Lafzullah

Al-Bahr Al-Muhit — المائدة 5:84 – المائدة 5:108

المؤلف / المصدر: Al-Bahr Al-Muhit

المحتويات
  1. المائدة 5:84
  2. المائدة 5:85
  3. المائدة 5:86
  4. المائدة 5:87
  5. المائدة 5:88
  6. المائدة 5:89
  7. المائدة 5:90
  8. المائدة 5:91
  9. المائدة 5:92
  10. المائدة 5:93
  11. المائدة 5:94
  12. المائدة 5:95
  13. المائدة 5:96
  14. المائدة 5:97
  15. المائدة 5:98
  16. المائدة 5:99
  17. المائدة 5:100
  18. المائدة 5:101
  19. المائدة 5:102
  20. المائدة 5:103
  21. المائدة 5:104
  22. المائدة 5:105
  23. المائدة 5:106
  24. المائدة 5:107
  25. المائدة 5:108

المائدة 5:84

(p-٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿لَتَجِدَنَّ أشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ والَّذِينَ أشْرَكُوا ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا وأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ ﴿وما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما جاءَنا مِنَ الحَقِّ ونَطْمَعُ أنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ القَوْمِ الصّالِحِينَ﴾ ﴿فَأثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكم ولا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: ٨٧] ﴿وكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة: ٨٨] ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكم ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ فَكَفّارَتُهُ إطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكم أوْ كِسْوَتُهم أوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ ذَلِكَ كَفّارَةُ أيْمانِكم إذا حَلَفْتُمْ واحْفَظُوا أيْمانَكم كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٨٩] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠] ﴿إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ ويَصُدَّكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ واحْذَرُوا فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فاعْلَمُوا أنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ [المائدة: ٩٢] ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إذا ما اتَّقُوا وآمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقُوا وآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وأحْسَنُوا واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٩٣] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أيْدِيكم ورِماحُكم لِيَعْلَمَ (p-٣)اللَّهُ مَن يَخافُهُ بِالغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٤] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ أوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيامًا لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ عَفا اللَّهُ عَمّا سَلَفَ ومَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ واللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ [المائدة: ٩٥] ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ وطَعامُهُ مَتاعًا لَكم ولِلسَّيّارَةِ وحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المائدة: ٩٦] القَسُّ بِفَتْحِ القافِ تَتَبُّعُ الشَّيْءِ. قالَ رُؤْبَةُ: ؎أصْبَحْنَ عَنْ قَسِّ الأذى غَوافِلا يَمْشِينَ هَوْنًا حُرَّدًا بَهالِلا ويُقالُ قَسَّ الأثَرَ تَتَبَّعَهُ وقَصَّهُ أيْضًا. والقَسُّ: رَئِيسُ النَّصارى في الدِّينِ والعِلْمِ وجَمْعُهُ قُسُوسٌ سُمِّيَ بِالمَصْدَرِ لِتَتَبُّعِهِ العِلْمَ والدِّينَ وكَذَلِكَ القِسِّيسُ فِعِّيلٌ كالشِّرِّيبِ وجَمْعُ القِسِّيسِ بِالواوِ والنُّونِ وجُمِعَ أيْضًا عَلى قَساوِسَةٍ؛ قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ: ؎لَوْ كانَ مُنْقَلِبٌ كانَتْ قَساوِسَةٌ ∗∗∗ يُحْيِيهُمُ اللَّهُ في أيْدِيهِمُ الزُّبُرُ قالَ الفَرّاءُ: هو مِثْلُ مَهالِبَةٍ كَثُرَتِ السِّيناتُ فَأبْدَلُوا إحْداهُنَّ واوًا يَعْنِي أنَّ قِياسَهُ قَساسَّةٌ. وزَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ القَسَّ بِفَتْحِ القافِ وكَسْرِها والقِسِّيسُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ عُرِّبَ. الطَّمَعُ قَرِيبٌ مِنَ الرَّجا يُقالُ مِنهُ: طَمِعَ يَطْمَعُ طَمَعًا وطَماعَةً وطَماعِيَةً؛ قالَ الشّاعِرُ: ؎طَماعِيَةَ أنْ يَغْفِرَ الذَّنْبَ غافِرٌ واسْمُ الفاعِلِ طَمِعٌ. الرِّجْسُ اسْمٌ لِكُلِّ ما يُسْتَقْذَرُ مِن عَمَلٍ يُقالُ: رَجَسَ الرَّجُلُ يَرْجُسُ رَجْسًا إذا عَمِلَ عَمَلًا قَبِيحًا وأصْلُهُ مِنَ الرِّجْسِ وهو شِدَّةُ الصَّوْتِ بِالرَّعْدِ؛ قالَ الرّاجِزُ: ؎مِن كُلِّ رَجّاسٍ يَسُوقُ الرِّجْسا وقالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: الرِّجْزُ: الشَّرُّ، والرِّجْسُ العَذابُ والرَّكْسُ العَذِرَةُ والنَّتَنُ، والرِّجْسُ يُقالُ لِلْأمْرَيْنِ. الرُّمْحُ مَعْرُوفٌ وجَمْعُهُ في القِلَّةِ أرْماحٌ وفي الكَثْرَةِ رِماحٌ ورَمَحَهُ: طَعَنَهُ بِالرُّمْحِ ورَجُلٌ رامِحٌ: أيْ ذُو رُمْحٍ ولا فِعْلَ لَهُ مِن مَعْنى ذِي رُمْحٍ بَلْ هو كَلابِنٍ وتامِرٍ وثَوْرٌ رامِحٌ: لَهُ قَرْنانِ؛ قالَ ذُو الرُّمَّةِ: ؎وكائِنٌ ذَعَرْنا مِن مَهاةٍ ورامِحٍ ∗∗∗ بِلادُ الوَرى لَيْسَتْ لَها بِبِلادِ والرَّمّاحِ: الَّذِي يَتَّخِذُ الرُّمْحَ وصَنْعَةَ الرِّماحَةِ. الوَبالُ: سُوءُ العاقِبَةِ ومَرْعًى وبِيلٌ: يُتَأذّى بِهِ بَعْدَ أكْلِهِ. البَرُّ: خِلافُ البَحْرِ. وقالَ اللَّيْثُ: يُسْتَعْمَلُ نَكِرَةً يُقالُ: جَلَسْتُ بَرًّا وخَرَجْتُ بَرًّا وقالَ الأزْهَرِيُّ: هي مِن كَلامِ المُوَلَّدِينَ وفي حَدِيثِ سَلْمانَ: إنَّ لِكُلِّ أمْرٍ جَوّانِيًّا وبَرّانِيًّا، كَنّى بِذَلِكَ عَنِ السِّرِّ والعَلانِيَةِ وهو مِن تَغْيِيرِ النَّسَبِ. * * ﴿لَتَجِدَنَّ أشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ والَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ . قالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ في ناسٍ مِن أهْلِ الكِتابِ كانُوا عَلى شَرِيعَةٍ مِمّا جاءَ بِهِ عِيسى آمَنُوا بِالرَّسُولِ فَأثْنى اللَّهُ عَلَيْهِمْ، قِيلَ: هو النَّجاشِيُّ وأصْحابُهُ تَلا عَلَيْهِمْ جَعْفَرُ بْنُ أبِي طالِبٍ حِينَ هاجَرَ إلى الحَبَشَةِ سُورَةَ مَرْيَمَ، فَآمَنُوا وفاضَتْ أعْيُنُهم مِنَ الدَّمْعِ وقِيلَ: هم وفْدُ النَّجاشِيِّ مَعَ جَعْفَرٍ إلى الرَّسُولِ ﷺ وكانُوا سَبْعِينَ بَعَثَهم إلى الرَّسُولِ عَلَيْهِمْ ثِيابُ الصُّوفِ اثْنانِ وسِتُّونَ مِنَ الحَبَشَةِ وثَمانِيَةٌ مِنَ الشّامِ وهم بُحَيْرا الرّاهِبُ وإدْرِيسُ وأشْرَفُ وثُمامَةُ وقُثَمُ ودُرَيْدٌ وأيْمَنُ فَقَرَأ عَلَيْهِمُ الرَّسُولُ ﷺ يس فَبَكَوْا وآمَنُوا وقالُوا: ما أشْبَهَ هَذا بِما كانَ يَنْزِلُ عَلى عِيسى فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ. ورُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ والكَلْبِيِّ أنَّهم كانُوا أرْبَعِينَ مِن بَنِي الحارِثِ بْنِ كَعْبٍ مِن نَجْرانَ واثْنَيْنِ وثَمانِينَ مِنَ (p-٤)الحَبَشَةِ، وثَمانِيَةً وسِتِّينَ مِنَ الشّامِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ قَرِيبٌ مِن هَذا، وظاهِرُ اليَهُودِ العُمُومُ مَن كانَ بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ مِن يَهُودِ المَدِينَةِ وغَيْرِهِمْ، وذَلِكَ أنَّهم مُرِّنُوا عَلى تَكْذِيبِ الأنْبِياءِ وقَتْلِهِمْ، وعَلى العُتُوِّ والمَعاصِي واسْتِشْعارِهِمُ اللَّعْنَةَ وضَرْبِ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ فَتَحَرَّرَتْ عَداوَتُهم وكَيْدُهم وحَسَدُهم وخُبْثُهم. وفي الحَدِيثِ: «ما خَلا يَهُودِيّانِ بِمُسْلِمٍ إلّا هَمّا بِقَتْلِهِ» . وفي وصْفِ اللَّهِ إيّاهم بِأنَّهم أشَدُّ عَداوَةً إشْعارٌ بِصُعُوبَةِ إجابَتِهِمْ إلى الحَقِّ؛ ولِذَلِكَ قَلَّ إسْلامُ اليَهُودِ. وقِيلَ: (اليَهُودُ) هُنا هم يَهُودُ المَدِينَةِ؛ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ مالَئُوا المُشْرِكِينَ عَلى المُسْلِمِينَ. وعَطْفُ (الَّذِينَ أشْرَكُوا) عَلى (اليَهُودُ) جَعَلَهم تَبَعًا لَهم في ذَلِكَ، إذْ كانَ اليَهُودُ أشَدَّ في العَداوَةِ إذْ تَبايَنُوا هم والمُسْلِمُونَ في الشَّرِيعَةِ لا في الجِنْسِ، إذْ بَيْنَهم وشائِجُ مُتَّصِلَةٌ مِنَ القَراباتِ والأنْسابِ القَرِيبَةِ، فَتَعْطِفُهم عَلى كُلِّ حالٍ الرَّحِمُ عَلى المُسْلِمِينَ؛ ولِأنَّهم لَيْسُوا عَلى شَرِيعَةٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ؛ فَهم أسْرَعُ لِلْإيمانِ مِن كُلِّ أحَدٍ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، وعُطِفُوا هُنا كَما عُطِفُوا في قَوْلِهِ: ﴿ولَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ [البقرة: ٩٦]، واللّامُ في (لَتَجِدَنَّ) هي المُلْتَقى بِها القَسَمُ المَحْذُوفُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي لامُ الِابْتِداءِ ولَيْسَ بِمَرْضِيٍّ، و(النّاسِ) هُنا الكُفّارُ؛ أيْ ولَتَجِدَنَّ أشَدَّ الكُفّارِ عَداوَةً. ﴿ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى﴾ أيْ هم ألْيَنُ عَرِيكَةً وأقْرَبُ وُدًّا. ولَمْ يَصِفْهم بِالوُدِّ إنَّما جَعَلَهم أقْرَبَ مِنَ اليَهُودِ والمُشْرِكِينَ، وهي أُمَّةٌ لَهُمُ الوَفاءُ، والخِلالُ الأرْبَعُ الَّتِي ذَكَرَها عَمْرُو بْنُ العاصِ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ ويُعَظِّمُونَ مِن أهْلِ الإسْلامِ مَنِ اسْتَشْعَرُوا مِنهُ دِينًا وإيمانًا، ويُبْغِضُونَ أهْلَ الفِسْقِ، فَإذا سالَمُوا فَسِلْمُهم صافٍ، وإذا حارَبُوا فَحَرْبُهم مُدافَعَةٌ؛ لِأنَّ شَرْعَهم لا يَأْمُرُهم بِذَلِكَ. وحِينَ غَلَبَ الرُّومُ فارِسَ سُرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، لِغَلَبَةِ أهْلِ الكِتابِ لِأهْلِ عِبادَةِ النّارِ ولِإهْلاكِ العَدُوِّ الأكْبَرِ بِالعَدُوِّ الأصْغَرِ، إذْ كانَ مَخُوفًا عَلى أهْلِ الإسْلامِ. واليَهُود لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ مِن أخْلاقِ النَّصارى، بَلْ شَأْنُهُمُ الخُبْثُ واللَّيُّ بِالألْسِنَةِ. وفي خِلالِ إحْسانِكَ إلى اليَهُودِيِّ يَتَرَقَّبُ ما يَغْتالُكَ بِهِ، ألا تَرى إلى ما حَكى تَعالى عَنْهم ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥] وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهم لَيْسُوا مُتَمَسِّكِينَ بِحَقِيقَةِ النَّصْرانِيَّةِ، بَلْ ذَلِكَ قَوْلٌ مِنهم وزَعْمٌ وتَعَلُّقٌ (لِلَّذِينَ آمَنُوا) الأوَّلِ (بِعَداوَةٍ)، والثّانِي (بِمَوَدَّةٍ) . وقِيلَ: هُما في مَوْضِعِ النَّعْتِ، ووَصْفُ العَداوَةِ بِالأشَدِّ والمَوَدَّةِ بِالأقْرَبِ دَلِيلٌ عَلى تَفاوُتِ الجِنْسَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إلى المُؤْمِنِينَ، فَتِلْكَ العَداوَةُ أشَدُّ العَداواتِ وأظْهَرُها، وتِلْكَ المَوَدَّةُ أقْرَبُ وأسْهَلُ. وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّصارى أصْلَحُ حالًا مِنَ اليَهُودِ وأقْرَبُ إلى المُؤْمِنِينَ مَوَدَّةً؛ وعَلى هَذا الظّاهِرِ فَسَّرَ الآيَةَ عَلى مَن وقَفْنا عَلى كَلامِهِ. قالَ بَعْضُهم: ولَيْسَ عَلى ظاهِرِهِ، وإنَّما المُرادُ أنَّهم أكْثَرُ أسْبابِ مَوَدَّةٍ مِنَ اليَهُودِ وذَلِكَ ذَمٌّ لَهم، فَإنَّ مَن كَثُرَتْ أسْبابُ مَوَدَّتِهِ كانَ تَرْكُهُ لِلْمَوَدَّةِ أفْحَشَ؛ ولِهَذا قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: مِنَ الجُهّالِ مَن يَظُنُّ أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ مَدْحًا لِلنَّصارى، وإَخْبارًا بِأنَّهم خَيْرٌ مِنَ اليَهُودِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ ما في الآيَةِ مِن ذَلِكَ إنَّما هو صِفَةُ قَوْمٍ قَدْ آمَنُوا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ ﷺ، يَدُلُّ عَلَيْهِ ما ذَكَرَهُ في نَسَقِ التِّلاوَةِ مِن إخْبارِهِمْ عَنْ أنْفُسِهِمْ بِالإيمانِ بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ. ومَعْلُومٌ عِنْدَ كُلِّ ذِي فِطْنَةٍ صَحِيحَةٍ أنْعَمَ في مَقالَتَيِ الطّائِفَتَيْنِ أنَّ مَقالَةَ النَّصارى أقْبَحُ وأشَدُّ اسْتِحالَةً وأظْهَرُ فَسادًا مِن مَقالَةِ اليَهُودِ؛ لِأنَّ اليَهُودَ تُقِرُّ بِالتَّوْحِيدِ في الجُمْلَةِ، وإنْ كانَ فِيها مُشَبِّهَةٌ بِبَعْضِ ما اعْتَقَدَتْهُ في الجُمْلَةِ مِنَ التَّوْحِيدِ بِالتَّشْبِيهِ انْتَهى. كَلامُ أبِي بَكْرٍ الرّازِيِّ؛ (p-٥)والظّاهِرُ ما قالَهُ المُفَسِّرُونَ وغَيْرُهم مِن أنَّ النَّصارى عَلى الجُمْلَةِ أصْلَحُ حالًا مِنَ اليَهُودِ، وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ فِيما تَقَدَّمَ ما فُضِّلَ بِهِ النَّصارى عَلى اليَهُودِ مِن كَرَمِ الأخْلاقِ، والدُّخُولِ في الإسْلامِ سَرِيعًا. ولَيْسَ الكَلامُ وارِدًا بِسَبَبِ العَقائِدِ، وإنَّما ورَدَ بِسَبَبِ الِانْفِعالِ لِلْمُسْلِمِينَ، وأمّا قَوْلُهُ لِأنَّ ما في الآيَةِ مِن ذَلِكَ، إنَّما هو صِفَةُ قَوْمٍ قَدْ آمَنُوا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ لَيْسَ كَما ذُكِرَ، بَلْ صَدْرُ الآيَةِ يَقْتَضِي العُمُومَ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى﴾، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ مِن هَذِهِ الطّائِفَةِ عُلَماءَ وزُهّادًا ومُتَواضِعِينَ وسَرِيعِي اسْتِجابَةٍ لِلْإسْلامِ وكَثِيرِي بُكاءٍ عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ، واليَهُودُ بِخِلافِ ذَلِكَ. والوُجُودُ يُصَدِّقُ قُرْبَ النَّصارى مِنَ المُسْلِمِينَ وبُعْدَ اليَهُودِ. ﴿ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا وأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى أقْرَبِ المَوَدَّةِ عَلَيْهِ؛ أيْ مِنهم عُلَماءُ وعُبّادٌ، وأنَّهم قَوْمٌ فِيهِمْ تَواضُعٌ واسْتِكانَةٌ، ولَيْسُوا مُسْتَكْبِرِينَ. واليَهُودُ عَلى خِلافِ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ قَطُّ أهْلُ دِياراتٍ ولا صَوامِعَ وانْقِطاعٍ عَنِ الدُّنْيا، بَلْ هم مُعَظِّمُونَ مُتَطاوِلُونَ لِتَحْصِيلِها حَتّى كَأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِآخِرَةٍ، ولِذَلِكَ لا يُرى فِيهِمْ زاهِدٌ. والرُّهْبانُ جَمْعُ راهِبٍ كَفارِسٍ وفُرْسانٍ والرَّهْبُ، والرَّهْبَةُ الخَشْيَةُ. وقِيلَ: الرُّهْبانُ مُفْرَدٌ كَسُلْطانٍ؛ وأنْشَدُوا: ؎لَوْ عايَنَتْ رُهْبانَ دِيرٍ في القَلَلْ تَحَدَّرَ الرُّهْبانُ تَمْشِي وتَزَلْ ويُرْوى ونَزَلْ، والقِسِّيسُ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ في المُفْرَداتِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو رَأْسُ الرُّهْبانِ، وقِيلَ: العالِمُ، وقِيلَ: رافِعُ الصَّوْتِ بِالقِراءَةِ، وقِيلَ: الصِّدِّيقُ، وفي هَذا التَّعْلِيلِ دَلِيلٌ عَلى جَلالَةِ العِلْمِ، وأنَّهُ سَبِيلٌ إلى الهِدايَةِ، وعَلى حُسْنِ عاقِبَةِ الِانْقِطاعِ، وأنَّهُ طَرِيقٌ إلى النَّظَرِ في العاقِبَةِ عَلى التَّواضُعِ، وأنَّهُ سَبَبٌ لِتَعْظِيمِ المُوَحِّدِ إذْ يَشْهَدُ مِن نَفْسِهِ ومِن كُلِّ مُحْدَثٍ أنَّهُ مُفْتَقِرٌ لِلْمُوجِدِ؛ فَيَعْظُمُ عِنْدَ مُخْتَرِعِ الأشْياءِ البارِئِ ﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ هَذا وصْفٌ بِرِقَّةِ القُلُوبِ، والتَّأثُّرِ بِسَماعِ القُرْآنِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلى قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا، فَيَكُونُ عامًّا، ويَكُونُ قَدْ أخْبَرَ عَنْهم بِما يَقَعُ مِن بَعْضِهِمْ، كَما جَرى لِلنَّجاشِيِّ حَيْثُ تَلا عَلَيْهِ جَعْفَرٌ سُورَةَ مَرْيَمَ إلى قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [مريم: ٣٤]، وسُورَةُ طه إلى قَوْلِهِ ﴿وهَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ [طه: ٩] فَبَكى، وكَذَلِكَ قَوْمُهُ الَّذِينَ وفَدُوا عَلى الرَّسُولِ حِينَ قَرَأ عَلَيْها (يس) فَبَكَوْا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ما مَعْناهُ: صَدْرُ الآيَةِ عامٌّ في النَّصارى، و(إذا سَمِعُوا) عامٌّ في مَن آمَنَ مِنَ القادِمِينَ مِن أرْضِ الحَبَشَةِ، إذْ لَيْسَ كُلُّ النَّصارى يَفْعَلُ ذَلِكَ، بَلْ هُمُ الَّذِينَ بَعَثَهُمُ النَّجاشِيُّ لِيَرَوُا النَّبِيَّ ﷺ، ويَسْمَعُوا ما عِنْدَهُ، فَلَمّا رَأوْهُ وتَلا عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، فاضَتْ أعْيُنُهم مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى. انْتَهى. وقالَ السُّدِّيُّ: لَمّا رَجَعُوا إلى النَّجاشِيِّ آمَنَ وهاجَرَ بِمَن مَعَهُ فَماتَ في الطَّرِيقِ، فَصَلّى عَلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ، والمُسْلِمُونَ واسْتَغْفَرُوا لَهُ. (وتَرى) مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ، وأسْنَدَ الفَيْضَ إلى الأعْيُنِ وإنْ كانَ حَقِيقَةً لِلدُّمُوعِ كَما قالَ: ؎فَفاضَتْ دُمُوعُ العَيْنِ مِنِّي صَبابَةً إقامَةً لِلْمُسَبَّبِ مَقامَ السَّبَبِ؛ لِأنَّ الفَيْضَ مُسَبَّبٌ عَنِ الِامْتِلاءِ، فالأصْلُ تَرى أعْيُنَهم تَمْتَلِئُ مِنَ الدَّمْعِ حَتّى تَفِيضَ؛ لِأنَّ الفَيْضَ عَلى جَوانِبِ الإناءِ ناشِئٌ عَنِ امْتِلائِهِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎قَوارِضُ تَأْتِينِي ويَحْتَقِرُونَها ∗∗∗ وقَدْ يَمْلَأُ الماءُ الإناءَ فَيَفْعُمُ (p-٦)ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أسْنَدَ الفَيْضَ إلى الأعْيُنِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ في البُكاءِ، لَمّا كانَتْ تُفاضُ فِيها جُعِلَتِ الفائِضَةُ بِأنْفُسِها عَلى سَبِيلِ المَجازِ والمُبالَغَةِ، و(مِن) في (مِنَ الدَّمْعِ) قالَ أبُو البَقاءِ: فِيهِ وجْهانِ، أحَدُهُما: أنَّ (مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ؛ أيْ فَيْضُها مِن كَثْرَةِ الدُّمُوعِ، والثّانِي: أنْ يَكُونَ حالًا، والتَّقْدِيرُ تَفِيضُ مَمْلُوءَةً مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ، ومَعْناها مِن أجْلِ الَّذِي عَرَفُوهُ، و(مِنَ الحَقِّ) حالٌ مِنَ العائِدِ المَحْذُوفِ، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في عَرَفُوا. وقِيلَ: (مِن) في (مِنَ الدَّمْعِ) بِمَعْنى الباءِ؛ أيْ بِالدَّمْعِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (مِنَ الدَّمْعِ) مِن أجْلِ البُكاءِ، مِن قَوْلِكَ دَمَعَتْ عَيْنُهُ دَمْعًا. فَإنْ قُلْتَ: أيُّ فَرْقٍ بَيْنَ (مِن) و(مِن) في قَوْلِهِ: ﴿مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ قُلْتُ: الأوَّلُ لِابْتِداءِ الغايَةِ، عَلى أنَّ فَيْضَ الدَّمْعِ ابْتَدَأ ونَشَأ مِن مَعْرِفَةِ الحَقِّ، وكانَ مِن أجْلِهِ وسَبَبِهِ، والثّانِيَةُ: لِتَبْيِينِ المَوْصُولِ الَّذِي هو ما عَرَفُوا، ويُحْتَمَلُ مَعْنى التَّبْعِيضِ عَلى أنَّهم عَرَفُوا بَعْضَ الحَقِّ فَأبْكاهُمُ. انْتَهى. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (وإذا سَمِعُوا) تَحْتَمِلُ الِاسْتِئْنافَ، وتَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى خَبَرِ إنَّهم. وقُرِئَ: ﴿تَرى أعْيُنَهُمْ﴾ عَلى البِناءِ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ المُرادُ بِآمَنّا: أنْشَأْنا الإيمانَ الخاصَّ بِهَذِهِ الأُمَّةِ الإسْلامِيَّةِ. والشّاهِدُونَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهُما: هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقالُوا ذَلِكَ هم شُهَداءُ عَلى سائِرِ الأُمَمِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقالُوا ذَلِكَ لِأنَّهم وجَدُوا ذِكْرَهم في الإنْجِيلِ كَذَلِكَ انْتَهى. وقالَ الطَّبَرِيُّ: مَعْناهُ ولَوْ قِيلَ: مَعْناهُ مَعَ الشّاهِدِينَ بِتَوْحِيدِكَ مِن جَمِيعِ العالَمِ مَن تَقَدَّمَ ومَن تَأخَّرَ، لَكانَ صَوابًا، وقِيلَ: مَعَ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ بِالحَقِّ. وقالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ بِالشّاهِدِينَ: الأنْبِياءُ والمُؤْمِنُونَ والكِتابَةُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وقِيلَ: مَعْناهُ أثْبَتْنا مِن قَوْلِهِمْ كُتِبَ فُلانٌ في الجُنْدِ؛ أيْ ثَبَتَ، و(يَقُولُونَ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ، ولَمْ يُبَيِّنا ذَلِكَ الحالَ ولا العامِلَ فِيها، ولا جائِزٌ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في أعْيُنِهِمْ؛ لِأنَّهُ مَجْرُورٌ بِالإضافَةِ، لا مَوْضِعَ لَهُ مِن رَفْعٍ ولا نَصْبٍ، إلّا عَلى مَذْهَبِ مَن يُنْزِلُ الخَبَرَ مَنزِلَةَ المُضافِ إلَيْهِ، وهو قَوْلٌ خَطَأٌ، وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ في كِتابِ مَنهَجِ السّالِكِ مِن تَأْلِيفِنا، ولا جائِزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في (عَرَفُوا) لِأنَّها تَكُونُ قَيْدًا في العِرْفانِ، وهم قَدْ عَرَفُوا الحَقَّ في هَذِهِ الحالِ وفي غَيْرِها، فالأوْلى أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً. أخْبَرَ تَعالى عَنْهم بِأنَّهُمُ التَبَسُوا بِهَذا القَوْلِ، والمَعْنى أنَّهم عَرَفُوا الحَقَّ بِقُلُوبِهِمْ، ونَطَقَتْ بِهِ وأقَرَّتْ ألْسِنَتُهم. ﴿وما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما جاءَنا مِنَ الحَقِّ﴾ هَذا إنْكارٌ، واسْتِبْعادٌ لِانْتِفاءِ الإيمانِ مِنهم مَعَ قِيامِ مُوجِبِهِ، وهو عِرْفانُ الحَقِّ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ والتَّبْرِيزِيُّ: ومُوجِبُ الإيمانِ، هو الطَّمَعُ في دُخُولِهِمْ مَعَ الصّالِحِينَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ، هو الظّاهِرُ لِأنْفُسِهِمْ عَلى سَبِيلِ المُكالَمَةِ مَعَها؛ لِدَفْعِ الوَساوِسِ والهَواجِسِ إذْ فِراقُ طَرِيقَةٍ وسُلُوكُ أُخْرى لَمْ يَنْشَأْ عَلَيْها مِمّا يَصْعُبُ ويَشُقُّ، أوْ قَوْلُ بَعْضِ مَن آمَنَ لِبَعْضٍ عَلى سَبِيلِ التَّثَبُّتِ أيْضًا، أوْ قَوْلُهم ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ المُحاجَّةِ لِمَن عارَضَهم مِنَ الكُفّارِ لَمّا رَجَعُوا إلَيْهِمْ، ولامُوهم عَلى الإيمانِ؛ أيْ وما يَصُدُّنا عَنِ الإيمانِ بِاللَّهِ وحْدَهُ. وقَدْ لاحَ لَنا الصَّوابُ وظَهَرَ الحَقُّ النَّيِّرُ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ اليَهُودَ (p-٧)أنْكَرُوا عَلَيْهِمْ ولامُوهم فَأجابُوهم بِذَلِكَ، و﴿لا نُؤْمِنُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، وهي المَقْصُودَةُ، وفي ذِكْرِها فائِدَةُ الكَلامِ، وذَلِكَ كَما تَقُولُ: جاءَ زَيْدٌ راكِبًا، جَوابًا لِمَن قالَ: هَلْ جاءَ زَيْدٌ ماشِيًا أوْ راكِبًا ؟ والعامِلُ فِيها هو مُتَعَلِّقٌ بِهِ الجارُّ والمَجْرُورُ؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ يَسْتَقِرُّ لَنا ويُجْعَلُ في انْتِفاءِ الإيمانِ عَنّا. وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: (وما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما أنْزَلَ عَلَيْنا رَبُّنا ونَطْمَعُ) . ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما جاءَنا مِنَ الحَقِّ﴾ لِمُخالَفَتِهِ ما أجْمَعَ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ مِن سَوادِ المُصْحَفِ. ﴿ونَطْمَعُ أنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ القَوْمِ الصّالِحِينَ﴾ الأحْسَنُ والأسْهَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافَ إخْبارٍ مِنهم بِأنَّهم طامِعُونَ في إنْعامِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِدُخُولِهِمْ مَعَ الصّالِحِينَ، فالواوُ عاطِفَةٌ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ، و(ما لَنا لا نُؤْمِنُ) لا عاطِفَةٌ عَلى نُؤْمِنُ، أوْ عَلى لا نُؤْمِنُ، ولا عَلى أنْ تَكُونَ الواوُ واوَ الحالِ، ولَمْ يَذْكُرِ ابْنُ عَطِيَّةَ غَيْرَ هَذا الوَجْهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والواوُ في (ونَطْمَعُ) واوُ الحالِ، والعامِلُ في الحالِ مَعْنى الفِعْلِ العامِلِ في ﴿لا نُؤْمِنُ﴾ ولَكِنْ مُقَيَّدًا بِالحالِ الأُولى؛ لِأنَّكَ لَوْ أزَلْتَها، وقُلْتَ: وما لَنا نَطْمَعُ، لَمْ يَكُنْ كَلامًا انْتَهى. وما ذَكَرَهُ مِن أنَّ الحالَيْنِ العامِلُ فِيهِما واحِدٌ، وهو ما في اللّامِ مِن مَعْنى الفِعْلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَنا غَيْرَ مُؤْمِنِينَ طامِعِينَ لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ الأصَحَّ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَقْضِيَ العامِلُ حالَيْنِ لِذِي حالٍ واحِدٍ لا بِحَرْفِ عَطْفٍ، إلّا أفْعَلَ التَّفْضِيلِ، فالأصَحُّ أنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ ذَلِكَ، وذُو الحالِ هُنا واحِدٌ، وهو الضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِلامِ لَنا؛ ولِأنَّهُ أيْضًا تَكُونُ الواوُ دَخَلَتْ عَلى المُضارِعِ، ولا تَدْخُلُ واوُ الحالِ عَلى المُضارِعِ إلّا بِتَأْوِيلٍ، فَيَحْتاجُ أنْ يُقَدَّرَ: ونَحْنُ نَطْمَعُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿ونَطْمَعُ﴾ حالًا مِن ﴿لا نُؤْمِنُ﴾ عَلى أنَّهم أنْكَرُوا عَلى أنْفُسِهِمْ؛ لِأنَّهم لا يُوَحِّدُونَ اللَّهَ، ويَطْمَعُونَ مَعَ ذَلِكَ أنْ يَصْحَبُوا الصّالِحِينَ انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ فِيهِ دُخُولَ واوِ الحالِ عَلى المُضارِعِ، ويَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ﴿لا نُؤْمِنُ﴾ عَلى مَعْنى، وما لَنا لا نَجْمَعُ بَيْنَ التَّثْلِيثِ وبَيْنَ الطَّمَعِ في صُحْبَةِ الصّالِحِينَ، أوْ عَلى مَعْنى: وما لَنا لا نَجْمَعُ بَيْنَهُما بِالدُّخُولِ في الإسْلامِ؛ لِأنَّ الكافِرَ ما يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَطْمَعَ في صُحْبَةِ الصّالِحِينَ انْتَهى. ويَظْهَرُ لِي وجْهٌ غَيْرُ ما ذَكَرُوهُ، وهو أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى نُؤْمِنُ، عَلى أنَّهُ مَنفِيٌّ كَنَفْيِ نُؤْمِنُ، التَّقْدِيرُ: وما لَنا لا نُؤْمِنُ ولا نَطْمَعُ، فَيَكُونُ (p-٨)فِي ذَلِكَ إنْكارٌ؛ لِانْتِفاءِ إيمانِهِمْ، وانْتِفاءِ طَمَعِهِمْ مَعَ قُدْرَتِهِمْ عَلى تَحْصِيلِ الشَّيْئَيْنِ: الإيمانُ والطَّمَعُ في الدُّخُولِ مَعَ الصّالِحِينَ، و(مَعَ) عَلى بابِها مِنَ المَعِيَّةِ، وقِيلَ: بِمَعْنى في، والصّالِحُونَ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أوِ الرَّسُولُ وأصْحابُهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ أوِ المُهاجِرُونَ الأوَّلُونَ، قالَهُ مُقاتِلٌ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ أنْ يُدْخِلَنا الجَنَّةَ ﴿فَأثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ ظاهِرُهُ أنَّ الإثابَةَ بِما ذُكِرَ، مُتَرَتِّبَةٌ عَلى مُجَرَّدِ القَوْلِ، ولا بُدَّ أنْ يَقْتَرِنَ بِالقَوْلِ الِاعْتِقادُ، ويُبَيِّنَ أنَّهُ مُقْتَرِنٌ بِهِ أنَّهُ قالَ: ﴿مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ فَوَصَفَهم بِالمَعْرِفَةِ، فَدَلَّ عَلى اقْتِرانِ القَوْلِ بِالعِلْمِ. وقالَ: ﴿ذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ [الزمر: ٣٤] فَإمّا أنْ يَكُونَ مِن وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ؛ تَنْبِيهًا عَلى هَذا الوَصْفِ بِهِمْ وأنَّهم أُثِيبُوا لِقِيامِ هَذا الوَصْفِ بِهِمْ، وهو رُتْبَةُ الإحْسانِ، وهي الَّتِي فَسَّرَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، بِقَوْلِهِ: «أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» . ولا إخْلاصَ ولا عِلْمَ أرْفَعُ مِن هَذِهِ الرُّتْبَةِ، وإمّا أنْ يَكُونَ أُرِيدَ بِهِ العُمُومُ، فَيَكُونُونَ قَدِ انْدَرَجُوا في المُحْسِنِينَ عَلى أنَّ هَذِهِ الإثابَةَ لَمْ تَتَرَتَّبْ عَلى مُجَرَّدِ القَوْلِ اللَّفْظِيِّ؛ ولِذَلِكَ فَسَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ بِما قالُوا: بِما تَكَلَّمُوا بِهِ مِنِ اعْتِقادٍ وإخْلاصٍ، مِن قَوْلِكَ: هَذا قَوْلُ فُلانٍ؛ أيِ اعْتِقادُهُ وما يَذْهَبُ إلَيْهِ انْتَهى. وفَسَّرُوا هَذا القَوْلَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ عَنى بِهِ قَوْلَهم ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ لِأنَّهُ هو الصَّرِيحُ في إيمانِهِمْ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ فَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِإيمانِهِمْ، وإنَّما هو إنْكارٌ عَلى انْتِفاءِ الإيمانِ مِنهم مَعَ قِيامِ مُوجِبِهِ، فَلا تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الإثابَةُ. وقَرَأ الحَسَنُ (فَآتاهُمُ) مِنَ الإيتاءِ بِمَعْنى الإعْطاءِ لا مِنَ الإثابَةِ، والإثابَةُ أبْلَغُ مِنَ الإعْطاءِ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ عَنْ عَمَلٍ بِخِلافِ الإعْطاءِ، فَإنَّهُ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ عَنْ عَمَلٍ، ولِذَلِكَ جاءَ أخِيرًا ﴿وذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ نَبَّهَ عَلى أنَّ تِلْكَ الإثابَةَ هي جَزاءٌ، والجَزاءُ لا يَكُونُ إلّا عَنْ عَمَلٍ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ انْدَرَجَ في (الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا) اليَهُودُ والنَّصارى وغَيْرُهم لَمّا ذَكَرَ ما لِلْمُؤْمِنِ ذَكَرَ ما أعَدَّ لِلْكافِرِ.

المائدة 5:85

(p-٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿لَتَجِدَنَّ أشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ والَّذِينَ أشْرَكُوا ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا وأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ ﴿وما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما جاءَنا مِنَ الحَقِّ ونَطْمَعُ أنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ القَوْمِ الصّالِحِينَ﴾ ﴿فَأثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكم ولا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: ٨٧] ﴿وكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة: ٨٨] ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكم ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ فَكَفّارَتُهُ إطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكم أوْ كِسْوَتُهم أوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ ذَلِكَ كَفّارَةُ أيْمانِكم إذا حَلَفْتُمْ واحْفَظُوا أيْمانَكم كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٨٩] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠] ﴿إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ ويَصُدَّكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ واحْذَرُوا فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فاعْلَمُوا أنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ [المائدة: ٩٢] ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إذا ما اتَّقُوا وآمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقُوا وآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وأحْسَنُوا واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٩٣] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أيْدِيكم ورِماحُكم لِيَعْلَمَ (p-٣)اللَّهُ مَن يَخافُهُ بِالغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٤] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ أوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيامًا لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ عَفا اللَّهُ عَمّا سَلَفَ ومَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ واللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ [المائدة: ٩٥] ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ وطَعامُهُ مَتاعًا لَكم ولِلسَّيّارَةِ وحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المائدة: ٩٦] القَسُّ بِفَتْحِ القافِ تَتَبُّعُ الشَّيْءِ. قالَ رُؤْبَةُ: ؎أصْبَحْنَ عَنْ قَسِّ الأذى غَوافِلا يَمْشِينَ هَوْنًا حُرَّدًا بَهالِلا ويُقالُ قَسَّ الأثَرَ تَتَبَّعَهُ وقَصَّهُ أيْضًا. والقَسُّ: رَئِيسُ النَّصارى في الدِّينِ والعِلْمِ وجَمْعُهُ قُسُوسٌ سُمِّيَ بِالمَصْدَرِ لِتَتَبُّعِهِ العِلْمَ والدِّينَ وكَذَلِكَ القِسِّيسُ فِعِّيلٌ كالشِّرِّيبِ وجَمْعُ القِسِّيسِ بِالواوِ والنُّونِ وجُمِعَ أيْضًا عَلى قَساوِسَةٍ؛ قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ: ؎لَوْ كانَ مُنْقَلِبٌ كانَتْ قَساوِسَةٌ ∗∗∗ يُحْيِيهُمُ اللَّهُ في أيْدِيهِمُ الزُّبُرُ قالَ الفَرّاءُ: هو مِثْلُ مَهالِبَةٍ كَثُرَتِ السِّيناتُ فَأبْدَلُوا إحْداهُنَّ واوًا يَعْنِي أنَّ قِياسَهُ قَساسَّةٌ. وزَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ القَسَّ بِفَتْحِ القافِ وكَسْرِها والقِسِّيسُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ عُرِّبَ. الطَّمَعُ قَرِيبٌ مِنَ الرَّجا يُقالُ مِنهُ: طَمِعَ يَطْمَعُ طَمَعًا وطَماعَةً وطَماعِيَةً؛ قالَ الشّاعِرُ: ؎طَماعِيَةَ أنْ يَغْفِرَ الذَّنْبَ غافِرٌ واسْمُ الفاعِلِ طَمِعٌ. الرِّجْسُ اسْمٌ لِكُلِّ ما يُسْتَقْذَرُ مِن عَمَلٍ يُقالُ: رَجَسَ الرَّجُلُ يَرْجُسُ رَجْسًا إذا عَمِلَ عَمَلًا قَبِيحًا وأصْلُهُ مِنَ الرِّجْسِ وهو شِدَّةُ الصَّوْتِ بِالرَّعْدِ؛ قالَ الرّاجِزُ: ؎مِن كُلِّ رَجّاسٍ يَسُوقُ الرِّجْسا وقالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: الرِّجْزُ: الشَّرُّ، والرِّجْسُ العَذابُ والرَّكْسُ العَذِرَةُ والنَّتَنُ، والرِّجْسُ يُقالُ لِلْأمْرَيْنِ. الرُّمْحُ مَعْرُوفٌ وجَمْعُهُ في القِلَّةِ أرْماحٌ وفي الكَثْرَةِ رِماحٌ ورَمَحَهُ: طَعَنَهُ بِالرُّمْحِ ورَجُلٌ رامِحٌ: أيْ ذُو رُمْحٍ ولا فِعْلَ لَهُ مِن مَعْنى ذِي رُمْحٍ بَلْ هو كَلابِنٍ وتامِرٍ وثَوْرٌ رامِحٌ: لَهُ قَرْنانِ؛ قالَ ذُو الرُّمَّةِ: ؎وكائِنٌ ذَعَرْنا مِن مَهاةٍ ورامِحٍ ∗∗∗ بِلادُ الوَرى لَيْسَتْ لَها بِبِلادِ والرَّمّاحِ: الَّذِي يَتَّخِذُ الرُّمْحَ وصَنْعَةَ الرِّماحَةِ. الوَبالُ: سُوءُ العاقِبَةِ ومَرْعًى وبِيلٌ: يُتَأذّى بِهِ بَعْدَ أكْلِهِ. البَرُّ: خِلافُ البَحْرِ. وقالَ اللَّيْثُ: يُسْتَعْمَلُ نَكِرَةً يُقالُ: جَلَسْتُ بَرًّا وخَرَجْتُ بَرًّا وقالَ الأزْهَرِيُّ: هي مِن كَلامِ المُوَلَّدِينَ وفي حَدِيثِ سَلْمانَ: إنَّ لِكُلِّ أمْرٍ جَوّانِيًّا وبَرّانِيًّا، كَنّى بِذَلِكَ عَنِ السِّرِّ والعَلانِيَةِ وهو مِن تَغْيِيرِ النَّسَبِ. * * ﴿لَتَجِدَنَّ أشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ والَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ . قالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ في ناسٍ مِن أهْلِ الكِتابِ كانُوا عَلى شَرِيعَةٍ مِمّا جاءَ بِهِ عِيسى آمَنُوا بِالرَّسُولِ فَأثْنى اللَّهُ عَلَيْهِمْ، قِيلَ: هو النَّجاشِيُّ وأصْحابُهُ تَلا عَلَيْهِمْ جَعْفَرُ بْنُ أبِي طالِبٍ حِينَ هاجَرَ إلى الحَبَشَةِ سُورَةَ مَرْيَمَ، فَآمَنُوا وفاضَتْ أعْيُنُهم مِنَ الدَّمْعِ وقِيلَ: هم وفْدُ النَّجاشِيِّ مَعَ جَعْفَرٍ إلى الرَّسُولِ ﷺ وكانُوا سَبْعِينَ بَعَثَهم إلى الرَّسُولِ عَلَيْهِمْ ثِيابُ الصُّوفِ اثْنانِ وسِتُّونَ مِنَ الحَبَشَةِ وثَمانِيَةٌ مِنَ الشّامِ وهم بُحَيْرا الرّاهِبُ وإدْرِيسُ وأشْرَفُ وثُمامَةُ وقُثَمُ ودُرَيْدٌ وأيْمَنُ فَقَرَأ عَلَيْهِمُ الرَّسُولُ ﷺ يس فَبَكَوْا وآمَنُوا وقالُوا: ما أشْبَهَ هَذا بِما كانَ يَنْزِلُ عَلى عِيسى فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ. ورُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ والكَلْبِيِّ أنَّهم كانُوا أرْبَعِينَ مِن بَنِي الحارِثِ بْنِ كَعْبٍ مِن نَجْرانَ واثْنَيْنِ وثَمانِينَ مِنَ (p-٤)الحَبَشَةِ، وثَمانِيَةً وسِتِّينَ مِنَ الشّامِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ قَرِيبٌ مِن هَذا، وظاهِرُ اليَهُودِ العُمُومُ مَن كانَ بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ مِن يَهُودِ المَدِينَةِ وغَيْرِهِمْ، وذَلِكَ أنَّهم مُرِّنُوا عَلى تَكْذِيبِ الأنْبِياءِ وقَتْلِهِمْ، وعَلى العُتُوِّ والمَعاصِي واسْتِشْعارِهِمُ اللَّعْنَةَ وضَرْبِ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ فَتَحَرَّرَتْ عَداوَتُهم وكَيْدُهم وحَسَدُهم وخُبْثُهم. وفي الحَدِيثِ: «ما خَلا يَهُودِيّانِ بِمُسْلِمٍ إلّا هَمّا بِقَتْلِهِ» . وفي وصْفِ اللَّهِ إيّاهم بِأنَّهم أشَدُّ عَداوَةً إشْعارٌ بِصُعُوبَةِ إجابَتِهِمْ إلى الحَقِّ؛ ولِذَلِكَ قَلَّ إسْلامُ اليَهُودِ. وقِيلَ: (اليَهُودُ) هُنا هم يَهُودُ المَدِينَةِ؛ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ مالَئُوا المُشْرِكِينَ عَلى المُسْلِمِينَ. وعَطْفُ (الَّذِينَ أشْرَكُوا) عَلى (اليَهُودُ) جَعَلَهم تَبَعًا لَهم في ذَلِكَ، إذْ كانَ اليَهُودُ أشَدَّ في العَداوَةِ إذْ تَبايَنُوا هم والمُسْلِمُونَ في الشَّرِيعَةِ لا في الجِنْسِ، إذْ بَيْنَهم وشائِجُ مُتَّصِلَةٌ مِنَ القَراباتِ والأنْسابِ القَرِيبَةِ، فَتَعْطِفُهم عَلى كُلِّ حالٍ الرَّحِمُ عَلى المُسْلِمِينَ؛ ولِأنَّهم لَيْسُوا عَلى شَرِيعَةٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ؛ فَهم أسْرَعُ لِلْإيمانِ مِن كُلِّ أحَدٍ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، وعُطِفُوا هُنا كَما عُطِفُوا في قَوْلِهِ: ﴿ولَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ [البقرة: ٩٦]، واللّامُ في (لَتَجِدَنَّ) هي المُلْتَقى بِها القَسَمُ المَحْذُوفُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي لامُ الِابْتِداءِ ولَيْسَ بِمَرْضِيٍّ، و(النّاسِ) هُنا الكُفّارُ؛ أيْ ولَتَجِدَنَّ أشَدَّ الكُفّارِ عَداوَةً. ﴿ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى﴾ أيْ هم ألْيَنُ عَرِيكَةً وأقْرَبُ وُدًّا. ولَمْ يَصِفْهم بِالوُدِّ إنَّما جَعَلَهم أقْرَبَ مِنَ اليَهُودِ والمُشْرِكِينَ، وهي أُمَّةٌ لَهُمُ الوَفاءُ، والخِلالُ الأرْبَعُ الَّتِي ذَكَرَها عَمْرُو بْنُ العاصِ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ ويُعَظِّمُونَ مِن أهْلِ الإسْلامِ مَنِ اسْتَشْعَرُوا مِنهُ دِينًا وإيمانًا، ويُبْغِضُونَ أهْلَ الفِسْقِ، فَإذا سالَمُوا فَسِلْمُهم صافٍ، وإذا حارَبُوا فَحَرْبُهم مُدافَعَةٌ؛ لِأنَّ شَرْعَهم لا يَأْمُرُهم بِذَلِكَ. وحِينَ غَلَبَ الرُّومُ فارِسَ سُرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، لِغَلَبَةِ أهْلِ الكِتابِ لِأهْلِ عِبادَةِ النّارِ ولِإهْلاكِ العَدُوِّ الأكْبَرِ بِالعَدُوِّ الأصْغَرِ، إذْ كانَ مَخُوفًا عَلى أهْلِ الإسْلامِ. واليَهُود لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ مِن أخْلاقِ النَّصارى، بَلْ شَأْنُهُمُ الخُبْثُ واللَّيُّ بِالألْسِنَةِ. وفي خِلالِ إحْسانِكَ إلى اليَهُودِيِّ يَتَرَقَّبُ ما يَغْتالُكَ بِهِ، ألا تَرى إلى ما حَكى تَعالى عَنْهم ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥] وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهم لَيْسُوا مُتَمَسِّكِينَ بِحَقِيقَةِ النَّصْرانِيَّةِ، بَلْ ذَلِكَ قَوْلٌ مِنهم وزَعْمٌ وتَعَلُّقٌ (لِلَّذِينَ آمَنُوا) الأوَّلِ (بِعَداوَةٍ)، والثّانِي (بِمَوَدَّةٍ) . وقِيلَ: هُما في مَوْضِعِ النَّعْتِ، ووَصْفُ العَداوَةِ بِالأشَدِّ والمَوَدَّةِ بِالأقْرَبِ دَلِيلٌ عَلى تَفاوُتِ الجِنْسَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إلى المُؤْمِنِينَ، فَتِلْكَ العَداوَةُ أشَدُّ العَداواتِ وأظْهَرُها، وتِلْكَ المَوَدَّةُ أقْرَبُ وأسْهَلُ. وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّصارى أصْلَحُ حالًا مِنَ اليَهُودِ وأقْرَبُ إلى المُؤْمِنِينَ مَوَدَّةً؛ وعَلى هَذا الظّاهِرِ فَسَّرَ الآيَةَ عَلى مَن وقَفْنا عَلى كَلامِهِ. قالَ بَعْضُهم: ولَيْسَ عَلى ظاهِرِهِ، وإنَّما المُرادُ أنَّهم أكْثَرُ أسْبابِ مَوَدَّةٍ مِنَ اليَهُودِ وذَلِكَ ذَمٌّ لَهم، فَإنَّ مَن كَثُرَتْ أسْبابُ مَوَدَّتِهِ كانَ تَرْكُهُ لِلْمَوَدَّةِ أفْحَشَ؛ ولِهَذا قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: مِنَ الجُهّالِ مَن يَظُنُّ أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ مَدْحًا لِلنَّصارى، وإَخْبارًا بِأنَّهم خَيْرٌ مِنَ اليَهُودِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ ما في الآيَةِ مِن ذَلِكَ إنَّما هو صِفَةُ قَوْمٍ قَدْ آمَنُوا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ ﷺ، يَدُلُّ عَلَيْهِ ما ذَكَرَهُ في نَسَقِ التِّلاوَةِ مِن إخْبارِهِمْ عَنْ أنْفُسِهِمْ بِالإيمانِ بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ. ومَعْلُومٌ عِنْدَ كُلِّ ذِي فِطْنَةٍ صَحِيحَةٍ أنْعَمَ في مَقالَتَيِ الطّائِفَتَيْنِ أنَّ مَقالَةَ النَّصارى أقْبَحُ وأشَدُّ اسْتِحالَةً وأظْهَرُ فَسادًا مِن مَقالَةِ اليَهُودِ؛ لِأنَّ اليَهُودَ تُقِرُّ بِالتَّوْحِيدِ في الجُمْلَةِ، وإنْ كانَ فِيها مُشَبِّهَةٌ بِبَعْضِ ما اعْتَقَدَتْهُ في الجُمْلَةِ مِنَ التَّوْحِيدِ بِالتَّشْبِيهِ انْتَهى. كَلامُ أبِي بَكْرٍ الرّازِيِّ؛ (p-٥)والظّاهِرُ ما قالَهُ المُفَسِّرُونَ وغَيْرُهم مِن أنَّ النَّصارى عَلى الجُمْلَةِ أصْلَحُ حالًا مِنَ اليَهُودِ، وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ فِيما تَقَدَّمَ ما فُضِّلَ بِهِ النَّصارى عَلى اليَهُودِ مِن كَرَمِ الأخْلاقِ، والدُّخُولِ في الإسْلامِ سَرِيعًا. ولَيْسَ الكَلامُ وارِدًا بِسَبَبِ العَقائِدِ، وإنَّما ورَدَ بِسَبَبِ الِانْفِعالِ لِلْمُسْلِمِينَ، وأمّا قَوْلُهُ لِأنَّ ما في الآيَةِ مِن ذَلِكَ، إنَّما هو صِفَةُ قَوْمٍ قَدْ آمَنُوا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ لَيْسَ كَما ذُكِرَ، بَلْ صَدْرُ الآيَةِ يَقْتَضِي العُمُومَ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى﴾، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ مِن هَذِهِ الطّائِفَةِ عُلَماءَ وزُهّادًا ومُتَواضِعِينَ وسَرِيعِي اسْتِجابَةٍ لِلْإسْلامِ وكَثِيرِي بُكاءٍ عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ، واليَهُودُ بِخِلافِ ذَلِكَ. والوُجُودُ يُصَدِّقُ قُرْبَ النَّصارى مِنَ المُسْلِمِينَ وبُعْدَ اليَهُودِ. ﴿ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا وأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى أقْرَبِ المَوَدَّةِ عَلَيْهِ؛ أيْ مِنهم عُلَماءُ وعُبّادٌ، وأنَّهم قَوْمٌ فِيهِمْ تَواضُعٌ واسْتِكانَةٌ، ولَيْسُوا مُسْتَكْبِرِينَ. واليَهُودُ عَلى خِلافِ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ قَطُّ أهْلُ دِياراتٍ ولا صَوامِعَ وانْقِطاعٍ عَنِ الدُّنْيا، بَلْ هم مُعَظِّمُونَ مُتَطاوِلُونَ لِتَحْصِيلِها حَتّى كَأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِآخِرَةٍ، ولِذَلِكَ لا يُرى فِيهِمْ زاهِدٌ. والرُّهْبانُ جَمْعُ راهِبٍ كَفارِسٍ وفُرْسانٍ والرَّهْبُ، والرَّهْبَةُ الخَشْيَةُ. وقِيلَ: الرُّهْبانُ مُفْرَدٌ كَسُلْطانٍ؛ وأنْشَدُوا: ؎لَوْ عايَنَتْ رُهْبانَ دِيرٍ في القَلَلْ تَحَدَّرَ الرُّهْبانُ تَمْشِي وتَزَلْ ويُرْوى ونَزَلْ، والقِسِّيسُ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ في المُفْرَداتِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو رَأْسُ الرُّهْبانِ، وقِيلَ: العالِمُ، وقِيلَ: رافِعُ الصَّوْتِ بِالقِراءَةِ، وقِيلَ: الصِّدِّيقُ، وفي هَذا التَّعْلِيلِ دَلِيلٌ عَلى جَلالَةِ العِلْمِ، وأنَّهُ سَبِيلٌ إلى الهِدايَةِ، وعَلى حُسْنِ عاقِبَةِ الِانْقِطاعِ، وأنَّهُ طَرِيقٌ إلى النَّظَرِ في العاقِبَةِ عَلى التَّواضُعِ، وأنَّهُ سَبَبٌ لِتَعْظِيمِ المُوَحِّدِ إذْ يَشْهَدُ مِن نَفْسِهِ ومِن كُلِّ مُحْدَثٍ أنَّهُ مُفْتَقِرٌ لِلْمُوجِدِ؛ فَيَعْظُمُ عِنْدَ مُخْتَرِعِ الأشْياءِ البارِئِ ﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ هَذا وصْفٌ بِرِقَّةِ القُلُوبِ، والتَّأثُّرِ بِسَماعِ القُرْآنِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلى قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا، فَيَكُونُ عامًّا، ويَكُونُ قَدْ أخْبَرَ عَنْهم بِما يَقَعُ مِن بَعْضِهِمْ، كَما جَرى لِلنَّجاشِيِّ حَيْثُ تَلا عَلَيْهِ جَعْفَرٌ سُورَةَ مَرْيَمَ إلى قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [مريم: ٣٤]، وسُورَةُ طه إلى قَوْلِهِ ﴿وهَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ [طه: ٩] فَبَكى، وكَذَلِكَ قَوْمُهُ الَّذِينَ وفَدُوا عَلى الرَّسُولِ حِينَ قَرَأ عَلَيْها (يس) فَبَكَوْا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ما مَعْناهُ: صَدْرُ الآيَةِ عامٌّ في النَّصارى، و(إذا سَمِعُوا) عامٌّ في مَن آمَنَ مِنَ القادِمِينَ مِن أرْضِ الحَبَشَةِ، إذْ لَيْسَ كُلُّ النَّصارى يَفْعَلُ ذَلِكَ، بَلْ هُمُ الَّذِينَ بَعَثَهُمُ النَّجاشِيُّ لِيَرَوُا النَّبِيَّ ﷺ، ويَسْمَعُوا ما عِنْدَهُ، فَلَمّا رَأوْهُ وتَلا عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، فاضَتْ أعْيُنُهم مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى. انْتَهى. وقالَ السُّدِّيُّ: لَمّا رَجَعُوا إلى النَّجاشِيِّ آمَنَ وهاجَرَ بِمَن مَعَهُ فَماتَ في الطَّرِيقِ، فَصَلّى عَلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ، والمُسْلِمُونَ واسْتَغْفَرُوا لَهُ. (وتَرى) مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ، وأسْنَدَ الفَيْضَ إلى الأعْيُنِ وإنْ كانَ حَقِيقَةً لِلدُّمُوعِ كَما قالَ: ؎فَفاضَتْ دُمُوعُ العَيْنِ مِنِّي صَبابَةً إقامَةً لِلْمُسَبَّبِ مَقامَ السَّبَبِ؛ لِأنَّ الفَيْضَ مُسَبَّبٌ عَنِ الِامْتِلاءِ، فالأصْلُ تَرى أعْيُنَهم تَمْتَلِئُ مِنَ الدَّمْعِ حَتّى تَفِيضَ؛ لِأنَّ الفَيْضَ عَلى جَوانِبِ الإناءِ ناشِئٌ عَنِ امْتِلائِهِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎قَوارِضُ تَأْتِينِي ويَحْتَقِرُونَها ∗∗∗ وقَدْ يَمْلَأُ الماءُ الإناءَ فَيَفْعُمُ (p-٦)ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أسْنَدَ الفَيْضَ إلى الأعْيُنِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ في البُكاءِ، لَمّا كانَتْ تُفاضُ فِيها جُعِلَتِ الفائِضَةُ بِأنْفُسِها عَلى سَبِيلِ المَجازِ والمُبالَغَةِ، و(مِن) في (مِنَ الدَّمْعِ) قالَ أبُو البَقاءِ: فِيهِ وجْهانِ، أحَدُهُما: أنَّ (مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ؛ أيْ فَيْضُها مِن كَثْرَةِ الدُّمُوعِ، والثّانِي: أنْ يَكُونَ حالًا، والتَّقْدِيرُ تَفِيضُ مَمْلُوءَةً مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ، ومَعْناها مِن أجْلِ الَّذِي عَرَفُوهُ، و(مِنَ الحَقِّ) حالٌ مِنَ العائِدِ المَحْذُوفِ، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في عَرَفُوا. وقِيلَ: (مِن) في (مِنَ الدَّمْعِ) بِمَعْنى الباءِ؛ أيْ بِالدَّمْعِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (مِنَ الدَّمْعِ) مِن أجْلِ البُكاءِ، مِن قَوْلِكَ دَمَعَتْ عَيْنُهُ دَمْعًا. فَإنْ قُلْتَ: أيُّ فَرْقٍ بَيْنَ (مِن) و(مِن) في قَوْلِهِ: ﴿مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ قُلْتُ: الأوَّلُ لِابْتِداءِ الغايَةِ، عَلى أنَّ فَيْضَ الدَّمْعِ ابْتَدَأ ونَشَأ مِن مَعْرِفَةِ الحَقِّ، وكانَ مِن أجْلِهِ وسَبَبِهِ، والثّانِيَةُ: لِتَبْيِينِ المَوْصُولِ الَّذِي هو ما عَرَفُوا، ويُحْتَمَلُ مَعْنى التَّبْعِيضِ عَلى أنَّهم عَرَفُوا بَعْضَ الحَقِّ فَأبْكاهُمُ. انْتَهى. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (وإذا سَمِعُوا) تَحْتَمِلُ الِاسْتِئْنافَ، وتَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى خَبَرِ إنَّهم. وقُرِئَ: ﴿تَرى أعْيُنَهُمْ﴾ عَلى البِناءِ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ المُرادُ بِآمَنّا: أنْشَأْنا الإيمانَ الخاصَّ بِهَذِهِ الأُمَّةِ الإسْلامِيَّةِ. والشّاهِدُونَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهُما: هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقالُوا ذَلِكَ هم شُهَداءُ عَلى سائِرِ الأُمَمِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقالُوا ذَلِكَ لِأنَّهم وجَدُوا ذِكْرَهم في الإنْجِيلِ كَذَلِكَ انْتَهى. وقالَ الطَّبَرِيُّ: مَعْناهُ ولَوْ قِيلَ: مَعْناهُ مَعَ الشّاهِدِينَ بِتَوْحِيدِكَ مِن جَمِيعِ العالَمِ مَن تَقَدَّمَ ومَن تَأخَّرَ، لَكانَ صَوابًا، وقِيلَ: مَعَ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ بِالحَقِّ. وقالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ بِالشّاهِدِينَ: الأنْبِياءُ والمُؤْمِنُونَ والكِتابَةُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وقِيلَ: مَعْناهُ أثْبَتْنا مِن قَوْلِهِمْ كُتِبَ فُلانٌ في الجُنْدِ؛ أيْ ثَبَتَ، و(يَقُولُونَ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ، ولَمْ يُبَيِّنا ذَلِكَ الحالَ ولا العامِلَ فِيها، ولا جائِزٌ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في أعْيُنِهِمْ؛ لِأنَّهُ مَجْرُورٌ بِالإضافَةِ، لا مَوْضِعَ لَهُ مِن رَفْعٍ ولا نَصْبٍ، إلّا عَلى مَذْهَبِ مَن يُنْزِلُ الخَبَرَ مَنزِلَةَ المُضافِ إلَيْهِ، وهو قَوْلٌ خَطَأٌ، وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ في كِتابِ مَنهَجِ السّالِكِ مِن تَأْلِيفِنا، ولا جائِزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في (عَرَفُوا) لِأنَّها تَكُونُ قَيْدًا في العِرْفانِ، وهم قَدْ عَرَفُوا الحَقَّ في هَذِهِ الحالِ وفي غَيْرِها، فالأوْلى أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً. أخْبَرَ تَعالى عَنْهم بِأنَّهُمُ التَبَسُوا بِهَذا القَوْلِ، والمَعْنى أنَّهم عَرَفُوا الحَقَّ بِقُلُوبِهِمْ، ونَطَقَتْ بِهِ وأقَرَّتْ ألْسِنَتُهم. ﴿وما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما جاءَنا مِنَ الحَقِّ﴾ هَذا إنْكارٌ، واسْتِبْعادٌ لِانْتِفاءِ الإيمانِ مِنهم مَعَ قِيامِ مُوجِبِهِ، وهو عِرْفانُ الحَقِّ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ والتَّبْرِيزِيُّ: ومُوجِبُ الإيمانِ، هو الطَّمَعُ في دُخُولِهِمْ مَعَ الصّالِحِينَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ، هو الظّاهِرُ لِأنْفُسِهِمْ عَلى سَبِيلِ المُكالَمَةِ مَعَها؛ لِدَفْعِ الوَساوِسِ والهَواجِسِ إذْ فِراقُ طَرِيقَةٍ وسُلُوكُ أُخْرى لَمْ يَنْشَأْ عَلَيْها مِمّا يَصْعُبُ ويَشُقُّ، أوْ قَوْلُ بَعْضِ مَن آمَنَ لِبَعْضٍ عَلى سَبِيلِ التَّثَبُّتِ أيْضًا، أوْ قَوْلُهم ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ المُحاجَّةِ لِمَن عارَضَهم مِنَ الكُفّارِ لَمّا رَجَعُوا إلَيْهِمْ، ولامُوهم عَلى الإيمانِ؛ أيْ وما يَصُدُّنا عَنِ الإيمانِ بِاللَّهِ وحْدَهُ. وقَدْ لاحَ لَنا الصَّوابُ وظَهَرَ الحَقُّ النَّيِّرُ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ اليَهُودَ (p-٧)أنْكَرُوا عَلَيْهِمْ ولامُوهم فَأجابُوهم بِذَلِكَ، و﴿لا نُؤْمِنُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، وهي المَقْصُودَةُ، وفي ذِكْرِها فائِدَةُ الكَلامِ، وذَلِكَ كَما تَقُولُ: جاءَ زَيْدٌ راكِبًا، جَوابًا لِمَن قالَ: هَلْ جاءَ زَيْدٌ ماشِيًا أوْ راكِبًا ؟ والعامِلُ فِيها هو مُتَعَلِّقٌ بِهِ الجارُّ والمَجْرُورُ؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ يَسْتَقِرُّ لَنا ويُجْعَلُ في انْتِفاءِ الإيمانِ عَنّا. وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: (وما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما أنْزَلَ عَلَيْنا رَبُّنا ونَطْمَعُ) . ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما جاءَنا مِنَ الحَقِّ﴾ لِمُخالَفَتِهِ ما أجْمَعَ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ مِن سَوادِ المُصْحَفِ. ﴿ونَطْمَعُ أنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ القَوْمِ الصّالِحِينَ﴾ الأحْسَنُ والأسْهَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافَ إخْبارٍ مِنهم بِأنَّهم طامِعُونَ في إنْعامِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِدُخُولِهِمْ مَعَ الصّالِحِينَ، فالواوُ عاطِفَةٌ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ، و(ما لَنا لا نُؤْمِنُ) لا عاطِفَةٌ عَلى نُؤْمِنُ، أوْ عَلى لا نُؤْمِنُ، ولا عَلى أنْ تَكُونَ الواوُ واوَ الحالِ، ولَمْ يَذْكُرِ ابْنُ عَطِيَّةَ غَيْرَ هَذا الوَجْهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والواوُ في (ونَطْمَعُ) واوُ الحالِ، والعامِلُ في الحالِ مَعْنى الفِعْلِ العامِلِ في ﴿لا نُؤْمِنُ﴾ ولَكِنْ مُقَيَّدًا بِالحالِ الأُولى؛ لِأنَّكَ لَوْ أزَلْتَها، وقُلْتَ: وما لَنا نَطْمَعُ، لَمْ يَكُنْ كَلامًا انْتَهى. وما ذَكَرَهُ مِن أنَّ الحالَيْنِ العامِلُ فِيهِما واحِدٌ، وهو ما في اللّامِ مِن مَعْنى الفِعْلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَنا غَيْرَ مُؤْمِنِينَ طامِعِينَ لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ الأصَحَّ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَقْضِيَ العامِلُ حالَيْنِ لِذِي حالٍ واحِدٍ لا بِحَرْفِ عَطْفٍ، إلّا أفْعَلَ التَّفْضِيلِ، فالأصَحُّ أنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ ذَلِكَ، وذُو الحالِ هُنا واحِدٌ، وهو الضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِلامِ لَنا؛ ولِأنَّهُ أيْضًا تَكُونُ الواوُ دَخَلَتْ عَلى المُضارِعِ، ولا تَدْخُلُ واوُ الحالِ عَلى المُضارِعِ إلّا بِتَأْوِيلٍ، فَيَحْتاجُ أنْ يُقَدَّرَ: ونَحْنُ نَطْمَعُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿ونَطْمَعُ﴾ حالًا مِن ﴿لا نُؤْمِنُ﴾ عَلى أنَّهم أنْكَرُوا عَلى أنْفُسِهِمْ؛ لِأنَّهم لا يُوَحِّدُونَ اللَّهَ، ويَطْمَعُونَ مَعَ ذَلِكَ أنْ يَصْحَبُوا الصّالِحِينَ انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ فِيهِ دُخُولَ واوِ الحالِ عَلى المُضارِعِ، ويَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ﴿لا نُؤْمِنُ﴾ عَلى مَعْنى، وما لَنا لا نَجْمَعُ بَيْنَ التَّثْلِيثِ وبَيْنَ الطَّمَعِ في صُحْبَةِ الصّالِحِينَ، أوْ عَلى مَعْنى: وما لَنا لا نَجْمَعُ بَيْنَهُما بِالدُّخُولِ في الإسْلامِ؛ لِأنَّ الكافِرَ ما يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَطْمَعَ في صُحْبَةِ الصّالِحِينَ انْتَهى. ويَظْهَرُ لِي وجْهٌ غَيْرُ ما ذَكَرُوهُ، وهو أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى نُؤْمِنُ، عَلى أنَّهُ مَنفِيٌّ كَنَفْيِ نُؤْمِنُ، التَّقْدِيرُ: وما لَنا لا نُؤْمِنُ ولا نَطْمَعُ، فَيَكُونُ (p-٨)فِي ذَلِكَ إنْكارٌ؛ لِانْتِفاءِ إيمانِهِمْ، وانْتِفاءِ طَمَعِهِمْ مَعَ قُدْرَتِهِمْ عَلى تَحْصِيلِ الشَّيْئَيْنِ: الإيمانُ والطَّمَعُ في الدُّخُولِ مَعَ الصّالِحِينَ، و(مَعَ) عَلى بابِها مِنَ المَعِيَّةِ، وقِيلَ: بِمَعْنى في، والصّالِحُونَ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أوِ الرَّسُولُ وأصْحابُهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ أوِ المُهاجِرُونَ الأوَّلُونَ، قالَهُ مُقاتِلٌ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ أنْ يُدْخِلَنا الجَنَّةَ ﴿فَأثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ ظاهِرُهُ أنَّ الإثابَةَ بِما ذُكِرَ، مُتَرَتِّبَةٌ عَلى مُجَرَّدِ القَوْلِ، ولا بُدَّ أنْ يَقْتَرِنَ بِالقَوْلِ الِاعْتِقادُ، ويُبَيِّنَ أنَّهُ مُقْتَرِنٌ بِهِ أنَّهُ قالَ: ﴿مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ فَوَصَفَهم بِالمَعْرِفَةِ، فَدَلَّ عَلى اقْتِرانِ القَوْلِ بِالعِلْمِ. وقالَ: ﴿ذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ [الزمر: ٣٤] فَإمّا أنْ يَكُونَ مِن وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ؛ تَنْبِيهًا عَلى هَذا الوَصْفِ بِهِمْ وأنَّهم أُثِيبُوا لِقِيامِ هَذا الوَصْفِ بِهِمْ، وهو رُتْبَةُ الإحْسانِ، وهي الَّتِي فَسَّرَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، بِقَوْلِهِ: «أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» . ولا إخْلاصَ ولا عِلْمَ أرْفَعُ مِن هَذِهِ الرُّتْبَةِ، وإمّا أنْ يَكُونَ أُرِيدَ بِهِ العُمُومُ، فَيَكُونُونَ قَدِ انْدَرَجُوا في المُحْسِنِينَ عَلى أنَّ هَذِهِ الإثابَةَ لَمْ تَتَرَتَّبْ عَلى مُجَرَّدِ القَوْلِ اللَّفْظِيِّ؛ ولِذَلِكَ فَسَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ بِما قالُوا: بِما تَكَلَّمُوا بِهِ مِنِ اعْتِقادٍ وإخْلاصٍ، مِن قَوْلِكَ: هَذا قَوْلُ فُلانٍ؛ أيِ اعْتِقادُهُ وما يَذْهَبُ إلَيْهِ انْتَهى. وفَسَّرُوا هَذا القَوْلَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ عَنى بِهِ قَوْلَهم ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ لِأنَّهُ هو الصَّرِيحُ في إيمانِهِمْ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ فَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِإيمانِهِمْ، وإنَّما هو إنْكارٌ عَلى انْتِفاءِ الإيمانِ مِنهم مَعَ قِيامِ مُوجِبِهِ، فَلا تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الإثابَةُ. وقَرَأ الحَسَنُ (فَآتاهُمُ) مِنَ الإيتاءِ بِمَعْنى الإعْطاءِ لا مِنَ الإثابَةِ، والإثابَةُ أبْلَغُ مِنَ الإعْطاءِ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ عَنْ عَمَلٍ بِخِلافِ الإعْطاءِ، فَإنَّهُ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ عَنْ عَمَلٍ، ولِذَلِكَ جاءَ أخِيرًا ﴿وذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ نَبَّهَ عَلى أنَّ تِلْكَ الإثابَةَ هي جَزاءٌ، والجَزاءُ لا يَكُونُ إلّا عَنْ عَمَلٍ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ انْدَرَجَ في (الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا) اليَهُودُ والنَّصارى وغَيْرُهم لَمّا ذَكَرَ ما لِلْمُؤْمِنِ ذَكَرَ ما أعَدَّ لِلْكافِرِ.

المائدة 5:86

(p-٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿لَتَجِدَنَّ أشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ والَّذِينَ أشْرَكُوا ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا وأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ ﴿وما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما جاءَنا مِنَ الحَقِّ ونَطْمَعُ أنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ القَوْمِ الصّالِحِينَ﴾ ﴿فَأثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكم ولا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: ٨٧] ﴿وكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة: ٨٨] ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكم ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ فَكَفّارَتُهُ إطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكم أوْ كِسْوَتُهم أوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ ذَلِكَ كَفّارَةُ أيْمانِكم إذا حَلَفْتُمْ واحْفَظُوا أيْمانَكم كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٨٩] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠] ﴿إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ ويَصُدَّكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ واحْذَرُوا فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فاعْلَمُوا أنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ [المائدة: ٩٢] ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إذا ما اتَّقُوا وآمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقُوا وآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وأحْسَنُوا واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٩٣] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أيْدِيكم ورِماحُكم لِيَعْلَمَ (p-٣)اللَّهُ مَن يَخافُهُ بِالغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٤] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ أوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيامًا لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ عَفا اللَّهُ عَمّا سَلَفَ ومَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ واللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ [المائدة: ٩٥] ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ وطَعامُهُ مَتاعًا لَكم ولِلسَّيّارَةِ وحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المائدة: ٩٦] القَسُّ بِفَتْحِ القافِ تَتَبُّعُ الشَّيْءِ. قالَ رُؤْبَةُ: ؎أصْبَحْنَ عَنْ قَسِّ الأذى غَوافِلا يَمْشِينَ هَوْنًا حُرَّدًا بَهالِلا ويُقالُ قَسَّ الأثَرَ تَتَبَّعَهُ وقَصَّهُ أيْضًا. والقَسُّ: رَئِيسُ النَّصارى في الدِّينِ والعِلْمِ وجَمْعُهُ قُسُوسٌ سُمِّيَ بِالمَصْدَرِ لِتَتَبُّعِهِ العِلْمَ والدِّينَ وكَذَلِكَ القِسِّيسُ فِعِّيلٌ كالشِّرِّيبِ وجَمْعُ القِسِّيسِ بِالواوِ والنُّونِ وجُمِعَ أيْضًا عَلى قَساوِسَةٍ؛ قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ: ؎لَوْ كانَ مُنْقَلِبٌ كانَتْ قَساوِسَةٌ ∗∗∗ يُحْيِيهُمُ اللَّهُ في أيْدِيهِمُ الزُّبُرُ قالَ الفَرّاءُ: هو مِثْلُ مَهالِبَةٍ كَثُرَتِ السِّيناتُ فَأبْدَلُوا إحْداهُنَّ واوًا يَعْنِي أنَّ قِياسَهُ قَساسَّةٌ. وزَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ القَسَّ بِفَتْحِ القافِ وكَسْرِها والقِسِّيسُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ عُرِّبَ. الطَّمَعُ قَرِيبٌ مِنَ الرَّجا يُقالُ مِنهُ: طَمِعَ يَطْمَعُ طَمَعًا وطَماعَةً وطَماعِيَةً؛ قالَ الشّاعِرُ: ؎طَماعِيَةَ أنْ يَغْفِرَ الذَّنْبَ غافِرٌ واسْمُ الفاعِلِ طَمِعٌ. الرِّجْسُ اسْمٌ لِكُلِّ ما يُسْتَقْذَرُ مِن عَمَلٍ يُقالُ: رَجَسَ الرَّجُلُ يَرْجُسُ رَجْسًا إذا عَمِلَ عَمَلًا قَبِيحًا وأصْلُهُ مِنَ الرِّجْسِ وهو شِدَّةُ الصَّوْتِ بِالرَّعْدِ؛ قالَ الرّاجِزُ: ؎مِن كُلِّ رَجّاسٍ يَسُوقُ الرِّجْسا وقالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: الرِّجْزُ: الشَّرُّ، والرِّجْسُ العَذابُ والرَّكْسُ العَذِرَةُ والنَّتَنُ، والرِّجْسُ يُقالُ لِلْأمْرَيْنِ. الرُّمْحُ مَعْرُوفٌ وجَمْعُهُ في القِلَّةِ أرْماحٌ وفي الكَثْرَةِ رِماحٌ ورَمَحَهُ: طَعَنَهُ بِالرُّمْحِ ورَجُلٌ رامِحٌ: أيْ ذُو رُمْحٍ ولا فِعْلَ لَهُ مِن مَعْنى ذِي رُمْحٍ بَلْ هو كَلابِنٍ وتامِرٍ وثَوْرٌ رامِحٌ: لَهُ قَرْنانِ؛ قالَ ذُو الرُّمَّةِ: ؎وكائِنٌ ذَعَرْنا مِن مَهاةٍ ورامِحٍ ∗∗∗ بِلادُ الوَرى لَيْسَتْ لَها بِبِلادِ والرَّمّاحِ: الَّذِي يَتَّخِذُ الرُّمْحَ وصَنْعَةَ الرِّماحَةِ. الوَبالُ: سُوءُ العاقِبَةِ ومَرْعًى وبِيلٌ: يُتَأذّى بِهِ بَعْدَ أكْلِهِ. البَرُّ: خِلافُ البَحْرِ. وقالَ اللَّيْثُ: يُسْتَعْمَلُ نَكِرَةً يُقالُ: جَلَسْتُ بَرًّا وخَرَجْتُ بَرًّا وقالَ الأزْهَرِيُّ: هي مِن كَلامِ المُوَلَّدِينَ وفي حَدِيثِ سَلْمانَ: إنَّ لِكُلِّ أمْرٍ جَوّانِيًّا وبَرّانِيًّا، كَنّى بِذَلِكَ عَنِ السِّرِّ والعَلانِيَةِ وهو مِن تَغْيِيرِ النَّسَبِ. * * ﴿لَتَجِدَنَّ أشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ والَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ . قالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ في ناسٍ مِن أهْلِ الكِتابِ كانُوا عَلى شَرِيعَةٍ مِمّا جاءَ بِهِ عِيسى آمَنُوا بِالرَّسُولِ فَأثْنى اللَّهُ عَلَيْهِمْ، قِيلَ: هو النَّجاشِيُّ وأصْحابُهُ تَلا عَلَيْهِمْ جَعْفَرُ بْنُ أبِي طالِبٍ حِينَ هاجَرَ إلى الحَبَشَةِ سُورَةَ مَرْيَمَ، فَآمَنُوا وفاضَتْ أعْيُنُهم مِنَ الدَّمْعِ وقِيلَ: هم وفْدُ النَّجاشِيِّ مَعَ جَعْفَرٍ إلى الرَّسُولِ ﷺ وكانُوا سَبْعِينَ بَعَثَهم إلى الرَّسُولِ عَلَيْهِمْ ثِيابُ الصُّوفِ اثْنانِ وسِتُّونَ مِنَ الحَبَشَةِ وثَمانِيَةٌ مِنَ الشّامِ وهم بُحَيْرا الرّاهِبُ وإدْرِيسُ وأشْرَفُ وثُمامَةُ وقُثَمُ ودُرَيْدٌ وأيْمَنُ فَقَرَأ عَلَيْهِمُ الرَّسُولُ ﷺ يس فَبَكَوْا وآمَنُوا وقالُوا: ما أشْبَهَ هَذا بِما كانَ يَنْزِلُ عَلى عِيسى فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ. ورُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ والكَلْبِيِّ أنَّهم كانُوا أرْبَعِينَ مِن بَنِي الحارِثِ بْنِ كَعْبٍ مِن نَجْرانَ واثْنَيْنِ وثَمانِينَ مِنَ (p-٤)الحَبَشَةِ، وثَمانِيَةً وسِتِّينَ مِنَ الشّامِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ قَرِيبٌ مِن هَذا، وظاهِرُ اليَهُودِ العُمُومُ مَن كانَ بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ مِن يَهُودِ المَدِينَةِ وغَيْرِهِمْ، وذَلِكَ أنَّهم مُرِّنُوا عَلى تَكْذِيبِ الأنْبِياءِ وقَتْلِهِمْ، وعَلى العُتُوِّ والمَعاصِي واسْتِشْعارِهِمُ اللَّعْنَةَ وضَرْبِ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ فَتَحَرَّرَتْ عَداوَتُهم وكَيْدُهم وحَسَدُهم وخُبْثُهم. وفي الحَدِيثِ: «ما خَلا يَهُودِيّانِ بِمُسْلِمٍ إلّا هَمّا بِقَتْلِهِ» . وفي وصْفِ اللَّهِ إيّاهم بِأنَّهم أشَدُّ عَداوَةً إشْعارٌ بِصُعُوبَةِ إجابَتِهِمْ إلى الحَقِّ؛ ولِذَلِكَ قَلَّ إسْلامُ اليَهُودِ. وقِيلَ: (اليَهُودُ) هُنا هم يَهُودُ المَدِينَةِ؛ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ مالَئُوا المُشْرِكِينَ عَلى المُسْلِمِينَ. وعَطْفُ (الَّذِينَ أشْرَكُوا) عَلى (اليَهُودُ) جَعَلَهم تَبَعًا لَهم في ذَلِكَ، إذْ كانَ اليَهُودُ أشَدَّ في العَداوَةِ إذْ تَبايَنُوا هم والمُسْلِمُونَ في الشَّرِيعَةِ لا في الجِنْسِ، إذْ بَيْنَهم وشائِجُ مُتَّصِلَةٌ مِنَ القَراباتِ والأنْسابِ القَرِيبَةِ، فَتَعْطِفُهم عَلى كُلِّ حالٍ الرَّحِمُ عَلى المُسْلِمِينَ؛ ولِأنَّهم لَيْسُوا عَلى شَرِيعَةٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ؛ فَهم أسْرَعُ لِلْإيمانِ مِن كُلِّ أحَدٍ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، وعُطِفُوا هُنا كَما عُطِفُوا في قَوْلِهِ: ﴿ولَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ [البقرة: ٩٦]، واللّامُ في (لَتَجِدَنَّ) هي المُلْتَقى بِها القَسَمُ المَحْذُوفُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي لامُ الِابْتِداءِ ولَيْسَ بِمَرْضِيٍّ، و(النّاسِ) هُنا الكُفّارُ؛ أيْ ولَتَجِدَنَّ أشَدَّ الكُفّارِ عَداوَةً. ﴿ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى﴾ أيْ هم ألْيَنُ عَرِيكَةً وأقْرَبُ وُدًّا. ولَمْ يَصِفْهم بِالوُدِّ إنَّما جَعَلَهم أقْرَبَ مِنَ اليَهُودِ والمُشْرِكِينَ، وهي أُمَّةٌ لَهُمُ الوَفاءُ، والخِلالُ الأرْبَعُ الَّتِي ذَكَرَها عَمْرُو بْنُ العاصِ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ ويُعَظِّمُونَ مِن أهْلِ الإسْلامِ مَنِ اسْتَشْعَرُوا مِنهُ دِينًا وإيمانًا، ويُبْغِضُونَ أهْلَ الفِسْقِ، فَإذا سالَمُوا فَسِلْمُهم صافٍ، وإذا حارَبُوا فَحَرْبُهم مُدافَعَةٌ؛ لِأنَّ شَرْعَهم لا يَأْمُرُهم بِذَلِكَ. وحِينَ غَلَبَ الرُّومُ فارِسَ سُرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، لِغَلَبَةِ أهْلِ الكِتابِ لِأهْلِ عِبادَةِ النّارِ ولِإهْلاكِ العَدُوِّ الأكْبَرِ بِالعَدُوِّ الأصْغَرِ، إذْ كانَ مَخُوفًا عَلى أهْلِ الإسْلامِ. واليَهُود لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ مِن أخْلاقِ النَّصارى، بَلْ شَأْنُهُمُ الخُبْثُ واللَّيُّ بِالألْسِنَةِ. وفي خِلالِ إحْسانِكَ إلى اليَهُودِيِّ يَتَرَقَّبُ ما يَغْتالُكَ بِهِ، ألا تَرى إلى ما حَكى تَعالى عَنْهم ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥] وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهم لَيْسُوا مُتَمَسِّكِينَ بِحَقِيقَةِ النَّصْرانِيَّةِ، بَلْ ذَلِكَ قَوْلٌ مِنهم وزَعْمٌ وتَعَلُّقٌ (لِلَّذِينَ آمَنُوا) الأوَّلِ (بِعَداوَةٍ)، والثّانِي (بِمَوَدَّةٍ) . وقِيلَ: هُما في مَوْضِعِ النَّعْتِ، ووَصْفُ العَداوَةِ بِالأشَدِّ والمَوَدَّةِ بِالأقْرَبِ دَلِيلٌ عَلى تَفاوُتِ الجِنْسَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إلى المُؤْمِنِينَ، فَتِلْكَ العَداوَةُ أشَدُّ العَداواتِ وأظْهَرُها، وتِلْكَ المَوَدَّةُ أقْرَبُ وأسْهَلُ. وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّصارى أصْلَحُ حالًا مِنَ اليَهُودِ وأقْرَبُ إلى المُؤْمِنِينَ مَوَدَّةً؛ وعَلى هَذا الظّاهِرِ فَسَّرَ الآيَةَ عَلى مَن وقَفْنا عَلى كَلامِهِ. قالَ بَعْضُهم: ولَيْسَ عَلى ظاهِرِهِ، وإنَّما المُرادُ أنَّهم أكْثَرُ أسْبابِ مَوَدَّةٍ مِنَ اليَهُودِ وذَلِكَ ذَمٌّ لَهم، فَإنَّ مَن كَثُرَتْ أسْبابُ مَوَدَّتِهِ كانَ تَرْكُهُ لِلْمَوَدَّةِ أفْحَشَ؛ ولِهَذا قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: مِنَ الجُهّالِ مَن يَظُنُّ أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ مَدْحًا لِلنَّصارى، وإَخْبارًا بِأنَّهم خَيْرٌ مِنَ اليَهُودِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ ما في الآيَةِ مِن ذَلِكَ إنَّما هو صِفَةُ قَوْمٍ قَدْ آمَنُوا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ ﷺ، يَدُلُّ عَلَيْهِ ما ذَكَرَهُ في نَسَقِ التِّلاوَةِ مِن إخْبارِهِمْ عَنْ أنْفُسِهِمْ بِالإيمانِ بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ. ومَعْلُومٌ عِنْدَ كُلِّ ذِي فِطْنَةٍ صَحِيحَةٍ أنْعَمَ في مَقالَتَيِ الطّائِفَتَيْنِ أنَّ مَقالَةَ النَّصارى أقْبَحُ وأشَدُّ اسْتِحالَةً وأظْهَرُ فَسادًا مِن مَقالَةِ اليَهُودِ؛ لِأنَّ اليَهُودَ تُقِرُّ بِالتَّوْحِيدِ في الجُمْلَةِ، وإنْ كانَ فِيها مُشَبِّهَةٌ بِبَعْضِ ما اعْتَقَدَتْهُ في الجُمْلَةِ مِنَ التَّوْحِيدِ بِالتَّشْبِيهِ انْتَهى. كَلامُ أبِي بَكْرٍ الرّازِيِّ؛ (p-٥)والظّاهِرُ ما قالَهُ المُفَسِّرُونَ وغَيْرُهم مِن أنَّ النَّصارى عَلى الجُمْلَةِ أصْلَحُ حالًا مِنَ اليَهُودِ، وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ فِيما تَقَدَّمَ ما فُضِّلَ بِهِ النَّصارى عَلى اليَهُودِ مِن كَرَمِ الأخْلاقِ، والدُّخُولِ في الإسْلامِ سَرِيعًا. ولَيْسَ الكَلامُ وارِدًا بِسَبَبِ العَقائِدِ، وإنَّما ورَدَ بِسَبَبِ الِانْفِعالِ لِلْمُسْلِمِينَ، وأمّا قَوْلُهُ لِأنَّ ما في الآيَةِ مِن ذَلِكَ، إنَّما هو صِفَةُ قَوْمٍ قَدْ آمَنُوا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ لَيْسَ كَما ذُكِرَ، بَلْ صَدْرُ الآيَةِ يَقْتَضِي العُمُومَ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى﴾، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ مِن هَذِهِ الطّائِفَةِ عُلَماءَ وزُهّادًا ومُتَواضِعِينَ وسَرِيعِي اسْتِجابَةٍ لِلْإسْلامِ وكَثِيرِي بُكاءٍ عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ، واليَهُودُ بِخِلافِ ذَلِكَ. والوُجُودُ يُصَدِّقُ قُرْبَ النَّصارى مِنَ المُسْلِمِينَ وبُعْدَ اليَهُودِ. ﴿ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا وأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى أقْرَبِ المَوَدَّةِ عَلَيْهِ؛ أيْ مِنهم عُلَماءُ وعُبّادٌ، وأنَّهم قَوْمٌ فِيهِمْ تَواضُعٌ واسْتِكانَةٌ، ولَيْسُوا مُسْتَكْبِرِينَ. واليَهُودُ عَلى خِلافِ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ قَطُّ أهْلُ دِياراتٍ ولا صَوامِعَ وانْقِطاعٍ عَنِ الدُّنْيا، بَلْ هم مُعَظِّمُونَ مُتَطاوِلُونَ لِتَحْصِيلِها حَتّى كَأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِآخِرَةٍ، ولِذَلِكَ لا يُرى فِيهِمْ زاهِدٌ. والرُّهْبانُ جَمْعُ راهِبٍ كَفارِسٍ وفُرْسانٍ والرَّهْبُ، والرَّهْبَةُ الخَشْيَةُ. وقِيلَ: الرُّهْبانُ مُفْرَدٌ كَسُلْطانٍ؛ وأنْشَدُوا: ؎لَوْ عايَنَتْ رُهْبانَ دِيرٍ في القَلَلْ تَحَدَّرَ الرُّهْبانُ تَمْشِي وتَزَلْ ويُرْوى ونَزَلْ، والقِسِّيسُ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ في المُفْرَداتِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو رَأْسُ الرُّهْبانِ، وقِيلَ: العالِمُ، وقِيلَ: رافِعُ الصَّوْتِ بِالقِراءَةِ، وقِيلَ: الصِّدِّيقُ، وفي هَذا التَّعْلِيلِ دَلِيلٌ عَلى جَلالَةِ العِلْمِ، وأنَّهُ سَبِيلٌ إلى الهِدايَةِ، وعَلى حُسْنِ عاقِبَةِ الِانْقِطاعِ، وأنَّهُ طَرِيقٌ إلى النَّظَرِ في العاقِبَةِ عَلى التَّواضُعِ، وأنَّهُ سَبَبٌ لِتَعْظِيمِ المُوَحِّدِ إذْ يَشْهَدُ مِن نَفْسِهِ ومِن كُلِّ مُحْدَثٍ أنَّهُ مُفْتَقِرٌ لِلْمُوجِدِ؛ فَيَعْظُمُ عِنْدَ مُخْتَرِعِ الأشْياءِ البارِئِ ﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ هَذا وصْفٌ بِرِقَّةِ القُلُوبِ، والتَّأثُّرِ بِسَماعِ القُرْآنِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلى قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا، فَيَكُونُ عامًّا، ويَكُونُ قَدْ أخْبَرَ عَنْهم بِما يَقَعُ مِن بَعْضِهِمْ، كَما جَرى لِلنَّجاشِيِّ حَيْثُ تَلا عَلَيْهِ جَعْفَرٌ سُورَةَ مَرْيَمَ إلى قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [مريم: ٣٤]، وسُورَةُ طه إلى قَوْلِهِ ﴿وهَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ [طه: ٩] فَبَكى، وكَذَلِكَ قَوْمُهُ الَّذِينَ وفَدُوا عَلى الرَّسُولِ حِينَ قَرَأ عَلَيْها (يس) فَبَكَوْا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ما مَعْناهُ: صَدْرُ الآيَةِ عامٌّ في النَّصارى، و(إذا سَمِعُوا) عامٌّ في مَن آمَنَ مِنَ القادِمِينَ مِن أرْضِ الحَبَشَةِ، إذْ لَيْسَ كُلُّ النَّصارى يَفْعَلُ ذَلِكَ، بَلْ هُمُ الَّذِينَ بَعَثَهُمُ النَّجاشِيُّ لِيَرَوُا النَّبِيَّ ﷺ، ويَسْمَعُوا ما عِنْدَهُ، فَلَمّا رَأوْهُ وتَلا عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، فاضَتْ أعْيُنُهم مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى. انْتَهى. وقالَ السُّدِّيُّ: لَمّا رَجَعُوا إلى النَّجاشِيِّ آمَنَ وهاجَرَ بِمَن مَعَهُ فَماتَ في الطَّرِيقِ، فَصَلّى عَلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ، والمُسْلِمُونَ واسْتَغْفَرُوا لَهُ. (وتَرى) مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ، وأسْنَدَ الفَيْضَ إلى الأعْيُنِ وإنْ كانَ حَقِيقَةً لِلدُّمُوعِ كَما قالَ: ؎فَفاضَتْ دُمُوعُ العَيْنِ مِنِّي صَبابَةً إقامَةً لِلْمُسَبَّبِ مَقامَ السَّبَبِ؛ لِأنَّ الفَيْضَ مُسَبَّبٌ عَنِ الِامْتِلاءِ، فالأصْلُ تَرى أعْيُنَهم تَمْتَلِئُ مِنَ الدَّمْعِ حَتّى تَفِيضَ؛ لِأنَّ الفَيْضَ عَلى جَوانِبِ الإناءِ ناشِئٌ عَنِ امْتِلائِهِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎قَوارِضُ تَأْتِينِي ويَحْتَقِرُونَها ∗∗∗ وقَدْ يَمْلَأُ الماءُ الإناءَ فَيَفْعُمُ (p-٦)ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أسْنَدَ الفَيْضَ إلى الأعْيُنِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ في البُكاءِ، لَمّا كانَتْ تُفاضُ فِيها جُعِلَتِ الفائِضَةُ بِأنْفُسِها عَلى سَبِيلِ المَجازِ والمُبالَغَةِ، و(مِن) في (مِنَ الدَّمْعِ) قالَ أبُو البَقاءِ: فِيهِ وجْهانِ، أحَدُهُما: أنَّ (مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ؛ أيْ فَيْضُها مِن كَثْرَةِ الدُّمُوعِ، والثّانِي: أنْ يَكُونَ حالًا، والتَّقْدِيرُ تَفِيضُ مَمْلُوءَةً مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ، ومَعْناها مِن أجْلِ الَّذِي عَرَفُوهُ، و(مِنَ الحَقِّ) حالٌ مِنَ العائِدِ المَحْذُوفِ، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في عَرَفُوا. وقِيلَ: (مِن) في (مِنَ الدَّمْعِ) بِمَعْنى الباءِ؛ أيْ بِالدَّمْعِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (مِنَ الدَّمْعِ) مِن أجْلِ البُكاءِ، مِن قَوْلِكَ دَمَعَتْ عَيْنُهُ دَمْعًا. فَإنْ قُلْتَ: أيُّ فَرْقٍ بَيْنَ (مِن) و(مِن) في قَوْلِهِ: ﴿مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ قُلْتُ: الأوَّلُ لِابْتِداءِ الغايَةِ، عَلى أنَّ فَيْضَ الدَّمْعِ ابْتَدَأ ونَشَأ مِن مَعْرِفَةِ الحَقِّ، وكانَ مِن أجْلِهِ وسَبَبِهِ، والثّانِيَةُ: لِتَبْيِينِ المَوْصُولِ الَّذِي هو ما عَرَفُوا، ويُحْتَمَلُ مَعْنى التَّبْعِيضِ عَلى أنَّهم عَرَفُوا بَعْضَ الحَقِّ فَأبْكاهُمُ. انْتَهى. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (وإذا سَمِعُوا) تَحْتَمِلُ الِاسْتِئْنافَ، وتَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى خَبَرِ إنَّهم. وقُرِئَ: ﴿تَرى أعْيُنَهُمْ﴾ عَلى البِناءِ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ المُرادُ بِآمَنّا: أنْشَأْنا الإيمانَ الخاصَّ بِهَذِهِ الأُمَّةِ الإسْلامِيَّةِ. والشّاهِدُونَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهُما: هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقالُوا ذَلِكَ هم شُهَداءُ عَلى سائِرِ الأُمَمِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقالُوا ذَلِكَ لِأنَّهم وجَدُوا ذِكْرَهم في الإنْجِيلِ كَذَلِكَ انْتَهى. وقالَ الطَّبَرِيُّ: مَعْناهُ ولَوْ قِيلَ: مَعْناهُ مَعَ الشّاهِدِينَ بِتَوْحِيدِكَ مِن جَمِيعِ العالَمِ مَن تَقَدَّمَ ومَن تَأخَّرَ، لَكانَ صَوابًا، وقِيلَ: مَعَ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ بِالحَقِّ. وقالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ بِالشّاهِدِينَ: الأنْبِياءُ والمُؤْمِنُونَ والكِتابَةُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وقِيلَ: مَعْناهُ أثْبَتْنا مِن قَوْلِهِمْ كُتِبَ فُلانٌ في الجُنْدِ؛ أيْ ثَبَتَ، و(يَقُولُونَ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ، ولَمْ يُبَيِّنا ذَلِكَ الحالَ ولا العامِلَ فِيها، ولا جائِزٌ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في أعْيُنِهِمْ؛ لِأنَّهُ مَجْرُورٌ بِالإضافَةِ، لا مَوْضِعَ لَهُ مِن رَفْعٍ ولا نَصْبٍ، إلّا عَلى مَذْهَبِ مَن يُنْزِلُ الخَبَرَ مَنزِلَةَ المُضافِ إلَيْهِ، وهو قَوْلٌ خَطَأٌ، وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ في كِتابِ مَنهَجِ السّالِكِ مِن تَأْلِيفِنا، ولا جائِزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في (عَرَفُوا) لِأنَّها تَكُونُ قَيْدًا في العِرْفانِ، وهم قَدْ عَرَفُوا الحَقَّ في هَذِهِ الحالِ وفي غَيْرِها، فالأوْلى أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً. أخْبَرَ تَعالى عَنْهم بِأنَّهُمُ التَبَسُوا بِهَذا القَوْلِ، والمَعْنى أنَّهم عَرَفُوا الحَقَّ بِقُلُوبِهِمْ، ونَطَقَتْ بِهِ وأقَرَّتْ ألْسِنَتُهم. ﴿وما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما جاءَنا مِنَ الحَقِّ﴾ هَذا إنْكارٌ، واسْتِبْعادٌ لِانْتِفاءِ الإيمانِ مِنهم مَعَ قِيامِ مُوجِبِهِ، وهو عِرْفانُ الحَقِّ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ والتَّبْرِيزِيُّ: ومُوجِبُ الإيمانِ، هو الطَّمَعُ في دُخُولِهِمْ مَعَ الصّالِحِينَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ، هو الظّاهِرُ لِأنْفُسِهِمْ عَلى سَبِيلِ المُكالَمَةِ مَعَها؛ لِدَفْعِ الوَساوِسِ والهَواجِسِ إذْ فِراقُ طَرِيقَةٍ وسُلُوكُ أُخْرى لَمْ يَنْشَأْ عَلَيْها مِمّا يَصْعُبُ ويَشُقُّ، أوْ قَوْلُ بَعْضِ مَن آمَنَ لِبَعْضٍ عَلى سَبِيلِ التَّثَبُّتِ أيْضًا، أوْ قَوْلُهم ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ المُحاجَّةِ لِمَن عارَضَهم مِنَ الكُفّارِ لَمّا رَجَعُوا إلَيْهِمْ، ولامُوهم عَلى الإيمانِ؛ أيْ وما يَصُدُّنا عَنِ الإيمانِ بِاللَّهِ وحْدَهُ. وقَدْ لاحَ لَنا الصَّوابُ وظَهَرَ الحَقُّ النَّيِّرُ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ اليَهُودَ (p-٧)أنْكَرُوا عَلَيْهِمْ ولامُوهم فَأجابُوهم بِذَلِكَ، و﴿لا نُؤْمِنُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، وهي المَقْصُودَةُ، وفي ذِكْرِها فائِدَةُ الكَلامِ، وذَلِكَ كَما تَقُولُ: جاءَ زَيْدٌ راكِبًا، جَوابًا لِمَن قالَ: هَلْ جاءَ زَيْدٌ ماشِيًا أوْ راكِبًا ؟ والعامِلُ فِيها هو مُتَعَلِّقٌ بِهِ الجارُّ والمَجْرُورُ؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ يَسْتَقِرُّ لَنا ويُجْعَلُ في انْتِفاءِ الإيمانِ عَنّا. وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: (وما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما أنْزَلَ عَلَيْنا رَبُّنا ونَطْمَعُ) . ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما جاءَنا مِنَ الحَقِّ﴾ لِمُخالَفَتِهِ ما أجْمَعَ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ مِن سَوادِ المُصْحَفِ. ﴿ونَطْمَعُ أنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ القَوْمِ الصّالِحِينَ﴾ الأحْسَنُ والأسْهَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافَ إخْبارٍ مِنهم بِأنَّهم طامِعُونَ في إنْعامِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِدُخُولِهِمْ مَعَ الصّالِحِينَ، فالواوُ عاطِفَةٌ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ، و(ما لَنا لا نُؤْمِنُ) لا عاطِفَةٌ عَلى نُؤْمِنُ، أوْ عَلى لا نُؤْمِنُ، ولا عَلى أنْ تَكُونَ الواوُ واوَ الحالِ، ولَمْ يَذْكُرِ ابْنُ عَطِيَّةَ غَيْرَ هَذا الوَجْهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والواوُ في (ونَطْمَعُ) واوُ الحالِ، والعامِلُ في الحالِ مَعْنى الفِعْلِ العامِلِ في ﴿لا نُؤْمِنُ﴾ ولَكِنْ مُقَيَّدًا بِالحالِ الأُولى؛ لِأنَّكَ لَوْ أزَلْتَها، وقُلْتَ: وما لَنا نَطْمَعُ، لَمْ يَكُنْ كَلامًا انْتَهى. وما ذَكَرَهُ مِن أنَّ الحالَيْنِ العامِلُ فِيهِما واحِدٌ، وهو ما في اللّامِ مِن مَعْنى الفِعْلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَنا غَيْرَ مُؤْمِنِينَ طامِعِينَ لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ الأصَحَّ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَقْضِيَ العامِلُ حالَيْنِ لِذِي حالٍ واحِدٍ لا بِحَرْفِ عَطْفٍ، إلّا أفْعَلَ التَّفْضِيلِ، فالأصَحُّ أنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ ذَلِكَ، وذُو الحالِ هُنا واحِدٌ، وهو الضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِلامِ لَنا؛ ولِأنَّهُ أيْضًا تَكُونُ الواوُ دَخَلَتْ عَلى المُضارِعِ، ولا تَدْخُلُ واوُ الحالِ عَلى المُضارِعِ إلّا بِتَأْوِيلٍ، فَيَحْتاجُ أنْ يُقَدَّرَ: ونَحْنُ نَطْمَعُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿ونَطْمَعُ﴾ حالًا مِن ﴿لا نُؤْمِنُ﴾ عَلى أنَّهم أنْكَرُوا عَلى أنْفُسِهِمْ؛ لِأنَّهم لا يُوَحِّدُونَ اللَّهَ، ويَطْمَعُونَ مَعَ ذَلِكَ أنْ يَصْحَبُوا الصّالِحِينَ انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ فِيهِ دُخُولَ واوِ الحالِ عَلى المُضارِعِ، ويَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ﴿لا نُؤْمِنُ﴾ عَلى مَعْنى، وما لَنا لا نَجْمَعُ بَيْنَ التَّثْلِيثِ وبَيْنَ الطَّمَعِ في صُحْبَةِ الصّالِحِينَ، أوْ عَلى مَعْنى: وما لَنا لا نَجْمَعُ بَيْنَهُما بِالدُّخُولِ في الإسْلامِ؛ لِأنَّ الكافِرَ ما يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَطْمَعَ في صُحْبَةِ الصّالِحِينَ انْتَهى. ويَظْهَرُ لِي وجْهٌ غَيْرُ ما ذَكَرُوهُ، وهو أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى نُؤْمِنُ، عَلى أنَّهُ مَنفِيٌّ كَنَفْيِ نُؤْمِنُ، التَّقْدِيرُ: وما لَنا لا نُؤْمِنُ ولا نَطْمَعُ، فَيَكُونُ (p-٨)فِي ذَلِكَ إنْكارٌ؛ لِانْتِفاءِ إيمانِهِمْ، وانْتِفاءِ طَمَعِهِمْ مَعَ قُدْرَتِهِمْ عَلى تَحْصِيلِ الشَّيْئَيْنِ: الإيمانُ والطَّمَعُ في الدُّخُولِ مَعَ الصّالِحِينَ، و(مَعَ) عَلى بابِها مِنَ المَعِيَّةِ، وقِيلَ: بِمَعْنى في، والصّالِحُونَ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أوِ الرَّسُولُ وأصْحابُهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ أوِ المُهاجِرُونَ الأوَّلُونَ، قالَهُ مُقاتِلٌ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ أنْ يُدْخِلَنا الجَنَّةَ ﴿فَأثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ ظاهِرُهُ أنَّ الإثابَةَ بِما ذُكِرَ، مُتَرَتِّبَةٌ عَلى مُجَرَّدِ القَوْلِ، ولا بُدَّ أنْ يَقْتَرِنَ بِالقَوْلِ الِاعْتِقادُ، ويُبَيِّنَ أنَّهُ مُقْتَرِنٌ بِهِ أنَّهُ قالَ: ﴿مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ فَوَصَفَهم بِالمَعْرِفَةِ، فَدَلَّ عَلى اقْتِرانِ القَوْلِ بِالعِلْمِ. وقالَ: ﴿ذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ [الزمر: ٣٤] فَإمّا أنْ يَكُونَ مِن وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ؛ تَنْبِيهًا عَلى هَذا الوَصْفِ بِهِمْ وأنَّهم أُثِيبُوا لِقِيامِ هَذا الوَصْفِ بِهِمْ، وهو رُتْبَةُ الإحْسانِ، وهي الَّتِي فَسَّرَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، بِقَوْلِهِ: «أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» . ولا إخْلاصَ ولا عِلْمَ أرْفَعُ مِن هَذِهِ الرُّتْبَةِ، وإمّا أنْ يَكُونَ أُرِيدَ بِهِ العُمُومُ، فَيَكُونُونَ قَدِ انْدَرَجُوا في المُحْسِنِينَ عَلى أنَّ هَذِهِ الإثابَةَ لَمْ تَتَرَتَّبْ عَلى مُجَرَّدِ القَوْلِ اللَّفْظِيِّ؛ ولِذَلِكَ فَسَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ بِما قالُوا: بِما تَكَلَّمُوا بِهِ مِنِ اعْتِقادٍ وإخْلاصٍ، مِن قَوْلِكَ: هَذا قَوْلُ فُلانٍ؛ أيِ اعْتِقادُهُ وما يَذْهَبُ إلَيْهِ انْتَهى. وفَسَّرُوا هَذا القَوْلَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ عَنى بِهِ قَوْلَهم ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ لِأنَّهُ هو الصَّرِيحُ في إيمانِهِمْ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ فَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِإيمانِهِمْ، وإنَّما هو إنْكارٌ عَلى انْتِفاءِ الإيمانِ مِنهم مَعَ قِيامِ مُوجِبِهِ، فَلا تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الإثابَةُ. وقَرَأ الحَسَنُ (فَآتاهُمُ) مِنَ الإيتاءِ بِمَعْنى الإعْطاءِ لا مِنَ الإثابَةِ، والإثابَةُ أبْلَغُ مِنَ الإعْطاءِ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ عَنْ عَمَلٍ بِخِلافِ الإعْطاءِ، فَإنَّهُ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ عَنْ عَمَلٍ، ولِذَلِكَ جاءَ أخِيرًا ﴿وذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ نَبَّهَ عَلى أنَّ تِلْكَ الإثابَةَ هي جَزاءٌ، والجَزاءُ لا يَكُونُ إلّا عَنْ عَمَلٍ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ انْدَرَجَ في (الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا) اليَهُودُ والنَّصارى وغَيْرُهم لَمّا ذَكَرَ ما لِلْمُؤْمِنِ ذَكَرَ ما أعَدَّ لِلْكافِرِ.

المائدة 5:87

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ذَكَرُوا سَبَبَ نُزُولِها في قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ، مُلَخَّصُها: أنَّ جَماعَةً مِنَ الصَّحابَةِ عَزَمُوا عَلى التَّقَشُّفِ المُفْرِطِ، والعِبادَةِ المُفْرِطَةِ الدّائِمَةِ، مِنَ الصِّيامِ الدّائِمِ، وتَرْكِ إتْيانِ النِّساءِ واللَّحْمِ والوَدَكِ والطَّيِّبِ، ولُبْسِ المُسُوحِ، والسِّياحَةِ في الأرْضِ، وجَبِّ المَذاكِيرِ، فَنَهاهُمُ الرَّسُولُ عَنْ ذَلِكَ، ونَزَلَتْ. وقِيلَ: «حَرَّمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ عَشاهُ لَيْلَةَ نَزَلَ بِهِ ضَيْفٌ؛ لِكَوْنِ امْرَأتِهِ انْتَظَرَتْهُ ولَمْ تُبادِرْ إلى إطْعامِ ضَيْفِهِ فَحَرَّمَتْهُ هي إنْ لَمْ يَذُقْهُ، فَحَرَّمَهُ الضَّيْفُ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: قَرِّبِي طَعامَكِ كُلُوا بِسْمِ اللَّهِ، فَأكَلُوا جَمِيعًا، وأخْبَرَ الرَّسُولَ بِذَلِكَ فَقالَ: أحْسَنْتَ» . وقِيلَ: في سَبَبِ نُزُولِها غَيْرُ ذَلِكَ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها، هي أنَّهُ تَعالى لَمّا مَدَحَ النَّصارى بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا وعادَتُهُمُ الِاحْتِرازُ عَنْ طَيِّباتِ الدُّنْيا ومُسْتَلَذّاتِها، أوْهَمَ ذَلِكَ تَرْغِيبَ المُسْلِمِينَ في مِثْلِ ذَلِكَ التَّقَشُّفِ والتَّبَتُّلِ، بَيَّنَ تَعالى أنَّ الإسْلامَ لا رَهْبانِيَّةَ فِيهِ. وقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أمّا أنا فَأقُومُ وأنامُ وأصُومُ وأُفْطِرُ وآتِي النِّساءَ وأنالُ الطَّيِّبَ، فَمَن رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي، فَلَيْسَ مِنِّي»، وأكَلَ ﷺ، الدَّجاجَ والفالُوذَجَ، وكانَ يُعْجِبُهُ الحَلْوى والعَسَلُ (p-٩)والطَّيِّباتُ هُنا المُسْتَلَذّاتُ مِنَ الحَلالِ، ومَعْنى لا تُحَرِّمُوها: لا تَمْنَعُوا أنْفُسَكم مِنها لِمَنعِ التَّحْرِيمِ، ولا تَقُولُوا حَرَّمْناها عَلى أنْفُسِنا مُبالَغَةً مِنكم في العَزْمِ عَلى تَرْكِها؛ تَزَهُّدًا مِنكم وتَقَشُّفًا، وهَذا هو المُناسِبُ لِسَبَبِ النُّزُولِ. وقِيلَ: المَعْنى: لا تُحَرِّمُوا ما تُرِيدُونَ تَحْصِيلَهُ لِأنْفُسِكم مِنَ الحَلالِ بِطَرِيقٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ، كالغَصْبِ والرِّبا والسَّرِقَةِ، بَلْ تَوَصَّلُوا بِطَرِيقٍ مَشْرُوعٍ، مِنِ ابْتِياعٍ واتِّهابٍ، وغَيْرِهِما. وقِيلَ: مَعْناهُ: لا تَعْتَقِدُوا تَحْرِيمَ ما أحَلَّهُ اللَّهُ لَكم. وقِيلَ: لا تُحَرِّمُوا عَلى أنْفُسِكم بِالفَتْوى. وقِيلَ: لا تَلْتَزِمُوا تَحْرِيمَها بِنَذْرٍ أوْ يَمِينٍ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]، وقِيلَ: خَلْطُ المَغْصُوبِ بِالمَمْلُوكِ خَلْطًا لا يَتَمَيَّزُ مِنهُ، فَيَحْرُمُ الجَمِيعُ، ويَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِتَحْرِيمِ ما كانَ حَلالًا ﴿ولا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ هَذا نَهْيٌ عَنِ الِاعْتِداءِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ أنْواعِ الِاعْتِداءِ، ولا سِيَّما ما نَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِهِ. قالَ الحَسَنُ: لا تُجاوِزُوا ما حُدَّ لَكم مِنَ الحَلالِ إلى الحَرامِ، واتَّبَعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: ولا تَتَعَدَّوْا حُدُودَ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكم إلى ما حَرَّمَ عَلَيْكم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ وإبْراهِيمُ: لا تَعْتَدُوا بِالخَنا وتَحْرِيمِ النِّساءِ. وقالَ عِكْرِمَةُ أيْضًا: لا تَسِيرُوا بِغَيْرِ سِيرَةِ الإسْلامِ. وقالَ السُّدِّيُّ وعِكْرِمَةُ أيْضًا: هو نَهْيٌ عَنْ هَذِهِ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ مِن تَحْرِيمِ ما أحَلَّ اللَّهُ، فَهو تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ ﴿لا تُحَرِّمُوا﴾، وقِيلَ: ولا تَعْتَدُوا بِالإسْرافِ في تَناوُلِ الطَّيِّباتِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١]، ﴿وكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِها في قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨]، ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْوَصِيَّةِ بِما أمَرَ بِهِ، وزادَهُ تَأْكِيدًا بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي أنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ لِأنَّ الإيمانَ بِهِ يَحْمِلُ عَلى التَّقْوى في امْتِثالِ ما أمَرَ بِهِ، واجْتِنابِ ما نَهى عَنْهُ.

المائدة 5:88

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ذَكَرُوا سَبَبَ نُزُولِها في قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ، مُلَخَّصُها: أنَّ جَماعَةً مِنَ الصَّحابَةِ عَزَمُوا عَلى التَّقَشُّفِ المُفْرِطِ، والعِبادَةِ المُفْرِطَةِ الدّائِمَةِ، مِنَ الصِّيامِ الدّائِمِ، وتَرْكِ إتْيانِ النِّساءِ واللَّحْمِ والوَدَكِ والطَّيِّبِ، ولُبْسِ المُسُوحِ، والسِّياحَةِ في الأرْضِ، وجَبِّ المَذاكِيرِ، فَنَهاهُمُ الرَّسُولُ عَنْ ذَلِكَ، ونَزَلَتْ. وقِيلَ: «حَرَّمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ عَشاهُ لَيْلَةَ نَزَلَ بِهِ ضَيْفٌ؛ لِكَوْنِ امْرَأتِهِ انْتَظَرَتْهُ ولَمْ تُبادِرْ إلى إطْعامِ ضَيْفِهِ فَحَرَّمَتْهُ هي إنْ لَمْ يَذُقْهُ، فَحَرَّمَهُ الضَّيْفُ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: قَرِّبِي طَعامَكِ كُلُوا بِسْمِ اللَّهِ، فَأكَلُوا جَمِيعًا، وأخْبَرَ الرَّسُولَ بِذَلِكَ فَقالَ: أحْسَنْتَ» . وقِيلَ: في سَبَبِ نُزُولِها غَيْرُ ذَلِكَ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها، هي أنَّهُ تَعالى لَمّا مَدَحَ النَّصارى بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا وعادَتُهُمُ الِاحْتِرازُ عَنْ طَيِّباتِ الدُّنْيا ومُسْتَلَذّاتِها، أوْهَمَ ذَلِكَ تَرْغِيبَ المُسْلِمِينَ في مِثْلِ ذَلِكَ التَّقَشُّفِ والتَّبَتُّلِ، بَيَّنَ تَعالى أنَّ الإسْلامَ لا رَهْبانِيَّةَ فِيهِ. وقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أمّا أنا فَأقُومُ وأنامُ وأصُومُ وأُفْطِرُ وآتِي النِّساءَ وأنالُ الطَّيِّبَ، فَمَن رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي، فَلَيْسَ مِنِّي»، وأكَلَ ﷺ، الدَّجاجَ والفالُوذَجَ، وكانَ يُعْجِبُهُ الحَلْوى والعَسَلُ (p-٩)والطَّيِّباتُ هُنا المُسْتَلَذّاتُ مِنَ الحَلالِ، ومَعْنى لا تُحَرِّمُوها: لا تَمْنَعُوا أنْفُسَكم مِنها لِمَنعِ التَّحْرِيمِ، ولا تَقُولُوا حَرَّمْناها عَلى أنْفُسِنا مُبالَغَةً مِنكم في العَزْمِ عَلى تَرْكِها؛ تَزَهُّدًا مِنكم وتَقَشُّفًا، وهَذا هو المُناسِبُ لِسَبَبِ النُّزُولِ. وقِيلَ: المَعْنى: لا تُحَرِّمُوا ما تُرِيدُونَ تَحْصِيلَهُ لِأنْفُسِكم مِنَ الحَلالِ بِطَرِيقٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ، كالغَصْبِ والرِّبا والسَّرِقَةِ، بَلْ تَوَصَّلُوا بِطَرِيقٍ مَشْرُوعٍ، مِنِ ابْتِياعٍ واتِّهابٍ، وغَيْرِهِما. وقِيلَ: مَعْناهُ: لا تَعْتَقِدُوا تَحْرِيمَ ما أحَلَّهُ اللَّهُ لَكم. وقِيلَ: لا تُحَرِّمُوا عَلى أنْفُسِكم بِالفَتْوى. وقِيلَ: لا تَلْتَزِمُوا تَحْرِيمَها بِنَذْرٍ أوْ يَمِينٍ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]، وقِيلَ: خَلْطُ المَغْصُوبِ بِالمَمْلُوكِ خَلْطًا لا يَتَمَيَّزُ مِنهُ، فَيَحْرُمُ الجَمِيعُ، ويَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِتَحْرِيمِ ما كانَ حَلالًا ﴿ولا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ هَذا نَهْيٌ عَنِ الِاعْتِداءِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ أنْواعِ الِاعْتِداءِ، ولا سِيَّما ما نَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِهِ. قالَ الحَسَنُ: لا تُجاوِزُوا ما حُدَّ لَكم مِنَ الحَلالِ إلى الحَرامِ، واتَّبَعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: ولا تَتَعَدَّوْا حُدُودَ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكم إلى ما حَرَّمَ عَلَيْكم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ وإبْراهِيمُ: لا تَعْتَدُوا بِالخَنا وتَحْرِيمِ النِّساءِ. وقالَ عِكْرِمَةُ أيْضًا: لا تَسِيرُوا بِغَيْرِ سِيرَةِ الإسْلامِ. وقالَ السُّدِّيُّ وعِكْرِمَةُ أيْضًا: هو نَهْيٌ عَنْ هَذِهِ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ مِن تَحْرِيمِ ما أحَلَّ اللَّهُ، فَهو تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ ﴿لا تُحَرِّمُوا﴾، وقِيلَ: ولا تَعْتَدُوا بِالإسْرافِ في تَناوُلِ الطَّيِّباتِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١]، ﴿وكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِها في قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨]، ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْوَصِيَّةِ بِما أمَرَ بِهِ، وزادَهُ تَأْكِيدًا بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي أنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ لِأنَّ الإيمانَ بِهِ يَحْمِلُ عَلى التَّقْوى في امْتِثالِ ما أمَرَ بِهِ، واجْتِنابِ ما نَهى عَنْهُ.

المائدة 5:89

﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكم ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ في تَفْسِيرِ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، ومَعْنى (عَقَّدْتُمُ) وثَّقْتُمْ بِالقَصْدِ والنِّيَّةِ، وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عُمَرَ، بِتَشْدِيدِ القافِ، وقَرَأ الأخَوانِ وأبُو بَكْرٍ، بِتَخْفِيفِها، وابْنُ ذَكْوانَ، بِألِفٍ بَيْنَ العَيْنِ والقافِ، وقَرَأ الأعْمَشُ بِما عَقَدَتِ الأيْمانُ، جَعَلَ الفِعْلَ لِلْأيْمانِ، فالتَّشْدِيدُ إمّا لِلتَّكْثِيرِ بِالنِّسْبَةِ إلى الجَمْعِ، وإمّا لِكَوْنِهِ بِمَعْنى المُجَرَّدِ، نَحْوَ قَدَّرَ وقَدَرَ، والتَّخْفِيفُ هو الأصْلُ، وبِالألِفِ بِمَعْنى المُجَرَّدِ، نَحْوَ جاوَزْتُ الشَّيْءَ وجُزْتُهُ وقاطَعْتُهُ وقَطَعْتُهُ؛ أيْ هَجَرْتُهُ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: عاقَدْتُمْ يَحْتَمِلُ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما؛ أنْ يَكُونَ كَطارَقْتُ النَّعْلَ وعاقَبْتُ اللِّصَّ انْتَهى. ولَيْسَ مِثْلَهُ؛ لِأنَّكَ لا تَقُولُ طَرَقْتُ النَّعْلَ ولا عَقَبْتُ اللِّصَّ، بِغَيْرِ ألِفٍ، وهَذا تَقُولُ فِيهِ: عاقَدْتُ اليَمِينَ، وعَقَدْتُ اليَمِينَ؛ وقالَ الحُطَيْئَةُ: ؎قَوْمٌ إذا عاقَدُوا عَقْدًا لِجارِهِمْ فَجَعَلَهُ بِمَعْنى المُجَرَّدِ، وهو الظّاهِرُ كَما ذَكَرْناهُ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: والآخَرُ أنْ يُرادَ بِهِ فاعَلْتُ الَّتِي تَقْتَضِي فاعِلَيْنِ، كَأنَّ المَعْنى بِما عاقَدْتُمْ عَلَيْهِ الأيْمانَ، عَدّاهُ بِعَلى لَمّا كانَ بِمَعْنى عاهَدَ. قالَ: ﴿بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] كَما عَدّى ﴿نادَيْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٥٨]، (بِإلى)، وبابُها أنْ تَقُولَ: نادَيْتُ زَيْدًا ﴿ونادَيْناهُ مِن جانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ﴾ [مريم: ٥٢] لَمّا كانَتْ بِمَعْنى دَعَوْتُ إلى كَذا. قالَ ﴿مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ﴾ [فصلت: ٣٣]، ثُمَّ اتَّسَعَ فَحُذِفَ الجارُّ، ونُقِلَ الفِعْلُ إلى المَفْعُولِ، ثُمَّ المُضْمَرُ العائِدُ مِنَ الصِّلَةِ إلى المَوْصُولِ، إذْ صارَ بِما عاقَدْتُمُوهُ الأيْمانَ، كَما حُذِفَ مِن قَوْلِهِ ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤] انْتَهى. وجَعْلُ عاقَدَ لِاقْتِسامِ الفاعِلِيَّةِ والمَفْعُولِيَّةِ لَفْظًا، والِاشْتِراكِ فِيهِما مَعْنًى بَعِيدٌ، إذْ يَصِيرُ المَعْنى: أنَّ اليَمِينَ عاقَدَتْهُ كَما عاقَدَها إذْ نُسِبَ ذَلِكَ إلَيْهِ، وهو عَقَدَها؛ هو عَلى سَبِيلِ الحَقِيقَةِ، ونِسْبَةُ ذَلِكَ إلى اليَمِينِ؛ هو عَلى سَبِيلِ المَجازِ؛ لِأنَّها لَمْ تَعْقِدْهُ، بَلْ هو الَّذِي عَقَدَها. وأمّا تَقْدِيرُهُ: بِما عاقَدْتُمْ عَلَيْهِ وحَذْفُ حَرْفِ الجَرِّ، ثُمَّ الضَّمِيرِ عَلى التَّدْرِيجِ الَّذِي ذَكَرَهُ؛ فَهو أيْضًا بِعِيدٌ، ولَيْسَ تَنْظِيرُهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤] بِسَدِيدٍ؛ لِأنَّ أمَرَ يَتَعَدّى بِحَرْفِ الجَرِّ تارَةً، وبِنَفْسِهِ تارَةً إلى المَفْعُولِ الثّانِي، وإنْ كانَ أصْلُهُ الحَذْفَ تَقُولُ: أمَرْتُ زَيْدًا الخَيْرَ، وأمَرْتُهُ بِالخَيْرِ؛ ولِأنَّهُ لا يَتَعَيَّنُ في ﴿فاصْدَعْ بِما (p-١٠)تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤] أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً بِمَعْنى الَّذِي، بَلْ يَظْهُرُ أنَّها مَصْدَرِيَّةٌ، فَلا يُحْتاجُ إلى عائِدٍ، وكَذَلِكَ هُنا، الأوْلى أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، ويُقَوِّي ذَلِكَ ويُحَسِّنُهُ المُقابَلَةُ بِعَقْدِ اليَمِينِ لِلْمَصْدَرِ الَّذِي هو ﴿بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ﴾ لِأنَّ اللَّغْوَ مَصْدَرٌ، فالأوْلى مُقابَلَتُهُ بِالمَصْدَرِ لا بِالمَوْصُولِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى: ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمْ إذا حَنَثْتُمْ، فَحُذِفَ وقْتُ المُؤاخَذَةِ؛ لِأنَّهُ كانَ مَعْلُومًا عِنْدَهم، أوْ بِنِكْثِ ما عَقَّدْتُمْ، فَحُذِفَ المُضافُ انْتَهى. واليَمِينُ المُنْعَقِدَةُ بِاللَّهِ، أوْ بِأسْمائِهِ، أوْ صِفاتِهِ. وقالَ الإمامُ أحْمَدُ: إذا حَلَفَ بِالنَّبِيِّ ﷺ انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ؛ لِأنَّهُ حَلَفَ بِما لَمْ يَتِمَّ الإيمانُ إلّا بِهِ، وفي بَعْضِ الصِّفاتِ تَفْصِيلٌ. وخِلافٌ ذُكِرَ في الفِقْهِ. ﴿فَكَفّارَتُهُ إطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ﴾ . الكَفّارَةُ الفِعْلَةُ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تُكَفِّرَ الخَطِيئَةَ؛ أيْ تَسْتُرُها، والضَّمِيرُ في (فَكَفّارَتُهُ) عائِدٌ عَلى ما إنْ كانَتْ مَوْصُولَةً اسْمِيَّةً، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، كَما تَقَدَّمَ، وإنْ كانَتْ مَصْدَرِيَّةً عادَ الضَّمِيرُ عَلى ما يُفْهَمُ مِنَ المَعْنى، وهو إثْمُ الحِنْثِ، وإنْ لَمْ يُجْرَ لَهُ ذِكْرٌ صَرِيحٌ، لَكِنْ يَقْتَضِيهِ المَعْنى. ومَساكِينُ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونُوا ذُكُورًا أوْ إناثًا أوْ مِنَ الصِّنْفَيْنِ. والظّاهِرُ تَعَدُّدُ الأشْخاصِ. فَلَوْ أطْعَمَ مِسْكِينًا واحِدًا لِكَفّارَةِ عَشَرَةِ أيّامٍ لَمْ يُجْزِهِ، وبِهِ قالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يُجْزِئُ. وتَعَرَّضَتِ الآيَةُ لِجِنْسِ ما يُطْعَمُ مِنهُ، وهو مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ، ولَمْ تَتَعَرَّضْ لِمِقْدارِ ما يُطْعَمُ كُلُّ واحِدٍ، هَذا الظّاهِرُ. وقَدْ رَأى مالِكٌ وجَماعَةٌ؛ أنَّ هَذا التَّوَسُّطَ هو في القَدْرِ، وبِهِ قالَ عُمَرُ وعَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، ورَأى جَماعَةٌ أنَّهُ في الصِّنْفِ، وبِهِ قالَ ابْنُ عُمَرَ والأسْوَدُ وعُبَيْدَةُ والحَسَنُ وابْنُ سِيرِينَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الوَجْهُ أنْ يُطْعِمَ بِلَفْظِ الوَسَطِ القَدْرِ والصِّنْفِ. انْتَهى. ورُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ وابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وعَطاءٍ وابْنِ المُسَيَّبِ: مُدٌّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ بِمُدِّ الرَّسُولِ، وبِهِ قالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ، ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ وعَلِيٍّ وعائِشَةَ: نِصْفُ صاعٍ مِن بُرٍّ، أوْ صاعٌ مِن تَمْرٍ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ. والظّاهِرُ أنَّهُ لا يُجْزِئُ إلّا الإطْعامُ بِما فِيهِ كِفايَةٌ وقْتًا واحِدًا يَسُدُّ بِهِ الجَوْعَةَ، فَإنْ غَدّاهم وعَشّاهم أجْزَأهُ، وبِهِ قالَ عَلِيٌّ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ والقاسِمُ وسالِمٌ والشَّعْبِيُّ وإبْراهِيمُ وقَتادَةُ والأوْزاعِيُّ والثَّوْرِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ ومالِكٌ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ والحَكَمُ والشّافِعِيُّ: مِن شَرْطِ صِحَّةِ الكَفّارَةِ: تَمْلِيكُ الطَّعامِ لِلْفُقَراءِ، فَإنْ غَدّاهم وعَشّاهم لَمْ يُجْزِهِ. والظّاهِرُ أنَّهُ لا يُشْتَرَطُ الإدامُ. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: أوْسَطُ ما يُطْعَمُ الخُبْزُ والتَّمْرُ، والخُبْزُ والزَّبِيبُ، وخَيْرُ ما نُطْعِمُ أهْلِينا: الخُبْزُ واللَّحْمُ، وعَنْ غَيْرِهِ الخُبْزُ والسَّمْنُ، وأحْسَنُهُ التَّمْرُ مَعَ الخُبْزِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلُهُ. وقالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لا يُجْزِئُ الخُبْزُ قِفارًا، ولَكِنْ بِإدامِ زَيْتٍ أوْ لَبَنٍ أوْ لَحْمٍ ونَحْوِهِ. والظّاهِرُ أنَّ المُراعى ما يُطْعِمُ أهْلِيهِ الَّذِينَ يَخْتَصُّونَ بِهِ؛ أيْ مِن أوْسَطِ ما يُطْعِمُ كُلُّ شَخْصٍ شَخْصَ أهْلِهِ. وقِيلَ: المُراعى عَيْشُ البَلَدِ، فالمَعْنى مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أيُّها النّاسُ أهْلِيكم في الجُمْلَةِ، مِن مَدِينَةٍ أوْ صُقْعٍ، و﴿مِن أوْسَطِ﴾ في مَوْضِعِ مَفْعُولٍ ثانٍ لِإطْعامِ، والأوَّلُ هو ﴿عَشَرَةِ مَساكِينَ﴾ أيْ طَعامًا مِن أوْسَطِ، والعائِدُ عَلى ما مِن تُطْعِمُونَ في مَوْضِعِ مَحْذُوفٍ؛ أيْ (تُطْعِمُونَهُ)، وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أهْلِيكُمْ﴾، وجَمْعُ أهْلِ، بِالواوِ والنُّونِ، شاذٌّ في القِياسِ. قَرَأ جَعْفَرٌ الصّادِقُ (أهالِيكم) جَمْعُ (p-١١)تَكْسِيرٍ، وبِسُكُونِ الياءِ. قالَ ابْنُ جِنِّي: أهالٍ بِمَنزِلَةِ لَيالٍ، واحِدُها أهْلَةٌ ولَيْلَةٌ، والعَرَبُ تَقُولُ: أهْلٌ وأهْلَةٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ؎وأهْلَةِ وُدٍّ قَدْ سَرَيْتُ بِوُدِّهِمْ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والأهالِي: اسْمُ جَمْعٍ لِأهْلٍ كاللَّيالِي في جَمْعِ لَيْلَةٍ، والأراضِي في جَمْعِ أرْضٍ، وأمّا تَسْكِينُ الياءِ في أهالِيكم، فَهو كَثِيرٌ في الضَّرُورَةِ، وقِيلَ: في السَّعَةِ؛ كَما قالَ زُهَيْرٌ: ؎يُطِيعُ العَوالِي رُكِّبَتْ كُلَّ لَهْذَمِ شُبِّهَتِ الياءُ بِالألِفِ، فَقُدِّرَتْ فِيها جَمِيعُ الحَرَكاتِ. ﴿أوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ هَذا مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ (إطْعامُ) . والظّاهِرُ أنَّ كُسْوَةً هي مَصْدَرٌ، وإنْ كانَ يُسْتَعْمَلُ لِلثَّوْبِ الَّذِي يَسْتُرُ، ولَمّا لَمْ يُذْكَرْ مِقْدارُ ما يُطْعَمُ، لَمْ يُذْكُرْ مِقْدارُ الكُسْوَةِ، وظاهِرُ مُطْلَقِ الكُسْوَةِ، وأجْمَعُوا عَلى أنَّ القَلَنْسُوَةَ بِانْفِرادِها لا تُجْزِئُ. وقالَ بَعْضُهم: الكُسْوَةُ في الكَفّارَةِ إزارٌ وقَمِيصٌ ورِداءٌ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أوْ ثَوْبانِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ، قالَهُ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ وابْنُ سِيرِينَ والحَسَنُ. وراعى قَوْمٌ الزِّيَّ والكُسْوَةَ المُتَعارَفَةَ فَقالَ بَعْضُهم: لا يُجْزِئُ الثَّوْبُ الواحِدُ إلّا إذا كانَ جامِعًا لِما قَدْ يُتَزَيَّنُ بِهِ كالكِساءِ والمِلْحَفَةِ. وقالَ النَّخَعِيُّ: لَيْسَ القَمِيصُ والدِّرْعُ والخِمارُ ثَوْبًا جامِعًا. وقالَ الحَسَنُ والحَكَمُ: تُجْزِئُ عِمامَةٌ يَلُفُّ بِها رَأْسَهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: يُجْزِئُ كُلُّ شَيْءٍ إلّا التُّبّانَ. وقالَ عَطاءٌ وابْنُ عَبّاسٍ وأبُو جَعْفَرٍ ومَنصُورٌ: الكُسْوَةُ ثَوْبٌ قَمِيصٌ أوْ رِداءٌ أوْ إزارٌ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تُجْزِئُ العَباءَةُ أوِ الشَّمْلَةُ. وقالَ طاوُسٌ والحَسَنُ: ثَوْبٌ لِكُلِّ مِسْكِينٍ، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ: إزارٌ وقَمِيصٌ، أوْ كِساءٌ، وهَلْ يُجْزِئُ إعْطاءُ كَساوِي عَشَرَةِ أنْفُسٍ لِشَخْصٍ واحِدٍ في عَشَرَةِ أيّامٍ ؟ فِيهِ خِلافٌ كالإطْعامِ. وقَرَأ النَّخَعِيُّ وابْنُ المُسَيَّبِ وابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (كُسْوَتُهم) بِضَمِّ الكافِ، وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ السَّمَيْقَعِ (أوْ كَأُسْوَتِهِمْ) بِكافِ الجَرِّ عَلى أُسْوَةٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَعْنى: أوْ مِثْلُ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكم إسْرافًا كانَ، أوْ تَقْتِيرًا لا تَنْقُصُونَهم عَنْ مِقْدارِ نَفَقَتِهِمْ، ولَكِنْ تُساوُونَ بَيْنَهم وبَيْنَهم، فَإنْ قُلْتَ ما مَحَلُّ الكافِ قُلْتُ الرَّفْعُ، قِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿أوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى مَحَلِّ ﴿مِن أوْسَطِ﴾ فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿مِن أوْسَطِ﴾ في مَوْضِعِ مَفْعُولٍ ثانٍ بِالمَصْدَرِ، بَلِ انْقَضى عِنْدَهُ الكَلامُ في قَوْلِهِ: ﴿إطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ﴾ ثُمَّ أضْمَرَ مُبْتَدَأً أخْبَرَ عَنْهُ بِالجارِّ والمَجْرُورِ، يُبَيِّنُهُ ما قَبْلَهُ، تَقْدِيرُهُ: طَعامُهم مِن أوْسَطِ. وعَلى ما ذَكَرْناهُ مِن أنَّ ﴿مِن أوْسَطِ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، تَكُونُ الكافُ في (كَأُسْوَتِهِمْ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ ﴿مِن أوْسَطِ﴾ وهو عِنْدَنا مَنصُوبٌ، وإذا فُسِّرَتْ (كَأُسْوَتِهِمْ) في الطَّعامِ بَقِيَتِ الآيَةُ عارِيَةً مِن ذِكْرِ الكُسْوَةِ. وأجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنَّ الحانِثَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الإطْعامِ والكُسْوَةِ والعِتْقِ، وهي مُخالَفَةٌ لِسَوادِ المُصْحَفِ وقالَ بَعْضُهم: (أوْ كَأُسْوَتِهِمْ) في الكُسْوَةِ. والظّاهِرُ أنَّهُ لا يُجْزِئُ إخْراجُ قِيمَةِ الطَّعامِ والكُسْوَةِ، بِهِ قالَ الشّافِعِيُّ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ يُجْزِئُ. والظّاهِرُ أنَّهُ لَمْ يُقَيِّدِ المَساكِينَ بِوَصْفٍ، فَيَجُوزُ صَرْفُ ذَلِكَ إلى الذِّمِّيِّ والعَبْدِ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ. وقالَ غَيْرُهُ لا يُجْزِئُ. واتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لا يُجْزِئُ دَفْعُ ذَلِكَ إلى المُرْتَدِّ. ﴿أوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ تَسْمِيَةُ الإنْسانِ رَقَبَةً تَسْمِيَةُ الكُلِّ بِالجُزْءِ، وخُصُّ بِذَلِكَ لِأنَّ الرَّقَبَةَ غالِبًا مَحَلٌّ لِلتَّوَثُّقِ والِاسْتِمْساكِ، فَهو مَوْضِعُ المِلْكِ، وكَذَلِكَ أُطْلِقَ عَلَيْهِ رَأْسٌ، والتَّحْرِيرُ يَكُونُ بِالإخْراجِ عَنِ الرِّقِّ وعَنِ الأسْرِ وعَنِ المَشَقَّةِ وعَنِ التَّعَبِ؛ وقالَ الفَرَزْدَقُ: ؎أبَنِي غُدانَةَ إنَّنِي حَرَّرْتُكم ∗∗∗ فَوَهَبْتُكم لِعَطِيَّةَ بْنِ جِعالِ أيْ حَرَّرْتُكم مِنَ الهَجا. والظّاهِرُ حُصُولُ الكَفّارَةِ بِتَحْرِيرِ ما يَصْدُرُ عَلَيْهِ رَقَبَةٌ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ شَيْءٍ آخَرَ فَيُجْزِئُ عِتْقُ الكُفّارِ، وبِهِ قالَ داوُدُ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ الظّاهِرِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ يُجْزِئُ الكافِرُ ومَن بِهِ نَقْصٌ يَسِيرٌ مِن ذَوِي العاهاتِ، واخْتارَ الطَّبَرِيُّ إجْزاءَ الكافِرَةِ. وقالَ مالِكٌ: لا يُجْزِئُ كافِرٌ ولا أعْمًى ولا أبْرَصُ ولا مَجْنُونٌ. وقالَ ابْنُ شِهابٍ وجَماعَةٌ، وفَرَّقَ النَّخَعِيُّ فَأجازَ عِتْقَ مَن يَعْمَلُ أشْغالَهُ (p-١٢)ويَخْدِمُ ومَنَعَ عِتْقَ مَن لا يَعْمَلُ كالأعْمى والمُقْعَدِ وأشَلِّ اليَدَيْنِ. ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ﴾ أيْ فَمَن لَمْ يَجِدْ أحَدٌ هَذِهِ الثَّلاثَةَ مِنَ الإطْعامِ والكُسْوَةِ والعِتْقِ، فَلَوْ كانَ مالُهُ في غَيْرِ بَلَدِهِ ووَجَدَ مَن يُسْلِفُهُ، لَمْ يَنْتَقِلْ إلى الصَّوْمِ، أوْ لَمْ يَجِدْ مَن يُسْلِفُهُ، فَقِيلَ لا يَلْزَمُهُ انْتِظارُ مالِهِ مِن بَلَدِهِ، ويَصُومُ، وهو الظّاهِرُ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ واجِدٍ الآنَ، وقِيلَ: يَنْتَظِرُ. والظّاهِرُ أنَّهُ إذا كانَ عِنْدَهُ فَضْلٌ عَنْ قُوتِهِ وقُوتِ مَن تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهم يَوْمَهُ ولَيْلَتَهُ وعَنْ كُسْوَتِهِمْ بِقَدْرِ ما يُطْعِمُ أوْ يَكْسُو، فَهو واجِدٌ. وبِهِ قالَ أحْمَدُ وإسْحاقُ والشّافِعِيُّ ومالِكٌ. وقالَ مالِكٌ: إلّا أنْ يَخافَ الجُوعَ أوْ يَكُونَ في بَلَدٍ لا يُعْطَفُ عَلَيْهِ فِيهِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلّا ثَلاثَةُ دَراهِمَ أطْعَمَ. وقالَ قَتادَةُ: إذا لَمْ يَكُنْ إلّا قَدْرُ ما يُكَفِّرُ بِهِ صامَ. وقالَ الحَسَنُ: إذا كانَ لَهُ دِرْهَمانِ، أطْعَمَ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ إذا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ نِصابٌ، فَهو غَيْرُ واجِدٍ. وقالَ آخَرُونَ جائِزٌ لِمَن لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ فَضْلٌ عَلى رَأْسِ مالِهِ الَّذِي يَتَصَرَّفُ بِهِ في مَعاشِهِ أوْ يَصُومُ. والظّاهِرُ أنَّهُ لا يُشْتَرَطُ التَّتابُعُ، وبِهِ قالَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وإبْراهِيمُ وقَتادَةُ وطاوُسٌ وأبُو حَنِيفَةَ: يُشْتَرَطُ. وقَرَأ أُبَيٌّ، وعَبْدُ اللَّهِ، والنَّخَعِيُّ (أيّامٍ مُتَتابِعاتٍ) واتَّفَقُوا عَلى أنَّ العِتْقَ أفْضَلُ ثُمَّ الكُسْوَةَ ثُمَّ الإطْعامَ، وبَدَأ اللَّهُ بِالأيْسَرِ فالأيْسَرِ عَلى الحالِ، وهَذِهِ الكَفّارَةُ الَّتِي نَصَّ اللَّهُ عَلَيْها لازِمَةٌ لِلْحُرِّ المُسْلِمِ، وإذا حَنِثَ العَبْدُ، فَقالَ سُفْيانُ وأبُو حَنِيفَةَ والشّافِعِيُّ: لَيْسَ عَلَيْهِ إلّا الصَّوْمُ لا يُجْزِئُهُ غَيْرُهُ. وحَكى ابْنُ نافِعٍ عَنْ مالِكٍ: لا يُكَفِّرُ بِالعِتْقِ؛ لِأنَّهُ لا يَكُونُ لَهُ ولاءٌ، ولَكِنْ يُكَفِّرُ بِالصَّدَقَةِ إنْ أذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ، والصَّوْمُ أصْوَبُ. وحَكى ابْنُ القاسِمِ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنْ أطْعَمَ أوْ كَسى بِإذْنِ السَّيِّدِ فَما هو بِالبَيِّنِ، وفي قَلْبِي مِنهُ شَيْءٌ، ولَوْ حَلَفَ بِصَدَقَةِ مالِهِ فَقالَ الشَّعْبِيُّ وعَطاءٌ وطاوُسٌ: لا شَيْءَ عَلَيْهِ. وقالَ الشّافِعِيُّ وإسْحاقُ وأبُو ثَوْرٍ: عَلَيْهِ كَفّارَةُ يَمِينٍ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: مِقْدارُ نِصابٍ. وقالَ بَعْضُهم: مِقْدارُ زَكاتِهِ. وقالَ مالِكٌ: ثُلْثُ مالِهِ. ولَوْ حَلَفَ بِالمَشْيِ إلى مَكَّةَ فَقالَ ابْنُ المُسَيَّبِ والقاسِمُ: لا شَيْءَ عَلَيْهِ. وقالَ الشّافِعِيُّ وأحْمَدُ وأبُو ثَوْرٍ: كَفّارَةُ يَمِينٍ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يَلْزَمُهُ الوَفاءُ بِهِ فَإنْ عَجَزَ عَنِ المَشْيِ لَزِمَهُ أنْ يَحُجَّ راكِبًا، ولَوْ حَلَفَ بِالعِتْقِ، فَقالَ عَطاءٌ: يَتَصَدَّقُ بِشَيْءٍ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وابْنِ عَبّاسٍ وعائِشَةَ: عَلَيْهِ كَفّارَةُ يَمِينٍ، لا العِتْقُ. وقالَ الجُمْهُورُ: يَلْزَمُهُ العِتْقُ، ومَن قالَ الطَّلاقُ لازِمٌ لَهُ فَقالَ المَهْدَوِيُّ: أجْمَعَ كُلُّ مَن يُعْتَمَدُ عَلى قَوْلِهِ إنَّ الطَّلاقَ لازِمٌ لِمَن حَلَفَ بِهِ وحَنِثَ. ﴿ذَلِكَ كَفّارَةُ أيْمانِكم إذا حَلَفْتُمْ﴾ أيْ ذَلِكَ المَذْكُورُ، واسْتَدَلَّ بِها الشّافِعِيُّ عَلى جَوازِ التَّكْفِيرِ بَعْدَ اليَمِينِ. وقِيلَ: الحِنْثُ، وفِيها تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الكَفّارَةَ لا تَكُونُ إلّا بَعْدَ الحِنْثِ، فَهم يُقَدِّرُونَ مَحْذُوفًا؛ أيْ إذا حَلَفْتُمْ وحَنِثْتُمْ. ﴿واحْفَظُوا أيْمانَكم كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ بَرُّوا فِيها ولا تَحْنَثُوا، أرادَ الأيْمانَ الَّتِي الحِنْثُ فِيها مَعْصِيَةٌ؛ لِأنَّ الأيْمانَ اسْمُ جِنْسٍ يَجُوزُ إطْلاقُهُ عَلى بَعْضِ الجِنْسِ وعَلى كُلِّهِ، وقِيلَ: احْفَظُوها بِأنْ تُكَفِّرُوها، وقِيلَ: احْفَظُوها كَيْفَ حَلَفْتُمْ بِها، ولا تَنْسَوْها تَهاوُنًا بِها. (كَذَلِكَ) أيْ مِثْلُ ذَلِكَ البَيانُ ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ﴾ أعْلامَ شَرِيعَتِهِ وأحْكامَهُ. ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ نِعْمَتَهُ فِيما يُعْلِمُكم، ويُسَهِّلُ عَلَيْكُمُ المَخْرَجَ مِنهُ.

المائدة 5:90

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ نَزَلَتْ بِسَبَبِ قِصَّةِ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ حِينَ شَرِبَ طائِفَةٌ مِنَ الأنْصارِ والمُهاجِرِينَ فَتَفاخَرُوا، فَقالَ (p-١٣)سَعْدٌ: المُهاجِرُونَ خَيْرٌ، فَرَماهُ أنْصارِيٌّ بِلَحْيِ جَمَلٍ فَفَزَرَ أنْفَهُ، وقِيلَ: بِسَبَبِ قَوْلِ عُمَرَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنا في الخَمْرِ بَيانًا شافِيًا، وقِيلَ: بِسَبَبِ قِصَّةِ حَمْزَةَ وعَلِيٍّ حِينَ عَقَرَ شارِفَ عَلِيٍّ. وقالَ: هَلْ أنْتُمْ إلّا عَبِيدٌ لِأبِي، وهي قِصَّةٌ طَوِيلَةٌ، وقِيلَ: كانَ أمْرُ الخَمْرِ ونُزُولُ الآياتِ بِتَدْرِيجٍ فَنَزَلَ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣] . وقِيلَ: بِسَبَبِ قِراءَةِ بَعْضِ الصَّحابَةِ وكانَ مُنْتَشِيًا في صَلاةِ المَغْرِبِ ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] عَلى غَيْرِ ما أُنْزِلَتْ ثُمَّ عَرَضَ ما عَرَضَ بِسَبَبِ شُرْبِها مِنَ الأُمُورِ المُؤَدِّيَةِ إلى تَحْرِيمِها حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ حَيَّيْنِ مِنَ الأنْصارِ ثَمِلُوا وعَرْبَدُوا، فَلَمّا صَحَوْا جَعَلَ كُلُّ واحِدٍ يَرى أثَرًا بِوَجْهِهِ وبِجَسَدِهِ فَيَقُولُ: هَذا فِعْلُ فُلانٍ، فَحَدَثَتْ بَيْنَهم ضَغائِنُ، ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها؛ أنَّهُ لَمّا أمَرَ تَعالى بِأكْلِ ما رَزَقَهم حَلالًا طَيِّبًا، ونَهاهم عَنْ تَحْرِيمِ ما أحَلَّهُ لَهم مِمّا لا إثْمَ فِيهِ، وكانَ المُسْتَطابُ المُسْتَلَذُّ عِنْدَهُمُ الخَمْرَ والمَيْسِرَ، وكانُوا يَقُولُونَ: الخَمْرُ تَطْرُدُ الهُمُومَ، وتُنَشِّطُ النَّفْسَ، وتُشَجِّعُ الجَبانَ، وتَبْعَثُ عَلى المَكارِمِ، والمَيْسِرُ يَحْصُلُ بِهِ تَنْمِيَةُ المالِ، ولَذَّةُ الغَلَبَةِ. بَيَّنَ تَعالى تَحْرِيمَ الخَمْرِ والمَيْسِرِ؛ لِأنَّ هَذِهِ اللَّذَّةَ يُقارِنُها مَفاسِدُ عَظِيمَةٌ فَفي الخَمْرِ إذْهابُ العَقْلِ، وإتْلافُ المالِ؛ ولِذَلِكَ ذَمَّ بَعْضُ حُكَماءِ الجاهِلِيَّةِ إتْلافَ المالِ بِها، وجَعَلَ تَرْكَ ذَلِكَ مَدْحًا فَقالَ: ؎أخِي ثِقَةٍ لا تُتْلِفُ الخَمْرُ مالَهُ ولَكِنَّهُ قَدْ يُهْلِكُ المالَ نائِلُهُ وتَنْشَأُ عَنْها مَفاسِدُ أُخَرُ مِن قَتْلِ النَّفْسِ، وشِدَّةِ البَغْضاءِ وارْتِكابِ المَعاصِي؛ لِأنَّ مَلاكَ هَذِهِ كُلِّها العَقْلُ، فَإذا ذَهَبَ العَقْلُ أتَتْ هَذِهِ المَفاسِدُ. والمَيْسِرُ فِيهِ أخْذُ المالِ بِالباطِلِ، وهَذا الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ. والَّذِي مُنِعُوا مِنهُ في هَذِهِ الآيَةِ؛ هي شَهَواتٌ وعاداتٌ، فَأمّا الخَمْرُ فَكانَتْ لَمْ تُحَرَّمْ بَعْدُ، وإنَّما نَزَلَ تَحْرِيمُها بَعْدَ وقْعَةِ أُحُدٍ، سَنَةَ ثَلاثٍ مِنَ الهِجْرَةِ، وأمّا المَيْسِرُ فَفِيهِ لَذَّةٌ، وغَلَبَةٌ، وأمّا الأنْصابُ فَإنْ كانَتِ الحِجارَةُ الَّتِي يَذْبَحُونَ عِنْدَها ويَنْحَرُونَ؛ فَحُكِمَ عَلَيْها بِالرِّجْسِ؛ دَفْعًا لِما عَسى أنْ يَبْقى في قَلْبِ ضَعِيفِ الإيمانِ مِن تَعْظِيمِها، وإنْ كانَتِ الأنْصابُ الَّتِي تُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ؛ فَقُرِنَتِ الثَّلاثَةُ بِها مُبالَغَةً في أنَّهُ يَجِبُ اجْتِنابُها كَما يَجِبُ اجْتِنابُ الأصْنامِ، وأمّا الأزْلامُ الَّتِي كانَ الأكْثَرُونَ يَتَّخِذُونَها في أحَدِها (لا) وفي الآخَرِ (نَعَمْ) والآخَرِ (غُفْلٌ)، وكانُوا يُعَظِّمُونَها، ومِنها ما يَكُونُ عِنْدَ الكُهّانِ، ومِنها ما يَكُونُ عِنْدَ قُرَيْشٍ في الكَعْبَةِ، وكانَ فِيها أحْكامٌ لَهم. ومِن هَذا القَبِيلِ الزَّجْرُ بِالطَّيْرِ وبِالوَحْشِ، وبِأخْذِ الفَأْلِ في الكُتُبِ ونَحْوِهِ مِمّا يَصْنَعُهُ النّاسُ اليَوْمَ. وقَدِ اجْتَمَعَتْ أنْواعٌ مِنَ التَّأْكِيدِ في الآيَةِ، مِنها التَّصْدِيرُ بِإنَّما وقِرانُ الخَمْرِ والمَيْسِرِ بِالأصْنامِ إذا فَسَّرْنا الأنْصابَ بِها. وفي الحَدِيثِ «مُدْمِنُ الخَمْرِ كَعابِدِ وثَنٍ» والإخْبارُ عَنْها بِقَوْلِهِ رِجْسٌ. وقالَ تَعالى: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠]، ووَصَفَهُ بِأنَّهُ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ، والشَّيْطانُ لا يَأْتِي مِنهُ إلّا الشَّرُّ البَحْتُ. والأمْرُ بِالِاجْتِنابِ وتَرْجِيَةِ الفَلاحِ، وهو الفَوْزُ بِاجْتِنابِهِ، فالخَيْبَةُ في ارْتِكابِهِ. وبُدِئَ بِالخَمْرِ لِأنَّ سَبَبَ النُّزُولِ إنَّما وقَعَ بِها مِنَ الفَسادِ؛ ولِأنَّها جِماعُ الإثْمِ. وكانَتْ خَمْرُ المَدِينَةِ حِينَ نُزُولِها الغالِبُ عَلَيْها كَوْنُها مِنَ العَسَلِ ومِنَ التَّمْرِ ومِنَ الزَّبِيبِ ومِنَ الحِنْطَةِ ومِنَ الشَّعِيرِ، وكانَتْ قَلِيلَةً مِنَ العِنَبِ، وقَدْ أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى تَحْرِيمِ القَلِيلِ والكَثِيرِ مِن خَمْرِ العِنَبِ الَّتِي لَمْ تَمَسَّها نارٌ ولا خالَطَها شَيْءٌ، والأكْثَرُ مِنَ الأُمَّةِ عَلى أنَّ ما أسْكَرَ كَثِيرُهُ، فَقَلِيلُهُ حَرامٌ. والخِلافُ فِيما لا يُسْكِرُ قَلِيلُهُ ويُسْكِرُ كَثِيرُهُ مِن غَيْرِ خَمْرِ العِنَبِ، مَذْكُورٌ في كُتُبِ الفِقْهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَدْ خَرَّجَ قَوْمٌ تَحْرِيمَ الخَمْرِ مِن وصْفِها بِرِجْسٍ، وقَدْ وصَفَ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ بِأنَّها رِجْسٌ، فَيَجِيءُ مِن ذَلِكَ أنَّ كُلَّ رِجْسٍ حَرامٌ، وفي هَذا نَظَرٌ. والِاجْتِنابُ أنْ تَجْعَلَ الشَّيْءَ جانِبًا وناحِيَةً انْتَهى. ولَمّا كانَ الشَّيْطانُ هو الدّاعِي إلى التَّلَبُّسِ بِهَذِهِ المَعاصِي والمُغْرِي بِها؛ جُعِلَتْ مِن عَمَلِهِ وفِعْلِهِ، ونُسِبَتْ إلَيْهِ عَلى جِهَةِ المَجازِ والمُبالَغَةِ في كَمالِ (p-١٤)تَقْبِيحِهِ، كَما جاءَ ﴿فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥] قالَ هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ، والضَّمِيرُ في (فاجْتَنِبُوهُ) عائِدٌ عَلى الرِّجْسِ المُخْبَرِ عَنْهُ مِنَ الأرْبَعَةِ، فَكانَ الأمْرُ بِاجْتِنابِهِ مُتَناوِلًا لَها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ إلامَ يَرْجِعُ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ ﴿فاجْتَنِبُوهُ﴾ ؟ قُلْتُ إلى المُضافِ المَحْذُوفِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّما شَأْنُ الخَمْرِ والمَيْسِرِ أوْ تَعاطِيهِما أوْ ما أشْبَهَ ذَلِكَ؛ ولِذَلِكَ قالَ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ انْتَهى. ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ هَذا المُضافِ، بَلِ الحُكْمُ عَلى هَذِهِ الأرْبَعَةِ أنْفُسِها أنَّها رِجْسٌ أبْلَغُ مِن تَقْدِيرِ ذَلِكَ المُضافِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] . ﴿إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ ويَصُدَّكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ ذَكَرَ تَعالى في الخَمْرِ والمَيْسِرِ مَفْسَدَتَيْنِ إحْداهُما دُنْيَوِيَّةٌ، والأُخْرى دِينِيَّةٌ، فَأمّا الدُّنْيَوِيَّةُ فَإنَّها تُثِيرُ الشُّرُورَ والحُقُودَ، وتَئُولُ بِشارِبِها إلى التَّقاطُعِ. وأكْثَرُ ما تُسْتَعْمَلُ في جَماعَةٍ يَقْصِدُونَ التَّآنُسَ بِاجْتِماعِهِمْ عَلَيْها والتَّوَدُّدَ والتَّحَبُّبَ، فَتَعْكِسُ عَلَيْهِمُ الأمْرَ، ويَصِيرُونَ إلى التَّباغُضِ؛ لِأنَّها مُزِيلَةٌ لِلْعَقْلِ الَّذِي هو مَلاكُ الأشْياءِ. قَدْ يَكُونُ في نَفْسِ الرَّجُلِ الشَّيْءُ الَّذِي يَكْتُمُهُ بِالعَقْلِ، فَيَبُوحُ بِهِ عِنْدَ السُّكْرِ، فَيُؤَدِّي إلى التَّلَفِ؛ ألا تَرى إلى ما جَرى إلى سَعْدٍ وحَمْزَةَ ؟ وما أحْسَنَ ما قالَ قاضِي الجَماعَةِ أبُو القاسِمِ أحْمَدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ بَقِيٍّ، وكانَ فَقِيهًا عالِمًا عَلى مَذْهَبِ أهْلِ الحَدِيثِ، فِيما قَرَأْتُهُ عَلى القاضِي العالِمِ أبِي الحَسَنِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ أبِي الأحْوَصِ، عَنْهُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، بِكَرَمِهِ: ؎ألا إنَّما الدُّنْيا كَراحٍ عَتِيقَةٍ ∗∗∗ أرادَ مُدِيرُوها بِها جَلْبَ الأُنْسِ ؎فَلَمّا أدارُوها أنارَتْ حُقُودَهم ∗∗∗ فَعادَ الَّذِي رامُوا مِنَ الأُنْسِ بِالعَكْسِ وأمّا المَيْسِرُ فَإنَّ الرَّجُلَ لا يَزالُ يُقامِرُ حَتّى يَبْقى سَلِيبًا لا شَيْءَ لَهُ ويَنْتَهِي مِن سُوءِ الصَّنِيعِ في ذَلِكَ أنْ يُقامِرَ حَتّى عَلى أهْلِهِ ووَلَدِهِ، فَيُؤَدِّي بِهِ ذَلِكَ إلى أنْ يَصِيرَ أعْدى عَدُوٍّ لِمَن قَمَرَهُ وغَلَبَهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُؤْخَذُ مِنهُ عَلى سَبِيلِ القَهْرِ والغَلَبَةِ، ولا يُمْكِنُ امْتِناعُهُ مِن ذَلِكَ؛ ولِذَلِكَ قالَ بَعْضُ الجاهِلِيَّةِ: ؎لَوْ يَيْسِرُونَ بِخَيْلٍ قَدْ يَسَرْتُ بِها ∗∗∗ وكُلُّ ما يَسَرَ الأقْوامُ مَغْرُومُ وأمّا الدِّينِيَّةُ فالخَمْرُ؛ لِغَلَبَةِ السُّرُورِ بِها، والطَّرَبِ عَلى النُّفُوسِ، والِاسْتِغْراقِ في المَلاذِ الجِسْمانِيَّةِ؛ تُلْهِي عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وعَنِ الصَّلاةِ. والمَيْسِرُ إنْ كانَ غالِبًا بِهِ؛ انْشَرَحَتْ نَفْسُهُ، ومَنَعَهُ حُبُّ الغَلَبِ والقَهْرِ والكَسْبِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، وإنْ كانَ مَغْلُوبًا فَما حَصَلَ لَهُ مِنَ الِانْقِباضِ والنَّدَمِ والِاحْتِيالِ عَلى أنَّهُ يَصِيرُ غالِبًا، لا يَخْطُرُ بِقَلْبِهِ ذِكْرُ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لا يَذْكُرُهُ إلّا قَلْبٌ تَفَرَّغَ لَهُ واشْتَغَلَ بِهِ عَمّا سِواهُ. وقَدْ شاهَدْنا مَن يَلْعَبُ بِالنَّرْدِ والشَّطْرَنْجِ، يَجْرِي بَيْنَهم مِنَ اللَّجاجِ والحَلِفِ الكاذِبِ وإخْراجِ الصَّلاةِ عَنْ أوْقاتِها، ما يَرْبَأُ المُسْلِمُ عَنْهُ بِنَفْسِهِ، هَذا وهم يَلْعَبُونَ بِغَيْرِ جَعْلِ شَيْءٍ لِمَن غَلَبَ، فَكَيْفَ يَكُونُ حالُهم إذا لَعِبُوا عَلى شَيْءٍ فَأخَذَهُ الغالِبُ ؟ وأفْرَدَ الخَمْرَ والمَيْسِرَ هُنا وإنْ كانا قَدْ جُمِعا مَعَ الأنْصابِ والأزْلامِ؛ تَأْكِيدًا لِقُبْحِ (p-١٥)الخَمْرِ والمَيْسِرِ وتَبْعِيدًا عَنْ تَعاطِيهِما، فَنَزَلا في التَّرْكِ مَنزِلَةَ ما قَدْ تَرَكَهُ المُؤْمِنُونَ مِنَ الأنْصابِ والأزْلامِ. والعَداوَةُ تَتَعَلَّقُ بِالأُمُورِ الظّاهِرَةِ، وعُطِفَ عَلى هَذا ما هو أشَدُّ، وهو البَغْضاءُ؛ لِأنَّ مُتَعَلِّقَها القَلْبُ؛ لِذَلِكَ عُطِفَ عَلى ذِكْرِ اللَّهِ ما هو ألْزَمُ وأوْجَبُ وآكَدُ، وهو الصَّلاةُ. وفِيما يُنْتِجُهُ الخَمْرُ والمَيْسِرُ مِنَ العَداوَةِ والبَغْضاءِ والصَّدِّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ، أقْوى دَلِيلٍ عَلى تَحْرِيمِها، وعَلى أنْ يَنْتَهِيَ المُسْلِمُ عَنْهُما؛ ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ وهَذا الِاسْتِفْهامُ مِن أبْلَغِ ما يَنْهى عَنْهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ تُلِيَ عَلَيْكم ما فِيهِما مِنَ المَفاسِدِ الدُّنْيَوِيَّةِ والدِّينِيَّةِ الَّتِي تُوجِبُ الِانْتِهاءَ، فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ أمْ باقُونَ عَلى حالِكم مَعَ عِلْمِكم بِتِلْكَ المَفاسِدِ ؟ وجَعْلُ الجُمْلَةِ اسْمِيَّةً، والمُواجَهَةُ لَهم بِأنْتُمْ، أبْلَغُ مِن جَعْلِها فِعْلِيَّةً. وقِيلَ: هو اسْتِفْهامٌ يَضْمَنُ مَعْنى الأمْرِ؛ أيْ فانْتَهُوا؛ ولِذَلِكَ قالَ عُمَرُ: انْتَهَيْنا يا رَبِّ. وذَكَرَ أبُو الفَرَجِ بْنُ الجَوْزِيِّ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ أنَّ جَماعَةً كانُوا يَشْرَبُونَها بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، ويَقُولُونَ: إنَّما قالَ تَعالى: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فَقالَ بَعْضُهم: انْتَهَيْنا. وقالَ بَعْضُهم: لَمْ نَنْتَهِ، فَلَمّا نَزَلَ ﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ والإثْمَ﴾ [الأعراف: ٣٣] حُرِّمَتْ؛ لِأنَّ الإثْمَ اسْمٌ لِلْخَمْرِ، ولا يَصِحُّ هَذا. وقالَ التَّبْرِيزِيُّ هَذا اسْتِفْهامُ ذَمٍّ مَعْناهُ الأمْرُ؛ أيِ انْتَهُوا مَعْناهُ اتْرُكُوا وانْتَقِلُوا عَنْهُ إلى غَيْرِهِ مِنَ المُوَظَّفِ عَلَيْكُمُ انْتَهى. ووَجْهُ ما ذُكِرَ مِنَ الذَّمِّ أنَّهُ نَبَّهَ عَلى مَفاسِدَ تَتَوَلَّدُ مِنَ الخَمْرِ والمَيْسِرِ يَقْضِي العَقْلُ بِتَرْكِهِما مِن أجْلِها لَوْ لَمْ يَرِدِ الشَّرْعُ بِذَلِكَ، فَكَيْفَ وقَدْ ورَدَ الشَّرْعُ بِالتَّرْكِ ؟ وقَدْ تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ في البَقَرَةِ؛ أنَّ جَماعَةً مِنَ الجاهِلِيَّةِ لَمْ يَشْرَبُوا الخَمْرَ؛ صَوْنًا لِعُقُولِهِمْ عَمّا يُفْسِدُها، وكَذَلِكَ في الإسْلامِ قَبْلَ نُزُولِ تَحْرِيمِها. ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ واحْذَرُوا﴾ هَذا أمْرٌ بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وطاعَةِ الرَّسُولِ ﷺ، في امْتِثالِ ما أمَرَ بِهِ، واجْتِنابِ ما نَهى عَنْهُ. وأمَرَ بِالحَذَرِ مِن عاقِبَةِ المَعْصِيَةِ، وناسَبَ العَطْفُ في (وأطِيعُوا) عَلى مَعْنى قَوْلِهِ ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ إذْ تَضَمَّنَ هَذا مَعْنى الأمْرِ، وهو قَوْلُهُ (فانْتَهُوا) . وقِيلَ: الأمْرُ بِالطّاعَةِ هَذا مَخْصُوصٌ؛ أيْ أطِيعُوا فِيما أُمِرْتُمْ بِهِ مِنِ اجْتِنابِ ما أُمِرْتُمْ بِاجْتِنابِهِ، واحْذَرُوا ما عَلَيْكم في مُخالَفَةِ هَذا الأمْرِ، وكُرِّرَ (وأطِيعُوا) عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ، والأحْسَنُ أنْ لا يُقَيَّدَ الأمْرُ هُنا، بَلْ أُمِرُوا أنْ يَكُونُوا مُطِيعِينَ دائِمًا حَذِرِينَ خاشِينَ؛ لِأنَّ الحَذَرَ مَدْعاةٌ إلى عَمَلِ الحَسَناتِ واتِّقاءِ السَّيِّئاتِ. ﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فاعْلَمُوا أنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ أيْ فَإنْ أعْرَضْتُمْ فَلَيْسَ عَلى الرَّسُولِ إلّا أنْ يُبَلِّغَ أحْكامَ اللَّهِ، ولَيْسَ عَلَيْهِ خَلْقُ الطّاعَةِ فِيكم، ولا يَلْحَقُهُ مِن تَوَلِّيكم شَيْءٌ، بَلْ ذَلِكَ لاحِقٌ بِكم. وفي هَذا مِنَ الوَعِيدِ البالِغِ ما لا خَفاءَ بِهِ، إذْ تَضَمَّنَ أنَّ عِقابَكم إنَّما يَتَوَلّاهُ المُرْسِلُ، لا الرَّسُولُ، وما كُلِّفَ الرَّسُولُ مِن أمْرِكم غَيْرَ تَبْلِيغِكم. ووَصْفُ البَلاغِ بِالمُبِينِ إمّا لِأنَّهُ بَيِّنٌ في نَفْسِهِ واضِحٌ جَلِيٌّ، وإمّا لِأنَّهُ مُبَيِّنٌ لَكم أحْكامَ اللَّهِ تَعالى، وتَكالِيفَهُ بِحَيْثُ لا يَعْتَرِيها شُبْهَةٌ، بَلْ هي واضِحَةٌ نَيِّرَةٌ جَلِيَّةٌ. وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى تَحْرِيمِ الخَمْرِ، وهو الظّاهِرُ، وقَدْ حَلَفَ عُمَرُ فِيها، وبَلَغَهُ أنَّ قَوْمًا شَرِبُوها بِالشّامِ، وقالُوا هي حَلالٌ، فاتَّفَقَ رَأْيُهُ ورَأْيُ عَلِيٍّ عَلى أنْ يُسْتَتابُوا، فَإنْ تابُوا وإلّا قُتِلُوا؛ لِأنَّهُمُ اعْتَقَدُوا حَلَّها، والجُمْهُورُ عَلى أنَّها نَجِسَةُ العَيْنِ؛ لِتَسْمِيَتِها رِجْسًا، والرِّجْسُ النَّجِسُ المُسْتَقْذَرُ. وذَهَبَ رَبِيعَةُ واللَّيْثُ والمُزَنِيُّ وبَعْضُ المُتَأخِّرِينَ مِنَ البَغْدادِيِّينَ؛ إلى أنَّها ظاهِرَةٌ، واخْتَلَفُوا هَلْ كانَ المُسْكِرُ مِنها مُباحًا قَبْلَ التَّحْرِيمِ، أمْ لا.

المائدة 5:91

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ نَزَلَتْ بِسَبَبِ قِصَّةِ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ حِينَ شَرِبَ طائِفَةٌ مِنَ الأنْصارِ والمُهاجِرِينَ فَتَفاخَرُوا، فَقالَ (p-١٣)سَعْدٌ: المُهاجِرُونَ خَيْرٌ، فَرَماهُ أنْصارِيٌّ بِلَحْيِ جَمَلٍ فَفَزَرَ أنْفَهُ، وقِيلَ: بِسَبَبِ قَوْلِ عُمَرَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنا في الخَمْرِ بَيانًا شافِيًا، وقِيلَ: بِسَبَبِ قِصَّةِ حَمْزَةَ وعَلِيٍّ حِينَ عَقَرَ شارِفَ عَلِيٍّ. وقالَ: هَلْ أنْتُمْ إلّا عَبِيدٌ لِأبِي، وهي قِصَّةٌ طَوِيلَةٌ، وقِيلَ: كانَ أمْرُ الخَمْرِ ونُزُولُ الآياتِ بِتَدْرِيجٍ فَنَزَلَ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣] . وقِيلَ: بِسَبَبِ قِراءَةِ بَعْضِ الصَّحابَةِ وكانَ مُنْتَشِيًا في صَلاةِ المَغْرِبِ ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] عَلى غَيْرِ ما أُنْزِلَتْ ثُمَّ عَرَضَ ما عَرَضَ بِسَبَبِ شُرْبِها مِنَ الأُمُورِ المُؤَدِّيَةِ إلى تَحْرِيمِها حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ حَيَّيْنِ مِنَ الأنْصارِ ثَمِلُوا وعَرْبَدُوا، فَلَمّا صَحَوْا جَعَلَ كُلُّ واحِدٍ يَرى أثَرًا بِوَجْهِهِ وبِجَسَدِهِ فَيَقُولُ: هَذا فِعْلُ فُلانٍ، فَحَدَثَتْ بَيْنَهم ضَغائِنُ، ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها؛ أنَّهُ لَمّا أمَرَ تَعالى بِأكْلِ ما رَزَقَهم حَلالًا طَيِّبًا، ونَهاهم عَنْ تَحْرِيمِ ما أحَلَّهُ لَهم مِمّا لا إثْمَ فِيهِ، وكانَ المُسْتَطابُ المُسْتَلَذُّ عِنْدَهُمُ الخَمْرَ والمَيْسِرَ، وكانُوا يَقُولُونَ: الخَمْرُ تَطْرُدُ الهُمُومَ، وتُنَشِّطُ النَّفْسَ، وتُشَجِّعُ الجَبانَ، وتَبْعَثُ عَلى المَكارِمِ، والمَيْسِرُ يَحْصُلُ بِهِ تَنْمِيَةُ المالِ، ولَذَّةُ الغَلَبَةِ. بَيَّنَ تَعالى تَحْرِيمَ الخَمْرِ والمَيْسِرِ؛ لِأنَّ هَذِهِ اللَّذَّةَ يُقارِنُها مَفاسِدُ عَظِيمَةٌ فَفي الخَمْرِ إذْهابُ العَقْلِ، وإتْلافُ المالِ؛ ولِذَلِكَ ذَمَّ بَعْضُ حُكَماءِ الجاهِلِيَّةِ إتْلافَ المالِ بِها، وجَعَلَ تَرْكَ ذَلِكَ مَدْحًا فَقالَ: ؎أخِي ثِقَةٍ لا تُتْلِفُ الخَمْرُ مالَهُ ولَكِنَّهُ قَدْ يُهْلِكُ المالَ نائِلُهُ وتَنْشَأُ عَنْها مَفاسِدُ أُخَرُ مِن قَتْلِ النَّفْسِ، وشِدَّةِ البَغْضاءِ وارْتِكابِ المَعاصِي؛ لِأنَّ مَلاكَ هَذِهِ كُلِّها العَقْلُ، فَإذا ذَهَبَ العَقْلُ أتَتْ هَذِهِ المَفاسِدُ. والمَيْسِرُ فِيهِ أخْذُ المالِ بِالباطِلِ، وهَذا الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ. والَّذِي مُنِعُوا مِنهُ في هَذِهِ الآيَةِ؛ هي شَهَواتٌ وعاداتٌ، فَأمّا الخَمْرُ فَكانَتْ لَمْ تُحَرَّمْ بَعْدُ، وإنَّما نَزَلَ تَحْرِيمُها بَعْدَ وقْعَةِ أُحُدٍ، سَنَةَ ثَلاثٍ مِنَ الهِجْرَةِ، وأمّا المَيْسِرُ فَفِيهِ لَذَّةٌ، وغَلَبَةٌ، وأمّا الأنْصابُ فَإنْ كانَتِ الحِجارَةُ الَّتِي يَذْبَحُونَ عِنْدَها ويَنْحَرُونَ؛ فَحُكِمَ عَلَيْها بِالرِّجْسِ؛ دَفْعًا لِما عَسى أنْ يَبْقى في قَلْبِ ضَعِيفِ الإيمانِ مِن تَعْظِيمِها، وإنْ كانَتِ الأنْصابُ الَّتِي تُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ؛ فَقُرِنَتِ الثَّلاثَةُ بِها مُبالَغَةً في أنَّهُ يَجِبُ اجْتِنابُها كَما يَجِبُ اجْتِنابُ الأصْنامِ، وأمّا الأزْلامُ الَّتِي كانَ الأكْثَرُونَ يَتَّخِذُونَها في أحَدِها (لا) وفي الآخَرِ (نَعَمْ) والآخَرِ (غُفْلٌ)، وكانُوا يُعَظِّمُونَها، ومِنها ما يَكُونُ عِنْدَ الكُهّانِ، ومِنها ما يَكُونُ عِنْدَ قُرَيْشٍ في الكَعْبَةِ، وكانَ فِيها أحْكامٌ لَهم. ومِن هَذا القَبِيلِ الزَّجْرُ بِالطَّيْرِ وبِالوَحْشِ، وبِأخْذِ الفَأْلِ في الكُتُبِ ونَحْوِهِ مِمّا يَصْنَعُهُ النّاسُ اليَوْمَ. وقَدِ اجْتَمَعَتْ أنْواعٌ مِنَ التَّأْكِيدِ في الآيَةِ، مِنها التَّصْدِيرُ بِإنَّما وقِرانُ الخَمْرِ والمَيْسِرِ بِالأصْنامِ إذا فَسَّرْنا الأنْصابَ بِها. وفي الحَدِيثِ «مُدْمِنُ الخَمْرِ كَعابِدِ وثَنٍ» والإخْبارُ عَنْها بِقَوْلِهِ رِجْسٌ. وقالَ تَعالى: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠]، ووَصَفَهُ بِأنَّهُ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ، والشَّيْطانُ لا يَأْتِي مِنهُ إلّا الشَّرُّ البَحْتُ. والأمْرُ بِالِاجْتِنابِ وتَرْجِيَةِ الفَلاحِ، وهو الفَوْزُ بِاجْتِنابِهِ، فالخَيْبَةُ في ارْتِكابِهِ. وبُدِئَ بِالخَمْرِ لِأنَّ سَبَبَ النُّزُولِ إنَّما وقَعَ بِها مِنَ الفَسادِ؛ ولِأنَّها جِماعُ الإثْمِ. وكانَتْ خَمْرُ المَدِينَةِ حِينَ نُزُولِها الغالِبُ عَلَيْها كَوْنُها مِنَ العَسَلِ ومِنَ التَّمْرِ ومِنَ الزَّبِيبِ ومِنَ الحِنْطَةِ ومِنَ الشَّعِيرِ، وكانَتْ قَلِيلَةً مِنَ العِنَبِ، وقَدْ أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى تَحْرِيمِ القَلِيلِ والكَثِيرِ مِن خَمْرِ العِنَبِ الَّتِي لَمْ تَمَسَّها نارٌ ولا خالَطَها شَيْءٌ، والأكْثَرُ مِنَ الأُمَّةِ عَلى أنَّ ما أسْكَرَ كَثِيرُهُ، فَقَلِيلُهُ حَرامٌ. والخِلافُ فِيما لا يُسْكِرُ قَلِيلُهُ ويُسْكِرُ كَثِيرُهُ مِن غَيْرِ خَمْرِ العِنَبِ، مَذْكُورٌ في كُتُبِ الفِقْهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَدْ خَرَّجَ قَوْمٌ تَحْرِيمَ الخَمْرِ مِن وصْفِها بِرِجْسٍ، وقَدْ وصَفَ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ بِأنَّها رِجْسٌ، فَيَجِيءُ مِن ذَلِكَ أنَّ كُلَّ رِجْسٍ حَرامٌ، وفي هَذا نَظَرٌ. والِاجْتِنابُ أنْ تَجْعَلَ الشَّيْءَ جانِبًا وناحِيَةً انْتَهى. ولَمّا كانَ الشَّيْطانُ هو الدّاعِي إلى التَّلَبُّسِ بِهَذِهِ المَعاصِي والمُغْرِي بِها؛ جُعِلَتْ مِن عَمَلِهِ وفِعْلِهِ، ونُسِبَتْ إلَيْهِ عَلى جِهَةِ المَجازِ والمُبالَغَةِ في كَمالِ (p-١٤)تَقْبِيحِهِ، كَما جاءَ ﴿فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥] قالَ هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ، والضَّمِيرُ في (فاجْتَنِبُوهُ) عائِدٌ عَلى الرِّجْسِ المُخْبَرِ عَنْهُ مِنَ الأرْبَعَةِ، فَكانَ الأمْرُ بِاجْتِنابِهِ مُتَناوِلًا لَها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ إلامَ يَرْجِعُ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ ﴿فاجْتَنِبُوهُ﴾ ؟ قُلْتُ إلى المُضافِ المَحْذُوفِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّما شَأْنُ الخَمْرِ والمَيْسِرِ أوْ تَعاطِيهِما أوْ ما أشْبَهَ ذَلِكَ؛ ولِذَلِكَ قالَ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ انْتَهى. ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ هَذا المُضافِ، بَلِ الحُكْمُ عَلى هَذِهِ الأرْبَعَةِ أنْفُسِها أنَّها رِجْسٌ أبْلَغُ مِن تَقْدِيرِ ذَلِكَ المُضافِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] . ﴿إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ ويَصُدَّكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ ذَكَرَ تَعالى في الخَمْرِ والمَيْسِرِ مَفْسَدَتَيْنِ إحْداهُما دُنْيَوِيَّةٌ، والأُخْرى دِينِيَّةٌ، فَأمّا الدُّنْيَوِيَّةُ فَإنَّها تُثِيرُ الشُّرُورَ والحُقُودَ، وتَئُولُ بِشارِبِها إلى التَّقاطُعِ. وأكْثَرُ ما تُسْتَعْمَلُ في جَماعَةٍ يَقْصِدُونَ التَّآنُسَ بِاجْتِماعِهِمْ عَلَيْها والتَّوَدُّدَ والتَّحَبُّبَ، فَتَعْكِسُ عَلَيْهِمُ الأمْرَ، ويَصِيرُونَ إلى التَّباغُضِ؛ لِأنَّها مُزِيلَةٌ لِلْعَقْلِ الَّذِي هو مَلاكُ الأشْياءِ. قَدْ يَكُونُ في نَفْسِ الرَّجُلِ الشَّيْءُ الَّذِي يَكْتُمُهُ بِالعَقْلِ، فَيَبُوحُ بِهِ عِنْدَ السُّكْرِ، فَيُؤَدِّي إلى التَّلَفِ؛ ألا تَرى إلى ما جَرى إلى سَعْدٍ وحَمْزَةَ ؟ وما أحْسَنَ ما قالَ قاضِي الجَماعَةِ أبُو القاسِمِ أحْمَدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ بَقِيٍّ، وكانَ فَقِيهًا عالِمًا عَلى مَذْهَبِ أهْلِ الحَدِيثِ، فِيما قَرَأْتُهُ عَلى القاضِي العالِمِ أبِي الحَسَنِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ أبِي الأحْوَصِ، عَنْهُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، بِكَرَمِهِ: ؎ألا إنَّما الدُّنْيا كَراحٍ عَتِيقَةٍ ∗∗∗ أرادَ مُدِيرُوها بِها جَلْبَ الأُنْسِ ؎فَلَمّا أدارُوها أنارَتْ حُقُودَهم ∗∗∗ فَعادَ الَّذِي رامُوا مِنَ الأُنْسِ بِالعَكْسِ وأمّا المَيْسِرُ فَإنَّ الرَّجُلَ لا يَزالُ يُقامِرُ حَتّى يَبْقى سَلِيبًا لا شَيْءَ لَهُ ويَنْتَهِي مِن سُوءِ الصَّنِيعِ في ذَلِكَ أنْ يُقامِرَ حَتّى عَلى أهْلِهِ ووَلَدِهِ، فَيُؤَدِّي بِهِ ذَلِكَ إلى أنْ يَصِيرَ أعْدى عَدُوٍّ لِمَن قَمَرَهُ وغَلَبَهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُؤْخَذُ مِنهُ عَلى سَبِيلِ القَهْرِ والغَلَبَةِ، ولا يُمْكِنُ امْتِناعُهُ مِن ذَلِكَ؛ ولِذَلِكَ قالَ بَعْضُ الجاهِلِيَّةِ: ؎لَوْ يَيْسِرُونَ بِخَيْلٍ قَدْ يَسَرْتُ بِها ∗∗∗ وكُلُّ ما يَسَرَ الأقْوامُ مَغْرُومُ وأمّا الدِّينِيَّةُ فالخَمْرُ؛ لِغَلَبَةِ السُّرُورِ بِها، والطَّرَبِ عَلى النُّفُوسِ، والِاسْتِغْراقِ في المَلاذِ الجِسْمانِيَّةِ؛ تُلْهِي عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وعَنِ الصَّلاةِ. والمَيْسِرُ إنْ كانَ غالِبًا بِهِ؛ انْشَرَحَتْ نَفْسُهُ، ومَنَعَهُ حُبُّ الغَلَبِ والقَهْرِ والكَسْبِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، وإنْ كانَ مَغْلُوبًا فَما حَصَلَ لَهُ مِنَ الِانْقِباضِ والنَّدَمِ والِاحْتِيالِ عَلى أنَّهُ يَصِيرُ غالِبًا، لا يَخْطُرُ بِقَلْبِهِ ذِكْرُ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لا يَذْكُرُهُ إلّا قَلْبٌ تَفَرَّغَ لَهُ واشْتَغَلَ بِهِ عَمّا سِواهُ. وقَدْ شاهَدْنا مَن يَلْعَبُ بِالنَّرْدِ والشَّطْرَنْجِ، يَجْرِي بَيْنَهم مِنَ اللَّجاجِ والحَلِفِ الكاذِبِ وإخْراجِ الصَّلاةِ عَنْ أوْقاتِها، ما يَرْبَأُ المُسْلِمُ عَنْهُ بِنَفْسِهِ، هَذا وهم يَلْعَبُونَ بِغَيْرِ جَعْلِ شَيْءٍ لِمَن غَلَبَ، فَكَيْفَ يَكُونُ حالُهم إذا لَعِبُوا عَلى شَيْءٍ فَأخَذَهُ الغالِبُ ؟ وأفْرَدَ الخَمْرَ والمَيْسِرَ هُنا وإنْ كانا قَدْ جُمِعا مَعَ الأنْصابِ والأزْلامِ؛ تَأْكِيدًا لِقُبْحِ (p-١٥)الخَمْرِ والمَيْسِرِ وتَبْعِيدًا عَنْ تَعاطِيهِما، فَنَزَلا في التَّرْكِ مَنزِلَةَ ما قَدْ تَرَكَهُ المُؤْمِنُونَ مِنَ الأنْصابِ والأزْلامِ. والعَداوَةُ تَتَعَلَّقُ بِالأُمُورِ الظّاهِرَةِ، وعُطِفَ عَلى هَذا ما هو أشَدُّ، وهو البَغْضاءُ؛ لِأنَّ مُتَعَلِّقَها القَلْبُ؛ لِذَلِكَ عُطِفَ عَلى ذِكْرِ اللَّهِ ما هو ألْزَمُ وأوْجَبُ وآكَدُ، وهو الصَّلاةُ. وفِيما يُنْتِجُهُ الخَمْرُ والمَيْسِرُ مِنَ العَداوَةِ والبَغْضاءِ والصَّدِّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ، أقْوى دَلِيلٍ عَلى تَحْرِيمِها، وعَلى أنْ يَنْتَهِيَ المُسْلِمُ عَنْهُما؛ ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ وهَذا الِاسْتِفْهامُ مِن أبْلَغِ ما يَنْهى عَنْهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ تُلِيَ عَلَيْكم ما فِيهِما مِنَ المَفاسِدِ الدُّنْيَوِيَّةِ والدِّينِيَّةِ الَّتِي تُوجِبُ الِانْتِهاءَ، فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ أمْ باقُونَ عَلى حالِكم مَعَ عِلْمِكم بِتِلْكَ المَفاسِدِ ؟ وجَعْلُ الجُمْلَةِ اسْمِيَّةً، والمُواجَهَةُ لَهم بِأنْتُمْ، أبْلَغُ مِن جَعْلِها فِعْلِيَّةً. وقِيلَ: هو اسْتِفْهامٌ يَضْمَنُ مَعْنى الأمْرِ؛ أيْ فانْتَهُوا؛ ولِذَلِكَ قالَ عُمَرُ: انْتَهَيْنا يا رَبِّ. وذَكَرَ أبُو الفَرَجِ بْنُ الجَوْزِيِّ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ أنَّ جَماعَةً كانُوا يَشْرَبُونَها بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، ويَقُولُونَ: إنَّما قالَ تَعالى: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فَقالَ بَعْضُهم: انْتَهَيْنا. وقالَ بَعْضُهم: لَمْ نَنْتَهِ، فَلَمّا نَزَلَ ﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ والإثْمَ﴾ [الأعراف: ٣٣] حُرِّمَتْ؛ لِأنَّ الإثْمَ اسْمٌ لِلْخَمْرِ، ولا يَصِحُّ هَذا. وقالَ التَّبْرِيزِيُّ هَذا اسْتِفْهامُ ذَمٍّ مَعْناهُ الأمْرُ؛ أيِ انْتَهُوا مَعْناهُ اتْرُكُوا وانْتَقِلُوا عَنْهُ إلى غَيْرِهِ مِنَ المُوَظَّفِ عَلَيْكُمُ انْتَهى. ووَجْهُ ما ذُكِرَ مِنَ الذَّمِّ أنَّهُ نَبَّهَ عَلى مَفاسِدَ تَتَوَلَّدُ مِنَ الخَمْرِ والمَيْسِرِ يَقْضِي العَقْلُ بِتَرْكِهِما مِن أجْلِها لَوْ لَمْ يَرِدِ الشَّرْعُ بِذَلِكَ، فَكَيْفَ وقَدْ ورَدَ الشَّرْعُ بِالتَّرْكِ ؟ وقَدْ تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ في البَقَرَةِ؛ أنَّ جَماعَةً مِنَ الجاهِلِيَّةِ لَمْ يَشْرَبُوا الخَمْرَ؛ صَوْنًا لِعُقُولِهِمْ عَمّا يُفْسِدُها، وكَذَلِكَ في الإسْلامِ قَبْلَ نُزُولِ تَحْرِيمِها. ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ واحْذَرُوا﴾ هَذا أمْرٌ بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وطاعَةِ الرَّسُولِ ﷺ، في امْتِثالِ ما أمَرَ بِهِ، واجْتِنابِ ما نَهى عَنْهُ. وأمَرَ بِالحَذَرِ مِن عاقِبَةِ المَعْصِيَةِ، وناسَبَ العَطْفُ في (وأطِيعُوا) عَلى مَعْنى قَوْلِهِ ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ إذْ تَضَمَّنَ هَذا مَعْنى الأمْرِ، وهو قَوْلُهُ (فانْتَهُوا) . وقِيلَ: الأمْرُ بِالطّاعَةِ هَذا مَخْصُوصٌ؛ أيْ أطِيعُوا فِيما أُمِرْتُمْ بِهِ مِنِ اجْتِنابِ ما أُمِرْتُمْ بِاجْتِنابِهِ، واحْذَرُوا ما عَلَيْكم في مُخالَفَةِ هَذا الأمْرِ، وكُرِّرَ (وأطِيعُوا) عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ، والأحْسَنُ أنْ لا يُقَيَّدَ الأمْرُ هُنا، بَلْ أُمِرُوا أنْ يَكُونُوا مُطِيعِينَ دائِمًا حَذِرِينَ خاشِينَ؛ لِأنَّ الحَذَرَ مَدْعاةٌ إلى عَمَلِ الحَسَناتِ واتِّقاءِ السَّيِّئاتِ. ﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فاعْلَمُوا أنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ أيْ فَإنْ أعْرَضْتُمْ فَلَيْسَ عَلى الرَّسُولِ إلّا أنْ يُبَلِّغَ أحْكامَ اللَّهِ، ولَيْسَ عَلَيْهِ خَلْقُ الطّاعَةِ فِيكم، ولا يَلْحَقُهُ مِن تَوَلِّيكم شَيْءٌ، بَلْ ذَلِكَ لاحِقٌ بِكم. وفي هَذا مِنَ الوَعِيدِ البالِغِ ما لا خَفاءَ بِهِ، إذْ تَضَمَّنَ أنَّ عِقابَكم إنَّما يَتَوَلّاهُ المُرْسِلُ، لا الرَّسُولُ، وما كُلِّفَ الرَّسُولُ مِن أمْرِكم غَيْرَ تَبْلِيغِكم. ووَصْفُ البَلاغِ بِالمُبِينِ إمّا لِأنَّهُ بَيِّنٌ في نَفْسِهِ واضِحٌ جَلِيٌّ، وإمّا لِأنَّهُ مُبَيِّنٌ لَكم أحْكامَ اللَّهِ تَعالى، وتَكالِيفَهُ بِحَيْثُ لا يَعْتَرِيها شُبْهَةٌ، بَلْ هي واضِحَةٌ نَيِّرَةٌ جَلِيَّةٌ. وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى تَحْرِيمِ الخَمْرِ، وهو الظّاهِرُ، وقَدْ حَلَفَ عُمَرُ فِيها، وبَلَغَهُ أنَّ قَوْمًا شَرِبُوها بِالشّامِ، وقالُوا هي حَلالٌ، فاتَّفَقَ رَأْيُهُ ورَأْيُ عَلِيٍّ عَلى أنْ يُسْتَتابُوا، فَإنْ تابُوا وإلّا قُتِلُوا؛ لِأنَّهُمُ اعْتَقَدُوا حَلَّها، والجُمْهُورُ عَلى أنَّها نَجِسَةُ العَيْنِ؛ لِتَسْمِيَتِها رِجْسًا، والرِّجْسُ النَّجِسُ المُسْتَقْذَرُ. وذَهَبَ رَبِيعَةُ واللَّيْثُ والمُزَنِيُّ وبَعْضُ المُتَأخِّرِينَ مِنَ البَغْدادِيِّينَ؛ إلى أنَّها ظاهِرَةٌ، واخْتَلَفُوا هَلْ كانَ المُسْكِرُ مِنها مُباحًا قَبْلَ التَّحْرِيمِ، أمْ لا.

المائدة 5:92

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ نَزَلَتْ بِسَبَبِ قِصَّةِ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ حِينَ شَرِبَ طائِفَةٌ مِنَ الأنْصارِ والمُهاجِرِينَ فَتَفاخَرُوا، فَقالَ (p-١٣)سَعْدٌ: المُهاجِرُونَ خَيْرٌ، فَرَماهُ أنْصارِيٌّ بِلَحْيِ جَمَلٍ فَفَزَرَ أنْفَهُ، وقِيلَ: بِسَبَبِ قَوْلِ عُمَرَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنا في الخَمْرِ بَيانًا شافِيًا، وقِيلَ: بِسَبَبِ قِصَّةِ حَمْزَةَ وعَلِيٍّ حِينَ عَقَرَ شارِفَ عَلِيٍّ. وقالَ: هَلْ أنْتُمْ إلّا عَبِيدٌ لِأبِي، وهي قِصَّةٌ طَوِيلَةٌ، وقِيلَ: كانَ أمْرُ الخَمْرِ ونُزُولُ الآياتِ بِتَدْرِيجٍ فَنَزَلَ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣] . وقِيلَ: بِسَبَبِ قِراءَةِ بَعْضِ الصَّحابَةِ وكانَ مُنْتَشِيًا في صَلاةِ المَغْرِبِ ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] عَلى غَيْرِ ما أُنْزِلَتْ ثُمَّ عَرَضَ ما عَرَضَ بِسَبَبِ شُرْبِها مِنَ الأُمُورِ المُؤَدِّيَةِ إلى تَحْرِيمِها حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ حَيَّيْنِ مِنَ الأنْصارِ ثَمِلُوا وعَرْبَدُوا، فَلَمّا صَحَوْا جَعَلَ كُلُّ واحِدٍ يَرى أثَرًا بِوَجْهِهِ وبِجَسَدِهِ فَيَقُولُ: هَذا فِعْلُ فُلانٍ، فَحَدَثَتْ بَيْنَهم ضَغائِنُ، ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها؛ أنَّهُ لَمّا أمَرَ تَعالى بِأكْلِ ما رَزَقَهم حَلالًا طَيِّبًا، ونَهاهم عَنْ تَحْرِيمِ ما أحَلَّهُ لَهم مِمّا لا إثْمَ فِيهِ، وكانَ المُسْتَطابُ المُسْتَلَذُّ عِنْدَهُمُ الخَمْرَ والمَيْسِرَ، وكانُوا يَقُولُونَ: الخَمْرُ تَطْرُدُ الهُمُومَ، وتُنَشِّطُ النَّفْسَ، وتُشَجِّعُ الجَبانَ، وتَبْعَثُ عَلى المَكارِمِ، والمَيْسِرُ يَحْصُلُ بِهِ تَنْمِيَةُ المالِ، ولَذَّةُ الغَلَبَةِ. بَيَّنَ تَعالى تَحْرِيمَ الخَمْرِ والمَيْسِرِ؛ لِأنَّ هَذِهِ اللَّذَّةَ يُقارِنُها مَفاسِدُ عَظِيمَةٌ فَفي الخَمْرِ إذْهابُ العَقْلِ، وإتْلافُ المالِ؛ ولِذَلِكَ ذَمَّ بَعْضُ حُكَماءِ الجاهِلِيَّةِ إتْلافَ المالِ بِها، وجَعَلَ تَرْكَ ذَلِكَ مَدْحًا فَقالَ: ؎أخِي ثِقَةٍ لا تُتْلِفُ الخَمْرُ مالَهُ ولَكِنَّهُ قَدْ يُهْلِكُ المالَ نائِلُهُ وتَنْشَأُ عَنْها مَفاسِدُ أُخَرُ مِن قَتْلِ النَّفْسِ، وشِدَّةِ البَغْضاءِ وارْتِكابِ المَعاصِي؛ لِأنَّ مَلاكَ هَذِهِ كُلِّها العَقْلُ، فَإذا ذَهَبَ العَقْلُ أتَتْ هَذِهِ المَفاسِدُ. والمَيْسِرُ فِيهِ أخْذُ المالِ بِالباطِلِ، وهَذا الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ. والَّذِي مُنِعُوا مِنهُ في هَذِهِ الآيَةِ؛ هي شَهَواتٌ وعاداتٌ، فَأمّا الخَمْرُ فَكانَتْ لَمْ تُحَرَّمْ بَعْدُ، وإنَّما نَزَلَ تَحْرِيمُها بَعْدَ وقْعَةِ أُحُدٍ، سَنَةَ ثَلاثٍ مِنَ الهِجْرَةِ، وأمّا المَيْسِرُ فَفِيهِ لَذَّةٌ، وغَلَبَةٌ، وأمّا الأنْصابُ فَإنْ كانَتِ الحِجارَةُ الَّتِي يَذْبَحُونَ عِنْدَها ويَنْحَرُونَ؛ فَحُكِمَ عَلَيْها بِالرِّجْسِ؛ دَفْعًا لِما عَسى أنْ يَبْقى في قَلْبِ ضَعِيفِ الإيمانِ مِن تَعْظِيمِها، وإنْ كانَتِ الأنْصابُ الَّتِي تُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ؛ فَقُرِنَتِ الثَّلاثَةُ بِها مُبالَغَةً في أنَّهُ يَجِبُ اجْتِنابُها كَما يَجِبُ اجْتِنابُ الأصْنامِ، وأمّا الأزْلامُ الَّتِي كانَ الأكْثَرُونَ يَتَّخِذُونَها في أحَدِها (لا) وفي الآخَرِ (نَعَمْ) والآخَرِ (غُفْلٌ)، وكانُوا يُعَظِّمُونَها، ومِنها ما يَكُونُ عِنْدَ الكُهّانِ، ومِنها ما يَكُونُ عِنْدَ قُرَيْشٍ في الكَعْبَةِ، وكانَ فِيها أحْكامٌ لَهم. ومِن هَذا القَبِيلِ الزَّجْرُ بِالطَّيْرِ وبِالوَحْشِ، وبِأخْذِ الفَأْلِ في الكُتُبِ ونَحْوِهِ مِمّا يَصْنَعُهُ النّاسُ اليَوْمَ. وقَدِ اجْتَمَعَتْ أنْواعٌ مِنَ التَّأْكِيدِ في الآيَةِ، مِنها التَّصْدِيرُ بِإنَّما وقِرانُ الخَمْرِ والمَيْسِرِ بِالأصْنامِ إذا فَسَّرْنا الأنْصابَ بِها. وفي الحَدِيثِ «مُدْمِنُ الخَمْرِ كَعابِدِ وثَنٍ» والإخْبارُ عَنْها بِقَوْلِهِ رِجْسٌ. وقالَ تَعالى: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠]، ووَصَفَهُ بِأنَّهُ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ، والشَّيْطانُ لا يَأْتِي مِنهُ إلّا الشَّرُّ البَحْتُ. والأمْرُ بِالِاجْتِنابِ وتَرْجِيَةِ الفَلاحِ، وهو الفَوْزُ بِاجْتِنابِهِ، فالخَيْبَةُ في ارْتِكابِهِ. وبُدِئَ بِالخَمْرِ لِأنَّ سَبَبَ النُّزُولِ إنَّما وقَعَ بِها مِنَ الفَسادِ؛ ولِأنَّها جِماعُ الإثْمِ. وكانَتْ خَمْرُ المَدِينَةِ حِينَ نُزُولِها الغالِبُ عَلَيْها كَوْنُها مِنَ العَسَلِ ومِنَ التَّمْرِ ومِنَ الزَّبِيبِ ومِنَ الحِنْطَةِ ومِنَ الشَّعِيرِ، وكانَتْ قَلِيلَةً مِنَ العِنَبِ، وقَدْ أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى تَحْرِيمِ القَلِيلِ والكَثِيرِ مِن خَمْرِ العِنَبِ الَّتِي لَمْ تَمَسَّها نارٌ ولا خالَطَها شَيْءٌ، والأكْثَرُ مِنَ الأُمَّةِ عَلى أنَّ ما أسْكَرَ كَثِيرُهُ، فَقَلِيلُهُ حَرامٌ. والخِلافُ فِيما لا يُسْكِرُ قَلِيلُهُ ويُسْكِرُ كَثِيرُهُ مِن غَيْرِ خَمْرِ العِنَبِ، مَذْكُورٌ في كُتُبِ الفِقْهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَدْ خَرَّجَ قَوْمٌ تَحْرِيمَ الخَمْرِ مِن وصْفِها بِرِجْسٍ، وقَدْ وصَفَ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ بِأنَّها رِجْسٌ، فَيَجِيءُ مِن ذَلِكَ أنَّ كُلَّ رِجْسٍ حَرامٌ، وفي هَذا نَظَرٌ. والِاجْتِنابُ أنْ تَجْعَلَ الشَّيْءَ جانِبًا وناحِيَةً انْتَهى. ولَمّا كانَ الشَّيْطانُ هو الدّاعِي إلى التَّلَبُّسِ بِهَذِهِ المَعاصِي والمُغْرِي بِها؛ جُعِلَتْ مِن عَمَلِهِ وفِعْلِهِ، ونُسِبَتْ إلَيْهِ عَلى جِهَةِ المَجازِ والمُبالَغَةِ في كَمالِ (p-١٤)تَقْبِيحِهِ، كَما جاءَ ﴿فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥] قالَ هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ، والضَّمِيرُ في (فاجْتَنِبُوهُ) عائِدٌ عَلى الرِّجْسِ المُخْبَرِ عَنْهُ مِنَ الأرْبَعَةِ، فَكانَ الأمْرُ بِاجْتِنابِهِ مُتَناوِلًا لَها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ إلامَ يَرْجِعُ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ ﴿فاجْتَنِبُوهُ﴾ ؟ قُلْتُ إلى المُضافِ المَحْذُوفِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّما شَأْنُ الخَمْرِ والمَيْسِرِ أوْ تَعاطِيهِما أوْ ما أشْبَهَ ذَلِكَ؛ ولِذَلِكَ قالَ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ انْتَهى. ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ هَذا المُضافِ، بَلِ الحُكْمُ عَلى هَذِهِ الأرْبَعَةِ أنْفُسِها أنَّها رِجْسٌ أبْلَغُ مِن تَقْدِيرِ ذَلِكَ المُضافِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] . ﴿إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ ويَصُدَّكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ ذَكَرَ تَعالى في الخَمْرِ والمَيْسِرِ مَفْسَدَتَيْنِ إحْداهُما دُنْيَوِيَّةٌ، والأُخْرى دِينِيَّةٌ، فَأمّا الدُّنْيَوِيَّةُ فَإنَّها تُثِيرُ الشُّرُورَ والحُقُودَ، وتَئُولُ بِشارِبِها إلى التَّقاطُعِ. وأكْثَرُ ما تُسْتَعْمَلُ في جَماعَةٍ يَقْصِدُونَ التَّآنُسَ بِاجْتِماعِهِمْ عَلَيْها والتَّوَدُّدَ والتَّحَبُّبَ، فَتَعْكِسُ عَلَيْهِمُ الأمْرَ، ويَصِيرُونَ إلى التَّباغُضِ؛ لِأنَّها مُزِيلَةٌ لِلْعَقْلِ الَّذِي هو مَلاكُ الأشْياءِ. قَدْ يَكُونُ في نَفْسِ الرَّجُلِ الشَّيْءُ الَّذِي يَكْتُمُهُ بِالعَقْلِ، فَيَبُوحُ بِهِ عِنْدَ السُّكْرِ، فَيُؤَدِّي إلى التَّلَفِ؛ ألا تَرى إلى ما جَرى إلى سَعْدٍ وحَمْزَةَ ؟ وما أحْسَنَ ما قالَ قاضِي الجَماعَةِ أبُو القاسِمِ أحْمَدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ بَقِيٍّ، وكانَ فَقِيهًا عالِمًا عَلى مَذْهَبِ أهْلِ الحَدِيثِ، فِيما قَرَأْتُهُ عَلى القاضِي العالِمِ أبِي الحَسَنِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ أبِي الأحْوَصِ، عَنْهُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، بِكَرَمِهِ: ؎ألا إنَّما الدُّنْيا كَراحٍ عَتِيقَةٍ ∗∗∗ أرادَ مُدِيرُوها بِها جَلْبَ الأُنْسِ ؎فَلَمّا أدارُوها أنارَتْ حُقُودَهم ∗∗∗ فَعادَ الَّذِي رامُوا مِنَ الأُنْسِ بِالعَكْسِ وأمّا المَيْسِرُ فَإنَّ الرَّجُلَ لا يَزالُ يُقامِرُ حَتّى يَبْقى سَلِيبًا لا شَيْءَ لَهُ ويَنْتَهِي مِن سُوءِ الصَّنِيعِ في ذَلِكَ أنْ يُقامِرَ حَتّى عَلى أهْلِهِ ووَلَدِهِ، فَيُؤَدِّي بِهِ ذَلِكَ إلى أنْ يَصِيرَ أعْدى عَدُوٍّ لِمَن قَمَرَهُ وغَلَبَهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُؤْخَذُ مِنهُ عَلى سَبِيلِ القَهْرِ والغَلَبَةِ، ولا يُمْكِنُ امْتِناعُهُ مِن ذَلِكَ؛ ولِذَلِكَ قالَ بَعْضُ الجاهِلِيَّةِ: ؎لَوْ يَيْسِرُونَ بِخَيْلٍ قَدْ يَسَرْتُ بِها ∗∗∗ وكُلُّ ما يَسَرَ الأقْوامُ مَغْرُومُ وأمّا الدِّينِيَّةُ فالخَمْرُ؛ لِغَلَبَةِ السُّرُورِ بِها، والطَّرَبِ عَلى النُّفُوسِ، والِاسْتِغْراقِ في المَلاذِ الجِسْمانِيَّةِ؛ تُلْهِي عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وعَنِ الصَّلاةِ. والمَيْسِرُ إنْ كانَ غالِبًا بِهِ؛ انْشَرَحَتْ نَفْسُهُ، ومَنَعَهُ حُبُّ الغَلَبِ والقَهْرِ والكَسْبِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، وإنْ كانَ مَغْلُوبًا فَما حَصَلَ لَهُ مِنَ الِانْقِباضِ والنَّدَمِ والِاحْتِيالِ عَلى أنَّهُ يَصِيرُ غالِبًا، لا يَخْطُرُ بِقَلْبِهِ ذِكْرُ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لا يَذْكُرُهُ إلّا قَلْبٌ تَفَرَّغَ لَهُ واشْتَغَلَ بِهِ عَمّا سِواهُ. وقَدْ شاهَدْنا مَن يَلْعَبُ بِالنَّرْدِ والشَّطْرَنْجِ، يَجْرِي بَيْنَهم مِنَ اللَّجاجِ والحَلِفِ الكاذِبِ وإخْراجِ الصَّلاةِ عَنْ أوْقاتِها، ما يَرْبَأُ المُسْلِمُ عَنْهُ بِنَفْسِهِ، هَذا وهم يَلْعَبُونَ بِغَيْرِ جَعْلِ شَيْءٍ لِمَن غَلَبَ، فَكَيْفَ يَكُونُ حالُهم إذا لَعِبُوا عَلى شَيْءٍ فَأخَذَهُ الغالِبُ ؟ وأفْرَدَ الخَمْرَ والمَيْسِرَ هُنا وإنْ كانا قَدْ جُمِعا مَعَ الأنْصابِ والأزْلامِ؛ تَأْكِيدًا لِقُبْحِ (p-١٥)الخَمْرِ والمَيْسِرِ وتَبْعِيدًا عَنْ تَعاطِيهِما، فَنَزَلا في التَّرْكِ مَنزِلَةَ ما قَدْ تَرَكَهُ المُؤْمِنُونَ مِنَ الأنْصابِ والأزْلامِ. والعَداوَةُ تَتَعَلَّقُ بِالأُمُورِ الظّاهِرَةِ، وعُطِفَ عَلى هَذا ما هو أشَدُّ، وهو البَغْضاءُ؛ لِأنَّ مُتَعَلِّقَها القَلْبُ؛ لِذَلِكَ عُطِفَ عَلى ذِكْرِ اللَّهِ ما هو ألْزَمُ وأوْجَبُ وآكَدُ، وهو الصَّلاةُ. وفِيما يُنْتِجُهُ الخَمْرُ والمَيْسِرُ مِنَ العَداوَةِ والبَغْضاءِ والصَّدِّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ، أقْوى دَلِيلٍ عَلى تَحْرِيمِها، وعَلى أنْ يَنْتَهِيَ المُسْلِمُ عَنْهُما؛ ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ وهَذا الِاسْتِفْهامُ مِن أبْلَغِ ما يَنْهى عَنْهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ تُلِيَ عَلَيْكم ما فِيهِما مِنَ المَفاسِدِ الدُّنْيَوِيَّةِ والدِّينِيَّةِ الَّتِي تُوجِبُ الِانْتِهاءَ، فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ أمْ باقُونَ عَلى حالِكم مَعَ عِلْمِكم بِتِلْكَ المَفاسِدِ ؟ وجَعْلُ الجُمْلَةِ اسْمِيَّةً، والمُواجَهَةُ لَهم بِأنْتُمْ، أبْلَغُ مِن جَعْلِها فِعْلِيَّةً. وقِيلَ: هو اسْتِفْهامٌ يَضْمَنُ مَعْنى الأمْرِ؛ أيْ فانْتَهُوا؛ ولِذَلِكَ قالَ عُمَرُ: انْتَهَيْنا يا رَبِّ. وذَكَرَ أبُو الفَرَجِ بْنُ الجَوْزِيِّ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ أنَّ جَماعَةً كانُوا يَشْرَبُونَها بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، ويَقُولُونَ: إنَّما قالَ تَعالى: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فَقالَ بَعْضُهم: انْتَهَيْنا. وقالَ بَعْضُهم: لَمْ نَنْتَهِ، فَلَمّا نَزَلَ ﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ والإثْمَ﴾ [الأعراف: ٣٣] حُرِّمَتْ؛ لِأنَّ الإثْمَ اسْمٌ لِلْخَمْرِ، ولا يَصِحُّ هَذا. وقالَ التَّبْرِيزِيُّ هَذا اسْتِفْهامُ ذَمٍّ مَعْناهُ الأمْرُ؛ أيِ انْتَهُوا مَعْناهُ اتْرُكُوا وانْتَقِلُوا عَنْهُ إلى غَيْرِهِ مِنَ المُوَظَّفِ عَلَيْكُمُ انْتَهى. ووَجْهُ ما ذُكِرَ مِنَ الذَّمِّ أنَّهُ نَبَّهَ عَلى مَفاسِدَ تَتَوَلَّدُ مِنَ الخَمْرِ والمَيْسِرِ يَقْضِي العَقْلُ بِتَرْكِهِما مِن أجْلِها لَوْ لَمْ يَرِدِ الشَّرْعُ بِذَلِكَ، فَكَيْفَ وقَدْ ورَدَ الشَّرْعُ بِالتَّرْكِ ؟ وقَدْ تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ في البَقَرَةِ؛ أنَّ جَماعَةً مِنَ الجاهِلِيَّةِ لَمْ يَشْرَبُوا الخَمْرَ؛ صَوْنًا لِعُقُولِهِمْ عَمّا يُفْسِدُها، وكَذَلِكَ في الإسْلامِ قَبْلَ نُزُولِ تَحْرِيمِها. ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ واحْذَرُوا﴾ هَذا أمْرٌ بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وطاعَةِ الرَّسُولِ ﷺ، في امْتِثالِ ما أمَرَ بِهِ، واجْتِنابِ ما نَهى عَنْهُ. وأمَرَ بِالحَذَرِ مِن عاقِبَةِ المَعْصِيَةِ، وناسَبَ العَطْفُ في (وأطِيعُوا) عَلى مَعْنى قَوْلِهِ ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ إذْ تَضَمَّنَ هَذا مَعْنى الأمْرِ، وهو قَوْلُهُ (فانْتَهُوا) . وقِيلَ: الأمْرُ بِالطّاعَةِ هَذا مَخْصُوصٌ؛ أيْ أطِيعُوا فِيما أُمِرْتُمْ بِهِ مِنِ اجْتِنابِ ما أُمِرْتُمْ بِاجْتِنابِهِ، واحْذَرُوا ما عَلَيْكم في مُخالَفَةِ هَذا الأمْرِ، وكُرِّرَ (وأطِيعُوا) عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ، والأحْسَنُ أنْ لا يُقَيَّدَ الأمْرُ هُنا، بَلْ أُمِرُوا أنْ يَكُونُوا مُطِيعِينَ دائِمًا حَذِرِينَ خاشِينَ؛ لِأنَّ الحَذَرَ مَدْعاةٌ إلى عَمَلِ الحَسَناتِ واتِّقاءِ السَّيِّئاتِ. ﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فاعْلَمُوا أنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ أيْ فَإنْ أعْرَضْتُمْ فَلَيْسَ عَلى الرَّسُولِ إلّا أنْ يُبَلِّغَ أحْكامَ اللَّهِ، ولَيْسَ عَلَيْهِ خَلْقُ الطّاعَةِ فِيكم، ولا يَلْحَقُهُ مِن تَوَلِّيكم شَيْءٌ، بَلْ ذَلِكَ لاحِقٌ بِكم. وفي هَذا مِنَ الوَعِيدِ البالِغِ ما لا خَفاءَ بِهِ، إذْ تَضَمَّنَ أنَّ عِقابَكم إنَّما يَتَوَلّاهُ المُرْسِلُ، لا الرَّسُولُ، وما كُلِّفَ الرَّسُولُ مِن أمْرِكم غَيْرَ تَبْلِيغِكم. ووَصْفُ البَلاغِ بِالمُبِينِ إمّا لِأنَّهُ بَيِّنٌ في نَفْسِهِ واضِحٌ جَلِيٌّ، وإمّا لِأنَّهُ مُبَيِّنٌ لَكم أحْكامَ اللَّهِ تَعالى، وتَكالِيفَهُ بِحَيْثُ لا يَعْتَرِيها شُبْهَةٌ، بَلْ هي واضِحَةٌ نَيِّرَةٌ جَلِيَّةٌ. وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى تَحْرِيمِ الخَمْرِ، وهو الظّاهِرُ، وقَدْ حَلَفَ عُمَرُ فِيها، وبَلَغَهُ أنَّ قَوْمًا شَرِبُوها بِالشّامِ، وقالُوا هي حَلالٌ، فاتَّفَقَ رَأْيُهُ ورَأْيُ عَلِيٍّ عَلى أنْ يُسْتَتابُوا، فَإنْ تابُوا وإلّا قُتِلُوا؛ لِأنَّهُمُ اعْتَقَدُوا حَلَّها، والجُمْهُورُ عَلى أنَّها نَجِسَةُ العَيْنِ؛ لِتَسْمِيَتِها رِجْسًا، والرِّجْسُ النَّجِسُ المُسْتَقْذَرُ. وذَهَبَ رَبِيعَةُ واللَّيْثُ والمُزَنِيُّ وبَعْضُ المُتَأخِّرِينَ مِنَ البَغْدادِيِّينَ؛ إلى أنَّها ظاهِرَةٌ، واخْتَلَفُوا هَلْ كانَ المُسْكِرُ مِنها مُباحًا قَبْلَ التَّحْرِيمِ، أمْ لا.

المائدة 5:93

﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إذا ما اتَّقَوْا وآمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وأحْسَنُوا واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والبَراءُ وأنَسٌ: «لَمّا نَزَلْ تَحْرِيمُ الخَمْرِ قالَ قَوْمٌ: كَيْفَ بِمَن ماتَ مِنّا وهو يَشْرَبُها ويَأْكُلُ المَيْسِرَ ؟ فَنَزَلَتْ» فَأعْلَمَ تَعالى أنَّ الذَّمَّ (p-١٦)والجُناحَ إنَّما يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ المَعاصِي، والَّذِينَ ماتُوا قَبْلَ التَّحْرِيمِ لَيْسُوا بِعاصِينَ. والظّاهِرُ مِن سَبَبِ النُّزُولِ؛ أنَّ اللَّفْظَ عامٌّ، ومَعْناهُ الخُصُوصُ. وقِيلَ: هي عامَّةٌ، والمَعْنى أنَّهُ لا حَرَجَ عَلى المُؤْمِنِ فِيما طَعِمَ مِنَ المُسْتَلَذّاتِ إذا ما اتَّقى ما حَرَّمَ اللَّهُ مِنها. وقَضِيَّةُ مَن شَرِبَها قَبْلَ التَّحْرِيمِ مِن صُوَرِ العُمُومِ، وهَذِهِ الآيَةُ شَبِيهَةٌ بِآيَةِ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ حِينَ سَألُوا عَمَّنْ ماتَ عَلى القِبْلَةِ الأُولى، فَنَزَلَتْ ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، و﴿فِيما طَعِمُوا﴾ قِيلَ: مِنَ الخَمْرِ. والطَّعْمُ حَقِيقَةٌ في المَأْكُولاتِ، مَجازٌ في المَشْرُوبِ، وفي اليَوْمِ قِيلَ: مِمّا أكَلُوهُ مِنَ القِمارِ فَيَكُونُ فِيهِ حَقِيقَةً، وقِيلَ: مِنهُما وعَنى بِالطَّعْمِ الذَّوْقَ، وهو قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُما، وكُرِّرَتْ هَذِهِ الجُمَلُ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ والتَّوْكِيدِ في هَذِهِ الصِّفاتِ، ولا يُنافِي التَّأْكِيدُ العَطْفَ بِثُمَّ، فَهو نَظِيرُ قَوْلِهِ ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٣] ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٤] وذَهَبَ قَوْمٌ إلى تَبايُنِ هَذِهِ الجُمَلِ بِحَسَبِ ما قَدَّرُوا مِن مُتَعَلِّقاتِ الأفْعالِ، فالمَعْنى إذا ما اتَّقَوُا الشِّرْكَ والكَبائِرَ وآمَنُوا الإيمانَ الكامِلَ وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، ثُمَّ اتَّقَوْا ثَبَتُوا ودامُوا عَلى الحالَةِ المَذْكُورَةِ، ثُمَّ اتَّقَوْا وأحْسَنُوا انْتَهَوْا في التَّقْوى إلى امْتِثالِ ما لَيْسَ بِفَرْضٍ مِنَ النَّوافِلِ مِنَ الصَّلاةِ والصَّدَقَةِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ وهو الإحْسانُ. وإلى قَرِيبٍ مِن هَذا ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ إذا ما اتَّقَوْا ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ وآمَنُوا وثَبَتُوا عَلى الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ وازْدادُوا ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وآمَنُوا﴾ ثَبَتُوا عَلى التَّقْوى والإيمانِ ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وأحْسَنُوا﴾ ثَبَتُوا عَلى اتِّقاءِ المَعاصِي وأحْسَنُوا أعْمالَهم، وأحْسَنُوا إلى النّاسِ واسَوْهم بِما رَزَقَهُمُ اللَّهُ مِنَ الطَّيِّباتِ انْتَهى. وقِيلَ: الرُّتْبَةُ الأُولى لِماضِي الزَّمانِ، والثّانِيَةُ لِلْحالِ، والثّالِثَةُ لِلِاسْتِقْبالِ، وقِيلَ: الِاتِّقاءُ الأوَّلُ؛ هو في الشِّرْكِ والتِزامُ الشَّرْعِ، والثّانِي في الكَبائِرِ، والثّالِثُ في الصَّغائِرِ، وقِيلَ: غَيْرُ هَذا مِمّا لا إشْعارَ لِلَّفْظِ بِهِ. ومَعْنى الآيَةِ ثَناءٌ عَلى أُولَئِكَ الَّذِينَ كانُوا عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ، وحَمْدٌ لَهم في الإيمانِ والتَّقْوى والإحْسانِ، إذْ كانَتِ الخَمْرُ غَيْرَ مُحَرَّمَةٍ إذْ ذاكَ، فالإثْمُ مَرْفُوعٌ عَمَّنِ التَبَسَ بِالمُباحِ إذا كانَ مُؤْمِنًا مُتَّقِيًا مُحْسِنًا، وإنْ كانَ يَئُولُ ذَلِكَ المُباحُ إلى التَّحْرِيمِ، فَتَحْرِيمُهُ بَعْدَ ذَلِكَ لا يَضُرُّ المُؤْمِنَ المُتَّقِي المُحْسِنَ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ الإحْسانِ، وأنَّ الرَّسُولَ ﷺ، فَسَرَّهُ في حَدِيثِ سُؤالِ جِبْرِيلَ، فَيَجِبُ أنْ لا يُتَعَدّى تَفْسِيرُهُ.

المائدة 5:94

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أيْدِيكم ورِماحُكُمْ﴾ نَزَلَتْ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، وأقامَ بِالتَّنْعِيمِ، فَكانَ الوَحْشُ والطَّيْرُ يَغْشاهم في رِحالِهِمْ وهم مُحْرِمُونَ، وقِيلَ: كانَ بَعْضُهم أحْرَمَ، وبَعْضُهم لَمْ يُحْرِمْ، فَإذا عَرَضَ صَيْدٌ اخْتَلَفَتْ أحْوالُهم واشْتَبَهَتِ الأحْكامُ، وقِيلَ: قَتَلَ أبُو اليُسْرِ حِمارَ وحْشٍ بِرُمْحِهِ، فَقِيلَ: قَتَلْتَ الصَّيْدَ وأنْتَ مُحْرِمٌ فَنَزَلَتْ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها؛ هو أنَّهم لَمّا أمَرَهم أنْ لا يُحَرِّمُوا الطَّيِّباتِ، وأخْرَجَ مِن ذَلِكَ الخَمْرَ والمَيْسِرَ، وهُما حَرامانِ دائِمًا، أخْرَجَ بَعْدَهُ مِنَ الطَّيِّباتِ ما حُرِّمَ في حالٍ دُونَ حالٍ، وهو الصَّيْدُ. وكانَ الصَّيْدُ مِمّا تَعِيشُ بِهِ العَرَبُ، وتَتَلَذَّذُ بِاقْتِناصِهِ، ولَهم فِيهِ الأشْعارُ والأوْصافُ الحَسَنَةُ. والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ بِقَوْلِهِ (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا) عامٌّ لِلْمُحِلِّ والمُحْرِمِ، لَكِنْ لا يَتَحَقَّقُ الِابْتِلاءُ إلّا مَعَ الإحْرامِ أوِ الحُرُمِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو لِلْمُحْرِمِينَ. وقالَ مالِكٌ هو لِلْمُحِلِّينَ، والمَعْنى لَيَخْتَبِرَنَّكُمُ اللَّهُ، ابْتَلاهُمُ اللَّهُ بِهِ مَعَ الإحْرامِ أوِ الحَرَمِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ يَقْتَضِي تَقْلِيلًا، وقِيلَ: لِيَعْلَمَ أنَّهُ لَيْسَ مِنَ الِابْتِلاءِ العَظِيمِ، كالِابْتِلاءِ بِالأنْفُسِ والأمْوالِ، بَلْ هو تَشْبِيهٌ بِما ابْتُلِيَ بِهِ أهْلُ أيْلَةَ مِن صَيْدِ السَّمَكِ، وأنَّهم كانُوا لا يَصْبِرُونَ عِنْدَ هَذا الِابْتِلاءِ فَكَيْفَ يَصْبِرُونَ عِنْدَ ما هو أشَدُّ مِنهُ ؟ ومِن في ﴿مِنَ الصَّيْدِ﴾ لِلتَّبْعِيضِ في حالِ الحُرْمَةِ، إذْ قَدْ يَزُولُ الإحْرامُ ويُفارِقُ الحَرَمَ، فَصَيْدُ بَعْضِ هَذِهِ الأحْوالِ بَعْضُ الصَّيْدِ عَلى العُمُومِ. وقالَ الطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُ: مِن صَيْدِ البَرِّ دُونَ البَحْرِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن لِبَيانِ الجِنْسِ، قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا كَما تَقُولُ قالَ لَأمْتَحِنَنَّكَ (p-١٧)بِشَيْءٍ مِنَ الرِّزْقِ، وكَما قالَ تَعالى: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠] والمُرادُ بِالصَّيْدِ المَأْكُولُ؛ لِأنَّ الصَّيْدَ يَنْطَلِقُ عَلى المَأْكُولِ وغَيْرِ المَأْكُولِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎صَيْدُ المُلُوكِ أرانِبُ وثَعالِبُ وإذا رَكِبْتُ فَصَيْدِيَ الأبْطالُ وقالَ زُهَيْرٌ: ؎لَيْثٌ بِعَثَّرَ يَصْطادُ الرِّجالَ إذا ما ∗∗∗ كَذَّبَ اللَّيْثُ عَنْ أقْرانِهِ صَدَقا ولِهَذا قالَ أبُو حَنِيفَةَ إذا قَتَلَ المُحْرِمُ لَيْثًا أوْ ذِئْبًا ضارِيًا أوْ ما يَجْرِي مَجْراهُ، فَعَلَيْهِ الجَزاءُ بِقَتْلِهِ. ﴿تَنالُهُ أيْدِيكم ورِماحُكُمْ﴾ أيْ بَعْضٌ مِنهُ يُتَناوَلُ بِالأيْدِي؛ لِقُرْبِ غِشْيانِهِ حَتّى تَتَمَكَّنَ مِنهُ اليَدُ، وبَعْضٌ بِالرِّماحِ لِبُعْدِهِ وتَفَرُّقِهِ، فَلا يُوَصَلُ إلَيْهِ إلّا بِالرُّمْحِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْدِيكم فِراخُ الطَّيْرِ وصِغارُ الوَحْشِ. وقالَ مُجاهِدٌ الأيْدِي: الفِراخُ والبَيْضُ، وما لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَفِرَّ والرِّماحُ تَنالُ كِبارَ الصَّيْدِ. قِيلَ: وما قالَهُ مُجاهِدٌ غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّ الصَّيْدَ اسْمٌ لِلْمُتَوَحِّشِ المُمْتَنِعِ دُونَ ما لا يَمْتَنِعُ انْتَهى. يَعْنِي أنَّهُ لا يُطْلَقُ عَلى البَيْضِ صَيْدٌ، ولا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِما يَئُولُ إلَيْهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والظّاهِرُ أنَّ اللَّهَ خَصَّ الأيْدِي بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّها أعْظَمُ تَصَرُّفًا في الِاصْطِيادِ، وفِيها تَدَخُّلُ الجَوارِحِ والحِبالاتِ وما عُمِلَ بِاليَدِ مِن فِخاخٍ وشِباكٍ، وخَصَّ الرِّماحَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّها أعْظَمُ ما يُجْرَحُ بِهِ الصَّيْدُ، وفِيها يَدْخُلُ السَّهْمُ ونَحْوُهُ. واحْتَجَّ بَعْضُ النّاسِ عَلى أنَّ الصَّيْدَ لِلْآخِذِ لا لِلْمُثِيرِ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ المُثِيرَ لَمْ تَنَلْ يَدُهُ ولا رُمْحُهُ بَعْدُ شَيْئًا. وقَرَأ النَّخَعِيُّ وابْنُ وثّابٍ: (يَنالُهُ)، بِالياءِ مَنقُوطَةٍ مِن أسْفَلَ، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ تَنالُهُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ؛ لِقَوْلِهِ بِشَيْءٍ أوْ في مَوْضِعِ الحالِ مِنهُ إذْ قَدْ وصَفَ وأبْعَدَ مَن زَعَمَ أنَّهُ حالٌ مِنَ الصَّيْدِ. ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخافُهُ بِالغَيْبِ﴾ هَذا تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ﴾ ومَعْنى (لِيَعْلَمَ) لِيَتَمَيَّزَ مَن يَخافُ عِقابَهُ تَعالى، وهو غائِبٌ مُنْتَظَرٌ في الآخِرَةِ، فَيَبْقى الصَّيْدُ مِمَّنْ لا يَخافُهُ، فَيُقْدِمَ عَلَيْهِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لِيَسْتَمِرَّ عَلَيْهِ وهو مَوْجُودٌ، إذْ قَدْ عَلِمَ اللَّهُ ذَلِكَ في الأزَلِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: لَمْ يَزَلِ اللَّهُ تَعالى عالِمًا، وإنَّما عَبَّرَ بِالعِلْمِ عَنِ الرُّؤْيَةِ، وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ لِيَعْلَمَ أوْلِياءُ اللَّهِ، وقِيلَ: المَعْنى لِيَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَن يَخافُهُ بِالغَيْبِ؛ أيْ في السِّرِّ حَيْثُ لا يَراهُ أحَدٌ مِنَ النّاسِ. فالخائِفُ لا يَصِيدُ، وغَيْرُ الخائِفِ يَصِيدُ، وقِيلَ: يُعامِلُكم مُعامَلَةَ مَن يَطْلُبُ أنْ يَعْلَمَ، وقِيلَ: لِيَظْهَرَ المَعْلُومُ، وهو خَوْفُ الخائِفِ. وبِالغَيْبِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ومَعْناهُ أنَّ الخائِفَ غائِبٌ عَنْ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى، ومِثْلُهُ ﴿مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ﴾ [ق: ٣٣]، و﴿يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ﴾ [الأنبياء: ٤٩] . وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» . وقالَ الطَّبَرِيُّ مَعْناهُ في الدُّنْيا حَيْثُ لا يَرى العَبْدُ رَبَّهُ، فَهو غائِبٌ عَنْهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والظّاهِرُ أنَّ المَعْنى بِالغَيْبِ مِنَ النّاسِ؛ أيْ في الخَلْوَةِ مَن خافَ اللَّهَ انْتَهى. عَنِ الصَّيْدِ مِن ذاتِ نَفْسِهِ انْتَهى. وقَرَأالزُّهْرِيُّ (لِيُعْلِمَ اللَّهُ) مِن (أعْلَمَ) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أيْ لِيُعْلِمَ عِبادَهُ انْتَهى. فَيَكُونُ مِن (أعْلَمَ) المَنقُولَةِ مِن عَلِمَ المُتَعَدِّيَةِ إلى واحِدٍ تَعَدِّي عَرَفَ، فَحُذِفَ المَفْعُولُ الأوَّلُ؛ وهو عِبادُهُ؛ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، وبَقِيَ المَفْعُولُ الثّانِي؛ وهو ﴿مَن يَخافُهُ﴾ . ﴿فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ المَعْنى فَمَنِ اعْتَدى بِالمُخالَفَةِ فَصادَ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى النَّهْيِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ مَعْنى الكَلامِ السّابِقِ، وتَقْدِيرُهُ: فَلا يَصِيدُوا؛ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخافُهُ بِالغَيْبِ﴾ . ﴿فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ قِيلَ: في الآخِرَةِ. وقِيلَ: في الدُّنْيا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُوسَعُ بَطْنُهُ وظَهْرُهُ جَلْدًا، ويُسْلَبُ ثِيابُهُ. ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ الَّذِينَ آمَنُوا عامٌّ، وصَرَّحَ هُنا بِالنَّهْيِ عَنْ قَتْلِ الصَّيْدِ في حالِ كَوْنِهِمْ حُرُمًا، والحُرُمُ جَمْعُ حَرامٍ، والحَرامُ المُحَرَّمُ، والكائِنُ بِالحَرَمِ، ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ اللَّفْظَ يُرادُ بِهِ مَعْناهُ، اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ عَلى مَنعِ المُحْرِمِ والكائِنِ بِالحَرَمِ مِن قَتْلِ الصَّيْدِ، ومَن لَمْ يَذْهَبْ إلى ذَلِكَ قالَ: المَعْنى يُحْرِمُونَ بِحَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ، (p-١٨)وهُوَ قَوْلُ الأكْثَرِ. وقِيلَ: المَعْنى وأنْتُمْ في الحَرَمِ. والظّاهِرُ النَّهْيُ عَنْ قَتْلِ الصَّيْدِ، وتَكُونُ الآيَةُ قَبْلَ هَذِهِ دَلَّتْ بِمَعْناها عَلى النَّهْيِ عَنِ الِاصْطِيادِ، فَيُسْتَفادُ مِن مَجْمُوعِ الآيَتَيْنِ؛ النَّهْيُ عَنِ الِاصْطِيادِ، والنَّهْيُ عَنْ قَتْلِ الصَّيْدِ. والظّاهِرُ عُمُومُ الصَّيْدِ. وقَدْ خُصَّ هَذا العُمُومُ بِصَيْدِ البَرِّ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦] . وقِيلَ: وبِالسُّنَّةِ بِالحَدِيثِ الثّابِتِ «خَمْسٌ فَواسِقُ يُقْتَلْنَ في الحِلِّ والحَرَمِ: الغُرابُ والحِدَأةُ والفَأْرَةُ والكَلْبُ العَقُورُ» . فاقْتَصَرَ عَلى هَذِهِ الخَمْسَةِ الثَّوْرِيُّ والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ وإسْحاقُ، وقاسَ مالِكٌ عَلى الكَلْبِ العَقُورِ كُلَّ ما كَلَبَ عَلى النّاسِ وغَيْرِهِمْ، ورَآهُ داخِلًا في لَفْظِهِ مِن أسَدٍ ونَمِرٍ وفَهِدٍ وذِئْبٍ، وكُلَّ سَبُعٍ عادٍ، فَقالَ: لَهُ أنْ يَقْتُلَها مُبْتَدِئًا بِها لا هِزَبْرٍ وثَعْلَبٍ وضَبُعٍ، فَإنْ قَتَلَها فَدى. وقالَ مُجاهِدٌ والنَّخَعِيُّ: لا يَقْتُلُ مِنَ السِّباعِ إلّا ما عَدا عَلَيْهِ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. وقالَ أصْحابُ الرَّأْيِ إنْ بَدَأهُ السَّبُعُ قَتَلَهُ ولا فِدْيَةَ، وإنِ ابْتَدَأهُ المُحْرِمُ فَقَتَلَهُ فَدى. وقالَ مالِكٌ في فِراخِ السِّباعِ قَبْلَ أنْ تَفْتَرِسَ: لا يَنْبَغِي لِلْمُحْرِمِ قَتْلُها، وثَبَتَ عَنْ عُمَرَ أمْرُهُ المُحْرِمِينَ بِقَتْلِ الحَيّاتِ، وأجْمَعَ النّاسُ عَلى إباحَةِ قَتْلِها. وثَبَتَ عَنْ عُمَرَ إباحَةُ قَتْلِ الزُّنْبُورِ؛ لِأنَّهُ في حُكْمِ العَقْرَبِ، وذَواتُ السُّمُومِ في حُكْمِ الحَيَّةِ كالأفْعى والرُّتَيْلا. ومَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ وجَماعَةٍ؛ أنَّ الصَّيْدَ هو ما تَوَحَّشَ مَأْكُولًا كانَ أوْ غَيْرَ مَأْكُولٍ. فَعَلى هَذا لَوْ قَتَلَ المُحْرِمُ سَبُعًا لا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ ضَمِنَ، ولا يُجاوِزُ قِيمَةَ شاةٍ. وقالَ زُفَرُ بالِغًا ما بَلَغَ. وقالَ قَوْمٌ: الصَّيْدُ هو ما يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، فَعَلى هَذا لا يَجُبِ الضَّمانُ في قَتْلِ السَّبُعِ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ، ولا في قَتْلِ الفَواسِقِ الخَمْسِ ولا الذِّئْبِ. وإذا كانَ الصَّيْدُ مِمّا حَلَّ أكْلُهُ فَقَتَلَهُ المُحْرِمُ ولَوْ بِالذَّبْحِ، فَمَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ ومالِكٍ؛ أنَّهُ غَيْرُ مُذَكًّى، فَلا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، وبِهِ قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ وأحَدُ قَوْلَيِ الحَسَنِ. ومَذْهَبُ الشّافِعِيِّ؛ إنْ ذَبَحَ المُحْرِمُ الصَّيْدَ ذَكّاهُ. وقالَ الحَكَمُ وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ وسُفْيانُ: يَحِلُّ لِلْحَلالِ أكْلُهُ، وهو أحَدُ قَوْلَيِ الحَسَنِ. ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ الظّاهِرُ تَقْيِيدُ القَتْلِ بِالعَمْدِ، فَمَن لَمْ يَتَعَمَّدْ فَقَتَلَ خَطَأً بِأنْ كانَ ناسِيًا لِإحْرامِهِ أوْ رَماهُ ظانًّا أنَّهُ لَيْسَ بِصَيْدٍ فَإذا هو صَيْدٌ، أوْ عَدَلَ سَهْمَهُ الَّذِي رَماهُ لِغَيْرِ صَيْدٍ فَأصابَ صَيْدًا، فَلا جَزاءَ عَلَيْهِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُبَيْرٍ وطاوُسٍ وعَطاءٍ وسالِمٍ، وبِهِ قالَ أبُو ثَوْرٍ وداوُدُ والطَّبَرِيُّ، وهو أحَدُ قَوْلَيِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ ومُجاهِدٍ وأحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فِيما أسْنَدَهُ عَنْهُ الدّارَقُطْنِيُّ: إنَّما التَّكْفِيرُ في العَمْدِ، وإنَّما غَلَّظُوا في الخَطَأِ؛ لِئَلّا يَعُودُوا، وقِيلَ: خَرَجَ مَخْرَجَ الغالِبِ، فَأُلْحِقَ بِهِ النّادِرُ، وقِيلَ: ذَكَرَ التَّعَمُّدَ؛ لِأنَّ مَوْرِدَ الآيَةِ في مَن تَعَمَّدَ؛ لِقِصَّةِ أبِي اليَسَرِ؛ إذْ قَتَلَ الحِمارَ مُتَعَمِّدًا وهو مُحْرِمٌ. ومَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ ومالِكٍ والشّافِعِيِّ وأصْحابِهِمْ؛ أنَّ الخَطَأ بِنِسْيانٍ أوْ غَيْرِهِ كالعَمْدِ، والعَمْدُ أنْ يَكُونَ ذاكِرًا لِإحْرامِهِ قاصِدًا لِلْقَتْلِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وابْنِ (p-١٩)عَبّاسٍ وطاوُسٍ والحَسَنِ وإبْراهِيمَ والزُّهْرِيِّ. قالَ الزُّهْرِيُّ: جَزاءُ العَمْدِ بِالقُرْآنِ، والخَطَأِ والنِّسْيانِ بِالسُّنَّةِ. قالَ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: إنْ كانَ يُرِيدُ بِالسُّنَّةِ الآثارَ الَّتِي ورَدَتْ عَنْ عُمَرَ وابْنِ عَبّاسٍ، فَنِعِمّا هي، وأحْسِنْ بِها أُسْوَةً. وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ مُتَعَمِّدًا لِقَتْلِهِ ناسِيًا لِإحْرامِهِ، فَإنْ كانَ ذاكِرًا لِإحْرامِهِ، فَهَذا أجَلُّ وأعْظَمُ مِن أنْ يُكَفِّرَ، وقَدْ حَلَّ ولا حَجَّ لَهُ؛ لِارْتِكابِهِ مَحْظُورَ إحْرامِهِ فَبَطَلَ عَلَيْهِ كَما لَوْ تَكَلَّمَ في الصَّلاةِ أوْ أحْدَثَ فِيها. قالَ: ومَن أخْطَأ فَذَلِكَ الَّذِي عَلَيْهِ الجَزاءُ. وقالَ نَحْوَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ. ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ لا جَزاءَ عَلَيْهِ في قَتْلِهِ مُتَعَمِّدًا، ويَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وحَجُّهُ تامٌّ، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ (فَجَزاءٌ)، بِالتَّنْوِينِ، (مِثْلُ) بِالرَّفْعِ، فارْتِفاعُ جَزاءٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، الخَبَرُ تَقْدِيرُهُ: فَعَلَيْهِ جَزاءٌ، ومِثْلُ صِفَةٌ أيْ فَجَزاءٌ يُماثِلُ ما قَتَلَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (فَجَزاؤُهُ مِثْلُ)، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى قاتِلِ الصَّيْدِ، أوْ عَلى الصَّيْدِ. وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ يَرْتَفِعُ (فَجَزاؤُهُ مِثْلُ) عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ﴾ بِرَفْعِ جَزاءٍ، وإضافَتِهِ إلى مِثْلٍ، فَقِيلَ مِثْلٌ كَأنَّها مُقْحَمَةٌ، كَما تَقُولُ مِثْلُكَ مَن يَفْعَلُ كَذا؛ أيْ أنْتَ تَفْعَلُ كَذا، فالتَّقْدِيرُ فَجَزاءُ ما قَتَلَ، وقِيلَ: ذَلِكَ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ قِراءَةُ السُّلَمِيِّ (فَجَزاءٌ) بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ (مِثْلَ ما قَتَلَ) بِالنَّصْبِ. وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ مُقاتِلٍ (فَجَزاءً مِثْلَ ما قَتَلَ) بِنَصْبِ جَزاءٍ ومِثْلٍ، والتَّقْدِيرُ فَلْيُخْرِجْ جَزاءً مِثْلَ ما قَتَلَ، و(مِثْلَ) صِفَةٌ لِـ(جَزاءً) . وقَرَأ الحَسَنُ (مِنَ النَّعْمِ) سَكَّنَ العَيْنَ تَخْفِيفًا، كَما قالُوا الشَّعْرَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي لُغَةٌ، و﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ صِفَةٌ لِجَزاءٍ، سَواءٌ رُفِعَ (جَزاءٌ)، و(مِثْلُ)، أوْ أُضِيفَ (جَزاءُ) إلى (مِثْلِ) أيْ كائِنٌ مِنَ النَّعَمِ، ويَجُوزُ في وجْهِ الإضافَةِ أنْ يَتَعَلَّقَ مِنَ النَّعَمِ بِجَزاءٍ إلّا في وجْهِ الأوَّلِ؛ لِأنَّ (جَزاءُ) مَصْدَرٌ مَوْصُوفٌ، فَلا يَعْمَلُ. ووَهِمَ أبُو البَقاءِ في تَجْوِيزِهِ أنْ يَكُونَ مِنَ النَّعَمِ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في (قَتَلَ)، يَعْنِي مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ المَحْذُوفِ في قَتَلَ العائِدِ عَلى ما قالَ؛ لِأنَّ المَقْتُولَ يَكُونُ مِنَ النَّعَمِ، ولَيْسَ المَعْنى عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ الَّذِي هو مِنَ النَّعَمِ، هو ما يَكُونُ جَزاءً لا الَّذِي يَقْتُلُهُ المُحْرِمُ؛ ولِأنَّ النَّعَمَ لا تَدْخُلُ في اسْمِ الصَّيْدِ. والظّاهِرُ في المِثْلِيَّةِ أنَّها مِثْلِيَّةٌ في الصُّورَةِ، والخِلْقَةِ والصِّغَرِ والعِظَمِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ وابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ والسُّدِّيِّ وابْنِ جُبَيْرٍ وقَتادَةَ، وبِهِ قالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ ومُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ. وتَفاصِيلُ ما يُقابِلُ كُلَّ مَقْتُولٍ مِنَ الصَّيْدِ، قَدْ طَوَّلَ بِها جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. ولَمْ يَتَعَرَّضْ لَفْظُ القُرْآنِ لَها، وهي مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ الفِقْهِ. وذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ التّابِعِينَ إلى أنَّ المُماثَلَةَ، هي في القِيمَةِ، يُقَوِّمُ الصَّيْدَ المَقْتُولَ، ثُمَّ يَشْتَرِي بِقِيمَتِهِ طَعامًا مِنَ الأنْعامِ، ثُمَّ يَهْدِي، وهو قَوْلُ النَّخَعِيِّ وعَطاءٍ وأحَدُ قَوْلَيْ مُجاهِدٍ. وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ: يَشْتَرِي بِالقِيمَةِ هَدْيًا إنْ شاءَ، وإنْ شاءَ اشْتَرى طَعامًا، فَأعْطى كُلَّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صاعٍ، وإنْ شاءَ صامَ عَنْ كُلِّ نِصْفِ صاعٍ يَوْمًا. وقالَ قَوْمٌ: المِثْلِيَّةُ فِيما وُجِدَ لَهُ مِثْلٌ صُورَةً، وما لَمْ يُوجَدْ لَهُ مِثْلٌ، فالمِثْلِيَّةُ في القِيمَةِ. وقَدْ تَعَصَّبَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ لِمَذْهَبِ أبِي حَنِيفَةَ. ولَفْظُ الآيَةِ يَنْبُو عَنْ مَذْهَبِهِ إذْ ظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي التَّخْيِيرَ بَيْنَ أنْ يُجْزِئَ هَدْيًا مِنَ النَّعَمِ مِثْلَ ما قَتَلَ، وأنْ يُكَفِّرَ بِطَعامِ مَساكِينَ، وأنْ يَصُومَ عَدْلَ الصِّيامِ. والظّاهِرُ أنَّ الجَزاءَ لا يَكُونُ إلّا في القَتْلِ لا في أخْذِ الصَّيْدِ، ولا في جِنْسِهِ، ولا في أكْلِهِ وِفاقًا لِلشّافِعِيِّ، وخِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ، إذْ قالَ عَلَيْهِ جَزاءُ ما أكَلَ، يَعْنِي قِيمَتَهُ، وخالَفَهُ صاحِباهُ فَقالا: لا شَيْءَ عَلَيْهِ سِوى الِاسْتِغْفارِ؛ لِأنَّهُ تَناوَلَ مِنهُ، ولا في الدَّلالَةِ عَلَيْهِ؛ خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ وأشْهَبَ، إذْ قالا يَضْمَنُ الدّالُّ الجَزاءَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وابْنِ عَوْفٍ. وقالَ الشّافِعِيُّ: ومالِكٌ وأبُو ثَوْرٍ: لا يَضْمَنُ الدّالُّ، والجَزاءُ عَلى القاتِلِ، ولا في جَرْحِهِ، ونَقْصِ قِيمَتِهِ بِذَلِكَ. وقالَ المُزَنِيُّ عَلَيْهِ شَيْءٌ. وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ إذا نَقَصَ مِن قِيمَتِهِ مَثَلًا العُشْرُ، فَعَلَيْهِ عُشْرُ قِيمَتِهِ. وقالَ داوُدُ لا شَيْءَ عَلَيْهِ. والظّاهِرُ أنَّهُ لَوِ اجْتَمَعَ مُحْرِمُونَ في صَيْدٍ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمْ إلّا جَزاءٌ واحِدٌ؛ لِأنَّهُ لا يُنْسَبُ القَتْلُ (p-٢٠)إلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم. فَأمّا المَقْتُولُ، فَهو واحِدٌ يَجِبُ أنْ يَكُونَ المِثْلُ واحِدًا، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ وأحْمَدُ وإسْحاقُ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ ومالِكٌ والثَّوْرِيُّ: يَجِبُ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم جَزاءٌ واحِدٌ. والظّاهِرُ أنَّهُ إذا حُمِلَ قَوْلُهُ ﴿وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ عَلى مَعْنَيَيْهِ وهُما مُحْرِمُونَ بِحَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ. ومُحْرِمُونَ بِمَعْنى داخِلِينَ الحَرَمَ، وإنْ كانُوا مُحِلِّينَ أنَّهُ إذا قَتَلَ المُحِلُّونَ صَيْدًا في الحَرَمِ، أنَّهُ يَلْزَمُهم جَزاءٌ واحِدٌ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ. وقالَ مالِكٌ عَلى كُلِّ واحِدٍ جَزاءٌ كامِلٌ. وظاهِرُ قَوْلِهِ مِنَ النَّعَمِ أنَّهُ لا يُشْتَرَطُ سِنٌّ فَيُجْزِئُ الجَفْرُ والعَناقُ عَلى قَدْرِ الصَّيْدِ، وبِهِ قالَ أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ لا يَجُوزُ أنْ يَهْدِيَ إلّا ما يُجْزِئُ في الأُضْحِيَّةِ وهَدْيِ القِرانِ. والظّاهِرُ مِن تَقْيِيدِ المَنهِيِّينَ عَنِ القَتْلِ بِقَوْلِهِ ﴿وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ أنَّهُ لَوْ صادَ الحَلالُ بِالحِلِّ، ثُمَّ ذَبَحَهُ في الحَرَمِ فَلا ضَمانَ، وهو حَلالٌ، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ عَلَيْهِ الجَزاءُ. ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ أيْ يَحْكُمُ بِمِثْلِ ما قَتَلَ. قالَ ابْنُ وهْبٍ: مِنَ السُّنَّةِ أنْ يُخَيِّرَ الحَكَمانِ مَن قَتَلَ الصَّيْدَ، كَما خَيَّرَهُ اللَّهُ في أنْ يُخْرِجَ هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ، أوْ كَفّارَةٍ طَعامِ مَساكِينَ، أوْ عَدْلِ ذَلِكَ صِيامًا، فَإنِ اخْتارَ الهَدْيَ حَكَما عَلَيْهِ بِما يَرَيانِهِ نَظَرًا لِما أصابَ. وأدْنى الهَدْيِ شاةٌ، وما لَمْ يَبْلُغْ شاةً حَكَما فِيهِ بِالطَّعامِ، ثُمَّ خُيِّرَ بَيْنَ أنْ يُطْعِمَهُ أوْ يَصُومَ مَكانَ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا، وكَذَلِكَ قالَ مالِكٌ. والظّاهِرُ أنَّهُ يَحْكُمُ بِهِ عَدْلانِ، وكَذَلِكَ فَعَلَ عُمَرُ في حَدِيثِ قَبِيصَةَ بْنِ جابِرٍ؛ اسْتَدْعى عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وحَكَما في ظَبْيٍ بِشاةٍ، وفَعَلَ ذَلِكَ جَرِيرٌ وابْنُ عُمَرَ. والظّاهِرُ أنَّ العَدْلَيْنِ ذَكَرانِ، فَلا يَحْكُمُ فِيهِ امْرَأتانِ عَدْلَتانِ، وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ (يَحْكُمُ بِهِ ذُو عَدْلٍ) عَلى التَّوْحِيدِ؛ أيْ يَحْكُمُ بِهِ مَن يَعْدِلُ مِنكم، ولا يُرِيدُ بِهِ الوَحْدَةَ، وقِيلَ: أرادَ بِهِ الإمامَ. والظّاهِرُ أنَّ الحَكَمَيْنِ يَحْكُمانِ في جَزاءِ الصَّيْدِ بِاجْتِهادِهِما، وذَلِكَ مَوْكُولٌ إلَيْهِما، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ، ومالِكٌ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ. وقالَ الشّافِعِيُّ: الَّذِي لَهُ مِثْلٌ مِنَ النَّعَمِ، وحَكَمَتْ فِيهِ الصَّحابَةُ بِحُكْمٍ لا يُعْدَلُ عَنْهُ إلى غَيْرِهِ، وما لَمْ تَحْكم فِيهِ الصَّحابَةُ، يُرْجَعُ فِيهِ إلى اجْتِهادِهِما، فَيَنْظُرانِ إلى الأجْناسِ الثَّلاثَةِ مِنَ الأنْعامِ، فَكُلُّ ما كانَ أقْرَبَ شَبَهًا بِهِ يُوجِبانِهِ. والظّاهِرُ أنَّ الحَكَمَيْنِ لا يَكُونُ أحَدُهُما قاتِلَ الصَّيْدِ، وهو قَوْلُ مالِكٍ. وقالَ الشّافِعِيُّ: إنْ كانَ القَتْلُ خَطَأً جازَ أنْ يَكُونَ أحَدَهُما، أوْ عَمْدًا فَلا؛ لِأنَّهُ يَفْسُقُ بِهِ، واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ عَلى إثْباتِ القِياسِ؛ لِأنَّهُ تَعالى فَرَضَ تَعْيِينَ المِثْلِ إلى اجْتِهادِ النّاسِ وظُنُونِهِمْ. وجَوَّزُوا في انْتِصابِ قَوْلِهِ ﴿هَدْيًا﴾ أنْ يَكُونَ حالًا مِن (جَزاءٍ) فِيمَن وصَفَهُ بِمِثْلٍ؛ لِأنَّ الصِّفَةَ خَصَّصَتْهُ فَقَرُبَ مِنَ المَعْرِفَةِ، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (مِثْلَ) في قِراءَةِ مَن نَصَبَ مِثْلًا، أوْ مِن مَحَلِّهِ في قِراءَةِ مَن خَفَضَهُ، وأنْ يَنْتَصِبَ عَلى المَصْدَرِ. والظّاهِرُ أنَّهُ حالٌ مِن قَوْلِهِ بِهِ. ومَعْنى ﴿بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ أنْ يَنْحَرَ بِالحَرَمِ، ويَتَصَدَّقَ بِهِ حَيْثُ شاءَ، عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ، وقالَ الشّافِعِيُّ: بِالحَرَمِ، وقَرَأ الأعْرَجُ (هَدِيًّا)، بِكَسْرِ الدّالِ وتَشْدِيدِ الياءِ، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ، يَحْكُمُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ؛ لِقَوْلِهِ فَـ (جَزاءٌ) أيْ حاكِمٌ بِهِ ذَوا عَدْلٍ. وفي قَوْلِهِ (مِنكم) دَلِيلٌ عَلى أنَّهُما مِنَ المُسْلِمِينَ، وذَكَرَ الكَعْبَةَ؛ لِأنَّها أُمُّ الحَرَمِ. قالُوا والحَرَمُ كُلُّهُ مَنحَرٌ لِهَذا الهَدْيِ، فَما وُقِفَ بِهِ بِعَرَفَةَ مِن هَدْيِ الجَزاءِ، يُنْحَرُ بِمِنًى، وما لَمْ يُوقَفْ بِهِ فَيُنْحَرُ بِمَكَّةَ، وفي سائِرِ بِقاعِ الحَرَمِ، بِشَرْطِ أنْ يَدْخُلَ مِنَ الحِلِّ، ولا بُدَّ أنْ يَجْمَعَ فِيهِ بَيْنَ حِلٍّ وحَرَمٍ حَتّى يَكُونَ بالِغًا الكَعْبَةَ. ﴿أوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ﴾ قَرَأ الصّاحِبانِ بِالإضافَةِ. والإضافَةُ تَكُونُ بِأدْنى مُلابَسَةٍ، إذِ الكَفّارَةُ تَكُونُ كَفّارَةَ هَدْيٍ، وكَفّارَةَ طَعامٍ، وكَفّارَةَ صِيامٍ. ولا التِفاتَ إلى قَوْلِ الفارِسِيِّ ولَمْ يُضِفِ الكَفّارَةَ إلى الطَّعامِ؛ لِأنَّها (p-٢١)لَيْسَتْ لِلطَّعامِ، إنَّما هي لِقَتْلِ الصَّيْدِ. وأمّا ما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن زَعْمِهِ أنَّ الإضافَةَ مُبَيِّنَةٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: أوْ كَفارَّةٌ مِن طَعامِ مَساكِينَ، كَقَوْلِكَ خاتَمُ فِضَّةٍ، بِمَعْنى خاتَمٍ مِن فِضَّةٍ، فَلَيْسَتْ مِن هَذا البابِ؛ لِأنَّ خاتَمَ فِضَّةٍ مِن بابِ إضافَةِ الشَّيْءِ إلى جِنْسِهِ، والطَّعامُ لَيْسَ جِنْسًا لِلْكَفّارَةِ إلّا بِتَجَوُّزٍ بَعِيدٍ جِدًّا. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالتَّنْوِينِ ورَفْعِ (طَعامُ) . وقَرَأ كَذَلِكَ الأعْرَجُ وعِيسى بْنُ عُمَرَ، إلّا أنَّهُما أفْرَدا مِسْكِينًا عَلى أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ (طَعامُ) عَطْفُ بَيانٍ؛ لِأنَّ الطَّعامَ هو الكَفّارَةُ انْتَهى. وهَذا عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّهم شَرَطُوا في البَيانِ أنْ يَكُونَ في المَعارِفِ لا في النَّكِراتِ، فالأوْلى أنْ يُعْرَبَ بَدَلًا. وقَدْ أجْمَلَ في مِقْدارِ الطَّعامِ، وفي عَدَدِ المَساكِينِ. والظّاهِرُ أنَّهُ يَكْفِي أقَلُّ ما يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ جَمْعُ مَساكِينَ. وقالَ إبْراهِيمُ وعَطاءٌ ومُجاهِدٌ والقاسِمُ، يُقَوِّمُ الصَّيْدَ دَراهِمَ ثُمَّ يَشْتَرِي بِالدَّراهِمِ طَعامًا، فَيُطْعِمُ كُلَّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صاعٍ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِتَقْوِيمِ الصَّيْدِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ. وقالَ مُجاهِدٌ وعَطاءٌ وابْنُ عَبّاسٍ والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ: يُقَوِّمُ الهَدْيَ، ثُمَّ يَشْتَرِي بِقِيمَةِ الهَدْيِ طَعامًا، وقالَ مالِكٌ: أحْسَنُ ما سَمِعْتُ أنَّهُ يُقَوِّمُ الصَّيْدَ، فَيَنْظُرُ كم ثَمَنُهُ مِنَ الطَّعامِ، فَيُطْعِمُ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدًّا، ويَصُومُ مَكانَ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا. ﴿أوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيامًا﴾ الأظْهَرُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إشارَةً إلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ، وهو الطَّعامُ. والطَّعامُ المَذْكُورُ غَيْرُ مُعَيَّنٍ في الآيَةِ لا كَيْلًا ولا وزْنًا، فَيَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ الصِّيامُ أيْضًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ عَدَدًا. والصِّيامُ مَبْنِيٌّ عَلى الخِلافِ في الطَّعامِ، أهُوَ مُدٌّ أوْ مُدّانِ. وبِالمُدِّ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومالِكٌ، وبِالمُدَّيْنِ قالَ الشّافِعِيُّ، وعَنْ أحْمَدَ القَوْلانِ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إشارَةً إلى الصَّيْدِ المَقْتُولِ. وفي الظَّبْيِ ثَلاثَةُ أيّامٍ، وفي الإبِلِ عِشْرُونَ يَوْمًا، وفي النَّعامَةِ وحِمارِ الوَحْشِ ثَلاثُونَ يَوْمًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: ثَلاثَةُ أيّامٍ إلى عَشَرَةِ أيّامٍ. والظّاهِرُ عَدَمُ تَقْيِيدِ الإطْعامِ والصَّوْمِ بِمَكانٍ، وبِهِ قالَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ، فَحَيْثُ ما شاءَ كَفَّرَ بِهِما. وقالَ عَطاءٌ وغَيْرُهُ: الهَدْيُ والإطْعامُ بِمَكَّةَ، والصَّوْمُ حَيْثُ شاءَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أوْ عَدْلُ﴾ بِفَتْحِ العَيْنِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ والجَحْدَرِيُّ، بِكَسْرِها، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُها في أوائِلِ البَقَرَةِ. والظّاهِرُ أنَّ أوْ لِلتَّخْيِيرِ أيْ ذَلِكَ فِعْلٌ أجْزَأهُ مُوسِرًا كانَ أوْ مُعْسِرًا، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وإبْراهِيمُ، وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ: لا يَنْتَقِلُ إلى الإطْعامِ إلّا إذا لَمْ يَجِدْ هَدْيًا، ولا إلى الصَّوْمِ إلّا إنْ لَمْ يَجِدْ ما يُطْعِمُ. والظّاهِرُ أنَّ التَّخْيِيرَ راجِعٌ إلى قاتِلِ الصَّيْدِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ: الخِيارُ إلى الحَكَمَيْنِ. والظّاهِرُ أنَّ الواجِبَ أحَدُ هَذِهِ الثَّلاثَةِ، فَلا يُجْمَعُ بَيْنَ الإطْعامِ والصِّيامِ، بِأنْ يُطْعِمَ عَنْ يَوْمٍ، ويَصُومَ في كَفّارَةٍ واحِدَةٍ، وأجازَ ذَلِكَ أصْحابُ أبِي حَنِيفَةَ. وانْتَصَبَ (صِيامًا) عَلى التَّمْيِيزِ عَلى العَدْلِ، كَقَوْلِكَ عَلى التَّمْرَةِ مِثْلُها زُبْدًا؛ لِأنَّ المَعْنى أوْ قُدِّرَ ذَلِكَ صِيامًا. ﴿لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ﴾ الذَّوْقُ مَعْرُوفٌ، واسْتُعِيرَ هُنا لِما يُؤَثِّرُ مِن غَرامَةٍ، وإتْعابِ النَّفْسِ بِالصَّوْمِ. والوَبالُ سُوءُ عاقِبَةِ ما فَعَلَ، وهو هَتْكُ حُرْمَةِ الإحْرامِ بِقَتْلِ الصَّيْدِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِيَذُوقَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ (فَجَزاءٌ) أيْ فَعَلَيْهِ أنْ يُجازى أوْ يُكَفِّرَ (p-٢٢)لِيَذُوقَ انْتَهى. وهَذا لا يَجُوزُ إلّا عَلى قِراءَةِ مَن أضافَ (فَجَزاءُ) أوْ نَوَّنَ ونَصَبَ (مِثْلَ)، وأمّا عَلى قِراءَةِ مَن نَوَّنَ ورَفَعَ (مِثْلُ) فَلا يَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ اللّامُ بِهِ؛ لِأنَّ (مِثْلُ) صِفَةٌ لِـ (جَزاءٌ)، وإذا وُصِفَ المَصْدَرُ لَمْ يَجُزْ لِمَعْمُولِهِ أنْ يَتَأخَّرَ عَنِ الصِّفَةِ، لَوْ قُلْتَ أعْجَبَنِي ضَرْبُ زَيْدٍ الشَّدِيدُ عَمْرًا، لَمْ يَجُزْ، فَإنْ تَقَدَّمَ المَعْمُولُ عَلى الوَصْفِ، جازَ ذَلِكَ، والصَّوابُ أنْ تَتَعَلَّقَ هَذِهِ القِراءَةُ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، التَّقْدِيرُ جُوزِيَ بِذَلِكَ لِيَذُوقَ، ووَقَعَ لِبَعْضِ المُعْرِبِينَ أنَّها تَتَعَلَّقُ بِعَدْلِ ذَلِكَ، وهو غَلَطٌ. ﴿عَفا اللَّهُ عَمّا سَلَفَ﴾ أيْ في جاهِلِيَّتِكم مِن قَتْلِكُمُ الصَّيْدَ في الحَرَمِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ لِأنَّهم كانُوا مُتَعَبِّدِينَ بِشَرائِعِ مَن قَبْلَهم، وكانَ الصَّيْدُ فِيها مُحَرَّمًا انْتَهى. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: عَمّا سَلَفَ لَكم أيُّها المُؤْمِنُونَ مِن قَتْلِ الصَّيْدِ قَبْلَ هَذا النَّهْيِ والتَّحْرِيمِ. ﴿ومَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾ أيْ ومَن عادَ في الإسْلامِ إلى قَتْلِ الصَّيْدِ، فَإنْ كانَ مُسْتَحِلًّا، فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ في الآخِرَةِ، ويَكْفُرُ أوْ ناسِيًا لِإحْرامِهِ كَفَّرَ بِإحْدى الخِصالِ الثَّلاثِ، أوْ عاصِيًا بِأنْ يَعُودَ مُتَعَمِّدًا عالِمًا بِإحْرامِهِ، فَلا كَفّارَةَ عَلَيْهِ، ويَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ بِإلْزامِ الكَفّارَةِ فَقَطْ، وكُلَّما عادَ فَهو يُكَفِّرُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنْ كانَ مُتَعَمِّدًا عالِمًا بِإحْرامِهِ، فَلا كَفّارَةَ عَلَيْهِ، ويَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ. وبِهِ قالَ شُرَيْحٌ والنَّخَعِيُّ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ وداوُدُ وظاهِرُ ﴿ومَن عادَ﴾ لِعُمُومِ، ألا تَرى أنَّ (مَن) شَرْطِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ تَضَمَّنَتْ مَعْنى الشَّرْطِ فَتَعُمُّ ؟ خِلافًا لِقَوْمٍ إذْ زَعَمُوا أنَّها مَخْصُوصَةٌ بِشَخْصٍ بِعَيْنِهِ، وأسْنَدُوا إلى زَيْدِ بْنِ العَلاءِ أنَّ رَجُلًا أصابَ صَيْدًا وهو مُحْرِمٌ، فَتَجَوَّزَ لَهُ ثُمَّ عادَ، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ نارًا، فَأحْرَقَتْهُ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾ وعَلى تَقْدِيرِ صِحَّةِ هَذا الحَدِيثِ، لا تَكُونُ هَذِهِ القَضِيَّةُ تَخُصُّ عُمُومَ الآيَةِ، إذْ هَذا الرَّجُلُ فَرْدٌ مِن أفْرادِ العُمُومِ ظَهَرَ انْتِقامُ اللَّهِ مِنهُ. والفاءُ في (فَيَنْتَقِمُ) جَوابُ الشَّرْطِ، أوِ الدّاخِلَةُ عَلى المَوْصُولِ المُضَمَّنِ مَعْنى الشَّرْطِ، وهو عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ؛ أيْ فَهو يَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ. ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ أيْ عَزِيزٌ لا يُغالَبُ إذا أرادَ أنْ يَنْتَقِمَ، لَمْ يُغالِبْهُ أحَدٌ، وفي هَذِهِ الجُمْلَةِ تَذْكارٌ بِنِقَمِ اللَّهِ وتَخْوِيفٌ.

المائدة 5:95

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أيْدِيكم ورِماحُكُمْ﴾ نَزَلَتْ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، وأقامَ بِالتَّنْعِيمِ، فَكانَ الوَحْشُ والطَّيْرُ يَغْشاهم في رِحالِهِمْ وهم مُحْرِمُونَ، وقِيلَ: كانَ بَعْضُهم أحْرَمَ، وبَعْضُهم لَمْ يُحْرِمْ، فَإذا عَرَضَ صَيْدٌ اخْتَلَفَتْ أحْوالُهم واشْتَبَهَتِ الأحْكامُ، وقِيلَ: قَتَلَ أبُو اليُسْرِ حِمارَ وحْشٍ بِرُمْحِهِ، فَقِيلَ: قَتَلْتَ الصَّيْدَ وأنْتَ مُحْرِمٌ فَنَزَلَتْ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها؛ هو أنَّهم لَمّا أمَرَهم أنْ لا يُحَرِّمُوا الطَّيِّباتِ، وأخْرَجَ مِن ذَلِكَ الخَمْرَ والمَيْسِرَ، وهُما حَرامانِ دائِمًا، أخْرَجَ بَعْدَهُ مِنَ الطَّيِّباتِ ما حُرِّمَ في حالٍ دُونَ حالٍ، وهو الصَّيْدُ. وكانَ الصَّيْدُ مِمّا تَعِيشُ بِهِ العَرَبُ، وتَتَلَذَّذُ بِاقْتِناصِهِ، ولَهم فِيهِ الأشْعارُ والأوْصافُ الحَسَنَةُ. والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ بِقَوْلِهِ (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا) عامٌّ لِلْمُحِلِّ والمُحْرِمِ، لَكِنْ لا يَتَحَقَّقُ الِابْتِلاءُ إلّا مَعَ الإحْرامِ أوِ الحُرُمِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو لِلْمُحْرِمِينَ. وقالَ مالِكٌ هو لِلْمُحِلِّينَ، والمَعْنى لَيَخْتَبِرَنَّكُمُ اللَّهُ، ابْتَلاهُمُ اللَّهُ بِهِ مَعَ الإحْرامِ أوِ الحَرَمِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ يَقْتَضِي تَقْلِيلًا، وقِيلَ: لِيَعْلَمَ أنَّهُ لَيْسَ مِنَ الِابْتِلاءِ العَظِيمِ، كالِابْتِلاءِ بِالأنْفُسِ والأمْوالِ، بَلْ هو تَشْبِيهٌ بِما ابْتُلِيَ بِهِ أهْلُ أيْلَةَ مِن صَيْدِ السَّمَكِ، وأنَّهم كانُوا لا يَصْبِرُونَ عِنْدَ هَذا الِابْتِلاءِ فَكَيْفَ يَصْبِرُونَ عِنْدَ ما هو أشَدُّ مِنهُ ؟ ومِن في ﴿مِنَ الصَّيْدِ﴾ لِلتَّبْعِيضِ في حالِ الحُرْمَةِ، إذْ قَدْ يَزُولُ الإحْرامُ ويُفارِقُ الحَرَمَ، فَصَيْدُ بَعْضِ هَذِهِ الأحْوالِ بَعْضُ الصَّيْدِ عَلى العُمُومِ. وقالَ الطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُ: مِن صَيْدِ البَرِّ دُونَ البَحْرِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن لِبَيانِ الجِنْسِ، قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا كَما تَقُولُ قالَ لَأمْتَحِنَنَّكَ (p-١٧)بِشَيْءٍ مِنَ الرِّزْقِ، وكَما قالَ تَعالى: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠] والمُرادُ بِالصَّيْدِ المَأْكُولُ؛ لِأنَّ الصَّيْدَ يَنْطَلِقُ عَلى المَأْكُولِ وغَيْرِ المَأْكُولِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎صَيْدُ المُلُوكِ أرانِبُ وثَعالِبُ وإذا رَكِبْتُ فَصَيْدِيَ الأبْطالُ وقالَ زُهَيْرٌ: ؎لَيْثٌ بِعَثَّرَ يَصْطادُ الرِّجالَ إذا ما ∗∗∗ كَذَّبَ اللَّيْثُ عَنْ أقْرانِهِ صَدَقا ولِهَذا قالَ أبُو حَنِيفَةَ إذا قَتَلَ المُحْرِمُ لَيْثًا أوْ ذِئْبًا ضارِيًا أوْ ما يَجْرِي مَجْراهُ، فَعَلَيْهِ الجَزاءُ بِقَتْلِهِ. ﴿تَنالُهُ أيْدِيكم ورِماحُكُمْ﴾ أيْ بَعْضٌ مِنهُ يُتَناوَلُ بِالأيْدِي؛ لِقُرْبِ غِشْيانِهِ حَتّى تَتَمَكَّنَ مِنهُ اليَدُ، وبَعْضٌ بِالرِّماحِ لِبُعْدِهِ وتَفَرُّقِهِ، فَلا يُوَصَلُ إلَيْهِ إلّا بِالرُّمْحِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْدِيكم فِراخُ الطَّيْرِ وصِغارُ الوَحْشِ. وقالَ مُجاهِدٌ الأيْدِي: الفِراخُ والبَيْضُ، وما لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَفِرَّ والرِّماحُ تَنالُ كِبارَ الصَّيْدِ. قِيلَ: وما قالَهُ مُجاهِدٌ غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّ الصَّيْدَ اسْمٌ لِلْمُتَوَحِّشِ المُمْتَنِعِ دُونَ ما لا يَمْتَنِعُ انْتَهى. يَعْنِي أنَّهُ لا يُطْلَقُ عَلى البَيْضِ صَيْدٌ، ولا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِما يَئُولُ إلَيْهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والظّاهِرُ أنَّ اللَّهَ خَصَّ الأيْدِي بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّها أعْظَمُ تَصَرُّفًا في الِاصْطِيادِ، وفِيها تَدَخُّلُ الجَوارِحِ والحِبالاتِ وما عُمِلَ بِاليَدِ مِن فِخاخٍ وشِباكٍ، وخَصَّ الرِّماحَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّها أعْظَمُ ما يُجْرَحُ بِهِ الصَّيْدُ، وفِيها يَدْخُلُ السَّهْمُ ونَحْوُهُ. واحْتَجَّ بَعْضُ النّاسِ عَلى أنَّ الصَّيْدَ لِلْآخِذِ لا لِلْمُثِيرِ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ المُثِيرَ لَمْ تَنَلْ يَدُهُ ولا رُمْحُهُ بَعْدُ شَيْئًا. وقَرَأ النَّخَعِيُّ وابْنُ وثّابٍ: (يَنالُهُ)، بِالياءِ مَنقُوطَةٍ مِن أسْفَلَ، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ تَنالُهُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ؛ لِقَوْلِهِ بِشَيْءٍ أوْ في مَوْضِعِ الحالِ مِنهُ إذْ قَدْ وصَفَ وأبْعَدَ مَن زَعَمَ أنَّهُ حالٌ مِنَ الصَّيْدِ. ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخافُهُ بِالغَيْبِ﴾ هَذا تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ﴾ ومَعْنى (لِيَعْلَمَ) لِيَتَمَيَّزَ مَن يَخافُ عِقابَهُ تَعالى، وهو غائِبٌ مُنْتَظَرٌ في الآخِرَةِ، فَيَبْقى الصَّيْدُ مِمَّنْ لا يَخافُهُ، فَيُقْدِمَ عَلَيْهِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لِيَسْتَمِرَّ عَلَيْهِ وهو مَوْجُودٌ، إذْ قَدْ عَلِمَ اللَّهُ ذَلِكَ في الأزَلِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: لَمْ يَزَلِ اللَّهُ تَعالى عالِمًا، وإنَّما عَبَّرَ بِالعِلْمِ عَنِ الرُّؤْيَةِ، وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ لِيَعْلَمَ أوْلِياءُ اللَّهِ، وقِيلَ: المَعْنى لِيَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَن يَخافُهُ بِالغَيْبِ؛ أيْ في السِّرِّ حَيْثُ لا يَراهُ أحَدٌ مِنَ النّاسِ. فالخائِفُ لا يَصِيدُ، وغَيْرُ الخائِفِ يَصِيدُ، وقِيلَ: يُعامِلُكم مُعامَلَةَ مَن يَطْلُبُ أنْ يَعْلَمَ، وقِيلَ: لِيَظْهَرَ المَعْلُومُ، وهو خَوْفُ الخائِفِ. وبِالغَيْبِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ومَعْناهُ أنَّ الخائِفَ غائِبٌ عَنْ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى، ومِثْلُهُ ﴿مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ﴾ [ق: ٣٣]، و﴿يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ﴾ [الأنبياء: ٤٩] . وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» . وقالَ الطَّبَرِيُّ مَعْناهُ في الدُّنْيا حَيْثُ لا يَرى العَبْدُ رَبَّهُ، فَهو غائِبٌ عَنْهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والظّاهِرُ أنَّ المَعْنى بِالغَيْبِ مِنَ النّاسِ؛ أيْ في الخَلْوَةِ مَن خافَ اللَّهَ انْتَهى. عَنِ الصَّيْدِ مِن ذاتِ نَفْسِهِ انْتَهى. وقَرَأالزُّهْرِيُّ (لِيُعْلِمَ اللَّهُ) مِن (أعْلَمَ) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أيْ لِيُعْلِمَ عِبادَهُ انْتَهى. فَيَكُونُ مِن (أعْلَمَ) المَنقُولَةِ مِن عَلِمَ المُتَعَدِّيَةِ إلى واحِدٍ تَعَدِّي عَرَفَ، فَحُذِفَ المَفْعُولُ الأوَّلُ؛ وهو عِبادُهُ؛ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، وبَقِيَ المَفْعُولُ الثّانِي؛ وهو ﴿مَن يَخافُهُ﴾ . ﴿فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ المَعْنى فَمَنِ اعْتَدى بِالمُخالَفَةِ فَصادَ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى النَّهْيِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ مَعْنى الكَلامِ السّابِقِ، وتَقْدِيرُهُ: فَلا يَصِيدُوا؛ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخافُهُ بِالغَيْبِ﴾ . ﴿فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ قِيلَ: في الآخِرَةِ. وقِيلَ: في الدُّنْيا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُوسَعُ بَطْنُهُ وظَهْرُهُ جَلْدًا، ويُسْلَبُ ثِيابُهُ. ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ الَّذِينَ آمَنُوا عامٌّ، وصَرَّحَ هُنا بِالنَّهْيِ عَنْ قَتْلِ الصَّيْدِ في حالِ كَوْنِهِمْ حُرُمًا، والحُرُمُ جَمْعُ حَرامٍ، والحَرامُ المُحَرَّمُ، والكائِنُ بِالحَرَمِ، ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ اللَّفْظَ يُرادُ بِهِ مَعْناهُ، اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ عَلى مَنعِ المُحْرِمِ والكائِنِ بِالحَرَمِ مِن قَتْلِ الصَّيْدِ، ومَن لَمْ يَذْهَبْ إلى ذَلِكَ قالَ: المَعْنى يُحْرِمُونَ بِحَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ، (p-١٨)وهُوَ قَوْلُ الأكْثَرِ. وقِيلَ: المَعْنى وأنْتُمْ في الحَرَمِ. والظّاهِرُ النَّهْيُ عَنْ قَتْلِ الصَّيْدِ، وتَكُونُ الآيَةُ قَبْلَ هَذِهِ دَلَّتْ بِمَعْناها عَلى النَّهْيِ عَنِ الِاصْطِيادِ، فَيُسْتَفادُ مِن مَجْمُوعِ الآيَتَيْنِ؛ النَّهْيُ عَنِ الِاصْطِيادِ، والنَّهْيُ عَنْ قَتْلِ الصَّيْدِ. والظّاهِرُ عُمُومُ الصَّيْدِ. وقَدْ خُصَّ هَذا العُمُومُ بِصَيْدِ البَرِّ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦] . وقِيلَ: وبِالسُّنَّةِ بِالحَدِيثِ الثّابِتِ «خَمْسٌ فَواسِقُ يُقْتَلْنَ في الحِلِّ والحَرَمِ: الغُرابُ والحِدَأةُ والفَأْرَةُ والكَلْبُ العَقُورُ» . فاقْتَصَرَ عَلى هَذِهِ الخَمْسَةِ الثَّوْرِيُّ والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ وإسْحاقُ، وقاسَ مالِكٌ عَلى الكَلْبِ العَقُورِ كُلَّ ما كَلَبَ عَلى النّاسِ وغَيْرِهِمْ، ورَآهُ داخِلًا في لَفْظِهِ مِن أسَدٍ ونَمِرٍ وفَهِدٍ وذِئْبٍ، وكُلَّ سَبُعٍ عادٍ، فَقالَ: لَهُ أنْ يَقْتُلَها مُبْتَدِئًا بِها لا هِزَبْرٍ وثَعْلَبٍ وضَبُعٍ، فَإنْ قَتَلَها فَدى. وقالَ مُجاهِدٌ والنَّخَعِيُّ: لا يَقْتُلُ مِنَ السِّباعِ إلّا ما عَدا عَلَيْهِ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. وقالَ أصْحابُ الرَّأْيِ إنْ بَدَأهُ السَّبُعُ قَتَلَهُ ولا فِدْيَةَ، وإنِ ابْتَدَأهُ المُحْرِمُ فَقَتَلَهُ فَدى. وقالَ مالِكٌ في فِراخِ السِّباعِ قَبْلَ أنْ تَفْتَرِسَ: لا يَنْبَغِي لِلْمُحْرِمِ قَتْلُها، وثَبَتَ عَنْ عُمَرَ أمْرُهُ المُحْرِمِينَ بِقَتْلِ الحَيّاتِ، وأجْمَعَ النّاسُ عَلى إباحَةِ قَتْلِها. وثَبَتَ عَنْ عُمَرَ إباحَةُ قَتْلِ الزُّنْبُورِ؛ لِأنَّهُ في حُكْمِ العَقْرَبِ، وذَواتُ السُّمُومِ في حُكْمِ الحَيَّةِ كالأفْعى والرُّتَيْلا. ومَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ وجَماعَةٍ؛ أنَّ الصَّيْدَ هو ما تَوَحَّشَ مَأْكُولًا كانَ أوْ غَيْرَ مَأْكُولٍ. فَعَلى هَذا لَوْ قَتَلَ المُحْرِمُ سَبُعًا لا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ ضَمِنَ، ولا يُجاوِزُ قِيمَةَ شاةٍ. وقالَ زُفَرُ بالِغًا ما بَلَغَ. وقالَ قَوْمٌ: الصَّيْدُ هو ما يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، فَعَلى هَذا لا يَجُبِ الضَّمانُ في قَتْلِ السَّبُعِ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ، ولا في قَتْلِ الفَواسِقِ الخَمْسِ ولا الذِّئْبِ. وإذا كانَ الصَّيْدُ مِمّا حَلَّ أكْلُهُ فَقَتَلَهُ المُحْرِمُ ولَوْ بِالذَّبْحِ، فَمَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ ومالِكٍ؛ أنَّهُ غَيْرُ مُذَكًّى، فَلا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، وبِهِ قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ وأحَدُ قَوْلَيِ الحَسَنِ. ومَذْهَبُ الشّافِعِيِّ؛ إنْ ذَبَحَ المُحْرِمُ الصَّيْدَ ذَكّاهُ. وقالَ الحَكَمُ وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ وسُفْيانُ: يَحِلُّ لِلْحَلالِ أكْلُهُ، وهو أحَدُ قَوْلَيِ الحَسَنِ. ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ الظّاهِرُ تَقْيِيدُ القَتْلِ بِالعَمْدِ، فَمَن لَمْ يَتَعَمَّدْ فَقَتَلَ خَطَأً بِأنْ كانَ ناسِيًا لِإحْرامِهِ أوْ رَماهُ ظانًّا أنَّهُ لَيْسَ بِصَيْدٍ فَإذا هو صَيْدٌ، أوْ عَدَلَ سَهْمَهُ الَّذِي رَماهُ لِغَيْرِ صَيْدٍ فَأصابَ صَيْدًا، فَلا جَزاءَ عَلَيْهِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُبَيْرٍ وطاوُسٍ وعَطاءٍ وسالِمٍ، وبِهِ قالَ أبُو ثَوْرٍ وداوُدُ والطَّبَرِيُّ، وهو أحَدُ قَوْلَيِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ ومُجاهِدٍ وأحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فِيما أسْنَدَهُ عَنْهُ الدّارَقُطْنِيُّ: إنَّما التَّكْفِيرُ في العَمْدِ، وإنَّما غَلَّظُوا في الخَطَأِ؛ لِئَلّا يَعُودُوا، وقِيلَ: خَرَجَ مَخْرَجَ الغالِبِ، فَأُلْحِقَ بِهِ النّادِرُ، وقِيلَ: ذَكَرَ التَّعَمُّدَ؛ لِأنَّ مَوْرِدَ الآيَةِ في مَن تَعَمَّدَ؛ لِقِصَّةِ أبِي اليَسَرِ؛ إذْ قَتَلَ الحِمارَ مُتَعَمِّدًا وهو مُحْرِمٌ. ومَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ ومالِكٍ والشّافِعِيِّ وأصْحابِهِمْ؛ أنَّ الخَطَأ بِنِسْيانٍ أوْ غَيْرِهِ كالعَمْدِ، والعَمْدُ أنْ يَكُونَ ذاكِرًا لِإحْرامِهِ قاصِدًا لِلْقَتْلِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وابْنِ (p-١٩)عَبّاسٍ وطاوُسٍ والحَسَنِ وإبْراهِيمَ والزُّهْرِيِّ. قالَ الزُّهْرِيُّ: جَزاءُ العَمْدِ بِالقُرْآنِ، والخَطَأِ والنِّسْيانِ بِالسُّنَّةِ. قالَ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: إنْ كانَ يُرِيدُ بِالسُّنَّةِ الآثارَ الَّتِي ورَدَتْ عَنْ عُمَرَ وابْنِ عَبّاسٍ، فَنِعِمّا هي، وأحْسِنْ بِها أُسْوَةً. وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ مُتَعَمِّدًا لِقَتْلِهِ ناسِيًا لِإحْرامِهِ، فَإنْ كانَ ذاكِرًا لِإحْرامِهِ، فَهَذا أجَلُّ وأعْظَمُ مِن أنْ يُكَفِّرَ، وقَدْ حَلَّ ولا حَجَّ لَهُ؛ لِارْتِكابِهِ مَحْظُورَ إحْرامِهِ فَبَطَلَ عَلَيْهِ كَما لَوْ تَكَلَّمَ في الصَّلاةِ أوْ أحْدَثَ فِيها. قالَ: ومَن أخْطَأ فَذَلِكَ الَّذِي عَلَيْهِ الجَزاءُ. وقالَ نَحْوَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ. ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ لا جَزاءَ عَلَيْهِ في قَتْلِهِ مُتَعَمِّدًا، ويَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وحَجُّهُ تامٌّ، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ (فَجَزاءٌ)، بِالتَّنْوِينِ، (مِثْلُ) بِالرَّفْعِ، فارْتِفاعُ جَزاءٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، الخَبَرُ تَقْدِيرُهُ: فَعَلَيْهِ جَزاءٌ، ومِثْلُ صِفَةٌ أيْ فَجَزاءٌ يُماثِلُ ما قَتَلَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (فَجَزاؤُهُ مِثْلُ)، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى قاتِلِ الصَّيْدِ، أوْ عَلى الصَّيْدِ. وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ يَرْتَفِعُ (فَجَزاؤُهُ مِثْلُ) عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ﴾ بِرَفْعِ جَزاءٍ، وإضافَتِهِ إلى مِثْلٍ، فَقِيلَ مِثْلٌ كَأنَّها مُقْحَمَةٌ، كَما تَقُولُ مِثْلُكَ مَن يَفْعَلُ كَذا؛ أيْ أنْتَ تَفْعَلُ كَذا، فالتَّقْدِيرُ فَجَزاءُ ما قَتَلَ، وقِيلَ: ذَلِكَ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ قِراءَةُ السُّلَمِيِّ (فَجَزاءٌ) بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ (مِثْلَ ما قَتَلَ) بِالنَّصْبِ. وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ مُقاتِلٍ (فَجَزاءً مِثْلَ ما قَتَلَ) بِنَصْبِ جَزاءٍ ومِثْلٍ، والتَّقْدِيرُ فَلْيُخْرِجْ جَزاءً مِثْلَ ما قَتَلَ، و(مِثْلَ) صِفَةٌ لِـ(جَزاءً) . وقَرَأ الحَسَنُ (مِنَ النَّعْمِ) سَكَّنَ العَيْنَ تَخْفِيفًا، كَما قالُوا الشَّعْرَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي لُغَةٌ، و﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ صِفَةٌ لِجَزاءٍ، سَواءٌ رُفِعَ (جَزاءٌ)، و(مِثْلُ)، أوْ أُضِيفَ (جَزاءُ) إلى (مِثْلِ) أيْ كائِنٌ مِنَ النَّعَمِ، ويَجُوزُ في وجْهِ الإضافَةِ أنْ يَتَعَلَّقَ مِنَ النَّعَمِ بِجَزاءٍ إلّا في وجْهِ الأوَّلِ؛ لِأنَّ (جَزاءُ) مَصْدَرٌ مَوْصُوفٌ، فَلا يَعْمَلُ. ووَهِمَ أبُو البَقاءِ في تَجْوِيزِهِ أنْ يَكُونَ مِنَ النَّعَمِ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في (قَتَلَ)، يَعْنِي مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ المَحْذُوفِ في قَتَلَ العائِدِ عَلى ما قالَ؛ لِأنَّ المَقْتُولَ يَكُونُ مِنَ النَّعَمِ، ولَيْسَ المَعْنى عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ الَّذِي هو مِنَ النَّعَمِ، هو ما يَكُونُ جَزاءً لا الَّذِي يَقْتُلُهُ المُحْرِمُ؛ ولِأنَّ النَّعَمَ لا تَدْخُلُ في اسْمِ الصَّيْدِ. والظّاهِرُ في المِثْلِيَّةِ أنَّها مِثْلِيَّةٌ في الصُّورَةِ، والخِلْقَةِ والصِّغَرِ والعِظَمِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ وابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ والسُّدِّيِّ وابْنِ جُبَيْرٍ وقَتادَةَ، وبِهِ قالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ ومُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ. وتَفاصِيلُ ما يُقابِلُ كُلَّ مَقْتُولٍ مِنَ الصَّيْدِ، قَدْ طَوَّلَ بِها جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. ولَمْ يَتَعَرَّضْ لَفْظُ القُرْآنِ لَها، وهي مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ الفِقْهِ. وذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ التّابِعِينَ إلى أنَّ المُماثَلَةَ، هي في القِيمَةِ، يُقَوِّمُ الصَّيْدَ المَقْتُولَ، ثُمَّ يَشْتَرِي بِقِيمَتِهِ طَعامًا مِنَ الأنْعامِ، ثُمَّ يَهْدِي، وهو قَوْلُ النَّخَعِيِّ وعَطاءٍ وأحَدُ قَوْلَيْ مُجاهِدٍ. وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ: يَشْتَرِي بِالقِيمَةِ هَدْيًا إنْ شاءَ، وإنْ شاءَ اشْتَرى طَعامًا، فَأعْطى كُلَّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صاعٍ، وإنْ شاءَ صامَ عَنْ كُلِّ نِصْفِ صاعٍ يَوْمًا. وقالَ قَوْمٌ: المِثْلِيَّةُ فِيما وُجِدَ لَهُ مِثْلٌ صُورَةً، وما لَمْ يُوجَدْ لَهُ مِثْلٌ، فالمِثْلِيَّةُ في القِيمَةِ. وقَدْ تَعَصَّبَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ لِمَذْهَبِ أبِي حَنِيفَةَ. ولَفْظُ الآيَةِ يَنْبُو عَنْ مَذْهَبِهِ إذْ ظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي التَّخْيِيرَ بَيْنَ أنْ يُجْزِئَ هَدْيًا مِنَ النَّعَمِ مِثْلَ ما قَتَلَ، وأنْ يُكَفِّرَ بِطَعامِ مَساكِينَ، وأنْ يَصُومَ عَدْلَ الصِّيامِ. والظّاهِرُ أنَّ الجَزاءَ لا يَكُونُ إلّا في القَتْلِ لا في أخْذِ الصَّيْدِ، ولا في جِنْسِهِ، ولا في أكْلِهِ وِفاقًا لِلشّافِعِيِّ، وخِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ، إذْ قالَ عَلَيْهِ جَزاءُ ما أكَلَ، يَعْنِي قِيمَتَهُ، وخالَفَهُ صاحِباهُ فَقالا: لا شَيْءَ عَلَيْهِ سِوى الِاسْتِغْفارِ؛ لِأنَّهُ تَناوَلَ مِنهُ، ولا في الدَّلالَةِ عَلَيْهِ؛ خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ وأشْهَبَ، إذْ قالا يَضْمَنُ الدّالُّ الجَزاءَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وابْنِ عَوْفٍ. وقالَ الشّافِعِيُّ: ومالِكٌ وأبُو ثَوْرٍ: لا يَضْمَنُ الدّالُّ، والجَزاءُ عَلى القاتِلِ، ولا في جَرْحِهِ، ونَقْصِ قِيمَتِهِ بِذَلِكَ. وقالَ المُزَنِيُّ عَلَيْهِ شَيْءٌ. وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ إذا نَقَصَ مِن قِيمَتِهِ مَثَلًا العُشْرُ، فَعَلَيْهِ عُشْرُ قِيمَتِهِ. وقالَ داوُدُ لا شَيْءَ عَلَيْهِ. والظّاهِرُ أنَّهُ لَوِ اجْتَمَعَ مُحْرِمُونَ في صَيْدٍ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمْ إلّا جَزاءٌ واحِدٌ؛ لِأنَّهُ لا يُنْسَبُ القَتْلُ (p-٢٠)إلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم. فَأمّا المَقْتُولُ، فَهو واحِدٌ يَجِبُ أنْ يَكُونَ المِثْلُ واحِدًا، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ وأحْمَدُ وإسْحاقُ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ ومالِكٌ والثَّوْرِيُّ: يَجِبُ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم جَزاءٌ واحِدٌ. والظّاهِرُ أنَّهُ إذا حُمِلَ قَوْلُهُ ﴿وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ عَلى مَعْنَيَيْهِ وهُما مُحْرِمُونَ بِحَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ. ومُحْرِمُونَ بِمَعْنى داخِلِينَ الحَرَمَ، وإنْ كانُوا مُحِلِّينَ أنَّهُ إذا قَتَلَ المُحِلُّونَ صَيْدًا في الحَرَمِ، أنَّهُ يَلْزَمُهم جَزاءٌ واحِدٌ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ. وقالَ مالِكٌ عَلى كُلِّ واحِدٍ جَزاءٌ كامِلٌ. وظاهِرُ قَوْلِهِ مِنَ النَّعَمِ أنَّهُ لا يُشْتَرَطُ سِنٌّ فَيُجْزِئُ الجَفْرُ والعَناقُ عَلى قَدْرِ الصَّيْدِ، وبِهِ قالَ أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ لا يَجُوزُ أنْ يَهْدِيَ إلّا ما يُجْزِئُ في الأُضْحِيَّةِ وهَدْيِ القِرانِ. والظّاهِرُ مِن تَقْيِيدِ المَنهِيِّينَ عَنِ القَتْلِ بِقَوْلِهِ ﴿وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ أنَّهُ لَوْ صادَ الحَلالُ بِالحِلِّ، ثُمَّ ذَبَحَهُ في الحَرَمِ فَلا ضَمانَ، وهو حَلالٌ، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ عَلَيْهِ الجَزاءُ. ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ أيْ يَحْكُمُ بِمِثْلِ ما قَتَلَ. قالَ ابْنُ وهْبٍ: مِنَ السُّنَّةِ أنْ يُخَيِّرَ الحَكَمانِ مَن قَتَلَ الصَّيْدَ، كَما خَيَّرَهُ اللَّهُ في أنْ يُخْرِجَ هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ، أوْ كَفّارَةٍ طَعامِ مَساكِينَ، أوْ عَدْلِ ذَلِكَ صِيامًا، فَإنِ اخْتارَ الهَدْيَ حَكَما عَلَيْهِ بِما يَرَيانِهِ نَظَرًا لِما أصابَ. وأدْنى الهَدْيِ شاةٌ، وما لَمْ يَبْلُغْ شاةً حَكَما فِيهِ بِالطَّعامِ، ثُمَّ خُيِّرَ بَيْنَ أنْ يُطْعِمَهُ أوْ يَصُومَ مَكانَ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا، وكَذَلِكَ قالَ مالِكٌ. والظّاهِرُ أنَّهُ يَحْكُمُ بِهِ عَدْلانِ، وكَذَلِكَ فَعَلَ عُمَرُ في حَدِيثِ قَبِيصَةَ بْنِ جابِرٍ؛ اسْتَدْعى عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وحَكَما في ظَبْيٍ بِشاةٍ، وفَعَلَ ذَلِكَ جَرِيرٌ وابْنُ عُمَرَ. والظّاهِرُ أنَّ العَدْلَيْنِ ذَكَرانِ، فَلا يَحْكُمُ فِيهِ امْرَأتانِ عَدْلَتانِ، وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ (يَحْكُمُ بِهِ ذُو عَدْلٍ) عَلى التَّوْحِيدِ؛ أيْ يَحْكُمُ بِهِ مَن يَعْدِلُ مِنكم، ولا يُرِيدُ بِهِ الوَحْدَةَ، وقِيلَ: أرادَ بِهِ الإمامَ. والظّاهِرُ أنَّ الحَكَمَيْنِ يَحْكُمانِ في جَزاءِ الصَّيْدِ بِاجْتِهادِهِما، وذَلِكَ مَوْكُولٌ إلَيْهِما، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ، ومالِكٌ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ. وقالَ الشّافِعِيُّ: الَّذِي لَهُ مِثْلٌ مِنَ النَّعَمِ، وحَكَمَتْ فِيهِ الصَّحابَةُ بِحُكْمٍ لا يُعْدَلُ عَنْهُ إلى غَيْرِهِ، وما لَمْ تَحْكم فِيهِ الصَّحابَةُ، يُرْجَعُ فِيهِ إلى اجْتِهادِهِما، فَيَنْظُرانِ إلى الأجْناسِ الثَّلاثَةِ مِنَ الأنْعامِ، فَكُلُّ ما كانَ أقْرَبَ شَبَهًا بِهِ يُوجِبانِهِ. والظّاهِرُ أنَّ الحَكَمَيْنِ لا يَكُونُ أحَدُهُما قاتِلَ الصَّيْدِ، وهو قَوْلُ مالِكٍ. وقالَ الشّافِعِيُّ: إنْ كانَ القَتْلُ خَطَأً جازَ أنْ يَكُونَ أحَدَهُما، أوْ عَمْدًا فَلا؛ لِأنَّهُ يَفْسُقُ بِهِ، واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ عَلى إثْباتِ القِياسِ؛ لِأنَّهُ تَعالى فَرَضَ تَعْيِينَ المِثْلِ إلى اجْتِهادِ النّاسِ وظُنُونِهِمْ. وجَوَّزُوا في انْتِصابِ قَوْلِهِ ﴿هَدْيًا﴾ أنْ يَكُونَ حالًا مِن (جَزاءٍ) فِيمَن وصَفَهُ بِمِثْلٍ؛ لِأنَّ الصِّفَةَ خَصَّصَتْهُ فَقَرُبَ مِنَ المَعْرِفَةِ، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (مِثْلَ) في قِراءَةِ مَن نَصَبَ مِثْلًا، أوْ مِن مَحَلِّهِ في قِراءَةِ مَن خَفَضَهُ، وأنْ يَنْتَصِبَ عَلى المَصْدَرِ. والظّاهِرُ أنَّهُ حالٌ مِن قَوْلِهِ بِهِ. ومَعْنى ﴿بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ أنْ يَنْحَرَ بِالحَرَمِ، ويَتَصَدَّقَ بِهِ حَيْثُ شاءَ، عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ، وقالَ الشّافِعِيُّ: بِالحَرَمِ، وقَرَأ الأعْرَجُ (هَدِيًّا)، بِكَسْرِ الدّالِ وتَشْدِيدِ الياءِ، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ، يَحْكُمُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ؛ لِقَوْلِهِ فَـ (جَزاءٌ) أيْ حاكِمٌ بِهِ ذَوا عَدْلٍ. وفي قَوْلِهِ (مِنكم) دَلِيلٌ عَلى أنَّهُما مِنَ المُسْلِمِينَ، وذَكَرَ الكَعْبَةَ؛ لِأنَّها أُمُّ الحَرَمِ. قالُوا والحَرَمُ كُلُّهُ مَنحَرٌ لِهَذا الهَدْيِ، فَما وُقِفَ بِهِ بِعَرَفَةَ مِن هَدْيِ الجَزاءِ، يُنْحَرُ بِمِنًى، وما لَمْ يُوقَفْ بِهِ فَيُنْحَرُ بِمَكَّةَ، وفي سائِرِ بِقاعِ الحَرَمِ، بِشَرْطِ أنْ يَدْخُلَ مِنَ الحِلِّ، ولا بُدَّ أنْ يَجْمَعَ فِيهِ بَيْنَ حِلٍّ وحَرَمٍ حَتّى يَكُونَ بالِغًا الكَعْبَةَ. ﴿أوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ﴾ قَرَأ الصّاحِبانِ بِالإضافَةِ. والإضافَةُ تَكُونُ بِأدْنى مُلابَسَةٍ، إذِ الكَفّارَةُ تَكُونُ كَفّارَةَ هَدْيٍ، وكَفّارَةَ طَعامٍ، وكَفّارَةَ صِيامٍ. ولا التِفاتَ إلى قَوْلِ الفارِسِيِّ ولَمْ يُضِفِ الكَفّارَةَ إلى الطَّعامِ؛ لِأنَّها (p-٢١)لَيْسَتْ لِلطَّعامِ، إنَّما هي لِقَتْلِ الصَّيْدِ. وأمّا ما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن زَعْمِهِ أنَّ الإضافَةَ مُبَيِّنَةٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: أوْ كَفارَّةٌ مِن طَعامِ مَساكِينَ، كَقَوْلِكَ خاتَمُ فِضَّةٍ، بِمَعْنى خاتَمٍ مِن فِضَّةٍ، فَلَيْسَتْ مِن هَذا البابِ؛ لِأنَّ خاتَمَ فِضَّةٍ مِن بابِ إضافَةِ الشَّيْءِ إلى جِنْسِهِ، والطَّعامُ لَيْسَ جِنْسًا لِلْكَفّارَةِ إلّا بِتَجَوُّزٍ بَعِيدٍ جِدًّا. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالتَّنْوِينِ ورَفْعِ (طَعامُ) . وقَرَأ كَذَلِكَ الأعْرَجُ وعِيسى بْنُ عُمَرَ، إلّا أنَّهُما أفْرَدا مِسْكِينًا عَلى أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ (طَعامُ) عَطْفُ بَيانٍ؛ لِأنَّ الطَّعامَ هو الكَفّارَةُ انْتَهى. وهَذا عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّهم شَرَطُوا في البَيانِ أنْ يَكُونَ في المَعارِفِ لا في النَّكِراتِ، فالأوْلى أنْ يُعْرَبَ بَدَلًا. وقَدْ أجْمَلَ في مِقْدارِ الطَّعامِ، وفي عَدَدِ المَساكِينِ. والظّاهِرُ أنَّهُ يَكْفِي أقَلُّ ما يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ جَمْعُ مَساكِينَ. وقالَ إبْراهِيمُ وعَطاءٌ ومُجاهِدٌ والقاسِمُ، يُقَوِّمُ الصَّيْدَ دَراهِمَ ثُمَّ يَشْتَرِي بِالدَّراهِمِ طَعامًا، فَيُطْعِمُ كُلَّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صاعٍ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِتَقْوِيمِ الصَّيْدِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ. وقالَ مُجاهِدٌ وعَطاءٌ وابْنُ عَبّاسٍ والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ: يُقَوِّمُ الهَدْيَ، ثُمَّ يَشْتَرِي بِقِيمَةِ الهَدْيِ طَعامًا، وقالَ مالِكٌ: أحْسَنُ ما سَمِعْتُ أنَّهُ يُقَوِّمُ الصَّيْدَ، فَيَنْظُرُ كم ثَمَنُهُ مِنَ الطَّعامِ، فَيُطْعِمُ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدًّا، ويَصُومُ مَكانَ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا. ﴿أوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيامًا﴾ الأظْهَرُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إشارَةً إلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ، وهو الطَّعامُ. والطَّعامُ المَذْكُورُ غَيْرُ مُعَيَّنٍ في الآيَةِ لا كَيْلًا ولا وزْنًا، فَيَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ الصِّيامُ أيْضًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ عَدَدًا. والصِّيامُ مَبْنِيٌّ عَلى الخِلافِ في الطَّعامِ، أهُوَ مُدٌّ أوْ مُدّانِ. وبِالمُدِّ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومالِكٌ، وبِالمُدَّيْنِ قالَ الشّافِعِيُّ، وعَنْ أحْمَدَ القَوْلانِ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إشارَةً إلى الصَّيْدِ المَقْتُولِ. وفي الظَّبْيِ ثَلاثَةُ أيّامٍ، وفي الإبِلِ عِشْرُونَ يَوْمًا، وفي النَّعامَةِ وحِمارِ الوَحْشِ ثَلاثُونَ يَوْمًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: ثَلاثَةُ أيّامٍ إلى عَشَرَةِ أيّامٍ. والظّاهِرُ عَدَمُ تَقْيِيدِ الإطْعامِ والصَّوْمِ بِمَكانٍ، وبِهِ قالَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ، فَحَيْثُ ما شاءَ كَفَّرَ بِهِما. وقالَ عَطاءٌ وغَيْرُهُ: الهَدْيُ والإطْعامُ بِمَكَّةَ، والصَّوْمُ حَيْثُ شاءَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أوْ عَدْلُ﴾ بِفَتْحِ العَيْنِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ والجَحْدَرِيُّ، بِكَسْرِها، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُها في أوائِلِ البَقَرَةِ. والظّاهِرُ أنَّ أوْ لِلتَّخْيِيرِ أيْ ذَلِكَ فِعْلٌ أجْزَأهُ مُوسِرًا كانَ أوْ مُعْسِرًا، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وإبْراهِيمُ، وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ: لا يَنْتَقِلُ إلى الإطْعامِ إلّا إذا لَمْ يَجِدْ هَدْيًا، ولا إلى الصَّوْمِ إلّا إنْ لَمْ يَجِدْ ما يُطْعِمُ. والظّاهِرُ أنَّ التَّخْيِيرَ راجِعٌ إلى قاتِلِ الصَّيْدِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ: الخِيارُ إلى الحَكَمَيْنِ. والظّاهِرُ أنَّ الواجِبَ أحَدُ هَذِهِ الثَّلاثَةِ، فَلا يُجْمَعُ بَيْنَ الإطْعامِ والصِّيامِ، بِأنْ يُطْعِمَ عَنْ يَوْمٍ، ويَصُومَ في كَفّارَةٍ واحِدَةٍ، وأجازَ ذَلِكَ أصْحابُ أبِي حَنِيفَةَ. وانْتَصَبَ (صِيامًا) عَلى التَّمْيِيزِ عَلى العَدْلِ، كَقَوْلِكَ عَلى التَّمْرَةِ مِثْلُها زُبْدًا؛ لِأنَّ المَعْنى أوْ قُدِّرَ ذَلِكَ صِيامًا. ﴿لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ﴾ الذَّوْقُ مَعْرُوفٌ، واسْتُعِيرَ هُنا لِما يُؤَثِّرُ مِن غَرامَةٍ، وإتْعابِ النَّفْسِ بِالصَّوْمِ. والوَبالُ سُوءُ عاقِبَةِ ما فَعَلَ، وهو هَتْكُ حُرْمَةِ الإحْرامِ بِقَتْلِ الصَّيْدِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِيَذُوقَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ (فَجَزاءٌ) أيْ فَعَلَيْهِ أنْ يُجازى أوْ يُكَفِّرَ (p-٢٢)لِيَذُوقَ انْتَهى. وهَذا لا يَجُوزُ إلّا عَلى قِراءَةِ مَن أضافَ (فَجَزاءُ) أوْ نَوَّنَ ونَصَبَ (مِثْلَ)، وأمّا عَلى قِراءَةِ مَن نَوَّنَ ورَفَعَ (مِثْلُ) فَلا يَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ اللّامُ بِهِ؛ لِأنَّ (مِثْلُ) صِفَةٌ لِـ (جَزاءٌ)، وإذا وُصِفَ المَصْدَرُ لَمْ يَجُزْ لِمَعْمُولِهِ أنْ يَتَأخَّرَ عَنِ الصِّفَةِ، لَوْ قُلْتَ أعْجَبَنِي ضَرْبُ زَيْدٍ الشَّدِيدُ عَمْرًا، لَمْ يَجُزْ، فَإنْ تَقَدَّمَ المَعْمُولُ عَلى الوَصْفِ، جازَ ذَلِكَ، والصَّوابُ أنْ تَتَعَلَّقَ هَذِهِ القِراءَةُ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، التَّقْدِيرُ جُوزِيَ بِذَلِكَ لِيَذُوقَ، ووَقَعَ لِبَعْضِ المُعْرِبِينَ أنَّها تَتَعَلَّقُ بِعَدْلِ ذَلِكَ، وهو غَلَطٌ. ﴿عَفا اللَّهُ عَمّا سَلَفَ﴾ أيْ في جاهِلِيَّتِكم مِن قَتْلِكُمُ الصَّيْدَ في الحَرَمِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ لِأنَّهم كانُوا مُتَعَبِّدِينَ بِشَرائِعِ مَن قَبْلَهم، وكانَ الصَّيْدُ فِيها مُحَرَّمًا انْتَهى. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: عَمّا سَلَفَ لَكم أيُّها المُؤْمِنُونَ مِن قَتْلِ الصَّيْدِ قَبْلَ هَذا النَّهْيِ والتَّحْرِيمِ. ﴿ومَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾ أيْ ومَن عادَ في الإسْلامِ إلى قَتْلِ الصَّيْدِ، فَإنْ كانَ مُسْتَحِلًّا، فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ في الآخِرَةِ، ويَكْفُرُ أوْ ناسِيًا لِإحْرامِهِ كَفَّرَ بِإحْدى الخِصالِ الثَّلاثِ، أوْ عاصِيًا بِأنْ يَعُودَ مُتَعَمِّدًا عالِمًا بِإحْرامِهِ، فَلا كَفّارَةَ عَلَيْهِ، ويَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ بِإلْزامِ الكَفّارَةِ فَقَطْ، وكُلَّما عادَ فَهو يُكَفِّرُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنْ كانَ مُتَعَمِّدًا عالِمًا بِإحْرامِهِ، فَلا كَفّارَةَ عَلَيْهِ، ويَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ. وبِهِ قالَ شُرَيْحٌ والنَّخَعِيُّ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ وداوُدُ وظاهِرُ ﴿ومَن عادَ﴾ لِعُمُومِ، ألا تَرى أنَّ (مَن) شَرْطِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ تَضَمَّنَتْ مَعْنى الشَّرْطِ فَتَعُمُّ ؟ خِلافًا لِقَوْمٍ إذْ زَعَمُوا أنَّها مَخْصُوصَةٌ بِشَخْصٍ بِعَيْنِهِ، وأسْنَدُوا إلى زَيْدِ بْنِ العَلاءِ أنَّ رَجُلًا أصابَ صَيْدًا وهو مُحْرِمٌ، فَتَجَوَّزَ لَهُ ثُمَّ عادَ، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ نارًا، فَأحْرَقَتْهُ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾ وعَلى تَقْدِيرِ صِحَّةِ هَذا الحَدِيثِ، لا تَكُونُ هَذِهِ القَضِيَّةُ تَخُصُّ عُمُومَ الآيَةِ، إذْ هَذا الرَّجُلُ فَرْدٌ مِن أفْرادِ العُمُومِ ظَهَرَ انْتِقامُ اللَّهِ مِنهُ. والفاءُ في (فَيَنْتَقِمُ) جَوابُ الشَّرْطِ، أوِ الدّاخِلَةُ عَلى المَوْصُولِ المُضَمَّنِ مَعْنى الشَّرْطِ، وهو عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ؛ أيْ فَهو يَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ. ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ أيْ عَزِيزٌ لا يُغالَبُ إذا أرادَ أنْ يَنْتَقِمَ، لَمْ يُغالِبْهُ أحَدٌ، وفي هَذِهِ الجُمْلَةِ تَذْكارٌ بِنِقَمِ اللَّهِ وتَخْوِيفٌ.

المائدة 5:96

﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ وطَعامُهُ مَتاعًا لَكم ولِلسَّيّارَةِ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في بَنِي مُدْلِجٍ، وكانُوا يَنْزِلُونَ في أسْيافِ البَحْرِ، سَألُوا عَمّا نَضَب عَنْهُ الماءُ مِنَ السَّمَكِ، فَنَزَلَتْ. والبَحْرُ هُنا الماءُ الكَثِيرُ الواسِعُ، وسَواءٌ في ذَلِكَ النَّهْرُ والوادِي والبِرْكَةُ والعَيْنُ، لا يَخْتَلِفُ (p-٢٣)الحُكْمُ في ذَلِكَ. وقِيلَ: المُرادُ بِالبَحْرِ هُنا البَحْرُ الكَبِيرُ، وعَلَيْهِ يَدُلُّ سَبَبُ النُّزُولِ، وما عَداهُ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ. وأمّا طَعامُهُ فَرُوِيَ عَنْ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وابْنِ عُمَرَ أنَّهُ ما قَذَفَهُ البَحْرُ، وطَفا عَلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ ومَن بَعْدَهم وهَذا يَنْظُرُ إلى قَوْلِهِ ﷺ، «الحِلُّ مَيْتَتُهُ» . وقالَ قَتادَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ والنَّخَعِيُّ وابْنُ المُسَيَّبِ ومُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: صَيْدُهُ طَرِيُّهُ، وطَعامُهُ المَمْلُوحُ مِنهُ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ: وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الَّذِي صارَ مالِحًا قَدْ كانَ طَرِيًّا وصَيْدًا في أوَّلِ الأمْرِ، فَيَلْزَمُ التَّكْرارُ. وقالَ قَوْمٌ: طَعامُهُ المِلْحُ الَّذِي يَنْعَقِدُ مِن مائِهِ وسائِرِ ما فِيهِ مِن نَباتٍ ونَحْوِهِ، وقالَ الحَسَنُ: طَعامُهُ صَوْبَ ساحِلِهِ، وقِيلَ: طَعامُهُ كُلُّ ما سَقاهُ الماءُ فَأنْبَتَ لِأنَّهُ نَبَتَ مِن ماءِ البَحْرِ وقِيلَ: صَيْدُ البَحْرِ ما صِيدَ لِأكْلٍ وغَيْرِهِ كالصَّدَفِ لِأجْلِ اللُّؤْلُؤِ وبَعْضِ الحَيَواناتِ لِأجْلِ عِظامِها وأسْنانِها وطَعامُهُ المَأْكُولُ مِنهُ خاصَّةً عَطْفُ خاصٍّ عَلى عامٍّ وعَدَمُ تَقْيِيدِ الحِلِّ يَدُلُّ عَلى التَّحْلِيلِ لِلْمُحْرِمِ والحَلالِ والصَّيْدُ المَصِيدُ، وأُضِيفَ إلى المَقَرِّ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ. والظّاهِرُ أنَّهُ يَحِلُّ أكْلُ كُلِّ ما صِيدَ مِن أنْواعِ مَخْلُوقاتِهِ حَتّى الَّذِي يُسَمّى خِنْزِيرَ الماءِ وكَلْبَ الماءِ وحَيَّةَ الماءِ والسَّرَطانَ والضُّفْدَعَ، وهو قَوْلُ ابْنِ أبِي لَيْلى ومالِكٍ والأوْزاعِيِّ. وقالَ اللَّيْثُ: لا يُؤْكَلُ خِنْزِيرُ الماءِ ولا إنْسانُ الماءِ، وتُؤْكَلُ مَيْتَتُهُ وكَلْبُهُ وفَرَسُهُ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ والثَّوْرِيُّ فِيما رَوى عَنْهُ أبُو إسْحاقَ الفَزارِيُّ: لا يُؤْكَلُ مِن حَيَوانِ الماءِ إلّا السَّمَكُ ولا يُؤْكَلُ طافِيهِ ولا الضُّفْدَعُ ولا كَلْبُهُ ولا خِنْزِيرُهُ، وقالَ: هَذِهِ مِنَ الخَبائِثِ. قالَ الرّازِيُّ: ما صِيدَ مِنَ البَحْرِ حِيتانٌ وجَمِيعُ أنْواعِها حَلالٌ، وضَفادِعُ وجَمِيعُ أنْواعِها حَرامٌ، واخْتَلَفُوا فِيما سِوى هَذَيْنِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: صَيْدُ البَحْرِ مَصِيداتُ البَحْرِ مِمّا يُؤْكَلُ، ومِمّا لا يُؤْكَلُ، وطَعامُهُ وما يُطْعَمُ مِن صَيْدِهِ. والمَعْنى أُحِلَّ لَكُمُ الِانْتِفاعُ بِجَمِيعِ ما يُصادُ في البَحْرِ وأُحِلَّ لَكم أكْلُ المَأْكُولِ مِنهُ، وهو السَّمَكُ وحْدَهُ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ. وعِنْدَ ابْنِ أبِي لَيْلى جَمِيعُ ما يُصادُ مِنهُ، عَلى أنَّ تَفْسِيرَ الآيَةِ عِنْدَهُ أُحِلَّ لَكم صَيْدُ حَيَوانِ البَحْرِ، وأنْ تُطْعِمُوهُ انْتَهى. وتَفْسِيرُ (وطَعامُهُ) بِقَوْلِهِ وأنْ تُطْعِمُوهُ، خِلافُ الظّاهِرِ، ويَكُونُ عَلى قَوْلِ ابْنِ أبِي لَيْلى الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى صَيْدِ البَحْرِ. والظّاهِرُ عَوْدُهُ عَلى البَحْرِ، وأنَّهُ يُرادُ بِهِ المَطْعُومُ لا الإطْعامُ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ظاهِرُ لَفْظِ (وطَعامُهُ) وقِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحَرْثِ. وطُعْمُهُ بِضَمِّ الطّاءِ وسُكُونِ العَيْنِ وانْتَصَبَ (مَتاعًا) قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَلى المَصْدَرِ، والمَعْنى مَتَّعَكم بِهِ مَتاعًا تَنْتَفِعُونَ بِهِ وتَأْتَدِمُونَ؛ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَتاعًا لَكم مَفْعُولٌ لَهُ؛ أيْ أُحِلَّ لَكم تَمْتِيعًا لَكم، وهو في المَفْعُولِ لَهُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ نافِلَةً﴾ [الأنبياء: ٧٢] في بابِ الحالِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿مَتاعًا لَكُمْ﴾ مَفْعُولٌ لَهُ مُخْتَصٌّ بِالطَّعامِ كَما أنَّ (نافِلَةً) حالٌ مُخْتَصَّةٌ بِيَعْقُوبَ؛ يَعْنِي أُحِلَّ لَكم طَعامُهُ تَمْتِيعًا تَأْكُلُونَهُ طَرِيًّا ولِسَيّارَتِكم يَتَزَوَّدُونَهُ قَدِيدًا كَما تَزَوَّدَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في مَسِيرِهِ إلى الخَضِرِ انْتَهى. وتَخْصِيصُهُ المَفْعُولَ لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وطَعامُهُ﴾ جارٍ عَلى مَذْهَبِهِ. مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ بِأنَّ صَيْدَ البَحْرِ مِنهُ ما يُؤْكَلُ وما لا يُؤْكَلُ، وأنَّ قَوْلَهُ: (وطَعامُهُ هو المَأْكُولُ مِنهُ، وأنَّهُ لا يَقَعُ التَّمْتِيعُ إلّا بِالمَأْكُولِ مِنهُ طَرِيًّا وقَدِيدًا)، وعَلى مَذْهَبِ غَيْرِهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ بِاعْتِبارِ صَيْدِ البَحْرِ وطَعامِهِ والخِطابُ في لَكم لِحاضِرِي البَحْرِ ومُدُنِهِ والسَّيّارَةُ المُسافِرُونَ، وقالَ مُجاهِدٌ: الخِطابُ لِأهْلِ القُرى والسَّيّارَةُ أهْلُ الأمْصارِ، وهَذا الِاخْتِلافُ في أنَّهُ يَسْتَوِي فِيهِ المُقِيمُ والمُسافِرُ والبادِي والحاضِرُ والطَّرِيُّ والمَمْلُوحُ. ﴿وحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ حَرَّمَ (p-٢٤)اللَّهُ تَعالى الصَّيْدَ عَلى المُحْرِمِ بِقَوْلِهِ ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١] ﴿وإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا﴾ [المائدة: ٢] وبِقَوْلِهِ ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] بِهَذِهِ الآيَةِ، وكَرَّرَ ذَلِكَ تَغْلِيظًا لِحُكْمِهِ. والظّاهِرُ تَحْرِيمُ صَيْدِ البَرِّ عَلى المُحْرِمِ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ صِيدَ، ولِكُلِّ مَن صِيدَ مِن أجْلِهِ، أوْ مِن غَيْرِ أجْلِهِ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ وطاوُسٍ وابْنِ جُبَيْرٍ وأبِي الشَّعْثاءِ والثَّوْرِيِّ وإسْحاقَ. وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وعَطاءٍ وابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهم أجازُوا لِلْمُحْرِمِ أكْلَ ما صادَهُ الحَلالُ لِنَفْسِهِ، أوْ لِحَلالٍ مِثْلِهِ. وقالَ آخَرُونَ يَحْرُمُ عَلى المُحْرِمِ أنْ يَصِيدَ، فَأمّا إنِ اشْتَراهُ مِن مالِكٍ لَهُ فَذَبَحَهُ وأكَلَهُ، فَلا يَحْرُمُ، وفَعَلَ ذَلِكَ أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. وقالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وأصْحابُهُما وأحْمَدُ: يَأْكُلُ ما صادَهُ الحَلالُ، إنْ لَمْ يَصِدْهُ لِأجْلِهِ، فَإنْ صِيدَ مِن أجْلِهِ فَلا يَأْكُلُ، فَإنْ أكَلَ فَقالَ مالِكٌ: عَلَيْهِ الجَزاءُ، وبِهِ قالَ الأوْزاعِيُّ والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ. وقالَ الشّافِعِيُّ: لا جَزاءَ عَلَيْهِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ: أكْلُ المُحْرِمِ الصَّيْدَ جائِزٌ إذا اصْطادَهُ الحَلالُ، ولَمْ يَأْمُرِ المُحْرِمُ بِصَيْدِهِ، ولا دَلَّ عَلَيْهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما يَصْنَعُ أبُو حَنِيفَةَ بِعُمُومِ قَوْلِهِ (صَيْدُ البَرِّ) قُلْتُ: قَدْ أخَذَ أبُو حَنِيفَةَ بِالمَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ ﴿وحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ لِأنَّ ظاهِرَهُ أنَّهُ صَيْدُ المُحْرِمِينَ دُونَ صَيْدِ غَيْرِهِمْ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وحُرِّمَ عَلَيْكم ما صِدْتُمْ في البَحْرِ، فَيَخْرُجُ مِنهُ مَصِيدُ غَيْرِهِمْ ومَصِيدُهم حِينَ كانُوا غَيْرَ مُحْرِمِينَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] انْتَهى. وهَذِهِ مُكابَرَةٌ مِنَ الزَّمَخْشَرِيِّ في الظّاهِرِ، بَلِ الظّاهِرُ في قَوْلِهِ (صَيْدُ البَرِّ) العُمُومُ سَواءٌ صادَهُ المُحْرِمُ أمِ الحَلالُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، و(حَرَّمَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، و(صَيْدَ) بِالنَّصْبِ ﴿ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ بِفَتْحِ الحاءِ، والرّاءِ. وقَرَأ يَحْيى ﴿ما دُمْتُمْ﴾ بِكَسْرِ الدّالِ، وهي لُغَةٌ يُقالُ: دِمْتَ تَدامُ. ولا خِلافَ في أنَّ ما لا زَوالَ لَهُ مِنَ البَحْرِ أنَّهُ صَيْدُ بَحْرٍ، ومِنَ البَرِّ أنَّهُ صَيْدُ بَرٍّ. . واخْتُلِفَ فِيما يَكُونُ في أحَدِهِما، وقَدْ يَحْيا في الآخَرِ، فَقالَ عَطاءٌ وابْنُ جُبَيْرٍ وأبُو مِجْلَزٍ ومالِكٌ وغَيْرُهم: هو مِن صَيْدِ البَرِّ، إنْ قَتَلَهُ المُحْرِمُ فَداهُ. وذَكَرَ أبُو مِجْلِزٍ مِن ذَلِكَ الضُّفْدَعُ والسُّلَحْفاةُ والسَّرَطانُ. ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ أنَّهُ يُراعى أكْثَرُ عَيْشِهِ. وسُئِلَ عَنِ ابْنِ الماءِ أصَيْدُ بَرٍّ أمْ بَحْرٍ، فَقالَ: حَيْثُ يَكُونُ أكْثَرَ فَهو مِنهُ، وحَيْثُ يُفْرِخُ مِنهُ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ. والصَّوابُ في ابْنِ ماءٍ؛ أنَّهُ صَيْدُ طائِرٍ يَرْعى ويَأْكُلُ الحَبَّ. وقالَ الحافِظُ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: الصَّحِيحُ المَنعُ مِنَ الحَيَوانِ الَّذِي يَكُونُ في البَرِّ والبَحْرِ؛ لِأنَّهُ تَعارَضَ فِيهِ دَلِيلُ تَحْرِيمٍ، ودَلِيلُ تَحْلِيلٍ، فَيَغْلِبُ دَلِيلُ التَّحْرِيمِ احْتِياطًا. ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ هَذا فِيهِ تَنْبِيهٌ وتَهْدِيدٌ جاءَ عَقِيبَ تَحْلِيلٍ وتَحْرِيمٍ، وذَكَرَ الحَشْرَ إذْ فِيهِ يَظْهَرُ مَن أطاعَ وعَصى.

المائدة 5:97

﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ (p-٢٥)البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ والشَّهْرَ الحَرامَ والهَدْيَ والقَلائِدَ﴾ . مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ، وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ تَعْظِيمَ الإحْرامِ بِالنَّهْيِ عَنْ قَتْلِ الوَحْشِ فِيهِ بِحَيْثُ شَرَّعَ بِقَتْلِهِ ما شَرَّعَ. وذَكَرَ تَعْظِيمَ الكَعْبَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، فَذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ جَعَلَ الكَعْبَةَ قِيامًا لِلنّاسِ؛ أيْ رَكَّزَ في قُلُوبِهِمْ تَعْظِيمَها بِحَيْثُ لا يَقَعُ فِيها أذى أحَدٍ، وصارَتْ وازِعَةً لَهم مِنَ الأذى، وهم في الجاهِلِيَّةِ الجَهْلاءِ لا يَرْجُونَ جَنَّةً ولا يَخافُونَ نارًا إذْ لَمْ يَكُنْ لَهم مَلِكٌ يَمْنَعُهم مِن أذى بَعْضِهِمْ، فَقامَتْ لَهم حُرْمَةُ الكَعْبَةِ مَقامَ حُرْمَةِ المَلِكِ، هَذا مَعَ تَنافُسِهِمْ وتَحاسُدِهِمْ ومُعاداتِهِمْ وأخْذِهِمْ بِالثَّأْرِ، ولِذَلِكَ جَعَلَ الثَّلاثَةَ المَذْكُورَةَ بَعْدَ الكَعْبَةِ قِيامًا لِلنّاسِ، فَكانُوا لا يُهَيِّجُونَ أحَدًا في الشَّهْرِ الحَرامِ، ولا مَن ساقَ الهَدْيَ؛ لِأنَّهُ لا يُعْلَمُ أنَّهُ لَمْ يَجِئْ لِحَرْبٍ، ولا مَن خَرَجَ يُرِيدُ البَيْتَ بِحَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ، فَتَقَلَّدَ مِن لُحِيِّ الشَّجَرِ، ولا مَن قَضى نُسُكَهُ، فَتَقَلَّدَ مِن شَجَرِ الحَرَمِ. ولَمّا بَعَثَتْ قُرَيْشٌ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ إلى المُؤْمِنِينَ الحِلْسَ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هَذا رَجُلٌ يُعَظِّمُ الحُرْمَةَ فَألْقُوهُ بِالبُدْنِ مُشْعِرَةً» فَلَمّا رَآها الحِلْسُ عَظُمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وقالَ ما يَنْبَغِي أنْ يُصَدَّ هَؤُلاءِ، ورَجَعَ عَنْ رِسالَةِ قُرَيْشٍ، وجَعَلَ هُنا بِمَعْنى صَيَّرَ. وقِيلَ: جَعَلَ بِمَعْنى بَيَّنَ، ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ هَذا عَلى تَفْسِيرِ المَعْنى، إذْ لَمْ يُنْقَلْ (جَعَلَ) مُرادِفَةً لِهَذا المَعْنى، لَكِنَّهُ مِن حَيْثُ التَّصْيِيرُ، يَلْزَمُ مِنهُ التَّبْيِينُ، والحُكْمُ. ولَمّا كانَ لَفْظُ الكَعْبَةِ قَدْ أطْلَقَهُ بَعْضُ العَرَبِ عَلى غَيْرِ البَيْتِ الحَرامِ، كالبَيْتِ الَّذِي كانَ في خَثْعَمَ، يُسَمّى كَعْبَةَ اليَمانِيَةِ، بَيَّنَ تَعالى أنَّ المُرادَ هُنا بِالكَعْبَةِ البَيْتُ الحَرامُ، وهو بَدَلٌ مِنَ الكَعْبَةِ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: البَيْتُ الحَرامُ عَطْفُ بَيانٍ عَلى جِهَةِ المَدْحِ، لا عَلى جِهَةِ التَّوْضِيحِ، كَما تَجِيءُ الصِّفَةُ كَذَلِكَ انْتَهى، ولَيْسَ كَما ذَكَرَ؛ لِأنَّهم ذَكَرُوا في شَرْطِ عَطْفِ البَيانِ الجُمُودَ، فَإذا كانَ شَرْطُهُ أنْ يَكُونَ جامِدًا، لَمْ يَكُنْ فِيهِ إشْعارٌ بِمَدْحٍ، إذْ لَيْسَ مُشْتَقًّا، وإنَّما يُشْعِرُ بِالمَدْحِ المُشْتَقِّ إلّا أنْ يُقالَ أنَّهُ لَمّا وصَفَ عَطْفَ البَيانِ بِقَوْلِهِ (الحَرامَ)، اقْتَضى المَجْمُوعُ المَدْحَ، فَيُمْكِنُ ذَلِكَ. والقِيامُ مَصْدَرٌ كالصِّيامِ، ويُقالُ هَذا قِيامٌ لَهُ، وقِوامٌ لَهُ، وكَأنَّهم ذَهَبُوا في قِيامٍ إلى أنَّهُ لَيْسَ مَصْدَرًا، بَلْ هو اسْمٌ كالسِّواكِ، فَلِذَلِكَ صَحَّتِ الواوُ. قالَ: قِوامُ دُنْيا وقِيامُ دِينٍ. إذا لَحِقَتْ تاءُ التَّأْنِيثِ لَزِمَتِ التّاءُ. قالُوا القِيامَةُ، واخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ ﴿قِيامًا لِلنّاسِ﴾ فَقِيلَ بِاتِّساعِ الرِّزْقِ عَلَيْهِمْ، إذْ جَعَلَها تَعالى مَقْصُودَةً مِن جَمِيعِ الآفاقِ. وكانَتْ مَكَّةُ لا زَرْعَ ولا ضَرْعَ، وقِيلَ: بِامْتِناعِ الإغارَةِ في الحَرَمِ، وقِيلَ: بِسَبَبِ صَيْرُورَتِهِمْ أهْلَ اللَّهِ، فَكُلُّ أحَدٍ يَتَقَرَّبُ إلَيْهِمْ، وقِيلَ: بِما يُقامُ فِيها مِنَ المَناسِكِ، وفِعْلِ العِباداتِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ: يَأْمَنُ مَن تَوَجَّهَ إلَيْها، ورُوِيَ عَنْهُ، وقِيلَ: بِعَدَمِ أذى مَن أخْرَجُوهُ مِن جَرِّ جَرِيرَةٍ، ولَجَأ إلَيْها، وقِيلَ: بِبَقاءِ الدِّينِ ما حُجَّتْ واسْتُقْبِلَتْ. وقالَ عَطاءٌ: لَوْ تَرَكُوهُ عامًا واحِدًا لَمْ يُنْظَرُوا (p-٢٦)ولَمْ يُؤَخَّرُوا. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: لا يَبْعُدُ حَمْلُهُ عَلى جَمِيعِ الوُجُوهِ؛ لِأنَّ قِوامَ المَعِيشَةِ بِكَثْرَةِ المَنافِعِ، وبِدَفْعِ المَضارِّ، وبِحُصُولِ الجاهِ والرِّئاسَةِ، وبِحُصُولِ الدِّينِ. والكَعْبَةُ سَبَبٌ لِحُصُولِ هَذِهِ الأقْسامِ انْتَهى. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (قِيَمًا)، بِغَيْرِ ألِفٍ، فَإنْ كانَ أصْلُهُ قِيامًا بِالألِفِ وحُذِفَتْ، فَقِيلَ حُكْمُ هَذا أنْ يَجِيءَ في الشِّعْرِ، وإنْ كانَ مَصْدَرًا عَلى (فِعَلٍ)، فَكانَ قِياسُهُ أنْ تَصِحَّ فِيهِ الواوُ، كَعِوَضٍ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ قَيِّمًا، بِفَتْحِ القافِ وتَشْدِيدِ الياءِ المَكْسُورَةِ، وهو كَسَيِّدٍ؛ اسْمٌ يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِ الوَصْفِ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِزَمانٍ، ولَفْظُ النّاسِ عامٌّ فَقِيلَ المُرادُ العُمُومُ. وقِيلَ: المُرادُ العَرَبُ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أبِي الفَضْلِ، وحُسْنُ هَذا المَجازِ أنَّ أهْلَ كُلِّ بَلْدَةٍ إذا قالُوا النّاسُ فَعَلُوا كَذا، لا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ إلّا أهْلَ بَلْدَتِهِمْ، فَلِذَلِكَ خُوطِبُوا عَلى وفْقِ عادَتِهِمُ انْتَهى. والشَّهْرُ الحَرامُ ظاهِرُهُ الإفْرادُ، فَقِيلَ هو ذُو الحِجَّةِ وحْدَهُ، وبِهِ بَدَأ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: لِأنَّ لِاخْتِصاصِهِ مِن بَيْنِ الأشْهُرِ المُحَرَّمَةِ بِرَسْمِ الحَجِّ شَأْنًا قَدْ عَرَفَهُ اللَّهُ انْتَهى. وقِيلَ: المُرادُ الجِنْسُ، فَيَشْمَلُ الأشْهُرَ الحُرُمَ الأرْبَعَةَ. الثَّلاثَةَ بِإجْماعٍ مِنَ العَرَبِ، وشَهْرَ مُضَرَ، وهو رَجَبٌ كانَ كَثِيرٌ مِنَ العَرَبِ لا يَراهُ، ولِذَلِكَ يُسَمّى شَهْرَ اللَّهِ، إذْ كانَ تَعالى قَدْ ألْحَقَهُ في الحُرْمَةِ بِالثَّلاثَةِ، فَنَسَبَهُ وسَدَّدَهُ. والمَعْنى شَهْرُ آلِ اللَّهِ، وهو شَهْرُ قُرَيْش؛ ولَهُ يَقُولُ عَوْفُ بْنُ الأحْوَصِ: ؎وشَهْرِ بَنِي أُمَيَّةَ والهَدايا إذا حُبِسَتْ مُضَرِّجَها الدِّماءُ ولَمّا كانَتِ الكَعْبَةُ مَوْضِعًا مَخْصُوصًا لا يَصِلُ إلَيْهِ كُلُّ خائِفٍ، جَعَلَ اللَّهُ الأشْهُرَ الحُرُمَ والهَدْيَ والقَلائِدَ، قِيامًا لِلنّاسِ كالكَعْبَةِ. ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الإشارَةَ هي لِلْمَصْدَرِ المَفْهُومِ؛ أيْ ذَلِكَ الجَعْلُ لِهَذِهِ الأشْياءِ قِيامًا لِلنّاسِ وأمْنًا لَهُمْ؛ لِيَعْلَمُوا أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ تَفاصِيلَ الأُمُورِ الكائِنَةِ في السَّماواتِ والأرْضِ، ومَصالِحَكم في دُنْياكم ودِينِكم، فانْظُرُوا لُطْفَهُ بِالعِبادِ عَلى حالِ كُفْرِهِمْ ! . وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى ما ذُكِرَ مِن حِفْظِ حُرْمَةِ الإحْرامِ بِتَرْكِ الصَّيْدِ، وغَيْرِهِ. وقالَ الزَّجّاجُ: الإشارَةُ إلى ما نَبَّأ بِهِ تَعالى مِنَ الإخْبارِ بِالمُغَيَّباتِ والكَشْفِ عَنِ الأسْرارِ، مِثْلَ قَوْلِهِ ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ [المائدة: ٤١] . ومِثْلَ إخْبارِهِ بِتَحْرِيفِهِمُ الكُتُبَ؛ أيْ ذَلِكَ الغَيْبُ الَّذِي أنْبَأكم بِهِ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ يَدُلُّكم عَلى أنَّهُ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ. وقِيلَ: الإشارَةُ إلى صَرْفِ قُلُوبِ النّاسِ إلى مَكَّةَ في الأشْهُرِ المَعْلُومَةِ، فَيَعِيشُ أهْلُها مَعَهم، ولَوْلا ذَلِكَ ماتُوا جُوعًا؛ لِعِلْمِهِ بِما في مَصالِحِهِمْ، ولِيَسْتَدِلُّوا عَلى أنَّهُ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ. ﴿وأنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ هَذا عُمُومٌ تَنْدَرِجُ فِيهِ الكُلِّيّاتُ والجُزْئِيّاتُ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلّا يَعْلَمُها﴾ [الأنعام: ٥٩] .

المائدة 5:98

﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ هَذا تَهْدِيدٌ إذْ أخْبَرَ أنَّ عِقابَهُ شَدِيدٌ لِمَنِ انْتَهَكَ حُرْمَتَهُ. ﴿وأنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وهَذا تَوْجِيهٌ بِالغُفْرانِ والرَّحْمَةِ لِمَن حافَظَ عَلى طاعَةِ اللَّهِ، أوْ تابَ عَنْ مَعاصِيهِ.

المائدة 5:99

﴿ما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ﴾ لَمّا تَقَدَّمَ التَّرْغِيبُ والتَّرْهِيبُ، أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ كَلَّفَ رَسُولَهُ بِالتَّبْلِيغِ وهو تَوْصِيلُ الأحْكامِ إلى أُمَّتِهِ، وهَذا فِيهِ تَشْدِيدٌ عَلى إيجابِ القِيامِ بِما أمَرَ بِهِ تَعالى، وأنَّ الرَّسُولَ قَدْ فَرَغَ مِمّا وجَبَ عَلَيْهِ مِنَ التَّبْلِيغِ، وقامَتْ عَلَيْهِ الحُجَّةُ، ولَزِمَتْكُمُ الطّاعَةُ، فَلا عُذْرَ لَكم في التَّفْرِيطِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي إخْبارٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يُتَصَوَّرُ أنْ يُقالَ هي أنَّهُ مُوادَعَةٌ مَنسُوخَةٌ بِآياتِ القِتالِ، بَلْ هَذِهِ حالُ مَن آمَنَ بِهَذا، وشَهِدَ شَهادَةَ الحَقِّ فَإنَّهُ عَصَمَ مِنَ الرَّسُولِ مالَهُ ودَمَهُ، فَلَيْسَ عَلى الرَّسُولِ في جِهَتِهِ أكْثَرُ مِنَ التَّبْلِيغِ انْتَهى. وذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ الخِلافَ فِيها أهِيَ مُحْكَمَةٌ، أمْ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، والرَّسُولُ هَنا مُحَمَّدٌ ﷺ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمَ جِنْسٍ، والمَعْنى ما عَلى كُلِّ مَن أُرْسِلَ إلّا البَلاغُ، والبَلاغُ والبُلُوغُ مَصْدَرانِ لِبَلَغَ، وإذا كانَ (p-٢٧)مَصْدَرًا لِبَلَغَ، فَبَلاغُ الشَّرائِعِ مُسْتَلْزِمٌ لِتَبْلِيغِ مَن أُرْسِلَ بِها، فَعَبَّرَ بِاللّازِمِ عَنِ المَلْزُومِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا لِبَلَّغَ المُشَدَّدِ عَلى حَذْفِ الزَّوائِدِ، فَمَعْنى البَلاغِ: التَّبْلِيغُ. ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ جُمْلَةٌ فِيها تَهْدِيدٌ إذْ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى حالِ العَبْدِ ظاهِرًا وباطِنًا، فَهو مُجازِيهِ عَلى ذَلِكَ ثَوابًا أوْ عِقابًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهُ تَعالى ألْزَمَ رَسُولَهُ التَّبْلِيغَ لِلشَّرِيعَةِ، وألْزَمَكم أنْتُمْ تَبْلِيغَها، فَهو العالِمُ بِما تُبْدُونَ مِنها وما تَكْتُمُونَهُ، فَيُجازِيكم عَلى ذَلِكَ، وكانَ ذَلِكَ خِطابًا لِأُمَّتِهِ إذا كانَ الإبْداءُ والكَتْمُ يُمْكِنُ صُدُورُهُما مِنهم، بِخِلافِ الرَّسُولِ فَإنَّهُ يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ أنْ يَكْتُمَ شَيْئًا مِن شَرائِعِ اللَّهِ تَعالى.

المائدة 5:100

﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ والطَّيِّبُ ولَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ﴾ . رَوى جابِرٌ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ الخَمْرَ كانَتْ تِجارَتِي، فَهَلْ يَنْفَعُنِي ذَلِكَ المالُ إذا عَمِلْتُهُ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى ؟ فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: إنَّ اللَّهَ لا يَقْبَلُ إلّا الطَّيِّبَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَصْدِيقًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ» . ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا حَذَّرَ عَنِ المَعْصِيَةِ، ورَغَّبَ في التَّوْبَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ [المائدة: ٩٨] الآيَةَ. وأتْبَعَهُ في التَّكْلِيفِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ﴾ [المائدة: ٩٩] ثُمَّ بِالتَّرْغِيبِ في الطّاعَةِ، والتَّنْفِيرِ عَنِ المَعْصِيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ [المائدة: ٩٩] أتْبَعَهُ بِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ التَّرْغِيبِ في الطّاعَةِ، والتَّنْفِيرِ عَنِ المَعْصِيَةِ. فَقالَ هَلْ يَسْتَوِي الخَبِيثُ والطَّيِّبُ، الآيَةَ، أوْ يُقالُ لَمّا بَيَّنَ أنَّ عِقابَهُ شَدِيدٌ لِمَن عَصى وأنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لِمَن أطاعَ بَيَّنَ أنَّهُ لا يَسْتَوِي المُطِيعُ والعاصِي، وإنْ كانَ مِنَ العُصاةِ والكُفّارِ كَثْرَةٌ، فَلا يَمْنَعُهُ كَثْرَتُهم مِن عِقابِهِمْ، والظّاهِرُ أنَّ الخَبِيثَ والطَّيِّبَ عامّانِ، فَيَنْدَرِجُ تَحْتَهُما حَلالُ المالِ وحَرامُهُ، وصالِحُ العَمَلِ وفاسِدُهُ، وجَيِّدُ النّاسِ ورَدِيئُهم، وصَحِيحُ العَقائِدِ وفاسِدُها، والخَبِيثُ مِن هَذا كُلِّهِ لا يَصْلُحُ ولا يُحَبُّ ولا يَحْسُنُ لَهُ عاقِبَةٌ، والطَّيِّبُ ولَوْ قَلَّ نافِعٌ جَيِّدُ العاقِبَةِ. ويُنْظَرُ إلى هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ﴾ [الأعراف: ٥٨] الآيَةَ. والخَبِيثُ فاسِدُ الباطِنِ في الأشْياءِ حَتّى يُظَنَّ بِها الصَّلاحُ، والطَّيِّبُ خِلافُ ذَلِكَ، وقَدْ خَصَّصَ بَعْضُ المُتَقَدِّمِينَ هُنا الخَبِيثَ والطَّيِّبَ بِبَعْضِ ما يَقْتَضِيهِ عُمُومُ اللَّفْظِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: هو الحَلالُ والحَرامُ. وقالَ السُّدِّيُّ: هو المُؤْمِنُ والكافِرُ. وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ قَوْلًا: أنَّهُ المُطِيعُ والعاصِي. وقَوْلًا آخَرَ: أنَّهُ الجَيِّدُ والرَّدِيءُ، وقِيلَ: الطَّيِّبُ المَعْرِفَةُ والطّاعَةُ والخَبِيثُ الجَهْلُ والمَعْصِيَةُ، والأحْسَنُ حَمْلُ هَذِهِ الأقْوالِ عَلى أنَّها تَمْثِيلٌ لِلطَّيِّبِ، والخَبِيثِ لا قَصْرُ اللَّفْظِ عَلَيْها، وقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ﴾ ظاهِرُهُ أنَّهُ مِن جُمْلَةِ المَأْمُورِ بِقَوْلِهِ، ووَجْهُ كافِ الخِطابِ في قَوْلِهِ ﴿ولَوْ أعْجَبَكَ﴾ أنَّ المَعْنى، ولَوْ أعْجَبَكَ أيُّها السّامِعُ، أوْ أيُّها المُخاطَبُ، وإمّا أنْ لا يَكُونَ مِن جُمْلَةِ ما أُمِرَ بِقَوْلِهِ، ويَكُونَ خِطابًا لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ، والأوْلى القَوْلُ الأوَّلُ، أوْ يُحْمَلُ عَلى أنَّهُ خِطابٌ لَهُ في الظّاهِرِ، والمُرادُ غَيْرُهُ. ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ياأُولِي الألْبابِ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ أيِ اتَّقُوهُ في إيثارِ الطَّيِّبِ وإنْ قَلَّ عَلى الخَبِيثِ وإنْ كَثُرَ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومِن حَقِّ هَذِهِ الآيَةِ أنْ يُكْفَحَ بِها المُجْبِرَةُ إذا افْتَخَرُوا بِالكَثْرَةِ؛ قالَ شاعِرُهم: ؎وكاثِرْ بِسَعْدٍ إنَّ سَعْدًا كَثِيرَةٌ ولا تَرْجُ مِن سَعْدٍ وفاءً ولا نَصْرا وقالَ آخَرُ ؎لا يَدْهَمَنَّكَ مِن دَهْمائِهِمْ عَدَدٌ ∗∗∗ فَإنَّ جُلَّهم بَلْ كُلَّهم بَقَرُ وهُوَ عَلى عادَتِهِ مِن تَسْمِيَةِ أهْلِ السُّنَّةِ مُجْبَرَةً وذَمِّهِمْ، وخَصَّ تَعالى الخِطابَ والنِّداءَ بِأُولِي الألْبابِ؛ لِأنَّهُمُ المُتَقَدِّمُونَ في تَمْيِيزِ الطَّيِّبِ والخَبِيثِ، فَلا يَنْبَغِي لَهم إهْمالُ ذَلِكَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وكَأنَّ الإشارَةَ إلى لُبِّ التَّجْرِبَةِ الَّذِي يَزِيدُ عَلى لُبِّ التَّكْلِيفِ بِالجِبِلَّةِ والفِطْنَةِ المُسْتَنْبَطَةِ والنَّظَرِ البَعِيدِ انْتَهى.

المائدة 5:101

﴿يا أيُّها الَّذِينَ (p-٢٨)آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكم وإنْ تَسْألُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكم عَفا اللَّهُ عَنْها واللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ ﴿قَدْ سَألَها قَوْمٌ مِن قَبْلِكم ثُمَّ أصْبَحُوا بِها كافِرِينَ﴾ ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ ولا سائِبَةٍ ولا وصِيلَةٍ ولا حامٍ ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وأكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾ [المائدة: ١٠٤] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٥] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكم إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِن بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إنّا إذًا لَمِنَ الآثِمِينَ﴾ [المائدة: ١٠٦] ﴿فَإنْ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما وما اعْتَدَيْنا إنّا إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ [المائدة: ١٠٧] ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ واتَّقُوا اللَّهَ واسْمَعُوا واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ [المائدة: ١٠٨] ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إنَّكَ أنْتَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١٠٩] ﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعَلى والِدَتِكَ إذْ أيَّدْتُكَ بِرُوحِ القُدُسِ تُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلًا وإذْ عَلَّمْتُكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِي وتُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ بِإذْنِي وإذْ تُخْرِجُ المَوْتى بِإذْنِي وإذْ كَفَفْتُ بَنِي إسْرائِيلَ عَنْكَ إذْ جِئْتَهم بِالبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١١٠] ﴿وإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ أنْ آمِنُوا بِي وبِرَسُولِي قالُوا آمَنّا واشْهَدْ بِأنَّنا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: ١١١] ﴿إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ١١٢] ﴿قالُوا نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها وتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا ونَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا ونَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ١١٣] ﴿قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيدًا لِأوَّلِنا وآخِرِنا وآيَةً مِنكَ وارْزُقْنا وأنْتَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ [المائدة: ١١٤] (أشْياءَ) مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ أنَّها لَفْعاءُ مَقْلُوبَةٌ مِن فَعْلاءَ، والأصْلُ شَيْئًا مِن مادَّةِ شَيْءٍ، وهو اسْمُ جَمْعٍ كَطُرَفاءَ وحُلَفاءَ. ومَذْهَبُ غَيْرِهِما أنَّها جَمْعٌ. واخْتَلَفُوا فَقالَ الكِسائِيُّ وأبُو حاتِمٍ: هو جَمْعُ شَيْءٍ، كَبَيْتٍ وأبْياتٍ. وقالَ الكِسائِيُّ: لَمْ تَنْصَرِفْ أشْياءُ، لِشِبْهِ آخِرِها بِآخِرِ حَمْراءَ، ولِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِها. والعَرَبُ تَقُولُ أشْياوانِ كَما تَقُولُ حَمْراوانِ. ذَهَبَ الفَرّاءُ والأخْفَشُ إلى أنَّها جَمْعٌ عَلى وزْنِ أفْعَلاءَ. قالَ الفَرّاءُ شَيٌ مُخَفَّفٌ مِن شَيْءٍ، كَما قالُوا هُونًا في جَمْعِ هَيْنٍ، المُخَفَّفِ مِن هَيِّنٍ. وقالَ الأخْفَشُ: لَيْسَ مُخَفَّفًا مِن شَيْءٍ، بَلْ هو فَعْلٌ جُمِعَ عَلى أفَعْلاءَ، فاجْتَمَعَ في هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ هَمْزَتانِ، لامُ الكَلِمَةِ، وهَمْزَةُ التَّأْنِيثِ، فَقُلِبَتِ الهَمْزَةُ الَّتِي هي لامُ الكَلِمَةِ ياءً؛ لِانْكِسارِ ما قَبْلَها، ثُمَّ حُذِفَتِ الياءُ الَّتِي هي عَيْنُ الكَلِمَةِ؛ اسْتِخْفافًا. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ وزْنَ شَيْءٍ في الأصْلِ شَيِيءٌ، كَصَدِيقٍ وأصْدِقاءَ، ثُمَّ حُذِفَتِ الهَمْزَةُ الأُولى، وفُتِحَتْ ياءُ المَدِّ؛ لِكَوْنِ ما بَعْدَها ألِفًا. قالَ ووَزْنُها في هَذا القَوْلِ إلى أفْياءَ، وفي القَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ أفْلاءُ. وتَقْرِيرُ هَذِهِ المَذاهِبِ صِحَّةً وإبْطالًا، مَذْكُورٌ في عِلْمِ التَّصْرِيفِ. البَحِيرَةُ فَعِيلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولَةٍ كالنَّطِيحَةِ بِمَعْنى المَنطُوحَةِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي النّاقَةُ إذا نَتَجَتْ خَمْسَةَ أبْطُنٍ، في آخِرِها ذَكَرٌ، شَقُّوا أُذُنَها، وخَلَّوْا سَبِيلَها، لا تُرْكَبُ، ولا تُحْلَبُ، ولا تُطْرَدُ عَنْ ماءٍ ولا مَرْعًى ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ إلّا أنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ عَنْهُ آخِرُها ذَكَرٌ. وقالَ قَتادَةُ، ويُنْظَرُ في الخامِسِ، فَإذا كانَ ذَكَرًا، ذَبَحُوهُ وأكَلُوهُ، وإنْ كانَتْ أُنْثى شَقُّوا أُذُنَ الأُنْثى، وقالُوا هي بَحِيرَةٌ فَلَمْ تُرْكَبْ، ولَمْ تُطْرَدْ عَنْ (p-٢٩)ماءٍ ولا مَرْعًى، وإذا لَقِيَها ألْمَعِيٌّ، لَمْ يَرْكَبْها تَحَرُّجًا وتَخَوُّرًا مِنهُ؛ رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ، وزادَ حُرِّمَ عَلى النِّساءِ لَحْمُها ولَبَنُها، فَإذا ماتَتْ حَلَّتْ لِلنِّساءِ. وقالَ ابْنُ سِيدَهْ: البَحِيرَةُ هي الَّتِي خُلِّيَتْ بِلا راعٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: البَحِيرَةُ ما نَتَجَتِ السّائِبَةُ مِن أُنْثى، شَقَّ أُذُنَها، وخَلّى سَبِيلَها مَعَ أُمِّها في الفَلا، لَمْ تُرْكَبْ، ولَمْ تُحْلَبْ، كَما فُعِلَ بِأُمِّها. وقالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: هي الَّتِي تُمْنَعُ دَرُّها لِلطَّواغِيتِ، فَلا يَحْلِبُها. وقِيلَ: هي النّاقَةُ إذا ولَدَتْ خَمْسًا أوْ سَبْعًا شَقُّوا أُذُنَها. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إذا نَتَجَتِ النّاقَةُ عَشَرَةَ أبْطُنٍ؛ شَقُّوا أُذُنَها نِصْفَيْنِ طُولًا، فَهي مَبْحُورَةٌ، وتُرِكَتْ تَرْعى، وتَرِدُ الماءَ، ولا يُنْتَفَعُ مِنها بِشَيْءٍ، ويَحْرُمُ لَحْمُها إذا ماتَتْ عَلى النِّساءِ، ويَحِلُّ لِلرِّجالِ. وقِيلَ: البَحِيرَةُ السَّقْبُ إذا وُلِدَ، يَحُزُّوا أُذُنَهُ، وقالُوا اللَّهُمَّ إنْ عاشَ، فَعَفِيٌّ، وإنْ ماتَ فَذَكِيٌّ، فَإذا ماتَ أُكِلَ، ويَظْهَرُ مِنِ اخْتِلافِ هَذِهِ النُّقُولِ أنَّ العَرَبَ كانَتْ تَخْتَلِفُ طَرائِقُها في البَحِيرَةِ فَصارَ لِكُلٍّ مِنها في ذَلِكَ طَرِيقَةٌ وهي كُلُّها ضَلالٌ. السّائِبَةُ فاعِلَةٌ مِن سابَ إذا جَرى عَلى وجْهِ الأرْضِ. يُقالُ سابَ الماءُ وسابَتِ الحَيَّةُ. وقِيلَ: هي السَّيِّبَةُ اسْمُ الفاعِلِ بِمَعْنى المَفْعُولِ، نَحْوَ قَوْلِهِمْ ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] أيْ مَرْضِيَّةٍ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كانَ الرَّجُلُ إذا قَدِمَ مِن سَفَرٍ أوْ نَذَرَ نَذْرًا أوْ شَكَرَ نِعْمَةً، سَيَّبَ بَعِيرًا، فَكانَ بِمَنزِلَةِ البَحِيرَةِ في جَمِيعِ ما حَلُّوا لَها. وقالَ الفَرّاءُ: إذا ولَدَتِ النّاقَةُ عَشَرَةَ أبْطُنٍ إناثٍ سُيِّبَتْ، فَلَمْ تُرْكَبْ، ولَمْ تُحْلَبْ، ولَمْ يُجَزَّ لَها وبَرٌ، ولَمْ يُشْرَبْ لَها لَبَنٌ، إلّا ولَدٌ أوْ ضَيْفٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: السّائِبَةُ هي الَّتِي تُسَيَّبُ لِلْأصْنامِ؛ أيْ تُعْتَقُ. وكانَ الرَّجُلُ يُسَيِّبُ مِن مالِهِ شَيْئًا، فَيَجِيءُ بِهِ إلى السَّدَنَةِ، وهم خَدَمُ آلِهَتِهِمْ، فَيُطْعِمُونَ مِن لَبَنِها لِلسَّبِيلِ. وقالَ الشّافِعِيُّ: كانُوا يُنْذِرُونَ تَسْيِيبَ النّاقَةِ لِيَحُجَّ حَجَّةً عَلَيْها. وقِيلَ: السّائِبَةُ العَبْدُ يُعْتَقُ عَلى أنْ لا يَكُونَ عَلَيْهِ ولاءٌ، ولا عَقْلٌ، ولا مِيراثٌ. الوَصِيلَةُ هي الغَنَمُ، عَلى قَوْلِ الأكْثَرِينَ. رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّها الشّاةُ تُنْتِجُ سَبْعَةَ أبْطُنٍ، فَإنْ كانَ السّابِعُ أُنْثى لَمْ تَنْتَفِعِ النِّساءُ مِنها بِشَيْءٍ، إلّا أنْ تَمُوتَ فَيَأْكُلُها الرِّجالُ والنِّساءُ، وإنْ كانَ ذَكَرًا ونَحْوَهُ، أكَلُوهُ جَمِيعًا. فَإذا كانَ ذَكَرًا وأُنْثى قالُوا: وصَلَتْ أخاها، فَتُتْرَكُ مَعَ أخِيها فَلا تُذْبَحُ، ومَنافِعُها لِلرِّجالِ دُونَ النِّساءِ، فَإذا ماتَتِ اشْتَرَكَ الرِّجالُ والنِّساءُ فِيها. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنْ كانَ السّابِعُ ذَكَرًا ذُبِحَ فَأكَلَ مِنهُ الرِّجالُ دُونَ النِّساءِ. وقالُوا: خالِصَةٌ لِذُكُورِنا، ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا، وإنْ كانَتْ أُنْثى تُرِكَتْ في الغَنَمِ، وإنْ كانَتْ ذَكَرًا وأُنْثى فَكَما في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: هي الشّاةُ تُنْتِجُ عَشَرَةَ أبْطُنٍ مُتَوالِياتٍ في خَمْسَةِ أبْطُنٍ وما ولَدَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَلِلذُّكُورِ دُونَ الإناثِ. وقالَ الفَرّاءُ: هي الشّاةُ تُنْتِجُ سَبْعَةَ أبْطُنٍ عَناقَيْنِ عَناقَيْنِ فَإذا ولَدَتْ في سابِعِها عَناقًا وجِدْيًا، قِيلَ: وصَلَتْ أخاها فَجَرَتْ مَجْرى السّائِبَةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: هي الشّاةُ الَّتِي تَلِدُ أُنْثى فَلَهم، أوْ ذَكَرًا فَلِآلِهَتِهِمْ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: نَحْوَهُ، وزادَ إذا ولَدَتْ ذَكَرًا وأُنْثى مَعًا، قالُوا: وصَلَتْ أخاها فَلَمْ يَذْبَحُوهُ لِمَكانِها. ورَوى الزُّهْرِيُّ عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ أنَّها النّاقَةُ البِكْرُ تَبْتَكِرُ في أوَّلِ النَّتاجِ بِالأُنْثى، ثُمَّ تُثَنِّي بِالأُنْثى، فَيَسْتَقُونَها لِطَواغِيتِهِمْ، ويَقُولُونَ: وصَلَتْ إحْداهُما بِالأُخْرى لَيْسَ بَيْنَهُما ذَكَرٌ. وقِيلَ: هي الشّاةُ تَلِدُ ثَلاثَةَ أبْطُنٍ أوْ خَمْسَةً، فَإنْ كانَ آخِرُها جِدْيًا ذَبَحُوهُ لِآلِهَتِهِمْ أوْ عَناقًا اسْتَحْيَوْها، وقالُوا: هَذِهِ العَناقُ وصَلَتْ أخاها، فَمَنَعَتْهُ مِنَ الذَّبْحِ. الحامِي اسْمُ فاعِلٍ مِن حَمى، وهو الفَحْلُ مِنَ الإبِلِ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ: هو الفَحْلُ يُنْتَجُ مِن صُلْبِهِ عَشَرَةُ أبْطُنٍ، فَيَقُولُونَ قَدْ حَمى ظَهْرَهُ، فَيُسَيِّبُونَهُ لِأصْنامِهِمْ فَلا يُحْمَلُ عَلَيْهِ شَيْءٌ. ورَوى ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ، أنَّهُ الفَحْلُ يُولَدُ لِوَلَدِ ولَدِهِ، وقالَ عَطاءٌ: هو الفَحْلُ يُنْتَجُ مِن صُلْبِهِ عَشَرَةُ أبْطُنٍ، فَيَظْهَرُ مِن بَيْنِ أوْلادِهِ عَشَرَةُ إناثٍ مِن بَناتِهِ، وبَناتِ بَناتِهِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو الَّذِي يُنْتَجُ لَهُ سَبْعُ إناثٍ مُتَوالِياتٍ. وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ عَنِ الشّافِعِيِّ أنَّهُ يَضْرِبُ في إبِلِ الرَّجُلِ عَشْرَ (p-٣٠)سِنِينَ. الحَبْسُ المَنعُ مِنَ التَّصَرُّفِ. يُقالُ حَبَسْتُ أحْبِسُ، واحْتَبَسْتُ فَرَسًا في سَبِيلِ اللَّهِ، فَهو مُحْبَسٌ. وحَبِيسٌ وقَفْتُهُ لِلْغَزْوِ. وعَثَرَ عَلى الرَّجُلِ؛ اطَّلَعَ عَلَيْهِ، مُشْتَقٌّ مِنَ العَثْرَةِ الَّتِي هي الوُقُوعُ، وذَلِكَ أنَّ العاثِرَ إنَّما يَعْثُرُ بِشَيْءٍ كانَ لا يَراهُ، فَلَمّا عَثَرَ بِهِ اطَّلَعَ عَلَيْهِ، ونَظَرَ ما هو، فَلِذَلِكَ قِيلَ: لِكُلِّ مَنِ اطَّلَعَ عَلى أمْرٍ كانَ خَفِيًّا عَلَيْهِ: قَدْ عَثَرَ عَلَيْهِ، ويُقالُ قَدْ عَثَرَ عَلَيْهِ، وقَدْ أعْثَرَ عَلَيْهِ إذا أطْلَعَهُ عَلَيْهِ، ومِنهُ ﴿وكَذَلِكَ أعْثَرْنا عَلَيْهِمْ﴾ [الكهف: ٢١] أيِ أطْلَعْنا. وقالَ اللَّيْثُ: عَثَرَ يَعْثُرُ عُثُورًا هَجَمَ عَلى أمْرٍ لَمْ يَهْجُمْ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وعَثَرَ عَثْرَةً؛ وقَعَ عَلى شَيْءٍ. المائِدَةُ: الخِوانُ الَّذِي عَلَيْهِ طَعامٌ، فَإذا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ طَعامٌ، فَلَيْسَ بِمائِدَةٍ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ: هي فاعِلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولَةٍ، وهي مِنَ العَطاءِ. والمُمْتادُ المَطْلُوبُ مِنهُ العَطاءُ، مادَّهُ أعْطاهُ، وامْتادَّهُ اسْتَعْطاهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: هي فاعِلَةٌ مِن مادَ يَمِيدُ؛ تَحَرَّكَ، فَكَأنَّها تَمِيدُ بِما عَلَيْها. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المائِدَةُ؛ الطَّعامُ، مِن مادَّهُ يُمِيدُهُ أعْطاهُ، كَأنَّها تُمِيدُ الآكِلِينَ؛ أيْ تُطْعِمُهم، وتَكُونُ فاعِلَةً بِمَعْنى مَفْعُولٍ بِها أيْ مِيدَ بِها الآكِلُونَ. وقِيلَ: مِنَ المِيدِ، وهو المَيْلُ، وهَذا قَرِيبٌ مِن قَوْلِ الزَّجّاجِ. ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾ رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ، واللَّفْظُ لِلْبُخارِيِّ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَن أبِي ؟ قالَ: ”أبُوكَ فُلانٌ“، ونَزَلَتِ الآيَةُ. وفي حَدِيثِ أنَسٍ أيْضًا «أنَّ رَجُلًا قالَ: أيْنَ مَدْخَلِي يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: ”النّارُ“» . وإنَّ السّائِلَ مَن أبِي، هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذافَةَ. وفي غَيْرِ حَدِيثِ أنَسٍ «فَقامَ آخَرُ فَقالَ: مَن أبِي ؟ فَقالَ: ”أبُوكَ سالِمٌ مَوْلى شَيْبَةَ“» . وقِيلَ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ سُؤالِهِمْ عَنِ الحَجِّ، «أفِي كُلِّ عامٍ ؟ فَسَكَتَ فَقالَ: أفِي كُلِّ عامٍ ؟ قالَ: ”لا، ولَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ“» . رُوِيَ هَذا عَنْ عَلِيٍّ وأبِي هُرَيْرَةَ وأبِي أُمامَةَ وابْنِ عَبّاسٍ. وقِيلَ: السّائِلُ سُراقَةُ بْنُ مالِكٍ. وقِيلَ: عُكّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ الأسَدِيُّ. وقِيلَ: مِحْصَنٌ. وقِيلَ: رَجُلٌ مِن بَنِي أسَدٍ. وقِيلَ: الأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ. وقالَ الحَسَنُ: سَألُوا عَنْ أُمُورِ الجاهِلِيَّةِ الَّتِي عَفا اللَّهُ عَنْها، ولا وجْهَ لِلسُّؤالِ عَمّا عَفا اللَّهُ عَنْهُ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ، ورَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: سَألُوا عَنِ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ والوَصِيلَةِ والحامِ، ولِذَلِكَ جاءَ ذِكْرُها بَعْدَها. ورُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهم سَألُوا الآياتِ والمُعْجِزاتِ. وذَكَرَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ أنَّها نَزَلَتْ في تَسْهِيمِ الفَرائِضِ. ورُوِيَ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أمْرَ الكَعْبَةِ والهَدْيِ والقَلائِدِ، وأعْلَمَ أنَّ حُرْمَتَها هو تَعالى الَّذِي شَرَعَها، إذْ هي أُمُورٌ قَدِيمَةٌ مِن لَدُنْ إبْراهِيمَ، عَلَيْهِ السَّلامُ، ذَهَبَ ناسٌ مِنَ العَرَبِ إلى السُّؤالِ عَنْ سائِرِ أحْكامِ الجاهِلِيَّةِ، هَلْ تُلْحَقُ بِذَلِكَ أمْ لا ؟ إذْ كانُوا قَدِ اعْتَقَدُوا الجَمِيعَ سُنَّةً، لا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ ما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ، وما هو مِن تِلْقاءِ الشَّيْطانِ. والظّاهِرُ مِنَ الرِّواياتِ أنَّ الأعْرابَ ألَحُّوا عَلَيْهِ بِأنْواعٍ مِنَ السُّؤالاتِ، فَزُجِرُوا عَنْ ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في حُجّاجِ اليَمامَةِ حِينَ أرادَ المُسْلِمُونَ أنْ يُوقِعُوا بِهِمْ فَنُهُوا عَنِ الإيقاعِ بِهِمْ، وإنْ كانُوا مُشْرِكِينَ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها؛ هو أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿ما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ﴾ [المائدة: ٩٩] صارَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما بَلَّغَهُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ، وكُونُوا مُنْقادِينَ لَهُ، وما لَمْ يُبَلِّغْهُ فَلا تَسْألُوا عَنْهُ، ولا تَخُوضُوا فِيهِ، فَرُبَّما جاءَكم بِسَبَبِ الخَوْضِ الفاسِدِ تَكالِيفُ تَشُقُّ عَلَيْكم، قالَهُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ، وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. وقالَ أيْضًا هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ [المائدة: ٩٩] فاتْرُكُوا الأُمُورَ عَلى ظَواهِرِها، ولا تَسْألُوا عَنْ أحْوالٍ مُخْتَلِفَةٍ. والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ وما عُطِفَ عَلَيْها مِنَ الشَّرْطِ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِأشْياءَ، والمَعْنى لا تُكْثِرُوا مَسْألَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى تَسْألُوهُ عَنْ تَكالِيفَ شاقَّةٍ عَلَيْكم، إنْ أفْتى لَكم بِها وكَلَّفَكم إيّاها؛ تَغُمَّكم وتَشُقَّ عَلَيْكم وتَنْدَمُوا عَلى السُّؤالِ عَنْها، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وبَناهُ عَلى ما نُقِلَ في سَبَبِ النُّزُولِ؛ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الحَجِّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿إنْ تُبْدَ لَكُمْ﴾ بِالتّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ الشَّعْبِيُّ بِالياءِ مَفْتُوحَةً مِن أسْفَلَ، وضَمِّ الدّالِ (يَسُؤْكم) بِالياءِ فِيهِما مَضْمُومَةً في الأوَّلِ، ومَفْتُوحَةً في الثّانِي. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والتَّحْرِيرُ أنْ يُبْدِها اللَّهُ (p-٣١)تَعالى. ﴿وإنْ تَسْألُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ في ضِمْنِ الإخْبارِ عَنْها مَساءَةٌ لَكم، إمّا لِتَكْلِيفٍ شَرْعِيٍّ يَلْزَمُكم، وإمّا لِخَبَرٍ يَسُوءُكم، مِثْلُ الَّذِي قالَ مَن أبِي ؟ ولَكِنْ إذا نَزَلَ القُرْآنُ بِشَيْءٍ، وابْتَدَأكم رَبُّكم بِأمْرٍ، فَحِينَئِذٍ إنْ سَألْتُمْ عَنْ بَيانِهِ، بَيَّنَ لَكم وأبْدى. انْتَهى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فالضَّمِيرُ في قَوْلِهِ (عَنْها) عائِدٌ عَلى نَوْعِها، لا عَلى الأوَّلِ الَّتِي نَهى عَنِ السُّؤالِ عَنْها. قالَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَعْنى الوَعِيدِ، كَأنَّهُ قالَ لا تَسْألُوا، وإنْ سَألْتُمْ، لَقِيتُمْ غِبَّ ذَلِكَ، وصُعُوبَتَهُ؛ لِأنَّكم تَكَلَّفُونَ، وتَسْتَعْجِلُونَ ما يَسُوءُكم، كالَّذِي قِيلَ لَهُ: إنَّهُ في النّارِ انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وإنْ تَسْألُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ﴾ أيْ عَنْ هَذِهِ التَّكالِيفِ الصَّعْبَةِ في زَمانِ الوَحْيِ، وهو ما دامَ الرَّسُولُ بَيْنَ أظْهُرِكم يُوحى إلَيْهِ ﴿تُبْدَ لَكُمْ﴾ تِلْكَ التَّكالِيفُ (الَّتِي تَسُوءُكم) وتُؤْمَرُوا بِتَحَمُّلِها فَتُعَرِّضُوا أنْفُسَكم لِغَضَبِ اللَّهِ بِالتَّفْرِيطِ فِيها. انْتَهى. وعَلى هَذا يَكُونُ الضَّمِيرُ في (عَنْها) عائِدًا عَلى أشْياءَ نَفْسِها، لا عَلى نَوْعِها. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهم نُهُوا عَنِ السُّؤالِ عَنْ أشْياءَ وُصِفَتْ بِوَصْفَيْنِ: أحَدُهُما؛ أنَّها إنْ سَألُوا عَنْها، أُبْدِيَتْ لَهم وقْتَ نُزُولِ القُرْآنِ، فَيَكُونُ (حِينَ) ظَرْفًا لِقَوْلِهِ ﴿تُبْدَ لَكُمْ﴾، لا لِقَوْلِهِ ﴿وإنْ تَسْألُوا عَنْها﴾، والوَصْفُ الثّانِي أنَّها إنْ أُبْدِيَتْ لَهم ساءَتْهم. وهَذا الوَصْفُ وإنْ تَقَدَّمَ مُرَتَّبٌ عَلى الوَصْفِ المُتَأخِّرِ، وإنَّما تَقَدَّمَ لِأنَّهُ أرْدَعُ لَهم عَنِ المَسْألَةِ عَنْ تِلْكَ الأشْياءِ أنْ يَسْألُوا عَنْها؛ لِأنَّهم إذا أُخْبِرُوا أنَّهم تَسُوءُهم تِلْكَ المَسْألَةُ إذا أُبْدِيَتْ، كانَتْ أنْفَرَ عَنْ أنْ يَسْألُوا بَعْدُ. فَلَمّا كانَ هَذا الوَصْفُ أزْجَرَ عَنِ السُّؤالِ، قُدِّمَ وتَأخَّرَ الوَصْفُ في الذِّكْرِ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ زَجْرٌ ولا رَدْعٌ، واتُّكِلَ في ذَلِكَ عَلى فَهْمِ المَعْنى، مَعَ أنَّ عَطْفَ الوَصْفِ الثّانِي بِالواوِ، يَقْتَضِي التَّشْرِيكَ فَقَطْ دُونَ التَّرْتِيبِ. ولا يَدُلُّ قَوْلُهُ وإنْ تَسْألُوا عَنْها عَلى جَوازِ السُّؤالِ، كَما زَعَمَ بَعْضُهم فَقالَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى أشْياءَ، فَكَيْفَ يَفْعَلُ أشْياءَ بِأعْيانِها أنْ يَكُونَ السُّؤالُ عَنْها مَمْنُوعًا وجائِزًا مَعًا ؟ وأجابَ بِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما؛ أنْ يَكُونَ مَمْنُوعًا قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ، مَأْمُورًا بِهِ بَعْدَ نُزُولِهِ، الثّانِي أنَّهُما، وإنْ كانا غَيْرَ مُخْتَلِفَيْنِ إلّا أنَّهُما في كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مَسْئُولًا عَنْهُ شَيْءٌ واحِدٌ، فَلِهَذا الوَجْهِ حَسُنَ اتِّحادُ الضَّمِيرِ انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِجَوابٍ ثانٍ؛ لِأنَّهُ فَرَضَ أنَّ تِلْكَ الأشْياءَ بِأعْيانِها السُّؤالُ عَنْها مَمْنُوعٌ وجائِزٌ، وإذا كانا نَوْعَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، فَلَيْسَتِ الأشْياءُ بِأعْيانِها. وجُمْلَةُ الشَّرْطِ كَما ذَكَرْناهُ، لا تَدُلُّ عَلى الجَوازِ، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ لا تَزْنِ ؟ وإنْ زَنَيْتَ حُدِدْتَ ؟ فَقَوْلُهُ: وإنْ زَنَيْتَ حُدِدْتَ، لا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى الجَوازِ، بَلْ جُمْلَةُ الشَّرْطِ لا تَدُلُّ عَلى الوُقُوعِ، بَلْ لا تَدُلُّ عَلى الإمْكانِ، إذْ قَدْ يَقَعُ التَّعْلِيقُ بَيْنَ المُسْتَحِيلَيْنِ، كَقَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] . ﴿عَفا اللَّهُ عَنْها﴾ ظاهِرُهُ أنَّهُ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى. وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّها في مَوْضِعِ جَرِّ صِفَةٍ لِأشْياءَ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ مَعْفُوٍّ عَنْها، ويَكُونُ مَعْنى عَفا؛ أيْ تَرَكَ لَكُمُ التَّكْلِيفَ فِيها والمَشَقَّةَ عَلَيْكم بِها؛ لِقَوْلِهِ إنَّ اللَّهَ قَدْ عَفا لَكم عَنْ صَدَقَةِ الخَيْلِ، وهو القَوْلُ الأوَّلُ، وهو الِاسْتِئْنافُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى هَذا؛ أيْ تَرَكَها اللَّهُ، ولَمْ يُعَرِّفْكم بِها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهُ تَجاوَزَ عَنِ ارْتِكابِكم تِلْكَ السُّؤالاتِ، ولَمْ يُؤاخِذْكم بِها، ويَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ ولِذَلِكَ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَفا اللَّهُ عَنْكم ما سَلَفَ عَنْ (p-٣٢)مَسْألَتِكم، فَلا تَعُودُوا إلى مِثْلِها. ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٤] لا يُؤاخِذُكم بِما يَفْرُطُ مِنكم بِعُقُوبَتِهِ. خَرَّجَ الدّارَقُطْنِيُّ عَنْ أبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى فَرَضَ فَرائِضَ فَلا تُضَيِّعُوها، وحَرَّمَ حُرُماتٍ فَلا تَنْتَهِكُوها، وحَدَّ حُدُودًا فَلا تَعْتَدُوها، وسَكَتَ عَنْ أشْياءَ مِن غَيْرِ نِسْيانٍ فَلا تَبْحَثُوا عَنْها» . ورَوى أبُو سَلَمَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قالَ: «إنَّ أعْظَمَ النّاسِ جُرْمًا؛ مَن سَألَ عَنْ مَسْألَةٍ لَمْ تَكُنْ حَرامًا، فَحُرِّمَتْ مِن أجْلِ مَسْألَتِهِ» . ﴿قَدْ سَألَها قَوْمٌ مِن قَبْلِكم ثُمَّ أصْبَحُوا بِها كافِرِينَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (سَألَها) عائِدٌ عَلى أشْياءَ. وقالَ الحَوْفِيُّ: ولا يَتَّجِهُ حَمْلُهُ عَلى الظّاهِرِ، لا مِن جِهَةِ اللَّفْظِ العَرَبِيِّ، ولا مِن جِهَةِ المَعْنى. أمّا مِن جِهَةِ اللَّفْظِ، فَكانَ يُعَدّى بِعَنْ فَكانَ قَدْ سَألَ عَنْها، كَما قالَ ﴿لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾ فَعُدِّيَ بِعَنْ، وأمّا مِن جِهَةِ المَعْنى؛ فَلِأنَّ المَسْئُولَ عَنْهُ مُخْتَلِفٌ قَطْعًا فِيهِما؛ لِأنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ الَّذِي هو مِثْلُ سُؤالِ مَن سَألَ أيْنَ مَدْخَلِي ؟ ومَن أبِي ؟ ومَن سَألَ عَنِ الحَجِّ، وأيْنَ ناقَتِي ؟ وما في بَطْنِ ناقَتِي ؟ غَيْرُ سُؤالِ القَوْمِ الَّذِينَ تَقَدَّمُوا، فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الضَّمِيرُ في (سَألَها) لَيْسَ بِراجِعٍ إلى أشْياءَ حَتّى يَجِبَ تَعْدِيَتُهُ بِعَنْ، وإنَّما هو راجِعٌ إلى المَسْألَةِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها ﴿لا تَسْألُوا﴾، يَعْنِي قَدْ سَألَ هَذِهِ المَسْألَةَ قَوْمٌ مِنَ الأوَّلِينَ، ثُمَّ أصْبَحُوا؛ أيْ بِمَرْجُوعِها كافِرِينَ. وذَلِكَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا يَسْتَفْتُونَ أنْبِياءَهم عَنْ أشْياءَ، فَإذا أُمِرُوا بِها تَرَكُوها، فَهَلَكُوا انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: نَحْوًا مِن قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ قالَ: ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ؛ أنَّ هَذِهِ السُّؤالاتِ الَّتِي هي تَعَنُّتاتٌ وطَلَبٌ شَطَطٌ واقْتِراحاتٌ ومُباحَثاتٌ، قَدْ سَألَها قَبْلَكُمُ الأُمَمُ ثُمَّ كَفَرُوا بِها انْتَهى. ولا يَسْتَقِيمُ ما قالاهُ إلّا عَلى حَذْفِ مُضافٍ، وقَدْ صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، فَقالَ قَدْ سَألَ أمْثالَها؛ أيْ أمْثالَ هَذِهِ المَسْألَةِ، أوْ أمْثالَ هَذِهِ السُّؤالاتِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ سَألَها، بِفَتْحِ السِّينِ والهَمْزَةِ، وقَرَأ النَّخَعِيُّ، بِكَسْرِ السِّينِ مِن غَيْرِ هَمْزِ، يَعْنِي بِالكَسْرِ والإمالَةِ، وجَعَلَ الفِعْلَ مِن مادَّةِ سِينٍ وواوٍ ولامٍ، لا مِن مادَّةِ سِينٍ وهَمْزَةٍ ولامٍ، وهُما لُغَتانِ ذَكَرَهُما سِيبَوَيْهِ. ومِن كَلامِ العَرَبِ؛ هُما يَتَساوَلانِ، بِالواوِ وإمالَةُ. النَّخَعِيِّ (سَألَ) مِثْلُ إمالَةِ حَمْزَةَ خافَ والقَوْمَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم قَوْمُ عِيسى، سَألُوا المائِدَةَ، ثُمَّ كَفَرُوا بِها بَعْدَ أنْ شَرَطَ عَلَيْهِمُ العَذابَ الَّذِي لا يُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ أيْضًا: هم قَوْمُ مُوسى، سَألُوا في ذَبْحِ البَقَرَةِ وشَأْنِها. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ أيْضًا: هُمُ الَّذِينَ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهم ﴿ابْعَثْ لَنا مَلِكًا نُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٦] . وقِيلَ: قَوْمُ مُوسى، سَألُوا أنْ يُرِيَهُمُ اللَّهَ جَهْرَةً، فَصارَ ذَلِكَ وبالًا عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: قَوْمُ صالِحٍ، سَألُوا النّاقَةَ، ثُمَّ عَقَرُوها بَعْدَ أنْ دَخَلُوا عَلى الِاشْتِراطِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] وبَعْدَ اشْتِراطِ العَذابِ عَلَيْهِمْ إنْ مَسُّوها بِسُوءٍ. وقالَ مُقاتِلٌ: كانَ بَنُو إسْرائِيلَ يَسْألُونَ أنْبِياءَهم عَنْ أشْياءَ، فَإذا أخْبَرُوهم بِها، تَرَكُوا قَوْلَهم ولَمْ يُصَدِّقُوهم، فَأصْبَحُوا بِتِلْكَ الأشْياءِ كافِرِينَ. وقالَ السُّدِّيُّ: كَقُرَيْشٍ في سُؤالِهِمْ أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُمُ الصَّفا ذَهَبًا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّما يَتَّجِهُ في قُرَيْشٍ مِثالُ سُؤالِهِمْ آيَةً، فَلَمّا شُقَّ القَمَرُ كَفَرُوا. انْتَهى. وقالَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ: القَوْمُ قُرَيْشٌ، سَألُوا أُمُورًا مُمْتَنِعَةً كَما أخْبَرَ تَعالى ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠]، وهَذا لا يَسْتَقِيمُ إلّا إنْ أُرِيدَ بِمَن قَبْلَهم آباؤُهُمُ الَّذِينَ ماتُوا في ابْتِداءِ التَّنْزِيلِ. قالَ أبُو البَقاءِ العُكْبَرِيُّ ﴿مِن قَبْلِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٩] مُتَعَلِّقُ سَألَها، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِقَوْمٍ، ولا حالًا؛ لِأنَّ ظَرْفَ الزَّمانِ لا يَكُونُ صِفَةً لِلْجَنَّةِ، ولا حالًا مِنها، ولا خَبَرًا عَنْها. انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ صَحِيحٌ في ظَرْفِ الزَّمانِ المُجَرَّدِ مِنَ الوَصْفِ، أمّا إذا وُصِفَ، فَذَكَرُوا أنَّهُ يَكُونُ خَبَرًا، تَقُولُ: نَحْنُ في يَوْمٍ طَيِّبٍ. وأمّا قَبْلُ وبَعْدُ، فالحَقِيقَةُ أنَّهُما وصْفانِ في الأصْلِ، فَإذا قُلْتَ: جاءَ زَيْدٌ قَبْلَ عَمْرٍو، فالمَعْنى جاءَ زَيْدٌ زَمانًا؛ أيْ في زَمانٍ مُتَقَدِّمٍ عَلى زَمانِ مَجِيءِ عَمْرٍو، ولِذَلِكَ صَحَّ أنْ يَقَعَ صِلَةً لِلْمَوْصُولِ، ولَمْ يُلْحَظْ فِيهِ الوَصْفُ وإنْ كانَ ظَرْفَ زَمانٍ مُجَرَّدًا، لَمْ يَجُزْ أنْ يَقَعَ صِلَةً (p-٣٣)قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١] ولا يَجُوزُ والَّذِينَ اليَوْمَ، وقَدْ تَكَلَّمْنا عَلى هَذا في أوَّلِ البَقَرَةِ، ومَعْنى ﴿ثُمَّ أصْبَحُوا﴾ ثُمَّ صارُوا، ولا يُرادُ أنَّ كُفْرَهم مُقَيَّدٌ بِالصَّباحِ. ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ ولا سائِبَةٍ ولا وصِيلَةٍ ولا حامٍ﴾ . مُناسَبَةُ هَذِهِ لِما قَبْلَها؛ أنَّهُ تَعالى لَمّا نَهى عَنْ سُؤالِ ما لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ ولا كَلَّفَهم إيّاهُ، مَنَعَ مِنَ التِزامِ أُمُورٍ لَيْسَتْ مَشْرُوعَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى، ولَمّا سَألَ قَوْمٌ عَنْ هَذِهِ الأحْكامِ الَّتِي كانَتْ في الجاهِلِيَّةِ، هَلْ تُلْحَقُ بِأحْكامِ الكَعْبَةِ ؟ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لَمْ يَشْرَعْ شَيْئًا مِنها، أوْ لَمّا ذَكَرَ المُحَلَّلاتِ والمُحَرَّماتِ في الشَّرْعِ، عادَ إلى الكَلامِ في المُحَلَّلاتِ والمُحَرَّماتِ مِن غَيْرِ شَرْعٍ. وفي حَدِيثٍ رُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «أنَّ أوَّلَ مَن غَيَّرَ دِينَ إسْماعِيل عَمْرُو بْنُ لُحَيِّ بْنِ قَمَعَةَ بْنِ خِنْدِفَ، نَصَبَ الأوْثانَ، وسَيَّبَ السّائِبَةَ، وبَحَّرَ البَحِيرَةَ، وحَمى الحامِيَ» . ورَآهُ رَسُولُ اللَّهِ يَجُرُّ قُصْبَهُ في النّارِ. ورُوِيَ أنَّهُ كانَ مَلِكَ مَكَّةَ. ورَوى زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «قَدْ عَرَفْتُ أوَّلَ مَن بَحَّرَ البَحِيرَةَ؛ هو رَجُلٌ مِن مُدْلِجٍ، كانَتْ لَهُ ناقَتانِ، فَجَدَعَ آذانَهُما، وحَرَّمَ ألْبانَهُما ورُكُوبَ ظُهُورِهِما، قالَ: فَلَقَدْ رَأيْتُهُ في النّارِ يُؤْذِي أهْلَ النّارِ رِيحُ قُصْبِهِ» . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ﴾ ما شَرَعَ ذَلِكَ، ولا أمَرَ بِالتَّبْحِيرِ والتَّسْيِيبِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (وجَعَلَ) في هَذِهِ الآيَةِ لا يَتَّجِهُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى خَلَقَ اللَّهُ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ هَذِهِ الأشْياءَ كُلَّها، ولا هي بِمَعْنى صَيَّرَ؛ لِعَدَمِ المَفْعُولِ الثّانِي، وإنَّما هي بِمَعْنى ما سَنَّ، ولا شَرَعَ. ولَمْ يَذْكُرِ النَّحْوِيُّونَ في مَعانِي جَعَلَ شَرَعَ، بَلْ ذَكَرُوا أنَّها تَأْتِي بِمَعْنى خَلَقَ، وبِمَعْنى ألْقى، وبِمَعْنى صَيَّرَ، وبِمَعْنى الأخْذِ في الفِعْلِ، فَتَكُونُ مِن أفْعالِ المُقارَبَةِ. وذَكَرَ بَعْضُهم بِمَعْنى سَمّى، وقَدْ جاءَ حَذْفُ أحَدِ مَفْعُولَيْ ظَنَّ وأخَواتِها، إلّا أنَّهُ قَلِيلٌ، والحَمْلُ عَلى ما سُمِعَ أوْلى مِن إثْباتِ مَعْنًى لَمْ يَثْبُتْ في لِسانِ العَرَبِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفًا؛ أيْ ما صَيَّرَ اللَّهُ بَحِيرَةً ولا سائِبَةً ولا وصِيلَةً ولا حامِيًا مَشْرُوعَةً، بَلْ هي مِن شَرْعِ غَيْرِ اللَّهِ ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ﴾ [النحل: ٥] خَلَقَها اللَّهُ تَعالى رِفْقًا لِعِبادِهِ، ونِعْمَةً (p-٣٤)عَدَّدَها عَلَيْهِمْ، ومَنفَعَةً بالِغَةً. وأهْلُ الجاهِلِيَّةِ قَطَعُوا طَرِيقَ الِانْتِفاعِ بِها، وإذْهابَ نِعْمَةِ اللَّهِ بِها، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ: لا تَجُوزُ الأحْباسُ والأوْقافُ، وقاسُوا عَلى البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ، والفَرْقُ بَيِّنٌ. ولَوْ عَمَدَ رَجُلٌ إلى ضَيْعَةٍ لَهُ فَقالَ: هَذِهِ تَكُونُ حَبْسًا، لا تُجْتَنى ثَمَرَتُها، ولا تُزْرَعُ أرْضُها، ولا يُنْتَفَعُ مِنها بِنَفْعٍ، لَجازَ أنْ يُشَبَّهَ هَذا بِالبَحِيرَةِ والسّائِبَةِ. وأمّا الحَبْسُ المُتَعَيِّنُ طَرِيقُهُ واسْتِمْرارُ الِانْتِفاعِ بِهِ، فَلَيْسَ مِن هَذا، وحَسْبُكَ بِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ في مالٍ لَهُ: " اجْعَلْهُ حَبْسًا لا يُباعُ أصْلُهُ. وحَبَسَ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ انْتَهى. ﴿ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِتَحْرِيمِ ما حَرَّمُوا. ﴿وأكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ فَلا يَنْسُبُوا التَّحْرِيمَ حَتّى يَفْتَرُوا، ولَكِنَّهم يُقَلِّدُونَ في تَحْرِيمِها كِبارَهُمُ انْتَهى. نَصَّ الشَّعْبِيُّ وغَيْرُهُ؛ أنَّ المُفْتَرِينَ هُمُ المُبْتَدِعُونَ، وأنَّ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ هُمُ الأتْباعُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يُرِيدُ عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ وأصْحابَهُ. وقِيلَ: في ﴿لا يَعْقِلُونَ﴾ أيِ الحَلالَ مِنَ الحَرامِ. وقالَ قَتادَةُ: ﴿لا يَعْقِلُونَ﴾ أنَّ هَذا التَّحْرِيمَ مِنَ الشَّيْطانِ، لا مِنَ اللَّهِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هُنا هم أهْلُ الكِتابِ. والَّذِينَ ﴿لا يَعْقِلُونَ﴾ هم أهْلُ الأوْثانِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا تَفْسِيرٌ مِنِ انْتِزاعِ آخِرِ الآيَةِ عَمّا تَقَدَّمَها، وارْتَبَطَ بِها مِنَ المَعْنى، وعَمّا أخْبَرَ أيْضًا مِن قَوْلِهِ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمْ﴾ [المائدة: ١٠٤] انْتَهى. وقالَ مَكِّيٌّ: ذِكْرُ أهْلِ الكِتابِ هُنا، لا مَعْنى لَهُ، إذْ لَيْسَ في هَذا صُنْعٌ ولا شِبْهٌ، وإنَّما ذُكِرَ ذَلِكَ عَنْ مُشْرِكِي العَرَبِ، فَهُمُ الَّذِينَ عُنُوا بِذَلِكَ.

المائدة 5:102

﴿يا أيُّها الَّذِينَ (p-٢٨)آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكم وإنْ تَسْألُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكم عَفا اللَّهُ عَنْها واللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ ﴿قَدْ سَألَها قَوْمٌ مِن قَبْلِكم ثُمَّ أصْبَحُوا بِها كافِرِينَ﴾ ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ ولا سائِبَةٍ ولا وصِيلَةٍ ولا حامٍ ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وأكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾ [المائدة: ١٠٤] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٥] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكم إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِن بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إنّا إذًا لَمِنَ الآثِمِينَ﴾ [المائدة: ١٠٦] ﴿فَإنْ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما وما اعْتَدَيْنا إنّا إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ [المائدة: ١٠٧] ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ واتَّقُوا اللَّهَ واسْمَعُوا واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ [المائدة: ١٠٨] ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إنَّكَ أنْتَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١٠٩] ﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعَلى والِدَتِكَ إذْ أيَّدْتُكَ بِرُوحِ القُدُسِ تُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلًا وإذْ عَلَّمْتُكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِي وتُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ بِإذْنِي وإذْ تُخْرِجُ المَوْتى بِإذْنِي وإذْ كَفَفْتُ بَنِي إسْرائِيلَ عَنْكَ إذْ جِئْتَهم بِالبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١١٠] ﴿وإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ أنْ آمِنُوا بِي وبِرَسُولِي قالُوا آمَنّا واشْهَدْ بِأنَّنا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: ١١١] ﴿إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ١١٢] ﴿قالُوا نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها وتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا ونَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا ونَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ١١٣] ﴿قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيدًا لِأوَّلِنا وآخِرِنا وآيَةً مِنكَ وارْزُقْنا وأنْتَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ [المائدة: ١١٤] (أشْياءَ) مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ أنَّها لَفْعاءُ مَقْلُوبَةٌ مِن فَعْلاءَ، والأصْلُ شَيْئًا مِن مادَّةِ شَيْءٍ، وهو اسْمُ جَمْعٍ كَطُرَفاءَ وحُلَفاءَ. ومَذْهَبُ غَيْرِهِما أنَّها جَمْعٌ. واخْتَلَفُوا فَقالَ الكِسائِيُّ وأبُو حاتِمٍ: هو جَمْعُ شَيْءٍ، كَبَيْتٍ وأبْياتٍ. وقالَ الكِسائِيُّ: لَمْ تَنْصَرِفْ أشْياءُ، لِشِبْهِ آخِرِها بِآخِرِ حَمْراءَ، ولِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِها. والعَرَبُ تَقُولُ أشْياوانِ كَما تَقُولُ حَمْراوانِ. ذَهَبَ الفَرّاءُ والأخْفَشُ إلى أنَّها جَمْعٌ عَلى وزْنِ أفْعَلاءَ. قالَ الفَرّاءُ شَيٌ مُخَفَّفٌ مِن شَيْءٍ، كَما قالُوا هُونًا في جَمْعِ هَيْنٍ، المُخَفَّفِ مِن هَيِّنٍ. وقالَ الأخْفَشُ: لَيْسَ مُخَفَّفًا مِن شَيْءٍ، بَلْ هو فَعْلٌ جُمِعَ عَلى أفَعْلاءَ، فاجْتَمَعَ في هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ هَمْزَتانِ، لامُ الكَلِمَةِ، وهَمْزَةُ التَّأْنِيثِ، فَقُلِبَتِ الهَمْزَةُ الَّتِي هي لامُ الكَلِمَةِ ياءً؛ لِانْكِسارِ ما قَبْلَها، ثُمَّ حُذِفَتِ الياءُ الَّتِي هي عَيْنُ الكَلِمَةِ؛ اسْتِخْفافًا. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ وزْنَ شَيْءٍ في الأصْلِ شَيِيءٌ، كَصَدِيقٍ وأصْدِقاءَ، ثُمَّ حُذِفَتِ الهَمْزَةُ الأُولى، وفُتِحَتْ ياءُ المَدِّ؛ لِكَوْنِ ما بَعْدَها ألِفًا. قالَ ووَزْنُها في هَذا القَوْلِ إلى أفْياءَ، وفي القَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ أفْلاءُ. وتَقْرِيرُ هَذِهِ المَذاهِبِ صِحَّةً وإبْطالًا، مَذْكُورٌ في عِلْمِ التَّصْرِيفِ. البَحِيرَةُ فَعِيلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولَةٍ كالنَّطِيحَةِ بِمَعْنى المَنطُوحَةِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي النّاقَةُ إذا نَتَجَتْ خَمْسَةَ أبْطُنٍ، في آخِرِها ذَكَرٌ، شَقُّوا أُذُنَها، وخَلَّوْا سَبِيلَها، لا تُرْكَبُ، ولا تُحْلَبُ، ولا تُطْرَدُ عَنْ ماءٍ ولا مَرْعًى ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ إلّا أنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ عَنْهُ آخِرُها ذَكَرٌ. وقالَ قَتادَةُ، ويُنْظَرُ في الخامِسِ، فَإذا كانَ ذَكَرًا، ذَبَحُوهُ وأكَلُوهُ، وإنْ كانَتْ أُنْثى شَقُّوا أُذُنَ الأُنْثى، وقالُوا هي بَحِيرَةٌ فَلَمْ تُرْكَبْ، ولَمْ تُطْرَدْ عَنْ (p-٢٩)ماءٍ ولا مَرْعًى، وإذا لَقِيَها ألْمَعِيٌّ، لَمْ يَرْكَبْها تَحَرُّجًا وتَخَوُّرًا مِنهُ؛ رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ، وزادَ حُرِّمَ عَلى النِّساءِ لَحْمُها ولَبَنُها، فَإذا ماتَتْ حَلَّتْ لِلنِّساءِ. وقالَ ابْنُ سِيدَهْ: البَحِيرَةُ هي الَّتِي خُلِّيَتْ بِلا راعٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: البَحِيرَةُ ما نَتَجَتِ السّائِبَةُ مِن أُنْثى، شَقَّ أُذُنَها، وخَلّى سَبِيلَها مَعَ أُمِّها في الفَلا، لَمْ تُرْكَبْ، ولَمْ تُحْلَبْ، كَما فُعِلَ بِأُمِّها. وقالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: هي الَّتِي تُمْنَعُ دَرُّها لِلطَّواغِيتِ، فَلا يَحْلِبُها. وقِيلَ: هي النّاقَةُ إذا ولَدَتْ خَمْسًا أوْ سَبْعًا شَقُّوا أُذُنَها. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إذا نَتَجَتِ النّاقَةُ عَشَرَةَ أبْطُنٍ؛ شَقُّوا أُذُنَها نِصْفَيْنِ طُولًا، فَهي مَبْحُورَةٌ، وتُرِكَتْ تَرْعى، وتَرِدُ الماءَ، ولا يُنْتَفَعُ مِنها بِشَيْءٍ، ويَحْرُمُ لَحْمُها إذا ماتَتْ عَلى النِّساءِ، ويَحِلُّ لِلرِّجالِ. وقِيلَ: البَحِيرَةُ السَّقْبُ إذا وُلِدَ، يَحُزُّوا أُذُنَهُ، وقالُوا اللَّهُمَّ إنْ عاشَ، فَعَفِيٌّ، وإنْ ماتَ فَذَكِيٌّ، فَإذا ماتَ أُكِلَ، ويَظْهَرُ مِنِ اخْتِلافِ هَذِهِ النُّقُولِ أنَّ العَرَبَ كانَتْ تَخْتَلِفُ طَرائِقُها في البَحِيرَةِ فَصارَ لِكُلٍّ مِنها في ذَلِكَ طَرِيقَةٌ وهي كُلُّها ضَلالٌ. السّائِبَةُ فاعِلَةٌ مِن سابَ إذا جَرى عَلى وجْهِ الأرْضِ. يُقالُ سابَ الماءُ وسابَتِ الحَيَّةُ. وقِيلَ: هي السَّيِّبَةُ اسْمُ الفاعِلِ بِمَعْنى المَفْعُولِ، نَحْوَ قَوْلِهِمْ ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] أيْ مَرْضِيَّةٍ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كانَ الرَّجُلُ إذا قَدِمَ مِن سَفَرٍ أوْ نَذَرَ نَذْرًا أوْ شَكَرَ نِعْمَةً، سَيَّبَ بَعِيرًا، فَكانَ بِمَنزِلَةِ البَحِيرَةِ في جَمِيعِ ما حَلُّوا لَها. وقالَ الفَرّاءُ: إذا ولَدَتِ النّاقَةُ عَشَرَةَ أبْطُنٍ إناثٍ سُيِّبَتْ، فَلَمْ تُرْكَبْ، ولَمْ تُحْلَبْ، ولَمْ يُجَزَّ لَها وبَرٌ، ولَمْ يُشْرَبْ لَها لَبَنٌ، إلّا ولَدٌ أوْ ضَيْفٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: السّائِبَةُ هي الَّتِي تُسَيَّبُ لِلْأصْنامِ؛ أيْ تُعْتَقُ. وكانَ الرَّجُلُ يُسَيِّبُ مِن مالِهِ شَيْئًا، فَيَجِيءُ بِهِ إلى السَّدَنَةِ، وهم خَدَمُ آلِهَتِهِمْ، فَيُطْعِمُونَ مِن لَبَنِها لِلسَّبِيلِ. وقالَ الشّافِعِيُّ: كانُوا يُنْذِرُونَ تَسْيِيبَ النّاقَةِ لِيَحُجَّ حَجَّةً عَلَيْها. وقِيلَ: السّائِبَةُ العَبْدُ يُعْتَقُ عَلى أنْ لا يَكُونَ عَلَيْهِ ولاءٌ، ولا عَقْلٌ، ولا مِيراثٌ. الوَصِيلَةُ هي الغَنَمُ، عَلى قَوْلِ الأكْثَرِينَ. رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّها الشّاةُ تُنْتِجُ سَبْعَةَ أبْطُنٍ، فَإنْ كانَ السّابِعُ أُنْثى لَمْ تَنْتَفِعِ النِّساءُ مِنها بِشَيْءٍ، إلّا أنْ تَمُوتَ فَيَأْكُلُها الرِّجالُ والنِّساءُ، وإنْ كانَ ذَكَرًا ونَحْوَهُ، أكَلُوهُ جَمِيعًا. فَإذا كانَ ذَكَرًا وأُنْثى قالُوا: وصَلَتْ أخاها، فَتُتْرَكُ مَعَ أخِيها فَلا تُذْبَحُ، ومَنافِعُها لِلرِّجالِ دُونَ النِّساءِ، فَإذا ماتَتِ اشْتَرَكَ الرِّجالُ والنِّساءُ فِيها. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنْ كانَ السّابِعُ ذَكَرًا ذُبِحَ فَأكَلَ مِنهُ الرِّجالُ دُونَ النِّساءِ. وقالُوا: خالِصَةٌ لِذُكُورِنا، ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا، وإنْ كانَتْ أُنْثى تُرِكَتْ في الغَنَمِ، وإنْ كانَتْ ذَكَرًا وأُنْثى فَكَما في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: هي الشّاةُ تُنْتِجُ عَشَرَةَ أبْطُنٍ مُتَوالِياتٍ في خَمْسَةِ أبْطُنٍ وما ولَدَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَلِلذُّكُورِ دُونَ الإناثِ. وقالَ الفَرّاءُ: هي الشّاةُ تُنْتِجُ سَبْعَةَ أبْطُنٍ عَناقَيْنِ عَناقَيْنِ فَإذا ولَدَتْ في سابِعِها عَناقًا وجِدْيًا، قِيلَ: وصَلَتْ أخاها فَجَرَتْ مَجْرى السّائِبَةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: هي الشّاةُ الَّتِي تَلِدُ أُنْثى فَلَهم، أوْ ذَكَرًا فَلِآلِهَتِهِمْ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: نَحْوَهُ، وزادَ إذا ولَدَتْ ذَكَرًا وأُنْثى مَعًا، قالُوا: وصَلَتْ أخاها فَلَمْ يَذْبَحُوهُ لِمَكانِها. ورَوى الزُّهْرِيُّ عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ أنَّها النّاقَةُ البِكْرُ تَبْتَكِرُ في أوَّلِ النَّتاجِ بِالأُنْثى، ثُمَّ تُثَنِّي بِالأُنْثى، فَيَسْتَقُونَها لِطَواغِيتِهِمْ، ويَقُولُونَ: وصَلَتْ إحْداهُما بِالأُخْرى لَيْسَ بَيْنَهُما ذَكَرٌ. وقِيلَ: هي الشّاةُ تَلِدُ ثَلاثَةَ أبْطُنٍ أوْ خَمْسَةً، فَإنْ كانَ آخِرُها جِدْيًا ذَبَحُوهُ لِآلِهَتِهِمْ أوْ عَناقًا اسْتَحْيَوْها، وقالُوا: هَذِهِ العَناقُ وصَلَتْ أخاها، فَمَنَعَتْهُ مِنَ الذَّبْحِ. الحامِي اسْمُ فاعِلٍ مِن حَمى، وهو الفَحْلُ مِنَ الإبِلِ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ: هو الفَحْلُ يُنْتَجُ مِن صُلْبِهِ عَشَرَةُ أبْطُنٍ، فَيَقُولُونَ قَدْ حَمى ظَهْرَهُ، فَيُسَيِّبُونَهُ لِأصْنامِهِمْ فَلا يُحْمَلُ عَلَيْهِ شَيْءٌ. ورَوى ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ، أنَّهُ الفَحْلُ يُولَدُ لِوَلَدِ ولَدِهِ، وقالَ عَطاءٌ: هو الفَحْلُ يُنْتَجُ مِن صُلْبِهِ عَشَرَةُ أبْطُنٍ، فَيَظْهَرُ مِن بَيْنِ أوْلادِهِ عَشَرَةُ إناثٍ مِن بَناتِهِ، وبَناتِ بَناتِهِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو الَّذِي يُنْتَجُ لَهُ سَبْعُ إناثٍ مُتَوالِياتٍ. وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ عَنِ الشّافِعِيِّ أنَّهُ يَضْرِبُ في إبِلِ الرَّجُلِ عَشْرَ (p-٣٠)سِنِينَ. الحَبْسُ المَنعُ مِنَ التَّصَرُّفِ. يُقالُ حَبَسْتُ أحْبِسُ، واحْتَبَسْتُ فَرَسًا في سَبِيلِ اللَّهِ، فَهو مُحْبَسٌ. وحَبِيسٌ وقَفْتُهُ لِلْغَزْوِ. وعَثَرَ عَلى الرَّجُلِ؛ اطَّلَعَ عَلَيْهِ، مُشْتَقٌّ مِنَ العَثْرَةِ الَّتِي هي الوُقُوعُ، وذَلِكَ أنَّ العاثِرَ إنَّما يَعْثُرُ بِشَيْءٍ كانَ لا يَراهُ، فَلَمّا عَثَرَ بِهِ اطَّلَعَ عَلَيْهِ، ونَظَرَ ما هو، فَلِذَلِكَ قِيلَ: لِكُلِّ مَنِ اطَّلَعَ عَلى أمْرٍ كانَ خَفِيًّا عَلَيْهِ: قَدْ عَثَرَ عَلَيْهِ، ويُقالُ قَدْ عَثَرَ عَلَيْهِ، وقَدْ أعْثَرَ عَلَيْهِ إذا أطْلَعَهُ عَلَيْهِ، ومِنهُ ﴿وكَذَلِكَ أعْثَرْنا عَلَيْهِمْ﴾ [الكهف: ٢١] أيِ أطْلَعْنا. وقالَ اللَّيْثُ: عَثَرَ يَعْثُرُ عُثُورًا هَجَمَ عَلى أمْرٍ لَمْ يَهْجُمْ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وعَثَرَ عَثْرَةً؛ وقَعَ عَلى شَيْءٍ. المائِدَةُ: الخِوانُ الَّذِي عَلَيْهِ طَعامٌ، فَإذا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ طَعامٌ، فَلَيْسَ بِمائِدَةٍ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ: هي فاعِلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولَةٍ، وهي مِنَ العَطاءِ. والمُمْتادُ المَطْلُوبُ مِنهُ العَطاءُ، مادَّهُ أعْطاهُ، وامْتادَّهُ اسْتَعْطاهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: هي فاعِلَةٌ مِن مادَ يَمِيدُ؛ تَحَرَّكَ، فَكَأنَّها تَمِيدُ بِما عَلَيْها. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المائِدَةُ؛ الطَّعامُ، مِن مادَّهُ يُمِيدُهُ أعْطاهُ، كَأنَّها تُمِيدُ الآكِلِينَ؛ أيْ تُطْعِمُهم، وتَكُونُ فاعِلَةً بِمَعْنى مَفْعُولٍ بِها أيْ مِيدَ بِها الآكِلُونَ. وقِيلَ: مِنَ المِيدِ، وهو المَيْلُ، وهَذا قَرِيبٌ مِن قَوْلِ الزَّجّاجِ. ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾ رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ، واللَّفْظُ لِلْبُخارِيِّ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَن أبِي ؟ قالَ: ”أبُوكَ فُلانٌ“، ونَزَلَتِ الآيَةُ. وفي حَدِيثِ أنَسٍ أيْضًا «أنَّ رَجُلًا قالَ: أيْنَ مَدْخَلِي يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: ”النّارُ“» . وإنَّ السّائِلَ مَن أبِي، هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذافَةَ. وفي غَيْرِ حَدِيثِ أنَسٍ «فَقامَ آخَرُ فَقالَ: مَن أبِي ؟ فَقالَ: ”أبُوكَ سالِمٌ مَوْلى شَيْبَةَ“» . وقِيلَ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ سُؤالِهِمْ عَنِ الحَجِّ، «أفِي كُلِّ عامٍ ؟ فَسَكَتَ فَقالَ: أفِي كُلِّ عامٍ ؟ قالَ: ”لا، ولَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ“» . رُوِيَ هَذا عَنْ عَلِيٍّ وأبِي هُرَيْرَةَ وأبِي أُمامَةَ وابْنِ عَبّاسٍ. وقِيلَ: السّائِلُ سُراقَةُ بْنُ مالِكٍ. وقِيلَ: عُكّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ الأسَدِيُّ. وقِيلَ: مِحْصَنٌ. وقِيلَ: رَجُلٌ مِن بَنِي أسَدٍ. وقِيلَ: الأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ. وقالَ الحَسَنُ: سَألُوا عَنْ أُمُورِ الجاهِلِيَّةِ الَّتِي عَفا اللَّهُ عَنْها، ولا وجْهَ لِلسُّؤالِ عَمّا عَفا اللَّهُ عَنْهُ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ، ورَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: سَألُوا عَنِ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ والوَصِيلَةِ والحامِ، ولِذَلِكَ جاءَ ذِكْرُها بَعْدَها. ورُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهم سَألُوا الآياتِ والمُعْجِزاتِ. وذَكَرَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ أنَّها نَزَلَتْ في تَسْهِيمِ الفَرائِضِ. ورُوِيَ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أمْرَ الكَعْبَةِ والهَدْيِ والقَلائِدِ، وأعْلَمَ أنَّ حُرْمَتَها هو تَعالى الَّذِي شَرَعَها، إذْ هي أُمُورٌ قَدِيمَةٌ مِن لَدُنْ إبْراهِيمَ، عَلَيْهِ السَّلامُ، ذَهَبَ ناسٌ مِنَ العَرَبِ إلى السُّؤالِ عَنْ سائِرِ أحْكامِ الجاهِلِيَّةِ، هَلْ تُلْحَقُ بِذَلِكَ أمْ لا ؟ إذْ كانُوا قَدِ اعْتَقَدُوا الجَمِيعَ سُنَّةً، لا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ ما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ، وما هو مِن تِلْقاءِ الشَّيْطانِ. والظّاهِرُ مِنَ الرِّواياتِ أنَّ الأعْرابَ ألَحُّوا عَلَيْهِ بِأنْواعٍ مِنَ السُّؤالاتِ، فَزُجِرُوا عَنْ ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في حُجّاجِ اليَمامَةِ حِينَ أرادَ المُسْلِمُونَ أنْ يُوقِعُوا بِهِمْ فَنُهُوا عَنِ الإيقاعِ بِهِمْ، وإنْ كانُوا مُشْرِكِينَ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها؛ هو أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿ما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ﴾ [المائدة: ٩٩] صارَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما بَلَّغَهُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ، وكُونُوا مُنْقادِينَ لَهُ، وما لَمْ يُبَلِّغْهُ فَلا تَسْألُوا عَنْهُ، ولا تَخُوضُوا فِيهِ، فَرُبَّما جاءَكم بِسَبَبِ الخَوْضِ الفاسِدِ تَكالِيفُ تَشُقُّ عَلَيْكم، قالَهُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ، وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. وقالَ أيْضًا هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ [المائدة: ٩٩] فاتْرُكُوا الأُمُورَ عَلى ظَواهِرِها، ولا تَسْألُوا عَنْ أحْوالٍ مُخْتَلِفَةٍ. والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ وما عُطِفَ عَلَيْها مِنَ الشَّرْطِ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِأشْياءَ، والمَعْنى لا تُكْثِرُوا مَسْألَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى تَسْألُوهُ عَنْ تَكالِيفَ شاقَّةٍ عَلَيْكم، إنْ أفْتى لَكم بِها وكَلَّفَكم إيّاها؛ تَغُمَّكم وتَشُقَّ عَلَيْكم وتَنْدَمُوا عَلى السُّؤالِ عَنْها، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وبَناهُ عَلى ما نُقِلَ في سَبَبِ النُّزُولِ؛ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الحَجِّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿إنْ تُبْدَ لَكُمْ﴾ بِالتّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ الشَّعْبِيُّ بِالياءِ مَفْتُوحَةً مِن أسْفَلَ، وضَمِّ الدّالِ (يَسُؤْكم) بِالياءِ فِيهِما مَضْمُومَةً في الأوَّلِ، ومَفْتُوحَةً في الثّانِي. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والتَّحْرِيرُ أنْ يُبْدِها اللَّهُ (p-٣١)تَعالى. ﴿وإنْ تَسْألُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ في ضِمْنِ الإخْبارِ عَنْها مَساءَةٌ لَكم، إمّا لِتَكْلِيفٍ شَرْعِيٍّ يَلْزَمُكم، وإمّا لِخَبَرٍ يَسُوءُكم، مِثْلُ الَّذِي قالَ مَن أبِي ؟ ولَكِنْ إذا نَزَلَ القُرْآنُ بِشَيْءٍ، وابْتَدَأكم رَبُّكم بِأمْرٍ، فَحِينَئِذٍ إنْ سَألْتُمْ عَنْ بَيانِهِ، بَيَّنَ لَكم وأبْدى. انْتَهى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فالضَّمِيرُ في قَوْلِهِ (عَنْها) عائِدٌ عَلى نَوْعِها، لا عَلى الأوَّلِ الَّتِي نَهى عَنِ السُّؤالِ عَنْها. قالَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَعْنى الوَعِيدِ، كَأنَّهُ قالَ لا تَسْألُوا، وإنْ سَألْتُمْ، لَقِيتُمْ غِبَّ ذَلِكَ، وصُعُوبَتَهُ؛ لِأنَّكم تَكَلَّفُونَ، وتَسْتَعْجِلُونَ ما يَسُوءُكم، كالَّذِي قِيلَ لَهُ: إنَّهُ في النّارِ انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وإنْ تَسْألُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ﴾ أيْ عَنْ هَذِهِ التَّكالِيفِ الصَّعْبَةِ في زَمانِ الوَحْيِ، وهو ما دامَ الرَّسُولُ بَيْنَ أظْهُرِكم يُوحى إلَيْهِ ﴿تُبْدَ لَكُمْ﴾ تِلْكَ التَّكالِيفُ (الَّتِي تَسُوءُكم) وتُؤْمَرُوا بِتَحَمُّلِها فَتُعَرِّضُوا أنْفُسَكم لِغَضَبِ اللَّهِ بِالتَّفْرِيطِ فِيها. انْتَهى. وعَلى هَذا يَكُونُ الضَّمِيرُ في (عَنْها) عائِدًا عَلى أشْياءَ نَفْسِها، لا عَلى نَوْعِها. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهم نُهُوا عَنِ السُّؤالِ عَنْ أشْياءَ وُصِفَتْ بِوَصْفَيْنِ: أحَدُهُما؛ أنَّها إنْ سَألُوا عَنْها، أُبْدِيَتْ لَهم وقْتَ نُزُولِ القُرْآنِ، فَيَكُونُ (حِينَ) ظَرْفًا لِقَوْلِهِ ﴿تُبْدَ لَكُمْ﴾، لا لِقَوْلِهِ ﴿وإنْ تَسْألُوا عَنْها﴾، والوَصْفُ الثّانِي أنَّها إنْ أُبْدِيَتْ لَهم ساءَتْهم. وهَذا الوَصْفُ وإنْ تَقَدَّمَ مُرَتَّبٌ عَلى الوَصْفِ المُتَأخِّرِ، وإنَّما تَقَدَّمَ لِأنَّهُ أرْدَعُ لَهم عَنِ المَسْألَةِ عَنْ تِلْكَ الأشْياءِ أنْ يَسْألُوا عَنْها؛ لِأنَّهم إذا أُخْبِرُوا أنَّهم تَسُوءُهم تِلْكَ المَسْألَةُ إذا أُبْدِيَتْ، كانَتْ أنْفَرَ عَنْ أنْ يَسْألُوا بَعْدُ. فَلَمّا كانَ هَذا الوَصْفُ أزْجَرَ عَنِ السُّؤالِ، قُدِّمَ وتَأخَّرَ الوَصْفُ في الذِّكْرِ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ زَجْرٌ ولا رَدْعٌ، واتُّكِلَ في ذَلِكَ عَلى فَهْمِ المَعْنى، مَعَ أنَّ عَطْفَ الوَصْفِ الثّانِي بِالواوِ، يَقْتَضِي التَّشْرِيكَ فَقَطْ دُونَ التَّرْتِيبِ. ولا يَدُلُّ قَوْلُهُ وإنْ تَسْألُوا عَنْها عَلى جَوازِ السُّؤالِ، كَما زَعَمَ بَعْضُهم فَقالَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى أشْياءَ، فَكَيْفَ يَفْعَلُ أشْياءَ بِأعْيانِها أنْ يَكُونَ السُّؤالُ عَنْها مَمْنُوعًا وجائِزًا مَعًا ؟ وأجابَ بِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما؛ أنْ يَكُونَ مَمْنُوعًا قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ، مَأْمُورًا بِهِ بَعْدَ نُزُولِهِ، الثّانِي أنَّهُما، وإنْ كانا غَيْرَ مُخْتَلِفَيْنِ إلّا أنَّهُما في كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مَسْئُولًا عَنْهُ شَيْءٌ واحِدٌ، فَلِهَذا الوَجْهِ حَسُنَ اتِّحادُ الضَّمِيرِ انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِجَوابٍ ثانٍ؛ لِأنَّهُ فَرَضَ أنَّ تِلْكَ الأشْياءَ بِأعْيانِها السُّؤالُ عَنْها مَمْنُوعٌ وجائِزٌ، وإذا كانا نَوْعَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، فَلَيْسَتِ الأشْياءُ بِأعْيانِها. وجُمْلَةُ الشَّرْطِ كَما ذَكَرْناهُ، لا تَدُلُّ عَلى الجَوازِ، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ لا تَزْنِ ؟ وإنْ زَنَيْتَ حُدِدْتَ ؟ فَقَوْلُهُ: وإنْ زَنَيْتَ حُدِدْتَ، لا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى الجَوازِ، بَلْ جُمْلَةُ الشَّرْطِ لا تَدُلُّ عَلى الوُقُوعِ، بَلْ لا تَدُلُّ عَلى الإمْكانِ، إذْ قَدْ يَقَعُ التَّعْلِيقُ بَيْنَ المُسْتَحِيلَيْنِ، كَقَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] . ﴿عَفا اللَّهُ عَنْها﴾ ظاهِرُهُ أنَّهُ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى. وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّها في مَوْضِعِ جَرِّ صِفَةٍ لِأشْياءَ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ مَعْفُوٍّ عَنْها، ويَكُونُ مَعْنى عَفا؛ أيْ تَرَكَ لَكُمُ التَّكْلِيفَ فِيها والمَشَقَّةَ عَلَيْكم بِها؛ لِقَوْلِهِ إنَّ اللَّهَ قَدْ عَفا لَكم عَنْ صَدَقَةِ الخَيْلِ، وهو القَوْلُ الأوَّلُ، وهو الِاسْتِئْنافُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى هَذا؛ أيْ تَرَكَها اللَّهُ، ولَمْ يُعَرِّفْكم بِها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهُ تَجاوَزَ عَنِ ارْتِكابِكم تِلْكَ السُّؤالاتِ، ولَمْ يُؤاخِذْكم بِها، ويَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ ولِذَلِكَ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَفا اللَّهُ عَنْكم ما سَلَفَ عَنْ (p-٣٢)مَسْألَتِكم، فَلا تَعُودُوا إلى مِثْلِها. ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٤] لا يُؤاخِذُكم بِما يَفْرُطُ مِنكم بِعُقُوبَتِهِ. خَرَّجَ الدّارَقُطْنِيُّ عَنْ أبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى فَرَضَ فَرائِضَ فَلا تُضَيِّعُوها، وحَرَّمَ حُرُماتٍ فَلا تَنْتَهِكُوها، وحَدَّ حُدُودًا فَلا تَعْتَدُوها، وسَكَتَ عَنْ أشْياءَ مِن غَيْرِ نِسْيانٍ فَلا تَبْحَثُوا عَنْها» . ورَوى أبُو سَلَمَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قالَ: «إنَّ أعْظَمَ النّاسِ جُرْمًا؛ مَن سَألَ عَنْ مَسْألَةٍ لَمْ تَكُنْ حَرامًا، فَحُرِّمَتْ مِن أجْلِ مَسْألَتِهِ» . ﴿قَدْ سَألَها قَوْمٌ مِن قَبْلِكم ثُمَّ أصْبَحُوا بِها كافِرِينَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (سَألَها) عائِدٌ عَلى أشْياءَ. وقالَ الحَوْفِيُّ: ولا يَتَّجِهُ حَمْلُهُ عَلى الظّاهِرِ، لا مِن جِهَةِ اللَّفْظِ العَرَبِيِّ، ولا مِن جِهَةِ المَعْنى. أمّا مِن جِهَةِ اللَّفْظِ، فَكانَ يُعَدّى بِعَنْ فَكانَ قَدْ سَألَ عَنْها، كَما قالَ ﴿لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾ فَعُدِّيَ بِعَنْ، وأمّا مِن جِهَةِ المَعْنى؛ فَلِأنَّ المَسْئُولَ عَنْهُ مُخْتَلِفٌ قَطْعًا فِيهِما؛ لِأنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ الَّذِي هو مِثْلُ سُؤالِ مَن سَألَ أيْنَ مَدْخَلِي ؟ ومَن أبِي ؟ ومَن سَألَ عَنِ الحَجِّ، وأيْنَ ناقَتِي ؟ وما في بَطْنِ ناقَتِي ؟ غَيْرُ سُؤالِ القَوْمِ الَّذِينَ تَقَدَّمُوا، فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الضَّمِيرُ في (سَألَها) لَيْسَ بِراجِعٍ إلى أشْياءَ حَتّى يَجِبَ تَعْدِيَتُهُ بِعَنْ، وإنَّما هو راجِعٌ إلى المَسْألَةِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها ﴿لا تَسْألُوا﴾، يَعْنِي قَدْ سَألَ هَذِهِ المَسْألَةَ قَوْمٌ مِنَ الأوَّلِينَ، ثُمَّ أصْبَحُوا؛ أيْ بِمَرْجُوعِها كافِرِينَ. وذَلِكَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا يَسْتَفْتُونَ أنْبِياءَهم عَنْ أشْياءَ، فَإذا أُمِرُوا بِها تَرَكُوها، فَهَلَكُوا انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: نَحْوًا مِن قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ قالَ: ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ؛ أنَّ هَذِهِ السُّؤالاتِ الَّتِي هي تَعَنُّتاتٌ وطَلَبٌ شَطَطٌ واقْتِراحاتٌ ومُباحَثاتٌ، قَدْ سَألَها قَبْلَكُمُ الأُمَمُ ثُمَّ كَفَرُوا بِها انْتَهى. ولا يَسْتَقِيمُ ما قالاهُ إلّا عَلى حَذْفِ مُضافٍ، وقَدْ صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، فَقالَ قَدْ سَألَ أمْثالَها؛ أيْ أمْثالَ هَذِهِ المَسْألَةِ، أوْ أمْثالَ هَذِهِ السُّؤالاتِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ سَألَها، بِفَتْحِ السِّينِ والهَمْزَةِ، وقَرَأ النَّخَعِيُّ، بِكَسْرِ السِّينِ مِن غَيْرِ هَمْزِ، يَعْنِي بِالكَسْرِ والإمالَةِ، وجَعَلَ الفِعْلَ مِن مادَّةِ سِينٍ وواوٍ ولامٍ، لا مِن مادَّةِ سِينٍ وهَمْزَةٍ ولامٍ، وهُما لُغَتانِ ذَكَرَهُما سِيبَوَيْهِ. ومِن كَلامِ العَرَبِ؛ هُما يَتَساوَلانِ، بِالواوِ وإمالَةُ. النَّخَعِيِّ (سَألَ) مِثْلُ إمالَةِ حَمْزَةَ خافَ والقَوْمَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم قَوْمُ عِيسى، سَألُوا المائِدَةَ، ثُمَّ كَفَرُوا بِها بَعْدَ أنْ شَرَطَ عَلَيْهِمُ العَذابَ الَّذِي لا يُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ أيْضًا: هم قَوْمُ مُوسى، سَألُوا في ذَبْحِ البَقَرَةِ وشَأْنِها. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ أيْضًا: هُمُ الَّذِينَ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهم ﴿ابْعَثْ لَنا مَلِكًا نُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٦] . وقِيلَ: قَوْمُ مُوسى، سَألُوا أنْ يُرِيَهُمُ اللَّهَ جَهْرَةً، فَصارَ ذَلِكَ وبالًا عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: قَوْمُ صالِحٍ، سَألُوا النّاقَةَ، ثُمَّ عَقَرُوها بَعْدَ أنْ دَخَلُوا عَلى الِاشْتِراطِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] وبَعْدَ اشْتِراطِ العَذابِ عَلَيْهِمْ إنْ مَسُّوها بِسُوءٍ. وقالَ مُقاتِلٌ: كانَ بَنُو إسْرائِيلَ يَسْألُونَ أنْبِياءَهم عَنْ أشْياءَ، فَإذا أخْبَرُوهم بِها، تَرَكُوا قَوْلَهم ولَمْ يُصَدِّقُوهم، فَأصْبَحُوا بِتِلْكَ الأشْياءِ كافِرِينَ. وقالَ السُّدِّيُّ: كَقُرَيْشٍ في سُؤالِهِمْ أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُمُ الصَّفا ذَهَبًا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّما يَتَّجِهُ في قُرَيْشٍ مِثالُ سُؤالِهِمْ آيَةً، فَلَمّا شُقَّ القَمَرُ كَفَرُوا. انْتَهى. وقالَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ: القَوْمُ قُرَيْشٌ، سَألُوا أُمُورًا مُمْتَنِعَةً كَما أخْبَرَ تَعالى ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠]، وهَذا لا يَسْتَقِيمُ إلّا إنْ أُرِيدَ بِمَن قَبْلَهم آباؤُهُمُ الَّذِينَ ماتُوا في ابْتِداءِ التَّنْزِيلِ. قالَ أبُو البَقاءِ العُكْبَرِيُّ ﴿مِن قَبْلِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٩] مُتَعَلِّقُ سَألَها، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِقَوْمٍ، ولا حالًا؛ لِأنَّ ظَرْفَ الزَّمانِ لا يَكُونُ صِفَةً لِلْجَنَّةِ، ولا حالًا مِنها، ولا خَبَرًا عَنْها. انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ صَحِيحٌ في ظَرْفِ الزَّمانِ المُجَرَّدِ مِنَ الوَصْفِ، أمّا إذا وُصِفَ، فَذَكَرُوا أنَّهُ يَكُونُ خَبَرًا، تَقُولُ: نَحْنُ في يَوْمٍ طَيِّبٍ. وأمّا قَبْلُ وبَعْدُ، فالحَقِيقَةُ أنَّهُما وصْفانِ في الأصْلِ، فَإذا قُلْتَ: جاءَ زَيْدٌ قَبْلَ عَمْرٍو، فالمَعْنى جاءَ زَيْدٌ زَمانًا؛ أيْ في زَمانٍ مُتَقَدِّمٍ عَلى زَمانِ مَجِيءِ عَمْرٍو، ولِذَلِكَ صَحَّ أنْ يَقَعَ صِلَةً لِلْمَوْصُولِ، ولَمْ يُلْحَظْ فِيهِ الوَصْفُ وإنْ كانَ ظَرْفَ زَمانٍ مُجَرَّدًا، لَمْ يَجُزْ أنْ يَقَعَ صِلَةً (p-٣٣)قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١] ولا يَجُوزُ والَّذِينَ اليَوْمَ، وقَدْ تَكَلَّمْنا عَلى هَذا في أوَّلِ البَقَرَةِ، ومَعْنى ﴿ثُمَّ أصْبَحُوا﴾ ثُمَّ صارُوا، ولا يُرادُ أنَّ كُفْرَهم مُقَيَّدٌ بِالصَّباحِ. ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ ولا سائِبَةٍ ولا وصِيلَةٍ ولا حامٍ﴾ . مُناسَبَةُ هَذِهِ لِما قَبْلَها؛ أنَّهُ تَعالى لَمّا نَهى عَنْ سُؤالِ ما لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ ولا كَلَّفَهم إيّاهُ، مَنَعَ مِنَ التِزامِ أُمُورٍ لَيْسَتْ مَشْرُوعَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى، ولَمّا سَألَ قَوْمٌ عَنْ هَذِهِ الأحْكامِ الَّتِي كانَتْ في الجاهِلِيَّةِ، هَلْ تُلْحَقُ بِأحْكامِ الكَعْبَةِ ؟ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لَمْ يَشْرَعْ شَيْئًا مِنها، أوْ لَمّا ذَكَرَ المُحَلَّلاتِ والمُحَرَّماتِ في الشَّرْعِ، عادَ إلى الكَلامِ في المُحَلَّلاتِ والمُحَرَّماتِ مِن غَيْرِ شَرْعٍ. وفي حَدِيثٍ رُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «أنَّ أوَّلَ مَن غَيَّرَ دِينَ إسْماعِيل عَمْرُو بْنُ لُحَيِّ بْنِ قَمَعَةَ بْنِ خِنْدِفَ، نَصَبَ الأوْثانَ، وسَيَّبَ السّائِبَةَ، وبَحَّرَ البَحِيرَةَ، وحَمى الحامِيَ» . ورَآهُ رَسُولُ اللَّهِ يَجُرُّ قُصْبَهُ في النّارِ. ورُوِيَ أنَّهُ كانَ مَلِكَ مَكَّةَ. ورَوى زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «قَدْ عَرَفْتُ أوَّلَ مَن بَحَّرَ البَحِيرَةَ؛ هو رَجُلٌ مِن مُدْلِجٍ، كانَتْ لَهُ ناقَتانِ، فَجَدَعَ آذانَهُما، وحَرَّمَ ألْبانَهُما ورُكُوبَ ظُهُورِهِما، قالَ: فَلَقَدْ رَأيْتُهُ في النّارِ يُؤْذِي أهْلَ النّارِ رِيحُ قُصْبِهِ» . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ﴾ ما شَرَعَ ذَلِكَ، ولا أمَرَ بِالتَّبْحِيرِ والتَّسْيِيبِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (وجَعَلَ) في هَذِهِ الآيَةِ لا يَتَّجِهُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى خَلَقَ اللَّهُ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ هَذِهِ الأشْياءَ كُلَّها، ولا هي بِمَعْنى صَيَّرَ؛ لِعَدَمِ المَفْعُولِ الثّانِي، وإنَّما هي بِمَعْنى ما سَنَّ، ولا شَرَعَ. ولَمْ يَذْكُرِ النَّحْوِيُّونَ في مَعانِي جَعَلَ شَرَعَ، بَلْ ذَكَرُوا أنَّها تَأْتِي بِمَعْنى خَلَقَ، وبِمَعْنى ألْقى، وبِمَعْنى صَيَّرَ، وبِمَعْنى الأخْذِ في الفِعْلِ، فَتَكُونُ مِن أفْعالِ المُقارَبَةِ. وذَكَرَ بَعْضُهم بِمَعْنى سَمّى، وقَدْ جاءَ حَذْفُ أحَدِ مَفْعُولَيْ ظَنَّ وأخَواتِها، إلّا أنَّهُ قَلِيلٌ، والحَمْلُ عَلى ما سُمِعَ أوْلى مِن إثْباتِ مَعْنًى لَمْ يَثْبُتْ في لِسانِ العَرَبِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفًا؛ أيْ ما صَيَّرَ اللَّهُ بَحِيرَةً ولا سائِبَةً ولا وصِيلَةً ولا حامِيًا مَشْرُوعَةً، بَلْ هي مِن شَرْعِ غَيْرِ اللَّهِ ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ﴾ [النحل: ٥] خَلَقَها اللَّهُ تَعالى رِفْقًا لِعِبادِهِ، ونِعْمَةً (p-٣٤)عَدَّدَها عَلَيْهِمْ، ومَنفَعَةً بالِغَةً. وأهْلُ الجاهِلِيَّةِ قَطَعُوا طَرِيقَ الِانْتِفاعِ بِها، وإذْهابَ نِعْمَةِ اللَّهِ بِها، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ: لا تَجُوزُ الأحْباسُ والأوْقافُ، وقاسُوا عَلى البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ، والفَرْقُ بَيِّنٌ. ولَوْ عَمَدَ رَجُلٌ إلى ضَيْعَةٍ لَهُ فَقالَ: هَذِهِ تَكُونُ حَبْسًا، لا تُجْتَنى ثَمَرَتُها، ولا تُزْرَعُ أرْضُها، ولا يُنْتَفَعُ مِنها بِنَفْعٍ، لَجازَ أنْ يُشَبَّهَ هَذا بِالبَحِيرَةِ والسّائِبَةِ. وأمّا الحَبْسُ المُتَعَيِّنُ طَرِيقُهُ واسْتِمْرارُ الِانْتِفاعِ بِهِ، فَلَيْسَ مِن هَذا، وحَسْبُكَ بِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ في مالٍ لَهُ: " اجْعَلْهُ حَبْسًا لا يُباعُ أصْلُهُ. وحَبَسَ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ انْتَهى. ﴿ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِتَحْرِيمِ ما حَرَّمُوا. ﴿وأكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ فَلا يَنْسُبُوا التَّحْرِيمَ حَتّى يَفْتَرُوا، ولَكِنَّهم يُقَلِّدُونَ في تَحْرِيمِها كِبارَهُمُ انْتَهى. نَصَّ الشَّعْبِيُّ وغَيْرُهُ؛ أنَّ المُفْتَرِينَ هُمُ المُبْتَدِعُونَ، وأنَّ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ هُمُ الأتْباعُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يُرِيدُ عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ وأصْحابَهُ. وقِيلَ: في ﴿لا يَعْقِلُونَ﴾ أيِ الحَلالَ مِنَ الحَرامِ. وقالَ قَتادَةُ: ﴿لا يَعْقِلُونَ﴾ أنَّ هَذا التَّحْرِيمَ مِنَ الشَّيْطانِ، لا مِنَ اللَّهِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هُنا هم أهْلُ الكِتابِ. والَّذِينَ ﴿لا يَعْقِلُونَ﴾ هم أهْلُ الأوْثانِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا تَفْسِيرٌ مِنِ انْتِزاعِ آخِرِ الآيَةِ عَمّا تَقَدَّمَها، وارْتَبَطَ بِها مِنَ المَعْنى، وعَمّا أخْبَرَ أيْضًا مِن قَوْلِهِ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمْ﴾ [المائدة: ١٠٤] انْتَهى. وقالَ مَكِّيٌّ: ذِكْرُ أهْلِ الكِتابِ هُنا، لا مَعْنى لَهُ، إذْ لَيْسَ في هَذا صُنْعٌ ولا شِبْهٌ، وإنَّما ذُكِرَ ذَلِكَ عَنْ مُشْرِكِي العَرَبِ، فَهُمُ الَّذِينَ عُنُوا بِذَلِكَ.

المائدة 5:103

﴿يا أيُّها الَّذِينَ (p-٢٨)آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكم وإنْ تَسْألُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكم عَفا اللَّهُ عَنْها واللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ ﴿قَدْ سَألَها قَوْمٌ مِن قَبْلِكم ثُمَّ أصْبَحُوا بِها كافِرِينَ﴾ ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ ولا سائِبَةٍ ولا وصِيلَةٍ ولا حامٍ ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وأكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾ [المائدة: ١٠٤] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٥] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكم إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِن بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إنّا إذًا لَمِنَ الآثِمِينَ﴾ [المائدة: ١٠٦] ﴿فَإنْ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما وما اعْتَدَيْنا إنّا إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ [المائدة: ١٠٧] ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ واتَّقُوا اللَّهَ واسْمَعُوا واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ [المائدة: ١٠٨] ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إنَّكَ أنْتَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١٠٩] ﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعَلى والِدَتِكَ إذْ أيَّدْتُكَ بِرُوحِ القُدُسِ تُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلًا وإذْ عَلَّمْتُكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِي وتُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ بِإذْنِي وإذْ تُخْرِجُ المَوْتى بِإذْنِي وإذْ كَفَفْتُ بَنِي إسْرائِيلَ عَنْكَ إذْ جِئْتَهم بِالبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١١٠] ﴿وإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ أنْ آمِنُوا بِي وبِرَسُولِي قالُوا آمَنّا واشْهَدْ بِأنَّنا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: ١١١] ﴿إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ١١٢] ﴿قالُوا نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها وتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا ونَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا ونَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ١١٣] ﴿قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيدًا لِأوَّلِنا وآخِرِنا وآيَةً مِنكَ وارْزُقْنا وأنْتَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ [المائدة: ١١٤] (أشْياءَ) مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ أنَّها لَفْعاءُ مَقْلُوبَةٌ مِن فَعْلاءَ، والأصْلُ شَيْئًا مِن مادَّةِ شَيْءٍ، وهو اسْمُ جَمْعٍ كَطُرَفاءَ وحُلَفاءَ. ومَذْهَبُ غَيْرِهِما أنَّها جَمْعٌ. واخْتَلَفُوا فَقالَ الكِسائِيُّ وأبُو حاتِمٍ: هو جَمْعُ شَيْءٍ، كَبَيْتٍ وأبْياتٍ. وقالَ الكِسائِيُّ: لَمْ تَنْصَرِفْ أشْياءُ، لِشِبْهِ آخِرِها بِآخِرِ حَمْراءَ، ولِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِها. والعَرَبُ تَقُولُ أشْياوانِ كَما تَقُولُ حَمْراوانِ. ذَهَبَ الفَرّاءُ والأخْفَشُ إلى أنَّها جَمْعٌ عَلى وزْنِ أفْعَلاءَ. قالَ الفَرّاءُ شَيٌ مُخَفَّفٌ مِن شَيْءٍ، كَما قالُوا هُونًا في جَمْعِ هَيْنٍ، المُخَفَّفِ مِن هَيِّنٍ. وقالَ الأخْفَشُ: لَيْسَ مُخَفَّفًا مِن شَيْءٍ، بَلْ هو فَعْلٌ جُمِعَ عَلى أفَعْلاءَ، فاجْتَمَعَ في هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ هَمْزَتانِ، لامُ الكَلِمَةِ، وهَمْزَةُ التَّأْنِيثِ، فَقُلِبَتِ الهَمْزَةُ الَّتِي هي لامُ الكَلِمَةِ ياءً؛ لِانْكِسارِ ما قَبْلَها، ثُمَّ حُذِفَتِ الياءُ الَّتِي هي عَيْنُ الكَلِمَةِ؛ اسْتِخْفافًا. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ وزْنَ شَيْءٍ في الأصْلِ شَيِيءٌ، كَصَدِيقٍ وأصْدِقاءَ، ثُمَّ حُذِفَتِ الهَمْزَةُ الأُولى، وفُتِحَتْ ياءُ المَدِّ؛ لِكَوْنِ ما بَعْدَها ألِفًا. قالَ ووَزْنُها في هَذا القَوْلِ إلى أفْياءَ، وفي القَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ أفْلاءُ. وتَقْرِيرُ هَذِهِ المَذاهِبِ صِحَّةً وإبْطالًا، مَذْكُورٌ في عِلْمِ التَّصْرِيفِ. البَحِيرَةُ فَعِيلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولَةٍ كالنَّطِيحَةِ بِمَعْنى المَنطُوحَةِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي النّاقَةُ إذا نَتَجَتْ خَمْسَةَ أبْطُنٍ، في آخِرِها ذَكَرٌ، شَقُّوا أُذُنَها، وخَلَّوْا سَبِيلَها، لا تُرْكَبُ، ولا تُحْلَبُ، ولا تُطْرَدُ عَنْ ماءٍ ولا مَرْعًى ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ إلّا أنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ عَنْهُ آخِرُها ذَكَرٌ. وقالَ قَتادَةُ، ويُنْظَرُ في الخامِسِ، فَإذا كانَ ذَكَرًا، ذَبَحُوهُ وأكَلُوهُ، وإنْ كانَتْ أُنْثى شَقُّوا أُذُنَ الأُنْثى، وقالُوا هي بَحِيرَةٌ فَلَمْ تُرْكَبْ، ولَمْ تُطْرَدْ عَنْ (p-٢٩)ماءٍ ولا مَرْعًى، وإذا لَقِيَها ألْمَعِيٌّ، لَمْ يَرْكَبْها تَحَرُّجًا وتَخَوُّرًا مِنهُ؛ رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ، وزادَ حُرِّمَ عَلى النِّساءِ لَحْمُها ولَبَنُها، فَإذا ماتَتْ حَلَّتْ لِلنِّساءِ. وقالَ ابْنُ سِيدَهْ: البَحِيرَةُ هي الَّتِي خُلِّيَتْ بِلا راعٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: البَحِيرَةُ ما نَتَجَتِ السّائِبَةُ مِن أُنْثى، شَقَّ أُذُنَها، وخَلّى سَبِيلَها مَعَ أُمِّها في الفَلا، لَمْ تُرْكَبْ، ولَمْ تُحْلَبْ، كَما فُعِلَ بِأُمِّها. وقالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: هي الَّتِي تُمْنَعُ دَرُّها لِلطَّواغِيتِ، فَلا يَحْلِبُها. وقِيلَ: هي النّاقَةُ إذا ولَدَتْ خَمْسًا أوْ سَبْعًا شَقُّوا أُذُنَها. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إذا نَتَجَتِ النّاقَةُ عَشَرَةَ أبْطُنٍ؛ شَقُّوا أُذُنَها نِصْفَيْنِ طُولًا، فَهي مَبْحُورَةٌ، وتُرِكَتْ تَرْعى، وتَرِدُ الماءَ، ولا يُنْتَفَعُ مِنها بِشَيْءٍ، ويَحْرُمُ لَحْمُها إذا ماتَتْ عَلى النِّساءِ، ويَحِلُّ لِلرِّجالِ. وقِيلَ: البَحِيرَةُ السَّقْبُ إذا وُلِدَ، يَحُزُّوا أُذُنَهُ، وقالُوا اللَّهُمَّ إنْ عاشَ، فَعَفِيٌّ، وإنْ ماتَ فَذَكِيٌّ، فَإذا ماتَ أُكِلَ، ويَظْهَرُ مِنِ اخْتِلافِ هَذِهِ النُّقُولِ أنَّ العَرَبَ كانَتْ تَخْتَلِفُ طَرائِقُها في البَحِيرَةِ فَصارَ لِكُلٍّ مِنها في ذَلِكَ طَرِيقَةٌ وهي كُلُّها ضَلالٌ. السّائِبَةُ فاعِلَةٌ مِن سابَ إذا جَرى عَلى وجْهِ الأرْضِ. يُقالُ سابَ الماءُ وسابَتِ الحَيَّةُ. وقِيلَ: هي السَّيِّبَةُ اسْمُ الفاعِلِ بِمَعْنى المَفْعُولِ، نَحْوَ قَوْلِهِمْ ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] أيْ مَرْضِيَّةٍ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كانَ الرَّجُلُ إذا قَدِمَ مِن سَفَرٍ أوْ نَذَرَ نَذْرًا أوْ شَكَرَ نِعْمَةً، سَيَّبَ بَعِيرًا، فَكانَ بِمَنزِلَةِ البَحِيرَةِ في جَمِيعِ ما حَلُّوا لَها. وقالَ الفَرّاءُ: إذا ولَدَتِ النّاقَةُ عَشَرَةَ أبْطُنٍ إناثٍ سُيِّبَتْ، فَلَمْ تُرْكَبْ، ولَمْ تُحْلَبْ، ولَمْ يُجَزَّ لَها وبَرٌ، ولَمْ يُشْرَبْ لَها لَبَنٌ، إلّا ولَدٌ أوْ ضَيْفٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: السّائِبَةُ هي الَّتِي تُسَيَّبُ لِلْأصْنامِ؛ أيْ تُعْتَقُ. وكانَ الرَّجُلُ يُسَيِّبُ مِن مالِهِ شَيْئًا، فَيَجِيءُ بِهِ إلى السَّدَنَةِ، وهم خَدَمُ آلِهَتِهِمْ، فَيُطْعِمُونَ مِن لَبَنِها لِلسَّبِيلِ. وقالَ الشّافِعِيُّ: كانُوا يُنْذِرُونَ تَسْيِيبَ النّاقَةِ لِيَحُجَّ حَجَّةً عَلَيْها. وقِيلَ: السّائِبَةُ العَبْدُ يُعْتَقُ عَلى أنْ لا يَكُونَ عَلَيْهِ ولاءٌ، ولا عَقْلٌ، ولا مِيراثٌ. الوَصِيلَةُ هي الغَنَمُ، عَلى قَوْلِ الأكْثَرِينَ. رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّها الشّاةُ تُنْتِجُ سَبْعَةَ أبْطُنٍ، فَإنْ كانَ السّابِعُ أُنْثى لَمْ تَنْتَفِعِ النِّساءُ مِنها بِشَيْءٍ، إلّا أنْ تَمُوتَ فَيَأْكُلُها الرِّجالُ والنِّساءُ، وإنْ كانَ ذَكَرًا ونَحْوَهُ، أكَلُوهُ جَمِيعًا. فَإذا كانَ ذَكَرًا وأُنْثى قالُوا: وصَلَتْ أخاها، فَتُتْرَكُ مَعَ أخِيها فَلا تُذْبَحُ، ومَنافِعُها لِلرِّجالِ دُونَ النِّساءِ، فَإذا ماتَتِ اشْتَرَكَ الرِّجالُ والنِّساءُ فِيها. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنْ كانَ السّابِعُ ذَكَرًا ذُبِحَ فَأكَلَ مِنهُ الرِّجالُ دُونَ النِّساءِ. وقالُوا: خالِصَةٌ لِذُكُورِنا، ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا، وإنْ كانَتْ أُنْثى تُرِكَتْ في الغَنَمِ، وإنْ كانَتْ ذَكَرًا وأُنْثى فَكَما في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: هي الشّاةُ تُنْتِجُ عَشَرَةَ أبْطُنٍ مُتَوالِياتٍ في خَمْسَةِ أبْطُنٍ وما ولَدَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَلِلذُّكُورِ دُونَ الإناثِ. وقالَ الفَرّاءُ: هي الشّاةُ تُنْتِجُ سَبْعَةَ أبْطُنٍ عَناقَيْنِ عَناقَيْنِ فَإذا ولَدَتْ في سابِعِها عَناقًا وجِدْيًا، قِيلَ: وصَلَتْ أخاها فَجَرَتْ مَجْرى السّائِبَةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: هي الشّاةُ الَّتِي تَلِدُ أُنْثى فَلَهم، أوْ ذَكَرًا فَلِآلِهَتِهِمْ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: نَحْوَهُ، وزادَ إذا ولَدَتْ ذَكَرًا وأُنْثى مَعًا، قالُوا: وصَلَتْ أخاها فَلَمْ يَذْبَحُوهُ لِمَكانِها. ورَوى الزُّهْرِيُّ عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ أنَّها النّاقَةُ البِكْرُ تَبْتَكِرُ في أوَّلِ النَّتاجِ بِالأُنْثى، ثُمَّ تُثَنِّي بِالأُنْثى، فَيَسْتَقُونَها لِطَواغِيتِهِمْ، ويَقُولُونَ: وصَلَتْ إحْداهُما بِالأُخْرى لَيْسَ بَيْنَهُما ذَكَرٌ. وقِيلَ: هي الشّاةُ تَلِدُ ثَلاثَةَ أبْطُنٍ أوْ خَمْسَةً، فَإنْ كانَ آخِرُها جِدْيًا ذَبَحُوهُ لِآلِهَتِهِمْ أوْ عَناقًا اسْتَحْيَوْها، وقالُوا: هَذِهِ العَناقُ وصَلَتْ أخاها، فَمَنَعَتْهُ مِنَ الذَّبْحِ. الحامِي اسْمُ فاعِلٍ مِن حَمى، وهو الفَحْلُ مِنَ الإبِلِ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ: هو الفَحْلُ يُنْتَجُ مِن صُلْبِهِ عَشَرَةُ أبْطُنٍ، فَيَقُولُونَ قَدْ حَمى ظَهْرَهُ، فَيُسَيِّبُونَهُ لِأصْنامِهِمْ فَلا يُحْمَلُ عَلَيْهِ شَيْءٌ. ورَوى ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ، أنَّهُ الفَحْلُ يُولَدُ لِوَلَدِ ولَدِهِ، وقالَ عَطاءٌ: هو الفَحْلُ يُنْتَجُ مِن صُلْبِهِ عَشَرَةُ أبْطُنٍ، فَيَظْهَرُ مِن بَيْنِ أوْلادِهِ عَشَرَةُ إناثٍ مِن بَناتِهِ، وبَناتِ بَناتِهِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو الَّذِي يُنْتَجُ لَهُ سَبْعُ إناثٍ مُتَوالِياتٍ. وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ عَنِ الشّافِعِيِّ أنَّهُ يَضْرِبُ في إبِلِ الرَّجُلِ عَشْرَ (p-٣٠)سِنِينَ. الحَبْسُ المَنعُ مِنَ التَّصَرُّفِ. يُقالُ حَبَسْتُ أحْبِسُ، واحْتَبَسْتُ فَرَسًا في سَبِيلِ اللَّهِ، فَهو مُحْبَسٌ. وحَبِيسٌ وقَفْتُهُ لِلْغَزْوِ. وعَثَرَ عَلى الرَّجُلِ؛ اطَّلَعَ عَلَيْهِ، مُشْتَقٌّ مِنَ العَثْرَةِ الَّتِي هي الوُقُوعُ، وذَلِكَ أنَّ العاثِرَ إنَّما يَعْثُرُ بِشَيْءٍ كانَ لا يَراهُ، فَلَمّا عَثَرَ بِهِ اطَّلَعَ عَلَيْهِ، ونَظَرَ ما هو، فَلِذَلِكَ قِيلَ: لِكُلِّ مَنِ اطَّلَعَ عَلى أمْرٍ كانَ خَفِيًّا عَلَيْهِ: قَدْ عَثَرَ عَلَيْهِ، ويُقالُ قَدْ عَثَرَ عَلَيْهِ، وقَدْ أعْثَرَ عَلَيْهِ إذا أطْلَعَهُ عَلَيْهِ، ومِنهُ ﴿وكَذَلِكَ أعْثَرْنا عَلَيْهِمْ﴾ [الكهف: ٢١] أيِ أطْلَعْنا. وقالَ اللَّيْثُ: عَثَرَ يَعْثُرُ عُثُورًا هَجَمَ عَلى أمْرٍ لَمْ يَهْجُمْ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وعَثَرَ عَثْرَةً؛ وقَعَ عَلى شَيْءٍ. المائِدَةُ: الخِوانُ الَّذِي عَلَيْهِ طَعامٌ، فَإذا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ طَعامٌ، فَلَيْسَ بِمائِدَةٍ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ: هي فاعِلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولَةٍ، وهي مِنَ العَطاءِ. والمُمْتادُ المَطْلُوبُ مِنهُ العَطاءُ، مادَّهُ أعْطاهُ، وامْتادَّهُ اسْتَعْطاهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: هي فاعِلَةٌ مِن مادَ يَمِيدُ؛ تَحَرَّكَ، فَكَأنَّها تَمِيدُ بِما عَلَيْها. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المائِدَةُ؛ الطَّعامُ، مِن مادَّهُ يُمِيدُهُ أعْطاهُ، كَأنَّها تُمِيدُ الآكِلِينَ؛ أيْ تُطْعِمُهم، وتَكُونُ فاعِلَةً بِمَعْنى مَفْعُولٍ بِها أيْ مِيدَ بِها الآكِلُونَ. وقِيلَ: مِنَ المِيدِ، وهو المَيْلُ، وهَذا قَرِيبٌ مِن قَوْلِ الزَّجّاجِ. ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾ رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ، واللَّفْظُ لِلْبُخارِيِّ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَن أبِي ؟ قالَ: ”أبُوكَ فُلانٌ“، ونَزَلَتِ الآيَةُ. وفي حَدِيثِ أنَسٍ أيْضًا «أنَّ رَجُلًا قالَ: أيْنَ مَدْخَلِي يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: ”النّارُ“» . وإنَّ السّائِلَ مَن أبِي، هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذافَةَ. وفي غَيْرِ حَدِيثِ أنَسٍ «فَقامَ آخَرُ فَقالَ: مَن أبِي ؟ فَقالَ: ”أبُوكَ سالِمٌ مَوْلى شَيْبَةَ“» . وقِيلَ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ سُؤالِهِمْ عَنِ الحَجِّ، «أفِي كُلِّ عامٍ ؟ فَسَكَتَ فَقالَ: أفِي كُلِّ عامٍ ؟ قالَ: ”لا، ولَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ“» . رُوِيَ هَذا عَنْ عَلِيٍّ وأبِي هُرَيْرَةَ وأبِي أُمامَةَ وابْنِ عَبّاسٍ. وقِيلَ: السّائِلُ سُراقَةُ بْنُ مالِكٍ. وقِيلَ: عُكّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ الأسَدِيُّ. وقِيلَ: مِحْصَنٌ. وقِيلَ: رَجُلٌ مِن بَنِي أسَدٍ. وقِيلَ: الأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ. وقالَ الحَسَنُ: سَألُوا عَنْ أُمُورِ الجاهِلِيَّةِ الَّتِي عَفا اللَّهُ عَنْها، ولا وجْهَ لِلسُّؤالِ عَمّا عَفا اللَّهُ عَنْهُ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ، ورَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: سَألُوا عَنِ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ والوَصِيلَةِ والحامِ، ولِذَلِكَ جاءَ ذِكْرُها بَعْدَها. ورُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهم سَألُوا الآياتِ والمُعْجِزاتِ. وذَكَرَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ أنَّها نَزَلَتْ في تَسْهِيمِ الفَرائِضِ. ورُوِيَ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أمْرَ الكَعْبَةِ والهَدْيِ والقَلائِدِ، وأعْلَمَ أنَّ حُرْمَتَها هو تَعالى الَّذِي شَرَعَها، إذْ هي أُمُورٌ قَدِيمَةٌ مِن لَدُنْ إبْراهِيمَ، عَلَيْهِ السَّلامُ، ذَهَبَ ناسٌ مِنَ العَرَبِ إلى السُّؤالِ عَنْ سائِرِ أحْكامِ الجاهِلِيَّةِ، هَلْ تُلْحَقُ بِذَلِكَ أمْ لا ؟ إذْ كانُوا قَدِ اعْتَقَدُوا الجَمِيعَ سُنَّةً، لا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ ما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ، وما هو مِن تِلْقاءِ الشَّيْطانِ. والظّاهِرُ مِنَ الرِّواياتِ أنَّ الأعْرابَ ألَحُّوا عَلَيْهِ بِأنْواعٍ مِنَ السُّؤالاتِ، فَزُجِرُوا عَنْ ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في حُجّاجِ اليَمامَةِ حِينَ أرادَ المُسْلِمُونَ أنْ يُوقِعُوا بِهِمْ فَنُهُوا عَنِ الإيقاعِ بِهِمْ، وإنْ كانُوا مُشْرِكِينَ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها؛ هو أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿ما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ﴾ [المائدة: ٩٩] صارَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما بَلَّغَهُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ، وكُونُوا مُنْقادِينَ لَهُ، وما لَمْ يُبَلِّغْهُ فَلا تَسْألُوا عَنْهُ، ولا تَخُوضُوا فِيهِ، فَرُبَّما جاءَكم بِسَبَبِ الخَوْضِ الفاسِدِ تَكالِيفُ تَشُقُّ عَلَيْكم، قالَهُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ، وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. وقالَ أيْضًا هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ [المائدة: ٩٩] فاتْرُكُوا الأُمُورَ عَلى ظَواهِرِها، ولا تَسْألُوا عَنْ أحْوالٍ مُخْتَلِفَةٍ. والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ وما عُطِفَ عَلَيْها مِنَ الشَّرْطِ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِأشْياءَ، والمَعْنى لا تُكْثِرُوا مَسْألَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى تَسْألُوهُ عَنْ تَكالِيفَ شاقَّةٍ عَلَيْكم، إنْ أفْتى لَكم بِها وكَلَّفَكم إيّاها؛ تَغُمَّكم وتَشُقَّ عَلَيْكم وتَنْدَمُوا عَلى السُّؤالِ عَنْها، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وبَناهُ عَلى ما نُقِلَ في سَبَبِ النُّزُولِ؛ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الحَجِّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿إنْ تُبْدَ لَكُمْ﴾ بِالتّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ الشَّعْبِيُّ بِالياءِ مَفْتُوحَةً مِن أسْفَلَ، وضَمِّ الدّالِ (يَسُؤْكم) بِالياءِ فِيهِما مَضْمُومَةً في الأوَّلِ، ومَفْتُوحَةً في الثّانِي. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والتَّحْرِيرُ أنْ يُبْدِها اللَّهُ (p-٣١)تَعالى. ﴿وإنْ تَسْألُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ في ضِمْنِ الإخْبارِ عَنْها مَساءَةٌ لَكم، إمّا لِتَكْلِيفٍ شَرْعِيٍّ يَلْزَمُكم، وإمّا لِخَبَرٍ يَسُوءُكم، مِثْلُ الَّذِي قالَ مَن أبِي ؟ ولَكِنْ إذا نَزَلَ القُرْآنُ بِشَيْءٍ، وابْتَدَأكم رَبُّكم بِأمْرٍ، فَحِينَئِذٍ إنْ سَألْتُمْ عَنْ بَيانِهِ، بَيَّنَ لَكم وأبْدى. انْتَهى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فالضَّمِيرُ في قَوْلِهِ (عَنْها) عائِدٌ عَلى نَوْعِها، لا عَلى الأوَّلِ الَّتِي نَهى عَنِ السُّؤالِ عَنْها. قالَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَعْنى الوَعِيدِ، كَأنَّهُ قالَ لا تَسْألُوا، وإنْ سَألْتُمْ، لَقِيتُمْ غِبَّ ذَلِكَ، وصُعُوبَتَهُ؛ لِأنَّكم تَكَلَّفُونَ، وتَسْتَعْجِلُونَ ما يَسُوءُكم، كالَّذِي قِيلَ لَهُ: إنَّهُ في النّارِ انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وإنْ تَسْألُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ﴾ أيْ عَنْ هَذِهِ التَّكالِيفِ الصَّعْبَةِ في زَمانِ الوَحْيِ، وهو ما دامَ الرَّسُولُ بَيْنَ أظْهُرِكم يُوحى إلَيْهِ ﴿تُبْدَ لَكُمْ﴾ تِلْكَ التَّكالِيفُ (الَّتِي تَسُوءُكم) وتُؤْمَرُوا بِتَحَمُّلِها فَتُعَرِّضُوا أنْفُسَكم لِغَضَبِ اللَّهِ بِالتَّفْرِيطِ فِيها. انْتَهى. وعَلى هَذا يَكُونُ الضَّمِيرُ في (عَنْها) عائِدًا عَلى أشْياءَ نَفْسِها، لا عَلى نَوْعِها. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهم نُهُوا عَنِ السُّؤالِ عَنْ أشْياءَ وُصِفَتْ بِوَصْفَيْنِ: أحَدُهُما؛ أنَّها إنْ سَألُوا عَنْها، أُبْدِيَتْ لَهم وقْتَ نُزُولِ القُرْآنِ، فَيَكُونُ (حِينَ) ظَرْفًا لِقَوْلِهِ ﴿تُبْدَ لَكُمْ﴾، لا لِقَوْلِهِ ﴿وإنْ تَسْألُوا عَنْها﴾، والوَصْفُ الثّانِي أنَّها إنْ أُبْدِيَتْ لَهم ساءَتْهم. وهَذا الوَصْفُ وإنْ تَقَدَّمَ مُرَتَّبٌ عَلى الوَصْفِ المُتَأخِّرِ، وإنَّما تَقَدَّمَ لِأنَّهُ أرْدَعُ لَهم عَنِ المَسْألَةِ عَنْ تِلْكَ الأشْياءِ أنْ يَسْألُوا عَنْها؛ لِأنَّهم إذا أُخْبِرُوا أنَّهم تَسُوءُهم تِلْكَ المَسْألَةُ إذا أُبْدِيَتْ، كانَتْ أنْفَرَ عَنْ أنْ يَسْألُوا بَعْدُ. فَلَمّا كانَ هَذا الوَصْفُ أزْجَرَ عَنِ السُّؤالِ، قُدِّمَ وتَأخَّرَ الوَصْفُ في الذِّكْرِ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ زَجْرٌ ولا رَدْعٌ، واتُّكِلَ في ذَلِكَ عَلى فَهْمِ المَعْنى، مَعَ أنَّ عَطْفَ الوَصْفِ الثّانِي بِالواوِ، يَقْتَضِي التَّشْرِيكَ فَقَطْ دُونَ التَّرْتِيبِ. ولا يَدُلُّ قَوْلُهُ وإنْ تَسْألُوا عَنْها عَلى جَوازِ السُّؤالِ، كَما زَعَمَ بَعْضُهم فَقالَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى أشْياءَ، فَكَيْفَ يَفْعَلُ أشْياءَ بِأعْيانِها أنْ يَكُونَ السُّؤالُ عَنْها مَمْنُوعًا وجائِزًا مَعًا ؟ وأجابَ بِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما؛ أنْ يَكُونَ مَمْنُوعًا قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ، مَأْمُورًا بِهِ بَعْدَ نُزُولِهِ، الثّانِي أنَّهُما، وإنْ كانا غَيْرَ مُخْتَلِفَيْنِ إلّا أنَّهُما في كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مَسْئُولًا عَنْهُ شَيْءٌ واحِدٌ، فَلِهَذا الوَجْهِ حَسُنَ اتِّحادُ الضَّمِيرِ انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِجَوابٍ ثانٍ؛ لِأنَّهُ فَرَضَ أنَّ تِلْكَ الأشْياءَ بِأعْيانِها السُّؤالُ عَنْها مَمْنُوعٌ وجائِزٌ، وإذا كانا نَوْعَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، فَلَيْسَتِ الأشْياءُ بِأعْيانِها. وجُمْلَةُ الشَّرْطِ كَما ذَكَرْناهُ، لا تَدُلُّ عَلى الجَوازِ، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ لا تَزْنِ ؟ وإنْ زَنَيْتَ حُدِدْتَ ؟ فَقَوْلُهُ: وإنْ زَنَيْتَ حُدِدْتَ، لا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى الجَوازِ، بَلْ جُمْلَةُ الشَّرْطِ لا تَدُلُّ عَلى الوُقُوعِ، بَلْ لا تَدُلُّ عَلى الإمْكانِ، إذْ قَدْ يَقَعُ التَّعْلِيقُ بَيْنَ المُسْتَحِيلَيْنِ، كَقَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] . ﴿عَفا اللَّهُ عَنْها﴾ ظاهِرُهُ أنَّهُ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى. وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّها في مَوْضِعِ جَرِّ صِفَةٍ لِأشْياءَ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ مَعْفُوٍّ عَنْها، ويَكُونُ مَعْنى عَفا؛ أيْ تَرَكَ لَكُمُ التَّكْلِيفَ فِيها والمَشَقَّةَ عَلَيْكم بِها؛ لِقَوْلِهِ إنَّ اللَّهَ قَدْ عَفا لَكم عَنْ صَدَقَةِ الخَيْلِ، وهو القَوْلُ الأوَّلُ، وهو الِاسْتِئْنافُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى هَذا؛ أيْ تَرَكَها اللَّهُ، ولَمْ يُعَرِّفْكم بِها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهُ تَجاوَزَ عَنِ ارْتِكابِكم تِلْكَ السُّؤالاتِ، ولَمْ يُؤاخِذْكم بِها، ويَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ ولِذَلِكَ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَفا اللَّهُ عَنْكم ما سَلَفَ عَنْ (p-٣٢)مَسْألَتِكم، فَلا تَعُودُوا إلى مِثْلِها. ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٤] لا يُؤاخِذُكم بِما يَفْرُطُ مِنكم بِعُقُوبَتِهِ. خَرَّجَ الدّارَقُطْنِيُّ عَنْ أبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى فَرَضَ فَرائِضَ فَلا تُضَيِّعُوها، وحَرَّمَ حُرُماتٍ فَلا تَنْتَهِكُوها، وحَدَّ حُدُودًا فَلا تَعْتَدُوها، وسَكَتَ عَنْ أشْياءَ مِن غَيْرِ نِسْيانٍ فَلا تَبْحَثُوا عَنْها» . ورَوى أبُو سَلَمَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قالَ: «إنَّ أعْظَمَ النّاسِ جُرْمًا؛ مَن سَألَ عَنْ مَسْألَةٍ لَمْ تَكُنْ حَرامًا، فَحُرِّمَتْ مِن أجْلِ مَسْألَتِهِ» . ﴿قَدْ سَألَها قَوْمٌ مِن قَبْلِكم ثُمَّ أصْبَحُوا بِها كافِرِينَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (سَألَها) عائِدٌ عَلى أشْياءَ. وقالَ الحَوْفِيُّ: ولا يَتَّجِهُ حَمْلُهُ عَلى الظّاهِرِ، لا مِن جِهَةِ اللَّفْظِ العَرَبِيِّ، ولا مِن جِهَةِ المَعْنى. أمّا مِن جِهَةِ اللَّفْظِ، فَكانَ يُعَدّى بِعَنْ فَكانَ قَدْ سَألَ عَنْها، كَما قالَ ﴿لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾ فَعُدِّيَ بِعَنْ، وأمّا مِن جِهَةِ المَعْنى؛ فَلِأنَّ المَسْئُولَ عَنْهُ مُخْتَلِفٌ قَطْعًا فِيهِما؛ لِأنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ الَّذِي هو مِثْلُ سُؤالِ مَن سَألَ أيْنَ مَدْخَلِي ؟ ومَن أبِي ؟ ومَن سَألَ عَنِ الحَجِّ، وأيْنَ ناقَتِي ؟ وما في بَطْنِ ناقَتِي ؟ غَيْرُ سُؤالِ القَوْمِ الَّذِينَ تَقَدَّمُوا، فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الضَّمِيرُ في (سَألَها) لَيْسَ بِراجِعٍ إلى أشْياءَ حَتّى يَجِبَ تَعْدِيَتُهُ بِعَنْ، وإنَّما هو راجِعٌ إلى المَسْألَةِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها ﴿لا تَسْألُوا﴾، يَعْنِي قَدْ سَألَ هَذِهِ المَسْألَةَ قَوْمٌ مِنَ الأوَّلِينَ، ثُمَّ أصْبَحُوا؛ أيْ بِمَرْجُوعِها كافِرِينَ. وذَلِكَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا يَسْتَفْتُونَ أنْبِياءَهم عَنْ أشْياءَ، فَإذا أُمِرُوا بِها تَرَكُوها، فَهَلَكُوا انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: نَحْوًا مِن قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ قالَ: ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ؛ أنَّ هَذِهِ السُّؤالاتِ الَّتِي هي تَعَنُّتاتٌ وطَلَبٌ شَطَطٌ واقْتِراحاتٌ ومُباحَثاتٌ، قَدْ سَألَها قَبْلَكُمُ الأُمَمُ ثُمَّ كَفَرُوا بِها انْتَهى. ولا يَسْتَقِيمُ ما قالاهُ إلّا عَلى حَذْفِ مُضافٍ، وقَدْ صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، فَقالَ قَدْ سَألَ أمْثالَها؛ أيْ أمْثالَ هَذِهِ المَسْألَةِ، أوْ أمْثالَ هَذِهِ السُّؤالاتِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ سَألَها، بِفَتْحِ السِّينِ والهَمْزَةِ، وقَرَأ النَّخَعِيُّ، بِكَسْرِ السِّينِ مِن غَيْرِ هَمْزِ، يَعْنِي بِالكَسْرِ والإمالَةِ، وجَعَلَ الفِعْلَ مِن مادَّةِ سِينٍ وواوٍ ولامٍ، لا مِن مادَّةِ سِينٍ وهَمْزَةٍ ولامٍ، وهُما لُغَتانِ ذَكَرَهُما سِيبَوَيْهِ. ومِن كَلامِ العَرَبِ؛ هُما يَتَساوَلانِ، بِالواوِ وإمالَةُ. النَّخَعِيِّ (سَألَ) مِثْلُ إمالَةِ حَمْزَةَ خافَ والقَوْمَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم قَوْمُ عِيسى، سَألُوا المائِدَةَ، ثُمَّ كَفَرُوا بِها بَعْدَ أنْ شَرَطَ عَلَيْهِمُ العَذابَ الَّذِي لا يُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ أيْضًا: هم قَوْمُ مُوسى، سَألُوا في ذَبْحِ البَقَرَةِ وشَأْنِها. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ أيْضًا: هُمُ الَّذِينَ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهم ﴿ابْعَثْ لَنا مَلِكًا نُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٦] . وقِيلَ: قَوْمُ مُوسى، سَألُوا أنْ يُرِيَهُمُ اللَّهَ جَهْرَةً، فَصارَ ذَلِكَ وبالًا عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: قَوْمُ صالِحٍ، سَألُوا النّاقَةَ، ثُمَّ عَقَرُوها بَعْدَ أنْ دَخَلُوا عَلى الِاشْتِراطِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] وبَعْدَ اشْتِراطِ العَذابِ عَلَيْهِمْ إنْ مَسُّوها بِسُوءٍ. وقالَ مُقاتِلٌ: كانَ بَنُو إسْرائِيلَ يَسْألُونَ أنْبِياءَهم عَنْ أشْياءَ، فَإذا أخْبَرُوهم بِها، تَرَكُوا قَوْلَهم ولَمْ يُصَدِّقُوهم، فَأصْبَحُوا بِتِلْكَ الأشْياءِ كافِرِينَ. وقالَ السُّدِّيُّ: كَقُرَيْشٍ في سُؤالِهِمْ أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُمُ الصَّفا ذَهَبًا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّما يَتَّجِهُ في قُرَيْشٍ مِثالُ سُؤالِهِمْ آيَةً، فَلَمّا شُقَّ القَمَرُ كَفَرُوا. انْتَهى. وقالَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ: القَوْمُ قُرَيْشٌ، سَألُوا أُمُورًا مُمْتَنِعَةً كَما أخْبَرَ تَعالى ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠]، وهَذا لا يَسْتَقِيمُ إلّا إنْ أُرِيدَ بِمَن قَبْلَهم آباؤُهُمُ الَّذِينَ ماتُوا في ابْتِداءِ التَّنْزِيلِ. قالَ أبُو البَقاءِ العُكْبَرِيُّ ﴿مِن قَبْلِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٩] مُتَعَلِّقُ سَألَها، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِقَوْمٍ، ولا حالًا؛ لِأنَّ ظَرْفَ الزَّمانِ لا يَكُونُ صِفَةً لِلْجَنَّةِ، ولا حالًا مِنها، ولا خَبَرًا عَنْها. انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ صَحِيحٌ في ظَرْفِ الزَّمانِ المُجَرَّدِ مِنَ الوَصْفِ، أمّا إذا وُصِفَ، فَذَكَرُوا أنَّهُ يَكُونُ خَبَرًا، تَقُولُ: نَحْنُ في يَوْمٍ طَيِّبٍ. وأمّا قَبْلُ وبَعْدُ، فالحَقِيقَةُ أنَّهُما وصْفانِ في الأصْلِ، فَإذا قُلْتَ: جاءَ زَيْدٌ قَبْلَ عَمْرٍو، فالمَعْنى جاءَ زَيْدٌ زَمانًا؛ أيْ في زَمانٍ مُتَقَدِّمٍ عَلى زَمانِ مَجِيءِ عَمْرٍو، ولِذَلِكَ صَحَّ أنْ يَقَعَ صِلَةً لِلْمَوْصُولِ، ولَمْ يُلْحَظْ فِيهِ الوَصْفُ وإنْ كانَ ظَرْفَ زَمانٍ مُجَرَّدًا، لَمْ يَجُزْ أنْ يَقَعَ صِلَةً (p-٣٣)قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١] ولا يَجُوزُ والَّذِينَ اليَوْمَ، وقَدْ تَكَلَّمْنا عَلى هَذا في أوَّلِ البَقَرَةِ، ومَعْنى ﴿ثُمَّ أصْبَحُوا﴾ ثُمَّ صارُوا، ولا يُرادُ أنَّ كُفْرَهم مُقَيَّدٌ بِالصَّباحِ. ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ ولا سائِبَةٍ ولا وصِيلَةٍ ولا حامٍ﴾ . مُناسَبَةُ هَذِهِ لِما قَبْلَها؛ أنَّهُ تَعالى لَمّا نَهى عَنْ سُؤالِ ما لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ ولا كَلَّفَهم إيّاهُ، مَنَعَ مِنَ التِزامِ أُمُورٍ لَيْسَتْ مَشْرُوعَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى، ولَمّا سَألَ قَوْمٌ عَنْ هَذِهِ الأحْكامِ الَّتِي كانَتْ في الجاهِلِيَّةِ، هَلْ تُلْحَقُ بِأحْكامِ الكَعْبَةِ ؟ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لَمْ يَشْرَعْ شَيْئًا مِنها، أوْ لَمّا ذَكَرَ المُحَلَّلاتِ والمُحَرَّماتِ في الشَّرْعِ، عادَ إلى الكَلامِ في المُحَلَّلاتِ والمُحَرَّماتِ مِن غَيْرِ شَرْعٍ. وفي حَدِيثٍ رُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «أنَّ أوَّلَ مَن غَيَّرَ دِينَ إسْماعِيل عَمْرُو بْنُ لُحَيِّ بْنِ قَمَعَةَ بْنِ خِنْدِفَ، نَصَبَ الأوْثانَ، وسَيَّبَ السّائِبَةَ، وبَحَّرَ البَحِيرَةَ، وحَمى الحامِيَ» . ورَآهُ رَسُولُ اللَّهِ يَجُرُّ قُصْبَهُ في النّارِ. ورُوِيَ أنَّهُ كانَ مَلِكَ مَكَّةَ. ورَوى زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «قَدْ عَرَفْتُ أوَّلَ مَن بَحَّرَ البَحِيرَةَ؛ هو رَجُلٌ مِن مُدْلِجٍ، كانَتْ لَهُ ناقَتانِ، فَجَدَعَ آذانَهُما، وحَرَّمَ ألْبانَهُما ورُكُوبَ ظُهُورِهِما، قالَ: فَلَقَدْ رَأيْتُهُ في النّارِ يُؤْذِي أهْلَ النّارِ رِيحُ قُصْبِهِ» . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ﴾ ما شَرَعَ ذَلِكَ، ولا أمَرَ بِالتَّبْحِيرِ والتَّسْيِيبِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (وجَعَلَ) في هَذِهِ الآيَةِ لا يَتَّجِهُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى خَلَقَ اللَّهُ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ هَذِهِ الأشْياءَ كُلَّها، ولا هي بِمَعْنى صَيَّرَ؛ لِعَدَمِ المَفْعُولِ الثّانِي، وإنَّما هي بِمَعْنى ما سَنَّ، ولا شَرَعَ. ولَمْ يَذْكُرِ النَّحْوِيُّونَ في مَعانِي جَعَلَ شَرَعَ، بَلْ ذَكَرُوا أنَّها تَأْتِي بِمَعْنى خَلَقَ، وبِمَعْنى ألْقى، وبِمَعْنى صَيَّرَ، وبِمَعْنى الأخْذِ في الفِعْلِ، فَتَكُونُ مِن أفْعالِ المُقارَبَةِ. وذَكَرَ بَعْضُهم بِمَعْنى سَمّى، وقَدْ جاءَ حَذْفُ أحَدِ مَفْعُولَيْ ظَنَّ وأخَواتِها، إلّا أنَّهُ قَلِيلٌ، والحَمْلُ عَلى ما سُمِعَ أوْلى مِن إثْباتِ مَعْنًى لَمْ يَثْبُتْ في لِسانِ العَرَبِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفًا؛ أيْ ما صَيَّرَ اللَّهُ بَحِيرَةً ولا سائِبَةً ولا وصِيلَةً ولا حامِيًا مَشْرُوعَةً، بَلْ هي مِن شَرْعِ غَيْرِ اللَّهِ ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ﴾ [النحل: ٥] خَلَقَها اللَّهُ تَعالى رِفْقًا لِعِبادِهِ، ونِعْمَةً (p-٣٤)عَدَّدَها عَلَيْهِمْ، ومَنفَعَةً بالِغَةً. وأهْلُ الجاهِلِيَّةِ قَطَعُوا طَرِيقَ الِانْتِفاعِ بِها، وإذْهابَ نِعْمَةِ اللَّهِ بِها، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ: لا تَجُوزُ الأحْباسُ والأوْقافُ، وقاسُوا عَلى البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ، والفَرْقُ بَيِّنٌ. ولَوْ عَمَدَ رَجُلٌ إلى ضَيْعَةٍ لَهُ فَقالَ: هَذِهِ تَكُونُ حَبْسًا، لا تُجْتَنى ثَمَرَتُها، ولا تُزْرَعُ أرْضُها، ولا يُنْتَفَعُ مِنها بِنَفْعٍ، لَجازَ أنْ يُشَبَّهَ هَذا بِالبَحِيرَةِ والسّائِبَةِ. وأمّا الحَبْسُ المُتَعَيِّنُ طَرِيقُهُ واسْتِمْرارُ الِانْتِفاعِ بِهِ، فَلَيْسَ مِن هَذا، وحَسْبُكَ بِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ في مالٍ لَهُ: " اجْعَلْهُ حَبْسًا لا يُباعُ أصْلُهُ. وحَبَسَ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ انْتَهى. ﴿ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِتَحْرِيمِ ما حَرَّمُوا. ﴿وأكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ فَلا يَنْسُبُوا التَّحْرِيمَ حَتّى يَفْتَرُوا، ولَكِنَّهم يُقَلِّدُونَ في تَحْرِيمِها كِبارَهُمُ انْتَهى. نَصَّ الشَّعْبِيُّ وغَيْرُهُ؛ أنَّ المُفْتَرِينَ هُمُ المُبْتَدِعُونَ، وأنَّ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ هُمُ الأتْباعُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يُرِيدُ عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ وأصْحابَهُ. وقِيلَ: في ﴿لا يَعْقِلُونَ﴾ أيِ الحَلالَ مِنَ الحَرامِ. وقالَ قَتادَةُ: ﴿لا يَعْقِلُونَ﴾ أنَّ هَذا التَّحْرِيمَ مِنَ الشَّيْطانِ، لا مِنَ اللَّهِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هُنا هم أهْلُ الكِتابِ. والَّذِينَ ﴿لا يَعْقِلُونَ﴾ هم أهْلُ الأوْثانِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا تَفْسِيرٌ مِنِ انْتِزاعِ آخِرِ الآيَةِ عَمّا تَقَدَّمَها، وارْتَبَطَ بِها مِنَ المَعْنى، وعَمّا أخْبَرَ أيْضًا مِن قَوْلِهِ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمْ﴾ [المائدة: ١٠٤] انْتَهى. وقالَ مَكِّيٌّ: ذِكْرُ أهْلِ الكِتابِ هُنا، لا مَعْنى لَهُ، إذْ لَيْسَ في هَذا صُنْعٌ ولا شِبْهٌ، وإنَّما ذُكِرَ ذَلِكَ عَنْ مُشْرِكِي العَرَبِ، فَهُمُ الَّذِينَ عُنُوا بِذَلِكَ.

المائدة 5:104

﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾ . تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وهُنا ﴿تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ وهُناكَ ﴿اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ [البقرة: ١٧٠] وهُنا ﴿لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾، وهُناكَ ﴿لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا﴾ [البقرة: ١٧٠] والمَعْنى في هَذا التَّغايُرِ لا يَكادُ يَخْتَلِفُ، ومَعْنى ﴿إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ أيْ مِنَ القُرْآنِ الَّذِي فِيهِ التَّحْرِيمُ (p-٣٥)الصَّحِيحُ، ومَعْنى حَسْبُنا: كافِينا. وقَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ: مَعْنى (حَسْبُنا) كَفانا لَيْسَ شَرْحًا بِالمُرادِفِ، إذْ شَرَحَ الِاسْمَ بِالفِعْلِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: في (أوَلَوْ) ألِفُ التَّوْقِيفِ دَخَلَتْ عَلى واوِ العَطْفِ، كَأنَّهم عَطَفُوا هَذِهِ الجُمْلَةَ عَلى الأُولى، والتَزَمُوا شَنِيعَ القَوْلِ، وإنَّما التَّوْقِيفُ تَوْبِيخٌ لَهم، كَأنَّهم يَقُولُونَ بَعْدَهُ: نَعَمْ ولَوْ كانَ كَذَلِكَ انْتَهى. وقَوْلُهُ في الهَمْزَةِ ألِفُ التَّوْقِيفِ، عِبارَةٌ لَمْ أقِفْ عَلَيْها. مِن كَلامِ النُّحاةِ يَقُولُونَ: هَمْزَةُ الإنْكارِ هَمْزَةُ التَّوْبِيخِ، وأصْلُها هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ، وقَوْلُهُ: كَأنَّهم عَطَفُوا هَذِهِ الجُمْلَةَ عَلى الأُولى، يَعْنِي فَكانَ التَّقْدِيرُ قالُوا: فاعْتَنى بِالهَمْزَةِ، فَقُدِّمَتْ لِقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ [الروم: ٩] ولَيْسَ كَما ذَكَرَ مِن أنَّهم عَطَفُوا هَذِهِ الجُمْلَةَ عَلى الأُولى عَلى ما نُبَيِّنُهُ، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والواوُ في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ﴾ واوُ الحالِ، وقَدْ دَخَلَتْ عَلَيْها هَمْزَةُ الإنْكارِ، والتَّقْدِيرُ أحْسَبُهم ذَلِكَ ولَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا، ولا يَهْتَدُونَ. والمَعْنى أنَّ الِاقْتِداءَ إنَّما يَصِحُّ بِالعالِمِ المُهْتَدِي، وإنَّما يُعْرَفُ اهْتِداؤُهُ بِالحُجَّةِ انْتَهى. وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ الواوَ في (أوَلَوْ) واوَ الحالِ، وهو مُغايِرٌ لِقَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ؛ أنَّها واوُ العَطْفِ، لا مِنَ الجِهَةِ الَّتِي ذَكَرَها ابْنُ عَطِيَّةَ واوُ الحالِ، لَكِنْ يَحْتاجُ ذَلِكَ إلى تَبْيِينٍ، وذَلِكَ أنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ مِن كَلامِنا؛ أنَّ (لَوْ) الَّتِي تَجِيءُ هَذا المَجِيءَ، هي شَرْطِيَّةٌ، وتَأْتِي لِاسْتِقْصاءِ ما قَبْلَها والتَّنْبِيهِ عَلى حالِهِ داخِلَةً فِيما قَبْلَها، وإنْ كانَ مِمّا يَنْبَغِي أنْ لا تَدْخُلَ فَقَوْلُهُ: «أعْطُوا السّائِلَ، ولَوْ جاءَ عَلى فَرَسٍ، ورُدُّوا السّائِلَ، ولَوْ بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ، واتَّقُوا النّارَ، ولَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» . وقَوْلُ الشّاعِرِ: ؎قَوْمٌ إذا حارَبُوا شَدُّوا مَآزِرَهم دُونَ النِّساءِ ولَوْ باتَتْ بِأطْهارِ فالمَعْنى أعْطُوا السّائِلَ عَلى كُلِّ حالٍ، ولَوْ عَلى الحالَةِ الَّتِي تُشْعِرُ بِالغِنى، وهي مَجِيئُهُ عَلى فَرَسٍ. وكَذَلِكَ يُقَدَّرُ ما ذَكَرْنا مِنَ المَثَلِ عَلى ما يُناسِبُ، فالواوُ عاطِفَةٌ عَلى حالٍ مُقَدَّرَةٍ، فَمِن حَيْثُ هَذا العَطْفُ صَحَّ أنْ يُقالَ: إنَّها واوُ الحالِ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ بِأشْبَعَ مِن هَذا. فالتَّقْدِيرُ في الآيَةِ أحْسَبُهم أتْباعَ ما وجَدُوا عَلَيْهِ آباءَهم عَلى كُلِّ حالٍ، ولَوْ في الحالَةِ الَّتِي تَنْفِي عَنْ آبائِهِمُ العِلْمَ والهِدايَةَ، فَإنَّها حالَةٌ يَنْبَغِي أنْ لا يُتَّبَعَ فِيها الآباءُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ حالُ مَن غَلَبَ عَلَيْهِ الجَهْلُ المُفْرِطُ. ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكم (p-٣٦)لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ . قالَ أبُو أُمَيَّةَ الشَّعْبانِيُّ: سَألْتُ أبا ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيَّ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: لَقَدْ سَألْتَ عَنْها خَبِيرًا، سَألْتُ عَنْها رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: «اؤْمُرُوا بِالمَعْرُوفِ، وانْهَوْا عَنِ المُنْكَرِ، فَإذا رَأيْتَ دُنْيا مُؤْثَرَةً وشُحًّا مُطاعًا وإعْجابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ بِخُوَيِّصَةِ نَفْسِكَ وذَرْ عَوامَّهم، فَإنَّ وراءَكم أيّامًا أجْرُ العامِلِ فِيها كَأجْرِ خَمْسِينَ مِنكم» . وهَذا أصَحُّ ما يُقالُ في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّهُ عَنِ الرَّسُولِ، وعَلَيْهِ الصَّحابَةُ. بَلَغَ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ أنَّ بَعْضَ النّاسِ تَأوَّلَ الآيَةَ؛ عَلى أنَّهُ لا يَلْزَمُ الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ، ولا النَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، فَصَعِدَ المِنبَرَ وقالَ: أيُّها النّاسُ لا تَغْتَرُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ: عَلَيْكم أنْفُسَكم، فَيَقُولُ أحَدُكم: عَلَيَّ نَفْسِي، فَواللَّهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ، ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ، أوْ لَيُسْتَعْمَلَنَّ عَلَيْكم شِرارُكم، ولَيَسُومُنَّكم سُوءَ العَذابِ. وعَنْ عُمَرَ أنَّ رَجُلًا قالَ لَهُ: إنِّي لَأعْمَلُ بِأعْمالِ البِرِّ كُلِّها إلّا في خَصْلَتَيْنِ قالَ: وما هُما ؟ قالَ لا آمُرُ، ولا أنْهى، فَقالَ لَهُ عُمَرُ: لَقَدْ طَمَسْتَ سَهْمَيْنِ مِن سِهامِ الإسْلامِ، إنْ شاءَ غَفَرَ لَكَ، وإنْ شاءَ عَذَّبَكَ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: لَيْسَ هَذا زَمانَ هَذِهِ الآيَةِ، قُولُوا الحَقَّ ما قُبِلَ مِنكم، فَإذا رُدَّ عَلَيْكم، فَعَلَيْكم أنْفُسَكم. وقِيلَ: لِابْنِ عُمَرَ في بَعْضِ أوْقاتِ الفِتَنِ: لَوْ تَرَكْتَ القَوْلَ في هَذِهِ الأيّامِ، فَلَمْ تَأْمُرْ، ولَمْ تَنْهَ، فَقالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لَنا: «لِيُبَلِّغِ الشّاهِدُ مِنكُمُ الغائِبَ» ونَحْنُ شَهِدْنا، فَيَلْزَمُنا أنْ نُبَلِّغَكم، وسَيَأْتِي زَمانٌ إذا قِيلَ فِيهِ الحَقُّ، لَمْ يُقْبَلْ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ فالزَمُوا شَرْعَكم بِما فِيهِ مِن جِهادٍ، وأمْرٍ بِمَعْرُوفٍ، ونَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ و﴿لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ﴾ مِن أهْلِ الكِتابِ إذا اهْتَدَيْتُمْ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مِن أبْناءِ الَّذِينَ بَحَرُوا البَحِيرَةَ وسَيَّبُوا السَّوائِبَ ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ في الِاسْتِقامَةِ عَلى الدِّينِ ﴿لا يَضُرُّكُمْ﴾ ضَلالُ الأسْلافِ ﴿إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ . قالَ وكانَ الرَّجُلُ إذا أسْلَمَ قالَ لَهُ الكُفّارُ: سَفَّهْتَ آباءَكَ وضَلَّلْتَهم وفَعَلْتَ وفَعَلْتَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ. وقِيلَ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ ارْتِدادِ بَعْضِ المُؤْمِنِينَ وافْتِتانِهِمْ، كابْنِ أبِي السَّرْحِ، وغَيْرِهِ. وقالَ المَهْدَوِيُّ: قِيلَ: إنَّها مَنسُوخَةٌ بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمْ يَقُلْ أحَدٌ فِيما عَلِمْتُ أنَّها آيَةُ المُوادَعَةِ لِلْكُفّارِ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُعارَضَ بِها شَيْءٌ مِمّا أُمِرَ بِهِ في غَيْرِ ما آيَةٍ مِنَ القِيامِ بِالقِسْطِ والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَ المُؤْمِنُونَ تَذْهَبُ أنْفُسُهم حَسْرَةً عَلى العِنادِ والعُتُوِّ مِنَ الكَفَرَةِ، ويَتَمَنَّوْنَ دُخُولَهم في الإسْلامِ، فَقِيلَ لَهم: عَلَيْكم أنْفُسَكم، وما كُلِّفْتُمْ مِن إصْلاحِها، والمَشْيِ في طُرُقِ الهُدى، ولا يَضُرُّكُمُ الضَّلالُ عَنْ دِينِكم إذا كُنْتُمْ مُهْتَدِينَ، كَما قالَ تَعالى لِنَبِيِّهِ: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ [فاطر: ٨] . وكَذَلِكَ مَن يَتَأسَّفُ عَلى ما فِيهِ الفَسَقَةُ مِنَ الفُجُورِ والمَعاصِي، ولا يَزالُ يَذْكُرُ مَعايِبَهم ومَناكِيرَهم فَهو مُخاطَبٌ بِهِ. ولَيْسَ المُرادُ تَرْكَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، فَإنَّ مَن تَرَكَهُما مَعَ القُدْرَةِ عَلَيْهِما فَلَيْسَ بِمُهْتَدٍ. وإنَّما هو بَعْضُ الضَّلالِ الَّذِينَ فَصَلَتِ الآيَةُ بَيْنَهم وبَيْنَهُ. ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ مُنافِقِي مَكَّةَ قالُوا: عَجَبًا لِمُحَمَّدٍ ! يَزْعُمُ أنَّ اللَّهَ بَعَثَهُ لِيُقاتِلَ النّاسَ كافَّةً حَتّى يُسْلِمُوا، وقَدْ قَبِلَ مِن مَجُوسِ هَجَرَ، وأهْلِ الكِتابِ الجِزْيَةَ، فَهَلّا أكْرَهَهم عَلى الإسْلامِ، وقَدْ رَدَّها عَلى إخْوانِنا مِنَ العَرَبِ ؟ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ، فَنَزَلَتْ. وقالَ مُقاتِلٌ ما يُقارِبُ هَذا القَوْلَ، وذَكَرُوا في مُناسَبَةِ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها؛ أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ أنْواعَ التَّكالِيفِ، ثُمَّ قِيلَ: ﴿ما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ﴾ [المائدة: ٩٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا﴾ الآيَةَ. كانَ المَعْنى أنَّ هَؤُلاءِ الجُهّالَ ما تَقَدَّمَ مِنَ المُبالَغَةِ في الإعْذارِ والإنْذارِ والتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، لَمْ يَنْتَفِعُوا بِشَيْءٍ مِنهُ، بَلْ بَقُوا مُصِرِّينَ عَلى جَهْلِهِمْ، فَلا تُبالُوا أيُّها المُؤْمِنُونَ بِجَهالَتِهِمْ، وضَلالَتِهِمْ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَضُرُّكم، بَلْ كُونُوا مُنْقادِينَ لِتَكالِيفِ اللَّهِ، مُطِيعِينَ لِأوامِرِهِ (وعَلَيْكم) مِن كَلِمِ الإغْراءِ، ولَهُ بابٌ مَعْقُودٌ في النَّحْوِ، وهو مَعْدُودٌ في أسْماءِ الأفْعالِ، فَإنْ كانَ الفِعْلُ مُتَعَدِّيًا، كانَ اسْمُهُ مُتَعَدِّيًا، وإنْ كانَ لازِمًا، (p-٣٧)كانَ لازِمًا. (وعَلَيْكم) اسْمٌ لِقَوْلِكَ الزَمْ، فَهو مُتَعَدٍّ، فَلِذَلِكَ نَصَبَ المَفْعُولَ بِهِ، والتَّقْدِيرُ هُنا عَلَيْكم إصْلاحَ أنْفُسِكم، أوْ هِدايَةَ أنْفُسِكم، وإذا كانَ المُغْرى بِهِ مُخاطَبًا، جازَ أنْ يُؤْتى بِالضَّمِيرِ مُنْفَصِلًا، فَتَقُولُ: عَلَيْكَ إيّاكَ، أوْ يُؤْتى بِالنَّفْسِ بَدَلَ الضَّمِيرِ، فَتَقُولُ: عَلَيْكَ نَفْسَكَ، كَما في هَذِهِ الآيَةِ. وحَكى الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْ نافِعٍ أنَّهُ قَرَأ ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ بِالرَّفْعِ، وهي قِراءَةٌ شاذَّةٌ تَخْرُجُ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما؛ يَرْتَفِعُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وعَلَيْكم في مَوْضِعِ الخَبَرِ، والمَعْنى عَلى الإغْراءِ، والوَجْهُ الثّانِي أنْ يَكُونَ تَوْكِيدًا لِلضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في (عَلَيْكم)، ولَمْ تُؤَكَّدْ بِمُضْمَرٍ مُنْفَصِلٍ، إذْ قَدْ جاءَ ذَلِكَ قَلِيلًا ويَكُونُ مَفْعُولُ (عَلَيْكم) مَحْذُوفًا؛ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ. والتَّقْدِيرُ عَلَيْكم أنْفُسَكم هِدايَتَكم، لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لا يَضُرُّكُمْ﴾ بِضَمِّ الضّادِ والرّاءِ وتَشْدِيدِها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ وجْهانِ: أنْ يَكُونَ خَبَرًا مَرْفُوعًا، ويَنْصُرُهُ قِراءَةُ أبِي حَيْوَةَ ﴿لا يَضُرُّكُمْ﴾، وأنْ يَكُونَ جَوابًا لِلْأمْرِ مَجْزُومًا، وإنَّما ضُمَّتِ الرّاءُ إتْباعًا لِضَمَّةِ الضّادِ المَنقُولَةِ إلَيْها مِنَ الرّاءِ المُدْغَمَةِ، والأصْلُ لا يَضُرُّكم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَهْيًا انْتَهى. وقَرَأ الحَسَنُ بِضَمِّ الضّادِ، وسُكُونِ الرّاءِ، مِن ضارَ يَضُورُ. وقَرَأ النَّخَعِيُّ بِكَسْرِ الضّادِ وسُكُونِ الرّاءِ، مِن ضارَ يَضِيرُ، وهي لُغاتٌ. ﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ مَرْجِعُ المُهْتَدِينَ والضّالِّينَ. وغَلَّبَ الخِطابَ عَلى الغَيْبَةِ، كَما تَقُولُ: أنْتَ وزَيْدٌ تَقُومانِ، وهَذا فِيهِ تَذْكِيرٌ بِالحَشْرِ، وتَهْدِيدٌ بِالمُجازاةِ.

المائدة 5:105

﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾ . تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وهُنا ﴿تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ وهُناكَ ﴿اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ [البقرة: ١٧٠] وهُنا ﴿لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾، وهُناكَ ﴿لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا﴾ [البقرة: ١٧٠] والمَعْنى في هَذا التَّغايُرِ لا يَكادُ يَخْتَلِفُ، ومَعْنى ﴿إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ أيْ مِنَ القُرْآنِ الَّذِي فِيهِ التَّحْرِيمُ (p-٣٥)الصَّحِيحُ، ومَعْنى حَسْبُنا: كافِينا. وقَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ: مَعْنى (حَسْبُنا) كَفانا لَيْسَ شَرْحًا بِالمُرادِفِ، إذْ شَرَحَ الِاسْمَ بِالفِعْلِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: في (أوَلَوْ) ألِفُ التَّوْقِيفِ دَخَلَتْ عَلى واوِ العَطْفِ، كَأنَّهم عَطَفُوا هَذِهِ الجُمْلَةَ عَلى الأُولى، والتَزَمُوا شَنِيعَ القَوْلِ، وإنَّما التَّوْقِيفُ تَوْبِيخٌ لَهم، كَأنَّهم يَقُولُونَ بَعْدَهُ: نَعَمْ ولَوْ كانَ كَذَلِكَ انْتَهى. وقَوْلُهُ في الهَمْزَةِ ألِفُ التَّوْقِيفِ، عِبارَةٌ لَمْ أقِفْ عَلَيْها. مِن كَلامِ النُّحاةِ يَقُولُونَ: هَمْزَةُ الإنْكارِ هَمْزَةُ التَّوْبِيخِ، وأصْلُها هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ، وقَوْلُهُ: كَأنَّهم عَطَفُوا هَذِهِ الجُمْلَةَ عَلى الأُولى، يَعْنِي فَكانَ التَّقْدِيرُ قالُوا: فاعْتَنى بِالهَمْزَةِ، فَقُدِّمَتْ لِقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ [الروم: ٩] ولَيْسَ كَما ذَكَرَ مِن أنَّهم عَطَفُوا هَذِهِ الجُمْلَةَ عَلى الأُولى عَلى ما نُبَيِّنُهُ، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والواوُ في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ﴾ واوُ الحالِ، وقَدْ دَخَلَتْ عَلَيْها هَمْزَةُ الإنْكارِ، والتَّقْدِيرُ أحْسَبُهم ذَلِكَ ولَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا، ولا يَهْتَدُونَ. والمَعْنى أنَّ الِاقْتِداءَ إنَّما يَصِحُّ بِالعالِمِ المُهْتَدِي، وإنَّما يُعْرَفُ اهْتِداؤُهُ بِالحُجَّةِ انْتَهى. وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ الواوَ في (أوَلَوْ) واوَ الحالِ، وهو مُغايِرٌ لِقَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ؛ أنَّها واوُ العَطْفِ، لا مِنَ الجِهَةِ الَّتِي ذَكَرَها ابْنُ عَطِيَّةَ واوُ الحالِ، لَكِنْ يَحْتاجُ ذَلِكَ إلى تَبْيِينٍ، وذَلِكَ أنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ مِن كَلامِنا؛ أنَّ (لَوْ) الَّتِي تَجِيءُ هَذا المَجِيءَ، هي شَرْطِيَّةٌ، وتَأْتِي لِاسْتِقْصاءِ ما قَبْلَها والتَّنْبِيهِ عَلى حالِهِ داخِلَةً فِيما قَبْلَها، وإنْ كانَ مِمّا يَنْبَغِي أنْ لا تَدْخُلَ فَقَوْلُهُ: «أعْطُوا السّائِلَ، ولَوْ جاءَ عَلى فَرَسٍ، ورُدُّوا السّائِلَ، ولَوْ بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ، واتَّقُوا النّارَ، ولَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» . وقَوْلُ الشّاعِرِ: ؎قَوْمٌ إذا حارَبُوا شَدُّوا مَآزِرَهم دُونَ النِّساءِ ولَوْ باتَتْ بِأطْهارِ فالمَعْنى أعْطُوا السّائِلَ عَلى كُلِّ حالٍ، ولَوْ عَلى الحالَةِ الَّتِي تُشْعِرُ بِالغِنى، وهي مَجِيئُهُ عَلى فَرَسٍ. وكَذَلِكَ يُقَدَّرُ ما ذَكَرْنا مِنَ المَثَلِ عَلى ما يُناسِبُ، فالواوُ عاطِفَةٌ عَلى حالٍ مُقَدَّرَةٍ، فَمِن حَيْثُ هَذا العَطْفُ صَحَّ أنْ يُقالَ: إنَّها واوُ الحالِ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ بِأشْبَعَ مِن هَذا. فالتَّقْدِيرُ في الآيَةِ أحْسَبُهم أتْباعَ ما وجَدُوا عَلَيْهِ آباءَهم عَلى كُلِّ حالٍ، ولَوْ في الحالَةِ الَّتِي تَنْفِي عَنْ آبائِهِمُ العِلْمَ والهِدايَةَ، فَإنَّها حالَةٌ يَنْبَغِي أنْ لا يُتَّبَعَ فِيها الآباءُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ حالُ مَن غَلَبَ عَلَيْهِ الجَهْلُ المُفْرِطُ. ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكم (p-٣٦)لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ . قالَ أبُو أُمَيَّةَ الشَّعْبانِيُّ: سَألْتُ أبا ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيَّ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: لَقَدْ سَألْتَ عَنْها خَبِيرًا، سَألْتُ عَنْها رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: «اؤْمُرُوا بِالمَعْرُوفِ، وانْهَوْا عَنِ المُنْكَرِ، فَإذا رَأيْتَ دُنْيا مُؤْثَرَةً وشُحًّا مُطاعًا وإعْجابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ بِخُوَيِّصَةِ نَفْسِكَ وذَرْ عَوامَّهم، فَإنَّ وراءَكم أيّامًا أجْرُ العامِلِ فِيها كَأجْرِ خَمْسِينَ مِنكم» . وهَذا أصَحُّ ما يُقالُ في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّهُ عَنِ الرَّسُولِ، وعَلَيْهِ الصَّحابَةُ. بَلَغَ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ أنَّ بَعْضَ النّاسِ تَأوَّلَ الآيَةَ؛ عَلى أنَّهُ لا يَلْزَمُ الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ، ولا النَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، فَصَعِدَ المِنبَرَ وقالَ: أيُّها النّاسُ لا تَغْتَرُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ: عَلَيْكم أنْفُسَكم، فَيَقُولُ أحَدُكم: عَلَيَّ نَفْسِي، فَواللَّهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ، ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ، أوْ لَيُسْتَعْمَلَنَّ عَلَيْكم شِرارُكم، ولَيَسُومُنَّكم سُوءَ العَذابِ. وعَنْ عُمَرَ أنَّ رَجُلًا قالَ لَهُ: إنِّي لَأعْمَلُ بِأعْمالِ البِرِّ كُلِّها إلّا في خَصْلَتَيْنِ قالَ: وما هُما ؟ قالَ لا آمُرُ، ولا أنْهى، فَقالَ لَهُ عُمَرُ: لَقَدْ طَمَسْتَ سَهْمَيْنِ مِن سِهامِ الإسْلامِ، إنْ شاءَ غَفَرَ لَكَ، وإنْ شاءَ عَذَّبَكَ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: لَيْسَ هَذا زَمانَ هَذِهِ الآيَةِ، قُولُوا الحَقَّ ما قُبِلَ مِنكم، فَإذا رُدَّ عَلَيْكم، فَعَلَيْكم أنْفُسَكم. وقِيلَ: لِابْنِ عُمَرَ في بَعْضِ أوْقاتِ الفِتَنِ: لَوْ تَرَكْتَ القَوْلَ في هَذِهِ الأيّامِ، فَلَمْ تَأْمُرْ، ولَمْ تَنْهَ، فَقالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لَنا: «لِيُبَلِّغِ الشّاهِدُ مِنكُمُ الغائِبَ» ونَحْنُ شَهِدْنا، فَيَلْزَمُنا أنْ نُبَلِّغَكم، وسَيَأْتِي زَمانٌ إذا قِيلَ فِيهِ الحَقُّ، لَمْ يُقْبَلْ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ فالزَمُوا شَرْعَكم بِما فِيهِ مِن جِهادٍ، وأمْرٍ بِمَعْرُوفٍ، ونَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ و﴿لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ﴾ مِن أهْلِ الكِتابِ إذا اهْتَدَيْتُمْ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مِن أبْناءِ الَّذِينَ بَحَرُوا البَحِيرَةَ وسَيَّبُوا السَّوائِبَ ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ في الِاسْتِقامَةِ عَلى الدِّينِ ﴿لا يَضُرُّكُمْ﴾ ضَلالُ الأسْلافِ ﴿إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ . قالَ وكانَ الرَّجُلُ إذا أسْلَمَ قالَ لَهُ الكُفّارُ: سَفَّهْتَ آباءَكَ وضَلَّلْتَهم وفَعَلْتَ وفَعَلْتَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ. وقِيلَ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ ارْتِدادِ بَعْضِ المُؤْمِنِينَ وافْتِتانِهِمْ، كابْنِ أبِي السَّرْحِ، وغَيْرِهِ. وقالَ المَهْدَوِيُّ: قِيلَ: إنَّها مَنسُوخَةٌ بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمْ يَقُلْ أحَدٌ فِيما عَلِمْتُ أنَّها آيَةُ المُوادَعَةِ لِلْكُفّارِ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُعارَضَ بِها شَيْءٌ مِمّا أُمِرَ بِهِ في غَيْرِ ما آيَةٍ مِنَ القِيامِ بِالقِسْطِ والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَ المُؤْمِنُونَ تَذْهَبُ أنْفُسُهم حَسْرَةً عَلى العِنادِ والعُتُوِّ مِنَ الكَفَرَةِ، ويَتَمَنَّوْنَ دُخُولَهم في الإسْلامِ، فَقِيلَ لَهم: عَلَيْكم أنْفُسَكم، وما كُلِّفْتُمْ مِن إصْلاحِها، والمَشْيِ في طُرُقِ الهُدى، ولا يَضُرُّكُمُ الضَّلالُ عَنْ دِينِكم إذا كُنْتُمْ مُهْتَدِينَ، كَما قالَ تَعالى لِنَبِيِّهِ: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ [فاطر: ٨] . وكَذَلِكَ مَن يَتَأسَّفُ عَلى ما فِيهِ الفَسَقَةُ مِنَ الفُجُورِ والمَعاصِي، ولا يَزالُ يَذْكُرُ مَعايِبَهم ومَناكِيرَهم فَهو مُخاطَبٌ بِهِ. ولَيْسَ المُرادُ تَرْكَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، فَإنَّ مَن تَرَكَهُما مَعَ القُدْرَةِ عَلَيْهِما فَلَيْسَ بِمُهْتَدٍ. وإنَّما هو بَعْضُ الضَّلالِ الَّذِينَ فَصَلَتِ الآيَةُ بَيْنَهم وبَيْنَهُ. ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ مُنافِقِي مَكَّةَ قالُوا: عَجَبًا لِمُحَمَّدٍ ! يَزْعُمُ أنَّ اللَّهَ بَعَثَهُ لِيُقاتِلَ النّاسَ كافَّةً حَتّى يُسْلِمُوا، وقَدْ قَبِلَ مِن مَجُوسِ هَجَرَ، وأهْلِ الكِتابِ الجِزْيَةَ، فَهَلّا أكْرَهَهم عَلى الإسْلامِ، وقَدْ رَدَّها عَلى إخْوانِنا مِنَ العَرَبِ ؟ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ، فَنَزَلَتْ. وقالَ مُقاتِلٌ ما يُقارِبُ هَذا القَوْلَ، وذَكَرُوا في مُناسَبَةِ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها؛ أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ أنْواعَ التَّكالِيفِ، ثُمَّ قِيلَ: ﴿ما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ﴾ [المائدة: ٩٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا﴾ الآيَةَ. كانَ المَعْنى أنَّ هَؤُلاءِ الجُهّالَ ما تَقَدَّمَ مِنَ المُبالَغَةِ في الإعْذارِ والإنْذارِ والتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، لَمْ يَنْتَفِعُوا بِشَيْءٍ مِنهُ، بَلْ بَقُوا مُصِرِّينَ عَلى جَهْلِهِمْ، فَلا تُبالُوا أيُّها المُؤْمِنُونَ بِجَهالَتِهِمْ، وضَلالَتِهِمْ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَضُرُّكم، بَلْ كُونُوا مُنْقادِينَ لِتَكالِيفِ اللَّهِ، مُطِيعِينَ لِأوامِرِهِ (وعَلَيْكم) مِن كَلِمِ الإغْراءِ، ولَهُ بابٌ مَعْقُودٌ في النَّحْوِ، وهو مَعْدُودٌ في أسْماءِ الأفْعالِ، فَإنْ كانَ الفِعْلُ مُتَعَدِّيًا، كانَ اسْمُهُ مُتَعَدِّيًا، وإنْ كانَ لازِمًا، (p-٣٧)كانَ لازِمًا. (وعَلَيْكم) اسْمٌ لِقَوْلِكَ الزَمْ، فَهو مُتَعَدٍّ، فَلِذَلِكَ نَصَبَ المَفْعُولَ بِهِ، والتَّقْدِيرُ هُنا عَلَيْكم إصْلاحَ أنْفُسِكم، أوْ هِدايَةَ أنْفُسِكم، وإذا كانَ المُغْرى بِهِ مُخاطَبًا، جازَ أنْ يُؤْتى بِالضَّمِيرِ مُنْفَصِلًا، فَتَقُولُ: عَلَيْكَ إيّاكَ، أوْ يُؤْتى بِالنَّفْسِ بَدَلَ الضَّمِيرِ، فَتَقُولُ: عَلَيْكَ نَفْسَكَ، كَما في هَذِهِ الآيَةِ. وحَكى الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْ نافِعٍ أنَّهُ قَرَأ ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ بِالرَّفْعِ، وهي قِراءَةٌ شاذَّةٌ تَخْرُجُ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما؛ يَرْتَفِعُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وعَلَيْكم في مَوْضِعِ الخَبَرِ، والمَعْنى عَلى الإغْراءِ، والوَجْهُ الثّانِي أنْ يَكُونَ تَوْكِيدًا لِلضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في (عَلَيْكم)، ولَمْ تُؤَكَّدْ بِمُضْمَرٍ مُنْفَصِلٍ، إذْ قَدْ جاءَ ذَلِكَ قَلِيلًا ويَكُونُ مَفْعُولُ (عَلَيْكم) مَحْذُوفًا؛ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ. والتَّقْدِيرُ عَلَيْكم أنْفُسَكم هِدايَتَكم، لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لا يَضُرُّكُمْ﴾ بِضَمِّ الضّادِ والرّاءِ وتَشْدِيدِها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ وجْهانِ: أنْ يَكُونَ خَبَرًا مَرْفُوعًا، ويَنْصُرُهُ قِراءَةُ أبِي حَيْوَةَ ﴿لا يَضُرُّكُمْ﴾، وأنْ يَكُونَ جَوابًا لِلْأمْرِ مَجْزُومًا، وإنَّما ضُمَّتِ الرّاءُ إتْباعًا لِضَمَّةِ الضّادِ المَنقُولَةِ إلَيْها مِنَ الرّاءِ المُدْغَمَةِ، والأصْلُ لا يَضُرُّكم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَهْيًا انْتَهى. وقَرَأ الحَسَنُ بِضَمِّ الضّادِ، وسُكُونِ الرّاءِ، مِن ضارَ يَضُورُ. وقَرَأ النَّخَعِيُّ بِكَسْرِ الضّادِ وسُكُونِ الرّاءِ، مِن ضارَ يَضِيرُ، وهي لُغاتٌ. ﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ مَرْجِعُ المُهْتَدِينَ والضّالِّينَ. وغَلَّبَ الخِطابَ عَلى الغَيْبَةِ، كَما تَقُولُ: أنْتَ وزَيْدٌ تَقُومانِ، وهَذا فِيهِ تَذْكِيرٌ بِالحَشْرِ، وتَهْدِيدٌ بِالمُجازاةِ.

المائدة 5:106

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيَّةِ اثْنانِ﴾ . رَوى البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ تَمِيمٌ الدّارِيُّ وعْدِيٌّ يَخْتَلِفانِ إلى مَكَّةَ، فَخَرَجَ مَعَهُما فَتًى مِن بَنِي سَهْمٍ، فَتُوفِّيَ بِأرْضٍ لَيْسَ فِيها مُسْلِمٌ، (p-٣٨)فَأوْصى إلَيْهِما، فَدَفَعا تَرِكَتَهُ إلى أهْلِهِ، وحَبَسا جامًا مِن فِضَّةٍ مَخُوصًا بِالذَّهَبِ، فاسْتَحْلَفَهُما - وفي رِوايَةٍ - فَحَلَّفَهُما بَعْدَ العَصْرِ النَّبِيُّ ﷺ ”ما كَتَمْتُما ولا اطَّلَعْتُما“ ثُمَّ وُجِدَ الجامُ بِمَكَّةَ، فَقالُوا: اشْتَرَيْناهُ مِن عَدِيٍّ وتَمِيمٍ، فَجاءَ الرَّجُلانِ مِن ورَثَةِ السَّهْمِيِّ، فَحَلَفا أنَّ هَذا الجامَ لِلسَّهْمِيِّ، ولَشَهادَتُنا أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما وما اعْتَدَيْنا قالَ: فَأخَذا الجامَ»، وفِيهِمْ نَزَلَتِ الآيَةُ. قِيلَ: والسَّهْمِيُّ، هو مَوْلًى لِبَنِي سَهْمٍ، يُقالُ لَهُ: بَدِيلُ بْنُ أبِي مَرْيَمَ، وأنَّ جامَ الفِضَّةِ كانَ يُرِيدُ بِهِ (المَلِكَ)، وهو أعْظَمُ تِجاراتِهِ، وأنَّ عَدِيًّا وتَمِيمًا باعاهُ بِألْفِ دِرْهَمٍ واقْتَسَماها. وقِيلَ: اسْمُهُ بَدِيلُ بْنُ أبِي مارِيَةَ مَوْلى العاصِي بْنِ وائِلٍ السَّهْمِيِّ، وأنَّهُ خَرَجَ مُسافِرًا في البَحْرِ إلى أرْضِ النَّجاشِيِّ، وأنَّ إناءَ الفِضَّةِ كانَ وزْنُهُ ثَلاثَمِائَةِ مِثْقالٍ، وكانَ مُمُوَّهًا بِالذَّهَبِ، قالَ فَقَدِمُوا الشّامَ، فَمَرِضَ بَدِيلٌ، وكانَ مُسْلِمًا الحَدِيثَ. وذَكَرَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الفَضْلِ أنَّ ورَثَةَ بُدَيْلٍ قالُوا لَهُما: ألَسْتُما زَعَمْتُما أنَّ صاحِبَنا لَمْ يَبِعْ شَيْئًا مِن مَتاعِهِ، فَما بالُ هَذا الإناءِ مَعَكُما، وهو مِمّا خَرَجَ صاحِبُنا بِهِ، وقَدْ حَلَفْتُما عَلَيْهِ، قالا: إنّا كُنّا ابْتَعْناهُ مِنهُ، ولَمْ يَكُنْ لَنا عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، فَكَرِهْنا أنْ نُقِرَّ لَكم، فَتَأْخُذُوهُ مِنّا، وتَسْألُوا عَلَيْهِ البَيِّنَةَ، ولا نَقْدِرُ عَلَيْها، فَرَفَعُوهُما إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَتِ انْتَهى. وفي رِوايَةٍ قالَ تَمِيمٌ: فَلَمّا أسْلَمْتُ بَعْدَ قُدُومِ النَّبِيِّ ﷺ المَدِينَةَ تَأثَّمْتُ مِن ذَلِكَ، فَأتَيْتُ أهْلَهُ وأخْبَرْتُهُمُ الخَبَرَ، وأدَّيْتُ لَهم خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ، وأخْبَرْتُهم أنَّ عِنْدَ صاحِبِي مِثْلَها، فَأتَوْا بِهِ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَسَألَهُمُ البَيِّنَةَ، فَلَمْ يَجِدُوا ما أُمِرُوا بِهِ، فَأمَرَهم أنْ يَسْتَحْلِفُوهُ بِما يُقْطَعُ بِهِ عَلى أهْلِ دِينِهِ، فَحَلَفَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ إلى قَوْلِهِ: ﴿بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾ فَقامَ عَمْرُو بْنُ العاصِ ورَجُلٌ آخَرُ مِنهم، فَحَلَفا، فَنُزِعَتِ الخَمْسُمِائَةِ مِن يَدِ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ. وزادَ الواقِدِيُّ في حَدِيثِهِ أنَّ تَمِيمًا وعَدِيًّا كانا أخَوَيْنِ، ويَعْنِي، واللَّهُ أعْلَمُ، أنَّهُما أخَوانِ لِأُمٍّ، وأنَّ بُدَيْلًا كَتَبَ وصِيَّتَهُ بِيَدِهِ ودَسَّها في مَتاعِهِ، وأوْصى إلى تَمِيمٍ وعَدِيٍّ؛ أنْ يُؤَدِّيا رَحْلَهُ، وأنَّ الرَّسُولَ اسْتَحْلَفَهُما بَعْدَ العَصْرِ، وأنَّهُ حَلَّفَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ العاصِ والمُطَّلِبَ بْنَ أبِي وداعَةَ. وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا السَّبَبَ مُخْتَصَرًا مُجَرَّدًا، فَذَكَرَ فِيهِ أنَّ بُدَيْلَ بْنَ أبِي مَرْيَمَ، كانَ مِنَ المُهاجِرِينَ، وأنَّهُ كَتَبَ كِتابًا فِيهِ ما مَعَهُ، وطَرَحَهُ في مَتاعِهِ، ولَمْ يُخْبِرْ بِهِ صاحِبَيْهِ، فَأصابَ أهْلُ بُدَيْلٍ الصَّحِيفَةَ، فَطالَبُوهُما بِالإناءِ، فَجَحَدُوا فَرُفِعُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَتْ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَمْ يَصِحَّ لِعَدِيٍّ صُحْبَةٌ فِيما عَلِمْتُ، ولا ثَبَتَ إسْلامُهُ، وقَدْ عَدَّهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ في الصَّحابَةِ. وقالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: هَذِهِ الآياتُ عِنْدَ أهْلِ المَعانِي مِن أشْكَلِ ما في القُرْآنِ، إعْرابًا، ومَعْنًى وحُكْمًا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا كَلامُ مَن لَمْ يَقَعْ لَهُ الثَّلَجُ في تَفْسِيرِها، وذَلِكَ بَيِّنٌ مِن كِتابِهِ انْتَهى. وقالَ أبُو الحَسَنِ السَّخاوِيُّ: ما رَأيْتُ أحَدًا مِنَ الأئِمَّةِ تَخَلَّصَ كَلامُهُ فِيها مِن أوَّلِها إلى آخِرِها انْتَهى. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها، هي أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾، كانَ في ذَلِكَ تَنْفِيرٌ عَنِ الضَّلالِ، واسْتِبْعادٌ عَنْ أنْ يُنْتَفَعَ بِهِمْ في شَيْءٍ مِن أُمُورِ المُؤْمِنِينَ مِن شَهادَةٍ، أوْ غَيْرِها، فَأخْبَرَ تَعالى بِمَشْرُوعِيَّةِ شَهادَتِهِمْ، أوِ الإيصاءِ إلَيْهِمْ في السَّفَرِ عَلى ما سَيَأْتِي بَيانُهُ. وقالَ أبُو نَصْرٍ القُشَيْرِيُّ: لَمّا نَزَلَتِ السُّورَةُ بِالوَفاءِ بِالعُقُودِ، وتَرْكِ الخِياناتِ، انْجَرَّ الكَلامُ إلى هَذا. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ بِالرَّفْعِ، وإضافَةِ (شَهادَةُ) إلى (بَيْنِكم) . وقَرَأ الشَّعْبِيُّ والحَسَنُ والأعْرَجُ ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ بِرَفْعِ (شَهادَةٌ)، وتَنْوِينِهِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ والحَسَنُ أيْضًا (شَهادَةً) بِالنَّصْبِ والتَّنْوِينِ. ورُوِيَ هَذا عَنِ الأعْرَجِ وأبِي حَيْوَةَ، (p-٣٩)و(بَيْنَكم) في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ، فَـ (شَهادَةُ) عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ مُبْتَدَأٌ مُضافٌ إلى بَيْنٍ بَعْدَ الِاتِّساعِ فِيهِ، كَقَوْلِهِ هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ، وخَبَرُهُ (اثْنانِ) تَقْدِيرُهُ: شَهادَةُ اثْنَيْنِ، أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ ذَوا شَهادَةِ بَيْنِكُمُ اثْنانِ، واحْتِيجَ إلى الحَذْفِ لِيُطابِقَ المُبْتَدَأُ الخَبَرَ، وكَذا تَوْجِيهُ قِراءَةِ الشَّعْبِيِّ والأعْرَجِ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَرْتَفِعَ (اثْنانِ) عَلى الفاعِلِيَّةِ بِـ (شَهادَةُ)، ويَكُونَ (شَهادَةُ) مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، وقَدَّرَهُ فِيما فُرِضَ عَلَيْكم أنْ يَشْهَدَ اثْنانِ. وقِيلَ: (شَهادَةُ) مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ ﴿إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ . وقِيلَ: خَبَرُهُ ﴿حِينَ الوَصِيَّةِ﴾، ويَرْتَفِعُ (اثْنانِ) عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، التَّقْدِيرُ الشّاهِدانِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم، أوْ عَلى الفاعِلِيَّةِ، التَّقْدِيرُ يَشْهَدُ اثْنانِ. وقِيلَ: (شَهادَةُ) مُبْتَدَأٌ، (واثْنانِ) مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ، وأغْنى الفاعِلُ عَنِ الخَبَرِ. وعَلى الإعْرابِ الأوَّلِ يَكُونُ (إذا) مَعْمُولًا لِلشَّهادَةِ، وأمّا (حِينَ) فَذَكَرُوا أنَّهُ يَكُونُ مَعْمُولًا لِحَضَرَ، أوْ ظَرْفًا لِلْمَوْتِ، أوْ بَدَلًا مِن (إذا) ولَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَ البَدَلِ قالَ ﴿حِينَ الوَصِيَّةِ﴾ بَدَلٌ مِنهُ يَعْنِي مِن (إذا)، وفي إبْدالِهِ مِنهُ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ الوَصِيَّةِ، وأنَّها مِنَ الأُمُورِ اللّازِمَةِ الَّتِي لا يَنْبَغِي أنْ يَتَهاوَنَ بِها المُسْلِمُ، ويَذْهَلَ عَنْها. وحُضُورُ المَوْتِ مُشارَفَتُهُ، وظُهُورُ أماراتِ بُلُوغِ الأجَلِ انْتَهى. وقالَ الماتُرِيدِيُّ، واتَّبَعَهُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: التَّقْدِيرُ ما بَيْنَكم فَحُذِفَ ما. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: يَعْنِي شَهادَةَ ما بَيْنَكم، (وبَيْنِكم) كِنايَةٌ عَنِ التَّنازُعِ؛ لِأنَّ الشُّهُودَ إنَّما يُحْتاجُ إلَيْهِمْ عِنْدَ وُقُوعِ التَّنازُعِ، وحَذْفُ (ما) مِن قَوْلِهِ ما بَيْنَكم، جائِزٌ لِظُهُورِهِ ونَظِيرُهُ ﴿هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨] أيْ ما بَيْنِي وبَيْنِكَ، وقَوْلُهُ ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] في قِراءَةِ مَن نَصَبَ انْتَهى. وحَذْفُ (ما) المَوْصُولَةِ لا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، ومَعَ الإضافَةِ، لا يَصِحُّ تَقْدِيرُ (ما) البَتَّةَ، ولَيْسَ قَوْلُهُ ﴿هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨] نَظِيرُهُ ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] لِأنَّ ذَلِكَ مُضافٌ إلَيْهِ، وهَذا باقٍ عَلى طَرِيقَتِهِ، فَيُمْكِنُ أنْ يُتَخَيَّلَ فِيهِ تَقْدِيرُ (ما) لِأنَّ الإضافَةَ إلَيْهِ أخْرَجَتْهُ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ، وصَيَّرَتْهُ مَفْعُولًا بِهِ عَلى السَّعَةِ، وأمّا تَخْرِيجُ قِراءَةِ السُّلَمِيِّ والحَسَنِ (شَهادَةً) بِالنَّصْبِ والتَّنْوِينِ، ونَصْبِ (بَيْنَكم) فَقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لِيُقِمْ شَهادَةً اثْنانِ، فَجَعَلَ (شَهادَةً) مَفْعُولًا بِإضْمارِ هَذا الأمْرِ، و(اثْنانِ)، مُرْتَفِعٌ بِـ (لِيُقِمْ) عَلى الفاعِلِيَّةِ، وهَذا الَّذِي قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، هو تَقْدِيرُ ابْنِ جِنِّي بِعَيْنِهِ. قالَ ابْنُ جِنِّي: التَّقْدِيرُ لِيُقِمْ شَهادَةً بَيْنَكُمُ اثْنانِ انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ جِنِّي، مُخالِفٌ لِما قالَهُ أصْحابُنا؛ قالُوا: لا يَجُوزُ حَذْفُ الفِعْلِ، وإبْقاءُ فاعِلِهِ، إلّا إنْ أشْعَرَ بِالفِعْلِ ما قَبْلَهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ [النور: ٣٦]، عَلى قِراءَةِ مَن فَتَحَ الباءَ، فَقَرَأهُ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وذَكَرُوا في اقْتِياسِ هَذا خِلافًا؛ أيْ يُسَبِّحُهُ رِجالٌ، فَدَلَّ يُسَبِّحُ عَلى يُسَبِّحُهُ، أوْ أُجِيبَ بِهِ نَفْيٌ كَأنْ يُقالَ لَكَ: ما قامَ أحَدٌ عِنْدَكَ ؟ فَتَقُولُ بَلى زِيدٌ؛ أيْ قامَ زَيْدٌ، أوْ أُجِيبَ بِهِ اسْتِفْهامٌ، كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎ألا هَلْ أتى أُمَّ الحُوَيْرِثِ مُرْسَلٌ بَلْ خالِدٌ إنْ لَمْ تَعُقْهُ العَوائِقُ التَّقْدِيرُ أتى خالِدٌ، أوْ يَأْتِيها خالِدٌ، ولَيْسَ حَذْفُ الفِعْلِ الَّذِي قَدَّرَهُ ابْنُ جِنِّي، وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ واحِدًا مِن هَذِهِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ. والَّذِي عِنْدِي أنَّ هَذِهِ القِراءَةَ الشّاذَّةَ تَخْرُجُ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما؛ أنْ يَكُونَ (شَهادَةً) مَنصُوبَةً عَلى المَصْدَرِ الَّذِي نابَ مَنابَ الفِعْلِ، بِمَعْنى الأمْرِ، واثْنانِ مُرْتَفِعٌ بِهِ، والتَّقْدِيرُ لِيَشْهَدْ بَيْنَكُمُ اثْنانِ فَيَكُونُ مِن بابِ قَوْلِكَ: ضَرْبًا زَيْدًا، إلّا أنَّ الفاعِلَ في ضَرْبًا مُسْنَدٌ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِ؛ لِأنَّ مَعْناهُ اضْرِبْ، وهَذا مُسْنَدٌ إلى الظّاهِرِ؛ لِأنَّ مَعْناهُ لِيَشْهَدْ، والوَجْهُ الثّانِي أنْ يَكُونَ أيْضًا مَصْدَرًا، لَيْسَ بِمَعْنى الأمْرِ، بَلْ يَكُونُ خَبَرًا نابَ مَنابَ الفِعْلِ في الخَبَرِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ قَلِيلًا، كَقَوْلِكَ: افْعَلْ وكَرامَةً ومَسَرَّةً أيْ وأُكْرِمُكَ وأسُرُّكَ، فَكَرامَةٌ ومَسَرَّةٌ بَدَلانِ مِنَ اللَّفْظِ بِالفِعْلِ في الخَبَرِ، وكَما هو الأحْسَنُ في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: ؎وُقُوفًا بِها صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيَّهُمْ فارْتِفاعُ صَحْبِي وانْتِصابُ (مَطِيَّهم) بِقَوْلِهِ وُقُوفًا؛ لِأنَّهُ بَدَلٌ مِنَ اللَّفْظِ بِالفِعْلِ في الخَبَرِ، التَّقْدِيرُ وقَفَ صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيَّهم. والتَّقْدِيرُ في الآيَةِ (p-٤٠)يَشْهَدُ إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ اثْنانِ، والشَّهادَةُ هُنا هَلْ هي الَّتِي تُقامُ بِها الحُقُوقُ عِنْدَ الحُكّامِ، أوِ الحُضُورُ، أوِ اليَمِينُ ؟ ثَلاثَةُ أقْوالٍ آخِرُها لِلطَّبَرِيِّ، والقَفّالِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ﴾ [النور: ٦] . وقِيلَ: تَأْتِي الشَّهادَةُ بِمَعْنى الإقْرارِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ [النساء: ١٦٦]، وبِمَعْنى العِلْمِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨]، وبِمَعْنى الوَصِيَّةِ. وخُرِّجَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ فِيها أرْبَعَةُ أقْوالٍ. * * ﴿ذَوا عَدْلٍ مِنكم أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ . ﴿ذَوا عَدْلٍ﴾ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ (اثْنانِ)، و(مِنكم) صِفَةٌ أُخْرى، و﴿مِن غَيْرِكُمْ﴾ صِفَةٌ لِآخَرانِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (مِنكم) مِن أقارِبِكم، و﴿مِن غَيْرِكُمْ﴾ مِنَ الأجانِبِ ﴿إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ﴾، يَعْنِي إنْ وقَعَ المَوْتُ في السَّفَرِ، ولَمْ يَكُنْ مَعَكم أحَدٌ مِن عَشِيرَتِكم، فاسْتَشْهِدُوا أجْنَبِيَّيْنِ عَلى الوَصِيَّةِ وجَعَلَ الأقارِبَ أوْلى لِأنَّهم أعْلَمُ بِأحْوالِ المَيِّتِ وبِما هو أصْلَحُ وهم لَهُ أنْصَحُ وقِيلَ: (مِنكم) مِنَ المُسْلِمِينَ وإنَّما جازَتْ في أوَّلِ الإسْلامِ لِقِلَّةِ المُسْلِمِينَ وتَعَذُّرِ وجُودِهِمْ في حالِ السَّفَرِ وعَنْ مَكْحُولٍ نَسَخَها قَوْلُهُ: ﴿وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] انْتَهى. وما اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وبَدَأ بِهِ أوَّلًا؛ هو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ والحَسَنِ والزُّهْرِيِّ، قالُوا: أمَرَ اللَّهُ بِإشْهادِ عَدْلَيْنِ مِنَ القَرابَةِ، إذْ هم أحَقُّ بِحالِ الوَصِيَّةِ، وأدْرى بِصُورَةِ العَدْلِ فِيها، فَإنْ كانَ الأمْرُ في سَفَرٍ، ولَمْ تَحْضُرْ قَرابَةٌ، أسْنَدَها إلى غَيْرِهِما مِنَ المُسْلِمِينَ الأجانِبِ، وهَذا القَوْلُ مُخالِفٌ لِما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ، حَتّى ابْنُ عَطِيَّةَ قالَ: لا نَعْلَمُ خِلافًا أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ تَمِيمًا الدّارِيَّ وعَدِيَّ بْنَ زِيادٍ، كانا نَصْرانِيَّيْنِ، وساقا الحَدِيثَ المَذْكُورَ أوَّلًا، فَهَذا القَوْلُ مُخالِفٌ لِسَبَبِ النُّزُولِ، وأمّا القَوْلُ الثّانِي الَّذِي حَكاهُ الزَّمَخْشَرِيُّ؛ هو مَذْهَبُ أبِي مُوسى وابْنِ المُسَيَّبِ ويَحْيى بْنِ يَعْمُرَ وابْنِ جُبَيْرٍ وأبِي مِجْلَزٍ وإبْراهِيمَ وشُرَيْحٍ وعُبَيْدَةَ السَّلْمانِيِّ وابْنِ سِيرِينَ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ (p-٤١)والسُّدِّيِّ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الثَّوْرِيُّ ومالَ إلَيْهِ أبُو عُبَيْدٍ، واخْتارَهُ أحْمَدُ قالُوا: مَعْنى قَوْلِهِ: (مِنكم) مِنَ المُؤْمِنِينَ، ومَعْنى ﴿مِن غَيْرِكُمْ﴾ مِنَ الكُفّارِ. قالَ بَعْضُهم: وذَلِكَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ ولا مُؤْمِنَ إلّا بِالمَدِينَةِ، وكانُوا يُسافِرُونَ بِالتِّجارَةِ صُحْبَةَ أهْلِ الكِتابِ، وعَبَدَةِ الأوْثانِ، وأنْواعِ الكُفّارِ. ومَذْهَبُ أبِي مُوسى وُشُرَيْحٍ وغَيْرِهِما؛ أنَّ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ. قالَ أحْمَدُ: شَهادَةُ أهْلِ الذِّمَّةِ جائِزَةٌ عَلى المُسْلِمِينَ في السَّفَرِ، عِنْدَ عَدَمِ المُسْلِمِينَ. ورَجَّحَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ هَذا القَوْلَ قالَ: قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خِطابٌ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، فَلَمّا قالَ: ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ كانَ مِن غَيْرِ المُؤْمِنِينَ لا مَحالَةَ، وبِأنَّهُ لَوْ كانَ الآخَرانِ مُسْلِمَيْنِ، لَمْ يَكُنْ جَوازُ الِاسْتِشْهادِ بِهِما مَشْرُوطًا بِالسَّفَرِ؛ لِأنَّ المُسْلِمَ جائِزٌ اسْتِشْهادُهُ في الحَضَرِ والسَّفَرِ، وبِأنَّهُ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى وُجُوبِ الحَلِفِ مِن بَعْدِ الصَّلاةِ. وأجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ الشّاهِدَ لا يَجِبُ تَحْلِيفُهُ، فَعَلِمْنا أنَّهُما لَيْسا مِنَ المُسْلِمِينَ، وبِسَبَبِ النُّزُولِ، وهو شَهادَةُ النَّصْرانِيَّيْنِ عَلى بُدَيْلٍ، وكانَ مُسْلِمًا، وبِأنَّ أبا مُوسى قَضى بِشَهادَةِ يَهُودِيَّيْنِ بَعْدَ أنْ حَلَّفَهُما، وما أنْكَرَ عَلَيْهِ أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ، فَكانَ ذَلِكَ إجْماعًا، وبِاتِّفاقِ أكْثَرِ الأُمَّةِ عَلى أنَّ سُورَةَ المائِدَةِ مِن آخِرِ ما نَزَلَ، ولَيْسَ فِيها مَنسُوخٌ. وقالَ أبُو جَعْفَرٍ النَّحّاسُ ناصِرًا لِلْقَوْلِ الأوَّلِ: هَذا يَنْبَنِي عَلى مَعْنًى غامِضٍ في العَرَبِيَّةِ، وذَلِكَ أنَّ مَعْنًى آخَرَ في العَرَبِيَّةِ مِن جِنْسِ الأوَّلِ، تَقُولُ: مَرَرْتُ بِكَرِيمٍ وكَرِيمٍ آخَرَ، فَقَوْلُهُ (آخَرَ) يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مِن جِنْسِ الأوَّلِ، ولا يَجُوزُ عِنْدَ أهْلِ العَرَبِيَّةِ مَرَرْتُ بِكَرِيمٍ وخَسِيسٍ آخَرَ، ولا مَرَرْتُ بِرَجُلٍ وحِمارٍ آخَرَ، فَوَجَبَ مِن هَذا أنْ يَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِ أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ؛ أيْ عَدْلانِ، والكُفّارُ لا يَكُونُونَ عُدُولًا انْتَهى. وما ذَكَرَهُ في المَثَلِ صَحِيحٌ، إلّا أنَّ الَّذِي في الآيَةِ مُخالِفٌ لِلْمَثَلِ الَّتِي ذَكَرَها النَّحّاسُ في التَّرْكِيبِ؛ لِأنَّهُ مَثَّلَ بِآخَرَ وجَعَلَهُ صِفَةً لِغَيْرِ جِنْسِ الأوَّلِ. وأمّا الآيَةُ فَمِن قَبِيلِ ما تَقَدَّمَ فِيهِ آخَرُ عَلى الوَصْفِ، وانْدَرَجَ آخَرُ في الجِنْسِ الَّذِي قَبْلَهُ، ولا يُعْتَبَرُ جِنْسُ وصْفِ الأوَّلِ تَقُولُ: جاءَنِي رَجُلٌ مُسْلِمٌ وآخَرُ كافِرٌ، ومَرَرْتُ بِرَجُلٍ قائِمٍ وآخَرَ قاعِدٍ، واشْتَرَيْتُ فَرَسًا سابِقًا وآخَرَ، مُبْطِئًا، فَلَوْ أخَّرْتَ آخَرَ في هَذِهِ المُثُلِ، لَمْ تَجُزِ المَسْألَةُ، لَوْ قُلْتَ: جاءَنِي رَجُلٌ مُسْلِمٌ وكافِرٌ آخَرُ، ومَرَرْتُ بِرَجُلٍ قائِمٍ وقاعِدٍ آخَرَ، واشْتَرَيْتُ فَرَسًا سابِقًا ومُبْطِئًا آخَرَ، لَمْ يَجُزْ، ولَيْسَتِ الآيَةُ مِن هَذا القَبِيلِ، إلّا أنَّ التَّرْكِيبَ فِيها جاءَ ﴿اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ فَآخَرانِ مِن جِنْسِ قَوْلِهِ ﴿اثْنانِ﴾ ولا سِيَّما إذا قَدَّرْتَهُ رَجُلانِ اثْنانِ فَآخَرانِ هُما مِن جِنْسِ قَوْلِكَ رَجُلانِ اثْنانِ ولا، يُعْتَبَرُ وصْفُ قَوْلِهِ ﴿ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾، وإنْ كانَ مُغايِرًا لِقَوْلِهِ مِن غَيْرِكم، كَما لا يُعْتَبَرُ وصْفُ الجِنْسِ في قَوْلِكَ: عِنْدِي رَجُلانِ اثْنانِ مُسْلِمانِ وآخَرانِ كافِرانِ، إذْ لَيْسَ (p-٤٢)مِن شَرْطِ (آخَرَ) إذا تَقَدَّمَ أنْ يَكُونَ مِن جِنْسِ الأوَّلِ بَعِيدٌ وصْفُهُ، وهو عَلى ما ذَكَرْتُهُ هو لِسانُ العَرَبِ؛ قالَ الشّاعِرُ: ؎كانُوا فَرِيقَيْنِ يُصْغُونَ الزُّجاجَ عَلى قُعْسِ الكَواهِلِ في أشْداقِها ضَخَمُ ؎وآخِرِينَ عَلى الماذِيِّ فَوْقَهم ∗∗∗ مِن نَسْجِ داوُدَ أوْ ما أوْرَثَتْ إرَمُ التَّقْدِيرُ كانُوا فَرِيقَيْنِ فَرِيقًا، أوْ ناسًا يُصْغُونَ الزُّجاجَ ثُمَّ، قالَ: وآخَرِينَ تَرى المَأذِيَ فَآخَرِينَ مِن جِنْسِ قَوْلِكَ فَرِيقًا، ولَمْ يَعْبُرْهُ بِوَصْفِهِ، وهو قَوْلُهُ: يُصْغُونَ الزُّجاجَ؛ لِأنَّ الشّاعِرَ قَسَّمَ مَن ذَكَرَ إلى قِسْمَيْنِ مُتَبايِنَيْنِ بِالوَصْفَيْنِ مُتَّحِدِي الجِنْسِ، وهَذا الفَرْقُ قَلَّ مَن يَفْهَمُهُ، فَضْلًا عَمَّنْ يَعْرِفُهُ، وأمّا القَوْلُ الثّالِثُ الَّذِي حَكاهُ الزَّمَخْشَرِيُّ؛ وهو أنَّهُ مَنسُوخٌ، وحَكاهُ عَنْ مَكْحُولٍ؛ فَهو قَوْلُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ والنَّخَعِيِّ ومالِكٍ والشّافِعِيِّ وأبِي حَنِيفَةَ وغَيْرِهِمْ مِنَ الفُقَهاءِ، إلّا أنَّ أبا حَنِيفَةَ خالَفَهم فَقالَ: تَجُوزُ شَهادَةُ الكُفّارِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ لا عَلى المُسْلِمِينَ، والنّاسِخُ قَوْلُهُ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقَوْلُهُ: ﴿وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، وزَعَمُوا أنَّ آيَةَ الدَّيْنِ مِن آخِرِ ما نَزَلَ. والظّاهِرُ أنَّ أوْ لِلتَّخْيِيرِ. وقالَ بِهِ ابْنُ عَبّاسٍ فَمَن جَعَلَ قَوْلَهُ ﴿مِن غَيْرِكُمْ﴾ أيْ مِن عَشِيرَتِكم كانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ أنْ يَسْتَشْهِدَ أقارِبَهُ، أوِ الأجانِبَ مِنَ المُسْلِمِينَ، ومَن زَعَمَ أنَّ قَوْلَهُ مِن غَيْرِكم أيْ مِنَ الكُفّارِ فاخْتَلَفُوا. فَقِيلَ غَيْرُكم يَعْنِي بِهِ أهْلَ الكِتابِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقِيلَ: أهْلُ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ، وهو ظاهِرُ قَوْلِهِ ﴿مِن غَيْرِكُمْ﴾، وقِيلَ: أوْ لِلتَّرْتِيبِ إذا كانَ قَوْلُهُ ﴿مِن غَيْرِكُمْ﴾ يَعْنِي بِهِ مِن غَيْرِ أهْلِ مِلَّتِكم، فالتَّقْدِيرُ إنْ لَمْ يُوجَدْ مِن مِلَّتِكم. ﴿إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتِ﴾ هَذا التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، ولَوْ جَرى عَلى لَفْظِ ﴿إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ لَكانَ التَّرْكِيبُ إنْ هو ضَرَبَ في الأرْضِ، فَأصابَتْهُ مُصِيبَةُ المَوْتِ، وإنَّما جاءَ الِالتِفاتُ جَمْعًا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ (أحَدَكُمُ) مَعْناهُ إذا حَضَرَ كُلَّ واحِدٍ مِنكُمُ المَوْتُ، والمَعْنى إذا سافَرْتُمْ في الأرْضِ لِمَصالِحِكم ومَعايِشِكم. وظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ اسْتِشْهادَ آخَرَيْنِ مِن غَيْرِ المُسْلِمِينَ، مَشْرُوطٌ بِالسَّفَرِ في الأرْضِ، وحُضُورِ عَلاماتِ المَوْتِ. ﴿تَحْبِسُونَهُما مِن بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، لا لِما دَلَّ عَلَيْهِ الخِطابُ في قَوْلِهِ ﴿إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَأصابَتْكُمْ﴾ لِأنَّ مَن ضَرَبَ في الأرْضِ وأصابَهُ المَوْتُ، لَيْسَ هو الحابِسَ ﴿تَحْبِسُونَهُما﴾ صِفَةٌ لِآخَرانِ، واعْتُرِضَ بَيْنَ المَوْصُوفِ والصِّفَةِ بِقَوْلِهِ (إنْ أنْتُمْ. . . إلى المَوْتِ)، وأفادَ الِاعْتِراضُ؛ أنَّ العُدُولَ إلى آخَرَيْنِ مِن غَيْرِ المِلَّةِ، أوِ القَرابَةِ، حَسَبَ اخْتِلافِ العُلَماءِ في ذَلِكَ، إنَّما يَكُونُ مَعَ ضَرُورَةِ السَّفَرِ، وحُلُولِ المَوْتِ فِيهِ. اسْتَغْنى عَنْ جَوابِ (إنْ) . لِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ انْتَهى. وإلى أنَّ ﴿تَحْبِسُونَهُما﴾ صِفَةٌ. ذَهَبُ الحُوفِيُّ وأبُو البَقاءِ، وهو ظاهِرُ كَلامِ ابْنِ عَطِيَّةَ، إذْ لَمْ يَذْكُرْ غَيْرَ قَوْلِ أبِي عَلِيٍّ الَّذِي قَدَّمْناهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَوْضِعُ ﴿تَحْبِسُونَهُما﴾ ؟ قُلْتُ: هو اسْتِئْنافُ كَلامٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: بَعْدَ اشْتِراطِ العَدالَةِ فِيهِما، فَكَيْفَ إنِ ارْتَبْنا فِيهِما ؟ فَقِيلَ: ﴿تَحْبِسُونَهُما﴾ . وما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنَ الِاسْتِئْنافِ، أظْهَرُ مِنَ (p-٤٣)الوَصْفِ؛ لِطُولِ الفَصْلِ بِالشَّرْطِ، والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بَيْنَ المَوْصُوفِ وصِفَتِهِ. وإنَّما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَعْدَ اشْتِراطِ العَدالَةِ فِيهِما؛ لِأنَّهُ اخْتارَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ، أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكم، مَعْناهُ أوْ عَدْلانِ آخَرانِ مِن غَيْرِ القَرابَةِ. وتَقَدَّمَ مِن كَلامِ أبِي عَلِيٍّ؛ أنَّ العُدُولَ إلى آخَرَيْنِ مِن غَيْرِ المِلَّةِ، أوِ القَرابَةِ، إنَّما يَكُونُ مَعَ ضَرُورَةِ السَّفَرِ، وحُلُولِ المَوْتِ فِيهِ، إلى آخِرِ كَلامِهِ، فَظَهَرَ مِنهُ أنَّ تَقْدِيرَ جَوابِ الشَّرْطِ هو ﴿إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتِ﴾ فاسْتَشْهِدُوا آخَرَيْنِ مِن غَيْرِكم، أوْ فالشّاهِدانِ آخَرانِ مِن غَيْرِكم. والظّاهِرُ أنَّ الشَّرْطَ قَيْدٌ في شَهادَةِ اثْنَيْنِ ذَوَيْ عَدْلٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، أوْ آخَرَيْنِ مِن غَيْرِ المُؤْمِنِينَ، فَيَكُونُ مَشْرُوعِيَّةُ الوَصِيَّةِ لِلضّارِبِ في الأرْضِ المُشارِفِ عَلى المَوْتِ، أنْ يُشْهِدَ اثْنَيْنِ، ويَكُونُ تَقْدِيرُ الجَوابِ: إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ، فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتِ، فاسْتَشْهِدُوا اثْنَيْنِ، إمّا مِنكم، وإمّا مِن غَيْرِكم. ولا يَكُونُ الشَّرْطُ إذْ ذاكَ قَيْدًا في آخَرَيْنِ مِن غَيْرِنا فَقَطْ، بَلْ هو قَيْدٌ فِيمَن ضَرَبَ في الأرْضِ، وشارَفَ المَوْتَ، فَيَشْهَدُ اثْنانِ مِنّا، أوْ مِن غَيْرِنا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في الكَلامِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتِ، وقَدِ اسْتَشْهَدْتُمُوهُما عَلى الإيصاءِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ تَقْدِيرُهُ؛ وقَدْ أوْصَيْتُمْ. قِيلَ: وهَذا أوْلى لِأنَّ الشّاهِدَ لا يَحْلِفُ، والمُوصى يَحْلِفُ. ومَعْنى ﴿تَحْبِسُونَهُما﴾ تَسْتَوْثِقُونَهُما لِلْيَمِينِ، والخِطابُ لِمَن يَلِي ذَلِكَ مِن وُلاةِ الإسْلامِ، وضَمِيرُ المَفْعُولِ عائِدٌ في قَوْلٍ عَلى آخَرَيْنِ مِن غَيْرِ المُؤْمِنِينَ، وظاهِرُ عَوْدِهِ عَلى اثْنَيْنِ مِنّا، أوْ مِن غَيْرِنا، سَواءٌ كانا وصِيَّيْنِ، أوْ شاهِدَيْنِ، وظاهِرُ قَوْلِهِ مِن بَعْدِ الصَّلاةِ؛ أنَّ الألِفَ واللّامَ لِلْجِنْسِ، أوْ مِن بَعْدِ أيِّ صَلاةٍ، وقَدْ قِيلَ: بِهَذا الظّاهِرِ، وخَصَّ ذَلِكَ ابْنُ عَبّاسٍ بِصَلاةِ دِينِهِما، وذَلِكَ تَغْلِيظٌ في اليَمِينِ. وقالَ الحَسَنُ: بَعْدَ العَصْرِ، أوِ الظُّهْرِ؛ لِأنَّ أهْلَ الحِجازِ كانُوا يَقْعُدُونَ لِلْحُكُومَةِ بَعْدَهُما. وقالَ الجُمْهُورُ هي صَلاةُ العَصْرِ؛ لِأنَّهُ وقْتُ اجْتِماعِ النّاسِ، وكَذا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، اسْتَحْلَفَ عَدِيًّا وتَمِيمًا بَعْدَ العَصْرِ عِنْدَ المِنبَرِ، ورُجِّحَ هَذا القَوْلُ بِفِعْلِهِ وبِقَوْلِهِ في الصَّحِيحِ: «مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ كاذِبَةٍ بَعْدَ العَصْرِ، لَقِيَ اللَّهَ وهو عَلَيْهِ غَضْبانُ» . وبِأنَّ التَّحْلِيفَ كانَ مَعْرُوفًا بَعْدَهُما، فالتَّقْيِيدُ بِالمَعْرُوفِ يُغْنِي عَنِ التَّقْيِيدِ بِاللَّفْظِ، وبِأنَّ جَمِيعَ الأدْيانِ يُعَظِّمُونَ هَذا الوَقْتَ، ويَذْكُرُونَ اللَّهَ فِيهِ، فَتَكُونُ الألِفُ واللّامُ في هَذا القَوْلِ لِلْعَهْدِ، وكَذا في قَوْلِ الحَسَنِ. ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إنّا إذًا لَمِنَ الآثِمِينَ﴾ ظاهِرُهُ تَقْيِيدُ حَلِفِهِما بِوُجُودِ الِارْتِيابِ، فَمَتى لَمْ تُوجَدِ الرِّيبَةُ، فَلا تَحْلِيفَ. ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ تَحْلِيفُ أبِي مُوسى لِلْيَهُودِيَّيْنِ اللَّذَيْنِ اسْتَشْهَدَهُما مُسْلِمٌ تُوُفِّيَ عَلى وصِيَّتِهِ عَلى أنَّهُ وقَعَتْ رِيبَةٌ، وإنْ لَمْ يُذْكَرْ ذَلِكَ في قِصَّةِ ذَلِكَ المُسْلِمِ. والفاءُ في قَوْلِهِ (فَيُقْسِمانِ) عاطِفَةٌ هَذِهِ الجُمْلَةَ عَلى قَوْلِهِ ﴿تَحْبِسُونَهُما﴾ هَذا هو الظّاهِرُ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: وإنْ شِئْتَ لَمْ تُقَدِّرِ الفاءَ لِعَطْفِ جُمْلَةٍ، ولَكِنْ تَجْعَلْهُ جَزاءً، كَقَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ: ؎وإنْسانُ عَيْنِي يَحْسِرُ الماءَ تارَةً ∗∗∗ فَيَبْدُو وتاراتٍ يَجُمُّ فَيَغْرَقُ تَقْدِيرُهُ: عِنْدَهُمْ؛ إذا حَسَرَ بَدا، فَكَذَلِكَ إذا حَبَسْتُمُوهُما اقْسِما انْتَهى. ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى تَقْدِيرِ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، وإبْقاءِ جَوابِهِ، فَتَكُونُ الفاءُ إذْ ذاكَ فاءَ الجَزاءِ، وإلى تَقْدِيرِ مُضْمَرٍ بَعْدَ الفاءِ؛ أيْ فَهُما يُقْسِمانِ، وفَهُوَ يَبْدُو. وخَرَّجَ أصْحابُنا بَيْتَ ذِي الرُّمَّةِ عَلى تَوْجِيهٍ آخَرَ، وهو أنَّ قَوْلَهُ: يَحْسِرُ الماءَ تارَةً؛ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الخَبَرِ، وقَدْ عُرِّيَتْ عَنِ الرّابِطِ، فَكانَ القِياسُ أنْ لا تَقَعَ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ، لَكِنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِما بِالفاءِ جُمْلَةً فِيها ضَمِيرُ المُبْتَدَأِ، فَحَصَلَ الرَّبْطُ بِذَلِكَ، و﴿لا نَشْتَرِي﴾ هو جَوابُ قَوْلِهِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ، وفَصَلَ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ بِالشَّرْطِ. والمَعْنى إنِ ارْتَبْتُمْ في شَأْنِهِما واتَّهَمْتُمُوهُما، فَحَلِّفُوهُما. وقِيلَ: إنْ أُرِيدَ بِهِما (p-٤٤)الشّاهِدانِ، فَقَدْ نُسِخَ تَحْلِيفُ الشّاهِدَيْنِ، وإنْ أُرِيدَ الوَصِيّانِ، فَلَيْسَ بِمَنسُوخٍ تَحْلِيفُهُما. وعَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ كانَ يُحَلِّفُ الشّاهِدَ والرّاوِيَ إذا اتَّهَمَهُما. والضَّمِيرُ في (بِهِ) عائِدٌ عَلى اللَّهِ، أوْ عَلى القَسَمِ، أوْ عَلى تَحْرِيفِ الشَّهادَةِ، أقْوالٌ ثالِثُها لِأبِي عَلِيٍّ، وقَوْلُهُ: ﴿نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾ كِنايَةٌ عَنِ الِاسْتِبْدالِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيا، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ ذا ثَمَنٍ لِأنَّ الثَّمَنَ لا يَشْتَرِي، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ﴿لا نَشْتَرِي﴾ لا نَبِيعُ هُنا، وإنْ كانَ ذَلِكَ في اللُّغَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ لا نَحْلِفُ بِاللَّهِ كاذِبِينَ لِأجْلِ المالِ، ولَوْ كانَ مَن نُقْسِمُ لِأجْلِهِ قَرِيبًا مِنّا، وذَلِكَ عَلى عادَتِهِمْ في صِدْقِهِمْ وأمانَتِهِمْ أبَدًا، فَإنَّهم داخِلُونَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلى أنْفُسِكم أوِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥]، وإنَّما قالَ فَإنَّهم داخِلُونَ إلى آخِرِهِ؛ لِأنَّ الِاثْنَيْنِ والآخَرَيْنِ عِنْدَهُ مُؤْمِنُونَ، فانْدَرَجُوا في قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ﴾ [المائدة: ٨] الآيَةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وخَصَّ ذا القُرْبى بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّ العُرْفَ مَيْلُ النَّفْسِ إلى أقْرِبائِهِمْ واسْتِسْهالُهم في جَنْبِ نَفْعِهِمْ ما لا يُسْتَسْهَلُ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾ فَيَكُونُ مِن جُمْلَةِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ. وأضافَ الشَّهادَةَ إلى اللَّهِ لِأنَّهُ تَعالى هو الآمِرُ بِإقامَتِها، النّاهِي عَنْ كِتْمانِها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿ولا نَكْتُمُ﴾ خَبَرًا مِنهُما، أخْبَرا عَنْ أنْفُسِهِما أنَّهُما لا يَكْتُمانِ شَهادَةَ اللَّهِ، ولا يَكُونُ داخِلًا تَحْتَ المُقْسَمِ عَلَيْهِ. وقَرَأ الحَسَنُ والشَّعْبِيُّ ﴿ولا نَكْتُمُ﴾ بِجَزْمِ المِيمِ نَهَيا أنْفُسَهُما عَنْ كِتْمانِ الشَّهادَةِ. ودُخُولُ (لا) النّاهِيَةِ عَلى المُتَكَلِّمِ قَلِيلٌ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ؎إذا ما خَرَجْنا مِن دِمَشْقَ فَلا نَعُدْ ∗∗∗ بِها أبَدًا ما دامَ فِيها الجَراضِمُ . وقَرَأ عَلِيٌّ ونُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ والشَّعْبِيُّ بِخِلافٍ عَنْهُ ﴿شَهادَةَ اللَّهِ﴾ بِنَصْبِهِما، وتَنْوِينِ (شَهادَةً)، وانْتَصَبا بِـ (نَكْتُمُ) . التَّقْدِيرُ ولا نَكْتُمُ اللَّهَ شَهادَةً. قالَ الزَّهْراوِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى؛ ولا نَكْتُمُ شَهادَةً واللَّهِ، ثُمَّ حَذَفَ الواوَ، ونَصَبَ الفِعْلَ إيجازًا. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ والسُّلَمِيِّ والحَسَنِ البَصْرِيِّ شَهادَةً، بِالتَّنْوِينِ، وآللَّهِ، بِالمَدِّ في هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ الَّتِي هي عِوَضٌ مِن حَرْفِ القَسَمِ، دَخَلَتْ تَقْرِيرًا وتَوْقِيفًا لِنُفُوسِ المُقْسِمِينَ، أوْ لِمَن خاطَبُوهُ. ورُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ وغَيْرِهِ أنَّهُ كانَ يَقِفُ عَلى (شَهادَةَ)، بِالهاءِ السّاكِنَةِ، واللَّهِ بِقَطْعِ ألِفِ الوَصْلِ دُونَ مَدِّ الِاسْتِفْهامِ. قالَ ابْنُ جِنِّي: الوَقْفُ عَلى (شَهادَةَ)، بِسُكُونِ الهاءِ واسْتِئْنافِ القَسَمِ، حَسَنٌ؛ لِأنَّ اسْتِئْنافَهُ في أوَّلِ الكَلامِ، أوْقَرُ لَهُ، وأشَدُّ هَيْبَةً مِن أنْ يَدْخُلَ في عَرَضِ القَوْلِ. ورُوِيَ عَنْ يَحْيى بْنِ آدَمَ عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ عَيّاشٍ (شَهادَةً) بِالتَّنْوِينِ (اللَّهِ) بِقَطْعِ الألِفِ، دُونَ مَدٍّ، وخَفْضِ هاءِ الجَلالَةِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ عَنِ الشَّعْبِيِّ. وقَرَأ الأعْمَشُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ (لَمِلّاثِمِينَ)، بِإدْغامِ نُونِ (مِن) في لامِ الآثِمِينَ بَعْدَ حَذْفِ الهَمْزَةِ، ونَقْلِ حَرَكَتِها إلى اللّامِ. ﴿فَإنْ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا﴾ أيْ فَإنْ عُثِرَ بَعْدَ حَلِفِهِما عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا؛ أيْ ذَنْبًا بِحِنْثِهِما في اليَمِينِ، بِأنَّها لَيْسَتْ مُطابِقَةً لِلْواقِعِ (وعُثِرَ) اسْتِعارَةٌ لِما يُوقَعُ عَلى عِلْمِهِ بَعْدَ خَفائِهِ وبَعْدَ أنْ لَمْ يَرْجُ، ولَمْ يَقْصِدْ، كَما تَقُولُ: عَلى الخَبِيرِ سَقَطْتَ ووَقَعْتَ عَلى كَذا. قالَ أبُو عَلِيٍّ: الإثْمُ هُنا، هو الشَّيْءُ المَأْخُوذُ؛ لِأنَّ أخْذَهُ إثْمٌ فَسُمِّي إثْمًا، كَما يُسَمّى ما أُخِذَ بِغَيْرِ الحَقِّ، مَظْلَمَةً. قالَ سِيبَوَيْهِ: المَظْلَمَةُ اسْمُ ما أُخِذَ مِنكَ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ هَذا المَأْخُوذُ بِاسْمِ المَصْدَرِ انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ الإثْمَ هُنا لَيْسَ الشَّيْءَ المَأْخُوذَ، بَلِ الذَّنْبَ الَّذِي اسْتَحَقّا بِهِ أنْ يَكُونا مِنَ الآثِمِينَ الَّذِي تَبَرَّآ أنْ يَكُونا مِنهم في قَوْلِهِما ﴿إنّا إذًا لَمِنَ الآثِمِينَ﴾ ولَوْ كانَ الإثْمُ هو الشَّيْءَ المَأْخُوذَ، ما قِيلَ فِيهِ: اسْتَحَقّا إثْمًا؛ لِأنَّهُما ظَلَما، وتَعَدَّيا، وذَلِكَ هو المُوجِبُ لِلْإثْمِ. ﴿فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ﴾ (p-٤٥)قَرَأ الحَرَمِيّانِ والعَرَبِيّانِ والكِسائِيُّ (اسْتَحَقَّ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ (والأوْلَيانِ) مُثَنّى مَرْفُوعٌ تَثْنِيَةُ الأوْلى، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أُبَيٍّ وعَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ وعَنِ ابْنِ كَثِيرٍ في رِوايَةِ قُرَّةَ عَنْهُ. وقَرَأ حَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ (اسْتُحِقَّ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ (والأوَّلِينَ) جَمْعُ الأوَّلِ. وقَرَأ الحَسَنُ (اسْتَحَقَّ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، الأوَّلانِ مَرْفُوعٌ، تَثْنِيَةُ أوَّلَ. وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ الأوْلَيَيْنِ، تَثْنِيَةُ الأوَّلِ، فَأمّا القِراءَةُ الأُولى، فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَآخَرانِ) فَشاهِدانِ آخَرانِ ﴿يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ﴾ عَلَيْهِمْ؛ أيْ مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الإثْمُ، ومَعْناهُ وهُمُ الَّذِينَ جُنِيَ عَلَيْهِمْ، وهم أهْلُ المَيِّتِ، وِعِتْرَتُهُ. وفي قِصَّةِ بُدَيْلٍ أنَّهُ لَمّا ظَهَرَتْ خِيانَةُ الرَّجُلَيْنِ، حَلَّفَ رَجُلَيْنِ مِن ورَثَتِهِ أنَّهُ إناءُ صاحِبِهِما، وأنَّ شَهادَتَهُما أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما. (والأوْلَيانِ) الأحَقّانِ بِالشَّهادَةِ لِقَرابَتِهِما ومَعْرِفَتِهِما وارْتِفاعِهِما عَلى هُما الأوْلَيانِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ومَن هُما، فَقِيلَ (الأوْلَيانِ) . وقِيلَ: هُما بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (يَقُومانِ) أوْ مِن آخَرانِ، ويَجُوزُ أنْ يَرْتَفِعا بِاسْتَحَقَّ أيْ مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ابْتَدَأتِ الأوْلَيَيْنِ مِنهم لِلشَّهادَةِ؛ لِاطِّلاعِهِمْ عَلى حَقِيقَةِ الحالِ انْتَهى. وقَدْ سَبَقَهُ أبُو عَلِيٍّ إلى أنَّ تَخْرِيجَ رَفْعِ (الأوْلَيانِ) عَلى تَقْدِيرِ هُما الأوْلَيانِ، وعَلى البَدَلِ مِن ضَمِيرِ (يَقُومانِ)، وزادَ أبُو عَلِيٍّ وجْهَيْنِ آخَرَيْنِ: أحَدُهُما؛ أنْ يَكُونَ (الأوْلَيانِ) مُبْتَدَأً مُؤَخَّرًا، والخَبَرُ آخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما، كَأنَّهُ في التَّقْدِيرِ فالأوْلَيانِ بِأمْرِ المَيِّتِ آخَرانِ يَقُومانِ، فَيَجِيءُ الكَلامُ، كَقَوْلِهِمْ: تَمِيمِيٌّ أنا، والوَجْهُ الآخَرُ أنْ يَكُونَ (الأوْلَيانِ) مُسْنَدًا إلَيْهِ (اسْتَحَقَّ) . قالَ أبُو عَلِيٍّ فِيهِ شَيْءٌ آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ (الأوْلَيانِ) صِفَةً لِآخَرانِ؛ لِأنَّهُ لَمّا وُصِفَ خُصِّصَ، فَوُصِفَ مِن أجْلِ الِاخْتِصاصِ الَّذِي صارَ لَهُ انْتَهى. وهَذا الوَجْهُ ضَعِيفٌ لِاسْتِلْزامِهِ هَدْمَ ما كادُوا أنْ يُجْمِعُوا عَلَيْهِ مِن أنَّ النَّكِرَةَ لا تُوصَفُ بِالمَعْرِفَةِ، ولا العَكْسُ. وعَلى ما جَوَّزَهُ أبُو الحَسَنِ يَكُونُ إعْرابُ قَوْلِهِ: ﴿فَآخَرانِ﴾ مُبْتَدَأً والخَبَرُ (يَقُومانِ) ويَكُونُ قَدْ وُصِفَ بِقَوْلِهِ مِنَ الَّذِينَ، أوْ يَكُونُ قَدْ وُصِفَ بِقَوْلِهِ (يَقُومانِ)، والخَبَرُ ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾ ولا يَضُرُّ الفَصْلُ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ بِالخَبَرِ، أوْ يَكُونانِ صِفَتَيْنِ لِقَوْلِهِ: ﴿فَآخَرانِ﴾، ويَرْتَفِعُ آخَرانِ عَلى خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ فالشّاهِدانِ آخَرانِ، ويَجُوزُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ أنْ يَرْتَفِعَ عَلى الفاعِلِ؛ أيْ فَلْيَشْهَدْ آخَرانِ. وأمّا مَفْعُولُ (اسْتَحَقَّ) فَتَقَدَّمَ تَقْدِيرُ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الإثْمَ، ويَعْنِي أنَّهُ ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى الإثْمِ؛ لِأنَّ الإثْمَ مَحْذُوفٌ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ حَذْفُ المَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وقَدْ سَبَقَهُ أبُو عَلِيٍّ والحَوْفِيُّ إلى هَذا التَّقْدِيرِ، وأجازُوا وجْهَيْنِ آخَرَيْنِ، أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الإيصاءَ، والثّانِي: أنْ يَكُونَ مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الوَصِيَّةَ. وأمّا ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنِ ارْتِفاعِ قَوْلِهِ (الأوْلَيانِ) بِـ (اسْتَحَقَّ)، فَقَدْ أجازَهُ أبُو عَلِيٍّ كَما تَقَدَّمَ، ثُمَّ مَنَعَهُ قالَ لِأنَّ المُسْتَحَقَّ إنَّما يَكُونُ الوَصِيَّةَ أوْ شَيْئًا مِنها. وأمّا (الأوْلَيانِ) بِالمَيِّتِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَسْتَحِقّا فَيُسْنَدَ (اسْتَحَقَّ) إلَيْهِما، إلّا أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ إنَّما رَفَعَ قَوْلَهُ الأوْلَيانِ بِـ (اسْتَحَقَّ) عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ مُضافٍ نابَ عَنْهُ (الأوْلَيانِ)، فَقَدَّرَهُ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ انْتِدابُ الأوْلَيَيْنِ مِنهم لِلشَّهادَةِ لِاطِّلاعِهِمْ عَلى حَقِيقَةِ الحالِ، فَيَسُوغُ تَوْجِيهُهُ، وأجازَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَلى أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ؛ مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ إثْمُ الأوَّلَيْنِ، وأجازَ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْضًا أنْ يَرْتَفِعَ (الأوْلَيانِ) بِـ (اسْتَحَقَّ)، وطَوَّلَ في تَقْرِيرِ ذَلِكَ، ومُلَخَّصُهُ أنَّهُ حَمَلَ اسْتَحَقَّ هُنا عَلى الِاسْتِعارَةِ بِأنَّهُ لَيْسَ اسْتِحْقاقًا حَقِيقَةً لِقَوْلِهِ: ﴿اسْتَحَقّا إثْمًا﴾، وإنَّما مَعْناهُ أنَّهم غَلَبُوا عَلى المالِ بِحُكْمِ انْفِرادِ هَذا المَيِّتِ وعَدْمِهِ لِقَرابَتِهِ، أوْ لِأهْلِ دِينِهِ، فَجَعَلَ تَسَوُّرَهم عَلَيْهِ اسْتِحْقاقًا مَجازًا، والمَعْنى مِنَ الجَماعَةِ الَّتِي غابَتْ، وكانَ حَقُّها أنْ تُحْضِرَ ولِيَّها. قالَ: فَلَمّا غابَتْ وانْفَرَدَ هَذا المُوصِي، اسْتَحَقَّتْ هَذِهِ الحالَ، وهَذانِ الشّاهِدانِ مِن غَيْرِ أهْلِ الدِّينِ الوِلايَةَ، وأمْرِ الأوْلَيَيْنِ عَلى هَذِهِ الجَماعَةِ، ثُمَّ يُبْنى الفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ عَلى هَذا المَعْنى إيجازًا، ويُقَوِّي هَذا الغَرَضَ أنْ يُعَدّى الفِعْلُ (p-٤٦)بِعَلى لَمّا كانَ بِاقْتِدارٍ، وحُمِلَ هُنا عَلى الحالِ، ولا يُقالُ اسْتَحَقَّ مِنهُ أوْ فِيهِ، إلّا في الِاسْتِحْقاقِ الحَقِيقِيِّ عَلى وجْهِهِ، وأمّا اسْتَحَقَّ عَلَيْهِ، فَيُقالُ في الحَمْلِ والغَلَبَةِ والِاسْتِحْقاقِ المُسْتَعارِ انْتَهى. والضَّمِيرُ في (مَقامَهُما) عائِدٌ عَلى شاهِدَيِ الزُّورِ، و﴿مِنَ الَّذِينَ﴾ هم وُلاةُ المَيِّتِ. وقالَ النَّحّاسُ في قَوْلِ مَن قَدَّرَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الإيصاءَ: هَذا مِن أحْسَنِ ما قِيلَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ حَرْفًا بَدَلًا مِن حَرْفٍ، يَعْنِي أنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ (عَلى) بِمَعْنى (في)، ولا بِمَعْنى (مِن)، وقَدْ قِيلَ: بِهِما أيْ مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ مِنهُمُ الإثْمَ لِقَوْلِهِ: ﴿إذا اكْتالُوا عَلى النّاسِ﴾ [المطففين: ٢] أيْ مِنَ النّاسِ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الإثْمَ، وأجازَ ابْنُ العَرَبِيِّ تَقْدِيرَ الإيصاءِ، واخْتارَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ وابْنُ الفَضْلِ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ المالَ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ: وقَدْ أكْثَرَ النّاسُ في أنَّهُ لَمْ يُوصَفْ مَوالِي بِهَذا الوَصْفِ، وذَكَرُوا فِيهِ قَوْلًا، والأصَحُّ عِنْدِي فِيهِ وجْهٌ واحِدٌ؛ وهو أنَّهم وُصِفُوا بِذَلِكَ بِأنَّهُ لَمّا أخَذَ مالَهُمُ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ مالَهم، فَإنَّ مَن أخَذَ مالَ غَيْرِهِ، فَقَدْ حاوَلَ أنْ يَكُونَ تَعَلُّقُهُ بِذَلِكَ المالِ تَعَلُّقَ مِلْكِهِ لَهُ، فَصَحَّ أنْ يُوصَفَ المالِكُ بِأنَّهُ قَدِ اسْتَحَقَّ عَلَيْكَ ذَلِكَ المالَ انْتَهى. (والأوْلَيانِ) بِمَعْنى الأقْرَبَيْنِ إلى المَيِّتِ، أوِ الأوْلَيانِ بِالحَلِفِ؛ وذَلِكَ أنَّ الوَصِيَّيْنِ ادَّعَيا؛ أنَّ مُورِثَ هَذَيْنِ الشّاهِدَيْنِ باعَهُما الإناءَ، وهُما أنْكَرا ذَلِكَ، فاليَمِينُ حَقٌّ لَهُما، كَإنْسانٍ أقَرَّ لِآخَرَ بِدَيْنٍ، وادَّعى أنَّهُ قَضاهُ، فَتُرَدُّ اليَمِينُ عَلى الَّذِي ادَّعى أوَّلًا؛ لِأنَّهُ صارَ مُدَّعًى عَلَيْهِ. وتَلَخَّصَ في إعْرابِ (الأوْلَيانِ) عَلى هَذِهِ القِراءَةِ وُجُوهٌ الِابْتِداءُ، والخَبَرُ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والبَدَلُ مِن ضَمِيرِ (يَقُومانِ) والبَدَلُ مِن (آخَرانِ)، والوَصْفُ لِـ (آخَرانِ) والمَفْعُولِيَّةُ بِـ (اسْتَحَقَّ) عَلى حَذْفِ مُضافٍ مُخْتَلَفٍ في تَقْدِيرِهِ. وأمّا القِراءَةُ الثّانِيَةُ، وهي بِناءُ (اسْتَحَقَّ) لِلْفاعِلِ، ورَفْعُ الأوْلَيَيْنِ، فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ مِنَ الوَرَثَةِ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ أوْلَيانِ مِن سَهْمٍ بِالشَّهادَةِ أنْ يُجَرِّدُوهُما لِقِيامِ الشَّهادَةِ، ويُظْهِرُوا بِهِما كَذِبَ الكاذِبِينَ انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ما مُلَخَّصُهُ (الأوْلَيانِ) رُفِعَ بِـ (اسْتَحَقَّ)، وذَلِكَ عَلى أنْ يَكُونَ المَعْنى ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾ مالَهم وتَرَكَهم شاهِدا الزُّورِ، فَسُمِّيا أوْلَيَيْنِ؛ أيْ صَيَّرَهُما عَدَمُ النّاسِ أوْلى بِهَذا المَيِّتِ وتَرِكَتِهِ، فَجازا فِيها. أوْ يَكُونُ المَعْنى مِنَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمْ أنْ يَكُونَ الأوْلَيانِ مِنهم، فاسْتَحَقَّ بِمَعْنى حَقَّ، كاسْتَعْجَبَ وعَجِبَ. أوْ يَكُونُ (اسْتَحَقَّ) بِمَعْنى سَعى واسْتَوْجَبَ فالمَعْنى مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ حَضَرَ أوْلَيانِ مِنهم، فاسْتَحَقّا عَلَيْهِمْ؛ أيِ اسْتَحَقّا لَهم وسَعَيا فِيهِ، واسْتَوْجَباهُ بِأيْمانِهِما وقُرْبانِهِما انْتَهى. وقالَ بَعْضُهم: المَفْعُولُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ وصِيَّتَهُما. وأمّا القِراءَةُ الثّالِثَةُ، وهي قِراءَةُ (اسْتَحَقَّ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والأوَّلِينَ جَمْعُ الأوَّلِ، فَخُرِّجَ عَلى أنَّ الأوَّلِينَ وصْفٌ لِلَّذِينَ. قالَ أبُو البَقاءِ: أوْ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ بِعَلى. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ، ومَعْنى الأوَّلِيَّةِ التَّقَدُّمُ عَلى الأجانِبِ في الشَّهادَةِ؛ لِكَوْنِهِمْ أحَقَّ بِها انْتَهى. وهَذا عَلى تَفْسِيرِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ أنَّهُمُ الأجانِبُ، لا أنَّهُمُ الكُفّارُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْناها مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ أمْرَهُمْ؛ أيْ غَلَبُوا عَلَيْهِ، ثُمَّ وصَفَهم بِأنَّهم أوَّلُونَ؛ أيْ في الذِّكْرِ في هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ انْتَهى. وأمّا القِراءَةُ الرّابِعَةُ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، فالأوَّلانِ مَرْفُوعٌ بِاسْتَحَقَّ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَحْتَجُّ بِهِ مَن يَرى رَدَّ اليَمِينِ عَلى المُدَّعِي، وهو أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ؛ لا يَرَوْنَ ذَلِكَ، فَوُجِّهَ عِنْدَهم أنَّ الوَرَثَةَ قَدِ ادَّعَوْا عَلى النَّصْرانِيَّيْنِ أنَّهُما أُخْتانا، فَحَلَفا، فَلَمّا ظَهَرَ كَذِبُهُما، ادَّعَيا الشِّراءَ فِيما كَتَماهُ، فَأنْكَرَ الوَرَثَةُ، فَكانَ اليَمِينُ عَلى الوَرَثَةِ؛ لِإنْكارِهِمُ الشِّراءَ. وأمّا القِراءَةُ الخامِسَةُ، وهي قِراءَةُ ابْنِ سِيرِينَ؛ فانْتِصابُ الأوْلَيَيْنِ عَلى المَدْحِ. ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما وما اعْتَدَيْنا﴾ أيْ فَيُقْسِمُ الآخَرانِ القائِمانِ مَقامَ شَهادَةِ التَّحْرِيفِ أنَّ ما أخْبَرا بِهِ حَقٌّ، والَّذِي ذَكَرْناهُ مِن نَصِّ القِصَّةِ أحَقُّ مِمّا ذَكَراهُ أوَّلًا وحَرَّفا فِيهِ وما زِدْنا عَلى الحَدِّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَيَمِينُنا أحَقُّ مِن يَمِينِهِما ومَن (p-٤٧)قالَ: الشَّهادَةُ في أوَّلِ القِصَّةِ، لَيْسَتْ بِمَعْنى اليَمِينِ، قالَ هُنا الشَّهادَةُ يَمِينٌ، وسُمِّيَتْ شَهادَةً؛ لِأنَّها يَثْبُتُ بِها الحُكْمُ كَما يَثْبُتُ بِالشَّهادَةِ. قالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: (أحَقُّ) أصَحُّ لِكُفْرِهِما وإيمانِنا انْتَهى. ﴿إنّا إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ خَتَما بِهَذِهِ الجُمْلَةِ تَبَرِّيًا مِنَ الظُّلْمِ، واسْتِقْباحًا لَهُ، وناسَبَ الظُّلْمُ هُنا لِقَوْلِهِما: ﴿وما اعْتَدَيْنا﴾ . والِاعْتِداءُ والظُّلْمُ، مُتَقارِبانِ، وناسَبَ خَتْمُ ما أقْسَمَ عَلَيْهِ شاهِدا الزُّورِ بِقَوْلِهِ ﴿لَمِنَ الآثِمِينَ﴾ لِأنَّ عَدَمَ مُطابَقَةِ يَمِينِهِما لِلْواقِعِ، وكَتْمِهِما الشَّهادَةَ، يَجُرّانِ إلَيْهِما الإثْمَ. ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾ أيْ ذَلِكَ الحُكْمُ السّابِقُ، ولَمّا كانَ الشّاهِدانِ لَهُما حالَتانِ: حالَةٌ يُرْتابُ فِيها إذا شَهِدا، فَإذْ ذاكَ يُحْبَسانِ بَعْدَ الصَّلاةِ، ويَحْلِفانِ اليَمِينَ المَشْرُوعَةَ في الآيَةِ، قُوبِلَتْ هَذِهِ الحالَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها﴾ أيْ عَلى ما شَهِدا حَقِيقَةً دُونَ إنْكارٍ، ولا تَحْرِيفٍ ولا كَذِبٍ، وحالَةٌ يُطَّلَعُ فِيها إذا شَهِدا عَلى إثْمِهِما بِالشَّهادَةِ، وكَذِبِهِما في الحَلِفِ، فَإذْ ذاكَ لا يُلْتَفَتُ إلى أيْمانِهِمْ، وتُرَدُّ عَلى شُهُودٍ آخَرِينَ، فَعُمِلَ بِأيْمانِهِمْ، وذَلِكَ بَعْدَ حَلِفِهِمْ وافْتِضاحِهِمْ فِيها بِظُهُورِ كَذِبِهِمْ، قُوبِلَتْ هَذِهِ الحالَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾ . وكانَ العَطْفُ بِأوْ؛ لِأنَّ الشّاهِدَيْنِ إذا لَمْ يَتَّضِحْ صِدْقُهُما، لا يَخْلُوانِ مِن إحْدى هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ: إمّا حُصُولُ رِيبَةٍ في شَهادَتِهِما، وإمّا الِاطِّلاعُ عَلى خِيانَتِهِما؛ فَلِذَلِكَ كانَ العَطْفُ بِأوِ المَوْضُوعَةِ لِأحَدِ الشَّيْئَيْنِ، أوِ الأشْياءِ. فالمَعْنى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الأحْكامِ أقْرَبُ إلى حُصُولِ إقامَةِ الشَّهادَةِ عَلى ما يَنْبَغِي، أوْ خَوْفِ رَدِّ الأيْمانِ إلى غَيْرِهِمْ، فَتَسْقُطُ أيْمانُهم ولا تُقْبَلُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ذَلِكَ كُلُّهُ يُقَرِّبُ اعْتِدالَ هَذا الصِّنْفِ فِيما عَسى أنْ يَنْزِلَ مِنَ النَّوازِلِ؛ لِأنَّهم يَخافُونَ التَّحْلِيفَ المُغَلَّظَ بِعَقِبِ الصَّلاةِ، ثُمَّ يَخافُونَ الفَضِيحَةَ، ورَدَّ اليَمِينِ انْتَهى. وقِيلَ: ذَلِكَ إشارَةٌ إلى تَحْلِيفِ الشّاهِدَيْنِ في جَمْعٍ مِنَ النّاسِ. وقِيلَ: إلى الحَبْسِ بَعْدَ الصَّلاةِ فَقَطْ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَظْهَرُ هَذا مِن كَلامِ السُّدِّيِّ، وأوَّلَ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: تُحِبُّنِي يا زَيْدُ، أوْ تُسْخِطُنِي، كَأنَّكَ قُلْتَ: وإلّا أسْخَطْتَنِي، فَكَذَلِكَ مَعْنى الآيَةِ (ذَلِكَ أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها وإلّا خافُوا رَدَّ الأيْمانِ) . وأمّا عَلى مَذْهَبِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ فالمَعْنى ذَلِكَ الحُكْمُ كُلُّهُ أقْرَبُ إلى أنْ يَأْتُوا، أوْ أقْرَبُ إلى أنْ يَخافُوا انْتَهى. فَتَلَخَّصَ أنَّ (أوْ) تَكُونُ عَلى بابِها، أوْ تَكُونُ بِمَعْنى الواوِ. و(يَخافُوا) مَعْطُوفٌ في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ عَلى (يَأْتُوا)، أوْ يَكُونُ بِمَعْنى إلى أنْ، كَقَوْلِكَ لَألْزَمَنَّكَ، أوْ تَقْضِينِي حَقِّي، وهي الَّتِي عَبَّرَ عَنْها ابْنُ عَطِيَّةَ بِتِلْكَ العِبارَةِ السّابِقَةِ مِن تَقْدِيرِها بِشَرْطٍ مَحْذُوفٍ فِعْلُهُ وجَزاؤُهُ، وإذا كانَتْ بِمَعْنى إلى أنْ، فَهي عِنْدَ البَصْرِيِّينَ عَلى بابِها مِن كَوْنِها لِأحَدِ الشَّيْئَيْنِ. إلّا أنَّ العَطْفَ بِها لا يَكُونُ عَلى الفِعْلِ الَّذِي هو (يَأْتُوا)، لَكِنَّهُ يَكُونُ عَلى مَصْدَرٍ مُتَوَهَّمٍ، وذَلِكَ عَلى ما تَقَرَّرَ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ. وجُمِعَ الضَّمِيرُ في يَأْتُوا وما بَعْدَهُ، وإنْ كانَ السّابِقُ مُثَنًّى، فَقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى الشّاهِدَيْنِ بِاعْتِبارِ الصِّنْفِ والنَّوْعِ. وقِيلَ: لا يَعُودُ إلى كِلَيْهِما بِخُصُوصِيَّتِهِما، بَلْ إلى النّاسِ الشُّهُودِ، والتَّقْدِيرُ ذَلِكَ أدْنى أنْ يَحْذَرَ النّاسُ الخِيانَةَ، فَيَشْهَدُوا بِالحَقِّ؛ خَوْفَ الفَضِيحَةِ في رَدِّ اليَمِينِ عَلى المُدَّعِي. ﴿واتَّقُوا اللَّهَ واسْمَعُوا﴾ أيِ احْذَرُوا عِقابَ اللَّهِ تَعالى، واتَّخِذُوا وِقايَةً مِنهُ، بِأنْ لا تَخُونُوا، ولا تَحْلِفُوا بِهِ كاذِبِينَ، وأدُّوا الأمانَةَ إلى أهْلِها، واسْمَعُوا سَماعَ إجابَةٍ وقَبُولٍ. ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ إشارَةٌ إلى مَن حَرَّفَ الشَّهادَةَ أنَّهُ فاسِقٌ خارِجٌ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ، فاللَّهُ لا يَهْدِيهِ إلّا إذا تابَ، فاللَّفْظُ عامٌّ، والمَعْنى اشْتِراطُ انْتِفاءِ التَّوْبَةِ.

المائدة 5:107

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيَّةِ اثْنانِ﴾ . رَوى البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ تَمِيمٌ الدّارِيُّ وعْدِيٌّ يَخْتَلِفانِ إلى مَكَّةَ، فَخَرَجَ مَعَهُما فَتًى مِن بَنِي سَهْمٍ، فَتُوفِّيَ بِأرْضٍ لَيْسَ فِيها مُسْلِمٌ، (p-٣٨)فَأوْصى إلَيْهِما، فَدَفَعا تَرِكَتَهُ إلى أهْلِهِ، وحَبَسا جامًا مِن فِضَّةٍ مَخُوصًا بِالذَّهَبِ، فاسْتَحْلَفَهُما - وفي رِوايَةٍ - فَحَلَّفَهُما بَعْدَ العَصْرِ النَّبِيُّ ﷺ ”ما كَتَمْتُما ولا اطَّلَعْتُما“ ثُمَّ وُجِدَ الجامُ بِمَكَّةَ، فَقالُوا: اشْتَرَيْناهُ مِن عَدِيٍّ وتَمِيمٍ، فَجاءَ الرَّجُلانِ مِن ورَثَةِ السَّهْمِيِّ، فَحَلَفا أنَّ هَذا الجامَ لِلسَّهْمِيِّ، ولَشَهادَتُنا أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما وما اعْتَدَيْنا قالَ: فَأخَذا الجامَ»، وفِيهِمْ نَزَلَتِ الآيَةُ. قِيلَ: والسَّهْمِيُّ، هو مَوْلًى لِبَنِي سَهْمٍ، يُقالُ لَهُ: بَدِيلُ بْنُ أبِي مَرْيَمَ، وأنَّ جامَ الفِضَّةِ كانَ يُرِيدُ بِهِ (المَلِكَ)، وهو أعْظَمُ تِجاراتِهِ، وأنَّ عَدِيًّا وتَمِيمًا باعاهُ بِألْفِ دِرْهَمٍ واقْتَسَماها. وقِيلَ: اسْمُهُ بَدِيلُ بْنُ أبِي مارِيَةَ مَوْلى العاصِي بْنِ وائِلٍ السَّهْمِيِّ، وأنَّهُ خَرَجَ مُسافِرًا في البَحْرِ إلى أرْضِ النَّجاشِيِّ، وأنَّ إناءَ الفِضَّةِ كانَ وزْنُهُ ثَلاثَمِائَةِ مِثْقالٍ، وكانَ مُمُوَّهًا بِالذَّهَبِ، قالَ فَقَدِمُوا الشّامَ، فَمَرِضَ بَدِيلٌ، وكانَ مُسْلِمًا الحَدِيثَ. وذَكَرَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الفَضْلِ أنَّ ورَثَةَ بُدَيْلٍ قالُوا لَهُما: ألَسْتُما زَعَمْتُما أنَّ صاحِبَنا لَمْ يَبِعْ شَيْئًا مِن مَتاعِهِ، فَما بالُ هَذا الإناءِ مَعَكُما، وهو مِمّا خَرَجَ صاحِبُنا بِهِ، وقَدْ حَلَفْتُما عَلَيْهِ، قالا: إنّا كُنّا ابْتَعْناهُ مِنهُ، ولَمْ يَكُنْ لَنا عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، فَكَرِهْنا أنْ نُقِرَّ لَكم، فَتَأْخُذُوهُ مِنّا، وتَسْألُوا عَلَيْهِ البَيِّنَةَ، ولا نَقْدِرُ عَلَيْها، فَرَفَعُوهُما إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَتِ انْتَهى. وفي رِوايَةٍ قالَ تَمِيمٌ: فَلَمّا أسْلَمْتُ بَعْدَ قُدُومِ النَّبِيِّ ﷺ المَدِينَةَ تَأثَّمْتُ مِن ذَلِكَ، فَأتَيْتُ أهْلَهُ وأخْبَرْتُهُمُ الخَبَرَ، وأدَّيْتُ لَهم خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ، وأخْبَرْتُهم أنَّ عِنْدَ صاحِبِي مِثْلَها، فَأتَوْا بِهِ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَسَألَهُمُ البَيِّنَةَ، فَلَمْ يَجِدُوا ما أُمِرُوا بِهِ، فَأمَرَهم أنْ يَسْتَحْلِفُوهُ بِما يُقْطَعُ بِهِ عَلى أهْلِ دِينِهِ، فَحَلَفَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ إلى قَوْلِهِ: ﴿بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾ فَقامَ عَمْرُو بْنُ العاصِ ورَجُلٌ آخَرُ مِنهم، فَحَلَفا، فَنُزِعَتِ الخَمْسُمِائَةِ مِن يَدِ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ. وزادَ الواقِدِيُّ في حَدِيثِهِ أنَّ تَمِيمًا وعَدِيًّا كانا أخَوَيْنِ، ويَعْنِي، واللَّهُ أعْلَمُ، أنَّهُما أخَوانِ لِأُمٍّ، وأنَّ بُدَيْلًا كَتَبَ وصِيَّتَهُ بِيَدِهِ ودَسَّها في مَتاعِهِ، وأوْصى إلى تَمِيمٍ وعَدِيٍّ؛ أنْ يُؤَدِّيا رَحْلَهُ، وأنَّ الرَّسُولَ اسْتَحْلَفَهُما بَعْدَ العَصْرِ، وأنَّهُ حَلَّفَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ العاصِ والمُطَّلِبَ بْنَ أبِي وداعَةَ. وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا السَّبَبَ مُخْتَصَرًا مُجَرَّدًا، فَذَكَرَ فِيهِ أنَّ بُدَيْلَ بْنَ أبِي مَرْيَمَ، كانَ مِنَ المُهاجِرِينَ، وأنَّهُ كَتَبَ كِتابًا فِيهِ ما مَعَهُ، وطَرَحَهُ في مَتاعِهِ، ولَمْ يُخْبِرْ بِهِ صاحِبَيْهِ، فَأصابَ أهْلُ بُدَيْلٍ الصَّحِيفَةَ، فَطالَبُوهُما بِالإناءِ، فَجَحَدُوا فَرُفِعُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَتْ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَمْ يَصِحَّ لِعَدِيٍّ صُحْبَةٌ فِيما عَلِمْتُ، ولا ثَبَتَ إسْلامُهُ، وقَدْ عَدَّهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ في الصَّحابَةِ. وقالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: هَذِهِ الآياتُ عِنْدَ أهْلِ المَعانِي مِن أشْكَلِ ما في القُرْآنِ، إعْرابًا، ومَعْنًى وحُكْمًا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا كَلامُ مَن لَمْ يَقَعْ لَهُ الثَّلَجُ في تَفْسِيرِها، وذَلِكَ بَيِّنٌ مِن كِتابِهِ انْتَهى. وقالَ أبُو الحَسَنِ السَّخاوِيُّ: ما رَأيْتُ أحَدًا مِنَ الأئِمَّةِ تَخَلَّصَ كَلامُهُ فِيها مِن أوَّلِها إلى آخِرِها انْتَهى. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها، هي أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾، كانَ في ذَلِكَ تَنْفِيرٌ عَنِ الضَّلالِ، واسْتِبْعادٌ عَنْ أنْ يُنْتَفَعَ بِهِمْ في شَيْءٍ مِن أُمُورِ المُؤْمِنِينَ مِن شَهادَةٍ، أوْ غَيْرِها، فَأخْبَرَ تَعالى بِمَشْرُوعِيَّةِ شَهادَتِهِمْ، أوِ الإيصاءِ إلَيْهِمْ في السَّفَرِ عَلى ما سَيَأْتِي بَيانُهُ. وقالَ أبُو نَصْرٍ القُشَيْرِيُّ: لَمّا نَزَلَتِ السُّورَةُ بِالوَفاءِ بِالعُقُودِ، وتَرْكِ الخِياناتِ، انْجَرَّ الكَلامُ إلى هَذا. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ بِالرَّفْعِ، وإضافَةِ (شَهادَةُ) إلى (بَيْنِكم) . وقَرَأ الشَّعْبِيُّ والحَسَنُ والأعْرَجُ ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ بِرَفْعِ (شَهادَةٌ)، وتَنْوِينِهِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ والحَسَنُ أيْضًا (شَهادَةً) بِالنَّصْبِ والتَّنْوِينِ. ورُوِيَ هَذا عَنِ الأعْرَجِ وأبِي حَيْوَةَ، (p-٣٩)و(بَيْنَكم) في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ، فَـ (شَهادَةُ) عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ مُبْتَدَأٌ مُضافٌ إلى بَيْنٍ بَعْدَ الِاتِّساعِ فِيهِ، كَقَوْلِهِ هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ، وخَبَرُهُ (اثْنانِ) تَقْدِيرُهُ: شَهادَةُ اثْنَيْنِ، أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ ذَوا شَهادَةِ بَيْنِكُمُ اثْنانِ، واحْتِيجَ إلى الحَذْفِ لِيُطابِقَ المُبْتَدَأُ الخَبَرَ، وكَذا تَوْجِيهُ قِراءَةِ الشَّعْبِيِّ والأعْرَجِ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَرْتَفِعَ (اثْنانِ) عَلى الفاعِلِيَّةِ بِـ (شَهادَةُ)، ويَكُونَ (شَهادَةُ) مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، وقَدَّرَهُ فِيما فُرِضَ عَلَيْكم أنْ يَشْهَدَ اثْنانِ. وقِيلَ: (شَهادَةُ) مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ ﴿إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ . وقِيلَ: خَبَرُهُ ﴿حِينَ الوَصِيَّةِ﴾، ويَرْتَفِعُ (اثْنانِ) عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، التَّقْدِيرُ الشّاهِدانِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم، أوْ عَلى الفاعِلِيَّةِ، التَّقْدِيرُ يَشْهَدُ اثْنانِ. وقِيلَ: (شَهادَةُ) مُبْتَدَأٌ، (واثْنانِ) مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ، وأغْنى الفاعِلُ عَنِ الخَبَرِ. وعَلى الإعْرابِ الأوَّلِ يَكُونُ (إذا) مَعْمُولًا لِلشَّهادَةِ، وأمّا (حِينَ) فَذَكَرُوا أنَّهُ يَكُونُ مَعْمُولًا لِحَضَرَ، أوْ ظَرْفًا لِلْمَوْتِ، أوْ بَدَلًا مِن (إذا) ولَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَ البَدَلِ قالَ ﴿حِينَ الوَصِيَّةِ﴾ بَدَلٌ مِنهُ يَعْنِي مِن (إذا)، وفي إبْدالِهِ مِنهُ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ الوَصِيَّةِ، وأنَّها مِنَ الأُمُورِ اللّازِمَةِ الَّتِي لا يَنْبَغِي أنْ يَتَهاوَنَ بِها المُسْلِمُ، ويَذْهَلَ عَنْها. وحُضُورُ المَوْتِ مُشارَفَتُهُ، وظُهُورُ أماراتِ بُلُوغِ الأجَلِ انْتَهى. وقالَ الماتُرِيدِيُّ، واتَّبَعَهُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: التَّقْدِيرُ ما بَيْنَكم فَحُذِفَ ما. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: يَعْنِي شَهادَةَ ما بَيْنَكم، (وبَيْنِكم) كِنايَةٌ عَنِ التَّنازُعِ؛ لِأنَّ الشُّهُودَ إنَّما يُحْتاجُ إلَيْهِمْ عِنْدَ وُقُوعِ التَّنازُعِ، وحَذْفُ (ما) مِن قَوْلِهِ ما بَيْنَكم، جائِزٌ لِظُهُورِهِ ونَظِيرُهُ ﴿هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨] أيْ ما بَيْنِي وبَيْنِكَ، وقَوْلُهُ ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] في قِراءَةِ مَن نَصَبَ انْتَهى. وحَذْفُ (ما) المَوْصُولَةِ لا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، ومَعَ الإضافَةِ، لا يَصِحُّ تَقْدِيرُ (ما) البَتَّةَ، ولَيْسَ قَوْلُهُ ﴿هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨] نَظِيرُهُ ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] لِأنَّ ذَلِكَ مُضافٌ إلَيْهِ، وهَذا باقٍ عَلى طَرِيقَتِهِ، فَيُمْكِنُ أنْ يُتَخَيَّلَ فِيهِ تَقْدِيرُ (ما) لِأنَّ الإضافَةَ إلَيْهِ أخْرَجَتْهُ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ، وصَيَّرَتْهُ مَفْعُولًا بِهِ عَلى السَّعَةِ، وأمّا تَخْرِيجُ قِراءَةِ السُّلَمِيِّ والحَسَنِ (شَهادَةً) بِالنَّصْبِ والتَّنْوِينِ، ونَصْبِ (بَيْنَكم) فَقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لِيُقِمْ شَهادَةً اثْنانِ، فَجَعَلَ (شَهادَةً) مَفْعُولًا بِإضْمارِ هَذا الأمْرِ، و(اثْنانِ)، مُرْتَفِعٌ بِـ (لِيُقِمْ) عَلى الفاعِلِيَّةِ، وهَذا الَّذِي قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، هو تَقْدِيرُ ابْنِ جِنِّي بِعَيْنِهِ. قالَ ابْنُ جِنِّي: التَّقْدِيرُ لِيُقِمْ شَهادَةً بَيْنَكُمُ اثْنانِ انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ جِنِّي، مُخالِفٌ لِما قالَهُ أصْحابُنا؛ قالُوا: لا يَجُوزُ حَذْفُ الفِعْلِ، وإبْقاءُ فاعِلِهِ، إلّا إنْ أشْعَرَ بِالفِعْلِ ما قَبْلَهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ [النور: ٣٦]، عَلى قِراءَةِ مَن فَتَحَ الباءَ، فَقَرَأهُ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وذَكَرُوا في اقْتِياسِ هَذا خِلافًا؛ أيْ يُسَبِّحُهُ رِجالٌ، فَدَلَّ يُسَبِّحُ عَلى يُسَبِّحُهُ، أوْ أُجِيبَ بِهِ نَفْيٌ كَأنْ يُقالَ لَكَ: ما قامَ أحَدٌ عِنْدَكَ ؟ فَتَقُولُ بَلى زِيدٌ؛ أيْ قامَ زَيْدٌ، أوْ أُجِيبَ بِهِ اسْتِفْهامٌ، كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎ألا هَلْ أتى أُمَّ الحُوَيْرِثِ مُرْسَلٌ بَلْ خالِدٌ إنْ لَمْ تَعُقْهُ العَوائِقُ التَّقْدِيرُ أتى خالِدٌ، أوْ يَأْتِيها خالِدٌ، ولَيْسَ حَذْفُ الفِعْلِ الَّذِي قَدَّرَهُ ابْنُ جِنِّي، وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ واحِدًا مِن هَذِهِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ. والَّذِي عِنْدِي أنَّ هَذِهِ القِراءَةَ الشّاذَّةَ تَخْرُجُ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما؛ أنْ يَكُونَ (شَهادَةً) مَنصُوبَةً عَلى المَصْدَرِ الَّذِي نابَ مَنابَ الفِعْلِ، بِمَعْنى الأمْرِ، واثْنانِ مُرْتَفِعٌ بِهِ، والتَّقْدِيرُ لِيَشْهَدْ بَيْنَكُمُ اثْنانِ فَيَكُونُ مِن بابِ قَوْلِكَ: ضَرْبًا زَيْدًا، إلّا أنَّ الفاعِلَ في ضَرْبًا مُسْنَدٌ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِ؛ لِأنَّ مَعْناهُ اضْرِبْ، وهَذا مُسْنَدٌ إلى الظّاهِرِ؛ لِأنَّ مَعْناهُ لِيَشْهَدْ، والوَجْهُ الثّانِي أنْ يَكُونَ أيْضًا مَصْدَرًا، لَيْسَ بِمَعْنى الأمْرِ، بَلْ يَكُونُ خَبَرًا نابَ مَنابَ الفِعْلِ في الخَبَرِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ قَلِيلًا، كَقَوْلِكَ: افْعَلْ وكَرامَةً ومَسَرَّةً أيْ وأُكْرِمُكَ وأسُرُّكَ، فَكَرامَةٌ ومَسَرَّةٌ بَدَلانِ مِنَ اللَّفْظِ بِالفِعْلِ في الخَبَرِ، وكَما هو الأحْسَنُ في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: ؎وُقُوفًا بِها صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيَّهُمْ فارْتِفاعُ صَحْبِي وانْتِصابُ (مَطِيَّهم) بِقَوْلِهِ وُقُوفًا؛ لِأنَّهُ بَدَلٌ مِنَ اللَّفْظِ بِالفِعْلِ في الخَبَرِ، التَّقْدِيرُ وقَفَ صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيَّهم. والتَّقْدِيرُ في الآيَةِ (p-٤٠)يَشْهَدُ إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ اثْنانِ، والشَّهادَةُ هُنا هَلْ هي الَّتِي تُقامُ بِها الحُقُوقُ عِنْدَ الحُكّامِ، أوِ الحُضُورُ، أوِ اليَمِينُ ؟ ثَلاثَةُ أقْوالٍ آخِرُها لِلطَّبَرِيِّ، والقَفّالِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ﴾ [النور: ٦] . وقِيلَ: تَأْتِي الشَّهادَةُ بِمَعْنى الإقْرارِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ [النساء: ١٦٦]، وبِمَعْنى العِلْمِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨]، وبِمَعْنى الوَصِيَّةِ. وخُرِّجَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ فِيها أرْبَعَةُ أقْوالٍ. * * ﴿ذَوا عَدْلٍ مِنكم أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ . ﴿ذَوا عَدْلٍ﴾ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ (اثْنانِ)، و(مِنكم) صِفَةٌ أُخْرى، و﴿مِن غَيْرِكُمْ﴾ صِفَةٌ لِآخَرانِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (مِنكم) مِن أقارِبِكم، و﴿مِن غَيْرِكُمْ﴾ مِنَ الأجانِبِ ﴿إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ﴾، يَعْنِي إنْ وقَعَ المَوْتُ في السَّفَرِ، ولَمْ يَكُنْ مَعَكم أحَدٌ مِن عَشِيرَتِكم، فاسْتَشْهِدُوا أجْنَبِيَّيْنِ عَلى الوَصِيَّةِ وجَعَلَ الأقارِبَ أوْلى لِأنَّهم أعْلَمُ بِأحْوالِ المَيِّتِ وبِما هو أصْلَحُ وهم لَهُ أنْصَحُ وقِيلَ: (مِنكم) مِنَ المُسْلِمِينَ وإنَّما جازَتْ في أوَّلِ الإسْلامِ لِقِلَّةِ المُسْلِمِينَ وتَعَذُّرِ وجُودِهِمْ في حالِ السَّفَرِ وعَنْ مَكْحُولٍ نَسَخَها قَوْلُهُ: ﴿وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] انْتَهى. وما اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وبَدَأ بِهِ أوَّلًا؛ هو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ والحَسَنِ والزُّهْرِيِّ، قالُوا: أمَرَ اللَّهُ بِإشْهادِ عَدْلَيْنِ مِنَ القَرابَةِ، إذْ هم أحَقُّ بِحالِ الوَصِيَّةِ، وأدْرى بِصُورَةِ العَدْلِ فِيها، فَإنْ كانَ الأمْرُ في سَفَرٍ، ولَمْ تَحْضُرْ قَرابَةٌ، أسْنَدَها إلى غَيْرِهِما مِنَ المُسْلِمِينَ الأجانِبِ، وهَذا القَوْلُ مُخالِفٌ لِما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ، حَتّى ابْنُ عَطِيَّةَ قالَ: لا نَعْلَمُ خِلافًا أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ تَمِيمًا الدّارِيَّ وعَدِيَّ بْنَ زِيادٍ، كانا نَصْرانِيَّيْنِ، وساقا الحَدِيثَ المَذْكُورَ أوَّلًا، فَهَذا القَوْلُ مُخالِفٌ لِسَبَبِ النُّزُولِ، وأمّا القَوْلُ الثّانِي الَّذِي حَكاهُ الزَّمَخْشَرِيُّ؛ هو مَذْهَبُ أبِي مُوسى وابْنِ المُسَيَّبِ ويَحْيى بْنِ يَعْمُرَ وابْنِ جُبَيْرٍ وأبِي مِجْلَزٍ وإبْراهِيمَ وشُرَيْحٍ وعُبَيْدَةَ السَّلْمانِيِّ وابْنِ سِيرِينَ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ (p-٤١)والسُّدِّيِّ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الثَّوْرِيُّ ومالَ إلَيْهِ أبُو عُبَيْدٍ، واخْتارَهُ أحْمَدُ قالُوا: مَعْنى قَوْلِهِ: (مِنكم) مِنَ المُؤْمِنِينَ، ومَعْنى ﴿مِن غَيْرِكُمْ﴾ مِنَ الكُفّارِ. قالَ بَعْضُهم: وذَلِكَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ ولا مُؤْمِنَ إلّا بِالمَدِينَةِ، وكانُوا يُسافِرُونَ بِالتِّجارَةِ صُحْبَةَ أهْلِ الكِتابِ، وعَبَدَةِ الأوْثانِ، وأنْواعِ الكُفّارِ. ومَذْهَبُ أبِي مُوسى وُشُرَيْحٍ وغَيْرِهِما؛ أنَّ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ. قالَ أحْمَدُ: شَهادَةُ أهْلِ الذِّمَّةِ جائِزَةٌ عَلى المُسْلِمِينَ في السَّفَرِ، عِنْدَ عَدَمِ المُسْلِمِينَ. ورَجَّحَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ هَذا القَوْلَ قالَ: قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خِطابٌ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، فَلَمّا قالَ: ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ كانَ مِن غَيْرِ المُؤْمِنِينَ لا مَحالَةَ، وبِأنَّهُ لَوْ كانَ الآخَرانِ مُسْلِمَيْنِ، لَمْ يَكُنْ جَوازُ الِاسْتِشْهادِ بِهِما مَشْرُوطًا بِالسَّفَرِ؛ لِأنَّ المُسْلِمَ جائِزٌ اسْتِشْهادُهُ في الحَضَرِ والسَّفَرِ، وبِأنَّهُ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى وُجُوبِ الحَلِفِ مِن بَعْدِ الصَّلاةِ. وأجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ الشّاهِدَ لا يَجِبُ تَحْلِيفُهُ، فَعَلِمْنا أنَّهُما لَيْسا مِنَ المُسْلِمِينَ، وبِسَبَبِ النُّزُولِ، وهو شَهادَةُ النَّصْرانِيَّيْنِ عَلى بُدَيْلٍ، وكانَ مُسْلِمًا، وبِأنَّ أبا مُوسى قَضى بِشَهادَةِ يَهُودِيَّيْنِ بَعْدَ أنْ حَلَّفَهُما، وما أنْكَرَ عَلَيْهِ أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ، فَكانَ ذَلِكَ إجْماعًا، وبِاتِّفاقِ أكْثَرِ الأُمَّةِ عَلى أنَّ سُورَةَ المائِدَةِ مِن آخِرِ ما نَزَلَ، ولَيْسَ فِيها مَنسُوخٌ. وقالَ أبُو جَعْفَرٍ النَّحّاسُ ناصِرًا لِلْقَوْلِ الأوَّلِ: هَذا يَنْبَنِي عَلى مَعْنًى غامِضٍ في العَرَبِيَّةِ، وذَلِكَ أنَّ مَعْنًى آخَرَ في العَرَبِيَّةِ مِن جِنْسِ الأوَّلِ، تَقُولُ: مَرَرْتُ بِكَرِيمٍ وكَرِيمٍ آخَرَ، فَقَوْلُهُ (آخَرَ) يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مِن جِنْسِ الأوَّلِ، ولا يَجُوزُ عِنْدَ أهْلِ العَرَبِيَّةِ مَرَرْتُ بِكَرِيمٍ وخَسِيسٍ آخَرَ، ولا مَرَرْتُ بِرَجُلٍ وحِمارٍ آخَرَ، فَوَجَبَ مِن هَذا أنْ يَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِ أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ؛ أيْ عَدْلانِ، والكُفّارُ لا يَكُونُونَ عُدُولًا انْتَهى. وما ذَكَرَهُ في المَثَلِ صَحِيحٌ، إلّا أنَّ الَّذِي في الآيَةِ مُخالِفٌ لِلْمَثَلِ الَّتِي ذَكَرَها النَّحّاسُ في التَّرْكِيبِ؛ لِأنَّهُ مَثَّلَ بِآخَرَ وجَعَلَهُ صِفَةً لِغَيْرِ جِنْسِ الأوَّلِ. وأمّا الآيَةُ فَمِن قَبِيلِ ما تَقَدَّمَ فِيهِ آخَرُ عَلى الوَصْفِ، وانْدَرَجَ آخَرُ في الجِنْسِ الَّذِي قَبْلَهُ، ولا يُعْتَبَرُ جِنْسُ وصْفِ الأوَّلِ تَقُولُ: جاءَنِي رَجُلٌ مُسْلِمٌ وآخَرُ كافِرٌ، ومَرَرْتُ بِرَجُلٍ قائِمٍ وآخَرَ قاعِدٍ، واشْتَرَيْتُ فَرَسًا سابِقًا وآخَرَ، مُبْطِئًا، فَلَوْ أخَّرْتَ آخَرَ في هَذِهِ المُثُلِ، لَمْ تَجُزِ المَسْألَةُ، لَوْ قُلْتَ: جاءَنِي رَجُلٌ مُسْلِمٌ وكافِرٌ آخَرُ، ومَرَرْتُ بِرَجُلٍ قائِمٍ وقاعِدٍ آخَرَ، واشْتَرَيْتُ فَرَسًا سابِقًا ومُبْطِئًا آخَرَ، لَمْ يَجُزْ، ولَيْسَتِ الآيَةُ مِن هَذا القَبِيلِ، إلّا أنَّ التَّرْكِيبَ فِيها جاءَ ﴿اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ فَآخَرانِ مِن جِنْسِ قَوْلِهِ ﴿اثْنانِ﴾ ولا سِيَّما إذا قَدَّرْتَهُ رَجُلانِ اثْنانِ فَآخَرانِ هُما مِن جِنْسِ قَوْلِكَ رَجُلانِ اثْنانِ ولا، يُعْتَبَرُ وصْفُ قَوْلِهِ ﴿ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾، وإنْ كانَ مُغايِرًا لِقَوْلِهِ مِن غَيْرِكم، كَما لا يُعْتَبَرُ وصْفُ الجِنْسِ في قَوْلِكَ: عِنْدِي رَجُلانِ اثْنانِ مُسْلِمانِ وآخَرانِ كافِرانِ، إذْ لَيْسَ (p-٤٢)مِن شَرْطِ (آخَرَ) إذا تَقَدَّمَ أنْ يَكُونَ مِن جِنْسِ الأوَّلِ بَعِيدٌ وصْفُهُ، وهو عَلى ما ذَكَرْتُهُ هو لِسانُ العَرَبِ؛ قالَ الشّاعِرُ: ؎كانُوا فَرِيقَيْنِ يُصْغُونَ الزُّجاجَ عَلى قُعْسِ الكَواهِلِ في أشْداقِها ضَخَمُ ؎وآخِرِينَ عَلى الماذِيِّ فَوْقَهم ∗∗∗ مِن نَسْجِ داوُدَ أوْ ما أوْرَثَتْ إرَمُ التَّقْدِيرُ كانُوا فَرِيقَيْنِ فَرِيقًا، أوْ ناسًا يُصْغُونَ الزُّجاجَ ثُمَّ، قالَ: وآخَرِينَ تَرى المَأذِيَ فَآخَرِينَ مِن جِنْسِ قَوْلِكَ فَرِيقًا، ولَمْ يَعْبُرْهُ بِوَصْفِهِ، وهو قَوْلُهُ: يُصْغُونَ الزُّجاجَ؛ لِأنَّ الشّاعِرَ قَسَّمَ مَن ذَكَرَ إلى قِسْمَيْنِ مُتَبايِنَيْنِ بِالوَصْفَيْنِ مُتَّحِدِي الجِنْسِ، وهَذا الفَرْقُ قَلَّ مَن يَفْهَمُهُ، فَضْلًا عَمَّنْ يَعْرِفُهُ، وأمّا القَوْلُ الثّالِثُ الَّذِي حَكاهُ الزَّمَخْشَرِيُّ؛ وهو أنَّهُ مَنسُوخٌ، وحَكاهُ عَنْ مَكْحُولٍ؛ فَهو قَوْلُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ والنَّخَعِيِّ ومالِكٍ والشّافِعِيِّ وأبِي حَنِيفَةَ وغَيْرِهِمْ مِنَ الفُقَهاءِ، إلّا أنَّ أبا حَنِيفَةَ خالَفَهم فَقالَ: تَجُوزُ شَهادَةُ الكُفّارِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ لا عَلى المُسْلِمِينَ، والنّاسِخُ قَوْلُهُ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقَوْلُهُ: ﴿وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، وزَعَمُوا أنَّ آيَةَ الدَّيْنِ مِن آخِرِ ما نَزَلَ. والظّاهِرُ أنَّ أوْ لِلتَّخْيِيرِ. وقالَ بِهِ ابْنُ عَبّاسٍ فَمَن جَعَلَ قَوْلَهُ ﴿مِن غَيْرِكُمْ﴾ أيْ مِن عَشِيرَتِكم كانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ أنْ يَسْتَشْهِدَ أقارِبَهُ، أوِ الأجانِبَ مِنَ المُسْلِمِينَ، ومَن زَعَمَ أنَّ قَوْلَهُ مِن غَيْرِكم أيْ مِنَ الكُفّارِ فاخْتَلَفُوا. فَقِيلَ غَيْرُكم يَعْنِي بِهِ أهْلَ الكِتابِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقِيلَ: أهْلُ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ، وهو ظاهِرُ قَوْلِهِ ﴿مِن غَيْرِكُمْ﴾، وقِيلَ: أوْ لِلتَّرْتِيبِ إذا كانَ قَوْلُهُ ﴿مِن غَيْرِكُمْ﴾ يَعْنِي بِهِ مِن غَيْرِ أهْلِ مِلَّتِكم، فالتَّقْدِيرُ إنْ لَمْ يُوجَدْ مِن مِلَّتِكم. ﴿إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتِ﴾ هَذا التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، ولَوْ جَرى عَلى لَفْظِ ﴿إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ لَكانَ التَّرْكِيبُ إنْ هو ضَرَبَ في الأرْضِ، فَأصابَتْهُ مُصِيبَةُ المَوْتِ، وإنَّما جاءَ الِالتِفاتُ جَمْعًا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ (أحَدَكُمُ) مَعْناهُ إذا حَضَرَ كُلَّ واحِدٍ مِنكُمُ المَوْتُ، والمَعْنى إذا سافَرْتُمْ في الأرْضِ لِمَصالِحِكم ومَعايِشِكم. وظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ اسْتِشْهادَ آخَرَيْنِ مِن غَيْرِ المُسْلِمِينَ، مَشْرُوطٌ بِالسَّفَرِ في الأرْضِ، وحُضُورِ عَلاماتِ المَوْتِ. ﴿تَحْبِسُونَهُما مِن بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، لا لِما دَلَّ عَلَيْهِ الخِطابُ في قَوْلِهِ ﴿إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَأصابَتْكُمْ﴾ لِأنَّ مَن ضَرَبَ في الأرْضِ وأصابَهُ المَوْتُ، لَيْسَ هو الحابِسَ ﴿تَحْبِسُونَهُما﴾ صِفَةٌ لِآخَرانِ، واعْتُرِضَ بَيْنَ المَوْصُوفِ والصِّفَةِ بِقَوْلِهِ (إنْ أنْتُمْ. . . إلى المَوْتِ)، وأفادَ الِاعْتِراضُ؛ أنَّ العُدُولَ إلى آخَرَيْنِ مِن غَيْرِ المِلَّةِ، أوِ القَرابَةِ، حَسَبَ اخْتِلافِ العُلَماءِ في ذَلِكَ، إنَّما يَكُونُ مَعَ ضَرُورَةِ السَّفَرِ، وحُلُولِ المَوْتِ فِيهِ. اسْتَغْنى عَنْ جَوابِ (إنْ) . لِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ انْتَهى. وإلى أنَّ ﴿تَحْبِسُونَهُما﴾ صِفَةٌ. ذَهَبُ الحُوفِيُّ وأبُو البَقاءِ، وهو ظاهِرُ كَلامِ ابْنِ عَطِيَّةَ، إذْ لَمْ يَذْكُرْ غَيْرَ قَوْلِ أبِي عَلِيٍّ الَّذِي قَدَّمْناهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَوْضِعُ ﴿تَحْبِسُونَهُما﴾ ؟ قُلْتُ: هو اسْتِئْنافُ كَلامٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: بَعْدَ اشْتِراطِ العَدالَةِ فِيهِما، فَكَيْفَ إنِ ارْتَبْنا فِيهِما ؟ فَقِيلَ: ﴿تَحْبِسُونَهُما﴾ . وما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنَ الِاسْتِئْنافِ، أظْهَرُ مِنَ (p-٤٣)الوَصْفِ؛ لِطُولِ الفَصْلِ بِالشَّرْطِ، والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بَيْنَ المَوْصُوفِ وصِفَتِهِ. وإنَّما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَعْدَ اشْتِراطِ العَدالَةِ فِيهِما؛ لِأنَّهُ اخْتارَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ، أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكم، مَعْناهُ أوْ عَدْلانِ آخَرانِ مِن غَيْرِ القَرابَةِ. وتَقَدَّمَ مِن كَلامِ أبِي عَلِيٍّ؛ أنَّ العُدُولَ إلى آخَرَيْنِ مِن غَيْرِ المِلَّةِ، أوِ القَرابَةِ، إنَّما يَكُونُ مَعَ ضَرُورَةِ السَّفَرِ، وحُلُولِ المَوْتِ فِيهِ، إلى آخِرِ كَلامِهِ، فَظَهَرَ مِنهُ أنَّ تَقْدِيرَ جَوابِ الشَّرْطِ هو ﴿إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتِ﴾ فاسْتَشْهِدُوا آخَرَيْنِ مِن غَيْرِكم، أوْ فالشّاهِدانِ آخَرانِ مِن غَيْرِكم. والظّاهِرُ أنَّ الشَّرْطَ قَيْدٌ في شَهادَةِ اثْنَيْنِ ذَوَيْ عَدْلٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، أوْ آخَرَيْنِ مِن غَيْرِ المُؤْمِنِينَ، فَيَكُونُ مَشْرُوعِيَّةُ الوَصِيَّةِ لِلضّارِبِ في الأرْضِ المُشارِفِ عَلى المَوْتِ، أنْ يُشْهِدَ اثْنَيْنِ، ويَكُونُ تَقْدِيرُ الجَوابِ: إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ، فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتِ، فاسْتَشْهِدُوا اثْنَيْنِ، إمّا مِنكم، وإمّا مِن غَيْرِكم. ولا يَكُونُ الشَّرْطُ إذْ ذاكَ قَيْدًا في آخَرَيْنِ مِن غَيْرِنا فَقَطْ، بَلْ هو قَيْدٌ فِيمَن ضَرَبَ في الأرْضِ، وشارَفَ المَوْتَ، فَيَشْهَدُ اثْنانِ مِنّا، أوْ مِن غَيْرِنا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في الكَلامِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتِ، وقَدِ اسْتَشْهَدْتُمُوهُما عَلى الإيصاءِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ تَقْدِيرُهُ؛ وقَدْ أوْصَيْتُمْ. قِيلَ: وهَذا أوْلى لِأنَّ الشّاهِدَ لا يَحْلِفُ، والمُوصى يَحْلِفُ. ومَعْنى ﴿تَحْبِسُونَهُما﴾ تَسْتَوْثِقُونَهُما لِلْيَمِينِ، والخِطابُ لِمَن يَلِي ذَلِكَ مِن وُلاةِ الإسْلامِ، وضَمِيرُ المَفْعُولِ عائِدٌ في قَوْلٍ عَلى آخَرَيْنِ مِن غَيْرِ المُؤْمِنِينَ، وظاهِرُ عَوْدِهِ عَلى اثْنَيْنِ مِنّا، أوْ مِن غَيْرِنا، سَواءٌ كانا وصِيَّيْنِ، أوْ شاهِدَيْنِ، وظاهِرُ قَوْلِهِ مِن بَعْدِ الصَّلاةِ؛ أنَّ الألِفَ واللّامَ لِلْجِنْسِ، أوْ مِن بَعْدِ أيِّ صَلاةٍ، وقَدْ قِيلَ: بِهَذا الظّاهِرِ، وخَصَّ ذَلِكَ ابْنُ عَبّاسٍ بِصَلاةِ دِينِهِما، وذَلِكَ تَغْلِيظٌ في اليَمِينِ. وقالَ الحَسَنُ: بَعْدَ العَصْرِ، أوِ الظُّهْرِ؛ لِأنَّ أهْلَ الحِجازِ كانُوا يَقْعُدُونَ لِلْحُكُومَةِ بَعْدَهُما. وقالَ الجُمْهُورُ هي صَلاةُ العَصْرِ؛ لِأنَّهُ وقْتُ اجْتِماعِ النّاسِ، وكَذا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، اسْتَحْلَفَ عَدِيًّا وتَمِيمًا بَعْدَ العَصْرِ عِنْدَ المِنبَرِ، ورُجِّحَ هَذا القَوْلُ بِفِعْلِهِ وبِقَوْلِهِ في الصَّحِيحِ: «مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ كاذِبَةٍ بَعْدَ العَصْرِ، لَقِيَ اللَّهَ وهو عَلَيْهِ غَضْبانُ» . وبِأنَّ التَّحْلِيفَ كانَ مَعْرُوفًا بَعْدَهُما، فالتَّقْيِيدُ بِالمَعْرُوفِ يُغْنِي عَنِ التَّقْيِيدِ بِاللَّفْظِ، وبِأنَّ جَمِيعَ الأدْيانِ يُعَظِّمُونَ هَذا الوَقْتَ، ويَذْكُرُونَ اللَّهَ فِيهِ، فَتَكُونُ الألِفُ واللّامُ في هَذا القَوْلِ لِلْعَهْدِ، وكَذا في قَوْلِ الحَسَنِ. ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إنّا إذًا لَمِنَ الآثِمِينَ﴾ ظاهِرُهُ تَقْيِيدُ حَلِفِهِما بِوُجُودِ الِارْتِيابِ، فَمَتى لَمْ تُوجَدِ الرِّيبَةُ، فَلا تَحْلِيفَ. ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ تَحْلِيفُ أبِي مُوسى لِلْيَهُودِيَّيْنِ اللَّذَيْنِ اسْتَشْهَدَهُما مُسْلِمٌ تُوُفِّيَ عَلى وصِيَّتِهِ عَلى أنَّهُ وقَعَتْ رِيبَةٌ، وإنْ لَمْ يُذْكَرْ ذَلِكَ في قِصَّةِ ذَلِكَ المُسْلِمِ. والفاءُ في قَوْلِهِ (فَيُقْسِمانِ) عاطِفَةٌ هَذِهِ الجُمْلَةَ عَلى قَوْلِهِ ﴿تَحْبِسُونَهُما﴾ هَذا هو الظّاهِرُ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: وإنْ شِئْتَ لَمْ تُقَدِّرِ الفاءَ لِعَطْفِ جُمْلَةٍ، ولَكِنْ تَجْعَلْهُ جَزاءً، كَقَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ: ؎وإنْسانُ عَيْنِي يَحْسِرُ الماءَ تارَةً ∗∗∗ فَيَبْدُو وتاراتٍ يَجُمُّ فَيَغْرَقُ تَقْدِيرُهُ: عِنْدَهُمْ؛ إذا حَسَرَ بَدا، فَكَذَلِكَ إذا حَبَسْتُمُوهُما اقْسِما انْتَهى. ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى تَقْدِيرِ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، وإبْقاءِ جَوابِهِ، فَتَكُونُ الفاءُ إذْ ذاكَ فاءَ الجَزاءِ، وإلى تَقْدِيرِ مُضْمَرٍ بَعْدَ الفاءِ؛ أيْ فَهُما يُقْسِمانِ، وفَهُوَ يَبْدُو. وخَرَّجَ أصْحابُنا بَيْتَ ذِي الرُّمَّةِ عَلى تَوْجِيهٍ آخَرَ، وهو أنَّ قَوْلَهُ: يَحْسِرُ الماءَ تارَةً؛ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الخَبَرِ، وقَدْ عُرِّيَتْ عَنِ الرّابِطِ، فَكانَ القِياسُ أنْ لا تَقَعَ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ، لَكِنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِما بِالفاءِ جُمْلَةً فِيها ضَمِيرُ المُبْتَدَأِ، فَحَصَلَ الرَّبْطُ بِذَلِكَ، و﴿لا نَشْتَرِي﴾ هو جَوابُ قَوْلِهِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ، وفَصَلَ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ بِالشَّرْطِ. والمَعْنى إنِ ارْتَبْتُمْ في شَأْنِهِما واتَّهَمْتُمُوهُما، فَحَلِّفُوهُما. وقِيلَ: إنْ أُرِيدَ بِهِما (p-٤٤)الشّاهِدانِ، فَقَدْ نُسِخَ تَحْلِيفُ الشّاهِدَيْنِ، وإنْ أُرِيدَ الوَصِيّانِ، فَلَيْسَ بِمَنسُوخٍ تَحْلِيفُهُما. وعَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ كانَ يُحَلِّفُ الشّاهِدَ والرّاوِيَ إذا اتَّهَمَهُما. والضَّمِيرُ في (بِهِ) عائِدٌ عَلى اللَّهِ، أوْ عَلى القَسَمِ، أوْ عَلى تَحْرِيفِ الشَّهادَةِ، أقْوالٌ ثالِثُها لِأبِي عَلِيٍّ، وقَوْلُهُ: ﴿نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾ كِنايَةٌ عَنِ الِاسْتِبْدالِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيا، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ ذا ثَمَنٍ لِأنَّ الثَّمَنَ لا يَشْتَرِي، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ﴿لا نَشْتَرِي﴾ لا نَبِيعُ هُنا، وإنْ كانَ ذَلِكَ في اللُّغَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ لا نَحْلِفُ بِاللَّهِ كاذِبِينَ لِأجْلِ المالِ، ولَوْ كانَ مَن نُقْسِمُ لِأجْلِهِ قَرِيبًا مِنّا، وذَلِكَ عَلى عادَتِهِمْ في صِدْقِهِمْ وأمانَتِهِمْ أبَدًا، فَإنَّهم داخِلُونَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلى أنْفُسِكم أوِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥]، وإنَّما قالَ فَإنَّهم داخِلُونَ إلى آخِرِهِ؛ لِأنَّ الِاثْنَيْنِ والآخَرَيْنِ عِنْدَهُ مُؤْمِنُونَ، فانْدَرَجُوا في قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ﴾ [المائدة: ٨] الآيَةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وخَصَّ ذا القُرْبى بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّ العُرْفَ مَيْلُ النَّفْسِ إلى أقْرِبائِهِمْ واسْتِسْهالُهم في جَنْبِ نَفْعِهِمْ ما لا يُسْتَسْهَلُ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾ فَيَكُونُ مِن جُمْلَةِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ. وأضافَ الشَّهادَةَ إلى اللَّهِ لِأنَّهُ تَعالى هو الآمِرُ بِإقامَتِها، النّاهِي عَنْ كِتْمانِها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿ولا نَكْتُمُ﴾ خَبَرًا مِنهُما، أخْبَرا عَنْ أنْفُسِهِما أنَّهُما لا يَكْتُمانِ شَهادَةَ اللَّهِ، ولا يَكُونُ داخِلًا تَحْتَ المُقْسَمِ عَلَيْهِ. وقَرَأ الحَسَنُ والشَّعْبِيُّ ﴿ولا نَكْتُمُ﴾ بِجَزْمِ المِيمِ نَهَيا أنْفُسَهُما عَنْ كِتْمانِ الشَّهادَةِ. ودُخُولُ (لا) النّاهِيَةِ عَلى المُتَكَلِّمِ قَلِيلٌ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ؎إذا ما خَرَجْنا مِن دِمَشْقَ فَلا نَعُدْ ∗∗∗ بِها أبَدًا ما دامَ فِيها الجَراضِمُ . وقَرَأ عَلِيٌّ ونُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ والشَّعْبِيُّ بِخِلافٍ عَنْهُ ﴿شَهادَةَ اللَّهِ﴾ بِنَصْبِهِما، وتَنْوِينِ (شَهادَةً)، وانْتَصَبا بِـ (نَكْتُمُ) . التَّقْدِيرُ ولا نَكْتُمُ اللَّهَ شَهادَةً. قالَ الزَّهْراوِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى؛ ولا نَكْتُمُ شَهادَةً واللَّهِ، ثُمَّ حَذَفَ الواوَ، ونَصَبَ الفِعْلَ إيجازًا. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ والسُّلَمِيِّ والحَسَنِ البَصْرِيِّ شَهادَةً، بِالتَّنْوِينِ، وآللَّهِ، بِالمَدِّ في هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ الَّتِي هي عِوَضٌ مِن حَرْفِ القَسَمِ، دَخَلَتْ تَقْرِيرًا وتَوْقِيفًا لِنُفُوسِ المُقْسِمِينَ، أوْ لِمَن خاطَبُوهُ. ورُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ وغَيْرِهِ أنَّهُ كانَ يَقِفُ عَلى (شَهادَةَ)، بِالهاءِ السّاكِنَةِ، واللَّهِ بِقَطْعِ ألِفِ الوَصْلِ دُونَ مَدِّ الِاسْتِفْهامِ. قالَ ابْنُ جِنِّي: الوَقْفُ عَلى (شَهادَةَ)، بِسُكُونِ الهاءِ واسْتِئْنافِ القَسَمِ، حَسَنٌ؛ لِأنَّ اسْتِئْنافَهُ في أوَّلِ الكَلامِ، أوْقَرُ لَهُ، وأشَدُّ هَيْبَةً مِن أنْ يَدْخُلَ في عَرَضِ القَوْلِ. ورُوِيَ عَنْ يَحْيى بْنِ آدَمَ عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ عَيّاشٍ (شَهادَةً) بِالتَّنْوِينِ (اللَّهِ) بِقَطْعِ الألِفِ، دُونَ مَدٍّ، وخَفْضِ هاءِ الجَلالَةِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ عَنِ الشَّعْبِيِّ. وقَرَأ الأعْمَشُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ (لَمِلّاثِمِينَ)، بِإدْغامِ نُونِ (مِن) في لامِ الآثِمِينَ بَعْدَ حَذْفِ الهَمْزَةِ، ونَقْلِ حَرَكَتِها إلى اللّامِ. ﴿فَإنْ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا﴾ أيْ فَإنْ عُثِرَ بَعْدَ حَلِفِهِما عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا؛ أيْ ذَنْبًا بِحِنْثِهِما في اليَمِينِ، بِأنَّها لَيْسَتْ مُطابِقَةً لِلْواقِعِ (وعُثِرَ) اسْتِعارَةٌ لِما يُوقَعُ عَلى عِلْمِهِ بَعْدَ خَفائِهِ وبَعْدَ أنْ لَمْ يَرْجُ، ولَمْ يَقْصِدْ، كَما تَقُولُ: عَلى الخَبِيرِ سَقَطْتَ ووَقَعْتَ عَلى كَذا. قالَ أبُو عَلِيٍّ: الإثْمُ هُنا، هو الشَّيْءُ المَأْخُوذُ؛ لِأنَّ أخْذَهُ إثْمٌ فَسُمِّي إثْمًا، كَما يُسَمّى ما أُخِذَ بِغَيْرِ الحَقِّ، مَظْلَمَةً. قالَ سِيبَوَيْهِ: المَظْلَمَةُ اسْمُ ما أُخِذَ مِنكَ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ هَذا المَأْخُوذُ بِاسْمِ المَصْدَرِ انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ الإثْمَ هُنا لَيْسَ الشَّيْءَ المَأْخُوذَ، بَلِ الذَّنْبَ الَّذِي اسْتَحَقّا بِهِ أنْ يَكُونا مِنَ الآثِمِينَ الَّذِي تَبَرَّآ أنْ يَكُونا مِنهم في قَوْلِهِما ﴿إنّا إذًا لَمِنَ الآثِمِينَ﴾ ولَوْ كانَ الإثْمُ هو الشَّيْءَ المَأْخُوذَ، ما قِيلَ فِيهِ: اسْتَحَقّا إثْمًا؛ لِأنَّهُما ظَلَما، وتَعَدَّيا، وذَلِكَ هو المُوجِبُ لِلْإثْمِ. ﴿فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ﴾ (p-٤٥)قَرَأ الحَرَمِيّانِ والعَرَبِيّانِ والكِسائِيُّ (اسْتَحَقَّ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ (والأوْلَيانِ) مُثَنّى مَرْفُوعٌ تَثْنِيَةُ الأوْلى، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أُبَيٍّ وعَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ وعَنِ ابْنِ كَثِيرٍ في رِوايَةِ قُرَّةَ عَنْهُ. وقَرَأ حَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ (اسْتُحِقَّ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ (والأوَّلِينَ) جَمْعُ الأوَّلِ. وقَرَأ الحَسَنُ (اسْتَحَقَّ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، الأوَّلانِ مَرْفُوعٌ، تَثْنِيَةُ أوَّلَ. وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ الأوْلَيَيْنِ، تَثْنِيَةُ الأوَّلِ، فَأمّا القِراءَةُ الأُولى، فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَآخَرانِ) فَشاهِدانِ آخَرانِ ﴿يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ﴾ عَلَيْهِمْ؛ أيْ مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الإثْمُ، ومَعْناهُ وهُمُ الَّذِينَ جُنِيَ عَلَيْهِمْ، وهم أهْلُ المَيِّتِ، وِعِتْرَتُهُ. وفي قِصَّةِ بُدَيْلٍ أنَّهُ لَمّا ظَهَرَتْ خِيانَةُ الرَّجُلَيْنِ، حَلَّفَ رَجُلَيْنِ مِن ورَثَتِهِ أنَّهُ إناءُ صاحِبِهِما، وأنَّ شَهادَتَهُما أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما. (والأوْلَيانِ) الأحَقّانِ بِالشَّهادَةِ لِقَرابَتِهِما ومَعْرِفَتِهِما وارْتِفاعِهِما عَلى هُما الأوْلَيانِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ومَن هُما، فَقِيلَ (الأوْلَيانِ) . وقِيلَ: هُما بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (يَقُومانِ) أوْ مِن آخَرانِ، ويَجُوزُ أنْ يَرْتَفِعا بِاسْتَحَقَّ أيْ مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ابْتَدَأتِ الأوْلَيَيْنِ مِنهم لِلشَّهادَةِ؛ لِاطِّلاعِهِمْ عَلى حَقِيقَةِ الحالِ انْتَهى. وقَدْ سَبَقَهُ أبُو عَلِيٍّ إلى أنَّ تَخْرِيجَ رَفْعِ (الأوْلَيانِ) عَلى تَقْدِيرِ هُما الأوْلَيانِ، وعَلى البَدَلِ مِن ضَمِيرِ (يَقُومانِ)، وزادَ أبُو عَلِيٍّ وجْهَيْنِ آخَرَيْنِ: أحَدُهُما؛ أنْ يَكُونَ (الأوْلَيانِ) مُبْتَدَأً مُؤَخَّرًا، والخَبَرُ آخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما، كَأنَّهُ في التَّقْدِيرِ فالأوْلَيانِ بِأمْرِ المَيِّتِ آخَرانِ يَقُومانِ، فَيَجِيءُ الكَلامُ، كَقَوْلِهِمْ: تَمِيمِيٌّ أنا، والوَجْهُ الآخَرُ أنْ يَكُونَ (الأوْلَيانِ) مُسْنَدًا إلَيْهِ (اسْتَحَقَّ) . قالَ أبُو عَلِيٍّ فِيهِ شَيْءٌ آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ (الأوْلَيانِ) صِفَةً لِآخَرانِ؛ لِأنَّهُ لَمّا وُصِفَ خُصِّصَ، فَوُصِفَ مِن أجْلِ الِاخْتِصاصِ الَّذِي صارَ لَهُ انْتَهى. وهَذا الوَجْهُ ضَعِيفٌ لِاسْتِلْزامِهِ هَدْمَ ما كادُوا أنْ يُجْمِعُوا عَلَيْهِ مِن أنَّ النَّكِرَةَ لا تُوصَفُ بِالمَعْرِفَةِ، ولا العَكْسُ. وعَلى ما جَوَّزَهُ أبُو الحَسَنِ يَكُونُ إعْرابُ قَوْلِهِ: ﴿فَآخَرانِ﴾ مُبْتَدَأً والخَبَرُ (يَقُومانِ) ويَكُونُ قَدْ وُصِفَ بِقَوْلِهِ مِنَ الَّذِينَ، أوْ يَكُونُ قَدْ وُصِفَ بِقَوْلِهِ (يَقُومانِ)، والخَبَرُ ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾ ولا يَضُرُّ الفَصْلُ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ بِالخَبَرِ، أوْ يَكُونانِ صِفَتَيْنِ لِقَوْلِهِ: ﴿فَآخَرانِ﴾، ويَرْتَفِعُ آخَرانِ عَلى خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ فالشّاهِدانِ آخَرانِ، ويَجُوزُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ أنْ يَرْتَفِعَ عَلى الفاعِلِ؛ أيْ فَلْيَشْهَدْ آخَرانِ. وأمّا مَفْعُولُ (اسْتَحَقَّ) فَتَقَدَّمَ تَقْدِيرُ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الإثْمَ، ويَعْنِي أنَّهُ ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى الإثْمِ؛ لِأنَّ الإثْمَ مَحْذُوفٌ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ حَذْفُ المَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وقَدْ سَبَقَهُ أبُو عَلِيٍّ والحَوْفِيُّ إلى هَذا التَّقْدِيرِ، وأجازُوا وجْهَيْنِ آخَرَيْنِ، أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الإيصاءَ، والثّانِي: أنْ يَكُونَ مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الوَصِيَّةَ. وأمّا ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنِ ارْتِفاعِ قَوْلِهِ (الأوْلَيانِ) بِـ (اسْتَحَقَّ)، فَقَدْ أجازَهُ أبُو عَلِيٍّ كَما تَقَدَّمَ، ثُمَّ مَنَعَهُ قالَ لِأنَّ المُسْتَحَقَّ إنَّما يَكُونُ الوَصِيَّةَ أوْ شَيْئًا مِنها. وأمّا (الأوْلَيانِ) بِالمَيِّتِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَسْتَحِقّا فَيُسْنَدَ (اسْتَحَقَّ) إلَيْهِما، إلّا أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ إنَّما رَفَعَ قَوْلَهُ الأوْلَيانِ بِـ (اسْتَحَقَّ) عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ مُضافٍ نابَ عَنْهُ (الأوْلَيانِ)، فَقَدَّرَهُ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ انْتِدابُ الأوْلَيَيْنِ مِنهم لِلشَّهادَةِ لِاطِّلاعِهِمْ عَلى حَقِيقَةِ الحالِ، فَيَسُوغُ تَوْجِيهُهُ، وأجازَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَلى أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ؛ مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ إثْمُ الأوَّلَيْنِ، وأجازَ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْضًا أنْ يَرْتَفِعَ (الأوْلَيانِ) بِـ (اسْتَحَقَّ)، وطَوَّلَ في تَقْرِيرِ ذَلِكَ، ومُلَخَّصُهُ أنَّهُ حَمَلَ اسْتَحَقَّ هُنا عَلى الِاسْتِعارَةِ بِأنَّهُ لَيْسَ اسْتِحْقاقًا حَقِيقَةً لِقَوْلِهِ: ﴿اسْتَحَقّا إثْمًا﴾، وإنَّما مَعْناهُ أنَّهم غَلَبُوا عَلى المالِ بِحُكْمِ انْفِرادِ هَذا المَيِّتِ وعَدْمِهِ لِقَرابَتِهِ، أوْ لِأهْلِ دِينِهِ، فَجَعَلَ تَسَوُّرَهم عَلَيْهِ اسْتِحْقاقًا مَجازًا، والمَعْنى مِنَ الجَماعَةِ الَّتِي غابَتْ، وكانَ حَقُّها أنْ تُحْضِرَ ولِيَّها. قالَ: فَلَمّا غابَتْ وانْفَرَدَ هَذا المُوصِي، اسْتَحَقَّتْ هَذِهِ الحالَ، وهَذانِ الشّاهِدانِ مِن غَيْرِ أهْلِ الدِّينِ الوِلايَةَ، وأمْرِ الأوْلَيَيْنِ عَلى هَذِهِ الجَماعَةِ، ثُمَّ يُبْنى الفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ عَلى هَذا المَعْنى إيجازًا، ويُقَوِّي هَذا الغَرَضَ أنْ يُعَدّى الفِعْلُ (p-٤٦)بِعَلى لَمّا كانَ بِاقْتِدارٍ، وحُمِلَ هُنا عَلى الحالِ، ولا يُقالُ اسْتَحَقَّ مِنهُ أوْ فِيهِ، إلّا في الِاسْتِحْقاقِ الحَقِيقِيِّ عَلى وجْهِهِ، وأمّا اسْتَحَقَّ عَلَيْهِ، فَيُقالُ في الحَمْلِ والغَلَبَةِ والِاسْتِحْقاقِ المُسْتَعارِ انْتَهى. والضَّمِيرُ في (مَقامَهُما) عائِدٌ عَلى شاهِدَيِ الزُّورِ، و﴿مِنَ الَّذِينَ﴾ هم وُلاةُ المَيِّتِ. وقالَ النَّحّاسُ في قَوْلِ مَن قَدَّرَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الإيصاءَ: هَذا مِن أحْسَنِ ما قِيلَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ حَرْفًا بَدَلًا مِن حَرْفٍ، يَعْنِي أنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ (عَلى) بِمَعْنى (في)، ولا بِمَعْنى (مِن)، وقَدْ قِيلَ: بِهِما أيْ مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ مِنهُمُ الإثْمَ لِقَوْلِهِ: ﴿إذا اكْتالُوا عَلى النّاسِ﴾ [المطففين: ٢] أيْ مِنَ النّاسِ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الإثْمَ، وأجازَ ابْنُ العَرَبِيِّ تَقْدِيرَ الإيصاءِ، واخْتارَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ وابْنُ الفَضْلِ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ المالَ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ: وقَدْ أكْثَرَ النّاسُ في أنَّهُ لَمْ يُوصَفْ مَوالِي بِهَذا الوَصْفِ، وذَكَرُوا فِيهِ قَوْلًا، والأصَحُّ عِنْدِي فِيهِ وجْهٌ واحِدٌ؛ وهو أنَّهم وُصِفُوا بِذَلِكَ بِأنَّهُ لَمّا أخَذَ مالَهُمُ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ مالَهم، فَإنَّ مَن أخَذَ مالَ غَيْرِهِ، فَقَدْ حاوَلَ أنْ يَكُونَ تَعَلُّقُهُ بِذَلِكَ المالِ تَعَلُّقَ مِلْكِهِ لَهُ، فَصَحَّ أنْ يُوصَفَ المالِكُ بِأنَّهُ قَدِ اسْتَحَقَّ عَلَيْكَ ذَلِكَ المالَ انْتَهى. (والأوْلَيانِ) بِمَعْنى الأقْرَبَيْنِ إلى المَيِّتِ، أوِ الأوْلَيانِ بِالحَلِفِ؛ وذَلِكَ أنَّ الوَصِيَّيْنِ ادَّعَيا؛ أنَّ مُورِثَ هَذَيْنِ الشّاهِدَيْنِ باعَهُما الإناءَ، وهُما أنْكَرا ذَلِكَ، فاليَمِينُ حَقٌّ لَهُما، كَإنْسانٍ أقَرَّ لِآخَرَ بِدَيْنٍ، وادَّعى أنَّهُ قَضاهُ، فَتُرَدُّ اليَمِينُ عَلى الَّذِي ادَّعى أوَّلًا؛ لِأنَّهُ صارَ مُدَّعًى عَلَيْهِ. وتَلَخَّصَ في إعْرابِ (الأوْلَيانِ) عَلى هَذِهِ القِراءَةِ وُجُوهٌ الِابْتِداءُ، والخَبَرُ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والبَدَلُ مِن ضَمِيرِ (يَقُومانِ) والبَدَلُ مِن (آخَرانِ)، والوَصْفُ لِـ (آخَرانِ) والمَفْعُولِيَّةُ بِـ (اسْتَحَقَّ) عَلى حَذْفِ مُضافٍ مُخْتَلَفٍ في تَقْدِيرِهِ. وأمّا القِراءَةُ الثّانِيَةُ، وهي بِناءُ (اسْتَحَقَّ) لِلْفاعِلِ، ورَفْعُ الأوْلَيَيْنِ، فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ مِنَ الوَرَثَةِ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ أوْلَيانِ مِن سَهْمٍ بِالشَّهادَةِ أنْ يُجَرِّدُوهُما لِقِيامِ الشَّهادَةِ، ويُظْهِرُوا بِهِما كَذِبَ الكاذِبِينَ انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ما مُلَخَّصُهُ (الأوْلَيانِ) رُفِعَ بِـ (اسْتَحَقَّ)، وذَلِكَ عَلى أنْ يَكُونَ المَعْنى ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾ مالَهم وتَرَكَهم شاهِدا الزُّورِ، فَسُمِّيا أوْلَيَيْنِ؛ أيْ صَيَّرَهُما عَدَمُ النّاسِ أوْلى بِهَذا المَيِّتِ وتَرِكَتِهِ، فَجازا فِيها. أوْ يَكُونُ المَعْنى مِنَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمْ أنْ يَكُونَ الأوْلَيانِ مِنهم، فاسْتَحَقَّ بِمَعْنى حَقَّ، كاسْتَعْجَبَ وعَجِبَ. أوْ يَكُونُ (اسْتَحَقَّ) بِمَعْنى سَعى واسْتَوْجَبَ فالمَعْنى مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ حَضَرَ أوْلَيانِ مِنهم، فاسْتَحَقّا عَلَيْهِمْ؛ أيِ اسْتَحَقّا لَهم وسَعَيا فِيهِ، واسْتَوْجَباهُ بِأيْمانِهِما وقُرْبانِهِما انْتَهى. وقالَ بَعْضُهم: المَفْعُولُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ وصِيَّتَهُما. وأمّا القِراءَةُ الثّالِثَةُ، وهي قِراءَةُ (اسْتَحَقَّ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والأوَّلِينَ جَمْعُ الأوَّلِ، فَخُرِّجَ عَلى أنَّ الأوَّلِينَ وصْفٌ لِلَّذِينَ. قالَ أبُو البَقاءِ: أوْ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ بِعَلى. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ، ومَعْنى الأوَّلِيَّةِ التَّقَدُّمُ عَلى الأجانِبِ في الشَّهادَةِ؛ لِكَوْنِهِمْ أحَقَّ بِها انْتَهى. وهَذا عَلى تَفْسِيرِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ أنَّهُمُ الأجانِبُ، لا أنَّهُمُ الكُفّارُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْناها مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ أمْرَهُمْ؛ أيْ غَلَبُوا عَلَيْهِ، ثُمَّ وصَفَهم بِأنَّهم أوَّلُونَ؛ أيْ في الذِّكْرِ في هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ انْتَهى. وأمّا القِراءَةُ الرّابِعَةُ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، فالأوَّلانِ مَرْفُوعٌ بِاسْتَحَقَّ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَحْتَجُّ بِهِ مَن يَرى رَدَّ اليَمِينِ عَلى المُدَّعِي، وهو أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ؛ لا يَرَوْنَ ذَلِكَ، فَوُجِّهَ عِنْدَهم أنَّ الوَرَثَةَ قَدِ ادَّعَوْا عَلى النَّصْرانِيَّيْنِ أنَّهُما أُخْتانا، فَحَلَفا، فَلَمّا ظَهَرَ كَذِبُهُما، ادَّعَيا الشِّراءَ فِيما كَتَماهُ، فَأنْكَرَ الوَرَثَةُ، فَكانَ اليَمِينُ عَلى الوَرَثَةِ؛ لِإنْكارِهِمُ الشِّراءَ. وأمّا القِراءَةُ الخامِسَةُ، وهي قِراءَةُ ابْنِ سِيرِينَ؛ فانْتِصابُ الأوْلَيَيْنِ عَلى المَدْحِ. ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما وما اعْتَدَيْنا﴾ أيْ فَيُقْسِمُ الآخَرانِ القائِمانِ مَقامَ شَهادَةِ التَّحْرِيفِ أنَّ ما أخْبَرا بِهِ حَقٌّ، والَّذِي ذَكَرْناهُ مِن نَصِّ القِصَّةِ أحَقُّ مِمّا ذَكَراهُ أوَّلًا وحَرَّفا فِيهِ وما زِدْنا عَلى الحَدِّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَيَمِينُنا أحَقُّ مِن يَمِينِهِما ومَن (p-٤٧)قالَ: الشَّهادَةُ في أوَّلِ القِصَّةِ، لَيْسَتْ بِمَعْنى اليَمِينِ، قالَ هُنا الشَّهادَةُ يَمِينٌ، وسُمِّيَتْ شَهادَةً؛ لِأنَّها يَثْبُتُ بِها الحُكْمُ كَما يَثْبُتُ بِالشَّهادَةِ. قالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: (أحَقُّ) أصَحُّ لِكُفْرِهِما وإيمانِنا انْتَهى. ﴿إنّا إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ خَتَما بِهَذِهِ الجُمْلَةِ تَبَرِّيًا مِنَ الظُّلْمِ، واسْتِقْباحًا لَهُ، وناسَبَ الظُّلْمُ هُنا لِقَوْلِهِما: ﴿وما اعْتَدَيْنا﴾ . والِاعْتِداءُ والظُّلْمُ، مُتَقارِبانِ، وناسَبَ خَتْمُ ما أقْسَمَ عَلَيْهِ شاهِدا الزُّورِ بِقَوْلِهِ ﴿لَمِنَ الآثِمِينَ﴾ لِأنَّ عَدَمَ مُطابَقَةِ يَمِينِهِما لِلْواقِعِ، وكَتْمِهِما الشَّهادَةَ، يَجُرّانِ إلَيْهِما الإثْمَ. ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾ أيْ ذَلِكَ الحُكْمُ السّابِقُ، ولَمّا كانَ الشّاهِدانِ لَهُما حالَتانِ: حالَةٌ يُرْتابُ فِيها إذا شَهِدا، فَإذْ ذاكَ يُحْبَسانِ بَعْدَ الصَّلاةِ، ويَحْلِفانِ اليَمِينَ المَشْرُوعَةَ في الآيَةِ، قُوبِلَتْ هَذِهِ الحالَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها﴾ أيْ عَلى ما شَهِدا حَقِيقَةً دُونَ إنْكارٍ، ولا تَحْرِيفٍ ولا كَذِبٍ، وحالَةٌ يُطَّلَعُ فِيها إذا شَهِدا عَلى إثْمِهِما بِالشَّهادَةِ، وكَذِبِهِما في الحَلِفِ، فَإذْ ذاكَ لا يُلْتَفَتُ إلى أيْمانِهِمْ، وتُرَدُّ عَلى شُهُودٍ آخَرِينَ، فَعُمِلَ بِأيْمانِهِمْ، وذَلِكَ بَعْدَ حَلِفِهِمْ وافْتِضاحِهِمْ فِيها بِظُهُورِ كَذِبِهِمْ، قُوبِلَتْ هَذِهِ الحالَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾ . وكانَ العَطْفُ بِأوْ؛ لِأنَّ الشّاهِدَيْنِ إذا لَمْ يَتَّضِحْ صِدْقُهُما، لا يَخْلُوانِ مِن إحْدى هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ: إمّا حُصُولُ رِيبَةٍ في شَهادَتِهِما، وإمّا الِاطِّلاعُ عَلى خِيانَتِهِما؛ فَلِذَلِكَ كانَ العَطْفُ بِأوِ المَوْضُوعَةِ لِأحَدِ الشَّيْئَيْنِ، أوِ الأشْياءِ. فالمَعْنى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الأحْكامِ أقْرَبُ إلى حُصُولِ إقامَةِ الشَّهادَةِ عَلى ما يَنْبَغِي، أوْ خَوْفِ رَدِّ الأيْمانِ إلى غَيْرِهِمْ، فَتَسْقُطُ أيْمانُهم ولا تُقْبَلُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ذَلِكَ كُلُّهُ يُقَرِّبُ اعْتِدالَ هَذا الصِّنْفِ فِيما عَسى أنْ يَنْزِلَ مِنَ النَّوازِلِ؛ لِأنَّهم يَخافُونَ التَّحْلِيفَ المُغَلَّظَ بِعَقِبِ الصَّلاةِ، ثُمَّ يَخافُونَ الفَضِيحَةَ، ورَدَّ اليَمِينِ انْتَهى. وقِيلَ: ذَلِكَ إشارَةٌ إلى تَحْلِيفِ الشّاهِدَيْنِ في جَمْعٍ مِنَ النّاسِ. وقِيلَ: إلى الحَبْسِ بَعْدَ الصَّلاةِ فَقَطْ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَظْهَرُ هَذا مِن كَلامِ السُّدِّيِّ، وأوَّلَ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: تُحِبُّنِي يا زَيْدُ، أوْ تُسْخِطُنِي، كَأنَّكَ قُلْتَ: وإلّا أسْخَطْتَنِي، فَكَذَلِكَ مَعْنى الآيَةِ (ذَلِكَ أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها وإلّا خافُوا رَدَّ الأيْمانِ) . وأمّا عَلى مَذْهَبِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ فالمَعْنى ذَلِكَ الحُكْمُ كُلُّهُ أقْرَبُ إلى أنْ يَأْتُوا، أوْ أقْرَبُ إلى أنْ يَخافُوا انْتَهى. فَتَلَخَّصَ أنَّ (أوْ) تَكُونُ عَلى بابِها، أوْ تَكُونُ بِمَعْنى الواوِ. و(يَخافُوا) مَعْطُوفٌ في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ عَلى (يَأْتُوا)، أوْ يَكُونُ بِمَعْنى إلى أنْ، كَقَوْلِكَ لَألْزَمَنَّكَ، أوْ تَقْضِينِي حَقِّي، وهي الَّتِي عَبَّرَ عَنْها ابْنُ عَطِيَّةَ بِتِلْكَ العِبارَةِ السّابِقَةِ مِن تَقْدِيرِها بِشَرْطٍ مَحْذُوفٍ فِعْلُهُ وجَزاؤُهُ، وإذا كانَتْ بِمَعْنى إلى أنْ، فَهي عِنْدَ البَصْرِيِّينَ عَلى بابِها مِن كَوْنِها لِأحَدِ الشَّيْئَيْنِ. إلّا أنَّ العَطْفَ بِها لا يَكُونُ عَلى الفِعْلِ الَّذِي هو (يَأْتُوا)، لَكِنَّهُ يَكُونُ عَلى مَصْدَرٍ مُتَوَهَّمٍ، وذَلِكَ عَلى ما تَقَرَّرَ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ. وجُمِعَ الضَّمِيرُ في يَأْتُوا وما بَعْدَهُ، وإنْ كانَ السّابِقُ مُثَنًّى، فَقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى الشّاهِدَيْنِ بِاعْتِبارِ الصِّنْفِ والنَّوْعِ. وقِيلَ: لا يَعُودُ إلى كِلَيْهِما بِخُصُوصِيَّتِهِما، بَلْ إلى النّاسِ الشُّهُودِ، والتَّقْدِيرُ ذَلِكَ أدْنى أنْ يَحْذَرَ النّاسُ الخِيانَةَ، فَيَشْهَدُوا بِالحَقِّ؛ خَوْفَ الفَضِيحَةِ في رَدِّ اليَمِينِ عَلى المُدَّعِي. ﴿واتَّقُوا اللَّهَ واسْمَعُوا﴾ أيِ احْذَرُوا عِقابَ اللَّهِ تَعالى، واتَّخِذُوا وِقايَةً مِنهُ، بِأنْ لا تَخُونُوا، ولا تَحْلِفُوا بِهِ كاذِبِينَ، وأدُّوا الأمانَةَ إلى أهْلِها، واسْمَعُوا سَماعَ إجابَةٍ وقَبُولٍ. ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ إشارَةٌ إلى مَن حَرَّفَ الشَّهادَةَ أنَّهُ فاسِقٌ خارِجٌ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ، فاللَّهُ لا يَهْدِيهِ إلّا إذا تابَ، فاللَّفْظُ عامٌّ، والمَعْنى اشْتِراطُ انْتِفاءِ التَّوْبَةِ.

المائدة 5:108

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيَّةِ اثْنانِ﴾ . رَوى البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ تَمِيمٌ الدّارِيُّ وعْدِيٌّ يَخْتَلِفانِ إلى مَكَّةَ، فَخَرَجَ مَعَهُما فَتًى مِن بَنِي سَهْمٍ، فَتُوفِّيَ بِأرْضٍ لَيْسَ فِيها مُسْلِمٌ، (p-٣٨)فَأوْصى إلَيْهِما، فَدَفَعا تَرِكَتَهُ إلى أهْلِهِ، وحَبَسا جامًا مِن فِضَّةٍ مَخُوصًا بِالذَّهَبِ، فاسْتَحْلَفَهُما - وفي رِوايَةٍ - فَحَلَّفَهُما بَعْدَ العَصْرِ النَّبِيُّ ﷺ ”ما كَتَمْتُما ولا اطَّلَعْتُما“ ثُمَّ وُجِدَ الجامُ بِمَكَّةَ، فَقالُوا: اشْتَرَيْناهُ مِن عَدِيٍّ وتَمِيمٍ، فَجاءَ الرَّجُلانِ مِن ورَثَةِ السَّهْمِيِّ، فَحَلَفا أنَّ هَذا الجامَ لِلسَّهْمِيِّ، ولَشَهادَتُنا أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما وما اعْتَدَيْنا قالَ: فَأخَذا الجامَ»، وفِيهِمْ نَزَلَتِ الآيَةُ. قِيلَ: والسَّهْمِيُّ، هو مَوْلًى لِبَنِي سَهْمٍ، يُقالُ لَهُ: بَدِيلُ بْنُ أبِي مَرْيَمَ، وأنَّ جامَ الفِضَّةِ كانَ يُرِيدُ بِهِ (المَلِكَ)، وهو أعْظَمُ تِجاراتِهِ، وأنَّ عَدِيًّا وتَمِيمًا باعاهُ بِألْفِ دِرْهَمٍ واقْتَسَماها. وقِيلَ: اسْمُهُ بَدِيلُ بْنُ أبِي مارِيَةَ مَوْلى العاصِي بْنِ وائِلٍ السَّهْمِيِّ، وأنَّهُ خَرَجَ مُسافِرًا في البَحْرِ إلى أرْضِ النَّجاشِيِّ، وأنَّ إناءَ الفِضَّةِ كانَ وزْنُهُ ثَلاثَمِائَةِ مِثْقالٍ، وكانَ مُمُوَّهًا بِالذَّهَبِ، قالَ فَقَدِمُوا الشّامَ، فَمَرِضَ بَدِيلٌ، وكانَ مُسْلِمًا الحَدِيثَ. وذَكَرَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الفَضْلِ أنَّ ورَثَةَ بُدَيْلٍ قالُوا لَهُما: ألَسْتُما زَعَمْتُما أنَّ صاحِبَنا لَمْ يَبِعْ شَيْئًا مِن مَتاعِهِ، فَما بالُ هَذا الإناءِ مَعَكُما، وهو مِمّا خَرَجَ صاحِبُنا بِهِ، وقَدْ حَلَفْتُما عَلَيْهِ، قالا: إنّا كُنّا ابْتَعْناهُ مِنهُ، ولَمْ يَكُنْ لَنا عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، فَكَرِهْنا أنْ نُقِرَّ لَكم، فَتَأْخُذُوهُ مِنّا، وتَسْألُوا عَلَيْهِ البَيِّنَةَ، ولا نَقْدِرُ عَلَيْها، فَرَفَعُوهُما إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَتِ انْتَهى. وفي رِوايَةٍ قالَ تَمِيمٌ: فَلَمّا أسْلَمْتُ بَعْدَ قُدُومِ النَّبِيِّ ﷺ المَدِينَةَ تَأثَّمْتُ مِن ذَلِكَ، فَأتَيْتُ أهْلَهُ وأخْبَرْتُهُمُ الخَبَرَ، وأدَّيْتُ لَهم خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ، وأخْبَرْتُهم أنَّ عِنْدَ صاحِبِي مِثْلَها، فَأتَوْا بِهِ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَسَألَهُمُ البَيِّنَةَ، فَلَمْ يَجِدُوا ما أُمِرُوا بِهِ، فَأمَرَهم أنْ يَسْتَحْلِفُوهُ بِما يُقْطَعُ بِهِ عَلى أهْلِ دِينِهِ، فَحَلَفَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ إلى قَوْلِهِ: ﴿بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾ فَقامَ عَمْرُو بْنُ العاصِ ورَجُلٌ آخَرُ مِنهم، فَحَلَفا، فَنُزِعَتِ الخَمْسُمِائَةِ مِن يَدِ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ. وزادَ الواقِدِيُّ في حَدِيثِهِ أنَّ تَمِيمًا وعَدِيًّا كانا أخَوَيْنِ، ويَعْنِي، واللَّهُ أعْلَمُ، أنَّهُما أخَوانِ لِأُمٍّ، وأنَّ بُدَيْلًا كَتَبَ وصِيَّتَهُ بِيَدِهِ ودَسَّها في مَتاعِهِ، وأوْصى إلى تَمِيمٍ وعَدِيٍّ؛ أنْ يُؤَدِّيا رَحْلَهُ، وأنَّ الرَّسُولَ اسْتَحْلَفَهُما بَعْدَ العَصْرِ، وأنَّهُ حَلَّفَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ العاصِ والمُطَّلِبَ بْنَ أبِي وداعَةَ. وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا السَّبَبَ مُخْتَصَرًا مُجَرَّدًا، فَذَكَرَ فِيهِ أنَّ بُدَيْلَ بْنَ أبِي مَرْيَمَ، كانَ مِنَ المُهاجِرِينَ، وأنَّهُ كَتَبَ كِتابًا فِيهِ ما مَعَهُ، وطَرَحَهُ في مَتاعِهِ، ولَمْ يُخْبِرْ بِهِ صاحِبَيْهِ، فَأصابَ أهْلُ بُدَيْلٍ الصَّحِيفَةَ، فَطالَبُوهُما بِالإناءِ، فَجَحَدُوا فَرُفِعُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَتْ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَمْ يَصِحَّ لِعَدِيٍّ صُحْبَةٌ فِيما عَلِمْتُ، ولا ثَبَتَ إسْلامُهُ، وقَدْ عَدَّهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ في الصَّحابَةِ. وقالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: هَذِهِ الآياتُ عِنْدَ أهْلِ المَعانِي مِن أشْكَلِ ما في القُرْآنِ، إعْرابًا، ومَعْنًى وحُكْمًا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا كَلامُ مَن لَمْ يَقَعْ لَهُ الثَّلَجُ في تَفْسِيرِها، وذَلِكَ بَيِّنٌ مِن كِتابِهِ انْتَهى. وقالَ أبُو الحَسَنِ السَّخاوِيُّ: ما رَأيْتُ أحَدًا مِنَ الأئِمَّةِ تَخَلَّصَ كَلامُهُ فِيها مِن أوَّلِها إلى آخِرِها انْتَهى. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها، هي أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾، كانَ في ذَلِكَ تَنْفِيرٌ عَنِ الضَّلالِ، واسْتِبْعادٌ عَنْ أنْ يُنْتَفَعَ بِهِمْ في شَيْءٍ مِن أُمُورِ المُؤْمِنِينَ مِن شَهادَةٍ، أوْ غَيْرِها، فَأخْبَرَ تَعالى بِمَشْرُوعِيَّةِ شَهادَتِهِمْ، أوِ الإيصاءِ إلَيْهِمْ في السَّفَرِ عَلى ما سَيَأْتِي بَيانُهُ. وقالَ أبُو نَصْرٍ القُشَيْرِيُّ: لَمّا نَزَلَتِ السُّورَةُ بِالوَفاءِ بِالعُقُودِ، وتَرْكِ الخِياناتِ، انْجَرَّ الكَلامُ إلى هَذا. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ بِالرَّفْعِ، وإضافَةِ (شَهادَةُ) إلى (بَيْنِكم) . وقَرَأ الشَّعْبِيُّ والحَسَنُ والأعْرَجُ ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ بِرَفْعِ (شَهادَةٌ)، وتَنْوِينِهِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ والحَسَنُ أيْضًا (شَهادَةً) بِالنَّصْبِ والتَّنْوِينِ. ورُوِيَ هَذا عَنِ الأعْرَجِ وأبِي حَيْوَةَ، (p-٣٩)و(بَيْنَكم) في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ، فَـ (شَهادَةُ) عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ مُبْتَدَأٌ مُضافٌ إلى بَيْنٍ بَعْدَ الِاتِّساعِ فِيهِ، كَقَوْلِهِ هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ، وخَبَرُهُ (اثْنانِ) تَقْدِيرُهُ: شَهادَةُ اثْنَيْنِ، أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ ذَوا شَهادَةِ بَيْنِكُمُ اثْنانِ، واحْتِيجَ إلى الحَذْفِ لِيُطابِقَ المُبْتَدَأُ الخَبَرَ، وكَذا تَوْجِيهُ قِراءَةِ الشَّعْبِيِّ والأعْرَجِ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَرْتَفِعَ (اثْنانِ) عَلى الفاعِلِيَّةِ بِـ (شَهادَةُ)، ويَكُونَ (شَهادَةُ) مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، وقَدَّرَهُ فِيما فُرِضَ عَلَيْكم أنْ يَشْهَدَ اثْنانِ. وقِيلَ: (شَهادَةُ) مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ ﴿إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ . وقِيلَ: خَبَرُهُ ﴿حِينَ الوَصِيَّةِ﴾، ويَرْتَفِعُ (اثْنانِ) عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، التَّقْدِيرُ الشّاهِدانِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم، أوْ عَلى الفاعِلِيَّةِ، التَّقْدِيرُ يَشْهَدُ اثْنانِ. وقِيلَ: (شَهادَةُ) مُبْتَدَأٌ، (واثْنانِ) مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ، وأغْنى الفاعِلُ عَنِ الخَبَرِ. وعَلى الإعْرابِ الأوَّلِ يَكُونُ (إذا) مَعْمُولًا لِلشَّهادَةِ، وأمّا (حِينَ) فَذَكَرُوا أنَّهُ يَكُونُ مَعْمُولًا لِحَضَرَ، أوْ ظَرْفًا لِلْمَوْتِ، أوْ بَدَلًا مِن (إذا) ولَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَ البَدَلِ قالَ ﴿حِينَ الوَصِيَّةِ﴾ بَدَلٌ مِنهُ يَعْنِي مِن (إذا)، وفي إبْدالِهِ مِنهُ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ الوَصِيَّةِ، وأنَّها مِنَ الأُمُورِ اللّازِمَةِ الَّتِي لا يَنْبَغِي أنْ يَتَهاوَنَ بِها المُسْلِمُ، ويَذْهَلَ عَنْها. وحُضُورُ المَوْتِ مُشارَفَتُهُ، وظُهُورُ أماراتِ بُلُوغِ الأجَلِ انْتَهى. وقالَ الماتُرِيدِيُّ، واتَّبَعَهُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: التَّقْدِيرُ ما بَيْنَكم فَحُذِفَ ما. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: يَعْنِي شَهادَةَ ما بَيْنَكم، (وبَيْنِكم) كِنايَةٌ عَنِ التَّنازُعِ؛ لِأنَّ الشُّهُودَ إنَّما يُحْتاجُ إلَيْهِمْ عِنْدَ وُقُوعِ التَّنازُعِ، وحَذْفُ (ما) مِن قَوْلِهِ ما بَيْنَكم، جائِزٌ لِظُهُورِهِ ونَظِيرُهُ ﴿هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨] أيْ ما بَيْنِي وبَيْنِكَ، وقَوْلُهُ ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] في قِراءَةِ مَن نَصَبَ انْتَهى. وحَذْفُ (ما) المَوْصُولَةِ لا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، ومَعَ الإضافَةِ، لا يَصِحُّ تَقْدِيرُ (ما) البَتَّةَ، ولَيْسَ قَوْلُهُ ﴿هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨] نَظِيرُهُ ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] لِأنَّ ذَلِكَ مُضافٌ إلَيْهِ، وهَذا باقٍ عَلى طَرِيقَتِهِ، فَيُمْكِنُ أنْ يُتَخَيَّلَ فِيهِ تَقْدِيرُ (ما) لِأنَّ الإضافَةَ إلَيْهِ أخْرَجَتْهُ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ، وصَيَّرَتْهُ مَفْعُولًا بِهِ عَلى السَّعَةِ، وأمّا تَخْرِيجُ قِراءَةِ السُّلَمِيِّ والحَسَنِ (شَهادَةً) بِالنَّصْبِ والتَّنْوِينِ، ونَصْبِ (بَيْنَكم) فَقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لِيُقِمْ شَهادَةً اثْنانِ، فَجَعَلَ (شَهادَةً) مَفْعُولًا بِإضْمارِ هَذا الأمْرِ، و(اثْنانِ)، مُرْتَفِعٌ بِـ (لِيُقِمْ) عَلى الفاعِلِيَّةِ، وهَذا الَّذِي قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، هو تَقْدِيرُ ابْنِ جِنِّي بِعَيْنِهِ. قالَ ابْنُ جِنِّي: التَّقْدِيرُ لِيُقِمْ شَهادَةً بَيْنَكُمُ اثْنانِ انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ جِنِّي، مُخالِفٌ لِما قالَهُ أصْحابُنا؛ قالُوا: لا يَجُوزُ حَذْفُ الفِعْلِ، وإبْقاءُ فاعِلِهِ، إلّا إنْ أشْعَرَ بِالفِعْلِ ما قَبْلَهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ [النور: ٣٦]، عَلى قِراءَةِ مَن فَتَحَ الباءَ، فَقَرَأهُ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وذَكَرُوا في اقْتِياسِ هَذا خِلافًا؛ أيْ يُسَبِّحُهُ رِجالٌ، فَدَلَّ يُسَبِّحُ عَلى يُسَبِّحُهُ، أوْ أُجِيبَ بِهِ نَفْيٌ كَأنْ يُقالَ لَكَ: ما قامَ أحَدٌ عِنْدَكَ ؟ فَتَقُولُ بَلى زِيدٌ؛ أيْ قامَ زَيْدٌ، أوْ أُجِيبَ بِهِ اسْتِفْهامٌ، كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎ألا هَلْ أتى أُمَّ الحُوَيْرِثِ مُرْسَلٌ بَلْ خالِدٌ إنْ لَمْ تَعُقْهُ العَوائِقُ التَّقْدِيرُ أتى خالِدٌ، أوْ يَأْتِيها خالِدٌ، ولَيْسَ حَذْفُ الفِعْلِ الَّذِي قَدَّرَهُ ابْنُ جِنِّي، وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ واحِدًا مِن هَذِهِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ. والَّذِي عِنْدِي أنَّ هَذِهِ القِراءَةَ الشّاذَّةَ تَخْرُجُ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما؛ أنْ يَكُونَ (شَهادَةً) مَنصُوبَةً عَلى المَصْدَرِ الَّذِي نابَ مَنابَ الفِعْلِ، بِمَعْنى الأمْرِ، واثْنانِ مُرْتَفِعٌ بِهِ، والتَّقْدِيرُ لِيَشْهَدْ بَيْنَكُمُ اثْنانِ فَيَكُونُ مِن بابِ قَوْلِكَ: ضَرْبًا زَيْدًا، إلّا أنَّ الفاعِلَ في ضَرْبًا مُسْنَدٌ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِ؛ لِأنَّ مَعْناهُ اضْرِبْ، وهَذا مُسْنَدٌ إلى الظّاهِرِ؛ لِأنَّ مَعْناهُ لِيَشْهَدْ، والوَجْهُ الثّانِي أنْ يَكُونَ أيْضًا مَصْدَرًا، لَيْسَ بِمَعْنى الأمْرِ، بَلْ يَكُونُ خَبَرًا نابَ مَنابَ الفِعْلِ في الخَبَرِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ قَلِيلًا، كَقَوْلِكَ: افْعَلْ وكَرامَةً ومَسَرَّةً أيْ وأُكْرِمُكَ وأسُرُّكَ، فَكَرامَةٌ ومَسَرَّةٌ بَدَلانِ مِنَ اللَّفْظِ بِالفِعْلِ في الخَبَرِ، وكَما هو الأحْسَنُ في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: ؎وُقُوفًا بِها صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيَّهُمْ فارْتِفاعُ صَحْبِي وانْتِصابُ (مَطِيَّهم) بِقَوْلِهِ وُقُوفًا؛ لِأنَّهُ بَدَلٌ مِنَ اللَّفْظِ بِالفِعْلِ في الخَبَرِ، التَّقْدِيرُ وقَفَ صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيَّهم. والتَّقْدِيرُ في الآيَةِ (p-٤٠)يَشْهَدُ إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ اثْنانِ، والشَّهادَةُ هُنا هَلْ هي الَّتِي تُقامُ بِها الحُقُوقُ عِنْدَ الحُكّامِ، أوِ الحُضُورُ، أوِ اليَمِينُ ؟ ثَلاثَةُ أقْوالٍ آخِرُها لِلطَّبَرِيِّ، والقَفّالِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ﴾ [النور: ٦] . وقِيلَ: تَأْتِي الشَّهادَةُ بِمَعْنى الإقْرارِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ [النساء: ١٦٦]، وبِمَعْنى العِلْمِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨]، وبِمَعْنى الوَصِيَّةِ. وخُرِّجَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ فِيها أرْبَعَةُ أقْوالٍ. * * ﴿ذَوا عَدْلٍ مِنكم أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ . ﴿ذَوا عَدْلٍ﴾ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ (اثْنانِ)، و(مِنكم) صِفَةٌ أُخْرى، و﴿مِن غَيْرِكُمْ﴾ صِفَةٌ لِآخَرانِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (مِنكم) مِن أقارِبِكم، و﴿مِن غَيْرِكُمْ﴾ مِنَ الأجانِبِ ﴿إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ﴾، يَعْنِي إنْ وقَعَ المَوْتُ في السَّفَرِ، ولَمْ يَكُنْ مَعَكم أحَدٌ مِن عَشِيرَتِكم، فاسْتَشْهِدُوا أجْنَبِيَّيْنِ عَلى الوَصِيَّةِ وجَعَلَ الأقارِبَ أوْلى لِأنَّهم أعْلَمُ بِأحْوالِ المَيِّتِ وبِما هو أصْلَحُ وهم لَهُ أنْصَحُ وقِيلَ: (مِنكم) مِنَ المُسْلِمِينَ وإنَّما جازَتْ في أوَّلِ الإسْلامِ لِقِلَّةِ المُسْلِمِينَ وتَعَذُّرِ وجُودِهِمْ في حالِ السَّفَرِ وعَنْ مَكْحُولٍ نَسَخَها قَوْلُهُ: ﴿وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] انْتَهى. وما اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وبَدَأ بِهِ أوَّلًا؛ هو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ والحَسَنِ والزُّهْرِيِّ، قالُوا: أمَرَ اللَّهُ بِإشْهادِ عَدْلَيْنِ مِنَ القَرابَةِ، إذْ هم أحَقُّ بِحالِ الوَصِيَّةِ، وأدْرى بِصُورَةِ العَدْلِ فِيها، فَإنْ كانَ الأمْرُ في سَفَرٍ، ولَمْ تَحْضُرْ قَرابَةٌ، أسْنَدَها إلى غَيْرِهِما مِنَ المُسْلِمِينَ الأجانِبِ، وهَذا القَوْلُ مُخالِفٌ لِما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ، حَتّى ابْنُ عَطِيَّةَ قالَ: لا نَعْلَمُ خِلافًا أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ تَمِيمًا الدّارِيَّ وعَدِيَّ بْنَ زِيادٍ، كانا نَصْرانِيَّيْنِ، وساقا الحَدِيثَ المَذْكُورَ أوَّلًا، فَهَذا القَوْلُ مُخالِفٌ لِسَبَبِ النُّزُولِ، وأمّا القَوْلُ الثّانِي الَّذِي حَكاهُ الزَّمَخْشَرِيُّ؛ هو مَذْهَبُ أبِي مُوسى وابْنِ المُسَيَّبِ ويَحْيى بْنِ يَعْمُرَ وابْنِ جُبَيْرٍ وأبِي مِجْلَزٍ وإبْراهِيمَ وشُرَيْحٍ وعُبَيْدَةَ السَّلْمانِيِّ وابْنِ سِيرِينَ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ (p-٤١)والسُّدِّيِّ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الثَّوْرِيُّ ومالَ إلَيْهِ أبُو عُبَيْدٍ، واخْتارَهُ أحْمَدُ قالُوا: مَعْنى قَوْلِهِ: (مِنكم) مِنَ المُؤْمِنِينَ، ومَعْنى ﴿مِن غَيْرِكُمْ﴾ مِنَ الكُفّارِ. قالَ بَعْضُهم: وذَلِكَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ ولا مُؤْمِنَ إلّا بِالمَدِينَةِ، وكانُوا يُسافِرُونَ بِالتِّجارَةِ صُحْبَةَ أهْلِ الكِتابِ، وعَبَدَةِ الأوْثانِ، وأنْواعِ الكُفّارِ. ومَذْهَبُ أبِي مُوسى وُشُرَيْحٍ وغَيْرِهِما؛ أنَّ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ. قالَ أحْمَدُ: شَهادَةُ أهْلِ الذِّمَّةِ جائِزَةٌ عَلى المُسْلِمِينَ في السَّفَرِ، عِنْدَ عَدَمِ المُسْلِمِينَ. ورَجَّحَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ هَذا القَوْلَ قالَ: قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خِطابٌ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، فَلَمّا قالَ: ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ كانَ مِن غَيْرِ المُؤْمِنِينَ لا مَحالَةَ، وبِأنَّهُ لَوْ كانَ الآخَرانِ مُسْلِمَيْنِ، لَمْ يَكُنْ جَوازُ الِاسْتِشْهادِ بِهِما مَشْرُوطًا بِالسَّفَرِ؛ لِأنَّ المُسْلِمَ جائِزٌ اسْتِشْهادُهُ في الحَضَرِ والسَّفَرِ، وبِأنَّهُ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى وُجُوبِ الحَلِفِ مِن بَعْدِ الصَّلاةِ. وأجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ الشّاهِدَ لا يَجِبُ تَحْلِيفُهُ، فَعَلِمْنا أنَّهُما لَيْسا مِنَ المُسْلِمِينَ، وبِسَبَبِ النُّزُولِ، وهو شَهادَةُ النَّصْرانِيَّيْنِ عَلى بُدَيْلٍ، وكانَ مُسْلِمًا، وبِأنَّ أبا مُوسى قَضى بِشَهادَةِ يَهُودِيَّيْنِ بَعْدَ أنْ حَلَّفَهُما، وما أنْكَرَ عَلَيْهِ أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ، فَكانَ ذَلِكَ إجْماعًا، وبِاتِّفاقِ أكْثَرِ الأُمَّةِ عَلى أنَّ سُورَةَ المائِدَةِ مِن آخِرِ ما نَزَلَ، ولَيْسَ فِيها مَنسُوخٌ. وقالَ أبُو جَعْفَرٍ النَّحّاسُ ناصِرًا لِلْقَوْلِ الأوَّلِ: هَذا يَنْبَنِي عَلى مَعْنًى غامِضٍ في العَرَبِيَّةِ، وذَلِكَ أنَّ مَعْنًى آخَرَ في العَرَبِيَّةِ مِن جِنْسِ الأوَّلِ، تَقُولُ: مَرَرْتُ بِكَرِيمٍ وكَرِيمٍ آخَرَ، فَقَوْلُهُ (آخَرَ) يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مِن جِنْسِ الأوَّلِ، ولا يَجُوزُ عِنْدَ أهْلِ العَرَبِيَّةِ مَرَرْتُ بِكَرِيمٍ وخَسِيسٍ آخَرَ، ولا مَرَرْتُ بِرَجُلٍ وحِمارٍ آخَرَ، فَوَجَبَ مِن هَذا أنْ يَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِ أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ؛ أيْ عَدْلانِ، والكُفّارُ لا يَكُونُونَ عُدُولًا انْتَهى. وما ذَكَرَهُ في المَثَلِ صَحِيحٌ، إلّا أنَّ الَّذِي في الآيَةِ مُخالِفٌ لِلْمَثَلِ الَّتِي ذَكَرَها النَّحّاسُ في التَّرْكِيبِ؛ لِأنَّهُ مَثَّلَ بِآخَرَ وجَعَلَهُ صِفَةً لِغَيْرِ جِنْسِ الأوَّلِ. وأمّا الآيَةُ فَمِن قَبِيلِ ما تَقَدَّمَ فِيهِ آخَرُ عَلى الوَصْفِ، وانْدَرَجَ آخَرُ في الجِنْسِ الَّذِي قَبْلَهُ، ولا يُعْتَبَرُ جِنْسُ وصْفِ الأوَّلِ تَقُولُ: جاءَنِي رَجُلٌ مُسْلِمٌ وآخَرُ كافِرٌ، ومَرَرْتُ بِرَجُلٍ قائِمٍ وآخَرَ قاعِدٍ، واشْتَرَيْتُ فَرَسًا سابِقًا وآخَرَ، مُبْطِئًا، فَلَوْ أخَّرْتَ آخَرَ في هَذِهِ المُثُلِ، لَمْ تَجُزِ المَسْألَةُ، لَوْ قُلْتَ: جاءَنِي رَجُلٌ مُسْلِمٌ وكافِرٌ آخَرُ، ومَرَرْتُ بِرَجُلٍ قائِمٍ وقاعِدٍ آخَرَ، واشْتَرَيْتُ فَرَسًا سابِقًا ومُبْطِئًا آخَرَ، لَمْ يَجُزْ، ولَيْسَتِ الآيَةُ مِن هَذا القَبِيلِ، إلّا أنَّ التَّرْكِيبَ فِيها جاءَ ﴿اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ فَآخَرانِ مِن جِنْسِ قَوْلِهِ ﴿اثْنانِ﴾ ولا سِيَّما إذا قَدَّرْتَهُ رَجُلانِ اثْنانِ فَآخَرانِ هُما مِن جِنْسِ قَوْلِكَ رَجُلانِ اثْنانِ ولا، يُعْتَبَرُ وصْفُ قَوْلِهِ ﴿ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾، وإنْ كانَ مُغايِرًا لِقَوْلِهِ مِن غَيْرِكم، كَما لا يُعْتَبَرُ وصْفُ الجِنْسِ في قَوْلِكَ: عِنْدِي رَجُلانِ اثْنانِ مُسْلِمانِ وآخَرانِ كافِرانِ، إذْ لَيْسَ (p-٤٢)مِن شَرْطِ (آخَرَ) إذا تَقَدَّمَ أنْ يَكُونَ مِن جِنْسِ الأوَّلِ بَعِيدٌ وصْفُهُ، وهو عَلى ما ذَكَرْتُهُ هو لِسانُ العَرَبِ؛ قالَ الشّاعِرُ: ؎كانُوا فَرِيقَيْنِ يُصْغُونَ الزُّجاجَ عَلى قُعْسِ الكَواهِلِ في أشْداقِها ضَخَمُ ؎وآخِرِينَ عَلى الماذِيِّ فَوْقَهم ∗∗∗ مِن نَسْجِ داوُدَ أوْ ما أوْرَثَتْ إرَمُ التَّقْدِيرُ كانُوا فَرِيقَيْنِ فَرِيقًا، أوْ ناسًا يُصْغُونَ الزُّجاجَ ثُمَّ، قالَ: وآخَرِينَ تَرى المَأذِيَ فَآخَرِينَ مِن جِنْسِ قَوْلِكَ فَرِيقًا، ولَمْ يَعْبُرْهُ بِوَصْفِهِ، وهو قَوْلُهُ: يُصْغُونَ الزُّجاجَ؛ لِأنَّ الشّاعِرَ قَسَّمَ مَن ذَكَرَ إلى قِسْمَيْنِ مُتَبايِنَيْنِ بِالوَصْفَيْنِ مُتَّحِدِي الجِنْسِ، وهَذا الفَرْقُ قَلَّ مَن يَفْهَمُهُ، فَضْلًا عَمَّنْ يَعْرِفُهُ، وأمّا القَوْلُ الثّالِثُ الَّذِي حَكاهُ الزَّمَخْشَرِيُّ؛ وهو أنَّهُ مَنسُوخٌ، وحَكاهُ عَنْ مَكْحُولٍ؛ فَهو قَوْلُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ والنَّخَعِيِّ ومالِكٍ والشّافِعِيِّ وأبِي حَنِيفَةَ وغَيْرِهِمْ مِنَ الفُقَهاءِ، إلّا أنَّ أبا حَنِيفَةَ خالَفَهم فَقالَ: تَجُوزُ شَهادَةُ الكُفّارِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ لا عَلى المُسْلِمِينَ، والنّاسِخُ قَوْلُهُ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقَوْلُهُ: ﴿وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، وزَعَمُوا أنَّ آيَةَ الدَّيْنِ مِن آخِرِ ما نَزَلَ. والظّاهِرُ أنَّ أوْ لِلتَّخْيِيرِ. وقالَ بِهِ ابْنُ عَبّاسٍ فَمَن جَعَلَ قَوْلَهُ ﴿مِن غَيْرِكُمْ﴾ أيْ مِن عَشِيرَتِكم كانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ أنْ يَسْتَشْهِدَ أقارِبَهُ، أوِ الأجانِبَ مِنَ المُسْلِمِينَ، ومَن زَعَمَ أنَّ قَوْلَهُ مِن غَيْرِكم أيْ مِنَ الكُفّارِ فاخْتَلَفُوا. فَقِيلَ غَيْرُكم يَعْنِي بِهِ أهْلَ الكِتابِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقِيلَ: أهْلُ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ، وهو ظاهِرُ قَوْلِهِ ﴿مِن غَيْرِكُمْ﴾، وقِيلَ: أوْ لِلتَّرْتِيبِ إذا كانَ قَوْلُهُ ﴿مِن غَيْرِكُمْ﴾ يَعْنِي بِهِ مِن غَيْرِ أهْلِ مِلَّتِكم، فالتَّقْدِيرُ إنْ لَمْ يُوجَدْ مِن مِلَّتِكم. ﴿إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتِ﴾ هَذا التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، ولَوْ جَرى عَلى لَفْظِ ﴿إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ لَكانَ التَّرْكِيبُ إنْ هو ضَرَبَ في الأرْضِ، فَأصابَتْهُ مُصِيبَةُ المَوْتِ، وإنَّما جاءَ الِالتِفاتُ جَمْعًا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ (أحَدَكُمُ) مَعْناهُ إذا حَضَرَ كُلَّ واحِدٍ مِنكُمُ المَوْتُ، والمَعْنى إذا سافَرْتُمْ في الأرْضِ لِمَصالِحِكم ومَعايِشِكم. وظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ اسْتِشْهادَ آخَرَيْنِ مِن غَيْرِ المُسْلِمِينَ، مَشْرُوطٌ بِالسَّفَرِ في الأرْضِ، وحُضُورِ عَلاماتِ المَوْتِ. ﴿تَحْبِسُونَهُما مِن بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، لا لِما دَلَّ عَلَيْهِ الخِطابُ في قَوْلِهِ ﴿إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَأصابَتْكُمْ﴾ لِأنَّ مَن ضَرَبَ في الأرْضِ وأصابَهُ المَوْتُ، لَيْسَ هو الحابِسَ ﴿تَحْبِسُونَهُما﴾ صِفَةٌ لِآخَرانِ، واعْتُرِضَ بَيْنَ المَوْصُوفِ والصِّفَةِ بِقَوْلِهِ (إنْ أنْتُمْ. . . إلى المَوْتِ)، وأفادَ الِاعْتِراضُ؛ أنَّ العُدُولَ إلى آخَرَيْنِ مِن غَيْرِ المِلَّةِ، أوِ القَرابَةِ، حَسَبَ اخْتِلافِ العُلَماءِ في ذَلِكَ، إنَّما يَكُونُ مَعَ ضَرُورَةِ السَّفَرِ، وحُلُولِ المَوْتِ فِيهِ. اسْتَغْنى عَنْ جَوابِ (إنْ) . لِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ انْتَهى. وإلى أنَّ ﴿تَحْبِسُونَهُما﴾ صِفَةٌ. ذَهَبُ الحُوفِيُّ وأبُو البَقاءِ، وهو ظاهِرُ كَلامِ ابْنِ عَطِيَّةَ، إذْ لَمْ يَذْكُرْ غَيْرَ قَوْلِ أبِي عَلِيٍّ الَّذِي قَدَّمْناهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَوْضِعُ ﴿تَحْبِسُونَهُما﴾ ؟ قُلْتُ: هو اسْتِئْنافُ كَلامٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: بَعْدَ اشْتِراطِ العَدالَةِ فِيهِما، فَكَيْفَ إنِ ارْتَبْنا فِيهِما ؟ فَقِيلَ: ﴿تَحْبِسُونَهُما﴾ . وما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنَ الِاسْتِئْنافِ، أظْهَرُ مِنَ (p-٤٣)الوَصْفِ؛ لِطُولِ الفَصْلِ بِالشَّرْطِ، والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بَيْنَ المَوْصُوفِ وصِفَتِهِ. وإنَّما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَعْدَ اشْتِراطِ العَدالَةِ فِيهِما؛ لِأنَّهُ اخْتارَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ، أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكم، مَعْناهُ أوْ عَدْلانِ آخَرانِ مِن غَيْرِ القَرابَةِ. وتَقَدَّمَ مِن كَلامِ أبِي عَلِيٍّ؛ أنَّ العُدُولَ إلى آخَرَيْنِ مِن غَيْرِ المِلَّةِ، أوِ القَرابَةِ، إنَّما يَكُونُ مَعَ ضَرُورَةِ السَّفَرِ، وحُلُولِ المَوْتِ فِيهِ، إلى آخِرِ كَلامِهِ، فَظَهَرَ مِنهُ أنَّ تَقْدِيرَ جَوابِ الشَّرْطِ هو ﴿إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتِ﴾ فاسْتَشْهِدُوا آخَرَيْنِ مِن غَيْرِكم، أوْ فالشّاهِدانِ آخَرانِ مِن غَيْرِكم. والظّاهِرُ أنَّ الشَّرْطَ قَيْدٌ في شَهادَةِ اثْنَيْنِ ذَوَيْ عَدْلٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، أوْ آخَرَيْنِ مِن غَيْرِ المُؤْمِنِينَ، فَيَكُونُ مَشْرُوعِيَّةُ الوَصِيَّةِ لِلضّارِبِ في الأرْضِ المُشارِفِ عَلى المَوْتِ، أنْ يُشْهِدَ اثْنَيْنِ، ويَكُونُ تَقْدِيرُ الجَوابِ: إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ، فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتِ، فاسْتَشْهِدُوا اثْنَيْنِ، إمّا مِنكم، وإمّا مِن غَيْرِكم. ولا يَكُونُ الشَّرْطُ إذْ ذاكَ قَيْدًا في آخَرَيْنِ مِن غَيْرِنا فَقَطْ، بَلْ هو قَيْدٌ فِيمَن ضَرَبَ في الأرْضِ، وشارَفَ المَوْتَ، فَيَشْهَدُ اثْنانِ مِنّا، أوْ مِن غَيْرِنا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في الكَلامِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتِ، وقَدِ اسْتَشْهَدْتُمُوهُما عَلى الإيصاءِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ تَقْدِيرُهُ؛ وقَدْ أوْصَيْتُمْ. قِيلَ: وهَذا أوْلى لِأنَّ الشّاهِدَ لا يَحْلِفُ، والمُوصى يَحْلِفُ. ومَعْنى ﴿تَحْبِسُونَهُما﴾ تَسْتَوْثِقُونَهُما لِلْيَمِينِ، والخِطابُ لِمَن يَلِي ذَلِكَ مِن وُلاةِ الإسْلامِ، وضَمِيرُ المَفْعُولِ عائِدٌ في قَوْلٍ عَلى آخَرَيْنِ مِن غَيْرِ المُؤْمِنِينَ، وظاهِرُ عَوْدِهِ عَلى اثْنَيْنِ مِنّا، أوْ مِن غَيْرِنا، سَواءٌ كانا وصِيَّيْنِ، أوْ شاهِدَيْنِ، وظاهِرُ قَوْلِهِ مِن بَعْدِ الصَّلاةِ؛ أنَّ الألِفَ واللّامَ لِلْجِنْسِ، أوْ مِن بَعْدِ أيِّ صَلاةٍ، وقَدْ قِيلَ: بِهَذا الظّاهِرِ، وخَصَّ ذَلِكَ ابْنُ عَبّاسٍ بِصَلاةِ دِينِهِما، وذَلِكَ تَغْلِيظٌ في اليَمِينِ. وقالَ الحَسَنُ: بَعْدَ العَصْرِ، أوِ الظُّهْرِ؛ لِأنَّ أهْلَ الحِجازِ كانُوا يَقْعُدُونَ لِلْحُكُومَةِ بَعْدَهُما. وقالَ الجُمْهُورُ هي صَلاةُ العَصْرِ؛ لِأنَّهُ وقْتُ اجْتِماعِ النّاسِ، وكَذا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، اسْتَحْلَفَ عَدِيًّا وتَمِيمًا بَعْدَ العَصْرِ عِنْدَ المِنبَرِ، ورُجِّحَ هَذا القَوْلُ بِفِعْلِهِ وبِقَوْلِهِ في الصَّحِيحِ: «مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ كاذِبَةٍ بَعْدَ العَصْرِ، لَقِيَ اللَّهَ وهو عَلَيْهِ غَضْبانُ» . وبِأنَّ التَّحْلِيفَ كانَ مَعْرُوفًا بَعْدَهُما، فالتَّقْيِيدُ بِالمَعْرُوفِ يُغْنِي عَنِ التَّقْيِيدِ بِاللَّفْظِ، وبِأنَّ جَمِيعَ الأدْيانِ يُعَظِّمُونَ هَذا الوَقْتَ، ويَذْكُرُونَ اللَّهَ فِيهِ، فَتَكُونُ الألِفُ واللّامُ في هَذا القَوْلِ لِلْعَهْدِ، وكَذا في قَوْلِ الحَسَنِ. ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إنّا إذًا لَمِنَ الآثِمِينَ﴾ ظاهِرُهُ تَقْيِيدُ حَلِفِهِما بِوُجُودِ الِارْتِيابِ، فَمَتى لَمْ تُوجَدِ الرِّيبَةُ، فَلا تَحْلِيفَ. ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ تَحْلِيفُ أبِي مُوسى لِلْيَهُودِيَّيْنِ اللَّذَيْنِ اسْتَشْهَدَهُما مُسْلِمٌ تُوُفِّيَ عَلى وصِيَّتِهِ عَلى أنَّهُ وقَعَتْ رِيبَةٌ، وإنْ لَمْ يُذْكَرْ ذَلِكَ في قِصَّةِ ذَلِكَ المُسْلِمِ. والفاءُ في قَوْلِهِ (فَيُقْسِمانِ) عاطِفَةٌ هَذِهِ الجُمْلَةَ عَلى قَوْلِهِ ﴿تَحْبِسُونَهُما﴾ هَذا هو الظّاهِرُ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: وإنْ شِئْتَ لَمْ تُقَدِّرِ الفاءَ لِعَطْفِ جُمْلَةٍ، ولَكِنْ تَجْعَلْهُ جَزاءً، كَقَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ: ؎وإنْسانُ عَيْنِي يَحْسِرُ الماءَ تارَةً ∗∗∗ فَيَبْدُو وتاراتٍ يَجُمُّ فَيَغْرَقُ تَقْدِيرُهُ: عِنْدَهُمْ؛ إذا حَسَرَ بَدا، فَكَذَلِكَ إذا حَبَسْتُمُوهُما اقْسِما انْتَهى. ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى تَقْدِيرِ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، وإبْقاءِ جَوابِهِ، فَتَكُونُ الفاءُ إذْ ذاكَ فاءَ الجَزاءِ، وإلى تَقْدِيرِ مُضْمَرٍ بَعْدَ الفاءِ؛ أيْ فَهُما يُقْسِمانِ، وفَهُوَ يَبْدُو. وخَرَّجَ أصْحابُنا بَيْتَ ذِي الرُّمَّةِ عَلى تَوْجِيهٍ آخَرَ، وهو أنَّ قَوْلَهُ: يَحْسِرُ الماءَ تارَةً؛ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الخَبَرِ، وقَدْ عُرِّيَتْ عَنِ الرّابِطِ، فَكانَ القِياسُ أنْ لا تَقَعَ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ، لَكِنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِما بِالفاءِ جُمْلَةً فِيها ضَمِيرُ المُبْتَدَأِ، فَحَصَلَ الرَّبْطُ بِذَلِكَ، و﴿لا نَشْتَرِي﴾ هو جَوابُ قَوْلِهِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ، وفَصَلَ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ بِالشَّرْطِ. والمَعْنى إنِ ارْتَبْتُمْ في شَأْنِهِما واتَّهَمْتُمُوهُما، فَحَلِّفُوهُما. وقِيلَ: إنْ أُرِيدَ بِهِما (p-٤٤)الشّاهِدانِ، فَقَدْ نُسِخَ تَحْلِيفُ الشّاهِدَيْنِ، وإنْ أُرِيدَ الوَصِيّانِ، فَلَيْسَ بِمَنسُوخٍ تَحْلِيفُهُما. وعَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ كانَ يُحَلِّفُ الشّاهِدَ والرّاوِيَ إذا اتَّهَمَهُما. والضَّمِيرُ في (بِهِ) عائِدٌ عَلى اللَّهِ، أوْ عَلى القَسَمِ، أوْ عَلى تَحْرِيفِ الشَّهادَةِ، أقْوالٌ ثالِثُها لِأبِي عَلِيٍّ، وقَوْلُهُ: ﴿نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾ كِنايَةٌ عَنِ الِاسْتِبْدالِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيا، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ ذا ثَمَنٍ لِأنَّ الثَّمَنَ لا يَشْتَرِي، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ﴿لا نَشْتَرِي﴾ لا نَبِيعُ هُنا، وإنْ كانَ ذَلِكَ في اللُّغَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ لا نَحْلِفُ بِاللَّهِ كاذِبِينَ لِأجْلِ المالِ، ولَوْ كانَ مَن نُقْسِمُ لِأجْلِهِ قَرِيبًا مِنّا، وذَلِكَ عَلى عادَتِهِمْ في صِدْقِهِمْ وأمانَتِهِمْ أبَدًا، فَإنَّهم داخِلُونَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلى أنْفُسِكم أوِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥]، وإنَّما قالَ فَإنَّهم داخِلُونَ إلى آخِرِهِ؛ لِأنَّ الِاثْنَيْنِ والآخَرَيْنِ عِنْدَهُ مُؤْمِنُونَ، فانْدَرَجُوا في قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ﴾ [المائدة: ٨] الآيَةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وخَصَّ ذا القُرْبى بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّ العُرْفَ مَيْلُ النَّفْسِ إلى أقْرِبائِهِمْ واسْتِسْهالُهم في جَنْبِ نَفْعِهِمْ ما لا يُسْتَسْهَلُ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾ فَيَكُونُ مِن جُمْلَةِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ. وأضافَ الشَّهادَةَ إلى اللَّهِ لِأنَّهُ تَعالى هو الآمِرُ بِإقامَتِها، النّاهِي عَنْ كِتْمانِها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿ولا نَكْتُمُ﴾ خَبَرًا مِنهُما، أخْبَرا عَنْ أنْفُسِهِما أنَّهُما لا يَكْتُمانِ شَهادَةَ اللَّهِ، ولا يَكُونُ داخِلًا تَحْتَ المُقْسَمِ عَلَيْهِ. وقَرَأ الحَسَنُ والشَّعْبِيُّ ﴿ولا نَكْتُمُ﴾ بِجَزْمِ المِيمِ نَهَيا أنْفُسَهُما عَنْ كِتْمانِ الشَّهادَةِ. ودُخُولُ (لا) النّاهِيَةِ عَلى المُتَكَلِّمِ قَلِيلٌ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ؎إذا ما خَرَجْنا مِن دِمَشْقَ فَلا نَعُدْ ∗∗∗ بِها أبَدًا ما دامَ فِيها الجَراضِمُ . وقَرَأ عَلِيٌّ ونُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ والشَّعْبِيُّ بِخِلافٍ عَنْهُ ﴿شَهادَةَ اللَّهِ﴾ بِنَصْبِهِما، وتَنْوِينِ (شَهادَةً)، وانْتَصَبا بِـ (نَكْتُمُ) . التَّقْدِيرُ ولا نَكْتُمُ اللَّهَ شَهادَةً. قالَ الزَّهْراوِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى؛ ولا نَكْتُمُ شَهادَةً واللَّهِ، ثُمَّ حَذَفَ الواوَ، ونَصَبَ الفِعْلَ إيجازًا. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ والسُّلَمِيِّ والحَسَنِ البَصْرِيِّ شَهادَةً، بِالتَّنْوِينِ، وآللَّهِ، بِالمَدِّ في هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ الَّتِي هي عِوَضٌ مِن حَرْفِ القَسَمِ، دَخَلَتْ تَقْرِيرًا وتَوْقِيفًا لِنُفُوسِ المُقْسِمِينَ، أوْ لِمَن خاطَبُوهُ. ورُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ وغَيْرِهِ أنَّهُ كانَ يَقِفُ عَلى (شَهادَةَ)، بِالهاءِ السّاكِنَةِ، واللَّهِ بِقَطْعِ ألِفِ الوَصْلِ دُونَ مَدِّ الِاسْتِفْهامِ. قالَ ابْنُ جِنِّي: الوَقْفُ عَلى (شَهادَةَ)، بِسُكُونِ الهاءِ واسْتِئْنافِ القَسَمِ، حَسَنٌ؛ لِأنَّ اسْتِئْنافَهُ في أوَّلِ الكَلامِ، أوْقَرُ لَهُ، وأشَدُّ هَيْبَةً مِن أنْ يَدْخُلَ في عَرَضِ القَوْلِ. ورُوِيَ عَنْ يَحْيى بْنِ آدَمَ عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ عَيّاشٍ (شَهادَةً) بِالتَّنْوِينِ (اللَّهِ) بِقَطْعِ الألِفِ، دُونَ مَدٍّ، وخَفْضِ هاءِ الجَلالَةِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ عَنِ الشَّعْبِيِّ. وقَرَأ الأعْمَشُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ (لَمِلّاثِمِينَ)، بِإدْغامِ نُونِ (مِن) في لامِ الآثِمِينَ بَعْدَ حَذْفِ الهَمْزَةِ، ونَقْلِ حَرَكَتِها إلى اللّامِ. ﴿فَإنْ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا﴾ أيْ فَإنْ عُثِرَ بَعْدَ حَلِفِهِما عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا؛ أيْ ذَنْبًا بِحِنْثِهِما في اليَمِينِ، بِأنَّها لَيْسَتْ مُطابِقَةً لِلْواقِعِ (وعُثِرَ) اسْتِعارَةٌ لِما يُوقَعُ عَلى عِلْمِهِ بَعْدَ خَفائِهِ وبَعْدَ أنْ لَمْ يَرْجُ، ولَمْ يَقْصِدْ، كَما تَقُولُ: عَلى الخَبِيرِ سَقَطْتَ ووَقَعْتَ عَلى كَذا. قالَ أبُو عَلِيٍّ: الإثْمُ هُنا، هو الشَّيْءُ المَأْخُوذُ؛ لِأنَّ أخْذَهُ إثْمٌ فَسُمِّي إثْمًا، كَما يُسَمّى ما أُخِذَ بِغَيْرِ الحَقِّ، مَظْلَمَةً. قالَ سِيبَوَيْهِ: المَظْلَمَةُ اسْمُ ما أُخِذَ مِنكَ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ هَذا المَأْخُوذُ بِاسْمِ المَصْدَرِ انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ الإثْمَ هُنا لَيْسَ الشَّيْءَ المَأْخُوذَ، بَلِ الذَّنْبَ الَّذِي اسْتَحَقّا بِهِ أنْ يَكُونا مِنَ الآثِمِينَ الَّذِي تَبَرَّآ أنْ يَكُونا مِنهم في قَوْلِهِما ﴿إنّا إذًا لَمِنَ الآثِمِينَ﴾ ولَوْ كانَ الإثْمُ هو الشَّيْءَ المَأْخُوذَ، ما قِيلَ فِيهِ: اسْتَحَقّا إثْمًا؛ لِأنَّهُما ظَلَما، وتَعَدَّيا، وذَلِكَ هو المُوجِبُ لِلْإثْمِ. ﴿فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ﴾ (p-٤٥)قَرَأ الحَرَمِيّانِ والعَرَبِيّانِ والكِسائِيُّ (اسْتَحَقَّ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ (والأوْلَيانِ) مُثَنّى مَرْفُوعٌ تَثْنِيَةُ الأوْلى، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أُبَيٍّ وعَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ وعَنِ ابْنِ كَثِيرٍ في رِوايَةِ قُرَّةَ عَنْهُ. وقَرَأ حَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ (اسْتُحِقَّ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ (والأوَّلِينَ) جَمْعُ الأوَّلِ. وقَرَأ الحَسَنُ (اسْتَحَقَّ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، الأوَّلانِ مَرْفُوعٌ، تَثْنِيَةُ أوَّلَ. وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ الأوْلَيَيْنِ، تَثْنِيَةُ الأوَّلِ، فَأمّا القِراءَةُ الأُولى، فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَآخَرانِ) فَشاهِدانِ آخَرانِ ﴿يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ﴾ عَلَيْهِمْ؛ أيْ مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الإثْمُ، ومَعْناهُ وهُمُ الَّذِينَ جُنِيَ عَلَيْهِمْ، وهم أهْلُ المَيِّتِ، وِعِتْرَتُهُ. وفي قِصَّةِ بُدَيْلٍ أنَّهُ لَمّا ظَهَرَتْ خِيانَةُ الرَّجُلَيْنِ، حَلَّفَ رَجُلَيْنِ مِن ورَثَتِهِ أنَّهُ إناءُ صاحِبِهِما، وأنَّ شَهادَتَهُما أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما. (والأوْلَيانِ) الأحَقّانِ بِالشَّهادَةِ لِقَرابَتِهِما ومَعْرِفَتِهِما وارْتِفاعِهِما عَلى هُما الأوْلَيانِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ومَن هُما، فَقِيلَ (الأوْلَيانِ) . وقِيلَ: هُما بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (يَقُومانِ) أوْ مِن آخَرانِ، ويَجُوزُ أنْ يَرْتَفِعا بِاسْتَحَقَّ أيْ مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ابْتَدَأتِ الأوْلَيَيْنِ مِنهم لِلشَّهادَةِ؛ لِاطِّلاعِهِمْ عَلى حَقِيقَةِ الحالِ انْتَهى. وقَدْ سَبَقَهُ أبُو عَلِيٍّ إلى أنَّ تَخْرِيجَ رَفْعِ (الأوْلَيانِ) عَلى تَقْدِيرِ هُما الأوْلَيانِ، وعَلى البَدَلِ مِن ضَمِيرِ (يَقُومانِ)، وزادَ أبُو عَلِيٍّ وجْهَيْنِ آخَرَيْنِ: أحَدُهُما؛ أنْ يَكُونَ (الأوْلَيانِ) مُبْتَدَأً مُؤَخَّرًا، والخَبَرُ آخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما، كَأنَّهُ في التَّقْدِيرِ فالأوْلَيانِ بِأمْرِ المَيِّتِ آخَرانِ يَقُومانِ، فَيَجِيءُ الكَلامُ، كَقَوْلِهِمْ: تَمِيمِيٌّ أنا، والوَجْهُ الآخَرُ أنْ يَكُونَ (الأوْلَيانِ) مُسْنَدًا إلَيْهِ (اسْتَحَقَّ) . قالَ أبُو عَلِيٍّ فِيهِ شَيْءٌ آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ (الأوْلَيانِ) صِفَةً لِآخَرانِ؛ لِأنَّهُ لَمّا وُصِفَ خُصِّصَ، فَوُصِفَ مِن أجْلِ الِاخْتِصاصِ الَّذِي صارَ لَهُ انْتَهى. وهَذا الوَجْهُ ضَعِيفٌ لِاسْتِلْزامِهِ هَدْمَ ما كادُوا أنْ يُجْمِعُوا عَلَيْهِ مِن أنَّ النَّكِرَةَ لا تُوصَفُ بِالمَعْرِفَةِ، ولا العَكْسُ. وعَلى ما جَوَّزَهُ أبُو الحَسَنِ يَكُونُ إعْرابُ قَوْلِهِ: ﴿فَآخَرانِ﴾ مُبْتَدَأً والخَبَرُ (يَقُومانِ) ويَكُونُ قَدْ وُصِفَ بِقَوْلِهِ مِنَ الَّذِينَ، أوْ يَكُونُ قَدْ وُصِفَ بِقَوْلِهِ (يَقُومانِ)، والخَبَرُ ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾ ولا يَضُرُّ الفَصْلُ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ بِالخَبَرِ، أوْ يَكُونانِ صِفَتَيْنِ لِقَوْلِهِ: ﴿فَآخَرانِ﴾، ويَرْتَفِعُ آخَرانِ عَلى خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ فالشّاهِدانِ آخَرانِ، ويَجُوزُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ أنْ يَرْتَفِعَ عَلى الفاعِلِ؛ أيْ فَلْيَشْهَدْ آخَرانِ. وأمّا مَفْعُولُ (اسْتَحَقَّ) فَتَقَدَّمَ تَقْدِيرُ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الإثْمَ، ويَعْنِي أنَّهُ ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى الإثْمِ؛ لِأنَّ الإثْمَ مَحْذُوفٌ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ حَذْفُ المَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وقَدْ سَبَقَهُ أبُو عَلِيٍّ والحَوْفِيُّ إلى هَذا التَّقْدِيرِ، وأجازُوا وجْهَيْنِ آخَرَيْنِ، أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الإيصاءَ، والثّانِي: أنْ يَكُونَ مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الوَصِيَّةَ. وأمّا ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنِ ارْتِفاعِ قَوْلِهِ (الأوْلَيانِ) بِـ (اسْتَحَقَّ)، فَقَدْ أجازَهُ أبُو عَلِيٍّ كَما تَقَدَّمَ، ثُمَّ مَنَعَهُ قالَ لِأنَّ المُسْتَحَقَّ إنَّما يَكُونُ الوَصِيَّةَ أوْ شَيْئًا مِنها. وأمّا (الأوْلَيانِ) بِالمَيِّتِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَسْتَحِقّا فَيُسْنَدَ (اسْتَحَقَّ) إلَيْهِما، إلّا أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ إنَّما رَفَعَ قَوْلَهُ الأوْلَيانِ بِـ (اسْتَحَقَّ) عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ مُضافٍ نابَ عَنْهُ (الأوْلَيانِ)، فَقَدَّرَهُ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ انْتِدابُ الأوْلَيَيْنِ مِنهم لِلشَّهادَةِ لِاطِّلاعِهِمْ عَلى حَقِيقَةِ الحالِ، فَيَسُوغُ تَوْجِيهُهُ، وأجازَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَلى أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ؛ مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ إثْمُ الأوَّلَيْنِ، وأجازَ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْضًا أنْ يَرْتَفِعَ (الأوْلَيانِ) بِـ (اسْتَحَقَّ)، وطَوَّلَ في تَقْرِيرِ ذَلِكَ، ومُلَخَّصُهُ أنَّهُ حَمَلَ اسْتَحَقَّ هُنا عَلى الِاسْتِعارَةِ بِأنَّهُ لَيْسَ اسْتِحْقاقًا حَقِيقَةً لِقَوْلِهِ: ﴿اسْتَحَقّا إثْمًا﴾، وإنَّما مَعْناهُ أنَّهم غَلَبُوا عَلى المالِ بِحُكْمِ انْفِرادِ هَذا المَيِّتِ وعَدْمِهِ لِقَرابَتِهِ، أوْ لِأهْلِ دِينِهِ، فَجَعَلَ تَسَوُّرَهم عَلَيْهِ اسْتِحْقاقًا مَجازًا، والمَعْنى مِنَ الجَماعَةِ الَّتِي غابَتْ، وكانَ حَقُّها أنْ تُحْضِرَ ولِيَّها. قالَ: فَلَمّا غابَتْ وانْفَرَدَ هَذا المُوصِي، اسْتَحَقَّتْ هَذِهِ الحالَ، وهَذانِ الشّاهِدانِ مِن غَيْرِ أهْلِ الدِّينِ الوِلايَةَ، وأمْرِ الأوْلَيَيْنِ عَلى هَذِهِ الجَماعَةِ، ثُمَّ يُبْنى الفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ عَلى هَذا المَعْنى إيجازًا، ويُقَوِّي هَذا الغَرَضَ أنْ يُعَدّى الفِعْلُ (p-٤٦)بِعَلى لَمّا كانَ بِاقْتِدارٍ، وحُمِلَ هُنا عَلى الحالِ، ولا يُقالُ اسْتَحَقَّ مِنهُ أوْ فِيهِ، إلّا في الِاسْتِحْقاقِ الحَقِيقِيِّ عَلى وجْهِهِ، وأمّا اسْتَحَقَّ عَلَيْهِ، فَيُقالُ في الحَمْلِ والغَلَبَةِ والِاسْتِحْقاقِ المُسْتَعارِ انْتَهى. والضَّمِيرُ في (مَقامَهُما) عائِدٌ عَلى شاهِدَيِ الزُّورِ، و﴿مِنَ الَّذِينَ﴾ هم وُلاةُ المَيِّتِ. وقالَ النَّحّاسُ في قَوْلِ مَن قَدَّرَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الإيصاءَ: هَذا مِن أحْسَنِ ما قِيلَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ حَرْفًا بَدَلًا مِن حَرْفٍ، يَعْنِي أنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ (عَلى) بِمَعْنى (في)، ولا بِمَعْنى (مِن)، وقَدْ قِيلَ: بِهِما أيْ مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ مِنهُمُ الإثْمَ لِقَوْلِهِ: ﴿إذا اكْتالُوا عَلى النّاسِ﴾ [المطففين: ٢] أيْ مِنَ النّاسِ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الإثْمَ، وأجازَ ابْنُ العَرَبِيِّ تَقْدِيرَ الإيصاءِ، واخْتارَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ وابْنُ الفَضْلِ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ المالَ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ: وقَدْ أكْثَرَ النّاسُ في أنَّهُ لَمْ يُوصَفْ مَوالِي بِهَذا الوَصْفِ، وذَكَرُوا فِيهِ قَوْلًا، والأصَحُّ عِنْدِي فِيهِ وجْهٌ واحِدٌ؛ وهو أنَّهم وُصِفُوا بِذَلِكَ بِأنَّهُ لَمّا أخَذَ مالَهُمُ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ مالَهم، فَإنَّ مَن أخَذَ مالَ غَيْرِهِ، فَقَدْ حاوَلَ أنْ يَكُونَ تَعَلُّقُهُ بِذَلِكَ المالِ تَعَلُّقَ مِلْكِهِ لَهُ، فَصَحَّ أنْ يُوصَفَ المالِكُ بِأنَّهُ قَدِ اسْتَحَقَّ عَلَيْكَ ذَلِكَ المالَ انْتَهى. (والأوْلَيانِ) بِمَعْنى الأقْرَبَيْنِ إلى المَيِّتِ، أوِ الأوْلَيانِ بِالحَلِفِ؛ وذَلِكَ أنَّ الوَصِيَّيْنِ ادَّعَيا؛ أنَّ مُورِثَ هَذَيْنِ الشّاهِدَيْنِ باعَهُما الإناءَ، وهُما أنْكَرا ذَلِكَ، فاليَمِينُ حَقٌّ لَهُما، كَإنْسانٍ أقَرَّ لِآخَرَ بِدَيْنٍ، وادَّعى أنَّهُ قَضاهُ، فَتُرَدُّ اليَمِينُ عَلى الَّذِي ادَّعى أوَّلًا؛ لِأنَّهُ صارَ مُدَّعًى عَلَيْهِ. وتَلَخَّصَ في إعْرابِ (الأوْلَيانِ) عَلى هَذِهِ القِراءَةِ وُجُوهٌ الِابْتِداءُ، والخَبَرُ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والبَدَلُ مِن ضَمِيرِ (يَقُومانِ) والبَدَلُ مِن (آخَرانِ)، والوَصْفُ لِـ (آخَرانِ) والمَفْعُولِيَّةُ بِـ (اسْتَحَقَّ) عَلى حَذْفِ مُضافٍ مُخْتَلَفٍ في تَقْدِيرِهِ. وأمّا القِراءَةُ الثّانِيَةُ، وهي بِناءُ (اسْتَحَقَّ) لِلْفاعِلِ، ورَفْعُ الأوْلَيَيْنِ، فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ مِنَ الوَرَثَةِ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ أوْلَيانِ مِن سَهْمٍ بِالشَّهادَةِ أنْ يُجَرِّدُوهُما لِقِيامِ الشَّهادَةِ، ويُظْهِرُوا بِهِما كَذِبَ الكاذِبِينَ انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ما مُلَخَّصُهُ (الأوْلَيانِ) رُفِعَ بِـ (اسْتَحَقَّ)، وذَلِكَ عَلى أنْ يَكُونَ المَعْنى ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾ مالَهم وتَرَكَهم شاهِدا الزُّورِ، فَسُمِّيا أوْلَيَيْنِ؛ أيْ صَيَّرَهُما عَدَمُ النّاسِ أوْلى بِهَذا المَيِّتِ وتَرِكَتِهِ، فَجازا فِيها. أوْ يَكُونُ المَعْنى مِنَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمْ أنْ يَكُونَ الأوْلَيانِ مِنهم، فاسْتَحَقَّ بِمَعْنى حَقَّ، كاسْتَعْجَبَ وعَجِبَ. أوْ يَكُونُ (اسْتَحَقَّ) بِمَعْنى سَعى واسْتَوْجَبَ فالمَعْنى مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ حَضَرَ أوْلَيانِ مِنهم، فاسْتَحَقّا عَلَيْهِمْ؛ أيِ اسْتَحَقّا لَهم وسَعَيا فِيهِ، واسْتَوْجَباهُ بِأيْمانِهِما وقُرْبانِهِما انْتَهى. وقالَ بَعْضُهم: المَفْعُولُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ وصِيَّتَهُما. وأمّا القِراءَةُ الثّالِثَةُ، وهي قِراءَةُ (اسْتَحَقَّ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والأوَّلِينَ جَمْعُ الأوَّلِ، فَخُرِّجَ عَلى أنَّ الأوَّلِينَ وصْفٌ لِلَّذِينَ. قالَ أبُو البَقاءِ: أوْ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ بِعَلى. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ، ومَعْنى الأوَّلِيَّةِ التَّقَدُّمُ عَلى الأجانِبِ في الشَّهادَةِ؛ لِكَوْنِهِمْ أحَقَّ بِها انْتَهى. وهَذا عَلى تَفْسِيرِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ أنَّهُمُ الأجانِبُ، لا أنَّهُمُ الكُفّارُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْناها مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ أمْرَهُمْ؛ أيْ غَلَبُوا عَلَيْهِ، ثُمَّ وصَفَهم بِأنَّهم أوَّلُونَ؛ أيْ في الذِّكْرِ في هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ انْتَهى. وأمّا القِراءَةُ الرّابِعَةُ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، فالأوَّلانِ مَرْفُوعٌ بِاسْتَحَقَّ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَحْتَجُّ بِهِ مَن يَرى رَدَّ اليَمِينِ عَلى المُدَّعِي، وهو أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ؛ لا يَرَوْنَ ذَلِكَ، فَوُجِّهَ عِنْدَهم أنَّ الوَرَثَةَ قَدِ ادَّعَوْا عَلى النَّصْرانِيَّيْنِ أنَّهُما أُخْتانا، فَحَلَفا، فَلَمّا ظَهَرَ كَذِبُهُما، ادَّعَيا الشِّراءَ فِيما كَتَماهُ، فَأنْكَرَ الوَرَثَةُ، فَكانَ اليَمِينُ عَلى الوَرَثَةِ؛ لِإنْكارِهِمُ الشِّراءَ. وأمّا القِراءَةُ الخامِسَةُ، وهي قِراءَةُ ابْنِ سِيرِينَ؛ فانْتِصابُ الأوْلَيَيْنِ عَلى المَدْحِ. ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما وما اعْتَدَيْنا﴾ أيْ فَيُقْسِمُ الآخَرانِ القائِمانِ مَقامَ شَهادَةِ التَّحْرِيفِ أنَّ ما أخْبَرا بِهِ حَقٌّ، والَّذِي ذَكَرْناهُ مِن نَصِّ القِصَّةِ أحَقُّ مِمّا ذَكَراهُ أوَّلًا وحَرَّفا فِيهِ وما زِدْنا عَلى الحَدِّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَيَمِينُنا أحَقُّ مِن يَمِينِهِما ومَن (p-٤٧)قالَ: الشَّهادَةُ في أوَّلِ القِصَّةِ، لَيْسَتْ بِمَعْنى اليَمِينِ، قالَ هُنا الشَّهادَةُ يَمِينٌ، وسُمِّيَتْ شَهادَةً؛ لِأنَّها يَثْبُتُ بِها الحُكْمُ كَما يَثْبُتُ بِالشَّهادَةِ. قالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: (أحَقُّ) أصَحُّ لِكُفْرِهِما وإيمانِنا انْتَهى. ﴿إنّا إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ خَتَما بِهَذِهِ الجُمْلَةِ تَبَرِّيًا مِنَ الظُّلْمِ، واسْتِقْباحًا لَهُ، وناسَبَ الظُّلْمُ هُنا لِقَوْلِهِما: ﴿وما اعْتَدَيْنا﴾ . والِاعْتِداءُ والظُّلْمُ، مُتَقارِبانِ، وناسَبَ خَتْمُ ما أقْسَمَ عَلَيْهِ شاهِدا الزُّورِ بِقَوْلِهِ ﴿لَمِنَ الآثِمِينَ﴾ لِأنَّ عَدَمَ مُطابَقَةِ يَمِينِهِما لِلْواقِعِ، وكَتْمِهِما الشَّهادَةَ، يَجُرّانِ إلَيْهِما الإثْمَ. ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾ أيْ ذَلِكَ الحُكْمُ السّابِقُ، ولَمّا كانَ الشّاهِدانِ لَهُما حالَتانِ: حالَةٌ يُرْتابُ فِيها إذا شَهِدا، فَإذْ ذاكَ يُحْبَسانِ بَعْدَ الصَّلاةِ، ويَحْلِفانِ اليَمِينَ المَشْرُوعَةَ في الآيَةِ، قُوبِلَتْ هَذِهِ الحالَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها﴾ أيْ عَلى ما شَهِدا حَقِيقَةً دُونَ إنْكارٍ، ولا تَحْرِيفٍ ولا كَذِبٍ، وحالَةٌ يُطَّلَعُ فِيها إذا شَهِدا عَلى إثْمِهِما بِالشَّهادَةِ، وكَذِبِهِما في الحَلِفِ، فَإذْ ذاكَ لا يُلْتَفَتُ إلى أيْمانِهِمْ، وتُرَدُّ عَلى شُهُودٍ آخَرِينَ، فَعُمِلَ بِأيْمانِهِمْ، وذَلِكَ بَعْدَ حَلِفِهِمْ وافْتِضاحِهِمْ فِيها بِظُهُورِ كَذِبِهِمْ، قُوبِلَتْ هَذِهِ الحالَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾ . وكانَ العَطْفُ بِأوْ؛ لِأنَّ الشّاهِدَيْنِ إذا لَمْ يَتَّضِحْ صِدْقُهُما، لا يَخْلُوانِ مِن إحْدى هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ: إمّا حُصُولُ رِيبَةٍ في شَهادَتِهِما، وإمّا الِاطِّلاعُ عَلى خِيانَتِهِما؛ فَلِذَلِكَ كانَ العَطْفُ بِأوِ المَوْضُوعَةِ لِأحَدِ الشَّيْئَيْنِ، أوِ الأشْياءِ. فالمَعْنى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الأحْكامِ أقْرَبُ إلى حُصُولِ إقامَةِ الشَّهادَةِ عَلى ما يَنْبَغِي، أوْ خَوْفِ رَدِّ الأيْمانِ إلى غَيْرِهِمْ، فَتَسْقُطُ أيْمانُهم ولا تُقْبَلُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ذَلِكَ كُلُّهُ يُقَرِّبُ اعْتِدالَ هَذا الصِّنْفِ فِيما عَسى أنْ يَنْزِلَ مِنَ النَّوازِلِ؛ لِأنَّهم يَخافُونَ التَّحْلِيفَ المُغَلَّظَ بِعَقِبِ الصَّلاةِ، ثُمَّ يَخافُونَ الفَضِيحَةَ، ورَدَّ اليَمِينِ انْتَهى. وقِيلَ: ذَلِكَ إشارَةٌ إلى تَحْلِيفِ الشّاهِدَيْنِ في جَمْعٍ مِنَ النّاسِ. وقِيلَ: إلى الحَبْسِ بَعْدَ الصَّلاةِ فَقَطْ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَظْهَرُ هَذا مِن كَلامِ السُّدِّيِّ، وأوَّلَ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: تُحِبُّنِي يا زَيْدُ، أوْ تُسْخِطُنِي، كَأنَّكَ قُلْتَ: وإلّا أسْخَطْتَنِي، فَكَذَلِكَ مَعْنى الآيَةِ (ذَلِكَ أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها وإلّا خافُوا رَدَّ الأيْمانِ) . وأمّا عَلى مَذْهَبِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ فالمَعْنى ذَلِكَ الحُكْمُ كُلُّهُ أقْرَبُ إلى أنْ يَأْتُوا، أوْ أقْرَبُ إلى أنْ يَخافُوا انْتَهى. فَتَلَخَّصَ أنَّ (أوْ) تَكُونُ عَلى بابِها، أوْ تَكُونُ بِمَعْنى الواوِ. و(يَخافُوا) مَعْطُوفٌ في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ عَلى (يَأْتُوا)، أوْ يَكُونُ بِمَعْنى إلى أنْ، كَقَوْلِكَ لَألْزَمَنَّكَ، أوْ تَقْضِينِي حَقِّي، وهي الَّتِي عَبَّرَ عَنْها ابْنُ عَطِيَّةَ بِتِلْكَ العِبارَةِ السّابِقَةِ مِن تَقْدِيرِها بِشَرْطٍ مَحْذُوفٍ فِعْلُهُ وجَزاؤُهُ، وإذا كانَتْ بِمَعْنى إلى أنْ، فَهي عِنْدَ البَصْرِيِّينَ عَلى بابِها مِن كَوْنِها لِأحَدِ الشَّيْئَيْنِ. إلّا أنَّ العَطْفَ بِها لا يَكُونُ عَلى الفِعْلِ الَّذِي هو (يَأْتُوا)، لَكِنَّهُ يَكُونُ عَلى مَصْدَرٍ مُتَوَهَّمٍ، وذَلِكَ عَلى ما تَقَرَّرَ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ. وجُمِعَ الضَّمِيرُ في يَأْتُوا وما بَعْدَهُ، وإنْ كانَ السّابِقُ مُثَنًّى، فَقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى الشّاهِدَيْنِ بِاعْتِبارِ الصِّنْفِ والنَّوْعِ. وقِيلَ: لا يَعُودُ إلى كِلَيْهِما بِخُصُوصِيَّتِهِما، بَلْ إلى النّاسِ الشُّهُودِ، والتَّقْدِيرُ ذَلِكَ أدْنى أنْ يَحْذَرَ النّاسُ الخِيانَةَ، فَيَشْهَدُوا بِالحَقِّ؛ خَوْفَ الفَضِيحَةِ في رَدِّ اليَمِينِ عَلى المُدَّعِي. ﴿واتَّقُوا اللَّهَ واسْمَعُوا﴾ أيِ احْذَرُوا عِقابَ اللَّهِ تَعالى، واتَّخِذُوا وِقايَةً مِنهُ، بِأنْ لا تَخُونُوا، ولا تَحْلِفُوا بِهِ كاذِبِينَ، وأدُّوا الأمانَةَ إلى أهْلِها، واسْمَعُوا سَماعَ إجابَةٍ وقَبُولٍ. ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ إشارَةٌ إلى مَن حَرَّفَ الشَّهادَةَ أنَّهُ فاسِقٌ خارِجٌ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ، فاللَّهُ لا يَهْدِيهِ إلّا إذا تابَ، فاللَّفْظُ عامٌّ، والمَعْنى اشْتِراطُ انْتِفاءِ التَّوْبَةِ.