Al-Bahr Al-Muhit — النساء 4:155 – النساء 4:176
المحتويات
النساء 4:155
﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ والنَّصارى، آمَنَتِ اليَهُودُ بِمُوسى والتَّوْراةِ، وكَفَرَتْ بِعِيسى، ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَّلامُ، وآمَنَتِ النَّصارى بِعِيسى والإنْجِيلِ، وكَفَرَتْ بِمُحَمَّدٍ والقُرْآنِ. وقِيلَ نَزَلَتْ في اليَهُودِ خاصَّةً، آمَنُوا بِمُوسى وعُزَيْرٍ والتَّوْراةِ، وكَفَرُوا بِعِيسى والإنْجِيلِ، ومُحَمَّدٍ والقُرْآنِ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها: أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ ما عَلَيْهِ المُنافِقُونَ مِن سُوءِ الخَلِيقَةِ ومَذْمُومِ الطَّرِيقَةِ أخَذَ في الكَلامِ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى؛ جَعَلَ كُفْرَهم بِبَعْضِ الرُّسُلِ كُفْرًا بِجَمِيعِ الرُّسُلِ، وكُفْرَهم بِالرُّسُلِ كُفْرًا بِاللَّهِ تَعالى.
﴿ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ﴾؛ أيْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الإيمانِ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ يَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِاللَّهِ، ولا نُؤْمِنُ بِفُلانٍ وفُلانٍ مِنَ الأنْبِياءِ.
﴿ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ يَعْنِي مِنَ الأنْبِياءِ. وقِيلَ هو تَصْدِيقُ اليَهُودِ بِمُحَمَّد أنَّهُ نَبِيٌّ؛ ولَكِنْ لَيْسَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ. ونَحْوُ هَذا مِن تَفَرُّقاتِهِمُ الَّتِي كانَتْ تَعَنُّتًا، ورَوَغانًا.
﴿ويُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾؛ أيْ طَرِيقًا وسَطًا بَيْنَ الكُفْرِ والإيمانِ، ولا واسِطَةَ بَيْنَهُما.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ حَقًّا﴾ أكَّدَ بِقَوْلِهِ هم، لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ ذَلِكَ الإيمانَ يَنْفَعُهم. وأكَّدَ بِقَوْلِهِ: حَقًّا، وهو تَأْكِيدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ، كَما تَقُولُ: هَذا عَبْدُ اللَّهِ حَقًّا؛ أيْ حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا. أوْ هو نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ كُفْرًا حَقًّا؛ أيْ ثابِتًا يَقِينًا لا شَكَّ فِيهِ. أوْ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ لِذَلِكَ نَظائِرُ، وقَدْ طَعَنَ الواحِدِيُّ في هَذا التَّوْجِيهِ، وقالَ: الكُفْرُ لا يَكُونُ حَقًّا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ولا يَلْزَمُ ما قالَ إنَّهُ لا يُرادُ بِحَقًّا الحَقُّ الَّذِي هو مُقابِلٌ لِلْباطِلِ؛ وإنَّما المَعْنى أنَّهُ كُفْرٌ ثابِتٌ مُتَيَقَّنٌ؛ وإنَّما كانَ التَّوْكِيدُ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ داعِيَ الإيمانِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الأنْبِياءِ، (p-٣٨٦)وهُوَ ظُهُورُ المُعْجِزاتِ عَلى أيْدِيهِمْ؛ فَكَوْنُهم فَرَّقُوا في الإيمانِ بَيْنَهم دَلِيلٌ عَلى كُفْرِهِمْ بِالجَمِيعِ؛ إذْ لَيْسَ إيمانُهم بِبَعْضٍ ناشِئًا عَنِ النَّظَرِ في الدَّلِيلِ؛ وإنَّما هم عَلى سَبِيلِ التَّشَهِّي والتَّلاعُبِ.
(وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا) هَذا وعِيدٌ لَهم بِالإهانَةِ في العَذابِ.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ هَؤُلاءِ هُمُ المُؤْمِنُونَ أتْباعُ مُحَمَّدٍ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى دُخُولِ (بَيْنَ) عَلى (أحَدٍ) في البَقَرَةِ. في قَوْلِهِ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا.
(أُولَئِكَ سَوْفَ نُؤْتِيهِمْ أُجُورَهم) صَرَّحَ تَعالى بِوَعْدِ هَؤُلاءِ كَما صَرَّحَ بِوَعِيدِ أُولَئِكَ. وقَرَأ حَفْصٌ: يُؤْتِيهِمْ بِالياءِ لِيَعُودَ عَلى اسْمِ اللَّهِ قَبْلَهُ. وقَرَأ الباقُونَ: بِالنُّونِ عَلى الِالتِفاتِ ومُقابِلُهُ (وأعْتَدْنا) . وقَوْلُ أبِي عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيِّ: قِراءَةُ النُّونِ أوْلى مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أنْهَمُ، والآخَرُ: أنَّهُ مَشاكِلٌ لِقَوْلِهِ: وأعْتَدْنا؛ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، ولا أوْلَوِيَّةَ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ القِراءَتَيْنِ كِلْتاهُما مُتَواتِرَةٌ، هَكَذا نَزَلَتْ، وهَكَذا أُنْزِلَتْ.
(وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) لَمّا وعَدَهم تَعالى بِالثَّوابِ زادَهم تَبْشِيرًا لِتَجاوُزٍ عَنِ السَّيِّئاتِ، وبِرَحْمَتِهِ إيّاهم.
﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: قالَتِ اليَهُودُ: إنْ كُنْتَ صادِقًا فَجِئْ بِكِتابٍ مِنَ السَّماءِ جُمْلَةً، كَما جاءَ مُوسى بِالكِتابِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: قالُوا: ائْتِ بِألْواحٍ فِيها كِتابُكَ، كَما أتى مُوسى بِألْواحٍ فِيها التَّوْراةُ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: سَألُوهُ أنْ يَأْتِيَ بِكِتابٍ خاصٍّ لِلْيَهُودِ يَأْمُرُهم بِالإيمانِ بِمُحَمَّدٍ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قالُوا: لَنْ نُتابِعَكَ عَلى ما تَدْعُونا إلَيْهِ، حَتّى تَأْتِيَنا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ إلى فُلانٍ وإلى فُلانٍ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ؛ فَعَلى قَوْلِ ابْنِ جُرَيْجٍ يَقْتَضِي أنَّ سُؤالَهم كانَ عَلى نَحْوِ سُؤالِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمَيَّةَ الزُّهْرِيِّ، وقِيلَ كِتابًا نُعايِنُهُ حَتّى يَنْزِلَ، وسَمّى مِن سائِلِي اليَهُودِ: كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ، وفِنْخاصَ بْنَ عازُوراءَ. وقِيلَ السّائِلُونَ هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، وسُؤالُهم إنَّما هو عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ. وقالَ الحَسَنُ: لَوْ سَألُوهُ لِكَيْ يَتَبَيَّنَ الحَقُّ لَأعْطاهم؛ فَإنَّ فِيما أعْطاكم كِفايَةً.
﴿فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقالُوا أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ قَدَّرُوا قَبْلَ هَذا كَلامًا مَحْذُوفًا؛ فَجَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ شَرْطًا هَذا جَوابُهُ، وتَقْدِيرُهُ: إنِ اسْتَكْبَرْتَ ما سَألُوهُ مِنكَ؛ فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ. وقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَلا تُبالِ يا مُحَمَّدُ عَنْ سُؤالِهِمْ وتَشْطِيطِهِمْ؛ فَإنَّها عادَتُهم؛ فَقَدْ سَألُوا مُوسى. وأسْنَدَ السُّؤالَ إلَيْهِمْ، وإنْ كانَ إنَّما وقَعَ مِن آبائِهِمْ مِن نُقَبائِهِمُ السَبْعِينَ؛ لِأنَّهم راضُونَ بِفِعْلِ آبائِهِمْ ومَذاهِبِهِمْ، ومُشابِهُونَ لَهم في التَّعَنُّتِ. وقَرَأ الحَسَنُ: أكْثَرَ بِالثّاءِ المُثَلَّثَةِ بَدَلَ الباءِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ. ومَعْنى جَهْرَةً: عِيانًا رُؤْيَةً (p-٣٨٧)مُنْكَشِفَةً بَيِّنَةً. والجَهْرَةُ مِن وصْفِ الرُّؤْيَةِ. واخْتُلِفَ في النَّقْلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَرُوِيَ عَنْهُ: أنَّ جَهْرَةً مِن صِفَةِ السُّؤالِ؛ فَقَدْ سَألُوا مُوسى. أوْ حالًا مِن ضَمِيرِ سَألُوا أيْ سَألُوهُ مُجاهِرِينَ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّ التَّقْدِيرَ: فَقالُوا جَهْرَةً مِنهُ، وتَصْرِيحًا أرِنا اللَّهَ؛ فَيَكُونُ مِن صِفَةِ القَوْلِ.
﴿فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ أيْ تَعَنُّتِهِمْ، وسُؤالِهِمْ ما لَيْسَ لَهم أنْ يَسْألُوهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِظُلْمِهِمْ بِسَبَبِ سُؤالِهِمُ الرُّؤْيَةَ، ولَوْ طَلَبُوا أمْرًا جائِزًا لَما سُمُّوا ظالِمِينَ، ولَما أخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ. كَما سَألَ إبْراهِيم عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُرِيَهُ إحْياءَ المَوْتى فَلَمْ يُسَمِّهِ ظالِمًا، ولا رَماهُ بِالصّاعِقَةِ لِلْمُشَبِّهَةِ، ورَمْيًا بِالصَّواعِقِ، انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ في اسْتِحالَةِ رُؤْيَةِ اللَّهِ عِنْدَهم. وأهْلُ السُّنَّةِ يَعْتَقِدُونَ أنَّهم لَمْ يَسْألُوا مُحالًا عَقْلًا، لَكِنَّهُ مُمْتَنِعٌ مِن جِهَةِ الشَّرْعِ؛ إذْ قَدْ أخْبَرَ تَعالى عَلى ألْسِنَةِ أنْبِيائِهِ، أنَّهُ لا يُرى في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا والرُّؤْيَةُ في الآخِرَةِ ثابِتَةٌ عَنِ الرَّسُولِ بِالتَّواتُرِ، وهي جائِزَةٌ عَقْلًا، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في البَقَرَةِ عَلى الصّاعِقَةِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ والنَّخَعِيُّ: (فَأخَذَتْهُمُ الصَّعْقَةُ)، والجُمْهُورُ (الصّاعِقَةُ) .
﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا العِجْلَ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ﴾ ثُمَّ: لِلتَّرْتِيبِ في الأخْبارِ، لا في نَفْسِ الأمْرِ، ثُمَّ قَدْ كانَ مِن أمْرِهِمْ أنِ اتَّخَذُوا العِجْلَ؛ أيْ آباؤُهم والَّذِينَ صُعِقُوا غَيْرُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ. والبَيِّناتُ: إجازَةُ البَحْرِ والعَصا، وغَرَقُ فِرْعَوْنَ، وغَيْرُ ذَلِكَ. وقالَ الحَوْفِيُّ: أعْلَمَ نَبِيَّهُ بِعِنادِهِمْ، وإصْرارِهِمْ؛ فالمَعْنى: أنَّهُ لَوْ نَزَلَ عَلَيْهِمُ الَّذِي سَألُوا لَخالَفُوا أمْرَ اللَّهِ، كَما خالَفُوهُ مِن بَعْدِ إحْياءِ اللَّهِ لَهم مِن صَعْقَتِهِمْ، وعَبَدُوا العِجْلَ، واتَّخَذُوهُ إلَهًا.
﴿فَعَفَوْنا عَنْ ذَلِكَ﴾؛ أيْ عَنِ اتِّخاذِهِمُ العِجْلَ إلَهًا عَنْ جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِن مُخالَفَتِهِمْ. والأوَّلُ أظْهَرُ؛ لِأنَّهُ قَدْ صَرَّحَ في قِصَّةِ العِجْلِ بِالتَّوْبَةِ. ويَعْنِي: بِما امْتَحَنَهم بِهِ مِنَ القَتْلِ لِأنْفُسِهِمْ، ثُمَّ وقَعَ العَفْوُ عَنِ الباقِينَ مِنهم.
﴿وآتَيْنا مُوسى سُلْطانًا مُبِينًا﴾؛ أيْ حُجَّةً وتَسَلُّطًا، واسْتِيلاءً ظاهِرًا عَلَيْهِمْ، حِينَ أمَرَهم بِأنْ يَقْتُلُوا أنْفُسَهم حَتّى يُتابَ عَلَيْهِمْ؛ فَأطاعُوهُ واحْتَبَوْا بِأفْنِيَتِهِمْ والسُّيُوفُ تَتَساقَطُ عَلَيْهِمْ، فَيا لَهُ مِن سُلْطانٍ مُبِينٍ.
﴿ورَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ﴾ تَقَدَّمَ ما المَعْنِيُّ بِالطُّورِ. وفي الشّامِ جَبَلٌ عُرِفَ بِالطُّورِ، ولَزِمَهُ هَذا الِاسْمُ، وهو طُورٌ بِسَيْناءَ. ولَيْسَ هو المَرْفُوعَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ؛ لِأنَّ رَفْعَ الجَبَلِ كانَ فِيما يَلِي التِّيهَ مِن جِهَةِ دِيارِ مِصْرَ، وهم ناهِضُونَ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وتَقَدَّمَتْ قِصَّةُ رَفْعِ الطُّورِ في البَقَرَةِ. والباءُ في بِمِيثاقِهِمْ لِلسَّبَبِ، وهو العَهْدُ الَّذِي أخَذَهُ مُوسى عَلَيْهِمْ بَعْدَ تَصْدِيقِهِمْ بِالتَّوْراةِ أنْ يَعْمَلُوا بِما فِيها؛ فَنَقَضُوا مِيثاقَهم، وعَبَدُوا العِجْلَ، فَرَفَعَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الطُّورَ. وفي كَلامٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: بِنَقْضِ مِيثاقِهِمْ.
(p-٣٨٨)﴿وقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في البَقَرَةِ.
﴿وقُلْنا لَهم لا تَعْدُوا في السَّبْتِ﴾ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عِنْدَ اعْتِدائِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ﴾ [البقرة: ٦٥] . وقَرَأ ورْشٌ لا تَعَدُّوا بِفَتْحِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الدّالِ عَلى أنَّ الأصْلَ تَعْتَدُوا، فَأُلْقِيَتْ حَرَكَةُ التّاءِ عَلى العَيْنِ، وأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ. وقَرَأ قالُونُ: بِإخْفاءِ حَرَكَةِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الدّالِ، والنَّصُّ بِالإسْكانِ. وأصْلُهُ أيْضًا لا تَعْتَدُوا. وقَرَأ الباقُونَ مِنَ السَّبْعَةِ: لا تَعْدُوا بِإسْكانِ العَيْنِ، وتَخْفِيفِ الدّالِ مِن عَدا يَعْدُو. وقالَ تَعالى: ﴿إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ﴾ [الأعراف: ١٦٣]، وقَرَأ الأعْمَشُ والأخْفَشُ: لا تَعْتَدُوا مِنَ اعْتَدى.
(وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا) قِيلَ هو المِيثاقُ الأوَّلُ في قَوْلِهِ: (بِمِيثاقِهِمْ)، ووُصِفَ بِالغِلَظِ لِلتَّأْكِيدِ، وهو المَأْخُوذُ عَلى لِسانِ مُوسى وهارُونَ أنْ يَأْخُذُوا التَّوْراةَ بِقُوَّةٍ، ويَعْمَلُوا بِجَمِيعِ ما فِيها، ويُوصِلُوهُ إلى أبْنائِهِمْ. وقِيلَ: هَذا المِيثاقُ غَيْرُ الأوَّلِ، وهو المِيثاقُ الثّانِي الَّذِي أُخِذَ عَلى أنْبِيائِهِمْ بِالتَّصْدِيقِ بِمُحَمَّدٍ والإيمانِ بِهِ، وهو المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ﴾ [آل عمران: ٨١] الآيَةَ.
﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم وكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ فِيما لَخَّصْناهُ مِن كَلامِهِ، هَذا إخْبارٌ عَنْ أشْياءَ واقَعُوها في الضِّدِّ مِمّا أُخِذُوا بِهِ، نَقَضُوا المِيثاقَ الَّذِي رُفِعَ عَلَيْهِمُ الطُّورُ بِسَبَبِهِ، وجَعَلُوا بَدَلَ الإيمانِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الأمْرُ بِدُخُولِ البابِ سُجَّدًا المُتَضَمِّنُ التَّواضُعَ الَّذِي هو ثَمَرَةُ الإيمانِ كُفْرَهم بِآياتِ اللَّهِ، وبَذْلِ الطّاعَةِ، وامْتِثالِ مُوافَقَتِهِ في أنْ لا يَعْدُوا في السَّبْتِ انْتِهاكَ أعْظَمِ الحُرُمِ، وهو قَتْلُ الأنْبِياءِ. وقابَلُوا أخْذَ المِيثاقِ الغَلِيظِ بِتَجاهُلِهِمْ، وقَوْلِهِمْ: قُلُوبُنا غُلْفٌ أيْ في حُجُبٍ وغُلُفٍ: فَهي لا تَفْهَمُ. وأضْرَبَ اللَّهُ تَعالى عَنْ قَوْلِهِمْ وكَذِبِهِمْ، وأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ قَدْ طَبَعَ عَلَيْها بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، انْتَهى. والمِيثاقُ المَنقُوضُ: أهُوَ كِتْمانُهم صِفَةَ الرَّسُولِ، وتَكْذِيبُهُ فِيما جاءَ بِهِ ؟ أوْ تَرْكُهُمُ العَمَلَ بِما في كِتابِهِمْ ؟ مَعَ أنَّهم قَبِلُوا والتَزَمُوا العَمَلَ بِها قَوْلانِ. وآياتُ اللَّهِ الَّتِي كَفَرُوا بِها أهِيَ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِمْ في كُتُبِهِمْ ؟ أوْ جَمِيعُ كُتُبِ اللَّهِ المُنَزَّلَةِ ؟ قَوْلانِ. وتَقَدَّمَ شَرْحُ (قُلُوبُنا غُلْفٌ) في البَقَرَةِ.
﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ أدْغَمَ لامَ (بَلْ) في طاءِ (طَبَعَ) الكِسائِيُّ وحَمْزَةُ، وأظْهَرَها باقِي السَّبْعَةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ خَبَرٌ مَعْناهُ الذَّمُّ، عَلى أنَّ قُلُوبَهم بِمَنزِلَةِ المَطْبُوعِ عَلَيْها الَّتِي لا تَفْهَمُ أبَدًا، ولا تُطِيعُ مُرْسَلًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أرادُوا بِقَوْلِهِمْ: قُلُوبُنا غُلْفٌ؛ أيْ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ قُلُوبَنا غُلْفًا؛ أيْ في أكِنَّةٍ لا يُتَوَصَّلُ إلَيْها بِشَيْءٍ مِنَ الذِّكْرِ والمَوْعِظَةِ، كَما حَكى اللَّهُ عَنِ المُشْرِكِينَ: ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠] . وتَكْذِيبُ المُجْبِرَةِ أخْزاهُمُ اللَّهُ فَقِيلَ لَهم: خَذَلَها اللَّهَ، ومَنَعَها الألْطافَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، فَصارَتْ كالمَطْبُوعِ عَلَيْها، لا إنْ تُخْلَقْ غُلْفًا قابِلَةَ الذِّكْرِ، ولا مُتَمَكِّنَةً مِن قَبُولِهِ، انْتَهى. وهو عَلى مَذْهَبِهِ الِاعْتِزالِيِّ. وأمّا أهْلُ السُّنَّةِ فَيَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ طَبَعَ عَلَيْها حَقِيقَةً كَما أخْبَرَ تَعالى إذْ لا خالِقَ غَيْرُهُ. والباءُ في فَبِما نَقْضِهِمْ تَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَعَلْنا بِهِمْ ما فَعَلْناهُ. وقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَعَنّاهم، وأذْلَلْناهم، وحَتَّمْنا عَلى الوافِينَ مِنهُمُ الخُلُودَ في جَهَنَّمَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وحَذْفُ جَوابِ هَذا الكَلامِ بَلِيغٌ مَتْرُوكٌ مَعَ ذِهْنِ السّامِعِ، انْتَهى. وتَسْمِيَةُ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ المَجْرُورُ بِأنَّهُ جَوابُ اصْطِلاحٍ لَمْ يُعْهَدْ في عِلْمِ النَّحْوِ، ولا تُساعِدُهُ اللُّغَةُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِجَوابٍ. وجَوَّزُوا أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: (حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ) عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ [النساء: ١٦٠] بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾؛ وقالَهُ الزَّجّاجُ، وأبُو بَكْرٍ، والزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهم. وهَذا فِيهِ بُعْدٌ لِكَثْرَةِ الفَواصِلِ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ؛ ولِأنَّ المَعْطُوفَ عَلى السَّبَبِ سَبَبٌ؛ فَيَلْزَمُ تَأخُّرُ بَعْضِ أجْزاءِ السَّبَبِ الَّذِي لِلتَّحْرِيمِ في الوَقْتِ عَنْ وقْتِ التَّحْرِيمِ؛ فَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ جُزْءَ سَبَبٍ أوْ مُسَبِّبًا إلّا بِتَأْوِيلٍ بَعِيدٍ، وبَيانُ ذَلِكَ أنَّ ”قَوْلَهم عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا“ وقَوْلَهم ”﴿إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ﴾“ مُتَأخِّرٌ في الزَّمانِ عَنْ (p-٣٨٩)تَحْرِيمِ الطَّيِّباتِ عَلَيْهِمْ؛ فالأوْلى أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: لَعَنّاهم، وقَدْ جاءَ مُصَرَّحًا بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم لَعَنّاهم وجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً﴾ [المائدة: ١٣] .
(فَلا يُؤْمِنُونَ إلّا قَلِيلًا) تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ.
﴿وبِكُفْرِهِمْ وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا﴾ الظّاهِرُ في قَوْلِهِ: وبِكُفْرِهِمْ وقَوْلِهِمْ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: (فَبِما نَقْضِهِمْ)، وما بَعْدَهُ. عَلى أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ أجازَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وبِكُفْرِهِمْ وقَوْلِهِمْ﴾ مَعْطُوفًا عَلى بِكُفْرِهِمْ. وتَكْرارُ نِسْبَةِ الكُفْرِ إلَيْهِمْ بِحَسَبِ مُتَعَلِّقاتِهِ؛ إذْ كَفَرُوا بِمُوسى، ثُمَّ بِعِيسى، ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ فَعَطَفَ بَعْضَ كُفْرِهِمْ عَلى بَعْضٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ عَطَفَ مَجْمُوعَ المَعْطُوفِ عَلى مَجْمُوعِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ عَلى بَعْضٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ عَطَفَ مَجْمُوعَ المَعْطُوفِ عَلى مَجْمُوعِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ فَيَجْمَعُهم بَيْنَ نَقْضِ المِيثاقِ والكُفْرِ بِآياتِ اللَّهِ وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ، وقَوْلِهِمْ: (قُلُوبُنا غُلْفٌ)، وجَمْعِهِمْ بَيْنَ كُفْرِهِمْ، وبُهْتِهِمْ مَرْيَمَ، وافْتِخارِهِمْ بِقَتْلِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ عاقَبْناهم. أوْ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها، وجَمَعَهم بَيْنَ كَفْرِهِمْ، وكَذا وكَذا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْضًا: فَإنْ قُلْتَ: هَلّا زَعَمْتَ أنَّ المَحْذُوفَ الَّذِي تَعَلَّقَتْ بِهِ الباءُ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ ؟ قُلْتُ: لَمْ يَصِحَّ هَذا التَّقْدِيرُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾، رَدٌّ وإنْكارٌ لِقَوْلِهِمْ: قُلُوبُنا غُلْفٌ؛ فَكانَ مُتَعَلِّقًا بِهِ، انْتَهى. وهو جَوابٌ حَسَنٌ، ويَمْتَنِعُ مِن وجْهٍ آخَرَ، وهو أنَّ العَطْفَ بِبَلْ يَكُونُ لِلْإضْرابِ عَنِ الحُكْمِ الأوَّلِ، وإثْباتِهِ لِلثّانِي عَلى جِهَةِ إبْطالِ الأوَّلِ، أوْ الِانْتِقالِ عامًّا في كِتابِ اللَّهِ في الإخْبارِ؛ فَلا يَكُونُ إلّا لِلِانْتِقالِ. ويُسْتَفادُ مِنَ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ ما لا يُسْتَفادُ مِنَ الجُمْلَةِ الأُولى. والَّذِي قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لا يُسَوَّغُ فِيهِ هَذا الَّذِي قَرَّرْناهُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾، ﴿وكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ﴾، وقَوْلِهِمْ: ﴿قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾؛ فَأفادَتِ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ ما أفادَتِ الجُمْلَةُ الأُولى، وهو لا يَجُوزُ. لَوْ قُلْتَ: مَرَّ زَيْدٌ بِعَمْرٍو، بَلْ مَرَّ زَيْدٌ بِعَمْرٍو لَمْ يَجُزْ. وقَدْ أجازَ ذَلِكَ أبُو البَقاءِ، وهو أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم وكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ، وكَذا طُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ. وقِيلَ التَّقْدِيرُ فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم لا يُؤْمِنُونَ إلّا قَلِيلًا والفاءُ مُقْحَمَةٌ. وما في قَوْلِهِ: فَبِما نَقْضِهِمْ كَهي في قَوْلِهِ: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وتَقَدَّمَ الكَلامُ فِيها. والبُهْتانُ العَظِيمُ رَمْيُهم مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ بِالزِّنا مَعَ رُؤْيَتِهِمُ الآيَةَ في كَلامِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ في المَهْدِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإلّا فَلَوْلا الآيَةُ لَكانُوا في قَوْلِهِمْ جارِينَ عَلى حُكْمِ البَشَرِ في إنْكارِ حَمْلٍ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ، انْتَهى. ووُصِفَ بِالعِظَمِ؛ لِأنَّهم تَمادَوْا عَلَيْهِ بَعْدَ ظُهُورِ الآيَةِ، وقِيامِ المُعْجِزَةِ بِالبَراءَةِ، وقَدْ جاءَتْ تَسْمِيَةُ الرَّمْيِ بِذَلِكَ بُهْتانًا عَظِيمًا في قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] .
﴿وقَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ الظّاهِرُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ مِن قَوْلِهِمْ قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ؛ كَقَوْلِ فِرْعَوْنَ: ﴿إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧]، وقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى وضَعَ الذِّكْرَ الحَسَنَ مَكانَ ذِكْرِهِمُ القَبِيحِ في الحِكايَةِ عَنْهُ رَفْعًا لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، كَما كانُوا يُذَكِّرُونَهُ بِهِ. ذَكَرَ الوَجْهَيْنِ الزَّمَخْشَرِيُّ، ولَمْ يَذْكُرِ ابْنُ عَطِيَّةَ سِوى الثّانِي؛ قالَ: هو إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِصِفَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وهي الرِّسالَةُ عَلى جِهَةِ إظْهارِ ذَنْبِ هَؤُلاءِ المُقِرِّينَ بِالقَتْلِ، ولَزِمَهُمُ الذَّنْبُ، وهم لَمْ يَقْتُلُوا عِيسى؛ لِأنَّهم صَلَبُوا ذَلِكَ الشَّخْصَ عَلى أنَّهُ عِيسى، وعَلى أنَّ عِيسى كَذّابٌ لَيْسَ بِرَسُولٍ؛ ولَكِنْ لَزِمَهُمُ الذَّنْبُ مِن حَيْثُ اعْتَقَدُوا أنَّ قَتْلَهم وقَعَ في عِيسى؛ فَكَأنَّهم قَتَلُوهُ، ولَيْسَ يَدْفَعُ الذَّنْبَ عَنْهُمُ اعْتِقادُهم أنَّهُ غَيْرُ رَسُولٍ.
﴿وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ هَذا إخْبارٌ مِنهُ تَعالى بِأنَّهم ما قَتَلُوا عِيسى، وما صَلَبُوهُ.
واخْتَلَفَ الرُّواةُ في (p-٣٩٠)كَيْفِيَّةِ القَتْلِ والصَّلْبِ، ولَمْ يَثْبُتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في ذَلِكَ شَيْءٌ غَيْرُ ما دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ.
ومُنْتَهى ما آلَ إلَيْهِ أمْرُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ طَلَبَتْهُ اليَهُودُ فاخْتَفى هو والحَوارِيُّونَ في بَيْتٍ؛ فَدُلُّوا عَلَيْهِ وحَضَرُوا لَيْلًا، وهم ثَلاثَةَ عَشَرَ، أوْ ثَمانِيَةَ عَشَرَ؛ فَفَرَّقَهم تِلْكَ اللَّيْلَةَ ووَجَّهَهم إلى الآفاقِ، وبَقِيَ هو ورَجُلٌ مَعَهُ؛ فَرُفِعَ عِيسى وأُلْقِيَ شَبَهُهُ عَلى الرَّجُلِ فَصُلِبَ. وقِيلَ هو اليَهُودِيُّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ. وقِيلَ قالَ لِأصْحابِهِ: أيُّكم يُلْقى عَلَيْهِ شَبَهِي فَيُقْتَلُ ويُخَلِّصُ هَؤُلاءِ، وهو رَفِيقِي في الجَنَّةِ ؟ فَقالَ سَرْجِسُ: أنا، فَأُلْقِيَ عَلَيْهِ شَبَهُ عِيسى. وقِيلَ أُلْقِيَ شَبَهُهُ عَلى الجَمِيعِ، فَلَمّا أُخْرِجُوا نَقَصَ واحِدٌ مِنَ العِدَّةِ، فَأخَذُوا واحِدًا مِمَّنْ عَلَيْهِ الشَّبَهُ فَصُلِبَ. ورُوِيَ أنَّ المَلِكَ والمُتَناوِلِينَ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِمْ أمْرُ عِيسى لِما رَأوْهُ مِن نُقْصانِ العِدَّةِ، واخْتِلاطِ الأمْرِ؛ فَصُلِبَ ذَلِكَ الشَّخْصُ، وأُبْعِدَ النّاسُ عَنْ خَشَبَتِهِ أيّامًا حَتّى تَغَيَّرَ، ولَمْ تَثْبُتْ لَهُ صِفَةٌ؛ وحِينَئِذٍ دَنا النّاسُ مِنهُ، ومَضى الحَوارِيُّونَ يَتَحَدَّثُونَ في الآفاقِ: إنَّ عِيسى صُلِبَ. وقِيلَ لَمْ يُلْقَ شَبَهُهُ عَلى أحَدٍ؛ وإنَّما مَعْنى: ﴿ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ أيْ شَبَّهَ عَلَيْهِمُ المَلِكُ المُمَخْرِقُ لِيَسْتَدِيمَ بِما نَقَصَ واحِدٌ مِنَ العِدَّةِ، وكانَ بادَرَ بِصَلْبِ واحِدٍ، وأبْعَدَ النّاسِ عَنْهُ، وقالَ: هَذا عِيسى؛ وهَذا القَوْلُ هو الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعْتَقَدَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾؛ أمّا أنْ يُلْقى شَبَهُهُ عَلى شَخْصٍ؛ فَلَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُعْتَمَدَ عَلَيْهِ.
وقَدِ اخْتُلِفَ فِيمَن أُلْقِيَ عَلَيْهِ الشَّبَهُ اخْتِلافًا كَثِيرًا. فَقِيلَ اليَهُودِيُّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ. وقِيلَ خَلِيفَةُ قَيْصَرَ الَّذِي كانَ مَحْبُوسًا عِنْدَهُ. وقِيلَ واحِدٌ مِنَ اليَهُودِ. وقِيلَ دَخَلَ لِيَقْتُلَهُ. وقِيلَ رَقِيبٌ، وكَلَتْهُ بِهِ اليَهُودُ. وقِيلَ أُلْقِيَ الشَّبَهُ عَلى كُلِّ الحَوارِيِّينَ. وقِيلَ أُلْقِيَ الشَّبَهُ عَلى الوَجْهِ دُونَ البَدَنِ، وهَذا الوُثُوقُ مِمّا يَدْفَعُ الوُثُوقَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ. ولِهَذا قالَ بَعْضُهم: إنْ جازَ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُلْقِي شَبَهَ إنْسانٍ عَلى إنْسانٍ آخَرَ؛ فَهَذا يَفْتَحُ بابَ السَّفْسَطَةِ. وقِيلَ سَبَبُ اجْتِماعِ اليَهُودِ عَلى قَتْلِهِ هو أنَّ رَهْطًا مِنهم سَبُّوهُ، وسَبُّوا أُمَّهُ فَدَعا عَلَيْهِمْ: ”اللَّهُمَّ أنْتَ رَبِّي، وبِكَلِمَتِكَ خَلَقْتَنِي، اللَّهُمَّ العَنْ مَن سَبَّنِي، وسَبَّ والِدَتِي“ فَمَسَخَ اللَّهُ مَن سَبَّهُما قِرَدَةً، وخَنازِيرَ، فاجْتَمَعَتِ اليَهُودُ عَلى قَتْلِهِ. و(شُبِّهَ) مُسْنَدٌ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ؛ كَقَوْلِهِ: خُيِّلَ إلَيْهِ، ولَكِنْ وقَعَ لَهُمُ التَّشْبِيهُ. ويَجُوزُ أنْ يُسْنَدَ إلى ضَمِيرِ المَقْتُولِ الدّالِّ عَلَيْهِ: إنّا قَتَلْنا أيْ ولَكِنْ شُبِّهَ لَهم مَن قَتَلُوهُ. ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرَ المَسِيحِ؛ لِأنَّ المَسِيحَ مُشَبَّهٌ بِهِ لا مُشَبَّهٌ.
﴿وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفي شَكٍّ مِنهُ ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلّا اتِّباعَ الظَّنِّ﴾ اخْتَلَفَ فِيهِ اليَهُودُ؛ فَقالَ بَعْضُهم: لَمْ يُقْتَلْ، ولَمْ يُصْلَبْ؛ الوَجْهُ وجْهُ عِيسى والجَسَدُ جَسَدُ غَيْرِهِ. وقِيلَ: أدْخَلُوا عَلَيْهِ واحِدًا لِيَقْتُلَهُ، فَأُلْقِيَ الشَّبَهُ عَلَيْهِ فَصُلِبَ، ونَقَصَ مِنَ العَدَدِ واحِدٌ. وكانُوا عَلِمُوا عَدَدَ الحَوارِيِّينَ؛ فَقالُوا: إنْ كانَ المَصْلُوبُ صاحِبَنا فَأيْنَ عِيسى ؟ وإنْ كانَ عِيسى فَأيْنَ صاحِبُنا ؟ وقِيلَ قالَ العَوامُّ: قَتَلْنا عِيسى، وقالَ مَن عايَنَ: رَفَعَهُ إلى السَّماءِ ما قُتِلَ، ولا صُلِبَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: واليَقِينُ الَّذِي صَحَّ فِيهِ نَقْلُ الكافَّةِ عَنْ حَواسِّها هو أنَّ شَخْصًا صُلِبَ، وهَلْ هو عِيسى أمْ لا ؟ فَلَيْسَ هو مِن عِلْمِ الحَوّاسِ؛ فَلِذَلِكَ لَمْ يَقَعْ في ذَلِكَ نَقْلٌ كافَّةً. والضَّمِيرُ في فِيهِ عائِدٌ عَلى القَتْلِ؛ مَعْناهُ: في قَتْلِهِ، وهَذا هو الظّاهِرُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، وما بَعْدَهُ. وقِيلَ الضَّمِيرُ في اخْتَلَفُوا عائِدٌ عَلى اليَهُودِ أيْضًا، واخْتِلافُهم فِيهِ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّهُ إلَهٌ. وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّهُ ابْنُ اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ اخْتِلافُهم فِيهِ أنَّ النَّسْطُورِيَّةَ قالُوا: وقَعَ الصَّلْبُ عَلى ناسُوتِهِ دُونَ لاهُوتِهِ. وقِيلَ وقَعَ القَتْلُ والصَّلْبُ عَلَيْهِما. وقِيلَ عائِدٌ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى؛ فَإنَّ اليَهُودَ قالُوا: هو ابْنُ زِنًا. وقالَتِ النَّصارى: هو ابْنُ اللَّهِ. وقِيلَ اخْتِلافُهم مِن جِهَةِ أنَّ النَّصارى قالُوا: إنَّ اليَهُودَ قَتَلَتْهُ وصَلَبَتْهُ واليَهُودُ الَّذِينَ عايَنُوا رَفْعَهُ قالُوا: رُفِعَ إلى السَّماءِ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّ ﴿إلّا اتِّباعَ الظَّنِّ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّ اتِّباعَ الظَّنِّ لَيْسَ مِن جِنْسِ العِلْمِ (p-٣٩١)أيْ ولَكِنَّ اتِّباعَ الظَّنِّ لَهم.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي ولَكِنَّهم يَتَّبِعُونَ الظَّنَّ، وهَذا تَفْسِيرُ مَعْنًى لا تَفْسِيرَ إعْرابٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ إذِ الظَّنُّ والعِلْمُ يَضُمُّهُما أنَّهُما مِن مُعْتَقَداتِ اليَقِينِ. وقَدْ يَقُولُ الظّانُّ عَلى طَرِيقِ التَّجَوُّزِ: عِلْمِي في هَذا الأمْرِ أنَّهُ كَذا، وهو يَعْنِي ظَنَّهُ، انْتَهى. ولَيْسَ كَما ذُكِرَ؛ لِأنَّ الظَّنَّ لَيْسَ مِن مُعْتَقَداتِ اليَقِينِ؛ لِأنَّهُ تَرْجِيحُ أحَدِ الجائِزَيْنِ؛ وما كانَ تَرْجِيحًا فَهو يُنافِي اليَقِينَ؛ كَما أنَّ اليَقِينَ يُنافِي تَرْجِيحَ أحَدِ الجائِزَيْنِ. وعَلى تَقْدِيرِ: أنَّ الظَّنَّ والعِلْمَ يَضُمُّهُما ما ذُكِرَ؛ فَلا يَكُونُ أيْضًا اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَسْتَثْنِ الظَّنَّ مِنَ العِلْمِ. فَلَيْسَتِ التِّلاوَةُ ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلّا الظَّنَّ؛ وإنَّما التِّلاوَةُ إلّا اتِّباعَ الظَّنِّ، والِاتِّباعُ لِلظَّنِّ لا يَضُمُّهُ والعِلْمُ جِنْسُ ما ذُكِرَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ. فَإنْ قُلْتَ: لِمَ وُصِفُوا بِالشَّكِّ، والشَّكُّ أنْ لا يَتَرَجَّحَ أحَدُ الجائِزَيْنِ ؟ ثُمَّ وُصِفُوا بِالظَّنِّ، والظَّنُّ أنْ يَتَرَجَّحَ أحَدُهُما؛ فَكَيْفَ يَكُونُونَ شاكِّينَ ظانِّينَ ؟ قُلْتُ: أُرِيدَ أنَّهم شاكُّونَ ما لَهم مِن عِلْمٍ قَطُّ، ولَكِنْ لاحَتْ لَهم أمارَةٌ فَظَنُّوا، انْتَهى. وهو جَوابُ سُؤالِهِ؛ ولَكِنْ يُقالُ: لا يَرِدُ هَذا السُّؤالُ؛ لِأنَّ العَرَبَ تُطْلِقُ الشَّكَّ عَلى ما لَمْ يَقَعْ فِيهِ القَطْعُ واليَقِينُ فَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ ما يَتَرَدَّدُ فِيهِ، إمّا عَلى السَّواءِ بِلا تَرْجِيحٍ، أوْ بِتَرْجِيحِ أحَدِ الطَّرَفَيْنِ. وإذا كانَ كَذَلِكَ انْدَفَعَ السُّؤالُ.
﴿وما قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ وجَماعَةٌ: الضَّمِيرُ في قَتَلُوهُ عائِدٌ عَلى الظَّنِّ. تَقُولُ: قَتَلْتُ هَذا الأمْرَ عِلْمًا إذا قَطَعْتَ بِهِ، وجَزَمْتَ الجَزْمَ الَّذِي لا يُخالِجُهُ شَيْءٌ؛ فالمَعْنى: وما صَحَّ ظَنُّهم عِنْدَهم، وما تَحَقَّقُوهُ يَقِينًا، ولا قَطَعُوا الظَّنَّ بِاليَقِينِ. وقالَ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ؛ الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى العِلْمِ؛ أيْ ما قَتَلُوا العِلْمَ يَقِينًا. يُقالُ: قَتَلْتُ العِلْمَ والرَّأْيَ يَقِينًا وقَتَلْتُهُ عِلْمًا؛ لِأنَّ القَتْلَ لِلشَّيْءِ يَكُونُ عَنْ قَهْرٍ واسْتِعْلاءٍ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ لَمْ يَكُنْ عِلْمُهم بِقَتْلِ المَسِيحِ عِلْمًا أُحِيطَ بِهِ؛ إنَّما كانَ ظَنًّا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ تَهَكُّمٌ؛ لِأنَّ (إذا) نُفِيَ عَنْهُمُ العِلْمُ نَفْيًا كُلِّيًا بِحَرْفِ الِاسْتِغْراقِ ثُمَّ قِيلَ، وما عَلِمُوهُ عِلْمَ يَقِينٍ وإحاطَةٍ لَمْ يَكُنْ إلّا تَهَكُّمًا، انْتَهى. والظّاهِرُ قَوْلُ الجُمْهُورِ: إنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلى عِيسى بِجَعْلِ الضَّمائِرِ كُلِّها كَشَيْءٍ واحِدٍ، فَلا تَخْتَلِفُ. والمَعْنى صَحِيحٌ بَلِيغٌ، وانْتِصابُ (يَقِينًا) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ (قَتَلُوهُ)؛ أيْ مُتَيَقِّنِينَ أنَّهُ عِيسى كَما ادَّعَوْا ذَلِكَ في قَوْلِهِمْ: إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ؛ قالَهُ السُّدِّيُّ. أوْ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ قَتْلًا يَقِينًا جَوَّزَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ الحَسَنُ: وما قَتَلُوهُ حَقًّا، انْتَهى. فانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ كَقَوْلِكَ: وما قَتَلُوهُ حَقًّا؛ أيْ حَقَّ انْتِفاءِ قَتْلِهِ حَقًّا. وما حُكِيَ عَنِ ابْنِ الأنْبارِيِّ أنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا وأنَّ (يَقِينًا) مَنصُوبٌ بِـ ﴿رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾ والمَعْنى: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ يَقِينًا؛ فَلَعَلَّهُ لا يَصِحُّ عَنْهُ. وقَدْ نَصَّ الخَلِيلُ عَلى أنَّ ذَلِكَ خَطَأٌ؛ لِأنَّهُ لا يَعْمَلُ ما بَعْدَ (بَلْ) في ما قَبْلَها.
﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾ هَذا إبْطالٌ لِما ادَّعَوْهُ مِن قَتْلِهِ وصَلْبِهِ، وهو حَيٌّ في السَّماءِ الثّانِيَةِ عَلى ما صَحَّ عَنِ الرَّسُولِ في حَدِيثِ المِعْراجِ. وهو هُنالِكَ مُقِيمٌ حَتّى يُنْزِلَهُ اللَّهُ إلى الأرْضِ لِقَتْلِ الدَّجّالِ، ولِيَمْلَأها عَدْلًا كَما مُلِئَتْ جَوْرًا، ويَحْيا فِيها أرْبَعِينَ سَنَةً ثُمَّ يَمُوتُ كَما تَمُوتُ البَشَرُ. وقالَ قَتادَةُ: رَفَعَ اللَّهُ عِيسى إلَيْهِ فَكَساهُ الرِّيشَ وألْبَسَهُ النُّورَ، وقَطَعَ عَنْهُ الطَّعامَ والشَّرابَ؛ فَصارَ مَعَ المَلائِكَةِ؛ فَهو مَعَهم حَوْلَ العَرْشِ؛ فَصارَ إنْسِيًّا مَلَكِيًّا سَماوِيًّا أرْضِيًّا.
والضَّمِيرُ في إلَيْهِ عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى عَلى حَذْفِ التَّقْدِيرِ إلى سَمائِهِ، وقَدْ جاءَ ﴿ورافِعُكَ إلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] . وقِيلَ إلى حَيْثُ لا حُكْمَ فِيهِ إلّا لَهُ. ولا يُوَجَّهُ الدُّعاءُ إلّا نَحْوَهُ، وهو راجِعٌ إلى الأوَّلِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: أعْلَمَ اللَّهُ تَعالى عَقِيبَ ذِكْرِهِ أنَّهُ وصَلَ إلى عِيسى أنْواعٌ مِنَ البَلايا أنَّهُ رَفَعَهُ إلَيْهِ فَدَلَّ أنَّ رَفْعَهُ إلَيْهِ أعْظَمُ في إيصالِ الثَّوابِ مِنَ الجَنَّةِ، ومِن كُلِّ ما فِيها مِنَ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ؛ وهَذِهِ الآيَةُ تَفْتَحُ عَلَيْكَ بابَ مَعْرِفَةِ السِّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ، انْتَهى. وفِيهِ نَحْوٌ (p-٣٩٢)مِن كَلامِ المُتَفَلْسِفَةِ.
(وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) . قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: المُرادُ مِنَ المَعَزَّةِ كَمالُ القُدْرَةِ، ومِنَ الحِكْمَةِ كَمالُ العِلْمِ؛ فَنَبَّهَ بِهَذا عَلى أنَّ رَفْعَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الدُّنْيا إلى السَّماواتِ وإنْ كانَ كالمُتَعَذَّرِ عَلى البَشَرِ، لَكِنْ لا تُعْذَرُ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِي وحِكْمَتِي، انْتَهى. وقالَ غَيْرُهُ: عَزِيزًا أيْ قَوِيًّا بِالنِّقْمَةِ مِنَ اليَهُودِ؛ فَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ بُطْرُسَ الرُّومِيّ فَقَتَلَ مِنهم مَقْتَلَةً عَظِيمَةً. حَكِيمًا حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِاللَّعْنَةِ والغَضَبِ. وقِيلَ: عَزِيزًا؛ أيْ: لا يُغالَبُ؛ لِأنَّ اليَهُودَ حاوَلَتْ بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أمْرًا وأرادَ اللَّهُ خِلافَهُ. حَكِيمًا أيْ: واضِعَ الأشْياءِ مَواضِعَها؛ فَمِن حَكَمَتِهِ تَخْلِيصُهُ مِنَ اليَهُودِ، ورَفْعُهُ إلى السَّماءِ لِما يُرِيدُ وتَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ تَعالى. وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: أوْحى اللَّهُ تَعالى إلى عِيسى عَلى رَأْسِ ثَلاثِينَ سَنَةً، ثُمَّ رَفَعَهُ وهو ابْنُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً؛ فَكانَتْ نُبُوَّتُهُ ثَلاثَ سِنِينَ. وقِيلَ: بَعَثَ اللَّهُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأدْخَلَهُ خَوْخَةً فِيها رَوْزَنَةٌ في سَقْفِها؛ فَرَفَعَهُ اللَّهُ تَعالى إلى السَّماءِ مِن تِلْكَ الرَّوْزَنَةِ.
﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ . إنْ: هُنا نافِيَةٌ، والمُخْبَرُ عَنْهُ مَحْذُوفٌ قامَتْ صِفَتُهُ مَقامَهُ، التَّقْدِيرُ: وما أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ. كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] والمَعْنى: وما مِنَ اليَهُودِ. وقَوْلُهُ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] أيْ: وما أحَدٌ مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ، وما أحَدٌ مِنكم إلّا وارِدُها. قالَ الزَّجّاجُ: وحُذِفَ (أحَدٌ) لِأنَّهُ مَطْلُوبٌ في كُلِّ نَفْيٍ يَدْخُلُهُ الِاسْتِثْناءُ نَحْوَ: ما قامَ إلّا زَيْدٌ، مَعْناهُ ما قامَ أحَدٌ إلّا زَيْدٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ جُمْلَةٌ قَسَمِيَّةٌ واقِعَةٌ صِفَةً لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ؛ تَقْدِيرُهُ: وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ أحَدٌ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ، ونَحْوُهُ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤]، ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] . والمَعْنى: وما مِنَ اليَهُودِ أحَدٌ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ، انْتَهى.
وهُوَ غَلَطٌ فاحِشٌ إذْ زَعَمَ أنَّ ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ جُمْلَةٌ قَسَمِيَّةٌ واقِعَةٌ صِفَةً لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ إلى آخِرِهِ، وصِفَةُ (أحَدٌ) المَحْذُوفِ إنَّما هو الجارُّ والمَجْرُورُ وهو (مِن أهْلِ الكِتابِ)، والتَّقْدِيرُ كَما ذَكَرْناهُ: وإنْ أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾؛ فَلَيْسَتْ صِفَةً لِمَوْصُوفٍ، ولا هي جُمْلَةٌ قَسَمِيَّةٌ كَما زَعَمَ؛ إنَّما هي جُمْلَةُ جَوابِ القَسَمِ، والقَسَمُ مَحْذُوفٌ، والقَسَمُ وجَوابُهُ في مَوْضِعِ رَفْعِ خَبَرِ المُبْتَدَأِ الَّذِي هو (أحَدٌ) المَحْذُوفُ؛ إذْ لا يَنْتَظِمُ مِن أحَدٍ والمَجْرُورِ إسْنادٌ؛ لِأنَّهُ لا يُفِيدُ؛ وإنَّما يَنْتَظِمُ الإسْنادُ بِالجُمْلَةِ القَسَمِيَّةِ وجَوابِها؛ فَذَلِكَ هو مَحَطُّ الفائِدَةِ وكَذَلِكَ أيْضًا الخَبَرُ هو ﴿إلّا لَهُ مَقامٌ﴾ [الصافات: ١٦٤]، وكَذَلِكَ إلّا وارِدُها؛ إذْ لا يَنْتَظِمُ مِمّا قَبْلَ إلّا تَرْكِيبٌ إسْنادِيٌّ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَيْنِ في: بِهِ ومَوْتِهِ عائِدانِ عَلى عِيسى وهو سِياقُ الكَلامِ، والمَعْنى: مِن أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ يَكُونُونَ في زَمانِ نُزُولِهِ.
رُوِيَ أنَّهُ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ في آخِرِ الزَّمانِ؛ فَلا يَبْقى أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ إلّا يُؤْمِنُ بِهِ؛ حَتّى تَكُونَ المِلَّةُ واحِدَةً وهي مِلَّةُ الإسْلامِ؛ قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وأبُو مالِكٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وعِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ والحَسَنُ أيْضًا ومُجاهِدٌ وغَيْرُهم: الضَّمِيرُ في بِهِ لِعِيسى، وفي مَوْتِهِ لِكِتابِيٍّ وقالُوا: ولَيْسَ يَمُوتُ يَهُودِيٌّ حَتّى يُؤْمِنَ بِعِيسى ويَعْلَمَ أنَّهُ نَبِيٌّ؛ ولَكِنْ عِنْدَ المُعايَنَةِ لِلْمَوْتِ فَهو إيمانٌ لا (p-٣٩٣)يَنْفَعُهُ كَما لَمْ يَنْفَعْ فِرْعَوْنَ إيمانُهُ وقْتَ المُعايَنَةِ. وبَدَأ بِما يُشْبِهُ هَذا لِقَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ. قالَ: والمَعْنى ما مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى أحَدٌ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ قَبْلَ مَوْتِهِ بِعِيسى، وبِأنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ ؟ يَعْنِي: إذا عايَنَ قَبْلَ أنْ تَزْهَقَ رُوحُهُ حِينَ لا يَنْفَعُهُ إيمانُهُ لِانْقِطاعِ وقْتِ التَّكْلِيفِ. ثُمَّ حُكِيَ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ والحَجّاجِ حِكايَةٌ فِيها طُولٌ يَمَسُّ بِالتَّفْسِيرِ مِنها: أنَّ اليَهُودِيَّ إذا حَضَرَهُ المَوْتُ ضَرَبَتِ المَلائِكَةُ دُبُرَهُ ووَجْهَهُ وقالُوا: يا عَدُوَّ اللَّهِ أتاكَ عِيسى نَبِيًّا فَكَذَّبْتَ بِهِ؛ فَيَقُولُ: آمَنتُ أنَّهُ نَبِيٌّ. وتَقُولُ لِلنَّصْرانِيِّ: أتاكَ عِيسى نَبِيًّا فَزَعَمْتَ أنَّهُ اللَّهُ أوِ ابْنُ اللَّهِ؛ فَيَقُولُ: آمَنتُ أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ حَيْثُ لا يَنْفَعُهُ إيمانُهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ فَسَّرَهُ كَذَلِكَ؛ فَقالَ لَهُ عِكْرِمَةُ: فَإنْ أتاهُ رَجُلٌ فَضَرَبَ عُنُقَهُ ؟ قالَ: لا تَخْرُجُ نَفْسُهُ حَتّى يُحَرِّكَ بِها شَفَتَيْهِ. قالَ: وإنْ خَرَجَ فَوْقَ بَيْتٍ أوِ احْتَرَقَ أوْ أكَلَهُ سَبُعٌ ؟ قالَ: يَتَكَلَّمُ بِها في الهَوى، ولا تَخْرُجُ رُوحُهُ حَتّى يُؤْمِنَ بِهِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ: ”إلّا لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِمْ“ بِضَمِّ النُّونِ عَلى مَعْنى: وإنْ مِنهم أحَدٌ إلّا سَيُؤْمِنُونَ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِمْ؛ لِأنَّ أحَدًا يَصْلُحُ لِلْجَمْعِ. فَإنْ قُلْتَ: فَما فائِدَةُ الإخْبارِ بِإيمانِهِمْ بِعِيسى قَبْلَ مَوْتِهِمْ ؟ قُلْتُ: فائِدَتُهُ الوَعِيدُ، ولْيَكُنْ عِلْمُهم بِأنَّهم لا بُدَّ لَهم مِنَ الإيمانِ بِهِ عَنْ قَرِيبٍ عِنْدَ المُعايَنَةِ، وأنَّ ذَلِكَ لا يَنْفَعُهم بَعْثًا لَهم وتَنْبِيهًا عَلى مُعالَجَةِ الإيمانِ بِهِ في أوانِ الِانْتِفاعِ بِهِ، ولِيَكُونَ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ لَهم.
وكَذَلِكَ قَوْلُهُ.
﴿ويَوْمَ القِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ يَشْهَدُ عَلى اليَهُودِ بِأنَّهم كَذَّبُوهُ، وعَلى النَّصارى بِأنَّهم دَعَوْهُ ابْنَ اللَّهِ، انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ أيْضًا: ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ أنَّهُ لا يَبْقى أحَدٌ مِن جَمِيعِ أهْلِ الكِتابِ إلّا لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ، عَلى أنَّ اللَّهَ يُحْيِيهِمْ في قُبُورِهِمْ في ذَلِكَ الزَّمانِ ويُعْلِمُهم نُزُولَهُ وما نَزَلَ لَهُ، ويُؤْمِنُونَ بِهِ حِينَ لا يَنْفَعُهم إيمانُهم، انْتَهى. وقالَ عِكْرِمَةُ: الضَّمِيرُ في بِهِ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وفي مَوْتِهِ لِلْكِتابِيِّ. قالَ: ولَيْسَ يَخْرُجُ يَهُودِيٌّ ولا نَصْرانِيٌّ مِنَ الدُّنْيا حَتّى يُؤْمِنَ بِمُحَمَّدٍ، ولَوْ غَرِقَ أوْ سَقَطَ عَلَيْهِ جِدارٌ؛ فَإنَّهُ يُؤْمِنُ في ذَلِكَ الوَقْتِ. وقِيلَ: يَعُودُ في بِهِ عَلى اللَّهِ، وفي مَوْتِهِ عَلى أحَدٍ المُقَدَّرِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إذا نَزَلَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِقَتْلِ الدَّجّالِ لَمْ يَبْقَ يَهُودِيٌّ ولا نَصْرانِيٌّ إلّا آمَنَ بِاللَّهِ حِينَ يَرَوْنَ قَتْلَ الدَّجّالِ، وتَصِيرُ الأُمَمُ كُلُّها واحِدَةً عَلى مِلَّةِ الإسْلامِ، ويُعْزى هَذا القَوْلُ أيْضًا إلى ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ.
وقالَ العَبّاسُ بْنُ غَزْوانَ: وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ بِتَشْدِيدِ النُّونِ، وهي قِراءَةٌ عَسِرَةُ التَّخْرِيجِ، ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ أيْ: شَهِيدًا عَلى أهْلِ الكِتابِ عَلى اليَهُودِ بِتَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ وطَعْنِهِمْ فِيهِ، وعَلى النَّصارى بِجَعْلِهِمْ إيّاهُ إلاهًا مَعَ اللَّهِ أوِ ابْنًا لَهُ، والضَّمِيرُ في يَكُونُ لِعِيسى. وقالَ عِكْرِمَةُ: لِمُحَمَّدٍ ﷺ . قِيلَ: وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ أنْواعًا مِنَ الفَصاحَةِ والبَدِيعِ؛ فَمِنها التَّجْنِيسُ المُغايِرُ في: (يُخادِعُونَ) و(خادِعُهم)، و(شَكَرْتُمْ) و(شاكِرًا) . والمُماثِلُ في: (وإذا قامُوا) . والتَّكْرارُ في اسْمِ اللَّهِ، وفي: (هَؤُلاءِ) و(هَؤُلاءِ)، وفي: و(يَرَوْنَ) و(يُرِيدُونَ)، وفي: (الكافِرِينَ) و(الكافِرِينَ)، وفي: (أهْلِ الكِتابِ) و(كِتابًا)، وفي: (بِمِيثاقِهِمْ) و(مِيثاقًا) . والطِّباقُ في: الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ، وفي: (إنْ تَبْدُوا) أوْ (تُخْفُوهُ)، وفي: (نُؤْمِنُ) و(نَكْفُرُ)، والِاخْتِصاصُ في: (إلى الصَّلاةِ)، وفي: ﴿الدَّرْكِ الأسْفَلِ﴾ [النساء: ١٤٥]، وفي: ﴿الجَهْرَ بِالسُّوءِ﴾ [النساء: ١٤٨] . والإشارَةُ في مَواضِعَ الِاسْتِعارَةِ في ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] اسْتَعارَ اسْمَ الخِداعِ لِلْمُجازاةِ وفي (سَبِيلًا)، وفي (سُلْطانًا) لِقِيامِ الحُجَّةِ و﴿الدَّرْكِ الأسْفَلِ﴾ [النساء: ١٤٥] لِانْخِفاضِ طَبَقاتِهِمْ في النّارِ، و(اعْتَصِمُوا) لِلِالتِجاءِ، وفي: ﴿أنْ يُفَرِّقُوا﴾، وفي: ﴿ولَمْ يُفَرِّقُوا﴾ وهو حَقِيقَةٌ في الأجْسامِ اسْتُعِيرَ لِلْمَعانِي، وفي (سُلْطانًا) اسْتُعِيرَ لِلْحُجَّةِ، وفي: (غُلْفٌ) و﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ﴾ . وزِيادَةُ الحَرْفِ لِمَعْنى في (فَبِما نَقْضِهِمْ) .
وإسْنادُ الفِعْلِ إلى غَيْرِ فاعِلِهِ في: فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ وجاءَتْهُمُ البَيِّناتُ وإلى الرّاضِي بِهِ وفي: وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ، وفي: ﴿وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا﴾، ﴿وقَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ﴾ . وحُسْنُ النَّسَقِ في: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم، والمَعاطِيفِ (p-٣٩٤)عَلَيْهِ حَيْثُ نُسِّقَتْ بِالواوِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى الجَمِيعِ فَقَطْ. وبَيْنَ هَذِهِ الأشْياءِ أعْصارٌ مُتَباعِدَةٌ فَشَرَكَ أوائِلَهم وأواخِرَهم لِعَمَلِ أُولَئِكَ ورِضا هَؤُلاءِ. وإطْلاقُ اسْمِ كُلٍّ عَلى بَعْضٍ وفي: كُفْرِهم بِآياتِ اللَّهِ وهو القُرْآنُ والإنْجِيلُ ولَمْ يَكْفُرُوا بِشَيْءٍ مِنَ الكُتُبِ إلّا بِهِما وفي قَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا ولَمْ يَقُلْ ذَلِكَ إلّا بَعْضُهم. والتَّعْرِيضُ في رَسُولِ اللَّهِ إذا قُلْنا إنَّهُ مِن كَلامِهِمْ. والتَّوْجِيهُ في غُلْفٌ مِنَ احْتِمالِ المَصْدَرِ جَمْعُ غِلافٍ أوْ جَمْعُ أغْلُفٍ. وعَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ وهو في ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ عَلى مَن جَعَلَهُما لِغَيْرِ عِيسى. والنَّقْلُ مِن صِيغَةِ فاعِلٍ إلى فَعِيلٍ في شَهِيدٍ. والحَذْفُ في مَواضِعَ.
النساء 4:156
﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ والنَّصارى، آمَنَتِ اليَهُودُ بِمُوسى والتَّوْراةِ، وكَفَرَتْ بِعِيسى، ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَّلامُ، وآمَنَتِ النَّصارى بِعِيسى والإنْجِيلِ، وكَفَرَتْ بِمُحَمَّدٍ والقُرْآنِ. وقِيلَ نَزَلَتْ في اليَهُودِ خاصَّةً، آمَنُوا بِمُوسى وعُزَيْرٍ والتَّوْراةِ، وكَفَرُوا بِعِيسى والإنْجِيلِ، ومُحَمَّدٍ والقُرْآنِ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها: أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ ما عَلَيْهِ المُنافِقُونَ مِن سُوءِ الخَلِيقَةِ ومَذْمُومِ الطَّرِيقَةِ أخَذَ في الكَلامِ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى؛ جَعَلَ كُفْرَهم بِبَعْضِ الرُّسُلِ كُفْرًا بِجَمِيعِ الرُّسُلِ، وكُفْرَهم بِالرُّسُلِ كُفْرًا بِاللَّهِ تَعالى.
﴿ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ﴾؛ أيْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الإيمانِ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ يَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِاللَّهِ، ولا نُؤْمِنُ بِفُلانٍ وفُلانٍ مِنَ الأنْبِياءِ.
﴿ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ يَعْنِي مِنَ الأنْبِياءِ. وقِيلَ هو تَصْدِيقُ اليَهُودِ بِمُحَمَّد أنَّهُ نَبِيٌّ؛ ولَكِنْ لَيْسَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ. ونَحْوُ هَذا مِن تَفَرُّقاتِهِمُ الَّتِي كانَتْ تَعَنُّتًا، ورَوَغانًا.
﴿ويُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾؛ أيْ طَرِيقًا وسَطًا بَيْنَ الكُفْرِ والإيمانِ، ولا واسِطَةَ بَيْنَهُما.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ حَقًّا﴾ أكَّدَ بِقَوْلِهِ هم، لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ ذَلِكَ الإيمانَ يَنْفَعُهم. وأكَّدَ بِقَوْلِهِ: حَقًّا، وهو تَأْكِيدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ، كَما تَقُولُ: هَذا عَبْدُ اللَّهِ حَقًّا؛ أيْ حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا. أوْ هو نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ كُفْرًا حَقًّا؛ أيْ ثابِتًا يَقِينًا لا شَكَّ فِيهِ. أوْ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ لِذَلِكَ نَظائِرُ، وقَدْ طَعَنَ الواحِدِيُّ في هَذا التَّوْجِيهِ، وقالَ: الكُفْرُ لا يَكُونُ حَقًّا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ولا يَلْزَمُ ما قالَ إنَّهُ لا يُرادُ بِحَقًّا الحَقُّ الَّذِي هو مُقابِلٌ لِلْباطِلِ؛ وإنَّما المَعْنى أنَّهُ كُفْرٌ ثابِتٌ مُتَيَقَّنٌ؛ وإنَّما كانَ التَّوْكِيدُ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ داعِيَ الإيمانِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الأنْبِياءِ، (p-٣٨٦)وهُوَ ظُهُورُ المُعْجِزاتِ عَلى أيْدِيهِمْ؛ فَكَوْنُهم فَرَّقُوا في الإيمانِ بَيْنَهم دَلِيلٌ عَلى كُفْرِهِمْ بِالجَمِيعِ؛ إذْ لَيْسَ إيمانُهم بِبَعْضٍ ناشِئًا عَنِ النَّظَرِ في الدَّلِيلِ؛ وإنَّما هم عَلى سَبِيلِ التَّشَهِّي والتَّلاعُبِ.
(وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا) هَذا وعِيدٌ لَهم بِالإهانَةِ في العَذابِ.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ هَؤُلاءِ هُمُ المُؤْمِنُونَ أتْباعُ مُحَمَّدٍ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى دُخُولِ (بَيْنَ) عَلى (أحَدٍ) في البَقَرَةِ. في قَوْلِهِ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا.
(أُولَئِكَ سَوْفَ نُؤْتِيهِمْ أُجُورَهم) صَرَّحَ تَعالى بِوَعْدِ هَؤُلاءِ كَما صَرَّحَ بِوَعِيدِ أُولَئِكَ. وقَرَأ حَفْصٌ: يُؤْتِيهِمْ بِالياءِ لِيَعُودَ عَلى اسْمِ اللَّهِ قَبْلَهُ. وقَرَأ الباقُونَ: بِالنُّونِ عَلى الِالتِفاتِ ومُقابِلُهُ (وأعْتَدْنا) . وقَوْلُ أبِي عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيِّ: قِراءَةُ النُّونِ أوْلى مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أنْهَمُ، والآخَرُ: أنَّهُ مَشاكِلٌ لِقَوْلِهِ: وأعْتَدْنا؛ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، ولا أوْلَوِيَّةَ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ القِراءَتَيْنِ كِلْتاهُما مُتَواتِرَةٌ، هَكَذا نَزَلَتْ، وهَكَذا أُنْزِلَتْ.
(وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) لَمّا وعَدَهم تَعالى بِالثَّوابِ زادَهم تَبْشِيرًا لِتَجاوُزٍ عَنِ السَّيِّئاتِ، وبِرَحْمَتِهِ إيّاهم.
﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: قالَتِ اليَهُودُ: إنْ كُنْتَ صادِقًا فَجِئْ بِكِتابٍ مِنَ السَّماءِ جُمْلَةً، كَما جاءَ مُوسى بِالكِتابِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: قالُوا: ائْتِ بِألْواحٍ فِيها كِتابُكَ، كَما أتى مُوسى بِألْواحٍ فِيها التَّوْراةُ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: سَألُوهُ أنْ يَأْتِيَ بِكِتابٍ خاصٍّ لِلْيَهُودِ يَأْمُرُهم بِالإيمانِ بِمُحَمَّدٍ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قالُوا: لَنْ نُتابِعَكَ عَلى ما تَدْعُونا إلَيْهِ، حَتّى تَأْتِيَنا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ إلى فُلانٍ وإلى فُلانٍ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ؛ فَعَلى قَوْلِ ابْنِ جُرَيْجٍ يَقْتَضِي أنَّ سُؤالَهم كانَ عَلى نَحْوِ سُؤالِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمَيَّةَ الزُّهْرِيِّ، وقِيلَ كِتابًا نُعايِنُهُ حَتّى يَنْزِلَ، وسَمّى مِن سائِلِي اليَهُودِ: كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ، وفِنْخاصَ بْنَ عازُوراءَ. وقِيلَ السّائِلُونَ هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، وسُؤالُهم إنَّما هو عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ. وقالَ الحَسَنُ: لَوْ سَألُوهُ لِكَيْ يَتَبَيَّنَ الحَقُّ لَأعْطاهم؛ فَإنَّ فِيما أعْطاكم كِفايَةً.
﴿فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقالُوا أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ قَدَّرُوا قَبْلَ هَذا كَلامًا مَحْذُوفًا؛ فَجَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ شَرْطًا هَذا جَوابُهُ، وتَقْدِيرُهُ: إنِ اسْتَكْبَرْتَ ما سَألُوهُ مِنكَ؛ فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ. وقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَلا تُبالِ يا مُحَمَّدُ عَنْ سُؤالِهِمْ وتَشْطِيطِهِمْ؛ فَإنَّها عادَتُهم؛ فَقَدْ سَألُوا مُوسى. وأسْنَدَ السُّؤالَ إلَيْهِمْ، وإنْ كانَ إنَّما وقَعَ مِن آبائِهِمْ مِن نُقَبائِهِمُ السَبْعِينَ؛ لِأنَّهم راضُونَ بِفِعْلِ آبائِهِمْ ومَذاهِبِهِمْ، ومُشابِهُونَ لَهم في التَّعَنُّتِ. وقَرَأ الحَسَنُ: أكْثَرَ بِالثّاءِ المُثَلَّثَةِ بَدَلَ الباءِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ. ومَعْنى جَهْرَةً: عِيانًا رُؤْيَةً (p-٣٨٧)مُنْكَشِفَةً بَيِّنَةً. والجَهْرَةُ مِن وصْفِ الرُّؤْيَةِ. واخْتُلِفَ في النَّقْلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَرُوِيَ عَنْهُ: أنَّ جَهْرَةً مِن صِفَةِ السُّؤالِ؛ فَقَدْ سَألُوا مُوسى. أوْ حالًا مِن ضَمِيرِ سَألُوا أيْ سَألُوهُ مُجاهِرِينَ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّ التَّقْدِيرَ: فَقالُوا جَهْرَةً مِنهُ، وتَصْرِيحًا أرِنا اللَّهَ؛ فَيَكُونُ مِن صِفَةِ القَوْلِ.
﴿فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ أيْ تَعَنُّتِهِمْ، وسُؤالِهِمْ ما لَيْسَ لَهم أنْ يَسْألُوهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِظُلْمِهِمْ بِسَبَبِ سُؤالِهِمُ الرُّؤْيَةَ، ولَوْ طَلَبُوا أمْرًا جائِزًا لَما سُمُّوا ظالِمِينَ، ولَما أخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ. كَما سَألَ إبْراهِيم عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُرِيَهُ إحْياءَ المَوْتى فَلَمْ يُسَمِّهِ ظالِمًا، ولا رَماهُ بِالصّاعِقَةِ لِلْمُشَبِّهَةِ، ورَمْيًا بِالصَّواعِقِ، انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ في اسْتِحالَةِ رُؤْيَةِ اللَّهِ عِنْدَهم. وأهْلُ السُّنَّةِ يَعْتَقِدُونَ أنَّهم لَمْ يَسْألُوا مُحالًا عَقْلًا، لَكِنَّهُ مُمْتَنِعٌ مِن جِهَةِ الشَّرْعِ؛ إذْ قَدْ أخْبَرَ تَعالى عَلى ألْسِنَةِ أنْبِيائِهِ، أنَّهُ لا يُرى في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا والرُّؤْيَةُ في الآخِرَةِ ثابِتَةٌ عَنِ الرَّسُولِ بِالتَّواتُرِ، وهي جائِزَةٌ عَقْلًا، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في البَقَرَةِ عَلى الصّاعِقَةِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ والنَّخَعِيُّ: (فَأخَذَتْهُمُ الصَّعْقَةُ)، والجُمْهُورُ (الصّاعِقَةُ) .
﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا العِجْلَ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ﴾ ثُمَّ: لِلتَّرْتِيبِ في الأخْبارِ، لا في نَفْسِ الأمْرِ، ثُمَّ قَدْ كانَ مِن أمْرِهِمْ أنِ اتَّخَذُوا العِجْلَ؛ أيْ آباؤُهم والَّذِينَ صُعِقُوا غَيْرُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ. والبَيِّناتُ: إجازَةُ البَحْرِ والعَصا، وغَرَقُ فِرْعَوْنَ، وغَيْرُ ذَلِكَ. وقالَ الحَوْفِيُّ: أعْلَمَ نَبِيَّهُ بِعِنادِهِمْ، وإصْرارِهِمْ؛ فالمَعْنى: أنَّهُ لَوْ نَزَلَ عَلَيْهِمُ الَّذِي سَألُوا لَخالَفُوا أمْرَ اللَّهِ، كَما خالَفُوهُ مِن بَعْدِ إحْياءِ اللَّهِ لَهم مِن صَعْقَتِهِمْ، وعَبَدُوا العِجْلَ، واتَّخَذُوهُ إلَهًا.
﴿فَعَفَوْنا عَنْ ذَلِكَ﴾؛ أيْ عَنِ اتِّخاذِهِمُ العِجْلَ إلَهًا عَنْ جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِن مُخالَفَتِهِمْ. والأوَّلُ أظْهَرُ؛ لِأنَّهُ قَدْ صَرَّحَ في قِصَّةِ العِجْلِ بِالتَّوْبَةِ. ويَعْنِي: بِما امْتَحَنَهم بِهِ مِنَ القَتْلِ لِأنْفُسِهِمْ، ثُمَّ وقَعَ العَفْوُ عَنِ الباقِينَ مِنهم.
﴿وآتَيْنا مُوسى سُلْطانًا مُبِينًا﴾؛ أيْ حُجَّةً وتَسَلُّطًا، واسْتِيلاءً ظاهِرًا عَلَيْهِمْ، حِينَ أمَرَهم بِأنْ يَقْتُلُوا أنْفُسَهم حَتّى يُتابَ عَلَيْهِمْ؛ فَأطاعُوهُ واحْتَبَوْا بِأفْنِيَتِهِمْ والسُّيُوفُ تَتَساقَطُ عَلَيْهِمْ، فَيا لَهُ مِن سُلْطانٍ مُبِينٍ.
﴿ورَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ﴾ تَقَدَّمَ ما المَعْنِيُّ بِالطُّورِ. وفي الشّامِ جَبَلٌ عُرِفَ بِالطُّورِ، ولَزِمَهُ هَذا الِاسْمُ، وهو طُورٌ بِسَيْناءَ. ولَيْسَ هو المَرْفُوعَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ؛ لِأنَّ رَفْعَ الجَبَلِ كانَ فِيما يَلِي التِّيهَ مِن جِهَةِ دِيارِ مِصْرَ، وهم ناهِضُونَ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وتَقَدَّمَتْ قِصَّةُ رَفْعِ الطُّورِ في البَقَرَةِ. والباءُ في بِمِيثاقِهِمْ لِلسَّبَبِ، وهو العَهْدُ الَّذِي أخَذَهُ مُوسى عَلَيْهِمْ بَعْدَ تَصْدِيقِهِمْ بِالتَّوْراةِ أنْ يَعْمَلُوا بِما فِيها؛ فَنَقَضُوا مِيثاقَهم، وعَبَدُوا العِجْلَ، فَرَفَعَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الطُّورَ. وفي كَلامٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: بِنَقْضِ مِيثاقِهِمْ.
(p-٣٨٨)﴿وقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في البَقَرَةِ.
﴿وقُلْنا لَهم لا تَعْدُوا في السَّبْتِ﴾ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عِنْدَ اعْتِدائِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ﴾ [البقرة: ٦٥] . وقَرَأ ورْشٌ لا تَعَدُّوا بِفَتْحِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الدّالِ عَلى أنَّ الأصْلَ تَعْتَدُوا، فَأُلْقِيَتْ حَرَكَةُ التّاءِ عَلى العَيْنِ، وأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ. وقَرَأ قالُونُ: بِإخْفاءِ حَرَكَةِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الدّالِ، والنَّصُّ بِالإسْكانِ. وأصْلُهُ أيْضًا لا تَعْتَدُوا. وقَرَأ الباقُونَ مِنَ السَّبْعَةِ: لا تَعْدُوا بِإسْكانِ العَيْنِ، وتَخْفِيفِ الدّالِ مِن عَدا يَعْدُو. وقالَ تَعالى: ﴿إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ﴾ [الأعراف: ١٦٣]، وقَرَأ الأعْمَشُ والأخْفَشُ: لا تَعْتَدُوا مِنَ اعْتَدى.
(وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا) قِيلَ هو المِيثاقُ الأوَّلُ في قَوْلِهِ: (بِمِيثاقِهِمْ)، ووُصِفَ بِالغِلَظِ لِلتَّأْكِيدِ، وهو المَأْخُوذُ عَلى لِسانِ مُوسى وهارُونَ أنْ يَأْخُذُوا التَّوْراةَ بِقُوَّةٍ، ويَعْمَلُوا بِجَمِيعِ ما فِيها، ويُوصِلُوهُ إلى أبْنائِهِمْ. وقِيلَ: هَذا المِيثاقُ غَيْرُ الأوَّلِ، وهو المِيثاقُ الثّانِي الَّذِي أُخِذَ عَلى أنْبِيائِهِمْ بِالتَّصْدِيقِ بِمُحَمَّدٍ والإيمانِ بِهِ، وهو المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ﴾ [آل عمران: ٨١] الآيَةَ.
﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم وكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ فِيما لَخَّصْناهُ مِن كَلامِهِ، هَذا إخْبارٌ عَنْ أشْياءَ واقَعُوها في الضِّدِّ مِمّا أُخِذُوا بِهِ، نَقَضُوا المِيثاقَ الَّذِي رُفِعَ عَلَيْهِمُ الطُّورُ بِسَبَبِهِ، وجَعَلُوا بَدَلَ الإيمانِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الأمْرُ بِدُخُولِ البابِ سُجَّدًا المُتَضَمِّنُ التَّواضُعَ الَّذِي هو ثَمَرَةُ الإيمانِ كُفْرَهم بِآياتِ اللَّهِ، وبَذْلِ الطّاعَةِ، وامْتِثالِ مُوافَقَتِهِ في أنْ لا يَعْدُوا في السَّبْتِ انْتِهاكَ أعْظَمِ الحُرُمِ، وهو قَتْلُ الأنْبِياءِ. وقابَلُوا أخْذَ المِيثاقِ الغَلِيظِ بِتَجاهُلِهِمْ، وقَوْلِهِمْ: قُلُوبُنا غُلْفٌ أيْ في حُجُبٍ وغُلُفٍ: فَهي لا تَفْهَمُ. وأضْرَبَ اللَّهُ تَعالى عَنْ قَوْلِهِمْ وكَذِبِهِمْ، وأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ قَدْ طَبَعَ عَلَيْها بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، انْتَهى. والمِيثاقُ المَنقُوضُ: أهُوَ كِتْمانُهم صِفَةَ الرَّسُولِ، وتَكْذِيبُهُ فِيما جاءَ بِهِ ؟ أوْ تَرْكُهُمُ العَمَلَ بِما في كِتابِهِمْ ؟ مَعَ أنَّهم قَبِلُوا والتَزَمُوا العَمَلَ بِها قَوْلانِ. وآياتُ اللَّهِ الَّتِي كَفَرُوا بِها أهِيَ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِمْ في كُتُبِهِمْ ؟ أوْ جَمِيعُ كُتُبِ اللَّهِ المُنَزَّلَةِ ؟ قَوْلانِ. وتَقَدَّمَ شَرْحُ (قُلُوبُنا غُلْفٌ) في البَقَرَةِ.
﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ أدْغَمَ لامَ (بَلْ) في طاءِ (طَبَعَ) الكِسائِيُّ وحَمْزَةُ، وأظْهَرَها باقِي السَّبْعَةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ خَبَرٌ مَعْناهُ الذَّمُّ، عَلى أنَّ قُلُوبَهم بِمَنزِلَةِ المَطْبُوعِ عَلَيْها الَّتِي لا تَفْهَمُ أبَدًا، ولا تُطِيعُ مُرْسَلًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أرادُوا بِقَوْلِهِمْ: قُلُوبُنا غُلْفٌ؛ أيْ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ قُلُوبَنا غُلْفًا؛ أيْ في أكِنَّةٍ لا يُتَوَصَّلُ إلَيْها بِشَيْءٍ مِنَ الذِّكْرِ والمَوْعِظَةِ، كَما حَكى اللَّهُ عَنِ المُشْرِكِينَ: ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠] . وتَكْذِيبُ المُجْبِرَةِ أخْزاهُمُ اللَّهُ فَقِيلَ لَهم: خَذَلَها اللَّهَ، ومَنَعَها الألْطافَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، فَصارَتْ كالمَطْبُوعِ عَلَيْها، لا إنْ تُخْلَقْ غُلْفًا قابِلَةَ الذِّكْرِ، ولا مُتَمَكِّنَةً مِن قَبُولِهِ، انْتَهى. وهو عَلى مَذْهَبِهِ الِاعْتِزالِيِّ. وأمّا أهْلُ السُّنَّةِ فَيَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ طَبَعَ عَلَيْها حَقِيقَةً كَما أخْبَرَ تَعالى إذْ لا خالِقَ غَيْرُهُ. والباءُ في فَبِما نَقْضِهِمْ تَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَعَلْنا بِهِمْ ما فَعَلْناهُ. وقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَعَنّاهم، وأذْلَلْناهم، وحَتَّمْنا عَلى الوافِينَ مِنهُمُ الخُلُودَ في جَهَنَّمَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وحَذْفُ جَوابِ هَذا الكَلامِ بَلِيغٌ مَتْرُوكٌ مَعَ ذِهْنِ السّامِعِ، انْتَهى. وتَسْمِيَةُ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ المَجْرُورُ بِأنَّهُ جَوابُ اصْطِلاحٍ لَمْ يُعْهَدْ في عِلْمِ النَّحْوِ، ولا تُساعِدُهُ اللُّغَةُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِجَوابٍ. وجَوَّزُوا أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: (حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ) عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ [النساء: ١٦٠] بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾؛ وقالَهُ الزَّجّاجُ، وأبُو بَكْرٍ، والزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهم. وهَذا فِيهِ بُعْدٌ لِكَثْرَةِ الفَواصِلِ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ؛ ولِأنَّ المَعْطُوفَ عَلى السَّبَبِ سَبَبٌ؛ فَيَلْزَمُ تَأخُّرُ بَعْضِ أجْزاءِ السَّبَبِ الَّذِي لِلتَّحْرِيمِ في الوَقْتِ عَنْ وقْتِ التَّحْرِيمِ؛ فَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ جُزْءَ سَبَبٍ أوْ مُسَبِّبًا إلّا بِتَأْوِيلٍ بَعِيدٍ، وبَيانُ ذَلِكَ أنَّ ”قَوْلَهم عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا“ وقَوْلَهم ”﴿إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ﴾“ مُتَأخِّرٌ في الزَّمانِ عَنْ (p-٣٨٩)تَحْرِيمِ الطَّيِّباتِ عَلَيْهِمْ؛ فالأوْلى أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: لَعَنّاهم، وقَدْ جاءَ مُصَرَّحًا بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم لَعَنّاهم وجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً﴾ [المائدة: ١٣] .
(فَلا يُؤْمِنُونَ إلّا قَلِيلًا) تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ.
﴿وبِكُفْرِهِمْ وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا﴾ الظّاهِرُ في قَوْلِهِ: وبِكُفْرِهِمْ وقَوْلِهِمْ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: (فَبِما نَقْضِهِمْ)، وما بَعْدَهُ. عَلى أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ أجازَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وبِكُفْرِهِمْ وقَوْلِهِمْ﴾ مَعْطُوفًا عَلى بِكُفْرِهِمْ. وتَكْرارُ نِسْبَةِ الكُفْرِ إلَيْهِمْ بِحَسَبِ مُتَعَلِّقاتِهِ؛ إذْ كَفَرُوا بِمُوسى، ثُمَّ بِعِيسى، ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ فَعَطَفَ بَعْضَ كُفْرِهِمْ عَلى بَعْضٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ عَطَفَ مَجْمُوعَ المَعْطُوفِ عَلى مَجْمُوعِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ عَلى بَعْضٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ عَطَفَ مَجْمُوعَ المَعْطُوفِ عَلى مَجْمُوعِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ فَيَجْمَعُهم بَيْنَ نَقْضِ المِيثاقِ والكُفْرِ بِآياتِ اللَّهِ وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ، وقَوْلِهِمْ: (قُلُوبُنا غُلْفٌ)، وجَمْعِهِمْ بَيْنَ كُفْرِهِمْ، وبُهْتِهِمْ مَرْيَمَ، وافْتِخارِهِمْ بِقَتْلِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ عاقَبْناهم. أوْ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها، وجَمَعَهم بَيْنَ كَفْرِهِمْ، وكَذا وكَذا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْضًا: فَإنْ قُلْتَ: هَلّا زَعَمْتَ أنَّ المَحْذُوفَ الَّذِي تَعَلَّقَتْ بِهِ الباءُ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ ؟ قُلْتُ: لَمْ يَصِحَّ هَذا التَّقْدِيرُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾، رَدٌّ وإنْكارٌ لِقَوْلِهِمْ: قُلُوبُنا غُلْفٌ؛ فَكانَ مُتَعَلِّقًا بِهِ، انْتَهى. وهو جَوابٌ حَسَنٌ، ويَمْتَنِعُ مِن وجْهٍ آخَرَ، وهو أنَّ العَطْفَ بِبَلْ يَكُونُ لِلْإضْرابِ عَنِ الحُكْمِ الأوَّلِ، وإثْباتِهِ لِلثّانِي عَلى جِهَةِ إبْطالِ الأوَّلِ، أوْ الِانْتِقالِ عامًّا في كِتابِ اللَّهِ في الإخْبارِ؛ فَلا يَكُونُ إلّا لِلِانْتِقالِ. ويُسْتَفادُ مِنَ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ ما لا يُسْتَفادُ مِنَ الجُمْلَةِ الأُولى. والَّذِي قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لا يُسَوَّغُ فِيهِ هَذا الَّذِي قَرَّرْناهُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾، ﴿وكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ﴾، وقَوْلِهِمْ: ﴿قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾؛ فَأفادَتِ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ ما أفادَتِ الجُمْلَةُ الأُولى، وهو لا يَجُوزُ. لَوْ قُلْتَ: مَرَّ زَيْدٌ بِعَمْرٍو، بَلْ مَرَّ زَيْدٌ بِعَمْرٍو لَمْ يَجُزْ. وقَدْ أجازَ ذَلِكَ أبُو البَقاءِ، وهو أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم وكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ، وكَذا طُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ. وقِيلَ التَّقْدِيرُ فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم لا يُؤْمِنُونَ إلّا قَلِيلًا والفاءُ مُقْحَمَةٌ. وما في قَوْلِهِ: فَبِما نَقْضِهِمْ كَهي في قَوْلِهِ: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وتَقَدَّمَ الكَلامُ فِيها. والبُهْتانُ العَظِيمُ رَمْيُهم مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ بِالزِّنا مَعَ رُؤْيَتِهِمُ الآيَةَ في كَلامِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ في المَهْدِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإلّا فَلَوْلا الآيَةُ لَكانُوا في قَوْلِهِمْ جارِينَ عَلى حُكْمِ البَشَرِ في إنْكارِ حَمْلٍ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ، انْتَهى. ووُصِفَ بِالعِظَمِ؛ لِأنَّهم تَمادَوْا عَلَيْهِ بَعْدَ ظُهُورِ الآيَةِ، وقِيامِ المُعْجِزَةِ بِالبَراءَةِ، وقَدْ جاءَتْ تَسْمِيَةُ الرَّمْيِ بِذَلِكَ بُهْتانًا عَظِيمًا في قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] .
﴿وقَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ الظّاهِرُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ مِن قَوْلِهِمْ قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ؛ كَقَوْلِ فِرْعَوْنَ: ﴿إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧]، وقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى وضَعَ الذِّكْرَ الحَسَنَ مَكانَ ذِكْرِهِمُ القَبِيحِ في الحِكايَةِ عَنْهُ رَفْعًا لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، كَما كانُوا يُذَكِّرُونَهُ بِهِ. ذَكَرَ الوَجْهَيْنِ الزَّمَخْشَرِيُّ، ولَمْ يَذْكُرِ ابْنُ عَطِيَّةَ سِوى الثّانِي؛ قالَ: هو إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِصِفَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وهي الرِّسالَةُ عَلى جِهَةِ إظْهارِ ذَنْبِ هَؤُلاءِ المُقِرِّينَ بِالقَتْلِ، ولَزِمَهُمُ الذَّنْبُ، وهم لَمْ يَقْتُلُوا عِيسى؛ لِأنَّهم صَلَبُوا ذَلِكَ الشَّخْصَ عَلى أنَّهُ عِيسى، وعَلى أنَّ عِيسى كَذّابٌ لَيْسَ بِرَسُولٍ؛ ولَكِنْ لَزِمَهُمُ الذَّنْبُ مِن حَيْثُ اعْتَقَدُوا أنَّ قَتْلَهم وقَعَ في عِيسى؛ فَكَأنَّهم قَتَلُوهُ، ولَيْسَ يَدْفَعُ الذَّنْبَ عَنْهُمُ اعْتِقادُهم أنَّهُ غَيْرُ رَسُولٍ.
﴿وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ هَذا إخْبارٌ مِنهُ تَعالى بِأنَّهم ما قَتَلُوا عِيسى، وما صَلَبُوهُ.
واخْتَلَفَ الرُّواةُ في (p-٣٩٠)كَيْفِيَّةِ القَتْلِ والصَّلْبِ، ولَمْ يَثْبُتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في ذَلِكَ شَيْءٌ غَيْرُ ما دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ.
ومُنْتَهى ما آلَ إلَيْهِ أمْرُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ طَلَبَتْهُ اليَهُودُ فاخْتَفى هو والحَوارِيُّونَ في بَيْتٍ؛ فَدُلُّوا عَلَيْهِ وحَضَرُوا لَيْلًا، وهم ثَلاثَةَ عَشَرَ، أوْ ثَمانِيَةَ عَشَرَ؛ فَفَرَّقَهم تِلْكَ اللَّيْلَةَ ووَجَّهَهم إلى الآفاقِ، وبَقِيَ هو ورَجُلٌ مَعَهُ؛ فَرُفِعَ عِيسى وأُلْقِيَ شَبَهُهُ عَلى الرَّجُلِ فَصُلِبَ. وقِيلَ هو اليَهُودِيُّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ. وقِيلَ قالَ لِأصْحابِهِ: أيُّكم يُلْقى عَلَيْهِ شَبَهِي فَيُقْتَلُ ويُخَلِّصُ هَؤُلاءِ، وهو رَفِيقِي في الجَنَّةِ ؟ فَقالَ سَرْجِسُ: أنا، فَأُلْقِيَ عَلَيْهِ شَبَهُ عِيسى. وقِيلَ أُلْقِيَ شَبَهُهُ عَلى الجَمِيعِ، فَلَمّا أُخْرِجُوا نَقَصَ واحِدٌ مِنَ العِدَّةِ، فَأخَذُوا واحِدًا مِمَّنْ عَلَيْهِ الشَّبَهُ فَصُلِبَ. ورُوِيَ أنَّ المَلِكَ والمُتَناوِلِينَ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِمْ أمْرُ عِيسى لِما رَأوْهُ مِن نُقْصانِ العِدَّةِ، واخْتِلاطِ الأمْرِ؛ فَصُلِبَ ذَلِكَ الشَّخْصُ، وأُبْعِدَ النّاسُ عَنْ خَشَبَتِهِ أيّامًا حَتّى تَغَيَّرَ، ولَمْ تَثْبُتْ لَهُ صِفَةٌ؛ وحِينَئِذٍ دَنا النّاسُ مِنهُ، ومَضى الحَوارِيُّونَ يَتَحَدَّثُونَ في الآفاقِ: إنَّ عِيسى صُلِبَ. وقِيلَ لَمْ يُلْقَ شَبَهُهُ عَلى أحَدٍ؛ وإنَّما مَعْنى: ﴿ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ أيْ شَبَّهَ عَلَيْهِمُ المَلِكُ المُمَخْرِقُ لِيَسْتَدِيمَ بِما نَقَصَ واحِدٌ مِنَ العِدَّةِ، وكانَ بادَرَ بِصَلْبِ واحِدٍ، وأبْعَدَ النّاسِ عَنْهُ، وقالَ: هَذا عِيسى؛ وهَذا القَوْلُ هو الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعْتَقَدَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾؛ أمّا أنْ يُلْقى شَبَهُهُ عَلى شَخْصٍ؛ فَلَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُعْتَمَدَ عَلَيْهِ.
وقَدِ اخْتُلِفَ فِيمَن أُلْقِيَ عَلَيْهِ الشَّبَهُ اخْتِلافًا كَثِيرًا. فَقِيلَ اليَهُودِيُّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ. وقِيلَ خَلِيفَةُ قَيْصَرَ الَّذِي كانَ مَحْبُوسًا عِنْدَهُ. وقِيلَ واحِدٌ مِنَ اليَهُودِ. وقِيلَ دَخَلَ لِيَقْتُلَهُ. وقِيلَ رَقِيبٌ، وكَلَتْهُ بِهِ اليَهُودُ. وقِيلَ أُلْقِيَ الشَّبَهُ عَلى كُلِّ الحَوارِيِّينَ. وقِيلَ أُلْقِيَ الشَّبَهُ عَلى الوَجْهِ دُونَ البَدَنِ، وهَذا الوُثُوقُ مِمّا يَدْفَعُ الوُثُوقَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ. ولِهَذا قالَ بَعْضُهم: إنْ جازَ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُلْقِي شَبَهَ إنْسانٍ عَلى إنْسانٍ آخَرَ؛ فَهَذا يَفْتَحُ بابَ السَّفْسَطَةِ. وقِيلَ سَبَبُ اجْتِماعِ اليَهُودِ عَلى قَتْلِهِ هو أنَّ رَهْطًا مِنهم سَبُّوهُ، وسَبُّوا أُمَّهُ فَدَعا عَلَيْهِمْ: ”اللَّهُمَّ أنْتَ رَبِّي، وبِكَلِمَتِكَ خَلَقْتَنِي، اللَّهُمَّ العَنْ مَن سَبَّنِي، وسَبَّ والِدَتِي“ فَمَسَخَ اللَّهُ مَن سَبَّهُما قِرَدَةً، وخَنازِيرَ، فاجْتَمَعَتِ اليَهُودُ عَلى قَتْلِهِ. و(شُبِّهَ) مُسْنَدٌ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ؛ كَقَوْلِهِ: خُيِّلَ إلَيْهِ، ولَكِنْ وقَعَ لَهُمُ التَّشْبِيهُ. ويَجُوزُ أنْ يُسْنَدَ إلى ضَمِيرِ المَقْتُولِ الدّالِّ عَلَيْهِ: إنّا قَتَلْنا أيْ ولَكِنْ شُبِّهَ لَهم مَن قَتَلُوهُ. ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرَ المَسِيحِ؛ لِأنَّ المَسِيحَ مُشَبَّهٌ بِهِ لا مُشَبَّهٌ.
﴿وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفي شَكٍّ مِنهُ ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلّا اتِّباعَ الظَّنِّ﴾ اخْتَلَفَ فِيهِ اليَهُودُ؛ فَقالَ بَعْضُهم: لَمْ يُقْتَلْ، ولَمْ يُصْلَبْ؛ الوَجْهُ وجْهُ عِيسى والجَسَدُ جَسَدُ غَيْرِهِ. وقِيلَ: أدْخَلُوا عَلَيْهِ واحِدًا لِيَقْتُلَهُ، فَأُلْقِيَ الشَّبَهُ عَلَيْهِ فَصُلِبَ، ونَقَصَ مِنَ العَدَدِ واحِدٌ. وكانُوا عَلِمُوا عَدَدَ الحَوارِيِّينَ؛ فَقالُوا: إنْ كانَ المَصْلُوبُ صاحِبَنا فَأيْنَ عِيسى ؟ وإنْ كانَ عِيسى فَأيْنَ صاحِبُنا ؟ وقِيلَ قالَ العَوامُّ: قَتَلْنا عِيسى، وقالَ مَن عايَنَ: رَفَعَهُ إلى السَّماءِ ما قُتِلَ، ولا صُلِبَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: واليَقِينُ الَّذِي صَحَّ فِيهِ نَقْلُ الكافَّةِ عَنْ حَواسِّها هو أنَّ شَخْصًا صُلِبَ، وهَلْ هو عِيسى أمْ لا ؟ فَلَيْسَ هو مِن عِلْمِ الحَوّاسِ؛ فَلِذَلِكَ لَمْ يَقَعْ في ذَلِكَ نَقْلٌ كافَّةً. والضَّمِيرُ في فِيهِ عائِدٌ عَلى القَتْلِ؛ مَعْناهُ: في قَتْلِهِ، وهَذا هو الظّاهِرُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، وما بَعْدَهُ. وقِيلَ الضَّمِيرُ في اخْتَلَفُوا عائِدٌ عَلى اليَهُودِ أيْضًا، واخْتِلافُهم فِيهِ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّهُ إلَهٌ. وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّهُ ابْنُ اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ اخْتِلافُهم فِيهِ أنَّ النَّسْطُورِيَّةَ قالُوا: وقَعَ الصَّلْبُ عَلى ناسُوتِهِ دُونَ لاهُوتِهِ. وقِيلَ وقَعَ القَتْلُ والصَّلْبُ عَلَيْهِما. وقِيلَ عائِدٌ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى؛ فَإنَّ اليَهُودَ قالُوا: هو ابْنُ زِنًا. وقالَتِ النَّصارى: هو ابْنُ اللَّهِ. وقِيلَ اخْتِلافُهم مِن جِهَةِ أنَّ النَّصارى قالُوا: إنَّ اليَهُودَ قَتَلَتْهُ وصَلَبَتْهُ واليَهُودُ الَّذِينَ عايَنُوا رَفْعَهُ قالُوا: رُفِعَ إلى السَّماءِ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّ ﴿إلّا اتِّباعَ الظَّنِّ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّ اتِّباعَ الظَّنِّ لَيْسَ مِن جِنْسِ العِلْمِ (p-٣٩١)أيْ ولَكِنَّ اتِّباعَ الظَّنِّ لَهم.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي ولَكِنَّهم يَتَّبِعُونَ الظَّنَّ، وهَذا تَفْسِيرُ مَعْنًى لا تَفْسِيرَ إعْرابٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ إذِ الظَّنُّ والعِلْمُ يَضُمُّهُما أنَّهُما مِن مُعْتَقَداتِ اليَقِينِ. وقَدْ يَقُولُ الظّانُّ عَلى طَرِيقِ التَّجَوُّزِ: عِلْمِي في هَذا الأمْرِ أنَّهُ كَذا، وهو يَعْنِي ظَنَّهُ، انْتَهى. ولَيْسَ كَما ذُكِرَ؛ لِأنَّ الظَّنَّ لَيْسَ مِن مُعْتَقَداتِ اليَقِينِ؛ لِأنَّهُ تَرْجِيحُ أحَدِ الجائِزَيْنِ؛ وما كانَ تَرْجِيحًا فَهو يُنافِي اليَقِينَ؛ كَما أنَّ اليَقِينَ يُنافِي تَرْجِيحَ أحَدِ الجائِزَيْنِ. وعَلى تَقْدِيرِ: أنَّ الظَّنَّ والعِلْمَ يَضُمُّهُما ما ذُكِرَ؛ فَلا يَكُونُ أيْضًا اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَسْتَثْنِ الظَّنَّ مِنَ العِلْمِ. فَلَيْسَتِ التِّلاوَةُ ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلّا الظَّنَّ؛ وإنَّما التِّلاوَةُ إلّا اتِّباعَ الظَّنِّ، والِاتِّباعُ لِلظَّنِّ لا يَضُمُّهُ والعِلْمُ جِنْسُ ما ذُكِرَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ. فَإنْ قُلْتَ: لِمَ وُصِفُوا بِالشَّكِّ، والشَّكُّ أنْ لا يَتَرَجَّحَ أحَدُ الجائِزَيْنِ ؟ ثُمَّ وُصِفُوا بِالظَّنِّ، والظَّنُّ أنْ يَتَرَجَّحَ أحَدُهُما؛ فَكَيْفَ يَكُونُونَ شاكِّينَ ظانِّينَ ؟ قُلْتُ: أُرِيدَ أنَّهم شاكُّونَ ما لَهم مِن عِلْمٍ قَطُّ، ولَكِنْ لاحَتْ لَهم أمارَةٌ فَظَنُّوا، انْتَهى. وهو جَوابُ سُؤالِهِ؛ ولَكِنْ يُقالُ: لا يَرِدُ هَذا السُّؤالُ؛ لِأنَّ العَرَبَ تُطْلِقُ الشَّكَّ عَلى ما لَمْ يَقَعْ فِيهِ القَطْعُ واليَقِينُ فَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ ما يَتَرَدَّدُ فِيهِ، إمّا عَلى السَّواءِ بِلا تَرْجِيحٍ، أوْ بِتَرْجِيحِ أحَدِ الطَّرَفَيْنِ. وإذا كانَ كَذَلِكَ انْدَفَعَ السُّؤالُ.
﴿وما قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ وجَماعَةٌ: الضَّمِيرُ في قَتَلُوهُ عائِدٌ عَلى الظَّنِّ. تَقُولُ: قَتَلْتُ هَذا الأمْرَ عِلْمًا إذا قَطَعْتَ بِهِ، وجَزَمْتَ الجَزْمَ الَّذِي لا يُخالِجُهُ شَيْءٌ؛ فالمَعْنى: وما صَحَّ ظَنُّهم عِنْدَهم، وما تَحَقَّقُوهُ يَقِينًا، ولا قَطَعُوا الظَّنَّ بِاليَقِينِ. وقالَ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ؛ الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى العِلْمِ؛ أيْ ما قَتَلُوا العِلْمَ يَقِينًا. يُقالُ: قَتَلْتُ العِلْمَ والرَّأْيَ يَقِينًا وقَتَلْتُهُ عِلْمًا؛ لِأنَّ القَتْلَ لِلشَّيْءِ يَكُونُ عَنْ قَهْرٍ واسْتِعْلاءٍ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ لَمْ يَكُنْ عِلْمُهم بِقَتْلِ المَسِيحِ عِلْمًا أُحِيطَ بِهِ؛ إنَّما كانَ ظَنًّا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ تَهَكُّمٌ؛ لِأنَّ (إذا) نُفِيَ عَنْهُمُ العِلْمُ نَفْيًا كُلِّيًا بِحَرْفِ الِاسْتِغْراقِ ثُمَّ قِيلَ، وما عَلِمُوهُ عِلْمَ يَقِينٍ وإحاطَةٍ لَمْ يَكُنْ إلّا تَهَكُّمًا، انْتَهى. والظّاهِرُ قَوْلُ الجُمْهُورِ: إنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلى عِيسى بِجَعْلِ الضَّمائِرِ كُلِّها كَشَيْءٍ واحِدٍ، فَلا تَخْتَلِفُ. والمَعْنى صَحِيحٌ بَلِيغٌ، وانْتِصابُ (يَقِينًا) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ (قَتَلُوهُ)؛ أيْ مُتَيَقِّنِينَ أنَّهُ عِيسى كَما ادَّعَوْا ذَلِكَ في قَوْلِهِمْ: إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ؛ قالَهُ السُّدِّيُّ. أوْ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ قَتْلًا يَقِينًا جَوَّزَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ الحَسَنُ: وما قَتَلُوهُ حَقًّا، انْتَهى. فانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ كَقَوْلِكَ: وما قَتَلُوهُ حَقًّا؛ أيْ حَقَّ انْتِفاءِ قَتْلِهِ حَقًّا. وما حُكِيَ عَنِ ابْنِ الأنْبارِيِّ أنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا وأنَّ (يَقِينًا) مَنصُوبٌ بِـ ﴿رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾ والمَعْنى: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ يَقِينًا؛ فَلَعَلَّهُ لا يَصِحُّ عَنْهُ. وقَدْ نَصَّ الخَلِيلُ عَلى أنَّ ذَلِكَ خَطَأٌ؛ لِأنَّهُ لا يَعْمَلُ ما بَعْدَ (بَلْ) في ما قَبْلَها.
﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾ هَذا إبْطالٌ لِما ادَّعَوْهُ مِن قَتْلِهِ وصَلْبِهِ، وهو حَيٌّ في السَّماءِ الثّانِيَةِ عَلى ما صَحَّ عَنِ الرَّسُولِ في حَدِيثِ المِعْراجِ. وهو هُنالِكَ مُقِيمٌ حَتّى يُنْزِلَهُ اللَّهُ إلى الأرْضِ لِقَتْلِ الدَّجّالِ، ولِيَمْلَأها عَدْلًا كَما مُلِئَتْ جَوْرًا، ويَحْيا فِيها أرْبَعِينَ سَنَةً ثُمَّ يَمُوتُ كَما تَمُوتُ البَشَرُ. وقالَ قَتادَةُ: رَفَعَ اللَّهُ عِيسى إلَيْهِ فَكَساهُ الرِّيشَ وألْبَسَهُ النُّورَ، وقَطَعَ عَنْهُ الطَّعامَ والشَّرابَ؛ فَصارَ مَعَ المَلائِكَةِ؛ فَهو مَعَهم حَوْلَ العَرْشِ؛ فَصارَ إنْسِيًّا مَلَكِيًّا سَماوِيًّا أرْضِيًّا.
والضَّمِيرُ في إلَيْهِ عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى عَلى حَذْفِ التَّقْدِيرِ إلى سَمائِهِ، وقَدْ جاءَ ﴿ورافِعُكَ إلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] . وقِيلَ إلى حَيْثُ لا حُكْمَ فِيهِ إلّا لَهُ. ولا يُوَجَّهُ الدُّعاءُ إلّا نَحْوَهُ، وهو راجِعٌ إلى الأوَّلِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: أعْلَمَ اللَّهُ تَعالى عَقِيبَ ذِكْرِهِ أنَّهُ وصَلَ إلى عِيسى أنْواعٌ مِنَ البَلايا أنَّهُ رَفَعَهُ إلَيْهِ فَدَلَّ أنَّ رَفْعَهُ إلَيْهِ أعْظَمُ في إيصالِ الثَّوابِ مِنَ الجَنَّةِ، ومِن كُلِّ ما فِيها مِنَ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ؛ وهَذِهِ الآيَةُ تَفْتَحُ عَلَيْكَ بابَ مَعْرِفَةِ السِّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ، انْتَهى. وفِيهِ نَحْوٌ (p-٣٩٢)مِن كَلامِ المُتَفَلْسِفَةِ.
(وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) . قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: المُرادُ مِنَ المَعَزَّةِ كَمالُ القُدْرَةِ، ومِنَ الحِكْمَةِ كَمالُ العِلْمِ؛ فَنَبَّهَ بِهَذا عَلى أنَّ رَفْعَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الدُّنْيا إلى السَّماواتِ وإنْ كانَ كالمُتَعَذَّرِ عَلى البَشَرِ، لَكِنْ لا تُعْذَرُ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِي وحِكْمَتِي، انْتَهى. وقالَ غَيْرُهُ: عَزِيزًا أيْ قَوِيًّا بِالنِّقْمَةِ مِنَ اليَهُودِ؛ فَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ بُطْرُسَ الرُّومِيّ فَقَتَلَ مِنهم مَقْتَلَةً عَظِيمَةً. حَكِيمًا حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِاللَّعْنَةِ والغَضَبِ. وقِيلَ: عَزِيزًا؛ أيْ: لا يُغالَبُ؛ لِأنَّ اليَهُودَ حاوَلَتْ بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أمْرًا وأرادَ اللَّهُ خِلافَهُ. حَكِيمًا أيْ: واضِعَ الأشْياءِ مَواضِعَها؛ فَمِن حَكَمَتِهِ تَخْلِيصُهُ مِنَ اليَهُودِ، ورَفْعُهُ إلى السَّماءِ لِما يُرِيدُ وتَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ تَعالى. وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: أوْحى اللَّهُ تَعالى إلى عِيسى عَلى رَأْسِ ثَلاثِينَ سَنَةً، ثُمَّ رَفَعَهُ وهو ابْنُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً؛ فَكانَتْ نُبُوَّتُهُ ثَلاثَ سِنِينَ. وقِيلَ: بَعَثَ اللَّهُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأدْخَلَهُ خَوْخَةً فِيها رَوْزَنَةٌ في سَقْفِها؛ فَرَفَعَهُ اللَّهُ تَعالى إلى السَّماءِ مِن تِلْكَ الرَّوْزَنَةِ.
﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ . إنْ: هُنا نافِيَةٌ، والمُخْبَرُ عَنْهُ مَحْذُوفٌ قامَتْ صِفَتُهُ مَقامَهُ، التَّقْدِيرُ: وما أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ. كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] والمَعْنى: وما مِنَ اليَهُودِ. وقَوْلُهُ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] أيْ: وما أحَدٌ مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ، وما أحَدٌ مِنكم إلّا وارِدُها. قالَ الزَّجّاجُ: وحُذِفَ (أحَدٌ) لِأنَّهُ مَطْلُوبٌ في كُلِّ نَفْيٍ يَدْخُلُهُ الِاسْتِثْناءُ نَحْوَ: ما قامَ إلّا زَيْدٌ، مَعْناهُ ما قامَ أحَدٌ إلّا زَيْدٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ جُمْلَةٌ قَسَمِيَّةٌ واقِعَةٌ صِفَةً لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ؛ تَقْدِيرُهُ: وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ أحَدٌ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ، ونَحْوُهُ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤]، ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] . والمَعْنى: وما مِنَ اليَهُودِ أحَدٌ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ، انْتَهى.
وهُوَ غَلَطٌ فاحِشٌ إذْ زَعَمَ أنَّ ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ جُمْلَةٌ قَسَمِيَّةٌ واقِعَةٌ صِفَةً لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ إلى آخِرِهِ، وصِفَةُ (أحَدٌ) المَحْذُوفِ إنَّما هو الجارُّ والمَجْرُورُ وهو (مِن أهْلِ الكِتابِ)، والتَّقْدِيرُ كَما ذَكَرْناهُ: وإنْ أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾؛ فَلَيْسَتْ صِفَةً لِمَوْصُوفٍ، ولا هي جُمْلَةٌ قَسَمِيَّةٌ كَما زَعَمَ؛ إنَّما هي جُمْلَةُ جَوابِ القَسَمِ، والقَسَمُ مَحْذُوفٌ، والقَسَمُ وجَوابُهُ في مَوْضِعِ رَفْعِ خَبَرِ المُبْتَدَأِ الَّذِي هو (أحَدٌ) المَحْذُوفُ؛ إذْ لا يَنْتَظِمُ مِن أحَدٍ والمَجْرُورِ إسْنادٌ؛ لِأنَّهُ لا يُفِيدُ؛ وإنَّما يَنْتَظِمُ الإسْنادُ بِالجُمْلَةِ القَسَمِيَّةِ وجَوابِها؛ فَذَلِكَ هو مَحَطُّ الفائِدَةِ وكَذَلِكَ أيْضًا الخَبَرُ هو ﴿إلّا لَهُ مَقامٌ﴾ [الصافات: ١٦٤]، وكَذَلِكَ إلّا وارِدُها؛ إذْ لا يَنْتَظِمُ مِمّا قَبْلَ إلّا تَرْكِيبٌ إسْنادِيٌّ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَيْنِ في: بِهِ ومَوْتِهِ عائِدانِ عَلى عِيسى وهو سِياقُ الكَلامِ، والمَعْنى: مِن أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ يَكُونُونَ في زَمانِ نُزُولِهِ.
رُوِيَ أنَّهُ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ في آخِرِ الزَّمانِ؛ فَلا يَبْقى أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ إلّا يُؤْمِنُ بِهِ؛ حَتّى تَكُونَ المِلَّةُ واحِدَةً وهي مِلَّةُ الإسْلامِ؛ قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وأبُو مالِكٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وعِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ والحَسَنُ أيْضًا ومُجاهِدٌ وغَيْرُهم: الضَّمِيرُ في بِهِ لِعِيسى، وفي مَوْتِهِ لِكِتابِيٍّ وقالُوا: ولَيْسَ يَمُوتُ يَهُودِيٌّ حَتّى يُؤْمِنَ بِعِيسى ويَعْلَمَ أنَّهُ نَبِيٌّ؛ ولَكِنْ عِنْدَ المُعايَنَةِ لِلْمَوْتِ فَهو إيمانٌ لا (p-٣٩٣)يَنْفَعُهُ كَما لَمْ يَنْفَعْ فِرْعَوْنَ إيمانُهُ وقْتَ المُعايَنَةِ. وبَدَأ بِما يُشْبِهُ هَذا لِقَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ. قالَ: والمَعْنى ما مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى أحَدٌ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ قَبْلَ مَوْتِهِ بِعِيسى، وبِأنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ ؟ يَعْنِي: إذا عايَنَ قَبْلَ أنْ تَزْهَقَ رُوحُهُ حِينَ لا يَنْفَعُهُ إيمانُهُ لِانْقِطاعِ وقْتِ التَّكْلِيفِ. ثُمَّ حُكِيَ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ والحَجّاجِ حِكايَةٌ فِيها طُولٌ يَمَسُّ بِالتَّفْسِيرِ مِنها: أنَّ اليَهُودِيَّ إذا حَضَرَهُ المَوْتُ ضَرَبَتِ المَلائِكَةُ دُبُرَهُ ووَجْهَهُ وقالُوا: يا عَدُوَّ اللَّهِ أتاكَ عِيسى نَبِيًّا فَكَذَّبْتَ بِهِ؛ فَيَقُولُ: آمَنتُ أنَّهُ نَبِيٌّ. وتَقُولُ لِلنَّصْرانِيِّ: أتاكَ عِيسى نَبِيًّا فَزَعَمْتَ أنَّهُ اللَّهُ أوِ ابْنُ اللَّهِ؛ فَيَقُولُ: آمَنتُ أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ حَيْثُ لا يَنْفَعُهُ إيمانُهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ فَسَّرَهُ كَذَلِكَ؛ فَقالَ لَهُ عِكْرِمَةُ: فَإنْ أتاهُ رَجُلٌ فَضَرَبَ عُنُقَهُ ؟ قالَ: لا تَخْرُجُ نَفْسُهُ حَتّى يُحَرِّكَ بِها شَفَتَيْهِ. قالَ: وإنْ خَرَجَ فَوْقَ بَيْتٍ أوِ احْتَرَقَ أوْ أكَلَهُ سَبُعٌ ؟ قالَ: يَتَكَلَّمُ بِها في الهَوى، ولا تَخْرُجُ رُوحُهُ حَتّى يُؤْمِنَ بِهِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ: ”إلّا لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِمْ“ بِضَمِّ النُّونِ عَلى مَعْنى: وإنْ مِنهم أحَدٌ إلّا سَيُؤْمِنُونَ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِمْ؛ لِأنَّ أحَدًا يَصْلُحُ لِلْجَمْعِ. فَإنْ قُلْتَ: فَما فائِدَةُ الإخْبارِ بِإيمانِهِمْ بِعِيسى قَبْلَ مَوْتِهِمْ ؟ قُلْتُ: فائِدَتُهُ الوَعِيدُ، ولْيَكُنْ عِلْمُهم بِأنَّهم لا بُدَّ لَهم مِنَ الإيمانِ بِهِ عَنْ قَرِيبٍ عِنْدَ المُعايَنَةِ، وأنَّ ذَلِكَ لا يَنْفَعُهم بَعْثًا لَهم وتَنْبِيهًا عَلى مُعالَجَةِ الإيمانِ بِهِ في أوانِ الِانْتِفاعِ بِهِ، ولِيَكُونَ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ لَهم.
وكَذَلِكَ قَوْلُهُ.
﴿ويَوْمَ القِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ يَشْهَدُ عَلى اليَهُودِ بِأنَّهم كَذَّبُوهُ، وعَلى النَّصارى بِأنَّهم دَعَوْهُ ابْنَ اللَّهِ، انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ أيْضًا: ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ أنَّهُ لا يَبْقى أحَدٌ مِن جَمِيعِ أهْلِ الكِتابِ إلّا لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ، عَلى أنَّ اللَّهَ يُحْيِيهِمْ في قُبُورِهِمْ في ذَلِكَ الزَّمانِ ويُعْلِمُهم نُزُولَهُ وما نَزَلَ لَهُ، ويُؤْمِنُونَ بِهِ حِينَ لا يَنْفَعُهم إيمانُهم، انْتَهى. وقالَ عِكْرِمَةُ: الضَّمِيرُ في بِهِ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وفي مَوْتِهِ لِلْكِتابِيِّ. قالَ: ولَيْسَ يَخْرُجُ يَهُودِيٌّ ولا نَصْرانِيٌّ مِنَ الدُّنْيا حَتّى يُؤْمِنَ بِمُحَمَّدٍ، ولَوْ غَرِقَ أوْ سَقَطَ عَلَيْهِ جِدارٌ؛ فَإنَّهُ يُؤْمِنُ في ذَلِكَ الوَقْتِ. وقِيلَ: يَعُودُ في بِهِ عَلى اللَّهِ، وفي مَوْتِهِ عَلى أحَدٍ المُقَدَّرِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إذا نَزَلَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِقَتْلِ الدَّجّالِ لَمْ يَبْقَ يَهُودِيٌّ ولا نَصْرانِيٌّ إلّا آمَنَ بِاللَّهِ حِينَ يَرَوْنَ قَتْلَ الدَّجّالِ، وتَصِيرُ الأُمَمُ كُلُّها واحِدَةً عَلى مِلَّةِ الإسْلامِ، ويُعْزى هَذا القَوْلُ أيْضًا إلى ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ.
وقالَ العَبّاسُ بْنُ غَزْوانَ: وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ بِتَشْدِيدِ النُّونِ، وهي قِراءَةٌ عَسِرَةُ التَّخْرِيجِ، ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ أيْ: شَهِيدًا عَلى أهْلِ الكِتابِ عَلى اليَهُودِ بِتَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ وطَعْنِهِمْ فِيهِ، وعَلى النَّصارى بِجَعْلِهِمْ إيّاهُ إلاهًا مَعَ اللَّهِ أوِ ابْنًا لَهُ، والضَّمِيرُ في يَكُونُ لِعِيسى. وقالَ عِكْرِمَةُ: لِمُحَمَّدٍ ﷺ . قِيلَ: وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ أنْواعًا مِنَ الفَصاحَةِ والبَدِيعِ؛ فَمِنها التَّجْنِيسُ المُغايِرُ في: (يُخادِعُونَ) و(خادِعُهم)، و(شَكَرْتُمْ) و(شاكِرًا) . والمُماثِلُ في: (وإذا قامُوا) . والتَّكْرارُ في اسْمِ اللَّهِ، وفي: (هَؤُلاءِ) و(هَؤُلاءِ)، وفي: و(يَرَوْنَ) و(يُرِيدُونَ)، وفي: (الكافِرِينَ) و(الكافِرِينَ)، وفي: (أهْلِ الكِتابِ) و(كِتابًا)، وفي: (بِمِيثاقِهِمْ) و(مِيثاقًا) . والطِّباقُ في: الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ، وفي: (إنْ تَبْدُوا) أوْ (تُخْفُوهُ)، وفي: (نُؤْمِنُ) و(نَكْفُرُ)، والِاخْتِصاصُ في: (إلى الصَّلاةِ)، وفي: ﴿الدَّرْكِ الأسْفَلِ﴾ [النساء: ١٤٥]، وفي: ﴿الجَهْرَ بِالسُّوءِ﴾ [النساء: ١٤٨] . والإشارَةُ في مَواضِعَ الِاسْتِعارَةِ في ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] اسْتَعارَ اسْمَ الخِداعِ لِلْمُجازاةِ وفي (سَبِيلًا)، وفي (سُلْطانًا) لِقِيامِ الحُجَّةِ و﴿الدَّرْكِ الأسْفَلِ﴾ [النساء: ١٤٥] لِانْخِفاضِ طَبَقاتِهِمْ في النّارِ، و(اعْتَصِمُوا) لِلِالتِجاءِ، وفي: ﴿أنْ يُفَرِّقُوا﴾، وفي: ﴿ولَمْ يُفَرِّقُوا﴾ وهو حَقِيقَةٌ في الأجْسامِ اسْتُعِيرَ لِلْمَعانِي، وفي (سُلْطانًا) اسْتُعِيرَ لِلْحُجَّةِ، وفي: (غُلْفٌ) و﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ﴾ . وزِيادَةُ الحَرْفِ لِمَعْنى في (فَبِما نَقْضِهِمْ) .
وإسْنادُ الفِعْلِ إلى غَيْرِ فاعِلِهِ في: فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ وجاءَتْهُمُ البَيِّناتُ وإلى الرّاضِي بِهِ وفي: وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ، وفي: ﴿وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا﴾، ﴿وقَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ﴾ . وحُسْنُ النَّسَقِ في: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم، والمَعاطِيفِ (p-٣٩٤)عَلَيْهِ حَيْثُ نُسِّقَتْ بِالواوِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى الجَمِيعِ فَقَطْ. وبَيْنَ هَذِهِ الأشْياءِ أعْصارٌ مُتَباعِدَةٌ فَشَرَكَ أوائِلَهم وأواخِرَهم لِعَمَلِ أُولَئِكَ ورِضا هَؤُلاءِ. وإطْلاقُ اسْمِ كُلٍّ عَلى بَعْضٍ وفي: كُفْرِهم بِآياتِ اللَّهِ وهو القُرْآنُ والإنْجِيلُ ولَمْ يَكْفُرُوا بِشَيْءٍ مِنَ الكُتُبِ إلّا بِهِما وفي قَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا ولَمْ يَقُلْ ذَلِكَ إلّا بَعْضُهم. والتَّعْرِيضُ في رَسُولِ اللَّهِ إذا قُلْنا إنَّهُ مِن كَلامِهِمْ. والتَّوْجِيهُ في غُلْفٌ مِنَ احْتِمالِ المَصْدَرِ جَمْعُ غِلافٍ أوْ جَمْعُ أغْلُفٍ. وعَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ وهو في ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ عَلى مَن جَعَلَهُما لِغَيْرِ عِيسى. والنَّقْلُ مِن صِيغَةِ فاعِلٍ إلى فَعِيلٍ في شَهِيدٍ. والحَذْفُ في مَواضِعَ.
النساء 4:157
﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ والنَّصارى، آمَنَتِ اليَهُودُ بِمُوسى والتَّوْراةِ، وكَفَرَتْ بِعِيسى، ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَّلامُ، وآمَنَتِ النَّصارى بِعِيسى والإنْجِيلِ، وكَفَرَتْ بِمُحَمَّدٍ والقُرْآنِ. وقِيلَ نَزَلَتْ في اليَهُودِ خاصَّةً، آمَنُوا بِمُوسى وعُزَيْرٍ والتَّوْراةِ، وكَفَرُوا بِعِيسى والإنْجِيلِ، ومُحَمَّدٍ والقُرْآنِ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها: أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ ما عَلَيْهِ المُنافِقُونَ مِن سُوءِ الخَلِيقَةِ ومَذْمُومِ الطَّرِيقَةِ أخَذَ في الكَلامِ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى؛ جَعَلَ كُفْرَهم بِبَعْضِ الرُّسُلِ كُفْرًا بِجَمِيعِ الرُّسُلِ، وكُفْرَهم بِالرُّسُلِ كُفْرًا بِاللَّهِ تَعالى.
﴿ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ﴾؛ أيْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الإيمانِ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ يَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِاللَّهِ، ولا نُؤْمِنُ بِفُلانٍ وفُلانٍ مِنَ الأنْبِياءِ.
﴿ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ يَعْنِي مِنَ الأنْبِياءِ. وقِيلَ هو تَصْدِيقُ اليَهُودِ بِمُحَمَّد أنَّهُ نَبِيٌّ؛ ولَكِنْ لَيْسَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ. ونَحْوُ هَذا مِن تَفَرُّقاتِهِمُ الَّتِي كانَتْ تَعَنُّتًا، ورَوَغانًا.
﴿ويُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾؛ أيْ طَرِيقًا وسَطًا بَيْنَ الكُفْرِ والإيمانِ، ولا واسِطَةَ بَيْنَهُما.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ حَقًّا﴾ أكَّدَ بِقَوْلِهِ هم، لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ ذَلِكَ الإيمانَ يَنْفَعُهم. وأكَّدَ بِقَوْلِهِ: حَقًّا، وهو تَأْكِيدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ، كَما تَقُولُ: هَذا عَبْدُ اللَّهِ حَقًّا؛ أيْ حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا. أوْ هو نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ كُفْرًا حَقًّا؛ أيْ ثابِتًا يَقِينًا لا شَكَّ فِيهِ. أوْ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ لِذَلِكَ نَظائِرُ، وقَدْ طَعَنَ الواحِدِيُّ في هَذا التَّوْجِيهِ، وقالَ: الكُفْرُ لا يَكُونُ حَقًّا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ولا يَلْزَمُ ما قالَ إنَّهُ لا يُرادُ بِحَقًّا الحَقُّ الَّذِي هو مُقابِلٌ لِلْباطِلِ؛ وإنَّما المَعْنى أنَّهُ كُفْرٌ ثابِتٌ مُتَيَقَّنٌ؛ وإنَّما كانَ التَّوْكِيدُ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ داعِيَ الإيمانِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الأنْبِياءِ، (p-٣٨٦)وهُوَ ظُهُورُ المُعْجِزاتِ عَلى أيْدِيهِمْ؛ فَكَوْنُهم فَرَّقُوا في الإيمانِ بَيْنَهم دَلِيلٌ عَلى كُفْرِهِمْ بِالجَمِيعِ؛ إذْ لَيْسَ إيمانُهم بِبَعْضٍ ناشِئًا عَنِ النَّظَرِ في الدَّلِيلِ؛ وإنَّما هم عَلى سَبِيلِ التَّشَهِّي والتَّلاعُبِ.
(وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا) هَذا وعِيدٌ لَهم بِالإهانَةِ في العَذابِ.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ هَؤُلاءِ هُمُ المُؤْمِنُونَ أتْباعُ مُحَمَّدٍ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى دُخُولِ (بَيْنَ) عَلى (أحَدٍ) في البَقَرَةِ. في قَوْلِهِ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا.
(أُولَئِكَ سَوْفَ نُؤْتِيهِمْ أُجُورَهم) صَرَّحَ تَعالى بِوَعْدِ هَؤُلاءِ كَما صَرَّحَ بِوَعِيدِ أُولَئِكَ. وقَرَأ حَفْصٌ: يُؤْتِيهِمْ بِالياءِ لِيَعُودَ عَلى اسْمِ اللَّهِ قَبْلَهُ. وقَرَأ الباقُونَ: بِالنُّونِ عَلى الِالتِفاتِ ومُقابِلُهُ (وأعْتَدْنا) . وقَوْلُ أبِي عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيِّ: قِراءَةُ النُّونِ أوْلى مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أنْهَمُ، والآخَرُ: أنَّهُ مَشاكِلٌ لِقَوْلِهِ: وأعْتَدْنا؛ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، ولا أوْلَوِيَّةَ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ القِراءَتَيْنِ كِلْتاهُما مُتَواتِرَةٌ، هَكَذا نَزَلَتْ، وهَكَذا أُنْزِلَتْ.
(وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) لَمّا وعَدَهم تَعالى بِالثَّوابِ زادَهم تَبْشِيرًا لِتَجاوُزٍ عَنِ السَّيِّئاتِ، وبِرَحْمَتِهِ إيّاهم.
﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: قالَتِ اليَهُودُ: إنْ كُنْتَ صادِقًا فَجِئْ بِكِتابٍ مِنَ السَّماءِ جُمْلَةً، كَما جاءَ مُوسى بِالكِتابِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: قالُوا: ائْتِ بِألْواحٍ فِيها كِتابُكَ، كَما أتى مُوسى بِألْواحٍ فِيها التَّوْراةُ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: سَألُوهُ أنْ يَأْتِيَ بِكِتابٍ خاصٍّ لِلْيَهُودِ يَأْمُرُهم بِالإيمانِ بِمُحَمَّدٍ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قالُوا: لَنْ نُتابِعَكَ عَلى ما تَدْعُونا إلَيْهِ، حَتّى تَأْتِيَنا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ إلى فُلانٍ وإلى فُلانٍ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ؛ فَعَلى قَوْلِ ابْنِ جُرَيْجٍ يَقْتَضِي أنَّ سُؤالَهم كانَ عَلى نَحْوِ سُؤالِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمَيَّةَ الزُّهْرِيِّ، وقِيلَ كِتابًا نُعايِنُهُ حَتّى يَنْزِلَ، وسَمّى مِن سائِلِي اليَهُودِ: كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ، وفِنْخاصَ بْنَ عازُوراءَ. وقِيلَ السّائِلُونَ هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، وسُؤالُهم إنَّما هو عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ. وقالَ الحَسَنُ: لَوْ سَألُوهُ لِكَيْ يَتَبَيَّنَ الحَقُّ لَأعْطاهم؛ فَإنَّ فِيما أعْطاكم كِفايَةً.
﴿فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقالُوا أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ قَدَّرُوا قَبْلَ هَذا كَلامًا مَحْذُوفًا؛ فَجَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ شَرْطًا هَذا جَوابُهُ، وتَقْدِيرُهُ: إنِ اسْتَكْبَرْتَ ما سَألُوهُ مِنكَ؛ فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ. وقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَلا تُبالِ يا مُحَمَّدُ عَنْ سُؤالِهِمْ وتَشْطِيطِهِمْ؛ فَإنَّها عادَتُهم؛ فَقَدْ سَألُوا مُوسى. وأسْنَدَ السُّؤالَ إلَيْهِمْ، وإنْ كانَ إنَّما وقَعَ مِن آبائِهِمْ مِن نُقَبائِهِمُ السَبْعِينَ؛ لِأنَّهم راضُونَ بِفِعْلِ آبائِهِمْ ومَذاهِبِهِمْ، ومُشابِهُونَ لَهم في التَّعَنُّتِ. وقَرَأ الحَسَنُ: أكْثَرَ بِالثّاءِ المُثَلَّثَةِ بَدَلَ الباءِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ. ومَعْنى جَهْرَةً: عِيانًا رُؤْيَةً (p-٣٨٧)مُنْكَشِفَةً بَيِّنَةً. والجَهْرَةُ مِن وصْفِ الرُّؤْيَةِ. واخْتُلِفَ في النَّقْلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَرُوِيَ عَنْهُ: أنَّ جَهْرَةً مِن صِفَةِ السُّؤالِ؛ فَقَدْ سَألُوا مُوسى. أوْ حالًا مِن ضَمِيرِ سَألُوا أيْ سَألُوهُ مُجاهِرِينَ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّ التَّقْدِيرَ: فَقالُوا جَهْرَةً مِنهُ، وتَصْرِيحًا أرِنا اللَّهَ؛ فَيَكُونُ مِن صِفَةِ القَوْلِ.
﴿فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ أيْ تَعَنُّتِهِمْ، وسُؤالِهِمْ ما لَيْسَ لَهم أنْ يَسْألُوهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِظُلْمِهِمْ بِسَبَبِ سُؤالِهِمُ الرُّؤْيَةَ، ولَوْ طَلَبُوا أمْرًا جائِزًا لَما سُمُّوا ظالِمِينَ، ولَما أخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ. كَما سَألَ إبْراهِيم عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُرِيَهُ إحْياءَ المَوْتى فَلَمْ يُسَمِّهِ ظالِمًا، ولا رَماهُ بِالصّاعِقَةِ لِلْمُشَبِّهَةِ، ورَمْيًا بِالصَّواعِقِ، انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ في اسْتِحالَةِ رُؤْيَةِ اللَّهِ عِنْدَهم. وأهْلُ السُّنَّةِ يَعْتَقِدُونَ أنَّهم لَمْ يَسْألُوا مُحالًا عَقْلًا، لَكِنَّهُ مُمْتَنِعٌ مِن جِهَةِ الشَّرْعِ؛ إذْ قَدْ أخْبَرَ تَعالى عَلى ألْسِنَةِ أنْبِيائِهِ، أنَّهُ لا يُرى في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا والرُّؤْيَةُ في الآخِرَةِ ثابِتَةٌ عَنِ الرَّسُولِ بِالتَّواتُرِ، وهي جائِزَةٌ عَقْلًا، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في البَقَرَةِ عَلى الصّاعِقَةِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ والنَّخَعِيُّ: (فَأخَذَتْهُمُ الصَّعْقَةُ)، والجُمْهُورُ (الصّاعِقَةُ) .
﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا العِجْلَ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ﴾ ثُمَّ: لِلتَّرْتِيبِ في الأخْبارِ، لا في نَفْسِ الأمْرِ، ثُمَّ قَدْ كانَ مِن أمْرِهِمْ أنِ اتَّخَذُوا العِجْلَ؛ أيْ آباؤُهم والَّذِينَ صُعِقُوا غَيْرُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ. والبَيِّناتُ: إجازَةُ البَحْرِ والعَصا، وغَرَقُ فِرْعَوْنَ، وغَيْرُ ذَلِكَ. وقالَ الحَوْفِيُّ: أعْلَمَ نَبِيَّهُ بِعِنادِهِمْ، وإصْرارِهِمْ؛ فالمَعْنى: أنَّهُ لَوْ نَزَلَ عَلَيْهِمُ الَّذِي سَألُوا لَخالَفُوا أمْرَ اللَّهِ، كَما خالَفُوهُ مِن بَعْدِ إحْياءِ اللَّهِ لَهم مِن صَعْقَتِهِمْ، وعَبَدُوا العِجْلَ، واتَّخَذُوهُ إلَهًا.
﴿فَعَفَوْنا عَنْ ذَلِكَ﴾؛ أيْ عَنِ اتِّخاذِهِمُ العِجْلَ إلَهًا عَنْ جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِن مُخالَفَتِهِمْ. والأوَّلُ أظْهَرُ؛ لِأنَّهُ قَدْ صَرَّحَ في قِصَّةِ العِجْلِ بِالتَّوْبَةِ. ويَعْنِي: بِما امْتَحَنَهم بِهِ مِنَ القَتْلِ لِأنْفُسِهِمْ، ثُمَّ وقَعَ العَفْوُ عَنِ الباقِينَ مِنهم.
﴿وآتَيْنا مُوسى سُلْطانًا مُبِينًا﴾؛ أيْ حُجَّةً وتَسَلُّطًا، واسْتِيلاءً ظاهِرًا عَلَيْهِمْ، حِينَ أمَرَهم بِأنْ يَقْتُلُوا أنْفُسَهم حَتّى يُتابَ عَلَيْهِمْ؛ فَأطاعُوهُ واحْتَبَوْا بِأفْنِيَتِهِمْ والسُّيُوفُ تَتَساقَطُ عَلَيْهِمْ، فَيا لَهُ مِن سُلْطانٍ مُبِينٍ.
﴿ورَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ﴾ تَقَدَّمَ ما المَعْنِيُّ بِالطُّورِ. وفي الشّامِ جَبَلٌ عُرِفَ بِالطُّورِ، ولَزِمَهُ هَذا الِاسْمُ، وهو طُورٌ بِسَيْناءَ. ولَيْسَ هو المَرْفُوعَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ؛ لِأنَّ رَفْعَ الجَبَلِ كانَ فِيما يَلِي التِّيهَ مِن جِهَةِ دِيارِ مِصْرَ، وهم ناهِضُونَ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وتَقَدَّمَتْ قِصَّةُ رَفْعِ الطُّورِ في البَقَرَةِ. والباءُ في بِمِيثاقِهِمْ لِلسَّبَبِ، وهو العَهْدُ الَّذِي أخَذَهُ مُوسى عَلَيْهِمْ بَعْدَ تَصْدِيقِهِمْ بِالتَّوْراةِ أنْ يَعْمَلُوا بِما فِيها؛ فَنَقَضُوا مِيثاقَهم، وعَبَدُوا العِجْلَ، فَرَفَعَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الطُّورَ. وفي كَلامٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: بِنَقْضِ مِيثاقِهِمْ.
(p-٣٨٨)﴿وقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في البَقَرَةِ.
﴿وقُلْنا لَهم لا تَعْدُوا في السَّبْتِ﴾ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عِنْدَ اعْتِدائِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ﴾ [البقرة: ٦٥] . وقَرَأ ورْشٌ لا تَعَدُّوا بِفَتْحِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الدّالِ عَلى أنَّ الأصْلَ تَعْتَدُوا، فَأُلْقِيَتْ حَرَكَةُ التّاءِ عَلى العَيْنِ، وأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ. وقَرَأ قالُونُ: بِإخْفاءِ حَرَكَةِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الدّالِ، والنَّصُّ بِالإسْكانِ. وأصْلُهُ أيْضًا لا تَعْتَدُوا. وقَرَأ الباقُونَ مِنَ السَّبْعَةِ: لا تَعْدُوا بِإسْكانِ العَيْنِ، وتَخْفِيفِ الدّالِ مِن عَدا يَعْدُو. وقالَ تَعالى: ﴿إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ﴾ [الأعراف: ١٦٣]، وقَرَأ الأعْمَشُ والأخْفَشُ: لا تَعْتَدُوا مِنَ اعْتَدى.
(وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا) قِيلَ هو المِيثاقُ الأوَّلُ في قَوْلِهِ: (بِمِيثاقِهِمْ)، ووُصِفَ بِالغِلَظِ لِلتَّأْكِيدِ، وهو المَأْخُوذُ عَلى لِسانِ مُوسى وهارُونَ أنْ يَأْخُذُوا التَّوْراةَ بِقُوَّةٍ، ويَعْمَلُوا بِجَمِيعِ ما فِيها، ويُوصِلُوهُ إلى أبْنائِهِمْ. وقِيلَ: هَذا المِيثاقُ غَيْرُ الأوَّلِ، وهو المِيثاقُ الثّانِي الَّذِي أُخِذَ عَلى أنْبِيائِهِمْ بِالتَّصْدِيقِ بِمُحَمَّدٍ والإيمانِ بِهِ، وهو المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ﴾ [آل عمران: ٨١] الآيَةَ.
﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم وكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ فِيما لَخَّصْناهُ مِن كَلامِهِ، هَذا إخْبارٌ عَنْ أشْياءَ واقَعُوها في الضِّدِّ مِمّا أُخِذُوا بِهِ، نَقَضُوا المِيثاقَ الَّذِي رُفِعَ عَلَيْهِمُ الطُّورُ بِسَبَبِهِ، وجَعَلُوا بَدَلَ الإيمانِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الأمْرُ بِدُخُولِ البابِ سُجَّدًا المُتَضَمِّنُ التَّواضُعَ الَّذِي هو ثَمَرَةُ الإيمانِ كُفْرَهم بِآياتِ اللَّهِ، وبَذْلِ الطّاعَةِ، وامْتِثالِ مُوافَقَتِهِ في أنْ لا يَعْدُوا في السَّبْتِ انْتِهاكَ أعْظَمِ الحُرُمِ، وهو قَتْلُ الأنْبِياءِ. وقابَلُوا أخْذَ المِيثاقِ الغَلِيظِ بِتَجاهُلِهِمْ، وقَوْلِهِمْ: قُلُوبُنا غُلْفٌ أيْ في حُجُبٍ وغُلُفٍ: فَهي لا تَفْهَمُ. وأضْرَبَ اللَّهُ تَعالى عَنْ قَوْلِهِمْ وكَذِبِهِمْ، وأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ قَدْ طَبَعَ عَلَيْها بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، انْتَهى. والمِيثاقُ المَنقُوضُ: أهُوَ كِتْمانُهم صِفَةَ الرَّسُولِ، وتَكْذِيبُهُ فِيما جاءَ بِهِ ؟ أوْ تَرْكُهُمُ العَمَلَ بِما في كِتابِهِمْ ؟ مَعَ أنَّهم قَبِلُوا والتَزَمُوا العَمَلَ بِها قَوْلانِ. وآياتُ اللَّهِ الَّتِي كَفَرُوا بِها أهِيَ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِمْ في كُتُبِهِمْ ؟ أوْ جَمِيعُ كُتُبِ اللَّهِ المُنَزَّلَةِ ؟ قَوْلانِ. وتَقَدَّمَ شَرْحُ (قُلُوبُنا غُلْفٌ) في البَقَرَةِ.
﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ أدْغَمَ لامَ (بَلْ) في طاءِ (طَبَعَ) الكِسائِيُّ وحَمْزَةُ، وأظْهَرَها باقِي السَّبْعَةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ خَبَرٌ مَعْناهُ الذَّمُّ، عَلى أنَّ قُلُوبَهم بِمَنزِلَةِ المَطْبُوعِ عَلَيْها الَّتِي لا تَفْهَمُ أبَدًا، ولا تُطِيعُ مُرْسَلًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أرادُوا بِقَوْلِهِمْ: قُلُوبُنا غُلْفٌ؛ أيْ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ قُلُوبَنا غُلْفًا؛ أيْ في أكِنَّةٍ لا يُتَوَصَّلُ إلَيْها بِشَيْءٍ مِنَ الذِّكْرِ والمَوْعِظَةِ، كَما حَكى اللَّهُ عَنِ المُشْرِكِينَ: ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠] . وتَكْذِيبُ المُجْبِرَةِ أخْزاهُمُ اللَّهُ فَقِيلَ لَهم: خَذَلَها اللَّهَ، ومَنَعَها الألْطافَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، فَصارَتْ كالمَطْبُوعِ عَلَيْها، لا إنْ تُخْلَقْ غُلْفًا قابِلَةَ الذِّكْرِ، ولا مُتَمَكِّنَةً مِن قَبُولِهِ، انْتَهى. وهو عَلى مَذْهَبِهِ الِاعْتِزالِيِّ. وأمّا أهْلُ السُّنَّةِ فَيَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ طَبَعَ عَلَيْها حَقِيقَةً كَما أخْبَرَ تَعالى إذْ لا خالِقَ غَيْرُهُ. والباءُ في فَبِما نَقْضِهِمْ تَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَعَلْنا بِهِمْ ما فَعَلْناهُ. وقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَعَنّاهم، وأذْلَلْناهم، وحَتَّمْنا عَلى الوافِينَ مِنهُمُ الخُلُودَ في جَهَنَّمَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وحَذْفُ جَوابِ هَذا الكَلامِ بَلِيغٌ مَتْرُوكٌ مَعَ ذِهْنِ السّامِعِ، انْتَهى. وتَسْمِيَةُ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ المَجْرُورُ بِأنَّهُ جَوابُ اصْطِلاحٍ لَمْ يُعْهَدْ في عِلْمِ النَّحْوِ، ولا تُساعِدُهُ اللُّغَةُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِجَوابٍ. وجَوَّزُوا أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: (حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ) عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ [النساء: ١٦٠] بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾؛ وقالَهُ الزَّجّاجُ، وأبُو بَكْرٍ، والزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهم. وهَذا فِيهِ بُعْدٌ لِكَثْرَةِ الفَواصِلِ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ؛ ولِأنَّ المَعْطُوفَ عَلى السَّبَبِ سَبَبٌ؛ فَيَلْزَمُ تَأخُّرُ بَعْضِ أجْزاءِ السَّبَبِ الَّذِي لِلتَّحْرِيمِ في الوَقْتِ عَنْ وقْتِ التَّحْرِيمِ؛ فَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ جُزْءَ سَبَبٍ أوْ مُسَبِّبًا إلّا بِتَأْوِيلٍ بَعِيدٍ، وبَيانُ ذَلِكَ أنَّ ”قَوْلَهم عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا“ وقَوْلَهم ”﴿إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ﴾“ مُتَأخِّرٌ في الزَّمانِ عَنْ (p-٣٨٩)تَحْرِيمِ الطَّيِّباتِ عَلَيْهِمْ؛ فالأوْلى أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: لَعَنّاهم، وقَدْ جاءَ مُصَرَّحًا بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم لَعَنّاهم وجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً﴾ [المائدة: ١٣] .
(فَلا يُؤْمِنُونَ إلّا قَلِيلًا) تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ.
﴿وبِكُفْرِهِمْ وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا﴾ الظّاهِرُ في قَوْلِهِ: وبِكُفْرِهِمْ وقَوْلِهِمْ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: (فَبِما نَقْضِهِمْ)، وما بَعْدَهُ. عَلى أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ أجازَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وبِكُفْرِهِمْ وقَوْلِهِمْ﴾ مَعْطُوفًا عَلى بِكُفْرِهِمْ. وتَكْرارُ نِسْبَةِ الكُفْرِ إلَيْهِمْ بِحَسَبِ مُتَعَلِّقاتِهِ؛ إذْ كَفَرُوا بِمُوسى، ثُمَّ بِعِيسى، ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ فَعَطَفَ بَعْضَ كُفْرِهِمْ عَلى بَعْضٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ عَطَفَ مَجْمُوعَ المَعْطُوفِ عَلى مَجْمُوعِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ عَلى بَعْضٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ عَطَفَ مَجْمُوعَ المَعْطُوفِ عَلى مَجْمُوعِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ فَيَجْمَعُهم بَيْنَ نَقْضِ المِيثاقِ والكُفْرِ بِآياتِ اللَّهِ وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ، وقَوْلِهِمْ: (قُلُوبُنا غُلْفٌ)، وجَمْعِهِمْ بَيْنَ كُفْرِهِمْ، وبُهْتِهِمْ مَرْيَمَ، وافْتِخارِهِمْ بِقَتْلِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ عاقَبْناهم. أوْ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها، وجَمَعَهم بَيْنَ كَفْرِهِمْ، وكَذا وكَذا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْضًا: فَإنْ قُلْتَ: هَلّا زَعَمْتَ أنَّ المَحْذُوفَ الَّذِي تَعَلَّقَتْ بِهِ الباءُ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ ؟ قُلْتُ: لَمْ يَصِحَّ هَذا التَّقْدِيرُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾، رَدٌّ وإنْكارٌ لِقَوْلِهِمْ: قُلُوبُنا غُلْفٌ؛ فَكانَ مُتَعَلِّقًا بِهِ، انْتَهى. وهو جَوابٌ حَسَنٌ، ويَمْتَنِعُ مِن وجْهٍ آخَرَ، وهو أنَّ العَطْفَ بِبَلْ يَكُونُ لِلْإضْرابِ عَنِ الحُكْمِ الأوَّلِ، وإثْباتِهِ لِلثّانِي عَلى جِهَةِ إبْطالِ الأوَّلِ، أوْ الِانْتِقالِ عامًّا في كِتابِ اللَّهِ في الإخْبارِ؛ فَلا يَكُونُ إلّا لِلِانْتِقالِ. ويُسْتَفادُ مِنَ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ ما لا يُسْتَفادُ مِنَ الجُمْلَةِ الأُولى. والَّذِي قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لا يُسَوَّغُ فِيهِ هَذا الَّذِي قَرَّرْناهُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾، ﴿وكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ﴾، وقَوْلِهِمْ: ﴿قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾؛ فَأفادَتِ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ ما أفادَتِ الجُمْلَةُ الأُولى، وهو لا يَجُوزُ. لَوْ قُلْتَ: مَرَّ زَيْدٌ بِعَمْرٍو، بَلْ مَرَّ زَيْدٌ بِعَمْرٍو لَمْ يَجُزْ. وقَدْ أجازَ ذَلِكَ أبُو البَقاءِ، وهو أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم وكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ، وكَذا طُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ. وقِيلَ التَّقْدِيرُ فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم لا يُؤْمِنُونَ إلّا قَلِيلًا والفاءُ مُقْحَمَةٌ. وما في قَوْلِهِ: فَبِما نَقْضِهِمْ كَهي في قَوْلِهِ: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وتَقَدَّمَ الكَلامُ فِيها. والبُهْتانُ العَظِيمُ رَمْيُهم مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ بِالزِّنا مَعَ رُؤْيَتِهِمُ الآيَةَ في كَلامِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ في المَهْدِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإلّا فَلَوْلا الآيَةُ لَكانُوا في قَوْلِهِمْ جارِينَ عَلى حُكْمِ البَشَرِ في إنْكارِ حَمْلٍ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ، انْتَهى. ووُصِفَ بِالعِظَمِ؛ لِأنَّهم تَمادَوْا عَلَيْهِ بَعْدَ ظُهُورِ الآيَةِ، وقِيامِ المُعْجِزَةِ بِالبَراءَةِ، وقَدْ جاءَتْ تَسْمِيَةُ الرَّمْيِ بِذَلِكَ بُهْتانًا عَظِيمًا في قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] .
﴿وقَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ الظّاهِرُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ مِن قَوْلِهِمْ قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ؛ كَقَوْلِ فِرْعَوْنَ: ﴿إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧]، وقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى وضَعَ الذِّكْرَ الحَسَنَ مَكانَ ذِكْرِهِمُ القَبِيحِ في الحِكايَةِ عَنْهُ رَفْعًا لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، كَما كانُوا يُذَكِّرُونَهُ بِهِ. ذَكَرَ الوَجْهَيْنِ الزَّمَخْشَرِيُّ، ولَمْ يَذْكُرِ ابْنُ عَطِيَّةَ سِوى الثّانِي؛ قالَ: هو إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِصِفَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وهي الرِّسالَةُ عَلى جِهَةِ إظْهارِ ذَنْبِ هَؤُلاءِ المُقِرِّينَ بِالقَتْلِ، ولَزِمَهُمُ الذَّنْبُ، وهم لَمْ يَقْتُلُوا عِيسى؛ لِأنَّهم صَلَبُوا ذَلِكَ الشَّخْصَ عَلى أنَّهُ عِيسى، وعَلى أنَّ عِيسى كَذّابٌ لَيْسَ بِرَسُولٍ؛ ولَكِنْ لَزِمَهُمُ الذَّنْبُ مِن حَيْثُ اعْتَقَدُوا أنَّ قَتْلَهم وقَعَ في عِيسى؛ فَكَأنَّهم قَتَلُوهُ، ولَيْسَ يَدْفَعُ الذَّنْبَ عَنْهُمُ اعْتِقادُهم أنَّهُ غَيْرُ رَسُولٍ.
﴿وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ هَذا إخْبارٌ مِنهُ تَعالى بِأنَّهم ما قَتَلُوا عِيسى، وما صَلَبُوهُ.
واخْتَلَفَ الرُّواةُ في (p-٣٩٠)كَيْفِيَّةِ القَتْلِ والصَّلْبِ، ولَمْ يَثْبُتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في ذَلِكَ شَيْءٌ غَيْرُ ما دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ.
ومُنْتَهى ما آلَ إلَيْهِ أمْرُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ طَلَبَتْهُ اليَهُودُ فاخْتَفى هو والحَوارِيُّونَ في بَيْتٍ؛ فَدُلُّوا عَلَيْهِ وحَضَرُوا لَيْلًا، وهم ثَلاثَةَ عَشَرَ، أوْ ثَمانِيَةَ عَشَرَ؛ فَفَرَّقَهم تِلْكَ اللَّيْلَةَ ووَجَّهَهم إلى الآفاقِ، وبَقِيَ هو ورَجُلٌ مَعَهُ؛ فَرُفِعَ عِيسى وأُلْقِيَ شَبَهُهُ عَلى الرَّجُلِ فَصُلِبَ. وقِيلَ هو اليَهُودِيُّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ. وقِيلَ قالَ لِأصْحابِهِ: أيُّكم يُلْقى عَلَيْهِ شَبَهِي فَيُقْتَلُ ويُخَلِّصُ هَؤُلاءِ، وهو رَفِيقِي في الجَنَّةِ ؟ فَقالَ سَرْجِسُ: أنا، فَأُلْقِيَ عَلَيْهِ شَبَهُ عِيسى. وقِيلَ أُلْقِيَ شَبَهُهُ عَلى الجَمِيعِ، فَلَمّا أُخْرِجُوا نَقَصَ واحِدٌ مِنَ العِدَّةِ، فَأخَذُوا واحِدًا مِمَّنْ عَلَيْهِ الشَّبَهُ فَصُلِبَ. ورُوِيَ أنَّ المَلِكَ والمُتَناوِلِينَ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِمْ أمْرُ عِيسى لِما رَأوْهُ مِن نُقْصانِ العِدَّةِ، واخْتِلاطِ الأمْرِ؛ فَصُلِبَ ذَلِكَ الشَّخْصُ، وأُبْعِدَ النّاسُ عَنْ خَشَبَتِهِ أيّامًا حَتّى تَغَيَّرَ، ولَمْ تَثْبُتْ لَهُ صِفَةٌ؛ وحِينَئِذٍ دَنا النّاسُ مِنهُ، ومَضى الحَوارِيُّونَ يَتَحَدَّثُونَ في الآفاقِ: إنَّ عِيسى صُلِبَ. وقِيلَ لَمْ يُلْقَ شَبَهُهُ عَلى أحَدٍ؛ وإنَّما مَعْنى: ﴿ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ أيْ شَبَّهَ عَلَيْهِمُ المَلِكُ المُمَخْرِقُ لِيَسْتَدِيمَ بِما نَقَصَ واحِدٌ مِنَ العِدَّةِ، وكانَ بادَرَ بِصَلْبِ واحِدٍ، وأبْعَدَ النّاسِ عَنْهُ، وقالَ: هَذا عِيسى؛ وهَذا القَوْلُ هو الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعْتَقَدَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾؛ أمّا أنْ يُلْقى شَبَهُهُ عَلى شَخْصٍ؛ فَلَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُعْتَمَدَ عَلَيْهِ.
وقَدِ اخْتُلِفَ فِيمَن أُلْقِيَ عَلَيْهِ الشَّبَهُ اخْتِلافًا كَثِيرًا. فَقِيلَ اليَهُودِيُّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ. وقِيلَ خَلِيفَةُ قَيْصَرَ الَّذِي كانَ مَحْبُوسًا عِنْدَهُ. وقِيلَ واحِدٌ مِنَ اليَهُودِ. وقِيلَ دَخَلَ لِيَقْتُلَهُ. وقِيلَ رَقِيبٌ، وكَلَتْهُ بِهِ اليَهُودُ. وقِيلَ أُلْقِيَ الشَّبَهُ عَلى كُلِّ الحَوارِيِّينَ. وقِيلَ أُلْقِيَ الشَّبَهُ عَلى الوَجْهِ دُونَ البَدَنِ، وهَذا الوُثُوقُ مِمّا يَدْفَعُ الوُثُوقَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ. ولِهَذا قالَ بَعْضُهم: إنْ جازَ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُلْقِي شَبَهَ إنْسانٍ عَلى إنْسانٍ آخَرَ؛ فَهَذا يَفْتَحُ بابَ السَّفْسَطَةِ. وقِيلَ سَبَبُ اجْتِماعِ اليَهُودِ عَلى قَتْلِهِ هو أنَّ رَهْطًا مِنهم سَبُّوهُ، وسَبُّوا أُمَّهُ فَدَعا عَلَيْهِمْ: ”اللَّهُمَّ أنْتَ رَبِّي، وبِكَلِمَتِكَ خَلَقْتَنِي، اللَّهُمَّ العَنْ مَن سَبَّنِي، وسَبَّ والِدَتِي“ فَمَسَخَ اللَّهُ مَن سَبَّهُما قِرَدَةً، وخَنازِيرَ، فاجْتَمَعَتِ اليَهُودُ عَلى قَتْلِهِ. و(شُبِّهَ) مُسْنَدٌ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ؛ كَقَوْلِهِ: خُيِّلَ إلَيْهِ، ولَكِنْ وقَعَ لَهُمُ التَّشْبِيهُ. ويَجُوزُ أنْ يُسْنَدَ إلى ضَمِيرِ المَقْتُولِ الدّالِّ عَلَيْهِ: إنّا قَتَلْنا أيْ ولَكِنْ شُبِّهَ لَهم مَن قَتَلُوهُ. ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرَ المَسِيحِ؛ لِأنَّ المَسِيحَ مُشَبَّهٌ بِهِ لا مُشَبَّهٌ.
﴿وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفي شَكٍّ مِنهُ ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلّا اتِّباعَ الظَّنِّ﴾ اخْتَلَفَ فِيهِ اليَهُودُ؛ فَقالَ بَعْضُهم: لَمْ يُقْتَلْ، ولَمْ يُصْلَبْ؛ الوَجْهُ وجْهُ عِيسى والجَسَدُ جَسَدُ غَيْرِهِ. وقِيلَ: أدْخَلُوا عَلَيْهِ واحِدًا لِيَقْتُلَهُ، فَأُلْقِيَ الشَّبَهُ عَلَيْهِ فَصُلِبَ، ونَقَصَ مِنَ العَدَدِ واحِدٌ. وكانُوا عَلِمُوا عَدَدَ الحَوارِيِّينَ؛ فَقالُوا: إنْ كانَ المَصْلُوبُ صاحِبَنا فَأيْنَ عِيسى ؟ وإنْ كانَ عِيسى فَأيْنَ صاحِبُنا ؟ وقِيلَ قالَ العَوامُّ: قَتَلْنا عِيسى، وقالَ مَن عايَنَ: رَفَعَهُ إلى السَّماءِ ما قُتِلَ، ولا صُلِبَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: واليَقِينُ الَّذِي صَحَّ فِيهِ نَقْلُ الكافَّةِ عَنْ حَواسِّها هو أنَّ شَخْصًا صُلِبَ، وهَلْ هو عِيسى أمْ لا ؟ فَلَيْسَ هو مِن عِلْمِ الحَوّاسِ؛ فَلِذَلِكَ لَمْ يَقَعْ في ذَلِكَ نَقْلٌ كافَّةً. والضَّمِيرُ في فِيهِ عائِدٌ عَلى القَتْلِ؛ مَعْناهُ: في قَتْلِهِ، وهَذا هو الظّاهِرُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، وما بَعْدَهُ. وقِيلَ الضَّمِيرُ في اخْتَلَفُوا عائِدٌ عَلى اليَهُودِ أيْضًا، واخْتِلافُهم فِيهِ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّهُ إلَهٌ. وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّهُ ابْنُ اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ اخْتِلافُهم فِيهِ أنَّ النَّسْطُورِيَّةَ قالُوا: وقَعَ الصَّلْبُ عَلى ناسُوتِهِ دُونَ لاهُوتِهِ. وقِيلَ وقَعَ القَتْلُ والصَّلْبُ عَلَيْهِما. وقِيلَ عائِدٌ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى؛ فَإنَّ اليَهُودَ قالُوا: هو ابْنُ زِنًا. وقالَتِ النَّصارى: هو ابْنُ اللَّهِ. وقِيلَ اخْتِلافُهم مِن جِهَةِ أنَّ النَّصارى قالُوا: إنَّ اليَهُودَ قَتَلَتْهُ وصَلَبَتْهُ واليَهُودُ الَّذِينَ عايَنُوا رَفْعَهُ قالُوا: رُفِعَ إلى السَّماءِ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّ ﴿إلّا اتِّباعَ الظَّنِّ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّ اتِّباعَ الظَّنِّ لَيْسَ مِن جِنْسِ العِلْمِ (p-٣٩١)أيْ ولَكِنَّ اتِّباعَ الظَّنِّ لَهم.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي ولَكِنَّهم يَتَّبِعُونَ الظَّنَّ، وهَذا تَفْسِيرُ مَعْنًى لا تَفْسِيرَ إعْرابٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ إذِ الظَّنُّ والعِلْمُ يَضُمُّهُما أنَّهُما مِن مُعْتَقَداتِ اليَقِينِ. وقَدْ يَقُولُ الظّانُّ عَلى طَرِيقِ التَّجَوُّزِ: عِلْمِي في هَذا الأمْرِ أنَّهُ كَذا، وهو يَعْنِي ظَنَّهُ، انْتَهى. ولَيْسَ كَما ذُكِرَ؛ لِأنَّ الظَّنَّ لَيْسَ مِن مُعْتَقَداتِ اليَقِينِ؛ لِأنَّهُ تَرْجِيحُ أحَدِ الجائِزَيْنِ؛ وما كانَ تَرْجِيحًا فَهو يُنافِي اليَقِينَ؛ كَما أنَّ اليَقِينَ يُنافِي تَرْجِيحَ أحَدِ الجائِزَيْنِ. وعَلى تَقْدِيرِ: أنَّ الظَّنَّ والعِلْمَ يَضُمُّهُما ما ذُكِرَ؛ فَلا يَكُونُ أيْضًا اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَسْتَثْنِ الظَّنَّ مِنَ العِلْمِ. فَلَيْسَتِ التِّلاوَةُ ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلّا الظَّنَّ؛ وإنَّما التِّلاوَةُ إلّا اتِّباعَ الظَّنِّ، والِاتِّباعُ لِلظَّنِّ لا يَضُمُّهُ والعِلْمُ جِنْسُ ما ذُكِرَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ. فَإنْ قُلْتَ: لِمَ وُصِفُوا بِالشَّكِّ، والشَّكُّ أنْ لا يَتَرَجَّحَ أحَدُ الجائِزَيْنِ ؟ ثُمَّ وُصِفُوا بِالظَّنِّ، والظَّنُّ أنْ يَتَرَجَّحَ أحَدُهُما؛ فَكَيْفَ يَكُونُونَ شاكِّينَ ظانِّينَ ؟ قُلْتُ: أُرِيدَ أنَّهم شاكُّونَ ما لَهم مِن عِلْمٍ قَطُّ، ولَكِنْ لاحَتْ لَهم أمارَةٌ فَظَنُّوا، انْتَهى. وهو جَوابُ سُؤالِهِ؛ ولَكِنْ يُقالُ: لا يَرِدُ هَذا السُّؤالُ؛ لِأنَّ العَرَبَ تُطْلِقُ الشَّكَّ عَلى ما لَمْ يَقَعْ فِيهِ القَطْعُ واليَقِينُ فَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ ما يَتَرَدَّدُ فِيهِ، إمّا عَلى السَّواءِ بِلا تَرْجِيحٍ، أوْ بِتَرْجِيحِ أحَدِ الطَّرَفَيْنِ. وإذا كانَ كَذَلِكَ انْدَفَعَ السُّؤالُ.
﴿وما قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ وجَماعَةٌ: الضَّمِيرُ في قَتَلُوهُ عائِدٌ عَلى الظَّنِّ. تَقُولُ: قَتَلْتُ هَذا الأمْرَ عِلْمًا إذا قَطَعْتَ بِهِ، وجَزَمْتَ الجَزْمَ الَّذِي لا يُخالِجُهُ شَيْءٌ؛ فالمَعْنى: وما صَحَّ ظَنُّهم عِنْدَهم، وما تَحَقَّقُوهُ يَقِينًا، ولا قَطَعُوا الظَّنَّ بِاليَقِينِ. وقالَ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ؛ الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى العِلْمِ؛ أيْ ما قَتَلُوا العِلْمَ يَقِينًا. يُقالُ: قَتَلْتُ العِلْمَ والرَّأْيَ يَقِينًا وقَتَلْتُهُ عِلْمًا؛ لِأنَّ القَتْلَ لِلشَّيْءِ يَكُونُ عَنْ قَهْرٍ واسْتِعْلاءٍ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ لَمْ يَكُنْ عِلْمُهم بِقَتْلِ المَسِيحِ عِلْمًا أُحِيطَ بِهِ؛ إنَّما كانَ ظَنًّا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ تَهَكُّمٌ؛ لِأنَّ (إذا) نُفِيَ عَنْهُمُ العِلْمُ نَفْيًا كُلِّيًا بِحَرْفِ الِاسْتِغْراقِ ثُمَّ قِيلَ، وما عَلِمُوهُ عِلْمَ يَقِينٍ وإحاطَةٍ لَمْ يَكُنْ إلّا تَهَكُّمًا، انْتَهى. والظّاهِرُ قَوْلُ الجُمْهُورِ: إنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلى عِيسى بِجَعْلِ الضَّمائِرِ كُلِّها كَشَيْءٍ واحِدٍ، فَلا تَخْتَلِفُ. والمَعْنى صَحِيحٌ بَلِيغٌ، وانْتِصابُ (يَقِينًا) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ (قَتَلُوهُ)؛ أيْ مُتَيَقِّنِينَ أنَّهُ عِيسى كَما ادَّعَوْا ذَلِكَ في قَوْلِهِمْ: إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ؛ قالَهُ السُّدِّيُّ. أوْ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ قَتْلًا يَقِينًا جَوَّزَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ الحَسَنُ: وما قَتَلُوهُ حَقًّا، انْتَهى. فانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ كَقَوْلِكَ: وما قَتَلُوهُ حَقًّا؛ أيْ حَقَّ انْتِفاءِ قَتْلِهِ حَقًّا. وما حُكِيَ عَنِ ابْنِ الأنْبارِيِّ أنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا وأنَّ (يَقِينًا) مَنصُوبٌ بِـ ﴿رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾ والمَعْنى: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ يَقِينًا؛ فَلَعَلَّهُ لا يَصِحُّ عَنْهُ. وقَدْ نَصَّ الخَلِيلُ عَلى أنَّ ذَلِكَ خَطَأٌ؛ لِأنَّهُ لا يَعْمَلُ ما بَعْدَ (بَلْ) في ما قَبْلَها.
﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾ هَذا إبْطالٌ لِما ادَّعَوْهُ مِن قَتْلِهِ وصَلْبِهِ، وهو حَيٌّ في السَّماءِ الثّانِيَةِ عَلى ما صَحَّ عَنِ الرَّسُولِ في حَدِيثِ المِعْراجِ. وهو هُنالِكَ مُقِيمٌ حَتّى يُنْزِلَهُ اللَّهُ إلى الأرْضِ لِقَتْلِ الدَّجّالِ، ولِيَمْلَأها عَدْلًا كَما مُلِئَتْ جَوْرًا، ويَحْيا فِيها أرْبَعِينَ سَنَةً ثُمَّ يَمُوتُ كَما تَمُوتُ البَشَرُ. وقالَ قَتادَةُ: رَفَعَ اللَّهُ عِيسى إلَيْهِ فَكَساهُ الرِّيشَ وألْبَسَهُ النُّورَ، وقَطَعَ عَنْهُ الطَّعامَ والشَّرابَ؛ فَصارَ مَعَ المَلائِكَةِ؛ فَهو مَعَهم حَوْلَ العَرْشِ؛ فَصارَ إنْسِيًّا مَلَكِيًّا سَماوِيًّا أرْضِيًّا.
والضَّمِيرُ في إلَيْهِ عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى عَلى حَذْفِ التَّقْدِيرِ إلى سَمائِهِ، وقَدْ جاءَ ﴿ورافِعُكَ إلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] . وقِيلَ إلى حَيْثُ لا حُكْمَ فِيهِ إلّا لَهُ. ولا يُوَجَّهُ الدُّعاءُ إلّا نَحْوَهُ، وهو راجِعٌ إلى الأوَّلِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: أعْلَمَ اللَّهُ تَعالى عَقِيبَ ذِكْرِهِ أنَّهُ وصَلَ إلى عِيسى أنْواعٌ مِنَ البَلايا أنَّهُ رَفَعَهُ إلَيْهِ فَدَلَّ أنَّ رَفْعَهُ إلَيْهِ أعْظَمُ في إيصالِ الثَّوابِ مِنَ الجَنَّةِ، ومِن كُلِّ ما فِيها مِنَ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ؛ وهَذِهِ الآيَةُ تَفْتَحُ عَلَيْكَ بابَ مَعْرِفَةِ السِّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ، انْتَهى. وفِيهِ نَحْوٌ (p-٣٩٢)مِن كَلامِ المُتَفَلْسِفَةِ.
(وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) . قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: المُرادُ مِنَ المَعَزَّةِ كَمالُ القُدْرَةِ، ومِنَ الحِكْمَةِ كَمالُ العِلْمِ؛ فَنَبَّهَ بِهَذا عَلى أنَّ رَفْعَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الدُّنْيا إلى السَّماواتِ وإنْ كانَ كالمُتَعَذَّرِ عَلى البَشَرِ، لَكِنْ لا تُعْذَرُ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِي وحِكْمَتِي، انْتَهى. وقالَ غَيْرُهُ: عَزِيزًا أيْ قَوِيًّا بِالنِّقْمَةِ مِنَ اليَهُودِ؛ فَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ بُطْرُسَ الرُّومِيّ فَقَتَلَ مِنهم مَقْتَلَةً عَظِيمَةً. حَكِيمًا حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِاللَّعْنَةِ والغَضَبِ. وقِيلَ: عَزِيزًا؛ أيْ: لا يُغالَبُ؛ لِأنَّ اليَهُودَ حاوَلَتْ بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أمْرًا وأرادَ اللَّهُ خِلافَهُ. حَكِيمًا أيْ: واضِعَ الأشْياءِ مَواضِعَها؛ فَمِن حَكَمَتِهِ تَخْلِيصُهُ مِنَ اليَهُودِ، ورَفْعُهُ إلى السَّماءِ لِما يُرِيدُ وتَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ تَعالى. وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: أوْحى اللَّهُ تَعالى إلى عِيسى عَلى رَأْسِ ثَلاثِينَ سَنَةً، ثُمَّ رَفَعَهُ وهو ابْنُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً؛ فَكانَتْ نُبُوَّتُهُ ثَلاثَ سِنِينَ. وقِيلَ: بَعَثَ اللَّهُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأدْخَلَهُ خَوْخَةً فِيها رَوْزَنَةٌ في سَقْفِها؛ فَرَفَعَهُ اللَّهُ تَعالى إلى السَّماءِ مِن تِلْكَ الرَّوْزَنَةِ.
﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ . إنْ: هُنا نافِيَةٌ، والمُخْبَرُ عَنْهُ مَحْذُوفٌ قامَتْ صِفَتُهُ مَقامَهُ، التَّقْدِيرُ: وما أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ. كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] والمَعْنى: وما مِنَ اليَهُودِ. وقَوْلُهُ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] أيْ: وما أحَدٌ مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ، وما أحَدٌ مِنكم إلّا وارِدُها. قالَ الزَّجّاجُ: وحُذِفَ (أحَدٌ) لِأنَّهُ مَطْلُوبٌ في كُلِّ نَفْيٍ يَدْخُلُهُ الِاسْتِثْناءُ نَحْوَ: ما قامَ إلّا زَيْدٌ، مَعْناهُ ما قامَ أحَدٌ إلّا زَيْدٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ جُمْلَةٌ قَسَمِيَّةٌ واقِعَةٌ صِفَةً لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ؛ تَقْدِيرُهُ: وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ أحَدٌ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ، ونَحْوُهُ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤]، ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] . والمَعْنى: وما مِنَ اليَهُودِ أحَدٌ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ، انْتَهى.
وهُوَ غَلَطٌ فاحِشٌ إذْ زَعَمَ أنَّ ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ جُمْلَةٌ قَسَمِيَّةٌ واقِعَةٌ صِفَةً لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ إلى آخِرِهِ، وصِفَةُ (أحَدٌ) المَحْذُوفِ إنَّما هو الجارُّ والمَجْرُورُ وهو (مِن أهْلِ الكِتابِ)، والتَّقْدِيرُ كَما ذَكَرْناهُ: وإنْ أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾؛ فَلَيْسَتْ صِفَةً لِمَوْصُوفٍ، ولا هي جُمْلَةٌ قَسَمِيَّةٌ كَما زَعَمَ؛ إنَّما هي جُمْلَةُ جَوابِ القَسَمِ، والقَسَمُ مَحْذُوفٌ، والقَسَمُ وجَوابُهُ في مَوْضِعِ رَفْعِ خَبَرِ المُبْتَدَأِ الَّذِي هو (أحَدٌ) المَحْذُوفُ؛ إذْ لا يَنْتَظِمُ مِن أحَدٍ والمَجْرُورِ إسْنادٌ؛ لِأنَّهُ لا يُفِيدُ؛ وإنَّما يَنْتَظِمُ الإسْنادُ بِالجُمْلَةِ القَسَمِيَّةِ وجَوابِها؛ فَذَلِكَ هو مَحَطُّ الفائِدَةِ وكَذَلِكَ أيْضًا الخَبَرُ هو ﴿إلّا لَهُ مَقامٌ﴾ [الصافات: ١٦٤]، وكَذَلِكَ إلّا وارِدُها؛ إذْ لا يَنْتَظِمُ مِمّا قَبْلَ إلّا تَرْكِيبٌ إسْنادِيٌّ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَيْنِ في: بِهِ ومَوْتِهِ عائِدانِ عَلى عِيسى وهو سِياقُ الكَلامِ، والمَعْنى: مِن أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ يَكُونُونَ في زَمانِ نُزُولِهِ.
رُوِيَ أنَّهُ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ في آخِرِ الزَّمانِ؛ فَلا يَبْقى أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ إلّا يُؤْمِنُ بِهِ؛ حَتّى تَكُونَ المِلَّةُ واحِدَةً وهي مِلَّةُ الإسْلامِ؛ قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وأبُو مالِكٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وعِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ والحَسَنُ أيْضًا ومُجاهِدٌ وغَيْرُهم: الضَّمِيرُ في بِهِ لِعِيسى، وفي مَوْتِهِ لِكِتابِيٍّ وقالُوا: ولَيْسَ يَمُوتُ يَهُودِيٌّ حَتّى يُؤْمِنَ بِعِيسى ويَعْلَمَ أنَّهُ نَبِيٌّ؛ ولَكِنْ عِنْدَ المُعايَنَةِ لِلْمَوْتِ فَهو إيمانٌ لا (p-٣٩٣)يَنْفَعُهُ كَما لَمْ يَنْفَعْ فِرْعَوْنَ إيمانُهُ وقْتَ المُعايَنَةِ. وبَدَأ بِما يُشْبِهُ هَذا لِقَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ. قالَ: والمَعْنى ما مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى أحَدٌ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ قَبْلَ مَوْتِهِ بِعِيسى، وبِأنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ ؟ يَعْنِي: إذا عايَنَ قَبْلَ أنْ تَزْهَقَ رُوحُهُ حِينَ لا يَنْفَعُهُ إيمانُهُ لِانْقِطاعِ وقْتِ التَّكْلِيفِ. ثُمَّ حُكِيَ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ والحَجّاجِ حِكايَةٌ فِيها طُولٌ يَمَسُّ بِالتَّفْسِيرِ مِنها: أنَّ اليَهُودِيَّ إذا حَضَرَهُ المَوْتُ ضَرَبَتِ المَلائِكَةُ دُبُرَهُ ووَجْهَهُ وقالُوا: يا عَدُوَّ اللَّهِ أتاكَ عِيسى نَبِيًّا فَكَذَّبْتَ بِهِ؛ فَيَقُولُ: آمَنتُ أنَّهُ نَبِيٌّ. وتَقُولُ لِلنَّصْرانِيِّ: أتاكَ عِيسى نَبِيًّا فَزَعَمْتَ أنَّهُ اللَّهُ أوِ ابْنُ اللَّهِ؛ فَيَقُولُ: آمَنتُ أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ حَيْثُ لا يَنْفَعُهُ إيمانُهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ فَسَّرَهُ كَذَلِكَ؛ فَقالَ لَهُ عِكْرِمَةُ: فَإنْ أتاهُ رَجُلٌ فَضَرَبَ عُنُقَهُ ؟ قالَ: لا تَخْرُجُ نَفْسُهُ حَتّى يُحَرِّكَ بِها شَفَتَيْهِ. قالَ: وإنْ خَرَجَ فَوْقَ بَيْتٍ أوِ احْتَرَقَ أوْ أكَلَهُ سَبُعٌ ؟ قالَ: يَتَكَلَّمُ بِها في الهَوى، ولا تَخْرُجُ رُوحُهُ حَتّى يُؤْمِنَ بِهِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ: ”إلّا لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِمْ“ بِضَمِّ النُّونِ عَلى مَعْنى: وإنْ مِنهم أحَدٌ إلّا سَيُؤْمِنُونَ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِمْ؛ لِأنَّ أحَدًا يَصْلُحُ لِلْجَمْعِ. فَإنْ قُلْتَ: فَما فائِدَةُ الإخْبارِ بِإيمانِهِمْ بِعِيسى قَبْلَ مَوْتِهِمْ ؟ قُلْتُ: فائِدَتُهُ الوَعِيدُ، ولْيَكُنْ عِلْمُهم بِأنَّهم لا بُدَّ لَهم مِنَ الإيمانِ بِهِ عَنْ قَرِيبٍ عِنْدَ المُعايَنَةِ، وأنَّ ذَلِكَ لا يَنْفَعُهم بَعْثًا لَهم وتَنْبِيهًا عَلى مُعالَجَةِ الإيمانِ بِهِ في أوانِ الِانْتِفاعِ بِهِ، ولِيَكُونَ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ لَهم.
وكَذَلِكَ قَوْلُهُ.
﴿ويَوْمَ القِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ يَشْهَدُ عَلى اليَهُودِ بِأنَّهم كَذَّبُوهُ، وعَلى النَّصارى بِأنَّهم دَعَوْهُ ابْنَ اللَّهِ، انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ أيْضًا: ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ أنَّهُ لا يَبْقى أحَدٌ مِن جَمِيعِ أهْلِ الكِتابِ إلّا لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ، عَلى أنَّ اللَّهَ يُحْيِيهِمْ في قُبُورِهِمْ في ذَلِكَ الزَّمانِ ويُعْلِمُهم نُزُولَهُ وما نَزَلَ لَهُ، ويُؤْمِنُونَ بِهِ حِينَ لا يَنْفَعُهم إيمانُهم، انْتَهى. وقالَ عِكْرِمَةُ: الضَّمِيرُ في بِهِ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وفي مَوْتِهِ لِلْكِتابِيِّ. قالَ: ولَيْسَ يَخْرُجُ يَهُودِيٌّ ولا نَصْرانِيٌّ مِنَ الدُّنْيا حَتّى يُؤْمِنَ بِمُحَمَّدٍ، ولَوْ غَرِقَ أوْ سَقَطَ عَلَيْهِ جِدارٌ؛ فَإنَّهُ يُؤْمِنُ في ذَلِكَ الوَقْتِ. وقِيلَ: يَعُودُ في بِهِ عَلى اللَّهِ، وفي مَوْتِهِ عَلى أحَدٍ المُقَدَّرِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إذا نَزَلَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِقَتْلِ الدَّجّالِ لَمْ يَبْقَ يَهُودِيٌّ ولا نَصْرانِيٌّ إلّا آمَنَ بِاللَّهِ حِينَ يَرَوْنَ قَتْلَ الدَّجّالِ، وتَصِيرُ الأُمَمُ كُلُّها واحِدَةً عَلى مِلَّةِ الإسْلامِ، ويُعْزى هَذا القَوْلُ أيْضًا إلى ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ.
وقالَ العَبّاسُ بْنُ غَزْوانَ: وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ بِتَشْدِيدِ النُّونِ، وهي قِراءَةٌ عَسِرَةُ التَّخْرِيجِ، ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ أيْ: شَهِيدًا عَلى أهْلِ الكِتابِ عَلى اليَهُودِ بِتَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ وطَعْنِهِمْ فِيهِ، وعَلى النَّصارى بِجَعْلِهِمْ إيّاهُ إلاهًا مَعَ اللَّهِ أوِ ابْنًا لَهُ، والضَّمِيرُ في يَكُونُ لِعِيسى. وقالَ عِكْرِمَةُ: لِمُحَمَّدٍ ﷺ . قِيلَ: وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ أنْواعًا مِنَ الفَصاحَةِ والبَدِيعِ؛ فَمِنها التَّجْنِيسُ المُغايِرُ في: (يُخادِعُونَ) و(خادِعُهم)، و(شَكَرْتُمْ) و(شاكِرًا) . والمُماثِلُ في: (وإذا قامُوا) . والتَّكْرارُ في اسْمِ اللَّهِ، وفي: (هَؤُلاءِ) و(هَؤُلاءِ)، وفي: و(يَرَوْنَ) و(يُرِيدُونَ)، وفي: (الكافِرِينَ) و(الكافِرِينَ)، وفي: (أهْلِ الكِتابِ) و(كِتابًا)، وفي: (بِمِيثاقِهِمْ) و(مِيثاقًا) . والطِّباقُ في: الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ، وفي: (إنْ تَبْدُوا) أوْ (تُخْفُوهُ)، وفي: (نُؤْمِنُ) و(نَكْفُرُ)، والِاخْتِصاصُ في: (إلى الصَّلاةِ)، وفي: ﴿الدَّرْكِ الأسْفَلِ﴾ [النساء: ١٤٥]، وفي: ﴿الجَهْرَ بِالسُّوءِ﴾ [النساء: ١٤٨] . والإشارَةُ في مَواضِعَ الِاسْتِعارَةِ في ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] اسْتَعارَ اسْمَ الخِداعِ لِلْمُجازاةِ وفي (سَبِيلًا)، وفي (سُلْطانًا) لِقِيامِ الحُجَّةِ و﴿الدَّرْكِ الأسْفَلِ﴾ [النساء: ١٤٥] لِانْخِفاضِ طَبَقاتِهِمْ في النّارِ، و(اعْتَصِمُوا) لِلِالتِجاءِ، وفي: ﴿أنْ يُفَرِّقُوا﴾، وفي: ﴿ولَمْ يُفَرِّقُوا﴾ وهو حَقِيقَةٌ في الأجْسامِ اسْتُعِيرَ لِلْمَعانِي، وفي (سُلْطانًا) اسْتُعِيرَ لِلْحُجَّةِ، وفي: (غُلْفٌ) و﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ﴾ . وزِيادَةُ الحَرْفِ لِمَعْنى في (فَبِما نَقْضِهِمْ) .
وإسْنادُ الفِعْلِ إلى غَيْرِ فاعِلِهِ في: فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ وجاءَتْهُمُ البَيِّناتُ وإلى الرّاضِي بِهِ وفي: وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ، وفي: ﴿وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا﴾، ﴿وقَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ﴾ . وحُسْنُ النَّسَقِ في: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم، والمَعاطِيفِ (p-٣٩٤)عَلَيْهِ حَيْثُ نُسِّقَتْ بِالواوِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى الجَمِيعِ فَقَطْ. وبَيْنَ هَذِهِ الأشْياءِ أعْصارٌ مُتَباعِدَةٌ فَشَرَكَ أوائِلَهم وأواخِرَهم لِعَمَلِ أُولَئِكَ ورِضا هَؤُلاءِ. وإطْلاقُ اسْمِ كُلٍّ عَلى بَعْضٍ وفي: كُفْرِهم بِآياتِ اللَّهِ وهو القُرْآنُ والإنْجِيلُ ولَمْ يَكْفُرُوا بِشَيْءٍ مِنَ الكُتُبِ إلّا بِهِما وفي قَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا ولَمْ يَقُلْ ذَلِكَ إلّا بَعْضُهم. والتَّعْرِيضُ في رَسُولِ اللَّهِ إذا قُلْنا إنَّهُ مِن كَلامِهِمْ. والتَّوْجِيهُ في غُلْفٌ مِنَ احْتِمالِ المَصْدَرِ جَمْعُ غِلافٍ أوْ جَمْعُ أغْلُفٍ. وعَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ وهو في ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ عَلى مَن جَعَلَهُما لِغَيْرِ عِيسى. والنَّقْلُ مِن صِيغَةِ فاعِلٍ إلى فَعِيلٍ في شَهِيدٍ. والحَذْفُ في مَواضِعَ.
النساء 4:158
﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ والنَّصارى، آمَنَتِ اليَهُودُ بِمُوسى والتَّوْراةِ، وكَفَرَتْ بِعِيسى، ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَّلامُ، وآمَنَتِ النَّصارى بِعِيسى والإنْجِيلِ، وكَفَرَتْ بِمُحَمَّدٍ والقُرْآنِ. وقِيلَ نَزَلَتْ في اليَهُودِ خاصَّةً، آمَنُوا بِمُوسى وعُزَيْرٍ والتَّوْراةِ، وكَفَرُوا بِعِيسى والإنْجِيلِ، ومُحَمَّدٍ والقُرْآنِ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها: أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ ما عَلَيْهِ المُنافِقُونَ مِن سُوءِ الخَلِيقَةِ ومَذْمُومِ الطَّرِيقَةِ أخَذَ في الكَلامِ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى؛ جَعَلَ كُفْرَهم بِبَعْضِ الرُّسُلِ كُفْرًا بِجَمِيعِ الرُّسُلِ، وكُفْرَهم بِالرُّسُلِ كُفْرًا بِاللَّهِ تَعالى.
﴿ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ﴾؛ أيْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الإيمانِ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ يَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِاللَّهِ، ولا نُؤْمِنُ بِفُلانٍ وفُلانٍ مِنَ الأنْبِياءِ.
﴿ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ يَعْنِي مِنَ الأنْبِياءِ. وقِيلَ هو تَصْدِيقُ اليَهُودِ بِمُحَمَّد أنَّهُ نَبِيٌّ؛ ولَكِنْ لَيْسَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ. ونَحْوُ هَذا مِن تَفَرُّقاتِهِمُ الَّتِي كانَتْ تَعَنُّتًا، ورَوَغانًا.
﴿ويُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾؛ أيْ طَرِيقًا وسَطًا بَيْنَ الكُفْرِ والإيمانِ، ولا واسِطَةَ بَيْنَهُما.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ حَقًّا﴾ أكَّدَ بِقَوْلِهِ هم، لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ ذَلِكَ الإيمانَ يَنْفَعُهم. وأكَّدَ بِقَوْلِهِ: حَقًّا، وهو تَأْكِيدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ، كَما تَقُولُ: هَذا عَبْدُ اللَّهِ حَقًّا؛ أيْ حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا. أوْ هو نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ كُفْرًا حَقًّا؛ أيْ ثابِتًا يَقِينًا لا شَكَّ فِيهِ. أوْ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ لِذَلِكَ نَظائِرُ، وقَدْ طَعَنَ الواحِدِيُّ في هَذا التَّوْجِيهِ، وقالَ: الكُفْرُ لا يَكُونُ حَقًّا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ولا يَلْزَمُ ما قالَ إنَّهُ لا يُرادُ بِحَقًّا الحَقُّ الَّذِي هو مُقابِلٌ لِلْباطِلِ؛ وإنَّما المَعْنى أنَّهُ كُفْرٌ ثابِتٌ مُتَيَقَّنٌ؛ وإنَّما كانَ التَّوْكِيدُ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ داعِيَ الإيمانِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الأنْبِياءِ، (p-٣٨٦)وهُوَ ظُهُورُ المُعْجِزاتِ عَلى أيْدِيهِمْ؛ فَكَوْنُهم فَرَّقُوا في الإيمانِ بَيْنَهم دَلِيلٌ عَلى كُفْرِهِمْ بِالجَمِيعِ؛ إذْ لَيْسَ إيمانُهم بِبَعْضٍ ناشِئًا عَنِ النَّظَرِ في الدَّلِيلِ؛ وإنَّما هم عَلى سَبِيلِ التَّشَهِّي والتَّلاعُبِ.
(وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا) هَذا وعِيدٌ لَهم بِالإهانَةِ في العَذابِ.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ هَؤُلاءِ هُمُ المُؤْمِنُونَ أتْباعُ مُحَمَّدٍ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى دُخُولِ (بَيْنَ) عَلى (أحَدٍ) في البَقَرَةِ. في قَوْلِهِ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا.
(أُولَئِكَ سَوْفَ نُؤْتِيهِمْ أُجُورَهم) صَرَّحَ تَعالى بِوَعْدِ هَؤُلاءِ كَما صَرَّحَ بِوَعِيدِ أُولَئِكَ. وقَرَأ حَفْصٌ: يُؤْتِيهِمْ بِالياءِ لِيَعُودَ عَلى اسْمِ اللَّهِ قَبْلَهُ. وقَرَأ الباقُونَ: بِالنُّونِ عَلى الِالتِفاتِ ومُقابِلُهُ (وأعْتَدْنا) . وقَوْلُ أبِي عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيِّ: قِراءَةُ النُّونِ أوْلى مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أنْهَمُ، والآخَرُ: أنَّهُ مَشاكِلٌ لِقَوْلِهِ: وأعْتَدْنا؛ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، ولا أوْلَوِيَّةَ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ القِراءَتَيْنِ كِلْتاهُما مُتَواتِرَةٌ، هَكَذا نَزَلَتْ، وهَكَذا أُنْزِلَتْ.
(وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) لَمّا وعَدَهم تَعالى بِالثَّوابِ زادَهم تَبْشِيرًا لِتَجاوُزٍ عَنِ السَّيِّئاتِ، وبِرَحْمَتِهِ إيّاهم.
﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: قالَتِ اليَهُودُ: إنْ كُنْتَ صادِقًا فَجِئْ بِكِتابٍ مِنَ السَّماءِ جُمْلَةً، كَما جاءَ مُوسى بِالكِتابِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: قالُوا: ائْتِ بِألْواحٍ فِيها كِتابُكَ، كَما أتى مُوسى بِألْواحٍ فِيها التَّوْراةُ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: سَألُوهُ أنْ يَأْتِيَ بِكِتابٍ خاصٍّ لِلْيَهُودِ يَأْمُرُهم بِالإيمانِ بِمُحَمَّدٍ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قالُوا: لَنْ نُتابِعَكَ عَلى ما تَدْعُونا إلَيْهِ، حَتّى تَأْتِيَنا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ إلى فُلانٍ وإلى فُلانٍ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ؛ فَعَلى قَوْلِ ابْنِ جُرَيْجٍ يَقْتَضِي أنَّ سُؤالَهم كانَ عَلى نَحْوِ سُؤالِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمَيَّةَ الزُّهْرِيِّ، وقِيلَ كِتابًا نُعايِنُهُ حَتّى يَنْزِلَ، وسَمّى مِن سائِلِي اليَهُودِ: كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ، وفِنْخاصَ بْنَ عازُوراءَ. وقِيلَ السّائِلُونَ هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، وسُؤالُهم إنَّما هو عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ. وقالَ الحَسَنُ: لَوْ سَألُوهُ لِكَيْ يَتَبَيَّنَ الحَقُّ لَأعْطاهم؛ فَإنَّ فِيما أعْطاكم كِفايَةً.
﴿فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقالُوا أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ قَدَّرُوا قَبْلَ هَذا كَلامًا مَحْذُوفًا؛ فَجَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ شَرْطًا هَذا جَوابُهُ، وتَقْدِيرُهُ: إنِ اسْتَكْبَرْتَ ما سَألُوهُ مِنكَ؛ فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ. وقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَلا تُبالِ يا مُحَمَّدُ عَنْ سُؤالِهِمْ وتَشْطِيطِهِمْ؛ فَإنَّها عادَتُهم؛ فَقَدْ سَألُوا مُوسى. وأسْنَدَ السُّؤالَ إلَيْهِمْ، وإنْ كانَ إنَّما وقَعَ مِن آبائِهِمْ مِن نُقَبائِهِمُ السَبْعِينَ؛ لِأنَّهم راضُونَ بِفِعْلِ آبائِهِمْ ومَذاهِبِهِمْ، ومُشابِهُونَ لَهم في التَّعَنُّتِ. وقَرَأ الحَسَنُ: أكْثَرَ بِالثّاءِ المُثَلَّثَةِ بَدَلَ الباءِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ. ومَعْنى جَهْرَةً: عِيانًا رُؤْيَةً (p-٣٨٧)مُنْكَشِفَةً بَيِّنَةً. والجَهْرَةُ مِن وصْفِ الرُّؤْيَةِ. واخْتُلِفَ في النَّقْلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَرُوِيَ عَنْهُ: أنَّ جَهْرَةً مِن صِفَةِ السُّؤالِ؛ فَقَدْ سَألُوا مُوسى. أوْ حالًا مِن ضَمِيرِ سَألُوا أيْ سَألُوهُ مُجاهِرِينَ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّ التَّقْدِيرَ: فَقالُوا جَهْرَةً مِنهُ، وتَصْرِيحًا أرِنا اللَّهَ؛ فَيَكُونُ مِن صِفَةِ القَوْلِ.
﴿فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ أيْ تَعَنُّتِهِمْ، وسُؤالِهِمْ ما لَيْسَ لَهم أنْ يَسْألُوهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِظُلْمِهِمْ بِسَبَبِ سُؤالِهِمُ الرُّؤْيَةَ، ولَوْ طَلَبُوا أمْرًا جائِزًا لَما سُمُّوا ظالِمِينَ، ولَما أخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ. كَما سَألَ إبْراهِيم عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُرِيَهُ إحْياءَ المَوْتى فَلَمْ يُسَمِّهِ ظالِمًا، ولا رَماهُ بِالصّاعِقَةِ لِلْمُشَبِّهَةِ، ورَمْيًا بِالصَّواعِقِ، انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ في اسْتِحالَةِ رُؤْيَةِ اللَّهِ عِنْدَهم. وأهْلُ السُّنَّةِ يَعْتَقِدُونَ أنَّهم لَمْ يَسْألُوا مُحالًا عَقْلًا، لَكِنَّهُ مُمْتَنِعٌ مِن جِهَةِ الشَّرْعِ؛ إذْ قَدْ أخْبَرَ تَعالى عَلى ألْسِنَةِ أنْبِيائِهِ، أنَّهُ لا يُرى في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا والرُّؤْيَةُ في الآخِرَةِ ثابِتَةٌ عَنِ الرَّسُولِ بِالتَّواتُرِ، وهي جائِزَةٌ عَقْلًا، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في البَقَرَةِ عَلى الصّاعِقَةِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ والنَّخَعِيُّ: (فَأخَذَتْهُمُ الصَّعْقَةُ)، والجُمْهُورُ (الصّاعِقَةُ) .
﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا العِجْلَ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ﴾ ثُمَّ: لِلتَّرْتِيبِ في الأخْبارِ، لا في نَفْسِ الأمْرِ، ثُمَّ قَدْ كانَ مِن أمْرِهِمْ أنِ اتَّخَذُوا العِجْلَ؛ أيْ آباؤُهم والَّذِينَ صُعِقُوا غَيْرُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ. والبَيِّناتُ: إجازَةُ البَحْرِ والعَصا، وغَرَقُ فِرْعَوْنَ، وغَيْرُ ذَلِكَ. وقالَ الحَوْفِيُّ: أعْلَمَ نَبِيَّهُ بِعِنادِهِمْ، وإصْرارِهِمْ؛ فالمَعْنى: أنَّهُ لَوْ نَزَلَ عَلَيْهِمُ الَّذِي سَألُوا لَخالَفُوا أمْرَ اللَّهِ، كَما خالَفُوهُ مِن بَعْدِ إحْياءِ اللَّهِ لَهم مِن صَعْقَتِهِمْ، وعَبَدُوا العِجْلَ، واتَّخَذُوهُ إلَهًا.
﴿فَعَفَوْنا عَنْ ذَلِكَ﴾؛ أيْ عَنِ اتِّخاذِهِمُ العِجْلَ إلَهًا عَنْ جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِن مُخالَفَتِهِمْ. والأوَّلُ أظْهَرُ؛ لِأنَّهُ قَدْ صَرَّحَ في قِصَّةِ العِجْلِ بِالتَّوْبَةِ. ويَعْنِي: بِما امْتَحَنَهم بِهِ مِنَ القَتْلِ لِأنْفُسِهِمْ، ثُمَّ وقَعَ العَفْوُ عَنِ الباقِينَ مِنهم.
﴿وآتَيْنا مُوسى سُلْطانًا مُبِينًا﴾؛ أيْ حُجَّةً وتَسَلُّطًا، واسْتِيلاءً ظاهِرًا عَلَيْهِمْ، حِينَ أمَرَهم بِأنْ يَقْتُلُوا أنْفُسَهم حَتّى يُتابَ عَلَيْهِمْ؛ فَأطاعُوهُ واحْتَبَوْا بِأفْنِيَتِهِمْ والسُّيُوفُ تَتَساقَطُ عَلَيْهِمْ، فَيا لَهُ مِن سُلْطانٍ مُبِينٍ.
﴿ورَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ﴾ تَقَدَّمَ ما المَعْنِيُّ بِالطُّورِ. وفي الشّامِ جَبَلٌ عُرِفَ بِالطُّورِ، ولَزِمَهُ هَذا الِاسْمُ، وهو طُورٌ بِسَيْناءَ. ولَيْسَ هو المَرْفُوعَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ؛ لِأنَّ رَفْعَ الجَبَلِ كانَ فِيما يَلِي التِّيهَ مِن جِهَةِ دِيارِ مِصْرَ، وهم ناهِضُونَ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وتَقَدَّمَتْ قِصَّةُ رَفْعِ الطُّورِ في البَقَرَةِ. والباءُ في بِمِيثاقِهِمْ لِلسَّبَبِ، وهو العَهْدُ الَّذِي أخَذَهُ مُوسى عَلَيْهِمْ بَعْدَ تَصْدِيقِهِمْ بِالتَّوْراةِ أنْ يَعْمَلُوا بِما فِيها؛ فَنَقَضُوا مِيثاقَهم، وعَبَدُوا العِجْلَ، فَرَفَعَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الطُّورَ. وفي كَلامٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: بِنَقْضِ مِيثاقِهِمْ.
(p-٣٨٨)﴿وقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في البَقَرَةِ.
﴿وقُلْنا لَهم لا تَعْدُوا في السَّبْتِ﴾ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عِنْدَ اعْتِدائِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ﴾ [البقرة: ٦٥] . وقَرَأ ورْشٌ لا تَعَدُّوا بِفَتْحِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الدّالِ عَلى أنَّ الأصْلَ تَعْتَدُوا، فَأُلْقِيَتْ حَرَكَةُ التّاءِ عَلى العَيْنِ، وأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ. وقَرَأ قالُونُ: بِإخْفاءِ حَرَكَةِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الدّالِ، والنَّصُّ بِالإسْكانِ. وأصْلُهُ أيْضًا لا تَعْتَدُوا. وقَرَأ الباقُونَ مِنَ السَّبْعَةِ: لا تَعْدُوا بِإسْكانِ العَيْنِ، وتَخْفِيفِ الدّالِ مِن عَدا يَعْدُو. وقالَ تَعالى: ﴿إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ﴾ [الأعراف: ١٦٣]، وقَرَأ الأعْمَشُ والأخْفَشُ: لا تَعْتَدُوا مِنَ اعْتَدى.
(وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا) قِيلَ هو المِيثاقُ الأوَّلُ في قَوْلِهِ: (بِمِيثاقِهِمْ)، ووُصِفَ بِالغِلَظِ لِلتَّأْكِيدِ، وهو المَأْخُوذُ عَلى لِسانِ مُوسى وهارُونَ أنْ يَأْخُذُوا التَّوْراةَ بِقُوَّةٍ، ويَعْمَلُوا بِجَمِيعِ ما فِيها، ويُوصِلُوهُ إلى أبْنائِهِمْ. وقِيلَ: هَذا المِيثاقُ غَيْرُ الأوَّلِ، وهو المِيثاقُ الثّانِي الَّذِي أُخِذَ عَلى أنْبِيائِهِمْ بِالتَّصْدِيقِ بِمُحَمَّدٍ والإيمانِ بِهِ، وهو المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ﴾ [آل عمران: ٨١] الآيَةَ.
﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم وكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ فِيما لَخَّصْناهُ مِن كَلامِهِ، هَذا إخْبارٌ عَنْ أشْياءَ واقَعُوها في الضِّدِّ مِمّا أُخِذُوا بِهِ، نَقَضُوا المِيثاقَ الَّذِي رُفِعَ عَلَيْهِمُ الطُّورُ بِسَبَبِهِ، وجَعَلُوا بَدَلَ الإيمانِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الأمْرُ بِدُخُولِ البابِ سُجَّدًا المُتَضَمِّنُ التَّواضُعَ الَّذِي هو ثَمَرَةُ الإيمانِ كُفْرَهم بِآياتِ اللَّهِ، وبَذْلِ الطّاعَةِ، وامْتِثالِ مُوافَقَتِهِ في أنْ لا يَعْدُوا في السَّبْتِ انْتِهاكَ أعْظَمِ الحُرُمِ، وهو قَتْلُ الأنْبِياءِ. وقابَلُوا أخْذَ المِيثاقِ الغَلِيظِ بِتَجاهُلِهِمْ، وقَوْلِهِمْ: قُلُوبُنا غُلْفٌ أيْ في حُجُبٍ وغُلُفٍ: فَهي لا تَفْهَمُ. وأضْرَبَ اللَّهُ تَعالى عَنْ قَوْلِهِمْ وكَذِبِهِمْ، وأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ قَدْ طَبَعَ عَلَيْها بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، انْتَهى. والمِيثاقُ المَنقُوضُ: أهُوَ كِتْمانُهم صِفَةَ الرَّسُولِ، وتَكْذِيبُهُ فِيما جاءَ بِهِ ؟ أوْ تَرْكُهُمُ العَمَلَ بِما في كِتابِهِمْ ؟ مَعَ أنَّهم قَبِلُوا والتَزَمُوا العَمَلَ بِها قَوْلانِ. وآياتُ اللَّهِ الَّتِي كَفَرُوا بِها أهِيَ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِمْ في كُتُبِهِمْ ؟ أوْ جَمِيعُ كُتُبِ اللَّهِ المُنَزَّلَةِ ؟ قَوْلانِ. وتَقَدَّمَ شَرْحُ (قُلُوبُنا غُلْفٌ) في البَقَرَةِ.
﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ أدْغَمَ لامَ (بَلْ) في طاءِ (طَبَعَ) الكِسائِيُّ وحَمْزَةُ، وأظْهَرَها باقِي السَّبْعَةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ خَبَرٌ مَعْناهُ الذَّمُّ، عَلى أنَّ قُلُوبَهم بِمَنزِلَةِ المَطْبُوعِ عَلَيْها الَّتِي لا تَفْهَمُ أبَدًا، ولا تُطِيعُ مُرْسَلًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أرادُوا بِقَوْلِهِمْ: قُلُوبُنا غُلْفٌ؛ أيْ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ قُلُوبَنا غُلْفًا؛ أيْ في أكِنَّةٍ لا يُتَوَصَّلُ إلَيْها بِشَيْءٍ مِنَ الذِّكْرِ والمَوْعِظَةِ، كَما حَكى اللَّهُ عَنِ المُشْرِكِينَ: ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠] . وتَكْذِيبُ المُجْبِرَةِ أخْزاهُمُ اللَّهُ فَقِيلَ لَهم: خَذَلَها اللَّهَ، ومَنَعَها الألْطافَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، فَصارَتْ كالمَطْبُوعِ عَلَيْها، لا إنْ تُخْلَقْ غُلْفًا قابِلَةَ الذِّكْرِ، ولا مُتَمَكِّنَةً مِن قَبُولِهِ، انْتَهى. وهو عَلى مَذْهَبِهِ الِاعْتِزالِيِّ. وأمّا أهْلُ السُّنَّةِ فَيَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ طَبَعَ عَلَيْها حَقِيقَةً كَما أخْبَرَ تَعالى إذْ لا خالِقَ غَيْرُهُ. والباءُ في فَبِما نَقْضِهِمْ تَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَعَلْنا بِهِمْ ما فَعَلْناهُ. وقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَعَنّاهم، وأذْلَلْناهم، وحَتَّمْنا عَلى الوافِينَ مِنهُمُ الخُلُودَ في جَهَنَّمَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وحَذْفُ جَوابِ هَذا الكَلامِ بَلِيغٌ مَتْرُوكٌ مَعَ ذِهْنِ السّامِعِ، انْتَهى. وتَسْمِيَةُ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ المَجْرُورُ بِأنَّهُ جَوابُ اصْطِلاحٍ لَمْ يُعْهَدْ في عِلْمِ النَّحْوِ، ولا تُساعِدُهُ اللُّغَةُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِجَوابٍ. وجَوَّزُوا أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: (حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ) عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ [النساء: ١٦٠] بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾؛ وقالَهُ الزَّجّاجُ، وأبُو بَكْرٍ، والزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهم. وهَذا فِيهِ بُعْدٌ لِكَثْرَةِ الفَواصِلِ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ؛ ولِأنَّ المَعْطُوفَ عَلى السَّبَبِ سَبَبٌ؛ فَيَلْزَمُ تَأخُّرُ بَعْضِ أجْزاءِ السَّبَبِ الَّذِي لِلتَّحْرِيمِ في الوَقْتِ عَنْ وقْتِ التَّحْرِيمِ؛ فَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ جُزْءَ سَبَبٍ أوْ مُسَبِّبًا إلّا بِتَأْوِيلٍ بَعِيدٍ، وبَيانُ ذَلِكَ أنَّ ”قَوْلَهم عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا“ وقَوْلَهم ”﴿إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ﴾“ مُتَأخِّرٌ في الزَّمانِ عَنْ (p-٣٨٩)تَحْرِيمِ الطَّيِّباتِ عَلَيْهِمْ؛ فالأوْلى أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: لَعَنّاهم، وقَدْ جاءَ مُصَرَّحًا بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم لَعَنّاهم وجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً﴾ [المائدة: ١٣] .
(فَلا يُؤْمِنُونَ إلّا قَلِيلًا) تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ.
﴿وبِكُفْرِهِمْ وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا﴾ الظّاهِرُ في قَوْلِهِ: وبِكُفْرِهِمْ وقَوْلِهِمْ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: (فَبِما نَقْضِهِمْ)، وما بَعْدَهُ. عَلى أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ أجازَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وبِكُفْرِهِمْ وقَوْلِهِمْ﴾ مَعْطُوفًا عَلى بِكُفْرِهِمْ. وتَكْرارُ نِسْبَةِ الكُفْرِ إلَيْهِمْ بِحَسَبِ مُتَعَلِّقاتِهِ؛ إذْ كَفَرُوا بِمُوسى، ثُمَّ بِعِيسى، ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ فَعَطَفَ بَعْضَ كُفْرِهِمْ عَلى بَعْضٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ عَطَفَ مَجْمُوعَ المَعْطُوفِ عَلى مَجْمُوعِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ عَلى بَعْضٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ عَطَفَ مَجْمُوعَ المَعْطُوفِ عَلى مَجْمُوعِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ فَيَجْمَعُهم بَيْنَ نَقْضِ المِيثاقِ والكُفْرِ بِآياتِ اللَّهِ وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ، وقَوْلِهِمْ: (قُلُوبُنا غُلْفٌ)، وجَمْعِهِمْ بَيْنَ كُفْرِهِمْ، وبُهْتِهِمْ مَرْيَمَ، وافْتِخارِهِمْ بِقَتْلِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ عاقَبْناهم. أوْ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها، وجَمَعَهم بَيْنَ كَفْرِهِمْ، وكَذا وكَذا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْضًا: فَإنْ قُلْتَ: هَلّا زَعَمْتَ أنَّ المَحْذُوفَ الَّذِي تَعَلَّقَتْ بِهِ الباءُ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ ؟ قُلْتُ: لَمْ يَصِحَّ هَذا التَّقْدِيرُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾، رَدٌّ وإنْكارٌ لِقَوْلِهِمْ: قُلُوبُنا غُلْفٌ؛ فَكانَ مُتَعَلِّقًا بِهِ، انْتَهى. وهو جَوابٌ حَسَنٌ، ويَمْتَنِعُ مِن وجْهٍ آخَرَ، وهو أنَّ العَطْفَ بِبَلْ يَكُونُ لِلْإضْرابِ عَنِ الحُكْمِ الأوَّلِ، وإثْباتِهِ لِلثّانِي عَلى جِهَةِ إبْطالِ الأوَّلِ، أوْ الِانْتِقالِ عامًّا في كِتابِ اللَّهِ في الإخْبارِ؛ فَلا يَكُونُ إلّا لِلِانْتِقالِ. ويُسْتَفادُ مِنَ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ ما لا يُسْتَفادُ مِنَ الجُمْلَةِ الأُولى. والَّذِي قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لا يُسَوَّغُ فِيهِ هَذا الَّذِي قَرَّرْناهُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾، ﴿وكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ﴾، وقَوْلِهِمْ: ﴿قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾؛ فَأفادَتِ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ ما أفادَتِ الجُمْلَةُ الأُولى، وهو لا يَجُوزُ. لَوْ قُلْتَ: مَرَّ زَيْدٌ بِعَمْرٍو، بَلْ مَرَّ زَيْدٌ بِعَمْرٍو لَمْ يَجُزْ. وقَدْ أجازَ ذَلِكَ أبُو البَقاءِ، وهو أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم وكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ، وكَذا طُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ. وقِيلَ التَّقْدِيرُ فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم لا يُؤْمِنُونَ إلّا قَلِيلًا والفاءُ مُقْحَمَةٌ. وما في قَوْلِهِ: فَبِما نَقْضِهِمْ كَهي في قَوْلِهِ: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وتَقَدَّمَ الكَلامُ فِيها. والبُهْتانُ العَظِيمُ رَمْيُهم مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ بِالزِّنا مَعَ رُؤْيَتِهِمُ الآيَةَ في كَلامِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ في المَهْدِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإلّا فَلَوْلا الآيَةُ لَكانُوا في قَوْلِهِمْ جارِينَ عَلى حُكْمِ البَشَرِ في إنْكارِ حَمْلٍ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ، انْتَهى. ووُصِفَ بِالعِظَمِ؛ لِأنَّهم تَمادَوْا عَلَيْهِ بَعْدَ ظُهُورِ الآيَةِ، وقِيامِ المُعْجِزَةِ بِالبَراءَةِ، وقَدْ جاءَتْ تَسْمِيَةُ الرَّمْيِ بِذَلِكَ بُهْتانًا عَظِيمًا في قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] .
﴿وقَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ الظّاهِرُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ مِن قَوْلِهِمْ قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ؛ كَقَوْلِ فِرْعَوْنَ: ﴿إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧]، وقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى وضَعَ الذِّكْرَ الحَسَنَ مَكانَ ذِكْرِهِمُ القَبِيحِ في الحِكايَةِ عَنْهُ رَفْعًا لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، كَما كانُوا يُذَكِّرُونَهُ بِهِ. ذَكَرَ الوَجْهَيْنِ الزَّمَخْشَرِيُّ، ولَمْ يَذْكُرِ ابْنُ عَطِيَّةَ سِوى الثّانِي؛ قالَ: هو إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِصِفَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وهي الرِّسالَةُ عَلى جِهَةِ إظْهارِ ذَنْبِ هَؤُلاءِ المُقِرِّينَ بِالقَتْلِ، ولَزِمَهُمُ الذَّنْبُ، وهم لَمْ يَقْتُلُوا عِيسى؛ لِأنَّهم صَلَبُوا ذَلِكَ الشَّخْصَ عَلى أنَّهُ عِيسى، وعَلى أنَّ عِيسى كَذّابٌ لَيْسَ بِرَسُولٍ؛ ولَكِنْ لَزِمَهُمُ الذَّنْبُ مِن حَيْثُ اعْتَقَدُوا أنَّ قَتْلَهم وقَعَ في عِيسى؛ فَكَأنَّهم قَتَلُوهُ، ولَيْسَ يَدْفَعُ الذَّنْبَ عَنْهُمُ اعْتِقادُهم أنَّهُ غَيْرُ رَسُولٍ.
﴿وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ هَذا إخْبارٌ مِنهُ تَعالى بِأنَّهم ما قَتَلُوا عِيسى، وما صَلَبُوهُ.
واخْتَلَفَ الرُّواةُ في (p-٣٩٠)كَيْفِيَّةِ القَتْلِ والصَّلْبِ، ولَمْ يَثْبُتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في ذَلِكَ شَيْءٌ غَيْرُ ما دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ.
ومُنْتَهى ما آلَ إلَيْهِ أمْرُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ طَلَبَتْهُ اليَهُودُ فاخْتَفى هو والحَوارِيُّونَ في بَيْتٍ؛ فَدُلُّوا عَلَيْهِ وحَضَرُوا لَيْلًا، وهم ثَلاثَةَ عَشَرَ، أوْ ثَمانِيَةَ عَشَرَ؛ فَفَرَّقَهم تِلْكَ اللَّيْلَةَ ووَجَّهَهم إلى الآفاقِ، وبَقِيَ هو ورَجُلٌ مَعَهُ؛ فَرُفِعَ عِيسى وأُلْقِيَ شَبَهُهُ عَلى الرَّجُلِ فَصُلِبَ. وقِيلَ هو اليَهُودِيُّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ. وقِيلَ قالَ لِأصْحابِهِ: أيُّكم يُلْقى عَلَيْهِ شَبَهِي فَيُقْتَلُ ويُخَلِّصُ هَؤُلاءِ، وهو رَفِيقِي في الجَنَّةِ ؟ فَقالَ سَرْجِسُ: أنا، فَأُلْقِيَ عَلَيْهِ شَبَهُ عِيسى. وقِيلَ أُلْقِيَ شَبَهُهُ عَلى الجَمِيعِ، فَلَمّا أُخْرِجُوا نَقَصَ واحِدٌ مِنَ العِدَّةِ، فَأخَذُوا واحِدًا مِمَّنْ عَلَيْهِ الشَّبَهُ فَصُلِبَ. ورُوِيَ أنَّ المَلِكَ والمُتَناوِلِينَ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِمْ أمْرُ عِيسى لِما رَأوْهُ مِن نُقْصانِ العِدَّةِ، واخْتِلاطِ الأمْرِ؛ فَصُلِبَ ذَلِكَ الشَّخْصُ، وأُبْعِدَ النّاسُ عَنْ خَشَبَتِهِ أيّامًا حَتّى تَغَيَّرَ، ولَمْ تَثْبُتْ لَهُ صِفَةٌ؛ وحِينَئِذٍ دَنا النّاسُ مِنهُ، ومَضى الحَوارِيُّونَ يَتَحَدَّثُونَ في الآفاقِ: إنَّ عِيسى صُلِبَ. وقِيلَ لَمْ يُلْقَ شَبَهُهُ عَلى أحَدٍ؛ وإنَّما مَعْنى: ﴿ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ أيْ شَبَّهَ عَلَيْهِمُ المَلِكُ المُمَخْرِقُ لِيَسْتَدِيمَ بِما نَقَصَ واحِدٌ مِنَ العِدَّةِ، وكانَ بادَرَ بِصَلْبِ واحِدٍ، وأبْعَدَ النّاسِ عَنْهُ، وقالَ: هَذا عِيسى؛ وهَذا القَوْلُ هو الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعْتَقَدَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾؛ أمّا أنْ يُلْقى شَبَهُهُ عَلى شَخْصٍ؛ فَلَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُعْتَمَدَ عَلَيْهِ.
وقَدِ اخْتُلِفَ فِيمَن أُلْقِيَ عَلَيْهِ الشَّبَهُ اخْتِلافًا كَثِيرًا. فَقِيلَ اليَهُودِيُّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ. وقِيلَ خَلِيفَةُ قَيْصَرَ الَّذِي كانَ مَحْبُوسًا عِنْدَهُ. وقِيلَ واحِدٌ مِنَ اليَهُودِ. وقِيلَ دَخَلَ لِيَقْتُلَهُ. وقِيلَ رَقِيبٌ، وكَلَتْهُ بِهِ اليَهُودُ. وقِيلَ أُلْقِيَ الشَّبَهُ عَلى كُلِّ الحَوارِيِّينَ. وقِيلَ أُلْقِيَ الشَّبَهُ عَلى الوَجْهِ دُونَ البَدَنِ، وهَذا الوُثُوقُ مِمّا يَدْفَعُ الوُثُوقَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ. ولِهَذا قالَ بَعْضُهم: إنْ جازَ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُلْقِي شَبَهَ إنْسانٍ عَلى إنْسانٍ آخَرَ؛ فَهَذا يَفْتَحُ بابَ السَّفْسَطَةِ. وقِيلَ سَبَبُ اجْتِماعِ اليَهُودِ عَلى قَتْلِهِ هو أنَّ رَهْطًا مِنهم سَبُّوهُ، وسَبُّوا أُمَّهُ فَدَعا عَلَيْهِمْ: ”اللَّهُمَّ أنْتَ رَبِّي، وبِكَلِمَتِكَ خَلَقْتَنِي، اللَّهُمَّ العَنْ مَن سَبَّنِي، وسَبَّ والِدَتِي“ فَمَسَخَ اللَّهُ مَن سَبَّهُما قِرَدَةً، وخَنازِيرَ، فاجْتَمَعَتِ اليَهُودُ عَلى قَتْلِهِ. و(شُبِّهَ) مُسْنَدٌ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ؛ كَقَوْلِهِ: خُيِّلَ إلَيْهِ، ولَكِنْ وقَعَ لَهُمُ التَّشْبِيهُ. ويَجُوزُ أنْ يُسْنَدَ إلى ضَمِيرِ المَقْتُولِ الدّالِّ عَلَيْهِ: إنّا قَتَلْنا أيْ ولَكِنْ شُبِّهَ لَهم مَن قَتَلُوهُ. ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرَ المَسِيحِ؛ لِأنَّ المَسِيحَ مُشَبَّهٌ بِهِ لا مُشَبَّهٌ.
﴿وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفي شَكٍّ مِنهُ ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلّا اتِّباعَ الظَّنِّ﴾ اخْتَلَفَ فِيهِ اليَهُودُ؛ فَقالَ بَعْضُهم: لَمْ يُقْتَلْ، ولَمْ يُصْلَبْ؛ الوَجْهُ وجْهُ عِيسى والجَسَدُ جَسَدُ غَيْرِهِ. وقِيلَ: أدْخَلُوا عَلَيْهِ واحِدًا لِيَقْتُلَهُ، فَأُلْقِيَ الشَّبَهُ عَلَيْهِ فَصُلِبَ، ونَقَصَ مِنَ العَدَدِ واحِدٌ. وكانُوا عَلِمُوا عَدَدَ الحَوارِيِّينَ؛ فَقالُوا: إنْ كانَ المَصْلُوبُ صاحِبَنا فَأيْنَ عِيسى ؟ وإنْ كانَ عِيسى فَأيْنَ صاحِبُنا ؟ وقِيلَ قالَ العَوامُّ: قَتَلْنا عِيسى، وقالَ مَن عايَنَ: رَفَعَهُ إلى السَّماءِ ما قُتِلَ، ولا صُلِبَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: واليَقِينُ الَّذِي صَحَّ فِيهِ نَقْلُ الكافَّةِ عَنْ حَواسِّها هو أنَّ شَخْصًا صُلِبَ، وهَلْ هو عِيسى أمْ لا ؟ فَلَيْسَ هو مِن عِلْمِ الحَوّاسِ؛ فَلِذَلِكَ لَمْ يَقَعْ في ذَلِكَ نَقْلٌ كافَّةً. والضَّمِيرُ في فِيهِ عائِدٌ عَلى القَتْلِ؛ مَعْناهُ: في قَتْلِهِ، وهَذا هو الظّاهِرُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، وما بَعْدَهُ. وقِيلَ الضَّمِيرُ في اخْتَلَفُوا عائِدٌ عَلى اليَهُودِ أيْضًا، واخْتِلافُهم فِيهِ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّهُ إلَهٌ. وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّهُ ابْنُ اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ اخْتِلافُهم فِيهِ أنَّ النَّسْطُورِيَّةَ قالُوا: وقَعَ الصَّلْبُ عَلى ناسُوتِهِ دُونَ لاهُوتِهِ. وقِيلَ وقَعَ القَتْلُ والصَّلْبُ عَلَيْهِما. وقِيلَ عائِدٌ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى؛ فَإنَّ اليَهُودَ قالُوا: هو ابْنُ زِنًا. وقالَتِ النَّصارى: هو ابْنُ اللَّهِ. وقِيلَ اخْتِلافُهم مِن جِهَةِ أنَّ النَّصارى قالُوا: إنَّ اليَهُودَ قَتَلَتْهُ وصَلَبَتْهُ واليَهُودُ الَّذِينَ عايَنُوا رَفْعَهُ قالُوا: رُفِعَ إلى السَّماءِ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّ ﴿إلّا اتِّباعَ الظَّنِّ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّ اتِّباعَ الظَّنِّ لَيْسَ مِن جِنْسِ العِلْمِ (p-٣٩١)أيْ ولَكِنَّ اتِّباعَ الظَّنِّ لَهم.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي ولَكِنَّهم يَتَّبِعُونَ الظَّنَّ، وهَذا تَفْسِيرُ مَعْنًى لا تَفْسِيرَ إعْرابٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ إذِ الظَّنُّ والعِلْمُ يَضُمُّهُما أنَّهُما مِن مُعْتَقَداتِ اليَقِينِ. وقَدْ يَقُولُ الظّانُّ عَلى طَرِيقِ التَّجَوُّزِ: عِلْمِي في هَذا الأمْرِ أنَّهُ كَذا، وهو يَعْنِي ظَنَّهُ، انْتَهى. ولَيْسَ كَما ذُكِرَ؛ لِأنَّ الظَّنَّ لَيْسَ مِن مُعْتَقَداتِ اليَقِينِ؛ لِأنَّهُ تَرْجِيحُ أحَدِ الجائِزَيْنِ؛ وما كانَ تَرْجِيحًا فَهو يُنافِي اليَقِينَ؛ كَما أنَّ اليَقِينَ يُنافِي تَرْجِيحَ أحَدِ الجائِزَيْنِ. وعَلى تَقْدِيرِ: أنَّ الظَّنَّ والعِلْمَ يَضُمُّهُما ما ذُكِرَ؛ فَلا يَكُونُ أيْضًا اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَسْتَثْنِ الظَّنَّ مِنَ العِلْمِ. فَلَيْسَتِ التِّلاوَةُ ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلّا الظَّنَّ؛ وإنَّما التِّلاوَةُ إلّا اتِّباعَ الظَّنِّ، والِاتِّباعُ لِلظَّنِّ لا يَضُمُّهُ والعِلْمُ جِنْسُ ما ذُكِرَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ. فَإنْ قُلْتَ: لِمَ وُصِفُوا بِالشَّكِّ، والشَّكُّ أنْ لا يَتَرَجَّحَ أحَدُ الجائِزَيْنِ ؟ ثُمَّ وُصِفُوا بِالظَّنِّ، والظَّنُّ أنْ يَتَرَجَّحَ أحَدُهُما؛ فَكَيْفَ يَكُونُونَ شاكِّينَ ظانِّينَ ؟ قُلْتُ: أُرِيدَ أنَّهم شاكُّونَ ما لَهم مِن عِلْمٍ قَطُّ، ولَكِنْ لاحَتْ لَهم أمارَةٌ فَظَنُّوا، انْتَهى. وهو جَوابُ سُؤالِهِ؛ ولَكِنْ يُقالُ: لا يَرِدُ هَذا السُّؤالُ؛ لِأنَّ العَرَبَ تُطْلِقُ الشَّكَّ عَلى ما لَمْ يَقَعْ فِيهِ القَطْعُ واليَقِينُ فَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ ما يَتَرَدَّدُ فِيهِ، إمّا عَلى السَّواءِ بِلا تَرْجِيحٍ، أوْ بِتَرْجِيحِ أحَدِ الطَّرَفَيْنِ. وإذا كانَ كَذَلِكَ انْدَفَعَ السُّؤالُ.
﴿وما قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ وجَماعَةٌ: الضَّمِيرُ في قَتَلُوهُ عائِدٌ عَلى الظَّنِّ. تَقُولُ: قَتَلْتُ هَذا الأمْرَ عِلْمًا إذا قَطَعْتَ بِهِ، وجَزَمْتَ الجَزْمَ الَّذِي لا يُخالِجُهُ شَيْءٌ؛ فالمَعْنى: وما صَحَّ ظَنُّهم عِنْدَهم، وما تَحَقَّقُوهُ يَقِينًا، ولا قَطَعُوا الظَّنَّ بِاليَقِينِ. وقالَ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ؛ الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى العِلْمِ؛ أيْ ما قَتَلُوا العِلْمَ يَقِينًا. يُقالُ: قَتَلْتُ العِلْمَ والرَّأْيَ يَقِينًا وقَتَلْتُهُ عِلْمًا؛ لِأنَّ القَتْلَ لِلشَّيْءِ يَكُونُ عَنْ قَهْرٍ واسْتِعْلاءٍ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ لَمْ يَكُنْ عِلْمُهم بِقَتْلِ المَسِيحِ عِلْمًا أُحِيطَ بِهِ؛ إنَّما كانَ ظَنًّا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ تَهَكُّمٌ؛ لِأنَّ (إذا) نُفِيَ عَنْهُمُ العِلْمُ نَفْيًا كُلِّيًا بِحَرْفِ الِاسْتِغْراقِ ثُمَّ قِيلَ، وما عَلِمُوهُ عِلْمَ يَقِينٍ وإحاطَةٍ لَمْ يَكُنْ إلّا تَهَكُّمًا، انْتَهى. والظّاهِرُ قَوْلُ الجُمْهُورِ: إنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلى عِيسى بِجَعْلِ الضَّمائِرِ كُلِّها كَشَيْءٍ واحِدٍ، فَلا تَخْتَلِفُ. والمَعْنى صَحِيحٌ بَلِيغٌ، وانْتِصابُ (يَقِينًا) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ (قَتَلُوهُ)؛ أيْ مُتَيَقِّنِينَ أنَّهُ عِيسى كَما ادَّعَوْا ذَلِكَ في قَوْلِهِمْ: إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ؛ قالَهُ السُّدِّيُّ. أوْ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ قَتْلًا يَقِينًا جَوَّزَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ الحَسَنُ: وما قَتَلُوهُ حَقًّا، انْتَهى. فانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ كَقَوْلِكَ: وما قَتَلُوهُ حَقًّا؛ أيْ حَقَّ انْتِفاءِ قَتْلِهِ حَقًّا. وما حُكِيَ عَنِ ابْنِ الأنْبارِيِّ أنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا وأنَّ (يَقِينًا) مَنصُوبٌ بِـ ﴿رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾ والمَعْنى: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ يَقِينًا؛ فَلَعَلَّهُ لا يَصِحُّ عَنْهُ. وقَدْ نَصَّ الخَلِيلُ عَلى أنَّ ذَلِكَ خَطَأٌ؛ لِأنَّهُ لا يَعْمَلُ ما بَعْدَ (بَلْ) في ما قَبْلَها.
﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾ هَذا إبْطالٌ لِما ادَّعَوْهُ مِن قَتْلِهِ وصَلْبِهِ، وهو حَيٌّ في السَّماءِ الثّانِيَةِ عَلى ما صَحَّ عَنِ الرَّسُولِ في حَدِيثِ المِعْراجِ. وهو هُنالِكَ مُقِيمٌ حَتّى يُنْزِلَهُ اللَّهُ إلى الأرْضِ لِقَتْلِ الدَّجّالِ، ولِيَمْلَأها عَدْلًا كَما مُلِئَتْ جَوْرًا، ويَحْيا فِيها أرْبَعِينَ سَنَةً ثُمَّ يَمُوتُ كَما تَمُوتُ البَشَرُ. وقالَ قَتادَةُ: رَفَعَ اللَّهُ عِيسى إلَيْهِ فَكَساهُ الرِّيشَ وألْبَسَهُ النُّورَ، وقَطَعَ عَنْهُ الطَّعامَ والشَّرابَ؛ فَصارَ مَعَ المَلائِكَةِ؛ فَهو مَعَهم حَوْلَ العَرْشِ؛ فَصارَ إنْسِيًّا مَلَكِيًّا سَماوِيًّا أرْضِيًّا.
والضَّمِيرُ في إلَيْهِ عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى عَلى حَذْفِ التَّقْدِيرِ إلى سَمائِهِ، وقَدْ جاءَ ﴿ورافِعُكَ إلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] . وقِيلَ إلى حَيْثُ لا حُكْمَ فِيهِ إلّا لَهُ. ولا يُوَجَّهُ الدُّعاءُ إلّا نَحْوَهُ، وهو راجِعٌ إلى الأوَّلِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: أعْلَمَ اللَّهُ تَعالى عَقِيبَ ذِكْرِهِ أنَّهُ وصَلَ إلى عِيسى أنْواعٌ مِنَ البَلايا أنَّهُ رَفَعَهُ إلَيْهِ فَدَلَّ أنَّ رَفْعَهُ إلَيْهِ أعْظَمُ في إيصالِ الثَّوابِ مِنَ الجَنَّةِ، ومِن كُلِّ ما فِيها مِنَ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ؛ وهَذِهِ الآيَةُ تَفْتَحُ عَلَيْكَ بابَ مَعْرِفَةِ السِّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ، انْتَهى. وفِيهِ نَحْوٌ (p-٣٩٢)مِن كَلامِ المُتَفَلْسِفَةِ.
(وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) . قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: المُرادُ مِنَ المَعَزَّةِ كَمالُ القُدْرَةِ، ومِنَ الحِكْمَةِ كَمالُ العِلْمِ؛ فَنَبَّهَ بِهَذا عَلى أنَّ رَفْعَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الدُّنْيا إلى السَّماواتِ وإنْ كانَ كالمُتَعَذَّرِ عَلى البَشَرِ، لَكِنْ لا تُعْذَرُ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِي وحِكْمَتِي، انْتَهى. وقالَ غَيْرُهُ: عَزِيزًا أيْ قَوِيًّا بِالنِّقْمَةِ مِنَ اليَهُودِ؛ فَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ بُطْرُسَ الرُّومِيّ فَقَتَلَ مِنهم مَقْتَلَةً عَظِيمَةً. حَكِيمًا حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِاللَّعْنَةِ والغَضَبِ. وقِيلَ: عَزِيزًا؛ أيْ: لا يُغالَبُ؛ لِأنَّ اليَهُودَ حاوَلَتْ بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أمْرًا وأرادَ اللَّهُ خِلافَهُ. حَكِيمًا أيْ: واضِعَ الأشْياءِ مَواضِعَها؛ فَمِن حَكَمَتِهِ تَخْلِيصُهُ مِنَ اليَهُودِ، ورَفْعُهُ إلى السَّماءِ لِما يُرِيدُ وتَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ تَعالى. وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: أوْحى اللَّهُ تَعالى إلى عِيسى عَلى رَأْسِ ثَلاثِينَ سَنَةً، ثُمَّ رَفَعَهُ وهو ابْنُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً؛ فَكانَتْ نُبُوَّتُهُ ثَلاثَ سِنِينَ. وقِيلَ: بَعَثَ اللَّهُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأدْخَلَهُ خَوْخَةً فِيها رَوْزَنَةٌ في سَقْفِها؛ فَرَفَعَهُ اللَّهُ تَعالى إلى السَّماءِ مِن تِلْكَ الرَّوْزَنَةِ.
﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ . إنْ: هُنا نافِيَةٌ، والمُخْبَرُ عَنْهُ مَحْذُوفٌ قامَتْ صِفَتُهُ مَقامَهُ، التَّقْدِيرُ: وما أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ. كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] والمَعْنى: وما مِنَ اليَهُودِ. وقَوْلُهُ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] أيْ: وما أحَدٌ مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ، وما أحَدٌ مِنكم إلّا وارِدُها. قالَ الزَّجّاجُ: وحُذِفَ (أحَدٌ) لِأنَّهُ مَطْلُوبٌ في كُلِّ نَفْيٍ يَدْخُلُهُ الِاسْتِثْناءُ نَحْوَ: ما قامَ إلّا زَيْدٌ، مَعْناهُ ما قامَ أحَدٌ إلّا زَيْدٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ جُمْلَةٌ قَسَمِيَّةٌ واقِعَةٌ صِفَةً لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ؛ تَقْدِيرُهُ: وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ أحَدٌ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ، ونَحْوُهُ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤]، ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] . والمَعْنى: وما مِنَ اليَهُودِ أحَدٌ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ، انْتَهى.
وهُوَ غَلَطٌ فاحِشٌ إذْ زَعَمَ أنَّ ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ جُمْلَةٌ قَسَمِيَّةٌ واقِعَةٌ صِفَةً لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ إلى آخِرِهِ، وصِفَةُ (أحَدٌ) المَحْذُوفِ إنَّما هو الجارُّ والمَجْرُورُ وهو (مِن أهْلِ الكِتابِ)، والتَّقْدِيرُ كَما ذَكَرْناهُ: وإنْ أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾؛ فَلَيْسَتْ صِفَةً لِمَوْصُوفٍ، ولا هي جُمْلَةٌ قَسَمِيَّةٌ كَما زَعَمَ؛ إنَّما هي جُمْلَةُ جَوابِ القَسَمِ، والقَسَمُ مَحْذُوفٌ، والقَسَمُ وجَوابُهُ في مَوْضِعِ رَفْعِ خَبَرِ المُبْتَدَأِ الَّذِي هو (أحَدٌ) المَحْذُوفُ؛ إذْ لا يَنْتَظِمُ مِن أحَدٍ والمَجْرُورِ إسْنادٌ؛ لِأنَّهُ لا يُفِيدُ؛ وإنَّما يَنْتَظِمُ الإسْنادُ بِالجُمْلَةِ القَسَمِيَّةِ وجَوابِها؛ فَذَلِكَ هو مَحَطُّ الفائِدَةِ وكَذَلِكَ أيْضًا الخَبَرُ هو ﴿إلّا لَهُ مَقامٌ﴾ [الصافات: ١٦٤]، وكَذَلِكَ إلّا وارِدُها؛ إذْ لا يَنْتَظِمُ مِمّا قَبْلَ إلّا تَرْكِيبٌ إسْنادِيٌّ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَيْنِ في: بِهِ ومَوْتِهِ عائِدانِ عَلى عِيسى وهو سِياقُ الكَلامِ، والمَعْنى: مِن أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ يَكُونُونَ في زَمانِ نُزُولِهِ.
رُوِيَ أنَّهُ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ في آخِرِ الزَّمانِ؛ فَلا يَبْقى أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ إلّا يُؤْمِنُ بِهِ؛ حَتّى تَكُونَ المِلَّةُ واحِدَةً وهي مِلَّةُ الإسْلامِ؛ قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وأبُو مالِكٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وعِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ والحَسَنُ أيْضًا ومُجاهِدٌ وغَيْرُهم: الضَّمِيرُ في بِهِ لِعِيسى، وفي مَوْتِهِ لِكِتابِيٍّ وقالُوا: ولَيْسَ يَمُوتُ يَهُودِيٌّ حَتّى يُؤْمِنَ بِعِيسى ويَعْلَمَ أنَّهُ نَبِيٌّ؛ ولَكِنْ عِنْدَ المُعايَنَةِ لِلْمَوْتِ فَهو إيمانٌ لا (p-٣٩٣)يَنْفَعُهُ كَما لَمْ يَنْفَعْ فِرْعَوْنَ إيمانُهُ وقْتَ المُعايَنَةِ. وبَدَأ بِما يُشْبِهُ هَذا لِقَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ. قالَ: والمَعْنى ما مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى أحَدٌ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ قَبْلَ مَوْتِهِ بِعِيسى، وبِأنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ ؟ يَعْنِي: إذا عايَنَ قَبْلَ أنْ تَزْهَقَ رُوحُهُ حِينَ لا يَنْفَعُهُ إيمانُهُ لِانْقِطاعِ وقْتِ التَّكْلِيفِ. ثُمَّ حُكِيَ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ والحَجّاجِ حِكايَةٌ فِيها طُولٌ يَمَسُّ بِالتَّفْسِيرِ مِنها: أنَّ اليَهُودِيَّ إذا حَضَرَهُ المَوْتُ ضَرَبَتِ المَلائِكَةُ دُبُرَهُ ووَجْهَهُ وقالُوا: يا عَدُوَّ اللَّهِ أتاكَ عِيسى نَبِيًّا فَكَذَّبْتَ بِهِ؛ فَيَقُولُ: آمَنتُ أنَّهُ نَبِيٌّ. وتَقُولُ لِلنَّصْرانِيِّ: أتاكَ عِيسى نَبِيًّا فَزَعَمْتَ أنَّهُ اللَّهُ أوِ ابْنُ اللَّهِ؛ فَيَقُولُ: آمَنتُ أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ حَيْثُ لا يَنْفَعُهُ إيمانُهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ فَسَّرَهُ كَذَلِكَ؛ فَقالَ لَهُ عِكْرِمَةُ: فَإنْ أتاهُ رَجُلٌ فَضَرَبَ عُنُقَهُ ؟ قالَ: لا تَخْرُجُ نَفْسُهُ حَتّى يُحَرِّكَ بِها شَفَتَيْهِ. قالَ: وإنْ خَرَجَ فَوْقَ بَيْتٍ أوِ احْتَرَقَ أوْ أكَلَهُ سَبُعٌ ؟ قالَ: يَتَكَلَّمُ بِها في الهَوى، ولا تَخْرُجُ رُوحُهُ حَتّى يُؤْمِنَ بِهِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ: ”إلّا لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِمْ“ بِضَمِّ النُّونِ عَلى مَعْنى: وإنْ مِنهم أحَدٌ إلّا سَيُؤْمِنُونَ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِمْ؛ لِأنَّ أحَدًا يَصْلُحُ لِلْجَمْعِ. فَإنْ قُلْتَ: فَما فائِدَةُ الإخْبارِ بِإيمانِهِمْ بِعِيسى قَبْلَ مَوْتِهِمْ ؟ قُلْتُ: فائِدَتُهُ الوَعِيدُ، ولْيَكُنْ عِلْمُهم بِأنَّهم لا بُدَّ لَهم مِنَ الإيمانِ بِهِ عَنْ قَرِيبٍ عِنْدَ المُعايَنَةِ، وأنَّ ذَلِكَ لا يَنْفَعُهم بَعْثًا لَهم وتَنْبِيهًا عَلى مُعالَجَةِ الإيمانِ بِهِ في أوانِ الِانْتِفاعِ بِهِ، ولِيَكُونَ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ لَهم.
وكَذَلِكَ قَوْلُهُ.
﴿ويَوْمَ القِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ يَشْهَدُ عَلى اليَهُودِ بِأنَّهم كَذَّبُوهُ، وعَلى النَّصارى بِأنَّهم دَعَوْهُ ابْنَ اللَّهِ، انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ أيْضًا: ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ أنَّهُ لا يَبْقى أحَدٌ مِن جَمِيعِ أهْلِ الكِتابِ إلّا لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ، عَلى أنَّ اللَّهَ يُحْيِيهِمْ في قُبُورِهِمْ في ذَلِكَ الزَّمانِ ويُعْلِمُهم نُزُولَهُ وما نَزَلَ لَهُ، ويُؤْمِنُونَ بِهِ حِينَ لا يَنْفَعُهم إيمانُهم، انْتَهى. وقالَ عِكْرِمَةُ: الضَّمِيرُ في بِهِ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وفي مَوْتِهِ لِلْكِتابِيِّ. قالَ: ولَيْسَ يَخْرُجُ يَهُودِيٌّ ولا نَصْرانِيٌّ مِنَ الدُّنْيا حَتّى يُؤْمِنَ بِمُحَمَّدٍ، ولَوْ غَرِقَ أوْ سَقَطَ عَلَيْهِ جِدارٌ؛ فَإنَّهُ يُؤْمِنُ في ذَلِكَ الوَقْتِ. وقِيلَ: يَعُودُ في بِهِ عَلى اللَّهِ، وفي مَوْتِهِ عَلى أحَدٍ المُقَدَّرِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إذا نَزَلَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِقَتْلِ الدَّجّالِ لَمْ يَبْقَ يَهُودِيٌّ ولا نَصْرانِيٌّ إلّا آمَنَ بِاللَّهِ حِينَ يَرَوْنَ قَتْلَ الدَّجّالِ، وتَصِيرُ الأُمَمُ كُلُّها واحِدَةً عَلى مِلَّةِ الإسْلامِ، ويُعْزى هَذا القَوْلُ أيْضًا إلى ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ.
وقالَ العَبّاسُ بْنُ غَزْوانَ: وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ بِتَشْدِيدِ النُّونِ، وهي قِراءَةٌ عَسِرَةُ التَّخْرِيجِ، ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ أيْ: شَهِيدًا عَلى أهْلِ الكِتابِ عَلى اليَهُودِ بِتَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ وطَعْنِهِمْ فِيهِ، وعَلى النَّصارى بِجَعْلِهِمْ إيّاهُ إلاهًا مَعَ اللَّهِ أوِ ابْنًا لَهُ، والضَّمِيرُ في يَكُونُ لِعِيسى. وقالَ عِكْرِمَةُ: لِمُحَمَّدٍ ﷺ . قِيلَ: وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ أنْواعًا مِنَ الفَصاحَةِ والبَدِيعِ؛ فَمِنها التَّجْنِيسُ المُغايِرُ في: (يُخادِعُونَ) و(خادِعُهم)، و(شَكَرْتُمْ) و(شاكِرًا) . والمُماثِلُ في: (وإذا قامُوا) . والتَّكْرارُ في اسْمِ اللَّهِ، وفي: (هَؤُلاءِ) و(هَؤُلاءِ)، وفي: و(يَرَوْنَ) و(يُرِيدُونَ)، وفي: (الكافِرِينَ) و(الكافِرِينَ)، وفي: (أهْلِ الكِتابِ) و(كِتابًا)، وفي: (بِمِيثاقِهِمْ) و(مِيثاقًا) . والطِّباقُ في: الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ، وفي: (إنْ تَبْدُوا) أوْ (تُخْفُوهُ)، وفي: (نُؤْمِنُ) و(نَكْفُرُ)، والِاخْتِصاصُ في: (إلى الصَّلاةِ)، وفي: ﴿الدَّرْكِ الأسْفَلِ﴾ [النساء: ١٤٥]، وفي: ﴿الجَهْرَ بِالسُّوءِ﴾ [النساء: ١٤٨] . والإشارَةُ في مَواضِعَ الِاسْتِعارَةِ في ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] اسْتَعارَ اسْمَ الخِداعِ لِلْمُجازاةِ وفي (سَبِيلًا)، وفي (سُلْطانًا) لِقِيامِ الحُجَّةِ و﴿الدَّرْكِ الأسْفَلِ﴾ [النساء: ١٤٥] لِانْخِفاضِ طَبَقاتِهِمْ في النّارِ، و(اعْتَصِمُوا) لِلِالتِجاءِ، وفي: ﴿أنْ يُفَرِّقُوا﴾، وفي: ﴿ولَمْ يُفَرِّقُوا﴾ وهو حَقِيقَةٌ في الأجْسامِ اسْتُعِيرَ لِلْمَعانِي، وفي (سُلْطانًا) اسْتُعِيرَ لِلْحُجَّةِ، وفي: (غُلْفٌ) و﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ﴾ . وزِيادَةُ الحَرْفِ لِمَعْنى في (فَبِما نَقْضِهِمْ) .
وإسْنادُ الفِعْلِ إلى غَيْرِ فاعِلِهِ في: فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ وجاءَتْهُمُ البَيِّناتُ وإلى الرّاضِي بِهِ وفي: وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ، وفي: ﴿وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا﴾، ﴿وقَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ﴾ . وحُسْنُ النَّسَقِ في: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم، والمَعاطِيفِ (p-٣٩٤)عَلَيْهِ حَيْثُ نُسِّقَتْ بِالواوِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى الجَمِيعِ فَقَطْ. وبَيْنَ هَذِهِ الأشْياءِ أعْصارٌ مُتَباعِدَةٌ فَشَرَكَ أوائِلَهم وأواخِرَهم لِعَمَلِ أُولَئِكَ ورِضا هَؤُلاءِ. وإطْلاقُ اسْمِ كُلٍّ عَلى بَعْضٍ وفي: كُفْرِهم بِآياتِ اللَّهِ وهو القُرْآنُ والإنْجِيلُ ولَمْ يَكْفُرُوا بِشَيْءٍ مِنَ الكُتُبِ إلّا بِهِما وفي قَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا ولَمْ يَقُلْ ذَلِكَ إلّا بَعْضُهم. والتَّعْرِيضُ في رَسُولِ اللَّهِ إذا قُلْنا إنَّهُ مِن كَلامِهِمْ. والتَّوْجِيهُ في غُلْفٌ مِنَ احْتِمالِ المَصْدَرِ جَمْعُ غِلافٍ أوْ جَمْعُ أغْلُفٍ. وعَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ وهو في ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ عَلى مَن جَعَلَهُما لِغَيْرِ عِيسى. والنَّقْلُ مِن صِيغَةِ فاعِلٍ إلى فَعِيلٍ في شَهِيدٍ. والحَذْفُ في مَواضِعَ.
النساء 4:159
﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ والنَّصارى، آمَنَتِ اليَهُودُ بِمُوسى والتَّوْراةِ، وكَفَرَتْ بِعِيسى، ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَّلامُ، وآمَنَتِ النَّصارى بِعِيسى والإنْجِيلِ، وكَفَرَتْ بِمُحَمَّدٍ والقُرْآنِ. وقِيلَ نَزَلَتْ في اليَهُودِ خاصَّةً، آمَنُوا بِمُوسى وعُزَيْرٍ والتَّوْراةِ، وكَفَرُوا بِعِيسى والإنْجِيلِ، ومُحَمَّدٍ والقُرْآنِ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها: أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ ما عَلَيْهِ المُنافِقُونَ مِن سُوءِ الخَلِيقَةِ ومَذْمُومِ الطَّرِيقَةِ أخَذَ في الكَلامِ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى؛ جَعَلَ كُفْرَهم بِبَعْضِ الرُّسُلِ كُفْرًا بِجَمِيعِ الرُّسُلِ، وكُفْرَهم بِالرُّسُلِ كُفْرًا بِاللَّهِ تَعالى.
﴿ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ﴾؛ أيْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الإيمانِ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ يَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِاللَّهِ، ولا نُؤْمِنُ بِفُلانٍ وفُلانٍ مِنَ الأنْبِياءِ.
﴿ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ يَعْنِي مِنَ الأنْبِياءِ. وقِيلَ هو تَصْدِيقُ اليَهُودِ بِمُحَمَّد أنَّهُ نَبِيٌّ؛ ولَكِنْ لَيْسَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ. ونَحْوُ هَذا مِن تَفَرُّقاتِهِمُ الَّتِي كانَتْ تَعَنُّتًا، ورَوَغانًا.
﴿ويُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾؛ أيْ طَرِيقًا وسَطًا بَيْنَ الكُفْرِ والإيمانِ، ولا واسِطَةَ بَيْنَهُما.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ حَقًّا﴾ أكَّدَ بِقَوْلِهِ هم، لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ ذَلِكَ الإيمانَ يَنْفَعُهم. وأكَّدَ بِقَوْلِهِ: حَقًّا، وهو تَأْكِيدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ، كَما تَقُولُ: هَذا عَبْدُ اللَّهِ حَقًّا؛ أيْ حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا. أوْ هو نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ كُفْرًا حَقًّا؛ أيْ ثابِتًا يَقِينًا لا شَكَّ فِيهِ. أوْ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ لِذَلِكَ نَظائِرُ، وقَدْ طَعَنَ الواحِدِيُّ في هَذا التَّوْجِيهِ، وقالَ: الكُفْرُ لا يَكُونُ حَقًّا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ولا يَلْزَمُ ما قالَ إنَّهُ لا يُرادُ بِحَقًّا الحَقُّ الَّذِي هو مُقابِلٌ لِلْباطِلِ؛ وإنَّما المَعْنى أنَّهُ كُفْرٌ ثابِتٌ مُتَيَقَّنٌ؛ وإنَّما كانَ التَّوْكِيدُ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ داعِيَ الإيمانِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الأنْبِياءِ، (p-٣٨٦)وهُوَ ظُهُورُ المُعْجِزاتِ عَلى أيْدِيهِمْ؛ فَكَوْنُهم فَرَّقُوا في الإيمانِ بَيْنَهم دَلِيلٌ عَلى كُفْرِهِمْ بِالجَمِيعِ؛ إذْ لَيْسَ إيمانُهم بِبَعْضٍ ناشِئًا عَنِ النَّظَرِ في الدَّلِيلِ؛ وإنَّما هم عَلى سَبِيلِ التَّشَهِّي والتَّلاعُبِ.
(وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا) هَذا وعِيدٌ لَهم بِالإهانَةِ في العَذابِ.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ هَؤُلاءِ هُمُ المُؤْمِنُونَ أتْباعُ مُحَمَّدٍ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى دُخُولِ (بَيْنَ) عَلى (أحَدٍ) في البَقَرَةِ. في قَوْلِهِ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا.
(أُولَئِكَ سَوْفَ نُؤْتِيهِمْ أُجُورَهم) صَرَّحَ تَعالى بِوَعْدِ هَؤُلاءِ كَما صَرَّحَ بِوَعِيدِ أُولَئِكَ. وقَرَأ حَفْصٌ: يُؤْتِيهِمْ بِالياءِ لِيَعُودَ عَلى اسْمِ اللَّهِ قَبْلَهُ. وقَرَأ الباقُونَ: بِالنُّونِ عَلى الِالتِفاتِ ومُقابِلُهُ (وأعْتَدْنا) . وقَوْلُ أبِي عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيِّ: قِراءَةُ النُّونِ أوْلى مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أنْهَمُ، والآخَرُ: أنَّهُ مَشاكِلٌ لِقَوْلِهِ: وأعْتَدْنا؛ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، ولا أوْلَوِيَّةَ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ القِراءَتَيْنِ كِلْتاهُما مُتَواتِرَةٌ، هَكَذا نَزَلَتْ، وهَكَذا أُنْزِلَتْ.
(وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) لَمّا وعَدَهم تَعالى بِالثَّوابِ زادَهم تَبْشِيرًا لِتَجاوُزٍ عَنِ السَّيِّئاتِ، وبِرَحْمَتِهِ إيّاهم.
﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: قالَتِ اليَهُودُ: إنْ كُنْتَ صادِقًا فَجِئْ بِكِتابٍ مِنَ السَّماءِ جُمْلَةً، كَما جاءَ مُوسى بِالكِتابِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: قالُوا: ائْتِ بِألْواحٍ فِيها كِتابُكَ، كَما أتى مُوسى بِألْواحٍ فِيها التَّوْراةُ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: سَألُوهُ أنْ يَأْتِيَ بِكِتابٍ خاصٍّ لِلْيَهُودِ يَأْمُرُهم بِالإيمانِ بِمُحَمَّدٍ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قالُوا: لَنْ نُتابِعَكَ عَلى ما تَدْعُونا إلَيْهِ، حَتّى تَأْتِيَنا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ إلى فُلانٍ وإلى فُلانٍ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ؛ فَعَلى قَوْلِ ابْنِ جُرَيْجٍ يَقْتَضِي أنَّ سُؤالَهم كانَ عَلى نَحْوِ سُؤالِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمَيَّةَ الزُّهْرِيِّ، وقِيلَ كِتابًا نُعايِنُهُ حَتّى يَنْزِلَ، وسَمّى مِن سائِلِي اليَهُودِ: كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ، وفِنْخاصَ بْنَ عازُوراءَ. وقِيلَ السّائِلُونَ هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، وسُؤالُهم إنَّما هو عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ. وقالَ الحَسَنُ: لَوْ سَألُوهُ لِكَيْ يَتَبَيَّنَ الحَقُّ لَأعْطاهم؛ فَإنَّ فِيما أعْطاكم كِفايَةً.
﴿فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقالُوا أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ قَدَّرُوا قَبْلَ هَذا كَلامًا مَحْذُوفًا؛ فَجَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ شَرْطًا هَذا جَوابُهُ، وتَقْدِيرُهُ: إنِ اسْتَكْبَرْتَ ما سَألُوهُ مِنكَ؛ فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ. وقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَلا تُبالِ يا مُحَمَّدُ عَنْ سُؤالِهِمْ وتَشْطِيطِهِمْ؛ فَإنَّها عادَتُهم؛ فَقَدْ سَألُوا مُوسى. وأسْنَدَ السُّؤالَ إلَيْهِمْ، وإنْ كانَ إنَّما وقَعَ مِن آبائِهِمْ مِن نُقَبائِهِمُ السَبْعِينَ؛ لِأنَّهم راضُونَ بِفِعْلِ آبائِهِمْ ومَذاهِبِهِمْ، ومُشابِهُونَ لَهم في التَّعَنُّتِ. وقَرَأ الحَسَنُ: أكْثَرَ بِالثّاءِ المُثَلَّثَةِ بَدَلَ الباءِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ. ومَعْنى جَهْرَةً: عِيانًا رُؤْيَةً (p-٣٨٧)مُنْكَشِفَةً بَيِّنَةً. والجَهْرَةُ مِن وصْفِ الرُّؤْيَةِ. واخْتُلِفَ في النَّقْلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَرُوِيَ عَنْهُ: أنَّ جَهْرَةً مِن صِفَةِ السُّؤالِ؛ فَقَدْ سَألُوا مُوسى. أوْ حالًا مِن ضَمِيرِ سَألُوا أيْ سَألُوهُ مُجاهِرِينَ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّ التَّقْدِيرَ: فَقالُوا جَهْرَةً مِنهُ، وتَصْرِيحًا أرِنا اللَّهَ؛ فَيَكُونُ مِن صِفَةِ القَوْلِ.
﴿فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ أيْ تَعَنُّتِهِمْ، وسُؤالِهِمْ ما لَيْسَ لَهم أنْ يَسْألُوهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِظُلْمِهِمْ بِسَبَبِ سُؤالِهِمُ الرُّؤْيَةَ، ولَوْ طَلَبُوا أمْرًا جائِزًا لَما سُمُّوا ظالِمِينَ، ولَما أخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ. كَما سَألَ إبْراهِيم عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُرِيَهُ إحْياءَ المَوْتى فَلَمْ يُسَمِّهِ ظالِمًا، ولا رَماهُ بِالصّاعِقَةِ لِلْمُشَبِّهَةِ، ورَمْيًا بِالصَّواعِقِ، انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ في اسْتِحالَةِ رُؤْيَةِ اللَّهِ عِنْدَهم. وأهْلُ السُّنَّةِ يَعْتَقِدُونَ أنَّهم لَمْ يَسْألُوا مُحالًا عَقْلًا، لَكِنَّهُ مُمْتَنِعٌ مِن جِهَةِ الشَّرْعِ؛ إذْ قَدْ أخْبَرَ تَعالى عَلى ألْسِنَةِ أنْبِيائِهِ، أنَّهُ لا يُرى في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا والرُّؤْيَةُ في الآخِرَةِ ثابِتَةٌ عَنِ الرَّسُولِ بِالتَّواتُرِ، وهي جائِزَةٌ عَقْلًا، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في البَقَرَةِ عَلى الصّاعِقَةِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ والنَّخَعِيُّ: (فَأخَذَتْهُمُ الصَّعْقَةُ)، والجُمْهُورُ (الصّاعِقَةُ) .
﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا العِجْلَ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ﴾ ثُمَّ: لِلتَّرْتِيبِ في الأخْبارِ، لا في نَفْسِ الأمْرِ، ثُمَّ قَدْ كانَ مِن أمْرِهِمْ أنِ اتَّخَذُوا العِجْلَ؛ أيْ آباؤُهم والَّذِينَ صُعِقُوا غَيْرُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ. والبَيِّناتُ: إجازَةُ البَحْرِ والعَصا، وغَرَقُ فِرْعَوْنَ، وغَيْرُ ذَلِكَ. وقالَ الحَوْفِيُّ: أعْلَمَ نَبِيَّهُ بِعِنادِهِمْ، وإصْرارِهِمْ؛ فالمَعْنى: أنَّهُ لَوْ نَزَلَ عَلَيْهِمُ الَّذِي سَألُوا لَخالَفُوا أمْرَ اللَّهِ، كَما خالَفُوهُ مِن بَعْدِ إحْياءِ اللَّهِ لَهم مِن صَعْقَتِهِمْ، وعَبَدُوا العِجْلَ، واتَّخَذُوهُ إلَهًا.
﴿فَعَفَوْنا عَنْ ذَلِكَ﴾؛ أيْ عَنِ اتِّخاذِهِمُ العِجْلَ إلَهًا عَنْ جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِن مُخالَفَتِهِمْ. والأوَّلُ أظْهَرُ؛ لِأنَّهُ قَدْ صَرَّحَ في قِصَّةِ العِجْلِ بِالتَّوْبَةِ. ويَعْنِي: بِما امْتَحَنَهم بِهِ مِنَ القَتْلِ لِأنْفُسِهِمْ، ثُمَّ وقَعَ العَفْوُ عَنِ الباقِينَ مِنهم.
﴿وآتَيْنا مُوسى سُلْطانًا مُبِينًا﴾؛ أيْ حُجَّةً وتَسَلُّطًا، واسْتِيلاءً ظاهِرًا عَلَيْهِمْ، حِينَ أمَرَهم بِأنْ يَقْتُلُوا أنْفُسَهم حَتّى يُتابَ عَلَيْهِمْ؛ فَأطاعُوهُ واحْتَبَوْا بِأفْنِيَتِهِمْ والسُّيُوفُ تَتَساقَطُ عَلَيْهِمْ، فَيا لَهُ مِن سُلْطانٍ مُبِينٍ.
﴿ورَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ﴾ تَقَدَّمَ ما المَعْنِيُّ بِالطُّورِ. وفي الشّامِ جَبَلٌ عُرِفَ بِالطُّورِ، ولَزِمَهُ هَذا الِاسْمُ، وهو طُورٌ بِسَيْناءَ. ولَيْسَ هو المَرْفُوعَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ؛ لِأنَّ رَفْعَ الجَبَلِ كانَ فِيما يَلِي التِّيهَ مِن جِهَةِ دِيارِ مِصْرَ، وهم ناهِضُونَ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وتَقَدَّمَتْ قِصَّةُ رَفْعِ الطُّورِ في البَقَرَةِ. والباءُ في بِمِيثاقِهِمْ لِلسَّبَبِ، وهو العَهْدُ الَّذِي أخَذَهُ مُوسى عَلَيْهِمْ بَعْدَ تَصْدِيقِهِمْ بِالتَّوْراةِ أنْ يَعْمَلُوا بِما فِيها؛ فَنَقَضُوا مِيثاقَهم، وعَبَدُوا العِجْلَ، فَرَفَعَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الطُّورَ. وفي كَلامٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: بِنَقْضِ مِيثاقِهِمْ.
(p-٣٨٨)﴿وقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في البَقَرَةِ.
﴿وقُلْنا لَهم لا تَعْدُوا في السَّبْتِ﴾ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عِنْدَ اعْتِدائِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ﴾ [البقرة: ٦٥] . وقَرَأ ورْشٌ لا تَعَدُّوا بِفَتْحِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الدّالِ عَلى أنَّ الأصْلَ تَعْتَدُوا، فَأُلْقِيَتْ حَرَكَةُ التّاءِ عَلى العَيْنِ، وأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ. وقَرَأ قالُونُ: بِإخْفاءِ حَرَكَةِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الدّالِ، والنَّصُّ بِالإسْكانِ. وأصْلُهُ أيْضًا لا تَعْتَدُوا. وقَرَأ الباقُونَ مِنَ السَّبْعَةِ: لا تَعْدُوا بِإسْكانِ العَيْنِ، وتَخْفِيفِ الدّالِ مِن عَدا يَعْدُو. وقالَ تَعالى: ﴿إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ﴾ [الأعراف: ١٦٣]، وقَرَأ الأعْمَشُ والأخْفَشُ: لا تَعْتَدُوا مِنَ اعْتَدى.
(وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا) قِيلَ هو المِيثاقُ الأوَّلُ في قَوْلِهِ: (بِمِيثاقِهِمْ)، ووُصِفَ بِالغِلَظِ لِلتَّأْكِيدِ، وهو المَأْخُوذُ عَلى لِسانِ مُوسى وهارُونَ أنْ يَأْخُذُوا التَّوْراةَ بِقُوَّةٍ، ويَعْمَلُوا بِجَمِيعِ ما فِيها، ويُوصِلُوهُ إلى أبْنائِهِمْ. وقِيلَ: هَذا المِيثاقُ غَيْرُ الأوَّلِ، وهو المِيثاقُ الثّانِي الَّذِي أُخِذَ عَلى أنْبِيائِهِمْ بِالتَّصْدِيقِ بِمُحَمَّدٍ والإيمانِ بِهِ، وهو المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ﴾ [آل عمران: ٨١] الآيَةَ.
﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم وكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ فِيما لَخَّصْناهُ مِن كَلامِهِ، هَذا إخْبارٌ عَنْ أشْياءَ واقَعُوها في الضِّدِّ مِمّا أُخِذُوا بِهِ، نَقَضُوا المِيثاقَ الَّذِي رُفِعَ عَلَيْهِمُ الطُّورُ بِسَبَبِهِ، وجَعَلُوا بَدَلَ الإيمانِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الأمْرُ بِدُخُولِ البابِ سُجَّدًا المُتَضَمِّنُ التَّواضُعَ الَّذِي هو ثَمَرَةُ الإيمانِ كُفْرَهم بِآياتِ اللَّهِ، وبَذْلِ الطّاعَةِ، وامْتِثالِ مُوافَقَتِهِ في أنْ لا يَعْدُوا في السَّبْتِ انْتِهاكَ أعْظَمِ الحُرُمِ، وهو قَتْلُ الأنْبِياءِ. وقابَلُوا أخْذَ المِيثاقِ الغَلِيظِ بِتَجاهُلِهِمْ، وقَوْلِهِمْ: قُلُوبُنا غُلْفٌ أيْ في حُجُبٍ وغُلُفٍ: فَهي لا تَفْهَمُ. وأضْرَبَ اللَّهُ تَعالى عَنْ قَوْلِهِمْ وكَذِبِهِمْ، وأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ قَدْ طَبَعَ عَلَيْها بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، انْتَهى. والمِيثاقُ المَنقُوضُ: أهُوَ كِتْمانُهم صِفَةَ الرَّسُولِ، وتَكْذِيبُهُ فِيما جاءَ بِهِ ؟ أوْ تَرْكُهُمُ العَمَلَ بِما في كِتابِهِمْ ؟ مَعَ أنَّهم قَبِلُوا والتَزَمُوا العَمَلَ بِها قَوْلانِ. وآياتُ اللَّهِ الَّتِي كَفَرُوا بِها أهِيَ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِمْ في كُتُبِهِمْ ؟ أوْ جَمِيعُ كُتُبِ اللَّهِ المُنَزَّلَةِ ؟ قَوْلانِ. وتَقَدَّمَ شَرْحُ (قُلُوبُنا غُلْفٌ) في البَقَرَةِ.
﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ أدْغَمَ لامَ (بَلْ) في طاءِ (طَبَعَ) الكِسائِيُّ وحَمْزَةُ، وأظْهَرَها باقِي السَّبْعَةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ خَبَرٌ مَعْناهُ الذَّمُّ، عَلى أنَّ قُلُوبَهم بِمَنزِلَةِ المَطْبُوعِ عَلَيْها الَّتِي لا تَفْهَمُ أبَدًا، ولا تُطِيعُ مُرْسَلًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أرادُوا بِقَوْلِهِمْ: قُلُوبُنا غُلْفٌ؛ أيْ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ قُلُوبَنا غُلْفًا؛ أيْ في أكِنَّةٍ لا يُتَوَصَّلُ إلَيْها بِشَيْءٍ مِنَ الذِّكْرِ والمَوْعِظَةِ، كَما حَكى اللَّهُ عَنِ المُشْرِكِينَ: ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠] . وتَكْذِيبُ المُجْبِرَةِ أخْزاهُمُ اللَّهُ فَقِيلَ لَهم: خَذَلَها اللَّهَ، ومَنَعَها الألْطافَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، فَصارَتْ كالمَطْبُوعِ عَلَيْها، لا إنْ تُخْلَقْ غُلْفًا قابِلَةَ الذِّكْرِ، ولا مُتَمَكِّنَةً مِن قَبُولِهِ، انْتَهى. وهو عَلى مَذْهَبِهِ الِاعْتِزالِيِّ. وأمّا أهْلُ السُّنَّةِ فَيَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ طَبَعَ عَلَيْها حَقِيقَةً كَما أخْبَرَ تَعالى إذْ لا خالِقَ غَيْرُهُ. والباءُ في فَبِما نَقْضِهِمْ تَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَعَلْنا بِهِمْ ما فَعَلْناهُ. وقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَعَنّاهم، وأذْلَلْناهم، وحَتَّمْنا عَلى الوافِينَ مِنهُمُ الخُلُودَ في جَهَنَّمَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وحَذْفُ جَوابِ هَذا الكَلامِ بَلِيغٌ مَتْرُوكٌ مَعَ ذِهْنِ السّامِعِ، انْتَهى. وتَسْمِيَةُ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ المَجْرُورُ بِأنَّهُ جَوابُ اصْطِلاحٍ لَمْ يُعْهَدْ في عِلْمِ النَّحْوِ، ولا تُساعِدُهُ اللُّغَةُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِجَوابٍ. وجَوَّزُوا أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: (حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ) عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ [النساء: ١٦٠] بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾؛ وقالَهُ الزَّجّاجُ، وأبُو بَكْرٍ، والزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهم. وهَذا فِيهِ بُعْدٌ لِكَثْرَةِ الفَواصِلِ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ؛ ولِأنَّ المَعْطُوفَ عَلى السَّبَبِ سَبَبٌ؛ فَيَلْزَمُ تَأخُّرُ بَعْضِ أجْزاءِ السَّبَبِ الَّذِي لِلتَّحْرِيمِ في الوَقْتِ عَنْ وقْتِ التَّحْرِيمِ؛ فَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ جُزْءَ سَبَبٍ أوْ مُسَبِّبًا إلّا بِتَأْوِيلٍ بَعِيدٍ، وبَيانُ ذَلِكَ أنَّ ”قَوْلَهم عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا“ وقَوْلَهم ”﴿إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ﴾“ مُتَأخِّرٌ في الزَّمانِ عَنْ (p-٣٨٩)تَحْرِيمِ الطَّيِّباتِ عَلَيْهِمْ؛ فالأوْلى أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: لَعَنّاهم، وقَدْ جاءَ مُصَرَّحًا بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم لَعَنّاهم وجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً﴾ [المائدة: ١٣] .
(فَلا يُؤْمِنُونَ إلّا قَلِيلًا) تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ.
﴿وبِكُفْرِهِمْ وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا﴾ الظّاهِرُ في قَوْلِهِ: وبِكُفْرِهِمْ وقَوْلِهِمْ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: (فَبِما نَقْضِهِمْ)، وما بَعْدَهُ. عَلى أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ أجازَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وبِكُفْرِهِمْ وقَوْلِهِمْ﴾ مَعْطُوفًا عَلى بِكُفْرِهِمْ. وتَكْرارُ نِسْبَةِ الكُفْرِ إلَيْهِمْ بِحَسَبِ مُتَعَلِّقاتِهِ؛ إذْ كَفَرُوا بِمُوسى، ثُمَّ بِعِيسى، ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ فَعَطَفَ بَعْضَ كُفْرِهِمْ عَلى بَعْضٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ عَطَفَ مَجْمُوعَ المَعْطُوفِ عَلى مَجْمُوعِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ عَلى بَعْضٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ عَطَفَ مَجْمُوعَ المَعْطُوفِ عَلى مَجْمُوعِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ فَيَجْمَعُهم بَيْنَ نَقْضِ المِيثاقِ والكُفْرِ بِآياتِ اللَّهِ وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ، وقَوْلِهِمْ: (قُلُوبُنا غُلْفٌ)، وجَمْعِهِمْ بَيْنَ كُفْرِهِمْ، وبُهْتِهِمْ مَرْيَمَ، وافْتِخارِهِمْ بِقَتْلِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ عاقَبْناهم. أوْ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها، وجَمَعَهم بَيْنَ كَفْرِهِمْ، وكَذا وكَذا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْضًا: فَإنْ قُلْتَ: هَلّا زَعَمْتَ أنَّ المَحْذُوفَ الَّذِي تَعَلَّقَتْ بِهِ الباءُ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ ؟ قُلْتُ: لَمْ يَصِحَّ هَذا التَّقْدِيرُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾، رَدٌّ وإنْكارٌ لِقَوْلِهِمْ: قُلُوبُنا غُلْفٌ؛ فَكانَ مُتَعَلِّقًا بِهِ، انْتَهى. وهو جَوابٌ حَسَنٌ، ويَمْتَنِعُ مِن وجْهٍ آخَرَ، وهو أنَّ العَطْفَ بِبَلْ يَكُونُ لِلْإضْرابِ عَنِ الحُكْمِ الأوَّلِ، وإثْباتِهِ لِلثّانِي عَلى جِهَةِ إبْطالِ الأوَّلِ، أوْ الِانْتِقالِ عامًّا في كِتابِ اللَّهِ في الإخْبارِ؛ فَلا يَكُونُ إلّا لِلِانْتِقالِ. ويُسْتَفادُ مِنَ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ ما لا يُسْتَفادُ مِنَ الجُمْلَةِ الأُولى. والَّذِي قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لا يُسَوَّغُ فِيهِ هَذا الَّذِي قَرَّرْناهُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾، ﴿وكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ﴾، وقَوْلِهِمْ: ﴿قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾؛ فَأفادَتِ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ ما أفادَتِ الجُمْلَةُ الأُولى، وهو لا يَجُوزُ. لَوْ قُلْتَ: مَرَّ زَيْدٌ بِعَمْرٍو، بَلْ مَرَّ زَيْدٌ بِعَمْرٍو لَمْ يَجُزْ. وقَدْ أجازَ ذَلِكَ أبُو البَقاءِ، وهو أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم وكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ، وكَذا طُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ. وقِيلَ التَّقْدِيرُ فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم لا يُؤْمِنُونَ إلّا قَلِيلًا والفاءُ مُقْحَمَةٌ. وما في قَوْلِهِ: فَبِما نَقْضِهِمْ كَهي في قَوْلِهِ: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وتَقَدَّمَ الكَلامُ فِيها. والبُهْتانُ العَظِيمُ رَمْيُهم مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ بِالزِّنا مَعَ رُؤْيَتِهِمُ الآيَةَ في كَلامِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ في المَهْدِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإلّا فَلَوْلا الآيَةُ لَكانُوا في قَوْلِهِمْ جارِينَ عَلى حُكْمِ البَشَرِ في إنْكارِ حَمْلٍ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ، انْتَهى. ووُصِفَ بِالعِظَمِ؛ لِأنَّهم تَمادَوْا عَلَيْهِ بَعْدَ ظُهُورِ الآيَةِ، وقِيامِ المُعْجِزَةِ بِالبَراءَةِ، وقَدْ جاءَتْ تَسْمِيَةُ الرَّمْيِ بِذَلِكَ بُهْتانًا عَظِيمًا في قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] .
﴿وقَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ الظّاهِرُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ مِن قَوْلِهِمْ قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ؛ كَقَوْلِ فِرْعَوْنَ: ﴿إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧]، وقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى وضَعَ الذِّكْرَ الحَسَنَ مَكانَ ذِكْرِهِمُ القَبِيحِ في الحِكايَةِ عَنْهُ رَفْعًا لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، كَما كانُوا يُذَكِّرُونَهُ بِهِ. ذَكَرَ الوَجْهَيْنِ الزَّمَخْشَرِيُّ، ولَمْ يَذْكُرِ ابْنُ عَطِيَّةَ سِوى الثّانِي؛ قالَ: هو إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِصِفَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وهي الرِّسالَةُ عَلى جِهَةِ إظْهارِ ذَنْبِ هَؤُلاءِ المُقِرِّينَ بِالقَتْلِ، ولَزِمَهُمُ الذَّنْبُ، وهم لَمْ يَقْتُلُوا عِيسى؛ لِأنَّهم صَلَبُوا ذَلِكَ الشَّخْصَ عَلى أنَّهُ عِيسى، وعَلى أنَّ عِيسى كَذّابٌ لَيْسَ بِرَسُولٍ؛ ولَكِنْ لَزِمَهُمُ الذَّنْبُ مِن حَيْثُ اعْتَقَدُوا أنَّ قَتْلَهم وقَعَ في عِيسى؛ فَكَأنَّهم قَتَلُوهُ، ولَيْسَ يَدْفَعُ الذَّنْبَ عَنْهُمُ اعْتِقادُهم أنَّهُ غَيْرُ رَسُولٍ.
﴿وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ هَذا إخْبارٌ مِنهُ تَعالى بِأنَّهم ما قَتَلُوا عِيسى، وما صَلَبُوهُ.
واخْتَلَفَ الرُّواةُ في (p-٣٩٠)كَيْفِيَّةِ القَتْلِ والصَّلْبِ، ولَمْ يَثْبُتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في ذَلِكَ شَيْءٌ غَيْرُ ما دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ.
ومُنْتَهى ما آلَ إلَيْهِ أمْرُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ طَلَبَتْهُ اليَهُودُ فاخْتَفى هو والحَوارِيُّونَ في بَيْتٍ؛ فَدُلُّوا عَلَيْهِ وحَضَرُوا لَيْلًا، وهم ثَلاثَةَ عَشَرَ، أوْ ثَمانِيَةَ عَشَرَ؛ فَفَرَّقَهم تِلْكَ اللَّيْلَةَ ووَجَّهَهم إلى الآفاقِ، وبَقِيَ هو ورَجُلٌ مَعَهُ؛ فَرُفِعَ عِيسى وأُلْقِيَ شَبَهُهُ عَلى الرَّجُلِ فَصُلِبَ. وقِيلَ هو اليَهُودِيُّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ. وقِيلَ قالَ لِأصْحابِهِ: أيُّكم يُلْقى عَلَيْهِ شَبَهِي فَيُقْتَلُ ويُخَلِّصُ هَؤُلاءِ، وهو رَفِيقِي في الجَنَّةِ ؟ فَقالَ سَرْجِسُ: أنا، فَأُلْقِيَ عَلَيْهِ شَبَهُ عِيسى. وقِيلَ أُلْقِيَ شَبَهُهُ عَلى الجَمِيعِ، فَلَمّا أُخْرِجُوا نَقَصَ واحِدٌ مِنَ العِدَّةِ، فَأخَذُوا واحِدًا مِمَّنْ عَلَيْهِ الشَّبَهُ فَصُلِبَ. ورُوِيَ أنَّ المَلِكَ والمُتَناوِلِينَ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِمْ أمْرُ عِيسى لِما رَأوْهُ مِن نُقْصانِ العِدَّةِ، واخْتِلاطِ الأمْرِ؛ فَصُلِبَ ذَلِكَ الشَّخْصُ، وأُبْعِدَ النّاسُ عَنْ خَشَبَتِهِ أيّامًا حَتّى تَغَيَّرَ، ولَمْ تَثْبُتْ لَهُ صِفَةٌ؛ وحِينَئِذٍ دَنا النّاسُ مِنهُ، ومَضى الحَوارِيُّونَ يَتَحَدَّثُونَ في الآفاقِ: إنَّ عِيسى صُلِبَ. وقِيلَ لَمْ يُلْقَ شَبَهُهُ عَلى أحَدٍ؛ وإنَّما مَعْنى: ﴿ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ أيْ شَبَّهَ عَلَيْهِمُ المَلِكُ المُمَخْرِقُ لِيَسْتَدِيمَ بِما نَقَصَ واحِدٌ مِنَ العِدَّةِ، وكانَ بادَرَ بِصَلْبِ واحِدٍ، وأبْعَدَ النّاسِ عَنْهُ، وقالَ: هَذا عِيسى؛ وهَذا القَوْلُ هو الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعْتَقَدَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾؛ أمّا أنْ يُلْقى شَبَهُهُ عَلى شَخْصٍ؛ فَلَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُعْتَمَدَ عَلَيْهِ.
وقَدِ اخْتُلِفَ فِيمَن أُلْقِيَ عَلَيْهِ الشَّبَهُ اخْتِلافًا كَثِيرًا. فَقِيلَ اليَهُودِيُّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ. وقِيلَ خَلِيفَةُ قَيْصَرَ الَّذِي كانَ مَحْبُوسًا عِنْدَهُ. وقِيلَ واحِدٌ مِنَ اليَهُودِ. وقِيلَ دَخَلَ لِيَقْتُلَهُ. وقِيلَ رَقِيبٌ، وكَلَتْهُ بِهِ اليَهُودُ. وقِيلَ أُلْقِيَ الشَّبَهُ عَلى كُلِّ الحَوارِيِّينَ. وقِيلَ أُلْقِيَ الشَّبَهُ عَلى الوَجْهِ دُونَ البَدَنِ، وهَذا الوُثُوقُ مِمّا يَدْفَعُ الوُثُوقَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ. ولِهَذا قالَ بَعْضُهم: إنْ جازَ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُلْقِي شَبَهَ إنْسانٍ عَلى إنْسانٍ آخَرَ؛ فَهَذا يَفْتَحُ بابَ السَّفْسَطَةِ. وقِيلَ سَبَبُ اجْتِماعِ اليَهُودِ عَلى قَتْلِهِ هو أنَّ رَهْطًا مِنهم سَبُّوهُ، وسَبُّوا أُمَّهُ فَدَعا عَلَيْهِمْ: ”اللَّهُمَّ أنْتَ رَبِّي، وبِكَلِمَتِكَ خَلَقْتَنِي، اللَّهُمَّ العَنْ مَن سَبَّنِي، وسَبَّ والِدَتِي“ فَمَسَخَ اللَّهُ مَن سَبَّهُما قِرَدَةً، وخَنازِيرَ، فاجْتَمَعَتِ اليَهُودُ عَلى قَتْلِهِ. و(شُبِّهَ) مُسْنَدٌ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ؛ كَقَوْلِهِ: خُيِّلَ إلَيْهِ، ولَكِنْ وقَعَ لَهُمُ التَّشْبِيهُ. ويَجُوزُ أنْ يُسْنَدَ إلى ضَمِيرِ المَقْتُولِ الدّالِّ عَلَيْهِ: إنّا قَتَلْنا أيْ ولَكِنْ شُبِّهَ لَهم مَن قَتَلُوهُ. ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرَ المَسِيحِ؛ لِأنَّ المَسِيحَ مُشَبَّهٌ بِهِ لا مُشَبَّهٌ.
﴿وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفي شَكٍّ مِنهُ ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلّا اتِّباعَ الظَّنِّ﴾ اخْتَلَفَ فِيهِ اليَهُودُ؛ فَقالَ بَعْضُهم: لَمْ يُقْتَلْ، ولَمْ يُصْلَبْ؛ الوَجْهُ وجْهُ عِيسى والجَسَدُ جَسَدُ غَيْرِهِ. وقِيلَ: أدْخَلُوا عَلَيْهِ واحِدًا لِيَقْتُلَهُ، فَأُلْقِيَ الشَّبَهُ عَلَيْهِ فَصُلِبَ، ونَقَصَ مِنَ العَدَدِ واحِدٌ. وكانُوا عَلِمُوا عَدَدَ الحَوارِيِّينَ؛ فَقالُوا: إنْ كانَ المَصْلُوبُ صاحِبَنا فَأيْنَ عِيسى ؟ وإنْ كانَ عِيسى فَأيْنَ صاحِبُنا ؟ وقِيلَ قالَ العَوامُّ: قَتَلْنا عِيسى، وقالَ مَن عايَنَ: رَفَعَهُ إلى السَّماءِ ما قُتِلَ، ولا صُلِبَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: واليَقِينُ الَّذِي صَحَّ فِيهِ نَقْلُ الكافَّةِ عَنْ حَواسِّها هو أنَّ شَخْصًا صُلِبَ، وهَلْ هو عِيسى أمْ لا ؟ فَلَيْسَ هو مِن عِلْمِ الحَوّاسِ؛ فَلِذَلِكَ لَمْ يَقَعْ في ذَلِكَ نَقْلٌ كافَّةً. والضَّمِيرُ في فِيهِ عائِدٌ عَلى القَتْلِ؛ مَعْناهُ: في قَتْلِهِ، وهَذا هو الظّاهِرُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، وما بَعْدَهُ. وقِيلَ الضَّمِيرُ في اخْتَلَفُوا عائِدٌ عَلى اليَهُودِ أيْضًا، واخْتِلافُهم فِيهِ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّهُ إلَهٌ. وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّهُ ابْنُ اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ اخْتِلافُهم فِيهِ أنَّ النَّسْطُورِيَّةَ قالُوا: وقَعَ الصَّلْبُ عَلى ناسُوتِهِ دُونَ لاهُوتِهِ. وقِيلَ وقَعَ القَتْلُ والصَّلْبُ عَلَيْهِما. وقِيلَ عائِدٌ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى؛ فَإنَّ اليَهُودَ قالُوا: هو ابْنُ زِنًا. وقالَتِ النَّصارى: هو ابْنُ اللَّهِ. وقِيلَ اخْتِلافُهم مِن جِهَةِ أنَّ النَّصارى قالُوا: إنَّ اليَهُودَ قَتَلَتْهُ وصَلَبَتْهُ واليَهُودُ الَّذِينَ عايَنُوا رَفْعَهُ قالُوا: رُفِعَ إلى السَّماءِ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّ ﴿إلّا اتِّباعَ الظَّنِّ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّ اتِّباعَ الظَّنِّ لَيْسَ مِن جِنْسِ العِلْمِ (p-٣٩١)أيْ ولَكِنَّ اتِّباعَ الظَّنِّ لَهم.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي ولَكِنَّهم يَتَّبِعُونَ الظَّنَّ، وهَذا تَفْسِيرُ مَعْنًى لا تَفْسِيرَ إعْرابٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ إذِ الظَّنُّ والعِلْمُ يَضُمُّهُما أنَّهُما مِن مُعْتَقَداتِ اليَقِينِ. وقَدْ يَقُولُ الظّانُّ عَلى طَرِيقِ التَّجَوُّزِ: عِلْمِي في هَذا الأمْرِ أنَّهُ كَذا، وهو يَعْنِي ظَنَّهُ، انْتَهى. ولَيْسَ كَما ذُكِرَ؛ لِأنَّ الظَّنَّ لَيْسَ مِن مُعْتَقَداتِ اليَقِينِ؛ لِأنَّهُ تَرْجِيحُ أحَدِ الجائِزَيْنِ؛ وما كانَ تَرْجِيحًا فَهو يُنافِي اليَقِينَ؛ كَما أنَّ اليَقِينَ يُنافِي تَرْجِيحَ أحَدِ الجائِزَيْنِ. وعَلى تَقْدِيرِ: أنَّ الظَّنَّ والعِلْمَ يَضُمُّهُما ما ذُكِرَ؛ فَلا يَكُونُ أيْضًا اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَسْتَثْنِ الظَّنَّ مِنَ العِلْمِ. فَلَيْسَتِ التِّلاوَةُ ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلّا الظَّنَّ؛ وإنَّما التِّلاوَةُ إلّا اتِّباعَ الظَّنِّ، والِاتِّباعُ لِلظَّنِّ لا يَضُمُّهُ والعِلْمُ جِنْسُ ما ذُكِرَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ. فَإنْ قُلْتَ: لِمَ وُصِفُوا بِالشَّكِّ، والشَّكُّ أنْ لا يَتَرَجَّحَ أحَدُ الجائِزَيْنِ ؟ ثُمَّ وُصِفُوا بِالظَّنِّ، والظَّنُّ أنْ يَتَرَجَّحَ أحَدُهُما؛ فَكَيْفَ يَكُونُونَ شاكِّينَ ظانِّينَ ؟ قُلْتُ: أُرِيدَ أنَّهم شاكُّونَ ما لَهم مِن عِلْمٍ قَطُّ، ولَكِنْ لاحَتْ لَهم أمارَةٌ فَظَنُّوا، انْتَهى. وهو جَوابُ سُؤالِهِ؛ ولَكِنْ يُقالُ: لا يَرِدُ هَذا السُّؤالُ؛ لِأنَّ العَرَبَ تُطْلِقُ الشَّكَّ عَلى ما لَمْ يَقَعْ فِيهِ القَطْعُ واليَقِينُ فَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ ما يَتَرَدَّدُ فِيهِ، إمّا عَلى السَّواءِ بِلا تَرْجِيحٍ، أوْ بِتَرْجِيحِ أحَدِ الطَّرَفَيْنِ. وإذا كانَ كَذَلِكَ انْدَفَعَ السُّؤالُ.
﴿وما قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ وجَماعَةٌ: الضَّمِيرُ في قَتَلُوهُ عائِدٌ عَلى الظَّنِّ. تَقُولُ: قَتَلْتُ هَذا الأمْرَ عِلْمًا إذا قَطَعْتَ بِهِ، وجَزَمْتَ الجَزْمَ الَّذِي لا يُخالِجُهُ شَيْءٌ؛ فالمَعْنى: وما صَحَّ ظَنُّهم عِنْدَهم، وما تَحَقَّقُوهُ يَقِينًا، ولا قَطَعُوا الظَّنَّ بِاليَقِينِ. وقالَ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ؛ الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى العِلْمِ؛ أيْ ما قَتَلُوا العِلْمَ يَقِينًا. يُقالُ: قَتَلْتُ العِلْمَ والرَّأْيَ يَقِينًا وقَتَلْتُهُ عِلْمًا؛ لِأنَّ القَتْلَ لِلشَّيْءِ يَكُونُ عَنْ قَهْرٍ واسْتِعْلاءٍ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ لَمْ يَكُنْ عِلْمُهم بِقَتْلِ المَسِيحِ عِلْمًا أُحِيطَ بِهِ؛ إنَّما كانَ ظَنًّا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ تَهَكُّمٌ؛ لِأنَّ (إذا) نُفِيَ عَنْهُمُ العِلْمُ نَفْيًا كُلِّيًا بِحَرْفِ الِاسْتِغْراقِ ثُمَّ قِيلَ، وما عَلِمُوهُ عِلْمَ يَقِينٍ وإحاطَةٍ لَمْ يَكُنْ إلّا تَهَكُّمًا، انْتَهى. والظّاهِرُ قَوْلُ الجُمْهُورِ: إنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلى عِيسى بِجَعْلِ الضَّمائِرِ كُلِّها كَشَيْءٍ واحِدٍ، فَلا تَخْتَلِفُ. والمَعْنى صَحِيحٌ بَلِيغٌ، وانْتِصابُ (يَقِينًا) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ (قَتَلُوهُ)؛ أيْ مُتَيَقِّنِينَ أنَّهُ عِيسى كَما ادَّعَوْا ذَلِكَ في قَوْلِهِمْ: إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ؛ قالَهُ السُّدِّيُّ. أوْ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ قَتْلًا يَقِينًا جَوَّزَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ الحَسَنُ: وما قَتَلُوهُ حَقًّا، انْتَهى. فانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ كَقَوْلِكَ: وما قَتَلُوهُ حَقًّا؛ أيْ حَقَّ انْتِفاءِ قَتْلِهِ حَقًّا. وما حُكِيَ عَنِ ابْنِ الأنْبارِيِّ أنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا وأنَّ (يَقِينًا) مَنصُوبٌ بِـ ﴿رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾ والمَعْنى: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ يَقِينًا؛ فَلَعَلَّهُ لا يَصِحُّ عَنْهُ. وقَدْ نَصَّ الخَلِيلُ عَلى أنَّ ذَلِكَ خَطَأٌ؛ لِأنَّهُ لا يَعْمَلُ ما بَعْدَ (بَلْ) في ما قَبْلَها.
﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾ هَذا إبْطالٌ لِما ادَّعَوْهُ مِن قَتْلِهِ وصَلْبِهِ، وهو حَيٌّ في السَّماءِ الثّانِيَةِ عَلى ما صَحَّ عَنِ الرَّسُولِ في حَدِيثِ المِعْراجِ. وهو هُنالِكَ مُقِيمٌ حَتّى يُنْزِلَهُ اللَّهُ إلى الأرْضِ لِقَتْلِ الدَّجّالِ، ولِيَمْلَأها عَدْلًا كَما مُلِئَتْ جَوْرًا، ويَحْيا فِيها أرْبَعِينَ سَنَةً ثُمَّ يَمُوتُ كَما تَمُوتُ البَشَرُ. وقالَ قَتادَةُ: رَفَعَ اللَّهُ عِيسى إلَيْهِ فَكَساهُ الرِّيشَ وألْبَسَهُ النُّورَ، وقَطَعَ عَنْهُ الطَّعامَ والشَّرابَ؛ فَصارَ مَعَ المَلائِكَةِ؛ فَهو مَعَهم حَوْلَ العَرْشِ؛ فَصارَ إنْسِيًّا مَلَكِيًّا سَماوِيًّا أرْضِيًّا.
والضَّمِيرُ في إلَيْهِ عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى عَلى حَذْفِ التَّقْدِيرِ إلى سَمائِهِ، وقَدْ جاءَ ﴿ورافِعُكَ إلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] . وقِيلَ إلى حَيْثُ لا حُكْمَ فِيهِ إلّا لَهُ. ولا يُوَجَّهُ الدُّعاءُ إلّا نَحْوَهُ، وهو راجِعٌ إلى الأوَّلِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: أعْلَمَ اللَّهُ تَعالى عَقِيبَ ذِكْرِهِ أنَّهُ وصَلَ إلى عِيسى أنْواعٌ مِنَ البَلايا أنَّهُ رَفَعَهُ إلَيْهِ فَدَلَّ أنَّ رَفْعَهُ إلَيْهِ أعْظَمُ في إيصالِ الثَّوابِ مِنَ الجَنَّةِ، ومِن كُلِّ ما فِيها مِنَ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ؛ وهَذِهِ الآيَةُ تَفْتَحُ عَلَيْكَ بابَ مَعْرِفَةِ السِّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ، انْتَهى. وفِيهِ نَحْوٌ (p-٣٩٢)مِن كَلامِ المُتَفَلْسِفَةِ.
(وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) . قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: المُرادُ مِنَ المَعَزَّةِ كَمالُ القُدْرَةِ، ومِنَ الحِكْمَةِ كَمالُ العِلْمِ؛ فَنَبَّهَ بِهَذا عَلى أنَّ رَفْعَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الدُّنْيا إلى السَّماواتِ وإنْ كانَ كالمُتَعَذَّرِ عَلى البَشَرِ، لَكِنْ لا تُعْذَرُ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِي وحِكْمَتِي، انْتَهى. وقالَ غَيْرُهُ: عَزِيزًا أيْ قَوِيًّا بِالنِّقْمَةِ مِنَ اليَهُودِ؛ فَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ بُطْرُسَ الرُّومِيّ فَقَتَلَ مِنهم مَقْتَلَةً عَظِيمَةً. حَكِيمًا حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِاللَّعْنَةِ والغَضَبِ. وقِيلَ: عَزِيزًا؛ أيْ: لا يُغالَبُ؛ لِأنَّ اليَهُودَ حاوَلَتْ بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أمْرًا وأرادَ اللَّهُ خِلافَهُ. حَكِيمًا أيْ: واضِعَ الأشْياءِ مَواضِعَها؛ فَمِن حَكَمَتِهِ تَخْلِيصُهُ مِنَ اليَهُودِ، ورَفْعُهُ إلى السَّماءِ لِما يُرِيدُ وتَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ تَعالى. وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: أوْحى اللَّهُ تَعالى إلى عِيسى عَلى رَأْسِ ثَلاثِينَ سَنَةً، ثُمَّ رَفَعَهُ وهو ابْنُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً؛ فَكانَتْ نُبُوَّتُهُ ثَلاثَ سِنِينَ. وقِيلَ: بَعَثَ اللَّهُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأدْخَلَهُ خَوْخَةً فِيها رَوْزَنَةٌ في سَقْفِها؛ فَرَفَعَهُ اللَّهُ تَعالى إلى السَّماءِ مِن تِلْكَ الرَّوْزَنَةِ.
﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ . إنْ: هُنا نافِيَةٌ، والمُخْبَرُ عَنْهُ مَحْذُوفٌ قامَتْ صِفَتُهُ مَقامَهُ، التَّقْدِيرُ: وما أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ. كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] والمَعْنى: وما مِنَ اليَهُودِ. وقَوْلُهُ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] أيْ: وما أحَدٌ مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ، وما أحَدٌ مِنكم إلّا وارِدُها. قالَ الزَّجّاجُ: وحُذِفَ (أحَدٌ) لِأنَّهُ مَطْلُوبٌ في كُلِّ نَفْيٍ يَدْخُلُهُ الِاسْتِثْناءُ نَحْوَ: ما قامَ إلّا زَيْدٌ، مَعْناهُ ما قامَ أحَدٌ إلّا زَيْدٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ جُمْلَةٌ قَسَمِيَّةٌ واقِعَةٌ صِفَةً لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ؛ تَقْدِيرُهُ: وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ أحَدٌ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ، ونَحْوُهُ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤]، ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] . والمَعْنى: وما مِنَ اليَهُودِ أحَدٌ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ، انْتَهى.
وهُوَ غَلَطٌ فاحِشٌ إذْ زَعَمَ أنَّ ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ جُمْلَةٌ قَسَمِيَّةٌ واقِعَةٌ صِفَةً لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ إلى آخِرِهِ، وصِفَةُ (أحَدٌ) المَحْذُوفِ إنَّما هو الجارُّ والمَجْرُورُ وهو (مِن أهْلِ الكِتابِ)، والتَّقْدِيرُ كَما ذَكَرْناهُ: وإنْ أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾؛ فَلَيْسَتْ صِفَةً لِمَوْصُوفٍ، ولا هي جُمْلَةٌ قَسَمِيَّةٌ كَما زَعَمَ؛ إنَّما هي جُمْلَةُ جَوابِ القَسَمِ، والقَسَمُ مَحْذُوفٌ، والقَسَمُ وجَوابُهُ في مَوْضِعِ رَفْعِ خَبَرِ المُبْتَدَأِ الَّذِي هو (أحَدٌ) المَحْذُوفُ؛ إذْ لا يَنْتَظِمُ مِن أحَدٍ والمَجْرُورِ إسْنادٌ؛ لِأنَّهُ لا يُفِيدُ؛ وإنَّما يَنْتَظِمُ الإسْنادُ بِالجُمْلَةِ القَسَمِيَّةِ وجَوابِها؛ فَذَلِكَ هو مَحَطُّ الفائِدَةِ وكَذَلِكَ أيْضًا الخَبَرُ هو ﴿إلّا لَهُ مَقامٌ﴾ [الصافات: ١٦٤]، وكَذَلِكَ إلّا وارِدُها؛ إذْ لا يَنْتَظِمُ مِمّا قَبْلَ إلّا تَرْكِيبٌ إسْنادِيٌّ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَيْنِ في: بِهِ ومَوْتِهِ عائِدانِ عَلى عِيسى وهو سِياقُ الكَلامِ، والمَعْنى: مِن أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ يَكُونُونَ في زَمانِ نُزُولِهِ.
رُوِيَ أنَّهُ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ في آخِرِ الزَّمانِ؛ فَلا يَبْقى أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ إلّا يُؤْمِنُ بِهِ؛ حَتّى تَكُونَ المِلَّةُ واحِدَةً وهي مِلَّةُ الإسْلامِ؛ قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وأبُو مالِكٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وعِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ والحَسَنُ أيْضًا ومُجاهِدٌ وغَيْرُهم: الضَّمِيرُ في بِهِ لِعِيسى، وفي مَوْتِهِ لِكِتابِيٍّ وقالُوا: ولَيْسَ يَمُوتُ يَهُودِيٌّ حَتّى يُؤْمِنَ بِعِيسى ويَعْلَمَ أنَّهُ نَبِيٌّ؛ ولَكِنْ عِنْدَ المُعايَنَةِ لِلْمَوْتِ فَهو إيمانٌ لا (p-٣٩٣)يَنْفَعُهُ كَما لَمْ يَنْفَعْ فِرْعَوْنَ إيمانُهُ وقْتَ المُعايَنَةِ. وبَدَأ بِما يُشْبِهُ هَذا لِقَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ. قالَ: والمَعْنى ما مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى أحَدٌ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ قَبْلَ مَوْتِهِ بِعِيسى، وبِأنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ ؟ يَعْنِي: إذا عايَنَ قَبْلَ أنْ تَزْهَقَ رُوحُهُ حِينَ لا يَنْفَعُهُ إيمانُهُ لِانْقِطاعِ وقْتِ التَّكْلِيفِ. ثُمَّ حُكِيَ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ والحَجّاجِ حِكايَةٌ فِيها طُولٌ يَمَسُّ بِالتَّفْسِيرِ مِنها: أنَّ اليَهُودِيَّ إذا حَضَرَهُ المَوْتُ ضَرَبَتِ المَلائِكَةُ دُبُرَهُ ووَجْهَهُ وقالُوا: يا عَدُوَّ اللَّهِ أتاكَ عِيسى نَبِيًّا فَكَذَّبْتَ بِهِ؛ فَيَقُولُ: آمَنتُ أنَّهُ نَبِيٌّ. وتَقُولُ لِلنَّصْرانِيِّ: أتاكَ عِيسى نَبِيًّا فَزَعَمْتَ أنَّهُ اللَّهُ أوِ ابْنُ اللَّهِ؛ فَيَقُولُ: آمَنتُ أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ حَيْثُ لا يَنْفَعُهُ إيمانُهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ فَسَّرَهُ كَذَلِكَ؛ فَقالَ لَهُ عِكْرِمَةُ: فَإنْ أتاهُ رَجُلٌ فَضَرَبَ عُنُقَهُ ؟ قالَ: لا تَخْرُجُ نَفْسُهُ حَتّى يُحَرِّكَ بِها شَفَتَيْهِ. قالَ: وإنْ خَرَجَ فَوْقَ بَيْتٍ أوِ احْتَرَقَ أوْ أكَلَهُ سَبُعٌ ؟ قالَ: يَتَكَلَّمُ بِها في الهَوى، ولا تَخْرُجُ رُوحُهُ حَتّى يُؤْمِنَ بِهِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ: ”إلّا لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِمْ“ بِضَمِّ النُّونِ عَلى مَعْنى: وإنْ مِنهم أحَدٌ إلّا سَيُؤْمِنُونَ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِمْ؛ لِأنَّ أحَدًا يَصْلُحُ لِلْجَمْعِ. فَإنْ قُلْتَ: فَما فائِدَةُ الإخْبارِ بِإيمانِهِمْ بِعِيسى قَبْلَ مَوْتِهِمْ ؟ قُلْتُ: فائِدَتُهُ الوَعِيدُ، ولْيَكُنْ عِلْمُهم بِأنَّهم لا بُدَّ لَهم مِنَ الإيمانِ بِهِ عَنْ قَرِيبٍ عِنْدَ المُعايَنَةِ، وأنَّ ذَلِكَ لا يَنْفَعُهم بَعْثًا لَهم وتَنْبِيهًا عَلى مُعالَجَةِ الإيمانِ بِهِ في أوانِ الِانْتِفاعِ بِهِ، ولِيَكُونَ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ لَهم.
وكَذَلِكَ قَوْلُهُ.
﴿ويَوْمَ القِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ يَشْهَدُ عَلى اليَهُودِ بِأنَّهم كَذَّبُوهُ، وعَلى النَّصارى بِأنَّهم دَعَوْهُ ابْنَ اللَّهِ، انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ أيْضًا: ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ أنَّهُ لا يَبْقى أحَدٌ مِن جَمِيعِ أهْلِ الكِتابِ إلّا لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ، عَلى أنَّ اللَّهَ يُحْيِيهِمْ في قُبُورِهِمْ في ذَلِكَ الزَّمانِ ويُعْلِمُهم نُزُولَهُ وما نَزَلَ لَهُ، ويُؤْمِنُونَ بِهِ حِينَ لا يَنْفَعُهم إيمانُهم، انْتَهى. وقالَ عِكْرِمَةُ: الضَّمِيرُ في بِهِ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وفي مَوْتِهِ لِلْكِتابِيِّ. قالَ: ولَيْسَ يَخْرُجُ يَهُودِيٌّ ولا نَصْرانِيٌّ مِنَ الدُّنْيا حَتّى يُؤْمِنَ بِمُحَمَّدٍ، ولَوْ غَرِقَ أوْ سَقَطَ عَلَيْهِ جِدارٌ؛ فَإنَّهُ يُؤْمِنُ في ذَلِكَ الوَقْتِ. وقِيلَ: يَعُودُ في بِهِ عَلى اللَّهِ، وفي مَوْتِهِ عَلى أحَدٍ المُقَدَّرِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إذا نَزَلَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِقَتْلِ الدَّجّالِ لَمْ يَبْقَ يَهُودِيٌّ ولا نَصْرانِيٌّ إلّا آمَنَ بِاللَّهِ حِينَ يَرَوْنَ قَتْلَ الدَّجّالِ، وتَصِيرُ الأُمَمُ كُلُّها واحِدَةً عَلى مِلَّةِ الإسْلامِ، ويُعْزى هَذا القَوْلُ أيْضًا إلى ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ.
وقالَ العَبّاسُ بْنُ غَزْوانَ: وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ بِتَشْدِيدِ النُّونِ، وهي قِراءَةٌ عَسِرَةُ التَّخْرِيجِ، ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ أيْ: شَهِيدًا عَلى أهْلِ الكِتابِ عَلى اليَهُودِ بِتَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ وطَعْنِهِمْ فِيهِ، وعَلى النَّصارى بِجَعْلِهِمْ إيّاهُ إلاهًا مَعَ اللَّهِ أوِ ابْنًا لَهُ، والضَّمِيرُ في يَكُونُ لِعِيسى. وقالَ عِكْرِمَةُ: لِمُحَمَّدٍ ﷺ . قِيلَ: وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ أنْواعًا مِنَ الفَصاحَةِ والبَدِيعِ؛ فَمِنها التَّجْنِيسُ المُغايِرُ في: (يُخادِعُونَ) و(خادِعُهم)، و(شَكَرْتُمْ) و(شاكِرًا) . والمُماثِلُ في: (وإذا قامُوا) . والتَّكْرارُ في اسْمِ اللَّهِ، وفي: (هَؤُلاءِ) و(هَؤُلاءِ)، وفي: و(يَرَوْنَ) و(يُرِيدُونَ)، وفي: (الكافِرِينَ) و(الكافِرِينَ)، وفي: (أهْلِ الكِتابِ) و(كِتابًا)، وفي: (بِمِيثاقِهِمْ) و(مِيثاقًا) . والطِّباقُ في: الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ، وفي: (إنْ تَبْدُوا) أوْ (تُخْفُوهُ)، وفي: (نُؤْمِنُ) و(نَكْفُرُ)، والِاخْتِصاصُ في: (إلى الصَّلاةِ)، وفي: ﴿الدَّرْكِ الأسْفَلِ﴾ [النساء: ١٤٥]، وفي: ﴿الجَهْرَ بِالسُّوءِ﴾ [النساء: ١٤٨] . والإشارَةُ في مَواضِعَ الِاسْتِعارَةِ في ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] اسْتَعارَ اسْمَ الخِداعِ لِلْمُجازاةِ وفي (سَبِيلًا)، وفي (سُلْطانًا) لِقِيامِ الحُجَّةِ و﴿الدَّرْكِ الأسْفَلِ﴾ [النساء: ١٤٥] لِانْخِفاضِ طَبَقاتِهِمْ في النّارِ، و(اعْتَصِمُوا) لِلِالتِجاءِ، وفي: ﴿أنْ يُفَرِّقُوا﴾، وفي: ﴿ولَمْ يُفَرِّقُوا﴾ وهو حَقِيقَةٌ في الأجْسامِ اسْتُعِيرَ لِلْمَعانِي، وفي (سُلْطانًا) اسْتُعِيرَ لِلْحُجَّةِ، وفي: (غُلْفٌ) و﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ﴾ . وزِيادَةُ الحَرْفِ لِمَعْنى في (فَبِما نَقْضِهِمْ) .
وإسْنادُ الفِعْلِ إلى غَيْرِ فاعِلِهِ في: فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ وجاءَتْهُمُ البَيِّناتُ وإلى الرّاضِي بِهِ وفي: وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ، وفي: ﴿وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا﴾، ﴿وقَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ﴾ . وحُسْنُ النَّسَقِ في: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم، والمَعاطِيفِ (p-٣٩٤)عَلَيْهِ حَيْثُ نُسِّقَتْ بِالواوِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى الجَمِيعِ فَقَطْ. وبَيْنَ هَذِهِ الأشْياءِ أعْصارٌ مُتَباعِدَةٌ فَشَرَكَ أوائِلَهم وأواخِرَهم لِعَمَلِ أُولَئِكَ ورِضا هَؤُلاءِ. وإطْلاقُ اسْمِ كُلٍّ عَلى بَعْضٍ وفي: كُفْرِهم بِآياتِ اللَّهِ وهو القُرْآنُ والإنْجِيلُ ولَمْ يَكْفُرُوا بِشَيْءٍ مِنَ الكُتُبِ إلّا بِهِما وفي قَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا ولَمْ يَقُلْ ذَلِكَ إلّا بَعْضُهم. والتَّعْرِيضُ في رَسُولِ اللَّهِ إذا قُلْنا إنَّهُ مِن كَلامِهِمْ. والتَّوْجِيهُ في غُلْفٌ مِنَ احْتِمالِ المَصْدَرِ جَمْعُ غِلافٍ أوْ جَمْعُ أغْلُفٍ. وعَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ وهو في ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ عَلى مَن جَعَلَهُما لِغَيْرِ عِيسى. والنَّقْلُ مِن صِيغَةِ فاعِلٍ إلى فَعِيلٍ في شَهِيدٍ. والحَذْفُ في مَواضِعَ.
النساء 4:160
﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهم وبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ ﴿وأخْذِهِمُ الرِّبا وقَدْ نُهُوا عَنْهُ وأكْلِهِمْ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنهم عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ مِنهم والمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ والمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وأوْحَيْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وعِيسى وأيُّوبَ ويُونُسَ وهارُونَ وسُلَيْمانَ وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ ﴿ورُسُلًا قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ورُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أنْزَلَ إلَيْكَ أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا﴾ [النساء: ١٦٨] ﴿إلّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ١٦٩] ﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالحَقِّ مِن رَبِّكم فَآمِنُوا خَيْرًا لَكم وإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٧٠] ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكم ولا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكم إنَّما اللَّهُ إلَهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ [النساء: ١٧١] ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ ومَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ ويَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهم إلَيْهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٧٢] الغُلُوُّ: تَجاوُزُ الحَدِّ. ومِنهُ غَلا السِّعْرُ، وغَلْوَةُ السَّهْمِ. الِاسْتِنْكافُ: الأنَفَةُ والتَّرَفُّعُ مِن نَكَفْتُ الدَّمْعَ إذا نَحَّيْتَهُ بِأُصْبُعِكَ مِن حَدِّكَ، ومَنَعْتَهُ مِنَ الجَرْيِ قالَ:
؎فَباتُوا فَلَوْلا ما تَدَكَّرَ مِنهُمُ مِنَ الحَلْقِ لَمْ يَنْكَفْ بِعَيْنِكَ مَدْمَعُ
وسُئِلَ أبُو العَبّاسِ عَنِ الِاسْتِنْكافِ فَقالَ: هو مِنَ النَّكْفِ، يُقالُ: ما عَلَيْهِ في هَذا الأمْرِ نَكْفٌ، ولا وكَفٌ، والنَّكْفُ أنْ يُقالَ لَهُ سُوءٌ، واسْتَنْكَفَ دَفَعَ ذَلِكَ السُّوءَ.
﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ المَعْنى: فَبِظُلْمٍ عَظِيمٍ، أوْ فَبِظُلْمٍ أيَّ ظُلْمٍ. وحَذْفُ الصِّفَةَ لِفَهْمِ المَعْنى جائِزٌ؛ كَما قالَ: لَقَدْ وقَعْتَ عَلى لَحْمٍ؛ أيَّ لَحْمٍ مُتَّبَعٍ، ويَتَعَلَّقُ بِحَرَّمْنا. وتَقَدَّمَ السَّبَبُ عَلى المُسَبَّبِ تَنْبِيهًا عَلى فُحْشِ الظُّلْمِ، وتَقْبِيحًا لَهُ، وتَحْذِيرًا مِنهُ. والطَّيِّباتُ هي ما ذُكِرَ في قَوْلِهِ: (وعَلى الَّذِينَ هادُوا) وحُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الألْبانُ وبَعْضُ الطَّيْرِ والحُوتُ، وأُحِلَّتْ لَهم صِفَةُ الطَّيِّباتِ بِما كانَتْ عَلَيْهِ. وأوْضَحَ ذَلِكَ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ: طَيِّباتٍ كانَتْ أُحِلَّتْ لَهم.
﴿وبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ أيْ ناسًا كَثِيرًا؛ فَيَكُونُ كَثِيرًا مَفْعُولًا بِالمَصْدَرِ؛ وإلَيْهِ ذَهَبَ الطَّبَرِيُّ. قالَ: صَدُّوا بِجَحْدِهِمْ أمْرَ مُحَمَّدٍ جَمْعًا عَظِيمًا مِنَ النّاسِ، أوْ صَدَّ كَثِيرًا. وقَدَّرَهُ بَعْضُهم زَمانًا كَثِيرًا.
﴿وأخْذِهِمُ الرِّبا وقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾، وهَذِهِ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ تُفِيدُ تَأْكِيدَ قُبْحِ فِعْلِهِمْ، (p-٣٩٥)وسُوءِ صَنِيعِهِمْ؛ إذْ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ يَجِبُ أنْ يُبْعَدَ عَنْهُ. قالُوا: والرِّبا مُحَرَّمٌ في جَمِيعِ الشَّرائِعِ.
﴿وأكْلِهِمْ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ﴾؛ أيِ الرُّشا الَّتِي كانُوا يَأْخُذُونَها مِن سِفْلَتِهِمْ في تَحْرِيفِ الكِتابِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ فُصِّلَتْ أنْواعُ الظُّلْمِ المُوجِبِ لِتَحْرِيمِ الطَّيِّباتِ. قِيلَ كانُوا كُلَّما أحْدَثُوا ذَنْبًا حُرِّمَ عَلَيْهِمْ بَعْضُ الطَّيِّباتِ، وأُهْمِلَ هُنا تَفْصِيلُ الطَّيِّباتِ؛ بَلْ ذُكِرَتْ نَكِرَةً مُبْهَمَةً. وفي المائِدَةِ فَصَّلَ أنْواعَ ما حَرَّمَ، ولَمْ يُفَصِّلِ السَّبَبَ. فَقِيلَ ذَلِكَ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ، وأُعِيدَتِ الباءُ في: (وبِصَدِّهِمْ) لِبُعْدِهِ عَنِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِالفَصْلِ بِما لَيْسَ مَعْمُولًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ؛ بَلْ في العامِلِ فِيهِ. ولَمْ يَعُدْ في: (وأخْذِهِمْ)، وأكْلِهِمْ؛ لِأنَّ الفَصْلَ وقَعَ بِمَعْمُولِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ. ونَظِيرُ إعادَةِ الحَرْفِ وتَرْكِ إعادَتِهِ قَوْلُهُ: (فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم) الآيَةَ. وبُدِئَ في أنْواعِ الظُّلْمِ بِما هو أهَمُّ، وهو أمْرُ الدِّينِ، وهو الصَّدُّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ بِأمْرِ الدُّنْيا، وهو ما يَتَعَلَّقُ بِهِ الأذى في بَعْضِ المالِ، ثُمَّ ارْتَقى إلى الأبْلَغِ في المالِ الدُّنْيَوِيِّ، وهو أكْلُهُ بِالباطِلِ؛ أيْ مَجّانًا لا عِوَضَ فِيهِ. وفي ذِكْرِ هَذِهِ الآيَةِ امْتِنانٌ عَلى وجْهِ الأُمَّةِ حَيْثُ لَمْ يُعامِلْهم مُعامَلَةَ اليَهُودِ فَيُحَرِّمَ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا الطَّيِّباتِ عُقُوبَةً لَهم بِذُنُوبِهِمْ.
(وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنهم عَذابًا مُهِينًا) لَمّا ذَكَرَ عُقُوبَةَ الدُّنْيا، ذَكَرَ ما أعَدَّ لَهم في الآخِرَةِ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ التَّحْرِيمُ عامًّا لِلْيَهُودِ بِسَبَبِ ظُلْمِ مَن ظَلَمَ مِنهم؛ فالتَزَمَهُ ظالِمُهم، وغَيْرُ ظالِمِهِمْ كَما قالَ تَعالى: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] بَيَّنَ أنَّ العَذابَ الألِيمَ؛ إنَّما أُعِدَّ لِلْكافِرِينَ مِنهم، فَلِذَلِكَ لَمْ يَأْتِ، وأعْتَدْنا لَهم.
﴿لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ مِنهم والمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ والمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أجْرًا عَظِيمًا﴾ مَجِيءُ (لَكِنْ) هُنا في غايَةِ الحُسْنِ؛ لِأنَّها داخِلَةٌ بَيْنَ نَقِيضَيْنِ وجَزائِهِما، وهُمُ الكافِرُونَ والعَذابُ الألِيمُ والمُؤْمِنُونَ والأجْرُ العَظِيمُ والرّاسِخُونَ الثّابِتُونَ المُنْتَصِبُونَ المُسْتَبْصِرُونَ مِنهم: كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأضْرابِهِ، والمُؤْمِنُونَ يَعْنِي مِنهم، أوِ المُؤْمِنُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ. والظّاهِرُ أنَّهُ عامٌّ في مَن آمَنَ.
وارْتَفَعَ الرّاسِخُونَ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ يُؤْمِنُونَ لا غَيْرَ؛ لِأنَّ المَدْحَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ تَمامِ الجُمْلَةِ. ومَن جَعَلَ الخَبَرَ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ فَقَوْلُهُ ضَعِيفٌ، وانْتَصَبَ المُقِيمِينَ عَلى المَدْحِ، وارْتَفَعَ والمُؤْتُونَ أيْضًا عَلى إضْمارٍ، وهم عَلى سَبِيلِ القَطْعِ إلى الرَّفْعِ. ولا يَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ عَلى المَرْفُوعِ قَبْلَهُ؛ لِأنَّ النَّعْتَ إذا انْقَطَعَ في شَيْءٍ مِنهُ لَمْ يَعُدْ ما بَعْدَهُ إلى إعْرابِ المَنعُوتِ، وهَذا القَطْعُ لِبَيانِ فَضْلِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ؛ فَكَثُرَ الوَصْفُ بِأنْ جُعِلَ في جُمَلٍ.
وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، والجَحْدَرِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ، وعِصْمَةُ عَنِ الأعْمَشِ، ويُونُسُ وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: والمُقِيمُونَ بِالرَّفْعِ نَسَقًا عَلى الأوَّلِ، وكَذا هو في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قالَهُ الفَرّاءُ. ورُوِيَ أنَّها كَذَلِكَ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ. وقِيلَ بَلْ هي فِيهِ والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ كَمُصْحَفِ عُثْمانَ. وذُكِرَ عَنْ عائِشَةَ وأبانِ بْنِ عُثْمانَ: إنَّ كَتْبَها بِالياءِ مِن خَطَأِ كاتِبِ المُصْحَفِ، ولا يَصِحُّ عَنْهُما ذَلِكَ؛ لِأنَّهُما (p-٣٩٦)عَرَبِيّانِ فَصِيحانِ، قَطْعُ النُّعُوتِ أشْهَرُ في لِسانِ العَرَبِ، وهو بابٌ واسِعٌ ذَكَرَ عَلَيْهِ شَواهِدَ سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ، وعَلى القَطْعِ خَرَّجَ سِيبَوَيْهِ ذَلِكَ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولا نَلْتَفِتُ إلى ما زَعَمُوا مِن وُقُوعِهِ لَحْنًا في خَطِّ المُصْحَفِ، ورُبَّما التَفَتَ إلَيْهِ مَن يَنْظُرُ في الكِتابِ، ولَمْ يَعْرِفْ مَذاهِبَ العَرَبِ، وما لَهم في النَّصْبِ عَلى الِاخْتِصاصِ مِنَ الِافْتِتانِ، وعَنى عَلَيْهِ: أنَّ السّابِقِينَ الأوَّلِينَ الَّذِينَ مَثَلُهم في التَّوْراةِ، ومَثَلُهم في الإنْجِيلِ كانُوا أبْعَدَ هِمَّةً في الغَيْرَةِ عَلى الإسْلامِ، وذَبِّ المَطاعِنِ عَنْهُ مِن أنْ يَتْرُكُوا في كِتابِ اللَّهِ ثُلْمَةً يَسُدُّها مَن بَعْدَهم، وخَرْقًا يَرْفُوهُ مَن يَلْحَقُ بِهِمُ، انْتَهى. ويَعْنِي بِقَوْلِهِ: مَن لَمْ يَنْظُرْ في الكِتابِ كِتابَ سِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللَّهُ فَإنَّ اسْمَ الكِتابِ عَلَمٌ عَلَيْهِ، ولِجَهْلِ مَن يُقْدِمُ عَلى تَفْسِيرِ كِتابِ اللَّهِ وإعْرابِ ألْفاظِهِ بِغَيْرِ أحْكامِ عِلْمِ النَّحْوِ جَوَّزُوا في عَطْفِ والمُقِيمِينَ وُجُوهًا: أحَدُها: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ؛ أيْ يُؤْمِنُونَ بِالكُتُبِ وبِالمُقِيمِينَ الصَّلاةَ. واخْتَلَفُوا في هَذا الوَجْهِ مَنِ المَعْنِيُّ بِالمُقِيمِينَ الصَّلاةَ، فَقِيلَ الأنْبِياءُ ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ. وقِيلَ المَلائِكَةُ؛ ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقِيلَ المُسْلِمُونَ والتَّقْدِيرُ: ونَدْبُ المُقِيمِينَ؛ ذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ مَعْناهُ. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الضَّمِيرِ في مِنهم؛ أيْ لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ مِنهم ومِنَ المُقِيمِينَ ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَلى قَوْمٍ لَمْ يُسَمِّهِمْ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الكافِ في أُولَئِكَ؛ أيْ ما أُنْزِلُ إلَيْكَ وإلى المُقِيمِينَ الصَّلاةَ. الوَجْهُ الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى كافِ قَبْلَكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ التَّقْدِيرُ: وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ، وقِيلَ المُقِيمِينَ الصَّلاةَ. الوَجْهُ الخامِسُ: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى كافِ قَبْلَكَ، ويَعْنِي الأنْبِياءَ؛ ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَرْقٌ بَيْنَ الآيَةِ والبَيْتِ يَعْنِي بَيْتَ الخِرْنَقِ، وكانَ أنْشَدَهُ قَبْلُ، وهو:
؎النّازِلِينَ بِكُلِّ مُعْتَرَكٍ ∗∗∗ والطَّيِّبُونَ مَعاقِدَ الأُزُرِ
بِحَرْفِ العَطْفِ الَّذِي في الآيَةِ؛ فَإنَّهُ يُمْنَعُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ تَقْدِيرُ الفِعْلِ، وفي هَذا نَظَرٌ، انْتَهى. إنْ مَنَعَ ذَلِكَ أحَدٌ فَهو مَحْجُوجٌ بِثُبُوتِ ذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ مَعَ حَرْفِ العَطْفِ، ولا نَظَرَ في ذَلِكَ كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ. قالَ الشّاعِرُ:
؎ويَأْوِي إلى نِسْوَةٍ عُطْلٍ ∗∗∗ وشُعْثٍ مَراضِيعَ مَثْلِ السَّعالِي
وكَذَلِكَ جَوَّزُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ وُجُوهًا عَلى غَيْرِ الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ: مِن أنَّهُ ارْتَفَعَ عَلى خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ عَلى سَبِيلِ قَطْعِ الصِّفاتِ في المَدْحِ: أحَدُها: أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى الرّاسِخُونَ. الثّانِي: عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في المُؤْمِنُونَ. الثّالِثُ: عَلى الضَّمِيرِ في يُؤْمِنُونَ. الرّابِعُ: أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وما بَعْدَهُ الخَبَرُ، وهو اسْمُ الإشارَةِ، وما يَلِيهِ. وأمّا (المُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) فَعَطْفٌ عَلى ﴿والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ عَلى الوَجْهِ الَّذِي اخْتَرْناهُ في رَفْعِ (والمُؤْتُونَ) .
ولَمّا ذَكَرَ أوَّلًا (والمُؤْمِنُونَ) تَضَمَّنَ الإيمانَ بِما يَجِبُ أنْ يُؤْمِنَ بِهِ، ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم وعَنِ الرّاسِخِينَ أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِالقُرْآنِ وبِالكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، ثُمَّ وصَفَهم بِصِفاتِ المَدْحِ مِنَ امْتِثالِ أشْرَفِ أوْصافِ الإيمانِ الفِعْلِيَّةِ البَدَنِيَّةِ وهي الصَّلاةُ والمالِيَّةِ وهي الزَّكاةُ، ثُمَّ ارْتَقى في المَدْحِ إلى أشْرَفِ الأوْصافِ القَلْبِيَّةِ الِاعْتِقادِيَّةِ، وهي الإيمانُ بِالمُوَحَّدِ الَّذِي أنْزَلَ الكُتُبَ، وشَرَعَ فِيها الصَّلاةَ والزَّكاةَ وبِاليَوْمِ الآخِرِ، وهو البَعْثُ والمَعادُ الَّذِي يَظْهَرُ فِيهِ ثَمَرَةُ الإيمانِ وامْتِثالِ تَكالِيفِ الشَّرْعِ مِنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، وغَيْرِهِما. ثُمَّ إنَّهُ لَمّا اسْتَوْفى ذَلِكَ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ سَيُؤْتِيهِمْ أجْرًا عَظِيمًا، وهو ما رَتَّبَ تَعالى عَلى هَذِهِ الأوْصافِ الجَلِيلَةِ الَّتِي وصَفَهم بِها، وأشارَ إلَيْهِمْ بِأُولَئِكَ لِيَدُلَّ عَلى مَجْمُوعِ تِلْكَ الأوْصافِ. ومَن أعْرَبَ ﴿والمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ مُبْتَدَأً أوْ خَبَرَهُ ما بَعْدَهُ فَهو بِمَعْزِلٍ عَنْ إدْراكِ الفَصاحَةِ. والأجْوَدُ إعْرابُ أُولَئِكَ مُبْتَدَأٌ، ومَن نَصَبَهُ بِإضْمارِ فِعْلٍ تَفْسِيرُهُ ما بَعْدَهُ: أنَّهُ سَيُؤْتِي أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ؛ فَيَجْعَلُهُ (p-٣٩٧)مِن بابِ الِاشْتِغالِ؛ فَلَيْسَ قَوْلُهُ بِراجِحٍ؛ لِأنَّ ”زَيْدٌ ضَرَبْتُهُ“ أفْصَحُ وأكْثَرُ مِن ”زَيْدًا ضَرْبَتُهُ“؛ ولِأنَّ مَعْمُولَ ما بَعْدَ حَرْفِ الِاسْتِقْبالِ مُخْتَلَفٌ في جَوازِ تَقْدِيمِهِ في نَحْوِ: سَأضْرِبُ زَيْدًا، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا يَجُوزُ الِاشْتِغالُ. فالأجْوَدُ الحَمْلُ عَلى ما لا خِلافَ فِيهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ: سَيُؤْتِيهِمْ بِالياءِ عَوْدًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿والمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ . وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ. عَلى الِالتِفاتِ. ومُناسِبَةِ (وأعْتَدْنا) .
﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَبَبُ نُزُولِها أنَّ سُكَيْنًا الحبْرَ وعَدِيَّ بْنَ زَيْدٍ قالا: يا مُحَمَّدُ ما نَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ عَلى بَشَرٍ شَيْئًا بَعْدَ مُوسى، ولا أوْحى إلَيْهِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [النساء: ١٥٣] الآياتِ، فَتُلِيَتْ عَلَيْهِمْ، وسَمِعُوا الخَبَرَ بِأعْمالِهِمُ الخَبِيثَةِ قالُوا: ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ، ولا عَلى عِيسى، وجَحَدُوا جَمِيعَ ذَلِكَ فَنَزَلَتْ: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا﴾ [الأنعام: ٩١] الآيَةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ جَوابٌ لِأهْلِ الكِتابِ عَنْ سُؤالِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ، واحْتِجاجِهِمْ عَلَيْهِمْ بِأنَّ شَأْنَهُ في الوَحْيِ إلَيْهِ كَسائِرِ الأنْبِياءِ الَّذِينَ سَلَفُوا، انْتَهى. وقَدَّمَ نُوحًا وجَرَّدَهُ مِنهم في الذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ الأبُ الثّانِي، وأوَّلُ الرُّسُلِ، ودَعْوَتُهُ عامَّةٌ لِجَمِيعِ مَن كانَ إذْ ذاكَ في الأرْضِ، كَما أنَّ دَعْوَةَ مُحَمَّدٍ عامَّةٌ لِجَمِيعِ مَن في الأرْضِ.
﴿وأوْحَيْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وعِيسى وأيُّوبَ ويُونُسَ وهارُونَ وسُلَيْمانَ﴾ خَصَّ تَعالى بِالذِّكْرِ هَؤُلاءِ تَشْرِيفًا وتَعْظِيمًا لَهم، وبَدَأ بِإبْراهِيمَ لِأنَّهُ الأبُ الثّالِثُ، وقَدَّمَ عِيسى عَلى مَن بَعْدَهُ تَخْفِيفًا لِنُبُوَّتِهِ، وقَطْعًا لِما رَآهُ اليَهُودُ فِيهِ، ودَفْعًا لِاعْتِقادِهِمْ، وتَعْظِيمًا لَهُ عِنْدَهم، وتَنْوِيهًا بِاتِّساعِ دائِرَتِهِ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ نَسَبِ نُوح وإبْراهِيمَ وهارُونَ في نَسَبِ أخِيهِ مُوسى. وأمّا أيُّوبُ فَذَكَرَ الحُسَيْنُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ القاضِي الفاضِلِ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ عَلِيِّ النَّيْسابُورِيِّ نَسَبَهُ فَقالَ: أيُّوبُ بْنُ أمْوَصَ بْنِ بارِحِ بْنِ تُورَمَ بْنِ العِيصِ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ، وأُمُّهُ مِن ولَدِ لُوطِ بْنِ هارُونَ. وأمّا يُونُسُ فَهو يُونُسُ بْنُ مَتّى. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ ابْنِ جَمّازٍ عَنْهُ: يُونِسُ بِكَسْرِ النُّونِ، وهي لُغَةٌ لِبَعْضِ العَرَبِ. وقَرَأ النَّخَعِيُّ، وابْنُ وثّابٍ: بِفَتْحِها، وهي لُغَةٌ لِبَعْضِ عَقِيلٍ، وبَعْضُ العَرَبِ يَهْمِزُ ويَكْسِرُ، وبَعْضُ أسَدٍ يَهْمِزُ ويَضُمُّ النُّونَ، ولُغَةُ الحِجازِ ما قَرَأ بِهِ الجُمْهُورُ مِن تَرْكِ الهَمْزِ، وضَمِّ النُّونِ.
(وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا) أيْ كِتابًا. وكُلُّ كِتابٍ يُسَمّى زَبُورًا، وغَلَبَ عَلى الكِتابِ الَّذِي أوْحاهُ اللَّهُ إلى داوُدَ. وهو فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كالحَلُوبِ والرَّكُوبِ، ولا يَطَّرِدُ، وهو مِائَةٌ وخَمْسُونَ سُورَةً لَيْسَ فِيها حُكْمٌ ولا حَرامٌ ولا حَلالٌ؛ إنَّما هي حِكَمٌ ومَواعِظُ، وقَدْ قَرَأْتُ جُمْلَةً مِنها بِبِلادِ الأنْدَلُسِ. قِيلَ: وقَدَّمَ سُلَيْمانُ في الذِّكْرِ عَلى داوُدَ لِتَوَفُّرِ عِلْمِهِ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩] والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ عِيسى وأيُّوبَ ويُونُسَ؛ لِأنَّهم أصْحابُ امْتِحانٍ، وبَلايا في الدُّنْيا، وجَمَعَ بَيْنَ هارُونَ، وسُلَيْمانَ؛ لِأنَّ هارُونَ كانَ مُحَبَّبًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ مُعَظَّمًا مُؤْثَرًا، وأمّا سُلَيْمانُ فَكانَ مُعَظَّمًا عِنْدَ النّاسِ قاهِرًا لَهم مُسْتَحِقًّا لَهُ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ؛ فَجَمَعَهُما التَّحْبِيبُ والتَّعْظِيمُ. وتَأخَّرَ ذِكْرُ داوُدَ لِتَشْرِيفِهِ بِذِكْرِ كِتابِهِ، وإبْرازِهِ في جُمْلَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ لَهُ بِالذِّكْرِ ولِكِتابِهِ؛ فَما فاتَهُ مِنَ التَّقْدِيمِ اللَّفْظِيِّ حَصَلَ بِهِ التَّضْعِيفُ مِنَ التَّشْرِيفِ المَعْنَوِيِّ.
وقَرَأ حَمْزَةُ (زُبُورًا) بِضَمِّ الزّايِ. قالَ أبُو البَقاءِ: وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَصْدَرٌ كالقُعُودِ يُسَمّى بِهِ الكِتابُ المُنَزَّلُ عَلى داوُدَ. والثّانِي: أنَّهُ جَمْعُ زَبُورٍ عَلى حَذْفِ الزّائِدِ، وهو الواوُ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: كَما قالُوا طَرِيقٌ وطُرُوقٌ، وكَرَوانٌ، وكُرُوانٌ، ووَرَشانُ، ووُرُشانٌ، مِمّا يُجْمَعُ بِحَذْفِ الزِّيادَةِ. ويُقَوِّي هَذا التَّوْجِيهَ أنَّ التَّكْسِيرَ مِثْلُ التَّصْغِيرِ، وقَدِ اطَّرَدَ هَذا المَعْنى في تَصْغِيرِ التَّرْخِيمِ نَحْوَ أزْهَرَ وزُهَيْرٍ، والحارِثِ وحُرَيْثٍ، وثابِتٍ وثُبَيْتٍ والجَمْعُ مِثْلُهُ في القِياسِ، وإنْ كانَ أقَلَّ مِنهُ في الِاسْتِعْمالِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: ويُحْتَمَلُ (p-٣٩٨)أنْ يَكُونَ جَمْعَ زُبُرٍ أُوقِعَ عَلى المَزْبُورِ كَما قالُوا: ضَرْبُ الأمِيرِ، ونَسْجُ اليَمَنِ. وكَما سُمِّيَ المَكْتُوبُ كِتابًا.
﴿ورُسُلًا قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ﴾؛ أيْ ذَكَرْنا أخْبارَهم لَكَ.
﴿ورُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ﴾ رُوِيَ مِن حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ: أنَّهُ سَألَ عَنِ المُرْسَلِينَ؛ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كانَ المُرْسَلُونَ ثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ» . قالَ القُرْطُبِيُّ: هَذا أصَحُّ ما رُوِيَ في ذَلِكَ؛ خَرَّجَهُ الآجُرِّيُّ، وأبُو حاتِمٍ البُسْتِيُّ في مُسْنَدٍ صَحِيحٍ لَهُ. وفي حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ هَذا: أنَّهُ سَألَهُ «كَمْ كانَ الأنْبِياءُ ؟ فَقالَ: مِائَةُ ألْفِ نَبِيٍّ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفَ نَبِيٍّ» . ورُوِيَ عَنْ أنَسٍ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بُعِثَ عَلى أثَرِ ثَمانِيَةِ ألْفٍ مِنَ الأنْبِياءِ مِنهم أرْبَعَةُ آلافٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ. ورُوِيَ عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ أنَّهُ قالَ: الأنْبِياءُ ألْفُ ألْفٍ وأرْبَعُمِائَةِ ألْفٍ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ما ذُكِرَ مِن عَدَدِ الأنْبِياءِ غَيْرُ صَحِيحٍ واللَّهُ أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ، انْتَهى.
وانْتِصابُ ورُسُلًا عَلى إضْمارِ فِعْلٍ؛ أيْ قَدْ قَصَصْنا رُسُلًا عَلَيْكَ؛ فَهو مِن بابِ الِاشْتِغالِ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قَدْ قَصَصْناهُمْ﴾ مُفَسِّرَةٌ لِذَلِكَ الفِعْلِ المَحْذُوفِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا قِراءَةُ أُبَيٍّ، ورُسُلٌ بِالرَّفْعِ في المَوْضِعَيْنِ عَلى الِابْتِداءِ. وجازَ الِابْتِداءُ بِالنَّكِرَةِ هُنا؛ لِأنَّهُ مَوْضِعُ تَفْصِيلٍ كَما أنْشَدُوا: فَثَوْبٌ لَبِسْتُ وثَوْبٌ أجُرُّ.
وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎بِشِقٍّ وشِقٌّ عِنْدَنا لَمْ يُحَوَّلِ
ومِن حُجَجِ النَّصْبِ عَلى الرَّفْعِ كَوْنُ العَطْفِ عَلى جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ، وهي وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الرَّفْعُ عَلى تَقْدِيرِ وهم: رُسُلٌ؛ فَعَلى قَوْلِهِ يَكُونُ ﴿قَدْ قَصَصْناهُمْ﴾ جُمْلَةً في مَوْضِعِ الصِّفَةِ. وجَوَّزُوا أيْضًا نَصْبَ، ورُسُلًا مِن وجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ المَعْنى: إنّا أرْسَلْناكَ وأرْسَلْنا رُسُلًا لِأنَّ الرَّدَّ عَلى اليَهُودِ إنَّما هو في إنْكارِهِمْ إرْسالَ الرُّسُلِ واطِّرادَ الوَحْيِ.
﴿وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ هَذا إخْبارٌ بِأنَّ اللَّهَ شَرَّفَ مُوسى بِكَلامِهِ، وأكَّدَ بِالمَصْدَرِ دَلالَةً عَلى وُقُوعِ الفِعْلِ عَلى حَقِيقَتِهِ لا عَلى مَجازِهِ، هَذا هو الغالِبُ. وقَدْ جاءَ التَّأْكِيدُ بِالمَصْدَرِ في المَجازِ إلّا أنَّهُ قَلِيلٌ. فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ هِنْدَ بِنْتِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ الأنْصارِيِّ:
؎بَكى الخَزُّ مِن عَوْفٍ وأنْكَرَ جِلْدُهُ ∗∗∗ وعَجَّتْ عَجِيجًا مِن جُذامَ المَطارِفُ
وقالَ ثَعْلَبٌ: لَوْلا التَّأْكِيدُ بِالمَصْدَرِ لَجازَ أنْ تَقُولَ: قَدْ كَلَّمْتُ لَكَ فُلانًا بِمَعْنى كَتَبْتُ إلَيْهِ رُقْعَةً، وبَعَثْتُ إلَيْهِ رَسُولًا؛ فَلَمّا قالَ: تَكْلِيمًا لَمْ يَكُنْ إلّا كَلامًا مَسْمُوعًا مِنَ اللَّهِ تَعالى. ومَسْألَةُ الكَلامِ مِمّا طالَ فِيهِ الكَلامُ، واخْتَلَفَ فِيها عُلَماءُ الإسْلامِ؛ وبِهَذِهِ المَسْألَةِ سُمِّيَ عِلْمُ أُصُولِ الدِّينِ بِعِلْمِ الكَلامِ، وهي مَسْألَةٌ يُبْحَثُ عَنْها في أُصُولِ الدِّينِ. وقَرَأ إبْراهِيمُ بْنُ وثّابٍ (وكَلَّمَ اللَّهَ) بِالنَّصْبِ عَلى أنَّ مُوسى هو المُكَلِّمُ. ومِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ أنَّهُ مِنَ الكَلْمِ، وأنَّ مَعْناهُ: وجَرَحَ اللَّهُ مُوسى بِأظْفارِ المِحَنِ، ومَخالِبِ الفِتَنِ. وقالَ كَعْبٌ: كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى بِالألْسِنَةِ كُلِّها، فَجَعَلَ مُوسى يَقُولُ: رَبِّ لا أفْهَمُ؛ حَتّى كَلَّمَهُ بِلِسانِ مُوسى آخِرَ الألْسِنَةِ.
﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾؛ أيْ يُبَشِّرُونَ بِالجَنَّةِ مَن أطاعَ، ويُنْذِرُونَ بِالنّارِ مَن عَصى. وأرادَ تَعالى أنْ يَقْطَعَ بِالرُّسُلِ احْتِجاجَ مَن يَقُولُ: لَوْ بُعِثَ إلَيَّ رَسُولٌ آمَنتُ. وفي الحَدِيثِ: ولَيْسَ أحَدٌ أحَبَّ إلَيْهِ العُذْرُ مِنَ اللَّهِ فَمِن أجْلِ ذَلِكَ أنْزَلَ الكُتُبَ، وأرْسَلَ الرُّسُلَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَكُونُ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ قَبْلَ الرُّسُلِ، وهم مَحْجُوجُونَ بِما نَصَبَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الأدِلَّةِ الَّتِي النَّظَرُ فِيها مُوصِلٌ إلى المَعْرِفَةِ والرُّسُلُ في أنْفُسِهِمْ لَمْ يَتَوَصَّلُوا إلى المَعْرِفَةِ إلّا بِالنَّظَرِ في تِلْكَ الأدِلَّةِ، ولا عَرَفُوا أنَّهم رُسُلُ اللَّهِ إلّا بِالنَّظَرِ فِيها ؟ قُلْتُ: الرُّسُلُ مَنهِيُّونَ عَنِ الغَفْلَةِ، وباعِثُونَ عَلى النَّظَرِ كَما تَرى عُلَماءَ العَدْلِ والتَّوْحِيدِ، مَعَ تَبْلِيغِ ما حَمَلُوهُ مِن تَفْصِيلِ أُمُورِ الدِّينِ، وبَيانِ أحْوالِ التَّكْلِيفِ، وتَعَلُّمِ الشَّرائِعِ؛ فَكانَ إرْسالُهم إزاحَةً لِلْعِلَّةِ، وتَتْمِيمًا (p-٣٩٩)لِإلْزامِ الحُجَّةِ؛ لِئَلّا يَقُولُوا: لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا، فَيُوقِظُنا مِن سِنَةِ الغَفْلَةِ، ويُنَبِّهُنا لَما وجَبَ الِانْتِباهُ لَهُ انْتَهى. وقَوْلُهُ: لِئَلّا هو كالتَّعْلِيلِ لِحالَتَيِ: التَّبْشِيرِ والإنْذارِ. والتَّبْشِيرُ هو بِالجَنَّةِ والإنْذارُ هو بِالنّارِ. ولَيْسَ الثَّوابُ والعِقابُ حاكِمًا بِوُجُوبِهِما العَقْلُ؛ وإنَّما هو مُجَوِّزٌ لَهُما، وجاءَ السَّمْعُ فَصارا واجِبًا وُقُوعُهُما، ولَمْ يُسْتَفَدْ وُجُوبُهُما إلّا مِنَ البِشارَةِ والنِّذارَةِ. فَلَوْ لَمْ يُبَشِّرِ الرُّسُلُ بِالجَنَّةِ لِمَنِ امْتَثَلَ التَّكالِيفَ الشَّرْعِيَّةَ، ولَمْ يُنْذِرُوا بِالنّارِ مَن لَمْ يَمْتَثِلْ، وكانَتْ تَقَعُ المُخالَفَةُ المُتَرَتِّبُ عَلَيْها العِقابُ بِما لا شُعُورَ لِلْمُكَلَّفِ بِها مِن حَيْثُ إنَّ اللَّهَ لا يَبْعَثُ إلَيْهِ مَن يُعْلِمُهُ بِأنَّ تِلْكَ مَعْصِيَةٌ؛ لَكانَتْ لَهُ الحُجَّةُ إذْ عُوقِبَ عَلى شَيْءٍ لَمْ يَتَقَدَّمْ إلَيْهِ في التَّحْذِيرِ مِن فِعْلِهِ، وأنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ العِقابُ. وأمّا ما نَصَبَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ فَهي مُوَصِّلَةٌ إلى المَعْرِفَةِ والإيمانِ بِاللَّهِ عَلى ما يَجِبُ، والعِلَلُ في الآيَةِ هو غَيْرُ المَعْرِفَةِ والإيمانِ بِاللَّهِ؛ فَلا يَرِدُ سُؤالُ الزَّمَخْشَرِيِّ. وانْتَصَبَ رُسُلًا عَلى البَدَلِ، وهو الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِانْتِصابِهِ عَلى التَّكْرِيرِ. قالَ: والأوْجَهُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى المَدْحِ. وجَوَّزَ غَيْرُهُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِأرْسَلْنا مُقَدَّرَةً، وأنْ يَكُونَ حالًا مُوَطِّئَةً. و(لِئَلّا) مُتَعَلِّقَةٌ بِمُنْذِرِينَ عَلى طَرِيقِ الإعْمالِ. وجَوَّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمُقَدَّرٍ؛ أيْ أرْسَلْناهم بِذَلِكَ؛ أيْ بِالبِشارَةِ والنِّذارَةِ لِئَلّا يَكُونَ
(وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا)؛ أيْ لا يُغالِبُهُ شَيْءٌ، ولا حُجَّةَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ، صادِرَةٌ أفْعالُهُ عَنْ حِكْمَةٍ، فَلِذَلِكَ قَطَعَ الحُجَّةَ بِإرْسالِ الرُّسُلِ. وقِيلَ عَزِيزًا في عِقابِ الكُفّارِ حَكِيمًا في الإعْذارِ بَعْدَ تَقَدُّمِ الإنْذارِ.
﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أنْزَلَ إلَيْكَ﴾ الِاسْتِدْراكُ بِـ (لَكِنْ) يَقْتَضِي تَقَدُّمَ جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ؛ لِأنَّ (لَكِنْ) لا يُبْتَدَأُ بِها؛ فالتَّقْدِيرُ ما رُوِيَ في سَبَبِ النُّزُولِ، وهو: أنَّهُ لَمّا نَزَلَ إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ قالُوا: ما نَشْهَدُ لَكَ بِهَذا، لَكِنْ اللَّهُ يَشْهَدُ، وشَهادَتُهُ تَعالى بِما أنْزَلَهُ إلَيْهِ إثْباتُهُ بِإظْهارِ المُعْجِزاتِ كَما تَثْبُتُ الدَّعاوى بِالبَيِّناتِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ والجَرّاحُ الحَكَمِيُّ (لَكِنَّ اللَّهَ) بِالتَّشْدِيدِ، ونَصْبِ الجَلالَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ (بِما أُنْزِلُ إلَيْكَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
﴿أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ قَرَأ السُّلَمِيُّ: نَزَّلَهُ مُشَدَّدًا. قالَ الزَّجّاجُ: أنْزَلَهُ وفِيهِ عِلْمُهُ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: أنْزَلَهُ مِن عِلْمِهِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أنْزَلَهُ إلَيْكَ بِعِلْمٍ مِنهُ أنَّكَ خِيرَتُهُ مِن خَلْقِهِ. وقِيلَ أنْزَلَهُ إلَيْكَ بِعِلْمِهِ أنَّكَ أهْلُ إنْزالِهِ عَلَيْكَ لِقِيامِكَ بِحَقِّهِ وعِلْمِكَ بِما فِيهِ، وحُسْنِ دُعائِكَ إلَيْهِ، وحَثِّكَ عَلَيْهِ. وقِيلَ بِما يَحْتاجُ إلَيْهِ العِبادُ. وقِيلَ بِعِلْمِهِ أنَّكَ تُبَلِّغُهُ إلى عِبادِهِ مِن غَيْرِ تَبْدِيلٍ ولا زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذِهِ الآيَةُ مِن أقْوى مُتَعَلِّقاتِ أهْلِ السُّنَّةِ في إثْباتِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، خِلاِفًا لِلْمُعْتَزِلَةِ في أنَّهم يَقُولُونَ: عالِمٌ بِلا عِلْمٍ. والمَعْنى عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ: أنْزَلَهُ وهو يَعْلَمُ إنْزالَهُ ونُزُولَهُ. ومَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ في هَذِهِ الآيَةِ: أنَّهُ أنْزَلَهُ مُقْتَرِنًا بِعِلْمِهِ؛ أيْ فِيهِ عِلْمُهُ مِن غُيُوبٍ وأوامِرَ، ونَحْوِ ذَلِكَ؛ فالعِلْمُ عِبارَةٌ عَنِ المَعْلُوماتِ الَّتِي في القُرْآنِ كَما هو في قَوْلِ الخَضِرِ، ما نَقَصَ عِلْمِي، وعِلْمُكَ مِن عِلْمِ اللَّهِ إلّا كَما يُنْقِصُ هَذا العُصْفُورُ مِن هَذا البَحْرِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنْزَلَهُ مُلْتَبِسًا بِعِلْمِهِ الخاصِّ الَّذِي لا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ، وهو تَأْلِيفُهُ عَلى نَظْمٍ وأُسْلُوبٍ يَعْجِزُ عَنْهُ كُلُّ بَلِيغٍ وصاحِبُ بَيانٍ، ومَوْقِعُهُ مِمّا قَبْلَهُ مَوْقِعُ الجُمْلَةِ المُفَسِّرَةِ؛ لِأنَّهُ بَيانٌ لِلشَّهادَةِ بِصِحَّتِهِ أنَّهُ أنْزَلَهُ بِالنَّظْمِ المُعْجِزِ الفائِتِ لِلْقَدْرِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أنْزَلَهُ وهو عالِمٌ بِهِ رَقِيبٌ عَلَيْهِ حافِظٌ لَهُ مِنَ الشَّياطِينِ بِرَصَدٍ مِنَ المَلائِكَةِ.
﴿والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾؛ أيْ بِما أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ. وشَهادَةُ المَلائِكَةِ تَبَعٌ لِشَهادَةِ اللَّهِ، وقَدْ عَلِمَ بِشَهادَةِ اللَّهِ لَهُ إذْ أظْهَرَ عَلى يَدَيْهِ المُعْجِزاتِ، وهَذا عَلى سَبِيلِ التَّسْلِيَةِ لَهُ عَنْ تَكْذِيبِ اليَهُودِ، إنْ كَذَّبَكَ اليَهُودُ وكَذَّبُوا ما جِئْتَ بِهِ مِنَ الوَحْيِ، فَلا تُبالِ فَإنَّ اللَّهَ يَشْهَدُ لَكَ ومَلائِكَتَهُ؛ فَلا تَلْتَفِتْ إلى تَكْذِيبِهِمْ.
(وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا)؛ أيْ، وإنْ لَمْ يَشْهَدْ غَيْرُهُ ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٩] .
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا﴾؛ أيْ ضَلالًا لا يَقْرُبُ رُجُوعُهم عَنْهُ، ولا تَخَلُّصُهم مِنهُ؛ لِأنَّهُ يَعْتَقِدُ عَنْ نَفْسِهِ أنَّهُ مُحِقٌ ثُمَّ يَتَوَسَّلُ بِذَلِكَ الضَّلالِ إلى (p-٤٠٠)اكْتِسابِ المالِ والجاهِ وإلْقاءِ غَيْرِهِ فِيهِ، فَهو ضَلالٌ في أقْصى غاياتِهِ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وابْنُ هُرْمُزَ: وصُدُّوا بِضَمِّ الصّادِ، قِيلَ، وهي في اليَهُودِ.
النساء 4:161
﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهم وبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ ﴿وأخْذِهِمُ الرِّبا وقَدْ نُهُوا عَنْهُ وأكْلِهِمْ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنهم عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ مِنهم والمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ والمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وأوْحَيْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وعِيسى وأيُّوبَ ويُونُسَ وهارُونَ وسُلَيْمانَ وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ ﴿ورُسُلًا قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ورُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أنْزَلَ إلَيْكَ أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا﴾ [النساء: ١٦٨] ﴿إلّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ١٦٩] ﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالحَقِّ مِن رَبِّكم فَآمِنُوا خَيْرًا لَكم وإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٧٠] ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكم ولا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكم إنَّما اللَّهُ إلَهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ [النساء: ١٧١] ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ ومَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ ويَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهم إلَيْهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٧٢] الغُلُوُّ: تَجاوُزُ الحَدِّ. ومِنهُ غَلا السِّعْرُ، وغَلْوَةُ السَّهْمِ. الِاسْتِنْكافُ: الأنَفَةُ والتَّرَفُّعُ مِن نَكَفْتُ الدَّمْعَ إذا نَحَّيْتَهُ بِأُصْبُعِكَ مِن حَدِّكَ، ومَنَعْتَهُ مِنَ الجَرْيِ قالَ:
؎فَباتُوا فَلَوْلا ما تَدَكَّرَ مِنهُمُ مِنَ الحَلْقِ لَمْ يَنْكَفْ بِعَيْنِكَ مَدْمَعُ
وسُئِلَ أبُو العَبّاسِ عَنِ الِاسْتِنْكافِ فَقالَ: هو مِنَ النَّكْفِ، يُقالُ: ما عَلَيْهِ في هَذا الأمْرِ نَكْفٌ، ولا وكَفٌ، والنَّكْفُ أنْ يُقالَ لَهُ سُوءٌ، واسْتَنْكَفَ دَفَعَ ذَلِكَ السُّوءَ.
﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ المَعْنى: فَبِظُلْمٍ عَظِيمٍ، أوْ فَبِظُلْمٍ أيَّ ظُلْمٍ. وحَذْفُ الصِّفَةَ لِفَهْمِ المَعْنى جائِزٌ؛ كَما قالَ: لَقَدْ وقَعْتَ عَلى لَحْمٍ؛ أيَّ لَحْمٍ مُتَّبَعٍ، ويَتَعَلَّقُ بِحَرَّمْنا. وتَقَدَّمَ السَّبَبُ عَلى المُسَبَّبِ تَنْبِيهًا عَلى فُحْشِ الظُّلْمِ، وتَقْبِيحًا لَهُ، وتَحْذِيرًا مِنهُ. والطَّيِّباتُ هي ما ذُكِرَ في قَوْلِهِ: (وعَلى الَّذِينَ هادُوا) وحُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الألْبانُ وبَعْضُ الطَّيْرِ والحُوتُ، وأُحِلَّتْ لَهم صِفَةُ الطَّيِّباتِ بِما كانَتْ عَلَيْهِ. وأوْضَحَ ذَلِكَ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ: طَيِّباتٍ كانَتْ أُحِلَّتْ لَهم.
﴿وبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ أيْ ناسًا كَثِيرًا؛ فَيَكُونُ كَثِيرًا مَفْعُولًا بِالمَصْدَرِ؛ وإلَيْهِ ذَهَبَ الطَّبَرِيُّ. قالَ: صَدُّوا بِجَحْدِهِمْ أمْرَ مُحَمَّدٍ جَمْعًا عَظِيمًا مِنَ النّاسِ، أوْ صَدَّ كَثِيرًا. وقَدَّرَهُ بَعْضُهم زَمانًا كَثِيرًا.
﴿وأخْذِهِمُ الرِّبا وقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾، وهَذِهِ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ تُفِيدُ تَأْكِيدَ قُبْحِ فِعْلِهِمْ، (p-٣٩٥)وسُوءِ صَنِيعِهِمْ؛ إذْ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ يَجِبُ أنْ يُبْعَدَ عَنْهُ. قالُوا: والرِّبا مُحَرَّمٌ في جَمِيعِ الشَّرائِعِ.
﴿وأكْلِهِمْ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ﴾؛ أيِ الرُّشا الَّتِي كانُوا يَأْخُذُونَها مِن سِفْلَتِهِمْ في تَحْرِيفِ الكِتابِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ فُصِّلَتْ أنْواعُ الظُّلْمِ المُوجِبِ لِتَحْرِيمِ الطَّيِّباتِ. قِيلَ كانُوا كُلَّما أحْدَثُوا ذَنْبًا حُرِّمَ عَلَيْهِمْ بَعْضُ الطَّيِّباتِ، وأُهْمِلَ هُنا تَفْصِيلُ الطَّيِّباتِ؛ بَلْ ذُكِرَتْ نَكِرَةً مُبْهَمَةً. وفي المائِدَةِ فَصَّلَ أنْواعَ ما حَرَّمَ، ولَمْ يُفَصِّلِ السَّبَبَ. فَقِيلَ ذَلِكَ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ، وأُعِيدَتِ الباءُ في: (وبِصَدِّهِمْ) لِبُعْدِهِ عَنِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِالفَصْلِ بِما لَيْسَ مَعْمُولًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ؛ بَلْ في العامِلِ فِيهِ. ولَمْ يَعُدْ في: (وأخْذِهِمْ)، وأكْلِهِمْ؛ لِأنَّ الفَصْلَ وقَعَ بِمَعْمُولِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ. ونَظِيرُ إعادَةِ الحَرْفِ وتَرْكِ إعادَتِهِ قَوْلُهُ: (فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم) الآيَةَ. وبُدِئَ في أنْواعِ الظُّلْمِ بِما هو أهَمُّ، وهو أمْرُ الدِّينِ، وهو الصَّدُّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ بِأمْرِ الدُّنْيا، وهو ما يَتَعَلَّقُ بِهِ الأذى في بَعْضِ المالِ، ثُمَّ ارْتَقى إلى الأبْلَغِ في المالِ الدُّنْيَوِيِّ، وهو أكْلُهُ بِالباطِلِ؛ أيْ مَجّانًا لا عِوَضَ فِيهِ. وفي ذِكْرِ هَذِهِ الآيَةِ امْتِنانٌ عَلى وجْهِ الأُمَّةِ حَيْثُ لَمْ يُعامِلْهم مُعامَلَةَ اليَهُودِ فَيُحَرِّمَ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا الطَّيِّباتِ عُقُوبَةً لَهم بِذُنُوبِهِمْ.
(وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنهم عَذابًا مُهِينًا) لَمّا ذَكَرَ عُقُوبَةَ الدُّنْيا، ذَكَرَ ما أعَدَّ لَهم في الآخِرَةِ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ التَّحْرِيمُ عامًّا لِلْيَهُودِ بِسَبَبِ ظُلْمِ مَن ظَلَمَ مِنهم؛ فالتَزَمَهُ ظالِمُهم، وغَيْرُ ظالِمِهِمْ كَما قالَ تَعالى: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] بَيَّنَ أنَّ العَذابَ الألِيمَ؛ إنَّما أُعِدَّ لِلْكافِرِينَ مِنهم، فَلِذَلِكَ لَمْ يَأْتِ، وأعْتَدْنا لَهم.
﴿لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ مِنهم والمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ والمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أجْرًا عَظِيمًا﴾ مَجِيءُ (لَكِنْ) هُنا في غايَةِ الحُسْنِ؛ لِأنَّها داخِلَةٌ بَيْنَ نَقِيضَيْنِ وجَزائِهِما، وهُمُ الكافِرُونَ والعَذابُ الألِيمُ والمُؤْمِنُونَ والأجْرُ العَظِيمُ والرّاسِخُونَ الثّابِتُونَ المُنْتَصِبُونَ المُسْتَبْصِرُونَ مِنهم: كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأضْرابِهِ، والمُؤْمِنُونَ يَعْنِي مِنهم، أوِ المُؤْمِنُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ. والظّاهِرُ أنَّهُ عامٌّ في مَن آمَنَ.
وارْتَفَعَ الرّاسِخُونَ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ يُؤْمِنُونَ لا غَيْرَ؛ لِأنَّ المَدْحَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ تَمامِ الجُمْلَةِ. ومَن جَعَلَ الخَبَرَ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ فَقَوْلُهُ ضَعِيفٌ، وانْتَصَبَ المُقِيمِينَ عَلى المَدْحِ، وارْتَفَعَ والمُؤْتُونَ أيْضًا عَلى إضْمارٍ، وهم عَلى سَبِيلِ القَطْعِ إلى الرَّفْعِ. ولا يَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ عَلى المَرْفُوعِ قَبْلَهُ؛ لِأنَّ النَّعْتَ إذا انْقَطَعَ في شَيْءٍ مِنهُ لَمْ يَعُدْ ما بَعْدَهُ إلى إعْرابِ المَنعُوتِ، وهَذا القَطْعُ لِبَيانِ فَضْلِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ؛ فَكَثُرَ الوَصْفُ بِأنْ جُعِلَ في جُمَلٍ.
وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، والجَحْدَرِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ، وعِصْمَةُ عَنِ الأعْمَشِ، ويُونُسُ وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: والمُقِيمُونَ بِالرَّفْعِ نَسَقًا عَلى الأوَّلِ، وكَذا هو في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قالَهُ الفَرّاءُ. ورُوِيَ أنَّها كَذَلِكَ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ. وقِيلَ بَلْ هي فِيهِ والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ كَمُصْحَفِ عُثْمانَ. وذُكِرَ عَنْ عائِشَةَ وأبانِ بْنِ عُثْمانَ: إنَّ كَتْبَها بِالياءِ مِن خَطَأِ كاتِبِ المُصْحَفِ، ولا يَصِحُّ عَنْهُما ذَلِكَ؛ لِأنَّهُما (p-٣٩٦)عَرَبِيّانِ فَصِيحانِ، قَطْعُ النُّعُوتِ أشْهَرُ في لِسانِ العَرَبِ، وهو بابٌ واسِعٌ ذَكَرَ عَلَيْهِ شَواهِدَ سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ، وعَلى القَطْعِ خَرَّجَ سِيبَوَيْهِ ذَلِكَ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولا نَلْتَفِتُ إلى ما زَعَمُوا مِن وُقُوعِهِ لَحْنًا في خَطِّ المُصْحَفِ، ورُبَّما التَفَتَ إلَيْهِ مَن يَنْظُرُ في الكِتابِ، ولَمْ يَعْرِفْ مَذاهِبَ العَرَبِ، وما لَهم في النَّصْبِ عَلى الِاخْتِصاصِ مِنَ الِافْتِتانِ، وعَنى عَلَيْهِ: أنَّ السّابِقِينَ الأوَّلِينَ الَّذِينَ مَثَلُهم في التَّوْراةِ، ومَثَلُهم في الإنْجِيلِ كانُوا أبْعَدَ هِمَّةً في الغَيْرَةِ عَلى الإسْلامِ، وذَبِّ المَطاعِنِ عَنْهُ مِن أنْ يَتْرُكُوا في كِتابِ اللَّهِ ثُلْمَةً يَسُدُّها مَن بَعْدَهم، وخَرْقًا يَرْفُوهُ مَن يَلْحَقُ بِهِمُ، انْتَهى. ويَعْنِي بِقَوْلِهِ: مَن لَمْ يَنْظُرْ في الكِتابِ كِتابَ سِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللَّهُ فَإنَّ اسْمَ الكِتابِ عَلَمٌ عَلَيْهِ، ولِجَهْلِ مَن يُقْدِمُ عَلى تَفْسِيرِ كِتابِ اللَّهِ وإعْرابِ ألْفاظِهِ بِغَيْرِ أحْكامِ عِلْمِ النَّحْوِ جَوَّزُوا في عَطْفِ والمُقِيمِينَ وُجُوهًا: أحَدُها: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ؛ أيْ يُؤْمِنُونَ بِالكُتُبِ وبِالمُقِيمِينَ الصَّلاةَ. واخْتَلَفُوا في هَذا الوَجْهِ مَنِ المَعْنِيُّ بِالمُقِيمِينَ الصَّلاةَ، فَقِيلَ الأنْبِياءُ ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ. وقِيلَ المَلائِكَةُ؛ ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقِيلَ المُسْلِمُونَ والتَّقْدِيرُ: ونَدْبُ المُقِيمِينَ؛ ذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ مَعْناهُ. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الضَّمِيرِ في مِنهم؛ أيْ لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ مِنهم ومِنَ المُقِيمِينَ ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَلى قَوْمٍ لَمْ يُسَمِّهِمْ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الكافِ في أُولَئِكَ؛ أيْ ما أُنْزِلُ إلَيْكَ وإلى المُقِيمِينَ الصَّلاةَ. الوَجْهُ الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى كافِ قَبْلَكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ التَّقْدِيرُ: وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ، وقِيلَ المُقِيمِينَ الصَّلاةَ. الوَجْهُ الخامِسُ: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى كافِ قَبْلَكَ، ويَعْنِي الأنْبِياءَ؛ ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَرْقٌ بَيْنَ الآيَةِ والبَيْتِ يَعْنِي بَيْتَ الخِرْنَقِ، وكانَ أنْشَدَهُ قَبْلُ، وهو:
؎النّازِلِينَ بِكُلِّ مُعْتَرَكٍ ∗∗∗ والطَّيِّبُونَ مَعاقِدَ الأُزُرِ
بِحَرْفِ العَطْفِ الَّذِي في الآيَةِ؛ فَإنَّهُ يُمْنَعُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ تَقْدِيرُ الفِعْلِ، وفي هَذا نَظَرٌ، انْتَهى. إنْ مَنَعَ ذَلِكَ أحَدٌ فَهو مَحْجُوجٌ بِثُبُوتِ ذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ مَعَ حَرْفِ العَطْفِ، ولا نَظَرَ في ذَلِكَ كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ. قالَ الشّاعِرُ:
؎ويَأْوِي إلى نِسْوَةٍ عُطْلٍ ∗∗∗ وشُعْثٍ مَراضِيعَ مَثْلِ السَّعالِي
وكَذَلِكَ جَوَّزُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ وُجُوهًا عَلى غَيْرِ الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ: مِن أنَّهُ ارْتَفَعَ عَلى خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ عَلى سَبِيلِ قَطْعِ الصِّفاتِ في المَدْحِ: أحَدُها: أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى الرّاسِخُونَ. الثّانِي: عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في المُؤْمِنُونَ. الثّالِثُ: عَلى الضَّمِيرِ في يُؤْمِنُونَ. الرّابِعُ: أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وما بَعْدَهُ الخَبَرُ، وهو اسْمُ الإشارَةِ، وما يَلِيهِ. وأمّا (المُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) فَعَطْفٌ عَلى ﴿والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ عَلى الوَجْهِ الَّذِي اخْتَرْناهُ في رَفْعِ (والمُؤْتُونَ) .
ولَمّا ذَكَرَ أوَّلًا (والمُؤْمِنُونَ) تَضَمَّنَ الإيمانَ بِما يَجِبُ أنْ يُؤْمِنَ بِهِ، ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم وعَنِ الرّاسِخِينَ أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِالقُرْآنِ وبِالكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، ثُمَّ وصَفَهم بِصِفاتِ المَدْحِ مِنَ امْتِثالِ أشْرَفِ أوْصافِ الإيمانِ الفِعْلِيَّةِ البَدَنِيَّةِ وهي الصَّلاةُ والمالِيَّةِ وهي الزَّكاةُ، ثُمَّ ارْتَقى في المَدْحِ إلى أشْرَفِ الأوْصافِ القَلْبِيَّةِ الِاعْتِقادِيَّةِ، وهي الإيمانُ بِالمُوَحَّدِ الَّذِي أنْزَلَ الكُتُبَ، وشَرَعَ فِيها الصَّلاةَ والزَّكاةَ وبِاليَوْمِ الآخِرِ، وهو البَعْثُ والمَعادُ الَّذِي يَظْهَرُ فِيهِ ثَمَرَةُ الإيمانِ وامْتِثالِ تَكالِيفِ الشَّرْعِ مِنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، وغَيْرِهِما. ثُمَّ إنَّهُ لَمّا اسْتَوْفى ذَلِكَ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ سَيُؤْتِيهِمْ أجْرًا عَظِيمًا، وهو ما رَتَّبَ تَعالى عَلى هَذِهِ الأوْصافِ الجَلِيلَةِ الَّتِي وصَفَهم بِها، وأشارَ إلَيْهِمْ بِأُولَئِكَ لِيَدُلَّ عَلى مَجْمُوعِ تِلْكَ الأوْصافِ. ومَن أعْرَبَ ﴿والمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ مُبْتَدَأً أوْ خَبَرَهُ ما بَعْدَهُ فَهو بِمَعْزِلٍ عَنْ إدْراكِ الفَصاحَةِ. والأجْوَدُ إعْرابُ أُولَئِكَ مُبْتَدَأٌ، ومَن نَصَبَهُ بِإضْمارِ فِعْلٍ تَفْسِيرُهُ ما بَعْدَهُ: أنَّهُ سَيُؤْتِي أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ؛ فَيَجْعَلُهُ (p-٣٩٧)مِن بابِ الِاشْتِغالِ؛ فَلَيْسَ قَوْلُهُ بِراجِحٍ؛ لِأنَّ ”زَيْدٌ ضَرَبْتُهُ“ أفْصَحُ وأكْثَرُ مِن ”زَيْدًا ضَرْبَتُهُ“؛ ولِأنَّ مَعْمُولَ ما بَعْدَ حَرْفِ الِاسْتِقْبالِ مُخْتَلَفٌ في جَوازِ تَقْدِيمِهِ في نَحْوِ: سَأضْرِبُ زَيْدًا، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا يَجُوزُ الِاشْتِغالُ. فالأجْوَدُ الحَمْلُ عَلى ما لا خِلافَ فِيهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ: سَيُؤْتِيهِمْ بِالياءِ عَوْدًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿والمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ . وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ. عَلى الِالتِفاتِ. ومُناسِبَةِ (وأعْتَدْنا) .
﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَبَبُ نُزُولِها أنَّ سُكَيْنًا الحبْرَ وعَدِيَّ بْنَ زَيْدٍ قالا: يا مُحَمَّدُ ما نَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ عَلى بَشَرٍ شَيْئًا بَعْدَ مُوسى، ولا أوْحى إلَيْهِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [النساء: ١٥٣] الآياتِ، فَتُلِيَتْ عَلَيْهِمْ، وسَمِعُوا الخَبَرَ بِأعْمالِهِمُ الخَبِيثَةِ قالُوا: ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ، ولا عَلى عِيسى، وجَحَدُوا جَمِيعَ ذَلِكَ فَنَزَلَتْ: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا﴾ [الأنعام: ٩١] الآيَةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ جَوابٌ لِأهْلِ الكِتابِ عَنْ سُؤالِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ، واحْتِجاجِهِمْ عَلَيْهِمْ بِأنَّ شَأْنَهُ في الوَحْيِ إلَيْهِ كَسائِرِ الأنْبِياءِ الَّذِينَ سَلَفُوا، انْتَهى. وقَدَّمَ نُوحًا وجَرَّدَهُ مِنهم في الذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ الأبُ الثّانِي، وأوَّلُ الرُّسُلِ، ودَعْوَتُهُ عامَّةٌ لِجَمِيعِ مَن كانَ إذْ ذاكَ في الأرْضِ، كَما أنَّ دَعْوَةَ مُحَمَّدٍ عامَّةٌ لِجَمِيعِ مَن في الأرْضِ.
﴿وأوْحَيْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وعِيسى وأيُّوبَ ويُونُسَ وهارُونَ وسُلَيْمانَ﴾ خَصَّ تَعالى بِالذِّكْرِ هَؤُلاءِ تَشْرِيفًا وتَعْظِيمًا لَهم، وبَدَأ بِإبْراهِيمَ لِأنَّهُ الأبُ الثّالِثُ، وقَدَّمَ عِيسى عَلى مَن بَعْدَهُ تَخْفِيفًا لِنُبُوَّتِهِ، وقَطْعًا لِما رَآهُ اليَهُودُ فِيهِ، ودَفْعًا لِاعْتِقادِهِمْ، وتَعْظِيمًا لَهُ عِنْدَهم، وتَنْوِيهًا بِاتِّساعِ دائِرَتِهِ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ نَسَبِ نُوح وإبْراهِيمَ وهارُونَ في نَسَبِ أخِيهِ مُوسى. وأمّا أيُّوبُ فَذَكَرَ الحُسَيْنُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ القاضِي الفاضِلِ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ عَلِيِّ النَّيْسابُورِيِّ نَسَبَهُ فَقالَ: أيُّوبُ بْنُ أمْوَصَ بْنِ بارِحِ بْنِ تُورَمَ بْنِ العِيصِ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ، وأُمُّهُ مِن ولَدِ لُوطِ بْنِ هارُونَ. وأمّا يُونُسُ فَهو يُونُسُ بْنُ مَتّى. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ ابْنِ جَمّازٍ عَنْهُ: يُونِسُ بِكَسْرِ النُّونِ، وهي لُغَةٌ لِبَعْضِ العَرَبِ. وقَرَأ النَّخَعِيُّ، وابْنُ وثّابٍ: بِفَتْحِها، وهي لُغَةٌ لِبَعْضِ عَقِيلٍ، وبَعْضُ العَرَبِ يَهْمِزُ ويَكْسِرُ، وبَعْضُ أسَدٍ يَهْمِزُ ويَضُمُّ النُّونَ، ولُغَةُ الحِجازِ ما قَرَأ بِهِ الجُمْهُورُ مِن تَرْكِ الهَمْزِ، وضَمِّ النُّونِ.
(وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا) أيْ كِتابًا. وكُلُّ كِتابٍ يُسَمّى زَبُورًا، وغَلَبَ عَلى الكِتابِ الَّذِي أوْحاهُ اللَّهُ إلى داوُدَ. وهو فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كالحَلُوبِ والرَّكُوبِ، ولا يَطَّرِدُ، وهو مِائَةٌ وخَمْسُونَ سُورَةً لَيْسَ فِيها حُكْمٌ ولا حَرامٌ ولا حَلالٌ؛ إنَّما هي حِكَمٌ ومَواعِظُ، وقَدْ قَرَأْتُ جُمْلَةً مِنها بِبِلادِ الأنْدَلُسِ. قِيلَ: وقَدَّمَ سُلَيْمانُ في الذِّكْرِ عَلى داوُدَ لِتَوَفُّرِ عِلْمِهِ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩] والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ عِيسى وأيُّوبَ ويُونُسَ؛ لِأنَّهم أصْحابُ امْتِحانٍ، وبَلايا في الدُّنْيا، وجَمَعَ بَيْنَ هارُونَ، وسُلَيْمانَ؛ لِأنَّ هارُونَ كانَ مُحَبَّبًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ مُعَظَّمًا مُؤْثَرًا، وأمّا سُلَيْمانُ فَكانَ مُعَظَّمًا عِنْدَ النّاسِ قاهِرًا لَهم مُسْتَحِقًّا لَهُ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ؛ فَجَمَعَهُما التَّحْبِيبُ والتَّعْظِيمُ. وتَأخَّرَ ذِكْرُ داوُدَ لِتَشْرِيفِهِ بِذِكْرِ كِتابِهِ، وإبْرازِهِ في جُمْلَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ لَهُ بِالذِّكْرِ ولِكِتابِهِ؛ فَما فاتَهُ مِنَ التَّقْدِيمِ اللَّفْظِيِّ حَصَلَ بِهِ التَّضْعِيفُ مِنَ التَّشْرِيفِ المَعْنَوِيِّ.
وقَرَأ حَمْزَةُ (زُبُورًا) بِضَمِّ الزّايِ. قالَ أبُو البَقاءِ: وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَصْدَرٌ كالقُعُودِ يُسَمّى بِهِ الكِتابُ المُنَزَّلُ عَلى داوُدَ. والثّانِي: أنَّهُ جَمْعُ زَبُورٍ عَلى حَذْفِ الزّائِدِ، وهو الواوُ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: كَما قالُوا طَرِيقٌ وطُرُوقٌ، وكَرَوانٌ، وكُرُوانٌ، ووَرَشانُ، ووُرُشانٌ، مِمّا يُجْمَعُ بِحَذْفِ الزِّيادَةِ. ويُقَوِّي هَذا التَّوْجِيهَ أنَّ التَّكْسِيرَ مِثْلُ التَّصْغِيرِ، وقَدِ اطَّرَدَ هَذا المَعْنى في تَصْغِيرِ التَّرْخِيمِ نَحْوَ أزْهَرَ وزُهَيْرٍ، والحارِثِ وحُرَيْثٍ، وثابِتٍ وثُبَيْتٍ والجَمْعُ مِثْلُهُ في القِياسِ، وإنْ كانَ أقَلَّ مِنهُ في الِاسْتِعْمالِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: ويُحْتَمَلُ (p-٣٩٨)أنْ يَكُونَ جَمْعَ زُبُرٍ أُوقِعَ عَلى المَزْبُورِ كَما قالُوا: ضَرْبُ الأمِيرِ، ونَسْجُ اليَمَنِ. وكَما سُمِّيَ المَكْتُوبُ كِتابًا.
﴿ورُسُلًا قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ﴾؛ أيْ ذَكَرْنا أخْبارَهم لَكَ.
﴿ورُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ﴾ رُوِيَ مِن حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ: أنَّهُ سَألَ عَنِ المُرْسَلِينَ؛ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كانَ المُرْسَلُونَ ثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ» . قالَ القُرْطُبِيُّ: هَذا أصَحُّ ما رُوِيَ في ذَلِكَ؛ خَرَّجَهُ الآجُرِّيُّ، وأبُو حاتِمٍ البُسْتِيُّ في مُسْنَدٍ صَحِيحٍ لَهُ. وفي حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ هَذا: أنَّهُ سَألَهُ «كَمْ كانَ الأنْبِياءُ ؟ فَقالَ: مِائَةُ ألْفِ نَبِيٍّ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفَ نَبِيٍّ» . ورُوِيَ عَنْ أنَسٍ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بُعِثَ عَلى أثَرِ ثَمانِيَةِ ألْفٍ مِنَ الأنْبِياءِ مِنهم أرْبَعَةُ آلافٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ. ورُوِيَ عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ أنَّهُ قالَ: الأنْبِياءُ ألْفُ ألْفٍ وأرْبَعُمِائَةِ ألْفٍ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ما ذُكِرَ مِن عَدَدِ الأنْبِياءِ غَيْرُ صَحِيحٍ واللَّهُ أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ، انْتَهى.
وانْتِصابُ ورُسُلًا عَلى إضْمارِ فِعْلٍ؛ أيْ قَدْ قَصَصْنا رُسُلًا عَلَيْكَ؛ فَهو مِن بابِ الِاشْتِغالِ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قَدْ قَصَصْناهُمْ﴾ مُفَسِّرَةٌ لِذَلِكَ الفِعْلِ المَحْذُوفِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا قِراءَةُ أُبَيٍّ، ورُسُلٌ بِالرَّفْعِ في المَوْضِعَيْنِ عَلى الِابْتِداءِ. وجازَ الِابْتِداءُ بِالنَّكِرَةِ هُنا؛ لِأنَّهُ مَوْضِعُ تَفْصِيلٍ كَما أنْشَدُوا: فَثَوْبٌ لَبِسْتُ وثَوْبٌ أجُرُّ.
وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎بِشِقٍّ وشِقٌّ عِنْدَنا لَمْ يُحَوَّلِ
ومِن حُجَجِ النَّصْبِ عَلى الرَّفْعِ كَوْنُ العَطْفِ عَلى جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ، وهي وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الرَّفْعُ عَلى تَقْدِيرِ وهم: رُسُلٌ؛ فَعَلى قَوْلِهِ يَكُونُ ﴿قَدْ قَصَصْناهُمْ﴾ جُمْلَةً في مَوْضِعِ الصِّفَةِ. وجَوَّزُوا أيْضًا نَصْبَ، ورُسُلًا مِن وجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ المَعْنى: إنّا أرْسَلْناكَ وأرْسَلْنا رُسُلًا لِأنَّ الرَّدَّ عَلى اليَهُودِ إنَّما هو في إنْكارِهِمْ إرْسالَ الرُّسُلِ واطِّرادَ الوَحْيِ.
﴿وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ هَذا إخْبارٌ بِأنَّ اللَّهَ شَرَّفَ مُوسى بِكَلامِهِ، وأكَّدَ بِالمَصْدَرِ دَلالَةً عَلى وُقُوعِ الفِعْلِ عَلى حَقِيقَتِهِ لا عَلى مَجازِهِ، هَذا هو الغالِبُ. وقَدْ جاءَ التَّأْكِيدُ بِالمَصْدَرِ في المَجازِ إلّا أنَّهُ قَلِيلٌ. فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ هِنْدَ بِنْتِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ الأنْصارِيِّ:
؎بَكى الخَزُّ مِن عَوْفٍ وأنْكَرَ جِلْدُهُ ∗∗∗ وعَجَّتْ عَجِيجًا مِن جُذامَ المَطارِفُ
وقالَ ثَعْلَبٌ: لَوْلا التَّأْكِيدُ بِالمَصْدَرِ لَجازَ أنْ تَقُولَ: قَدْ كَلَّمْتُ لَكَ فُلانًا بِمَعْنى كَتَبْتُ إلَيْهِ رُقْعَةً، وبَعَثْتُ إلَيْهِ رَسُولًا؛ فَلَمّا قالَ: تَكْلِيمًا لَمْ يَكُنْ إلّا كَلامًا مَسْمُوعًا مِنَ اللَّهِ تَعالى. ومَسْألَةُ الكَلامِ مِمّا طالَ فِيهِ الكَلامُ، واخْتَلَفَ فِيها عُلَماءُ الإسْلامِ؛ وبِهَذِهِ المَسْألَةِ سُمِّيَ عِلْمُ أُصُولِ الدِّينِ بِعِلْمِ الكَلامِ، وهي مَسْألَةٌ يُبْحَثُ عَنْها في أُصُولِ الدِّينِ. وقَرَأ إبْراهِيمُ بْنُ وثّابٍ (وكَلَّمَ اللَّهَ) بِالنَّصْبِ عَلى أنَّ مُوسى هو المُكَلِّمُ. ومِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ أنَّهُ مِنَ الكَلْمِ، وأنَّ مَعْناهُ: وجَرَحَ اللَّهُ مُوسى بِأظْفارِ المِحَنِ، ومَخالِبِ الفِتَنِ. وقالَ كَعْبٌ: كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى بِالألْسِنَةِ كُلِّها، فَجَعَلَ مُوسى يَقُولُ: رَبِّ لا أفْهَمُ؛ حَتّى كَلَّمَهُ بِلِسانِ مُوسى آخِرَ الألْسِنَةِ.
﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾؛ أيْ يُبَشِّرُونَ بِالجَنَّةِ مَن أطاعَ، ويُنْذِرُونَ بِالنّارِ مَن عَصى. وأرادَ تَعالى أنْ يَقْطَعَ بِالرُّسُلِ احْتِجاجَ مَن يَقُولُ: لَوْ بُعِثَ إلَيَّ رَسُولٌ آمَنتُ. وفي الحَدِيثِ: ولَيْسَ أحَدٌ أحَبَّ إلَيْهِ العُذْرُ مِنَ اللَّهِ فَمِن أجْلِ ذَلِكَ أنْزَلَ الكُتُبَ، وأرْسَلَ الرُّسُلَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَكُونُ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ قَبْلَ الرُّسُلِ، وهم مَحْجُوجُونَ بِما نَصَبَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الأدِلَّةِ الَّتِي النَّظَرُ فِيها مُوصِلٌ إلى المَعْرِفَةِ والرُّسُلُ في أنْفُسِهِمْ لَمْ يَتَوَصَّلُوا إلى المَعْرِفَةِ إلّا بِالنَّظَرِ في تِلْكَ الأدِلَّةِ، ولا عَرَفُوا أنَّهم رُسُلُ اللَّهِ إلّا بِالنَّظَرِ فِيها ؟ قُلْتُ: الرُّسُلُ مَنهِيُّونَ عَنِ الغَفْلَةِ، وباعِثُونَ عَلى النَّظَرِ كَما تَرى عُلَماءَ العَدْلِ والتَّوْحِيدِ، مَعَ تَبْلِيغِ ما حَمَلُوهُ مِن تَفْصِيلِ أُمُورِ الدِّينِ، وبَيانِ أحْوالِ التَّكْلِيفِ، وتَعَلُّمِ الشَّرائِعِ؛ فَكانَ إرْسالُهم إزاحَةً لِلْعِلَّةِ، وتَتْمِيمًا (p-٣٩٩)لِإلْزامِ الحُجَّةِ؛ لِئَلّا يَقُولُوا: لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا، فَيُوقِظُنا مِن سِنَةِ الغَفْلَةِ، ويُنَبِّهُنا لَما وجَبَ الِانْتِباهُ لَهُ انْتَهى. وقَوْلُهُ: لِئَلّا هو كالتَّعْلِيلِ لِحالَتَيِ: التَّبْشِيرِ والإنْذارِ. والتَّبْشِيرُ هو بِالجَنَّةِ والإنْذارُ هو بِالنّارِ. ولَيْسَ الثَّوابُ والعِقابُ حاكِمًا بِوُجُوبِهِما العَقْلُ؛ وإنَّما هو مُجَوِّزٌ لَهُما، وجاءَ السَّمْعُ فَصارا واجِبًا وُقُوعُهُما، ولَمْ يُسْتَفَدْ وُجُوبُهُما إلّا مِنَ البِشارَةِ والنِّذارَةِ. فَلَوْ لَمْ يُبَشِّرِ الرُّسُلُ بِالجَنَّةِ لِمَنِ امْتَثَلَ التَّكالِيفَ الشَّرْعِيَّةَ، ولَمْ يُنْذِرُوا بِالنّارِ مَن لَمْ يَمْتَثِلْ، وكانَتْ تَقَعُ المُخالَفَةُ المُتَرَتِّبُ عَلَيْها العِقابُ بِما لا شُعُورَ لِلْمُكَلَّفِ بِها مِن حَيْثُ إنَّ اللَّهَ لا يَبْعَثُ إلَيْهِ مَن يُعْلِمُهُ بِأنَّ تِلْكَ مَعْصِيَةٌ؛ لَكانَتْ لَهُ الحُجَّةُ إذْ عُوقِبَ عَلى شَيْءٍ لَمْ يَتَقَدَّمْ إلَيْهِ في التَّحْذِيرِ مِن فِعْلِهِ، وأنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ العِقابُ. وأمّا ما نَصَبَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ فَهي مُوَصِّلَةٌ إلى المَعْرِفَةِ والإيمانِ بِاللَّهِ عَلى ما يَجِبُ، والعِلَلُ في الآيَةِ هو غَيْرُ المَعْرِفَةِ والإيمانِ بِاللَّهِ؛ فَلا يَرِدُ سُؤالُ الزَّمَخْشَرِيِّ. وانْتَصَبَ رُسُلًا عَلى البَدَلِ، وهو الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِانْتِصابِهِ عَلى التَّكْرِيرِ. قالَ: والأوْجَهُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى المَدْحِ. وجَوَّزَ غَيْرُهُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِأرْسَلْنا مُقَدَّرَةً، وأنْ يَكُونَ حالًا مُوَطِّئَةً. و(لِئَلّا) مُتَعَلِّقَةٌ بِمُنْذِرِينَ عَلى طَرِيقِ الإعْمالِ. وجَوَّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمُقَدَّرٍ؛ أيْ أرْسَلْناهم بِذَلِكَ؛ أيْ بِالبِشارَةِ والنِّذارَةِ لِئَلّا يَكُونَ
(وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا)؛ أيْ لا يُغالِبُهُ شَيْءٌ، ولا حُجَّةَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ، صادِرَةٌ أفْعالُهُ عَنْ حِكْمَةٍ، فَلِذَلِكَ قَطَعَ الحُجَّةَ بِإرْسالِ الرُّسُلِ. وقِيلَ عَزِيزًا في عِقابِ الكُفّارِ حَكِيمًا في الإعْذارِ بَعْدَ تَقَدُّمِ الإنْذارِ.
﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أنْزَلَ إلَيْكَ﴾ الِاسْتِدْراكُ بِـ (لَكِنْ) يَقْتَضِي تَقَدُّمَ جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ؛ لِأنَّ (لَكِنْ) لا يُبْتَدَأُ بِها؛ فالتَّقْدِيرُ ما رُوِيَ في سَبَبِ النُّزُولِ، وهو: أنَّهُ لَمّا نَزَلَ إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ قالُوا: ما نَشْهَدُ لَكَ بِهَذا، لَكِنْ اللَّهُ يَشْهَدُ، وشَهادَتُهُ تَعالى بِما أنْزَلَهُ إلَيْهِ إثْباتُهُ بِإظْهارِ المُعْجِزاتِ كَما تَثْبُتُ الدَّعاوى بِالبَيِّناتِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ والجَرّاحُ الحَكَمِيُّ (لَكِنَّ اللَّهَ) بِالتَّشْدِيدِ، ونَصْبِ الجَلالَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ (بِما أُنْزِلُ إلَيْكَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
﴿أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ قَرَأ السُّلَمِيُّ: نَزَّلَهُ مُشَدَّدًا. قالَ الزَّجّاجُ: أنْزَلَهُ وفِيهِ عِلْمُهُ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: أنْزَلَهُ مِن عِلْمِهِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أنْزَلَهُ إلَيْكَ بِعِلْمٍ مِنهُ أنَّكَ خِيرَتُهُ مِن خَلْقِهِ. وقِيلَ أنْزَلَهُ إلَيْكَ بِعِلْمِهِ أنَّكَ أهْلُ إنْزالِهِ عَلَيْكَ لِقِيامِكَ بِحَقِّهِ وعِلْمِكَ بِما فِيهِ، وحُسْنِ دُعائِكَ إلَيْهِ، وحَثِّكَ عَلَيْهِ. وقِيلَ بِما يَحْتاجُ إلَيْهِ العِبادُ. وقِيلَ بِعِلْمِهِ أنَّكَ تُبَلِّغُهُ إلى عِبادِهِ مِن غَيْرِ تَبْدِيلٍ ولا زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذِهِ الآيَةُ مِن أقْوى مُتَعَلِّقاتِ أهْلِ السُّنَّةِ في إثْباتِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، خِلاِفًا لِلْمُعْتَزِلَةِ في أنَّهم يَقُولُونَ: عالِمٌ بِلا عِلْمٍ. والمَعْنى عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ: أنْزَلَهُ وهو يَعْلَمُ إنْزالَهُ ونُزُولَهُ. ومَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ في هَذِهِ الآيَةِ: أنَّهُ أنْزَلَهُ مُقْتَرِنًا بِعِلْمِهِ؛ أيْ فِيهِ عِلْمُهُ مِن غُيُوبٍ وأوامِرَ، ونَحْوِ ذَلِكَ؛ فالعِلْمُ عِبارَةٌ عَنِ المَعْلُوماتِ الَّتِي في القُرْآنِ كَما هو في قَوْلِ الخَضِرِ، ما نَقَصَ عِلْمِي، وعِلْمُكَ مِن عِلْمِ اللَّهِ إلّا كَما يُنْقِصُ هَذا العُصْفُورُ مِن هَذا البَحْرِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنْزَلَهُ مُلْتَبِسًا بِعِلْمِهِ الخاصِّ الَّذِي لا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ، وهو تَأْلِيفُهُ عَلى نَظْمٍ وأُسْلُوبٍ يَعْجِزُ عَنْهُ كُلُّ بَلِيغٍ وصاحِبُ بَيانٍ، ومَوْقِعُهُ مِمّا قَبْلَهُ مَوْقِعُ الجُمْلَةِ المُفَسِّرَةِ؛ لِأنَّهُ بَيانٌ لِلشَّهادَةِ بِصِحَّتِهِ أنَّهُ أنْزَلَهُ بِالنَّظْمِ المُعْجِزِ الفائِتِ لِلْقَدْرِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أنْزَلَهُ وهو عالِمٌ بِهِ رَقِيبٌ عَلَيْهِ حافِظٌ لَهُ مِنَ الشَّياطِينِ بِرَصَدٍ مِنَ المَلائِكَةِ.
﴿والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾؛ أيْ بِما أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ. وشَهادَةُ المَلائِكَةِ تَبَعٌ لِشَهادَةِ اللَّهِ، وقَدْ عَلِمَ بِشَهادَةِ اللَّهِ لَهُ إذْ أظْهَرَ عَلى يَدَيْهِ المُعْجِزاتِ، وهَذا عَلى سَبِيلِ التَّسْلِيَةِ لَهُ عَنْ تَكْذِيبِ اليَهُودِ، إنْ كَذَّبَكَ اليَهُودُ وكَذَّبُوا ما جِئْتَ بِهِ مِنَ الوَحْيِ، فَلا تُبالِ فَإنَّ اللَّهَ يَشْهَدُ لَكَ ومَلائِكَتَهُ؛ فَلا تَلْتَفِتْ إلى تَكْذِيبِهِمْ.
(وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا)؛ أيْ، وإنْ لَمْ يَشْهَدْ غَيْرُهُ ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٩] .
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا﴾؛ أيْ ضَلالًا لا يَقْرُبُ رُجُوعُهم عَنْهُ، ولا تَخَلُّصُهم مِنهُ؛ لِأنَّهُ يَعْتَقِدُ عَنْ نَفْسِهِ أنَّهُ مُحِقٌ ثُمَّ يَتَوَسَّلُ بِذَلِكَ الضَّلالِ إلى (p-٤٠٠)اكْتِسابِ المالِ والجاهِ وإلْقاءِ غَيْرِهِ فِيهِ، فَهو ضَلالٌ في أقْصى غاياتِهِ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وابْنُ هُرْمُزَ: وصُدُّوا بِضَمِّ الصّادِ، قِيلَ، وهي في اليَهُودِ.
النساء 4:162
﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهم وبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ ﴿وأخْذِهِمُ الرِّبا وقَدْ نُهُوا عَنْهُ وأكْلِهِمْ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنهم عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ مِنهم والمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ والمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وأوْحَيْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وعِيسى وأيُّوبَ ويُونُسَ وهارُونَ وسُلَيْمانَ وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ ﴿ورُسُلًا قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ورُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أنْزَلَ إلَيْكَ أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا﴾ [النساء: ١٦٨] ﴿إلّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ١٦٩] ﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالحَقِّ مِن رَبِّكم فَآمِنُوا خَيْرًا لَكم وإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٧٠] ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكم ولا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكم إنَّما اللَّهُ إلَهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ [النساء: ١٧١] ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ ومَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ ويَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهم إلَيْهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٧٢] الغُلُوُّ: تَجاوُزُ الحَدِّ. ومِنهُ غَلا السِّعْرُ، وغَلْوَةُ السَّهْمِ. الِاسْتِنْكافُ: الأنَفَةُ والتَّرَفُّعُ مِن نَكَفْتُ الدَّمْعَ إذا نَحَّيْتَهُ بِأُصْبُعِكَ مِن حَدِّكَ، ومَنَعْتَهُ مِنَ الجَرْيِ قالَ:
؎فَباتُوا فَلَوْلا ما تَدَكَّرَ مِنهُمُ مِنَ الحَلْقِ لَمْ يَنْكَفْ بِعَيْنِكَ مَدْمَعُ
وسُئِلَ أبُو العَبّاسِ عَنِ الِاسْتِنْكافِ فَقالَ: هو مِنَ النَّكْفِ، يُقالُ: ما عَلَيْهِ في هَذا الأمْرِ نَكْفٌ، ولا وكَفٌ، والنَّكْفُ أنْ يُقالَ لَهُ سُوءٌ، واسْتَنْكَفَ دَفَعَ ذَلِكَ السُّوءَ.
﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ المَعْنى: فَبِظُلْمٍ عَظِيمٍ، أوْ فَبِظُلْمٍ أيَّ ظُلْمٍ. وحَذْفُ الصِّفَةَ لِفَهْمِ المَعْنى جائِزٌ؛ كَما قالَ: لَقَدْ وقَعْتَ عَلى لَحْمٍ؛ أيَّ لَحْمٍ مُتَّبَعٍ، ويَتَعَلَّقُ بِحَرَّمْنا. وتَقَدَّمَ السَّبَبُ عَلى المُسَبَّبِ تَنْبِيهًا عَلى فُحْشِ الظُّلْمِ، وتَقْبِيحًا لَهُ، وتَحْذِيرًا مِنهُ. والطَّيِّباتُ هي ما ذُكِرَ في قَوْلِهِ: (وعَلى الَّذِينَ هادُوا) وحُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الألْبانُ وبَعْضُ الطَّيْرِ والحُوتُ، وأُحِلَّتْ لَهم صِفَةُ الطَّيِّباتِ بِما كانَتْ عَلَيْهِ. وأوْضَحَ ذَلِكَ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ: طَيِّباتٍ كانَتْ أُحِلَّتْ لَهم.
﴿وبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ أيْ ناسًا كَثِيرًا؛ فَيَكُونُ كَثِيرًا مَفْعُولًا بِالمَصْدَرِ؛ وإلَيْهِ ذَهَبَ الطَّبَرِيُّ. قالَ: صَدُّوا بِجَحْدِهِمْ أمْرَ مُحَمَّدٍ جَمْعًا عَظِيمًا مِنَ النّاسِ، أوْ صَدَّ كَثِيرًا. وقَدَّرَهُ بَعْضُهم زَمانًا كَثِيرًا.
﴿وأخْذِهِمُ الرِّبا وقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾، وهَذِهِ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ تُفِيدُ تَأْكِيدَ قُبْحِ فِعْلِهِمْ، (p-٣٩٥)وسُوءِ صَنِيعِهِمْ؛ إذْ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ يَجِبُ أنْ يُبْعَدَ عَنْهُ. قالُوا: والرِّبا مُحَرَّمٌ في جَمِيعِ الشَّرائِعِ.
﴿وأكْلِهِمْ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ﴾؛ أيِ الرُّشا الَّتِي كانُوا يَأْخُذُونَها مِن سِفْلَتِهِمْ في تَحْرِيفِ الكِتابِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ فُصِّلَتْ أنْواعُ الظُّلْمِ المُوجِبِ لِتَحْرِيمِ الطَّيِّباتِ. قِيلَ كانُوا كُلَّما أحْدَثُوا ذَنْبًا حُرِّمَ عَلَيْهِمْ بَعْضُ الطَّيِّباتِ، وأُهْمِلَ هُنا تَفْصِيلُ الطَّيِّباتِ؛ بَلْ ذُكِرَتْ نَكِرَةً مُبْهَمَةً. وفي المائِدَةِ فَصَّلَ أنْواعَ ما حَرَّمَ، ولَمْ يُفَصِّلِ السَّبَبَ. فَقِيلَ ذَلِكَ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ، وأُعِيدَتِ الباءُ في: (وبِصَدِّهِمْ) لِبُعْدِهِ عَنِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِالفَصْلِ بِما لَيْسَ مَعْمُولًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ؛ بَلْ في العامِلِ فِيهِ. ولَمْ يَعُدْ في: (وأخْذِهِمْ)، وأكْلِهِمْ؛ لِأنَّ الفَصْلَ وقَعَ بِمَعْمُولِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ. ونَظِيرُ إعادَةِ الحَرْفِ وتَرْكِ إعادَتِهِ قَوْلُهُ: (فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم) الآيَةَ. وبُدِئَ في أنْواعِ الظُّلْمِ بِما هو أهَمُّ، وهو أمْرُ الدِّينِ، وهو الصَّدُّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ بِأمْرِ الدُّنْيا، وهو ما يَتَعَلَّقُ بِهِ الأذى في بَعْضِ المالِ، ثُمَّ ارْتَقى إلى الأبْلَغِ في المالِ الدُّنْيَوِيِّ، وهو أكْلُهُ بِالباطِلِ؛ أيْ مَجّانًا لا عِوَضَ فِيهِ. وفي ذِكْرِ هَذِهِ الآيَةِ امْتِنانٌ عَلى وجْهِ الأُمَّةِ حَيْثُ لَمْ يُعامِلْهم مُعامَلَةَ اليَهُودِ فَيُحَرِّمَ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا الطَّيِّباتِ عُقُوبَةً لَهم بِذُنُوبِهِمْ.
(وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنهم عَذابًا مُهِينًا) لَمّا ذَكَرَ عُقُوبَةَ الدُّنْيا، ذَكَرَ ما أعَدَّ لَهم في الآخِرَةِ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ التَّحْرِيمُ عامًّا لِلْيَهُودِ بِسَبَبِ ظُلْمِ مَن ظَلَمَ مِنهم؛ فالتَزَمَهُ ظالِمُهم، وغَيْرُ ظالِمِهِمْ كَما قالَ تَعالى: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] بَيَّنَ أنَّ العَذابَ الألِيمَ؛ إنَّما أُعِدَّ لِلْكافِرِينَ مِنهم، فَلِذَلِكَ لَمْ يَأْتِ، وأعْتَدْنا لَهم.
﴿لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ مِنهم والمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ والمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أجْرًا عَظِيمًا﴾ مَجِيءُ (لَكِنْ) هُنا في غايَةِ الحُسْنِ؛ لِأنَّها داخِلَةٌ بَيْنَ نَقِيضَيْنِ وجَزائِهِما، وهُمُ الكافِرُونَ والعَذابُ الألِيمُ والمُؤْمِنُونَ والأجْرُ العَظِيمُ والرّاسِخُونَ الثّابِتُونَ المُنْتَصِبُونَ المُسْتَبْصِرُونَ مِنهم: كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأضْرابِهِ، والمُؤْمِنُونَ يَعْنِي مِنهم، أوِ المُؤْمِنُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ. والظّاهِرُ أنَّهُ عامٌّ في مَن آمَنَ.
وارْتَفَعَ الرّاسِخُونَ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ يُؤْمِنُونَ لا غَيْرَ؛ لِأنَّ المَدْحَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ تَمامِ الجُمْلَةِ. ومَن جَعَلَ الخَبَرَ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ فَقَوْلُهُ ضَعِيفٌ، وانْتَصَبَ المُقِيمِينَ عَلى المَدْحِ، وارْتَفَعَ والمُؤْتُونَ أيْضًا عَلى إضْمارٍ، وهم عَلى سَبِيلِ القَطْعِ إلى الرَّفْعِ. ولا يَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ عَلى المَرْفُوعِ قَبْلَهُ؛ لِأنَّ النَّعْتَ إذا انْقَطَعَ في شَيْءٍ مِنهُ لَمْ يَعُدْ ما بَعْدَهُ إلى إعْرابِ المَنعُوتِ، وهَذا القَطْعُ لِبَيانِ فَضْلِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ؛ فَكَثُرَ الوَصْفُ بِأنْ جُعِلَ في جُمَلٍ.
وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، والجَحْدَرِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ، وعِصْمَةُ عَنِ الأعْمَشِ، ويُونُسُ وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: والمُقِيمُونَ بِالرَّفْعِ نَسَقًا عَلى الأوَّلِ، وكَذا هو في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قالَهُ الفَرّاءُ. ورُوِيَ أنَّها كَذَلِكَ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ. وقِيلَ بَلْ هي فِيهِ والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ كَمُصْحَفِ عُثْمانَ. وذُكِرَ عَنْ عائِشَةَ وأبانِ بْنِ عُثْمانَ: إنَّ كَتْبَها بِالياءِ مِن خَطَأِ كاتِبِ المُصْحَفِ، ولا يَصِحُّ عَنْهُما ذَلِكَ؛ لِأنَّهُما (p-٣٩٦)عَرَبِيّانِ فَصِيحانِ، قَطْعُ النُّعُوتِ أشْهَرُ في لِسانِ العَرَبِ، وهو بابٌ واسِعٌ ذَكَرَ عَلَيْهِ شَواهِدَ سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ، وعَلى القَطْعِ خَرَّجَ سِيبَوَيْهِ ذَلِكَ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولا نَلْتَفِتُ إلى ما زَعَمُوا مِن وُقُوعِهِ لَحْنًا في خَطِّ المُصْحَفِ، ورُبَّما التَفَتَ إلَيْهِ مَن يَنْظُرُ في الكِتابِ، ولَمْ يَعْرِفْ مَذاهِبَ العَرَبِ، وما لَهم في النَّصْبِ عَلى الِاخْتِصاصِ مِنَ الِافْتِتانِ، وعَنى عَلَيْهِ: أنَّ السّابِقِينَ الأوَّلِينَ الَّذِينَ مَثَلُهم في التَّوْراةِ، ومَثَلُهم في الإنْجِيلِ كانُوا أبْعَدَ هِمَّةً في الغَيْرَةِ عَلى الإسْلامِ، وذَبِّ المَطاعِنِ عَنْهُ مِن أنْ يَتْرُكُوا في كِتابِ اللَّهِ ثُلْمَةً يَسُدُّها مَن بَعْدَهم، وخَرْقًا يَرْفُوهُ مَن يَلْحَقُ بِهِمُ، انْتَهى. ويَعْنِي بِقَوْلِهِ: مَن لَمْ يَنْظُرْ في الكِتابِ كِتابَ سِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللَّهُ فَإنَّ اسْمَ الكِتابِ عَلَمٌ عَلَيْهِ، ولِجَهْلِ مَن يُقْدِمُ عَلى تَفْسِيرِ كِتابِ اللَّهِ وإعْرابِ ألْفاظِهِ بِغَيْرِ أحْكامِ عِلْمِ النَّحْوِ جَوَّزُوا في عَطْفِ والمُقِيمِينَ وُجُوهًا: أحَدُها: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ؛ أيْ يُؤْمِنُونَ بِالكُتُبِ وبِالمُقِيمِينَ الصَّلاةَ. واخْتَلَفُوا في هَذا الوَجْهِ مَنِ المَعْنِيُّ بِالمُقِيمِينَ الصَّلاةَ، فَقِيلَ الأنْبِياءُ ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ. وقِيلَ المَلائِكَةُ؛ ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقِيلَ المُسْلِمُونَ والتَّقْدِيرُ: ونَدْبُ المُقِيمِينَ؛ ذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ مَعْناهُ. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الضَّمِيرِ في مِنهم؛ أيْ لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ مِنهم ومِنَ المُقِيمِينَ ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَلى قَوْمٍ لَمْ يُسَمِّهِمْ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الكافِ في أُولَئِكَ؛ أيْ ما أُنْزِلُ إلَيْكَ وإلى المُقِيمِينَ الصَّلاةَ. الوَجْهُ الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى كافِ قَبْلَكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ التَّقْدِيرُ: وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ، وقِيلَ المُقِيمِينَ الصَّلاةَ. الوَجْهُ الخامِسُ: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى كافِ قَبْلَكَ، ويَعْنِي الأنْبِياءَ؛ ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَرْقٌ بَيْنَ الآيَةِ والبَيْتِ يَعْنِي بَيْتَ الخِرْنَقِ، وكانَ أنْشَدَهُ قَبْلُ، وهو:
؎النّازِلِينَ بِكُلِّ مُعْتَرَكٍ ∗∗∗ والطَّيِّبُونَ مَعاقِدَ الأُزُرِ
بِحَرْفِ العَطْفِ الَّذِي في الآيَةِ؛ فَإنَّهُ يُمْنَعُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ تَقْدِيرُ الفِعْلِ، وفي هَذا نَظَرٌ، انْتَهى. إنْ مَنَعَ ذَلِكَ أحَدٌ فَهو مَحْجُوجٌ بِثُبُوتِ ذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ مَعَ حَرْفِ العَطْفِ، ولا نَظَرَ في ذَلِكَ كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ. قالَ الشّاعِرُ:
؎ويَأْوِي إلى نِسْوَةٍ عُطْلٍ ∗∗∗ وشُعْثٍ مَراضِيعَ مَثْلِ السَّعالِي
وكَذَلِكَ جَوَّزُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ وُجُوهًا عَلى غَيْرِ الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ: مِن أنَّهُ ارْتَفَعَ عَلى خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ عَلى سَبِيلِ قَطْعِ الصِّفاتِ في المَدْحِ: أحَدُها: أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى الرّاسِخُونَ. الثّانِي: عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في المُؤْمِنُونَ. الثّالِثُ: عَلى الضَّمِيرِ في يُؤْمِنُونَ. الرّابِعُ: أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وما بَعْدَهُ الخَبَرُ، وهو اسْمُ الإشارَةِ، وما يَلِيهِ. وأمّا (المُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) فَعَطْفٌ عَلى ﴿والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ عَلى الوَجْهِ الَّذِي اخْتَرْناهُ في رَفْعِ (والمُؤْتُونَ) .
ولَمّا ذَكَرَ أوَّلًا (والمُؤْمِنُونَ) تَضَمَّنَ الإيمانَ بِما يَجِبُ أنْ يُؤْمِنَ بِهِ، ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم وعَنِ الرّاسِخِينَ أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِالقُرْآنِ وبِالكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، ثُمَّ وصَفَهم بِصِفاتِ المَدْحِ مِنَ امْتِثالِ أشْرَفِ أوْصافِ الإيمانِ الفِعْلِيَّةِ البَدَنِيَّةِ وهي الصَّلاةُ والمالِيَّةِ وهي الزَّكاةُ، ثُمَّ ارْتَقى في المَدْحِ إلى أشْرَفِ الأوْصافِ القَلْبِيَّةِ الِاعْتِقادِيَّةِ، وهي الإيمانُ بِالمُوَحَّدِ الَّذِي أنْزَلَ الكُتُبَ، وشَرَعَ فِيها الصَّلاةَ والزَّكاةَ وبِاليَوْمِ الآخِرِ، وهو البَعْثُ والمَعادُ الَّذِي يَظْهَرُ فِيهِ ثَمَرَةُ الإيمانِ وامْتِثالِ تَكالِيفِ الشَّرْعِ مِنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، وغَيْرِهِما. ثُمَّ إنَّهُ لَمّا اسْتَوْفى ذَلِكَ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ سَيُؤْتِيهِمْ أجْرًا عَظِيمًا، وهو ما رَتَّبَ تَعالى عَلى هَذِهِ الأوْصافِ الجَلِيلَةِ الَّتِي وصَفَهم بِها، وأشارَ إلَيْهِمْ بِأُولَئِكَ لِيَدُلَّ عَلى مَجْمُوعِ تِلْكَ الأوْصافِ. ومَن أعْرَبَ ﴿والمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ مُبْتَدَأً أوْ خَبَرَهُ ما بَعْدَهُ فَهو بِمَعْزِلٍ عَنْ إدْراكِ الفَصاحَةِ. والأجْوَدُ إعْرابُ أُولَئِكَ مُبْتَدَأٌ، ومَن نَصَبَهُ بِإضْمارِ فِعْلٍ تَفْسِيرُهُ ما بَعْدَهُ: أنَّهُ سَيُؤْتِي أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ؛ فَيَجْعَلُهُ (p-٣٩٧)مِن بابِ الِاشْتِغالِ؛ فَلَيْسَ قَوْلُهُ بِراجِحٍ؛ لِأنَّ ”زَيْدٌ ضَرَبْتُهُ“ أفْصَحُ وأكْثَرُ مِن ”زَيْدًا ضَرْبَتُهُ“؛ ولِأنَّ مَعْمُولَ ما بَعْدَ حَرْفِ الِاسْتِقْبالِ مُخْتَلَفٌ في جَوازِ تَقْدِيمِهِ في نَحْوِ: سَأضْرِبُ زَيْدًا، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا يَجُوزُ الِاشْتِغالُ. فالأجْوَدُ الحَمْلُ عَلى ما لا خِلافَ فِيهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ: سَيُؤْتِيهِمْ بِالياءِ عَوْدًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿والمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ . وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ. عَلى الِالتِفاتِ. ومُناسِبَةِ (وأعْتَدْنا) .
﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَبَبُ نُزُولِها أنَّ سُكَيْنًا الحبْرَ وعَدِيَّ بْنَ زَيْدٍ قالا: يا مُحَمَّدُ ما نَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ عَلى بَشَرٍ شَيْئًا بَعْدَ مُوسى، ولا أوْحى إلَيْهِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [النساء: ١٥٣] الآياتِ، فَتُلِيَتْ عَلَيْهِمْ، وسَمِعُوا الخَبَرَ بِأعْمالِهِمُ الخَبِيثَةِ قالُوا: ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ، ولا عَلى عِيسى، وجَحَدُوا جَمِيعَ ذَلِكَ فَنَزَلَتْ: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا﴾ [الأنعام: ٩١] الآيَةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ جَوابٌ لِأهْلِ الكِتابِ عَنْ سُؤالِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ، واحْتِجاجِهِمْ عَلَيْهِمْ بِأنَّ شَأْنَهُ في الوَحْيِ إلَيْهِ كَسائِرِ الأنْبِياءِ الَّذِينَ سَلَفُوا، انْتَهى. وقَدَّمَ نُوحًا وجَرَّدَهُ مِنهم في الذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ الأبُ الثّانِي، وأوَّلُ الرُّسُلِ، ودَعْوَتُهُ عامَّةٌ لِجَمِيعِ مَن كانَ إذْ ذاكَ في الأرْضِ، كَما أنَّ دَعْوَةَ مُحَمَّدٍ عامَّةٌ لِجَمِيعِ مَن في الأرْضِ.
﴿وأوْحَيْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وعِيسى وأيُّوبَ ويُونُسَ وهارُونَ وسُلَيْمانَ﴾ خَصَّ تَعالى بِالذِّكْرِ هَؤُلاءِ تَشْرِيفًا وتَعْظِيمًا لَهم، وبَدَأ بِإبْراهِيمَ لِأنَّهُ الأبُ الثّالِثُ، وقَدَّمَ عِيسى عَلى مَن بَعْدَهُ تَخْفِيفًا لِنُبُوَّتِهِ، وقَطْعًا لِما رَآهُ اليَهُودُ فِيهِ، ودَفْعًا لِاعْتِقادِهِمْ، وتَعْظِيمًا لَهُ عِنْدَهم، وتَنْوِيهًا بِاتِّساعِ دائِرَتِهِ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ نَسَبِ نُوح وإبْراهِيمَ وهارُونَ في نَسَبِ أخِيهِ مُوسى. وأمّا أيُّوبُ فَذَكَرَ الحُسَيْنُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ القاضِي الفاضِلِ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ عَلِيِّ النَّيْسابُورِيِّ نَسَبَهُ فَقالَ: أيُّوبُ بْنُ أمْوَصَ بْنِ بارِحِ بْنِ تُورَمَ بْنِ العِيصِ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ، وأُمُّهُ مِن ولَدِ لُوطِ بْنِ هارُونَ. وأمّا يُونُسُ فَهو يُونُسُ بْنُ مَتّى. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ ابْنِ جَمّازٍ عَنْهُ: يُونِسُ بِكَسْرِ النُّونِ، وهي لُغَةٌ لِبَعْضِ العَرَبِ. وقَرَأ النَّخَعِيُّ، وابْنُ وثّابٍ: بِفَتْحِها، وهي لُغَةٌ لِبَعْضِ عَقِيلٍ، وبَعْضُ العَرَبِ يَهْمِزُ ويَكْسِرُ، وبَعْضُ أسَدٍ يَهْمِزُ ويَضُمُّ النُّونَ، ولُغَةُ الحِجازِ ما قَرَأ بِهِ الجُمْهُورُ مِن تَرْكِ الهَمْزِ، وضَمِّ النُّونِ.
(وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا) أيْ كِتابًا. وكُلُّ كِتابٍ يُسَمّى زَبُورًا، وغَلَبَ عَلى الكِتابِ الَّذِي أوْحاهُ اللَّهُ إلى داوُدَ. وهو فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كالحَلُوبِ والرَّكُوبِ، ولا يَطَّرِدُ، وهو مِائَةٌ وخَمْسُونَ سُورَةً لَيْسَ فِيها حُكْمٌ ولا حَرامٌ ولا حَلالٌ؛ إنَّما هي حِكَمٌ ومَواعِظُ، وقَدْ قَرَأْتُ جُمْلَةً مِنها بِبِلادِ الأنْدَلُسِ. قِيلَ: وقَدَّمَ سُلَيْمانُ في الذِّكْرِ عَلى داوُدَ لِتَوَفُّرِ عِلْمِهِ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩] والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ عِيسى وأيُّوبَ ويُونُسَ؛ لِأنَّهم أصْحابُ امْتِحانٍ، وبَلايا في الدُّنْيا، وجَمَعَ بَيْنَ هارُونَ، وسُلَيْمانَ؛ لِأنَّ هارُونَ كانَ مُحَبَّبًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ مُعَظَّمًا مُؤْثَرًا، وأمّا سُلَيْمانُ فَكانَ مُعَظَّمًا عِنْدَ النّاسِ قاهِرًا لَهم مُسْتَحِقًّا لَهُ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ؛ فَجَمَعَهُما التَّحْبِيبُ والتَّعْظِيمُ. وتَأخَّرَ ذِكْرُ داوُدَ لِتَشْرِيفِهِ بِذِكْرِ كِتابِهِ، وإبْرازِهِ في جُمْلَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ لَهُ بِالذِّكْرِ ولِكِتابِهِ؛ فَما فاتَهُ مِنَ التَّقْدِيمِ اللَّفْظِيِّ حَصَلَ بِهِ التَّضْعِيفُ مِنَ التَّشْرِيفِ المَعْنَوِيِّ.
وقَرَأ حَمْزَةُ (زُبُورًا) بِضَمِّ الزّايِ. قالَ أبُو البَقاءِ: وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَصْدَرٌ كالقُعُودِ يُسَمّى بِهِ الكِتابُ المُنَزَّلُ عَلى داوُدَ. والثّانِي: أنَّهُ جَمْعُ زَبُورٍ عَلى حَذْفِ الزّائِدِ، وهو الواوُ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: كَما قالُوا طَرِيقٌ وطُرُوقٌ، وكَرَوانٌ، وكُرُوانٌ، ووَرَشانُ، ووُرُشانٌ، مِمّا يُجْمَعُ بِحَذْفِ الزِّيادَةِ. ويُقَوِّي هَذا التَّوْجِيهَ أنَّ التَّكْسِيرَ مِثْلُ التَّصْغِيرِ، وقَدِ اطَّرَدَ هَذا المَعْنى في تَصْغِيرِ التَّرْخِيمِ نَحْوَ أزْهَرَ وزُهَيْرٍ، والحارِثِ وحُرَيْثٍ، وثابِتٍ وثُبَيْتٍ والجَمْعُ مِثْلُهُ في القِياسِ، وإنْ كانَ أقَلَّ مِنهُ في الِاسْتِعْمالِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: ويُحْتَمَلُ (p-٣٩٨)أنْ يَكُونَ جَمْعَ زُبُرٍ أُوقِعَ عَلى المَزْبُورِ كَما قالُوا: ضَرْبُ الأمِيرِ، ونَسْجُ اليَمَنِ. وكَما سُمِّيَ المَكْتُوبُ كِتابًا.
﴿ورُسُلًا قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ﴾؛ أيْ ذَكَرْنا أخْبارَهم لَكَ.
﴿ورُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ﴾ رُوِيَ مِن حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ: أنَّهُ سَألَ عَنِ المُرْسَلِينَ؛ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كانَ المُرْسَلُونَ ثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ» . قالَ القُرْطُبِيُّ: هَذا أصَحُّ ما رُوِيَ في ذَلِكَ؛ خَرَّجَهُ الآجُرِّيُّ، وأبُو حاتِمٍ البُسْتِيُّ في مُسْنَدٍ صَحِيحٍ لَهُ. وفي حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ هَذا: أنَّهُ سَألَهُ «كَمْ كانَ الأنْبِياءُ ؟ فَقالَ: مِائَةُ ألْفِ نَبِيٍّ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفَ نَبِيٍّ» . ورُوِيَ عَنْ أنَسٍ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بُعِثَ عَلى أثَرِ ثَمانِيَةِ ألْفٍ مِنَ الأنْبِياءِ مِنهم أرْبَعَةُ آلافٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ. ورُوِيَ عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ أنَّهُ قالَ: الأنْبِياءُ ألْفُ ألْفٍ وأرْبَعُمِائَةِ ألْفٍ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ما ذُكِرَ مِن عَدَدِ الأنْبِياءِ غَيْرُ صَحِيحٍ واللَّهُ أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ، انْتَهى.
وانْتِصابُ ورُسُلًا عَلى إضْمارِ فِعْلٍ؛ أيْ قَدْ قَصَصْنا رُسُلًا عَلَيْكَ؛ فَهو مِن بابِ الِاشْتِغالِ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قَدْ قَصَصْناهُمْ﴾ مُفَسِّرَةٌ لِذَلِكَ الفِعْلِ المَحْذُوفِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا قِراءَةُ أُبَيٍّ، ورُسُلٌ بِالرَّفْعِ في المَوْضِعَيْنِ عَلى الِابْتِداءِ. وجازَ الِابْتِداءُ بِالنَّكِرَةِ هُنا؛ لِأنَّهُ مَوْضِعُ تَفْصِيلٍ كَما أنْشَدُوا: فَثَوْبٌ لَبِسْتُ وثَوْبٌ أجُرُّ.
وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎بِشِقٍّ وشِقٌّ عِنْدَنا لَمْ يُحَوَّلِ
ومِن حُجَجِ النَّصْبِ عَلى الرَّفْعِ كَوْنُ العَطْفِ عَلى جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ، وهي وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الرَّفْعُ عَلى تَقْدِيرِ وهم: رُسُلٌ؛ فَعَلى قَوْلِهِ يَكُونُ ﴿قَدْ قَصَصْناهُمْ﴾ جُمْلَةً في مَوْضِعِ الصِّفَةِ. وجَوَّزُوا أيْضًا نَصْبَ، ورُسُلًا مِن وجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ المَعْنى: إنّا أرْسَلْناكَ وأرْسَلْنا رُسُلًا لِأنَّ الرَّدَّ عَلى اليَهُودِ إنَّما هو في إنْكارِهِمْ إرْسالَ الرُّسُلِ واطِّرادَ الوَحْيِ.
﴿وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ هَذا إخْبارٌ بِأنَّ اللَّهَ شَرَّفَ مُوسى بِكَلامِهِ، وأكَّدَ بِالمَصْدَرِ دَلالَةً عَلى وُقُوعِ الفِعْلِ عَلى حَقِيقَتِهِ لا عَلى مَجازِهِ، هَذا هو الغالِبُ. وقَدْ جاءَ التَّأْكِيدُ بِالمَصْدَرِ في المَجازِ إلّا أنَّهُ قَلِيلٌ. فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ هِنْدَ بِنْتِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ الأنْصارِيِّ:
؎بَكى الخَزُّ مِن عَوْفٍ وأنْكَرَ جِلْدُهُ ∗∗∗ وعَجَّتْ عَجِيجًا مِن جُذامَ المَطارِفُ
وقالَ ثَعْلَبٌ: لَوْلا التَّأْكِيدُ بِالمَصْدَرِ لَجازَ أنْ تَقُولَ: قَدْ كَلَّمْتُ لَكَ فُلانًا بِمَعْنى كَتَبْتُ إلَيْهِ رُقْعَةً، وبَعَثْتُ إلَيْهِ رَسُولًا؛ فَلَمّا قالَ: تَكْلِيمًا لَمْ يَكُنْ إلّا كَلامًا مَسْمُوعًا مِنَ اللَّهِ تَعالى. ومَسْألَةُ الكَلامِ مِمّا طالَ فِيهِ الكَلامُ، واخْتَلَفَ فِيها عُلَماءُ الإسْلامِ؛ وبِهَذِهِ المَسْألَةِ سُمِّيَ عِلْمُ أُصُولِ الدِّينِ بِعِلْمِ الكَلامِ، وهي مَسْألَةٌ يُبْحَثُ عَنْها في أُصُولِ الدِّينِ. وقَرَأ إبْراهِيمُ بْنُ وثّابٍ (وكَلَّمَ اللَّهَ) بِالنَّصْبِ عَلى أنَّ مُوسى هو المُكَلِّمُ. ومِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ أنَّهُ مِنَ الكَلْمِ، وأنَّ مَعْناهُ: وجَرَحَ اللَّهُ مُوسى بِأظْفارِ المِحَنِ، ومَخالِبِ الفِتَنِ. وقالَ كَعْبٌ: كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى بِالألْسِنَةِ كُلِّها، فَجَعَلَ مُوسى يَقُولُ: رَبِّ لا أفْهَمُ؛ حَتّى كَلَّمَهُ بِلِسانِ مُوسى آخِرَ الألْسِنَةِ.
﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾؛ أيْ يُبَشِّرُونَ بِالجَنَّةِ مَن أطاعَ، ويُنْذِرُونَ بِالنّارِ مَن عَصى. وأرادَ تَعالى أنْ يَقْطَعَ بِالرُّسُلِ احْتِجاجَ مَن يَقُولُ: لَوْ بُعِثَ إلَيَّ رَسُولٌ آمَنتُ. وفي الحَدِيثِ: ولَيْسَ أحَدٌ أحَبَّ إلَيْهِ العُذْرُ مِنَ اللَّهِ فَمِن أجْلِ ذَلِكَ أنْزَلَ الكُتُبَ، وأرْسَلَ الرُّسُلَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَكُونُ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ قَبْلَ الرُّسُلِ، وهم مَحْجُوجُونَ بِما نَصَبَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الأدِلَّةِ الَّتِي النَّظَرُ فِيها مُوصِلٌ إلى المَعْرِفَةِ والرُّسُلُ في أنْفُسِهِمْ لَمْ يَتَوَصَّلُوا إلى المَعْرِفَةِ إلّا بِالنَّظَرِ في تِلْكَ الأدِلَّةِ، ولا عَرَفُوا أنَّهم رُسُلُ اللَّهِ إلّا بِالنَّظَرِ فِيها ؟ قُلْتُ: الرُّسُلُ مَنهِيُّونَ عَنِ الغَفْلَةِ، وباعِثُونَ عَلى النَّظَرِ كَما تَرى عُلَماءَ العَدْلِ والتَّوْحِيدِ، مَعَ تَبْلِيغِ ما حَمَلُوهُ مِن تَفْصِيلِ أُمُورِ الدِّينِ، وبَيانِ أحْوالِ التَّكْلِيفِ، وتَعَلُّمِ الشَّرائِعِ؛ فَكانَ إرْسالُهم إزاحَةً لِلْعِلَّةِ، وتَتْمِيمًا (p-٣٩٩)لِإلْزامِ الحُجَّةِ؛ لِئَلّا يَقُولُوا: لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا، فَيُوقِظُنا مِن سِنَةِ الغَفْلَةِ، ويُنَبِّهُنا لَما وجَبَ الِانْتِباهُ لَهُ انْتَهى. وقَوْلُهُ: لِئَلّا هو كالتَّعْلِيلِ لِحالَتَيِ: التَّبْشِيرِ والإنْذارِ. والتَّبْشِيرُ هو بِالجَنَّةِ والإنْذارُ هو بِالنّارِ. ولَيْسَ الثَّوابُ والعِقابُ حاكِمًا بِوُجُوبِهِما العَقْلُ؛ وإنَّما هو مُجَوِّزٌ لَهُما، وجاءَ السَّمْعُ فَصارا واجِبًا وُقُوعُهُما، ولَمْ يُسْتَفَدْ وُجُوبُهُما إلّا مِنَ البِشارَةِ والنِّذارَةِ. فَلَوْ لَمْ يُبَشِّرِ الرُّسُلُ بِالجَنَّةِ لِمَنِ امْتَثَلَ التَّكالِيفَ الشَّرْعِيَّةَ، ولَمْ يُنْذِرُوا بِالنّارِ مَن لَمْ يَمْتَثِلْ، وكانَتْ تَقَعُ المُخالَفَةُ المُتَرَتِّبُ عَلَيْها العِقابُ بِما لا شُعُورَ لِلْمُكَلَّفِ بِها مِن حَيْثُ إنَّ اللَّهَ لا يَبْعَثُ إلَيْهِ مَن يُعْلِمُهُ بِأنَّ تِلْكَ مَعْصِيَةٌ؛ لَكانَتْ لَهُ الحُجَّةُ إذْ عُوقِبَ عَلى شَيْءٍ لَمْ يَتَقَدَّمْ إلَيْهِ في التَّحْذِيرِ مِن فِعْلِهِ، وأنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ العِقابُ. وأمّا ما نَصَبَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ فَهي مُوَصِّلَةٌ إلى المَعْرِفَةِ والإيمانِ بِاللَّهِ عَلى ما يَجِبُ، والعِلَلُ في الآيَةِ هو غَيْرُ المَعْرِفَةِ والإيمانِ بِاللَّهِ؛ فَلا يَرِدُ سُؤالُ الزَّمَخْشَرِيِّ. وانْتَصَبَ رُسُلًا عَلى البَدَلِ، وهو الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِانْتِصابِهِ عَلى التَّكْرِيرِ. قالَ: والأوْجَهُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى المَدْحِ. وجَوَّزَ غَيْرُهُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِأرْسَلْنا مُقَدَّرَةً، وأنْ يَكُونَ حالًا مُوَطِّئَةً. و(لِئَلّا) مُتَعَلِّقَةٌ بِمُنْذِرِينَ عَلى طَرِيقِ الإعْمالِ. وجَوَّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمُقَدَّرٍ؛ أيْ أرْسَلْناهم بِذَلِكَ؛ أيْ بِالبِشارَةِ والنِّذارَةِ لِئَلّا يَكُونَ
(وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا)؛ أيْ لا يُغالِبُهُ شَيْءٌ، ولا حُجَّةَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ، صادِرَةٌ أفْعالُهُ عَنْ حِكْمَةٍ، فَلِذَلِكَ قَطَعَ الحُجَّةَ بِإرْسالِ الرُّسُلِ. وقِيلَ عَزِيزًا في عِقابِ الكُفّارِ حَكِيمًا في الإعْذارِ بَعْدَ تَقَدُّمِ الإنْذارِ.
﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أنْزَلَ إلَيْكَ﴾ الِاسْتِدْراكُ بِـ (لَكِنْ) يَقْتَضِي تَقَدُّمَ جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ؛ لِأنَّ (لَكِنْ) لا يُبْتَدَأُ بِها؛ فالتَّقْدِيرُ ما رُوِيَ في سَبَبِ النُّزُولِ، وهو: أنَّهُ لَمّا نَزَلَ إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ قالُوا: ما نَشْهَدُ لَكَ بِهَذا، لَكِنْ اللَّهُ يَشْهَدُ، وشَهادَتُهُ تَعالى بِما أنْزَلَهُ إلَيْهِ إثْباتُهُ بِإظْهارِ المُعْجِزاتِ كَما تَثْبُتُ الدَّعاوى بِالبَيِّناتِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ والجَرّاحُ الحَكَمِيُّ (لَكِنَّ اللَّهَ) بِالتَّشْدِيدِ، ونَصْبِ الجَلالَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ (بِما أُنْزِلُ إلَيْكَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
﴿أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ قَرَأ السُّلَمِيُّ: نَزَّلَهُ مُشَدَّدًا. قالَ الزَّجّاجُ: أنْزَلَهُ وفِيهِ عِلْمُهُ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: أنْزَلَهُ مِن عِلْمِهِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أنْزَلَهُ إلَيْكَ بِعِلْمٍ مِنهُ أنَّكَ خِيرَتُهُ مِن خَلْقِهِ. وقِيلَ أنْزَلَهُ إلَيْكَ بِعِلْمِهِ أنَّكَ أهْلُ إنْزالِهِ عَلَيْكَ لِقِيامِكَ بِحَقِّهِ وعِلْمِكَ بِما فِيهِ، وحُسْنِ دُعائِكَ إلَيْهِ، وحَثِّكَ عَلَيْهِ. وقِيلَ بِما يَحْتاجُ إلَيْهِ العِبادُ. وقِيلَ بِعِلْمِهِ أنَّكَ تُبَلِّغُهُ إلى عِبادِهِ مِن غَيْرِ تَبْدِيلٍ ولا زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذِهِ الآيَةُ مِن أقْوى مُتَعَلِّقاتِ أهْلِ السُّنَّةِ في إثْباتِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، خِلاِفًا لِلْمُعْتَزِلَةِ في أنَّهم يَقُولُونَ: عالِمٌ بِلا عِلْمٍ. والمَعْنى عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ: أنْزَلَهُ وهو يَعْلَمُ إنْزالَهُ ونُزُولَهُ. ومَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ في هَذِهِ الآيَةِ: أنَّهُ أنْزَلَهُ مُقْتَرِنًا بِعِلْمِهِ؛ أيْ فِيهِ عِلْمُهُ مِن غُيُوبٍ وأوامِرَ، ونَحْوِ ذَلِكَ؛ فالعِلْمُ عِبارَةٌ عَنِ المَعْلُوماتِ الَّتِي في القُرْآنِ كَما هو في قَوْلِ الخَضِرِ، ما نَقَصَ عِلْمِي، وعِلْمُكَ مِن عِلْمِ اللَّهِ إلّا كَما يُنْقِصُ هَذا العُصْفُورُ مِن هَذا البَحْرِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنْزَلَهُ مُلْتَبِسًا بِعِلْمِهِ الخاصِّ الَّذِي لا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ، وهو تَأْلِيفُهُ عَلى نَظْمٍ وأُسْلُوبٍ يَعْجِزُ عَنْهُ كُلُّ بَلِيغٍ وصاحِبُ بَيانٍ، ومَوْقِعُهُ مِمّا قَبْلَهُ مَوْقِعُ الجُمْلَةِ المُفَسِّرَةِ؛ لِأنَّهُ بَيانٌ لِلشَّهادَةِ بِصِحَّتِهِ أنَّهُ أنْزَلَهُ بِالنَّظْمِ المُعْجِزِ الفائِتِ لِلْقَدْرِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أنْزَلَهُ وهو عالِمٌ بِهِ رَقِيبٌ عَلَيْهِ حافِظٌ لَهُ مِنَ الشَّياطِينِ بِرَصَدٍ مِنَ المَلائِكَةِ.
﴿والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾؛ أيْ بِما أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ. وشَهادَةُ المَلائِكَةِ تَبَعٌ لِشَهادَةِ اللَّهِ، وقَدْ عَلِمَ بِشَهادَةِ اللَّهِ لَهُ إذْ أظْهَرَ عَلى يَدَيْهِ المُعْجِزاتِ، وهَذا عَلى سَبِيلِ التَّسْلِيَةِ لَهُ عَنْ تَكْذِيبِ اليَهُودِ، إنْ كَذَّبَكَ اليَهُودُ وكَذَّبُوا ما جِئْتَ بِهِ مِنَ الوَحْيِ، فَلا تُبالِ فَإنَّ اللَّهَ يَشْهَدُ لَكَ ومَلائِكَتَهُ؛ فَلا تَلْتَفِتْ إلى تَكْذِيبِهِمْ.
(وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا)؛ أيْ، وإنْ لَمْ يَشْهَدْ غَيْرُهُ ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٩] .
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا﴾؛ أيْ ضَلالًا لا يَقْرُبُ رُجُوعُهم عَنْهُ، ولا تَخَلُّصُهم مِنهُ؛ لِأنَّهُ يَعْتَقِدُ عَنْ نَفْسِهِ أنَّهُ مُحِقٌ ثُمَّ يَتَوَسَّلُ بِذَلِكَ الضَّلالِ إلى (p-٤٠٠)اكْتِسابِ المالِ والجاهِ وإلْقاءِ غَيْرِهِ فِيهِ، فَهو ضَلالٌ في أقْصى غاياتِهِ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وابْنُ هُرْمُزَ: وصُدُّوا بِضَمِّ الصّادِ، قِيلَ، وهي في اليَهُودِ.
النساء 4:163
﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهم وبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ ﴿وأخْذِهِمُ الرِّبا وقَدْ نُهُوا عَنْهُ وأكْلِهِمْ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنهم عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ مِنهم والمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ والمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وأوْحَيْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وعِيسى وأيُّوبَ ويُونُسَ وهارُونَ وسُلَيْمانَ وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ ﴿ورُسُلًا قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ورُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أنْزَلَ إلَيْكَ أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا﴾ [النساء: ١٦٨] ﴿إلّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ١٦٩] ﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالحَقِّ مِن رَبِّكم فَآمِنُوا خَيْرًا لَكم وإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٧٠] ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكم ولا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكم إنَّما اللَّهُ إلَهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ [النساء: ١٧١] ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ ومَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ ويَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهم إلَيْهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٧٢] الغُلُوُّ: تَجاوُزُ الحَدِّ. ومِنهُ غَلا السِّعْرُ، وغَلْوَةُ السَّهْمِ. الِاسْتِنْكافُ: الأنَفَةُ والتَّرَفُّعُ مِن نَكَفْتُ الدَّمْعَ إذا نَحَّيْتَهُ بِأُصْبُعِكَ مِن حَدِّكَ، ومَنَعْتَهُ مِنَ الجَرْيِ قالَ:
؎فَباتُوا فَلَوْلا ما تَدَكَّرَ مِنهُمُ مِنَ الحَلْقِ لَمْ يَنْكَفْ بِعَيْنِكَ مَدْمَعُ
وسُئِلَ أبُو العَبّاسِ عَنِ الِاسْتِنْكافِ فَقالَ: هو مِنَ النَّكْفِ، يُقالُ: ما عَلَيْهِ في هَذا الأمْرِ نَكْفٌ، ولا وكَفٌ، والنَّكْفُ أنْ يُقالَ لَهُ سُوءٌ، واسْتَنْكَفَ دَفَعَ ذَلِكَ السُّوءَ.
﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ المَعْنى: فَبِظُلْمٍ عَظِيمٍ، أوْ فَبِظُلْمٍ أيَّ ظُلْمٍ. وحَذْفُ الصِّفَةَ لِفَهْمِ المَعْنى جائِزٌ؛ كَما قالَ: لَقَدْ وقَعْتَ عَلى لَحْمٍ؛ أيَّ لَحْمٍ مُتَّبَعٍ، ويَتَعَلَّقُ بِحَرَّمْنا. وتَقَدَّمَ السَّبَبُ عَلى المُسَبَّبِ تَنْبِيهًا عَلى فُحْشِ الظُّلْمِ، وتَقْبِيحًا لَهُ، وتَحْذِيرًا مِنهُ. والطَّيِّباتُ هي ما ذُكِرَ في قَوْلِهِ: (وعَلى الَّذِينَ هادُوا) وحُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الألْبانُ وبَعْضُ الطَّيْرِ والحُوتُ، وأُحِلَّتْ لَهم صِفَةُ الطَّيِّباتِ بِما كانَتْ عَلَيْهِ. وأوْضَحَ ذَلِكَ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ: طَيِّباتٍ كانَتْ أُحِلَّتْ لَهم.
﴿وبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ أيْ ناسًا كَثِيرًا؛ فَيَكُونُ كَثِيرًا مَفْعُولًا بِالمَصْدَرِ؛ وإلَيْهِ ذَهَبَ الطَّبَرِيُّ. قالَ: صَدُّوا بِجَحْدِهِمْ أمْرَ مُحَمَّدٍ جَمْعًا عَظِيمًا مِنَ النّاسِ، أوْ صَدَّ كَثِيرًا. وقَدَّرَهُ بَعْضُهم زَمانًا كَثِيرًا.
﴿وأخْذِهِمُ الرِّبا وقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾، وهَذِهِ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ تُفِيدُ تَأْكِيدَ قُبْحِ فِعْلِهِمْ، (p-٣٩٥)وسُوءِ صَنِيعِهِمْ؛ إذْ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ يَجِبُ أنْ يُبْعَدَ عَنْهُ. قالُوا: والرِّبا مُحَرَّمٌ في جَمِيعِ الشَّرائِعِ.
﴿وأكْلِهِمْ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ﴾؛ أيِ الرُّشا الَّتِي كانُوا يَأْخُذُونَها مِن سِفْلَتِهِمْ في تَحْرِيفِ الكِتابِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ فُصِّلَتْ أنْواعُ الظُّلْمِ المُوجِبِ لِتَحْرِيمِ الطَّيِّباتِ. قِيلَ كانُوا كُلَّما أحْدَثُوا ذَنْبًا حُرِّمَ عَلَيْهِمْ بَعْضُ الطَّيِّباتِ، وأُهْمِلَ هُنا تَفْصِيلُ الطَّيِّباتِ؛ بَلْ ذُكِرَتْ نَكِرَةً مُبْهَمَةً. وفي المائِدَةِ فَصَّلَ أنْواعَ ما حَرَّمَ، ولَمْ يُفَصِّلِ السَّبَبَ. فَقِيلَ ذَلِكَ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ، وأُعِيدَتِ الباءُ في: (وبِصَدِّهِمْ) لِبُعْدِهِ عَنِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِالفَصْلِ بِما لَيْسَ مَعْمُولًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ؛ بَلْ في العامِلِ فِيهِ. ولَمْ يَعُدْ في: (وأخْذِهِمْ)، وأكْلِهِمْ؛ لِأنَّ الفَصْلَ وقَعَ بِمَعْمُولِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ. ونَظِيرُ إعادَةِ الحَرْفِ وتَرْكِ إعادَتِهِ قَوْلُهُ: (فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم) الآيَةَ. وبُدِئَ في أنْواعِ الظُّلْمِ بِما هو أهَمُّ، وهو أمْرُ الدِّينِ، وهو الصَّدُّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ بِأمْرِ الدُّنْيا، وهو ما يَتَعَلَّقُ بِهِ الأذى في بَعْضِ المالِ، ثُمَّ ارْتَقى إلى الأبْلَغِ في المالِ الدُّنْيَوِيِّ، وهو أكْلُهُ بِالباطِلِ؛ أيْ مَجّانًا لا عِوَضَ فِيهِ. وفي ذِكْرِ هَذِهِ الآيَةِ امْتِنانٌ عَلى وجْهِ الأُمَّةِ حَيْثُ لَمْ يُعامِلْهم مُعامَلَةَ اليَهُودِ فَيُحَرِّمَ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا الطَّيِّباتِ عُقُوبَةً لَهم بِذُنُوبِهِمْ.
(وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنهم عَذابًا مُهِينًا) لَمّا ذَكَرَ عُقُوبَةَ الدُّنْيا، ذَكَرَ ما أعَدَّ لَهم في الآخِرَةِ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ التَّحْرِيمُ عامًّا لِلْيَهُودِ بِسَبَبِ ظُلْمِ مَن ظَلَمَ مِنهم؛ فالتَزَمَهُ ظالِمُهم، وغَيْرُ ظالِمِهِمْ كَما قالَ تَعالى: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] بَيَّنَ أنَّ العَذابَ الألِيمَ؛ إنَّما أُعِدَّ لِلْكافِرِينَ مِنهم، فَلِذَلِكَ لَمْ يَأْتِ، وأعْتَدْنا لَهم.
﴿لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ مِنهم والمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ والمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أجْرًا عَظِيمًا﴾ مَجِيءُ (لَكِنْ) هُنا في غايَةِ الحُسْنِ؛ لِأنَّها داخِلَةٌ بَيْنَ نَقِيضَيْنِ وجَزائِهِما، وهُمُ الكافِرُونَ والعَذابُ الألِيمُ والمُؤْمِنُونَ والأجْرُ العَظِيمُ والرّاسِخُونَ الثّابِتُونَ المُنْتَصِبُونَ المُسْتَبْصِرُونَ مِنهم: كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأضْرابِهِ، والمُؤْمِنُونَ يَعْنِي مِنهم، أوِ المُؤْمِنُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ. والظّاهِرُ أنَّهُ عامٌّ في مَن آمَنَ.
وارْتَفَعَ الرّاسِخُونَ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ يُؤْمِنُونَ لا غَيْرَ؛ لِأنَّ المَدْحَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ تَمامِ الجُمْلَةِ. ومَن جَعَلَ الخَبَرَ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ فَقَوْلُهُ ضَعِيفٌ، وانْتَصَبَ المُقِيمِينَ عَلى المَدْحِ، وارْتَفَعَ والمُؤْتُونَ أيْضًا عَلى إضْمارٍ، وهم عَلى سَبِيلِ القَطْعِ إلى الرَّفْعِ. ولا يَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ عَلى المَرْفُوعِ قَبْلَهُ؛ لِأنَّ النَّعْتَ إذا انْقَطَعَ في شَيْءٍ مِنهُ لَمْ يَعُدْ ما بَعْدَهُ إلى إعْرابِ المَنعُوتِ، وهَذا القَطْعُ لِبَيانِ فَضْلِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ؛ فَكَثُرَ الوَصْفُ بِأنْ جُعِلَ في جُمَلٍ.
وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، والجَحْدَرِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ، وعِصْمَةُ عَنِ الأعْمَشِ، ويُونُسُ وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: والمُقِيمُونَ بِالرَّفْعِ نَسَقًا عَلى الأوَّلِ، وكَذا هو في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قالَهُ الفَرّاءُ. ورُوِيَ أنَّها كَذَلِكَ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ. وقِيلَ بَلْ هي فِيهِ والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ كَمُصْحَفِ عُثْمانَ. وذُكِرَ عَنْ عائِشَةَ وأبانِ بْنِ عُثْمانَ: إنَّ كَتْبَها بِالياءِ مِن خَطَأِ كاتِبِ المُصْحَفِ، ولا يَصِحُّ عَنْهُما ذَلِكَ؛ لِأنَّهُما (p-٣٩٦)عَرَبِيّانِ فَصِيحانِ، قَطْعُ النُّعُوتِ أشْهَرُ في لِسانِ العَرَبِ، وهو بابٌ واسِعٌ ذَكَرَ عَلَيْهِ شَواهِدَ سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ، وعَلى القَطْعِ خَرَّجَ سِيبَوَيْهِ ذَلِكَ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولا نَلْتَفِتُ إلى ما زَعَمُوا مِن وُقُوعِهِ لَحْنًا في خَطِّ المُصْحَفِ، ورُبَّما التَفَتَ إلَيْهِ مَن يَنْظُرُ في الكِتابِ، ولَمْ يَعْرِفْ مَذاهِبَ العَرَبِ، وما لَهم في النَّصْبِ عَلى الِاخْتِصاصِ مِنَ الِافْتِتانِ، وعَنى عَلَيْهِ: أنَّ السّابِقِينَ الأوَّلِينَ الَّذِينَ مَثَلُهم في التَّوْراةِ، ومَثَلُهم في الإنْجِيلِ كانُوا أبْعَدَ هِمَّةً في الغَيْرَةِ عَلى الإسْلامِ، وذَبِّ المَطاعِنِ عَنْهُ مِن أنْ يَتْرُكُوا في كِتابِ اللَّهِ ثُلْمَةً يَسُدُّها مَن بَعْدَهم، وخَرْقًا يَرْفُوهُ مَن يَلْحَقُ بِهِمُ، انْتَهى. ويَعْنِي بِقَوْلِهِ: مَن لَمْ يَنْظُرْ في الكِتابِ كِتابَ سِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللَّهُ فَإنَّ اسْمَ الكِتابِ عَلَمٌ عَلَيْهِ، ولِجَهْلِ مَن يُقْدِمُ عَلى تَفْسِيرِ كِتابِ اللَّهِ وإعْرابِ ألْفاظِهِ بِغَيْرِ أحْكامِ عِلْمِ النَّحْوِ جَوَّزُوا في عَطْفِ والمُقِيمِينَ وُجُوهًا: أحَدُها: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ؛ أيْ يُؤْمِنُونَ بِالكُتُبِ وبِالمُقِيمِينَ الصَّلاةَ. واخْتَلَفُوا في هَذا الوَجْهِ مَنِ المَعْنِيُّ بِالمُقِيمِينَ الصَّلاةَ، فَقِيلَ الأنْبِياءُ ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ. وقِيلَ المَلائِكَةُ؛ ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقِيلَ المُسْلِمُونَ والتَّقْدِيرُ: ونَدْبُ المُقِيمِينَ؛ ذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ مَعْناهُ. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الضَّمِيرِ في مِنهم؛ أيْ لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ مِنهم ومِنَ المُقِيمِينَ ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَلى قَوْمٍ لَمْ يُسَمِّهِمْ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الكافِ في أُولَئِكَ؛ أيْ ما أُنْزِلُ إلَيْكَ وإلى المُقِيمِينَ الصَّلاةَ. الوَجْهُ الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى كافِ قَبْلَكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ التَّقْدِيرُ: وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ، وقِيلَ المُقِيمِينَ الصَّلاةَ. الوَجْهُ الخامِسُ: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى كافِ قَبْلَكَ، ويَعْنِي الأنْبِياءَ؛ ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَرْقٌ بَيْنَ الآيَةِ والبَيْتِ يَعْنِي بَيْتَ الخِرْنَقِ، وكانَ أنْشَدَهُ قَبْلُ، وهو:
؎النّازِلِينَ بِكُلِّ مُعْتَرَكٍ ∗∗∗ والطَّيِّبُونَ مَعاقِدَ الأُزُرِ
بِحَرْفِ العَطْفِ الَّذِي في الآيَةِ؛ فَإنَّهُ يُمْنَعُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ تَقْدِيرُ الفِعْلِ، وفي هَذا نَظَرٌ، انْتَهى. إنْ مَنَعَ ذَلِكَ أحَدٌ فَهو مَحْجُوجٌ بِثُبُوتِ ذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ مَعَ حَرْفِ العَطْفِ، ولا نَظَرَ في ذَلِكَ كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ. قالَ الشّاعِرُ:
؎ويَأْوِي إلى نِسْوَةٍ عُطْلٍ ∗∗∗ وشُعْثٍ مَراضِيعَ مَثْلِ السَّعالِي
وكَذَلِكَ جَوَّزُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ وُجُوهًا عَلى غَيْرِ الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ: مِن أنَّهُ ارْتَفَعَ عَلى خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ عَلى سَبِيلِ قَطْعِ الصِّفاتِ في المَدْحِ: أحَدُها: أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى الرّاسِخُونَ. الثّانِي: عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في المُؤْمِنُونَ. الثّالِثُ: عَلى الضَّمِيرِ في يُؤْمِنُونَ. الرّابِعُ: أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وما بَعْدَهُ الخَبَرُ، وهو اسْمُ الإشارَةِ، وما يَلِيهِ. وأمّا (المُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) فَعَطْفٌ عَلى ﴿والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ عَلى الوَجْهِ الَّذِي اخْتَرْناهُ في رَفْعِ (والمُؤْتُونَ) .
ولَمّا ذَكَرَ أوَّلًا (والمُؤْمِنُونَ) تَضَمَّنَ الإيمانَ بِما يَجِبُ أنْ يُؤْمِنَ بِهِ، ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم وعَنِ الرّاسِخِينَ أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِالقُرْآنِ وبِالكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، ثُمَّ وصَفَهم بِصِفاتِ المَدْحِ مِنَ امْتِثالِ أشْرَفِ أوْصافِ الإيمانِ الفِعْلِيَّةِ البَدَنِيَّةِ وهي الصَّلاةُ والمالِيَّةِ وهي الزَّكاةُ، ثُمَّ ارْتَقى في المَدْحِ إلى أشْرَفِ الأوْصافِ القَلْبِيَّةِ الِاعْتِقادِيَّةِ، وهي الإيمانُ بِالمُوَحَّدِ الَّذِي أنْزَلَ الكُتُبَ، وشَرَعَ فِيها الصَّلاةَ والزَّكاةَ وبِاليَوْمِ الآخِرِ، وهو البَعْثُ والمَعادُ الَّذِي يَظْهَرُ فِيهِ ثَمَرَةُ الإيمانِ وامْتِثالِ تَكالِيفِ الشَّرْعِ مِنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، وغَيْرِهِما. ثُمَّ إنَّهُ لَمّا اسْتَوْفى ذَلِكَ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ سَيُؤْتِيهِمْ أجْرًا عَظِيمًا، وهو ما رَتَّبَ تَعالى عَلى هَذِهِ الأوْصافِ الجَلِيلَةِ الَّتِي وصَفَهم بِها، وأشارَ إلَيْهِمْ بِأُولَئِكَ لِيَدُلَّ عَلى مَجْمُوعِ تِلْكَ الأوْصافِ. ومَن أعْرَبَ ﴿والمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ مُبْتَدَأً أوْ خَبَرَهُ ما بَعْدَهُ فَهو بِمَعْزِلٍ عَنْ إدْراكِ الفَصاحَةِ. والأجْوَدُ إعْرابُ أُولَئِكَ مُبْتَدَأٌ، ومَن نَصَبَهُ بِإضْمارِ فِعْلٍ تَفْسِيرُهُ ما بَعْدَهُ: أنَّهُ سَيُؤْتِي أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ؛ فَيَجْعَلُهُ (p-٣٩٧)مِن بابِ الِاشْتِغالِ؛ فَلَيْسَ قَوْلُهُ بِراجِحٍ؛ لِأنَّ ”زَيْدٌ ضَرَبْتُهُ“ أفْصَحُ وأكْثَرُ مِن ”زَيْدًا ضَرْبَتُهُ“؛ ولِأنَّ مَعْمُولَ ما بَعْدَ حَرْفِ الِاسْتِقْبالِ مُخْتَلَفٌ في جَوازِ تَقْدِيمِهِ في نَحْوِ: سَأضْرِبُ زَيْدًا، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا يَجُوزُ الِاشْتِغالُ. فالأجْوَدُ الحَمْلُ عَلى ما لا خِلافَ فِيهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ: سَيُؤْتِيهِمْ بِالياءِ عَوْدًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿والمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ . وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ. عَلى الِالتِفاتِ. ومُناسِبَةِ (وأعْتَدْنا) .
﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَبَبُ نُزُولِها أنَّ سُكَيْنًا الحبْرَ وعَدِيَّ بْنَ زَيْدٍ قالا: يا مُحَمَّدُ ما نَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ عَلى بَشَرٍ شَيْئًا بَعْدَ مُوسى، ولا أوْحى إلَيْهِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [النساء: ١٥٣] الآياتِ، فَتُلِيَتْ عَلَيْهِمْ، وسَمِعُوا الخَبَرَ بِأعْمالِهِمُ الخَبِيثَةِ قالُوا: ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ، ولا عَلى عِيسى، وجَحَدُوا جَمِيعَ ذَلِكَ فَنَزَلَتْ: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا﴾ [الأنعام: ٩١] الآيَةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ جَوابٌ لِأهْلِ الكِتابِ عَنْ سُؤالِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ، واحْتِجاجِهِمْ عَلَيْهِمْ بِأنَّ شَأْنَهُ في الوَحْيِ إلَيْهِ كَسائِرِ الأنْبِياءِ الَّذِينَ سَلَفُوا، انْتَهى. وقَدَّمَ نُوحًا وجَرَّدَهُ مِنهم في الذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ الأبُ الثّانِي، وأوَّلُ الرُّسُلِ، ودَعْوَتُهُ عامَّةٌ لِجَمِيعِ مَن كانَ إذْ ذاكَ في الأرْضِ، كَما أنَّ دَعْوَةَ مُحَمَّدٍ عامَّةٌ لِجَمِيعِ مَن في الأرْضِ.
﴿وأوْحَيْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وعِيسى وأيُّوبَ ويُونُسَ وهارُونَ وسُلَيْمانَ﴾ خَصَّ تَعالى بِالذِّكْرِ هَؤُلاءِ تَشْرِيفًا وتَعْظِيمًا لَهم، وبَدَأ بِإبْراهِيمَ لِأنَّهُ الأبُ الثّالِثُ، وقَدَّمَ عِيسى عَلى مَن بَعْدَهُ تَخْفِيفًا لِنُبُوَّتِهِ، وقَطْعًا لِما رَآهُ اليَهُودُ فِيهِ، ودَفْعًا لِاعْتِقادِهِمْ، وتَعْظِيمًا لَهُ عِنْدَهم، وتَنْوِيهًا بِاتِّساعِ دائِرَتِهِ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ نَسَبِ نُوح وإبْراهِيمَ وهارُونَ في نَسَبِ أخِيهِ مُوسى. وأمّا أيُّوبُ فَذَكَرَ الحُسَيْنُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ القاضِي الفاضِلِ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ عَلِيِّ النَّيْسابُورِيِّ نَسَبَهُ فَقالَ: أيُّوبُ بْنُ أمْوَصَ بْنِ بارِحِ بْنِ تُورَمَ بْنِ العِيصِ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ، وأُمُّهُ مِن ولَدِ لُوطِ بْنِ هارُونَ. وأمّا يُونُسُ فَهو يُونُسُ بْنُ مَتّى. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ ابْنِ جَمّازٍ عَنْهُ: يُونِسُ بِكَسْرِ النُّونِ، وهي لُغَةٌ لِبَعْضِ العَرَبِ. وقَرَأ النَّخَعِيُّ، وابْنُ وثّابٍ: بِفَتْحِها، وهي لُغَةٌ لِبَعْضِ عَقِيلٍ، وبَعْضُ العَرَبِ يَهْمِزُ ويَكْسِرُ، وبَعْضُ أسَدٍ يَهْمِزُ ويَضُمُّ النُّونَ، ولُغَةُ الحِجازِ ما قَرَأ بِهِ الجُمْهُورُ مِن تَرْكِ الهَمْزِ، وضَمِّ النُّونِ.
(وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا) أيْ كِتابًا. وكُلُّ كِتابٍ يُسَمّى زَبُورًا، وغَلَبَ عَلى الكِتابِ الَّذِي أوْحاهُ اللَّهُ إلى داوُدَ. وهو فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كالحَلُوبِ والرَّكُوبِ، ولا يَطَّرِدُ، وهو مِائَةٌ وخَمْسُونَ سُورَةً لَيْسَ فِيها حُكْمٌ ولا حَرامٌ ولا حَلالٌ؛ إنَّما هي حِكَمٌ ومَواعِظُ، وقَدْ قَرَأْتُ جُمْلَةً مِنها بِبِلادِ الأنْدَلُسِ. قِيلَ: وقَدَّمَ سُلَيْمانُ في الذِّكْرِ عَلى داوُدَ لِتَوَفُّرِ عِلْمِهِ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩] والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ عِيسى وأيُّوبَ ويُونُسَ؛ لِأنَّهم أصْحابُ امْتِحانٍ، وبَلايا في الدُّنْيا، وجَمَعَ بَيْنَ هارُونَ، وسُلَيْمانَ؛ لِأنَّ هارُونَ كانَ مُحَبَّبًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ مُعَظَّمًا مُؤْثَرًا، وأمّا سُلَيْمانُ فَكانَ مُعَظَّمًا عِنْدَ النّاسِ قاهِرًا لَهم مُسْتَحِقًّا لَهُ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ؛ فَجَمَعَهُما التَّحْبِيبُ والتَّعْظِيمُ. وتَأخَّرَ ذِكْرُ داوُدَ لِتَشْرِيفِهِ بِذِكْرِ كِتابِهِ، وإبْرازِهِ في جُمْلَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ لَهُ بِالذِّكْرِ ولِكِتابِهِ؛ فَما فاتَهُ مِنَ التَّقْدِيمِ اللَّفْظِيِّ حَصَلَ بِهِ التَّضْعِيفُ مِنَ التَّشْرِيفِ المَعْنَوِيِّ.
وقَرَأ حَمْزَةُ (زُبُورًا) بِضَمِّ الزّايِ. قالَ أبُو البَقاءِ: وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَصْدَرٌ كالقُعُودِ يُسَمّى بِهِ الكِتابُ المُنَزَّلُ عَلى داوُدَ. والثّانِي: أنَّهُ جَمْعُ زَبُورٍ عَلى حَذْفِ الزّائِدِ، وهو الواوُ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: كَما قالُوا طَرِيقٌ وطُرُوقٌ، وكَرَوانٌ، وكُرُوانٌ، ووَرَشانُ، ووُرُشانٌ، مِمّا يُجْمَعُ بِحَذْفِ الزِّيادَةِ. ويُقَوِّي هَذا التَّوْجِيهَ أنَّ التَّكْسِيرَ مِثْلُ التَّصْغِيرِ، وقَدِ اطَّرَدَ هَذا المَعْنى في تَصْغِيرِ التَّرْخِيمِ نَحْوَ أزْهَرَ وزُهَيْرٍ، والحارِثِ وحُرَيْثٍ، وثابِتٍ وثُبَيْتٍ والجَمْعُ مِثْلُهُ في القِياسِ، وإنْ كانَ أقَلَّ مِنهُ في الِاسْتِعْمالِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: ويُحْتَمَلُ (p-٣٩٨)أنْ يَكُونَ جَمْعَ زُبُرٍ أُوقِعَ عَلى المَزْبُورِ كَما قالُوا: ضَرْبُ الأمِيرِ، ونَسْجُ اليَمَنِ. وكَما سُمِّيَ المَكْتُوبُ كِتابًا.
﴿ورُسُلًا قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ﴾؛ أيْ ذَكَرْنا أخْبارَهم لَكَ.
﴿ورُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ﴾ رُوِيَ مِن حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ: أنَّهُ سَألَ عَنِ المُرْسَلِينَ؛ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كانَ المُرْسَلُونَ ثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ» . قالَ القُرْطُبِيُّ: هَذا أصَحُّ ما رُوِيَ في ذَلِكَ؛ خَرَّجَهُ الآجُرِّيُّ، وأبُو حاتِمٍ البُسْتِيُّ في مُسْنَدٍ صَحِيحٍ لَهُ. وفي حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ هَذا: أنَّهُ سَألَهُ «كَمْ كانَ الأنْبِياءُ ؟ فَقالَ: مِائَةُ ألْفِ نَبِيٍّ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفَ نَبِيٍّ» . ورُوِيَ عَنْ أنَسٍ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بُعِثَ عَلى أثَرِ ثَمانِيَةِ ألْفٍ مِنَ الأنْبِياءِ مِنهم أرْبَعَةُ آلافٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ. ورُوِيَ عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ أنَّهُ قالَ: الأنْبِياءُ ألْفُ ألْفٍ وأرْبَعُمِائَةِ ألْفٍ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ما ذُكِرَ مِن عَدَدِ الأنْبِياءِ غَيْرُ صَحِيحٍ واللَّهُ أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ، انْتَهى.
وانْتِصابُ ورُسُلًا عَلى إضْمارِ فِعْلٍ؛ أيْ قَدْ قَصَصْنا رُسُلًا عَلَيْكَ؛ فَهو مِن بابِ الِاشْتِغالِ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قَدْ قَصَصْناهُمْ﴾ مُفَسِّرَةٌ لِذَلِكَ الفِعْلِ المَحْذُوفِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا قِراءَةُ أُبَيٍّ، ورُسُلٌ بِالرَّفْعِ في المَوْضِعَيْنِ عَلى الِابْتِداءِ. وجازَ الِابْتِداءُ بِالنَّكِرَةِ هُنا؛ لِأنَّهُ مَوْضِعُ تَفْصِيلٍ كَما أنْشَدُوا: فَثَوْبٌ لَبِسْتُ وثَوْبٌ أجُرُّ.
وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎بِشِقٍّ وشِقٌّ عِنْدَنا لَمْ يُحَوَّلِ
ومِن حُجَجِ النَّصْبِ عَلى الرَّفْعِ كَوْنُ العَطْفِ عَلى جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ، وهي وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الرَّفْعُ عَلى تَقْدِيرِ وهم: رُسُلٌ؛ فَعَلى قَوْلِهِ يَكُونُ ﴿قَدْ قَصَصْناهُمْ﴾ جُمْلَةً في مَوْضِعِ الصِّفَةِ. وجَوَّزُوا أيْضًا نَصْبَ، ورُسُلًا مِن وجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ المَعْنى: إنّا أرْسَلْناكَ وأرْسَلْنا رُسُلًا لِأنَّ الرَّدَّ عَلى اليَهُودِ إنَّما هو في إنْكارِهِمْ إرْسالَ الرُّسُلِ واطِّرادَ الوَحْيِ.
﴿وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ هَذا إخْبارٌ بِأنَّ اللَّهَ شَرَّفَ مُوسى بِكَلامِهِ، وأكَّدَ بِالمَصْدَرِ دَلالَةً عَلى وُقُوعِ الفِعْلِ عَلى حَقِيقَتِهِ لا عَلى مَجازِهِ، هَذا هو الغالِبُ. وقَدْ جاءَ التَّأْكِيدُ بِالمَصْدَرِ في المَجازِ إلّا أنَّهُ قَلِيلٌ. فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ هِنْدَ بِنْتِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ الأنْصارِيِّ:
؎بَكى الخَزُّ مِن عَوْفٍ وأنْكَرَ جِلْدُهُ ∗∗∗ وعَجَّتْ عَجِيجًا مِن جُذامَ المَطارِفُ
وقالَ ثَعْلَبٌ: لَوْلا التَّأْكِيدُ بِالمَصْدَرِ لَجازَ أنْ تَقُولَ: قَدْ كَلَّمْتُ لَكَ فُلانًا بِمَعْنى كَتَبْتُ إلَيْهِ رُقْعَةً، وبَعَثْتُ إلَيْهِ رَسُولًا؛ فَلَمّا قالَ: تَكْلِيمًا لَمْ يَكُنْ إلّا كَلامًا مَسْمُوعًا مِنَ اللَّهِ تَعالى. ومَسْألَةُ الكَلامِ مِمّا طالَ فِيهِ الكَلامُ، واخْتَلَفَ فِيها عُلَماءُ الإسْلامِ؛ وبِهَذِهِ المَسْألَةِ سُمِّيَ عِلْمُ أُصُولِ الدِّينِ بِعِلْمِ الكَلامِ، وهي مَسْألَةٌ يُبْحَثُ عَنْها في أُصُولِ الدِّينِ. وقَرَأ إبْراهِيمُ بْنُ وثّابٍ (وكَلَّمَ اللَّهَ) بِالنَّصْبِ عَلى أنَّ مُوسى هو المُكَلِّمُ. ومِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ أنَّهُ مِنَ الكَلْمِ، وأنَّ مَعْناهُ: وجَرَحَ اللَّهُ مُوسى بِأظْفارِ المِحَنِ، ومَخالِبِ الفِتَنِ. وقالَ كَعْبٌ: كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى بِالألْسِنَةِ كُلِّها، فَجَعَلَ مُوسى يَقُولُ: رَبِّ لا أفْهَمُ؛ حَتّى كَلَّمَهُ بِلِسانِ مُوسى آخِرَ الألْسِنَةِ.
﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾؛ أيْ يُبَشِّرُونَ بِالجَنَّةِ مَن أطاعَ، ويُنْذِرُونَ بِالنّارِ مَن عَصى. وأرادَ تَعالى أنْ يَقْطَعَ بِالرُّسُلِ احْتِجاجَ مَن يَقُولُ: لَوْ بُعِثَ إلَيَّ رَسُولٌ آمَنتُ. وفي الحَدِيثِ: ولَيْسَ أحَدٌ أحَبَّ إلَيْهِ العُذْرُ مِنَ اللَّهِ فَمِن أجْلِ ذَلِكَ أنْزَلَ الكُتُبَ، وأرْسَلَ الرُّسُلَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَكُونُ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ قَبْلَ الرُّسُلِ، وهم مَحْجُوجُونَ بِما نَصَبَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الأدِلَّةِ الَّتِي النَّظَرُ فِيها مُوصِلٌ إلى المَعْرِفَةِ والرُّسُلُ في أنْفُسِهِمْ لَمْ يَتَوَصَّلُوا إلى المَعْرِفَةِ إلّا بِالنَّظَرِ في تِلْكَ الأدِلَّةِ، ولا عَرَفُوا أنَّهم رُسُلُ اللَّهِ إلّا بِالنَّظَرِ فِيها ؟ قُلْتُ: الرُّسُلُ مَنهِيُّونَ عَنِ الغَفْلَةِ، وباعِثُونَ عَلى النَّظَرِ كَما تَرى عُلَماءَ العَدْلِ والتَّوْحِيدِ، مَعَ تَبْلِيغِ ما حَمَلُوهُ مِن تَفْصِيلِ أُمُورِ الدِّينِ، وبَيانِ أحْوالِ التَّكْلِيفِ، وتَعَلُّمِ الشَّرائِعِ؛ فَكانَ إرْسالُهم إزاحَةً لِلْعِلَّةِ، وتَتْمِيمًا (p-٣٩٩)لِإلْزامِ الحُجَّةِ؛ لِئَلّا يَقُولُوا: لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا، فَيُوقِظُنا مِن سِنَةِ الغَفْلَةِ، ويُنَبِّهُنا لَما وجَبَ الِانْتِباهُ لَهُ انْتَهى. وقَوْلُهُ: لِئَلّا هو كالتَّعْلِيلِ لِحالَتَيِ: التَّبْشِيرِ والإنْذارِ. والتَّبْشِيرُ هو بِالجَنَّةِ والإنْذارُ هو بِالنّارِ. ولَيْسَ الثَّوابُ والعِقابُ حاكِمًا بِوُجُوبِهِما العَقْلُ؛ وإنَّما هو مُجَوِّزٌ لَهُما، وجاءَ السَّمْعُ فَصارا واجِبًا وُقُوعُهُما، ولَمْ يُسْتَفَدْ وُجُوبُهُما إلّا مِنَ البِشارَةِ والنِّذارَةِ. فَلَوْ لَمْ يُبَشِّرِ الرُّسُلُ بِالجَنَّةِ لِمَنِ امْتَثَلَ التَّكالِيفَ الشَّرْعِيَّةَ، ولَمْ يُنْذِرُوا بِالنّارِ مَن لَمْ يَمْتَثِلْ، وكانَتْ تَقَعُ المُخالَفَةُ المُتَرَتِّبُ عَلَيْها العِقابُ بِما لا شُعُورَ لِلْمُكَلَّفِ بِها مِن حَيْثُ إنَّ اللَّهَ لا يَبْعَثُ إلَيْهِ مَن يُعْلِمُهُ بِأنَّ تِلْكَ مَعْصِيَةٌ؛ لَكانَتْ لَهُ الحُجَّةُ إذْ عُوقِبَ عَلى شَيْءٍ لَمْ يَتَقَدَّمْ إلَيْهِ في التَّحْذِيرِ مِن فِعْلِهِ، وأنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ العِقابُ. وأمّا ما نَصَبَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ فَهي مُوَصِّلَةٌ إلى المَعْرِفَةِ والإيمانِ بِاللَّهِ عَلى ما يَجِبُ، والعِلَلُ في الآيَةِ هو غَيْرُ المَعْرِفَةِ والإيمانِ بِاللَّهِ؛ فَلا يَرِدُ سُؤالُ الزَّمَخْشَرِيِّ. وانْتَصَبَ رُسُلًا عَلى البَدَلِ، وهو الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِانْتِصابِهِ عَلى التَّكْرِيرِ. قالَ: والأوْجَهُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى المَدْحِ. وجَوَّزَ غَيْرُهُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِأرْسَلْنا مُقَدَّرَةً، وأنْ يَكُونَ حالًا مُوَطِّئَةً. و(لِئَلّا) مُتَعَلِّقَةٌ بِمُنْذِرِينَ عَلى طَرِيقِ الإعْمالِ. وجَوَّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمُقَدَّرٍ؛ أيْ أرْسَلْناهم بِذَلِكَ؛ أيْ بِالبِشارَةِ والنِّذارَةِ لِئَلّا يَكُونَ
(وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا)؛ أيْ لا يُغالِبُهُ شَيْءٌ، ولا حُجَّةَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ، صادِرَةٌ أفْعالُهُ عَنْ حِكْمَةٍ، فَلِذَلِكَ قَطَعَ الحُجَّةَ بِإرْسالِ الرُّسُلِ. وقِيلَ عَزِيزًا في عِقابِ الكُفّارِ حَكِيمًا في الإعْذارِ بَعْدَ تَقَدُّمِ الإنْذارِ.
﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أنْزَلَ إلَيْكَ﴾ الِاسْتِدْراكُ بِـ (لَكِنْ) يَقْتَضِي تَقَدُّمَ جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ؛ لِأنَّ (لَكِنْ) لا يُبْتَدَأُ بِها؛ فالتَّقْدِيرُ ما رُوِيَ في سَبَبِ النُّزُولِ، وهو: أنَّهُ لَمّا نَزَلَ إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ قالُوا: ما نَشْهَدُ لَكَ بِهَذا، لَكِنْ اللَّهُ يَشْهَدُ، وشَهادَتُهُ تَعالى بِما أنْزَلَهُ إلَيْهِ إثْباتُهُ بِإظْهارِ المُعْجِزاتِ كَما تَثْبُتُ الدَّعاوى بِالبَيِّناتِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ والجَرّاحُ الحَكَمِيُّ (لَكِنَّ اللَّهَ) بِالتَّشْدِيدِ، ونَصْبِ الجَلالَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ (بِما أُنْزِلُ إلَيْكَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
﴿أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ قَرَأ السُّلَمِيُّ: نَزَّلَهُ مُشَدَّدًا. قالَ الزَّجّاجُ: أنْزَلَهُ وفِيهِ عِلْمُهُ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: أنْزَلَهُ مِن عِلْمِهِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أنْزَلَهُ إلَيْكَ بِعِلْمٍ مِنهُ أنَّكَ خِيرَتُهُ مِن خَلْقِهِ. وقِيلَ أنْزَلَهُ إلَيْكَ بِعِلْمِهِ أنَّكَ أهْلُ إنْزالِهِ عَلَيْكَ لِقِيامِكَ بِحَقِّهِ وعِلْمِكَ بِما فِيهِ، وحُسْنِ دُعائِكَ إلَيْهِ، وحَثِّكَ عَلَيْهِ. وقِيلَ بِما يَحْتاجُ إلَيْهِ العِبادُ. وقِيلَ بِعِلْمِهِ أنَّكَ تُبَلِّغُهُ إلى عِبادِهِ مِن غَيْرِ تَبْدِيلٍ ولا زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذِهِ الآيَةُ مِن أقْوى مُتَعَلِّقاتِ أهْلِ السُّنَّةِ في إثْباتِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، خِلاِفًا لِلْمُعْتَزِلَةِ في أنَّهم يَقُولُونَ: عالِمٌ بِلا عِلْمٍ. والمَعْنى عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ: أنْزَلَهُ وهو يَعْلَمُ إنْزالَهُ ونُزُولَهُ. ومَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ في هَذِهِ الآيَةِ: أنَّهُ أنْزَلَهُ مُقْتَرِنًا بِعِلْمِهِ؛ أيْ فِيهِ عِلْمُهُ مِن غُيُوبٍ وأوامِرَ، ونَحْوِ ذَلِكَ؛ فالعِلْمُ عِبارَةٌ عَنِ المَعْلُوماتِ الَّتِي في القُرْآنِ كَما هو في قَوْلِ الخَضِرِ، ما نَقَصَ عِلْمِي، وعِلْمُكَ مِن عِلْمِ اللَّهِ إلّا كَما يُنْقِصُ هَذا العُصْفُورُ مِن هَذا البَحْرِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنْزَلَهُ مُلْتَبِسًا بِعِلْمِهِ الخاصِّ الَّذِي لا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ، وهو تَأْلِيفُهُ عَلى نَظْمٍ وأُسْلُوبٍ يَعْجِزُ عَنْهُ كُلُّ بَلِيغٍ وصاحِبُ بَيانٍ، ومَوْقِعُهُ مِمّا قَبْلَهُ مَوْقِعُ الجُمْلَةِ المُفَسِّرَةِ؛ لِأنَّهُ بَيانٌ لِلشَّهادَةِ بِصِحَّتِهِ أنَّهُ أنْزَلَهُ بِالنَّظْمِ المُعْجِزِ الفائِتِ لِلْقَدْرِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أنْزَلَهُ وهو عالِمٌ بِهِ رَقِيبٌ عَلَيْهِ حافِظٌ لَهُ مِنَ الشَّياطِينِ بِرَصَدٍ مِنَ المَلائِكَةِ.
﴿والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾؛ أيْ بِما أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ. وشَهادَةُ المَلائِكَةِ تَبَعٌ لِشَهادَةِ اللَّهِ، وقَدْ عَلِمَ بِشَهادَةِ اللَّهِ لَهُ إذْ أظْهَرَ عَلى يَدَيْهِ المُعْجِزاتِ، وهَذا عَلى سَبِيلِ التَّسْلِيَةِ لَهُ عَنْ تَكْذِيبِ اليَهُودِ، إنْ كَذَّبَكَ اليَهُودُ وكَذَّبُوا ما جِئْتَ بِهِ مِنَ الوَحْيِ، فَلا تُبالِ فَإنَّ اللَّهَ يَشْهَدُ لَكَ ومَلائِكَتَهُ؛ فَلا تَلْتَفِتْ إلى تَكْذِيبِهِمْ.
(وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا)؛ أيْ، وإنْ لَمْ يَشْهَدْ غَيْرُهُ ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٩] .
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا﴾؛ أيْ ضَلالًا لا يَقْرُبُ رُجُوعُهم عَنْهُ، ولا تَخَلُّصُهم مِنهُ؛ لِأنَّهُ يَعْتَقِدُ عَنْ نَفْسِهِ أنَّهُ مُحِقٌ ثُمَّ يَتَوَسَّلُ بِذَلِكَ الضَّلالِ إلى (p-٤٠٠)اكْتِسابِ المالِ والجاهِ وإلْقاءِ غَيْرِهِ فِيهِ، فَهو ضَلالٌ في أقْصى غاياتِهِ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وابْنُ هُرْمُزَ: وصُدُّوا بِضَمِّ الصّادِ، قِيلَ، وهي في اليَهُودِ.
النساء 4:164
﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهم وبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ ﴿وأخْذِهِمُ الرِّبا وقَدْ نُهُوا عَنْهُ وأكْلِهِمْ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنهم عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ مِنهم والمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ والمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وأوْحَيْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وعِيسى وأيُّوبَ ويُونُسَ وهارُونَ وسُلَيْمانَ وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ ﴿ورُسُلًا قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ورُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أنْزَلَ إلَيْكَ أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا﴾ [النساء: ١٦٨] ﴿إلّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ١٦٩] ﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالحَقِّ مِن رَبِّكم فَآمِنُوا خَيْرًا لَكم وإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٧٠] ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكم ولا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكم إنَّما اللَّهُ إلَهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ [النساء: ١٧١] ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ ومَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ ويَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهم إلَيْهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٧٢] الغُلُوُّ: تَجاوُزُ الحَدِّ. ومِنهُ غَلا السِّعْرُ، وغَلْوَةُ السَّهْمِ. الِاسْتِنْكافُ: الأنَفَةُ والتَّرَفُّعُ مِن نَكَفْتُ الدَّمْعَ إذا نَحَّيْتَهُ بِأُصْبُعِكَ مِن حَدِّكَ، ومَنَعْتَهُ مِنَ الجَرْيِ قالَ:
؎فَباتُوا فَلَوْلا ما تَدَكَّرَ مِنهُمُ مِنَ الحَلْقِ لَمْ يَنْكَفْ بِعَيْنِكَ مَدْمَعُ
وسُئِلَ أبُو العَبّاسِ عَنِ الِاسْتِنْكافِ فَقالَ: هو مِنَ النَّكْفِ، يُقالُ: ما عَلَيْهِ في هَذا الأمْرِ نَكْفٌ، ولا وكَفٌ، والنَّكْفُ أنْ يُقالَ لَهُ سُوءٌ، واسْتَنْكَفَ دَفَعَ ذَلِكَ السُّوءَ.
﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ المَعْنى: فَبِظُلْمٍ عَظِيمٍ، أوْ فَبِظُلْمٍ أيَّ ظُلْمٍ. وحَذْفُ الصِّفَةَ لِفَهْمِ المَعْنى جائِزٌ؛ كَما قالَ: لَقَدْ وقَعْتَ عَلى لَحْمٍ؛ أيَّ لَحْمٍ مُتَّبَعٍ، ويَتَعَلَّقُ بِحَرَّمْنا. وتَقَدَّمَ السَّبَبُ عَلى المُسَبَّبِ تَنْبِيهًا عَلى فُحْشِ الظُّلْمِ، وتَقْبِيحًا لَهُ، وتَحْذِيرًا مِنهُ. والطَّيِّباتُ هي ما ذُكِرَ في قَوْلِهِ: (وعَلى الَّذِينَ هادُوا) وحُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الألْبانُ وبَعْضُ الطَّيْرِ والحُوتُ، وأُحِلَّتْ لَهم صِفَةُ الطَّيِّباتِ بِما كانَتْ عَلَيْهِ. وأوْضَحَ ذَلِكَ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ: طَيِّباتٍ كانَتْ أُحِلَّتْ لَهم.
﴿وبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ أيْ ناسًا كَثِيرًا؛ فَيَكُونُ كَثِيرًا مَفْعُولًا بِالمَصْدَرِ؛ وإلَيْهِ ذَهَبَ الطَّبَرِيُّ. قالَ: صَدُّوا بِجَحْدِهِمْ أمْرَ مُحَمَّدٍ جَمْعًا عَظِيمًا مِنَ النّاسِ، أوْ صَدَّ كَثِيرًا. وقَدَّرَهُ بَعْضُهم زَمانًا كَثِيرًا.
﴿وأخْذِهِمُ الرِّبا وقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾، وهَذِهِ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ تُفِيدُ تَأْكِيدَ قُبْحِ فِعْلِهِمْ، (p-٣٩٥)وسُوءِ صَنِيعِهِمْ؛ إذْ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ يَجِبُ أنْ يُبْعَدَ عَنْهُ. قالُوا: والرِّبا مُحَرَّمٌ في جَمِيعِ الشَّرائِعِ.
﴿وأكْلِهِمْ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ﴾؛ أيِ الرُّشا الَّتِي كانُوا يَأْخُذُونَها مِن سِفْلَتِهِمْ في تَحْرِيفِ الكِتابِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ فُصِّلَتْ أنْواعُ الظُّلْمِ المُوجِبِ لِتَحْرِيمِ الطَّيِّباتِ. قِيلَ كانُوا كُلَّما أحْدَثُوا ذَنْبًا حُرِّمَ عَلَيْهِمْ بَعْضُ الطَّيِّباتِ، وأُهْمِلَ هُنا تَفْصِيلُ الطَّيِّباتِ؛ بَلْ ذُكِرَتْ نَكِرَةً مُبْهَمَةً. وفي المائِدَةِ فَصَّلَ أنْواعَ ما حَرَّمَ، ولَمْ يُفَصِّلِ السَّبَبَ. فَقِيلَ ذَلِكَ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ، وأُعِيدَتِ الباءُ في: (وبِصَدِّهِمْ) لِبُعْدِهِ عَنِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِالفَصْلِ بِما لَيْسَ مَعْمُولًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ؛ بَلْ في العامِلِ فِيهِ. ولَمْ يَعُدْ في: (وأخْذِهِمْ)، وأكْلِهِمْ؛ لِأنَّ الفَصْلَ وقَعَ بِمَعْمُولِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ. ونَظِيرُ إعادَةِ الحَرْفِ وتَرْكِ إعادَتِهِ قَوْلُهُ: (فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم) الآيَةَ. وبُدِئَ في أنْواعِ الظُّلْمِ بِما هو أهَمُّ، وهو أمْرُ الدِّينِ، وهو الصَّدُّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ بِأمْرِ الدُّنْيا، وهو ما يَتَعَلَّقُ بِهِ الأذى في بَعْضِ المالِ، ثُمَّ ارْتَقى إلى الأبْلَغِ في المالِ الدُّنْيَوِيِّ، وهو أكْلُهُ بِالباطِلِ؛ أيْ مَجّانًا لا عِوَضَ فِيهِ. وفي ذِكْرِ هَذِهِ الآيَةِ امْتِنانٌ عَلى وجْهِ الأُمَّةِ حَيْثُ لَمْ يُعامِلْهم مُعامَلَةَ اليَهُودِ فَيُحَرِّمَ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا الطَّيِّباتِ عُقُوبَةً لَهم بِذُنُوبِهِمْ.
(وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنهم عَذابًا مُهِينًا) لَمّا ذَكَرَ عُقُوبَةَ الدُّنْيا، ذَكَرَ ما أعَدَّ لَهم في الآخِرَةِ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ التَّحْرِيمُ عامًّا لِلْيَهُودِ بِسَبَبِ ظُلْمِ مَن ظَلَمَ مِنهم؛ فالتَزَمَهُ ظالِمُهم، وغَيْرُ ظالِمِهِمْ كَما قالَ تَعالى: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] بَيَّنَ أنَّ العَذابَ الألِيمَ؛ إنَّما أُعِدَّ لِلْكافِرِينَ مِنهم، فَلِذَلِكَ لَمْ يَأْتِ، وأعْتَدْنا لَهم.
﴿لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ مِنهم والمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ والمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أجْرًا عَظِيمًا﴾ مَجِيءُ (لَكِنْ) هُنا في غايَةِ الحُسْنِ؛ لِأنَّها داخِلَةٌ بَيْنَ نَقِيضَيْنِ وجَزائِهِما، وهُمُ الكافِرُونَ والعَذابُ الألِيمُ والمُؤْمِنُونَ والأجْرُ العَظِيمُ والرّاسِخُونَ الثّابِتُونَ المُنْتَصِبُونَ المُسْتَبْصِرُونَ مِنهم: كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأضْرابِهِ، والمُؤْمِنُونَ يَعْنِي مِنهم، أوِ المُؤْمِنُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ. والظّاهِرُ أنَّهُ عامٌّ في مَن آمَنَ.
وارْتَفَعَ الرّاسِخُونَ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ يُؤْمِنُونَ لا غَيْرَ؛ لِأنَّ المَدْحَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ تَمامِ الجُمْلَةِ. ومَن جَعَلَ الخَبَرَ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ فَقَوْلُهُ ضَعِيفٌ، وانْتَصَبَ المُقِيمِينَ عَلى المَدْحِ، وارْتَفَعَ والمُؤْتُونَ أيْضًا عَلى إضْمارٍ، وهم عَلى سَبِيلِ القَطْعِ إلى الرَّفْعِ. ولا يَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ عَلى المَرْفُوعِ قَبْلَهُ؛ لِأنَّ النَّعْتَ إذا انْقَطَعَ في شَيْءٍ مِنهُ لَمْ يَعُدْ ما بَعْدَهُ إلى إعْرابِ المَنعُوتِ، وهَذا القَطْعُ لِبَيانِ فَضْلِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ؛ فَكَثُرَ الوَصْفُ بِأنْ جُعِلَ في جُمَلٍ.
وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، والجَحْدَرِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ، وعِصْمَةُ عَنِ الأعْمَشِ، ويُونُسُ وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: والمُقِيمُونَ بِالرَّفْعِ نَسَقًا عَلى الأوَّلِ، وكَذا هو في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قالَهُ الفَرّاءُ. ورُوِيَ أنَّها كَذَلِكَ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ. وقِيلَ بَلْ هي فِيهِ والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ كَمُصْحَفِ عُثْمانَ. وذُكِرَ عَنْ عائِشَةَ وأبانِ بْنِ عُثْمانَ: إنَّ كَتْبَها بِالياءِ مِن خَطَأِ كاتِبِ المُصْحَفِ، ولا يَصِحُّ عَنْهُما ذَلِكَ؛ لِأنَّهُما (p-٣٩٦)عَرَبِيّانِ فَصِيحانِ، قَطْعُ النُّعُوتِ أشْهَرُ في لِسانِ العَرَبِ، وهو بابٌ واسِعٌ ذَكَرَ عَلَيْهِ شَواهِدَ سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ، وعَلى القَطْعِ خَرَّجَ سِيبَوَيْهِ ذَلِكَ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولا نَلْتَفِتُ إلى ما زَعَمُوا مِن وُقُوعِهِ لَحْنًا في خَطِّ المُصْحَفِ، ورُبَّما التَفَتَ إلَيْهِ مَن يَنْظُرُ في الكِتابِ، ولَمْ يَعْرِفْ مَذاهِبَ العَرَبِ، وما لَهم في النَّصْبِ عَلى الِاخْتِصاصِ مِنَ الِافْتِتانِ، وعَنى عَلَيْهِ: أنَّ السّابِقِينَ الأوَّلِينَ الَّذِينَ مَثَلُهم في التَّوْراةِ، ومَثَلُهم في الإنْجِيلِ كانُوا أبْعَدَ هِمَّةً في الغَيْرَةِ عَلى الإسْلامِ، وذَبِّ المَطاعِنِ عَنْهُ مِن أنْ يَتْرُكُوا في كِتابِ اللَّهِ ثُلْمَةً يَسُدُّها مَن بَعْدَهم، وخَرْقًا يَرْفُوهُ مَن يَلْحَقُ بِهِمُ، انْتَهى. ويَعْنِي بِقَوْلِهِ: مَن لَمْ يَنْظُرْ في الكِتابِ كِتابَ سِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللَّهُ فَإنَّ اسْمَ الكِتابِ عَلَمٌ عَلَيْهِ، ولِجَهْلِ مَن يُقْدِمُ عَلى تَفْسِيرِ كِتابِ اللَّهِ وإعْرابِ ألْفاظِهِ بِغَيْرِ أحْكامِ عِلْمِ النَّحْوِ جَوَّزُوا في عَطْفِ والمُقِيمِينَ وُجُوهًا: أحَدُها: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ؛ أيْ يُؤْمِنُونَ بِالكُتُبِ وبِالمُقِيمِينَ الصَّلاةَ. واخْتَلَفُوا في هَذا الوَجْهِ مَنِ المَعْنِيُّ بِالمُقِيمِينَ الصَّلاةَ، فَقِيلَ الأنْبِياءُ ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ. وقِيلَ المَلائِكَةُ؛ ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقِيلَ المُسْلِمُونَ والتَّقْدِيرُ: ونَدْبُ المُقِيمِينَ؛ ذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ مَعْناهُ. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الضَّمِيرِ في مِنهم؛ أيْ لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ مِنهم ومِنَ المُقِيمِينَ ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَلى قَوْمٍ لَمْ يُسَمِّهِمْ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الكافِ في أُولَئِكَ؛ أيْ ما أُنْزِلُ إلَيْكَ وإلى المُقِيمِينَ الصَّلاةَ. الوَجْهُ الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى كافِ قَبْلَكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ التَّقْدِيرُ: وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ، وقِيلَ المُقِيمِينَ الصَّلاةَ. الوَجْهُ الخامِسُ: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى كافِ قَبْلَكَ، ويَعْنِي الأنْبِياءَ؛ ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَرْقٌ بَيْنَ الآيَةِ والبَيْتِ يَعْنِي بَيْتَ الخِرْنَقِ، وكانَ أنْشَدَهُ قَبْلُ، وهو:
؎النّازِلِينَ بِكُلِّ مُعْتَرَكٍ ∗∗∗ والطَّيِّبُونَ مَعاقِدَ الأُزُرِ
بِحَرْفِ العَطْفِ الَّذِي في الآيَةِ؛ فَإنَّهُ يُمْنَعُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ تَقْدِيرُ الفِعْلِ، وفي هَذا نَظَرٌ، انْتَهى. إنْ مَنَعَ ذَلِكَ أحَدٌ فَهو مَحْجُوجٌ بِثُبُوتِ ذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ مَعَ حَرْفِ العَطْفِ، ولا نَظَرَ في ذَلِكَ كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ. قالَ الشّاعِرُ:
؎ويَأْوِي إلى نِسْوَةٍ عُطْلٍ ∗∗∗ وشُعْثٍ مَراضِيعَ مَثْلِ السَّعالِي
وكَذَلِكَ جَوَّزُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ وُجُوهًا عَلى غَيْرِ الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ: مِن أنَّهُ ارْتَفَعَ عَلى خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ عَلى سَبِيلِ قَطْعِ الصِّفاتِ في المَدْحِ: أحَدُها: أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى الرّاسِخُونَ. الثّانِي: عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في المُؤْمِنُونَ. الثّالِثُ: عَلى الضَّمِيرِ في يُؤْمِنُونَ. الرّابِعُ: أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وما بَعْدَهُ الخَبَرُ، وهو اسْمُ الإشارَةِ، وما يَلِيهِ. وأمّا (المُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) فَعَطْفٌ عَلى ﴿والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ عَلى الوَجْهِ الَّذِي اخْتَرْناهُ في رَفْعِ (والمُؤْتُونَ) .
ولَمّا ذَكَرَ أوَّلًا (والمُؤْمِنُونَ) تَضَمَّنَ الإيمانَ بِما يَجِبُ أنْ يُؤْمِنَ بِهِ، ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم وعَنِ الرّاسِخِينَ أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِالقُرْآنِ وبِالكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، ثُمَّ وصَفَهم بِصِفاتِ المَدْحِ مِنَ امْتِثالِ أشْرَفِ أوْصافِ الإيمانِ الفِعْلِيَّةِ البَدَنِيَّةِ وهي الصَّلاةُ والمالِيَّةِ وهي الزَّكاةُ، ثُمَّ ارْتَقى في المَدْحِ إلى أشْرَفِ الأوْصافِ القَلْبِيَّةِ الِاعْتِقادِيَّةِ، وهي الإيمانُ بِالمُوَحَّدِ الَّذِي أنْزَلَ الكُتُبَ، وشَرَعَ فِيها الصَّلاةَ والزَّكاةَ وبِاليَوْمِ الآخِرِ، وهو البَعْثُ والمَعادُ الَّذِي يَظْهَرُ فِيهِ ثَمَرَةُ الإيمانِ وامْتِثالِ تَكالِيفِ الشَّرْعِ مِنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، وغَيْرِهِما. ثُمَّ إنَّهُ لَمّا اسْتَوْفى ذَلِكَ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ سَيُؤْتِيهِمْ أجْرًا عَظِيمًا، وهو ما رَتَّبَ تَعالى عَلى هَذِهِ الأوْصافِ الجَلِيلَةِ الَّتِي وصَفَهم بِها، وأشارَ إلَيْهِمْ بِأُولَئِكَ لِيَدُلَّ عَلى مَجْمُوعِ تِلْكَ الأوْصافِ. ومَن أعْرَبَ ﴿والمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ مُبْتَدَأً أوْ خَبَرَهُ ما بَعْدَهُ فَهو بِمَعْزِلٍ عَنْ إدْراكِ الفَصاحَةِ. والأجْوَدُ إعْرابُ أُولَئِكَ مُبْتَدَأٌ، ومَن نَصَبَهُ بِإضْمارِ فِعْلٍ تَفْسِيرُهُ ما بَعْدَهُ: أنَّهُ سَيُؤْتِي أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ؛ فَيَجْعَلُهُ (p-٣٩٧)مِن بابِ الِاشْتِغالِ؛ فَلَيْسَ قَوْلُهُ بِراجِحٍ؛ لِأنَّ ”زَيْدٌ ضَرَبْتُهُ“ أفْصَحُ وأكْثَرُ مِن ”زَيْدًا ضَرْبَتُهُ“؛ ولِأنَّ مَعْمُولَ ما بَعْدَ حَرْفِ الِاسْتِقْبالِ مُخْتَلَفٌ في جَوازِ تَقْدِيمِهِ في نَحْوِ: سَأضْرِبُ زَيْدًا، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا يَجُوزُ الِاشْتِغالُ. فالأجْوَدُ الحَمْلُ عَلى ما لا خِلافَ فِيهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ: سَيُؤْتِيهِمْ بِالياءِ عَوْدًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿والمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ . وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ. عَلى الِالتِفاتِ. ومُناسِبَةِ (وأعْتَدْنا) .
﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَبَبُ نُزُولِها أنَّ سُكَيْنًا الحبْرَ وعَدِيَّ بْنَ زَيْدٍ قالا: يا مُحَمَّدُ ما نَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ عَلى بَشَرٍ شَيْئًا بَعْدَ مُوسى، ولا أوْحى إلَيْهِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [النساء: ١٥٣] الآياتِ، فَتُلِيَتْ عَلَيْهِمْ، وسَمِعُوا الخَبَرَ بِأعْمالِهِمُ الخَبِيثَةِ قالُوا: ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ، ولا عَلى عِيسى، وجَحَدُوا جَمِيعَ ذَلِكَ فَنَزَلَتْ: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا﴾ [الأنعام: ٩١] الآيَةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ جَوابٌ لِأهْلِ الكِتابِ عَنْ سُؤالِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ، واحْتِجاجِهِمْ عَلَيْهِمْ بِأنَّ شَأْنَهُ في الوَحْيِ إلَيْهِ كَسائِرِ الأنْبِياءِ الَّذِينَ سَلَفُوا، انْتَهى. وقَدَّمَ نُوحًا وجَرَّدَهُ مِنهم في الذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ الأبُ الثّانِي، وأوَّلُ الرُّسُلِ، ودَعْوَتُهُ عامَّةٌ لِجَمِيعِ مَن كانَ إذْ ذاكَ في الأرْضِ، كَما أنَّ دَعْوَةَ مُحَمَّدٍ عامَّةٌ لِجَمِيعِ مَن في الأرْضِ.
﴿وأوْحَيْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وعِيسى وأيُّوبَ ويُونُسَ وهارُونَ وسُلَيْمانَ﴾ خَصَّ تَعالى بِالذِّكْرِ هَؤُلاءِ تَشْرِيفًا وتَعْظِيمًا لَهم، وبَدَأ بِإبْراهِيمَ لِأنَّهُ الأبُ الثّالِثُ، وقَدَّمَ عِيسى عَلى مَن بَعْدَهُ تَخْفِيفًا لِنُبُوَّتِهِ، وقَطْعًا لِما رَآهُ اليَهُودُ فِيهِ، ودَفْعًا لِاعْتِقادِهِمْ، وتَعْظِيمًا لَهُ عِنْدَهم، وتَنْوِيهًا بِاتِّساعِ دائِرَتِهِ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ نَسَبِ نُوح وإبْراهِيمَ وهارُونَ في نَسَبِ أخِيهِ مُوسى. وأمّا أيُّوبُ فَذَكَرَ الحُسَيْنُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ القاضِي الفاضِلِ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ عَلِيِّ النَّيْسابُورِيِّ نَسَبَهُ فَقالَ: أيُّوبُ بْنُ أمْوَصَ بْنِ بارِحِ بْنِ تُورَمَ بْنِ العِيصِ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ، وأُمُّهُ مِن ولَدِ لُوطِ بْنِ هارُونَ. وأمّا يُونُسُ فَهو يُونُسُ بْنُ مَتّى. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ ابْنِ جَمّازٍ عَنْهُ: يُونِسُ بِكَسْرِ النُّونِ، وهي لُغَةٌ لِبَعْضِ العَرَبِ. وقَرَأ النَّخَعِيُّ، وابْنُ وثّابٍ: بِفَتْحِها، وهي لُغَةٌ لِبَعْضِ عَقِيلٍ، وبَعْضُ العَرَبِ يَهْمِزُ ويَكْسِرُ، وبَعْضُ أسَدٍ يَهْمِزُ ويَضُمُّ النُّونَ، ولُغَةُ الحِجازِ ما قَرَأ بِهِ الجُمْهُورُ مِن تَرْكِ الهَمْزِ، وضَمِّ النُّونِ.
(وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا) أيْ كِتابًا. وكُلُّ كِتابٍ يُسَمّى زَبُورًا، وغَلَبَ عَلى الكِتابِ الَّذِي أوْحاهُ اللَّهُ إلى داوُدَ. وهو فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كالحَلُوبِ والرَّكُوبِ، ولا يَطَّرِدُ، وهو مِائَةٌ وخَمْسُونَ سُورَةً لَيْسَ فِيها حُكْمٌ ولا حَرامٌ ولا حَلالٌ؛ إنَّما هي حِكَمٌ ومَواعِظُ، وقَدْ قَرَأْتُ جُمْلَةً مِنها بِبِلادِ الأنْدَلُسِ. قِيلَ: وقَدَّمَ سُلَيْمانُ في الذِّكْرِ عَلى داوُدَ لِتَوَفُّرِ عِلْمِهِ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩] والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ عِيسى وأيُّوبَ ويُونُسَ؛ لِأنَّهم أصْحابُ امْتِحانٍ، وبَلايا في الدُّنْيا، وجَمَعَ بَيْنَ هارُونَ، وسُلَيْمانَ؛ لِأنَّ هارُونَ كانَ مُحَبَّبًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ مُعَظَّمًا مُؤْثَرًا، وأمّا سُلَيْمانُ فَكانَ مُعَظَّمًا عِنْدَ النّاسِ قاهِرًا لَهم مُسْتَحِقًّا لَهُ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ؛ فَجَمَعَهُما التَّحْبِيبُ والتَّعْظِيمُ. وتَأخَّرَ ذِكْرُ داوُدَ لِتَشْرِيفِهِ بِذِكْرِ كِتابِهِ، وإبْرازِهِ في جُمْلَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ لَهُ بِالذِّكْرِ ولِكِتابِهِ؛ فَما فاتَهُ مِنَ التَّقْدِيمِ اللَّفْظِيِّ حَصَلَ بِهِ التَّضْعِيفُ مِنَ التَّشْرِيفِ المَعْنَوِيِّ.
وقَرَأ حَمْزَةُ (زُبُورًا) بِضَمِّ الزّايِ. قالَ أبُو البَقاءِ: وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَصْدَرٌ كالقُعُودِ يُسَمّى بِهِ الكِتابُ المُنَزَّلُ عَلى داوُدَ. والثّانِي: أنَّهُ جَمْعُ زَبُورٍ عَلى حَذْفِ الزّائِدِ، وهو الواوُ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: كَما قالُوا طَرِيقٌ وطُرُوقٌ، وكَرَوانٌ، وكُرُوانٌ، ووَرَشانُ، ووُرُشانٌ، مِمّا يُجْمَعُ بِحَذْفِ الزِّيادَةِ. ويُقَوِّي هَذا التَّوْجِيهَ أنَّ التَّكْسِيرَ مِثْلُ التَّصْغِيرِ، وقَدِ اطَّرَدَ هَذا المَعْنى في تَصْغِيرِ التَّرْخِيمِ نَحْوَ أزْهَرَ وزُهَيْرٍ، والحارِثِ وحُرَيْثٍ، وثابِتٍ وثُبَيْتٍ والجَمْعُ مِثْلُهُ في القِياسِ، وإنْ كانَ أقَلَّ مِنهُ في الِاسْتِعْمالِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: ويُحْتَمَلُ (p-٣٩٨)أنْ يَكُونَ جَمْعَ زُبُرٍ أُوقِعَ عَلى المَزْبُورِ كَما قالُوا: ضَرْبُ الأمِيرِ، ونَسْجُ اليَمَنِ. وكَما سُمِّيَ المَكْتُوبُ كِتابًا.
﴿ورُسُلًا قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ﴾؛ أيْ ذَكَرْنا أخْبارَهم لَكَ.
﴿ورُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ﴾ رُوِيَ مِن حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ: أنَّهُ سَألَ عَنِ المُرْسَلِينَ؛ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كانَ المُرْسَلُونَ ثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ» . قالَ القُرْطُبِيُّ: هَذا أصَحُّ ما رُوِيَ في ذَلِكَ؛ خَرَّجَهُ الآجُرِّيُّ، وأبُو حاتِمٍ البُسْتِيُّ في مُسْنَدٍ صَحِيحٍ لَهُ. وفي حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ هَذا: أنَّهُ سَألَهُ «كَمْ كانَ الأنْبِياءُ ؟ فَقالَ: مِائَةُ ألْفِ نَبِيٍّ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفَ نَبِيٍّ» . ورُوِيَ عَنْ أنَسٍ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بُعِثَ عَلى أثَرِ ثَمانِيَةِ ألْفٍ مِنَ الأنْبِياءِ مِنهم أرْبَعَةُ آلافٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ. ورُوِيَ عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ أنَّهُ قالَ: الأنْبِياءُ ألْفُ ألْفٍ وأرْبَعُمِائَةِ ألْفٍ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ما ذُكِرَ مِن عَدَدِ الأنْبِياءِ غَيْرُ صَحِيحٍ واللَّهُ أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ، انْتَهى.
وانْتِصابُ ورُسُلًا عَلى إضْمارِ فِعْلٍ؛ أيْ قَدْ قَصَصْنا رُسُلًا عَلَيْكَ؛ فَهو مِن بابِ الِاشْتِغالِ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قَدْ قَصَصْناهُمْ﴾ مُفَسِّرَةٌ لِذَلِكَ الفِعْلِ المَحْذُوفِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا قِراءَةُ أُبَيٍّ، ورُسُلٌ بِالرَّفْعِ في المَوْضِعَيْنِ عَلى الِابْتِداءِ. وجازَ الِابْتِداءُ بِالنَّكِرَةِ هُنا؛ لِأنَّهُ مَوْضِعُ تَفْصِيلٍ كَما أنْشَدُوا: فَثَوْبٌ لَبِسْتُ وثَوْبٌ أجُرُّ.
وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎بِشِقٍّ وشِقٌّ عِنْدَنا لَمْ يُحَوَّلِ
ومِن حُجَجِ النَّصْبِ عَلى الرَّفْعِ كَوْنُ العَطْفِ عَلى جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ، وهي وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الرَّفْعُ عَلى تَقْدِيرِ وهم: رُسُلٌ؛ فَعَلى قَوْلِهِ يَكُونُ ﴿قَدْ قَصَصْناهُمْ﴾ جُمْلَةً في مَوْضِعِ الصِّفَةِ. وجَوَّزُوا أيْضًا نَصْبَ، ورُسُلًا مِن وجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ المَعْنى: إنّا أرْسَلْناكَ وأرْسَلْنا رُسُلًا لِأنَّ الرَّدَّ عَلى اليَهُودِ إنَّما هو في إنْكارِهِمْ إرْسالَ الرُّسُلِ واطِّرادَ الوَحْيِ.
﴿وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ هَذا إخْبارٌ بِأنَّ اللَّهَ شَرَّفَ مُوسى بِكَلامِهِ، وأكَّدَ بِالمَصْدَرِ دَلالَةً عَلى وُقُوعِ الفِعْلِ عَلى حَقِيقَتِهِ لا عَلى مَجازِهِ، هَذا هو الغالِبُ. وقَدْ جاءَ التَّأْكِيدُ بِالمَصْدَرِ في المَجازِ إلّا أنَّهُ قَلِيلٌ. فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ هِنْدَ بِنْتِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ الأنْصارِيِّ:
؎بَكى الخَزُّ مِن عَوْفٍ وأنْكَرَ جِلْدُهُ ∗∗∗ وعَجَّتْ عَجِيجًا مِن جُذامَ المَطارِفُ
وقالَ ثَعْلَبٌ: لَوْلا التَّأْكِيدُ بِالمَصْدَرِ لَجازَ أنْ تَقُولَ: قَدْ كَلَّمْتُ لَكَ فُلانًا بِمَعْنى كَتَبْتُ إلَيْهِ رُقْعَةً، وبَعَثْتُ إلَيْهِ رَسُولًا؛ فَلَمّا قالَ: تَكْلِيمًا لَمْ يَكُنْ إلّا كَلامًا مَسْمُوعًا مِنَ اللَّهِ تَعالى. ومَسْألَةُ الكَلامِ مِمّا طالَ فِيهِ الكَلامُ، واخْتَلَفَ فِيها عُلَماءُ الإسْلامِ؛ وبِهَذِهِ المَسْألَةِ سُمِّيَ عِلْمُ أُصُولِ الدِّينِ بِعِلْمِ الكَلامِ، وهي مَسْألَةٌ يُبْحَثُ عَنْها في أُصُولِ الدِّينِ. وقَرَأ إبْراهِيمُ بْنُ وثّابٍ (وكَلَّمَ اللَّهَ) بِالنَّصْبِ عَلى أنَّ مُوسى هو المُكَلِّمُ. ومِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ أنَّهُ مِنَ الكَلْمِ، وأنَّ مَعْناهُ: وجَرَحَ اللَّهُ مُوسى بِأظْفارِ المِحَنِ، ومَخالِبِ الفِتَنِ. وقالَ كَعْبٌ: كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى بِالألْسِنَةِ كُلِّها، فَجَعَلَ مُوسى يَقُولُ: رَبِّ لا أفْهَمُ؛ حَتّى كَلَّمَهُ بِلِسانِ مُوسى آخِرَ الألْسِنَةِ.
﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾؛ أيْ يُبَشِّرُونَ بِالجَنَّةِ مَن أطاعَ، ويُنْذِرُونَ بِالنّارِ مَن عَصى. وأرادَ تَعالى أنْ يَقْطَعَ بِالرُّسُلِ احْتِجاجَ مَن يَقُولُ: لَوْ بُعِثَ إلَيَّ رَسُولٌ آمَنتُ. وفي الحَدِيثِ: ولَيْسَ أحَدٌ أحَبَّ إلَيْهِ العُذْرُ مِنَ اللَّهِ فَمِن أجْلِ ذَلِكَ أنْزَلَ الكُتُبَ، وأرْسَلَ الرُّسُلَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَكُونُ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ قَبْلَ الرُّسُلِ، وهم مَحْجُوجُونَ بِما نَصَبَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الأدِلَّةِ الَّتِي النَّظَرُ فِيها مُوصِلٌ إلى المَعْرِفَةِ والرُّسُلُ في أنْفُسِهِمْ لَمْ يَتَوَصَّلُوا إلى المَعْرِفَةِ إلّا بِالنَّظَرِ في تِلْكَ الأدِلَّةِ، ولا عَرَفُوا أنَّهم رُسُلُ اللَّهِ إلّا بِالنَّظَرِ فِيها ؟ قُلْتُ: الرُّسُلُ مَنهِيُّونَ عَنِ الغَفْلَةِ، وباعِثُونَ عَلى النَّظَرِ كَما تَرى عُلَماءَ العَدْلِ والتَّوْحِيدِ، مَعَ تَبْلِيغِ ما حَمَلُوهُ مِن تَفْصِيلِ أُمُورِ الدِّينِ، وبَيانِ أحْوالِ التَّكْلِيفِ، وتَعَلُّمِ الشَّرائِعِ؛ فَكانَ إرْسالُهم إزاحَةً لِلْعِلَّةِ، وتَتْمِيمًا (p-٣٩٩)لِإلْزامِ الحُجَّةِ؛ لِئَلّا يَقُولُوا: لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا، فَيُوقِظُنا مِن سِنَةِ الغَفْلَةِ، ويُنَبِّهُنا لَما وجَبَ الِانْتِباهُ لَهُ انْتَهى. وقَوْلُهُ: لِئَلّا هو كالتَّعْلِيلِ لِحالَتَيِ: التَّبْشِيرِ والإنْذارِ. والتَّبْشِيرُ هو بِالجَنَّةِ والإنْذارُ هو بِالنّارِ. ولَيْسَ الثَّوابُ والعِقابُ حاكِمًا بِوُجُوبِهِما العَقْلُ؛ وإنَّما هو مُجَوِّزٌ لَهُما، وجاءَ السَّمْعُ فَصارا واجِبًا وُقُوعُهُما، ولَمْ يُسْتَفَدْ وُجُوبُهُما إلّا مِنَ البِشارَةِ والنِّذارَةِ. فَلَوْ لَمْ يُبَشِّرِ الرُّسُلُ بِالجَنَّةِ لِمَنِ امْتَثَلَ التَّكالِيفَ الشَّرْعِيَّةَ، ولَمْ يُنْذِرُوا بِالنّارِ مَن لَمْ يَمْتَثِلْ، وكانَتْ تَقَعُ المُخالَفَةُ المُتَرَتِّبُ عَلَيْها العِقابُ بِما لا شُعُورَ لِلْمُكَلَّفِ بِها مِن حَيْثُ إنَّ اللَّهَ لا يَبْعَثُ إلَيْهِ مَن يُعْلِمُهُ بِأنَّ تِلْكَ مَعْصِيَةٌ؛ لَكانَتْ لَهُ الحُجَّةُ إذْ عُوقِبَ عَلى شَيْءٍ لَمْ يَتَقَدَّمْ إلَيْهِ في التَّحْذِيرِ مِن فِعْلِهِ، وأنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ العِقابُ. وأمّا ما نَصَبَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ فَهي مُوَصِّلَةٌ إلى المَعْرِفَةِ والإيمانِ بِاللَّهِ عَلى ما يَجِبُ، والعِلَلُ في الآيَةِ هو غَيْرُ المَعْرِفَةِ والإيمانِ بِاللَّهِ؛ فَلا يَرِدُ سُؤالُ الزَّمَخْشَرِيِّ. وانْتَصَبَ رُسُلًا عَلى البَدَلِ، وهو الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِانْتِصابِهِ عَلى التَّكْرِيرِ. قالَ: والأوْجَهُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى المَدْحِ. وجَوَّزَ غَيْرُهُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِأرْسَلْنا مُقَدَّرَةً، وأنْ يَكُونَ حالًا مُوَطِّئَةً. و(لِئَلّا) مُتَعَلِّقَةٌ بِمُنْذِرِينَ عَلى طَرِيقِ الإعْمالِ. وجَوَّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمُقَدَّرٍ؛ أيْ أرْسَلْناهم بِذَلِكَ؛ أيْ بِالبِشارَةِ والنِّذارَةِ لِئَلّا يَكُونَ
(وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا)؛ أيْ لا يُغالِبُهُ شَيْءٌ، ولا حُجَّةَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ، صادِرَةٌ أفْعالُهُ عَنْ حِكْمَةٍ، فَلِذَلِكَ قَطَعَ الحُجَّةَ بِإرْسالِ الرُّسُلِ. وقِيلَ عَزِيزًا في عِقابِ الكُفّارِ حَكِيمًا في الإعْذارِ بَعْدَ تَقَدُّمِ الإنْذارِ.
﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أنْزَلَ إلَيْكَ﴾ الِاسْتِدْراكُ بِـ (لَكِنْ) يَقْتَضِي تَقَدُّمَ جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ؛ لِأنَّ (لَكِنْ) لا يُبْتَدَأُ بِها؛ فالتَّقْدِيرُ ما رُوِيَ في سَبَبِ النُّزُولِ، وهو: أنَّهُ لَمّا نَزَلَ إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ قالُوا: ما نَشْهَدُ لَكَ بِهَذا، لَكِنْ اللَّهُ يَشْهَدُ، وشَهادَتُهُ تَعالى بِما أنْزَلَهُ إلَيْهِ إثْباتُهُ بِإظْهارِ المُعْجِزاتِ كَما تَثْبُتُ الدَّعاوى بِالبَيِّناتِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ والجَرّاحُ الحَكَمِيُّ (لَكِنَّ اللَّهَ) بِالتَّشْدِيدِ، ونَصْبِ الجَلالَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ (بِما أُنْزِلُ إلَيْكَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
﴿أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ قَرَأ السُّلَمِيُّ: نَزَّلَهُ مُشَدَّدًا. قالَ الزَّجّاجُ: أنْزَلَهُ وفِيهِ عِلْمُهُ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: أنْزَلَهُ مِن عِلْمِهِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أنْزَلَهُ إلَيْكَ بِعِلْمٍ مِنهُ أنَّكَ خِيرَتُهُ مِن خَلْقِهِ. وقِيلَ أنْزَلَهُ إلَيْكَ بِعِلْمِهِ أنَّكَ أهْلُ إنْزالِهِ عَلَيْكَ لِقِيامِكَ بِحَقِّهِ وعِلْمِكَ بِما فِيهِ، وحُسْنِ دُعائِكَ إلَيْهِ، وحَثِّكَ عَلَيْهِ. وقِيلَ بِما يَحْتاجُ إلَيْهِ العِبادُ. وقِيلَ بِعِلْمِهِ أنَّكَ تُبَلِّغُهُ إلى عِبادِهِ مِن غَيْرِ تَبْدِيلٍ ولا زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذِهِ الآيَةُ مِن أقْوى مُتَعَلِّقاتِ أهْلِ السُّنَّةِ في إثْباتِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، خِلاِفًا لِلْمُعْتَزِلَةِ في أنَّهم يَقُولُونَ: عالِمٌ بِلا عِلْمٍ. والمَعْنى عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ: أنْزَلَهُ وهو يَعْلَمُ إنْزالَهُ ونُزُولَهُ. ومَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ في هَذِهِ الآيَةِ: أنَّهُ أنْزَلَهُ مُقْتَرِنًا بِعِلْمِهِ؛ أيْ فِيهِ عِلْمُهُ مِن غُيُوبٍ وأوامِرَ، ونَحْوِ ذَلِكَ؛ فالعِلْمُ عِبارَةٌ عَنِ المَعْلُوماتِ الَّتِي في القُرْآنِ كَما هو في قَوْلِ الخَضِرِ، ما نَقَصَ عِلْمِي، وعِلْمُكَ مِن عِلْمِ اللَّهِ إلّا كَما يُنْقِصُ هَذا العُصْفُورُ مِن هَذا البَحْرِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنْزَلَهُ مُلْتَبِسًا بِعِلْمِهِ الخاصِّ الَّذِي لا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ، وهو تَأْلِيفُهُ عَلى نَظْمٍ وأُسْلُوبٍ يَعْجِزُ عَنْهُ كُلُّ بَلِيغٍ وصاحِبُ بَيانٍ، ومَوْقِعُهُ مِمّا قَبْلَهُ مَوْقِعُ الجُمْلَةِ المُفَسِّرَةِ؛ لِأنَّهُ بَيانٌ لِلشَّهادَةِ بِصِحَّتِهِ أنَّهُ أنْزَلَهُ بِالنَّظْمِ المُعْجِزِ الفائِتِ لِلْقَدْرِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أنْزَلَهُ وهو عالِمٌ بِهِ رَقِيبٌ عَلَيْهِ حافِظٌ لَهُ مِنَ الشَّياطِينِ بِرَصَدٍ مِنَ المَلائِكَةِ.
﴿والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾؛ أيْ بِما أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ. وشَهادَةُ المَلائِكَةِ تَبَعٌ لِشَهادَةِ اللَّهِ، وقَدْ عَلِمَ بِشَهادَةِ اللَّهِ لَهُ إذْ أظْهَرَ عَلى يَدَيْهِ المُعْجِزاتِ، وهَذا عَلى سَبِيلِ التَّسْلِيَةِ لَهُ عَنْ تَكْذِيبِ اليَهُودِ، إنْ كَذَّبَكَ اليَهُودُ وكَذَّبُوا ما جِئْتَ بِهِ مِنَ الوَحْيِ، فَلا تُبالِ فَإنَّ اللَّهَ يَشْهَدُ لَكَ ومَلائِكَتَهُ؛ فَلا تَلْتَفِتْ إلى تَكْذِيبِهِمْ.
(وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا)؛ أيْ، وإنْ لَمْ يَشْهَدْ غَيْرُهُ ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٩] .
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا﴾؛ أيْ ضَلالًا لا يَقْرُبُ رُجُوعُهم عَنْهُ، ولا تَخَلُّصُهم مِنهُ؛ لِأنَّهُ يَعْتَقِدُ عَنْ نَفْسِهِ أنَّهُ مُحِقٌ ثُمَّ يَتَوَسَّلُ بِذَلِكَ الضَّلالِ إلى (p-٤٠٠)اكْتِسابِ المالِ والجاهِ وإلْقاءِ غَيْرِهِ فِيهِ، فَهو ضَلالٌ في أقْصى غاياتِهِ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وابْنُ هُرْمُزَ: وصُدُّوا بِضَمِّ الصّادِ، قِيلَ، وهي في اليَهُودِ.
النساء 4:165
﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهم وبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ ﴿وأخْذِهِمُ الرِّبا وقَدْ نُهُوا عَنْهُ وأكْلِهِمْ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنهم عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ مِنهم والمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ والمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وأوْحَيْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وعِيسى وأيُّوبَ ويُونُسَ وهارُونَ وسُلَيْمانَ وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ ﴿ورُسُلًا قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ورُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أنْزَلَ إلَيْكَ أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا﴾ [النساء: ١٦٨] ﴿إلّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ١٦٩] ﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالحَقِّ مِن رَبِّكم فَآمِنُوا خَيْرًا لَكم وإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٧٠] ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكم ولا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكم إنَّما اللَّهُ إلَهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ [النساء: ١٧١] ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ ومَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ ويَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهم إلَيْهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٧٢] الغُلُوُّ: تَجاوُزُ الحَدِّ. ومِنهُ غَلا السِّعْرُ، وغَلْوَةُ السَّهْمِ. الِاسْتِنْكافُ: الأنَفَةُ والتَّرَفُّعُ مِن نَكَفْتُ الدَّمْعَ إذا نَحَّيْتَهُ بِأُصْبُعِكَ مِن حَدِّكَ، ومَنَعْتَهُ مِنَ الجَرْيِ قالَ:
؎فَباتُوا فَلَوْلا ما تَدَكَّرَ مِنهُمُ مِنَ الحَلْقِ لَمْ يَنْكَفْ بِعَيْنِكَ مَدْمَعُ
وسُئِلَ أبُو العَبّاسِ عَنِ الِاسْتِنْكافِ فَقالَ: هو مِنَ النَّكْفِ، يُقالُ: ما عَلَيْهِ في هَذا الأمْرِ نَكْفٌ، ولا وكَفٌ، والنَّكْفُ أنْ يُقالَ لَهُ سُوءٌ، واسْتَنْكَفَ دَفَعَ ذَلِكَ السُّوءَ.
﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ المَعْنى: فَبِظُلْمٍ عَظِيمٍ، أوْ فَبِظُلْمٍ أيَّ ظُلْمٍ. وحَذْفُ الصِّفَةَ لِفَهْمِ المَعْنى جائِزٌ؛ كَما قالَ: لَقَدْ وقَعْتَ عَلى لَحْمٍ؛ أيَّ لَحْمٍ مُتَّبَعٍ، ويَتَعَلَّقُ بِحَرَّمْنا. وتَقَدَّمَ السَّبَبُ عَلى المُسَبَّبِ تَنْبِيهًا عَلى فُحْشِ الظُّلْمِ، وتَقْبِيحًا لَهُ، وتَحْذِيرًا مِنهُ. والطَّيِّباتُ هي ما ذُكِرَ في قَوْلِهِ: (وعَلى الَّذِينَ هادُوا) وحُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الألْبانُ وبَعْضُ الطَّيْرِ والحُوتُ، وأُحِلَّتْ لَهم صِفَةُ الطَّيِّباتِ بِما كانَتْ عَلَيْهِ. وأوْضَحَ ذَلِكَ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ: طَيِّباتٍ كانَتْ أُحِلَّتْ لَهم.
﴿وبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ أيْ ناسًا كَثِيرًا؛ فَيَكُونُ كَثِيرًا مَفْعُولًا بِالمَصْدَرِ؛ وإلَيْهِ ذَهَبَ الطَّبَرِيُّ. قالَ: صَدُّوا بِجَحْدِهِمْ أمْرَ مُحَمَّدٍ جَمْعًا عَظِيمًا مِنَ النّاسِ، أوْ صَدَّ كَثِيرًا. وقَدَّرَهُ بَعْضُهم زَمانًا كَثِيرًا.
﴿وأخْذِهِمُ الرِّبا وقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾، وهَذِهِ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ تُفِيدُ تَأْكِيدَ قُبْحِ فِعْلِهِمْ، (p-٣٩٥)وسُوءِ صَنِيعِهِمْ؛ إذْ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ يَجِبُ أنْ يُبْعَدَ عَنْهُ. قالُوا: والرِّبا مُحَرَّمٌ في جَمِيعِ الشَّرائِعِ.
﴿وأكْلِهِمْ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ﴾؛ أيِ الرُّشا الَّتِي كانُوا يَأْخُذُونَها مِن سِفْلَتِهِمْ في تَحْرِيفِ الكِتابِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ فُصِّلَتْ أنْواعُ الظُّلْمِ المُوجِبِ لِتَحْرِيمِ الطَّيِّباتِ. قِيلَ كانُوا كُلَّما أحْدَثُوا ذَنْبًا حُرِّمَ عَلَيْهِمْ بَعْضُ الطَّيِّباتِ، وأُهْمِلَ هُنا تَفْصِيلُ الطَّيِّباتِ؛ بَلْ ذُكِرَتْ نَكِرَةً مُبْهَمَةً. وفي المائِدَةِ فَصَّلَ أنْواعَ ما حَرَّمَ، ولَمْ يُفَصِّلِ السَّبَبَ. فَقِيلَ ذَلِكَ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ، وأُعِيدَتِ الباءُ في: (وبِصَدِّهِمْ) لِبُعْدِهِ عَنِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِالفَصْلِ بِما لَيْسَ مَعْمُولًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ؛ بَلْ في العامِلِ فِيهِ. ولَمْ يَعُدْ في: (وأخْذِهِمْ)، وأكْلِهِمْ؛ لِأنَّ الفَصْلَ وقَعَ بِمَعْمُولِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ. ونَظِيرُ إعادَةِ الحَرْفِ وتَرْكِ إعادَتِهِ قَوْلُهُ: (فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم) الآيَةَ. وبُدِئَ في أنْواعِ الظُّلْمِ بِما هو أهَمُّ، وهو أمْرُ الدِّينِ، وهو الصَّدُّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ بِأمْرِ الدُّنْيا، وهو ما يَتَعَلَّقُ بِهِ الأذى في بَعْضِ المالِ، ثُمَّ ارْتَقى إلى الأبْلَغِ في المالِ الدُّنْيَوِيِّ، وهو أكْلُهُ بِالباطِلِ؛ أيْ مَجّانًا لا عِوَضَ فِيهِ. وفي ذِكْرِ هَذِهِ الآيَةِ امْتِنانٌ عَلى وجْهِ الأُمَّةِ حَيْثُ لَمْ يُعامِلْهم مُعامَلَةَ اليَهُودِ فَيُحَرِّمَ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا الطَّيِّباتِ عُقُوبَةً لَهم بِذُنُوبِهِمْ.
(وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنهم عَذابًا مُهِينًا) لَمّا ذَكَرَ عُقُوبَةَ الدُّنْيا، ذَكَرَ ما أعَدَّ لَهم في الآخِرَةِ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ التَّحْرِيمُ عامًّا لِلْيَهُودِ بِسَبَبِ ظُلْمِ مَن ظَلَمَ مِنهم؛ فالتَزَمَهُ ظالِمُهم، وغَيْرُ ظالِمِهِمْ كَما قالَ تَعالى: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] بَيَّنَ أنَّ العَذابَ الألِيمَ؛ إنَّما أُعِدَّ لِلْكافِرِينَ مِنهم، فَلِذَلِكَ لَمْ يَأْتِ، وأعْتَدْنا لَهم.
﴿لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ مِنهم والمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ والمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أجْرًا عَظِيمًا﴾ مَجِيءُ (لَكِنْ) هُنا في غايَةِ الحُسْنِ؛ لِأنَّها داخِلَةٌ بَيْنَ نَقِيضَيْنِ وجَزائِهِما، وهُمُ الكافِرُونَ والعَذابُ الألِيمُ والمُؤْمِنُونَ والأجْرُ العَظِيمُ والرّاسِخُونَ الثّابِتُونَ المُنْتَصِبُونَ المُسْتَبْصِرُونَ مِنهم: كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأضْرابِهِ، والمُؤْمِنُونَ يَعْنِي مِنهم، أوِ المُؤْمِنُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ. والظّاهِرُ أنَّهُ عامٌّ في مَن آمَنَ.
وارْتَفَعَ الرّاسِخُونَ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ يُؤْمِنُونَ لا غَيْرَ؛ لِأنَّ المَدْحَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ تَمامِ الجُمْلَةِ. ومَن جَعَلَ الخَبَرَ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ فَقَوْلُهُ ضَعِيفٌ، وانْتَصَبَ المُقِيمِينَ عَلى المَدْحِ، وارْتَفَعَ والمُؤْتُونَ أيْضًا عَلى إضْمارٍ، وهم عَلى سَبِيلِ القَطْعِ إلى الرَّفْعِ. ولا يَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ عَلى المَرْفُوعِ قَبْلَهُ؛ لِأنَّ النَّعْتَ إذا انْقَطَعَ في شَيْءٍ مِنهُ لَمْ يَعُدْ ما بَعْدَهُ إلى إعْرابِ المَنعُوتِ، وهَذا القَطْعُ لِبَيانِ فَضْلِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ؛ فَكَثُرَ الوَصْفُ بِأنْ جُعِلَ في جُمَلٍ.
وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، والجَحْدَرِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ، وعِصْمَةُ عَنِ الأعْمَشِ، ويُونُسُ وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: والمُقِيمُونَ بِالرَّفْعِ نَسَقًا عَلى الأوَّلِ، وكَذا هو في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قالَهُ الفَرّاءُ. ورُوِيَ أنَّها كَذَلِكَ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ. وقِيلَ بَلْ هي فِيهِ والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ كَمُصْحَفِ عُثْمانَ. وذُكِرَ عَنْ عائِشَةَ وأبانِ بْنِ عُثْمانَ: إنَّ كَتْبَها بِالياءِ مِن خَطَأِ كاتِبِ المُصْحَفِ، ولا يَصِحُّ عَنْهُما ذَلِكَ؛ لِأنَّهُما (p-٣٩٦)عَرَبِيّانِ فَصِيحانِ، قَطْعُ النُّعُوتِ أشْهَرُ في لِسانِ العَرَبِ، وهو بابٌ واسِعٌ ذَكَرَ عَلَيْهِ شَواهِدَ سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ، وعَلى القَطْعِ خَرَّجَ سِيبَوَيْهِ ذَلِكَ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولا نَلْتَفِتُ إلى ما زَعَمُوا مِن وُقُوعِهِ لَحْنًا في خَطِّ المُصْحَفِ، ورُبَّما التَفَتَ إلَيْهِ مَن يَنْظُرُ في الكِتابِ، ولَمْ يَعْرِفْ مَذاهِبَ العَرَبِ، وما لَهم في النَّصْبِ عَلى الِاخْتِصاصِ مِنَ الِافْتِتانِ، وعَنى عَلَيْهِ: أنَّ السّابِقِينَ الأوَّلِينَ الَّذِينَ مَثَلُهم في التَّوْراةِ، ومَثَلُهم في الإنْجِيلِ كانُوا أبْعَدَ هِمَّةً في الغَيْرَةِ عَلى الإسْلامِ، وذَبِّ المَطاعِنِ عَنْهُ مِن أنْ يَتْرُكُوا في كِتابِ اللَّهِ ثُلْمَةً يَسُدُّها مَن بَعْدَهم، وخَرْقًا يَرْفُوهُ مَن يَلْحَقُ بِهِمُ، انْتَهى. ويَعْنِي بِقَوْلِهِ: مَن لَمْ يَنْظُرْ في الكِتابِ كِتابَ سِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللَّهُ فَإنَّ اسْمَ الكِتابِ عَلَمٌ عَلَيْهِ، ولِجَهْلِ مَن يُقْدِمُ عَلى تَفْسِيرِ كِتابِ اللَّهِ وإعْرابِ ألْفاظِهِ بِغَيْرِ أحْكامِ عِلْمِ النَّحْوِ جَوَّزُوا في عَطْفِ والمُقِيمِينَ وُجُوهًا: أحَدُها: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ؛ أيْ يُؤْمِنُونَ بِالكُتُبِ وبِالمُقِيمِينَ الصَّلاةَ. واخْتَلَفُوا في هَذا الوَجْهِ مَنِ المَعْنِيُّ بِالمُقِيمِينَ الصَّلاةَ، فَقِيلَ الأنْبِياءُ ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ. وقِيلَ المَلائِكَةُ؛ ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقِيلَ المُسْلِمُونَ والتَّقْدِيرُ: ونَدْبُ المُقِيمِينَ؛ ذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ مَعْناهُ. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الضَّمِيرِ في مِنهم؛ أيْ لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ مِنهم ومِنَ المُقِيمِينَ ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَلى قَوْمٍ لَمْ يُسَمِّهِمْ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الكافِ في أُولَئِكَ؛ أيْ ما أُنْزِلُ إلَيْكَ وإلى المُقِيمِينَ الصَّلاةَ. الوَجْهُ الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى كافِ قَبْلَكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ التَّقْدِيرُ: وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ، وقِيلَ المُقِيمِينَ الصَّلاةَ. الوَجْهُ الخامِسُ: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى كافِ قَبْلَكَ، ويَعْنِي الأنْبِياءَ؛ ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَرْقٌ بَيْنَ الآيَةِ والبَيْتِ يَعْنِي بَيْتَ الخِرْنَقِ، وكانَ أنْشَدَهُ قَبْلُ، وهو:
؎النّازِلِينَ بِكُلِّ مُعْتَرَكٍ ∗∗∗ والطَّيِّبُونَ مَعاقِدَ الأُزُرِ
بِحَرْفِ العَطْفِ الَّذِي في الآيَةِ؛ فَإنَّهُ يُمْنَعُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ تَقْدِيرُ الفِعْلِ، وفي هَذا نَظَرٌ، انْتَهى. إنْ مَنَعَ ذَلِكَ أحَدٌ فَهو مَحْجُوجٌ بِثُبُوتِ ذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ مَعَ حَرْفِ العَطْفِ، ولا نَظَرَ في ذَلِكَ كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ. قالَ الشّاعِرُ:
؎ويَأْوِي إلى نِسْوَةٍ عُطْلٍ ∗∗∗ وشُعْثٍ مَراضِيعَ مَثْلِ السَّعالِي
وكَذَلِكَ جَوَّزُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ وُجُوهًا عَلى غَيْرِ الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ: مِن أنَّهُ ارْتَفَعَ عَلى خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ عَلى سَبِيلِ قَطْعِ الصِّفاتِ في المَدْحِ: أحَدُها: أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى الرّاسِخُونَ. الثّانِي: عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في المُؤْمِنُونَ. الثّالِثُ: عَلى الضَّمِيرِ في يُؤْمِنُونَ. الرّابِعُ: أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وما بَعْدَهُ الخَبَرُ، وهو اسْمُ الإشارَةِ، وما يَلِيهِ. وأمّا (المُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) فَعَطْفٌ عَلى ﴿والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ عَلى الوَجْهِ الَّذِي اخْتَرْناهُ في رَفْعِ (والمُؤْتُونَ) .
ولَمّا ذَكَرَ أوَّلًا (والمُؤْمِنُونَ) تَضَمَّنَ الإيمانَ بِما يَجِبُ أنْ يُؤْمِنَ بِهِ، ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم وعَنِ الرّاسِخِينَ أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِالقُرْآنِ وبِالكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، ثُمَّ وصَفَهم بِصِفاتِ المَدْحِ مِنَ امْتِثالِ أشْرَفِ أوْصافِ الإيمانِ الفِعْلِيَّةِ البَدَنِيَّةِ وهي الصَّلاةُ والمالِيَّةِ وهي الزَّكاةُ، ثُمَّ ارْتَقى في المَدْحِ إلى أشْرَفِ الأوْصافِ القَلْبِيَّةِ الِاعْتِقادِيَّةِ، وهي الإيمانُ بِالمُوَحَّدِ الَّذِي أنْزَلَ الكُتُبَ، وشَرَعَ فِيها الصَّلاةَ والزَّكاةَ وبِاليَوْمِ الآخِرِ، وهو البَعْثُ والمَعادُ الَّذِي يَظْهَرُ فِيهِ ثَمَرَةُ الإيمانِ وامْتِثالِ تَكالِيفِ الشَّرْعِ مِنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، وغَيْرِهِما. ثُمَّ إنَّهُ لَمّا اسْتَوْفى ذَلِكَ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ سَيُؤْتِيهِمْ أجْرًا عَظِيمًا، وهو ما رَتَّبَ تَعالى عَلى هَذِهِ الأوْصافِ الجَلِيلَةِ الَّتِي وصَفَهم بِها، وأشارَ إلَيْهِمْ بِأُولَئِكَ لِيَدُلَّ عَلى مَجْمُوعِ تِلْكَ الأوْصافِ. ومَن أعْرَبَ ﴿والمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ مُبْتَدَأً أوْ خَبَرَهُ ما بَعْدَهُ فَهو بِمَعْزِلٍ عَنْ إدْراكِ الفَصاحَةِ. والأجْوَدُ إعْرابُ أُولَئِكَ مُبْتَدَأٌ، ومَن نَصَبَهُ بِإضْمارِ فِعْلٍ تَفْسِيرُهُ ما بَعْدَهُ: أنَّهُ سَيُؤْتِي أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ؛ فَيَجْعَلُهُ (p-٣٩٧)مِن بابِ الِاشْتِغالِ؛ فَلَيْسَ قَوْلُهُ بِراجِحٍ؛ لِأنَّ ”زَيْدٌ ضَرَبْتُهُ“ أفْصَحُ وأكْثَرُ مِن ”زَيْدًا ضَرْبَتُهُ“؛ ولِأنَّ مَعْمُولَ ما بَعْدَ حَرْفِ الِاسْتِقْبالِ مُخْتَلَفٌ في جَوازِ تَقْدِيمِهِ في نَحْوِ: سَأضْرِبُ زَيْدًا، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا يَجُوزُ الِاشْتِغالُ. فالأجْوَدُ الحَمْلُ عَلى ما لا خِلافَ فِيهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ: سَيُؤْتِيهِمْ بِالياءِ عَوْدًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿والمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ . وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ. عَلى الِالتِفاتِ. ومُناسِبَةِ (وأعْتَدْنا) .
﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَبَبُ نُزُولِها أنَّ سُكَيْنًا الحبْرَ وعَدِيَّ بْنَ زَيْدٍ قالا: يا مُحَمَّدُ ما نَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ عَلى بَشَرٍ شَيْئًا بَعْدَ مُوسى، ولا أوْحى إلَيْهِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [النساء: ١٥٣] الآياتِ، فَتُلِيَتْ عَلَيْهِمْ، وسَمِعُوا الخَبَرَ بِأعْمالِهِمُ الخَبِيثَةِ قالُوا: ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ، ولا عَلى عِيسى، وجَحَدُوا جَمِيعَ ذَلِكَ فَنَزَلَتْ: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا﴾ [الأنعام: ٩١] الآيَةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ جَوابٌ لِأهْلِ الكِتابِ عَنْ سُؤالِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ، واحْتِجاجِهِمْ عَلَيْهِمْ بِأنَّ شَأْنَهُ في الوَحْيِ إلَيْهِ كَسائِرِ الأنْبِياءِ الَّذِينَ سَلَفُوا، انْتَهى. وقَدَّمَ نُوحًا وجَرَّدَهُ مِنهم في الذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ الأبُ الثّانِي، وأوَّلُ الرُّسُلِ، ودَعْوَتُهُ عامَّةٌ لِجَمِيعِ مَن كانَ إذْ ذاكَ في الأرْضِ، كَما أنَّ دَعْوَةَ مُحَمَّدٍ عامَّةٌ لِجَمِيعِ مَن في الأرْضِ.
﴿وأوْحَيْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وعِيسى وأيُّوبَ ويُونُسَ وهارُونَ وسُلَيْمانَ﴾ خَصَّ تَعالى بِالذِّكْرِ هَؤُلاءِ تَشْرِيفًا وتَعْظِيمًا لَهم، وبَدَأ بِإبْراهِيمَ لِأنَّهُ الأبُ الثّالِثُ، وقَدَّمَ عِيسى عَلى مَن بَعْدَهُ تَخْفِيفًا لِنُبُوَّتِهِ، وقَطْعًا لِما رَآهُ اليَهُودُ فِيهِ، ودَفْعًا لِاعْتِقادِهِمْ، وتَعْظِيمًا لَهُ عِنْدَهم، وتَنْوِيهًا بِاتِّساعِ دائِرَتِهِ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ نَسَبِ نُوح وإبْراهِيمَ وهارُونَ في نَسَبِ أخِيهِ مُوسى. وأمّا أيُّوبُ فَذَكَرَ الحُسَيْنُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ القاضِي الفاضِلِ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ عَلِيِّ النَّيْسابُورِيِّ نَسَبَهُ فَقالَ: أيُّوبُ بْنُ أمْوَصَ بْنِ بارِحِ بْنِ تُورَمَ بْنِ العِيصِ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ، وأُمُّهُ مِن ولَدِ لُوطِ بْنِ هارُونَ. وأمّا يُونُسُ فَهو يُونُسُ بْنُ مَتّى. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ ابْنِ جَمّازٍ عَنْهُ: يُونِسُ بِكَسْرِ النُّونِ، وهي لُغَةٌ لِبَعْضِ العَرَبِ. وقَرَأ النَّخَعِيُّ، وابْنُ وثّابٍ: بِفَتْحِها، وهي لُغَةٌ لِبَعْضِ عَقِيلٍ، وبَعْضُ العَرَبِ يَهْمِزُ ويَكْسِرُ، وبَعْضُ أسَدٍ يَهْمِزُ ويَضُمُّ النُّونَ، ولُغَةُ الحِجازِ ما قَرَأ بِهِ الجُمْهُورُ مِن تَرْكِ الهَمْزِ، وضَمِّ النُّونِ.
(وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا) أيْ كِتابًا. وكُلُّ كِتابٍ يُسَمّى زَبُورًا، وغَلَبَ عَلى الكِتابِ الَّذِي أوْحاهُ اللَّهُ إلى داوُدَ. وهو فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كالحَلُوبِ والرَّكُوبِ، ولا يَطَّرِدُ، وهو مِائَةٌ وخَمْسُونَ سُورَةً لَيْسَ فِيها حُكْمٌ ولا حَرامٌ ولا حَلالٌ؛ إنَّما هي حِكَمٌ ومَواعِظُ، وقَدْ قَرَأْتُ جُمْلَةً مِنها بِبِلادِ الأنْدَلُسِ. قِيلَ: وقَدَّمَ سُلَيْمانُ في الذِّكْرِ عَلى داوُدَ لِتَوَفُّرِ عِلْمِهِ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩] والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ عِيسى وأيُّوبَ ويُونُسَ؛ لِأنَّهم أصْحابُ امْتِحانٍ، وبَلايا في الدُّنْيا، وجَمَعَ بَيْنَ هارُونَ، وسُلَيْمانَ؛ لِأنَّ هارُونَ كانَ مُحَبَّبًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ مُعَظَّمًا مُؤْثَرًا، وأمّا سُلَيْمانُ فَكانَ مُعَظَّمًا عِنْدَ النّاسِ قاهِرًا لَهم مُسْتَحِقًّا لَهُ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ؛ فَجَمَعَهُما التَّحْبِيبُ والتَّعْظِيمُ. وتَأخَّرَ ذِكْرُ داوُدَ لِتَشْرِيفِهِ بِذِكْرِ كِتابِهِ، وإبْرازِهِ في جُمْلَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ لَهُ بِالذِّكْرِ ولِكِتابِهِ؛ فَما فاتَهُ مِنَ التَّقْدِيمِ اللَّفْظِيِّ حَصَلَ بِهِ التَّضْعِيفُ مِنَ التَّشْرِيفِ المَعْنَوِيِّ.
وقَرَأ حَمْزَةُ (زُبُورًا) بِضَمِّ الزّايِ. قالَ أبُو البَقاءِ: وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَصْدَرٌ كالقُعُودِ يُسَمّى بِهِ الكِتابُ المُنَزَّلُ عَلى داوُدَ. والثّانِي: أنَّهُ جَمْعُ زَبُورٍ عَلى حَذْفِ الزّائِدِ، وهو الواوُ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: كَما قالُوا طَرِيقٌ وطُرُوقٌ، وكَرَوانٌ، وكُرُوانٌ، ووَرَشانُ، ووُرُشانٌ، مِمّا يُجْمَعُ بِحَذْفِ الزِّيادَةِ. ويُقَوِّي هَذا التَّوْجِيهَ أنَّ التَّكْسِيرَ مِثْلُ التَّصْغِيرِ، وقَدِ اطَّرَدَ هَذا المَعْنى في تَصْغِيرِ التَّرْخِيمِ نَحْوَ أزْهَرَ وزُهَيْرٍ، والحارِثِ وحُرَيْثٍ، وثابِتٍ وثُبَيْتٍ والجَمْعُ مِثْلُهُ في القِياسِ، وإنْ كانَ أقَلَّ مِنهُ في الِاسْتِعْمالِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: ويُحْتَمَلُ (p-٣٩٨)أنْ يَكُونَ جَمْعَ زُبُرٍ أُوقِعَ عَلى المَزْبُورِ كَما قالُوا: ضَرْبُ الأمِيرِ، ونَسْجُ اليَمَنِ. وكَما سُمِّيَ المَكْتُوبُ كِتابًا.
﴿ورُسُلًا قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ﴾؛ أيْ ذَكَرْنا أخْبارَهم لَكَ.
﴿ورُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ﴾ رُوِيَ مِن حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ: أنَّهُ سَألَ عَنِ المُرْسَلِينَ؛ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كانَ المُرْسَلُونَ ثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ» . قالَ القُرْطُبِيُّ: هَذا أصَحُّ ما رُوِيَ في ذَلِكَ؛ خَرَّجَهُ الآجُرِّيُّ، وأبُو حاتِمٍ البُسْتِيُّ في مُسْنَدٍ صَحِيحٍ لَهُ. وفي حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ هَذا: أنَّهُ سَألَهُ «كَمْ كانَ الأنْبِياءُ ؟ فَقالَ: مِائَةُ ألْفِ نَبِيٍّ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفَ نَبِيٍّ» . ورُوِيَ عَنْ أنَسٍ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بُعِثَ عَلى أثَرِ ثَمانِيَةِ ألْفٍ مِنَ الأنْبِياءِ مِنهم أرْبَعَةُ آلافٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ. ورُوِيَ عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ أنَّهُ قالَ: الأنْبِياءُ ألْفُ ألْفٍ وأرْبَعُمِائَةِ ألْفٍ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ما ذُكِرَ مِن عَدَدِ الأنْبِياءِ غَيْرُ صَحِيحٍ واللَّهُ أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ، انْتَهى.
وانْتِصابُ ورُسُلًا عَلى إضْمارِ فِعْلٍ؛ أيْ قَدْ قَصَصْنا رُسُلًا عَلَيْكَ؛ فَهو مِن بابِ الِاشْتِغالِ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قَدْ قَصَصْناهُمْ﴾ مُفَسِّرَةٌ لِذَلِكَ الفِعْلِ المَحْذُوفِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا قِراءَةُ أُبَيٍّ، ورُسُلٌ بِالرَّفْعِ في المَوْضِعَيْنِ عَلى الِابْتِداءِ. وجازَ الِابْتِداءُ بِالنَّكِرَةِ هُنا؛ لِأنَّهُ مَوْضِعُ تَفْصِيلٍ كَما أنْشَدُوا: فَثَوْبٌ لَبِسْتُ وثَوْبٌ أجُرُّ.
وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎بِشِقٍّ وشِقٌّ عِنْدَنا لَمْ يُحَوَّلِ
ومِن حُجَجِ النَّصْبِ عَلى الرَّفْعِ كَوْنُ العَطْفِ عَلى جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ، وهي وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الرَّفْعُ عَلى تَقْدِيرِ وهم: رُسُلٌ؛ فَعَلى قَوْلِهِ يَكُونُ ﴿قَدْ قَصَصْناهُمْ﴾ جُمْلَةً في مَوْضِعِ الصِّفَةِ. وجَوَّزُوا أيْضًا نَصْبَ، ورُسُلًا مِن وجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ المَعْنى: إنّا أرْسَلْناكَ وأرْسَلْنا رُسُلًا لِأنَّ الرَّدَّ عَلى اليَهُودِ إنَّما هو في إنْكارِهِمْ إرْسالَ الرُّسُلِ واطِّرادَ الوَحْيِ.
﴿وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ هَذا إخْبارٌ بِأنَّ اللَّهَ شَرَّفَ مُوسى بِكَلامِهِ، وأكَّدَ بِالمَصْدَرِ دَلالَةً عَلى وُقُوعِ الفِعْلِ عَلى حَقِيقَتِهِ لا عَلى مَجازِهِ، هَذا هو الغالِبُ. وقَدْ جاءَ التَّأْكِيدُ بِالمَصْدَرِ في المَجازِ إلّا أنَّهُ قَلِيلٌ. فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ هِنْدَ بِنْتِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ الأنْصارِيِّ:
؎بَكى الخَزُّ مِن عَوْفٍ وأنْكَرَ جِلْدُهُ ∗∗∗ وعَجَّتْ عَجِيجًا مِن جُذامَ المَطارِفُ
وقالَ ثَعْلَبٌ: لَوْلا التَّأْكِيدُ بِالمَصْدَرِ لَجازَ أنْ تَقُولَ: قَدْ كَلَّمْتُ لَكَ فُلانًا بِمَعْنى كَتَبْتُ إلَيْهِ رُقْعَةً، وبَعَثْتُ إلَيْهِ رَسُولًا؛ فَلَمّا قالَ: تَكْلِيمًا لَمْ يَكُنْ إلّا كَلامًا مَسْمُوعًا مِنَ اللَّهِ تَعالى. ومَسْألَةُ الكَلامِ مِمّا طالَ فِيهِ الكَلامُ، واخْتَلَفَ فِيها عُلَماءُ الإسْلامِ؛ وبِهَذِهِ المَسْألَةِ سُمِّيَ عِلْمُ أُصُولِ الدِّينِ بِعِلْمِ الكَلامِ، وهي مَسْألَةٌ يُبْحَثُ عَنْها في أُصُولِ الدِّينِ. وقَرَأ إبْراهِيمُ بْنُ وثّابٍ (وكَلَّمَ اللَّهَ) بِالنَّصْبِ عَلى أنَّ مُوسى هو المُكَلِّمُ. ومِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ أنَّهُ مِنَ الكَلْمِ، وأنَّ مَعْناهُ: وجَرَحَ اللَّهُ مُوسى بِأظْفارِ المِحَنِ، ومَخالِبِ الفِتَنِ. وقالَ كَعْبٌ: كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى بِالألْسِنَةِ كُلِّها، فَجَعَلَ مُوسى يَقُولُ: رَبِّ لا أفْهَمُ؛ حَتّى كَلَّمَهُ بِلِسانِ مُوسى آخِرَ الألْسِنَةِ.
﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾؛ أيْ يُبَشِّرُونَ بِالجَنَّةِ مَن أطاعَ، ويُنْذِرُونَ بِالنّارِ مَن عَصى. وأرادَ تَعالى أنْ يَقْطَعَ بِالرُّسُلِ احْتِجاجَ مَن يَقُولُ: لَوْ بُعِثَ إلَيَّ رَسُولٌ آمَنتُ. وفي الحَدِيثِ: ولَيْسَ أحَدٌ أحَبَّ إلَيْهِ العُذْرُ مِنَ اللَّهِ فَمِن أجْلِ ذَلِكَ أنْزَلَ الكُتُبَ، وأرْسَلَ الرُّسُلَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَكُونُ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ قَبْلَ الرُّسُلِ، وهم مَحْجُوجُونَ بِما نَصَبَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الأدِلَّةِ الَّتِي النَّظَرُ فِيها مُوصِلٌ إلى المَعْرِفَةِ والرُّسُلُ في أنْفُسِهِمْ لَمْ يَتَوَصَّلُوا إلى المَعْرِفَةِ إلّا بِالنَّظَرِ في تِلْكَ الأدِلَّةِ، ولا عَرَفُوا أنَّهم رُسُلُ اللَّهِ إلّا بِالنَّظَرِ فِيها ؟ قُلْتُ: الرُّسُلُ مَنهِيُّونَ عَنِ الغَفْلَةِ، وباعِثُونَ عَلى النَّظَرِ كَما تَرى عُلَماءَ العَدْلِ والتَّوْحِيدِ، مَعَ تَبْلِيغِ ما حَمَلُوهُ مِن تَفْصِيلِ أُمُورِ الدِّينِ، وبَيانِ أحْوالِ التَّكْلِيفِ، وتَعَلُّمِ الشَّرائِعِ؛ فَكانَ إرْسالُهم إزاحَةً لِلْعِلَّةِ، وتَتْمِيمًا (p-٣٩٩)لِإلْزامِ الحُجَّةِ؛ لِئَلّا يَقُولُوا: لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا، فَيُوقِظُنا مِن سِنَةِ الغَفْلَةِ، ويُنَبِّهُنا لَما وجَبَ الِانْتِباهُ لَهُ انْتَهى. وقَوْلُهُ: لِئَلّا هو كالتَّعْلِيلِ لِحالَتَيِ: التَّبْشِيرِ والإنْذارِ. والتَّبْشِيرُ هو بِالجَنَّةِ والإنْذارُ هو بِالنّارِ. ولَيْسَ الثَّوابُ والعِقابُ حاكِمًا بِوُجُوبِهِما العَقْلُ؛ وإنَّما هو مُجَوِّزٌ لَهُما، وجاءَ السَّمْعُ فَصارا واجِبًا وُقُوعُهُما، ولَمْ يُسْتَفَدْ وُجُوبُهُما إلّا مِنَ البِشارَةِ والنِّذارَةِ. فَلَوْ لَمْ يُبَشِّرِ الرُّسُلُ بِالجَنَّةِ لِمَنِ امْتَثَلَ التَّكالِيفَ الشَّرْعِيَّةَ، ولَمْ يُنْذِرُوا بِالنّارِ مَن لَمْ يَمْتَثِلْ، وكانَتْ تَقَعُ المُخالَفَةُ المُتَرَتِّبُ عَلَيْها العِقابُ بِما لا شُعُورَ لِلْمُكَلَّفِ بِها مِن حَيْثُ إنَّ اللَّهَ لا يَبْعَثُ إلَيْهِ مَن يُعْلِمُهُ بِأنَّ تِلْكَ مَعْصِيَةٌ؛ لَكانَتْ لَهُ الحُجَّةُ إذْ عُوقِبَ عَلى شَيْءٍ لَمْ يَتَقَدَّمْ إلَيْهِ في التَّحْذِيرِ مِن فِعْلِهِ، وأنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ العِقابُ. وأمّا ما نَصَبَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ فَهي مُوَصِّلَةٌ إلى المَعْرِفَةِ والإيمانِ بِاللَّهِ عَلى ما يَجِبُ، والعِلَلُ في الآيَةِ هو غَيْرُ المَعْرِفَةِ والإيمانِ بِاللَّهِ؛ فَلا يَرِدُ سُؤالُ الزَّمَخْشَرِيِّ. وانْتَصَبَ رُسُلًا عَلى البَدَلِ، وهو الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِانْتِصابِهِ عَلى التَّكْرِيرِ. قالَ: والأوْجَهُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى المَدْحِ. وجَوَّزَ غَيْرُهُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِأرْسَلْنا مُقَدَّرَةً، وأنْ يَكُونَ حالًا مُوَطِّئَةً. و(لِئَلّا) مُتَعَلِّقَةٌ بِمُنْذِرِينَ عَلى طَرِيقِ الإعْمالِ. وجَوَّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمُقَدَّرٍ؛ أيْ أرْسَلْناهم بِذَلِكَ؛ أيْ بِالبِشارَةِ والنِّذارَةِ لِئَلّا يَكُونَ
(وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا)؛ أيْ لا يُغالِبُهُ شَيْءٌ، ولا حُجَّةَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ، صادِرَةٌ أفْعالُهُ عَنْ حِكْمَةٍ، فَلِذَلِكَ قَطَعَ الحُجَّةَ بِإرْسالِ الرُّسُلِ. وقِيلَ عَزِيزًا في عِقابِ الكُفّارِ حَكِيمًا في الإعْذارِ بَعْدَ تَقَدُّمِ الإنْذارِ.
﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أنْزَلَ إلَيْكَ﴾ الِاسْتِدْراكُ بِـ (لَكِنْ) يَقْتَضِي تَقَدُّمَ جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ؛ لِأنَّ (لَكِنْ) لا يُبْتَدَأُ بِها؛ فالتَّقْدِيرُ ما رُوِيَ في سَبَبِ النُّزُولِ، وهو: أنَّهُ لَمّا نَزَلَ إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ قالُوا: ما نَشْهَدُ لَكَ بِهَذا، لَكِنْ اللَّهُ يَشْهَدُ، وشَهادَتُهُ تَعالى بِما أنْزَلَهُ إلَيْهِ إثْباتُهُ بِإظْهارِ المُعْجِزاتِ كَما تَثْبُتُ الدَّعاوى بِالبَيِّناتِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ والجَرّاحُ الحَكَمِيُّ (لَكِنَّ اللَّهَ) بِالتَّشْدِيدِ، ونَصْبِ الجَلالَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ (بِما أُنْزِلُ إلَيْكَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
﴿أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ قَرَأ السُّلَمِيُّ: نَزَّلَهُ مُشَدَّدًا. قالَ الزَّجّاجُ: أنْزَلَهُ وفِيهِ عِلْمُهُ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: أنْزَلَهُ مِن عِلْمِهِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أنْزَلَهُ إلَيْكَ بِعِلْمٍ مِنهُ أنَّكَ خِيرَتُهُ مِن خَلْقِهِ. وقِيلَ أنْزَلَهُ إلَيْكَ بِعِلْمِهِ أنَّكَ أهْلُ إنْزالِهِ عَلَيْكَ لِقِيامِكَ بِحَقِّهِ وعِلْمِكَ بِما فِيهِ، وحُسْنِ دُعائِكَ إلَيْهِ، وحَثِّكَ عَلَيْهِ. وقِيلَ بِما يَحْتاجُ إلَيْهِ العِبادُ. وقِيلَ بِعِلْمِهِ أنَّكَ تُبَلِّغُهُ إلى عِبادِهِ مِن غَيْرِ تَبْدِيلٍ ولا زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذِهِ الآيَةُ مِن أقْوى مُتَعَلِّقاتِ أهْلِ السُّنَّةِ في إثْباتِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، خِلاِفًا لِلْمُعْتَزِلَةِ في أنَّهم يَقُولُونَ: عالِمٌ بِلا عِلْمٍ. والمَعْنى عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ: أنْزَلَهُ وهو يَعْلَمُ إنْزالَهُ ونُزُولَهُ. ومَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ في هَذِهِ الآيَةِ: أنَّهُ أنْزَلَهُ مُقْتَرِنًا بِعِلْمِهِ؛ أيْ فِيهِ عِلْمُهُ مِن غُيُوبٍ وأوامِرَ، ونَحْوِ ذَلِكَ؛ فالعِلْمُ عِبارَةٌ عَنِ المَعْلُوماتِ الَّتِي في القُرْآنِ كَما هو في قَوْلِ الخَضِرِ، ما نَقَصَ عِلْمِي، وعِلْمُكَ مِن عِلْمِ اللَّهِ إلّا كَما يُنْقِصُ هَذا العُصْفُورُ مِن هَذا البَحْرِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنْزَلَهُ مُلْتَبِسًا بِعِلْمِهِ الخاصِّ الَّذِي لا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ، وهو تَأْلِيفُهُ عَلى نَظْمٍ وأُسْلُوبٍ يَعْجِزُ عَنْهُ كُلُّ بَلِيغٍ وصاحِبُ بَيانٍ، ومَوْقِعُهُ مِمّا قَبْلَهُ مَوْقِعُ الجُمْلَةِ المُفَسِّرَةِ؛ لِأنَّهُ بَيانٌ لِلشَّهادَةِ بِصِحَّتِهِ أنَّهُ أنْزَلَهُ بِالنَّظْمِ المُعْجِزِ الفائِتِ لِلْقَدْرِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أنْزَلَهُ وهو عالِمٌ بِهِ رَقِيبٌ عَلَيْهِ حافِظٌ لَهُ مِنَ الشَّياطِينِ بِرَصَدٍ مِنَ المَلائِكَةِ.
﴿والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾؛ أيْ بِما أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ. وشَهادَةُ المَلائِكَةِ تَبَعٌ لِشَهادَةِ اللَّهِ، وقَدْ عَلِمَ بِشَهادَةِ اللَّهِ لَهُ إذْ أظْهَرَ عَلى يَدَيْهِ المُعْجِزاتِ، وهَذا عَلى سَبِيلِ التَّسْلِيَةِ لَهُ عَنْ تَكْذِيبِ اليَهُودِ، إنْ كَذَّبَكَ اليَهُودُ وكَذَّبُوا ما جِئْتَ بِهِ مِنَ الوَحْيِ، فَلا تُبالِ فَإنَّ اللَّهَ يَشْهَدُ لَكَ ومَلائِكَتَهُ؛ فَلا تَلْتَفِتْ إلى تَكْذِيبِهِمْ.
(وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا)؛ أيْ، وإنْ لَمْ يَشْهَدْ غَيْرُهُ ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٩] .
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا﴾؛ أيْ ضَلالًا لا يَقْرُبُ رُجُوعُهم عَنْهُ، ولا تَخَلُّصُهم مِنهُ؛ لِأنَّهُ يَعْتَقِدُ عَنْ نَفْسِهِ أنَّهُ مُحِقٌ ثُمَّ يَتَوَسَّلُ بِذَلِكَ الضَّلالِ إلى (p-٤٠٠)اكْتِسابِ المالِ والجاهِ وإلْقاءِ غَيْرِهِ فِيهِ، فَهو ضَلالٌ في أقْصى غاياتِهِ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وابْنُ هُرْمُزَ: وصُدُّوا بِضَمِّ الصّادِ، قِيلَ، وهي في اليَهُودِ.
النساء 4:166
﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهم وبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ ﴿وأخْذِهِمُ الرِّبا وقَدْ نُهُوا عَنْهُ وأكْلِهِمْ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنهم عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ مِنهم والمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ والمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وأوْحَيْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وعِيسى وأيُّوبَ ويُونُسَ وهارُونَ وسُلَيْمانَ وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ ﴿ورُسُلًا قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ورُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أنْزَلَ إلَيْكَ أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا﴾ [النساء: ١٦٨] ﴿إلّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ١٦٩] ﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالحَقِّ مِن رَبِّكم فَآمِنُوا خَيْرًا لَكم وإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٧٠] ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكم ولا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكم إنَّما اللَّهُ إلَهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ [النساء: ١٧١] ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ ومَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ ويَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهم إلَيْهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٧٢] الغُلُوُّ: تَجاوُزُ الحَدِّ. ومِنهُ غَلا السِّعْرُ، وغَلْوَةُ السَّهْمِ. الِاسْتِنْكافُ: الأنَفَةُ والتَّرَفُّعُ مِن نَكَفْتُ الدَّمْعَ إذا نَحَّيْتَهُ بِأُصْبُعِكَ مِن حَدِّكَ، ومَنَعْتَهُ مِنَ الجَرْيِ قالَ:
؎فَباتُوا فَلَوْلا ما تَدَكَّرَ مِنهُمُ مِنَ الحَلْقِ لَمْ يَنْكَفْ بِعَيْنِكَ مَدْمَعُ
وسُئِلَ أبُو العَبّاسِ عَنِ الِاسْتِنْكافِ فَقالَ: هو مِنَ النَّكْفِ، يُقالُ: ما عَلَيْهِ في هَذا الأمْرِ نَكْفٌ، ولا وكَفٌ، والنَّكْفُ أنْ يُقالَ لَهُ سُوءٌ، واسْتَنْكَفَ دَفَعَ ذَلِكَ السُّوءَ.
﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ المَعْنى: فَبِظُلْمٍ عَظِيمٍ، أوْ فَبِظُلْمٍ أيَّ ظُلْمٍ. وحَذْفُ الصِّفَةَ لِفَهْمِ المَعْنى جائِزٌ؛ كَما قالَ: لَقَدْ وقَعْتَ عَلى لَحْمٍ؛ أيَّ لَحْمٍ مُتَّبَعٍ، ويَتَعَلَّقُ بِحَرَّمْنا. وتَقَدَّمَ السَّبَبُ عَلى المُسَبَّبِ تَنْبِيهًا عَلى فُحْشِ الظُّلْمِ، وتَقْبِيحًا لَهُ، وتَحْذِيرًا مِنهُ. والطَّيِّباتُ هي ما ذُكِرَ في قَوْلِهِ: (وعَلى الَّذِينَ هادُوا) وحُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الألْبانُ وبَعْضُ الطَّيْرِ والحُوتُ، وأُحِلَّتْ لَهم صِفَةُ الطَّيِّباتِ بِما كانَتْ عَلَيْهِ. وأوْضَحَ ذَلِكَ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ: طَيِّباتٍ كانَتْ أُحِلَّتْ لَهم.
﴿وبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ أيْ ناسًا كَثِيرًا؛ فَيَكُونُ كَثِيرًا مَفْعُولًا بِالمَصْدَرِ؛ وإلَيْهِ ذَهَبَ الطَّبَرِيُّ. قالَ: صَدُّوا بِجَحْدِهِمْ أمْرَ مُحَمَّدٍ جَمْعًا عَظِيمًا مِنَ النّاسِ، أوْ صَدَّ كَثِيرًا. وقَدَّرَهُ بَعْضُهم زَمانًا كَثِيرًا.
﴿وأخْذِهِمُ الرِّبا وقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾، وهَذِهِ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ تُفِيدُ تَأْكِيدَ قُبْحِ فِعْلِهِمْ، (p-٣٩٥)وسُوءِ صَنِيعِهِمْ؛ إذْ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ يَجِبُ أنْ يُبْعَدَ عَنْهُ. قالُوا: والرِّبا مُحَرَّمٌ في جَمِيعِ الشَّرائِعِ.
﴿وأكْلِهِمْ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ﴾؛ أيِ الرُّشا الَّتِي كانُوا يَأْخُذُونَها مِن سِفْلَتِهِمْ في تَحْرِيفِ الكِتابِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ فُصِّلَتْ أنْواعُ الظُّلْمِ المُوجِبِ لِتَحْرِيمِ الطَّيِّباتِ. قِيلَ كانُوا كُلَّما أحْدَثُوا ذَنْبًا حُرِّمَ عَلَيْهِمْ بَعْضُ الطَّيِّباتِ، وأُهْمِلَ هُنا تَفْصِيلُ الطَّيِّباتِ؛ بَلْ ذُكِرَتْ نَكِرَةً مُبْهَمَةً. وفي المائِدَةِ فَصَّلَ أنْواعَ ما حَرَّمَ، ولَمْ يُفَصِّلِ السَّبَبَ. فَقِيلَ ذَلِكَ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ، وأُعِيدَتِ الباءُ في: (وبِصَدِّهِمْ) لِبُعْدِهِ عَنِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِالفَصْلِ بِما لَيْسَ مَعْمُولًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ؛ بَلْ في العامِلِ فِيهِ. ولَمْ يَعُدْ في: (وأخْذِهِمْ)، وأكْلِهِمْ؛ لِأنَّ الفَصْلَ وقَعَ بِمَعْمُولِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ. ونَظِيرُ إعادَةِ الحَرْفِ وتَرْكِ إعادَتِهِ قَوْلُهُ: (فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم) الآيَةَ. وبُدِئَ في أنْواعِ الظُّلْمِ بِما هو أهَمُّ، وهو أمْرُ الدِّينِ، وهو الصَّدُّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ بِأمْرِ الدُّنْيا، وهو ما يَتَعَلَّقُ بِهِ الأذى في بَعْضِ المالِ، ثُمَّ ارْتَقى إلى الأبْلَغِ في المالِ الدُّنْيَوِيِّ، وهو أكْلُهُ بِالباطِلِ؛ أيْ مَجّانًا لا عِوَضَ فِيهِ. وفي ذِكْرِ هَذِهِ الآيَةِ امْتِنانٌ عَلى وجْهِ الأُمَّةِ حَيْثُ لَمْ يُعامِلْهم مُعامَلَةَ اليَهُودِ فَيُحَرِّمَ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا الطَّيِّباتِ عُقُوبَةً لَهم بِذُنُوبِهِمْ.
(وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنهم عَذابًا مُهِينًا) لَمّا ذَكَرَ عُقُوبَةَ الدُّنْيا، ذَكَرَ ما أعَدَّ لَهم في الآخِرَةِ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ التَّحْرِيمُ عامًّا لِلْيَهُودِ بِسَبَبِ ظُلْمِ مَن ظَلَمَ مِنهم؛ فالتَزَمَهُ ظالِمُهم، وغَيْرُ ظالِمِهِمْ كَما قالَ تَعالى: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] بَيَّنَ أنَّ العَذابَ الألِيمَ؛ إنَّما أُعِدَّ لِلْكافِرِينَ مِنهم، فَلِذَلِكَ لَمْ يَأْتِ، وأعْتَدْنا لَهم.
﴿لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ مِنهم والمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ والمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أجْرًا عَظِيمًا﴾ مَجِيءُ (لَكِنْ) هُنا في غايَةِ الحُسْنِ؛ لِأنَّها داخِلَةٌ بَيْنَ نَقِيضَيْنِ وجَزائِهِما، وهُمُ الكافِرُونَ والعَذابُ الألِيمُ والمُؤْمِنُونَ والأجْرُ العَظِيمُ والرّاسِخُونَ الثّابِتُونَ المُنْتَصِبُونَ المُسْتَبْصِرُونَ مِنهم: كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأضْرابِهِ، والمُؤْمِنُونَ يَعْنِي مِنهم، أوِ المُؤْمِنُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ. والظّاهِرُ أنَّهُ عامٌّ في مَن آمَنَ.
وارْتَفَعَ الرّاسِخُونَ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ يُؤْمِنُونَ لا غَيْرَ؛ لِأنَّ المَدْحَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ تَمامِ الجُمْلَةِ. ومَن جَعَلَ الخَبَرَ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ فَقَوْلُهُ ضَعِيفٌ، وانْتَصَبَ المُقِيمِينَ عَلى المَدْحِ، وارْتَفَعَ والمُؤْتُونَ أيْضًا عَلى إضْمارٍ، وهم عَلى سَبِيلِ القَطْعِ إلى الرَّفْعِ. ولا يَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ عَلى المَرْفُوعِ قَبْلَهُ؛ لِأنَّ النَّعْتَ إذا انْقَطَعَ في شَيْءٍ مِنهُ لَمْ يَعُدْ ما بَعْدَهُ إلى إعْرابِ المَنعُوتِ، وهَذا القَطْعُ لِبَيانِ فَضْلِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ؛ فَكَثُرَ الوَصْفُ بِأنْ جُعِلَ في جُمَلٍ.
وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، والجَحْدَرِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ، وعِصْمَةُ عَنِ الأعْمَشِ، ويُونُسُ وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: والمُقِيمُونَ بِالرَّفْعِ نَسَقًا عَلى الأوَّلِ، وكَذا هو في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قالَهُ الفَرّاءُ. ورُوِيَ أنَّها كَذَلِكَ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ. وقِيلَ بَلْ هي فِيهِ والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ كَمُصْحَفِ عُثْمانَ. وذُكِرَ عَنْ عائِشَةَ وأبانِ بْنِ عُثْمانَ: إنَّ كَتْبَها بِالياءِ مِن خَطَأِ كاتِبِ المُصْحَفِ، ولا يَصِحُّ عَنْهُما ذَلِكَ؛ لِأنَّهُما (p-٣٩٦)عَرَبِيّانِ فَصِيحانِ، قَطْعُ النُّعُوتِ أشْهَرُ في لِسانِ العَرَبِ، وهو بابٌ واسِعٌ ذَكَرَ عَلَيْهِ شَواهِدَ سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ، وعَلى القَطْعِ خَرَّجَ سِيبَوَيْهِ ذَلِكَ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولا نَلْتَفِتُ إلى ما زَعَمُوا مِن وُقُوعِهِ لَحْنًا في خَطِّ المُصْحَفِ، ورُبَّما التَفَتَ إلَيْهِ مَن يَنْظُرُ في الكِتابِ، ولَمْ يَعْرِفْ مَذاهِبَ العَرَبِ، وما لَهم في النَّصْبِ عَلى الِاخْتِصاصِ مِنَ الِافْتِتانِ، وعَنى عَلَيْهِ: أنَّ السّابِقِينَ الأوَّلِينَ الَّذِينَ مَثَلُهم في التَّوْراةِ، ومَثَلُهم في الإنْجِيلِ كانُوا أبْعَدَ هِمَّةً في الغَيْرَةِ عَلى الإسْلامِ، وذَبِّ المَطاعِنِ عَنْهُ مِن أنْ يَتْرُكُوا في كِتابِ اللَّهِ ثُلْمَةً يَسُدُّها مَن بَعْدَهم، وخَرْقًا يَرْفُوهُ مَن يَلْحَقُ بِهِمُ، انْتَهى. ويَعْنِي بِقَوْلِهِ: مَن لَمْ يَنْظُرْ في الكِتابِ كِتابَ سِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللَّهُ فَإنَّ اسْمَ الكِتابِ عَلَمٌ عَلَيْهِ، ولِجَهْلِ مَن يُقْدِمُ عَلى تَفْسِيرِ كِتابِ اللَّهِ وإعْرابِ ألْفاظِهِ بِغَيْرِ أحْكامِ عِلْمِ النَّحْوِ جَوَّزُوا في عَطْفِ والمُقِيمِينَ وُجُوهًا: أحَدُها: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ؛ أيْ يُؤْمِنُونَ بِالكُتُبِ وبِالمُقِيمِينَ الصَّلاةَ. واخْتَلَفُوا في هَذا الوَجْهِ مَنِ المَعْنِيُّ بِالمُقِيمِينَ الصَّلاةَ، فَقِيلَ الأنْبِياءُ ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ. وقِيلَ المَلائِكَةُ؛ ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقِيلَ المُسْلِمُونَ والتَّقْدِيرُ: ونَدْبُ المُقِيمِينَ؛ ذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ مَعْناهُ. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الضَّمِيرِ في مِنهم؛ أيْ لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ مِنهم ومِنَ المُقِيمِينَ ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَلى قَوْمٍ لَمْ يُسَمِّهِمْ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الكافِ في أُولَئِكَ؛ أيْ ما أُنْزِلُ إلَيْكَ وإلى المُقِيمِينَ الصَّلاةَ. الوَجْهُ الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى كافِ قَبْلَكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ التَّقْدِيرُ: وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ، وقِيلَ المُقِيمِينَ الصَّلاةَ. الوَجْهُ الخامِسُ: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى كافِ قَبْلَكَ، ويَعْنِي الأنْبِياءَ؛ ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَرْقٌ بَيْنَ الآيَةِ والبَيْتِ يَعْنِي بَيْتَ الخِرْنَقِ، وكانَ أنْشَدَهُ قَبْلُ، وهو:
؎النّازِلِينَ بِكُلِّ مُعْتَرَكٍ ∗∗∗ والطَّيِّبُونَ مَعاقِدَ الأُزُرِ
بِحَرْفِ العَطْفِ الَّذِي في الآيَةِ؛ فَإنَّهُ يُمْنَعُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ تَقْدِيرُ الفِعْلِ، وفي هَذا نَظَرٌ، انْتَهى. إنْ مَنَعَ ذَلِكَ أحَدٌ فَهو مَحْجُوجٌ بِثُبُوتِ ذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ مَعَ حَرْفِ العَطْفِ، ولا نَظَرَ في ذَلِكَ كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ. قالَ الشّاعِرُ:
؎ويَأْوِي إلى نِسْوَةٍ عُطْلٍ ∗∗∗ وشُعْثٍ مَراضِيعَ مَثْلِ السَّعالِي
وكَذَلِكَ جَوَّزُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ وُجُوهًا عَلى غَيْرِ الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ: مِن أنَّهُ ارْتَفَعَ عَلى خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ عَلى سَبِيلِ قَطْعِ الصِّفاتِ في المَدْحِ: أحَدُها: أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى الرّاسِخُونَ. الثّانِي: عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في المُؤْمِنُونَ. الثّالِثُ: عَلى الضَّمِيرِ في يُؤْمِنُونَ. الرّابِعُ: أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وما بَعْدَهُ الخَبَرُ، وهو اسْمُ الإشارَةِ، وما يَلِيهِ. وأمّا (المُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) فَعَطْفٌ عَلى ﴿والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ عَلى الوَجْهِ الَّذِي اخْتَرْناهُ في رَفْعِ (والمُؤْتُونَ) .
ولَمّا ذَكَرَ أوَّلًا (والمُؤْمِنُونَ) تَضَمَّنَ الإيمانَ بِما يَجِبُ أنْ يُؤْمِنَ بِهِ، ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم وعَنِ الرّاسِخِينَ أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِالقُرْآنِ وبِالكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، ثُمَّ وصَفَهم بِصِفاتِ المَدْحِ مِنَ امْتِثالِ أشْرَفِ أوْصافِ الإيمانِ الفِعْلِيَّةِ البَدَنِيَّةِ وهي الصَّلاةُ والمالِيَّةِ وهي الزَّكاةُ، ثُمَّ ارْتَقى في المَدْحِ إلى أشْرَفِ الأوْصافِ القَلْبِيَّةِ الِاعْتِقادِيَّةِ، وهي الإيمانُ بِالمُوَحَّدِ الَّذِي أنْزَلَ الكُتُبَ، وشَرَعَ فِيها الصَّلاةَ والزَّكاةَ وبِاليَوْمِ الآخِرِ، وهو البَعْثُ والمَعادُ الَّذِي يَظْهَرُ فِيهِ ثَمَرَةُ الإيمانِ وامْتِثالِ تَكالِيفِ الشَّرْعِ مِنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، وغَيْرِهِما. ثُمَّ إنَّهُ لَمّا اسْتَوْفى ذَلِكَ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ سَيُؤْتِيهِمْ أجْرًا عَظِيمًا، وهو ما رَتَّبَ تَعالى عَلى هَذِهِ الأوْصافِ الجَلِيلَةِ الَّتِي وصَفَهم بِها، وأشارَ إلَيْهِمْ بِأُولَئِكَ لِيَدُلَّ عَلى مَجْمُوعِ تِلْكَ الأوْصافِ. ومَن أعْرَبَ ﴿والمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ مُبْتَدَأً أوْ خَبَرَهُ ما بَعْدَهُ فَهو بِمَعْزِلٍ عَنْ إدْراكِ الفَصاحَةِ. والأجْوَدُ إعْرابُ أُولَئِكَ مُبْتَدَأٌ، ومَن نَصَبَهُ بِإضْمارِ فِعْلٍ تَفْسِيرُهُ ما بَعْدَهُ: أنَّهُ سَيُؤْتِي أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ؛ فَيَجْعَلُهُ (p-٣٩٧)مِن بابِ الِاشْتِغالِ؛ فَلَيْسَ قَوْلُهُ بِراجِحٍ؛ لِأنَّ ”زَيْدٌ ضَرَبْتُهُ“ أفْصَحُ وأكْثَرُ مِن ”زَيْدًا ضَرْبَتُهُ“؛ ولِأنَّ مَعْمُولَ ما بَعْدَ حَرْفِ الِاسْتِقْبالِ مُخْتَلَفٌ في جَوازِ تَقْدِيمِهِ في نَحْوِ: سَأضْرِبُ زَيْدًا، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا يَجُوزُ الِاشْتِغالُ. فالأجْوَدُ الحَمْلُ عَلى ما لا خِلافَ فِيهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ: سَيُؤْتِيهِمْ بِالياءِ عَوْدًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿والمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ . وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ. عَلى الِالتِفاتِ. ومُناسِبَةِ (وأعْتَدْنا) .
﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَبَبُ نُزُولِها أنَّ سُكَيْنًا الحبْرَ وعَدِيَّ بْنَ زَيْدٍ قالا: يا مُحَمَّدُ ما نَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ عَلى بَشَرٍ شَيْئًا بَعْدَ مُوسى، ولا أوْحى إلَيْهِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [النساء: ١٥٣] الآياتِ، فَتُلِيَتْ عَلَيْهِمْ، وسَمِعُوا الخَبَرَ بِأعْمالِهِمُ الخَبِيثَةِ قالُوا: ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ، ولا عَلى عِيسى، وجَحَدُوا جَمِيعَ ذَلِكَ فَنَزَلَتْ: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا﴾ [الأنعام: ٩١] الآيَةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ جَوابٌ لِأهْلِ الكِتابِ عَنْ سُؤالِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ، واحْتِجاجِهِمْ عَلَيْهِمْ بِأنَّ شَأْنَهُ في الوَحْيِ إلَيْهِ كَسائِرِ الأنْبِياءِ الَّذِينَ سَلَفُوا، انْتَهى. وقَدَّمَ نُوحًا وجَرَّدَهُ مِنهم في الذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ الأبُ الثّانِي، وأوَّلُ الرُّسُلِ، ودَعْوَتُهُ عامَّةٌ لِجَمِيعِ مَن كانَ إذْ ذاكَ في الأرْضِ، كَما أنَّ دَعْوَةَ مُحَمَّدٍ عامَّةٌ لِجَمِيعِ مَن في الأرْضِ.
﴿وأوْحَيْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وعِيسى وأيُّوبَ ويُونُسَ وهارُونَ وسُلَيْمانَ﴾ خَصَّ تَعالى بِالذِّكْرِ هَؤُلاءِ تَشْرِيفًا وتَعْظِيمًا لَهم، وبَدَأ بِإبْراهِيمَ لِأنَّهُ الأبُ الثّالِثُ، وقَدَّمَ عِيسى عَلى مَن بَعْدَهُ تَخْفِيفًا لِنُبُوَّتِهِ، وقَطْعًا لِما رَآهُ اليَهُودُ فِيهِ، ودَفْعًا لِاعْتِقادِهِمْ، وتَعْظِيمًا لَهُ عِنْدَهم، وتَنْوِيهًا بِاتِّساعِ دائِرَتِهِ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ نَسَبِ نُوح وإبْراهِيمَ وهارُونَ في نَسَبِ أخِيهِ مُوسى. وأمّا أيُّوبُ فَذَكَرَ الحُسَيْنُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ القاضِي الفاضِلِ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ عَلِيِّ النَّيْسابُورِيِّ نَسَبَهُ فَقالَ: أيُّوبُ بْنُ أمْوَصَ بْنِ بارِحِ بْنِ تُورَمَ بْنِ العِيصِ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ، وأُمُّهُ مِن ولَدِ لُوطِ بْنِ هارُونَ. وأمّا يُونُسُ فَهو يُونُسُ بْنُ مَتّى. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ ابْنِ جَمّازٍ عَنْهُ: يُونِسُ بِكَسْرِ النُّونِ، وهي لُغَةٌ لِبَعْضِ العَرَبِ. وقَرَأ النَّخَعِيُّ، وابْنُ وثّابٍ: بِفَتْحِها، وهي لُغَةٌ لِبَعْضِ عَقِيلٍ، وبَعْضُ العَرَبِ يَهْمِزُ ويَكْسِرُ، وبَعْضُ أسَدٍ يَهْمِزُ ويَضُمُّ النُّونَ، ولُغَةُ الحِجازِ ما قَرَأ بِهِ الجُمْهُورُ مِن تَرْكِ الهَمْزِ، وضَمِّ النُّونِ.
(وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا) أيْ كِتابًا. وكُلُّ كِتابٍ يُسَمّى زَبُورًا، وغَلَبَ عَلى الكِتابِ الَّذِي أوْحاهُ اللَّهُ إلى داوُدَ. وهو فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كالحَلُوبِ والرَّكُوبِ، ولا يَطَّرِدُ، وهو مِائَةٌ وخَمْسُونَ سُورَةً لَيْسَ فِيها حُكْمٌ ولا حَرامٌ ولا حَلالٌ؛ إنَّما هي حِكَمٌ ومَواعِظُ، وقَدْ قَرَأْتُ جُمْلَةً مِنها بِبِلادِ الأنْدَلُسِ. قِيلَ: وقَدَّمَ سُلَيْمانُ في الذِّكْرِ عَلى داوُدَ لِتَوَفُّرِ عِلْمِهِ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩] والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ عِيسى وأيُّوبَ ويُونُسَ؛ لِأنَّهم أصْحابُ امْتِحانٍ، وبَلايا في الدُّنْيا، وجَمَعَ بَيْنَ هارُونَ، وسُلَيْمانَ؛ لِأنَّ هارُونَ كانَ مُحَبَّبًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ مُعَظَّمًا مُؤْثَرًا، وأمّا سُلَيْمانُ فَكانَ مُعَظَّمًا عِنْدَ النّاسِ قاهِرًا لَهم مُسْتَحِقًّا لَهُ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ؛ فَجَمَعَهُما التَّحْبِيبُ والتَّعْظِيمُ. وتَأخَّرَ ذِكْرُ داوُدَ لِتَشْرِيفِهِ بِذِكْرِ كِتابِهِ، وإبْرازِهِ في جُمْلَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ لَهُ بِالذِّكْرِ ولِكِتابِهِ؛ فَما فاتَهُ مِنَ التَّقْدِيمِ اللَّفْظِيِّ حَصَلَ بِهِ التَّضْعِيفُ مِنَ التَّشْرِيفِ المَعْنَوِيِّ.
وقَرَأ حَمْزَةُ (زُبُورًا) بِضَمِّ الزّايِ. قالَ أبُو البَقاءِ: وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَصْدَرٌ كالقُعُودِ يُسَمّى بِهِ الكِتابُ المُنَزَّلُ عَلى داوُدَ. والثّانِي: أنَّهُ جَمْعُ زَبُورٍ عَلى حَذْفِ الزّائِدِ، وهو الواوُ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: كَما قالُوا طَرِيقٌ وطُرُوقٌ، وكَرَوانٌ، وكُرُوانٌ، ووَرَشانُ، ووُرُشانٌ، مِمّا يُجْمَعُ بِحَذْفِ الزِّيادَةِ. ويُقَوِّي هَذا التَّوْجِيهَ أنَّ التَّكْسِيرَ مِثْلُ التَّصْغِيرِ، وقَدِ اطَّرَدَ هَذا المَعْنى في تَصْغِيرِ التَّرْخِيمِ نَحْوَ أزْهَرَ وزُهَيْرٍ، والحارِثِ وحُرَيْثٍ، وثابِتٍ وثُبَيْتٍ والجَمْعُ مِثْلُهُ في القِياسِ، وإنْ كانَ أقَلَّ مِنهُ في الِاسْتِعْمالِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: ويُحْتَمَلُ (p-٣٩٨)أنْ يَكُونَ جَمْعَ زُبُرٍ أُوقِعَ عَلى المَزْبُورِ كَما قالُوا: ضَرْبُ الأمِيرِ، ونَسْجُ اليَمَنِ. وكَما سُمِّيَ المَكْتُوبُ كِتابًا.
﴿ورُسُلًا قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ﴾؛ أيْ ذَكَرْنا أخْبارَهم لَكَ.
﴿ورُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ﴾ رُوِيَ مِن حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ: أنَّهُ سَألَ عَنِ المُرْسَلِينَ؛ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كانَ المُرْسَلُونَ ثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ» . قالَ القُرْطُبِيُّ: هَذا أصَحُّ ما رُوِيَ في ذَلِكَ؛ خَرَّجَهُ الآجُرِّيُّ، وأبُو حاتِمٍ البُسْتِيُّ في مُسْنَدٍ صَحِيحٍ لَهُ. وفي حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ هَذا: أنَّهُ سَألَهُ «كَمْ كانَ الأنْبِياءُ ؟ فَقالَ: مِائَةُ ألْفِ نَبِيٍّ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفَ نَبِيٍّ» . ورُوِيَ عَنْ أنَسٍ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بُعِثَ عَلى أثَرِ ثَمانِيَةِ ألْفٍ مِنَ الأنْبِياءِ مِنهم أرْبَعَةُ آلافٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ. ورُوِيَ عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ أنَّهُ قالَ: الأنْبِياءُ ألْفُ ألْفٍ وأرْبَعُمِائَةِ ألْفٍ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ما ذُكِرَ مِن عَدَدِ الأنْبِياءِ غَيْرُ صَحِيحٍ واللَّهُ أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ، انْتَهى.
وانْتِصابُ ورُسُلًا عَلى إضْمارِ فِعْلٍ؛ أيْ قَدْ قَصَصْنا رُسُلًا عَلَيْكَ؛ فَهو مِن بابِ الِاشْتِغالِ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قَدْ قَصَصْناهُمْ﴾ مُفَسِّرَةٌ لِذَلِكَ الفِعْلِ المَحْذُوفِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا قِراءَةُ أُبَيٍّ، ورُسُلٌ بِالرَّفْعِ في المَوْضِعَيْنِ عَلى الِابْتِداءِ. وجازَ الِابْتِداءُ بِالنَّكِرَةِ هُنا؛ لِأنَّهُ مَوْضِعُ تَفْصِيلٍ كَما أنْشَدُوا: فَثَوْبٌ لَبِسْتُ وثَوْبٌ أجُرُّ.
وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎بِشِقٍّ وشِقٌّ عِنْدَنا لَمْ يُحَوَّلِ
ومِن حُجَجِ النَّصْبِ عَلى الرَّفْعِ كَوْنُ العَطْفِ عَلى جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ، وهي وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الرَّفْعُ عَلى تَقْدِيرِ وهم: رُسُلٌ؛ فَعَلى قَوْلِهِ يَكُونُ ﴿قَدْ قَصَصْناهُمْ﴾ جُمْلَةً في مَوْضِعِ الصِّفَةِ. وجَوَّزُوا أيْضًا نَصْبَ، ورُسُلًا مِن وجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ المَعْنى: إنّا أرْسَلْناكَ وأرْسَلْنا رُسُلًا لِأنَّ الرَّدَّ عَلى اليَهُودِ إنَّما هو في إنْكارِهِمْ إرْسالَ الرُّسُلِ واطِّرادَ الوَحْيِ.
﴿وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ هَذا إخْبارٌ بِأنَّ اللَّهَ شَرَّفَ مُوسى بِكَلامِهِ، وأكَّدَ بِالمَصْدَرِ دَلالَةً عَلى وُقُوعِ الفِعْلِ عَلى حَقِيقَتِهِ لا عَلى مَجازِهِ، هَذا هو الغالِبُ. وقَدْ جاءَ التَّأْكِيدُ بِالمَصْدَرِ في المَجازِ إلّا أنَّهُ قَلِيلٌ. فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ هِنْدَ بِنْتِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ الأنْصارِيِّ:
؎بَكى الخَزُّ مِن عَوْفٍ وأنْكَرَ جِلْدُهُ ∗∗∗ وعَجَّتْ عَجِيجًا مِن جُذامَ المَطارِفُ
وقالَ ثَعْلَبٌ: لَوْلا التَّأْكِيدُ بِالمَصْدَرِ لَجازَ أنْ تَقُولَ: قَدْ كَلَّمْتُ لَكَ فُلانًا بِمَعْنى كَتَبْتُ إلَيْهِ رُقْعَةً، وبَعَثْتُ إلَيْهِ رَسُولًا؛ فَلَمّا قالَ: تَكْلِيمًا لَمْ يَكُنْ إلّا كَلامًا مَسْمُوعًا مِنَ اللَّهِ تَعالى. ومَسْألَةُ الكَلامِ مِمّا طالَ فِيهِ الكَلامُ، واخْتَلَفَ فِيها عُلَماءُ الإسْلامِ؛ وبِهَذِهِ المَسْألَةِ سُمِّيَ عِلْمُ أُصُولِ الدِّينِ بِعِلْمِ الكَلامِ، وهي مَسْألَةٌ يُبْحَثُ عَنْها في أُصُولِ الدِّينِ. وقَرَأ إبْراهِيمُ بْنُ وثّابٍ (وكَلَّمَ اللَّهَ) بِالنَّصْبِ عَلى أنَّ مُوسى هو المُكَلِّمُ. ومِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ أنَّهُ مِنَ الكَلْمِ، وأنَّ مَعْناهُ: وجَرَحَ اللَّهُ مُوسى بِأظْفارِ المِحَنِ، ومَخالِبِ الفِتَنِ. وقالَ كَعْبٌ: كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى بِالألْسِنَةِ كُلِّها، فَجَعَلَ مُوسى يَقُولُ: رَبِّ لا أفْهَمُ؛ حَتّى كَلَّمَهُ بِلِسانِ مُوسى آخِرَ الألْسِنَةِ.
﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾؛ أيْ يُبَشِّرُونَ بِالجَنَّةِ مَن أطاعَ، ويُنْذِرُونَ بِالنّارِ مَن عَصى. وأرادَ تَعالى أنْ يَقْطَعَ بِالرُّسُلِ احْتِجاجَ مَن يَقُولُ: لَوْ بُعِثَ إلَيَّ رَسُولٌ آمَنتُ. وفي الحَدِيثِ: ولَيْسَ أحَدٌ أحَبَّ إلَيْهِ العُذْرُ مِنَ اللَّهِ فَمِن أجْلِ ذَلِكَ أنْزَلَ الكُتُبَ، وأرْسَلَ الرُّسُلَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَكُونُ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ قَبْلَ الرُّسُلِ، وهم مَحْجُوجُونَ بِما نَصَبَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الأدِلَّةِ الَّتِي النَّظَرُ فِيها مُوصِلٌ إلى المَعْرِفَةِ والرُّسُلُ في أنْفُسِهِمْ لَمْ يَتَوَصَّلُوا إلى المَعْرِفَةِ إلّا بِالنَّظَرِ في تِلْكَ الأدِلَّةِ، ولا عَرَفُوا أنَّهم رُسُلُ اللَّهِ إلّا بِالنَّظَرِ فِيها ؟ قُلْتُ: الرُّسُلُ مَنهِيُّونَ عَنِ الغَفْلَةِ، وباعِثُونَ عَلى النَّظَرِ كَما تَرى عُلَماءَ العَدْلِ والتَّوْحِيدِ، مَعَ تَبْلِيغِ ما حَمَلُوهُ مِن تَفْصِيلِ أُمُورِ الدِّينِ، وبَيانِ أحْوالِ التَّكْلِيفِ، وتَعَلُّمِ الشَّرائِعِ؛ فَكانَ إرْسالُهم إزاحَةً لِلْعِلَّةِ، وتَتْمِيمًا (p-٣٩٩)لِإلْزامِ الحُجَّةِ؛ لِئَلّا يَقُولُوا: لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا، فَيُوقِظُنا مِن سِنَةِ الغَفْلَةِ، ويُنَبِّهُنا لَما وجَبَ الِانْتِباهُ لَهُ انْتَهى. وقَوْلُهُ: لِئَلّا هو كالتَّعْلِيلِ لِحالَتَيِ: التَّبْشِيرِ والإنْذارِ. والتَّبْشِيرُ هو بِالجَنَّةِ والإنْذارُ هو بِالنّارِ. ولَيْسَ الثَّوابُ والعِقابُ حاكِمًا بِوُجُوبِهِما العَقْلُ؛ وإنَّما هو مُجَوِّزٌ لَهُما، وجاءَ السَّمْعُ فَصارا واجِبًا وُقُوعُهُما، ولَمْ يُسْتَفَدْ وُجُوبُهُما إلّا مِنَ البِشارَةِ والنِّذارَةِ. فَلَوْ لَمْ يُبَشِّرِ الرُّسُلُ بِالجَنَّةِ لِمَنِ امْتَثَلَ التَّكالِيفَ الشَّرْعِيَّةَ، ولَمْ يُنْذِرُوا بِالنّارِ مَن لَمْ يَمْتَثِلْ، وكانَتْ تَقَعُ المُخالَفَةُ المُتَرَتِّبُ عَلَيْها العِقابُ بِما لا شُعُورَ لِلْمُكَلَّفِ بِها مِن حَيْثُ إنَّ اللَّهَ لا يَبْعَثُ إلَيْهِ مَن يُعْلِمُهُ بِأنَّ تِلْكَ مَعْصِيَةٌ؛ لَكانَتْ لَهُ الحُجَّةُ إذْ عُوقِبَ عَلى شَيْءٍ لَمْ يَتَقَدَّمْ إلَيْهِ في التَّحْذِيرِ مِن فِعْلِهِ، وأنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ العِقابُ. وأمّا ما نَصَبَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ فَهي مُوَصِّلَةٌ إلى المَعْرِفَةِ والإيمانِ بِاللَّهِ عَلى ما يَجِبُ، والعِلَلُ في الآيَةِ هو غَيْرُ المَعْرِفَةِ والإيمانِ بِاللَّهِ؛ فَلا يَرِدُ سُؤالُ الزَّمَخْشَرِيِّ. وانْتَصَبَ رُسُلًا عَلى البَدَلِ، وهو الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِانْتِصابِهِ عَلى التَّكْرِيرِ. قالَ: والأوْجَهُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى المَدْحِ. وجَوَّزَ غَيْرُهُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِأرْسَلْنا مُقَدَّرَةً، وأنْ يَكُونَ حالًا مُوَطِّئَةً. و(لِئَلّا) مُتَعَلِّقَةٌ بِمُنْذِرِينَ عَلى طَرِيقِ الإعْمالِ. وجَوَّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمُقَدَّرٍ؛ أيْ أرْسَلْناهم بِذَلِكَ؛ أيْ بِالبِشارَةِ والنِّذارَةِ لِئَلّا يَكُونَ
(وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا)؛ أيْ لا يُغالِبُهُ شَيْءٌ، ولا حُجَّةَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ، صادِرَةٌ أفْعالُهُ عَنْ حِكْمَةٍ، فَلِذَلِكَ قَطَعَ الحُجَّةَ بِإرْسالِ الرُّسُلِ. وقِيلَ عَزِيزًا في عِقابِ الكُفّارِ حَكِيمًا في الإعْذارِ بَعْدَ تَقَدُّمِ الإنْذارِ.
﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أنْزَلَ إلَيْكَ﴾ الِاسْتِدْراكُ بِـ (لَكِنْ) يَقْتَضِي تَقَدُّمَ جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ؛ لِأنَّ (لَكِنْ) لا يُبْتَدَأُ بِها؛ فالتَّقْدِيرُ ما رُوِيَ في سَبَبِ النُّزُولِ، وهو: أنَّهُ لَمّا نَزَلَ إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ قالُوا: ما نَشْهَدُ لَكَ بِهَذا، لَكِنْ اللَّهُ يَشْهَدُ، وشَهادَتُهُ تَعالى بِما أنْزَلَهُ إلَيْهِ إثْباتُهُ بِإظْهارِ المُعْجِزاتِ كَما تَثْبُتُ الدَّعاوى بِالبَيِّناتِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ والجَرّاحُ الحَكَمِيُّ (لَكِنَّ اللَّهَ) بِالتَّشْدِيدِ، ونَصْبِ الجَلالَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ (بِما أُنْزِلُ إلَيْكَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
﴿أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ قَرَأ السُّلَمِيُّ: نَزَّلَهُ مُشَدَّدًا. قالَ الزَّجّاجُ: أنْزَلَهُ وفِيهِ عِلْمُهُ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: أنْزَلَهُ مِن عِلْمِهِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أنْزَلَهُ إلَيْكَ بِعِلْمٍ مِنهُ أنَّكَ خِيرَتُهُ مِن خَلْقِهِ. وقِيلَ أنْزَلَهُ إلَيْكَ بِعِلْمِهِ أنَّكَ أهْلُ إنْزالِهِ عَلَيْكَ لِقِيامِكَ بِحَقِّهِ وعِلْمِكَ بِما فِيهِ، وحُسْنِ دُعائِكَ إلَيْهِ، وحَثِّكَ عَلَيْهِ. وقِيلَ بِما يَحْتاجُ إلَيْهِ العِبادُ. وقِيلَ بِعِلْمِهِ أنَّكَ تُبَلِّغُهُ إلى عِبادِهِ مِن غَيْرِ تَبْدِيلٍ ولا زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذِهِ الآيَةُ مِن أقْوى مُتَعَلِّقاتِ أهْلِ السُّنَّةِ في إثْباتِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، خِلاِفًا لِلْمُعْتَزِلَةِ في أنَّهم يَقُولُونَ: عالِمٌ بِلا عِلْمٍ. والمَعْنى عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ: أنْزَلَهُ وهو يَعْلَمُ إنْزالَهُ ونُزُولَهُ. ومَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ في هَذِهِ الآيَةِ: أنَّهُ أنْزَلَهُ مُقْتَرِنًا بِعِلْمِهِ؛ أيْ فِيهِ عِلْمُهُ مِن غُيُوبٍ وأوامِرَ، ونَحْوِ ذَلِكَ؛ فالعِلْمُ عِبارَةٌ عَنِ المَعْلُوماتِ الَّتِي في القُرْآنِ كَما هو في قَوْلِ الخَضِرِ، ما نَقَصَ عِلْمِي، وعِلْمُكَ مِن عِلْمِ اللَّهِ إلّا كَما يُنْقِصُ هَذا العُصْفُورُ مِن هَذا البَحْرِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنْزَلَهُ مُلْتَبِسًا بِعِلْمِهِ الخاصِّ الَّذِي لا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ، وهو تَأْلِيفُهُ عَلى نَظْمٍ وأُسْلُوبٍ يَعْجِزُ عَنْهُ كُلُّ بَلِيغٍ وصاحِبُ بَيانٍ، ومَوْقِعُهُ مِمّا قَبْلَهُ مَوْقِعُ الجُمْلَةِ المُفَسِّرَةِ؛ لِأنَّهُ بَيانٌ لِلشَّهادَةِ بِصِحَّتِهِ أنَّهُ أنْزَلَهُ بِالنَّظْمِ المُعْجِزِ الفائِتِ لِلْقَدْرِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أنْزَلَهُ وهو عالِمٌ بِهِ رَقِيبٌ عَلَيْهِ حافِظٌ لَهُ مِنَ الشَّياطِينِ بِرَصَدٍ مِنَ المَلائِكَةِ.
﴿والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾؛ أيْ بِما أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ. وشَهادَةُ المَلائِكَةِ تَبَعٌ لِشَهادَةِ اللَّهِ، وقَدْ عَلِمَ بِشَهادَةِ اللَّهِ لَهُ إذْ أظْهَرَ عَلى يَدَيْهِ المُعْجِزاتِ، وهَذا عَلى سَبِيلِ التَّسْلِيَةِ لَهُ عَنْ تَكْذِيبِ اليَهُودِ، إنْ كَذَّبَكَ اليَهُودُ وكَذَّبُوا ما جِئْتَ بِهِ مِنَ الوَحْيِ، فَلا تُبالِ فَإنَّ اللَّهَ يَشْهَدُ لَكَ ومَلائِكَتَهُ؛ فَلا تَلْتَفِتْ إلى تَكْذِيبِهِمْ.
(وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا)؛ أيْ، وإنْ لَمْ يَشْهَدْ غَيْرُهُ ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٩] .
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا﴾؛ أيْ ضَلالًا لا يَقْرُبُ رُجُوعُهم عَنْهُ، ولا تَخَلُّصُهم مِنهُ؛ لِأنَّهُ يَعْتَقِدُ عَنْ نَفْسِهِ أنَّهُ مُحِقٌ ثُمَّ يَتَوَسَّلُ بِذَلِكَ الضَّلالِ إلى (p-٤٠٠)اكْتِسابِ المالِ والجاهِ وإلْقاءِ غَيْرِهِ فِيهِ، فَهو ضَلالٌ في أقْصى غاياتِهِ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وابْنُ هُرْمُزَ: وصُدُّوا بِضَمِّ الصّادِ، قِيلَ، وهي في اليَهُودِ.
النساء 4:167
﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهم وبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ ﴿وأخْذِهِمُ الرِّبا وقَدْ نُهُوا عَنْهُ وأكْلِهِمْ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنهم عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ مِنهم والمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ والمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وأوْحَيْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وعِيسى وأيُّوبَ ويُونُسَ وهارُونَ وسُلَيْمانَ وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ ﴿ورُسُلًا قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ورُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أنْزَلَ إلَيْكَ أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا﴾ [النساء: ١٦٨] ﴿إلّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ١٦٩] ﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالحَقِّ مِن رَبِّكم فَآمِنُوا خَيْرًا لَكم وإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٧٠] ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكم ولا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكم إنَّما اللَّهُ إلَهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ [النساء: ١٧١] ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ ومَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ ويَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهم إلَيْهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٧٢] الغُلُوُّ: تَجاوُزُ الحَدِّ. ومِنهُ غَلا السِّعْرُ، وغَلْوَةُ السَّهْمِ. الِاسْتِنْكافُ: الأنَفَةُ والتَّرَفُّعُ مِن نَكَفْتُ الدَّمْعَ إذا نَحَّيْتَهُ بِأُصْبُعِكَ مِن حَدِّكَ، ومَنَعْتَهُ مِنَ الجَرْيِ قالَ:
؎فَباتُوا فَلَوْلا ما تَدَكَّرَ مِنهُمُ مِنَ الحَلْقِ لَمْ يَنْكَفْ بِعَيْنِكَ مَدْمَعُ
وسُئِلَ أبُو العَبّاسِ عَنِ الِاسْتِنْكافِ فَقالَ: هو مِنَ النَّكْفِ، يُقالُ: ما عَلَيْهِ في هَذا الأمْرِ نَكْفٌ، ولا وكَفٌ، والنَّكْفُ أنْ يُقالَ لَهُ سُوءٌ، واسْتَنْكَفَ دَفَعَ ذَلِكَ السُّوءَ.
﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ المَعْنى: فَبِظُلْمٍ عَظِيمٍ، أوْ فَبِظُلْمٍ أيَّ ظُلْمٍ. وحَذْفُ الصِّفَةَ لِفَهْمِ المَعْنى جائِزٌ؛ كَما قالَ: لَقَدْ وقَعْتَ عَلى لَحْمٍ؛ أيَّ لَحْمٍ مُتَّبَعٍ، ويَتَعَلَّقُ بِحَرَّمْنا. وتَقَدَّمَ السَّبَبُ عَلى المُسَبَّبِ تَنْبِيهًا عَلى فُحْشِ الظُّلْمِ، وتَقْبِيحًا لَهُ، وتَحْذِيرًا مِنهُ. والطَّيِّباتُ هي ما ذُكِرَ في قَوْلِهِ: (وعَلى الَّذِينَ هادُوا) وحُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الألْبانُ وبَعْضُ الطَّيْرِ والحُوتُ، وأُحِلَّتْ لَهم صِفَةُ الطَّيِّباتِ بِما كانَتْ عَلَيْهِ. وأوْضَحَ ذَلِكَ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ: طَيِّباتٍ كانَتْ أُحِلَّتْ لَهم.
﴿وبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ أيْ ناسًا كَثِيرًا؛ فَيَكُونُ كَثِيرًا مَفْعُولًا بِالمَصْدَرِ؛ وإلَيْهِ ذَهَبَ الطَّبَرِيُّ. قالَ: صَدُّوا بِجَحْدِهِمْ أمْرَ مُحَمَّدٍ جَمْعًا عَظِيمًا مِنَ النّاسِ، أوْ صَدَّ كَثِيرًا. وقَدَّرَهُ بَعْضُهم زَمانًا كَثِيرًا.
﴿وأخْذِهِمُ الرِّبا وقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾، وهَذِهِ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ تُفِيدُ تَأْكِيدَ قُبْحِ فِعْلِهِمْ، (p-٣٩٥)وسُوءِ صَنِيعِهِمْ؛ إذْ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ يَجِبُ أنْ يُبْعَدَ عَنْهُ. قالُوا: والرِّبا مُحَرَّمٌ في جَمِيعِ الشَّرائِعِ.
﴿وأكْلِهِمْ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ﴾؛ أيِ الرُّشا الَّتِي كانُوا يَأْخُذُونَها مِن سِفْلَتِهِمْ في تَحْرِيفِ الكِتابِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ فُصِّلَتْ أنْواعُ الظُّلْمِ المُوجِبِ لِتَحْرِيمِ الطَّيِّباتِ. قِيلَ كانُوا كُلَّما أحْدَثُوا ذَنْبًا حُرِّمَ عَلَيْهِمْ بَعْضُ الطَّيِّباتِ، وأُهْمِلَ هُنا تَفْصِيلُ الطَّيِّباتِ؛ بَلْ ذُكِرَتْ نَكِرَةً مُبْهَمَةً. وفي المائِدَةِ فَصَّلَ أنْواعَ ما حَرَّمَ، ولَمْ يُفَصِّلِ السَّبَبَ. فَقِيلَ ذَلِكَ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ، وأُعِيدَتِ الباءُ في: (وبِصَدِّهِمْ) لِبُعْدِهِ عَنِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِالفَصْلِ بِما لَيْسَ مَعْمُولًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ؛ بَلْ في العامِلِ فِيهِ. ولَمْ يَعُدْ في: (وأخْذِهِمْ)، وأكْلِهِمْ؛ لِأنَّ الفَصْلَ وقَعَ بِمَعْمُولِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ. ونَظِيرُ إعادَةِ الحَرْفِ وتَرْكِ إعادَتِهِ قَوْلُهُ: (فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم) الآيَةَ. وبُدِئَ في أنْواعِ الظُّلْمِ بِما هو أهَمُّ، وهو أمْرُ الدِّينِ، وهو الصَّدُّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ بِأمْرِ الدُّنْيا، وهو ما يَتَعَلَّقُ بِهِ الأذى في بَعْضِ المالِ، ثُمَّ ارْتَقى إلى الأبْلَغِ في المالِ الدُّنْيَوِيِّ، وهو أكْلُهُ بِالباطِلِ؛ أيْ مَجّانًا لا عِوَضَ فِيهِ. وفي ذِكْرِ هَذِهِ الآيَةِ امْتِنانٌ عَلى وجْهِ الأُمَّةِ حَيْثُ لَمْ يُعامِلْهم مُعامَلَةَ اليَهُودِ فَيُحَرِّمَ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا الطَّيِّباتِ عُقُوبَةً لَهم بِذُنُوبِهِمْ.
(وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنهم عَذابًا مُهِينًا) لَمّا ذَكَرَ عُقُوبَةَ الدُّنْيا، ذَكَرَ ما أعَدَّ لَهم في الآخِرَةِ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ التَّحْرِيمُ عامًّا لِلْيَهُودِ بِسَبَبِ ظُلْمِ مَن ظَلَمَ مِنهم؛ فالتَزَمَهُ ظالِمُهم، وغَيْرُ ظالِمِهِمْ كَما قالَ تَعالى: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] بَيَّنَ أنَّ العَذابَ الألِيمَ؛ إنَّما أُعِدَّ لِلْكافِرِينَ مِنهم، فَلِذَلِكَ لَمْ يَأْتِ، وأعْتَدْنا لَهم.
﴿لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ مِنهم والمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ والمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أجْرًا عَظِيمًا﴾ مَجِيءُ (لَكِنْ) هُنا في غايَةِ الحُسْنِ؛ لِأنَّها داخِلَةٌ بَيْنَ نَقِيضَيْنِ وجَزائِهِما، وهُمُ الكافِرُونَ والعَذابُ الألِيمُ والمُؤْمِنُونَ والأجْرُ العَظِيمُ والرّاسِخُونَ الثّابِتُونَ المُنْتَصِبُونَ المُسْتَبْصِرُونَ مِنهم: كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأضْرابِهِ، والمُؤْمِنُونَ يَعْنِي مِنهم، أوِ المُؤْمِنُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ. والظّاهِرُ أنَّهُ عامٌّ في مَن آمَنَ.
وارْتَفَعَ الرّاسِخُونَ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ يُؤْمِنُونَ لا غَيْرَ؛ لِأنَّ المَدْحَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ تَمامِ الجُمْلَةِ. ومَن جَعَلَ الخَبَرَ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ فَقَوْلُهُ ضَعِيفٌ، وانْتَصَبَ المُقِيمِينَ عَلى المَدْحِ، وارْتَفَعَ والمُؤْتُونَ أيْضًا عَلى إضْمارٍ، وهم عَلى سَبِيلِ القَطْعِ إلى الرَّفْعِ. ولا يَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ عَلى المَرْفُوعِ قَبْلَهُ؛ لِأنَّ النَّعْتَ إذا انْقَطَعَ في شَيْءٍ مِنهُ لَمْ يَعُدْ ما بَعْدَهُ إلى إعْرابِ المَنعُوتِ، وهَذا القَطْعُ لِبَيانِ فَضْلِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ؛ فَكَثُرَ الوَصْفُ بِأنْ جُعِلَ في جُمَلٍ.
وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، والجَحْدَرِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ، وعِصْمَةُ عَنِ الأعْمَشِ، ويُونُسُ وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: والمُقِيمُونَ بِالرَّفْعِ نَسَقًا عَلى الأوَّلِ، وكَذا هو في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قالَهُ الفَرّاءُ. ورُوِيَ أنَّها كَذَلِكَ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ. وقِيلَ بَلْ هي فِيهِ والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ كَمُصْحَفِ عُثْمانَ. وذُكِرَ عَنْ عائِشَةَ وأبانِ بْنِ عُثْمانَ: إنَّ كَتْبَها بِالياءِ مِن خَطَأِ كاتِبِ المُصْحَفِ، ولا يَصِحُّ عَنْهُما ذَلِكَ؛ لِأنَّهُما (p-٣٩٦)عَرَبِيّانِ فَصِيحانِ، قَطْعُ النُّعُوتِ أشْهَرُ في لِسانِ العَرَبِ، وهو بابٌ واسِعٌ ذَكَرَ عَلَيْهِ شَواهِدَ سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ، وعَلى القَطْعِ خَرَّجَ سِيبَوَيْهِ ذَلِكَ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولا نَلْتَفِتُ إلى ما زَعَمُوا مِن وُقُوعِهِ لَحْنًا في خَطِّ المُصْحَفِ، ورُبَّما التَفَتَ إلَيْهِ مَن يَنْظُرُ في الكِتابِ، ولَمْ يَعْرِفْ مَذاهِبَ العَرَبِ، وما لَهم في النَّصْبِ عَلى الِاخْتِصاصِ مِنَ الِافْتِتانِ، وعَنى عَلَيْهِ: أنَّ السّابِقِينَ الأوَّلِينَ الَّذِينَ مَثَلُهم في التَّوْراةِ، ومَثَلُهم في الإنْجِيلِ كانُوا أبْعَدَ هِمَّةً في الغَيْرَةِ عَلى الإسْلامِ، وذَبِّ المَطاعِنِ عَنْهُ مِن أنْ يَتْرُكُوا في كِتابِ اللَّهِ ثُلْمَةً يَسُدُّها مَن بَعْدَهم، وخَرْقًا يَرْفُوهُ مَن يَلْحَقُ بِهِمُ، انْتَهى. ويَعْنِي بِقَوْلِهِ: مَن لَمْ يَنْظُرْ في الكِتابِ كِتابَ سِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللَّهُ فَإنَّ اسْمَ الكِتابِ عَلَمٌ عَلَيْهِ، ولِجَهْلِ مَن يُقْدِمُ عَلى تَفْسِيرِ كِتابِ اللَّهِ وإعْرابِ ألْفاظِهِ بِغَيْرِ أحْكامِ عِلْمِ النَّحْوِ جَوَّزُوا في عَطْفِ والمُقِيمِينَ وُجُوهًا: أحَدُها: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ؛ أيْ يُؤْمِنُونَ بِالكُتُبِ وبِالمُقِيمِينَ الصَّلاةَ. واخْتَلَفُوا في هَذا الوَجْهِ مَنِ المَعْنِيُّ بِالمُقِيمِينَ الصَّلاةَ، فَقِيلَ الأنْبِياءُ ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ. وقِيلَ المَلائِكَةُ؛ ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقِيلَ المُسْلِمُونَ والتَّقْدِيرُ: ونَدْبُ المُقِيمِينَ؛ ذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ مَعْناهُ. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الضَّمِيرِ في مِنهم؛ أيْ لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ مِنهم ومِنَ المُقِيمِينَ ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَلى قَوْمٍ لَمْ يُسَمِّهِمْ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الكافِ في أُولَئِكَ؛ أيْ ما أُنْزِلُ إلَيْكَ وإلى المُقِيمِينَ الصَّلاةَ. الوَجْهُ الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى كافِ قَبْلَكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ التَّقْدِيرُ: وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ، وقِيلَ المُقِيمِينَ الصَّلاةَ. الوَجْهُ الخامِسُ: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى كافِ قَبْلَكَ، ويَعْنِي الأنْبِياءَ؛ ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَرْقٌ بَيْنَ الآيَةِ والبَيْتِ يَعْنِي بَيْتَ الخِرْنَقِ، وكانَ أنْشَدَهُ قَبْلُ، وهو:
؎النّازِلِينَ بِكُلِّ مُعْتَرَكٍ ∗∗∗ والطَّيِّبُونَ مَعاقِدَ الأُزُرِ
بِحَرْفِ العَطْفِ الَّذِي في الآيَةِ؛ فَإنَّهُ يُمْنَعُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ تَقْدِيرُ الفِعْلِ، وفي هَذا نَظَرٌ، انْتَهى. إنْ مَنَعَ ذَلِكَ أحَدٌ فَهو مَحْجُوجٌ بِثُبُوتِ ذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ مَعَ حَرْفِ العَطْفِ، ولا نَظَرَ في ذَلِكَ كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ. قالَ الشّاعِرُ:
؎ويَأْوِي إلى نِسْوَةٍ عُطْلٍ ∗∗∗ وشُعْثٍ مَراضِيعَ مَثْلِ السَّعالِي
وكَذَلِكَ جَوَّزُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ وُجُوهًا عَلى غَيْرِ الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ: مِن أنَّهُ ارْتَفَعَ عَلى خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ عَلى سَبِيلِ قَطْعِ الصِّفاتِ في المَدْحِ: أحَدُها: أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى الرّاسِخُونَ. الثّانِي: عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في المُؤْمِنُونَ. الثّالِثُ: عَلى الضَّمِيرِ في يُؤْمِنُونَ. الرّابِعُ: أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وما بَعْدَهُ الخَبَرُ، وهو اسْمُ الإشارَةِ، وما يَلِيهِ. وأمّا (المُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) فَعَطْفٌ عَلى ﴿والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ عَلى الوَجْهِ الَّذِي اخْتَرْناهُ في رَفْعِ (والمُؤْتُونَ) .
ولَمّا ذَكَرَ أوَّلًا (والمُؤْمِنُونَ) تَضَمَّنَ الإيمانَ بِما يَجِبُ أنْ يُؤْمِنَ بِهِ، ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم وعَنِ الرّاسِخِينَ أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِالقُرْآنِ وبِالكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، ثُمَّ وصَفَهم بِصِفاتِ المَدْحِ مِنَ امْتِثالِ أشْرَفِ أوْصافِ الإيمانِ الفِعْلِيَّةِ البَدَنِيَّةِ وهي الصَّلاةُ والمالِيَّةِ وهي الزَّكاةُ، ثُمَّ ارْتَقى في المَدْحِ إلى أشْرَفِ الأوْصافِ القَلْبِيَّةِ الِاعْتِقادِيَّةِ، وهي الإيمانُ بِالمُوَحَّدِ الَّذِي أنْزَلَ الكُتُبَ، وشَرَعَ فِيها الصَّلاةَ والزَّكاةَ وبِاليَوْمِ الآخِرِ، وهو البَعْثُ والمَعادُ الَّذِي يَظْهَرُ فِيهِ ثَمَرَةُ الإيمانِ وامْتِثالِ تَكالِيفِ الشَّرْعِ مِنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، وغَيْرِهِما. ثُمَّ إنَّهُ لَمّا اسْتَوْفى ذَلِكَ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ سَيُؤْتِيهِمْ أجْرًا عَظِيمًا، وهو ما رَتَّبَ تَعالى عَلى هَذِهِ الأوْصافِ الجَلِيلَةِ الَّتِي وصَفَهم بِها، وأشارَ إلَيْهِمْ بِأُولَئِكَ لِيَدُلَّ عَلى مَجْمُوعِ تِلْكَ الأوْصافِ. ومَن أعْرَبَ ﴿والمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ مُبْتَدَأً أوْ خَبَرَهُ ما بَعْدَهُ فَهو بِمَعْزِلٍ عَنْ إدْراكِ الفَصاحَةِ. والأجْوَدُ إعْرابُ أُولَئِكَ مُبْتَدَأٌ، ومَن نَصَبَهُ بِإضْمارِ فِعْلٍ تَفْسِيرُهُ ما بَعْدَهُ: أنَّهُ سَيُؤْتِي أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ؛ فَيَجْعَلُهُ (p-٣٩٧)مِن بابِ الِاشْتِغالِ؛ فَلَيْسَ قَوْلُهُ بِراجِحٍ؛ لِأنَّ ”زَيْدٌ ضَرَبْتُهُ“ أفْصَحُ وأكْثَرُ مِن ”زَيْدًا ضَرْبَتُهُ“؛ ولِأنَّ مَعْمُولَ ما بَعْدَ حَرْفِ الِاسْتِقْبالِ مُخْتَلَفٌ في جَوازِ تَقْدِيمِهِ في نَحْوِ: سَأضْرِبُ زَيْدًا، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا يَجُوزُ الِاشْتِغالُ. فالأجْوَدُ الحَمْلُ عَلى ما لا خِلافَ فِيهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ: سَيُؤْتِيهِمْ بِالياءِ عَوْدًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿والمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ . وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ. عَلى الِالتِفاتِ. ومُناسِبَةِ (وأعْتَدْنا) .
﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَبَبُ نُزُولِها أنَّ سُكَيْنًا الحبْرَ وعَدِيَّ بْنَ زَيْدٍ قالا: يا مُحَمَّدُ ما نَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ عَلى بَشَرٍ شَيْئًا بَعْدَ مُوسى، ولا أوْحى إلَيْهِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [النساء: ١٥٣] الآياتِ، فَتُلِيَتْ عَلَيْهِمْ، وسَمِعُوا الخَبَرَ بِأعْمالِهِمُ الخَبِيثَةِ قالُوا: ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ، ولا عَلى عِيسى، وجَحَدُوا جَمِيعَ ذَلِكَ فَنَزَلَتْ: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا﴾ [الأنعام: ٩١] الآيَةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ جَوابٌ لِأهْلِ الكِتابِ عَنْ سُؤالِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ، واحْتِجاجِهِمْ عَلَيْهِمْ بِأنَّ شَأْنَهُ في الوَحْيِ إلَيْهِ كَسائِرِ الأنْبِياءِ الَّذِينَ سَلَفُوا، انْتَهى. وقَدَّمَ نُوحًا وجَرَّدَهُ مِنهم في الذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ الأبُ الثّانِي، وأوَّلُ الرُّسُلِ، ودَعْوَتُهُ عامَّةٌ لِجَمِيعِ مَن كانَ إذْ ذاكَ في الأرْضِ، كَما أنَّ دَعْوَةَ مُحَمَّدٍ عامَّةٌ لِجَمِيعِ مَن في الأرْضِ.
﴿وأوْحَيْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وعِيسى وأيُّوبَ ويُونُسَ وهارُونَ وسُلَيْمانَ﴾ خَصَّ تَعالى بِالذِّكْرِ هَؤُلاءِ تَشْرِيفًا وتَعْظِيمًا لَهم، وبَدَأ بِإبْراهِيمَ لِأنَّهُ الأبُ الثّالِثُ، وقَدَّمَ عِيسى عَلى مَن بَعْدَهُ تَخْفِيفًا لِنُبُوَّتِهِ، وقَطْعًا لِما رَآهُ اليَهُودُ فِيهِ، ودَفْعًا لِاعْتِقادِهِمْ، وتَعْظِيمًا لَهُ عِنْدَهم، وتَنْوِيهًا بِاتِّساعِ دائِرَتِهِ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ نَسَبِ نُوح وإبْراهِيمَ وهارُونَ في نَسَبِ أخِيهِ مُوسى. وأمّا أيُّوبُ فَذَكَرَ الحُسَيْنُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ القاضِي الفاضِلِ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ عَلِيِّ النَّيْسابُورِيِّ نَسَبَهُ فَقالَ: أيُّوبُ بْنُ أمْوَصَ بْنِ بارِحِ بْنِ تُورَمَ بْنِ العِيصِ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ، وأُمُّهُ مِن ولَدِ لُوطِ بْنِ هارُونَ. وأمّا يُونُسُ فَهو يُونُسُ بْنُ مَتّى. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ ابْنِ جَمّازٍ عَنْهُ: يُونِسُ بِكَسْرِ النُّونِ، وهي لُغَةٌ لِبَعْضِ العَرَبِ. وقَرَأ النَّخَعِيُّ، وابْنُ وثّابٍ: بِفَتْحِها، وهي لُغَةٌ لِبَعْضِ عَقِيلٍ، وبَعْضُ العَرَبِ يَهْمِزُ ويَكْسِرُ، وبَعْضُ أسَدٍ يَهْمِزُ ويَضُمُّ النُّونَ، ولُغَةُ الحِجازِ ما قَرَأ بِهِ الجُمْهُورُ مِن تَرْكِ الهَمْزِ، وضَمِّ النُّونِ.
(وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا) أيْ كِتابًا. وكُلُّ كِتابٍ يُسَمّى زَبُورًا، وغَلَبَ عَلى الكِتابِ الَّذِي أوْحاهُ اللَّهُ إلى داوُدَ. وهو فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كالحَلُوبِ والرَّكُوبِ، ولا يَطَّرِدُ، وهو مِائَةٌ وخَمْسُونَ سُورَةً لَيْسَ فِيها حُكْمٌ ولا حَرامٌ ولا حَلالٌ؛ إنَّما هي حِكَمٌ ومَواعِظُ، وقَدْ قَرَأْتُ جُمْلَةً مِنها بِبِلادِ الأنْدَلُسِ. قِيلَ: وقَدَّمَ سُلَيْمانُ في الذِّكْرِ عَلى داوُدَ لِتَوَفُّرِ عِلْمِهِ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩] والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ عِيسى وأيُّوبَ ويُونُسَ؛ لِأنَّهم أصْحابُ امْتِحانٍ، وبَلايا في الدُّنْيا، وجَمَعَ بَيْنَ هارُونَ، وسُلَيْمانَ؛ لِأنَّ هارُونَ كانَ مُحَبَّبًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ مُعَظَّمًا مُؤْثَرًا، وأمّا سُلَيْمانُ فَكانَ مُعَظَّمًا عِنْدَ النّاسِ قاهِرًا لَهم مُسْتَحِقًّا لَهُ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ؛ فَجَمَعَهُما التَّحْبِيبُ والتَّعْظِيمُ. وتَأخَّرَ ذِكْرُ داوُدَ لِتَشْرِيفِهِ بِذِكْرِ كِتابِهِ، وإبْرازِهِ في جُمْلَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ لَهُ بِالذِّكْرِ ولِكِتابِهِ؛ فَما فاتَهُ مِنَ التَّقْدِيمِ اللَّفْظِيِّ حَصَلَ بِهِ التَّضْعِيفُ مِنَ التَّشْرِيفِ المَعْنَوِيِّ.
وقَرَأ حَمْزَةُ (زُبُورًا) بِضَمِّ الزّايِ. قالَ أبُو البَقاءِ: وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَصْدَرٌ كالقُعُودِ يُسَمّى بِهِ الكِتابُ المُنَزَّلُ عَلى داوُدَ. والثّانِي: أنَّهُ جَمْعُ زَبُورٍ عَلى حَذْفِ الزّائِدِ، وهو الواوُ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: كَما قالُوا طَرِيقٌ وطُرُوقٌ، وكَرَوانٌ، وكُرُوانٌ، ووَرَشانُ، ووُرُشانٌ، مِمّا يُجْمَعُ بِحَذْفِ الزِّيادَةِ. ويُقَوِّي هَذا التَّوْجِيهَ أنَّ التَّكْسِيرَ مِثْلُ التَّصْغِيرِ، وقَدِ اطَّرَدَ هَذا المَعْنى في تَصْغِيرِ التَّرْخِيمِ نَحْوَ أزْهَرَ وزُهَيْرٍ، والحارِثِ وحُرَيْثٍ، وثابِتٍ وثُبَيْتٍ والجَمْعُ مِثْلُهُ في القِياسِ، وإنْ كانَ أقَلَّ مِنهُ في الِاسْتِعْمالِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: ويُحْتَمَلُ (p-٣٩٨)أنْ يَكُونَ جَمْعَ زُبُرٍ أُوقِعَ عَلى المَزْبُورِ كَما قالُوا: ضَرْبُ الأمِيرِ، ونَسْجُ اليَمَنِ. وكَما سُمِّيَ المَكْتُوبُ كِتابًا.
﴿ورُسُلًا قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ﴾؛ أيْ ذَكَرْنا أخْبارَهم لَكَ.
﴿ورُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ﴾ رُوِيَ مِن حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ: أنَّهُ سَألَ عَنِ المُرْسَلِينَ؛ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كانَ المُرْسَلُونَ ثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ» . قالَ القُرْطُبِيُّ: هَذا أصَحُّ ما رُوِيَ في ذَلِكَ؛ خَرَّجَهُ الآجُرِّيُّ، وأبُو حاتِمٍ البُسْتِيُّ في مُسْنَدٍ صَحِيحٍ لَهُ. وفي حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ هَذا: أنَّهُ سَألَهُ «كَمْ كانَ الأنْبِياءُ ؟ فَقالَ: مِائَةُ ألْفِ نَبِيٍّ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفَ نَبِيٍّ» . ورُوِيَ عَنْ أنَسٍ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بُعِثَ عَلى أثَرِ ثَمانِيَةِ ألْفٍ مِنَ الأنْبِياءِ مِنهم أرْبَعَةُ آلافٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ. ورُوِيَ عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ أنَّهُ قالَ: الأنْبِياءُ ألْفُ ألْفٍ وأرْبَعُمِائَةِ ألْفٍ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ما ذُكِرَ مِن عَدَدِ الأنْبِياءِ غَيْرُ صَحِيحٍ واللَّهُ أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ، انْتَهى.
وانْتِصابُ ورُسُلًا عَلى إضْمارِ فِعْلٍ؛ أيْ قَدْ قَصَصْنا رُسُلًا عَلَيْكَ؛ فَهو مِن بابِ الِاشْتِغالِ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قَدْ قَصَصْناهُمْ﴾ مُفَسِّرَةٌ لِذَلِكَ الفِعْلِ المَحْذُوفِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا قِراءَةُ أُبَيٍّ، ورُسُلٌ بِالرَّفْعِ في المَوْضِعَيْنِ عَلى الِابْتِداءِ. وجازَ الِابْتِداءُ بِالنَّكِرَةِ هُنا؛ لِأنَّهُ مَوْضِعُ تَفْصِيلٍ كَما أنْشَدُوا: فَثَوْبٌ لَبِسْتُ وثَوْبٌ أجُرُّ.
وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎بِشِقٍّ وشِقٌّ عِنْدَنا لَمْ يُحَوَّلِ
ومِن حُجَجِ النَّصْبِ عَلى الرَّفْعِ كَوْنُ العَطْفِ عَلى جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ، وهي وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الرَّفْعُ عَلى تَقْدِيرِ وهم: رُسُلٌ؛ فَعَلى قَوْلِهِ يَكُونُ ﴿قَدْ قَصَصْناهُمْ﴾ جُمْلَةً في مَوْضِعِ الصِّفَةِ. وجَوَّزُوا أيْضًا نَصْبَ، ورُسُلًا مِن وجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ المَعْنى: إنّا أرْسَلْناكَ وأرْسَلْنا رُسُلًا لِأنَّ الرَّدَّ عَلى اليَهُودِ إنَّما هو في إنْكارِهِمْ إرْسالَ الرُّسُلِ واطِّرادَ الوَحْيِ.
﴿وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ هَذا إخْبارٌ بِأنَّ اللَّهَ شَرَّفَ مُوسى بِكَلامِهِ، وأكَّدَ بِالمَصْدَرِ دَلالَةً عَلى وُقُوعِ الفِعْلِ عَلى حَقِيقَتِهِ لا عَلى مَجازِهِ، هَذا هو الغالِبُ. وقَدْ جاءَ التَّأْكِيدُ بِالمَصْدَرِ في المَجازِ إلّا أنَّهُ قَلِيلٌ. فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ هِنْدَ بِنْتِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ الأنْصارِيِّ:
؎بَكى الخَزُّ مِن عَوْفٍ وأنْكَرَ جِلْدُهُ ∗∗∗ وعَجَّتْ عَجِيجًا مِن جُذامَ المَطارِفُ
وقالَ ثَعْلَبٌ: لَوْلا التَّأْكِيدُ بِالمَصْدَرِ لَجازَ أنْ تَقُولَ: قَدْ كَلَّمْتُ لَكَ فُلانًا بِمَعْنى كَتَبْتُ إلَيْهِ رُقْعَةً، وبَعَثْتُ إلَيْهِ رَسُولًا؛ فَلَمّا قالَ: تَكْلِيمًا لَمْ يَكُنْ إلّا كَلامًا مَسْمُوعًا مِنَ اللَّهِ تَعالى. ومَسْألَةُ الكَلامِ مِمّا طالَ فِيهِ الكَلامُ، واخْتَلَفَ فِيها عُلَماءُ الإسْلامِ؛ وبِهَذِهِ المَسْألَةِ سُمِّيَ عِلْمُ أُصُولِ الدِّينِ بِعِلْمِ الكَلامِ، وهي مَسْألَةٌ يُبْحَثُ عَنْها في أُصُولِ الدِّينِ. وقَرَأ إبْراهِيمُ بْنُ وثّابٍ (وكَلَّمَ اللَّهَ) بِالنَّصْبِ عَلى أنَّ مُوسى هو المُكَلِّمُ. ومِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ أنَّهُ مِنَ الكَلْمِ، وأنَّ مَعْناهُ: وجَرَحَ اللَّهُ مُوسى بِأظْفارِ المِحَنِ، ومَخالِبِ الفِتَنِ. وقالَ كَعْبٌ: كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى بِالألْسِنَةِ كُلِّها، فَجَعَلَ مُوسى يَقُولُ: رَبِّ لا أفْهَمُ؛ حَتّى كَلَّمَهُ بِلِسانِ مُوسى آخِرَ الألْسِنَةِ.
﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾؛ أيْ يُبَشِّرُونَ بِالجَنَّةِ مَن أطاعَ، ويُنْذِرُونَ بِالنّارِ مَن عَصى. وأرادَ تَعالى أنْ يَقْطَعَ بِالرُّسُلِ احْتِجاجَ مَن يَقُولُ: لَوْ بُعِثَ إلَيَّ رَسُولٌ آمَنتُ. وفي الحَدِيثِ: ولَيْسَ أحَدٌ أحَبَّ إلَيْهِ العُذْرُ مِنَ اللَّهِ فَمِن أجْلِ ذَلِكَ أنْزَلَ الكُتُبَ، وأرْسَلَ الرُّسُلَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَكُونُ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ قَبْلَ الرُّسُلِ، وهم مَحْجُوجُونَ بِما نَصَبَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الأدِلَّةِ الَّتِي النَّظَرُ فِيها مُوصِلٌ إلى المَعْرِفَةِ والرُّسُلُ في أنْفُسِهِمْ لَمْ يَتَوَصَّلُوا إلى المَعْرِفَةِ إلّا بِالنَّظَرِ في تِلْكَ الأدِلَّةِ، ولا عَرَفُوا أنَّهم رُسُلُ اللَّهِ إلّا بِالنَّظَرِ فِيها ؟ قُلْتُ: الرُّسُلُ مَنهِيُّونَ عَنِ الغَفْلَةِ، وباعِثُونَ عَلى النَّظَرِ كَما تَرى عُلَماءَ العَدْلِ والتَّوْحِيدِ، مَعَ تَبْلِيغِ ما حَمَلُوهُ مِن تَفْصِيلِ أُمُورِ الدِّينِ، وبَيانِ أحْوالِ التَّكْلِيفِ، وتَعَلُّمِ الشَّرائِعِ؛ فَكانَ إرْسالُهم إزاحَةً لِلْعِلَّةِ، وتَتْمِيمًا (p-٣٩٩)لِإلْزامِ الحُجَّةِ؛ لِئَلّا يَقُولُوا: لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا، فَيُوقِظُنا مِن سِنَةِ الغَفْلَةِ، ويُنَبِّهُنا لَما وجَبَ الِانْتِباهُ لَهُ انْتَهى. وقَوْلُهُ: لِئَلّا هو كالتَّعْلِيلِ لِحالَتَيِ: التَّبْشِيرِ والإنْذارِ. والتَّبْشِيرُ هو بِالجَنَّةِ والإنْذارُ هو بِالنّارِ. ولَيْسَ الثَّوابُ والعِقابُ حاكِمًا بِوُجُوبِهِما العَقْلُ؛ وإنَّما هو مُجَوِّزٌ لَهُما، وجاءَ السَّمْعُ فَصارا واجِبًا وُقُوعُهُما، ولَمْ يُسْتَفَدْ وُجُوبُهُما إلّا مِنَ البِشارَةِ والنِّذارَةِ. فَلَوْ لَمْ يُبَشِّرِ الرُّسُلُ بِالجَنَّةِ لِمَنِ امْتَثَلَ التَّكالِيفَ الشَّرْعِيَّةَ، ولَمْ يُنْذِرُوا بِالنّارِ مَن لَمْ يَمْتَثِلْ، وكانَتْ تَقَعُ المُخالَفَةُ المُتَرَتِّبُ عَلَيْها العِقابُ بِما لا شُعُورَ لِلْمُكَلَّفِ بِها مِن حَيْثُ إنَّ اللَّهَ لا يَبْعَثُ إلَيْهِ مَن يُعْلِمُهُ بِأنَّ تِلْكَ مَعْصِيَةٌ؛ لَكانَتْ لَهُ الحُجَّةُ إذْ عُوقِبَ عَلى شَيْءٍ لَمْ يَتَقَدَّمْ إلَيْهِ في التَّحْذِيرِ مِن فِعْلِهِ، وأنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ العِقابُ. وأمّا ما نَصَبَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ فَهي مُوَصِّلَةٌ إلى المَعْرِفَةِ والإيمانِ بِاللَّهِ عَلى ما يَجِبُ، والعِلَلُ في الآيَةِ هو غَيْرُ المَعْرِفَةِ والإيمانِ بِاللَّهِ؛ فَلا يَرِدُ سُؤالُ الزَّمَخْشَرِيِّ. وانْتَصَبَ رُسُلًا عَلى البَدَلِ، وهو الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِانْتِصابِهِ عَلى التَّكْرِيرِ. قالَ: والأوْجَهُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى المَدْحِ. وجَوَّزَ غَيْرُهُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِأرْسَلْنا مُقَدَّرَةً، وأنْ يَكُونَ حالًا مُوَطِّئَةً. و(لِئَلّا) مُتَعَلِّقَةٌ بِمُنْذِرِينَ عَلى طَرِيقِ الإعْمالِ. وجَوَّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمُقَدَّرٍ؛ أيْ أرْسَلْناهم بِذَلِكَ؛ أيْ بِالبِشارَةِ والنِّذارَةِ لِئَلّا يَكُونَ
(وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا)؛ أيْ لا يُغالِبُهُ شَيْءٌ، ولا حُجَّةَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ، صادِرَةٌ أفْعالُهُ عَنْ حِكْمَةٍ، فَلِذَلِكَ قَطَعَ الحُجَّةَ بِإرْسالِ الرُّسُلِ. وقِيلَ عَزِيزًا في عِقابِ الكُفّارِ حَكِيمًا في الإعْذارِ بَعْدَ تَقَدُّمِ الإنْذارِ.
﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أنْزَلَ إلَيْكَ﴾ الِاسْتِدْراكُ بِـ (لَكِنْ) يَقْتَضِي تَقَدُّمَ جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ؛ لِأنَّ (لَكِنْ) لا يُبْتَدَأُ بِها؛ فالتَّقْدِيرُ ما رُوِيَ في سَبَبِ النُّزُولِ، وهو: أنَّهُ لَمّا نَزَلَ إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ قالُوا: ما نَشْهَدُ لَكَ بِهَذا، لَكِنْ اللَّهُ يَشْهَدُ، وشَهادَتُهُ تَعالى بِما أنْزَلَهُ إلَيْهِ إثْباتُهُ بِإظْهارِ المُعْجِزاتِ كَما تَثْبُتُ الدَّعاوى بِالبَيِّناتِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ والجَرّاحُ الحَكَمِيُّ (لَكِنَّ اللَّهَ) بِالتَّشْدِيدِ، ونَصْبِ الجَلالَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ (بِما أُنْزِلُ إلَيْكَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
﴿أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ قَرَأ السُّلَمِيُّ: نَزَّلَهُ مُشَدَّدًا. قالَ الزَّجّاجُ: أنْزَلَهُ وفِيهِ عِلْمُهُ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: أنْزَلَهُ مِن عِلْمِهِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أنْزَلَهُ إلَيْكَ بِعِلْمٍ مِنهُ أنَّكَ خِيرَتُهُ مِن خَلْقِهِ. وقِيلَ أنْزَلَهُ إلَيْكَ بِعِلْمِهِ أنَّكَ أهْلُ إنْزالِهِ عَلَيْكَ لِقِيامِكَ بِحَقِّهِ وعِلْمِكَ بِما فِيهِ، وحُسْنِ دُعائِكَ إلَيْهِ، وحَثِّكَ عَلَيْهِ. وقِيلَ بِما يَحْتاجُ إلَيْهِ العِبادُ. وقِيلَ بِعِلْمِهِ أنَّكَ تُبَلِّغُهُ إلى عِبادِهِ مِن غَيْرِ تَبْدِيلٍ ولا زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذِهِ الآيَةُ مِن أقْوى مُتَعَلِّقاتِ أهْلِ السُّنَّةِ في إثْباتِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، خِلاِفًا لِلْمُعْتَزِلَةِ في أنَّهم يَقُولُونَ: عالِمٌ بِلا عِلْمٍ. والمَعْنى عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ: أنْزَلَهُ وهو يَعْلَمُ إنْزالَهُ ونُزُولَهُ. ومَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ في هَذِهِ الآيَةِ: أنَّهُ أنْزَلَهُ مُقْتَرِنًا بِعِلْمِهِ؛ أيْ فِيهِ عِلْمُهُ مِن غُيُوبٍ وأوامِرَ، ونَحْوِ ذَلِكَ؛ فالعِلْمُ عِبارَةٌ عَنِ المَعْلُوماتِ الَّتِي في القُرْآنِ كَما هو في قَوْلِ الخَضِرِ، ما نَقَصَ عِلْمِي، وعِلْمُكَ مِن عِلْمِ اللَّهِ إلّا كَما يُنْقِصُ هَذا العُصْفُورُ مِن هَذا البَحْرِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنْزَلَهُ مُلْتَبِسًا بِعِلْمِهِ الخاصِّ الَّذِي لا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ، وهو تَأْلِيفُهُ عَلى نَظْمٍ وأُسْلُوبٍ يَعْجِزُ عَنْهُ كُلُّ بَلِيغٍ وصاحِبُ بَيانٍ، ومَوْقِعُهُ مِمّا قَبْلَهُ مَوْقِعُ الجُمْلَةِ المُفَسِّرَةِ؛ لِأنَّهُ بَيانٌ لِلشَّهادَةِ بِصِحَّتِهِ أنَّهُ أنْزَلَهُ بِالنَّظْمِ المُعْجِزِ الفائِتِ لِلْقَدْرِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أنْزَلَهُ وهو عالِمٌ بِهِ رَقِيبٌ عَلَيْهِ حافِظٌ لَهُ مِنَ الشَّياطِينِ بِرَصَدٍ مِنَ المَلائِكَةِ.
﴿والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾؛ أيْ بِما أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ. وشَهادَةُ المَلائِكَةِ تَبَعٌ لِشَهادَةِ اللَّهِ، وقَدْ عَلِمَ بِشَهادَةِ اللَّهِ لَهُ إذْ أظْهَرَ عَلى يَدَيْهِ المُعْجِزاتِ، وهَذا عَلى سَبِيلِ التَّسْلِيَةِ لَهُ عَنْ تَكْذِيبِ اليَهُودِ، إنْ كَذَّبَكَ اليَهُودُ وكَذَّبُوا ما جِئْتَ بِهِ مِنَ الوَحْيِ، فَلا تُبالِ فَإنَّ اللَّهَ يَشْهَدُ لَكَ ومَلائِكَتَهُ؛ فَلا تَلْتَفِتْ إلى تَكْذِيبِهِمْ.
(وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا)؛ أيْ، وإنْ لَمْ يَشْهَدْ غَيْرُهُ ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٩] .
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا﴾؛ أيْ ضَلالًا لا يَقْرُبُ رُجُوعُهم عَنْهُ، ولا تَخَلُّصُهم مِنهُ؛ لِأنَّهُ يَعْتَقِدُ عَنْ نَفْسِهِ أنَّهُ مُحِقٌ ثُمَّ يَتَوَسَّلُ بِذَلِكَ الضَّلالِ إلى (p-٤٠٠)اكْتِسابِ المالِ والجاهِ وإلْقاءِ غَيْرِهِ فِيهِ، فَهو ضَلالٌ في أقْصى غاياتِهِ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وابْنُ هُرْمُزَ: وصُدُّوا بِضَمِّ الصّادِ، قِيلَ، وهي في اليَهُودِ.
النساء 4:168
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا إلّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ قِيلَ هَذِهِ في المُشْرِكِينَ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى لامِ الجُحُودِ وما بَعْدَها وأنَّ الإتْيانَ بِها أبْلَغُ مِنَ الإتْيانِ بِالفِعْلِ المُجَرَّدِ عَنْها. وهَذا الحُكْمُ مُقَيَّدٌ بِالمُوافاةِ عَلى الكُفْرِ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: المَعْنى لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَسْتُرَ عَلَيْهِمْ قَبِيحَ أفْعالِهِمْ، بَلْ يَفْضَحُهم في الدُّنْيا، ويُعاقِبُهم بِالقَتْلِ والجَلاءِ والسَّبْيِ، وفي الآخِرَةِ بِالنّارِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَفَرُوا وظَلَمُوا، جَمَعُوا بَيْنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، وكانَ بَعْضُهم كافِرِينَ، وبَعْضُهم ظالِمِينَ أصْحابُ الكَبائِرِ؛ لِأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ في أنَّهُ لا يَغْفِرُ لَهُما إلّا بِالتَّوْبَةِ، ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا لا يَلْطُفُ بِهِمْ فَيَسْلُكُونَ الطَّرِيقَ المُوصِلَ إلى جَهَنَّمَ، ولا لِيَهْدِيَهم يَوْمَ القِيامَةِ إلّا طَرِيقَها، انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ في أنَّ صاحِبَ الكَبائِرِ لا يُغْفَرُ لَهُ ما لَمْ يَتُبْ مِنها، وإنْ أُرِيدَ بِقَوْلِهِ: طَرِيقًا مَخْصُوصًا؛ أيْ عَمَلًا صالِحًا يَدْخُلُونَ بِهِ الجَنَّةَ؛ كانَ قَوْلُهُ: ﴿إلّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا.
﴿وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ٣٠]؛ أيِ انْتِفاءُ غُفْرانِهِ وهِدايَتِهِ إيّاهم وطَرْدُهم في النّارِ سَهْلًا لا صارِفَ لَهُ عَنْهُ، وهَذا تَحْقِيرٌ لِأمْرِهِمْ وأنَّهُ تَعالى لا يَعْبَأُ بِهِمْ ولا يُبالِي.
النساء 4:169
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا إلّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ قِيلَ هَذِهِ في المُشْرِكِينَ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى لامِ الجُحُودِ وما بَعْدَها وأنَّ الإتْيانَ بِها أبْلَغُ مِنَ الإتْيانِ بِالفِعْلِ المُجَرَّدِ عَنْها. وهَذا الحُكْمُ مُقَيَّدٌ بِالمُوافاةِ عَلى الكُفْرِ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: المَعْنى لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَسْتُرَ عَلَيْهِمْ قَبِيحَ أفْعالِهِمْ، بَلْ يَفْضَحُهم في الدُّنْيا، ويُعاقِبُهم بِالقَتْلِ والجَلاءِ والسَّبْيِ، وفي الآخِرَةِ بِالنّارِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَفَرُوا وظَلَمُوا، جَمَعُوا بَيْنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، وكانَ بَعْضُهم كافِرِينَ، وبَعْضُهم ظالِمِينَ أصْحابُ الكَبائِرِ؛ لِأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ في أنَّهُ لا يَغْفِرُ لَهُما إلّا بِالتَّوْبَةِ، ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا لا يَلْطُفُ بِهِمْ فَيَسْلُكُونَ الطَّرِيقَ المُوصِلَ إلى جَهَنَّمَ، ولا لِيَهْدِيَهم يَوْمَ القِيامَةِ إلّا طَرِيقَها، انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ في أنَّ صاحِبَ الكَبائِرِ لا يُغْفَرُ لَهُ ما لَمْ يَتُبْ مِنها، وإنْ أُرِيدَ بِقَوْلِهِ: طَرِيقًا مَخْصُوصًا؛ أيْ عَمَلًا صالِحًا يَدْخُلُونَ بِهِ الجَنَّةَ؛ كانَ قَوْلُهُ: ﴿إلّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا.
﴿وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ٣٠]؛ أيِ انْتِفاءُ غُفْرانِهِ وهِدايَتِهِ إيّاهم وطَرْدُهم في النّارِ سَهْلًا لا صارِفَ لَهُ عَنْهُ، وهَذا تَحْقِيرٌ لِأمْرِهِمْ وأنَّهُ تَعالى لا يَعْبَأُ بِهِمْ ولا يُبالِي.
النساء 4:170
﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالحَقِّ مِن رَبِّكم فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ هَذا خِطابٌ لِجَمِيعِ النّاسِ. وإنْ كانَتِ السُّورَةُ مَدَنِيَّةً فالمَأْمُورُ بِهِ أمْرٌ عامٌّ، ولَوْ كانَ خاصًّا بِتَكْلِيفٍ (ما) لَكانَ النِّداءُ خاصًّا بِالمُؤْمِنِينَ في الغالِبِ. والرَّسُولُ هَنا مُحَمَّدٌ والحَقُّ هو شَرْعُهُ، وقَدْ فُسِّرَ بِالقُرْآنِ وبِالدِّينِ، وبِشَهادَةِ التَّوْحِيدِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في المُشْرِكِينَ. وفي انْتِصابِ ﴿خَيْرًا لَكُمْ﴾ هُنا. وفي قَوْلِهِ ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] في تَقْدِيرِ النّاصِبِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: مَذْهَبُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ. وأْتُوا خَيْرًا لَكم، وهو فِعْلٌ يَجِبُ إضْمارُهُ. ومَذْهَبُ الكِسائِيِّ، وأبِي عُبَيْدَةَ: يَكُنْ خَيْرًا لَكم ويُضْمَرُ ﴿إنْ يَكُنْ﴾ [النساء: ١٣٥]، ومَذْهَبُ الفَرّاءِ إيمانًا خَيْرًا لَكم، وانْتِهاءً خَيْرًا لَكم، بِجَعْلِ خَيْرًا نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الفِعْلُ الَّذِي قَبْلَهُ. والتَّرْجِيحُ بَيْنَ هَذِهِ الأوْجُهِ مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ.
﴿وإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا.
﴿وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٧] عَلِيمًا بِما يَكُونُ مِنكم مِن كُفْرٍ، وإيمانٍ فَيُجازِيكم عَلَيْهِ، حَكِيمًا في تَكْلِيفِكم مَعَ عِلْمِهِ تَعالى بِما يَكُونُ مِنكم.
النساء 4:171
﴿ياأهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكُمْ﴾ قِيلَ نَزَلَتْ في نَصارى نَجْرانَ قالَهُ مُقاتِلٌ. وقالَ الجُمْهُورُ: في عامَّةِ النَّصارى؛ فَإنَّهم يَعْتَقِدُونَ الثّالُوتَ، يَقُولُونَ: الأبُ والِابْنُ، ورُوحُ القُدُسِ إلَهٌ واحِدٌ. وقِيلَ في اليَهُودِ والنَّصارى، نَهاهم عَنْ تَجاوُزِ الحَدِّ. والمَعْنى: في دِينِكُمُ الَّذِي أنْتُمْ مَطْلُوبُونَ بِهِ، ولَيْسَتِ الإشارَةُ إلى دِينِهِمُ المُضَلِّلِ، ولا أُمِرُوا بِالثُّبُوتِ عَلَيْهِ دُونَ غُلُوٍّ، وإنَّما أُمِرُوا بِتَرْكِ الغُلُوِّ في دِينِ اللَّهِ عَلى الإطْلاقِ. وغَلَتِ اليَهُودُ في حَطِّ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ مَنزِلَتِهِ حَيْثُ جَعَلَتْهُ مَوْلُودًا لِغَيْرِ رُشْدِهِ. وغَلَتِ النَّصارى فِيهِ حَيْثُ جَعَلُوهُ إلَهًا. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ قَوْلَهُ: يا أهْلَ الكِتابِ خِطابٌ لِلنَّصارى بِدَلِيلِ آخِرِ الآيَةِ. ولَمّا أجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْ شُبَهِ اليَهُودِ الَّذِينَ يُبالِغُونَ في الطَّعْنِ عَلى المَسِيحِ أخَذَ في أمْرِ النَّصارى الَّذِينَ يُفَرِّطُونَ في تَعْظِيمِ المَسِيحِ حَتّى ادَّعَوْا فِيهِ ما ادَّعَوْا.
﴿ولا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾، وهو تَنْزِيهُهُ عَنِ الشَّرِيكِ والوَلَدِ والحُلُولِ والِاتِّحادِ.
﴿إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنهُ﴾ قَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: إنَّما المِسِّيحُ عَلى وزْنِ السِّكِّيتِ. وتَقَدَّمَ شَرْحُ الكَلِمَةِ في ﴿بِكَلِمَةٍ مِنهُ اسْمُهُ المَسِيحُ﴾ [آل عمران: ٤٥]، ومَعْناها ألْقاها إلى مَرْيَمَ أوْجَدَ هَذا الحادِثَ في مَرْيَمَ، وحَصَّلَهُ فِيها. وهَذِهِ الجُمْلَةُ قِيلَ حالٌ. وقِيلَ صِفَةٌ عَلى تَقْدِيرِ نِيَّةِ الِانْفِصالِ؛ أيْ وكَلِمَةٌ مِنهُ. ومَعْنى رُوحٍ مِنهُ أيْ صادِرَةٌ؛ لِأنَّهُ ذُو رُوحٍ وُجِدَ مِن غَيْرِ جُزْءٍ مِن ذِي رُوحٍ، كالنُّطْفَةِ المُنْفَصِلَةِ مِن (p-٤٠١)الأبُ الحَيُّ، وإنَّما اخْتُرِعَ اخْتِراعًا مِن عِنْدِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ. وقالَ أبي بن كعب: عِيسى رُوحٌ مِن أرْواحِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي خَلَقَها واسْتَنْطَقَها بِقَوْلِهِ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] بَعَثَهُ اللَّهُ إلى مَرْيَمَ فَدَخَلَ. وقالَ الطَّبَرِيُّ وأبُو رَوْقٍ: ورُوحٌ مِنهُ؛ أيْ: نَفْخَةٌ مِنهُ، إذْ هي مِن جِبْرِيلَ بِأمْرِهِ. وأنْشَدَ بَيْتَ ذِي الرُّمَّةِ:
؎فَقُلْتُ لَهُ اضْمُمْها إلَيْكَ وأحْيِها بِرُوحِكَ واجْعَلْهُ لَها قِيتَةً قَدْرا
يَصِفُ سَقْطَ النّارِ وسُمِّيَ رُوحًا لِأنَّهُ حَدَثَ عَنْ نَفْخَةِ جِبْرِيلَ. وقِيلَ: ومَعْنى ورُوحٌ مِنهُ؛ أيْ: رَحْمَةٌ. ومِنهُ ﴿وأيَّدَهم بِرُوحٍ مِنهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] . وقِيلَ: سُمِّيَ رُوحًا لِإحْياءِ النّاسِ بِهِ كَما يَحْيَوْنَ بِالأرْواحِ، ولِهَذا سُمِّيَ القُرْآنُ رُوحًا. وقِيلَ: المَعْنِيُّ بِالرُّوحِ هُنا الوَحْيُ؛ أيْ: ووَحْيٌ إلى جِبْرِيلَ بِالنَّفْخِ في دِرْعِها، أوْ إلى ذاتِ عِيسى أنْ كُنْ، ونُكِّرَ ”ورُوحٌ“ لِأنَّ المَعْنى عَلى تَقْدِيرِ صِفَةٍ لا عَلى إطْلاقِ رُوحٍ؛ أيْ: ورُوحٌ شَرِيفَةٌ نَفِيسَةٌ مِن قِبَلِهِ تَعالى. و(مِن) هُنا لِابْتِداءِ الغايَةِ، ولَيْسَتْ لِلتَّبْعِيضِ كَما فَهِمَهُ بَعْضُ النَّصارى فادَّعى أنَّ عِيسى جُزْءٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَرَدَّ عَلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ بْنِ وافِدٍ المَرْوَزِيُّ حِينَ اسْتَدَلَّ النَّصْرانِيُّ بِأنَّ في القُرْآنِ ما يَشْهَدُ لِمَذْهَبِهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ورُوحٌ مِنهُ﴾ فَأجابَهُ ابْنُ وافِدٍ بِقَوْلِهِ: ﴿وسَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ جَمِيعًا مِنهُ﴾ [الجاثية: ١٣] . وقالَ: إنْ كانَ يَجِبُ بِهَذا أنْ يَكُونَ عِيسى جُزْءًا مِنهُ وجَبَ أنْ يَكُونَ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ جُزْءًا مِنهُ، فانْقَطَعَ النَّصْرانِيُّ وأسْلَمَ. وصَنَّفَ ابْنُ فايِدٍ إذْ ذاكَ كِتابَ النَّظائِرِ. (فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ) أيْ: الَّذِينَ مِن جُمْلَتِهِمْ عِيسى ومُحَمَّدٌ، عَلَيْهِما السَّلامُ.
﴿ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: الآلِهَةُ ثَلاثَةٌ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ القُرْآنُ التَّصْرِيحُ مِنهم بِأنَّ اللَّهَ والمَسِيحَ ومَرْيَمَ ثَلاثَةُ آلِهَةٍ، وأنَّ المَسِيحَ ولَدُ اللَّهِ مِن مَرْيَمَ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦] . وقالَتِ النَّصارى: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، والمَشْهُورُ المُسْتَفِيضُ عَنْهم أنَّهم يَقُولُونَ: في المَسِيحِ لاهُوتِيَّتُهُ وناسُوتِيَّتُهُ مِن جِهَةِ الأبِ والأُمِّ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، فَأثْبَتَ أنَّهُ ولَدٌ لِمَرْيَمَ اتَّصَلَ بِها اتِّصالَ الأوْلادِ بِأُمَّهاتِهِمْ، وأنَّ اتِّصالَهُ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِن حَيْثُ إنَّهُ رَسُولُهُ، وإنَّهُ مَوْجُودٌ بِأمْرِهِ، وابْتِداعُهُ جَسَدًا حَيًّا مِن غَيْرِ أبٍ يَنْفِي أنَّهُ يَتَّصِلُ بِهِ اتِّصالَ الأبْناءِ بِالآباءِ. وقَوْلُهُ: ﴿سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ﴾ وحِكايَةُ اللَّهِ أوْثَقُ مِن حِكايَةِ غَيْرِهِ، وهَذا الَّذِي رَجَّحَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ قالَهُ يُرِيدُ بِالتَّثْلِيثِ: اللَّهَ تَعالى، وصاحِبَتَهُ، وابْنَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْضًا إنْ صَحَّتِ الحِكايَةُ عَنْهم أنَّهم يَقُولُونَ هو جَوْهَرٌ واحِدٌ ثَلاثَةُ أقانِيمَ: أُقْنُومُ الأبِ، وأُقْنُومُ الِابْنِ، وأُقْنُومُ رُوحِ القُدُسِ، وأنَّهم يُرِيدُونَ بِأُقْنُومِ الأبِ الذّاتَ، وبِأُقْنُومِ الِابْنِ العِلْمَ، وبِأُقْنُومِ رُوحِ القُدُسِ الحَياةَ، فَتَقْدِيرُهُ اللَّهُ ثَلاثَةٌ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: المَعْبُودُ ثَلاثَةٌ، أوِ الآلِهَةُ ثَلاثَةٌ، أوِ الأقانِيمُ ثَلاثَةٌ. وكَيْفَما تَشَعَّبَ اخْتِلافُ عِباراتِ النَّصارى فَإنَّهُ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ ذَلِكَ التَّقْدِيرِ انْتَهى. وقالَ الزَّجّاجُ: تَقْدِيرُهُ آلِهَةٌ ثَلاثَةٌ. وقالَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدٍ: تَقْدِيرُهُ ثَلاثَةٌ كَقَوْلِهِ: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ﴾ [الكهف: ٢٢] وقالَ أبُو عَلِيٍّ: التَّقْدِيرُ اللَّهُ ثالِثُ ثَلاثَةٍ، حُذِفَ المُبْتَدَأُ والمُضافُ. انْتَهى. أرادَ أبُو عَلِيٍّ مُوافَقَةَ قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣] أيْ: أحَدُ آلِهَةٍ ثَلاثَةٍ والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ الَّذِي أثْبَتُوهُ هو ما أُثْبِتَ في الآيَةِ خِلافُهُ، والَّذِي أُثْبِتَ في الآيَةِ بِطَرِيقِ الحَصْرِ إنَّما هو وحْدانِيَّةُ اللَّهِ تَعالى، وتَنْزِيهُهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ولا تَقُولُوا اللَّهُ ثَلاثَةٌ. ويَتَرَجَّحُ قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ بِمُوافَقَتِهِ الآيَةَ الَّتِي ذَكَرْناها، وبِقَوْلِهِ تَعالى ﴿سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ﴾، والنَّصارى وإنِ اخْتَلَفَتْ فِرَقُهم فَهم مُجْمِعُونَ عَلى التَّثْلِيثِ.
﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ في انْتِصابِ خَيْرًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَقْدِيرِ مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ في نَصْبِهِ لَمّا بَعَثَهم عَلى الإيمانِ يَعْنِي في قَوْلِهِ: ﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ [النساء: ١٧٠] وعَلى الِانْتِهاءِ عَنِ التَّثْلِيثِ يَعْنِي في قَوْلِهِ: ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾، عُلِمَ أنَّهُ يَحْمِلُهم عَلى أمْرٍ فَقالَ: خَيْرًا لَكم؛ أيِ: (p-٤٠٢)اقْصُدُوا وأْتُوا خَيْرًا لَكم مِمّا أنْتُمْ فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والتَّثْلِيثِ، وهو الإيمانُ والتَّوْحِيدُ. انْتَهى. وهو تَقْدِيرُ سِيبَوَيْهِ في الآيَةِ.
﴿إنَّما اللَّهُ إلَهٌ واحِدٌ﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّما في هَذِهِ الآيَةِ حاصِرَةٌ، اقْتَضى ذَلِكَ العَقْلُ في المَعْنى المُتَكَلَّمِ فِيهِ، ولَيْسَتْ صِيغَةُ (إنَّما) تَقْتَضِي الحَصْرَ، ولَكِنَّها تَصْلُحُ لِلْحَصْرِ والمُبالَغَةِ في الصِّفَةِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ حَصْرٌ؛ نَحْوَ: إنَّما الشُّجاعُ عَنْتَرَةُ، وغَيْرُ ذَلِكَ. انْتَهى كَلامُهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ كَلامُنا مُشْبَعًا في (إنَّما) في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١١] وكَلامُ ابْنِ عَطِيَّةَ فِيها هُنا أنَّها لا تَقْتَضِي بِوَضْعِها الحَصْرَ - صَحِيحٌ، وإنْ كانَ خِلافَ ما في أذْهانِ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ.
﴿سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ﴾ مَعْناهُ: تَنْزِيهًا لَهُ وتَعْظِيمًا مِن أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ كَما تَزْعُمُ النَّصارى في أمْرِهِ، إذْ قَدْ نَقَلُوا أُبُوَّةَ الحَنانِ والرَّأْفَةِ إلى أُبُوَّةِ النَّسْلِ. وقَرَأ الحَسَنُ: إنْ يَكُونُ لَهُ ولَدٌ؛ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وضَمِّ النُّونِ مِن يَكُونُ، عَلى أنَّ (إنْ) نافِيَةٌ؛ أيْ: ما يَكُونُ لَهُ ولَدٌ فَيَكُونُ التَّنْزِيهُ عَنِ التَّثْلِيثِ، والإخْبارُ بِانْتِفاءِ الوَلَدِ، فالكَلامُ جُمْلَتانِ، وفي قِراءَةِ الجَماعَةِ جُمْلَةٌ واحِدَةٌ.
﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ إخْبارٌ لِمِلْكِهِ بِجَمِيعِ مَن فِيهِنَّ، فَيَسْتَغْرِقُ مِلْكُهُ عِيسى وغَيْرَهُ. ومَن كانَ مِلْكًا لا يَكُونُ جُزْءًا مِنَ المالِكِ عَلى أنَّ الجُزْئِيَّةَ لا تَصِحُّ إلّا في الجِسْمِ، واللَّهُ تَعالى نُزِّهَ عَنِ الجِسْمِ والعَرَضِ.
﴿وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ [النساء: ٨١] أيْ: كافِيًا في تَدْبِيرِ مَخْلُوقاتِهِ وحِفْظِها، فَلا حاجَةَ إلى صاحِبَةٍ ولا ولَدٍ ولا مُعِينٍ. وقِيلَ: مَعْناهُ كَفِيلًا لِأوْلِيائِهِ. وقِيلَ: المَعْنى يَكِلُ الخَلْقُ إلَيْهِ أُمُورَهم، فَهو الغَنِيُّ عَنْهم، وهُمُ الفُقَراءُ إلَيْهِ.
النساء 4:172
﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾ رُوِيَ أنَّ «وفْدَ نَجْرانَ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ، ﷺ: لِمَ تَعِيبُ صاحِبَنا ؟ قالَ: وما صاحِبُكُمُ ؟ قالُوا: عِيسى، قالَ: وأيَّ شَيْءٍ أقُولُ ؟ قالُوا: تَقُولُ إنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ، قالَ: إنَّهُ لَيْسَ بِعارٍ أنْ يَكُونَ عَبْدًا، قالُوا: بَلى» . فَنَزَلَتْ؛ أيْ: لا يَسْتَنْكِفُ عِيسى مِن ذَلِكَ فَلا تَسْتَنْكِفُوا لَهُ مِنهُ، فَلَوْ كانَ مَوْضِعَ اسْتِنْكافٍ لَكانَ هو أوْلى بِأنْ يَسْتَنْكِفَ لِأنَّ العارَ ألْصَقُ بِهِ؛ أيْ: لَنْ يَأْنَفَ ويَرْتَفِعَ ويَتَعاظَمَ. وقَرَأ عَلِيٌّ: عُبَيْدًا للَّهِ، عَلى التَّصْغِيرِ. والمُقَرَّبُونَ؛ أيْ: الكَرُوبِيُّونَ الَّذِينَ هم حَوْلَ العَرْشِ كَجِبْرِيلَ، ومِيكائِيلَ، وإسْرافِيلَ، ومَن في طَبَقَتِهِمْ؛ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم حَمَلَةُ العَرْشِ. وقالَ الضَّحّاكُ: مَن قَرُبَ مِنهم مِنَ السَّماءِ السّابِعَةِ. انْتَهى. وعُطِفُوا عَلى عِيسى لِأنَّ مِنَ الكُفّارِ مَن يَعْبُدُ المَلائِكَةَ. وفي الكَلامِ حَذْفٌ، التَّقْدِيرُ: ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ أنْ يَكُونُوا عَبِيدًا لِلَّهِ، فَإنْ ضُمِّنَ عَبْدًا مَعْنى مِلْكًا لِلَّهِ لَمْ يَحْتَجْ إلى هَذا التَّقْدِيرِ، ويَكُونَ إذْ ذاكَ ولا المَلائِكَةُ مِن بابِ عَطْفِ المُفْرَداتِ، بِخِلافِ ما إذا لُحِظَ في عَبْدٍ الوَحْدَةُ. فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا المَلائِكَةُ﴾ يَكُونُ مِن بابِ عَطْفِ الجُمَلِ لِاخْتِلافِ الخَبَرِ. وإنْ لُحِظَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا المَلائِكَةُ﴾ مَعْنى ولا كُلُّ واحِدٍ مِنَ المَلائِكَةِ، كانَ مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ. وقَدْ تَشَبَّثَ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن زَعَمَ أنَّ المَلائِكَةَ أفْضَلُ مِنَ الأنْبِياءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ زِيادَةٌ في الحُجَّةِ وتَقْرِيبٌ مِنَ الأذْهانِ؛ أيْ: ولا هَؤُلاءِ الَّذِينَ هم في أعْلى دَرَجاتِ المَخْلُوقِينَ لا يَسْتَنْكِفُونَ عَنْ ذَلِكَ، فَكَيْفَ مَن سِواهُمُ ؟ وفي هَذِهِ الآيَةِ الدَّلِيلُ الواضِحُ عَلى تَفْضِيلِ المَلائِكَةِ عَلى الأنْبِياءِ. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ) مِن أيْنَ دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾ عَلى أنَّ المَعْنى ولا مَن فَوْقَهُ ؟ (p-٤٠٣)(قُلْتُ): مِن حَيْثُ إنَّ عِلْمَ المَعانِي لا يَقْتَضِي غَيْرَ ذَلِكَ، وذَلِكَ أنَّ الكَلامَ إنَّما سِيقَ لِرَدِّ مَذْهَبِ النَّصارى وغُلُوِّهِمْ في رَفْعِ المَسِيحِ عَنْ مَرْتَبَةِ العُبُودِيَّةِ، فَوَجَبَ أنْ يُقالَ لَهم: لَنْ يَرْتَفِعَ عِيسى عَنِ العُبُودِيَّةِ، ولا مَن هو أرْفَعُ مِنهُ دَرَجَةً. كَأنَّهُ قِيلَ: لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ مِنَ العُبُودِيَّةِ، فَكَيْفَ بِالمَسِيحِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ دَلالَةً ظاهِرَةً بَيِّنَةً تَخْصِيصُ المُقَرَّبِينَ لِكَوْنِهِمْ أرْفَعَ المَلائِكَةِ دَرَجَةً وأعْلاهم مَنزِلَةً، ومِثالُهُ قَوْلُ القائِلِ:
؎وما مِثْلُهُ مِمَّنْ يُجاوِدُ حاتِمٌ ولا البَحْرُ ذُو الأمْواجِ يَلْتَجُّ زاخِرُهْ
لا شُبْهَةَ بِأنَّهُ قَصَدَ بِالبَحْرِ ذِي الأمْواجِ ما هو فَوْقَ حاتِمٍ في الجُودِ. ومَن كانَ لَهُ ذَوْقٌ فَلْيَذُقْ مَعَ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلَهُ: ﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصَـارى﴾ [البقرة: ١٢٠] - حَتّى يَعْتَرِفَ بِالفَرْقِ البَيِّنِ. انْتَهى كَلامُهُ.
والتَّفْضِيلُ بَيْنَ الأنْبِياءِ والمَلائِكَةِ إنَّما يَكُونُ بِالسَّمْعِ، إذْ نَحْنُ لا نُدْرِكُ جِهَةَ التَّفْضِيلِ بِالعَقْلِ، وأمّا الآيَةُ فَقَدْ يُقالُ: مَتى نُفِيَ شَيْءٌ عَنِ اثْنَيْنِ فَلا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الثّانِيَ أرْفَعُ مِنَ الأوَّلِ، ولا أنْ ذَلِكَ مِن بابِ التَّرَقِّي. (فَإذا قُلْتَ): لَنْ يَأْنَفَ فُلانٌ أنْ يَسْجُدَ لِلَّهِ ولا عَمْرٌو، فَلا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّ عَمْرًا أفْضَلُ مِن زَيْدٍ. وإنْ سَلَّمْنا ذَلِكَ فَلَيْسَتِ (p-٤٠٤)الآيَةُ مِن هَذا القَبِيلِ، لِأنَّهُ قابَلَ مُفْرَدًا بِجَمْعٍ، ولَمْ يُقابِلْ مُفْرَدًا بِمُفْرَدٍ ولا جَمْعًا بِجَمْعٍ. فَقَدْ يُقالُ: الجَمْعُ أفْضَلُ مِنَ المُفْرَدِ، ولا يَلْزَمُ مِنَ الآيَةِ تَفْضِيلُ الجَمْعِ عَلى الجَمْعِ، ولا المُفْرَدُ عَلى المُفْرَدِ. وإنْ سَلَّمْنا أنَّ المَعْطُوفَ في الآيَةِ أرْفَعُ مِنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ بِحَسَبِ ما أُلْقِيَ في أذْهانِ العَرَبِ وغَيْرِهِمْ مِن تَعْظِيمِ المَلَكِ وتَرْفِيعِهِ، حَتّى إنَّهم يَنْفُونَ البَشَرِيَّةَ عَنِ المَمْدُوحِ ويُثْبِتُونَ لَهُ المَلَكِيَّةَ، ولا يَدُلُّ تَخَيُّلُهم ذَلِكَ عَلى أنَّهُ في نَفْسِ الأمْرِ أفْضَلُ وأعْظَمُ ثَوابًا ومِمّا ورَدَ مِن ذَلِكَ عَلى حَسَبِ ما أُلْقِيَ في الأذْهانِ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنِ النِّسْوَةِ الَّتِي فاجَأهُنَّ حُسْنُ يُوسُفَ: ﴿فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ وقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ وقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هَذا بَشَرًا إنْ هَذا إلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١] وقالَ الشّاعِرُ:
؎فَلَسْتَ بِإنْسِيٍّ ولَكِنْ لِمَلْأكٍ ∗∗∗ تَنَزَّلَ مِن جَوْفِ السَّماءِ يُصَوِّبُ
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): عَلامَ عُطِفَ ﴿ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾ ؟ (قُلْتُ): إمّا أنْ يُعْطَفَ عَلى المَسِيحِ، أوْ عَلى اسْمِ (يَكُونَ) أوْ عَلى المُسْتَتِرِ في عَبْدًا لِما فِيهِ مِن مَعْنى الوَصْفِ، لِدَلالَتِهِ عَلى مَعْنى العِبادَةِ، وقَوْلُكَ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ عَبْدٌ أبُوهُ، فالعَطْفُ عَلى المَسِيحِ هو الظّاهِرُ لِأداءِ غَيْرِهِ إلى ما فِيهِ بَعْضُ انْحِرافٍ عَنِ الغَرَضِ، وهو أنَّ المَسِيحَ لا يَأْنَفُ أنْ يَكُونَ هو ولا مَن فَوْقَهُ مَوْصُوفِينَ بِالعُبُودِيَّةِ، أوْ أنْ يَعْبُدَ اللَّهَ هو ومَن فَوْقَهُ. انْتَهى. والِانْحِرافُ عَنِ الغَرَضِ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ هو كَوْنُ الِاسْتِنْكافِ يَكُونُ مُخْتَصًّا بِالمَسِيحِ، والمَعْنى القائِمُ اشْتِراكُ المَلائِكَةِ مَعَ المَسِيحِ في انْتِفاءِ الِاسْتِنْكافِ عَنِ العُبُودِيَّةِ، لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنِ اسْتِنْكافِهِ وحْدَهُ أنْ يَكُونَ هو والمَلائِكَةُ عَبِيدًا، أوْ أنْ يَكُونَ هو وهم يَعْبُدُ رَبَّهُ - اسْتِنْكافُهم هم، فَقَدْ يَرْضى شَخْصٌ أنْ يَضْرِبَ هو وزَيْدٌ عَمْرًا ولا يَرْضى ذَلِكَ زَيْدٌ ويَظْهَرُ أيْضًا مَرْجُوحِيَّـةُ الوَجْهَيْنِ مِن جِهَةِ دُخُولِ لا، إذْ لَوْ أُرِيدَ العَطْفُ عَلى الضَّمِيرِ في يَكُونَ، أوْ عَلى المُسْتَتِرِ في عَبْدًا؛ لَمْ تَدْخُلْ لا، بَلْ كانَ يَكُونُ التَّرْكِيبُ بِدُونِها تَقُولُ: ما يُرِيدُ زَيْدٌ أنْ يَكُونَ هو وأبُوهُ قائِمَيْنِ، وتَقُولُ: ما يُرِيدُ زَيْدٌ أنْ يَصْطَلِحَ هو وعَمْرٌو، فَهَذانِ ونَحْوُهُما لَيْسا مِن مَظِنّاتِ دُخُولِ لا، فَإنْ وُجِدَ مِن لِسانِ العَرَبِ دُخُولُ لا في نَحْوٍ مِن هَذا فَهي زائِدَةٌ.
﴿ومَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ ويَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهم إلَيْهِ جَمِيعًا﴾ حُمِلَ أوَّلًا عَلى لَفْظِ (مَن) فَأفْرَدَ الضَّمِيرَ في (يَسْتَنْكِفْ) (ويَسْتَكْبِرْ)، ثُمَّ حُمِلَ عَلى المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ﴾، فالضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى مَعْنى (مَن) هَذا هو الظّاهِرُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عامًّا عائِدًا عَلى الخَلْقِ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، لِأنَّ الحَشْرَ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالمُسْتَنْكِفِ، ولِأنَّ التَّفْصِيلَ بَعْدَهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ. ويَكُونُ رَبْطُ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ جَوابًا (p-٤٠٥)لِاسْمِ الشَّرْطِ بِالعُمُومِ الَّذِي فِيها، ويَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلى مَعْنى (مَن)، ويَكُونُ قَدْ حُذِفَ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ لِمُقابَلَتِهِ إيّاهُ؛ التَّقْدِيرُ: فَسَيَحْشُرُهم ومَن لَمْ يَسْتَنْكِفْ إلَيْهِ جَمِيعًا كَقَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] أيْ: والبَرْدَ. وعَلى هَذَيْنِ الِاحْتِمالَيْنِ يَكُونُ ما فُصِّلَ بِإمّا مُطابِقًا لِما قَبْلَهُ، وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ لا يُطابِقُ. والإخْبارُ بِالحَشْرِ إلَيْهِ وعِيدٌ، إذِ المَعْنِيُّ بِهِ الجَمْعُ يَوْمَ القِيامَةِ حَيْثُ يُذَلُّ المُسْتَنْكِفُ المُسْتَكْبِرُ. وقَرَأ الحَسَنُ: بِالنُّونِ بَدَلَ الياءِ في ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ﴾، وباءُ ﴿فَيُعَذِّبُهُمْ﴾ عَلى التَّخْفِيفِ.
﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: لا يَبْخَسُ أحَدًا قَلِيلًا ولا كَثِيرًا، والزِّيادَةُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ في أنَّ الحَسَنَةَ بِعَشْرٍ إلى سَبْعِمِائَةٍ، والتَّضْعِيفُ الَّذِي لَيْسَ بِمَحْصُورٍ في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١] . قالَ مَعْناهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، ﴿وأمّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا واسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهم عَذابًا ألِيمًا ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ هَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ لِلَّذِينِ يَتْرُكُونَ عِبادَةَ اللَّهِ أنَفَةً تَكَبُّرًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا الِاسْتِنْكافُ إنَّما يَكُونُ مِنَ الكُفّارِ عَنِ اتِّباعِ الأنْبِياءِ وما جَرى مَجْراهُ كَفِعْلِ حُيَـيِّ بْنِ أخْطَبَ وأخِيهِ أبِي ياسِرٍ وأبِي جَهْلٍ وغَيْرِهِمْ بِالرَّسُولِ، فَإذا فَرَضْتَ أحَدًا مِنَ البَشَرِ عَرَفَ اللَّهَ فَمُحالٌ أنْ تَجِدَهُ يَكْفُرُ بِهِ تَكَبُّرًا عَلَيْهِ، والعِنادُ إنَّما يَسُوقُ إلَيْهِ الِاسْتِكْبارُ عَلى البَشَرِ، ومَعَ تَفاوُتِ المَنازِلِ في ظَنِّ المُسْتَكْبِرِ. انْتَهى. وقَدَّمَ ذِكْرَ ثَوابِ المُؤْمِنِ لِأنَّ الإحْسانَ إلَيْهِ مِمّا يَعُمُّ المُسْتَنْكِفَ إذا كانَ داخِلًا في جُمْلَةِ التَّنْكِيلِ بِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ومَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ ويَسْتَكْبِرْ فَسَيُعَذَّبُ بِالحَشْرِ إذا رَأى أُجُورَ العامِلِينَ، وبِما يُصِيبُهُ مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى.
النساء 4:173
﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾ رُوِيَ أنَّ «وفْدَ نَجْرانَ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ، ﷺ: لِمَ تَعِيبُ صاحِبَنا ؟ قالَ: وما صاحِبُكُمُ ؟ قالُوا: عِيسى، قالَ: وأيَّ شَيْءٍ أقُولُ ؟ قالُوا: تَقُولُ إنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ، قالَ: إنَّهُ لَيْسَ بِعارٍ أنْ يَكُونَ عَبْدًا، قالُوا: بَلى» . فَنَزَلَتْ؛ أيْ: لا يَسْتَنْكِفُ عِيسى مِن ذَلِكَ فَلا تَسْتَنْكِفُوا لَهُ مِنهُ، فَلَوْ كانَ مَوْضِعَ اسْتِنْكافٍ لَكانَ هو أوْلى بِأنْ يَسْتَنْكِفَ لِأنَّ العارَ ألْصَقُ بِهِ؛ أيْ: لَنْ يَأْنَفَ ويَرْتَفِعَ ويَتَعاظَمَ. وقَرَأ عَلِيٌّ: عُبَيْدًا للَّهِ، عَلى التَّصْغِيرِ. والمُقَرَّبُونَ؛ أيْ: الكَرُوبِيُّونَ الَّذِينَ هم حَوْلَ العَرْشِ كَجِبْرِيلَ، ومِيكائِيلَ، وإسْرافِيلَ، ومَن في طَبَقَتِهِمْ؛ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم حَمَلَةُ العَرْشِ. وقالَ الضَّحّاكُ: مَن قَرُبَ مِنهم مِنَ السَّماءِ السّابِعَةِ. انْتَهى. وعُطِفُوا عَلى عِيسى لِأنَّ مِنَ الكُفّارِ مَن يَعْبُدُ المَلائِكَةَ. وفي الكَلامِ حَذْفٌ، التَّقْدِيرُ: ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ أنْ يَكُونُوا عَبِيدًا لِلَّهِ، فَإنْ ضُمِّنَ عَبْدًا مَعْنى مِلْكًا لِلَّهِ لَمْ يَحْتَجْ إلى هَذا التَّقْدِيرِ، ويَكُونَ إذْ ذاكَ ولا المَلائِكَةُ مِن بابِ عَطْفِ المُفْرَداتِ، بِخِلافِ ما إذا لُحِظَ في عَبْدٍ الوَحْدَةُ. فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا المَلائِكَةُ﴾ يَكُونُ مِن بابِ عَطْفِ الجُمَلِ لِاخْتِلافِ الخَبَرِ. وإنْ لُحِظَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا المَلائِكَةُ﴾ مَعْنى ولا كُلُّ واحِدٍ مِنَ المَلائِكَةِ، كانَ مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ. وقَدْ تَشَبَّثَ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن زَعَمَ أنَّ المَلائِكَةَ أفْضَلُ مِنَ الأنْبِياءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ زِيادَةٌ في الحُجَّةِ وتَقْرِيبٌ مِنَ الأذْهانِ؛ أيْ: ولا هَؤُلاءِ الَّذِينَ هم في أعْلى دَرَجاتِ المَخْلُوقِينَ لا يَسْتَنْكِفُونَ عَنْ ذَلِكَ، فَكَيْفَ مَن سِواهُمُ ؟ وفي هَذِهِ الآيَةِ الدَّلِيلُ الواضِحُ عَلى تَفْضِيلِ المَلائِكَةِ عَلى الأنْبِياءِ. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ) مِن أيْنَ دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾ عَلى أنَّ المَعْنى ولا مَن فَوْقَهُ ؟ (p-٤٠٣)(قُلْتُ): مِن حَيْثُ إنَّ عِلْمَ المَعانِي لا يَقْتَضِي غَيْرَ ذَلِكَ، وذَلِكَ أنَّ الكَلامَ إنَّما سِيقَ لِرَدِّ مَذْهَبِ النَّصارى وغُلُوِّهِمْ في رَفْعِ المَسِيحِ عَنْ مَرْتَبَةِ العُبُودِيَّةِ، فَوَجَبَ أنْ يُقالَ لَهم: لَنْ يَرْتَفِعَ عِيسى عَنِ العُبُودِيَّةِ، ولا مَن هو أرْفَعُ مِنهُ دَرَجَةً. كَأنَّهُ قِيلَ: لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ مِنَ العُبُودِيَّةِ، فَكَيْفَ بِالمَسِيحِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ دَلالَةً ظاهِرَةً بَيِّنَةً تَخْصِيصُ المُقَرَّبِينَ لِكَوْنِهِمْ أرْفَعَ المَلائِكَةِ دَرَجَةً وأعْلاهم مَنزِلَةً، ومِثالُهُ قَوْلُ القائِلِ:
؎وما مِثْلُهُ مِمَّنْ يُجاوِدُ حاتِمٌ ولا البَحْرُ ذُو الأمْواجِ يَلْتَجُّ زاخِرُهْ
لا شُبْهَةَ بِأنَّهُ قَصَدَ بِالبَحْرِ ذِي الأمْواجِ ما هو فَوْقَ حاتِمٍ في الجُودِ. ومَن كانَ لَهُ ذَوْقٌ فَلْيَذُقْ مَعَ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلَهُ: ﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصَـارى﴾ [البقرة: ١٢٠] - حَتّى يَعْتَرِفَ بِالفَرْقِ البَيِّنِ. انْتَهى كَلامُهُ.
والتَّفْضِيلُ بَيْنَ الأنْبِياءِ والمَلائِكَةِ إنَّما يَكُونُ بِالسَّمْعِ، إذْ نَحْنُ لا نُدْرِكُ جِهَةَ التَّفْضِيلِ بِالعَقْلِ، وأمّا الآيَةُ فَقَدْ يُقالُ: مَتى نُفِيَ شَيْءٌ عَنِ اثْنَيْنِ فَلا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الثّانِيَ أرْفَعُ مِنَ الأوَّلِ، ولا أنْ ذَلِكَ مِن بابِ التَّرَقِّي. (فَإذا قُلْتَ): لَنْ يَأْنَفَ فُلانٌ أنْ يَسْجُدَ لِلَّهِ ولا عَمْرٌو، فَلا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّ عَمْرًا أفْضَلُ مِن زَيْدٍ. وإنْ سَلَّمْنا ذَلِكَ فَلَيْسَتِ (p-٤٠٤)الآيَةُ مِن هَذا القَبِيلِ، لِأنَّهُ قابَلَ مُفْرَدًا بِجَمْعٍ، ولَمْ يُقابِلْ مُفْرَدًا بِمُفْرَدٍ ولا جَمْعًا بِجَمْعٍ. فَقَدْ يُقالُ: الجَمْعُ أفْضَلُ مِنَ المُفْرَدِ، ولا يَلْزَمُ مِنَ الآيَةِ تَفْضِيلُ الجَمْعِ عَلى الجَمْعِ، ولا المُفْرَدُ عَلى المُفْرَدِ. وإنْ سَلَّمْنا أنَّ المَعْطُوفَ في الآيَةِ أرْفَعُ مِنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ بِحَسَبِ ما أُلْقِيَ في أذْهانِ العَرَبِ وغَيْرِهِمْ مِن تَعْظِيمِ المَلَكِ وتَرْفِيعِهِ، حَتّى إنَّهم يَنْفُونَ البَشَرِيَّةَ عَنِ المَمْدُوحِ ويُثْبِتُونَ لَهُ المَلَكِيَّةَ، ولا يَدُلُّ تَخَيُّلُهم ذَلِكَ عَلى أنَّهُ في نَفْسِ الأمْرِ أفْضَلُ وأعْظَمُ ثَوابًا ومِمّا ورَدَ مِن ذَلِكَ عَلى حَسَبِ ما أُلْقِيَ في الأذْهانِ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنِ النِّسْوَةِ الَّتِي فاجَأهُنَّ حُسْنُ يُوسُفَ: ﴿فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ وقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ وقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هَذا بَشَرًا إنْ هَذا إلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١] وقالَ الشّاعِرُ:
؎فَلَسْتَ بِإنْسِيٍّ ولَكِنْ لِمَلْأكٍ ∗∗∗ تَنَزَّلَ مِن جَوْفِ السَّماءِ يُصَوِّبُ
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): عَلامَ عُطِفَ ﴿ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾ ؟ (قُلْتُ): إمّا أنْ يُعْطَفَ عَلى المَسِيحِ، أوْ عَلى اسْمِ (يَكُونَ) أوْ عَلى المُسْتَتِرِ في عَبْدًا لِما فِيهِ مِن مَعْنى الوَصْفِ، لِدَلالَتِهِ عَلى مَعْنى العِبادَةِ، وقَوْلُكَ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ عَبْدٌ أبُوهُ، فالعَطْفُ عَلى المَسِيحِ هو الظّاهِرُ لِأداءِ غَيْرِهِ إلى ما فِيهِ بَعْضُ انْحِرافٍ عَنِ الغَرَضِ، وهو أنَّ المَسِيحَ لا يَأْنَفُ أنْ يَكُونَ هو ولا مَن فَوْقَهُ مَوْصُوفِينَ بِالعُبُودِيَّةِ، أوْ أنْ يَعْبُدَ اللَّهَ هو ومَن فَوْقَهُ. انْتَهى. والِانْحِرافُ عَنِ الغَرَضِ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ هو كَوْنُ الِاسْتِنْكافِ يَكُونُ مُخْتَصًّا بِالمَسِيحِ، والمَعْنى القائِمُ اشْتِراكُ المَلائِكَةِ مَعَ المَسِيحِ في انْتِفاءِ الِاسْتِنْكافِ عَنِ العُبُودِيَّةِ، لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنِ اسْتِنْكافِهِ وحْدَهُ أنْ يَكُونَ هو والمَلائِكَةُ عَبِيدًا، أوْ أنْ يَكُونَ هو وهم يَعْبُدُ رَبَّهُ - اسْتِنْكافُهم هم، فَقَدْ يَرْضى شَخْصٌ أنْ يَضْرِبَ هو وزَيْدٌ عَمْرًا ولا يَرْضى ذَلِكَ زَيْدٌ ويَظْهَرُ أيْضًا مَرْجُوحِيَّـةُ الوَجْهَيْنِ مِن جِهَةِ دُخُولِ لا، إذْ لَوْ أُرِيدَ العَطْفُ عَلى الضَّمِيرِ في يَكُونَ، أوْ عَلى المُسْتَتِرِ في عَبْدًا؛ لَمْ تَدْخُلْ لا، بَلْ كانَ يَكُونُ التَّرْكِيبُ بِدُونِها تَقُولُ: ما يُرِيدُ زَيْدٌ أنْ يَكُونَ هو وأبُوهُ قائِمَيْنِ، وتَقُولُ: ما يُرِيدُ زَيْدٌ أنْ يَصْطَلِحَ هو وعَمْرٌو، فَهَذانِ ونَحْوُهُما لَيْسا مِن مَظِنّاتِ دُخُولِ لا، فَإنْ وُجِدَ مِن لِسانِ العَرَبِ دُخُولُ لا في نَحْوٍ مِن هَذا فَهي زائِدَةٌ.
﴿ومَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ ويَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهم إلَيْهِ جَمِيعًا﴾ حُمِلَ أوَّلًا عَلى لَفْظِ (مَن) فَأفْرَدَ الضَّمِيرَ في (يَسْتَنْكِفْ) (ويَسْتَكْبِرْ)، ثُمَّ حُمِلَ عَلى المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ﴾، فالضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى مَعْنى (مَن) هَذا هو الظّاهِرُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عامًّا عائِدًا عَلى الخَلْقِ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، لِأنَّ الحَشْرَ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالمُسْتَنْكِفِ، ولِأنَّ التَّفْصِيلَ بَعْدَهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ. ويَكُونُ رَبْطُ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ جَوابًا (p-٤٠٥)لِاسْمِ الشَّرْطِ بِالعُمُومِ الَّذِي فِيها، ويَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلى مَعْنى (مَن)، ويَكُونُ قَدْ حُذِفَ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ لِمُقابَلَتِهِ إيّاهُ؛ التَّقْدِيرُ: فَسَيَحْشُرُهم ومَن لَمْ يَسْتَنْكِفْ إلَيْهِ جَمِيعًا كَقَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] أيْ: والبَرْدَ. وعَلى هَذَيْنِ الِاحْتِمالَيْنِ يَكُونُ ما فُصِّلَ بِإمّا مُطابِقًا لِما قَبْلَهُ، وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ لا يُطابِقُ. والإخْبارُ بِالحَشْرِ إلَيْهِ وعِيدٌ، إذِ المَعْنِيُّ بِهِ الجَمْعُ يَوْمَ القِيامَةِ حَيْثُ يُذَلُّ المُسْتَنْكِفُ المُسْتَكْبِرُ. وقَرَأ الحَسَنُ: بِالنُّونِ بَدَلَ الياءِ في ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ﴾، وباءُ ﴿فَيُعَذِّبُهُمْ﴾ عَلى التَّخْفِيفِ.
﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: لا يَبْخَسُ أحَدًا قَلِيلًا ولا كَثِيرًا، والزِّيادَةُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ في أنَّ الحَسَنَةَ بِعَشْرٍ إلى سَبْعِمِائَةٍ، والتَّضْعِيفُ الَّذِي لَيْسَ بِمَحْصُورٍ في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١] . قالَ مَعْناهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، ﴿وأمّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا واسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهم عَذابًا ألِيمًا ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ هَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ لِلَّذِينِ يَتْرُكُونَ عِبادَةَ اللَّهِ أنَفَةً تَكَبُّرًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا الِاسْتِنْكافُ إنَّما يَكُونُ مِنَ الكُفّارِ عَنِ اتِّباعِ الأنْبِياءِ وما جَرى مَجْراهُ كَفِعْلِ حُيَـيِّ بْنِ أخْطَبَ وأخِيهِ أبِي ياسِرٍ وأبِي جَهْلٍ وغَيْرِهِمْ بِالرَّسُولِ، فَإذا فَرَضْتَ أحَدًا مِنَ البَشَرِ عَرَفَ اللَّهَ فَمُحالٌ أنْ تَجِدَهُ يَكْفُرُ بِهِ تَكَبُّرًا عَلَيْهِ، والعِنادُ إنَّما يَسُوقُ إلَيْهِ الِاسْتِكْبارُ عَلى البَشَرِ، ومَعَ تَفاوُتِ المَنازِلِ في ظَنِّ المُسْتَكْبِرِ. انْتَهى. وقَدَّمَ ذِكْرَ ثَوابِ المُؤْمِنِ لِأنَّ الإحْسانَ إلَيْهِ مِمّا يَعُمُّ المُسْتَنْكِفَ إذا كانَ داخِلًا في جُمْلَةِ التَّنْكِيلِ بِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ومَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ ويَسْتَكْبِرْ فَسَيُعَذَّبُ بِالحَشْرِ إذا رَأى أُجُورَ العامِلِينَ، وبِما يُصِيبُهُ مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى.
النساء 4:174
﴿ياأيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ مِن رَبِّكم وأنْزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا﴾ الجُمْهُورُ عَلى أنَّ البُرْهانَ هُ ومُحَمَّدٌ، ﷺ، وسَمّاهُ بُرْهانًا لِأنَّ مِنهُ البُرْهانَ، وهو المُعْجِزَةُ. وقالَ مُجاهِدٌ: البُرْهانُ هُنا الحُجَّةُ، وقِيلَ: الإسْلامُ، والنُّورُ المُبِينُ هو القُرْآنُ.
﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ واعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهم في رَحْمَةٍ مِنهُ وفَضْلٍ ويَهْدِيهِمْ إلَيْهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (بِهِ) عائِدٌ عَلى (اللَّهِ) لِقُرْبِهِ وصِحَّةِ المَعْنى، ولِقَوْلِهِ: ﴿واعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٤٦] . ويَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ عَلى القُرْآنِ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا﴾ وفي الحَدِيثِ: «القُرْآنُ حَبْلُ اللَّهِ المَتِينُ مَن تَمَسَّكَ بِهِ عُصِمَ» . والرَّحْمَةُ والفَضْلُ: الجَنَّةُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿فِي رَحْمَةٍ مِنهُ وفَضْلٍ﴾ في ثَوابٍ مُسْتَحَقٍّ وتَفَضُّلٍ. انْتَهى. ولَفْظُ مُسْتَحَقٍّ مِن ألْفاظِ المُعْتَزِلَةِ. وقِيلَ: الرَّحْمَةُ زِيادَةُ تَرْقِيَةٍ، ورَفْعُ دَرَجاتٍ. وقِيلَ: الرَّحْمَةُ التَّوْفِيقُ، والفَضْلُ القَبُولُ. والضَّمِيرُ في (إلَيْهِ) عائِدٌ عَلى الفَضْلِ، وهي هِدايَةُ طَرِيقِ الجِنانِ كَما قالَ تَعالى: ﴿سَيَهْدِيهِمْ ويُصْلِحُ بالَهم ويُدْخِلُهُمُ﴾ [محمد: ٥] لِأنَّ هِدايَةَ الإرْشادِ قَدْ تَقَدَّمَتْ وتَحَصَّلَتْ حِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ واعْتَصَمُوا، وعَلى هَذا الصِّراطِ طَرِيقُ الجَنَّةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَهْدِيهِمْ إلى عِبادَتِهِ، فَجَعَلَ الضَّمِيرَ عائِدًا عَلى اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ وهَذا هو الظّاهِرُ، لِأنَّهُ المُحَدَّثُ عَنْهُ، وفي رَحْمَةٍ مِنهُ وفَضْلٍ لَيْسَ مُحَدَّثًا عَنْهُما. قالَ أبُو عَلِيٍّ: هي راجِعَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِنِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى؛ والمَعْنى: ويَهْدِيهِمْ إلى صِراطِهِ، فَإذا جَعَلْنا صِراطًا مُسْتَقِيمًا نَصْبًا عَلى الحالِ كانَتِ الحالُ مِن هَذا المَحْذُوفِ. انْتَهى. ويَعْنِي: دِينَ الإسْلامِ. وقِيلَ: الهاءُ عائِدَةٌ عَلى الرَّحْمَةِ والفَضْلِ لِأنَّهُما في مَعْنى الثَّوابِ. وقِيلَ: هي عائِدَةٌ عَلى القُرْآنِ. وقِيلَ: مَعْنى صِراطًا مُسْتَقِيمًا عَمَلًا صالِحًا.
النساء 4:175
﴿ياأيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ مِن رَبِّكم وأنْزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا﴾ الجُمْهُورُ عَلى أنَّ البُرْهانَ هُ ومُحَمَّدٌ، ﷺ، وسَمّاهُ بُرْهانًا لِأنَّ مِنهُ البُرْهانَ، وهو المُعْجِزَةُ. وقالَ مُجاهِدٌ: البُرْهانُ هُنا الحُجَّةُ، وقِيلَ: الإسْلامُ، والنُّورُ المُبِينُ هو القُرْآنُ.
﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ واعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهم في رَحْمَةٍ مِنهُ وفَضْلٍ ويَهْدِيهِمْ إلَيْهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (بِهِ) عائِدٌ عَلى (اللَّهِ) لِقُرْبِهِ وصِحَّةِ المَعْنى، ولِقَوْلِهِ: ﴿واعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٤٦] . ويَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ عَلى القُرْآنِ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا﴾ وفي الحَدِيثِ: «القُرْآنُ حَبْلُ اللَّهِ المَتِينُ مَن تَمَسَّكَ بِهِ عُصِمَ» . والرَّحْمَةُ والفَضْلُ: الجَنَّةُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿فِي رَحْمَةٍ مِنهُ وفَضْلٍ﴾ في ثَوابٍ مُسْتَحَقٍّ وتَفَضُّلٍ. انْتَهى. ولَفْظُ مُسْتَحَقٍّ مِن ألْفاظِ المُعْتَزِلَةِ. وقِيلَ: الرَّحْمَةُ زِيادَةُ تَرْقِيَةٍ، ورَفْعُ دَرَجاتٍ. وقِيلَ: الرَّحْمَةُ التَّوْفِيقُ، والفَضْلُ القَبُولُ. والضَّمِيرُ في (إلَيْهِ) عائِدٌ عَلى الفَضْلِ، وهي هِدايَةُ طَرِيقِ الجِنانِ كَما قالَ تَعالى: ﴿سَيَهْدِيهِمْ ويُصْلِحُ بالَهم ويُدْخِلُهُمُ﴾ [محمد: ٥] لِأنَّ هِدايَةَ الإرْشادِ قَدْ تَقَدَّمَتْ وتَحَصَّلَتْ حِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ واعْتَصَمُوا، وعَلى هَذا الصِّراطِ طَرِيقُ الجَنَّةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَهْدِيهِمْ إلى عِبادَتِهِ، فَجَعَلَ الضَّمِيرَ عائِدًا عَلى اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ وهَذا هو الظّاهِرُ، لِأنَّهُ المُحَدَّثُ عَنْهُ، وفي رَحْمَةٍ مِنهُ وفَضْلٍ لَيْسَ مُحَدَّثًا عَنْهُما. قالَ أبُو عَلِيٍّ: هي راجِعَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِنِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى؛ والمَعْنى: ويَهْدِيهِمْ إلى صِراطِهِ، فَإذا جَعَلْنا صِراطًا مُسْتَقِيمًا نَصْبًا عَلى الحالِ كانَتِ الحالُ مِن هَذا المَحْذُوفِ. انْتَهى. ويَعْنِي: دِينَ الإسْلامِ. وقِيلَ: الهاءُ عائِدَةٌ عَلى الرَّحْمَةِ والفَضْلِ لِأنَّهُما في مَعْنى الثَّوابِ. وقِيلَ: هي عائِدَةٌ عَلى القُرْآنِ. وقِيلَ: مَعْنى صِراطًا مُسْتَقِيمًا عَمَلًا صالِحًا.
النساء 4:176
﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ﴾ قالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ: هي آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ. وقالَ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحابَةِ: مِن آخِرِ ما نَزَلَ. وقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: نَزَلَتْ بِسَبَبٍ، عادَنِي النَّبِيُّ، ﷺ، وأنا مَرِيضٌ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ أقْضِي في مالِي، وكانَ لِي تِسْعُ أخَواتٍ ولَمْ يَكُنْ لِي ولَدٌ ولا والِدٌ فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: إنَّ جابِرًا أتاهُ في طَرِيقِ مَكَّةَ عامَ حَجَّةِ الوَداعِ فَقالَ: إنَّ لِي أُخْتًا، فَكَمْ آخُذُ مِن مِيراثِها إنْ ماتَتْ، فَنَزَلَتْ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في لَفْظِ الكَلالَةِ اشْتِقاقًا ومَدْلُولًا وكانَ (p-٤٠٦)أمْرُها أمْرًا مُشْكِلًا، رُوِيَ عَنْهُ في أخْبارِها رِواياتٌ، وفي حَدِيثِهِ «أنَّ الرَّسُولَ، ﷺ، قالَ: يَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ الَّتِي نَزَلَتْ في آخِرِ سُورَةِ النِّساءِ» . وقَدْ رَوى أبُو سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ، ﷺ: ”الَّتِي أُنْزِلَتْ في الصَّيْفِ؛ هي ﴿وإنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً﴾ [النساء: ١٢]“ والظّاهِرُ أنَّها ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ لِأنَّ البَراءَ قالَ: هي آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، «يَكْفِيكَ مِنها آيَةُ الصَّيْفِ»؛ بَيانٌ فِيهِ كِفايَةٌ وجَلاءٌ. ولا أدْرِي ما الَّذِي أشْكَلَ مِنها عَلى الفارُوقِ، رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ دَلالَةُ اللَّفْظِ اضْطَرَبَتْ عَلى كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ، ولِذَلِكَ قالَ بَعْضُهم: الكَلالَةُ المَيِّتُ نَفْسُهُ. وقالَ آخَرُونَ: الكَلالَةُ المالُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الخِلافِ. انْتَهى كَلامُهُ. وقَدْ خُتِمَتْ هَذِهِ السُّورَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ كَما بُدِئَتْ أوَّلًا بِأحْكامِ الأمْوالِ في الإرْثِ وغَيْرِهِ، لِيَتَشاكَلَ المَبْدَأُ والمَقْطَعُ، وكَثِيرًا ما وقَعَ ذَلِكَ في السُّورِ. رُوِيَ عَنْ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ في خُطْبَتِهِ: ”ألا إنَّ آيَةَ أوَّلِ سُورَةِ النِّساءِ أنْزَلَها اللَّهُ في الوَلَدِ والوالِدِ، والآيَةَ الثّانِيَةَ أنْزَلَها اللَّهُ في الزَّوْجِ والزَّوْجَةِ والأُخْوَةِ مِنَ الأُمِّ، والآيَةُ الَّتِي خَتَمَ بِها سُورَةَ الأنْفالِ أنْزَلَها في أُولِي الأرْحامِ“ وفي الكَلالَةِ مُتَعَلِّقٌ بِـ يُفْتِيكم عَلى طَرِيقِ إعْمالِ الثّانِي.
* *
﴿إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ ولَدٌ ولَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ﴾ المُرادُ بِالوَلَدِ الِابْنُ، وهو اسْمٌ مُشْتَرَكٌ يَجُوزُ اسْتِعْمالُهُ لِلذَّكَرِ والأُنْثى، لِأنَّ الِابْنَ يُسْقِطُ الأُخْتَ، ولا تُسْقِطُها البِنْتُ إلّا في مَذْهَبِ ابْنِ عَبّاسٍ. والمُرادُ بِالأُخْتِ الشَّقِيقَةُ، أوِ الَّتِي لِأبٍ دُونَ الَّتِي لِأُمٍّ، لِأنَّ اللَّهَ فَرَضَ لَها النِّصْفَ، وجَعَلَ أخاها عَصَبَةً. وقالَ: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] . وأمّا الأُخْتُ لِلْأُمِّ فَلَها السُّدُسُ في آيَةِ المَوارِيثِ، سَوّى بَيْنَها وبَيْنَ أخِيها. وارْتَفَعَ ﴿امْرُؤٌ﴾ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ لَهُ ولَدٌ﴾، في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ ﴿امْرُؤٌ﴾؛ أيْ: إنْ هَلَكَ امْرُؤٌ غَيْرُ ذِي ولَدٍ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ الفَصْلِ بَيْنَ النَّعْتِ والمَنعُوتِ بِالجُمْلَةِ المُفَسَّرَةِ في بابِ الِاشْتِغالِ، فَعَلى هَذا القَوْلِ زَيْدًا (p-٤٠٧)ضَرَبْتُهُ العاقِلَ. وكُلَّما جازَ الفَصْلُ بِالخَبَرِ جازَ بِالمُفَسِّرِ، ومَنَعَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ لَهُ ولَدٌ﴾، جُمْلَةً حالِيَّةً مِنَ الضَّمِيرِ في هَلَكَ، فَقالَ: ومَحَلُّ ﴿لَيْسَ لَهُ ولَدٌ﴾ الرَّفْعُ عَلى الصِّفَةِ، لا النَّصْبُ عَلى الحالِ. وأجازَ أبُو البَقاءِ فَقالَ: ﴿لَيْسَ لَهُ ولَدٌ﴾ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في هَلَكَ، ﴿ولَهُ أُخْتٌ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ أيْضًا. والَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ أنَّ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ، وذَلِكَ أنَّ المُسْنَدَ إلَيْهِ حَقِيقَةً إنَّما هو الِاسْمُ الظّاهِرُ المَعْمُولُ لِلْفِعْلِ المَحْذُوفِ، فَهو الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ التَّقْيِيدُ لَهُ، أمّا الضَّمِيرُ فَإنَّهُ في جُمْلَةٍ مُفَسِّرَةٍ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، فَصارَتْ كالمُؤَكِّدَةِ لِما سَبَقَ. وإذا تَجاذَبَ الِاتْباعَ والتَّقْيِيدَ مُؤَكِّدٌ أوْ مُؤَكَّدٌ بِالحُكْمِ، إنَّما هو لِلْمُؤَكَّدِ، إذْ هو مُعْتَمَدُ الإسْنادِ الأصْلِيِّ. فَعَلى هَذا لَوْ قُلْتَ: ضَرَبْتُ زَيْدًا ضَرَبْتُ زَيْدًا العاقِلَ، انْبَغى أنْ يَكُونَ العاقِلَ نَعْتًا لِزَيْدًا في الجُمْلَةِ الأُولى، لا لِزَيْدًا في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ، لِأنَّها جُمْلَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلْجُمْلَةِ الأُولى. والمَقْصُودُ بِالإسْنادِ إنَّما هو الجُمْلَةُ الأُولى لا الثّانِيَةُ. قِيلَ: وثَمَّ مَعْطُوفٌ مَحْذُوفٌ لِلِاخْتِصارِ، ودَلالَةُ الكَلامِ عَلَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: لَيْسَ لَهُ ولَدٌ ولا والِدٌ.
﴿وهُوَ يَرِثُها إنْ لَمْ يَكُنْ لَها ولَدٌ﴾ أيْ: إنْ قُدِّرَ الأمْرُ عَلى العَكْسِ مِن مَوْتِها وبَقائِهِ بَعْدَها. والمُرادُ بِالوَلَدِ هُنا الِابْنُ، لِأنَّ الِابْنَ يُسْقِطُ الأخَ دُونَ البِنْتِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): الِابْنُ لا يُسْقِطُ الأخَ وحْدَهُ، فَإنَّ الأبَ نَظِيرُهُ في الإسْقاطِ، فَلِمَ اقْتَصَرَ عَلى نَفْيِ الوَلَدِ (قُلْتُ): وُكِلَ حُكْمُ انْتِفاءِ الوالِدِ إلى بَيانِ السُّنَّةِ وهو قَوْلُهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ: «ألْحِقُوا الفَرائِضَ بِأهْلِها فَما بَقِيَ فَلِأوْلى عَصَبَةٍ ذَكَرٍ»، الأبُ أوْلى مِنَ الأخِ، ولَيْسا بِأوَّلِ حُكْمَيْنِ بُيِّنَ أحَدُهُما بِالكِتابِ والآخَرِ بِالسُّنَّةِ. ويَجُوزُ أنْ يَدُلَّ بِحُكْمِ انْتِفاءِ الوَلَدِ عَلى حُكْمِ انْتِفاءِ الوالِدِ، لِأنَّ الوَلَدَ أقْرَبُ إلى المَيِّتِ مِنَ الوالِدِ. فَإذا ورِثَ الأخُ عِنْدَ انْتِفاءِ الأقْرَبِ، فَأوْلى أنْ يَرِثَ عِنْدَ انْتِفاءِ الأبْعَدِ، ولِأنَّ الكَلالَةَ تَتَناوَلُ انْتِفاءَ الوالِدِ والوَلَدِ جَمِيعًا، فَكانَ ذِكْرُ انْتِفاءِ أحَدِهِما دالًّا عَلى انْتِفاءِ الآخَرِ. انْتَهى كَلامُهُ. والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (وهو) وفي (يَرِثُها)، عائِدٌ إلى ما تَقَدَّمَ لَفْظًا دُونَ مَعْنًى، فَهو مِن بابِ عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ، لِأنَّ الهالِكَ لا يَرِثُ، والحَيَّةُ لا تُورَثُ، ونَظِيرُهُ في القُرْآنِ: ﴿وما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ﴾ [فاطر: ١١] . وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَقِلَّةٌ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وهي دَلِيلُ جَوابِ الشَّرْطِ الَّذِي بَعْدَها.
﴿فَإنْ كانَتا اثْنَتَيْنِ فَلَهُما الثُّلُثانِ مِمّا تَرَكَ﴾ قالُوا: الضَّمِيرُ في ﴿كانَتا﴾ ضَمِيرُ أُخْتَيْنِ دَلَّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ولَهُ أُخْتٌ﴾ . وقَدْ تَقَرَّرَ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ (p-٤٠٨)أنَّ الخَبَرَ يُفِيدُ ما لا يُفِيدُهُ الِاسْمُ. وقَدْ مَنَعَ أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ: سَيِّدُ الجارِيَةِ مالِكُها، لِأنَّ الخَبَرَ أفادَ ما أفادَهُ المُبْتَدَأُ. والألِفُ في ﴿كانَتا﴾ تُفِيدُ التَّثْنِيَةَ كَما أفادَهُ الخَبَرُ، وهو قَوْلُهُ ﴿اثْنَتَيْنِ﴾ . وأجابَ الأخْفَشِ وغَيْرُهُ بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿اثْنَتَيْنِ﴾ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ التَّقْيِيدِ بِالصِّغَرِ أوِ الكِبَرِ أوْ غَيْرِهِما مِنَ الأوْصافِ، فاسْتَحَقَّ الثُّلْثانِ بِالِاثْنَيْنِيَّةِ مُجَرَّدَةً عَنِ القُيُودِ، فَلِهَذا كانَ مُفِيدًا وهَذا الَّذِي قالُوهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّ الألِفَ في الضَّمِيرِ لِلِاثْنَتَيْنِ يَدُلُّ أيْضًا عَلى مُجَرَّدِ الِاثْنَيْنِيَّةِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ قَيْدٍ، فَصارَ مَدْلُولُ الألِفِ ومَدْلُولُ اثْنَتَيْنِ سَواءً، وصارَ المَعْنى: فَإنْ كانَتا الأُخْتانِ اثْنَتَيْنِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الأُخْتَيْنِ اثْنَتانِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): إلى مَن يَرْجِعُ ضَمِيرُ التَّثْنِيَةِ والجَمْعِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كانَتا اثْنَتَيْنِ﴾، ﴿وإنْ كانُوا إخْوَةً﴾ (قُلْتُ): أصْلُهُ فَإنْ كانَ مَن يَرِثُ بِالأُخُوَّةِ اثْنَتَيْنِ، وإنْ كانَ مَن يَرِثُ بِالأُخُوَّةِ ذُكُورًا وإناثًا. وإنَّما قِيلَ: ﴿فَإنْ كانَتا﴾، وإنْ كانُوا؛ كَما قِيلَ: مَن كانَتْ أُمَّكَ، فَكَما أنَّثَ ضَمِيرَ (مَن) لِمَكانِ تَأْنِيثِ الخَبَرِ، كَذَلِكَ ثَنّى، وجَمَعَ ضَمِيرَ مَن يَرِثُ في كانَتا وكانُوا، لِمَكانِ تَثْنِيَةِ الخَبَرِ وجَمْعِهِ. انْتَهى. وهو تابِعٌ في هَذا التَّخْرِيجِ غَيْرَهُ، وهو تَخْرِيجٌ لا يَصِحُّ، ولَيْسَ نَظِيرَ ”مَن كانَتْ أُمَّكَ“ لِأنَّ مَن صُرِّحَ بِها ولَها لَفْظٌ ومَعْنًى. فَمَن أنَّثَ راعى المَعْنى، لِأنَّ التَّقْدِيرَ: أيَّةُ أُمٍّ كانَتْ أُمَّكَ. ومَدْلُولُ الخَبَرِ في هَذا مُخالِفٌ لِمَدْلُولِ الِاسْمِ، بِخِلافِ الآيَةِ، فَإنَّ المَدْلُولَيْنِ واحِدٌ، ولَمْ يُؤَنَّثْ في مَن كانَتْ أُمَّكَ لِتَأْنِيثِ الخَبَرِ، إنَّما أُنِّثَ مُراعاةً لِمَعْنى مَن إذْ أرادَ بِها مُؤَنَّثًا. ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: مَن قامَتْ فَتُؤَنَّثُ مُراعاةً لِلْمَعْنى إذا أرَدْتَ السُّؤالَ عَنْ مُؤَنَّثٍ، ولا خَبَرَ هُنا فَيُؤَنَّثُ قامَتْ لِأجْلِهِ. والَّذِي يَظْهَرُ لِي في تَخْرِيجِ الآيَةِ غَيْرُ ما ذُكِرَ. وذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما: إنَّ الضَّمِيرَ في كانَتا لا يَعُودُ عَلى (أُخْتَيْنِ) إنَّما هو يَعُودُ عَلى الوارِثَتَيْنِ، ويَكُونُ ثَمَّ صِفَةٌ مَحْذُوفَةٌ، واثْنَتَيْنِ بِصِفَتِهِ هو الخَبَرُ، والتَّقْدِيرُ: فَإنْ كانَتِ الوارِثَتانِ اثْنَتَيْنِ مِنَ الأخَواتِ فَلَهُما الثُّلْثانِ مِمّا تَرَكَ، فَيُفِيدُ إذْ ذاكَ الخَبَرُ ما لا يُفِيدُ الِاسْمُ، وحَذْفُ الصِّفَةِ لِفَهْمِ المَعْنى جائِزٌ؛ والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى الأُخْتَيْنِ كَما ذَكَرُوا، ويَكُونَ خَبَرُ كانَ مَحْذُوفًا لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، وإنْ كانَ حَذْفُهُ قَلِيلًا، ويَكُونَ اثْنَتَيْنِ حالًا مُؤَكِّدَةً؛ والتَّقْدِيرُ: فَإنْ كانَتْ أُخْتانِ لَهُ؛ أيْ: لِلْمَرْءِ الهالِكِ. ويَدُلُّ عَلى حَذْفِ الخَبَرِ الَّذِي هو لَهُ: ولَهُ أُخْتٌ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَإنْ كانَتْ أُخْتانِ لَهُ، ونَظِيرُهُ أنْ تَقُولَ: إنْ كانَ لِزَيْدٍ أخٌ فَحُكْمُهُ كَذا، وإنْ كانَ أخَوانِ فَحُكْمُهُما كَذا. تُرِيدُ وإنْ كانَ أخَوانِ لَهُ.
﴿وإنْ كانُوا إخْوَةً رِجالًا ونِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ يَعْنِي أنَّهم يَحُوزُونَ المالَ عَلى ما تَقَرَّرَ في إرْثِ الأوْلادِ مِن أنَّ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ. والضَّمِيرُ في (كانُوا) إنْ عادَ عَلى الإخْوَةِ فَقَدْ أفادَ الخَبَرُ بِالتَّفْصِيلِ المُحْتَوِي عَلى الرِّجالِ والنِّساءِ، ما لَمْ يُفِدْهُ الِاسْمُ، لِأنَّ الِاسْمَ ظاهِرٌ في الذُّكُورِ. وإنْ عادَ عَلى الوارِثِ فَظَهَرَتْ إفادَةُ الخَبَرِ ما يُفِيدُ المُبْتَدَأُ ظُهُورًا واضِحًا. والمُرادُ بِقَوْلِهِ: إخْوَةً: الإخْوَةُ والأخَواتُ، وغَلَبَ حُكْمُ المُذَكَّرِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: فَإنَّ لِلذِّكْرِ مِثْلَ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ.
﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ ﴿أنْ تَضِلُّوا﴾ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، ومَفْعُولُ يُبَيِّنُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: يُبَيِّنُ لَكُمُ الحَقَّ. فَقَدَّرَهُ البَصْرِيُّ والمُبَرِّدُ وغَيْرُهُ (p-٤٠٩)كَراهَةَ أنْ تَضِلُّوا. وقَرَأ الكُوفِيُّ، والفَرّاءُ، والكِسائِيُّ، وتَبِعَهُمُ الزَّجّاجُ: لِأنْ لا تَضِلُّوا، وحَذَفَ لا، ومِثْلُهُ عِنْدَهم قَوْلُ القَطامِيِّ:
؎رَأيْنا ما رَأى البُصَراءُ مِنّا فَآلَيْنا عَلَيْها أنْ تُباعا
أيْ: أنْ لا تُباعا، وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ قالَ: حَدَّثْتُ الكِسائِيَّ بِحَدِيثٍ رَواهُ ابْنُ عُمَرَ فِيهِ: لا يَدْعُوَنَّ أحَدُكم عَلى ولَدِهِ أنْ يُوافِقَ مِنَ اللَّهِ إجابَةً؛ فاسْتَحْسَنَهُ أيْ: لِئَلّا يُوافِقَ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا﴾ [فاطر: ٤١] . أيْ: لِأنْ لا تَزُولا؛ ورَجَّحَ أبُو عَلِيٍّ قَوْلَ المُبَرِّدِ بِأنْ قالَ حَذْفُ المُضافِ أسْوَغُ وأشْبَعُ مِن حَذْفِ لا. وقِيلَ، ﴿أنْ تَضِلُّوا﴾: مَفْعُولٌ بِهِ؛ أيْ: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الضَّلالَةَ أنْ تَضِلُّوا فِيها.
﴿واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ يَعْلَمُ مَصالِحَ العِبادِ في المَبْدَأِ والمَعادِ، وفِيما كَلَّفَهم بِهِ مِنَ الأحْكامِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: في هَذِهِ السُّورَةِ لَطِيفَةٌ عَجِيبَةٌ وهي أنَّ أوَّلَها مُشْتَمِلٌ عَلى كَمالِ تَنَزُّهِ اللَّهِ تَعالى وسَعَةِ قُدْرَتِهِ، وآخِرُها مُشْتَمِلٌ عَلى بَيانِ كَمالِ العِلْمِ، وهَذانِ الوَصْفانِ بِهِما تَثْبُتُ الرُّبُوبِيَّةُ والإلَهِيَّةُ والجَلالُ والعِزَّةُ، وبِهِما يَجِبُ أنْ يَكُونَ العَبْدُ مُنْقادًا لِلتَّكالِيفِ. وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ أنْواعًا مِنَ الفَصاحَةِ والبَيانِ والبَدِيعِ. فَمِن ذَلِكَ الطِّباقُ في: حَرَّمْنا ﴿وأُحِلَّتْ﴾ [الحج: ٣٠]، وفي: فَآمِنُوا وإنْ تَكْفُرُوا. والتَّكْرارُ في: ﴿وما قَتَلُوهُ﴾ [النساء: ١٥٧]، وفي: وأوْحَيْنا، وفي: ﴿ورُسُلًا﴾ [النساء: ١٦٤]، وفي: يَشْهَدُ ويَشْهَدُونَ، وفي: كَفَرُوا، وفي: مَرْيَمَ، وفي: اسْمِ اللَّهِ. والِالتِفاتُ في: فَسَوْفَ نُؤْتِيهِمْ، وفي: فَسَنَحْشُرُهم وما بَعْدَ (ما) في قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالنُّونِ. والتَّشْبِيهُ في: ﴿كَما أوْحَيْنا﴾ [النساء: ١٦٣] . والِاسْتِعارَةُ في: ﴿الرّاسِخُونَ﴾ [النساء: ١٦٢] وهي في الأجْرامِ اسْتُعِيرَتْ لِلثُّبُوتِ في العِلْمِ والتَّمَكُّنِ فِيهِ، وفي: سَبِيلِ اللَّهِ، وفي: يَشْهَدُ، وفي: طَرِيقًا، وفي: ﴿لا تَغْلُوا﴾ [النساء: ١٧١]؛ والغُلُوُّ حَقِيقَةً في ارْتِفاعِ السِّعْرِ، وفي: وكِيلًا اسْتُعِيرَ لِإحاطَةِ عِلْمِ اللَّهِ بِهِمْ، وفي: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ [النساء: ١٧٣] اسْتُعِيرَ لِلْمُجازاةِ. والتَّجْنِيسُ المُماثِلُ في: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ ويُفْتِيكم. والتَّفْصِيلُ في: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النساء: ١٧٥] ﴿وأمّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا﴾ [النساء: ١٧٣] . والحَذْفُ في عِدَّةِ مَواضِعَ.