Al-Bahr Al-Muhit — المائدة 5:29 – المائدة 5:83
المحتويات
- المائدة 5:29
- المائدة 5:30
- المائدة 5:31
- المائدة 5:32
- المائدة 5:33
- المائدة 5:34
- المائدة 5:35
- المائدة 5:36
- المائدة 5:37
- المائدة 5:38
- المائدة 5:39
- المائدة 5:40
- المائدة 5:41
- المائدة 5:42
- المائدة 5:43
- المائدة 5:44
- المائدة 5:45
- المائدة 5:46
- المائدة 5:47
- المائدة 5:48
- المائدة 5:49
- المائدة 5:50
- المائدة 5:51
- المائدة 5:52
- المائدة 5:53
- المائدة 5:54
- المائدة 5:55
- المائدة 5:56
- المائدة 5:57
- المائدة 5:58
- المائدة 5:59
- المائدة 5:60
- المائدة 5:61
- المائدة 5:62
- المائدة 5:63
- المائدة 5:64
- المائدة 5:65
- المائدة 5:66
- المائدة 5:67
- المائدة 5:68
- المائدة 5:69
- المائدة 5:70
- المائدة 5:71
- المائدة 5:72
- المائدة 5:73
- المائدة 5:74
- المائدة 5:75
- المائدة 5:76
- المائدة 5:77
- المائدة 5:78
- المائدة 5:79
- المائدة 5:80
- المائدة 5:81
- المائدة 5:82
- المائدة 5:83
المائدة 5:29
﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي وإثْمِكَ فَتَكُونَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ الإرادَةَ هُنا مَجازٌ لا مَحَبَّةُ إيثارِ شَهْوَةٍ، وإنَّما هي تَخْيِيرٌ في شَرَّيْنِ كَما تَقُولُ العَرَبُ في الشَّرِّ خِيارٌ؛ والمَعْنى: إنْ قَتَلْتَنِي؛ وسَبَقَ بِذَلِكَ قَدَرٌ، فاخْتِيارِي أنْ أكُونَ مَظْلُومًا يَنْتَصِرُ اللَّهُ لِي في الآخِرَةِ. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ الإرادَةَ هُنا حَقِيقَةٌ لا مَجازٌ، لا يُقالُ: كَيْفَ جازَ أنْ يُرِيدَ شَقاوَةَ أخِيهِ وتَعْذِيبَهُ بِالنّارِ ؟ لِأنَّ جَزاءَ الظّالِمِ حَسَنٌ أنْ يُرادَ، وإذا جازَ أنْ يُرِيدَهُ اللَّهُ تَعالى جازَ أنْ يُرِيدَهُ العَبْدُ لِأنَّهُ لا يُرِيدُ إلّا ما هو حَسَنٌ، قالَهُالزَّمَخْشَرِيُّ، وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: إنَّما وقَعَتِ الإرادَةُ بَعْدَ ما بَسَطَ يَدَهُ لِلْقَتْلِ وهو مُسْتَقْبَحٌ، فَصارَ بِذَلِكَ كافِرًا؛ لِأنَّ مَنِ اسْتَحَلَّ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَقَدْ كَفَرَ، والكافِرُ يُرِيدُ أنْ يُرادَ بِهِ الشَّرُّ. وقِيلَ: المَعْنى أنَّهُ لَمّا قالَ: لَأقْتُلَنَّكَ اسْتَوْجَبَ النّارَ بِما تَقَدَّمَ في عِلْمِ اللَّهِ، وعَلى المُؤْمِنِ أنْ يُرِيدَ ما أرادَ اللَّهُ، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّهُما آثِمانِ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ وقَتادَةُ: تَحْمِلُ إثْمَ قَتْلِي، وإثْمَكَ الَّذِي كانَ مِنكَ قَبْلَ قَتْلِي، فَحُذِفَ المُضافُ؛ هَذا قَوْلُ عامَّةِ المُفَسِّرِينَ. وقالَ الزَّجّاجُ: بِإثْمِ قَتْلِي وإثْمِكَ الَّذِي مِن أجْلِهِ لَمْ يُتَقَبَّلْ قُرْبانُكَ، وهو راجِعٌ في المَعْنى إلى ما قَبْلَهُ. وقِيلَ: المَعْنى: بِإثْمِي أنْ لَوْ قاتَلْتُكَ وقَتَلْتُكَ، وإثْمِ نَفْسِكَ في قِتالِي وقَتْلِي، وهَذا هو الإثْمُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ، ﷺ: «إذا التَقى المُسْلِمانِ بِسَيْفَيْهِما فالقاتِلُ والمَقْتُولُ في النّارِ " . قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَذا القاتِلُ، فَما بالُ المَقْتُولِ ؟ قالَ: إنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلى قَتْلِ صاحِبِهِ» فَكَأنَّ هابِيلَ أرادَ أنِّي لَسْتُ بِحَرِيصٍ عَلى قَتْلِكَ، فالإثْمُ الَّذِي كانَ يَلْحَقُنِي لَوْ كُنْتُ حَرِيصًا عَلى قَتْلِكَ أُرِيدُ أنْ تَحْمِلَهُ أنْتَ مَعَ إثْمِكَ في قَتْلِي.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ يَحْتَمِلُ إثْمَ قَتْلِهِ لَهُ ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] ؟ (قُلْتُ): المُرادُ بِمِثْلِ إثْمِي عَلى الِاتِّساعِ في الكَلامِ كَما تَقُولُ: قَرَأْتُ قِراءَةَ فُلانٍ، وكَتَبْتُ كِتابَتَهُ، تُرِيدُ المِثْلَ وهو اتِّساعٌ فاشٍ مُسْتَفِيضٌ لا يَكادُ يُسْتَعْمَلُ غَيْرُهُ. (فَإنْ قُلْتَ): فَحِينَ كَفَّ هابِيلُ عَنْ قَتْلِ أخِيهِ واسْتَسْلَمَ وتَحَرَّجَ عَمّا كانَ مَحْظُورًا في شَرِيعَتِهِ مِنَ الدَّفْعِ، فَأيْنَ الإثْمُ حَتّى يَتَحَمَّلَ أخُوهُ مِثْلَهُ، فَيَجْتَمِعُ عَلَيْهِ الإثْمانِ ؟ (قُلْتُ): هو مُقَدَّرٌ؛ فَهو يَتَحَمَّلُ مِثْلَ الإثْمِ المُقَدَّرِ، كَأنَّهُ قالَ: إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِمِثْلِ إثْمِي لَوْ بَسَطْتُ إلَيْكَ يَدِي. انْتَهى. وقِيلَ: بِإثْمِي، الَّذِي يَخْتَصُّ بِي فِيما فَرَطَ لِي؛ أيْ: يُؤْخَذُ مِن سَيِّئاتِي فَتُطْرَحُ عَلَيْكَ بِسَبَبِ ظُلْمِكَ لِي، وتَبُوءُ بِإثْمِكَ في قَتْلِي. ويُعَضِّدُ هَذا قَوْلُ النَّبِيِّ، ﷺ: «يُؤْتى بِالظّالِمِ والمَظْلُومِ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُؤْخَذُ مِن حَسَناتِ الظّالِمِ فَيُزادُ في حَسَناتِ المَظْلُومِ حَتّى يَنْتَصِفَ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَناتٌ أُخِذَ مِن سَيِّئاتِ المَظْلُومِ فَتُطْرَحُ عَلَيْهِ» وتَلَخَّصَ مِن قَوْلِهِ ﴿بِإثْمِي وإثْمِكَ﴾ وجْهانِ؛ أحَدُهُما: بِإثْمِي اللّاحِقِ لِي؛ أيْ: بِمِثْلِ إثْمِي اللّاحِقِ لِي عَلى تَقْدِيرِ وُقُوعِ قَتْلِي لَكَ، وإثْمِكَ اللّاحِقِ لَكَ بِسَبَبِ قَتْلِي. والثّانِي: بِإثْمِي اللّاحِقِ لَكَ بِسَبَبِ قَتْلِي، وأضافَهُ إلَيْهِ لَمّا كانَ سَبَبًا لَهُ، وإثْمِكَ اللّاحِقِ لَكَ قَبْلَ قَتْلِي. وهَذانِ الوَجْهانِ عَلى إثْباتِ الإرادَةِ المَجازِيَّةِ والحَقِيقِيَّةِ. وقِيلَ المَعْنى عَلى النَّفْيِ؛ التَّقْدِيرُ: إنِّي أُرِيدُ أنْ لا تَبُوءَ بِإثْمِي وإثْمِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥] أيْ: أنْ لا تَمِيدَ، و﴿أنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ٤٤]؛ أيْ: لا تَضِلُّوا، فَحَذَفَ لا. وهَذا التَّأْوِيلُ فِرارٌ مِن إثْباتِ إرادَةِ الشَّرِّ لِأخِيهِ المُؤْمِنِ، وضَعَّفَ القُرْطُبِيُّ هَذا الوَجْهَ بِقَوْلِهِ، ﷺ: «لا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إلّا كانَ عَلى ابْنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِن دَمِها، لِأنَّهُ أوَّلُ مَن سَنَّ القَتْلَ» فَثَبَتَ بِهَذا أنَّ إثْمَ القاتِلِ حاصِلٌ. انْتَهى. ولا يُضَعَّفُ هَذا القَوْلُ بِما ذَكَرَهُ القُرْطُبِيُّ، لِأنَّ قائِلَ هَذا لا يَلْزَمُ مِن نَفْيِ إرادَتِهِ القَتْلَ أنْ لا يَقَعَ القَتْلُ، بَلْ قَدْ لا يُرِيدُهُ ويَقَعُ. ونَصَرَ تَأْوِيلَ النَّفْيِالماوَرْدِيُّ وقالَ: إنَّ القَتْلَ قَبِيحٌ، وإرادَةُ القَبِيحِ قَبِيحَةٌ، ومِنَ الأنْبِياءِ أقْبَحُ. ويُؤَيِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ قِراءَةُ مَن قَرَأ (أنّى أُرِيدُ) ؟ أيْ: كَيْفَ أُرِيدُ ؟ ومَعْناهُ اسْتِبْعادُ الإرادَةِ (p-٤٦٤)ولِهَذا قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ هَذا الِاسْتِفْهامَ عَلى جِهَةِ الإنْكارِ؛ أيْ: أنّى، فَحَذَفَ الهَمْزَةَ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، لِأنَّ إرادَةَ القَتْلِ مَعْصِيَةٌ؛ حَكاهُ القُشَيْرِيُّ. انْتَهى. وهَذا كُلُّهُ خُرُوجٌ عَنْ ظاهِرِ اللَّفْظِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ وقَدْ تَقَدَّمَ إيضاحُ الإرادَةِ، وجَوازُ وُرُودِها هُنا، واسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿فَتَكُونَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾، عَلى أنَّ قابِيلَ كانَ كافِرًا لِأنَّ هَذا اللَّفْظَ إنَّما ورَدَ في القُرْآنِ في الكُفّارِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، ولا يَقْوى هَذا الِاسْتِدْلالُ لِأنَّهُ يُكَنّى عَنِ المُقامِ في النّارِ مُدَّةً بِالصُّحْبَةِ.
﴿وذَلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: وكَيْنُونَتُكَ مِن أصْحابِ النّارِ جَزاؤُكَ، لِأنَّكَ ظالِمٌ في قَتْلِي. ونَبَّهَ بِقَوْلِهِ: ﴿الظّالِمِينَ﴾، عَلى السَّبَبِ المُوجِبِ لِلْقَتْلِ، وأنَّهُ قَتْلٌ بِظُلْمٍ لا بِحَقٍّ. والظّاهِرُ أنَّهُ مِن كَلامِ هابِيلَ، نَبَّهَهُ عَلى العِلَّةِ لِيَرْتَدِعَ. وقِيلَ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، لا حِكايَةُ كَلامِ هابِيلَ، بَلْ إخْبارٌ مِنهُ تَعالى لِلرَّسُولِ، ﷺ .
﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أخِيهِ فَقَتَلَهُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَعَثَتْهُ عَلى قَتْلِهِ. وقالَ أيْضًا هو ومُجاهِدٌ: شَجَّعَتْهُ. وقالَ قَتادَةُ: زَيَّنَتْ لَهُ. وقالَ الأخْفَشِ: رَخَّصَتْ. وقالَ المُبَرِّدُ: مِنَ الطَّوْعِ، والعَرَبُ تَقُولُ: طاعَ لَهُ كَذا؛ أيْ: أتاهُ طَوْعًا. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: تابَعَتْهُ وانْقادَتْ لَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وسَّعَتْهُ لَهُ ويَسَّرَتْهُ، مِن طاعَ لَهُ المَرْتَعُ إذا اتَّسَعَ. وهَذِهِ أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ في المَعْنى، وهو فِعْلٌ مِنَ الطَّوْعِ وهو الِانْقِيادُ، كَأنَّ القَتْلَ كانَ مُمْتَنِعًا عَلَيْهِ مُتَعاصِيًا. وأصْلُهُ: طاعَ لَهُ قَتْلُ أخِيهِ؛ أيِ: انْقادَ لَهُ وسَهُلَ، ثُمَّ عُدِّيَ بِالتَّضْعِيفِ فَصارَ الفاعِلُ مَفْعُولًا؛ والمَعْنى: أنَّ القَتْلَ في نَفْسِهِ مُسْتَصْعَبٌ عَظِيمٌ عَلى النُّفُوسِ، فَرَدَّتْهُ هَذِهِ النَّفْسُ اللَّحُوحُ الأمّارَةُ بِالسُّوءِ طائِعًا مُنْقادًا حَتّى أوْقَعَهُ صاحِبُ هَذِهِ النَّفْسِ.
وقَرَأ الحَسَنُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والجَرّاحُ، والحَسَنُ بْنُ عِمْرانَ، وأبُو واقِدٍ: (فَطاوَعَتْهُ)، فَيَكُونُ فاعَلَ، فِيهِ الِاشْتِراكُ، نَحْوَ: ضارَبْتُ زَيْدًا، كَأنَّ القَتْلَ يَدْعُوهُ بِسَبَبِ الحَسَدِ إصابَةَ قابِيلَ، أوْ كَأنَّ النَّفْسَ تَأْبى ذَلِكَ ويَصْعُبُ عَلَيْها، وكُلٌّ مِنهُما يُرِيدُ أنْ يُطِيعَهُ الآخَرُ، إلى أنْ تَفاقَمَ الأمْرُ وطاوَعَتِ النَّفْسُ القَتْلَ فَوافَقَتْهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِيهِ وجْهانِ: أنْ يَكُونَ مِمّا جاءَ مِن فاعَلَ بِمَعْنى فَعَلَ، وأنْ يُرادَ أنْ قَتَلَ أخِيهِ، كَأنَّهُ دَعا نَفْسَهُ إلى الإقْدامِ عَلَيْهِ فَطاوَعَتْهُ ولَمْ تَمْتَنِعْ، و(لَهُ) لِزِيادَةِ الرَّبْطِ؛ كَقَوْلِكَ: حَفِظْتُ لِزَيْدٍ مالَهُ. انْتَهى. فَأمّا الوَجْهُ الثّانِي فَهو مُوافِقٌ لِما ذَكَرْناهُ، وأمّا الوَجْهُ الأوَّلُ فَقَدْ ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ: ضاعَفْتُ وضَعِفْتُ، مِثْلَ: ناعَمْتُ ونَعِمْتُ. وقالَ: فَجاءُوا بِهِ عَلى مِثالِ عاقَبْتُهُ، وقالَ: وقَدْ يَجِيءُ فاعَلْتُ لا يُرِيدُ بِها عَمَلَ اثْنَيْنِ، ولَكِنَّهم بَنَوْا عَلَيْهِ الفِعْلَ كَما بَنَوْهُ عَلى أفْعَلْتُ، وذَكَرَ أمْثِلَةً مِنها عافاهُ اللَّهُ. وهَذا المَعْنى وهو أنَّ فاعَلَ بِمَعْنى فَعَلَ، أغْفَلَهُ بَعْضُ المُصَنِّفِينَ مِن أصْحابِنا في التَّصْرِيفِ: كابْنِ عُصْفُورٍ، وابْنِ مالِكٍ، وناهِيكَ بِهِما جَمْعًا واطِّلاعًا، فَلَمْ يُذْكَرْ أنَّ فاعَلَ يَجِيءُ بِمَعْنى فَعَلَ، ولا فَعَلَ بِمَعْنى فاعَلَ. وقَوْلُهُ: و(لَهُ) لِزِيادَةِ الرَّبْطِ؛ يَعْنِي: في قَوْلِهِ ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ﴾؛ يَعْنِي: أنَّهُ لَوْ جاءَ فَطَوَّعَتْ نَفْسُهُ قَتْلَ أخِيهِ لَكانَ كَلامًا تامًّا جارِيًا عَلى كَلامِ العَرَبِ، وإنَّما جِيءَ بِهِ عَلى سَبِيلِ زِيادَةِ الرَّبْطِ لِلْكَلامِ، إذِ الرَّبْطُ يَحْصُلُ بِدُونِهِ. كَما إنَّكَ لَوْ قُلْتَ: حَفِظْتُ مالَ زَيْدٍ، كانَ كَلامًا تامًّا.
﴿فَقَتَلَهُ﴾ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ قَتَلَهُ وتَكَلَّمَ المُفَسِّرُونَ في أشْياءَ مِن كَيْفِيَّتِهِ، ومَكانِ قَتْلِهِ، وعُمْرِهِ حِينَ قُتِلَ، ولَهم في ذَلِكَ اخْتِلافٌ، ولَمْ تَتَعَرَّضِ الآيَةُ لِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ.
(p-٤٦٥)﴿فَأصْبَحَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ أصْبَحَ: بِمَعْنى صارَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أُقِيمَ بَعْضُ الزَّمانِ مَقامَ كُلِّهِ، وخُصَّ الصَّباحُ بِذَلِكَ لِأنَّهُ بَدْءُ النَّهارِ والِانْبِعاثِ إلى الأُمُورِ ومَظِنَّةُ النَّشاطِ، ومِنهُ قَوْلُ الرَّبِيعِ:
؎أصْبَحْتُ لا أحْمِلُ السِّلاحَ ولا، وقَوْلُ سَعْدٍ: ثُمَّ أصْبَحَتْ بَنُو سَعْدٍ تُعَزِّزُنِي عَلى الإسْلامِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنِ اسْتِعْمالِ العَرَبِ لِما ذَكَرْناهُ. انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ مِن تَعْلِيلِ كَوْنِ (أصْبَحَ) عِبارَةً عَنْ جَمِيعِ أوْقاتِهِ، وأُقِيمَ بَعْضُ الزَّمانِ مَقامَ كُلِّهِ بِكَوْنِ الصَّباحِ خُصَّ بِذَلِكَ لِأنَّهُ بَدْءُ النَّهارِ - لَيْسَ بِجَيِّدٍ. ألا تَرى أنَّهم جَعَلُوا أضْحى، وظَلَّ، وأمْسى، وباتَ؛ بِمَعْنى: صارَ، ولَيْسَ مِنها شَيْءٌ بَدْءَ النَّهارِ ؟ فَكَما جَرَتْ هَذِهِ مَجْرى صارَ كَذَلِكَ أصْبَحَ، لا لِلْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرَها ابْنُ عَطِيَّةَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خَسِرَ في الدُّنْيا بِإسْخاطِ والِدَيْهِ وبَقائِهِ بِغَيْرِ أخٍ، وفي الآخِرَةِ بِإسْخاطِ رَبِّهِ وصَيْرُورَتِهِ إلى النّارِ. وقالَ الزَّجّاجُ: مِنَ الخاسِرِينَ لِلْحَسَناتِ. وقالَ القاضِي أبُو يَعْلى: مِنَ الخاسِرِينَ أنْفُسَهم بِإهْلاكِهِمْ إيّاها. وقالَ مُجاهِدٌ: خُسْرانُهُ أنْ عُلِّقَتْ إحْدى رِجْلَيِ القاتِلِ لِساقِها إلى فَخْذِها مِن يَوْمِئِذٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ووَجْهُهُ إلى الشَّمْسِ حَيْثُ ما دارَتْ، عَلَيْهِ في الصَّيْفِ حَظِيرَةٌ مِن نارٍ وعَلَيْهِ في الشِّتاءِ حَظِيرَةٌ مِن ثَلْجٍ. قالَ القُرْطُبِيُّ: ولَعَلَّ هَذا يَكُونُ عُقُوبَتَهُ عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ عاصٍ لا كافِرٌ، فَيَكُونُ خُسْرانَهُ في الدُّنْيا. وقِيلَ: مِنَ الخاسِرِينَ بِاسْوِدادِ وجْهِهِ وكُفْرِهِ بِاسْتِحْلالِهِ ما حُرِّمَ مِن قَتْلِ أخِيهِ، وفي الآخِرَةِ بِعَذابِ النّارِ. وثَبَتَ في الحَدِيثِ: «ما قُتِلَتْ نَفْسٌ ظُلْمًا إلّا كانَ عَلى ابْنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِنها، وذَلِكَ لِأنَّهُ أوَّلُ مَن سَنَّ القَتْلَ» . ورُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: إنّا لَنَجِدُ ابْنَ آدَمَ القاتِلَ يُقاسِمُ أهْلَ النّارِ قِسْمَةً صَحِيحَةً في العَذابِ عَلَيْهِ شِطْرُ عَذابِهِمْ.
﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرابًا يَبْحَثُ في الأرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْءَةَ أخِيهِ﴾ [المائدة: ٣١] رُوِيَ أنَّهُ أوَّلُ قَتِيلٍ قُتِلَ عَلى وجْهِ الأرْضِ، ولَمّا قَتَلَهُ تَرَكَهُ بِالعَراءِ لا يَدْرِي ما يَصْنَعُ بِهِ، فَخافَ السِّباعَ فَحَمَلَهُ في جِرابٍ عَلى ظَهْرِهِ سَنَةً حَتّى أرْوَحَ، وعَكَفَتْ عَلَيْهِ السِّباعُ، فَبَعَثَ اللَّهُ غُرابَيْنِ فاقْتَتَلا، فَقَتَلَ أحَدُهُما الآخَرَ، فَحَفَرَ لَهُ بِمِنقارِهِ ورِجْلَيْهِ ثُمَّ ألْقاهُ في الحُفْرَةِ فَقالَ: يا ويْلَتى ! أعْجَزْتُ. وقِيلَ: حَمَلَهُ مِائَةَ سَنَةٍ. وقِيلَ: طَلَبَ في ثانِي يَوْمٍ إخْفاءَ قَتْلِ أخِيهِ فَلَمْ يَدْرِ ما يَصْنَعُ. وقِيلَ: بَعَثَ اللَّهُ غُرابًا إلى غُرابٍ مَيِّتٍ، فَجَعَلَ يَبْحَثُ في الأرْضِ ويُلْقِي التُّرابَ عَلى الغُرابِ المَيِّتِ. وقِيلَ: بَعَثَ اللَّهُ غُرابًا واحِدًا فَجَعَلَ يَبْحَثُ ويُلْقِي التُّرابَ عَلى هابِيلَ. ورُوِيَ أنَّهُ أوَّلُ مَيِّتٍ ماتَ عَلى وجْهِ الأرْضِ، وكَذَلِكَ جَهِلَ سُنَّةَ المُواراةِ. والظّاهِرُ أنَّهُ غُرابٌ بَعَثَهُ اللَّهُ يَبْحَثُ في الأرْضِ لِيُرِيَ قابِيلَ كَيْفَ يُوارِي سَوْءَةَ هابِيلَ، فاسْتَفادَ قابِيلُ بِبَحْثِهِ في الأرْضِ أنْ يَبْحَثَ هو في الأرْضِ فَيَسْتُرَ فِيهِ أخاهُ، والمُرادُ بِالسَّوْءَةِ هُنا قِيلَ: العَوْرَةُ؛ وخُصَّتْ بِالذِّكْرِ مَعَ أنَّ المُرادَ مُواراةُ جَمِيعِ الجَسَدِ لِلِاهْتِمامِ بِها، ولِأنَّ سَتْرَها أوْكَدُ. وقِيلَ: جَمِيعُ جِيفَتِهِ. قِيلَ: فَإنَّ المَيِّتَ كُلَّهُ عَوْرَةٌ، ولِذَلِكَ (p-٤٦٦)كُفِّنَ بِالأكْفانِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِالسَّوْءَةِ هَذِهِ الحالَةُ الَّتِي تَسُوءُ النّاظِرَ بِمَجْمُوعِها، وأُضِيفَتْ إلى المَقْتُولِ مِن حَيْثُ نَزَلَتْ بِهِ النّازِلَةُ، لا عَلى جِهَةِ الغَضِّ مِنهُ، بَلِ الغَضُّ لاحِقٌ لِلْقاتِلِ وهو الَّذِي أتى بِالسَّوْءَةِ. انْتَهى. والسَّوْءَةُ الفَضِيحَةُ لِقُبْحِها؛ قالَ الشّاعِرُ:
؎يَــا لَقَـوْمِـي لِلسَّــوْءَةِ السَّــوْءاءِ
أيْ: لِلْفَضِيحَةِ العَظِيمَةِ. قالُوا: ويَحْتَمِلُ إنْ صَحَّ أنَّهُ قَتَلَ غُرابٌ غُرابًا أوْ كانَ مَيِّتًا، أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في (أخِيهِ) عائِدًا عَلى الغُرابِ؛ أيْ: لِيُرِيَ قابِيلَ كَيْفَ يُوارِي الغُرابُ سَوْءَةَ أخِيهِ وهو الغُرابُ المَيِّتُ، فَيَتَعَلَّمَ مِنهُ بِالأداةِ كَيْفَ يُوارِي قابِيلُ سَوْءَةَ هابِيلَ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ. لِأنَّ الغُرابَ لا تَظْهَرُ لَهُ سَوْءَةٌ، والظّاهِرُ أنَّ الإراءَةَ هُنا مِن جَعْلِهِ يَرى؛ أيْ: يُبْصِرُ، وعَلَّقَ ﴿لِيُرِيَهُ﴾ [المائدة: ٣١] عَنِ المَفْعُولِ الثّانِي بِالجُمْلَةِ الَّتِي فِيها الِاسْتِفْهامُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي، و(كَيْفَ) مَعْمُولَةٌ لِـ (يُوارِيَ) و(لِيُرِيَهُ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَبْحَثُ) . ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَبَعَثَ﴾ [المائدة: ٣١]، وضَمِيرُ الفاعِلِ في ﴿لِيُرِيَهُ﴾ [المائدة: ٣١] الظّاهِرُ أنَّهُ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، لِأنَّ الإراءَةَ حَقِيقَةٌ هي مِنَ اللَّهِ، إذْ لَيْسَ لِلْغُرابِ قَصْدُ الإراءَةِ وإرادَتُها. ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى الغُرابِ؛ أيْ: لِيُرِيَهُ الغُرابُ؛ أيْ: لِيُعَلِّمَهُ لِأنَّهُ لَمّا كانَ سَبَبَ تَعْلِيمِهِ فَكَأنَّهُ قَصَدَ تَعْلِيمَهُ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، ويَظْهَرُ أنَّ الحِكْمَةَ في أنْ كانَ هَذا المَبْعُوثُ غُرابًا دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الحَيَوانِ ومِنَ الطُّيُورِ - كَوْنُهُ يُتَشاءَمُ بِهِ في الفِراقِ والِاغْتِرابِ، وذَلِكَ مُناسِبٌ لِهَذِهِ القِصَّةِ. وقِيلَ: ﴿فَبَعَثَ﴾ [المائدة: ٣١]، جُمْلَةٌ مَحْذُوفَةٌ دَلَّ عَلَيْها المَعْنى، تَقْدِيرُهُ: فَجَهِلَ مُواراتَهُ فَبَعَثَ.
المائدة 5:30
﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي وإثْمِكَ فَتَكُونَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ الإرادَةَ هُنا مَجازٌ لا مَحَبَّةُ إيثارِ شَهْوَةٍ، وإنَّما هي تَخْيِيرٌ في شَرَّيْنِ كَما تَقُولُ العَرَبُ في الشَّرِّ خِيارٌ؛ والمَعْنى: إنْ قَتَلْتَنِي؛ وسَبَقَ بِذَلِكَ قَدَرٌ، فاخْتِيارِي أنْ أكُونَ مَظْلُومًا يَنْتَصِرُ اللَّهُ لِي في الآخِرَةِ. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ الإرادَةَ هُنا حَقِيقَةٌ لا مَجازٌ، لا يُقالُ: كَيْفَ جازَ أنْ يُرِيدَ شَقاوَةَ أخِيهِ وتَعْذِيبَهُ بِالنّارِ ؟ لِأنَّ جَزاءَ الظّالِمِ حَسَنٌ أنْ يُرادَ، وإذا جازَ أنْ يُرِيدَهُ اللَّهُ تَعالى جازَ أنْ يُرِيدَهُ العَبْدُ لِأنَّهُ لا يُرِيدُ إلّا ما هو حَسَنٌ، قالَهُالزَّمَخْشَرِيُّ، وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: إنَّما وقَعَتِ الإرادَةُ بَعْدَ ما بَسَطَ يَدَهُ لِلْقَتْلِ وهو مُسْتَقْبَحٌ، فَصارَ بِذَلِكَ كافِرًا؛ لِأنَّ مَنِ اسْتَحَلَّ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَقَدْ كَفَرَ، والكافِرُ يُرِيدُ أنْ يُرادَ بِهِ الشَّرُّ. وقِيلَ: المَعْنى أنَّهُ لَمّا قالَ: لَأقْتُلَنَّكَ اسْتَوْجَبَ النّارَ بِما تَقَدَّمَ في عِلْمِ اللَّهِ، وعَلى المُؤْمِنِ أنْ يُرِيدَ ما أرادَ اللَّهُ، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّهُما آثِمانِ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ وقَتادَةُ: تَحْمِلُ إثْمَ قَتْلِي، وإثْمَكَ الَّذِي كانَ مِنكَ قَبْلَ قَتْلِي، فَحُذِفَ المُضافُ؛ هَذا قَوْلُ عامَّةِ المُفَسِّرِينَ. وقالَ الزَّجّاجُ: بِإثْمِ قَتْلِي وإثْمِكَ الَّذِي مِن أجْلِهِ لَمْ يُتَقَبَّلْ قُرْبانُكَ، وهو راجِعٌ في المَعْنى إلى ما قَبْلَهُ. وقِيلَ: المَعْنى: بِإثْمِي أنْ لَوْ قاتَلْتُكَ وقَتَلْتُكَ، وإثْمِ نَفْسِكَ في قِتالِي وقَتْلِي، وهَذا هو الإثْمُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ، ﷺ: «إذا التَقى المُسْلِمانِ بِسَيْفَيْهِما فالقاتِلُ والمَقْتُولُ في النّارِ " . قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَذا القاتِلُ، فَما بالُ المَقْتُولِ ؟ قالَ: إنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلى قَتْلِ صاحِبِهِ» فَكَأنَّ هابِيلَ أرادَ أنِّي لَسْتُ بِحَرِيصٍ عَلى قَتْلِكَ، فالإثْمُ الَّذِي كانَ يَلْحَقُنِي لَوْ كُنْتُ حَرِيصًا عَلى قَتْلِكَ أُرِيدُ أنْ تَحْمِلَهُ أنْتَ مَعَ إثْمِكَ في قَتْلِي.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ يَحْتَمِلُ إثْمَ قَتْلِهِ لَهُ ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] ؟ (قُلْتُ): المُرادُ بِمِثْلِ إثْمِي عَلى الِاتِّساعِ في الكَلامِ كَما تَقُولُ: قَرَأْتُ قِراءَةَ فُلانٍ، وكَتَبْتُ كِتابَتَهُ، تُرِيدُ المِثْلَ وهو اتِّساعٌ فاشٍ مُسْتَفِيضٌ لا يَكادُ يُسْتَعْمَلُ غَيْرُهُ. (فَإنْ قُلْتَ): فَحِينَ كَفَّ هابِيلُ عَنْ قَتْلِ أخِيهِ واسْتَسْلَمَ وتَحَرَّجَ عَمّا كانَ مَحْظُورًا في شَرِيعَتِهِ مِنَ الدَّفْعِ، فَأيْنَ الإثْمُ حَتّى يَتَحَمَّلَ أخُوهُ مِثْلَهُ، فَيَجْتَمِعُ عَلَيْهِ الإثْمانِ ؟ (قُلْتُ): هو مُقَدَّرٌ؛ فَهو يَتَحَمَّلُ مِثْلَ الإثْمِ المُقَدَّرِ، كَأنَّهُ قالَ: إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِمِثْلِ إثْمِي لَوْ بَسَطْتُ إلَيْكَ يَدِي. انْتَهى. وقِيلَ: بِإثْمِي، الَّذِي يَخْتَصُّ بِي فِيما فَرَطَ لِي؛ أيْ: يُؤْخَذُ مِن سَيِّئاتِي فَتُطْرَحُ عَلَيْكَ بِسَبَبِ ظُلْمِكَ لِي، وتَبُوءُ بِإثْمِكَ في قَتْلِي. ويُعَضِّدُ هَذا قَوْلُ النَّبِيِّ، ﷺ: «يُؤْتى بِالظّالِمِ والمَظْلُومِ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُؤْخَذُ مِن حَسَناتِ الظّالِمِ فَيُزادُ في حَسَناتِ المَظْلُومِ حَتّى يَنْتَصِفَ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَناتٌ أُخِذَ مِن سَيِّئاتِ المَظْلُومِ فَتُطْرَحُ عَلَيْهِ» وتَلَخَّصَ مِن قَوْلِهِ ﴿بِإثْمِي وإثْمِكَ﴾ وجْهانِ؛ أحَدُهُما: بِإثْمِي اللّاحِقِ لِي؛ أيْ: بِمِثْلِ إثْمِي اللّاحِقِ لِي عَلى تَقْدِيرِ وُقُوعِ قَتْلِي لَكَ، وإثْمِكَ اللّاحِقِ لَكَ بِسَبَبِ قَتْلِي. والثّانِي: بِإثْمِي اللّاحِقِ لَكَ بِسَبَبِ قَتْلِي، وأضافَهُ إلَيْهِ لَمّا كانَ سَبَبًا لَهُ، وإثْمِكَ اللّاحِقِ لَكَ قَبْلَ قَتْلِي. وهَذانِ الوَجْهانِ عَلى إثْباتِ الإرادَةِ المَجازِيَّةِ والحَقِيقِيَّةِ. وقِيلَ المَعْنى عَلى النَّفْيِ؛ التَّقْدِيرُ: إنِّي أُرِيدُ أنْ لا تَبُوءَ بِإثْمِي وإثْمِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥] أيْ: أنْ لا تَمِيدَ، و﴿أنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ٤٤]؛ أيْ: لا تَضِلُّوا، فَحَذَفَ لا. وهَذا التَّأْوِيلُ فِرارٌ مِن إثْباتِ إرادَةِ الشَّرِّ لِأخِيهِ المُؤْمِنِ، وضَعَّفَ القُرْطُبِيُّ هَذا الوَجْهَ بِقَوْلِهِ، ﷺ: «لا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إلّا كانَ عَلى ابْنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِن دَمِها، لِأنَّهُ أوَّلُ مَن سَنَّ القَتْلَ» فَثَبَتَ بِهَذا أنَّ إثْمَ القاتِلِ حاصِلٌ. انْتَهى. ولا يُضَعَّفُ هَذا القَوْلُ بِما ذَكَرَهُ القُرْطُبِيُّ، لِأنَّ قائِلَ هَذا لا يَلْزَمُ مِن نَفْيِ إرادَتِهِ القَتْلَ أنْ لا يَقَعَ القَتْلُ، بَلْ قَدْ لا يُرِيدُهُ ويَقَعُ. ونَصَرَ تَأْوِيلَ النَّفْيِالماوَرْدِيُّ وقالَ: إنَّ القَتْلَ قَبِيحٌ، وإرادَةُ القَبِيحِ قَبِيحَةٌ، ومِنَ الأنْبِياءِ أقْبَحُ. ويُؤَيِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ قِراءَةُ مَن قَرَأ (أنّى أُرِيدُ) ؟ أيْ: كَيْفَ أُرِيدُ ؟ ومَعْناهُ اسْتِبْعادُ الإرادَةِ (p-٤٦٤)ولِهَذا قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ هَذا الِاسْتِفْهامَ عَلى جِهَةِ الإنْكارِ؛ أيْ: أنّى، فَحَذَفَ الهَمْزَةَ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، لِأنَّ إرادَةَ القَتْلِ مَعْصِيَةٌ؛ حَكاهُ القُشَيْرِيُّ. انْتَهى. وهَذا كُلُّهُ خُرُوجٌ عَنْ ظاهِرِ اللَّفْظِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ وقَدْ تَقَدَّمَ إيضاحُ الإرادَةِ، وجَوازُ وُرُودِها هُنا، واسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿فَتَكُونَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾، عَلى أنَّ قابِيلَ كانَ كافِرًا لِأنَّ هَذا اللَّفْظَ إنَّما ورَدَ في القُرْآنِ في الكُفّارِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، ولا يَقْوى هَذا الِاسْتِدْلالُ لِأنَّهُ يُكَنّى عَنِ المُقامِ في النّارِ مُدَّةً بِالصُّحْبَةِ.
﴿وذَلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: وكَيْنُونَتُكَ مِن أصْحابِ النّارِ جَزاؤُكَ، لِأنَّكَ ظالِمٌ في قَتْلِي. ونَبَّهَ بِقَوْلِهِ: ﴿الظّالِمِينَ﴾، عَلى السَّبَبِ المُوجِبِ لِلْقَتْلِ، وأنَّهُ قَتْلٌ بِظُلْمٍ لا بِحَقٍّ. والظّاهِرُ أنَّهُ مِن كَلامِ هابِيلَ، نَبَّهَهُ عَلى العِلَّةِ لِيَرْتَدِعَ. وقِيلَ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، لا حِكايَةُ كَلامِ هابِيلَ، بَلْ إخْبارٌ مِنهُ تَعالى لِلرَّسُولِ، ﷺ .
﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أخِيهِ فَقَتَلَهُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَعَثَتْهُ عَلى قَتْلِهِ. وقالَ أيْضًا هو ومُجاهِدٌ: شَجَّعَتْهُ. وقالَ قَتادَةُ: زَيَّنَتْ لَهُ. وقالَ الأخْفَشِ: رَخَّصَتْ. وقالَ المُبَرِّدُ: مِنَ الطَّوْعِ، والعَرَبُ تَقُولُ: طاعَ لَهُ كَذا؛ أيْ: أتاهُ طَوْعًا. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: تابَعَتْهُ وانْقادَتْ لَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وسَّعَتْهُ لَهُ ويَسَّرَتْهُ، مِن طاعَ لَهُ المَرْتَعُ إذا اتَّسَعَ. وهَذِهِ أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ في المَعْنى، وهو فِعْلٌ مِنَ الطَّوْعِ وهو الِانْقِيادُ، كَأنَّ القَتْلَ كانَ مُمْتَنِعًا عَلَيْهِ مُتَعاصِيًا. وأصْلُهُ: طاعَ لَهُ قَتْلُ أخِيهِ؛ أيِ: انْقادَ لَهُ وسَهُلَ، ثُمَّ عُدِّيَ بِالتَّضْعِيفِ فَصارَ الفاعِلُ مَفْعُولًا؛ والمَعْنى: أنَّ القَتْلَ في نَفْسِهِ مُسْتَصْعَبٌ عَظِيمٌ عَلى النُّفُوسِ، فَرَدَّتْهُ هَذِهِ النَّفْسُ اللَّحُوحُ الأمّارَةُ بِالسُّوءِ طائِعًا مُنْقادًا حَتّى أوْقَعَهُ صاحِبُ هَذِهِ النَّفْسِ.
وقَرَأ الحَسَنُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والجَرّاحُ، والحَسَنُ بْنُ عِمْرانَ، وأبُو واقِدٍ: (فَطاوَعَتْهُ)، فَيَكُونُ فاعَلَ، فِيهِ الِاشْتِراكُ، نَحْوَ: ضارَبْتُ زَيْدًا، كَأنَّ القَتْلَ يَدْعُوهُ بِسَبَبِ الحَسَدِ إصابَةَ قابِيلَ، أوْ كَأنَّ النَّفْسَ تَأْبى ذَلِكَ ويَصْعُبُ عَلَيْها، وكُلٌّ مِنهُما يُرِيدُ أنْ يُطِيعَهُ الآخَرُ، إلى أنْ تَفاقَمَ الأمْرُ وطاوَعَتِ النَّفْسُ القَتْلَ فَوافَقَتْهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِيهِ وجْهانِ: أنْ يَكُونَ مِمّا جاءَ مِن فاعَلَ بِمَعْنى فَعَلَ، وأنْ يُرادَ أنْ قَتَلَ أخِيهِ، كَأنَّهُ دَعا نَفْسَهُ إلى الإقْدامِ عَلَيْهِ فَطاوَعَتْهُ ولَمْ تَمْتَنِعْ، و(لَهُ) لِزِيادَةِ الرَّبْطِ؛ كَقَوْلِكَ: حَفِظْتُ لِزَيْدٍ مالَهُ. انْتَهى. فَأمّا الوَجْهُ الثّانِي فَهو مُوافِقٌ لِما ذَكَرْناهُ، وأمّا الوَجْهُ الأوَّلُ فَقَدْ ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ: ضاعَفْتُ وضَعِفْتُ، مِثْلَ: ناعَمْتُ ونَعِمْتُ. وقالَ: فَجاءُوا بِهِ عَلى مِثالِ عاقَبْتُهُ، وقالَ: وقَدْ يَجِيءُ فاعَلْتُ لا يُرِيدُ بِها عَمَلَ اثْنَيْنِ، ولَكِنَّهم بَنَوْا عَلَيْهِ الفِعْلَ كَما بَنَوْهُ عَلى أفْعَلْتُ، وذَكَرَ أمْثِلَةً مِنها عافاهُ اللَّهُ. وهَذا المَعْنى وهو أنَّ فاعَلَ بِمَعْنى فَعَلَ، أغْفَلَهُ بَعْضُ المُصَنِّفِينَ مِن أصْحابِنا في التَّصْرِيفِ: كابْنِ عُصْفُورٍ، وابْنِ مالِكٍ، وناهِيكَ بِهِما جَمْعًا واطِّلاعًا، فَلَمْ يُذْكَرْ أنَّ فاعَلَ يَجِيءُ بِمَعْنى فَعَلَ، ولا فَعَلَ بِمَعْنى فاعَلَ. وقَوْلُهُ: و(لَهُ) لِزِيادَةِ الرَّبْطِ؛ يَعْنِي: في قَوْلِهِ ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ﴾؛ يَعْنِي: أنَّهُ لَوْ جاءَ فَطَوَّعَتْ نَفْسُهُ قَتْلَ أخِيهِ لَكانَ كَلامًا تامًّا جارِيًا عَلى كَلامِ العَرَبِ، وإنَّما جِيءَ بِهِ عَلى سَبِيلِ زِيادَةِ الرَّبْطِ لِلْكَلامِ، إذِ الرَّبْطُ يَحْصُلُ بِدُونِهِ. كَما إنَّكَ لَوْ قُلْتَ: حَفِظْتُ مالَ زَيْدٍ، كانَ كَلامًا تامًّا.
﴿فَقَتَلَهُ﴾ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ قَتَلَهُ وتَكَلَّمَ المُفَسِّرُونَ في أشْياءَ مِن كَيْفِيَّتِهِ، ومَكانِ قَتْلِهِ، وعُمْرِهِ حِينَ قُتِلَ، ولَهم في ذَلِكَ اخْتِلافٌ، ولَمْ تَتَعَرَّضِ الآيَةُ لِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ.
(p-٤٦٥)﴿فَأصْبَحَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ أصْبَحَ: بِمَعْنى صارَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أُقِيمَ بَعْضُ الزَّمانِ مَقامَ كُلِّهِ، وخُصَّ الصَّباحُ بِذَلِكَ لِأنَّهُ بَدْءُ النَّهارِ والِانْبِعاثِ إلى الأُمُورِ ومَظِنَّةُ النَّشاطِ، ومِنهُ قَوْلُ الرَّبِيعِ:
؎أصْبَحْتُ لا أحْمِلُ السِّلاحَ ولا، وقَوْلُ سَعْدٍ: ثُمَّ أصْبَحَتْ بَنُو سَعْدٍ تُعَزِّزُنِي عَلى الإسْلامِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنِ اسْتِعْمالِ العَرَبِ لِما ذَكَرْناهُ. انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ مِن تَعْلِيلِ كَوْنِ (أصْبَحَ) عِبارَةً عَنْ جَمِيعِ أوْقاتِهِ، وأُقِيمَ بَعْضُ الزَّمانِ مَقامَ كُلِّهِ بِكَوْنِ الصَّباحِ خُصَّ بِذَلِكَ لِأنَّهُ بَدْءُ النَّهارِ - لَيْسَ بِجَيِّدٍ. ألا تَرى أنَّهم جَعَلُوا أضْحى، وظَلَّ، وأمْسى، وباتَ؛ بِمَعْنى: صارَ، ولَيْسَ مِنها شَيْءٌ بَدْءَ النَّهارِ ؟ فَكَما جَرَتْ هَذِهِ مَجْرى صارَ كَذَلِكَ أصْبَحَ، لا لِلْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرَها ابْنُ عَطِيَّةَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خَسِرَ في الدُّنْيا بِإسْخاطِ والِدَيْهِ وبَقائِهِ بِغَيْرِ أخٍ، وفي الآخِرَةِ بِإسْخاطِ رَبِّهِ وصَيْرُورَتِهِ إلى النّارِ. وقالَ الزَّجّاجُ: مِنَ الخاسِرِينَ لِلْحَسَناتِ. وقالَ القاضِي أبُو يَعْلى: مِنَ الخاسِرِينَ أنْفُسَهم بِإهْلاكِهِمْ إيّاها. وقالَ مُجاهِدٌ: خُسْرانُهُ أنْ عُلِّقَتْ إحْدى رِجْلَيِ القاتِلِ لِساقِها إلى فَخْذِها مِن يَوْمِئِذٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ووَجْهُهُ إلى الشَّمْسِ حَيْثُ ما دارَتْ، عَلَيْهِ في الصَّيْفِ حَظِيرَةٌ مِن نارٍ وعَلَيْهِ في الشِّتاءِ حَظِيرَةٌ مِن ثَلْجٍ. قالَ القُرْطُبِيُّ: ولَعَلَّ هَذا يَكُونُ عُقُوبَتَهُ عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ عاصٍ لا كافِرٌ، فَيَكُونُ خُسْرانَهُ في الدُّنْيا. وقِيلَ: مِنَ الخاسِرِينَ بِاسْوِدادِ وجْهِهِ وكُفْرِهِ بِاسْتِحْلالِهِ ما حُرِّمَ مِن قَتْلِ أخِيهِ، وفي الآخِرَةِ بِعَذابِ النّارِ. وثَبَتَ في الحَدِيثِ: «ما قُتِلَتْ نَفْسٌ ظُلْمًا إلّا كانَ عَلى ابْنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِنها، وذَلِكَ لِأنَّهُ أوَّلُ مَن سَنَّ القَتْلَ» . ورُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: إنّا لَنَجِدُ ابْنَ آدَمَ القاتِلَ يُقاسِمُ أهْلَ النّارِ قِسْمَةً صَحِيحَةً في العَذابِ عَلَيْهِ شِطْرُ عَذابِهِمْ.
﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرابًا يَبْحَثُ في الأرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْءَةَ أخِيهِ﴾ [المائدة: ٣١] رُوِيَ أنَّهُ أوَّلُ قَتِيلٍ قُتِلَ عَلى وجْهِ الأرْضِ، ولَمّا قَتَلَهُ تَرَكَهُ بِالعَراءِ لا يَدْرِي ما يَصْنَعُ بِهِ، فَخافَ السِّباعَ فَحَمَلَهُ في جِرابٍ عَلى ظَهْرِهِ سَنَةً حَتّى أرْوَحَ، وعَكَفَتْ عَلَيْهِ السِّباعُ، فَبَعَثَ اللَّهُ غُرابَيْنِ فاقْتَتَلا، فَقَتَلَ أحَدُهُما الآخَرَ، فَحَفَرَ لَهُ بِمِنقارِهِ ورِجْلَيْهِ ثُمَّ ألْقاهُ في الحُفْرَةِ فَقالَ: يا ويْلَتى ! أعْجَزْتُ. وقِيلَ: حَمَلَهُ مِائَةَ سَنَةٍ. وقِيلَ: طَلَبَ في ثانِي يَوْمٍ إخْفاءَ قَتْلِ أخِيهِ فَلَمْ يَدْرِ ما يَصْنَعُ. وقِيلَ: بَعَثَ اللَّهُ غُرابًا إلى غُرابٍ مَيِّتٍ، فَجَعَلَ يَبْحَثُ في الأرْضِ ويُلْقِي التُّرابَ عَلى الغُرابِ المَيِّتِ. وقِيلَ: بَعَثَ اللَّهُ غُرابًا واحِدًا فَجَعَلَ يَبْحَثُ ويُلْقِي التُّرابَ عَلى هابِيلَ. ورُوِيَ أنَّهُ أوَّلُ مَيِّتٍ ماتَ عَلى وجْهِ الأرْضِ، وكَذَلِكَ جَهِلَ سُنَّةَ المُواراةِ. والظّاهِرُ أنَّهُ غُرابٌ بَعَثَهُ اللَّهُ يَبْحَثُ في الأرْضِ لِيُرِيَ قابِيلَ كَيْفَ يُوارِي سَوْءَةَ هابِيلَ، فاسْتَفادَ قابِيلُ بِبَحْثِهِ في الأرْضِ أنْ يَبْحَثَ هو في الأرْضِ فَيَسْتُرَ فِيهِ أخاهُ، والمُرادُ بِالسَّوْءَةِ هُنا قِيلَ: العَوْرَةُ؛ وخُصَّتْ بِالذِّكْرِ مَعَ أنَّ المُرادَ مُواراةُ جَمِيعِ الجَسَدِ لِلِاهْتِمامِ بِها، ولِأنَّ سَتْرَها أوْكَدُ. وقِيلَ: جَمِيعُ جِيفَتِهِ. قِيلَ: فَإنَّ المَيِّتَ كُلَّهُ عَوْرَةٌ، ولِذَلِكَ (p-٤٦٦)كُفِّنَ بِالأكْفانِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِالسَّوْءَةِ هَذِهِ الحالَةُ الَّتِي تَسُوءُ النّاظِرَ بِمَجْمُوعِها، وأُضِيفَتْ إلى المَقْتُولِ مِن حَيْثُ نَزَلَتْ بِهِ النّازِلَةُ، لا عَلى جِهَةِ الغَضِّ مِنهُ، بَلِ الغَضُّ لاحِقٌ لِلْقاتِلِ وهو الَّذِي أتى بِالسَّوْءَةِ. انْتَهى. والسَّوْءَةُ الفَضِيحَةُ لِقُبْحِها؛ قالَ الشّاعِرُ:
؎يَــا لَقَـوْمِـي لِلسَّــوْءَةِ السَّــوْءاءِ
أيْ: لِلْفَضِيحَةِ العَظِيمَةِ. قالُوا: ويَحْتَمِلُ إنْ صَحَّ أنَّهُ قَتَلَ غُرابٌ غُرابًا أوْ كانَ مَيِّتًا، أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في (أخِيهِ) عائِدًا عَلى الغُرابِ؛ أيْ: لِيُرِيَ قابِيلَ كَيْفَ يُوارِي الغُرابُ سَوْءَةَ أخِيهِ وهو الغُرابُ المَيِّتُ، فَيَتَعَلَّمَ مِنهُ بِالأداةِ كَيْفَ يُوارِي قابِيلُ سَوْءَةَ هابِيلَ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ. لِأنَّ الغُرابَ لا تَظْهَرُ لَهُ سَوْءَةٌ، والظّاهِرُ أنَّ الإراءَةَ هُنا مِن جَعْلِهِ يَرى؛ أيْ: يُبْصِرُ، وعَلَّقَ ﴿لِيُرِيَهُ﴾ [المائدة: ٣١] عَنِ المَفْعُولِ الثّانِي بِالجُمْلَةِ الَّتِي فِيها الِاسْتِفْهامُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي، و(كَيْفَ) مَعْمُولَةٌ لِـ (يُوارِيَ) و(لِيُرِيَهُ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَبْحَثُ) . ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَبَعَثَ﴾ [المائدة: ٣١]، وضَمِيرُ الفاعِلِ في ﴿لِيُرِيَهُ﴾ [المائدة: ٣١] الظّاهِرُ أنَّهُ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، لِأنَّ الإراءَةَ حَقِيقَةٌ هي مِنَ اللَّهِ، إذْ لَيْسَ لِلْغُرابِ قَصْدُ الإراءَةِ وإرادَتُها. ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى الغُرابِ؛ أيْ: لِيُرِيَهُ الغُرابُ؛ أيْ: لِيُعَلِّمَهُ لِأنَّهُ لَمّا كانَ سَبَبَ تَعْلِيمِهِ فَكَأنَّهُ قَصَدَ تَعْلِيمَهُ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، ويَظْهَرُ أنَّ الحِكْمَةَ في أنْ كانَ هَذا المَبْعُوثُ غُرابًا دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الحَيَوانِ ومِنَ الطُّيُورِ - كَوْنُهُ يُتَشاءَمُ بِهِ في الفِراقِ والِاغْتِرابِ، وذَلِكَ مُناسِبٌ لِهَذِهِ القِصَّةِ. وقِيلَ: ﴿فَبَعَثَ﴾ [المائدة: ٣١]، جُمْلَةٌ مَحْذُوفَةٌ دَلَّ عَلَيْها المَعْنى، تَقْدِيرُهُ: فَجَهِلَ مُواراتَهُ فَبَعَثَ.
المائدة 5:31
﴿قالَ ياوَيْلَتا أعَجَزْتُ أنْ أكُونَ مِثْلَ هَذا الغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأةَ أخِي﴾ اسْتَقْصَرَ إدْراكَهُ وعَقْلَهُ في جَهْلِهِ ما يَصْنَعُ بِأخِيهِ حَتّى يُعَلَّمَ - وهو ذُو العَقْلِ، المُرَكَّبُ فِيهِ الفِكْرُ والرُّؤْيَةُ والتَّدْبِيرُ - مِن طائِرٍ لا يَعْقِلُ. ومَعْنى هَذا الِاسْتِفْهامِ: الإنْكارُ عَلى نَفْسِهِ، والنَّعْيُ؛ أيْ: لا أعْجَزُ عَنْ كَوْنِي مِثْلَ هَذا الغُرابِ، وفي ذَلِكَ هَضْمٌ لِنَفْسِهِ واسْتِصْغارٌ لَها بِقَوْلِهِ: مِثْلَ هَذا الغُرابِ. وأصْلُ النِّداءِ أنْ يَكُونَ لِمَن يَعْقِلُ، ثُمَّ قَدْ يُنادى ما لا يَعْقِلُ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، كَقَوْلِهِمْ: يا عَجَبًا ويا حَسْرَةً ! والمُرادُ بِذَلِكَ التَّعَجُّبُ. كَأنَّهُ قالَ: انْظُرُوا لِهَذا العَجَبِ ولِهَذِهِ الحَسْرَةِ، فالمَعْنى: تَنَبَّهُوا لِهَذِهِ الهَلَكَةِ. وتَأْوِيلُهُ هَذا أوانُكِ فاحْضُرِي. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ياوَيْلَتا﴾، بِألِفٍ بَعْدِ التّاءِ، وهي بَدَلٌ مِن ياءِ المُتَكَلِّمِ، وأصْلُهُ (يا ويْلَتِي) بِالياءِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ. وأمالَ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو عَمْرٍو ألِفَ ويْلَتى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أعَجَزْتُ﴾، بِفَتْحِ (p-٤٦٧)الجِيمِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، وفَيّاضٌ، وطَلْحَةُ، وسُلَيْمانُ بِكَسْرِها وهي لُغَةٌ شاذَّةٌ، وإنَّما مَشْهُورٌ الكَسْرُ في قَوْلِهِمْ: عَجِزَتِ المَرْأةُ إذا كَبُرَتْ عَجِيزَتُها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَأُوارِيَ﴾، بِنَصْبِ الياءِ، عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿أنْ أكُونَ﴾ . كَأنَّهُ قالَ: أعَجَزْتُ أنْ أُوارِيَ سَوْءَةَ أخِي. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَأُوارِيَ، بِالنَّصْبِ، عَلى جَوابِ الِاسْتِفْهامِ. انْتَهى. وهَذا خَطَأٌ فاحِشٌ، لِأنَّ الفاءَ الواقِعَةَ جَوابًا لِلِاسْتِفْهامِ تَنْعَقِدُ مِنَ الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ، والجَوابُ شَرْطٌ وجَزاءٌ، وهُنا تَقُولُ: أتَزُورُنِي فَأُكْرِمَكَ؛ والمَعْنى: إنْ تَزُرْنِي أُكْرِمْكَ. وقالَ تَعالى: ﴿فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا﴾ [الأعراف: ٥٣] أيْ: إنْ يَكُنْ لَنا شُفَعاءُ يَشْفَعُوا. ولَوْ قُلْتَ هُنا: إنْ أعْجَزْ أنْ أكُونَ مِثْلَ هَذا الغُرابِ أُوارِ سَوْءَةَ أخِي - لَمْ يَصِحَّ، لِأنَّ المُواراةَ لا تَتَرَتَّبُ عَلى عَجْزِهِ عَنْ كَوْنِهِ مِثْلَ الغُرابِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والفَيّاضُ بْنُ غَزْوانَ: ﴿فَأُوارِيَ﴾، بِسُكُونِ الياءِ، فالأوْلى أنْ يَكُونَ عَلى القَطْعِ؛ أيْ: فَأنا أُوارِي سَوْءَةَ أخِي، فَيَكُونُ أُوارِي مَرْفُوعًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ بِالسُّكُونِ عَلى: فَأنا أُوارِي، أوْ عَلى التَّسْكِينِ في مَوْضِعِ النَّصْبِ لِلتَّخْفِيفِ. انْتَهى. يَعْنِي: أنَّهُ حَذَفَ الحَرَكَةَ وهي الفَتْحَةُ تَخْفِيفًا، اسْتَثْقَلَها عَلى حَرْفِ العِلَّةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي لُغَةٌ لِتَوالِي الحَرَكاتِ. انْتَهى. ولا يَنْبَغِي أنْ يُخَرَّجَ عَلى النَّصْبِ، لِأنَّ نَصْبَ مِثْلَ هَذا هو بِظُهُورِ الفَتْحَةِ، ولا تُسْتَثْقَلُ الفَتْحَةُ فَتُحْذَفُ تَخْفِيفًا؛ كَما أشارَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، ولا ذَلِكَ لُغَةٌ كَما زَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ، ولا يَصْلُحُ التَّعْلِيلُ بِتَوالِي الحَرَكاتِ، لِأنَّهُ لَمْ يَتَوالَ فِيهِ الحَرَكاتُ. وهَذا عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ، أعْنِي النَّصْبَ، بِحَذْفِ الفَتْحَةِ، لا يَجُوزُ إلّا في الضَّرُورَةِ، فَلا تُحْمَلُ القِراءَةُ عَلَيْها إذا وُجِدَ حَمْلُها عَلى وجْهٍ صَحِيحٍ، وقَدْ وُجِدَ وهو الِاسْتِئْنافُ؛ أيْ: فَأنا أُوارِي. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: (سَوَةَ أخِي)، بِحَذْفِ الهَمْزَةِ، ونَقْلِ حَرَكَتِها إلى الواوِ. ولا يَجُوزُ قَلْبُ الواوِ ألِفًا؛ لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها، لِأنَّ الحَرَكَةَ عارِضَةٌ كَهي في سَمَوَلٍ وجَعَوَلٍ. وقَرَأ أبُو حَفْصٍ: (سَوَّةَ) بِقَلْبِ الهَمْزَةِ واوًا، وأدْغَمَ الواوَ فِيهِ، كَما قالُوا في شَيْءٍ شَيٍّ، وفي سَيِّئَةٍ: سَيَّةٍ؛ قالَ الشّاعِرُ:
؎وإنْ رَأوْا سَيَّةً طارُوا بِها فَرَحًا مِنِّي وما عَلِمُوا مِن صالِحٍ دَفَنُوا
﴿فَأصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ﴾ قَبْلَ هَذِهِ جُمْلَةٌ مَحْذُوفَةٌ، تَقْدِيرُها: فَوارى سَوْءَةَ أخِيهِ. والظّاهِرُ أنَّ نَدَمَهُ كانَ عَلى قَتْلِ أخِيهِ لِما لَحِقَهُ مِن عِصْيانِ وإسْخاطِ أبَوَيْهِ، وتَبْشِيرِهِ أنَّهُ مِن أصْحابِ النّارِ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ عاصِيًا لا كافِرًا. قِيلَ: ولَمْ يَنْفَعْهُ نَدَمُهُ، لِأنَّ كَوْنَ النَّدَمِ تَوْبَةً خاصٌّ بِهَذِهِ الأُمَّةِ. وقِيلَ: مِنَ النّادِمِينَ عَلى حَمْلِهِ. وقِيلَ: مِنَ النّادِمِينَ: خَوْفَ الفَضِيحَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِنَ النّادِمِينَ عَلى قَتْلِهِ لَمّا تَعِبَ مِن حَمْلِهِ، وتَحَيُّرِهِ في أمْرِهِ، وتَبَيَّنَ لَهُ مِن عَجْزِهِ وتَلْمَذَتِهِ لِلْغُرابِ، واسْوِدادِ لَوْنِهِ، وسَخَطِ أبِيهِ، ولَمْ يَنْدَمْ نَدَمَ التّائِبِينَ. انْتَهى. وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في قابِيلَ، أكانَ كافِرًا أمْ عاصِيًا ؟ وفي الحَدِيثِ: «إنِ اللَّهَ ضَرَبَ لَكُمُ ابْنَيْ آدَمَ مَثَلًا فَخُذُوا مِن خَيْرِها ودَعُوا شَرَّها» وحَكى المُفَسِّرُونَ عَجائِبَ مِمّا جَرى بِقَتْلِ هابِيلَ مِن رَجَفانِ الأرْضِ سَبْعَةَ أيّامٍ، وشُرْبِ الأرْضِ دَمَهُ، وإيسالِ الشَّجَرِ، وتَغَيُّرِ الأطْعِمَةِ، وحُمُوضَةِ الفَواكِهِ، ومَرارَةِ الماءِ، واغْبِرارِ الأرْضِ، وهَرَبِ قابِيلَ بِأُخْتِهِ، إقْلِيمِيا، إلى عَدَنَ مِن أرْضِ اليَمَنِ، وعِبادَتِهِ النّارَ، وانْهِماكِ أوْلادِهِ في اتِّخاذِ آلاتِ اللَّهْوِ وشُرْبِ الخَمْرِ والزِّنا والفَواحِشِ حَتّى أغْرَقَهُمُ اللَّهُ بِالطُّوفانِ؛ واللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ورُوِيَ أنَّ آدَمَ مَكَثَ بَعْدَ قَتْلِهِ مِائَةَ سَنَةٍ لا يَضْحَكُ، وأنَّهُ رَثاهُ بِشِعْرٍ، وهو كَذِبٌ بَحْتٌ، وما الشِّعْرُ إلّا مَنحُولٌ مَلْحُونٌ. وقَدْ صَحَّ أنَّ الأنْبِياءَ مَعْصُومُونَ مِنَ الشِّعْرِ. ورَوى مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: مَن قالَ إنَّ آدَمَ قالَ شِعْرًا فَهو كَذِبٌ، ورَمى آدَمَ بِما لا يَلِيقُ بِالنُّبُوَّةِ، لِأنَّ مُحَمَّدًا والأنْبِياءَ، عَلَيْهِمُ السَّلامُ، كُلَّهم في النَّفْيِ عَنِ الشِّعْرِ سَواءٌ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وما يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩] ولَكِنَّهُ كانَ يَنُوحُ عَلَيْهِ، وهو أوَّلُ شَهِيدٍ كانَ عَلى (p-٤٦٨)وجْهِ الأرْضِ ويَصِفُ حُزْنَهُ عَلَيْهِ نَثْرًا مِنَ الكَلامِ شِبْهَ المُرْثِيَّةِ، فَتَناسَخَتْهُ القُرُونُ وحَفِظُوا كَلامَهُ، فَلَمّا وصَلَ إلى يَعْرُبَ بْنِ قَحْطانَ وهو أوَّلُ مَن خَطَّ بِالعَرَبِيَّةِ فَنَظَمَهُ؛ فَقالَ:
؎تَغَيَّرَتِ البِلادُ ومَن عَلَيْها ∗∗∗ فَوَجْهُ الأرْضِ مُغْبَرٌّ قَبِيحُ
وذَكَرَ بَعْدَ هَذا البَيْتِ سِتَّةَ أبْياتٍ، وأنَّ إبْلِيسَ أجابَهُ في الوَزْنِ والقافِيَةِ بِخَمْسَةِ أبْياتٍ. وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ في الشِّعْرِ: إنَّهُ مَلْحُونٌ، يَسِيرُ فِيهِ إلى بَيْتٍ وهو الثّانِي:
؎تَغَيَّرَ كُلُّ ذِي لَوْنٍ وطَعْمٍ ∗∗∗ وقَلَّ بَشاشَةَ الوَجْهِ المَلِيحِ
يَرْوِيهِ بَشاشَةَ الوَجْهِ المَلِيحِ عَلى الإقْواءِ، ويُرْوى بِنَصْبِ بَشاشَةٍ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ ورَفْعِ الوَجْهِ المَلِيحِ. ولَيْسَ بِلَحْنٍ، قَدْ خَرَّجُوهُ عَلى حَذْفِ التَّنْوِينِ مِن بَشاشَةٍ، ونَصْبِهِ عَلى التَّمْيِيزِ، وحَذْفُ التَّنْوِينِ لِالتِقاءِ الألِفِ واللّامِ قَدْ جاءَ في كَلامِهِمْ؛ قُرِئَ: ﴿أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢] ورُوِيَ، ولا ذاكِرَ اللَّهَ، بِحَذْفِ التَّنْوِينِ.
المائدة 5:32
﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ في الأرْضِ فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا ومَن أحْياها فَكَأنَّما أحْيا النّاسَ جَمِيعًا﴾ الجُمْهُورُ عَلى أنَّ ﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: كَتَبْنا. وقالَ قَوْمٌ بِقَوْلِهِ: مِنَ النّادِمِينَ؛ أيْ: نَدِمَ مِن أجْلِ ما وقَعَ. ويُقالُ: أجَلَ الأمْرَ أجَلًا وآجِلًا إذا اجْتَناهُ وحْدَهُ؛ قالَ زُهَيْرٌ:
؎وأهْلُ خِباءٍ صالِحٌ ذاتُ بَيْنِهِمْ قَدِ احْتَرَبُوا في عاجِلٍ أنا آجِلُهْ
أيْ جانِيهِ، ونَسَبَ هَذا البَيْتَ ابْنُ عَطِيَّةَ إلى جَوابٍ، وهو في دِيوانِ زُهَيْرٍ؛ والمَعْنى: بِسَبَبِ ذَلِكَ. وإذا قُلْتَ: فَعَلْتُ ذَلِكَ مِن أجْلِكَ، أرَدْتُ أنَّكَ جَنَيْتَ ذَلِكَ وأوْجَبْتَهُ. ومَعْناهُ ومَعْنى ”مِن جَرّاكَ“ واحِدٌ؛ أيْ: مِن جَرِيرَتِكَ. وذَلِكَ إشارَةٌ إلى القَتْلِ؛ أيْ: مِن جَنْيِ ذَلِكَ القَتْلِ كَتَبْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ. ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ؛ أيِ: ابْتِداءِ الكَتْبِ، ونَشَأ مِن أجْلِ القَتْلِ، ويَدْخُلُ عَلى أجْلِ اللّامِ لِدُخُولِ مِن، ويَجُوزُ حَذْفُ حَرْفِ الجَرِّ واتِّصالِ الفِعْلِ إلَيْهِ بِشَرْطِهِ في المَفْعُولِ لَهُ. ويُقالُ: فَعَلْتُ ذَلِكَ مِن أجْلِكَ ولِأجْلِكَ، وتُفْتَحُ الهَمْزَةُ أوْ تُكْسَرُ. وقَرَأ ابْنُ القَعْقاعِ: بِكَسْرِها وحَذْفِها ونَقْلِ حَرَكَتِها إلى السّاكِنِ قَبْلَها، كَما قَرَأ ورْشٌ بِحَذْفِها وفَتْحِها ونَقْلِ الحَرَكَةِ إلى النُّونِ. ومَعْنى ﴿كَتَبْنا﴾؛ أيْ: كُتِبَ بِأمْرِنا في كُتُبٍ مُنَزَّلَةٍ عَلَيْهِمْ تَضَمَّنَتْ فَرْضَ ذَلِكَ، وخُصَّ بَنُو إسْرائِيلَ بِالذِّكْرِ، وإنْ كانَ قَبْلَهم أُمَمٌ حُرِّمَ عَلَيْهِمْ قَتْلُ النَّفْسِ وكانَ القِصاصُ فِيهِمْ، لِأنَّهم عَلى ما رُوِيَ أوَّلُ أُمَّةٍ نَزَلَ الوَعِيدُ عَلَيْهِمْ في قَتْلِ النَّفْسِ، وغِلَظُ الأمْرِ عَلَيْهِمْ بِحَسَبِ طُغْيانِهِمْ وسَفْكِهِمُ الدِّماءَ، ولِتَظْهَرَ مَذَمَّتُهم في أنْ كُتِبَ عَلَيْهِمْ هَذا، وهم مَعَ ذَلِكَ لا يَرْعَوُونَ ولا يَفْقَهُونَ، بَلْ هَمُّوا بِقَتْلِ النَّبِيِّ، ﷺ، ظُلْمًا. ومَعْنى بِغَيْرِ نَفْسٍ: أيْ بِغَيْرِ قَتْلِ نَفْسٍ فَيَسْتَحِقُّ القَتْلَ. وقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ نَفْسَ المُؤْمِنِ إلّا بِإحْدى مُوجِباتِ قَتْلِهِ. وقَوْلُهُ: أوْ فَسادٍ، هو مَعْطُوفٌ عَلى نَفْسٍ؛ أيْ: وبِغَيْرِ فَسادٍ، والفَسادُ قِيلَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ. وقِيلَ: قَطْعُ الطَّرِيقِ، وقَطْعُ الأشْجارِ، وقَتْلُ الدَّوابِّ إلّا لِضَرُورَةٍ، وحَرْقُ الزَّرْعِ وما يَجْرِي مَجْراهُ، وهو الفَسادُ المُشارُ إلَيْهِ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمْ يَتَخَلَّصِ التَّشْبِيهُ إلى طَرَفَيْ شَيْءٍ مِن هَذِهِ الأقْوالِ، والَّذِي أقُولُ: إنَّ التَّشْبِيهَ بَيْنَ قاتِلِ النَّفْسِ وقاتِلِ الكُلِّ لا يُطَرَّفُ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ، لَكِنَّ الشَّبَهَ قَدْ يَحْصُلُ مِن ثَلاثِ جِهاتٍ. إحْداها: القَوَدُ فَإنَّهُ واحِدٌ. والثّانِيَةُ: الوَعِيدُ، فَقَدْ وعَدَ اللَّهُ قاتِلَ النَّفْسِ بِالخُلُودِ في النّارِ، وتِلْكَ غايَةُ العَذابِ. فَإنْ تَرَقَّبْناهُ يَخْرُجُ مِنَ النّارِ بَعْدَ ذَلِكَ بِسَبَبِ التَّوْحِيدِ، فَكَذَلِكَ قاتِلُ الجَمِيعِ أنْ لَوِ اتَّفَقَ ذَلِكَ. والثّالِثَةُ: انْتِهاكُ الحُرْمَةِ؛ فَإنَّ نَفْسًا واحِدَةً في ذَلِكَ وجَمِيعَ الأنْفُسِ سَواءٌ، والمُنْتَهِكُ في واحِدَةٍ مَلْحُوظٌ بِعَيْنِ مُنْتَهِكِ الجَمِيعِ. ومِثالُ ذَلِكَ رَجُلانِ حَلَفا عَلى شَجَرَتَيْنِ أنْ لا يَطْعَما مِن ثَمَرَتَيْهِما شَيْئًا، فَطَعِمَ أحَدُهُما واحِدَةً مِن ثَمَرَةِ (p-٤٦٩)شَجَرَتِهِ، وطَعِمَ الآخَرُ ثَمَرَ شَجَرَتَيْهِ كُلَّهُ، فَقَدِ اسْتَوَيا في الحِنْثِ. انْتَهى. وقالَ غَيْرُهُ: قِيلَ المُشابَهَةُ في الإثْمِ؛ والمَعْنى: أنَّ عَلَيْهِ إثْمَ مَن قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا؛ قالَهُ: الحَسَنُ والزَّجّاجُ. وقِيلَ: التَّشْبِيهُ في العَذابِ ومَعْناهُ أنَّهُ يَصْلى النّارَ بِقَتْلِ المُسْلِمِ، كَما لَوْ قَتَلَ النّاسَ؛ قالَهُ: مُجاهِدٌ وعَطاءٌ، وهَذا فِيهِ نَظَرٌ. لِأنَّ العَذابَ يُخَفَّفُ ويُثَقَّلُ بِحَسَبِ الجَرائِمِ. وقِيلَ: التَّشْبِيهُ مِن حَيْثُ القِصاصُ؛ قالَهُ: ابْنُ زَيْدٍ. وتَقَدَّمَ. وقِيلَ: التَّشْبِيهُ مِن جِهَةِ الإنْكارِ عَلى قُبْحِ الفِعْلِ؛ والمَعْنى: أنَّهُ يَنْبَغِي لِجَمِيعِ النّاسِ أنْ يُعِينُوا ولِيَّ المَقْتُولِ حَتّى يُقِيدُوهُ مِنهُ، كَما لَوْ قَتَلَ أوْلِياءَهم جَمِيعًا؛ ذَكَرَهُ: القاضِي أبُو يَعْلى. وهَذا الأمْرُ كانَ مُخْتَصًّا بِبَنِي إسْرائِيلَ، غُلِّظَ عَلَيْهِمْ كَما غُلِّظَ عَلَيْهِمْ بِقَتْلِ أنْفُسِهِمْ؛ قالَهُ بَعْضُ العُلَماءِ. وقالَ قَوْمٌ: هَذا عامٌّ فِيهِمْ وفي غَيْرِهِمْ. قالَ سُلَيْمانُ بْنُ عَلِيٍّ قُلْتُ لِلْحَسَنِ: يا أبا سَعِيدٍ هي لَنا كَما كانَتْ لِبَنِي إسْرائِيلَ، قالَ: أيْ والَّذِي لا إلَهَ غَيْرُهُ، ما كانَ دِماءُ بَنِي إسْرائِيلَ أكْرَمَ عَلى اللَّهِ مِن دِمائِنا. وقِيلَ في قَوْلِهِ: ومَن أحْياها؛ أيِ: اسْتَنْقَذَها مِنَ الهَلَكَةِ. قالَ عَبْدُ اللَّهِ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ: أيْ: مَن غَرَقٍ أوْ حَرْقٍ أوْ هَلاكٍ. وقِيلَ مَن عَضَّدَ نَبِيًّا أوْ إمامًا عادِلًا، لِأنَّ نَفْعَهُ عائِدٌ عَلى النّاسِ جَمِيعًا. وقِيلَ: مَن تَرَكَ قَتْلَ النَّفْسِ المُحَرَّمَةِ فَكَأنَّما أحْيا النّاسَ بِكَفِّهِ أذاهُ عَنْهم. وقِيلَ: مَن زَجَرَ عَنْ قَتْلِ النَّفْسِ ونَهى عَنْهُ. وقِيلَ: مَن أعانَ عَلى اسْتِيفاءِ القِصاصِ لِأنَّهُ قالَ: ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] . قالَ الحَسَنُ: وأعْظَمُ إحْيائِها أنْ يُحْيِيَها مِن كُفْرِها، ودَلِيلُهُ: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا﴾ [الأنعام: ١٢٢] . انْتَهى؛ والإحْياءُ هُنا مَجازٌ، لِأنَّ الإحْياءَ حَقِيقَةً هو لِلَّهِ تَعالى، وإنَّما المَعْنى: ومَنِ اسْتَسْقاها ولَمْ يُتْلِفْها، ومِثْلُ هَذا المَجازِ قَوْلُ مُحاجِّ إبْراهِيمَ: أنا أُحْيِي. سَمّى التَّرْكَ إحْياءً.
﴿ولَقَدْ جاءَتْهم رُسُلُنا بِالبَيِّناتِ ثُمَّ إنَّ كَثِيرًا مِنهم بَعْدَ ذَلِكَ في الأرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ أخْبَرَ تَعالى أنَّ الإسْرافَ والفَسادَ فِيهِمْ هَذا مَعَ مَجِيءِ الرُّسُلِ بِالبَيِّناتِ مِنَ اللَّهِ، وكانَ مُقْتَضى مَجِيءِ رُسُلِ اللَّهِ بِالحُجَجِ الواضِحَةِ أنْ لا يَقَعَ مِنهم إسْرافٌ وهو المُجاوَزَةُ في الحَدِّ، فَخالَفُوا هَذا المُقْتَضى؛ والعامِلُ في بَعْدَ والمُتَعَلِّقُ بِهِ ﴿فِي الأرْضِ﴾ خَبَرُ إنَّ، ولَمْ تَمْنَعْ لامُ الِابْتِداءِ مِنَ العَمَلِ في ذَلِكَ وإنْ كانَ مَتْقَدِّمًا، لِأنَّ دُخُولَها عَلى الخَبَرِ لَيْسَ بِحَقِّ التَّأصُّلِ، والإشارَةُ بـ ذَلِكَ إلى مَجِيءِ الرُّسُلِ بِالبَيِّناتِ، والمُرادُ بِالأرْضِ؛ أيْ: حَيْثُما حَلُّوا أسْرَفُوا. وظاهِرُ الإسْرافِ أنَّهُ لا يَتَقَيَّدُ. وقِيلَ لَمُسْرِفُونَ؛ أيْ: قاتِلُونَ بِغَيْرِ حَقٍّ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣] . وقِيلَ: هو طَلَبُهُمُ الكَفاءَةَ في الحَسَبِ حَتّى يُقْتَلَ بِواحِدٍ عِدَّةٌ مِن قَتَلَتِهِمْ.
المائدة 5:33
﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا أنْ يُقَتَّلُوا أوْ يُصَلَّبُوا أوْ تُقَطَّعَ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم مِن خِلافٍ أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ﴾ قالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، وجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعُرْوَةُ: نَزَلَتْ في عُكْلٍ وعُرَيْنَةَ، وحَدِيثُهُ مَشْهُورٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنْهُ: نَزَلَتْ في المُشْرِكِينَ، وبِهِ قالَ: الحَسَنُ وعَطاءٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ والضَّحّاكُ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن أهْلِ (p-٤٧٠)الكِتابِ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ الرَّسُولِ عَهْدٌ فَنَقَضُوهُ، وأفْسَدُوا في الدِّينِ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في قَوْمِ أبِي بُرْدَةَ هِلالِ بْنِ عامِرٍ قَتَلُوا قَوْمًا مَرُّوا بِهِمْ مِن بَنِي كِنانَةَ يُرِيدُونَ الإسْلامَ، وأخَذُوا أمْوالَهم، وكانَ بَيْنَ الرَّسُولِ، ﷺ، وبَيْنَ أبِي بُرْدَةَ مُوادَعَةٌ أنْ لا يُعِينَ عَلَيْهِ، ولا يُهَيِّجَ مَن أتاهُ مُسْلِمًا فَفَعَلَ ذَلِكَ قَوْمُهُ ولَمْ يَكُنْ حاضِرًا، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَيْسَتْ ناسِخَةً ولا مَنسُوخَةً. وقِيلَ: نَسَخَتْ ما فَعَلَ النَّبِيُّ، ﷺ، بالعُرَنِيِّينَ مِنَ المُثْلَةِ، ووَقَفَ الحُكْمُ عَلى هَذِهِ الحُدُودِ.
ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ، لَمّا ذَكَرَ في الآيَةِ قَبْلَها تَغْلِيظَ الإثْمِ في قَتْلِ النَّفْسِ بِغَيْرِ نَفْسٍ ولا فَسادٍ في الأرْضِ، أتْبَعَهُ بِبَيانِ الفَسادِ في الأرْضِ الَّذِي يُوجِبُ القَتْلَ ما هو، فَإنَّ بَعْضَ ما يَكُونُ فَسادًا في الأرْضِ لا يُوجِبُ القَتْلَ، ولا خِلافَ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ أنَّ حُكْمَ هَذِهِ الآيَةِ مُتَرَتِّبٌ في المُحارِبِينَ مِن أهْلِ الإسْلامِ؛ ومَذْهَبُ مالِكٍ وجَماعَةٍ: أنَّ المُحارِبَ هو مَن حَمَلَ السِّلاحَ عَلى النّاسِ في مِصْرٍ أوْ بَرِيَّةٍ، فَكادَهم عَنْ أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ دُونَ ثائِرَةٍ، ولا دَخَلٍ ولا عَداوَةٍ. ومَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ وجَماعَةٍ: أنَّ المُحارِبِينَ هم قُطّاعُ الطَّرِيقِ خارِجَ المِصْرِ، وأمّا في المِصْرِ فَيَلْزَمُهُ حَدُّ ما اجْتَرَحَ مِن قَتْلٍ أوْ سَرِقَةٍ أوْ غَصْبٍ ونَحْوِ ذَلِكَ، وأدْنى الحِرابَةِ إخافَةُ الطَّرِيقِ، ثُمَّ أخْذُ المالِ مَعَ الإخافَةِ، ثُمَّ الجَمْعُ بَيْنَ الإخافَةِ وأخْذِ المالِ والقَتْلِ؛ ومُحارَبَةُ اللَّهِ تَعالى غَيْرُ مُمْكِنَةٍ، فَيُحْمَلُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: مُحارِبُونَ أوْلِياءَ اللَّهِ ورَسُولِهِ، وإلّا لَزِمَ أنْ يَكُونَ مُحارَبَةُ اللَّهِ ورَسُولِهِ جَمْعًا بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ. فَإذا جَعَلَ ذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أوْ حَمْلًا عَلى قَدْرٍ مُشْتَرَكٍ انْدَفَعَ ذَلِكَ، وقَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ: المُحارَبَةُ هَنا: الشِّرْكُ، وقَوْلُ عُرْوَةَ: الِارْتِدادُ غَيْرُ صَحِيحٍ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وقَدْ أوْرَدَ ما يُبْطِلُ قَوْلَهُما.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾؛ تَغْلِيظٌ شَدِيدٌ لِأمْرِ الحِرابَةِ، والسَّعْيُ في الأرْضِ فَسادًا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى بِمُحارَبَتِهِمْ، أوْ يُضِيفُونَ فَسادًا إلى المُحارَبَةِ؛ وانْتَصَبَ فَسادًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، أوْ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، أوْ مَصْدَرٌ مِن مَعْنى يَسْعَوْنَ في الأرْضِ مَعْناهُ: يُفْسِدُونَ، لَمّا كانَ السَّعْيُ لِلْفَسادِ جُعِلَ فَسادًا؛ أيْ: إفْسادًا. والظّاهِرُ في قَوْلِهِ: العُقُوباتُ الأرْبَعُ؛ أنَّ الإمامَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ إيقاعِ ما شاءَ مِنها بِالمُحارِبِ في أيِّ رُتْبَةٍ كانَ المُحارِبُ مِنَ الرُّتَبِ الَّتِي قَدَّمْناها، وبِهِ قالَ: النَّخَعِيُّ والحَسَنُ في رِوايَةٍ، وابْنُ المُسَيَّبِ ومُجاهِدٌ وعَطاءٌ؛ وهو مَذْهَبُ مالِكٍ، وجَماعَةٍ. وقالَ مالِكٌ: أسْتَحْسِنُ أنْ يَأْخُذَ في الَّذِي لَمْ يَقْتُلْ بِأيْسَرِ العِقابِ، ولا سِيَّما إنْ لَمْ يَكُنْ ذا شُرُورٍ مَعْرُوفَةٍ، وأمّا إنْ قَتَلَ فَلا بُدَّ مِن قَتْلِهِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ أيْضًا وجَماعَةٌ: لِكُلِّ رُتْبَةٍ مِنَ الحِرابَةِ رُتْبَةٌ مِنَ العِقابِ، فَمَن قَتَلَ قُتِلَ، ومَن أخَذَ المالَ ولَمْ يَقْتُلْ فالقَطْعُ مِن خِلافٍ، ومَن أخافَ فَقَطْ فالنَّفْيُ، ومَن جَمَعَها قُتِلَ وصُلِبَ. والقائِلُونَ بِهَذا التَّرْتِيبِ اخْتَلَفُوا، فَقالَ: أبُو حَنِيفَةَ، ومُحَمَّدٌ، والشّافِعِيُّ، وجَماعَةٌ، ورُوِيَ عَنْ مالِكٍ: يُصْلَبُ حَيًّا ويُطْعَنُ حَتّى يَمُوتَ. وقالَ جَماعَةٌ: يُقْتَلُ ثُمَّ يُصْلَبُ، نَكالًا لِغَيْرِهِ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ. والقَتْلُ إمّا ضَرْبًا بِالسَّيْفِ لِلْعُنُقِ، وقِيلَ: ضَرْبًا بِالسَّيْفِ أوْ طَعْنًا بِالرُّمْحِ أوِ الخِنْجَرِ، ولا يُشْتَرَطُ في قَتْلِهِ مُكافَأةٌ لِمَن قَتَلَ. وقالَ الشّافِعِيُّ: تُعْتَبَرُ فِيهِ المُكافَأةُ في القِصاصِ. ومُدَّةُ الصَّلْبِ: يَوْمٌ أوْ ثَلاثَةُ أيّامٍ، أوْ حَتّى يَسِيلَ صَدِيدُهُ، أوْ مِقْدارُ ما يَسْتَبِينُ صَلْبُهُ. وأمّا القَطْعُ: فاليَدُ اليُمْنى مِنَ الرُّسْغِ، والرِّجْلُ الشِّمالُ مِنَ المِفْصَلِ. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ: أنَّهُ مِنَ الأصابِعِ ويَبْقى الكَفُّ، ومِن نِصْفِ القَدَمِ ويَبْقى العَقِبُ. وهَذا خِلافُ الظّاهِرِ، لِأنَّ الأصابِعَ لا تُسَمّى يَدًا، ونِصْفُ الرِّجْلِ لا يُسَمّى رِجْلًا. وقالَ مالِكٌ: قَلِيلُ المالِ وكَثِيرُهُ سَواءٌ، فَيُقْطَعُ المُحارِبُ إذا أخَذَهُ. وقالَ أصْحابُ الرَّأْيِ والشّافِعِيُّ لا يُقْطَعُ إلّا مَن أخَذَ ما يُقْطَعُ فِيهِ السّارِقُ. وأمّا النَّفْيُ فَقالَ السُّدِّيُّ: هو أنْ يُطالِبَ أبَدًا بِالخَيْلِ والرَّجِلِ حَتّى يُؤْخَذَ فَيُقامَ عَلَيْهِ حَدُّ اللَّهِ ويُخْرَجَ مِن دارِ الإسْلامِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأنَسٍ: نَفْيُهُ أنْ يُطْلَبَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ اللَّيْثِ ومالِكٍ، إلّا أنَّ مالِكًا قالَ: لا يُضْطَرُّ مُسْلِمٌ إلى دُخُولِ دارِ الشِّرْكِ. وقالَ (p-٤٧١)ابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، والزُّهْرِيُّ، والضَّحّاكُ: النَّفْيُ مِن دارِ الإسْلامِ إلى دارِ الشِّرْكِ. وقالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ وجَماعَةٌ: يُنْفى مِن بَلَدٍ إلى غَيْرِهِ مِمّا هو قاصٍ بَعِيدٌ. وقالَ أبُو الزِّنادِ: كانَ النَّفْيُ قَدِيمًا إلى دَهْلَكٍ وناصِعٍ، وهُما مِن أقْصى اليَمَنِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: دَهْلَكٌ في أقْصى تِهامَةَ، وناصِعٌ مِن بِلادِ الحَبَشَةِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: النَّفْيُ: السَّجْنُ، وذَلِكَ إخْراجُهُ مِنَ الأرْضِ. قالَ الشّاعِرُ، قالَ ذَلِكَ وهو مَسْجُونٌ:
؎خَرَجْنا مِنَ الدُّنْيا ونَحْنُ مِن أهْلِها فَلَسْنا مِنَ الأمْواتِ فِيها ولا الأحْيا
؎إذا جاءَنا السَّجّانُ يَوْمًا لِحاجَةٍ ∗∗∗ عَجِبْنا وقُلْنا جاءَ هَذا مِنَ الدُّنْيا
؎وتُعْجِبُنا الرُّؤْيا يَحُلُّ حَدِيثَنا ∗∗∗ إذا نَحْنُ أصْبَحَنا الحَدِيثُ عَنِ الرُّؤْيا
والظّاهِرُ أنَّ نَفْيَهُ مِنَ الأرْضِ هو إخْراجُهُ مِنَ الأرْضِ الَّتِي حارَبَ فِيها، إنْ كانَتِ الألِفُ واللّامُ لِلْعَهْدِ فَيُنْفى مِن ذَلِكَ العَمَلِ، وإنْ كانَتْ لِلْجِنْسِ فَلا يَزالُ يُطْلَبُ ويُزْعَجُ وهو هارِبٌ فَزِعٌ، إلى أنْ يَلْحَقَ بِغَيْرِ عَمَلِ الإسْلامِ. وصَرِيحُ مَذْهَبِ مالِكٍ أنَّهُ إذا كانَ مَخُوفَ الجانِبِ: غُرِّبَ وسُجِنَ حَيْثُ غُرِّبَ، والتَّشْدِيدُ في أنْ يُقَتَّلُوا أوْ يُصَلَّبُوا أوْ تُقَطَّعَ قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وهو لِلتَّكْثِيرِ بِالنِّسْبَةِ إلى الَّذِينَ يُوقِعُ بِهِمُ الفِعْلَ، والتَّخْفِيفُ في ثَلاثَتِها قِراءَةُ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ وابْنِ مُحَيْصِنٍ.
﴿ذَلِكَ لَهم خِزْيٌ في الدُّنْيا﴾ أيْ ذَلِكَ الجَزاءُ مِنَ القَطْعِ والقَتْلِ والصَّلْبِ والنَّفْيِ. والخِزْيُ هُنا: الهَوانُ والذُّلُّ والِافْتِضاحُ. والخِزْيُ: الحَياءُ، عَبَّرَ بِهِ عَنِ الِافْتِضاحِ لَمّا كانَ سَبَبًا لَهُ، افْتَضَحَ فاسْتَحْيا.
﴿ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ظاهِرُهُ أنَّ مَعْصِيَةَ الحِرابَةِ مُخالِفَةٌ لِلْمَعاصِي غَيْرَها، إذْ جَمَعَ فِيها بَيْنَ العِقابِ في الدُّنْيا والعِقابِ في الآخِرَةِ تَغْلِيظًا لِذَنْبِ الحِرابَةِ، وهو مُخالِفٌ لِظاهِرِ قَوْلِهِ، ﷺ، في حَدِيثِ عُبادَةَ: «فَمَن أصابَ مِن ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ في الدُّنْيا فَهو كَفّارَةٌ لَهُ» ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى حَسَبِ التَّوْزِيعِ، فَيَكُونَ الخِزْيُ في الدُّنْيا إنْ عُوقِبَ، والعِقابُ في الآخِرَةِ إنْ سَلِمَ في الدُّنْيا مِنَ العِقابِ، فَتَجْرِيَ مَعْصِيَةُ الحِرابَةِ مَجْرى سائِرِ المَعاصِي؛ وهَذا الوَعِيدُ كَغَيْرِهِ مُقَيَّدٌ بِالمَشِيئَةِ، ولَهُ تَعالى أنْ يَغْفِرَ هَذا الذَّنْبَ، ولَكِنْ في الوَعِيدِ خَوْفٌ عَلى المُتَوَعَّدِ عَلَيْهِ نَفاذَ الوَعِيدِ.
المائدة 5:34
﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ظاهِرُهُ أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِنَ المُعاقَبِينَ عِقابَ قاطِعِ الطَّرِيقِ، فَإذا تابُوا قَبْلَ القُدْرَةِ عَلى أخْذِهِمْ سَقَطَ عَنْهم ما تَرَتَّبَ عَلى الحِرابَةِ، وهَذا فِعْلُ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، بِحارِثَةَ بْنِ بَدْرٍ العُرانِيِّ فَإنَّهُ كانَ مُحارِبًا ثُمَّ تابَ قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ، فَكَتَبَ لَهُ سُقُوطَ الأمْوالِ والدَّمِ عَنْهُ كِتابًا مَنشُورًا. وقالُوا: لا نَظَرَ لِلْإمامِ فِيهِ إلّا كَما يَنْظُرُ في سائِرِ المُسْلِمِينَ، فَإنْ طُولِبَ بِدَمٍ نُظِرَ فِيهِ وأُقِيدَ مِنهُ بِطَلَبِ الوَلِيِّ، وإنْ طُولِبَ بِمالٍ، فَمَذْهَبُ مالِكٍ والشّافِعِيِّ وأصْحابِ الرَّأْيِ: يُؤْخَذُ ما وُجِدَ عِنْدَهُ مِن مالِ غَيْرِهِ، ويُطالَبُ بِقِيمَةِ ما اسْتَهْلَكَ. وقالَ قَوْمٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ: لا يُطالَبُ بِما اسْتَهْلَكَ، ويُؤْخَذُ ما وُجِدَ عِنْدَهُ بِعَيْنِهِ. وحَكى الطَّبَرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ: أنَّهُ لا تُقْبَلُ تَوْبَةُ المُحارِبِ، ولَكِنْ لَوْ فَرَّ إلى العَدُوِّ ثُمَّ جاءَنا تائِبًا لَمْ أرَ عَلَيْهِ عُقُوبَةً. قالَ الطَّبَرِيُّ: ولا أدْرِي هَلْ أرادَ ارْتَدَّ أمْ لا ؟ وقالَ الأوْزاعِيُّ نَحْوَهُ؛ إلّا أنَّهُ قالَ: إذا لَحِقَ بِدارِ الحَرْبِ فارْتَدَّ عَنِ الإسْلامِ، أوْ بَقِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ جاءَنا تائِبًا مِن قَبْلِ أنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ.
المائدة 5:35
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ وجاهِدُوا في سَبِيلِهِ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ مُناسَبَةُ هَذِهِ (p-٤٧٢)الآيَةِ لِما قَبْلَها، أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ جَزاءَ مَن حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ وسَعى في الأرْضِ فَسادًا مِنَ العُقُوباتِ الأرْبَعِ، والعَذابِ العَظِيمِ المُعَدِّ لَهم في الآخِرَةِ، أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِتَقْوى اللَّهِ، وابْتِغاءِ القُرُباتِ إلَيْهِ، فَإنَّ ذَلِكَ هو المُنَجِّي مِنَ المُحارَبَةِ والعِقابِ المُعَدِّ لِلْمُحارِبِينَ. ولَمّا كانَتِ الآيَةُ نَزَلَتْ في العُرَنِيِّينَ والكَلْبِيِّينَ، أوْ في أهْلِ الكِتابِ اليَهُودِ، أوْ في المُشْرِكِينَ عَلى الخِلافِ في سَبَبِ النُّزُولِ، وكُلُّ هَؤُلاءِ سَعى في الأرْضِ فَسادًا - نَصَّ عَلى الجِهادِ، وإنْ كانَ مُنْدَرِجًا تَحْتَ ابْتِغاءِ الوَسِيلَةِ لِأنَّ بِهِ صَلاحَ الأرْضِ، وبِهِ قِوامَ الدِّينِ، وحِفْظَ الشَّرِيعَةِ، فَهو مُغايِرٌ لِأمْرِ المُحارَبَةِ، إذِ الجِهادُ مُحارَبَةٌ مَأْذُونٌ فِيها، وبِالجِهادِ يُدْفَعُ المُحارِبُونَ. وأيْضًا فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ يَجِبُ أنْ تَكُونَ القُوَّةُ والبَأْسُ الَّذِي لِلْمُحارِبِ مَقْصُورًا عَلى الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، وأنْ لا يَضَعَ تِلْكَ النَّجْدَةَ الَّتِي وهَبَها اللَّهُ لَهُ لِلْمُحارَبَةِ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى، وهَلِ الوَسِيلَةُ القُرْبَةُ الَّتِي يَنْبَغِي أنْ يَطْلُبَ بِها، أوِ الحاجَةُ، أوِ الطّاعَةُ، أوِ الجَنَّةُ، أوْ أفْضَلُ دَرَجاتِها؛ أقْوالٌ لِلْمُفَسِّرِينَ. وذَكَرَ رَجاءٌ الفَلاحَ عَلى تَقْدِيرِ حُصُولِ ما أمَرَ بِهِ قَبْلُ مِنَ التَّقْوى وابْتِغاءِ الوَسِيلَةِ والجِهادِ في سَبِيلِهِ. والفَلاحُ: اسْمٌ جامِعٌ لِلْخَلاصِ عَنِ المَكْرُوهِ، والفَوْزِ بِالمَرْجُوِّ.
المائدة 5:36
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنهُمْ﴾ لَمّا أرْشَدَ المُؤْمِنِينَ إلى مَعاقِدِ الخَيْرِ ومَفاتِحِ السَّعادَةِ، وذَكَرَ فَوْزَهم في الآخِرَةِ وما آلُوا مِنَ الفَلاحِ، شَرَحَ حالَ الكُفّارِ وعاقِبَةَ كُفْرِهِمْ، وما أعَدَّ لَهم مِنَ العَذابِ. والجُمْلَةُ مِن لَوْ وجَوابِها في مَوْضِعِ خَبَرِ إنَّ، ومَعْنى ما في الأرْضِ: مِن صُنُوفِ الأمْوالِ الَّتِي يُفْتَدى بِها، ومِثْلَهُ مَعْطُوفٌ عَلى اسْمِ إنَّ، ولامُ كَيْ تَتَعَلَّقَ بِما تَعَلَّقَ بِهِ خَبَرُ إنَّ وهو لَهم؛ والمَعْنى: لَوْ أنَّ ما في الأرْضِ ومِثْلَهُ مَعَهُ مُسْتَقِرٌّ لَهم عَلى سَبِيلِ المِلْكِ لِيَجْعَلُوهُ فَدِيَةً لَهم ما تُقُبِّلَ، وهَذا عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ ولُزُومِ العَذابِ لَهم، وأنَّهُ لا سَبِيلَ إلى نَجاتِهِمْ مِنهُ. وفي الحَدِيثِ «يُقالُ لِلْكافِرِ أرَأيْتَ لَوْ كانَ لَكَ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا أكُنْتَ تَفْتَدِي بِهِ فَيَقُولُ نَعَمْ. فَيُقالُ لَهُ قَدْ سُئِلْتَ أيْسَرَ مِن ذَلِكَ» ووَحَّدَ الضَّمِيرَ في بِهِ، وإنْ كانَ قَدْ تَقَدَّمَ شَيْئانِ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ ومَعْطُوفٌ، وهو ما في الأرْضِ ومِثْلَهُ مَعَهُ، إمّا لِفَرْضِ تَلازُمِهِما فَأُجْرِيا مُجْرى الواحِدِ كَما قالُوا: رُبَّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ مَرَّ بِي، وإمّا لِإجْراءِ الضَّمِيرِ (p-٤٧٣)مُجْرى اسْمِ الإشارَةِ كَأنَّهُ قالَ: لِيَفْتَدُوا بِذَلِكَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ في: ﴿ومِثْلَهُ﴾، بِمَعْنى مَعَ، فَيُوَحَّدُ المَرْجُوعُ إلَيْهِ. (فَإنْ قُلْتَ): فَبِمَ يَنْتَصِبُ المَفْعُولُ مَعَهُ ؟ (قُلْتُ): بِما تَسْتَدْعِيهِ لَوْ مِنَ الفِعْلِ، لِأنَّ لَوْ ثَبَتَ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ. انْتَهى. وإنَّما يُوَحَّدُ الضَّمِيرُ لِأنَّ حُكْمَ ما قَبْلَ المَفْعُولِ مَعَهُ في الخَبَرِ والحالِ وعَوْدِ الضَّمِيرِ مُتَأخِّرًا حُكْمُهُ مُتَقَدِّمًا، تَقُولُ: الماءُ والخَشَبَةُ اسْتَوى، كَما تَقُولُ: الماءُ اسْتَوى والخَشَبَةُ (p-٤٧٤)وقَدْ أجازَ الأخْفَشِ في ذَلِكَ أنْ يُعْطى حُكْمَ المَعْطُوفِ فَتَقُولَ: الماءُ مَعَ الخَشَبَةِ اسْتَوَيا، ومَنَعَ ذَلِكَ ابْنُ كَيْسانَ. وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: تَكُونُ الواوُ في: ﴿ومِثْلَهُ﴾، بِمَعْنى مَعَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ مَعَ مِثْلِهِ مَعَهُ؛ أيْ: مَعَ مِثْلِ ما في الأرْضِ مَعَ ما في الأرْضِ، إنْ جَعَلْتَ الضَّمِيرَ في مَعَهُ عائِدًا عَلى مِثْلَهُ؛ أيْ: مَعَ مِثْلِهِ مَعَ ذَلِكَ المِثْلِ، فَيَكُونُ المَعْنى مَعَ مِثْلَيْنِ. فالتَّعْبِيرُ عَنْ هَذا المَعْنى بِتِلْكَ العِبارَةِ عَيٌّ، إذِ الكَلامُ المُنْتَظِمُ أنْ يَكُونَ التَّرْكِيبُ إذا أُرِيدَ ذَلِكَ المَعْنى مَعَ مِثْلَيْهِ. وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ إلى آخَرِ السُّؤالِ، وهَذا السُّؤالُ لا يُرَدُّ، لِأنّا قَدْ بَيَّنّا فَسادَ أنْ تَكُونَ الواوُ واوَ مَعَ، وعَلى تَقْدِيرِ وُرُودِهِ فَهَذا بِناءٌ مِنهُ عَلى أنَّ الواوَ إذا جاءَتْ بَعْدَ لَوْ كانَتْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الفاعِلِيَّةِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ عَلى هَذا: لَوْ ثَبَتَ كَيْنُونَةُ ما في الأرْضِ مَعَ مِثْلِهِ لَهم لِيَفْتَدُوا بِهِ، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى ما فَقَطْ. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ هو تَفْرِيعٌ مِنهُ عَلى مَذْهَبِ المُبَرِّدِ في أنَّ أنَّ بَعْدَ لَوْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الفاعِلِيَّةِ، وهو مَذْهَبٌ مَرْجُوحٌ. ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّ أنَّ بَعْدَ لَوْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ. والزَّمَخْشَرِيُّ لا يَظْهَرُ مِن كَلامِهِ في هَذا الكِتابِ وفي تَصانِيفِهِ أنَّهُ وقَفَ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ في هَذِهِ المَسْألَةِ، وعَلى التَّفْرِيعِ عَلى مَذْهَبِ المُبَرِّدِ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ومِثْلَهُ مَفْعُولًا مَعَهُ، ويَكُونُ العامِلُ فِيهِ ما ذَكَرَ مِنَ الفِعْلِ - وهو ثَبَتَ - بِوَساطَةِ الواوِ لِما تَقَدَّمَ مِن وُجُودِ لَفْظِ مَعَهُ. وعَلى تَقْدِيرِ سُقُوطِها لا يَصِحُّ، لِأنَّ ”ثَبَتَ“ لَيْسَتْ رافِعَةً لِما العائِدِ عَلَيْها الضَّمِيرُ، وإنَّما هي رافِعَةٌ مَصْدَرًا مُنْسَبِكًا مِن أنْ وما بَعْدَها وهو كَوْنُ، إذِ التَّقْدِيرُ: لَوْ ثَبَتَ كَوْنُ ما في الأرْضِ جَمِيعًا لَهم ومِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى ما دُونُ الكَوْنِ. فالرّافِعُ لِلْفاعِلِ غَيْرُ النّاصِبِ لِلْمَفْعُولِ مَعَهُ، إذْ لَوْ كانَ إيّاهُ لَلَزِمَ مِن ذَلِكَ وُجُودُ الثُّبُوتِ مُصاحِبًا لِلْمِثْلِ؛ والمَعْنى: عَلى كَيْنُونَةِ ما في الأرْضِ مُصاحِبًا لِلْمِثْلِ، لا عَلى ثُبُوتِ ذَلِكَ مُصاحِبًا لِلْمِثْلِ، وهَذا فِيهِ غُمُوضٌ، وبَيانُهُ، أنَّكَ إذا قُلْتَ: يُعْجِبُنِي قِيامُ زَيْدٍ وعَمْرٍو، أوْ جَعَلْتَ عَمْرًا مَفْعُولًا مَعَهُ، والعامِلُ فِيهِ يُعْجِبُنِي، لَزِمَ مِن ذَلِكَ أنَّ عَمْرًا لَمْ يَقُمْ، وأنَّهُ أعْجَبَكَ القِيامُ وعَمْرٌو، وإنْ جَعَلْتَ العامِلَ فِيهِ القِيامَ كانَ عَمْرٌو قائِمًا، وكانَ الإعْجابُ قَدْ تَعَلَّقَ بِالقِيامِ مُصاحِبًا لِقِيامِ عَمْرٍو. (فَإنْ قُلْتَ): هَلّا كانَ ومِثْلَهُ مَعَهُ، مَفْعُولًا مَعَهُ والعامِلُ فِيهِ هو العامِلُ في لَهم، إذِ المَعْنى عَلَيْهِ. (قُلْتُ): لا يَصِحُّ ذَلِكَ لِما ذَكَرْناهُ مِن وُجُودِ مَعَهُ في الجُمْلَةِ، وعَلى تَقْدِيرِ سُقُوطِها لا يَصِحُّ لِأنَّهم نَصُّوا عَلى أنَّ قَوْلَكَ: هَذا لَكَ وأباكَ، مَمْنُوعٌ في الِاخْتِيارِ. وقالَ سِيبَوَيْهِ: وأمّا هَذا لَكَ وأباكَ، فَقَبِيحٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِعْلًا ولا حَرْفًا فِيهِ مَعْنى فِعْلٍ؛ حَتّى يَصِيرَ كَأنَّهُ قَدْ تَكَلَّمَ بِالفِعْلِ، فَأفْصَحَ سِيبَوَيْهِ بِأنَّ اسْمَ الإشارَةِ وحَرْفَ الجَرِّ المُتَضَمِّنِ مَعْنى الِاسْتِقْرارِ لا يَعْمَلانِ في المَفْعُولِ مَعَهُ، ولَوْ كانَ أحَدُهُما يَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ المَفْعُولُ مَعَهُ لَخُيِّرَ بَيْنَ أنْ يَنْسُبَ العَمَلَ لِاسْمِ الإشارَةِ أوْ لِحَرْفِ الجَرِّ. وقَدْ أجازَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أنْ يَعْمَلَ في المَفْعُولِ مَعَهُ الظَّرْفُ وحَرْفُ الجَرِّ، فَعَلى هَذا المَذْهَبِ يَجُوزُ لَوْ كانَتِ الجُمْلَةُ خالِيَةً مِن قَوْلِهِ: مَعَهُ، أنْ يَكُونَ ومِثْلَهُ مَفْعُولًا مَعَهُ عَلى أنَّ العامِلَ فِيهِ هو العامِلُ في لَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ما تُقُبِّلَ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ قُطَيْبٍ: ما تَقَبَّلَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ؛ أيْ: ما تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنهم. وفي الكَلامِ جُمْلَةٌ مَحْذُوفَةٌ، التَّقْدِيرُ: وبَذَلُوهُ وافْتَدَوْا بِهِ ما تُقُبِّلَ مِنهم، إذْ لا يَتَرَتَّبُ انْتِفاءُ التَّقَبُّلِ عَلى كَيْنُونَةِ ما في الأرْضِ ومِثْلَهُ مَعَهُ، إنَّما يَتَرَتَّبُ عَلى بَذْلِ ذَلِكَ أوِ الِافْتِداءِ بِهِ.
﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ هَذا الوَعِيدُ هو لِمَن وافى عَلى الكُفْرِ، وتُبَيِّنُهُ آيَةُ آلِ عِمْرانَ ﴿وماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ﴾ [آل عمران: ٩١] الآيَةَ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَطْفًا عَلى خَبَرِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَطْفًا عَلى ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وجَوَّزُوا أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ ولَيْسَ بِقَوِيٍّ.
المائدة 5:37
﴿يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ﴾ أيْ: يَرْجُونَ، أوْ يَتَمَنَّوْنَ، أوْ يَكادُونَ، أوْ يَسْألُونَ: أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ مِن حَيْثُ المَعْنى، والإرادَةُ مُمْكِنَةٌ في حَقِّهِمْ، فَلا يَنْبَغِي أنْ تَخْرُجَ عَنْ ظاهِرِها. قالَ الحَسَنُ: إذا فارَتْ بِهِمُ (p-٤٧٥)النّارُ فَرُّوا مِن بَأْسِها، فَحِينَئِذٍ يُرِيدُونَ الخُرُوجَ ويَطْمَعُونَ فِيهِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ. وقِيلَ لِجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: إنَّكم يا أصْحابَ مُحَمَّدٍ تَقُولُونَ: إنَّ قَوْمًا يَخْرُجُونَ مِنَ النّارِ، واللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنها﴾ فَقالَ جابِرٌ إنَّما هَذا في الكُفّارِ خاصَّةً. وحَكى الطَّبَرِيُّ عَنْ نافِعِ بْنِ الأزْرَقِ الخارِجِيِّ أنَّهُ قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ: يا أعْمى البَصَرِ، يا أعْمى القَلْبِ، أتَزْعُمُ أنْ قَوْمًا يَخْرُجُونَ مِنَ النّارِ وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنها﴾ ؟ فَقالَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: اقْرَأْ ما فَوْقُ، هَذِهِ الآيَةُ في الكُفّارِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما يُرْوى عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ، وذَكَرَ الحِكايَةَ، ثُمَّ قالَ: فَمِمّا لَفَّقَتْهُ المُجَبِّرَةُ ولَيْسَ بِأوَّلِ تَكاذِيبِهِمْ وافْتِرائِهِمْ، وكَفاكَ بِما فِيهِ مِن مُواجَهَةِ ابْنِ الأزْرَقِ لِابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، وهو بَيْنَ أظْهُرِ أعْضادِهِ مِن قُرَيْشٍ، وأنْضادِهِ مِن بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، وهو حَبْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ وبَحْرُها، ومُفَسِّرُها بِالخِطابِ الَّذِي لا يَجْسَرُ عَلى مِثْلِهِ أحَدٌ مِن أهْلِ الدُّنْيا، وبِرَفْعِهِ إلى عِكْرِمَةَ - دَلِيلَيْنِ ناصَّيْنِ أنَّ الحَدِيثَ فِرْيَةٌ ما فِيها مِرْيَةٌ. انْتَهى. وهو عَلى عادَتِهِ وسَفاهَتِهِ في سَبِّ أهْلِ السُّنَّةِ، ومَذْهَبُهُ: أنَّ مَن دَخَلَ النّارَ لا يَخْرُجُ مِنها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أنْ يَخْرُجُوا؛ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، ويُناسِبُهُ: ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنها﴾ . وقَرَأ النَّخَعِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، وأبُو واقِدٍ: أنْ يُخْرَجُوا؛ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
﴿ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ أيْ: مُتَأبِّدٌ لا يُحَوَّلُ.
﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ قالَ السّائِبُ: نَزَلَتْ في طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ، ومَضَتْ قِصَّتُهُ (p-٤٧٦)فِي النِّساءِ. ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ جَزاءَ المُحارِبِينَ بِالعُقُوباتِ الَّتِي فِيها قَطْعُ الأيْدِي والأرْجُلِ مِن خِلافٍ، ثُمَّ أمَرَ بِالتَّوَقِّي لِئَلّا يَقَعَ الإنْسانُ في شَيْءٍ مِنَ الحِرابَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ حالَ الكُفّارِ - ذَكَرَ حُكْمَ السَّرِقَةِ لِأنَّ فِيها قَطْعَ الأيْدِي بِالقُرْآنِ، والأرْجُلِ بِالسُّنَّةِ؛ عَلى ما يَأْتِي ذِكْرُهُ، وهو أيْضًا حِرابَةٌ مِن حَيْثُ المَعْنى، لِأنَّ فِيهِ سَعْيًا بِالفَسادِ إلّا أنَّ تِلْكَ تَكُونُ عَلى سَبِيلِ الشَّوْكَةِ والظُّهُورِ والسَّرِقَةَ عَلى سَبِيلِ الِاخْتِفاءِ والتَّسَتُّرِ، والظّاهِرُ وُجُوبُ القَطْعِ بِمُسَمّى السَّرِقَةِ، وهو ظاهِرُ النَّصِّ. يَسْرِقُ البَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، ويَسْرِقُ الجَمَلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ اليُمْنى، سَرَقَ شَيْئًا ما، قَلِيلًا أوْ كَثِيرًا، قُطِعَتْ يَدُهُ، وإلى هَذا ذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ ومِنَ التّابِعِينَ مِنهُمُ: الحَسَنُ، وهو مَذْهَبُ الخَوارِجِ وداوُدَ.
وقالَ داوُدُ ومَن وافَقَهُ: لا يُقْطَعُ في سَرِقَةِ حَبَّةٍ واحِدَةٍ ولا تَمْرَةٍ واحِدَةٍ، بَلْ أقَلِّ شَيْءٍ يُسَمّى مالًا، وفي أقَلِّ شَيْءٍ يُخْرِجُ الشُّحَّ والضِّنَةَ. وقِيلَ: النِّصابُ الَّذِي تُقْطَعُ فِيهِ اليَدُ عَشَرَةُ دَراهِمَ فَصاعِدًا، أوْ قِيمَتُها مِن غَيْرِها، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ: ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ عَمْرٍو أيْمَنَ الحَبَشِيِّ، وأبِي جَعْفَرٍ، وعَطاءٍ، وإبْراهِيمَ، وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وأبِي حَنِيفَةَ، وأبِي يُوسُفَ، وزُفَرَ، ومُحَمَّدٍ. وقِيلَ: رُبُعُ دِينارٍ فَصاعِدًا، ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وعُثْمانَ، وعَلِيٍّ، وعائِشَةَ، وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، وهو قَوْلُ: الأوْزاعِيِّ، واللَّيْثِ، والشّافِعِيِّ، وأبِي ثَوْرٍ؛ وقِيلَ: خَمْسَةُ دَراهِمَ؛ وهو قَوْلُ: أنَسٍ، وعُرْوَةَ، وسُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ، والزُّهْرِيِّ. وقِيلَ: أرْبَعَةُ دَراهِمَ؛ وهو مَرْوِيٌّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وأبِي هُرَيْرَةَ. وقِيلَ: ثَلاثَةُ دَراهِمَ؛ وهو قَوْلُ: ابْنِ عُمَرَ، وبِهِ قالَ مالِكٌ، وإسْحاقُ، وأحْمَدُ، إلّا إنْ كانَ ذَهَبًا فَلا تُقْطَعُ إلّا في رُبْعِ دِينارٍ. وقِيلَ: دِرْهَمٌ فَما فَوْقَهُ، وبِهِ قالَ عُثْمانُ البَتِّيُّ. وقَطَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ في دِرْهَمٍ. ولِلسَّرِقَةِ الَّتِي تُقْطَعُ فِيها اليَدُ شُرُوطٌ ذُكِرَتْ في الفِقْهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: والسّارِقُ والسّارِقَةُ؛ بِالرَّفْعِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: والسّارِقُونَ والسّارِقاتُ فاقْطَعُوا أيْمانَهم، وقالَ الخَفّافُ: وجَدْتُ في مُصْحَفِ أُبِيٍّ: والسُّرُقُ والسُّرُقَةُ، بِضَمِّ السِّينِ المُشَدَّدَةِ فِيهِما، كَذا ضَبَطَهُ أبُو عَمْرٍو. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ هَذا تَصْحِيفًا مِنَ الضّابِطِ، لِأنَّ قِراءَةَ الجَماعَةِ إذا كُتِبَتِ السّارِقُ بِغَيْرِ ألْفٍ وافَقَتْ في الخَطِّ هَذِهِ. والرَّفْعُ في، والسّارِقُ والسّارِقَةُ، عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ: فِيما يُتْلى عَلَيْكم، أوْ فِيما فُرِضَ عَلَيْكم؛ السّارِقُ والسّارِقَةُ أيْ: حُكْمُهُما. ولا يُجَوِّزُ سِيبَوَيْهِ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ قَوْلُهُ: فاقْطَعُوا، لِأنَّ الفاءَ لا تَدْخُلُ إلّا في خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَوْصُولٍ بِظَرْفٍ أوْ مَجْرُورٍ؛ أيْ: جُمْلَةٍ صالِحَةٍ لِأداةِ الشَّرْطِ. والمَوْصُولُ هُنا ألْ، وصِلَتُها اسْمُ فاعِلٍ أوِ اسْمُ مَفْعُولٍ، وما كانَ هَكَذا لا تَدْخُلُ الفاءُ في خَبَرِهِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ. وقَدْ أجازَ ذَلِكَ جَماعَةٌ مِنَ البَصْرِيِّينَ أعْنِي: أنْ يَكُونَ والسّارِقُ والسّارِقَةُ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ جُمْلَةُ الأمْرِ، أجْرَوْا ألْ وصِلَتَها مُجْرى المَوْصُولِ المَذْكُورِ، لِأنَّ المَعْنى فِيهِ عَلى العُمُومِ إذْ مَعْناهُ: الَّذِي سَرَقَ والَّتِي سَرَقَتْ. ولَمّا كانَ مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ لا يَجُوزُ ذَلِكَ، تَأوَّلَهُ عَلى إضْمارِ الخَبَرِ، فَيَصِيرُ تَأوُّلُهُ: فِيما فُرِضَ عَلَيْكم حُكْمُ السّارِقِ والسّارِقَةِ - جُمْلَةً ظاهِرُها أنْ تَكُونَ مُسْتَقِلَّةً، ولَكِنَّ المَقْصُودَ هو في قَوْلِهِ: ﴿فاقْطَعُوا﴾، فَجِيءَ بِالفاءِ رابِطَةً لِلْجُمْلَةِ الثّانِيَةِ، فالأُولى مُوَضِّحَةٌ لِلْحُكْمِ المُبْهَمِ في الجُمْلَةِ الأُولى. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: والسّارِقَ والسّارِقَةَ، بِالنَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ. قالَ سِيبَوَيْهِ: الوَجْهُ في كَلامِ العَرَبِ النَّصْبُ كَما تَقُولُ: زَيْدًا فاضْرِبْهُ، ولَكِنْ أبَتِ العامَّةُ إلّا الرَّفْعَ، يَعْنِي عامَّةَ القُرّاءِ وجُلَّهم. ولَمّا كانَ مُعْظَمُ القُرّاءِ عَلى الرَّفْعِ، تَأوَّلَهُ سِيبَوَيْهِ عَلى وجْهٍ يَصِحُّ، وهو أنَّهُ جَعَلَهُ مُبْتَدَأً، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، لِأنَّهُ لَوْ جَعَلَهُ مُبْتَدَأً والخَبَرُ فاقْطَعُوا لَكانَ تَخْرِيجًا عَلى غَيْرِ الوَجْهِ في كَلامِ العَرَبِ، ولَكانَ قَدْ تَدْخُلُ الفاءُ في خَبَرِ ألْ وهو لا يَجُوزُ عِنْدَهُ. وقَدْ تَجاسَرَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ المَدْعُوُّ بِالفَخْرِ الرّازِيِّ بْنِ خَطِيبِ الرِّيِّ عَلى سِيبَوَيْهِ وقالَ عَنْهُ ما لَمْ يَقُلْهُ فَقالَ: الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، ويَدُلُّ عَلى فَسادِهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ طَعَنَ في القِراءَةِ (p-٤٧٧)المَنقُولَةِ بِالمُتَواتِرِ عَنِ الرَّسُولِ، وعَنْ أعْلامِ الأُمَّةِ، وذَلِكَ باطِلٌ قَطْعًا. (قُلْتُ): هَذا تَقَوُّلٌ عَلى سِيبَوَيْهِ، وقِلَّةُ فَهْمٍ عَنْهُ، ولَمْ يَطْعَنْ سِيبَوَيْهِ عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ، بَلْ وجَّهَها التَّوْجِيهَ المَذْكُورَ، وأفْهَمَ أنَّ المَسْألَةَ لَيْسَتْ مِن بابِ الِاشْتِغالِ المَبْنِيِّ عَلى جَوازِ الِابْتِداءِ فِيهِ، وكَوْنِ جُمْلَةِ الأمْرِ خَبَرَهُ، أوْ لَمْ يَنْصِبِ الِاسْمَ، إذْ لَوْ كانَتْ مِنهُ لَكانَ النَّصْبُ أوْجَهَ كَما كانَ في زَيْدًا اضْرِبْهُ، عَلى ما تَقَرَّرَ في كَلامِ العَرَبِ، فَكَوْنُ جُمْهُورِ القُرّاءِ عَدَلُوا إلى الرَّفْعِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم لَمْ يَجْعَلُوا الرَّفْعَ فِيهِ عَلى الِابْتِداءِ المُخْبَرِ عَنْهُ بِفِعْلِ الأمْرِ، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ ذَلِكَ لِأجْلِ الفاءِ. فَقَوْلُهُ: أبَتِ العامَّةُ إلّا الرَّفْعَ - تَقْوِيَةٌ لِتَخْرِيجِهِ، وتَوْهِينٌ لِلنَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ مَعَ وُجُودِ الفاءِ؛ لِأنَّ النَّصْبَ عَلى الِاشْتِغالِ المُرَجَّحِ عَلى الِابْتِداءِ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ لا يَجُوزُ، إلّا إذا جازَ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً مُخْبَرًا عَنْهُ بِالفِعْلِ الَّذِي يُفَسِّرُ العامِلَ في الِاشْتِغالِ، وهُنا لا يَجُوزُ ذَلِكَ لِأجْلِ الفاءِ الدّاخِلَةِ عَلى الخَبَرِ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ لا يَجُوزَ النَّصْبُ. فَمَعْنى كَلامِ سِيبَوَيْهِ يُقَوِّي الرَّفْعَ عَلى ما ذُكِرَ، فَكَيْفَ يَكُونُ طاعِنًا في الرَّفْعِ ؟ وقَدْ قالَ سِيبَوَيْهِ: وقَدْ يَحْسُنُ ويَسْتَقِيمُ: عَبْدُ اللَّهِ فاضْرِبْهُ، إذا كانَ مَبْنِيًّا عَلى مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ أوْ مُظْهَرٍ، فَأمّا في المُظْهَرِ فَقَوْلُكَ: هَذا زَيْدٌ فاضْرِبْهُ؛ وإنْ شِئْتَ لَمْ تُظْهِرْ هَذا، ويَعْمَلُ عَمَلَهُ إذا كانَ مُظْهَرًا وذَلِكَ قَوْلُكَ: الهِلالُ واللَّهِ فانْظُرْ إلَيْهِ، فَكَأنَّكَ قُلْتَ: هَذا الهِلالُ، ثُمَّ جِئْتَ بِالأمْرِ. ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ:
وقائِلَةٍ خَوْلانُ فانْكِحْ فَتاتَهم وأُكْرُومَةُ الحَيَّيْنِ خَلْوٌ كَما هِيا
هَكَذا سُمِعَ مِنَ العَرَبِ تُنْشِدُهُ. انْتَهى. فَإذا كانَ سِيبَوَيْهِ يَقُولُ: وقَدْ يَحْسُنُ ويَسْتَقِيمُ. عَبْدُ اللَّهِ فاضْرِبْهُ، فَكَيْفَ يَكُونُ طاعِنًا في الرَّفْعِ، وهو يَقُولُ: أنَّهُ يَحْسُنُ ويَسْتَقِيمُ ؟ لَكِنَّهُ جَوَّزَهُ عَلى أنْ يَكُونَ المَرْفُوعُ مُبْتَدَأً مَحْذُوفَ الخَبَرِ، كَما تَأوَّلَهُ في السّارِقِ والسّارِقَةِ، أوْ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، كَقَوْلِهِ: الهِلالُ، واللَّهِ، فانْظُرْ إلَيْهِ.
وقالَ الفَخْرُ الرّازِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ) - يَعْنِي سِيبَوَيْهِ -: لا أقُولُ إنَّ القِراءَةَ بِالرَّفْعِ غَيْرُ جائِزَةٍ، ولَكِنِّي أقُولُ: القِراءَةُ بِالنَّصْبِ أوْلى، فَنَقُولُ لَهُ: هَذا أيْضًا رَدِيءٌ، لِأنَّ تَرْجِيحَ القِراءَةِ الَّتِي لَمْ يَقْرَأْ بِها إلّا عِيسى بْنُ عُمَرَ عَلى قِراءَةِ الرَّسُولِ وجَمِيعِ الأُمَّةِ في عَهْدِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ أمْرٌ مُنْكَرٌ مَرْدُودٌ. (قُلْتُ): هَذا السُّؤالُ لَمْ يَقُلْهُ سِيبَوَيْهِ، ولا هو مِمَّنْ يَقُولُهُ، وكَيْفَ يَقُولُهُ وهو قَدْ رَجَّحَ قِراءَةَ الرَّفْعِ عَلى ما أوْضَحْناهُ ! وأيْضًا فَقَوْلُهُ: لِأنَّ تَرْجِيحَ القِراءَةِ الَّتِي لَمْ يَقْرَأُ بِها إلّا عِيسى بْنُ عُمَرَ عَلى قِراءَةِ الرَّسُولِ وجَمِيعِ الأُمَّةِ في عَهْدِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ - تَشْنِيعٌ وإيهامٌ أنَّ عِيسى بْنَ عُمَرَ قَرَأها مِن قِبَلِ نَفْسِهِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ قِراءَتُهُ مُسْتَنِدَةٌ إلى (p-٤٧٨)الصَّحابَةِ وإلى الرَّسُولِ، فَقِراءَتُهُ قِراءَةُ الرَّسُولِ أيْضًا، وقَوْلُهُ: وجَمِيعُ الأُمَّةِ، لا يَصِحُّ هَذا الإطْلاقُ لِأنَّ عِيسى بْنَ عُمَرَ وإبْراهِيمَ بْنَ أبِي عَبْلَةَ ومَن وافَقَهُما وأشْياخَهُمُ الَّذِينَ أخَذُوا عَنْهم هَذِهِ القِراءَةَ هم مِنَ الأُمَّةِ. وقالَ سِيبَوَيْهِ: وقَدْ قَرَأ ناسٌ والسّارِقَ والسّارِقَةَ والزّانِيَةَ والزّانِيَ، فَأخْبَرَ أنَّها قِراءَةُ ناسٍ. وقَوْلُهُ: وجَمِيعُ الأُمَّةِ لا يَصِحُّ هَذا العُمُومُ. قالَ الفَخْرُ الرّازِيُّ: الثّانِي مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى فَسادِ قَوْلِ سِيبَوَيْهِ: أنَّ القِراءَةَ بِالنَّصْبِ لَوْ كانَتْ أوْلى لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ في القُرّاءِ مَن قَرَأ: ﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكم فَآذُوهُما﴾ [النساء: ١٦] بِالنَّصْبِ، ولَمّا لَمْ يُوجَدْ في القِراءَةِ أحَدٌ قَرَأ كَذَلِكَ، عَلِمْنا سُقُوطَ هَذا القَوْلِ. (قُلْتُ): لَمْ يَدَّعِ سِيبَوَيْهِ أنَّ قِراءَةَ النَّصْبِ أوْلى فَيَلْزَمُهُ ما ذَكَرَ، وإنَّما قالَ سِيبَوَيْهِ: وقَدْ قَرَأ ناسٌ والسّارِقَ والسّارِقَةَ والزّانِيَةَ والزّانِيَ، وهو في العَرَبِيَّةِ عَلى ما ذَكَرْتُ لَكَ مِنَ القُوَّةِ، ولَكِنْ أبَتِ العامَّةُ إلّا القِراءَةَ بِالرَّفْعِ. ويَعْنِي سِيبَوَيْهِ بِقَوْلِهِ: مِنَ القُوَّةِ، لَوْ عُرِّيَ مِنَ الفاءِ المُقَدَّرِ دُخُولُها عَلى خَبَرِ الِاسْمِ المَرْفُوعِ عَلى الِابْتِداءِ، وجُمْلَةُ الأمْرِ خَبَرُهُ، ولَكِنْ أبَتِ العامَّةُ؛ أيْ: جُمْهُورُ القُرّاءِ، إلّا الرَّفْعَ؛ لِعِلَّةِ دُخُولِ الفاءِ، إذْ لا يَصِحُّ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ الأمْرِ خَبَرًا لِهَذا المُبْتَدَأِ، فَلَمّا دَخَلَتِ الفاءُ رَجَّحَ الجُمْهُورُ الرَّفْعَ. ولِذَلِكَ لَمّا ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ اخْتِيارَ النَّصْبِ في الأمْرِ والنَّهْيِ، لَمْ يُمَثِّلْهُ بِالفاءِ بَلْ عارِيًا مِنها. قالَ سِيبَوَيْهِ: وذَلِكَ (p-٤٧٩)قَوْلُكَ: زَيْدًا اضْرِبْهُ وعَمْرًا أُمْرُرْ بِهِ، وخالِدًا اضْرِبْ أباهُ، وزَيْدًا اشْتَرِ لَهُ ثَوْبًا؛ ثُمَّ قالَ: وقَدْ يَكُونُ في الأمْرِ والنَّهْيِ أنْ يُبْنى الفِعْلُ عَلى الِاسْمِ وذَلِكَ قَوْلُهُ: عَبْدُ اللَّهِ فاضْرِبْهُ، ابْتَدَأْتَ عَبْدَ اللَّهِ فَرَفَعْتَ بِالِابْتِداءِ، ونَبَّهْتَ المُخاطَبَ لَهُ لِيَعْرِفَهُ بِاسْمِهِ، ثُمَّ بَنَيْتَ الفِعْلَ عَلَيْهِ كَما فَعَلْتَ ذَلِكَ في الخَبَرِ. فَإذا قُلْتَ: زَيْدًا فاضْرِبْهُ، لَمْ يَسْتَقِمْ، لَمْ تَحْمِلْهُ عَلى الِابْتِداءِ. ألا تَرى أنَّكَ لَوْ قُلْتَ: زَيْدٌ فَمُنْطَلِقٌ، لَمْ يَسْتَقِمْ ؟ فَهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً يَعْنِي مُخْبَرًا عَنْهُ بِفِعْلِ الأمْرِ المَقْرُونِ بِالفاءِ الجائِزِ دُخُولُها عَلى الخَبَرِ. ثُمَّ قالَ سِيبَوَيْهِ: فَإنْ شِئْتَ نَصَبْتَهُ عَلى شَيْءٍ هَذا يُفَسِّرُهُ. لَمّا مَنَعَ سِيبَوَيْهِ الرَّفْعَ فِيهِ عَلى الِابْتِداءِ وجُمْلَةُ الأمْرِ خَبَرُهُ لِأجْلِ الفاءِ - أجازَ نَصْبَهُ عَلى الِاشْتِغالِ، لا عَلى أنَّ الفاءَ هي الدّاخِلَةُ في خَبَرِ المُبْتَدَأِ.
وتَلْخِيصُ ما يُفْهَمُ مِن كَلامِ سِيبَوَيْهِ: أنَّ الجُمْلَةَ الواقِعَةَ أمْرًا بِغَيْرِ فاءٍ بَعْدَ اسْمٍ - يُخْتارُ فِيهِ النَّصْبُ ويَجُوزُ فِيهِ الِابْتِداءُ، وجُمْلَةُ الأمْرِ خَبَرُهُ، فَإنْ دَخَلَتْ عَلَيْهِ الفاءُ فَإمّا أنْ تُقَدِّرَها الفاءَ الدّاخِلَةَ عَلى الخَبَرِ، أوْ عاطِفَةً، فَإنْ قَدَّرْتَها الدّاخِلَةَ عَلى الخَبَرِ فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الِاسْمُ مُبْتَدَأً وجُمْلَةُ الأمْرِ خَبَرَهُ، إلّا إذا كانَ المُبْتَدَأُ أُجْرِيَ مُجْرى اسْمِ الشَّرْطِ لِشَبَهِهِ بِهِ، ولَهُ شُرُوطٌ ذُكِرَتْ في النَّحْوِ. وإنْ كانَتْ عاطِفَةً كانَ ذَلِكَ الِاسْمُ مَرْفُوعًا، إمّا مُبْتَدَأٌ كَما (p-٤٨٠)تَأوَّلَ سِيبَوَيْهِ في قَوْلِهِ: والسّارِقُ والسّارِقَةُ، وإمّا خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ كَما قِيلَ: القَمَرُ واللَّهِ فانْظُرْ إلَيْهِ. والنَّصْبُ عَلى هَذا المَعْنى دُونَ الرَّفْعِ، لِأنَّكَ إذا نَصَبْتَ احْتَجْتَ إلى جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ تُعْطَفُ عَلَيْها بِالفاءِ، وإلى حَذْفِ الفِعْلِ النّاصِبِ، وإلى تَحْرِيفِ الفاءِ إلى غَيْرِ مَحَلِّها. فَإذا قُلْتَ زَيْدًا فاضْرِبْهُ، فالتَّقْدِيرُ: تَنَبَّهْ فاضْرِبْ زَيْدًا اضْرِبْهُ؛ حُذِفَتْ تَنَبَّهْ، وحُذِفَتِ اضْرِبْ، وأُخِّرَتِ الفاءُ إلى دُخُولِها عَلى المُفَسَّرِ، وكانَ الرَّفْعُ أوْلى، لِأنَّهُ لَيْسَ فِيهِ لا حَذْفُ مُبْتَدَأٍ، أوْ حَذْفُ خَبَرٍ. فالمَحْذُوفُ أحَدُ جُزْئَيِ الإسْنادِ فَقَطْ، والفاءُ واقِعَةٌ في مَوْقِعِها، ودَلَّ عَلى ذَلِكَ المَحْذُوفِ سِياقُ الكَلامِ والمَعْنى. قالَ سِيبَوَيْهِ: وأمّا قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما﴾ [النور: ٢] ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ فَإنَّ هَذا لَمْ يُبْنَ عَلى الفِعْلِ، ولَكِنَّهُ جاءَ عَلى مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ [محمد: ١٥] ثُمَّ قالَ بَعْدُ فِيها: (أنْهارٌ فِيها) كَذا وكَذا، فَإنَّما وُضِعَ مَثَلٌ لِلْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ، وذُكِرَ بَعْدَ أخْبارٍ وأحادِيثَ كَأنَّهُ قالَ: ومِنَ القَصَصِ مَثَلُ الجَنَّةِ أوْ مِمّا نَقُصُّ عَلَيْكم مَثَلُ الجَنَّةِ، فَهو مَحْمُولٌ عَلى هَذا الإضْمارِ أوْ نَحْوِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ. وكَذَلِكَ الزّانِيَةُ والزّانِي؛ لَمّا قالَ تَعالى: ﴿سُورَةٌ أنْزَلْناها وفَرَضْناها﴾ [النور: ١] قالَ في الفَرائِضِ: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي﴾ [النور: ٢] أوِ ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي﴾ [النور: ٢] في الفَرائِضِ، ثُمَّ قالَ: فاجْلِدُوا، فَجاءَ بِالفِعْلِ بَعْدَ أنْ مَضى فِيها الرَّفْعُ كَما قالَ. وقائِلَةٍ خَوْلانُ فانْكِحْ فَتاتَهم، فَجاءَ بِالفِعْلِ بَعْدَ أنْ عَمِلَ فِيهِ الضَّمِيرُ، وكَذَلِكَ السّارِقُ والسّارِقَةُ. كَأنَّهُ قالَ: مِمّا فُرِضَ عَلَيْكُمُ السّارِقُ والسّارِقَةُ، أوِ السّارِقُ والسّارِقَةُ فِيما فُرِضَ عَلَيْكم. وإنَّما جاءَتْ هَذِهِ الأسْماءُ بَعْدَ قَصَصٍ وأحادِيثَ. انْتَهى.
فَسِيبَوَيْهِ إنَّما اخْتارَ هَذا التَّخْرِيجَ لِأنَّهُ أقَلُّ كُلْفَةً مِنَ النَّصْبِ مَعَ وُجُودِ الفاءِ، ولَيْسَتِ الفاءُ الدّاخِلَةَ في خَبَرِ المُبْتَدَأِ، لِأنَّ سِيبَوَيْهِ لا يُجِيزُ ذَلِكَ في ألِ المَوْصُولَةِ. فالآيَتانِ عِنْدَهُ مِن بابِ زَيْدٍ فاضْرِبْهُ، فَكَما أنَّ المُخْتارَ في هَذا الرَّفْعِ فَكَذَلِكَ في الآيَتَيْنِ.
* *
وقَوْلُ الرّازِيِّ: لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ في القُرّاءِ مَن قَرَأ: ﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكم فَآذُوهُما﴾ [النساء: ١٦] بِالنَّصْبِ إلى آخَرِ كَلامِهِ، لَمْ يَقُلْ سِيبَوَيْهِ إنَّ النَّصْبَ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ أوْلى، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ في القُرّاءِ مَن يَنْصِبُ واللَّذانِ يَأْتِيانِها، بَلْ حَلَّ سِيبَوَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ مَحَلَّ قَوْلِهِ: والسّارِقُ والسّارِقَةُ، لِأنَّهُ تَقَدَّمَ قَبْلَ ذَلِكَ ما يَدُلُّ عَلى المَحْذُوفِ وهو قَوْلُهُ: ﴿واللّاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِن نِسائِكُمْ﴾ [النساء: ١٥] فَخَرَّجَ سِيبَوَيْهِ الآيَةَ عَلى الإضْمارِ. وقالَ سِيبَوَيْهِ: وقَدْ يَجْرِي هَذا في زَيْدٍ وعَمْرٍو عَلى هَذا الحَدِّ إذا (p-٤٨١)كُنْتَ تُخْبِرُ بِأشْياءَ، أوْ تُوصِي، ثُمَّ تَقُولُ: زَيْدٌ؛ أيْ: زَيْدٌ فِيمَن أُوصِي فَأحْسِنْ إلَيْهِ وأكْرِمْهُ، ويَجُوزُ في: ﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكُمْ﴾ [النساء: ١٦]، أنْ يَرْتَفِعَ عَلى الِابْتِداءِ، والجُمْلَةُ الَّتِي فِيها الفاءُ خَبَرٌ لِأنَّهُ مَوْصُولٌ مُسْتَوْفٍ شُرُوطَ المَوْصُولِ الَّذِي يَجُوزُ دُخُولُ الفاءِ في خَبَرِهِ لِشَبَهِهِ بِاسْمِ الشَّرْطِ، بِخِلافِ قَوْلِهِ: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ﴾، فَإنَّهُ لا يَجُوزُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ دُخُولَ الفاءِ في خَبَرِهِ، لِأنَّهُ لا يَجْرِي مَجْرى اسْمِ الشَّرْطِ، فَلا يُشَبَّهُ بِهِ في دُخُولِ الفاءِ.
قالَ الفَخْرُ الرّازِيُّ: الثّالِثُ، يَعْنِي مِن وُجُوهِ فَسادِ قَوْلِ سِيبَوَيْهِ، إنّا إنَّما قُلْنا السّارِقُ والسّارِقَةُ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ هو الَّذِي يُضْمِرُهُ، وهو قَوْلُنا: فِيما يُتْلى عَلَيْكم، وفي شَيْءٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ . (قُلْتُ): تَقَدَّمَ لَنا حِكْمَةُ المَجِيءِ بِالفاءِ وما رَبَطَتْ، وقَدْ قَدَّرَهُ سِيبَوَيْهِ: ومِمّا فُرِضَ عَلَيْكُمُ السّارِقُ والسّارِقَةُ؛ والمَعْنى: حُكْمُ السّارِقِ والسّارِقَةِ، لِأنَّها آيَةٌ جاءَتْ بَعْدَ ذِكْرِ جَزاءِ المُحارِبِينَ وأحْكامِهِمْ، فَناسَبَ تَقْدِيرَ سِيبَوَيْهِ. وجِيءَ بِالفاءِ رابِطَةً الجُمْلَةَ الثّانِيَةَ بِالأُولى، والثّانِيَةُ جاءَتْ مُوَضِّحَةً لِلْحُكْمِ المُبْهَمِ فِيما قَبْلَ ذَلِكَ. قالَ الفَخْرُ الرّازِيُّ: فَإنْ قالَ - يَعْنِي سِيبَوَيْهِ - الفاءُ تَتَعَلَّقُ بِالفِعْلِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: والسّارِقُ والسّارِقَةُ؛ يَعْنِي: أنَّهُ إذا أتى بِالسَّرِقَةِ فاقْطَعُوا يَدَهُ، فَنَقُولُ: إذا احْتَجْتَ في آخِرِ الأمْرِ أنْ تَقُولَ السّارِقُ والسّارِقَةُ تَقْدِيرُهُ مَن سَرَقَ، فاذْكُرْ هَذا أوَّلًا حَتّى لا يُحْتاجَ إلى الإضْمارِ الَّذِي ذَكَرْتَهُ. (قُلْتُ): هَذا لا يَقُولُهُ سِيبَوَيْهِ، وقَدْ بَيَّنّا حُكْمَ الفاءِ وفائِدَتَها.
قالَ الفَخْرُ الرّازِيُّ: الرّابِعُ، يَعْنِي مِن وُجُوهِ فَسادِ قَوْلِ سِيبَوَيْهِ: إذا اخْتَرْنا القِراءَةَ بِالنَّصْبِ، لَمْ تَدُلَّ عَلى أنَّ السَّرِقَةَ عِلَّةٌ لِوُجُوبِ القَطْعِ، وإذا اخْتَرْنا القِراءَةَ بِالرَّفْعِ أفادَتِ الآيَةُ هَذا المَعْنى، ثُمَّ إنَّ هَذا المَعْنى مُتَأكِّدٌ بِقَوْلِهِ: ﴿جَزاءً بِما كَسَبا﴾، فَثَبَتَ أنَّ القِراءَةَ بِالرَّفْعِ أوْلى. (قُلْتُ): هَذا عَجِيبٌ مِن هَذا الرَّجُلِ، يَزْعُمُ أنَّ النَّصْبَ لا يُشْعِرُ بِالعِلَّةِ المُوجِبَةِ لِلْقَطْعِ ويُفِيدُها الرَّفْعُ، وهَلْ هَذا إلّا مِنَ التَّعْلِيلِ بِالوَصْفِ المُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ الحُكْمُ ؟ فَلا فَرْقَ في ذَلِكَ بَيْنَ الرَّفْعِ والنَّصْبِ لَوْ قُلْتَ: السّارِقُ لِيُقْطَعَ، أوِ اقْطَعِ السّارِقَ، لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُما فَرْقٌ مِن حَيْثُ التَّعْلِيلُ. وكَذَلِكَ الزّانِي لِيُجْلَدْ، أوِ اجْلِدِ الزّانِيَ. ثُمَّ قَوْلُهُ: إنَّ هَذا المَعْنى مُتَأكِّدٌ بِقَوْلِهِ: ﴿جَزاءً بِما كَسَبا﴾، والنَّصْبُ أيْضًا يَحْسُنُ أنَّ يُؤَكَّدَ بِمِثْلِ هَذا، لَوْ قُلْتَ: اقْطَعِ اللِّصَّ جَزاءً بِما كَسَبَ صَحَّ.
وقالَ الفَخْرُ الرّازِيُّ: الخامِسُ، يَعْنِي مِن وُجُوهِ فَسادِ قَوْلِ سِيبَوَيْهِ، أنَّ سِيبَوَيْهِ قالَ: وهم يُقَدِّمُونَ الأهَمَّ فالأهَمَّ. والَّذِي هم بِبَيانِهِ أعْنى، فالقِراءَةُ بِالرَّفْعِ تَقْتَضِي ذِكْرَ كَوْنِهِ سارِقًا عَلى ذِكْرِ وُجُوبِ القَطْعِ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ أكْثَرُ العِنايَةِ مَصْرُوفًا إلى شَرْحِ ما يَتَعَلَّقُ بِحالِ السّارِقِ مِن حَيْثُ إنَّهُ سارِقٌ، وأمّا القِراءَةُ بِالنَّصْبِ فَإنَّها تَقْتَضِي أنْ تَكُونَ العِنايَةُ بِبَيانِ القَطْعِ أتَمَّ مِنَ العِنايَةِ بِكَوْنِهِ سارِقًا. ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإنَّ المَقْصُودَ في هَذِهِ الآيَةِ بَيانُ تَقْبِيحِ السَّرِقَةِ والمُبالَغَةُ في الزَّجْرِ عَنْها، فَثَبَتَ أنَّ القِراءَةَ بِالرَّفْعِ هي المُتَعَيِّنَةُ قَطْعًا. (قُلْتُ): الَّذِي ذَكَرَ فِيهِ سِيبَوَيْهِ أنَّهم كانُوا يُقَدِّمُونَ الَّذِي بَيانُهُ أهَمُّ لَهم، وهم بِبَيانِهِ أعْنى - هو ما اخْتَلَفَتْ فِيهِ نِسْبَةُ الإسْنادِ كالفاعِلِ والمَفْعُولِ. قالَ سِيبَوَيْهِ: فَإنْ قَدَّمْتَ المَفْعُولَ وأخَّرْتَ الفاعِلَ جَرى اللَّفْظُ كَما جَرى في الأوَّلِ، يَعْنِي في: ضَرَبَ عَبْدُ اللَّهِ زَيْدًا؛ قالَ: وذَلِكَ ضَرَبَ زَيْدًا عَبْدُ اللَّهِ، لِأنَّكَ إنَّما أرَدْتَ بِهِ مُؤَخَّرًا ما أرَدْتَ بِهِ مُقَدَّمًا، ولَمْ تُرِدْ أنْ تُشْغِلَ الفِعْلَ بِأوَّلَ مِنهُ وإنْ كانَ مُؤَخَّرًا في اللَّفْظِ، فَمِن ثَمَّ كانَ حَدُّ اللَّفْظِ أنْ يَكُونَ فِيهِ مُقَدَّمًا، وهو عَرَبِيٌّ جَيِّدٌ كَثِيرٌ كَأنَّهم يُقَدِّمُونَ الَّذِي بَيانُهُ لَهم أهَمُّ، وهم بِبَيانِهِ أعْنى، وإنْ كانا جَمِيعًا يُهِمّانِهِمْ ويَعْنِيانِهِمْ. انْتَهى.
والرّازِيُّ حَرَّفَ كَلامَ سِيبَوَيْهِ وأخَذَهُ حَيْثُ لا يُتَصَوَّرُ اخْتِلافُ نِسْبَةٍ وهو المُبْتَدَأُ والخَبَرُ، فَإنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلّا نِسْبَةٌ واحِدَةٌ بِخِلافِ الفاعِلِ والمَفْعُولِ، لِأنَّ المُخاطِبَ قَدْ يَكُونُ لَهُ غَرَضٌ في ذِكْرِ مَن صَدَرَ مِنهُ الضَّرْبُ فَيُقَدِّمُ الفاعِلَ، أوْ في ذِكْرِ مَن حَلَّ بِهِ الضَّرْبُ فَيُقَدِّمُ المَفْعُولَ، لِأنَّ نِسْبَةَ الضَّرْبِ مُخْتَلِفَةٌ بِالنَّظَرِ إلَيْهِما. وأمّا الآيَةُ فَهي مِن بابِ ما النِّسْبَةُ فِيهِ لا تَخْتَلِفُ، إنَّما هي (p-٤٨٢)الحُكْمُ عَلى السّارِقِ بِقَطْعِ يَدِهِ. وما ذَكَرَهُ الرّازِيُّ لا يَتَفَرَّعُ عَلى كَلامِ سِيبَوَيْهِ بِوَجْهٍ، والعَجَبُ مِن هَذا الرَّجُلِ وتَجاسُرِهِ عَلى العُلُومِ حَتّى صَنَّفَ في النَّحْوِ كِتابًا سَمّاهُ المُحَرَّرَ، وسَلَكَ فِيهِ طَرِيقَةً غَرِيبَةً بَعِيدَةً مِن مُصْطَلَحِ أهْلِ النَّحْوِ ومِن مَقاصِدِهِمْ، وهو كِتابٌ لَطِيفٌ مُحْتَوٍ عَلى بَعْضِ أبْوابِ العَرَبِيَّةِ، وقَدْ سَمِعْتُ شَيْخَنا أبا جَعْفَرِ بْنَ الزُّبَيْرِ يَذْكُرُ هَذا التَّصْنِيفَ ويَقُولُ: إنَّهُ لَيْسَ جارِيًا عَلى مُصْطَلَحِ القَوْمِ، وإنَّ ما سَلَكَهُ في ذَلِكَ مِنَ التَّخْلِيطِ في العُلُومِ، ومَن غَلَبَ عَلَيْهِ فَنٌّ ظَهَرَ فِيما يَتَكَلَّمُ بِهِ مِن غَيْرِ ذَلِكَ الفَنِّ أوْ قَرِيبًا مِنهُ مِن هَذا المَعْنى، ولَمّا وقَفْتُ عَلى هَذا الكِتابِ بِدِيارِ مِصْرَ رَأيْتُ ما كانَ الأُسْتاذُ أبُو جَعْفَرٍ يَذُمُّ مِن هَذا الكِتابِ ويَسْتَزِلُّ عَقْلَ فَخْرِ الدِّينِ في كَوْنِهِ صَنَّفَ في عِلْمٍ ولَيْسَ مِن أهْلِهِ. وكانَ أبُو جَعْفَرٍ يَقُولُ: لِكُلِّ عِلْمٍ حَدٌّ يُنْتَهى إلَيْهِ، فَإذا رَأيْتَ مُتَكَلِّمًا في فَنٍّ ما ومَزَجَهُ بِغَيْرِهِ فاعْلَمْ أنَّ: إمّا أنْ يَكُونَ مِن تَخْلِيطِهِ وتَخْبِيطِ ذِهْنِهِ، وإمّا أنْ يَكُونَ مِن قِلَّةِ مَحْصُولِهِ وقُصُورِهِ في ذَلِكَ العِلْمِ، فَتَجِدُهُ يَسْتَرِيحُ إلى غَيْرِهِ مِمّا يَعْرِفُهُ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ مَذْهَبَ سِيبَوَيْهِ في إعْرابِ والسّارِقُ والسّارِقَةُ ما نَصُّهُ: ووَجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَرْتَفِعا بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما، ودُخُولُ الفاءِ لِتَضَمُّنِها مَعْنى الشَّرْطِ، لِأنَّ المَعْنى: والَّذِي سَرَقَ والَّتِي سَرَقَتْ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما، والِاسْمُ المَوْصُولُ تَضَمَّنَ مَعْنى الشَّرْطِ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِالنَّصْبِ، وفَضَّلَها سِيبَوَيْهِ عَلى قِراءَةِ العامَّةِ لِأجْلِ الأمْرِ، لِأنَّ زَيْدًا فاضْرِبْهُ أحْسَنُ مِن زَيْدٌ فاضْرِبْهُ. انْتَهى. وهَذا الوَجْهُ الَّذِي أجازَهُ وإنْ كانَ ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُهم لا يَجُوزُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، لِأنَّ المَوْصُولَ لَمْ يُوصَلْ بِجُمْلَةٍ تَصْلُحُ لِأداةِ الشَّرْطِ، ولا بِما قامَ مَقامَها مِن ظَرْفٍ أوْ مَجْرُورٍ، بَلِ المَوْصُولُ هُنا ألْ، وصِلَةُ ألْ لا تَصْلُحُ لِأداةِ الشَّرْطِ، وقَدِ امْتَزَجَ المَوْصُولُ بِصِلَتِهِ حَتّى صارَ الإعْرابُ في الصِّلَةِ بِخِلافِ الظَّرْفِ والمَجْرُورِ، فَإنَّ العامِلَ فِيهِما جُمْلَةٌ لا تَصْلُحُ لِأداةِ الشَّرْطِ. وأمّا قَوْلُهُ في قِراءَةِ عِيسى: إنْ سِيبَوَيْهِ فَضَّلَها عَلى قِراءَةِ العامَّةِ، فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، بَلِ الَّذِي ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ في كِتابِهِ أنَّهُما تَرْكِيبانِ: أحَدُهُما زَيْدًا اضْرِبْهُ، والثّانِي زَيْدٌ فاضْرِبْهُ. فالتَّرْكِيبُ الأوَّلُ اخْتارَ فِيهِ النَّصْبَ، ثُمَّ جَوَّزُوا الرَّفْعَ بِالِابْتِداءِ. والتَّرْكِيبُ الثّانِي مَنَعَ أنْ يَرْتَفِعَ بِالِابْتِداءِ، وتَكُونُ الجُمْلَةُ الأمْرِيَّةُ خَبَرًا لَهُ لِأجْلِ الفاءِ، وأجازَ نَصْبَهُ عَلى الِاشْتِغالِ، أوْ عَلى الإغْراءِ، وذَكَرَ أنَّهُ يَسْتَقِيمُ رَفْعُهُ عَلى أنْ يَكُونَ جُمْلَتانِ، ويَكُونَ زَيْدٌ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هَذا زَيْدٌ فاضْرِبْهُ، ثُمَّ ذَكَرَ الآيَةَ فَخَرَّجَها عَلى حَذْفِ الخَبَرِ، ودَلَّ كَلامُهُ أنَّ هَذا التَّرْكِيبَ هو لا يَكُونُ إلّا عَلى جُمْلَتَيْنِ: الأُولى ابْتِدائِيَّةٌ، ثُمَّ ذَكَرَ قِراءَةَ ناسٍ بِالنَّصْبِ ولَمْ يُرَجِّحْها عَلى قِراءَةِ العامَّةِ، إنَّما قالَ: وهي في العَرَبِيَّةِ عَلى ما ذَكَرْتُ لَكَ مِنَ القُوَّةِ؛ أيْ: نَصَبَها عَلى الِاشْتِغالِ أوِ الإغْراءِ، وهو قَوِيٌّ لا ضَعِيفٌ، وقَدْ مَنَعَ سِيبَوَيْهِ رَفْعَهُ عَلى الِابْتِداءِ، والجُمْلَةُ الأمْرِيَّةُ خَبَرٌ لِأجْلِ الفاءِ. وقَدْ ذَكَرْنا التَّرْجِيحَ بَيْنَ رَفْعِهِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ حُذِفَ خَبَرُهُ، أوْ خَبَرٌ حُذِفَ مُبْتَدَؤُهُ، وبَيَّنَ نَصْبَهُ عَلى الِاشْتِغالِ بِأنَّ الرَّفْعَ يَلْزَمُ فِيهِ حَذْفُ خَبَرٍ واحِدٍ، والنَّصْبُ يَلْزَمُ فِيهِ حَذْفُ جُمْلَةٍ وإضْمارُ أُخْرى، وزَحْلَقَةُ الفاءِ عَنْ مَوْضِعِها. وظاهِرُ قَوْلِهِ: والسّارِقُ؛ أنَّهُ لا يُشْتَرَطُ حِرْزٌ لِلْمَسْرُوقِ، وبِهِ قالَ داوُدُ والخَوارِجُ، وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ شَرْطَ القَطْعِ إخْراجُهُ مِنَ الحِرْزِ، ولَوْ جَمَعَ الثِّيابَ في البَيْتِ ولَمْ يُخْرِجْها لَمْ يُقْطَعْ. وقالَ الحَسَنُ: يُقْطَعُ. والظّاهِرُ انْدِراجُ كُلِّ مَن يُسَمّى سارِقًا في عُمُومِ والسّارِقُ والسّارِقَةُ، لَكِنَّ الإجْماعَ مُنْعَقِدٌ عَلى أنَّ الأبَ إذا سَرَقَ مِن مالِ ابْنِهِ لا يُقْطَعُ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ لا يُقْطَعُ الِابْنُ. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحَسَنِ: إنْ كانَ يَدْخُلُ عَلَيْهِما فَلا قَطْعَ، وإنْ كانا يَنْهَيانِهِ عَنِ الدُّخُولِ قُطِعَ، ولا يُقْطَعُ ذَوُو المَحارِمِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ، ولا الأجْدادُ مِن جِهَةِ الأبِ والأُمِّ عِنْدَ الجُمْهُورِ وعِنْدَ أشْهَبَ. وقالَ أبُو ثَوْرٍ: يُقْطَعُ كُلُّ سارِقٍ سَرَقَ ما تُقْطَعُ فِيهِ اليَدُ، إلّا أنْ يُجْمِعُوا عَلى شَيْءٍ فَيُسَلَّمُ لِلْإجْماعِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ والشّافِعِيُّ: لا تُقْطَعُ المَرْأةُ إذا سَرَقَتْ مِن مالِ زَوْجِها، ولا هو (p-٤٨٣)إذا سَرَقَ مِن مالِ زَوْجَتِهِ. وقالَ مالِكٌ: يُقْطَعانِ. والظّاهِرُ أنَّ مَن أقَرَّ مَرَّةً بِسَرِقَةٍ قُطِعَ، وبِهِ قالَ: أبُو حَنِيفَةَ، وزُفَرُ، ومالِكٌ، والشّافِعِيُّ، والثَّوْرِيُّ. وقالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ وأبُو يُوسُفَ وابْنُ أبِي لَيْلى: لا يُقْطَعُ حَتّى يُقِرَّ مَرَّتَيْنِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا يُقْطَعُ سارِقُ المُصْحَفِ. وقالَ الشّافِعِيُّ، وأبُو يُوسُفَ، وأبُو ثَوْرٍ، وابْنُ القاسِمِ: يُقْطَعُ؛ إذا كانَتْ قِيمَتُهُ نِصابًا. والظّاهِرُ قَطْعُ الطَّيّارِ نِصابًا وبِهِ قالَ مالِكٌ، والأوْزاعِيُّ، وأبُو ثَوْرٍ، ويَعْقُوبُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ: وذَهَبَ مالِكٌ، والأوْزاعِيُّ، وأبُو ثَوْرٍ، ويَعْقُوبُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ: وذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ، ومُحَمَّدٌ، وإسْحاقُ إلى أنَّهُ إنْ كانَتِ الدَّراهِمُ مَصْرُورَةً في كُمِّهِ لَمْ يُقْطَعْ، أوْ في داخِلِهِ قُطِعَ. واخْتُلِفَ في النَّبّاشِ إذا أخَذَ الكَفَنَ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، ومُحَمَّدٌ: لا يُقْطَعُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومَكْحُولٍ. وقالَ الزُّهْرِيُّ: أجْمَعَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، في زَمَنٍ كانَ مَرْوانُ أمِيرًا عَلى المَدِينَةِ أنَّ النَّبّاشَ يُعَزَّرُ ولا يُقْطَعُ، وكانَ الصَّحابَةُ مُتَوافِرِينَ يَوْمَئِذٍ. وقالَ أبُو الدَّرْداءِ، وابْنُ أبِي لَيْلى، ورَبِيعَةُ، ومالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وأبُو يُوسُفَ: يُقْطَعُ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، والزُّهْرِيِّ ومَسْرُوقٍ، والحَسَنِ، والنَّخَعِيِّ، وعَطاءٍ، والظّاهِرُ أنَّهُ إذا كَرَّرَ السَّرِقَةَ في العَيْنِ بَعْدَ القَطْعِ فِيها لَمْ يُقْطَعْ، وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا يُقْطَعُ، وأنَّهُ إذا سَرَقَ نِصابًا مِن سارِقٍ لا يُقْطَعُ، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ. وقالَ مالِكٌ: قُطِعَ؛ والمُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ﴿فاقْطَعُوا﴾ الرَّسُولُ أوْ وُلاةُ الأمْرِ كالسُّلْطانِ، ومَن أُذِنَ لَهُ في إقامَةِ الحُدُودِ، أوِ القُضاةُ والحُكّامُ، أوِ المُؤْمِنُونَ، لِيَكُونُوا مُتَظافِرِينَ عَلى إقامَةِ الحُدُودِ، أقْوالٌ أرْبَعَةٌ. وفَصَّلَ بَعْضُ العُلَماءِ فَقالَ: إنْ كانَ في البَلَدِ إمامٌ أوْ نائِبٌ لَهُ فالخِطابُ مُتَوَجِّهٌ إلَيْهِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ وفِيها حاكِمٌ فالخِطابُ مُتَوَجِّهٌ إلَيْهِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ فَإلى عامَّةِ المُؤْمِنِينَ، وهو مِن فُرُوضِ الكِفايَةِ إذْ ذاكَ، إذا قامَ بِهِ بَعْضُهم سَقَطَ عَنِ الباقِينَ. والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ أنَّهُ يُقْطَعُ مِنَ السّارِقِ الثِّنْتانِ، لَكِنَّ الإجْماعَ عَلى خِلافِ هَذا الظّاهِرِ، وإنَّما يُقْطَعُ مِنَ السّارِقِ يُمْناهُ، ومِنَ السّارِقَةِ يُمْناها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْدِيَهُما يَدَيْهِما، ونَحْوُهُ: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ [التحريم: ٤] اكْتَفى بِتَثْنِيَةِ المُضافِ إلَيْهِ عَنْ تَثْنِيَةِ المُضافِ، وأُرِيدَ بِاليَدَيْنِ اليَمِينانِ بِدَلِيلِ قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: والسّارِقُونَ والسّارِقاتُ فاقْطَعُوا أيْمانَهم. انْتَهى. وسَوّى بَيْنَ أيْدِيَهُما وقُلُوبُكُما ولَيْسا بِشَيْئَيْنِ، لِأنَّ بابَ صَغَتْ قُلُوبُكُما يَطَّرِدُ فِيهِ وضْعُ الجَمْعِ مَوْضِعَ التَّثْنِيَةِ، وهو ما كانَ اثْنَيْنِ مِن شَيْئَيْنِ كالقَلْبِ والأنْفِ والوَجْهِ والظَّهْرِ، وأمّا إنْ كانَ في كُلِّ شَيْءٍ مِنهُما اثْنانِ كاليَدَيْنِ والأُذُنَيْنِ والفَخِذَيْنِ فَإنَّ وضْعَ الجَمْعِ مَوْضِعَ التَّثْنِيَةِ لا يَطَّرِدُ، وإنَّما يُحْفَظُ ولا يُقاسُ عَلَيْهِ. لِأنَّ الذِّهْنَ إنَّما يَتَبادَرُ إذا أُطْلِقَ الجَمْعُ لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُهُ، فَلَوْ قِيلَ: قُطِعَتْ آذانُ الزَّيْدَيْنِ، فَظاهِرُهُ قَطْعُ أرْبَعَةِ الآذانِ، وهو اسْتِعْمالُ اللَّفْظِ في مَدْلُولِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: جَمَعَ الأيْدِي مِن حَيْثُ كانَ لِكُلِّ سارِقٍ يَمِينٌ واحِدَةٌ، وهي المُعَرَّضَةُ لِلْقَطْعِ في السَّرِقَةِ، ولِلسُّرّاقِ أيْدٍ، ولِلسّارِقاتِ أيْدٍ، كَأنَّهُ قالَ: اقْطَعُوا أيْمانَ النَّوْعَيْنِ، فالتَّثْنِيَةُ لِلضَّمِيرِ إنَّما هي لِلنَّوْعَيْنِ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: أيْدِيَهُما، أنَّهُ لا يُقْطَعُ الرِّجْلُ، فَإذا سَرَقَ قُطِعَتْ يَدُهُ اليُمْنى، ثُمَّ إنْ سَرَقَ قُطِعَتْ يَدُهُ اليُسْرى، ثُمَّ إنْ سَرَقَ عُزِّرَ وحُبِسَ، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ والجُمْهُورِ، وبِهِ قالَ: أبُو حَنِيفَةَ والثَّوْرِيُّ. وقالَ عَلِيٌّ، والزُّهْرِيُّ، وحَمّادُ بْنُ أبِي سَلَمَةَ، وأحْمَدُ: تُقْطَعُ يَدُهُ اليُمْنى، ثُمَّ إنْ سَرَقَ قُطِعَتْ رِجْلُهُ اليُسْرى، ثُمَّ إنْ سَرَقَ عُزِّرَ وحُبِسَ. ورَوى عَطاءٌ: لا تُقْطَعُ في السَّرِقَةِ إلّا اليَدُ اليُمْنى فَقَطْ، ثُمَّ إنْ سَرَقَ عُزِّرَ وحُبِسَ. وقالَ الشّافِعِيُّ: إذا سَرَقَ أوَّلًا قُطِعَتْ يَدُهُ اليُمْنى، ثُمَّ في الثّانِيَةِ رِجْلُهُ اليُسْرى، ثُمَّ في الثّالِثَةِ يَدُهُ اليُسْرى، ثُمَّ في الرّابِعَةِ رِجْلُهُ اليُمْنى، ورُوِيَ هَذا عَنْ عُمَرَ. قِيلَ: ثُمَّ رَجَعَ إلى قَوْلِ عَلِيٍّ. وظاهِرُ قَطْعِ اليَدِ أنَّهُ يَكُونُ مِنَ المَنكِبِ مِنَ المِفْصَلِ. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ: أنَّهُ في اليَدِ مِنَ الأصابِعِ، وفي الرِّجْلِ مِن نِصْفِ القَدَمِ وهو مَعْقِدُ الشِّراكِ. ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عَطاءٍ، وأبِي جَعْفَرٍ. وقالَ أبُو صالِحٍ السَّمّانُ: رَأيْتُ الَّذِي قَطَعَهُ عَلِيٌّ (p-٤٨٤)مَقْطُوعًا مِن أطْرافِ الأصابِعِ، فَقِيلَ لَهُ: مَن قَطَعَكَ ؟ قالَ: خَيْرُ النّاسِ. والظّاهِرُ أنَّ المُتَرَتِّبَ عَلى السَّرِقَةِ هو قَطْعُ اليَدِ فَقَطْ. فَإنْ كانَ المالُ قائِمًا بِعَيْنِهِ أخَذَهُ صاحِبُهُ، وإنْ كانَ السّارِقُ اسْتَهْلَكَهُ فَلا ضَمانَ عَلَيْهِ، وبِهِ قالَ: مَكْحُولٌ، وعَطاءٌ، والشَّعْبِيُّ، وابْنُ سِيرِينَ، والنَّخَعِيُّ في قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ وأصْحابِهِ. وقالَ الحَسَنُ، والزُّهْرِيُّ، والنَّخَعِيُّ في قَوْلِ حَمّادٍ، وعُثْمانُ البَتِّيُّ، واللَّيْثُ، والشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ وإسْحاقُ: يَضْمَنُ ويُغَرَّمُ. وقالَ مالِكٌ: إنْ كانَ مُوسِرًا ضَمِنَ أوْ مُعْسِرًا فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ.
﴿جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ﴾ قالَ الكِسائِيُّ: انْتَصَبَ جَزاءً عَلى الحالِ. وقالَ قُطْرُبٌ: عَلى المَصْدَرِ، أيْ: جازاهم جَزاءً. وقالَ الجُمْهُورُ: هو عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، وبِما مُتَعَلِّقٌ بِجَزاءً، وما مَوْصُولَةٌ؛ أيْ: بِالَّذِي كَسَباهُ. ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً؛ أيْ: جَزاءً بِكَسْبِهِما، وانْتِصابُ نَكالًا عَلى المَصْدَرِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ. والعَذابُ: النَّكالُ، والنَّكَلُ: القَيْدُ؛ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ في قَوْلِهِ: (فَجَعَلْناها نَكالًا) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَزاءً ونَكالًا مَفْعُولٌ لَهُما. انْتَهى، وتَبِعَ في ذَلِكَ الزَّجّاجَ. قالَ الزَّجّاجُ: هو مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ؛ يَعْنِي جَزاءً. قالَ: وكَذَلِكَ نَكالًا مِنَ اللَّهِ. انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ. إلّا إذا كانَ الجَزاءُ هو النَّكالُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ البَدَلِ. وأمّا إذا كانا مُتَبايِنَيْنِ فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونا مَفْعُولَيْنِ لَهُما إلّا بِواسِطَةِ حَرْفِ العَطْفِ.
﴿واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ قِيلَ: المَعْنى عَزِيزٌ في شَرْعِ الرَّدْعِ، حَكِيمٌ في إيجابِ القَطْعِ. وقِيلَ: عَزِيزٌ في انْتِقامِهِ مِنَ السّارِقِ وغَيْرِهِ مِن أهْلِ المَعْصِيَةِ، حَكِيمٌ في فَرائِضِهِ وحُدُودِهِ. رُوِيَ أنَّ بَعْضَ الأعْرابِ سَمِعَ قارِئًا يَقْرَأُ: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ﴾؛ إلى آخِرِها، وخَتَمَها بِقَوْلِهِ: واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ؛ فَقالَ: ما هَذا كَلامٌ فَصِيحٌ، فَقِيلَ لَهُ: لَيْسَ التِّلاوَةُ كَذَلِكَ، وإنَّما هي: واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ؛ فَقالَ: بَخٍ بَخٍ، عَزَّ فَحَكَمَ، فَقَطَعَ.
المائدة 5:38
﴿يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ﴾ أيْ: يَرْجُونَ، أوْ يَتَمَنَّوْنَ، أوْ يَكادُونَ، أوْ يَسْألُونَ: أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ مِن حَيْثُ المَعْنى، والإرادَةُ مُمْكِنَةٌ في حَقِّهِمْ، فَلا يَنْبَغِي أنْ تَخْرُجَ عَنْ ظاهِرِها. قالَ الحَسَنُ: إذا فارَتْ بِهِمُ (p-٤٧٥)النّارُ فَرُّوا مِن بَأْسِها، فَحِينَئِذٍ يُرِيدُونَ الخُرُوجَ ويَطْمَعُونَ فِيهِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ. وقِيلَ لِجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: إنَّكم يا أصْحابَ مُحَمَّدٍ تَقُولُونَ: إنَّ قَوْمًا يَخْرُجُونَ مِنَ النّارِ، واللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنها﴾ فَقالَ جابِرٌ إنَّما هَذا في الكُفّارِ خاصَّةً. وحَكى الطَّبَرِيُّ عَنْ نافِعِ بْنِ الأزْرَقِ الخارِجِيِّ أنَّهُ قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ: يا أعْمى البَصَرِ، يا أعْمى القَلْبِ، أتَزْعُمُ أنْ قَوْمًا يَخْرُجُونَ مِنَ النّارِ وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنها﴾ ؟ فَقالَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: اقْرَأْ ما فَوْقُ، هَذِهِ الآيَةُ في الكُفّارِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما يُرْوى عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ، وذَكَرَ الحِكايَةَ، ثُمَّ قالَ: فَمِمّا لَفَّقَتْهُ المُجَبِّرَةُ ولَيْسَ بِأوَّلِ تَكاذِيبِهِمْ وافْتِرائِهِمْ، وكَفاكَ بِما فِيهِ مِن مُواجَهَةِ ابْنِ الأزْرَقِ لِابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، وهو بَيْنَ أظْهُرِ أعْضادِهِ مِن قُرَيْشٍ، وأنْضادِهِ مِن بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، وهو حَبْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ وبَحْرُها، ومُفَسِّرُها بِالخِطابِ الَّذِي لا يَجْسَرُ عَلى مِثْلِهِ أحَدٌ مِن أهْلِ الدُّنْيا، وبِرَفْعِهِ إلى عِكْرِمَةَ - دَلِيلَيْنِ ناصَّيْنِ أنَّ الحَدِيثَ فِرْيَةٌ ما فِيها مِرْيَةٌ. انْتَهى. وهو عَلى عادَتِهِ وسَفاهَتِهِ في سَبِّ أهْلِ السُّنَّةِ، ومَذْهَبُهُ: أنَّ مَن دَخَلَ النّارَ لا يَخْرُجُ مِنها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أنْ يَخْرُجُوا؛ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، ويُناسِبُهُ: ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنها﴾ . وقَرَأ النَّخَعِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، وأبُو واقِدٍ: أنْ يُخْرَجُوا؛ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
﴿ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ أيْ: مُتَأبِّدٌ لا يُحَوَّلُ.
﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ قالَ السّائِبُ: نَزَلَتْ في طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ، ومَضَتْ قِصَّتُهُ (p-٤٧٦)فِي النِّساءِ. ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ جَزاءَ المُحارِبِينَ بِالعُقُوباتِ الَّتِي فِيها قَطْعُ الأيْدِي والأرْجُلِ مِن خِلافٍ، ثُمَّ أمَرَ بِالتَّوَقِّي لِئَلّا يَقَعَ الإنْسانُ في شَيْءٍ مِنَ الحِرابَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ حالَ الكُفّارِ - ذَكَرَ حُكْمَ السَّرِقَةِ لِأنَّ فِيها قَطْعَ الأيْدِي بِالقُرْآنِ، والأرْجُلِ بِالسُّنَّةِ؛ عَلى ما يَأْتِي ذِكْرُهُ، وهو أيْضًا حِرابَةٌ مِن حَيْثُ المَعْنى، لِأنَّ فِيهِ سَعْيًا بِالفَسادِ إلّا أنَّ تِلْكَ تَكُونُ عَلى سَبِيلِ الشَّوْكَةِ والظُّهُورِ والسَّرِقَةَ عَلى سَبِيلِ الِاخْتِفاءِ والتَّسَتُّرِ، والظّاهِرُ وُجُوبُ القَطْعِ بِمُسَمّى السَّرِقَةِ، وهو ظاهِرُ النَّصِّ. يَسْرِقُ البَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، ويَسْرِقُ الجَمَلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ اليُمْنى، سَرَقَ شَيْئًا ما، قَلِيلًا أوْ كَثِيرًا، قُطِعَتْ يَدُهُ، وإلى هَذا ذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ ومِنَ التّابِعِينَ مِنهُمُ: الحَسَنُ، وهو مَذْهَبُ الخَوارِجِ وداوُدَ.
وقالَ داوُدُ ومَن وافَقَهُ: لا يُقْطَعُ في سَرِقَةِ حَبَّةٍ واحِدَةٍ ولا تَمْرَةٍ واحِدَةٍ، بَلْ أقَلِّ شَيْءٍ يُسَمّى مالًا، وفي أقَلِّ شَيْءٍ يُخْرِجُ الشُّحَّ والضِّنَةَ. وقِيلَ: النِّصابُ الَّذِي تُقْطَعُ فِيهِ اليَدُ عَشَرَةُ دَراهِمَ فَصاعِدًا، أوْ قِيمَتُها مِن غَيْرِها، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ: ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ عَمْرٍو أيْمَنَ الحَبَشِيِّ، وأبِي جَعْفَرٍ، وعَطاءٍ، وإبْراهِيمَ، وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وأبِي حَنِيفَةَ، وأبِي يُوسُفَ، وزُفَرَ، ومُحَمَّدٍ. وقِيلَ: رُبُعُ دِينارٍ فَصاعِدًا، ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وعُثْمانَ، وعَلِيٍّ، وعائِشَةَ، وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، وهو قَوْلُ: الأوْزاعِيِّ، واللَّيْثِ، والشّافِعِيِّ، وأبِي ثَوْرٍ؛ وقِيلَ: خَمْسَةُ دَراهِمَ؛ وهو قَوْلُ: أنَسٍ، وعُرْوَةَ، وسُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ، والزُّهْرِيِّ. وقِيلَ: أرْبَعَةُ دَراهِمَ؛ وهو مَرْوِيٌّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وأبِي هُرَيْرَةَ. وقِيلَ: ثَلاثَةُ دَراهِمَ؛ وهو قَوْلُ: ابْنِ عُمَرَ، وبِهِ قالَ مالِكٌ، وإسْحاقُ، وأحْمَدُ، إلّا إنْ كانَ ذَهَبًا فَلا تُقْطَعُ إلّا في رُبْعِ دِينارٍ. وقِيلَ: دِرْهَمٌ فَما فَوْقَهُ، وبِهِ قالَ عُثْمانُ البَتِّيُّ. وقَطَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ في دِرْهَمٍ. ولِلسَّرِقَةِ الَّتِي تُقْطَعُ فِيها اليَدُ شُرُوطٌ ذُكِرَتْ في الفِقْهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: والسّارِقُ والسّارِقَةُ؛ بِالرَّفْعِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: والسّارِقُونَ والسّارِقاتُ فاقْطَعُوا أيْمانَهم، وقالَ الخَفّافُ: وجَدْتُ في مُصْحَفِ أُبِيٍّ: والسُّرُقُ والسُّرُقَةُ، بِضَمِّ السِّينِ المُشَدَّدَةِ فِيهِما، كَذا ضَبَطَهُ أبُو عَمْرٍو. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ هَذا تَصْحِيفًا مِنَ الضّابِطِ، لِأنَّ قِراءَةَ الجَماعَةِ إذا كُتِبَتِ السّارِقُ بِغَيْرِ ألْفٍ وافَقَتْ في الخَطِّ هَذِهِ. والرَّفْعُ في، والسّارِقُ والسّارِقَةُ، عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ: فِيما يُتْلى عَلَيْكم، أوْ فِيما فُرِضَ عَلَيْكم؛ السّارِقُ والسّارِقَةُ أيْ: حُكْمُهُما. ولا يُجَوِّزُ سِيبَوَيْهِ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ قَوْلُهُ: فاقْطَعُوا، لِأنَّ الفاءَ لا تَدْخُلُ إلّا في خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَوْصُولٍ بِظَرْفٍ أوْ مَجْرُورٍ؛ أيْ: جُمْلَةٍ صالِحَةٍ لِأداةِ الشَّرْطِ. والمَوْصُولُ هُنا ألْ، وصِلَتُها اسْمُ فاعِلٍ أوِ اسْمُ مَفْعُولٍ، وما كانَ هَكَذا لا تَدْخُلُ الفاءُ في خَبَرِهِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ. وقَدْ أجازَ ذَلِكَ جَماعَةٌ مِنَ البَصْرِيِّينَ أعْنِي: أنْ يَكُونَ والسّارِقُ والسّارِقَةُ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ جُمْلَةُ الأمْرِ، أجْرَوْا ألْ وصِلَتَها مُجْرى المَوْصُولِ المَذْكُورِ، لِأنَّ المَعْنى فِيهِ عَلى العُمُومِ إذْ مَعْناهُ: الَّذِي سَرَقَ والَّتِي سَرَقَتْ. ولَمّا كانَ مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ لا يَجُوزُ ذَلِكَ، تَأوَّلَهُ عَلى إضْمارِ الخَبَرِ، فَيَصِيرُ تَأوُّلُهُ: فِيما فُرِضَ عَلَيْكم حُكْمُ السّارِقِ والسّارِقَةِ - جُمْلَةً ظاهِرُها أنْ تَكُونَ مُسْتَقِلَّةً، ولَكِنَّ المَقْصُودَ هو في قَوْلِهِ: ﴿فاقْطَعُوا﴾، فَجِيءَ بِالفاءِ رابِطَةً لِلْجُمْلَةِ الثّانِيَةِ، فالأُولى مُوَضِّحَةٌ لِلْحُكْمِ المُبْهَمِ في الجُمْلَةِ الأُولى. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: والسّارِقَ والسّارِقَةَ، بِالنَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ. قالَ سِيبَوَيْهِ: الوَجْهُ في كَلامِ العَرَبِ النَّصْبُ كَما تَقُولُ: زَيْدًا فاضْرِبْهُ، ولَكِنْ أبَتِ العامَّةُ إلّا الرَّفْعَ، يَعْنِي عامَّةَ القُرّاءِ وجُلَّهم. ولَمّا كانَ مُعْظَمُ القُرّاءِ عَلى الرَّفْعِ، تَأوَّلَهُ سِيبَوَيْهِ عَلى وجْهٍ يَصِحُّ، وهو أنَّهُ جَعَلَهُ مُبْتَدَأً، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، لِأنَّهُ لَوْ جَعَلَهُ مُبْتَدَأً والخَبَرُ فاقْطَعُوا لَكانَ تَخْرِيجًا عَلى غَيْرِ الوَجْهِ في كَلامِ العَرَبِ، ولَكانَ قَدْ تَدْخُلُ الفاءُ في خَبَرِ ألْ وهو لا يَجُوزُ عِنْدَهُ. وقَدْ تَجاسَرَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ المَدْعُوُّ بِالفَخْرِ الرّازِيِّ بْنِ خَطِيبِ الرِّيِّ عَلى سِيبَوَيْهِ وقالَ عَنْهُ ما لَمْ يَقُلْهُ فَقالَ: الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، ويَدُلُّ عَلى فَسادِهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ طَعَنَ في القِراءَةِ (p-٤٧٧)المَنقُولَةِ بِالمُتَواتِرِ عَنِ الرَّسُولِ، وعَنْ أعْلامِ الأُمَّةِ، وذَلِكَ باطِلٌ قَطْعًا. (قُلْتُ): هَذا تَقَوُّلٌ عَلى سِيبَوَيْهِ، وقِلَّةُ فَهْمٍ عَنْهُ، ولَمْ يَطْعَنْ سِيبَوَيْهِ عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ، بَلْ وجَّهَها التَّوْجِيهَ المَذْكُورَ، وأفْهَمَ أنَّ المَسْألَةَ لَيْسَتْ مِن بابِ الِاشْتِغالِ المَبْنِيِّ عَلى جَوازِ الِابْتِداءِ فِيهِ، وكَوْنِ جُمْلَةِ الأمْرِ خَبَرَهُ، أوْ لَمْ يَنْصِبِ الِاسْمَ، إذْ لَوْ كانَتْ مِنهُ لَكانَ النَّصْبُ أوْجَهَ كَما كانَ في زَيْدًا اضْرِبْهُ، عَلى ما تَقَرَّرَ في كَلامِ العَرَبِ، فَكَوْنُ جُمْهُورِ القُرّاءِ عَدَلُوا إلى الرَّفْعِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم لَمْ يَجْعَلُوا الرَّفْعَ فِيهِ عَلى الِابْتِداءِ المُخْبَرِ عَنْهُ بِفِعْلِ الأمْرِ، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ ذَلِكَ لِأجْلِ الفاءِ. فَقَوْلُهُ: أبَتِ العامَّةُ إلّا الرَّفْعَ - تَقْوِيَةٌ لِتَخْرِيجِهِ، وتَوْهِينٌ لِلنَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ مَعَ وُجُودِ الفاءِ؛ لِأنَّ النَّصْبَ عَلى الِاشْتِغالِ المُرَجَّحِ عَلى الِابْتِداءِ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ لا يَجُوزُ، إلّا إذا جازَ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً مُخْبَرًا عَنْهُ بِالفِعْلِ الَّذِي يُفَسِّرُ العامِلَ في الِاشْتِغالِ، وهُنا لا يَجُوزُ ذَلِكَ لِأجْلِ الفاءِ الدّاخِلَةِ عَلى الخَبَرِ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ لا يَجُوزَ النَّصْبُ. فَمَعْنى كَلامِ سِيبَوَيْهِ يُقَوِّي الرَّفْعَ عَلى ما ذُكِرَ، فَكَيْفَ يَكُونُ طاعِنًا في الرَّفْعِ ؟ وقَدْ قالَ سِيبَوَيْهِ: وقَدْ يَحْسُنُ ويَسْتَقِيمُ: عَبْدُ اللَّهِ فاضْرِبْهُ، إذا كانَ مَبْنِيًّا عَلى مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ أوْ مُظْهَرٍ، فَأمّا في المُظْهَرِ فَقَوْلُكَ: هَذا زَيْدٌ فاضْرِبْهُ؛ وإنْ شِئْتَ لَمْ تُظْهِرْ هَذا، ويَعْمَلُ عَمَلَهُ إذا كانَ مُظْهَرًا وذَلِكَ قَوْلُكَ: الهِلالُ واللَّهِ فانْظُرْ إلَيْهِ، فَكَأنَّكَ قُلْتَ: هَذا الهِلالُ، ثُمَّ جِئْتَ بِالأمْرِ. ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ:
وقائِلَةٍ خَوْلانُ فانْكِحْ فَتاتَهم وأُكْرُومَةُ الحَيَّيْنِ خَلْوٌ كَما هِيا
هَكَذا سُمِعَ مِنَ العَرَبِ تُنْشِدُهُ. انْتَهى. فَإذا كانَ سِيبَوَيْهِ يَقُولُ: وقَدْ يَحْسُنُ ويَسْتَقِيمُ. عَبْدُ اللَّهِ فاضْرِبْهُ، فَكَيْفَ يَكُونُ طاعِنًا في الرَّفْعِ، وهو يَقُولُ: أنَّهُ يَحْسُنُ ويَسْتَقِيمُ ؟ لَكِنَّهُ جَوَّزَهُ عَلى أنْ يَكُونَ المَرْفُوعُ مُبْتَدَأً مَحْذُوفَ الخَبَرِ، كَما تَأوَّلَهُ في السّارِقِ والسّارِقَةِ، أوْ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، كَقَوْلِهِ: الهِلالُ، واللَّهِ، فانْظُرْ إلَيْهِ.
وقالَ الفَخْرُ الرّازِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ) - يَعْنِي سِيبَوَيْهِ -: لا أقُولُ إنَّ القِراءَةَ بِالرَّفْعِ غَيْرُ جائِزَةٍ، ولَكِنِّي أقُولُ: القِراءَةُ بِالنَّصْبِ أوْلى، فَنَقُولُ لَهُ: هَذا أيْضًا رَدِيءٌ، لِأنَّ تَرْجِيحَ القِراءَةِ الَّتِي لَمْ يَقْرَأْ بِها إلّا عِيسى بْنُ عُمَرَ عَلى قِراءَةِ الرَّسُولِ وجَمِيعِ الأُمَّةِ في عَهْدِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ أمْرٌ مُنْكَرٌ مَرْدُودٌ. (قُلْتُ): هَذا السُّؤالُ لَمْ يَقُلْهُ سِيبَوَيْهِ، ولا هو مِمَّنْ يَقُولُهُ، وكَيْفَ يَقُولُهُ وهو قَدْ رَجَّحَ قِراءَةَ الرَّفْعِ عَلى ما أوْضَحْناهُ ! وأيْضًا فَقَوْلُهُ: لِأنَّ تَرْجِيحَ القِراءَةِ الَّتِي لَمْ يَقْرَأُ بِها إلّا عِيسى بْنُ عُمَرَ عَلى قِراءَةِ الرَّسُولِ وجَمِيعِ الأُمَّةِ في عَهْدِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ - تَشْنِيعٌ وإيهامٌ أنَّ عِيسى بْنَ عُمَرَ قَرَأها مِن قِبَلِ نَفْسِهِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ قِراءَتُهُ مُسْتَنِدَةٌ إلى (p-٤٧٨)الصَّحابَةِ وإلى الرَّسُولِ، فَقِراءَتُهُ قِراءَةُ الرَّسُولِ أيْضًا، وقَوْلُهُ: وجَمِيعُ الأُمَّةِ، لا يَصِحُّ هَذا الإطْلاقُ لِأنَّ عِيسى بْنَ عُمَرَ وإبْراهِيمَ بْنَ أبِي عَبْلَةَ ومَن وافَقَهُما وأشْياخَهُمُ الَّذِينَ أخَذُوا عَنْهم هَذِهِ القِراءَةَ هم مِنَ الأُمَّةِ. وقالَ سِيبَوَيْهِ: وقَدْ قَرَأ ناسٌ والسّارِقَ والسّارِقَةَ والزّانِيَةَ والزّانِيَ، فَأخْبَرَ أنَّها قِراءَةُ ناسٍ. وقَوْلُهُ: وجَمِيعُ الأُمَّةِ لا يَصِحُّ هَذا العُمُومُ. قالَ الفَخْرُ الرّازِيُّ: الثّانِي مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى فَسادِ قَوْلِ سِيبَوَيْهِ: أنَّ القِراءَةَ بِالنَّصْبِ لَوْ كانَتْ أوْلى لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ في القُرّاءِ مَن قَرَأ: ﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكم فَآذُوهُما﴾ [النساء: ١٦] بِالنَّصْبِ، ولَمّا لَمْ يُوجَدْ في القِراءَةِ أحَدٌ قَرَأ كَذَلِكَ، عَلِمْنا سُقُوطَ هَذا القَوْلِ. (قُلْتُ): لَمْ يَدَّعِ سِيبَوَيْهِ أنَّ قِراءَةَ النَّصْبِ أوْلى فَيَلْزَمُهُ ما ذَكَرَ، وإنَّما قالَ سِيبَوَيْهِ: وقَدْ قَرَأ ناسٌ والسّارِقَ والسّارِقَةَ والزّانِيَةَ والزّانِيَ، وهو في العَرَبِيَّةِ عَلى ما ذَكَرْتُ لَكَ مِنَ القُوَّةِ، ولَكِنْ أبَتِ العامَّةُ إلّا القِراءَةَ بِالرَّفْعِ. ويَعْنِي سِيبَوَيْهِ بِقَوْلِهِ: مِنَ القُوَّةِ، لَوْ عُرِّيَ مِنَ الفاءِ المُقَدَّرِ دُخُولُها عَلى خَبَرِ الِاسْمِ المَرْفُوعِ عَلى الِابْتِداءِ، وجُمْلَةُ الأمْرِ خَبَرُهُ، ولَكِنْ أبَتِ العامَّةُ؛ أيْ: جُمْهُورُ القُرّاءِ، إلّا الرَّفْعَ؛ لِعِلَّةِ دُخُولِ الفاءِ، إذْ لا يَصِحُّ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ الأمْرِ خَبَرًا لِهَذا المُبْتَدَأِ، فَلَمّا دَخَلَتِ الفاءُ رَجَّحَ الجُمْهُورُ الرَّفْعَ. ولِذَلِكَ لَمّا ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ اخْتِيارَ النَّصْبِ في الأمْرِ والنَّهْيِ، لَمْ يُمَثِّلْهُ بِالفاءِ بَلْ عارِيًا مِنها. قالَ سِيبَوَيْهِ: وذَلِكَ (p-٤٧٩)قَوْلُكَ: زَيْدًا اضْرِبْهُ وعَمْرًا أُمْرُرْ بِهِ، وخالِدًا اضْرِبْ أباهُ، وزَيْدًا اشْتَرِ لَهُ ثَوْبًا؛ ثُمَّ قالَ: وقَدْ يَكُونُ في الأمْرِ والنَّهْيِ أنْ يُبْنى الفِعْلُ عَلى الِاسْمِ وذَلِكَ قَوْلُهُ: عَبْدُ اللَّهِ فاضْرِبْهُ، ابْتَدَأْتَ عَبْدَ اللَّهِ فَرَفَعْتَ بِالِابْتِداءِ، ونَبَّهْتَ المُخاطَبَ لَهُ لِيَعْرِفَهُ بِاسْمِهِ، ثُمَّ بَنَيْتَ الفِعْلَ عَلَيْهِ كَما فَعَلْتَ ذَلِكَ في الخَبَرِ. فَإذا قُلْتَ: زَيْدًا فاضْرِبْهُ، لَمْ يَسْتَقِمْ، لَمْ تَحْمِلْهُ عَلى الِابْتِداءِ. ألا تَرى أنَّكَ لَوْ قُلْتَ: زَيْدٌ فَمُنْطَلِقٌ، لَمْ يَسْتَقِمْ ؟ فَهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً يَعْنِي مُخْبَرًا عَنْهُ بِفِعْلِ الأمْرِ المَقْرُونِ بِالفاءِ الجائِزِ دُخُولُها عَلى الخَبَرِ. ثُمَّ قالَ سِيبَوَيْهِ: فَإنْ شِئْتَ نَصَبْتَهُ عَلى شَيْءٍ هَذا يُفَسِّرُهُ. لَمّا مَنَعَ سِيبَوَيْهِ الرَّفْعَ فِيهِ عَلى الِابْتِداءِ وجُمْلَةُ الأمْرِ خَبَرُهُ لِأجْلِ الفاءِ - أجازَ نَصْبَهُ عَلى الِاشْتِغالِ، لا عَلى أنَّ الفاءَ هي الدّاخِلَةُ في خَبَرِ المُبْتَدَأِ.
وتَلْخِيصُ ما يُفْهَمُ مِن كَلامِ سِيبَوَيْهِ: أنَّ الجُمْلَةَ الواقِعَةَ أمْرًا بِغَيْرِ فاءٍ بَعْدَ اسْمٍ - يُخْتارُ فِيهِ النَّصْبُ ويَجُوزُ فِيهِ الِابْتِداءُ، وجُمْلَةُ الأمْرِ خَبَرُهُ، فَإنْ دَخَلَتْ عَلَيْهِ الفاءُ فَإمّا أنْ تُقَدِّرَها الفاءَ الدّاخِلَةَ عَلى الخَبَرِ، أوْ عاطِفَةً، فَإنْ قَدَّرْتَها الدّاخِلَةَ عَلى الخَبَرِ فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الِاسْمُ مُبْتَدَأً وجُمْلَةُ الأمْرِ خَبَرَهُ، إلّا إذا كانَ المُبْتَدَأُ أُجْرِيَ مُجْرى اسْمِ الشَّرْطِ لِشَبَهِهِ بِهِ، ولَهُ شُرُوطٌ ذُكِرَتْ في النَّحْوِ. وإنْ كانَتْ عاطِفَةً كانَ ذَلِكَ الِاسْمُ مَرْفُوعًا، إمّا مُبْتَدَأٌ كَما (p-٤٨٠)تَأوَّلَ سِيبَوَيْهِ في قَوْلِهِ: والسّارِقُ والسّارِقَةُ، وإمّا خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ كَما قِيلَ: القَمَرُ واللَّهِ فانْظُرْ إلَيْهِ. والنَّصْبُ عَلى هَذا المَعْنى دُونَ الرَّفْعِ، لِأنَّكَ إذا نَصَبْتَ احْتَجْتَ إلى جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ تُعْطَفُ عَلَيْها بِالفاءِ، وإلى حَذْفِ الفِعْلِ النّاصِبِ، وإلى تَحْرِيفِ الفاءِ إلى غَيْرِ مَحَلِّها. فَإذا قُلْتَ زَيْدًا فاضْرِبْهُ، فالتَّقْدِيرُ: تَنَبَّهْ فاضْرِبْ زَيْدًا اضْرِبْهُ؛ حُذِفَتْ تَنَبَّهْ، وحُذِفَتِ اضْرِبْ، وأُخِّرَتِ الفاءُ إلى دُخُولِها عَلى المُفَسَّرِ، وكانَ الرَّفْعُ أوْلى، لِأنَّهُ لَيْسَ فِيهِ لا حَذْفُ مُبْتَدَأٍ، أوْ حَذْفُ خَبَرٍ. فالمَحْذُوفُ أحَدُ جُزْئَيِ الإسْنادِ فَقَطْ، والفاءُ واقِعَةٌ في مَوْقِعِها، ودَلَّ عَلى ذَلِكَ المَحْذُوفِ سِياقُ الكَلامِ والمَعْنى. قالَ سِيبَوَيْهِ: وأمّا قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما﴾ [النور: ٢] ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ فَإنَّ هَذا لَمْ يُبْنَ عَلى الفِعْلِ، ولَكِنَّهُ جاءَ عَلى مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ [محمد: ١٥] ثُمَّ قالَ بَعْدُ فِيها: (أنْهارٌ فِيها) كَذا وكَذا، فَإنَّما وُضِعَ مَثَلٌ لِلْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ، وذُكِرَ بَعْدَ أخْبارٍ وأحادِيثَ كَأنَّهُ قالَ: ومِنَ القَصَصِ مَثَلُ الجَنَّةِ أوْ مِمّا نَقُصُّ عَلَيْكم مَثَلُ الجَنَّةِ، فَهو مَحْمُولٌ عَلى هَذا الإضْمارِ أوْ نَحْوِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ. وكَذَلِكَ الزّانِيَةُ والزّانِي؛ لَمّا قالَ تَعالى: ﴿سُورَةٌ أنْزَلْناها وفَرَضْناها﴾ [النور: ١] قالَ في الفَرائِضِ: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي﴾ [النور: ٢] أوِ ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي﴾ [النور: ٢] في الفَرائِضِ، ثُمَّ قالَ: فاجْلِدُوا، فَجاءَ بِالفِعْلِ بَعْدَ أنْ مَضى فِيها الرَّفْعُ كَما قالَ. وقائِلَةٍ خَوْلانُ فانْكِحْ فَتاتَهم، فَجاءَ بِالفِعْلِ بَعْدَ أنْ عَمِلَ فِيهِ الضَّمِيرُ، وكَذَلِكَ السّارِقُ والسّارِقَةُ. كَأنَّهُ قالَ: مِمّا فُرِضَ عَلَيْكُمُ السّارِقُ والسّارِقَةُ، أوِ السّارِقُ والسّارِقَةُ فِيما فُرِضَ عَلَيْكم. وإنَّما جاءَتْ هَذِهِ الأسْماءُ بَعْدَ قَصَصٍ وأحادِيثَ. انْتَهى.
فَسِيبَوَيْهِ إنَّما اخْتارَ هَذا التَّخْرِيجَ لِأنَّهُ أقَلُّ كُلْفَةً مِنَ النَّصْبِ مَعَ وُجُودِ الفاءِ، ولَيْسَتِ الفاءُ الدّاخِلَةَ في خَبَرِ المُبْتَدَأِ، لِأنَّ سِيبَوَيْهِ لا يُجِيزُ ذَلِكَ في ألِ المَوْصُولَةِ. فالآيَتانِ عِنْدَهُ مِن بابِ زَيْدٍ فاضْرِبْهُ، فَكَما أنَّ المُخْتارَ في هَذا الرَّفْعِ فَكَذَلِكَ في الآيَتَيْنِ.
* *
وقَوْلُ الرّازِيِّ: لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ في القُرّاءِ مَن قَرَأ: ﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكم فَآذُوهُما﴾ [النساء: ١٦] بِالنَّصْبِ إلى آخَرِ كَلامِهِ، لَمْ يَقُلْ سِيبَوَيْهِ إنَّ النَّصْبَ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ أوْلى، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ في القُرّاءِ مَن يَنْصِبُ واللَّذانِ يَأْتِيانِها، بَلْ حَلَّ سِيبَوَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ مَحَلَّ قَوْلِهِ: والسّارِقُ والسّارِقَةُ، لِأنَّهُ تَقَدَّمَ قَبْلَ ذَلِكَ ما يَدُلُّ عَلى المَحْذُوفِ وهو قَوْلُهُ: ﴿واللّاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِن نِسائِكُمْ﴾ [النساء: ١٥] فَخَرَّجَ سِيبَوَيْهِ الآيَةَ عَلى الإضْمارِ. وقالَ سِيبَوَيْهِ: وقَدْ يَجْرِي هَذا في زَيْدٍ وعَمْرٍو عَلى هَذا الحَدِّ إذا (p-٤٨١)كُنْتَ تُخْبِرُ بِأشْياءَ، أوْ تُوصِي، ثُمَّ تَقُولُ: زَيْدٌ؛ أيْ: زَيْدٌ فِيمَن أُوصِي فَأحْسِنْ إلَيْهِ وأكْرِمْهُ، ويَجُوزُ في: ﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكُمْ﴾ [النساء: ١٦]، أنْ يَرْتَفِعَ عَلى الِابْتِداءِ، والجُمْلَةُ الَّتِي فِيها الفاءُ خَبَرٌ لِأنَّهُ مَوْصُولٌ مُسْتَوْفٍ شُرُوطَ المَوْصُولِ الَّذِي يَجُوزُ دُخُولُ الفاءِ في خَبَرِهِ لِشَبَهِهِ بِاسْمِ الشَّرْطِ، بِخِلافِ قَوْلِهِ: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ﴾، فَإنَّهُ لا يَجُوزُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ دُخُولَ الفاءِ في خَبَرِهِ، لِأنَّهُ لا يَجْرِي مَجْرى اسْمِ الشَّرْطِ، فَلا يُشَبَّهُ بِهِ في دُخُولِ الفاءِ.
قالَ الفَخْرُ الرّازِيُّ: الثّالِثُ، يَعْنِي مِن وُجُوهِ فَسادِ قَوْلِ سِيبَوَيْهِ، إنّا إنَّما قُلْنا السّارِقُ والسّارِقَةُ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ هو الَّذِي يُضْمِرُهُ، وهو قَوْلُنا: فِيما يُتْلى عَلَيْكم، وفي شَيْءٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ . (قُلْتُ): تَقَدَّمَ لَنا حِكْمَةُ المَجِيءِ بِالفاءِ وما رَبَطَتْ، وقَدْ قَدَّرَهُ سِيبَوَيْهِ: ومِمّا فُرِضَ عَلَيْكُمُ السّارِقُ والسّارِقَةُ؛ والمَعْنى: حُكْمُ السّارِقِ والسّارِقَةِ، لِأنَّها آيَةٌ جاءَتْ بَعْدَ ذِكْرِ جَزاءِ المُحارِبِينَ وأحْكامِهِمْ، فَناسَبَ تَقْدِيرَ سِيبَوَيْهِ. وجِيءَ بِالفاءِ رابِطَةً الجُمْلَةَ الثّانِيَةَ بِالأُولى، والثّانِيَةُ جاءَتْ مُوَضِّحَةً لِلْحُكْمِ المُبْهَمِ فِيما قَبْلَ ذَلِكَ. قالَ الفَخْرُ الرّازِيُّ: فَإنْ قالَ - يَعْنِي سِيبَوَيْهِ - الفاءُ تَتَعَلَّقُ بِالفِعْلِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: والسّارِقُ والسّارِقَةُ؛ يَعْنِي: أنَّهُ إذا أتى بِالسَّرِقَةِ فاقْطَعُوا يَدَهُ، فَنَقُولُ: إذا احْتَجْتَ في آخِرِ الأمْرِ أنْ تَقُولَ السّارِقُ والسّارِقَةُ تَقْدِيرُهُ مَن سَرَقَ، فاذْكُرْ هَذا أوَّلًا حَتّى لا يُحْتاجَ إلى الإضْمارِ الَّذِي ذَكَرْتَهُ. (قُلْتُ): هَذا لا يَقُولُهُ سِيبَوَيْهِ، وقَدْ بَيَّنّا حُكْمَ الفاءِ وفائِدَتَها.
قالَ الفَخْرُ الرّازِيُّ: الرّابِعُ، يَعْنِي مِن وُجُوهِ فَسادِ قَوْلِ سِيبَوَيْهِ: إذا اخْتَرْنا القِراءَةَ بِالنَّصْبِ، لَمْ تَدُلَّ عَلى أنَّ السَّرِقَةَ عِلَّةٌ لِوُجُوبِ القَطْعِ، وإذا اخْتَرْنا القِراءَةَ بِالرَّفْعِ أفادَتِ الآيَةُ هَذا المَعْنى، ثُمَّ إنَّ هَذا المَعْنى مُتَأكِّدٌ بِقَوْلِهِ: ﴿جَزاءً بِما كَسَبا﴾، فَثَبَتَ أنَّ القِراءَةَ بِالرَّفْعِ أوْلى. (قُلْتُ): هَذا عَجِيبٌ مِن هَذا الرَّجُلِ، يَزْعُمُ أنَّ النَّصْبَ لا يُشْعِرُ بِالعِلَّةِ المُوجِبَةِ لِلْقَطْعِ ويُفِيدُها الرَّفْعُ، وهَلْ هَذا إلّا مِنَ التَّعْلِيلِ بِالوَصْفِ المُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ الحُكْمُ ؟ فَلا فَرْقَ في ذَلِكَ بَيْنَ الرَّفْعِ والنَّصْبِ لَوْ قُلْتَ: السّارِقُ لِيُقْطَعَ، أوِ اقْطَعِ السّارِقَ، لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُما فَرْقٌ مِن حَيْثُ التَّعْلِيلُ. وكَذَلِكَ الزّانِي لِيُجْلَدْ، أوِ اجْلِدِ الزّانِيَ. ثُمَّ قَوْلُهُ: إنَّ هَذا المَعْنى مُتَأكِّدٌ بِقَوْلِهِ: ﴿جَزاءً بِما كَسَبا﴾، والنَّصْبُ أيْضًا يَحْسُنُ أنَّ يُؤَكَّدَ بِمِثْلِ هَذا، لَوْ قُلْتَ: اقْطَعِ اللِّصَّ جَزاءً بِما كَسَبَ صَحَّ.
وقالَ الفَخْرُ الرّازِيُّ: الخامِسُ، يَعْنِي مِن وُجُوهِ فَسادِ قَوْلِ سِيبَوَيْهِ، أنَّ سِيبَوَيْهِ قالَ: وهم يُقَدِّمُونَ الأهَمَّ فالأهَمَّ. والَّذِي هم بِبَيانِهِ أعْنى، فالقِراءَةُ بِالرَّفْعِ تَقْتَضِي ذِكْرَ كَوْنِهِ سارِقًا عَلى ذِكْرِ وُجُوبِ القَطْعِ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ أكْثَرُ العِنايَةِ مَصْرُوفًا إلى شَرْحِ ما يَتَعَلَّقُ بِحالِ السّارِقِ مِن حَيْثُ إنَّهُ سارِقٌ، وأمّا القِراءَةُ بِالنَّصْبِ فَإنَّها تَقْتَضِي أنْ تَكُونَ العِنايَةُ بِبَيانِ القَطْعِ أتَمَّ مِنَ العِنايَةِ بِكَوْنِهِ سارِقًا. ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإنَّ المَقْصُودَ في هَذِهِ الآيَةِ بَيانُ تَقْبِيحِ السَّرِقَةِ والمُبالَغَةُ في الزَّجْرِ عَنْها، فَثَبَتَ أنَّ القِراءَةَ بِالرَّفْعِ هي المُتَعَيِّنَةُ قَطْعًا. (قُلْتُ): الَّذِي ذَكَرَ فِيهِ سِيبَوَيْهِ أنَّهم كانُوا يُقَدِّمُونَ الَّذِي بَيانُهُ أهَمُّ لَهم، وهم بِبَيانِهِ أعْنى - هو ما اخْتَلَفَتْ فِيهِ نِسْبَةُ الإسْنادِ كالفاعِلِ والمَفْعُولِ. قالَ سِيبَوَيْهِ: فَإنْ قَدَّمْتَ المَفْعُولَ وأخَّرْتَ الفاعِلَ جَرى اللَّفْظُ كَما جَرى في الأوَّلِ، يَعْنِي في: ضَرَبَ عَبْدُ اللَّهِ زَيْدًا؛ قالَ: وذَلِكَ ضَرَبَ زَيْدًا عَبْدُ اللَّهِ، لِأنَّكَ إنَّما أرَدْتَ بِهِ مُؤَخَّرًا ما أرَدْتَ بِهِ مُقَدَّمًا، ولَمْ تُرِدْ أنْ تُشْغِلَ الفِعْلَ بِأوَّلَ مِنهُ وإنْ كانَ مُؤَخَّرًا في اللَّفْظِ، فَمِن ثَمَّ كانَ حَدُّ اللَّفْظِ أنْ يَكُونَ فِيهِ مُقَدَّمًا، وهو عَرَبِيٌّ جَيِّدٌ كَثِيرٌ كَأنَّهم يُقَدِّمُونَ الَّذِي بَيانُهُ لَهم أهَمُّ، وهم بِبَيانِهِ أعْنى، وإنْ كانا جَمِيعًا يُهِمّانِهِمْ ويَعْنِيانِهِمْ. انْتَهى.
والرّازِيُّ حَرَّفَ كَلامَ سِيبَوَيْهِ وأخَذَهُ حَيْثُ لا يُتَصَوَّرُ اخْتِلافُ نِسْبَةٍ وهو المُبْتَدَأُ والخَبَرُ، فَإنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلّا نِسْبَةٌ واحِدَةٌ بِخِلافِ الفاعِلِ والمَفْعُولِ، لِأنَّ المُخاطِبَ قَدْ يَكُونُ لَهُ غَرَضٌ في ذِكْرِ مَن صَدَرَ مِنهُ الضَّرْبُ فَيُقَدِّمُ الفاعِلَ، أوْ في ذِكْرِ مَن حَلَّ بِهِ الضَّرْبُ فَيُقَدِّمُ المَفْعُولَ، لِأنَّ نِسْبَةَ الضَّرْبِ مُخْتَلِفَةٌ بِالنَّظَرِ إلَيْهِما. وأمّا الآيَةُ فَهي مِن بابِ ما النِّسْبَةُ فِيهِ لا تَخْتَلِفُ، إنَّما هي (p-٤٨٢)الحُكْمُ عَلى السّارِقِ بِقَطْعِ يَدِهِ. وما ذَكَرَهُ الرّازِيُّ لا يَتَفَرَّعُ عَلى كَلامِ سِيبَوَيْهِ بِوَجْهٍ، والعَجَبُ مِن هَذا الرَّجُلِ وتَجاسُرِهِ عَلى العُلُومِ حَتّى صَنَّفَ في النَّحْوِ كِتابًا سَمّاهُ المُحَرَّرَ، وسَلَكَ فِيهِ طَرِيقَةً غَرِيبَةً بَعِيدَةً مِن مُصْطَلَحِ أهْلِ النَّحْوِ ومِن مَقاصِدِهِمْ، وهو كِتابٌ لَطِيفٌ مُحْتَوٍ عَلى بَعْضِ أبْوابِ العَرَبِيَّةِ، وقَدْ سَمِعْتُ شَيْخَنا أبا جَعْفَرِ بْنَ الزُّبَيْرِ يَذْكُرُ هَذا التَّصْنِيفَ ويَقُولُ: إنَّهُ لَيْسَ جارِيًا عَلى مُصْطَلَحِ القَوْمِ، وإنَّ ما سَلَكَهُ في ذَلِكَ مِنَ التَّخْلِيطِ في العُلُومِ، ومَن غَلَبَ عَلَيْهِ فَنٌّ ظَهَرَ فِيما يَتَكَلَّمُ بِهِ مِن غَيْرِ ذَلِكَ الفَنِّ أوْ قَرِيبًا مِنهُ مِن هَذا المَعْنى، ولَمّا وقَفْتُ عَلى هَذا الكِتابِ بِدِيارِ مِصْرَ رَأيْتُ ما كانَ الأُسْتاذُ أبُو جَعْفَرٍ يَذُمُّ مِن هَذا الكِتابِ ويَسْتَزِلُّ عَقْلَ فَخْرِ الدِّينِ في كَوْنِهِ صَنَّفَ في عِلْمٍ ولَيْسَ مِن أهْلِهِ. وكانَ أبُو جَعْفَرٍ يَقُولُ: لِكُلِّ عِلْمٍ حَدٌّ يُنْتَهى إلَيْهِ، فَإذا رَأيْتَ مُتَكَلِّمًا في فَنٍّ ما ومَزَجَهُ بِغَيْرِهِ فاعْلَمْ أنَّ: إمّا أنْ يَكُونَ مِن تَخْلِيطِهِ وتَخْبِيطِ ذِهْنِهِ، وإمّا أنْ يَكُونَ مِن قِلَّةِ مَحْصُولِهِ وقُصُورِهِ في ذَلِكَ العِلْمِ، فَتَجِدُهُ يَسْتَرِيحُ إلى غَيْرِهِ مِمّا يَعْرِفُهُ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ مَذْهَبَ سِيبَوَيْهِ في إعْرابِ والسّارِقُ والسّارِقَةُ ما نَصُّهُ: ووَجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَرْتَفِعا بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما، ودُخُولُ الفاءِ لِتَضَمُّنِها مَعْنى الشَّرْطِ، لِأنَّ المَعْنى: والَّذِي سَرَقَ والَّتِي سَرَقَتْ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما، والِاسْمُ المَوْصُولُ تَضَمَّنَ مَعْنى الشَّرْطِ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِالنَّصْبِ، وفَضَّلَها سِيبَوَيْهِ عَلى قِراءَةِ العامَّةِ لِأجْلِ الأمْرِ، لِأنَّ زَيْدًا فاضْرِبْهُ أحْسَنُ مِن زَيْدٌ فاضْرِبْهُ. انْتَهى. وهَذا الوَجْهُ الَّذِي أجازَهُ وإنْ كانَ ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُهم لا يَجُوزُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، لِأنَّ المَوْصُولَ لَمْ يُوصَلْ بِجُمْلَةٍ تَصْلُحُ لِأداةِ الشَّرْطِ، ولا بِما قامَ مَقامَها مِن ظَرْفٍ أوْ مَجْرُورٍ، بَلِ المَوْصُولُ هُنا ألْ، وصِلَةُ ألْ لا تَصْلُحُ لِأداةِ الشَّرْطِ، وقَدِ امْتَزَجَ المَوْصُولُ بِصِلَتِهِ حَتّى صارَ الإعْرابُ في الصِّلَةِ بِخِلافِ الظَّرْفِ والمَجْرُورِ، فَإنَّ العامِلَ فِيهِما جُمْلَةٌ لا تَصْلُحُ لِأداةِ الشَّرْطِ. وأمّا قَوْلُهُ في قِراءَةِ عِيسى: إنْ سِيبَوَيْهِ فَضَّلَها عَلى قِراءَةِ العامَّةِ، فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، بَلِ الَّذِي ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ في كِتابِهِ أنَّهُما تَرْكِيبانِ: أحَدُهُما زَيْدًا اضْرِبْهُ، والثّانِي زَيْدٌ فاضْرِبْهُ. فالتَّرْكِيبُ الأوَّلُ اخْتارَ فِيهِ النَّصْبَ، ثُمَّ جَوَّزُوا الرَّفْعَ بِالِابْتِداءِ. والتَّرْكِيبُ الثّانِي مَنَعَ أنْ يَرْتَفِعَ بِالِابْتِداءِ، وتَكُونُ الجُمْلَةُ الأمْرِيَّةُ خَبَرًا لَهُ لِأجْلِ الفاءِ، وأجازَ نَصْبَهُ عَلى الِاشْتِغالِ، أوْ عَلى الإغْراءِ، وذَكَرَ أنَّهُ يَسْتَقِيمُ رَفْعُهُ عَلى أنْ يَكُونَ جُمْلَتانِ، ويَكُونَ زَيْدٌ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هَذا زَيْدٌ فاضْرِبْهُ، ثُمَّ ذَكَرَ الآيَةَ فَخَرَّجَها عَلى حَذْفِ الخَبَرِ، ودَلَّ كَلامُهُ أنَّ هَذا التَّرْكِيبَ هو لا يَكُونُ إلّا عَلى جُمْلَتَيْنِ: الأُولى ابْتِدائِيَّةٌ، ثُمَّ ذَكَرَ قِراءَةَ ناسٍ بِالنَّصْبِ ولَمْ يُرَجِّحْها عَلى قِراءَةِ العامَّةِ، إنَّما قالَ: وهي في العَرَبِيَّةِ عَلى ما ذَكَرْتُ لَكَ مِنَ القُوَّةِ؛ أيْ: نَصَبَها عَلى الِاشْتِغالِ أوِ الإغْراءِ، وهو قَوِيٌّ لا ضَعِيفٌ، وقَدْ مَنَعَ سِيبَوَيْهِ رَفْعَهُ عَلى الِابْتِداءِ، والجُمْلَةُ الأمْرِيَّةُ خَبَرٌ لِأجْلِ الفاءِ. وقَدْ ذَكَرْنا التَّرْجِيحَ بَيْنَ رَفْعِهِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ حُذِفَ خَبَرُهُ، أوْ خَبَرٌ حُذِفَ مُبْتَدَؤُهُ، وبَيَّنَ نَصْبَهُ عَلى الِاشْتِغالِ بِأنَّ الرَّفْعَ يَلْزَمُ فِيهِ حَذْفُ خَبَرٍ واحِدٍ، والنَّصْبُ يَلْزَمُ فِيهِ حَذْفُ جُمْلَةٍ وإضْمارُ أُخْرى، وزَحْلَقَةُ الفاءِ عَنْ مَوْضِعِها. وظاهِرُ قَوْلِهِ: والسّارِقُ؛ أنَّهُ لا يُشْتَرَطُ حِرْزٌ لِلْمَسْرُوقِ، وبِهِ قالَ داوُدُ والخَوارِجُ، وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ شَرْطَ القَطْعِ إخْراجُهُ مِنَ الحِرْزِ، ولَوْ جَمَعَ الثِّيابَ في البَيْتِ ولَمْ يُخْرِجْها لَمْ يُقْطَعْ. وقالَ الحَسَنُ: يُقْطَعُ. والظّاهِرُ انْدِراجُ كُلِّ مَن يُسَمّى سارِقًا في عُمُومِ والسّارِقُ والسّارِقَةُ، لَكِنَّ الإجْماعَ مُنْعَقِدٌ عَلى أنَّ الأبَ إذا سَرَقَ مِن مالِ ابْنِهِ لا يُقْطَعُ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ لا يُقْطَعُ الِابْنُ. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحَسَنِ: إنْ كانَ يَدْخُلُ عَلَيْهِما فَلا قَطْعَ، وإنْ كانا يَنْهَيانِهِ عَنِ الدُّخُولِ قُطِعَ، ولا يُقْطَعُ ذَوُو المَحارِمِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ، ولا الأجْدادُ مِن جِهَةِ الأبِ والأُمِّ عِنْدَ الجُمْهُورِ وعِنْدَ أشْهَبَ. وقالَ أبُو ثَوْرٍ: يُقْطَعُ كُلُّ سارِقٍ سَرَقَ ما تُقْطَعُ فِيهِ اليَدُ، إلّا أنْ يُجْمِعُوا عَلى شَيْءٍ فَيُسَلَّمُ لِلْإجْماعِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ والشّافِعِيُّ: لا تُقْطَعُ المَرْأةُ إذا سَرَقَتْ مِن مالِ زَوْجِها، ولا هو (p-٤٨٣)إذا سَرَقَ مِن مالِ زَوْجَتِهِ. وقالَ مالِكٌ: يُقْطَعانِ. والظّاهِرُ أنَّ مَن أقَرَّ مَرَّةً بِسَرِقَةٍ قُطِعَ، وبِهِ قالَ: أبُو حَنِيفَةَ، وزُفَرُ، ومالِكٌ، والشّافِعِيُّ، والثَّوْرِيُّ. وقالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ وأبُو يُوسُفَ وابْنُ أبِي لَيْلى: لا يُقْطَعُ حَتّى يُقِرَّ مَرَّتَيْنِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا يُقْطَعُ سارِقُ المُصْحَفِ. وقالَ الشّافِعِيُّ، وأبُو يُوسُفَ، وأبُو ثَوْرٍ، وابْنُ القاسِمِ: يُقْطَعُ؛ إذا كانَتْ قِيمَتُهُ نِصابًا. والظّاهِرُ قَطْعُ الطَّيّارِ نِصابًا وبِهِ قالَ مالِكٌ، والأوْزاعِيُّ، وأبُو ثَوْرٍ، ويَعْقُوبُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ: وذَهَبَ مالِكٌ، والأوْزاعِيُّ، وأبُو ثَوْرٍ، ويَعْقُوبُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ: وذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ، ومُحَمَّدٌ، وإسْحاقُ إلى أنَّهُ إنْ كانَتِ الدَّراهِمُ مَصْرُورَةً في كُمِّهِ لَمْ يُقْطَعْ، أوْ في داخِلِهِ قُطِعَ. واخْتُلِفَ في النَّبّاشِ إذا أخَذَ الكَفَنَ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، ومُحَمَّدٌ: لا يُقْطَعُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومَكْحُولٍ. وقالَ الزُّهْرِيُّ: أجْمَعَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، في زَمَنٍ كانَ مَرْوانُ أمِيرًا عَلى المَدِينَةِ أنَّ النَّبّاشَ يُعَزَّرُ ولا يُقْطَعُ، وكانَ الصَّحابَةُ مُتَوافِرِينَ يَوْمَئِذٍ. وقالَ أبُو الدَّرْداءِ، وابْنُ أبِي لَيْلى، ورَبِيعَةُ، ومالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وأبُو يُوسُفَ: يُقْطَعُ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، والزُّهْرِيِّ ومَسْرُوقٍ، والحَسَنِ، والنَّخَعِيِّ، وعَطاءٍ، والظّاهِرُ أنَّهُ إذا كَرَّرَ السَّرِقَةَ في العَيْنِ بَعْدَ القَطْعِ فِيها لَمْ يُقْطَعْ، وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا يُقْطَعُ، وأنَّهُ إذا سَرَقَ نِصابًا مِن سارِقٍ لا يُقْطَعُ، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ. وقالَ مالِكٌ: قُطِعَ؛ والمُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ﴿فاقْطَعُوا﴾ الرَّسُولُ أوْ وُلاةُ الأمْرِ كالسُّلْطانِ، ومَن أُذِنَ لَهُ في إقامَةِ الحُدُودِ، أوِ القُضاةُ والحُكّامُ، أوِ المُؤْمِنُونَ، لِيَكُونُوا مُتَظافِرِينَ عَلى إقامَةِ الحُدُودِ، أقْوالٌ أرْبَعَةٌ. وفَصَّلَ بَعْضُ العُلَماءِ فَقالَ: إنْ كانَ في البَلَدِ إمامٌ أوْ نائِبٌ لَهُ فالخِطابُ مُتَوَجِّهٌ إلَيْهِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ وفِيها حاكِمٌ فالخِطابُ مُتَوَجِّهٌ إلَيْهِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ فَإلى عامَّةِ المُؤْمِنِينَ، وهو مِن فُرُوضِ الكِفايَةِ إذْ ذاكَ، إذا قامَ بِهِ بَعْضُهم سَقَطَ عَنِ الباقِينَ. والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ أنَّهُ يُقْطَعُ مِنَ السّارِقِ الثِّنْتانِ، لَكِنَّ الإجْماعَ عَلى خِلافِ هَذا الظّاهِرِ، وإنَّما يُقْطَعُ مِنَ السّارِقِ يُمْناهُ، ومِنَ السّارِقَةِ يُمْناها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْدِيَهُما يَدَيْهِما، ونَحْوُهُ: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ [التحريم: ٤] اكْتَفى بِتَثْنِيَةِ المُضافِ إلَيْهِ عَنْ تَثْنِيَةِ المُضافِ، وأُرِيدَ بِاليَدَيْنِ اليَمِينانِ بِدَلِيلِ قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: والسّارِقُونَ والسّارِقاتُ فاقْطَعُوا أيْمانَهم. انْتَهى. وسَوّى بَيْنَ أيْدِيَهُما وقُلُوبُكُما ولَيْسا بِشَيْئَيْنِ، لِأنَّ بابَ صَغَتْ قُلُوبُكُما يَطَّرِدُ فِيهِ وضْعُ الجَمْعِ مَوْضِعَ التَّثْنِيَةِ، وهو ما كانَ اثْنَيْنِ مِن شَيْئَيْنِ كالقَلْبِ والأنْفِ والوَجْهِ والظَّهْرِ، وأمّا إنْ كانَ في كُلِّ شَيْءٍ مِنهُما اثْنانِ كاليَدَيْنِ والأُذُنَيْنِ والفَخِذَيْنِ فَإنَّ وضْعَ الجَمْعِ مَوْضِعَ التَّثْنِيَةِ لا يَطَّرِدُ، وإنَّما يُحْفَظُ ولا يُقاسُ عَلَيْهِ. لِأنَّ الذِّهْنَ إنَّما يَتَبادَرُ إذا أُطْلِقَ الجَمْعُ لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُهُ، فَلَوْ قِيلَ: قُطِعَتْ آذانُ الزَّيْدَيْنِ، فَظاهِرُهُ قَطْعُ أرْبَعَةِ الآذانِ، وهو اسْتِعْمالُ اللَّفْظِ في مَدْلُولِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: جَمَعَ الأيْدِي مِن حَيْثُ كانَ لِكُلِّ سارِقٍ يَمِينٌ واحِدَةٌ، وهي المُعَرَّضَةُ لِلْقَطْعِ في السَّرِقَةِ، ولِلسُّرّاقِ أيْدٍ، ولِلسّارِقاتِ أيْدٍ، كَأنَّهُ قالَ: اقْطَعُوا أيْمانَ النَّوْعَيْنِ، فالتَّثْنِيَةُ لِلضَّمِيرِ إنَّما هي لِلنَّوْعَيْنِ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: أيْدِيَهُما، أنَّهُ لا يُقْطَعُ الرِّجْلُ، فَإذا سَرَقَ قُطِعَتْ يَدُهُ اليُمْنى، ثُمَّ إنْ سَرَقَ قُطِعَتْ يَدُهُ اليُسْرى، ثُمَّ إنْ سَرَقَ عُزِّرَ وحُبِسَ، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ والجُمْهُورِ، وبِهِ قالَ: أبُو حَنِيفَةَ والثَّوْرِيُّ. وقالَ عَلِيٌّ، والزُّهْرِيُّ، وحَمّادُ بْنُ أبِي سَلَمَةَ، وأحْمَدُ: تُقْطَعُ يَدُهُ اليُمْنى، ثُمَّ إنْ سَرَقَ قُطِعَتْ رِجْلُهُ اليُسْرى، ثُمَّ إنْ سَرَقَ عُزِّرَ وحُبِسَ. ورَوى عَطاءٌ: لا تُقْطَعُ في السَّرِقَةِ إلّا اليَدُ اليُمْنى فَقَطْ، ثُمَّ إنْ سَرَقَ عُزِّرَ وحُبِسَ. وقالَ الشّافِعِيُّ: إذا سَرَقَ أوَّلًا قُطِعَتْ يَدُهُ اليُمْنى، ثُمَّ في الثّانِيَةِ رِجْلُهُ اليُسْرى، ثُمَّ في الثّالِثَةِ يَدُهُ اليُسْرى، ثُمَّ في الرّابِعَةِ رِجْلُهُ اليُمْنى، ورُوِيَ هَذا عَنْ عُمَرَ. قِيلَ: ثُمَّ رَجَعَ إلى قَوْلِ عَلِيٍّ. وظاهِرُ قَطْعِ اليَدِ أنَّهُ يَكُونُ مِنَ المَنكِبِ مِنَ المِفْصَلِ. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ: أنَّهُ في اليَدِ مِنَ الأصابِعِ، وفي الرِّجْلِ مِن نِصْفِ القَدَمِ وهو مَعْقِدُ الشِّراكِ. ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عَطاءٍ، وأبِي جَعْفَرٍ. وقالَ أبُو صالِحٍ السَّمّانُ: رَأيْتُ الَّذِي قَطَعَهُ عَلِيٌّ (p-٤٨٤)مَقْطُوعًا مِن أطْرافِ الأصابِعِ، فَقِيلَ لَهُ: مَن قَطَعَكَ ؟ قالَ: خَيْرُ النّاسِ. والظّاهِرُ أنَّ المُتَرَتِّبَ عَلى السَّرِقَةِ هو قَطْعُ اليَدِ فَقَطْ. فَإنْ كانَ المالُ قائِمًا بِعَيْنِهِ أخَذَهُ صاحِبُهُ، وإنْ كانَ السّارِقُ اسْتَهْلَكَهُ فَلا ضَمانَ عَلَيْهِ، وبِهِ قالَ: مَكْحُولٌ، وعَطاءٌ، والشَّعْبِيُّ، وابْنُ سِيرِينَ، والنَّخَعِيُّ في قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ وأصْحابِهِ. وقالَ الحَسَنُ، والزُّهْرِيُّ، والنَّخَعِيُّ في قَوْلِ حَمّادٍ، وعُثْمانُ البَتِّيُّ، واللَّيْثُ، والشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ وإسْحاقُ: يَضْمَنُ ويُغَرَّمُ. وقالَ مالِكٌ: إنْ كانَ مُوسِرًا ضَمِنَ أوْ مُعْسِرًا فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ.
﴿جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ﴾ قالَ الكِسائِيُّ: انْتَصَبَ جَزاءً عَلى الحالِ. وقالَ قُطْرُبٌ: عَلى المَصْدَرِ، أيْ: جازاهم جَزاءً. وقالَ الجُمْهُورُ: هو عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، وبِما مُتَعَلِّقٌ بِجَزاءً، وما مَوْصُولَةٌ؛ أيْ: بِالَّذِي كَسَباهُ. ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً؛ أيْ: جَزاءً بِكَسْبِهِما، وانْتِصابُ نَكالًا عَلى المَصْدَرِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ. والعَذابُ: النَّكالُ، والنَّكَلُ: القَيْدُ؛ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ في قَوْلِهِ: (فَجَعَلْناها نَكالًا) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَزاءً ونَكالًا مَفْعُولٌ لَهُما. انْتَهى، وتَبِعَ في ذَلِكَ الزَّجّاجَ. قالَ الزَّجّاجُ: هو مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ؛ يَعْنِي جَزاءً. قالَ: وكَذَلِكَ نَكالًا مِنَ اللَّهِ. انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ. إلّا إذا كانَ الجَزاءُ هو النَّكالُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ البَدَلِ. وأمّا إذا كانا مُتَبايِنَيْنِ فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونا مَفْعُولَيْنِ لَهُما إلّا بِواسِطَةِ حَرْفِ العَطْفِ.
﴿واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ قِيلَ: المَعْنى عَزِيزٌ في شَرْعِ الرَّدْعِ، حَكِيمٌ في إيجابِ القَطْعِ. وقِيلَ: عَزِيزٌ في انْتِقامِهِ مِنَ السّارِقِ وغَيْرِهِ مِن أهْلِ المَعْصِيَةِ، حَكِيمٌ في فَرائِضِهِ وحُدُودِهِ. رُوِيَ أنَّ بَعْضَ الأعْرابِ سَمِعَ قارِئًا يَقْرَأُ: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ﴾؛ إلى آخِرِها، وخَتَمَها بِقَوْلِهِ: واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ؛ فَقالَ: ما هَذا كَلامٌ فَصِيحٌ، فَقِيلَ لَهُ: لَيْسَ التِّلاوَةُ كَذَلِكَ، وإنَّما هي: واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ؛ فَقالَ: بَخٍ بَخٍ، عَزَّ فَحَكَمَ، فَقَطَعَ.
المائدة 5:39
﴿فَمَن تابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وأصْلَحَ فَإنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ: فَمَن تابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ بِالسَّرِقَةِ. وظُلْمِهِ مُضافٌ إلى الفاعِلِ؛ أيْ: مِن بَعْدِ أنْ ظَلَمَ غَيْرَهُ بِأخْذِ مالٍ أوْ سَرِقَةٍ. قِيلَ: أوْ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ؛ أيْ: مِن بَعْدِ أنْ ظَلَمَ نَفْسَهُ. وفي جَوازِ هَذا الوَجْهِ نَظَرٌ إذْ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: مِن بَعْدِ أنْ ظَلَمَهُ. ولَوْ صُرِّحَ بِهَذا لَمْ يَجُزْ، لِأنَّ فِيهِ تَعَدِّي الفِعْلِ الرّافِعِ لِلضَّمِيرِ المُتَّصِلِ إلى الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ المَنصُوبِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ إلّا في بابِ ظَنَّ، وفَقَدَ، وعَدِمَ. ومَعْنى يَتُوبُ عَلَيْهِ؛ أيْ: يَتَجاوَزُ عَنْهُ ويَقْبَلُ تَوْبَتَهُ. وظاهِرُ الآيَةِ أنَّهُ بِمُجَرَّدِ التَّوْبَةِ لا يُقْبَلُ إلّا إنْ ضَمَّ إلى ذَلِكَ الإصْلاحَ وهو التَّنَصُّلُ مِنَ التَّبِعاتِ بِرَدِّها إنْ أمْكَنَ، وإلّا بِالِاسْتِحْلالِ مِنها، أوْ بِإنْفاقِها في سَبِيلِ اللَّهِ إنْ جَهِلَ صاحِبَها. والغُفْرانُ والرَّحْمَةُ كِنايَةٌ عَنْ سُقُوطِ العُقُوبَةِ عَنْهُ في الآخِرَةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ عَلى أنَّ الحَدَّ لا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ. وقالَ عَطاءٌ وجَماعَةٌ: يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ قَبْلَ القُدْرَةِ عَلى السّارِقِ، وهو أحَدُ قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ. وقالَ مُجاهِدٌ: التَّوْبَةُ والإصْلاحُ: هي أنْ يُقامَ عَلَيْهِ الحَدُّ.
المائدة 5:40
﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ويَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى تَصَرُّفَهُ في أحْكامِ المُحارِبِينَ وأحْكامِ السُّرّاقِ، ولَمْ يُحابِ ما ذَكَرَ مِنَ العُقُوباتِ عَلَيْهِمْ، نَبَّهَ عَلى أنَّ ذَلِكَ هو تَصَرُّفٌ في مُلْكِهِ ومِلْكِهِ، لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، فَيُعَذِّبُ مَن يَشاءُ عَذابَهُ وهُمُ المُخالِفُونَ لِأمْرِهِ، ويَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ وهُمُ التّائِبُونَ. والخِطابُ في ألَمْ تَعْلَمْ قِيلَ: لِلنَّبِيِّ، ﷺ، (p-٤٨٥)وقِيلَ: لِكُلِّ مُكَلَّفٍ، وقِيلَ: لِلْمُجْتَرِئِ عَلى السَّرِقَةِ وغَيْرِها مِنَ المَحْظُوراتِ. فالمَعْنى: ألَمْ تَعْلَمْ أنَّكَ عاجِزٌ عَنِ الخُرُوجِ عَنْ مُلْكِي، هارِبًا مِنِّي ومِن عَذابِي، فَلِمَ اجْتَرَأْتَ عَلى ما مَنَعْتُكَ مِنهُ ؟ وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ أنَّهُ خِطابُ اليَهُودِ، كانُوا بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ؛ والمَعْنى: ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّهُ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ، لا قَرابَةَ ولا نَسَبَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أحَدٍ حَتّى يُحابِيَهُ، ويَتْرُكَ القائِلِينَ نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَن يَشاءُ مَن يَجِبُ في الحُكْمِ تَعْذِيبُهُ والمَغْفِرَةُ لَهُ مِنَ المُصِرِّينَ والتّائِبِينَ. انْتَهى. وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. وقَدْ يَسْقُطُ حَدُّ الحَرْبِيِّ إذا سَرَقَ بِالتَّوْبَةِ لِيَكُونَ أدْعى لَهُ إلى الإسْلامِ وأبْعَدَ مِنَ التَّنْفِيرِ عَنْهُ، ولا نُسْقِطُهُ عَنِ المُسْلِمِ لِأنَّ في إقامَتِهِ الصَّلاحَ لِلْمُؤْمِنِينَ والحَياةَ ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ: يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ؛ أيْ: مَن ماتَ عَلى كُفْرِهِ، ويَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ مِمَّنْ تابَ عَنْ كُفْرِهِ. وقِيلَ: ذَلِكَ في الدُّنْيا، يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ في الدُّنْيا عَلى مَعْصِيَتِهِ بِالقَتْلِ والخَسْفِ والسَّبْيِ والأسْرِ وإذْهابِ المالِ والجَدْبِ والنَّفْيِ والخِزْيِ والجِزْيَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ويَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ مِنهم في الدُّنْيا بِالتَّوْبَةِ عَلَيْهِ مِن كُفْرِهِ ومَعْصِيَتِهِ فَيُنْقِذُهُ مِنَ الهَلَكَةِ ويُنْجِيهِ مِنَ العُقُوبَةِ.
﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ كَثِيرًا ما يَعْقُبُ هَذِهِ الجُمْلَةُ ما دَلَّ عَلى التَّصَرُّفِ التّامِّ، والمُلْكِ والخَلْقِ والِاخْتِراعِ، وهي في غايَةِ المُناسَبَةِ عَقِيبَ ما ذَكَرُوهُ، مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧] .
المائدة 5:41
﴿يا أيُّها الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْر مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأفْواهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهم ومِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إنْ أُوتِيتُمْ هَذا فَخُذُوهُ وإنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فاحْذَرُوا ومَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهم لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ أكّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهم وإنْ تُعْرِضْ عَنْهم فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وإنْ حَكَمْتَ فاحْكم بَيْنَهم بِالقِسْطِ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢] ﴿وكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٤٣] ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ يَحْكُمُ بِها النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا والرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ بِما اسْتُحْفِظُوا مِن كِتابِ اللَّهِ وكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النّاسَ واخْشَوْنِ ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] ﴿وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ والعَيْنَ بِالعَيْنِ والأنْفَ بِالأنْفِ والأُذُنَ بِالأُذُنِ والسِّنَّ بِالسِّنِّ والجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهو كَفّارَةٌ لَهُ ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] ﴿وقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وآتَيْناهُ الإنْجِيلَ فِيهِ هُدًى ونُورٌ ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وهُدًى ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٤٦] ﴿ولْيَحْكم أهْلُ الإنْجِيلِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فاحْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم عَمّا جاءَكَ مِنَ الحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ لِيَبْلُوَكم في ما آتاكم فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [المائدة: ٤٨] السَّحْتُ والسُّحُتُ، بِسُكُونِ الحاءِ وضَمِّها: الحَرامُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يُسْحِتُ البَرَكَةَ؛ أيْ: يُذْهِبُها. يُقالُ: سَحَتَهُ اللَّهُ؛ أيْ: أهْلَكَهُ، ويُقالُ: أسْحَتَهُ، وقُرِئَ بِهِما في قَوْلِهِ: ﴿فَيُسْحِتَكم بِعَذابٍ﴾ [طه: ٦١] أيْ: يَسْتَأْصِلَكم يُهْلِكَكم، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ:
؎وعَضُّ زَمانٌ يا بْنَ مَرْوانَ لَمْ يَدَعْ مِنَ المالِ إلّا مُسْحَتًا أوْ مُجَلَّفُ
ومَصْدَرُ الثُّلاثِيِّ سَحَتٌ بِفَتْحَتَيْنِ، وسَحْتُ بِإسْكانِ الحاءِ. وقالَ الفَرّاءُ: أصْلُ السُّحْتِ كَلْبُ الجُوعِ (p-٤٨٦)ويُقالُ: فُلانٌ مَسْحُوتُ المَعِدَةِ إذا كانَ لا يُلْقى أبَدًا إلّا خائِفًا، وهو راجِعٌ لِمَعْنى الهَلاكِ.
الحَبْرُ: بِفَتْحِ الحاءِ وكَسْرِها، العالِمُ؛ وجَمْعُهُ الأحْبارُ. وكانَ أبُو عُبَيْدٍ يُنْكِرُ ذَلِكَ ويَقُولُ: هو بِفَتْحِ الحاءِ. وقالَ الفَرّاءُ: هو بِالكَسْرِ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ الفَتْحَ. وتُسَمّى هَذِهِ السُّورَةُ سُورَةَ الأحْبارِ، ويُقالُ: كَعْبُ الأحْبارِ. والحِبْرُ، بِالكَسْرِ، الَّذِي يُكْتَبُ بِهِ، ويُنْسَبُ إلَيْهِ الحِبْرِيُّ الحَبّارُ. ويُقالُ: كُتُبُ الحِبْرِ، لِمَكانِ الحِبْرِ الَّذِي يُكْتَبُ بِهِ، وسُمِّيَ حِبْرًا لِتَحْسِينِهِ الخَطَّ وتَبْيِينِهِ إيّاهُ. وقِيلَ: سُمِّيَ حِبْرًا لِتَأْثِيرِهِ في المَوْضِعِ الَّذِي يَكُونُ بِهِ مِنَ الحَبّارِ وهو الأثَرُ.
العَيْنُ: حاسَّةُ الرُّؤْيَةِ وهي مُؤَنَّثَةٌ، وتُجْمَعُ في القِلَّةِ عَلى أعْيُنٍ وأعْيانٍ، وفي الكَثْرَةِ عَلى عُيُونٍ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎ولَكِنَّنِي أغْدُو عَلَيَّ مُفاضَةٌ ∗∗∗ دِلاصٌ كَأعْيانِ الجَرادِ المُنَظَّمِ
ويُقالُ لِلْجاسُوسِ: ذُو العَيْنَيْنِ، والعَيْنُ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ مَعانٍ كَثِيرَةٍ ذَكَرَها اللُّغَوِيُّونَ. الأنْفُ: مَعْرُوفٌ؛ والجَمْعُ آنافٌ وآنُفٌ وأُنُوفٌ.
المُهَيْمِنُ: الشّاهِدُ الرَّقِيبُ عَلى الشَّيْءِ الحافِظُ لَهُ، وهو اسْمُ فاعِلٍ مِن هَيْمَنَ؛ قالُوا: ولَمْ يَجِئْ عَلى هَذا الوَزْنِ إلّا خَمْسَةُ ألْفاظٍ: هَيْمَنَ، وسَيْطَرَ، وبَيْطَرَ، وحَيْمَرَ، وبَيْقَرَ، ذَكَرَ هَذا الخامِسَ الزَّجّاجِيُّ في شَرْحِهِ خُطْبَةَ أدَبِ الكاتِبِ، ومَعْناهُ: سارَ مِنَ الحِجازِ إلى اليَمَنِ، ومِن أُفُقٍ إلى أُفُقٍ. وهَيْمَنَ بِنا أصْلٌ. وذَهَبَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ إلى أنَّ مُهَيْمِنًا اسْمُ فاعِلٍ مِن أمَّنَ غَيْرَهُ مِنَ الخَوْفِ، قالَ: فَأصْلُهُ مَأْمَنٌ، قُلِبَتِ الهَمْزَةُ الثّانِيَةُ ياءً، كَراهَةَ اجْتِماعِ الهَمْزَتَيْنِ فَصارَ مُؤَيْمِنٌ، ثُمَّ أُبْدِلَتِ الهَمْزَةُ الأُولى هاءً، كَما قالُوا: أهْراقَ في أراقَ، وهِيّاكَ في إيّاكَ، وهَذا تَكَلُّفٌ لا حاجَةَ إلَيْهِ، وقَدْ ثَبَتَ نَظِيرُ هَذا الوَزْنِ في ألْفاظٍ فَيَكُونُ هَذا مِنها. وأيْضًا فالهَمْزَةُ في مُؤْمِنٍ - اسْمُ فاعِلٍ مِن آمَنَ - قَدْ سَقَطَتْ كَراهَةَ اجْتِماعِ الهَمْزَتَيْنِ، فَلا يُدَّعى أنَّها أُقِرَّتْ وأُبْدِلَ مِنها. وأمّا ما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ قُتَيْبَةَ مِن أنَّهُ تَصْغِيرُ مُؤْمِنٍ، وأُبْدِلَتْ هَمْزَتُهُ هاءً، فَقَدْ كَتَبَ إلَيْهِ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ يُحَذِّرُهُ مِن هَذا القَوْلِ. واعْلَمْ أنَّ أسْماءَ اللَّهِ تَعالى لا تُصَغَّرُ. الشِّرْعَةُ: السُّنَّةُ والطَّرِيقَةُ؛ شَرَعَ يَشْرَعُ شَرْعًا؛ أيْ: سَنَّ، والشّارِعُ الطَّرِيقُ الأعْظَمُ، ومَنزِلٌ شارِعٌ: إذا كانَ بابُهُ قَدْ شَرَعَ إلى طَرِيقٍ نافِذٍ. المِنهاجُ والمَنهَجُ: الطَّرِيقُ الواضِحُ، ونَهَجَ الأمْرُ اسْتَبانَ، ونَهَجْتُ الطَّرِيقَ أبَنْتُهُ وأوْضَحْتُهُ، ونَهَجْتُ الطَّرِيقَ سَلَكْتُهُ.
﴿ياأيُّها الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأفْواهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ رُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وابْنِ عَبّاسٍ وجَماعَةٍ: أنَّ سَبَبَ نُزُولِها «أنَّ يَهُودِيًّا زَنى بِيَهُودِيَّةٍ، قِيلَ: بِالمَدِينَةِ. وقِيلَ: بِغَيْرِها مِن أرْضِ الحِجازِ، فَسَألُوا الرَّسُولَ، ﷺ، وطَمِعُوا أنْ يَكُونَ غَيْرَ الرَّجْمِ حَدُّهُما، وكانَ في التَّوْراةِ رَجْمٌ، فَأنْكَرُوا ذَلِكَ أنْ يَكُونَ في التَّوْراةِ وافْتَضَحُوا إذْ أحْضَرُوها، وحَكَمَ الرَّسُولُ فِيهِما بِالرَّجْمِ وأنْفَذَهُ» . وقالَ قَتادَةُ: السَّبَبُ أنَّ بَنِي النَّضِيرِ كانُوا إذا غَزَوْا بَنِي قُرَيْظَةَ، فَإنْ قَتَلَ قُرَظِيٌّ نَضِيرِيًّا قُتِلَ بِهِ، أوْ نَضِيرِيٌّ قُرَظِيًّا أعْطى الدِّيَةَ. وقِيلَ: كانَتْ دِيَةُ القُرَظِيِّ عَلى نِصْفِ دِيَةِ النَّضِيرِيِّ، فَلَمّا جاءَ الرَّسُولُ المَدِينَةَ طَلَبَتْ قُرَيْظَةُ الِاسْتِواءَ لِأنَّهُما ابْنا عَمٍّ، وطَلَبَتِ الحُكُومَةُ إلى الرَّسُولِ، ﷺ، فَقالَتْ بَنُو النَّضِيرِ: إنْ حَكَمَ بِما نَحْنُ عَلَيْهِ فَخُذُوهُ، وإلّا فاحْذَرُوا. وقالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ وهَذا بَعِيدٌ مِن مَساقِ الآيَةِ. وذَكَرُوا أنَّ هَذا الرَّجُلَ هو أبُو لُبابَةَ بْنُ عَبْدِ المُنْذِرِ، أشارَتْ إلَيْهِ قُرَيْظَةُ يَوْمَ حَصْرِهِمْ عَلامَ يُنْزَلُ مِنَ الحُكْمِ، فَأشارَ إلى حَلْقِهِ بِمَعْنى أنَّهُ الذَّبْحُ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ قَتَلَ واحِدٌ مِنهم آخَرَ، فَكَلَّفُوا رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ أنْ يَسْألَ الرَّسُولَ قالُوا: فَإنْ أفْتى بِالدِّيَةِ قَبِلْنا، وإنْ أفْتى بِالقَتْلِ لَمْ نَقْبَلْ. وهَذا نَحْوٌ مَن قَوْلِ قَتادَةَ في النَّضِيرِ وقُرَيْظَةَ.
ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أحْكامَ الحِرابَةِ والسَّرِقَةِ، وكانَ في ذِكْرِ المُحارِبِينَ أنَّهم يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ في (p-٤٨٧)الأرْضِ فَسادًا، أمَرَهُ تَعالى أنْ لا يَحْزَنَ ولا يَهْتَمَّ بِأمْرِ المُنافِقِينَ وأمْرِ اليَهُودِ مِن تَعَنُّتِهِمْ وتَرَبُّصِهِمْ بِهِ وبِمَن مَعَهُ الدَّوائِرَ ونَصْبِهِمْ لَهُ حَبائِلَ المَكْرُوهِ، وما يَحْدُثُ لَهم مِنَ الفَسادِ في الأرْضِ. ونَصْبِ المُحارَبَةِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الرَّذائِلِ الصّادِرَةِ عَنْهم. ونِداؤُهُ تَعالى لَهُ: يا أيُّها الرَّسُولُ هُنا، وفي ﴿ياأيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ﴾ [المائدة: ٦٧] ويا أيُّها النَّبِيُّ في مَواضِعَ، تَشْرِيفٌ وتَعْظِيمٌ وتَفْخِيمٌ لِقَدْرِهِ، ونادى غَيْرَهُ مِنَ الأنْبِياءِ بِاسْمِهِ فَقالَ: ﴿ياآدَمُ اسْكُنْ﴾ [البقرة: ٣٥] و﴿يانُوحُ اهْبِطْ﴾ [هود: ٤٨]، ﴿ياإبْراهِيمُ﴾ [الصافات: ١٠٤] ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ [الصافات: ١٠٥]، ﴿يامُوسى إنِّي اصْطَفَيْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٤٤]، ﴿ياعِيسى إنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ [آل عمران: ٥٥]، ﴿يايَحْيى خُذِ الكِتابَ﴾ [مريم: ١٢] . وقالَ مُجاهِدٌ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ: ﴿مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأفْواهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾، هُمُ اليَهُودُ المُنافِقُونَ، وسَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ هُمُ اليَهُودُ. والمَعْنى عَلى هَذا: لا تَهْتَمَّ بِمُسارَعَةِ المُنافِقِينَ في الكُفْرِ واليَهُودِ بِإظْهارِ ما يَلُوحُ لَهم مِن آثارِ الكُفْرِ وهو كَيْدُهم لِلْإسْلامِ وأهْلِهِ، فَإنَّ اللهَ ناصِرُكَ عَلَيْهِمْ، ويُقالُ: أسْرَعَ فِيهِ السَّبَبُ، وأسْرَعَ فِيهِ الفَسادُ، إذا وقَعَ فِيهِ سَرِيعًا؛ ومُسارَعَتُهم في الكُفْرِ: وُقُوعُهم وتَهافُتُهم فِيهِ أسْرَعُ شَيْءٍ إذا وجَدُوا فُرْصَةً لَمْ يُخْطِئُوها، وتَكُونُ مِنَ الأُولى والثّانِيَةِ عَلى هَذا تَنْبِيهًا وتَقْسِيمًا لِلَّذِينِ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ، ويَكُونُ سَمّاعُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هم سَمّاعُونَ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى المُنافِقِينَ وعَلى اليَهُودِ؛ ويَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى قِراءَةُ الضَّحّاكِ: سَمّاعِينَ، وانْتِصابُهُ عَلى الذَّمِّ نَحْوَ قَوْلِهِ:
؎أقارِعُ عَوْفٍ لا أُحاوِلُ غَيْرَها ∗∗∗ وُجُوهُ قُرُودٍ تَبْتَغِي مَن تُخادِعُ
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: ﴿ومِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ اسْتِئْنافًا، وسَمّاعُونَ مُبْتَدَأٌ وهُمُ اليَهُودُ، وبِأفْواهِهِمْ مُتَعَلِّقٌ بِقالُوا لا بِآمَنّا؛ والمَعْنى: أنَّهم لَمْ يُجاوِزْ قَوْلُهم أفْواهَهم، إنَّما نَطَقُوا بِالإيمانِ خاصَّةً دُونَ اعْتِقادٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لا يَحْزُنْكَ المُسارِعُونَ في الكُفْرِ مِنَ اليَهُودِ، وصَفَهم بِأنَّهم قالُوا: آمَنّا؛ بِأفْواهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهم إلْزامًا مِنهم ذَلِكَ مِن حَيْثُ حَرَّفُوا تَوْراتَهم وبَدَّلُوا أحْكامَها، فَهم يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ: نَحْنُ مُؤْمِنُونَ بِالتَّوْراةِ وبِمُوسى، وقُلُوبُهم غَيْرُ مُؤْمِنَةٍ مِن حَيْثُ بَدَّلُوا وجَحَدُوا ما فِيها مِن نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ، ﷺ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا يُنْكِرُونَهُ. ويُؤَيِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ هَذا ﴿وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٤٣] ويَجِيءُ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ قَوْلُهُ: مِنَ الَّذِينَ قالُوا كَأنَّهُ قالَ: ومِنهم، ولَكِنْ صَرَّحَ بِذِكْرِ اليَهُودِ مِن حَيْثُ الطّائِفَةُ السَّمّاعَةُ غَيْرُ الطّائِفَةِ الَّتِي تُبَدِّلُ التَّوْراةَ عَلى عِلْمٍ مِنها. انْتَهى. وهو احْتِمالٌ بَعِيدٌ مُتَكَلَّفٌ، وسَمّاعُونَ مِن صِفاتِ المُبالَغَةِ، ولا يُرادُ بِهِ حَقِيقَةُ السَّماعِ إلّا إنْ كانَ لِلْكَذِبِ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ، ويَكُونُ المَعْنى: إنَّهم سَمّاعُونَ مِنكَ أقْوالَكَ مِن أجْلِ أنْ يَكْذِبُوا عَلَيْكَ، ويَنْقُلُونَ حَدِيثَكَ، ويَزِيدُونَ مَعَ الكَلِمَةِ أضْعافَها كَذِبًا. وإنْ كانَ لِلْكَذِبِ مَفْعُولًا بِهِ لِقَوْلِهِ: سَمّاعُونَ، وعُدِّيَ بِاللّامِ عَلى سَبِيلِ التَّقْوِيَةِ لِلْعامِلِ، فَمَعْنى السَّماعِ هُنا قَبُولُهم ما يَفْتَرِيهِ أحْبارُهم ويَخْتَلِقُونَهُ مِنَ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ وتَحْرِيفَ كِتابِهِ مِن قَوْلِهِمُ: المَلِكُ يَسْمَعُ كَلامَ فُلانٍ، ومِنهُ ”سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ“ وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الخِلافِ في قِراءَةِ يَحْزُنْكَ ثُلاثِيًا وُرُباعِيًّا. وقَرَأ السُّلَمِيُّ: يُسْرِعُونَ، بِغَيْرِ ألِفٍ، مِن أسْرَعَ. وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى بْنُ عُمَرَ: لِلْكِذْبِ، بِكَسْرِ الكافِ وسُكُونِ الذّالِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: الكُذُبُ، بِضَمِّ الكافِ والذّالِ، جَمْعُ كَذُوبٍ، نَحْوَ صَبُورٍ وصُبُرٍ؛ أيْ: سَمّاعُونَ لِكَذِبِ الكُذُبِ.
* *
﴿سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: سَمّاعُونَ لِكَذِبِ قَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ؛ أيْ: كَذِبُهم، والَّذِينَ لَمْ يَأْتُوهُ يَهُودُ فَدَكَ. وقِيلَ: يَهُودُ خَيْبَرَ. وقِيلَ: أهْلُ الرَّأْيَيْنِ. وقِيلَ: أهْلُ الخِصامِ في القَتْلِ والدِّيَةِ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: سَمّاعُونَ لِأجْلِ قَوْمٍ آخَرِينَ؛ أيْ: هم عُيُونٌ لَهم وجَواسِيسُ؛ يَسْمَعُونَ مِنكَ ويَنْقُلُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ، وهَذا الوَصْفُ يُمْكِنُ أنْ يَتَّصِفَ بِهِ المُنافِقُونَ، ويَهُودُ المَدِينَةِ. وقِيلَ: السَّمّاعُونَ بَنُو قُرَيْظَةَ، والقَوْمُ الآخَرُونَ يَهُودُ خَيْبَرَ. وقِيلَ لِسُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ: هَلْ جَرى ذِكْرُ الجاسُوسِ في كِتابِ اللَّهِ ؟ فَقالَ: نَعَمْ. وتَلا هَذِهِ الآيَةَ (p-٤٨٨)سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ، لَمْ يَأْتُوكَ: صِفَةٌ لِقَوْمٍ آخَرِينَ. ومَعْنى لَمْ يَأْتُوكَ: لَمْ يَصِلُوا إلى مَجْلِسِكَ وتَجافَوْا عَنْكَ لِما فَرَطَ مِنهم مَن شِدَّةِ العَداوَةِ والبَغْضاءِ، فَعَلى هَذا الظّاهِرُ أنَّ المَعْنى: هم قائِلُونَ مِنَ الأحْبارِ كَذِبُهم وافْتِراؤُهم، ومِن أُولَئِكَ المُفْرِطِينَ في العَداوَةِ الَّذِينَ لا يَقْدِرُونَ أنْ يَنْظُرُوا إلَيْكَ.
﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ قُرِئَ الكَلِمُ، بِكَسْرِ الكافِ وسُكُونِ اللّامِ؛ أيْ: يُزِيلُونَهُ ويُمِيلُونَهُ عَنْ مَواضِعِهِ الَّتِي وضَعَها اللَّهُ فِيها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والجُمْهُورُ: هي حُدُودُ اللَّهِ في التَّوْراةِ، وذَلِكَ أنَّهم غَيَّرُوا الرَّجْمَ؛ أيْ: وضَعُوا الجَلْدَ مَكانَ الرَّجْمِ. وقالَ الحَسَنُ: يُغَيِّرُونَ ما يَسْمَعُونَ مِنَ الرَّسُولِ، عَلَيْهِ السَّلامُ، بِالكَذِبِ عَلَيْهِ. وقِيلَ: بِإخْفاءِ صِفَةِ الرَّسُولِ. وقِيلَ: بِإسْقاطِ القَوَدِ بَعْدَ اسْتِحْقاقِهِ. وقِيلَ: بِسُوءِ التَّأْوِيلِ. قالَ الطَّبَرِيُّ: المَعْنى يُحَرِّفُونَ حُكْمَ الكَلامِ، فَحُذِفَ لِلْعِلْمِ بِهِ. انْتَهى. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ هَذا وصْفًا لِلْيَهُودِ فَقَطْ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ وصْفًا لَهم ولِلْمُنافِقِينَ فِيما يُحَرِّفُونَهُ مِنَ الأقْوالِ عِنْدَ كَذِبِهِمْ، لِأنَّ مَبادِئَ كَذِبِهِمْ يَكُونُ مِن أشْياءَ قِيلَتْ وفُعِلَتْ، وهَذا هو الكَذِبُ الَّذِي يَقْرُبُ قَبُولُهُ. ومَعْنى مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ: قالَ الزَّجّاجُ مِن بَعْدِ أنْ وضَعَهُ اللَّهُ مَواضِعَهُ، فَأحَلَّ حَلالَهُ وحَرَّمَ حَرامَهُ.
* *
﴿يَقُولُونَ إنْ أُوتِيتُمْ هَذا فَخُذُوهُ﴾ الإشارَةُ بِهَذا قِيلَ: إلى التَّحْمِيمِ والجَلْدِ في الزِّنا. وقِيلَ: إلى قَبُولِ الدِّيَةِ في أمْرِ القَتْلِ. وقِيلَ: عَلى إبْقاءِ عِزَّةِ النَّضِيرِ عَلى قُرَيْظَةَ، وهَذا بِحَسَبِ الِاخْتِلافِ المُتَقَدِّمِ في سَبَبِ النُّزُولِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنْ أُوتِيتُمْ، هَذا المُحَرَّفَ المُزالَ عَنْ مَواضِعِهِ فَخُذُوهُ واعْلَمُوا أنَّهُ الحَقُّ، واعْمَلُوا بِهِ. انْتَهى. وهو راجِعٌ لِواحِدٍ مِمّا ذَكَرْناهُ، والفاعِلُ المَحْذُوفُ هو الرَّسُولُ؛ أيْ: إنْ أتاكُمُ الرَّسُولُ هَذا.
﴿وإنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فاحْذَرُوا﴾ أيْ: وإنْ أفْتاكم مُحَمَّدٌ بِخِلافِهِ فاحْذَرُوا وإيّاكم مِن قَبُولِهِ فَهو الباطِلُ والضَّلالُ. وقِيلَ: فاحْذَرُوا أنْ تُعْلِمُوهُ بِقَوْلِهِ السُّدِّيُّ. وقِيلَ: أنْ تُطْلِعُوهُ عَلى ما في التَّوْراةِ فَيَأْخُذَكم بِالعَمَلِ بِهِ. وقِيلَ: فاحْذَرُوا أنْ تَسْألُوهُ بَعْدَها، والظّاهِرُ الأوَّلُ لِأنَّهُ مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ: فَخُذُوهُ. فالمَعْنى: وإنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ وأتاكم بِغَيْرِهِ فاحْذَرُوا قَبُولَهُ.
﴿ومَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: فِتْنَتَهُ؛ أيْ: عَذابَهُ بِالنّارِ. ومِنهُ يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ؛ أيْ: يُعَذَّبُونَ؛ وقالَ الزَّجّاجُ: فَضِيحَتَهُ؛ وقِيلَ: اخْتِبارَهُ لِما يَظْهَرُ بِهِ أمْرُهُ؛ وقِيلَ: إهْلاكَهُ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: كُفْرَهُ وإضْلالَهُ، يُقالُ: فَتَنَهُ عَنْ دِينِهِ صَرَفَهُ عَنْهُ، وأصْلُهُ فَلَنْ يَقْدِرَ عَلى دَفْعِ ما يُرِيدُ اللَّهُ مِنهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ: تَرْكَهُ مَفْتُونًا وخِذْلانَهُ، فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ مِن لُطْفِ اللَّهِ وتَوْفِيقِهِ شَيْئًا. انْتَهى. وهَذا عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ جاءَتْ تَسْلِيَةً لِلرَّسُولِ وتَخْفِيفًا عَنْهُ مِن ثِقَلِ حُزْنِهِ عَلى مُسارَعَتِهِمْ في الكُفْرِ. وقَطْعًا لِرَجائِهِ مِن فَلاحِهِمْ.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ أيْ: سَبَقَ لَهم في عِلْمِ اللَّهِ ذَلِكَ، وأنْ يَكُونُوا مُدَنَّسِينَ بِالكُفْرِ. وفي هَذا وما قَبْلَهُ رَدٌّ عَلى القَدَرِيَّةِ والمُعْتَزِلَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَمْنَحَهم مِن ألْطافِهِ ما يُطَهِّرُ بِهِ قُلُوبَهم، لِأنَّهم لَيْسُوا مِن أهْلِها لِعِلْمِهِ أنَّها لا تَنْفَعُ ولا تَنْجَعُ فِيها. إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ. انْتَهى. وهو عَلى مَذْهَبِهِ الِاعْتِزالِيِّ.
﴿لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ أيْ: ذُلٌّ وفَضِيحَةٌ. فَخِزْيُ المُنافِقِينَ بِهَتْكِ سِتْرِهِمْ، وخَوْفِهِمْ مِنَ القَتْلِ إنِ اطَّلَعَ عَلى كُفْرِهِمُ المُسْلِمُونَ، وخِزْيُ اليَهُودِ: تَمَسْكُنِهِمْ وضَرْبِ الجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ، وكَوْنِهِمْ في أقْطارِ الأرْضِ تَحْتَ ذِمَّةِ غَيْرِهِمْ وفي إيالَتِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: خِزْيُ قُرَيْظَةَ بِقَتْلِهِمْ وسَبْيِهِمْ، وخِزْيُ بَنِي النَّضِيرِ بِإجْلائِهِمْ.
﴿ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ وُصِفَ بِالعِظَمِ لِتَزايُدِهِ؛ فَلا انْقِضاءَ لَهُ، أوْ لِتَزايُدِ ألَمِهِ أوْ لَهُما.
المائدة 5:42
﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ أكّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ قالَ الحَسَنُ: يَسْمَعُونَ الكَلامَ مِمَّنْ يَكْذِبُ عِنْدَهم في دَعْواهُ فَيَأْتِيهِمْ بِرِشْوَةٍ فَيَأْخُذُونَها. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ: هُمُ اليَهُودُ ويَسْمَعُونَ الكَذِبَ، وهو قَوْلُ بَعْضِهِمْ (p-٤٨٩)لِبَعْضٍ: مُحَمَّدٌ كاذِبٌ لَيْسَ بِنَبِيٍّ، ولَيْسَ في التَّوْراةِ الرَّجْمُ، وهم يَعْلَمُونَ كَذِبَهم. وقِيلَ: الكَذِبُ هُنا شَهادَةُ الزُّورِ. انْتَهى. وهَذا الوَصْفُ إنْ كانَ قَوْلُهُ أوَّلًا: سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ، وصْفًا لِبَنِي إسْرائِيلَ.
وتَقَدَّمَ أنَّ السُّحْتَ: المالُ الحَرامُ. واخْتُلِفَ في المُرادِ بِهِ هُنا، فَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: إنَّهُ الرِّشْوَةُ في الحُكْمِ، ومَهْرُ البَغْيِ، وحُلْوانُ الكاهِنِ، وثَمَنُ الكَلْبِ والنَّرْدِ والخَمْرِ والخِنْزِيرِ والمَيْتَةِ والدَّمِ وعَسْبِ الفَحْلِ، وأُجْرَةُ النّائِحَةِ والمُغَنِّيَةِ، والسّاحِرِ، وأجْرُ مُصَوِّرِ التَّماثِيلِ، وهَدِيَّةُ الشَّفاعَةِ؛ قالُوا: وسُمِّيَ سُحْتًا المالُ الحَرامُ لِأنَّهُ يُسْحِتُ الطّاعاتِ أوْ بَرَكَةَ المالِ أوِ الدِّينَ أوِ المُرُوءَةَ؛ وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ومَسْرُوقٍ: إنَّ المالَ المَأْخُوذَ عَلى الشَّفاعَةِ سُحْتٌ. وعَنِ الحَسَنِ: إنَّ ما أكَلَ الرَّجُلُ مِن مالِ مَن لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ - سُحْتٌ. وقِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ: كُنّا نَرى أنَّهُ ما أُخِذَ عَلى الحُكْمِ يَعْنُونَ الرِّشا، قالَ: ذَلِكَ كُفْرٌ، قالَ تَعالى: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] . وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: إذا ارْتَشى الحاكِمُ يُعْزَلُ، وفي الحَدِيثِ: «كُلُّ لَحْمٍ نَبَتَ مَن سُحْتٍ فالنّارُ أوْلى بِهِ» وقالَ عَلِيٌّ وأبُو هُرَيْرَةَ: كَسْبُ الحَجّامِ سُحْتٌ، يَعْنِي أنَّهُ يُذْهِبُ المُرُوءَةَ، وما ذُكِرَ في مَعْنى السُّحْتِ فَهو مِن أمْثِلَةِ المالِ الَّذِي لا يَحِلُّ كَسْبُهُ.
ومِن أعْظَمِ السُّحْتِ الرِّشْوَةُ في الحُكْمِ، وهي المُشارُ إلَيْها في الآيَةِ. كانَ اليَهُودُ يَأْخُذُونَ الرِّشا عَلى الأحْكامِ وتَحْلِيلِ الحَرامِ. وعَنِ الحَسَنِ: كانَ الحاكِمُ في بَنِي إسْرائِيلَ إذا أتاهُ أحَدُهم بِرِشْوَةٍ جَعَلَها في كُمِّهِ فَأراهُ إيّاها، وتَكَلَّمَ بِحاجَتِهِ، فَيَسْمَعُ مِنهُ ولا يَنْظُرُ إلى خَصْمِهِ، فَيَأْكُلُ الرِّشْوَةَ ويَسْمَعُ الكَذِبَ. وقَرَأ النَّحْوِيّانِ وابْنُ كَثِيرٍ: السُّحُتُ، بِضَمَّتَيْنِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: بِإسْكانِ الحاءِ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وخارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ عَنْ نافِعٍ: بِفَتْحِ السِّينِ وإسْكانِ الحاءِ، وقُرِئَ بِفَتْحَتَيْنِ. وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: بِكَسْرِ السِّينِ وإسْكانِ الحاءِ، فَبِالضَّمِّ والكَسْرِ والفَتْحَتَيْنِ: اسْمُ المَسْحُوتِ، كالدَّهْنِ والرَّعْيِ والنَّبْضِ؛ وبِالفَتْحِ والسُّكُونِ: مَصْدَرٌ أُرِيدَ بِهِ المَفْعُولُ، كالصَّيْدِ بِمَعْنى المَصِيدِ؛ أوْ سُكِّنَتِ الحاءُ طَلَبًا لِلْخِفَّةِ.
* *
﴿فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أيْ: فَإنْ جاؤُكَ لِلْحُكْمِ بَيْنَهم فَأنْتَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أنْ تَحْكُمَ، أوْ تُعْرِضَ. والظّاهِرُ بَقاءُ هَذا الحُكْمِ مِنَ التَّخْيِيرِ لِحُكّامِ المُسْلِمِينَ. وعَنْ عَطاءٍ، والنَّخَعِيِّ، والشَّعْبِيِّ، وقَتادَةَ، والأصَمِّ، وأبِي مُسْلِمٍ، وأبِي ثَوْرٍ: أنَّهم إذا ارْتَفَعُوا إلى حُكّامِ المُسْلِمِينَ، فَإنْ شاءُوا حَكَمُوا وإنْ شاءُوا أعْرَضُوا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والحَسَنُ، وعَطاءُ الخُراسانِيُّ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، والزُّهْرِيُّ: التَّخْيِيرُ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] فَإذا جاءُوا فَلَيْسَ لِلْإمامِ أنْ يَرُدَّهم إلى أحْكامِهِمْ. والمَعْنى عِنْدَ غَيْرِهِمْ: وأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ إذا اخْتَرْتَ الحُكْمَ بَيْنَهم دُونَ الإعْراضِ عَنْهم. وعَنْ أبِي حَنِيفَةَ: إنِ احْتَكَمُوا إلَيْنا حُمِلُوا عَلى حُكْمِ الإسْلامِ، وأُقِيمَ الحَدُّ عَلى الزّانِي بِمُسْلِمَةٍ، والسّارِقِ مِن مُسْلِمٍ. وأمّا أهْلُ الحِجازِ فَلا يَرَوْنَ إقامَةَ الحُدُودِ عَلَيْهِمْ، يَذْهَبُونَ إلى أنَّهم قَدْ صُولِحُوا عَلى شِرْكِهِمْ وهو أعْظَمُ مِنَ الحُدُودِ، ويَقُولُونَ: إنَّ رَجْمَ اليَهُودِيَّيْنِ كانَ قَبْلَ نُزُولِ الجِزْيَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الأُمَّةُ مُجْمِعَةٌ عَلى أنَّ حاكِمَ المُسْلِمِينَ يَحْكُمُ بَيْنَ أهْلِ الذِّمَّةِ في التَّظالُمِ، ويَتَسَلَّطُ عَلَيْهِمْ في تَغْيِيرٍ، ومِن ذَلِكَ حَبْسُ السِّلَعِ المَبِيعَةِ وغَصْبُ المالِ. فَأمّا نَوازِلُ الأحْكامِ الَّتِي لا تَظالُمَ فِيها، وإنَّما هي دُعاءٌ ومُحْتَمِلَةٌ، فَهي الَّتِي يُخَيَّرُ فِيها الحاكِمُ. انْتَهى. وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى مَجِيءِ المُتَداعِيَيْنِ إلى الحاكِمِ، ورِضاهُما بِحُكْمِهِ كافٍ في الإقْدامِ عَلى الحُكْمِ بَيْنَهُما. وقالَ ابْنُ القاسِمِ: لا بُدَّ مَعَ ذَلِكَ مِن رِضا الأساقِفَةِ والرُّهْبانِ، فَإنْ رَضِيَ الأساقِفَةُ دُونَ الخَصْمَيْنِ، أوِ الخَصْمانِ دُونَ الأساقِفَةِ، فَلَيْسَ لَهُ أنْ يَحْكُمَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، والزُّهْرِيُّ، وغَيْرُهم: فَإنْ جاءُوكَ يَعْنِي أهْلَ نازِلَةِ الزّانِيَيْنِ، ثُمَّ الآيَةُ تَتَناوَلُ سائِرَ النَّوازِلِ. وقالَ قَوْمٌ: في قَتِيلِ اليَهُودِ مِن قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ. وقالَ قَوْمٌ: التَّخْيِيرُ مُخْتَصٌّ بِالمُعاهَدِينَ لازِمَةٌ لَهم. ومَذْهَبُ الشّافِعِيِّ: أنَّهُ يَجِبُ عَلى حاكِمِ المُسْلِمِينَ أنْ يَحْكُمَ بَيْنَ أهْلِ الذِّمَّةِ إذا (p-٤٩٠)تَحاكَمُوا إلَيْهِ، لِأنَّ في إمْضاءِ حُكْمِ الإسْلامِ عَلَيْهِمْ صَغارًا لَهم، فَأمّا المُعاهَدُونَ الَّذِينَ لَهم مَعَ المُسْلِمِينَ عَهْدٌ إلى مُدَّةٍ فَلَيْسَ بِواجِبٍ عَلَيْهِ أنْ يَحْكُمَ بَيْنَهم، بَلْ يَتَخَيَّرُ في ذَلِكَ، وهو التَّخْيِيرُ الَّذِي في الآيَةِ وهو مَخْصُوصٌ بِالمُعاهَدِينَ. ورُوِيَ عَنِ الشّافِعِيِّ مِثْلُ قَوْلِ عَطاءٍ والنَّخَعِيِّ.
﴿وإنْ تُعْرِضْ عَنْهم فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾ أيْ: أنْتَ آمِنٌ مِن ضَرَرِهِمْ، مَنصُورٌ عَلَيْهِمْ عَلى كُلِّ حالٍ؛ وكانُوا يَتَحاكَمُونَ إلَيْهِ لِطَلَبِ الأيْسَرِ والأهْوَنِ عَلَيْهِمْ، فالجَلْدُ مَكانَ الرَّجْمِ، فَإذا أعْرَضَ عَنْهم وأبى الحُكُومَةَ بَيْنَهم شَقَّ عَلَيْهِمْ وتَكَرَّهُوا إعْراضَهُ عَنْهم، وكانُوا خُلَقاءَ بِأنْ يُعادُوهُ ويَضُرُّوهُ، فَأمَّنَهُ اللَّهُ مِنهم، وأخْبَرَهُ أنَّهم لَيْسُوا قادِرِينَ عَلى شَيْءٍ مِن ضَرَرِهِ.
* *
﴿وإنْ حَكَمْتَ فاحْكم بَيْنَهم بِالقِسْطِ﴾ أيْ: وإنْ أرَدْتَ الحُكْمَ بِالقِسْطِ بِالعَدْلِ كَما تَحْكُمُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ. والقِسْطُ: هو المُبَيَّنُ في قَوْلِهِ: ﴿وأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] وهو لا يَحْكُمُ إلّا بِالقِسْطِ، فَهو أمْرٌ مَعْناهُ الخَبَرُ؛ أيْ: فَحُكْمُكَ لا يَقَعُ إلّا بِالعَدْلِ، لِأنَّكَ مَعْصُومٌ مِنِ اتِّباعِ الهَوى.
﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ وأنْتَ سَيِّدُهم، فَمَحَبَّتُهُ إيّاكَ أعْظَمُ مِن مَحَبَّتِهِ إيّاهم. وفِيهِ حَثٌّ عَلى تَوَخِّي القِسْطِ وإيثارِهِ، حَيْثُ ذَكَرَ اللَّهُ أنَّهُ يُحِبُّ مَنِ اتَّصَفَ بِهِ.
المائدة 5:43
﴿وكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ﴾ هَذا تَعْجِيبٌ مِن تَحْكِيمِهِمْ إيّاهُ مَعَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ ولا بِكِتابِهِ. وفي كِتابِهِمُ الَّذِي يَدَّعُونَ الإيمانَ بِهِ حُكْمُ اللَّهِ تَعالى نَصٌّ جَلِيٌّ، فَلَيْسُوا قاصِدِينَ حُكْمَ اللَّهِ حَقِيقَةً، وإنَّما قَصَدُوا بِذَلِكَ أنْ يَكُونَ عِنْدَهُ رُخْصَةٌ فِيما تَحاكَمُوا إلَيْهِ فِيهِ اتِّباعًا لِأهْوائِهِمْ، وانْهِماكًا في شَهَواتِهِمْ. ومَن عَدَلَ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ في كِتابِهِ الَّذِي يَدَّعِي أنَّهُ مُؤْمِنٌ بِهِ إلى تَحْكِيمِ مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ ولا بِكِتابِهِ، فَهو لا يُحَكِّمُ إلّا رَغْبَةً فِيما يَقْصِدُهُ مِن مُخالَفَةِ كِتابِهِ. وإذا خالَفُوا كِتابَهم لِكَوْنِهِ لَيْسَ عَلى وفْقِ شَهَواتِهِمْ، فَلَأنْ يُخالِفُوكَ إذا لَمْ تُوافِقْهم أوْلى وأحْرى. والواوُ في: وعِنْدَهم، لِلْحالِ، وعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ: مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وقَوْلُهُ: فِيها. حُكْمُ اللَّهِ، حالٌ مِنَ التَّوْراةِ، وارْتَفَعَ حُكْمٌ عَلى الفاعِلِيَّةِ بِالجارِّ والمَجْرُورِ؛ أيْ: كائِنًا فِيها حُكْمُ اللَّهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِيها في مَوْضِعِ رَفْعٍ خَبَرًا عَنِ التَّوْراةِ؛ كَقَوْلِكَ: وعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ ناطِقَةً بِحُكْمِ اللَّهِ. وأوْ: لا مَحَلَّ لَهُ، وتَكُونُ جُمْلَةً مُبَيِّنَةً، لِأنَّ عِنْدَهم ما يُغْنِيهِمْ عَنِ التَّحْكِيمِ، كَما تَقُولُ: عِنْدَكَ زَيْدٌ يَنْصَحُكَ ويُشِيرُ عَلَيْكَ بِالصَّوابِ فَما تَصْنَعُ بِغَيْرِهِ ؟ وهَذانِ الإعْرابانِ لِلزَّمَخْشَرِيِّ.
﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ تَحْكِيمِكَ المُوافِقِ لِما في كِتابِهِمْ، لِأنَّ التَّعْجِيبَ مِنَ التَّحْكِيمِ إنَّما كانَ بَعْدَ صُدُورِهِ مِنهم، ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ ولَمْ يَرْضَوْا بِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مِن بَعْدِ ذَلِكَ؛ أيْ: مِن بَعْدِ حُكْمِ اللَّهِ في التَّوْراةِ وما أشْبَهَهُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي خالَفُوا فِيها أمْرَ اللَّهِ. انْتَهى. وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ؛ أيْ: ثُمَّ هم يَتَوَلَّوْنَ بَعْدُ. وهي أخْبارٌ مِنَ اللَّهِ بِتَوَلِّيهِمْ عَلى عادَتِهِمْ في أنَّهم إذا وضُحَ لَهُمُ الحَقُّ أعْرَضُوا عَنْهُ وتَوَلَّوْا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): عَلامَ عَطَفَ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ ؟ (قُلْتُ): عَلى يُحَكِّمُونَكَ. انْتَهى. ويَكُونُ إذْ ذاكَ داخِلًا في الِاسْتِفْهامِ الَّذِي يُرادُ بِهِ التَّعَجُّبُ؛ أيْ: ثُمَّ كَيْفَ يَتَوَلَّوْنَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَيَكُونُ قَدْ تَعَجَّبَ مِن تَحْكِيمِهِمْ إيّاهُ، ثُمَّ مِن تَوَلِّيهِمْ عَنْهُ؛ أيْ: كَيْفَ رَضُوا بِهِ ثُمَّ سَخِطُوهُ ؟ .
﴿وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ ظاهِرُهُ نَفْيُ الإيمانِ عَنْهم؛ أيْ: مَن حَكَّمَ الرَّسُولَ، وخالَفَ كِتابَهُ، وأعْرَضَ عَمّا حَكَمَ لَهُ، إذْ وافى كِتابَهُ - فَهو كافِرٌ. وقِيلَ: هو إخْبارٌ عَنْهم أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ أبَدًا، فَهو خَبَرٌ عَنِ المُسْتَقْبَلِ لا الماضِي. وقِيلَ: نَفْيُ الإيمانِ بِالتَّوْراةِ وبِ مُوسى عَنْهم. وقِيلَ: هو تَعْلِيقٌ بِقَوْلِهِ: وكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ؛ أيِ: اعْجَبْ لِتَحْكِيمِهِمْ إيّاكَ، ولَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ بِكَ، ولا مُعْتَقِدِينَ في صِحَّةِ حُكْمِكَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم إنَّما (p-٤٩١)قَصْدُهم تَحْصِيلُ مَنافِعِ الدُّنْيا وأغْراضِهِمُ الفاسِدَةِ دُونَ اتِّباعِ الحَقِّ.
المائدة 5:44
﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ: نَزَلَتْ في الجاحِدِينَ حُكْمَ اللَّهِ، وهي عامَّةٌ في كُلِّ مَن جَحَدَ حُكْمَ اللَّهِ. وقالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ: نَزَلَ (يا أيُّها الرَّسُولُ إلى فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ) في اليَهُودِ خاصَّةً، وذَكَرَ قِصَّةَ رَجْمِ اليَهُودِيَّيْنِ. وقِيلَ لِحُذَيْفَةَ: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ نَزَلَتْ في بَنِي إسْرائِيلَ ؟ قالَ: نَعَمْ. وقالَ الحَسَنُ وأبُو مِجْلَزٍ وأبُو جَعْفَرٍ: هي في اليَهُودِ. وقالَ الحَسَنُ: هي عَلَيْنا واجِبَةٌ. وقالَ قَتادَةُ: ذُكِرَ لَنا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، كانَ يَقُولُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: (نَحْنُ نَحْكُمُ عَلى اليَهُودِ وعَلى مَن سِواهم مِن أهْلِ الأدْيانِ) وفي الآيَةِ تَرْغِيبٌ لِلْيَهُودِ بِأنْ يَكُونُوا كَمُتَقَدِّمِيهِمْ مِن مُسْلِمِي أحْبارِهِمْ، وتَنْبِيهُ المُنْكِرِينَ لِوُجُوبِ الرَّجْمِ. وقالَ جَماعَةٌ: الهُدى والنُّورُ سَواءٌ، وكَرَّرَ لِلتَّأْكِيدِ. وقالَ قَوْمٌ: لَيْسا سَواءً، فالهُدى مَحْمُولٌ عَلى بَيانِ الأحْكامِ، والنُّورُ والبَيانُ لِلتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَهْدِي لِلْعَدْلِ والحَقِّ، ونُورٌ يُبَيِّنُ ما اسْتُبْهِمَ مِنَ الأحْكامِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الهُدى: الإرْشادُ المُعْتَقَدُ والشَّرائِعُ، والنُّورُ ما يُسْتَضاءُ بِهِ مِن أوامِرِها ونَواهِيها. وقِيلَ: المَعْنى فِيها بَيانُ أمْرِ الرَّسُولِ وما جاءُوا يَسْتَفْتُونَ فِيهِ.
﴿يَحْكُمُ بِها النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا﴾ ظاهِرُ قَوْلِهِ: النَّبِيُّونَ، الجَمْعُ. قالُوا: وهم مِن لَدُنْ مُوسى إلى عِيسى. وقالَ عِكْرِمَةُ: مُحَمَّدٌ ومَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ. وقِيلَ: النَّبِيُّونَ الَّذِينَ هم عَلى دِينِ إبْراهِيمَ. وقالَ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ: هو مُحَمَّدٌ، ﷺ، وذَلِكَ حِينَ حَكَمَ عَلى اليَهُودِ بِالرَّجْمِ وذَكَرَهُ بِلَفْظِ الجَمْعِ كَقَوْلِهِ: أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ، والَّذِينَ أسْلَمُوا، وصْفٌ مَدَحَ الأنْبِياءَ كالصِّفاتِ الَّتِي تَجْرِي عَلى اللَّهِ تَعالى، وأُرِيدَ بِإجْرائِها التَّعْرِيضُ بِاليَهُودِ والنَّصارى، حَيْثُ قالَتِ اليَهُودُ: إنَّ الأنْبِياءَ كانُوا يَهُودًا، والنَّصارى قالَتْ: كانُوا نَصارى، فَبَيَّنَ أنَّهم كانُوا مُسْلِمِينَ، كَما كانَ إبْراهِيمُ، عَلَيْهِ السَّلامُ. ولِذَلِكَ جاءَ: ﴿هُوَ سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ [الحج: ٧٨] ونَبَّهَ بِهَذا الوَصْفِ أنَّ اليَهُودَ والنَّصارى بُعَداءُ مِن هَذا الوَصْفِ الَّذِي هو الإسْلامُ، وأنَّهُ كانَ دِينَ الأنْبِياءِ كُلِّهِمْ قَدِيمًا وحَدِيثًا. والظّاهِرُ أنَّ الَّذِينَ هادُوا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: يَحْكُمُ بِها النَّبِيُّونَ. وقِيلَ: بِأنْزَلْنا. وقِيلَ التَّقْدِيرُ: هُدًى ونُورٌ لِلَّذِينِ هادُوا يَحْكُمُ بِها النَّبِيُّونَ. وفي قَوْلِهِ: لِلَّذِينِ هادُوا، تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم لَيْسُوا مُسْلِمِينَ، بَلْ هم بُعَداءُ مِن ذَلِكَ. واللّامُ في لِلَّذِينِ هادُوا إذا عُلِّقَتْ بَيَحْكُمُ لِلِاخْتِصاصِ، فَيَشْمَلُ مَن يَحْكُمُ لَهُ ومَن يَحْكُمُ عَلَيْهِ. وقِيلَ: ثَمَّ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: لِلَّذِينِ هادُوا وعَلَيْهِمْ. وقِيلَ: اللّامُ بِمَعْنى عَلى؛ أيْ: عَلى الَّذِينَ هادُوا.
* *
﴿والرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ﴾ هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، وهُمُ العُلَماءُ. قالَهُ الأكْثَرُونَ ومِنهُمُ: ابْنُ قُتَيْبَةَ والزَّجّاجُ. وقالَ مُجاهِدٌ: الرَّبّانِيُّونَ الفُقَهاءُ العُلَماءُ، وهم فَوْقَ الأحْبارِ. وقالَ السُّدِّيُّ: الرَّبّانِيُّونَ العُلَماءُ، والأحْبارُ الفُقَهاءُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الرَّبّانِيُّونَ الوُلاةُ، والأحْبارُ العُلَماءُ. وقِيلَ: الرَّبّانِيُّونَ عُلَماءُ النَّصارى، والأحْبارُ عُلَماءُ اليَهُودِ، وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الرَّبّانِيِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ: الزُّهّادُ والعُلَماءُ مِن ولَدِ هارُونَ الَّذِينَ التَزَمُوا طَرِيقَةَ النَّبِيِّينَ وجانَبُوا دِينَ اليَهُودِ. وقالَ السُّدِّيُّ: المُرادُ هُنا بِالرَّبّانِيِّينَ والأحْبارِ: الَّذِينَ يَحْكُمُونَ بِالتَّوْراةِ، ابْنا صُورِيّا كانَ أحَدُهُما رَبّانِيًّا، والآخَرُ حَبْرًا، وكانا قَدْ أعْطَيا النَّبِيَّ عَهْدًا أنْ لا يَسْألَهُما عَنْ شَيْءٍ مِن أمْرِ التَّوْراةِ إلّا أخْبَراهُ بِهِ، فَسَألَهُما عَنْ أمْرِ الرَّجْمِ فَأخْبَراهُ بِهِ عَلى وجْهِهِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُشِيرَةً إلَيْهِما. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي هَذا نَظَرٌ. والرِّوايَةُ الصَّحِيحَةُ أنَّ ابْنا صُورِيّا وغَيْرَهم جَحَدُوا أمْرَ الرَّجْمِ، وفَضَحَهم فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، وإنَّما اللَّفْظُ في كُلِّ حَبْرٍ مُسْتَقِيمٍ فِيما مَضى مِنَ الزَّمانِ، وأمّا في مُدَّةِ مُحَمَّدٍ، ﷺ، فَلَوْ وُجِدَ لَأسْلَمَ، فَلَمْ يُسَمَّ حَبْرًا ولا رَبّانِيًّا. انْتَهى.
﴿بِما اسْتُحْفِظُوا مِن كِتابِ اللَّهِ﴾ الباءُ في بِما لِلسَّبَبِ، وتَتَعَلَّقُ (p-٤٩٢)بِقَوْلِهِ: يَحْكُمُ. واسْتَفْعَلَ هُنا لِلطَّلَبِ؛ والمَعْنى: بِسَبَبِ ما اسْتُحْفِظُوا. والضَّمِيرُ في اسْتُحْفِظُوا عائِدٌ عَلى النَّبِيِّينَ والرَّبّانِيِّينَ والأحْبارِ؛ أيْ: بِسَبَبِ ما طَلَبَ اللَّهُ مِنهم حِفْظَهم لِكِتابِ اللَّهِ وهو التَّوْراةُ، وكَلَّفَهم حِفْظَها، وأخَذَ عَهْدَهُ عَلَيْهِمْ في العَمَلِ بِها والقَوْلِ بِها، وقَدْ أخَذَ اللَّهُ عَلى العُلَماءِ حِفْظَ الكِتابِ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: حِفْظُهُ في صُدُورِهِمْ ودَرْسُهُ بِألْسِنَتِهِمْ. والثّانِي: حِفْظُهُ بِالعَمَلِ بِأحْكامِهِ واتِّباعِ شَرائِعِهِ. وهَؤُلاءِ ضَيَّعُوا ما اسْتُحْفِظُوا حَتّى تَبَدَّلَتِ التَّوْراةُ. وفي بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ وكَوْنِ الفِعْلِ لِلطَّلَبِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لَمْ يَتَكَفَّلْ بِحِفْظِ التَّوْراةِ، بَلْ طَلَبَ مِنهم حِفْظَها وكَلَّفَهم بِذَلِكَ، فَغَيَّرُوا وبَدَّلُوا وخالَفُوا أحْكامَ اللَّهِ بِخِلافِ كِتابِنا، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ تَكَفَّلَ بِحِفْظِهِ، فَلا يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ فِيهِ تَبْدِيلٌ ولا تَغْيِيرٌ. قالَ تَعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ﴿اسْتُحْفِظُوا﴾ عائِدٌ عَلى الرَّبّانِيِّينَ والأحْبارِ فَقَطْ. والَّذِينَ اسْتَحْفَظَهُمُ التَّوْراةَ هُمُ الأنْبِياءُ.
﴿وكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى كِتابِ اللَّهِ؛ أيْ: كانُوا عَلَيْهِ رُقَباءَ لِئَلّا يُبَدَّلَ. والمَعْنى يَحْكُمُ بِأحْكامِ التَّوْراةِ النَّبِيُّونَ بَيْنَ مُوسى وعِيسى، وكانَ بَيْنَهُما ألْفُ نَبِيٍّ لِلَّذِينِ هادُوا يَحْمِلُونَهم عَلى أحْكامِ التَّوْراةِ لا يَتْرُكُونَهم أنْ يَعْدِلُوا عَنْها، كَما فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، مِن حَمْلِهِمْ عَلى حُكْمِ الرَّجْمِ وإرْغامِ أُنُوفِهِمْ، وإبائِهِمْ عَلَيْهِمْ ما اشْتَهَوْهُ مِنَ الجَلْدِ. وقِيلَ: الهاءُ تَعُودُ عَلى الحُكْمِ؛ أيْ: وكانُوا شُهَداءَ عَلى الحُكْمِ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الرَّسُولِ؛ أيْ: وكانُوا شُهَداءَ عَلى أنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ.
* *
﴿فَلا تَخْشَوُا النّاسَ واخْشَوْنِ ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ هَذا نَهْيٌ لِلْحُكّامِ عَنْ خَشْيَتِهِمْ غَيْرَ اللَّهِ في حُكُوماتِهِمْ، وإذْهابِهِمْ فِيها وإمْضائِها عَلى خِلافِ ما أُمِرُوا بِهِ مِنَ العَدْلِ بِخَشْيَةِ سُلْطانٍ ظالِمٍ، أوْ خِيفَةِ أذِيَّةِ أحَدٍ مِنَ الغُرَماءِ والأصْدِقاءِ. ولا تَسْتَعْطُوا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا؛ وهو الرِّشْوَةُ وابْتِغاءُ الجاهِ ورِضا النّاسِ، كَما حَرَّفَ أحْبارُ اليَهُودِ كِتابَ اللَّهِ وغَيَّرُوا أحْكامَهُ رَغْبَةً في الدُّنْيا وطَلَبًا لِلرِّياسَةِ فَهَلَكُوا. وهَذا نَهْيٌ عَنْ جَمِيعِ المَكاسِبِ الخَبِيثَةِ بِالعِلْمِ والتَّحَيُّلِ لِلدُّنْيا بِالدِّينِ. ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ مَعْناهُ: لا تَخْشَوُا النّاسَ في إظْهارِ صِفَةِ مُحَمَّدٍ، ﷺ، والعَمَلِ بِالرَّجْمِ، واخْشَوْنِ في كِتْمانِ ذَلِكَ. ولَمّا كانَ الإقْدامُ عَلى تَغْيِيرِ أحْكامِ اللَّهِ سَبَبُهُ شَيْئانِ: الخَوْفُ، والرَّغْبَةُ، وكانَ الخَوْفُ أقْوى تَأْثِيرًا مِنَ الرَّغْبَةِ، قَدَّمَ النَّهْيَ عَنِ الخَوْفِ عَلى النَّهْيِ عَنِ الرَّغْبَةِ والطَّمَعِ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا الخِطابَ لِلْيَهُودِ عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ والقَوْلِ لِعُلَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ. وقالَ مُقاتِلٌ: الخِطابُ لِيَهُودِ المَدِينَةِ قِيلَ لَهم: لا تَخْشَوْا يَهُودَ خَيْبَرَ أنْ تُخْبِرُوهم بِالرَّجْمِ، واخْشَوْنِي في كِتْمانِهِ. انْتَهى. وهَذا وإنْ كانَ خِطابًا لِعُلَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَإنَّهُ يَتَناوَلُ عُلَماءَ هَذِهِ الأُمَّةِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هو خِطابٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ؛ أيْ: لا تَخْشَوُا النّاسَ كَما خَشِيَتِ اليَهُودُ النّاسَ، فَلَمْ يَقُولُوا الحَقَّ.
﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ ظاهِرُ هَذا العُمُومُ، فَيَشْمَلُ هَذِهِ الأُمَّةَ وغَيْرَهم مِمَّنْ كانَ قَبْلَهم، وإنْ كانَ الظّاهِرُ أنَّهُ في سِياقِ خِطابِ اليَهُودِ، وإلى أنَّها عامَّةٌ في اليَهُودِ وغَيْرِهِمْ؛ ذَهَبَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وإبْراهِيمُ، وعَطاءٌ، وجَماعَةٌ ولَكِنْ كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ، وظُلْمٌ دُونَ ظُلْمٍ، وفِسْقٌ دُونَ فِسْقٍ؛ يَعْنِي أنَّ كُفْرَ المُسْلِمِ لَيْسَ مِثْلَ كُفْرِ الكافِرِ، وكَذَلِكَ ظُلْمُهُ وفِسْقُهُ لا يُخْرِجُهُ ذَلِكَ عَنِ المِلَّةِ، قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ وطاوُسُ. وقالَ أبُو مِجْلَزٍ: هي مَخْصُوصَةٌ بِاليَهُودِ والنَّصارى وأهْلِ الشِّرْكِ وفِيهِمْ نَزَلَتْ. وبِهِ قالَ: أبُو صالِحٍ قالَ: لَيْسَ في الإسْلامِ مِنها شَيْءٌ. ورُوِيَ في هَذا حَدِيثٌ عَنِ البَراءِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ: (إنَّها الثَّلاثَةُ في الكافِرِينَ) قالَ عِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ: هي في أهْلِ الكِتابِ، وقالَهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، وذَكَرَ أبُو عُبَيْدَةَ هَذِهِ الأقْوالَ فَقالَ: إنَّ بَشَرًا مِنَ النّاسِ يَتَأوَّلُونَ الآياتِ عَلى ما لَمْ تُنَزَّلْ عَلَيْهِ، وما أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآياتُ إلّا في حَيَّيْنِ مِن يَهُودِ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، وذَكَرَ حِكايَةَ القَتْلِ بَيْنَهم. وقالَ الحَسَنُ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ (p-٤٩٣)وهِيَ عَلَيْنا واجِبَةٌ. وقِيلَ لِحُذَيْفَةَ: أنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في بَنِي إسْرائِيلَ ؟ فَقالَ: نِعْمَ الإخْوَةُ لَكم بَنُو إسْرائِيلَ إنْ كانَتْ لَكم كُلُّ حُلْوَةٍ ولَهم كُلُّ مُرَّةٍ، لَتَسْلُكُنَّ طَرِيقَهم قَدَّ الشِّراكِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّ الكافِرِينَ والظّالِمِينَ والفاسِقِينَ أهْلُ الكِتابِ، وعَنْهُ: نِعْمَ القَوْمُ أنْتُمْ ما كانَ مِن حُلْوٍ فَلَكم، وما كانَ مِن مُرٍّ فَهو لِأهْلِ الكِتابِ. مَن جَحَدَ حُكْمَ اللَّهِ كَفَرَ، ومَن لَمْ يَحْكم بِهِ وهو مُقِرٌّ بِهِ ظالِمٌ فاسِقٌ. وعَنِ الشَّعْبِيِّ: الكافِرُونَ في أهْلِ الإسْلامِ، والظّالِمُونَ في اليَهُودِ، والفاسِقُونَ في النَّصارى. وكَأنَّهُ خَصَّصَ كُلَّ عامٍّ مِنها بِما تَلاهُ، إذْ قَبْلَ الأُولى: ﴿فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢] و﴿وإنْ حَكَمْتَ فاحْكُمْ﴾ [المائدة: ٤٢] و﴿وكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ﴾ [المائدة: ٤٣] و﴿يَحْكُمُ بِها النَّبِيُّونَ﴾ وقَبْلَ الثّانِيَةِ: ﴿وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها﴾ [المائدة: ٤٥] وقَبْلَ الثّالِثَةِ: ﴿وقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٦] الآيَةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ مُسْتَهِينًا بِهِ، فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ والظّالِمُونَ والفاسِقُونَ، وصْفٌ لَهم بِالعُتُوِّ في كُفْرِهِمْ حِينَ ظَلَمُوا آياتِ اللَّهِ بِالِاسْتِهْزاءِ والِاسْتِهانَةِ وتَمَرَّدُوا بِأنْ حَكَمُوا بِغَيْرِها. انْتَهى. وقالَ السُّدِّيُّ: مَن خالَفَ حُكْمَ اللَّهِ وتَرَكَهُ عامِدًا وتَجاوَزَهُ وهو يَعْلَمُ، فَهو مِنَ الكافِرِينَ حَقًّا، ويُحْمَلُ هَذا عَلى الجُحُودِ، فَهو الكُفْرُ ضِدُّ الإيمانِ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ. واحْتَجَّتِ الخَوارِجُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ كُلَّ مَن عَصى اللَّهَ تَعالى فَهو كافِرٌ، وقالُوا: هي نَصٌّ في كُلِّ مَن حَكَمَ بِغَيْرِ ما أنْزَلَ اللَّهُ فَهو كافِرٌ، وكُلُّ مَن أذْنَبَ فَقَدْ حَكَمَ بِغَيْرِ ما أنْزَلَ اللَّهُ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كافِرًا. وأُجِيبُوا: بِأنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ، فَتَكُونُ مُخْتَصَّةً بِهِمْ. وضُعِّفَ بِأنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ. ومِنهم مَن قالَ: تَقْدِيرُهُ ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن هَؤُلاءِ الَّذِينَ سَبَقَ ذِكْرُهم قَبْلُ، وهَذا ضَعِيفٌ، لِأنَّ مَن شَرْطٌ وهي عامٌّ، وزِيادَةُ ما قُدِّرَ زِيادَةٌ في النَّقْصِ، وهو غَيْرُ جائِزٍ. وقِيلَ: المُرادُ كُفْرُ النِّعْمَةِ، وضُعِّفَ بِأنَّ الكُفْرَ إذا أُطْلِقَ انْصَرَفَ إلى الكُفْرِ في الدِّينِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: فَعَلَ فِعْلًا يُضاهِي أفْعالَ الكُفّارِ، وضُعِّفَ بِأنَّهُ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ. وقالَ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيَـى الكِنانِيُّ: ما أنْزَلَ صِيغَةُ عُمُومٍ، فالمَعْنى: مَن أتى بِضِدِّ حُكْمِ اللَّهِ في كُلِّ ما أنْزَلَ اللَّهُ، والفاسِقُ لَمْ يَأْتِ بِضِدِّ حُكْمِ اللَّهِ إلّا في القَلِيلِ وهو العَمَلُ، أمّا في الِاعْتِقادِ والإقْرارِ فَهو مُوافِقٌ. وضُعِّفَ بِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَتَناوَلْ هَذا الوَعِيدُ اليَهُودَ بِسَبَبِ مُخالَفاتِهِمْ حُكْمَ اللَّهِ في الرَّجْمِ. وأجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ هَذا الوَعِيدَ يَتَناوَلُ اليَهُودَ بِسَبَبِ مُخالَفَتِهِمْ حُكْمَ اللَّهِ في واقِعَةِ الرَّجْمِ، فَدَلَّ عَلى سُقُوطِهِ هَذا. وقالَ عِكْرِمَةُ: إنَّما يَتَناوَلُ مَن أنْكَرَ بِقَلْبِهِ وجَحَدَ بِلِسانِهِ، أمّا مَن عَرَفَ أنَّهُ حُكْمُ اللَّهِ وأقَرَّ بِلِسانِهِ أنَّهُ حُكْمُ اللَّهِ، إلّا أنَّهُ أتى بِما يُضادُّ، فَهو حاكِمٌ بِما أنْزَلَ اللَّهُ، لَكِنَّهُ تارِكٌ لَهُ، فَلا يَلْزَمُ دُخُولُهُ تَحْتَ هَذِهِ الآيَةِ.
﴿وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ والعَيْنَ بِالعَيْنِ والأنْفَ بِالأنْفِ والأُذُنَ بِالأُذُنِ والسِّنَّ بِالسِّنِّ والجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في التَّوْراةِ أنَّ حُكْمَ الزّانِي المُحْصَنِ: الرَّجْمُ وغَيَّرَهُ اليَهُودُ، وبَيَّنَ هُنا أنَّ في التَّوْراةِ: إنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وغَيَّرَهُ اليَهُودُ أيْضًا، فَفَضَّلُوا بَنِي النَّضِيرِ عَلى بَنِي قُرَيْظَةَ، وخَصُّوا إيجابَ القَوَدِ عَلى بَنِي قُرَيْظَةَ دُونَ بَنِي النَّضِيرِ. ومَعْنى وكَتَبْنا: فَرَضْنا. وقِيلَ: قُلْنا والكِتابَةُ بِمَعْنى القَوْلِ (p-٤٩٤)ويَجُوزُ أنْ يُرادَ الكِتابَةُ حَقِيقَةً، وهي الكِتابَةُ في الألْواحِ، لِأنَّ التَّوْراةَ مَكْتُوبَةٌ في الألْواحِ، والضَّمِيرُ في فِيها عائِدٌ عَلى التَّوْراةِ، وفي: عَلَيْهِمْ، عَلى الَّذِينَ هادُوا. وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ: بِنَصْبِ والعَيْنَ وما بَعْدَها مِنَ المَعاطِيفِ عَلى التَّشْرِيكِ في عَمَلِ أنَّ النَّصْبَ، وخَبَرُ أنَّ هو المَجْرُورُ، وخَبَرُ والجُرُوحَ قِصاصٌ، وقَدَّرَ أبُو عَلِيٍّ العامِلَ في المَجْرُورِ مَأْخُوذٌ بِالنَّفْسِ إلى آخَرِ المَجْرُوراتِ، وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ أوَّلًا: مَأْخُوذَةٌ بِالنَّفْسِ مَقْتُولَةٌ بِها إذا قَتَلَها بِغَيْرِ حَقٍّ، وكَذَلِكَ العَيْنُ مَفْقُوءَةٌ بِالعَيْنِ، والأنْفُ مَجْدُوعٌ بِالأنْفِ، والأُذُنُ مَأْخُوذَةٌ مَقْطُوعَةٌ بِالأُذُنِ، والسِّنُّ مَقْلُوعَةٌ بِالسِّنِّ. ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: مَقْتُولَةٌ ومَفْقُوأةٌ ومَجْدُوعٌ ومَقْطُوعَةٌ عَلى أنَّهُ تَفْسِيرُ المَعْنى لا تَفْسِيرُ الإعْرابِ، لِأنَّ المَجْرُورَ إذا وقَعَ خَبَرًا لا بُدَّ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيهِ كَوْنًا مُطْلَقًا، لا كَوْنًا مُقَيَّدًا. والباءُ هُنا باءُ المُقابَلَةِ والمُعاوَضَةِ، فَقَدَّرَ ما يَقْرُبُ مِنَ الكَوْنِ المُطْلَقِ وهو مَأْخُوذٌ. فَإذا قُلْتَ: بِعْتُ الشّاءَ شاةً بِدِرْهَمٍ، فالمَعْنى مَأْخُوذٌ بِدِرْهَمٍ، وكَذَلِكَ الحُرَّ بِالحُرِّ، والعَبْدَ بِالعَبْدِ؛ التَّقْدِيرُ: الحُرُّ مَأْخُوذٌ بِالحُرِّ، والعَبْدُ مَأْخُوذٌ بِالعَبْدِ؛ وكَذَلِكَ هَذا الثَّوْبُ بِهَذا الدِّرْهَمِ مَعْناهُ مَأْخُوذٌ بِهَذا الدِّرْهَمِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: بِالنَّفْسِ يَتَعَلَّقُ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: يَجِبُ، أوْ يَسْتَقِرُّ. وكَذا العَيْنُ بِالعَيْنِ وما بَعْدَها مُقَدَّرُ الكَوْنِ المُطْلَقِ؛ والمَعْنى: يَسْتَقِرُّ قَتْلُها بِقَتْلِ النَّفْسِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ: بِرَفْعِ ”والعَيْنُ“ وما بَعْدَها. وأجازَ أبُو عَلِيٍّ في تَوْجِيهِ الرَّفْعِ وُجُوهًا. الأوَّلُ: أنَّ الواوَ عاطِفَةٌ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ، كَما تَعْطِفُ مُفْرَدًا عَلى مُفْرَدٍ، فَيَكُونُ والعَيْنُ بِالعَيْنِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ وهي: وكَتَبْنا، فَلا تَكُونُ تِلْكَ الجُمَلُ مُنْدَرِجَةً تَحْتَ كَتَبْنا مِن حَيْثُ اللَّفْظُ، ولا مِن حَيْثُ التَّشْرِيكُ في مَعْنى الكُتُبِ، بَلْ ذَلِكَ اسْتِئْنافُ إيجابٍ، وابْتِداءُ تَشْرِيعٍ. الثّانِي: أنَّ الواوَ عاطِفَةٌ جُمْلَةً عَلى المَعْنى في قَوْلِهِ: إنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ؛ أيْ: قُلْ لَهُمُ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وهَذا العَطْفُ هو مِنَ العَطْفِ عَلى التَّوَهُّمِ، إذْ يُوهِمُ في قَوْلِهِ: إنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ، إنَّهُ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، والجُمَلُ مُنْدَرِجَةُ تَحْتَ الكَتْبِ مِن حَيْثُ المَعْنى، لا مِن حَيْثُ اللَّفْظُ. الثّالِثُ: أنْ تَكُونَ الواوُ عاطِفَةً مُفْرَدًا عَلى مُفْرَدٍ، وهو أنْ يَكُونَ: والعَيْنُ مُعْطُوفًا عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في الجارِّ والمَجْرُورِ؛ أيْ: بِالنَّفْسِ هي والعَيْنِ، وكَذَلِكَ ما بَعْدَها. وتَكُونُ المَجْرُوراتُ عَلى هَذا أحْوالًا مُبَيِّنَةً لِلْمَعْنى، لِأنَّ المَرْفُوعَ عَلى هَذا فاعِلٌ، إذْ عُطِفَ عَلى فاعِلٍ.
وهَذانِ الوَجْهانِ الأخِيرانِ ضَعِيفانِ: لِأنَّ الأوَّلَ مِنهُما هو المَعْطُوفُ عَلى التَّوَهُّمِ، وهو لا يَنْقاسُ، إنَّما يُقالُ مِنهُ ما سُمِعَ. والثّانِي مِنهُما فِيهِ العَطْفُ عَلى الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ المَرْفُوعِ مِن غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ، ولا بَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ والمَعْطُوفِ بِلا، وذَلِكَ لا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ (p-٤٩٥)إلّا في الضَّرُورَةِ، وفِيهِ لُزُومُ هَذِهِ الأحْوالِ. والأصْلُ في الحالِ أنْ لا تَكُونَ لازِمَةً. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الرَّفْعُ لِلْعَطْفِ عَلى مَحَلِّ: أنَّ النَّفْسَ، لِأنَّ المَعْنى: وكَتَبْنا عَلَيْهِمُ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، إمّا لِإجْراءِ كَتَبْنا مُجْرى قُلْنا، وإمّا أنَّ مَعْنى الجُمْلَةِ الَّتِي هي قَوْلُكَ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، مِمّا يَقَعُ عَلَيْهِ الكَتْبُ كَما تَقَعُ عَلَيْهِ القِراءَةُ، يَقُولُ: كَتَبْتُ الحَمْدُ لِلَّهِ، وقَرَأْتُ سُورَةٌ أنْزَلْناها. وكَذَلِكَ قالَ الزَّجّاجُ: لَوْ قُرِئَ أنَّ النَّفْسَ لَكانَ صَحِيحًا. انْتَهى. وهَذا الَّذِي قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ هو الوَجْهُ الثّانِي مِن تَوْجِيهِ أبِي عَلِيٍّ، إلّا أنَّهُ خَرَجَ عَنِ المُصْطَلَحِ فِيهِ، وهو أنَّ مِثْلَ هَذا لا يُسَمّى عَطْفًا عَلى المَحَلِّ، لِأنَّ العَطْفَ عَلى المَحَلِّ هو العَطْفُ عَلى المَوْضِعِ، وهَذا لَيْسَ مِنَ العَطْفِ عَلى المَوْضِعِ، لِأنَّ العَطْفَ عَلى المَوْضِعِ هو مَحْصُورٌ ولَيْسَ هَذا مِنهُ، وإنَّما هو عَطْفٌ عَلى التَّوَهُّمِ. ألا تَرى أنّا لا نَقُولُ إنَّ قَوْلَهُ: إنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، لِأنَّ طالِبَ الرَّفْعِ مَفْقُودٌ، بَلْ نَقُولُ: إنَّ المَصْدَرَ المُنْسَبِكَ مِن أنَّ واسْمِها وخَبَرِها لَفْظُهُ ومَوْضِعُهُ واحِدٌ وهو النَّصْبُ، والتَّقْدِيرُ: وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، إمّا لِإجْراءِ كَتَبْنا مُجْرى قُلْنا، فَحُكِيَتْ بِها الجُمْلَةُ: وإمّا لِأنَّهُما مِمّا يَصْلُحُ أنْ يَتَسَلَّطَ الكَتْبُ فِيها نَفْسُهُ عَلى الجُمْلَةِ لِأنَّ الجُمَلَ مِمّا تُكْتَبُ كَما تُكْتَبُ المُفْرَداتُ، ولا نَقُولُ: إنَّ مَوْضِعَ أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وقَعَ بِهَذا الِاعْتِبارِ.
وقَرَأ العَرَبِيّانِ وابْنُ كَثِيرٍ: بِنَصْبِ والعَيْنَ، والأنْفَ، والأُذُنَ، والسِّنَّ، ورَفْعِ والجُرُوحُ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ: نافِعٍ. ووَجَّهَ أبُو عَلِيٍّ: رَفْعَ والجُرُوحُ عَلى الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ الَّتِي ذَكَرَها في رَفْعِ والعَيْنُ وما بَعْدَها. «ورَوى أنَسٌ أنَّ النَّبِيَّ، ﷺ، قَرَأ (أنِ النَّفْسُ) بِتَخْفِيفِ ”أنَّ“»، ورَفْعِ العَيْنِ وما بَعْدَها فَيَحْتَمِلُ أنْ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً مُخَفَّفَةً مِن أنَّ، واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ وهو مَحْذُوفٌ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ رَفْعِ خَبَرِ أنْ؛ فَمَعْناها مَعْنى المُشَدَّدَةِ العامِلَةِ في كَوْنِها مَصْدَرِيَّةً. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ تَكُونَ أنْ تَفْسِيرِيَّةً التَّقْدِيرُ؛ أيِ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، لِأنَّ كَتَبْنا جُمْلَةٌ في مَعْنى القَوْلِ. وقَرَأ أُبَيٌّ بِنَصْبِ النَّفْسِ والأرْبَعَةِ بَعْدَها. وقَرَأ: وأنِ الجُرُوحُ قِصاصٌ؛ بِزِيادَةِ أنِ الخَفِيفَةِ، ورَفْعِ الجُرُوحِ. ويَتَعَيَّنُ في هَذِهِ القِراءَةِ أنْ تَكُونَ المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ التَّفْسِيرِيَّةَ مِن حَيْثُ العَطْفُ، لِأنَّ كَتَبْنا تَكُونُ عامِلَةً مِن حَيْثُ المُشَدَّدَةُ غَيْرَ عامِلَةٍ مِن حَيْثُ التَّفْسِيرِيَّةُ، فَلا يَجُوزُ لِأنَّ العَطْفَ يَقْتَضِي التَّشْرِيكَ، فَإذا لَمْ يَكُنْ عَمَلٌ فَلا تَشْرِيكَ. وقَرَأ نافِعٌ: والأُذْنَ بِالأُذْنِ؛ بِإسْكانِ الذّالِ مُعَرَّفًا ومُنَكَّرًا ومُثَنًّى حَيْثُ وقَعَ. وقَرَأ الباقُونَ: بِالضَّمِّ. فَقِيلَ: هُما لُغَتانِ، كالنُّكُرِ والنُّكْرِ. وقِيلَ: الإسْكانُ هو الأصْلُ، وإنَّما ضُمَّ إتْباعًا. وقِيلَ: التَّحْرِيكُ هو الأصْلُ، وإنَّما سُكِّنَ تَخْفِيفًا.
ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أنَّ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِحَدٍّ أُخِذَ نَفْسُهُ، ثُمَّ هَذِهِ الأعْضاءُ كَذَلِكَ، وهَذا الحُكْمُ مَعْمُولٌ بِهِ في مِلَّتِنا إجْماعًا. والجُمْهُورُ عَلى أنَّ قَوْلَهُ ”﴿أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]“ عُمُومٌ يُرادُ بِهِ الخُصُوصُ في المُتَماثِلَيْنِ. وقالَ قَوْمٌ: يُقْتَلُ الحُرُّ بِالعَبْدِ والمُسْلِمُ بِالذِّمِّيِّ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ: وأجْمَعُوا عَلى أنَّ المُسْلِمَ لا يُقْتَلُ بِالمُسْتَأْمَنِ ولا بِالحَرْبِيِّ، ولا يُقْتَلُ والِدٌ بِوَلَدِهِ، ولا سَيِّدٌ بِعَبْدِهِ. وتُقْتَلُ جَماعَةٌ بِواحِدٍ خِلافًا لِعَلِيٍّ، وواحِدٌ بِجَماعَةٍ قِصاصًا، ولا يَجِبُ مَعَ القَوَدِ شَيْءٌ مِنَ المالِ. وقالَ الشّافِعِيُّ: يُقْتَلُ بِالأوَّلِ مِنهم وتَجِبُ دِيَةُ الباقِينَ، قَدْ مَضى الكَلامُ في ذَلِكَ في البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ [البقرة: ١٧٨] الآيَةَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا لا يَقْتُلُونَ الرَّجُلَ بِالمَرْأةِ فَنَزَلَتْ. وقالَ أيْضًا: رَخَّصَ اللَّهُ تَعالى لِهَذِهِ الأُمَّةِ ووَسَّعَ عَلَيْها بِالدِّيَةِ، ولَمْ يَجْعَلْ لِبَنِي إسْرائِيلَ دِيَةً فِيما نَزَلَ عَلى مُوسى وكُتِبَ عَلَيْهِمْ. وقالَ الثَّوْرِيُّ: بَلَغَنِي عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ نَسَخَ ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ﴾ [البقرة: ١٧٨] قَوْلُهُ: أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ، والظّاهِرُ في قَوْلِهِ: النَّفْسَ بِالنَّفْسِ العُمُومُ، ويَخْرُجُ مِنهُ ما يَخْرُجُ بِالدَّلِيلِ، ويَبْقى الباقِي عَلى عُمُومِهِ؛ والظّاهِرُ في قَوْلِهِ: العَيْنَ بِالعَيْنِ فَتُفْقَأُ عَيْنُ الأعْوَرِ بِعَيْنِ مَن كانَ ذا عَيْنَيْنِ، وبِهِ قالَ (p-٤٩٦)أبُو حَنِيفَةَ والشّافِعِيُّ، ورُوِيَ عَنْ عُثْمانَ وعُمَرَ في آخَرِينَ أنَّ عَلَيْهِ الدِّيَةُ. وقالَ مالِكٌ: إنْ شاءَ فَقَأ وإنْ شاءَ أخَذَ الدِّيَةَ كامِلَةً. وبِهِ قالَ: عَبْدُ المَلِكِ بْنُ مَرْوانَ، وقَتادَةُ، والزُّهْرِيُّ، واللَّيْثُ، ومالِكٌ، وأحْمَدُ، والنَّخَعِيُّ. ورُوِيَ نِصْفُ الدِّيَةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُغَفَّلِ، ومَسْرُوقٍ، والنَّخَعِيِّ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ، والثَّوْرِيُّ، والشّافِعِيُّ. قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: وبِهِ نَقُولُ. وتُفْقَأُ اليُمْنى بِاليُسْرى، وتُقْلَعُ الثَّنِيَّةُ بِالضِّرْسِ، وعَكْسُهُما، لِعُمُومِ اللَّفْظِ، وبِهِ قالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ. وقالَ الجُمْهُورُ: هَذا خاصٌّ بِالمُساواةِ، فَلا تُؤْخَذُ يُمْنى بِيُسْرى مَعَ وُجُودِها إلّا مَعَ الرِّضا. ولَوْ فَقَأ عَيْنًا لا يُبْصَرُ بِها فَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ: فِيها مِائَةُ دِينارٍ، وعَنْ عُمَرَ: ثُلُثُ دِيَتِها. وقالَ مَسْرُوقٌ، والزُّهْرِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ، ومالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وأبُو ثَوْرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ: فِيها حُكُومَةٌ. ولَوْ أُذْهِبَ بَعْضُ نُورِ العَيْنِ وبَقِيَ بَعْضٌ، فَمَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ: فِيها الأرْشُ. وعَنْ عَلِيٍّ اخْتِبارُ بَصَرِهِ، ويُعْطى قَدْرَ ما نَقَصَ مِن مالِ الجانِي. وفي الأجْفانِ كُلِّها الدِّيَةُ، وفي كُلِّ جَفْنٍ رُبُعُ الدِّيَةِ؛ قالَهُ: زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، والحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ، وإبْراهِيمُ، والثَّوْرِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ، وأصْحابُهُ، والشّافِعِيُّ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: في الجَفْنِ الأعْلى ثُلُثُ الدِّيَةِ، وفي الأسْفَلِ ثُلُثاها.
واخْتُلِفَ فِيمَن قَطَعَ أنْفًا هَلْ يَجْرِي فِيها القِصاصُ أمْ لا ؟ فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: إذا قَطَعَهُ مِن أصْلِهِ فَلا قِصاصَ فِيهِ، وإنَّما فِيهِ الدِّيَةُ. ورُوِيَ عَنْ أبِي يُوسُفَ أنَّ في ذَلِكَ القِصاصُ إذا اسْتَوْعَبَ. واخْتُلِفَ في كَسْرِ الأنْفِ: فَمالِكٌ يَرى القَوَدَ في العَمْدِ مِنهُ، والِاجْتِهادَ في الخَطَأِ. ورُوِيَ عَنْ نافِعٍ: لا دِيَةَ فِيهِ حَتّى يَسْتَأْصِلَهُ. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ: أنَّهُ أوْجَبَ القِصاصَ في كَسْرِهِ. وقالَ الشّافِعِيُّ: إنْ جُبِرَ كَسْرُهُ فَفِيهِ حُكُومَةٌ، وما قُطِعَ مِنَ المارِنِ بِحِسابِهِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ والشَّعْبِيِّ، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ؛ وفي المارِنِ إذا قُطِعَ ولَمْ يُسْتَأْصَلِ الأنْفُ: الدِّيَةُ كامِلَةٌ، قالَهُ: مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ، وأصْحابُهُ. والمارِنُ ما لانَ مِنَ الأنْفِ، والأرْنَبَةُ والرَّوْثَةُ طَرْفُ المارِنِ. ولَوْ أفْقَدَهُ الشَّمَّ أوْ نَقَصَهُ: فالجُمْهُورُ عَلى أنَّ فِيهِ حُكُومَةَ عَدْلٍ.
والأُذُنَ بِالأُذُنِ؛ يَقْتَضِي وُجُوبَ القِصاصِ إذا اسْتَوْعَبَ، فَإنْ قُطِعَ بَعْضُها فَفِيهِ القِصاصُ إذا عُرِفَ قَدْرُهُ. وقالَ الشّافِعِيُّ: في الأُذُنَيْنِ الدِّيَةُ، وفي إحْداهُما نِصْفُها. وقالَ مالِكٌ: في الأُذُنَيْنِ حُكُومَةٌ، وإنَّما الدِّيَةُ في السَّمْعِ، ويُقاسُ نُقْصانُهُ كَما يُقاسُ في البَصَرِ. وفي إبْطالِهِ مِن إحْداهُما نِصْفُ الدِّيَةِ ولَوْ لَمْ يَكُنْ يَسْمَعُ إلّا بِها. والسِّنَّ بِالسِّنِّ؛ يَقْتَضِي أنَّ القَلْعَ قِصاصٌ، وهَذا لا خِلافَ فِيهِ، ولَوْ كُسِرَ بَعْضُها. والأسْنانُ كُلُّها سَواءٌ: ثَناياها، وأنْيابُها، وأضْراسُها، ورُباعِيّاتُها، في كُلِّ واحِدَةٍ خَمْسٌ مِنَ الإبِلِ مِن غَيْرِ فَضْلٍ؛ وبِهِ قالَ: عُرْوَةُ، وطاوُسُ، وقَتادَةُ، والزُّهْرِيُّ، والثَّوْرِيُّ، ورَبِيعَةُ، والأوْزاعِيُّ، وعُثْمانُ البَتِّيُّ، ومالِكٌ، وأبُو حَنِيفَةَ، وأصْحابُهُ، والشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ، وإسْحاقُ. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، ومُعاوِيَةَ. ورَوى ابْنُ المُسَيَّبِ عَنْ عُمَرَ: أنَّهُ قَضى فِيما أقْبَلَ مِنَ الفَمِ بِخَمْسِ فَرائِضَ، وذَلِكَ: خَمْسُونَ دِينارًا، كُلُّ فَرِيضَةٍ عَشْرُ دَنانِيرَ، وفي الأضْراسِ بَعِيرٌ بَعِيرٌ. قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: فَلَوْ أُصِيبَ الفَمُ كُلُّهُ في قَضاءِ عُمَرَ نَقَصَتِ الدِّيَةُ، أوْ في قَضاءِ مُعاوِيَةَ زادَتْ، ولَوْ كُنْتُ أنا لَجَعَلْتُها في الأضْراسِ بَعِيرَيْنِ بَعِيرَيْنِ. قالَ عُمَرُ: الأضْراسُ عِشْرُونَ، والأسْنانُ اثْنا عَشَرَ: أرْبَعُ ثَنايا، وأرْبَعُ رُباعِيّاتٍ، وأرْبَعُ أنْيابٍ. والخِلافُ إنَّما هو في الأضْراسِ لا في الأسْنانِ، فَفي قَضاءِ عُمَرَ: الدِّيَةُ ثَمانُونَ، وفي قَضاءِ مُعاوِيَةَ: مِائَةٌ وسِتُّونَ. وعَلى قَوْلِ ابْنِ المُسَيَّبِ: مِائَةٌ، وهي الدِّيَةُ كامِلَةً مِنَ الإبِلِ. وقالَ عَطاءُ في الثَّنِيَّتَيْنِ والرُّباعِيَّتَيْنِ والنّابَيْنِ: خَمْسٌ خَمْسٌ، وفِيما بَقِيَ بَعِيرانِ بَعِيرانِ، أعْلى الفَمِ وأسْفَلُهُ سَواءٌ؛ ولَوْ قُلِعَتْ سِنُّ صَبِيٍّ لَمْ يُثْغَرْ فَنَبَتَتْ فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ، ومالِكٌ، والشّافِعِيُّ: لا شَيْءَ عَلى القالِعِ. إلّا أنَّ مالِكًا والشّافِعِيَّ قالا: إذا نَبَتَتْ ناقِصَةَ الطُّولِ عَنِ الَّتِي تُقارِبُها أُخِذَ لَهُ مِن أرْشِها بِقَدْرِ نَقْصِها. وقالَتْ طائِفَةٌ: فِيها حُكُومَةٌ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الشَّعْبِيِّ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ؛ ولَوْ قُلِعَتْ سِنُّ كَبِيرٍ فَأخَذَ دِيَتَها ثُمَّ نَبَتَتْ فَقالَ مالِكٌ: لا يَرُدُّ ما أخَذَ. وقالَ (p-٤٩٧)أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ: يَرُدُّ، والقَوْلانِ عَنِ الشّافِعِيِّ. ولَوْ قُلِعَتْ سِنٌّ قَوَدًا فَرَدَّها صاحِبُها فالتَحَمَتْ فَلا يَجِبُ قَلْعُها عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ، وبِهِ قالَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ. وقالَ الشّافِعِيُّ وأحْمَدُ وإسْحاقُ: يُجْبَرُ عَلى القَلْعِ، بِهِ قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ، ويُعِيدُ كُلَّ صَلاةٍ صَلّاها بِها. وكَذا لَوْ قُطِعَتْ أُذُنُهُ فَرَدَّها في حَرارَةِ الدَّمِ فالتَزَقَتْ، ورُوِيَ هَذا القَوْلُ عَنْ عَطاءٍ، وأبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ قالَ: وهو غَلَطٌ. ولَوْ قَلَعَ سِنًّا زائِدَةً فَقالَ الجُمْهُورُ: فِيها حُكُومَةٌ، فَإنْ كُسِرَ بَعْضُها أعْطى بِحِسابِ ما نَقَصَ مِنها، وبِهِ قالَ: مالِكٌ، وأبُو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ. قالَ الأُدْفُوِيُّ: وما عَلِمْتُ فِيهِ خِلافًا. وقالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: في السِّنِّ الزّائِدَةِ ثُلُثُ السِّنِّ، ولَوْ جَنى عَلى سِنٍّ فاسْوَدَّتْ ثُمَّ عَقَلَها، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ زَيْدٍ، وابْنِ المُسَيَّبِ، وبِهِ قالَ: الزُّهْرِيُّ، والحَسَنُ، وابْنُ سِيرِينَ، وشُرَيْحٌ، والنَّخَعِيُّ، وعَبْدُ المَلِكِ بْنُ مَرْوانَ، وأبُو حَنِيفَةَ، ومالِكٌ، والثَّوْرِيُّ. ورُوِيَ عَنْ عِمْرانَ: فِيها ثُلُثُ دِيَتِها، وبِهِ قالَ: أحْمَدُ وإسْحاقُ. وقالَ النَّخَعِيُّ والشّافِعِيُّ وأبُو ثَوْرٍ: فِيها حُكُومَةٌ، فَإنْ طُرِحَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَفِيها عَقْلُها، وبِهِ قالَ اللَّيْثُ وعَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أبِي سَلَمَةَ، وإنِ اسْوَدَّ بَعْضُها كانَ بِالحِسابِ؛ قالَهُ: الثَّوْرِيُّ.
والجُرُوحُ قِصاصٌ؛ أيْ: ذاتُ قِصاصٍ. ولَفْظُ الجُرُوحِ عامٌّ، والمُرادُ بِهِ الخُصُوصُ، وهو ما يُمْكِنُ فِيهِ القِصاصُ. وتُعْرَفُ المُماثَلَةُ ولا يُخافُ فِيها عَلى النَّقْصِ، فَإنْ خِيفَ كالمَأْمُومَةِ وكَسْرِ الفَخِذِ ونَحْوِ ذَلِكَ فَلا قِصاصَ فِيها. ومَدْلُولُ والجُرُوحَ قِصاصٌ؛ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الجُرْحُ بِمِثْلِهِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ بِمِثْلِهِ فَلَيْسَ بِقِصاصٍ. واخْتَلَفُوا في القِصاصِ بَيْنَ الرِّجالِ والنِّساءِ، وبَيْنَ العَبْدِ والحُرِّ. وجَمِيعُ ما عَدا النَّفْسَ هو مِنَ الجِراحاتِ الَّتِي أشارَ إلَيْها بِقَوْلِهِ: والجُرُوحَ قِصاصٌ، لَكِنَّهُ فَصَّلَ أوَّلَ الآيَةِ وأجْمَلَ آخِرَها لِيَتَناوَلَ ما نُصَّ عَلَيْهِ وما لَمْ يُنَصَّ، فَيَحْصُلَ العُمُومُ. مَعْنى وإنْ لَمْ يَحْصُلْ لَفْظًا. ومِن جُمْلَةِ الجُرُوحِ الشِّجاجِ فِيما يُمْكِنُ فِيهِ القِصاصُ، فَلا خِلافَ في وُجُوبِها فِيهِ، وما لا فَلا قِصاصَ فِيهِ كالمَأْمُومَةِ؛ وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: فَلَيْسَ في شَيْءٍ مِنَ الشِّجاجِ قِصاصٌ إلّا في المُوضِحَةِ خاصَّةً، لِأنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنها لَهُ حَدٌّ يُنْتَهى إلَيْهِ سِواها، وأمّا غَيْرُها مِنَ الشِّجاجِ فَفِيهِ دِيَتُهُ. انْتَهى. وقالَ غَيْرُهُ: في الخارِصَةِ القِصاصُ بِمِقْدارِها إذا لَمْ يَخْشَ مِنها سَرايَةً، وأقادَ ابْنُ الزُّبَيْرِ مِنَ المَأْمُومَةِ، وأنْكَرَ النّاسُ عَلَيْهِ. قالَ عَطاءٌ: ما عَلِمْنا أحَدًا أقادَ مِنها قَبْلَهُ. وأمّا الجُرُوحُ في اللَّحْمِ فَقالَ: فَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ أنَّ القِصاصَ فِيها مُمْكِنٌ بِأنْ يُقاسَ بِمِثْلٍ، ويُوضَعَ بِمِقْدارِ ذَلِكَ الجُرْحِ.
المائدة 5:45
﴿فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهو كَفّارَةٌ لَهُ﴾ المُتَصَدِّقُ صاحِبُ الحَقِّ. ومُسْتَوْفِي القِصاصِ الشّامِلِ لِلنَّفْسِ والأعْضاءِ ولِلْجُرُوحِ الَّتِي فِيها القِصاصُ، وهو ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى التَّصَدُّقِ؛ أيْ: فالتَّصَدُّقُ كَفّارَةٌ لِلتَّصَدُّقِ؛ والمَعْنى: أنَّ مَن تَصَدَّقَ بِجُرْحِهِ يُكَفِّرُ عَنْهُ، قالَهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وجابِرٌ، وأبُو الدَّرْداءِ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ. وذَكَرَ أبُو الدَّرْداءِ أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ، ﷺ، يَقُولُ: «ما مِن مُسْلِمٍ يُصابُ بِشَيْءٍ مِن جَسَدِهِ فَيَهَبُهُ إلّا رَفَعَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ دَرَجَةً وحَطَّ عَنْهُ خَطِيئَةً» وذَكَرَ مَكِّيٌّ حَدِيثًا مِن طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ: «أنَّهُ يَحُطُّ عَنْهُ مِن ذُنُوبِهِ ما عَفى عَنْهُ مِنَ الدِّيَةِ» وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: يَهْدِمُ عَنْهُ ذُنُوبَهُ بِقَدْرِ ما تَصَدَّقَ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في لَهُ عائِدٌ عَلى الجانِي وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ، لَكِنَّهُ يُفْهَمُ مِن سِياقِ الكَلامِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى؛ والمَعْنى: فَذَلِكَ العَفْوُ والتَّصَدُّقُ كَفّارَةٌ لِلْجانِي يَسْقُطُ عَنْهُ ما لَزِمَهُ مِنَ القِصاصِ. وكَما أنَّ القِصاصَ كَفّارَةٌ كَذَلِكَ العَفْوُ كَفّارَةٌ، وأجْرُ العافِي عَلى اللَّهِ تَعالى قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ، والسَّبِيعِيُّ، ومُجاهِدٌ، وإبْراهِيمُ، والشَّعْبِيُّ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، ومُقاتِلٌ. وقِيلَ: المُتَصَدِّقُ هو الجانِي، والضَّمِيرُ في لَهُ يَعُودُ عَلَيْهِ؛ والمَعْنى: إذا جَنى جانٍ فَجُهِلَ وخَفِيَ أمْرُهُ فَتَصَدَّقَ هو بِأنْ عَرَّفَ بِذَلِكَ ومَكَّنَ مِن نَفْسِهِ، فَذَلِكَ الفِعْلُ كَفّارَةٌ لِذَنْبِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ: إذا أصابَ رَجُلٌ رَجُلًا ولَمْ يَعْلَمِ المُصابُ مَن أصابَهُ فاعْتَرَفَ لَهُ المُصِيبُ فَهو كَفّارَةٌ لِلْمُصِيبِ. وأصابَ عُرْوَةُ عِنْدَ الرُّكْنِ إنْسانًا وهم يَسْتَلِمُونَ فَلَمْ (p-٤٩٨)يَدْرِ المُصابُ مَن أصابَهُ فَقالَ لَهُ عُرْوَةُ: أنا أصَبْتُكَ، وأنا عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، فَإنْ كانَ يَلْحَقُكَ بِها بَأْسٌ فَأنا بِها. وعَلى هَذا القَوْلِ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ تَصَدَّقَ تَفَعَّلَ مِنَ الصَّدَقَةِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الصِّدْقِ.
وقَرَأ أُبَيٌّ: فَهو كَفّارَةٌ لَهُ يَعْنِي: فالتَّصَدُّقُ كَفّارَتُهُ؛ أيِ: الكَفّارَةُ الَّتِي يَسْتَحِقُّها لَهُ لا يُنْقَصُ مِنها، وهو تَعْظِيمٌ لِما فَعَلَ لِقَوْلِهِ: ﴿فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] وتَرْغِيبٌ في العَفْوِ. وتَأوَّلَ قَوْمٌ الآيَةَ عَلى مَعْنى: والجُرُوحَ قِصاصٌ، فَمَن أُعْطِيَ دِيَةَ الجُرْحِ وتَصَدَّقَ بِهِ فَهو كَفّارَةٌ لَهُ إذا رُضِيَتْ مِنهُ وقُبِلَتْ. وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: ومَن يَتَصَدَّقْ بِهِ فَإنَّهُ كَفّارَةٌ لَهُ.
* *
﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ ناسَبَ فِيما تَقَدَّمَ ذِكْرُ الكافِرِينَ، لِأنَّهُ جاءَ عَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤] الآيَةَ فَفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَحْكُمُ بِجَمِيعِها، بَلْ يُخالِفُ رَأْسًا. ولِذَلِكَ جاءَ: ﴿ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [المائدة: ٤٤] وهَذا كُفْرٌ، فَناسَبَ ذِكْرُ الكافِرِينَ. وهُنا جاءَ عَقِيبَ أشْياءَ مَخْصُوصَةٍ مِن أمْرِ القَتْلِ والجُرُوحِ، فَناسَبَ ذِكْرُ الظُّلْمِ المُنافِي لِلْقِصاصِ وعَدَمِ التَّسْوِيَةِ، وإشارَةً إلى ما كانُوا قَرَّرُوهُ مِن عَدَمِ التَّساوِي بَيْنَ بَنِي النَّضِيرِ وبَنِي قُرَيْظَةَ.
﴿وقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ﴾ [المائدة: ٤٦] مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّ التَّوْراةَ يَحْكُمُ بِها النَّبِيُّونَ، ذَكَرَ أنَّهُ قَفّاهم بِعِيسى تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ مِن جُمْلَةِ الأنْبِياءِ، وتَنْوِيهًا بِاسْمِهِ، وتَنْزِيهًا لَهُ عَمّا يَدَّعِيهِ اليَهُودُ فِيهِ، وأنَّهُ مِن جُمْلَةِ مُصَدِّقِي التَّوْراةِ.
ومَعْنى: قَفَّيْنا، أتَيْنا بِهِ، يَقْفُو آثارَهم؛ أيْ: يَتْبَعُها. والضَّمِيرُ في آثارِهِمْ يَعُودُ عَلى التَّبْيِينِ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَحْكُمُ بِها النَّبِيُّونَ﴾ [المائدة: ٤٤] وقِيلَ: عَلى الَّذِينَ كُتِبَتْ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الأحْكامُ. وعَلى آثارِهِمْ، مُتَعَلِّقٌ بِقَفَّيْنا، وبِعِيسى مُتَعَلِّقٌ بِهِ أيْضًا. وهَذا عَلى سَبِيلِ التَّضْمِينِ؛ أيْ: ثُمَّ جِئْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ قافِيًا لَهم، ولَيْسَ التَّضْعِيفُ في قَفَّيْنا لِلتَّعْدِيَةِ، إذْ لَوْ كانَ لِلتَّعْدِيَةِ ما جاءَ مَعَ الباءِ المُعَدِّيَةِ، ولا تَعَدّى (بِعَلى) . وذَلِكَ أنَّ قَفا يَتَعَدّى لِواحِدٍ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] وتَقُولُ: قَفا فُلانٌ الأثَرَ إذا اتَّبَعَهُ، فَلَوْ كانَ التَّضْعِيفُ لِلتَّعَدِّي لَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ مَنصُوبَيْنِ، وكانَ يَكُونُ التَّرْكِيبُ: ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ، وكانَ يَكُونُ عِيسى هو المَفْعُولُ الأوَّلُ، وآثارِهِمْ المَفْعُولَ الثّانِيَ، لَكِنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنى جاءَ وعُدِّيَ بِالياءِ، وتَعَدّى إلى آثارِهِمْ بِعَلى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَفَّيْتُهُ مِثْلَ عَقِبْتُهُ إذا اتَّبَعْتَهُ، ثُمَّ يُقالُ: قَفَّيْتُهُ بِفُلانٍ وعَقِبْتُهُ بِهِ، فَتُعَدِّيهِ إلى الثّانِي بِزِيادَةِ الباءِ.
(فَإنْ قُلْتَ): فَأيْنَ المَفْعُولُ الأوَّلُ في الآيَةِ ؟ (قُلْتُ): هو مَحْذُوفٌ، والظَّرْفُ الَّذِي هو عَلى آثارِهِمْ كالسّادِّ مَسَدَّهُ، لِأنَّهُ إذا قُفِّيَ بِهِ عَلى أثَرِهِ فَقَدْ قُفِّيَ بِهِ إيّاهُ. انْتَهى. وكَلامُهُ يَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ، وذَلِكَ أنَّهُ جَعَلَ قَفَّيْتُهُ المُضَعَّفَ بِمَعْنى قَفَوْتُهُ، فَيَكُونُ فَعَّلَ بِمَعْنى فَعَلَ نَحْوَ: قَدَّرَ اللَّهُ، وقَدَرَ اللَّهُ، وهو أحَدُ المَعانِي الَّتِي جاءَتْ لَها فَعَلَ، ثُمَّ عَدّاهُ بِالباءِ، وتَعْدِيَةُ المُتَعَدِّي لِمَفْعُولٍ، بِالباءِ، لِثانٍ قَلَّ أنْ يُوجَدَ، حَتّى زَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ لا يُوجَدُ. ولا يَجُوزُ فَلا يُقالُ: في طَعِمَ زَيْدٌ اللَّحْمَ، أطْعَمْتُ (p-٤٩٩)زَيْدًا بِاللَّحْمِ، والصَّحِيحُ أنَّهُ جاءَ عَلى قِلَّةٍ تَقُولُ: دَفَعَ زَيْدٌ عَمْرًا، ثُمَّ تُعَدِّيهِ بِالباءِ فَتَقُولُ: دَفَعْتُ زَيْدًا بِعَمْرٍو أيْ: جَعَلْتُ زَيْدًا يَدْفَعُ عَمْرًا، وكَذَلِكَ صَكَّ الحَجَرُ الحَجَرَ. ثُمَّ تَقُولُ: صَكَكْتُ الحَجَرَ بِالحَجَرِ؛ أيْ: جَعَلْتُهُ يَصُكُّهُ. وأمّا قَوْلُهُ: المَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفُ الظَّرْفِ كالسّادِّ مَسَدَّهُ، فَلا يَتَّجِهُ؛ لِأنَّ المَفْعُولَ هو مَفْعُولٌ بِهِ صَرِيحٌ، ولا يَسُدُّ الظَّرْفُ مَسَدَّهُ، وكَلامُهُ مُفْهِمُ التَّضْمِينِ وإنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: لِأنَّهُ إذا قَفّى بِهِ أثَرَهُ فَقَدْ قَفّى بِهِ إيّاهُ ؟ وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: فَقَدْ قَفّى بِهِ إيّاهُ، فَصَلَ الضَّمِيرَ، وحَقُّهُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا، ولَيْسَ مِن مَواضِعِ فَصْلٍ، لَوْ قُلْتَ: زَيْدٌ ضَرَبْتُ بِسَوْطٍ إيّاهُ لَمْ يَجُزْ إلّا في ضَرُورَةِ شِعْرٍ، فَإصْلاحُهُ زَيْدٌ ضَرَبْتُهُ بِسَوْطٍ، وانْتَصَبَ مُصَدِّقًا عَلى الحالِ مِن عِيسى. ومَعْنى: لِما بَيْنَ يَدَيْهِ، لِما تَقَدَّمَهُ مِنَ التَّوْراةِ لِأنَّها جاءَتْ قَبْلَهُ، كَما أنَّ الرَّسُولَ بَيْنَ يَدَيِ السّاعَةِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذا. وتَصْدِيقُهُ إيّاها هو بِكَوْنِهِ مُقِرًّا أنَّها كِتابٌ مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ حَقًّا واجِبٌ العَمَلُ بِهِ قَبْلَ وُرُودِ النَّسْخِ، إذْ شَرِيعَتُهُ مُغايِرَةٌ لِبَعْضِ ما فِيها.
المائدة 5:46
﴿وآتَيْناهُ الإنْجِيلَ فِيهِ هُدًى ونُورٌ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: وقَفَّيْنا. وفِيهِ تَعْظِيمُ عِيسى، عَلَيْهِ السَّلامُ، بِأنَّ اللَّهَ آتاهُ كِتابًا إلَهِيًّا. وتَقَدَّمَتْ قِراءَةُ الحَسَنِ، الأنْجِيلَ، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ؛ وما ذَكَرُوهُ في اشْتِقاقِهِ إنْ كانَ عَرَبِيًّا. وقَوْلُهُ: فِيهِ هُدًى ونُورٌ، في مَوْضِعِ الحالِ، وارْتِفاعُ هُدًى عَلى الفاعِلِيَّةِ بِالجارِّ والمَجْرُورِ، إذْ قَدِ اعْتَمَدَ بِأنْ وقَعَ حالًا لِذِي حالٍ؛ أيْ: كائِنًا فِيهِ هُدًى. ولِذَلِكَ عَطَفَ عَلَيْهِ ﴿ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ﴾ والضَّمِيرُ في يَدَيْهِ عائِدٌ عَلى الإنْجِيلِ؛ والمَعْنى: أنَّ عِيسى وكِتابَهُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ هُما مُصَدِّقانِ لِما تَقَدَّمَهُما مِنَ التَّوْراةِ، فَتَظافَرَ عَلى تَصْدِيقِهِ الكَتابُ الإلَهِيُّ المُنَزَّلُ، والنَّبِيُّ المُرْسَلُ المُنَزَّلُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الكِتابُ. ومَعْنى كَوْنِهِ فِيهِ هُدًى أنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلى دَلائِلِ التَّوْحِيدِ، وتَنْزِيهِ اللَّهِ عَنِ الوَلَدِ والصّاحِبَةِ والمِثْلِ والضِّدِّ، وعَلى الإرْشادِ والدُّعاءِ إلى اللَّهِ تَعالى، وإلى إحْياءِ أحْكامِ التَّوْراةِ، والنُّورُ هو ما فِيهِ مِمّا يُسْتَضاءُ بِهِ إذْ فِيهِ بَيانُ أحْكامِ الشَّرِيعَةِ وتَفاصِيلِها. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومُصَدِّقًا: حالٌ مُؤَكِّدَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى مَوْضِعِ الجُمْلَةِ الَّتِي هي فِيهِ هُدًى، فَإنَّها جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ. انْتَهى. وإنَّما قالَ إنَّ مُصَدِّقًا: حالٌ مُؤَكِّدَةٌ مِن حَيْثُ المَعْنى، لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِن كَوْنِ الإنْجِيلِ كِتابًا إلاهِيًّا أنْ يَكُونَ مُصَدِّقًا لِلْكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، لَكِنَّ قَوْلَهُ: مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي هي فِيهِ هُدًى، فَإنَّها جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ - قَوْلٌ مَرْجُوحٌ، لِأنّا قَدْ بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ: فِيهِ هُدًى ونُورٌ مِن قَبِيلِ المُفْرَدِ لا مِن قَبِيلِ الجُمْلَةِ، إذْ قَدَّرْناهُ كائِنًا فِيهِ هُدًى ونُورٌ، ومَتى دارَ الأمْرُ بَيْنَ أنْ يَكُونَ الحالُ مُفْرَدًا أوْ جُمْلَةً، كانَ تَقْدِيرُ المُفْرَدِ أجْوَدَ، عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ جُمْلَةٌ يَكُونُ ذَلِكَ مِنَ القَلِيلِ، لِأنَّها جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ، ولَمْ تَأْتِ بِالواوِ، وإنْ كانَ يُغْنِي عَنِ الرّابِطِ الَّذِي هو الضَّمِيرُ، لَكِنَّ الأسَنَّ والأكْثَرَ أنْ يَأْتِيَ بِالواوِ، حَتّى إنَّ الفَرّاءَ زَعَمَ أنَّ عَدَمَ الواوِ شاذٌّ وإنْ كانَ ثَمَّ ضَمِيرٌ، وتَبِعَهُ عَلى ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ. قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: ومُصَدِّقًا مَعْطُوفٌ عَلى مُصَدِّقًا الأوَّلِ. انْتَهى. ويَكُونُ إذْ ذاكَ حالًا مِن عِيسى، كَرَّرَهُ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ مِن جِهَةِ التَّرْكِيبِ واتِّساقِ المَعانِي، وتَكَلُّفُهُ أنْ يَكُونَ وآتَيْناهُ الإنْجِيلَ جُمْلَةً حالِيَّةً مَعْطُوفَةً عَلى مُصَدِّقًا.
* *
﴿وهُدًى ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ قَرَأ الضَّحّاكُ: وهُدًى ومَوْعِظَةٌ بِالرَّفْعِ، وهو هُدًى ومَوْعِظَةٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِالنَّصْبِ حالًا مَعْطُوفَةً عَلى قَوْلِهِ: ومُصَدِّقًا، جَعَلَهُ أوَّلًا فِيهِ هُدًى ونُورٌ، وجَعَلَهُ ثانِيًا هُدًى ومَوْعِظَةً. فَهو في نَفْسِهِ هُدًى، وهو مُشْتَمِلٌ عَلى الهُدى، وجَعَلَهُ هُدًى مُبالَغَةً فِيهِ إذْ كانَ كِتابُ الإنْجِيلِ مُبَشِّرًا بِرَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، والدَّلالَةُ مِنهُ عَلى نُبُوَّتِهِ (p-٥٠٠)ظاهِرَةٌ؛ ولَمّا كانَتْ أشَدُّ وُجُوهِ المُنازَعَةِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ واليَهُودِ والنَّصارى ذَلِكَ، أعادَ اللَّهُ ذِكْرَ الهُدى تَقْرِيرًا وبَيانًا لِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ، ﷺ، ووَصَفَهُ بِالمَوْعِظَةِ لِاشْتِمالِهِ عَلى نَصائِحَ وزَواجِرَ بَلِيغَةٍ، وخَصَّصَها بِالمُتَّقِينَ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِها، كَما قالَ تَعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] فَهُمُ المَقْصُودُونَ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، وإنْ كانَ الجَمِيعُ يُدْعى ويُوعَظُ، ولَكِنَّهُ عَلى غَيْرِ المُتَّقِينَ عَمًى وحَسْرَةٌ، وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَنْتَصِبَ هُدًى ومَوْعِظَةً عَلى أنَّهُما مَفْعُولٌ لَهُما لِقَوْلِهِ: ولْيَحْكم؛ قالَ: كَأنَّهُ قِيلَ: ولِلْهُدى والمَوْعِظَةِ آتَيْناهُ الإنْجِيلَ، ولِلْحُكْمِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ مِنَ الأحْكامِ. ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الهُدى والمَوْعِظَةُ مُسْنَدَيْنِ في المَعْنى إلى اللَّهِ، لا إلى الإنْجِيلِ، لِيَتَّحِدَ المَفْعُولُ مِن أجْلِهِ مَعَ العامِلِ في الفاعِلِ، ولِذَلِكَ جاءَ مَنصُوبًا. ولَمّا كانَ: ولْيَحْكُمَ، فاعِلُهُ غَيْرُ اللَّهِ، أتى مُعَدًّى إلَيْهِ بِلامِ العِلَّةِ. ولِاخْتِلافِ الزَّمانِ أيْضًا، لِأنَّ الإيتاءَ قارَنَ الهِدايَةَ والمَوْعِظَةَ في الزَّمانِ، والحُكْمَ خالَفَ فِيهِ لِاسْتِقْبالِهِ ومُضِيِّهِ في الإيتاءِ، فَعُدِيَّ أيْضًا لِذَلِكَ بِاللّامِ، وهَذا الَّذِي أجازَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ خِلافُ الظّاهِرِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ نَظَمْتَ هُدًى ومَوْعِظَةً في سِلْكِ مُصَدِّقًا فَما تَصْنَعُ بِقَوْلِهِ: ولْيَحْكُمَ ؟ (قُلْتُ): أصْنَعُ بِهِ كَما صَنَعْتُ بِهُدًى ومَوْعِظَةً، حِينَ جَعَلْتُهُما مَفْعُولًا لَهُما، فَأُقَدِّرُ: لِيَحْكُمَ أهْلُ الإنْجِيلِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ آتَيْناهُ إيّاهُ. انْتَهى. وهو جَوابٌ واضِحٌ.
المائدة 5:47
﴿ولْيَحْكم أهْلُ الإنْجِيلِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ أمَرَ تَعالى أهْلَ الإنْجِيلِ أنْ يَحْكُمُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ مِنَ الأحْكامِ ويَكُونُ هَذا الأمْرُ عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ، وقُلْنا لَهُمُ: احْكُمُوا؛ أيْ: حِينَ إيتائِهِ عِيسى أمَرْناهم بِالحُكْمِ بِما فِيهِ إذْ لا يُمْكِنُ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ بَعْدَ بَعْثَةِ مُحَمَّدٍ، ﷺ، إذْ شَرِيعَتُهُ ناسِخَةٌ لِجَمِيعِ الشَّرائِعِ، أوْ بِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ مَخْصُوصًا بِالدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، وهو قَوْلُ الأصَمِّ، أوْ بِخُصُوصِ الزَّمانِ إلى بَعْثَةِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، أوْ عَبَّرَ بِالحُكْمِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ عَنْ عَدَمِ تَحْرِيفِهِ وتَغْيِيرِهِ. فالمَعْنى: ولْيَقْرَأْهُ أهْلُ الإنْجِيلِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي أُنْزِلَ، لا يُغَيِّرُونَهُ ولا يُبَدِّلُونَهُ، وهَذا بَعِيدٌ. وظاهِرُ الأمْرِ يَرُدُّ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّ عِيسى كانَ مُتَعَبِّدًا بِأحْكامِ التَّوْراةِ. وقالَ تَعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] ولِهَذا القائِلِ أنْ يَقُولَ: بِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ مِن إيجابِ العَمَلِ بِأحْكامِ التَّوْراةِ؛ والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ الأحْكامَ في الإنْجِيلِ قَلِيلَةٌ، وإنَّما أكْثَرُهُ زَواجِرُ؛ وتِلْكَ الأحْكامُ المُخالِفَةُ لِأحْكامِ التَّوْراةِ أُمِرُوا بِالعَمَلِ بِها، ولِهَذا جاءَ: ﴿ولِأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠] .
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولْيَحْكُمْ﴾؛ بِلامِ الأمْرِ ساكِنَةً، وبَعْضُ القُرّاءِ يَكْسِرُها. وقَرَأ أُبَيٌّ: وأنْ لِيَحْكُمَ؛ بِزِيادَةِ أنْ قَبْلَ لامِ كَيْ، وتَقَدَمَ كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ فِيما يَتَعَلَّقُ بِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والمَعْنى وآتَيْناهُ الإنْجِيلَ لِيَتَضَمَّنَ الهُدى والنُّورَ والتَّصْدِيقَ، ولِيَحْكُمَ أهْلُ الإنْجِيلِ بِما أنْزَلُ اللَّهُ فِيهِ. انْتَهى. فَعَطَفَ ولِيَحْكُمَ عَلى تَوَهُّمِ عِلَّةٍ ولِذَلِكَ قالَ: لِيَتَضَمَّنَ الهُدى. والزَّمَخْشَرِيُّ جَعَلَهُ مَعْطُوفًا عَلى هُدًى ومَوْعِظَةً، عَلى تَوَهُّمِ النُّطْقِ بِاللّامِ فِيهِما كَأنَّهُ قالَ: ولِلْهُدى والمَوْعِظَةِ ولِلْحُكْمِ؛ أيْ: جَعَلَهُ مَقْطُوعًا مِمّا قَبْلَهُ، وقُدِّرَ العامِلُ مُؤَخَّرًا؛ أيْ: ولْيَحْكُمَ أهْلُ الإنْجِيلِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ آتَيْناهُ إيّاهُ. وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ أقْرَبُ إلى الصَّوابِ، لِأنَّ الهُدى الأوَّلَ والنُّورَ والتَّصْدِيقَ لَمْ يُؤْتَ بِها عَلى سَبِيلِ العِلَّةِ، إنَّما جِيءَ بِقَوْلِهِ: فِيهِ هُدًى ونُورٌ، عَلى مَعْنى كائِنًا فِيهِ ذَلِكَ ومُصَدِّقًا، وهَذا مَعْنى الحالِ، والحالُ لا يَكُونُ عِلَّةً. فَقَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ: لِيَتَضَمَّنَ كَيْتَ وكَيْتَ، ولْيَحْكُمَ، بَعِيدٌ.
﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ ناسَبَ هُنا ذِكْرُ الفِسْقَ، لِأنَّهُ خَرَجَ عَنْ أمْرِ اللَّهِ تَعالى إذْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ولْيَحْكم، وهو أمْرٌ. كَما قالَ تَعالى: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] (p-٥٠١)أيْ: خَرَجَ عَنْ طاعَةِ أمْرِهِ تَعالى؛ فَقَدِ اتَّضَحَ مُناسَبَةُ خَتْمِ الجُمْلَةِ الأُولى بِالكافِرِينَ، والثّانِيَةِ بِالظّالِمِينَ، والثّالِثَةِ بِالفاسِقِينَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وتَكْرِيرُ هَذِهِ الصِّفاتِ لِمَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ هو عَلى جِهَةِ التَّوْكِيدِ، وأصْوَبُ ما يُقالُ فِيها: إنَّها تَعُمُّ كُلَّ مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، فَيَجِيءُ كُلُّ ذَلِكَ في الكافِرِ عَلى أتَمِّ وُجُوهِهِ، وفي المُؤْمِنِ عَلى مَعْنى كُفْرِ المَعْصِيَةِ وظُلْمِها وفِسْقِها. وقالَ القَفّالُ: هي لِمَوْصُوفٍ واحِدٍ كَما تَقُولُ: مَن أطاعَ اللَّهَ فَهو البَرُّ، ومَن أطاعَ فَهو المُؤْمِنُ، ومَن أطاعَ فَهو المُتَّقِي. وقِيلَ: الأوَّلُ في الجاحِدِ، والثّانِي والثّالِثُ في المُقِرِّ التّارِكِ. وقالَ الأصَمُّ: الأوَّلُ والثّانِي في اليَهُودِ، والثّالِثُ في النَّصارى. وعَلى قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ يَعُمُّ كُلَّ كافِرٍ ومُؤْمِنٍ، يَكُونُ إطْلاقُ الكافِرِينَ والظّالِمِينَ والفاسِقِينَ عَلَيْهِمْ لِلِاشْتِراكِ في قَدْرٍ مُشْتَرَكٍ.
المائدة 5:48
﴿وأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ أنْزَلَ التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ، ولَمْ يَذْكُرْ مَن أنْزَلَها عَلَيْهِ لِاشْتِراكِ كُلِّهِمْ في أنَّها نَزَلَتْ عَلى مُوسى، فَتَرَكَ ذِكْرَهُ لِلْمَعْرِفَةِ بِذَلِكَ، ثُمَّ ذَكَرَ عِيسى وأنَّهُ آتاهُ الإنْجِيلَ، فَذَكَرَهُ لِيُقِرُّوا أنَّهُ مِن جُمْلَةِ الأنْبِياءِ، إذِ اليَهُودُ تُنْكِرُ نُبُوَّتَهُ، وإذا أنْكَرَتْهُ أنْكَرَتْ كِتابَهُ، فَنَصَّ تَعالى عَلَيْهِ وعَلى كِتابِهِ؛ ثُمَّ ذَكَرَ إنْزالَ القُرْآنِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، فَذَكَرَ الكِتابَ ومَن أنْزَلَهُ مُقَرِّرًا لِنُبُوَّتِهِ وكِتابِهِ، لِأنَّ الطّائِفَتَيْنِ يُنْكِرُونَ نُبُوَّتَهُ وكِتابَهُ. وجاءَ هُنا ذِكْرُ المُنَزَّلِ إلَيْهِ بِكافِ الخِطابِ، لِأنَّهُ أنَصُّ عَلى المَقْصُودِ؛ وكَثِيرًا ما جاءَ ذَلِكَ بِلَفْظِ الخِطابِ لِأنَّهُ لا يُلْبِسُ البَتَّةَ. و(بِالحَقِّ): مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ ومُصاحِبًا لَهُ لا يُفارِقُهُ، لَمّا كانَ مُتَضَمِّنًا حَقائِقَ الأُمُورِ، فَكَأنَّهُ نَزَلَ بِها. ويَحْتَمِلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِأنْزَلْنا؛ أيْ: أنْزَلْناهُ بِأنْ حَقَّ ذَلِكَ، لا أنَّهُ وجَبَ عَلى اللَّهِ، لَكِنَّهُ حَقٌّ في نَفْسِهِ. والألِفُ واللّامُ في الكِتابِ لِلْعَهْدِ وهو القُرْآنُ بِلا خِلافٍ؛ وانْتَصَبَ مُصَدِّقًا عَلى الحالِ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ؛ أيْ: لِما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكِتابِ. الألِفُ واللّامُ فِيهِ لِلْجِنْسِ، لِأنَّهُ عَنى بِهِ جِنْسَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ لِلْعَهْدِ، لِأنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ ما يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الكِتابِ عَلى الإطْلاقِ، وإنَّما أُرِيدَ نَوْعٌ مَعْلُومٌ مِنهُ، وهو ما أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ سِوى القُرْآنِ. والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّهُ في الأوَّلِ يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ الصِّفَةِ، وأنَّها حُذِفَتْ، والتَّقْدِيرُ: مِنَ الكِتابِ الإلَهِيِّ. وفي الثّانِي لا يَحْتاجُ إلى هَذا التَّقْدِيرِ، لِأنَّ العَهْدَ في الِاسْمِ يَتَضَمَّنُ الِاسْمُ بِهِ جَمِيعَ الصِّفاتِ الَّتِي لِلِاسْمِ، فَلا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ حَذْفٍ.
ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ؛ أيْ: أمِينًا عَلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ التَّيْمِيِّ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، والضَّحّاكِ، والحَسَنِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: القُرْآنُ أمِينٌ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ الكُتُبِ، فَما أخْبَرَ أهْلُ الكِتابِ عَنْ كِتابِهِمْ فَإنْ كانَ في القُرْآنِ فَصَدِّقُوا، وإلّا فَكَذِّبُوا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ أبِي صالِحٍ: شاهِدًا. وبِهِ قالَ الحَسَنُ أيْضًا وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مُصَدِّقًا عَلى ما أخْبَرَ مِنَ الكُتُبِ، وهَذا قَرِيبٌ مِنَ القَوْلِ الأوَّلِ. وقالَ الخَلِيلُ: المُهَيْمِنُ هو الرَّقِيبُ الحافِظُ. ومِنهُ قَوْلُهُ:
؎إنَّ الكِتابَ مُهَيْمِنٌ لِنَبِيِّنا والحَقُّ يَعْرِفُهُ ذَوُو الألْبابِ
وحَكاهُ الزَّجّاجُ، وبِهِ فَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: ومُهَيْمِنًا رَقِيبًا عَلى سائِرِ الكُتُبِ، لِأنَّهُ يَشْهَدُ لَها بِالصِّحَّةِ والبَيانِ. انْتَهى. وقالَ الشّاعِرُ:
؎مَلِيكٌ عَلى عَرْشِ السَّماءِ مُهَيْمِنٌ ∗∗∗ لِعِزَّتِهِ تَعْنُو الوُجُوهُ وتَسْجُدُ
فُسِّرَ بِالحافِظِ، وهَذا في صِفاتِ اللَّهِ؛ وأمّا في القُرْآنِ فَمَعْناهُ أنَّهُ حافِظٌ لِلدِّينِ والأحْكامِ. وقالَ الضَّحّاكُ أيْضًا: مَعْناهُ قاضِيًا. وقالَ عِكْرِمَةُ أيْضًا: مَعْناهُ دالًّا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَدْ ذَكَرَ أقْوالًا أنَّهُ شاهِدٌ، وأنَّهُ مُؤْتَمَنٌ، وأنَّهُ مُصَدِّقٌ، وأنَّهُ أمِينٌ، وأنَّهُ رَقِيبٌ، قالَ: ولَفْظَةُ المُهَيْمِنِ أخَصُّ مِن هَذِهِ الألْفاظِ، لِأنَّ المُهَيْمِنَ عَلى (p-٥٠٢)الشَّيْءِ هو المَعْنِيُّ بِأمْرِهِ الشّاهِدُ عَلى حَقائِقِهِ الحافِظُ لِحامِلِهِ، فَلا يُدْخِلُ فِيهِ ما لَيْسَ مِنهُ، والقُرْآنُ جَعَلَهُ اللَّهُ مُهَيْمِنًا عَلى الكُتُبِ يَشْهَدُ بِما فِيها مِنَ الحَقائِقِ وعَلى ما نَسَبَهُ المُحَرِّفُونَ إلَيْها، فَيُصَحِّحُ الحَقائِقَ ويُبْطِلُ التَّحْرِيفَ. وقَرَأ مُجاهِدٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: (ومُهَيْمَنًا) بِفَتْحِ المِيمِ الثّانِيَةِ، جَعَلَهُ اسْمَ مَفْعُولٍ؛ أيْ: مُؤَمَّنٌ عَلَيْهِ؛ أيْ: حُفِظَ مِنَ التَّبْدِيلِ والتَّغْيِيرِ. والفاعِلُ المَحْذُوفُ هو اللَّهُ أوِ الحافِظُ في كُلِّ بَلَدٍ، لَوْ حُذِفَ مِنهُ حَرْفٌ أوْ حَرَكَةٌ أوْ سُكُونٌ لَتَنَبَّهَ لَهُ وأنْكَرَ ذَلِكَ ورَدَّ، فَفي قِراءَةِ اسْمِ الفاعِلِ الضَّمِيرُ في عَلَيْهِ عائِدٌ عَلى الكِتابِ الثّانِي. وفي قِراءَةِ اسْمِ المَفْعُولِ عائِدٌ عَلى الكِتابِ الأوَّلِ، وفي كِلا الحالَيْنِ هو حالٌ مِنَ الكِتابِ الأوَّلِ لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مُصَدِّقًا والمَعْطُوفُ عَلى الحالِ حالٌ. ورَوى ابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ قِراءَتَهُ بِالفَتْحِ وقالَ: مَعْناهُ مُحَمَّدٌ مُؤْتَمَنٌ عَلى القُرْآنِ. قالَ الطَّبَرِيُّ: فَعَلى هَذا يَكُونُ (مُهَيْمِنًا) حالًا مِنَ الكافِ في إلَيْكَ. وطُعِنَ في هَذا القَوْلِ لِوُجُودِ الواوِ في (ومُهَيْمِنًا)، لِأنَّها عَطْفٌ عَلى مُصَدِّقًا، ومُصَدِّقًا حالٌ مِنَ الكِتابِ لا حالٌ مِنَ الكافِ، إذْ لَوْ كانَ حالًا مِنها لَكانَ التَّرْكِيبُ: لِما بَيْنَ يَدَيْكَ، بِكافِ الخِطابِ، وتَأْوِيلُهُ عَلى أنَّهُ مِنَ الِالتِفاتِ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ بَعِيدٌ عَنْ نَظْمِ القُرْآنِ؛ وتَقْدِيرُهُ: وجَعَلْناكَ يا مُحَمَّدُ مُهَيْمِنًا عَلَيْهِ - أبْعَدُ. وأنْكَرَ ثَعْلَبٌ قَوْلَ المُبَرِّدِ وابْنِ قُتَيْبَةَ أنَّ أصْلَهُ مُؤْتَمَنٌ.
﴿فاحْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ ظاهِرُهُ أنَّهُ أُمِرَ أنْ يَحْكُمَ بِما أنْزَلَ اللَّهُ، وتَقَدَّمَ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّها ناسِخَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢] وقَوْلُ الجُمْهُورِ: إنِ اخْتَرْتَ أنْ تَحْكُمَ بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ، وهَذا عَلى قَوْلِ مَن جَعَلَ الضَّمِيرَ في بَيْنَهم عائِدًا عَلى اليَهُودِ، ويَكُونُ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ أمْرَ نَدْبٍ، وإنْ كانَ الضَّمِيرُ لِلْمُتَحاكِمِينَ عُمُومًا، فالخِطابُ لِلْوُجُوبِ ولا نَسْخَ.
﴿ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ﴾ أيْ لا تُوافِقْهم في أغْراضِهِمُ الفاسِدَةِ مِنَ التَّفْرِيقِ في القِصاصِ بَيْنَ الشَّرِيفِ والوَضِيعِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أهْوائِهِمُ الَّتِي هي راجِعَةٌ لِغَيْرِ الدِّينِ والشَّرْعِ.
﴿عَمّا جاءَكَ مِنَ الحَقِّ﴾ الَّذِي هو القُرْآنُ. وضُمِّنَ: تَتَّبِعْ مَعْنى تَنْحَرِفْ، أوْ تَنْصَرِفْ، فَلِذَلِكَ عُدِّيَ بِعَنْ؛ أيْ: لا تَنْحَرِفْ أوْ تَتَزَحْزَحْ عَمّا جاءَكَ مُتَّبِعًا أهْواءَهم، أوْ بِسَبَبِ أهْوائِهِمْ. وقالَ أبُو البَقاءِ: عَمّا جاءَكَ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: عادِلًا عَمّا جاءَكَ. ولَمْ يُضَمِّنْ تَتَّبِعْ مَعْنى ما تَعَدّى بِعَنْ، وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ عَنْ حَرْفٌ ناقِصٌ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الجَنَّةِ، كَما لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا، وإذا كانَ ناقِصًا فَإنَّهُ يَتَعَدّى بِكَوْنٍ مُقَيَّدٍ لا بِكَوْنٍ مُطْلَقٍ، والكَوْنُ المُقَيَّدُ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ.
﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ الظّاهِرُ أنَّ المُضافَ إلَيْهِ ”كُلٍّ“ المَحْذُوفَ هو: أُمَّةٌ؛ أيْ: لِكُلِّ أُمَّةٍ. والخِطابُ في مِنكم لِلنّاسِ؛ أيْ: أيُّها النّاسُ، لِلْيَهُودِ شِرْعَةٌ ومِنهاجٌ، ولِلنَّصارى كَذَلِكَ، قالَهُ: عَلِيٌّ، وقَتادَةُ والجُمْهُورُ، ويَعْنُونَ في الأحْكامِ. وأمّا المُعْتَقَدُ: فَواحِدٌ لِجَمِيعِ العالَمِ؛ تَوْحِيدٌ، وإيمانٌ بِالرُّسُلِ وكُتُبِها وما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ المَعادِ، والجَزاءِ الأُخْرَوِيِّ. وقَدْ ذَكَرَ تَعالى جَماعَةً مِنَ الأنْبِياءِ شَرائِعُهم مُخْتَلِفَةٌ ثُمَّ قالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] والمَعْنى: في المُعْتَقَداتِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الأنْبِياءَ، لا سِيَّما وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم وذِكْرُ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ، وتَجِيءُ الآيَةُ مَعَ هَذا الِاحْتِمالِ تَنْبِيهًا لِمُحَمَّدٍ، ﷺ، أيْ: فاحْفَظْ شَرْعَكَ ومِنهاجَكَ لِئَلّا تَسْتَزِلَّكَ اليَهُودُ وغَيْرُهم في شَيْءٍ مِنهُ. انْتَهى. فَيَكُونُ المَحْذُوفُ المُضافَ إلَيْهِ لِكُلِّ نَبِيٍّ؛ أيْ: لِكُلِّ نَبِيٍّ مِنكم أيُّها الأنْبِياءُ. والشِّرْعَةُ والمِنهاجُ: لَفْظانِ لِمَعْنًى واحِدٍ؛ أيْ: طَرِيقًا، وكَرَّرَ لِلتَّوْكِيدِ؛ كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎وهِـنْدٌ أتَـى مِـنْ دُونِهَـا النَّـأْيُ والبُعْـدُ
وقالَ ابْنُ (p-٥٠٣)عَبّاسٍ والحَسَنُ وغَيْرُهُما: سَبِيلًا وسُنَّةً. وقالَ مُجاهِدٌ: الشِّرْعَةُ والمِنهاجُ دِينُ مُحَمَّدٍ، ﷺ، فَيَكُونُ المَعْنى: لِكُلٍّ مِنكم أيُّها النّاسُ جَعَلْنا هَذا الدِّينَ الخالِصَ فاتَّبِعُوهُ، والمُرادُ بِذَلِكَ إنّا أمَرْناكم بِاتِّباعِ دِينِ مُحَمَّدٍ إذْ هو ناسِخٌ لِلْأدْيانِ كُلِّها. وقالَ المُبَرِّدُ: الشِّرْعَةُ: ابْتِداءُ الطَّرِيقِ، والمِنهاجُ: الطَّرِيقُ المُسْتَمِرُّ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الشِّرْعَةُ: الطَّرِيقُ الَّذِي رُبَّما كانَ واضِحًا وغَيْرَ واضِحٍ، والمِنهاجُ لا يَكُونُ إلّا واضِحًا. وقِيلَ: الشِّرْعَةُ: الدِّينُ، والمِنهاجُ: الدَّلِيلُ. وقِيلَ الشِّرْعَةُ: النَّبِيُّ، والمِنهاجُ: الكِتابُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والمِنهاجُ بِناءُ مُبالَغَةٍ مِنَ النَّهْجِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِالشِّرْعَةِ: الأحْكامُ، وبِالمِنهاجِ: المُعْتَقَدُ؛ أيْ هو واحِدٌ في جَمِيعِكم، وفي هَذا الِاحْتِمالِ بُعْدٌ. انْتَهى. قِيلَ: وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنّا غَيْرُ مُتَعَبَّدِينَ بِشَرائِعِ مَن قَبْلَنا. وقَرَأ النَّخَعِيُّ وابْنُ وثّابٍ: شَرْعَةً؛ بِفَتْحِ الشِّينِ، والظّاهِرُ أنَّ جَعَلْنا بِمَعْنى صَيَّرْنا، ومَفْعُولُها الثّانِي هو لِكُلٍّ، ومِنكم مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ؛ تَقْدِيرُهُ: أعْنِي مِنكم. قالَ أبُو البَقاءِ: ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنكم صِفَةً لِكُلٍّ، لِأنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ الفَصْلَ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ بِالأجْنَبِيِّ الَّذِي لا تَشْدِيدَ فِيهِ لِلْكَلامِ، ويُوجِبُ أيْضًا أنْ يُفْصَلَ بَيْنَ جَعَلْنا وبَيْنَ مَعْمُولِها وهو شِرْعَةٌ. انْتَهى. فَيَكُونُ في التَّرْكِيبِ كَقَوْلِكَ: مِن كُلٍّ ضَرَبْتُ تَمِيمِيٍّ رَجُلًا، وهو لا يَجُوزُ.
﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً﴾ أيْ ولَوْ شاءَ اللَّهُ أنْ يَجْعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلَكُمُوها أيْ جَماعَةً مُتَّفِقَةً عَلى شَرِيعَةٍ واحِدَةٍ في الضَّلالِ. وقِيلَ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً عَلى الحَقِّ.
﴿ولَكِنْ لِيَبْلُوَكم فِيما آتاكُمْ﴾ أيْ: ولَكِنْ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ لِيَخْتَبِرَكم فِيما آتاكم مِنَ الكُتُبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِنَ الشَّرائِعِ المُخْتَلِفَةِ، هَلْ تَعْمَلُونَ بِها مُذْعِنِينَ مُعْتَقِدِينَ أنَّها مَصالِحُ قَدِ اخْتَلَفَتْ عَلى حَسَبِ الأحْوالِ والأوْقاتِ، مُعْتَرِفِينَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَقْصِدْ بِاخْتِلافِها إلّا ما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ، أمْ تَتَّبِعُونَ الشُّبَهَ وتُفَرِّطُونَ في العَمَلِ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهُ: ولَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ، لِأنَّهُ أرادَ اخْتِبارَهم وابْتِلاءَهم فِيما آتاهم مِنَ الكُتُبِ والشَّرائِعِ، فَلَيْسَ لَهم إلّا أنْ يَجِدُوا في امْتِثالِ الأوامِرِ.
﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ أيِ: ابْتَدِرُوا الأعْمالَ الصّالِحَةَ؛ قالَهُ: مُقاتِلٌ. وهي الَّتِي عاقِبَتُها أحْسَنُ الأشْياءِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ: الخَيْراتُ: الإيمانُ بِالرَّسُولِ.
﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا﴾ هو اسْتِئْنافٌ في مَعْنى التَّعْلِيلِ لِأمْرِهِ تَعالى بِاسْتِباقِ الخَيْراتِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: يُظْهِرُ ثَمَرَةَ اسْتِباقِ الخَيْراتِ والمُبادَرَةِ إلَيْها في وقْتِ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَعالى ومُجازاتِهِ.
﴿فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ أيْ: فَيُخْبِرُكم بِأعْمالِكم، وهي كِنايَةٌ عَنِ المُجازاةِ بِالثَّوابِ والعِقابِ، وهو إخْبارُ إيقاعٍ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: قَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ في الدُّنْيا بِالدَّلالَةِ والحُجَجِ، وغَدًا يُبَيِّنُهُ بِالمُجازاةِ. انْتَهى. وبِهَذا التَّنْبِيهِ يَظْهَرُ الفَضْلُ بَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ، والمُسْبِقِ والمُقَصِّرِ في العَمَلِ. ونَبَّأ: هُنا جاءَتْ عَلى وضْعِها الأصْلِيِّ مِن تَعْدِيَتِها إلى واحِدٍ بِنَفْسِها، وإلى آخَرَ بِحَرْفِ الجَرِّ، ولَمْ يُضَمِّنْها مَعْنى أعْلَمَ فَيُعَدِّيَها إلى ثَلاثَةٍ.
المائدة 5:49
﴿وأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ «قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَ بَعْضُ اليَهُودِ لِبَعْضٍ مِنهم، ابْنُ صُورِيّا وشاسُ بْنُ قَيْسٍ وكَعْبُ بْنُ أُسَيْدٍ: اذْهَبُوا بِنا إلى مُحَمَّدٍ لَعَلَّنا نَفْتِنُهُ عَنْ دِينِهِ، فَأتَوْهُ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ قَدْ عَرَفْتَ أنّا أحْبارُ يَهُودَ وأشْرافُهم، وإنِ اتَّبَعْناكَ اتَّبَعَكَ كُلُّ اليَهُودِ، وبَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمٍ خُصُومَةٌ فَنُحاكِمُهم إلَيْكَ فَتَقْضِي لَنا عَلَيْهِمْ ونُؤْمِنُ بِكَ، فَأبى ذَلِكَ الرَّسُولُ، ﷺ، (p-٥٠٤)فَنَزَلَتْ» . وقالَ مُقاتِلٌ: قالَ جَماعَةٌ مِن بَنِي النَّضِيرِ لَهُ: هَلْ لَكَ أنْ تَحْكُمَ لَنا عَلى أصْحابِنا بَنِي قُرَيْظَةَ في أمْرِ الدِّماءِ كَما كُنّا عَلَيْهِ مِن قَبْلُ، ونُبايِعَكَ ؟ فَنَزَلَتْ. قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: ولَيْسَ هَذِهِ الآيَةُ تَكْرارًا لِما تَقَدَّمَ، وإنَّما نَزَلَتْ في شَيْئَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ: أحَدُهُما: شَأْنُ الرَّجْمِ، والآخَرُ التَّسْوِيَةُ. انْتَهى. وهَذِهِ الآيَةُ ناسِخَةٌ عِنْدَ قَوْمٍ لِلتَّخْيِيرِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢] وتَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ وأجازُوا في: وأنِ احْكم، أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى الكِتابِ؛ أيْ: والحُكْمَ. وفي مَوْضِعِ جَرٍّ عَطْفًا عَلى بِالحَقِّ، وفي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ مُؤَخَّرًا، والتَّقْدِيرُ: وحُكْمُكَ بِما أنْزَلَ؛ أنْزَلَ اللَّهُ أمْرَنا وقَوْلَنا. أوْ مُقَدَّمًا والتَّقْدِيرُ: ومِنَ الواجِبِ حُكْمُكَ بِما أنْزَلَ اللَّهُ. وقِيلَ: أنْ تَفْسِيرِيَّةٌ، وأُبْعِدَ ذَلِكَ مِن أجْلِ الواوِ، ولا يَصِحُّ ذَلِكَ بِأنْ يُقَدَّرَ قَبْلَ فِعْلِ الأمْرِ فِعْلًا مَحْذُوفًا فِيهِ مَعْنى القَوْلِ؛ أيْ: وأمَرْناكَ أنِ احْكم، لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ حَذْفُ الجُمْلَةِ المُفَسِّرَةِ بِأنْ وما بَعْدَها، وذَلِكَ لا يُحْفَظُ مِن كَلامِ العَرَبِ. وقُرِئَ بِضَمِّ النُّونِ مِن: وأنِ احْكم، إتْباعًا لِحَرَكَةِ الكافِ، وبِكَسْرِها عَلى أصْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ. والضَّمِيرُ في بَيْنَهم عائِدٌ عَلى اليَهُودِ. وقِيلَ: عَلى جَمِيعِ المُتَحاكِمِينَ.
﴿ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ﴾ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذِهِ الجُمْلَةِ.
﴿واحْذَرْهم أنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ أيْ: يَسْتَزِلُّوكَ. وحَذَّرَهُ عَنْ ذَلِكَ، وإنْ كانَ مَأْيُوسًا مِن فِتْنَتِهِمْ إيّاهُ لِقَطْعِ أطْماعِهِمْ، وقالَ: عَنْ بَعْضٍ، لِأنَّ الَّذِي سَألُوهُ هو أمْرٌ جُزْئِيٌّ، سَألُوهُ أنْ يَقْضِيَ لَهم فِيهِ عَلى خُصُومِهِمْ فَأبى مِنهُ. ومَوْضِعُ أنْ يَفْتِنُوكَ نَصْبٌ عَلى البَدَلِ، ويَكُونُ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ.
﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فاعْلَمْ أنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُصِيبَهم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ أيْ: فَإنْ تَوَلَّوْا عَنِ الحُكْمِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ وأرادُوا غَيْرَهُ؛ ومَعْنى: أنْ يُصِيبَهم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ، أنْ يُعَذِّبَهم بِبَعْضِ آثامِهِمْ. وأبْهَمَ بَعْضًا هُنا ويَعْنِي بِهِ؛ واللَّهُ أعْلَمُ؛ التَّوَلِّيَ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ وإرادَةَ خِلافِهِ، فَوَضَعَ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ مَوْضِعَ ذَلِكَ، وأرادَ أنَّهم ذَوُو ذُنُوبٍ جَمَّةٍ كَثِيرَةٍ لا العَدَدَ، وهَذا الذَّنْبُ مَعَ عِظَمِهِ وهَذا الإبْهامُ فِيهِ تَعْظِيمُ التَّوَلِّي وفَرْطُ إسْرافِهِمْ في ارْتِكابِهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ لَبِيدٍ:
؎أوْ يَرْتَبِطْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمامُها
أرادَ نَفْسَهُ وقَصَدَ تَفْخِيمَ شَأْنِها بِهَذا الإبْهامِ، كَأنَّهُ قالَ: نَفْسًا كَبِيرَةً أوْ نَفْسًا أيَّ نَفْسٍ، وهَذا الوَعْدُ بِالمُصِيبَةِ قَدْ أنْجَزَهُ لَهُ تَعالى بِقِصَّةِ بَنِي قَيْنُقاعَ وقِصَّةِ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وإجْلاءِ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أهْلَ خَيْبَرَ وفَدَكَ وغَيْرَهم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وخَصَّصَ إصابَتَهم بِبَعْضِ الذُّنُوبِ، لِأنَّ هَذا الوَعِيدَ إنَّما هو في الدُّنْيا؛ وذُنُوبُهم فِيها نَوْعانِ: نَوْعٌ يَخُصُّهم، كَشُرْبِ الخَمْرِ وزِناهم ورِشاهم؛ ونَوْعٌ يَتَعَدّى إلى النَّبِيِّ والمُؤْمِنِينَ كَمُمالَأتِهِمْ لِلْكُفّارِ، وأقْوالِهِمْ في الدِّينِ، فَهَذا النَّوْعُ هو الَّذِي تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ بِهِ في الدُّنْيا، وإنَّما يُعَذَّبُونَ بِكُلِّ الذُّنُوبِ في الآخِرَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْضًا: فَإنْ تَوَلَّوْا، قَبْلَهُ مَحْذُوفٌ مِنَ الكَلامِ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظّاهِرُ، تَقْدِيرُهُ: لا تَتَّبِعْ واحْذَرْ، فَإنْ حَكَّمُوكَ مَعَ ذَلِكَ واسْتَقامُوا فَنِعِمّا ذَلِكَ، وإنْ تَوَلَّوْا فاعْلَمْ. ويَحْسُنُ أنْ يُقَدَّرَ هَذا المَحْذُوفُ المُعادِلُ لِقَوْلِهِ: لَفاسِقُونَ. انْتَهى. ولا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ هَذا.
﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ لَفاسِقُونَ﴾ أيْ: مُتَمَرِّدُونَ مُبالِغُونَ في الخُرُوجِ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ بِالفِسْقِ هُنا: الكُفْرُ. وقالَ مُقاتِلٌ: المَعاصِي. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الكَذِبُ؛ وظاهِرُ النّاسِ العُمُومُ، وإنْ كانَ السِّياقُ في اليَهُودِ، وجاءَ بِلَفْظِ العُمُومِ لِيُنَبِّهَ مَن سِواهم. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ النّاسُ لِلْعَهْدِ، وهُمُ اليَهُودُ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم.
المائدة 5:50
﴿أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ هَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإنْكارُ عَلى اليَهُودِ، حَيْثُ هم أهْلُ كِتابٍ وتَحْلِيلٍ وتَحْرِيمٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ومَعَ ذَلِكَ يُعْرِضُونَ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ ويَخْتارُونَ عَلَيْهِ حُكْمَ الجاهِلِيَّةِ، وهو بِمُجَرَّدِ الهَوى مِن مُراعاةِ الأشْرَفِ عِنْدَهم، وتَرْجِيحِ الفاضِلِ عِنْدَهم في الدُّنْيا عَلى المَفْضُولِ، وفي هَذا أشَدُّ النَّعْيِ عَلَيْهِمْ حَيْثُ تَرَكُوا الحُكْمَ الإلَهِيَّ بِحُكْمِ الهَوى والجَهْلِ. وقالَ الحَسَنُ: هو عامٌّ في كُلِّ مَن يَبْتَغِي غَيْرَ حُكْمِ (p-٥٠٥)اللَّهِ.
والحُكْمُ حُكْمانِ: حُكْمٌ بِعِلْمٍ، فَهو حُكْمُ اللَّهِ؛ وحُكْمٌ بِجَهْلٍ، فَهو حُكْمُ الشَّيْطانِ؛ وسُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يُفَضِّلُ بَعْضَ ولَدِهِ عَلى بَعْضٍ: فَقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أفَحُكْمَ﴾؛ بِنَصْبِ المِيمِ، وهو مَفْعُولُ يَبْغُونَ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، وأبُو رَجاءٍ، والأعْرَجُ: أفَحُكْمُ الجاهِلِيَّةِ؛ بِرَفْعِ المِيمِ عَلى الِابْتِداءِ. والظّاهِرُ أنَّ الخَبَرَ هو قَوْلُهُ: (يَبْغُونَ)، وحَسَّنَ حَذْفَ الضَّمِيرِ قَلِيلًا في هَذِهِ القِراءَةِ كَوْنُ الجُمْلَةِ فاصِلَةً. وقالَ ابْنُ مُجاهِدٍ: هَذا خَطَأٌ. قالَ ابْنُ جِنِّي: ولَيْسَ كَذَلِكَ، وُجِدَ غَيْرُهُ أقْوى مِنهُ وقَدْ جاءَ في الشِّعْرِ. انْتَهى.
وفِي هَذِهِ المَسْألَةِ خِلافٌ بَيْنِ النَّحْوِيِّينَ. وبَعْضُهم يُجِيزُ حَذْفَ هَذا الضَّمِيرِ في الكَلامِ، وبَعْضُهم يَخُصُّهُ بِالشِّعْرِ، وبَعْضُهم يُفَصِّلُ. وهَذِهِ المَذاهِبُ ودَلائِلُها مَذْكُورَةٌ في عِلْمِ النَّحْوِ؛ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإسْقاطُ الرّاجِعِ عَنْهُ كَإسْقاطِهِ عَنِ الصِّلَةِ في: أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا وعَنِ الصِّفَةِ في: النّاسُ رَجُلانِ، رَجُلٌ أهَنْتَ ورَجُلٌ أكْرَمْتَ. وعَنِ الحالِ في: مَرَرْتُ بِهِنْدٍ تَضْرِبُ زَيْدًا. انْتَهى. فَإنْ كانَ جَعْلُ الإسْقاطِ فِيهِ مِثْلَ الإسْقاطِ في الجَوازِ والحُسْنِ، فَلَيْسَ كَما ذُكِرَ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، بَلْ حَذْفُهُ مِنَ الصِّلَةِ بِشُرُوطِ الحَذْفِ: فَصِيحٌ، وحَذْفُهُ مِنَ الصِّفَةِ: قَلِيلٌ، وحَذْفُهُ مِنَ الخَبَرِ: مَخْصُوصٌ بِالشِّعْرِ، أوْ في نادِرٍ. وإنْ كانَ شَبَهُهُ بِهِ مِن حَيْثُ مُطْلَقُ الإسْقاطِ فَهو صَحِيحٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإنَّما تَتَّجِهُ القِراءَةُ عَلى أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: أفَحُكْمُ الجاهِلِيَّةِ حُكْمٌ تَبْغُونَ، فَلا تُجْعَلُ تَبْغُونَ خَبَرًا بَلْ تُجْعَلُ صِفَةَ خَبَرٍ مَحْذُوفٍ، ونَظِيرُهُ: (مِنَ الَّذِينَ يُحَرِّفُونَ) تَقْدِيرُهُ: قَوْمٌ يُحَرِّفُونَ. انْتَهى. وهو تَوْجِيهٌ مُمْكِنٌ. وقَرَأ قَتادَةُ والأعْمَشُ: (أفَحَكَمَ)؛ بِفَتْحِ الحاءِ والكافِ والمِيمِ، وهو جِنْسٌ لا يُرادُ بِهِ واحِدٌ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: أحُكّامَ الجاهِلِيَّةِ؛ وهي إشارَةٌ إلى الكُهّانِ الَّذِينَ كانُوا يَأْخُذُونَ الحُلْوانَ وهي رَشا الكُهّانِ، ويَحْكُمُونَ لَهم بِحَسَبِهِ وبِحَسَبِ الشَّهَواتِ، أرادُوا بِسَفَهِهِمْ أنْ يَكُونَ خاتَمُ النَّبِيِّينَ حَكَمًا كَأُولَئِكَ الحُكّامِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَبْغُونَ)؛ بِالياءِ عَلى نَسَقِ الغَيْبَةِ المُتَقَدِّمَةِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، وفِيهِ مُواجَهَتُهم بِالإنْكارِ والرَّدْعِ والزَّجْرِ، ولَيْسَ ذَلِكَ في الغَيْبَةِ، فَهَذِهِ حِكْمَةُ الِالتِفاتِ والخِطابِ لِيَهُودِ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ.
﴿ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ أيْ لا أحَدَ أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا وتَقَدَّمَ أنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَجاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُشِيرَةً إلى هَذا المَعْنى؛ والمَعْنى: أنَّ حُكْمَ اللَّهِ هو الغايَةُ في الحُسْنِ وفي العَدْلِ وهو اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَّقْرِيرُ ويَتَضَمَّنُ شَيْئًا مِنَ التَّكَبُّرِ عَلَيْهِمْ، واللّامُ في لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ: لِلْبَيانِ؛ فَتَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ؛ أيْ في هَيْتَ لَكَ وسُقْيًا لَكَ؛ أيْ: هَذا الخِطابُ وهَذا الِاسْتِفْهامُ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ؛ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وحُسْنُ دُخُولِ اللّامِ في لِقَوْمٍ مِن حَيْثُ المَعْنى يُبَيِّنُ لَكَ ذَلِكَ، ويَظْهَرُ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ. وقِيلَ اللّامُ بِمَعْنى عِنْدَ؛ أيْ: عِنْدَ قَوْمٍ يُوقِنُونَ؛ وهَذا ضَعِيفٌ. وقِيلَ تَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ حُكْمًا؛ أيْ: أنَّ حُكْمَ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِ عَلى الكافِرِ، ومُتَعَلِّقُ يُوقِنُونَ مَحْذُوفٌ؛ وتَقْدِيرُهُ: يُوقِنُونَ بِاللَّهِ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: يُوقِنُونَ بِاللَّهِ تَعالى؛ قالَهُ مُقاتِلٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: يُوقِنُونَ: يُثْبِتُونَ عَهْدَ اللَّهِ تَعالى في حُكْمِهِ وخُصُّوا بِالذِّكْرِ لِسُرْعَةِ إذْعانِهِمْ لِحُكْمِ اللَّهِ وأنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ أنْ لا أعْدَلَ مِنهُ ولا أحْسَنَ حُكْمًا.
المائدة 5:51
(p-٥٠٦)﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَإنَّهُ مِنهم إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿فَتَرى الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أسَرُّوا في أنْفُسِهِمْ نادِمِينَ﴾ [المائدة: ٥٢] ﴿ويَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ إنَّهم لَمَعَكم حَبِطَتْ أعْمالُهم فَأصْبَحُوا خاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٣] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ يُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٥٤] ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم راكِعُونَ﴾ [المائدة: ٥٥] ﴿ومَن يَتَوَلَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ والَّذِينَ آمَنُوا فَإنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكم هُزُوًا ولَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم والكُفّارَ أوْلِياءَ واتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٧] ﴿وإذا نادَيْتُمْ إلى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُوًا ولَعِبًا ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ٥٨] ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٥٩] ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ وغَضِبَ عَلَيْهِ وجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ وعَبَدَ الطّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٦٠] ﴿وإذا جاءُوكم قالُوا آمَنّا وقَدْ دَخَلُوا بِالكُفْرِ وهم قَدْ خَرَجُوا بِهِ واللَّهُ أعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ﴾ [المائدة: ٦١] ﴿وتَرى كَثِيرًا مِنهم يُسارِعُونَ في الإثْمِ والعُدْوانِ وأكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٦٢] ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ وأكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: ٦٣] ﴿وقالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أيْدِيهِمْ ولُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا وألْقَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللَّهُ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا واللَّهُ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ﴾ [المائدة: ٦٤] ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ آمَنُوا واتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ولَأدْخَلْناهم جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [المائدة: ٦٥] ﴿ولَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ لَأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وكَثِيرٌ مِنهم ساءَ ما يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٦٦] ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٧] ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٨] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصّابِئُونَ والنَّصارى مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [المائدة: ٦٩] ﴿لَقَدْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ وأرْسَلْنا إلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُهم فَرِيقًا كَذَّبُوا وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ [المائدة: ٧٠] ﴿وحَسِبُوا ألّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا كَثِيرٌ مِنهم واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٧١] ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وقالَ المَسِيحُ يا بَنِي إسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكم إنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ ومَأْواهُ النّارُ وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ [المائدة: ٧٢] ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وما مِن إلَهٍ إلّا إلَهٌ واحِدٌ وإنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٣] ﴿أفَلا يَتُوبُونَ إلى اللَّهِ ويَسْتَغْفِرُونَهُ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٤] ﴿ما المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة: ٧٥] .
الدّائِرَةُ: واحِدَةُ الدَّوائِرِ، وهي صُرُوفُ الدَّهْرِ، ودُوَلُهُ، ونَوازِلُهُ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎ويَعْلَمُ أنَّ الدّائِراتِ تَدُورُ
اللَّعِبُ: مَعْرُوفٌ، وهو مَصْدَرٌ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، وفِعْلُهُ لَعِبَ يَلْعَبُ. الإطْفاءُ: الإخْمادُ حَتّى لا يَبْقى أثَرٌ. الأفْكُ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، مَصْدَرُ أفَكَهُ يَأْفِكُهُ؛ أيْ: قَلَبَهُ وصَرَفَهُ. ومِنهُ: ﴿أجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا﴾ [الأحقاف: ٢٢] (يُؤْفَكُ عَنْهُ مَن أُفِكَ) . قالَ عُرْوَةُ بْنُ أُذَيْنَةَ:
؎إنْ كُنْتَ عَنْ أحْسَنِ المُرُوءَةِ مَأْ ∗∗∗ فُوكًا فَفي آخَرِينَ قَدْ أُفِكُوا
وقالَ أبُو زَيْدٍ: المَأْفُوكُ المَأْفُونُ، وهو الضَّعِيفُ العَقْلِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: رَجُلٌ مَأْفُوكٌ: لا يُصِيبُ خَيْرًا، وائْتُفِكَتِ البَلْدَةُ بِأهْلِها: انْقَلَبَتْ، والمُؤْتَفِكاتُ: مَدائِنُ قَوْمِ لُوطٍ، عَلَيْهِ السَّلامُ، قَلَبَها اللَّهُ تَعالى؛ (p-٥٠٧)والمُؤْتَفِكاتُ أيْضًا: الرِّياحُ الَّتِي تَخْتَلِفُ مَهابُّها.
* *
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ قالَ الزُّهْرِيُّ وغَيْرُهُ: سَبَبُ نُزُولِها قِصَّةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ واسْتِمْساكِهِ بِحِلْفِ يَهُودَ، وتَبَرُّؤِ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ مِن حِلْفِهِمْ عِنْدَ انْقِضاءِ بَدْرٍ، وعُبادَةُ في قِصَّةٍ فِيها طُولٌ هَذا مُلَخَّصُها. وقالَ عِكْرِمَةُ: سَبَبُها: أمْرُ أبِي لُبابَةَ بْنِ عَبْدِ المُنْذِرِ وإشارَتُهُ إلى قُرَيْظَةَ أنَّهُ الذَّبْحُ حِينَ اسْتَفْهَمُوهُ عَنْ رَأْيِهِ في نُزُولِهِمْ عَنْ حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: لَمّا نَزَلَ بِالمُسْلِمِينَ أمْرُ أُحِدٍ فَزِعَ مِنهم قَوْمٌ، وقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: نَأْخُذُ مِنَ اليَهُودِ عَهْدًا يُعاضِدُونا إنْ ألَمَّتْ بِنا قاصِمَةٌ مِن قُرَيْشٍ أوْ سائِرِ العَرَبِ. وقالَ آخَرُونَ: بَلْ نَلْحَقُ بِالنَّصارى فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: هي عامَّةٌ في المُنافِقِينَ أظْهَرُوا الإيمانَ وظاهَرُوا اليَهُودَ والنَّصارى.
نَهى تَعالى المُؤْمِنِينَ عَنْ مُوالاةِ اليَهُودِ والنَّصارى يَنْصُرُونَهم ويَسْتَنْصِرُونَ بِهِمْ، ويُعاشِرُونَهم مُعاشَرَةَ المُؤْمِنِينَ؛ وقِراءَةُ أُبَيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ: أرْبابًا مَكانَ أوْلِياءَ، بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ؛ جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ مِنَ النَّهْيِ، مُشْعِرَةٌ بِعِلَّةِ الوِلايَةِ وهو: اجْتِماعُهم في الكُفْرِ والمُمالَأةِ عَلى المُؤْمِنِينَ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في بَعْضِهِمْ يَعُودُ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى. وقِيلَ: المَعْنى عَلى أنَّ ثَمَّ مَحْذُوفًا؛ والتَّقْدِيرُ: بَعْضُ اليَهُودِ أوْلِياءُ بَعْضٍ، وبَعْضُ النَّصارى أوْلِياءُ بَعْضٍ، لِأنَّ اليَهُودَ لَيْسُوا أوْلِياءَ النَّصارى، ولا النَّصارى أوْلِياءَ اليَهُودِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: جَمَعَهم في الضَّمِيرِ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، ودَلَّ ما بَيْنَهم مِنَ المُعاداةِ عَلى التَّفْصِيلِ، وأنَّ بَعْضَ اليَهُودِ لا يَتَوَلّى إلّا جِنْسَهُ، وبَعْضُ النَّصارى كَذَلِكَ. قالَ الحَوْفِيُّ: هي جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ في مَوْضِعِ النَّعْتِ لِأوْلِياءَ، والظّاهِرُ أنَّها جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ.
﴿ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَإنَّهُ مِنهُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَإنَّهُ مِنهم في حُكْمِ الكُفْرِ؛ أيْ: ومَن يَتَوَلَّهم في الدِّينِ. وقالَ غَيْرُهُ: ومَن يَتَوَلَّهم في الدُّنْيا فَإنَّهُ مِنهم في الآخِرَةِ. وقِيلَ: ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم في العَهْدِ فَإنَّهُ مِنهم في مُخالَفَةِ الأمْرِ؛ وهَذا تَشْدِيدٌ عَظِيمٌ في الِانْتِفاءِ مَن أهْلِ الكُفْرِ، وتَرْكِ مُوالاتِهِمْ، وإنْحاءِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍ ومَنِ اتَّصَفَ بِصِفَتِهِ. ولا يَدْخُلُ في المُوالاةِ لِلْيَهُودِ والنَّصارى مِن غَيْرِ مُضافاةٍ، ومَن تَوَلّاهم بِأفْعالِهِ دُونَ مُعْتَقَدِهِ ولا إخْلالٍ بِإيمانٍ: فَهو مِنهم في المَقْتِ والمَذَمَّةِ، ومَن تَوَلّاهم في المُعْتَقَدِ: فَهو مِنهم في الكُفْرِ. وقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذا ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ عَلى جَوازِ أكْلِ ذَبائِحِ نَصارى العَرَبِ، وقالَ: مَن دَخَلَ في دِينِ قَوْمٍ فَهو مِنهم. وسُئِلَ ابْنُ سِيرِينَ عَنْ رَجُلٍ يَبِيعُ دارَهُ لِنَصْرانِيٍّ لِيَتَّخِذَها كَنِيسَةً: فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ. وفي الحَدِيثِ: «لا تَراءى ناراهُما» وقالَ عُمَرُ لِأبِي مُوسى في كاتِبِهِ النَّصْرانِيِّ: لا تُكْرِمُوهم إذْ أهانَهُمُ اللَّهُ، ولا تَأْمَنُوهم إذْ خَوَّنَهُمُ اللَّهُ، ولا تُدْنُوهم إذْ أقْصاهُمُ اللَّهُ تَعالى. وقالَ لَهُ أبُو مُوسى لا قِوامَ لِلْبَصْرَةِ إلّا بِهِ، فَقالَ عُمَرُ: ماتَ النَّصْرانِيُّ والسَّلامُ.
﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ ظاهِرُهُ العُمُومُ، والمَعْنى عَلى الخُصُوصِ؛ أيْ: مَن سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّهُ لا يَهْتَدِي. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أوْ يُرادُ التَّخْصِيصُ مُدَّةَ الظُّلْمِ والتَّلَبُّسِ بِفِعْلِهِ، فَإنَّ الظُّلْمَ لا هُدى فِيهِ، والظّالِمُ مِن حَيْثُ هو ظالِمٌ لَيْسَ بِمُهْتَدٍ في ظُلْمِهِ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: الظّالِمُ مَن أبى أنْ يَقُولَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: أرادَ المُنافِقِينَ. وقِيلَ: الظّالِمُ هو الَّذِي وضَعَ الوِلايَةَ في غَيْرِ مَوْضِعِها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَرِيبًا مِن هَذا، قالَ: يَعْنِي الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِمُوالاةِ الكُفْرِ يَمْنَعُهُمُ اللَّهُ ألْطافَهُ، ويَخْذُلُهم مَقْتًا لَهم. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ.
المائدة 5:52
﴿فَتَرى الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ﴾ (p-٥٠٨)الخِطابُ لِلرَّسُولِ، ﷺ، والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ومَن تَبِعَهُ مِنَ المُنافِقِينَ أوْ مِن مُؤْمِنِي الخَزْرَجِ مُتابَعَةَ جَهالَةٍ وعَصَبِيَّةٍ، فَهَذا الصِّنْفُ لَهُ حِصَّةٌ مِن مَرَضِ القَلْبِ قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. ومَعْنى ﴿يُسارِعُونَ فِيهِمْ﴾ أيْ: في مُوالاتِهِمْ ويَرْغَبُونَ فِيها. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في المَرَضِ في أوَّلِ البَقَرَةِ.
وقَرَأ إبْراهِيمُ بْنُ وثّابٍ: فَيَرى بِالياءِ مِن تَحْتٍ، والفاعِلُ ضَمِيرٌ يُعُودُ عَلى اللَّهِ أوِ الرَّأْيِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ فاعِلَ تَرى؛ والمَعْنى: أنْ يُسارِعُوا، فَحُذِفَتْ أنْ إيجازًا. انْتَهى. وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ حَذْفَ إنْ مِن نَحْوِ هَذا لا يَنْقاسُ. وقَرَأ قَتادَةُ والأعْمَشُ: يُسْرِعُونَ بِغَيْرِ ألِفٍ مِن أسْرَعَ، وفَتَرى إنْ كانَتْ مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ كانَ يُسارِعُونَ حالًا، أوْ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ فَفي مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي، يَقُولُونَ: نَخْشى أنَّ تُصِيبَنا دائِرَةٌ، هَذا مَحْفُوظٌ مِن قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، وقالَهُ مَعَهُ مُنافِقُونَ كَثِيرُونَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ نَخْشى أنْ لا يَتِمَّ أمْرُ مُحَمَّدٍ فَيَدُورَ الأمْرُ عَلَيْنا. وقِيلَ: الدّائِرَةُ مِن جَدْبٍ وقَحْطٍ. ولا يُمِيرُونَنا ولا يُقْرِضُونَنا. وقِيلَ: دائِرَةٌ تُحْوِجُ إلى يَهُودَ إلى مَعُونَتِهِمْ.
﴿فَعَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ﴾ هَذا بِشارَةٌ لِلرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ بِوَعْدِهِ تَعالى بِالفَتْحِ والنُّصْرَةِ. قالَ قَتادَةُ: عَنى بِهِ القَضاءَ في هَذِهِ النَّوازِلِ، والفَتّاحُ: القاضِي. وقالَ السُّدِّيُّ: يَعْنِي بِهِ فَتْحَ مَكَّةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وظاهِرُ الفَتْحِ في هَذِهِ الآيَةِ ظُهُورُ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، وعُلُوِّ كَلَمَتِهِ فَيُسْتَغْنى عَنِ اليَهُودِ. وقِيلَ: فَتْحُ بِلادِ المُشْرِكِينَ. وقِيلَ: فَتْحُ قُرى اليَهُودِ، يُرِيدُونَ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرَ وفَدَكَ وما يَجْرِي مَجْراهُما. وقِيلَ: الفَتْحُ الفَرَجُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. وقِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ﴾ هو إجْلاءُ بَنِي النَّضِيرِ وأخْذِ أمْوالِهِمْ، لَمْ يَكُنْ لِلنّاسِ فِيهِ فِعْلٌ بَلْ طَرَحَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَأعْطَوْا بِأيْدِيهِمْ مِن غَيْرِ أنْ يُوجَفَ عَلَيْهِمْ بِخَيْلٍ ولا رِكابٍ، وقَتْلُ قُرَيْظَةَ وسَبْيُ ذَرارِيهِمْ، قالَهُ: ابْنُ السّائِبِ ومُقاتِلٌ. وقِيلَ: إذْلالُهم حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ. وقِيلَ: الخِصْبُ والرَّخا، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. وقالَ الزَّجّاجُ: إظْهارُ أمْرِ المُنافِقِينَ وتَرَبُّصِهِمُ الدَّوائِرَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَظْهَرُ أنَّ هَذا التَّقْسِيمَ إنَّما هو لِأنَّ الفَتْحَ المَوْعُودَ بِهِ هو مِمّا تَرَتَّبَ عَلى سَعْيِ النَّبِيِّ وأصْحابِهِ ونِسَبِ جِدِّهِمْ وعَمَلِهِمْ، فَوَعْدُ اللَّهِ تَعالى إمّا بِفَتْحٍ يَقْتَضِي تِلْكَ الأعْمالَ، وإمّا بِأمْرٍ مِن عِنْدِهِ يُهْلِكُ أعْداءَ الشَّرْعِ، هو أيْضًا فَتْحٌ لا يَقَعُ لِلْبَشَرِ فِيهِ تَسَبُّبٌ. انْتَهى.
﴿فَيُصْبِحُوا عَلى ما أسَرُّوا في أنْفُسِهِمْ نادِمِينَ﴾ أيْ: يَصِيرُونَ نادِمِينَ عَلى ما حَدَّثَتْهم أنْفُسُهم أنَّ أمْرَ النَّبِيِّ لا يَتِمُّ، ولا تَكُونُ الدَّوْلَةُ لَهم إذا أتى اللَّهُ بِالفَتْحِ أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ. وقِيلَ: مُوالاتُهم. وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ: فَتُصْبِحُ الفُسّاقُ؛ جَعَلَ الفُسّاقَ مَكانَ الضَّمِيرِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وخُصَّ الإصْباحُ بِالذِّكْرِ لِأنَّ الإنْسانَ في لَيْلِهِ مُفَكِّرٌ، فَعِنْدَ الصَّباحِ يَرى الحالَةَ الَّتِي اقْتَضاها فِكْرُهُ. انْتَهى. وتَقَدَّمَ لَنا نَحْوٌ مِن هَذا الكَلامِ، وذَكَرْنا أنْ أصْبَحَ تَأْتِي بِمَعْنى صارَ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ كَيْنُونَةٍ في الصَّباحِ، واتَّفَقَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَيُصْبِحُوا﴾ (p-٥٠٩)مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: (أنْ يَأْتِيَ) وهو الظّاهِرُ، ومُجَوِّزُ ذَلِكَ هو الفاءُ، لِأنَّ فِيها مَعْنى التَّسَبُّبِ، فَصارَ نَظِيرَ: الَّذِي يَطِيرُ فَيَغْضَبُ زَيْدٌ الذُّبابُ، فَلَوْ كانَ العَطْفُ بِغَيْرِ الفاءِ لَمْ يَصِحَّ، لِأنَّهُ كانَ يَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى أنْ يَأْتِيَ خَبَرٌ لِعَسى، وهو خَبَرٌ عَنِ اللَّهِ تَعالى، والمَعْطُوفُ عَلى الخَبَرِ خَبَرٌ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ فِيهِ رابِطٌ إنْ كانَ مِمّا يَحْتاجُ إلى الرّابِطِ، ولا رابِطَ هُنا، فَلا يَجُوزُ العَطْفُ. لَكِنَّ الفاءَ انْفَرَدَتْ مِن بَيْنِ سائِرِ حُرُوفِ العَطْفِ بِتَسْوِيغِ الِاكْتِفاءِ بِضَمِيرٍ واحِدٍ فِيما تَضَمَّنَ جُمْلَتَيْنِ مِن صِلَةٍ كَما مَثَّلَهُ، أوْ صِفَةٍ نَحْوَ مَرَرْتُ بِرَجُلٍ يَبْكِي فَيَضْحَكُ عَمْرٌو، أوْ خَبَرٍ نَحْوَ زَيْدٌ يَقُومُ فَيَقْعُدُ بِشْرٌ. وجَوَّزَ أنْ لا يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى أنْ يَأْتِيَ، ولَكِنَّهُ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ أنْ بَعْدَ الفاءِ في جَوابِ التَّمَنِّي، إذْ عَسى تَمَنٍّ وتَرَجٍّ في حَقِّ البَشَرِ، وهَذا فِيهِ نَظَرٌ.
المائدة 5:53
﴿ويَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ إنَّهم لَمَعَكُمْ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا أُجْلِيَ بَنُو النَّضِيرِ تَأسَّفَ المُنافِقُونَ عَلى فِراقِهِمْ، وجَعَلَ المُنافِقُ يَقُولُ لِقَرِيبِهِ المُؤْمِنِ إذا رَآهُ جادًّا في مُعاداةِ اليَهُودِ: هَذا جَزاؤُهم مِنكَ، طالَ واللَّهِ ما أشْبَعُوا بَطْنَكَ، فَلَمّا قُتِلَتْ قُرَيْظَةُ لَمْ يُطِقْ أحَدٌ مِنَ المُنافِقِينَ سَتْرَ ما في نَفْسِهِ، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: أرْبَعُمِائَةٍ حُصِدُوا في لَيْلَةٍ ؟ فَلَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ ما قَدْ ظَهَرَ مِنَ المُنافِقِينَ قالُوا: أهَؤُلاءِ؛ أيِ: المُنافِقُونَ الَّذِينَ أقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ إنَّهم لَمَعَكم ؟ والمَعْنى: يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ تَعَجُّبًا مِن حالِهِمْ إذْ أغْلَظُوا بِالأيْمانِ لِلْمُؤْمِنِينَ إنَّهم مَعَكم، وإنَّهم مُعاضِدُوكم عَلى اليَهُودِ، فَلَمّا حَلَّ بِاليَهُودِ ما حَلَّ ظَهَرَ مِنَ المُنافِقِينَ ما كانُوا يُسِرُّونَهُ مِن مُوالاةِ اليَهُودِ والتَّمالُؤِ عَلى المُؤْمِنِينَ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَقُولَ المُؤْمِنُونَ ذَلِكَ لِلْيَهُودِ، ويَكُونَ الخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهم لَمَعَكُمْ﴾ لِلْيَهُودِ، لِأنَّ المُنافِقِينَ حَلَفُوا لِلْيَهُودِ بِالمُعاضَدَةِ والنُّصْرَةِ كَما قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْهم: ﴿وإنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ [الحشر: ١١] فَقالُوا ذَلِكَ لِلْيَهُودِ يُجَسِّرُونَهم عَلى مُوالاةِ المُنافِقِينَ، وأنَّهم لَنْ يُغْنُوا عَنْهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، ويَغْتَبِطُونَ بِما مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن إخْلاصِ الإيمانِ ومُوالاةِ اليَهُودِ.
وقَرَأ الِابْنانِ ونافِعٌ: بِغَيْرِ واوٍ، كَأنَّهُ جَوابُ قائِلٍ: ما يَقُولُ المُؤْمِنُونَ حِينَئِذٍ. فَقِيلَ: يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا، وكَذا هي في مَصاحِفِ أهْلِ مَكَّةَ والمَدِينَةِ. وقَرَأ الباقُونَ: بِالواوِ، ونَصَبَ اللّامَ أبُو عَمْرٍو، ورَفَعَها الكُوفِيُّونَ. ورَوى عَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ عَنْ أبِي عُمَرَ: والرَّفْعُ والنَّصْبُ، وقالُوا: وهي في مَصاحِفِ الكُوفَةِ وأهْلِ المَشْرِقِ. والواوُ عاطِفَةٌ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ، هَذا إذا رَفَعَ اللّامَ، ومَعَ حَذْفِ الواوِ الِاتِّصالُ مَوْجُودٌ، في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ ذِكْرٌ مِنَ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ إذِ الَّذِينَ يُسارِعُونَ وقالُوا: نَخْشى، ويُصْبِحُوا - هُمُ الَّذِينَ قِيلَ فِيهِمْ: أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا، وتارَةً يُكْتَفى في الِاتِّصالِ بِالضَّمِيرِ، وتارَةً يُؤَكَّدُ بِالعَطْفِ بِالواوِ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا القَوْلَ هو صادِرٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ عِنْدَ رُؤْيَةِ الفَتْحِ كَما قَدَّمْنا.
قِيلَ: ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ في وقْتِ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَقُولُونَ: ﴿نَخْشى أنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ﴾ [المائدة: ٥٢] وعِنْدَما ظَهَرَ سُؤالُهم في أمْرِ بَنِي قَيْنُقاعَ وسُؤالِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ فِيهِمْ، ونَزْلِ الرَّسُولِ إيّاهم لَهُ، وإظْهارِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ خَشْيَةَ الدَّوائِرِ هي خَوْفُهُ عَلى المَدِينَةِ ومَن بِها مِنَ المُؤْمِنِينَ، وقَدْ عَلِمَ كُلُّ مُؤْمِنٍ أنَّهُ كاذِبٌ في ذَلِكَ، فَكانَ فِعْلُهُ ذَلِكَ مُوَطِّئًا أنْ يَقُولَ المُؤْمِنُونَ ذَلِكَ؛ وأمّا قِراءَةُ: ويَقُولَ، بِالنَّصْبِ، فَوُجِّهَتْ عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ لَمْ يَكُنْ إلّا عِنْدَ الفَتْحِ، وأنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى، فَهو مَعْطُوفٌ عَلى أنْ يَأْتِيَ، إذْ مَعْنى: ﴿فَعَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَ﴾ [المائدة: ٥٢]، مَعْنى فَعَسى أنْ يَأْتِيَ اللَّهُ، وهَذا الَّذِي يُسَمِّيهِ النَّحْوِيُّونَ العَطْفُ عَلى التَّوَهُّمِ، يَكُونُ الكَلامُ في قالَبٍ فَيُقَدِّرُهُ في قالَبٍ آخَرَ، إذْ لا يَصِحُّ أنْ يُعْطَفَ ضَمِيرُ اسْمِ اللَّهِ ولا شَيْءٌ مِنهُ. وأجازَ ذَلِكَ أبُو البَقاءِ عَلى تَقْدِيرِ ضَمِيرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: ويَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ؛ أيْ: بِاللَّهِ. فَهَذا الضَّمِيرُ يَصِحُّ بِهِ الرَّبْطُ، أوْ هو مَعْطُوفٌ عَلى أنْ يَأْتِيَ عَلى أنْ يَكُونَ أنْ يَأْتِيَ بَدَلًا مِنِ اسْمِ اللَّهِ لا خَبَرًا، فَتَكُونُ عَسى إذْ ذاكَ تامَّةً لا ناقِصَةً، كَأنَّكَ قُلْتَ: عَسى أنْ (p-٥١٠)يَأْتِيَ، ويَقُولَ، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿فَيُصْبِحُوا﴾ [المائدة: ٥٢]، عَلى أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿فَيُصْبِحُوا﴾ [المائدة: ٥٢] مَنصُوبًا بِإضْمارِ أنْ، جَوابًا لَعَسى، إذْ فِيها مَعْنى التَّمَنِّي؛ وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ في هَذا الوَجْهِ نَظَرٌ، وهو هَلْ تَجْرِي عَسى في التَّرَجِّي مَجْرى لَيْتَ في التَّمَنِّي ؟ أمْ لا تَجْرِي ؟ وذَكَرَ هَذا الوَجْهَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أبِي يَعْلى، وتَبِعَهُ ابْنُ الحاجِبِ، ولَمْ يَذْكُرِ ابْنُ الحاجِبِ غَيْرَهُ. وعَسى مِنَ اللَّهِ واجِبَةٌ فَلا تَرَجِّي فِيها، وكِلا الوَجْهَيْنِ قَبْلَهُ تَخْرِيجُ أبِي عَلِيٍّ. وخَرَّجَهُ النَّحّاسُ عَلى أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿بِالفَتْحِ﴾ [المائدة: ٥٢] بِأنْ يَفْتَحَ، ويَقُولَ: ولا يَصِحُّ هَذا لِأنَّهُ قَدْ فُصِلَ بَيْنَهُما بِقَوْلِهِ: أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ؛ وحَقُّهُ أنْ يَكُونَ لُغَةً لِأنَّ المَصْدَرَ يَنْحَلُّ لِأنْ والفِعْلِ، فالمَعْطُوفُ عَلَيْهِ مِن تَمامِهِ، فَلا يُفْصَلُ بَيْنَهُما؛ وهَذا إنْ سُلِّمَ أنَّ الفَتْحَ مَصْدَرٌ، فَيَحِلُّ لِأنْ والفِعْلِ. والظّاهِرُ أنَّهُ لا يُرادُ بِهِ ذَلِكَ، بَلْ هو كَقَوْلِكَ: يُعْجِبُنِي مِن زَيْدٍ ذَكاؤُهُ وفَهْمُهُ، لا يُرادُ بِهِ انْحِلالُهُ لِأنْ والفِعْلِ، وعَلى تَقْدِيرِ ذَلِكَ فَلا يَصِحُّ أيْضًا، لِأنَّ المَعْنى لَيْسَ عَلى: فَعَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَ، بِأنْ يَقُولَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذا. ولِأنَّهُ يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ الفَصْلُ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَيُصْبِحُوا﴾ [المائدة: ٥٢] وهو أجْنَبِيٌّ مِنَ المُتَعاطِفَيْنِ، لِأنَّ ظاهِرَ فَيُصْبِحُوا أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى أنْ يَأْتِيَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُكَ: هِنْدٌ الفاسِقَةُ أرادَ زَيْدٌ إذايَتَها بِضَرْبٍ أوْ حَبْسٍ وإصْباحَها ذَلِيلَةً، وقَوْلِ أصْحابِهِ: أهَذِهِ الفاسِقَةُ الَّتِي زَعَمْتَ أنَّها عَفِيفَةٌ ؟ فَيَكُونُ وقَوْلِ مَعْطُوفًا عَلى بِضَرْبٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عِنْدِي في مَنعِ جَوازِ عَسى اللَّهُ أنْ يَقُولَ المُؤْمِنُونَ - نَظَرٌ، إذِ الَّذِينَ نَصَرَهم يَقُولُونَ: نَنْصُرُهُ بِإظْهارِ دِينِهِ، فَيَنْبَغِي أنْ يَجُوزَ ذَلِكَ. انْتَهى. وهَذا الَّذِي قالَهُ راجِعٌ إلى أنْ يَصِيرَ سَبَبًا لِأنَّهُ صارَ في الجُمْلَةِ ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى اللَّهِ، وهو تَقْدِيرُهُ: بِنَصْرِهِ وإظْهارِ دِينِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا خِلافَ في الجَوازِ؛ وإنَّما مَنَعُوا حَيْثُ لا يَكُونُ رابِطٌ، وانْتِصابُ جَهْدَ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ؛ والمَعْنى: أهَؤُلاءِ هُمُ المُقْسِمُونَ بِاجْتِهادٍ مِنهم في الأيْمانِ أنَّهم مَعَكم ؟ ثُمَّ ظَهَرَ الآنَ مِن مُوالاتِهِمُ اليَهُودَ ما أكْذَبَهم في أيْمانِهِمْ. ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى الحالِ، كَما جَوَّزُوا في فَعَلْتَهُ جَهْدَكَ وقَوْلُهُ: إنَّهم لَمَعَكم، حِكايَةٌ لِمَعْنى القَسَمِ لا لِلَفْظِهِمْ، إذْ لَوْ كانَ لَفْظُهم لَكانَ إنّا لَمَعَكم.
﴿حَبِطَتْ أعْمالُهم فَأصْبَحُوا خاسِرِينَ﴾ ظاهِرُهُ أنَّهُ مِن جُمْلَةِ ما يَقُولُهُ المُؤْمِنُونَ اعْتِمادًا في الأخْبارِ عَلى ما حَصَلَ في اعْتِقادِهِمْ؛ أيْ: بَطَلَتْ أعْمالُهم إنْ كانُوا يَتَكَلَّفُونَها في رَأيِ العَيْنِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ كَأنَّهُ قِيلَ: ما أحْبَطَ أعْمالَهم فَما أخْسَرَهم ! ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنَ اللَّهِ تَعالى، ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَكُونَ خَبَرًا بَلْ دُعاءً إمّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وإمّا مِنَ المُؤْمِنِينَ. وحَبْطُ العَمَلِ هُنا هو عَلى مَعْنى التَّشْبِيهِ، وإلّا فَلا عَمَلَ لَهُ في الحَقِيقَةِ فَيُحْبَطُ وجَوَّزَ الحَوْفِيُّ أنْ يَكُونَ حَبِطَتْ أعْمالُهم: خَبَرًا ثانِيًا عَنْ هَؤُلاءِ، والخَبَرُ الأوَّلُ هو قَوْلُهُ: الَّذِينَ أقْسَمُوا، وأنْ يَكُونَ الَّذِينَ صِفَةً لِهَؤُلاءِ، ويَكُونَ حَبِطَتْ هو الخَبَرُ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ قِراءَةِ أبِي واقِدٍ والجَرّاحِ حَبَطَتْ، بِفَتْحِ الباءِ، وأنَّها لُغَةٌ.
المائدة 5:54
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ﴾ وابْنُ كَعْبٍ والضَّحّاكُ الحَسَنُ وقَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهم: نَزَلَتْ خِطابًا (p-٥١١)لِلْمُؤْمِنِينَ عامَّةً إلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ ومَن يَرْتَدَّ جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، وهي إخْبارٌ عَنِ الغَيْبِ.
وتَعَرَّضَ المُفَسِّرُونَ هُنا لِمَنِ ارْتَدَّ في قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ نَخْتَصِرُها فَنَقُولُ: ارْتَدَّ في زَمانِ الرَّسُولِ، ﷺ، مَذْحِجٌ ورَئِيسُهم عَبْهَلَةُ بْنُ كَعْبٍ ذُو الخِمارِ، وهو الأسْوَدُ العَنْسِيُّ قَتَلَهُ فَيْرُوزٌ عَلى فِراشِهِ، وأخْبَرَ الرَّسُولُ، ﷺ، بِقَتْلِهِ، وسَمّى قاتِلَهُ لَيْلَةَ قُتِلَ. وماتَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، مِنَ الغَدِ، وأتى خَبَرُ قَتْلِهِ في آخِرِ رَبِيعٍ الأوَّلِ وبَنُو حَنِيفَةَ رَئِيسُهم مُسَيْلِمَةُ قَتَلَهُ وحْشِيٌّ، وبَنُو أسَدٍ رَئِيسُهم طُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ هَزَمَهُ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ، وأفْلَتَ ثُمَّ أسْلَمَ وحَسُنَ إسْلامُهُ. هَذِهِ ثَلاثُ فِرَقٍ ارْتَدَّتْ في حَياةِ الرَّسُولِ، وتَنَبَّأ رُؤَساؤُهم. وارْتَدَّ في خِلافَةِأبِي بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، سَبْعُ فِرَقٍ. فَزارَةُ: قَوْمُ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ، وغَطَفانُ: قَوْمُ قُرَّةَ بْنِ سَلَمَةَ القُشَيْرِيِّ، وسُلَيْمٌ: قَوْمُ الفُجاءَةِ بْنِ عَبْدِ يالِيلَ، ويَرْبُوعٌ: قَوْمُ مالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ، وبَعْضُ تَمِيمٍ: قَوْمُ سَجاحِ بِنْتِ المُنْذِرِ وقَدْ تَنَبَّأتْ وتَزَوَّجَها مُسَيْلِمَةُ وقالَ: الشّاعِرُ:
؎أضْحَتْ نَبِيَّتُنا أُنْثى نَطِيفُ بِها وأصْبَحَتْ أنْبِياءُ اللَّهِ ذُكْرانا
وقالَ أبُو العَلاءِ المَعَرِّيُّ:
؎أمَّتْ سَجاحِ ووالاها مُسَيْلِمَةُ ∗∗∗ كَذّابَةٌ في بَنِي الدُّنْيا وكَذّابُ
وكِنْدَةُ: قَوْمُ الأشْعَثِ، وبَكْرُ بْنُ وائِلٍ بِالبَحْرَيْنِ: قَوْمُ الحُطَمِ بْنِ يَزِيدَ. وكَفى اللَّهُ أمْرَهم عَلى يَدَيْ أبِي بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ وفِرْقَةٌ في عَهْدِ عُمَرَ: غَسّانُ: قَوْمُ جَبَلَةَ بْنِ الأيْهَمِ نَصَّرَتْهُ اللَّطْمَةُ وسَيَّرَتْهُ إلى بَلَدِ الرُّومِ بَعْدَ إسْلامِهِ.
وفِي القَوْمِ الَّذِينَ يَأْتِي اللَّهُ بِهِمْ: أبُو بَكْرٍ وأصْحابُهُ، أوْ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وأصْحابُهُما، أوْ قَوْمُ أبِي مُوسى، أوْ أهْلُ اليَمَنِ ألْفانِ مِنَ البَحْرِ وخَمْسَةُ آلافٍ مِن كِنْدَةَ وبَجِيلَةَ، وثَلاثَةُ آلافٍ مِن أخْلاطِ النّاسِ جاهَدُوا أيّامَ القادِسِيَّةِ أيّامَ عُمَرَ. أوِ الأنْصارُ، أوْ هُمُ المُهاجِرُونَ، أوْ أحْياءٌ مِنَ اليَمَنِ مِن كِنْدَةَ وبَجِيلَةَ وأشْجَعَ لَمْ يَكُونُوا وقْتَ النُّزُولِ قاتَلَ بِهِمْ أبُو بَكْرٍ في الرِّدَّةِ، أوِ القُرْبى، أوْ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ قاتَلَ الخَوارِجَ؛ أقْوالٌ تِسْعَةٌ. وفي المُسْتَدْرَكِ لِأبِي عَبْدِ اللَّهِ الحاكِمِ بِإسْنادٍ: أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ أشارَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، إلى أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ فَقالَ قَوْمٌ: هَذا، وهَذا أصَحُّ الأقْوالِ، وكانَ لَهم بَلاءٌ في الإسْلامِ زَمانَ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، وعامَّةُ فَتُوحِ عُمَرَ عَلى أيْدِيهِمْ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: مَن يَرْتَدِدْ؛ بِدالَيْنِ مَفْكُوكًا، وهي لُغَةُ الحِجازِ. والباقُونَ بِواحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ. والعائِدُ عَلى اسْمِ الشَّرْطِ مِن جُمْلَةِ الجَزاءِ مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى، تَقْدِيرُهُ: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ غَيْرِهِمْ، أوْ مَكانَهم. ويُحِبُّونَهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: يُحِبُّهم، فَهو في مَوْضِعِ جَرٍّ. وقالَ أبُو البَقاءِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ، تَقْدِيرُهُ: وهم يُحِبُّونَهُ. انْتَهى. وهَذا ضَعِيفٌ لا يُسَوَّغُ مِثْلُهُ في القُرْآنِ. ووَصَفَ تَعالى هَؤُلاءِ القَوْمَ بِأنَّهُ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ، مَحَبَّةُ اللَّهِ لَهم هي تَوْفِيقُهم لِلْإيمانِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ﴾ [الحجرات: ٧] وإثابَتُهُ عَلى ذَلِكَ وعَلى سائِرِ الطّاعاتِ، وتَعْظِيمُهُ إيّاهم، وثَناؤُهُ عَلَيْهِمْ، ومَحَبَّتُهم لَهُ وطاعَتُهُ واجْتِنابُ نَواهِيهِ، وامْتِثالُ مَأْمُوراتِهِ. وقَدَّمَ مَحَبَّتَهُ عَلى مَحَبَّتِهِمْ إذْ هي أشْرَفُ وأسْبَقُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأمّا ما يَعْتَقِدُهُ أجْهَلُ النّاسِ وأعْداهم لِلْعِلْمِ وأهْلِهِ، وأمْقُتُهم لِلشَّرْعِ، وأسْوَأُهم طَرِيقَةً، وإنْ كانَتْ طَرِيقَتُهُ عِنْدَ أمْثالِهِ مِنَ السُّفَهاءِ والجَهَلَةِ شَيْئًا، وهُمُ: الفِرْقَةُ المُنْفَعِلَةُ والمُتَفَعِّلَةُ مِنَ الصُّوفِ وما يَدِينُونَ بِهِ مِنَ المَحَبَّةِ والعِشْقِ والتَّغَنِّي عَلى كَراسِيِّهِمْ، خَرَّبَها اللَّهُ، وفي مَراقِصِهِمْ، عَطَّلَها اللَّهُ، بِأبْياتِ الغَزَلِ المَقُولَةِ في المُرْدانِ الَّذِينَ يُسَمُّونَهم شُهَداءَ اللَّهِ وصَعَقاتِهِمُ الَّتِي تُشْبِهُ صَعْقَةَ مُوسى عِنْدَ دَكِّ الطُّورِ، فَتَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا. ومِن كَلِماتِهِ كَما أنَّهُ بِذاتِهِ يُحِبُّهم، كَذَلِكَ يُحِبُّونَ ذاتَهُ، فَإنَّ الهاءَ راجِعَةٌ إلى الذّاتِ دُونَ النُّعُوتِ والصِّفاتِ. ومِنها الحُبُّ، شَرْطُهُ أنْ تَلْحَقَهُ سَكَراتُ المَحَبَّةِ، فَإذا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَقِيقَةً. انْتَهى كَلامُ (p-٥١٢)الزَّمَخْشَرِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى. وقالَ بَعْضُ المُعاصِرِينَ: قَدْ عَظُمَ أمْرُ هَؤُلاءِ المُنْفَعِلَةِ عِنْدَ العامَّةِ وكَثُرَ القَوْلُ فِيهِمْ بِالحُلُولِ والوَحْدَةِ، وسِرِّ الحُرُوفِ، وتَفْسِيرِ القُرْآنِ عَلى طَرِيقِ القَرامِطَةِ الكُفّارِ الباطِنِيَّةِ، وادِّعاءِ أعْظَمِ الخَوارِقِ لِأفْسَقِ الفُسّاقِ، وبُغْضِهِمْ في العِلْمِ وأهْلِهِ، حَتّى إنَّ طائِفَةً مِنَ المُحَدِّثِينَ قَصَدُوا قِراءَةَ الحَدِيثِ عَلى شَيْخٍ في خانِقاتِهِمْ يَرْوِي الحَدِيثَ فَبِنَفْسِ ما قَرَءُوا شَيْئًا مِن حَدِيثِ الرَّسُولِ خَرَجَ شَيْخُ الشُّيُوخِ الَّذِينَ هم يَقْتَدُونَ بِهِ، وقَطَعَ قِراءَةَ الحَدِيثِ، وأخْرَجَ الشَّيْخَ المُسَمِّعَ والمُحَدِّثِينَ وقالَ: رُوحُوا إلى المَدارِسِ شَوَّشْتُمْ عَلَيْنا. ولا يُمَكِّنُونَ أحَدًا مِن قِراءَةِ القُرْآنِ جَهْرًا، ولا مِنَ الدَّرْسِ لِلْعِلْمِ. وقَدْ صَحَّ أنَّ بَعْضَهم مِمَّنْ يَتَكَلَّمُ بِالدَّهْرِ عَلى طَرِيقَتِهِمْ، سَمِعَ ناسًا في جامِعٍ يَقْرَءُونَ القُرْآنَ فَصَعِدَ كُرْسِيَّهُ الَّذِي يَهْدِرُ عَلَيْهِ فَقالَ: يا أصْحابَنا شَوَّشُوا عَلَيْنا، وقامَ نافِضًا ثَوْبَهُ، فَقامَ أصْحابُهُ وهو يَدُلُّهم لِقُرّاءِ القُرْآنِ، فَضَرَبُوهم أشَدَّ الضَّرْبِ، وسُلَّ عَلَيْهِمُ السَّيْفُ مِنَ أتْباعِ ذَلِكَ الهادِرِ وهو لا يَنْهاهم عَنْ ذَلِكَ. وقَدْ عَلَّمَ أصْحابَهُ كَلامًا افْتَعَلُوهُ عَلى بَعْضِ الصّالِحِينَ حَفَّظَهم إيّاهُ يَسْرُدُونَهُ حِفْظًا كالسُّورَةِ مِنَ القُرْآنِ، وهو مَعَ ذَلِكَ لا يُعَلِّمُهم فَرائِضَ الوُضُوءِ، ولا سُنَنَهُ، فَضْلًا عَنْ غَيْرِها مِن تَكالِيفِ الإسْلامِ. والعَجَبُ أنَّ كُلًّا مِن هَؤُلاءِ الرُّءُوسِ يُحْدِثُ كَلامًا جَدِيدًا يُعَلِّمُهُ أصْحابَهُ حَتّى يَصِيرَ لَهم شِعارًا، ويَتْرُكُ ما صَحَّ عَنِ الرَّسُولِ، ﷺ، مِنَ الأدْعِيَةِ المَأْثُورَةِ المَأْمُورِ بِها وفي كِتابِ اللَّهِ تَعالى عَلى غَثاثَةِ كَلامِهِمْ، وعامِّيَّتِهِ، وعَدَمِ فَصاحَتِهِ، وقِلَّةِ مَحْصُولِهِ، وهم مُسْتَمْسِكُونَ بِهِ كَأنَّهُ جاءَهم بِهِ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ. ولَنْ تَرى أطْوَعَ مِنَ العَوامِّ لِهَؤُلاءِ يَبْنُونَ لَهُمُ الخَوانِقَ والرُّبُطَ، ويَرْصُدُونَ لَهُمُ الأوْقافَ، وهم أبْغَضُ النّاسِ في العِلْمِ والعُلَماءِ، وأحَبُّهم لِهَذِهِ الطَّوائِفِ. والجاهِلُونَ لِأهْلِ العِلْمِ أعْداءٌ.
﴿أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ هو جَمْعُ ذَلِيلٍ لا جَمْعُ ذَلُولٍ الَّذِي هو نَقِيضُ الضَّعْفِ، لِأنَّ ذَلُولًا لا يُجْمَعُ عَلى أذِلَّةٍ بَلْ ذَلَلٍ، وعُدِّيَ أذِلَّةٍ بِعَلى وإنْ كانَ الأصْلُ بِاللّامِ، لِأنَّهُ ضَمَّنَهُ مَعْنى الحُنُوِّ والعَطْفِ كَأنَّهُ قالَ: عاطِفِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ عَلى وجْهِ التَّذَلُّلِ والتَّواضُعِ. قِيلَ: أوْ لِأنَّهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، التَّقْدِيرُ: عَلى فَضْلِهِمْ عَلى المُؤْمِنِينَ عَلى وجْهِ التَّذَلُّلِ والتَّواضُعِ. قِيلَ: أوْ لِأنَّهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، التَّقْدِيرُ: عَلى فَضْلِهِمْ عَلى المُؤْمِنِينَ، والمَعْنى أنَّهم يَذِلُّونَ ويَخْضَعُونَ لِمَن فُضِّلُوا عَلَيْهِ مَعَ شَرَفِهِمْ وعُلُوِّ مَكانِهِمْ، وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] وجاءَتْ هَذِهِ الصِّفَةُ بِالِاسْمِ الَّذِي فِيهِ المُبالَغَةُ، لِأنَّ أذِلَّةً جَمْعُ ذَلِيلٍ وأعِزَّةً جَمْعُ عَزِيزٍ، وهُما صِفَتا مُبالَغَةٍ، وجاءَتِ الصِّفَةُ قَبْلَ هَذا بِالفِعْلِ في قَوْلِهِ: ﴿يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ﴾ لِأنَّ الِاسْمَ يَدُلُّ عَلى الثُّبُوتِ، فَلَمّا كانَتْ صِفَةَ مُبالَغَةٍ، وكانَتْ لا تَتَجَدَّدُ بَلْ هي كالغَرِيزَةِ، جاءَ الوَصْفُ بِالِاسْمِ؛ ولَمّا كانَتْ قَبْلُ تَتَجَدَّدُ، لِأنَّها عِبارَةٌ عَنْ أفْعالِ الطّاعَةِ والثَّوابِ المُتَرَتِّبِ عَلَيْها، جاءَ الوَصْفُ بِالفِعْلِ الَّذِي يَقْتَضِي التَّجَدُّدَ. ولَمّا كانَ الوَصْفُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالمُؤْمِنِ أوْكَدَ، ولِمَوْصُوفِهِ الَّذِي قُدِّمَ عَلى الوَصْفِ المُتَعَلِّقِ بِالكافِرِ، ولِشَرَفِ المُؤْمِنِ أيْضًا، ولَمّا كانَ الوَصْفُ الَّذِي بَيْنَ المُؤْمِنِ ورَبِّهِ أشْرَفَ مِنَ الوَصْفِ الَّذِي بَيْنَ المُؤْمِنِ والمُؤْمِنِ، قُدِّمَ قَوْلُهُ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ عَلى قَوْلِهِ: أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الوَصْفَ إذا كانَ بِالِاسْمِ وبِالفِعْلِ لا يَتَقَدَّمُ الوَصْفُ بِالفِعْلِ عَلى الوَصْفِ بِالِاسْمِ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ نَحْوَ قَوْلِهِ:
؎وفَـرْعٍ يُغَشِّـي المَتْـنَ أسْـوَدَ فَـاحِـمٍ
إذْ جاءَ ما ادَّعى أنَّهُ يَكُونُ في الضَّرُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقُدِّمَ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ، وهو فِعْلٌ، عَلى قَوْلِهِ: أذِلَّةٍ؛ وهو اسْمٌ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ [الأنعام: ٩٢] وقُرِئَ شاذًّا أذِلَّةً، وهو اسْمٌ وكَذا أعِزَّةً نَصْبًا عَلى الحالِ مِنَ النَّكِرَةِ إذا قُرِّبَتْ مِنَ المَعْرِفَةِ بِوَصْفِها. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: غُلَظاءَ عَلى الكافِرِينَ مَكانَ أعِزَّةٍ.
(p-٥١٣)﴿يُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: في نُصْرَةِ دِينِهِ. وظاهِرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ أنَّها صِفَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافَ أخْبارٍ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في أعِزَّةٍ.
﴿ولا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ أيْ: هم صِلابٌ في دِينِهِ، لا يُبالُونَ بِمَن لامَ فِيهِ. فَمَتى شَرَعُوا في أمْرٍ بِمَعْرُوفٍ أوْ نَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ، أمْضَوْهُ لا يَمْنَعُهُمُ اعْتِراضُ مُعْتَرِضٍ، ولا قَوْلُ قائِلٍ؛ هَذانِ الوَصْفانِ أعْنِي: الجِهادَ والصَّلابَةَ في الدِّينِ، هُما نَتِيجَةُ الأوْصافِ السّابِقَةِ؛ لِأنَّ مَن أحَبَّ اللَّهَ لا يَخْشى إلّا إيّاهُ، ومَن كانَ عَزِيزًا عَلى الكافِرِ جاهِدًا في إخْمادِهِ واسْتِئْصالِهِ؛ وناسَبَ تَقْدِيمُ الجِهادِ عَلى انْتِفاءِ الخَوْفِ مِنَ اللّائِمِينَ لِمُجاوَرَتِهِ ﴿أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾، ولِأنَّ الخَوْفَ أعْظَمُ مِنَ الجِهادِ، فَكانَ ذَلِكَ تَرَقِّيًا مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى. ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الواوُ في: ولا يَخافُونَ واوَ الحالِ؛ أيْ: يُجاهِدُونَ، وحالُهم في المُجاهَدَةِ غَيْرُ حالِ المُنافِقِينَ، فَإنَّهم كانُوا مُوالِينَ لِلْيَهُودِ، فَإذا خَرَجُوا في جَيْشِ المُؤْمِنِينَ خافُوا أوْلِياءَهُمُ اليَهُودَ وتَخاذَلُوا وخَذَلُوا حَتّى لا يَلْحَقُهم لَوْمٌ مِن جِهَتِهِمْ. وأمّا المُؤْمِنُونَ فَكانُوا يُجاهِدُونَ لِوَجْهِ اللَّهِ، لا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ. ولَوْمَةٌ لِلْمَرَّةِ الواحِدَةِ؛ وهي نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ. فَتَعُمُّ؛ أيْ: لا يَخافُونَ شَيْئًا قَطُّ مِنَ اللَّوْمِ.
﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾ الظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الأوْصافِ الَّتِي تَحَلّى بِها المُؤْمِنُ. ذَكَرَ أنَّ ذَلِكَ هو فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن أرادَ، لَيْسَ ذَلِكَ بِسابِقَةٍ مِمَّنْ أعْطاهُ إيّاهُ، بَلْ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الإحْسانِ مِنهُ تَعالى لِمَن أرادَ الإحْسانَ إلَيْهِ. وقِيلَ: ذَلِكَ إشارَةٌ إلى حُبِّ اللَّهِ لَهم وحُبِّهِمْ لَهُ. وقِيلَ: إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾، وهو: لِينُ الجانِبِ، وتَرْكُ التَّرَفُّعِ عَلى المُؤْمِنِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ مِمَّنْ يَعْلَمُ أنَّ لَهُ لُطْفًا. انْتَهى. وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. ويُؤْتِيهِ اسْتِئْنافٌ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ أوْ حالٌ.
﴿واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ: واسْعُ الإحْسانِ والإفْضالِ عَلِيمٌ بِمَن يَضَعُ ذَلِكَ فِيهِ.
المائدة 5:55
﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ لَمّا نَهاهم عَنِ اتِّخاذِ اليَهُودِ والنَّصارى أوْلِياءَ، بَيَّنَ هُنا مَن هو ولِيُّهم، وهو اللَّهُ ورَسُولُهُ. وفُسِّرَ الوَلِيُّ هُنا بِالنّاصِرِ، أوِ المُتَوَلِّي الأمْرَ، أوِ المُحِبِّ. ثَلاثَةُ أقْوالٍ؛ والمَعْنى: لا ولِيَّ لَكم إلّا اللَّهُ. وقالَ: ولِيُّكم بِالإفْرادِ، ولَمْ يَقُلْ أوْلِياؤُكم؛ وإنْ كانَ المُخْبَرُ بِهِ مُتَعَدِّدًا، لِأنَّ ولِيًّا اسْمُ جِنْسٍ. أوْ لِأنَّ الوَلايَةَ حَقِيقَةً هي لِلَّهِ تَعالى عَلى سَبِيلِ التَّأصُّلِ، ثُمَّ نَظَمَ في سِلْكِهِ مَن ذُكِرَ عَلى سَبِيلِ التَّبَعِ، ولَوْ جاءَ جَمْعًا لَمْ يُتَبَيَّنْ هَذا المَعْنى مِنَ الأصالَةِ والتَّبَعِيَّةِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: مَوْلاكُمُ اللَّهُ؛ وظاهِرُ قَوْلِهِ: والَّذِينَ آمَنُوا، عُمُومُ مَن آمَنَ مَن مَضى مِنهم ومَن بَقِيَ، قالَهُ الحَسَنُ. وسُئِلَ الباقِرُ عَمَّنْ نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ، أهوَ عَلِيٌّ ؟ فَقالَ: عَلِيٌّ مِنَ المُؤْمِنِينَ. وقِيلَ: الَّذِينَ آمَنُوا هوَ عَلِيٌّ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ، ويَكُونُ مِن إطْلاقِ الجَمْعِ عَلى الواحِدِ مَجازًا. وقِيلَ (p-٥١٤)ابْنُ سَلامٍ وأصْحابُهُ. وقِيلَ: عُبادَةُ، لَمّا تَبَرَّأ مِن حُلَفائِهِ اليَهُودِ. وقِيلَ: أبُو بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم راكِعُونَ﴾ هَذِهِ أوْصافٌ مُيِّزَ بِها المُؤْمِنُ الخالِصُ الإيمانِ مِنَ المُنافِقِ، لِأنَّ المُنافِقَ لا يَدُومُ عَلى الصَّلاةِ ولا عَلى الزَّكاةِ. قالَ تَعالى: ﴿وإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى﴾ [النساء: ١٤٢] وقالَ تَعالى: ﴿أشِحَّةً عَلى الخَيْرِ﴾ [الأحزاب: ١٩] ولَمّا كانَتِ الصَّحابَةُ وقْتَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ مِن مُقِيمِي صَلاةٍ ومُؤْتِي زَكاةٍ، وفي كِلْتا الحالَتَيْنِ كانُوا مُتَّصِفِينَ بِالخُضُوعِ لِلَّهِ تَعالى والتَّذَلُّلِ لَهُ، نَزَلَتِ الآيَةُ بِهَذِهِ الأوْصافِ الجَلِيلَةِ؛ والرُّكُوعُ هُنا ظاهِرُهُ الخُضُوعُ، لا الهَيْئَةُ الَّتِي في الصَّلاةِ. وقِيلَ: المُرادُ الهَيْئَةُ، وخُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِأنَّها مِن أعْظَمِ أرْكانِ الصَّلاةِ، فَعَبَّرَ بِها عَنْ جَمِيعِ الصَّلاةِ، إلّا أنَّهُ يَلْزَمُ في هَذا القَوْلِ تَكْرِيرُ الصَّلاةِ لِقَوْلِهِ: ﴿يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾؛ ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ التَّكْرارُ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ لِشَرَفِ الصَّلاةِ وعِظَمِها في التَّكالِيفِ الإسْلامِيَّةِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالصَّلاةِ هُنا الفَرائِضُ، وبِالرُّكُوعِ التَّنَفُّلُ. يُقالُ: فُلانٌ يَرْكَعُ إذا تَنَفَّلَ بِالصَّلاةِ؛ ورُوِيَ أنَّ عَلِيًّا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، تَصَدَّقَ بِخاتَمِهِ وهو راكِعٌ في الصَّلاةِ. والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وهم راكِعُونَ﴾، أنَّها جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمَلِ قَبْلَها، مُنْتَظِمَةٌ في سِلْكِ الصَّلاةِ. وقِيلَ: الواوُ لِلْحالِ؛ أيْ: يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم خاضِعُونَ لا يَشْتَغِلُونَ عَلى مَن يُعْطُونَهم إيّاها؛ أيْ: يُؤْتُونَها فَيَتَصَدَّقُونَ وهم مُلْتَبِسُونَ بِالصَّلاةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ. (فَإنْ قُلْتَ): الَّذِينَ يُقِيمُونَ ما مَحَلُّهُ ؟ (قُلْتُ): الرَّفْعُ عَلى البَدَلِ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا، أوْ عَلى هُمُ الَّذِينَ يُقِيمُونَ. انْتَهى. ولا أدْرِي ما الَّذِي مَنَعَهُ مِنَ الصِّفَةِ إذْ هو المُتَبادِرُ إلى الذِّهْنِ، لِأنَّ المُبْدَلَ مِنهُ في نِيَّةِ الطَّرْحِ، وهو لا يَصِحُّ هُنا طَرْحُ الَّذِينَ آمَنُوا لِأنَّهُ هو الوَصْفُ المُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ صِحَّةُ ما بَعْدَهُ مِنَ الأوْصافِ.
المائدة 5:56
﴿ومَن يَتَوَلَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ والَّذِينَ آمَنُوا فَإنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغالِبُونَ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ جَوابُ مَن مَحْذُوفًا لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ؛ أيْ: يَكُنْ مِن حِزْبِ اللَّهِ ويَغْلِبْ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الجَوابُ: فَإنَّ حِزْبَ اللَّهِ، ويَكُونَ مِن وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ؛ أيْ: فَإنَّهم هُمُ الغالِبُونَ. وفائِدَةُ وضْعِ الظّاهِرِ هُنا مَوْضِعَ المُضْمَرِ: الإضافَةُ إلى اللَّهِ تَعالى فَيَشْرُفُونَ بِذَلِكَ، وصارُوا بِذَلِكَ أعْلامًا؛ وأصْلُ الحِزْبِ القَوْمُ، يَجْتَمِعُونَ لِأمْرِ حِزْبِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ حِزْبَ اللَّهِ والرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ، ويَكُونُ المَعْنى: ومَن يَتَوَلَّهم فَقَدْ تَوَلّى حِزْبَ اللَّهِ، واعْتَضَدَ بِمَن لا يُغالَبُ. انْتَهى. وهو قَلَقٌ في التَّرْكِيبِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْ: فَإنَّهُ غالِبُ كُلِّ مَن ناوَأهُ، وجاءَتِ العِبارَةُ عامَّةً أنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغالِبُونَ اخْتِصارًا، لِأنَّ هَذا المُتَوَلِّيَ هو مِن حِزْبِ اللَّهِ، وحِزْبُ اللَّهِ غالِبٌ، فَهَذا الَّذِي تَوَلّى اللَّهَ ورَسُولَهُ غالِبٌ. ومَن يُرادُ بِها الجِنْسُ لا مُفْرَدٌ، وهم هُنا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ فَصْلًا، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً.
المائدة 5:57
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكم هُزُؤًا ولَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم والكُفّارَ أوْلِياءَ﴾ (p-٥١٥)قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ رِفاعَةُ بْنُ زَيْدٍ وسُوَيْدُ بْنُ الحارِثِ قَدْ أظْهَرا الإسْلامَ ثُمَّ نافَقا، وكانَ رِجالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يُوادُّونَهُما فَنَزَلَتْ. ولَمّا نَهى تَعالى المُؤْمِنِينَ عَنِ اتِّخاذِ الكُفّارِ والنَّصارى أوْلِياءَ، نَهى عَنِ اتِّخاذِ الكُفّارِ أوْلِياءَ يَهُودًا كانُوا أوْ نَصارى، أوْ غَيْرَهُما. وكَرَّرَ ذِكْرَ اليَهُودِ والنَّصارى بُقُولِهِ: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾، وإنْ كانُوا مُنْدَرِجِينَ في عُمُومِ الكُفّارِ عَلى سَبِيلِ النَّصِّ عَلى بَعْضِ أفْرادِ العامِّ لِسَبْقِهِمْ في الذِّكْرِ في الآياتِ قَبْلُ، ولِأنَّهُ أوْغَلُ في الِاسْتِهْزاءِ، وأبْعَدُ انْقِيادًا لِلْإسْلامِ، إذْ يَزْعُمُونَ أنَّهم عَلى شَرِيعَةٍ إلَهِيَّةٍ. ولِذَلِكَ كانَ المُؤْمِنُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ في غايَةِ الكَثْرَةِ، والمُؤْمِنُونَ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى في غايَةِ القِلَّةِ. وقِيلَ: أُرِيدَ بِالكُفّارِ: المُشْرِكُونَ خاصَّةً؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفَرَّقَتِ الآيَةُ بَيْنَ الكُفّارِ وبَيْنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ، مِن حَيْثُ الغالِبُ في اسْمِ الكُفْرِ أنْ يَقَعَ عَلى المُشْرِكِينَ بِاللَّهِ إشْراكَ عِبادَةِ الأوْثانِ، لِأنَّهم أبْعَدُ شَأْوًا في الكُفْرِ. وقَدْ قالَ: ﴿جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ﴾ [التوبة: ٧٣] فَفَرَّقَ بَيْنَهم إرادَةَ البَيانِ. والجَمِيعُ كَفّارٌ، وكانُوا عَبَدَةَ الأوْثانِ، هم كُفّارٌ مِن كُلِّ جِهَةٍ. وهَذِهِ الفِرَقُ تَلْحَقُ بِهِمْ في حَدِّ الكُفْرِ، وتُخالِفُهم في رُتَبٍ، فَأهْلُ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وبِبَعْضِ الأنْبِياءِ، والمُنافِقُونَ يُؤْمِنُونَ بِألْسِنَتِهِمْ. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفَصَّلَ المُسْتَهْزِئِينَ بِأهْلِ الكِتابِ عَلى المُشْرِكِينَ خاصَّةً. انْتَهى. ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ مَنِ اتَّخَذَ دِينَكم هُزُوًا ولَعِبًا لا يُناسِبُ أنْ يُتَّخَذَ ولِيًّا، بَلْ يُعادى ويُبْغَضُ ويُجانَبُ. واسْتِهْزاؤُهم، قِيلَ: بِإظْهارِ الإسْلامِ، وإخْفاءِ الكُفْرِ. وقِيلَ: بِقَوْلِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ: احْفَظُوا دِينَكم ودُومُوا عَلَيْهِ فَإنَّهُ الحَقُّ، وقَوْلُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ: لَعِبْنا بِعُقُولِهِمْ وضَحِكْنا عَلَيْهِمْ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ضَحِكُوا مِنَ المُسْلِمِينَ وقْتَ سُجُودِهِمْ، وتَقَدَّمَ القَوْلُ في القِراءَةِ في هُزُؤًا. وقَرَأ النَّحْوِيّانِ: والكُفّارِ خَفْضًا؛ وقَرَأ أُبَيٌّ: ومِنَ الكُفّارِ، بِزِيادَةِ مِن. وقَرَأ الباقُونَ: نَصْبًا، وهي رِوايَةُ الحُسَيْنِ الجُعْفِيِّ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وإعْرابُ الجَرِّ والنَّصْبِ واضِحٌ.
﴿واتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ لَمّا نُهِيَ المُؤْمِنُونَ عَنِ اتِّخاذِهِمْ أوْلِياءَ، أمَرَهم بِتَقْوى اللَّهِ، فَإنَّها هي الحامِلَةُ عَلى امْتِثالِ الأوامِرِ واجْتِنابِ النَّواهِي؛ أيِ: اتَّقَوُا اللَّهَ في مُوالاةِ الكُفّارِ، ثُمَّ نَبَّهَ عَلى الوَصْفِ الحامِلِ عَلى التَّقْوى وهو الإيمانُ؛ أيْ: مَن كانَ مُؤْمِنًا حَقًّا يَأْبى مُوالاةَ أعْداءِ الدِّينِ.
المائدة 5:58
﴿وإذا نادَيْتُمْ إلى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُوًا ولَعِبًا﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: كانُوا إذا نُودِيَ بِالصَّلاةِ قامَ المُسْلِمُونَ إلَيْها فَتَقُولُ اليَهُودُ: قامُوا لا قامُوا، صَلَّوْا لا صَلَّوْا، رَكَعُوا لا رَكَعُوا، عَلى طَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ والضَّحِكِ فَنَزَلَتْ. وقالَ السُّدِّيُّ: كانَ نَصْرانِيٌّ بِالمَدِينَةِ يَقُولُ إذا سَمِعَ المُؤَذِّنَ يَقُولُ: أشْهَدُ أنْ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أُحْرِقَ الكاذِبُ، فَطارَتْ شَرارَةٌ في بَيْتِهِ فاحْتَرَقَ هو وأهْلُهُ، فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: حَسَدَ اليَهُودُ الرَّسُولَ حِينَ سَمِعُوا الآذانَ وقالُوا: ابْتَدَعْتَ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ لِلْأنْبِياءِ، فَمِن أيْنَ لَكَ الصِّياحُ كَصِياحِ العِيرِ ؟ فَما أقْبَحَهُ مِن صَوْتٍ. فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ. وأنْزَلَ: ﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ﴾ [فصلت: ٣٣] الآيَةَ. انْتَهى؛ والمَعْنى: إذا نادى بَعْضُكم إلى الصَّلاةِ، لِأنَّ الجَمِيعَ لا يُنادُونَ. ولَمّا قَدَّمَ أنَّهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الدِّينَ هُزُوًا ولَعِبًا انْدَرَجَ في ذَلِكَ جَمِيعُ ما انْطَوى عَلَيْهِ الدِّينُ، فَجَرَّدَ مِن ذَلِكَ أعْظَمَ أرْكانِ الدِّينِ (p-٥١٦)ونَصَّ عَلَيْهِ بِخُصُوصِهِ وهي الصَّلاةُ الَّتِي هي صِلَةٌ بَيْنَ العَبْدِ ورَبِّهِ، فَنَبَّهَ عَلى أنَّ مَنِ اسْتَهْزَأ بِالصَّلاةِ يَنْبَغِي أنْ لا يُتَّخَذَ ولِيًّا ويُطْرَدَ، فَهَذِهِ الآيَةُ جاءَتْ كالتَّوْكِيدِ لِلْآيَةِ قَبْلَها. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: في هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى ثُبُوتِ الأذانِ بِنَصِّ الكِتابِ، لا بِالمَنامِ وحْدَهُ. انْتَهى. ولا دَلِيلَ في ذَلِكَ عَلى مَشْرُوعِيَّتِهِ لِأنَّهُ قالَ وإذا نادَيْتُمْ، ولَمْ يَقُلْ نادُوا عَلى سَبِيلِ الأمْرِ، وإنَّما هَذِهِ جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ دَلَّتْ عَلى سَبْقِ المَشْرُوعِيَّةِ لا عَلى إنْشائِها بِالشَّرْطِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في اتَّخَذُوها عائِدٌ عَلى الصَّلاةِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُعُودَ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن نادَيْتُمْ؛ أيِ: اتَّخَذُوا المُناداةَ والهُزْءَ والسُّخْرِيَةَ واللَّعِبَ الأخْذَ في غَيْرِ طَرِيقٍ.
﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ أيْ: ذَلِكَ الفِعْلُ مِنهم، ونَفى العَقْلَ عَنْهم لَمّا لَمْ يَنْتَفِعُوا بِهِ في الدِّينِ، واتَّخَذُوا دِينَ اللَّهِ هُزُوًا ولَعِبًا فِعْلَ مَن لا عَقْلَ لَهُ.
المائدة 5:59
﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا أنَّ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أتى نَفَرٌ مَن يُهُودَ فَسَألُوا رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، عَمَّنْ يُؤْمِنُ بِهِ مِنَ الرُّسُلِ ؟ فَقالَ: أُؤْمِنُ بِاللَّهِ: ﴿وما أُنْزِلَ إلَيْنا﴾ [البقرة: ١٣٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦] فَقالُوا حِينَ سَمِعُوا ذِكْرَ عِيسى، ما نَعْلَمُ أهْلَ دِينٍ أقَلَّ حَظًّا في الدُّنْيا والآخِرَةِ مِنكم، ولا دِينًا شَرًّا مِن دِينِكم، فَنَزَلَتْ؛ والمَعْنى: هَلْ تَعِيبُونَ عَلَيْنا، أوْ تُنْكِرُونَ، وتَعُدُّونَ ذَنْبًا أوْ نَقِيصَةً ما لا يُنْكَرُ ولا يُعابُ، وهو الإيمانُ بِالكُتُبِ المُنَزَّلَةِ كُلِّها ؟ وهَذِهِ مُحاوَرَةٌ لَطِيفَةٌ وجِيزَةٌ تُنَبِّهُ النّاقِمَ عَلى أنَّهُ ما نَقَمَ عَلَيْهِ إلّا ما لا يُنْقَمُ ولا يُعَدُّ عَيْبًا ونَظِيرُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
والخِطابُ قِيلَ: لِلرَّسُولِ، وهو بِمَعْنى ما النّافِيَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: تَنْقِمُونَ؛ بِكَسْرِ القافِ، والماضِي نَقَمَ، بِفَتْحِها، وهي الَّتِي ذَكَرَها ثَعْلَبٌ في الفَصِيحِ. ونَقِمَ، بِالكَسْرِ، يَنْقَمُ، بِالفَتْحِ، لُغَةٌ حَكاها الكِسائِيُّ وغَيْرُهُ. وقَرَأ بِها أبُو حَيْوَةَ والنَّخَعِيُّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو البِرِّ هُشَيْمٌ، وفُسِّرَ تَنْقِمُونَ: بِتَسْخَطُونَ وتَتَكَرَّهُونَ وتُنْكِرُونَ وتَعِيبُونَ وكُلُّها مُتَقارِبَةٌ. وإلّا أنْ آمَنّا؛ اسْتِثْناءٌ فُرِّغَ لَهُ الفاعِلُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أنْزَلَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وذَلِكَ في اللَّفْظَيْنِ، وقَرَأهُما أبُو نَهِيكٍ: مَبْنِيَّيْنِ لِلْفاعِلِ، وقَرَأ نُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ: وإنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وهو واضِحُ المَعْنى، أمَرَهُ تَعالى أنْ يَقُولَ لَهم هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ، وتَضَمَّنَتِ الإخْبارَ بِفِسْقِ أكْثَرِهِمْ وتَمَرُّدِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِفَتْحِ هَمْزَةِ أنَّ، وخُرِّجَ ذَلِكَ عَلى أنَّها في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وفي مَوْضِعِ نَصْبٍ، وفي مَوْضِعِ جَرٍّ. فالرَّفْعُ: عَلى الِابْتِداءِ. وقَدَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ الخَبَرَ مُؤَخَّرًا مَحْذُوفًا؛ أيْ: وفِسْقُ (p-٥١٧)أكْثَرِكم ثابِتٌ مَعْلُومٌ عِنْدَكم، لِأنَّكم عَلِمْتُمْ أنّا عَلى الحَقِّ، وأنَّكم عَلى الباطِلِ، إلّا أنَّ حُبَّ الرِّياسَةِ والرَّشا يَمْنَعُكم مِنَ الِاعْتِرافِ. ولا يَنْبَغِي أنْ يُقَدَّمَ الخَبَرُ إلّا مُقَدَّمًا؛ أيْ: ومَعْلُومٌ فِسْقُ أكْثَرِكم، لِأنَّ الأصَحَّ أنْ لا يُبْدَأ بِها مُتَقَدِّمَةً إلّا بَعْدَ أمّا فَقَطْ. والنَّصْبُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى أنْ آمَنّا؛ أيْ: ما تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا إيمانَنا وفِسْقَ أكْثَرِكم، فَيَدْخُلُ الفِسْقُ فِيما نَقِمُوهُ، وهَذا قَوْلُ أكْثَرِ المُتَأوِّلِينَ. ولا يَتَّجِهُ مَعْناهُ لِأنَّهم لا يَعْتَقِدُونَ فِسْقَ أكْثَرِهِمْ، فَكَيْفَ يَنْقِمُونَهُ ؟ لَكِنَّهُ يُحْمَلُ عَلى أنَّ المَعْنى ما تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا هَذا المَجْمُوعَ مِن أنّا مُؤْمِنُونَ وأكْثَرَكم فاسِقُونَ، وإنْ كانُوا لا يُسَلِّمُونَ أنَّ أكْثَرَهم فاسِقُونَ، كَما تَقُولُ: ما تَنْقِمُ مِنِّي إلّا أنِّي صَدَقْتُ وأنْتَ كَذَبْتَ، وما كَرِهْتَ مِنِّي إلّا أنِّي مُحَبَّبٌ إلى النّاسِ وأنْتَ مُبْغَضٌ، وإنْ كانَ لا يَعْتَرِفُ أنَّهُ كاذِبٌ ولا أنَّهُ مُبْغَضٌ، وكَأنَّهُ قِيلَ: ما تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا مُخالَفَتَكم حَيْثُ دَخَلْنا في الإسْلامِ وأنْتُمْ خارِجُونَ. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى أنْ آمَنّا، إلّا أنَّهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، تَقْدِيرُهُ: واعْتِقادُنا فِيكم أنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ، وهَذا مَعْنًى واضِحٌ. ويَكُونُ ذَلِكَ داخِلًا في ما تَنْقِمُونَ حَقِيقَةً. الثّالِثُ: أنْ تَكُونَ الواوُ واوَ مَعَ، فَتَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ مَفْعُولًا مَعَهُ، التَّقْدِيرُ: وفِسْقَ أكْثَرِهِمْ؛ أيْ: تَنْقِمُونَ ذَلِكَ مَعَ فِسْقِ أكْثَرِكم؛ والمَعْنى: لا يَحْسُنُ أنْ تَنْقِمُوا مَعَ وُجُودِ فِسْقِ أكْثَرِكم، كَما تَقُولُ: تُسِيءُ إلَيَّ مَعَ أنِّي أحْسَنْتُ إلَيْكَ. الرّابِعُ: أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبِ مَفْعُولٍ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ، هَلْ تَنْقِمُونَ؛ تَقْدِيرُهُ: ولا تَنْقِمُونَ أنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ. والجَرُّ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: بِما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ وبِأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ، والجَرُّ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى عِلَّةٍ مَحْذُوفَةٍ؛ التَّقْدِيرُ: ما تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا الإيمانَ لِقِلَّةِ إنْصافِكم وفِسْقِكم. ويَدُلُّ عَلَيْهِ تَفْسِيرُ الحَسَنِ بِفِسْقِكم: نَقَمْتُمْ ذَلِكَ عَلَيْنا. فَهَذِهِ سَبْعَةُ وُجُوهٍ في مَوْضِعِ أنْ وصِلَتِها، ويَظْهَرُ وجْهٌ ثامِنٌ ولَعَلَّهُ يَكُونُ الأرْجَحَ: وذَلِكَ أنَّ نَقَمَ أصْلُها أنْ تَتَعَدّى بِعَلى، تَقُولُ: نَقَمْتُ عَلى الرَّجُلِ أنْقِمُ، ثُمَّ تُبْنى مِنها افْتَعَلَ فَتُعَدّى إذْ ذاكَ بِمِن، وتُضَمَّنُ مَعْنى الإصابَةِ بِالمَكْرُوهِ.
قالَ تَعالى: ﴿ومَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ واللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ [المائدة: ٩٥] ومُناسَبَةُ التَّضْمِينِ فِيها أنَّ مَن عابَ عَلى شَخْصٍ فِعْلَهُ فَهو كارِهٌ لَهُ لا مَحالَةَ ومُصِيبُهُ عَلَيْهِ بِالمَكْرُوهِ، وإنْ قُدِّرَ، فَجاءَتْ هُنا فَعَلَ بِمَعْنى افْتَعَلَ، لِقَوْلِهِمْ: وقَدْ رَأوْهُ؛ ولِذَلِكَ عُدِّيَتْ بِمِن دُونَ الَّتِي أصْلُها أنْ يُعَدّى بِها، فَصارَ المَعْنى: وما تَنالُونَ مِنّا أوْ وما تُصِيبُونَنا بِما نَكْرَهُ إلّا أنْ آمَنّا؛ أيْ: لِأنْ آمَنّا، فَيَكُونُ أنْ آمَنّا، مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ؛ ويَكُونُ وإنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ؛ مَعْطُوفًا عَلى هَذِهِ العِلَّةِ، وهَذا، واللَّهُ أعْلَمُ، سَبَبُ تَعْدِيَتِهِ بِمِن دُونَ عَلى، وخُصَّ أكْثَرَكم بِالفِسْقِ لِأنَّ فِيهِمْ مَن هُدِيَ إلى الإسْلامِ، أوْ لِأنَّ فُسّاقَهم وهُمُ المُبالِغُونَ في الخُرُوجِ عَنِ الطّاعَةِ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ ما يَقُولُونَ ويَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُونَ تَقَرُّبًا إلى المُلُوكِ، وطَلَبًا لِلْجاهِ والرِّياسَةِ، فَهم فُسّاقٌ في دِينِهِمْ لا عُدُولٌ، وقَدْ يَكُونُ الكافِرُ عَدْلًا في دِينِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ كُلَّهم لَمْ يَكُونُوا عُدُولًا في دِينِهِمْ، فَلِذَلِكَ حُكِمَ عَلى أكْثَرِهِمْ بِالفِسْقِ.
المائدة 5:60
﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ وغَضِبَ عَلَيْهِ وجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ وعَبَدَ الطّاغُوتَ﴾ الخِطابُ بِالأمْرِ لِلرَّسُولِ، ﷺ، (p-٥١٨)وتَضَمَّنَ الخِطابَ لِأهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ أُمِرَ أنْ يُنادِيَهم أوْ يُخاطِبَهم بِقَوْلِهِ تَعالى: يا أهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا؛ هَذا هو الظّاهِرُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ الخِطابِ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ أيْ: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْمُؤْمِنِينَ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن حالِ هَؤُلاءِ الفاسِقِينَ في وقْتِ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ، أُولَئِكَ أسْلافُهُمُ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وغَضِبَ عَلَيْهِمْ، وتَكُونُ الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى حالِهِمْ. انْتَهى. فَعَلى هَذا الإضْمارِ يَكُونُ قَوْلُهُ: بِشَرٍّ؛ أفْعَلَ تَفْضِيلٍ باقِيَةً عَلى أصْلِ وضْعِها مِن كَوْنِها تَدُلُّ عَلى الِاشْتِراكِ في الوَصْفِ، وزِيادَةِ الفَضْلِ عَلى المُفَضَّلِ عَلَيْهِ في الوَصْفِ، فَيَكُونُ ضَلالُ أُولَئِكَ الأسْلافِ وشَرُّهم أكْثَرَ مِن ضَلالِ هَؤُلاءِ الفاسِقِينَ، وإنْ كانَ الضَّمِيرُ خِطابًا لِأهْلِ الكِتابِ، فَيَكُونُ شَرٌّ عَلى بابِها مِنَ التَّفْضِيلِ عَلى مُعْتَقَدِ أهْلِ الكِتابِ إذْ قالُوا: ما نَعْلَمُ دِينًا شَرًّا مِن دِينِكم. وفي الحَقِيقَةِ لا ضَلالَ عِنْدَ المُؤْمِنِينَ، ولا شَرِكَةَ لَهم في ذَلِكَ مَعَ أهْلِ الكِتابِ، وذَلِكَ كَما ذَكَرْنا إشارَةٌ إلى دِينِ المُؤْمِنِينَ أوْ حالِ أهْلِ الكِتابِ، فَيَحْتاجُ إلى حَذْفِ مُضافٍ إمّا قَبْلَهُ، وإمّا بَعْدَهُ؛ فَيُقَدَّرُ قَبْلَهُ: بِشَرٍّ مِن أصْحابِ هَذِهِ الحالِ، ويُقَدَّرُ بَعْدَهُ: حالُ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ؛ ولِكَوْنِ لَعَنَهُ اللَّهُ. . . . . . . . . أنَّ اسْمَ الإشارَةِ يَكُونُ عَلى كُلِّ حالٍ مِن تَأْنِيثٍ وتَثْنِيَةٍ وجَمْعٍ كَما يَكُونُ لِلْواحِدِ المُذَكَّرِ، فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكم مِن هَذِهِ اللُّغَةِ، فَيَصِيرَ إشارَةً إلى الأشْخاصِ كَأنَّهُ قالَ: بِشَرٍّ مِن أُولَئِكم، فَلا يَحْتاجَ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، لا قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ، ولا بَعْدَهُ، إذْ يَصِيرُ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ: تَفْسِيرُ أشْخاصٍ بِأشْخاصٍ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكم أيْضًا: إشارَةً إلى مُتَشَخِّصٍ، وأُفْرِدَ عَلى مَعْنى الجِنْسِ كَأنَّهُ قالَ: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن جِنْسِ الكِتابِيِّ، أوْ مِن جِنْسِ المُؤْمِنِ، عَلى اخْتِلافِ التَّقْدِيرَيْنِ اللَّذَيْنِ سَبَقا، ويَكُونُ أيْضًا مَن لَعَنَهُ اللَّهُ: تَفْسِيرَ شَخْصٍ بِشَخْصٍ.
وقَرَأ النَّخَعِيُّ وابْنُ وثّابٍ: أُنْبِئُكم مِن أنْبَأ، وابْنُ بُرَيْدَةَ، والأعْرَجُ، ونُبَيْجٌ، وابْنُ عِمْرانَ: مَثْوَبَةً كَمَعْوَرَةٍ. والجُمْهُورُ: مِن نَبَّأ ومَثُوبَةً كَمَعُونَةً. وتَقَدَّمَ تَوْجِيهُ القِراءَتَيْنِ في ﴿لَمَثُوبَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٣] وانْتَصَبَ مَثُوبَةً هُنا عَلى التَّمْيِيزِ، وجاءَ التَّرْكِيبُ الأكْثَرُ الأفْصَحُ مِن تَقْدِيمِ المُفَضَّلِ عَلَيْهِ عَلى التَّمْيِيزِ كَقَوْلِهِ: ﴿ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧] وتَقْدِيمُ التَّمْيِيزِ عَلى المُفَضَّلِ أيْضًا فَصِيحٌ كَقَوْلِهِ: ﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ﴾ [فصلت: ٣٣] وهَذِهِ المَثُوبَةُ هي في الحَشْرِ يَوْمَ القِيامَةِ. فَإنْ لُوحِظَ أصْلُ الوَضْعِ فالمَعْنى مَرْجُوعًا، ولا يَدُلُّ إذْ ذاكَ عَلى مَعْنى الإحْسانِ. وإنْ لُوحِظَ كَثْرَةُ الِاسْتِعْمالِ في الخَيْرِ والإحْسانِ، فَوُضِعَتِ المَثُوبَةُ هُنا مَوْضِعَ العُقُوبَةِ عَلى طَرِيقَةٍ بَيْنَهم في: ”تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعٌ“ ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] و”مَن“ في مَوْضِعِ رَفْعٍ كَأنَّهُ قِيلَ: مَن هو ؟ فَقِيلَ: هو مَن لَعَنَهُ اللَّهُ. أوْ في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: بِشَرٍّ؛ وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى مَوْضِعِ بِشَرٍّ؛ أيْ: أُنَبِّئُكم مَن لَعَنَهُ اللَّهُ. ويَحْتَمِلُ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ أنْ يُرادَ بِهِ أسْلافُ أهْلِ الكِتابِ كَما تَقَدَّمَ، أوِ الأسْلافُ والأخْلافُ، فَيَنْدَرِجُ هَؤُلاءِ الحاضِرُونَ فِيهِمْ. والَّذِي تَقْتَضِيهِ الفَصاحَةُ أنْ يَكُونَ مِن وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ تَنْبِيهًا عَلى الوَصْفِ الَّذِي حَصَلَ بِهِ كَوْنُهُ شَرًّا مَثُوبَةً، وهي اللَّعْنَةُ والغَضَبُ. وجَعَلَ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ مِنهم، وعَبْدَ الطّاغُوتَ، وكَأنَّهُ قِيلَ: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ أنْتُمْ؛ أيْ: هو أنْتُمْ. ويَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ بَعْدُ: ﴿وإذا جاءُوكم قالُوا آمَنّا﴾ [المائدة: ٦١] فَيَكُونُ الضَّمِيرُ واحِدًا. وقَرَأ أُبَيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ: مَن غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وجَعَلَهم قِرَدَةً وخَنازِيرَ، وجَعَلَ هُنا بِمَعْنى صَيَّرَ. وقالَ الفارِسِيُّ: بِمَعْنى خَلَقَ، لِأنَّ بَعْدَهُ وعَبْدَ الطّاغُوتِ، وهو مُعْتَزِلِيٌّ لا يَرى أنَّ اللَّهَ يُصَيِّرُ أحَدًا عابِدَ طاغُوتٍ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في مَسْخِهِمْ قِرَدَةً في البَقَرَةِ.
وأمّا الَّذِينَ مُسِخُوا خَنازِيرَ فَقِيلَ: شُيُوخُ أصْحابِ السَّبْتِ، إذْ مُسِخَ شُبّانُهم قِرَدَةً، قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: أصْحابُ مائِدَةِ عِيسى. وذُكِرَتْ أيْضًا قِصَّةٌ طَوِيلَةٌ في مَسْخِ بَنِي إسْرائِيلَ خَنازِيرَ مُلَخَّصُها: أنَّ امْرَأةً مِنهم مُؤْمِنَةً قاتَلَتْ مَلِكَ مَدِينَتِها ومَن مَعَهُ، وكانُوا قَدْ كَفَرُوا بِمَنِ اجْتَمَعَ إلَيْها مِمَّنْ دَعَتْهُ إلى (p-٥١٩)الجِهادِ ثَلاثَ مَرّاتٍ وأتْباعُها يُقْتَلُونَ، وتَنْفَلِتُ هي، فَبَعْدَ الثّالِثَةِ سُبِيَتْ واسْتَبْرَأتْ في دِينِها، فَمَسَخَ اللَّهُ أهْلَ المَدِينَةِ خَنازِيرَ في لَيْلَتِهِمْ تَثْبِيتًا لَها عَلى دِينِها، فَلَمّا رَأتْهم قالَتِ: اليَوْمَ عَلِمْتُ أنَّ اللَّهَ أعَزَّ دِينَهُ وأقَرَّهُ، فَكانَ المَسْخُ خَنازِيرَ عَلى يَدَيْ هَذِهِ المَرْأةِ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الطّاغُوتِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ السَّبْعَةِ: وعَبَدَ الطّاغُوتَ. وقَرَأ أُبَيٌّ: وعَبَدُوا الطّاغُوتَ. وقَرَأ الحَسَنُ في رِوايَةٍ: وعَبْدَ الطّاغُوتِ، بِإسْكانِ الباءِ. وخَرَّجَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَلى أنَّهُ أرادَ وعَبْدًا مُنَوَّنًا فَحُذِفَ التَّنْوِينُ كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ: ولا ذاكِرَ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا ولا وجْهَ لِهَذا التَّخْرِيجِ، لِأنَّ عَبْدًا لا يُمْكِنُ أنْ يَنْصِبَ الطّاغُوتَ، إذْ لَيْسَ بِمَصْدَرٍ ولا اسْمِ فاعِلٍ، والتَّخْرِيجُ الصَّحِيحُ: أنْ يَكُونَ تَخْفِيفًا مِن عَبَدَ بِفَتْحِها كَقَوْلِهِمْ: في سَلَفَ سَلْفَ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ في رِوايَةٍ: عَبُدَ، بِضَمِّ الباءِ، نَحْوَ شَرُفَ الرَّجُلُ؛ أيْ: صارَ لَهُ عَبْدٌ كالخُلُقِ والأمْرِ المُعْتادِ قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: صارَ مَعْبُودًا مِن دُونِ اللَّهِ كَقَوْلِكَ: أمُرَ إذا صارَ أمِيرًا. انْتَهى. وقَرَأ النَّخَعِيُّ وابْنُ القَعْقاعِ والأعْمَشُ في رِوايَةِ هارُونَ، وعُبِدَ الطّاغُوتُ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، كَضُرِبَ زَيْدٌ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ في رِوايَةٍ: وعُبِدَتِ الطّاغُوتُ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، كَضُرِبَتِ المَرْأةُ. فَهَذِهِ سِتُّ قِراءاتٍ بِالفِعْلِ الماضِي، وإعْرابُها واضِحٌ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا المَفْعُولَ مَعْطُوفٌ عَلى صِلَةِ مَن وُصِلَتْ بِلَعَنَهُ، وغَضِبَ، وجَعَلَ، وعَبَدَ، والمَبْنِيُّ لِلْمَفْعُولِ ضَعَّفَهُ الطَّبَرِيُّ وهو يَتَّجِهُ عَلى حَذْفِ الرّابِطِ؛ أيْ: وعُبِدَ الطّاغُوتُ فِيهِمْ أوْ بَيْنَهم. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ وعَبَدَ لَيْسَ داخِلًا في الصِّلَةِ، لَكِنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ مَن، وقَدْ قَرَأ بِها مُظْهَرَةً عَبْدُ اللَّهِ قَرَأ: ومَن عَبَدَ؛ فَإمّا عَطْفًا عَلى القِرَدَةِ والخَنازِيرِ، وإمّا عَطْفًا عَلى ”مَن“ في قَوْلِهِ: مَن لَعَنَهُ اللَّهُ. وقَرَأ أبُو واقِدٍ الأعْرابِيُّ: وعُبّادَ الطّاغُوتِ؛ جَمْعُ عابِدٍ، كَضُرّابِ زَيْدٍ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ، وجَماعَةٌ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ وثّابٍ: وعُبُدَ الطّاغُوتِ؛ جَمْعُ عَبْدٍ، كَرَهْنٍ ورُهُنٍ. وقالَ ثَعْلَبٌ: جَمْعُ عابِدٍ، كَشارِفٍ وشُرُفٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ تابِعًا لِلْأخْفَشِ: جَمْعُ عَبِيدٍ، فَيَكُونُ إذْ ذاكَ جَمْعَ جَمْعٍ وأنْشَدُوا:
؎انْسُبِ العَبْدَ إلى آبائِهِ أسْوَدَ الجِلْدَةِ مِن قَوْمٍ عُبُدِ
وقَرَأ الأعْمَشُ وغَيْرُهُ: وعُبُدَ الطّاغُوتِ جَمْعُ عابِدٍ، كَضارِبٍ وضُرُبٍ. وقَرَأ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ: وعِبادَ الطّاغُوتِ؛ جَمْعُ عابِدٍ كَقائِمٍ وقِيامٍ، أوْ جَمْعُ عَبْدٍ. أنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:
؎أتُوعِدُنِي بِقَوْمِكَ يابْنَ حِجْلٍ ∗∗∗ أُساباتٍ يُخالُونَ العِبادا
وسُمِّيَ عَرَبُ الحِيرَةِ مِنَ العِراقِ لِدُخُولِهِمْ في طاعَةِ كِسْرى: عِبادًا. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ: وعَبِيدَ الطّاغُوتِ؛ جَمْعُ عَبْدٍ، نَحْوَ كَلْبٍ وكَلِيبٍ. وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: وأعْبُدَ الطّاغُوتِ؛ جَمْعُ عَبْدٍ، كَفَلْسٍ وأفْلُسَ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: وعَبَدَ الطّاغُوتِ؛ يُرِيدُ: وعَبَدَةَ جَمْعُ عابِدٍ، كَفاجِرٍ وفَجَرَةٍ، وحَذَفَ التّاءَ لِلْإضافَةِ، أوِ اسْمُ جَمْعٍ كَخادِمٍ وخَدَمٍ، وغائِبٍ وغَيَبٍ. وقُرِئَ: وعَبَدَةَ الطّاغُوتِ؛ بِالتّاءِ نَحْوَ فاجِرٍ وفَجَرَةٍ، فَهَذِهِ ثَمانِ قِراءاتٍ بِالجَمْعِ المَنصُوبِ عَطْفًا عَلى القِرَدَةِ والخَنازِيرِ مُضافًا إلى الطّاغُوتِ. وقُرِئَ وعابِدِي، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ: وعابِدُو. وقَرَأ عَوْنٌ العَقِيلِيُّ: وعابِدُو، وتَأوَّلَها أبُو عَمْرٍو عَلى أنَّها عَآبِدُ. وهَذانِ جَمْعا سَلامَةٍ أُضِيفا إلى الطّاغُوتِ، فَبِالتّاءِ عَطْفًا عَلى القِرَدَةِ والخَنازِيرِ، وبِالواوِ عَطْفًا عَلى مَن لَعَنَهُ اللَّهُ أوْ عَلى إضْمارِهِمْ. وتَحْتَمِلُ قِراءَةُ عَوْنٍ أنْ يَكُونَ عابِدَ مُفْرَدًا اسْمَ جِنْسٍ. وقَرَأ أبُو عُبَيْدَةَ: وعابِدَ؛ عَلى وزْنِ ضارِبٍ مُضافًا إلى لَفْظِ الشَّيْطانِ، بَدَلَ الطّاغُوتِ. وقَرَأ الحَسَنُ: وعَبْدَ الطّاغُوتِ؛ عَلى وزْنِ كَلْبٍ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ في رِوايَةٍ: وعَبَّدَ؛ عَلى وزْنِ حَطَّمَ، وهو بِناءُ مُبالَغَةٍ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ وحَمْزَةُ: وعَبِدَ؛ عَلى وزْنِ يَقِظٍ ونَدِسٍ، فَهَذِهِ أرْبَعُ قِراءاتٍ بِالمُفْرَدِ المُرادِ بِهِ الجِنْسُ أُضِيفَتْ إلى الطّاغُوتِ. وفي القِراءَةِ الأخِيرَةِ مِنها خِلافٌ بَيْنَ العُلَماءِ. قالَ نُصَيْرٌ النَّحْوِيُّ صاحِبُ (p-٥٢٠)الكِسائِيِّ: وهو وهْمٌ مِمَّنْ قَرَأ بِهِ، ولْيَسْألْ عَنْهُ العُلَماءَ حَتّى نَعْلَمَ أنَّهُ جائِزٌ. وقالَ الفَرّاءُ: إنْ يَكُنْ لُغَةً مِثْلَ حَذِرَ وعَجِلَ فَهو وجْهٌ، وإلّا فَلا يَجُوزُ في القِراءَةِ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: إنَّما مَعْنى العُبُدِ عِنْدَهُمُ الأعْبَدُ، يُرِيدُونَ خَدَمَ الطّاغُوتِ، ولَمْ نَجِدْ هَذا يَصِحُّ عَنْ أحَدٍ مِن فُصَحاءِ العَرَبِ أنَّ العَبْدَ يُقالُ فِيهِ عَبِدٌ، وإنَّما هو عَبْدٌ وأعْبُدٌ بِالألِفِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: لَيْسَ في أبْنِيَةِ المَجْمُوعِ مِثْلُهُ، ولَكِنَّهُ واحِدٌ يُرادُ بِهِ الكَثْرَةُ، وهو بِناءٌ يُرادُ بِهِ المُبالَغَةُ، فَكَأنَّ هَذا قَدْ ذَهَبَ في عِبادَةِ الطّاغُوتِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْناهُ العُلُوُّ في العُبُودِيَّةِ كَقَوْلِهِمْ: رَجُلٌ حَذِرٌ فَطِنٌ لِلْبَلِيغِ في الحَذَرِ والفِطْنَةِ؛ قالَ الشّاعِرُ:
؎أبَنِي لُبَيْنى إنَّ أُمَّكُمُ ∗∗∗ أمَةٌ وإنَّ أباكُمُ عَبِدُ
انْتَهى.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَبِدٌ لَفْظُ مُبالَغَةٍ كَيَقِظٍ ونَدِسٍ، فَهو لَفْظٌ مُفْرَدٌ يُرادُ بِهِ الجِنْسُ، وبُنِيَ بِناءَ الصِّفاتِ، لِأنَّ عَبْدًا في الأصْلِ صِفَةٌ، وإنْ كانَ يُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمالَ الأسْماءِ، وذَلِكَ لا يُخْرِجُهُ عَنْ حُكْمِ الصِّفَةِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَمْتَنِعْ أنْ يُبْنى مِنهُ بِناءُ مُبالَغَةٍ. وأنْشَدَ أبَنِي لُبَيْنى. . . . . . . . . البَيْتَ، وقالَ: ذَكَرَهُ الطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُ، بِضَمِّ الباءِ، . انْتَهى. وعَدَّ ابْنُ مالِكٍ في أبْنِيَةِ أسْماءِ الجَمْعِ فُعُلًا فَقالَ: ومِنها فُعُلٌ كَنَحْوِ سُمُرٍ وعُبُدٍ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما رَوى عَنْهُ عِكْرِمَةُ: وعُبُدَ الطّاغُوتَ جَمْعُ عابِدٍ كَضارِبٍ وضُرُبٍ، ونَصَبَ الطّاغُوتَ أرادَ عُبُدًا مُنَوَّنًا فَحُذِفَ التَّنْوِينُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ كَما قالَ: (ولا ذاكِرَ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا) فَهَذِهِ إحْدى وعِشْرُونَ قِراءَةً بِقِراءَةِ بُرَيْدٍ، تَكُونُ اثْنَيْنِ وعِشْرِينَ قِراءَةً.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ جازَ أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ مِنهم عِبادَ الطّاغُوتِ ؟ (قُلْتُ): فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خَذَلَهم حَتّى عَبَدُوها، والثّانِي: أنَّهُ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ ووَصَفَهم بِهِ كَقَوْلِهِمْ: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ [الزخرف: ١٩] . انْتَهى. وهَذا عَلى طَرِيقِ المُعْتَزِلَةِ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الطّاغُوتِ. وقَرَأ الحَسَنُ: الطَّواغِيتِ. ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ كانَ المُسْلِمُونَ يُعَيِّرُونَ اليَهُودَ يَقُولُونَ: يا إخْوَةَ القِرَدَةِ والخَنازِيرِ، فَيُنَكِّسُونَ رُءُوسَهم.
* *
﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا﴾ الإشارَةُ إلى المَوْصُوفِينَ بِاللَّعْنَةِ وما بَعْدَها، وانْتَصَبَ مَكانًا عَلى التَّمْيِيزِ. فَإنْ كانَ ذَلِكَ في الآخِرَةِ أنْ يُرادَ بِالمَكانِ حَقِيقَةً إذْ هو جَهَنَّمُ، وإنْ كانَ في الدُّنْيا فَيَكُونُ كِنايَةً واسْتِعارَةً لِلْمَكانَةِ في قَوْلِهِ: أُولَئِكَ شَرٌّ، لِدُخُولِهِ في بابِ الكِنايَةِ كَقَوْلِهِمْ: فُلانٌ طَوِيلُ النِّجادِ وهي إشارَةٌ إلى الشَّيْءِ بِذِكْرِ لِوِزامِهِ وتَوابِعِهِ قَبْلَ المَفْضُولِ، وهو مَكانُ المُؤْمِنِينَ، ولا شَرَّ في مَكانِهِمْ. وقالَ الزَّجّاجُ: شَرٌّ مَكانًا عَلى قَوْلِكم وزَعْمِكم. وقالَ النَّحّاسُ: أحْسَنُ ما قِيلَ شَرٌّ مَكانًا في الآخِرَةِ مِن مَكانِكم في الدُّنْيا، لِما يَلْحَقُكم مِنَ الشَّرِّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَكانُهم سَقَرٌ، ولا مَكانَ أشَدُّ شَرًّا مِنهُ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ المَفْضُولَ هو غَيْرُهم مِنَ الكُفّارِ، لِأنَّ اليَهُودَ جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ والرُّسُلُ والمُعْجِزاتُ ما لَمْ يَجِئْ غَيْرُهم كَثْرَةً، فَكانُوا أبْعَدَ ناسٍ عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ وتَصْدِيقِ الرُّسُلِ وأوْغَلَهم في العِصْيانِ، وكَفَرُوا بِأنْواعٍ مِنَ الكُفْرِ والرُّسُلِ، تَنْتابُهُمُ الغَيْبَةُ بَعْدَ الغَيْبَةِ، فَأخْبَرَ تَعالى عَنْهم بِأنَّهم شَرٌّ مِنَ الكُفّارِ.
المائدة 5:61
﴿وأضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٦٠] أيْ: عَنْ وسَطِ السَّبِيلِ وقَصْدِهِ، أيْ: هم حائِرُونَ لا يَهْتَدُونَ إلى مُسْتَقِيمِ الطَّرِيقِ.
﴿وإذا جاؤُكم قالُوا آمَنّا وقَدْ دَخَلُوا بِالكُفْرِ وهم قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ ضَمِيرُ الغَيْبَةِ في جاءُوكم لِلْيَهُودِ والمُعاصِرِينَ لِلرَّسُولِ وخاصَّةً بِالمُنافِقِينَ مِنهم؛ قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ. إذْ ظاهِرُ الضَّمِيرِ أنَّهُ عائِدٌ عَلى مَن قَبْلَهُ، التَّقْدِيرُ: وإذا جاءُوكم أهْلُهم أوْ نِساؤُهم. وتَقَدَّمَ مِن قَوْلِنا: أنْ يَكُونَ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ إلى آخِرِهِ عِبارَةً عَنِ المُخاطَبِينَ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ﴾ [المائدة: ٥٩] وأنَّهُ مِمّا وُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: أنْتُمْ، فَلا يَحْتاجُ هَذا إلى حَذْفِ مُضافٍ.
كانَ جَماعَةٌ مِنَ اليَهُودِ يَدْخُلُونَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، يُظْهِرُونَ لَهُ الإيمانَ نِفاقًا فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِشَأْنِهِمْ وأنَّهم يَخْرُجُونَ كَما دَخَلُوا، لَمْ يَتَعَلَّقُوا بِشَيْءٍ (p-٥٢١)مِمّا سَمِعُوا مِن تَذْكِيرٍ ومَوْعِظَةٍ، فَعَلى هَذا، الخِطابُ في جاءُوكم لِلرَّسُولِ، ﷺ، وقِيلَ: لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ. وهاتانِ الجُمْلَتانِ حالانِ، وبِالكُفْرِ، وبِهِ حالانِ أيْضًا؛ أيْ: مُلْتَبِسِينَ. ولِذَلِكَ دَخَلَتْ قَدْ تَقْرِيبًا لَها مِن زَمانِ الحالِ ولِمَعْنًى آخَرَ وهو: أنَّ أماراتِ النِّفاقِ كانَتْ لائِحَةً عَلَيْهِمْ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، مُتَوَقِّعًا لِإظْهارِ ما تَكَتَّمُوهُ، فَدَخَلَ حَرْفُ التَّوَقُّعِ وخالَفَ بَيْنَ جُمْلَتَيِ الحالِ اتِّساعًا في الكَلامِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهُ: وهم، تَخْلِيصٌ مِنِ احْتِمالِ العِبارَةِ أنْ يَدْخُلَ قَوْمٌ بِالكُفْرِ وهم قَدْ خَرَجُوا بِهِ، فَأزالَ الِاحْتِمالَ قَوْلُهُ تَعالى: وهم قَدْ خَرَجُوا بِهِ؛ أيْ: هم بِأعْيانِهِمْ. انْتَهى. والعامِلُ في الحالَيْنِ آمَنّا؛ أيْ: قالُوا ذَلِكَ وهَذِهِ حالُهم. وقِيلَ: مَعْنى هم لِلتَّأْكِيدِ في إضافَةِ الكُفْرِ إلَيْهِمْ، ونَفى أنْ يَكُونَ مِنَ الرَّسُولِ ما يُوجِبُ كُفْرَهم مِن سُوءِ مُعامَلَتِهِ لَهم، بَلْ كانَ يَلْطُفُ بِهِمْ ويُعامِلُهم بِأحْسَنِ مُعامَلَةٍ. فالمَعْنى: أنَّهم هُمُ الَّذِينَ خَرَجُوا بِالكُفْرِ بِاخْتِيارِ أنْفُسِهِمْ، لا أنَّكَ أنْتَ الَّذِي تَسَبَّبْتَ لِبَقائِهِمْ في الكُفْرِ. والَّذِي نَقُولُ: إنَّ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ الواقِعَةَ حالًا المُصَدَّرَةَ بِضَمِيرِ ذِي الحالِ المُخْبَرَ عَنْها بِفِعْلٍ أوِ اسْمٍ يَتَحَمَّلُ ضَمِيرَ ذِي الحالِ - آكَدُ مِنَ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ، مِن جِهَةِ أنَّهُ يَتَكَرَّرُ فِيها المُسْنَدُ إلَيْهِ فَيَصِيرُ نَظِيرَ: قامَ زَيْدٌ زَيْدٌ. ولَمّا كانُوا حِينَ جاءُوا الرَّسُولَ أوِ المُؤْمِنِينَ قالُوا: آمَنّا مُلْتَبِسِينَ بِالكُفْرِ، كانَ يَنْبَغِي لَهم أنْ لا يَخْرُجُوا بِالكُفْرِ، لِأنَّ رُؤْيَتَهُ، ﷺ، كافِيَةٌ في الإيمانِ. ألا تَرى إلى قَوْلِ بَعْضِهِمْ حِينَ رَأى الرَّسُولَ: عَلِمْتُ أنَّ وجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذّابٍ، مَعَ ما يَظْهَرُ لَهم مِن خَوارِقِ الآياتِ وباهِرِ الدِّلالاتِ، فَكانَ المُناسِبُ أنَّهم وإنْ كانُوا دَخَلُوا بِالكُفْرِ أنْ لا يَخْرُجُوا بِهِ، بَلْ يَخْرُجُونَ بِالرَّسُولِ مُؤْمِنِينَ ظاهِرًا وباطِنًا. فَأكَّدَ وصْفَهم بِالكُفْرِ بِأنْ كَرَّرَ المُسْنَدَ إلَيْهِ تَنْبِيهًا عَلى تَحَقُّقِهِمْ بِالكُفْرِ وتَمادِيهِمْ عَلَيْهِ، وأنَّ رُؤْيَةَ الرَّسُولِ لَمْ تُجْدِ عَنْهم، ولَمْ يَتَأثَّرُوا لَها. وكَذَلِكَ إنْ كانَ ضَمِيرُ الخِطابِ في: وإذا جاءُوكم قالُوا آمَنّا، كانَ يَنْبَغِي لَهم أنْ يُؤْمِنُوا ظاهِرًا وباطِنًا لِما يَرَوْنَ مِنِ اخْتِلافِ المُؤْمِنِينَ وتَصْدِيقِهِمْ لِلرَّسُولِ، والِاعْتِمادِ عَلى اللَّهِ تَعالى والرَّغْبَةِ في الآخِرَةِ، والزُّهْدِ في الدُّنْيا، وهَذِهِ حالُ مَن يَنْبَغِي مُوافَقَتُهُ. وكانَ يَنْبَغِي إذْ شاهَدُوهم أنْ يَتَّبِعُوهم عَلى دِينِهِمْ، وأنْ يَكُونَ إيمانُهم بِالقَوْلِ مُوافِقًا لِاعْتِقادِ قُلُوبِهِمْ. وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ مَجِيءِ حالَيْنِ لِذِي حالٍ واحِدٍ، إنْ كانَتِ الواوُ في: وهم، واوَ حالٍ، لا واوَ عَطْفٍ، خِلافًا لِمَن مَنَعَ ذَلِكَ إلّا في أفْعَلِ التَّفْضِيلِ. والظّاهِرُ أنَّ الدُّخُولَ والخُرُوجَ حَقِيقَةٌ. وقِيلَ: هَمّا اسْتِعارَةٌ؛ والمَعْنى: تَقَلَّبُوا في الكُفْرِ؛ أيْ: دَخَلُوا في أحْوالِهِمْ مُضْمِرِينَ الكُفْرَ وخَرَجُوا بِهِ إلى أحْوالٍ أُخَرَ مُضْمِرِينَ لَهُ، وهَذا هو التَّقَلُّبُ. والحَقِيقَةُ في الدُّخُولِ انْفِصالٌ بِالبَدَنِ مِن خارِجِ مَكانٍ إلى داخِلِهِ، وفي الخُرُوجِ انْفِصالٌ بِالبَدَنِ مِن داخِلِهِ إلى خارِجِهِ.
﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ﴾ أيْ: مِن كُفْرِهِمْ ونِفاقِهِمْ. وقِيلَ مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ، ﷺ، ونَعْتِهِ؛ وفي هَذا مُبالَغَةٌ في إفْشاءِ ما كانُوا يَكْتُمُونَهُ مِنَ المَكْرِ بِالمُسْلِمِينَ والكَيْدِ والعَداوَةِ.
المائدة 5:62
﴿وتَرى كَثِيرًا مِنهم يُسارِعُونَ في الإثْمِ والعُدْوانِ وأكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يَحْتَمِلُ تَرى أنْ تَكُونَ بَصَرِيَّةً، فَيَكُونَ يُسارِعُونَ صِفَةً: وأنْ تَكُونَ عِلْمِيَّةً، فَيَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا. والمُسارَعَةُ: الشُّرُوعُ بِسُرْعَةٍ. والإثْمُ: الكَذِبُ. والعُدْوانُ: الظُّلْمُ. يَدُلُّ قَوْلُهُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ عَلى ذَلِكَ، ولَيْسَ حَقِيقَةَ الإثْمِ الكَذِبُ، إذِ الإثْمُ هو المُتَعَلِّقُ بِصاحِبِ المَعْصِيَةِ، أوِ الإثْمُ ما يَخْتَصُّ بِهِمْ، والعُدْوانُ ما يَتَعَدّى بِهِمْ إلى غَيْرِهِمْ. أوِ الإثْمُ الكُفْرُ، والعُدْوانُ الِاعْتِداءُ. أوِ الإثْمُ ما كَتَمُوهُ مِنَ الإيمانِ، والعُدْوانُ ما يُتَعَدّى فِيها. وقِيلَ: العُدْوانُ تَعَدِّيهِمْ حُدُودَ اللَّهِ أقْوالٌ خَمْسَةٌ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّ السُّحْتَ هو الرَّشا، وقِيلَ: هو الرِّبا، وقِيلَ: هو الرَّشا وسائِرُ مَكْسَبِهِمُ الخَبِيثِ. وعَلَّقَ الرُّؤْيَةَ بِالكَثِيرِ مِنهم، لِأنَّ بَعْضَهم كانَ لا يَتَعاطى ذَلِكَ المَجْمُوعَ أوْ بَعْضَهُ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِ المُسارَعَةِ في الخَيْرِ فَكَأنَّ هَذِهِ (p-٥٢٢)المَعاصِي عِنْدَهم مِن قَبِيلِ الطّاعاتِ، فَلِذَلِكَ يُسارِعُونَ فِيها؛ والإثْمُ يَتَناوَلُ كُلَّ مَعْصِيَةٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْها العِقابُ، فَجُرِّدَ مِن ذَلِكَ العُدْوانُ وأكْلُ السُّحْتِ، وخُصّا بِالذِّكْرِ تَعْظِيمًا لِهاتَيْنِ المَعْصِيَتَيْنِ وهُما: ظُلْمُ غَيْرِهِمْ، والمَطْعَمُ الخَبِيثُ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْهُ عَدَمُ قَبُولِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ؛ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: العِدْوانِ؛ بِكَسْرِ ضَمَّةِ العَيْنِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ما بَعْدَ بِئْسَ في قَوْلِهِ: ﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ﴾ [البقرة: ٩٠] .
المائدة 5:63
﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ وأكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ لَوْلا: تَحْضِيضٌ يَتَضَمَّنُ تَوْبِيخَ العُلَماءِ والعِبادِ عَلى سُكُوتِهِمْ عَنِ النَّهْيِ عَنْ مَعاصِي اللَّهِ تَعالى والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ. وقالَ العُلَماءُ: ما في القُرْآنِ آيَةٌ أشَدُّ تَوْبِيخًا مِنها لِلْعُلَماءِ؛ وقالَ الضَّحّاكُ: ما في القُرْآنِ أخْوَفُ مِنها، ونَحْوُهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والإثْمُ هُنا ظاهِرُهُ الكُفْرُ، أوْ يُرادُ بِهِ سائِرُ أقْوالِهِمُ الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْها الإثْمُ؛ وقَرَأ الجَرّاحُ وأبُو واقِدٍ: الرِّبِّيُّونَ؛ مَكانَ الرَّبّانِيُّونَ، وابْنُ عَبّاسٍ: بِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ؛ بِغَيْرِ لامِ قَسَمٍ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في كانُوا عائِدٌ عَلى الرَّبّانِيِّينَ والأحْبارِ، إذْ هُمُ المُحَدَّثُ عَنْهم والمُوَبَّخُونَ بِعَدَمِ النَّهْيِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كُلُّ عامِلٍ لا يُسَمّى صانِعًا، ولا كُلُّ عَمَلٍ يُسَمّى صِناعَةً حَتّى يَتَمَكَّنَ فِيهِ ويَتَدَرَّبَ ويُنْسَبَ إلَيْهِ، وكانَ المَعْنى في ذَلِكَ: إنَّ مُواقِعَ المَعْصِيَةِ مَعَهُ الشَّهْوَةُ الَّتِي تَدْعُوهُ إلَيْها وتَحْمِلُهُ عَلى ارْتِكابِها، وأمّا الَّذِي يَنْهاهُ فَلا شَهْوَةَ مَعَهُ في فِعْلِ غَيْرِهِ، فَإذا أفْرَطَ في الإنْكارِ كانَ أشَدَّ حالًا مِنَ المُواقِعِ، وظَهَرَ بِذَلِكَ الفَرْقُ بَيْنَ ذَمِّ مُتَعاطِي الذَّنْبِ، وبَيْنَ تارِكِ النَّهْيِ عَنْهُ، حَيْثُ جَعَلَ ذَلِكَ عَمَلًا وهَذا صِناعَةً. وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ غايَرَ في ذَلِكَ لِتَفَنُّنِ الفَصاحَةِ، ولِتَرْكِ تَكْرارِ اللَّفْظِ. وفي الحَدِيثِ: (ما مِن رَجُلٍ يُجاوِرُ قَوْمًا فَيَعْمَلُ بِالمَعاصِي بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ فَلا يَأْخُذُونَ عَلى يَدَيْهِ إلّا أوْشَكَ أنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ مِنهُ بِعِقابٍ) وأُوحِيَ إلى يُوشَعَ بِهَلاكِ أرْبَعِينَ ألْفًا مِن خِيارِ قَوْمِهِ، وسِتِّينَ ألْفًا مِن شِرارِهِمْ؛ فَقالَ: يا رَبِّ ما بالُ الأخْيارِ ؟ فَقالَ: إنَّهم لَمْ يَغْضَبُوا لِغَضَبِي، وواكَلُوهم وشارَبُوهم. وقالَ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: أوْحى اللَّهُ إلى المَلائِكَةِ أنْ عَذِّبُوا قَرْيَةَ كَذا، فَقالَتِ المَلائِكَةُ: إنَّ فِيها عَبْدَكَ العابِدَ فَقالَ: أسْمِعُونِي ضَجِيجَهُ، فَإنَّهُ لَمْ يَتَمَعَّرْ وجْهُهُ؛ أيْ: لَمْ يَحْمَرَّ غَضَبًا. وكَتَبَ بَعْضُ العُلَماءِ إلى عابِدٍ تَزَهَّدَ وانْقَطَعَ في البادِيَةِ: إنَّكَ تَرَكْتَ المَدِينَةَ مُهاجَرَ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، ومَهْبِطَ وحْيِهِ وآثَرْتَ البَداوَةَ؛ فَقالَ: كَيْفَ لا أتْرُكُ مَكانًا أنْتَ رَئِيسُهُ، وما رَأيْتُ وجْهَكَ تَمَعَّرَ في ذاتِ اللَّهِ قَطُّ يَوْمًا. أوْ كَلامًا هَذا مَعْناهُ أوْ قَرِيبٌ مِن مَعْناهُ. وأمّا زَمانُنا هَذا وعُلَماؤُنا وعُبّادُنا فَحالُهم مَعْرُوفٌ فِيهِ، ولَمْ نَرَ في أعْصارِنا مَن يُقارِبُ السَّلَفَ في ذَلِكَ غَيْرَ رَجُلٍ واحِدٍ وهو أُسْتاذُنا أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ، فَإنَّ لَهُ مَقاماتٍ في ذَلِكَ مَعَ مُلُوكِ بِلادِهِ ورُؤَسائِهِمْ حُمِدَتْ فِيها آثارُهُ، فَفي بَعْضِها ضُرِبَ ونُهِبَتْ أمْوالُهُ وخُرِّبَتْ دِيارُهُ، وفي بَعْضِها أنْجاهُ مِنَ المَوْتِ فِرارُهُ، وفي بَعْضِها جُعِلَ السِّجْنُ قَرارَهُ.
المائدة 5:64
﴿وقالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ نَزَلَتْ في فِنْحاصَ؛ قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ مُقاتِلٌ: فِيهِ وفي ابْنِ صُورِيّا، وعازِرَ بْنِ أبِي عازِرَ قالُوا ذَلِكَ. ونُسِبَ ذَلِكَ إلى اليَهُودِ، لِأنَّ هَؤُلاءِ عُلَماؤُهم وهم أتْباعُهم في ذَلِكَ. واليَدُ، في الجارِحَةِ: حَقِيقَةٌ، وفي غَيْرِها: مَجازٌ، فَيُرادُ بِها: النِّعْمَةُ، تَقُولُ العَرَبُ: كَمْ يَدٌ لِي عِنْدَ فُلانٍ، والقُوَّةُ والمُلْكُ والقُدْرَةُ. قُلْ: إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ؛ قالَ الشّاعِرُ:
؎وأنْـتَ عَلَـى أعْبَـاءِ مُلْكِـكَ ذُو يَــدِ
أيْ ذُو قُدْرَةٍ، والتَّأْيِيدُ والنَّصْرُ، يَدُ اللَّهِ مَعَ القاضِي حِينَ يَقْضِي، والقاسِمِ حِينَ يَقْسِمُ. وتَأْتِي صِلَةً ”﴿مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا أنْعامًا﴾ [يس: ٧١]“؛ أيْ: مِمّا عَمِلْنا ﴿أوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] أيِ: الَّذِي لَهُ عُقْدَةُ النِّكاحِ. وظاهِرُ قَوْلِ اليَهُودِ إنَّ لِلَّهِ يَدًا فَإنْ كانُوا أرادُوا الجارِحَةَ فَهو مُناسِبُ مَذْهَبِهِمْ إذْ هو التَّجْسِيمُ، زَعَمُوا أنَّ رَبَّهم أبْيَضُ الرَّأْسِ واللِّحْيَةِ، قاعِدٌ عَلى كُرْسِيٍّ. وزَعَمُوا أنَّهُ فَرَغَ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، واسْتَلْقى عَلى ظَهْرِهِ واضِعًا إحْدى رِجْلَيْهِ عَلى الأُخْرى لِلِاسْتِراحَةِ. ورَدَّ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾ [الأحقاف: ٣٣] ﴿وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨] وظاهِرُ مَساقِ الآيَةِ يَدُلُّ (p-٥٢٣)عَلى أنَّهم أرادُوا بِغَلِّ اليَدِ وبَسْطِها المَجازَ عَنِ البُخْلِ والجُودِ، ومِنهُ ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩] ولا يَقْصِدُ مَن يَتَكَلَّمُ بِهَذا الكَلامِ إثْباتَ يَدٍ ولا غَلٍّ ولا بَسْطٍ، ولا فَرْقَ عِنْدَهُ بَيْنَ هَذا الكَلامِ وبَيْنَ ما وقَعَ مَجازًا عَنْهُ، كَأنَّهُما كَلامانِ مُتَعاقِبانِ عَلى حَقِيقَةٍ واحِدَةٍ، حَتّى إنَّهُ يَسْتَعْمِلُهُ في مَلِكٍ لا يُعْطِي عَطاءً قَطُّ، ولا يَمْنَعُهُ إلّا بِإشارَتِهِ مِن غَيْرِ اسْتِعْمالِ يَدٍ وبَسْطِها وقَبْضِها. وقالَ حَبِيبٌ في المُعْتَصِمِ:
؎تَعَوَّدَ بَسْطَ الكَفِّ حَتّى لَوَ انَّهُ ∗∗∗ ثَناها لِقَبْضٍ لَمْ تُجِبْهُ أنامِلُهْ
كَنّى بِذَلِكَ عَنِ المُبالَغَةِ في الكَرَمِ. وسَبَبُ مُقالَةِ اليَهُودِ ذَلِكَ عَلى ما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو أنَّ اللَّهَ كانَ يَبْسُطُ لَهُمُ الرِّزْقَ، فَلَمّا عَصَوْا أمْرَ الرَّسُولِ وكَفَرُوا بِهِ كَفَّ عَنْهم ما كانَ يَبْسُطُ لَهم فَقالُوا ذَلِكَ. وقالَ قَتادَةُ: لَمّا اسْتَقْرَضَ مِنهم قالُوا ذَلِكَ وهو بَخِيلٌ. وقِيلَ: لَمّا اسْتَعانَ بِهِمْ في الدِّياتِ. وهَذِهِ الأسْبابُ مُناسِبَةٌ لِسِياقِ الآيَةِ. وقالَ قَتادَةُ أيْضًا: لَمّا أعانَ النَّصارى ”بُخْتَ نَصَّرَ“ المَجُوسِيَّ عَلى تَخْرِيبِ بَيْتِ المَقْدِسِ؛ قالَتِ اليَهُودُ: لَوْ كانَ صَحِيحًا لَمَنَعَنا مِنهُ، فَيَدُهُ مَغْلُولَةٌ. وقالَ الحَسَنُ: مَغْلُولَةٌ عَنْ عَذابِهِمْ فَهي في مَعْنى: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] وهَذانِ القَوْلانِ يَدْفَعُهُما قَوْلُهُ: ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ﴾ . وقالَ الكَلْبِيُّ: كانُوا مُخْصِبِينَ وقالُوا ذَلِكَ عِنادًا واسْتِهْزاءً وتَهَكُّمًا. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهم: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ خَبَرٌ، وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ اسْتِفْهامٌ: أيَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ حَيْثُ قَتَّرَ المَعِيشَةَ عَلَيْنا ؟ وإلى أنَّها مَمْسُوكَةٌ عَنِ العَطاءِ ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ. أوْ عَنْ عَذابِهِمْ إلّا تَحِلَّةَ القَسَمِ بِقَدْرِ عِبادَتِهِمُ العِجْلَ؛ قالَهُ الحَسَنُ. أوْ إلى أنْ يَرُدَّ عَلَيْنا مُلْكَنا. قالَ الطَّبَرِيُّ: غُلَّتْ أيْدِيهِمْ خَبَرٌ، وإيعادٌ واقِعٌ بِهِمْ في جَهَنَّمَ لا مَحالَةَ. قالَهُ الحَسَنُ: أوْ خَبَرٌ عَنْهم في الدُّنْيا جَعَلَهُمُ اللَّهُ أبْخَلَ قَوْمٍ؛ قالَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ مُقاتِلٌ: أمْسَكَتْ عَنِ الخَيْرِ. وقِيلَ: هو دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِالبُخْلِ والنَّكَدِ، ومِن ثَمَّ كانُوا أبْخَلَ خَلْقِ اللَّهِ وأنْكَدَهم. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ دُعاءً عَلَيْهِمْ بِغَلِّ الأيْدِي حَقِيقَةً يُغَلَّلُونَ في الدُّنْيا أُسارى، وفي الآخِرَةِ مُعَذَّبِينَ بِأغْلالِ جَهَنَّمَ. والطِّباقُ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ ومُلاحَظَةُ أصْلِ المَجازِ كَما تَقُولُ: سَبَّنِي سَبَّ اللَّهُ دابِرَهُ، لِأنَّ السَّبَّ أصْلُهُ القَطْعُ. (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ جازَ أنْ يَدْعُوَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِما هو قَبِيحٌ وهو البُخْلُ والنَّكَدُ ؟ (قُلْتُ): المُرادُ بِهِ الدُّعاءُ بِالخِذْلانِ الَّذِي تَقْسُو بِهِ قُلُوبُهم، فَيَزِيدُونَ بُخْلًا إلى بُخْلِهِمْ ونَكَدًا إلى نَكَدِهِمْ، وبِما هو مُسَبَّبٌ عَنِ البُخْلِ والنَّكَدِ مِن لُصُوقِ العارِ بِهِمْ، وسُوءِ الأُحْدُوثَةِ الَّتِي تُخْزِيهِمْ، وتُمَزِّقُ أعْراضَهم؛ . انْتَهى كَلامُهُ. وأخْرَجَهُ جارِيًا عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ؛ والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ قَوْلَهم: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ، اسْتِعارَةٌ عَنْ إمْساكِ الإحْسانِ الصّادِرِ مِنَ المَقْهُورِ عَلى الإمْساكِ. ولِذَلِكَ جاءُوا بِلَفْظِ مَغْلُولَةٌ، ولا يُغَلُّ إلّا المَقْهُورُ، فَجاءَ قَوْلُهُ: غُلَّتْ أيْدِيهِمْ، دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِغَلِّ الأيْدِي، فَهم في كُلِّ بَلَدٍ مَعَ كُلِّ أُمَّةٍ مَقْهُورُونَ مَغْلُوبُونَ، لا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ مِنهم أنْ يَسْتَطِيلَ ولا أنْ يَسْتَعْلِيَ، فَهي اسْتِعارَةٌ عَنْ ذُلِّهِمْ وقَهْرِهِمْ، وأنَّ أيْدِيَهم لا تَنْبَسِطُ إلى دَفْعِ ضُرٍّ يَنْزِلُ بِهِمْ، وذَلِكَ مُقابَلَةٌ عَمّا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهم: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ، ولَيْسَتْ هَذِهِ المَقالَةُ بِدْعًا مِنهم فَقَدْ قالُوا: ﴿إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾ [آل عمران: ١٨١] .
﴿غُلَّتْ أيْدِيهِمْ ولُعِنُوا بِما قالُوا﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا وأنْ يَكُونَ دُعاءً، وبِما قالُوا؛ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ يُرادُ بِهِ مَقالَتُهم هَذِهِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ عامًّا فِيما نَسَبُوهُ إلى اللَّهِ مِمّا لا يَجُوزُ نِسْبَتُهُ إلَيْهِ، فَتَنْدَرِجُ هَذِهِ المَقالَةُ في عُمُومِ ما قالُوا. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: بِسُكُونِ العَيْنِ كَما قالُوا: في عُصِرَ عُصْرَ. وقالَ الشّاعِرُ:
لَوْ عُصْـرَ مِنـهُ البَـانُ والمِسْـكُ انْعَصَـرْ
ويُحَسِّنُ هَذِهِ القِراءَةَ أنَّها كَسْرَةٌ بَيْنَ ضَمَّتَيْنِ، فَحَسُنَ التَّخْفِيفُ.
﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ﴾ مُعْتَقَدُ أهْلِ الحَقِّ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَيْسَ بِجِسْمٍ (p-٥٢٤)ولا جارِحَةَ لَهُ، ولا يُشَبَّهُ بِشَيْءٍ مِن خَلْقِهِ، ولا يُكَيَّفُ، ولا يَتَحَيَّزُ، ولا تُحِلُّهُ الحَوادِثُ، وكُلُّ هَذا مُقَرَّرٌ في عِلْمِ أُصُولِ الدِّينِ؛ والجُمْهُورُ عَلى أنَّ هَذا اسْتِعارَةٌ عَنْ جُودِهِ وإنْعامِهِ السّابِغِ، وأضافَ ذَلِكَ إلى اليَدَيْنِ جارِيًا عَلى طَرِيقَةِ العَرَبِ في قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يُنْفِقُ بِكِلْتا يَدَيْهِ. ومِنهُ قَوْلُهُ:
؎يَداكَ يَدا مَجْدٍ فَكَفٌّ مُفِيدَةٌ ∗∗∗ وكَفٌّ إذا ما ضُنَّ بِالمالِ تُنْفِقُ
ويُؤَيِّدُ أنَّ اليَدَيْنِ هُنا بِمَعْنى الإنْعامِ قَرِينَةُ الإنْفاقِ؛ ومَن نَظَرَ في كَلامِ العَرَبِ عَرَفَ يَقِينًا أنَّ بَسْطَ اليَدِ وقَبْضَها اسْتِعارَةٌ لِلْجُودِ والبُخْلِ، وقَدِ اسْتَعْمَلَتِ العَرَبُ ذَلِكَ حَيْثُ لا يَكُونُ؛ قالَ الشّاعِرُ:
؎جادَ الحِمى بَسِطُ اليَدَيْنِ بِوابِلٍ ∗∗∗ شَكَرَتْ نَداهُ تِلاعُهُ ووِهادُهُ
وقالَ لَبِيدٌ:
؎وغَداةِ رِيحٍ قَدْ وزَعْتُ وقُرَّةٍ ∗∗∗ قَدْ أصْبَحَتْ بِيَدِ الشَّمالِ زِمامُها
ويُقالُ: بَسَطَ اليَأْسُ كَفَّهُ في صَدْرِي، واليَأْسُ مَعْنًى لا عَيْنٌ وقَدْ جَعَلَ لَهُ كَفًّا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَن لَمْ يَنْظُرْ في عِلْمِ البَيانِ عَمِيَ عَنْ تَبَصُّرِ مَحَجَّةِ الصَّوابِ في تَأْوِيلِ أمْثالِ هَذِهِ الآيَةِ، ولَمْ يَتَخَلَّصْ مِن يَدِ الطّاعِنِ إذا عَبَثَتْ بِهِ ثُمَّ قالَ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمْ ثُنِّيَتِ اليَدُ في بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ؛ وهي مُفْرَدَةٌ في يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ؟ (قُلْتُ): لِيُكُونَ رَدُّ قَوْلِهِمْ وإنْكارُهُ أبْلَغَ وأدَلَّ عَلى إثْباتِ غايَةِ السَّخاءِ لَهُ ونَفْيِ البُخْلِ عَنْهُ، وذَلِكَ أنَّ غايَةَ ما يَبْذُلُهُ السَّخِيُّ بِما لَهُ مِن نَفْسِهِ، وأنْ يُعْطِيَهُ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا، فَبُنِيَ المَجازُ عَلى ذَلِكَ. انْتَهى؛ وكَلامُهُ في غايَةِ الحُسْنِ. وقِيلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: يَداهُ نِعْمَتاهُ، فَقِيلَ: هُما مَجازانِ عَنْ نِعْمَةِ الدِّينِ ونِعْمَةِ الدُّنْيا، أوْ نِعْمَةِ سَلامَةِ الأعْضاءِ والحَواسِّ ونِعْمَةِ الرِّزْقِ والكِفايَةِ، أوِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ، أوْ نِعْمَةِ المَطَرِ ونِعْمَةِ النَّباتِ، وما ورَدَ مِمّا يُوهِمُ التَّجْسِيمَ كَهَذا. وقَوْلُهُ: ﴿لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] و﴿مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا﴾ [يس: ٧١] و﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] و﴿لِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] و﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ [القمر: ١٤] و﴿هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] ونَحْوُها. فَجُمْهُورُ الأُمَّةِ أنَّها تُفَسَّرُ عَلى قَوانِينِ اللُّغَةِ ومَجازِ الِاسْتِعارَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أفانِينِ الكَلامِ.
وقالَ قَوْمٌ مِنهُمُ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ: هَذِهِ كُلُّها صِفاتٌ زائِدَةٌ عَلى الذّاتِ، ثابِتَةٌ لِلَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ تَشْبِيهٍ ولا تَجْدِيدٍ. وقالَ قَوْمٌ مِنهُمُ الشَّعْبِيُّ، وابْنُ المُسَيَّبِ، والثَّوْرِيُّ: نُؤْمِنُ بِها ونُقِرُّ كَما نَصَّتْ، ولا نُعَيِّنُ تَفْسِيرَها، ولا يَسْبِقُ النَّظَرُ فِيها. وهَذانِ القَوْلانِ حَدِيثُ مَن لَمْ يُمْعِنِ النَّظَرَ في لِسانِ العَرَبِ، وهَذِهِ المَسْألَةُ حُجَجُها في عِلْمِ أُصُولِ الدِّينِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: بَسِيطَتانِ؛ يُقالُ: يَدٌ بَسِيطَةٌ مُطْلَقَةٌ بِالمَعْرُوفِ. في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: بَسْطانِ؛ يُقالُ: يَدُهُ بَسْطٌ بِالمَعْرُوفِ؛ وهو عَلى فَعْلٍ؛ كَما تَقُولُ: ناقَةٌ صَرْحٌ، ومِشْيَةٌ سَجْحٌ، ”﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ﴾“ هَذا تَأْكِيدٌ لِلْوَصْفِ بِالسَّخاءِ، وأنَّهُ لا يُنْفِقُ إلّا عَلى ما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ، ولا مَوْضِعَ لِقَوْلِهِ تُنْفِقُ مِنَ الإعْرابِ إذْ هي جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، وقالَ الحَوْفِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في مَبْسُوطَتانِ. انْتَهى. ويَحْتاجُ في هَذَيْنِ الإعْرابَيْنِ إلى أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ العائِدُ عَلى المُبْتَدَأِ، أوْ عَلى ذِي الحالِ - مَحْذُوفًا؛ التَّقْدِيرُ: يُنْفِقُ بِهِما. قالَ الحَوْفِيُّ: كَيْفَ سُؤالٌ عَنْ حالٍ، وهي نَصْبٌ بَيَشاءُ. انْتَهى. ولا يُعْقَلُ هُنا كَوْنُها سُؤالًا عَنْ حالٍ، بَلْ هي في مَعْنى الشَّرْطِ كَما تَقُولُ: كَيْفَ تَكُونُ أكُونُ، ومَفْعُولُ يَشاءُ مَحْذُوفٌ، وجَوابُ كَيْفَ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ يُنْفِقُ المُتَقَدِّمُ، كَما يَدُلُّ في قَوْلِكَ: أقُومُ إنْ قامَ زَيْدٌ، عَلى جَوابِ الشَّرْطِ؛ والتَّقْدِيرُ: يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ أنْ يُنْفِقَ يُنْفِقُ، كَما تَقُولُ: كَيْفَ تَشاءُ أنْ أضْرِبَكَ (p-٥٢٥)أضْرِبُكَ، ولا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ كَيْفَ يُنْفِقُ لِأنَّ اسْمَ الشَّرْطِ لا يَعْمَلُ فِيهِ ما قَبْلَهُ إلّا إنْ كانَ جارًّا، فَقَدْ يَعْمَلُ في بَعْضِ أسْماءِ الشَّرْطِ. ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَيَبْسُطُهُ في السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ [الروم: ٤٨] .
﴿ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ عَلَّقَ بِكَثِيرٍ، لِأنَّ مِنهم مَن آمَنَ ومَن لا يَزْدادُ إلّا طُغْيانًا، وهَذا إعْلامٌ لِلرَّسُولِ بِفَرْطِ عُتُوِّهِمْ إذْ كانُوا يَنْبَغِي لَهم أنْ يُبادِرُوا بِالإيمانِ بِسَبَبِ ما أخْبَرَهم بِهِ اللَّهُ تَعالى عَلى لِسانِ رَسُولِهِ مِنَ الأسْرارِ الَّتِي يَكْتُمُونَها ولا يَعْرِفُها غَيْرُهم، لَكِنْ رَتَّبُوا عَلى ذَلِكَ غَيْرَ مُقْتَضاهُ، وزادَهم ذَلِكَ طُغْيانًا وكُفْرًا، وذَلِكَ لِفَرْطِ عِنادِهِمْ وحَسَدِهِمْ. وقالَ الزَّجّاجُ: كُلَّما نَزَلَ عَلَيْكَ شَيْءٌ كَفَرُوا بِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: ولَيَزِيدَنَّ بَنِي النَّضِيرِ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ مِن أمْرِ الرَّجْمِ والدِّماءِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالكَثِيرِ؛ عُلَماءُ اليَهُودِ. وقِيلَ: إقامَتُهم عَلى الكُفْرِ زِيادَةٌ مِنهم في الكُفْرِ.
﴿وألْقَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ قِيلَ: الضَّمِيرُ في بَيْنِهِمْ عائِدٌ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى، لِأنَّهُ جَرى ذِكْرُهم في قَوْلِهِ: ﴿لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ﴾ [المائدة: ٥١] ولِشُمُولِ قَوْلِهِ: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ﴾ [المائدة: ٥٩] لِلْفَرِيقَيْنِ؛ وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ. وقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى اليَهُودِ، إذْ هم جَبْرِيَّةٌ وقَدَرِيَّةٌ ومُوَحِّدَةٌ ومُشَبِّهَةٌ، وكَذَلِكَ فَرَّقَ النَّصارى كالمَلْكانِيَّةِ واليَعْقُوبِيَّةِ والنَّسْطُورِيةِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ المَعْنى لا يَزالُونَ مُتَباغِضِينَ مُتَعادِينَ، فَلا يُمْكِنُ اجْتِماعُ كَلِمَتِهِمْ عَلى قِتالِكَ، ولا يَقْدِرُونَ عَلى ضَرَرِكَ، ولا يَصِلُونَ إلَيْكَ ولا إلى أتْباعِكَ، لِأنَّ الطّائِفَتَيْنِ لا تَوادَّ بَيْنَهم فَيَجْتَمِعانِ عَلى حَرْبِكَ. وفي ذَلِكَ إخْبارٌ بِالمُغَيَّبِ، وهو أنَّهُ لَمْ يَجْتَمِعْ لِحَرْبِ المُسْلِمِينَ جَيْشا يَهُودٍ ونَصارى مُذْ كانَ الإسْلامُ إلى هَذا الوَقْتِ. وأشارَ إلى هَذا المَعْنى الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ: فَكُلُّهم أبَدًا مُخْتَلِفٌ وقُلُوبُهم شَتّى، لا يَقَعُ اتِّفاقٌ بَيْنَهم ولا تَعاضُدٌ. انْتَهى. والعَداوَةُ أخَصُّ مِنَ البَغْضاءِ، لِأنَّ كُلَّ عَدُوٍّ مُبْغَضٌ، وقَدْ يُبْغَضُ مَن لَيْسَ بِعَدُوٍّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وكَأنَّ العَداوَةَ شَيْءٌ يُشْهَدُ يَكُونُ عَنْهُ عَمَلٌ وحَرْبٌ، والبَغْضاءُ لا تَتَجاوَزُ النُّفُوسَ. انْتَهى كَلامُهُ.
﴿كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللَّهُ﴾ قالَ قَوْمٌ: هو عَلى (p-٥٢٦)حَقِيقَتِهِ ولَيْسَ اسْتِعارَةً، وهو أنَّ العَرَبَ كانَتْ تَتَواعَدُ لِلْقِتالِ، وعَلامَتُهم إيقادُ نارٍ عَلى جَبَلٍ أوْ رَبْوَةٍ، فَيَتَبادَرُونَ والجَيْشُ يَسْرِي لَيْلًا فَيُوقِدُ مَن مَرَّ بِهِمْ لَيْلًا النّارَ فَيَكُونُ إنْذارًا، وهَذِهِ عادَةٌ لَنا مَعَ الرُّومِ عَلى جَزِيرَةِ الأنْدَلُسِ، يَكُونُ قَرِيبًا مِن دِيارِهِمْ رَبِيئَةً لِلْمُسْلِمِينَ مُسْتَخْفٍ في جَبَلٍ في غارٍ، فَإذا خَرَجَ الكُفّارُ لِحَرْبِ المُسْلِمِينَ أوْقَدَ نارًا، فَإذا رَآها رَبِيئَةٌ آخَرُ قَدْ أعَدَّ لِلْمُسْلِمِينَ في قَرِيبٍ مِن ذَلِكَ الجَبَلِ أوْقَدَ نارًا، وهَكَذا إلى أنْ يَصِلَ الخَبَرُ لِلْمُسْلِمِينَ في أقْرَبِ زَمانٍ، ويَعْرِفُ ذَلِكَ مِن أيِّ جِهَةِ نَهْرٍ مِنَ الكُفّارِ، فَيُعِدُّ المُسْلِمُونَ لِلِقائِهِمْ. وقِيلَ: إذا تَراءى الجَمْعانِ وتَنازَلَ العَسْكَرانِ أوْقَدُوا بِاللَّيْلِ نارًا مَخافَةَ البَياتِ، فَهَذا أصْلُ نارِ الحَرْبِ. وقِيلَ: كانُوا إذا تَحالَفُوا عَلى الجِدِّ في حَرْبِهِمْ أوْقَدُوا نارًا وتَحالَفُوا، فَعَلى كَوْنِ النّارِ حَقِيقَةً يَكُونُ مَعْنى إطْفائِها أنَّهُ ألْقى اللَّهُ الرُّعْبَ في قُلُوبِهِمْ فَخافُوا أنْ يُغْشَوْا في مَنازِلِهِمْ فَيَضَعُونَ، فَلَمّا تَقاعَدُوا عَنْهم أطَفْؤُها، وأضافَ تَعالى الإطْفاءَ إلَيْهِ إضافَةَ المُسَبَّبِ إلى سَبَبِهِ الأصْلِيِّ.
وقالَ الجُمْهُورُ: هو اسْتِعارَةٌ، وإيقادُ النّارِ عِبارَةٌ عَنْ إظْهارِ الحِقْدِ والكَيْدِ والمَكْرِ بِالمُؤْمِنِينَ والِاغْتِيالِ والقِتالِ، وإطْفاؤُها صَرْفُ اللَّهِ عَنْهم ذَلِكَ، وتَفَرُّقِ آرائِهِمْ، وحَلِّ عَزائِمِهِمْ، وتَفَرُّقِ كَلِمَتِهِمْ، وإلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ. فَهم لا يُرِيدُونَ مُحارَبَةَ أحَدٍ إلّا غُلِبُوا وقُهِرُوا، ولَمْ يَقُمْ لَهم نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى أحَدٍ، وقَدْ أتاهُمُ الإسْلامُ وهم في مِلْكِ المَجُوسِ. وقِيلَ: خالَفُوا اليَهُودَ فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بُخْتَنَصَّرَ، ثُمَّ أفْسَدُوا فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِطْرِيقَ الرُّومِيَّ، ثُمَّ أفْسَدُوا فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المَجُوسَ، ثُمَّ أفْسَدُوا فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المُسْلِمِينَ. وقالَ قَوْمٌ: هَذا مَثَلٌ ضُرِبَ لِاجْتِهادِهِمْ في المُحارَبَةِ، والتِهابِ شُواظِ قُلُوبِهِمْ، وغَلَيانِ صُدُورِهِمْ. ومِنهُ: الآنَ حَمِيَ الوَطِيسُ؛ لِلْجِدِّ في الحَرْبِ، وفُلانٌ مُسْعِرُ حَرْبٍ يُهَيِّجُها بِبَسالَتِهِ، وضُرِبَ الإطْفاءُ مَثَلًا لِإرْغامِ أُنُوفِهِمْ وخِذْلانِهِمْ في كُلِّ مَوْطِنٍ. قالَ مُجاهِدٌ: هي تَبْشِيرٌ لِلرَّسُولِ بِأنَّهم كُلَّما حارَبُوهُ نُصِرَ عَلَيْهِمْ، وإشارَةٌ إلى حاضِرِيهِ مِنَ اليَهُودِ. وقالَ السُّدِّيُّ والرَّبِيعُ وغَيْرُهُما: هي إخْبارٌ عَنْ أسْلافِهِمْ مُنْذُ عُصُورٍ هَدَّ اللَّهُ مُلْكَهم، فَلا تُرْفَعُ لَهم رايَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ولا يُقاتِلُونَ جَمِيعًا إلّا في قُرًى مُحَصَّنَةٍ. وقالَ قَتادَةُ: لا تَلْقى اليَهُودَ بِبَلْدَةٍ إلّا وجَدْتَهم مِن أذَلِّ النّاسِ.
﴿ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِالسَّعْيِ نَقْلَ الأقْدامِ؛ أيْ: لا يَكْتَفُونَ في إظْهارِ الفَسادِ إلّا بِنَقْلِ أقْدامِهِمْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، فَيَكُونُ أبْلَغَ في الِاجْتِهادِ، والظّاهِرُ أنَّهُ يُرادُ بِهِ العَمَلُ والفِعْلُ؛ أيْ: يَجْتَهِدُونَ في كَيْدِ أهْلِ الإسْلامِ ومَحْوِ ذِكْرِ الرَّسُولِ مِن كُتُبِهِمْ؛ والأرْضُ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها الجِنْسُ، أوْ أرْضُ الحِجازِ، فَتَكُونُ ”ألْ“ فِيهِ لِلْعَهْدِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُقاتِلٌ: فَسادُهم بِالمَعاصِي. وقالَ الزَّجّاجُ: بِدَفْعِ الإسْلامِ ومَحْوِ ذِكْرِ الرَّسُولِ مِن كُتُبِهِمْ. وقِيلَ: بِسَفْكِ الدِّماءِ واسْتِحْلالِ المَحارِمِ. وقِيلَ: بِالكُفْرِ. وقِيلَ: بِالظُّلْمِ، وكُلُّ هَذِهِ الأقْوالِ مُتَقارِبَةٌ.
﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ﴾ ظاهِرُ المُفْسِدِينَ العُمُومُ، فَيَنْدَرِجُ هَؤُلاءِ فِيهِمْ. وقِيلَ: ألْ، لِلْعَهْدِ؛ وهم هَؤُلاءِ. وانْتِفاءُ المَحَبَّةِ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِ لا يَعُودُ عَلَيْهِمْ بِفَضْلِهِ وإحْسانِهِ، فَهَؤُلاءِ يُثِيبُهم. وإذا لَمْ يُثِبْهم فَهو مُعاقِبُهم، إذْ لا واسِطَةَ بَيْنَ العِقابِ والثَّوابِ.
المائدة 5:65
﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ آمَنُوا واتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ولَأدْخَلْناهم جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ . قِيلَ: المُرادُ أسْلافُهم، ودَخَلَ فِيها المُعاصِرُونَ بِالمَعْنى. والغَرَضُ الإخْبارُ عَنْ أُولَئِكَ الَّذِينَ أطْفَأ اللَّهُ نِيرانَهم وأذَلَّهم بِمَعاصِيهِمْ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهم مُعاصِرُو الرَّسُولِ (p-٥٢٧)ﷺ، وفي ذَلِكَ تَرْغِيبٌ لَهم في الدُّخُولِ في الإسْلامِ. وذَكَرَ شَيْئَيْنِ وهُما: الإيمانُ، والتَّقْوى. ورَتَّبَ عَلَيْهِمْ شَيْئَيْنِ: قابَلَ الإيمانَ بِتَكْفِيرِ السَّيِّئاتِ إذِ الإسْلامُ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ، وتَرَتَّبَ عَلى التَّقْوى وهي امْتِثالُ الأوامِرِ واجْتِنابُ المَناهِي دُخُولُ جَنَّةِ النَّعِيمِ، وإضافَةُ الجَنَّةِ إلى النَّعِيمِ تَنْبِيهًا عَلى ما كانُوا يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العَذابِ لَوْ لَمْ يُؤْمِنُوا ويَتَّقُوا. وقِيلَ: واتَّقَوْا؛ أيِ: الكُفْرَ بِمُحَمَّدٍ، ﷺ، وبِ عِيسى، عَلَيْهِ السَّلامُ. وقِيلَ: المَعاصِي الَّتِي لُعِنُوا بِسَبَبِها. وقِيلَ: الشِّرْكُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَوْ أنَّهم آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ، ﷺ، وبِما جاءَ بِهِ، وقَرَنُوا إيمانَهم بِالتَّقْوى الَّتِي هي الشَّرِيطَةُ في الفَوْزِ بِالإيمانِ، لَكَفَّرْنا عَنْهم تِلْكَ السَّيِّئاتِ، فَلَمْ نُؤاخِذْهم بِها، ولَأدْخَلْناهم مَعَ المُسْلِمِينَ الجَنَّةَ. وفِيهِ إعْلامٌ بِعِظَمِ مَعاصِي اليَهُودِ والنَّصارى وكَثْرَةِ سَيِّئاتِهِمْ، ودَلالَةٌ عَلى سِعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وفَتْحِهِ بابَ التَّوْبَةِ عَلى كُلِّ عاصٍ وإنْ عَظُمَتْ مَعاصِيهِ وبَلَغَتْ مَبالِغَ سَيِّئاتِ اليَهُودِ والنَّصارى، وأنَّ الإيمانَ لا يُنْجِي ولا يُسْعِدُ إلّا مَشْفُوعًا بِالتَّقْوى؛ كَما قالَ الحَسَنُ: هَذا العَمُودُ فَأيْنَ الأطْنابُ. انْتَهى كَلامُهُ؛ وفِيهِ مِنَ الِاعْتِزالِ. وقَرَنُوا إيمانَهم بِالتَّقْوى الَّتِي هي الشَّرِيطَةُ في الفَوْزِ بِالإيمانِ، وقَوْلُهُ: وأنَّ الإيمانَ لا يُنْجِي ولا يُسْعِدُ إلّا مَشْفُوعًا بِالتَّقْوى.
المائدة 5:66
﴿ولَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ لَأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ هَذا اسْتِدْعاءٌ لِإيمانِهِمْ، وتَنْبِيهٌ لَهم عَلى اتِّباعِ ما في كُتُبِهِمْ، وتَرْغِيبٌ لَهم في عاجِلِ الدُّنْيا وبَسْطِ الرِّزْقِ عَلَيْهِمْ فِيها، إذْ أكْثَرُ ما في التَّوْراةِ مِنَ المَوْعُودِ بِهِ عَلى الطّاعاتِ هو الإحْسانُ إلَيْهِمْ في الدُّنْيا. ولَمّا رَغَّبَهم في الآيَةِ قَبْلُ في مَوْعُودِ الآخِرَةِ مِن تَكْفِيرِ السَّيِّئاتِ وإدْخالِهِمُ الجَنَّةَ، رَغَّبَهم في هَذِهِ الآيَةِ في مَوْعُودِ الدُّنْيا لِيَجْمَعَ لَهم بَيْنَ خَيْرَيِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وكانَ تَقْدِيمُ مَوْعُودِ الآخِرَةِ أهَمَّ لِأنَّهُ هو الدّائِمُ الباقِي، والَّذِي بِهِ النَّجاةُ السَّرْمَدِيَّةُ، والنَّعِيمُ الَّذِي لا يَنْقَضِي. ومَعْنى إقامَةِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ: هو إظْهارُ ما انْطَوَتْ عَلَيْهِ مِنَ الأحْكامِ والتَّبْشِيرِ بِالرَّسُولِ والأمْرِ بِاتِّباعِهِ، كَقَوْلِهِمْ: أقامُوا السُّوقَ؛ أيْ: حَرَّكُوها وأظْهَرُوها، وذَلِكَ تَشْبِيهٌ بِالقائِمِ مِنَ النّاسِ إذْ هي أظْهَرُ هَيْآتِهِ. وفي قَوْلِهِ: والإنْجِيلَ؛ دَلِيلٌ عَلى دُخُولِ النَّصارى في لَفْظِ أهْلِ الكِتابِ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ؛ العُمُومُ في الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ مِثْلَ: كِتابِ أشْعِياءَ، وكِتابِ حَزْقِيلَ، وكِتابِ دانْيالَ، فَإنَّها مَمْلُوءَةٌ مِنَ البِشارَةِ بِمَبْعَثِ الرَّسُولِ. وقِيلَ: ما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ هو القُرْآنُ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: لَأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ، أنَّهُ اسْتِعارَةٌ عَنْ سُبُوغِ النِّعَمِ عَلَيْهِمْ، وتَوْسِعَةِ الرِّزْقِ عَلَيْهِمْ، كَما يُقالُ: قَدْ عَمَّهُ الرِّزْقُ مِن فَرْقِهِ إلى قَدَمِهِ ولا فَوْقَ ولا تَحْتَ حَكاهُ الطَّبَرِيُّ والزَّجّاجُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ: لَأعْطَتْهُمُ السَّماءُ مَطَرَها وبَرَكَتَها، والأرْضُ نَباتَها كَما قالَ تَعالى: ﴿لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦] وذَكَرَ النَّقّاشُ مِن فَوْقِهِمْ مِن رِزْقِ الجَنَّةِ، ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ مِن رِزْقِ الدُّنْيا إذْ هو مِن نَباتِ الأرْضِ؛ وقِيلَ: مِن فَوْقِهِمْ: كَثْرَةُ الأشْجارِ المُثْمِرَةِ، ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمُ: الزَّرْعُ المُغِلَّةُ. وقِيلَ: مِن فَوْقِهِمُ: الجِنانُ اليانِعَةُ الثِّمارِ يَجْتَنُونَ ما تَهَدَّلَ مِنها مِن رُءُوسِ الشَّجَرِ، ويَلْتَقِطُونَ ما تَساقَطَ مِنها عَلى الأرْضِ، وتَحْتَ أرْجُلِهِمْ؛ (p-٥٢٨)وقالَ تاجُ القُرّاءِ: مِن فَوْقِهِمْ ما يَأْتِيهِمْ مِن كُبَرائِهِمْ ومُلُوكِهِمْ، ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ ما يَأْتِيهِمْ مِن سِفْلَتِهِمْ وعَوامِّهِمْ، وعَبَّرَ بِالأكْلِ عَنِ الأخْذِ، لِأنَّهُ أجَلُّ مَنافِعِهِ وأبْلَغُ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ في دَيْمُومَةِ الحَياةِ.
﴿مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ الضَّمِيرُ في مِنهم يَعُودُ عَلى أهْلِ الكِتابِ. والأُمَّةُ هُنا يُرادُ بِها الجَماعَةُ القَلِيلَةُ لِلْمُقابِلَةِ لَها بِقَوْلِهِ: وكَثِيرٌ مِنهم. والِاقْتِصادُ مِنَ القَصْدِ وهو الِاعْتِدالُ، وهو افْتَعَلَ بِمَعْنى اعْتَمَلَ واكْتَسَبَ؛ أيْ: كانَتْ أوَّلًا جائِزَةً ثُمَّ اقْتَصَدَتْ. قِيلَ: هم مُؤْمِنُو الفَرِيقَيْنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ وأصْحابُهُ، وثَمانِيَةٌ وأرْبَعُونَ مِنَ النَّصارى. واقْتِصادُهم هو الإيمانُ بِاللَّهِ تَعالى. وقالَ مُجاهِدٌ: المُقْتَصِدَةُ مُسْلِمَةُ أهْلِ الكِتابِ قَدِيمًا وحَدِيثًا، ونَحْوُهُ قَوْلُ ابْنُ زَيْدٍ: هم أهْلُ طاعَةِ اللَّهِ مِن أهْلِ الكِتابِ. وذَكَرَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ: أنَّها الطَّوائِفُ الَّتِي لَمْ تُناصِبِ الأنْبِياءَ مُناصَبَةَ المُتَمَرِّدِينَ المُجاهِدِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُقْتَصِدَةٌ حالُها أُمَمٌ في عَداوَةِ الرَّسُولِ، ﷺ . وقالَ الطَّبَرِيُّ: مِن بَنِي إسْرائِيلَ مَن يَقْتَصِدُ في عِيسى فَيَقُولُ: هو عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ ورُوحٌ مِنهُ، والأكْثَرُ مِنهم غَلا فِيهِ فَقالَ بَعْضُهم: هو الإلَهُ، وعَلى هَذا مَشى الرُّومُ ومَن دَخَلَ بِآخِرَةٍ في مِلَّةِ عِيسى. وقالَ بَعْضُهم وهو الأكْثَرُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ: هو آدَمِيٌّ كَغَيْرِهِ لِغَيْرِ رُشْدِهِ، فَتُلَخَّصُ في الِاقْتِصادِ أهُوَ في حَقِّ عِيسى، أوْ في المُناصَبَةِ، أوْ في الإيمانِ ؟ فَإنْ كانَ في المُناصَبَةِ فَهَلْ هو بِالنِّسْبَةِ إلى الرَّسُولِ وحْدَهُ أمْ بِالنِّسْبَةِ إلى الأنْبِياءِ ؟ قَوْلانِ. وإنْ كانَ في الإيمانِ فَهَلْ هو في إيمانِ مَن آمَنَ بِالرَّسُولِ مِنَ الفَرِيقَيْنِ أوْ مَن آمَنَ قَدِيمًا وحَدِيثًا ؟ قَوْلانِ.
﴿وكَثِيرٌ مِنهم ساءَ ما يَعْمَلُونَ﴾ هَذا تَنْوِيعٌ في التَّفْصِيلِ. فالجُمْلَةُ الأُولى جاءَتْ مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ، جاءَ الخَبَرُ الجارُّ والمَجْرُورُ، والخَبَرُ الجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ساءَ ما يَعْمَلُونَ، وبَيْنَ التَّرْكِيبَيْنِ تَفاوُتٌ غَرِيبٌ مِن حَيْثُ المَعْنى. وذَلِكَ أنَّ الِاقْتِصادَ جُعِلَ وصْفًا، والوَصْفُ ألْزَمُ لِلْمَوْصُوفِ مِنَ الخَبَرِ، فَأتى بِالوَصْفِ اللّازِمِ في الطّائِفَةِ المَمْدُوحَةِ، وأخْبَرَ عَنْها بِقَوْلِهِ: مِنهم، والخَبَرُ لَيْسَ مِن شَأْنِهِ اللُّزُومُ ولا سِيَّما هُنا، فَأخْبَرَ عَنْهم بِأنَّهم مِن أهْلِ الكِتابِ في الأصْلِ، ثُمَّ قَدْ تَزُولُ هَذِهِ النِّسْبَةُ بِالإسْلامِ فَيَكُونُ التَّعْبِيرُ عَنْهم والإخْبارُ بِأنَّهم مِنهم، بِاعْتِبارِ الحالَةِ الماضِيَةِ. وأمّا في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ فَإنَّهم مِنهم حَقِيقَةً لِأنَّهم كُفّارٌ، فَجاءَ الوَصْفُ بِالإلْزامِ، ولَمْ يُجْعَلْ خَبَرًا، وجُعِلَ خَبَرَ الجُمْلَةِ الَّتِي هي ساءَ ما يَعْمَلُونَ، لِأنَّ الخَبَرَ لَيْسَ مِن شَأْنِهِ اللُّزُومُ، فَهم بِصَدَدِ أنَّ يُسْلِمَ ناسٌ مِنهم فَيَزُولَ عَنْهُمُ الإخْبارُ بِمَضْمُونِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ في ساءَ أنْ تَكُونَ الَّتِي لا تَنْصَرِفُ، فَإنَّ فِيهِ التَّعَجُّبَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما أسْوَأ عَمَلَهم ولَمْ يَذْكُرْ غَيْرَ هَذا الوَجْهِ. واخْتارَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ تَكُونَ المُتَصَرِّفَةَ؛ تَقُولُ: ساءَ الأمْرُ يَسُوءُ، وأجازَ أنْ تَكُونَ غَيْرَ المُتَصَرِّفَةِ فَتُسْتَعْمَلَ اسْتِعْمالَ نِعْمَ وبِئْسَ؛ كَقَوْلِهِ: ساءَ مَثَلًا. فالمُتَصَرِّفَةُ تَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مَفْعُولٍ؛ أيْ: ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ، وغَيْرُ المُتَصَرِّفَةِ تَحْتاجُ إلى تَمْيِيزٍ؛ أيْ: ساءَ عَمَلًا ما كانُوا يَعْمَلُونَ.
المائدة 5:67
﴿يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ هَذا نِداءٌ بِالصِّفَةِ الشَّرِيفَةِ الَّتِي هي أشْرَفُ أوْصافِ الجِنْسِ الإنْسانِيِّ، (p-٥٢٩)وأمْرٌ بِتَبْلِيغِ ما أُنْزِلَ إلَيْهِ، ﷺ، وهو قَدْ بَلَّغَ ما أُنْزِلَ إلَيْهِ، فَهو أمْرٌ بِالدَّيْمُومَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَمِيعَ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ، وأيَّ شَيْءٍ أُنْزِلَ غَيْرَ مُراقِبٍ في تَبْلِيغِهِ أحَدًا، ولا خائِفٍ أنْ يَنالَكَ مَكْرُوهٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أمْرٌ مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ بِالتَّبْلِيغِ عَلى الِاسْتِيفاءِ والكَمالِ، لِأنَّهُ قَدْ قالَ: بَلِّغْ، فَإنَّما أُمِرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ لا يَتَوَقَّفَ عَلى شَيْءٍ مَخافَةَ أحَدٍ، وذَلِكَ أنَّ رِسالَتَهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ، تَضَمَّنَتِ الطَّعْنَ عَلى أنْواعِ الكَفَرَةِ وفَسادِ أحْوالِهِمْ، فَكانَ يَلْقى مِنهم عَنَتًا، ورُبَّما خافَهم أحْيانًا قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ،: «لَمّا بَعَثَنِي اللَّهُ بِرِسالَتِهِ ضِقْتُ بِها ذَرْعًا وعَرَفْتُ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن يُكَذِّبُنِي فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ» . وقِيلَ: هو أمْرٌ بِتَبْلِيغٍ خاصٍّ؛ أيْ: ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنَ الرَّجْمِ والقِصاصِ الَّذِي غَيَّرَهُ اليَهُودُ في التَّوْراةِ والنَّصارى في الإنْجِيلِ. وقِيلَ: أمْرٌ بِتَبْلِيغِ أمْرِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ونِكاحِها. وقِيلَ: بِتَبْلِيغِ الجِهادِ والحَثِّ عَلَيْهِ، وأنْ لا يَتْرُكَهُ لِأجْلِ أحَدٍ. وقِيلَ: أمْرٌ بِتَبْلِيغِ مَعائِبِ آلِهَتِهِمْ، إذْ كانَ قَدْ سَكَتَ عِنْدَ نُزُولِ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٠٨] الآيَةَ - عَنْ عَيْبِها، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذا التَّبْلِيغِ الخاصِّ قِيلَ إنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِهِ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ تَعالى أمَّنَهُ مِن مَكْرِ اليَهُودِ والنَّصارى، وأمَرَهُ بِتَبْلِيغِ ما أُنْزِلَ إلَيْهِ في أمْرِهِمْ وغَيْرِهِ مِن غَيْرِ مُبالاةٍ بِأحَدٍ، لِأنَّ الكَلامَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وبَعْدَها هو مَعَهم، فَيَبْعُدُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ أجْنَبِيَّةً عَمّا قَبْلَها وعَمّا بَعْدَها.
﴿وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ أيْ: وإنْ لَمْ تَفْعَلْ بِتَبْلِيغِ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ، وظاهِرُ هَذا الجَوابِ لا يُنافِي الشَّرْطَ، إذْ صارَ المَعْنى: وإنْ لَمْ تَفْعَلْ لَمْ تَفْعَلْ، والجَوابُ لا بُدَّ أنْ يُغايِرَ الشَّرْطَ حَتّى يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ إذا لَمْ يَمْتَثِلْ أمْرَ اللَّهِ في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ وكَتَمَها كُلَّها كَأنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ رَسُولًا، كانَ أمْرًا شَنِيعًا. وقِيلَ: إنْ لَمْ تُبَلِّغْ مِنها أدْنى شَيْءٍ وإنْ كَلِمَةً واحِدَةً فَأنْتَ كَمَن رَكِبَ الأمْرَ الشَّنِيعَ الَّذِي هو كِتْمانُ كُلِّها، كَما عَظَّمَ قَتْلَ النَّفْسِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] والثّانِي: أنْ يُرادَ فَإنْ لَمْ تَفْعَلْ ذَلِكَ ما يُوجِبُهُ كِتْمانُ الوَحْيِ كُلِّهِ مِنَ العِقابِ، فَوُضِعَ السَّبَبُ مَوْضِعَ المُسَبَّبِ، ويُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ،: (فَأوْحى اللَّهُ إلَيَّ إنْ لَمْ تُبَلِّغْ رِسالاتِي لَأُعَذِّبَنَّكَ) . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْ: إنْ تَرَكْتَ شَيْئًا فَكَأنَّكَ قَدْ تَرَكْتَ الكُلَّ، وصارَ ما بَلَّغْتَ غَيْرَ مُعْتَدٍّ بِهِ. فَمَعْنى: وإنْ لَمْ تَفْعَلْ، وإنْ لَمْ تَسْتَوْفِ. ونَحْوُ هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎سُئِلْتَ فَلَمْ تَبْخَلْ ولَمْ تُعْطِ نائِلًا فَسِيّانَ لا ذَمٌّ عَلَيْكَ ولا حَمْدُ
أيْ إنْ لَمْ تُعْطِ ما يُعَدُّ نائِلًا وألّا تَتَكاذَبَ. . . . . . البَيْتَ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: أجابَ الجُمْهُورُ بِإنْ لَمْ تُبَلِّغْ واحِدًا مِنها كُنْتَ كَمَن لَمْ يُبَلِّغْ شَيْئًا. وهَذا ضَعِيفٌ، لِأنَّ مَن أتى بِالبَعْضِ وتَرَكَ البَعْضَ. فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَرَكَ الكُلَّ كانَ كاذِبًا، ولَوْ قِيلَ: إنْ مِقْدارَ الجُرْمِ في تَرْكِ البَعْضِ مِثْلُ الجُرْمِ في تَرْكِ الكُلِّ، فَهَذا هو المُحالُ المُمْتَنِعُ، فَسَقَطَ هَذا الجَوابُ. انْتَهى. وما ضَعَّفَ بِهِ جَوابَ الجُمْهُورِ لا يُضَعَّفُ بِهِ، لِأنَّهُ قالَ: فَإنْ قِيلَ إنَّهُ تَرَكَ الكُلَّ - كانَ كاذِبًا، ولَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ إنَّما قالُوا: إنَّ بَعْضَها لَيْسَ أوْلى بِالأداءِ مِن بَعْضٍ، فَإنْ لَمْ تُؤَدِّ بَعْضَها فَكَأنَّكَ أغْفَلْتَ أداءَها جَمِيعًا. كَما أنَّ مَن لَمْ يُؤْمِن بِبَعْضِها كانَ كَمَن لا يُؤْمِنُ بِكُلِّها لِأداءِ كُلٍّ مِنها بِما يُدْلِي بِهِ غَيْرُها، وكَوْنِها لِذَلِكَ في حُكْمِ شَيْءٍ واحِدٍ، والشَّيْءُ الواحِدِ لا يَكُونُ مُبَلَّغًا غَيْرَ مُبَلَّغٍ مُؤْمَنًا بِهِ غَيْرَ مُؤْمَنٍ، فَصارَ ذَلِكَ التَّبْلِيغُ لِلْبَعْضِ غَيْرَ مُعْتَدٍّ بِهِ، وأمّا ما ذُكِرَ مِن أنَّ مِقْدارَ الجُرْمِ في تَرْكِ البَعْضِ مِثْلُ الجُرْمِ في تَرْكِ الكُلِّ مُحالٌ مُمْتَنِعٌ، فَلا اسْتِحالَةَ فِيهِ. ولِلَّهِ تَعالى أنْ يُرَتِّبَ عَلى الذَّنْبِ اليَسِيرِ العَذابَ العَظِيمَ، ولَهُ تَعالى أنْ يَعْفُوَ عَنِ الذَّنْبِ العَظِيمِ، ويُؤاخِذَ بِالذَّنْبِ الحَقِيرِ: ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] وقَدْ ظَهَرَ ذَلِكَ في تَرْتِيبِ العُقُوباتِ في الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ، رَتَّبَ عَلى مَن أخَذَ شَيْئًا بِالِاخْتِفاءِ والتَّسَتُّرِ، قَطْعَ اليَدِ مَعَ رَدِّ ما أخَذَهُ أوْ قِيمَتِهِ، ورَتَّبَ عَلى مَن أخَذَ شَيْئًا بِالقَهْرِ والغَلَبَةِ والغَصْبِ رَدَّ ذَلِكَ الشَّيْءِ أوْ قِيمَتِهِ إنْ فُقِدْ دُونَ (p-٥٣٠)قَطْعِ اليَدِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: والأصَحُّ عِنْدِي أنْ يُقالَ: إنَّ هَذا خَرَجَ عَلى قانُونِ قَوْلِهِ: أنا أبُو النَّجْمِ وشِعْرِي شِعْرِي، ومَعْناهُ: أنَّ شِعْرِي بَلَغَ في الكَمالِ والفَصاحَةِ والمَتانَةِ بِحَيْثُ مَتى قِيلَ فِيهِ إنَّهُ شِعْرِي فَقَدِ انْتَهى مَدْحُهُ إلى الغايَةِ الَّتِي لا يُمْكِنُ أنْ يُزادَ عَلَيْها، وهَذا الكَلامُ مُفِيدٌ المُبالَغَةَ التّامَّةَ مِن هَذا الوَجْهِ، فَكَذا هَهُنا. قالَ: فَإنْ لَمْ تُبَلِّغْ رِسالَتَهُ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ؛ يَعْنِي: أنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَصِفَ البَلِيغُ بِتَرْكِ التَّهْدِيدِ بِأعْظَمَ مِن أنَّهُ تَرَكَ التَّعْظِيمَ، فَكانَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ: رِسالاتِهِ؛ عَلى الجَمْعِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ عَلى التَّوْحِيدِ.
﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ أيْ: لا تُبالِ في التَّبْلِيغِ، فَإنَّ اللَّهَ يَعْصِمُكَ فَلَيْسَ لَهم تَسْلِيطٌ عَلى قَتْلِكَ لا بِمُؤامَرَةٍ ولا بِاغْتِيالٍ، ولا بِاسْتِيلاءٍ عَلَيْكَ بِأخْذٍ وأسْرٍ. قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ الأعْرابِيِّ الَّذِي اخْتَرَطَ سَيْفَ النَّبِيِّ، ﷺ، لِيَقْتُلَهُ. انْتَهى، وهو غَوْرَثُ بْنُ الحارِثِ، وذَلِكَ في غَزْوَةِ ذاتِ الرِّقاعِ.
ورَوى المُفَسِّرُونَ أنَّ أبا طالِبٍ كانَ يُرْسِلُ رِجالًا مِن بَنِي هاشِمٍ يَحْرُسُونَهُ حَتّى نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾؛ فَقالَ: إنِ اللَّهَ قَدْ عَصَمَنِي مِنَ الجِنِّ والإنْسِ، فَلا أحْتاجُ إلى مَن يَحْرُسُنِي. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانَ يَهابُ قُرَيْشًا فَلَمّا نَزَلَتِ اسْتَلْقى وقالَ: مَن شاءَ فَلْيَخْذُلْنِي، مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا. ورَوى أبُو أُمامَةَ «حَدِيثَ ”رُكانَةَ“ " ٠٠٠٠ مِن ولَدِ هاشِمٍ مُشْرِكًا أفْتَكَ النّاسِ وأشَدَّهم، تَصارَعَ هو والرَّسُولُ، فَصَرَعَهُ الرَّسُولُ، ﷺ، ثَلاثًا ودَعاهُ إلى الإسْلامِ، فَسَألَهُ آيَةً، فَدَعا الشَّجَرَةَ فَأقْبَلَتْ إلَيْهِ. وقَدِ انْشَقَّتْ نِصْفَيْنِ، ثُمَّ سَألَهُ رَدَّها إلى مَوْضِعِها فالتَأمَتْ وعادَتْ، فالتَمَسَهُ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ فَدَلّا عَلَيْهِ أنَّهُ خَرَجَ إلى وادِ أُضْمٍ حَيْثُ رُكانَةُ، فَسارا نَحْوَهُ واجْتَمَعا بِهِ، وذَكَرا أنَّهُما خافا الفَتْكَ مِن رُكانَةَ، فَأخْبَرَهُما خَبَرَهُ مَعَهُ وضَحِكَ، وقَرَأ ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾» . وهَذا وما قَبْلَهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ نَزَلَ بِمَكَّةَ أوْ في ذاتِ الرِّقاعِ، والصَّحِيحُ أنَّها «نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ والرَّسُولُ بِها مُقِيمٌ شَهْرًا، وحَرَسَهُ سَعْدٌ وحُذَيْفَةُ، فَنامَ حَتّى غَطَّ، فَنَزَلَتْ، فَأخْرَجَ إلَيْهِما رَأْسَهُ مِن قُبَّةٍ آدَمَ وقالَ: (انْصَرِفُوا أيُّها النّاسُ فَقَدْ عَصَمَنِي اللَّهُ لا أُبالِي مَن نَصَرَنِي ومَن خَذَلَنِي») وأصْلُ هَذا الحَدِيثِ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ: وأمّا شَجُّ جَبِينِهِ وكَسْرُ رُباعِيَّتِهِ يَوْمَ أُحُدٍ فَقِيلَ: الآيَةُ نَزَلَتْ بَعْدَ أُحُدٍ، فَأمّا إنْ كانَتْ قَبْلَهُ فَلَمْ تَتَضَمَّنِ العِصْمَةُ هَذا الِابْتِلاءَ ونَحْوَهُ مِن أذى الكُفّارِ بِالقَوْلِ، بَلْ تَضَمَّنَتِ العِصْمَةَ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ، وأمّا مِثْلُ هَذِهِ فِيها الِابْتِلاءُ الَّذِي فِيهِ رَفْعُ الدَّرَجاتِ واحْتِمالُ كُلِّ الأذى دُونَ النَّفْسِ في ذاتِ اللَّهِ، وابْتِلاءُ الأنْبِياءِ أشَدُّ، وما أعْظَمَ تَكْلِيفَهم. وأتى بِلَفْظِ يَعْصِمُكَ لِأنَّ المُضارِعَ يَدُلُّ عَلى الدَّيْمُومَةِ والِاسْتِمْرارِ، والنّاسُ: عامٌّ يُرادُ بِهِ الكُفّارُ؛ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ. وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ الإخْبارَ بِمُغَيَّبٍ ووُجِدَ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ، فَلَمْ يَصِلْ إلَيْهِ أحَدٌ بِقَتْلٍ ولا أسْرٍ مَعَ قَصْدِ الَأعْداءِ لَهُ مُغالَبَةً واغْتِيالًا. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، إذْ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ إخْبارُهُ بِذَلِكَ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، وكَذا جَمِيعُ ما أخْبَرَ بِهِ.
﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ أيْ: إنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ لا الهِدايَةُ، فَمَن قَضَيْتُ عَلَيْهِ بِالكُفْرِ والمُوافاةِ عَلَيْهِ لا يَهْتَدِي أبَدًا، فَيَكُونُ خاصًّا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أمّا عَلى العُمُومِ عَلى أنْ لا هِدايَةَ في الكُفْرِ، ولا يَهْدِي اللَّهُ الكافِرَ في سَبِيلِ كُفْرِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْناهُ أنَّهُ لا يُمَكِّنُهم مِمّا يُرِيدُونَ إنْزالَهُ، بَلْ مِنَ الهَلاكِ. انْتَهى. وهو قَوْلُ بَعْضِهِمْ لا يُعِينُهم عَلى بُلُوغِ غَرَضِهِمْ مِنكَ. وقِيلَ: المَعْنى لا يَهْدِيهِمْ إلى الجَنَّةِ. والظّاهِرُ مِنَ الهِدايَةِ إذا أُطْلِقَتْ ما فَسَّرْناها بِهِ أوَّلًا.
المائدة 5:68
﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْزِلُ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾ «قالَ رافِعُ بْنُ سَلّامِ بْنِ مِشْكَمٍ ومالِكُ بْنُ الصَّيْفِ ورافِعُ بْنُ (p-٥٣١)حُرَيْمَلَةَ»: يا مُحَمَّدُ ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ، وأنَّكَ تُؤْمِنُ بِالتَّوْراةِ ونُبُوَّةِ مُوسى، وأنَّ ذَلِكَ حَقٌّ ؟ قالَ: ”بَلى ولَكِنَّكم أحْدَثْتُمْ وغَيَّرْتُمْ وكَتَمْتُمْ“ فَقالُوا: إنّا نَأْخُذُ بِما في أيْدِينا فَإنَّهُ الحَقُّ، ولا نُصَدِّقُكَ، ولا نَتَّبِعُكَ فَنَزَلَتْ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى إقامَةِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وما أُنْزِلَ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. ونَفْيُ أنْ يَكُونُوا عَلى شَيْءٍ جَعَلَ ما هم عَلَيْهِ عَدَمًا صِرْفًا لِفَسادِهِ وبُطْلانِهِ فَنَفاهُ مِن أصْلِهِ، أوْ لا حَظَّ فِيهِ، صِفَةٌ مَحْذُوفَةٌ؛ أيْ: عَلى شَيْءٍ يُعْتَدُّ بِهِ، فَيَتَوَجَّهُ النَّفْيُ إلى الصِّفَةِ دُونَ المَوْصُوفِ.
﴿ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ.
﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ أيْ: لا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ. فَأقامَ الظّاهِرَ مَقامَ المُضْمَرِ تَنْبِيهًا عَلى العِلَّةِ المُوجِبَةِ لِعَدَمِ التَّأسُّفِ، أوْ هو عامٌّ فَيَنْدَرِجُونَ فِيهِ. وقِيلَ: في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ﴾ جَمَعَ في الضَّمِيرِ، والمَقْصُودُ التَّفْصِيلُ؛ أيْ: حَتّى يُقِيمَ أهْلُ التَّوْراةِ التَّوْراةَ، ويُقِيمَ أهْلُ الإنْجِيلِ الإنْجِيلَ، ولا يُحْتاجُ إلى ذَلِكَ إنْ أُرِيدَ ما في الكِتابَيْنِ مِنَ التَّوْحِيدِ، فَإنَّ الشَّرائِعَ فِيهِ مُتَساوِيَةٌ.
المائدة 5:69
﴿إنِ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصّابِئُونَ والنَّصارى مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ. وقَرَأ عُثْمانُ، وأُبَيٌّ، وعائِشَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والجَحْدَرِيُّ: والصّابِئِينَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وبِها قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ. وقَرَأ الحَسَنُ، والزُّهْرِيُّ: والصّابِيُونَ؛ بِكَسْرِ الباءِ وضَمِّ الياءِ، وهو مِن تَخْفِيفِ الهَمْزِ كَقِراءَةِ: يَسْتَهْزِئُونَ؛ وقَرَأ القُرّاءُ السَّبْعَةُ: والصّابِئُونَ؛ بِالرَّفْعِ، وعَلَيْهِ مَصاحِفُ الأمْصارِ، والجُمْهُورُ. وفي تَوْجِيهِ هَذِهِ القِراءَةِ وُجُوهٌ: أحَدُها: مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ ونُحاةِ البَصْرَةِ: أنَّهُ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، وهو مَنَوِيٌّ بِهِ التَّأْخِيرُ، ونَظِيرُهُ: إنَّ زَيْدًا وعَمْرٌو قائِمٌ؛ التَّقْدِيرُ: وإنَّ زَيْدًا قائِمٌ وعَمْرٌو قائِمٌ، فَحُذِفَ خَبَرُ عَمْرٍو لِدَلالَةِ خَبَرِ إنَّ عَلَيْهِ، والنِّيَّةُ بِقَوْلِهِ: وعَمْرٌو، التَّأْخِيرُ. ويَكُونُ عَمْرٌو قائِمٌ بِخَبَرِهِ هَذا المُقَدَّرِ مَعْطُوفًا عَلى الجُمْلَةِ مِن إنَّ زَيْدًا قائِمٌ، وكِلاهُما لا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإعْرابِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَوْضِعِ اسْمِ إنَّ لِأنَّهُ قَبْلَ دُخُولِ إنَّ كانَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وهَذا مَذْهَبُ الكِسائِيِّ والفَرّاءِ. أمّا الكِسائِيُّ فَإنَّهُ أجازَ رَفْعَ المَعْطُوفِ عَلى المَوْضِعِ سَواءٌ كانَ الِاسْمُ مِمّا خَفِيَ فِيهِ الإعْرابُ، أوْ مِمّا ظَهَرَ فِيهِ. وأمّا الفَرّاءُ فَإنَّهُ أجازَ ذَلِكَ بِشَرْطِ خَفاءِ الإعْرابِ. واسْمُ إنَّ هُنا خَفِيَ فِيهِ الإعْرابُ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهُ مَرْفُوعٌ مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ في هادُوا؛ ورُوِيَ هَذا عَنِ الكِسائِيِّ. ورُدَّ بِأنَّ العَطْفَ عَلَيْهِ يَقْتَضِي أنَّ الصّابِئِينَ تَهَوَّدُوا، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ. الوَجْهُ الرّابِعُ: أنْ تَكُونَ إنَّ بِمَعْنى نَعَمْ، حَرْفُ جَوابٍ، وما بَعْدَهُ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ؛ فَيَكُونُ والصّابِئُونَ مَعْطُوفًا عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ المَرْفُوعِ، وهَذا ضَعِيفٌ. لِأنَّ ثُبُوتَ أنَّ بِمَعْنى نَعَمْ فِيهِ خِلافٌ بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ، وعَلى تَقْدِيرِ ثُبُوتِ ذَلِكَ مِن لِسانِ العَرَبِ فَتَحْتاجُ إلى شَيْءٍ يَتَقَدَّمُها يَكُونُ تَصْدِيقًا لَهُ، ولا تَجِيءُ ابْتِدائِيَّةً أوَّلَ الكَلامِ مِن غَيْرِ أنْ تَكُونَ جَوابًا لِكَلامٍ سابِقٍ. وقَدْ أطالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَقْدِيرِ مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ ونُصْرَتِهِ، وذَلِكَ مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، وأوْرَدَ أسْئِلَةً وجَواباتٍ في الآيَةِ إعْرابِيَّةً تَقَدَّمَ نَظِيرُها في البَقَرَةِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادَوْا والصّابِئُونَ.
المائدة 5:70
﴿لَقَدْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ وأرْسَلْنا إلَيْهِمْ رُسُلًا﴾ هَذا إخْبارٌ بِما صَدَرَ مِن أسْلافِ اليَهُودِ مِن نَقْضِ المِيثاقِ الَّذِي أخَذَهُ تَعالى عَلَيْهِمْ، وما اجْتَرَحُوهُ مِنَ الجَرائِمِ العِظامِ مِن تَكْذِيبِ الأنْبِياءِ وقَتْلِ بَعْضِهِمْ، والَّذِينَ هم بِحَضْرَةِ (p-٥٣٢)الرَّسُولِ هم أخْلافُ أُولَئِكَ، فَغَيْرُ بِدْعٍ ما يَصْدُرُ مِنهم لِلرَّسُولِ مِنَ الأذى والعِصْيانِ، إذْ ذاكَ شِنْشِنَةٌ مِن أسْلافِهِمْ.
﴿كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُهم فَرِيقًا كَذَّبُوا وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا في البَقَرَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا: (فَإنْ قُلْتَ): أيْنَ جَوابُ الشَّرْطِ ؟ فَإنَّ قَوْلَهُ فَرِيقًا كَذَّبُوا وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ نابَ عَنِ الجَوابِ، لِأنَّ الرَّسُولَ الواحِدَ لا يَكُونُ فَرِيقَيْنِ، ولِأنَّهُ لا يَحْسُنُ أنْ تَقُولَ: إنْ أكْرَمْتَ أخِي أخاكَ أكْرَمْتُ. (قُلْتُ): هو مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: فَرِيقًا كَذَّبُوا وفَرِيقًا (p-٥٣٣)يَقْتُلُونَ، كَأنَّهُ قِيلَ: كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ مِنهم ناصَبُوهُ. وقَوْلُهُ: فَرِيقًا كَذَّبُوا، جَوابٌ مُسْتَأْنَفٌ لِسُؤالِ قائِلٍ: كَيْفَ فَعَلُوا بِرُسُلِهِمْ ؟ . انْتَهى. قَوْلُهُ: فَإنْ قُلْتَ: أيْنَ جَوابُ الشَّرْطِ ؟ سَمّى قَوْلَهُ: كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ - شَرْطًا ولَيْسَ بِشَرْطٍ، بَلْ كُلَّ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ لِإضافَتِها إلى المَصْدَرِ المُنْسَبِكِ مِن ما المَصْدَرِيَّةِ الظَّرْفِيَّةِ، والعامِلُ فِيها هو ما يَأْتِي بَعْدَ ما المَذْكُورَةِ وصِلَتِها مِنَ الفِعْلِ كَقَوْلِهِ: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهُمْ﴾ [النساء: ٥٦] ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها﴾ [الملك: ٨] وأجْمَعَتِ العَرَبُ عَلى أنَّهُ لا يُجْزَمُ بِكُلَّما، وعَلى تَسْلِيمِ تَسْمِيَتِهِ شَرْطًا فَذَكَرَ أنَّ قَوْلَهُ: فَرِيقًا كَذَّبُوا يَنْبُو عَنِ الجَوابِ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ: لِأنَّ الرَّسُولَ الواحِدَ لا يَكُونُ فَرِيقَيْنِ، ولَيْسَ كَما ذَكَرَ، لِأنَّ الرَّسُولَ في هَذا التَّرْكِيبِ لا يُرادُ بِهِ الواحِدُ، بَلِ المُرادُ بِهِ الجِنْسُ وأيُّ نَجْمٍ طَلَعَ، وإذا كانَ المُرادُ بِهِ الجِنْسُ انْقَسَمَ إلى الفَرِيقَيْنِ: فَرِيقٍ كُذِّبَ، وفَرِيقٌ قُتِلَ. والوَجْهُ الثّانِي قَوْلُه: ولِأنَّهُ لا يَحْسُنُ أنْ تَقُولَ إنْ أكْرَمْتَ أخِي أخاكَ أكْرَمْتُ، يَعْنِي أنَّهُ لا يَجُوزُ تَقْدِيمُ مَنصُوبِ فِعْلٍ لِلْجَوابِ عَلَيْهِ. ولَيْسَ كَما ذُكِرَ، بَلْ مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ والكِسائِيِّ أنَّ ذاكَ جائِزٌ حَسَنٌ، ولَمْ يَمْنَعْهُ إلّا الفَرّاءُ وحْدَهُ، وهَذا كُلُّهُ عَلى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ أنَّ كُلَّما شَرْطٌ، وإلّا فَلا يَلْزَمُ أنْ يَعْتَذِرَ بِهَذا، بَلْ يَجُوزُ تَقْدِيمُ مَنصُوبِ الفِعْلِ العامِلِ في كُلَّما عَلَيْهِ. فَتَقُولُ في كُلَّما جِئْتَنِي أخاكَ أكْرَمْتُ، وعُمُومُ نُصُوصِ النَّحْوِيِّينَ عَلى ذَلِكَ، لِأنَّهم حِينَ حَصَرُوا ما يَجِبُ تَقْدِيمُ المَفْعُولِ بِهِ عَلى العامِلِ وما يَجِبُ تَأْخِيرُهُ عَنْهُ قالُوا: وما سِوى ذَلِكَ يَجُوزُ فِيهِ التَّقْدِيمُ عَلى العامِلِ والتَّأْخِيرُ عَنْهُ، ولَمْ يَسْتَثْنُوا هَذِهِ الصُّورَةَ، ولا ذَكَرُوا فِيها خِلافًا. فَعَلى هَذا الَّذِي قَرَّرْناهُ يَكُونُ العامِلُ في كُلَّما قَوْلُهُ: كَذَّبُوا وما عُطِفَ عَلَيْهِ ولا يَكُونُ مَحْذُوفًا. وقالَ الحَوْفِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ: كُلَّما ظَرْفٌ، والعامِلُ فِيهِ كَذَّبُوا. وقالَ أبُو البَقاءِ: كَذَّبُوا جَوابُ كُلَّما. انْتَهى. وجاءَ بِلَفْظِ يَقْتُلُونَ عَلى حِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ اسْتِفْظاعًا لِلْقَتْلِ، واسْتِحْضارًا لِتِلْكَ الحالِ الشَّنِيعَةِ لِلتَّعَجُّبِ مِنها؛ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. ويُحَسِّنُ مَجِيئُهُ أيْضًا كَوْنُهُ رَأْسَ آيَةٍ؛ والمَعْنى: أنَّهم يُكَذِّبُونَ فَرِيقًا فَقَطْ، وقَتَلُوا فَرِيقًا ولا يَقْتُلُونَهُ إلّا مَعَ التَّكْذِيبِ، فاكْتَفى بِذِكْرِ القَتْلِ عَنْ ذِكْرِ التَّكْذِيبِ؛ أيِ: اقْتَصَرَ ناسٌ عَلى تَكْذِيبِ فَرِيقٍ، وزادَ ناسٌ عَلى التَّكْذِيبِ القَتْلَ.
المائدة 5:71
﴿وحَسِبُوا ألّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ كانُوا عَلى الكُفْرِ قَبْلَ البَعْثَةِ، فَلَمّا بُعِثَ الرَّسُولُ كَذَّبُوهُ بَغْيًا وحَسَدًا، فَعَمُوا وصَمُّوا لِمُجانَبَةِ الحَقِّ، ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ؛ أيْ: عَرَّضَهم لِلتَّوْبَةِ بِإرْسالِ الرَّسُولِ، ﷺ، وإنْ لَمْ يَتُوبُوا ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا كَثِيرٌ مِنهم لِأنَّهم لَمْ يُجْمِعُوا كُلُّهم عَلى خِلافِهِ. انْتَهى. والضَّمِيرُ في: وحَسِبُوا، عائِدٌ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، وحُسْبانُهم سَبَبُهُ اغْتِرارُهم بِإمْهالِ اللَّهِ حِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ وقَتَلُوا، أوْ وُقُوعُ كَوْنِهِمْ أبْناءَ اللَّهِ وأحِبّاءَهُ في أنْفُسِهِمْ، وأنَّهم لا تَمَسُّهُمُ النّارُ إلّا مِقْدارَ الزَّمانِ الَّذِي عَبَدُوا فِيهِ العِجْلَ، وإمْدادُ اللَّهِ لَهم بِطُولِ الأعْمارِ وسِعَةِ الأرْزاقِ، أوْ وُقُوعُ كَوْنِ الجَنَّةِ لا يَدْخُلُها إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى في أنْفُسِهِمْ، واعْتِقادُهُمُ امْتِناعُ النَّسْخِ عَلى شَرِيعَةِ مُوسى، فَكُلُّ مَن جاءَهم مِن رَسُولٍ كَذَّبُوهُ وقَتَلُوهُ؛ خَمْسَةُ أقْوالٍ. والفِتْنَةُ هُنا: الِابْتِلاءُ والِاخْتِبارُ. فَقِيلَ: في الدُّنْيا بِالقَحْطِ والوَباءِ وهو الطّاعُونُ، أوِ القَتْلِ، أوِ العَداوَةِ، أوْ ضِيقِ الحالِ، أوِ القُمَّلِ، والضَّفادِعِ، والدَّمِ، أوِ التِّيهِ، وقِتالِ الجَبّارِينَ، أوْ مَجْمُوعِ ما ذُكِرَ؛ أقْوالٌ ثَمانِيَةٌ. وقِيلَ: في الآخِرَةِ بِالِافْتِضاحِ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، أوْ هو يَوْمُ القِيامَةِ وشِدَّتُهُ، أوِ العَذابُ بِالنّارِ والخُلُودِ؛ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. وقِيلَ: الفِتْنَةُ ما نالَهم في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، وسَدَّتْ أنْ وصِلَتُها مَسَدَّ مَفْعُولَيْ حَسِبَ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ بِنَصْبِ نُونِ تَكُونَ بِأنِ النّاصِبَةِ لِلْمُضارِعِ، وهو عَلى الأصْلِ إذْ حَسِبَ مِنَ الأفْعالِ الَّتِي في أصْلِ الوَضْعِ لِغَيْرِ المُتَيَقَّنِ. وقَرَأ النَّحْوِيّانِ وحَمْزَةُ بِرَفْعِ النُّونِ، وأنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ، والجُمْلَةُ المَنفِيَّةُ في مَوْضِعِ الخَبَرِ. نَزَلَ الحُسْبانُ في (p-٥٣٤)صُدُورِهِمْ مَنزِلَةَ العِلْمِ، وقَدِ اسْتُعْمِلَتْ حَسِبَ في المُتَيَقَّنِ قَلِيلًا؛ قالَ الشّاعِرُ:
؎حَسِبْتُ التُّقى والجُودَ خَيْرَ تِجارَةٍ رَباحًا إذا ما المَرْءُ أصْبَحَ ثاقِلا
وتَكُونُ هُنا تامَّةً.
﴿ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا كَثِيرٌ مِنهُمْ﴾ قالَتْ جَماعَةٌ: تَوْبَتُهم هَذِهِ رَدُّهم إلى بَيْتِ المَقْدِسِ بَعْدَ الإخْراجِ الأوَّلِ وعَماهم وصَمَمِهِمْ. قِيلَ: وُلُوجُهم في شَهَواتِهِمْ فَلَمْ يُبْصِرُوا الحَقَّ، ولَمْ يَسْمَعُوا داعِيَ اللَّهِ. وقالَتْ جَماعَةٌ: تَوْبَتُهم بِبَعْثِ عِيسى، عَلَيْهِ السَّلامُ. وقالَتْ جَماعَةٌ: بَعْثُ مُحَمَّدٍ، ﷺ . وقِيلَ: الأوَّلُ: في زَمانِ زَكَرِيّا ويَحْيَـى وعِيسى، عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولِتَوْفِيقِ كَثِيرٍ مِنهم لِلْإيمانِ. والثّانِي: في زَمانِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، آمَنَ جَماعَةٌ بِهِ، وأقامَ الكَثِيرُ مِنهم عَلى كُفْرِهِمْ. وقِيلَ: الأوَّلُ عِبادَةُ العِجْلِ ثُمَّ التَّوْبَةُ عَنْهُ، ثُمَّ الثّانِي بِطَلَبِ الرُّؤْيَةِ وهي مُحالُّ غَيْرُ مَعْقُولٍ في صِفاتِ اللَّهِ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، جَرْيًا عَلى مَذْهَبِهِ الِاعْتِزالِيِّ في إنْكارِ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ القَفّالُ في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ ما يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِهَذِهِ الآيَةِ وقِيلَ: الأوَّلُ بَعْدَ مُوسى ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ بِبَعْثِ عِيسى. والثّانِي بِالكُفْرِ بِالرَّسُولِ؛ والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ المَعْنى حَسِبَ بَنُو إسْرائِيلَ حَيْثُ هم أبْناءُ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ أنْ لا يُبْتَلَوْا إذا عَصَوُا اللَّهَ، فَعَصَوُا اللَّهَ تَعالى وكَنّى عَنِ العِصْيانِ بِالعَمى والصَّمَمِ، ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ إذْ حَلَّتْ بِهِمُ الفِتْنَةُ بِرُجُوعِهِمْ عَنِ المَعْصِيَةِ إلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وبُدِئَ بِالعَمى لِأنَّهُ أوَّلُ ما يَعْرِضُ لِلْمُعْرِضِ عَنِ الشَّرائِعِ أنْ لا يُبْصِرَ مَن أتاهُ بِها مِن عِنْدِ اللَّهِ، ثُمَّ لَوْ أبْصَرَهُ لَمْ يَسْمَعْ كَلامَهُ، فَعَرَضَ لَهُمُ الصَّمَمُ عَنْ كَلامِهِ. ولَمّا كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ الهِدايَةِ، ثُمَّ عَرَضَ لَهُمُ الضَّلالُ، نُسِبَ الفِعْلُ إلَيْهِمْ وأُسْنِدَ لَهم ولَمْ يَأْتِ: فَأعْماهُمُ اللَّهُ وأصَمَّهم كَما جاءَ في قَوْلِهِ: (أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَأصَمَّهم وأعْمى أبْصارَهم) إذْ هَذا فِيمَن لَمْ تَسْبِقْ لَهُ هِدايَةٌ، وأُسْنِدَ الفِعْلُ الشَّرِيفُ إلى اللَّهِ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ لَمْ يَأْتِ، ثُمَّ تابُوا إظْهارًا لِلِاعْتِناءِ بِهِمْ ولُطْفِهِ تَعالى بِهِمْ. وفي العَطْفِ بِالفاءِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم يَعْقُبُ الحُسْبانَ عِصْيانُهم وضَلالُهم، وفي العَطْفِ بِثُمَّ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم تَمادَوْا في الضَّلالِ زَمانًا إلى أنْ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. وقَرَأ النَّخَعِيُّ وابْنُ وثّابٍ بِضَمِّ العَيْنِ والصّادِ وتَخْفِيفِ المِيمِ، مِن عَمُوا، جَرَتْ مَجْرى زُكِمَ الرَّجُلُ وأزْكَمَهُ، وحُمَّ وأحَمَّهُ، ولا يُقالُ: زَكَمَهُ اللَّهُ ولا حَمَّهُ اللَّهُ، كَما لا يُقالُ: عُمِيتُهُ ولا صُمِمْتُهُ، وهي أفْعالٌ جاءَتْ مَبْنِيَّةً لِلْمَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ وهي مُتَعَدِّيَةٌ ثُلاثِيَّةٌ، فَإذا بُنِيَتْ لِلْفاعِلِ صارَتْ قاصِرَةً، فَإذا أرَدْتَ بِناءَها لِلْفاعِلِ مُتَعَدِّيَةً أدْخَلْتَ هَمْزَةَ التَّنَقُّلِ وهي نَوْعٌ غَرِيبٌ في الأفْعالِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعُمُوا وصُمُّوا، بِالضَّمِّ، عَلى تَقْدِيرِ عَماهُمُ اللَّهُ وصَمَّهم؛ أيْ: رَماهم بِالعَمى والصَّمَمِ، كَما يُقالُ: نَزَكْتُهُ؛ إذا ضَرَبْتَهُ بِالنَّيْزَكِ، ورَكَبْتُهُ؛ إذا ضَرَبْتَهُ بِرُكْبَتِكَ. انْتَهى. وارْتِفاعُ كَثِيرٌ عَلى البَدَلِ مِنَ المُضْمَرِ. وجَوَّزُوا أنْ يَرْتَفِعَ عَلى الفاعِلِ، والواوُ عَلامَةٌ لِلْجَمْعِ لا ضَمِيرٌ عَلى لُغَةِ أكَلُونِي البَراغِيثُ، ولا يَنْبَغِي ذَلِكَ لِقِلَّةِ هَذِهِ اللُّغَةِ. وقِيلَ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ هم؛ أيِ: العَمى والصَّمُّ كَثِيرٌ مِنهم. وقِيلَ: مُبْتَدَأٌ، والجُمْلَةُ قَبْلَهُ في مَوْضِعِ الخَبَرِ. وضُعِّفَ بِأنَّ الفِعْلَ قَدْ وقَعَ مَوْقِعَهُ، فَلا يُنْوى بِهِ التَّأْخِيرُ. والوَجْهُ هو الإعْرابُ الأوَّلُ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: كَثِيرًا مِنهم بِالنَّصْبِ.
﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ هَذا فِيهِ تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ، وناسَبَ خَتْمُ الآيَةِ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى بَصِيرٍ، إذْ تَقَدَّمَ قَبْلَهُ فَعَمُوا.
المائدة 5:72
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذِهِ الجُمْلَةِ وقائِلُو ذَلِكَ: هُمُ اليَعْقُوبِيَّةُ، زَعَمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى تَجَلّى في شَخْصِ عِيسى، عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿وقالَ المَسِيحُ يابَنِي إسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ رَدَّ اللَّهُ تَعالى مَقالَتَهم بِقَوْلِ مَن يَدَّعُونَ إلَهِيَّتَهُ وهُ وعِيسى، أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم في أنَّهم كُلُّهم مَرْبُوبُونَ، وأمَرَهم بِإخْلاصِ العِبادَةِ، ونَبَّهَ عَلى الوَصْفِ المُوجِبِ (p-٥٣٥)لِلْعِبادَةِ وهو الرُّبُوبِيَّةُ. وفي ذَلِكَ رَدٌّ عَلَيْهِمْ في فَسادِ دَعْواهم، وهو أنَّ الَّذِي يُعَظِّمُونَهُ ويَرْفَعُونَ قَدْرَهُ عَمّا لَيْسَ لَهُ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ مَقالَتَهم، وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ تَعالى عَنْهُ هو مَذْكُورٌ في إنْجِيلِهِمْ يَقْرَءُونَهُ ولا يَعْمَلُونَ بِهِ، وهو قَوْلُ المَسِيحِ: يا مَعْشَرَ بَنِي المَعْمُودِيَّةِ. وفي رِوايَةٍ: يا مَعْشَرَ الشُّعُوبِ قُومُوا بِنا إلى أبِي وأبِيكم، وإلَهِي وإلَهِكم، ومُخَلِّصِي ومُخَلِّصِكم.
﴿إنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ ومَأْواهُ النّارُ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ مِن كَلامِ المَسِيحِ، فَهو داخِلٌ تَحْتَ القَوْلِ. وفِيهِ أعْظَمُ رَدْعٍ مِنهُ عَنْ عِبادَتِهِ، إذْ أخْبَرَ أنَّهُ مَن عَبَدَ غَيْرَ اللَّهِ مَنَعَهُ اللَّهُ دارَ مَن أفْرَدَهُ بِالعِبادَةِ، وجَعَلَ مَأْواهُ النّارَ.
﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] . وقِيلَ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى مُسْتَأْنَفٌ، أخْبَرَ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ. وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ عِتْبانَ بْنِ مالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ: ”«إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ النّارَ عَلى مَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وجْهَ اللَّهِ» ) .
﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ ظاهِرُهُ أنَّهُ مِن كَلامِ عِيسى، أخْبَرَهم أنَّهُ مَن تَجاوَزَ ووَضَعَ الشَّيْءَ غَيْرَ مَوْضِعِهِ فَلا ناصِرَ لَهُ، ولا مُساعِدَ فِيما افْتَرى وتَقَوَّلَ، وفي ذَلِكَ رَدْعٌ لَهم عَمّا انْتَحَلُوهُ في حَقِّهِمْ مِن دَعْوى أنَّهُ إلَهٌ، وأنَّهُ ظُلْمٌ إذا جَعَلُوا ما هو مُسْتَحِيلٌ في العَقْلِ واجِبًا وُقُوعُهُ، أوْ فَلا ناصِرَ لَهُ ولا مُنَجِّيَ مِن عَذابِ اللَّهِ في الآخِرَةِ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، أخْبَرَ أنَّهم ظَلَمُوا وعَدَلُوا عَنِ الحَقِّ في أمْرِ عِيسى وتَقَوُّلِهِمْ عَلَيْهِ، فَلا ناصِرَ لَهم عَلى ذَلِكَ.
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ هَؤُلاءِ هُمُ المَلْكِيَّةُ مِنَ النَّصارى القائِلُونَ بِالتَّثْلِيثِ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: ثالِثُ ثَلاثَةٍ، أحَدُ ألِهَةٍ ثَلاثَةٍ. قالَ المُفَسِّرُونَ: أرادُوا بِذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى وعِيسى وأُمَّهُ آلِهَةٌ ثَلاثَةٌ، ويُؤَكِّدُهُ ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦]، ﴿ما اتَّخَذَ صاحِبَةً ولا ولَدًا﴾ [الجن: ٣]، ﴿أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ ولَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١]، ﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ﴾ [المؤمنون: ٩١] . وحَكى المُتَكَلِّمُونَ عَنِ النَّصارى أنَّهم يَقُولُونَ: جَوْهَرٌ واحِدٌ ثَلاثَةُ أقانِيمَ: أبٌ، وابْنٌ، ورُوحُ قُدُسٍ. وهَذِهِ الثَّلاثَةُ إلَهٌ واحِدٌ، كَما أنَّ الشَّمْسَ تَتَناوَلُ: القُرْصَ، والشُّعاعَ، والحَرارَةَ؛ وعَنَوْا بِالأبِ الذّاتَ، وبِالِابْنِ الكَلِمَةَ، وبِالرُّوحِ الحَياةَ. وأثْبَتُوا الذّاتَ والكَلِمَةَ والحَياةَ وقالُوا: إنَّ الكَلِمَةَ الَّتِي هي كَلامُ اللَّهِ اخْتَلَطَتْ بِجَسَدِ عِيسى اخْتِلاطَ الماءِ بِالخَمْرِ، أوِ اخْتِلاطَ اللَّبَنِ بِالماءِ، وزَعَمُوا أنَّ الأبَ إلَهٌ، والِابْنَ إلَهٌ، والرُّوحَ إلَهٌ، والكُلُّ إلَهٌ واحِدٌ. وهَذا مَعْلُومُ البُطْلانِ بِبَدِيهَةِ العَقْلِ أنَّ الثَّلاثَةَ لا تَكُونُ واحِدًا، وأنَّ الواحِدَ لا يَكُونُ ثَلاثَةً، ولا يَجُوزُ في العَرَبِيَّةِ في ثالِثُ ثَلاثَةٍ إلّا الإضافَةُ، لِأنَّكَ لا تَقُولُ ثَلَّثْتُ الثَّلاثَةَ. وأجازَ النَّصْبَ في الَّذِي يَلِي اسْمَ الفاعِلِ المُوافِقَ لَهُ في اللَّفْظِ أحْمَدُ بْنُ يَحْيَـى ثَعْلَبٌ، ورَدُّوهُ عَلَيْهِ جَعَلُوهُ كاسْمِ الفاعِلِ مَعَ العَدَدِ المُخالِفِ نَحْوَ: رابِعُ ثَلاثَةٍ، ولَيْسَ مِثْلَهُ إذْ تَقُولُ: رَبَّعْتُ الثَّلاثَةَ؛ أيْ: صَيَّرْتُهم بِكَ أرْبَعَةً.
﴿وما مِن إلَهٍ إلّا إلَهٌ واحِدٌ﴾ مَعْناهُ لا يَكُونُ إلَهٌ في الوُجُودِ إلّا مُتَّصِفًا بِالوَحْدانِيَّةِ، وأكَدَّ ذَلِكَ بِزِيادَةِ“ مِنِ ”الِاسْتِغْراقِيَّةِ وحَصْرِ إلَهِيَّتِهِ في صِفَةِ الوَحْدانِيَّةِ؛ وإلَهٌ رُفِعَ عَلى البَدَلِ (p-٥٣٦)مِن إلَهٍ عَلى المَوْضِعِ؛ وأجازَ الكِسائِيُّ إتْباعَهُ عَلى اللَّفْظِ، لِأنَّهُ يُجِيزُ زِيادَةَ مِن في الواجِبِ، والتَّقْدِيرُ: وما إلَهٌ في الوُجُودِ إلّا إلَهٌ واحِدٌ؛ أيْ: مَوْصُوفٌ بِالوَحْدانِيَّةِ لا ثانِيَ لَهُ وهو اللَّهُ تَعالى.
﴿وإنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ: عَمّا يَفْتَرُونَ ويَعْتَقِدُونَ في عِيسى مِن أنَّهُ هو اللَّهُ، أوْ أنَّهُ ثالِثُ ثَلاثَةٍ، أوْعَدَهُـمْ بِإصابَةِ العَذابِ الألِيمِ لَهم في الدُّنْيا بِالسَّبْيِ والقَتْلِ، وفي الآخِرَةِ بِالخُلُودِ في النّارِ، وقَدَّمَ الوَعِيدَ عَلى الِاسْتِدْلالِ بِسِماتِ الحُدُوثِ إبْلاغًا في الزَّجْرِ؛ أيْ: هَذِهِ المَقالَةُ في غايَةِ الفَسادِ، بِحَيْثُ لا تَخْتَلِفُ العُقُولُ في فَسادِها، فَلِذَلِكَ تَوَعَّدَ أوَّلًا عَلَيْها بِالعَذابِ، ثُمَّ أتْبَعَ الوَعِيدَ بِالِاسْتِدْلالِ بِسِماتِ الحُدُوثِ عَلى بُطْلانِها.
ولَيَمَسَّنَّ اللّامُ فِيهِ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ قَبْلَ أداةِ الشَّرْطِ، وأكْثَرُ ما يَجِيءُ هَذا التَّرْكِيبُ وقَدْ صَحِبَتْ إنِ اللّامَ المُؤْذِنَةَ بِالقَسَمِ المَحْذُوفِ كَقَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦٠] ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣] ومِثْلُهُ: ﴿وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] ومَعْنى مَجِيءِ إنَّ بِغَيْرِ فاءٍ، دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ قَبْلَ إنْ قَسَمٌ مَحْذُوفٌ إذْ لَوْلا نِيَّةُ القَسَمِ لَقالَ: فَإنَّكم لَمُشْرِكُونَ الَّذِينَ كَفَرُوا؛ أيِ: الَّذِينَ ثَبَتُوا عَلى هَذا الِاعْتِقادِ. وأقامَ الظّاهِرَ مَقامَ المُضْمَرِ، إذْ كانَ الرَّبْطُ يَحْصُلُ بِقَوْلِهِ: لَيَمَسَّنَّهم، لِتَكْرِيرِ الشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ في قَوْلِهِ: لَقَدْ كَفَرَ ولِلْإعْلامِ بِأنَّهم كانُوا بِمَكانٍ مِنَ الكُفْرِ، إذْ جَعَلَ الفِعْلَ في صِلَةِ الَّذِينَ وهي تَقْتَضِي كَوْنَها مَعْلُومَةً لِلسّامِعِ مَفْرُوغًا مِن ثُبُوتِها، واسْتِقْرارِها لَهم و“ مِن ”في“ مِنهم ”لِلتَّبْعِيضِ؛ أيْ: كائِنًا مِنهم، والرَّبْطُ حاصِلٌ بِالضَّمِيرِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: كافِرَهم ولَيْسُوا كُلُّهم بَقُوا عَلى الكُفْرِ، بَلْ قَدْ تابَ كَثِيرٌ مِنهم مِنَ النَّصْرانِيَّةِ. ومَن أثْبَتَ أنَّ“ مِن " تَكُونُ لِبَيانِ الجِنْسِ أجازَ ذَلِكَ هُنا، ونَظَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠] .
المائدة 5:73
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذِهِ الجُمْلَةِ وقائِلُو ذَلِكَ: هُمُ اليَعْقُوبِيَّةُ، زَعَمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى تَجَلّى في شَخْصِ عِيسى، عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿وقالَ المَسِيحُ يابَنِي إسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ رَدَّ اللَّهُ تَعالى مَقالَتَهم بِقَوْلِ مَن يَدَّعُونَ إلَهِيَّتَهُ وهُ وعِيسى، أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم في أنَّهم كُلُّهم مَرْبُوبُونَ، وأمَرَهم بِإخْلاصِ العِبادَةِ، ونَبَّهَ عَلى الوَصْفِ المُوجِبِ (p-٥٣٥)لِلْعِبادَةِ وهو الرُّبُوبِيَّةُ. وفي ذَلِكَ رَدٌّ عَلَيْهِمْ في فَسادِ دَعْواهم، وهو أنَّ الَّذِي يُعَظِّمُونَهُ ويَرْفَعُونَ قَدْرَهُ عَمّا لَيْسَ لَهُ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ مَقالَتَهم، وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ تَعالى عَنْهُ هو مَذْكُورٌ في إنْجِيلِهِمْ يَقْرَءُونَهُ ولا يَعْمَلُونَ بِهِ، وهو قَوْلُ المَسِيحِ: يا مَعْشَرَ بَنِي المَعْمُودِيَّةِ. وفي رِوايَةٍ: يا مَعْشَرَ الشُّعُوبِ قُومُوا بِنا إلى أبِي وأبِيكم، وإلَهِي وإلَهِكم، ومُخَلِّصِي ومُخَلِّصِكم.
﴿إنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ ومَأْواهُ النّارُ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ مِن كَلامِ المَسِيحِ، فَهو داخِلٌ تَحْتَ القَوْلِ. وفِيهِ أعْظَمُ رَدْعٍ مِنهُ عَنْ عِبادَتِهِ، إذْ أخْبَرَ أنَّهُ مَن عَبَدَ غَيْرَ اللَّهِ مَنَعَهُ اللَّهُ دارَ مَن أفْرَدَهُ بِالعِبادَةِ، وجَعَلَ مَأْواهُ النّارَ.
﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] . وقِيلَ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى مُسْتَأْنَفٌ، أخْبَرَ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ. وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ عِتْبانَ بْنِ مالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ: ”«إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ النّارَ عَلى مَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وجْهَ اللَّهِ» ) .
﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ ظاهِرُهُ أنَّهُ مِن كَلامِ عِيسى، أخْبَرَهم أنَّهُ مَن تَجاوَزَ ووَضَعَ الشَّيْءَ غَيْرَ مَوْضِعِهِ فَلا ناصِرَ لَهُ، ولا مُساعِدَ فِيما افْتَرى وتَقَوَّلَ، وفي ذَلِكَ رَدْعٌ لَهم عَمّا انْتَحَلُوهُ في حَقِّهِمْ مِن دَعْوى أنَّهُ إلَهٌ، وأنَّهُ ظُلْمٌ إذا جَعَلُوا ما هو مُسْتَحِيلٌ في العَقْلِ واجِبًا وُقُوعُهُ، أوْ فَلا ناصِرَ لَهُ ولا مُنَجِّيَ مِن عَذابِ اللَّهِ في الآخِرَةِ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، أخْبَرَ أنَّهم ظَلَمُوا وعَدَلُوا عَنِ الحَقِّ في أمْرِ عِيسى وتَقَوُّلِهِمْ عَلَيْهِ، فَلا ناصِرَ لَهم عَلى ذَلِكَ.
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ هَؤُلاءِ هُمُ المَلْكِيَّةُ مِنَ النَّصارى القائِلُونَ بِالتَّثْلِيثِ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: ثالِثُ ثَلاثَةٍ، أحَدُ ألِهَةٍ ثَلاثَةٍ. قالَ المُفَسِّرُونَ: أرادُوا بِذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى وعِيسى وأُمَّهُ آلِهَةٌ ثَلاثَةٌ، ويُؤَكِّدُهُ ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦]، ﴿ما اتَّخَذَ صاحِبَةً ولا ولَدًا﴾ [الجن: ٣]، ﴿أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ ولَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١]، ﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ﴾ [المؤمنون: ٩١] . وحَكى المُتَكَلِّمُونَ عَنِ النَّصارى أنَّهم يَقُولُونَ: جَوْهَرٌ واحِدٌ ثَلاثَةُ أقانِيمَ: أبٌ، وابْنٌ، ورُوحُ قُدُسٍ. وهَذِهِ الثَّلاثَةُ إلَهٌ واحِدٌ، كَما أنَّ الشَّمْسَ تَتَناوَلُ: القُرْصَ، والشُّعاعَ، والحَرارَةَ؛ وعَنَوْا بِالأبِ الذّاتَ، وبِالِابْنِ الكَلِمَةَ، وبِالرُّوحِ الحَياةَ. وأثْبَتُوا الذّاتَ والكَلِمَةَ والحَياةَ وقالُوا: إنَّ الكَلِمَةَ الَّتِي هي كَلامُ اللَّهِ اخْتَلَطَتْ بِجَسَدِ عِيسى اخْتِلاطَ الماءِ بِالخَمْرِ، أوِ اخْتِلاطَ اللَّبَنِ بِالماءِ، وزَعَمُوا أنَّ الأبَ إلَهٌ، والِابْنَ إلَهٌ، والرُّوحَ إلَهٌ، والكُلُّ إلَهٌ واحِدٌ. وهَذا مَعْلُومُ البُطْلانِ بِبَدِيهَةِ العَقْلِ أنَّ الثَّلاثَةَ لا تَكُونُ واحِدًا، وأنَّ الواحِدَ لا يَكُونُ ثَلاثَةً، ولا يَجُوزُ في العَرَبِيَّةِ في ثالِثُ ثَلاثَةٍ إلّا الإضافَةُ، لِأنَّكَ لا تَقُولُ ثَلَّثْتُ الثَّلاثَةَ. وأجازَ النَّصْبَ في الَّذِي يَلِي اسْمَ الفاعِلِ المُوافِقَ لَهُ في اللَّفْظِ أحْمَدُ بْنُ يَحْيَـى ثَعْلَبٌ، ورَدُّوهُ عَلَيْهِ جَعَلُوهُ كاسْمِ الفاعِلِ مَعَ العَدَدِ المُخالِفِ نَحْوَ: رابِعُ ثَلاثَةٍ، ولَيْسَ مِثْلَهُ إذْ تَقُولُ: رَبَّعْتُ الثَّلاثَةَ؛ أيْ: صَيَّرْتُهم بِكَ أرْبَعَةً.
﴿وما مِن إلَهٍ إلّا إلَهٌ واحِدٌ﴾ مَعْناهُ لا يَكُونُ إلَهٌ في الوُجُودِ إلّا مُتَّصِفًا بِالوَحْدانِيَّةِ، وأكَدَّ ذَلِكَ بِزِيادَةِ“ مِنِ ”الِاسْتِغْراقِيَّةِ وحَصْرِ إلَهِيَّتِهِ في صِفَةِ الوَحْدانِيَّةِ؛ وإلَهٌ رُفِعَ عَلى البَدَلِ (p-٥٣٦)مِن إلَهٍ عَلى المَوْضِعِ؛ وأجازَ الكِسائِيُّ إتْباعَهُ عَلى اللَّفْظِ، لِأنَّهُ يُجِيزُ زِيادَةَ مِن في الواجِبِ، والتَّقْدِيرُ: وما إلَهٌ في الوُجُودِ إلّا إلَهٌ واحِدٌ؛ أيْ: مَوْصُوفٌ بِالوَحْدانِيَّةِ لا ثانِيَ لَهُ وهو اللَّهُ تَعالى.
﴿وإنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ: عَمّا يَفْتَرُونَ ويَعْتَقِدُونَ في عِيسى مِن أنَّهُ هو اللَّهُ، أوْ أنَّهُ ثالِثُ ثَلاثَةٍ، أوْعَدَهُـمْ بِإصابَةِ العَذابِ الألِيمِ لَهم في الدُّنْيا بِالسَّبْيِ والقَتْلِ، وفي الآخِرَةِ بِالخُلُودِ في النّارِ، وقَدَّمَ الوَعِيدَ عَلى الِاسْتِدْلالِ بِسِماتِ الحُدُوثِ إبْلاغًا في الزَّجْرِ؛ أيْ: هَذِهِ المَقالَةُ في غايَةِ الفَسادِ، بِحَيْثُ لا تَخْتَلِفُ العُقُولُ في فَسادِها، فَلِذَلِكَ تَوَعَّدَ أوَّلًا عَلَيْها بِالعَذابِ، ثُمَّ أتْبَعَ الوَعِيدَ بِالِاسْتِدْلالِ بِسِماتِ الحُدُوثِ عَلى بُطْلانِها.
ولَيَمَسَّنَّ اللّامُ فِيهِ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ قَبْلَ أداةِ الشَّرْطِ، وأكْثَرُ ما يَجِيءُ هَذا التَّرْكِيبُ وقَدْ صَحِبَتْ إنِ اللّامَ المُؤْذِنَةَ بِالقَسَمِ المَحْذُوفِ كَقَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦٠] ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣] ومِثْلُهُ: ﴿وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] ومَعْنى مَجِيءِ إنَّ بِغَيْرِ فاءٍ، دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ قَبْلَ إنْ قَسَمٌ مَحْذُوفٌ إذْ لَوْلا نِيَّةُ القَسَمِ لَقالَ: فَإنَّكم لَمُشْرِكُونَ الَّذِينَ كَفَرُوا؛ أيِ: الَّذِينَ ثَبَتُوا عَلى هَذا الِاعْتِقادِ. وأقامَ الظّاهِرَ مَقامَ المُضْمَرِ، إذْ كانَ الرَّبْطُ يَحْصُلُ بِقَوْلِهِ: لَيَمَسَّنَّهم، لِتَكْرِيرِ الشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ في قَوْلِهِ: لَقَدْ كَفَرَ ولِلْإعْلامِ بِأنَّهم كانُوا بِمَكانٍ مِنَ الكُفْرِ، إذْ جَعَلَ الفِعْلَ في صِلَةِ الَّذِينَ وهي تَقْتَضِي كَوْنَها مَعْلُومَةً لِلسّامِعِ مَفْرُوغًا مِن ثُبُوتِها، واسْتِقْرارِها لَهم و“ مِن ”في“ مِنهم ”لِلتَّبْعِيضِ؛ أيْ: كائِنًا مِنهم، والرَّبْطُ حاصِلٌ بِالضَّمِيرِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: كافِرَهم ولَيْسُوا كُلُّهم بَقُوا عَلى الكُفْرِ، بَلْ قَدْ تابَ كَثِيرٌ مِنهم مِنَ النَّصْرانِيَّةِ. ومَن أثْبَتَ أنَّ“ مِن " تَكُونُ لِبَيانِ الجِنْسِ أجازَ ذَلِكَ هُنا، ونَظَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠] .
المائدة 5:74
﴿أفَلا يَتُوبُونَ إلى اللَّهِ ويَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ هَذا لُطْفٌ بِهِمْ واسْتِدْعاءٌ إلى التَّنَصُّلِ مِن تِلْكَ المَقالَةِ الشَّنْعاءِ بَعْدَ أنْ كَرَّرَ عَلَيْهِمُ الشَّهادَةَ بِالكُفْرِ. والفاءُ في أفَلا لِلْعَطْفِ، حَجَزَتْ بَيْنَ الِاسْتِفْهامِ ولا النّافِيَةِ، والتَّقْدِيرُ: فَألا، وعَلى طَرِيقَةِ الزَّمَخْشَرِيِّ تَكُونُ قَدْ عَطَفَتْ فِعْلًا عَلى فِعْلٍ، كَأنَّ التَّقْدِيرَ: أيَثْبُتُونَ عَلى الكُفْرِ فَلا يَتُوبُونَ، والمَعْنى عَلى التَّعَجُّبِ مِنِ انْتِفاءِ تَوْبَتِهِمْ وعَدَمِ اسْتِغْفارِهِمْ، وهم أجْدَرُ النّاسِ بِذَلِكَ، لِأنَّ كُفْرَهم أقْبَحُ الكُفْرِ، وأفْضَحُ في سُوءِ الِاعْتِقادِ، فَتَعَجَّبَ مِن كَوْنِهِمْ لا يَتُوبُونَ مِن هَذا الجُرْمِ العَظِيمِ. وقالَ الفَرّاءُ: هو اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الأمْرُ كَقَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] . قالَ: إنَّما كانَ بِمَعْنى الأمْرِ، لِأنَّ المَفْهُومَ مِنَ الصِّيغَةِ طَلَبُ التَّوْبَةِ والحَثُّ عَلَيْها، فَمَعْناهُ: تُوبُوا إلى اللَّهِ واسْتَغْفِرُوهُ مِن ذَنْبِكُمُ القَوْلَيْنِ المُسْتَحِيلَيْنِ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: رَفَقَ جَلَّ وعَلا بِهِمْ بِتَحْضِيضِهِ إيّاهم عَلى التَّوْبَةِ وطَلَبِ المَغْفِرَةِ. انْتَهى. وما ذَكَرُوهُ مِنَ الحَثِّ والتَّحْضِيضِ عَلى التَّوْبَةِ مِن حَيْثُ المَعْنى، لا مِن حَيْثُ مَدْلُولُ اللَّفْظِ، لِأنَّ ”أفَلا“ غَيْرُ مَدْلُولِ ”ألا“ الَّتِي لِلْحَضِّ والحَثِّ.
﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ نَبَّهَ تَعالى عَلى هَذَيْنِ (p-٥٣٧)الوَصْفَيْنِ اللَّذَيْنِ بِهِما يَحْصُلُ قَبُولُ التَّوْبَةِ والغُفْرانِ لِلْحَوْبَةِ؛ والمَعْنى: كَيْفَ لا تُوجَدُ التَّوْبَةُ مِن هَذا الذَّنَبِ وطَلَبُ المَغْفِرَةِ، والمَسْئُولُ مِنهُ ذَلِكَ مُتَّصِفٌ بِالغُفْرانِ التّامِّ والرَّحْمَةِ الواسِعَةِ لِهَؤُلاءِ وغَيْرِهِمْ ؟ .
المائدة 5:75
﴿ما المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ لَمّا رَدَّ عَلى النَّصارى قَوْلَهُمُ الأوَّلَ بِقَوْلِ المَسِيحِ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ٧٢] والثّانِي بِقَوْلِهِ: ﴿وما مِن إلَهٍ إلّا إلَهٌ واحِدٌ﴾ [المائدة: ٧٣] أثْبَتَ لَهُ الرِّسالَةَ بِصُورَةِ الحَصْرِ؛ أيْ: ما المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ شَيْءٌ مِمّا تَدَّعِيهِ النَّصارى مِن كَوْنِهِ إلَهًا وكَوْنِهِ أحَدَ آلِهَةٍ ثَلاثَةٍ، بَلْ هو رَسُولٌ مِن جِنْسِ الرُّسُلِ الَّذِينَ خَلَوْا وتَقَدَّمُوا، جاءَ بِآياتٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ كَما جاءُوا، فَإنْ أحْيا المَوْتى وأبْرَأ الأكْمَهَ والأبْرَصَ عَلى يَدِهِ، فَقَدْ أحْيا العَصا وجَعَلَها حَيَّةً تَسْعى، وفَلَقَ البَحْرَ وطَمَسَ عَلى يَدِ مُوسى، وإنْ خَلَقَهُ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ فَقَدْ خَلَقَ آدَمَ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ وأُنْثى. وفي قَوْلِهِ: إلّا رَسُولٌ؛ رَدٌّ عَلى اليَهُودِ حَيْثُ ادَّعَوْا كَذِبَهُ في دَعْوى الرِّسالَةِ، وحَيْثُ ادَّعَوْا أنَّهُ لَيْسَ لِرِشْدَةٍ. وقَرَأ حَطّانُ: مِن قَبْلِهِ رُسُلٌ بِالتَّنْكِيرِ.
﴿وأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ هَذا البِناءُ مِن أبْنِيَةِ المُبالَغَةِ، والأظْهَرُ أنَّهُ مِنَ الثُّلاثِيِّ المُجَرَّدِ، إذْ بِناءُ هَذا التَّرْكِيبِ مِنهُ سِكِّيتٌ وسِكِّيرٌ، وشِرِّيبٌ وطِبِّيخٌ، مِن سَكَتَ وسَكِرَ، وشَرِبَ وطَبَخَ. ولا يَعْمَلُ ما كانَ مَبْنِيًّا مِنَ الثُّلاثِيِّ المُتَعَدِّي كَما يَعْمَلُ فَعُولٌ وفَعّالٌ ومِفْعالٌ، فَلا يُقالُ: زَيْدٌ شِرِّيبٌ الماءَ، كَما تَقُولُ: ضَرّابٌ زَيْدًا؛ والمَعْنى: الإخْبارُ عَنْها بِكَثْرَةِ الصِّدْقِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِنَ التَّصْدِيقِ؛ وبِهِ سُمِّيَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقَ. ولَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَ أنَّهُ مِنَ التَّصْدِيقِ. وهَذا القَوْلُ خِلافُ الظّاهِرِ مِن هَذا البِناءِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأمُّهُ صِدِّيقَةٌ؛ أيْ: وما أمُّهُ إلّا كَبَعْضِ النِّساءِ المُصَدِّقاتِ لِلْأنْبِياءِ المُؤْمِناتِ بِهِمْ، فَما مَنزِلَتُهُما إلّا مَنزِلَةُ بَشَرَيْنِ: أحَدُهُما نَبِيٌّ، والآخَرُ صَحابِيٌّ، فَمِن أيْنَ اشْتَبَهَ عَلَيْكم أمْرُهُما حَتّى وصَفْتُمُوهُما بِما لَمْ يُوصَفْ بِهِ سائِرُ الأنْبِياءِ وصَحابَتِهِمْ ؟ مَعَ أنَّهُ لا تَمَيُّزَ ولا تَفاوُتَ بَيْنَهُما وبَيْنَهم بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. انْتَهى. وفِيهِ تَحْمِيلُ لَفْظِ القُرْآنِ ما لَيْسَ فِيهِ، مِن ذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ: وأمُّهُ صِدِّيقَةٌ؛ لَيْسَ فِيهِ إلّا الإخْبارُ عَنْها بِصِفَةِ كَثْرَةِ الصِّدْقِ، وجَعَلَهُ هو مِن بابِ الحَصْرِ فَقالَ: وما أمُّهُ إلّا كَبَعْضِ النِّساءِ المُصَدِّقاتِ إلى آخِرِهِ، وهَكَذا عادَتُهُ يُحَمِّلُ ألْفاظَ القُرْآنِ ما لا تَدُلُّ عَلَيْهِ. قالَ الحَسَنُ: صَدَّقَتْ جِبْرِيلَ، عَلَيْهِ السَّلامُ، لَمّا أتاها كَما حَكى تَعالى عَنْها: ﴿وصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وكُتُبِهِ﴾ [التحريم: ١٢] . وقِيلَ: صَدَّقَتْ بِآياتِ رَبِّها، وبِما أخْبَرَ بِهِ ولَدُها. وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِمُبالَغَتِها في صِدْقِ حالِها مَعَ اللَّهِ، وصِدْقِها في بَراءَتِها مِمّا رَمَتْها بِهِ اليَهُودُ. وقِيلَ: وصْفُها بِصِدِّيقَةٍ لا يَدُلُّ عَلى أنَّها نَبِيَّةٌ، إذْ هي رُتْبَةٌ لا تَسْتَلْزِمُ النُّبُوَّةَ. قالَ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ﴾ [النساء: ٦٩] ومِن ذَلِكَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ولا يَلْزَمُ مِن تَكْلِيمِ المَلائِكَةِ بَشَرًا نُبُوَّتُهُ فَقَدْ كَلَّمَتِ المَلائِكَةُ قَوْمًا لَيْسُوا بِأنْبِياءَ لِحَدِيثِ الثَّلاثَةِ: الأقْرَعِ، والأعْمى، والأبْرَصِ؛ فَكَذَلِكَ مَرْيَمُ.
(كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ) هَذا تَنْبِيهٌ عَلى سِمَةِ الحُدُوثِ، وتَبْعِيدٌ عَمّا اعْتَقَدَتْهُ النَّصارى فِيهِما مِنَ الإلَهِيَّةِ، لِأنَّ مَنِ احْتاجَ إلى الطَّعامِ وما يَتْبَعُهُ مِنَ العَوارِضِ لَمْ يَكُنْ إلّا جِسْمًا مُرَكَّبًا مَن عَظْمٍ ولَحْمٍ وعُرُوقٍ وأعْصابٍ وأخْلاطٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، وهو مِمّا يَدُلُّ عَلى مَصْنُوعٍ مُؤَلَّفٍ مُدَبَّرٍ كَغَيْرِهِ مِنَ الأجْسامِ، ولا حاجَةَ تَدْعُو إلى قَوْلِهِمْ: كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ؛ كِنايَةً عَنْ خُرُوجِهِ، وإنْ كانَ قَدْ قالَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وإنَّما ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى سِماتِ الحُدُوثِ. والحاجَةُ إلى التَّغَذِّي المُفْتَقِرِ إلَيْهِ الحَيَوانُ في قِيامِهِ المُنَزَّهِ عَنْهُ الإلَهُ، قالَ تَعالى: (وهو يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ) وإنْ كانَ يَلْزَمُ مِنَ الِاحْتِياجِ إلى أكْلِ الطَّعامِ خُرُوجُهُ، فَلَيْسَ مَقْصُودًا مِنَ اللَّفْظِ مُسْتَعارًا لَهُ ذَلِكَ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَنِ المَسِيحِ وأُمِّهِ، مُنَبِّهَةٌ كَما ذَكَرْنا عَلى سِماتِ الحُدُوثِ، وأنَّهُما مُشارِكانِ لِلنّاسِ في ذَلِكَ، ولا مَوْضِعَ لِهَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ الإعْرابِ. (انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ) (p-٥٣٨)أيِ الأعْلامَ مِنَ الأدِلَّةِ الظّاهِرَةِ عَلى بُطْلانِ ما اعْتَقَدُوهُ، وهَذا أمْرٌ لِلنَّبِيِّ، ﷺ . وفي ضِمْنِ ذَلِكَ الأمْرُ لِأُمَّتِهِ في ضَلالِ هَؤُلاءِ وبُعْدِهِمْ عَنْ قَبُولِ ما نُبِّهُوا عَلَيْهِ. (ثُمَّ انْظُرْ أنّى يُؤْفَكُونَ) كَرَّرَ الأمْرَ بِالنَّظَرِ لِاخْتِلافِ المُتَعَلِّقِ، لِأنَّ الأوَّلَ: أثَرٌ بِالنَّظَرِ في كَوْنِهِ تَعالى أوْضَحَ لَهُمُ الآياتِ وبَيَّنَها بِحَيْثُ لا يَقَعُ مَعَها لُبْسٌ، والأمْرُ الثّانِي: هو بِالنَّظَرِ في كَوْنِهِمْ يُصْرَفُونَ عَنِ اسْتِماعِ الحَقِّ وتَأمُّلِهِ، أوْ في كَوْنِهِمْ يَقْلِبُونَ ما بُيِّنَ لَهم إلى الضِّدِّ مِنهُ، وهَذانِ أمْرا تَعْجِيبٍ. ودَخَلَتْ ثُمَّ لِتَراخِي ما بَيْنَ العَجَبَيْنِ، وكَأنَّهُ يَقْتَضِي العَجَبَ مِن تَوْضِيحِ الآياتِ وتَبْيِينِها، ثُمَّ يَنْظُرُ في حالِ مَن بُيِّنَتْ لَهُ فَيَرى إعْراضَهم عَنِ الآياتِ أعْجَبَ مِن تَوْضِيحِها، لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِن تَبْيِينِها تَبَيُّنُها لَهم والرُّجُوعُ إلَيْها، فَكَوْنُهم أُفِكُوا عَنْها أعْجَبُ.
المائدة 5:76
﴿قُلْ أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ لَمّا بَيَّنَ تَعالى بِدَلِيلِ النَّقْلِ والعَقْلِ انْتِفاءَ الإلَهِيَّةِ عَنْ عِيسى، وكانَ قَدْ تَوَعَّدَهم ثُمَّ اسْتَدْعاهم لِلتَّوْبَةِ وطَلَبِ الغُفْرانِ، أنْكَرَ عَلَيْهِمْ ووَبَّخَهم مِن وجْهٍ آخَرَ وهو عَجْزُهُ وعَدَمُ اقْتِدارِهِ عَلى دَفْعِ ضَرَرٍ وجَلْبِ نَفْعٍ، وأنَّ مَن كانَ لا يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ حَرِيٌّ أنْ لا يَدْفَعَ عَنْكم. والخِطابُ لِلنَّصارى، نَهاهم عَنْ عِبادَةِ عِيسى وغَيْرِهِ، وأنَّ ما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مُساوِيهِمْ في العَجْزِ وعَدَمِ القُدْرَةِ؛ والمَعْنى: ما لا يَمْلِكُ لَكم إيصالَ خَيْرٍ ولا نَفْعٍ. قِيلَ: وعَبَّرَ بِما تَنْبِيهًا عَلى أوَّلِ أحْوالِهِ، إذْ مَرَّتْ عَلَيْهِ أزْمانُ حالَةِ الحَمْلِ لا يُوصَفُ بِالعَقْلِ فِيها، ومَن هَذِهِ صِفَتُهُ فَكَيْفَ يَكُونُ إلَهًا، أوْ لِأنَّها مُبْهَمَةٌ؛ كَما قالَ سِيبَوَيْهِ. وما: مُبْهَمَةٌ تَقَعُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، أوْ أُرِيدَ بِهِ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ مِمَّنْ يَعْقِلُ، وما لا يَعْقِلُ. وعَبَّرَ ”بِما“ تَغْلِيبًا لِغَيْرِ العاقِلِ، إذْ أكْثَرُ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ هو ما لا يَعْقِلُ كالأصْنامِ والأوْثانِ، أوْ أُرِيدَ النَّوْعُ؛ أيِ: النَّوْعُ الَّذِي لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا كَقَوْلِهِ: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٣] أيِ: النَّوْعَ الطَّيِّبَ، ولَمّا كانَ إشْراكُهم بِاللَّهِ تَضَمَّنَ القَوْلَ والِاعْتِقادَ جاءَ الخَتْمُ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ أيِ: السَّمِيعُ لِأقْوالِكم، العَلِيمُ بِاعْتِقادِكم وما انْطَوَتْ عَلَيْهِ نِيّاتُكم. وفي الإخْبارِ عَنْهُ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ عَلى ما يَقُولُونَهُ ويَعْتَقِدُونَهُ، وتَضَمَّنَتِ الآيَةُ الإنْكارَ عَلَيْهِمْ حَيْثُ عَبَدُوا مِن دُونِهِ مَن هو مُتَّصِفٌ بِالعَجْزِ عَنْ دَفْعِ ضَرَرٍ أوْ جَلْبِ نَفْعٍ. قِيلَ: ومَن مَرَّتْ عَلَيْهِ مُدَدٌ لا يَسْمَعُ فِيها ولا يَعْلَمُ، وتَرَكُوا القادِرَ عَلى الإطْلاقِ السَّمِيعَ لِلْأصْواتِ العَلِيمَ بِالنِّيّاتِ.
المائدة 5:77
﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكم غَيْرَ الحَقِّ﴾ ظاهِرُهُ نِداءُ أهْلِ الكِتابِ الحاضِرِينَ زَمانَ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، ويَتَناوَلُ مَن جاءَ بَعْدَهم. ولَمّا سَبَقَ القَوْلُ في أباطِيلِ اليَهُودِ وأباطِيلِ النَّصارى، جُمِعَ الفَرِيقانِ في النَّهْيِ عَنِ الغُلُوِّ في الدِّينِ. وانْتَصَبَ غَيْرَ الحَقِّ وهو الغُلُوُّ الباطِلُ، ولَيْسَ المُرادُ بِالدِّينِ هُنا ما هم عَلَيْهِ، بَلِ المُرادُ الدِّينُ الحَقُّ، الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى وعِيسى. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الغُلُوُّ في الدِّينِ غُلُوّانِ: غُلُوٌّ حَقٌّ، وهو أنْ يَفْحَصَ عَنْ حَقائِقِهِ ويُفَتِّشَ عَنْ أباعِدِ مَعانِيهِ ويَجْتَهِدَ في تَحْصِيلِ حُجَجِهِ كَما يَفْعَلُ المُتَكَلِّمُونَ مِن أهْلِ العَدْلِ والتَّوْحِيدِ، وغُلُوٌّ باطِلٌ وهو أنْ يُجاوِزَ الحَقَّ ويَتَعَدّاهُ بِالإعْراضِ عَنِ الأدِلَّةِ واتِّباعِ الشُّبَهِ كَما يَفْعَلُ أهْلُ الأهْواءِ والبِدَعِ. انْتَهى. وأهْلُ العَدْلِ والتَّوْحِيدِ هم أئِمَّةُ المُعْتَزِلَةِ، وأهْلُ الأهْواءِ والبِدَعِ عِنْدَهُ هم (p-٥٣٩)أهْلُ السُّنَّةِ، ومَن عَدا المُعْتَزِلَةَ. ومَن غُلُوِّ اليَهُودِ إنْكارُ نُبُوَّةِ عِيسى، وادِّعاؤُهم فِيهِ أنَّهُ اللَّهُ. ومِن غُلُوِّ النَّصارى ما تَقَدَّمَ مِنِ اعْتِقادِ بَعْضِهِمْ فِيهِ أنَّهُ اللَّهُ، وبَعْضِهِمْ أنَّهُ أحَدُ آلِهَةٍ ثَلاثَةٍ. وانْتِصابُ ”غَيْرَ“ هُنا عَلى الصِّفَةِ؛ أيْ: غُلُوًّا غَيْرَ الحَقِّ. وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّها اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، ومَن ذَهَبَ إلى أنَّها اسْتِثْناءٌ، ويُقَدِّرُهُ: لَكِنَّ الحَقَّ فاتَّبِعُوهُ.
﴿ولا تَتَّبِعُوا أهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وأضَلُّوا كَثِيرًا وضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ هَؤُلاءِ القَوْمُ هم أسْلافُ اليَهُودِ والنَّصارى ضَلُّوا في أنْفُسِهِمْ وأضَلُّوا غَيْرَهم كَثِيرًا، ثُمَّ عَيَّنَ ما ضَلُّوا عَنْهُ وهو السَّبِيلُ السَّوِيُّ الَّذِي هو وسَطٌ في الدِّينِ وهو خَيْرُها فَلا إفْراطَ ولا تَفْرِيطَ، بَلْ هو سَواءٌ مُعْتَدِلٌ خِيارٌ. وقِيلَ: الخِطابُ لِلنَّصارى، وهو ظاهِرُ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ قالَ: قَدْ ضَلُّوا مَن قَبْلُ: هم أئِمَّتُهم في النَّصْرانِيَّةِ كانُوا عَلى الضَّلالِ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ، ﷺ، وأضَلُّوا كَثِيرًا مِمَّنْ شايَعَهم عَلى التَّثْلِيثِ، وضَلُّوا لَمّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ حِينَ كَذَّبُوهُ وحَسَدُوهُ وبَغَوْا عَلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذِهِ المُخاطَبَةُ هي لِلنَّصارى الَّذِينَ غَلَوْا في عِيسى والقَوْمِ الَّذِينَ نَهى النَّصارى عَنِ اتِّباعِ أهْوائِهِمْ، والَّذِي دَعا إلى هَذا التَّأْوِيلِ أنَّ النَّصارى في غُلُوِّهِمْ لَيْسُوا عَلى هَوى بَنِي إسْرائِيلَ، بَلْ هم في الضِّدِّ بِالأقْوالِ، وإنَّما اجْتَمَعُوا في اتِّباعِ مَوْضِعِ الهَوى. فالآيَةُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ لِمَن تَلُومُهُ عَلى عِوَجٍ: هَذِهِ الطَّرِيقَةُ طَرِيقَةُ فُلانٍ؛ تُمَثِّلُهُ بِآخَرَ قَدِ اعْوَجَّ نَوْعًا مِنَ الِاعْوِجاجِ وإنِ اخْتَلَفَتْ نَوازِلُهُ. ووَصَفَ تَعالى اليَهُودَ بِأنَّهم ضَلُّوا قَدِيمًا، وأضَلُّوا كَثِيرًا مِن أتْباعِهِمْ، ثُمَّ أكَّدَ الأمْرَ بِتَكْرارِ قَوْلِهِ: وضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ؛ وذَهَبَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ إلى أنَّ المَعْنى: يا أهْلَ الكِتابِ مِنَ النَّصارى لا تَتَّبِعُوا أهْواءَ هَؤُلاءِ اليَهُودِ الَّذِينَ ضَلُّوا مِن قَبْلُ؛ أيْ: ضَلَّ أسْلافُهم وهم قَبْلَ مَجِيءِ مُحَمَّدٍ، ﷺ، وأضَلُّوا كَثِيرًا مِنَ المُنافِقِينَ، وضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ الآنَ بَعْدَ وُضُوحِ الحَقِّ. انْتَهى. ولا حاجَةَ لِإخْراجِ الكَلامِ عَنْ ظاهِرِهِ مِن أنَّهُ نِداءٌ لِأهْلِ الكِتابِ طائِفَتَيِ اليَهُودِ والنَّصارى، وأنَّ قَوْلَهُ: ولا تَتَّبِعُوا أهْواءَ قَوْمٍ؛ هم: أسْلافُهم. فَإنَّ الزّائِغَ عَنِ الحَقِّ كَثِيرًا ما يَعْتَذِرُ أنَّهُ عَلى دِينِ أبِيهِ وطَرِيقَتِهِ، كَما قالُوا: ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢] فَنُهُوا عَنِ اتِّباعِ أسْلافِهِمْ، وكانَ في تَنْكِيرِ قَوْمٍ تَحْقِيرٌ لَهم. وما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ تَخْصِيصٌ لِعُمُومٍ مِن غَيْرِ داعِيَةٍ إلَيْهِ. وما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْضًا تَخْصِيصٌ وتَأْوِيلٌ بَعِيدٌ في قَوْلِهِ: ولا تَتَّبِعُوا أهْواءَ قَوْمٍ؛ أنَّ المُرادَ بِهِمُ اليَهُودُ، وأنَّ المَعْنى: لا تَكُونُوا عَلى هَوًى كَما كانَ اليَهُودُ عَلى هَوًى، لِأنَّ الظّاهِرَ النَّهْيُ عَنِ اتِّباعِ أهْواءِ أُولَئِكَ القَوْمِ. وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الضَّلالَ الأوَّلَ عَنِ الدِّينِ، والثّانِيَ عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ.
المائدة 5:78
﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لُعِنُوا بِكُلِّ لِسانٍ. لُعِنُوا عَلى عَهْدِ مُوسى في التَّوْراةِ، وعَلى عَهْدِ داوُدَ في الزَّبُورِ، وعَلى عَهْدِ عِيسى في الإنْجِيلِ، وعَلى عَهْدِ مُحَمَّدٍ في القُرْآنِ. ورَوى ابْنُ جُرَيْجٍ: أنَّهُ اقْتَرَنَ بِلَعْنَتِهِمْ عَلى لِسانِ داوُدَ أنْ مُسِخُوا خَنازِيرَ، وذَلِكَ أنَّ داوُدَ مَرَّ عَلى نَفَرٍ وهم في بَيْتٍ فَقالَ: مَن في البَيْتِ ؟ قالُوا: خَنازِيرُ، عَلى مَعْنى الِاحْتِجابِ، قالَ: اللَّهُمَّ خَنازِيرَ، فَكانُوا خَنازِيرَ. ثُمَّ دَعا عِيسى عَلى مَنِ افْتَرى عَلَيْهِ وعَلى أُمِّهِ ولَعَنَهم. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لُعِنَ عَلى لِسانِ داوُدَ أصْحابُ السَّبْتِ، وعَلى لِسانِ عِيسى الَّذِينَ كَفَرُوا بِالمائِدَةِ. وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ أهْلَ أيْلَةَ لَمّا اعْتَدَوْا في السَّبْتِ قالَ داوُدُ: اللَّهُمَّ العَنْهم واجْعَلْهم آيَةً؛ فَمُسِخُوا قِرَدَةً. ولَمّا كَفَرَ أصْحابُ عِيسى بَعْدَ المائِدَةِ قالَ عِيسى: اللَّهُمَّ عَذِّبْ مَن كَفَرَ بَعْدَما أكَلَ مِنَ المائِدَةِ عَذابًا لَمْ تُعَذِّبْهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ، والعَنْهم كَما لَعَنْتَ أصْحابَ السَّبْتِ؛ فَأصْبَحُوا خَنازِيرَ، وكانُوا خَمْسَةَ آلافِ رَجُلٍ ما فِيهِمُ امْرَأةٌ ولا صَبِيٌّ. وقالَ الأصَمُّ وغَيْرُهُ: بَشَّرَ داوُدُ وعِيسى بِمُحَمَّدٍ، ﷺ، ولَعَنا مَن كَذَّبَهُ. وقِيلَ: دَعَوْا عَلى مَن عَصاهُما ولَعَناهُ. ورُوِيَ أنَّ داوُدَ قالَ: اللَّهُمَّ (p-٥٤٠)لِيَلْبِسُوا اللَّعْنَةَ مِثْلَ الرِّداءِ ومِثْلَ مِنطَقَةِ الحِقْوَيْنِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهم آيَةً ومِثالًا لِخَلْقِكَ؛ والظّاهِرُ مِنَ الآيَةِ الإخْبارُ عَنْ أسْلافِ اليَهُودِ والنَّصارى أنَّهم مَلْعُونُونَ. وبِناءُ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى هو اللّاعِنُ لَهم عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونا هُما اللّاعِنانِ لَهم. ولَمّا كانُوا يَتَبَجَّحُونَ بِأسْلافِهِمْ وأنَّهم أوْلادُ الأنْبِياءِ، أُخْبِرُوا أنَّ الكُفّارَ مِنهم مَلْعُونُونَ عَلى لِسانِ أنْبِيائِهِمْ. واللَّعْنَةُ هي الطَّرْدُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، ولا تَدُلُّ الآيَةُ عَلى اقْتِرانِ اللَّعْنَةِ بِمَسْخٍ. والأفْصَحُ أنَّهُ إذا فُرِّقَ مُنْضَمّا الجُزْئَيْنِ اخْتِيرَ الإفْرادُ عَلى لَفْظِ التَّثْنِيَةِ وعَلى لَفْظِ الجَمْعِ، فَكَذَلِكَ جاءَ ”عَلى لِسانِ“ مُفْرَدًا ولَمْ يَأْتِ عَلى لِسانَيْ داوُدَ وعِيسى، ولا عَلى ألْسِنَةِ داوُدَ وعِيسى. فَلَوْ كانَ المُنْضَمّانِ غَيْرَ مُتَفَرِّقَيْنِ اخْتِيرَ لَفْظُ الجَمْعِ عَلى لَفْظِ التَّثْنِيَةِ وعَلى الإفْرادِ نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ [التحريم: ٤] والمُرادُ بِاللِّسانِ هُنا الجارِحَةُ لا اللُّغَةُ؛ أيِ: النّاطِقُ بِلَعْنَتِهِمْ هو داوُدُ وعِيسى.
﴿ذَلِكَ بِما عَصَوْا﴾ أيْ: ذَلِكَ اللَّعْنُ كانَ بِسَبَبِ عِصْيانِهِمْ، وذُكِرَ هَذا عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، وإلّا فَقَدْ فُهِمَ سَبَبُ اللَّعْنَةِ بِإسْنادِها إلى مَن تَعَلَّقَ بِهِ الوَصْفُ الدّالُّ عَلى العِلِّيَّةِ، وهو الَّذِينَ كَفَرُوا. كَما تَقُولُ: رُجِمَ الزّانِي، فَيُعْلَمُ أنَّ سَبَبَهُ الزِّنا. كَذَلِكَ اللَّعْنُ سَبَبُهُ الكُفْرُ، ولَكِنْ أُكِدَّ بِذِكْرِهِ ثانِيَةً في قَوْلِهِ: ذَلِكَ بِما عَصَوْا.
﴿وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى عَصَوْا، فَيَتَقَدَّرُ بِالمَصْدَرِ؛ أيْ: وبِكَوْنِهِمْ يَعْتَدُونَ، يَتَجاوَزُونَ الحَدَّ في العِصْيانِ والكُفْرِ، ويَنْتَهُونَ إلى أقْصى غاياتِهِ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافَ إخْبارٍ مِنَ اللَّهِ بِأنَّهُ كانَ شَأْنَهم وأمْرَهُمُ الِاعْتِداءُ، ويُقَوِّي هَذا ما جاءَ بَعْدَهُ كالشَّرْحِ وهو قَوْلُهُ: ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ ظاهِرُهُ التَّفاعُلُ بِمَعْنى الِاشْتِراكِ؛ أيْ: لا يَنْهى بَعْضُهم بَعْضًا، وذَلِكَ أنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ فِعْلِ المُنْكَرِ والتَّجاهُرِ بِهِ، وعَدَمِ النَّهْيِ عَنْهُ. والمَعْصِيَةُ إذا فُعِلَتْ وقُدِّرَتْ عَلى العَبْدِ يَنْبَغِي أنْ يَسْتَتِرَ بِها، مَنِ ابْتُلِيَ مِنكم بِشَيْءٍ مِن هَذِهِ القاذُوراتِ فَلْيَسْتَتِرْ، فَإذا فُعِلَتْ جِهارًا وتَواطَئُوا عَلى عَدَمِ الإنْكارِ كانَ ذَلِكَ تَحْرِيضًا عَلى فِعْلِها وسَبَبًا مُثِيرًا لِإفْشائِها وكَثْرَتِها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ وقَعَ تَرْكُ التَّناهِي عَنِ المُنْكَرِ تَفْسِيرًا لِلْمَعْصِيَةِ (قُلْتُ): مِن قِبَلِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ بِالتَّناهِي، فَكانَ الإخْلالُ بِهِ مَعْصِيَةً وهو اعْتِداءٌ، لِأنَّ في التَّناهِي حَسْمًا لِلْفَسادِ. وفي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: «إنْ أوَّلَ ما دَخَلَ النَّقْصُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ كانَ الرَّجُلُ يَلْقى الرَّجُلَ فَيَقُولُ: يا هَذا اتَّقِ اللَّهَ ودَعْ ما تَصْنَعُ، فَإنَّهُ لا يَحِلُّ لَكَ. ثُمَّ يَلْقاهُ مِنَ الغَدِ وهو عَلى حالِهِ فَلا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ أكِيلَهُ وشَرِيبَهُ وقَعِيدَهُ، فَلَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ ضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، ثُمَّ قَرَأ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ الآيَةَ إلى قَوْلِهِ فاسِقُونَ ثُمَّ قالَ: واللَّهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ ولَتَأْخُذُنَّ بِهِ عَلى يَدِ الظّالِمِ ولَتَأْطُرُنَّهُ عَنِ الحَقِّ أطْرًا، أوْ لَيَضْرِبُ اللَّهُ بِقُلُوبِ بَعْضِكم عَلى بَعْضٍ ولَيَلْعَنُكم كَما لَعَنَهم» أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ. ومَعْنى لَتَأْطُرُنَّهُ لَتَرُدُّنَّهُ. وقِيلَ: التَّفاعُلُ هُنا بِمَعْنى الِافْتِعالِ يُقالُ: . انْتَهى عَنِ الأمْرِ وتَناهى عَنْهُ إذا كَفَّ عَنْهُ، كَما تَقُولُ: تَجاوَزُوا واجْتَوَزُوا؛ والمَعْنى: كانُوا لا يَمْتَنِعُونَ عَنْ مُنْكَرٍ. وظاهِرُ المُنْكِرِ أنَّهُ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، فَيَصْلُحُ إطْلاقُهُ عَلى أيِّ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ. وقِيلَ: صَيْدُ السَّمَكِ يَوْمَ السَّبْتِ. وقِيلَ: أخْذُ الرَّشا في الحُكْمِ. وقِيلَ: أكْلُ الرِّبا وأثْمانِ الشُّحُومِ. ولا يَصِحُّ التَّناهِي عَمّا فُعِلَ، فَإمّا أنْ يَكُونَ المَعْنى أرادُوا فِعْلَهُ كَما تَرى آلاتِ أماراتِ الفِسْقِ وآلاتِهِ تُسَوّى وتُهَيَّأُ فَيُنْكَرُ، وإمّا أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: مُعاوَدَةِ مُنْكَرٍ أوْ مِثْلِ مُنْكَرٍ.
﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ذَمٌّ لِما صَدَرَ عَنْهم مِن فِعْلِ المُنْكَرِ وعَدَمِ تَناهِيهِمْ عَنْهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَعْجِيبٌ مِن سُوءِ فِعْلِهِمْ، مُؤَكِّدًا لِذَلِكَ بِالقَسَمِ، فَيا حَسْرَتا عَلى المُسْلِمِينَ في إعْراضِهِمْ عَنْ بابِ التَّناهِي عَنِ المُنْكَرِ وقِلَّةِ عِنايَتِهِمْ بِهِ كَأنَّهُ لَيْسَ مِن مِلَّةِ الإسْلامِ في شَيْءٍ مَعَ ما يَتْلُونِ مِن كِتابِ اللَّهِ، وما فِيهِ مِنَ المُبالَغاتِ في هَذا البابِ. انْتَهى. وقالَ (p-٥٤١)حُذّاقُ أهْلِ العِلْمِ: لَيْسَ مِن شُرُوطِ النّاهِي أنْ يَكُونَ سَلِيمًا مِنَ المَعْصِيَةِ، بَلْ يَنْهى العُصاةُ بَعْضُهم بَعْضًا. وقالَ بَعْضُ الأُصُولِيِّينَ: فَرْضٌ عَلى الَّذِينَ يَتَعاطَوْنَ الكُئُوسَ أنْ يَنْهى بَعْضُهم بَعْضًا، واسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ لِأنَّ قَوْلَهُ: لا يَتَناهَوْنَ وفَعَلُوهُ، يَقْتَضِي اشْتِراكَهم في الفِعْلِ، وذَمَّهم عَلى تَرْكِ التَّناهِي. وفي الحَدِيثِ: «لا يَزالُ العَذابُ مَكْفُوفًا عَنِ العِبادِ ما اسْتَتَرُوا بِمَعاصِي اللَّهِ، فَإذا أعْلَنُوها فَلَمْ يُنْكِرُوها اسْتَحَقُّوا عِقابَ اللَّهِ تَعالى» .
المائدة 5:79
﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لُعِنُوا بِكُلِّ لِسانٍ. لُعِنُوا عَلى عَهْدِ مُوسى في التَّوْراةِ، وعَلى عَهْدِ داوُدَ في الزَّبُورِ، وعَلى عَهْدِ عِيسى في الإنْجِيلِ، وعَلى عَهْدِ مُحَمَّدٍ في القُرْآنِ. ورَوى ابْنُ جُرَيْجٍ: أنَّهُ اقْتَرَنَ بِلَعْنَتِهِمْ عَلى لِسانِ داوُدَ أنْ مُسِخُوا خَنازِيرَ، وذَلِكَ أنَّ داوُدَ مَرَّ عَلى نَفَرٍ وهم في بَيْتٍ فَقالَ: مَن في البَيْتِ ؟ قالُوا: خَنازِيرُ، عَلى مَعْنى الِاحْتِجابِ، قالَ: اللَّهُمَّ خَنازِيرَ، فَكانُوا خَنازِيرَ. ثُمَّ دَعا عِيسى عَلى مَنِ افْتَرى عَلَيْهِ وعَلى أُمِّهِ ولَعَنَهم. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لُعِنَ عَلى لِسانِ داوُدَ أصْحابُ السَّبْتِ، وعَلى لِسانِ عِيسى الَّذِينَ كَفَرُوا بِالمائِدَةِ. وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ أهْلَ أيْلَةَ لَمّا اعْتَدَوْا في السَّبْتِ قالَ داوُدُ: اللَّهُمَّ العَنْهم واجْعَلْهم آيَةً؛ فَمُسِخُوا قِرَدَةً. ولَمّا كَفَرَ أصْحابُ عِيسى بَعْدَ المائِدَةِ قالَ عِيسى: اللَّهُمَّ عَذِّبْ مَن كَفَرَ بَعْدَما أكَلَ مِنَ المائِدَةِ عَذابًا لَمْ تُعَذِّبْهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ، والعَنْهم كَما لَعَنْتَ أصْحابَ السَّبْتِ؛ فَأصْبَحُوا خَنازِيرَ، وكانُوا خَمْسَةَ آلافِ رَجُلٍ ما فِيهِمُ امْرَأةٌ ولا صَبِيٌّ. وقالَ الأصَمُّ وغَيْرُهُ: بَشَّرَ داوُدُ وعِيسى بِمُحَمَّدٍ، ﷺ، ولَعَنا مَن كَذَّبَهُ. وقِيلَ: دَعَوْا عَلى مَن عَصاهُما ولَعَناهُ. ورُوِيَ أنَّ داوُدَ قالَ: اللَّهُمَّ (p-٥٤٠)لِيَلْبِسُوا اللَّعْنَةَ مِثْلَ الرِّداءِ ومِثْلَ مِنطَقَةِ الحِقْوَيْنِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهم آيَةً ومِثالًا لِخَلْقِكَ؛ والظّاهِرُ مِنَ الآيَةِ الإخْبارُ عَنْ أسْلافِ اليَهُودِ والنَّصارى أنَّهم مَلْعُونُونَ. وبِناءُ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى هو اللّاعِنُ لَهم عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونا هُما اللّاعِنانِ لَهم. ولَمّا كانُوا يَتَبَجَّحُونَ بِأسْلافِهِمْ وأنَّهم أوْلادُ الأنْبِياءِ، أُخْبِرُوا أنَّ الكُفّارَ مِنهم مَلْعُونُونَ عَلى لِسانِ أنْبِيائِهِمْ. واللَّعْنَةُ هي الطَّرْدُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، ولا تَدُلُّ الآيَةُ عَلى اقْتِرانِ اللَّعْنَةِ بِمَسْخٍ. والأفْصَحُ أنَّهُ إذا فُرِّقَ مُنْضَمّا الجُزْئَيْنِ اخْتِيرَ الإفْرادُ عَلى لَفْظِ التَّثْنِيَةِ وعَلى لَفْظِ الجَمْعِ، فَكَذَلِكَ جاءَ ”عَلى لِسانِ“ مُفْرَدًا ولَمْ يَأْتِ عَلى لِسانَيْ داوُدَ وعِيسى، ولا عَلى ألْسِنَةِ داوُدَ وعِيسى. فَلَوْ كانَ المُنْضَمّانِ غَيْرَ مُتَفَرِّقَيْنِ اخْتِيرَ لَفْظُ الجَمْعِ عَلى لَفْظِ التَّثْنِيَةِ وعَلى الإفْرادِ نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ [التحريم: ٤] والمُرادُ بِاللِّسانِ هُنا الجارِحَةُ لا اللُّغَةُ؛ أيِ: النّاطِقُ بِلَعْنَتِهِمْ هو داوُدُ وعِيسى.
﴿ذَلِكَ بِما عَصَوْا﴾ أيْ: ذَلِكَ اللَّعْنُ كانَ بِسَبَبِ عِصْيانِهِمْ، وذُكِرَ هَذا عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، وإلّا فَقَدْ فُهِمَ سَبَبُ اللَّعْنَةِ بِإسْنادِها إلى مَن تَعَلَّقَ بِهِ الوَصْفُ الدّالُّ عَلى العِلِّيَّةِ، وهو الَّذِينَ كَفَرُوا. كَما تَقُولُ: رُجِمَ الزّانِي، فَيُعْلَمُ أنَّ سَبَبَهُ الزِّنا. كَذَلِكَ اللَّعْنُ سَبَبُهُ الكُفْرُ، ولَكِنْ أُكِدَّ بِذِكْرِهِ ثانِيَةً في قَوْلِهِ: ذَلِكَ بِما عَصَوْا.
﴿وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى عَصَوْا، فَيَتَقَدَّرُ بِالمَصْدَرِ؛ أيْ: وبِكَوْنِهِمْ يَعْتَدُونَ، يَتَجاوَزُونَ الحَدَّ في العِصْيانِ والكُفْرِ، ويَنْتَهُونَ إلى أقْصى غاياتِهِ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافَ إخْبارٍ مِنَ اللَّهِ بِأنَّهُ كانَ شَأْنَهم وأمْرَهُمُ الِاعْتِداءُ، ويُقَوِّي هَذا ما جاءَ بَعْدَهُ كالشَّرْحِ وهو قَوْلُهُ: ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ ظاهِرُهُ التَّفاعُلُ بِمَعْنى الِاشْتِراكِ؛ أيْ: لا يَنْهى بَعْضُهم بَعْضًا، وذَلِكَ أنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ فِعْلِ المُنْكَرِ والتَّجاهُرِ بِهِ، وعَدَمِ النَّهْيِ عَنْهُ. والمَعْصِيَةُ إذا فُعِلَتْ وقُدِّرَتْ عَلى العَبْدِ يَنْبَغِي أنْ يَسْتَتِرَ بِها، مَنِ ابْتُلِيَ مِنكم بِشَيْءٍ مِن هَذِهِ القاذُوراتِ فَلْيَسْتَتِرْ، فَإذا فُعِلَتْ جِهارًا وتَواطَئُوا عَلى عَدَمِ الإنْكارِ كانَ ذَلِكَ تَحْرِيضًا عَلى فِعْلِها وسَبَبًا مُثِيرًا لِإفْشائِها وكَثْرَتِها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ وقَعَ تَرْكُ التَّناهِي عَنِ المُنْكَرِ تَفْسِيرًا لِلْمَعْصِيَةِ (قُلْتُ): مِن قِبَلِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ بِالتَّناهِي، فَكانَ الإخْلالُ بِهِ مَعْصِيَةً وهو اعْتِداءٌ، لِأنَّ في التَّناهِي حَسْمًا لِلْفَسادِ. وفي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: «إنْ أوَّلَ ما دَخَلَ النَّقْصُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ كانَ الرَّجُلُ يَلْقى الرَّجُلَ فَيَقُولُ: يا هَذا اتَّقِ اللَّهَ ودَعْ ما تَصْنَعُ، فَإنَّهُ لا يَحِلُّ لَكَ. ثُمَّ يَلْقاهُ مِنَ الغَدِ وهو عَلى حالِهِ فَلا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ أكِيلَهُ وشَرِيبَهُ وقَعِيدَهُ، فَلَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ ضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، ثُمَّ قَرَأ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ الآيَةَ إلى قَوْلِهِ فاسِقُونَ ثُمَّ قالَ: واللَّهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ ولَتَأْخُذُنَّ بِهِ عَلى يَدِ الظّالِمِ ولَتَأْطُرُنَّهُ عَنِ الحَقِّ أطْرًا، أوْ لَيَضْرِبُ اللَّهُ بِقُلُوبِ بَعْضِكم عَلى بَعْضٍ ولَيَلْعَنُكم كَما لَعَنَهم» أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ. ومَعْنى لَتَأْطُرُنَّهُ لَتَرُدُّنَّهُ. وقِيلَ: التَّفاعُلُ هُنا بِمَعْنى الِافْتِعالِ يُقالُ: . انْتَهى عَنِ الأمْرِ وتَناهى عَنْهُ إذا كَفَّ عَنْهُ، كَما تَقُولُ: تَجاوَزُوا واجْتَوَزُوا؛ والمَعْنى: كانُوا لا يَمْتَنِعُونَ عَنْ مُنْكَرٍ. وظاهِرُ المُنْكِرِ أنَّهُ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، فَيَصْلُحُ إطْلاقُهُ عَلى أيِّ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ. وقِيلَ: صَيْدُ السَّمَكِ يَوْمَ السَّبْتِ. وقِيلَ: أخْذُ الرَّشا في الحُكْمِ. وقِيلَ: أكْلُ الرِّبا وأثْمانِ الشُّحُومِ. ولا يَصِحُّ التَّناهِي عَمّا فُعِلَ، فَإمّا أنْ يَكُونَ المَعْنى أرادُوا فِعْلَهُ كَما تَرى آلاتِ أماراتِ الفِسْقِ وآلاتِهِ تُسَوّى وتُهَيَّأُ فَيُنْكَرُ، وإمّا أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: مُعاوَدَةِ مُنْكَرٍ أوْ مِثْلِ مُنْكَرٍ.
﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ذَمٌّ لِما صَدَرَ عَنْهم مِن فِعْلِ المُنْكَرِ وعَدَمِ تَناهِيهِمْ عَنْهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَعْجِيبٌ مِن سُوءِ فِعْلِهِمْ، مُؤَكِّدًا لِذَلِكَ بِالقَسَمِ، فَيا حَسْرَتا عَلى المُسْلِمِينَ في إعْراضِهِمْ عَنْ بابِ التَّناهِي عَنِ المُنْكَرِ وقِلَّةِ عِنايَتِهِمْ بِهِ كَأنَّهُ لَيْسَ مِن مِلَّةِ الإسْلامِ في شَيْءٍ مَعَ ما يَتْلُونِ مِن كِتابِ اللَّهِ، وما فِيهِ مِنَ المُبالَغاتِ في هَذا البابِ. انْتَهى. وقالَ (p-٥٤١)حُذّاقُ أهْلِ العِلْمِ: لَيْسَ مِن شُرُوطِ النّاهِي أنْ يَكُونَ سَلِيمًا مِنَ المَعْصِيَةِ، بَلْ يَنْهى العُصاةُ بَعْضُهم بَعْضًا. وقالَ بَعْضُ الأُصُولِيِّينَ: فَرْضٌ عَلى الَّذِينَ يَتَعاطَوْنَ الكُئُوسَ أنْ يَنْهى بَعْضُهم بَعْضًا، واسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ لِأنَّ قَوْلَهُ: لا يَتَناهَوْنَ وفَعَلُوهُ، يَقْتَضِي اشْتِراكَهم في الفِعْلِ، وذَمَّهم عَلى تَرْكِ التَّناهِي. وفي الحَدِيثِ: «لا يَزالُ العَذابُ مَكْفُوفًا عَنِ العِبادِ ما اسْتَتَرُوا بِمَعاصِي اللَّهِ، فَإذا أعْلَنُوها فَلَمْ يُنْكِرُوها اسْتَحَقُّوا عِقابَ اللَّهِ تَعالى» .
المائدة 5:80
﴿تَرى كَثِيرًا مِنهم يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في: مِنهم، عَلى بَنِي إسْرائِيلَ؛ فَقالَ مُقاتِلٌ: كَثِيرًا مِنهم هو مَن كانَ بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ، ﷺ، يَتَوَلَّوْنَ الكُفّارَ وعَبَدَةَ الأوْثانِ، والمُرادُ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ وأصْحابُهُ الَّذِينَ اسْتَجْلَبُوا المُشْرِكِينَ عَلى الرَّسُولِ، وعَلى هَذا يَكُونُ (تَرى) بَصَرِيَّةً، ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ، فَيَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ أسْلافُهم؛ أيْ: تَرى الآنَ إذْ أخْبَرْناكَ. وقِيلَ: كَثِيرًا مِنهم: مُنافِقُو أهْلِ الكِتابِ كانُوا يَتَوَلَّوْنَ المُشْرِكِينَ. وقِيلَ: هو كَلامٌ مُنْقَطِعٌ مِن ذِكْرِ بَنِي إسْرائِيلَ عُنِيَ بِهِ المُنافِقُونَ تَوَلَّوُا اليَهُودَ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ.
﴿لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهم أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى إعْرابِ ما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في قَوْلِهِ: أنْ سَخِطَ اللَّهُ، أنَّهُ هو المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ كَأنَّهُ قِيلَ: لَبِئْسَ زادُهم إلى الآخِرَةِ سُخْطُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، والمَعْنى مُوجِبٌ سُخْطَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ. انْتَهى. ولا يَصِحُّ هَذا الإعْرابُ إلّا عَلى مَذْهَبِ الفَرّاءِ والفارِسِيِّ في أنَّ ما مَوْصُولَةٌ، أوْ عَلى مَذْهَبِ مَن جَعَلَ في بِئْسَ ضَمِيرًا، وجَعَلَ ”ما“ تَمْيِيزًا بِمَعْنى شَيْئًا، وقَدَّمَتْ صِفَةُ التَّمْيِيزِ. وأمّا عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ فَلا يَسْتَوِي ذَلِكَ، لِأنَّ ”ما“ عِنْدَهُ اسْمٌ تامٌّ مَعْرِفَةٌ بِمَعْنى الشَّيْءِ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ صِفَةٌ لِلْمَخْصُوصِ المَحْذُوفِ، والتَّقْدِيرُ: لَبِئْسَ الشَّيْءُ قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهم، فَيَكُونُ عَلى هَذا ”أنْ سَخِطَ اللَّهُ“ في مَوْضِعِ رَفْعِ بَدَلٍ مِن ”ما“ . انْتَهى. ولا يَصِحُّ هَذا سَواءٌ كانَتْ مَوْصُولَةً، أمْ تامَّةً، لِأنَّ البَدَلَ يَحُلُّ مَحَلَّ المُبْدَلِ مِنهُ، وأنْ سَخِطَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فاعِلًا لِـ ”بِئْسَ“، لِأنَّ فاعِلَ نِعْمَ وبِئْسَ لا يَكُونُ أنْ والفِعْلَ. وقِيلَ: أنْ سَخِطَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ المَحْذُوفِ في قَدَّمَتْ؛ أيْ: قَدَّمَتْهُ كَما تَقُولُ: الَّذِي ضَرَبْتَ زَيْدًا أخُوكَ تُرِيدُ ضَرَبْتَهُ زَيْدًا. وقِيلَ: عَلى إسْقاطِ اللّامِ؛ أيْ: لِأنْ سَخِطَ.
وفِي العَذابِ هم خَـالِدُونِ (p-٥٤٢)لَمّا ذَكَرَ ما قَدَّمُوا إلى الآخِرَةِ زادًا، وذَمَّهُ بِأبْلَغِ الذَّمِّ، ذَكَرَ ما صارُوا إلَيْهِ وهو العَذابُ وأنَّهم خالِدُونَ فِيهِ، وأنَّهُ ثَمَرَةُ سُخْطِ اللَّهِ، كَما أنَّ السُّخْطَ ثَمَرَةُ العِصْيانِ. ولَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ والنَّبِيِّ وما أُنْزِلَ إلَيْهِ ما اتَّخَذُوهم أوْلِياءَ إنْ كانَ المُرادُ بِقَوْلِهِ تَرى كَثِيرًا مِنهم - أسْلافَهم؛ فالنَّبِيُّ داوُدُ وعِيسى، أوْ مُعاصِرِي الرَّسُولِ؛ فالنَّبِيُّ هو مُحَمَّدٌ، ﷺ، والَّذِينَ كَفَرُوا عَبَدَةُ الأوْثانِ. والمَعْنى: لَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ إيمانًا خالِصًا غَيْرَ نِفاقٍ، إذْ مُوالاةُ الكُفّارِ دَلِيلٌ عَلى النِّفاقِ. والظّاهِرُ في ضَمِيرِ كانُوا وضَمِيرِ الفاعِلِ في ما اتَّخَذُوهم أنَّهُ يَعُودُ عَلى كَثِيرًا مِنهم، وفي ضَمِيرِ المَفْعُولِ أنَّهُ يَعُودُ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا. وقالَ القَفّالُ وجْهًا آخَرَ وهو: أنْ يَكُونَ المَعْنى ولَوْ كانَ هَؤُلاءِ المُتَوَلُّونَ مِنَ المُشْرِكِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وبِمُحَمَّدٍ، ﷺ، ما اتَّخَذَهم هَؤُلاءِ اليَهُودُ أوْلِياءَ. والوَجْهُ الأوَّلُ أوْلى، لِأنَّ الحَدِيثَ إنَّما هو عَنْ قَوْلِهِ ”﴿كَثِيرًا مِنهُمْ﴾“ فَعَوْدُ الضَّمائِرِ عَلى نَسَقٍ واحِدٍ أوْلى مِنِ اخْتِلافِها. وجاءَ جَوابُ لَوْ مَنفِيًّا ”بِما“ بِغَيْرِ لامٍ، وهو الأفْصَحُ، ودُخُولُ اللّامِ عَلَيْهِ قَلِيلٌ نَحْوَ قَوْلِهِ:
؎لَوْ أنَّ بِالعِلْمِ تُعْطى ما تَعِيشُ بِهِ لَما ظَفِرْتَ مِنَ الدُّنْيا بِنَقْرُونِ
﴿ولَكِنَّ كَثِيرًا مِنهم فاسِقُونَ﴾ خَصَّ الكَثِيرَ بِالفِسْقِ، إذْ فِيهِمْ قَلِيلٌ قَدْ آمَنَ. والمُخْبَرُ عَنْهم أوَّلًا هو الكَثِيرُ، والضَّمائِرُ بَعْدَهُ لَهُ، ولَيْسَ المَعْنى ”ولَكِنَّ كَثِيرًا مِن ذَلِكَ الكَثِيرِ“ ولَكِنَّهُ لَمّا طالَ أُعِيدَ بِلَفْظِهِ، وكانَ مِن وضْعِ الظّاهِرِ بِلَفْظِهِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ، إذْ كانَ السِّياقُ يَكُونُ: ما اتَّخَذُوهم أوْلِياءَ، ولَكِنَّهم فاسِقُونَ. فَوُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ هَذا الضَّمِيرِ.
المائدة 5:81
﴿تَرى كَثِيرًا مِنهم يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في: مِنهم، عَلى بَنِي إسْرائِيلَ؛ فَقالَ مُقاتِلٌ: كَثِيرًا مِنهم هو مَن كانَ بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ، ﷺ، يَتَوَلَّوْنَ الكُفّارَ وعَبَدَةَ الأوْثانِ، والمُرادُ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ وأصْحابُهُ الَّذِينَ اسْتَجْلَبُوا المُشْرِكِينَ عَلى الرَّسُولِ، وعَلى هَذا يَكُونُ (تَرى) بَصَرِيَّةً، ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ، فَيَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ أسْلافُهم؛ أيْ: تَرى الآنَ إذْ أخْبَرْناكَ. وقِيلَ: كَثِيرًا مِنهم: مُنافِقُو أهْلِ الكِتابِ كانُوا يَتَوَلَّوْنَ المُشْرِكِينَ. وقِيلَ: هو كَلامٌ مُنْقَطِعٌ مِن ذِكْرِ بَنِي إسْرائِيلَ عُنِيَ بِهِ المُنافِقُونَ تَوَلَّوُا اليَهُودَ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ.
﴿لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهم أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى إعْرابِ ما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في قَوْلِهِ: أنْ سَخِطَ اللَّهُ، أنَّهُ هو المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ كَأنَّهُ قِيلَ: لَبِئْسَ زادُهم إلى الآخِرَةِ سُخْطُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، والمَعْنى مُوجِبٌ سُخْطَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ. انْتَهى. ولا يَصِحُّ هَذا الإعْرابُ إلّا عَلى مَذْهَبِ الفَرّاءِ والفارِسِيِّ في أنَّ ما مَوْصُولَةٌ، أوْ عَلى مَذْهَبِ مَن جَعَلَ في بِئْسَ ضَمِيرًا، وجَعَلَ ”ما“ تَمْيِيزًا بِمَعْنى شَيْئًا، وقَدَّمَتْ صِفَةُ التَّمْيِيزِ. وأمّا عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ فَلا يَسْتَوِي ذَلِكَ، لِأنَّ ”ما“ عِنْدَهُ اسْمٌ تامٌّ مَعْرِفَةٌ بِمَعْنى الشَّيْءِ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ صِفَةٌ لِلْمَخْصُوصِ المَحْذُوفِ، والتَّقْدِيرُ: لَبِئْسَ الشَّيْءُ قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهم، فَيَكُونُ عَلى هَذا ”أنْ سَخِطَ اللَّهُ“ في مَوْضِعِ رَفْعِ بَدَلٍ مِن ”ما“ . انْتَهى. ولا يَصِحُّ هَذا سَواءٌ كانَتْ مَوْصُولَةً، أمْ تامَّةً، لِأنَّ البَدَلَ يَحُلُّ مَحَلَّ المُبْدَلِ مِنهُ، وأنْ سَخِطَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فاعِلًا لِـ ”بِئْسَ“، لِأنَّ فاعِلَ نِعْمَ وبِئْسَ لا يَكُونُ أنْ والفِعْلَ. وقِيلَ: أنْ سَخِطَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ المَحْذُوفِ في قَدَّمَتْ؛ أيْ: قَدَّمَتْهُ كَما تَقُولُ: الَّذِي ضَرَبْتَ زَيْدًا أخُوكَ تُرِيدُ ضَرَبْتَهُ زَيْدًا. وقِيلَ: عَلى إسْقاطِ اللّامِ؛ أيْ: لِأنْ سَخِطَ.
وفِي العَذابِ هم خَـالِدُونِ (p-٥٤٢)لَمّا ذَكَرَ ما قَدَّمُوا إلى الآخِرَةِ زادًا، وذَمَّهُ بِأبْلَغِ الذَّمِّ، ذَكَرَ ما صارُوا إلَيْهِ وهو العَذابُ وأنَّهم خالِدُونَ فِيهِ، وأنَّهُ ثَمَرَةُ سُخْطِ اللَّهِ، كَما أنَّ السُّخْطَ ثَمَرَةُ العِصْيانِ. ولَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ والنَّبِيِّ وما أُنْزِلَ إلَيْهِ ما اتَّخَذُوهم أوْلِياءَ إنْ كانَ المُرادُ بِقَوْلِهِ تَرى كَثِيرًا مِنهم - أسْلافَهم؛ فالنَّبِيُّ داوُدُ وعِيسى، أوْ مُعاصِرِي الرَّسُولِ؛ فالنَّبِيُّ هو مُحَمَّدٌ، ﷺ، والَّذِينَ كَفَرُوا عَبَدَةُ الأوْثانِ. والمَعْنى: لَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ إيمانًا خالِصًا غَيْرَ نِفاقٍ، إذْ مُوالاةُ الكُفّارِ دَلِيلٌ عَلى النِّفاقِ. والظّاهِرُ في ضَمِيرِ كانُوا وضَمِيرِ الفاعِلِ في ما اتَّخَذُوهم أنَّهُ يَعُودُ عَلى كَثِيرًا مِنهم، وفي ضَمِيرِ المَفْعُولِ أنَّهُ يَعُودُ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا. وقالَ القَفّالُ وجْهًا آخَرَ وهو: أنْ يَكُونَ المَعْنى ولَوْ كانَ هَؤُلاءِ المُتَوَلُّونَ مِنَ المُشْرِكِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وبِمُحَمَّدٍ، ﷺ، ما اتَّخَذَهم هَؤُلاءِ اليَهُودُ أوْلِياءَ. والوَجْهُ الأوَّلُ أوْلى، لِأنَّ الحَدِيثَ إنَّما هو عَنْ قَوْلِهِ ”﴿كَثِيرًا مِنهُمْ﴾“ فَعَوْدُ الضَّمائِرِ عَلى نَسَقٍ واحِدٍ أوْلى مِنِ اخْتِلافِها. وجاءَ جَوابُ لَوْ مَنفِيًّا ”بِما“ بِغَيْرِ لامٍ، وهو الأفْصَحُ، ودُخُولُ اللّامِ عَلَيْهِ قَلِيلٌ نَحْوَ قَوْلِهِ:
؎لَوْ أنَّ بِالعِلْمِ تُعْطى ما تَعِيشُ بِهِ لَما ظَفِرْتَ مِنَ الدُّنْيا بِنَقْرُونِ
﴿ولَكِنَّ كَثِيرًا مِنهم فاسِقُونَ﴾ خَصَّ الكَثِيرَ بِالفِسْقِ، إذْ فِيهِمْ قَلِيلٌ قَدْ آمَنَ. والمُخْبَرُ عَنْهم أوَّلًا هو الكَثِيرُ، والضَّمائِرُ بَعْدَهُ لَهُ، ولَيْسَ المَعْنى ”ولَكِنَّ كَثِيرًا مِن ذَلِكَ الكَثِيرِ“ ولَكِنَّهُ لَمّا طالَ أُعِيدَ بِلَفْظِهِ، وكانَ مِن وضْعِ الظّاهِرِ بِلَفْظِهِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ، إذْ كانَ السِّياقُ يَكُونُ: ما اتَّخَذُوهم أوْلِياءَ، ولَكِنَّهم فاسِقُونَ. فَوُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ هَذا الضَّمِيرِ.
المائدة 5:82
(p-٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿لَتَجِدَنَّ أشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ والَّذِينَ أشْرَكُوا ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا وأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ ﴿وما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما جاءَنا مِنَ الحَقِّ ونَطْمَعُ أنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ القَوْمِ الصّالِحِينَ﴾ ﴿فَأثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكم ولا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: ٨٧] ﴿وكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة: ٨٨] ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكم ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ فَكَفّارَتُهُ إطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكم أوْ كِسْوَتُهم أوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ ذَلِكَ كَفّارَةُ أيْمانِكم إذا حَلَفْتُمْ واحْفَظُوا أيْمانَكم كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٨٩] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠] ﴿إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ ويَصُدَّكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ واحْذَرُوا فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فاعْلَمُوا أنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ [المائدة: ٩٢] ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إذا ما اتَّقُوا وآمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقُوا وآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وأحْسَنُوا واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٩٣] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أيْدِيكم ورِماحُكم لِيَعْلَمَ (p-٣)اللَّهُ مَن يَخافُهُ بِالغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٤] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ أوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيامًا لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ عَفا اللَّهُ عَمّا سَلَفَ ومَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ واللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ [المائدة: ٩٥] ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ وطَعامُهُ مَتاعًا لَكم ولِلسَّيّارَةِ وحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المائدة: ٩٦] القَسُّ بِفَتْحِ القافِ تَتَبُّعُ الشَّيْءِ. قالَ رُؤْبَةُ:
؎أصْبَحْنَ عَنْ قَسِّ الأذى غَوافِلا يَمْشِينَ هَوْنًا حُرَّدًا بَهالِلا
ويُقالُ قَسَّ الأثَرَ تَتَبَّعَهُ وقَصَّهُ أيْضًا. والقَسُّ: رَئِيسُ النَّصارى في الدِّينِ والعِلْمِ وجَمْعُهُ قُسُوسٌ سُمِّيَ بِالمَصْدَرِ لِتَتَبُّعِهِ العِلْمَ والدِّينَ وكَذَلِكَ القِسِّيسُ فِعِّيلٌ كالشِّرِّيبِ وجَمْعُ القِسِّيسِ بِالواوِ والنُّونِ وجُمِعَ أيْضًا عَلى قَساوِسَةٍ؛ قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ:
؎لَوْ كانَ مُنْقَلِبٌ كانَتْ قَساوِسَةٌ ∗∗∗ يُحْيِيهُمُ اللَّهُ في أيْدِيهِمُ الزُّبُرُ
قالَ الفَرّاءُ: هو مِثْلُ مَهالِبَةٍ كَثُرَتِ السِّيناتُ فَأبْدَلُوا إحْداهُنَّ واوًا يَعْنِي أنَّ قِياسَهُ قَساسَّةٌ. وزَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ القَسَّ بِفَتْحِ القافِ وكَسْرِها والقِسِّيسُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ عُرِّبَ.
الطَّمَعُ قَرِيبٌ مِنَ الرَّجا يُقالُ مِنهُ: طَمِعَ يَطْمَعُ طَمَعًا وطَماعَةً وطَماعِيَةً؛ قالَ الشّاعِرُ:
؎طَماعِيَةَ أنْ يَغْفِرَ الذَّنْبَ غافِرٌ
واسْمُ الفاعِلِ طَمِعٌ.
الرِّجْسُ اسْمٌ لِكُلِّ ما يُسْتَقْذَرُ مِن عَمَلٍ يُقالُ: رَجَسَ الرَّجُلُ يَرْجُسُ رَجْسًا إذا عَمِلَ عَمَلًا قَبِيحًا وأصْلُهُ مِنَ الرِّجْسِ وهو شِدَّةُ الصَّوْتِ بِالرَّعْدِ؛ قالَ الرّاجِزُ:
؎مِن كُلِّ رَجّاسٍ يَسُوقُ الرِّجْسا
وقالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: الرِّجْزُ: الشَّرُّ، والرِّجْسُ العَذابُ والرَّكْسُ العَذِرَةُ والنَّتَنُ، والرِّجْسُ يُقالُ لِلْأمْرَيْنِ.
الرُّمْحُ مَعْرُوفٌ وجَمْعُهُ في القِلَّةِ أرْماحٌ وفي الكَثْرَةِ رِماحٌ ورَمَحَهُ: طَعَنَهُ بِالرُّمْحِ ورَجُلٌ رامِحٌ: أيْ ذُو رُمْحٍ ولا فِعْلَ لَهُ مِن مَعْنى ذِي رُمْحٍ بَلْ هو كَلابِنٍ وتامِرٍ وثَوْرٌ رامِحٌ: لَهُ قَرْنانِ؛ قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎وكائِنٌ ذَعَرْنا مِن مَهاةٍ ورامِحٍ ∗∗∗ بِلادُ الوَرى لَيْسَتْ لَها بِبِلادِ
والرَّمّاحِ: الَّذِي يَتَّخِذُ الرُّمْحَ وصَنْعَةَ الرِّماحَةِ. الوَبالُ: سُوءُ العاقِبَةِ ومَرْعًى وبِيلٌ: يُتَأذّى بِهِ بَعْدَ أكْلِهِ. البَرُّ: خِلافُ البَحْرِ. وقالَ اللَّيْثُ: يُسْتَعْمَلُ نَكِرَةً يُقالُ: جَلَسْتُ بَرًّا وخَرَجْتُ بَرًّا وقالَ الأزْهَرِيُّ: هي مِن كَلامِ المُوَلَّدِينَ وفي حَدِيثِ سَلْمانَ: إنَّ لِكُلِّ أمْرٍ جَوّانِيًّا وبَرّانِيًّا، كَنّى بِذَلِكَ عَنِ السِّرِّ والعَلانِيَةِ وهو مِن تَغْيِيرِ النَّسَبِ.
* *
﴿لَتَجِدَنَّ أشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ والَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ . قالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ في ناسٍ مِن أهْلِ الكِتابِ كانُوا عَلى شَرِيعَةٍ مِمّا جاءَ بِهِ عِيسى آمَنُوا بِالرَّسُولِ فَأثْنى اللَّهُ عَلَيْهِمْ، قِيلَ: هو النَّجاشِيُّ وأصْحابُهُ تَلا عَلَيْهِمْ جَعْفَرُ بْنُ أبِي طالِبٍ حِينَ هاجَرَ إلى الحَبَشَةِ سُورَةَ مَرْيَمَ، فَآمَنُوا وفاضَتْ أعْيُنُهم مِنَ الدَّمْعِ وقِيلَ: هم وفْدُ النَّجاشِيِّ مَعَ جَعْفَرٍ إلى الرَّسُولِ ﷺ وكانُوا سَبْعِينَ بَعَثَهم إلى الرَّسُولِ عَلَيْهِمْ ثِيابُ الصُّوفِ اثْنانِ وسِتُّونَ مِنَ الحَبَشَةِ وثَمانِيَةٌ مِنَ الشّامِ وهم بُحَيْرا الرّاهِبُ وإدْرِيسُ وأشْرَفُ وثُمامَةُ وقُثَمُ ودُرَيْدٌ وأيْمَنُ فَقَرَأ عَلَيْهِمُ الرَّسُولُ ﷺ يس فَبَكَوْا وآمَنُوا وقالُوا: ما أشْبَهَ هَذا بِما كانَ يَنْزِلُ عَلى عِيسى فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ. ورُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ والكَلْبِيِّ أنَّهم كانُوا أرْبَعِينَ مِن بَنِي الحارِثِ بْنِ كَعْبٍ مِن نَجْرانَ واثْنَيْنِ وثَمانِينَ مِنَ (p-٤)الحَبَشَةِ، وثَمانِيَةً وسِتِّينَ مِنَ الشّامِ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ قَرِيبٌ مِن هَذا، وظاهِرُ اليَهُودِ العُمُومُ مَن كانَ بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ مِن يَهُودِ المَدِينَةِ وغَيْرِهِمْ، وذَلِكَ أنَّهم مُرِّنُوا عَلى تَكْذِيبِ الأنْبِياءِ وقَتْلِهِمْ، وعَلى العُتُوِّ والمَعاصِي واسْتِشْعارِهِمُ اللَّعْنَةَ وضَرْبِ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ فَتَحَرَّرَتْ عَداوَتُهم وكَيْدُهم وحَسَدُهم وخُبْثُهم. وفي الحَدِيثِ: «ما خَلا يَهُودِيّانِ بِمُسْلِمٍ إلّا هَمّا بِقَتْلِهِ» . وفي وصْفِ اللَّهِ إيّاهم بِأنَّهم أشَدُّ عَداوَةً إشْعارٌ بِصُعُوبَةِ إجابَتِهِمْ إلى الحَقِّ؛ ولِذَلِكَ قَلَّ إسْلامُ اليَهُودِ. وقِيلَ: (اليَهُودُ) هُنا هم يَهُودُ المَدِينَةِ؛ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ مالَئُوا المُشْرِكِينَ عَلى المُسْلِمِينَ. وعَطْفُ (الَّذِينَ أشْرَكُوا) عَلى (اليَهُودُ) جَعَلَهم تَبَعًا لَهم في ذَلِكَ، إذْ كانَ اليَهُودُ أشَدَّ في العَداوَةِ إذْ تَبايَنُوا هم والمُسْلِمُونَ في الشَّرِيعَةِ لا في الجِنْسِ، إذْ بَيْنَهم وشائِجُ مُتَّصِلَةٌ مِنَ القَراباتِ والأنْسابِ القَرِيبَةِ، فَتَعْطِفُهم عَلى كُلِّ حالٍ الرَّحِمُ عَلى المُسْلِمِينَ؛ ولِأنَّهم لَيْسُوا عَلى شَرِيعَةٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ؛ فَهم أسْرَعُ لِلْإيمانِ مِن كُلِّ أحَدٍ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، وعُطِفُوا هُنا كَما عُطِفُوا في قَوْلِهِ: ﴿ولَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ [البقرة: ٩٦]، واللّامُ في (لَتَجِدَنَّ) هي المُلْتَقى بِها القَسَمُ المَحْذُوفُ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي لامُ الِابْتِداءِ ولَيْسَ بِمَرْضِيٍّ، و(النّاسِ) هُنا الكُفّارُ؛ أيْ ولَتَجِدَنَّ أشَدَّ الكُفّارِ عَداوَةً.
﴿ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى﴾ أيْ هم ألْيَنُ عَرِيكَةً وأقْرَبُ وُدًّا. ولَمْ يَصِفْهم بِالوُدِّ إنَّما جَعَلَهم أقْرَبَ مِنَ اليَهُودِ والمُشْرِكِينَ، وهي أُمَّةٌ لَهُمُ الوَفاءُ، والخِلالُ الأرْبَعُ الَّتِي ذَكَرَها عَمْرُو بْنُ العاصِ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ ويُعَظِّمُونَ مِن أهْلِ الإسْلامِ مَنِ اسْتَشْعَرُوا مِنهُ دِينًا وإيمانًا، ويُبْغِضُونَ أهْلَ الفِسْقِ، فَإذا سالَمُوا فَسِلْمُهم صافٍ، وإذا حارَبُوا فَحَرْبُهم مُدافَعَةٌ؛ لِأنَّ شَرْعَهم لا يَأْمُرُهم بِذَلِكَ. وحِينَ غَلَبَ الرُّومُ فارِسَ سُرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، لِغَلَبَةِ أهْلِ الكِتابِ لِأهْلِ عِبادَةِ النّارِ ولِإهْلاكِ العَدُوِّ الأكْبَرِ بِالعَدُوِّ الأصْغَرِ، إذْ كانَ مَخُوفًا عَلى أهْلِ الإسْلامِ. واليَهُود لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ مِن أخْلاقِ النَّصارى، بَلْ شَأْنُهُمُ الخُبْثُ واللَّيُّ بِالألْسِنَةِ. وفي خِلالِ إحْسانِكَ إلى اليَهُودِيِّ يَتَرَقَّبُ ما يَغْتالُكَ بِهِ، ألا تَرى إلى ما حَكى تَعالى عَنْهم ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥] وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهم لَيْسُوا مُتَمَسِّكِينَ بِحَقِيقَةِ النَّصْرانِيَّةِ، بَلْ ذَلِكَ قَوْلٌ مِنهم وزَعْمٌ وتَعَلُّقٌ (لِلَّذِينَ آمَنُوا) الأوَّلِ (بِعَداوَةٍ)، والثّانِي (بِمَوَدَّةٍ) . وقِيلَ: هُما في مَوْضِعِ النَّعْتِ، ووَصْفُ العَداوَةِ بِالأشَدِّ والمَوَدَّةِ بِالأقْرَبِ دَلِيلٌ عَلى تَفاوُتِ الجِنْسَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إلى المُؤْمِنِينَ، فَتِلْكَ العَداوَةُ أشَدُّ العَداواتِ وأظْهَرُها، وتِلْكَ المَوَدَّةُ أقْرَبُ وأسْهَلُ. وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّصارى أصْلَحُ حالًا مِنَ اليَهُودِ وأقْرَبُ إلى المُؤْمِنِينَ مَوَدَّةً؛ وعَلى هَذا الظّاهِرِ فَسَّرَ الآيَةَ عَلى مَن وقَفْنا عَلى كَلامِهِ.
قالَ بَعْضُهم: ولَيْسَ عَلى ظاهِرِهِ، وإنَّما المُرادُ أنَّهم أكْثَرُ أسْبابِ مَوَدَّةٍ مِنَ اليَهُودِ وذَلِكَ ذَمٌّ لَهم، فَإنَّ مَن كَثُرَتْ أسْبابُ مَوَدَّتِهِ كانَ تَرْكُهُ لِلْمَوَدَّةِ أفْحَشَ؛ ولِهَذا قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: مِنَ الجُهّالِ مَن يَظُنُّ أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ مَدْحًا لِلنَّصارى، وإَخْبارًا بِأنَّهم خَيْرٌ مِنَ اليَهُودِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ ما في الآيَةِ مِن ذَلِكَ إنَّما هو صِفَةُ قَوْمٍ قَدْ آمَنُوا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ ﷺ، يَدُلُّ عَلَيْهِ ما ذَكَرَهُ في نَسَقِ التِّلاوَةِ مِن إخْبارِهِمْ عَنْ أنْفُسِهِمْ بِالإيمانِ بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ. ومَعْلُومٌ عِنْدَ كُلِّ ذِي فِطْنَةٍ صَحِيحَةٍ أنْعَمَ في مَقالَتَيِ الطّائِفَتَيْنِ أنَّ مَقالَةَ النَّصارى أقْبَحُ وأشَدُّ اسْتِحالَةً وأظْهَرُ فَسادًا مِن مَقالَةِ اليَهُودِ؛ لِأنَّ اليَهُودَ تُقِرُّ بِالتَّوْحِيدِ في الجُمْلَةِ، وإنْ كانَ فِيها مُشَبِّهَةٌ بِبَعْضِ ما اعْتَقَدَتْهُ في الجُمْلَةِ مِنَ التَّوْحِيدِ بِالتَّشْبِيهِ انْتَهى. كَلامُ أبِي بَكْرٍ الرّازِيِّ؛ (p-٥)والظّاهِرُ ما قالَهُ المُفَسِّرُونَ وغَيْرُهم مِن أنَّ النَّصارى عَلى الجُمْلَةِ أصْلَحُ حالًا مِنَ اليَهُودِ، وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ فِيما تَقَدَّمَ ما فُضِّلَ بِهِ النَّصارى عَلى اليَهُودِ مِن كَرَمِ الأخْلاقِ، والدُّخُولِ في الإسْلامِ سَرِيعًا. ولَيْسَ الكَلامُ وارِدًا بِسَبَبِ العَقائِدِ، وإنَّما ورَدَ بِسَبَبِ الِانْفِعالِ لِلْمُسْلِمِينَ، وأمّا قَوْلُهُ لِأنَّ ما في الآيَةِ مِن ذَلِكَ، إنَّما هو صِفَةُ قَوْمٍ قَدْ آمَنُوا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ لَيْسَ كَما ذُكِرَ، بَلْ صَدْرُ الآيَةِ يَقْتَضِي العُمُومَ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى﴾، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ مِن هَذِهِ الطّائِفَةِ عُلَماءَ وزُهّادًا ومُتَواضِعِينَ وسَرِيعِي اسْتِجابَةٍ لِلْإسْلامِ وكَثِيرِي بُكاءٍ عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ، واليَهُودُ بِخِلافِ ذَلِكَ. والوُجُودُ يُصَدِّقُ قُرْبَ النَّصارى مِنَ المُسْلِمِينَ وبُعْدَ اليَهُودِ.
﴿ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا وأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى أقْرَبِ المَوَدَّةِ عَلَيْهِ؛ أيْ مِنهم عُلَماءُ وعُبّادٌ، وأنَّهم قَوْمٌ فِيهِمْ تَواضُعٌ واسْتِكانَةٌ، ولَيْسُوا مُسْتَكْبِرِينَ. واليَهُودُ عَلى خِلافِ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ قَطُّ أهْلُ دِياراتٍ ولا صَوامِعَ وانْقِطاعٍ عَنِ الدُّنْيا، بَلْ هم مُعَظِّمُونَ مُتَطاوِلُونَ لِتَحْصِيلِها حَتّى كَأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِآخِرَةٍ، ولِذَلِكَ لا يُرى فِيهِمْ زاهِدٌ. والرُّهْبانُ جَمْعُ راهِبٍ كَفارِسٍ وفُرْسانٍ والرَّهْبُ، والرَّهْبَةُ الخَشْيَةُ. وقِيلَ: الرُّهْبانُ مُفْرَدٌ كَسُلْطانٍ؛ وأنْشَدُوا:
؎لَوْ عايَنَتْ رُهْبانَ دِيرٍ في القَلَلْ تَحَدَّرَ الرُّهْبانُ تَمْشِي وتَزَلْ
ويُرْوى ونَزَلْ، والقِسِّيسُ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ في المُفْرَداتِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو رَأْسُ الرُّهْبانِ، وقِيلَ: العالِمُ، وقِيلَ: رافِعُ الصَّوْتِ بِالقِراءَةِ، وقِيلَ: الصِّدِّيقُ، وفي هَذا التَّعْلِيلِ دَلِيلٌ عَلى جَلالَةِ العِلْمِ، وأنَّهُ سَبِيلٌ إلى الهِدايَةِ، وعَلى حُسْنِ عاقِبَةِ الِانْقِطاعِ، وأنَّهُ طَرِيقٌ إلى النَّظَرِ في العاقِبَةِ عَلى التَّواضُعِ، وأنَّهُ سَبَبٌ لِتَعْظِيمِ المُوَحِّدِ إذْ يَشْهَدُ مِن نَفْسِهِ ومِن كُلِّ مُحْدَثٍ أنَّهُ مُفْتَقِرٌ لِلْمُوجِدِ؛ فَيَعْظُمُ عِنْدَ مُخْتَرِعِ الأشْياءِ البارِئِ ﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ هَذا وصْفٌ بِرِقَّةِ القُلُوبِ، والتَّأثُّرِ بِسَماعِ القُرْآنِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلى قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا، فَيَكُونُ عامًّا، ويَكُونُ قَدْ أخْبَرَ عَنْهم بِما يَقَعُ مِن بَعْضِهِمْ، كَما جَرى لِلنَّجاشِيِّ حَيْثُ تَلا عَلَيْهِ جَعْفَرٌ سُورَةَ مَرْيَمَ إلى قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [مريم: ٣٤]، وسُورَةُ طه إلى قَوْلِهِ ﴿وهَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ [طه: ٩] فَبَكى، وكَذَلِكَ قَوْمُهُ الَّذِينَ وفَدُوا عَلى الرَّسُولِ حِينَ قَرَأ عَلَيْها (يس) فَبَكَوْا.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ما مَعْناهُ: صَدْرُ الآيَةِ عامٌّ في النَّصارى، و(إذا سَمِعُوا) عامٌّ في مَن آمَنَ مِنَ القادِمِينَ مِن أرْضِ الحَبَشَةِ، إذْ لَيْسَ كُلُّ النَّصارى يَفْعَلُ ذَلِكَ، بَلْ هُمُ الَّذِينَ بَعَثَهُمُ النَّجاشِيُّ لِيَرَوُا النَّبِيَّ ﷺ، ويَسْمَعُوا ما عِنْدَهُ، فَلَمّا رَأوْهُ وتَلا عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، فاضَتْ أعْيُنُهم مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى. انْتَهى.
وقالَ السُّدِّيُّ: لَمّا رَجَعُوا إلى النَّجاشِيِّ آمَنَ وهاجَرَ بِمَن مَعَهُ فَماتَ في الطَّرِيقِ، فَصَلّى عَلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ، والمُسْلِمُونَ واسْتَغْفَرُوا لَهُ. (وتَرى) مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ، وأسْنَدَ الفَيْضَ إلى الأعْيُنِ وإنْ كانَ حَقِيقَةً لِلدُّمُوعِ كَما قالَ:
؎فَفاضَتْ دُمُوعُ العَيْنِ مِنِّي صَبابَةً
إقامَةً لِلْمُسَبَّبِ مَقامَ السَّبَبِ؛ لِأنَّ الفَيْضَ مُسَبَّبٌ عَنِ الِامْتِلاءِ، فالأصْلُ تَرى أعْيُنَهم تَمْتَلِئُ مِنَ الدَّمْعِ حَتّى تَفِيضَ؛ لِأنَّ الفَيْضَ عَلى جَوانِبِ الإناءِ ناشِئٌ عَنِ امْتِلائِهِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎قَوارِضُ تَأْتِينِي ويَحْتَقِرُونَها ∗∗∗ وقَدْ يَمْلَأُ الماءُ الإناءَ فَيَفْعُمُ
(p-٦)ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أسْنَدَ الفَيْضَ إلى الأعْيُنِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ في البُكاءِ، لَمّا كانَتْ تُفاضُ فِيها جُعِلَتِ الفائِضَةُ بِأنْفُسِها عَلى سَبِيلِ المَجازِ والمُبالَغَةِ، و(مِن) في (مِنَ الدَّمْعِ) قالَ أبُو البَقاءِ: فِيهِ وجْهانِ، أحَدُهُما: أنَّ (مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ؛ أيْ فَيْضُها مِن كَثْرَةِ الدُّمُوعِ، والثّانِي: أنْ يَكُونَ حالًا، والتَّقْدِيرُ تَفِيضُ مَمْلُوءَةً مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ، ومَعْناها مِن أجْلِ الَّذِي عَرَفُوهُ، و(مِنَ الحَقِّ) حالٌ مِنَ العائِدِ المَحْذُوفِ، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في عَرَفُوا.
وقِيلَ: (مِن) في (مِنَ الدَّمْعِ) بِمَعْنى الباءِ؛ أيْ بِالدَّمْعِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (مِنَ الدَّمْعِ) مِن أجْلِ البُكاءِ، مِن قَوْلِكَ دَمَعَتْ عَيْنُهُ دَمْعًا. فَإنْ قُلْتَ: أيُّ فَرْقٍ بَيْنَ (مِن) و(مِن) في قَوْلِهِ: ﴿مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ قُلْتُ: الأوَّلُ لِابْتِداءِ الغايَةِ، عَلى أنَّ فَيْضَ الدَّمْعِ ابْتَدَأ ونَشَأ مِن مَعْرِفَةِ الحَقِّ، وكانَ مِن أجْلِهِ وسَبَبِهِ، والثّانِيَةُ: لِتَبْيِينِ المَوْصُولِ الَّذِي هو ما عَرَفُوا، ويُحْتَمَلُ مَعْنى التَّبْعِيضِ عَلى أنَّهم عَرَفُوا بَعْضَ الحَقِّ فَأبْكاهُمُ. انْتَهى.
والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (وإذا سَمِعُوا) تَحْتَمِلُ الِاسْتِئْنافَ، وتَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى خَبَرِ إنَّهم. وقُرِئَ: ﴿تَرى أعْيُنَهُمْ﴾ عَلى البِناءِ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ المُرادُ بِآمَنّا: أنْشَأْنا الإيمانَ الخاصَّ بِهَذِهِ الأُمَّةِ الإسْلامِيَّةِ. والشّاهِدُونَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهُما: هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقالُوا ذَلِكَ هم شُهَداءُ عَلى سائِرِ الأُمَمِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقالُوا ذَلِكَ لِأنَّهم وجَدُوا ذِكْرَهم في الإنْجِيلِ كَذَلِكَ انْتَهى. وقالَ الطَّبَرِيُّ: مَعْناهُ ولَوْ قِيلَ: مَعْناهُ مَعَ الشّاهِدِينَ بِتَوْحِيدِكَ مِن جَمِيعِ العالَمِ مَن تَقَدَّمَ ومَن تَأخَّرَ، لَكانَ صَوابًا، وقِيلَ: مَعَ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ بِالحَقِّ. وقالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ بِالشّاهِدِينَ: الأنْبِياءُ والمُؤْمِنُونَ والكِتابَةُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وقِيلَ: مَعْناهُ أثْبَتْنا مِن قَوْلِهِمْ كُتِبَ فُلانٌ في الجُنْدِ؛ أيْ ثَبَتَ، و(يَقُولُونَ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ، ولَمْ يُبَيِّنا ذَلِكَ الحالَ ولا العامِلَ فِيها، ولا جائِزٌ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في أعْيُنِهِمْ؛ لِأنَّهُ مَجْرُورٌ بِالإضافَةِ، لا مَوْضِعَ لَهُ مِن رَفْعٍ ولا نَصْبٍ، إلّا عَلى مَذْهَبِ مَن يُنْزِلُ الخَبَرَ مَنزِلَةَ المُضافِ إلَيْهِ، وهو قَوْلٌ خَطَأٌ، وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ في كِتابِ مَنهَجِ السّالِكِ مِن تَأْلِيفِنا، ولا جائِزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في (عَرَفُوا) لِأنَّها تَكُونُ قَيْدًا في العِرْفانِ، وهم قَدْ عَرَفُوا الحَقَّ في هَذِهِ الحالِ وفي غَيْرِها، فالأوْلى أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً. أخْبَرَ تَعالى عَنْهم بِأنَّهُمُ التَبَسُوا بِهَذا القَوْلِ، والمَعْنى أنَّهم عَرَفُوا الحَقَّ بِقُلُوبِهِمْ، ونَطَقَتْ بِهِ وأقَرَّتْ ألْسِنَتُهم.
﴿وما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما جاءَنا مِنَ الحَقِّ﴾ هَذا إنْكارٌ، واسْتِبْعادٌ لِانْتِفاءِ الإيمانِ مِنهم مَعَ قِيامِ مُوجِبِهِ، وهو عِرْفانُ الحَقِّ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ والتَّبْرِيزِيُّ: ومُوجِبُ الإيمانِ، هو الطَّمَعُ في دُخُولِهِمْ مَعَ الصّالِحِينَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ، هو الظّاهِرُ لِأنْفُسِهِمْ عَلى سَبِيلِ المُكالَمَةِ مَعَها؛ لِدَفْعِ الوَساوِسِ والهَواجِسِ إذْ فِراقُ طَرِيقَةٍ وسُلُوكُ أُخْرى لَمْ يَنْشَأْ عَلَيْها مِمّا يَصْعُبُ ويَشُقُّ، أوْ قَوْلُ بَعْضِ مَن آمَنَ لِبَعْضٍ عَلى سَبِيلِ التَّثَبُّتِ أيْضًا، أوْ قَوْلُهم ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ المُحاجَّةِ لِمَن عارَضَهم مِنَ الكُفّارِ لَمّا رَجَعُوا إلَيْهِمْ، ولامُوهم عَلى الإيمانِ؛ أيْ وما يَصُدُّنا عَنِ الإيمانِ بِاللَّهِ وحْدَهُ. وقَدْ لاحَ لَنا الصَّوابُ وظَهَرَ الحَقُّ النَّيِّرُ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ اليَهُودَ (p-٧)أنْكَرُوا عَلَيْهِمْ ولامُوهم فَأجابُوهم بِذَلِكَ، و﴿لا نُؤْمِنُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، وهي المَقْصُودَةُ، وفي ذِكْرِها فائِدَةُ الكَلامِ، وذَلِكَ كَما تَقُولُ: جاءَ زَيْدٌ راكِبًا، جَوابًا لِمَن قالَ: هَلْ جاءَ زَيْدٌ ماشِيًا أوْ راكِبًا ؟ والعامِلُ فِيها هو مُتَعَلِّقٌ بِهِ الجارُّ والمَجْرُورُ؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ يَسْتَقِرُّ لَنا ويُجْعَلُ في انْتِفاءِ الإيمانِ عَنّا. وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: (وما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما أنْزَلَ عَلَيْنا رَبُّنا ونَطْمَعُ) . ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما جاءَنا مِنَ الحَقِّ﴾ لِمُخالَفَتِهِ ما أجْمَعَ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ مِن سَوادِ المُصْحَفِ.
﴿ونَطْمَعُ أنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ القَوْمِ الصّالِحِينَ﴾ الأحْسَنُ والأسْهَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافَ إخْبارٍ مِنهم بِأنَّهم طامِعُونَ في إنْعامِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِدُخُولِهِمْ مَعَ الصّالِحِينَ، فالواوُ عاطِفَةٌ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ، و(ما لَنا لا نُؤْمِنُ) لا عاطِفَةٌ عَلى نُؤْمِنُ، أوْ عَلى لا نُؤْمِنُ، ولا عَلى أنْ تَكُونَ الواوُ واوَ الحالِ، ولَمْ يَذْكُرِ ابْنُ عَطِيَّةَ غَيْرَ هَذا الوَجْهِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والواوُ في (ونَطْمَعُ) واوُ الحالِ، والعامِلُ في الحالِ مَعْنى الفِعْلِ العامِلِ في ﴿لا نُؤْمِنُ﴾ ولَكِنْ مُقَيَّدًا بِالحالِ الأُولى؛ لِأنَّكَ لَوْ أزَلْتَها، وقُلْتَ: وما لَنا نَطْمَعُ، لَمْ يَكُنْ كَلامًا انْتَهى.
وما ذَكَرَهُ مِن أنَّ الحالَيْنِ العامِلُ فِيهِما واحِدٌ، وهو ما في اللّامِ مِن مَعْنى الفِعْلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَنا غَيْرَ مُؤْمِنِينَ طامِعِينَ لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ الأصَحَّ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَقْضِيَ العامِلُ حالَيْنِ لِذِي حالٍ واحِدٍ لا بِحَرْفِ عَطْفٍ، إلّا أفْعَلَ التَّفْضِيلِ، فالأصَحُّ أنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ ذَلِكَ، وذُو الحالِ هُنا واحِدٌ، وهو الضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِلامِ لَنا؛ ولِأنَّهُ أيْضًا تَكُونُ الواوُ دَخَلَتْ عَلى المُضارِعِ، ولا تَدْخُلُ واوُ الحالِ عَلى المُضارِعِ إلّا بِتَأْوِيلٍ، فَيَحْتاجُ أنْ يُقَدَّرَ: ونَحْنُ نَطْمَعُ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿ونَطْمَعُ﴾ حالًا مِن ﴿لا نُؤْمِنُ﴾ عَلى أنَّهم أنْكَرُوا عَلى أنْفُسِهِمْ؛ لِأنَّهم لا يُوَحِّدُونَ اللَّهَ، ويَطْمَعُونَ مَعَ ذَلِكَ أنْ يَصْحَبُوا الصّالِحِينَ انْتَهى.
وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ فِيهِ دُخُولَ واوِ الحالِ عَلى المُضارِعِ، ويَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ﴿لا نُؤْمِنُ﴾ عَلى مَعْنى، وما لَنا لا نَجْمَعُ بَيْنَ التَّثْلِيثِ وبَيْنَ الطَّمَعِ في صُحْبَةِ الصّالِحِينَ، أوْ عَلى مَعْنى: وما لَنا لا نَجْمَعُ بَيْنَهُما بِالدُّخُولِ في الإسْلامِ؛ لِأنَّ الكافِرَ ما يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَطْمَعَ في صُحْبَةِ الصّالِحِينَ انْتَهى.
ويَظْهَرُ لِي وجْهٌ غَيْرُ ما ذَكَرُوهُ، وهو أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى نُؤْمِنُ، عَلى أنَّهُ مَنفِيٌّ كَنَفْيِ نُؤْمِنُ، التَّقْدِيرُ: وما لَنا لا نُؤْمِنُ ولا نَطْمَعُ، فَيَكُونُ (p-٨)فِي ذَلِكَ إنْكارٌ؛ لِانْتِفاءِ إيمانِهِمْ، وانْتِفاءِ طَمَعِهِمْ مَعَ قُدْرَتِهِمْ عَلى تَحْصِيلِ الشَّيْئَيْنِ: الإيمانُ والطَّمَعُ في الدُّخُولِ مَعَ الصّالِحِينَ، و(مَعَ) عَلى بابِها مِنَ المَعِيَّةِ، وقِيلَ: بِمَعْنى في، والصّالِحُونَ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أوِ الرَّسُولُ وأصْحابُهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ أوِ المُهاجِرُونَ الأوَّلُونَ، قالَهُ مُقاتِلٌ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ أنْ يُدْخِلَنا الجَنَّةَ ﴿فَأثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ ظاهِرُهُ أنَّ الإثابَةَ بِما ذُكِرَ، مُتَرَتِّبَةٌ عَلى مُجَرَّدِ القَوْلِ، ولا بُدَّ أنْ يَقْتَرِنَ بِالقَوْلِ الِاعْتِقادُ، ويُبَيِّنَ أنَّهُ مُقْتَرِنٌ بِهِ أنَّهُ قالَ: ﴿مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ فَوَصَفَهم بِالمَعْرِفَةِ، فَدَلَّ عَلى اقْتِرانِ القَوْلِ بِالعِلْمِ. وقالَ: ﴿ذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ [الزمر: ٣٤] فَإمّا أنْ يَكُونَ مِن وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ؛ تَنْبِيهًا عَلى هَذا الوَصْفِ بِهِمْ وأنَّهم أُثِيبُوا لِقِيامِ هَذا الوَصْفِ بِهِمْ، وهو رُتْبَةُ الإحْسانِ، وهي الَّتِي فَسَّرَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، بِقَوْلِهِ: «أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» . ولا إخْلاصَ ولا عِلْمَ أرْفَعُ مِن هَذِهِ الرُّتْبَةِ، وإمّا أنْ يَكُونَ أُرِيدَ بِهِ العُمُومُ، فَيَكُونُونَ قَدِ انْدَرَجُوا في المُحْسِنِينَ عَلى أنَّ هَذِهِ الإثابَةَ لَمْ تَتَرَتَّبْ عَلى مُجَرَّدِ القَوْلِ اللَّفْظِيِّ؛ ولِذَلِكَ فَسَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ بِما قالُوا: بِما تَكَلَّمُوا بِهِ مِنِ اعْتِقادٍ وإخْلاصٍ، مِن قَوْلِكَ: هَذا قَوْلُ فُلانٍ؛ أيِ اعْتِقادُهُ وما يَذْهَبُ إلَيْهِ انْتَهى.
وفَسَّرُوا هَذا القَوْلَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ عَنى بِهِ قَوْلَهم ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ لِأنَّهُ هو الصَّرِيحُ في إيمانِهِمْ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ فَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِإيمانِهِمْ، وإنَّما هو إنْكارٌ عَلى انْتِفاءِ الإيمانِ مِنهم مَعَ قِيامِ مُوجِبِهِ، فَلا تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الإثابَةُ.
وقَرَأ الحَسَنُ (فَآتاهُمُ) مِنَ الإيتاءِ بِمَعْنى الإعْطاءِ لا مِنَ الإثابَةِ، والإثابَةُ أبْلَغُ مِنَ الإعْطاءِ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ عَنْ عَمَلٍ بِخِلافِ الإعْطاءِ، فَإنَّهُ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ عَنْ عَمَلٍ، ولِذَلِكَ جاءَ أخِيرًا ﴿وذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ نَبَّهَ عَلى أنَّ تِلْكَ الإثابَةَ هي جَزاءٌ، والجَزاءُ لا يَكُونُ إلّا عَنْ عَمَلٍ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ انْدَرَجَ في (الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا) اليَهُودُ والنَّصارى وغَيْرُهم لَمّا ذَكَرَ ما لِلْمُؤْمِنِ ذَكَرَ ما أعَدَّ لِلْكافِرِ.
المائدة 5:83
(p-٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿لَتَجِدَنَّ أشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ والَّذِينَ أشْرَكُوا ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا وأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ ﴿وما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما جاءَنا مِنَ الحَقِّ ونَطْمَعُ أنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ القَوْمِ الصّالِحِينَ﴾ ﴿فَأثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكم ولا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: ٨٧] ﴿وكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة: ٨٨] ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكم ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ فَكَفّارَتُهُ إطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكم أوْ كِسْوَتُهم أوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ ذَلِكَ كَفّارَةُ أيْمانِكم إذا حَلَفْتُمْ واحْفَظُوا أيْمانَكم كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٨٩] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠] ﴿إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ ويَصُدَّكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ واحْذَرُوا فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فاعْلَمُوا أنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ [المائدة: ٩٢] ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إذا ما اتَّقُوا وآمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقُوا وآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وأحْسَنُوا واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٩٣] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أيْدِيكم ورِماحُكم لِيَعْلَمَ (p-٣)اللَّهُ مَن يَخافُهُ بِالغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٤] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ أوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيامًا لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ عَفا اللَّهُ عَمّا سَلَفَ ومَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ واللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ [المائدة: ٩٥] ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ وطَعامُهُ مَتاعًا لَكم ولِلسَّيّارَةِ وحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المائدة: ٩٦] القَسُّ بِفَتْحِ القافِ تَتَبُّعُ الشَّيْءِ. قالَ رُؤْبَةُ:
؎أصْبَحْنَ عَنْ قَسِّ الأذى غَوافِلا يَمْشِينَ هَوْنًا حُرَّدًا بَهالِلا
ويُقالُ قَسَّ الأثَرَ تَتَبَّعَهُ وقَصَّهُ أيْضًا. والقَسُّ: رَئِيسُ النَّصارى في الدِّينِ والعِلْمِ وجَمْعُهُ قُسُوسٌ سُمِّيَ بِالمَصْدَرِ لِتَتَبُّعِهِ العِلْمَ والدِّينَ وكَذَلِكَ القِسِّيسُ فِعِّيلٌ كالشِّرِّيبِ وجَمْعُ القِسِّيسِ بِالواوِ والنُّونِ وجُمِعَ أيْضًا عَلى قَساوِسَةٍ؛ قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ:
؎لَوْ كانَ مُنْقَلِبٌ كانَتْ قَساوِسَةٌ ∗∗∗ يُحْيِيهُمُ اللَّهُ في أيْدِيهِمُ الزُّبُرُ
قالَ الفَرّاءُ: هو مِثْلُ مَهالِبَةٍ كَثُرَتِ السِّيناتُ فَأبْدَلُوا إحْداهُنَّ واوًا يَعْنِي أنَّ قِياسَهُ قَساسَّةٌ. وزَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ القَسَّ بِفَتْحِ القافِ وكَسْرِها والقِسِّيسُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ عُرِّبَ.
الطَّمَعُ قَرِيبٌ مِنَ الرَّجا يُقالُ مِنهُ: طَمِعَ يَطْمَعُ طَمَعًا وطَماعَةً وطَماعِيَةً؛ قالَ الشّاعِرُ:
؎طَماعِيَةَ أنْ يَغْفِرَ الذَّنْبَ غافِرٌ
واسْمُ الفاعِلِ طَمِعٌ.
الرِّجْسُ اسْمٌ لِكُلِّ ما يُسْتَقْذَرُ مِن عَمَلٍ يُقالُ: رَجَسَ الرَّجُلُ يَرْجُسُ رَجْسًا إذا عَمِلَ عَمَلًا قَبِيحًا وأصْلُهُ مِنَ الرِّجْسِ وهو شِدَّةُ الصَّوْتِ بِالرَّعْدِ؛ قالَ الرّاجِزُ:
؎مِن كُلِّ رَجّاسٍ يَسُوقُ الرِّجْسا
وقالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: الرِّجْزُ: الشَّرُّ، والرِّجْسُ العَذابُ والرَّكْسُ العَذِرَةُ والنَّتَنُ، والرِّجْسُ يُقالُ لِلْأمْرَيْنِ.
الرُّمْحُ مَعْرُوفٌ وجَمْعُهُ في القِلَّةِ أرْماحٌ وفي الكَثْرَةِ رِماحٌ ورَمَحَهُ: طَعَنَهُ بِالرُّمْحِ ورَجُلٌ رامِحٌ: أيْ ذُو رُمْحٍ ولا فِعْلَ لَهُ مِن مَعْنى ذِي رُمْحٍ بَلْ هو كَلابِنٍ وتامِرٍ وثَوْرٌ رامِحٌ: لَهُ قَرْنانِ؛ قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎وكائِنٌ ذَعَرْنا مِن مَهاةٍ ورامِحٍ ∗∗∗ بِلادُ الوَرى لَيْسَتْ لَها بِبِلادِ
والرَّمّاحِ: الَّذِي يَتَّخِذُ الرُّمْحَ وصَنْعَةَ الرِّماحَةِ. الوَبالُ: سُوءُ العاقِبَةِ ومَرْعًى وبِيلٌ: يُتَأذّى بِهِ بَعْدَ أكْلِهِ. البَرُّ: خِلافُ البَحْرِ. وقالَ اللَّيْثُ: يُسْتَعْمَلُ نَكِرَةً يُقالُ: جَلَسْتُ بَرًّا وخَرَجْتُ بَرًّا وقالَ الأزْهَرِيُّ: هي مِن كَلامِ المُوَلَّدِينَ وفي حَدِيثِ سَلْمانَ: إنَّ لِكُلِّ أمْرٍ جَوّانِيًّا وبَرّانِيًّا، كَنّى بِذَلِكَ عَنِ السِّرِّ والعَلانِيَةِ وهو مِن تَغْيِيرِ النَّسَبِ.
* *
﴿لَتَجِدَنَّ أشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ والَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ . قالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ في ناسٍ مِن أهْلِ الكِتابِ كانُوا عَلى شَرِيعَةٍ مِمّا جاءَ بِهِ عِيسى آمَنُوا بِالرَّسُولِ فَأثْنى اللَّهُ عَلَيْهِمْ، قِيلَ: هو النَّجاشِيُّ وأصْحابُهُ تَلا عَلَيْهِمْ جَعْفَرُ بْنُ أبِي طالِبٍ حِينَ هاجَرَ إلى الحَبَشَةِ سُورَةَ مَرْيَمَ، فَآمَنُوا وفاضَتْ أعْيُنُهم مِنَ الدَّمْعِ وقِيلَ: هم وفْدُ النَّجاشِيِّ مَعَ جَعْفَرٍ إلى الرَّسُولِ ﷺ وكانُوا سَبْعِينَ بَعَثَهم إلى الرَّسُولِ عَلَيْهِمْ ثِيابُ الصُّوفِ اثْنانِ وسِتُّونَ مِنَ الحَبَشَةِ وثَمانِيَةٌ مِنَ الشّامِ وهم بُحَيْرا الرّاهِبُ وإدْرِيسُ وأشْرَفُ وثُمامَةُ وقُثَمُ ودُرَيْدٌ وأيْمَنُ فَقَرَأ عَلَيْهِمُ الرَّسُولُ ﷺ يس فَبَكَوْا وآمَنُوا وقالُوا: ما أشْبَهَ هَذا بِما كانَ يَنْزِلُ عَلى عِيسى فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ. ورُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ والكَلْبِيِّ أنَّهم كانُوا أرْبَعِينَ مِن بَنِي الحارِثِ بْنِ كَعْبٍ مِن نَجْرانَ واثْنَيْنِ وثَمانِينَ مِنَ (p-٤)الحَبَشَةِ، وثَمانِيَةً وسِتِّينَ مِنَ الشّامِ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ قَرِيبٌ مِن هَذا، وظاهِرُ اليَهُودِ العُمُومُ مَن كانَ بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ مِن يَهُودِ المَدِينَةِ وغَيْرِهِمْ، وذَلِكَ أنَّهم مُرِّنُوا عَلى تَكْذِيبِ الأنْبِياءِ وقَتْلِهِمْ، وعَلى العُتُوِّ والمَعاصِي واسْتِشْعارِهِمُ اللَّعْنَةَ وضَرْبِ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ فَتَحَرَّرَتْ عَداوَتُهم وكَيْدُهم وحَسَدُهم وخُبْثُهم. وفي الحَدِيثِ: «ما خَلا يَهُودِيّانِ بِمُسْلِمٍ إلّا هَمّا بِقَتْلِهِ» . وفي وصْفِ اللَّهِ إيّاهم بِأنَّهم أشَدُّ عَداوَةً إشْعارٌ بِصُعُوبَةِ إجابَتِهِمْ إلى الحَقِّ؛ ولِذَلِكَ قَلَّ إسْلامُ اليَهُودِ. وقِيلَ: (اليَهُودُ) هُنا هم يَهُودُ المَدِينَةِ؛ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ مالَئُوا المُشْرِكِينَ عَلى المُسْلِمِينَ. وعَطْفُ (الَّذِينَ أشْرَكُوا) عَلى (اليَهُودُ) جَعَلَهم تَبَعًا لَهم في ذَلِكَ، إذْ كانَ اليَهُودُ أشَدَّ في العَداوَةِ إذْ تَبايَنُوا هم والمُسْلِمُونَ في الشَّرِيعَةِ لا في الجِنْسِ، إذْ بَيْنَهم وشائِجُ مُتَّصِلَةٌ مِنَ القَراباتِ والأنْسابِ القَرِيبَةِ، فَتَعْطِفُهم عَلى كُلِّ حالٍ الرَّحِمُ عَلى المُسْلِمِينَ؛ ولِأنَّهم لَيْسُوا عَلى شَرِيعَةٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ؛ فَهم أسْرَعُ لِلْإيمانِ مِن كُلِّ أحَدٍ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، وعُطِفُوا هُنا كَما عُطِفُوا في قَوْلِهِ: ﴿ولَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ [البقرة: ٩٦]، واللّامُ في (لَتَجِدَنَّ) هي المُلْتَقى بِها القَسَمُ المَحْذُوفُ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي لامُ الِابْتِداءِ ولَيْسَ بِمَرْضِيٍّ، و(النّاسِ) هُنا الكُفّارُ؛ أيْ ولَتَجِدَنَّ أشَدَّ الكُفّارِ عَداوَةً.
﴿ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى﴾ أيْ هم ألْيَنُ عَرِيكَةً وأقْرَبُ وُدًّا. ولَمْ يَصِفْهم بِالوُدِّ إنَّما جَعَلَهم أقْرَبَ مِنَ اليَهُودِ والمُشْرِكِينَ، وهي أُمَّةٌ لَهُمُ الوَفاءُ، والخِلالُ الأرْبَعُ الَّتِي ذَكَرَها عَمْرُو بْنُ العاصِ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ ويُعَظِّمُونَ مِن أهْلِ الإسْلامِ مَنِ اسْتَشْعَرُوا مِنهُ دِينًا وإيمانًا، ويُبْغِضُونَ أهْلَ الفِسْقِ، فَإذا سالَمُوا فَسِلْمُهم صافٍ، وإذا حارَبُوا فَحَرْبُهم مُدافَعَةٌ؛ لِأنَّ شَرْعَهم لا يَأْمُرُهم بِذَلِكَ. وحِينَ غَلَبَ الرُّومُ فارِسَ سُرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، لِغَلَبَةِ أهْلِ الكِتابِ لِأهْلِ عِبادَةِ النّارِ ولِإهْلاكِ العَدُوِّ الأكْبَرِ بِالعَدُوِّ الأصْغَرِ، إذْ كانَ مَخُوفًا عَلى أهْلِ الإسْلامِ. واليَهُود لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ مِن أخْلاقِ النَّصارى، بَلْ شَأْنُهُمُ الخُبْثُ واللَّيُّ بِالألْسِنَةِ. وفي خِلالِ إحْسانِكَ إلى اليَهُودِيِّ يَتَرَقَّبُ ما يَغْتالُكَ بِهِ، ألا تَرى إلى ما حَكى تَعالى عَنْهم ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥] وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهم لَيْسُوا مُتَمَسِّكِينَ بِحَقِيقَةِ النَّصْرانِيَّةِ، بَلْ ذَلِكَ قَوْلٌ مِنهم وزَعْمٌ وتَعَلُّقٌ (لِلَّذِينَ آمَنُوا) الأوَّلِ (بِعَداوَةٍ)، والثّانِي (بِمَوَدَّةٍ) . وقِيلَ: هُما في مَوْضِعِ النَّعْتِ، ووَصْفُ العَداوَةِ بِالأشَدِّ والمَوَدَّةِ بِالأقْرَبِ دَلِيلٌ عَلى تَفاوُتِ الجِنْسَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إلى المُؤْمِنِينَ، فَتِلْكَ العَداوَةُ أشَدُّ العَداواتِ وأظْهَرُها، وتِلْكَ المَوَدَّةُ أقْرَبُ وأسْهَلُ. وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّصارى أصْلَحُ حالًا مِنَ اليَهُودِ وأقْرَبُ إلى المُؤْمِنِينَ مَوَدَّةً؛ وعَلى هَذا الظّاهِرِ فَسَّرَ الآيَةَ عَلى مَن وقَفْنا عَلى كَلامِهِ.
قالَ بَعْضُهم: ولَيْسَ عَلى ظاهِرِهِ، وإنَّما المُرادُ أنَّهم أكْثَرُ أسْبابِ مَوَدَّةٍ مِنَ اليَهُودِ وذَلِكَ ذَمٌّ لَهم، فَإنَّ مَن كَثُرَتْ أسْبابُ مَوَدَّتِهِ كانَ تَرْكُهُ لِلْمَوَدَّةِ أفْحَشَ؛ ولِهَذا قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: مِنَ الجُهّالِ مَن يَظُنُّ أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ مَدْحًا لِلنَّصارى، وإَخْبارًا بِأنَّهم خَيْرٌ مِنَ اليَهُودِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ ما في الآيَةِ مِن ذَلِكَ إنَّما هو صِفَةُ قَوْمٍ قَدْ آمَنُوا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ ﷺ، يَدُلُّ عَلَيْهِ ما ذَكَرَهُ في نَسَقِ التِّلاوَةِ مِن إخْبارِهِمْ عَنْ أنْفُسِهِمْ بِالإيمانِ بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ. ومَعْلُومٌ عِنْدَ كُلِّ ذِي فِطْنَةٍ صَحِيحَةٍ أنْعَمَ في مَقالَتَيِ الطّائِفَتَيْنِ أنَّ مَقالَةَ النَّصارى أقْبَحُ وأشَدُّ اسْتِحالَةً وأظْهَرُ فَسادًا مِن مَقالَةِ اليَهُودِ؛ لِأنَّ اليَهُودَ تُقِرُّ بِالتَّوْحِيدِ في الجُمْلَةِ، وإنْ كانَ فِيها مُشَبِّهَةٌ بِبَعْضِ ما اعْتَقَدَتْهُ في الجُمْلَةِ مِنَ التَّوْحِيدِ بِالتَّشْبِيهِ انْتَهى. كَلامُ أبِي بَكْرٍ الرّازِيِّ؛ (p-٥)والظّاهِرُ ما قالَهُ المُفَسِّرُونَ وغَيْرُهم مِن أنَّ النَّصارى عَلى الجُمْلَةِ أصْلَحُ حالًا مِنَ اليَهُودِ، وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ فِيما تَقَدَّمَ ما فُضِّلَ بِهِ النَّصارى عَلى اليَهُودِ مِن كَرَمِ الأخْلاقِ، والدُّخُولِ في الإسْلامِ سَرِيعًا. ولَيْسَ الكَلامُ وارِدًا بِسَبَبِ العَقائِدِ، وإنَّما ورَدَ بِسَبَبِ الِانْفِعالِ لِلْمُسْلِمِينَ، وأمّا قَوْلُهُ لِأنَّ ما في الآيَةِ مِن ذَلِكَ، إنَّما هو صِفَةُ قَوْمٍ قَدْ آمَنُوا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ لَيْسَ كَما ذُكِرَ، بَلْ صَدْرُ الآيَةِ يَقْتَضِي العُمُومَ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى﴾، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ مِن هَذِهِ الطّائِفَةِ عُلَماءَ وزُهّادًا ومُتَواضِعِينَ وسَرِيعِي اسْتِجابَةٍ لِلْإسْلامِ وكَثِيرِي بُكاءٍ عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ، واليَهُودُ بِخِلافِ ذَلِكَ. والوُجُودُ يُصَدِّقُ قُرْبَ النَّصارى مِنَ المُسْلِمِينَ وبُعْدَ اليَهُودِ.
﴿ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا وأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى أقْرَبِ المَوَدَّةِ عَلَيْهِ؛ أيْ مِنهم عُلَماءُ وعُبّادٌ، وأنَّهم قَوْمٌ فِيهِمْ تَواضُعٌ واسْتِكانَةٌ، ولَيْسُوا مُسْتَكْبِرِينَ. واليَهُودُ عَلى خِلافِ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ قَطُّ أهْلُ دِياراتٍ ولا صَوامِعَ وانْقِطاعٍ عَنِ الدُّنْيا، بَلْ هم مُعَظِّمُونَ مُتَطاوِلُونَ لِتَحْصِيلِها حَتّى كَأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِآخِرَةٍ، ولِذَلِكَ لا يُرى فِيهِمْ زاهِدٌ. والرُّهْبانُ جَمْعُ راهِبٍ كَفارِسٍ وفُرْسانٍ والرَّهْبُ، والرَّهْبَةُ الخَشْيَةُ. وقِيلَ: الرُّهْبانُ مُفْرَدٌ كَسُلْطانٍ؛ وأنْشَدُوا:
؎لَوْ عايَنَتْ رُهْبانَ دِيرٍ في القَلَلْ تَحَدَّرَ الرُّهْبانُ تَمْشِي وتَزَلْ
ويُرْوى ونَزَلْ، والقِسِّيسُ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ في المُفْرَداتِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو رَأْسُ الرُّهْبانِ، وقِيلَ: العالِمُ، وقِيلَ: رافِعُ الصَّوْتِ بِالقِراءَةِ، وقِيلَ: الصِّدِّيقُ، وفي هَذا التَّعْلِيلِ دَلِيلٌ عَلى جَلالَةِ العِلْمِ، وأنَّهُ سَبِيلٌ إلى الهِدايَةِ، وعَلى حُسْنِ عاقِبَةِ الِانْقِطاعِ، وأنَّهُ طَرِيقٌ إلى النَّظَرِ في العاقِبَةِ عَلى التَّواضُعِ، وأنَّهُ سَبَبٌ لِتَعْظِيمِ المُوَحِّدِ إذْ يَشْهَدُ مِن نَفْسِهِ ومِن كُلِّ مُحْدَثٍ أنَّهُ مُفْتَقِرٌ لِلْمُوجِدِ؛ فَيَعْظُمُ عِنْدَ مُخْتَرِعِ الأشْياءِ البارِئِ ﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ هَذا وصْفٌ بِرِقَّةِ القُلُوبِ، والتَّأثُّرِ بِسَماعِ القُرْآنِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلى قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا، فَيَكُونُ عامًّا، ويَكُونُ قَدْ أخْبَرَ عَنْهم بِما يَقَعُ مِن بَعْضِهِمْ، كَما جَرى لِلنَّجاشِيِّ حَيْثُ تَلا عَلَيْهِ جَعْفَرٌ سُورَةَ مَرْيَمَ إلى قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [مريم: ٣٤]، وسُورَةُ طه إلى قَوْلِهِ ﴿وهَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ [طه: ٩] فَبَكى، وكَذَلِكَ قَوْمُهُ الَّذِينَ وفَدُوا عَلى الرَّسُولِ حِينَ قَرَأ عَلَيْها (يس) فَبَكَوْا.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ما مَعْناهُ: صَدْرُ الآيَةِ عامٌّ في النَّصارى، و(إذا سَمِعُوا) عامٌّ في مَن آمَنَ مِنَ القادِمِينَ مِن أرْضِ الحَبَشَةِ، إذْ لَيْسَ كُلُّ النَّصارى يَفْعَلُ ذَلِكَ، بَلْ هُمُ الَّذِينَ بَعَثَهُمُ النَّجاشِيُّ لِيَرَوُا النَّبِيَّ ﷺ، ويَسْمَعُوا ما عِنْدَهُ، فَلَمّا رَأوْهُ وتَلا عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، فاضَتْ أعْيُنُهم مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى. انْتَهى.
وقالَ السُّدِّيُّ: لَمّا رَجَعُوا إلى النَّجاشِيِّ آمَنَ وهاجَرَ بِمَن مَعَهُ فَماتَ في الطَّرِيقِ، فَصَلّى عَلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ، والمُسْلِمُونَ واسْتَغْفَرُوا لَهُ. (وتَرى) مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ، وأسْنَدَ الفَيْضَ إلى الأعْيُنِ وإنْ كانَ حَقِيقَةً لِلدُّمُوعِ كَما قالَ:
؎فَفاضَتْ دُمُوعُ العَيْنِ مِنِّي صَبابَةً
إقامَةً لِلْمُسَبَّبِ مَقامَ السَّبَبِ؛ لِأنَّ الفَيْضَ مُسَبَّبٌ عَنِ الِامْتِلاءِ، فالأصْلُ تَرى أعْيُنَهم تَمْتَلِئُ مِنَ الدَّمْعِ حَتّى تَفِيضَ؛ لِأنَّ الفَيْضَ عَلى جَوانِبِ الإناءِ ناشِئٌ عَنِ امْتِلائِهِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎قَوارِضُ تَأْتِينِي ويَحْتَقِرُونَها ∗∗∗ وقَدْ يَمْلَأُ الماءُ الإناءَ فَيَفْعُمُ
(p-٦)ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أسْنَدَ الفَيْضَ إلى الأعْيُنِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ في البُكاءِ، لَمّا كانَتْ تُفاضُ فِيها جُعِلَتِ الفائِضَةُ بِأنْفُسِها عَلى سَبِيلِ المَجازِ والمُبالَغَةِ، و(مِن) في (مِنَ الدَّمْعِ) قالَ أبُو البَقاءِ: فِيهِ وجْهانِ، أحَدُهُما: أنَّ (مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ؛ أيْ فَيْضُها مِن كَثْرَةِ الدُّمُوعِ، والثّانِي: أنْ يَكُونَ حالًا، والتَّقْدِيرُ تَفِيضُ مَمْلُوءَةً مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ، ومَعْناها مِن أجْلِ الَّذِي عَرَفُوهُ، و(مِنَ الحَقِّ) حالٌ مِنَ العائِدِ المَحْذُوفِ، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في عَرَفُوا.
وقِيلَ: (مِن) في (مِنَ الدَّمْعِ) بِمَعْنى الباءِ؛ أيْ بِالدَّمْعِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (مِنَ الدَّمْعِ) مِن أجْلِ البُكاءِ، مِن قَوْلِكَ دَمَعَتْ عَيْنُهُ دَمْعًا. فَإنْ قُلْتَ: أيُّ فَرْقٍ بَيْنَ (مِن) و(مِن) في قَوْلِهِ: ﴿مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ قُلْتُ: الأوَّلُ لِابْتِداءِ الغايَةِ، عَلى أنَّ فَيْضَ الدَّمْعِ ابْتَدَأ ونَشَأ مِن مَعْرِفَةِ الحَقِّ، وكانَ مِن أجْلِهِ وسَبَبِهِ، والثّانِيَةُ: لِتَبْيِينِ المَوْصُولِ الَّذِي هو ما عَرَفُوا، ويُحْتَمَلُ مَعْنى التَّبْعِيضِ عَلى أنَّهم عَرَفُوا بَعْضَ الحَقِّ فَأبْكاهُمُ. انْتَهى.
والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (وإذا سَمِعُوا) تَحْتَمِلُ الِاسْتِئْنافَ، وتَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى خَبَرِ إنَّهم. وقُرِئَ: ﴿تَرى أعْيُنَهُمْ﴾ عَلى البِناءِ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ المُرادُ بِآمَنّا: أنْشَأْنا الإيمانَ الخاصَّ بِهَذِهِ الأُمَّةِ الإسْلامِيَّةِ. والشّاهِدُونَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهُما: هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقالُوا ذَلِكَ هم شُهَداءُ عَلى سائِرِ الأُمَمِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقالُوا ذَلِكَ لِأنَّهم وجَدُوا ذِكْرَهم في الإنْجِيلِ كَذَلِكَ انْتَهى. وقالَ الطَّبَرِيُّ: مَعْناهُ ولَوْ قِيلَ: مَعْناهُ مَعَ الشّاهِدِينَ بِتَوْحِيدِكَ مِن جَمِيعِ العالَمِ مَن تَقَدَّمَ ومَن تَأخَّرَ، لَكانَ صَوابًا، وقِيلَ: مَعَ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ بِالحَقِّ. وقالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ بِالشّاهِدِينَ: الأنْبِياءُ والمُؤْمِنُونَ والكِتابَةُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وقِيلَ: مَعْناهُ أثْبَتْنا مِن قَوْلِهِمْ كُتِبَ فُلانٌ في الجُنْدِ؛ أيْ ثَبَتَ، و(يَقُولُونَ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ، ولَمْ يُبَيِّنا ذَلِكَ الحالَ ولا العامِلَ فِيها، ولا جائِزٌ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في أعْيُنِهِمْ؛ لِأنَّهُ مَجْرُورٌ بِالإضافَةِ، لا مَوْضِعَ لَهُ مِن رَفْعٍ ولا نَصْبٍ، إلّا عَلى مَذْهَبِ مَن يُنْزِلُ الخَبَرَ مَنزِلَةَ المُضافِ إلَيْهِ، وهو قَوْلٌ خَطَأٌ، وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ في كِتابِ مَنهَجِ السّالِكِ مِن تَأْلِيفِنا، ولا جائِزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في (عَرَفُوا) لِأنَّها تَكُونُ قَيْدًا في العِرْفانِ، وهم قَدْ عَرَفُوا الحَقَّ في هَذِهِ الحالِ وفي غَيْرِها، فالأوْلى أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً. أخْبَرَ تَعالى عَنْهم بِأنَّهُمُ التَبَسُوا بِهَذا القَوْلِ، والمَعْنى أنَّهم عَرَفُوا الحَقَّ بِقُلُوبِهِمْ، ونَطَقَتْ بِهِ وأقَرَّتْ ألْسِنَتُهم.
﴿وما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما جاءَنا مِنَ الحَقِّ﴾ هَذا إنْكارٌ، واسْتِبْعادٌ لِانْتِفاءِ الإيمانِ مِنهم مَعَ قِيامِ مُوجِبِهِ، وهو عِرْفانُ الحَقِّ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ والتَّبْرِيزِيُّ: ومُوجِبُ الإيمانِ، هو الطَّمَعُ في دُخُولِهِمْ مَعَ الصّالِحِينَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ، هو الظّاهِرُ لِأنْفُسِهِمْ عَلى سَبِيلِ المُكالَمَةِ مَعَها؛ لِدَفْعِ الوَساوِسِ والهَواجِسِ إذْ فِراقُ طَرِيقَةٍ وسُلُوكُ أُخْرى لَمْ يَنْشَأْ عَلَيْها مِمّا يَصْعُبُ ويَشُقُّ، أوْ قَوْلُ بَعْضِ مَن آمَنَ لِبَعْضٍ عَلى سَبِيلِ التَّثَبُّتِ أيْضًا، أوْ قَوْلُهم ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ المُحاجَّةِ لِمَن عارَضَهم مِنَ الكُفّارِ لَمّا رَجَعُوا إلَيْهِمْ، ولامُوهم عَلى الإيمانِ؛ أيْ وما يَصُدُّنا عَنِ الإيمانِ بِاللَّهِ وحْدَهُ. وقَدْ لاحَ لَنا الصَّوابُ وظَهَرَ الحَقُّ النَّيِّرُ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ اليَهُودَ (p-٧)أنْكَرُوا عَلَيْهِمْ ولامُوهم فَأجابُوهم بِذَلِكَ، و﴿لا نُؤْمِنُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، وهي المَقْصُودَةُ، وفي ذِكْرِها فائِدَةُ الكَلامِ، وذَلِكَ كَما تَقُولُ: جاءَ زَيْدٌ راكِبًا، جَوابًا لِمَن قالَ: هَلْ جاءَ زَيْدٌ ماشِيًا أوْ راكِبًا ؟ والعامِلُ فِيها هو مُتَعَلِّقٌ بِهِ الجارُّ والمَجْرُورُ؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ يَسْتَقِرُّ لَنا ويُجْعَلُ في انْتِفاءِ الإيمانِ عَنّا. وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: (وما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما أنْزَلَ عَلَيْنا رَبُّنا ونَطْمَعُ) . ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما جاءَنا مِنَ الحَقِّ﴾ لِمُخالَفَتِهِ ما أجْمَعَ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ مِن سَوادِ المُصْحَفِ.
﴿ونَطْمَعُ أنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ القَوْمِ الصّالِحِينَ﴾ الأحْسَنُ والأسْهَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافَ إخْبارٍ مِنهم بِأنَّهم طامِعُونَ في إنْعامِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِدُخُولِهِمْ مَعَ الصّالِحِينَ، فالواوُ عاطِفَةٌ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ، و(ما لَنا لا نُؤْمِنُ) لا عاطِفَةٌ عَلى نُؤْمِنُ، أوْ عَلى لا نُؤْمِنُ، ولا عَلى أنْ تَكُونَ الواوُ واوَ الحالِ، ولَمْ يَذْكُرِ ابْنُ عَطِيَّةَ غَيْرَ هَذا الوَجْهِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والواوُ في (ونَطْمَعُ) واوُ الحالِ، والعامِلُ في الحالِ مَعْنى الفِعْلِ العامِلِ في ﴿لا نُؤْمِنُ﴾ ولَكِنْ مُقَيَّدًا بِالحالِ الأُولى؛ لِأنَّكَ لَوْ أزَلْتَها، وقُلْتَ: وما لَنا نَطْمَعُ، لَمْ يَكُنْ كَلامًا انْتَهى.
وما ذَكَرَهُ مِن أنَّ الحالَيْنِ العامِلُ فِيهِما واحِدٌ، وهو ما في اللّامِ مِن مَعْنى الفِعْلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَنا غَيْرَ مُؤْمِنِينَ طامِعِينَ لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ الأصَحَّ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَقْضِيَ العامِلُ حالَيْنِ لِذِي حالٍ واحِدٍ لا بِحَرْفِ عَطْفٍ، إلّا أفْعَلَ التَّفْضِيلِ، فالأصَحُّ أنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ ذَلِكَ، وذُو الحالِ هُنا واحِدٌ، وهو الضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِلامِ لَنا؛ ولِأنَّهُ أيْضًا تَكُونُ الواوُ دَخَلَتْ عَلى المُضارِعِ، ولا تَدْخُلُ واوُ الحالِ عَلى المُضارِعِ إلّا بِتَأْوِيلٍ، فَيَحْتاجُ أنْ يُقَدَّرَ: ونَحْنُ نَطْمَعُ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿ونَطْمَعُ﴾ حالًا مِن ﴿لا نُؤْمِنُ﴾ عَلى أنَّهم أنْكَرُوا عَلى أنْفُسِهِمْ؛ لِأنَّهم لا يُوَحِّدُونَ اللَّهَ، ويَطْمَعُونَ مَعَ ذَلِكَ أنْ يَصْحَبُوا الصّالِحِينَ انْتَهى.
وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ فِيهِ دُخُولَ واوِ الحالِ عَلى المُضارِعِ، ويَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ﴿لا نُؤْمِنُ﴾ عَلى مَعْنى، وما لَنا لا نَجْمَعُ بَيْنَ التَّثْلِيثِ وبَيْنَ الطَّمَعِ في صُحْبَةِ الصّالِحِينَ، أوْ عَلى مَعْنى: وما لَنا لا نَجْمَعُ بَيْنَهُما بِالدُّخُولِ في الإسْلامِ؛ لِأنَّ الكافِرَ ما يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَطْمَعَ في صُحْبَةِ الصّالِحِينَ انْتَهى.
ويَظْهَرُ لِي وجْهٌ غَيْرُ ما ذَكَرُوهُ، وهو أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى نُؤْمِنُ، عَلى أنَّهُ مَنفِيٌّ كَنَفْيِ نُؤْمِنُ، التَّقْدِيرُ: وما لَنا لا نُؤْمِنُ ولا نَطْمَعُ، فَيَكُونُ (p-٨)فِي ذَلِكَ إنْكارٌ؛ لِانْتِفاءِ إيمانِهِمْ، وانْتِفاءِ طَمَعِهِمْ مَعَ قُدْرَتِهِمْ عَلى تَحْصِيلِ الشَّيْئَيْنِ: الإيمانُ والطَّمَعُ في الدُّخُولِ مَعَ الصّالِحِينَ، و(مَعَ) عَلى بابِها مِنَ المَعِيَّةِ، وقِيلَ: بِمَعْنى في، والصّالِحُونَ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أوِ الرَّسُولُ وأصْحابُهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ أوِ المُهاجِرُونَ الأوَّلُونَ، قالَهُ مُقاتِلٌ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ أنْ يُدْخِلَنا الجَنَّةَ ﴿فَأثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ ظاهِرُهُ أنَّ الإثابَةَ بِما ذُكِرَ، مُتَرَتِّبَةٌ عَلى مُجَرَّدِ القَوْلِ، ولا بُدَّ أنْ يَقْتَرِنَ بِالقَوْلِ الِاعْتِقادُ، ويُبَيِّنَ أنَّهُ مُقْتَرِنٌ بِهِ أنَّهُ قالَ: ﴿مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ فَوَصَفَهم بِالمَعْرِفَةِ، فَدَلَّ عَلى اقْتِرانِ القَوْلِ بِالعِلْمِ. وقالَ: ﴿ذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ [الزمر: ٣٤] فَإمّا أنْ يَكُونَ مِن وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ؛ تَنْبِيهًا عَلى هَذا الوَصْفِ بِهِمْ وأنَّهم أُثِيبُوا لِقِيامِ هَذا الوَصْفِ بِهِمْ، وهو رُتْبَةُ الإحْسانِ، وهي الَّتِي فَسَّرَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، بِقَوْلِهِ: «أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» . ولا إخْلاصَ ولا عِلْمَ أرْفَعُ مِن هَذِهِ الرُّتْبَةِ، وإمّا أنْ يَكُونَ أُرِيدَ بِهِ العُمُومُ، فَيَكُونُونَ قَدِ انْدَرَجُوا في المُحْسِنِينَ عَلى أنَّ هَذِهِ الإثابَةَ لَمْ تَتَرَتَّبْ عَلى مُجَرَّدِ القَوْلِ اللَّفْظِيِّ؛ ولِذَلِكَ فَسَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ بِما قالُوا: بِما تَكَلَّمُوا بِهِ مِنِ اعْتِقادٍ وإخْلاصٍ، مِن قَوْلِكَ: هَذا قَوْلُ فُلانٍ؛ أيِ اعْتِقادُهُ وما يَذْهَبُ إلَيْهِ انْتَهى.
وفَسَّرُوا هَذا القَوْلَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ عَنى بِهِ قَوْلَهم ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ لِأنَّهُ هو الصَّرِيحُ في إيمانِهِمْ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ فَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِإيمانِهِمْ، وإنَّما هو إنْكارٌ عَلى انْتِفاءِ الإيمانِ مِنهم مَعَ قِيامِ مُوجِبِهِ، فَلا تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الإثابَةُ.
وقَرَأ الحَسَنُ (فَآتاهُمُ) مِنَ الإيتاءِ بِمَعْنى الإعْطاءِ لا مِنَ الإثابَةِ، والإثابَةُ أبْلَغُ مِنَ الإعْطاءِ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ عَنْ عَمَلٍ بِخِلافِ الإعْطاءِ، فَإنَّهُ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ عَنْ عَمَلٍ، ولِذَلِكَ جاءَ أخِيرًا ﴿وذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ نَبَّهَ عَلى أنَّ تِلْكَ الإثابَةَ هي جَزاءٌ، والجَزاءُ لا يَكُونُ إلّا عَنْ عَمَلٍ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ انْدَرَجَ في (الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا) اليَهُودُ والنَّصارى وغَيْرُهم لَمّا ذَكَرَ ما لِلْمُؤْمِنِ ذَكَرَ ما أعَدَّ لِلْكافِرِ.