَ. وقِيلَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، والتَّقْدِيرُ: لَكِنَّ المَظْلُومَ لَهُ أنْ يَنْتَصِفَ مِن ظالِمِهِ بِما يُوازِي ظُلامَتَهُ؛ قالَهُ السُّدِّيُّ والحَسَنُ، وغَيْرُهُما. و(بِالسُّوءِ) مُتَعَلِّقٌ بِالجَهْرِ، وهو مَصْدَرٌ مُعَرَّفٌ بِالألِفِ واللّامِ، والفاعِلُ مَحْذُوفٌ و(بِالجَهْرِ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ. ومَن أجازَ أنْ يُنْوى في المَصْدَرِ بِناؤُهُ لِلْمَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ قَدَّرَ أنَّ بِالسُّوءِ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، التَّقْدِيرُ: أنْ يُجْهَرَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ مَن ظُلِمَ بَدَلًا مِن ذَلِكَ الفاعِلِ المَحْذُوفِ، التَّقْدِيرُ: إنْ أحَدٌ إلّا المَظْلُومَ، وهَذا مَذْهَبُ الفَرّاءِ. أجازَ الفَرّاءُ فِيما قامَ إلّا زَيْدٌ أنْ يَكُونَ زَيْدٌ بَدَلًا مِن أحَدٍ. وأمّا عَلى مَذْهَبِ الجُمْهُورِ؛ فَإنَّهُ يَكُونُ مِنَ المُسْتَثْنى الَّذِي فَرَغَ لَهُ العامِلُ؛ فَيَكُونُ مَرْفُوعًا عَلى الفاعِلِيَّةِ بِالمَصْدَرِ. وحَسَّنَ ذَلِكَ كَوْنُ الجَهْرِ في حَيِّزِ النَّفْيِ، وكَأنَّهُ قِيلَ لا يَجْهَرُ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلّا المَظْلُومُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعَطاءُ بْنُ السّائِبِ والضَّحّاكُ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، ومُسْلِمُ بْنُ يَسارٍ، والحَسَنُ، وابْنُ المُسَيَّبِ، وقَتادَةُ وأبُو رَجاءٍ: إلّا مَن ظَلَمَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وهو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ. (p-٣٨٣)فَقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِأنَّ الظّالِمَ راكِبٌ ما لَمْ يُحِبَّهُ اللَّهُ فَيَجْهَرُ بِالسُّوءِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى إلّا مَن ظَلَمَ في فِعْلٍ أوْ قَوْلٍ فاجْهُرُوا لَهُ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ في مَعْنى النَّهْيِ عَنْ فِعْلِهِ والتَّوْبِيخِ والرَّدِّ عَلَيْهِ. قالَ: وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنِ المُنافِقِينَ أنَّهم في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ، كانَ ذَلِكَ خَبَرًا بِسُوءٍ مِنَ القَوْلِ ثُمَّ قالَ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ﴾ الآيَةَ عَلى مَعْنى التَّأْسِيسِ والِاسْتِدْعاءِ إلى الشُّكْرِ والإيمانِ، ثُمَّ قالَ لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلّا مَن ظُلِمَ﴾ في إقامَتِهِ عَلى النِّفاقِ؛ فَإنَّهُ يَقُولُ لَهُ: ألَسْتَ المُنافِقَ الكافِرَ الَّذِي لَكَ في الآخِرَةِ الدَّرْكُ الأسْفَلُ ؟ ونَحْوَ هَذا مِنَ الأقْوالِ. وقالَ قَوْمٌ: تَقْدِيرُهُ: لَكِنْ مَن ظُلِمَ فَهو يَجْهَرُ بِالسُّوءِ، وهو ظالِمٌ في ذَلِكَ؛ فَهي ثَلاثَةُ تَقادِيرَ في هَذا الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ: أحَدُها: راجِعٌ لِلْجُمْلَةِ الأُولى، وهي لا يُحِبُّ؛ كَأنَّهُ قِيلَ لَكِنَّ الظّالِمَ يُحِبُّ الجَهْرَ بِالسُّوءِ فَهو يَفْعَلُهُ والثّانِي: راجِعٌ إلى فاعِلِ الجَهْرِ؛ أيْ لا يُحِبُّ اللَّهُ أنْ يَجْهَرَ أحَدٌ بِالسُّوءِ؛ لَكِنَّ الظّالِمَ يَجْهَرُ بِالسُّوءِ. والثّالِثُ: راجِعٌ إلى مُتَعَلِّقِ الجَهْرِ الفَضْلَةِ المَحْذُوفَةِ؛ أيْ إنْ يَجْهَرْ أحَدُكم لِأحَدٍ بِالسُّوءِ؛ لَكِنْ مَن ظَلَمَ فاجْهُرُوا لَهُ بِالسُّوءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإعْرابُ مَن يَحْتَمِلُ في بَعْضِ هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ النَّصْبَ، ويَحْتَمِلُ الرَّفْعَ عَلى البَدَلِ مِن ”أحَدٌ“ المُقَدَّرِ، انْتَهى. ويَعْنِي بِأحَدٍ المُقَدَّرِ في المَصْدَرِ إذِ التَّقْدِيرُ: إنْ يَجْهَرْ أحَدٌ، وما ذَكَرَهُ مِن جَوازِ الرَّفْعِ عَلى البَدَلِ لا يَصِحُّ، وذَلِكَ أنَّ الِاسْتِثْناءَ المُنْقَطِعَ عَلى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ يُسَوَّغُ فِيهِ (p-٣٨٤)البَدَلُ، وهو ما يُمْكِنُ تَوَجُّهُ العامِلِ عَلَيْهِ نَحْوَ: ما في الدّارِ أحَدٌ إلّا حِمارٌ، فَهَذا فِيهِ البَدَلُ في لُغَةِ تَمِيمٍ، والنُّصْبُ عَلى الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ في لُغَةِ الحِجازِ؛ وإنَّما جازَ فِيهِ البَدَلُ؛ لِأنَّكَ لَوْ قُلْتَ: ما في الدّارِ إلّا حِمارٌ صَحَّ المَعْنى. وقِسْمٌ يَتَحَتَّمُ فِيهِ النَّصْبُ عَلى الِاسْتِثْناءِ، ولا يُسَوَّغُ فِيهِ البَدَلُ، وهو ما لا يُمْكِنُ تَوَجُّهُ العامِلِ عَلَيْهِ نَحْوَ: المالُ ما زادَ إلّا النَّقْصَ. التَّقْدِيرُ: لَكِنَّ النَّقْصَ حَصَلَ لَهُ؛ فَهَذا لا يُمْكِنُ أنْ يَتَوَجَّهَ زادَ عَلى النَّقْصِ؛ لِأنَّكَ لَوْ قُلْتَ: ما زادَ إلّا النَّقْصُ لَمْ يَصِحَّ المَعْنى، والآيَةُ مِن هَذا القِسْمِ؛ لِأنَّكَ لَوْ قُلْتَ: لا يُحِبُّ اللَّهُ أنْ يَجْهَرَ بِالسُّوءِ إلّا الظّالِمُ، فَيُفَرَّغُ أنْ يَجْهَرَ؛ لِأنْ يَعْمَلَ في الظّالِمِ لَمْ يَصِحَّ المَعْنى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَن مَرْفُوعًا؛ كَأنَّهُ قِيلَ لا يُحِبُّ الجَهْرَ بِالسُّوءِ إلّا الظّالِمُ، عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: ما جاءَنِي زَيْدٌ إلّا عَمْرٌو، بِمَعْنى: ما جاءَنِي إلّا عَمْرٌو. ومِنهُ ﴿لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، انْتَهى. وهَذا الَّذِي جَوَّزَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ يُذْكَرُ لَغْوًا زائِدًا، ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الظّالِمُ بَدَلًا مِنَ اللَّهِ، ولا عَمْرٌو بَدَلًا مِن زَيْدٍ؛ لِأنَّ البَدَلَ في هَذا البابِ راجِعٌ في المَعْنى إلى كَوْنِهِ بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، إمّا عَلى سَبِيلِ الحَقِيقَةِ نَحْوَ: ما قامَ القَوْمُ إلّا زَيْدٌ، وإمّا عَلى سَبِيلِ المَجازِ نَحْوَ: ما في الدّارِ أحَدٌ إلّا حِمارٌ، وهَذا لا يُمْكِنُ فِيهِ البَدَلُ المَذْكُورُ لا عَلى سَبِيلِ الحَقِيقَةِ، ولا عَلى سَبِيلِ المَجازِ؛ لِأنَّ اللَّهَ عَلَمٌ، وكَذا زَيْدٌ هو عَلَمٌ؛ فَلا يُمْكِنُ أنْ يُتَخَيَّلَ فِيهِ عُمُومٌ، فَيَكُونُ الظّالِمُ بَدَلًا مِنَ اللَّهِ، وعَمْرٌو بَدَلًا مِن زَيْدٍ. وأمّا ما يَجُوزُ فِيهِ البَدَلُ مِن الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ فَإنَّهُ يُتَخَيَّلُ فِيما قَبْلَهُ عُمُومٌ؛ ولِذَلِكَ صَحَّ البَدَلُ مِنهُ عَلى طَرِيقِ المَجازِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ بَعْضًا مِنَ المُسْتَثْنى مِنهُ حَقِيقَةً. وأمّا قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ ما جاءَنِي زَيْدٌ إلّا عَمْرٌو، فَلا نَعْلَمُ هَذِهِ اللُّغَةَ إلّا أنَّ في كِتابِ سِيبَوَيْهِ بَعْدَ أنْ أنْشَدَ أبْياتًا مِنَ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ آخِرُها قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎عَشِيَّةَ لا تُغْنِي الرِّماحُ مَكانَها ولا النَّبْلُ إلّا المَشْرَفِيُّ المُصَمَّمُ ما نَصُّهُ وهَذا يُقَوِّي: ما أتانِي زَيْدٌ إلّا عَمْرٌو، وما أعانَهُ إخْوانُكم إلّا إخِوانُهُ؛ لِأنَّها مَعارِفُ لَيْسَتِ الأسْماءُ الآخِرَةُ بِها، ولا مِنها، انْتَهى كَلامُ سِيبَوَيْهِ. ولَمْ يُصَرِّحْ، ولا لَوَّحَ أنَّ قَوْلَهُ: ما أتانِي زَيْدٌ إلّا عَمْرٌو مِن كَلامِ العَرَبِ. وقِيلَ مِن شَرْحِ سِيبَوَيْهِ؛ فَهَذا يُقَوِّي: ما أتانِي زَيْدٌ إلّا عَمْرٌو؛ أيْ يَنْبَغِي أنْ يَثْبُتَ هَذا مِن كَلامِهِمْ؛ لِأنَّ النَّبْلَ مَعْرِفَةٌ لَيْسَ بِالمَشْرَفِيِّ، كَما أنَّ زَيْدًا لَيْسَ بِعَمْرٍو، وكَما أنَّ أُخْوَةَ زَيْدٍ لَيْسُوا إخْوانَكم، انْتَهى. ولَيْسَ ما أتانِي زَيْدٌ إلّا عَمْرٌو نَظِيرًا لِلْبَيْتِ؛ لِأنَّهُ يُتَخَيَّلُ عُمُومٌ في البَيْتِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ لا يُغْنِي السِّلاحُ مَكانَها إلّا المَشْرَفِيُّ، بِخِلافِ ما أتانِي زَيْدٌ إلّا عَمْرٌو، فَإنَّهُ لا يُتَخَيَّلُ في ما أتانِي زَيْدٌ. عُمُومٌ البَتَّةَ عَلى أنَّهُ لَوْ سُمِعَ هَذا مِن كَلامِ العَرَبِ وجَبَ تَأْوِيلُهُ حَتّى يَصِحَّ البَدَلُ؛ فَكانَ يَصِحُّ ما جاءَنِي زَيْدٌ، ولا غَيْرُهُ إلّا عَمْرٌو. كَأنَّهُ يَدُلُّ عَلى حَذْفِ المَعْطُوفِ وُجُودُ هَذا الِاسْتِثْناءِ؛ إمّا أنْ يَكُونَ عَلى إلْغاءِ هَذا الفاعِلِ، وزِيادَتِهِ، أوْ عَلى كَوْنِ عَمْرٍو بَدَلًا مِن زَيْدٍ؛ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ لِما ذَكَرْناهُ. وأمّا قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: ومِنهُ ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، فَلَيْسَ مِن بابِ ما ذُكِرَ؛ لِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ (مَن) مُفَعْوِلَةً و(الغَيْبَ) بَدَلًا مِن بَدَلِ اشْتِمالٍ؛ أيْ لا يَعْلَمُ غَيْبَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا اللَّهُ؛ أيْ ما يُسِرُّونَهُ، ويُخْفُونَهُ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ. وإنْ سَلَّمْنا أنَّ مَن مَرْفُوعَةٌ؛ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ بَدَلًا مِن (مَن) عَلى سَبِيلِ المَجازِ في مَن؛ لِأنَّ (مَن في السَّماواتِ) يُتَخَيَّلُ فِيهِ عُمُومٌ؛ كَأنَّهُ قِيلَ قُلْ لا يَعْلَمُ المَوْجُودَ دُونَ الغَيْبِ إلّا اللَّهُ. أوْ عَلى سَبِيلِ المَجازِ في الظَّرْفِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى، ولِذا جاءَ عَنْهُ ذَلِكَ في القُرْآنِ، وفي السُّنَّةِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾ [الأنعام: ٣]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤]، وفي الحَدِيثِ (p-٣٨٥)«أيْنَ اللَّهُ ؟ قالَتْ: في السَّماءِ»، ومِن كَلامِ العَرَبِ: لا وذِي في السَّماءِ بَيْتُهُ؛ يَعْنُونَ اللَّهَ تَعالى. وإذا احْتَمَلَتِ الآيَةُ هَذِهِ الوُجُوهَ لَمْ يَتَعَيَّنْ حَمْلُها عَلى ما ذُكِرَ، وخَصَّ الجَهْرَ بِالذِّكْرِ إمّا إخْراجًا لَهُ مُخْرَجَ الغائِبِ، وإمّا اكْتِفاءً بِالجَهْرِ عَنْ مُقابِلِهِ، أوْ لِكَوْنِهِ أفْحَشَ. ﴿وكانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ أيْ سَمِيعًا لِما يُجْهَرُ بِهِ مِنَ السُّوءِ، عَلِيمًا بِما يُسَرُّ بِهِ مِنهُ. وقِيلَ سَمِيعًا لِكَلامِ المَظْلُومِ عَلِيمًا بِالظّالِمِ. وقِيلَ سَمِيعًا بِشَكْوى المَظْلُومِ عَلِيمًا بِعُقْبى الظّالِمِ، أوْ عَلِيمًا بِما في قَلْبِ المَظْلُومِ؛ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ ولا يَقُلْ إلّا الحَقَّ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرٌ، ومَعْناهُ التَّهْدِيدُ والتَّحْذِيرُ. ﴿إنْ تُبْدُوا خَيْرًا أوْ تُخْفُوهُ أوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ الظّاهِرُ أنَّ الهاءَ في تُخْفُوهُ تَعُودُ عَلى الخَيْرِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ مِن أعْمالِ البِرِّ كالصِّيامِ والصَّدَقَةِ. وقالَ بَعْضُهم: في تُخْفُوهُ عائِدٌ عَلى الخَيْرِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ مِن أعْمالِ البَرِّ كالصِّيامِ والصَّدَقَةِ. وقالَ بَعْضُهم: في تُخْفُوهُ عائِدٌ عَلى السُّوءِ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى لَمّا أباحَ الجَهْرَ بِالسُّوءِ لِمَن كانَ مَظْلُومًا قالَ لَهُ، ولِجِنْسِهِ: إنْ تُبْدُو خَيْرًا بَدَلًا مِنَ السُّوءِ، أوْ تُخْفُوا السُّوءَ، أوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ. فالعَفْوُ أوْلى، وإنْ كانَ غَيْرُ المَعْفُوِّ مُباحًا، انْتَهى. وذَكَرَ إبْداءَ الخَيْرِ، وإخْفاءَهُ تَسَبُّبًا لِذَلِكَ العَفْوِ، ثُمَّ عَطَفَهُ عَلَيْهِما تَنْبِيهًا عَلى مَنزِلَتِهِ، واعْتِدادًا بِهِ، وإنْ كانَ مُنْدَرِجًا في إبْداءِ الخَيْرِ، وإخْفائِهِ؛ فَجَعَلَهُ قَسَمًا بِالعَطْفِ لا قَسِيمًا اعْتِناءً بِهِ. ولِذَلِكَ أتى سُبْحانَهُ وتَعالى بِصِفَةِ العَفْوِ والقُدْرَةِ مَنسُوبَةً لَهُ تَعالى لِيُقْتَدى بِسُنَّتِهِ، ويُتَخَلَّقَ بِشَيْءٍ مِن صِفاتِهِ تَعالى. والمَعْنى: أنَّهُ يَعْفُو عَنِ الجانِينَ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى الِانْتِقامِ، وكانَ بِالصِّفَتَيْنِ عَلى طَرِيقِ المُبالَغَةِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ العَبْدَ يَنْبَغِي أنْ يَكْثُرَ مِنهُ العَفْوُ مَعَ كَثْرَةِ القُدْرَةِ عَلى الِانْتِقامِ. وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «مَن كَظَمَ غَيْظًا، وهو يَقْدِرُ عَلى إنْفاذِهِ مَلَأ اللَّهُ قَلْبَهُ أمْنًا وإيمانًا» . وقالَ تَعالى: ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ والعافِينَ عَنِ النّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٤] . وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى أنَّهُ تَعالى يَعْفُو عَنِ الجانِينَ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى الِانْتِقامِ، فَعَلَيْكم بِالعَفْوِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مَعْناهُ أنِّي أقْدَرُ عَلى العَفْوِ عَنْ ذُنُوبِكَ مِنكَ عَلى عَفْوِكَ عَنْ صاحِبِكَ. وقِيلَ عَفُوًّا لِمَن عَفى، قَدِيرًا عَلى إيصالِ الثَّوابِ إلَيْهِ.

النساء 4:147

﴿أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكم سُلْطانًا مُبِينًا﴾؛ أيْ حُجَّةً ظاهِرَةً واضِحَةً بِمُوالاتِكُمُ الكافِرِينَ أوِ المُنافِقِينَ عَلى قَوْلِ القَفّالِ. والمَعْنى: أنَّهُ يَأْخُذُكم إنْ والَيْتُمُ الكُفّارَ بِانْتِقامٍ مِنهُ، ولَهُ عَلَيْكم في ذَلِكَ الحُجَّةُ الواضِحَةُ؛ إذْ قَدْ بَيَّنَ لَكم أحْوالَهم، ونَهاكم عَنْ مُوالاتِهِمْ. وقِيلَ السُّلْطانُ هُنا القَهْرُ والقُدْرَةُ. والمَعْنى: أنَّهُ يُسَلَّطُ عَلَيْكم بِسَبَبِ اتِّخاذِكُمِ الكُفّارَ أوْلِياءَ والسُّلْطانَ. قالَ الفَرّاءُ: أُنِّثَ، وذُكِّرَ، وبَعْضُ العَرَبِ يَقُولُ: قَضَتْ بِهِ عَلَيْكَ السُّلْطانُ، وقَدْ أخَذَتْ فُلانًا السُّلْطانُ والتَّأْنِيثُ عِنْدَ الفُصَحاءِ أكْثَرُ، انْتَهى. فَمَن ذَكَّرَ ذَهَبَ بِهِ إلى البُرْهانِ والِاحْتِجاجِ، ومَن أنَّثَ ذَهَبَ بِهِ إلى الحُجَّةِ، وإنَّما اخْتِيرَ التَّذْكِيرُ هُنا في الصِّفَةِ، وإنْ كانَ التَّأْنِيثُ أكْثَرَ؛ لِأنَّهُ وقَعَ الوَصْفُ فاصِلَةً؛ فَهَذا هو المُرَجِّحُ لِلتَّذْكِيرِ عَلى التَّأْنِيثِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والتَّذْكِيرُ أشْهَرُ، وهي لُغَةُ القُرْآنِ حَيْثُ وقَعَ، وهَذا مُخالِفٌ لِما قالَهُ الفَرّاءُ. وإذا سُمِّيَ بِهِ صاحِبُ الأمْرِ فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، والتَّقْدِيرُ: ذُو السُّلْطانِ؛ أيْ ذُو الحُجَّةِ عَلى النّاسِ إذْ هو مُدَبِّرُهم، والنّاظِرُ في مَصالِحِهِمْ ومَنافِعِهِمْ. وقالَ (p-٣٨٠)الزَّمَخْشَرِيُّ: لا تَتَشَبَّهُوا بِالمُنافِقِينَ في اتِّخاذِهِمُ اليَهُودَ، وغَيْرِهِمْ مِن أعْداءِ الإسْلامِ أوْلِياءَ، سُلْطانٌ: حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ، يَعْنِي: أنَّ مُوالاةَ الكافِرِينَ بَيِّنَةٌ عَلى المُنافِقِينَ. وعَنْ صَعْصَةَ بْنِ صَرْحانِ أنَّهُ قالَ لِابْنِ أخٍ لَهُ: خالِصِ المُؤْمِنَ، وخالِقِ الكافِرَ والفاجِرَ: فَإنَّ الفاجِرَ يَرْضى مِنكَ بِالخُلُقِ الحَسَنِ، وإنَّهُ يَحِقُّ عَلَيْكَ أنْ تُخالِصَ المُؤْمِنَ. ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الدَّرْكُ لِأهْلِ النّارِ كالدَّرَجِ لِأهْلِ الجَنَّةِ، إلّا أنَّ الدَّرَجاتِ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ والدِّرْكاتُ بَعْضُها أسْفَلَ مِن بَعْضٍ، انْتَهى. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الدَّرَكاتُ الطَّبَقاتُ: وأصْلُها مِنَ الإدْراكِ؛ أيْ هي مُتَدارِكَةٌ مُتَلاحِقَةٌ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ: هي مِن تَوابِيتَ مِن حَدِيدٍ مُتَعَلِّقَةٍ في قَعْرِ جَهَنَّمَ، والنّارُ سَبْعُ دَرَكاتٍ، قِيلَ أوَّلُها جَهَنَّمُ، ثُمَّ لَظًى، ثُمَّ الحُطَمَةُ، ثُمَّ السَّعِيرُ، ثُمَّ سَقَرُ، ثُمَّ الجَحِيمُ، ثُمَّ الهاوِيَةُ. وقَدْ تُسَمّى جَمِيعُها بِاسْمِ الطَّبَقَةِ الأُولى، وبَعْضُ الطَّبَقاتِ بِاسْمِ بَعْضٍ؛ لِأنَّ لَفْظَ النّارِ يَجْمَعُها. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: أشَدُّ النّاسِ عَذابًا يَوْمَ القِيامَةِ المُنافِقُونَ، ومَن كَفَرَ مِن أصْحابِ المائِدَةِ وآلِ فِرْعَوْنَ. وتَصْدِيقُ ذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ هَذِهِ الآيَةُ في المُنافِقِينَ و﴿فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥] و﴿أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٦]؛ وإنَّما كانَ المُنافِقُ أشَدَّ عَذابًا مِن غَيْرِهِ مِنَ الكُفّارِ؛ لِأنَّهُ مِثْلُهُ في الكُفْرِ، وضَمَّ إلى الكُفْرِ الِاسْتِهْزاءَ بِالإسْلامِ، وأهْلِهِ والمُداجاةَ، وإطْلاعَ الكُفّارِ عَلى أسْرارِ المُسْلِمِينَ فَهو أشَدُّ غَوائِلَ مِنَ الكُفّارِ، وأشَدُّ تَمْكِينًا مِن أذى المُسْلِمِينَ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ والعَرَبِيّانِ: ﴿فِي الدَّرْكِ﴾ بِفَتْحِ الرّاءِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ والأعْمَشُ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: بِسُكُونِها، واخْتُلِفَ عَنْ عاصِمٍ. ورَوى الأعْمَشُ والبَرْجَمِيُّ الفَتْحَ. وغَيْرُهُما الإسْكانَ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهُما لُغَتانِ كالشَّمْعِ والشَّمَعِ، واخْتارَ بَعْضُهُمُ الفَتْحَ لِقَوْلِهِمْ: في الجَمْعِ أدْراكٌ كَجَمَلٍ وأجْمالٍ يَعْنِي: أنَّهُ يَنْقاسُ في فَعَلٍ وأفْعالٍ، ولا يَنْقاسُ في فَعْلٍ. وقالَ عاصِمٌ: لَوْ كانَ بِالفَتْحِ لَقِيلَ السُّفْلى. قالَ بَعْضُهم: ذَهَبَ عاصِمٌ إلى أنَّ الفَتْحَ إنَّما هو عَلى أنَّهُ جَمْعُ دَرَكَةٍ كَبَقَرَةٍ وبَقَرٍ، انْتَهى. ولا يَلْزَمُ ما ذَكَرَهُ مِنَ التَّأْنِيثِ؛ لِأنَّ الجِنْسَ المُمَيَّزَ مُفْرَدُهُ بِهاءِ التَّأْنِيثِ يُؤَنَّثُ في لُغَةِ الحِجازِ، ويُذَكَّرُ في لُغَةِ تَمِيمٍ ونَجْدٍ، وقَدْ جاءَ القُرْآنُ بِهِما إلّا ما اسْتُثْنِيَ؛ لِأنَّهُ يَتَحَتَّمُ فِيهِ التَّأْنِيثُ أوِ التَّذْكِيرُ، ولَيْسَ دَرَكَةٌ ودَرَكٌ مِن ذَلِكَ؛ فَعَلى هَذا يَجُوزُ تَذْكِيرُ الدَّرَكِ وتَأْنِيثُهُ. ﴿ولَنْ تَجِدَ لَهم نَصِيرًا﴾ أيْ مانِعًا مِنَ العَذابِ، ولا شافِعًا يَشْفَعُ. ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا واعْتَصَمُوا بِاللَّهِ، وأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ تابُوا مِنَ النِّفاقِ، وأصْلَحُوا أعْمالَهم، وتَمَسَّكُوا بِاللَّهِ وكِتابِهِ ولَمْ يَكُنْ لَهم مَلْجَأٌ ولا مَلاذٌ إلّا اللَّهَ وأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ؛ أيْ لا يَبْتَغُونَ بِعَمَلِ الطّاعاتِ إلّا وجْهَ اللَّهِ تَعالى؛ ولَمّا كانَ المُنافِقُ مُتَّصِفًا بِنَقائِصِ هَذِهِ الأوْصافِ مِنَ الكُفْرِ، وفَسادِ الأعْمالِ والمُوالاةِ لِلْكافِرِينَ، والِاعْتِزازِ بِهِمْ والمُراءاةِ لِلْمُؤْمِنِينَ شَرَطَ في تَوْبَتِهِمْ ما يُناقِضُ تِلْكَ الأوْصافَ، وهي التَّوْبَةُ مِنَ النِّفاقِ، وهي الوَصْفُ المُحْتَوِي عَلى بَقِيَّةِ الأوْصافِ مِن حَيْثُ المَعْنى. ثُمَّ فَصَّلَ ما أجْمَلَ فِيها، وهو الإصْلاحُ لِلْعَمَلِ المُسْتَأْنَفِ المُقابِلِ لِفَسادِ أعْمالِهِمُ الماضِيَةِ، ثُمَّ الِاعْتِصامُ بِاللَّهِ في المُسْتَقْبَلِ، وهو المُقابِلُ لِمُوالاةِ الكافِرِينَ، والِاعْتِمادُ عَلَيْهِمْ في الماضِي، ثُمَّ الإخْلاصِ لِدِينِ اللَّهِ، وهو المُقابِلُ لِلرِّياءِ الَّذِي كانَ لَهم في الماضِي، ثُمَّ بَعْدَ تَحْصِيلِ هَذِهِ الأوْصافِ جَمِيعِها أشارَ إلَيْهِمْ بِأنَّهم مَعَ المُؤْمِنِينَ، ولَمْ يَحْكم عَلَيْهِمْ بِأنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ، ولا مِنَ المُؤْمِنِينَ، وإنْ كانَ قَدْ صارُوا مُؤْمِنِينَ تَنْفِيرًا مِمّا كانُوا عَلَيْهِ مِن عِظَمِ كُفْرِ النِّفاقِ، وتَعْظِيمًا لِحالِ مَن كانَ مُتَلَبِّسًا بِهِ. ومَعْنى: مَعَ المُؤْمِنِينَ، رُفَقاؤُهم ومُصاحِبُوهم في الدّارَيْنِ. والَّذِينَ تابُوا مُسْتَثْنًى مِن قَوْلِهِ: ﴿فِي الدَّرْكِ﴾ . وقِيلَ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ﴾ [الإسراء: ٩٧] . وقِيلَ هو مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ (فَأُولَئِكَ) . وقالَ الحَوْفِيُّ: ودَخَلَتِ الفاءُ لِما في الكَلامِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ المُتَعَلِّقِ بِالَّذِينَ. (p-٣٨١)﴿وسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ أتى بِـ (سَوْفَ)؛ لِأنَّ إيتاءَ الأجْرِ هو يَوْمَ القِيامَةِ وهو زَمانٌ مُسْتَقْبَلٌ لَيْسَ قَرِيبًا مِنَ الزَّمانِ الحاضِرِ. وقَدْ قالُوا: إنَّ (سَوْفَ) أبْلَغُ في التَّنْفِيسِ مِنَ السِّينِ، ولَمْ يَعُدِ الضَّمِيرُ عَلَيْهِمْ، فَيُقالُ: وسَوْفَ يُؤْتِيهِمْ، بَلْ أخْلَصَ ذَلِكَ الأجْرَ لِلْمُؤْمِنِينَ، وهم رُفَقاؤُهم، فَيُشارِكُونَهم فِيهِ، ويُساهِمُونَهم. وكَتَبَ (يُؤْتِ) في المُصْحَفِ بِغَيْرِ ياءٍ، لَمّا حُذِفَتْ في اللَّفْظِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ حُذِفَتْ في الخَطِّ؛ ولِهَذا نَظائِرُ في القُرْآنِ. ووَقَفَ يَعْقُوبُ عَلَيْها بِالياءِ، ووَقَفَ السَّبْعَةُ بِغَيْرِ ياءٍ اتِّباعًا لِرَسْمِ المُصْحَفِ. وقَدْ رُوِيَ الوَقْفُ بِالياءِ عَنْ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ ونافِعٍ. وقالَ أبُو عَمْرٍو: يَنْبَغِي أنْ لا يُوقَفَ عَلَيْها؛ لِأنَّهُ إنْ وُقِفَ بِغَيْرِ ياءٍ خالَفَ النَّحْوِيِّينَ، وإنْ وقَفَ بِياءٍ خالَفَ لَفْظَ المُصْحَفِ. والأجْرُ العَظِيمُ هو الخُلُودُ في الجَنَّةِ. ﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ﴾ الخِطابُ قِيلَ لِلْمُؤْمِنِينَ. وقِيلَ: لِلْكافِرِينَ، وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ سِياقُ الكَلامِ. وهَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ النَّفْيُ؛ أيْ ما يُعَذِّبُكم، إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ. والمَعْنى: أنَّهُ لا مَنفَعَةَ لَهُ في ذَلِكَ، ولا حاجَةَ؛ لِأنَّ العَذابَ إنَّما يَكُونُ لِشَيْءٍ يَعُودُ نَفْعُهُ أوْ يَنْدَفِعُ ضُرُّهُ عَنِ المُعَذَّبِ؛ واللَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ؛ وإنَّما عِقابُهُ المُسِيءَ لِأمْرٍ قَضَتْ بِهِ حِكْمَتُهُ تَعالى، فَمَن شَكَرَهُ وآمَنَ بِهِ لا يُعَذِّبُهُ. و(ما) اسْتِفْهامٌ كَما ذَكَرْنا في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ؛ التَّقْدِيرُ: أيَّ شَيْءٍ يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم. والباءُ لِلسَّبَبِ اسْتِشْفاءً أمْ إدْراكَ نارٍ، أمْ جَلْبَ مَنفَعَةٍ، أمْ دَفْعَ مَضَرَّةٍ، فَهو تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ (ما) نافِيَةً، قالَ: والمَعْنى: ما يُعَذِّبُكم. ويَلْزَمُ عَلى قَوْلِهِ أنْ تَكُونَ الباءُ زائِدَةً، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ؛ أيْ، إنْ شَكَرْتُمْ، وآمَنتُمْ فَما يَفْعَلُ بِعَذابِكم. ذُكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ بِالشُّكْرِ هُنا تَوْحِيدُ اللَّهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قَدَّمَ الشُّكْرَ عَلى الإيمانِ ؟ قُلْتُ: لِأنَّ العاقِلَ يَنْظُرُ إلى ما عَلَيْهِ مِنَ النِّعْمَةِ العَظِيمَةِ في خَلْقِهِ، وتَعْرِيضِهِ لِلْمَنافِعِ فَيَشْكُرُ شُكْرًا مُبْهَمًا؛ فَإذا انْتَهى بِهِ النَّظَرُ إلى مَعْرِفَةِ المُؤْمِنِ بِهِ المُنَعَّمِ آمَنَ بِهِ، ثُمَّ شَكَرَ شُكْرًا مُفَصَّلًا؛ فَكانَ الشُّكْرُ مُتَقَّدِمًا عَلى الإيمانِ، وكانَ أصْلَ التَّكْلِيفِ ومَدارَهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الشُّكْرُ عَلى الحَقِيقَةِ لا يَكُونُ إلّا مُقْتَرِنًا بِالإيمانِ؛ لَكِنَّهُ ذَكَرَ الإيمانَ تَأْكِيدًا، وتَنْبِيهًا عَلى جَلالَةِ مَوْقِعِهِ، انْتَهى. وأبْعَدُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ؛ أيْ إنْ آمَنتُمْ وشَكَرْتُمْ. ﴿وكانَ اللَّهُ شاكِرًا عَلِيمًا﴾ شاكِرًا أيْ مُثِيبًا مُوفِيًا أُجُورَكم. وأتى بِصِفَةِ الشُّكْرِ بِاسْمِ الفاعِلِ بِلا مُبالَغَةٍ لِيَدُلَّ عَلى أنَّهُ يَتَقَبَّلُ، ولَوْ أقَلَّ شَيْءٍ مِنَ العَمَلِ، ويُنَمِّيهِ عَلِيمًا بِشُكْرِكم وإيمانِكم فَيُجازِيكم. وفي قَوْلِهِ: عَلِيمًا تَحْذِيرٌ ونَدْبٌ إلى الإخْلاصِ لِلَّهِ تَعالى. وقِيلَ الشُّكْرُ مِنَ اللَّهِ إدامَةُ النِّعَمِ عَلى الشّاكِرِ. ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلّا مَن ظُلِمَ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: تَضَّيَفُ رَجُلٌ قَوْمًا فَأساءُوا قِراهُ، فاشْتَكاهم فَعُوتِبَ؛ فَنَزَلَتْ. وقالَ مُقاتِلٌ: «نالَ رَجُلٌ مِن أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ والرَّسُولُ عَلَيْهِ (p-٣٨٢)السَّلامُ حاضِرٌ، فَسَكَتَ عَنْهُ أبُو بَكْرٍ مِرارًا ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ؛ فَقامَ الرَّسُولُ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ شَتَمَنِي فَلَمْ تَقُلْ شَيْئًا، حَتّى إذا رَدَدْتُ عَلَيْهِ قُمْتَ، فَقالَ: ”إنْ مَلَكًا كانَ يُجِيبُ عَنْكَ، فَلَمّا رَدَّدْتَ عَلَيْهِ ذَهَبَ، وجاءَ الشَّيْطانُ“»؛ فَنَزَلَتْ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها هي أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مِن أحْوالِ المُنافِقِينَ وذَمِّهِمْ، وإظْهارِ فَضائِحِهِمْ ما ذَكَرَ وبَيَّنَ ظُلْمَهم، واهْتِضامَهم جانِبَ المُؤْمِنِينَ سَوَّغَ هُنا لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يُذَكِّرُوهم بِما فِيهِمْ مِنَ الأوْصافِ الذَّمِيمَةِ. وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «اذْكُرُوا الفاسِقَ بِما فِيهِ كَيْ يَحْذَرَهُ النّاسُ» . وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إلّا مَن ظُلِمَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: إلّا مَن ظُلِمَ؛ فَإنَّ لَهُ أنْ يَدْعُوَ عَلى مَن ظَلَمَهُ، وكانَ ذَلِكَ رُخْصَةً مِنَ اللَّهِ لَهُ، وإنْ صَبَرَ فَهو خَيْرٌ لَهُ. وقالَ الحَسَنُ: لا يَدْعُو عَلَيْهِ، ولَكِنْ لِيَقُلِ: اللَّهُمَّ أعِنِّي عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ اسْتَخْرِجْ حَقِّي، اللَّهُمَّ حُلْ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما يُرِيدُ مِن ظُلْمِي. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: يُجازِيهِ بِمِثْلِ فِعْلِهِ، ولا يَزِيدُ عَلَيْهِ. وقِيلَ هو أنْ يَبْدَأ بِالشَّتْمِ فَيَرُدَّ عَلى مَن شَتَمَهُ، وتَقَدَّمَ قَوْلُ مُجاهِدٍ أنَّها في الضَّيْفِ يَشْكُو سُوءَ صَنِيعِ المُضِيفِ مَعَهُ، ونُسِبَ إلى الظُّلْمِ؛ لِأنَّهُ مُخالِفٌ لِلشَّرْعِ والمُرُوءَةِ. وقالَ المُنِيرُ: مَعْناهُ إلّا مَن أُكْرِهَ عَلى أنْ يَجْهَرَ بِالسُّوءِ كُفْرًا ونَحْوَهُ؛ فَذَلِكَ مُباحٌ والآيَةُ في الإكْراهِ، وهَذا الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ مُضافٍ أيِ إلّا جَهْرَ مَن ظُلِمَ. وقِيلَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، والتَّقْدِيرُ: لَكِنَّ المَظْلُومَ لَهُ أنْ يَنْتَصِفَ مِن ظالِمِهِ بِما يُوازِي ظُلامَتَهُ؛ قالَهُ السُّدِّيُّ والحَسَنُ، وغَيْرُهُما. و(بِالسُّوءِ) مُتَعَلِّقٌ بِالجَهْرِ، وهو مَصْدَرٌ مُعَرَّفٌ بِالألِفِ واللّامِ، والفاعِلُ مَحْذُوفٌ و(بِالجَهْرِ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ. ومَن أجازَ أنْ يُنْوى في المَصْدَرِ بِناؤُهُ لِلْمَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ قَدَّرَ أنَّ بِالسُّوءِ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، التَّقْدِيرُ: أنْ يُجْهَرَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ مَن ظُلِمَ بَدَلًا مِن ذَلِكَ الفاعِلِ المَحْذُوفِ، التَّقْدِيرُ: إنْ أحَدٌ إلّا المَظْلُومَ، وهَذا مَذْهَبُ الفَرّاءِ. أجازَ الفَرّاءُ فِيما قامَ إلّا زَيْدٌ أنْ يَكُونَ زَيْدٌ بَدَلًا مِن أحَدٍ. وأمّا عَلى مَذْهَبِ الجُمْهُورِ؛ فَإنَّهُ يَكُونُ مِنَ المُسْتَثْنى الَّذِي فَرَغَ لَهُ العامِلُ؛ فَيَكُونُ مَرْفُوعًا عَلى الفاعِلِيَّةِ بِالمَصْدَرِ. وحَسَّنَ ذَلِكَ كَوْنُ الجَهْرِ في حَيِّزِ النَّفْيِ، وكَأنَّهُ قِيلَ لا يَجْهَرُ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلّا المَظْلُومُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعَطاءُ بْنُ السّائِبِ والضَّحّاكُ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، ومُسْلِمُ بْنُ يَسارٍ، والحَسَنُ، وابْنُ المُسَيَّبِ، وقَتادَةُ وأبُو رَجاءٍ: إلّا مَن ظَلَمَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وهو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ. (p-٣٨٣)فَقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِأنَّ الظّالِمَ راكِبٌ ما لَمْ يُحِبَّهُ اللَّهُ فَيَجْهَرُ بِالسُّوءِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى إلّا مَن ظَلَمَ في فِعْلٍ أوْ قَوْلٍ فاجْهُرُوا لَهُ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ في مَعْنى النَّهْيِ عَنْ فِعْلِهِ والتَّوْبِيخِ والرَّدِّ عَلَيْهِ. قالَ: وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنِ المُنافِقِينَ أنَّهم في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ، كانَ ذَلِكَ خَبَرًا بِسُوءٍ مِنَ القَوْلِ ثُمَّ قالَ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ﴾ الآيَةَ عَلى مَعْنى التَّأْسِيسِ والِاسْتِدْعاءِ إلى الشُّكْرِ والإيمانِ، ثُمَّ قالَ لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلّا مَن ظُلِمَ﴾ في إقامَتِهِ عَلى النِّفاقِ؛ فَإنَّهُ يَقُولُ لَهُ: ألَسْتَ المُنافِقَ الكافِرَ الَّذِي لَكَ في الآخِرَةِ الدَّرْكُ الأسْفَلُ ؟ ونَحْوَ هَذا مِنَ الأقْوالِ. وقالَ قَوْمٌ: تَقْدِيرُهُ: لَكِنْ مَن ظُلِمَ فَهو يَجْهَرُ بِالسُّوءِ، وهو ظالِمٌ في ذَلِكَ؛ فَهي ثَلاثَةُ تَقادِيرَ في هَذا الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ: أحَدُها: راجِعٌ لِلْجُمْلَةِ الأُولى، وهي لا يُحِبُّ؛ كَأنَّهُ قِيلَ لَكِنَّ الظّالِمَ يُحِبُّ الجَهْرَ بِالسُّوءِ فَهو يَفْعَلُهُ والثّانِي: راجِعٌ إلى فاعِلِ الجَهْرِ؛ أيْ لا يُحِبُّ اللَّهُ أنْ يَجْهَرَ أحَدٌ بِالسُّوءِ؛ لَكِنَّ الظّالِمَ يَجْهَرُ بِالسُّوءِ. والثّالِثُ: راجِعٌ إلى مُتَعَلِّقِ الجَهْرِ الفَضْلَةِ المَحْذُوفَةِ؛ أيْ إنْ يَجْهَرْ أحَدُكم لِأحَدٍ بِالسُّوءِ؛ لَكِنْ مَن ظَلَمَ فاجْهُرُوا لَهُ بِالسُّوءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإعْرابُ مَن يَحْتَمِلُ في بَعْضِ هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ النَّصْبَ، ويَحْتَمِلُ الرَّفْعَ عَلى البَدَلِ مِن ”أحَدٌ“ المُقَدَّرِ، انْتَهى. ويَعْنِي بِأحَدٍ المُقَدَّرِ في المَصْدَرِ إذِ التَّقْدِيرُ: إنْ يَجْهَرْ أحَدٌ، وما ذَكَرَهُ مِن جَوازِ الرَّفْعِ عَلى البَدَلِ لا يَصِحُّ، وذَلِكَ أنَّ الِاسْتِثْناءَ المُنْقَطِعَ عَلى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ يُسَوَّغُ فِيهِ (p-٣٨٤)البَدَلُ، وهو ما يُمْكِنُ تَوَجُّهُ العامِلِ عَلَيْهِ نَحْوَ: ما في الدّارِ أحَدٌ إلّا حِمارٌ، فَهَذا فِيهِ البَدَلُ في لُغَةِ تَمِيمٍ، والنُّصْبُ عَلى الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ في لُغَةِ الحِجازِ؛ وإنَّما جازَ فِيهِ البَدَلُ؛ لِأنَّكَ لَوْ قُلْتَ: ما في الدّارِ إلّا حِمارٌ صَحَّ المَعْنى. وقِسْمٌ يَتَحَتَّمُ فِيهِ النَّصْبُ عَلى الِاسْتِثْناءِ، ولا يُسَوَّغُ فِيهِ البَدَلُ، وهو ما لا يُمْكِنُ تَوَجُّهُ العامِلِ عَلَيْهِ نَحْوَ: المالُ ما زادَ إلّا النَّقْصَ. التَّقْدِيرُ: لَكِنَّ النَّقْصَ حَصَلَ لَهُ؛ فَهَذا لا يُمْكِنُ أنْ يَتَوَجَّهَ زادَ عَلى النَّقْصِ؛ لِأنَّكَ لَوْ قُلْتَ: ما زادَ إلّا النَّقْصُ لَمْ يَصِحَّ المَعْنى، والآيَةُ مِن هَذا القِسْمِ؛ لِأنَّكَ لَوْ قُلْتَ: لا يُحِبُّ اللَّهُ أنْ يَجْهَرَ بِالسُّوءِ إلّا الظّالِمُ، فَيُفَرَّغُ أنْ يَجْهَرَ؛ لِأنْ يَعْمَلَ في الظّالِمِ لَمْ يَصِحَّ المَعْنى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَن مَرْفُوعًا؛ كَأنَّهُ قِيلَ لا يُحِبُّ الجَهْرَ بِالسُّوءِ إلّا الظّالِمُ، عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: ما جاءَنِي زَيْدٌ إلّا عَمْرٌو، بِمَعْنى: ما جاءَنِي إلّا عَمْرٌو. ومِنهُ ﴿لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، انْتَهى. وهَذا الَّذِي جَوَّزَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ يُذْكَرُ لَغْوًا زائِدًا، ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الظّالِمُ بَدَلًا مِنَ اللَّهِ، ولا عَمْرٌو بَدَلًا مِن زَيْدٍ؛ لِأنَّ البَدَلَ في هَذا البابِ راجِعٌ في المَعْنى إلى كَوْنِهِ بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، إمّا عَلى سَبِيلِ الحَقِيقَةِ نَحْوَ: ما قامَ القَوْمُ إلّا زَيْدٌ، وإمّا عَلى سَبِيلِ المَجازِ نَحْوَ: ما في الدّارِ أحَدٌ إلّا حِمارٌ، وهَذا لا يُمْكِنُ فِيهِ البَدَلُ المَذْكُورُ لا عَلى سَبِيلِ الحَقِيقَةِ، ولا عَلى سَبِيلِ المَجازِ؛ لِأنَّ اللَّهَ عَلَمٌ، وكَذا زَيْدٌ هو عَلَمٌ؛ فَلا يُمْكِنُ أنْ يُتَخَيَّلَ فِيهِ عُمُومٌ، فَيَكُونُ الظّالِمُ بَدَلًا مِنَ اللَّهِ، وعَمْرٌو بَدَلًا مِن زَيْدٍ. وأمّا ما يَجُوزُ فِيهِ البَدَلُ مِن الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ فَإنَّهُ يُتَخَيَّلُ فِيما قَبْلَهُ عُمُومٌ؛ ولِذَلِكَ صَحَّ البَدَلُ مِنهُ عَلى طَرِيقِ المَجازِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ بَعْضًا مِنَ المُسْتَثْنى مِنهُ حَقِيقَةً. وأمّا قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ ما جاءَنِي زَيْدٌ إلّا عَمْرٌو، فَلا نَعْلَمُ هَذِهِ اللُّغَةَ إلّا أنَّ في كِتابِ سِيبَوَيْهِ بَعْدَ أنْ أنْشَدَ أبْياتًا مِنَ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ آخِرُها قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎عَشِيَّةَ لا تُغْنِي الرِّماحُ مَكانَها ولا النَّبْلُ إلّا المَشْرَفِيُّ المُصَمَّمُ ما نَصُّهُ وهَذا يُقَوِّي: ما أتانِي زَيْدٌ إلّا عَمْرٌو، وما أعانَهُ إخْوانُكم إلّا إخِوانُهُ؛ لِأنَّها مَعارِفُ لَيْسَتِ الأسْماءُ الآخِرَةُ بِها، ولا مِنها، انْتَهى كَلامُ سِيبَوَيْهِ. ولَمْ يُصَرِّحْ، ولا لَوَّحَ أنَّ قَوْلَهُ: ما أتانِي زَيْدٌ إلّا عَمْرٌو مِن كَلامِ العَرَبِ. وقِيلَ مِن شَرْحِ سِيبَوَيْهِ؛ فَهَذا يُقَوِّي: ما أتانِي زَيْدٌ إلّا عَمْرٌو؛ أيْ يَنْبَغِي أنْ يَثْبُتَ هَذا مِن كَلامِهِمْ؛ لِأنَّ النَّبْلَ مَعْرِفَةٌ لَيْسَ بِالمَشْرَفِيِّ، كَما أنَّ زَيْدًا لَيْسَ بِعَمْرٍو، وكَما أنَّ أُخْوَةَ زَيْدٍ لَيْسُوا إخْوانَكم، انْتَهى. ولَيْسَ ما أتانِي زَيْدٌ إلّا عَمْرٌو نَظِيرًا لِلْبَيْتِ؛ لِأنَّهُ يُتَخَيَّلُ عُمُومٌ في البَيْتِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ لا يُغْنِي السِّلاحُ مَكانَها إلّا المَشْرَفِيُّ، بِخِلافِ ما أتانِي زَيْدٌ إلّا عَمْرٌو، فَإنَّهُ لا يُتَخَيَّلُ في ما أتانِي زَيْدٌ. عُمُومٌ البَتَّةَ عَلى أنَّهُ لَوْ سُمِعَ هَذا مِن كَلامِ العَرَبِ وجَبَ تَأْوِيلُهُ حَتّى يَصِحَّ البَدَلُ؛ فَكانَ يَصِحُّ ما جاءَنِي زَيْدٌ، ولا غَيْرُهُ إلّا عَمْرٌو. كَأنَّهُ يَدُلُّ عَلى حَذْفِ المَعْطُوفِ وُجُودُ هَذا الِاسْتِثْناءِ؛ إمّا أنْ يَكُونَ عَلى إلْغاءِ هَذا الفاعِلِ، وزِيادَتِهِ، أوْ عَلى كَوْنِ عَمْرٍو بَدَلًا مِن زَيْدٍ؛ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ لِما ذَكَرْناهُ. وأمّا قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: ومِنهُ ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، فَلَيْسَ مِن بابِ ما ذُكِرَ؛ لِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ (مَن) مُفَعْوِلَةً و(الغَيْبَ) بَدَلًا مِن بَدَلِ اشْتِمالٍ؛ أيْ لا يَعْلَمُ غَيْبَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا اللَّهُ؛ أيْ ما يُسِرُّونَهُ، ويُخْفُونَهُ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ. وإنْ سَلَّمْنا أنَّ مَن مَرْفُوعَةٌ؛ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ بَدَلًا مِن (مَن) عَلى سَبِيلِ المَجازِ في مَن؛ لِأنَّ (مَن في السَّماواتِ) يُتَخَيَّلُ فِيهِ عُمُومٌ؛ كَأنَّهُ قِيلَ قُلْ لا يَعْلَمُ المَوْجُودَ دُونَ الغَيْبِ إلّا اللَّهُ. أوْ عَلى سَبِيلِ المَجازِ في الظَّرْفِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى، ولِذا جاءَ عَنْهُ ذَلِكَ في القُرْآنِ، وفي السُّنَّةِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾ [الأنعام: ٣]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤]، وفي الحَدِيثِ (p-٣٨٥)«أيْنَ اللَّهُ ؟ قالَتْ: في السَّماءِ»، ومِن كَلامِ العَرَبِ: لا وذِي في السَّماءِ بَيْتُهُ؛ يَعْنُونَ اللَّهَ تَعالى. وإذا احْتَمَلَتِ الآيَةُ هَذِهِ الوُجُوهَ لَمْ يَتَعَيَّنْ حَمْلُها عَلى ما ذُكِرَ، وخَصَّ الجَهْرَ بِالذِّكْرِ إمّا إخْراجًا لَهُ مُخْرَجَ الغائِبِ، وإمّا اكْتِفاءً بِالجَهْرِ عَنْ مُقابِلِهِ، أوْ لِكَوْنِهِ أفْحَشَ. ﴿وكانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ أيْ سَمِيعًا لِما يُجْهَرُ بِهِ مِنَ السُّوءِ، عَلِيمًا بِما يُسَرُّ بِهِ مِنهُ. وقِيلَ سَمِيعًا لِكَلامِ المَظْلُومِ عَلِيمًا بِالظّالِمِ. وقِيلَ سَمِيعًا بِشَكْوى المَظْلُومِ عَلِيمًا بِعُقْبى الظّالِمِ، أوْ عَلِيمًا بِما في قَلْبِ المَظْلُومِ؛ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ ولا يَقُلْ إلّا الحَقَّ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرٌ، ومَعْناهُ التَّهْدِيدُ والتَّحْذِيرُ. ﴿إنْ تُبْدُوا خَيْرًا أوْ تُخْفُوهُ أوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ الظّاهِرُ أنَّ الهاءَ في تُخْفُوهُ تَعُودُ عَلى الخَيْرِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ مِن أعْمالِ البِرِّ كالصِّيامِ والصَّدَقَةِ. وقالَ بَعْضُهم: في تُخْفُوهُ عائِدٌ عَلى الخَيْرِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ مِن أعْمالِ البَرِّ كالصِّيامِ والصَّدَقَةِ. وقالَ بَعْضُهم: في تُخْفُوهُ عائِدٌ عَلى السُّوءِ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى لَمّا أباحَ الجَهْرَ بِالسُّوءِ لِمَن كانَ مَظْلُومًا قالَ لَهُ، ولِجِنْسِهِ: إنْ تُبْدُو خَيْرًا بَدَلًا مِنَ السُّوءِ، أوْ تُخْفُوا السُّوءَ، أوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ. فالعَفْوُ أوْلى، وإنْ كانَ غَيْرُ المَعْفُوِّ مُباحًا، انْتَهى. وذَكَرَ إبْداءَ الخَيْرِ، وإخْفاءَهُ تَسَبُّبًا لِذَلِكَ العَفْوِ، ثُمَّ عَطَفَهُ عَلَيْهِما تَنْبِيهًا عَلى مَنزِلَتِهِ، واعْتِدادًا بِهِ، وإنْ كانَ مُنْدَرِجًا في إبْداءِ الخَيْرِ، وإخْفائِهِ؛ فَجَعَلَهُ قَسَمًا بِالعَطْفِ لا قَسِيمًا اعْتِناءً بِهِ. ولِذَلِكَ أتى سُبْحانَهُ وتَعالى بِصِفَةِ العَفْوِ والقُدْرَةِ مَنسُوبَةً لَهُ تَعالى لِيُقْتَدى بِسُنَّتِهِ، ويُتَخَلَّقَ بِشَيْءٍ مِن صِفاتِهِ تَعالى. والمَعْنى: أنَّهُ يَعْفُو عَنِ الجانِينَ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى الِانْتِقامِ، وكانَ بِالصِّفَتَيْنِ عَلى طَرِيقِ المُبالَغَةِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ العَبْدَ يَنْبَغِي أنْ يَكْثُرَ مِنهُ العَفْوُ مَعَ كَثْرَةِ القُدْرَةِ عَلى الِانْتِقامِ. وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «مَن كَظَمَ غَيْظًا، وهو يَقْدِرُ عَلى إنْفاذِهِ مَلَأ اللَّهُ قَلْبَهُ أمْنًا وإيمانًا» . وقالَ تَعالى: ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ والعافِينَ عَنِ النّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٤] . وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى أنَّهُ تَعالى يَعْفُو عَنِ الجانِينَ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى الِانْتِقامِ، فَعَلَيْكم بِالعَفْوِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مَعْناهُ أنِّي أقْدَرُ عَلى العَفْوِ عَنْ ذُنُوبِكَ مِنكَ عَلى عَفْوِكَ عَنْ صاحِبِكَ. وقِيلَ عَفُوًّا لِمَن عَفى، قَدِيرًا عَلى إيصالِ الثَّوابِ إلَيْهِ.

النساء 4:148

﴿أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكم سُلْطانًا مُبِينًا﴾؛ أيْ حُجَّةً ظاهِرَةً واضِحَةً بِمُوالاتِكُمُ الكافِرِينَ أوِ المُنافِقِينَ عَلى قَوْلِ القَفّالِ. والمَعْنى: أنَّهُ يَأْخُذُكم إنْ والَيْتُمُ الكُفّارَ بِانْتِقامٍ مِنهُ، ولَهُ عَلَيْكم في ذَلِكَ الحُجَّةُ الواضِحَةُ؛ إذْ قَدْ بَيَّنَ لَكم أحْوالَهم، ونَهاكم عَنْ مُوالاتِهِمْ. وقِيلَ السُّلْطانُ هُنا القَهْرُ والقُدْرَةُ. والمَعْنى: أنَّهُ يُسَلَّطُ عَلَيْكم بِسَبَبِ اتِّخاذِكُمِ الكُفّارَ أوْلِياءَ والسُّلْطانَ. قالَ الفَرّاءُ: أُنِّثَ، وذُكِّرَ، وبَعْضُ العَرَبِ يَقُولُ: قَضَتْ بِهِ عَلَيْكَ السُّلْطانُ، وقَدْ أخَذَتْ فُلانًا السُّلْطانُ والتَّأْنِيثُ عِنْدَ الفُصَحاءِ أكْثَرُ، انْتَهى. فَمَن ذَكَّرَ ذَهَبَ بِهِ إلى البُرْهانِ والِاحْتِجاجِ، ومَن أنَّثَ ذَهَبَ بِهِ إلى الحُجَّةِ، وإنَّما اخْتِيرَ التَّذْكِيرُ هُنا في الصِّفَةِ، وإنْ كانَ التَّأْنِيثُ أكْثَرَ؛ لِأنَّهُ وقَعَ الوَصْفُ فاصِلَةً؛ فَهَذا هو المُرَجِّحُ لِلتَّذْكِيرِ عَلى التَّأْنِيثِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والتَّذْكِيرُ أشْهَرُ، وهي لُغَةُ القُرْآنِ حَيْثُ وقَعَ، وهَذا مُخالِفٌ لِما قالَهُ الفَرّاءُ. وإذا سُمِّيَ بِهِ صاحِبُ الأمْرِ فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، والتَّقْدِيرُ: ذُو السُّلْطانِ؛ أيْ ذُو الحُجَّةِ عَلى النّاسِ إذْ هو مُدَبِّرُهم، والنّاظِرُ في مَصالِحِهِمْ ومَنافِعِهِمْ. وقالَ (p-٣٨٠)الزَّمَخْشَرِيُّ: لا تَتَشَبَّهُوا بِالمُنافِقِينَ في اتِّخاذِهِمُ اليَهُودَ، وغَيْرِهِمْ مِن أعْداءِ الإسْلامِ أوْلِياءَ، سُلْطانٌ: حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ، يَعْنِي: أنَّ مُوالاةَ الكافِرِينَ بَيِّنَةٌ عَلى المُنافِقِينَ. وعَنْ صَعْصَةَ بْنِ صَرْحانِ أنَّهُ قالَ لِابْنِ أخٍ لَهُ: خالِصِ المُؤْمِنَ، وخالِقِ الكافِرَ والفاجِرَ: فَإنَّ الفاجِرَ يَرْضى مِنكَ بِالخُلُقِ الحَسَنِ، وإنَّهُ يَحِقُّ عَلَيْكَ أنْ تُخالِصَ المُؤْمِنَ. ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الدَّرْكُ لِأهْلِ النّارِ كالدَّرَجِ لِأهْلِ الجَنَّةِ، إلّا أنَّ الدَّرَجاتِ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ والدِّرْكاتُ بَعْضُها أسْفَلَ مِن بَعْضٍ، انْتَهى. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الدَّرَكاتُ الطَّبَقاتُ: وأصْلُها مِنَ الإدْراكِ؛ أيْ هي مُتَدارِكَةٌ مُتَلاحِقَةٌ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ: هي مِن تَوابِيتَ مِن حَدِيدٍ مُتَعَلِّقَةٍ في قَعْرِ جَهَنَّمَ، والنّارُ سَبْعُ دَرَكاتٍ، قِيلَ أوَّلُها جَهَنَّمُ، ثُمَّ لَظًى، ثُمَّ الحُطَمَةُ، ثُمَّ السَّعِيرُ، ثُمَّ سَقَرُ، ثُمَّ الجَحِيمُ، ثُمَّ الهاوِيَةُ. وقَدْ تُسَمّى جَمِيعُها بِاسْمِ الطَّبَقَةِ الأُولى، وبَعْضُ الطَّبَقاتِ بِاسْمِ بَعْضٍ؛ لِأنَّ لَفْظَ النّارِ يَجْمَعُها. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: أشَدُّ النّاسِ عَذابًا يَوْمَ القِيامَةِ المُنافِقُونَ، ومَن كَفَرَ مِن أصْحابِ المائِدَةِ وآلِ فِرْعَوْنَ. وتَصْدِيقُ ذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ هَذِهِ الآيَةُ في المُنافِقِينَ و﴿فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥] و﴿أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٦]؛ وإنَّما كانَ المُنافِقُ أشَدَّ عَذابًا مِن غَيْرِهِ مِنَ الكُفّارِ؛ لِأنَّهُ مِثْلُهُ في الكُفْرِ، وضَمَّ إلى الكُفْرِ الِاسْتِهْزاءَ بِالإسْلامِ، وأهْلِهِ والمُداجاةَ، وإطْلاعَ الكُفّارِ عَلى أسْرارِ المُسْلِمِينَ فَهو أشَدُّ غَوائِلَ مِنَ الكُفّارِ، وأشَدُّ تَمْكِينًا مِن أذى المُسْلِمِينَ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ والعَرَبِيّانِ: ﴿فِي الدَّرْكِ﴾ بِفَتْحِ الرّاءِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ والأعْمَشُ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: بِسُكُونِها، واخْتُلِفَ عَنْ عاصِمٍ. ورَوى الأعْمَشُ والبَرْجَمِيُّ الفَتْحَ. وغَيْرُهُما الإسْكانَ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهُما لُغَتانِ كالشَّمْعِ والشَّمَعِ، واخْتارَ بَعْضُهُمُ الفَتْحَ لِقَوْلِهِمْ: في الجَمْعِ أدْراكٌ كَجَمَلٍ وأجْمالٍ يَعْنِي: أنَّهُ يَنْقاسُ في فَعَلٍ وأفْعالٍ، ولا يَنْقاسُ في فَعْلٍ. وقالَ عاصِمٌ: لَوْ كانَ بِالفَتْحِ لَقِيلَ السُّفْلى. قالَ بَعْضُهم: ذَهَبَ عاصِمٌ إلى أنَّ الفَتْحَ إنَّما هو عَلى أنَّهُ جَمْعُ دَرَكَةٍ كَبَقَرَةٍ وبَقَرٍ، انْتَهى. ولا يَلْزَمُ ما ذَكَرَهُ مِنَ التَّأْنِيثِ؛ لِأنَّ الجِنْسَ المُمَيَّزَ مُفْرَدُهُ بِهاءِ التَّأْنِيثِ يُؤَنَّثُ في لُغَةِ الحِجازِ، ويُذَكَّرُ في لُغَةِ تَمِيمٍ ونَجْدٍ، وقَدْ جاءَ القُرْآنُ بِهِما إلّا ما اسْتُثْنِيَ؛ لِأنَّهُ يَتَحَتَّمُ فِيهِ التَّأْنِيثُ أوِ التَّذْكِيرُ، ولَيْسَ دَرَكَةٌ ودَرَكٌ مِن ذَلِكَ؛ فَعَلى هَذا يَجُوزُ تَذْكِيرُ الدَّرَكِ وتَأْنِيثُهُ. ﴿ولَنْ تَجِدَ لَهم نَصِيرًا﴾ أيْ مانِعًا مِنَ العَذابِ، ولا شافِعًا يَشْفَعُ. ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا واعْتَصَمُوا بِاللَّهِ، وأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ تابُوا مِنَ النِّفاقِ، وأصْلَحُوا أعْمالَهم، وتَمَسَّكُوا بِاللَّهِ وكِتابِهِ ولَمْ يَكُنْ لَهم مَلْجَأٌ ولا مَلاذٌ إلّا اللَّهَ وأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ؛ أيْ لا يَبْتَغُونَ بِعَمَلِ الطّاعاتِ إلّا وجْهَ اللَّهِ تَعالى؛ ولَمّا كانَ المُنافِقُ مُتَّصِفًا بِنَقائِصِ هَذِهِ الأوْصافِ مِنَ الكُفْرِ، وفَسادِ الأعْمالِ والمُوالاةِ لِلْكافِرِينَ، والِاعْتِزازِ بِهِمْ والمُراءاةِ لِلْمُؤْمِنِينَ شَرَطَ في تَوْبَتِهِمْ ما يُناقِضُ تِلْكَ الأوْصافَ، وهي التَّوْبَةُ مِنَ النِّفاقِ، وهي الوَصْفُ المُحْتَوِي عَلى بَقِيَّةِ الأوْصافِ مِن حَيْثُ المَعْنى. ثُمَّ فَصَّلَ ما أجْمَلَ فِيها، وهو الإصْلاحُ لِلْعَمَلِ المُسْتَأْنَفِ المُقابِلِ لِفَسادِ أعْمالِهِمُ الماضِيَةِ، ثُمَّ الِاعْتِصامُ بِاللَّهِ في المُسْتَقْبَلِ، وهو المُقابِلُ لِمُوالاةِ الكافِرِينَ، والِاعْتِمادُ عَلَيْهِمْ في الماضِي، ثُمَّ الإخْلاصِ لِدِينِ اللَّهِ، وهو المُقابِلُ لِلرِّياءِ الَّذِي كانَ لَهم في الماضِي، ثُمَّ بَعْدَ تَحْصِيلِ هَذِهِ الأوْصافِ جَمِيعِها أشارَ إلَيْهِمْ بِأنَّهم مَعَ المُؤْمِنِينَ، ولَمْ يَحْكم عَلَيْهِمْ بِأنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ، ولا مِنَ المُؤْمِنِينَ، وإنْ كانَ قَدْ صارُوا مُؤْمِنِينَ تَنْفِيرًا مِمّا كانُوا عَلَيْهِ مِن عِظَمِ كُفْرِ النِّفاقِ، وتَعْظِيمًا لِحالِ مَن كانَ مُتَلَبِّسًا بِهِ. ومَعْنى: مَعَ المُؤْمِنِينَ، رُفَقاؤُهم ومُصاحِبُوهم في الدّارَيْنِ. والَّذِينَ تابُوا مُسْتَثْنًى مِن قَوْلِهِ: ﴿فِي الدَّرْكِ﴾ . وقِيلَ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ﴾ [الإسراء: ٩٧] . وقِيلَ هو مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ (فَأُولَئِكَ) . وقالَ الحَوْفِيُّ: ودَخَلَتِ الفاءُ لِما في الكَلامِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ المُتَعَلِّقِ بِالَّذِينَ. (p-٣٨١)﴿وسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ أتى بِـ (سَوْفَ)؛ لِأنَّ إيتاءَ الأجْرِ هو يَوْمَ القِيامَةِ وهو زَمانٌ مُسْتَقْبَلٌ لَيْسَ قَرِيبًا مِنَ الزَّمانِ الحاضِرِ. وقَدْ قالُوا: إنَّ (سَوْفَ) أبْلَغُ في التَّنْفِيسِ مِنَ السِّينِ، ولَمْ يَعُدِ الضَّمِيرُ عَلَيْهِمْ، فَيُقالُ: وسَوْفَ يُؤْتِيهِمْ، بَلْ أخْلَصَ ذَلِكَ الأجْرَ لِلْمُؤْمِنِينَ، وهم رُفَقاؤُهم، فَيُشارِكُونَهم فِيهِ، ويُساهِمُونَهم. وكَتَبَ (يُؤْتِ) في المُصْحَفِ بِغَيْرِ ياءٍ، لَمّا حُذِفَتْ في اللَّفْظِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ حُذِفَتْ في الخَطِّ؛ ولِهَذا نَظائِرُ في القُرْآنِ. ووَقَفَ يَعْقُوبُ عَلَيْها بِالياءِ، ووَقَفَ السَّبْعَةُ بِغَيْرِ ياءٍ اتِّباعًا لِرَسْمِ المُصْحَفِ. وقَدْ رُوِيَ الوَقْفُ بِالياءِ عَنْ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ ونافِعٍ. وقالَ أبُو عَمْرٍو: يَنْبَغِي أنْ لا يُوقَفَ عَلَيْها؛ لِأنَّهُ إنْ وُقِفَ بِغَيْرِ ياءٍ خالَفَ النَّحْوِيِّينَ، وإنْ وقَفَ بِياءٍ خالَفَ لَفْظَ المُصْحَفِ. والأجْرُ العَظِيمُ هو الخُلُودُ في الجَنَّةِ. ﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ﴾ الخِطابُ قِيلَ لِلْمُؤْمِنِينَ. وقِيلَ: لِلْكافِرِينَ، وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ سِياقُ الكَلامِ. وهَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ النَّفْيُ؛ أيْ ما يُعَذِّبُكم، إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ. والمَعْنى: أنَّهُ لا مَنفَعَةَ لَهُ في ذَلِكَ، ولا حاجَةَ؛ لِأنَّ العَذابَ إنَّما يَكُونُ لِشَيْءٍ يَعُودُ نَفْعُهُ أوْ يَنْدَفِعُ ضُرُّهُ عَنِ المُعَذَّبِ؛ واللَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ؛ وإنَّما عِقابُهُ المُسِيءَ لِأمْرٍ قَضَتْ بِهِ حِكْمَتُهُ تَعالى، فَمَن شَكَرَهُ وآمَنَ بِهِ لا يُعَذِّبُهُ. و(ما) اسْتِفْهامٌ كَما ذَكَرْنا في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ؛ التَّقْدِيرُ: أيَّ شَيْءٍ يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم. والباءُ لِلسَّبَبِ اسْتِشْفاءً أمْ إدْراكَ نارٍ، أمْ جَلْبَ مَنفَعَةٍ، أمْ دَفْعَ مَضَرَّةٍ، فَهو تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ (ما) نافِيَةً، قالَ: والمَعْنى: ما يُعَذِّبُكم. ويَلْزَمُ عَلى قَوْلِهِ أنْ تَكُونَ الباءُ زائِدَةً، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ؛ أيْ، إنْ شَكَرْتُمْ، وآمَنتُمْ فَما يَفْعَلُ بِعَذابِكم. ذُكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ بِالشُّكْرِ هُنا تَوْحِيدُ اللَّهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قَدَّمَ الشُّكْرَ عَلى الإيمانِ ؟ قُلْتُ: لِأنَّ العاقِلَ يَنْظُرُ إلى ما عَلَيْهِ مِنَ النِّعْمَةِ العَظِيمَةِ في خَلْقِهِ، وتَعْرِيضِهِ لِلْمَنافِعِ فَيَشْكُرُ شُكْرًا مُبْهَمًا؛ فَإذا انْتَهى بِهِ النَّظَرُ إلى مَعْرِفَةِ المُؤْمِنِ بِهِ المُنَعَّمِ آمَنَ بِهِ، ثُمَّ شَكَرَ شُكْرًا مُفَصَّلًا؛ فَكانَ الشُّكْرُ مُتَقَّدِمًا عَلى الإيمانِ، وكانَ أصْلَ التَّكْلِيفِ ومَدارَهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الشُّكْرُ عَلى الحَقِيقَةِ لا يَكُونُ إلّا مُقْتَرِنًا بِالإيمانِ؛ لَكِنَّهُ ذَكَرَ الإيمانَ تَأْكِيدًا، وتَنْبِيهًا عَلى جَلالَةِ مَوْقِعِهِ، انْتَهى. وأبْعَدُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ؛ أيْ إنْ آمَنتُمْ وشَكَرْتُمْ. ﴿وكانَ اللَّهُ شاكِرًا عَلِيمًا﴾ شاكِرًا أيْ مُثِيبًا مُوفِيًا أُجُورَكم. وأتى بِصِفَةِ الشُّكْرِ بِاسْمِ الفاعِلِ بِلا مُبالَغَةٍ لِيَدُلَّ عَلى أنَّهُ يَتَقَبَّلُ، ولَوْ أقَلَّ شَيْءٍ مِنَ العَمَلِ، ويُنَمِّيهِ عَلِيمًا بِشُكْرِكم وإيمانِكم فَيُجازِيكم. وفي قَوْلِهِ: عَلِيمًا تَحْذِيرٌ ونَدْبٌ إلى الإخْلاصِ لِلَّهِ تَعالى. وقِيلَ الشُّكْرُ مِنَ اللَّهِ إدامَةُ النِّعَمِ عَلى الشّاكِرِ. ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلّا مَن ظُلِمَ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: تَضَّيَفُ رَجُلٌ قَوْمًا فَأساءُوا قِراهُ، فاشْتَكاهم فَعُوتِبَ؛ فَنَزَلَتْ. وقالَ مُقاتِلٌ: «نالَ رَجُلٌ مِن أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ والرَّسُولُ عَلَيْهِ (p-٣٨٢)السَّلامُ حاضِرٌ، فَسَكَتَ عَنْهُ أبُو بَكْرٍ مِرارًا ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ؛ فَقامَ الرَّسُولُ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ شَتَمَنِي فَلَمْ تَقُلْ شَيْئًا، حَتّى إذا رَدَدْتُ عَلَيْهِ قُمْتَ، فَقالَ: ”إنْ مَلَكًا كانَ يُجِيبُ عَنْكَ، فَلَمّا رَدَّدْتَ عَلَيْهِ ذَهَبَ، وجاءَ الشَّيْطانُ“»؛ فَنَزَلَتْ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها هي أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مِن أحْوالِ المُنافِقِينَ وذَمِّهِمْ، وإظْهارِ فَضائِحِهِمْ ما ذَكَرَ وبَيَّنَ ظُلْمَهم، واهْتِضامَهم جانِبَ المُؤْمِنِينَ سَوَّغَ هُنا لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يُذَكِّرُوهم بِما فِيهِمْ مِنَ الأوْصافِ الذَّمِيمَةِ. وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «اذْكُرُوا الفاسِقَ بِما فِيهِ كَيْ يَحْذَرَهُ النّاسُ» . وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إلّا مَن ظُلِمَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: إلّا مَن ظُلِمَ؛ فَإنَّ لَهُ أنْ يَدْعُوَ عَلى مَن ظَلَمَهُ، وكانَ ذَلِكَ رُخْصَةً مِنَ اللَّهِ لَهُ، وإنْ صَبَرَ فَهو خَيْرٌ لَهُ. وقالَ الحَسَنُ: لا يَدْعُو عَلَيْهِ، ولَكِنْ لِيَقُلِ: اللَّهُمَّ أعِنِّي عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ اسْتَخْرِجْ حَقِّي، اللَّهُمَّ حُلْ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما يُرِيدُ مِن ظُلْمِي. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: يُجازِيهِ بِمِثْلِ فِعْلِهِ، ولا يَزِيدُ عَلَيْهِ. وقِيلَ هو أنْ يَبْدَأ بِالشَّتْمِ فَيَرُدَّ عَلى مَن شَتَمَهُ، وتَقَدَّمَ قَوْلُ مُجاهِدٍ أنَّها في الضَّيْفِ يَشْكُو سُوءَ صَنِيعِ المُضِيفِ مَعَهُ، ونُسِبَ إلى الظُّلْمِ؛ لِأنَّهُ مُخالِفٌ لِلشَّرْعِ والمُرُوءَةِ. وقالَ المُنِيرُ: مَعْناهُ إلّا مَن أُكْرِهَ عَلى أنْ يَجْهَرَ بِالسُّوءِ كُفْرًا ونَحْوَهُ؛ فَذَلِكَ مُباحٌ والآيَةُ في الإكْراهِ، وهَذا الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ مُضافٍ أيِ إلّا جَهْرَ مَن ظُلِمَ. وقِيلَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، والتَّقْدِيرُ: لَكِنَّ المَظْلُومَ لَهُ أنْ يَنْتَصِفَ مِن ظالِمِهِ بِما يُوازِي ظُلامَتَهُ؛ قالَهُ السُّدِّيُّ والحَسَنُ، وغَيْرُهُما. و(بِالسُّوءِ) مُتَعَلِّقٌ بِالجَهْرِ، وهو مَصْدَرٌ مُعَرَّفٌ بِالألِفِ واللّامِ، والفاعِلُ مَحْذُوفٌ و(بِالجَهْرِ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ. ومَن أجازَ أنْ يُنْوى في المَصْدَرِ بِناؤُهُ لِلْمَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ قَدَّرَ أنَّ بِالسُّوءِ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، التَّقْدِيرُ: أنْ يُجْهَرَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ مَن ظُلِمَ بَدَلًا مِن ذَلِكَ الفاعِلِ المَحْذُوفِ، التَّقْدِيرُ: إنْ أحَدٌ إلّا المَظْلُومَ، وهَذا مَذْهَبُ الفَرّاءِ. أجازَ الفَرّاءُ فِيما قامَ إلّا زَيْدٌ أنْ يَكُونَ زَيْدٌ بَدَلًا مِن أحَدٍ. وأمّا عَلى مَذْهَبِ الجُمْهُورِ؛ فَإنَّهُ يَكُونُ مِنَ المُسْتَثْنى الَّذِي فَرَغَ لَهُ العامِلُ؛ فَيَكُونُ مَرْفُوعًا عَلى الفاعِلِيَّةِ بِالمَصْدَرِ. وحَسَّنَ ذَلِكَ كَوْنُ الجَهْرِ في حَيِّزِ النَّفْيِ، وكَأنَّهُ قِيلَ لا يَجْهَرُ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلّا المَظْلُومُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعَطاءُ بْنُ السّائِبِ والضَّحّاكُ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، ومُسْلِمُ بْنُ يَسارٍ، والحَسَنُ، وابْنُ المُسَيَّبِ، وقَتادَةُ وأبُو رَجاءٍ: إلّا مَن ظَلَمَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وهو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ. (p-٣٨٣)فَقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِأنَّ الظّالِمَ راكِبٌ ما لَمْ يُحِبَّهُ اللَّهُ فَيَجْهَرُ بِالسُّوءِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى إلّا مَن ظَلَمَ في فِعْلٍ أوْ قَوْلٍ فاجْهُرُوا لَهُ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ في مَعْنى النَّهْيِ عَنْ فِعْلِهِ والتَّوْبِيخِ والرَّدِّ عَلَيْهِ. قالَ: وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنِ المُنافِقِينَ أنَّهم في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ، كانَ ذَلِكَ خَبَرًا بِسُوءٍ مِنَ القَوْلِ ثُمَّ قالَ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ﴾ الآيَةَ عَلى مَعْنى التَّأْسِيسِ والِاسْتِدْعاءِ إلى الشُّكْرِ والإيمانِ، ثُمَّ قالَ لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلّا مَن ظُلِمَ﴾ في إقامَتِهِ عَلى النِّفاقِ؛ فَإنَّهُ يَقُولُ لَهُ: ألَسْتَ المُنافِقَ الكافِرَ الَّذِي لَكَ في الآخِرَةِ الدَّرْكُ الأسْفَلُ ؟ ونَحْوَ هَذا مِنَ الأقْوالِ. وقالَ قَوْمٌ: تَقْدِيرُهُ: لَكِنْ مَن ظُلِمَ فَهو يَجْهَرُ بِالسُّوءِ، وهو ظالِمٌ في ذَلِكَ؛ فَهي ثَلاثَةُ تَقادِيرَ في هَذا الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ: أحَدُها: راجِعٌ لِلْجُمْلَةِ الأُولى، وهي لا يُحِبُّ؛ كَأنَّهُ قِيلَ لَكِنَّ الظّالِمَ يُحِبُّ الجَهْرَ بِالسُّوءِ فَهو يَفْعَلُهُ والثّانِي: راجِعٌ إلى فاعِلِ الجَهْرِ؛ أيْ لا يُحِبُّ اللَّهُ أنْ يَجْهَرَ أحَدٌ بِالسُّوءِ؛ لَكِنَّ الظّالِمَ يَجْهَرُ بِالسُّوءِ. والثّالِثُ: راجِعٌ إلى مُتَعَلِّقِ الجَهْرِ الفَضْلَةِ المَحْذُوفَةِ؛ أيْ إنْ يَجْهَرْ أحَدُكم لِأحَدٍ بِالسُّوءِ؛ لَكِنْ مَن ظَلَمَ فاجْهُرُوا لَهُ بِالسُّوءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإعْرابُ مَن يَحْتَمِلُ في بَعْضِ هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ النَّصْبَ، ويَحْتَمِلُ الرَّفْعَ عَلى البَدَلِ مِن ”أحَدٌ“ المُقَدَّرِ، انْتَهى. ويَعْنِي بِأحَدٍ المُقَدَّرِ في المَصْدَرِ إذِ التَّقْدِيرُ: إنْ يَجْهَرْ أحَدٌ، وما ذَكَرَهُ مِن جَوازِ الرَّفْعِ عَلى البَدَلِ لا يَصِحُّ، وذَلِكَ أنَّ الِاسْتِثْناءَ المُنْقَطِعَ عَلى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ يُسَوَّغُ فِيهِ (p-٣٨٤)البَدَلُ، وهو ما يُمْكِنُ تَوَجُّهُ العامِلِ عَلَيْهِ نَحْوَ: ما في الدّارِ أحَدٌ إلّا حِمارٌ، فَهَذا فِيهِ البَدَلُ في لُغَةِ تَمِيمٍ، والنُّصْبُ عَلى الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ في لُغَةِ الحِجازِ؛ وإنَّما جازَ فِيهِ البَدَلُ؛ لِأنَّكَ لَوْ قُلْتَ: ما في الدّارِ إلّا حِمارٌ صَحَّ المَعْنى. وقِسْمٌ يَتَحَتَّمُ فِيهِ النَّصْبُ عَلى الِاسْتِثْناءِ، ولا يُسَوَّغُ فِيهِ البَدَلُ، وهو ما لا يُمْكِنُ تَوَجُّهُ العامِلِ عَلَيْهِ نَحْوَ: المالُ ما زادَ إلّا النَّقْصَ. التَّقْدِيرُ: لَكِنَّ النَّقْصَ حَصَلَ لَهُ؛ فَهَذا لا يُمْكِنُ أنْ يَتَوَجَّهَ زادَ عَلى النَّقْصِ؛ لِأنَّكَ لَوْ قُلْتَ: ما زادَ إلّا النَّقْصُ لَمْ يَصِحَّ المَعْنى، والآيَةُ مِن هَذا القِسْمِ؛ لِأنَّكَ لَوْ قُلْتَ: لا يُحِبُّ اللَّهُ أنْ يَجْهَرَ بِالسُّوءِ إلّا الظّالِمُ، فَيُفَرَّغُ أنْ يَجْهَرَ؛ لِأنْ يَعْمَلَ في الظّالِمِ لَمْ يَصِحَّ المَعْنى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَن مَرْفُوعًا؛ كَأنَّهُ قِيلَ لا يُحِبُّ الجَهْرَ بِالسُّوءِ إلّا الظّالِمُ، عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: ما جاءَنِي زَيْدٌ إلّا عَمْرٌو، بِمَعْنى: ما جاءَنِي إلّا عَمْرٌو. ومِنهُ ﴿لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، انْتَهى. وهَذا الَّذِي جَوَّزَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ يُذْكَرُ لَغْوًا زائِدًا، ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الظّالِمُ بَدَلًا مِنَ اللَّهِ، ولا عَمْرٌو بَدَلًا مِن زَيْدٍ؛ لِأنَّ البَدَلَ في هَذا البابِ راجِعٌ في المَعْنى إلى كَوْنِهِ بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، إمّا عَلى سَبِيلِ الحَقِيقَةِ نَحْوَ: ما قامَ القَوْمُ إلّا زَيْدٌ، وإمّا عَلى سَبِيلِ المَجازِ نَحْوَ: ما في الدّارِ أحَدٌ إلّا حِمارٌ، وهَذا لا يُمْكِنُ فِيهِ البَدَلُ المَذْكُورُ لا عَلى سَبِيلِ الحَقِيقَةِ، ولا عَلى سَبِيلِ المَجازِ؛ لِأنَّ اللَّهَ عَلَمٌ، وكَذا زَيْدٌ هو عَلَمٌ؛ فَلا يُمْكِنُ أنْ يُتَخَيَّلَ فِيهِ عُمُومٌ، فَيَكُونُ الظّالِمُ بَدَلًا مِنَ اللَّهِ، وعَمْرٌو بَدَلًا مِن زَيْدٍ. وأمّا ما يَجُوزُ فِيهِ البَدَلُ مِن الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ فَإنَّهُ يُتَخَيَّلُ فِيما قَبْلَهُ عُمُومٌ؛ ولِذَلِكَ صَحَّ البَدَلُ مِنهُ عَلى طَرِيقِ المَجازِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ بَعْضًا مِنَ المُسْتَثْنى مِنهُ حَقِيقَةً. وأمّا قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ ما جاءَنِي زَيْدٌ إلّا عَمْرٌو، فَلا نَعْلَمُ هَذِهِ اللُّغَةَ إلّا أنَّ في كِتابِ سِيبَوَيْهِ بَعْدَ أنْ أنْشَدَ أبْياتًا مِنَ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ آخِرُها قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎عَشِيَّةَ لا تُغْنِي الرِّماحُ مَكانَها ولا النَّبْلُ إلّا المَشْرَفِيُّ المُصَمَّمُ ما نَصُّهُ وهَذا يُقَوِّي: ما أتانِي زَيْدٌ إلّا عَمْرٌو، وما أعانَهُ إخْوانُكم إلّا إخِوانُهُ؛ لِأنَّها مَعارِفُ لَيْسَتِ الأسْماءُ الآخِرَةُ بِها، ولا مِنها، انْتَهى كَلامُ سِيبَوَيْهِ. ولَمْ يُصَرِّحْ، ولا لَوَّحَ أنَّ قَوْلَهُ: ما أتانِي زَيْدٌ إلّا عَمْرٌو مِن كَلامِ العَرَبِ. وقِيلَ مِن شَرْحِ سِيبَوَيْهِ؛ فَهَذا يُقَوِّي: ما أتانِي زَيْدٌ إلّا عَمْرٌو؛ أيْ يَنْبَغِي أنْ يَثْبُتَ هَذا مِن كَلامِهِمْ؛ لِأنَّ النَّبْلَ مَعْرِفَةٌ لَيْسَ بِالمَشْرَفِيِّ، كَما أنَّ زَيْدًا لَيْسَ بِعَمْرٍو، وكَما أنَّ أُخْوَةَ زَيْدٍ لَيْسُوا إخْوانَكم، انْتَهى. ولَيْسَ ما أتانِي زَيْدٌ إلّا عَمْرٌو نَظِيرًا لِلْبَيْتِ؛ لِأنَّهُ يُتَخَيَّلُ عُمُومٌ في البَيْتِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ لا يُغْنِي السِّلاحُ مَكانَها إلّا المَشْرَفِيُّ، بِخِلافِ ما أتانِي زَيْدٌ إلّا عَمْرٌو، فَإنَّهُ لا يُتَخَيَّلُ في ما أتانِي زَيْدٌ. عُمُومٌ البَتَّةَ عَلى أنَّهُ لَوْ سُمِعَ هَذا مِن كَلامِ العَرَبِ وجَبَ تَأْوِيلُهُ حَتّى يَصِحَّ البَدَلُ؛ فَكانَ يَصِحُّ ما جاءَنِي زَيْدٌ، ولا غَيْرُهُ إلّا عَمْرٌو. كَأنَّهُ يَدُلُّ عَلى حَذْفِ المَعْطُوفِ وُجُودُ هَذا الِاسْتِثْناءِ؛ إمّا أنْ يَكُونَ عَلى إلْغاءِ هَذا الفاعِلِ، وزِيادَتِهِ، أوْ عَلى كَوْنِ عَمْرٍو بَدَلًا مِن زَيْدٍ؛ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ لِما ذَكَرْناهُ. وأمّا قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: ومِنهُ ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، فَلَيْسَ مِن بابِ ما ذُكِرَ؛ لِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ (مَن) مُفَعْوِلَةً و(الغَيْبَ) بَدَلًا مِن بَدَلِ اشْتِمالٍ؛ أيْ لا يَعْلَمُ غَيْبَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا اللَّهُ؛ أيْ ما يُسِرُّونَهُ، ويُخْفُونَهُ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ. وإنْ سَلَّمْنا أنَّ مَن مَرْفُوعَةٌ؛ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ بَدَلًا مِن (مَن) عَلى سَبِيلِ المَجازِ في مَن؛ لِأنَّ (مَن في السَّماواتِ) يُتَخَيَّلُ فِيهِ عُمُومٌ؛ كَأنَّهُ قِيلَ قُلْ لا يَعْلَمُ المَوْجُودَ دُونَ الغَيْبِ إلّا اللَّهُ. أوْ عَلى سَبِيلِ المَجازِ في الظَّرْفِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى، ولِذا جاءَ عَنْهُ ذَلِكَ في القُرْآنِ، وفي السُّنَّةِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾ [الأنعام: ٣]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤]، وفي الحَدِيثِ (p-٣٨٥)«أيْنَ اللَّهُ ؟ قالَتْ: في السَّماءِ»، ومِن كَلامِ العَرَبِ: لا وذِي في السَّماءِ بَيْتُهُ؛ يَعْنُونَ اللَّهَ تَعالى. وإذا احْتَمَلَتِ الآيَةُ هَذِهِ الوُجُوهَ لَمْ يَتَعَيَّنْ حَمْلُها عَلى ما ذُكِرَ، وخَصَّ الجَهْرَ بِالذِّكْرِ إمّا إخْراجًا لَهُ مُخْرَجَ الغائِبِ، وإمّا اكْتِفاءً بِالجَهْرِ عَنْ مُقابِلِهِ، أوْ لِكَوْنِهِ أفْحَشَ. ﴿وكانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ أيْ سَمِيعًا لِما يُجْهَرُ بِهِ مِنَ السُّوءِ، عَلِيمًا بِما يُسَرُّ بِهِ مِنهُ. وقِيلَ سَمِيعًا لِكَلامِ المَظْلُومِ عَلِيمًا بِالظّالِمِ. وقِيلَ سَمِيعًا بِشَكْوى المَظْلُومِ عَلِيمًا بِعُقْبى الظّالِمِ، أوْ عَلِيمًا بِما في قَلْبِ المَظْلُومِ؛ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ ولا يَقُلْ إلّا الحَقَّ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرٌ، ومَعْناهُ التَّهْدِيدُ والتَّحْذِيرُ. ﴿إنْ تُبْدُوا خَيْرًا أوْ تُخْفُوهُ أوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ الظّاهِرُ أنَّ الهاءَ في تُخْفُوهُ تَعُودُ عَلى الخَيْرِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ مِن أعْمالِ البِرِّ كالصِّيامِ والصَّدَقَةِ. وقالَ بَعْضُهم: في تُخْفُوهُ عائِدٌ عَلى الخَيْرِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ مِن أعْمالِ البَرِّ كالصِّيامِ والصَّدَقَةِ. وقالَ بَعْضُهم: في تُخْفُوهُ عائِدٌ عَلى السُّوءِ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى لَمّا أباحَ الجَهْرَ بِالسُّوءِ لِمَن كانَ مَظْلُومًا قالَ لَهُ، ولِجِنْسِهِ: إنْ تُبْدُو خَيْرًا بَدَلًا مِنَ السُّوءِ، أوْ تُخْفُوا السُّوءَ، أوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ. فالعَفْوُ أوْلى، وإنْ كانَ غَيْرُ المَعْفُوِّ مُباحًا، انْتَهى. وذَكَرَ إبْداءَ الخَيْرِ، وإخْفاءَهُ تَسَبُّبًا لِذَلِكَ العَفْوِ، ثُمَّ عَطَفَهُ عَلَيْهِما تَنْبِيهًا عَلى مَنزِلَتِهِ، واعْتِدادًا بِهِ، وإنْ كانَ مُنْدَرِجًا في إبْداءِ الخَيْرِ، وإخْفائِهِ؛ فَجَعَلَهُ قَسَمًا بِالعَطْفِ لا قَسِيمًا اعْتِناءً بِهِ. ولِذَلِكَ أتى سُبْحانَهُ وتَعالى بِصِفَةِ العَفْوِ والقُدْرَةِ مَنسُوبَةً لَهُ تَعالى لِيُقْتَدى بِسُنَّتِهِ، ويُتَخَلَّقَ بِشَيْءٍ مِن صِفاتِهِ تَعالى. والمَعْنى: أنَّهُ يَعْفُو عَنِ الجانِينَ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى الِانْتِقامِ، وكانَ بِالصِّفَتَيْنِ عَلى طَرِيقِ المُبالَغَةِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ العَبْدَ يَنْبَغِي أنْ يَكْثُرَ مِنهُ العَفْوُ مَعَ كَثْرَةِ القُدْرَةِ عَلى الِانْتِقامِ. وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «مَن كَظَمَ غَيْظًا، وهو يَقْدِرُ عَلى إنْفاذِهِ مَلَأ اللَّهُ قَلْبَهُ أمْنًا وإيمانًا» . وقالَ تَعالى: ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ والعافِينَ عَنِ النّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٤] . وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى أنَّهُ تَعالى يَعْفُو عَنِ الجانِينَ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى الِانْتِقامِ، فَعَلَيْكم بِالعَفْوِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مَعْناهُ أنِّي أقْدَرُ عَلى العَفْوِ عَنْ ذُنُوبِكَ مِنكَ عَلى عَفْوِكَ عَنْ صاحِبِكَ. وقِيلَ عَفُوًّا لِمَن عَفى، قَدِيرًا عَلى إيصالِ الثَّوابِ إلَيْهِ.

النساء 4:149

﴿أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكم سُلْطانًا مُبِينًا﴾؛ أيْ حُجَّةً ظاهِرَةً واضِحَةً بِمُوالاتِكُمُ الكافِرِينَ أوِ المُنافِقِينَ عَلى قَوْلِ القَفّالِ. والمَعْنى: أنَّهُ يَأْخُذُكم إنْ والَيْتُمُ الكُفّارَ بِانْتِقامٍ مِنهُ، ولَهُ عَلَيْكم في ذَلِكَ الحُجَّةُ الواضِحَةُ؛ إذْ قَدْ بَيَّنَ لَكم أحْوالَهم، ونَهاكم عَنْ مُوالاتِهِمْ. وقِيلَ السُّلْطانُ هُنا القَهْرُ والقُدْرَةُ. والمَعْنى: أنَّهُ يُسَلَّطُ عَلَيْكم بِسَبَبِ اتِّخاذِكُمِ الكُفّارَ أوْلِياءَ والسُّلْطانَ. قالَ الفَرّاءُ: أُنِّثَ، وذُكِّرَ، وبَعْضُ العَرَبِ يَقُولُ: قَضَتْ بِهِ عَلَيْكَ السُّلْطانُ، وقَدْ أخَذَتْ فُلانًا السُّلْطانُ والتَّأْنِيثُ عِنْدَ الفُصَحاءِ أكْثَرُ، انْتَهى. فَمَن ذَكَّرَ ذَهَبَ بِهِ إلى البُرْهانِ والِاحْتِجاجِ، ومَن أنَّثَ ذَهَبَ بِهِ إلى الحُجَّةِ، وإنَّما اخْتِيرَ التَّذْكِيرُ هُنا في الصِّفَةِ، وإنْ كانَ التَّأْنِيثُ أكْثَرَ؛ لِأنَّهُ وقَعَ الوَصْفُ فاصِلَةً؛ فَهَذا هو المُرَجِّحُ لِلتَّذْكِيرِ عَلى التَّأْنِيثِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والتَّذْكِيرُ أشْهَرُ، وهي لُغَةُ القُرْآنِ حَيْثُ وقَعَ، وهَذا مُخالِفٌ لِما قالَهُ الفَرّاءُ. وإذا سُمِّيَ بِهِ صاحِبُ الأمْرِ فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، والتَّقْدِيرُ: ذُو السُّلْطانِ؛ أيْ ذُو الحُجَّةِ عَلى النّاسِ إذْ هو مُدَبِّرُهم، والنّاظِرُ في مَصالِحِهِمْ ومَنافِعِهِمْ. وقالَ (p-٣٨٠)الزَّمَخْشَرِيُّ: لا تَتَشَبَّهُوا بِالمُنافِقِينَ في اتِّخاذِهِمُ اليَهُودَ، وغَيْرِهِمْ مِن أعْداءِ الإسْلامِ أوْلِياءَ، سُلْطانٌ: حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ، يَعْنِي: أنَّ مُوالاةَ الكافِرِينَ بَيِّنَةٌ عَلى المُنافِقِينَ. وعَنْ صَعْصَةَ بْنِ صَرْحانِ أنَّهُ قالَ لِابْنِ أخٍ لَهُ: خالِصِ المُؤْمِنَ، وخالِقِ الكافِرَ والفاجِرَ: فَإنَّ الفاجِرَ يَرْضى مِنكَ بِالخُلُقِ الحَسَنِ، وإنَّهُ يَحِقُّ عَلَيْكَ أنْ تُخالِصَ المُؤْمِنَ. ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الدَّرْكُ لِأهْلِ النّارِ كالدَّرَجِ لِأهْلِ الجَنَّةِ، إلّا أنَّ الدَّرَجاتِ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ والدِّرْكاتُ بَعْضُها أسْفَلَ مِن بَعْضٍ، انْتَهى. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الدَّرَكاتُ الطَّبَقاتُ: وأصْلُها مِنَ الإدْراكِ؛ أيْ هي مُتَدارِكَةٌ مُتَلاحِقَةٌ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ: هي مِن تَوابِيتَ مِن حَدِيدٍ مُتَعَلِّقَةٍ في قَعْرِ جَهَنَّمَ، والنّارُ سَبْعُ دَرَكاتٍ، قِيلَ أوَّلُها جَهَنَّمُ، ثُمَّ لَظًى، ثُمَّ الحُطَمَةُ، ثُمَّ السَّعِيرُ، ثُمَّ سَقَرُ، ثُمَّ الجَحِيمُ، ثُمَّ الهاوِيَةُ. وقَدْ تُسَمّى جَمِيعُها بِاسْمِ الطَّبَقَةِ الأُولى، وبَعْضُ الطَّبَقاتِ بِاسْمِ بَعْضٍ؛ لِأنَّ لَفْظَ النّارِ يَجْمَعُها. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: أشَدُّ النّاسِ عَذابًا يَوْمَ القِيامَةِ المُنافِقُونَ، ومَن كَفَرَ مِن أصْحابِ المائِدَةِ وآلِ فِرْعَوْنَ. وتَصْدِيقُ ذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ هَذِهِ الآيَةُ في المُنافِقِينَ و﴿فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥] و﴿أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٦]؛ وإنَّما كانَ المُنافِقُ أشَدَّ عَذابًا مِن غَيْرِهِ مِنَ الكُفّارِ؛ لِأنَّهُ مِثْلُهُ في الكُفْرِ، وضَمَّ إلى الكُفْرِ الِاسْتِهْزاءَ بِالإسْلامِ، وأهْلِهِ والمُداجاةَ، وإطْلاعَ الكُفّارِ عَلى أسْرارِ المُسْلِمِينَ فَهو أشَدُّ غَوائِلَ مِنَ الكُفّارِ، وأشَدُّ تَمْكِينًا مِن أذى المُسْلِمِينَ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ والعَرَبِيّانِ: ﴿فِي الدَّرْكِ﴾ بِفَتْحِ الرّاءِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ والأعْمَشُ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: بِسُكُونِها، واخْتُلِفَ عَنْ عاصِمٍ. ورَوى الأعْمَشُ والبَرْجَمِيُّ الفَتْحَ. وغَيْرُهُما الإسْكانَ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهُما لُغَتانِ كالشَّمْعِ والشَّمَعِ، واخْتارَ بَعْضُهُمُ الفَتْحَ لِقَوْلِهِمْ: في الجَمْعِ أدْراكٌ كَجَمَلٍ وأجْمالٍ يَعْنِي: أنَّهُ يَنْقاسُ في فَعَلٍ وأفْعالٍ، ولا يَنْقاسُ في فَعْلٍ. وقالَ عاصِمٌ: لَوْ كانَ بِالفَتْحِ لَقِيلَ السُّفْلى. قالَ بَعْضُهم: ذَهَبَ عاصِمٌ إلى أنَّ الفَتْحَ إنَّما هو عَلى أنَّهُ جَمْعُ دَرَكَةٍ كَبَقَرَةٍ وبَقَرٍ، انْتَهى. ولا يَلْزَمُ ما ذَكَرَهُ مِنَ التَّأْنِيثِ؛ لِأنَّ الجِنْسَ المُمَيَّزَ مُفْرَدُهُ بِهاءِ التَّأْنِيثِ يُؤَنَّثُ في لُغَةِ الحِجازِ، ويُذَكَّرُ في لُغَةِ تَمِيمٍ ونَجْدٍ، وقَدْ جاءَ القُرْآنُ بِهِما إلّا ما اسْتُثْنِيَ؛ لِأنَّهُ يَتَحَتَّمُ فِيهِ التَّأْنِيثُ أوِ التَّذْكِيرُ، ولَيْسَ دَرَكَةٌ ودَرَكٌ مِن ذَلِكَ؛ فَعَلى هَذا يَجُوزُ تَذْكِيرُ الدَّرَكِ وتَأْنِيثُهُ. ﴿ولَنْ تَجِدَ لَهم نَصِيرًا﴾ أيْ مانِعًا مِنَ العَذابِ، ولا شافِعًا يَشْفَعُ. ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا واعْتَصَمُوا بِاللَّهِ، وأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ تابُوا مِنَ النِّفاقِ، وأصْلَحُوا أعْمالَهم، وتَمَسَّكُوا بِاللَّهِ وكِتابِهِ ولَمْ يَكُنْ لَهم مَلْجَأٌ ولا مَلاذٌ إلّا اللَّهَ وأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ؛ أيْ لا يَبْتَغُونَ بِعَمَلِ الطّاعاتِ إلّا وجْهَ اللَّهِ تَعالى؛ ولَمّا كانَ المُنافِقُ مُتَّصِفًا بِنَقائِصِ هَذِهِ الأوْصافِ مِنَ الكُفْرِ، وفَسادِ الأعْمالِ والمُوالاةِ لِلْكافِرِينَ، والِاعْتِزازِ بِهِمْ والمُراءاةِ لِلْمُؤْمِنِينَ شَرَطَ في تَوْبَتِهِمْ ما يُناقِضُ تِلْكَ الأوْصافَ، وهي التَّوْبَةُ مِنَ النِّفاقِ، وهي الوَصْفُ المُحْتَوِي عَلى بَقِيَّةِ الأوْصافِ مِن حَيْثُ المَعْنى. ثُمَّ فَصَّلَ ما أجْمَلَ فِيها، وهو الإصْلاحُ لِلْعَمَلِ المُسْتَأْنَفِ المُقابِلِ لِفَسادِ أعْمالِهِمُ الماضِيَةِ، ثُمَّ الِاعْتِصامُ بِاللَّهِ في المُسْتَقْبَلِ، وهو المُقابِلُ لِمُوالاةِ الكافِرِينَ، والِاعْتِمادُ عَلَيْهِمْ في الماضِي، ثُمَّ الإخْلاصِ لِدِينِ اللَّهِ، وهو المُقابِلُ لِلرِّياءِ الَّذِي كانَ لَهم في الماضِي، ثُمَّ بَعْدَ تَحْصِيلِ هَذِهِ الأوْصافِ جَمِيعِها أشارَ إلَيْهِمْ بِأنَّهم مَعَ المُؤْمِنِينَ، ولَمْ يَحْكم عَلَيْهِمْ بِأنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ، ولا مِنَ المُؤْمِنِينَ، وإنْ كانَ قَدْ صارُوا مُؤْمِنِينَ تَنْفِيرًا مِمّا كانُوا عَلَيْهِ مِن عِظَمِ كُفْرِ النِّفاقِ، وتَعْظِيمًا لِحالِ مَن كانَ مُتَلَبِّسًا بِهِ. ومَعْنى: مَعَ المُؤْمِنِينَ، رُفَقاؤُهم ومُصاحِبُوهم في الدّارَيْنِ. والَّذِينَ تابُوا مُسْتَثْنًى مِن قَوْلِهِ: ﴿فِي الدَّرْكِ﴾ . وقِيلَ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ﴾ [الإسراء: ٩٧] . وقِيلَ هو مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ (فَأُولَئِكَ) . وقالَ الحَوْفِيُّ: ودَخَلَتِ الفاءُ لِما في الكَلامِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ المُتَعَلِّقِ بِالَّذِينَ. (p-٣٨١)﴿وسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ أتى بِـ (سَوْفَ)؛ لِأنَّ إيتاءَ الأجْرِ هو يَوْمَ القِيامَةِ وهو زَمانٌ مُسْتَقْبَلٌ لَيْسَ قَرِيبًا مِنَ الزَّمانِ الحاضِرِ. وقَدْ قالُوا: إنَّ (سَوْفَ) أبْلَغُ في التَّنْفِيسِ مِنَ السِّينِ، ولَمْ يَعُدِ الضَّمِيرُ عَلَيْهِمْ، فَيُقالُ: وسَوْفَ يُؤْتِيهِمْ، بَلْ أخْلَصَ ذَلِكَ الأجْرَ لِلْمُؤْمِنِينَ، وهم رُفَقاؤُهم، فَيُشارِكُونَهم فِيهِ، ويُساهِمُونَهم. وكَتَبَ (يُؤْتِ) في المُصْحَفِ بِغَيْرِ ياءٍ، لَمّا حُذِفَتْ في اللَّفْظِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ حُذِفَتْ في الخَطِّ؛ ولِهَذا نَظائِرُ في القُرْآنِ. ووَقَفَ يَعْقُوبُ عَلَيْها بِالياءِ، ووَقَفَ السَّبْعَةُ بِغَيْرِ ياءٍ اتِّباعًا لِرَسْمِ المُصْحَفِ. وقَدْ رُوِيَ الوَقْفُ بِالياءِ عَنْ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ ونافِعٍ. وقالَ أبُو عَمْرٍو: يَنْبَغِي أنْ لا يُوقَفَ عَلَيْها؛ لِأنَّهُ إنْ وُقِفَ بِغَيْرِ ياءٍ خالَفَ النَّحْوِيِّينَ، وإنْ وقَفَ بِياءٍ خالَفَ لَفْظَ المُصْحَفِ. والأجْرُ العَظِيمُ هو الخُلُودُ في الجَنَّةِ. ﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ﴾ الخِطابُ قِيلَ لِلْمُؤْمِنِينَ. وقِيلَ: لِلْكافِرِينَ، وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ سِياقُ الكَلامِ. وهَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ النَّفْيُ؛ أيْ ما يُعَذِّبُكم، إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ. والمَعْنى: أنَّهُ لا مَنفَعَةَ لَهُ في ذَلِكَ، ولا حاجَةَ؛ لِأنَّ العَذابَ إنَّما يَكُونُ لِشَيْءٍ يَعُودُ نَفْعُهُ أوْ يَنْدَفِعُ ضُرُّهُ عَنِ المُعَذَّبِ؛ واللَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ؛ وإنَّما عِقابُهُ المُسِيءَ لِأمْرٍ قَضَتْ بِهِ حِكْمَتُهُ تَعالى، فَمَن شَكَرَهُ وآمَنَ بِهِ لا يُعَذِّبُهُ. و(ما) اسْتِفْهامٌ كَما ذَكَرْنا في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ؛ التَّقْدِيرُ: أيَّ شَيْءٍ يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم. والباءُ لِلسَّبَبِ اسْتِشْفاءً أمْ إدْراكَ نارٍ، أمْ جَلْبَ مَنفَعَةٍ، أمْ دَفْعَ مَضَرَّةٍ، فَهو تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ (ما) نافِيَةً، قالَ: والمَعْنى: ما يُعَذِّبُكم. ويَلْزَمُ عَلى قَوْلِهِ أنْ تَكُونَ الباءُ زائِدَةً، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ؛ أيْ، إنْ شَكَرْتُمْ، وآمَنتُمْ فَما يَفْعَلُ بِعَذابِكم. ذُكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ بِالشُّكْرِ هُنا تَوْحِيدُ اللَّهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قَدَّمَ الشُّكْرَ عَلى الإيمانِ ؟ قُلْتُ: لِأنَّ العاقِلَ يَنْظُرُ إلى ما عَلَيْهِ مِنَ النِّعْمَةِ العَظِيمَةِ في خَلْقِهِ، وتَعْرِيضِهِ لِلْمَنافِعِ فَيَشْكُرُ شُكْرًا مُبْهَمًا؛ فَإذا انْتَهى بِهِ النَّظَرُ إلى مَعْرِفَةِ المُؤْمِنِ بِهِ المُنَعَّمِ آمَنَ بِهِ، ثُمَّ شَكَرَ شُكْرًا مُفَصَّلًا؛ فَكانَ الشُّكْرُ مُتَقَّدِمًا عَلى الإيمانِ، وكانَ أصْلَ التَّكْلِيفِ ومَدارَهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الشُّكْرُ عَلى الحَقِيقَةِ لا يَكُونُ إلّا مُقْتَرِنًا بِالإيمانِ؛ لَكِنَّهُ ذَكَرَ الإيمانَ تَأْكِيدًا، وتَنْبِيهًا عَلى جَلالَةِ مَوْقِعِهِ، انْتَهى. وأبْعَدُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ؛ أيْ إنْ آمَنتُمْ وشَكَرْتُمْ. ﴿وكانَ اللَّهُ شاكِرًا عَلِيمًا﴾ شاكِرًا أيْ مُثِيبًا مُوفِيًا أُجُورَكم. وأتى بِصِفَةِ الشُّكْرِ بِاسْمِ الفاعِلِ بِلا مُبالَغَةٍ لِيَدُلَّ عَلى أنَّهُ يَتَقَبَّلُ، ولَوْ أقَلَّ شَيْءٍ مِنَ العَمَلِ، ويُنَمِّيهِ عَلِيمًا بِشُكْرِكم وإيمانِكم فَيُجازِيكم. وفي قَوْلِهِ: عَلِيمًا تَحْذِيرٌ ونَدْبٌ إلى الإخْلاصِ لِلَّهِ تَعالى. وقِيلَ الشُّكْرُ مِنَ اللَّهِ إدامَةُ النِّعَمِ عَلى الشّاكِرِ. ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلّا مَن ظُلِمَ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: تَضَّيَفُ رَجُلٌ قَوْمًا فَأساءُوا قِراهُ، فاشْتَكاهم فَعُوتِبَ؛ فَنَزَلَتْ. وقالَ مُقاتِلٌ: «نالَ رَجُلٌ مِن أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ والرَّسُولُ عَلَيْهِ (p-٣٨٢)السَّلامُ حاضِرٌ، فَسَكَتَ عَنْهُ أبُو بَكْرٍ مِرارًا ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ؛ فَقامَ الرَّسُولُ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ شَتَمَنِي فَلَمْ تَقُلْ شَيْئًا، حَتّى إذا رَدَدْتُ عَلَيْهِ قُمْتَ، فَقالَ: ”إنْ مَلَكًا كانَ يُجِيبُ عَنْكَ، فَلَمّا رَدَّدْتَ عَلَيْهِ ذَهَبَ، وجاءَ الشَّيْطانُ“»؛ فَنَزَلَتْ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها هي أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مِن أحْوالِ المُنافِقِينَ وذَمِّهِمْ، وإظْهارِ فَضائِحِهِمْ ما ذَكَرَ وبَيَّنَ ظُلْمَهم، واهْتِضامَهم جانِبَ المُؤْمِنِينَ سَوَّغَ هُنا لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يُذَكِّرُوهم بِما فِيهِمْ مِنَ الأوْصافِ الذَّمِيمَةِ. وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «اذْكُرُوا الفاسِقَ بِما فِيهِ كَيْ يَحْذَرَهُ النّاسُ» . وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إلّا مَن ظُلِمَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: إلّا مَن ظُلِمَ؛ فَإنَّ لَهُ أنْ يَدْعُوَ عَلى مَن ظَلَمَهُ، وكانَ ذَلِكَ رُخْصَةً مِنَ اللَّهِ لَهُ، وإنْ صَبَرَ فَهو خَيْرٌ لَهُ. وقالَ الحَسَنُ: لا يَدْعُو عَلَيْهِ، ولَكِنْ لِيَقُلِ: اللَّهُمَّ أعِنِّي عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ اسْتَخْرِجْ حَقِّي، اللَّهُمَّ حُلْ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما يُرِيدُ مِن ظُلْمِي. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: يُجازِيهِ بِمِثْلِ فِعْلِهِ، ولا يَزِيدُ عَلَيْهِ. وقِيلَ هو أنْ يَبْدَأ بِالشَّتْمِ فَيَرُدَّ عَلى مَن شَتَمَهُ، وتَقَدَّمَ قَوْلُ مُجاهِدٍ أنَّها في الضَّيْفِ يَشْكُو سُوءَ صَنِيعِ المُضِيفِ مَعَهُ، ونُسِبَ إلى الظُّلْمِ؛ لِأنَّهُ مُخالِفٌ لِلشَّرْعِ والمُرُوءَةِ. وقالَ المُنِيرُ: مَعْناهُ إلّا مَن أُكْرِهَ عَلى أنْ يَجْهَرَ بِالسُّوءِ كُفْرًا ونَحْوَهُ؛ فَذَلِكَ مُباحٌ والآيَةُ في الإكْراهِ، وهَذا الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ مُضافٍ أيِ إلّا جَهْرَ مَن ظُلِمَ. وقِيلَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، والتَّقْدِيرُ: لَكِنَّ المَظْلُومَ لَهُ أنْ يَنْتَصِفَ مِن ظالِمِهِ بِما يُوازِي ظُلامَتَهُ؛ قالَهُ السُّدِّيُّ والحَسَنُ، وغَيْرُهُما. و(بِالسُّوءِ) مُتَعَلِّقٌ بِالجَهْرِ، وهو مَصْدَرٌ مُعَرَّفٌ بِالألِفِ واللّامِ، والفاعِلُ مَحْذُوفٌ و(بِالجَهْرِ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ. ومَن أجازَ أنْ يُنْوى في المَصْدَرِ بِناؤُهُ لِلْمَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ قَدَّرَ أنَّ بِالسُّوءِ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، التَّقْدِيرُ: أنْ يُجْهَرَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ مَن ظُلِمَ بَدَلًا مِن ذَلِكَ الفاعِلِ المَحْذُوفِ، التَّقْدِيرُ: إنْ أحَدٌ إلّا المَظْلُومَ، وهَذا مَذْهَبُ الفَرّاءِ. أجازَ الفَرّاءُ فِيما قامَ إلّا زَيْدٌ أنْ يَكُونَ زَيْدٌ بَدَلًا مِن أحَدٍ. وأمّا عَلى مَذْهَبِ الجُمْهُورِ؛ فَإنَّهُ يَكُونُ مِنَ المُسْتَثْنى الَّذِي فَرَغَ لَهُ العامِلُ؛ فَيَكُونُ مَرْفُوعًا عَلى الفاعِلِيَّةِ بِالمَصْدَرِ. وحَسَّنَ ذَلِكَ كَوْنُ الجَهْرِ في حَيِّزِ النَّفْيِ، وكَأنَّهُ قِيلَ لا يَجْهَرُ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلّا المَظْلُومُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعَطاءُ بْنُ السّائِبِ والضَّحّاكُ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، ومُسْلِمُ بْنُ يَسارٍ، والحَسَنُ، وابْنُ المُسَيَّبِ، وقَتادَةُ وأبُو رَجاءٍ: إلّا مَن ظَلَمَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وهو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ. (p-٣٨٣)فَقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِأنَّ الظّالِمَ راكِبٌ ما لَمْ يُحِبَّهُ اللَّهُ فَيَجْهَرُ بِالسُّوءِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى إلّا مَن ظَلَمَ في فِعْلٍ أوْ قَوْلٍ فاجْهُرُوا لَهُ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ في مَعْنى النَّهْيِ عَنْ فِعْلِهِ والتَّوْبِيخِ والرَّدِّ عَلَيْهِ. قالَ: وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنِ المُنافِقِينَ أنَّهم في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ، كانَ ذَلِكَ خَبَرًا بِسُوءٍ مِنَ القَوْلِ ثُمَّ قالَ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ﴾ الآيَةَ عَلى مَعْنى التَّأْسِيسِ والِاسْتِدْعاءِ إلى الشُّكْرِ والإيمانِ، ثُمَّ قالَ لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلّا مَن ظُلِمَ﴾ في إقامَتِهِ عَلى النِّفاقِ؛ فَإنَّهُ يَقُولُ لَهُ: ألَسْتَ المُنافِقَ الكافِرَ الَّذِي لَكَ في الآخِرَةِ الدَّرْكُ الأسْفَلُ ؟ ونَحْوَ هَذا مِنَ الأقْوالِ. وقالَ قَوْمٌ: تَقْدِيرُهُ: لَكِنْ مَن ظُلِمَ فَهو يَجْهَرُ بِالسُّوءِ، وهو ظالِمٌ في ذَلِكَ؛ فَهي ثَلاثَةُ تَقادِيرَ في هَذا الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ: أحَدُها: راجِعٌ لِلْجُمْلَةِ الأُولى، وهي لا يُحِبُّ؛ كَأنَّهُ قِيلَ لَكِنَّ الظّالِمَ يُحِبُّ الجَهْرَ بِالسُّوءِ فَهو يَفْعَلُهُ والثّانِي: راجِعٌ إلى فاعِلِ الجَهْرِ؛ أيْ لا يُحِبُّ اللَّهُ أنْ يَجْهَرَ أحَدٌ بِالسُّوءِ؛ لَكِنَّ الظّالِمَ يَجْهَرُ بِالسُّوءِ. والثّالِثُ: راجِعٌ إلى مُتَعَلِّقِ الجَهْرِ الفَضْلَةِ المَحْذُوفَةِ؛ أيْ إنْ يَجْهَرْ أحَدُكم لِأحَدٍ بِالسُّوءِ؛ لَكِنْ مَن ظَلَمَ فاجْهُرُوا لَهُ بِالسُّوءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإعْرابُ مَن يَحْتَمِلُ في بَعْضِ هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ النَّصْبَ، ويَحْتَمِلُ الرَّفْعَ عَلى البَدَلِ مِن ”أحَدٌ“ المُقَدَّرِ، انْتَهى. ويَعْنِي بِأحَدٍ المُقَدَّرِ في المَصْدَرِ إذِ التَّقْدِيرُ: إنْ يَجْهَرْ أحَدٌ، وما ذَكَرَهُ مِن جَوازِ الرَّفْعِ عَلى البَدَلِ لا يَصِحُّ، وذَلِكَ أنَّ الِاسْتِثْناءَ المُنْقَطِعَ عَلى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ يُسَوَّغُ فِيهِ (p-٣٨٤)البَدَلُ، وهو ما يُمْكِنُ تَوَجُّهُ العامِلِ عَلَيْهِ نَحْوَ: ما في الدّارِ أحَدٌ إلّا حِمارٌ، فَهَذا فِيهِ البَدَلُ في لُغَةِ تَمِيمٍ، والنُّصْبُ عَلى الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ في لُغَةِ الحِجازِ؛ وإنَّما جازَ فِيهِ البَدَلُ؛ لِأنَّكَ لَوْ قُلْتَ: ما في الدّارِ إلّا حِمارٌ صَحَّ المَعْنى. وقِسْمٌ يَتَحَتَّمُ فِيهِ النَّصْبُ عَلى الِاسْتِثْناءِ، ولا يُسَوَّغُ فِيهِ البَدَلُ، وهو ما لا يُمْكِنُ تَوَجُّهُ العامِلِ عَلَيْهِ نَحْوَ: المالُ ما زادَ إلّا النَّقْصَ. التَّقْدِيرُ: لَكِنَّ النَّقْصَ حَصَلَ لَهُ؛ فَهَذا لا يُمْكِنُ أنْ يَتَوَجَّهَ زادَ عَلى النَّقْصِ؛ لِأنَّكَ لَوْ قُلْتَ: ما زادَ إلّا النَّقْصُ لَمْ يَصِحَّ المَعْنى، والآيَةُ مِن هَذا القِسْمِ؛ لِأنَّكَ لَوْ قُلْتَ: لا يُحِبُّ اللَّهُ أنْ يَجْهَرَ بِالسُّوءِ إلّا الظّالِمُ، فَيُفَرَّغُ أنْ يَجْهَرَ؛ لِأنْ يَعْمَلَ في الظّالِمِ لَمْ يَصِحَّ المَعْنى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَن مَرْفُوعًا؛ كَأنَّهُ قِيلَ لا يُحِبُّ الجَهْرَ بِالسُّوءِ إلّا الظّالِمُ، عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: ما جاءَنِي زَيْدٌ إلّا عَمْرٌو، بِمَعْنى: ما جاءَنِي إلّا عَمْرٌو. ومِنهُ ﴿لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، انْتَهى. وهَذا الَّذِي جَوَّزَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ يُذْكَرُ لَغْوًا زائِدًا، ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الظّالِمُ بَدَلًا مِنَ اللَّهِ، ولا عَمْرٌو بَدَلًا مِن زَيْدٍ؛ لِأنَّ البَدَلَ في هَذا البابِ راجِعٌ في المَعْنى إلى كَوْنِهِ بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، إمّا عَلى سَبِيلِ الحَقِيقَةِ نَحْوَ: ما قامَ القَوْمُ إلّا زَيْدٌ، وإمّا عَلى سَبِيلِ المَجازِ نَحْوَ: ما في الدّارِ أحَدٌ إلّا حِمارٌ، وهَذا لا يُمْكِنُ فِيهِ البَدَلُ المَذْكُورُ لا عَلى سَبِيلِ الحَقِيقَةِ، ولا عَلى سَبِيلِ المَجازِ؛ لِأنَّ اللَّهَ عَلَمٌ، وكَذا زَيْدٌ هو عَلَمٌ؛ فَلا يُمْكِنُ أنْ يُتَخَيَّلَ فِيهِ عُمُومٌ، فَيَكُونُ الظّالِمُ بَدَلًا مِنَ اللَّهِ، وعَمْرٌو بَدَلًا مِن زَيْدٍ. وأمّا ما يَجُوزُ فِيهِ البَدَلُ مِن الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ فَإنَّهُ يُتَخَيَّلُ فِيما قَبْلَهُ عُمُومٌ؛ ولِذَلِكَ صَحَّ البَدَلُ مِنهُ عَلى طَرِيقِ المَجازِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ بَعْضًا مِنَ المُسْتَثْنى مِنهُ حَقِيقَةً. وأمّا قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ ما جاءَنِي زَيْدٌ إلّا عَمْرٌو، فَلا نَعْلَمُ هَذِهِ اللُّغَةَ إلّا أنَّ في كِتابِ سِيبَوَيْهِ بَعْدَ أنْ أنْشَدَ أبْياتًا مِنَ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ آخِرُها قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎عَشِيَّةَ لا تُغْنِي الرِّماحُ مَكانَها ولا النَّبْلُ إلّا المَشْرَفِيُّ المُصَمَّمُ ما نَصُّهُ وهَذا يُقَوِّي: ما أتانِي زَيْدٌ إلّا عَمْرٌو، وما أعانَهُ إخْوانُكم إلّا إخِوانُهُ؛ لِأنَّها مَعارِفُ لَيْسَتِ الأسْماءُ الآخِرَةُ بِها، ولا مِنها، انْتَهى كَلامُ سِيبَوَيْهِ. ولَمْ يُصَرِّحْ، ولا لَوَّحَ أنَّ قَوْلَهُ: ما أتانِي زَيْدٌ إلّا عَمْرٌو مِن كَلامِ العَرَبِ. وقِيلَ مِن شَرْحِ سِيبَوَيْهِ؛ فَهَذا يُقَوِّي: ما أتانِي زَيْدٌ إلّا عَمْرٌو؛ أيْ يَنْبَغِي أنْ يَثْبُتَ هَذا مِن كَلامِهِمْ؛ لِأنَّ النَّبْلَ مَعْرِفَةٌ لَيْسَ بِالمَشْرَفِيِّ، كَما أنَّ زَيْدًا لَيْسَ بِعَمْرٍو، وكَما أنَّ أُخْوَةَ زَيْدٍ لَيْسُوا إخْوانَكم، انْتَهى. ولَيْسَ ما أتانِي زَيْدٌ إلّا عَمْرٌو نَظِيرًا لِلْبَيْتِ؛ لِأنَّهُ يُتَخَيَّلُ عُمُومٌ في البَيْتِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ لا يُغْنِي السِّلاحُ مَكانَها إلّا المَشْرَفِيُّ، بِخِلافِ ما أتانِي زَيْدٌ إلّا عَمْرٌو، فَإنَّهُ لا يُتَخَيَّلُ في ما أتانِي زَيْدٌ. عُمُومٌ البَتَّةَ عَلى أنَّهُ لَوْ سُمِعَ هَذا مِن كَلامِ العَرَبِ وجَبَ تَأْوِيلُهُ حَتّى يَصِحَّ البَدَلُ؛ فَكانَ يَصِحُّ ما جاءَنِي زَيْدٌ، ولا غَيْرُهُ إلّا عَمْرٌو. كَأنَّهُ يَدُلُّ عَلى حَذْفِ المَعْطُوفِ وُجُودُ هَذا الِاسْتِثْناءِ؛ إمّا أنْ يَكُونَ عَلى إلْغاءِ هَذا الفاعِلِ، وزِيادَتِهِ، أوْ عَلى كَوْنِ عَمْرٍو بَدَلًا مِن زَيْدٍ؛ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ لِما ذَكَرْناهُ. وأمّا قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: ومِنهُ ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، فَلَيْسَ مِن بابِ ما ذُكِرَ؛ لِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ (مَن) مُفَعْوِلَةً و(الغَيْبَ) بَدَلًا مِن بَدَلِ اشْتِمالٍ؛ أيْ لا يَعْلَمُ غَيْبَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا اللَّهُ؛ أيْ ما يُسِرُّونَهُ، ويُخْفُونَهُ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ. وإنْ سَلَّمْنا أنَّ مَن مَرْفُوعَةٌ؛ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ بَدَلًا مِن (مَن) عَلى سَبِيلِ المَجازِ في مَن؛ لِأنَّ (مَن في السَّماواتِ) يُتَخَيَّلُ فِيهِ عُمُومٌ؛ كَأنَّهُ قِيلَ قُلْ لا يَعْلَمُ المَوْجُودَ دُونَ الغَيْبِ إلّا اللَّهُ. أوْ عَلى سَبِيلِ المَجازِ في الظَّرْفِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى، ولِذا جاءَ عَنْهُ ذَلِكَ في القُرْآنِ، وفي السُّنَّةِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾ [الأنعام: ٣]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤]، وفي الحَدِيثِ (p-٣٨٥)«أيْنَ اللَّهُ ؟ قالَتْ: في السَّماءِ»، ومِن كَلامِ العَرَبِ: لا وذِي في السَّماءِ بَيْتُهُ؛ يَعْنُونَ اللَّهَ تَعالى. وإذا احْتَمَلَتِ الآيَةُ هَذِهِ الوُجُوهَ لَمْ يَتَعَيَّنْ حَمْلُها عَلى ما ذُكِرَ، وخَصَّ الجَهْرَ بِالذِّكْرِ إمّا إخْراجًا لَهُ مُخْرَجَ الغائِبِ، وإمّا اكْتِفاءً بِالجَهْرِ عَنْ مُقابِلِهِ، أوْ لِكَوْنِهِ أفْحَشَ. ﴿وكانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ أيْ سَمِيعًا لِما يُجْهَرُ بِهِ مِنَ السُّوءِ، عَلِيمًا بِما يُسَرُّ بِهِ مِنهُ. وقِيلَ سَمِيعًا لِكَلامِ المَظْلُومِ عَلِيمًا بِالظّالِمِ. وقِيلَ سَمِيعًا بِشَكْوى المَظْلُومِ عَلِيمًا بِعُقْبى الظّالِمِ، أوْ عَلِيمًا بِما في قَلْبِ المَظْلُومِ؛ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ ولا يَقُلْ إلّا الحَقَّ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرٌ، ومَعْناهُ التَّهْدِيدُ والتَّحْذِيرُ. ﴿إنْ تُبْدُوا خَيْرًا أوْ تُخْفُوهُ أوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ الظّاهِرُ أنَّ الهاءَ في تُخْفُوهُ تَعُودُ عَلى الخَيْرِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ مِن أعْمالِ البِرِّ كالصِّيامِ والصَّدَقَةِ. وقالَ بَعْضُهم: في تُخْفُوهُ عائِدٌ عَلى الخَيْرِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ مِن أعْمالِ البَرِّ كالصِّيامِ والصَّدَقَةِ. وقالَ بَعْضُهم: في تُخْفُوهُ عائِدٌ عَلى السُّوءِ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى لَمّا أباحَ الجَهْرَ بِالسُّوءِ لِمَن كانَ مَظْلُومًا قالَ لَهُ، ولِجِنْسِهِ: إنْ تُبْدُو خَيْرًا بَدَلًا مِنَ السُّوءِ، أوْ تُخْفُوا السُّوءَ، أوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ. فالعَفْوُ أوْلى، وإنْ كانَ غَيْرُ المَعْفُوِّ مُباحًا، انْتَهى. وذَكَرَ إبْداءَ الخَيْرِ، وإخْفاءَهُ تَسَبُّبًا لِذَلِكَ العَفْوِ، ثُمَّ عَطَفَهُ عَلَيْهِما تَنْبِيهًا عَلى مَنزِلَتِهِ، واعْتِدادًا بِهِ، وإنْ كانَ مُنْدَرِجًا في إبْداءِ الخَيْرِ، وإخْفائِهِ؛ فَجَعَلَهُ قَسَمًا بِالعَطْفِ لا قَسِيمًا اعْتِناءً بِهِ. ولِذَلِكَ أتى سُبْحانَهُ وتَعالى بِصِفَةِ العَفْوِ والقُدْرَةِ مَنسُوبَةً لَهُ تَعالى لِيُقْتَدى بِسُنَّتِهِ، ويُتَخَلَّقَ بِشَيْءٍ مِن صِفاتِهِ تَعالى. والمَعْنى: أنَّهُ يَعْفُو عَنِ الجانِينَ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى الِانْتِقامِ، وكانَ بِالصِّفَتَيْنِ عَلى طَرِيقِ المُبالَغَةِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ العَبْدَ يَنْبَغِي أنْ يَكْثُرَ مِنهُ العَفْوُ مَعَ كَثْرَةِ القُدْرَةِ عَلى الِانْتِقامِ. وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «مَن كَظَمَ غَيْظًا، وهو يَقْدِرُ عَلى إنْفاذِهِ مَلَأ اللَّهُ قَلْبَهُ أمْنًا وإيمانًا» . وقالَ تَعالى: ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ والعافِينَ عَنِ النّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٤] . وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى أنَّهُ تَعالى يَعْفُو عَنِ الجانِينَ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى الِانْتِقامِ، فَعَلَيْكم بِالعَفْوِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مَعْناهُ أنِّي أقْدَرُ عَلى العَفْوِ عَنْ ذُنُوبِكَ مِنكَ عَلى عَفْوِكَ عَنْ صاحِبِكَ. وقِيلَ عَفُوًّا لِمَن عَفى، قَدِيرًا عَلى إيصالِ الثَّوابِ إلَيْهِ.

النساء 4:150

﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ والنَّصارى، آمَنَتِ اليَهُودُ بِمُوسى والتَّوْراةِ، وكَفَرَتْ بِعِيسى، ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَّلامُ، وآمَنَتِ النَّصارى بِعِيسى والإنْجِيلِ، وكَفَرَتْ بِمُحَمَّدٍ والقُرْآنِ. وقِيلَ نَزَلَتْ في اليَهُودِ خاصَّةً، آمَنُوا بِمُوسى وعُزَيْرٍ والتَّوْراةِ، وكَفَرُوا بِعِيسى والإنْجِيلِ، ومُحَمَّدٍ والقُرْآنِ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها: أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ ما عَلَيْهِ المُنافِقُونَ مِن سُوءِ الخَلِيقَةِ ومَذْمُومِ الطَّرِيقَةِ أخَذَ في الكَلامِ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى؛ جَعَلَ كُفْرَهم بِبَعْضِ الرُّسُلِ كُفْرًا بِجَمِيعِ الرُّسُلِ، وكُفْرَهم بِالرُّسُلِ كُفْرًا بِاللَّهِ تَعالى. ﴿ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ﴾؛ أيْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الإيمانِ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ يَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِاللَّهِ، ولا نُؤْمِنُ بِفُلانٍ وفُلانٍ مِنَ الأنْبِياءِ. ﴿ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ يَعْنِي مِنَ الأنْبِياءِ. وقِيلَ هو تَصْدِيقُ اليَهُودِ بِمُحَمَّد أنَّهُ نَبِيٌّ؛ ولَكِنْ لَيْسَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ. ونَحْوُ هَذا مِن تَفَرُّقاتِهِمُ الَّتِي كانَتْ تَعَنُّتًا، ورَوَغانًا. ﴿ويُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾؛ أيْ طَرِيقًا وسَطًا بَيْنَ الكُفْرِ والإيمانِ، ولا واسِطَةَ بَيْنَهُما. ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ حَقًّا﴾ أكَّدَ بِقَوْلِهِ هم، لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ ذَلِكَ الإيمانَ يَنْفَعُهم. وأكَّدَ بِقَوْلِهِ: حَقًّا، وهو تَأْكِيدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ، كَما تَقُولُ: هَذا عَبْدُ اللَّهِ حَقًّا؛ أيْ حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا. أوْ هو نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ كُفْرًا حَقًّا؛ أيْ ثابِتًا يَقِينًا لا شَكَّ فِيهِ. أوْ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ لِذَلِكَ نَظائِرُ، وقَدْ طَعَنَ الواحِدِيُّ في هَذا التَّوْجِيهِ، وقالَ: الكُفْرُ لا يَكُونُ حَقًّا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ولا يَلْزَمُ ما قالَ إنَّهُ لا يُرادُ بِحَقًّا الحَقُّ الَّذِي هو مُقابِلٌ لِلْباطِلِ؛ وإنَّما المَعْنى أنَّهُ كُفْرٌ ثابِتٌ مُتَيَقَّنٌ؛ وإنَّما كانَ التَّوْكِيدُ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ داعِيَ الإيمانِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الأنْبِياءِ، (p-٣٨٦)وهُوَ ظُهُورُ المُعْجِزاتِ عَلى أيْدِيهِمْ؛ فَكَوْنُهم فَرَّقُوا في الإيمانِ بَيْنَهم دَلِيلٌ عَلى كُفْرِهِمْ بِالجَمِيعِ؛ إذْ لَيْسَ إيمانُهم بِبَعْضٍ ناشِئًا عَنِ النَّظَرِ في الدَّلِيلِ؛ وإنَّما هم عَلى سَبِيلِ التَّشَهِّي والتَّلاعُبِ. (وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا) هَذا وعِيدٌ لَهم بِالإهانَةِ في العَذابِ. ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ هَؤُلاءِ هُمُ المُؤْمِنُونَ أتْباعُ مُحَمَّدٍ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى دُخُولِ (بَيْنَ) عَلى (أحَدٍ) في البَقَرَةِ. في قَوْلِهِ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا. (أُولَئِكَ سَوْفَ نُؤْتِيهِمْ أُجُورَهم) صَرَّحَ تَعالى بِوَعْدِ هَؤُلاءِ كَما صَرَّحَ بِوَعِيدِ أُولَئِكَ. وقَرَأ حَفْصٌ: يُؤْتِيهِمْ بِالياءِ لِيَعُودَ عَلى اسْمِ اللَّهِ قَبْلَهُ. وقَرَأ الباقُونَ: بِالنُّونِ عَلى الِالتِفاتِ ومُقابِلُهُ (وأعْتَدْنا) . وقَوْلُ أبِي عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيِّ: قِراءَةُ النُّونِ أوْلى مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أنْهَمُ، والآخَرُ: أنَّهُ مَشاكِلٌ لِقَوْلِهِ: وأعْتَدْنا؛ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، ولا أوْلَوِيَّةَ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ القِراءَتَيْنِ كِلْتاهُما مُتَواتِرَةٌ، هَكَذا نَزَلَتْ، وهَكَذا أُنْزِلَتْ. (وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) لَمّا وعَدَهم تَعالى بِالثَّوابِ زادَهم تَبْشِيرًا لِتَجاوُزٍ عَنِ السَّيِّئاتِ، وبِرَحْمَتِهِ إيّاهم. ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: قالَتِ اليَهُودُ: إنْ كُنْتَ صادِقًا فَجِئْ بِكِتابٍ مِنَ السَّماءِ جُمْلَةً، كَما جاءَ مُوسى بِالكِتابِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: قالُوا: ائْتِ بِألْواحٍ فِيها كِتابُكَ، كَما أتى مُوسى بِألْواحٍ فِيها التَّوْراةُ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: سَألُوهُ أنْ يَأْتِيَ بِكِتابٍ خاصٍّ لِلْيَهُودِ يَأْمُرُهم بِالإيمانِ بِمُحَمَّدٍ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قالُوا: لَنْ نُتابِعَكَ عَلى ما تَدْعُونا إلَيْهِ، حَتّى تَأْتِيَنا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ إلى فُلانٍ وإلى فُلانٍ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ؛ فَعَلى قَوْلِ ابْنِ جُرَيْجٍ يَقْتَضِي أنَّ سُؤالَهم كانَ عَلى نَحْوِ سُؤالِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمَيَّةَ الزُّهْرِيِّ، وقِيلَ كِتابًا نُعايِنُهُ حَتّى يَنْزِلَ، وسَمّى مِن سائِلِي اليَهُودِ: كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ، وفِنْخاصَ بْنَ عازُوراءَ. وقِيلَ السّائِلُونَ هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، وسُؤالُهم إنَّما هو عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ. وقالَ الحَسَنُ: لَوْ سَألُوهُ لِكَيْ يَتَبَيَّنَ الحَقُّ لَأعْطاهم؛ فَإنَّ فِيما أعْطاكم كِفايَةً. ﴿فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقالُوا أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ قَدَّرُوا قَبْلَ هَذا كَلامًا مَحْذُوفًا؛ فَجَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ شَرْطًا هَذا جَوابُهُ، وتَقْدِيرُهُ: إنِ اسْتَكْبَرْتَ ما سَألُوهُ مِنكَ؛ فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ. وقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَلا تُبالِ يا مُحَمَّدُ عَنْ سُؤالِهِمْ وتَشْطِيطِهِمْ؛ فَإنَّها عادَتُهم؛ فَقَدْ سَألُوا مُوسى. وأسْنَدَ السُّؤالَ إلَيْهِمْ، وإنْ كانَ إنَّما وقَعَ مِن آبائِهِمْ مِن نُقَبائِهِمُ السَبْعِينَ؛ لِأنَّهم راضُونَ بِفِعْلِ آبائِهِمْ ومَذاهِبِهِمْ، ومُشابِهُونَ لَهم في التَّعَنُّتِ. وقَرَأ الحَسَنُ: أكْثَرَ بِالثّاءِ المُثَلَّثَةِ بَدَلَ الباءِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ. ومَعْنى جَهْرَةً: عِيانًا رُؤْيَةً (p-٣٨٧)مُنْكَشِفَةً بَيِّنَةً. والجَهْرَةُ مِن وصْفِ الرُّؤْيَةِ. واخْتُلِفَ في النَّقْلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَرُوِيَ عَنْهُ: أنَّ جَهْرَةً مِن صِفَةِ السُّؤالِ؛ فَقَدْ سَألُوا مُوسى. أوْ حالًا مِن ضَمِيرِ سَألُوا أيْ سَألُوهُ مُجاهِرِينَ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّ التَّقْدِيرَ: فَقالُوا جَهْرَةً مِنهُ، وتَصْرِيحًا أرِنا اللَّهَ؛ فَيَكُونُ مِن صِفَةِ القَوْلِ. ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ أيْ تَعَنُّتِهِمْ، وسُؤالِهِمْ ما لَيْسَ لَهم أنْ يَسْألُوهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِظُلْمِهِمْ بِسَبَبِ سُؤالِهِمُ الرُّؤْيَةَ، ولَوْ طَلَبُوا أمْرًا جائِزًا لَما سُمُّوا ظالِمِينَ، ولَما أخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ. كَما سَألَ إبْراهِيم عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُرِيَهُ إحْياءَ المَوْتى فَلَمْ يُسَمِّهِ ظالِمًا، ولا رَماهُ بِالصّاعِقَةِ لِلْمُشَبِّهَةِ، ورَمْيًا بِالصَّواعِقِ، انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ في اسْتِحالَةِ رُؤْيَةِ اللَّهِ عِنْدَهم. وأهْلُ السُّنَّةِ يَعْتَقِدُونَ أنَّهم لَمْ يَسْألُوا مُحالًا عَقْلًا، لَكِنَّهُ مُمْتَنِعٌ مِن جِهَةِ الشَّرْعِ؛ إذْ قَدْ أخْبَرَ تَعالى عَلى ألْسِنَةِ أنْبِيائِهِ، أنَّهُ لا يُرى في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا والرُّؤْيَةُ في الآخِرَةِ ثابِتَةٌ عَنِ الرَّسُولِ بِالتَّواتُرِ، وهي جائِزَةٌ عَقْلًا، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في البَقَرَةِ عَلى الصّاعِقَةِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ والنَّخَعِيُّ: (فَأخَذَتْهُمُ الصَّعْقَةُ)، والجُمْهُورُ (الصّاعِقَةُ) . ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا العِجْلَ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ﴾ ثُمَّ: لِلتَّرْتِيبِ في الأخْبارِ، لا في نَفْسِ الأمْرِ، ثُمَّ قَدْ كانَ مِن أمْرِهِمْ أنِ اتَّخَذُوا العِجْلَ؛ أيْ آباؤُهم والَّذِينَ صُعِقُوا غَيْرُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ. والبَيِّناتُ: إجازَةُ البَحْرِ والعَصا، وغَرَقُ فِرْعَوْنَ، وغَيْرُ ذَلِكَ. وقالَ الحَوْفِيُّ: أعْلَمَ نَبِيَّهُ بِعِنادِهِمْ، وإصْرارِهِمْ؛ فالمَعْنى: أنَّهُ لَوْ نَزَلَ عَلَيْهِمُ الَّذِي سَألُوا لَخالَفُوا أمْرَ اللَّهِ، كَما خالَفُوهُ مِن بَعْدِ إحْياءِ اللَّهِ لَهم مِن صَعْقَتِهِمْ، وعَبَدُوا العِجْلَ، واتَّخَذُوهُ إلَهًا. ﴿فَعَفَوْنا عَنْ ذَلِكَ﴾؛ أيْ عَنِ اتِّخاذِهِمُ العِجْلَ إلَهًا عَنْ جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِن مُخالَفَتِهِمْ. والأوَّلُ أظْهَرُ؛ لِأنَّهُ قَدْ صَرَّحَ في قِصَّةِ العِجْلِ بِالتَّوْبَةِ. ويَعْنِي: بِما امْتَحَنَهم بِهِ مِنَ القَتْلِ لِأنْفُسِهِمْ، ثُمَّ وقَعَ العَفْوُ عَنِ الباقِينَ مِنهم. ﴿وآتَيْنا مُوسى سُلْطانًا مُبِينًا﴾؛ أيْ حُجَّةً وتَسَلُّطًا، واسْتِيلاءً ظاهِرًا عَلَيْهِمْ، حِينَ أمَرَهم بِأنْ يَقْتُلُوا أنْفُسَهم حَتّى يُتابَ عَلَيْهِمْ؛ فَأطاعُوهُ واحْتَبَوْا بِأفْنِيَتِهِمْ والسُّيُوفُ تَتَساقَطُ عَلَيْهِمْ، فَيا لَهُ مِن سُلْطانٍ مُبِينٍ. ﴿ورَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ﴾ تَقَدَّمَ ما المَعْنِيُّ بِالطُّورِ. وفي الشّامِ جَبَلٌ عُرِفَ بِالطُّورِ، ولَزِمَهُ هَذا الِاسْمُ، وهو طُورٌ بِسَيْناءَ. ولَيْسَ هو المَرْفُوعَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ؛ لِأنَّ رَفْعَ الجَبَلِ كانَ فِيما يَلِي التِّيهَ مِن جِهَةِ دِيارِ مِصْرَ، وهم ناهِضُونَ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وتَقَدَّمَتْ قِصَّةُ رَفْعِ الطُّورِ في البَقَرَةِ. والباءُ في بِمِيثاقِهِمْ لِلسَّبَبِ، وهو العَهْدُ الَّذِي أخَذَهُ مُوسى عَلَيْهِمْ بَعْدَ تَصْدِيقِهِمْ بِالتَّوْراةِ أنْ يَعْمَلُوا بِما فِيها؛ فَنَقَضُوا مِيثاقَهم، وعَبَدُوا العِجْلَ، فَرَفَعَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الطُّورَ. وفي كَلامٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: بِنَقْضِ مِيثاقِهِمْ. (p-٣٨٨)﴿وقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في البَقَرَةِ. ﴿وقُلْنا لَهم لا تَعْدُوا في السَّبْتِ﴾ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عِنْدَ اعْتِدائِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ﴾ [البقرة: ٦٥] . وقَرَأ ورْشٌ لا تَعَدُّوا بِفَتْحِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الدّالِ عَلى أنَّ الأصْلَ تَعْتَدُوا، فَأُلْقِيَتْ حَرَكَةُ التّاءِ عَلى العَيْنِ، وأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ. وقَرَأ قالُونُ: بِإخْفاءِ حَرَكَةِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الدّالِ، والنَّصُّ بِالإسْكانِ. وأصْلُهُ أيْضًا لا تَعْتَدُوا. وقَرَأ الباقُونَ مِنَ السَّبْعَةِ: لا تَعْدُوا بِإسْكانِ العَيْنِ، وتَخْفِيفِ الدّالِ مِن عَدا يَعْدُو. وقالَ تَعالى: ﴿إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ﴾ [الأعراف: ١٦٣]، وقَرَأ الأعْمَشُ والأخْفَشُ: لا تَعْتَدُوا مِنَ اعْتَدى. (وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا) قِيلَ هو المِيثاقُ الأوَّلُ في قَوْلِهِ: (بِمِيثاقِهِمْ)، ووُصِفَ بِالغِلَظِ لِلتَّأْكِيدِ، وهو المَأْخُوذُ عَلى لِسانِ مُوسى وهارُونَ أنْ يَأْخُذُوا التَّوْراةَ بِقُوَّةٍ، ويَعْمَلُوا بِجَمِيعِ ما فِيها، ويُوصِلُوهُ إلى أبْنائِهِمْ. وقِيلَ: هَذا المِيثاقُ غَيْرُ الأوَّلِ، وهو المِيثاقُ الثّانِي الَّذِي أُخِذَ عَلى أنْبِيائِهِمْ بِالتَّصْدِيقِ بِمُحَمَّدٍ والإيمانِ بِهِ، وهو المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ﴾ [آل عمران: ٨١] الآيَةَ. ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم وكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ فِيما لَخَّصْناهُ مِن كَلامِهِ، هَذا إخْبارٌ عَنْ أشْياءَ واقَعُوها في الضِّدِّ مِمّا أُخِذُوا بِهِ، نَقَضُوا المِيثاقَ الَّذِي رُفِعَ عَلَيْهِمُ الطُّورُ بِسَبَبِهِ، وجَعَلُوا بَدَلَ الإيمانِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الأمْرُ بِدُخُولِ البابِ سُجَّدًا المُتَضَمِّنُ التَّواضُعَ الَّذِي هو ثَمَرَةُ الإيمانِ كُفْرَهم بِآياتِ اللَّهِ، وبَذْلِ الطّاعَةِ، وامْتِثالِ مُوافَقَتِهِ في أنْ لا يَعْدُوا في السَّبْتِ انْتِهاكَ أعْظَمِ الحُرُمِ، وهو قَتْلُ الأنْبِياءِ. وقابَلُوا أخْذَ المِيثاقِ الغَلِيظِ بِتَجاهُلِهِمْ، وقَوْلِهِمْ: قُلُوبُنا غُلْفٌ أيْ في حُجُبٍ وغُلُفٍ: فَهي لا تَفْهَمُ. وأضْرَبَ اللَّهُ تَعالى عَنْ قَوْلِهِمْ وكَذِبِهِمْ، وأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ قَدْ طَبَعَ عَلَيْها بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، انْتَهى. والمِيثاقُ المَنقُوضُ: أهُوَ كِتْمانُهم صِفَةَ الرَّسُولِ، وتَكْذِيبُهُ فِيما جاءَ بِهِ ؟ أوْ تَرْكُهُمُ العَمَلَ بِما في كِتابِهِمْ ؟ مَعَ أنَّهم قَبِلُوا والتَزَمُوا العَمَلَ بِها قَوْلانِ. وآياتُ اللَّهِ الَّتِي كَفَرُوا بِها أهِيَ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِمْ في كُتُبِهِمْ ؟ أوْ جَمِيعُ كُتُبِ اللَّهِ المُنَزَّلَةِ ؟ قَوْلانِ. وتَقَدَّمَ شَرْحُ (قُلُوبُنا غُلْفٌ) في البَقَرَةِ. ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ أدْغَمَ لامَ (بَلْ) في طاءِ (طَبَعَ) الكِسائِيُّ وحَمْزَةُ، وأظْهَرَها باقِي السَّبْعَةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ خَبَرٌ مَعْناهُ الذَّمُّ، عَلى أنَّ قُلُوبَهم بِمَنزِلَةِ المَطْبُوعِ عَلَيْها الَّتِي لا تَفْهَمُ أبَدًا، ولا تُطِيعُ مُرْسَلًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أرادُوا بِقَوْلِهِمْ: قُلُوبُنا غُلْفٌ؛ أيْ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ قُلُوبَنا غُلْفًا؛ أيْ في أكِنَّةٍ لا يُتَوَصَّلُ إلَيْها بِشَيْءٍ مِنَ الذِّكْرِ والمَوْعِظَةِ، كَما حَكى اللَّهُ عَنِ المُشْرِكِينَ: ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠] . وتَكْذِيبُ المُجْبِرَةِ أخْزاهُمُ اللَّهُ فَقِيلَ لَهم: خَذَلَها اللَّهَ، ومَنَعَها الألْطافَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، فَصارَتْ كالمَطْبُوعِ عَلَيْها، لا إنْ تُخْلَقْ غُلْفًا قابِلَةَ الذِّكْرِ، ولا مُتَمَكِّنَةً مِن قَبُولِهِ، انْتَهى. وهو عَلى مَذْهَبِهِ الِاعْتِزالِيِّ. وأمّا أهْلُ السُّنَّةِ فَيَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ طَبَعَ عَلَيْها حَقِيقَةً كَما أخْبَرَ تَعالى إذْ لا خالِقَ غَيْرُهُ. والباءُ في فَبِما نَقْضِهِمْ تَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَعَلْنا بِهِمْ ما فَعَلْناهُ. وقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَعَنّاهم، وأذْلَلْناهم، وحَتَّمْنا عَلى الوافِينَ مِنهُمُ الخُلُودَ في جَهَنَّمَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وحَذْفُ جَوابِ هَذا الكَلامِ بَلِيغٌ مَتْرُوكٌ مَعَ ذِهْنِ السّامِعِ، انْتَهى. وتَسْمِيَةُ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ المَجْرُورُ بِأنَّهُ جَوابُ اصْطِلاحٍ لَمْ يُعْهَدْ في عِلْمِ النَّحْوِ، ولا تُساعِدُهُ اللُّغَةُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِجَوابٍ. وجَوَّزُوا أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: (حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ) عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ [النساء: ١٦٠] بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾؛ وقالَهُ الزَّجّاجُ، وأبُو بَكْرٍ، والزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهم. وهَذا فِيهِ بُعْدٌ لِكَثْرَةِ الفَواصِلِ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ؛ ولِأنَّ المَعْطُوفَ عَلى السَّبَبِ سَبَبٌ؛ فَيَلْزَمُ تَأخُّرُ بَعْضِ أجْزاءِ السَّبَبِ الَّذِي لِلتَّحْرِيمِ في الوَقْتِ عَنْ وقْتِ التَّحْرِيمِ؛ فَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ جُزْءَ سَبَبٍ أوْ مُسَبِّبًا إلّا بِتَأْوِيلٍ بَعِيدٍ، وبَيانُ ذَلِكَ أنَّ ”قَوْلَهم عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا“ وقَوْلَهم ”﴿إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ﴾“ مُتَأخِّرٌ في الزَّمانِ عَنْ (p-٣٨٩)تَحْرِيمِ الطَّيِّباتِ عَلَيْهِمْ؛ فالأوْلى أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: لَعَنّاهم، وقَدْ جاءَ مُصَرَّحًا بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم لَعَنّاهم وجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً﴾ [المائدة: ١٣] . (فَلا يُؤْمِنُونَ إلّا قَلِيلًا) تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. ﴿وبِكُفْرِهِمْ وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا﴾ الظّاهِرُ في قَوْلِهِ: وبِكُفْرِهِمْ وقَوْلِهِمْ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: (فَبِما نَقْضِهِمْ)، وما بَعْدَهُ. عَلى أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ أجازَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وبِكُفْرِهِمْ وقَوْلِهِمْ﴾ مَعْطُوفًا عَلى بِكُفْرِهِمْ. وتَكْرارُ نِسْبَةِ الكُفْرِ إلَيْهِمْ بِحَسَبِ مُتَعَلِّقاتِهِ؛ إذْ كَفَرُوا بِمُوسى، ثُمَّ بِعِيسى، ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ فَعَطَفَ بَعْضَ كُفْرِهِمْ عَلى بَعْضٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ عَطَفَ مَجْمُوعَ المَعْطُوفِ عَلى مَجْمُوعِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ عَلى بَعْضٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ عَطَفَ مَجْمُوعَ المَعْطُوفِ عَلى مَجْمُوعِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ فَيَجْمَعُهم بَيْنَ نَقْضِ المِيثاقِ والكُفْرِ بِآياتِ اللَّهِ وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ، وقَوْلِهِمْ: (قُلُوبُنا غُلْفٌ)، وجَمْعِهِمْ بَيْنَ كُفْرِهِمْ، وبُهْتِهِمْ مَرْيَمَ، وافْتِخارِهِمْ بِقَتْلِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ عاقَبْناهم. أوْ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها، وجَمَعَهم بَيْنَ كَفْرِهِمْ، وكَذا وكَذا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْضًا: فَإنْ قُلْتَ: هَلّا زَعَمْتَ أنَّ المَحْذُوفَ الَّذِي تَعَلَّقَتْ بِهِ الباءُ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ ؟ قُلْتُ: لَمْ يَصِحَّ هَذا التَّقْدِيرُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾، رَدٌّ وإنْكارٌ لِقَوْلِهِمْ: قُلُوبُنا غُلْفٌ؛ فَكانَ مُتَعَلِّقًا بِهِ، انْتَهى. وهو جَوابٌ حَسَنٌ، ويَمْتَنِعُ مِن وجْهٍ آخَرَ، وهو أنَّ العَطْفَ بِبَلْ يَكُونُ لِلْإضْرابِ عَنِ الحُكْمِ الأوَّلِ، وإثْباتِهِ لِلثّانِي عَلى جِهَةِ إبْطالِ الأوَّلِ، أوْ الِانْتِقالِ عامًّا في كِتابِ اللَّهِ في الإخْبارِ؛ فَلا يَكُونُ إلّا لِلِانْتِقالِ. ويُسْتَفادُ مِنَ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ ما لا يُسْتَفادُ مِنَ الجُمْلَةِ الأُولى. والَّذِي قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لا يُسَوَّغُ فِيهِ هَذا الَّذِي قَرَّرْناهُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾، ﴿وكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ﴾، وقَوْلِهِمْ: ﴿قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾؛ فَأفادَتِ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ ما أفادَتِ الجُمْلَةُ الأُولى، وهو لا يَجُوزُ. لَوْ قُلْتَ: مَرَّ زَيْدٌ بِعَمْرٍو، بَلْ مَرَّ زَيْدٌ بِعَمْرٍو لَمْ يَجُزْ. وقَدْ أجازَ ذَلِكَ أبُو البَقاءِ، وهو أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم وكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ، وكَذا طُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ. وقِيلَ التَّقْدِيرُ فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم لا يُؤْمِنُونَ إلّا قَلِيلًا والفاءُ مُقْحَمَةٌ. وما في قَوْلِهِ: فَبِما نَقْضِهِمْ كَهي في قَوْلِهِ: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وتَقَدَّمَ الكَلامُ فِيها. والبُهْتانُ العَظِيمُ رَمْيُهم مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ بِالزِّنا مَعَ رُؤْيَتِهِمُ الآيَةَ في كَلامِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ في المَهْدِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإلّا فَلَوْلا الآيَةُ لَكانُوا في قَوْلِهِمْ جارِينَ عَلى حُكْمِ البَشَرِ في إنْكارِ حَمْلٍ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ، انْتَهى. ووُصِفَ بِالعِظَمِ؛ لِأنَّهم تَمادَوْا عَلَيْهِ بَعْدَ ظُهُورِ الآيَةِ، وقِيامِ المُعْجِزَةِ بِالبَراءَةِ، وقَدْ جاءَتْ تَسْمِيَةُ الرَّمْيِ بِذَلِكَ بُهْتانًا عَظِيمًا في قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] . ﴿وقَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ الظّاهِرُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ مِن قَوْلِهِمْ قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ؛ كَقَوْلِ فِرْعَوْنَ: ﴿إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧]، وقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى وضَعَ الذِّكْرَ الحَسَنَ مَكانَ ذِكْرِهِمُ القَبِيحِ في الحِكايَةِ عَنْهُ رَفْعًا لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، كَما كانُوا يُذَكِّرُونَهُ بِهِ. ذَكَرَ الوَجْهَيْنِ الزَّمَخْشَرِيُّ، ولَمْ يَذْكُرِ ابْنُ عَطِيَّةَ سِوى الثّانِي؛ قالَ: هو إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِصِفَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وهي الرِّسالَةُ عَلى جِهَةِ إظْهارِ ذَنْبِ هَؤُلاءِ المُقِرِّينَ بِالقَتْلِ، ولَزِمَهُمُ الذَّنْبُ، وهم لَمْ يَقْتُلُوا عِيسى؛ لِأنَّهم صَلَبُوا ذَلِكَ الشَّخْصَ عَلى أنَّهُ عِيسى، وعَلى أنَّ عِيسى كَذّابٌ لَيْسَ بِرَسُولٍ؛ ولَكِنْ لَزِمَهُمُ الذَّنْبُ مِن حَيْثُ اعْتَقَدُوا أنَّ قَتْلَهم وقَعَ في عِيسى؛ فَكَأنَّهم قَتَلُوهُ، ولَيْسَ يَدْفَعُ الذَّنْبَ عَنْهُمُ اعْتِقادُهم أنَّهُ غَيْرُ رَسُولٍ. ﴿وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ هَذا إخْبارٌ مِنهُ تَعالى بِأنَّهم ما قَتَلُوا عِيسى، وما صَلَبُوهُ. واخْتَلَفَ الرُّواةُ في (p-٣٩٠)كَيْفِيَّةِ القَتْلِ والصَّلْبِ، ولَمْ يَثْبُتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في ذَلِكَ شَيْءٌ غَيْرُ ما دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ. ومُنْتَهى ما آلَ إلَيْهِ أمْرُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ طَلَبَتْهُ اليَهُودُ فاخْتَفى هو والحَوارِيُّونَ في بَيْتٍ؛ فَدُلُّوا عَلَيْهِ وحَضَرُوا لَيْلًا، وهم ثَلاثَةَ عَشَرَ، أوْ ثَمانِيَةَ عَشَرَ؛ فَفَرَّقَهم تِلْكَ اللَّيْلَةَ ووَجَّهَهم إلى الآفاقِ، وبَقِيَ هو ورَجُلٌ مَعَهُ؛ فَرُفِعَ عِيسى وأُلْقِيَ شَبَهُهُ عَلى الرَّجُلِ فَصُلِبَ. وقِيلَ هو اليَهُودِيُّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ. وقِيلَ قالَ لِأصْحابِهِ: أيُّكم يُلْقى عَلَيْهِ شَبَهِي فَيُقْتَلُ ويُخَلِّصُ هَؤُلاءِ، وهو رَفِيقِي في الجَنَّةِ ؟ فَقالَ سَرْجِسُ: أنا، فَأُلْقِيَ عَلَيْهِ شَبَهُ عِيسى. وقِيلَ أُلْقِيَ شَبَهُهُ عَلى الجَمِيعِ، فَلَمّا أُخْرِجُوا نَقَصَ واحِدٌ مِنَ العِدَّةِ، فَأخَذُوا واحِدًا مِمَّنْ عَلَيْهِ الشَّبَهُ فَصُلِبَ. ورُوِيَ أنَّ المَلِكَ والمُتَناوِلِينَ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِمْ أمْرُ عِيسى لِما رَأوْهُ مِن نُقْصانِ العِدَّةِ، واخْتِلاطِ الأمْرِ؛ فَصُلِبَ ذَلِكَ الشَّخْصُ، وأُبْعِدَ النّاسُ عَنْ خَشَبَتِهِ أيّامًا حَتّى تَغَيَّرَ، ولَمْ تَثْبُتْ لَهُ صِفَةٌ؛ وحِينَئِذٍ دَنا النّاسُ مِنهُ، ومَضى الحَوارِيُّونَ يَتَحَدَّثُونَ في الآفاقِ: إنَّ عِيسى صُلِبَ. وقِيلَ لَمْ يُلْقَ شَبَهُهُ عَلى أحَدٍ؛ وإنَّما مَعْنى: ﴿ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ أيْ شَبَّهَ عَلَيْهِمُ المَلِكُ المُمَخْرِقُ لِيَسْتَدِيمَ بِما نَقَصَ واحِدٌ مِنَ العِدَّةِ، وكانَ بادَرَ بِصَلْبِ واحِدٍ، وأبْعَدَ النّاسِ عَنْهُ، وقالَ: هَذا عِيسى؛ وهَذا القَوْلُ هو الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعْتَقَدَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾؛ أمّا أنْ يُلْقى شَبَهُهُ عَلى شَخْصٍ؛ فَلَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُعْتَمَدَ عَلَيْهِ. وقَدِ اخْتُلِفَ فِيمَن أُلْقِيَ عَلَيْهِ الشَّبَهُ اخْتِلافًا كَثِيرًا. فَقِيلَ اليَهُودِيُّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ. وقِيلَ خَلِيفَةُ قَيْصَرَ الَّذِي كانَ مَحْبُوسًا عِنْدَهُ. وقِيلَ واحِدٌ مِنَ اليَهُودِ. وقِيلَ دَخَلَ لِيَقْتُلَهُ. وقِيلَ رَقِيبٌ، وكَلَتْهُ بِهِ اليَهُودُ. وقِيلَ أُلْقِيَ الشَّبَهُ عَلى كُلِّ الحَوارِيِّينَ. وقِيلَ أُلْقِيَ الشَّبَهُ عَلى الوَجْهِ دُونَ البَدَنِ، وهَذا الوُثُوقُ مِمّا يَدْفَعُ الوُثُوقَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ. ولِهَذا قالَ بَعْضُهم: إنْ جازَ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُلْقِي شَبَهَ إنْسانٍ عَلى إنْسانٍ آخَرَ؛ فَهَذا يَفْتَحُ بابَ السَّفْسَطَةِ. وقِيلَ سَبَبُ اجْتِماعِ اليَهُودِ عَلى قَتْلِهِ هو أنَّ رَهْطًا مِنهم سَبُّوهُ، وسَبُّوا أُمَّهُ فَدَعا عَلَيْهِمْ: ”اللَّهُمَّ أنْتَ رَبِّي، وبِكَلِمَتِكَ خَلَقْتَنِي، اللَّهُمَّ العَنْ مَن سَبَّنِي، وسَبَّ والِدَتِي“ فَمَسَخَ اللَّهُ مَن سَبَّهُما قِرَدَةً، وخَنازِيرَ، فاجْتَمَعَتِ اليَهُودُ عَلى قَتْلِهِ. و(شُبِّهَ) مُسْنَدٌ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ؛ كَقَوْلِهِ: خُيِّلَ إلَيْهِ، ولَكِنْ وقَعَ لَهُمُ التَّشْبِيهُ. ويَجُوزُ أنْ يُسْنَدَ إلى ضَمِيرِ المَقْتُولِ الدّالِّ عَلَيْهِ: إنّا قَتَلْنا أيْ ولَكِنْ شُبِّهَ لَهم مَن قَتَلُوهُ. ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرَ المَسِيحِ؛ لِأنَّ المَسِيحَ مُشَبَّهٌ بِهِ لا مُشَبَّهٌ. ﴿وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفي شَكٍّ مِنهُ ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلّا اتِّباعَ الظَّنِّ﴾ اخْتَلَفَ فِيهِ اليَهُودُ؛ فَقالَ بَعْضُهم: لَمْ يُقْتَلْ، ولَمْ يُصْلَبْ؛ الوَجْهُ وجْهُ عِيسى والجَسَدُ جَسَدُ غَيْرِهِ. وقِيلَ: أدْخَلُوا عَلَيْهِ واحِدًا لِيَقْتُلَهُ، فَأُلْقِيَ الشَّبَهُ عَلَيْهِ فَصُلِبَ، ونَقَصَ مِنَ العَدَدِ واحِدٌ. وكانُوا عَلِمُوا عَدَدَ الحَوارِيِّينَ؛ فَقالُوا: إنْ كانَ المَصْلُوبُ صاحِبَنا فَأيْنَ عِيسى ؟ وإنْ كانَ عِيسى فَأيْنَ صاحِبُنا ؟ وقِيلَ قالَ العَوامُّ: قَتَلْنا عِيسى، وقالَ مَن عايَنَ: رَفَعَهُ إلى السَّماءِ ما قُتِلَ، ولا صُلِبَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: واليَقِينُ الَّذِي صَحَّ فِيهِ نَقْلُ الكافَّةِ عَنْ حَواسِّها هو أنَّ شَخْصًا صُلِبَ، وهَلْ هو عِيسى أمْ لا ؟ فَلَيْسَ هو مِن عِلْمِ الحَوّاسِ؛ فَلِذَلِكَ لَمْ يَقَعْ في ذَلِكَ نَقْلٌ كافَّةً. والضَّمِيرُ في فِيهِ عائِدٌ عَلى القَتْلِ؛ مَعْناهُ: في قَتْلِهِ، وهَذا هو الظّاهِرُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، وما بَعْدَهُ. وقِيلَ الضَّمِيرُ في اخْتَلَفُوا عائِدٌ عَلى اليَهُودِ أيْضًا، واخْتِلافُهم فِيهِ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّهُ إلَهٌ. وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّهُ ابْنُ اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ اخْتِلافُهم فِيهِ أنَّ النَّسْطُورِيَّةَ قالُوا: وقَعَ الصَّلْبُ عَلى ناسُوتِهِ دُونَ لاهُوتِهِ. وقِيلَ وقَعَ القَتْلُ والصَّلْبُ عَلَيْهِما. وقِيلَ عائِدٌ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى؛ فَإنَّ اليَهُودَ قالُوا: هو ابْنُ زِنًا. وقالَتِ النَّصارى: هو ابْنُ اللَّهِ. وقِيلَ اخْتِلافُهم مِن جِهَةِ أنَّ النَّصارى قالُوا: إنَّ اليَهُودَ قَتَلَتْهُ وصَلَبَتْهُ واليَهُودُ الَّذِينَ عايَنُوا رَفْعَهُ قالُوا: رُفِعَ إلى السَّماءِ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّ ﴿إلّا اتِّباعَ الظَّنِّ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّ اتِّباعَ الظَّنِّ لَيْسَ مِن جِنْسِ العِلْمِ (p-٣٩١)أيْ ولَكِنَّ اتِّباعَ الظَّنِّ لَهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي ولَكِنَّهم يَتَّبِعُونَ الظَّنَّ، وهَذا تَفْسِيرُ مَعْنًى لا تَفْسِيرَ إعْرابٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ إذِ الظَّنُّ والعِلْمُ يَضُمُّهُما أنَّهُما مِن مُعْتَقَداتِ اليَقِينِ. وقَدْ يَقُولُ الظّانُّ عَلى طَرِيقِ التَّجَوُّزِ: عِلْمِي في هَذا الأمْرِ أنَّهُ كَذا، وهو يَعْنِي ظَنَّهُ، انْتَهى. ولَيْسَ كَما ذُكِرَ؛ لِأنَّ الظَّنَّ لَيْسَ مِن مُعْتَقَداتِ اليَقِينِ؛ لِأنَّهُ تَرْجِيحُ أحَدِ الجائِزَيْنِ؛ وما كانَ تَرْجِيحًا فَهو يُنافِي اليَقِينَ؛ كَما أنَّ اليَقِينَ يُنافِي تَرْجِيحَ أحَدِ الجائِزَيْنِ. وعَلى تَقْدِيرِ: أنَّ الظَّنَّ والعِلْمَ يَضُمُّهُما ما ذُكِرَ؛ فَلا يَكُونُ أيْضًا اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَسْتَثْنِ الظَّنَّ مِنَ العِلْمِ. فَلَيْسَتِ التِّلاوَةُ ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلّا الظَّنَّ؛ وإنَّما التِّلاوَةُ إلّا اتِّباعَ الظَّنِّ، والِاتِّباعُ لِلظَّنِّ لا يَضُمُّهُ والعِلْمُ جِنْسُ ما ذُكِرَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ. فَإنْ قُلْتَ: لِمَ وُصِفُوا بِالشَّكِّ، والشَّكُّ أنْ لا يَتَرَجَّحَ أحَدُ الجائِزَيْنِ ؟ ثُمَّ وُصِفُوا بِالظَّنِّ، والظَّنُّ أنْ يَتَرَجَّحَ أحَدُهُما؛ فَكَيْفَ يَكُونُونَ شاكِّينَ ظانِّينَ ؟ قُلْتُ: أُرِيدَ أنَّهم شاكُّونَ ما لَهم مِن عِلْمٍ قَطُّ، ولَكِنْ لاحَتْ لَهم أمارَةٌ فَظَنُّوا، انْتَهى. وهو جَوابُ سُؤالِهِ؛ ولَكِنْ يُقالُ: لا يَرِدُ هَذا السُّؤالُ؛ لِأنَّ العَرَبَ تُطْلِقُ الشَّكَّ عَلى ما لَمْ يَقَعْ فِيهِ القَطْعُ واليَقِينُ فَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ ما يَتَرَدَّدُ فِيهِ، إمّا عَلى السَّواءِ بِلا تَرْجِيحٍ، أوْ بِتَرْجِيحِ أحَدِ الطَّرَفَيْنِ. وإذا كانَ كَذَلِكَ انْدَفَعَ السُّؤالُ. ﴿وما قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ وجَماعَةٌ: الضَّمِيرُ في قَتَلُوهُ عائِدٌ عَلى الظَّنِّ. تَقُولُ: قَتَلْتُ هَذا الأمْرَ عِلْمًا إذا قَطَعْتَ بِهِ، وجَزَمْتَ الجَزْمَ الَّذِي لا يُخالِجُهُ شَيْءٌ؛ فالمَعْنى: وما صَحَّ ظَنُّهم عِنْدَهم، وما تَحَقَّقُوهُ يَقِينًا، ولا قَطَعُوا الظَّنَّ بِاليَقِينِ. وقالَ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ؛ الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى العِلْمِ؛ أيْ ما قَتَلُوا العِلْمَ يَقِينًا. يُقالُ: قَتَلْتُ العِلْمَ والرَّأْيَ يَقِينًا وقَتَلْتُهُ عِلْمًا؛ لِأنَّ القَتْلَ لِلشَّيْءِ يَكُونُ عَنْ قَهْرٍ واسْتِعْلاءٍ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ لَمْ يَكُنْ عِلْمُهم بِقَتْلِ المَسِيحِ عِلْمًا أُحِيطَ بِهِ؛ إنَّما كانَ ظَنًّا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ تَهَكُّمٌ؛ لِأنَّ (إذا) نُفِيَ عَنْهُمُ العِلْمُ نَفْيًا كُلِّيًا بِحَرْفِ الِاسْتِغْراقِ ثُمَّ قِيلَ، وما عَلِمُوهُ عِلْمَ يَقِينٍ وإحاطَةٍ لَمْ يَكُنْ إلّا تَهَكُّمًا، انْتَهى. والظّاهِرُ قَوْلُ الجُمْهُورِ: إنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلى عِيسى بِجَعْلِ الضَّمائِرِ كُلِّها كَشَيْءٍ واحِدٍ، فَلا تَخْتَلِفُ. والمَعْنى صَحِيحٌ بَلِيغٌ، وانْتِصابُ (يَقِينًا) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ (قَتَلُوهُ)؛ أيْ مُتَيَقِّنِينَ أنَّهُ عِيسى كَما ادَّعَوْا ذَلِكَ في قَوْلِهِمْ: إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ؛ قالَهُ السُّدِّيُّ. أوْ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ قَتْلًا يَقِينًا جَوَّزَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ الحَسَنُ: وما قَتَلُوهُ حَقًّا، انْتَهى. فانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ كَقَوْلِكَ: وما قَتَلُوهُ حَقًّا؛ أيْ حَقَّ انْتِفاءِ قَتْلِهِ حَقًّا. وما حُكِيَ عَنِ ابْنِ الأنْبارِيِّ أنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا وأنَّ (يَقِينًا) مَنصُوبٌ بِـ ﴿رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾ والمَعْنى: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ يَقِينًا؛ فَلَعَلَّهُ لا يَصِحُّ عَنْهُ. وقَدْ نَصَّ الخَلِيلُ عَلى أنَّ ذَلِكَ خَطَأٌ؛ لِأنَّهُ لا يَعْمَلُ ما بَعْدَ (بَلْ) في ما قَبْلَها. ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾ هَذا إبْطالٌ لِما ادَّعَوْهُ مِن قَتْلِهِ وصَلْبِهِ، وهو حَيٌّ في السَّماءِ الثّانِيَةِ عَلى ما صَحَّ عَنِ الرَّسُولِ في حَدِيثِ المِعْراجِ. وهو هُنالِكَ مُقِيمٌ حَتّى يُنْزِلَهُ اللَّهُ إلى الأرْضِ لِقَتْلِ الدَّجّالِ، ولِيَمْلَأها عَدْلًا كَما مُلِئَتْ جَوْرًا، ويَحْيا فِيها أرْبَعِينَ سَنَةً ثُمَّ يَمُوتُ كَما تَمُوتُ البَشَرُ. وقالَ قَتادَةُ: رَفَعَ اللَّهُ عِيسى إلَيْهِ فَكَساهُ الرِّيشَ وألْبَسَهُ النُّورَ، وقَطَعَ عَنْهُ الطَّعامَ والشَّرابَ؛ فَصارَ مَعَ المَلائِكَةِ؛ فَهو مَعَهم حَوْلَ العَرْشِ؛ فَصارَ إنْسِيًّا مَلَكِيًّا سَماوِيًّا أرْضِيًّا. والضَّمِيرُ في إلَيْهِ عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى عَلى حَذْفِ التَّقْدِيرِ إلى سَمائِهِ، وقَدْ جاءَ ﴿ورافِعُكَ إلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] . وقِيلَ إلى حَيْثُ لا حُكْمَ فِيهِ إلّا لَهُ. ولا يُوَجَّهُ الدُّعاءُ إلّا نَحْوَهُ، وهو راجِعٌ إلى الأوَّلِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: أعْلَمَ اللَّهُ تَعالى عَقِيبَ ذِكْرِهِ أنَّهُ وصَلَ إلى عِيسى أنْواعٌ مِنَ البَلايا أنَّهُ رَفَعَهُ إلَيْهِ فَدَلَّ أنَّ رَفْعَهُ إلَيْهِ أعْظَمُ في إيصالِ الثَّوابِ مِنَ الجَنَّةِ، ومِن كُلِّ ما فِيها مِنَ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ؛ وهَذِهِ الآيَةُ تَفْتَحُ عَلَيْكَ بابَ مَعْرِفَةِ السِّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ، انْتَهى. وفِيهِ نَحْوٌ (p-٣٩٢)مِن كَلامِ المُتَفَلْسِفَةِ. (وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) . قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: المُرادُ مِنَ المَعَزَّةِ كَمالُ القُدْرَةِ، ومِنَ الحِكْمَةِ كَمالُ العِلْمِ؛ فَنَبَّهَ بِهَذا عَلى أنَّ رَفْعَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الدُّنْيا إلى السَّماواتِ وإنْ كانَ كالمُتَعَذَّرِ عَلى البَشَرِ، لَكِنْ لا تُعْذَرُ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِي وحِكْمَتِي، انْتَهى. وقالَ غَيْرُهُ: عَزِيزًا أيْ قَوِيًّا بِالنِّقْمَةِ مِنَ اليَهُودِ؛ فَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ بُطْرُسَ الرُّومِيّ فَقَتَلَ مِنهم مَقْتَلَةً عَظِيمَةً. حَكِيمًا حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِاللَّعْنَةِ والغَضَبِ. وقِيلَ: عَزِيزًا؛ أيْ: لا يُغالَبُ؛ لِأنَّ اليَهُودَ حاوَلَتْ بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أمْرًا وأرادَ اللَّهُ خِلافَهُ. حَكِيمًا أيْ: واضِعَ الأشْياءِ مَواضِعَها؛ فَمِن حَكَمَتِهِ تَخْلِيصُهُ مِنَ اليَهُودِ، ورَفْعُهُ إلى السَّماءِ لِما يُرِيدُ وتَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ تَعالى. وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: أوْحى اللَّهُ تَعالى إلى عِيسى عَلى رَأْسِ ثَلاثِينَ سَنَةً، ثُمَّ رَفَعَهُ وهو ابْنُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً؛ فَكانَتْ نُبُوَّتُهُ ثَلاثَ سِنِينَ. وقِيلَ: بَعَثَ اللَّهُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأدْخَلَهُ خَوْخَةً فِيها رَوْزَنَةٌ في سَقْفِها؛ فَرَفَعَهُ اللَّهُ تَعالى إلى السَّماءِ مِن تِلْكَ الرَّوْزَنَةِ. ﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ . إنْ: هُنا نافِيَةٌ، والمُخْبَرُ عَنْهُ مَحْذُوفٌ قامَتْ صِفَتُهُ مَقامَهُ، التَّقْدِيرُ: وما أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ. كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] والمَعْنى: وما مِنَ اليَهُودِ. وقَوْلُهُ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] أيْ: وما أحَدٌ مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ، وما أحَدٌ مِنكم إلّا وارِدُها. قالَ الزَّجّاجُ: وحُذِفَ (أحَدٌ) لِأنَّهُ مَطْلُوبٌ في كُلِّ نَفْيٍ يَدْخُلُهُ الِاسْتِثْناءُ نَحْوَ: ما قامَ إلّا زَيْدٌ، مَعْناهُ ما قامَ أحَدٌ إلّا زَيْدٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ جُمْلَةٌ قَسَمِيَّةٌ واقِعَةٌ صِفَةً لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ؛ تَقْدِيرُهُ: وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ أحَدٌ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ، ونَحْوُهُ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤]، ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] . والمَعْنى: وما مِنَ اليَهُودِ أحَدٌ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ، انْتَهى. وهُوَ غَلَطٌ فاحِشٌ إذْ زَعَمَ أنَّ ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ جُمْلَةٌ قَسَمِيَّةٌ واقِعَةٌ صِفَةً لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ إلى آخِرِهِ، وصِفَةُ (أحَدٌ) المَحْذُوفِ إنَّما هو الجارُّ والمَجْرُورُ وهو (مِن أهْلِ الكِتابِ)، والتَّقْدِيرُ كَما ذَكَرْناهُ: وإنْ أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾؛ فَلَيْسَتْ صِفَةً لِمَوْصُوفٍ، ولا هي جُمْلَةٌ قَسَمِيَّةٌ كَما زَعَمَ؛ إنَّما هي جُمْلَةُ جَوابِ القَسَمِ، والقَسَمُ مَحْذُوفٌ، والقَسَمُ وجَوابُهُ في مَوْضِعِ رَفْعِ خَبَرِ المُبْتَدَأِ الَّذِي هو (أحَدٌ) المَحْذُوفُ؛ إذْ لا يَنْتَظِمُ مِن أحَدٍ والمَجْرُورِ إسْنادٌ؛ لِأنَّهُ لا يُفِيدُ؛ وإنَّما يَنْتَظِمُ الإسْنادُ بِالجُمْلَةِ القَسَمِيَّةِ وجَوابِها؛ فَذَلِكَ هو مَحَطُّ الفائِدَةِ وكَذَلِكَ أيْضًا الخَبَرُ هو ﴿إلّا لَهُ مَقامٌ﴾ [الصافات: ١٦٤]، وكَذَلِكَ إلّا وارِدُها؛ إذْ لا يَنْتَظِمُ مِمّا قَبْلَ إلّا تَرْكِيبٌ إسْنادِيٌّ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَيْنِ في: بِهِ ومَوْتِهِ عائِدانِ عَلى عِيسى وهو سِياقُ الكَلامِ، والمَعْنى: مِن أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ يَكُونُونَ في زَمانِ نُزُولِهِ. رُوِيَ أنَّهُ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ في آخِرِ الزَّمانِ؛ فَلا يَبْقى أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ إلّا يُؤْمِنُ بِهِ؛ حَتّى تَكُونَ المِلَّةُ واحِدَةً وهي مِلَّةُ الإسْلامِ؛ قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وأبُو مالِكٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وعِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ والحَسَنُ أيْضًا ومُجاهِدٌ وغَيْرُهم: الضَّمِيرُ في بِهِ لِعِيسى، وفي مَوْتِهِ لِكِتابِيٍّ وقالُوا: ولَيْسَ يَمُوتُ يَهُودِيٌّ حَتّى يُؤْمِنَ بِعِيسى ويَعْلَمَ أنَّهُ نَبِيٌّ؛ ولَكِنْ عِنْدَ المُعايَنَةِ لِلْمَوْتِ فَهو إيمانٌ لا (p-٣٩٣)يَنْفَعُهُ كَما لَمْ يَنْفَعْ فِرْعَوْنَ إيمانُهُ وقْتَ المُعايَنَةِ. وبَدَأ بِما يُشْبِهُ هَذا لِقَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ. قالَ: والمَعْنى ما مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى أحَدٌ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ قَبْلَ مَوْتِهِ بِعِيسى، وبِأنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ ؟ يَعْنِي: إذا عايَنَ قَبْلَ أنْ تَزْهَقَ رُوحُهُ حِينَ لا يَنْفَعُهُ إيمانُهُ لِانْقِطاعِ وقْتِ التَّكْلِيفِ. ثُمَّ حُكِيَ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ والحَجّاجِ حِكايَةٌ فِيها طُولٌ يَمَسُّ بِالتَّفْسِيرِ مِنها: أنَّ اليَهُودِيَّ إذا حَضَرَهُ المَوْتُ ضَرَبَتِ المَلائِكَةُ دُبُرَهُ ووَجْهَهُ وقالُوا: يا عَدُوَّ اللَّهِ أتاكَ عِيسى نَبِيًّا فَكَذَّبْتَ بِهِ؛ فَيَقُولُ: آمَنتُ أنَّهُ نَبِيٌّ. وتَقُولُ لِلنَّصْرانِيِّ: أتاكَ عِيسى نَبِيًّا فَزَعَمْتَ أنَّهُ اللَّهُ أوِ ابْنُ اللَّهِ؛ فَيَقُولُ: آمَنتُ أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ حَيْثُ لا يَنْفَعُهُ إيمانُهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ فَسَّرَهُ كَذَلِكَ؛ فَقالَ لَهُ عِكْرِمَةُ: فَإنْ أتاهُ رَجُلٌ فَضَرَبَ عُنُقَهُ ؟ قالَ: لا تَخْرُجُ نَفْسُهُ حَتّى يُحَرِّكَ بِها شَفَتَيْهِ. قالَ: وإنْ خَرَجَ فَوْقَ بَيْتٍ أوِ احْتَرَقَ أوْ أكَلَهُ سَبُعٌ ؟ قالَ: يَتَكَلَّمُ بِها في الهَوى، ولا تَخْرُجُ رُوحُهُ حَتّى يُؤْمِنَ بِهِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ: ”إلّا لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِمْ“ بِضَمِّ النُّونِ عَلى مَعْنى: وإنْ مِنهم أحَدٌ إلّا سَيُؤْمِنُونَ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِمْ؛ لِأنَّ أحَدًا يَصْلُحُ لِلْجَمْعِ. فَإنْ قُلْتَ: فَما فائِدَةُ الإخْبارِ بِإيمانِهِمْ بِعِيسى قَبْلَ مَوْتِهِمْ ؟ قُلْتُ: فائِدَتُهُ الوَعِيدُ، ولْيَكُنْ عِلْمُهم بِأنَّهم لا بُدَّ لَهم مِنَ الإيمانِ بِهِ عَنْ قَرِيبٍ عِنْدَ المُعايَنَةِ، وأنَّ ذَلِكَ لا يَنْفَعُهم بَعْثًا لَهم وتَنْبِيهًا عَلى مُعالَجَةِ الإيمانِ بِهِ في أوانِ الِانْتِفاعِ بِهِ، ولِيَكُونَ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ لَهم. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ. ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ يَشْهَدُ عَلى اليَهُودِ بِأنَّهم كَذَّبُوهُ، وعَلى النَّصارى بِأنَّهم دَعَوْهُ ابْنَ اللَّهِ، انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ أيْضًا: ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ أنَّهُ لا يَبْقى أحَدٌ مِن جَمِيعِ أهْلِ الكِتابِ إلّا لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ، عَلى أنَّ اللَّهَ يُحْيِيهِمْ في قُبُورِهِمْ في ذَلِكَ الزَّمانِ ويُعْلِمُهم نُزُولَهُ وما نَزَلَ لَهُ، ويُؤْمِنُونَ بِهِ حِينَ لا يَنْفَعُهم إيمانُهم، انْتَهى. وقالَ عِكْرِمَةُ: الضَّمِيرُ في بِهِ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وفي مَوْتِهِ لِلْكِتابِيِّ. قالَ: ولَيْسَ يَخْرُجُ يَهُودِيٌّ ولا نَصْرانِيٌّ مِنَ الدُّنْيا حَتّى يُؤْمِنَ بِمُحَمَّدٍ، ولَوْ غَرِقَ أوْ سَقَطَ عَلَيْهِ جِدارٌ؛ فَإنَّهُ يُؤْمِنُ في ذَلِكَ الوَقْتِ. وقِيلَ: يَعُودُ في بِهِ عَلى اللَّهِ، وفي مَوْتِهِ عَلى أحَدٍ المُقَدَّرِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إذا نَزَلَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِقَتْلِ الدَّجّالِ لَمْ يَبْقَ يَهُودِيٌّ ولا نَصْرانِيٌّ إلّا آمَنَ بِاللَّهِ حِينَ يَرَوْنَ قَتْلَ الدَّجّالِ، وتَصِيرُ الأُمَمُ كُلُّها واحِدَةً عَلى مِلَّةِ الإسْلامِ، ويُعْزى هَذا القَوْلُ أيْضًا إلى ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ. وقالَ العَبّاسُ بْنُ غَزْوانَ: وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ بِتَشْدِيدِ النُّونِ، وهي قِراءَةٌ عَسِرَةُ التَّخْرِيجِ، ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ أيْ: شَهِيدًا عَلى أهْلِ الكِتابِ عَلى اليَهُودِ بِتَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ وطَعْنِهِمْ فِيهِ، وعَلى النَّصارى بِجَعْلِهِمْ إيّاهُ إلاهًا مَعَ اللَّهِ أوِ ابْنًا لَهُ، والضَّمِيرُ في يَكُونُ لِعِيسى. وقالَ عِكْرِمَةُ: لِمُحَمَّدٍ ﷺ . قِيلَ: وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ أنْواعًا مِنَ الفَصاحَةِ والبَدِيعِ؛ فَمِنها التَّجْنِيسُ المُغايِرُ في: (يُخادِعُونَ) و(خادِعُهم)، و(شَكَرْتُمْ) و(شاكِرًا) . والمُماثِلُ في: (وإذا قامُوا) . والتَّكْرارُ في اسْمِ اللَّهِ، وفي: (هَؤُلاءِ) و(هَؤُلاءِ)، وفي: و(يَرَوْنَ) و(يُرِيدُونَ)، وفي: (الكافِرِينَ) و(الكافِرِينَ)، وفي: (أهْلِ الكِتابِ) و(كِتابًا)، وفي: (بِمِيثاقِهِمْ) و(مِيثاقًا) . والطِّباقُ في: الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ، وفي: (إنْ تَبْدُوا) أوْ (تُخْفُوهُ)، وفي: (نُؤْمِنُ) و(نَكْفُرُ)، والِاخْتِصاصُ في: (إلى الصَّلاةِ)، وفي: ﴿الدَّرْكِ الأسْفَلِ﴾ [النساء: ١٤٥]، وفي: ﴿الجَهْرَ بِالسُّوءِ﴾ [النساء: ١٤٨] . والإشارَةُ في مَواضِعَ الِاسْتِعارَةِ في ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] اسْتَعارَ اسْمَ الخِداعِ لِلْمُجازاةِ وفي (سَبِيلًا)، وفي (سُلْطانًا) لِقِيامِ الحُجَّةِ و﴿الدَّرْكِ الأسْفَلِ﴾ [النساء: ١٤٥] لِانْخِفاضِ طَبَقاتِهِمْ في النّارِ، و(اعْتَصِمُوا) لِلِالتِجاءِ، وفي: ﴿أنْ يُفَرِّقُوا﴾، وفي: ﴿ولَمْ يُفَرِّقُوا﴾ وهو حَقِيقَةٌ في الأجْسامِ اسْتُعِيرَ لِلْمَعانِي، وفي (سُلْطانًا) اسْتُعِيرَ لِلْحُجَّةِ، وفي: (غُلْفٌ) و﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ﴾ . وزِيادَةُ الحَرْفِ لِمَعْنى في (فَبِما نَقْضِهِمْ) . وإسْنادُ الفِعْلِ إلى غَيْرِ فاعِلِهِ في: فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ وجاءَتْهُمُ البَيِّناتُ وإلى الرّاضِي بِهِ وفي: وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ، وفي: ﴿وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا﴾، ﴿وقَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ﴾ . وحُسْنُ النَّسَقِ في: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم، والمَعاطِيفِ (p-٣٩٤)عَلَيْهِ حَيْثُ نُسِّقَتْ بِالواوِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى الجَمِيعِ فَقَطْ. وبَيْنَ هَذِهِ الأشْياءِ أعْصارٌ مُتَباعِدَةٌ فَشَرَكَ أوائِلَهم وأواخِرَهم لِعَمَلِ أُولَئِكَ ورِضا هَؤُلاءِ. وإطْلاقُ اسْمِ كُلٍّ عَلى بَعْضٍ وفي: كُفْرِهم بِآياتِ اللَّهِ وهو القُرْآنُ والإنْجِيلُ ولَمْ يَكْفُرُوا بِشَيْءٍ مِنَ الكُتُبِ إلّا بِهِما وفي قَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا ولَمْ يَقُلْ ذَلِكَ إلّا بَعْضُهم. والتَّعْرِيضُ في رَسُولِ اللَّهِ إذا قُلْنا إنَّهُ مِن كَلامِهِمْ. والتَّوْجِيهُ في غُلْفٌ مِنَ احْتِمالِ المَصْدَرِ جَمْعُ غِلافٍ أوْ جَمْعُ أغْلُفٍ. وعَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ وهو في ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ عَلى مَن جَعَلَهُما لِغَيْرِ عِيسى. والنَّقْلُ مِن صِيغَةِ فاعِلٍ إلى فَعِيلٍ في شَهِيدٍ. والحَذْفُ في مَواضِعَ.

النساء 4:151

﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ والنَّصارى، آمَنَتِ اليَهُودُ بِمُوسى والتَّوْراةِ، وكَفَرَتْ بِعِيسى، ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَّلامُ، وآمَنَتِ النَّصارى بِعِيسى والإنْجِيلِ، وكَفَرَتْ بِمُحَمَّدٍ والقُرْآنِ. وقِيلَ نَزَلَتْ في اليَهُودِ خاصَّةً، آمَنُوا بِمُوسى وعُزَيْرٍ والتَّوْراةِ، وكَفَرُوا بِعِيسى والإنْجِيلِ، ومُحَمَّدٍ والقُرْآنِ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها: أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ ما عَلَيْهِ المُنافِقُونَ مِن سُوءِ الخَلِيقَةِ ومَذْمُومِ الطَّرِيقَةِ أخَذَ في الكَلامِ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى؛ جَعَلَ كُفْرَهم بِبَعْضِ الرُّسُلِ كُفْرًا بِجَمِيعِ الرُّسُلِ، وكُفْرَهم بِالرُّسُلِ كُفْرًا بِاللَّهِ تَعالى. ﴿ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ﴾؛ أيْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الإيمانِ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ يَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِاللَّهِ، ولا نُؤْمِنُ بِفُلانٍ وفُلانٍ مِنَ الأنْبِياءِ. ﴿ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ يَعْنِي مِنَ الأنْبِياءِ. وقِيلَ هو تَصْدِيقُ اليَهُودِ بِمُحَمَّد أنَّهُ نَبِيٌّ؛ ولَكِنْ لَيْسَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ. ونَحْوُ هَذا مِن تَفَرُّقاتِهِمُ الَّتِي كانَتْ تَعَنُّتًا، ورَوَغانًا. ﴿ويُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾؛ أيْ طَرِيقًا وسَطًا بَيْنَ الكُفْرِ والإيمانِ، ولا واسِطَةَ بَيْنَهُما. ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ حَقًّا﴾ أكَّدَ بِقَوْلِهِ هم، لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ ذَلِكَ الإيمانَ يَنْفَعُهم. وأكَّدَ بِقَوْلِهِ: حَقًّا، وهو تَأْكِيدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ، كَما تَقُولُ: هَذا عَبْدُ اللَّهِ حَقًّا؛ أيْ حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا. أوْ هو نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ كُفْرًا حَقًّا؛ أيْ ثابِتًا يَقِينًا لا شَكَّ فِيهِ. أوْ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ لِذَلِكَ نَظائِرُ، وقَدْ طَعَنَ الواحِدِيُّ في هَذا التَّوْجِيهِ، وقالَ: الكُفْرُ لا يَكُونُ حَقًّا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ولا يَلْزَمُ ما قالَ إنَّهُ لا يُرادُ بِحَقًّا الحَقُّ الَّذِي هو مُقابِلٌ لِلْباطِلِ؛ وإنَّما المَعْنى أنَّهُ كُفْرٌ ثابِتٌ مُتَيَقَّنٌ؛ وإنَّما كانَ التَّوْكِيدُ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ داعِيَ الإيمانِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الأنْبِياءِ، (p-٣٨٦)وهُوَ ظُهُورُ المُعْجِزاتِ عَلى أيْدِيهِمْ؛ فَكَوْنُهم فَرَّقُوا في الإيمانِ بَيْنَهم دَلِيلٌ عَلى كُفْرِهِمْ بِالجَمِيعِ؛ إذْ لَيْسَ إيمانُهم بِبَعْضٍ ناشِئًا عَنِ النَّظَرِ في الدَّلِيلِ؛ وإنَّما هم عَلى سَبِيلِ التَّشَهِّي والتَّلاعُبِ. (وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا) هَذا وعِيدٌ لَهم بِالإهانَةِ في العَذابِ. ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ هَؤُلاءِ هُمُ المُؤْمِنُونَ أتْباعُ مُحَمَّدٍ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى دُخُولِ (بَيْنَ) عَلى (أحَدٍ) في البَقَرَةِ. في قَوْلِهِ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا. (أُولَئِكَ سَوْفَ نُؤْتِيهِمْ أُجُورَهم) صَرَّحَ تَعالى بِوَعْدِ هَؤُلاءِ كَما صَرَّحَ بِوَعِيدِ أُولَئِكَ. وقَرَأ حَفْصٌ: يُؤْتِيهِمْ بِالياءِ لِيَعُودَ عَلى اسْمِ اللَّهِ قَبْلَهُ. وقَرَأ الباقُونَ: بِالنُّونِ عَلى الِالتِفاتِ ومُقابِلُهُ (وأعْتَدْنا) . وقَوْلُ أبِي عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيِّ: قِراءَةُ النُّونِ أوْلى مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أنْهَمُ، والآخَرُ: أنَّهُ مَشاكِلٌ لِقَوْلِهِ: وأعْتَدْنا؛ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، ولا أوْلَوِيَّةَ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ القِراءَتَيْنِ كِلْتاهُما مُتَواتِرَةٌ، هَكَذا نَزَلَتْ، وهَكَذا أُنْزِلَتْ. (وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) لَمّا وعَدَهم تَعالى بِالثَّوابِ زادَهم تَبْشِيرًا لِتَجاوُزٍ عَنِ السَّيِّئاتِ، وبِرَحْمَتِهِ إيّاهم. ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: قالَتِ اليَهُودُ: إنْ كُنْتَ صادِقًا فَجِئْ بِكِتابٍ مِنَ السَّماءِ جُمْلَةً، كَما جاءَ مُوسى بِالكِتابِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: قالُوا: ائْتِ بِألْواحٍ فِيها كِتابُكَ، كَما أتى مُوسى بِألْواحٍ فِيها التَّوْراةُ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: سَألُوهُ أنْ يَأْتِيَ بِكِتابٍ خاصٍّ لِلْيَهُودِ يَأْمُرُهم بِالإيمانِ بِمُحَمَّدٍ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قالُوا: لَنْ نُتابِعَكَ عَلى ما تَدْعُونا إلَيْهِ، حَتّى تَأْتِيَنا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ إلى فُلانٍ وإلى فُلانٍ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ؛ فَعَلى قَوْلِ ابْنِ جُرَيْجٍ يَقْتَضِي أنَّ سُؤالَهم كانَ عَلى نَحْوِ سُؤالِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمَيَّةَ الزُّهْرِيِّ، وقِيلَ كِتابًا نُعايِنُهُ حَتّى يَنْزِلَ، وسَمّى مِن سائِلِي اليَهُودِ: كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ، وفِنْخاصَ بْنَ عازُوراءَ. وقِيلَ السّائِلُونَ هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، وسُؤالُهم إنَّما هو عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ. وقالَ الحَسَنُ: لَوْ سَألُوهُ لِكَيْ يَتَبَيَّنَ الحَقُّ لَأعْطاهم؛ فَإنَّ فِيما أعْطاكم كِفايَةً. ﴿فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقالُوا أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ قَدَّرُوا قَبْلَ هَذا كَلامًا مَحْذُوفًا؛ فَجَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ شَرْطًا هَذا جَوابُهُ، وتَقْدِيرُهُ: إنِ اسْتَكْبَرْتَ ما سَألُوهُ مِنكَ؛ فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ. وقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَلا تُبالِ يا مُحَمَّدُ عَنْ سُؤالِهِمْ وتَشْطِيطِهِمْ؛ فَإنَّها عادَتُهم؛ فَقَدْ سَألُوا مُوسى. وأسْنَدَ السُّؤالَ إلَيْهِمْ، وإنْ كانَ إنَّما وقَعَ مِن آبائِهِمْ مِن نُقَبائِهِمُ السَبْعِينَ؛ لِأنَّهم راضُونَ بِفِعْلِ آبائِهِمْ ومَذاهِبِهِمْ، ومُشابِهُونَ لَهم في التَّعَنُّتِ. وقَرَأ الحَسَنُ: أكْثَرَ بِالثّاءِ المُثَلَّثَةِ بَدَلَ الباءِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ. ومَعْنى جَهْرَةً: عِيانًا رُؤْيَةً (p-٣٨٧)مُنْكَشِفَةً بَيِّنَةً. والجَهْرَةُ مِن وصْفِ الرُّؤْيَةِ. واخْتُلِفَ في النَّقْلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَرُوِيَ عَنْهُ: أنَّ جَهْرَةً مِن صِفَةِ السُّؤالِ؛ فَقَدْ سَألُوا مُوسى. أوْ حالًا مِن ضَمِيرِ سَألُوا أيْ سَألُوهُ مُجاهِرِينَ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّ التَّقْدِيرَ: فَقالُوا جَهْرَةً مِنهُ، وتَصْرِيحًا أرِنا اللَّهَ؛ فَيَكُونُ مِن صِفَةِ القَوْلِ. ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ أيْ تَعَنُّتِهِمْ، وسُؤالِهِمْ ما لَيْسَ لَهم أنْ يَسْألُوهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِظُلْمِهِمْ بِسَبَبِ سُؤالِهِمُ الرُّؤْيَةَ، ولَوْ طَلَبُوا أمْرًا جائِزًا لَما سُمُّوا ظالِمِينَ، ولَما أخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ. كَما سَألَ إبْراهِيم عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُرِيَهُ إحْياءَ المَوْتى فَلَمْ يُسَمِّهِ ظالِمًا، ولا رَماهُ بِالصّاعِقَةِ لِلْمُشَبِّهَةِ، ورَمْيًا بِالصَّواعِقِ، انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ في اسْتِحالَةِ رُؤْيَةِ اللَّهِ عِنْدَهم. وأهْلُ السُّنَّةِ يَعْتَقِدُونَ أنَّهم لَمْ يَسْألُوا مُحالًا عَقْلًا، لَكِنَّهُ مُمْتَنِعٌ مِن جِهَةِ الشَّرْعِ؛ إذْ قَدْ أخْبَرَ تَعالى عَلى ألْسِنَةِ أنْبِيائِهِ، أنَّهُ لا يُرى في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا والرُّؤْيَةُ في الآخِرَةِ ثابِتَةٌ عَنِ الرَّسُولِ بِالتَّواتُرِ، وهي جائِزَةٌ عَقْلًا، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في البَقَرَةِ عَلى الصّاعِقَةِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ والنَّخَعِيُّ: (فَأخَذَتْهُمُ الصَّعْقَةُ)، والجُمْهُورُ (الصّاعِقَةُ) . ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا العِجْلَ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ﴾ ثُمَّ: لِلتَّرْتِيبِ في الأخْبارِ، لا في نَفْسِ الأمْرِ، ثُمَّ قَدْ كانَ مِن أمْرِهِمْ أنِ اتَّخَذُوا العِجْلَ؛ أيْ آباؤُهم والَّذِينَ صُعِقُوا غَيْرُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ. والبَيِّناتُ: إجازَةُ البَحْرِ والعَصا، وغَرَقُ فِرْعَوْنَ، وغَيْرُ ذَلِكَ. وقالَ الحَوْفِيُّ: أعْلَمَ نَبِيَّهُ بِعِنادِهِمْ، وإصْرارِهِمْ؛ فالمَعْنى: أنَّهُ لَوْ نَزَلَ عَلَيْهِمُ الَّذِي سَألُوا لَخالَفُوا أمْرَ اللَّهِ، كَما خالَفُوهُ مِن بَعْدِ إحْياءِ اللَّهِ لَهم مِن صَعْقَتِهِمْ، وعَبَدُوا العِجْلَ، واتَّخَذُوهُ إلَهًا. ﴿فَعَفَوْنا عَنْ ذَلِكَ﴾؛ أيْ عَنِ اتِّخاذِهِمُ العِجْلَ إلَهًا عَنْ جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِن مُخالَفَتِهِمْ. والأوَّلُ أظْهَرُ؛ لِأنَّهُ قَدْ صَرَّحَ في قِصَّةِ العِجْلِ بِالتَّوْبَةِ. ويَعْنِي: بِما امْتَحَنَهم بِهِ مِنَ القَتْلِ لِأنْفُسِهِمْ، ثُمَّ وقَعَ العَفْوُ عَنِ الباقِينَ مِنهم. ﴿وآتَيْنا مُوسى سُلْطانًا مُبِينًا﴾؛ أيْ حُجَّةً وتَسَلُّطًا، واسْتِيلاءً ظاهِرًا عَلَيْهِمْ، حِينَ أمَرَهم بِأنْ يَقْتُلُوا أنْفُسَهم حَتّى يُتابَ عَلَيْهِمْ؛ فَأطاعُوهُ واحْتَبَوْا بِأفْنِيَتِهِمْ والسُّيُوفُ تَتَساقَطُ عَلَيْهِمْ، فَيا لَهُ مِن سُلْطانٍ مُبِينٍ. ﴿ورَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ﴾ تَقَدَّمَ ما المَعْنِيُّ بِالطُّورِ. وفي الشّامِ جَبَلٌ عُرِفَ بِالطُّورِ، ولَزِمَهُ هَذا الِاسْمُ، وهو طُورٌ بِسَيْناءَ. ولَيْسَ هو المَرْفُوعَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ؛ لِأنَّ رَفْعَ الجَبَلِ كانَ فِيما يَلِي التِّيهَ مِن جِهَةِ دِيارِ مِصْرَ، وهم ناهِضُونَ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وتَقَدَّمَتْ قِصَّةُ رَفْعِ الطُّورِ في البَقَرَةِ. والباءُ في بِمِيثاقِهِمْ لِلسَّبَبِ، وهو العَهْدُ الَّذِي أخَذَهُ مُوسى عَلَيْهِمْ بَعْدَ تَصْدِيقِهِمْ بِالتَّوْراةِ أنْ يَعْمَلُوا بِما فِيها؛ فَنَقَضُوا مِيثاقَهم، وعَبَدُوا العِجْلَ، فَرَفَعَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الطُّورَ. وفي كَلامٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: بِنَقْضِ مِيثاقِهِمْ. (p-٣٨٨)﴿وقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في البَقَرَةِ. ﴿وقُلْنا لَهم لا تَعْدُوا في السَّبْتِ﴾ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عِنْدَ اعْتِدائِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ﴾ [البقرة: ٦٥] . وقَرَأ ورْشٌ لا تَعَدُّوا بِفَتْحِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الدّالِ عَلى أنَّ الأصْلَ تَعْتَدُوا، فَأُلْقِيَتْ حَرَكَةُ التّاءِ عَلى العَيْنِ، وأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ. وقَرَأ قالُونُ: بِإخْفاءِ حَرَكَةِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الدّالِ، والنَّصُّ بِالإسْكانِ. وأصْلُهُ أيْضًا لا تَعْتَدُوا. وقَرَأ الباقُونَ مِنَ السَّبْعَةِ: لا تَعْدُوا بِإسْكانِ العَيْنِ، وتَخْفِيفِ الدّالِ مِن عَدا يَعْدُو. وقالَ تَعالى: ﴿إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ﴾ [الأعراف: ١٦٣]، وقَرَأ الأعْمَشُ والأخْفَشُ: لا تَعْتَدُوا مِنَ اعْتَدى. (وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا) قِيلَ هو المِيثاقُ الأوَّلُ في قَوْلِهِ: (بِمِيثاقِهِمْ)، ووُصِفَ بِالغِلَظِ لِلتَّأْكِيدِ، وهو المَأْخُوذُ عَلى لِسانِ مُوسى وهارُونَ أنْ يَأْخُذُوا التَّوْراةَ بِقُوَّةٍ، ويَعْمَلُوا بِجَمِيعِ ما فِيها، ويُوصِلُوهُ إلى أبْنائِهِمْ. وقِيلَ: هَذا المِيثاقُ غَيْرُ الأوَّلِ، وهو المِيثاقُ الثّانِي الَّذِي أُخِذَ عَلى أنْبِيائِهِمْ بِالتَّصْدِيقِ بِمُحَمَّدٍ والإيمانِ بِهِ، وهو المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ﴾ [آل عمران: ٨١] الآيَةَ. ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم وكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ فِيما لَخَّصْناهُ مِن كَلامِهِ، هَذا إخْبارٌ عَنْ أشْياءَ واقَعُوها في الضِّدِّ مِمّا أُخِذُوا بِهِ، نَقَضُوا المِيثاقَ الَّذِي رُفِعَ عَلَيْهِمُ الطُّورُ بِسَبَبِهِ، وجَعَلُوا بَدَلَ الإيمانِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الأمْرُ بِدُخُولِ البابِ سُجَّدًا المُتَضَمِّنُ التَّواضُعَ الَّذِي هو ثَمَرَةُ الإيمانِ كُفْرَهم بِآياتِ اللَّهِ، وبَذْلِ الطّاعَةِ، وامْتِثالِ مُوافَقَتِهِ في أنْ لا يَعْدُوا في السَّبْتِ انْتِهاكَ أعْظَمِ الحُرُمِ، وهو قَتْلُ الأنْبِياءِ. وقابَلُوا أخْذَ المِيثاقِ الغَلِيظِ بِتَجاهُلِهِمْ، وقَوْلِهِمْ: قُلُوبُنا غُلْفٌ أيْ في حُجُبٍ وغُلُفٍ: فَهي لا تَفْهَمُ. وأضْرَبَ اللَّهُ تَعالى عَنْ قَوْلِهِمْ وكَذِبِهِمْ، وأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ قَدْ طَبَعَ عَلَيْها بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، انْتَهى. والمِيثاقُ المَنقُوضُ: أهُوَ كِتْمانُهم صِفَةَ الرَّسُولِ، وتَكْذِيبُهُ فِيما جاءَ بِهِ ؟ أوْ تَرْكُهُمُ العَمَلَ بِما في كِتابِهِمْ ؟ مَعَ أنَّهم قَبِلُوا والتَزَمُوا العَمَلَ بِها قَوْلانِ. وآياتُ اللَّهِ الَّتِي كَفَرُوا بِها أهِيَ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِمْ في كُتُبِهِمْ ؟ أوْ جَمِيعُ كُتُبِ اللَّهِ المُنَزَّلَةِ ؟ قَوْلانِ. وتَقَدَّمَ شَرْحُ (قُلُوبُنا غُلْفٌ) في البَقَرَةِ. ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ أدْغَمَ لامَ (بَلْ) في طاءِ (طَبَعَ) الكِسائِيُّ وحَمْزَةُ، وأظْهَرَها باقِي السَّبْعَةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ خَبَرٌ مَعْناهُ الذَّمُّ، عَلى أنَّ قُلُوبَهم بِمَنزِلَةِ المَطْبُوعِ عَلَيْها الَّتِي لا تَفْهَمُ أبَدًا، ولا تُطِيعُ مُرْسَلًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أرادُوا بِقَوْلِهِمْ: قُلُوبُنا غُلْفٌ؛ أيْ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ قُلُوبَنا غُلْفًا؛ أيْ في أكِنَّةٍ لا يُتَوَصَّلُ إلَيْها بِشَيْءٍ مِنَ الذِّكْرِ والمَوْعِظَةِ، كَما حَكى اللَّهُ عَنِ المُشْرِكِينَ: ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠] . وتَكْذِيبُ المُجْبِرَةِ أخْزاهُمُ اللَّهُ فَقِيلَ لَهم: خَذَلَها اللَّهَ، ومَنَعَها الألْطافَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، فَصارَتْ كالمَطْبُوعِ عَلَيْها، لا إنْ تُخْلَقْ غُلْفًا قابِلَةَ الذِّكْرِ، ولا مُتَمَكِّنَةً مِن قَبُولِهِ، انْتَهى. وهو عَلى مَذْهَبِهِ الِاعْتِزالِيِّ. وأمّا أهْلُ السُّنَّةِ فَيَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ طَبَعَ عَلَيْها حَقِيقَةً كَما أخْبَرَ تَعالى إذْ لا خالِقَ غَيْرُهُ. والباءُ في فَبِما نَقْضِهِمْ تَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَعَلْنا بِهِمْ ما فَعَلْناهُ. وقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَعَنّاهم، وأذْلَلْناهم، وحَتَّمْنا عَلى الوافِينَ مِنهُمُ الخُلُودَ في جَهَنَّمَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وحَذْفُ جَوابِ هَذا الكَلامِ بَلِيغٌ مَتْرُوكٌ مَعَ ذِهْنِ السّامِعِ، انْتَهى. وتَسْمِيَةُ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ المَجْرُورُ بِأنَّهُ جَوابُ اصْطِلاحٍ لَمْ يُعْهَدْ في عِلْمِ النَّحْوِ، ولا تُساعِدُهُ اللُّغَةُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِجَوابٍ. وجَوَّزُوا أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: (حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ) عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ [النساء: ١٦٠] بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾؛ وقالَهُ الزَّجّاجُ، وأبُو بَكْرٍ، والزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهم. وهَذا فِيهِ بُعْدٌ لِكَثْرَةِ الفَواصِلِ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ؛ ولِأنَّ المَعْطُوفَ عَلى السَّبَبِ سَبَبٌ؛ فَيَلْزَمُ تَأخُّرُ بَعْضِ أجْزاءِ السَّبَبِ الَّذِي لِلتَّحْرِيمِ في الوَقْتِ عَنْ وقْتِ التَّحْرِيمِ؛ فَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ جُزْءَ سَبَبٍ أوْ مُسَبِّبًا إلّا بِتَأْوِيلٍ بَعِيدٍ، وبَيانُ ذَلِكَ أنَّ ”قَوْلَهم عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا“ وقَوْلَهم ”﴿إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ﴾“ مُتَأخِّرٌ في الزَّمانِ عَنْ (p-٣٨٩)تَحْرِيمِ الطَّيِّباتِ عَلَيْهِمْ؛ فالأوْلى أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: لَعَنّاهم، وقَدْ جاءَ مُصَرَّحًا بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم لَعَنّاهم وجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً﴾ [المائدة: ١٣] . (فَلا يُؤْمِنُونَ إلّا قَلِيلًا) تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. ﴿وبِكُفْرِهِمْ وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا﴾ الظّاهِرُ في قَوْلِهِ: وبِكُفْرِهِمْ وقَوْلِهِمْ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: (فَبِما نَقْضِهِمْ)، وما بَعْدَهُ. عَلى أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ أجازَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وبِكُفْرِهِمْ وقَوْلِهِمْ﴾ مَعْطُوفًا عَلى بِكُفْرِهِمْ. وتَكْرارُ نِسْبَةِ الكُفْرِ إلَيْهِمْ بِحَسَبِ مُتَعَلِّقاتِهِ؛ إذْ كَفَرُوا بِمُوسى، ثُمَّ بِعِيسى، ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ فَعَطَفَ بَعْضَ كُفْرِهِمْ عَلى بَعْضٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ عَطَفَ مَجْمُوعَ المَعْطُوفِ عَلى مَجْمُوعِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ عَلى بَعْضٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ عَطَفَ مَجْمُوعَ المَعْطُوفِ عَلى مَجْمُوعِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ فَيَجْمَعُهم بَيْنَ نَقْضِ المِيثاقِ والكُفْرِ بِآياتِ اللَّهِ وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ، وقَوْلِهِمْ: (قُلُوبُنا غُلْفٌ)، وجَمْعِهِمْ بَيْنَ كُفْرِهِمْ، وبُهْتِهِمْ مَرْيَمَ، وافْتِخارِهِمْ بِقَتْلِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ عاقَبْناهم. أوْ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها، وجَمَعَهم بَيْنَ كَفْرِهِمْ، وكَذا وكَذا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْضًا: فَإنْ قُلْتَ: هَلّا زَعَمْتَ أنَّ المَحْذُوفَ الَّذِي تَعَلَّقَتْ بِهِ الباءُ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ ؟ قُلْتُ: لَمْ يَصِحَّ هَذا التَّقْدِيرُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾، رَدٌّ وإنْكارٌ لِقَوْلِهِمْ: قُلُوبُنا غُلْفٌ؛ فَكانَ مُتَعَلِّقًا بِهِ، انْتَهى. وهو جَوابٌ حَسَنٌ، ويَمْتَنِعُ مِن وجْهٍ آخَرَ، وهو أنَّ العَطْفَ بِبَلْ يَكُونُ لِلْإضْرابِ عَنِ الحُكْمِ الأوَّلِ، وإثْباتِهِ لِلثّانِي عَلى جِهَةِ إبْطالِ الأوَّلِ، أوْ الِانْتِقالِ عامًّا في كِتابِ اللَّهِ في الإخْبارِ؛ فَلا يَكُونُ إلّا لِلِانْتِقالِ. ويُسْتَفادُ مِنَ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ ما لا يُسْتَفادُ مِنَ الجُمْلَةِ الأُولى. والَّذِي قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لا يُسَوَّغُ فِيهِ هَذا الَّذِي قَرَّرْناهُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾، ﴿وكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ﴾، وقَوْلِهِمْ: ﴿قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾؛ فَأفادَتِ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ ما أفادَتِ الجُمْلَةُ الأُولى، وهو لا يَجُوزُ. لَوْ قُلْتَ: مَرَّ زَيْدٌ بِعَمْرٍو، بَلْ مَرَّ زَيْدٌ بِعَمْرٍو لَمْ يَجُزْ. وقَدْ أجازَ ذَلِكَ أبُو البَقاءِ، وهو أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم وكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ، وكَذا طُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ. وقِيلَ التَّقْدِيرُ فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم لا يُؤْمِنُونَ إلّا قَلِيلًا والفاءُ مُقْحَمَةٌ. وما في قَوْلِهِ: فَبِما نَقْضِهِمْ كَهي في قَوْلِهِ: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وتَقَدَّمَ الكَلامُ فِيها. والبُهْتانُ العَظِيمُ رَمْيُهم مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ بِالزِّنا مَعَ رُؤْيَتِهِمُ الآيَةَ في كَلامِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ في المَهْدِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإلّا فَلَوْلا الآيَةُ لَكانُوا في قَوْلِهِمْ جارِينَ عَلى حُكْمِ البَشَرِ في إنْكارِ حَمْلٍ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ، انْتَهى. ووُصِفَ بِالعِظَمِ؛ لِأنَّهم تَمادَوْا عَلَيْهِ بَعْدَ ظُهُورِ الآيَةِ، وقِيامِ المُعْجِزَةِ بِالبَراءَةِ، وقَدْ جاءَتْ تَسْمِيَةُ الرَّمْيِ بِذَلِكَ بُهْتانًا عَظِيمًا في قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] . ﴿وقَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ الظّاهِرُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ مِن قَوْلِهِمْ قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ؛ كَقَوْلِ فِرْعَوْنَ: ﴿إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧]، وقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى وضَعَ الذِّكْرَ الحَسَنَ مَكانَ ذِكْرِهِمُ القَبِيحِ في الحِكايَةِ عَنْهُ رَفْعًا لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، كَما كانُوا يُذَكِّرُونَهُ بِهِ. ذَكَرَ الوَجْهَيْنِ الزَّمَخْشَرِيُّ، ولَمْ يَذْكُرِ ابْنُ عَطِيَّةَ سِوى الثّانِي؛ قالَ: هو إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِصِفَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وهي الرِّسالَةُ عَلى جِهَةِ إظْهارِ ذَنْبِ هَؤُلاءِ المُقِرِّينَ بِالقَتْلِ، ولَزِمَهُمُ الذَّنْبُ، وهم لَمْ يَقْتُلُوا عِيسى؛ لِأنَّهم صَلَبُوا ذَلِكَ الشَّخْصَ عَلى أنَّهُ عِيسى، وعَلى أنَّ عِيسى كَذّابٌ لَيْسَ بِرَسُولٍ؛ ولَكِنْ لَزِمَهُمُ الذَّنْبُ مِن حَيْثُ اعْتَقَدُوا أنَّ قَتْلَهم وقَعَ في عِيسى؛ فَكَأنَّهم قَتَلُوهُ، ولَيْسَ يَدْفَعُ الذَّنْبَ عَنْهُمُ اعْتِقادُهم أنَّهُ غَيْرُ رَسُولٍ. ﴿وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ هَذا إخْبارٌ مِنهُ تَعالى بِأنَّهم ما قَتَلُوا عِيسى، وما صَلَبُوهُ. واخْتَلَفَ الرُّواةُ في (p-٣٩٠)كَيْفِيَّةِ القَتْلِ والصَّلْبِ، ولَمْ يَثْبُتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في ذَلِكَ شَيْءٌ غَيْرُ ما دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ. ومُنْتَهى ما آلَ إلَيْهِ أمْرُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ طَلَبَتْهُ اليَهُودُ فاخْتَفى هو والحَوارِيُّونَ في بَيْتٍ؛ فَدُلُّوا عَلَيْهِ وحَضَرُوا لَيْلًا، وهم ثَلاثَةَ عَشَرَ، أوْ ثَمانِيَةَ عَشَرَ؛ فَفَرَّقَهم تِلْكَ اللَّيْلَةَ ووَجَّهَهم إلى الآفاقِ، وبَقِيَ هو ورَجُلٌ مَعَهُ؛ فَرُفِعَ عِيسى وأُلْقِيَ شَبَهُهُ عَلى الرَّجُلِ فَصُلِبَ. وقِيلَ هو اليَهُودِيُّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ. وقِيلَ قالَ لِأصْحابِهِ: أيُّكم يُلْقى عَلَيْهِ شَبَهِي فَيُقْتَلُ ويُخَلِّصُ هَؤُلاءِ، وهو رَفِيقِي في الجَنَّةِ ؟ فَقالَ سَرْجِسُ: أنا، فَأُلْقِيَ عَلَيْهِ شَبَهُ عِيسى. وقِيلَ أُلْقِيَ شَبَهُهُ عَلى الجَمِيعِ، فَلَمّا أُخْرِجُوا نَقَصَ واحِدٌ مِنَ العِدَّةِ، فَأخَذُوا واحِدًا مِمَّنْ عَلَيْهِ الشَّبَهُ فَصُلِبَ. ورُوِيَ أنَّ المَلِكَ والمُتَناوِلِينَ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِمْ أمْرُ عِيسى لِما رَأوْهُ مِن نُقْصانِ العِدَّةِ، واخْتِلاطِ الأمْرِ؛ فَصُلِبَ ذَلِكَ الشَّخْصُ، وأُبْعِدَ النّاسُ عَنْ خَشَبَتِهِ أيّامًا حَتّى تَغَيَّرَ، ولَمْ تَثْبُتْ لَهُ صِفَةٌ؛ وحِينَئِذٍ دَنا النّاسُ مِنهُ، ومَضى الحَوارِيُّونَ يَتَحَدَّثُونَ في الآفاقِ: إنَّ عِيسى صُلِبَ. وقِيلَ لَمْ يُلْقَ شَبَهُهُ عَلى أحَدٍ؛ وإنَّما مَعْنى: ﴿ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ أيْ شَبَّهَ عَلَيْهِمُ المَلِكُ المُمَخْرِقُ لِيَسْتَدِيمَ بِما نَقَصَ واحِدٌ مِنَ العِدَّةِ، وكانَ بادَرَ بِصَلْبِ واحِدٍ، وأبْعَدَ النّاسِ عَنْهُ، وقالَ: هَذا عِيسى؛ وهَذا القَوْلُ هو الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعْتَقَدَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾؛ أمّا أنْ يُلْقى شَبَهُهُ عَلى شَخْصٍ؛ فَلَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُعْتَمَدَ عَلَيْهِ. وقَدِ اخْتُلِفَ فِيمَن أُلْقِيَ عَلَيْهِ الشَّبَهُ اخْتِلافًا كَثِيرًا. فَقِيلَ اليَهُودِيُّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ. وقِيلَ خَلِيفَةُ قَيْصَرَ الَّذِي كانَ مَحْبُوسًا عِنْدَهُ. وقِيلَ واحِدٌ مِنَ اليَهُودِ. وقِيلَ دَخَلَ لِيَقْتُلَهُ. وقِيلَ رَقِيبٌ، وكَلَتْهُ بِهِ اليَهُودُ. وقِيلَ أُلْقِيَ الشَّبَهُ عَلى كُلِّ الحَوارِيِّينَ. وقِيلَ أُلْقِيَ الشَّبَهُ عَلى الوَجْهِ دُونَ البَدَنِ، وهَذا الوُثُوقُ مِمّا يَدْفَعُ الوُثُوقَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ. ولِهَذا قالَ بَعْضُهم: إنْ جازَ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُلْقِي شَبَهَ إنْسانٍ عَلى إنْسانٍ آخَرَ؛ فَهَذا يَفْتَحُ بابَ السَّفْسَطَةِ. وقِيلَ سَبَبُ اجْتِماعِ اليَهُودِ عَلى قَتْلِهِ هو أنَّ رَهْطًا مِنهم سَبُّوهُ، وسَبُّوا أُمَّهُ فَدَعا عَلَيْهِمْ: ”اللَّهُمَّ أنْتَ رَبِّي، وبِكَلِمَتِكَ خَلَقْتَنِي، اللَّهُمَّ العَنْ مَن سَبَّنِي، وسَبَّ والِدَتِي“ فَمَسَخَ اللَّهُ مَن سَبَّهُما قِرَدَةً، وخَنازِيرَ، فاجْتَمَعَتِ اليَهُودُ عَلى قَتْلِهِ. و(شُبِّهَ) مُسْنَدٌ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ؛ كَقَوْلِهِ: خُيِّلَ إلَيْهِ، ولَكِنْ وقَعَ لَهُمُ التَّشْبِيهُ. ويَجُوزُ أنْ يُسْنَدَ إلى ضَمِيرِ المَقْتُولِ الدّالِّ عَلَيْهِ: إنّا قَتَلْنا أيْ ولَكِنْ شُبِّهَ لَهم مَن قَتَلُوهُ. ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرَ المَسِيحِ؛ لِأنَّ المَسِيحَ مُشَبَّهٌ بِهِ لا مُشَبَّهٌ. ﴿وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفي شَكٍّ مِنهُ ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلّا اتِّباعَ الظَّنِّ﴾ اخْتَلَفَ فِيهِ اليَهُودُ؛ فَقالَ بَعْضُهم: لَمْ يُقْتَلْ، ولَمْ يُصْلَبْ؛ الوَجْهُ وجْهُ عِيسى والجَسَدُ جَسَدُ غَيْرِهِ. وقِيلَ: أدْخَلُوا عَلَيْهِ واحِدًا لِيَقْتُلَهُ، فَأُلْقِيَ الشَّبَهُ عَلَيْهِ فَصُلِبَ، ونَقَصَ مِنَ العَدَدِ واحِدٌ. وكانُوا عَلِمُوا عَدَدَ الحَوارِيِّينَ؛ فَقالُوا: إنْ كانَ المَصْلُوبُ صاحِبَنا فَأيْنَ عِيسى ؟ وإنْ كانَ عِيسى فَأيْنَ صاحِبُنا ؟ وقِيلَ قالَ العَوامُّ: قَتَلْنا عِيسى، وقالَ مَن عايَنَ: رَفَعَهُ إلى السَّماءِ ما قُتِلَ، ولا صُلِبَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: واليَقِينُ الَّذِي صَحَّ فِيهِ نَقْلُ الكافَّةِ عَنْ حَواسِّها هو أنَّ شَخْصًا صُلِبَ، وهَلْ هو عِيسى أمْ لا ؟ فَلَيْسَ هو مِن عِلْمِ الحَوّاسِ؛ فَلِذَلِكَ لَمْ يَقَعْ في ذَلِكَ نَقْلٌ كافَّةً. والضَّمِيرُ في فِيهِ عائِدٌ عَلى القَتْلِ؛ مَعْناهُ: في قَتْلِهِ، وهَذا هو الظّاهِرُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، وما بَعْدَهُ. وقِيلَ الضَّمِيرُ في اخْتَلَفُوا عائِدٌ عَلى اليَهُودِ أيْضًا، واخْتِلافُهم فِيهِ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّهُ إلَهٌ. وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّهُ ابْنُ اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ اخْتِلافُهم فِيهِ أنَّ النَّسْطُورِيَّةَ قالُوا: وقَعَ الصَّلْبُ عَلى ناسُوتِهِ دُونَ لاهُوتِهِ. وقِيلَ وقَعَ القَتْلُ والصَّلْبُ عَلَيْهِما. وقِيلَ عائِدٌ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى؛ فَإنَّ اليَهُودَ قالُوا: هو ابْنُ زِنًا. وقالَتِ النَّصارى: هو ابْنُ اللَّهِ. وقِيلَ اخْتِلافُهم مِن جِهَةِ أنَّ النَّصارى قالُوا: إنَّ اليَهُودَ قَتَلَتْهُ وصَلَبَتْهُ واليَهُودُ الَّذِينَ عايَنُوا رَفْعَهُ قالُوا: رُفِعَ إلى السَّماءِ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّ ﴿إلّا اتِّباعَ الظَّنِّ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّ اتِّباعَ الظَّنِّ لَيْسَ مِن جِنْسِ العِلْمِ (p-٣٩١)أيْ ولَكِنَّ اتِّباعَ الظَّنِّ لَهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي ولَكِنَّهم يَتَّبِعُونَ الظَّنَّ، وهَذا تَفْسِيرُ مَعْنًى لا تَفْسِيرَ إعْرابٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ إذِ الظَّنُّ والعِلْمُ يَضُمُّهُما أنَّهُما مِن مُعْتَقَداتِ اليَقِينِ. وقَدْ يَقُولُ الظّانُّ عَلى طَرِيقِ التَّجَوُّزِ: عِلْمِي في هَذا الأمْرِ أنَّهُ كَذا، وهو يَعْنِي ظَنَّهُ، انْتَهى. ولَيْسَ كَما ذُكِرَ؛ لِأنَّ الظَّنَّ لَيْسَ مِن مُعْتَقَداتِ اليَقِينِ؛ لِأنَّهُ تَرْجِيحُ أحَدِ الجائِزَيْنِ؛ وما كانَ تَرْجِيحًا فَهو يُنافِي اليَقِينَ؛ كَما أنَّ اليَقِينَ يُنافِي تَرْجِيحَ أحَدِ الجائِزَيْنِ. وعَلى تَقْدِيرِ: أنَّ الظَّنَّ والعِلْمَ يَضُمُّهُما ما ذُكِرَ؛ فَلا يَكُونُ أيْضًا اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَسْتَثْنِ الظَّنَّ مِنَ العِلْمِ. فَلَيْسَتِ التِّلاوَةُ ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلّا الظَّنَّ؛ وإنَّما التِّلاوَةُ إلّا اتِّباعَ الظَّنِّ، والِاتِّباعُ لِلظَّنِّ لا يَضُمُّهُ والعِلْمُ جِنْسُ ما ذُكِرَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ. فَإنْ قُلْتَ: لِمَ وُصِفُوا بِالشَّكِّ، والشَّكُّ أنْ لا يَتَرَجَّحَ أحَدُ الجائِزَيْنِ ؟ ثُمَّ وُصِفُوا بِالظَّنِّ، والظَّنُّ أنْ يَتَرَجَّحَ أحَدُهُما؛ فَكَيْفَ يَكُونُونَ شاكِّينَ ظانِّينَ ؟ قُلْتُ: أُرِيدَ أنَّهم شاكُّونَ ما لَهم مِن عِلْمٍ قَطُّ، ولَكِنْ لاحَتْ لَهم أمارَةٌ فَظَنُّوا، انْتَهى. وهو جَوابُ سُؤالِهِ؛ ولَكِنْ يُقالُ: لا يَرِدُ هَذا السُّؤالُ؛ لِأنَّ العَرَبَ تُطْلِقُ الشَّكَّ عَلى ما لَمْ يَقَعْ فِيهِ القَطْعُ واليَقِينُ فَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ ما يَتَرَدَّدُ فِيهِ، إمّا عَلى السَّواءِ بِلا تَرْجِيحٍ، أوْ بِتَرْجِيحِ أحَدِ الطَّرَفَيْنِ. وإذا كانَ كَذَلِكَ انْدَفَعَ السُّؤالُ. ﴿وما قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ وجَماعَةٌ: الضَّمِيرُ في قَتَلُوهُ عائِدٌ عَلى الظَّنِّ. تَقُولُ: قَتَلْتُ هَذا الأمْرَ عِلْمًا إذا قَطَعْتَ بِهِ، وجَزَمْتَ الجَزْمَ الَّذِي لا يُخالِجُهُ شَيْءٌ؛ فالمَعْنى: وما صَحَّ ظَنُّهم عِنْدَهم، وما تَحَقَّقُوهُ يَقِينًا، ولا قَطَعُوا الظَّنَّ بِاليَقِينِ. وقالَ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ؛ الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى العِلْمِ؛ أيْ ما قَتَلُوا العِلْمَ يَقِينًا. يُقالُ: قَتَلْتُ العِلْمَ والرَّأْيَ يَقِينًا وقَتَلْتُهُ عِلْمًا؛ لِأنَّ القَتْلَ لِلشَّيْءِ يَكُونُ عَنْ قَهْرٍ واسْتِعْلاءٍ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ لَمْ يَكُنْ عِلْمُهم بِقَتْلِ المَسِيحِ عِلْمًا أُحِيطَ بِهِ؛ إنَّما كانَ ظَنًّا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ تَهَكُّمٌ؛ لِأنَّ (إذا) نُفِيَ عَنْهُمُ العِلْمُ نَفْيًا كُلِّيًا بِحَرْفِ الِاسْتِغْراقِ ثُمَّ قِيلَ، وما عَلِمُوهُ عِلْمَ يَقِينٍ وإحاطَةٍ لَمْ يَكُنْ إلّا تَهَكُّمًا، انْتَهى. والظّاهِرُ قَوْلُ الجُمْهُورِ: إنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلى عِيسى بِجَعْلِ الضَّمائِرِ كُلِّها كَشَيْءٍ واحِدٍ، فَلا تَخْتَلِفُ. والمَعْنى صَحِيحٌ بَلِيغٌ، وانْتِصابُ (يَقِينًا) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ (قَتَلُوهُ)؛ أيْ مُتَيَقِّنِينَ أنَّهُ عِيسى كَما ادَّعَوْا ذَلِكَ في قَوْلِهِمْ: إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ؛ قالَهُ السُّدِّيُّ. أوْ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ قَتْلًا يَقِينًا جَوَّزَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ الحَسَنُ: وما قَتَلُوهُ حَقًّا، انْتَهى. فانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ كَقَوْلِكَ: وما قَتَلُوهُ حَقًّا؛ أيْ حَقَّ انْتِفاءِ قَتْلِهِ حَقًّا. وما حُكِيَ عَنِ ابْنِ الأنْبارِيِّ أنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا وأنَّ (يَقِينًا) مَنصُوبٌ بِـ ﴿رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾ والمَعْنى: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ يَقِينًا؛ فَلَعَلَّهُ لا يَصِحُّ عَنْهُ. وقَدْ نَصَّ الخَلِيلُ عَلى أنَّ ذَلِكَ خَطَأٌ؛ لِأنَّهُ لا يَعْمَلُ ما بَعْدَ (بَلْ) في ما قَبْلَها. ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾ هَذا إبْطالٌ لِما ادَّعَوْهُ مِن قَتْلِهِ وصَلْبِهِ، وهو حَيٌّ في السَّماءِ الثّانِيَةِ عَلى ما صَحَّ عَنِ الرَّسُولِ في حَدِيثِ المِعْراجِ. وهو هُنالِكَ مُقِيمٌ حَتّى يُنْزِلَهُ اللَّهُ إلى الأرْضِ لِقَتْلِ الدَّجّالِ، ولِيَمْلَأها عَدْلًا كَما مُلِئَتْ جَوْرًا، ويَحْيا فِيها أرْبَعِينَ سَنَةً ثُمَّ يَمُوتُ كَما تَمُوتُ البَشَرُ. وقالَ قَتادَةُ: رَفَعَ اللَّهُ عِيسى إلَيْهِ فَكَساهُ الرِّيشَ وألْبَسَهُ النُّورَ، وقَطَعَ عَنْهُ الطَّعامَ والشَّرابَ؛ فَصارَ مَعَ المَلائِكَةِ؛ فَهو مَعَهم حَوْلَ العَرْشِ؛ فَصارَ إنْسِيًّا مَلَكِيًّا سَماوِيًّا أرْضِيًّا. والضَّمِيرُ في إلَيْهِ عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى عَلى حَذْفِ التَّقْدِيرِ إلى سَمائِهِ، وقَدْ جاءَ ﴿ورافِعُكَ إلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] . وقِيلَ إلى حَيْثُ لا حُكْمَ فِيهِ إلّا لَهُ. ولا يُوَجَّهُ الدُّعاءُ إلّا نَحْوَهُ، وهو راجِعٌ إلى الأوَّلِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: أعْلَمَ اللَّهُ تَعالى عَقِيبَ ذِكْرِهِ أنَّهُ وصَلَ إلى عِيسى أنْواعٌ مِنَ البَلايا أنَّهُ رَفَعَهُ إلَيْهِ فَدَلَّ أنَّ رَفْعَهُ إلَيْهِ أعْظَمُ في إيصالِ الثَّوابِ مِنَ الجَنَّةِ، ومِن كُلِّ ما فِيها مِنَ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ؛ وهَذِهِ الآيَةُ تَفْتَحُ عَلَيْكَ بابَ مَعْرِفَةِ السِّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ، انْتَهى. وفِيهِ نَحْوٌ (p-٣٩٢)مِن كَلامِ المُتَفَلْسِفَةِ. (وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) . قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: المُرادُ مِنَ المَعَزَّةِ كَمالُ القُدْرَةِ، ومِنَ الحِكْمَةِ كَمالُ العِلْمِ؛ فَنَبَّهَ بِهَذا عَلى أنَّ رَفْعَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الدُّنْيا إلى السَّماواتِ وإنْ كانَ كالمُتَعَذَّرِ عَلى البَشَرِ، لَكِنْ لا تُعْذَرُ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِي وحِكْمَتِي، انْتَهى. وقالَ غَيْرُهُ: عَزِيزًا أيْ قَوِيًّا بِالنِّقْمَةِ مِنَ اليَهُودِ؛ فَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ بُطْرُسَ الرُّومِيّ فَقَتَلَ مِنهم مَقْتَلَةً عَظِيمَةً. حَكِيمًا حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِاللَّعْنَةِ والغَضَبِ. وقِيلَ: عَزِيزًا؛ أيْ: لا يُغالَبُ؛ لِأنَّ اليَهُودَ حاوَلَتْ بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أمْرًا وأرادَ اللَّهُ خِلافَهُ. حَكِيمًا أيْ: واضِعَ الأشْياءِ مَواضِعَها؛ فَمِن حَكَمَتِهِ تَخْلِيصُهُ مِنَ اليَهُودِ، ورَفْعُهُ إلى السَّماءِ لِما يُرِيدُ وتَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ تَعالى. وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: أوْحى اللَّهُ تَعالى إلى عِيسى عَلى رَأْسِ ثَلاثِينَ سَنَةً، ثُمَّ رَفَعَهُ وهو ابْنُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً؛ فَكانَتْ نُبُوَّتُهُ ثَلاثَ سِنِينَ. وقِيلَ: بَعَثَ اللَّهُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأدْخَلَهُ خَوْخَةً فِيها رَوْزَنَةٌ في سَقْفِها؛ فَرَفَعَهُ اللَّهُ تَعالى إلى السَّماءِ مِن تِلْكَ الرَّوْزَنَةِ. ﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ . إنْ: هُنا نافِيَةٌ، والمُخْبَرُ عَنْهُ مَحْذُوفٌ قامَتْ صِفَتُهُ مَقامَهُ، التَّقْدِيرُ: وما أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ. كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] والمَعْنى: وما مِنَ اليَهُودِ. وقَوْلُهُ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] أيْ: وما أحَدٌ مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ، وما أحَدٌ مِنكم إلّا وارِدُها. قالَ الزَّجّاجُ: وحُذِفَ (أحَدٌ) لِأنَّهُ مَطْلُوبٌ في كُلِّ نَفْيٍ يَدْخُلُهُ الِاسْتِثْناءُ نَحْوَ: ما قامَ إلّا زَيْدٌ، مَعْناهُ ما قامَ أحَدٌ إلّا زَيْدٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ جُمْلَةٌ قَسَمِيَّةٌ واقِعَةٌ صِفَةً لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ؛ تَقْدِيرُهُ: وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ أحَدٌ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ، ونَحْوُهُ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤]، ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] . والمَعْنى: وما مِنَ اليَهُودِ أحَدٌ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ، انْتَهى. وهُوَ غَلَطٌ فاحِشٌ إذْ زَعَمَ أنَّ ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ جُمْلَةٌ قَسَمِيَّةٌ واقِعَةٌ صِفَةً لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ إلى آخِرِهِ، وصِفَةُ (أحَدٌ) المَحْذُوفِ إنَّما هو الجارُّ والمَجْرُورُ وهو (مِن أهْلِ الكِتابِ)، والتَّقْدِيرُ كَما ذَكَرْناهُ: وإنْ أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾؛ فَلَيْسَتْ صِفَةً لِمَوْصُوفٍ، ولا هي جُمْلَةٌ قَسَمِيَّةٌ كَما زَعَمَ؛ إنَّما هي جُمْلَةُ جَوابِ القَسَمِ، والقَسَمُ مَحْذُوفٌ، والقَسَمُ وجَوابُهُ في مَوْضِعِ رَفْعِ خَبَرِ المُبْتَدَأِ الَّذِي هو (أحَدٌ) المَحْذُوفُ؛ إذْ لا يَنْتَظِمُ مِن أحَدٍ والمَجْرُورِ إسْنادٌ؛ لِأنَّهُ لا يُفِيدُ؛ وإنَّما يَنْتَظِمُ الإسْنادُ بِالجُمْلَةِ القَسَمِيَّةِ وجَوابِها؛ فَذَلِكَ هو مَحَطُّ الفائِدَةِ وكَذَلِكَ أيْضًا الخَبَرُ هو ﴿إلّا لَهُ مَقامٌ﴾ [الصافات: ١٦٤]، وكَذَلِكَ إلّا وارِدُها؛ إذْ لا يَنْتَظِمُ مِمّا قَبْلَ إلّا تَرْكِيبٌ إسْنادِيٌّ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَيْنِ في: بِهِ ومَوْتِهِ عائِدانِ عَلى عِيسى وهو سِياقُ الكَلامِ، والمَعْنى: مِن أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ يَكُونُونَ في زَمانِ نُزُولِهِ. رُوِيَ أنَّهُ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ في آخِرِ الزَّمانِ؛ فَلا يَبْقى أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ إلّا يُؤْمِنُ بِهِ؛ حَتّى تَكُونَ المِلَّةُ واحِدَةً وهي مِلَّةُ الإسْلامِ؛ قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وأبُو مالِكٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وعِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ والحَسَنُ أيْضًا ومُجاهِدٌ وغَيْرُهم: الضَّمِيرُ في بِهِ لِعِيسى، وفي مَوْتِهِ لِكِتابِيٍّ وقالُوا: ولَيْسَ يَمُوتُ يَهُودِيٌّ حَتّى يُؤْمِنَ بِعِيسى ويَعْلَمَ أنَّهُ نَبِيٌّ؛ ولَكِنْ عِنْدَ المُعايَنَةِ لِلْمَوْتِ فَهو إيمانٌ لا (p-٣٩٣)يَنْفَعُهُ كَما لَمْ يَنْفَعْ فِرْعَوْنَ إيمانُهُ وقْتَ المُعايَنَةِ. وبَدَأ بِما يُشْبِهُ هَذا لِقَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ. قالَ: والمَعْنى ما مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى أحَدٌ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ قَبْلَ مَوْتِهِ بِعِيسى، وبِأنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ ؟ يَعْنِي: إذا عايَنَ قَبْلَ أنْ تَزْهَقَ رُوحُهُ حِينَ لا يَنْفَعُهُ إيمانُهُ لِانْقِطاعِ وقْتِ التَّكْلِيفِ. ثُمَّ حُكِيَ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ والحَجّاجِ حِكايَةٌ فِيها طُولٌ يَمَسُّ بِالتَّفْسِيرِ مِنها: أنَّ اليَهُودِيَّ إذا حَضَرَهُ المَوْتُ ضَرَبَتِ المَلائِكَةُ دُبُرَهُ ووَجْهَهُ وقالُوا: يا عَدُوَّ اللَّهِ أتاكَ عِيسى نَبِيًّا فَكَذَّبْتَ بِهِ؛ فَيَقُولُ: آمَنتُ أنَّهُ نَبِيٌّ. وتَقُولُ لِلنَّصْرانِيِّ: أتاكَ عِيسى نَبِيًّا فَزَعَمْتَ أنَّهُ اللَّهُ أوِ ابْنُ اللَّهِ؛ فَيَقُولُ: آمَنتُ أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ حَيْثُ لا يَنْفَعُهُ إيمانُهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ فَسَّرَهُ كَذَلِكَ؛ فَقالَ لَهُ عِكْرِمَةُ: فَإنْ أتاهُ رَجُلٌ فَضَرَبَ عُنُقَهُ ؟ قالَ: لا تَخْرُجُ نَفْسُهُ حَتّى يُحَرِّكَ بِها شَفَتَيْهِ. قالَ: وإنْ خَرَجَ فَوْقَ بَيْتٍ أوِ احْتَرَقَ أوْ أكَلَهُ سَبُعٌ ؟ قالَ: يَتَكَلَّمُ بِها في الهَوى، ولا تَخْرُجُ رُوحُهُ حَتّى يُؤْمِنَ بِهِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ: ”إلّا لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِمْ“ بِضَمِّ النُّونِ عَلى مَعْنى: وإنْ مِنهم أحَدٌ إلّا سَيُؤْمِنُونَ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِمْ؛ لِأنَّ أحَدًا يَصْلُحُ لِلْجَمْعِ. فَإنْ قُلْتَ: فَما فائِدَةُ الإخْبارِ بِإيمانِهِمْ بِعِيسى قَبْلَ مَوْتِهِمْ ؟ قُلْتُ: فائِدَتُهُ الوَعِيدُ، ولْيَكُنْ عِلْمُهم بِأنَّهم لا بُدَّ لَهم مِنَ الإيمانِ بِهِ عَنْ قَرِيبٍ عِنْدَ المُعايَنَةِ، وأنَّ ذَلِكَ لا يَنْفَعُهم بَعْثًا لَهم وتَنْبِيهًا عَلى مُعالَجَةِ الإيمانِ بِهِ في أوانِ الِانْتِفاعِ بِهِ، ولِيَكُونَ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ لَهم. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ. ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ يَشْهَدُ عَلى اليَهُودِ بِأنَّهم كَذَّبُوهُ، وعَلى النَّصارى بِأنَّهم دَعَوْهُ ابْنَ اللَّهِ، انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ أيْضًا: ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ أنَّهُ لا يَبْقى أحَدٌ مِن جَمِيعِ أهْلِ الكِتابِ إلّا لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ، عَلى أنَّ اللَّهَ يُحْيِيهِمْ في قُبُورِهِمْ في ذَلِكَ الزَّمانِ ويُعْلِمُهم نُزُولَهُ وما نَزَلَ لَهُ، ويُؤْمِنُونَ بِهِ حِينَ لا يَنْفَعُهم إيمانُهم، انْتَهى. وقالَ عِكْرِمَةُ: الضَّمِيرُ في بِهِ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وفي مَوْتِهِ لِلْكِتابِيِّ. قالَ: ولَيْسَ يَخْرُجُ يَهُودِيٌّ ولا نَصْرانِيٌّ مِنَ الدُّنْيا حَتّى يُؤْمِنَ بِمُحَمَّدٍ، ولَوْ غَرِقَ أوْ سَقَطَ عَلَيْهِ جِدارٌ؛ فَإنَّهُ يُؤْمِنُ في ذَلِكَ الوَقْتِ. وقِيلَ: يَعُودُ في بِهِ عَلى اللَّهِ، وفي مَوْتِهِ عَلى أحَدٍ المُقَدَّرِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إذا نَزَلَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِقَتْلِ الدَّجّالِ لَمْ يَبْقَ يَهُودِيٌّ ولا نَصْرانِيٌّ إلّا آمَنَ بِاللَّهِ حِينَ يَرَوْنَ قَتْلَ الدَّجّالِ، وتَصِيرُ الأُمَمُ كُلُّها واحِدَةً عَلى مِلَّةِ الإسْلامِ، ويُعْزى هَذا القَوْلُ أيْضًا إلى ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ. وقالَ العَبّاسُ بْنُ غَزْوانَ: وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ بِتَشْدِيدِ النُّونِ، وهي قِراءَةٌ عَسِرَةُ التَّخْرِيجِ، ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ أيْ: شَهِيدًا عَلى أهْلِ الكِتابِ عَلى اليَهُودِ بِتَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ وطَعْنِهِمْ فِيهِ، وعَلى النَّصارى بِجَعْلِهِمْ إيّاهُ إلاهًا مَعَ اللَّهِ أوِ ابْنًا لَهُ، والضَّمِيرُ في يَكُونُ لِعِيسى. وقالَ عِكْرِمَةُ: لِمُحَمَّدٍ ﷺ . قِيلَ: وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ أنْواعًا مِنَ الفَصاحَةِ والبَدِيعِ؛ فَمِنها التَّجْنِيسُ المُغايِرُ في: (يُخادِعُونَ) و(خادِعُهم)، و(شَكَرْتُمْ) و(شاكِرًا) . والمُماثِلُ في: (وإذا قامُوا) . والتَّكْرارُ في اسْمِ اللَّهِ، وفي: (هَؤُلاءِ) و(هَؤُلاءِ)، وفي: و(يَرَوْنَ) و(يُرِيدُونَ)، وفي: (الكافِرِينَ) و(الكافِرِينَ)، وفي: (أهْلِ الكِتابِ) و(كِتابًا)، وفي: (بِمِيثاقِهِمْ) و(مِيثاقًا) . والطِّباقُ في: الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ، وفي: (إنْ تَبْدُوا) أوْ (تُخْفُوهُ)، وفي: (نُؤْمِنُ) و(نَكْفُرُ)، والِاخْتِصاصُ في: (إلى الصَّلاةِ)، وفي: ﴿الدَّرْكِ الأسْفَلِ﴾ [النساء: ١٤٥]، وفي: ﴿الجَهْرَ بِالسُّوءِ﴾ [النساء: ١٤٨] . والإشارَةُ في مَواضِعَ الِاسْتِعارَةِ في ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] اسْتَعارَ اسْمَ الخِداعِ لِلْمُجازاةِ وفي (سَبِيلًا)، وفي (سُلْطانًا) لِقِيامِ الحُجَّةِ و﴿الدَّرْكِ الأسْفَلِ﴾ [النساء: ١٤٥] لِانْخِفاضِ طَبَقاتِهِمْ في النّارِ، و(اعْتَصِمُوا) لِلِالتِجاءِ، وفي: ﴿أنْ يُفَرِّقُوا﴾، وفي: ﴿ولَمْ يُفَرِّقُوا﴾ وهو حَقِيقَةٌ في الأجْسامِ اسْتُعِيرَ لِلْمَعانِي، وفي (سُلْطانًا) اسْتُعِيرَ لِلْحُجَّةِ، وفي: (غُلْفٌ) و﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ﴾ . وزِيادَةُ الحَرْفِ لِمَعْنى في (فَبِما نَقْضِهِمْ) . وإسْنادُ الفِعْلِ إلى غَيْرِ فاعِلِهِ في: فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ وجاءَتْهُمُ البَيِّناتُ وإلى الرّاضِي بِهِ وفي: وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ، وفي: ﴿وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا﴾، ﴿وقَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ﴾ . وحُسْنُ النَّسَقِ في: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم، والمَعاطِيفِ (p-٣٩٤)عَلَيْهِ حَيْثُ نُسِّقَتْ بِالواوِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى الجَمِيعِ فَقَطْ. وبَيْنَ هَذِهِ الأشْياءِ أعْصارٌ مُتَباعِدَةٌ فَشَرَكَ أوائِلَهم وأواخِرَهم لِعَمَلِ أُولَئِكَ ورِضا هَؤُلاءِ. وإطْلاقُ اسْمِ كُلٍّ عَلى بَعْضٍ وفي: كُفْرِهم بِآياتِ اللَّهِ وهو القُرْآنُ والإنْجِيلُ ولَمْ يَكْفُرُوا بِشَيْءٍ مِنَ الكُتُبِ إلّا بِهِما وفي قَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا ولَمْ يَقُلْ ذَلِكَ إلّا بَعْضُهم. والتَّعْرِيضُ في رَسُولِ اللَّهِ إذا قُلْنا إنَّهُ مِن كَلامِهِمْ. والتَّوْجِيهُ في غُلْفٌ مِنَ احْتِمالِ المَصْدَرِ جَمْعُ غِلافٍ أوْ جَمْعُ أغْلُفٍ. وعَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ وهو في ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ عَلى مَن جَعَلَهُما لِغَيْرِ عِيسى. والنَّقْلُ مِن صِيغَةِ فاعِلٍ إلى فَعِيلٍ في شَهِيدٍ. والحَذْفُ في مَواضِعَ.

النساء 4:152

﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ والنَّصارى، آمَنَتِ اليَهُودُ بِمُوسى والتَّوْراةِ، وكَفَرَتْ بِعِيسى، ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَّلامُ، وآمَنَتِ النَّصارى بِعِيسى والإنْجِيلِ، وكَفَرَتْ بِمُحَمَّدٍ والقُرْآنِ. وقِيلَ نَزَلَتْ في اليَهُودِ خاصَّةً، آمَنُوا بِمُوسى وعُزَيْرٍ والتَّوْراةِ، وكَفَرُوا بِعِيسى والإنْجِيلِ، ومُحَمَّدٍ والقُرْآنِ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها: أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ ما عَلَيْهِ المُنافِقُونَ مِن سُوءِ الخَلِيقَةِ ومَذْمُومِ الطَّرِيقَةِ أخَذَ في الكَلامِ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى؛ جَعَلَ كُفْرَهم بِبَعْضِ الرُّسُلِ كُفْرًا بِجَمِيعِ الرُّسُلِ، وكُفْرَهم بِالرُّسُلِ كُفْرًا بِاللَّهِ تَعالى. ﴿ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ﴾؛ أيْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الإيمانِ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ يَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِاللَّهِ، ولا نُؤْمِنُ بِفُلانٍ وفُلانٍ مِنَ الأنْبِياءِ. ﴿ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ يَعْنِي مِنَ الأنْبِياءِ. وقِيلَ هو تَصْدِيقُ اليَهُودِ بِمُحَمَّد أنَّهُ نَبِيٌّ؛ ولَكِنْ لَيْسَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ. ونَحْوُ هَذا مِن تَفَرُّقاتِهِمُ الَّتِي كانَتْ تَعَنُّتًا، ورَوَغانًا. ﴿ويُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾؛ أيْ طَرِيقًا وسَطًا بَيْنَ الكُفْرِ والإيمانِ، ولا واسِطَةَ بَيْنَهُما. ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ حَقًّا﴾ أكَّدَ بِقَوْلِهِ هم، لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ ذَلِكَ الإيمانَ يَنْفَعُهم. وأكَّدَ بِقَوْلِهِ: حَقًّا، وهو تَأْكِيدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ، كَما تَقُولُ: هَذا عَبْدُ اللَّهِ حَقًّا؛ أيْ حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا. أوْ هو نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ كُفْرًا حَقًّا؛ أيْ ثابِتًا يَقِينًا لا شَكَّ فِيهِ. أوْ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ لِذَلِكَ نَظائِرُ، وقَدْ طَعَنَ الواحِدِيُّ في هَذا التَّوْجِيهِ، وقالَ: الكُفْرُ لا يَكُونُ حَقًّا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ولا يَلْزَمُ ما قالَ إنَّهُ لا يُرادُ بِحَقًّا الحَقُّ الَّذِي هو مُقابِلٌ لِلْباطِلِ؛ وإنَّما المَعْنى أنَّهُ كُفْرٌ ثابِتٌ مُتَيَقَّنٌ؛ وإنَّما كانَ التَّوْكِيدُ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ داعِيَ الإيمانِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الأنْبِياءِ، (p-٣٨٦)وهُوَ ظُهُورُ المُعْجِزاتِ عَلى أيْدِيهِمْ؛ فَكَوْنُهم فَرَّقُوا في الإيمانِ بَيْنَهم دَلِيلٌ عَلى كُفْرِهِمْ بِالجَمِيعِ؛ إذْ لَيْسَ إيمانُهم بِبَعْضٍ ناشِئًا عَنِ النَّظَرِ في الدَّلِيلِ؛ وإنَّما هم عَلى سَبِيلِ التَّشَهِّي والتَّلاعُبِ. (وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا) هَذا وعِيدٌ لَهم بِالإهانَةِ في العَذابِ. ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ هَؤُلاءِ هُمُ المُؤْمِنُونَ أتْباعُ مُحَمَّدٍ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى دُخُولِ (بَيْنَ) عَلى (أحَدٍ) في البَقَرَةِ. في قَوْلِهِ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا. (أُولَئِكَ سَوْفَ نُؤْتِيهِمْ أُجُورَهم) صَرَّحَ تَعالى بِوَعْدِ هَؤُلاءِ كَما صَرَّحَ بِوَعِيدِ أُولَئِكَ. وقَرَأ حَفْصٌ: يُؤْتِيهِمْ بِالياءِ لِيَعُودَ عَلى اسْمِ اللَّهِ قَبْلَهُ. وقَرَأ الباقُونَ: بِالنُّونِ عَلى الِالتِفاتِ ومُقابِلُهُ (وأعْتَدْنا) . وقَوْلُ أبِي عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيِّ: قِراءَةُ النُّونِ أوْلى مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أنْهَمُ، والآخَرُ: أنَّهُ مَشاكِلٌ لِقَوْلِهِ: وأعْتَدْنا؛ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، ولا أوْلَوِيَّةَ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ القِراءَتَيْنِ كِلْتاهُما مُتَواتِرَةٌ، هَكَذا نَزَلَتْ، وهَكَذا أُنْزِلَتْ. (وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) لَمّا وعَدَهم تَعالى بِالثَّوابِ زادَهم تَبْشِيرًا لِتَجاوُزٍ عَنِ السَّيِّئاتِ، وبِرَحْمَتِهِ إيّاهم. ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: قالَتِ اليَهُودُ: إنْ كُنْتَ صادِقًا فَجِئْ بِكِتابٍ مِنَ السَّماءِ جُمْلَةً، كَما جاءَ مُوسى بِالكِتابِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: قالُوا: ائْتِ بِألْواحٍ فِيها كِتابُكَ، كَما أتى مُوسى بِألْواحٍ فِيها التَّوْراةُ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: سَألُوهُ أنْ يَأْتِيَ بِكِتابٍ خاصٍّ لِلْيَهُودِ يَأْمُرُهم بِالإيمانِ بِمُحَمَّدٍ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قالُوا: لَنْ نُتابِعَكَ عَلى ما تَدْعُونا إلَيْهِ، حَتّى تَأْتِيَنا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ إلى فُلانٍ وإلى فُلانٍ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ؛ فَعَلى قَوْلِ ابْنِ جُرَيْجٍ يَقْتَضِي أنَّ سُؤالَهم كانَ عَلى نَحْوِ سُؤالِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمَيَّةَ الزُّهْرِيِّ، وقِيلَ كِتابًا نُعايِنُهُ حَتّى يَنْزِلَ، وسَمّى مِن سائِلِي اليَهُودِ: كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ، وفِنْخاصَ بْنَ عازُوراءَ. وقِيلَ السّائِلُونَ هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، وسُؤالُهم إنَّما هو عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ. وقالَ الحَسَنُ: لَوْ سَألُوهُ لِكَيْ يَتَبَيَّنَ الحَقُّ لَأعْطاهم؛ فَإنَّ فِيما أعْطاكم كِفايَةً. ﴿فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقالُوا أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ قَدَّرُوا قَبْلَ هَذا كَلامًا مَحْذُوفًا؛ فَجَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ شَرْطًا هَذا جَوابُهُ، وتَقْدِيرُهُ: إنِ اسْتَكْبَرْتَ ما سَألُوهُ مِنكَ؛ فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ. وقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَلا تُبالِ يا مُحَمَّدُ عَنْ سُؤالِهِمْ وتَشْطِيطِهِمْ؛ فَإنَّها عادَتُهم؛ فَقَدْ سَألُوا مُوسى. وأسْنَدَ السُّؤالَ إلَيْهِمْ، وإنْ كانَ إنَّما وقَعَ مِن آبائِهِمْ مِن نُقَبائِهِمُ السَبْعِينَ؛ لِأنَّهم راضُونَ بِفِعْلِ آبائِهِمْ ومَذاهِبِهِمْ، ومُشابِهُونَ لَهم في التَّعَنُّتِ. وقَرَأ الحَسَنُ: أكْثَرَ بِالثّاءِ المُثَلَّثَةِ بَدَلَ الباءِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ. ومَعْنى جَهْرَةً: عِيانًا رُؤْيَةً (p-٣٨٧)مُنْكَشِفَةً بَيِّنَةً. والجَهْرَةُ مِن وصْفِ الرُّؤْيَةِ. واخْتُلِفَ في النَّقْلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَرُوِيَ عَنْهُ: أنَّ جَهْرَةً مِن صِفَةِ السُّؤالِ؛ فَقَدْ سَألُوا مُوسى. أوْ حالًا مِن ضَمِيرِ سَألُوا أيْ سَألُوهُ مُجاهِرِينَ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّ التَّقْدِيرَ: فَقالُوا جَهْرَةً مِنهُ، وتَصْرِيحًا أرِنا اللَّهَ؛ فَيَكُونُ مِن صِفَةِ القَوْلِ. ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ أيْ تَعَنُّتِهِمْ، وسُؤالِهِمْ ما لَيْسَ لَهم أنْ يَسْألُوهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِظُلْمِهِمْ بِسَبَبِ سُؤالِهِمُ الرُّؤْيَةَ، ولَوْ طَلَبُوا أمْرًا جائِزًا لَما سُمُّوا ظالِمِينَ، ولَما أخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ. كَما سَألَ إبْراهِيم عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُرِيَهُ إحْياءَ المَوْتى فَلَمْ يُسَمِّهِ ظالِمًا، ولا رَماهُ بِالصّاعِقَةِ لِلْمُشَبِّهَةِ، ورَمْيًا بِالصَّواعِقِ، انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ في اسْتِحالَةِ رُؤْيَةِ اللَّهِ عِنْدَهم. وأهْلُ السُّنَّةِ يَعْتَقِدُونَ أنَّهم لَمْ يَسْألُوا مُحالًا عَقْلًا، لَكِنَّهُ مُمْتَنِعٌ مِن جِهَةِ الشَّرْعِ؛ إذْ قَدْ أخْبَرَ تَعالى عَلى ألْسِنَةِ أنْبِيائِهِ، أنَّهُ لا يُرى في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا والرُّؤْيَةُ في الآخِرَةِ ثابِتَةٌ عَنِ الرَّسُولِ بِالتَّواتُرِ، وهي جائِزَةٌ عَقْلًا، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في البَقَرَةِ عَلى الصّاعِقَةِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ والنَّخَعِيُّ: (فَأخَذَتْهُمُ الصَّعْقَةُ)، والجُمْهُورُ (الصّاعِقَةُ) . ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا العِجْلَ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ﴾ ثُمَّ: لِلتَّرْتِيبِ في الأخْبارِ، لا في نَفْسِ الأمْرِ، ثُمَّ قَدْ كانَ مِن أمْرِهِمْ أنِ اتَّخَذُوا العِجْلَ؛ أيْ آباؤُهم والَّذِينَ صُعِقُوا غَيْرُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ. والبَيِّناتُ: إجازَةُ البَحْرِ والعَصا، وغَرَقُ فِرْعَوْنَ، وغَيْرُ ذَلِكَ. وقالَ الحَوْفِيُّ: أعْلَمَ نَبِيَّهُ بِعِنادِهِمْ، وإصْرارِهِمْ؛ فالمَعْنى: أنَّهُ لَوْ نَزَلَ عَلَيْهِمُ الَّذِي سَألُوا لَخالَفُوا أمْرَ اللَّهِ، كَما خالَفُوهُ مِن بَعْدِ إحْياءِ اللَّهِ لَهم مِن صَعْقَتِهِمْ، وعَبَدُوا العِجْلَ، واتَّخَذُوهُ إلَهًا. ﴿فَعَفَوْنا عَنْ ذَلِكَ﴾؛ أيْ عَنِ اتِّخاذِهِمُ العِجْلَ إلَهًا عَنْ جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِن مُخالَفَتِهِمْ. والأوَّلُ أظْهَرُ؛ لِأنَّهُ قَدْ صَرَّحَ في قِصَّةِ العِجْلِ بِالتَّوْبَةِ. ويَعْنِي: بِما امْتَحَنَهم بِهِ مِنَ القَتْلِ لِأنْفُسِهِمْ، ثُمَّ وقَعَ العَفْوُ عَنِ الباقِينَ مِنهم. ﴿وآتَيْنا مُوسى سُلْطانًا مُبِينًا﴾؛ أيْ حُجَّةً وتَسَلُّطًا، واسْتِيلاءً ظاهِرًا عَلَيْهِمْ، حِينَ أمَرَهم بِأنْ يَقْتُلُوا أنْفُسَهم حَتّى يُتابَ عَلَيْهِمْ؛ فَأطاعُوهُ واحْتَبَوْا بِأفْنِيَتِهِمْ والسُّيُوفُ تَتَساقَطُ عَلَيْهِمْ، فَيا لَهُ مِن سُلْطانٍ مُبِينٍ. ﴿ورَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ﴾ تَقَدَّمَ ما المَعْنِيُّ بِالطُّورِ. وفي الشّامِ جَبَلٌ عُرِفَ بِالطُّورِ، ولَزِمَهُ هَذا الِاسْمُ، وهو طُورٌ بِسَيْناءَ. ولَيْسَ هو المَرْفُوعَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ؛ لِأنَّ رَفْعَ الجَبَلِ كانَ فِيما يَلِي التِّيهَ مِن جِهَةِ دِيارِ مِصْرَ، وهم ناهِضُونَ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وتَقَدَّمَتْ قِصَّةُ رَفْعِ الطُّورِ في البَقَرَةِ. والباءُ في بِمِيثاقِهِمْ لِلسَّبَبِ، وهو العَهْدُ الَّذِي أخَذَهُ مُوسى عَلَيْهِمْ بَعْدَ تَصْدِيقِهِمْ بِالتَّوْراةِ أنْ يَعْمَلُوا بِما فِيها؛ فَنَقَضُوا مِيثاقَهم، وعَبَدُوا العِجْلَ، فَرَفَعَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الطُّورَ. وفي كَلامٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: بِنَقْضِ مِيثاقِهِمْ. (p-٣٨٨)﴿وقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في البَقَرَةِ. ﴿وقُلْنا لَهم لا تَعْدُوا في السَّبْتِ﴾ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عِنْدَ اعْتِدائِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ﴾ [البقرة: ٦٥] . وقَرَأ ورْشٌ لا تَعَدُّوا بِفَتْحِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الدّالِ عَلى أنَّ الأصْلَ تَعْتَدُوا، فَأُلْقِيَتْ حَرَكَةُ التّاءِ عَلى العَيْنِ، وأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ. وقَرَأ قالُونُ: بِإخْفاءِ حَرَكَةِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الدّالِ، والنَّصُّ بِالإسْكانِ. وأصْلُهُ أيْضًا لا تَعْتَدُوا. وقَرَأ الباقُونَ مِنَ السَّبْعَةِ: لا تَعْدُوا بِإسْكانِ العَيْنِ، وتَخْفِيفِ الدّالِ مِن عَدا يَعْدُو. وقالَ تَعالى: ﴿إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ﴾ [الأعراف: ١٦٣]، وقَرَأ الأعْمَشُ والأخْفَشُ: لا تَعْتَدُوا مِنَ اعْتَدى. (وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا) قِيلَ هو المِيثاقُ الأوَّلُ في قَوْلِهِ: (بِمِيثاقِهِمْ)، ووُصِفَ بِالغِلَظِ لِلتَّأْكِيدِ، وهو المَأْخُوذُ عَلى لِسانِ مُوسى وهارُونَ أنْ يَأْخُذُوا التَّوْراةَ بِقُوَّةٍ، ويَعْمَلُوا بِجَمِيعِ ما فِيها، ويُوصِلُوهُ إلى أبْنائِهِمْ. وقِيلَ: هَذا المِيثاقُ غَيْرُ الأوَّلِ، وهو المِيثاقُ الثّانِي الَّذِي أُخِذَ عَلى أنْبِيائِهِمْ بِالتَّصْدِيقِ بِمُحَمَّدٍ والإيمانِ بِهِ، وهو المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ﴾ [آل عمران: ٨١] الآيَةَ. ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم وكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ فِيما لَخَّصْناهُ مِن كَلامِهِ، هَذا إخْبارٌ عَنْ أشْياءَ واقَعُوها في الضِّدِّ مِمّا أُخِذُوا بِهِ، نَقَضُوا المِيثاقَ الَّذِي رُفِعَ عَلَيْهِمُ الطُّورُ بِسَبَبِهِ، وجَعَلُوا بَدَلَ الإيمانِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الأمْرُ بِدُخُولِ البابِ سُجَّدًا المُتَضَمِّنُ التَّواضُعَ الَّذِي هو ثَمَرَةُ الإيمانِ كُفْرَهم بِآياتِ اللَّهِ، وبَذْلِ الطّاعَةِ، وامْتِثالِ مُوافَقَتِهِ في أنْ لا يَعْدُوا في السَّبْتِ انْتِهاكَ أعْظَمِ الحُرُمِ، وهو قَتْلُ الأنْبِياءِ. وقابَلُوا أخْذَ المِيثاقِ الغَلِيظِ بِتَجاهُلِهِمْ، وقَوْلِهِمْ: قُلُوبُنا غُلْفٌ أيْ في حُجُبٍ وغُلُفٍ: فَهي لا تَفْهَمُ. وأضْرَبَ اللَّهُ تَعالى عَنْ قَوْلِهِمْ وكَذِبِهِمْ، وأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ قَدْ طَبَعَ عَلَيْها بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، انْتَهى. والمِيثاقُ المَنقُوضُ: أهُوَ كِتْمانُهم صِفَةَ الرَّسُولِ، وتَكْذِيبُهُ فِيما جاءَ بِهِ ؟ أوْ تَرْكُهُمُ العَمَلَ بِما في كِتابِهِمْ ؟ مَعَ أنَّهم قَبِلُوا والتَزَمُوا العَمَلَ بِها قَوْلانِ. وآياتُ اللَّهِ الَّتِي كَفَرُوا بِها أهِيَ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِمْ في كُتُبِهِمْ ؟ أوْ جَمِيعُ كُتُبِ اللَّهِ المُنَزَّلَةِ ؟ قَوْلانِ. وتَقَدَّمَ شَرْحُ (قُلُوبُنا غُلْفٌ) في البَقَرَةِ. ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ أدْغَمَ لامَ (بَلْ) في طاءِ (طَبَعَ) الكِسائِيُّ وحَمْزَةُ، وأظْهَرَها باقِي السَّبْعَةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ خَبَرٌ مَعْناهُ الذَّمُّ، عَلى أنَّ قُلُوبَهم بِمَنزِلَةِ المَطْبُوعِ عَلَيْها الَّتِي لا تَفْهَمُ أبَدًا، ولا تُطِيعُ مُرْسَلًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أرادُوا بِقَوْلِهِمْ: قُلُوبُنا غُلْفٌ؛ أيْ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ قُلُوبَنا غُلْفًا؛ أيْ في أكِنَّةٍ لا يُتَوَصَّلُ إلَيْها بِشَيْءٍ مِنَ الذِّكْرِ والمَوْعِظَةِ، كَما حَكى اللَّهُ عَنِ المُشْرِكِينَ: ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠] . وتَكْذِيبُ المُجْبِرَةِ أخْزاهُمُ اللَّهُ فَقِيلَ لَهم: خَذَلَها اللَّهَ، ومَنَعَها الألْطافَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، فَصارَتْ كالمَطْبُوعِ عَلَيْها، لا إنْ تُخْلَقْ غُلْفًا قابِلَةَ الذِّكْرِ، ولا مُتَمَكِّنَةً مِن قَبُولِهِ، انْتَهى. وهو عَلى مَذْهَبِهِ الِاعْتِزالِيِّ. وأمّا أهْلُ السُّنَّةِ فَيَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ طَبَعَ عَلَيْها حَقِيقَةً كَما أخْبَرَ تَعالى إذْ لا خالِقَ غَيْرُهُ. والباءُ في فَبِما نَقْضِهِمْ تَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَعَلْنا بِهِمْ ما فَعَلْناهُ. وقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَعَنّاهم، وأذْلَلْناهم، وحَتَّمْنا عَلى الوافِينَ مِنهُمُ الخُلُودَ في جَهَنَّمَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وحَذْفُ جَوابِ هَذا الكَلامِ بَلِيغٌ مَتْرُوكٌ مَعَ ذِهْنِ السّامِعِ، انْتَهى. وتَسْمِيَةُ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ المَجْرُورُ بِأنَّهُ جَوابُ اصْطِلاحٍ لَمْ يُعْهَدْ في عِلْمِ النَّحْوِ، ولا تُساعِدُهُ اللُّغَةُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِجَوابٍ. وجَوَّزُوا أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: (حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ) عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ [النساء: ١٦٠] بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾؛ وقالَهُ الزَّجّاجُ، وأبُو بَكْرٍ، والزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهم. وهَذا فِيهِ بُعْدٌ لِكَثْرَةِ الفَواصِلِ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ؛ ولِأنَّ المَعْطُوفَ عَلى السَّبَبِ سَبَبٌ؛ فَيَلْزَمُ تَأخُّرُ بَعْضِ أجْزاءِ السَّبَبِ الَّذِي لِلتَّحْرِيمِ في الوَقْتِ عَنْ وقْتِ التَّحْرِيمِ؛ فَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ جُزْءَ سَبَبٍ أوْ مُسَبِّبًا إلّا بِتَأْوِيلٍ بَعِيدٍ، وبَيانُ ذَلِكَ أنَّ ”قَوْلَهم عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا“ وقَوْلَهم ”﴿إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ﴾“ مُتَأخِّرٌ في الزَّمانِ عَنْ (p-٣٨٩)تَحْرِيمِ الطَّيِّباتِ عَلَيْهِمْ؛ فالأوْلى أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: لَعَنّاهم، وقَدْ جاءَ مُصَرَّحًا بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم لَعَنّاهم وجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً﴾ [المائدة: ١٣] . (فَلا يُؤْمِنُونَ إلّا قَلِيلًا) تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. ﴿وبِكُفْرِهِمْ وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا﴾ الظّاهِرُ في قَوْلِهِ: وبِكُفْرِهِمْ وقَوْلِهِمْ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: (فَبِما نَقْضِهِمْ)، وما بَعْدَهُ. عَلى أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ أجازَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وبِكُفْرِهِمْ وقَوْلِهِمْ﴾ مَعْطُوفًا عَلى بِكُفْرِهِمْ. وتَكْرارُ نِسْبَةِ الكُفْرِ إلَيْهِمْ بِحَسَبِ مُتَعَلِّقاتِهِ؛ إذْ كَفَرُوا بِمُوسى، ثُمَّ بِعِيسى، ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ فَعَطَفَ بَعْضَ كُفْرِهِمْ عَلى بَعْضٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ عَطَفَ مَجْمُوعَ المَعْطُوفِ عَلى مَجْمُوعِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ عَلى بَعْضٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ عَطَفَ مَجْمُوعَ المَعْطُوفِ عَلى مَجْمُوعِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ فَيَجْمَعُهم بَيْنَ نَقْضِ المِيثاقِ والكُفْرِ بِآياتِ اللَّهِ وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ، وقَوْلِهِمْ: (قُلُوبُنا غُلْفٌ)، وجَمْعِهِمْ بَيْنَ كُفْرِهِمْ، وبُهْتِهِمْ مَرْيَمَ، وافْتِخارِهِمْ بِقَتْلِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ عاقَبْناهم. أوْ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها، وجَمَعَهم بَيْنَ كَفْرِهِمْ، وكَذا وكَذا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْضًا: فَإنْ قُلْتَ: هَلّا زَعَمْتَ أنَّ المَحْذُوفَ الَّذِي تَعَلَّقَتْ بِهِ الباءُ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ ؟ قُلْتُ: لَمْ يَصِحَّ هَذا التَّقْدِيرُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾، رَدٌّ وإنْكارٌ لِقَوْلِهِمْ: قُلُوبُنا غُلْفٌ؛ فَكانَ مُتَعَلِّقًا بِهِ، انْتَهى. وهو جَوابٌ حَسَنٌ، ويَمْتَنِعُ مِن وجْهٍ آخَرَ، وهو أنَّ العَطْفَ بِبَلْ يَكُونُ لِلْإضْرابِ عَنِ الحُكْمِ الأوَّلِ، وإثْباتِهِ لِلثّانِي عَلى جِهَةِ إبْطالِ الأوَّلِ، أوْ الِانْتِقالِ عامًّا في كِتابِ اللَّهِ في الإخْبارِ؛ فَلا يَكُونُ إلّا لِلِانْتِقالِ. ويُسْتَفادُ مِنَ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ ما لا يُسْتَفادُ مِنَ الجُمْلَةِ الأُولى. والَّذِي قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لا يُسَوَّغُ فِيهِ هَذا الَّذِي قَرَّرْناهُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾، ﴿وكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ﴾، وقَوْلِهِمْ: ﴿قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾؛ فَأفادَتِ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ ما أفادَتِ الجُمْلَةُ الأُولى، وهو لا يَجُوزُ. لَوْ قُلْتَ: مَرَّ زَيْدٌ بِعَمْرٍو، بَلْ مَرَّ زَيْدٌ بِعَمْرٍو لَمْ يَجُزْ. وقَدْ أجازَ ذَلِكَ أبُو البَقاءِ، وهو أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم وكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ، وكَذا طُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ. وقِيلَ التَّقْدِيرُ فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم لا يُؤْمِنُونَ إلّا قَلِيلًا والفاءُ مُقْحَمَةٌ. وما في قَوْلِهِ: فَبِما نَقْضِهِمْ كَهي في قَوْلِهِ: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وتَقَدَّمَ الكَلامُ فِيها. والبُهْتانُ العَظِيمُ رَمْيُهم مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ بِالزِّنا مَعَ رُؤْيَتِهِمُ الآيَةَ في كَلامِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ في المَهْدِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإلّا فَلَوْلا الآيَةُ لَكانُوا في قَوْلِهِمْ جارِينَ عَلى حُكْمِ البَشَرِ في إنْكارِ حَمْلٍ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ، انْتَهى. ووُصِفَ بِالعِظَمِ؛ لِأنَّهم تَمادَوْا عَلَيْهِ بَعْدَ ظُهُورِ الآيَةِ، وقِيامِ المُعْجِزَةِ بِالبَراءَةِ، وقَدْ جاءَتْ تَسْمِيَةُ الرَّمْيِ بِذَلِكَ بُهْتانًا عَظِيمًا في قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] . ﴿وقَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ الظّاهِرُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ مِن قَوْلِهِمْ قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ؛ كَقَوْلِ فِرْعَوْنَ: ﴿إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧]، وقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى وضَعَ الذِّكْرَ الحَسَنَ مَكانَ ذِكْرِهِمُ القَبِيحِ في الحِكايَةِ عَنْهُ رَفْعًا لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، كَما كانُوا يُذَكِّرُونَهُ بِهِ. ذَكَرَ الوَجْهَيْنِ الزَّمَخْشَرِيُّ، ولَمْ يَذْكُرِ ابْنُ عَطِيَّةَ سِوى الثّانِي؛ قالَ: هو إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِصِفَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وهي الرِّسالَةُ عَلى جِهَةِ إظْهارِ ذَنْبِ هَؤُلاءِ المُقِرِّينَ بِالقَتْلِ، ولَزِمَهُمُ الذَّنْبُ، وهم لَمْ يَقْتُلُوا عِيسى؛ لِأنَّهم صَلَبُوا ذَلِكَ الشَّخْصَ عَلى أنَّهُ عِيسى، وعَلى أنَّ عِيسى كَذّابٌ لَيْسَ بِرَسُولٍ؛ ولَكِنْ لَزِمَهُمُ الذَّنْبُ مِن حَيْثُ اعْتَقَدُوا أنَّ قَتْلَهم وقَعَ في عِيسى؛ فَكَأنَّهم قَتَلُوهُ، ولَيْسَ يَدْفَعُ الذَّنْبَ عَنْهُمُ اعْتِقادُهم أنَّهُ غَيْرُ رَسُولٍ. ﴿وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ هَذا إخْبارٌ مِنهُ تَعالى بِأنَّهم ما قَتَلُوا عِيسى، وما صَلَبُوهُ. واخْتَلَفَ الرُّواةُ في (p-٣٩٠)كَيْفِيَّةِ القَتْلِ والصَّلْبِ، ولَمْ يَثْبُتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في ذَلِكَ شَيْءٌ غَيْرُ ما دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ. ومُنْتَهى ما آلَ إلَيْهِ أمْرُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ طَلَبَتْهُ اليَهُودُ فاخْتَفى هو والحَوارِيُّونَ في بَيْتٍ؛ فَدُلُّوا عَلَيْهِ وحَضَرُوا لَيْلًا، وهم ثَلاثَةَ عَشَرَ، أوْ ثَمانِيَةَ عَشَرَ؛ فَفَرَّقَهم تِلْكَ اللَّيْلَةَ ووَجَّهَهم إلى الآفاقِ، وبَقِيَ هو ورَجُلٌ مَعَهُ؛ فَرُفِعَ عِيسى وأُلْقِيَ شَبَهُهُ عَلى الرَّجُلِ فَصُلِبَ. وقِيلَ هو اليَهُودِيُّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ. وقِيلَ قالَ لِأصْحابِهِ: أيُّكم يُلْقى عَلَيْهِ شَبَهِي فَيُقْتَلُ ويُخَلِّصُ هَؤُلاءِ، وهو رَفِيقِي في الجَنَّةِ ؟ فَقالَ سَرْجِسُ: أنا، فَأُلْقِيَ عَلَيْهِ شَبَهُ عِيسى. وقِيلَ أُلْقِيَ شَبَهُهُ عَلى الجَمِيعِ، فَلَمّا أُخْرِجُوا نَقَصَ واحِدٌ مِنَ العِدَّةِ، فَأخَذُوا واحِدًا مِمَّنْ عَلَيْهِ الشَّبَهُ فَصُلِبَ. ورُوِيَ أنَّ المَلِكَ والمُتَناوِلِينَ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِمْ أمْرُ عِيسى لِما رَأوْهُ مِن نُقْصانِ العِدَّةِ، واخْتِلاطِ الأمْرِ؛ فَصُلِبَ ذَلِكَ الشَّخْصُ، وأُبْعِدَ النّاسُ عَنْ خَشَبَتِهِ أيّامًا حَتّى تَغَيَّرَ، ولَمْ تَثْبُتْ لَهُ صِفَةٌ؛ وحِينَئِذٍ دَنا النّاسُ مِنهُ، ومَضى الحَوارِيُّونَ يَتَحَدَّثُونَ في الآفاقِ: إنَّ عِيسى صُلِبَ. وقِيلَ لَمْ يُلْقَ شَبَهُهُ عَلى أحَدٍ؛ وإنَّما مَعْنى: ﴿ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ أيْ شَبَّهَ عَلَيْهِمُ المَلِكُ المُمَخْرِقُ لِيَسْتَدِيمَ بِما نَقَصَ واحِدٌ مِنَ العِدَّةِ، وكانَ بادَرَ بِصَلْبِ واحِدٍ، وأبْعَدَ النّاسِ عَنْهُ، وقالَ: هَذا عِيسى؛ وهَذا القَوْلُ هو الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعْتَقَدَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾؛ أمّا أنْ يُلْقى شَبَهُهُ عَلى شَخْصٍ؛ فَلَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُعْتَمَدَ عَلَيْهِ. وقَدِ اخْتُلِفَ فِيمَن أُلْقِيَ عَلَيْهِ الشَّبَهُ اخْتِلافًا كَثِيرًا. فَقِيلَ اليَهُودِيُّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ. وقِيلَ خَلِيفَةُ قَيْصَرَ الَّذِي كانَ مَحْبُوسًا عِنْدَهُ. وقِيلَ واحِدٌ مِنَ اليَهُودِ. وقِيلَ دَخَلَ لِيَقْتُلَهُ. وقِيلَ رَقِيبٌ، وكَلَتْهُ بِهِ اليَهُودُ. وقِيلَ أُلْقِيَ الشَّبَهُ عَلى كُلِّ الحَوارِيِّينَ. وقِيلَ أُلْقِيَ الشَّبَهُ عَلى الوَجْهِ دُونَ البَدَنِ، وهَذا الوُثُوقُ مِمّا يَدْفَعُ الوُثُوقَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ. ولِهَذا قالَ بَعْضُهم: إنْ جازَ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُلْقِي شَبَهَ إنْسانٍ عَلى إنْسانٍ آخَرَ؛ فَهَذا يَفْتَحُ بابَ السَّفْسَطَةِ. وقِيلَ سَبَبُ اجْتِماعِ اليَهُودِ عَلى قَتْلِهِ هو أنَّ رَهْطًا مِنهم سَبُّوهُ، وسَبُّوا أُمَّهُ فَدَعا عَلَيْهِمْ: ”اللَّهُمَّ أنْتَ رَبِّي، وبِكَلِمَتِكَ خَلَقْتَنِي، اللَّهُمَّ العَنْ مَن سَبَّنِي، وسَبَّ والِدَتِي“ فَمَسَخَ اللَّهُ مَن سَبَّهُما قِرَدَةً، وخَنازِيرَ، فاجْتَمَعَتِ اليَهُودُ عَلى قَتْلِهِ. و(شُبِّهَ) مُسْنَدٌ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ؛ كَقَوْلِهِ: خُيِّلَ إلَيْهِ، ولَكِنْ وقَعَ لَهُمُ التَّشْبِيهُ. ويَجُوزُ أنْ يُسْنَدَ إلى ضَمِيرِ المَقْتُولِ الدّالِّ عَلَيْهِ: إنّا قَتَلْنا أيْ ولَكِنْ شُبِّهَ لَهم مَن قَتَلُوهُ. ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرَ المَسِيحِ؛ لِأنَّ المَسِيحَ مُشَبَّهٌ بِهِ لا مُشَبَّهٌ. ﴿وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفي شَكٍّ مِنهُ ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلّا اتِّباعَ الظَّنِّ﴾ اخْتَلَفَ فِيهِ اليَهُودُ؛ فَقالَ بَعْضُهم: لَمْ يُقْتَلْ، ولَمْ يُصْلَبْ؛ الوَجْهُ وجْهُ عِيسى والجَسَدُ جَسَدُ غَيْرِهِ. وقِيلَ: أدْخَلُوا عَلَيْهِ واحِدًا لِيَقْتُلَهُ، فَأُلْقِيَ الشَّبَهُ عَلَيْهِ فَصُلِبَ، ونَقَصَ مِنَ العَدَدِ واحِدٌ. وكانُوا عَلِمُوا عَدَدَ الحَوارِيِّينَ؛ فَقالُوا: إنْ كانَ المَصْلُوبُ صاحِبَنا فَأيْنَ عِيسى ؟ وإنْ كانَ عِيسى فَأيْنَ صاحِبُنا ؟ وقِيلَ قالَ العَوامُّ: قَتَلْنا عِيسى، وقالَ مَن عايَنَ: رَفَعَهُ إلى السَّماءِ ما قُتِلَ، ولا صُلِبَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: واليَقِينُ الَّذِي صَحَّ فِيهِ نَقْلُ الكافَّةِ عَنْ حَواسِّها هو أنَّ شَخْصًا صُلِبَ، وهَلْ هو عِيسى أمْ لا ؟ فَلَيْسَ هو مِن عِلْمِ الحَوّاسِ؛ فَلِذَلِكَ لَمْ يَقَعْ في ذَلِكَ نَقْلٌ كافَّةً. والضَّمِيرُ في فِيهِ عائِدٌ عَلى القَتْلِ؛ مَعْناهُ: في قَتْلِهِ، وهَذا هو الظّاهِرُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، وما بَعْدَهُ. وقِيلَ الضَّمِيرُ في اخْتَلَفُوا عائِدٌ عَلى اليَهُودِ أيْضًا، واخْتِلافُهم فِيهِ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّهُ إلَهٌ. وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّهُ ابْنُ اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ اخْتِلافُهم فِيهِ أنَّ النَّسْطُورِيَّةَ قالُوا: وقَعَ الصَّلْبُ عَلى ناسُوتِهِ دُونَ لاهُوتِهِ. وقِيلَ وقَعَ القَتْلُ والصَّلْبُ عَلَيْهِما. وقِيلَ عائِدٌ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى؛ فَإنَّ اليَهُودَ قالُوا: هو ابْنُ زِنًا. وقالَتِ النَّصارى: هو ابْنُ اللَّهِ. وقِيلَ اخْتِلافُهم مِن جِهَةِ أنَّ النَّصارى قالُوا: إنَّ اليَهُودَ قَتَلَتْهُ وصَلَبَتْهُ واليَهُودُ الَّذِينَ عايَنُوا رَفْعَهُ قالُوا: رُفِعَ إلى السَّماءِ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّ ﴿إلّا اتِّباعَ الظَّنِّ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّ اتِّباعَ الظَّنِّ لَيْسَ مِن جِنْسِ العِلْمِ (p-٣٩١)أيْ ولَكِنَّ اتِّباعَ الظَّنِّ لَهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي ولَكِنَّهم يَتَّبِعُونَ الظَّنَّ، وهَذا تَفْسِيرُ مَعْنًى لا تَفْسِيرَ إعْرابٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ إذِ الظَّنُّ والعِلْمُ يَضُمُّهُما أنَّهُما مِن مُعْتَقَداتِ اليَقِينِ. وقَدْ يَقُولُ الظّانُّ عَلى طَرِيقِ التَّجَوُّزِ: عِلْمِي في هَذا الأمْرِ أنَّهُ كَذا، وهو يَعْنِي ظَنَّهُ، انْتَهى. ولَيْسَ كَما ذُكِرَ؛ لِأنَّ الظَّنَّ لَيْسَ مِن مُعْتَقَداتِ اليَقِينِ؛ لِأنَّهُ تَرْجِيحُ أحَدِ الجائِزَيْنِ؛ وما كانَ تَرْجِيحًا فَهو يُنافِي اليَقِينَ؛ كَما أنَّ اليَقِينَ يُنافِي تَرْجِيحَ أحَدِ الجائِزَيْنِ. وعَلى تَقْدِيرِ: أنَّ الظَّنَّ والعِلْمَ يَضُمُّهُما ما ذُكِرَ؛ فَلا يَكُونُ أيْضًا اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَسْتَثْنِ الظَّنَّ مِنَ العِلْمِ. فَلَيْسَتِ التِّلاوَةُ ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلّا الظَّنَّ؛ وإنَّما التِّلاوَةُ إلّا اتِّباعَ الظَّنِّ، والِاتِّباعُ لِلظَّنِّ لا يَضُمُّهُ والعِلْمُ جِنْسُ ما ذُكِرَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ. فَإنْ قُلْتَ: لِمَ وُصِفُوا بِالشَّكِّ، والشَّكُّ أنْ لا يَتَرَجَّحَ أحَدُ الجائِزَيْنِ ؟ ثُمَّ وُصِفُوا بِالظَّنِّ، والظَّنُّ أنْ يَتَرَجَّحَ أحَدُهُما؛ فَكَيْفَ يَكُونُونَ شاكِّينَ ظانِّينَ ؟ قُلْتُ: أُرِيدَ أنَّهم شاكُّونَ ما لَهم مِن عِلْمٍ قَطُّ، ولَكِنْ لاحَتْ لَهم أمارَةٌ فَظَنُّوا، انْتَهى. وهو جَوابُ سُؤالِهِ؛ ولَكِنْ يُقالُ: لا يَرِدُ هَذا السُّؤالُ؛ لِأنَّ العَرَبَ تُطْلِقُ الشَّكَّ عَلى ما لَمْ يَقَعْ فِيهِ القَطْعُ واليَقِينُ فَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ ما يَتَرَدَّدُ فِيهِ، إمّا عَلى السَّواءِ بِلا تَرْجِيحٍ، أوْ بِتَرْجِيحِ أحَدِ الطَّرَفَيْنِ. وإذا كانَ كَذَلِكَ انْدَفَعَ السُّؤالُ. ﴿وما قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ وجَماعَةٌ: الضَّمِيرُ في قَتَلُوهُ عائِدٌ عَلى الظَّنِّ. تَقُولُ: قَتَلْتُ هَذا الأمْرَ عِلْمًا إذا قَطَعْتَ بِهِ، وجَزَمْتَ الجَزْمَ الَّذِي لا يُخالِجُهُ شَيْءٌ؛ فالمَعْنى: وما صَحَّ ظَنُّهم عِنْدَهم، وما تَحَقَّقُوهُ يَقِينًا، ولا قَطَعُوا الظَّنَّ بِاليَقِينِ. وقالَ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ؛ الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى العِلْمِ؛ أيْ ما قَتَلُوا العِلْمَ يَقِينًا. يُقالُ: قَتَلْتُ العِلْمَ والرَّأْيَ يَقِينًا وقَتَلْتُهُ عِلْمًا؛ لِأنَّ القَتْلَ لِلشَّيْءِ يَكُونُ عَنْ قَهْرٍ واسْتِعْلاءٍ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ لَمْ يَكُنْ عِلْمُهم بِقَتْلِ المَسِيحِ عِلْمًا أُحِيطَ بِهِ؛ إنَّما كانَ ظَنًّا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ تَهَكُّمٌ؛ لِأنَّ (إذا) نُفِيَ عَنْهُمُ العِلْمُ نَفْيًا كُلِّيًا بِحَرْفِ الِاسْتِغْراقِ ثُمَّ قِيلَ، وما عَلِمُوهُ عِلْمَ يَقِينٍ وإحاطَةٍ لَمْ يَكُنْ إلّا تَهَكُّمًا، انْتَهى. والظّاهِرُ قَوْلُ الجُمْهُورِ: إنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلى عِيسى بِجَعْلِ الضَّمائِرِ كُلِّها كَشَيْءٍ واحِدٍ، فَلا تَخْتَلِفُ. والمَعْنى صَحِيحٌ بَلِيغٌ، وانْتِصابُ (يَقِينًا) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ (قَتَلُوهُ)؛ أيْ مُتَيَقِّنِينَ أنَّهُ عِيسى كَما ادَّعَوْا ذَلِكَ في قَوْلِهِمْ: إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ؛ قالَهُ السُّدِّيُّ. أوْ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ قَتْلًا يَقِينًا جَوَّزَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ الحَسَنُ: وما قَتَلُوهُ حَقًّا، انْتَهى. فانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ كَقَوْلِكَ: وما قَتَلُوهُ حَقًّا؛ أيْ حَقَّ انْتِفاءِ قَتْلِهِ حَقًّا. وما حُكِيَ عَنِ ابْنِ الأنْبارِيِّ أنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا وأنَّ (يَقِينًا) مَنصُوبٌ بِـ ﴿رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾ والمَعْنى: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ يَقِينًا؛ فَلَعَلَّهُ لا يَصِحُّ عَنْهُ. وقَدْ نَصَّ الخَلِيلُ عَلى أنَّ ذَلِكَ خَطَأٌ؛ لِأنَّهُ لا يَعْمَلُ ما بَعْدَ (بَلْ) في ما قَبْلَها. ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾ هَذا إبْطالٌ لِما ادَّعَوْهُ مِن قَتْلِهِ وصَلْبِهِ، وهو حَيٌّ في السَّماءِ الثّانِيَةِ عَلى ما صَحَّ عَنِ الرَّسُولِ في حَدِيثِ المِعْراجِ. وهو هُنالِكَ مُقِيمٌ حَتّى يُنْزِلَهُ اللَّهُ إلى الأرْضِ لِقَتْلِ الدَّجّالِ، ولِيَمْلَأها عَدْلًا كَما مُلِئَتْ جَوْرًا، ويَحْيا فِيها أرْبَعِينَ سَنَةً ثُمَّ يَمُوتُ كَما تَمُوتُ البَشَرُ. وقالَ قَتادَةُ: رَفَعَ اللَّهُ عِيسى إلَيْهِ فَكَساهُ الرِّيشَ وألْبَسَهُ النُّورَ، وقَطَعَ عَنْهُ الطَّعامَ والشَّرابَ؛ فَصارَ مَعَ المَلائِكَةِ؛ فَهو مَعَهم حَوْلَ العَرْشِ؛ فَصارَ إنْسِيًّا مَلَكِيًّا سَماوِيًّا أرْضِيًّا. والضَّمِيرُ في إلَيْهِ عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى عَلى حَذْفِ التَّقْدِيرِ إلى سَمائِهِ، وقَدْ جاءَ ﴿ورافِعُكَ إلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] . وقِيلَ إلى حَيْثُ لا حُكْمَ فِيهِ إلّا لَهُ. ولا يُوَجَّهُ الدُّعاءُ إلّا نَحْوَهُ، وهو راجِعٌ إلى الأوَّلِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: أعْلَمَ اللَّهُ تَعالى عَقِيبَ ذِكْرِهِ أنَّهُ وصَلَ إلى عِيسى أنْواعٌ مِنَ البَلايا أنَّهُ رَفَعَهُ إلَيْهِ فَدَلَّ أنَّ رَفْعَهُ إلَيْهِ أعْظَمُ في إيصالِ الثَّوابِ مِنَ الجَنَّةِ، ومِن كُلِّ ما فِيها مِنَ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ؛ وهَذِهِ الآيَةُ تَفْتَحُ عَلَيْكَ بابَ مَعْرِفَةِ السِّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ، انْتَهى. وفِيهِ نَحْوٌ (p-٣٩٢)مِن كَلامِ المُتَفَلْسِفَةِ. (وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) . قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: المُرادُ مِنَ المَعَزَّةِ كَمالُ القُدْرَةِ، ومِنَ الحِكْمَةِ كَمالُ العِلْمِ؛ فَنَبَّهَ بِهَذا عَلى أنَّ رَفْعَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الدُّنْيا إلى السَّماواتِ وإنْ كانَ كالمُتَعَذَّرِ عَلى البَشَرِ، لَكِنْ لا تُعْذَرُ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِي وحِكْمَتِي، انْتَهى. وقالَ غَيْرُهُ: عَزِيزًا أيْ قَوِيًّا بِالنِّقْمَةِ مِنَ اليَهُودِ؛ فَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ بُطْرُسَ الرُّومِيّ فَقَتَلَ مِنهم مَقْتَلَةً عَظِيمَةً. حَكِيمًا حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِاللَّعْنَةِ والغَضَبِ. وقِيلَ: عَزِيزًا؛ أيْ: لا يُغالَبُ؛ لِأنَّ اليَهُودَ حاوَلَتْ بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أمْرًا وأرادَ اللَّهُ خِلافَهُ. حَكِيمًا أيْ: واضِعَ الأشْياءِ مَواضِعَها؛ فَمِن حَكَمَتِهِ تَخْلِيصُهُ مِنَ اليَهُودِ، ورَفْعُهُ إلى السَّماءِ لِما يُرِيدُ وتَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ تَعالى. وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: أوْحى اللَّهُ تَعالى إلى عِيسى عَلى رَأْسِ ثَلاثِينَ سَنَةً، ثُمَّ رَفَعَهُ وهو ابْنُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً؛ فَكانَتْ نُبُوَّتُهُ ثَلاثَ سِنِينَ. وقِيلَ: بَعَثَ اللَّهُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأدْخَلَهُ خَوْخَةً فِيها رَوْزَنَةٌ في سَقْفِها؛ فَرَفَعَهُ اللَّهُ تَعالى إلى السَّماءِ مِن تِلْكَ الرَّوْزَنَةِ. ﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ . إنْ: هُنا نافِيَةٌ، والمُخْبَرُ عَنْهُ مَحْذُوفٌ قامَتْ صِفَتُهُ مَقامَهُ، التَّقْدِيرُ: وما أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ. كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] والمَعْنى: وما مِنَ اليَهُودِ. وقَوْلُهُ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] أيْ: وما أحَدٌ مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ، وما أحَدٌ مِنكم إلّا وارِدُها. قالَ الزَّجّاجُ: وحُذِفَ (أحَدٌ) لِأنَّهُ مَطْلُوبٌ في كُلِّ نَفْيٍ يَدْخُلُهُ الِاسْتِثْناءُ نَحْوَ: ما قامَ إلّا زَيْدٌ، مَعْناهُ ما قامَ أحَدٌ إلّا زَيْدٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ جُمْلَةٌ قَسَمِيَّةٌ واقِعَةٌ صِفَةً لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ؛ تَقْدِيرُهُ: وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ أحَدٌ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ، ونَحْوُهُ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤]، ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] . والمَعْنى: وما مِنَ اليَهُودِ أحَدٌ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ، انْتَهى. وهُوَ غَلَطٌ فاحِشٌ إذْ زَعَمَ أنَّ ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ جُمْلَةٌ قَسَمِيَّةٌ واقِعَةٌ صِفَةً لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ إلى آخِرِهِ، وصِفَةُ (أحَدٌ) المَحْذُوفِ إنَّما هو الجارُّ والمَجْرُورُ وهو (مِن أهْلِ الكِتابِ)، والتَّقْدِيرُ كَما ذَكَرْناهُ: وإنْ أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾؛ فَلَيْسَتْ صِفَةً لِمَوْصُوفٍ، ولا هي جُمْلَةٌ قَسَمِيَّةٌ كَما زَعَمَ؛ إنَّما هي جُمْلَةُ جَوابِ القَسَمِ، والقَسَمُ مَحْذُوفٌ، والقَسَمُ وجَوابُهُ في مَوْضِعِ رَفْعِ خَبَرِ المُبْتَدَأِ الَّذِي هو (أحَدٌ) المَحْذُوفُ؛ إذْ لا يَنْتَظِمُ مِن أحَدٍ والمَجْرُورِ إسْنادٌ؛ لِأنَّهُ لا يُفِيدُ؛ وإنَّما يَنْتَظِمُ الإسْنادُ بِالجُمْلَةِ القَسَمِيَّةِ وجَوابِها؛ فَذَلِكَ هو مَحَطُّ الفائِدَةِ وكَذَلِكَ أيْضًا الخَبَرُ هو ﴿إلّا لَهُ مَقامٌ﴾ [الصافات: ١٦٤]، وكَذَلِكَ إلّا وارِدُها؛ إذْ لا يَنْتَظِمُ مِمّا قَبْلَ إلّا تَرْكِيبٌ إسْنادِيٌّ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَيْنِ في: بِهِ ومَوْتِهِ عائِدانِ عَلى عِيسى وهو سِياقُ الكَلامِ، والمَعْنى: مِن أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ يَكُونُونَ في زَمانِ نُزُولِهِ. رُوِيَ أنَّهُ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ في آخِرِ الزَّمانِ؛ فَلا يَبْقى أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ إلّا يُؤْمِنُ بِهِ؛ حَتّى تَكُونَ المِلَّةُ واحِدَةً وهي مِلَّةُ الإسْلامِ؛ قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وأبُو مالِكٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وعِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ والحَسَنُ أيْضًا ومُجاهِدٌ وغَيْرُهم: الضَّمِيرُ في بِهِ لِعِيسى، وفي مَوْتِهِ لِكِتابِيٍّ وقالُوا: ولَيْسَ يَمُوتُ يَهُودِيٌّ حَتّى يُؤْمِنَ بِعِيسى ويَعْلَمَ أنَّهُ نَبِيٌّ؛ ولَكِنْ عِنْدَ المُعايَنَةِ لِلْمَوْتِ فَهو إيمانٌ لا (p-٣٩٣)يَنْفَعُهُ كَما لَمْ يَنْفَعْ فِرْعَوْنَ إيمانُهُ وقْتَ المُعايَنَةِ. وبَدَأ بِما يُشْبِهُ هَذا لِقَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ. قالَ: والمَعْنى ما مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى أحَدٌ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ قَبْلَ مَوْتِهِ بِعِيسى، وبِأنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ ؟ يَعْنِي: إذا عايَنَ قَبْلَ أنْ تَزْهَقَ رُوحُهُ حِينَ لا يَنْفَعُهُ إيمانُهُ لِانْقِطاعِ وقْتِ التَّكْلِيفِ. ثُمَّ حُكِيَ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ والحَجّاجِ حِكايَةٌ فِيها طُولٌ يَمَسُّ بِالتَّفْسِيرِ مِنها: أنَّ اليَهُودِيَّ إذا حَضَرَهُ المَوْتُ ضَرَبَتِ المَلائِكَةُ دُبُرَهُ ووَجْهَهُ وقالُوا: يا عَدُوَّ اللَّهِ أتاكَ عِيسى نَبِيًّا فَكَذَّبْتَ بِهِ؛ فَيَقُولُ: آمَنتُ أنَّهُ نَبِيٌّ. وتَقُولُ لِلنَّصْرانِيِّ: أتاكَ عِيسى نَبِيًّا فَزَعَمْتَ أنَّهُ اللَّهُ أوِ ابْنُ اللَّهِ؛ فَيَقُولُ: آمَنتُ أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ حَيْثُ لا يَنْفَعُهُ إيمانُهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ فَسَّرَهُ كَذَلِكَ؛ فَقالَ لَهُ عِكْرِمَةُ: فَإنْ أتاهُ رَجُلٌ فَضَرَبَ عُنُقَهُ ؟ قالَ: لا تَخْرُجُ نَفْسُهُ حَتّى يُحَرِّكَ بِها شَفَتَيْهِ. قالَ: وإنْ خَرَجَ فَوْقَ بَيْتٍ أوِ احْتَرَقَ أوْ أكَلَهُ سَبُعٌ ؟ قالَ: يَتَكَلَّمُ بِها في الهَوى، ولا تَخْرُجُ رُوحُهُ حَتّى يُؤْمِنَ بِهِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ: ”إلّا لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِمْ“ بِضَمِّ النُّونِ عَلى مَعْنى: وإنْ مِنهم أحَدٌ إلّا سَيُؤْمِنُونَ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِمْ؛ لِأنَّ أحَدًا يَصْلُحُ لِلْجَمْعِ. فَإنْ قُلْتَ: فَما فائِدَةُ الإخْبارِ بِإيمانِهِمْ بِعِيسى قَبْلَ مَوْتِهِمْ ؟ قُلْتُ: فائِدَتُهُ الوَعِيدُ، ولْيَكُنْ عِلْمُهم بِأنَّهم لا بُدَّ لَهم مِنَ الإيمانِ بِهِ عَنْ قَرِيبٍ عِنْدَ المُعايَنَةِ، وأنَّ ذَلِكَ لا يَنْفَعُهم بَعْثًا لَهم وتَنْبِيهًا عَلى مُعالَجَةِ الإيمانِ بِهِ في أوانِ الِانْتِفاعِ بِهِ، ولِيَكُونَ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ لَهم. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ. ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ يَشْهَدُ عَلى اليَهُودِ بِأنَّهم كَذَّبُوهُ، وعَلى النَّصارى بِأنَّهم دَعَوْهُ ابْنَ اللَّهِ، انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ أيْضًا: ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ أنَّهُ لا يَبْقى أحَدٌ مِن جَمِيعِ أهْلِ الكِتابِ إلّا لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ، عَلى أنَّ اللَّهَ يُحْيِيهِمْ في قُبُورِهِمْ في ذَلِكَ الزَّمانِ ويُعْلِمُهم نُزُولَهُ وما نَزَلَ لَهُ، ويُؤْمِنُونَ بِهِ حِينَ لا يَنْفَعُهم إيمانُهم، انْتَهى. وقالَ عِكْرِمَةُ: الضَّمِيرُ في بِهِ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وفي مَوْتِهِ لِلْكِتابِيِّ. قالَ: ولَيْسَ يَخْرُجُ يَهُودِيٌّ ولا نَصْرانِيٌّ مِنَ الدُّنْيا حَتّى يُؤْمِنَ بِمُحَمَّدٍ، ولَوْ غَرِقَ أوْ سَقَطَ عَلَيْهِ جِدارٌ؛ فَإنَّهُ يُؤْمِنُ في ذَلِكَ الوَقْتِ. وقِيلَ: يَعُودُ في بِهِ عَلى اللَّهِ، وفي مَوْتِهِ عَلى أحَدٍ المُقَدَّرِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إذا نَزَلَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِقَتْلِ الدَّجّالِ لَمْ يَبْقَ يَهُودِيٌّ ولا نَصْرانِيٌّ إلّا آمَنَ بِاللَّهِ حِينَ يَرَوْنَ قَتْلَ الدَّجّالِ، وتَصِيرُ الأُمَمُ كُلُّها واحِدَةً عَلى مِلَّةِ الإسْلامِ، ويُعْزى هَذا القَوْلُ أيْضًا إلى ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ. وقالَ العَبّاسُ بْنُ غَزْوانَ: وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ بِتَشْدِيدِ النُّونِ، وهي قِراءَةٌ عَسِرَةُ التَّخْرِيجِ، ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ أيْ: شَهِيدًا عَلى أهْلِ الكِتابِ عَلى اليَهُودِ بِتَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ وطَعْنِهِمْ فِيهِ، وعَلى النَّصارى بِجَعْلِهِمْ إيّاهُ إلاهًا مَعَ اللَّهِ أوِ ابْنًا لَهُ، والضَّمِيرُ في يَكُونُ لِعِيسى. وقالَ عِكْرِمَةُ: لِمُحَمَّدٍ ﷺ . قِيلَ: وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ أنْواعًا مِنَ الفَصاحَةِ والبَدِيعِ؛ فَمِنها التَّجْنِيسُ المُغايِرُ في: (يُخادِعُونَ) و(خادِعُهم)، و(شَكَرْتُمْ) و(شاكِرًا) . والمُماثِلُ في: (وإذا قامُوا) . والتَّكْرارُ في اسْمِ اللَّهِ، وفي: (هَؤُلاءِ) و(هَؤُلاءِ)، وفي: و(يَرَوْنَ) و(يُرِيدُونَ)، وفي: (الكافِرِينَ) و(الكافِرِينَ)، وفي: (أهْلِ الكِتابِ) و(كِتابًا)، وفي: (بِمِيثاقِهِمْ) و(مِيثاقًا) . والطِّباقُ في: الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ، وفي: (إنْ تَبْدُوا) أوْ (تُخْفُوهُ)، وفي: (نُؤْمِنُ) و(نَكْفُرُ)، والِاخْتِصاصُ في: (إلى الصَّلاةِ)، وفي: ﴿الدَّرْكِ الأسْفَلِ﴾ [النساء: ١٤٥]، وفي: ﴿الجَهْرَ بِالسُّوءِ﴾ [النساء: ١٤٨] . والإشارَةُ في مَواضِعَ الِاسْتِعارَةِ في ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] اسْتَعارَ اسْمَ الخِداعِ لِلْمُجازاةِ وفي (سَبِيلًا)، وفي (سُلْطانًا) لِقِيامِ الحُجَّةِ و﴿الدَّرْكِ الأسْفَلِ﴾ [النساء: ١٤٥] لِانْخِفاضِ طَبَقاتِهِمْ في النّارِ، و(اعْتَصِمُوا) لِلِالتِجاءِ، وفي: ﴿أنْ يُفَرِّقُوا﴾، وفي: ﴿ولَمْ يُفَرِّقُوا﴾ وهو حَقِيقَةٌ في الأجْسامِ اسْتُعِيرَ لِلْمَعانِي، وفي (سُلْطانًا) اسْتُعِيرَ لِلْحُجَّةِ، وفي: (غُلْفٌ) و﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ﴾ . وزِيادَةُ الحَرْفِ لِمَعْنى في (فَبِما نَقْضِهِمْ) . وإسْنادُ الفِعْلِ إلى غَيْرِ فاعِلِهِ في: فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ وجاءَتْهُمُ البَيِّناتُ وإلى الرّاضِي بِهِ وفي: وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ، وفي: ﴿وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا﴾، ﴿وقَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ﴾ . وحُسْنُ النَّسَقِ في: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم، والمَعاطِيفِ (p-٣٩٤)عَلَيْهِ حَيْثُ نُسِّقَتْ بِالواوِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى الجَمِيعِ فَقَطْ. وبَيْنَ هَذِهِ الأشْياءِ أعْصارٌ مُتَباعِدَةٌ فَشَرَكَ أوائِلَهم وأواخِرَهم لِعَمَلِ أُولَئِكَ ورِضا هَؤُلاءِ. وإطْلاقُ اسْمِ كُلٍّ عَلى بَعْضٍ وفي: كُفْرِهم بِآياتِ اللَّهِ وهو القُرْآنُ والإنْجِيلُ ولَمْ يَكْفُرُوا بِشَيْءٍ مِنَ الكُتُبِ إلّا بِهِما وفي قَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا ولَمْ يَقُلْ ذَلِكَ إلّا بَعْضُهم. والتَّعْرِيضُ في رَسُولِ اللَّهِ إذا قُلْنا إنَّهُ مِن كَلامِهِمْ. والتَّوْجِيهُ في غُلْفٌ مِنَ احْتِمالِ المَصْدَرِ جَمْعُ غِلافٍ أوْ جَمْعُ أغْلُفٍ. وعَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ وهو في ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ عَلى مَن جَعَلَهُما لِغَيْرِ عِيسى. والنَّقْلُ مِن صِيغَةِ فاعِلٍ إلى فَعِيلٍ في شَهِيدٍ. والحَذْفُ في مَواضِعَ.

النساء 4:153

﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ والنَّصارى، آمَنَتِ اليَهُودُ بِمُوسى والتَّوْراةِ، وكَفَرَتْ بِعِيسى، ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَّلامُ، وآمَنَتِ النَّصارى بِعِيسى والإنْجِيلِ، وكَفَرَتْ بِمُحَمَّدٍ والقُرْآنِ. وقِيلَ نَزَلَتْ في اليَهُودِ خاصَّةً، آمَنُوا بِمُوسى وعُزَيْرٍ والتَّوْراةِ، وكَفَرُوا بِعِيسى والإنْجِيلِ، ومُحَمَّدٍ والقُرْآنِ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها: أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ ما عَلَيْهِ المُنافِقُونَ مِن سُوءِ الخَلِيقَةِ ومَذْمُومِ الطَّرِيقَةِ أخَذَ في الكَلامِ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى؛ جَعَلَ كُفْرَهم بِبَعْضِ الرُّسُلِ كُفْرًا بِجَمِيعِ الرُّسُلِ، وكُفْرَهم بِالرُّسُلِ كُفْرًا بِاللَّهِ تَعالى. ﴿ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ﴾؛ أيْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الإيمانِ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ يَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِاللَّهِ، ولا نُؤْمِنُ بِفُلانٍ وفُلانٍ مِنَ الأنْبِياءِ. ﴿ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ يَعْنِي مِنَ الأنْبِياءِ. وقِيلَ هو تَصْدِيقُ اليَهُودِ بِمُحَمَّد أنَّهُ نَبِيٌّ؛ ولَكِنْ لَيْسَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ. ونَحْوُ هَذا مِن تَفَرُّقاتِهِمُ الَّتِي كانَتْ تَعَنُّتًا، ورَوَغانًا. ﴿ويُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾؛ أيْ طَرِيقًا وسَطًا بَيْنَ الكُفْرِ والإيمانِ، ولا واسِطَةَ بَيْنَهُما. ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ حَقًّا﴾ أكَّدَ بِقَوْلِهِ هم، لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ ذَلِكَ الإيمانَ يَنْفَعُهم. وأكَّدَ بِقَوْلِهِ: حَقًّا، وهو تَأْكِيدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ، كَما تَقُولُ: هَذا عَبْدُ اللَّهِ حَقًّا؛ أيْ حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا. أوْ هو نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ كُفْرًا حَقًّا؛ أيْ ثابِتًا يَقِينًا لا شَكَّ فِيهِ. أوْ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ لِذَلِكَ نَظائِرُ، وقَدْ طَعَنَ الواحِدِيُّ في هَذا التَّوْجِيهِ، وقالَ: الكُفْرُ لا يَكُونُ حَقًّا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ولا يَلْزَمُ ما قالَ إنَّهُ لا يُرادُ بِحَقًّا الحَقُّ الَّذِي هو مُقابِلٌ لِلْباطِلِ؛ وإنَّما المَعْنى أنَّهُ كُفْرٌ ثابِتٌ مُتَيَقَّنٌ؛ وإنَّما كانَ التَّوْكِيدُ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ داعِيَ الإيمانِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الأنْبِياءِ، (p-٣٨٦)وهُوَ ظُهُورُ المُعْجِزاتِ عَلى أيْدِيهِمْ؛ فَكَوْنُهم فَرَّقُوا في الإيمانِ بَيْنَهم دَلِيلٌ عَلى كُفْرِهِمْ بِالجَمِيعِ؛ إذْ لَيْسَ إيمانُهم بِبَعْضٍ ناشِئًا عَنِ النَّظَرِ في الدَّلِيلِ؛ وإنَّما هم عَلى سَبِيلِ التَّشَهِّي والتَّلاعُبِ. (وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا) هَذا وعِيدٌ لَهم بِالإهانَةِ في العَذابِ. ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ هَؤُلاءِ هُمُ المُؤْمِنُونَ أتْباعُ مُحَمَّدٍ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى دُخُولِ (بَيْنَ) عَلى (أحَدٍ) في البَقَرَةِ. في قَوْلِهِ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا. (أُولَئِكَ سَوْفَ نُؤْتِيهِمْ أُجُورَهم) صَرَّحَ تَعالى بِوَعْدِ هَؤُلاءِ كَما صَرَّحَ بِوَعِيدِ أُولَئِكَ. وقَرَأ حَفْصٌ: يُؤْتِيهِمْ بِالياءِ لِيَعُودَ عَلى اسْمِ اللَّهِ قَبْلَهُ. وقَرَأ الباقُونَ: بِالنُّونِ عَلى الِالتِفاتِ ومُقابِلُهُ (وأعْتَدْنا) . وقَوْلُ أبِي عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيِّ: قِراءَةُ النُّونِ أوْلى مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أنْهَمُ، والآخَرُ: أنَّهُ مَشاكِلٌ لِقَوْلِهِ: وأعْتَدْنا؛ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، ولا أوْلَوِيَّةَ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ القِراءَتَيْنِ كِلْتاهُما مُتَواتِرَةٌ، هَكَذا نَزَلَتْ، وهَكَذا أُنْزِلَتْ. (وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) لَمّا وعَدَهم تَعالى بِالثَّوابِ زادَهم تَبْشِيرًا لِتَجاوُزٍ عَنِ السَّيِّئاتِ، وبِرَحْمَتِهِ إيّاهم. ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: قالَتِ اليَهُودُ: إنْ كُنْتَ صادِقًا فَجِئْ بِكِتابٍ مِنَ السَّماءِ جُمْلَةً، كَما جاءَ مُوسى بِالكِتابِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: قالُوا: ائْتِ بِألْواحٍ فِيها كِتابُكَ، كَما أتى مُوسى بِألْواحٍ فِيها التَّوْراةُ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: سَألُوهُ أنْ يَأْتِيَ بِكِتابٍ خاصٍّ لِلْيَهُودِ يَأْمُرُهم بِالإيمانِ بِمُحَمَّدٍ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قالُوا: لَنْ نُتابِعَكَ عَلى ما تَدْعُونا إلَيْهِ، حَتّى تَأْتِيَنا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ إلى فُلانٍ وإلى فُلانٍ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ؛ فَعَلى قَوْلِ ابْنِ جُرَيْجٍ يَقْتَضِي أنَّ سُؤالَهم كانَ عَلى نَحْوِ سُؤالِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمَيَّةَ الزُّهْرِيِّ، وقِيلَ كِتابًا نُعايِنُهُ حَتّى يَنْزِلَ، وسَمّى مِن سائِلِي اليَهُودِ: كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ، وفِنْخاصَ بْنَ عازُوراءَ. وقِيلَ السّائِلُونَ هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، وسُؤالُهم إنَّما هو عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ. وقالَ الحَسَنُ: لَوْ سَألُوهُ لِكَيْ يَتَبَيَّنَ الحَقُّ لَأعْطاهم؛ فَإنَّ فِيما أعْطاكم كِفايَةً. ﴿فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقالُوا أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ قَدَّرُوا قَبْلَ هَذا كَلامًا مَحْذُوفًا؛ فَجَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ شَرْطًا هَذا جَوابُهُ، وتَقْدِيرُهُ: إنِ اسْتَكْبَرْتَ ما سَألُوهُ مِنكَ؛ فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ. وقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَلا تُبالِ يا مُحَمَّدُ عَنْ سُؤالِهِمْ وتَشْطِيطِهِمْ؛ فَإنَّها عادَتُهم؛ فَقَدْ سَألُوا مُوسى. وأسْنَدَ السُّؤالَ إلَيْهِمْ، وإنْ كانَ إنَّما وقَعَ مِن آبائِهِمْ مِن نُقَبائِهِمُ السَبْعِينَ؛ لِأنَّهم راضُونَ بِفِعْلِ آبائِهِمْ ومَذاهِبِهِمْ، ومُشابِهُونَ لَهم في التَّعَنُّتِ. وقَرَأ الحَسَنُ: أكْثَرَ بِالثّاءِ المُثَلَّثَةِ بَدَلَ الباءِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ. ومَعْنى جَهْرَةً: عِيانًا رُؤْيَةً (p-٣٨٧)مُنْكَشِفَةً بَيِّنَةً. والجَهْرَةُ مِن وصْفِ الرُّؤْيَةِ. واخْتُلِفَ في النَّقْلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَرُوِيَ عَنْهُ: أنَّ جَهْرَةً مِن صِفَةِ السُّؤالِ؛ فَقَدْ سَألُوا مُوسى. أوْ حالًا مِن ضَمِيرِ سَألُوا أيْ سَألُوهُ مُجاهِرِينَ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّ التَّقْدِيرَ: فَقالُوا جَهْرَةً مِنهُ، وتَصْرِيحًا أرِنا اللَّهَ؛ فَيَكُونُ مِن صِفَةِ القَوْلِ. ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ أيْ تَعَنُّتِهِمْ، وسُؤالِهِمْ ما لَيْسَ لَهم أنْ يَسْألُوهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِظُلْمِهِمْ بِسَبَبِ سُؤالِهِمُ الرُّؤْيَةَ، ولَوْ طَلَبُوا أمْرًا جائِزًا لَما سُمُّوا ظالِمِينَ، ولَما أخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ. كَما سَألَ إبْراهِيم عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُرِيَهُ إحْياءَ المَوْتى فَلَمْ يُسَمِّهِ ظالِمًا، ولا رَماهُ بِالصّاعِقَةِ لِلْمُشَبِّهَةِ، ورَمْيًا بِالصَّواعِقِ، انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ في اسْتِحالَةِ رُؤْيَةِ اللَّهِ عِنْدَهم. وأهْلُ السُّنَّةِ يَعْتَقِدُونَ أنَّهم لَمْ يَسْألُوا مُحالًا عَقْلًا، لَكِنَّهُ مُمْتَنِعٌ مِن جِهَةِ الشَّرْعِ؛ إذْ قَدْ أخْبَرَ تَعالى عَلى ألْسِنَةِ أنْبِيائِهِ، أنَّهُ لا يُرى في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا والرُّؤْيَةُ في الآخِرَةِ ثابِتَةٌ عَنِ الرَّسُولِ بِالتَّواتُرِ، وهي جائِزَةٌ عَقْلًا، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في البَقَرَةِ عَلى الصّاعِقَةِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ والنَّخَعِيُّ: (فَأخَذَتْهُمُ الصَّعْقَةُ)، والجُمْهُورُ (الصّاعِقَةُ) . ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا العِجْلَ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ﴾ ثُمَّ: لِلتَّرْتِيبِ في الأخْبارِ، لا في نَفْسِ الأمْرِ، ثُمَّ قَدْ كانَ مِن أمْرِهِمْ أنِ اتَّخَذُوا العِجْلَ؛ أيْ آباؤُهم والَّذِينَ صُعِقُوا غَيْرُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ. والبَيِّناتُ: إجازَةُ البَحْرِ والعَصا، وغَرَقُ فِرْعَوْنَ، وغَيْرُ ذَلِكَ. وقالَ الحَوْفِيُّ: أعْلَمَ نَبِيَّهُ بِعِنادِهِمْ، وإصْرارِهِمْ؛ فالمَعْنى: أنَّهُ لَوْ نَزَلَ عَلَيْهِمُ الَّذِي سَألُوا لَخالَفُوا أمْرَ اللَّهِ، كَما خالَفُوهُ مِن بَعْدِ إحْياءِ اللَّهِ لَهم مِن صَعْقَتِهِمْ، وعَبَدُوا العِجْلَ، واتَّخَذُوهُ إلَهًا. ﴿فَعَفَوْنا عَنْ ذَلِكَ﴾؛ أيْ عَنِ اتِّخاذِهِمُ العِجْلَ إلَهًا عَنْ جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِن مُخالَفَتِهِمْ. والأوَّلُ أظْهَرُ؛ لِأنَّهُ قَدْ صَرَّحَ في قِصَّةِ العِجْلِ بِالتَّوْبَةِ. ويَعْنِي: بِما امْتَحَنَهم بِهِ مِنَ القَتْلِ لِأنْفُسِهِمْ، ثُمَّ وقَعَ العَفْوُ عَنِ الباقِينَ مِنهم. ﴿وآتَيْنا مُوسى سُلْطانًا مُبِينًا﴾؛ أيْ حُجَّةً وتَسَلُّطًا، واسْتِيلاءً ظاهِرًا عَلَيْهِمْ، حِينَ أمَرَهم بِأنْ يَقْتُلُوا أنْفُسَهم حَتّى يُتابَ عَلَيْهِمْ؛ فَأطاعُوهُ واحْتَبَوْا بِأفْنِيَتِهِمْ والسُّيُوفُ تَتَساقَطُ عَلَيْهِمْ، فَيا لَهُ مِن سُلْطانٍ مُبِينٍ. ﴿ورَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ﴾ تَقَدَّمَ ما المَعْنِيُّ بِالطُّورِ. وفي الشّامِ جَبَلٌ عُرِفَ بِالطُّورِ، ولَزِمَهُ هَذا الِاسْمُ، وهو طُورٌ بِسَيْناءَ. ولَيْسَ هو المَرْفُوعَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ؛ لِأنَّ رَفْعَ الجَبَلِ كانَ فِيما يَلِي التِّيهَ مِن جِهَةِ دِيارِ مِصْرَ، وهم ناهِضُونَ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وتَقَدَّمَتْ قِصَّةُ رَفْعِ الطُّورِ في البَقَرَةِ. والباءُ في بِمِيثاقِهِمْ لِلسَّبَبِ، وهو العَهْدُ الَّذِي أخَذَهُ مُوسى عَلَيْهِمْ بَعْدَ تَصْدِيقِهِمْ بِالتَّوْراةِ أنْ يَعْمَلُوا بِما فِيها؛ فَنَقَضُوا مِيثاقَهم، وعَبَدُوا العِجْلَ، فَرَفَعَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الطُّورَ. وفي كَلامٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: بِنَقْضِ مِيثاقِهِمْ. (p-٣٨٨)﴿وقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في البَقَرَةِ. ﴿وقُلْنا لَهم لا تَعْدُوا في السَّبْتِ﴾ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عِنْدَ اعْتِدائِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ﴾ [البقرة: ٦٥] . وقَرَأ ورْشٌ لا تَعَدُّوا بِفَتْحِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الدّالِ عَلى أنَّ الأصْلَ تَعْتَدُوا، فَأُلْقِيَتْ حَرَكَةُ التّاءِ عَلى العَيْنِ، وأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ. وقَرَأ قالُونُ: بِإخْفاءِ حَرَكَةِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الدّالِ، والنَّصُّ بِالإسْكانِ. وأصْلُهُ أيْضًا لا تَعْتَدُوا. وقَرَأ الباقُونَ مِنَ السَّبْعَةِ: لا تَعْدُوا بِإسْكانِ العَيْنِ، وتَخْفِيفِ الدّالِ مِن عَدا يَعْدُو. وقالَ تَعالى: ﴿إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ﴾ [الأعراف: ١٦٣]، وقَرَأ الأعْمَشُ والأخْفَشُ: لا تَعْتَدُوا مِنَ اعْتَدى. (وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا) قِيلَ هو المِيثاقُ الأوَّلُ في قَوْلِهِ: (بِمِيثاقِهِمْ)، ووُصِفَ بِالغِلَظِ لِلتَّأْكِيدِ، وهو المَأْخُوذُ عَلى لِسانِ مُوسى وهارُونَ أنْ يَأْخُذُوا التَّوْراةَ بِقُوَّةٍ، ويَعْمَلُوا بِجَمِيعِ ما فِيها، ويُوصِلُوهُ إلى أبْنائِهِمْ. وقِيلَ: هَذا المِيثاقُ غَيْرُ الأوَّلِ، وهو المِيثاقُ الثّانِي الَّذِي أُخِذَ عَلى أنْبِيائِهِمْ بِالتَّصْدِيقِ بِمُحَمَّدٍ والإيمانِ بِهِ، وهو المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ﴾ [آل عمران: ٨١] الآيَةَ. ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم وكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ فِيما لَخَّصْناهُ مِن كَلامِهِ، هَذا إخْبارٌ عَنْ أشْياءَ واقَعُوها في الضِّدِّ مِمّا أُخِذُوا بِهِ، نَقَضُوا المِيثاقَ الَّذِي رُفِعَ عَلَيْهِمُ الطُّورُ بِسَبَبِهِ، وجَعَلُوا بَدَلَ الإيمانِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الأمْرُ بِدُخُولِ البابِ سُجَّدًا المُتَضَمِّنُ التَّواضُعَ الَّذِي هو ثَمَرَةُ الإيمانِ كُفْرَهم بِآياتِ اللَّهِ، وبَذْلِ الطّاعَةِ، وامْتِثالِ مُوافَقَتِهِ في أنْ لا يَعْدُوا في السَّبْتِ انْتِهاكَ أعْظَمِ الحُرُمِ، وهو قَتْلُ الأنْبِياءِ. وقابَلُوا أخْذَ المِيثاقِ الغَلِيظِ بِتَجاهُلِهِمْ، وقَوْلِهِمْ: قُلُوبُنا غُلْفٌ أيْ في حُجُبٍ وغُلُفٍ: فَهي لا تَفْهَمُ. وأضْرَبَ اللَّهُ تَعالى عَنْ قَوْلِهِمْ وكَذِبِهِمْ، وأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ قَدْ طَبَعَ عَلَيْها بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، انْتَهى. والمِيثاقُ المَنقُوضُ: أهُوَ كِتْمانُهم صِفَةَ الرَّسُولِ، وتَكْذِيبُهُ فِيما جاءَ بِهِ ؟ أوْ تَرْكُهُمُ العَمَلَ بِما في كِتابِهِمْ ؟ مَعَ أنَّهم قَبِلُوا والتَزَمُوا العَمَلَ بِها قَوْلانِ. وآياتُ اللَّهِ الَّتِي كَفَرُوا بِها أهِيَ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِمْ في كُتُبِهِمْ ؟ أوْ جَمِيعُ كُتُبِ اللَّهِ المُنَزَّلَةِ ؟ قَوْلانِ. وتَقَدَّمَ شَرْحُ (قُلُوبُنا غُلْفٌ) في البَقَرَةِ. ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ أدْغَمَ لامَ (بَلْ) في طاءِ (طَبَعَ) الكِسائِيُّ وحَمْزَةُ، وأظْهَرَها باقِي السَّبْعَةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ خَبَرٌ مَعْناهُ الذَّمُّ، عَلى أنَّ قُلُوبَهم بِمَنزِلَةِ المَطْبُوعِ عَلَيْها الَّتِي لا تَفْهَمُ أبَدًا، ولا تُطِيعُ مُرْسَلًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أرادُوا بِقَوْلِهِمْ: قُلُوبُنا غُلْفٌ؛ أيْ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ قُلُوبَنا غُلْفًا؛ أيْ في أكِنَّةٍ لا يُتَوَصَّلُ إلَيْها بِشَيْءٍ مِنَ الذِّكْرِ والمَوْعِظَةِ، كَما حَكى اللَّهُ عَنِ المُشْرِكِينَ: ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠] . وتَكْذِيبُ المُجْبِرَةِ أخْزاهُمُ اللَّهُ فَقِيلَ لَهم: خَذَلَها اللَّهَ، ومَنَعَها الألْطافَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، فَصارَتْ كالمَطْبُوعِ عَلَيْها، لا إنْ تُخْلَقْ غُلْفًا قابِلَةَ الذِّكْرِ، ولا مُتَمَكِّنَةً مِن قَبُولِهِ، انْتَهى. وهو عَلى مَذْهَبِهِ الِاعْتِزالِيِّ. وأمّا أهْلُ السُّنَّةِ فَيَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ طَبَعَ عَلَيْها حَقِيقَةً كَما أخْبَرَ تَعالى إذْ لا خالِقَ غَيْرُهُ. والباءُ في فَبِما نَقْضِهِمْ تَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَعَلْنا بِهِمْ ما فَعَلْناهُ. وقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَعَنّاهم، وأذْلَلْناهم، وحَتَّمْنا عَلى الوافِينَ مِنهُمُ الخُلُودَ في جَهَنَّمَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وحَذْفُ جَوابِ هَذا الكَلامِ بَلِيغٌ مَتْرُوكٌ مَعَ ذِهْنِ السّامِعِ، انْتَهى. وتَسْمِيَةُ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ المَجْرُورُ بِأنَّهُ جَوابُ اصْطِلاحٍ لَمْ يُعْهَدْ في عِلْمِ النَّحْوِ، ولا تُساعِدُهُ اللُّغَةُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِجَوابٍ. وجَوَّزُوا أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: (حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ) عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ [النساء: ١٦٠] بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾؛ وقالَهُ الزَّجّاجُ، وأبُو بَكْرٍ، والزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهم. وهَذا فِيهِ بُعْدٌ لِكَثْرَةِ الفَواصِلِ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ؛ ولِأنَّ المَعْطُوفَ عَلى السَّبَبِ سَبَبٌ؛ فَيَلْزَمُ تَأخُّرُ بَعْضِ أجْزاءِ السَّبَبِ الَّذِي لِلتَّحْرِيمِ في الوَقْتِ عَنْ وقْتِ التَّحْرِيمِ؛ فَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ جُزْءَ سَبَبٍ أوْ مُسَبِّبًا إلّا بِتَأْوِيلٍ بَعِيدٍ، وبَيانُ ذَلِكَ أنَّ ”قَوْلَهم عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا“ وقَوْلَهم ”﴿إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ﴾“ مُتَأخِّرٌ في الزَّمانِ عَنْ (p-٣٨٩)تَحْرِيمِ الطَّيِّباتِ عَلَيْهِمْ؛ فالأوْلى أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: لَعَنّاهم، وقَدْ جاءَ مُصَرَّحًا بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم لَعَنّاهم وجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً﴾ [المائدة: ١٣] . (فَلا يُؤْمِنُونَ إلّا قَلِيلًا) تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. ﴿وبِكُفْرِهِمْ وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا﴾ الظّاهِرُ في قَوْلِهِ: وبِكُفْرِهِمْ وقَوْلِهِمْ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: (فَبِما نَقْضِهِمْ)، وما بَعْدَهُ. عَلى أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ أجازَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وبِكُفْرِهِمْ وقَوْلِهِمْ﴾ مَعْطُوفًا عَلى بِكُفْرِهِمْ. وتَكْرارُ نِسْبَةِ الكُفْرِ إلَيْهِمْ بِحَسَبِ مُتَعَلِّقاتِهِ؛ إذْ كَفَرُوا بِمُوسى، ثُمَّ بِعِيسى، ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ فَعَطَفَ بَعْضَ كُفْرِهِمْ عَلى بَعْضٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ عَطَفَ مَجْمُوعَ المَعْطُوفِ عَلى مَجْمُوعِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ عَلى بَعْضٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ عَطَفَ مَجْمُوعَ المَعْطُوفِ عَلى مَجْمُوعِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ فَيَجْمَعُهم بَيْنَ نَقْضِ المِيثاقِ والكُفْرِ بِآياتِ اللَّهِ وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ، وقَوْلِهِمْ: (قُلُوبُنا غُلْفٌ)، وجَمْعِهِمْ بَيْنَ كُفْرِهِمْ، وبُهْتِهِمْ مَرْيَمَ، وافْتِخارِهِمْ بِقَتْلِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ عاقَبْناهم. أوْ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها، وجَمَعَهم بَيْنَ كَفْرِهِمْ، وكَذا وكَذا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْضًا: فَإنْ قُلْتَ: هَلّا زَعَمْتَ أنَّ المَحْذُوفَ الَّذِي تَعَلَّقَتْ بِهِ الباءُ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ ؟ قُلْتُ: لَمْ يَصِحَّ هَذا التَّقْدِيرُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾، رَدٌّ وإنْكارٌ لِقَوْلِهِمْ: قُلُوبُنا غُلْفٌ؛ فَكانَ مُتَعَلِّقًا بِهِ، انْتَهى. وهو جَوابٌ حَسَنٌ، ويَمْتَنِعُ مِن وجْهٍ آخَرَ، وهو أنَّ العَطْفَ بِبَلْ يَكُونُ لِلْإضْرابِ عَنِ الحُكْمِ الأوَّلِ، وإثْباتِهِ لِلثّانِي عَلى جِهَةِ إبْطالِ الأوَّلِ، أوْ الِانْتِقالِ عامًّا في كِتابِ اللَّهِ في الإخْبارِ؛ فَلا يَكُونُ إلّا لِلِانْتِقالِ. ويُسْتَفادُ مِنَ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ ما لا يُسْتَفادُ مِنَ الجُمْلَةِ الأُولى. والَّذِي قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لا يُسَوَّغُ فِيهِ هَذا الَّذِي قَرَّرْناهُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾، ﴿وكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ﴾، وقَوْلِهِمْ: ﴿قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾؛ فَأفادَتِ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ ما أفادَتِ الجُمْلَةُ الأُولى، وهو لا يَجُوزُ. لَوْ قُلْتَ: مَرَّ زَيْدٌ بِعَمْرٍو، بَلْ مَرَّ زَيْدٌ بِعَمْرٍو لَمْ يَجُزْ. وقَدْ أجازَ ذَلِكَ أبُو البَقاءِ، وهو أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم وكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ، وكَذا طُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ. وقِيلَ التَّقْدِيرُ فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم لا يُؤْمِنُونَ إلّا قَلِيلًا والفاءُ مُقْحَمَةٌ. وما في قَوْلِهِ: فَبِما نَقْضِهِمْ كَهي في قَوْلِهِ: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وتَقَدَّمَ الكَلامُ فِيها. والبُهْتانُ العَظِيمُ رَمْيُهم مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ بِالزِّنا مَعَ رُؤْيَتِهِمُ الآيَةَ في كَلامِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ في المَهْدِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإلّا فَلَوْلا الآيَةُ لَكانُوا في قَوْلِهِمْ جارِينَ عَلى حُكْمِ البَشَرِ في إنْكارِ حَمْلٍ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ، انْتَهى. ووُصِفَ بِالعِظَمِ؛ لِأنَّهم تَمادَوْا عَلَيْهِ بَعْدَ ظُهُورِ الآيَةِ، وقِيامِ المُعْجِزَةِ بِالبَراءَةِ، وقَدْ جاءَتْ تَسْمِيَةُ الرَّمْيِ بِذَلِكَ بُهْتانًا عَظِيمًا في قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] . ﴿وقَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ الظّاهِرُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ مِن قَوْلِهِمْ قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ؛ كَقَوْلِ فِرْعَوْنَ: ﴿إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧]، وقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى وضَعَ الذِّكْرَ الحَسَنَ مَكانَ ذِكْرِهِمُ القَبِيحِ في الحِكايَةِ عَنْهُ رَفْعًا لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، كَما كانُوا يُذَكِّرُونَهُ بِهِ. ذَكَرَ الوَجْهَيْنِ الزَّمَخْشَرِيُّ، ولَمْ يَذْكُرِ ابْنُ عَطِيَّةَ سِوى الثّانِي؛ قالَ: هو إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِصِفَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وهي الرِّسالَةُ عَلى جِهَةِ إظْهارِ ذَنْبِ هَؤُلاءِ المُقِرِّينَ بِالقَتْلِ، ولَزِمَهُمُ الذَّنْبُ، وهم لَمْ يَقْتُلُوا عِيسى؛ لِأنَّهم صَلَبُوا ذَلِكَ الشَّخْصَ عَلى أنَّهُ عِيسى، وعَلى أنَّ عِيسى كَذّابٌ لَيْسَ بِرَسُولٍ؛ ولَكِنْ لَزِمَهُمُ الذَّنْبُ مِن حَيْثُ اعْتَقَدُوا أنَّ قَتْلَهم وقَعَ في عِيسى؛ فَكَأنَّهم قَتَلُوهُ، ولَيْسَ يَدْفَعُ الذَّنْبَ عَنْهُمُ اعْتِقادُهم أنَّهُ غَيْرُ رَسُولٍ. ﴿وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ هَذا إخْبارٌ مِنهُ تَعالى بِأنَّهم ما قَتَلُوا عِيسى، وما صَلَبُوهُ. واخْتَلَفَ الرُّواةُ في (p-٣٩٠)كَيْفِيَّةِ القَتْلِ والصَّلْبِ، ولَمْ يَثْبُتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في ذَلِكَ شَيْءٌ غَيْرُ ما دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ. ومُنْتَهى ما آلَ إلَيْهِ أمْرُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ طَلَبَتْهُ اليَهُودُ فاخْتَفى هو والحَوارِيُّونَ في بَيْتٍ؛ فَدُلُّوا عَلَيْهِ وحَضَرُوا لَيْلًا، وهم ثَلاثَةَ عَشَرَ، أوْ ثَمانِيَةَ عَشَرَ؛ فَفَرَّقَهم تِلْكَ اللَّيْلَةَ ووَجَّهَهم إلى الآفاقِ، وبَقِيَ هو ورَجُلٌ مَعَهُ؛ فَرُفِعَ عِيسى وأُلْقِيَ شَبَهُهُ عَلى الرَّجُلِ فَصُلِبَ. وقِيلَ هو اليَهُودِيُّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ. وقِيلَ قالَ لِأصْحابِهِ: أيُّكم يُلْقى عَلَيْهِ شَبَهِي فَيُقْتَلُ ويُخَلِّصُ هَؤُلاءِ، وهو رَفِيقِي في الجَنَّةِ ؟ فَقالَ سَرْجِسُ: أنا، فَأُلْقِيَ عَلَيْهِ شَبَهُ عِيسى. وقِيلَ أُلْقِيَ شَبَهُهُ عَلى الجَمِيعِ، فَلَمّا أُخْرِجُوا نَقَصَ واحِدٌ مِنَ العِدَّةِ، فَأخَذُوا واحِدًا مِمَّنْ عَلَيْهِ الشَّبَهُ فَصُلِبَ. ورُوِيَ أنَّ المَلِكَ والمُتَناوِلِينَ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِمْ أمْرُ عِيسى لِما رَأوْهُ مِن نُقْصانِ العِدَّةِ، واخْتِلاطِ الأمْرِ؛ فَصُلِبَ ذَلِكَ الشَّخْصُ، وأُبْعِدَ النّاسُ عَنْ خَشَبَتِهِ أيّامًا حَتّى تَغَيَّرَ، ولَمْ تَثْبُتْ لَهُ صِفَةٌ؛ وحِينَئِذٍ دَنا النّاسُ مِنهُ، ومَضى الحَوارِيُّونَ يَتَحَدَّثُونَ في الآفاقِ: إنَّ عِيسى صُلِبَ. وقِيلَ لَمْ يُلْقَ شَبَهُهُ عَلى أحَدٍ؛ وإنَّما مَعْنى: ﴿ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ أيْ شَبَّهَ عَلَيْهِمُ المَلِكُ المُمَخْرِقُ لِيَسْتَدِيمَ بِما نَقَصَ واحِدٌ مِنَ العِدَّةِ، وكانَ بادَرَ بِصَلْبِ واحِدٍ، وأبْعَدَ النّاسِ عَنْهُ، وقالَ: هَذا عِيسى؛ وهَذا القَوْلُ هو الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعْتَقَدَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾؛ أمّا أنْ يُلْقى شَبَهُهُ عَلى شَخْصٍ؛ فَلَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُعْتَمَدَ عَلَيْهِ. وقَدِ اخْتُلِفَ فِيمَن أُلْقِيَ عَلَيْهِ الشَّبَهُ اخْتِلافًا كَثِيرًا. فَقِيلَ اليَهُودِيُّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ. وقِيلَ خَلِيفَةُ قَيْصَرَ الَّذِي كانَ مَحْبُوسًا عِنْدَهُ. وقِيلَ واحِدٌ مِنَ اليَهُودِ. وقِيلَ دَخَلَ لِيَقْتُلَهُ. وقِيلَ رَقِيبٌ، وكَلَتْهُ بِهِ اليَهُودُ. وقِيلَ أُلْقِيَ الشَّبَهُ عَلى كُلِّ الحَوارِيِّينَ. وقِيلَ أُلْقِيَ الشَّبَهُ عَلى الوَجْهِ دُونَ البَدَنِ، وهَذا الوُثُوقُ مِمّا يَدْفَعُ الوُثُوقَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ. ولِهَذا قالَ بَعْضُهم: إنْ جازَ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُلْقِي شَبَهَ إنْسانٍ عَلى إنْسانٍ آخَرَ؛ فَهَذا يَفْتَحُ بابَ السَّفْسَطَةِ. وقِيلَ سَبَبُ اجْتِماعِ اليَهُودِ عَلى قَتْلِهِ هو أنَّ رَهْطًا مِنهم سَبُّوهُ، وسَبُّوا أُمَّهُ فَدَعا عَلَيْهِمْ: ”اللَّهُمَّ أنْتَ رَبِّي، وبِكَلِمَتِكَ خَلَقْتَنِي، اللَّهُمَّ العَنْ مَن سَبَّنِي، وسَبَّ والِدَتِي“ فَمَسَخَ اللَّهُ مَن سَبَّهُما قِرَدَةً، وخَنازِيرَ، فاجْتَمَعَتِ اليَهُودُ عَلى قَتْلِهِ. و(شُبِّهَ) مُسْنَدٌ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ؛ كَقَوْلِهِ: خُيِّلَ إلَيْهِ، ولَكِنْ وقَعَ لَهُمُ التَّشْبِيهُ. ويَجُوزُ أنْ يُسْنَدَ إلى ضَمِيرِ المَقْتُولِ الدّالِّ عَلَيْهِ: إنّا قَتَلْنا أيْ ولَكِنْ شُبِّهَ لَهم مَن قَتَلُوهُ. ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرَ المَسِيحِ؛ لِأنَّ المَسِيحَ مُشَبَّهٌ بِهِ لا مُشَبَّهٌ. ﴿وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفي شَكٍّ مِنهُ ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلّا اتِّباعَ الظَّنِّ﴾ اخْتَلَفَ فِيهِ اليَهُودُ؛ فَقالَ بَعْضُهم: لَمْ يُقْتَلْ، ولَمْ يُصْلَبْ؛ الوَجْهُ وجْهُ عِيسى والجَسَدُ جَسَدُ غَيْرِهِ. وقِيلَ: أدْخَلُوا عَلَيْهِ واحِدًا لِيَقْتُلَهُ، فَأُلْقِيَ الشَّبَهُ عَلَيْهِ فَصُلِبَ، ونَقَصَ مِنَ العَدَدِ واحِدٌ. وكانُوا عَلِمُوا عَدَدَ الحَوارِيِّينَ؛ فَقالُوا: إنْ كانَ المَصْلُوبُ صاحِبَنا فَأيْنَ عِيسى ؟ وإنْ كانَ عِيسى فَأيْنَ صاحِبُنا ؟ وقِيلَ قالَ العَوامُّ: قَتَلْنا عِيسى، وقالَ مَن عايَنَ: رَفَعَهُ إلى السَّماءِ ما قُتِلَ، ولا صُلِبَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: واليَقِينُ الَّذِي صَحَّ فِيهِ نَقْلُ الكافَّةِ عَنْ حَواسِّها هو أنَّ شَخْصًا صُلِبَ، وهَلْ هو عِيسى أمْ لا ؟ فَلَيْسَ هو مِن عِلْمِ الحَوّاسِ؛ فَلِذَلِكَ لَمْ يَقَعْ في ذَلِكَ نَقْلٌ كافَّةً. والضَّمِيرُ في فِيهِ عائِدٌ عَلى القَتْلِ؛ مَعْناهُ: في قَتْلِهِ، وهَذا هو الظّاهِرُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، وما بَعْدَهُ. وقِيلَ الضَّمِيرُ في اخْتَلَفُوا عائِدٌ عَلى اليَهُودِ أيْضًا، واخْتِلافُهم فِيهِ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّهُ إلَهٌ. وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّهُ ابْنُ اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ اخْتِلافُهم فِيهِ أنَّ النَّسْطُورِيَّةَ قالُوا: وقَعَ الصَّلْبُ عَلى ناسُوتِهِ دُونَ لاهُوتِهِ. وقِيلَ وقَعَ القَتْلُ والصَّلْبُ عَلَيْهِما. وقِيلَ عائِدٌ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى؛ فَإنَّ اليَهُودَ قالُوا: هو ابْنُ زِنًا. وقالَتِ النَّصارى: هو ابْنُ اللَّهِ. وقِيلَ اخْتِلافُهم مِن جِهَةِ أنَّ النَّصارى قالُوا: إنَّ اليَهُودَ قَتَلَتْهُ وصَلَبَتْهُ واليَهُودُ الَّذِينَ عايَنُوا رَفْعَهُ قالُوا: رُفِعَ إلى السَّماءِ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّ ﴿إلّا اتِّباعَ الظَّنِّ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّ اتِّباعَ الظَّنِّ لَيْسَ مِن جِنْسِ العِلْمِ (p-٣٩١)أيْ ولَكِنَّ اتِّباعَ الظَّنِّ لَهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي ولَكِنَّهم يَتَّبِعُونَ الظَّنَّ، وهَذا تَفْسِيرُ مَعْنًى لا تَفْسِيرَ إعْرابٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ إذِ الظَّنُّ والعِلْمُ يَضُمُّهُما أنَّهُما مِن مُعْتَقَداتِ اليَقِينِ. وقَدْ يَقُولُ الظّانُّ عَلى طَرِيقِ التَّجَوُّزِ: عِلْمِي في هَذا الأمْرِ أنَّهُ كَذا، وهو يَعْنِي ظَنَّهُ، انْتَهى. ولَيْسَ كَما ذُكِرَ؛ لِأنَّ الظَّنَّ لَيْسَ مِن مُعْتَقَداتِ اليَقِينِ؛ لِأنَّهُ تَرْجِيحُ أحَدِ الجائِزَيْنِ؛ وما كانَ تَرْجِيحًا فَهو يُنافِي اليَقِينَ؛ كَما أنَّ اليَقِينَ يُنافِي تَرْجِيحَ أحَدِ الجائِزَيْنِ. وعَلى تَقْدِيرِ: أنَّ الظَّنَّ والعِلْمَ يَضُمُّهُما ما ذُكِرَ؛ فَلا يَكُونُ أيْضًا اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَسْتَثْنِ الظَّنَّ مِنَ العِلْمِ. فَلَيْسَتِ التِّلاوَةُ ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلّا الظَّنَّ؛ وإنَّما التِّلاوَةُ إلّا اتِّباعَ الظَّنِّ، والِاتِّباعُ لِلظَّنِّ لا يَضُمُّهُ والعِلْمُ جِنْسُ ما ذُكِرَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ. فَإنْ قُلْتَ: لِمَ وُصِفُوا بِالشَّكِّ، والشَّكُّ أنْ لا يَتَرَجَّحَ أحَدُ الجائِزَيْنِ ؟ ثُمَّ وُصِفُوا بِالظَّنِّ، والظَّنُّ أنْ يَتَرَجَّحَ أحَدُهُما؛ فَكَيْفَ يَكُونُونَ شاكِّينَ ظانِّينَ ؟ قُلْتُ: أُرِيدَ أنَّهم شاكُّونَ ما لَهم مِن عِلْمٍ قَطُّ، ولَكِنْ لاحَتْ لَهم أمارَةٌ فَظَنُّوا، انْتَهى. وهو جَوابُ سُؤالِهِ؛ ولَكِنْ يُقالُ: لا يَرِدُ هَذا السُّؤالُ؛ لِأنَّ العَرَبَ تُطْلِقُ الشَّكَّ عَلى ما لَمْ يَقَعْ فِيهِ القَطْعُ واليَقِينُ فَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ ما يَتَرَدَّدُ فِيهِ، إمّا عَلى السَّواءِ بِلا تَرْجِيحٍ، أوْ بِتَرْجِيحِ أحَدِ الطَّرَفَيْنِ. وإذا كانَ كَذَلِكَ انْدَفَعَ السُّؤالُ. ﴿وما قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ وجَماعَةٌ: الضَّمِيرُ في قَتَلُوهُ عائِدٌ عَلى الظَّنِّ. تَقُولُ: قَتَلْتُ هَذا الأمْرَ عِلْمًا إذا قَطَعْتَ بِهِ، وجَزَمْتَ الجَزْمَ الَّذِي لا يُخالِجُهُ شَيْءٌ؛ فالمَعْنى: وما صَحَّ ظَنُّهم عِنْدَهم، وما تَحَقَّقُوهُ يَقِينًا، ولا قَطَعُوا الظَّنَّ بِاليَقِينِ. وقالَ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ؛ الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى العِلْمِ؛ أيْ ما قَتَلُوا العِلْمَ يَقِينًا. يُقالُ: قَتَلْتُ العِلْمَ والرَّأْيَ يَقِينًا وقَتَلْتُهُ عِلْمًا؛ لِأنَّ القَتْلَ لِلشَّيْءِ يَكُونُ عَنْ قَهْرٍ واسْتِعْلاءٍ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ لَمْ يَكُنْ عِلْمُهم بِقَتْلِ المَسِيحِ عِلْمًا أُحِيطَ بِهِ؛ إنَّما كانَ ظَنًّا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ تَهَكُّمٌ؛ لِأنَّ (إذا) نُفِيَ عَنْهُمُ العِلْمُ نَفْيًا كُلِّيًا بِحَرْفِ الِاسْتِغْراقِ ثُمَّ قِيلَ، وما عَلِمُوهُ عِلْمَ يَقِينٍ وإحاطَةٍ لَمْ يَكُنْ إلّا تَهَكُّمًا، انْتَهى. والظّاهِرُ قَوْلُ الجُمْهُورِ: إنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلى عِيسى بِجَعْلِ الضَّمائِرِ كُلِّها كَشَيْءٍ واحِدٍ، فَلا تَخْتَلِفُ. والمَعْنى صَحِيحٌ بَلِيغٌ، وانْتِصابُ (يَقِينًا) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ (قَتَلُوهُ)؛ أيْ مُتَيَقِّنِينَ أنَّهُ عِيسى كَما ادَّعَوْا ذَلِكَ في قَوْلِهِمْ: إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ؛ قالَهُ السُّدِّيُّ. أوْ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ قَتْلًا يَقِينًا جَوَّزَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ الحَسَنُ: وما قَتَلُوهُ حَقًّا، انْتَهى. فانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ كَقَوْلِكَ: وما قَتَلُوهُ حَقًّا؛ أيْ حَقَّ انْتِفاءِ قَتْلِهِ حَقًّا. وما حُكِيَ عَنِ ابْنِ الأنْبارِيِّ أنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا وأنَّ (يَقِينًا) مَنصُوبٌ بِـ ﴿رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾ والمَعْنى: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ يَقِينًا؛ فَلَعَلَّهُ لا يَصِحُّ عَنْهُ. وقَدْ نَصَّ الخَلِيلُ عَلى أنَّ ذَلِكَ خَطَأٌ؛ لِأنَّهُ لا يَعْمَلُ ما بَعْدَ (بَلْ) في ما قَبْلَها. ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾ هَذا إبْطالٌ لِما ادَّعَوْهُ مِن قَتْلِهِ وصَلْبِهِ، وهو حَيٌّ في السَّماءِ الثّانِيَةِ عَلى ما صَحَّ عَنِ الرَّسُولِ في حَدِيثِ المِعْراجِ. وهو هُنالِكَ مُقِيمٌ حَتّى يُنْزِلَهُ اللَّهُ إلى الأرْضِ لِقَتْلِ الدَّجّالِ، ولِيَمْلَأها عَدْلًا كَما مُلِئَتْ جَوْرًا، ويَحْيا فِيها أرْبَعِينَ سَنَةً ثُمَّ يَمُوتُ كَما تَمُوتُ البَشَرُ. وقالَ قَتادَةُ: رَفَعَ اللَّهُ عِيسى إلَيْهِ فَكَساهُ الرِّيشَ وألْبَسَهُ النُّورَ، وقَطَعَ عَنْهُ الطَّعامَ والشَّرابَ؛ فَصارَ مَعَ المَلائِكَةِ؛ فَهو مَعَهم حَوْلَ العَرْشِ؛ فَصارَ إنْسِيًّا مَلَكِيًّا سَماوِيًّا أرْضِيًّا. والضَّمِيرُ في إلَيْهِ عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى عَلى حَذْفِ التَّقْدِيرِ إلى سَمائِهِ، وقَدْ جاءَ ﴿ورافِعُكَ إلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] . وقِيلَ إلى حَيْثُ لا حُكْمَ فِيهِ إلّا لَهُ. ولا يُوَجَّهُ الدُّعاءُ إلّا نَحْوَهُ، وهو راجِعٌ إلى الأوَّلِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: أعْلَمَ اللَّهُ تَعالى عَقِيبَ ذِكْرِهِ أنَّهُ وصَلَ إلى عِيسى أنْواعٌ مِنَ البَلايا أنَّهُ رَفَعَهُ إلَيْهِ فَدَلَّ أنَّ رَفْعَهُ إلَيْهِ أعْظَمُ في إيصالِ الثَّوابِ مِنَ الجَنَّةِ، ومِن كُلِّ ما فِيها مِنَ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ؛ وهَذِهِ الآيَةُ تَفْتَحُ عَلَيْكَ بابَ مَعْرِفَةِ السِّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ، انْتَهى. وفِيهِ نَحْوٌ (p-٣٩٢)مِن كَلامِ المُتَفَلْسِفَةِ. (وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) . قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: المُرادُ مِنَ المَعَزَّةِ كَمالُ القُدْرَةِ، ومِنَ الحِكْمَةِ كَمالُ العِلْمِ؛ فَنَبَّهَ بِهَذا عَلى أنَّ رَفْعَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الدُّنْيا إلى السَّماواتِ وإنْ كانَ كالمُتَعَذَّرِ عَلى البَشَرِ، لَكِنْ لا تُعْذَرُ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِي وحِكْمَتِي، انْتَهى. وقالَ غَيْرُهُ: عَزِيزًا أيْ قَوِيًّا بِالنِّقْمَةِ مِنَ اليَهُودِ؛ فَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ بُطْرُسَ الرُّومِيّ فَقَتَلَ مِنهم مَقْتَلَةً عَظِيمَةً. حَكِيمًا حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِاللَّعْنَةِ والغَضَبِ. وقِيلَ: عَزِيزًا؛ أيْ: لا يُغالَبُ؛ لِأنَّ اليَهُودَ حاوَلَتْ بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أمْرًا وأرادَ اللَّهُ خِلافَهُ. حَكِيمًا أيْ: واضِعَ الأشْياءِ مَواضِعَها؛ فَمِن حَكَمَتِهِ تَخْلِيصُهُ مِنَ اليَهُودِ، ورَفْعُهُ إلى السَّماءِ لِما يُرِيدُ وتَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ تَعالى. وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: أوْحى اللَّهُ تَعالى إلى عِيسى عَلى رَأْسِ ثَلاثِينَ سَنَةً، ثُمَّ رَفَعَهُ وهو ابْنُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً؛ فَكانَتْ نُبُوَّتُهُ ثَلاثَ سِنِينَ. وقِيلَ: بَعَثَ اللَّهُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأدْخَلَهُ خَوْخَةً فِيها رَوْزَنَةٌ في سَقْفِها؛ فَرَفَعَهُ اللَّهُ تَعالى إلى السَّماءِ مِن تِلْكَ الرَّوْزَنَةِ. ﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ . إنْ: هُنا نافِيَةٌ، والمُخْبَرُ عَنْهُ مَحْذُوفٌ قامَتْ صِفَتُهُ مَقامَهُ، التَّقْدِيرُ: وما أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ. كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] والمَعْنى: وما مِنَ اليَهُودِ. وقَوْلُهُ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] أيْ: وما أحَدٌ مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ، وما أحَدٌ مِنكم إلّا وارِدُها. قالَ الزَّجّاجُ: وحُذِفَ (أحَدٌ) لِأنَّهُ مَطْلُوبٌ في كُلِّ نَفْيٍ يَدْخُلُهُ الِاسْتِثْناءُ نَحْوَ: ما قامَ إلّا زَيْدٌ، مَعْناهُ ما قامَ أحَدٌ إلّا زَيْدٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ جُمْلَةٌ قَسَمِيَّةٌ واقِعَةٌ صِفَةً لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ؛ تَقْدِيرُهُ: وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ أحَدٌ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ، ونَحْوُهُ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤]، ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] . والمَعْنى: وما مِنَ اليَهُودِ أحَدٌ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ، انْتَهى. وهُوَ غَلَطٌ فاحِشٌ إذْ زَعَمَ أنَّ ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ جُمْلَةٌ قَسَمِيَّةٌ واقِعَةٌ صِفَةً لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ إلى آخِرِهِ، وصِفَةُ (أحَدٌ) المَحْذُوفِ إنَّما هو الجارُّ والمَجْرُورُ وهو (مِن أهْلِ الكِتابِ)، والتَّقْدِيرُ كَما ذَكَرْناهُ: وإنْ أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾؛ فَلَيْسَتْ صِفَةً لِمَوْصُوفٍ، ولا هي جُمْلَةٌ قَسَمِيَّةٌ كَما زَعَمَ؛ إنَّما هي جُمْلَةُ جَوابِ القَسَمِ، والقَسَمُ مَحْذُوفٌ، والقَسَمُ وجَوابُهُ في مَوْضِعِ رَفْعِ خَبَرِ المُبْتَدَأِ الَّذِي هو (أحَدٌ) المَحْذُوفُ؛ إذْ لا يَنْتَظِمُ مِن أحَدٍ والمَجْرُورِ إسْنادٌ؛ لِأنَّهُ لا يُفِيدُ؛ وإنَّما يَنْتَظِمُ الإسْنادُ بِالجُمْلَةِ القَسَمِيَّةِ وجَوابِها؛ فَذَلِكَ هو مَحَطُّ الفائِدَةِ وكَذَلِكَ أيْضًا الخَبَرُ هو ﴿إلّا لَهُ مَقامٌ﴾ [الصافات: ١٦٤]، وكَذَلِكَ إلّا وارِدُها؛ إذْ لا يَنْتَظِمُ مِمّا قَبْلَ إلّا تَرْكِيبٌ إسْنادِيٌّ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَيْنِ في: بِهِ ومَوْتِهِ عائِدانِ عَلى عِيسى وهو سِياقُ الكَلامِ، والمَعْنى: مِن أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ يَكُونُونَ في زَمانِ نُزُولِهِ. رُوِيَ أنَّهُ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ في آخِرِ الزَّمانِ؛ فَلا يَبْقى أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ إلّا يُؤْمِنُ بِهِ؛ حَتّى تَكُونَ المِلَّةُ واحِدَةً وهي مِلَّةُ الإسْلامِ؛ قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وأبُو مالِكٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وعِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ والحَسَنُ أيْضًا ومُجاهِدٌ وغَيْرُهم: الضَّمِيرُ في بِهِ لِعِيسى، وفي مَوْتِهِ لِكِتابِيٍّ وقالُوا: ولَيْسَ يَمُوتُ يَهُودِيٌّ حَتّى يُؤْمِنَ بِعِيسى ويَعْلَمَ أنَّهُ نَبِيٌّ؛ ولَكِنْ عِنْدَ المُعايَنَةِ لِلْمَوْتِ فَهو إيمانٌ لا (p-٣٩٣)يَنْفَعُهُ كَما لَمْ يَنْفَعْ فِرْعَوْنَ إيمانُهُ وقْتَ المُعايَنَةِ. وبَدَأ بِما يُشْبِهُ هَذا لِقَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ. قالَ: والمَعْنى ما مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى أحَدٌ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ قَبْلَ مَوْتِهِ بِعِيسى، وبِأنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ ؟ يَعْنِي: إذا عايَنَ قَبْلَ أنْ تَزْهَقَ رُوحُهُ حِينَ لا يَنْفَعُهُ إيمانُهُ لِانْقِطاعِ وقْتِ التَّكْلِيفِ. ثُمَّ حُكِيَ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ والحَجّاجِ حِكايَةٌ فِيها طُولٌ يَمَسُّ بِالتَّفْسِيرِ مِنها: أنَّ اليَهُودِيَّ إذا حَضَرَهُ المَوْتُ ضَرَبَتِ المَلائِكَةُ دُبُرَهُ ووَجْهَهُ وقالُوا: يا عَدُوَّ اللَّهِ أتاكَ عِيسى نَبِيًّا فَكَذَّبْتَ بِهِ؛ فَيَقُولُ: آمَنتُ أنَّهُ نَبِيٌّ. وتَقُولُ لِلنَّصْرانِيِّ: أتاكَ عِيسى نَبِيًّا فَزَعَمْتَ أنَّهُ اللَّهُ أوِ ابْنُ اللَّهِ؛ فَيَقُولُ: آمَنتُ أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ حَيْثُ لا يَنْفَعُهُ إيمانُهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ فَسَّرَهُ كَذَلِكَ؛ فَقالَ لَهُ عِكْرِمَةُ: فَإنْ أتاهُ رَجُلٌ فَضَرَبَ عُنُقَهُ ؟ قالَ: لا تَخْرُجُ نَفْسُهُ حَتّى يُحَرِّكَ بِها شَفَتَيْهِ. قالَ: وإنْ خَرَجَ فَوْقَ بَيْتٍ أوِ احْتَرَقَ أوْ أكَلَهُ سَبُعٌ ؟ قالَ: يَتَكَلَّمُ بِها في الهَوى، ولا تَخْرُجُ رُوحُهُ حَتّى يُؤْمِنَ بِهِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ: ”إلّا لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِمْ“ بِضَمِّ النُّونِ عَلى مَعْنى: وإنْ مِنهم أحَدٌ إلّا سَيُؤْمِنُونَ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِمْ؛ لِأنَّ أحَدًا يَصْلُحُ لِلْجَمْعِ. فَإنْ قُلْتَ: فَما فائِدَةُ الإخْبارِ بِإيمانِهِمْ بِعِيسى قَبْلَ مَوْتِهِمْ ؟ قُلْتُ: فائِدَتُهُ الوَعِيدُ، ولْيَكُنْ عِلْمُهم بِأنَّهم لا بُدَّ لَهم مِنَ الإيمانِ بِهِ عَنْ قَرِيبٍ عِنْدَ المُعايَنَةِ، وأنَّ ذَلِكَ لا يَنْفَعُهم بَعْثًا لَهم وتَنْبِيهًا عَلى مُعالَجَةِ الإيمانِ بِهِ في أوانِ الِانْتِفاعِ بِهِ، ولِيَكُونَ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ لَهم. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ. ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ يَشْهَدُ عَلى اليَهُودِ بِأنَّهم كَذَّبُوهُ، وعَلى النَّصارى بِأنَّهم دَعَوْهُ ابْنَ اللَّهِ، انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ أيْضًا: ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ أنَّهُ لا يَبْقى أحَدٌ مِن جَمِيعِ أهْلِ الكِتابِ إلّا لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ، عَلى أنَّ اللَّهَ يُحْيِيهِمْ في قُبُورِهِمْ في ذَلِكَ الزَّمانِ ويُعْلِمُهم نُزُولَهُ وما نَزَلَ لَهُ، ويُؤْمِنُونَ بِهِ حِينَ لا يَنْفَعُهم إيمانُهم، انْتَهى. وقالَ عِكْرِمَةُ: الضَّمِيرُ في بِهِ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وفي مَوْتِهِ لِلْكِتابِيِّ. قالَ: ولَيْسَ يَخْرُجُ يَهُودِيٌّ ولا نَصْرانِيٌّ مِنَ الدُّنْيا حَتّى يُؤْمِنَ بِمُحَمَّدٍ، ولَوْ غَرِقَ أوْ سَقَطَ عَلَيْهِ جِدارٌ؛ فَإنَّهُ يُؤْمِنُ في ذَلِكَ الوَقْتِ. وقِيلَ: يَعُودُ في بِهِ عَلى اللَّهِ، وفي مَوْتِهِ عَلى أحَدٍ المُقَدَّرِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إذا نَزَلَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِقَتْلِ الدَّجّالِ لَمْ يَبْقَ يَهُودِيٌّ ولا نَصْرانِيٌّ إلّا آمَنَ بِاللَّهِ حِينَ يَرَوْنَ قَتْلَ الدَّجّالِ، وتَصِيرُ الأُمَمُ كُلُّها واحِدَةً عَلى مِلَّةِ الإسْلامِ، ويُعْزى هَذا القَوْلُ أيْضًا إلى ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ. وقالَ العَبّاسُ بْنُ غَزْوانَ: وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ بِتَشْدِيدِ النُّونِ، وهي قِراءَةٌ عَسِرَةُ التَّخْرِيجِ، ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ أيْ: شَهِيدًا عَلى أهْلِ الكِتابِ عَلى اليَهُودِ بِتَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ وطَعْنِهِمْ فِيهِ، وعَلى النَّصارى بِجَعْلِهِمْ إيّاهُ إلاهًا مَعَ اللَّهِ أوِ ابْنًا لَهُ، والضَّمِيرُ في يَكُونُ لِعِيسى. وقالَ عِكْرِمَةُ: لِمُحَمَّدٍ ﷺ . قِيلَ: وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ أنْواعًا مِنَ الفَصاحَةِ والبَدِيعِ؛ فَمِنها التَّجْنِيسُ المُغايِرُ في: (يُخادِعُونَ) و(خادِعُهم)، و(شَكَرْتُمْ) و(شاكِرًا) . والمُماثِلُ في: (وإذا قامُوا) . والتَّكْرارُ في اسْمِ اللَّهِ، وفي: (هَؤُلاءِ) و(هَؤُلاءِ)، وفي: و(يَرَوْنَ) و(يُرِيدُونَ)، وفي: (الكافِرِينَ) و(الكافِرِينَ)، وفي: (أهْلِ الكِتابِ) و(كِتابًا)، وفي: (بِمِيثاقِهِمْ) و(مِيثاقًا) . والطِّباقُ في: الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ، وفي: (إنْ تَبْدُوا) أوْ (تُخْفُوهُ)، وفي: (نُؤْمِنُ) و(نَكْفُرُ)، والِاخْتِصاصُ في: (إلى الصَّلاةِ)، وفي: ﴿الدَّرْكِ الأسْفَلِ﴾ [النساء: ١٤٥]، وفي: ﴿الجَهْرَ بِالسُّوءِ﴾ [النساء: ١٤٨] . والإشارَةُ في مَواضِعَ الِاسْتِعارَةِ في ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] اسْتَعارَ اسْمَ الخِداعِ لِلْمُجازاةِ وفي (سَبِيلًا)، وفي (سُلْطانًا) لِقِيامِ الحُجَّةِ و﴿الدَّرْكِ الأسْفَلِ﴾ [النساء: ١٤٥] لِانْخِفاضِ طَبَقاتِهِمْ في النّارِ، و(اعْتَصِمُوا) لِلِالتِجاءِ، وفي: ﴿أنْ يُفَرِّقُوا﴾، وفي: ﴿ولَمْ يُفَرِّقُوا﴾ وهو حَقِيقَةٌ في الأجْسامِ اسْتُعِيرَ لِلْمَعانِي، وفي (سُلْطانًا) اسْتُعِيرَ لِلْحُجَّةِ، وفي: (غُلْفٌ) و﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ﴾ . وزِيادَةُ الحَرْفِ لِمَعْنى في (فَبِما نَقْضِهِمْ) . وإسْنادُ الفِعْلِ إلى غَيْرِ فاعِلِهِ في: فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ وجاءَتْهُمُ البَيِّناتُ وإلى الرّاضِي بِهِ وفي: وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ، وفي: ﴿وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا﴾، ﴿وقَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ﴾ . وحُسْنُ النَّسَقِ في: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم، والمَعاطِيفِ (p-٣٩٤)عَلَيْهِ حَيْثُ نُسِّقَتْ بِالواوِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى الجَمِيعِ فَقَطْ. وبَيْنَ هَذِهِ الأشْياءِ أعْصارٌ مُتَباعِدَةٌ فَشَرَكَ أوائِلَهم وأواخِرَهم لِعَمَلِ أُولَئِكَ ورِضا هَؤُلاءِ. وإطْلاقُ اسْمِ كُلٍّ عَلى بَعْضٍ وفي: كُفْرِهم بِآياتِ اللَّهِ وهو القُرْآنُ والإنْجِيلُ ولَمْ يَكْفُرُوا بِشَيْءٍ مِنَ الكُتُبِ إلّا بِهِما وفي قَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا ولَمْ يَقُلْ ذَلِكَ إلّا بَعْضُهم. والتَّعْرِيضُ في رَسُولِ اللَّهِ إذا قُلْنا إنَّهُ مِن كَلامِهِمْ. والتَّوْجِيهُ في غُلْفٌ مِنَ احْتِمالِ المَصْدَرِ جَمْعُ غِلافٍ أوْ جَمْعُ أغْلُفٍ. وعَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ وهو في ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ عَلى مَن جَعَلَهُما لِغَيْرِ عِيسى. والنَّقْلُ مِن صِيغَةِ فاعِلٍ إلى فَعِيلٍ في شَهِيدٍ. والحَذْفُ في مَواضِعَ.

النساء 4:154

﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ والنَّصارى، آمَنَتِ اليَهُودُ بِمُوسى والتَّوْراةِ، وكَفَرَتْ بِعِيسى، ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَّلامُ، وآمَنَتِ النَّصارى بِعِيسى والإنْجِيلِ، وكَفَرَتْ بِمُحَمَّدٍ والقُرْآنِ. وقِيلَ نَزَلَتْ في اليَهُودِ خاصَّةً، آمَنُوا بِمُوسى وعُزَيْرٍ والتَّوْراةِ، وكَفَرُوا بِعِيسى والإنْجِيلِ، ومُحَمَّدٍ والقُرْآنِ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها: أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ ما عَلَيْهِ المُنافِقُونَ مِن سُوءِ الخَلِيقَةِ ومَذْمُومِ الطَّرِيقَةِ أخَذَ في الكَلامِ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى؛ جَعَلَ كُفْرَهم بِبَعْضِ الرُّسُلِ كُفْرًا بِجَمِيعِ الرُّسُلِ، وكُفْرَهم بِالرُّسُلِ كُفْرًا بِاللَّهِ تَعالى. ﴿ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ﴾؛ أيْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الإيمانِ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ يَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِاللَّهِ، ولا نُؤْمِنُ بِفُلانٍ وفُلانٍ مِنَ الأنْبِياءِ. ﴿ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ يَعْنِي مِنَ الأنْبِياءِ. وقِيلَ هو تَصْدِيقُ اليَهُودِ بِمُحَمَّد أنَّهُ نَبِيٌّ؛ ولَكِنْ لَيْسَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ. ونَحْوُ هَذا مِن تَفَرُّقاتِهِمُ الَّتِي كانَتْ تَعَنُّتًا، ورَوَغانًا. ﴿ويُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾؛ أيْ طَرِيقًا وسَطًا بَيْنَ الكُفْرِ والإيمانِ، ولا واسِطَةَ بَيْنَهُما. ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ حَقًّا﴾ أكَّدَ بِقَوْلِهِ هم، لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ ذَلِكَ الإيمانَ يَنْفَعُهم. وأكَّدَ بِقَوْلِهِ: حَقًّا، وهو تَأْكِيدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ، كَما تَقُولُ: هَذا عَبْدُ اللَّهِ حَقًّا؛ أيْ حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا. أوْ هو نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ كُفْرًا حَقًّا؛ أيْ ثابِتًا يَقِينًا لا شَكَّ فِيهِ. أوْ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ لِذَلِكَ نَظائِرُ، وقَدْ طَعَنَ الواحِدِيُّ في هَذا التَّوْجِيهِ، وقالَ: الكُفْرُ لا يَكُونُ حَقًّا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ولا يَلْزَمُ ما قالَ إنَّهُ لا يُرادُ بِحَقًّا الحَقُّ الَّذِي هو مُقابِلٌ لِلْباطِلِ؛ وإنَّما المَعْنى أنَّهُ كُفْرٌ ثابِتٌ مُتَيَقَّنٌ؛ وإنَّما كانَ التَّوْكِيدُ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ داعِيَ الإيمانِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الأنْبِياءِ، (p-٣٨٦)وهُوَ ظُهُورُ المُعْجِزاتِ عَلى أيْدِيهِمْ؛ فَكَوْنُهم فَرَّقُوا في الإيمانِ بَيْنَهم دَلِيلٌ عَلى كُفْرِهِمْ بِالجَمِيعِ؛ إذْ لَيْسَ إيمانُهم بِبَعْضٍ ناشِئًا عَنِ النَّظَرِ في الدَّلِيلِ؛ وإنَّما هم عَلى سَبِيلِ التَّشَهِّي والتَّلاعُبِ. (وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا) هَذا وعِيدٌ لَهم بِالإهانَةِ في العَذابِ. ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ هَؤُلاءِ هُمُ المُؤْمِنُونَ أتْباعُ مُحَمَّدٍ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى دُخُولِ (بَيْنَ) عَلى (أحَدٍ) في البَقَرَةِ. في قَوْلِهِ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا. (أُولَئِكَ سَوْفَ نُؤْتِيهِمْ أُجُورَهم) صَرَّحَ تَعالى بِوَعْدِ هَؤُلاءِ كَما صَرَّحَ بِوَعِيدِ أُولَئِكَ. وقَرَأ حَفْصٌ: يُؤْتِيهِمْ بِالياءِ لِيَعُودَ عَلى اسْمِ اللَّهِ قَبْلَهُ. وقَرَأ الباقُونَ: بِالنُّونِ عَلى الِالتِفاتِ ومُقابِلُهُ (وأعْتَدْنا) . وقَوْلُ أبِي عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيِّ: قِراءَةُ النُّونِ أوْلى مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أنْهَمُ، والآخَرُ: أنَّهُ مَشاكِلٌ لِقَوْلِهِ: وأعْتَدْنا؛ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، ولا أوْلَوِيَّةَ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ القِراءَتَيْنِ كِلْتاهُما مُتَواتِرَةٌ، هَكَذا نَزَلَتْ، وهَكَذا أُنْزِلَتْ. (وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) لَمّا وعَدَهم تَعالى بِالثَّوابِ زادَهم تَبْشِيرًا لِتَجاوُزٍ عَنِ السَّيِّئاتِ، وبِرَحْمَتِهِ إيّاهم. ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: قالَتِ اليَهُودُ: إنْ كُنْتَ صادِقًا فَجِئْ بِكِتابٍ مِنَ السَّماءِ جُمْلَةً، كَما جاءَ مُوسى بِالكِتابِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: قالُوا: ائْتِ بِألْواحٍ فِيها كِتابُكَ، كَما أتى مُوسى بِألْواحٍ فِيها التَّوْراةُ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: سَألُوهُ أنْ يَأْتِيَ بِكِتابٍ خاصٍّ لِلْيَهُودِ يَأْمُرُهم بِالإيمانِ بِمُحَمَّدٍ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قالُوا: لَنْ نُتابِعَكَ عَلى ما تَدْعُونا إلَيْهِ، حَتّى تَأْتِيَنا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ إلى فُلانٍ وإلى فُلانٍ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ؛ فَعَلى قَوْلِ ابْنِ جُرَيْجٍ يَقْتَضِي أنَّ سُؤالَهم كانَ عَلى نَحْوِ سُؤالِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمَيَّةَ الزُّهْرِيِّ، وقِيلَ كِتابًا نُعايِنُهُ حَتّى يَنْزِلَ، وسَمّى مِن سائِلِي اليَهُودِ: كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ، وفِنْخاصَ بْنَ عازُوراءَ. وقِيلَ السّائِلُونَ هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، وسُؤالُهم إنَّما هو عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ. وقالَ الحَسَنُ: لَوْ سَألُوهُ لِكَيْ يَتَبَيَّنَ الحَقُّ لَأعْطاهم؛ فَإنَّ فِيما أعْطاكم كِفايَةً. ﴿فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقالُوا أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ قَدَّرُوا قَبْلَ هَذا كَلامًا مَحْذُوفًا؛ فَجَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ شَرْطًا هَذا جَوابُهُ، وتَقْدِيرُهُ: إنِ اسْتَكْبَرْتَ ما سَألُوهُ مِنكَ؛ فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ. وقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَلا تُبالِ يا مُحَمَّدُ عَنْ سُؤالِهِمْ وتَشْطِيطِهِمْ؛ فَإنَّها عادَتُهم؛ فَقَدْ سَألُوا مُوسى. وأسْنَدَ السُّؤالَ إلَيْهِمْ، وإنْ كانَ إنَّما وقَعَ مِن آبائِهِمْ مِن نُقَبائِهِمُ السَبْعِينَ؛ لِأنَّهم راضُونَ بِفِعْلِ آبائِهِمْ ومَذاهِبِهِمْ، ومُشابِهُونَ لَهم في التَّعَنُّتِ. وقَرَأ الحَسَنُ: أكْثَرَ بِالثّاءِ المُثَلَّثَةِ بَدَلَ الباءِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ. ومَعْنى جَهْرَةً: عِيانًا رُؤْيَةً (p-٣٨٧)مُنْكَشِفَةً بَيِّنَةً. والجَهْرَةُ مِن وصْفِ الرُّؤْيَةِ. واخْتُلِفَ في النَّقْلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَرُوِيَ عَنْهُ: أنَّ جَهْرَةً مِن صِفَةِ السُّؤالِ؛ فَقَدْ سَألُوا مُوسى. أوْ حالًا مِن ضَمِيرِ سَألُوا أيْ سَألُوهُ مُجاهِرِينَ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّ التَّقْدِيرَ: فَقالُوا جَهْرَةً مِنهُ، وتَصْرِيحًا أرِنا اللَّهَ؛ فَيَكُونُ مِن صِفَةِ القَوْلِ. ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ أيْ تَعَنُّتِهِمْ، وسُؤالِهِمْ ما لَيْسَ لَهم أنْ يَسْألُوهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِظُلْمِهِمْ بِسَبَبِ سُؤالِهِمُ الرُّؤْيَةَ، ولَوْ طَلَبُوا أمْرًا جائِزًا لَما سُمُّوا ظالِمِينَ، ولَما أخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ. كَما سَألَ إبْراهِيم عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُرِيَهُ إحْياءَ المَوْتى فَلَمْ يُسَمِّهِ ظالِمًا، ولا رَماهُ بِالصّاعِقَةِ لِلْمُشَبِّهَةِ، ورَمْيًا بِالصَّواعِقِ، انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ في اسْتِحالَةِ رُؤْيَةِ اللَّهِ عِنْدَهم. وأهْلُ السُّنَّةِ يَعْتَقِدُونَ أنَّهم لَمْ يَسْألُوا مُحالًا عَقْلًا، لَكِنَّهُ مُمْتَنِعٌ مِن جِهَةِ الشَّرْعِ؛ إذْ قَدْ أخْبَرَ تَعالى عَلى ألْسِنَةِ أنْبِيائِهِ، أنَّهُ لا يُرى في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا والرُّؤْيَةُ في الآخِرَةِ ثابِتَةٌ عَنِ الرَّسُولِ بِالتَّواتُرِ، وهي جائِزَةٌ عَقْلًا، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في البَقَرَةِ عَلى الصّاعِقَةِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ والنَّخَعِيُّ: (فَأخَذَتْهُمُ الصَّعْقَةُ)، والجُمْهُورُ (الصّاعِقَةُ) . ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا العِجْلَ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ﴾ ثُمَّ: لِلتَّرْتِيبِ في الأخْبارِ، لا في نَفْسِ الأمْرِ، ثُمَّ قَدْ كانَ مِن أمْرِهِمْ أنِ اتَّخَذُوا العِجْلَ؛ أيْ آباؤُهم والَّذِينَ صُعِقُوا غَيْرُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ. والبَيِّناتُ: إجازَةُ البَحْرِ والعَصا، وغَرَقُ فِرْعَوْنَ، وغَيْرُ ذَلِكَ. وقالَ الحَوْفِيُّ: أعْلَمَ نَبِيَّهُ بِعِنادِهِمْ، وإصْرارِهِمْ؛ فالمَعْنى: أنَّهُ لَوْ نَزَلَ عَلَيْهِمُ الَّذِي سَألُوا لَخالَفُوا أمْرَ اللَّهِ، كَما خالَفُوهُ مِن بَعْدِ إحْياءِ اللَّهِ لَهم مِن صَعْقَتِهِمْ، وعَبَدُوا العِجْلَ، واتَّخَذُوهُ إلَهًا. ﴿فَعَفَوْنا عَنْ ذَلِكَ﴾؛ أيْ عَنِ اتِّخاذِهِمُ العِجْلَ إلَهًا عَنْ جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِن مُخالَفَتِهِمْ. والأوَّلُ أظْهَرُ؛ لِأنَّهُ قَدْ صَرَّحَ في قِصَّةِ العِجْلِ بِالتَّوْبَةِ. ويَعْنِي: بِما امْتَحَنَهم بِهِ مِنَ القَتْلِ لِأنْفُسِهِمْ، ثُمَّ وقَعَ العَفْوُ عَنِ الباقِينَ مِنهم. ﴿وآتَيْنا مُوسى سُلْطانًا مُبِينًا﴾؛ أيْ حُجَّةً وتَسَلُّطًا، واسْتِيلاءً ظاهِرًا عَلَيْهِمْ، حِينَ أمَرَهم بِأنْ يَقْتُلُوا أنْفُسَهم حَتّى يُتابَ عَلَيْهِمْ؛ فَأطاعُوهُ واحْتَبَوْا بِأفْنِيَتِهِمْ والسُّيُوفُ تَتَساقَطُ عَلَيْهِمْ، فَيا لَهُ مِن سُلْطانٍ مُبِينٍ. ﴿ورَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ﴾ تَقَدَّمَ ما المَعْنِيُّ بِالطُّورِ. وفي الشّامِ جَبَلٌ عُرِفَ بِالطُّورِ، ولَزِمَهُ هَذا الِاسْمُ، وهو طُورٌ بِسَيْناءَ. ولَيْسَ هو المَرْفُوعَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ؛ لِأنَّ رَفْعَ الجَبَلِ كانَ فِيما يَلِي التِّيهَ مِن جِهَةِ دِيارِ مِصْرَ، وهم ناهِضُونَ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وتَقَدَّمَتْ قِصَّةُ رَفْعِ الطُّورِ في البَقَرَةِ. والباءُ في بِمِيثاقِهِمْ لِلسَّبَبِ، وهو العَهْدُ الَّذِي أخَذَهُ مُوسى عَلَيْهِمْ بَعْدَ تَصْدِيقِهِمْ بِالتَّوْراةِ أنْ يَعْمَلُوا بِما فِيها؛ فَنَقَضُوا مِيثاقَهم، وعَبَدُوا العِجْلَ، فَرَفَعَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الطُّورَ. وفي كَلامٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: بِنَقْضِ مِيثاقِهِمْ. (p-٣٨٨)﴿وقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في البَقَرَةِ. ﴿وقُلْنا لَهم لا تَعْدُوا في السَّبْتِ﴾ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عِنْدَ اعْتِدائِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ﴾ [البقرة: ٦٥] . وقَرَأ ورْشٌ لا تَعَدُّوا بِفَتْحِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الدّالِ عَلى أنَّ الأصْلَ تَعْتَدُوا، فَأُلْقِيَتْ حَرَكَةُ التّاءِ عَلى العَيْنِ، وأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ. وقَرَأ قالُونُ: بِإخْفاءِ حَرَكَةِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الدّالِ، والنَّصُّ بِالإسْكانِ. وأصْلُهُ أيْضًا لا تَعْتَدُوا. وقَرَأ الباقُونَ مِنَ السَّبْعَةِ: لا تَعْدُوا بِإسْكانِ العَيْنِ، وتَخْفِيفِ الدّالِ مِن عَدا يَعْدُو. وقالَ تَعالى: ﴿إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ﴾ [الأعراف: ١٦٣]، وقَرَأ الأعْمَشُ والأخْفَشُ: لا تَعْتَدُوا مِنَ اعْتَدى. (وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا) قِيلَ هو المِيثاقُ الأوَّلُ في قَوْلِهِ: (بِمِيثاقِهِمْ)، ووُصِفَ بِالغِلَظِ لِلتَّأْكِيدِ، وهو المَأْخُوذُ عَلى لِسانِ مُوسى وهارُونَ أنْ يَأْخُذُوا التَّوْراةَ بِقُوَّةٍ، ويَعْمَلُوا بِجَمِيعِ ما فِيها، ويُوصِلُوهُ إلى أبْنائِهِمْ. وقِيلَ: هَذا المِيثاقُ غَيْرُ الأوَّلِ، وهو المِيثاقُ الثّانِي الَّذِي أُخِذَ عَلى أنْبِيائِهِمْ بِالتَّصْدِيقِ بِمُحَمَّدٍ والإيمانِ بِهِ، وهو المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ﴾ [آل عمران: ٨١] الآيَةَ. ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم وكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ فِيما لَخَّصْناهُ مِن كَلامِهِ، هَذا إخْبارٌ عَنْ أشْياءَ واقَعُوها في الضِّدِّ مِمّا أُخِذُوا بِهِ، نَقَضُوا المِيثاقَ الَّذِي رُفِعَ عَلَيْهِمُ الطُّورُ بِسَبَبِهِ، وجَعَلُوا بَدَلَ الإيمانِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الأمْرُ بِدُخُولِ البابِ سُجَّدًا المُتَضَمِّنُ التَّواضُعَ الَّذِي هو ثَمَرَةُ الإيمانِ كُفْرَهم بِآياتِ اللَّهِ، وبَذْلِ الطّاعَةِ، وامْتِثالِ مُوافَقَتِهِ في أنْ لا يَعْدُوا في السَّبْتِ انْتِهاكَ أعْظَمِ الحُرُمِ، وهو قَتْلُ الأنْبِياءِ. وقابَلُوا أخْذَ المِيثاقِ الغَلِيظِ بِتَجاهُلِهِمْ، وقَوْلِهِمْ: قُلُوبُنا غُلْفٌ أيْ في حُجُبٍ وغُلُفٍ: فَهي لا تَفْهَمُ. وأضْرَبَ اللَّهُ تَعالى عَنْ قَوْلِهِمْ وكَذِبِهِمْ، وأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ قَدْ طَبَعَ عَلَيْها بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، انْتَهى. والمِيثاقُ المَنقُوضُ: أهُوَ كِتْمانُهم صِفَةَ الرَّسُولِ، وتَكْذِيبُهُ فِيما جاءَ بِهِ ؟ أوْ تَرْكُهُمُ العَمَلَ بِما في كِتابِهِمْ ؟ مَعَ أنَّهم قَبِلُوا والتَزَمُوا العَمَلَ بِها قَوْلانِ. وآياتُ اللَّهِ الَّتِي كَفَرُوا بِها أهِيَ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِمْ في كُتُبِهِمْ ؟ أوْ جَمِيعُ كُتُبِ اللَّهِ المُنَزَّلَةِ ؟ قَوْلانِ. وتَقَدَّمَ شَرْحُ (قُلُوبُنا غُلْفٌ) في البَقَرَةِ. ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ أدْغَمَ لامَ (بَلْ) في طاءِ (طَبَعَ) الكِسائِيُّ وحَمْزَةُ، وأظْهَرَها باقِي السَّبْعَةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ خَبَرٌ مَعْناهُ الذَّمُّ، عَلى أنَّ قُلُوبَهم بِمَنزِلَةِ المَطْبُوعِ عَلَيْها الَّتِي لا تَفْهَمُ أبَدًا، ولا تُطِيعُ مُرْسَلًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أرادُوا بِقَوْلِهِمْ: قُلُوبُنا غُلْفٌ؛ أيْ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ قُلُوبَنا غُلْفًا؛ أيْ في أكِنَّةٍ لا يُتَوَصَّلُ إلَيْها بِشَيْءٍ مِنَ الذِّكْرِ والمَوْعِظَةِ، كَما حَكى اللَّهُ عَنِ المُشْرِكِينَ: ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠] . وتَكْذِيبُ المُجْبِرَةِ أخْزاهُمُ اللَّهُ فَقِيلَ لَهم: خَذَلَها اللَّهَ، ومَنَعَها الألْطافَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، فَصارَتْ كالمَطْبُوعِ عَلَيْها، لا إنْ تُخْلَقْ غُلْفًا قابِلَةَ الذِّكْرِ، ولا مُتَمَكِّنَةً مِن قَبُولِهِ، انْتَهى. وهو عَلى مَذْهَبِهِ الِاعْتِزالِيِّ. وأمّا أهْلُ السُّنَّةِ فَيَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ طَبَعَ عَلَيْها حَقِيقَةً كَما أخْبَرَ تَعالى إذْ لا خالِقَ غَيْرُهُ. والباءُ في فَبِما نَقْضِهِمْ تَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَعَلْنا بِهِمْ ما فَعَلْناهُ. وقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَعَنّاهم، وأذْلَلْناهم، وحَتَّمْنا عَلى الوافِينَ مِنهُمُ الخُلُودَ في جَهَنَّمَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وحَذْفُ جَوابِ هَذا الكَلامِ بَلِيغٌ مَتْرُوكٌ مَعَ ذِهْنِ السّامِعِ، انْتَهى. وتَسْمِيَةُ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ المَجْرُورُ بِأنَّهُ جَوابُ اصْطِلاحٍ لَمْ يُعْهَدْ في عِلْمِ النَّحْوِ، ولا تُساعِدُهُ اللُّغَةُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِجَوابٍ. وجَوَّزُوا أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: (حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ) عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ [النساء: ١٦٠] بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾؛ وقالَهُ الزَّجّاجُ، وأبُو بَكْرٍ، والزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهم. وهَذا فِيهِ بُعْدٌ لِكَثْرَةِ الفَواصِلِ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ؛ ولِأنَّ المَعْطُوفَ عَلى السَّبَبِ سَبَبٌ؛ فَيَلْزَمُ تَأخُّرُ بَعْضِ أجْزاءِ السَّبَبِ الَّذِي لِلتَّحْرِيمِ في الوَقْتِ عَنْ وقْتِ التَّحْرِيمِ؛ فَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ جُزْءَ سَبَبٍ أوْ مُسَبِّبًا إلّا بِتَأْوِيلٍ بَعِيدٍ، وبَيانُ ذَلِكَ أنَّ ”قَوْلَهم عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا“ وقَوْلَهم ”﴿إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ﴾“ مُتَأخِّرٌ في الزَّمانِ عَنْ (p-٣٨٩)تَحْرِيمِ الطَّيِّباتِ عَلَيْهِمْ؛ فالأوْلى أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: لَعَنّاهم، وقَدْ جاءَ مُصَرَّحًا بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم لَعَنّاهم وجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً﴾ [المائدة: ١٣] . (فَلا يُؤْمِنُونَ إلّا قَلِيلًا) تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. ﴿وبِكُفْرِهِمْ وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا﴾ الظّاهِرُ في قَوْلِهِ: وبِكُفْرِهِمْ وقَوْلِهِمْ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: (فَبِما نَقْضِهِمْ)، وما بَعْدَهُ. عَلى أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ أجازَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وبِكُفْرِهِمْ وقَوْلِهِمْ﴾ مَعْطُوفًا عَلى بِكُفْرِهِمْ. وتَكْرارُ نِسْبَةِ الكُفْرِ إلَيْهِمْ بِحَسَبِ مُتَعَلِّقاتِهِ؛ إذْ كَفَرُوا بِمُوسى، ثُمَّ بِعِيسى، ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ فَعَطَفَ بَعْضَ كُفْرِهِمْ عَلى بَعْضٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ عَطَفَ مَجْمُوعَ المَعْطُوفِ عَلى مَجْمُوعِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ عَلى بَعْضٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ عَطَفَ مَجْمُوعَ المَعْطُوفِ عَلى مَجْمُوعِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ فَيَجْمَعُهم بَيْنَ نَقْضِ المِيثاقِ والكُفْرِ بِآياتِ اللَّهِ وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ، وقَوْلِهِمْ: (قُلُوبُنا غُلْفٌ)، وجَمْعِهِمْ بَيْنَ كُفْرِهِمْ، وبُهْتِهِمْ مَرْيَمَ، وافْتِخارِهِمْ بِقَتْلِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ عاقَبْناهم. أوْ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها، وجَمَعَهم بَيْنَ كَفْرِهِمْ، وكَذا وكَذا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْضًا: فَإنْ قُلْتَ: هَلّا زَعَمْتَ أنَّ المَحْذُوفَ الَّذِي تَعَلَّقَتْ بِهِ الباءُ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ ؟ قُلْتُ: لَمْ يَصِحَّ هَذا التَّقْدِيرُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾، رَدٌّ وإنْكارٌ لِقَوْلِهِمْ: قُلُوبُنا غُلْفٌ؛ فَكانَ مُتَعَلِّقًا بِهِ، انْتَهى. وهو جَوابٌ حَسَنٌ، ويَمْتَنِعُ مِن وجْهٍ آخَرَ، وهو أنَّ العَطْفَ بِبَلْ يَكُونُ لِلْإضْرابِ عَنِ الحُكْمِ الأوَّلِ، وإثْباتِهِ لِلثّانِي عَلى جِهَةِ إبْطالِ الأوَّلِ، أوْ الِانْتِقالِ عامًّا في كِتابِ اللَّهِ في الإخْبارِ؛ فَلا يَكُونُ إلّا لِلِانْتِقالِ. ويُسْتَفادُ مِنَ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ ما لا يُسْتَفادُ مِنَ الجُمْلَةِ الأُولى. والَّذِي قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لا يُسَوَّغُ فِيهِ هَذا الَّذِي قَرَّرْناهُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾، ﴿وكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ﴾، وقَوْلِهِمْ: ﴿قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾؛ فَأفادَتِ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ ما أفادَتِ الجُمْلَةُ الأُولى، وهو لا يَجُوزُ. لَوْ قُلْتَ: مَرَّ زَيْدٌ بِعَمْرٍو، بَلْ مَرَّ زَيْدٌ بِعَمْرٍو لَمْ يَجُزْ. وقَدْ أجازَ ذَلِكَ أبُو البَقاءِ، وهو أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم وكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ، وكَذا طُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ. وقِيلَ التَّقْدِيرُ فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم لا يُؤْمِنُونَ إلّا قَلِيلًا والفاءُ مُقْحَمَةٌ. وما في قَوْلِهِ: فَبِما نَقْضِهِمْ كَهي في قَوْلِهِ: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وتَقَدَّمَ الكَلامُ فِيها. والبُهْتانُ العَظِيمُ رَمْيُهم مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ بِالزِّنا مَعَ رُؤْيَتِهِمُ الآيَةَ في كَلامِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ في المَهْدِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإلّا فَلَوْلا الآيَةُ لَكانُوا في قَوْلِهِمْ جارِينَ عَلى حُكْمِ البَشَرِ في إنْكارِ حَمْلٍ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ، انْتَهى. ووُصِفَ بِالعِظَمِ؛ لِأنَّهم تَمادَوْا عَلَيْهِ بَعْدَ ظُهُورِ الآيَةِ، وقِيامِ المُعْجِزَةِ بِالبَراءَةِ، وقَدْ جاءَتْ تَسْمِيَةُ الرَّمْيِ بِذَلِكَ بُهْتانًا عَظِيمًا في قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] . ﴿وقَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ الظّاهِرُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ مِن قَوْلِهِمْ قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ؛ كَقَوْلِ فِرْعَوْنَ: ﴿إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧]، وقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى وضَعَ الذِّكْرَ الحَسَنَ مَكانَ ذِكْرِهِمُ القَبِيحِ في الحِكايَةِ عَنْهُ رَفْعًا لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، كَما كانُوا يُذَكِّرُونَهُ بِهِ. ذَكَرَ الوَجْهَيْنِ الزَّمَخْشَرِيُّ، ولَمْ يَذْكُرِ ابْنُ عَطِيَّةَ سِوى الثّانِي؛ قالَ: هو إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِصِفَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وهي الرِّسالَةُ عَلى جِهَةِ إظْهارِ ذَنْبِ هَؤُلاءِ المُقِرِّينَ بِالقَتْلِ، ولَزِمَهُمُ الذَّنْبُ، وهم لَمْ يَقْتُلُوا عِيسى؛ لِأنَّهم صَلَبُوا ذَلِكَ الشَّخْصَ عَلى أنَّهُ عِيسى، وعَلى أنَّ عِيسى كَذّابٌ لَيْسَ بِرَسُولٍ؛ ولَكِنْ لَزِمَهُمُ الذَّنْبُ مِن حَيْثُ اعْتَقَدُوا أنَّ قَتْلَهم وقَعَ في عِيسى؛ فَكَأنَّهم قَتَلُوهُ، ولَيْسَ يَدْفَعُ الذَّنْبَ عَنْهُمُ اعْتِقادُهم أنَّهُ غَيْرُ رَسُولٍ. ﴿وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ هَذا إخْبارٌ مِنهُ تَعالى بِأنَّهم ما قَتَلُوا عِيسى، وما صَلَبُوهُ. واخْتَلَفَ الرُّواةُ في (p-٣٩٠)كَيْفِيَّةِ القَتْلِ والصَّلْبِ، ولَمْ يَثْبُتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في ذَلِكَ شَيْءٌ غَيْرُ ما دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ. ومُنْتَهى ما آلَ إلَيْهِ أمْرُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ طَلَبَتْهُ اليَهُودُ فاخْتَفى هو والحَوارِيُّونَ في بَيْتٍ؛ فَدُلُّوا عَلَيْهِ وحَضَرُوا لَيْلًا، وهم ثَلاثَةَ عَشَرَ، أوْ ثَمانِيَةَ عَشَرَ؛ فَفَرَّقَهم تِلْكَ اللَّيْلَةَ ووَجَّهَهم إلى الآفاقِ، وبَقِيَ هو ورَجُلٌ مَعَهُ؛ فَرُفِعَ عِيسى وأُلْقِيَ شَبَهُهُ عَلى الرَّجُلِ فَصُلِبَ. وقِيلَ هو اليَهُودِيُّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ. وقِيلَ قالَ لِأصْحابِهِ: أيُّكم يُلْقى عَلَيْهِ شَبَهِي فَيُقْتَلُ ويُخَلِّصُ هَؤُلاءِ، وهو رَفِيقِي في الجَنَّةِ ؟ فَقالَ سَرْجِسُ: أنا، فَأُلْقِيَ عَلَيْهِ شَبَهُ عِيسى. وقِيلَ أُلْقِيَ شَبَهُهُ عَلى الجَمِيعِ، فَلَمّا أُخْرِجُوا نَقَصَ واحِدٌ مِنَ العِدَّةِ، فَأخَذُوا واحِدًا مِمَّنْ عَلَيْهِ الشَّبَهُ فَصُلِبَ. ورُوِيَ أنَّ المَلِكَ والمُتَناوِلِينَ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِمْ أمْرُ عِيسى لِما رَأوْهُ مِن نُقْصانِ العِدَّةِ، واخْتِلاطِ الأمْرِ؛ فَصُلِبَ ذَلِكَ الشَّخْصُ، وأُبْعِدَ النّاسُ عَنْ خَشَبَتِهِ أيّامًا حَتّى تَغَيَّرَ، ولَمْ تَثْبُتْ لَهُ صِفَةٌ؛ وحِينَئِذٍ دَنا النّاسُ مِنهُ، ومَضى الحَوارِيُّونَ يَتَحَدَّثُونَ في الآفاقِ: إنَّ عِيسى صُلِبَ. وقِيلَ لَمْ يُلْقَ شَبَهُهُ عَلى أحَدٍ؛ وإنَّما مَعْنى: ﴿ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ أيْ شَبَّهَ عَلَيْهِمُ المَلِكُ المُمَخْرِقُ لِيَسْتَدِيمَ بِما نَقَصَ واحِدٌ مِنَ العِدَّةِ، وكانَ بادَرَ بِصَلْبِ واحِدٍ، وأبْعَدَ النّاسِ عَنْهُ، وقالَ: هَذا عِيسى؛ وهَذا القَوْلُ هو الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعْتَقَدَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾؛ أمّا أنْ يُلْقى شَبَهُهُ عَلى شَخْصٍ؛ فَلَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُعْتَمَدَ عَلَيْهِ. وقَدِ اخْتُلِفَ فِيمَن أُلْقِيَ عَلَيْهِ الشَّبَهُ اخْتِلافًا كَثِيرًا. فَقِيلَ اليَهُودِيُّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ. وقِيلَ خَلِيفَةُ قَيْصَرَ الَّذِي كانَ مَحْبُوسًا عِنْدَهُ. وقِيلَ واحِدٌ مِنَ اليَهُودِ. وقِيلَ دَخَلَ لِيَقْتُلَهُ. وقِيلَ رَقِيبٌ، وكَلَتْهُ بِهِ اليَهُودُ. وقِيلَ أُلْقِيَ الشَّبَهُ عَلى كُلِّ الحَوارِيِّينَ. وقِيلَ أُلْقِيَ الشَّبَهُ عَلى الوَجْهِ دُونَ البَدَنِ، وهَذا الوُثُوقُ مِمّا يَدْفَعُ الوُثُوقَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ. ولِهَذا قالَ بَعْضُهم: إنْ جازَ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُلْقِي شَبَهَ إنْسانٍ عَلى إنْسانٍ آخَرَ؛ فَهَذا يَفْتَحُ بابَ السَّفْسَطَةِ. وقِيلَ سَبَبُ اجْتِماعِ اليَهُودِ عَلى قَتْلِهِ هو أنَّ رَهْطًا مِنهم سَبُّوهُ، وسَبُّوا أُمَّهُ فَدَعا عَلَيْهِمْ: ”اللَّهُمَّ أنْتَ رَبِّي، وبِكَلِمَتِكَ خَلَقْتَنِي، اللَّهُمَّ العَنْ مَن سَبَّنِي، وسَبَّ والِدَتِي“ فَمَسَخَ اللَّهُ مَن سَبَّهُما قِرَدَةً، وخَنازِيرَ، فاجْتَمَعَتِ اليَهُودُ عَلى قَتْلِهِ. و(شُبِّهَ) مُسْنَدٌ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ؛ كَقَوْلِهِ: خُيِّلَ إلَيْهِ، ولَكِنْ وقَعَ لَهُمُ التَّشْبِيهُ. ويَجُوزُ أنْ يُسْنَدَ إلى ضَمِيرِ المَقْتُولِ الدّالِّ عَلَيْهِ: إنّا قَتَلْنا أيْ ولَكِنْ شُبِّهَ لَهم مَن قَتَلُوهُ. ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرَ المَسِيحِ؛ لِأنَّ المَسِيحَ مُشَبَّهٌ بِهِ لا مُشَبَّهٌ. ﴿وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفي شَكٍّ مِنهُ ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلّا اتِّباعَ الظَّنِّ﴾ اخْتَلَفَ فِيهِ اليَهُودُ؛ فَقالَ بَعْضُهم: لَمْ يُقْتَلْ، ولَمْ يُصْلَبْ؛ الوَجْهُ وجْهُ عِيسى والجَسَدُ جَسَدُ غَيْرِهِ. وقِيلَ: أدْخَلُوا عَلَيْهِ واحِدًا لِيَقْتُلَهُ، فَأُلْقِيَ الشَّبَهُ عَلَيْهِ فَصُلِبَ، ونَقَصَ مِنَ العَدَدِ واحِدٌ. وكانُوا عَلِمُوا عَدَدَ الحَوارِيِّينَ؛ فَقالُوا: إنْ كانَ المَصْلُوبُ صاحِبَنا فَأيْنَ عِيسى ؟ وإنْ كانَ عِيسى فَأيْنَ صاحِبُنا ؟ وقِيلَ قالَ العَوامُّ: قَتَلْنا عِيسى، وقالَ مَن عايَنَ: رَفَعَهُ إلى السَّماءِ ما قُتِلَ، ولا صُلِبَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: واليَقِينُ الَّذِي صَحَّ فِيهِ نَقْلُ الكافَّةِ عَنْ حَواسِّها هو أنَّ شَخْصًا صُلِبَ، وهَلْ هو عِيسى أمْ لا ؟ فَلَيْسَ هو مِن عِلْمِ الحَوّاسِ؛ فَلِذَلِكَ لَمْ يَقَعْ في ذَلِكَ نَقْلٌ كافَّةً. والضَّمِيرُ في فِيهِ عائِدٌ عَلى القَتْلِ؛ مَعْناهُ: في قَتْلِهِ، وهَذا هو الظّاهِرُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، وما بَعْدَهُ. وقِيلَ الضَّمِيرُ في اخْتَلَفُوا عائِدٌ عَلى اليَهُودِ أيْضًا، واخْتِلافُهم فِيهِ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّهُ إلَهٌ. وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّهُ ابْنُ اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ اخْتِلافُهم فِيهِ أنَّ النَّسْطُورِيَّةَ قالُوا: وقَعَ الصَّلْبُ عَلى ناسُوتِهِ دُونَ لاهُوتِهِ. وقِيلَ وقَعَ القَتْلُ والصَّلْبُ عَلَيْهِما. وقِيلَ عائِدٌ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى؛ فَإنَّ اليَهُودَ قالُوا: هو ابْنُ زِنًا. وقالَتِ النَّصارى: هو ابْنُ اللَّهِ. وقِيلَ اخْتِلافُهم مِن جِهَةِ أنَّ النَّصارى قالُوا: إنَّ اليَهُودَ قَتَلَتْهُ وصَلَبَتْهُ واليَهُودُ الَّذِينَ عايَنُوا رَفْعَهُ قالُوا: رُفِعَ إلى السَّماءِ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّ ﴿إلّا اتِّباعَ الظَّنِّ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّ اتِّباعَ الظَّنِّ لَيْسَ مِن جِنْسِ العِلْمِ (p-٣٩١)أيْ ولَكِنَّ اتِّباعَ الظَّنِّ لَهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي ولَكِنَّهم يَتَّبِعُونَ الظَّنَّ، وهَذا تَفْسِيرُ مَعْنًى لا تَفْسِيرَ إعْرابٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ إذِ الظَّنُّ والعِلْمُ يَضُمُّهُما أنَّهُما مِن مُعْتَقَداتِ اليَقِينِ. وقَدْ يَقُولُ الظّانُّ عَلى طَرِيقِ التَّجَوُّزِ: عِلْمِي في هَذا الأمْرِ أنَّهُ كَذا، وهو يَعْنِي ظَنَّهُ، انْتَهى. ولَيْسَ كَما ذُكِرَ؛ لِأنَّ الظَّنَّ لَيْسَ مِن مُعْتَقَداتِ اليَقِينِ؛ لِأنَّهُ تَرْجِيحُ أحَدِ الجائِزَيْنِ؛ وما كانَ تَرْجِيحًا فَهو يُنافِي اليَقِينَ؛ كَما أنَّ اليَقِينَ يُنافِي تَرْجِيحَ أحَدِ الجائِزَيْنِ. وعَلى تَقْدِيرِ: أنَّ الظَّنَّ والعِلْمَ يَضُمُّهُما ما ذُكِرَ؛ فَلا يَكُونُ أيْضًا اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَسْتَثْنِ الظَّنَّ مِنَ العِلْمِ. فَلَيْسَتِ التِّلاوَةُ ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلّا الظَّنَّ؛ وإنَّما التِّلاوَةُ إلّا اتِّباعَ الظَّنِّ، والِاتِّباعُ لِلظَّنِّ لا يَضُمُّهُ والعِلْمُ جِنْسُ ما ذُكِرَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ. فَإنْ قُلْتَ: لِمَ وُصِفُوا بِالشَّكِّ، والشَّكُّ أنْ لا يَتَرَجَّحَ أحَدُ الجائِزَيْنِ ؟ ثُمَّ وُصِفُوا بِالظَّنِّ، والظَّنُّ أنْ يَتَرَجَّحَ أحَدُهُما؛ فَكَيْفَ يَكُونُونَ شاكِّينَ ظانِّينَ ؟ قُلْتُ: أُرِيدَ أنَّهم شاكُّونَ ما لَهم مِن عِلْمٍ قَطُّ، ولَكِنْ لاحَتْ لَهم أمارَةٌ فَظَنُّوا، انْتَهى. وهو جَوابُ سُؤالِهِ؛ ولَكِنْ يُقالُ: لا يَرِدُ هَذا السُّؤالُ؛ لِأنَّ العَرَبَ تُطْلِقُ الشَّكَّ عَلى ما لَمْ يَقَعْ فِيهِ القَطْعُ واليَقِينُ فَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ ما يَتَرَدَّدُ فِيهِ، إمّا عَلى السَّواءِ بِلا تَرْجِيحٍ، أوْ بِتَرْجِيحِ أحَدِ الطَّرَفَيْنِ. وإذا كانَ كَذَلِكَ انْدَفَعَ السُّؤالُ. ﴿وما قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ وجَماعَةٌ: الضَّمِيرُ في قَتَلُوهُ عائِدٌ عَلى الظَّنِّ. تَقُولُ: قَتَلْتُ هَذا الأمْرَ عِلْمًا إذا قَطَعْتَ بِهِ، وجَزَمْتَ الجَزْمَ الَّذِي لا يُخالِجُهُ شَيْءٌ؛ فالمَعْنى: وما صَحَّ ظَنُّهم عِنْدَهم، وما تَحَقَّقُوهُ يَقِينًا، ولا قَطَعُوا الظَّنَّ بِاليَقِينِ. وقالَ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ؛ الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى العِلْمِ؛ أيْ ما قَتَلُوا العِلْمَ يَقِينًا. يُقالُ: قَتَلْتُ العِلْمَ والرَّأْيَ يَقِينًا وقَتَلْتُهُ عِلْمًا؛ لِأنَّ القَتْلَ لِلشَّيْءِ يَكُونُ عَنْ قَهْرٍ واسْتِعْلاءٍ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ لَمْ يَكُنْ عِلْمُهم بِقَتْلِ المَسِيحِ عِلْمًا أُحِيطَ بِهِ؛ إنَّما كانَ ظَنًّا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ تَهَكُّمٌ؛ لِأنَّ (إذا) نُفِيَ عَنْهُمُ العِلْمُ نَفْيًا كُلِّيًا بِحَرْفِ الِاسْتِغْراقِ ثُمَّ قِيلَ، وما عَلِمُوهُ عِلْمَ يَقِينٍ وإحاطَةٍ لَمْ يَكُنْ إلّا تَهَكُّمًا، انْتَهى. والظّاهِرُ قَوْلُ الجُمْهُورِ: إنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلى عِيسى بِجَعْلِ الضَّمائِرِ كُلِّها كَشَيْءٍ واحِدٍ، فَلا تَخْتَلِفُ. والمَعْنى صَحِيحٌ بَلِيغٌ، وانْتِصابُ (يَقِينًا) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ (قَتَلُوهُ)؛ أيْ مُتَيَقِّنِينَ أنَّهُ عِيسى كَما ادَّعَوْا ذَلِكَ في قَوْلِهِمْ: إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ؛ قالَهُ السُّدِّيُّ. أوْ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ قَتْلًا يَقِينًا جَوَّزَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ الحَسَنُ: وما قَتَلُوهُ حَقًّا، انْتَهى. فانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ كَقَوْلِكَ: وما قَتَلُوهُ حَقًّا؛ أيْ حَقَّ انْتِفاءِ قَتْلِهِ حَقًّا. وما حُكِيَ عَنِ ابْنِ الأنْبارِيِّ أنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا وأنَّ (يَقِينًا) مَنصُوبٌ بِـ ﴿رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾ والمَعْنى: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ يَقِينًا؛ فَلَعَلَّهُ لا يَصِحُّ عَنْهُ. وقَدْ نَصَّ الخَلِيلُ عَلى أنَّ ذَلِكَ خَطَأٌ؛ لِأنَّهُ لا يَعْمَلُ ما بَعْدَ (بَلْ) في ما قَبْلَها. ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾ هَذا إبْطالٌ لِما ادَّعَوْهُ مِن قَتْلِهِ وصَلْبِهِ، وهو حَيٌّ في السَّماءِ الثّانِيَةِ عَلى ما صَحَّ عَنِ الرَّسُولِ في حَدِيثِ المِعْراجِ. وهو هُنالِكَ مُقِيمٌ حَتّى يُنْزِلَهُ اللَّهُ إلى الأرْضِ لِقَتْلِ الدَّجّالِ، ولِيَمْلَأها عَدْلًا كَما مُلِئَتْ جَوْرًا، ويَحْيا فِيها أرْبَعِينَ سَنَةً ثُمَّ يَمُوتُ كَما تَمُوتُ البَشَرُ. وقالَ قَتادَةُ: رَفَعَ اللَّهُ عِيسى إلَيْهِ فَكَساهُ الرِّيشَ وألْبَسَهُ النُّورَ، وقَطَعَ عَنْهُ الطَّعامَ والشَّرابَ؛ فَصارَ مَعَ المَلائِكَةِ؛ فَهو مَعَهم حَوْلَ العَرْشِ؛ فَصارَ إنْسِيًّا مَلَكِيًّا سَماوِيًّا أرْضِيًّا. والضَّمِيرُ في إلَيْهِ عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى عَلى حَذْفِ التَّقْدِيرِ إلى سَمائِهِ، وقَدْ جاءَ ﴿ورافِعُكَ إلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] . وقِيلَ إلى حَيْثُ لا حُكْمَ فِيهِ إلّا لَهُ. ولا يُوَجَّهُ الدُّعاءُ إلّا نَحْوَهُ، وهو راجِعٌ إلى الأوَّلِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: أعْلَمَ اللَّهُ تَعالى عَقِيبَ ذِكْرِهِ أنَّهُ وصَلَ إلى عِيسى أنْواعٌ مِنَ البَلايا أنَّهُ رَفَعَهُ إلَيْهِ فَدَلَّ أنَّ رَفْعَهُ إلَيْهِ أعْظَمُ في إيصالِ الثَّوابِ مِنَ الجَنَّةِ، ومِن كُلِّ ما فِيها مِنَ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ؛ وهَذِهِ الآيَةُ تَفْتَحُ عَلَيْكَ بابَ مَعْرِفَةِ السِّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ، انْتَهى. وفِيهِ نَحْوٌ (p-٣٩٢)مِن كَلامِ المُتَفَلْسِفَةِ. (وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) . قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: المُرادُ مِنَ المَعَزَّةِ كَمالُ القُدْرَةِ، ومِنَ الحِكْمَةِ كَمالُ العِلْمِ؛ فَنَبَّهَ بِهَذا عَلى أنَّ رَفْعَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الدُّنْيا إلى السَّماواتِ وإنْ كانَ كالمُتَعَذَّرِ عَلى البَشَرِ، لَكِنْ لا تُعْذَرُ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِي وحِكْمَتِي، انْتَهى. وقالَ غَيْرُهُ: عَزِيزًا أيْ قَوِيًّا بِالنِّقْمَةِ مِنَ اليَهُودِ؛ فَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ بُطْرُسَ الرُّومِيّ فَقَتَلَ مِنهم مَقْتَلَةً عَظِيمَةً. حَكِيمًا حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِاللَّعْنَةِ والغَضَبِ. وقِيلَ: عَزِيزًا؛ أيْ: لا يُغالَبُ؛ لِأنَّ اليَهُودَ حاوَلَتْ بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أمْرًا وأرادَ اللَّهُ خِلافَهُ. حَكِيمًا أيْ: واضِعَ الأشْياءِ مَواضِعَها؛ فَمِن حَكَمَتِهِ تَخْلِيصُهُ مِنَ اليَهُودِ، ورَفْعُهُ إلى السَّماءِ لِما يُرِيدُ وتَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ تَعالى. وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: أوْحى اللَّهُ تَعالى إلى عِيسى عَلى رَأْسِ ثَلاثِينَ سَنَةً، ثُمَّ رَفَعَهُ وهو ابْنُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً؛ فَكانَتْ نُبُوَّتُهُ ثَلاثَ سِنِينَ. وقِيلَ: بَعَثَ اللَّهُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأدْخَلَهُ خَوْخَةً فِيها رَوْزَنَةٌ في سَقْفِها؛ فَرَفَعَهُ اللَّهُ تَعالى إلى السَّماءِ مِن تِلْكَ الرَّوْزَنَةِ. ﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ . إنْ: هُنا نافِيَةٌ، والمُخْبَرُ عَنْهُ مَحْذُوفٌ قامَتْ صِفَتُهُ مَقامَهُ، التَّقْدِيرُ: وما أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ. كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] والمَعْنى: وما مِنَ اليَهُودِ. وقَوْلُهُ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] أيْ: وما أحَدٌ مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ، وما أحَدٌ مِنكم إلّا وارِدُها. قالَ الزَّجّاجُ: وحُذِفَ (أحَدٌ) لِأنَّهُ مَطْلُوبٌ في كُلِّ نَفْيٍ يَدْخُلُهُ الِاسْتِثْناءُ نَحْوَ: ما قامَ إلّا زَيْدٌ، مَعْناهُ ما قامَ أحَدٌ إلّا زَيْدٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ جُمْلَةٌ قَسَمِيَّةٌ واقِعَةٌ صِفَةً لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ؛ تَقْدِيرُهُ: وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ أحَدٌ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ، ونَحْوُهُ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤]، ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] . والمَعْنى: وما مِنَ اليَهُودِ أحَدٌ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ، انْتَهى. وهُوَ غَلَطٌ فاحِشٌ إذْ زَعَمَ أنَّ ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ جُمْلَةٌ قَسَمِيَّةٌ واقِعَةٌ صِفَةً لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ إلى آخِرِهِ، وصِفَةُ (أحَدٌ) المَحْذُوفِ إنَّما هو الجارُّ والمَجْرُورُ وهو (مِن أهْلِ الكِتابِ)، والتَّقْدِيرُ كَما ذَكَرْناهُ: وإنْ أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾؛ فَلَيْسَتْ صِفَةً لِمَوْصُوفٍ، ولا هي جُمْلَةٌ قَسَمِيَّةٌ كَما زَعَمَ؛ إنَّما هي جُمْلَةُ جَوابِ القَسَمِ، والقَسَمُ مَحْذُوفٌ، والقَسَمُ وجَوابُهُ في مَوْضِعِ رَفْعِ خَبَرِ المُبْتَدَأِ الَّذِي هو (أحَدٌ) المَحْذُوفُ؛ إذْ لا يَنْتَظِمُ مِن أحَدٍ والمَجْرُورِ إسْنادٌ؛ لِأنَّهُ لا يُفِيدُ؛ وإنَّما يَنْتَظِمُ الإسْنادُ بِالجُمْلَةِ القَسَمِيَّةِ وجَوابِها؛ فَذَلِكَ هو مَحَطُّ الفائِدَةِ وكَذَلِكَ أيْضًا الخَبَرُ هو ﴿إلّا لَهُ مَقامٌ﴾ [الصافات: ١٦٤]، وكَذَلِكَ إلّا وارِدُها؛ إذْ لا يَنْتَظِمُ مِمّا قَبْلَ إلّا تَرْكِيبٌ إسْنادِيٌّ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَيْنِ في: بِهِ ومَوْتِهِ عائِدانِ عَلى عِيسى وهو سِياقُ الكَلامِ، والمَعْنى: مِن أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ يَكُونُونَ في زَمانِ نُزُولِهِ. رُوِيَ أنَّهُ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ في آخِرِ الزَّمانِ؛ فَلا يَبْقى أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ إلّا يُؤْمِنُ بِهِ؛ حَتّى تَكُونَ المِلَّةُ واحِدَةً وهي مِلَّةُ الإسْلامِ؛ قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وأبُو مالِكٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وعِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ والحَسَنُ أيْضًا ومُجاهِدٌ وغَيْرُهم: الضَّمِيرُ في بِهِ لِعِيسى، وفي مَوْتِهِ لِكِتابِيٍّ وقالُوا: ولَيْسَ يَمُوتُ يَهُودِيٌّ حَتّى يُؤْمِنَ بِعِيسى ويَعْلَمَ أنَّهُ نَبِيٌّ؛ ولَكِنْ عِنْدَ المُعايَنَةِ لِلْمَوْتِ فَهو إيمانٌ لا (p-٣٩٣)يَنْفَعُهُ كَما لَمْ يَنْفَعْ فِرْعَوْنَ إيمانُهُ وقْتَ المُعايَنَةِ. وبَدَأ بِما يُشْبِهُ هَذا لِقَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ. قالَ: والمَعْنى ما مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى أحَدٌ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ قَبْلَ مَوْتِهِ بِعِيسى، وبِأنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ ؟ يَعْنِي: إذا عايَنَ قَبْلَ أنْ تَزْهَقَ رُوحُهُ حِينَ لا يَنْفَعُهُ إيمانُهُ لِانْقِطاعِ وقْتِ التَّكْلِيفِ. ثُمَّ حُكِيَ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ والحَجّاجِ حِكايَةٌ فِيها طُولٌ يَمَسُّ بِالتَّفْسِيرِ مِنها: أنَّ اليَهُودِيَّ إذا حَضَرَهُ المَوْتُ ضَرَبَتِ المَلائِكَةُ دُبُرَهُ ووَجْهَهُ وقالُوا: يا عَدُوَّ اللَّهِ أتاكَ عِيسى نَبِيًّا فَكَذَّبْتَ بِهِ؛ فَيَقُولُ: آمَنتُ أنَّهُ نَبِيٌّ. وتَقُولُ لِلنَّصْرانِيِّ: أتاكَ عِيسى نَبِيًّا فَزَعَمْتَ أنَّهُ اللَّهُ أوِ ابْنُ اللَّهِ؛ فَيَقُولُ: آمَنتُ أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ حَيْثُ لا يَنْفَعُهُ إيمانُهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ فَسَّرَهُ كَذَلِكَ؛ فَقالَ لَهُ عِكْرِمَةُ: فَإنْ أتاهُ رَجُلٌ فَضَرَبَ عُنُقَهُ ؟ قالَ: لا تَخْرُجُ نَفْسُهُ حَتّى يُحَرِّكَ بِها شَفَتَيْهِ. قالَ: وإنْ خَرَجَ فَوْقَ بَيْتٍ أوِ احْتَرَقَ أوْ أكَلَهُ سَبُعٌ ؟ قالَ: يَتَكَلَّمُ بِها في الهَوى، ولا تَخْرُجُ رُوحُهُ حَتّى يُؤْمِنَ بِهِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ: ”إلّا لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِمْ“ بِضَمِّ النُّونِ عَلى مَعْنى: وإنْ مِنهم أحَدٌ إلّا سَيُؤْمِنُونَ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِمْ؛ لِأنَّ أحَدًا يَصْلُحُ لِلْجَمْعِ. فَإنْ قُلْتَ: فَما فائِدَةُ الإخْبارِ بِإيمانِهِمْ بِعِيسى قَبْلَ مَوْتِهِمْ ؟ قُلْتُ: فائِدَتُهُ الوَعِيدُ، ولْيَكُنْ عِلْمُهم بِأنَّهم لا بُدَّ لَهم مِنَ الإيمانِ بِهِ عَنْ قَرِيبٍ عِنْدَ المُعايَنَةِ، وأنَّ ذَلِكَ لا يَنْفَعُهم بَعْثًا لَهم وتَنْبِيهًا عَلى مُعالَجَةِ الإيمانِ بِهِ في أوانِ الِانْتِفاعِ بِهِ، ولِيَكُونَ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ لَهم. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ. ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ يَشْهَدُ عَلى اليَهُودِ بِأنَّهم كَذَّبُوهُ، وعَلى النَّصارى بِأنَّهم دَعَوْهُ ابْنَ اللَّهِ، انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ أيْضًا: ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ أنَّهُ لا يَبْقى أحَدٌ مِن جَمِيعِ أهْلِ الكِتابِ إلّا لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ، عَلى أنَّ اللَّهَ يُحْيِيهِمْ في قُبُورِهِمْ في ذَلِكَ الزَّمانِ ويُعْلِمُهم نُزُولَهُ وما نَزَلَ لَهُ، ويُؤْمِنُونَ بِهِ حِينَ لا يَنْفَعُهم إيمانُهم، انْتَهى. وقالَ عِكْرِمَةُ: الضَّمِيرُ في بِهِ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وفي مَوْتِهِ لِلْكِتابِيِّ. قالَ: ولَيْسَ يَخْرُجُ يَهُودِيٌّ ولا نَصْرانِيٌّ مِنَ الدُّنْيا حَتّى يُؤْمِنَ بِمُحَمَّدٍ، ولَوْ غَرِقَ أوْ سَقَطَ عَلَيْهِ جِدارٌ؛ فَإنَّهُ يُؤْمِنُ في ذَلِكَ الوَقْتِ. وقِيلَ: يَعُودُ في بِهِ عَلى اللَّهِ، وفي مَوْتِهِ عَلى أحَدٍ المُقَدَّرِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إذا نَزَلَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِقَتْلِ الدَّجّالِ لَمْ يَبْقَ يَهُودِيٌّ ولا نَصْرانِيٌّ إلّا آمَنَ بِاللَّهِ حِينَ يَرَوْنَ قَتْلَ الدَّجّالِ، وتَصِيرُ الأُمَمُ كُلُّها واحِدَةً عَلى مِلَّةِ الإسْلامِ، ويُعْزى هَذا القَوْلُ أيْضًا إلى ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ. وقالَ العَبّاسُ بْنُ غَزْوانَ: وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ بِتَشْدِيدِ النُّونِ، وهي قِراءَةٌ عَسِرَةُ التَّخْرِيجِ، ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ أيْ: شَهِيدًا عَلى أهْلِ الكِتابِ عَلى اليَهُودِ بِتَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ وطَعْنِهِمْ فِيهِ، وعَلى النَّصارى بِجَعْلِهِمْ إيّاهُ إلاهًا مَعَ اللَّهِ أوِ ابْنًا لَهُ، والضَّمِيرُ في يَكُونُ لِعِيسى. وقالَ عِكْرِمَةُ: لِمُحَمَّدٍ ﷺ . قِيلَ: وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ أنْواعًا مِنَ الفَصاحَةِ والبَدِيعِ؛ فَمِنها التَّجْنِيسُ المُغايِرُ في: (يُخادِعُونَ) و(خادِعُهم)، و(شَكَرْتُمْ) و(شاكِرًا) . والمُماثِلُ في: (وإذا قامُوا) . والتَّكْرارُ في اسْمِ اللَّهِ، وفي: (هَؤُلاءِ) و(هَؤُلاءِ)، وفي: و(يَرَوْنَ) و(يُرِيدُونَ)، وفي: (الكافِرِينَ) و(الكافِرِينَ)، وفي: (أهْلِ الكِتابِ) و(كِتابًا)، وفي: (بِمِيثاقِهِمْ) و(مِيثاقًا) . والطِّباقُ في: الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ، وفي: (إنْ تَبْدُوا) أوْ (تُخْفُوهُ)، وفي: (نُؤْمِنُ) و(نَكْفُرُ)، والِاخْتِصاصُ في: (إلى الصَّلاةِ)، وفي: ﴿الدَّرْكِ الأسْفَلِ﴾ [النساء: ١٤٥]، وفي: ﴿الجَهْرَ بِالسُّوءِ﴾ [النساء: ١٤٨] . والإشارَةُ في مَواضِعَ الِاسْتِعارَةِ في ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] اسْتَعارَ اسْمَ الخِداعِ لِلْمُجازاةِ وفي (سَبِيلًا)، وفي (سُلْطانًا) لِقِيامِ الحُجَّةِ و﴿الدَّرْكِ الأسْفَلِ﴾ [النساء: ١٤٥] لِانْخِفاضِ طَبَقاتِهِمْ في النّارِ، و(اعْتَصِمُوا) لِلِالتِجاءِ، وفي: ﴿أنْ يُفَرِّقُوا﴾، وفي: ﴿ولَمْ يُفَرِّقُوا﴾ وهو حَقِيقَةٌ في الأجْسامِ اسْتُعِيرَ لِلْمَعانِي، وفي (سُلْطانًا) اسْتُعِيرَ لِلْحُجَّةِ، وفي: (غُلْفٌ) و﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ﴾ . وزِيادَةُ الحَرْفِ لِمَعْنى في (فَبِما نَقْضِهِمْ) . وإسْنادُ الفِعْلِ إلى غَيْرِ فاعِلِهِ في: فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ وجاءَتْهُمُ البَيِّناتُ وإلى الرّاضِي بِهِ وفي: وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ، وفي: ﴿وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا﴾، ﴿وقَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ﴾ . وحُسْنُ النَّسَقِ في: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم، والمَعاطِيفِ (p-٣٩٤)عَلَيْهِ حَيْثُ نُسِّقَتْ بِالواوِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى الجَمِيعِ فَقَطْ. وبَيْنَ هَذِهِ الأشْياءِ أعْصارٌ مُتَباعِدَةٌ فَشَرَكَ أوائِلَهم وأواخِرَهم لِعَمَلِ أُولَئِكَ ورِضا هَؤُلاءِ. وإطْلاقُ اسْمِ كُلٍّ عَلى بَعْضٍ وفي: كُفْرِهم بِآياتِ اللَّهِ وهو القُرْآنُ والإنْجِيلُ ولَمْ يَكْفُرُوا بِشَيْءٍ مِنَ الكُتُبِ إلّا بِهِما وفي قَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا ولَمْ يَقُلْ ذَلِكَ إلّا بَعْضُهم. والتَّعْرِيضُ في رَسُولِ اللَّهِ إذا قُلْنا إنَّهُ مِن كَلامِهِمْ. والتَّوْجِيهُ في غُلْفٌ مِنَ احْتِمالِ المَصْدَرِ جَمْعُ غِلافٍ أوْ جَمْعُ أغْلُفٍ. وعَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ وهو في ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ عَلى مَن جَعَلَهُما لِغَيْرِ عِيسى. والنَّقْلُ مِن صِيغَةِ فاعِلٍ إلى فَعِيلٍ في شَهِيدٍ. والحَذْفُ في مَواضِعَ.