Lafzullah

Al-Bahr Al-Muhit — الأنعام 6:16 – الأنعام 6:65

المؤلف / المصدر: Al-Bahr Al-Muhit

المحتويات
  1. الأنعام 6:16
  2. الأنعام 6:17
  3. الأنعام 6:18
  4. الأنعام 6:19
  5. الأنعام 6:20
  6. الأنعام 6:21
  7. الأنعام 6:22
  8. الأنعام 6:23
  9. الأنعام 6:24
  10. الأنعام 6:25
  11. الأنعام 6:26
  12. الأنعام 6:27
  13. الأنعام 6:28
  14. الأنعام 6:29
  15. الأنعام 6:30
  16. الأنعام 6:31
  17. الأنعام 6:32
  18. الأنعام 6:33
  19. الأنعام 6:34
  20. الأنعام 6:35
  21. الأنعام 6:36
  22. الأنعام 6:37
  23. الأنعام 6:38
  24. الأنعام 6:39
  25. الأنعام 6:40
  26. الأنعام 6:41
  27. الأنعام 6:42
  28. الأنعام 6:43
  29. الأنعام 6:44
  30. الأنعام 6:45
  31. الأنعام 6:46
  32. الأنعام 6:47
  33. الأنعام 6:48
  34. الأنعام 6:49
  35. الأنعام 6:50
  36. الأنعام 6:51
  37. الأنعام 6:52
  38. الأنعام 6:53
  39. الأنعام 6:54
  40. الأنعام 6:55
  41. الأنعام 6:56
  42. الأنعام 6:57
  43. الأنعام 6:58
  44. الأنعام 6:59
  45. الأنعام 6:60
  46. الأنعام 6:61
  47. الأنعام 6:62
  48. الأنعام 6:63
  49. الأنعام 6:64
  50. الأنعام 6:65

الأنعام 6:16

﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ وهو يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿مَن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وذَلِكَ الفَوْزُ المُبِينُ﴾ ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هو وإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام: ١٧] ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وهو الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨] ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكم وأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ لِأُنْذِرَكم بِهِ ومَن بَلَغَ أئِنَّكم لَتَشْهَدُونَ أنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أشْهَدُ قُلْ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ وإنَّنِي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٩] ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٢٠] ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٢١] ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٢٢] ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٤] ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتّى إذا جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] ﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ وإنْ يُهْلِكُونَ إلّا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٦] ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ٢٧] ﴿بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨] ﴿وقالُوا إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام: ٢٩] ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ قالُوا بَلى ورَبِّنا قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٠] ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتّى إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ [الأنعام: ٣١] ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا إلّا لَعِبٌ ولَهْوٌ ولَلدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ٣٢] . فَطَرَ: خَلَقَ وابْتَدَأ مِن غَيْرِ مِثالٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ما كُنْتُ أعْرِفُ مَعْنى (فَطَرَ)، حَتّى أتانِي أعْرابِيّانِ يَخْتَصِمانِ في بِئْرٍ، فَقالَ أحَدُهُما: أنا فَطَرْتُها؛ أيِ اخْتَرَعْتُها وأنْشَأْتُها، وفَطَرَ أيْضًا شَقَّ يُقالُ فَطَرَ نابَ البَعِيرِ ومِنهُ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ ؟ وقَوْلُهُ: يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ. كَشَفَ الضُّرَّ: أزالَهُ، وكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها؛ أزالَتْ ما يَسْتُرُهُما. القَهْرُ: الغَلَبَةُ والحَمْلُ عَلى الشَّيْءِ مِن غَيْرِ اخْتِيارٍ. الوَقْرُ: الثِّقَلُ في السَّمْعِ، يُقالُ: وقَرَتْ أُذُنُهُ، بِفَتْحِ القافِ وكَسْرِها، وسُمِعَ أُذُنٌ مَوْقُورَةٌ، فالفِعْلُ عَلى هَذا وقَرَتْ. والوَقْرُ بِفَتْحِ الواوِ وكَسْرِها. أساطِيرُ: جَمْعُ إسْطارَةٍ، وهي التُّرَّهاتُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. وقِيلَ: أُسْطُورَةٌ كَأُضْحُوكَةٍ. وقِيلَ: واحِدُهُ أُسْطُورٌ. وقِيلَ: إسْطِيرٌ وإسْطِيرَةٌ. وقِيلَ: جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ، مِثْلُ عَبادِيدَ. وقِيلَ: جَمْعُ الجَمْعِ، يُقالُ سَطْرٌ وسُطُرٌ، فَمَن قالَ: سَطْرٌ، جَمَعَهُ في القَلِيلِ عَلى أسْطُرٍ، وفي الكَثِيرِ عَلى سُطُورٍ، ومَن قالَ: سُطُرٌ، جَمَعَهُ عَلى أسْطارٍ، ثُمَّ جَمَعَ أسْطارًا عَلى أساطِيرَ، قالَهُ يَعْقُوبُ. وقِيلَ: هو جَمْعُ جَمْعِ الجَمْعِ يُقالُ: سَطْرٌ، وأسْطُرٌ، ثُمَّ أسْطارٌ، ثُمَّ أساطِيرٌ، ذُكِرَ ذَلِكَ عَنِ الزَّجّاجِ. ولَيْسَ أسْطارٌ جَمْعَ أسْطُرٍ، بَلْ هُما جَمْعا قِلَّةٍ لِسَطْرٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقِيلَ: هو اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، (p-٨٥)كَعَبادِيدَ، وشَماطِيطَ انْتَهى. وهَذا لا تُسَمِّيهِ النُّحاةُ اسْمَ جَمْعٍ؛ لِأنَّهُ عَلى وزْنِ الجُمُوعِ، بَلْ يُسَمُّونَهُ جَمْعًا، وإنْ لَمْ يُلْفَظْ لَهُ بِواحِدٍ. نَأى نَأْيًا بَعُدَ وتَعْدِيَتُهُ لِمَفْعُولٍ مَنصُوبٍ بِالهَمْزَةِ، لا بِالتَّضْعِيفِ، وكَذا ما كانَ مِثْلُهُ مِمّا عَيْنُهُ هَمْزَةٌ. وقَفَ عَلى كَذا: (حَبَسَ)، ومَصْدَرُ المُتَعَدِّي (وقْفٌ)، ومَصْدَرُ اللّازِمِ، (وُقُوفٌ)، فَرَّقَ بَيْنَهُما بِالمَصْدَرِ. البَغْتُ والبَغْتَةُ: الفَجْأةُ، يُقالُ: بَغَتَهَ يَبْغَتُهُ؛ أيْ فَجَأهُ يَفْجَأُهُ، وهي مَجِيءُ الشَّيْءِ سُرْعَةً مِن غَيْرِ جَعْلِ بالِكَ إلَيْهِ، وغَيْرِ عِلْمِكَ بِوَقْتِ مَجِيئِهِ. فَرَّطَ: قَصَّرَ مَعَ القُدْرَةِ عَلى تَرْكِ التَّقْصِيرِ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: فَرَّطَ: ضَيَّعَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: فَرَطَ: سَبَقَ، والفارِطُ السّابِقُ، وفَرَطَ خَلّى السَّبْقَ لِغَيْرِهِ. الأوْزارُ: الآثامُ والخَطايا، وأصْلُهُ الثِّقَلُ مِنَ الحَمْلِ، وزَرْتُهُ حَمَلْتُهُ، وأوْزارُ الحَرْبِ أثْقالُها مِنَ السِّلاحِ، ومِنهُ الوَزِيرُ؛ لِأنَّهُ يَحْمِلُ عَنِ السُّلْطانِ أثْقالَ ما يُسْنَدُ إلَيْهِ مِن تَدْبِيرِ مُلْكِهِ. اللَّهْوُ: صَرْفُ النَّفْسِ عَنِ الجِدِّ إلى الهَزْلِ، يُقالُ مِنهُ لَها يَلْهُو، ولُهِيَ عَنْ كَذا، صَرَفَ نَفْسَهُ عَنْهُ، والمادَّةُ واحِدَةٌ، انْقَلَبَتِ الواوُ ياءً؛ لِكَسْرِ ما قَبْلَها، نَحْوَ شَقِيٌّ ورَضِيٌ. قالَ المَهْدَوِيُّ: الَّذِي مَعْناهُ الصَّرْفُ، لامُهُ ياءٌ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ لَهَيانِ، ولامُ الأوَّلِ واوٌ انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ الواوَ في التَّثْنِيَةِ انْقَلَبَتْ ياءً، ولَيْسَ أصْلُها الياءَ، ألا تَرى إلى تَثْنِيَةِ شَجٍ شَجِيانِ وهو مِن ذَواتِ الواوِ، مِنَ الشَّجْوِ ؟ ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لَمّا تَقَدَّمَ أنَّهُ تَعالى اخْتَرَعَ السَّماواتِ والأرْضَ، وأنَّهُ مالِكٌ لِما تَضَمَّنَهُ المَكانُ والزَّمانُ، أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يَقُولَ لَهم ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ لَهُمْ؛ أيْ مَن هَذِهِ صِفاتُهُ هو الَّذِي يُتَّخَذُ ولِيًّا وناصِرًا ومُعِينًا، لا الآلِهَةُ الَّتِي لَكم، إذْ هي لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ؛ لِأنَّها بَيْنَ جَمادٍ أوْ حَيَوانٍ مَقْهُورٍ، ودَخَلَتْ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ عَلى الِاسْمِ دُونَ الفِعْلِ؛ لِأنَّ الإنْكارَ في اتِّخاذِ غَيْرِ اللَّهِ ولِيًّا، لا في اتِّخاذِ الوَلِيِّ، كَقَوْلِكَ لِمَن ضَرَبَ زَيْدًا، وهو مِمَّنْ لا يَسْتَحِقُّ الضَّرْبَ، بَلْ يَسْتَحِقُّ الإكْرامَ، أزَيْدًا ضَرَبْتَ، تُنْكِرُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ مِثْلُ هَذا يُضْرَبُ، ونَحْوُهُ ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤]، و﴿آللَّهُ أذِنَ لَكُمْ﴾ [يونس: ٥٩] . وقالَ الطَّبَرِيُّ: وغَيْرُهُ أُمِرَ أنْ يَقُولَ هَذِهِ المَقالَةَ لِلْكَفَرَةِ الَّذِينَ دَعَوْهُ إلى عِبادَةِ أوْثانِهِمْ، فَتَجِيءُ الآيَةُ عَلى هَذا جَوابًا لِكَلامِهِمُ انْتَهى. وهَذا يَحْتاجُ إلى سَنَدٍ في أنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، هو ما ذَكَرَهُ وانْتِصابُ غَيْرِ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ أوَّلٌ لِـ (اتَّخَذَ) . وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فاطِرِ﴾، فَوَجَّهَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ والزَّمَخْشَرِيُّ، ونَقَلَها الحَوْفِيُّ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلَّهِ، وخَرَّجَهُ أبُو البَقاءِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ، وكَأنَّهُ رَأى أنَّ الفَصْلَ بَيْنَ المُبَدَلِ مِنهُ والبَدَلِ، أسْهَلُ مِنَ الفَصْلِ بَيْنَ المَنعُوتِ والنَّعْتِ، إذِ البَدَلُ عَلى المَشْهُورِ، هو عَلى تَكْرارُ العامِلِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، بِرَفْعِ الرّاءِ، عَلى إضْمارِ (هو) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أوْ عَلى الِابْتِداءِ انْتَهى. ويُحْتاجُ إلى إضْمارِ خَبَرٍ، ولا دَلِيلَ عَلى حَذْفِهِ. وقُرِئَ شاذًّا، بِنَصْبِ الرّاءِ، وخَرَّجَهُ أبُو البَقاءِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِوَلِيٍّ، عَلى إرادَةِ التَّنْوِينِ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، أوْ حالٌ، والمَعْنى عَلى هَذا أأجْعَلُ ﴿فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ غَيْرَ اللَّهِ ؟ انْتَهى. والأحْسَنُ نَصْبُهُ عَلى المَدْحِ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ (فَطَرَ)، جَعَلَهُ فِعْلًا ماضِيًا. ﴿وهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ﴾ أيْ يَرْزُقُ، ولا يُرْزَقُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٧] والمَعْنى أنَّ المَنافِعَ كُلَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ. وخُصَّ الإطْعامُ مِن بَيْنِ أنْواعِ الِانْتِفاعاتِ، لِمَسِّ الحاجَةِ إلَيْهِ، كَما خُصَّ الرِّبا بِالأكْلِ، وإنْ كانَ المَقْصُودُ الِانْتِفاعَ بِالرِّبا. وقَرَأ مُجاهِدٌ وابْنُ جُبَيْرٍ والأعْمَشُ وأبُو حَيْوَةَ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وأبُو عَمْرٍو، وفي رِوايَةٍ عَنْهُ ﴿ولا (p-٨٦)يُطْعَمُ﴾ بِفَتْحِ الياءِ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الأكْلِ، ولا يُشْبِهُ المَخْلُوقِينَ. وقَرَأ يَمانُ العَمّانِيُّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ (ولا يُطْعِمُ)، بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ العَيْنِ مِثْلُ الأوَّلِ، فالضَّمِيرُ في (وهو يُطْعِمُ) عائِدٌ عَلى اللَّهِ، وفي (ولا يُطْعِمُ) عائِدٌ عَلى الوَلِيِّ. ورَوى ابْنُ المَأْمُونِ عَنْ يَعْقُوبَ (وهو يُطْعَمُ ولا يُطْعِمُ) عَلى بِناءِ الأوَّلِ لِلْمَفْعُولِ، والثّانِي لِلْفاعِلِ، والضَّمِيرُ لِغَيْرِ اللَّهِ. وقَرَأ الأشْهَبُ: (وهو يُطْعِمُ ولا يُطْعِمُ) عَلى بِنائِهِما لِلْفاعِلِ، وفُسِّرَ بِأنَّ مَعْناهُ، وهو يُطْعِمُ، ولا يَسْتَطْعِمُ، وحَكى الأزْهَرِيُّ أطْعَمْتُ بِمَعْنى اسْتَطْعَمْتُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى؛ وهو يُطْعِمُ تارَةً، ولا يُطْعِمُ أُخْرى، عَلى حَسَبِ المَصالِحِ، كَقَوْلِكَ: هو يُعْطِي، ويَمْنَعُ، ويَبْسُطُ، ويَقْدِرُ، ويُغْنِي، ويُفْقِرُ. وفي قِراءَةِ مَن قَرَأ بِاخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ تَجْنِيسُ التَّشْكِيلِ، وهو أنْ يَكُونَ الشَّكْلُ فَرْقًا بَيْنَ الكَلِمَتَيْنِ، وسَمّاهُ أُسامَةُ بْنُ مُنْقِذٍ في بَدِيعَتِهِ؛ تَجْنِيسَ التَّحْرِيفِ، وهو بِتَجْنِيسِ التَّشْكِيلِ أوْلى. ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ﴾ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِأنَّ النَّبِيَّ سابِقُ أُمَّتِهِ في الإسْلامِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وبِذَلِكَ أُمِرْتُ وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٣]، وكَقَوْلِ مُوسى: ﴿سُبْحانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَعْنى؛ أوَّلُ مَن أسْلَمَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، وبِهَذِهِ الشَّرِيعَةِ، ولا يَتَضَمَّنُ مِنَ الكَلامِ إلّا ذَلِكَ، وهَذا الَّذِي قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ، هو قَوْلُ الحَسَنِ. قالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ أوَّلُ مَن أسْلَمَ مِن أُمَّتِي. قِيلَ: وفي هَذا القَوْلِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَصْدُرْ مِنهُ امْتِناعٌ عَنِ الحَقِّ، وعَدَمُ انْقِيادٍ إلَيْهِ، وإنَّما هَذا عَلى طَرِيقِ التَّعْرِيضِ عَلى الإسْلامِ، كَما يَأْمُرُ المَلِكُ رَعِيَّتَهُ بِأمْرٍ، ثُمَّ يُتْبِعُهُ بِقَوْلِهِ: أنا أوَّلُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ؛ لِيَحْمِلَهم عَلى فِعْلِ ذَلِكَ. وقِيلَ: أرادَ الأوَّلِيَّةَ في الرُّتْبَةِ، والفَضِيلَةَ، كَما جاءَ نَحْنُ الآخِرُونَ الأوَّلُونَ، وفي رِوايَةٍ السّابِقُونَ. وقِيلَ: (أسْلَمَ) أخْلَصَ، ولَمْ يَعْدِلْ بِاللَّهِ شَيْئًا. وقِيلَ: اسْتَسْلَمَ. وقِيلَ: أرادَ دُخُولَهُ في دِينِ إبْراهِيمَ، عَلَيْهِ السَّلامُ، كَقَوْلِهِ: ﴿مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ هو سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ [الحج: ٧٨] . وقِيلَ: أوَّلُ مَن أسْلَمَ يَوْمَ المِيثاقِ، فَيَكُونُ سابِقًا عَلى الخَلْقِ كُلِّهِمْ، كَما قالَ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧] . ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ أيْ، وقِيلَ: لِي، والمَعْنى أنَّهُ أُمِرَ بِالإسْلامِ، ونُهِيَ عَنِ الشِّرْكِ، هَكَذا خَرَّجَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ، عَلى إضْمارِ وقِيلَ: لِي؛ لِأنَّهُ لا يَنْتَظِمُ عَطْفُهُ عَلى لَفْظِ ﴿إنِّي أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ﴾ فَيَكُونُ مُنْدَرِجًا تَحْتَ لَفْظِ (قُلْ)، إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ، لَكانَ التَّرْكِيبُ، ولا أكُونُ مِنَ المُشْرِكِينَ. وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى مَعْمُولِ (قُلْ) حَمْلًا عَلى المَعْنى، والمَعْنى ﴿قُلْ إنِّي﴾ قِيلَ: لِي كُنْ ﴿أوَّلَ مَن أسْلَمَ ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾، فَهُما جَمِيعًا مَحْمُولانِ عَلى القَوْلِ، لَكِنْ أتى الأوَّلُ بِغَيْرِ لَفْظِ القَوْلِ، وفِيهِ مَعْناهُ، فَحُمِلُ الثّانِي عَلى المَعْنى. وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى (قُلْ) أُمِرَ بِأنْ يَقُولَ كَذا، ونُهِيَ عَنْ كَذا. وقِيلَ: هو نَهْيٌ عَنْ مُوالاةِ المُشْرِكِينَ. وقِيلَ: الخِطابُ لَهُ لَفْظًا، والمُرادُ أُمَّتُهُ، وهَذا هو الظّاهِرُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، والعِصْمَةُ تُنافِي إمْكانَ الشِّرْكِ. ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ . الظّاهِرُ أنَّ الخَوْفَ هُنا عَلى بابِهِ، وهو تَوَقُّعُ المَكْرُوهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْنى (أخافُ) أعْلَمُ. و(عَصَيْتُ) عامَّةٌ في أنْواعِ المَعاصِي، ولَكِنَّها هُنا إنَّما تُشِيرُ إلى الشِّرْكِ الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. والخَوْفُ لَيْسَ بِحاصِلٍ لِعِصْمَتِهِ، بَلْ هو مُعَلَّقٌ بِشَرْطٍ، هو مُمْتَنِعٌ في حَقِّهِ، وجَوابُهُ مَحْذُوفٌ، ولِذَلِكَ جاءَ بِصِيغَةِ الماضِي، فَقِيلَ: هو شَرْطٌ مُعْتَرِضٌ، لا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، كالِاعْتِراضِ بِالقَسَمِ. وقِيلَ: هو في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنِّي أخافُ عاصِيًا رَبِّي. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: مِثالُ الآيَةِ، إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا، كانَتْ مُنْقَسِمَةً مُتَساوِيَتَيْنِ؛ يَعْنِي أنَّهُ تَعْلِيقٌ عَلى مُسْتَحِيلٍ. واليَوْمُ العَظِيمُ هو يَوْمُ القِيامَةِ. ﴿مَن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ . قَرَأ حَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ والكِسائِيُّ (مَن يَصْرِفْ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، فَـ (مَن) مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ، والضَّمِيرُ في (يَصْرِفْ) عائِدٌ عَلى اللَّهِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ (مَن يَصْرِفِ اللَّهُ)، وفي (عَنْهُ) عائِدٌ عَلى العَذابِ، والضَّمِيرُ المُسْتَكِنُّ (p-٨٧)فِي (رَحِمَهُ) عائِدٌ عَلى الرَّبِّ؛ أيْ أيَّ شَخْصٍ يَصْرِفِ اللَّهُ عَنْهُ العَذابَ، فَقَدْ رَحِمَهُ الرَّحْمَةَ العُظْمى، وهي النَّجاةُ مِنَ العَذابِ، وإذا نُجِّيَ مِنَ العَذابِ، دَخَلَ الجَنَّةَ. ويَجُوزُ أنْ يُعْرَبَ (مَن) مُبْتَدَأً. والضَّمِيرُ في (عَنْهُ) عائِدٌ عَلَيْهِ، ومَفْعُولُ (يَصْرِفْ) مَحْذُوفٌ اخْتِصارًا، إذْ قَدْ تَقَدَّمَ في الآيَةِ قَبْلَ التَّقْدِيرِ؛ أيُّ شَخْصٍ يَصْرِفِ اللَّهُ العَذابَ عَنْهُ، فَقَدْ رَحِمَهُ، وعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ الِاشْتِغالِ، فَيَكُونُ (مَن) مَنصُوبًا بِإضْمارِ فِعْلٍ، يُفَسِّرُهُ مَعْنى (يَصْرِفْ)، ويَجُوزُ عَلى إعْرابِ (مَن) مُبْتَدَأً، أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ مَذْكُورًا، وهو (يَوْمَئِذٍ)، عَلى حَذْفٍ أيْ هَوْلَ يَوْمِئِذٍ، فَيَنْتَصِبُ (يَوْمَئِذٍ) انْتِصابَ المَفْعُولِ بِهِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ ﴿مَن يُصْرَفْ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الصّارِفَ هو اللَّهُ تَعالى، فَحُذِفَ لِلْعِلْمِ بِهِ، أوْ لِلْإيجازِ، إذْ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الرَّبِّ، ويَجُوزُ في هَذا الوَجْهِ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في (يُصْرَفْ) عائِدًا عَلى (مَن)، وفي (عَنْهُ) عائِدًا عَلى العَذابِ؛ أيْ أيُّ شَخْصٍ يُصْرَفْ عَنِ العَذابِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى (مَن)، ومَفْعُولُ (يُصْرَفْ) (يَوْمَئِذٍ)، وهو مَبْنِيٌّ لِإضافَتِهِ إلى (إذْ)، فَهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِـ (يُصْرَفْ) . والتَّنْوِينُ في (يَوْمَئِذٍ) تَنْوِينُ عِوَضٍ مِن جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ، يَتَضَمَّنُها الكَلامُ السّابِقُ، التَّقْدِيرُ يَوْمَ إذْ يَكُونُ الجَزاءُ، إذْ لَمْ يَتَقَدَّمْ جُمْلَةٌ مُصَرَّحٌ بِها، يَكُونُ التَّنْوِينُ عِوَضًا عَنْها، وتَكَلَّمَ المُعْرِبُونَ في التَّرْجِيحِ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ عَلى عادَتِهِمْ، فاخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ. وأشارَ أبُو عَلِيٍّ إلى تَحْسِينِهِ قِراءَةَ (يَصْرِفْ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ؛ لِتُناسِبَ ﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾، ولَمْ يَأْتِ (فَقَدْ رُحِمَ)، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ، وأُبَيٍّ (مَن يَصْرِفِ اللَّهُ) . ورَجَّحَ الطَّبَرِيُّ قِراءَةَ (يُصْرَفْ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، قالَ: لِأنَّها أقَلُّ إضْمارًا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأما مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، فَتَخَبَّطَ في كِتابِ الهِدايَةِ في تَرْجِيحِ القِراءَةِ بِفَتْحِ الياءِ، ومَثَّلَ في احْتِجاجِهِ بِأمْثِلَةٍ فاسِدَةٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا تَوْجِيهٌ لَفْظِيٌّ، يُشِيرُ إلى التَّرْجِيحِ تَعَلُّقُهُ خَفِيفٌ، وأمّا المَعْنى؛ فالقِراءَتانِ واحِدٌ انْتَهى. وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا غَيْرَ مُرَّةٍ، أنّا لا نُرَجِّحُ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ المُتَواتِرَتَيْنِ. وحَكى أبُو عَمْرٍو الزّاهِدُ في كِتابِ اليَواقِيتِ؛ أنَّ أبا العَبّاسِ أحْمَدَ بْنَ يَحْيى ثَعْلَبًا، كانَ لا يَرى التَّرْجِيحَ بَيْنَ القِراءاتِ السَّبْعِ. وقالَ: قالَ ثَعْلَبٌ مِن كَلامِ نَفْسِهِ، إذا اخْتَلَفَ الإعْرابُ في القُرْآنِ عَنِ السَّبْعَةِ، لَمْ أُفَضِّلْ إعْرابًا عَلى إعْرابٍ في القُرْآنِ، فَإذا خَرَجْتُ إلى الكَلامِ، كَلامِ النّاسِ، فَضَّلْتُ الأقْوى، ونِعْمَ السَّلَفُ لَنا أحْمَدُ بْنُ يَحْيى، كانَ عالِمًا بِالنَّحْوِ واللُّغَةِ، مُتَدَيِّنًا ثِقَةً. ﴿وذَلِكَ الفَوْزُ المُبِينُ﴾ الإشارَةُ بِـ (ذَلِكَ) إلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ ﴿مَن يُصْرَفْ﴾ أيْ وذَلِكَ الصَّرْفُ هو الظَّفَرُ، والنَّجاةُ مِنَ الهَلَكَةِ. و(المُبِينُ) البَيِّنُ في نَفْسِهِ، أوِ المُبَيِّنُ غَيْرَهُ.

الأنعام 6:17

﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هو وإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أيْ إنْ يُصِبْكَ ويَنَلْكَ بِضُرٍّ، وحَقِيقَةُ المَسِّ تَلاقِي جِسْمَيْنِ، ويَظْهَرُ أنَّ الباءَ في (بِضُرٍّ)، وفي (بِخَيْرٍ) لِلْمُتَعَدِّيَةِ، وإنْ كانَ الفِعْلُ مُتَعَدِيًّا، كَأنَّهُ قِيلَ: (وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ لِضُرٍّ)، فَقَدْ مَسَّكَ. والتَّعْدِيَةُ بِالباءِ في الفِعْلِ المُتَعَدِّي قَلِيلَةٌ، ومِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥١]، (p-٨٨)وقَوْلُ العَرَبِ: صَكَكْتُ أحَدَ الحَجَرَيْنِ بِالآخَرِ، والضُّرُّ بِالضَّمِّ سُوءُ الحالِ في الجِسْمِ وغَيْرِهِ، وبِالفَتْحِ ضِدُّ النَّفْعِ، وفَسَّرَ السُّدِّيُّ الضُّرَّ هُنا، بِالسَّقَمِ، والخَيْرَ بِالعافِيَةِ. وقِيلَ: الضُّرُّ؛ الفَقْرُ، والخَيْرُ الغِنى، والأحْسَنُ العُمُومُ في الضُّرِّ مِنَ المَرَضِ، والفَقْرِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وفي الخَيْرِ مِنَ الغِنى والصِّحَّةِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وفي حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «فَقَدْ جَفَّ القَلَمُ بِما هو كائِنٌ، فَلَوْ أنَّ الخَلْقَ كُلَّهم جَمِيعًا أرادُوا أنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ، لَمْ يَقْضِهِ اللَّهُ لَكَ، لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ» . أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ. والَّذِي يُقابِلُ الخَيْرَ، هو الشَّرُّ، ونابَ عَنْهُ هُنا الضُّرُّ، وعَدَلَ عَنِ الشَّرِّ؛ لِأنَّ الشَّرَّ أعَمُّ مِنَ الضُّرِّ، فَأْتِي بِلَفْظِ الضُّرِّ الَّذِي هو أخَصُّ، وبِلَفْظِ الخَيْرِ الَّذِي هو عامٌّ، مُقابِلٌ لِعامٍّ تَغْلِيبًا لِجِهَةِ الرَّحْمَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: نابَ الضُّرُّ هُنا مَنابَ الشَّرِّ، وإنْ كانَ الشَّرُّ أعَمَّ مِنهُ، فَقابَلَ الخَيْرَ، وهَذا مِنَ الفَصاحَةِ، عُدُولٌ عَنْ قانُونِ التَّكَلُّفِ والصَّنْعَةِ، فَإنَّ بابَ التَّكَلُّفِ في تَرْصِيعِ الكَلامِ، أنْ يَكُونَ الشَّيْءُ مُقْتَرِنًا بِالَّذِي يَخْتَصُّ بِهِ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الِاخْتِصاصِ مُوافَقَةً أوْ مُضاهاةً، فَمِن ذَلِكَ ﴿ألّا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ [طه: ١١٨] ﴿وأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾ [طه: ١١٩]، فَجاءَ بِالجُوعِ مَعَ العُرِيِّ، وبابُهُ أنْ يَكُونَ مَعَ الظَّمَأِ؛ ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎كَأنِّي لَمْ أرْكَبْ جَوادًا لِلَّذَّةِ ولِمَ أتَبَطَّنْ كاعِبًا ذاتَ خِلْخالِ ؎ولَمْ أسْبَأِ الزِّقَّ الرَّوِيَّ ولَمْ أقُلْ ∗∗∗ لِخَيْلِي كُرِّي كَرَّةً بَعْدَ إجْفالِ انْتَهى. والجامِعُ في الآيَةِ بَيْنَ الجُوعِ والعُرِيِّ، هو اشْتِراكُهُما في الخُلُوِّ، فالجُوعُ خُلُوُّ الباطِنِ والعُرِيُّ خُلُوُّ الظّاهِرِ، وبَيْنَ الظَّمَأِ والضَّحاءِ اشْتِراكُهُما في الِاحْتِراقِ، فالظَّمَأُ احْتِراقُ الباطِنِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ بَرَّدَ الماءُ حَرارَةَ جَوْفِي ؟ والضَّحاءُ احْتِراقُ الظّاهِرِ، والجامِعُ في البَيْتِ الأوَّلِ بَيْنَ الرُّكُوبِ لِلَذَّةِ، وهي الصَّيْدُ، وتَبَطُّنِ الكاعِبِ اشْتِراكُهُما في لَذَّةِ الِاسْتِعْلاءِ والِاقْتِناصِ والقَهْرِ، والظَّفَرِ بِمِثْلِ هَذا الرُّكُوبِ، ألا تَرى إلى تَسْمِيَتِهِمْ هَنَ المَرْأةِ بِالرَّكْبِ هو فَعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ ؟ أيْ مَرْكُوبٍ؛ قالَ الرّاجِزُ: ؎إنَّ لَها لَرَكْبًا إرْزَبّا ∗∗∗ كَأنَّهُ جَبْهَةُ ذُرى حُبّا وفِي البَيْتِ الثّانِي بَيْنَ سَبَأِ الخَمْرِ، والرُّجُوعِ بَعْدَ الهَزِيمَةِ اشْتِراكُهُما في البَذْلِ ؟ فَشِراءُ الخَمْرِ فِيهِ بَدَلُ المالِ والرُّجُوعُ بَعْدَ الِانْهِزامِ فِيهِ بَذْلُ الرُّوحِ، وما أحْسَنَ تَعَقُّلَ امْرِئِ القَيْسِ في بَيْتَيْهِ، حَيْثُ انْتَقَلَ مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى؛ لِأنَّ الظَّفَرَ بِجِنْسِ الإنْسانِ أعْلى وأشْرَفُ مِنَ الظَّفَرِ بِغَيْرِ الجِنْسِ، ألا تَرى أنَّ تَعَلُّقَ النَّفْسِ بِالعِشْقِ أكْثَرُ مِن تَعَلُّقِها بِالصَّيْدِ ؟ ولِأنَّ بَذْلَ الرُّوحِ أعْظَمُ مِن بَذْلِ المالِ. ومُناسَبَةُ تَقْدِيمِ مَسِّ الضُّرِّ عَلى مَسِّ الخَيْرِ، ظاهِرَةٌ لِاتِّصالِهِ بِما قَبْلَهُ، وهو التَّرْهِيبُ الدّالُّ عَلَيْهِ ﴿قُلْ إنِّي أخافُ﴾ [الأنعام: ١٥]، وما قَبْلَهُ، وجاءَ جَوابُ الأوَّلِ بِالحَصْرِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هُوَ﴾ مُبالَغَةً في الِاسْتِقْلالِ بِكَشْفِهِ، وجاءَ جَوابُ الثّانِي بِقَوْلِهِ: ﴿فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ دَلالَةً عَلى قُدْرَتِهِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، فَيَنْدَرِجُ فِيهِ المَسُّ بِخَيْرٍ أوْ غَيْرِهِ، ولَوْ قِيلَ: إنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الأوَّلِ عَلَيْهِ، لَكانَ وجْهًا حَسَنًا، وتَقْدِيرُهُ: فَلا مُوصِلَ لَهُ إلَيْكَ إلّا هو، والأحْسَنُ تَقْدِيرُهُ:، فَلا رادَّ لَهُ لِلتَّصْرِيحِ بِما يُشْبِهُهُ في قَوْلِهِ، وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ، فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ، ثُمَّ أتى بَعْدُ بِما هو شامِلٌ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ، وهو قُدْرَتُهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ. وفي قَوْلِهِ: ﴿فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هُوَ﴾، حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ:، فَلا كاشِفَ لَهُ عَنْكَ إلّا هو. ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وهو الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾ . لَمّا ذَكَرَ تَعالى انْفِرادَهُ بِتَصَرُّفِهِ بِما يُرِيدُهُ مِن ضُرٍّ وخَيْرٍ، وقُدْرَتَهُ عَلى الأشْياءِ، ذَكَرَ قَهْرَهُ وغَلَبَتَهُ، وأنَّ العالَمَ مَقْهُورُونَ مَمْنُوعُونَ مِن بُلُوغِ مُرادِهِمْ، بَلْ يَقْسِرُهم ويُجْبِرُهم عَلى ما يُرِيدُهُ هو تَعالى، و(فَوْقَ) حَقِيقَةٌ في المَكانِ، وأبْعَدَ مَن جَعَلَها هُنا زائِدَةً، وأنَّ التَّقْدِيرَ، وهو القاهِرُ لِعِبادِهِ، وأبْعَدُ مِن هَذا قَوْلُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّها هُنا (p-٨٩)حَقِيقَةٌ في المَكانِ، وأنَّهُ تَعالى حالٌ في الجِهَةِ الَّتِي فَوْقَ العالَمِ، إذْ يَقْتَضِي التَّجْسِيمَ. وأمّا الجُمْهُورُ فَذَكَرُوا أنَّ الفَوْقِيَّةَ هُنا مَجازٌ. فَقالَ بَعْضُهم: هو فَوْقَهم بِالإيجادِ والإعْدامِ. وقالَ بَعْضُهم: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ مَعْناهُ فَوْقَ قَهْرِ عِبادِهِ بِوُقُوعِ مُرادِهِ دُونَ مُرادِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَصْوِيرٌ لِلْقَهْرِ والعُلُوِّ والغَلَبَةِ والقُدْرَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٧] انْتَهى. والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ (فَوْقَ)، إشارَةً لِعُلُوِّ المَنزِلَةِ، وشُفُوفِها عَلى غَيْرِهِ مِنَ الرُّتَبِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]، وقَوْلُهُ: ﴿وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦] وقالَ النّابِغَةُ الجَعْدِيُّ: ؎بَلَغْنا السَّماءَ مَجْدًا وجُودًا وسُؤْدُدًا ∗∗∗ وإنّا لِنَرْجُو فَوْقَ ذَلِكَ مَظْهَرا يُرِيدُ عُلُوَّ الرُّتْبَةِ والمَنزِلَةِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: صِفاتُ الكَمالِ مَحْصُورَةٌ في العِلْمِ والقُدْرَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ إشارَةٌ إلى كَمالِ القُدْرَةِ ﴿وهُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾ إشارَةٌ إلى كَمالِ العِلْمِ، أمّا كَوْنُهُ قاهِرًا، فَلِأنَّ ما عَداهُ تَعالى مُمْكِنُ الوُجُودِ لِذاتِهِ، والمُمْكِنُ لِذاتِهِ لا يَتَرَجَّحُ وجُودُهُ عَلى عَدَمِهِ، ولا عَدَمُهُ عَلى وُجُودِهِ، إلّا بِتَرْجِيحِهِ تَعالى وإيجادِهِ، فَهو في الحَقِيقَةِ الَّذِي قَهَرَ المُمْكِناتِ، تارَةً في طُرُقِ تَرْجِيحِ الوُجُودِ عَلى العَدَمِ، وتارَةً في طُرُقِ تَرْجِيحِ العَدَمِ عَلى الوُجُودِ، ويَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦] الآيَةَ. والحَكِيمُ والمُحْكَمُ أيْ أفْعالُهُ مُتْقَنَةٌ آمِنَةٌ مِن وُجُوهِ الخَلَلِ والفَسادِ، لا بِمَعْنى العالِمِ؛ لِأنَّ (الخَبِيرَ) إشارَةٌ إلى العِلْمِ، فَيَلْزَمُ التَّكْرارُ انْتَهى. وفِيهِ بَعْضُ اخْتِصارٍ وتَلْخِيصٍ. وقِيلَ: (الحَكِيمُ) العالِمُ، و(الخَبِيرُ) أيْضًا العالِمُ، ذَكَرَهُ تَأْكِيدًا. و(فَوْقَ) مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ، إمّا مَعْمُولًا لِلْقاهِرِ؛ أيِ المُسْتَعْلِي فَوْقَ عِبادِهِ، وإمّا في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ ثانٍ لِـ (هو)، أخْبَرَ عَنْهُ بِشَيْئَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ القاهِرُ، الثّانِي: أنَّهُ فَوْقَ عِبادِهِ بِالرُّتْبَةِ والمَنزِلَةِ والشَّرَفِ، لا بِالجِهَةِ، إذْ هو المُوجِدُ لَهم ولِلْجِهَةِ غَيْرُ المُفْتَقِرِ لِشَيْءٍ مِن مَخْلُوقاتِهِ، فالفَوْقِيَّةُ مُسْتَعارَةٌ لِلْمَعْنى مِن فَوْقِيَّةِ المَكانِ. وحَكى المَهْدَوِيُّ أنَّهُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، كَأنَّهُ قالَ: وهو القاهِرُ غالِبًا فَوْقَ عِبادِهِ، وقالَهُ أبُو البَقاءِ، وقَدَّرَهُ مُسْتَعْلِيًا أوْ غالِبًا، وأجازَ أنْ يَكُونَ فَوْقَ عِبادِهِ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بَدَلًا مِنَ القاهِرِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ما مَعْناهُ وُرُودُ العِبادِ في التَّفْخِيمِ والكَرامَةِ والعَبِيدِ في التَّحْقِيرِ والِاسْتِضْعافِ والذَّمِّ، وذَكَرَ مَوارِدَ مِن ذَلِكَ عَلى زَعْمِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَهُ هَذا المَعْنى مَبْسُوطًا مُطَوَّلًا، ورَدَدْنا عَلَيْهِ.

الأنعام 6:18

﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هو وإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أيْ إنْ يُصِبْكَ ويَنَلْكَ بِضُرٍّ، وحَقِيقَةُ المَسِّ تَلاقِي جِسْمَيْنِ، ويَظْهَرُ أنَّ الباءَ في (بِضُرٍّ)، وفي (بِخَيْرٍ) لِلْمُتَعَدِّيَةِ، وإنْ كانَ الفِعْلُ مُتَعَدِيًّا، كَأنَّهُ قِيلَ: (وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ لِضُرٍّ)، فَقَدْ مَسَّكَ. والتَّعْدِيَةُ بِالباءِ في الفِعْلِ المُتَعَدِّي قَلِيلَةٌ، ومِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥١]، (p-٨٨)وقَوْلُ العَرَبِ: صَكَكْتُ أحَدَ الحَجَرَيْنِ بِالآخَرِ، والضُّرُّ بِالضَّمِّ سُوءُ الحالِ في الجِسْمِ وغَيْرِهِ، وبِالفَتْحِ ضِدُّ النَّفْعِ، وفَسَّرَ السُّدِّيُّ الضُّرَّ هُنا، بِالسَّقَمِ، والخَيْرَ بِالعافِيَةِ. وقِيلَ: الضُّرُّ؛ الفَقْرُ، والخَيْرُ الغِنى، والأحْسَنُ العُمُومُ في الضُّرِّ مِنَ المَرَضِ، والفَقْرِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وفي الخَيْرِ مِنَ الغِنى والصِّحَّةِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وفي حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «فَقَدْ جَفَّ القَلَمُ بِما هو كائِنٌ، فَلَوْ أنَّ الخَلْقَ كُلَّهم جَمِيعًا أرادُوا أنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ، لَمْ يَقْضِهِ اللَّهُ لَكَ، لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ» . أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ. والَّذِي يُقابِلُ الخَيْرَ، هو الشَّرُّ، ونابَ عَنْهُ هُنا الضُّرُّ، وعَدَلَ عَنِ الشَّرِّ؛ لِأنَّ الشَّرَّ أعَمُّ مِنَ الضُّرِّ، فَأْتِي بِلَفْظِ الضُّرِّ الَّذِي هو أخَصُّ، وبِلَفْظِ الخَيْرِ الَّذِي هو عامٌّ، مُقابِلٌ لِعامٍّ تَغْلِيبًا لِجِهَةِ الرَّحْمَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: نابَ الضُّرُّ هُنا مَنابَ الشَّرِّ، وإنْ كانَ الشَّرُّ أعَمَّ مِنهُ، فَقابَلَ الخَيْرَ، وهَذا مِنَ الفَصاحَةِ، عُدُولٌ عَنْ قانُونِ التَّكَلُّفِ والصَّنْعَةِ، فَإنَّ بابَ التَّكَلُّفِ في تَرْصِيعِ الكَلامِ، أنْ يَكُونَ الشَّيْءُ مُقْتَرِنًا بِالَّذِي يَخْتَصُّ بِهِ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الِاخْتِصاصِ مُوافَقَةً أوْ مُضاهاةً، فَمِن ذَلِكَ ﴿ألّا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ [طه: ١١٨] ﴿وأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾ [طه: ١١٩]، فَجاءَ بِالجُوعِ مَعَ العُرِيِّ، وبابُهُ أنْ يَكُونَ مَعَ الظَّمَأِ؛ ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎كَأنِّي لَمْ أرْكَبْ جَوادًا لِلَّذَّةِ ولِمَ أتَبَطَّنْ كاعِبًا ذاتَ خِلْخالِ ؎ولَمْ أسْبَأِ الزِّقَّ الرَّوِيَّ ولَمْ أقُلْ ∗∗∗ لِخَيْلِي كُرِّي كَرَّةً بَعْدَ إجْفالِ انْتَهى. والجامِعُ في الآيَةِ بَيْنَ الجُوعِ والعُرِيِّ، هو اشْتِراكُهُما في الخُلُوِّ، فالجُوعُ خُلُوُّ الباطِنِ والعُرِيُّ خُلُوُّ الظّاهِرِ، وبَيْنَ الظَّمَأِ والضَّحاءِ اشْتِراكُهُما في الِاحْتِراقِ، فالظَّمَأُ احْتِراقُ الباطِنِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ بَرَّدَ الماءُ حَرارَةَ جَوْفِي ؟ والضَّحاءُ احْتِراقُ الظّاهِرِ، والجامِعُ في البَيْتِ الأوَّلِ بَيْنَ الرُّكُوبِ لِلَذَّةِ، وهي الصَّيْدُ، وتَبَطُّنِ الكاعِبِ اشْتِراكُهُما في لَذَّةِ الِاسْتِعْلاءِ والِاقْتِناصِ والقَهْرِ، والظَّفَرِ بِمِثْلِ هَذا الرُّكُوبِ، ألا تَرى إلى تَسْمِيَتِهِمْ هَنَ المَرْأةِ بِالرَّكْبِ هو فَعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ ؟ أيْ مَرْكُوبٍ؛ قالَ الرّاجِزُ: ؎إنَّ لَها لَرَكْبًا إرْزَبّا ∗∗∗ كَأنَّهُ جَبْهَةُ ذُرى حُبّا وفِي البَيْتِ الثّانِي بَيْنَ سَبَأِ الخَمْرِ، والرُّجُوعِ بَعْدَ الهَزِيمَةِ اشْتِراكُهُما في البَذْلِ ؟ فَشِراءُ الخَمْرِ فِيهِ بَدَلُ المالِ والرُّجُوعُ بَعْدَ الِانْهِزامِ فِيهِ بَذْلُ الرُّوحِ، وما أحْسَنَ تَعَقُّلَ امْرِئِ القَيْسِ في بَيْتَيْهِ، حَيْثُ انْتَقَلَ مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى؛ لِأنَّ الظَّفَرَ بِجِنْسِ الإنْسانِ أعْلى وأشْرَفُ مِنَ الظَّفَرِ بِغَيْرِ الجِنْسِ، ألا تَرى أنَّ تَعَلُّقَ النَّفْسِ بِالعِشْقِ أكْثَرُ مِن تَعَلُّقِها بِالصَّيْدِ ؟ ولِأنَّ بَذْلَ الرُّوحِ أعْظَمُ مِن بَذْلِ المالِ. ومُناسَبَةُ تَقْدِيمِ مَسِّ الضُّرِّ عَلى مَسِّ الخَيْرِ، ظاهِرَةٌ لِاتِّصالِهِ بِما قَبْلَهُ، وهو التَّرْهِيبُ الدّالُّ عَلَيْهِ ﴿قُلْ إنِّي أخافُ﴾ [الأنعام: ١٥]، وما قَبْلَهُ، وجاءَ جَوابُ الأوَّلِ بِالحَصْرِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هُوَ﴾ مُبالَغَةً في الِاسْتِقْلالِ بِكَشْفِهِ، وجاءَ جَوابُ الثّانِي بِقَوْلِهِ: ﴿فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ دَلالَةً عَلى قُدْرَتِهِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، فَيَنْدَرِجُ فِيهِ المَسُّ بِخَيْرٍ أوْ غَيْرِهِ، ولَوْ قِيلَ: إنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الأوَّلِ عَلَيْهِ، لَكانَ وجْهًا حَسَنًا، وتَقْدِيرُهُ: فَلا مُوصِلَ لَهُ إلَيْكَ إلّا هو، والأحْسَنُ تَقْدِيرُهُ:، فَلا رادَّ لَهُ لِلتَّصْرِيحِ بِما يُشْبِهُهُ في قَوْلِهِ، وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ، فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ، ثُمَّ أتى بَعْدُ بِما هو شامِلٌ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ، وهو قُدْرَتُهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ. وفي قَوْلِهِ: ﴿فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هُوَ﴾، حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ:، فَلا كاشِفَ لَهُ عَنْكَ إلّا هو. ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وهو الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾ . لَمّا ذَكَرَ تَعالى انْفِرادَهُ بِتَصَرُّفِهِ بِما يُرِيدُهُ مِن ضُرٍّ وخَيْرٍ، وقُدْرَتَهُ عَلى الأشْياءِ، ذَكَرَ قَهْرَهُ وغَلَبَتَهُ، وأنَّ العالَمَ مَقْهُورُونَ مَمْنُوعُونَ مِن بُلُوغِ مُرادِهِمْ، بَلْ يَقْسِرُهم ويُجْبِرُهم عَلى ما يُرِيدُهُ هو تَعالى، و(فَوْقَ) حَقِيقَةٌ في المَكانِ، وأبْعَدَ مَن جَعَلَها هُنا زائِدَةً، وأنَّ التَّقْدِيرَ، وهو القاهِرُ لِعِبادِهِ، وأبْعَدُ مِن هَذا قَوْلُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّها هُنا (p-٨٩)حَقِيقَةٌ في المَكانِ، وأنَّهُ تَعالى حالٌ في الجِهَةِ الَّتِي فَوْقَ العالَمِ، إذْ يَقْتَضِي التَّجْسِيمَ. وأمّا الجُمْهُورُ فَذَكَرُوا أنَّ الفَوْقِيَّةَ هُنا مَجازٌ. فَقالَ بَعْضُهم: هو فَوْقَهم بِالإيجادِ والإعْدامِ. وقالَ بَعْضُهم: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ مَعْناهُ فَوْقَ قَهْرِ عِبادِهِ بِوُقُوعِ مُرادِهِ دُونَ مُرادِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَصْوِيرٌ لِلْقَهْرِ والعُلُوِّ والغَلَبَةِ والقُدْرَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٧] انْتَهى. والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ (فَوْقَ)، إشارَةً لِعُلُوِّ المَنزِلَةِ، وشُفُوفِها عَلى غَيْرِهِ مِنَ الرُّتَبِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]، وقَوْلُهُ: ﴿وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦] وقالَ النّابِغَةُ الجَعْدِيُّ: ؎بَلَغْنا السَّماءَ مَجْدًا وجُودًا وسُؤْدُدًا ∗∗∗ وإنّا لِنَرْجُو فَوْقَ ذَلِكَ مَظْهَرا يُرِيدُ عُلُوَّ الرُّتْبَةِ والمَنزِلَةِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: صِفاتُ الكَمالِ مَحْصُورَةٌ في العِلْمِ والقُدْرَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ إشارَةٌ إلى كَمالِ القُدْرَةِ ﴿وهُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾ إشارَةٌ إلى كَمالِ العِلْمِ، أمّا كَوْنُهُ قاهِرًا، فَلِأنَّ ما عَداهُ تَعالى مُمْكِنُ الوُجُودِ لِذاتِهِ، والمُمْكِنُ لِذاتِهِ لا يَتَرَجَّحُ وجُودُهُ عَلى عَدَمِهِ، ولا عَدَمُهُ عَلى وُجُودِهِ، إلّا بِتَرْجِيحِهِ تَعالى وإيجادِهِ، فَهو في الحَقِيقَةِ الَّذِي قَهَرَ المُمْكِناتِ، تارَةً في طُرُقِ تَرْجِيحِ الوُجُودِ عَلى العَدَمِ، وتارَةً في طُرُقِ تَرْجِيحِ العَدَمِ عَلى الوُجُودِ، ويَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦] الآيَةَ. والحَكِيمُ والمُحْكَمُ أيْ أفْعالُهُ مُتْقَنَةٌ آمِنَةٌ مِن وُجُوهِ الخَلَلِ والفَسادِ، لا بِمَعْنى العالِمِ؛ لِأنَّ (الخَبِيرَ) إشارَةٌ إلى العِلْمِ، فَيَلْزَمُ التَّكْرارُ انْتَهى. وفِيهِ بَعْضُ اخْتِصارٍ وتَلْخِيصٍ. وقِيلَ: (الحَكِيمُ) العالِمُ، و(الخَبِيرُ) أيْضًا العالِمُ، ذَكَرَهُ تَأْكِيدًا. و(فَوْقَ) مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ، إمّا مَعْمُولًا لِلْقاهِرِ؛ أيِ المُسْتَعْلِي فَوْقَ عِبادِهِ، وإمّا في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ ثانٍ لِـ (هو)، أخْبَرَ عَنْهُ بِشَيْئَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ القاهِرُ، الثّانِي: أنَّهُ فَوْقَ عِبادِهِ بِالرُّتْبَةِ والمَنزِلَةِ والشَّرَفِ، لا بِالجِهَةِ، إذْ هو المُوجِدُ لَهم ولِلْجِهَةِ غَيْرُ المُفْتَقِرِ لِشَيْءٍ مِن مَخْلُوقاتِهِ، فالفَوْقِيَّةُ مُسْتَعارَةٌ لِلْمَعْنى مِن فَوْقِيَّةِ المَكانِ. وحَكى المَهْدَوِيُّ أنَّهُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، كَأنَّهُ قالَ: وهو القاهِرُ غالِبًا فَوْقَ عِبادِهِ، وقالَهُ أبُو البَقاءِ، وقَدَّرَهُ مُسْتَعْلِيًا أوْ غالِبًا، وأجازَ أنْ يَكُونَ فَوْقَ عِبادِهِ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بَدَلًا مِنَ القاهِرِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ما مَعْناهُ وُرُودُ العِبادِ في التَّفْخِيمِ والكَرامَةِ والعَبِيدِ في التَّحْقِيرِ والِاسْتِضْعافِ والذَّمِّ، وذَكَرَ مَوارِدَ مِن ذَلِكَ عَلى زَعْمِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَهُ هَذا المَعْنى مَبْسُوطًا مُطَوَّلًا، ورَدَدْنا عَلَيْهِ.

الأنعام 6:19

﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: سَألَتْ قُرَيْشٌ شاهِدًا عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَقالُوا: أيُّ دَلِيلٍ يَشْهَدُ بِأنَّ اللَّهَ يَشْهَدُ لَكَ ؟ فَقالَ: هَذا القُرْآنُ تَحَدَّيْتُكم بِهِ، فَعَجَزْتُمْ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ، أوْ بِمِثْلِ بَعْضِهِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: قالَ رُؤَساءُ مَكَّةَ: يا مُحَمَّدُ ! ما نَرى أحَدًا يُصَدِّقُكَ فِيما تَقُولُ في أمْرِ الرِّسالَةِ، ولَقَدْ سَألْنا اليَهُودَ والنَّصارى عَنْكَ، فَزَعَمُوا أنْ لَيْسَ لَكَ عِنْدَهم ذِكْرٌ ولا صِفَةٌ، فَأرِنا مَن يَشْهَدُ لَكَ، أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ كَما تَزْعُمُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ (p-٩٠)الآيَةَ. وقِيلَ: سَألَ المُشْرِكُونَ لَمّا نَزَلَ ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ [الأنعام: ١٧] الآيَةَ، فَقالُوا: مَن يَشْهَدُ لَكَ عَلى أنَّ هَذا القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ عَلَيْكَ، وأنَّهُ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ إلّا اللَّهُ ؟ فَقالَ اللَّهُ، وهَذا القُرْآنُ المُعْجِزُ. (وأيُّ) اسْتِفْهامٌ، والكَلامُ عَلى أقْسامِ (أيٍّ)، وعِلَّةِ إعْرابِها مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، وشَيْءٌ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، وذُكِرَ الخِلافُ في مَدْلُولِهِ الحَقِيقِيِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الشَّيْءُ أعَمُّ العامِّ؛ لِوُقُوعِهِ عَلى كُلِّ ما يَصِحُّ أنْ يُعْلَمَ ويُخْبَرَ عَنْهُ، فَيَقَعُ عَلى القَدِيمِ والجَوْهَرِ والعَرَضِ والمُحالِ والمُسْتَقِيمِ؛ ولِذَلِكَ صَحَّ أنْ يُقالَ في اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: شَيْءٌ لا كالأشْياءِ، كَأنَّكَ قُلْتَ: مَعْلُومٌ لا كَسائِرِ المَعْلُوماتِ، ولا يَصِحُّ جِسْمٌ لا كالأجْسامِ، وأرادَ (أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً)، فَوَضَعَ شَيْئًا مَكانَ شَهِيدٍ؛ لِيُبالِغَ في التَّعْمِيمِ انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وتَتَضَمَّنُ هَذِهِ الآيَةُ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يُقالُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، كَما يُقالُ عَلَيْهِ مَوْجُودٌ، ولَكِنْ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وقالَ غَيْرُهُما هُنا شَيْءٌ يَقَعُ عَلى القَدِيمِ والمُحْدَثِ والجَوْهَرِ والعَرَضِ والمَعْدُومِ والمَوْجُودِ، ولَمّا كانَ هَذا مُقْتَضاهُ، جازَ إطْلاقُهُ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، واتَّفَقَ الجُمْهُورُ عَلى ذَلِكَ، وخالَفَ الجَهْمُ، وقالَ: لا يُطْلَقُ عَلى اللَّهِ شَيْءٌ، ويَجُوزُ أنْ يُسَمّى ذاتًا ومَوْجُودًا، وإنَّما لَمْ يُطْلَقْ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢]، فَيَلْزَمُ مِن إطْلاقِ شَيْءٍ عَلَيْهِ، أنْ يَكُونَ خالِقًا لِنَفْسِهِ، وهو مُحالٌ؛ ولِقَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [الأعراف: ١٨٠] . والِاسْمُ إنَّما يَحْسُنُ لِحُسْنِ مُسَمّاهُ، وهو أنْ يَدُلَّ عَلى صِفَةِ كَمالٍ ونَعْتِ جَلالٍ، ولَفْظُ الشَّيْءِ أعَمُّ الأشْياءِ، فَيَكُونُ حاصِلًا في أخَسِّ الأشْياءِ وأرْذَلِها، فَلا يَدُلُّ عَلى صِفَةِ كَمالٍ ولا نَعْتِ جَلالٍ، فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ دَعْوَةُ اللَّهِ بِهِ، لَمّا لَمْ يَكُنْ مِنَ الأسْماءِ الحُسْنى، ولِتَناوُلِهِ المَعْدُومِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [الكهف: ٢٣] فَلا يُفِيدُ إطْلاقُ شَيْءٍ عَلَيْهِ امْتِيازَ ذاتِهِ عَلى سائِرِ الذَّواتِ بِصِفَةٍ مَعْلُومَةٍ، ولا بِخاصَّةٍ مُمَيَّزَةٍ، ولا يُفِيدُ كَوْنُهُ مُطْلَقًا، فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ إطْلاقُهُ عَلى اللَّهِ تَعالى، ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] وذاتُ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُ نَفْسِهِ، فَهَذا تَصْرِيحٌ بِأنَّهُ تَعالى لا يُسَمّى باسِمِ الشَّيْءِ، ولا يُقالُ الكافُ زائِدَةٌ؛ لِأنَّ جَعْلَ كَلِمَةٍ مِنَ القُرْآنِ عَبَثًا باطِلًا، لا يَلِيقُ ولا يُصارُ إلَيْهِ، إلّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ الشَّدِيدَةِ. وأُجِيبَ بِأنَّ لَفْظَ شَيْءٍ، أعَمُّ الألْفاظِ، ومَتى صَدَقَ الخاصُّ، صَدَقَ العامُّ، فَمَتى صَدَقَ كَوْنُهُ ذاتًا حَقِيقَةً، وجَبَ أنْ يَصْدُقَ كَوْنُهُ شَيْئًا. واحْتَجَّ الجُمْهُورُ بِهَذِهِ الآيَةِ، وتَقْدِيرُهُ: أنَّ المَعْنى أيُّ الأشْياءِ أكْبَرُ شَهادَةً، ثُمَّ جاءَ في الجَوابِ، قُلِ اللَّهُ، وهَذا يُوجِبُ إطْلاقَ شَيْءٍ عَلَيْهِ، وانْدِراجُهُ في لَفْظِ شَيْءٍ المُرادِ بِهِ العُمُومُ، ولَوْ قُلْتَ: أيُّ النّاسِ أفْضَلُ ؟ فَقِيلَ: جِبْرِيلُ، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَنْدَرِجْ في لَفْظِ النّاسِ، وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، والمُرادُ بِوَجْهِهِ ذاتُهُ، والمُسْتَثْنى يَجِبُ أنْ يَكُونَ داخِلًا تَحْتَ المُسْتَثْنى مِنهُ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ شَيْءٌ. ولِجَهْمٍ أنْ يَقُولَ: هَذا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، والدَّلِيلُ الأوَّلُ لَمْ يُصَرَّحْ فِيهِ بِالجَوابِ المُطابِقِ، إذْ قَوْلُهُ: ﴿قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرٌ ذُو جُمْلَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ بِنَفْسِها، لا تَعَلُّقَ لَها بِما قَبْلَها مِن جِهَةِ الصِّناعَةِ الإعْرابِيَّةِ، بَلْ قَوْلُهُ: ﴿أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً﴾ هو اسْتِفْهامٌ عَلى جِهَةِ التَّقْرِيرِ والتَّوْقِيفِ، ثُمَّ أخْبَرَ بِأنَّ خالِقَ الأشْياءِ والشُّهُودِ، هو الشَّهِيدُ بَيْنِي وبَيْنَكم، وانْتَظَمَ الكَلامُ مِن حَيْثُ المَعْنى، فالجُمْلَةُ لَيْسَتْ جَوابًا صِناعِيًّا، وإنَّما يَتِمُّ ما قالُوهُ، لَوِ اقْتَصَرَ عَلى قُلِ اللَّهُ، وقَدْ ذَهَبَ إلى ذَلِكَ بَعْضُهم، فَأعْرَبَهُ مُبْتَدَأً مَحْذُوفَ الخَبَرِ؛ لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ قُلِ اللَّهُ أكْبَرُ شَهادَةً، ثُمَّ أضْمَرَ مُبْتَدَأً يَكُونُ شَهِيدٌ خَبَرًا لَهُ، تَقْدِيرُهُ: هو ﴿شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾، ولا يَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلى هَذا، بَلْ هو مَرْجُوحٌ؛ لِكَوْنِهِ أضْمَرَ فِيهِ آخِرًا وأوَّلًا، والوَجْهُ الَّذِي قَبْلَهُ لا إضْمارَ فِيهِ مَعَ صِحَّةِ مَعْناهُ، فَوَجَبَ حَمْلُ القُرْآنِ عَلى الرّاجِحِ، لا عَلى المَرْجُوحِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ: قُلْ لَهم: أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً، فَإنْ أجابُوكَ، وإلّا فَقُلْ لَهم: ﴿اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ . وقالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى أنَّ اللَّهَ قالَ لِنَبِيِّهِ: قُلْ لَهم: ﴿أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً﴾، وقُلْ لَهم ﴿اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ أيْ في تَبْلِيغِي وكَذِبِكم وكُفْرِكم. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذِهِ الآيَةُ مِثْلُ قَوْلِهِ: (p-٩١)﴿قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ قُلْ لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢] في أنِ اسْتَفْهَمَ عَلى جِهَةِ التَّوْقِيفِ والتَّقْرِيرِ، ثُمَّ بادَرَ إلى الجَوابِ، إذْ لا يُتَصَوَّرُ فِيهِ مُدافَعَةٌ، كَما تَقُولُ لِمَن تُخاصِمُهُ وتَنْظَلِمُ مِنهُ، مَن أقْدَرُ في البَلَدِ ؟ ثُمَّ تُبادِرُ وتَقُولُ: السُّلْطانُ، فَهو يَحُولُ بَيْنَنا، فَتَقْدِيرُ الآيَةِ: قُلْ لَهم: أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً هو شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمُ انْتَهى. ولَيْسَتْ هَذِهِ الآيَةُ نَظِيرَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ قُلْ لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢] لِأنَّ لِلَّهِ يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ جَوابًا، وهُنا لا يَتَعَيَّنُ، إذْ يَنْعَقِدُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وهو الظّاهِرُ، وأيْضًا فَفي هَذِهِ الآيَةِ لَفْظُ شَيْءٍ، وقَدْ تَتَوَزَّعُ في إطْلاقِهِ عَلى اللَّهِ تَعالى، وفي تِلْكَ الآيَةِ لَفْظُ (مَن)، وهو يُطْلَقُ عَلى اللَّهِ تَعالى. قِيلَ: مَعْنى (أكْبَرُ) أعْظَمُ وأصَحُّ؛ لِأنَّهُ لا يَجْرِي فِيها الخَطَأُ ولا السَّهْوُ ولا الكَذِبُ. وقِيلَ: مَعْناها أفْضَلُ؛ لِأنَّ مَراتِبَ الشَّهاداتِ في التَّفْضِيلِ، تَتَفاوَتُ بِمَراتِبِ الشّاهِدِينَ، وانْتَصَبَ (شَهادَةً) عَلى التَّمْيِيزِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَصِحُّ عَلى المَفْعُولِ بِأنْ يُحْمَلَ أكْبَرُ عَلى التَّشْبِيهِ بِالصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ بِاسْمِ الفاعِلِ انْتَهى. وهَذا كَلامٌ عَجِيبٌ؛ لِأنَّهُ لا يَصِحُّ نَصْبُهُ عَلى المَفْعُولِ؛ ولِأنَّ أفْعَلَ مِمَّنْ لا يَتَشَبَّهُ بِالصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ بِاسْمِ الفاعِلِ، ولا يَجُوزُ في أفْعَلَ مِن أنْ يَكُونَ مِن بابِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ بِاسْمِ الفاعِلِ؛ لِأنَّ شَرْطَ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ بِاسْمِ الفاعِلِ أنْ تُؤَنَّثَ وتُثَنّى وتُجْمَعَ، وأفْعَلُ مَن لا يَكُونُ فِيها ذَلِكَ، وهَذا مَنصُوصٌ عَلَيْهِ مِنَ النُّحاةِ، فَجَعَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ المَنصُوبَ في هَذا مَفْعُولًا، وجَعَلَ (أكْبَرُ) مُشَبَّهًا بِالصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ، وجَعَلَ مَنصُوبَهُ مَفْعُولًا، وهَذا تَخْلِيطٌ فاحِشٌ، ولَعَلَّهُ يَكُونُ مِنَ النّاسِخِ لا مِنَ المُصَنِّفِ. ومَعْنى ﴿بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ بَيْنَنا، ولَكِنَّهُ لَمّا أُضِيفَ إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ، لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن إعادَةِ بَيْنَ، وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ فَأيِّي ما، وأيُّكَ كانَ شَرًّا، وكِلايَ وكِلاكَ، ذَهَبَ أنَّ مَعْناهُ فَأيُّنا وكِلانا. * * ﴿وأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ لِأُنْذِرَكم بِهِ ومَن بَلَغَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ (وأُوحِيَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، (والقُرْآنُ) مَرْفُوعٌ بِهِ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ وأبُو نَهِيكٍ وابْنُ السَّمَيْقَعِ والجَحْدَرِيُّ (وأوْحى) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، والقُرْآنُ مَنصُوبٌ بِهِ، والمَعْنى لِأُنْذِرَكم ولِأُبَشِّرَكم، فَحُذِفَ المَعْطُوفُ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، أوِ اقْتَصَرَ عَلى الإنْذارِ؛ لِأنَّهُ في مَقامِ تَخْوِيفٍ لِهَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ بِالرِّسالَةِ، المُتَّخِذِينَ غَيْرَ اللَّهِ إلَهًا. والظّاهِرُ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ، أنَّ (مَن) في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى مَفْعُولِ (لِأُنْذِرَكم)، والعائِدُ عَلى (مَن) ضَمِيرٌ مَنصُوبٌ مَحْذُوفٌ، وفاعِلُ (بَلَغَ) ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى القُرْآنِ؛ ومَن بَلَغَهُ هو أيِ (القُرْآنُ) والخِطابُ في ﴿لِأُنْذِرَكم بِهِ﴾ لِأهْلِ مَكَّةَ. وقالَ مُقاتِلٌ: ومَن بَلَغَهُ مِنَ العَرَبِ والعَجَمِ. وقِيلَ: مِنَ الثَّقَلَيْنِ. وقِيلَ: مَن بَلَغَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: مَن بَلَغَهُ القُرْآنُ فَكَأنَّما رَأى مُحَمَّدًا ﷺ . وفي الحَدِيثِ: «" مَن بَلَغَهُ هَذا القُرْآنُ فَأنا نَذِيرُهُ» . وقالَتْ فِرْقَةٌ: الفاعِلُ بِـ (بَلَغَ) عائِدٌ عَلى (مَن) لا عَلى (القُرْآنُ) والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ ومَن بَلَغَ الحُلُمَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (مِن) في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في ﴿لِأُنْذِرَكم بِهِ﴾ وجازَ ذَلِكَ لِلْفَصْلِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الضَّمِيرِ بِضَمِيرِ المَفْعُولِ، وبِالجارِّ والمَجْرُورِ؛ أيْ ولِيُنْذِرَ بِهِ مَن بَلَغَهُ القُرْآنُ. ﴿أئِنَّكم لَتَشْهَدُونَ أنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى﴾ قُرِئَ ﴿أئِنَّكم لَتَشْهَدُونَ﴾ بِصُورَةِ الإيجابِ، فاحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ خَبَرًا مَحْضًا، واحْتُمِلَ (p-٩٢)الِاسْتِفْهامُ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ أداتِهِ، ويُبَيِّنُ ذَلِكَ قِراءَةُ الِاسْتِفْهامِ، فَقُرِئَ بِهَمْزَتَيْنِ مُحَقَّقَتَيْنِ، وبِإدْخالِ ألِفٍ بَيْنَهُما، وبِتَسْهِيلِ الثّانِيَةِ، وبِإدْخالِ ألِفٍ بَيْنَ الهَمْزَةِ الأُولى والهَمْزَةِ المُسَهَّلَةِ، رَوى هَذِهِ القِراءَةَ الأخِيرَةَ الأصْمَعِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو ونافِعٍ، وهَذا الِاسْتِفْهامُ مَعْناهُ التَّقْرِيعُ لَهم والتَّوْبِيخُ، والإنْكارُ عَلَيْهِمْ، فَإنْ كانَ الخِطابُ لِأهْلِ مَكَّةَ، فالآلِهَةُ الأصْنامُ، فَإنَّهم أصْحابُ أوْثانٍ، وإنْ كانَ لِجَمِيعِ المُشْرِكِينَ، فالآلِهَةُ كُلُّ ما عَبَدَ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى مِن وثَنٍ أوْ كَوْكَبٍ أوْ نارٍ أوْ آدَمِيٍّ، وأُخْرى صِفَةٌ لِآلِهَةٍ، وصِفَةُ جَمْعِ ما لا يُعْقَلُ كَصِفَةِ الواحِدَةِ المُؤَنَّثَةِ، كَقَوْلِهِ: (مَآرِبُ أُخْرى والأسْماءُ الحُسْنى)، ولَمّا كانَتِ الآلِهَةُ حِجارَةً وخَشَبًا، أُجْرِيَتْ هَذا المَجْرى. ﴿قُلْ لا أشْهَدُ قُلْ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ وإنَّنِي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ أمَرَهُ تَعالى أنْ يُخْبِرَهم أنَّهُ لا يَشْهَدُ شَهادَتَهم، وأمَرَهُ ثانِيًا أنْ يُفْرِدَ اللَّهَ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ، وأنْ يَتَبَرَّأ مِن إشْراكِهِمْ وما أبْدَعَ هَذا التَّرْتِيبَ أُمِرَ أوَّلًا بِأنْ يُخْبِرَهم بِأنَّهُ لا يُوافِقُهم في الشَّهادَةِ، ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ إفْرادُ اللَّهِ بِالأُلُوهِيَّةِ، فَأُمِرَ بِهِ ثانِيًا لِيَجْتَمِعَ مَعَ انْتِفاءِ مُوافَقَتِهِمْ إثْباتُ الوَحْدانِيَّةِ لِلَّهِ تَعالى، ثُمَّ أخْبَرَ ثالِثًا بِالتَّبَرُّؤِ مِن إشْراكِهِمْ، وهو كالتَّوْكِيدِ لِما قَبْلَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ لا يَكُونَ ذَلِكَ داخِلًا تَحْتَ القَوْلِ، ويُحْتَمَلُ، وهو الظّاهِرُ، أنْ يَكُونَ داخِلًا تَحْتَهُ، فَأُمِرَ بِأنْ يَقُولَ الجُمْلَتَيْنِ، فَظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّها في عَبَدَةِ الأصْنامِ. وذَكَرَ الطَّبَرِيُّ أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ. وأُسْنِدَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «جاءَ النَّحّامُ بْنُ زَيْدٍ وقَرْدَمُ بْنُ كَعْبٍ ومُجَزِّئُ بْنُ عَمْرٍو فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ ما تَعْلَمُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا غَيْرَهُ، فَقالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، بِذَلِكَ أُمِرْتُ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ» .

الأنعام 6:20

﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ تَقَدَّمَ شَرْحُ الجُمْلَةِ الأُولى في البَقَرَةِ، وشَرْحُ الثّانِيَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ مِن قَرِيبٍ. وقالُوا هُنا الضَّمِيرُ في (يَعْرِفُونَهُ) عائِدٌ عَلى الرَّسُولِ، قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ وابْنُ جُرَيْجٍ. والجُمْهُورُ، ومِنهم عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، أوْ عَلى التَّوْحِيدِ، وذَلِكَ لِقُرْبِ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ [الأنعام: ١٩] . وفِيهِ اسْتِشْهادٌ عَلى كَفَرَةِ قُرَيْشٍ والعَرَبِ بِأهْلِ الكِتابِ، أوْ عَلى القُرْآنِ، قالَهُ فِرْقَةٌ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ﴾ [الأنعام: ١٩] . وقِيلَ: يَعُودُ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ الأشْياءِ مِنَ التَّوْحِيدِ والرَّسُولِ والقُرْآنِ، كَأنَّهُ ذَكَرَ أشْياءَ، ثُمَّ قالَ أهْلُ الكِتابِ (يَعْرِفُونَهُ) أيْ يَعْرِفُونَ ما قُلْنا وما قَصَصْنا. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى كِتابِهِمْ؛ أيْ: يَعْرِفُونَ كِتابَهم، وفِيهِ ذِكْرُ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الدِّينِ والرَّسُولِ، فالمَعْنى يَعْرِفُونَ الإسْلامَ أنَّهُ دِينُ اللَّهِ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. و﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ هُنا لَفْظُهُ عامٌّ، ويُرادُ بِهِ الخاصُّ، فَإنَّ هَذا لا يَعْرِفُهُ، ولا يَقْرَبُهُ إلّا مَن آمَنُ مِنهم، أوْ مَن أنْصَفَ. والكِتابُ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، ووُحِّدَ رَدًّا إلى الجِنْسِ. وقِيلَ: الكِتابُ هُنا القُرْآنُ. والضَّمِيرُ في (يَعْرِفُونَهُ) عائِدٌ عَلَيْهِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ ما مُلَخَّصُهُ: إنْ كانَ المَكْتُوبُ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ خُرُوجَ نَبِيٍّ في آخِرِ الزَّمانِ فَقَطْ، فَلا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ هو مُحَمَّدًا ﷺ، أوْ مُعَيَّنًا زَمانُهُ ومَكانُهُ ونَسَبُهُ وحِلْيَتُهُ وشَكْلُهُ، فَيَكُونُونَ إذْ ذاكَ عالِمِينَ بِهِ بِالضَّرُورَةِ، ولا يَجُوزُ الكَذِبُ عَلى الجَمْعِ العَظِيمِ. ولِأنّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ كِتابَهم لَمْ يَشْتَمِلْ عَلى هَذِهِ التَّفاصِيلِ التّامَّةِ، وعَلى هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمُ﴾ ؟ وأجابَ بِأنَّهم كانُوا أهْلًا لِلنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، وكانُوا شاهَدُوا ظُهُورَ المُعْجِزاتِ عَلى يَدِ الرَّسُولِ، فَعَرَفُوا بِالمُعْجِزاتِ كَوْنَهُ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ، فالمَقْصُودُ تَشْبِيهُ مَعْرِفَتِهِ بِمَعْرِفَةِ أبْنائِهِمْ بِهَذا القَدْرِ الَّذِي ذَكَرْناهُ انْتَهى. ولا يَلْزَمُ ذَلِكَ التَّقْسِيمُ الَّذِي ذَكَرَهُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَعْرِفُونَهُ بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، إنَّما ذَكَرَ (يَعْرِفُونَهُ) فَجازَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ المَعْرِفَةُ مُسْنَدَةً إلى التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مِن أخْبارِ أنْبِيائِهِمْ ونُصُوصِهِمْ، فالتَّفاصِيلُ عِنْدَهم مِن ذَلِكَ، لا مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، فَيَكُونُ مَعْرِفَتُهم إيّاهُ مُفَصَّلَةً واضِحَةً بِالأخْبارِ (p-٩٣)لا بِالنَّظَرِ في المُعْجِزاتِ ﴿كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمُ﴾ وأيْضًا فَلا نُسَلِّمُ لَهُ حَصْرَ التَّقْسِيمِ فِيما ذَكَرَهُ؛ لِأنَّهُ يُحْتَمَلُ قِسْمًا آخَرَ، وهو أنْ يَكُونَ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ يَدُلّانِ عَلى خُرُوجِ نَبِيٍّ في آخِرِ الزَّمانِ وعَلى بَعْضِ أوْصافِهِ، لا عَلى جَمِيعِ الأوْصافِ الَّتِي ذُكِرَتْ مِن تَعْيِينِ زَمانٍ ومَكانٍ ونَسَبٍ وحِلْيَةٍ وشَكْلٍ، ويَدُلُّ عَلى هَذا القِسْمِ حَدِيثُ عُمَرَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وقَوْلُهُ لَهُ: إنَّ اللَّهَ أنْزَلَ عَلى نَبِيِّهِ بِمَكَّةَ إنَّكم تَعْرِفُونَهُ، كَما تَعْرِفُونَ أبْناءَكم، فَكَيْفَ هَذِهِ المَعْرِفَةُ ؟ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: نَعَمْ أعْرِفُهُ بِالصِّفَةِ الَّتِي وصَفَهُ اللَّهُ بِها في التَّوْراةِ ؟ فَلا أشُكُّ فِيهِ، وأمّا ابْنِي فَلا أدْرِي ما أحْدَثَتْ أُمُّهُ، ومِمّا يَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ مَعْرِفَتَهم إيّاهُ، لا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ مُسْتَنَدُها التَّوْراةَ والإنْجِيلَ فَقَطْ. أسْئِلَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ حِينَ اجْتَمَعَ أوَّلَ اجْتِماعِهِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ما أوَّلُ ما يَأْكُلُ أهْلُ الجَنَّةِ ؟ فَحِينَ أخْبَرَهُ بِجَوابِ تِلْكَ الأسْئِلَةِ أسْلَمَ لِلْوَقْتِ، وعَرَفَ أنَّهُ الرَّسُولُ الَّذِي نُبِّهَ عَلَيْهِ في التَّوْراةِ. وحَدِيثُ زَيْدِ بْنِ سَعْنَةَ حِينَ ذَكَرَ أنَّهُ عَرَفَ جَمِيعَ أوْصافِهِ، غَيْرَ أنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ أنَّ حِلْمَهُ يَسْبِقُ غَضَبَهُ، فَجَرَّبَ ذَلِكَ مِنهُ، فَوَجَدَ هَذِهِ الصِّفَةَ، فَأسْلَمَ. وأُعْرِبَ ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا﴾ مُبْتَدَأً، والخَبَرُ ﴿فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ . و﴿الَّذِينَ خَسِرُوا﴾ عَلى هَذا أعَمُّ مِن أهْلِ الكِتابِ الجاحِدِينَ ومِنَ المُشْرِكِينَ. والخُسْرانُ الغَبْنُ. ورُوِيَ أنَّ لِكُلِّ عَبْدٍ مَنزِلًا في الجَنَّةِ ومَنزِلًا في النّارِ، فالمُؤْمِنُونَ يَنْزِلُونَ مَنازِلَ أهْلِ الكُفْرِ في الجَنَّةِ، والكافِرُونَ يَنْزِلُونَ مَنازِلَ أهْلِ الجَنَّةِ في النّارِ، فالخَسارَةُ والرِّبْحُ هُنا، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا﴾ نَعْتًا لِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ . و﴿فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةٍ، فَيَكُونُ مَساقُ ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾، مَساقَ الذَّمِّ لا مَقامَ الِاسْتِشْهادِ بِهِمْ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ مِنَ العَرَبِ، قالُوا: لِأنَّهُ لا يَصِحُّ أنْ يُسْتَشْهَدَ بِهِمْ، ويُذَمُّوا في آيَةٍ واحِدَةٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَصِحُّ ذَلِكَ لِاخْتِلافِ ما اسْتُشْهِدَ فِيهِ بِهِمْ وما ذُمُّوا فِيهِ، وأنَّ الذَّمَّ والِاسْتِشْهادَ مِن جِهَةٍ واحِدَةٍ انْتَهى. ويَكُونُ ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا﴾، إذْ ذاكَ لَيْسَ عامًّا، إذِ التَّقْدِيرُ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم مِنهُمْ؛ أيْ مِن أهْلِ الكِتابِ.

الأنعام 6:21

﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿ومَن أظْلَمُ﴾ . والِافْتِراءُ الِاخْتِلافُ، والمَعْنى لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ، أوْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَمَعُوا بَيْنَ أمْرَيْنِ مُتَناقِضَيْنِ، فَكَذَبُوا عَلى اللَّهِ بِما لا حُجَّةَ عَلَيْهِ، وكَذَّبُوا بِما ثَبَتَ بِالحُجَّةِ البَيِّنَةِ والبُرْهانِ الصَّحِيحِ، حَيْثُ قالُوا: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، وقالُوا: واللَّهِ أُمِرْنا بِها، وقالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، وهَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ، ونَسَبُوا إلَيْهِ تَحْرِيمَ السَّوائِبِ والبَحائِرِ، وكَذَّبُوا القُرْآنَ والمُعْجِزاتِ، وسَمُّوها سِحْرًا، ولَمْ يُؤْمِنُوا بِالرَّسُولِ ﷺ انْتَهى. وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ بِقَوْلِهِ: حَيْثُ قالُوا: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مِمَّنِ افْتَرى؛ اخْتَلَقَ، والمُكَذِّبُ بِالآياتِ مُفْتَرِي كَذِبٍ، ولَكِنَّهُما مِنَ الكُفْرِ، فَلِذَلِكَ نُصّا مُفَسَّرَيْنِ انْتَهى. ومَعْنى ﴿لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ لا يَظْفَرُونَ بِمَطالِبِهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، بَلْ يَبْقَوْنَ في الحِرْمانِ والخِذْلانِ. ونَفى الفَلاحَ عَنِ الظّالِمِ، فَدَخَلَ فِيهِ الأظْلَمُ. والظّالِمُ غَيْرُ الأظْلَمِ، وإذا كانَ هَذا لا يُفْلِحُ، فَكَيْفَ يُفْلِحُ الأظْلَمُ ؟ ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ . قِيلَ: (يَوْمَ) مَعْمُولٌ لِـ (اذْكُرْ) (p-٩٤)مَحْذُوفَةٍ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ. وقِيلَ: المَحْذُوفُ مُتَأخِّرٌ تَقْدِيرُهُ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾، كانَ كَيْتُ وكَيْتُ، فَتُرِكَ لِيَبْقى عَلى الإبْهامِ الَّذِي هو أدْخَلُ في التَّخْوِيفِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقِيلَ: العامِلُ انْظُرْ كَيْفَ كَذَّبُوا يَوْمَ نَحْشُرُهم. وقِيلَ: هو مَفْعُولٌ بِهِ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: ولْيَحْذَرُوا يَوْمَ نَحْشُرُهم. وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى ظَرْفٍ مَحْذُوفٍ، والعامِلُ فِيهِ العامِلُ في ذَلِكَ الظَّرْفِ، والتَّقْدِيرُ أنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ اليَوْمَ في الدُّنْيا، ويَوْمَ نَحْشُرُهم، قالَهُ الطَّبَرِيُّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (نَحْشُرُهم ثُمَّ نَقُولُ) بِالنُّونِ فِيهِما. وقَرَأ حُمَيْدٌ ويَعْقُوبُ فِيهِما بِالياءِ. وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ (نَحْشِرُهم)، بِكَسْرِ الشِّينِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (نَحْشُرُهم) عائِدٌ عَلى الَّذِينَ افْتَرَوْا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ، أوْ كَذَّبُوا بِآياتِهِ. وجاءَ ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ بِمَعْنى ثُمَّ نَقُولُ لَهم، ولَكِنَّهُ نَبَّهَ عَلى الوَصْفِ المُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ تَوْبِيخُهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى النّاسِ كُلِّهِمْ، وهم مُنْدَرِجُونَ في هَذا العُمُومِ، ثُمَّ تَفَرَّدَ بِالتَّوْبِيخِ المُشْرِكُونَ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى المُشْرِكِينَ وأصْنامِهِمْ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ٢٢] مِن دُونِ اللَّهِ، وعُطِفَ بِـ (بِثُمَّ) لِلتَّراخِي الحاصِلِ بَيْنَ مَقاماتِ يَوْمِ القِيامَةِ في المَواقِفِ، فَإنَّ فِيهِ مَواقِفَ بَيْنَ كُلِّ مَوْقِفٍ ومَوْقِفٍ تَراخٍ عَلى حَسَبِ طُولِ ذَلِكَ اليَوْمِ. و﴿أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ﴾ سُؤالُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ. وظاهِرُ مَدْلُولِ ﴿أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ﴾ غَيْبَةُ الشُّرَكاءِ عَنْهُمْ؛ أيْ تِلْكَ الأصْنامُ قَدِ اضْمَحَلَّتْ، فَلا وُجُودَ لَها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُشاهِدُوهم، إلّا أنَّهم حِينَ لا يَنْفَعُونَهم، ولا يَكُونُ مِنهم ما رَجَوْا مِنَ الشَّفاعَةِ، فَكَأنَّهم غُيَّبٌ عَنْهم، وأنْ يُحالَ بَيْنَهم. وبَيْنَهم في وقْتِ التَّوْبِيخِ؛ لِيَفْقِدُوهم في السّاعَةِ الَّتِي عَلَّقُوا بِهِمُ الرَّجاءَ فِيها، فَيَرْوِ إمْكانَ خِزْيِهِمْ وحَسْرَتِهِمُ انْتَهى. والمَعْنى أيْنَ آلِهَتُكُمُ الَّتِي جَعَلْتُمُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ ؟ وأُضِيفَ الشُّرَكاءُ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ لا شَرِكَةَ في الحَقِيقَةِ بَيْنَ الأصْنامِ، وبَيْنَ شَيْءٍ، وإنَّما أُوقِعَ عَلَيْها اسْمُ الشَّرِيكِ بِمُجَرَّدِ تَسْمِيَةِ الكَفَرَةِ، فَأُضِيفَتْ إلَيْهِمْ بِهَذِهِ النِّسْبَةِ. والزَّعْمُ: القَوْلُ الأمْيَلُ إلى الباطِلِ، والكَذِبِ في أكْثَرِ الكَلامِ، ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلُّ زَعْمٍ في القُرْآنِ، فَهو بِمَعْنى الكَذِبِ، وإنَّما خَصَّ القُرْآنَ؛ لِأنَّهُ يَنْطَلِقُ عَلى مُجَرَّدِ الذِّكْرِ والقَوْلِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎تَقُولُ هَلَكْنا إنْ هَلَكْتَ وإنَّما عَلى اللَّهِ أرْزاقُ العِبادِ كَما زَعَمَ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعَلى هَذا الحَدِّ يَقُولُ سِيبَوَيْهِ: بِزَعْمِ الخَلِيلِ، ولَكِنَّ ذَلِكَ يُسْتَعْمَلُ في الشَّيْءِ الغَرِيبِ الَّذِي تَبْقى عُهْدَتُهُ عَلى قائِلِهِ انْتَهى. وحُذِفَ مَفْعُولا (يَزْعُمُونَ) اخْتِصارًا، إذْ دَلَّ ما قَبْلَهُ عَلى حَذْفِهِما، والتَّقْدِيرُ تَزْعُمُونَهم شُرَكاءَ، ويَحْسُنُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ كَما قالَ بَعْضُهم: ﴿أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ إنَّها تَشْفَعُ لَكم عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ . تَقَدَّمَ مَدْلُولُ الفِتْنَةِ، وشُرِحَتْ هُنا بِحُبِّ الشَّيْءِ والإعْجابِ بِهِ، كَما تَقُولُ: فُتِنْتُ بِزَيْدٍ، فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى؛ ثُمَّ لَمْ يَكُنْ حُبُّهم لِلْأصْنامِ، وإعْجابُهم بِها واتِّباعُهم لَها، لَمّا سُئِلُوا عَنْها، ووَقَفُوا عَلى عَجْزِها، إلّا التَّبَرُّؤَ مِنها والإنْكارَ لَها، وفي هَذا تَوْبِيخٌ لَهم، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ كانَ يَدَّعِي مَوَدَّةَ آخَرَ ثُمَّ انْحَرَفَ عَنْهُ وعاداهُ: يا فُلانُ لَمْ تَكُنْ مَوَدَّتُكَ لِفُلانٍ إلّا أنْ عادَيْتَهُ وبايَنْتَهُ، والمَعْنى عَلى ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ﴾ بِمَعْنى مَوَدَّتِهِمْ وإعْجابِهِمْ بِالأصْنامِ، إلّا البَراءَةَ مِنهم بِاليَمِينِ المُؤَكِّدَةِ لِبَراءَتِهِمْ، وتَكُونُ الفِتْنَةُ واقِعَةً في الدُّنْيا، وشُرِحَتْ أيْضًا بِالِاخْتِبارِ، والمَعْنى: ثُمَّ لَمْ يَكُنِ اخْتِبارُنا إيّاهم، إذِ السُّؤالُ عَنِ الشُّرَكاءِ وتَوْقِيفُهم، اخْتِبارًا لِإنْكارِهِمُ الإشْراكَ (p-٩٥)وتَكُونُ الفِتْنَةُ هُنا واقِعَةً في القِيامَةِ؛ أيْ: ثُمَّ لَمْ يَكُنْ جَوابُ اخْتِبارٍ نالَهم بِالسُّؤالِ عَنْ شُرَكائِهِمْ إلّا إنْكارَ التَّشْرِيكِ انْتَهى، مُلَخَّصًا مِن كَلامِ ابْنِ عَطِيَّةَ، مَعَ بَعْضِ زِيادَةٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فِتْنَتُهم) كُفْرُهم، والمَعْنى ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عاقِبَةُ كُفْرِهِمُ الَّذِي لَزِمُوهُ أعْمارَهم، وقاتَلُوا عَلَيْهِ، وافْتَخَرُوا بِهِ، وقالُوا: دِينُ آبائِنا، إلّا جُحُودَهُ، والتَّبَرُّؤَ مِنهُ، والحَلِفَ عَلى الِانْتِفاءِ مِنَ التَّدَيُّنِ بِهِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ؛ ثُمَّ لَمْ يَكُنْ جَوابُهم، إلّا أنْ قالُوا: فَسُمِّيَ فِتْنَةً؛ لِأنَّهُ كَذِبٌ انْتَهى. والشَّرْحُ الأوَّلُ مِن شَرْحِ ابْنِ عَطِيَّةَ مَعْناهُ لِلزَّجّاجِ، والأوَّلُ مِن تَفْسِيرِ الزَّمَخْشَرِيِّ، لَفْظُهُ لِلْحَسَنِ، ومَعْناهُ لِابْنِ عَبّاسٍ، والثّانِي لِمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ وغَيْرِهِ. قالَ: التَّقْدِيرُ ثُمَّ لَمْ يَكُنْ جَوابُهم ﴿إلّا أنْ قالُوا﴾، وسُمِّيَ هَذا القَوْلُ فِتْنَةً، لِكَوْنِهِ افْتِراءً وكَذِبًا. وقالَ الضَّحّاكُ: الفِتْنَةُ هُنا الإنْكارُ؛ أيْ ثُمَّ لَمْ يَكُنْ إنْكارُهم. وقالَ قَتادَةُ: عُذْرُهم. وقالَ أبُو العالِيَةِ: قَوْلُهم. وقالَ عَطاءٌ وأبُو عُبَيْدَةَ: بَيْنَهم. وزادَ أبُو عُبَيْدَةَ الَّتِي ألْزَمَتْهُمُ الحُجَّةَ، وزادَتْهم لائِمَةً. وقِيلَ: حُجَّتُهم. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى المُشْرِكِينَ، وأنَّهُ عامٌّ فِيمَن أشَرَكَ. وقالَ الحَسَنُ: هَذا خاصٌّ بِالمُنافِقِينَ، جَرَوْا عَلى عادَتِهِمْ في الدُّنْيا. وقِيلَ: هم قَوْمٌ كانُوا مُشْرِكِينَ، ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّهم مُشْرِكُونَ، فَيَحْلِفُونَ عَلى اعْتِقادِهِمْ في الدُّنْيا. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ﴾، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالياءِ، وأُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ والأعْمَشُ، وما كانَ فِتْنَتُهم، وطَلْحَةُ وابْنُ مُطَرِّفٍ، ثُمَّ ما كانَ، والِابْنانِ وحَفْصٌ (فِتْنَتُهم) بِالرَّفْعِ، وفِرْقَةٌ (ثُمَّ لَمْ يَكُنْ) بِالياءِ و(فِتْنَتُهم) بِالرَّفْعِ. وإعْرابُ هَذِهِ القِراءاتِ واضِحٌ، والجارِي مِنها عَلى الأشْهَرِ، قِراءَةُ (ثُمَّ لَمْ يَكُنْ فِتْنَتَهم) بِالياءِ بِالنَّصْبِ؛ لِأنَّ (أنْ) مَعَ ما بَعْدَها أُجْرِيَتْ في التَّعْرِيفِ مَجْرى المُضْمَرِ، وإذا اجْتَمَعَ الأعْرَفُ وما دُونَهُ في التَّعْرِيفِ، فَذَكَرُوا أنَّ الأشْهَرَ؛ جَعْلُ الأعْرَفِ هو الِاسْمُ، وما دُونَهُ هو الخَبَرُ، ولِذَلِكَ أجْمَعَتِ السَّبْعَةُ عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا﴾ [النمل: ٥٦]، و﴿ما كانَ حُجَّتَهم إلّا أنْ قالُوا﴾ [الجاثية: ٢٥] . ومَن قَرَأ بِالياءِ، ورَفَعَ الفِتْنَةَ، فَذَكَّرَ الفِعْلَ، لِكَوْنِ تَأْنِيثِ الفِتْنَةِ مَجازِيًّا أوْ لِوُقُوعِها مِن حَيْثُ المَعْنى عَلى مُذَكَّرٍ، والفِتْنَةُ اسْمُ يَكُنْ، والخَبَرُ ﴿إلّا أنْ قالُوا﴾ جَعَلَ غَيْرَ الأعْرَفِ الِاسْمَ، والأعْرَفَ الخَبَرَ، ومَن قَرَأ ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ﴾ بِالتّاءِ، ورَفَعَ الفِتْنَةَ، فَأنَّثَ لِتَأْنِيثِ الفِتْنَةِ، والإعْرابُ كَإعْرابِ ما تَقَدَّمَ قَبْلَهُ، ومَن قَرَأ ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ﴾ بِالتّاءِ (فِتْنَتَهم) بِالنَّصْبِ، فالأحْسَنُ أنْ يُقَدَّرَ ﴿إلّا أنْ قالُوا﴾ مُؤَنَّثًا؛ أيْ: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتَهم إلّا مَقالَتُهم. وقِيلَ: ساغَ ذَلِكَ مِن حَيْثُ كانَ الفِتْنَةَ في المَعْنى. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ [الأنعام: ١٦٠] فَأنَّثَ الأمْثالَ، لَمّا كانَتِ الحَسَناتِ في المَعْنى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ (تَكُنْ) بِالتّاءِ. و(فِتْنَتَهم) بِالنَّصْبِ، وإنَّما أتَتْ (أنْ قالُوا) لِوُقُوعِ الخَبَرِ مُؤَنَّثًا، كَقَوْلِهِ: مَن كانَتْ أُمَّكَ انْتَهى. وتَقَدَّمَ لَنا أنَّ الأوْلى؛ أنْ يُقَدَّرَ (أنْ قالُوا) بِمُؤَنَّثٍ؛ أيْ إلّا مَقالَتُهم. وكَذا قَدَّرَهُ الزَّجّاجُ بِمُؤَنَّثٍ؛ أيْ مَقالَتُهم، وتَخْرِيجُ الزَّمَخْشَرِيِّ مُلَفَّقٌ مِن كَلامِ أبِي عَلِيٍّ. وأمّا مَن كانَتْ أُمَّكَ، فَإنَّهُ حَمَلَ اسْمَ كانَ عَلى مَعْنى (مَن)؛ لِأنَّ مَن لَها لَفْظٌ مُفْرَدٌ، ولَها مَعْنًى بِحَسَبِ ما تُرِيدُ مِن إفْرادٍ وتَثْنِيَةٍ وجَمْعٍ وتَذْكِيرٍ وتَأْنِيثٍ، ولَيْسَ الحَمْلُ عَلى المَعْنى لِمُراعاةِ الخَبَرِ، ألا تَرى أنَّهُ يَجِيءُ حَيْثُ لا خَبَرَ ؟ نَحْوَ ومِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ. و(تَكُنْ) مِثْلُ مَن يا ذِئْبُ يَصْطَحِبانِ. ومَن تَقْنُتْ في قِراءَةِ التّاءِ، فَلَيْسَتْ تَأْنِيثُ كانَتْ لِتَأْنِيثِ الخَبَرِ، وإنَّما هو لِلْحَمْلِ عَلى مَعْنى (مَن) حَيْثُ أرَدْتَ بِهِ المُؤَنَّثَ، وكَأنَّكَ قُلْتَ: أيَّةُ امْرَأةٍ كانَتْ أُمَّكَ ؟ وقَرَأ الأخَوانِ ﴿واللَّهِ رَبِّنا﴾ بِنَصْبِ الباءِ عَلى النِّداءِ؛ أيْ يا رَبَّنا. وأجازَ ابْنُ عَطِيَّةَ فِيهِ النَّصْبَ عَلى المَدْحِ. وأجازَ أبُو البَقاءِ فِيهِ إضْمارَ أعْنِي. وباقِي السَّبْعَةِ بِخَفْضِها عَلى النَّعْتِ، وأجازُوا فِيهِ البَدَلَ وعَطْفَ البَيانِ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ وسَلّامُ بْنُ مِسْكِينٍ (واللَّهُ رَبُّنا) بِرَفْعِ الِاسْمَيْنِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا عَلى تَقْدِيمِ وتَأْخِيرِ أنَّهم قالُوا: ﴿ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾، (واللَّهُ رَبُّنا)، ومَعْنى ﴿ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ جَحَدُوا إشْراكَهم في الدُّنْيا. رُوِيَ أنَّهم إذا رَأوْا إخْراجَ مَن في النّارِ مِن أهْلِ الإيمانِ، ضَجُّوا، فَيُوقَفُونَ، ويُقالُ لَهم أيْنَ شُرَكاؤُكم ؟ فَيُنْكِرُونَ طَماعِيَةً مِنهم أنْ يُفْعَلَ (p-٩٦)بِهِمْ ما فُعِلَ بِأهْلِ الإيمانِ. وهَذا الَّذِي رُوِيَ مُخالِفٌ لِظاهِرِ الآيَةِ، وهو ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾، ثُمَّ نَقُولُ فَظاهِرُهُ أنَّهُ لا يَتَراخى القَوْلُ عَنِ الحَشْرِ هَذا التَّراخِيَ البَعِيدَ مِن دُخُولِ العُصاةِ المُؤْمِنِينَ النّارَ، وإقامَتِهِمْ فِيها ما شاءَ اللَّهُ، وإخْراجِهِمْ مِنها، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ يُقالُ لَهم أيْنَ شُرَكاؤُكم ؟ وأتى رَجُلٌ إلى ابْنِ عَبّاسٍ فَقالَ: سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾، وفي أُخْرى ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢]، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا رَأوْا أنَّهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا مُؤْمِنٌ قالُوا: تَعالَوْا، فَلْنَجْحَدْ، وقالُوا: ﴿ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾، فَخَتَمَ اللَّهُ عَلى أفْواهِهِمْ، وتَكَلَّمَتْ جَوارِحُهم، فَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا.

الأنعام 6:22

﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿ومَن أظْلَمُ﴾ . والِافْتِراءُ الِاخْتِلافُ، والمَعْنى لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ، أوْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَمَعُوا بَيْنَ أمْرَيْنِ مُتَناقِضَيْنِ، فَكَذَبُوا عَلى اللَّهِ بِما لا حُجَّةَ عَلَيْهِ، وكَذَّبُوا بِما ثَبَتَ بِالحُجَّةِ البَيِّنَةِ والبُرْهانِ الصَّحِيحِ، حَيْثُ قالُوا: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، وقالُوا: واللَّهِ أُمِرْنا بِها، وقالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، وهَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ، ونَسَبُوا إلَيْهِ تَحْرِيمَ السَّوائِبِ والبَحائِرِ، وكَذَّبُوا القُرْآنَ والمُعْجِزاتِ، وسَمُّوها سِحْرًا، ولَمْ يُؤْمِنُوا بِالرَّسُولِ ﷺ انْتَهى. وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ بِقَوْلِهِ: حَيْثُ قالُوا: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مِمَّنِ افْتَرى؛ اخْتَلَقَ، والمُكَذِّبُ بِالآياتِ مُفْتَرِي كَذِبٍ، ولَكِنَّهُما مِنَ الكُفْرِ، فَلِذَلِكَ نُصّا مُفَسَّرَيْنِ انْتَهى. ومَعْنى ﴿لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ لا يَظْفَرُونَ بِمَطالِبِهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، بَلْ يَبْقَوْنَ في الحِرْمانِ والخِذْلانِ. ونَفى الفَلاحَ عَنِ الظّالِمِ، فَدَخَلَ فِيهِ الأظْلَمُ. والظّالِمُ غَيْرُ الأظْلَمِ، وإذا كانَ هَذا لا يُفْلِحُ، فَكَيْفَ يُفْلِحُ الأظْلَمُ ؟ ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ . قِيلَ: (يَوْمَ) مَعْمُولٌ لِـ (اذْكُرْ) (p-٩٤)مَحْذُوفَةٍ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ. وقِيلَ: المَحْذُوفُ مُتَأخِّرٌ تَقْدِيرُهُ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾، كانَ كَيْتُ وكَيْتُ، فَتُرِكَ لِيَبْقى عَلى الإبْهامِ الَّذِي هو أدْخَلُ في التَّخْوِيفِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقِيلَ: العامِلُ انْظُرْ كَيْفَ كَذَّبُوا يَوْمَ نَحْشُرُهم. وقِيلَ: هو مَفْعُولٌ بِهِ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: ولْيَحْذَرُوا يَوْمَ نَحْشُرُهم. وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى ظَرْفٍ مَحْذُوفٍ، والعامِلُ فِيهِ العامِلُ في ذَلِكَ الظَّرْفِ، والتَّقْدِيرُ أنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ اليَوْمَ في الدُّنْيا، ويَوْمَ نَحْشُرُهم، قالَهُ الطَّبَرِيُّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (نَحْشُرُهم ثُمَّ نَقُولُ) بِالنُّونِ فِيهِما. وقَرَأ حُمَيْدٌ ويَعْقُوبُ فِيهِما بِالياءِ. وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ (نَحْشِرُهم)، بِكَسْرِ الشِّينِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (نَحْشُرُهم) عائِدٌ عَلى الَّذِينَ افْتَرَوْا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ، أوْ كَذَّبُوا بِآياتِهِ. وجاءَ ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ بِمَعْنى ثُمَّ نَقُولُ لَهم، ولَكِنَّهُ نَبَّهَ عَلى الوَصْفِ المُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ تَوْبِيخُهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى النّاسِ كُلِّهِمْ، وهم مُنْدَرِجُونَ في هَذا العُمُومِ، ثُمَّ تَفَرَّدَ بِالتَّوْبِيخِ المُشْرِكُونَ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى المُشْرِكِينَ وأصْنامِهِمْ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ٢٢] مِن دُونِ اللَّهِ، وعُطِفَ بِـ (بِثُمَّ) لِلتَّراخِي الحاصِلِ بَيْنَ مَقاماتِ يَوْمِ القِيامَةِ في المَواقِفِ، فَإنَّ فِيهِ مَواقِفَ بَيْنَ كُلِّ مَوْقِفٍ ومَوْقِفٍ تَراخٍ عَلى حَسَبِ طُولِ ذَلِكَ اليَوْمِ. و﴿أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ﴾ سُؤالُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ. وظاهِرُ مَدْلُولِ ﴿أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ﴾ غَيْبَةُ الشُّرَكاءِ عَنْهُمْ؛ أيْ تِلْكَ الأصْنامُ قَدِ اضْمَحَلَّتْ، فَلا وُجُودَ لَها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُشاهِدُوهم، إلّا أنَّهم حِينَ لا يَنْفَعُونَهم، ولا يَكُونُ مِنهم ما رَجَوْا مِنَ الشَّفاعَةِ، فَكَأنَّهم غُيَّبٌ عَنْهم، وأنْ يُحالَ بَيْنَهم. وبَيْنَهم في وقْتِ التَّوْبِيخِ؛ لِيَفْقِدُوهم في السّاعَةِ الَّتِي عَلَّقُوا بِهِمُ الرَّجاءَ فِيها، فَيَرْوِ إمْكانَ خِزْيِهِمْ وحَسْرَتِهِمُ انْتَهى. والمَعْنى أيْنَ آلِهَتُكُمُ الَّتِي جَعَلْتُمُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ ؟ وأُضِيفَ الشُّرَكاءُ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ لا شَرِكَةَ في الحَقِيقَةِ بَيْنَ الأصْنامِ، وبَيْنَ شَيْءٍ، وإنَّما أُوقِعَ عَلَيْها اسْمُ الشَّرِيكِ بِمُجَرَّدِ تَسْمِيَةِ الكَفَرَةِ، فَأُضِيفَتْ إلَيْهِمْ بِهَذِهِ النِّسْبَةِ. والزَّعْمُ: القَوْلُ الأمْيَلُ إلى الباطِلِ، والكَذِبِ في أكْثَرِ الكَلامِ، ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلُّ زَعْمٍ في القُرْآنِ، فَهو بِمَعْنى الكَذِبِ، وإنَّما خَصَّ القُرْآنَ؛ لِأنَّهُ يَنْطَلِقُ عَلى مُجَرَّدِ الذِّكْرِ والقَوْلِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎تَقُولُ هَلَكْنا إنْ هَلَكْتَ وإنَّما عَلى اللَّهِ أرْزاقُ العِبادِ كَما زَعَمَ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعَلى هَذا الحَدِّ يَقُولُ سِيبَوَيْهِ: بِزَعْمِ الخَلِيلِ، ولَكِنَّ ذَلِكَ يُسْتَعْمَلُ في الشَّيْءِ الغَرِيبِ الَّذِي تَبْقى عُهْدَتُهُ عَلى قائِلِهِ انْتَهى. وحُذِفَ مَفْعُولا (يَزْعُمُونَ) اخْتِصارًا، إذْ دَلَّ ما قَبْلَهُ عَلى حَذْفِهِما، والتَّقْدِيرُ تَزْعُمُونَهم شُرَكاءَ، ويَحْسُنُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ كَما قالَ بَعْضُهم: ﴿أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ إنَّها تَشْفَعُ لَكم عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ . تَقَدَّمَ مَدْلُولُ الفِتْنَةِ، وشُرِحَتْ هُنا بِحُبِّ الشَّيْءِ والإعْجابِ بِهِ، كَما تَقُولُ: فُتِنْتُ بِزَيْدٍ، فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى؛ ثُمَّ لَمْ يَكُنْ حُبُّهم لِلْأصْنامِ، وإعْجابُهم بِها واتِّباعُهم لَها، لَمّا سُئِلُوا عَنْها، ووَقَفُوا عَلى عَجْزِها، إلّا التَّبَرُّؤَ مِنها والإنْكارَ لَها، وفي هَذا تَوْبِيخٌ لَهم، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ كانَ يَدَّعِي مَوَدَّةَ آخَرَ ثُمَّ انْحَرَفَ عَنْهُ وعاداهُ: يا فُلانُ لَمْ تَكُنْ مَوَدَّتُكَ لِفُلانٍ إلّا أنْ عادَيْتَهُ وبايَنْتَهُ، والمَعْنى عَلى ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ﴾ بِمَعْنى مَوَدَّتِهِمْ وإعْجابِهِمْ بِالأصْنامِ، إلّا البَراءَةَ مِنهم بِاليَمِينِ المُؤَكِّدَةِ لِبَراءَتِهِمْ، وتَكُونُ الفِتْنَةُ واقِعَةً في الدُّنْيا، وشُرِحَتْ أيْضًا بِالِاخْتِبارِ، والمَعْنى: ثُمَّ لَمْ يَكُنِ اخْتِبارُنا إيّاهم، إذِ السُّؤالُ عَنِ الشُّرَكاءِ وتَوْقِيفُهم، اخْتِبارًا لِإنْكارِهِمُ الإشْراكَ (p-٩٥)وتَكُونُ الفِتْنَةُ هُنا واقِعَةً في القِيامَةِ؛ أيْ: ثُمَّ لَمْ يَكُنْ جَوابُ اخْتِبارٍ نالَهم بِالسُّؤالِ عَنْ شُرَكائِهِمْ إلّا إنْكارَ التَّشْرِيكِ انْتَهى، مُلَخَّصًا مِن كَلامِ ابْنِ عَطِيَّةَ، مَعَ بَعْضِ زِيادَةٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فِتْنَتُهم) كُفْرُهم، والمَعْنى ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عاقِبَةُ كُفْرِهِمُ الَّذِي لَزِمُوهُ أعْمارَهم، وقاتَلُوا عَلَيْهِ، وافْتَخَرُوا بِهِ، وقالُوا: دِينُ آبائِنا، إلّا جُحُودَهُ، والتَّبَرُّؤَ مِنهُ، والحَلِفَ عَلى الِانْتِفاءِ مِنَ التَّدَيُّنِ بِهِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ؛ ثُمَّ لَمْ يَكُنْ جَوابُهم، إلّا أنْ قالُوا: فَسُمِّيَ فِتْنَةً؛ لِأنَّهُ كَذِبٌ انْتَهى. والشَّرْحُ الأوَّلُ مِن شَرْحِ ابْنِ عَطِيَّةَ مَعْناهُ لِلزَّجّاجِ، والأوَّلُ مِن تَفْسِيرِ الزَّمَخْشَرِيِّ، لَفْظُهُ لِلْحَسَنِ، ومَعْناهُ لِابْنِ عَبّاسٍ، والثّانِي لِمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ وغَيْرِهِ. قالَ: التَّقْدِيرُ ثُمَّ لَمْ يَكُنْ جَوابُهم ﴿إلّا أنْ قالُوا﴾، وسُمِّيَ هَذا القَوْلُ فِتْنَةً، لِكَوْنِهِ افْتِراءً وكَذِبًا. وقالَ الضَّحّاكُ: الفِتْنَةُ هُنا الإنْكارُ؛ أيْ ثُمَّ لَمْ يَكُنْ إنْكارُهم. وقالَ قَتادَةُ: عُذْرُهم. وقالَ أبُو العالِيَةِ: قَوْلُهم. وقالَ عَطاءٌ وأبُو عُبَيْدَةَ: بَيْنَهم. وزادَ أبُو عُبَيْدَةَ الَّتِي ألْزَمَتْهُمُ الحُجَّةَ، وزادَتْهم لائِمَةً. وقِيلَ: حُجَّتُهم. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى المُشْرِكِينَ، وأنَّهُ عامٌّ فِيمَن أشَرَكَ. وقالَ الحَسَنُ: هَذا خاصٌّ بِالمُنافِقِينَ، جَرَوْا عَلى عادَتِهِمْ في الدُّنْيا. وقِيلَ: هم قَوْمٌ كانُوا مُشْرِكِينَ، ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّهم مُشْرِكُونَ، فَيَحْلِفُونَ عَلى اعْتِقادِهِمْ في الدُّنْيا. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ﴾، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالياءِ، وأُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ والأعْمَشُ، وما كانَ فِتْنَتُهم، وطَلْحَةُ وابْنُ مُطَرِّفٍ، ثُمَّ ما كانَ، والِابْنانِ وحَفْصٌ (فِتْنَتُهم) بِالرَّفْعِ، وفِرْقَةٌ (ثُمَّ لَمْ يَكُنْ) بِالياءِ و(فِتْنَتُهم) بِالرَّفْعِ. وإعْرابُ هَذِهِ القِراءاتِ واضِحٌ، والجارِي مِنها عَلى الأشْهَرِ، قِراءَةُ (ثُمَّ لَمْ يَكُنْ فِتْنَتَهم) بِالياءِ بِالنَّصْبِ؛ لِأنَّ (أنْ) مَعَ ما بَعْدَها أُجْرِيَتْ في التَّعْرِيفِ مَجْرى المُضْمَرِ، وإذا اجْتَمَعَ الأعْرَفُ وما دُونَهُ في التَّعْرِيفِ، فَذَكَرُوا أنَّ الأشْهَرَ؛ جَعْلُ الأعْرَفِ هو الِاسْمُ، وما دُونَهُ هو الخَبَرُ، ولِذَلِكَ أجْمَعَتِ السَّبْعَةُ عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا﴾ [النمل: ٥٦]، و﴿ما كانَ حُجَّتَهم إلّا أنْ قالُوا﴾ [الجاثية: ٢٥] . ومَن قَرَأ بِالياءِ، ورَفَعَ الفِتْنَةَ، فَذَكَّرَ الفِعْلَ، لِكَوْنِ تَأْنِيثِ الفِتْنَةِ مَجازِيًّا أوْ لِوُقُوعِها مِن حَيْثُ المَعْنى عَلى مُذَكَّرٍ، والفِتْنَةُ اسْمُ يَكُنْ، والخَبَرُ ﴿إلّا أنْ قالُوا﴾ جَعَلَ غَيْرَ الأعْرَفِ الِاسْمَ، والأعْرَفَ الخَبَرَ، ومَن قَرَأ ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ﴾ بِالتّاءِ، ورَفَعَ الفِتْنَةَ، فَأنَّثَ لِتَأْنِيثِ الفِتْنَةِ، والإعْرابُ كَإعْرابِ ما تَقَدَّمَ قَبْلَهُ، ومَن قَرَأ ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ﴾ بِالتّاءِ (فِتْنَتَهم) بِالنَّصْبِ، فالأحْسَنُ أنْ يُقَدَّرَ ﴿إلّا أنْ قالُوا﴾ مُؤَنَّثًا؛ أيْ: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتَهم إلّا مَقالَتُهم. وقِيلَ: ساغَ ذَلِكَ مِن حَيْثُ كانَ الفِتْنَةَ في المَعْنى. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ [الأنعام: ١٦٠] فَأنَّثَ الأمْثالَ، لَمّا كانَتِ الحَسَناتِ في المَعْنى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ (تَكُنْ) بِالتّاءِ. و(فِتْنَتَهم) بِالنَّصْبِ، وإنَّما أتَتْ (أنْ قالُوا) لِوُقُوعِ الخَبَرِ مُؤَنَّثًا، كَقَوْلِهِ: مَن كانَتْ أُمَّكَ انْتَهى. وتَقَدَّمَ لَنا أنَّ الأوْلى؛ أنْ يُقَدَّرَ (أنْ قالُوا) بِمُؤَنَّثٍ؛ أيْ إلّا مَقالَتُهم. وكَذا قَدَّرَهُ الزَّجّاجُ بِمُؤَنَّثٍ؛ أيْ مَقالَتُهم، وتَخْرِيجُ الزَّمَخْشَرِيِّ مُلَفَّقٌ مِن كَلامِ أبِي عَلِيٍّ. وأمّا مَن كانَتْ أُمَّكَ، فَإنَّهُ حَمَلَ اسْمَ كانَ عَلى مَعْنى (مَن)؛ لِأنَّ مَن لَها لَفْظٌ مُفْرَدٌ، ولَها مَعْنًى بِحَسَبِ ما تُرِيدُ مِن إفْرادٍ وتَثْنِيَةٍ وجَمْعٍ وتَذْكِيرٍ وتَأْنِيثٍ، ولَيْسَ الحَمْلُ عَلى المَعْنى لِمُراعاةِ الخَبَرِ، ألا تَرى أنَّهُ يَجِيءُ حَيْثُ لا خَبَرَ ؟ نَحْوَ ومِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ. و(تَكُنْ) مِثْلُ مَن يا ذِئْبُ يَصْطَحِبانِ. ومَن تَقْنُتْ في قِراءَةِ التّاءِ، فَلَيْسَتْ تَأْنِيثُ كانَتْ لِتَأْنِيثِ الخَبَرِ، وإنَّما هو لِلْحَمْلِ عَلى مَعْنى (مَن) حَيْثُ أرَدْتَ بِهِ المُؤَنَّثَ، وكَأنَّكَ قُلْتَ: أيَّةُ امْرَأةٍ كانَتْ أُمَّكَ ؟ وقَرَأ الأخَوانِ ﴿واللَّهِ رَبِّنا﴾ بِنَصْبِ الباءِ عَلى النِّداءِ؛ أيْ يا رَبَّنا. وأجازَ ابْنُ عَطِيَّةَ فِيهِ النَّصْبَ عَلى المَدْحِ. وأجازَ أبُو البَقاءِ فِيهِ إضْمارَ أعْنِي. وباقِي السَّبْعَةِ بِخَفْضِها عَلى النَّعْتِ، وأجازُوا فِيهِ البَدَلَ وعَطْفَ البَيانِ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ وسَلّامُ بْنُ مِسْكِينٍ (واللَّهُ رَبُّنا) بِرَفْعِ الِاسْمَيْنِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا عَلى تَقْدِيمِ وتَأْخِيرِ أنَّهم قالُوا: ﴿ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾، (واللَّهُ رَبُّنا)، ومَعْنى ﴿ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ جَحَدُوا إشْراكَهم في الدُّنْيا. رُوِيَ أنَّهم إذا رَأوْا إخْراجَ مَن في النّارِ مِن أهْلِ الإيمانِ، ضَجُّوا، فَيُوقَفُونَ، ويُقالُ لَهم أيْنَ شُرَكاؤُكم ؟ فَيُنْكِرُونَ طَماعِيَةً مِنهم أنْ يُفْعَلَ (p-٩٦)بِهِمْ ما فُعِلَ بِأهْلِ الإيمانِ. وهَذا الَّذِي رُوِيَ مُخالِفٌ لِظاهِرِ الآيَةِ، وهو ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾، ثُمَّ نَقُولُ فَظاهِرُهُ أنَّهُ لا يَتَراخى القَوْلُ عَنِ الحَشْرِ هَذا التَّراخِيَ البَعِيدَ مِن دُخُولِ العُصاةِ المُؤْمِنِينَ النّارَ، وإقامَتِهِمْ فِيها ما شاءَ اللَّهُ، وإخْراجِهِمْ مِنها، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ يُقالُ لَهم أيْنَ شُرَكاؤُكم ؟ وأتى رَجُلٌ إلى ابْنِ عَبّاسٍ فَقالَ: سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾، وفي أُخْرى ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢]، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا رَأوْا أنَّهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا مُؤْمِنٌ قالُوا: تَعالَوْا، فَلْنَجْحَدْ، وقالُوا: ﴿ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾، فَخَتَمَ اللَّهُ عَلى أفْواهِهِمْ، وتَكَلَّمَتْ جَوارِحُهم، فَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا.

الأنعام 6:23

﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿ومَن أظْلَمُ﴾ . والِافْتِراءُ الِاخْتِلافُ، والمَعْنى لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ، أوْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَمَعُوا بَيْنَ أمْرَيْنِ مُتَناقِضَيْنِ، فَكَذَبُوا عَلى اللَّهِ بِما لا حُجَّةَ عَلَيْهِ، وكَذَّبُوا بِما ثَبَتَ بِالحُجَّةِ البَيِّنَةِ والبُرْهانِ الصَّحِيحِ، حَيْثُ قالُوا: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، وقالُوا: واللَّهِ أُمِرْنا بِها، وقالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، وهَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ، ونَسَبُوا إلَيْهِ تَحْرِيمَ السَّوائِبِ والبَحائِرِ، وكَذَّبُوا القُرْآنَ والمُعْجِزاتِ، وسَمُّوها سِحْرًا، ولَمْ يُؤْمِنُوا بِالرَّسُولِ ﷺ انْتَهى. وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ بِقَوْلِهِ: حَيْثُ قالُوا: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مِمَّنِ افْتَرى؛ اخْتَلَقَ، والمُكَذِّبُ بِالآياتِ مُفْتَرِي كَذِبٍ، ولَكِنَّهُما مِنَ الكُفْرِ، فَلِذَلِكَ نُصّا مُفَسَّرَيْنِ انْتَهى. ومَعْنى ﴿لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ لا يَظْفَرُونَ بِمَطالِبِهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، بَلْ يَبْقَوْنَ في الحِرْمانِ والخِذْلانِ. ونَفى الفَلاحَ عَنِ الظّالِمِ، فَدَخَلَ فِيهِ الأظْلَمُ. والظّالِمُ غَيْرُ الأظْلَمِ، وإذا كانَ هَذا لا يُفْلِحُ، فَكَيْفَ يُفْلِحُ الأظْلَمُ ؟ ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ . قِيلَ: (يَوْمَ) مَعْمُولٌ لِـ (اذْكُرْ) (p-٩٤)مَحْذُوفَةٍ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ. وقِيلَ: المَحْذُوفُ مُتَأخِّرٌ تَقْدِيرُهُ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾، كانَ كَيْتُ وكَيْتُ، فَتُرِكَ لِيَبْقى عَلى الإبْهامِ الَّذِي هو أدْخَلُ في التَّخْوِيفِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقِيلَ: العامِلُ انْظُرْ كَيْفَ كَذَّبُوا يَوْمَ نَحْشُرُهم. وقِيلَ: هو مَفْعُولٌ بِهِ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: ولْيَحْذَرُوا يَوْمَ نَحْشُرُهم. وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى ظَرْفٍ مَحْذُوفٍ، والعامِلُ فِيهِ العامِلُ في ذَلِكَ الظَّرْفِ، والتَّقْدِيرُ أنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ اليَوْمَ في الدُّنْيا، ويَوْمَ نَحْشُرُهم، قالَهُ الطَّبَرِيُّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (نَحْشُرُهم ثُمَّ نَقُولُ) بِالنُّونِ فِيهِما. وقَرَأ حُمَيْدٌ ويَعْقُوبُ فِيهِما بِالياءِ. وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ (نَحْشِرُهم)، بِكَسْرِ الشِّينِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (نَحْشُرُهم) عائِدٌ عَلى الَّذِينَ افْتَرَوْا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ، أوْ كَذَّبُوا بِآياتِهِ. وجاءَ ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ بِمَعْنى ثُمَّ نَقُولُ لَهم، ولَكِنَّهُ نَبَّهَ عَلى الوَصْفِ المُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ تَوْبِيخُهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى النّاسِ كُلِّهِمْ، وهم مُنْدَرِجُونَ في هَذا العُمُومِ، ثُمَّ تَفَرَّدَ بِالتَّوْبِيخِ المُشْرِكُونَ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى المُشْرِكِينَ وأصْنامِهِمْ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ٢٢] مِن دُونِ اللَّهِ، وعُطِفَ بِـ (بِثُمَّ) لِلتَّراخِي الحاصِلِ بَيْنَ مَقاماتِ يَوْمِ القِيامَةِ في المَواقِفِ، فَإنَّ فِيهِ مَواقِفَ بَيْنَ كُلِّ مَوْقِفٍ ومَوْقِفٍ تَراخٍ عَلى حَسَبِ طُولِ ذَلِكَ اليَوْمِ. و﴿أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ﴾ سُؤالُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ. وظاهِرُ مَدْلُولِ ﴿أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ﴾ غَيْبَةُ الشُّرَكاءِ عَنْهُمْ؛ أيْ تِلْكَ الأصْنامُ قَدِ اضْمَحَلَّتْ، فَلا وُجُودَ لَها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُشاهِدُوهم، إلّا أنَّهم حِينَ لا يَنْفَعُونَهم، ولا يَكُونُ مِنهم ما رَجَوْا مِنَ الشَّفاعَةِ، فَكَأنَّهم غُيَّبٌ عَنْهم، وأنْ يُحالَ بَيْنَهم. وبَيْنَهم في وقْتِ التَّوْبِيخِ؛ لِيَفْقِدُوهم في السّاعَةِ الَّتِي عَلَّقُوا بِهِمُ الرَّجاءَ فِيها، فَيَرْوِ إمْكانَ خِزْيِهِمْ وحَسْرَتِهِمُ انْتَهى. والمَعْنى أيْنَ آلِهَتُكُمُ الَّتِي جَعَلْتُمُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ ؟ وأُضِيفَ الشُّرَكاءُ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ لا شَرِكَةَ في الحَقِيقَةِ بَيْنَ الأصْنامِ، وبَيْنَ شَيْءٍ، وإنَّما أُوقِعَ عَلَيْها اسْمُ الشَّرِيكِ بِمُجَرَّدِ تَسْمِيَةِ الكَفَرَةِ، فَأُضِيفَتْ إلَيْهِمْ بِهَذِهِ النِّسْبَةِ. والزَّعْمُ: القَوْلُ الأمْيَلُ إلى الباطِلِ، والكَذِبِ في أكْثَرِ الكَلامِ، ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلُّ زَعْمٍ في القُرْآنِ، فَهو بِمَعْنى الكَذِبِ، وإنَّما خَصَّ القُرْآنَ؛ لِأنَّهُ يَنْطَلِقُ عَلى مُجَرَّدِ الذِّكْرِ والقَوْلِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎تَقُولُ هَلَكْنا إنْ هَلَكْتَ وإنَّما عَلى اللَّهِ أرْزاقُ العِبادِ كَما زَعَمَ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعَلى هَذا الحَدِّ يَقُولُ سِيبَوَيْهِ: بِزَعْمِ الخَلِيلِ، ولَكِنَّ ذَلِكَ يُسْتَعْمَلُ في الشَّيْءِ الغَرِيبِ الَّذِي تَبْقى عُهْدَتُهُ عَلى قائِلِهِ انْتَهى. وحُذِفَ مَفْعُولا (يَزْعُمُونَ) اخْتِصارًا، إذْ دَلَّ ما قَبْلَهُ عَلى حَذْفِهِما، والتَّقْدِيرُ تَزْعُمُونَهم شُرَكاءَ، ويَحْسُنُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ كَما قالَ بَعْضُهم: ﴿أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ إنَّها تَشْفَعُ لَكم عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ . تَقَدَّمَ مَدْلُولُ الفِتْنَةِ، وشُرِحَتْ هُنا بِحُبِّ الشَّيْءِ والإعْجابِ بِهِ، كَما تَقُولُ: فُتِنْتُ بِزَيْدٍ، فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى؛ ثُمَّ لَمْ يَكُنْ حُبُّهم لِلْأصْنامِ، وإعْجابُهم بِها واتِّباعُهم لَها، لَمّا سُئِلُوا عَنْها، ووَقَفُوا عَلى عَجْزِها، إلّا التَّبَرُّؤَ مِنها والإنْكارَ لَها، وفي هَذا تَوْبِيخٌ لَهم، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ كانَ يَدَّعِي مَوَدَّةَ آخَرَ ثُمَّ انْحَرَفَ عَنْهُ وعاداهُ: يا فُلانُ لَمْ تَكُنْ مَوَدَّتُكَ لِفُلانٍ إلّا أنْ عادَيْتَهُ وبايَنْتَهُ، والمَعْنى عَلى ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ﴾ بِمَعْنى مَوَدَّتِهِمْ وإعْجابِهِمْ بِالأصْنامِ، إلّا البَراءَةَ مِنهم بِاليَمِينِ المُؤَكِّدَةِ لِبَراءَتِهِمْ، وتَكُونُ الفِتْنَةُ واقِعَةً في الدُّنْيا، وشُرِحَتْ أيْضًا بِالِاخْتِبارِ، والمَعْنى: ثُمَّ لَمْ يَكُنِ اخْتِبارُنا إيّاهم، إذِ السُّؤالُ عَنِ الشُّرَكاءِ وتَوْقِيفُهم، اخْتِبارًا لِإنْكارِهِمُ الإشْراكَ (p-٩٥)وتَكُونُ الفِتْنَةُ هُنا واقِعَةً في القِيامَةِ؛ أيْ: ثُمَّ لَمْ يَكُنْ جَوابُ اخْتِبارٍ نالَهم بِالسُّؤالِ عَنْ شُرَكائِهِمْ إلّا إنْكارَ التَّشْرِيكِ انْتَهى، مُلَخَّصًا مِن كَلامِ ابْنِ عَطِيَّةَ، مَعَ بَعْضِ زِيادَةٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فِتْنَتُهم) كُفْرُهم، والمَعْنى ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عاقِبَةُ كُفْرِهِمُ الَّذِي لَزِمُوهُ أعْمارَهم، وقاتَلُوا عَلَيْهِ، وافْتَخَرُوا بِهِ، وقالُوا: دِينُ آبائِنا، إلّا جُحُودَهُ، والتَّبَرُّؤَ مِنهُ، والحَلِفَ عَلى الِانْتِفاءِ مِنَ التَّدَيُّنِ بِهِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ؛ ثُمَّ لَمْ يَكُنْ جَوابُهم، إلّا أنْ قالُوا: فَسُمِّيَ فِتْنَةً؛ لِأنَّهُ كَذِبٌ انْتَهى. والشَّرْحُ الأوَّلُ مِن شَرْحِ ابْنِ عَطِيَّةَ مَعْناهُ لِلزَّجّاجِ، والأوَّلُ مِن تَفْسِيرِ الزَّمَخْشَرِيِّ، لَفْظُهُ لِلْحَسَنِ، ومَعْناهُ لِابْنِ عَبّاسٍ، والثّانِي لِمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ وغَيْرِهِ. قالَ: التَّقْدِيرُ ثُمَّ لَمْ يَكُنْ جَوابُهم ﴿إلّا أنْ قالُوا﴾، وسُمِّيَ هَذا القَوْلُ فِتْنَةً، لِكَوْنِهِ افْتِراءً وكَذِبًا. وقالَ الضَّحّاكُ: الفِتْنَةُ هُنا الإنْكارُ؛ أيْ ثُمَّ لَمْ يَكُنْ إنْكارُهم. وقالَ قَتادَةُ: عُذْرُهم. وقالَ أبُو العالِيَةِ: قَوْلُهم. وقالَ عَطاءٌ وأبُو عُبَيْدَةَ: بَيْنَهم. وزادَ أبُو عُبَيْدَةَ الَّتِي ألْزَمَتْهُمُ الحُجَّةَ، وزادَتْهم لائِمَةً. وقِيلَ: حُجَّتُهم. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى المُشْرِكِينَ، وأنَّهُ عامٌّ فِيمَن أشَرَكَ. وقالَ الحَسَنُ: هَذا خاصٌّ بِالمُنافِقِينَ، جَرَوْا عَلى عادَتِهِمْ في الدُّنْيا. وقِيلَ: هم قَوْمٌ كانُوا مُشْرِكِينَ، ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّهم مُشْرِكُونَ، فَيَحْلِفُونَ عَلى اعْتِقادِهِمْ في الدُّنْيا. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ﴾، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالياءِ، وأُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ والأعْمَشُ، وما كانَ فِتْنَتُهم، وطَلْحَةُ وابْنُ مُطَرِّفٍ، ثُمَّ ما كانَ، والِابْنانِ وحَفْصٌ (فِتْنَتُهم) بِالرَّفْعِ، وفِرْقَةٌ (ثُمَّ لَمْ يَكُنْ) بِالياءِ و(فِتْنَتُهم) بِالرَّفْعِ. وإعْرابُ هَذِهِ القِراءاتِ واضِحٌ، والجارِي مِنها عَلى الأشْهَرِ، قِراءَةُ (ثُمَّ لَمْ يَكُنْ فِتْنَتَهم) بِالياءِ بِالنَّصْبِ؛ لِأنَّ (أنْ) مَعَ ما بَعْدَها أُجْرِيَتْ في التَّعْرِيفِ مَجْرى المُضْمَرِ، وإذا اجْتَمَعَ الأعْرَفُ وما دُونَهُ في التَّعْرِيفِ، فَذَكَرُوا أنَّ الأشْهَرَ؛ جَعْلُ الأعْرَفِ هو الِاسْمُ، وما دُونَهُ هو الخَبَرُ، ولِذَلِكَ أجْمَعَتِ السَّبْعَةُ عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا﴾ [النمل: ٥٦]، و﴿ما كانَ حُجَّتَهم إلّا أنْ قالُوا﴾ [الجاثية: ٢٥] . ومَن قَرَأ بِالياءِ، ورَفَعَ الفِتْنَةَ، فَذَكَّرَ الفِعْلَ، لِكَوْنِ تَأْنِيثِ الفِتْنَةِ مَجازِيًّا أوْ لِوُقُوعِها مِن حَيْثُ المَعْنى عَلى مُذَكَّرٍ، والفِتْنَةُ اسْمُ يَكُنْ، والخَبَرُ ﴿إلّا أنْ قالُوا﴾ جَعَلَ غَيْرَ الأعْرَفِ الِاسْمَ، والأعْرَفَ الخَبَرَ، ومَن قَرَأ ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ﴾ بِالتّاءِ، ورَفَعَ الفِتْنَةَ، فَأنَّثَ لِتَأْنِيثِ الفِتْنَةِ، والإعْرابُ كَإعْرابِ ما تَقَدَّمَ قَبْلَهُ، ومَن قَرَأ ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ﴾ بِالتّاءِ (فِتْنَتَهم) بِالنَّصْبِ، فالأحْسَنُ أنْ يُقَدَّرَ ﴿إلّا أنْ قالُوا﴾ مُؤَنَّثًا؛ أيْ: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتَهم إلّا مَقالَتُهم. وقِيلَ: ساغَ ذَلِكَ مِن حَيْثُ كانَ الفِتْنَةَ في المَعْنى. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ [الأنعام: ١٦٠] فَأنَّثَ الأمْثالَ، لَمّا كانَتِ الحَسَناتِ في المَعْنى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ (تَكُنْ) بِالتّاءِ. و(فِتْنَتَهم) بِالنَّصْبِ، وإنَّما أتَتْ (أنْ قالُوا) لِوُقُوعِ الخَبَرِ مُؤَنَّثًا، كَقَوْلِهِ: مَن كانَتْ أُمَّكَ انْتَهى. وتَقَدَّمَ لَنا أنَّ الأوْلى؛ أنْ يُقَدَّرَ (أنْ قالُوا) بِمُؤَنَّثٍ؛ أيْ إلّا مَقالَتُهم. وكَذا قَدَّرَهُ الزَّجّاجُ بِمُؤَنَّثٍ؛ أيْ مَقالَتُهم، وتَخْرِيجُ الزَّمَخْشَرِيِّ مُلَفَّقٌ مِن كَلامِ أبِي عَلِيٍّ. وأمّا مَن كانَتْ أُمَّكَ، فَإنَّهُ حَمَلَ اسْمَ كانَ عَلى مَعْنى (مَن)؛ لِأنَّ مَن لَها لَفْظٌ مُفْرَدٌ، ولَها مَعْنًى بِحَسَبِ ما تُرِيدُ مِن إفْرادٍ وتَثْنِيَةٍ وجَمْعٍ وتَذْكِيرٍ وتَأْنِيثٍ، ولَيْسَ الحَمْلُ عَلى المَعْنى لِمُراعاةِ الخَبَرِ، ألا تَرى أنَّهُ يَجِيءُ حَيْثُ لا خَبَرَ ؟ نَحْوَ ومِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ. و(تَكُنْ) مِثْلُ مَن يا ذِئْبُ يَصْطَحِبانِ. ومَن تَقْنُتْ في قِراءَةِ التّاءِ، فَلَيْسَتْ تَأْنِيثُ كانَتْ لِتَأْنِيثِ الخَبَرِ، وإنَّما هو لِلْحَمْلِ عَلى مَعْنى (مَن) حَيْثُ أرَدْتَ بِهِ المُؤَنَّثَ، وكَأنَّكَ قُلْتَ: أيَّةُ امْرَأةٍ كانَتْ أُمَّكَ ؟ وقَرَأ الأخَوانِ ﴿واللَّهِ رَبِّنا﴾ بِنَصْبِ الباءِ عَلى النِّداءِ؛ أيْ يا رَبَّنا. وأجازَ ابْنُ عَطِيَّةَ فِيهِ النَّصْبَ عَلى المَدْحِ. وأجازَ أبُو البَقاءِ فِيهِ إضْمارَ أعْنِي. وباقِي السَّبْعَةِ بِخَفْضِها عَلى النَّعْتِ، وأجازُوا فِيهِ البَدَلَ وعَطْفَ البَيانِ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ وسَلّامُ بْنُ مِسْكِينٍ (واللَّهُ رَبُّنا) بِرَفْعِ الِاسْمَيْنِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا عَلى تَقْدِيمِ وتَأْخِيرِ أنَّهم قالُوا: ﴿ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾، (واللَّهُ رَبُّنا)، ومَعْنى ﴿ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ جَحَدُوا إشْراكَهم في الدُّنْيا. رُوِيَ أنَّهم إذا رَأوْا إخْراجَ مَن في النّارِ مِن أهْلِ الإيمانِ، ضَجُّوا، فَيُوقَفُونَ، ويُقالُ لَهم أيْنَ شُرَكاؤُكم ؟ فَيُنْكِرُونَ طَماعِيَةً مِنهم أنْ يُفْعَلَ (p-٩٦)بِهِمْ ما فُعِلَ بِأهْلِ الإيمانِ. وهَذا الَّذِي رُوِيَ مُخالِفٌ لِظاهِرِ الآيَةِ، وهو ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾، ثُمَّ نَقُولُ فَظاهِرُهُ أنَّهُ لا يَتَراخى القَوْلُ عَنِ الحَشْرِ هَذا التَّراخِيَ البَعِيدَ مِن دُخُولِ العُصاةِ المُؤْمِنِينَ النّارَ، وإقامَتِهِمْ فِيها ما شاءَ اللَّهُ، وإخْراجِهِمْ مِنها، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ يُقالُ لَهم أيْنَ شُرَكاؤُكم ؟ وأتى رَجُلٌ إلى ابْنِ عَبّاسٍ فَقالَ: سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾، وفي أُخْرى ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢]، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا رَأوْا أنَّهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا مُؤْمِنٌ قالُوا: تَعالَوْا، فَلْنَجْحَدْ، وقالُوا: ﴿ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾، فَخَتَمَ اللَّهُ عَلى أفْواهِهِمْ، وتَكَلَّمَتْ جَوارِحُهم، فَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا.

الأنعام 6:24

﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ . الخِطابُ لِلرَّسُولِ، عَلَيْهِ السَّلامُ، والنَّظَرُ قَلْبِيٌّ. و(كَيْفَ) مَنصُوبٌ بِـ (كَذَبُوا) . والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالنَّظَرِ؛ لِأنَّ (انْظُرْ) مُعَلَّقَةٌ. و(كَذَبُوا) ماضٍ، وهو في أمْرٍ لَمْ يَقَعْ، لَكِنَّهُ حِكايَةٌ عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ، ولا إشْكالَ في اسْتِعْمالِ الماضِي فِيها مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ؛ تَحْقِيقًا لِوُقُوعِهِ ولا بُدَّ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَصِحُّ أنْ يَكْذِبُوا حِينَ يَطَّلِعُونَ عَلى حَقائِقِ الأُمُورِ ؟ عَلى أنَّ الكَذِبَ والجُحُودَ لا وجْهَ لِمَنفَعَتِهِ، قُلْتُ: المُمْتَحِنُ يَنْطِقُ بِما يَنْفَعُهُ وبِما لا يَنْفَعُهُ مِن غَيْرِ تَمْيِيزٍ بَيْنَهُما حَيْرَةً ودَهْشًا، ألا تَراهم يَقُولُونَ ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها فَإنْ عُدْنا فَإنّا ظالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٧] ؟ وقَدْ أيْقَنُوا بِالخُلُودِ، ولَمْ يَشُكُّوا فِيهِ، ﴿ونادَوْا يامالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧]، وقَدْ عَلِمُوا أنَّهُ لا يَقْضِي عَلَيْهِمْ. وأمّا قَوْلُ مَن يَقُولُ مَعْنى ﴿ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] عِنْدَ أنْفُسِنا، أوْ ما عَلِمْنا أنّا عَلى خَطَأٍ في مُعْتَقَدِنا، وحَمْلُ قَوْلِهِ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ يَعْنِي في الدُّنْيا، فَتَحَمُّلٌ وتَعَسُّفٌ وتَحْرِيفٌ لِأفْصَحِ الكَلامِ إلى ما هو عَيٌّ وإفْحامٌ؛ لِأنَّ المَعْنى الَّذِي ذَهَبُوا إلَيْهِ لَيْسَ هَذا الكَلامُ بِمُتَرْجِمٍ عَنْهُ، ولا بِمُنْطَبِقٍ عَلَيْهِ، وهو نابٍ عَنْهُ أشَدَّ النُّبُوِّ، وما أدْرِي ما يَصْنَعُ مَن ذَلِكَ تَفْسِيرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكم ويَحْسَبُونَ أنَّهم عَلى شَيْءٍ ألا إنَّهم هُمُ الكاذِبُونَ﴾ [المجادلة: ١٨] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٥] فَشَبَّهَ كَذِبَهم في الآخِرَةِ بِكَذِبِهِمْ في الدُّنْيا انْتَهى قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ. وأمّا قَوْلُ مَن يَقُولُ، فَهو إشارَةٌ إلى أبِي عَلِيٍّ الجِبائِيِّ والقاضِي عَبْدِ الجَبّارِ ومَن وافَقَهُما؛ أنَّ أهْلَ القِيامَةِ لا يَجُوزُ إقْدامُهم عَلى الكَذِبِ، واسْتَدَلُّوا بِأشْياءَ تَئُولُ إلى مَسْألَةِ القُبْحِ والحُسْنِ، وبِناءُ ما قالُوهُ عَلَيْها، ذَكَرَها أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ في تَفْسِيرِهِ، فَتُطالَعُ هُناكَ، إذْ مَسْألَةُ التَّقْبِيحِ والتَّحْسِينِ خالَفُوا فِيها أهْلَ السُّنَّةِ. وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ يَقُولُونَ: إنَّ الكُفّارَ يَكْذِبُونَ في الآخِرَةِ، وظَواهِرُ القُرْآنِ دالَّةٌ عَلى ذَلِكَ. وقَدْ خالَفَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا أصْحابَهُ المُعْتَزِلَةَ، ووافَقَ أهْلَ السُّنَّةِ. ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ . يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ (ما) مَصْدَرِيَّةً، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ عَطِيَّةَ قالَ: مَعْناهُ ذَهَبَ افْتِراؤُهم في الدُّنْيا وكُفْرُهم، بِادِّعائِهِمْ لِلَّهِ الشُّرَكاءَ. وقِيلَ: مِنَ اليَمِينِ الفاجِرَةِ في الدّارِ الآخِرَةِ. وقِيلَ: عَزَبَ عَنْهُمُ افْتِراؤُهم لِلْحَيْرَةِ الَّتِي لَحِقَتْهم، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي، وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: وغابَ ﴿عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أُلُوهِيَّتَهُ وشَفاعَتَهُ، وهو مَعْنى قَوْلِ الحَسَنِ وأبِي عَلِيٍّ، قالا: لَمْ يُغْنِ عَنْهم شَيْئًا ما كانُوا يَعْبُدُونَ مِنَ الأصْنامِ في الدُّنْيا. وقِيلَ: هو قَوْلُهم ما كُنّا ﴿نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣] فَذَهَبَ عَنْهم حَيْثُ عَلِمُوا أنْ لا تَقْرِيبَ مِنهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (وضَلَّ) عُطِفَ عَلى كَذَبُوا، فَيَدْخُلَ في خَبَرِ (انْظُرْ)، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مُسْتَأْنَفًا، فَلا يَدْخُلُ في حَيِّزِهِ، ولا يَتَسَلَّطُ النَّظَرُ عَلَيْهِ.

الأنعام 6:25

﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً (p-٩٧)أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ . رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ أبا سُفْيانَ والوَلِيدَ والنَّضْرَ وعُتْبَةَ وشَيْبَةَ وأُمِيَّةَ وأُبَيًّا، اسْتَمَعُوا لِلرَّسُولِ ﷺ، فَقالُوا لِلنَّضْرِ: يا أبا قُتَيْلَةَ ! ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ، فَقالَ: ما يَقُولُ إلّا أساطِيرَ الأوَّلِينَ، مِثْلُ ما أُحَدِّثُكم عَنِ القُرُونِ الماضِيَةِ، وكانَ صاحِبَ أشْعارٍ، جَمَعَ أقاصِيصَ في دِيارِ العَجَمِ، مِثْلَ قِصَّةِ رُسْتُمٍ وأسْفِنْدِيارَ، فَكانَ يُحَدِّثُ قُرَيْشًا، فَيَسْتَمِعُونَ لَهُ، فَقالَ أبُو سُفْيانَ: إنِّي لَأرى بَعْضَ ما يَقُولُ حَقًّا، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: كَلّا، لا تُقِرَّ بِشَيْءٍ مِن هَذا، وقالَ: المَوْتُ أهْوَنُ مِن هَذا، فَنَزَلَتْ. والضَّمِيرُ في (ومِنهم) عائِدٌ عَلى الَّذِينَ أشْرَكُوا، ووَحَّدَ الضَّمِيرَ في (يَسْتَمِعُ) حَمْلًا عَلى لَفْظِ (مِن)، وجَمَعَهُ في ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ حَمْلًا عَلى مَعْناها. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (وجَعَلْنا) مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ قَبْلَها، عَطْفَ فِعْلِيَّةٍ عَلى اسْمِيَّةٍ، فَيَكُونُ إخْبارًا مِنَ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ جَعَلَ كَذا. وقِيلَ: الواوُ واوُ الحالِ؛ أيْ وقَدْ جَعَلْنا أيْ نُنْصِتُ إلى سَماعِكَ، وهم مِنَ الغَباوَةِ في حَدِّ مَن قَلْبُهُ في كِنانٍ، وأُذُنُهُ صَمّاءُ، وجَعَلَ هُنا يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى ألْقى، فَتَتَعَلَّقَ (عَلى) بِها، وبِمَعْنى صَيَّرَ، فَتَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ، إذْ هي في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى خَلَقَ، فَيَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ؛ لِأنَّها في مَوْضِعِ نَعْتٍ، لَوْ تَأخَّرَتْ، فَلَمّا تَقَدَّمَتْ صارَتْ حالًا. والأكِنَّةُ جَمْعُ كِنانٍ، كَعِنانٍ وأعِنَّةٍ. والكِنانُ الغِطاءُ الجامِعُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎إذا ما انْتَضَوْها في الوَغى مِن أكِنَّةٍ حَسِبْتَ بُرُوقَ الغَيْثِ هاجَتْ غُيُومُها و﴿أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ تَقْدِيرُهُ: عِنْدَهم كَراهَةَ أنْ يَفْقَهُوهُ. وقِيلَ: المَعْنى أنْ لا يَفْقَهُوهُ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، (وِقْرًا)، بِكَسْرِ الواوِ، كَأنَّهُ ذَهَبَ إلى أنَّ (آذانِهِمْ) وُقِرَتْ بِالصَّمَمِ، كَما تُوقَرُ الدّابَّةُ مِنَ الحَمْلِ. والظّاهِرُ أنَّ الغِطاءَ والصَّمَمَ هُنا لَيْسا حَقِيقَةً، بَلْ ذَلِكَ مِن بابِ اسْتِعارَةِ المَحْسُوسِ لِلْمَعْقُولِ، حَتّى يَسْتَقِرَّ في النَّفْسِ. اسْتَعارَ الأكِنَّةَ لِصَرْفِ قُلُوبِهِمْ عَنْ تَدَبُّرِ آياتِ اللَّهِ، والثِّقَلَ في الأُذُنِ لِتَرْكِهِمُ الإصْغاءَ إلى سَماعِهِ، ألا تَراهم قالُوا: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] ؟ فَلَمّا لَمْ يَتَدَبَّرُوا، ولَمْ يُصْغُوا كانُوا بِمَنزِلَةِ مَن عَلى قَلْبِهِ غِطاءٌ، وفي أُذُنِهِ وقْرٌ. وقالَ قَوْمٌ: ذَلِكَ حَقِيقَةٌ، وهو لا يَشْعُرُ بِهِ، كَمُداخَلَةِ الشَّيْطانِ باطِنَ الإنْسانِ، وهو لا يَشْعُرُ بِهِ. ونَحا الجِبائِيُّ في فَهْمِ هَذِهِ الآيَةِ مَنحًى آخَرَ غَيْرَ هَذا، فَقالَ: كانُوا يَسْتَمِعُونَ القِراءَةَ لِيَتَوَصَّلُوا بِسَماعِها إلى مَعْرِفَةِ مَكانِ الرَّسُولِ ﷺ، بِاللَّيْلِ، فَيَقْصِدُوا قَتْلَهُ وإيذاءَهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ كانَ اللَّهُ يُلْقِي عَلى قُلُوبِهِمُ النَّوْمَ، وهو المُرادُ مِنَ الأكِنَّةِ، وتَثْقُلُ أسْماعُهم عَنِ اسْتِماعِ تِلْكَ القِراءَةِ بِسَبَبِ ذَلِكَ النَّوْمِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: (في آذانِهِمْ وقْرًا) . وقِيلَ: إنَّ الإنْسانَ الَّذِي عَلِمَ اللَّهُ مِنهُ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ، وأنَّهُ يَمُوتُ عَلى الكُفْرِ، يَسِمُ اللَّهُ قَلْبَهُ بِعَلامَةٍ مَخْصُوصَةٍ، تَسْتَدِلُّ المَلائِكَةُ بِرُؤْيَتِها عَلى أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، وإذا ثَبَتَ هَذا، فَلا يَبْعُدُ تَسْمِيَةُ تِلْكَ العَلامَةِ بِالكِنانِ. وقِيلَ: لَمّا أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ، صارَ عُدُولُهم عَنِ الإيمانِ، كالكِنانِ المانِعِ عَنِ الإيمانِ، فَذَكَرَ تَعالى ذَلِكَ كِنايَةً عَنْ هَذا المَعْنى. وقِيلَ: لَمّا مَنَعَهُمُ الألْطافَ الَّتِي إنَّما تَصْلُحُ أنْ يَفْعَلَ بِمَن قَدِ اهْتَدى، فَأخْلاهم وفَوَّضَهم إلى أنْفُسِهِمْ؛ لِيَسُوءَ صَنِيعُهم، لَمْ يَبْعُدْ أنْ يُضِيفَ ذَلِكَ إلى نَفْسِهِ، فَيَقُولُ: ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ . وقِيلَ: يَكُونُ هَذا الكَلامُ ورَدَ حِكايَةً لِما كانُوا يَذْكُرُونَهُ مِن قَوْلِهِمْ، وقالُوا: قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ. وهَذِهِ الأقْوالُ كُلُّها تُعْزى إلى الجِبائِيِّ، وهي كُلُّها فِرارٌ مِن نِسْبَةِ الجَعْلِ إلى اللَّهِ حَقِيقَةً، فَتَأوَّلُوا ذَلِكَ عَلى هَذِهِ المَجازاتِ البَعِيدَةِ. وقَدْ نَحا الزَّمَخْشَرِيُّ مَنحى بَعْضِ هَذِهِ الأقْوالِ، فَقالَ: الأكِنَّةُ عَلى القُلُوبِ، (p-٩٨)والوَقْرُ في الآذانِ تَمْثِيلُ نُبُوِّ قُلُوبِهِمْ ومَسامِعِهِمْ عَنْ قَبُولِهِ، واعْتِقادِ صِحَّتِهِ، ووَجْهُ إسْنادِ الفِعْلِ إلى ذاتِهِ، وهو قَوْلُهُ: (وجَعَلْنا) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ أمْرٌ ثابِتٌ فِيهِمْ لا يَزُولُ عَنْهم، كَأنَّهم مَجْبُولُونَ عَلَيْهِ، أوْ هي حِكايَةٌ لِما كانُوا يَنْطِقُونَ بِهِ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿وفِي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ [فصلت: ٥] . انْتَهى. وهو جارٍ عَلى مَذْهَبِ أصْحابِهِ المُعْتَزِلَةِ، وأمّا عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ، فَنِسْبَةُ الجَعْلِ إلى اللَّهِ حَقِيقَةٌ، لا مَجازٌ، وهي مَسْألَةُ خَلْقِ الأعْمالِ يُبْحَثُ فِيها في أُصُولِ الدِّينِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ عِبارَةٌ عَنْ ما جَعَلَ اللَّهُ في نُفُوسِ هَؤُلاءِ القَوْمِ مِنَ الغِلَظِ والبُعْدِ عَنْ قَبُولِ الخَيْرِ، كَأنَّهم لَمْ يَكُونُوا سامِعِينَ لِأقْوالِهِ. ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ . لَمّا ذَكَرَ عَدَمَ انْتِفاعِهِمْ بِعُقُولِهِمْ، حَتّى كَأنَّ عَلى مَحالِّها أكِنَّةً، ولا بِسَماعِهِمْ حَتّى كَأنَّ في آذانِهِمْ وقْرًا، انْتَقَلَ إلى الحاسَّةِ الَّتِي هي أبْلَغُ مِن حاسَّةِ السَّماعِ، فَنَفى ما يَتَرَتَّبُ عَلى إدْراكِها، وهو الإيمانُ. والرُّؤْيَةُ هُنا بَصَرِيَّةٌ، والآيَةُ كانْشِقاقِ القَمَرِ، ونَبْعِ الماءِ مِن أصابِعِهِ، وحَنِينِ الجِذْعِ، وانْقِلابِ العَصا سَيْفًا، والماءِ المِلْحِ عَذْبًا، وتَصْيِيرِ الطَّعامِ القَلِيلِ كَثِيرًا، وما أشْبَهَ ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿كُلَّ آيَةٍ﴾ كُلَّ دَلِيلٍ وحُجَّةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها؛ لِأجْلِ ما جَعَلَ عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً. انْتَهى. ومَقْصُودُ هَذِهِ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ الإخْبارُ عَنِ المُبالَغَةِ التّامَّةِ، والعِنادِ المُفْرِطِ في عَدَمِ إيمانِهِمْ، حَتّى أنَّ الشَّيْءَ المَرْئِيَّ الدّالَّ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ حَقِيقَةً، لا يُرَتِّبُونَ عَلَيْهِ مُقْتَضاهُ، بَلْ يُرَتِّبُونَ عَلَيْهِ ضِدَّ مُقْتَضاهُ. ﴿حَتّى إذا جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ . (يُجادِلُونَكَ) أيْ يُخاصِمُونَكَ في الِاحْتِجاجِ، وبَلَغَ تَكْذِيبُهم في الآياتِ إلى المُجادَلَةِ، وهَذا إشارَةٌ إلى القُرْآنِ، وجَعْلُهم إيّاهُ مِن أساطِيرُ الأوَّلِينَ، قَدْحٌ في أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ. قِيلَ: كانَ النَّضْرُ يُعارِضُ القُرْآنَ بِأخْبارِ إسْفِنْدِيارَ ورُسْتُمٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مُجادَلَتُهم قَوْلُهم: تَأْكُلُونَ ما قَتَلْتُمْ، ولا تَأْكُلُونَ ما قَتَلَ اللَّهُ انْتَهى. وهَذا فِيهِ بُعْدٌ، وظاهِرُ المُجادَلَةِ أنَّها في المَسْمُوعِ الَّذِي هم يَسْتَمِعُونَ إلى الرَّسُولِ بِسَبَبِهِ، وهو القُرْآنُ، والمَعْنى أنَّهم في الِاحْتِجاجِ انْتَهى أمْرُهم إلى المُجادَلَةِ والِافْتِراءِ دُونَ دَلِيلٍ، ومَجِيءُ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ (إذا) بَعْدَ (حَتّى) كَثِيرٌ جِدًّا في القُرْآنِ، وأوَّلُ ما وقَعَتْ فِيهِ قَوْلُهُ: ﴿وابْتَلُوا اليَتامى حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ﴾ [النساء: ٦] وهي حَرْفُ ابْتِداءٍ، ولَيْسَتْ هُنا جارَّةً (p-٩٩)لِـ ”إذا“، ولا جُمْلَةُ الشَّرْطِ ولا جُمْلَةُ الجَزاءِ في مَوْضِعِ جَرٍّ، ولَيْسَ مِن شَرْطِ (حَتّى) الَّتِي هي حَرْفُ ابْتِداءٍ أنْ يَكُونَ بَعْدَها المُبْتَدَأُ، بَلْ تَكُونُ تَصْلُحُ أنْ يَقَعَ بَعْدَها المُبْتَدَأُ، ألا تَرى أنَّهم يَقُولُونَ في نَحْوِ ضَرَبْتُ القَوْمَ حَتّى زَيْدًا ضَرَبْتُهُ، أنَّ (حَتّى) فِيهِ حَرْفُ ابْتِداءٍ، وإنْ كانَ ما بَعْدَها مَنصُوبًا، و(حَتّى) إذا وقَعَتْ بَعْدَها (إذا) يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الفاءِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى (إلى أنْ)، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ، فَإذا ﴿لَكارِهُونَ﴾ [الأنفال: ٥] ﴿يُجادِلُونَكَ﴾ [الأنفال: ٦] يَقُولُ، أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ أيْ مَنَعْناهم مِن فَهْمِ القُرْآنِ وتَدَبُّرِهِ ؟ إلى أنْ يَقُولُوا: ﴿إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ في وقْتِ مَجِيئِهِمْ مُجادِلِيكَ لِأنَّ الغايَةَ لا تُؤْخَذُ إلّا مِن جَوابِ الشَّرْطِ، لا مِنَ الشَّرْطِ، وعَلى هَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ يَتَخَرَّجُ جَمِيعُ ما جاءَ في القُرْآنِ مِن قَوْلِهِ تَعالى (حَتّى إذا) . وتَرْكِيبُ ”حَتّى إذا“ لا بُدَّ أنْ يَتَقَدَّمَهُ كَلامٌ ظاهِرٌ، نَحْوَ هَذِهِ الآيَةِ، ونَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا لَقِيا غُلامًا فَقَتَلَهُ قالَ أقَتَلْتَ﴾ [الكهف: ٧٤] . أوْ كَلامٌ مُقَدَّرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ سِياقُ الكَلامِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿زُبَرَ الحَدِيدِ حَتّى إذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا حَتّى إذا جَعَلَهُ نارًا﴾ [الكهف: ٩٦] التَّقْدِيرُ فَأتَوْهُ بِها، ووَضَعَها بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ حَتّى إذا ساوى بَيْنَهُما قالَ: انْفُخُوا فَنَفَخَهُ (حَتّى إذا جَعَلَهُ نارًا بِأمْرِهِ وإذْنِهِ، قالَ: آتُونِي أُفْرِغْ، ولِهَذا قالَ الفَرّاءُ ( حَتّى إذا) لا بُدَّ أنْ يَتَقَدَّمَها كَلامٌ لَفْظًا، أوْ تَقْدِيرًا، وقَدْ ذَكَرْنا في كِتابِ التَّكْمِيلِ أحْكامَ (حَتّى) مُسْتَوْفاةً، ودُخُولَها عَلى الشَّرْطِ، ومَذْهَبَ الفَرّاءِ والكِسائِيِّ في ذَلِكَ، ومَذْهَبَ غَيْرِهِما. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هُنا هي (حَتّى) الَّتِي تَقَعُ بَعْدَها الجُمَلُ، والجُمْلَةُ قَوْلُهُ: (إذا) في مَوْضِعِ الحالِ انْتَهى. وهَذا مُوافِقٌ لِما ذَكَرْناهُ، ثُمَّ قالَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجارَّةَ، ويَكُونَ (إذا) في مَحَلِّ الجَرِّ بِمَعْنى حَتّى وقْتِ مَجِيئِهِمْ، و(لَكارِهُونَ يُجادِلُونَكَ) حالٌ، وقَوْلُهُ: (يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا) تَفْسِيرٌ، والمَعْنى أنَّهُ بَلَغَ تَكْذِيبُهُمُ الآياتِ، إلى أنَّهم يُجادِلُونَكَ ويُناكِرُونَكَ، وفَسَّرَ مُجادَلَتَهم بِأنَّهم يَقُولُونَ: ﴿إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ فَيَجْعَلُونَ كَلامَ اللَّهِ، وأصْدَقَ الحَدِيثِ خُرافاتٍ وأكاذِيبَ، وهي الغايَةُ في التَّكْذِيبِ انْتَهى. وما جَوَّزَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في (إذا) بَعْدَ (حَتّى) مِن كَوْنِها مَجْرُورَةً، أوْجَبَهُ ابْنُ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ، فَزَعَمَ أنَّ (إذا) تُجَرُّ بِـ (حَتّى) . قالَ في التَّسْهِيلِ: وقَدْ تُفارِقُها، يَعْنِي (إذا) الظَّرْفِيَّةَ مَفْعُولًا بِها، ومَجْرُورَةً بِـ (حَتّى)، أوْ مُبْتَدَأً، وما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَجْوِيزِهِ أنْ تَكُونَ (إذا) مَجْرُورَةً بِـ (حَتّى)، وابْنُ مالِكٍ في إيجابِ ذَلِكَ، ولَمْ يَذْكُرْ قَوْلًا غَيْرَهُ خَطَأٌ، وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ في كِتابِ التَّذْيِيلِ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ، وقَدْ وُفِّقَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ وغَيْرُهُما مِنَ المُعْرِبِينَ لِلصَّوابِ في ذَلِكَ، فَقالَ هَنا أبُو البَقاءِ: (يُوزَعُونَ حَتّى إذا) في مَوْضِعِ نَصْبٍ لِجَوابِها، وهو (يَقُولُ) ولَيْسَ لِحَتّى هاهُنا عَمَلٌ، وإنَّما أفادَتْ مَعْنى الغايَةِ، كَما لا تَعْمَلُ في الجُمَلِ، و(يُجادِلُونَكَ) حالٌ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في (جاءُوكَ) وهو العامِلُ في الحالِ، (يَقُولُ) جَوابُ (إذا)، وهو العامِلُ في (إذا) انْتَهى. ﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ﴾ . رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ، كانَ يَنْهى المُشْرِكِينَ أنْ يُؤْذُوا الرَّسُولَ ﷺ وأتْباعَهُ، وكانُوا يَدْعُونَهُ إلى الإسْلامِ، فاجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ بِأبِي طالِبٍ يُرِيدُونَ سُوءًا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ أبُو طالِبٍ:(p-١٠٠) ؎واللَّهِ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ بِجَمْعِهِمْ ∗∗∗ حَتّى أُوَسَّدَ في التُّرابِ دَفِينا ؎فاصْدَعْ بِأمْرِكَ ما عَلَيْكَ غَضاضَةٌ ∗∗∗ وأبْشِرْ وقَرَّ بِذاكَ مِنكَ عُيُونا ؎ودَعَوْتَنِي وزَعَمْتَ أنَّكَ ناصِحٌ ∗∗∗ ولَقَدْ صَدَقْتَ وكُنْتَ ثَمَّ أمِينا ؎وعَرَضْتَ دِينًا لا مَحالَةَ أنَّهُ ∗∗∗ مِن خَيْرِ أدْيانِ البَرِيَّةِ دِينا ؎لَوْلا المَلامَةُ أوْ حَذارُ مَسَبَّةٍ ∗∗∗ لَوَجَدْتَنِي سَمْحًا بِذاكَ مُبِينا وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ والسُّدِّيُّ والضَّحّاكُ: نَزَلَتْ في كُفّارِ مَكَّةَ، كانُوا يَنْهَوْنَ النّاسَ عَنِ اتِّباعِ الرَّسُولِ ﷺ ويَتَباعَدُونَ بِأنْفُسِهِمْ عَنْهُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ الوالِبِيِّ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: (وهم) يَعُودُ عَلى الكُفّارِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ، واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ. وفي قَوْلِهِ: (عَنْهُ) يَعُودُ إلى القُرْآنِ، وهو الَّذِي عادَ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ المَنصُوبُ في (يَفْقَهُوهُ)، وهو المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِمْ (إنْ هَذا)، وهو قَوْلُ قَتادَةَ ومُجاهِدٍ، والمَعْنى أنَّهم يَنْهَوْنَ غَيْرَهم عَنِ اتِّباعِ القُرْآنِ، وتَدَبُّرِهِ. و(يَنْأوْنَ) بِأنْفُسِهِمْ عَنْ ذَلِكَ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (عَنْهُ) عائِدٌ عَلى الرَّسُولِ ﷺ، إذْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: (ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ حَتّى إذا جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ)، فَيَكُونُ ذَلِكَ التِفاتًا، وهو خُرُوجٌ مِن خِطابٍ إلى غَيْبَةٍ. والضَّمِيرُ في (وهم) عائِدٌ عَلى الكُفّارِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهم. والمَعْنى أنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ تَباعُدِهِمْ عَنِ الرَّسُولِ بِأنْفُسِهِمْ، ونَهْيِ غَيْرِهِمْ عَنِ اتِّباعِهِ، فَضَلُّوا، وأضَلُّوا. وتَقَدَّمَ أنَّ هَذا القَوْلَ هو أحَدُ ما ذُكِرَ في سَبَبِ النُّزُولِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (وهم) عائِدٌ عَلى أبِي طالِبٍ، ومَن وافَقَهُ عَلى حِمايَةِ الرَّسُولِ ﷺ . والضَّمِيرُ في (عَنْهُ) عائِدٌ عَلى الرَّسُولِ، والمَعْنى (وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ) مَن يُرِيدُ إذايَتَهُ، ويَبْعُدُونَ عَنْهُ بِتَرْكِ إيمانِهِمْ بِهِ واتِّباعِهِمْ لَهُ، فَيَفْعَلُونَ الشَّيْءَ وخِلافَهُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا والقاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وحَبِيبِ بْنِ أبِي ثابِتٍ وعَطاءِ بْنِ دِينارٍ ومُقاتِلٍ، وهَذا القَوْلُ أحَدُ ما ذُكِرَ في سَبَبِ النُّزُولِ، ونِسْبَةُ هَذا إلى أبِي طالِبٍ وتابِعَيْهِ بِلَفْظِ (وهم) الظّاهِرُ عَوْدُهُ عَلى جَماعَةِ الكُفّارِ وجَماعَتُهم لَمْ يَنْهَوْا عَنْ إذايَةِ الرَّسُولِ هي نِسْبَةٌ لِكُلِّ الكُفّارِ بِما صَدَرَ عَنْ بَعْضِهِمْ، فَخَرَجَتِ العِبارَةُ عَنْ فَرِيقٍ مِنهم بِما يَعُمُّ جَمِيعَهُمْ؛ لِأنَّ التَّوْبِيخَ عَلى هَذِهِ الصُّورَةِ أشْنَعُ وأغْلَظُ حَيْثُ يَنْهَوْنَ عَنْ إذايَتِهِ، ويَتَباعَدُونَ عَنِ اتِّباعِهِ، وهَذا كَما تَقُولُ في التَّشْنِيعِ عَلى جَماعَةٍ مِنهم: سُرّاقٌ، ومِنهم زُناةٌ، ومِنهم شَرَبَةُ خَمْرٍ، هَؤُلاءِ سُرّاقٌ، وزُناةٌ، وشَرَبَةُ خَمْرٍ، وحَقِيقَتُهُ أنَّ بَعْضَهم يَفْعَلُ ذا، وبَعْضَهم ذا. وكانَ المَعْنى ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ، ومِنهم مَن يَنْهى عَنْ إذايَتِهِ، ويَبْعُدُ عَنْ هِدايَتِهِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ﴾ تَجْنِيسُ التَّصْرِيفِ، وهو أنْ تَنْفَرِدَ كُلُّ كَلِمَةٍ عَنِ الأُخْرى بِحَرْفٍ، فَيَنْهَوْنَ انْفَرَدَتْ بالهاءِ، (ويَنْأوْنَ) انْفَرَدَتْ بِالهَمْزَةِ، ومِنهُ وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ، ويَفْرَحُونَ ويَمْرَحُونَ، والخَيْلُ مَعْقُودٌ في نَواصِيها الخَيْرُ. وفي كِتابِ التَّحْبِيرِ سَمّاهُ تَجْنِيسَ التَّحْرِيفِ، وهو أنْ يَكُونَ الحَرْفُ فَرْقًا بَيْنَ الكَلِمَتَيْنِ؛ وأنْشَدَ عَلَيْهِ: ؎إنْ لَمْ أشُنَّ عَلى ابْنِ هِنْدٍ غارَةً ∗∗∗ لِنِهابِ مالٍ أوْ ذَهابِ نُفُوسِ وذَكَرَ غَيْرُهُ أنَّ تَجْنِيسَ التَّحْرِيفِ، هو أنْ يَكُونَ الشَّكْلُ فَرْقًا بَيْنَ الكَلِمَتَيْنِ، كَقَوْلِ بَعْضِ العَرَبِ وقَدْ ماتَ لَهُ ولَدٌ: اللَّهُمَّ إنِّي مُسْلِمٌ ومُسَلِّمٌ. وقالَ بَعْضُ العَرَبِ: اللَّهى تَفْتَحُ اللَّها. وقَرَأ الحَسَنُ (ويَنَوْنَ) بِحَذْفِ الهَمْزَةِ، وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى النُّونِ، وهو تَسْهِيلٌ قِياسِيٌّ. ﴿وإنْ يُهْلِكُونَ إلّا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾ . قَبْلَ هَذا مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: ﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ﴾ أيْ عَنِ الرَّسُولِ، أوِ القُرْآنِ، قاصِدِينَ تَخَلِّي النّاسِ عَنِ الرَّسُولِ، فَيُهْلِكُونَهُ، وهم في الحَقِيقَةِ يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم. ولَيْسَ المُرادُ بِالهَلاكِ المَوْتَ، بَلِ الخُلُودَ في النّارِ. و(إنْ) نافِيَةٌ بِمَعْنى (ما)، ونَفِيُ الشُّعُورِ عَنْهم، بِإهْلاكِهِمْ أنْفُسَهم مَذَمَّةٌ عَظِيمَةٌ؛ لِأنَّهُ أبْلَغُ في نَفْيِ العِلْمِ، إذِ البَهائِمُ تَشْعُرُ وتَحُسُّ، فَوَبالُ ما رامُوا، حَلَّ بِأنْفُسِهِمْ ولَمْ يَتَعَدَّ إلى غَيْرِهِمْ. ﴿ولَوْ تَرى (p-١٠١)إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧] لَمّا ذَكَرَ تَعالى حَدِيثَ البَعْثِ في قَوْلِهِ: (ويَوْمَ نَحْشُرُهم)، واسْتَطْرَدَ مِن ذَلِكَ إلى شَيْءٍ مِن أوْصافِهِمُ الذَّمِيمَةِ في الدُّنْيا، عادَ إلى الأوَّلِ وجَوابُ (لَوْ) مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، وتَقْدِيرُهُ: لَرَأيْتَ أمْرًا شَنِيعًا، وهَوْلًا عَظِيمًا. وحَذْفُ جَوابِ (لَوْ) لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، جائِزٌ فَصِيحٌ، ومِنهُ ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ [الرعد: ٣١] الآيَةَ؛ وقَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وجِدِّكَ لَوْ شَيْءٌ أتانا رَسُولُهُ ∗∗∗ سِواكَ ولَكِنْ لَمْ نَجِدْ لَكَ مَدْفَعًا أيْ لَوْ شَيْءٌ أتانا رَسُولُهُ سِواكَ لَدَفَعْناهُ. و(نَرى) مُضارِعٌ مَعْناهُ الماضِي؛ أيْ: ولَوْ رَأيْتَ، فَإذْ باقِيَةٌ عَلى كَوْنِها ظَرْفًا ماضِيًا مَعْمُولًا لِتَرى، وأبْرَزَ هَذا في صُورَةِ المُضِيِّ، وإنْ كانَ لَمْ يَقَعْ بَعْدُ إجْراءٌ لِلْمُحَقَّقِ المُنْتَظَرِ مَجْرى الواقِعِ الماضِي. والظّاهِرُ أنَّ الرُّؤْيَةَ هُنا بَصَرِيَّةٌ، وجَوَّزُوا أنْ تَكُونَ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ. والمَعْنى ولَوْ صَرَفْتَ فِكْرَكَ الصَّحِيحَ إلى تَدَبُّرِ حالِهِمْ، لازْدَدْتَ يَقِينًا أنَّهم يَكُونُونَ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى أسْوَأِ حالٍ، فَيَجْتَمِعُ لِلْمُخاطَبِ في هَذِهِ الحالَةِ الخَبَرُ الصِّدْقُ الصَّرِيحُ، والنَّظَرُ الصَّحِيحُ، وهُما مَدْرَكانِ مِن مَدارِكِ العِلْمِ اليَقِينِ. والمُخاطَبُ بِـ (يَرى) الرَّسُولُ، أوِ السّامِعُ. ومَعْمُولُ (تَرى) مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: (ولَوْ تَرى) حالَهم (إذْ) وُقِفُوا. وقِيلَ: (تَرى) باقِيَةٌ عَلى الِاسْتِقْبالِ. و(إذْ) مَعْناهُ (إذا)، فَهو ظَرْفٌ مُسْتَقْبَلٌ، فَتَكُونُ (لَوْ) هُنا اسْتُعْمِلَتِ اسْتِعْمالَ (إنِ) الشَّرْطِيَّةِ. وألْجَأ مَن ذَهَبَ إلى هَذا أنَّ هَذا الأمْرَ لَمْ يَقَعْ بَعْدُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (وُقِفُوا) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ومَعْناهُ عِنْدَ الجُمْهُورِ حُبِسُوا عَلى النّارِ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: مَعْناهُ أُجْلِسُوا عَلَيْها. و(عَلى) بِمَعْنى (في)، أوْ تَكُونُ عَلى بابِها. ومَعْنى جُلُوسِهِمْ؛ أنَّ جَهَنَّمَ طَبَقاتٌ، فَإذا كانُوا في طَبَقَةٍ، كانَتِ النّارُ تَحْتَهم في الطَّبَقَةِ الأُخْرى. وقالَ مُقاتِلٌ: عُرِضُوا عَلَيْها، ومَن عُرِضَ عَلى شَيْءٍ، فَقَدْ وُقِفَ عَلَيْهِ. وقِيلَ: عايَنُوها، ومَن عايَنَ شَيْئًا وقَفَ عَلَيْهِ. وقِيلَ: عَرَفُوا مِقْدارَ عَذابِها، كَقَوْلِهِمْ: وقَفْتُ عَلى ما عِنْدَ فُلانٍ؛ أيْ فَهِمْتُهُ وتَبَيَّنْتُهُ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ. وقِيلَ: جُعِلُوا وُقَّفًا عَلَيْها، كالوُقُوفِ المُؤَبَّدَةِ عَلى سُبُلِها، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وقِيلَ: وُقِفُوا بِقُرْبِها. وفي الحَدِيثِ: «أنَّ النّاسَ يُوقَفُونَ عَلى مَتْنِ جَهَنَّمَ» . وقالَ الطَّبَرِيُّ: أُدْخِلُوها، و(وقَفَ) في هَذِهِ القِراءَةِ مُتَعَدِّيَةٌ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (وقَفُوا) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ مِن (وقَفَ) اللّازِمَةِ، ومَصْدَرُ هَذِهِ (الوُقُوفُ)، ومَصْدَرُ تِلْكَ (الوَقْفُ)، وقَدْ سُمِعَ في المُتَعَدِّيَةِ (أوْقَفَ)، وهي لُغَةٌ قَلِيلَةٌ، ولَمْ يَحْفَظْها أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ، قالَ: لَمْ أسْمَعْ في شَيْءٍ مِن كَلامِ العَرَبِ، أوْقَفْتُ فُلانًا، إلّا أنِّي لَوْ لَقِيتُ رَجُلًا واقِفًا، فَقُلْتُ لَهُ: ما أوْقَفَكَ هاهُنا ؟، لَكانَ عِنْدِي حَسَنًا انْتَهى. وإنَّما ذَهَبَ أبُو عَمْرٍو إلى حُسْنِ هَذا؛ لِأنَّهُ مَقِيسٌ في كُلِّ فِعْلٍ لازِمٍ، أنْ يُعَدّى بِالهَمْزَةِ، نَحْوَ ضَحِكَ زِيدٌ، وأضْحَكْتُهُ.

الأنعام 6:26

﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً (p-٩٧)أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ . رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ أبا سُفْيانَ والوَلِيدَ والنَّضْرَ وعُتْبَةَ وشَيْبَةَ وأُمِيَّةَ وأُبَيًّا، اسْتَمَعُوا لِلرَّسُولِ ﷺ، فَقالُوا لِلنَّضْرِ: يا أبا قُتَيْلَةَ ! ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ، فَقالَ: ما يَقُولُ إلّا أساطِيرَ الأوَّلِينَ، مِثْلُ ما أُحَدِّثُكم عَنِ القُرُونِ الماضِيَةِ، وكانَ صاحِبَ أشْعارٍ، جَمَعَ أقاصِيصَ في دِيارِ العَجَمِ، مِثْلَ قِصَّةِ رُسْتُمٍ وأسْفِنْدِيارَ، فَكانَ يُحَدِّثُ قُرَيْشًا، فَيَسْتَمِعُونَ لَهُ، فَقالَ أبُو سُفْيانَ: إنِّي لَأرى بَعْضَ ما يَقُولُ حَقًّا، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: كَلّا، لا تُقِرَّ بِشَيْءٍ مِن هَذا، وقالَ: المَوْتُ أهْوَنُ مِن هَذا، فَنَزَلَتْ. والضَّمِيرُ في (ومِنهم) عائِدٌ عَلى الَّذِينَ أشْرَكُوا، ووَحَّدَ الضَّمِيرَ في (يَسْتَمِعُ) حَمْلًا عَلى لَفْظِ (مِن)، وجَمَعَهُ في ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ حَمْلًا عَلى مَعْناها. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (وجَعَلْنا) مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ قَبْلَها، عَطْفَ فِعْلِيَّةٍ عَلى اسْمِيَّةٍ، فَيَكُونُ إخْبارًا مِنَ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ جَعَلَ كَذا. وقِيلَ: الواوُ واوُ الحالِ؛ أيْ وقَدْ جَعَلْنا أيْ نُنْصِتُ إلى سَماعِكَ، وهم مِنَ الغَباوَةِ في حَدِّ مَن قَلْبُهُ في كِنانٍ، وأُذُنُهُ صَمّاءُ، وجَعَلَ هُنا يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى ألْقى، فَتَتَعَلَّقَ (عَلى) بِها، وبِمَعْنى صَيَّرَ، فَتَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ، إذْ هي في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى خَلَقَ، فَيَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ؛ لِأنَّها في مَوْضِعِ نَعْتٍ، لَوْ تَأخَّرَتْ، فَلَمّا تَقَدَّمَتْ صارَتْ حالًا. والأكِنَّةُ جَمْعُ كِنانٍ، كَعِنانٍ وأعِنَّةٍ. والكِنانُ الغِطاءُ الجامِعُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎إذا ما انْتَضَوْها في الوَغى مِن أكِنَّةٍ حَسِبْتَ بُرُوقَ الغَيْثِ هاجَتْ غُيُومُها و﴿أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ تَقْدِيرُهُ: عِنْدَهم كَراهَةَ أنْ يَفْقَهُوهُ. وقِيلَ: المَعْنى أنْ لا يَفْقَهُوهُ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، (وِقْرًا)، بِكَسْرِ الواوِ، كَأنَّهُ ذَهَبَ إلى أنَّ (آذانِهِمْ) وُقِرَتْ بِالصَّمَمِ، كَما تُوقَرُ الدّابَّةُ مِنَ الحَمْلِ. والظّاهِرُ أنَّ الغِطاءَ والصَّمَمَ هُنا لَيْسا حَقِيقَةً، بَلْ ذَلِكَ مِن بابِ اسْتِعارَةِ المَحْسُوسِ لِلْمَعْقُولِ، حَتّى يَسْتَقِرَّ في النَّفْسِ. اسْتَعارَ الأكِنَّةَ لِصَرْفِ قُلُوبِهِمْ عَنْ تَدَبُّرِ آياتِ اللَّهِ، والثِّقَلَ في الأُذُنِ لِتَرْكِهِمُ الإصْغاءَ إلى سَماعِهِ، ألا تَراهم قالُوا: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] ؟ فَلَمّا لَمْ يَتَدَبَّرُوا، ولَمْ يُصْغُوا كانُوا بِمَنزِلَةِ مَن عَلى قَلْبِهِ غِطاءٌ، وفي أُذُنِهِ وقْرٌ. وقالَ قَوْمٌ: ذَلِكَ حَقِيقَةٌ، وهو لا يَشْعُرُ بِهِ، كَمُداخَلَةِ الشَّيْطانِ باطِنَ الإنْسانِ، وهو لا يَشْعُرُ بِهِ. ونَحا الجِبائِيُّ في فَهْمِ هَذِهِ الآيَةِ مَنحًى آخَرَ غَيْرَ هَذا، فَقالَ: كانُوا يَسْتَمِعُونَ القِراءَةَ لِيَتَوَصَّلُوا بِسَماعِها إلى مَعْرِفَةِ مَكانِ الرَّسُولِ ﷺ، بِاللَّيْلِ، فَيَقْصِدُوا قَتْلَهُ وإيذاءَهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ كانَ اللَّهُ يُلْقِي عَلى قُلُوبِهِمُ النَّوْمَ، وهو المُرادُ مِنَ الأكِنَّةِ، وتَثْقُلُ أسْماعُهم عَنِ اسْتِماعِ تِلْكَ القِراءَةِ بِسَبَبِ ذَلِكَ النَّوْمِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: (في آذانِهِمْ وقْرًا) . وقِيلَ: إنَّ الإنْسانَ الَّذِي عَلِمَ اللَّهُ مِنهُ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ، وأنَّهُ يَمُوتُ عَلى الكُفْرِ، يَسِمُ اللَّهُ قَلْبَهُ بِعَلامَةٍ مَخْصُوصَةٍ، تَسْتَدِلُّ المَلائِكَةُ بِرُؤْيَتِها عَلى أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، وإذا ثَبَتَ هَذا، فَلا يَبْعُدُ تَسْمِيَةُ تِلْكَ العَلامَةِ بِالكِنانِ. وقِيلَ: لَمّا أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ، صارَ عُدُولُهم عَنِ الإيمانِ، كالكِنانِ المانِعِ عَنِ الإيمانِ، فَذَكَرَ تَعالى ذَلِكَ كِنايَةً عَنْ هَذا المَعْنى. وقِيلَ: لَمّا مَنَعَهُمُ الألْطافَ الَّتِي إنَّما تَصْلُحُ أنْ يَفْعَلَ بِمَن قَدِ اهْتَدى، فَأخْلاهم وفَوَّضَهم إلى أنْفُسِهِمْ؛ لِيَسُوءَ صَنِيعُهم، لَمْ يَبْعُدْ أنْ يُضِيفَ ذَلِكَ إلى نَفْسِهِ، فَيَقُولُ: ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ . وقِيلَ: يَكُونُ هَذا الكَلامُ ورَدَ حِكايَةً لِما كانُوا يَذْكُرُونَهُ مِن قَوْلِهِمْ، وقالُوا: قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ. وهَذِهِ الأقْوالُ كُلُّها تُعْزى إلى الجِبائِيِّ، وهي كُلُّها فِرارٌ مِن نِسْبَةِ الجَعْلِ إلى اللَّهِ حَقِيقَةً، فَتَأوَّلُوا ذَلِكَ عَلى هَذِهِ المَجازاتِ البَعِيدَةِ. وقَدْ نَحا الزَّمَخْشَرِيُّ مَنحى بَعْضِ هَذِهِ الأقْوالِ، فَقالَ: الأكِنَّةُ عَلى القُلُوبِ، (p-٩٨)والوَقْرُ في الآذانِ تَمْثِيلُ نُبُوِّ قُلُوبِهِمْ ومَسامِعِهِمْ عَنْ قَبُولِهِ، واعْتِقادِ صِحَّتِهِ، ووَجْهُ إسْنادِ الفِعْلِ إلى ذاتِهِ، وهو قَوْلُهُ: (وجَعَلْنا) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ أمْرٌ ثابِتٌ فِيهِمْ لا يَزُولُ عَنْهم، كَأنَّهم مَجْبُولُونَ عَلَيْهِ، أوْ هي حِكايَةٌ لِما كانُوا يَنْطِقُونَ بِهِ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿وفِي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ [فصلت: ٥] . انْتَهى. وهو جارٍ عَلى مَذْهَبِ أصْحابِهِ المُعْتَزِلَةِ، وأمّا عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ، فَنِسْبَةُ الجَعْلِ إلى اللَّهِ حَقِيقَةٌ، لا مَجازٌ، وهي مَسْألَةُ خَلْقِ الأعْمالِ يُبْحَثُ فِيها في أُصُولِ الدِّينِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ عِبارَةٌ عَنْ ما جَعَلَ اللَّهُ في نُفُوسِ هَؤُلاءِ القَوْمِ مِنَ الغِلَظِ والبُعْدِ عَنْ قَبُولِ الخَيْرِ، كَأنَّهم لَمْ يَكُونُوا سامِعِينَ لِأقْوالِهِ. ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ . لَمّا ذَكَرَ عَدَمَ انْتِفاعِهِمْ بِعُقُولِهِمْ، حَتّى كَأنَّ عَلى مَحالِّها أكِنَّةً، ولا بِسَماعِهِمْ حَتّى كَأنَّ في آذانِهِمْ وقْرًا، انْتَقَلَ إلى الحاسَّةِ الَّتِي هي أبْلَغُ مِن حاسَّةِ السَّماعِ، فَنَفى ما يَتَرَتَّبُ عَلى إدْراكِها، وهو الإيمانُ. والرُّؤْيَةُ هُنا بَصَرِيَّةٌ، والآيَةُ كانْشِقاقِ القَمَرِ، ونَبْعِ الماءِ مِن أصابِعِهِ، وحَنِينِ الجِذْعِ، وانْقِلابِ العَصا سَيْفًا، والماءِ المِلْحِ عَذْبًا، وتَصْيِيرِ الطَّعامِ القَلِيلِ كَثِيرًا، وما أشْبَهَ ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿كُلَّ آيَةٍ﴾ كُلَّ دَلِيلٍ وحُجَّةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها؛ لِأجْلِ ما جَعَلَ عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً. انْتَهى. ومَقْصُودُ هَذِهِ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ الإخْبارُ عَنِ المُبالَغَةِ التّامَّةِ، والعِنادِ المُفْرِطِ في عَدَمِ إيمانِهِمْ، حَتّى أنَّ الشَّيْءَ المَرْئِيَّ الدّالَّ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ حَقِيقَةً، لا يُرَتِّبُونَ عَلَيْهِ مُقْتَضاهُ، بَلْ يُرَتِّبُونَ عَلَيْهِ ضِدَّ مُقْتَضاهُ. ﴿حَتّى إذا جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ . (يُجادِلُونَكَ) أيْ يُخاصِمُونَكَ في الِاحْتِجاجِ، وبَلَغَ تَكْذِيبُهم في الآياتِ إلى المُجادَلَةِ، وهَذا إشارَةٌ إلى القُرْآنِ، وجَعْلُهم إيّاهُ مِن أساطِيرُ الأوَّلِينَ، قَدْحٌ في أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ. قِيلَ: كانَ النَّضْرُ يُعارِضُ القُرْآنَ بِأخْبارِ إسْفِنْدِيارَ ورُسْتُمٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مُجادَلَتُهم قَوْلُهم: تَأْكُلُونَ ما قَتَلْتُمْ، ولا تَأْكُلُونَ ما قَتَلَ اللَّهُ انْتَهى. وهَذا فِيهِ بُعْدٌ، وظاهِرُ المُجادَلَةِ أنَّها في المَسْمُوعِ الَّذِي هم يَسْتَمِعُونَ إلى الرَّسُولِ بِسَبَبِهِ، وهو القُرْآنُ، والمَعْنى أنَّهم في الِاحْتِجاجِ انْتَهى أمْرُهم إلى المُجادَلَةِ والِافْتِراءِ دُونَ دَلِيلٍ، ومَجِيءُ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ (إذا) بَعْدَ (حَتّى) كَثِيرٌ جِدًّا في القُرْآنِ، وأوَّلُ ما وقَعَتْ فِيهِ قَوْلُهُ: ﴿وابْتَلُوا اليَتامى حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ﴾ [النساء: ٦] وهي حَرْفُ ابْتِداءٍ، ولَيْسَتْ هُنا جارَّةً (p-٩٩)لِـ ”إذا“، ولا جُمْلَةُ الشَّرْطِ ولا جُمْلَةُ الجَزاءِ في مَوْضِعِ جَرٍّ، ولَيْسَ مِن شَرْطِ (حَتّى) الَّتِي هي حَرْفُ ابْتِداءٍ أنْ يَكُونَ بَعْدَها المُبْتَدَأُ، بَلْ تَكُونُ تَصْلُحُ أنْ يَقَعَ بَعْدَها المُبْتَدَأُ، ألا تَرى أنَّهم يَقُولُونَ في نَحْوِ ضَرَبْتُ القَوْمَ حَتّى زَيْدًا ضَرَبْتُهُ، أنَّ (حَتّى) فِيهِ حَرْفُ ابْتِداءٍ، وإنْ كانَ ما بَعْدَها مَنصُوبًا، و(حَتّى) إذا وقَعَتْ بَعْدَها (إذا) يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الفاءِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى (إلى أنْ)، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ، فَإذا ﴿لَكارِهُونَ﴾ [الأنفال: ٥] ﴿يُجادِلُونَكَ﴾ [الأنفال: ٦] يَقُولُ، أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ أيْ مَنَعْناهم مِن فَهْمِ القُرْآنِ وتَدَبُّرِهِ ؟ إلى أنْ يَقُولُوا: ﴿إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ في وقْتِ مَجِيئِهِمْ مُجادِلِيكَ لِأنَّ الغايَةَ لا تُؤْخَذُ إلّا مِن جَوابِ الشَّرْطِ، لا مِنَ الشَّرْطِ، وعَلى هَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ يَتَخَرَّجُ جَمِيعُ ما جاءَ في القُرْآنِ مِن قَوْلِهِ تَعالى (حَتّى إذا) . وتَرْكِيبُ ”حَتّى إذا“ لا بُدَّ أنْ يَتَقَدَّمَهُ كَلامٌ ظاهِرٌ، نَحْوَ هَذِهِ الآيَةِ، ونَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا لَقِيا غُلامًا فَقَتَلَهُ قالَ أقَتَلْتَ﴾ [الكهف: ٧٤] . أوْ كَلامٌ مُقَدَّرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ سِياقُ الكَلامِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿زُبَرَ الحَدِيدِ حَتّى إذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا حَتّى إذا جَعَلَهُ نارًا﴾ [الكهف: ٩٦] التَّقْدِيرُ فَأتَوْهُ بِها، ووَضَعَها بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ حَتّى إذا ساوى بَيْنَهُما قالَ: انْفُخُوا فَنَفَخَهُ (حَتّى إذا جَعَلَهُ نارًا بِأمْرِهِ وإذْنِهِ، قالَ: آتُونِي أُفْرِغْ، ولِهَذا قالَ الفَرّاءُ ( حَتّى إذا) لا بُدَّ أنْ يَتَقَدَّمَها كَلامٌ لَفْظًا، أوْ تَقْدِيرًا، وقَدْ ذَكَرْنا في كِتابِ التَّكْمِيلِ أحْكامَ (حَتّى) مُسْتَوْفاةً، ودُخُولَها عَلى الشَّرْطِ، ومَذْهَبَ الفَرّاءِ والكِسائِيِّ في ذَلِكَ، ومَذْهَبَ غَيْرِهِما. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هُنا هي (حَتّى) الَّتِي تَقَعُ بَعْدَها الجُمَلُ، والجُمْلَةُ قَوْلُهُ: (إذا) في مَوْضِعِ الحالِ انْتَهى. وهَذا مُوافِقٌ لِما ذَكَرْناهُ، ثُمَّ قالَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجارَّةَ، ويَكُونَ (إذا) في مَحَلِّ الجَرِّ بِمَعْنى حَتّى وقْتِ مَجِيئِهِمْ، و(لَكارِهُونَ يُجادِلُونَكَ) حالٌ، وقَوْلُهُ: (يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا) تَفْسِيرٌ، والمَعْنى أنَّهُ بَلَغَ تَكْذِيبُهُمُ الآياتِ، إلى أنَّهم يُجادِلُونَكَ ويُناكِرُونَكَ، وفَسَّرَ مُجادَلَتَهم بِأنَّهم يَقُولُونَ: ﴿إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ فَيَجْعَلُونَ كَلامَ اللَّهِ، وأصْدَقَ الحَدِيثِ خُرافاتٍ وأكاذِيبَ، وهي الغايَةُ في التَّكْذِيبِ انْتَهى. وما جَوَّزَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في (إذا) بَعْدَ (حَتّى) مِن كَوْنِها مَجْرُورَةً، أوْجَبَهُ ابْنُ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ، فَزَعَمَ أنَّ (إذا) تُجَرُّ بِـ (حَتّى) . قالَ في التَّسْهِيلِ: وقَدْ تُفارِقُها، يَعْنِي (إذا) الظَّرْفِيَّةَ مَفْعُولًا بِها، ومَجْرُورَةً بِـ (حَتّى)، أوْ مُبْتَدَأً، وما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَجْوِيزِهِ أنْ تَكُونَ (إذا) مَجْرُورَةً بِـ (حَتّى)، وابْنُ مالِكٍ في إيجابِ ذَلِكَ، ولَمْ يَذْكُرْ قَوْلًا غَيْرَهُ خَطَأٌ، وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ في كِتابِ التَّذْيِيلِ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ، وقَدْ وُفِّقَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ وغَيْرُهُما مِنَ المُعْرِبِينَ لِلصَّوابِ في ذَلِكَ، فَقالَ هَنا أبُو البَقاءِ: (يُوزَعُونَ حَتّى إذا) في مَوْضِعِ نَصْبٍ لِجَوابِها، وهو (يَقُولُ) ولَيْسَ لِحَتّى هاهُنا عَمَلٌ، وإنَّما أفادَتْ مَعْنى الغايَةِ، كَما لا تَعْمَلُ في الجُمَلِ، و(يُجادِلُونَكَ) حالٌ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في (جاءُوكَ) وهو العامِلُ في الحالِ، (يَقُولُ) جَوابُ (إذا)، وهو العامِلُ في (إذا) انْتَهى. ﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ﴾ . رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ، كانَ يَنْهى المُشْرِكِينَ أنْ يُؤْذُوا الرَّسُولَ ﷺ وأتْباعَهُ، وكانُوا يَدْعُونَهُ إلى الإسْلامِ، فاجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ بِأبِي طالِبٍ يُرِيدُونَ سُوءًا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ أبُو طالِبٍ:(p-١٠٠) ؎واللَّهِ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ بِجَمْعِهِمْ ∗∗∗ حَتّى أُوَسَّدَ في التُّرابِ دَفِينا ؎فاصْدَعْ بِأمْرِكَ ما عَلَيْكَ غَضاضَةٌ ∗∗∗ وأبْشِرْ وقَرَّ بِذاكَ مِنكَ عُيُونا ؎ودَعَوْتَنِي وزَعَمْتَ أنَّكَ ناصِحٌ ∗∗∗ ولَقَدْ صَدَقْتَ وكُنْتَ ثَمَّ أمِينا ؎وعَرَضْتَ دِينًا لا مَحالَةَ أنَّهُ ∗∗∗ مِن خَيْرِ أدْيانِ البَرِيَّةِ دِينا ؎لَوْلا المَلامَةُ أوْ حَذارُ مَسَبَّةٍ ∗∗∗ لَوَجَدْتَنِي سَمْحًا بِذاكَ مُبِينا وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ والسُّدِّيُّ والضَّحّاكُ: نَزَلَتْ في كُفّارِ مَكَّةَ، كانُوا يَنْهَوْنَ النّاسَ عَنِ اتِّباعِ الرَّسُولِ ﷺ ويَتَباعَدُونَ بِأنْفُسِهِمْ عَنْهُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ الوالِبِيِّ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: (وهم) يَعُودُ عَلى الكُفّارِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ، واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ. وفي قَوْلِهِ: (عَنْهُ) يَعُودُ إلى القُرْآنِ، وهو الَّذِي عادَ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ المَنصُوبُ في (يَفْقَهُوهُ)، وهو المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِمْ (إنْ هَذا)، وهو قَوْلُ قَتادَةَ ومُجاهِدٍ، والمَعْنى أنَّهم يَنْهَوْنَ غَيْرَهم عَنِ اتِّباعِ القُرْآنِ، وتَدَبُّرِهِ. و(يَنْأوْنَ) بِأنْفُسِهِمْ عَنْ ذَلِكَ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (عَنْهُ) عائِدٌ عَلى الرَّسُولِ ﷺ، إذْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: (ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ حَتّى إذا جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ)، فَيَكُونُ ذَلِكَ التِفاتًا، وهو خُرُوجٌ مِن خِطابٍ إلى غَيْبَةٍ. والضَّمِيرُ في (وهم) عائِدٌ عَلى الكُفّارِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهم. والمَعْنى أنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ تَباعُدِهِمْ عَنِ الرَّسُولِ بِأنْفُسِهِمْ، ونَهْيِ غَيْرِهِمْ عَنِ اتِّباعِهِ، فَضَلُّوا، وأضَلُّوا. وتَقَدَّمَ أنَّ هَذا القَوْلَ هو أحَدُ ما ذُكِرَ في سَبَبِ النُّزُولِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (وهم) عائِدٌ عَلى أبِي طالِبٍ، ومَن وافَقَهُ عَلى حِمايَةِ الرَّسُولِ ﷺ . والضَّمِيرُ في (عَنْهُ) عائِدٌ عَلى الرَّسُولِ، والمَعْنى (وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ) مَن يُرِيدُ إذايَتَهُ، ويَبْعُدُونَ عَنْهُ بِتَرْكِ إيمانِهِمْ بِهِ واتِّباعِهِمْ لَهُ، فَيَفْعَلُونَ الشَّيْءَ وخِلافَهُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا والقاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وحَبِيبِ بْنِ أبِي ثابِتٍ وعَطاءِ بْنِ دِينارٍ ومُقاتِلٍ، وهَذا القَوْلُ أحَدُ ما ذُكِرَ في سَبَبِ النُّزُولِ، ونِسْبَةُ هَذا إلى أبِي طالِبٍ وتابِعَيْهِ بِلَفْظِ (وهم) الظّاهِرُ عَوْدُهُ عَلى جَماعَةِ الكُفّارِ وجَماعَتُهم لَمْ يَنْهَوْا عَنْ إذايَةِ الرَّسُولِ هي نِسْبَةٌ لِكُلِّ الكُفّارِ بِما صَدَرَ عَنْ بَعْضِهِمْ، فَخَرَجَتِ العِبارَةُ عَنْ فَرِيقٍ مِنهم بِما يَعُمُّ جَمِيعَهُمْ؛ لِأنَّ التَّوْبِيخَ عَلى هَذِهِ الصُّورَةِ أشْنَعُ وأغْلَظُ حَيْثُ يَنْهَوْنَ عَنْ إذايَتِهِ، ويَتَباعَدُونَ عَنِ اتِّباعِهِ، وهَذا كَما تَقُولُ في التَّشْنِيعِ عَلى جَماعَةٍ مِنهم: سُرّاقٌ، ومِنهم زُناةٌ، ومِنهم شَرَبَةُ خَمْرٍ، هَؤُلاءِ سُرّاقٌ، وزُناةٌ، وشَرَبَةُ خَمْرٍ، وحَقِيقَتُهُ أنَّ بَعْضَهم يَفْعَلُ ذا، وبَعْضَهم ذا. وكانَ المَعْنى ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ، ومِنهم مَن يَنْهى عَنْ إذايَتِهِ، ويَبْعُدُ عَنْ هِدايَتِهِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ﴾ تَجْنِيسُ التَّصْرِيفِ، وهو أنْ تَنْفَرِدَ كُلُّ كَلِمَةٍ عَنِ الأُخْرى بِحَرْفٍ، فَيَنْهَوْنَ انْفَرَدَتْ بالهاءِ، (ويَنْأوْنَ) انْفَرَدَتْ بِالهَمْزَةِ، ومِنهُ وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ، ويَفْرَحُونَ ويَمْرَحُونَ، والخَيْلُ مَعْقُودٌ في نَواصِيها الخَيْرُ. وفي كِتابِ التَّحْبِيرِ سَمّاهُ تَجْنِيسَ التَّحْرِيفِ، وهو أنْ يَكُونَ الحَرْفُ فَرْقًا بَيْنَ الكَلِمَتَيْنِ؛ وأنْشَدَ عَلَيْهِ: ؎إنْ لَمْ أشُنَّ عَلى ابْنِ هِنْدٍ غارَةً ∗∗∗ لِنِهابِ مالٍ أوْ ذَهابِ نُفُوسِ وذَكَرَ غَيْرُهُ أنَّ تَجْنِيسَ التَّحْرِيفِ، هو أنْ يَكُونَ الشَّكْلُ فَرْقًا بَيْنَ الكَلِمَتَيْنِ، كَقَوْلِ بَعْضِ العَرَبِ وقَدْ ماتَ لَهُ ولَدٌ: اللَّهُمَّ إنِّي مُسْلِمٌ ومُسَلِّمٌ. وقالَ بَعْضُ العَرَبِ: اللَّهى تَفْتَحُ اللَّها. وقَرَأ الحَسَنُ (ويَنَوْنَ) بِحَذْفِ الهَمْزَةِ، وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى النُّونِ، وهو تَسْهِيلٌ قِياسِيٌّ. ﴿وإنْ يُهْلِكُونَ إلّا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾ . قَبْلَ هَذا مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: ﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ﴾ أيْ عَنِ الرَّسُولِ، أوِ القُرْآنِ، قاصِدِينَ تَخَلِّي النّاسِ عَنِ الرَّسُولِ، فَيُهْلِكُونَهُ، وهم في الحَقِيقَةِ يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم. ولَيْسَ المُرادُ بِالهَلاكِ المَوْتَ، بَلِ الخُلُودَ في النّارِ. و(إنْ) نافِيَةٌ بِمَعْنى (ما)، ونَفِيُ الشُّعُورِ عَنْهم، بِإهْلاكِهِمْ أنْفُسَهم مَذَمَّةٌ عَظِيمَةٌ؛ لِأنَّهُ أبْلَغُ في نَفْيِ العِلْمِ، إذِ البَهائِمُ تَشْعُرُ وتَحُسُّ، فَوَبالُ ما رامُوا، حَلَّ بِأنْفُسِهِمْ ولَمْ يَتَعَدَّ إلى غَيْرِهِمْ. ﴿ولَوْ تَرى (p-١٠١)إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧] لَمّا ذَكَرَ تَعالى حَدِيثَ البَعْثِ في قَوْلِهِ: (ويَوْمَ نَحْشُرُهم)، واسْتَطْرَدَ مِن ذَلِكَ إلى شَيْءٍ مِن أوْصافِهِمُ الذَّمِيمَةِ في الدُّنْيا، عادَ إلى الأوَّلِ وجَوابُ (لَوْ) مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، وتَقْدِيرُهُ: لَرَأيْتَ أمْرًا شَنِيعًا، وهَوْلًا عَظِيمًا. وحَذْفُ جَوابِ (لَوْ) لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، جائِزٌ فَصِيحٌ، ومِنهُ ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ [الرعد: ٣١] الآيَةَ؛ وقَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وجِدِّكَ لَوْ شَيْءٌ أتانا رَسُولُهُ ∗∗∗ سِواكَ ولَكِنْ لَمْ نَجِدْ لَكَ مَدْفَعًا أيْ لَوْ شَيْءٌ أتانا رَسُولُهُ سِواكَ لَدَفَعْناهُ. و(نَرى) مُضارِعٌ مَعْناهُ الماضِي؛ أيْ: ولَوْ رَأيْتَ، فَإذْ باقِيَةٌ عَلى كَوْنِها ظَرْفًا ماضِيًا مَعْمُولًا لِتَرى، وأبْرَزَ هَذا في صُورَةِ المُضِيِّ، وإنْ كانَ لَمْ يَقَعْ بَعْدُ إجْراءٌ لِلْمُحَقَّقِ المُنْتَظَرِ مَجْرى الواقِعِ الماضِي. والظّاهِرُ أنَّ الرُّؤْيَةَ هُنا بَصَرِيَّةٌ، وجَوَّزُوا أنْ تَكُونَ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ. والمَعْنى ولَوْ صَرَفْتَ فِكْرَكَ الصَّحِيحَ إلى تَدَبُّرِ حالِهِمْ، لازْدَدْتَ يَقِينًا أنَّهم يَكُونُونَ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى أسْوَأِ حالٍ، فَيَجْتَمِعُ لِلْمُخاطَبِ في هَذِهِ الحالَةِ الخَبَرُ الصِّدْقُ الصَّرِيحُ، والنَّظَرُ الصَّحِيحُ، وهُما مَدْرَكانِ مِن مَدارِكِ العِلْمِ اليَقِينِ. والمُخاطَبُ بِـ (يَرى) الرَّسُولُ، أوِ السّامِعُ. ومَعْمُولُ (تَرى) مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: (ولَوْ تَرى) حالَهم (إذْ) وُقِفُوا. وقِيلَ: (تَرى) باقِيَةٌ عَلى الِاسْتِقْبالِ. و(إذْ) مَعْناهُ (إذا)، فَهو ظَرْفٌ مُسْتَقْبَلٌ، فَتَكُونُ (لَوْ) هُنا اسْتُعْمِلَتِ اسْتِعْمالَ (إنِ) الشَّرْطِيَّةِ. وألْجَأ مَن ذَهَبَ إلى هَذا أنَّ هَذا الأمْرَ لَمْ يَقَعْ بَعْدُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (وُقِفُوا) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ومَعْناهُ عِنْدَ الجُمْهُورِ حُبِسُوا عَلى النّارِ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: مَعْناهُ أُجْلِسُوا عَلَيْها. و(عَلى) بِمَعْنى (في)، أوْ تَكُونُ عَلى بابِها. ومَعْنى جُلُوسِهِمْ؛ أنَّ جَهَنَّمَ طَبَقاتٌ، فَإذا كانُوا في طَبَقَةٍ، كانَتِ النّارُ تَحْتَهم في الطَّبَقَةِ الأُخْرى. وقالَ مُقاتِلٌ: عُرِضُوا عَلَيْها، ومَن عُرِضَ عَلى شَيْءٍ، فَقَدْ وُقِفَ عَلَيْهِ. وقِيلَ: عايَنُوها، ومَن عايَنَ شَيْئًا وقَفَ عَلَيْهِ. وقِيلَ: عَرَفُوا مِقْدارَ عَذابِها، كَقَوْلِهِمْ: وقَفْتُ عَلى ما عِنْدَ فُلانٍ؛ أيْ فَهِمْتُهُ وتَبَيَّنْتُهُ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ. وقِيلَ: جُعِلُوا وُقَّفًا عَلَيْها، كالوُقُوفِ المُؤَبَّدَةِ عَلى سُبُلِها، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وقِيلَ: وُقِفُوا بِقُرْبِها. وفي الحَدِيثِ: «أنَّ النّاسَ يُوقَفُونَ عَلى مَتْنِ جَهَنَّمَ» . وقالَ الطَّبَرِيُّ: أُدْخِلُوها، و(وقَفَ) في هَذِهِ القِراءَةِ مُتَعَدِّيَةٌ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (وقَفُوا) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ مِن (وقَفَ) اللّازِمَةِ، ومَصْدَرُ هَذِهِ (الوُقُوفُ)، ومَصْدَرُ تِلْكَ (الوَقْفُ)، وقَدْ سُمِعَ في المُتَعَدِّيَةِ (أوْقَفَ)، وهي لُغَةٌ قَلِيلَةٌ، ولَمْ يَحْفَظْها أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ، قالَ: لَمْ أسْمَعْ في شَيْءٍ مِن كَلامِ العَرَبِ، أوْقَفْتُ فُلانًا، إلّا أنِّي لَوْ لَقِيتُ رَجُلًا واقِفًا، فَقُلْتُ لَهُ: ما أوْقَفَكَ هاهُنا ؟، لَكانَ عِنْدِي حَسَنًا انْتَهى. وإنَّما ذَهَبَ أبُو عَمْرٍو إلى حُسْنِ هَذا؛ لِأنَّهُ مَقِيسٌ في كُلِّ فِعْلٍ لازِمٍ، أنْ يُعَدّى بِالهَمْزَةِ، نَحْوَ ضَحِكَ زِيدٌ، وأضْحَكْتُهُ.

الأنعام 6:27

﴿فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ . قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وحَفْصٌ (ولا نُكَذِّبَ ونَكُونَ) بِالنَّصْبِ فِيهِما، وهَذا النَّصْبُ عِنْدَ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ، هو بِإضْمارِ (أنْ) بَعْدَ الواوِ، فَهو يَنْسَبِكُ مِن (أنِ) المُضْمَرَةِ، والفِعْلِ بَعْدَها مَصْدَرٌ مَرْفُوعٌ مَعْطُوفٌ عَلى مَصْدَرٍ مُتَوَهَّمٍ مُقَدَّرٍ مِنَ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، والتَّقْدِيرُ: يا لَيْتَنا يَكُونُ لَنا رَدٌّ وانْتِفاءُ تَكْذِيبٍ، وكَوْنٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ. وكَثِيرًا ما يُوجَدُ في كُتُبِ النَّحْوِ أنَّ هَذِهِ الواوَ المَنصُوبُ بَعْدَها، هو عَلى جَوابِ التَّمَنِّي، كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (ولا نُكَذِّبَ ونَكُونَ) بِالنَّصْبِ بِإضْمارِ (أنْ) عَلى جَوابِ التَّمَنِّي، ومَعْناهُ إنْ رُدِدْنا لَمْ نُكَذِّبْ، ونَكُنْ مِنَ المُؤْمِنِينَ ) انْتَهى. ولَيْسَ كَما ذَكَرَ، فَإنَّ نَصْبَ الفِعْلِ بَعْدَ الواوِ لَيْسَ عَلى جِهَةِ الجَوابِ؛ لِأنَّ الواوَ لا تَقَعُ في جَوابِ الشَّرْطِ، فَلا يَنْعَقِدُ مِمّا قَبْلَها، ولا مِمّا بَعْدَها شَرْطٌ وجَوابٌ، وإنَّما هي واوُ الجَمْعِ يُعْطَفُ ما بَعْدَها عَلى المَصْدَرِ المُتَوَهَّمِ قَبْلَها، وهي واوُ العَطْفِ يَتَعَيَّنُ مَعَ النَّصْبِ أحَدُ مَحامِلِها الثَّلاثَةِ، وهي المَعِيَّةُ، ويُمَيِّزُها مِنَ الفاءِ تَقْدِيرُ شَرْطٍ قَبْلَها، أوْ حالٌ مَكانَها. وشُبْهَةُ مَن قالَ: إنَّها جَوابٌ، أنَّها تَنْصِبُ في المَواضِعِ الَّتِي تَنْصِبُ فِيها الفاءُ، فَتَوَهَّمَ أنَّها جَوابٌ. (p-١٠٢)وقالَ سِيبَوَيْهِ: والواوُ تَنْصِبُ ما بَعْدَها مِن حَيْثُ انْتَصَبَ ما بَعْدَ الفاءِ والواوِ، ومَعْناها، ومَعْنى الفاءِ مُخْتَلِفانِ، ألا تَرى، لا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ، وتَأْتِيَ مِثْلَهُ. لَوْ أُدْخِلَتِ الفاءُ هُنا لَأفْسَدَتِ المَعْنى، وإنَّما أرادَ لا يَجْتَمِعُ النَّهْيُ والإتْيانُ، وتَقُولُ: لا تَأْكُلِ السَّمَكَ، وتَشْرَبِ اللَّبَنَ، لَوْ أدْخَلْتَ الفاءَ فَسَدَ المَعْنى انْتَهى كَلامُ سِيبَوَيْهِ مُلَخَّصًا وبِلَفْظِهِ. ويُوَضِّحُ لَكَ أنَّها لَيْسَتْ بِجَوابٍ انْفِرادُ الفاءِ دُونَها بِأنَّها إذا حُذِفَتِ انْجَزَمَ الفِعْلُ بَعْدَها بِما قَبْلَها؛ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ، إلّا إذا نَصَبَتْ بَعْدَ النَّفْيِ، وسَقَطَتِ الفاءُ، فَلا يَنْجَزِمُ، وإذا تَقَرَّرَ هَذا، فالأفْعالُ الثَّلاثَةُ مِن حَيْثُ المَعْنى مُتَمَنّاةٌ عَلى سَبِيلِ الجَمْعِ بَيْنَها، لا أنَّ كُلَّ واحِدٍ مُتَمَنًّى وحْدَهُ، إذِ التَّقْدِيرُ كَما قُلْنا يا لَيْتَنا يَكُونُ لَنا رَدٌّ مَعَ انْتِفاءِ التَّكْذِيبِ، وكَوْنٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةِ هِشامِ بْنِ عَمّارٍ عَنْ أصْحابِهِ عَنِ ابْنِ عامِرٍ (ولا نُكَذِّبُ) بِالرَّفْعِ (ونَكُونَ) بِالنَّصْبِ ويَتَوَجَّهُ ذَلِكَ عَلى ما تَقَدَّمَ انْتَهى. وكانَ قَدْ قَدَّمَ أنَّ رَفْعَ (ولا نُكَذِّبَ ونَكُونَ) في قِراءَةِ باقِي السَّبْعَةِ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما؛ العَطْفُ عَلى (نُرَدُّ) فَيَكُونانِ داخِلَيْنِ في التَّمَنِّي، والثّانِي؛ الِاسْتِئْنافُ والقَطْعُ، فَهَذانِ الوَجْهانِ يَسُوغانِ في رَفْعِ (ولا نُكَذِّبَ) عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ، فَلا نُكَذِّبَ بِالفاءِ، وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ (فَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا أبَدًا ونَكُونَ) . وحَكى أبُو عَمْرٍو أنَّ في قِراءَةِ أُبَيٍّ ونَحْنُ (نَكُونُ مِنَ المُؤْمِنِينَ) وجَوَّزُوا في رَفْعِ (ولا نُكَذِّبَ ونَكُونَ) أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، فَتَلَخَّصَ في الرَّفْعِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ. أحَدُها: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (نُرَدُّ) فَيَكُونَ انْتِفاءُ التَّكْذِيبِ والكَوْنِ مِنَ المُؤْمِنِينَ داخِلَيْنِ في التَّمَنِّي؛ أيْ ولَيْتَنا لا نُكَذِّبُ، ولَيْتَنا نَكُونُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ويَكُونُ هَذا الرَّفْعُ مُساوِيًا في هَذا الوَجْهِ لِلنَّصْبِ؛ لِأنَّ في كِلَيْهِما العَطْفَ، وإنِ اخْتَلَفَتْ جِهَتاهُ فَفي النَّصْبِ عَلى مَصْدَرٍ مِنَ الرَّدِّ مُتَوَهَّمٍ، وفي الرَّفْعِ عَلى نَفْسِ الفِعْلِ، فَإنْ قُلْتَ: التَّمَنِّي إنْشاءٌ، والإنْشاءُ لا يَدْخُلُهُ الصِّدْقُ والكَذِبُ، فَكَيْفَ جاءَ قَوْلُهُ: (وإنَّهم لَكاذِبُونَ) إخْبارًا مِنَ اللَّهِ أنَّ سَجِيَّةَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ هي الكَذِبُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ حِكايَةً وإخْبارًا عَنْ حالِهِمْ في الدُّنْيا، لا تَعَلُّقَ بِهِ بِمُتَعَلِّقِ التَّمَنِّي. والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ هَذا التَّمَنِّيَ قَدْ تَضَمَّنَ مَعْنى الخَبَرِ والعِدَّةِ، فَإذا كانَتْ سَجِيَّةُ الإنْسانِ شَيْئًا، ثُمَّ تَمَنّى ما يُخالِفُ السَّجِيَّةَ، وما هو بَعِيدٌ أنْ يَقَعَ مِنها، صَحَّ أنْ يُكَذَّبَ عَلى تَجَوُّزٍ، نَحْوَ لَيْتَ اللَّهَ يَرْزُقُنِي مالًا فَأُحْسِنَ إلَيْكَ وأُكافِئَكَ عَلى صَنِيعِكَ، فَهَذا مُتَمَنٍّ في مَعْنى الواعِدِ والمُخْبِرِ، فَإذا رَزَقَهُ اللَّهُ مالًا، ولَمْ يُحْسِنْ إلى صاحِبِهِ، ولَمْ يُكافِئْهُ، كَذَبَ وكانَ تَمَنِّيهِ في حُكْمِ مَن قالَ: إنْ رَزَقَنِي اللَّهُ مالًا كافَأْتُكَ عَلى إحْسانِكَ، ونَحْوَ قَوْلِ رَجُلٍ شِرِّيرٍ بَعِيدٍ مِن أفْعالِ الطّاعاتِ: لَيْتَنِي أحُجُّ، وأُجاهِدُ، وأقُومُ اللَّيْلَ، فَيَجُوزُ أنْ يُقالَ لِهَذا عَلى تَجَوُّزٍ كَذَبْتَ؛ أيْ أنْتَ لا تَصْلُحُ لِفِعْلِ الخَيْرِ، ولا يَصْلُحُ لَكَ. والثّانِي مِن وُجُوهِ الرَّفْعِ؛ أنْ يَكُونَ رَفْعُ (ولا نُكَذِّبَ ونَكُونَ) عَلى الِاسْتِئْنافِ، فَأخْبَرُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ بِهَذا، فَيَكُونُ مُنْدَرِجًا تَحْتَ القَوْلِ أيْ قالُوا: يا لَيْتَنا نُرَدُّ وقالُوا: نَحْنُ لا نُكَذِّبُ بِآياتِ رَبِّنا، ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَأخْبَرُوا أنَّهم يَصْدُرُ عَنْهم ذَلِكَ عَلى كُلِّ حالٍ. فَيَصِحُّ عَلى هَذا تَكْذِيبُهم في هَذا الإخْبارِ. ورَجَّحَ سِيبَوَيْهِ هَذا الوَجْهَ، وشَبَّهَهُ بِقَوْلِهِ: دَعْنِي ولا أعُودُ بِمَعْنى وأنا لا أعُودُ تَرَكَتْنِي أوْ لَمْ تَتْرُكْنِي. والثّالِثُ مِن وُجُوهِ الرَّفْعِ: أنْ يَكُونَ (ولا نُكَذِّبَ ونَكُونَ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، التَّقْدِيرُ يا لَيْتَنا نُرَدُّ غَيْرَ مُكَذِّبِينَ، وكائِنِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَيَكُونُ داخِلًا قَيْدًا في الرَّدِّ المُتَمَنّى، وصاحِبُ الحالِ هو الضَّمِيرُ المُسْتَكِنُّ في (نُرَدُّ) . ويُجابُ عَنْ قَوْلِهِ: (وإنَّهم لَكاذِبُونَ) بِالوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذُكِرا في إعْرابِ (ولا نُكَذِّبَ ونَكُونَ) إذا كانا مَعْطُوفَيْنِ عَلى نُرَدُّ. وحُكِيَ أنَّ بَعْضَ القُرّاءِ قَرَأ (ولا نُكَذِّبَ) بِالنَّصْبِ (ونَكُونَ) بِالرَّفْعِ، فالنَّصْبُ عَطْفٌ عَلى مَصْدَرٍ مُتَوَهَّمٍ، والرَّفْعُ في (ونَكُونَ) عَطْفٌ (p-١٠٣)عَلى (نُرَدُّ)، أوْ عَلى الِاسْتِئْنافِ؛ أيْ ونَحْنُ نَكُونُ، وتُضُعِّفَ فِيهِ الحالُ؛ لِأنَّهُ مُضارِعٌ مُثْبَتٌ، فَلا يَكُونُ حالًا بِالواوِ، إلّا عَلى تَأْوِيلِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، نَحْوَ: نَجَوْتُ وأرْهَنُهم مالِكًا، وأنا أرْهَنُهم مالِكًا. والظّاهِرُ أنَّهم تَمَنَّوُا الرَّدَّ مِنَ الآخِرَةِ إلى الدُّنْيا. وحَكى الطَّبَرِيُّ تَأْوِيلًا في الرَّدِّ، وهو أنَّهم تَمَنَّوْا أنْ يُرَدُّوا مِن عَذابِ النّارِ إلى الوُقُوفِ عَلى النّارِ الَّتِي وُقِفُوا عَلَيْها، فالمَعْنى: يا لَيْتَنا نُوقَفُ هَذا الوُقُوفَ غَيْرَ مُكَذِّبِينَ بِآياتِ رَبِّنا، كائِنِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ. قالَ: ويُضَعَّفُ هَذا التَّأْوِيلُ مِن غَيْرِ وجْهٍ يُبْطِلُهُ، ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ، ولا يَصِحُّ أيْضًا التَّكْذِيبُ في هَذا التَّمَنِّي؛ لِأنَّهُ تَمَنِّي ما قَدْ مَضى، وإنَّما يَصِحُّ التَّكْذِيبُ الَّذِي ذَكَرْناهُ، قَبْلَ هَذا عَلى تَجَوُّزٍ في تَمَنِّي المُسْتَقْبَلاتِ انْتَهى. وأوْرَدَ بَعْضُهم هُنا سُؤالًا، فَقالَ: فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَتَمَنَّوْنَ الرَّدَّ مَعَ عِلْمِهِمْ بِتَعَذُّرِ حُصُولِهِ، وأجابَ بِقَوْلِهِ: قُلْنا لَعَلَّهم لَمْ يَعْلَمُوا أنَّ الرَّدَّ لا يَحْصُلُ، والثّانِي: أنَّ العِلْمَ بِعَدَمِ الرَّدِّ، لا يَمْنَعُ مِنَ الإرادَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ﴾ [المائدة: ٣٧] ﴿أنْ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ﴾ [الأعراف: ٥٠] انْتَهى. ولا يَرِدُ هَذا السُّؤالُ؛ لِأنَّ التَّمَنِّيَ يَكُونُ في المُمْكِنِ والمُمْتَنِعِ، بِخِلافِ التَّرَجِّي فَإنَّهُ لا يَكُونُ إلّا في المُمْكِنِ، فَوَرَدَ التَّمَنِّي هُنا عَلى المُمْتَنِعِ، وهو أحَدُ قِسْمَيْ ما يَكُونُ التَّمَنِّي لَهُ في لِسانِ العَرَبِ، والأصَحُّ أنَّ (يا) في قَوْلِهِ: (يا لَيْتَ) حَرْفُ تَنْبِيهِ، لا حَرْفُ نِداءٍ، والمُنادى مَحْذُوفٌ لِأنَّ في هَذا حَذْفَ جُمْلَةِ النِّداءِ، وحَذْفَ مُتَعَلِّقِهِ رَأْسًا، وذَلِكَ إجْحافٌ كَثِيرٌ.

الأنعام 6:28

﴿بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ﴾ . (بَلْ) هُنا لِلْإضْرابِ والِانْتِقالِ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ مِن غَيْرِ إبْطالٍ لِما سَبَقَ، وهَكَذا يَجِيءُ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى، إذا كانَ ما بَعْدَها مِن إخْبارِ اللَّهِ تَعالى، لا عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ عَنْ قَوْمٍ، تَكُونُ (بَلْ) فِيهِ لِلْإضْرابِ، كَقَوْلِهِ: ﴿بَلِ افْتَراهُ بَلْ هو شاعِرٌ﴾ [الأنبياء: ٥]، ومَعْنى (بَدا) ظَهَرَ. وقالَ الزَّجّاجُ: (بَلْ) هُنا اسْتِدْراكٌ وإيجابُ نَفْيٍ، كَقَوْلِهِمْ: ما قامَ زَيْدٌ، بَلْ قامَ عَمْرٌو انْتَهى. ولا أدْرِي ما النَّفْيُ الَّذِي سَبَقَ حَتّى تُوجِبَهُ (بَلْ) . وقالَ غَيْرُهُ: (بَلْ) رَدٌّ لِما تَمَنَّوْهُ؛ أيْ لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما قالُوهُ؛ لِأنَّهم لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ رَغْبَةً في الإيمانِ، بَلْ قالُوهُ إشْفاقًا مِنَ العَذابِ، وطَمَعًا في الرَّحْمَةِ انْتَهى. ولا أدْرِي ما هَذا الكَلامُ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (لَهم) عائِدٌ عَلى مَن عادَ عَلَيْهِ في وُقِفُوا. قالَ أبُو رَوْقٍ: وهم جَمِيعُ الكافِرِينَ يَجْمَعُهُمُ اللَّهُ، ويَقُولُ: (أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ) الآيَةَ، فَيَقُولُونَ: (واللَّهِ رَبِّنا) الآيَةَ، فَتَنْطِقُ جَوارِحُهم، وتَشْهَدُ بِأنَّهم كانُوا يُشْرِكُونَ في الدُّنْيا وبِما كَتَمُوا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: (بَلْ بَدا لَهم) فَعَلى هَذا يَكُونُ مِن قَبْلُ راجِعًا إلى الآخِرَةِ؛ أيْ مِن قَبْلِ بُدُوِّهِ في الآخِرَةِ. وقالَ قَتادَةُ: يَظْهَرُ ﴿ما كانُوا يُخْفُونَ﴾ مِن شِرْكِهِمْ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، وذَلِكَ أنَّهم لَوْ سُئِلُوا في الدُّنْيا، هَلْ تُعاقَبُونَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ ؟ قالُوا: لا، ثُمَّ ظَهَرَ لَهم عُقُوبَةُ شِرْكِهِمْ في الآخِرَةِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ بَدا لَهُمْ﴾ . وقِيلَ: كُفّارُ مَكَّةَ، ظَهَرَ لَهم ما أخْفَوْهُ مِن أمْرِ البَعْثِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٧] بَعْدَ المَوْتِ، وقِيلَ: المُنافِقُونَ كانُوا يُخْفُونَ الكُفْرَ، فَظَهَرَ لَهم وبالُهُ يَوْمَ القِيامَةِ. وقِيلَ: الكُفّارُ الَّذِينَ كانُوا إذا وعَظَهُمُ الرَّسُولُ، خافُوا، وأخْفَوْا ذَلِكَ الخَوْفَ؛ لِئَلّا يَشْعُرَ بِهِمْ أتْباعُهم، فَيَظْهَرُ ذَلِكَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ. وقِيلَ: اليَهُودُ والنَّصارى وسائِرُ الكُفّارِ، ويَكُونُ الَّذِي يُخْفُونَهُ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وأحْوالَهُ، والمَعْنى بَدا لَهم صِدْقُكَ في النُّبُوَّةِ وتَحْذِيرُكَ مِن عِقابِ اللَّهِ، وهَذِهِ الأقْوالُ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ في (لَهم)، و(يُخْفُونَ) عائِدٌ عَلى جِنْسٍ واحِدٍ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ مُخْتَلِفٌ؛ أيْ بَدا لِلْأتْباعِ ما كانَ الرُّؤَساءُ يُخْفُونَهُ عَنْهم مِنَ الفَسادِ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ نَحْوُ هَذا. وقِيلَ: بَدا لِمُشْرِكِي العَرَبِ ما كانَ أهْلُ الكِتابِ يُخْفُونَهُ عَنْهم مِنَ البَعْثِ، وأمْرِ النّارِ؛ لِأنَّهُ سَبَقَ ذِكْرُ أهْلِ الكِتابِ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ﴾ [الأنعام: ٢٠] . وقِيلَ: ﴿بَلْ بَدا لَهُمْ﴾ أيْ لِبَعْضِهِمْ ما كانَ يُخْفِيهِ عَنْهُ بَعْضُهم، فَأطْلَقَ كُلًّا عَلى بَعْضٍ مَجازًا. وقالَ الزَّهْراوِيُّ: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَقْصُودُ الآيَةِ الإخْبارَ عَنْ هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّهم ظَهَرَتْ (p-١٠٤)لَهم مَسْتُوراتُهم في الدُّنْيا مِن مَعاصٍ وغَيْرِها، فَكَيْفَ الظَّنُّ عَلى هَذا بِما كانُوا يُعْلِنُونَ بِهِ مِن كُفْرٍ ونَحْوِهِ، ويُنْظَرُ إلى هَذا التَّأْوِيلِ قَوْلُهُ تَعالى في تَعْظِيمِ شَأْنِ يَوْمِ القِيامَةِ ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ما كانُوا يُخْفُونَ﴾ مِنَ النّاسِ مِن قَبائِحِهِمْ وفَضائِحِهِمْ في صُحُفِهِمْ، وشَهادَةِ جَوارِحِهِمْ عَلَيْهِمْ، فَلِذَلِكَ تَمَنَّوْا ما تَمَنَّوْا ضَجَرًا، إلّا أنَّهم عازِمُونَ عَلى أنَّهم لَوْ رُدُّوا لَآمَنُوا انْتَهى. * * ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ أيْ (ولَوْ رُدُّوا) إلى الدُّنْيا بَعْدَ وُقُوفِهِمْ عَلى النّارِ وتَمَنِّيهِمُ الرَّدَّ، لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ مِنَ الكُفْرِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعاصِي انْتَهى. فَأدْرَجَ الفُسّاقَ الَّذِينَ لَمْ يَتُوبُوا في المَوْقُوفِينَ عَلى النّارِ المُتَمَنِّينَ الرَّدَّ عَلى مَذْهَبِهِ الِاعْتِزالِيِّ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ إخْبارٌ عَنْ أمْرٍ لا يَكُونُ كَيْفَ كانَ يُؤْخَذُ، وهَذا النَّوْعُ مِمّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، فَإنْ أعْلَمَ بِشَيْءٍ مِنهُ، عُلِمَ، وإلّا لَمْ يُتَكَلَّمْ فِيهِ. قالَ ابْنُ القُشَيْرِيِّ: ﴿لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ ) مِنَ الشِّرْكِ، لِعِلْمِ اللَّهِ فِيهِمْ وإرادَتِهِ أنْ لا يُؤْمِنُوا في الدُّنْيا، وقَدْ عايَنَ إبْلِيسُ ما عايَنَ مِن آياتِ اللَّهِ ثُمَّ عانَدَ. وقالَ الواحِدِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ مِنَ الأدِلَّةِ الظّاهِرَةِ عَلى المُعْتَزِلَةِ عَلى فَسادِ قَوْلِهِمْ، وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْ قَوْمٍ جَرى عَلَيْهِمْ قَضاؤُهُ في الأزَلِ بِالشِّرْكِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم لَوْ شاهَدُوا النّارَ والعَذابَ، ثُمَّ سَألُوا الرَّجْعَةَ ورُدُّوا إلى الدُّنْيا، لَعادُوا إلى الشِّرْكِ، وذَلِكَ لِلْقَضاءِ السّابِقِ فِيهِمْ، وإلّا فالعاقِلُ لا يَرْتابُ فِيما شاهَدَ انْتَهى. وأوْرَدَ هُنا سُؤالًا، وأظُنُّهُ لِلْمُعْتَزِلَةِ، وهو كَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: ولَوْ رُدُّوا إلى الدُّنْيا لَعادُوا إلى الكُفْرِ بِاللَّهِ وإلى مَعْصِيَتِهِ وقَدْ عَرَفُوا اللَّهَ بِالضَّرُورَةِ وشاهَدُوا أنْواعَ العِقابِ ؟ وأجابَ القاضِي: بِأنَّ التَّقْدِيرَ، ولَوْ رُدُّوا إلى حالَةِ التَّكْلِيفِ، وإنَّما يَحْصُلُ الرَّدُّ إلى هَذِهِ الحالَةِ، لَوْ لَمْ يَحْصُلْ في القِيامَةِ مَعْرِفَةُ اللَّهِ بِالضَّرُورَةِ، ومُشاهَدَةُ الأهْوالِ وعَذابُ جَهَنَّمَ، فَهَذا الشَّرْطُ يَكُونُ مُضْمَرًا في الآيَةِ لا مَحالَةَ. وضُعِّفَ جَوابُ القاضِي، بِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الآيَةِ غُلُوُّهم في الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ، وعَدَمِ الرَّغْبَةِ في الإيمانِ، ولَوْ قَدَّرْنا عَدَمَ مَعْرِفَةِ اللَّهِ في القِيامَةِ، وعَدَمَ مُشاهَدَةِ الأهْوالِ يَوْمَ القِيامَةِ، لَمْ يَكُنْ في إصْرارِ القَوْمِ عَلى كُفْرِهِمْ مَزِيدُ تَعَجُّبٍ؛ لِأنَّ إصْرارَهم عَلى الكُفْرِ يَجْرِي مَجْرى إصْرارِ سائِرِ الكُفّارِ عَلى الكُفْرِ في الدُّنْيا، فَعَلِمْنا أنَّ الشَّرْطَ الَّذِي ذَكَرَهُ القاضِي لا يُمْكِنُ اعْتِبارُهُ البَتَّةَ انْتَهى. وإنَّما المَعْنى (ولَوْ رُدُّوا)، وقَدْ عَرَفُوا اللَّهَ بِالضَّرُورَةِ، وعايَنُوا العَذابَ، وهم مُسْتَحْضِرُونَ ذَلِكَ، ذاكِرُونَ لَهُ، لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ مِنَ الكُفْرِ. وقَرَأ إبْراهِيمُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ (ولَوْ رِدُّوا) بِكَسْرِ الرّاءِ، عَلى نَقْلِ حَرَكَةِ الدّالِ مِن (رَدِدَ) إلى الرّاءِ. (وإنَّهم لَكاذِبُونَ) . تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ، وهَلِ التَّكْذِيبُ راجِعٌ إلى ما تَضَمَّنَتْهُ جُمْلَةُ التَّمَنِّي مِنَ الوَعْدِ بِالإيمانِ، أوْ ذَلِكَ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَنْ عادَتِهِمْ ودَيْدَنِهِمْ وما هم عَلَيْهِ مِنَ الكَذِبِ في مُخاطَبَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مُنْقَطِعًا عَمّا قَبْلَهُ مِنَ الكَلامِ.

الأنعام 6:29

﴿وقالُوا إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (وقالُوا) عَطْفٌ عَلى (لَعادُوا) أيْ لَوْ رُدُّوا لَكَفَرُوا، ولَقالُوا (إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا) كَما كانُوا يَقُولُونَ قَبْلَ مُعايَنَةِ القِيامَةِ، ويَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ عَلى قَوْلِهِ: (وإنَّهم لَكاذِبُونَ) عَلى مَعْنى وإنَّهم لَقَوْمٌ كاذِبُونَ في كُلِّ شَيْءٍ، وهُمُ الَّذِينَ ﴿وقالُوا إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾، وكَفى بِهِ دَلِيلًا عَلى كَذِبِهِمُ انْتَهى. والقَوْلُ الأوَّلُ الَّذِي قَدَّمَهُ مِن كَوْنِهِ داخِلًا في جَوابِ (لَوْ)، هو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وتَوْقِيفُ اللَّهِ لَهم في الآيَةِ بَعْدَها عَلى البَعْثِ والإشارَةِ إلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ﴾ [الأنعام: ٣٠] رَدٌّ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ انْتَهى. ولا يَرُدُّهُ ما ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ؛ لِاخْتِلافِ المَوْطِنَيْنِ؛ لِأنَّ إقْرارَهم بِحَقِّيَةِ البَعْثِ، هو في الآخِرَةِ، وإنْكارَهم ذَلِكَ هو في الدُّنْيا عَلى تَقْدِيرِ عَوْدِهِمْ، وهو إنْكارُ عِنادٍ، فَإقْرارُهم بِهِ في الآخِرَةِ، لا يُنافِي إنْكارَهم لَهُ في الدُّنْيا عَلى تَقْدِيرِ العَوْدِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤] ؟ وقَوْلِ أبِي جَهْلٍ. وقَدْ عَلِمَ أنَّ ما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، حَقٌّ ما مَعْناهُ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ بِهِ أبَدًا، هَذا وذَلِكَ (p-١٠٥)فِي مَوْطِنٍ واحِدٍ، وهي الدُّنْيا، والقَوْلُ الثّانِي الَّذِي ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، هو قَوْلُ الجُمْهُورِ، وهو أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨] كَلامًا مُنْقَطِعًا عَمّا قَبْلَهُ، وقالُوا: إخْبارٌ عَنْ ما صَدَرَ مِنهم في حالَةِ الدُّنْيا. قالَ مُقاتِلٌ: لَمّا أخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ، كُفّارَ مَكَّةَ بِالبَعْثِ، قالُوا: هَذا، ومَعْنى الآيَةِ إنْكارُ الحَشْرِ والمَعادِ. وبَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الَّذِي كانُوا يَخافُونَهُ، هو الحَشْرُ والمَعادُ عَلى بَعْضِ أقْوالِ المُفَسِّرِينَ المُتَقَدِّمَةِ. و(إنْ) هُنا نافِيَةٌ. ولَمْ يَكْتَفُوا بِالإخْبارِ عَنِ المَحْصُورِ، فَيَقُولُوا هي حَياتُنا الدُّنْيا حَتّى أتَوْا بِالنَّفْيِ والحَصْرِ؛ أيْ لا حَياةَ إلّا هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا فَقَطْ، وهي ضَمِيرُ الحَياةِ، وفَسَّرَهُ الخَبَرُ بَعْدَهُ. والتَّقْدِيرُ وما الحَياةُ إلّا حَياتُنا الدُّنْيا، هَكَذا قالَ بَعْضُ أصْحابِنا أنَّهُ يَتَقَدَّمُ الضَّمِيرُ، ولا يُنْوى بِهِ التَّأْخِيرُ، إذا جُعِلَ الظّاهِرُ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ المُضْمَرِ، وعَدَّهُ مَعَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ بِـ (رُبَّ)، نَحْوَ: رُبَّهُ رَجُلًا أكْرَمْتَ، والمَرْفُوعِ بِـ (نِعْمَ) عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، نَحْوَ نِعْمَ رَجُلٌ زَيْدٌ، أوْ بِأوَّلِ المُتَنازِعَيْنِ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، نَحْوَ ضَرَبانِي وضَرَبْتُ الزَّيْدَيْنِ، أوْ أُبْدِلَ مِنهُ المُفَسَّرُ عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ، نَحْوَ مَرَرْتُ بِهِ زِيدٍ، قالَ: أوْ جُعِلَ خَبَرَهُ، ومَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ التَّقْدِيرانِ الحَياةُ، إلّا حَياتُنا الدُّنْيا، فَإظْهارُ الخَبَرِ يَدُلُّ عَلَيْها ويُبَيِّنُها، ولَمْ يَذْكُرْ غَيْرُهُ مِن أصْحابِنا هَذا القِسْمَ، أوْ كانَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، وضَمِيرَ المَجْهُولِ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ، نَحْوَ هَذا زِيدٌ قائِمٌ، خِلافًا لِابْنِ الطَّراوَةِ في إنْكارِ هَذا القِسْمِ. وتَوْضِيحُ هَذِهِ المُضْمَراتِ مَذْكُورٌ في كُتُبِ النَّحْوِ. والدُّنْيا صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: (حَياتُنا)، ولَمْ يُؤْتَ بِها عَلى أنَّها صِفَةٌ تُزِيلُ اشْتِراكًا عارِضًا في مَعْرِفَةٍ؛ لِأنَّهم لا يُقِرُّونَ بِأنَّ ثَمَّ حَياةً غَيْرُ دُنْيا، بَلْ ذَلِكَ وصْفٌ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، إذْ لا حَياةَ عِنْدَهم إلّا هَذِهِ الحَياةُ. ﴿وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ . لَمّا دَلَّ الكَلامُ عَلى نَفْيِ البَعْثِ بِما تَضَمَّنَهُ مِنَ الحَصْرِ، صَرَّحُوا بِالنَّفْيِ المَحْضِ الدّالِّ عَلى عَدَمِ البَعْثِ بِالمَنطُوقِ، وأكَّدُوا ذَلِكَ بِالباءِ الدّاخِلَةِ في الخَبَرِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ في الإنْكارِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في مُشْرِكِي العَرَبِ، ومَن وافَقَهم في إنْكارِ البَعْثِ.

الأنعام 6:30

﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ قالُوا بَلى ورَبِّنا﴾ جَوابُ (لَوْ) مَحْذُوفٌ، كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ: (ولَوْ تَرى) أوَّلًا، وذَلِكَ مَجازٌ عَنِ الحَبْسِ والتَّوْبِيخِ والسُّؤالِ، كَما يَقِفُ العَبْدُ الجانِي بَيْنَ يَدَيْ سَيِّدِهِ لِيُعاقِبَهُ، وقَدْ تَعَلَّقَ بَعْضُ المُشَبِّهَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالُوا: ظاهِرُها يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ في حَيِّزٍ ومَكانٍ؛ لِأنَّ أهْلَ القِيامَةِ يَقِفُونَ عِنْدَهُ، وبِالقُرْبِ مِنهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ، بِحَيْثُ يَحْضُرُ في مَكانٍ تارَةً، ويَغِيبُ عَنْهُ أُخْرى. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: وهَذا خَطَأٌ؛ لِأنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِمْ واقِفِينَ عَلى اللَّهِ، كَما يَقِفُ أحَدُنا عَلى الأرْضِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُسْتَعْلِيًا عَلى ذاتِ اللَّهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وأنَّهُ باطِلٌ بِالِاتِّفاقِ، فَوَجَبَ المَصِيرُ إلى التَّأْوِيلِ، فَيَكُونُ المُرادُ، إذا وُقِفُوا عَلى ما وعَدَهم رَبُّهم مِن عَذابِ الكافِرِينَ، وثَوابِ المُؤْمِنِينَ، وعَلى ما أخْبَرَ بِهِ مِن أمْرِ الآخِرَةِ، أوْ يَكُونُ المُرادُ وُقُوفَ المَعْرِفَةِ انْتَهى. وهَذانِ التَّأْوِيلانِ ذَكَرَهُما الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَلى حُكْمِهِ وأمْرِهِ انْتَهى. وقِيلَ: عَلى مَسْألَةِ رَبِّهِمْ إيّاهم عَنْ أعْمالِهِمْ. وقِيلَ: لِمَسْألَةِ (p-١٠٦)مَلائِكَةِ رَبِّهِمْ، وقِيلَ: عَلى حِسابِ رَبِّهِمْ قالَ: ﴿ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الفاعِلَ بَقالَ هو اللَّهُ فَيَكُونُ السُّؤالُ مِنهُ تَعالى لَهم، وقِيلَ: السُّؤالُ مِنَ المَلائِكَةِ فَكَأنَّهُ عائِدٌ عَلى مَن وقَفَهم عَلى اللَّهِ مِنَ المَلائِكَةِ أيْ قالَ: مَن وقَفَهم مِنَ المَلائِكَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قالَ: مَرْدُودٌ عَلى مَن قالَ قائِلٌ قالَ ماذا قالَ لَهم رَبُّهم إذْ وقَفُوا عَلَيْهِ ؟ فَقِيلَ: ﴿ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ﴾ وهَذا تَعْيِيرٌ مِنَ اللَّهِ لَهم عَلى التَّكْذِيبِ وقَوْلِهِمْ لَمّا كانُوا يَسْمَعُونَ مِن حَدِيثِ البَعْثِ والجَزاءِ ما هو بِحَقٍّ وما هو إلّا باطِلٌ انْتَهى. ويُحْتَمَلُ عِنْدِي أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ حالِيَّةً، التَّقْدِيرُ ﴿إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ قائِلًا لَهم ﴿ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ﴾ والإشارَةُ بِهَذا إلى البَعْثِ ومُتَعَلِّقاتِهِ. وقالَ أبُو الفَرَجِ بْنُ الجَوْزِيِّ: ألَيْسَ هَذا العَذابُ بِالحَقِّ وكَأنَّهُ لاحَظَ قَوْلَهُ قالَ: ﴿فَذُوقُوا العَذابَ﴾ قالُوا: (بَلى ورَبِّنا) تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى بَلى؛ وأكَّدُوا جَوابَهم بِاليَمِينِ في قَوْلِهِمْ (ورَبِّنا) وهو إقْرارٌ بِالإيمانِ حَيْثُ لا يَنْفَعُ وناسَبَ التَّوْكِيدُ بِقَوْلِهِمْ (ورَبِّنا) صَدْرَ الآيَةِ في ﴿وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ وفي ذِكْرِ الرَّبِّ تِذْكارٌ لَهم في أنَّهُ كانَ يُرَبِّيهِمْ ويُصْلِحُ حالَهم إذا كانَ سَيِّدُهم وهم عَبِيدُهُ لَكِنَّهم عَصَوْهُ وخالَفُوا أمْرَهُ. * * ﴿قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ أيْ بِكَفْرِكم بِالعَذابِ والباءُ سَبَبِيَّةٌ فَقِيلَ مُتَعَلِّقُ الكُفْرِ البَعْثُ أيْ بِكُفْرِكم بِالبَعْثِ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقُهُ العَذابُ أيْ بِكُفْرِكم بِالعَذابِ، والذَّوْقُ في العَذابِ اسْتِعارَةٌ بَلِيغَةٌ والمَعْنى باشِرُوهُ مُباشَرَةَ الذّائِقِ إذْ هي أشَدُّ المُباشَراتِ. ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتّى إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا ياحَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها﴾ [الأنعام: ٣١] هَذا اسْتِئْنافُ إخْبارٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَنْ أحْوالِ مُنْكِرِي البَعْثِ وخُسْرانِهِمْ أنَّهُمُ اسْتَعاضُوا الكُفْرَ عَنِ الإيمانِ فَصارَ ذَلِكَ شَبِيهًا بِحالَةِ البائِعِ الَّذِي أخَذَ وأعْطى وكانَ ما أخَذَ مِنَ الكُفْرِ سَبَبًا لِهَلاكِهِ وما أعْطاهُ مِنَ الإيمانِ سَبَبًا لِنَجاتِهِ فَأشْبَهَ الخاسِرَ في صَفْقَتِهِ العادِمَ الرِّبْحَ ورَأْسَ مالِهِ ومَعْنى (بِلِقاءِ اللَّهِ) بُلُوغُ الآخِرَةِ وما يَكُونُ فِيها مِنَ الجَزاءِ ورُجُوعُهم إلى أحْكامِ اللَّهِ فِيها وحَتّى غايَةٌ لِتَكْذِيبِهِمْ لا لِخُسْرانِهِمْ لِأنَّ الخُسْرانَ لا غايَةَ لَهُ والتَّكْذِيبَ مُغَيًّا بِالحَسْرَةِ لِأنَّهُ لا يَزالُ بِهِمُ التَّكْذِيبُ إلى قَوْلِهِمْ يا حَسْرَتَنا وقْتَ مَجِيءِ السّاعَةِ وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى (حَتّى إذا) في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ﴾ [الأنعام: ٢٥] ومَعْنى (بِلِقاءِ اللَّهِ) بِلِقاءِ جَزائِهِ والإضافَةُ تَفْخِيمٌ وتَعْظِيمٌ لِشَأْنِ الجَزاءِ وهو نَظِيرُ (لَقِيَ اللَّهَ وهو عَلَيْهِ غَضْبانُ) أيْ لَقِيَ جَزاءَهُ ومَن أثْبَتَ أنَّ اللَّهَ تَعالى في جِهَةٍ اسْتَدَلَّ بِهَذا وقالَ: اللِّقاءُ حَقِيقَةٌ، و(السّاعَةُ) يَوْمُ القِيامَةِ سُمِّيَ ساعَةً لِسُرْعَةِ انْقِضاءِ الحِسابِ فِيها لِلْجَزاءِ لِقَوْلِهِ: ﴿أسْرَعُ الحاسِبِينَ﴾ [الأنعام: ٦٢] . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأُدْخِلَ عَلَيْها تَعْرِيفُ العَهْدِ دُونَ تَقَدُّمِ ذِكْرٍ لِشُهْرَتِها واسْتِقْرارِها في النُّفُوسِ وذَياعِ ذِكْرِها وأيْضًا فَقَدْ تَضَمَّنَها قَوْلُهُ: (بِلِقاءِ اللَّهِ) انْتَهى. ثُمَّ غَلَبَ اسْتِعْمالُ السّاعَةِ؛ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ فَصارَتِ الألِفُ واللّامُ فِيها لِلْغَلَبَةِ كَهي في البَيْتِ لِلْكَعْبَةِ والنَّجْمِ لِلثُّرَيّا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: إنَّما يَتَحَسَّرُونَ عِنْدَ مَوْتِهِمْ قُلْتُ: لَمّا كانَ المَوْتُ وُقُوعًا في أحْوالِ الآخِرَةِ ومُقَدِّماتِها جُعِلَ مِن جِنْسِ السّاعَةِ وسُمِّي بِاسْمِها ولِذَلِكَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ: «مَن ماتَ فَقَدْ قامَتْ قِيامَتُهُ» . وجُعِلَ في مَجِيءِ السّاعَةِ بَعْدَ المَوْتِ لِسُرْعَتِهِ فالواقِعُ بِغَيْرِ فَتْرَةٍ انْتَهى. وإطْلاقُ (السّاعَةُ) عَلى وقْتِ المَوْتِ مَجازٌ ويُمْكِنُ حَمْلُ السّاعَةِ عَلى الحَقِيقَةِ وهو يَوْمُ القِيامَةِ ولا يَلْزَمُ مِن تَحَسُّرِهِمْ وقْتَ المَوْتِ أنَّهم لا يَتَحَسَّرُونَ يَوْمَ القِيامَةِ بَلِ الظّاهِرُ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ: ﴿وهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام: ٣١] إذْ هَذا حالٌ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿قالُوا ياحَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها﴾ [الأنعام: ٣١] وهي حالُ مُقارَنَةٍ وإذا حَمَلْنا السّاعَةَ عَلى وقْتِ المَوْتِ كانَتْ حالًا مُقَدَّرَةً ومَجِيءُ القُدْرَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى المُقارَنَةِ قَلِيلٌ فَيَكُونُ التَّكْذِيبُ مُتَّصِلًا بِهِمْ مُغَيًّا بِالحَسْرَةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ إذْ مُكْثُهم في البَرْزَخِ عَلى اعْتِقادِ أمْثَلِهِمْ (p-١٠٧)طَرِيقَةً يَوْمٌ واحِدٌ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلّا يَوْمًا﴾ [طه: ١٠٤] فَلَمّا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ زالَ التَّكْذِيبُ وشاهَدُوا ما أخْبَرَتْهم بِهِ الرُّسُلُ عِيانًا فَقالُوا (يا حَسْرَتَنا) وجَوَّزُوا في انْتِصابِ (بَغْتَةً) أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا في مَوْضِعِ الحالِ مِن (السّاعَةُ) أيْ باغِتَةً أوْ مِن مَفْعُولِ جاءَتْهم أيْ مَبْغُوتِينَ أوْ مَصْدَرًا لَجاءَ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: حَتّى إذا بَغَتَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً أوْ مَصْدَرًا لْفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ تَبْغَتُهم بَغْتَةً ونادَوُا الحَسْرَةَ وإنْ كانَتْ لا تُجِيبُ عَلى طَرِيقِ التَّعْظِيمِ. قالَ سِيبَوَيْهِ: وكَأنَّ الَّذِي يُنادِي الحَسْرَةَ أوِ العَجَبَ أوِ السُّرُورَ أوِ الوَيْلَ يَقُولُ: اقْرُبِي أوِ احْضُرِي فَهَذا أوانُكِ وزَمَنُكَ وفي ذَلِكَ تَعْظِيمٌ لِلْأمْرِ عَلى نَفْسِ المُتَكَلِّمِ وعَلى سامِعِهِ كانَ ثَمَّ سامِعٌ وهَذا التَّعْظِيمُ عَلى النَّفْسِ والسّامِعِ هو المَقْصُودُ أيْضًا في نِداءِ الجَماداتِ كَقَوْلِكَ يا دارُ يا رَبْعُ وفي نِداءِ ما لا يَعْقِلُ كَقَوْلِهِمْ: يا جَمَلُ، و(فَرَّطْنا) قَصَّرْنا والتَّفْرِيطُ التَّقْصِيرُ مَعَ القُدْرَةِ عَلى تَرْكِهِ والضَّمِيرُ في (فِيها) عائِدٌ عَلى (السّاعَةُ) أيْ في التَّقْدُمَةِ لَها قالَهُ الحَسَنُ أوِ الصَّفْقَةِ الَّتِي تَضَمَّنَها ذِكْرُ الخَسارَةِ قالَهُ الطَّبَرِيُّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الضَّمِيرُ لِلْحَياةِ الدُّنْيا جِيءَ بِضَمِيرِها وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ لِكَوْنِها مَعْلُومَةً أوِ السّاعَةِ عَلى مَعْنى قَصَّرْنا في شَأْنِها وفي الإيمانِ بِها كَما تَقُولُ: فَرَّطْتُ في فُلانٍ ومِنهُ فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ انْتَهى. وكَوْنُهُ عائِدًا عَلى الدُّنْيا وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ودَلَّ العَقْلُ عَلى أنَّ مَوْضِعَ التَّقْصِيرِ لَيْسَ إلّا الدُّنْيا فَحَسُنَ عَوْدُهُ عَلَيْها لِهَذا المَعْنى وأوْرَدَ ابْنُ عَطِيَّةَ هَذا القَوْلَ احْتِمالًا فَقالَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلى الدُّنْيا إذِ المَعْنى يَقْتَضِيها وتَجِيءُ الظَّرْفِيَّةُ أمْكَنَ بِمَنزِلَةِ زَيْدٌ في الدّارِ انْتَهى. وعَوْدُهُ عَلى (السّاعَةُ) قَوْلُ الحَسَنِ والمَعْنى في إعْدادِ الزّادِ والأُهْبَةِ لَها، وقِيلَ: يَعُودُ الضَّمِيرُ عَلى (ما) وهي مَوْصُولٌ وعادَ عَلى المَعْنى أيْ (يا حَسْرَتَنا) عَلى الأعْمالِ والطّاعاتِ الَّتِي فَرَّطْنا فِيها و(ما) في الأوْجُهِ الَّتِي سَبَقَتْ مَصْدَرِيَّةٌ التَّقْدِيرُ عَلى تَفْرِيطِنا في الدُّنْيا أوْ في السّاعَةِ أوْ في الصَّفْقَةِ عَلى التَّقْدِيرِ الَّذِي تَقَدَّمَ. والظّاهِرُ عَوْدُهُ عَلى السّاعَةِ وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ عائِدٌ إلى مَنازِلِهِمْ في الجَنَّةِ إذا رَأوْا مَنازِلَهم فِيها لَوْ كانُوا آمَنُوا.

الأنعام 6:31

﴿وهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ﴾ الأوْزارُ: الخَطايا والآثامُ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا الحَمْلَ حَقِيقَةٌ وهو قَوْلُ عُمَيْرِ بْنِ هانِئٍ وعَمْرِو بْنِ قَيْسٍ المُلائِئِّ والسُّدِّيِّ واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ وما ذَكَرَهُ مَحْصُولُهُ أنَّ عَمَلَهُ يُمَثَّلُ في صُورَةِ رَجُلٍ قَبِيحِ الوَجْهِ والصُّورَةِ خَبِيثِ الرِّيحِ فَيَسْألُهُ فَيَقُولُ: أنا عَمَلُكَ طالَما رَكِبْتَنِي في الدُّنْيا فَأنا اليَوْمَ أرْكَبُكَ فَيَرْكَبُهُ ويَتَخَطّى بِهِ رِقابَ النّاسِ ويَسُوقُهُ حَتّى يُدْخِلَهُ النّارَ ورَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ بِهَذا المَعْنى واللَّفْظُ مُخْتَلِفٌ، وقِيلَ: هو مَجازٌ عُبِّرَ بِحَمْلِ الوِزْرِ عَنْ ما يَجِدُهُ مِنَ المَشَقَّةِ والآلامِ بِسَبَبِ ذُنُوبِهِ والمَعْنى أنَّهم يُقاسُونَ عِقابَ ذُنُوبِهِمْ مُقاساةَ تَثْقِيلٍ عَلَيْهِمْ وهَذا القَوْلُ بَدَأ بِهِ ابْنُ عَطِيَّةَ ولَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَهُ قالَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] لِأنَّهُ اعْتِيدَ حَمْلُ الأثْقالِ عَلى الظُّهُورِ كَما أُلِّفَ الكَسْبُ بِالأيْدِي والواوُ في (وهم) واوُ الحالِ وأتَتِ الجُمْلَةُ مُصَدَّرَةً بِالضَّمِيرِ لِأنَّهُ أبْلَغُ في النِّسْبَةِ إذْ صارَ ذُو الحالِ مَذْكُورًا مَرَّتَيْنِ مِن حَيْثُ المَعْنى وخُصَّ الظَّهْرُ لِأنَّهُ غالِبًا مَوْضِعُ اعْتِيادِ الحَمْلِ ولِأنَّهُ يُشْعِرُ بِالمُبالَغَةِ في ثِقَلِ المَحْمُولِ إذْ يُطِيقُ مِنَ الحَمْلِ الثَّقِيلِ ما لا تُطِيقُهُ الرَّأْسُ ولا الكاهِلُ كَما قالَ ﴿فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام: ٧] لِأنَّ اللَّمْسَ أغْلَبُ ما يَكُونُ بِاليَدِ ولِأنَّها أقْوى في الإدْراكِ. ﴿ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ (ساءَ) هُنا تَحْتَمِلُ وُجُوهًا ثَلاثَةً. أحَدُها: أنْ تَكُونَ المُتَعَدِّيَةَ المُتَصَرِّفَةَ ووَزْنُها (فَعَلَ) بِفَتْحِ العَيْنِ والمَعْنى ألا ساءَهم (p-١٠٨)ما يَزِرُونَ، وتَحْتَمِلُ (ما) عَلى هَذا الوَجْهِ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً بِمَعْنى الَّذِي، فَتَكُونَ فاعِلَةً، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ (ما) مَصْدَرِيَّةً، فَيَنْسَبِكَ مِنها وما بَعْدَها مَصْدَرٌ، هو الفاعِلُ؛ أيْ ألا ساءَهم وِزْرُهم. والوَجْهُ الثّانِي: أنَّها حُوِّلَتْ إلى (فَعُلَ)، بِضَمِّ العَيْنِ، وأُشْرِبَتْ مَعْنى التَّعَجُّبِ، والمَعْنى ألا ما أسْوَأ الَّذِي يَزِرُونَهُ، أوْ ما أسْوَأ وِزْرَهم، عَلى الِاحْتِمالَيْنِ في (ما) . والثّالِثُ: أنَّها أيْضًا حُوِّلَتْ إلى (فَعُلَ)، بِضَمِّ العَيْنِ، وأُرِيدَ بِها المُبالَغَةُ في الذَّمِّ، فَتَكُونُ مُساوِيَةً لِـ (بِئْسَ) في المَعْنى والأحْكامِ، ويَكُونُ إطْلاقُ الَّذِي سَبَقَ في (ما)، في قَوْلِهِ: ﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: ٩٠] جارِيًا فِيها هُنا، والفَرْقُ بَيْنَ هَذا الوَجْهِ، والوَجْهِ الَّذِي قَبْلَهُ؛ أنَّ الَّذِي قَبْلَهُ لا يُشْتَرَطُ فِيهِ ما يُشْتَرَطُ في فاعِلِ (بِئْسَ) مِنَ الأحْكامِ، ولا هو جُمْلَةٌ مُنْعَقِدَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ، إنَّما هو مُنْعَقِدٌ مِن فِعْلٍ وفاعِلٍ. والفَرْقُ بَيْنَ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ والأوَّلِ؛ أنَّ في الأوَّلِ الفِعْلُ مُتَعَدٍّ، وفي هَذَيْنِ قاصِرٌ، وأنَّ الكَلامَ فِيهِ خَبَرٌ، وهو في هَذَيْنِ إنْشاءٌ، وجَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن بابِ (بِئْسَ) فَقَطْ، فَقالَ: ساءَ ما يَزِرُونَ؛ بِئْسَ شَيْئًا يَزِرُونَ وِزْرَهم، كَقَوْلِهِ: ﴿ساءَ مَثَلًا القَوْمُ﴾ [الأعراف: ١٧٧] . وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ هَذا الوَجْهَ احْتِمالًا أخِيرًا، وبَدَأ بِأنَّ (ساءَ) مُتَعَدِّيَةٌ، و(ما) فاعِلٌ، كَما تَقُولُ: ساءَ في هَذا الأمْرِ، وأنَّ الكَلامَ خَبَرٌ مُجَرَّدٌ؛ قالَ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎رَضِيتَ خُطَّةَ خَسْفٍ غَيْرَ طائِلَةٍ فَساءَ هَذا رِضًا يا قَيْسَ غَيْلانا ولا يَتَعَيَّنُ ما قالَ في البَيْتِ مِن أنَّ الكَلامَ فِيهِ خَبَرٌ مُجَرَّدٌ، بَلْ يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: فَساءَ هَذا رِضًا، الأوْجُهَ الثَّلاثَةَ. وافْتُتِحَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِـ (ألا) تَنْبِيهًا وإشارَةً لِسُوءِ مُرْتَكَبِهِمْ، فَألا تَدُلُّ عَلى الإشارَةِ بِما يَأْتِي بَعْدَها، كَقَوْلِهِ: ألا فَلْيُبَلِّغِ الشّاهِدُ الغائِبَ، ﴿ألا إنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهم لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ﴾ [هود: ٥]، ألا لا يَجْهَلَنَ أحَدٌ عَلَيْنا.

الأنعام 6:32

﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا إلّا لَعِبٌ ولَهْوٌ ولَلدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ . لَمّا ذَكَرَ قَوْلَهم، وقالُوا: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ [الأنعام: ٢٩] ذَكَرَ مَصِيرَها، وأنَّ مُنْتَهى أمْرِها، أنَّها فانِيَةٌ مُنْقَضِيَةٌ عَنْ قَرِيبٍ، فَصارَتْ شَبِيهَةً بِاللَّهْوِ واللَّعِبِ، إذْ هُما لا يَدُومانِ ولا طائِلَ لَهُما، كَما أنَّها لا طائِلَ لَها، فاللَّهْوُ واللَّعِبُ اشْتِغالٌ بِما لا غِنى بِهِ ولا مَنفَعَةَ، كَذَلِكَ هي الدُّنْيا، بِخِلافِ الِاشْتِغالِ بِأعْمالِ الآخِرَةِ، فَإنَّها الَّتِي تُعْقِبُ المَنافِعَ والخَيْراتِ. وقالَ الحَسَنُ: في الكَلامِ حَذْفٌ، التَّقْدِيرُ وما أهْلُ الحَياةِ، إلّا أهْلُ لَعِبٍ ولَهْوٍ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ، وما أعْمالُ الحَياةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذِهِ حَياةُ الكافِرِ؛ لِأنَّهُ يُزْجِيها في غُرُورٍ وباطِلٍ، وأمّا حَياةُ المُؤْمِنِ، فَتُطْوى عَلى أعْمالٍ صالِحَةٍ، فَلا تَكُونُ لَعِبًا ولَهْوًا. وفي الحَدِيثِ: «ما أنا مِنَ الدَّدِ، ولا الدَّدُ مِنِّي» . والدَّدُ اللَّعِبُ، واللَّعِبُ واللَّهْوُ، قِيلَ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، وكُرِّرَ تَأْكِيدًا لِذَمِّ الدُّنْيا. وقالَ الرُّمّانِيُّ: اللَّعِبُ عَمَلٌ يَشْغَلُ عَمّا يُنْتَفَعُ بِهِ إلى ما لا يُنْتَفَعُ بِهِ، واللَّهْوُ صَرْفُ النَّفْسِ عَنِ الجِدِّ إلى الهَزْلِ، يُقالُ: لُهِيتُ عَنْهُ؛ أيْ صَرَفْتُ نَفْسِي عَنْهُ. ورَدَّ عَلَيْهِ المَهْدَوِيُّ، فَقالَ هَذا: فِيهِ ضَعْفٌ وبُعْدٌ؛ لِأنَّ الَّذِي مَعْناهُ الصَّرْفُ، لامُهُ ياءٌ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: لَهَيانِ، ولامُ الأوَّلِ واوٌ انْتَهى. وهَذا التَّضْعِيفُ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ (فَعِلَ) مِن ذَواتِ الواوِ، تَنْقَلِبُ فِيهِ الواوُ ياءً، كَما تَقُولُ: شَقِيَ فُلانٌ، وهو مِنَ الشِّقْوَةِ، فَكَذَلِكَ (لَهي)، أصْلُهُ (لَهِوَ) مِن ذَواتِ الواوِ، فانْقَلَبَتِ الواوُ ياءً؛ لِكَسْرَةِ ما قَبْلَها، فَقالُوا: (لَهي) كَما قالُوا: حَلِيَ بِعَيْنِي، وهو مِنَ الحَلْوِ. وأمّا اسْتِدْلالُهُ بِقَوْلِهِمْ في التَّثْنِيَةِ لَهَيانِ، فَفاسِدٌ؛ لِأنَّ التَّثْنِيَةَ هي كالفِعْلِ، تَنْقَلِبُ فِيهِ الواوُ ياءً؛ لِأنَّ مَبْناها عَلى المُفْرَدِ، وهي تَنْقَلِبُ في المُفْرَدِ في قَوْلِهِمْ: (لَهٍ) اسْمُ فاعِلٍ مِن (لَهي)، كَما قالُوا: شَجَّ، وهو مِنَ (p-١٠٩)الشَّجْوِ، وقالُوا في تَثْنِيَتِهِ: شَجَيانِ بِالياءِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ شَيْءٍ مِن هَذا في المُفْرَداتِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ، ولَدارُ الآخِرَةِ، عَلى الإضافَةِ، وقالُوا: هو كَقَوْلِهِمْ: مَسْجِدُ الجامِعِ، فَقِيلَ هو مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى صِفَتِهِ. وقالَ الفَرّاءُ: هي إضافَةُ الشَّيْءِ إلى نَفْسِهِ، كَقَوْلِكَ: بارِحَةُ الأُولى، ويَوْمُ الخَمِيسِ، وحَقُّ اليَقِينِ، وإنَّما يَجُوزُ عِنْدَ اخْتِلافِ اللَّفْظَيْنِ انْتَهى. وقِيلَ: مِن حَذْفِ المَوْصُوفِ، وإقامَةِ الصِّفَةِ مَقامَهُ؛ أيْ ولَدارُ الحَياةِ الآخِرَةِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ، وما الحَياةُ الدُّنْيا، وهَذا قَوْلُ البَصْرِيِّينَ. وحَسُنَ ذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ قَدِ اسْتُعْمِلَتِ اسْتِعْمالَ الأسْماءِ، فَوَلِيَتِ العَوامِلَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ والأُولى﴾ [الليل: ١٣]، وقَوْلِهِ: ﴿ولَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ [الضحى: ٤] . وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ ﴿ولَلدّارُ الآخِرَةُ﴾ بِتَعْرِيفِ الدّارِ بِـ (ال)، ورَفْعِ (الآخِرَةُ) نَعْتًا لَها. و(خَيْرٌ) هُنا أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، وحَسُنَ حَذْفُ المُفَضَّلِ عَلَيْهِ؛ لِوُقُوعِهِ خَبَرًا، والتَّقْدِيرُ مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا، وقِيلَ: (خَيْرٌ) هُنا لَيْسَتْ لِلتَّفْضِيلِ، وإنَّما هي كَقَوْلِهِ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٢٤]، إذْ لا اشْتِراكَ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ في أصْلِ الخَيْرِ، فَيَزِيدُ المُؤْمِنُ عَلَيْهِ، بَلْ هَذا مُخْتَصٌّ بِالمُؤْمِنِ. والدّارُ الآخِرَةُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي الجَنَّةُ. وقِيلَ: ذَلِكَ مَجازٌ عُبِّرَ بِهِ عَنِ الإقامَةِ في النَّعِيمِ؛ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎لِلَّهِ أيّامُ نَجِدٍ والنَّعِيمُ بِها قَدْ كانَ دارًا لَنا أكْرِمْ بِهِ دارا ومَعْنى (الَّذِينَ يَتَّقُونَ) يَتَّقُونَ الشِّرْكَ لِأنَّ المُؤْمِنَ الفاسِقَ، ولَوْ قَدَّرْنا دُخُولَهُ النّارَ، فَإنَّهُ بَعْدُ يَدْخُلُ الجَنَّةَ، فَتَصِيرُ الدّارُ الآخِرَةُ خَيْرًا لَهُ مِن دارِ الدُّنْيا. وذُكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى الكُفْرَ والمَعاصِيَ، وقالَ في المُنْتَخَبِ نَحْوَهُ، قالَ: بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ هَذِهِ الخَيْرِيَّةَ، إنَّما تَحْصُلُ لِمَن كانَ مِنَ المُتَّقِينَ المَعاصِيَ والكَبائِرَ، فَأمّا الكافِرِينَ والفاسِقِينَ فَلا، لِأنَّ الدُّنْيا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ خَيْرٌ مِنَ الآخِرَةِ انْتَهى. وهو أشْبَهُ بِكَلامِ المُعْتَزِلَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَوْلُهُ: (لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ) دَلِيلٌ عَلى أنَّ ما سِوى أعْمالِ المُتَّقِينَ لَهْوٌ ولَعِبٌ انْتَهى. وقَدْ أبْدى الفَخْرُ الرّازِيُّ الخَيْرِيَّةَ هُنا، فَقالَ: خَيْراتُ الدُّنْيا خَسِيسَةٌ، وخَيْراتُ الآخِرَةِ شَرِيفَةٌ؛ وبَيانُهُ أنَّ خَيْراتِ الدُّنْيا لَيْسَتْ إلّا قَضاءَ الشَّهْوَتَيْنِ، وهو في نِهايَةِ الخَساسَةِ، بِدَلِيلِ مُشارَكَةِ الحَيَواناتِ الخَسِيسَةِ في ذَلِكَ، وزِيادَةِ بَعْضِها عَلى الإنْسانِ في ذَلِكَ، كالجَمَلِ في كَثْرَةِ الأكْلِ، والدِّيكِ في كَثْرَةِ الوِقاعِ، والذِّئْبِ في القُوَّةِ عَلى الفَسادِ والتَّمْزِيقِ، والعَقْرَبِ في قُوَّةِ الإيلامِ، وبِدَلِيلِ أنَّ الإكْثارَ مِن ذَلِكَ لا يُوجِبُ شَرَفًا، بَلِ المُكْثِرُ مِن ذَلِكَ مَمْقُوتٌ مُسْتَقْذَرٌ مُسْتَحْقَرٌ، يُوصَفُ بِأنَّهُ بَهِيمَةٌ، وبِدَلِيلِ عَدَمِ الِافْتِخارِ بِهَذِهِ الأحْوالِ، بَلِ العُقَلاءُ يُخْفُونَها، ويَخْتَفُونَ عِنْدَ فِعالِها، ويُكَنُّونَ عَنْها ولا يُصَرِّحُونَ بِها إلّا عِنْدَ الشَّتْمِ بِها، وبِأنَّ حَقِيقَةَ اللَّذّاتِ دَفْعُ الآلامِ وبِسُرْعَةِ انْقِضائِها، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ خَساسَةُ هَذِهِ اللَّذّاتِ. وأمّا السَّعاداتُ الرُّوحانِيَّةُ، فَسَعاداتٌ عالِيَةٌ شَرِيفَةٌ باقِيَةٌ مُقَدَّسَةٌ، وذَلِكَ أنَّ جَمِيعَ الخَلْقِ إذا تَخَيَّلُوا في إنْسانٍ كَثْرَةَ العِلْمِ، وشِدَّةَ الِانْقِباضِ عَنِ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ، فَإنَّهم بِالطَّبْعِ يُعَظِّمُونَهُ، ويَخْدِمُونَهُ ويَعُدُّونَ أنْفُسَهم عَبِيدًا لَهُ، وأشْقِياءَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، ولَوْ فَرَضْنا تَشارُكَ خَيْراتِ الدُّنْيا وخَيْراتِ الآخِرَةِ في التَّفْضِيلِ، لَكانَتْ خَيْراتُ الآخِرَةِ أفْضَلَ؛ لِأنَّ الوُصُولَ إلَيْها مَعْلُومٌ قَطْعًا. وخَيْراتُ الدُّنْيا لَيْسَتْ مَعْلُومَةً، بَلْ ولا مَظْنُونَةً، فَكَمْ مِن سُلْطانٍ قاهِرٍ بُكْرَةَ يَوْمٍ، أمْسى تَحْتَ التُّرابِ آخِرَهُ ! وكَمْ مُصْبِحٍ أمِيرًا عَظِيمًا أمْسى أسِيرًا حَقِيرا ! ولَوْ فَرَضْنا أنَّهُ وجَدَ بَعْدَ سُرُورِ يَوْمٍ يَوْمًا آخَرَ، فَإنَّهُ لا يَدْرِي هَلْ يَنْتَفِعُ في ذَلِكَ اليَوْمِ بِما جَمَعَ مِنَ الأمْوالِ والطَّيِّباتِ واللَّذّاتِ ؟ بِخِلافِ مُوجِبِ السَّعاداتِ الأُخْرَوِيَّةِ، فَإنَّهُ يُقْطَعُ أنَّهُ يَنْتَفِعُ بِها في الآخِرَةِ، وهَبْ أنَّهُ انْتَفَعَ بِها، فَلَيْسَ ذَلِكَ الِانْتِفاعُ خالِيًا مِن شَوائِبِ المَكْرُوهاتِ والمُحْزِناتِ، وهَبْ أنَّهُ انْتَفَعَ في الغَدِ، فَإنَّها تَنْقَضِي، ويَحْزَنُ عِنْدَ انْقِضائِها؛ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎أشَدُّ الغَمِّ عِنْدِي في سُرُورٍ ∗∗∗ تَيَقَّنَ عَنْهُ صاحِبُهُ انْتِقالا (p-١١٠)

الأنعام 6:33

﴿قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ ولَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ . وقالَ النَّقّاشُ: نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ، فَإنَّهُ كانَ يُكَذِّبُ في العَلانِيَةِ، ويُصَدِّقُ في السِّرِّ، ويَقُولُ: نَخافُ أنْ تَتَخَطَّفَنا العَرَبُ ونَحْنُ أكَلَةُ رَأسٍ. وقالَ غَيْرُهُ: رُوِيَ أنَّ الأخْنَسَ بْنَ شُرَيْقٍ قالَ لِأبِي جَهْلٍ: يا أبا الحَكَمِ، أخْبِرْنِي عَنْ مُحَمَّدٍ أصادِقٌ هو أمْ كاذِبٌ ؟ فَإنَّهُ لَيْسَ عِنْدَنا أحَدٌ غَيْرَنا، فَقالَ لَهُ: واللَّهِ إنَّ مُحَمَّدًا لَصادِقٌ، وما كَذَبَ قَطُّ، ولَكِنْ إذا ذَهَبَ بَنُو قُصَيٍّ بِاللِّواءِ والسِّقايَةِ والحِجابَةِ والنُّبُوَّةِ، فَماذا يَكُونُ لِسائِرِ قُرَيْشٍ، فَنَزَلَتْ. ”قَدْ“ حَرْفُ تَوَقُّعٍ إذا دَخَلَتْ عَلى مُسْتَقْبَلِ الزَّمانِ، كانَ التَّوَقُّعُ مِنَ المُتَكَلِّمِ، كَقَوْلِكَ: قَدْ يَنْزِلُ المَطَرُ في شَهْرِ كَذا، وإذا كانَ ماضِيًا، أوْ فِعْلَ حالٍ بِمَعْنى المُضِيِّ، فالتَّوَقُّعُ كانَ عِنْدَ السّامِعِ، وأمّا المُتَكَلِّمُ فَهو مُوجِبُ ما أخْبَرَ بِهِ، وعَبَّرَ هُنا بِالمُضارِعِ، إذِ المُرادُ الِاتِّصافُ بِالعِلْمِ واسْتِمْرارُهُ، ولَمْ يُلْحَظْ فِيهِ الزَّمانُ، كَقَوْلِهِمْ: هو يُعْطِي ويَمْنَعُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ والتَّبْرِيزِيُّ: قَدْ نَعْلَمُ بِمَعْنى رُبَّما الَّذِي تَجِيءُ لِزِيادَةِ الفِعْلِ وكَثْرَتِهِ نَحْوَ قَوْلِهِ: ولَكِنَّهُ قَدْ يُهْلِكُ المالَ نائِلُهُ انْتَهى. وما ذَكَرَهُ مِن أنَّ (قَدْ) تَأْتِي لِلتَّكْثِيرِ في الفِعْلِ، والزِّيادَةِ قَوْلٌ غَيْرُ مَشْهُورٍ لِلنُّحاةِ، وإنْ كانَ قَدْ قالَ بَعْضُهم مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎قَدْ أتْرُكُ القِرْنَ مُصْفَرًّا أنامِلُهُ كَأنَّ أثْوابَهُ مُجَّتْ بِفِرْصادِ وبِقَوْلِهِ: ؎أخِي ثِقَةٍ لا يُتْلِفُ الخَمْرُ مالَهُ ∗∗∗ ولَكِنَّهُ قَدْ يُهْلِكُ المالَ نائِلُهُ والَّذِي نَقُولُهُ: إنَّ التَّكْثِيرَ لَمْ يُفْهَمْ مِن (قَدْ)، وإنَّما يُفْهَمُ مِن سِياقِ الكَلامِ؛ لِأنَّهُ لا يَحْصُلُ الفَخْرُ والمَدْحُ بِقَتْلِ قَرْنٍ واحِدٍ، ولا بِالكَرَمِ مَرَّةً واحِدَةً، وإنَّما يَحْصُلانِ بِكَثْرَةِ وُقُوعِ ذَلِكَ، وعَلى تَقْدِيرِ أنَّ (قَدْ) تَكُونُ لِلتَّكْثِيرِ في الفِعْلِ، وزِيادَتِهِ لا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: (قَدْ نَعْلَمُ) لِأنَّ عِلْمَهُ تَعالى لا يُمْكِنُ فِيهِ الزِّيادَةُ والتَّكْثِيرُ، (p-١١١)وقَوْلُهُ: بِمَعْنى (رُبَّما) الَّتِي تَجِيءُ لِزِيادَةِ الفِعْلِ وكَثْرَتِهِ، والمَشْهُورُ أنَّ (رُبَّ) لِلتَّقْلِيلِ، لا لِلتَّكْثِيرِ، (وما) الدّاخِلَةُ عَلَيْها هي مُهَيِّئَةٌ لِأنْ يَلِيَها الفِعْلُ، و(ما) المُهَيِّئَةُ لا تُزِيلُ الكَلِمَةَ عَنْ مَدْلُولِها، ألا تَرى أنَّها في كَأنَّما يَقُومُ زَيْدٌ، ولَعَلَّما يَخْرُجُ بَكْرٌ، لَمْ تُزِلْ (كَأنَّ) عَنِ التَّشْبِيهِ، ولا (لَعَلَّ) عَنِ التَّرَجِّي. قالَ بَعْضُ أصْحابِنا: قَدْ كَرَّ بِما في التَّقْلِيلِ والصَّرْفِ إلى مَعْنى المُضِيِّ يَعْنِي إذا دَخَلَتْ عَلى المُضارِعِ، قالَ: هَذا ظاهِرُ قَوْلِ سِيبَوَيْهِ، فَإنْ خَلَتْ مِن مَعْنى التَّقْلِيلِ، خَلَتْ غالِبًا مِنَ الصَّرْفِ إلى مَعْنى المُضِيِّ، وتَكُونُ حِينَئِذٍ لِلتَّحْقِيقِ والتَّوْكِيدِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ﴾، وقَوْلِهِ: ﴿لِمَ تُؤْذُونَنِي وقَدْ تَعْلَمُونَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ﴾ [الصف: ٥] وقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وقَدْ تُدْرِكُ الإنْسانَ رَحْمَةُ رَبِّهِ ∗∗∗ ولَوْ كانَ تَحْتَ الأرْضِ سَبْعِينَ وادِيًا وقَدْ تَخْلُو مِنَ التَّقْلِيلِ، وهي صارِفَةٌ لِمَعْنى المُضِيِّ نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ﴾ [البقرة: ١٤٤] انْتَهى. وقالَ مَكِّيٌّ: (قَدْ) هُنا وشِبْهُهُ تَأْتِي لِتَأْكِيدِ الشَّيْءِ وإيجابِهِ وتَصْدِيقِهِ، و(نَعْلَمُ) بِمَعْنى عَلِمْنا. وقالَ ابْنُ أبِي الفَضْلِ في ”رَيِّ الظَّمْآنِ“: كَلِمَةُ (قَدْ) تَأْتِي لِلتَّوَقُّعِ، وتَأْتِي لِلتَّقْرِيبِ مِنَ الحالِ، وتَأْتِي لِلتَّقْلِيلِ انْتَهى. نَحْوَ قَوْلِهِمْ: إنَّ الكَذُوبَ قَدْ يُصَدَّقُ، وإنَّ الجَبانَ قَدْ يَشْجُعُ، والضَّمِيرُ في (أنَّهُ) ضَمِيرُ الشَّأْنِ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ مُفَسِّرَةٌ لَهُ في مَوْضِعِ خَبَرِ (أنَّ)، ولا يَقَعُ هُنا اسْمُ الفاعِلِ عَلى تَقْدِيرِ رَفْعِهِ ما بَعْدَهُ عَلى الفاعِلِيَّةِ مَوْقِعَ المُضارِعِ؛ لِما يَلْزَمُ مِن وُقُوعِ خَبَرِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ مُفْرَدًا، وذَلِكَ لا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ (يَحْزُنْكَ) رُباعِيًّا وثُلاثِيًّا في آخِرِ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ وتَوْجِيهُ ذَلِكَ فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا، والَّذِي يَقُولُونَ مَعْناهُ مِمّا يُنافِي ما أنْتَ عَلَيْهِ. قالَ الحَسَنُ: كانُوا يَقُولُونَ إنَّهُ ساحِرٌ وشاعِرٌ وكاهِنٌ ومَجْنُونٌ. وقِيلَ: كانُوا يُصَرِّحُونَ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ ولا يَقْبَلُونَ دِينَهُ. وقِيلَ: كانُوا يَنْسُبُونَهُ إلى الكَذِبِ والِافْتِعالِ. وقِيلَ: كانَ بَعْضُ كُفّارِ قُرَيْشٍ يَقُولُ: لَهُ رَئْيٌ مِنَ الجِنِّ يُخْبِرُهُ بِما يُخْبِرُ بِهِ. وقَرَأ عَلِيٌّ ونافِعٌ والكِسائِيُّ بِتَخْفِيفِ (يُكَذِّبُونَكَ) . وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ وابْنُ عَبّاسٍ بِالتَّشْدِيدِ، فَقِيلَ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، نَحْوَ كَثُرَ وأكْثَرَ. وقِيلَ: بَيْنَهُما فَرْقٌ حَكى الكِسائِيُّ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: كَذَّبْتُ الرَّجُلَ إذْ نَسَبْتَ إلَيْهِ الكَذِبَ، وأكْذَبْتُهُ إذا نَسَبْتَ الكَذِبَ إلى ما جاءَ بِهِ، دُونَ أنْ تَنْسُبَهُ إلَيْهِ، وتَقُولُ العَرَبُ أيْضًا: أكْذَبْتُ الرَّجُلَ إذا وجَدْتَهُ كَذّابًا، كَما تَقُولُ: أحْمَدْتُ الرَّجُلَ إذا وجَدْتَهُ مَحْمُودًا، فَعَلى القَوْلِ بِالفَرْقِ يَكُونُ مَعْنى التَّخْفِيفِ، لا يَجِدُونَكَ كاذِبًا، أوْ لا يَنْسُبُونَ الكَذِبَ إلَيْكَ، وعَلى مَعْنى التَّشْدِيدِ يَكُونُ إمّا خَبَرًا مَحْضًا عَنْ عَدَمِ تَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ، ويَكُونُ مِن نِسْبَةِ ذَلِكَ إلى كُلِّهِمْ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، والمُرادُ بِهِ بَعْضُهُمْ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ قَطْعًا أنَّ بَعْضَهم كانَ يُكَذِّبُهُ، ويُكَذِّبُ ما جاءَ بِهِ، وإمّا أنْ يَكُونَ نَفْيُ التَّكْذِيبِ لِانْتِفاءِ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ المَضارِّ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: (لا يُكَذِّبُونَكَ) تَكْذِيبًا يَضُرُّكَ؛ لِأنَّكَ لَسْتَ بِكاذِبٍ، فَتَكْذِيبُهم كَلا تَكْذِيبٍ. وقالَ في المُنْتَخَبِ: لا يُرادُ بِقَوْلِهِ: (لا يُكَذِّبُونَكَ) خُصُوصِيَّةُ تَكْذِيبِهِ هو، بَلِ المَعْنى أنَّهم يُنْكِرُونَ دَلالَةَ المُعْجِزَةِ عَلى الصِّدْقِ مُطْلَقًا، فالمَعْنى (لا يُكَذِّبُونَكَ) عَلى التَّعْيِينِ، بَلْ يُكَذِّبُونَ جَمِيعَ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ. وقالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ: لا يُكَذِّبُونَكَ بِحُجَّةٍ وإنَّما هو تَكْذِيبُ عِنادٍ وبُهْتٍ. وقالَ ناجِيَةُ بْنُ كَعْبٍ: لا يَقُولُونَ إنَّكَ كاذِبٌ لِعِلْمِهِمْ بِصِدْقِكَ، ولَكِنْ يُكَذِّبُونَ ما جِئْتَ بِهِ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ ومُقاتِلٌ: (لا يُكَذِّبُونَكَ) في السِّرِّ، ولَكِنْ يُكَذِّبُونَكَ في العَلانِيَةِ عَداوَةً. وقالَ: لا يَقْدِرُونَ عَلى أنْ يَقُولُوا لَكَ فِيما أنْبَأْتَ بِهِ مِمّا في كُتُبِهِمْ، كَذَبْتَ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ، ورَجَّحَ قِراءَةَ عَلِيٍّ بِالتَّخْفِيفِ بَعْضُهم، ولا تَرْجِيحَ بَيْنَ المُتَواتِرَيْنِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى أنَّ تَكْذِيبَكَ، أمْرٌ راجِعٌ إلى اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّكَ رَسُولُهُ المُصَدَّقُ بِالمُعْجِزاتِ، فَهم لا يُكَذِّبُونَكَ في الحَقِيقَةِ، وإنَّما يُكَذِّبُونَ اللَّهَ بِجَحُودِ آياتِهِ، فانْتَهِ عَنْ حُزْنِكَ لِنَفْسِكَ، وأنَّهم كَذَّبُوكَ، وأنْتَ صادِقٌ، ولَيَشْغَلْكَ عَنْ ذَلِكَ ما هو أهَمُّ، وهو اسْتِعْظامُكَ لِجُحُودِ آياتِ اللَّهِ، والِاسْتِهانَةِ بِكِتابِهِ، ونَحْوُهُ قَوْلُ (p-١١٢)السَّيِّدِ لِغُلامِهِ إذا أهانَهُ بَعْضُ النّاسِ، إنَّهم لَمْ يُهِينُوكَ، وإنَّما أهانُونِي، وفي هَذِهِ الطَّرِيقَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] . وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَمّى الأمِينَ، فَعَرَفُوا أنَّهُ لا يَكْذِبُ في شَيْءٍ، ولَكِنَّهم كانُوا يَجْحَدُونَ، فَكانَ أبُو جَهْلٍ يَقُولُ: ما نُكَذِّبُكَ، وإنَّكَ عِنْدَنا لَمُصَدَّقٌ، وإنَّما نُكَذِّبُ ما جِئْتَنا بِهِ انْتَهى. وفي الكَلامِ حَذْفٌ، تَقْدِيرُهُ: فَلا تَحْزَنْ؛ فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ، وأُقِيمَ الظّاهِرُ مَقامَ المُضْمَرِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ عِلَّةَ الجَحُودِ، هي الظُّلْمُ، وهي مُجاوَزَةُ الحَدِّ في الِاعْتِداءِ؛ أيْ ولَكِنَّهم بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ. وآياتُهُ قالَ السُّدِّيُّ: مُحَمَّدٌ ﷺ . وقالَ ابْنُ السّائِبِ: مُحَمَّدٌ والقُرْآنُ. وقالَ مُقاتِلٌ: القُرْآنُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: آياتُ اللَّهِ؛ عَلاماتُهُ، وشَواهِدُ نَبِيِّهِ، والجُحُودُ إنْكارُ الشَّيْءِ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ، وهو ضِدُّ الإقْرارِ. فَإنْ كانَتْ نَزَلَتْ في الكافِرِينَ مُطْلَقًا، فَيَكُونُ في الجُحُودِ تَجَوُّزٌ، إذْ كُلُّهم لَيْسَ كُفْرُهُ بَعْدَ مَعْرِفَةٍ، ولَكِنَّهم لَمّا أنْكَرُوا نُبُوَّتَهُ، ورامُوا تَكْذِيبَهُ بِالدَّعْوى الباطِلَةِ، عَبَّرَ عَنْ إنْكارِهِمْ بِأقْبَحِ وُجُوهِ الإنْكارِ، وهو الجَحْدُ تَغْلِيظًا عَلَيْهِمْ وتَقْبِيحًا لِفِعْلِهِمْ، إذْ مُعْجِزاتُهُ وآياتُهُ نَيِّرَةٌ، يَلْزَمُ كُلُّ مَفْطُورٍ أنْ يُقِرَّ بِها ويَعْلَمَها. وإنْ كانَتْ نَزَلَتْ في المُعانِدِينَ، تَرَتَّبَ الجُحُودُ حَقِيقَةً. وكُفْرُ العِنادِ يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَواهِرُ القُرْآنِ، وهو واقِعٌ أيْضًا، كَقِصَّةِ أبِي جَهْلٍ مَعَ الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ، وقِصَّةِ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ، وقَوْلِهِ: ما كُنْتُ لِأُومِنَ بِنَبِيٍّ لَمْ يَكُنْ مِن ثَقِيفٍ. ومَنَعَ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ جَوازَ كُفْرِ العِنادِ؛ لِأنَّ المَعْرِفَةَ تَقْتَضِي الإيمانَ، والجَحْدَ يَقْتَضِي الكُفْرَ، فامْتَنَعَ اجْتِماعُهُما، وتَأوَّلُوا ظَواهِرَ القُرْآنِ، فَقالُوا: في قَوْلِهِ: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤] أنَّها في أحْكامِ التَّوْراةِ الَّتِي بَدَّلُوها، كَآيَةِ الرَّجْمِ ونَحْوِها. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وكُفْرُ العِنادِ مِنَ العارِفِ بِاللَّهِ وبِالنُّبُوَّةِ بِعِيدٌ انْتَهى. والتَّأْوِيلاتُ في نَفْيِ التَّكْذِيبِ، إنَّما هو عَنِ اعْتِقاداتِهِمْ. أمّا بِالنِّسْبَةِ إلى أقْوالِهِمْ، فَأقْوالُهم مُكَذِّبَةٌ، إمّا لَهُ، وإمّا لِما جاءَ بِهِ.

الأنعام 6:34

﴿ولَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وأُوذُوا حَتّى أتاهم نَصْرُنا﴾ . قالَ الضَّحّاكُ وابْنُ جُرَيْجٍ: عَزّى اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ فَعَلى قَوْلِهِما، يَكُونُ هو قَدْ كُذِّبَ، وهو مُنافٍ لِقَوْلِهِ: فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ، وزَوالُ المُنافاةِ بِما تَقَدَّمَ مِنَ التَّأْوِيلاتِ، كَقَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ وغَيْرِهِ: أنَّ قَوْلَهُ: (لا يُكَذِّبُونَكَ) لَيْسَ هو مِن نَفْيِ تَكْذِيبِهِ حَقِيقَةً، قالَ: وإنَّما هو مِن بابِ قَوْلِكَ لِغُلامِكَ: ما أهانُوكَ، ولَكِنْ أهانُونِي. وجاءَ قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ﴾ تَسْلِيَةً لَهُ ﷺ، ولَمّا سَلّاهُ تَعالى بِأنَّهم بِتَكْذِيبِكَ، إنَّما كَذَّبُوا اللَّهَ تَعالى، سَلّاهُ ثانِيًا بِأنَّ عادَةَ أتْباعِ الرُّسُلِ قَبْلَكَ، تَكْذِيبُ رُسُلِهِمْ، وأنَّ الرُّسُلَ صَبَرُوا، فَتَأسَّ بِهِمْ في الصَّبْرِ. (وما) في قَوْلِهِ: (ما كُذِّبُوا) مَصْدَرِيَّةٌ؛ أيْ فَصَبَرُوا عَلى تَكْذِيبِهِمْ، والمَعْنى فَتَأسَّ بِهِمْ في الصَّبْرِ عَلى التَّكْذِيبِ والأذى حَتّى يَأْتِيَكَ النَّصْرُ والظَّفَرُ كَما أتاهم. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا﴾ رَجاءَ ثَوابِي وأُوذُوا حَتّى نُشِرُوا بِالمَناشِيرِ، وحُرِّقُوا بِالنّارِ حَتّى أتاهم نَصْرُنا بِتَعْذِيبِ مَن يُكَذِّبُهُمُ. انْتَهى. ويَحْتَمِلُ (وأُوذُوا) أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: (كُذِّبَتْ)، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: (فَصَبَرُوا)، ويَبْعُدُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (كُذِّبُوا) . ويَكُونَ التَّقْدِيرُ: فَصَبَرُوا عَلى تَكْذِيبِهِمْ وإيذائِهِمْ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ أنَّهُ قَرَأ، وأُذُوا، بِغَيْرِ واوٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ، جَعَلَهُ ثُلاثِيًّا، لا رُباعِيًّا مِن أذَيْتُ فُلانًا، لا مِن آذَيْتُ. وفي قَوْلِهِ: (نَصْرُنا) التِفاتٌ، إذْ قَبْلَهُ بِآياتِ اللَّهِ. وبَلاغَةُ هَذا الِالتِفاتِ أنَّهُ أضافَ النَّصْرَ إلى الضَّمِيرِ المُشْعِرِ بِالعَظَمَةِ المُتَنَزِّلِ فِيهِ الواحِدُ مَنزِلَةَ الجَمْعِ. والنَّصْرُ مَصْدَرٌ أُضِيفَ إلى الفاعِلِ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ نَصْرُنا إيّاهم عَلى مُكَذِّبِيهِمْ ومُؤْذِيهِمْ. والظّاهِرُ أنَّ الغايَةَ هُنا الصَّبْرُ والإيذاءُ؛ لِظاهِرِ عَطْفِ (وأُوذُوا) عَلى (فَصَبَرُوا)، وإنْ كانَ مَعْطُوفًا عَلى (كُذِّبُوا) فَتَكُونُ الغايَةُ لِلصَّبْرِ، أوْ مَعْطُوفًا عَلى (كُذِّبَتْ) فَغايَةٌ لَهُ ولِلتَّكْذِيبِ، أوْ لِلْإيذاءِ فَقَطْ. * * ﴿ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ لِمَواعِيدِ اللَّهِ، ولَمْ يَذْكُرِ (p-١١٣)الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَهُ قالَ: لِمَواعِيدِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١] ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ [الصافات: ١٧٢] . وقالَ الزَّجّاجُ: لِما أخْبَرَ بِهِ، وما أمَرَ بِهِ، والإخْبارُ والأوامِرُ مِن كَلِماتِ اللَّهِ. واقْتَصَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَلى بَعْضِ ما قالَ الزَّجّاجُ، فَقالَ: ولا رادَّ لِأوامِرِهِ. وقِيلَ: المَعْنى لِحُكُوماتِهِ، وأقْضِيَتِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلى الكافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١] أيْ وجَبَ ما قَضاهُ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: المَعْنى لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى تَبْدِيلِ كَلِماتِ اللَّهِ، وإنْ زَخْرَفَ واجْتَهَدَ؛ لِأنَّهُ تَعالى صانَهُ بِرَصِينِ اللَّفْظِ، وقَوِيمِ المَعْنى، أنْ يُخْلَطَ بِكَلامِ أهْلِ الزَّيْغِ. وقِيلَ: اللَّفْظُ خَبَرٌ، والمَعْنى عَلى النَّهْيِ؛ أيْ لا يُبَدِّلُ أحَدٌ كَلِماتِ اللَّهِ، فَهو كَقَوْلِهِ: (لا رَيْبَ فِيهِ) أيْ لا يَرْتابُونَ فِيهِ عَلى أحَدِ الأقْوالِ. * * ﴿ولَقَدْ جاءَكَ مِن نَبَأِ المُرْسَلِينَ﴾ هَذا فِيهِ تَأْكِيدُ تَثْبِيتٍ لِما تَقَدَّمَ الإخْبارُ بِهِ مِن تَكْذِيبِ أتْباعِ الرُّسُلِ لِلرُّسُلِ وإيذائِهِمْ وصَبْرِهِمْ، إلى أنْ جاءَ النَّصْرُ لَهم عَلَيْهِمْ، والفاعِلُ (نَبَأِ) . قالَ الفارِسِيُّ: هو (مِن نَبَأِ) (ومِن) زائِدَةٌ؛ أيْ ولَقَدْ جاءَكَ نَبَأُ المُرْسَلِينَ، ويَضْعُفُ هَذا لِزِيادَةِ (مِن) في الواجِبِ. وقِيلَ: مَعْرِفَةٌ، وهَذا لا يَجُوزُ إلّا عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ؛ ولِأنَّ المَعْنى لَيْسَ عَلى العُمُومِ، بَلْ إنَّما جاءَ بَعْضُ نَبَئِهِمْ، لا أنْبائِهِمْ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿مِنهم مَن قَصَصْنا عَلَيْكَ ومِنهم مَن لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨] . وقالَ الرُّمّانِيُّ: فاعِلُ (جاءَكَ) مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: ولَقَدْ جاءَكَ نَبَأٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الصَّوابُ عِنْدِي أنْ يُقَدَّرَ جَلاءً، أوْ بَيانًا. وتَمامُ هَذا القَوْلِ والَّذِي قَبْلَهُ أنَّ التَّقْدِيرَ: ولَقَدْ جاءَ هو مِن نَبَأِ المُرْسَلِينَ؛ أيْ نَبَأٌ، أوْ بَيانٌ، فَيَكُونُ الفاعِلُ مُضْمَرًا يُفَسَّرُ بِنَبَأٍ، أوْ بَيانٍ، لا مَحْذُوفًا لِأنَّ الفاعِلَ لا يُحْذَفُ. والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ الفاعِلَ مُضْمَرًا تَقْدِيرُهُ: هو، ويَدُلُّ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى مِنَ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ؛ أيْ ولَقَدْ جاءَكَ هَذا الخَبَرُ مِن تَكْذِيبِ أتْباعِ الرُّسُلِ لِلرُّسُلِ، والصَّبْرِ والإيذاءِ إلى أنْ نُصِرُوا، وأنَّ هَذا الإخْبارَ، هو بَعْضُ نَبَأِ المُرْسَلِينَ الَّذِينَ يُتَأسّى بِهِمْ، و(مِن نَبَأِ) في مَوْضِعِ الحالِ، وذُو الحالِ ذَلِكَ المُضْمَرُ، والعامِلُ فِيها وفِيهِ (جاءَكَ) فَلا يَكُونُ المَعْنى عَلى هَذا، ولَقَدْ جاءَكَ نَبَأٌ، أوْ بَيانٌ، إلّا أنْ يُرادَ بِالنَّبَأِ والبَيانِ، هَذا النَّبَأُ السّابِقُ، أوِ البَيانُ السّابِقُ. وأمّا الزَّمَخْشَرِيُّ فَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِفاعِلِ (جاءَ)، بَلْ قالَ: ﴿ولَقَدْ جاءَكَ مِن نَبَأِ المُرْسَلِينَ﴾ بَعْضُ أنْبائِهِمْ وقَصَصِهِمْ، وهو تَفْسِيرُ مَعْنًى، لا تَفْسِيرُ إعْرابٍ؛ لِأنَّ (مِن) لا تَكُونُ فاعِلَةً.

الأنعام 6:35

﴿وإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهم فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ أوْ سُلَّمًا في السَّماءِ فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ﴾ . (كَبُرَ) أيْ عَظُمَ وشَقَّ إعْراضُهم عَنِ الإيمانِ والتَّصْدِيقِ بِما جِئْتَ بِهِ، وهو قَدْ كَبُرَ عَلَيْهِ إعْراضُهم، لَكِنْ جاءَ الشَّرْطُ مُعْتَبَرًا فِيهِ التَّبْيِينُ والظُّهُورُ، وهو مُسْتَقْبَلٌ، وعُطِفَ عَلَيْهِ الشَّرْطُ الَّذِي لَمْ يَقَعْ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَإنِ اسْتَطَعْتَ﴾ ولَيْسَ (p-١١٤)مَقْصُودًا وحْدَهُ بِالجَوابِ، فَمَجْمُوعُ الشَّرْطَيْنِ بِتَأْوِيلِ الأوَّلِ لَمْ يَقَعْ، بَلِ المَجْمُوعُ مُسْتَقْبَلٌ، وإنْ كانَ ظاهِرُ أحَدِهِما بِانْفِرادِهِ واقِعًا، ونَظِيرُهُ ﴿إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ﴾ [يوسف: ٢٦]، ﴿وإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ﴾ [يوسف: ٢٧] . ومَعْلُومٌ أنَّهُ قَدْ وقَعَ أحَدُهُما، لَكِنَّ المَعْنى أنْ يَتَبَيَّنَ ويَظْهَرَ كَوْنُهُ قُدَّ مِن كَذا، وكَذا يَتَأوَّلُ ما يَجِيءُ مِن دُخُولِ (إنْ) الشَّرْطِيَّةِ عَلى صِيغَةِ (كانَ) عَلى مَذْهَبِ جُمْهُورِ النُّحاةِ، خِلافًا لِأبِي العَبّاسِ المُبَرِّدِ، فَإنَّهُ زَعَمَ أنَّ (إنْ) إذا دَخَلَتْ عَلى كانَ، بَقِيَتْ عَلى مُضِيِّها بِلا تَأْوِيلٍ. والنَّفَقُ السِّرْبُ في داخِلِ الأرْضِ الَّذِي يُتَوارى فِيهِ. وقَرَأ نُبَيْحٌ الغَنَوِيُّ (أنْ تَبْتَغِيَ نافِقًا في الأرْضِ)، والنّافِقاءُ مَمْدُودٌ، وهو أحَدُ مَخارِجِ جُحْرِ اليَرْبُوعِ، وذَلِكَ أنَّ اليَرْبُوعَ يَخْرُجُ مِن باطِنِ الأرْضِ إلى وجْهِها، ويُرِقُّ ما واجَهَ الأرْضَ، ويَجْعَلُ لِلْجُحْرِ بابَيْنِ: أحَدُهُما؛ النّافِقاءُ، والآخَرُ؛ القاصِعاءُ، فَإذا رابَهُ أمْرٌ مِن أحَدِهِما، دَفَعَ ذَلِكَ الوَجْهَ الَّذِي أرَّقَهُ مِن أحَدِهِما، وخَرَجَ مِنهُ. وقِيلَ: لِجُحْرِهِ ثَلاثَةُ أبْوابٍ. قالَ السُّدِّيُّ: السُّلَّمُ: المِصْعَدُ. وقالَ قَتادَةُ: الدَّرَجُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السَّبَبُ، والمِرْقاةُ. تَقُولُ العَرَبُ: اتَّخِذْنِي سُلَّمًا لِحاجَتِكَ؛ أيْ سَبَبًا؛ ومِنهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ: ؎ولا لَكُما مَنجًى مِنَ الأرْضِ فابْغِيا بِهِ نَفَقًا أوْ في السَّماواتِ سُلَّما وقالَ الزَّجّاجُ: السُّلَّمُ مِنَ السَّلامَةِ، وهو الشَّيْءُ الَّذِي يُسَلِّمُكَ إلى مِصْعَدِكَ، والسُّلَّمُ الَّذِي يُصْعَدُ عَلَيْهِ، ويُرْتَقى، وهو مُذَكَّرٌ. وحَكى الفَرّاءُ فِيهِ التَّأْنِيثَ، قالَ بَعْضُهم: تَأْنِيثُهُ عَلى مَعْنى المِرْقاةِ، لا بِالوَضْعِ كَما أُنِّثَ الصَّوْتُ بِمَعْنى الصَّيْحَةِ والِاسْتِغاثَةِ في قَوْلِهِ: سائِلٌ بَنِي أسَدٍ ما هَذِهِ الصَّوْتُ. ومَعْنى الآيَةِ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، والمُرادُ بَيانُ حِرْصِهِ عَلى إسْلامِ قَوْمِهِ وتَهالُكِهِ عَلَيْهِ، وأنَّهُ لَوِ اسْتَطاعَ أنْ يَأْتِيَهم بِآيَةٍ مِن تَحْتِ الأرْضِ، أوْ مِن فَوْقِ السَّماءِ، لَأتى بِها رَجاءَ إيمانِهِمْ. وقِيلَ: كانُوا يَقْتَرِحُونَ الآياتِ، فَكانَ يَوَدُّ أنْ يُجابُوا إلَيْها لِتَمادِي حِرْصِهِ عَلى إيمانِهِمْ، فَقِيلَ لَهُ: إنِ اسْتَطَعْتَ كَذا فافْعَلْ دَلالَةً عَلى أنَّهُ بَلَغَ مِن حِرْصِهِ، أنَّهُ لَوِ اسْتَطاعَ ذَلِكَ لَفَعَلَهُ حَتّى يَأْتِيَهم بِما اقْتَرَحُوا لَعَلَّهم يُؤْمِنُونَ انْتَهى. والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ﴾ أنَّ الآيَةَ هي غَيْرُ ابْتِغاءِ النَّفَقِ في الأرْضِ، أوِ السُّلَّمِ في السَّماءِ، وأنَّ المَعْنى: أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ، فَتَدْخُلَ فِيهِ أوْ سُلَّمًا في السَّماءِ، فَتَصْعَدَ عَلَيْهِ إلَيْها ﴿فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ﴾ غَيْرَ الدُّخُولِ في السِّرْبِ، والصُّعُودِ إلى السَّماءِ مِمّا يُرْجى إيمانُهم بِسَبَبِها، أوْ مِمّا اقْتَرَحُوهُ رَجاءَ إيمانِهِمْ، وتِلْكَ الآيَةُ مِن إحْدى الجِهَتَيْنِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهُمْ﴾ إلْزامُ الحُجَّةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وتَقْسِيمُ الأحْوالِ عَلَيْهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ أنْ لا وجْهَ إلّا الصَّبْرُ والمُضِيُّ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، والمَعْنى إنْ كُنْتَ تُعَظِّمُ تَكْذِيبَهم وكُفْرَهم عَلى نَفْسِكَ، وتَلْتَزِمُ الحُزْنَ عَلَيْهِ، فَإنْ كُنْتَ تَقْدِرُ عَلى دُخُولِ سِرْبٍ في أعْماقِ الأرْضِ، أوْ عَلى ارْتِقاءِ سُلَّمٍ في السَّماءِ، فَدُونَكَ وشَأْنَكَ بِهِ؛ أيْ إنَّكَ لا تَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِن هَذا، ولا بُدَّ مِنَ التِزامِ الصَّبْرِ، واحْتِمالِ المَشَقَّةِ، ومُعارَضَتِهِمْ بِالآياتِ الَّتِي نَصَبَها اللَّهُ لِلنّاظِرِينَ المُتَأمِّلِينَ، إذْ هو لا إلَهَ إلّا هو، لَمْ يُرِدْ أنْ يَجْمَعَهم عَلى الهُدى، وإنَّما أرادَ أنْ يَنْصِبَ مِنَ الآياتِ ما يَهْتَدِي بِالنَّظَرِ فِيهِ قَوْمٌ بِحَقِّ مِلْكِهِ ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ أيْ في أنْ تَأْسَفَ وتَحْزَنَ عَلى أمْرٍ أرادَهُ اللَّهُ وأمْضاهُ وعَلِمَ المَصْلَحَةَ فِيهِ انْتَهى. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ أنْ تَكُونَ الآيَةُ الَّتِي يَأْتِي بِها، هي نَفْسُ الفِعْلِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ابْتِغاءَ النَّفَقِ في الأرْضِ، أوِ السُّلَّمِ في السَّماءِ، هو الإتْيانُ بِالآيَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَوِ اسْتَطَعْتَ النُّفُوذَ إلى ما تَحْتَ الأرْضِ، أوِ التَّرَقِّيَ في السَّماءِ، لَعَلَّ ذَلِكَ يَكُونُ آيَةً لَكَ يُؤْمِنُونَ بِها. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ﴾ بِعَلامَةٍ، ويُرِيدُ: إمّا في فِعْلِكَ ذَلِكَ؛ أيْ تَكُونُ الآيَةُ نَفْسَ دُخُولِكَ في الأرْضِ، وارْتِقائِكَ في السَّماءِ، وإمّا في أنْ تَأْتِيَهم بِالآيَةِ مِن إحْدى الجِهَتَيْنِ انْتَهى. وما جَوَّزُوا مِن ذَلِكَ لا يَظْهَرُ مِن دَلالَةِ اللَّفْظِ، إذْ لَوْ كانَ ذَلِكَ كَما جَوَّزاهُ، لَكانَ التَّرْكِيبُ فَتَأْتِيَهم بِذَلِكَ آيَةً، وأيْضًا فَأيُّ آيَةٍ في دُخُولِ سِرْبٍ في الأرْضِ. وأمّا (p-١١٥)الرُّقِيُّ في السَّماءِ، فَيَكُونُ آيَةً. وقِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِمْ ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] وقَوْلُهُ: ﴿أوْ سُلَّمًا في السَّماءِ﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِمْ: ﴿أوْ تَرْقى في السَّماءِ ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ﴾ [الإسراء: ٩٣] . وكانَ فِيها ضَمِيرُ الشَّأْنِ، والجُمْلَةُ المُصَدَّرَةُ بِـ (كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهم) في مَوْضِعِ خَبَرِ (كانَ)، وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ خَبَرَ (كانَ) وأخَواتِها يَكُونُ ماضِيًا، ولا يُحْتاجُ فِيهِ إلى تَقْدِيرِ (قَدْ)؛ لِكَثْرَةِ ما ورَدَ مِن ذَلِكَ في القُرْآنِ وكَلامِ العَرَبِ، خِلافًا لِمَن زَعَمَ أنَّهُ لا بُدَّ فِيهِ مِن (قَدْ) ظاهِرَةً، أوْ مُقَدَّرَةً، وخِلافًا لِمَن حَصَرَ ذَلِكَ بِـ (كانَ) دُونَ أخَواتِها، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ اسْمُها (إعْراضُهم)، فَلا يَكُونُ مَرْفُوعًا بِـ (كَبُرَ) كَما في القَوْلِ الأوَّلِ، وكَبُرَ فِيهِ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الإعْراضِ، وهو في مَوْضِعِ الخَبَرِ، وهي مَسْألَةُ خِلافٍ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ؛ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، وتَقْدِيرُهُ: فافْعَلْ كَما تَقُولُ: إنْ شِئْتَ تَقُومُ بِنا إلى فُلانٍ نَزُورُهُ؛ أيْ فافْعَلْ؛ ولِذَلِكَ جاءَ فِعْلُ الشَّرْطِ بِصِيغَةِ الماضِي، أوِ المُضارِعِ المَنفِيِّ بِـ (لَمْ)؛ لِأنَّهُ ماضٍ، ولا يَكُونُ بِصِيغَةِ المُضارِعِ إلّا في الشِّعْرِ. * * ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى﴾ أيْ إمّا يَخْلُقُ ذَلِكَ في قُلُوبِهِمْ أوَّلًا، فَلا يَضِلُّ أحَدٌ، وإمّا يَخْلُقُهُ فِيهِمْ بَعْدَ ضَلالِهِمْ، ودَلَّ هَذا التَّعْلِيقُ عَلى أنَّهُ تَعالى ما شاءَ مِنهم جَمِيعَهُمُ الهُدى، بَلْ أرادَ إبْقاءَ الكافِرِ عَلى كُفْرِهِ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: ويُقَرِّرُ، هَذا الظّاهِرُ. أنَّ قُدْرَةَ الكافِرِ عَلى الكُفْرِ إنْ لَمْ تَكُنْ صالِحَةً لِلْإيمانِ، فالقُدْرَةُ عَلى الكُفْرِ مُسْتَلْزِمَةٌ لَهُ غَيْرُ صالِحَةٍ لِلْإيمانِ، فَخالِقُ تِلْكَ القُدْرَةِ يَكُونُ قَدْ أرادَ الكُفْرَ لا مَحالَةَ، وإنْ كانَتْ صالِحَةً لَهُ كَما صَلَحَتْ لِلْكُفْرِ، اسْتَوَتْ نِسْبَةُ القُدْرَةِ إلَيْهِما، فامْتَنَعَ التَّرْجِيحُ، إلّا الدّاعِيَةُ مُرَجِّحَةٌ، ولَيْسَتْ مِنَ العَبْدِ، وإلّا وقَعَ التَّسَلْسُلُ، فَثَبَتَ أنَّ خالِقَ تِلْكَ الدّاعِيَةِ هو اللَّهُ، وثَبَتَ أنَّ مَجْمُوعَ الدّاعِيَةِ الصّالِحَةِ تُوجِبُ الفِعْلَ، وثَبَتَ أنَّ خالِقَ مَجْمُوعِ تِلْكَ الدّاعِيَةِ المُسْتَلْزِمَةِ لِذَلِكَ الكُفْرِ مُرِيدٌ لِذَلِكَ الكُفْرِ غَيْرَ مُرِيدٍ لِذَلِكَ الإيمانِ فَهَذا البُرْهانُ اليَقِينِيُّ قَوّى ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ، ولا بَيانَ أقْوى مِن تَطابُقِ البُرْهانِ مَعَ ظاهِرِ القُرْآنِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ الآيَةُ تَرُدُّ عَلى القَدَرِيَّةِ المُفَوِّضَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ القُدْرَةَ لا تَقْتَضِي أنْ يُؤْمِنَ الكافِرُ، وأنَّ ما يَأْتِيهِ الإنْسانُ مِن جَمِيعِ أفْعالِهِ، لا خَلْقَ فِيهِ، تَعالى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى﴾ بِآيَةٍ مُلْجِئَةٍ، ولَكِنَّهُ لا يَفْعَلُ لِخُرُوجِهِ عَنِ الحِكْمَةِ انْتَهى. وهَذا قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ. وقالَ القاضِي: والإلْجاءُ أنْ يُعْلِمَهم أنَّهم لَوْ حاوَلُوا غَيْرَ الإيمانِ، لَمَنَعَهم مِنهُ، وحِينَئِذٍ يَمْتَنِعُونَ مِن فِعْلِ شَيْءٍ غَيْرِ الإيمانِ، وهو تَعالى إنَّما تَرَكَ فِعْلَ هَذا الإلْجاءِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُزِيلُ تَكْلِيفَهم، فَيَكُونُ ما وقَعَ مِنهم، كَأنْ لَمْ يَقَعْ، وإنَّما أرادَ تَعالى أنْ يَنْتَفِعُوا بِما يَخْتارُونَهُ مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ مِن جِهَةِ الوَصْلَةِ بِهِ إلى الثَّوابِ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا اخْتِيارًا، وأجابَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ بِأنَّهُ تَعالى أرادَ مِنهُمُ الإقْدامَ عَلى الإيمانِ حالَ كَوْنِ الدّاعِي إلى الإيمانِ وإلى الكُفْرِ بِالسَّوِيَّةِ، أوْ حالَ حُصُولِ هَذا الرُّجْحانِ. والأوَّلُ تَكْلِيفُ ما لا يُطاقُ؛ لِأنَّ الأمْرَ بِتَحْصِيلِ الرُّجْحانِ حالَ حُصُولِ الِاسْتِواءِ، تَكْلِيفٌ بِالجَمْعِ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، وهو مُحالٌ، وإنْ كانَ الثّانِي فالطَّرَفُ الرّاجِحُ يَكُونُ واجِبَ الوُقُوعِ، والطَّرَفُ المَرْجُوحُ يَكُونُ مُمْتَنِعَ الوُقُوعِ، وكُلُّ هَذِهِ الأقْسامِ تُنافِي ما ذَكَرُوهُ مِنَ المِكْنَةِ والِاخْتِياراتِ، فَسَقَطَ قَوْلُهم بِالكُلِّيَّةِ. * * ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ . تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ في أنْ تَأْسَفَ وتَحْزَنَ عَلى أمْرٍ (p-١١٦)أرادَهُ اللَّهُ تَعالى، وأمْضاهُ، وعَلِمَ المَصْلَحَةَ فِيهِ. وقالَ أيْضًا: و(مِنَ الجاهِلِينَ) يُحْتَمَلُ في أنْ لا تَعْلَمَ أنَّ اللَّهَ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى﴾ ويُحْتَمَلُ في أنْ تَهْتَمَّ بِوُجُودِ كُفْرِهِمُ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ وأرادَهُ، وتَذْهَبَ بِكَ نَفْسُكَ إلى ما لَمْ يُقَدِّرِ اللَّهُ انْتَهى. وضُعِّفَ الِاحْتِمالُ الأوَّلُ بِأنَّهُ مَعَ كَمالِ ذاتِهِ وتَوَفُّرِ مَعْلُوماتِهِ وعَظِيمِ اطِّلاعِهِ عَلى ما يَلِيقُ بِقُدْرَةِ الحَقِّ جَلَّ جَلالُهُ، واسْتِيلائِهِ عَلى جَمِيعِ مَقْدُوراتِهِ، لا يَنْبَغِي أنْ يُوصَفَ بِأنَّهُ جاهِلٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَوْ شاءَ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى؛ لِأنَّ هَذا مِن قَبِيلِ الدِّينِ والعَقائِدِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جاهِلًا بِها، وكَأنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ قَدْ فَسَّرَ قَوْلَهُ: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى﴾ بِأنْ تَأْتِيَهم آيَةٌ مُلْجِئَةٌ، ولَكِنَّهُ لا يَفْعَلُ لِخُرُوجِهِ عَنِ الحِكْمَةِ، فَقالَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ مِنَ الَّذِينَ يَجْهَلُونَ ذَلِكَ، ويَرُومُونَ ما هو خِلافُهُ. وأشارَ بِذَلِكَ إلى الإتْيانِ بِالآيَةِ المُلْجِئَةِ إلى الإيمانِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الإلْجاءِ. وقِيلَ: لا تَجْهَلْ أنَّهُ يُؤْمِنُ بِكَ بَعْضُهم ويَكْفُرُ بَعْضُهم، وضُعِّفَ بِأنَّ هَذا لَيْسَ مِمّا يَجْهَلُهُ ﷺ . وقِيلَ لا تَكُونَنَّ مِمَّنْ لا صَبْرَ لَهُ لِأنَّ قِلَّةَ الصَّبْرِ مِن أخْلاقِ الجاهِلِينَ، وضُعِّفَ بِأنَّهُ تَعالى قَدْ أمَرَهُ بِالصَّبْرِ في آياتٍ كَثِيرَةٍ ومَعَ أمْرِ اللَّهِ لَهُ بِالصَّبْرِ وبَيانِ أنَّهُ خَيْرٌ يَبْعُدُ أنْ يُوصَفَ بَعْدَ صَبْرِهِ بِقِلَّةِ الصَّبْرِ. وقِيلَ: لا يَشْتَدُّ حُزْنُكَ لِأجْلِ كُفْرِهِمْ فَتُقارِبَ حالَ الجاهِلِ بِأحْكامِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، وقَدْ صُرِّحَ بِهَذا في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ [فاطر: ٨] وقالَ قَوْمٌ: جازَ هَذا الخِطابُ لِأنَّهُ لِقُرْبِهِ مِنَ اللَّهِ ومَكانَتِهِ عِنْدَهُ كانَ ذَلِكَ حَمْلًا عَلَيْهِ كَما يَحْمِلُ العاقِلُ عَلى قَرِيبِهِ فَوْقَ ما يَحْمِلُهُ عَلى الأجانِبِ، خَشْيَةً عَلَيْهِ مِن تَخْصِيصِ الإذْلالِ. وقالَ مَكِّيٌّ والمَهْدَوِيُّ: الخِطابُ لَهُ والمُرادُ بِهِ أُمَّتُهُ، وتَمَّمَ هَذا القَوْلَ بِأنَّهُ كانَ يُحْزِنُهُ إصْرارُ بَعْضِهِمْ عَلى الكُفْرِ وحِرْمانُهم ثَمَراتِ الإيمانِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ لا يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ انْتَهى. وقِيلَ: الرَّسُولُ مَعْصُومٌ مِنَ الجَهْلِ والشَّكِّ بِلا خِلافٍ، ولَكِنَّ العِصْمَةَ لا تَمْنَعُ الِامْتِحانَ بِالأمْرِ والنَّهْيِ، أوْ لِأنَّ ضِيقَ صَدْرِهِ وكَثْرَةَ حُزْنِهِ مِنَ الجِبِلّاتِ البَشَرِيَّةِ، وهي لا تَرْفَعُها العِصْمَةُ بِدَلِيلِ: «اللَّهُمَّ إنِّي بَشَرٌ وإنِّي أغْضَبُ كَما يَغْضَبُ البَشَرُ»، الحَدِيثَ. وقَوْلِهِ: «إنَّما أنا بَشَرٌ فَإذا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي» . انْتَهى. والَّذِي أخْتارُهُ أنَّ هَذا الخِطابَ لَيْسَ لِلرَّسُولِ، وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى﴾ فَهَذا إخْبارٌ وعَقْدٌ كُلِّيٌّ أنَّهُ لا يَقَعُ في الوُجُودِ إلّا ما شاءَ وُقُوعَهُ، ولا يَخْتَصُّ هَذا الإخْبارُ بِهَذا الخِطابِ بِالرَّسُولِ بَلِ الرَّسُولُ عالِمٌ بِمَضْمُونِ هَذا الإخْبارِ، فَإنَّما ذَلِكَ لِلسّامِعِ فالخِطابُ والنَّهْيُ في (فَلا تَكُونَنَّ) لِلسّامِعِ دُونَ الرَّسُولِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولَوْ شاءَ اللَّهُ أيُّها السّامِعُ الَّذِي لا يَعْلَمُ أنَّ ما وقَعَ في الوُجُودِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ جَمْعَهم عَلى الهُدى لَجَمَعَهم عَلَيْهِ، فَلا تَكُونُنَّ أيُّها السّامِعُ مِنَ الجاهِلِينَ بِأنَّ ما شاءَ اللَّهُ إيقاعَهُ وقَعَ، وأنَّ الكائِناتِ مَعْذُوقَةٌ بِإرادَتِهِ.

الأنعام 6:36

﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٣٧] ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلّا أُمَمٌ أمْثالُكم ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨] ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وبُكْمٌ في الظُّلُماتِ مَن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ ومَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٣٩] ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الأنعام: ٤٠] ﴿بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ إنْ شاءَ وتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٤١] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾ [الأنعام: ٤٢] ﴿فَلَوْلا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا ولَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهم وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٤٣] ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤] ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِ العالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٥] ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أخَذَ اللَّهُ سَمْعَكم وأبْصارَكم وخَتَمَ عَلى قُلُوبِكم مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِهِ انْظُرْ (p-١١٧)كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ ثُمَّ هم يَصْدِفُونَ﴾ [الأنعام: ٤٦] ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الظّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٤٧] ﴿وما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلّا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ فَمَن آمَنَ وأصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [الأنعام: ٤٨] ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ العَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأنعام: ٤٩] ﴿قُلْ لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ ولا أقُولُ لَكم إنِّي مَلَكٌ إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ أفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ٥٠] ﴿وأنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهم مِن دُونِهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ٥١] ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ وما مِن حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهم فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٢] . التَّضَرُّعُ: تَفَعُّلٌ مِنَ الضَّراعَةِ، وهي الذِّلَّةُ، يُقالُ: ضَرَعَ يَضْرَعُ ضَراعَةً؛ قالَ الشّاعِرُ: ؎لِيَبْكِ يَزِيدَ ضارِعٌ لِخُصُومَةٍ ومُخْتَبِطٌ مِمّا تُطِيحُ الطَّوائِحُ أيْ ذَلِيلٌ ضَعِيفٌ. صَدَفَ عَنِ الشَّيْءِ أعْرَضَ عَنْهُ صَدْفًا وصُدُوفًا وصادَفْتُهُ؛ لَقِيتُهُ عَنْ إعْراضٍ عَنْ جِهَتِهِ؛ قالَ ابْنُ الرِّقاعِ: ؎إذا ذَكَرْنَ حَدِيثًا قُلْنَ أحْسَنَهُ ∗∗∗ وهُنَّ عَنْ كُلِّ سُوءٍ يُتَّقى صُدُفُ صُدُفٌ جَمْعُ صَدُوفٍ، كَصَبُورٍ وصُبُرٍ. وقِيلَ: صَدَفٌ مالٌ مَأْخُوذٌ مِنَ الصَّدَفِ في البَعِيرِ، وهو أنْ يَمِيلَ خُفُّهُ مِنَ اليَدِ إلى الرِّجْلِ مِنَ الجانِبِ الوَحْشِيِّ. والصَّدَفَةُ واحِدَةُ الصَّدَفِ، وهي المَحارَةُ الَّتِي يَكُونُ فِيها الدُّرُّ؛ قالَ الشّاعِرُ: ؎وزادَها عَجَبًا أنْ رُحْتُ في سَمَكٍ ∗∗∗ وما دُرْتُ دَوَرانَ الدُّرِّ في الصَّدَفِ الخَزانَةُ ما يُحْفَظُ فِيهِ الشَّيْءُ مَخافَةَ أنْ يُنالَ، ومِنهُ فَإنَّما يَخْزُنُ لَهم ضُرُوعُ مَواشِيهِمْ أطَعِماتِهِمْ، أيُحِبُّ أحَدُكم أنْ تُؤْتى مَشْرَبَتُهُ، فَتُكْسِرَ خَزانَتُهُ، وهي بِفَتْحِ الخاءِ؛ وقالَ الشّاعِرُ: ؎إذا المَرْءُ لَمْ يَخْزُنْ عَلَيْهِ لِسانَهُ ∗∗∗ فَلَيْسَ عَلى شَيْءٍ سِواهُ بِخَزّانِ الطَّرْدُ؛ الإبْعادُ بِإهانَةٍ، والطَّرِيدُ؛ المَطْرُودُ، وبَنُو مَطْرُودٍ وبَنُو طِرادٍ؛ فَخْذانِ مِن إيادٍ. ﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ إنَّما يَسْتَجِيبُ لِلْإيمانِ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ سَماعَ قَبُولٍ وإصْغاءٍ، كَما قالَ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ أوْ ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧] . ويَسْتَجِيبُ بِمَعْنى يُجِيبُ. وفَرَّقَ الرُّمّانِيُّ بَيْنَ (أجابَ) و(اسْتَجابَ) بِأنِ (اسْتَجابَ) فِيهِ قَبُولٌ لِما دُعِيَ إلَيْهِ. قالَ: ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥]، ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ ونَجَّيْناهُ مِنَ الغَمِّ﴾ [الأنبياء: ٨٨]، ولَيْسَ كَذَلِكَ (أجابَ)؛ لِأنَّهُ قَدْ يُجِيبُ بِالمُخالَفَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنَّ الَّذِينَ تَحْرِصُ عَلى أنْ يُصَدِّقُوكَ، بِمَنزِلَةِ المَوْتى الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ، وإنَّما يَسْتَجِيبُ مَن يَسْمَعُ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ [النمل: ٨٠] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا مِنَ النَّمَطِ المُتَقَدِّمِ في التَّسْلِيَةِ؛ أيْ لا تَحْفُلُ بِمَن أعْرَضَ، فَإنَّما يَسْتَجِيبُ لِداعِي الإيمانِ الَّذِينَ يَفْهَمُونَ الآياتِ، ويَتَلَقَّوْنَ البَراهِينَ بِالقَبُولِ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بِيَسْمَعُونَ، إذْ هو طَرِيقُ العِلْمِ بِالنُّبُوَّةِ والآياتِ المُعْجِزَةِ. وهَذِهِ لَفْظَةٌ تَسْتَعْمِلُها الصُّوفِيَّةُ إذا بَلَغَتِ المَوْعِظَةُ مِن أحَدٍ مَبْلَغًا شافِيًا، قالُوا: اسْتَمَعَ ﴿والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ الظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ. والظّاهِرُ أنَّ المَوْتَ هُنا والبَعْثَ حَقِيقَةٌ، وذَلِكَ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنَّ المَوْتى عَلى العُمُومِ مِن مُسْتَجِيبٍ وغَيْرِ مُسْتَجِيبٍ، يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ فَيُجازِيهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ، وجاءَ لَفْظُ المَوْتى عامًّا لِإشْعارِ ما قَبْلَهُ بِالعُمُومِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾، إذِ الحَصْرُ يُشْعِرُ بِالقِسْمِ الآخَرِ، وهو أنَّ مَن لا يَسْمَعُ سَماعَ قَبُولٍ، لا يَسْتَجِيبُ لِلْإيمانِ، وهُمُ الكُفّارُ. وصارَ في الإخْبارِ عَنِ الجَمِيعِ بِالبَعْثِ والرُّجُوعِ إلى جَزاءِ اللَّهِ تَعالى تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ شَدِيدٌ لِمَن لَمْ يَسْتَجِبْ. وتَظافَرَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ أنَّ قَوْلَهُ والمَوْتى؛ يُرادُ بِهِ الكُفّارُ. سُمُّوا بِالمَوْتى كَما سُمُّوا بِالصُّمِّ والبُكْمِ والعُمْيِ (p-١١٨)وتَشْبِيهُ الكافِرِ بِالمَيِّتِ مِن حَيْثُ إنَّ المَيِّتَ جَسَدُهُ خالٍ عَنِ الرُّوحِ، فَيَظْهَرُ مِنهُ النَّتَنُ والصَّدِيدُ والقَيْحُ، وأنْواعُ العُفُوناتِ. وأصْلَحُ أحْوالِهِ دَفْنُهُ تَحْتَ التُّرابِ. والكافِرُ رُوحُهُ خالِيَةٌ عَنِ العَقْلِ، فَيَظْهَرُ مِنهُ جَهْلُهُ بِاللَّهِ تَعالى، ومُخالَفاتُهُ لِأمْرِهِ، وعَدَمُ قَبُولِهِ لِمُعْجِزاتِ الرُّسُلِ. وإذا كانَتْ رُوحُهُ خالِيَةً مِنَ العَقْلِ كانَ مَجْنُونًا، فَأحْسَنُ أحْوالِهِ أنْ يُقَيَّدَ ويُحْبَسَ. فالعَقْلُ بِالنِّسْبَةِ إلى الرُّوحِ كالرُّوحِ بِالنِّسْبَةِ إلى الجَسَدِ. وإذا كانَ المُرادُ بِالمَوْتى هُنا الكُفّارَ، فَقِيلَ: البَعْثُ يُرادُ بِهِ حَقِيقَتُهُ مِنَ الحَشْرِ يَوْمَ القِيامَةِ. والرُّجُوعُ هو رُجُوعُهم إلى سَطْوَتِهِ وعِقابِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ. وعَلى هَذا تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُتَضَمِّنَةً الوَعِيدَ لِلْكُفّارِ. وقِيلَ: المَوْتُ والبَعْثُ حَقِيقَةٌ، والجُمْلَةُ مَثَلٌ لِقُدْرَتِهِ عَلى إلْجائِهِمْ إلى الِاسْتِجابَةِ بِأنَّهُ هو الَّذِي يَبْعَثُ المَوْتى مِنَ القُبُورِ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿ثُمَّ إلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ لِلْجَزاءِ، فَكانَ قادِرًا عَلى هَؤُلاءِ المَوْتى بِالكُفْرِ أنْ يُحْيِيَهم بِالإيمانِ، وأنْتَ لا تَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقِيلَ: المَوْتُ والبَعْثُ مَجازانِ، اسْتُعِيرَ المَوْتُ لِلْكُفْرِ، والبَعْثُ لِلْإيمانِ. فَقِيلَ: الجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ أيْ والمَوْتى بِالكُفْرِ يُحْيِيهِمُ اللَّهُ بِالإيمانِ. وقِيلَ: لَيْسَ جُمْلَةً، بَلِ المَوْتى مَعْطُوفٌ عَلى الَّذِينَ يَسْمَعُونَ، ويَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ. والمَعْنى إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ سَماعَ قَبُولٍ، فَيُؤْمِنُونَ بِأوَّلِ وهْلَةٍ، والكُفّارُ حَتّى يُرْشِدَهُمُ اللَّهُ تَعالى، ويُوَفِّقَهم لِلْإيمانِ، فَلا تَتَأسَّفْ أنْتَ، ولا تَسْتَعْجِلْ ما لَمْ يُقَدَّرْ. وقُرِئَ، ثُمَّ إلَيْهِ يَرْجِعُونَ، بِفَتْحِ الياءِ مِن (رَجَعَ) اللّازِمِ.

الأنعام 6:37

﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في رُؤَساءِ قُرَيْشٍ، سَألُوا الرَّسُولَ آيَةً تَعَنُّتًا مِنهم، وإلّا فَقَدْ جاءَهم بِآياتٍ كَثِيرَةٍ فِيها مُقْنِعٌ انْتَهى. والضَّمِيرُ في وقالُوا عائِدٌ عَلى الكُفّارِ، و(لَوْلا) تَحْضِيضٌ بِمَعْنى (هَلّا) . ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾ أيْ مَهْما سَألْتُمُوهُ مِن إنْزالِ آيَةٍ، اللَّهُ قادِرٌ عَلى ذَلِكَ، كَما أنْزَلَ الآياتِ السّابِقَةَ، فَلا فَرْقَ في تَعَلُّقِ القُدْرَةِ بِالآياتِ المُقْتَرَحَةِ عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ، والآياتِ الَّتِي لَمْ تُقْتَرَحْ، وقَدِ اقْتَرَحْتُمْ آياتٍ، كانْشِقاقِ القَمَرِ، فَلَمْ تُجْدِ عَلَيْكم، ولا أثَّرَتْ فِيكم، وقُلْتُمْ: هَذا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ، ولَمْ تَعْتَدُّوا بِما أُنْزِلَ مَعَ كَثْرَتِهِ، حَتّى كَأنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ شَيْءٌ مِنَ الآياتِ؛ لِأنَّ دَأْبَكُمُ العِنادُ في آياتِ اللَّهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً تَضْطَرُّهم إلى الإيمانِ، كَنَتْقِ الجَبَلِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، أوْ آيَةً إنْ يَجْحَدُوها جاءَهُمُ العَذابُ. ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ تِلْكَ الآيَةَ، وإنْ صارَ فَمِنَ الحِكْمَةِ صَرْفُهُ عَنْ إنْزالِها. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لا يَعْلَمُونَ أنَّها لَوْ أُنْزِلَتْ، ولَمْ يُؤْمِنُوا لَعُوجِلُوا بِالعَذابِ، ويُحْتَمَلُ لا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما جَعَلَ المَصْلَحَةَ في آياتٍ مُعَرَّضَةٍ لِلنَّظَرِ والتَّأمُّلِ؛ لِيَهْتَدِيَ قَوْمٌ، ويَضِلَّ آخَرُونَ انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ (لا يَعْلَمُونَ) نَفى عَنْهُمُ العِلْمَ حَيْثُ فَرَّقُوا بَيْنَ تَعَلُّقِ القُدْرَةِ بِالآياتِ الَّتِي نَزَلَتْ، وبَيْنَ تَعَلُّقِها بِالآياتِ المُقْتَرَحَةِ، وتُعَلِّقُ القُدْرَةِ بِهِما سَواءٌ لِاجْتِماعِ المُقْتَرَحِ وغَيْرِ المُقْتَرَحِ في الإمْكانِ، فَمَن فَرَّقَ بَيْنَ المُتَماثِلاتِ، ولَمْ يَقْنَعْ بِما ورَدَ مِنها، فَهو لا شَكَّ جاهِلٌ.

الأنعام 6:38

﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلّا أُمَمٌ أمْثالُكُمْ﴾ . قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: (p-١١٩)ومَوْضِعُ الِاحْتِجاجِ مِن هَذِهِ الآيَةِ؛ أنَّ اللَّهَ رَكَّبَ في المُشْرِكِينَ عُقُولًا، وجَعَلَ لَهم أفْهامًا ألْزَمَهم بِها أنْ يَتَدَبَّرُوا أمْرَ الرَّسُولِ ﷺ، كَما جَعَلَ لِلدَّوابِّ والطَّيْرِ أفْهامًا، يَعْرِفُ بِها بَعْضُها إشارَةَ بَعْضٍ، وهَدى الذَّكَرَ مِنها لِإتْيانِ الأُنْثى، وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى نَفاذِ قُدْرَةِ المُرَكِّبِ ذَلِكَ فِيها. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ؛ التَّنْبِيهُ عَلى آياتِ اللَّهِ المَوْجُودَةِ في أنْواعِ مَخْلُوقاتِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: فَما الغَرَضُ في ذِكْرِ ذَلِكَ ؟ قُلْتُ: الدَّلالَةُ عَلى عِظَمِ قُدْرَتِهِ، ولُطْفِ عِلْمِهِ، وسَعَةِ سُلْطانِهِ، وتَدْبِيرِهِ تِلْكَ الخَلائِقَ المُتَفاوِتَةَ الأجْناسِ المُتَكاثِرَةَ الأصْنافِ، وهو لِما لَها، وما عَلَيْها مُهَيْمِنٌ عَلى أحْوالِها، لا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ، وأنَّ المُكَلَّفِينَ لَيْسُوا مَخْصُوصِينَ بِذَلِكَ دُونَ مَن عَداهم مِن سائِرِ الحَيَوانِ. انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ هَؤُلاءِ قَوْلَهم ﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [الأنعام: ٣٧]، ولَمْ يَعْتَبِرُوا ما نَزَلَ مِنَ الآياتِ، وأُجِيبُوا بِأنَّ القُدْرَةَ صالِحَةٌ لِإنْزالِ آيَةٍ، وهي الَّتِي اقْتَرَحْتُمُوها، ونُبِّهُوا عَلى جَهْلِهِمْ حَيْثُ فَرَّقُوا بَيْنَ آيَةٍ وآيَةٍ، أُخْبِرُوا أنَّهم أنْفُسَهم، وجَمِيعَ الحَيَوانِ غَيْرَهم مُتَماثِلُونَ في تَعَلُّقِ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ بِالجَمِيعِ، فَلا فَرْقَ بَيْنَ خَلْقِ مَن كُلِّفَ، وما لَمْ يُكَلَّفْ في تَعَلُّقِ القُدْرَةِ بِهِما، وإبْرازِهِما مِن صَرْفِ العَدَمِ إلى صَرْفِ الوُجُودِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: القُدْرَةُ تَعَلَّقَتْ بِالآياتِ كُلِّها مُقْتَرَحِها وغَيْرِ مُقْتَرَحِها، كَما تَعَلَّقَتْ بِخَلْقِكم، وخَلْقِ سائِرِ الحَيَوانِ، فالإمْكانُ هو الجامِعُ بَيْنَ كُلِّ ذَلِكَ؛ ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿إلّا أُمَمٌ أمْثالُكُمْ﴾ يَعْنِي في تَعَلُّقِ القُدْرَةِ بِإيجادِها، كَتَعَلُّقِها بِإيجادِكم، وكَذَلِكَ الآياتُ. وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ الآياتِ الوارِدَةَ عَلى أيْدِي الأنْبِياءِ، عَلَيْهِمُ السَّلامُ، قَدْ تَكُونُ بِاخْتِراعِ أعْيانٍ، كالماءِ الَّذِي نَبَعَ مِن بَيْنِ الأصابِعِ، والطَّعامِ الَّذِي تَكَثَّرَ مِن قَلِيلٍ، كَما أنَّ المَخْلُوقاتِ هي أعْيانٌ مُخْتَرَعَةٌ لِلَّهِ تَعالى، وكَأنَّ النِّسْبَةَ بِمُماثَلَةِ الحَيَوانِ لِلْإنْسانِ دُونَ ذِكْرِ الجَمادِ ودُونَ ذِكْرِ ما يَعُمُّها مِن حَيْثُ قُوَّةُ المُماثَلَةِ في الشُّعُورِ بِالأشْياءِ، والِاهْتِداءِ إلى كَثِيرٍ مِنَ المَصالِحِ، بِخِلافِ الجَمادِ، وإنْ كانَتِ القُدْرَةُ مُتَعَلِّقَةً بِجَمِيعِ المَخْلُوقاتِ. ودابَّةٌ تَقَدَّمَ شَرْحُها، وهي هُنا في سِياقِ النَّفْيِ مَصْحُوبَةً بِـ (مِنِ) الَّتِي تُفِيدُ اسْتِغْراقَ الجِنْسِ، فَهي عامَّةٌ تَشْمَلُ كُلَّ ما يَدُبُّ، فَيَنْدَرِجُ فِيها الطّائِرُ، فَذِكْرُ الطّائِرِ بَعْدَ ذِكْرِ الدّابَّةِ تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ، وذِكْرُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، وصارَ مِن بابِ التَّجْرِيدِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البقرة: ٩٨]، بَعْدَ ذِكْرِ المَلائِكَةِ. وإنَّما جُرِّدَ الطّائِرُ؛ لِأنَّ تَصَرُّفَهُ في الوُجُودِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الحَيَوانِ، أبْلَغُ في القُدْرَةِ، وأدَلُّ عَلى عِظَمِها مِن تَصَرُّفِ غَيْرِهِ مِنَ الحَيَوانِ في الأرْضِ، إذِ الأرْضُ جِسْمٌ كَثِيفٌ يُمْكِنُ تَصَرُّفُ الأجْرامِ عَلَيْها، والهَواءُ جِسْمٌ لَطِيفٌ، لا يُمْكِنُ عادَةً تَصَرُّفُ الأجْرامِ الكَثِيفَةِ فِيها، إلّا بِباهِرِ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ؛ ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿ألَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ في جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا اللَّهُ﴾ [النحل: ٧٩] . وجاءَ قَوْلُهُ في الأرْضِ إشارَةً إلى تَعْمِيمِ جَمِيعِ الأماكِنِ. لَمّا كانَ لَفْظُ مِن دابَّةٍ، وهو المُتَصَرِّفُ أتى بِالمُتَصَرَّفِ فِيهِ عامًّا، وهو الأرْضُ، وتَشْمَلُ الأرْضُ البَرَّ والبَحْرَ. ويَطِيرُ بِجَناحَيْهِ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: (ولا طائِرٍ) لِأنَّهُ لا طائِرَ إلّا يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ؛ ولِيَرْفَعَ المَجازَ الَّذِي كانَ يَحْتَمِلُهُ قَوْلُهُ: (ولا طائِرٍ)، لَوِ اقْتُصِرَ عَلَيْهِ، ألا تَرى إلى اسْتِعارَةِ الطّائِرِ لِلْعَمَلِ في قَوْلِهِ: ﴿وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣] ؟ وقَوْلِهِمْ: طارَ لِفُلانٍ كَذا في القِسْمَةِ؛ أيْ سَهْمُهُ. وطائِرُ السَّعْدِ والنَّحْسِ. وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى تَصَوُّرِ هَيْئَتِهِ عَلى حالَةِ الطَّيَرانِ، واسْتِحْضارٌ لِمُشاهَدَةِ هَذا الفِعْلِ الغَرِيبِ. وجاءَ الوَصْفُ بِلَفْظِ يَطِيرُ؛ لِأنَّهُ مُشْعِرٌ بِالدَّيْمُومَةِ والغَلَبَةِ؛ لِأنَّ أكْثَرَ أحْوالِ الطّائِرِ كَوْنُهُ يَطِيرُ، وقَلَّ ما يَسْكُنُ، حَتّى أنَّ المَحْبُوسَ مِنها يَكْثُرُ وُلُوعُهُ بِالطَّيَرانِ في المَكانِ الَّذِي حُبِسَ فِيهِ مِن قَفَصٍ وغَيْرِهِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، ولا طائِرٌ، بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ دابَّةٍ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ، في الأرْضِ، في مَوْضِعِ رَفْعِ صِفَةٍ عَلى مَوْضِعِ دابَّةٍ، وكَذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ يَطِيرُ، ويَتَعَيَّنُ ذَلِكَ في قِراءَةِ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ. والباءُ في بِجَناحَيْهِ لِلِاسْتِعانَةِ، كَقَوْلِهِ: كَتَبْتُ بِالقَلَمِ. و(إلّا أُمَمٌ)، هو خَبَرُ المُبْتَدَأِ (p-١٢٠)الَّذِي هو مِن دابَّةٍ ولا طائِرٍ وجُمِعَ الخَبَرُ وإنْ كانَ المُبْتَدَأُ مُفْرَدًا حَمْلًا عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ المُفْرَدَ هُنا لِلِاسْتِغْراقِ. والمِثْلِيَّةُ هُنا، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أمْثالُكم مَكْتُوبَةٌ أرْزاقُها، وآجالُها، وأعْمالُها، كَما كُتِبَتْ، أرْزاقُكم، وآجالُكم، وأعْمالُكُمُ انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مُماثِلَةٌ لِلنّاسِ في الخَلْقِ والرِّزْقِ والحَياةِ والمَوْتِ والحَشْرِ. وقالَ الطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، واخْتِيارُ الزَّجّاجِ المُماثَلَةَ في أنَّها تُجازى بِأعْمالِها، وتُحاسَبُ، ويَقْتَصُّ لِبَعْضِها مِن بَعْضٍ عَلى ما رُوِيَ في الأحادِيثِ. وقالَ مَكِّيٌّ: في أنَّها تَعْرِفُ اللَّهَ تَعالى، وتَعْبُدُهُ. وهَذا قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ، قالَ: مَعْناهُ إلّا أجْناسٌ يَعْرِفُونَ اللَّهَ ويَعْبُدُونَهُ. ونَقَلَهُ الواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ أنَّ المُماثَلَةَ حَصَلَتْ مِن حَيْثُ أنَّهم يَعْرِفُونَ اللَّهَ، ويُوَحِّدُونَهُ، ويَحْمَدُونَهُ، ويُسَبِّحُونَهُ. وإلَيْهِ ذَهَبَتْ طائِفَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، مُحْتَجِّينَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]، وبِقَوْلِهِ في صِفَةِ الحَيَوانِ: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ﴾ [النور: ٤١] وبِما بِهِ خاطَبَ النَّمْلَ، وخاطَبَ الهُدْهُدَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ في قَوْلِ مَكِّيٍّ: وهَذا قَوْلُ خَلَفٍ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المُماثَلَةُ في كَوْنِها أُمَمًا لا غَيْرَ. كَما تُرِيدُ بِقَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ مِثْلِكَ؛ أيْ في أنَّهُ رَجُلٌ. ويَصِحُّ في غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأوْصافِ، إلّا أنَّ الفائِدَةَ في هَذِهِ أنْ تَكُونَ المُماثَلَةُ في أوْصافٍ غَيْرِ كَوْنِها أُمَمًا. قالَ مُجاهِدٌ: إلّا أصْنافٌ مُصَنَّفَةٌ. وقالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: المُماثَلَةُ وقَعَتْ بَيْنَها، وبَيْنَ بَنِي آدَمَ مِن قِبَلِ أنَّ بَعْضَهم يَفْقَهُ عَنْ بَعْضٍ. وقالَ ابْنُ عِيسى: أمْثالُكم في الحاجَةِ إلى مُدَبِّرٍ يُدَبِّرُهم فِيما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِن قُوتٍ يَقُوتُهم، وإلى لِباسٍ يَسْتُرُهم، وإلى سَكَنٍ يُوارِيهِمْ. ورُوِيَ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ أنَّهُ قالَ: أُبْهِمَتْ عُقُولُ البُهْمِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، إلّا عَنْ أرْبَعَةِ أشْياءَ: الإلَهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وطَلَبِ الرِّزْقِ، ومَعْرِفَةِ الذَّكَرِ والأُنْثى، وتَهَيُّؤِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما لِصاحِبِهِ. وقِيلَ: المُماثَلَةُ في كَوْنِها جَماعاتٍ مَخْلُوقَةً يُشْبِهُ بَعْضُها بَعْضًا، ويَأْنَسُ بَعْضُها بِبَعْضٍ، وتَتَوالَدُ كالإنْسِ. ورَوى أبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيُّ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ؛ أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، وقالَ: ما في الأرْضِ آدَمِيٌّ إلّا وفِيهِ شَبَهٌ مِن بَعْضِ البَهائِمِ، فَمِنهم مَن يُقْدِمُ إقْدامَ الأسَدِ، ومِنهم مَن يَعْدُو عَدْوَ الذِّئْبِ، ومِنهم مَن يَنْبَحُ نُباحَ الكِلابِ، ومِنهم مَن يَتَطَوَّسُ كَفِعْلِ الطّاوُوسِ، ومِنهم مَن يَشْرَهَ شَرَهَ الخِنْزِيرِ. وفي رِوايَةٍ؛ مِنهم مَن يُشْبِهُ الخِنْزِيرَ، إذا أُلْقِيَ إلَيْهِ الطَّعامُ الطَّيِّبُ، تَرَكَهُ، وإذا قامَ الرَّجُلُ مِن رَجِيعِهِ، ولَغَ فِيهِ. وكَذَلِكَ تَجِدُ مِنَ الآدَمِيِّينَ مَن لَوْ سَمِعَ خَمْسِينَ حِكْمَةً، لَمْ يَحْفَظْ مِنها واحِدَةً. فَإنْ أخْطَأتْ واحِدَةٌ حَفِظَها، ولَمْ يَجْلِسْ مَجْلِسًا رَواها عَنْكَ. ﴿ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ ما تَرَكْنا وما أغْفَلْنا، والكِتابُ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ. والمَعْنى؛ وما أغْفَلْنا فِيهِ مِن شَيْءٍ لَمْ نَكْتُبْهُ، ولَمْ نُثْبِتْ ما وجَبَ أنْ يُثْبَتَ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، ولَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُ، أوِ القُرْآنُ، وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ سِياقُ الآيَةِ والمَعْنى. وبَدَأ بِهِ عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ، وذَكَرَ اللَّوْحَ المَحْفُوظَ، فَعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ: مِن شَيْءٍ عَلى عُمُومِهِ، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ مِنَ العامِّ الَّذِي يُرادُ بِهِ الخاصُّ، فالمَعْنى مِن شَيْءٍ يَدْعُو إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ وتَكالِيفِهِ. وكَثِيرًا ما يَسْتَدِلُّ بَعْضُ الظّاهِرِيَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾ يُشِيرُ إلى أنَّ الكِتابَ تَضَمَّنَ الأحْكامَ التَّكْلِيفِيَّةَ كُلَّها. والتَّفْرِيطُ التَّقْصِيرُ، فَحَقُّهُ أنْ يَتَعَدّى بِـ (في)، كَقَوْلِهِ: ﴿عَلى ما (p-١٢١)فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦]، وإذا كانَ كَذَلِكَ، فَيَكُونُ قَدْ ضَمِنَ ما أغْفَلْنا، وما تَرَكْنا، ويَكُونُ (مِن شَيْءٍ) في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِهِ، و(مِن) زائِدَةٌ، والمَعْنى: ما تَرَكْنا وما أغْفَلْنا في الكِتابِ شَيْئًا يُحْتاجُ إلَيْهِ مِن دَلائِلِ الإلَهِيَّةِ والتَّكالِيفِ. ويَبْعُدُ جَعْلُ (مِن) هُنا تَبْعِيضِيَّةً، وأنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ ما فَرَّطْنا في الكِتابِ بَعْضَ شَيْءٍ يَحْتاجُ إلَيْهِ المُكَلَّفُ، وإنْ قالَهُ بَعْضُهم. وجَعَلَ أبُو البَقاءِ هُنا مِن شَيْءٍ واقِعًا مَوْقِعَ المَصْدَرِ؛ أيْ تَفْرِيطًا، قالَ: وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ، لا يَبْقى في الآيَةِ حُجَّةٌ لِمَن ظَنَّ أنَّ الكِتابَ يَحْتَوِي عَلى ذِكْرِ كُلِّ شَيْءٍ تَصْرِيحًا، ونَظِيرُ ذَلِكَ ﴿لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٢٠] أيْ ضَرَرًا انْتَهى. وما ذَكَرَهُ مِن أنَّهُ لا يَبْقى عَلى هَذا التَّأْوِيلِ حُجَّةٌ لِمَن ذَكَرَ، لَيْسَ كَما ذَكَرَ؛ لِأنَّهُ إذا تَسَلَّطَ النَّفْيُ عَلى المَصْدَرِ كانَ المَصْدَرُ مَنفِيًّا عَلى جِهَةِ العُمُومِ، ويَلْزَمُ مِن نَفْيِ هَذا العُمُومِ، نَفْيُ أنْواعِ المَصْدَرِ، ونَوْعِ مُشَخَّصاتِهِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ لا قِيامَ، فَهَذا نَفْيٌ عامٌّ، فَيَنْتَفِي مِنهُ جَمِيعُ أنْواعِ القِيامِ، ومُشَخّاصِتِهِ كَقِيامِ زَيْدٍ وقِيامِ عَمْرٍو، وما أشْبَهَ ذَلِكَ، فَإذا نُفِيَ التَّفْرِيطُ عَلى طَرِيقَةِ العُمُومِ، كانَ ذَلِكَ نَفْيًا لِجَمِيعِ أنْواعِ التَّفْرِيطِ ومُشَخَّصاتِهِ ومُتَعَلِّقاتِهِ، فَيَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنَّ الكِتابَ يَحْتَوِي عَلى ذِكْرِ كُلِّ شَيْءٍ. وقَرَأ الأعْرَجُ وعَلْقَمَةُ (ما فَرَّطْنا) بِتَحْفِيفِ الرّاءِ، والمَعْنى واحِدٌ. وقالَ النَّقّاشُ: مَعْنى (فَرَطْنا) مُخَفَّفَةً أخَّرْنا، كَما قالُوا: فَرَطَ اللَّهُ عَنْكَ المَرَضَ أيْ أزالَهُ. ﴿ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ الظّاهِرُ في الضَّمِيرِ أنَّهُ عائِدٌ عَلى ما تَقَدَّمَ، وهو الأُمَمُ كُلُّها مِنَ الطَّيْرِ والدَّوابِّ. وقالَ قَوْمٌ: هو عائِدٌ عَلى الكُفّارِ، لا عَلى أُمَمٍ، وما تَخَلَّلَ بَيْنَهُما كَلامٌ مُعْتَرِضٌ وإقامَةٌ وحُجَجٌ، ويُرَجِّحُ هَذا القَوْلَ، كَوْنُهُ جاءَ بِهِمْ، وبِالواوِ الَّتِي هي لِلْعُقَلاءِ، ولَوْ كانَ عائِدًا عَلى أُمَمِ الطَّيْرِ والدَّوابِّ، لَكانَ التَّرْكِيبُ، ثُمَّ إلى رَبِّها تُحْشَرُ. ويُجابُ عَنْ هَذا؛ بِأنَّها لَمّا كانَتْ مُمْتَثِلَةً لَمّا أرادَ اللَّهُ مِنها، أُجْرِيَتْ مَجْرى العُقَلاءِ. وأصْلُ الحَشْرِ الجَمْعُ، ومِنهُ فَحَشَرَ فَنادى. والظّاهِرُ أنَّهُ يُرادُ بِهِ البَعْثُ يَوْمَ القِيامَةِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ، فَتُحْشَرُ البَهائِمُ والدَّوابُّ والطَّيْرُ، وفي ذَلِكَ حَدِيثٌ يَرْوِيهِ يَزِيدُ بْنُ الأصَمِّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: يَحْشُرُ اللَّهُ الخَلْقَ كُلَّهم يَوْمَ القِيامَةِ البَهائِمَ والدَّوابَّ والطَّيْرَ وكُلَّ شَيْءٍ، فَيَبْلُغُ مِن عَدْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ يَوْمَئِذٍ أنْ يَأْخُذَ لِلْجَمّاءِ مِنَ القَرْناءِ، ثُمَّ يَقُولَ: كُونِي تُرابًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَقُولُ الكافِرُ يالَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا﴾ [النبإ: ٤٠] . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ في آخَرِينَ: حَشْرُ الدَّوابِّ مَوْتُها؛ لِأنَّ الدَّوابَّ لا تَكْلِيفَ عَلَيْها، ولا تَرْجُو ثَوابًا، ولا تَخافُ عِقابًا، ولا تَفْهَمُ خِطابًا انْتَهى. ومَن ذَهَبَ هَذا المَذْهَبَ، تَأوَّلَ حَدِيثَ أبِي هُرَيْرَةَ عَلى مَعْنى التَّمْثِيلِ في الحِسابِ والقَصّاصِ، حَتّى يَفْهَمَ كُلُّ مُكَلَّفٍ أنَّهُ لا بُدَّ لَهُ مِنهُ، ولا مَحِيصَ، وأنَّهُ العَدْلُ المَحْضُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والقَوْلُ في الأحادِيثِ المُتَضَمِّنَةِ أنَّ اللَّهَ يَقْتَصُّ لِلْجَمّاءِ مِنَ القَرْناءِ، أنَّها كِنايَةٌ عَنِ العَدْلِ، ولَيْسَتْ بِحَقِيقَةِ قَوْلِ مَرْذُولٍ يَنْحُو إلى القَوْلِ بِالرُّمُوزِ ونَحْوِها انْتَهى. وقالَ ابْنُ فُورَكٍ: القَوْلُ بِحَشْرِها مَعَ بَنِي آدَمَ أظْهَرُ انْتَهى. وعَلى القَوْلِ بِحَشْرِ البَهائِمِ مَعَ النّاسِ، اخْتَلَفُوا في المَعْنى الَّذِي تُحْشَرُ لِأجْلِهِ، فَذَهَبَ أهْلُ السُّنَّةِ أنَّها لِإظْهارِ القُدْرَةِ عَلى الإعادَةِ، وفي ذَلِكَ تَخْجِيلٌ لِمَن أنْكَرَ ذَلِكَ، فَقالَ: مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ ؟ وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: يَحْشُرُ اللَّهُ البَهائِمَ والطَّيْرَ؛ لِإيصالِ الأعْواضِ إلَيْها، وكَذَلِكَ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَيُعَوِّضُهُما ويُنْصِفُ بَعْضَها مِن بَعْضٍ، كَما رُوِيَ أنَّهُ يَأْخُذُ لِلْجَمّاءِ مِنَ القُرَناءِ انْتَهى. وطَوَّلَ المُعْتَزِلَةُ في إيصالِ التَّعْوِيضِ عَنْ آلامِ البَهائِمِ وضَرَرِها، وأنَّ ذَلِكَ واجِبٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، وفَرَّعُوا فُرُوعًا، واخْتَلَفُوا في العِوَضِ، أهْوَ مُنْقَطِعٌ، أمْ دائِمٌ ؟ فَذَهَبَ القاضِي وأكْثَرُ مُعْتَزِلَةِ البَصْرَةِ إلى أنَّهُ مُنْقَطِعٌ، فَبَعْدَ تَوْفِيَةِ العِوَضِ، يَجْعَلُها تُرابًا، وقالَ أبُو القاسِمِ البَلْخِيُّ: يَجِبُ كَوْنُ العِوَضِ دائِمًا. وقِيلَ: تَدْخُلُ البَهائِمُ الجَنَّةَ وتُعَوَّضُ عَنْ ما نالَها مِنَ الآلامِ. وكُلُّ ما قالَتْهُ المُعْتَزِلَةُ مَبْناهُ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى يَجِبُ عَلَيْهِ إيصالُ الأعْواضِ إلى البَهائِمِ عَنِ الآلامِ الَّتِي حَصَلَتْ لَها في الدُّنْيا. ومَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّ الإيجابَ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ.

الأنعام 6:39

(p-١٢٢)﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وبُكْمٌ في الظُّلُماتِ﴾ . قالَ النَّقّاشُ: نَزَلَتْ في بَنِي عَبْدِ الدّارِ، ثُمَّ انْسَحَبَتْ عَلى سِواهُمُ انْتَهى. ومُناسَبَةُ هَذِهِ لِما قَبْلَها؛ أنَّهُ لَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ [الأنعام: ٣٦] أخْبَرَ أنَّ المُكَذِّبِينَ بِالآياتِ صُمٌّ، لا يَسْمَعُونَ مَن يُنَبِّهُهم، فَلا يَسْتَجِيبُ أحَدٌ مِنهم، ولَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿وما مِن دابَّةٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] الآيَةَ مُنَبِّهًا عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ولَطِيفِ صُنْعِهِ، وبَدِيعِ خَلْقِهِ، ذَكَرَ أنَّ المُكَذِّبَ بِآياتِهِ، هو أصَمُّ عَنْ سَماعِ الحَقِّ، أبْكَمُ عَنِ النُّطْقِ بِهِ. والآياتُ هُنا القُرْآنُ، أوْ ما ظَهَرَ عَلى يَدَيِ الرَّسُولِ ﷺ مِنَ المُعْجِزاتِ، أوِ الدَّلائِلِ والحُجَجِ، ثَلاثَةُ أقْوالٍ، والإخْبارُ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿صُمٌّ وبُكْمٌ في الظُّلُماتِ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ اسْتِعارَةٌ عَنْ عَدَمِ الِانْتِفاعِ الذِّهْنِيِّ بِهَذِهِ الحَواسِّ، لا أنَّهم ﴿صُمٌّ وبُكْمٌ في الظُّلُماتِ﴾ حَقِيقَةً، وجاءَ قَوْلُهُ: ﴿فِي الظُّلُماتِ﴾ كِنايَةً عَنْ عَمى البَصِيرَةِ، فَهو يَنْظُرُ، كَقَوْلِهِ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] لَكِنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِي الظُّلُماتِ﴾ أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ: (عُمْيٌ) إذْ جُعِلَتْ ظَرْفًا لَهم، وجُمِعَتْ لِاخْتِلافِ جِهاتِ الكُفْرِ، كَما قِيلَ: في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنعام: ١]، عَلى أحَدِ الأقْوالِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿يُخْرِجُونَهم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] . وقالَ الجِبائِيُّ: الإخْبارُ عَنْهم بِأنَّهم ﴿صُمٌّ وبُكْمٌ في الظُّلُماتِ﴾ حَقِيقَةٌ، وذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ يَجْعَلُهم صُمًّا وبُكْمًا في الظُّلُماتِ، يُضِلُّهم بِذَلِكَ عَنِ الجَنَّةِ، ويُصَيِّرُهم إلى النّارِ. ويُعَضِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا مَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ [الإسراء: ٩٧] الآيَةَ. وقالَ الكَعْبِيُّ: (صُمٌّ وبُكْمٌ) مَحْمُولٌ عَلى الشَّتْمِ والإهانَةِ عَلى أنَّهم كانُوا كَذَلِكَ في الحَقِيقَةِ انْتَهى. والظُّلُماتُ ظُلُماتُ الكُفْرِ، أوْ حُجُبٌ تُضْرَبُ عَلى القَلْبِ فَيُظْلِمُ، وتَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ نُورِ الإيمانِ، أوْ ظُلُماتُ يَوْمِ القِيامَةِ، ومِنهُ قِيلَ: ارْجِعُوا وراءَكم فالتَمِسُوا نُورًا، أوِ الشَّدائِدُ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانَتْ تُعَبِّرُ عَنِ الشِّدَّةِ بِالظُّلْمَةِ، يَقُولُونَ: يَوْمٌ مُظْلِمٌ، إذا لَقُوا فِيهِ شِدَّةً، ومِنهُ قَوْلُهُ: ؎بَنِي أسَدٍ هَلْ تَعْلَمُونَ بَلاءَنا إذا كانَ يَوْمٌ ذُو كَواكِبَ مُظْلِمُ أرْبَعَةُ أقْوالٍ، رابِعُها قالَهُ اللَّيْثُ. ﴿مَن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ ومَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ مَفْعُولُ (يَشَأْ) مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: مَن يَشَأِ اللَّهُ إضْلالَهُ (يُضْلِلْهُ)، ومَن يَشَأْ هِدايَتَهُ (يَجْعَلْهُ) . ولا يَجُوزُ في (مَن) فِيهِما أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِـ (يَشَأْ)؛ لِلتَّعانُدِ الحاصِلِ بَيْنَ المَشِيئَتَيْنِ، فَإنْ قُلْتَ، يَكُونُ مَفْعُولًا بِـ (يَشَأْ) عَلى حَذْفِ مُضافٍ (p-١٢٣)تَقْدِيرُهُ: إضْلالُ مَن يَشاءُ اللَّهُ، وهِدايَةُ مَن يَشاءُ اللَّهُ، فَحُذِفَ وأُقِيمَ (مَن) مَقامَهُ، ودَلَّ فِعْلُ الجَوابِ عَلى هَذا المَفْعُولِ، فالجَوابُ: أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ، لِأنَّ أبا الحَسَنِ الأخْفَشَ حَكى عَنِ العَرَبِ؛ أنَّ اسْمَ الشَّرْطِ غَيْرَ الظَّرْفِ، والمُضافَ إلى اسْمِ الشَّرْطِ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ في الجَوابِ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى اسْمِ الشَّرْطِ، أوِ المُضافِ إلَيْهِ. والضَّمِيرُ في (يُضْلِلْهُ) إمّا أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى إضْلالٍ المَحْذُوفِ، أوْ عَلى (مَن)، لا جائِزٌ أنْ يَعُودَ عَلى إضْلالٍ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: ﴿يَغْشاهُ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ﴾ [النور: ٤٠]، إذِ الهاءُ تَعُودُ عَلى (ذِي) المَحْذُوفَةِ مِن قَوْلِهِ: أوْ كَظُلُماتٍ، إذِ التَّقْدِيرُ: أوْ كَذِي ظُلُماتٍ؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: إضْلالَ مَن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ أيْ يُضْلِلُ الإضْلالَ، وهَذا لا يَصِحُّ، ولا جائِزٌ أنْ يَعُودَ عَلى (مَنِ) الشَّرْطِيَّةِ؛ لِأنَّهُ إذْ ذاكَ تَخْلُو الجُمْلَةُ الجَزائِيَّةُ مِن ضَمِيرٍ يَعُودُ عَلى المُضافِ إلى اسْمِ الشَّرْطِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ. فَإنْ قُلْتَ: يَكُونُ التَّقْدِيرُ: مَن يَشَأِ اللَّهُ بِالإضْلالِ، فَيَكُونُ عَلى هَذا مَفْعُولًا مُقَدَّمًا؛ لِأنَّ شاءَ بِمَعْنى أرادَ، ويُقالُ أرادَهُ اللَّهُ بِكَذا؛ قالَ الشّاعِرُ: ؎أرادَتْ عِرارًا بِالهَوانِ ومَن يُرِدْ ∗∗∗ عِرارًا لَعَمْرِي بِالهَوانِ فَقَدْ ظَلَمْ فالجَوابُ: أنَّهُ لا يُحْفَظُ مِن كَلامِ العَرَبِ تَعْدِيَةُ (شاءَ) بِالباءِ، لا يُحْفَظُ شاءَ اللَّهُ بِكَذا، ولا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ الشَّيْءِ في مَعْنى الشَّيْءِ أنْ يُعَدّى تَعْدِيَتَهُ، بَلْ قَدْ يَخْتَلِفُ تَعْدِيَةُ اللَّفْظِ الواحِدِ بِاخْتِلافِ مُتَعَلِّقِهِ، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: دَخَلْتُ الدّارَ، ودَخَلْتُ في غِمارِ النّاسِ ؟ ولا يَجُوزُ دَخَلْتُ غِمارَ النّاسِ، فَإذا كانَ هَذا وارِدًا في الفِعْلِ الواحِدِ؛ فَلَأنْ يَكُونَ في الفِعْلَيْنِ أحْرى، وإذا تَقَرَّرَ هَذا، فَإعْرابُ (مَن)، يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما؛ وهو الأوْلى أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً جُمْلَةُ الشَّرْطِ خَبَرُهُ، والثّانِي أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ مُتَأخِّرٍ عَنْهُ، يُفَسِّرُهُ فِعْلُ الشَّرْطِ، مِن حَيْثُ المَعْنى، وتَكُونَ المَسْألَةُ مِن بابِ الِاشْتِغالِ، التَّقْدِيرُ: مَن يُشْقِ اللَّهُ يَشَأْ إضْلالَهُ، ومَن يُسْعِدْ يَشَأْ هِدايَتَهُ ﴿يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ في أنَّ اللَّهَ تَعالى هو الهادِي، وهو المُضِلُّ، وأنَّ ذَلِكَ مَعْذُوقٌ بِمَشِيئَتِهِ، لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ. وقَدْ تَأوَّلَتِ المُعْتَزِلَةُ هَذِهِ الآيَةَ، كَما تَأوَّلُوا غَيْرَها، فَقالُوا: مَعْنى (يُضْلِلْهُ) يَخْذُلُهُ ويَخْبِلُهُ، وضَلالُهُ لَمْ يَلْطُفْ بِهِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِ اللُّطْفِ، ومَعْنى ﴿يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يَلْطُفُ بِهِ؛ لِأنَّ اللُّطْفَ يَجْرِي عَلَيْهِ، وهَذا عَلى قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ. وقالَ غَيْرُهُ: يُضْلِلْهُ عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ، و﴿يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ هو الصِّراطُ الَّذِي يَسْلُكُهُ المُؤْمِنُونَ إلى الجَنَّةِ. قالُوا: وقَدْ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّهُ تَعالى لا يَشاءُ هَذا الضَّلالَ، إلّا لِمَن يَسْتَحِقُّ العُقُوبَةَ، كَما لا يَشاءُ الهُدى إلّا لِلْمُؤْمِنِينَ.

الأنعام 6:40

﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (p-١٢٤)هَذا ابْتِداءُ احْتِجاجٍ عَلى الكُفّارِ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ شُرَكاءَ. قالَ الكِرْمانِيُّ: (أرَأيْتَكم) كَلِمَةُ اسْتِفْهامٍ، وتَعَجُّبٍ، ولَيْسَ لَها نَظِيرٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والمَعْنى: أرَأيْتَكم إنْ خِفْتُمْ عَذابَ اللَّهِ، أوْ خِفْتُمْ هَلاكًا، أوْ خِفْتُمُ السّاعَةَ، أتَدْعُونَ أصْنامَكم، وتَلْجَأُونَ إلَيْها في كَشْفِ ذَلِكَ، إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في قَوْلِكم إنَّها آلِهَةٌ ؟ بَلْ تَدْعُونَ اللَّهَ الخالِقَ الرّازِقَ، فَيَكْشِفُ ما خِفْتُمُوهُ إنْ شاءَ، وتَنْسَوْنَ أصْنامَكُمْ؛ أيْ تَتْرُكُونَهم، فَعَبَّرَ عَنِ التَّرْكِ بِأعْظَمِ وُجُوهِهِ الَّذِي هو مَعَ التَّرْكِ، ذُهُولٌ وإغْفالٌ، فَكَيْفَ يُجْعَلُ إلَهًا مَن هَذِهِ حالُهُ في الشَّدائِدِ ؟ و﴿أتاكم عَذابُ اللَّهِ﴾ أتاكم خَوْفُهُ وأماراتُهُ، وأوائِلُهُ، مِثْلُ الجَدْبِ والبَأْساءِ والأمْراضِ الَّتِي يُخافُ مِنها الهَلاكُ، كالقُولَنْجِ. ويَدْعُو إلى هَذا التَّأْوِيلِ، أنّا لَوْ قَدَّرْنا إتْيانَ العَذابِ وحُلُولَهُ، لَمْ يَتَرَتَّبْ أنْ يَقُولَ بَعْدَ ذَلِكَ: فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ؛ لِأنَّ ما قَدْ صَحَّ حُلُولُهُ ومَضى، لا يَصِحُّ كَشْفُهُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالسّاعَةِ في هَذِهِ الآيَةِ، ساعَةَ مَوْتِ الإنْسانِ انْتَهى. ولا يُضْطَرُّ إلى هَذا التَّأْوِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ، بَلْ إذا حَلَّ بِالإنْسانِ العَذابُ، واسْتَمَرَّ عَلَيْهِ، لا يَدْعُو إلّا اللَّهَ، وقَوْلُهُ: لِأنَّ ما صَحَّ حُلُولُهُ ومَضى، لا يَصِحُّ كَشْفُهُ، لَيْسَ كَما ذَكَرَ؛ لِأنَّ العَذابَ الَّذِي يَحِلُّ بِالإنْسانِ، هو جِنْسٌ مِنهُ ما مَرَّ وانْقَضى، فَذَلِكَ لا يَصِحُّ كَشْفُهُ، ومِنهُ ما هو مُلْتَبِسٌ بِالإنْسانِ في الحالِ، فَيَصِحُّ كَشْفُهُ وإزالَتُهُ، بِقَطْعِ اللَّهِ ذَلِكَ عَنِ الإنْسانِ. وهَذِهِ الآيَةُ تُنْظِرُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأنْ لَمْ يَدْعُنا إلى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس: ١٢]، فَما انْقَضى مِنَ الضُّرِّ الَّذِي مَسَّهُ، لا يَصِحُّ كَشْفُهُ، وما هو مُلْتَبِسٌ بِهِ، كَشَفَهُ اللَّهُ تَعالى، فالضُّرُّ جِنْسٌ كَما أنَّ العَذابَ هُنا جِنْسٌ. وقالَ مُقاتِلٌ: عَذابُ اللَّهِ هو العَذابُ الَّذِي كانَ يَأْتِي الأُمَمَ الخالِيَةَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو المَوْتُ، ويَعْنِي، واللَّهُ أعْلَمُ مُقَدِّماتِهِ مِنَ الشَّدائِدِ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّ (السّاعَةُ) هي القِيامَةُ، وأرَأيْتَ: الهَمْزَةُ فِيها لِلِاسْتِفْهامِ، فَإنْ كانَتِ البَصَرِيَّةَ، أوِ الَّتِي لِإصابَةِ الرُّؤْيَةِ، أوِ العِلْمِيَّةَ الباقِيَةَ عَلى بابِها، لَمْ يَجُزْ فِيها إلّا تَحْقِيقُ الهَمْزَةِ، أوْ تَسْهِيلُها بَيْنَ بَيْنَ، ولا يَجُوزُ حَذْفُها. وتَخْتَلِفُ (p-١٢٥)التّاءُ بِاخْتِلافِ المُخاطَبِ، ولا يَجُوزُ إلْحاقُ الكافِ بِها، وإنْ كانَتِ العِلْمِيَّةَ الَّتِي هي بِمَعْنى أخْبَرَنِي، جازَ أنْ تُحَقَّقَ الهَمْزَةُ، وبِهِ قَرَأ الجُمْهُورُ في ﴿أرَأيْتَكُمْ﴾، وأرَأيْتُمْ وأرَأيْتَ، وجازَ أنْ تُسَهَّلَ بَيْنَ بَيْنَ، وبِهِ قَرَأ نافِعٌ، ورُوِيَ عَنْهُ إبْدالُها ألِفًا مَحْضَةً، ويَطُولُ مَدُّها لِسُكُونِها وسُكُونِ ما بَعْدَها. وهَذا البَدَلُ ضَعِيفٌ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ، إلّا أنَّهُ قَدْ سُمِعَ مِن كَلامِ العَرَبِ، حَكاهُ قُطْرُبُ وغَيْرُهُ، وجازَ حَذْفُها، وبِهِ قَرَأ الكِسائِيُّ، وقَدْ جاءَ ذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ. قالَ الرّاجِزُ: ؎أرَيْتَ إنْ جاءَتْ بِهِ أُمْلُودا بَلْ قَدْ زَعَمَ الفَرّاءُ أنَّها لُغَةُ أكْثَرِ العَرَبِ، قالَ الفَرّاءُ: لِلْعَرَبِ في أرَأيْتَ لُغَتانِ ومَعْنَيانِ: أحَدُهُما: أنْ تَسْألَ الرَّجُلَ، أرَأيْتَ زَيْدًا ؟ أيْ بِعَيْنِكَ، فَهَذِهِ مَهْمُوزَةٌ، وثانِيهِما: أنْ تَقُولَ: أرَأيْتَ، وأنْتَ تَقُولُ: أخْبِرْنِي فِيها هُنا، تَتْرُكُ الهَمْزَةَ إنْ شِئْتَ، وهو أكْثَرُ كَلامِ العَرَبِ، تُومِئُ إلى تَرْكِ الهَمْزَةِ؛ لِلْفَرْقِ بَيْنَ المَعْنَيَيْنِ انْتَهى. وإذا كانَتْ بِمَعْنى أخْبِرْنِي، جازَ أنْ تَخْتَلِفَ التّاءُ بِاخْتِلافِ المُخاطَبِ، وجازَ أنْ تَتَّصِلَ بِها الكافُ مُشْعِرَةً بِاخْتِلافِ المُخاطَبِ، وتَبْقى التّاءُ مَفْتُوحَةً، كَحالِها لِلْواحِدِ المُذَكَّرِ. ومَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ أنَّ التّاءَ هي الفاعِلُ، وما لَحِقَها حَرْفٌ يَدُلُّ عَلى اخْتِلافِ المُخاطَبِ، وأغْنى اخْتِلافُهُ عَنِ اخْتِلافِ التّاءِ. ومَذْهَبُ الكِسائِيِّ أنَّ الفاعِلَ هو التّاءُ، وأنَّ أداةَ الخِطابِ اللّاحِقَةَ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الأوَّلِ. ومَذْهَبُ الفَرّاءِ أنَّ التّاءَ هي حَرْفُ خِطابٍ (p-١٢٦)كَهِيَ في أنْتَ، وأنَّ أداةَ الخِطابِ بَعْدَهُ هي في مَوْضِعِ الفاعِلِ، اسْتُعِيرَتْ ضَمائِرُ النَّصْبِ لِلرَّفْعِ، والكَلامُ عَلى هَذِهِ المَذاهِبِ إبْدالًا وتَصْحِيحًا مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، وكَوْنُ أرَأيْتَ وأرَأيْتَكَ بِمَعْنى أخْبِرْنِي، نَصَّ عَلَيْهِ سِيبَوَيْهِ والأخْفَشُ والفَرّاءُ والفارِسِيُّ وابْنُ كَيْسانَ وغَيْرُهم. وذَلِكَ تَفْسِيرُ مَعْنًى، لا تَفْسِيرُ إعْرابٍ، قالُوا: فَتَقُولُ العَرَبُ: أرَأيْتَ زَيْدًا ما صَنَعَ ! فالمَفْعُولُ الأوَّلُ مُلْتَزَمٌ فِيهِ النَّصْبُ، ولا يَجُوزُ فِيهِ الرَّفْعُ عَلى اعْتِبارِ تَعْلِيقِ أرَأيْتَ، وهو جائِزٌ في عَلِمْتَ ورَأيْتَ الباقِيَةِ عَلى مَعْنى عَلِمْتَ المُجَرَّدَةِ مِن مَعْنى أخْبِرْنِي؛ لِأنَّ أخْبِرْنِي لا تُعَلَّقُ، فَكَذَلِكَ ما كانَ بِمَعْناها، والجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي. قالَ سِيبَوَيْهِ: وتَقُولُ أرَأيْتَكَ زَيْدًا أبُو مَن هو ؟ وأرَأيْتَكَ عَمْرًا أعِنْدَكَ هو أمْ عِنْدَ فُلانٍ ؟ لا يَحْسُنُ فِيهِ إلّا النَّصْبُ في زَيْدٍ، ألا تَرى أنَّكَ لَوْ قُلْتَ: أرَأيْتَ أبُو مَن أنْتَ ؟، وأرَأيْتَ أزَيْدٌ ثَمَّ أمْ فُلانٌ لَمْ يَحْسُنْ؛ لِأنَّ فِيهِ مَعْنى أخْبِرْنِي عَنْ زَيْدٍ. ثُمَّ قالَ سِيبَوَيْهِ: وصارَ الِاسْتِفْهامُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي. وقَدِ اعْتَرَضَ كَثِيرٌ مِنَ النُّحاةِ عَلى سِيبَوَيْهِ وخالَفُوهُ، وقالُوا: كَثِيرًا ما تُعَلَّقُ (أرَأيْتَ)، وفي القُرْآنِ مِن ذَلِكَ كَثِيرٌ، مِنهُ ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾، ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ [العلق: ٩] ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ [العلق: ١٠]، ﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [العلق: ١٣] ﴿ألَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١٤] . وقالَ الشّاعِرُ: ؎أرَأيْتَ إنْ جاءَتْ بِهِ أُمْلُودًا ؎مُرَجَّلًا ويَلْبَسُ البُرُودا ∗∗∗ أقائِلُنَّ أحْضَرُوا الشُّهُودا وذَهَبَ ابْنُ كَيْسانَ إلى أنَّ الجُمْلَةَ الِاسْتِفْهامِيَّةَ في أرَأيْتَ زَيْدًا ما صَنَعَ ؟ بَدَلٌ مِن أرَأيْتَ. وزَعَمَ أبُو الحَسَنِ أنَّ أرَأيْتَكَ إذا كانَتْ بِمَعْنى أخْبِرْنِي، فَلا بُدَّ بَعْدَها مِنَ الِاسْمِ المُسْتَخْبَرِ عَنْهُ، وتَلْزَمُ الجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَهُ الِاسْتِفْهامَ؛ لِأنَّ أخْبِرْنِي مُوافِقٌ لِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ، وزَعَمَ أيْضًا أنَّها تَخْرُجُ عَنْ بابِها بِالكُلِّيَّةِ، وتُضَمَّنُ مَعْنى (أما)، أوْ تَنَبَّهْ، وجَعَلَ مِن ذَلِكَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قالَ أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ فَإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ﴾ [الكهف: ٦٣] . وقَدْ أمْعَنّا الكَلامَ عَلى أرَأيْتَ، ومَسائِلُها في كِتابِنا المُسَمّى بِالتَّذْيِيلِ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ، وجَمَعْنا فِيهِ ما لا يُوجَدُ مَجْمُوعًا في كِتابٍ، فَيُوقَفُ عَلَيْهِ فِيهِ، ونَحْنُ نَتَكَلَّمُ عَلى كُلِّ مَكانٍ تَقَعُ فِيهِ أرَأيْتَ، في القُرْآنِ بِخُصُوصِيَّتِهِ. (p-١٢٧)فَنَقُولُ الَّذِي نَخْتارُهُ أنَّها باقِيَةٌ عَلى حُكْمِها مِنَ التَّعَدِّي إلى اثْنَيْنِ، فالأوَّلُ مَنصُوبٌ، والَّذِي لَمْ نَجِدْهُ بِالِاسْتِقْراءِ إلّا جُمْلَةً اسْتِفْهامِيَّةً، أوْ قَسَمِيَّةً، فَإذا تَقَرَّرَ هَذا، فَنَقُولُ: المَفْعُولُ الأوَّلُ في هَذِهِ الآيَةِ مَحْذُوفٌ، والمَسْألَةُ مِن بابِ التَّنازُعِ، تَنازَعَ (أرَأيْتَكم)، والشَّرْطُ عَلى عَذابِ اللَّهِ، فَأُعْمِلَ الثّانِي، وهو (أتاكم)، فارْتَفَعَ عَذابُ بِهِ، ولَوْ أُعْمِلَ الأوَّلُ لَكانَ التَّرْكِيبُ (عَذابَ)، بِالنَّصْبِ، ونَظِيرُهُ اضْرِبْ إنْ جاءَكَ زَيْدٌ، عَلى إعْمالِ (جاءَكَ)، ولَوْ نُصِبَ لَجازَ، وكانَ مِن إعْمالِ الأوَّلِ، وأمّا المَفْعُولُ الثّانِي، فَهي الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ مِن ﴿أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾، والرّابِطُ لِهَذِهِ الجُمْلَةِ بِالمَفْعُولِ الأوَّلِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ﴿أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ لِكَشْفِهِ، والمَعْنى: قُلْ أرَأيْتَكم عَذابَ اللَّهِ إنْ أتاكم، أوِ السّاعَةَ إنْ أتَتْكم، أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ لِكَشْفِهِ، أوْ كَشْفِ نَوارٍ لَها، وزَعَمَ أبُو الحَسَنِ أنَّ ﴿أرَأيْتَكُمْ﴾ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى أمّا. قالَ: وتَكُونُ أبَدًا بَعْدَ الشَّرْطِ وظُرُوفِ الزَّمانِ، والتَّقْدِيرُ: أمّا إنْ أتاكم عَذابُهُ والِاسْتِفْهامُ جَوابُ أرَأيْتَ، لا جَوابَ الشَّرْطِ، وهَذا إخْراجٌ لِأرَأيْتَ عَنْ مَدْلُولِها بِالكُلِّيَّةِ، وقَدْ ذَكَرْنا تَخْرِيجَها عَلى ما اسْتَقَرَّ فِيها، فَلا نَحْتاجُ إلى هَذا التَّأْوِيلِ البَعِيدِ. وعَلى ما زَعَمَ أبُو الحَسَنِ، لا يَكُونُ لِأرَأيْتَ مَفْعُولانِ، ولا مَفْعُولٌ واحِدٌ. وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ مَفْعُولَ (أرَأيْتَكم) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، تَقْدِيرُهُ: أرَأيْتَكم عِبادَتَكُمُ الأصْنامَ، هَلْ تَنْفَعُكم عِنْدَ مَجِيءِ السّاعَةِ ؟ ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ . وقالَ آخَرُونَ: لا تَحْتاجُ هُنا إلى جَوابِ مَفْعُولٍ؛ لِأنَّ الشَّرْطَ وجَوابَهُ قَدْ حَصَّلا مَعْنى المَفْعُولِ، وهَذانِ القَوْلانِ ضَعِيفانِ، وأمّا جَوابُ الشَّرْطِ، فَذَهَبَ الحَوْفِيُّ إلى أنَّ جَوابَهُ (أرَأيْتَكم) قُدِّمَ لِدُخُولِ ألِفِ الِاسْتِفْهامِ عَلَيْهِ، وهَذا لا يَجُوزُ عِنْدَنا، وإنَّما يَجُوزُ تَقْدِيمُ جَوابِ الشَّرْطِ عَلَيْهِ في مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ وأبِي زَيْدٍ والمُبَرِّدِ. وذَهَبَ غَيْرُهُ إلى أنَّهُ مَحْذُوفٌ، فَقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، فَقالَ: إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ، أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ مَن تَدْعُونَ ؟ وإصْلاحُهُ بِدُخُولِ الفاءِ؛ أيْ فَمَن تَدْعُونَ ؟ لِأنَّ الجُمْلَةَ الِاسْتِفْهامِيَّةَ إذا وقَعَتْ جَوابًا لِلشَّرْطِ، فَلا بُدَّ فِيها مِنَ الفاءِ ؟ وقَدَّرَهُ غَيْرُهُ؛ إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ، أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ، دَعَوْتُمُ اللَّهَ، ودَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ الشَّرْطُ بِقَوْلِهِ: ﴿أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾، كَأنَّهُ قِيلَ: أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ انْتَهى. فَلا يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ الشَّرْطُ بِقَوْلِهِ: ﴿أغَيْرَ اللَّهِ﴾ لِأنَّهُ لَوْ تَعَلَّقَ بِهِ لَكانَ جَوابًا لِلشَّرْطِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِلشَّرْطِ؛ لِأنَّ جَوابَ الشَّرْطِ إذا كانَ اسْتِفْهامًا بِالحَرْفِ، لا يَكُونُ إلّا بِـ (هَلْ) مُقَدَّمًا عَلَيْها الفاءُ، نَحْوَ إنْ قامَ زَيْدٌ فَهَلْ تُكْرِمُهُ ؟ ولا يَجُوزُ ذَلِكَ في الهَمْزَةِ، لا تَتَقَدَّمُ الفاءُ عَلى الهَمْزَةِ ولا تَتَأخَّرُ عَنْها، فَلا يَجُوزُ إنْ قامَ زَيْدٌ فَأتُكْرِمُهُ ؟ ولا أفَتُكْرِمُهُ، ولا أتُكْرِمَنَّهُ، بَلْ إذا جاءَ الِاسْتِفْهامُ جَوابًا لِلشَّرْطِ، لَمْ يَكُنْ إلّا بِما يَصِحُّ وُقُوعُهُ بَعْدَ الفاءِ لا قَبْلَها، هَكَذا نَقَلَهُ الأخْفَشُ عَنِ العَرَبِ، ولا يَجُوزُ أيْضًا مِن وجْهٍ آخَرَ؛ لِأنّا قَدْ قَرَّرْنا أنَّ (أرَأيْتَكَ) مُتَعَدٍّ إلى اثْنَيْنِ: أحَدُهُما في هَذِهِ الآيَةِ مَحْذُوفٌ، وأنَّهُ مِن بابِ التَّنازُعِ، والآخَرُ وقَعَتِ الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ مَوْقِعَهُ، فَلَوْ جَعَلْتَها جَوابًا لِلشَّرْطِ لَبَقِيَتْ (أرَأيْتَكم) مُتَعَدِّيَةً إلى واحِدٍ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ، وأيْضًا التِزامُ العَرَبِ في الشَّرْطِ الجائِي بَعْدَ أرَأيْتَ، مُضِيَّ الفِعْلِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ جَوابَ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ؛ لِأنَّهُ لا يُحْذَفُ جَوابُ الشَّرْطِ إلّا عِنْدَ مُضِيِّ فِعْلِهِ، قالَ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ﴾، ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أخَذَ اللَّهُ سَمْعَكم وأبْصارَكُمْ﴾ [الأنعام: ٤٦]، ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ بَياتًا﴾ [يونس: ٥٠]، ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أخَذَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٤٦]، ﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥]، ﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [العلق: ١٣] ﴿ألَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١٤] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ؛ وقالَ الشّاعِرُ: ؎أرَأيْتَ إنْ جاءَتْ بِهِ أُمْلُودا وأيْضًا فَمَجِيءُ الجُمَلِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ مُصَدَّرَةً بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، دَلِيلٌ عَلى أنَّها لَيْسَتْ جَوابَ الشَّرْطِ، إذْ لا يَصِحُّ وُقُوعُها جَوابًا لِلشَّرْطِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: إنْ عُلِّقَتِ الشَّرْطِيَّةُ، يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿أغَيْرَ اللَّهِ﴾، فَما تَصْنَعُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ﴾ مَعَ قَوْلِهِ: (p-١٢٨)﴿أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ﴾ ! وقَوارِعُ السّاعَةِ لا تُكْشَفُ عَنِ المُشْرِكِينَ، قُلْتُ: قَدِ اشْتَرَطَ في الكَشْفِ المَشِيئَةَ، وهو قَوْلُهُ: إنْ شاءَ إيذانًا بِأنَّهُ إنْ فَعَلَ، كانَ لَهُ وجْهٌ مِنَ الحِكْمَةِ، إلّا أنَّهُ لا يَفْعَلُ لِوَجْهٍ آخَرَ مِنَ الحِكْمَةِ أرْجَحَ مِنهُ انْتَهى. وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ الشَّرْطُ بِقَوْلِهِ: ﴿أغَيْرَ اللَّهِ﴾، وقَدِ اسْتَدَلَّ لِلْفاعِلِ أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ. وتُلُخِّصَ في جَوابِ الشَّرْطِ أقْوالٌ: أحَدُها؛ أنَّهُ مَذْكُورٌ، وهو (أرَأيْتَكم)، المُتَقَدِّمُ، والآخَرُ أنَّهُ مَذْكُورٌ، وهو ﴿أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ . والثّالِثُ: أنَّهُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: مَن تَدْعُونَ. والرّابِعُ: أنَّهُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: دَعَوْتُمُ اللَّهَ، هَذا ما وجَدْناهُ مَنقُولًا. والَّذِي نَذْهَبُ إلَيْهِ غَيْرُ هَذِهِ الأقْوالِ، وهو أنْ يَكُونَ مَحْذُوفًا لِدَلالَةِ (أرَأيْتَكم) عَلَيْهِ، وتَقْدِيرُهُ: ﴿إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ﴾، فَأخْبِرُونِي عَنْهُ، أتَدْعُونَ غَيْرَ اللَّهِ لِكَشْفِهِ ؟ كَما تَقُولُ: أخْبِرْنِي عَنْ زَيْدٍ إنْ جاءَكَ ما تَصْنَعُ بِهِ ؟ التَّقْدِيرُ: إنْ جاءَكَ فَأخْبِرْنِي، فَحُذِفَ الجَوابُ لِدَلالَةِ أخْبِرْنِي عَلَيْهِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ أنْتَ ظالِمٌ إنْ فَعَلْتَ، التَّقْدِيرُ: فَأنْتَ ظالِمٌ، فَحُذِفَ فَأنْتَ ظالِمٌ، وهو جَوابُ الشَّرْطِ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، وهَذا التَّقْدِيرُ الَّذِي قَدَّرْناهُ هو الَّذِي تَقْتَضِيهِ قَواعِدُ العَرَبِيَّةِ. و(غَيْرَ اللَّهِ) عَنى بِهِ الأصْنامَ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ هُنا بَعْدَ الهَمْزَةِ، يَدُلُّ عَلى الإنْكارِ عَلَيْهِمْ دُعاءَ الأصْنامِ، إذْ لا يُنْكَرُ الدُّعاءُ، إنَّما يُنْكَرُ أنَّ الأصْنامَ تُدْعى، كَما تَقُولُ: أزَيْدًا تَضْرِبُ ؟ لا تُنْكِرُ الضَّرْبَ، ولَكِنْ تُنْكِرُ أنْ يَكُونَ مَحَلُّهُ زَيْدًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَكَّتَهم بِقَوْلِهِ: ﴿أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ بِمَعْنى أتَخُصُّونَ آلِهَتَكم بِالدَّعْوَةِ فِيما هو عادَتُكم إذا أصابَكم ضُرٌّ، أمْ تَدْعُونَ اللَّهَ دُونَها ؟ انْتَهى. وقَدَّرَهُ بِمَعْنى أتَخُصُّونَ؛ لِأنَّ عِنْدَهُ تَقْدِيمَ المَفْعُولِ مُؤْذِنٌ بِالتَّخْصِيصِ والحَصْرِ، وقَدْ تَكَلَّمْنا فِيما سَبَقَ في ذَلِكَ، وأنَّهُ لا يَدُلُّ عَلى الحَصْرِ والتَّخْصِيصِ. وهَذِهِ الآيَةُ عِنْدَ عُلَماءِ البَيانِ مِن بابِ اسْتِدْراجِ المُخاطَبِ، وهو أنْ يُلِينَ الخِطابَ، ويَمْزُجَهُ بِنَوْعٍ مِنَ التَّلَطُّفِ والتَّعَطُّفِ، حَتّى يُوقِعَ المُخاطَبَ في أمْرٍ يَعْتَرِفُ بِهِ، فَتَقُومَ الحُجَّةُ عَلَيْهِ. واللَّهُ تَعالى خاطَبَ هَؤُلاءِ الكُفّارَ بِلِينٍ مِنَ القَوْلِ، وذَكَرَ لَهم أمْرًا لا يُنازِعُونَ فِيهِ، وهو أنَّهم كانُوا إذا مَسَّهُمُ الضُّرُّ، دَعَوُا اللَّهَ لا غَيْرَهُ. وجَوابُ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دَعْواكم أنَّ غَيْرَ اللَّهِ إلَهٌ، فَهَلْ تَدْعُونَهُ لِكَشْفِ ما يَحِلُّ بِكم مِنَ العَذابِ ؟ ﴿بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ إنْ شاءَ وتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ﴾ . (إيّاهُ) ضَمِيرُ نَصْبٍ مُنْفَصِلٌ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] مُسْتَوْفًى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هُنا (إيّاهُ) اسْمٌ مُضْمَرٌ أُجْرِي مَجْرى المُظْهَراتِ في أنَّهُ يُضافُ أبَدًا انْتَهى. وهَذا مُخالِفٌ لِمَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ؛ لِأنَّ مَذْهَبَ سِيبَوَيْهِ أنَّ ما اتَّصَلَ بِإيّا مِن دَلِيلِ تَكَلُّمٍ أوْ خِطابٍ أوْ غَيْبَةٍ، وهو حَرْفٌ لا اسْمٌ، أُضِيفَ إلَيْهِ إيّا؛ لِأنَّ المُضْمَرَ عِنْدَهُ لا يُضافُ؛ لِأنَّهُ أعْرَفُ المَعارِفِ، فَلَوْ أُضِيفَ لَزِمَ مِن ذَلِكَ تَنَكُّرُهُ حَتّى يُضافَ، ويَصِيرَ إذْ ذاكَ مَعْرِفَةً بِالإضافَةِ، لا يَكُونُ مُضْمَرًا، وهَذا فاسِدٌ. ومَجِيئُهُ هُنا مُقَدَّمًا عَلى فِعْلِهِ دَلِيلٌ عَلى الِاعْتِناءِ بِذِكْرِ المَفْعُولِ، وعِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّ تَقْدِيمَهُ دَلِيلٌ عَلى الحَصْرِ والِاخْتِصاصِ؛ ولِذَلِكَ قالَ: بَلْ تَخُصُّونَهُ بِالدُّعاءِ دُونَ الآلِهَةِ. والِاخْتِصاصُ عِنْدَنا والحَصْرُ فُهِمَ مِن سِياقِ الكَلامِ، لا مِن تَقْدِيمِ المَفْعُولِ عَلى العامِلِ. و(بَلْ) هُنا لِلْإضْرابِ والِانْتِقالِ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ مِن غَيْرِ إبْطالٍ؛ لِما تَضَمَّنَهُ الكَلامُ السّابِقُ مِن مَعْنى النَّفْيِ؛ لِأنَّ مَعْنى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ النَّفْيُ، وتَقْدِيرُها: ما تَدْعُونَ أصْنامَكم لِكَشْفِ العَذابِ. وهَذا كَلامٌ حَقٌّ لا يُمْكِنُ فِيهِ الإضْرابُ، يَعْنِي الإبْطالَ. و(ما) مِن قَوْلِهِ: ﴿ما تَدْعُونَ﴾ الأظْهَرُ أنَّها مَوْصُولَةٌ؛ أيْ فَيَكْشِفُ الَّذِي تَدْعُونَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ ظَرْفِيَّةً انْتَهى. ويَكُونَ مَفْعُولُ (يَكْشِفُ) مَحْذُوفًا؛ أيْ فَيَكْشِفُ العَذابَ مُدَّةَ دُعائِكُمْ؛ أيْ ما دُمْتُمْ داعِيهِ، وهَذا فِيهِ حَذْفُ المَفْعُولِ، وخُرُوجٌ عَنِ الظّاهِرِ لِغَيْرِ حاجَةٍ، ويُضْعِفُهُ وصْلُ (ما) الظَّرْفِيَّةُ بِالمُضارِعِ، وهو قَلِيلٌ جِدًّا، إنَّما بابُها أنْ تُوصَلَ بِالماضِي، تَقُولُ: ألّا أُكَلِّمَكَ ما طَلَعَتِ الشَّمْسُ، ولِذَلِكَ عِلَّةُ أمّا ذُكِرَتْ في عِلْمِ النَّحْوِ قالَ ابْنُ (p-١٢٩)عَطِيَّةَ: ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً عَلى حَذْفٍ في الكَلامِ. وقالَ الزَّجّاجُ: وهو مِثْلُ واسْألِ القَرْيَةَ انْتَهى. ويَكُونُ تَقْدِيرُ المَحْذُوفِ، فَيَكْشِفُ مُوجِبَ دُعائِكم، وهو العَذابُ، وهَذِهِ دَعْوى مَحْذُوفٍ غَيْرِ مُتَعَيِّنٍ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ. والضَّمِيرُ في (إلَيْهِ) عائِدٌ عَلى (ما) المَوْصُولَةِ؛ أيْ إلى كَشْفِهِ، ودَعا بِالنِّسْبَةِ إلى مُتَعَلِّقِ الدُّعاءِ، يَتَعَدّى بِـ (إلى)، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإذا دُعُوا إلى اللَّهِ﴾ [النور: ٤٨] الآيَةَ؛ وقالَ الشّاعِرُ: ؎وإنْ دَعَوْتِ إلى جُلّى ومَكْرُمَةٍ ∗∗∗ يَوْمًا سَراةَ كِرامِ النّاسِ فادْعِينا وتَتَعَدّى بِاللّامِ أيْضًا؛ قالَ الشّاعِرُ: ؎وإنْ أُدْعَ لِلْجُلّى أكُنْ مِن حُماتِها وقالَ آخَرُ: ؎دَعَوْتُ لَمّا نابَنِي مُسَوَّرا وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والضَّمِيرُ في (إلَيْهِ) يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ إلى اللَّهِ بِتَقْدِيرِ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ دَعا بِالنِّسْبَةِ إلى مُجِيبِ الدُّعاءِ، إنَّما يَتَعَدّى لِمَفْعُولٍ بِهِ دُونَ حَرْفِ جَرٍّ، قالَ تَعالى: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] . ومِن كَلامِ العَرَبِ: دَعَوْتُ اللَّهَ سَمِيعًا ولا تَقُولُ بِهَذا المَعْنى دَعَوْتُ إلى اللَّهِ، إلّا أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُصَحَّحَ كَلامُهُ بِدَعْوى التَّضْمِينِ، ضَمَّنَ يَدْعُونَ مَعْنى يَلْجَأُونَ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَيَكْشِفُ ما يَلْجَأُونَ فِيهِ بِالدُّعاءِ إلى اللَّهِ، لَكِنَّ التَّضْمِينَ لَيْسَ بِقِياسٍ، ولا يُصارُ إلَيْهِ إلّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ، ولا ضَرُورَةَ هُنا تَدْعُو إلَيْهِ. وعَلَّقَ تَعالى الكَشْفَ بِمَشِيئَتِهِ، فَإنْ شاءَ أنْ يَتَفَضَّلَ بِالكَشْفِ، فَعَلَ، وإنْ لَمْ يَشَأْ، لَمْ يَفْعَلْ، لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنْ شاءَ: إنْ أرادَ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكم، ولَمْ تَكُنْ مَفْسَدَةً انْتَهى. وفي قَوْلِهِ: ولَمْ تَكُنْ مَفْسَدَةً دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿وتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ﴾ النِّسْيانُ حَقِيقَةٌ، والذُّهُولُ والغَفْلَةُ عَنِ الأصْنامِ؛ لِأنَّ الشَّخْصَ إذا دَهَمَهُ ما لا طاقَةَ لَهُ بِدَفْعِهِ، تَجَرَّدَ خاطِرُهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، إلّا مِنَ اللَّهِ الكاشِفِ لِذاكَ الدّاهِمِ، فَيَكادُ يَصِيرُ المَلْجَأُ إلى التَّعَلُّقِ بِاللَّهِ والذُّهُولِ عَنْ مَن سِواهُ، فَلا يَذْكُرُ غَيْرَ اللَّهِ القادِرِ عَلى كَشْفِ ما دَهَمَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ﴾ وتَكْرَهُونَ آلِهَتَكم، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَتْرُكُونَهم، وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ هَذا، وسَبَقَهُ إلَيْهِ الزَّجّاجُ، فَقالَ: تَتْرُكُونَهم لِعِلْمِكم أنَّهم في الحَقِيقَةِ لا يَضُرُّونَ ولا يَنْفَعُونَ. وقالَ النَّحّاسُ: هو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ [طه: ١١٥] . وقِيلَ: يُعْرِضُونَ إعْراضَ النّاسِي لِلْيَأْسِ مِنَ النَّجاةِ مِن قَبْلِهِ. و(ما) مَوْصُولَةٌ؛ أيْ وتَنْسَوْنَ الَّذِي تُشْرِكُونَ. وقِيلَ: (ما) مَصْدَرِيَّةٌ؛ أيْ وتَنْسَوْنَ إشْراكَكم، ومَعْنى هَذِهِ الجُمَلِ، بَلْ لا مَلْجَأ لَكم إلّا اللَّهُ تَعالى، وأصْنامُكم مُطْرَحَةٌ مَنسِيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ.

الأنعام 6:41

﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (p-١٢٤)هَذا ابْتِداءُ احْتِجاجٍ عَلى الكُفّارِ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ شُرَكاءَ. قالَ الكِرْمانِيُّ: (أرَأيْتَكم) كَلِمَةُ اسْتِفْهامٍ، وتَعَجُّبٍ، ولَيْسَ لَها نَظِيرٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والمَعْنى: أرَأيْتَكم إنْ خِفْتُمْ عَذابَ اللَّهِ، أوْ خِفْتُمْ هَلاكًا، أوْ خِفْتُمُ السّاعَةَ، أتَدْعُونَ أصْنامَكم، وتَلْجَأُونَ إلَيْها في كَشْفِ ذَلِكَ، إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في قَوْلِكم إنَّها آلِهَةٌ ؟ بَلْ تَدْعُونَ اللَّهَ الخالِقَ الرّازِقَ، فَيَكْشِفُ ما خِفْتُمُوهُ إنْ شاءَ، وتَنْسَوْنَ أصْنامَكُمْ؛ أيْ تَتْرُكُونَهم، فَعَبَّرَ عَنِ التَّرْكِ بِأعْظَمِ وُجُوهِهِ الَّذِي هو مَعَ التَّرْكِ، ذُهُولٌ وإغْفالٌ، فَكَيْفَ يُجْعَلُ إلَهًا مَن هَذِهِ حالُهُ في الشَّدائِدِ ؟ و﴿أتاكم عَذابُ اللَّهِ﴾ أتاكم خَوْفُهُ وأماراتُهُ، وأوائِلُهُ، مِثْلُ الجَدْبِ والبَأْساءِ والأمْراضِ الَّتِي يُخافُ مِنها الهَلاكُ، كالقُولَنْجِ. ويَدْعُو إلى هَذا التَّأْوِيلِ، أنّا لَوْ قَدَّرْنا إتْيانَ العَذابِ وحُلُولَهُ، لَمْ يَتَرَتَّبْ أنْ يَقُولَ بَعْدَ ذَلِكَ: فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ؛ لِأنَّ ما قَدْ صَحَّ حُلُولُهُ ومَضى، لا يَصِحُّ كَشْفُهُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالسّاعَةِ في هَذِهِ الآيَةِ، ساعَةَ مَوْتِ الإنْسانِ انْتَهى. ولا يُضْطَرُّ إلى هَذا التَّأْوِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ، بَلْ إذا حَلَّ بِالإنْسانِ العَذابُ، واسْتَمَرَّ عَلَيْهِ، لا يَدْعُو إلّا اللَّهَ، وقَوْلُهُ: لِأنَّ ما صَحَّ حُلُولُهُ ومَضى، لا يَصِحُّ كَشْفُهُ، لَيْسَ كَما ذَكَرَ؛ لِأنَّ العَذابَ الَّذِي يَحِلُّ بِالإنْسانِ، هو جِنْسٌ مِنهُ ما مَرَّ وانْقَضى، فَذَلِكَ لا يَصِحُّ كَشْفُهُ، ومِنهُ ما هو مُلْتَبِسٌ بِالإنْسانِ في الحالِ، فَيَصِحُّ كَشْفُهُ وإزالَتُهُ، بِقَطْعِ اللَّهِ ذَلِكَ عَنِ الإنْسانِ. وهَذِهِ الآيَةُ تُنْظِرُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأنْ لَمْ يَدْعُنا إلى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس: ١٢]، فَما انْقَضى مِنَ الضُّرِّ الَّذِي مَسَّهُ، لا يَصِحُّ كَشْفُهُ، وما هو مُلْتَبِسٌ بِهِ، كَشَفَهُ اللَّهُ تَعالى، فالضُّرُّ جِنْسٌ كَما أنَّ العَذابَ هُنا جِنْسٌ. وقالَ مُقاتِلٌ: عَذابُ اللَّهِ هو العَذابُ الَّذِي كانَ يَأْتِي الأُمَمَ الخالِيَةَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو المَوْتُ، ويَعْنِي، واللَّهُ أعْلَمُ مُقَدِّماتِهِ مِنَ الشَّدائِدِ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّ (السّاعَةُ) هي القِيامَةُ، وأرَأيْتَ: الهَمْزَةُ فِيها لِلِاسْتِفْهامِ، فَإنْ كانَتِ البَصَرِيَّةَ، أوِ الَّتِي لِإصابَةِ الرُّؤْيَةِ، أوِ العِلْمِيَّةَ الباقِيَةَ عَلى بابِها، لَمْ يَجُزْ فِيها إلّا تَحْقِيقُ الهَمْزَةِ، أوْ تَسْهِيلُها بَيْنَ بَيْنَ، ولا يَجُوزُ حَذْفُها. وتَخْتَلِفُ (p-١٢٥)التّاءُ بِاخْتِلافِ المُخاطَبِ، ولا يَجُوزُ إلْحاقُ الكافِ بِها، وإنْ كانَتِ العِلْمِيَّةَ الَّتِي هي بِمَعْنى أخْبَرَنِي، جازَ أنْ تُحَقَّقَ الهَمْزَةُ، وبِهِ قَرَأ الجُمْهُورُ في ﴿أرَأيْتَكُمْ﴾، وأرَأيْتُمْ وأرَأيْتَ، وجازَ أنْ تُسَهَّلَ بَيْنَ بَيْنَ، وبِهِ قَرَأ نافِعٌ، ورُوِيَ عَنْهُ إبْدالُها ألِفًا مَحْضَةً، ويَطُولُ مَدُّها لِسُكُونِها وسُكُونِ ما بَعْدَها. وهَذا البَدَلُ ضَعِيفٌ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ، إلّا أنَّهُ قَدْ سُمِعَ مِن كَلامِ العَرَبِ، حَكاهُ قُطْرُبُ وغَيْرُهُ، وجازَ حَذْفُها، وبِهِ قَرَأ الكِسائِيُّ، وقَدْ جاءَ ذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ. قالَ الرّاجِزُ: ؎أرَيْتَ إنْ جاءَتْ بِهِ أُمْلُودا بَلْ قَدْ زَعَمَ الفَرّاءُ أنَّها لُغَةُ أكْثَرِ العَرَبِ، قالَ الفَرّاءُ: لِلْعَرَبِ في أرَأيْتَ لُغَتانِ ومَعْنَيانِ: أحَدُهُما: أنْ تَسْألَ الرَّجُلَ، أرَأيْتَ زَيْدًا ؟ أيْ بِعَيْنِكَ، فَهَذِهِ مَهْمُوزَةٌ، وثانِيهِما: أنْ تَقُولَ: أرَأيْتَ، وأنْتَ تَقُولُ: أخْبِرْنِي فِيها هُنا، تَتْرُكُ الهَمْزَةَ إنْ شِئْتَ، وهو أكْثَرُ كَلامِ العَرَبِ، تُومِئُ إلى تَرْكِ الهَمْزَةِ؛ لِلْفَرْقِ بَيْنَ المَعْنَيَيْنِ انْتَهى. وإذا كانَتْ بِمَعْنى أخْبِرْنِي، جازَ أنْ تَخْتَلِفَ التّاءُ بِاخْتِلافِ المُخاطَبِ، وجازَ أنْ تَتَّصِلَ بِها الكافُ مُشْعِرَةً بِاخْتِلافِ المُخاطَبِ، وتَبْقى التّاءُ مَفْتُوحَةً، كَحالِها لِلْواحِدِ المُذَكَّرِ. ومَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ أنَّ التّاءَ هي الفاعِلُ، وما لَحِقَها حَرْفٌ يَدُلُّ عَلى اخْتِلافِ المُخاطَبِ، وأغْنى اخْتِلافُهُ عَنِ اخْتِلافِ التّاءِ. ومَذْهَبُ الكِسائِيِّ أنَّ الفاعِلَ هو التّاءُ، وأنَّ أداةَ الخِطابِ اللّاحِقَةَ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الأوَّلِ. ومَذْهَبُ الفَرّاءِ أنَّ التّاءَ هي حَرْفُ خِطابٍ (p-١٢٦)كَهِيَ في أنْتَ، وأنَّ أداةَ الخِطابِ بَعْدَهُ هي في مَوْضِعِ الفاعِلِ، اسْتُعِيرَتْ ضَمائِرُ النَّصْبِ لِلرَّفْعِ، والكَلامُ عَلى هَذِهِ المَذاهِبِ إبْدالًا وتَصْحِيحًا مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، وكَوْنُ أرَأيْتَ وأرَأيْتَكَ بِمَعْنى أخْبِرْنِي، نَصَّ عَلَيْهِ سِيبَوَيْهِ والأخْفَشُ والفَرّاءُ والفارِسِيُّ وابْنُ كَيْسانَ وغَيْرُهم. وذَلِكَ تَفْسِيرُ مَعْنًى، لا تَفْسِيرُ إعْرابٍ، قالُوا: فَتَقُولُ العَرَبُ: أرَأيْتَ زَيْدًا ما صَنَعَ ! فالمَفْعُولُ الأوَّلُ مُلْتَزَمٌ فِيهِ النَّصْبُ، ولا يَجُوزُ فِيهِ الرَّفْعُ عَلى اعْتِبارِ تَعْلِيقِ أرَأيْتَ، وهو جائِزٌ في عَلِمْتَ ورَأيْتَ الباقِيَةِ عَلى مَعْنى عَلِمْتَ المُجَرَّدَةِ مِن مَعْنى أخْبِرْنِي؛ لِأنَّ أخْبِرْنِي لا تُعَلَّقُ، فَكَذَلِكَ ما كانَ بِمَعْناها، والجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي. قالَ سِيبَوَيْهِ: وتَقُولُ أرَأيْتَكَ زَيْدًا أبُو مَن هو ؟ وأرَأيْتَكَ عَمْرًا أعِنْدَكَ هو أمْ عِنْدَ فُلانٍ ؟ لا يَحْسُنُ فِيهِ إلّا النَّصْبُ في زَيْدٍ، ألا تَرى أنَّكَ لَوْ قُلْتَ: أرَأيْتَ أبُو مَن أنْتَ ؟، وأرَأيْتَ أزَيْدٌ ثَمَّ أمْ فُلانٌ لَمْ يَحْسُنْ؛ لِأنَّ فِيهِ مَعْنى أخْبِرْنِي عَنْ زَيْدٍ. ثُمَّ قالَ سِيبَوَيْهِ: وصارَ الِاسْتِفْهامُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي. وقَدِ اعْتَرَضَ كَثِيرٌ مِنَ النُّحاةِ عَلى سِيبَوَيْهِ وخالَفُوهُ، وقالُوا: كَثِيرًا ما تُعَلَّقُ (أرَأيْتَ)، وفي القُرْآنِ مِن ذَلِكَ كَثِيرٌ، مِنهُ ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾، ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ [العلق: ٩] ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ [العلق: ١٠]، ﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [العلق: ١٣] ﴿ألَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١٤] . وقالَ الشّاعِرُ: ؎أرَأيْتَ إنْ جاءَتْ بِهِ أُمْلُودًا ؎مُرَجَّلًا ويَلْبَسُ البُرُودا ∗∗∗ أقائِلُنَّ أحْضَرُوا الشُّهُودا وذَهَبَ ابْنُ كَيْسانَ إلى أنَّ الجُمْلَةَ الِاسْتِفْهامِيَّةَ في أرَأيْتَ زَيْدًا ما صَنَعَ ؟ بَدَلٌ مِن أرَأيْتَ. وزَعَمَ أبُو الحَسَنِ أنَّ أرَأيْتَكَ إذا كانَتْ بِمَعْنى أخْبِرْنِي، فَلا بُدَّ بَعْدَها مِنَ الِاسْمِ المُسْتَخْبَرِ عَنْهُ، وتَلْزَمُ الجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَهُ الِاسْتِفْهامَ؛ لِأنَّ أخْبِرْنِي مُوافِقٌ لِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ، وزَعَمَ أيْضًا أنَّها تَخْرُجُ عَنْ بابِها بِالكُلِّيَّةِ، وتُضَمَّنُ مَعْنى (أما)، أوْ تَنَبَّهْ، وجَعَلَ مِن ذَلِكَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قالَ أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ فَإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ﴾ [الكهف: ٦٣] . وقَدْ أمْعَنّا الكَلامَ عَلى أرَأيْتَ، ومَسائِلُها في كِتابِنا المُسَمّى بِالتَّذْيِيلِ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ، وجَمَعْنا فِيهِ ما لا يُوجَدُ مَجْمُوعًا في كِتابٍ، فَيُوقَفُ عَلَيْهِ فِيهِ، ونَحْنُ نَتَكَلَّمُ عَلى كُلِّ مَكانٍ تَقَعُ فِيهِ أرَأيْتَ، في القُرْآنِ بِخُصُوصِيَّتِهِ. (p-١٢٧)فَنَقُولُ الَّذِي نَخْتارُهُ أنَّها باقِيَةٌ عَلى حُكْمِها مِنَ التَّعَدِّي إلى اثْنَيْنِ، فالأوَّلُ مَنصُوبٌ، والَّذِي لَمْ نَجِدْهُ بِالِاسْتِقْراءِ إلّا جُمْلَةً اسْتِفْهامِيَّةً، أوْ قَسَمِيَّةً، فَإذا تَقَرَّرَ هَذا، فَنَقُولُ: المَفْعُولُ الأوَّلُ في هَذِهِ الآيَةِ مَحْذُوفٌ، والمَسْألَةُ مِن بابِ التَّنازُعِ، تَنازَعَ (أرَأيْتَكم)، والشَّرْطُ عَلى عَذابِ اللَّهِ، فَأُعْمِلَ الثّانِي، وهو (أتاكم)، فارْتَفَعَ عَذابُ بِهِ، ولَوْ أُعْمِلَ الأوَّلُ لَكانَ التَّرْكِيبُ (عَذابَ)، بِالنَّصْبِ، ونَظِيرُهُ اضْرِبْ إنْ جاءَكَ زَيْدٌ، عَلى إعْمالِ (جاءَكَ)، ولَوْ نُصِبَ لَجازَ، وكانَ مِن إعْمالِ الأوَّلِ، وأمّا المَفْعُولُ الثّانِي، فَهي الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ مِن ﴿أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾، والرّابِطُ لِهَذِهِ الجُمْلَةِ بِالمَفْعُولِ الأوَّلِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ﴿أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ لِكَشْفِهِ، والمَعْنى: قُلْ أرَأيْتَكم عَذابَ اللَّهِ إنْ أتاكم، أوِ السّاعَةَ إنْ أتَتْكم، أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ لِكَشْفِهِ، أوْ كَشْفِ نَوارٍ لَها، وزَعَمَ أبُو الحَسَنِ أنَّ ﴿أرَأيْتَكُمْ﴾ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى أمّا. قالَ: وتَكُونُ أبَدًا بَعْدَ الشَّرْطِ وظُرُوفِ الزَّمانِ، والتَّقْدِيرُ: أمّا إنْ أتاكم عَذابُهُ والِاسْتِفْهامُ جَوابُ أرَأيْتَ، لا جَوابَ الشَّرْطِ، وهَذا إخْراجٌ لِأرَأيْتَ عَنْ مَدْلُولِها بِالكُلِّيَّةِ، وقَدْ ذَكَرْنا تَخْرِيجَها عَلى ما اسْتَقَرَّ فِيها، فَلا نَحْتاجُ إلى هَذا التَّأْوِيلِ البَعِيدِ. وعَلى ما زَعَمَ أبُو الحَسَنِ، لا يَكُونُ لِأرَأيْتَ مَفْعُولانِ، ولا مَفْعُولٌ واحِدٌ. وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ مَفْعُولَ (أرَأيْتَكم) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، تَقْدِيرُهُ: أرَأيْتَكم عِبادَتَكُمُ الأصْنامَ، هَلْ تَنْفَعُكم عِنْدَ مَجِيءِ السّاعَةِ ؟ ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ . وقالَ آخَرُونَ: لا تَحْتاجُ هُنا إلى جَوابِ مَفْعُولٍ؛ لِأنَّ الشَّرْطَ وجَوابَهُ قَدْ حَصَّلا مَعْنى المَفْعُولِ، وهَذانِ القَوْلانِ ضَعِيفانِ، وأمّا جَوابُ الشَّرْطِ، فَذَهَبَ الحَوْفِيُّ إلى أنَّ جَوابَهُ (أرَأيْتَكم) قُدِّمَ لِدُخُولِ ألِفِ الِاسْتِفْهامِ عَلَيْهِ، وهَذا لا يَجُوزُ عِنْدَنا، وإنَّما يَجُوزُ تَقْدِيمُ جَوابِ الشَّرْطِ عَلَيْهِ في مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ وأبِي زَيْدٍ والمُبَرِّدِ. وذَهَبَ غَيْرُهُ إلى أنَّهُ مَحْذُوفٌ، فَقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، فَقالَ: إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ، أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ مَن تَدْعُونَ ؟ وإصْلاحُهُ بِدُخُولِ الفاءِ؛ أيْ فَمَن تَدْعُونَ ؟ لِأنَّ الجُمْلَةَ الِاسْتِفْهامِيَّةَ إذا وقَعَتْ جَوابًا لِلشَّرْطِ، فَلا بُدَّ فِيها مِنَ الفاءِ ؟ وقَدَّرَهُ غَيْرُهُ؛ إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ، أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ، دَعَوْتُمُ اللَّهَ، ودَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ الشَّرْطُ بِقَوْلِهِ: ﴿أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾، كَأنَّهُ قِيلَ: أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ انْتَهى. فَلا يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ الشَّرْطُ بِقَوْلِهِ: ﴿أغَيْرَ اللَّهِ﴾ لِأنَّهُ لَوْ تَعَلَّقَ بِهِ لَكانَ جَوابًا لِلشَّرْطِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِلشَّرْطِ؛ لِأنَّ جَوابَ الشَّرْطِ إذا كانَ اسْتِفْهامًا بِالحَرْفِ، لا يَكُونُ إلّا بِـ (هَلْ) مُقَدَّمًا عَلَيْها الفاءُ، نَحْوَ إنْ قامَ زَيْدٌ فَهَلْ تُكْرِمُهُ ؟ ولا يَجُوزُ ذَلِكَ في الهَمْزَةِ، لا تَتَقَدَّمُ الفاءُ عَلى الهَمْزَةِ ولا تَتَأخَّرُ عَنْها، فَلا يَجُوزُ إنْ قامَ زَيْدٌ فَأتُكْرِمُهُ ؟ ولا أفَتُكْرِمُهُ، ولا أتُكْرِمَنَّهُ، بَلْ إذا جاءَ الِاسْتِفْهامُ جَوابًا لِلشَّرْطِ، لَمْ يَكُنْ إلّا بِما يَصِحُّ وُقُوعُهُ بَعْدَ الفاءِ لا قَبْلَها، هَكَذا نَقَلَهُ الأخْفَشُ عَنِ العَرَبِ، ولا يَجُوزُ أيْضًا مِن وجْهٍ آخَرَ؛ لِأنّا قَدْ قَرَّرْنا أنَّ (أرَأيْتَكَ) مُتَعَدٍّ إلى اثْنَيْنِ: أحَدُهُما في هَذِهِ الآيَةِ مَحْذُوفٌ، وأنَّهُ مِن بابِ التَّنازُعِ، والآخَرُ وقَعَتِ الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ مَوْقِعَهُ، فَلَوْ جَعَلْتَها جَوابًا لِلشَّرْطِ لَبَقِيَتْ (أرَأيْتَكم) مُتَعَدِّيَةً إلى واحِدٍ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ، وأيْضًا التِزامُ العَرَبِ في الشَّرْطِ الجائِي بَعْدَ أرَأيْتَ، مُضِيَّ الفِعْلِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ جَوابَ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ؛ لِأنَّهُ لا يُحْذَفُ جَوابُ الشَّرْطِ إلّا عِنْدَ مُضِيِّ فِعْلِهِ، قالَ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ﴾، ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أخَذَ اللَّهُ سَمْعَكم وأبْصارَكُمْ﴾ [الأنعام: ٤٦]، ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ بَياتًا﴾ [يونس: ٥٠]، ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أخَذَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٤٦]، ﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥]، ﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [العلق: ١٣] ﴿ألَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١٤] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ؛ وقالَ الشّاعِرُ: ؎أرَأيْتَ إنْ جاءَتْ بِهِ أُمْلُودا وأيْضًا فَمَجِيءُ الجُمَلِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ مُصَدَّرَةً بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، دَلِيلٌ عَلى أنَّها لَيْسَتْ جَوابَ الشَّرْطِ، إذْ لا يَصِحُّ وُقُوعُها جَوابًا لِلشَّرْطِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: إنْ عُلِّقَتِ الشَّرْطِيَّةُ، يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿أغَيْرَ اللَّهِ﴾، فَما تَصْنَعُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ﴾ مَعَ قَوْلِهِ: (p-١٢٨)﴿أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ﴾ ! وقَوارِعُ السّاعَةِ لا تُكْشَفُ عَنِ المُشْرِكِينَ، قُلْتُ: قَدِ اشْتَرَطَ في الكَشْفِ المَشِيئَةَ، وهو قَوْلُهُ: إنْ شاءَ إيذانًا بِأنَّهُ إنْ فَعَلَ، كانَ لَهُ وجْهٌ مِنَ الحِكْمَةِ، إلّا أنَّهُ لا يَفْعَلُ لِوَجْهٍ آخَرَ مِنَ الحِكْمَةِ أرْجَحَ مِنهُ انْتَهى. وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ الشَّرْطُ بِقَوْلِهِ: ﴿أغَيْرَ اللَّهِ﴾، وقَدِ اسْتَدَلَّ لِلْفاعِلِ أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ. وتُلُخِّصَ في جَوابِ الشَّرْطِ أقْوالٌ: أحَدُها؛ أنَّهُ مَذْكُورٌ، وهو (أرَأيْتَكم)، المُتَقَدِّمُ، والآخَرُ أنَّهُ مَذْكُورٌ، وهو ﴿أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ . والثّالِثُ: أنَّهُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: مَن تَدْعُونَ. والرّابِعُ: أنَّهُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: دَعَوْتُمُ اللَّهَ، هَذا ما وجَدْناهُ مَنقُولًا. والَّذِي نَذْهَبُ إلَيْهِ غَيْرُ هَذِهِ الأقْوالِ، وهو أنْ يَكُونَ مَحْذُوفًا لِدَلالَةِ (أرَأيْتَكم) عَلَيْهِ، وتَقْدِيرُهُ: ﴿إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ﴾، فَأخْبِرُونِي عَنْهُ، أتَدْعُونَ غَيْرَ اللَّهِ لِكَشْفِهِ ؟ كَما تَقُولُ: أخْبِرْنِي عَنْ زَيْدٍ إنْ جاءَكَ ما تَصْنَعُ بِهِ ؟ التَّقْدِيرُ: إنْ جاءَكَ فَأخْبِرْنِي، فَحُذِفَ الجَوابُ لِدَلالَةِ أخْبِرْنِي عَلَيْهِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ أنْتَ ظالِمٌ إنْ فَعَلْتَ، التَّقْدِيرُ: فَأنْتَ ظالِمٌ، فَحُذِفَ فَأنْتَ ظالِمٌ، وهو جَوابُ الشَّرْطِ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، وهَذا التَّقْدِيرُ الَّذِي قَدَّرْناهُ هو الَّذِي تَقْتَضِيهِ قَواعِدُ العَرَبِيَّةِ. و(غَيْرَ اللَّهِ) عَنى بِهِ الأصْنامَ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ هُنا بَعْدَ الهَمْزَةِ، يَدُلُّ عَلى الإنْكارِ عَلَيْهِمْ دُعاءَ الأصْنامِ، إذْ لا يُنْكَرُ الدُّعاءُ، إنَّما يُنْكَرُ أنَّ الأصْنامَ تُدْعى، كَما تَقُولُ: أزَيْدًا تَضْرِبُ ؟ لا تُنْكِرُ الضَّرْبَ، ولَكِنْ تُنْكِرُ أنْ يَكُونَ مَحَلُّهُ زَيْدًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَكَّتَهم بِقَوْلِهِ: ﴿أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ بِمَعْنى أتَخُصُّونَ آلِهَتَكم بِالدَّعْوَةِ فِيما هو عادَتُكم إذا أصابَكم ضُرٌّ، أمْ تَدْعُونَ اللَّهَ دُونَها ؟ انْتَهى. وقَدَّرَهُ بِمَعْنى أتَخُصُّونَ؛ لِأنَّ عِنْدَهُ تَقْدِيمَ المَفْعُولِ مُؤْذِنٌ بِالتَّخْصِيصِ والحَصْرِ، وقَدْ تَكَلَّمْنا فِيما سَبَقَ في ذَلِكَ، وأنَّهُ لا يَدُلُّ عَلى الحَصْرِ والتَّخْصِيصِ. وهَذِهِ الآيَةُ عِنْدَ عُلَماءِ البَيانِ مِن بابِ اسْتِدْراجِ المُخاطَبِ، وهو أنْ يُلِينَ الخِطابَ، ويَمْزُجَهُ بِنَوْعٍ مِنَ التَّلَطُّفِ والتَّعَطُّفِ، حَتّى يُوقِعَ المُخاطَبَ في أمْرٍ يَعْتَرِفُ بِهِ، فَتَقُومَ الحُجَّةُ عَلَيْهِ. واللَّهُ تَعالى خاطَبَ هَؤُلاءِ الكُفّارَ بِلِينٍ مِنَ القَوْلِ، وذَكَرَ لَهم أمْرًا لا يُنازِعُونَ فِيهِ، وهو أنَّهم كانُوا إذا مَسَّهُمُ الضُّرُّ، دَعَوُا اللَّهَ لا غَيْرَهُ. وجَوابُ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دَعْواكم أنَّ غَيْرَ اللَّهِ إلَهٌ، فَهَلْ تَدْعُونَهُ لِكَشْفِ ما يَحِلُّ بِكم مِنَ العَذابِ ؟ ﴿بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ إنْ شاءَ وتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ﴾ . (إيّاهُ) ضَمِيرُ نَصْبٍ مُنْفَصِلٌ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] مُسْتَوْفًى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هُنا (إيّاهُ) اسْمٌ مُضْمَرٌ أُجْرِي مَجْرى المُظْهَراتِ في أنَّهُ يُضافُ أبَدًا انْتَهى. وهَذا مُخالِفٌ لِمَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ؛ لِأنَّ مَذْهَبَ سِيبَوَيْهِ أنَّ ما اتَّصَلَ بِإيّا مِن دَلِيلِ تَكَلُّمٍ أوْ خِطابٍ أوْ غَيْبَةٍ، وهو حَرْفٌ لا اسْمٌ، أُضِيفَ إلَيْهِ إيّا؛ لِأنَّ المُضْمَرَ عِنْدَهُ لا يُضافُ؛ لِأنَّهُ أعْرَفُ المَعارِفِ، فَلَوْ أُضِيفَ لَزِمَ مِن ذَلِكَ تَنَكُّرُهُ حَتّى يُضافَ، ويَصِيرَ إذْ ذاكَ مَعْرِفَةً بِالإضافَةِ، لا يَكُونُ مُضْمَرًا، وهَذا فاسِدٌ. ومَجِيئُهُ هُنا مُقَدَّمًا عَلى فِعْلِهِ دَلِيلٌ عَلى الِاعْتِناءِ بِذِكْرِ المَفْعُولِ، وعِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّ تَقْدِيمَهُ دَلِيلٌ عَلى الحَصْرِ والِاخْتِصاصِ؛ ولِذَلِكَ قالَ: بَلْ تَخُصُّونَهُ بِالدُّعاءِ دُونَ الآلِهَةِ. والِاخْتِصاصُ عِنْدَنا والحَصْرُ فُهِمَ مِن سِياقِ الكَلامِ، لا مِن تَقْدِيمِ المَفْعُولِ عَلى العامِلِ. و(بَلْ) هُنا لِلْإضْرابِ والِانْتِقالِ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ مِن غَيْرِ إبْطالٍ؛ لِما تَضَمَّنَهُ الكَلامُ السّابِقُ مِن مَعْنى النَّفْيِ؛ لِأنَّ مَعْنى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ النَّفْيُ، وتَقْدِيرُها: ما تَدْعُونَ أصْنامَكم لِكَشْفِ العَذابِ. وهَذا كَلامٌ حَقٌّ لا يُمْكِنُ فِيهِ الإضْرابُ، يَعْنِي الإبْطالَ. و(ما) مِن قَوْلِهِ: ﴿ما تَدْعُونَ﴾ الأظْهَرُ أنَّها مَوْصُولَةٌ؛ أيْ فَيَكْشِفُ الَّذِي تَدْعُونَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ ظَرْفِيَّةً انْتَهى. ويَكُونَ مَفْعُولُ (يَكْشِفُ) مَحْذُوفًا؛ أيْ فَيَكْشِفُ العَذابَ مُدَّةَ دُعائِكُمْ؛ أيْ ما دُمْتُمْ داعِيهِ، وهَذا فِيهِ حَذْفُ المَفْعُولِ، وخُرُوجٌ عَنِ الظّاهِرِ لِغَيْرِ حاجَةٍ، ويُضْعِفُهُ وصْلُ (ما) الظَّرْفِيَّةُ بِالمُضارِعِ، وهو قَلِيلٌ جِدًّا، إنَّما بابُها أنْ تُوصَلَ بِالماضِي، تَقُولُ: ألّا أُكَلِّمَكَ ما طَلَعَتِ الشَّمْسُ، ولِذَلِكَ عِلَّةُ أمّا ذُكِرَتْ في عِلْمِ النَّحْوِ قالَ ابْنُ (p-١٢٩)عَطِيَّةَ: ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً عَلى حَذْفٍ في الكَلامِ. وقالَ الزَّجّاجُ: وهو مِثْلُ واسْألِ القَرْيَةَ انْتَهى. ويَكُونُ تَقْدِيرُ المَحْذُوفِ، فَيَكْشِفُ مُوجِبَ دُعائِكم، وهو العَذابُ، وهَذِهِ دَعْوى مَحْذُوفٍ غَيْرِ مُتَعَيِّنٍ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ. والضَّمِيرُ في (إلَيْهِ) عائِدٌ عَلى (ما) المَوْصُولَةِ؛ أيْ إلى كَشْفِهِ، ودَعا بِالنِّسْبَةِ إلى مُتَعَلِّقِ الدُّعاءِ، يَتَعَدّى بِـ (إلى)، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإذا دُعُوا إلى اللَّهِ﴾ [النور: ٤٨] الآيَةَ؛ وقالَ الشّاعِرُ: ؎وإنْ دَعَوْتِ إلى جُلّى ومَكْرُمَةٍ ∗∗∗ يَوْمًا سَراةَ كِرامِ النّاسِ فادْعِينا وتَتَعَدّى بِاللّامِ أيْضًا؛ قالَ الشّاعِرُ: ؎وإنْ أُدْعَ لِلْجُلّى أكُنْ مِن حُماتِها وقالَ آخَرُ: ؎دَعَوْتُ لَمّا نابَنِي مُسَوَّرا وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والضَّمِيرُ في (إلَيْهِ) يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ إلى اللَّهِ بِتَقْدِيرِ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ دَعا بِالنِّسْبَةِ إلى مُجِيبِ الدُّعاءِ، إنَّما يَتَعَدّى لِمَفْعُولٍ بِهِ دُونَ حَرْفِ جَرٍّ، قالَ تَعالى: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] . ومِن كَلامِ العَرَبِ: دَعَوْتُ اللَّهَ سَمِيعًا ولا تَقُولُ بِهَذا المَعْنى دَعَوْتُ إلى اللَّهِ، إلّا أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُصَحَّحَ كَلامُهُ بِدَعْوى التَّضْمِينِ، ضَمَّنَ يَدْعُونَ مَعْنى يَلْجَأُونَ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَيَكْشِفُ ما يَلْجَأُونَ فِيهِ بِالدُّعاءِ إلى اللَّهِ، لَكِنَّ التَّضْمِينَ لَيْسَ بِقِياسٍ، ولا يُصارُ إلَيْهِ إلّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ، ولا ضَرُورَةَ هُنا تَدْعُو إلَيْهِ. وعَلَّقَ تَعالى الكَشْفَ بِمَشِيئَتِهِ، فَإنْ شاءَ أنْ يَتَفَضَّلَ بِالكَشْفِ، فَعَلَ، وإنْ لَمْ يَشَأْ، لَمْ يَفْعَلْ، لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنْ شاءَ: إنْ أرادَ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكم، ولَمْ تَكُنْ مَفْسَدَةً انْتَهى. وفي قَوْلِهِ: ولَمْ تَكُنْ مَفْسَدَةً دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿وتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ﴾ النِّسْيانُ حَقِيقَةٌ، والذُّهُولُ والغَفْلَةُ عَنِ الأصْنامِ؛ لِأنَّ الشَّخْصَ إذا دَهَمَهُ ما لا طاقَةَ لَهُ بِدَفْعِهِ، تَجَرَّدَ خاطِرُهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، إلّا مِنَ اللَّهِ الكاشِفِ لِذاكَ الدّاهِمِ، فَيَكادُ يَصِيرُ المَلْجَأُ إلى التَّعَلُّقِ بِاللَّهِ والذُّهُولِ عَنْ مَن سِواهُ، فَلا يَذْكُرُ غَيْرَ اللَّهِ القادِرِ عَلى كَشْفِ ما دَهَمَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ﴾ وتَكْرَهُونَ آلِهَتَكم، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَتْرُكُونَهم، وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ هَذا، وسَبَقَهُ إلَيْهِ الزَّجّاجُ، فَقالَ: تَتْرُكُونَهم لِعِلْمِكم أنَّهم في الحَقِيقَةِ لا يَضُرُّونَ ولا يَنْفَعُونَ. وقالَ النَّحّاسُ: هو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ [طه: ١١٥] . وقِيلَ: يُعْرِضُونَ إعْراضَ النّاسِي لِلْيَأْسِ مِنَ النَّجاةِ مِن قَبْلِهِ. و(ما) مَوْصُولَةٌ؛ أيْ وتَنْسَوْنَ الَّذِي تُشْرِكُونَ. وقِيلَ: (ما) مَصْدَرِيَّةٌ؛ أيْ وتَنْسَوْنَ إشْراكَكم، ومَعْنى هَذِهِ الجُمَلِ، بَلْ لا مَلْجَأ لَكم إلّا اللَّهُ تَعالى، وأصْنامُكم مُطْرَحَةٌ مَنسِيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ.

الأنعام 6:42

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾ هَذا تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ، . وإنَّ عادَةَ الأُمَمِ مَعَ رُسُلِهِمُ التَّكْذِيبُ والمُبالَغَةُ في قَسْوَةِ القُلُوبِ، حَتّى هم إذا أُخِذُوا بِالبَلايا لا يَتَذَلَّلُونَ لِلَّهِ، ولا يَسْألُونَهُ كَشْفَها، وهَؤُلاءِ الأُمَمُ الَّذِينَ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمُ الرُّسُلَ، أبْلَغُ انْحِرافًا، وأشَدُّ شَكِيمَةً، وأجْلَدُ مِنَ الَّذِينَ بُعِثَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، إذْ خاطَبَهم تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتَكُمْ﴾ [الأنعام: ٤٠] الآيَةَ. وأخْبَرَ أنَّهم عِنْدَ الأزَماتِ لا يَدْعُونَ (p-١٣٠)لِكَشْفِها، إلّا اللَّهَ تَعالى. وفي الكَلامِ حَذْفٌ، التَّقْدِيرُ: ولَقَدْ أرْسَلْنا الرُّسُلَ إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَكَذَّبُوا فَأخَذْناهم وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ البَأْساءِ والضَّرّاءِ. والتَّرَجِّي هُنا بِالنِّسْبَةِ إلى البَشَرِ؛ أيْ لَوْ رَأى أحَدٌ ما حَلَّ بِهِمْ، لَرَجا تَضَرُّعَهم وابْتِهالَهم إلى اللَّهِ في كَشْفِهِ، والأخْذُ: الإمْساكُ بِقُوَّةٍ وبَطْشٍ وقَهْرٍ، وهو هُنا مَجازٌ عَنْ مُتابَعَةِ العُقُوبَةِ والمُلازَمَةِ، والمَعْنى لَعاقَبْناهم في الدُّنْيا. ﴿فَلَوْلا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا﴾ (لَوْلا) هُنا حَرْفُ تَحْضِيضٍ، يَلِيها الفِعْلُ ظاهِرًا، أوْ مُضْمَرًا، أوْ يُفْصَلُ بَيْنَهُما بِمَعْمُولِ الفِعْلِ مِن مَفْعُولٍ بِهِ وظَرْفٍ كَهَذِهِ الآيَةِ فَصَلَ بَيْنَ (لَوْلا)، و(تَضَرَّعُوا) بِإذْ، وهي مَعْمُولَةٌ لَتَضَرَّعُوا، والتَّحْضِيضُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَقَعْ تَضَرُّعُهم حِينَ جاءَ البَأْسُ، فَمَعْناهُ إظْهارُ مُعاتَبَةِ مُذْنِبٍ غائِبٍ، وإظْهارُ سُوءِ فِعْلِهِ؛ لِيَتَحَسَّرَ عَلَيْهِ المُخاطَبُ، وإسْنادُ المَجِيءِ إلى البَأْسِ، مَجازٌ عَنْ وُصُولِهِ إلَيْهِمْ، والمُرادُ أوائِلُ البَأْسِ وعَلاماتُهُ. ﴿ولَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ صَلُبَتْ وصَبَرَتْ عَلى مُلاقاةِ العَذابِ؛ لِما أرادَ اللَّهُ مِن كُفْرِهِمْ، ووُقُوعُ (لَكِنْ) هَنا حَسَنٌ؛ لِأنَّ المَعْنى انْتِفاءُ التَّذَلُّلِ عِنْدَ مَجِيءِ البَأْسِ، ووُجُودِ القَسْوَةِ الدّالَّةِ عَلى العُتُوِّ والتَّعَزُّزِ، فَوَقَعَتْ (لَكِنْ) بَيْنَ ضِدَّيْنِ، وهُما اللِّينُ والقَسْوَةُ، وكَذا إنْ كانَتِ القَسْوَةُ عِبارَةً عَنِ الكُفْرِ، فَعَبَّرَ بِالسَّبَبِ عَنِ المُسَبَّبِ، والضَّراعَةُ عِبارَةٌ عَنِ الإيمانِ، فَعَبَّرَ بِالسَّبَبِ عَنِ المُسَبَّبِ، كانَتْ أيْضًا واقِعَةً بَيْنَ ضِدَّيْنِ، تَقُولُ: قَسا قَلْبُهُ فَكَفَرَ، وآمَنَ فَتَضَرَّعَ. ﴿وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ داخِلَةً تَحْتَ الِاسْتِدْراكِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافَ إخْبارٍ. والظّاهِرُ الأوَّلُ، فَيَكُونُ الحامِلُ عَلى تَرْكِ التَّضَرُّعِ قَسْوَةَ قُلُوبِهِمْ، وإعْجابَهم بِأعْمالِهِمُ الَّتِي كانَ الشَّيْطانُ سَبَبًا في تَحْسِينِها لَهم. ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ فَلَمّا تَرَكُوا الِاتِّعاظَ والِازْدِجارَ بِما ذُكِّرُوا بِهِ مِنَ البَأْسِ، اسْتَدْرَجْناهم بِتَيْسِيرِ مَطالِبِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ، وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾، إذْ يَقْتَضِي شُمُولَ الخَيْراتِ، وبُلُوغَ الطَّلَباتِ. ﴿حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً﴾ مَعْنى هَذِهِ الجُمَلِ، مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨] . وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قالَ: ”«إذا رَأيْتُمُ اللَّهَ تَعالى يُعْطِي العِبادَ ما يَشاءُونَ عَلى مَعاصِيهِمْ، فَإنَّما ذَلِكَ اسْتِدْراجٌ مِنهُ لَهم، ثُمَّ تَلا ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾» الآيَةَ. والأبْوابُ اسْتِعارَةٌ عَنِ الأسْبابِ الَّتِي هَيَّأها اللَّهُ لَهم، المُقْتَضِيَةِ لِبَسْطِ الرِّزْقِ عَلَيْهِمْ، والإبْهامُ في هَذا العُمُومِ؛ لِتَهْوِيلِ ما فُتِحَ عَلَيْهِمْ وتَعْظِيمِهِ، وغَيّا الفَتْحَ بِفَرَحِهِمْ بِما أُوتُوا، وتَرَتَّبَ عَلى فَرَحِهِمْ أخْذُهم بَغْتَةً؛ أيْ إهْلاكُهم فَجْأةً، وهو أشَدُّ الإهْلاكِ، إذْ لَمْ يَتَقَدَّمْ شُعُورٌ بِهِ، فَتَتَوَطَّنَ النَّفْسُ عَلى لِقائِهِ، ابْتَلاهم أوَّلًا بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ، فَلَمْ يَتَّعِظُوا، ثُمَّ نَقَلَهم إلى ما أوْجَبَ سُرُورَهم مِن إسْباغِ النِّعَمِ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يَجِدْ ذَلِكَ (p-١٣١)عِنْدَهم ولا قَصَدُوا الشُّكْرَ ولا أصْغَوْا إلى إنابَةٍ بَلْ لَمْ يَحْصُلُوا إلّا عَلى فَرَحٍ بِما أسْبَغَ عَلَيْهِمْ. قالَ مُحَمَّدُ بْنُ النَّضْرِ الحارِثِيُّ: أُمْهِلَ هَؤُلاءِ القَوْمُ عِشْرِينَ سَنَةً. ﴿فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ أيْ باهِتُونَ بائِسُونَ لا يُحِيرُونَ جَوابًا. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (فَتَّحْنا) بِتَشْدِيدِ التّاءِ، والتَّشْدِيدُ لِتَكْثِيرِ الفِعْلِ،“ وإذا " هي الفُجائِيَّةُ وهي حَرْفٌ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ وظَرْفُ مَكانٍ، ونُسِبَ إلى سِيبَوَيْهِ، وظَرْفُ زَمانٍ وهو مَذْهَبُ الرِّياشِيِّ، والعامِلُ فِيها - إذا قُلْنا بِظَرْفِيَّتِها - هو خَبَرُ المُبْتَدَأِ أيْ فَفي ذَلِكَ المَكانِ هم مُبْلِسُونَ، أيْ مَكانِ إقامَتِهِمْ وذَلِكَ الزَّمانِ هم مُبْلِسُونَ، وأصْلُ الإبْلاسِ الإطْراقُ لِحُلُولِ نِقْمَةٍ أوْ زَوالِ نِعْمَةٍ. قالَ الحَسَنُ: مُكْتَئِبُونَ. وقالَ السُّدِّيُّ: هالِكُونَ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ وقُطْرُبٌ: خاشِعُونَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مُتَحَيِّرُونَ. وقالَ الزَّجّاجُ: مُتَحَسِّرُونَ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: السّاكِتُ عِنْدَ انْقِطاعِ الحُجَّةِ. ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ عِبارَةٌ عَنِ اسْتِئْصالِهِمْ بِالهَلاكِ، والمَعْنى: فَقُطِعَ دابِرُهم، ونَبَّهَ عَلى سَبَبِ الِاسْتِئْصالِ بِذِكْرِ الوَصْفِ الَّذِي هو الظُّلْمُ، وهو هُنا الكُفْرُ، والدّابِرُ: التّابِعُ لِلشَّيْءِ مِن خَلْفِهِ، يُقالُ: دَبَرَ الوالِدَ الوَلَدُ يَدْبُرُهُ، وفُلانٌ دَبَرَ القَوْمَ دُبُورًا ودَبَرًا: إذا كانَ آخِرَهم. وقالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ: ؎فاسْتُؤْصِلُوا بِعَذابٍ خَصَّ دابِرَهم فَما اسْتَطاعُوا لَهُ صَرْفًا ولا انْتَصَرُوا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: دابِرُ القَوْمِ آخِرُهُمُ الَّذِي يَدْبُرُهم. وقالَ الأصْمَعِيُّ: الدّابِرُ: الأصْلُ، يُقالُ: قَطَعَ اللَّهُ دابِرَهُ أيْ أذْهَبَ أصْلَهُ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: (فَقَطَعَ دابِرَ) بِفَتْحِ القافِ والطّاءِ والرّاءِ، أيْ فَقَطَعَ اللَّهُ، وهو التِفاتٌ إذْ فِيهِ الخُرُوجُ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ إلى ضَمِيرِ الغائِبِ. ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إيذانٌ بِوُجُوبِ الحَمْدِ لِلَّهِ عِنْدَ هَلاكِ الظَّلَمَةِ وأنَّهُ مِن أجَلِّ النِّعَمِ وأجْزَلِ القِسَمِ. انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ تَعالى لَمّا أرْسَلَ الرُّسُلَ إلى هَؤُلاءِ الأُمَمِ كَذَّبُوهم وآذَوْهم فابْتَلاهُمُ اللَّهُ تارَةً بِالبَلاءِ، وتارَةً بِالرَّخاءِ فَلَمْ يُؤْمِنُوا فَأهْلَكَهم واسْتَراحَ الرُّسُلُ مِن شَرِّهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ، وصارَ ذَلِكَ نِعْمَةً في حَقِّ الرُّسُلِ إذْ أنْجَزَ اللَّهُ وعْدَهُ عَلى لِسانِهِمْ بِهَلاكِ المُكَذِّبِينَ فَناسَبَ هَذا الفِعْلَ كُلَّهُ الخَتْمُ بِالحَمْدِ لَهُ.

الأنعام 6:43

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾ هَذا تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ، . وإنَّ عادَةَ الأُمَمِ مَعَ رُسُلِهِمُ التَّكْذِيبُ والمُبالَغَةُ في قَسْوَةِ القُلُوبِ، حَتّى هم إذا أُخِذُوا بِالبَلايا لا يَتَذَلَّلُونَ لِلَّهِ، ولا يَسْألُونَهُ كَشْفَها، وهَؤُلاءِ الأُمَمُ الَّذِينَ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمُ الرُّسُلَ، أبْلَغُ انْحِرافًا، وأشَدُّ شَكِيمَةً، وأجْلَدُ مِنَ الَّذِينَ بُعِثَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، إذْ خاطَبَهم تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتَكُمْ﴾ [الأنعام: ٤٠] الآيَةَ. وأخْبَرَ أنَّهم عِنْدَ الأزَماتِ لا يَدْعُونَ (p-١٣٠)لِكَشْفِها، إلّا اللَّهَ تَعالى. وفي الكَلامِ حَذْفٌ، التَّقْدِيرُ: ولَقَدْ أرْسَلْنا الرُّسُلَ إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَكَذَّبُوا فَأخَذْناهم وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ البَأْساءِ والضَّرّاءِ. والتَّرَجِّي هُنا بِالنِّسْبَةِ إلى البَشَرِ؛ أيْ لَوْ رَأى أحَدٌ ما حَلَّ بِهِمْ، لَرَجا تَضَرُّعَهم وابْتِهالَهم إلى اللَّهِ في كَشْفِهِ، والأخْذُ: الإمْساكُ بِقُوَّةٍ وبَطْشٍ وقَهْرٍ، وهو هُنا مَجازٌ عَنْ مُتابَعَةِ العُقُوبَةِ والمُلازَمَةِ، والمَعْنى لَعاقَبْناهم في الدُّنْيا. ﴿فَلَوْلا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا﴾ (لَوْلا) هُنا حَرْفُ تَحْضِيضٍ، يَلِيها الفِعْلُ ظاهِرًا، أوْ مُضْمَرًا، أوْ يُفْصَلُ بَيْنَهُما بِمَعْمُولِ الفِعْلِ مِن مَفْعُولٍ بِهِ وظَرْفٍ كَهَذِهِ الآيَةِ فَصَلَ بَيْنَ (لَوْلا)، و(تَضَرَّعُوا) بِإذْ، وهي مَعْمُولَةٌ لَتَضَرَّعُوا، والتَّحْضِيضُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَقَعْ تَضَرُّعُهم حِينَ جاءَ البَأْسُ، فَمَعْناهُ إظْهارُ مُعاتَبَةِ مُذْنِبٍ غائِبٍ، وإظْهارُ سُوءِ فِعْلِهِ؛ لِيَتَحَسَّرَ عَلَيْهِ المُخاطَبُ، وإسْنادُ المَجِيءِ إلى البَأْسِ، مَجازٌ عَنْ وُصُولِهِ إلَيْهِمْ، والمُرادُ أوائِلُ البَأْسِ وعَلاماتُهُ. ﴿ولَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ صَلُبَتْ وصَبَرَتْ عَلى مُلاقاةِ العَذابِ؛ لِما أرادَ اللَّهُ مِن كُفْرِهِمْ، ووُقُوعُ (لَكِنْ) هَنا حَسَنٌ؛ لِأنَّ المَعْنى انْتِفاءُ التَّذَلُّلِ عِنْدَ مَجِيءِ البَأْسِ، ووُجُودِ القَسْوَةِ الدّالَّةِ عَلى العُتُوِّ والتَّعَزُّزِ، فَوَقَعَتْ (لَكِنْ) بَيْنَ ضِدَّيْنِ، وهُما اللِّينُ والقَسْوَةُ، وكَذا إنْ كانَتِ القَسْوَةُ عِبارَةً عَنِ الكُفْرِ، فَعَبَّرَ بِالسَّبَبِ عَنِ المُسَبَّبِ، والضَّراعَةُ عِبارَةٌ عَنِ الإيمانِ، فَعَبَّرَ بِالسَّبَبِ عَنِ المُسَبَّبِ، كانَتْ أيْضًا واقِعَةً بَيْنَ ضِدَّيْنِ، تَقُولُ: قَسا قَلْبُهُ فَكَفَرَ، وآمَنَ فَتَضَرَّعَ. ﴿وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ داخِلَةً تَحْتَ الِاسْتِدْراكِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافَ إخْبارٍ. والظّاهِرُ الأوَّلُ، فَيَكُونُ الحامِلُ عَلى تَرْكِ التَّضَرُّعِ قَسْوَةَ قُلُوبِهِمْ، وإعْجابَهم بِأعْمالِهِمُ الَّتِي كانَ الشَّيْطانُ سَبَبًا في تَحْسِينِها لَهم. ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ فَلَمّا تَرَكُوا الِاتِّعاظَ والِازْدِجارَ بِما ذُكِّرُوا بِهِ مِنَ البَأْسِ، اسْتَدْرَجْناهم بِتَيْسِيرِ مَطالِبِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ، وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾، إذْ يَقْتَضِي شُمُولَ الخَيْراتِ، وبُلُوغَ الطَّلَباتِ. ﴿حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً﴾ مَعْنى هَذِهِ الجُمَلِ، مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨] . وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قالَ: ”«إذا رَأيْتُمُ اللَّهَ تَعالى يُعْطِي العِبادَ ما يَشاءُونَ عَلى مَعاصِيهِمْ، فَإنَّما ذَلِكَ اسْتِدْراجٌ مِنهُ لَهم، ثُمَّ تَلا ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾» الآيَةَ. والأبْوابُ اسْتِعارَةٌ عَنِ الأسْبابِ الَّتِي هَيَّأها اللَّهُ لَهم، المُقْتَضِيَةِ لِبَسْطِ الرِّزْقِ عَلَيْهِمْ، والإبْهامُ في هَذا العُمُومِ؛ لِتَهْوِيلِ ما فُتِحَ عَلَيْهِمْ وتَعْظِيمِهِ، وغَيّا الفَتْحَ بِفَرَحِهِمْ بِما أُوتُوا، وتَرَتَّبَ عَلى فَرَحِهِمْ أخْذُهم بَغْتَةً؛ أيْ إهْلاكُهم فَجْأةً، وهو أشَدُّ الإهْلاكِ، إذْ لَمْ يَتَقَدَّمْ شُعُورٌ بِهِ، فَتَتَوَطَّنَ النَّفْسُ عَلى لِقائِهِ، ابْتَلاهم أوَّلًا بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ، فَلَمْ يَتَّعِظُوا، ثُمَّ نَقَلَهم إلى ما أوْجَبَ سُرُورَهم مِن إسْباغِ النِّعَمِ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يَجِدْ ذَلِكَ (p-١٣١)عِنْدَهم ولا قَصَدُوا الشُّكْرَ ولا أصْغَوْا إلى إنابَةٍ بَلْ لَمْ يَحْصُلُوا إلّا عَلى فَرَحٍ بِما أسْبَغَ عَلَيْهِمْ. قالَ مُحَمَّدُ بْنُ النَّضْرِ الحارِثِيُّ: أُمْهِلَ هَؤُلاءِ القَوْمُ عِشْرِينَ سَنَةً. ﴿فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ أيْ باهِتُونَ بائِسُونَ لا يُحِيرُونَ جَوابًا. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (فَتَّحْنا) بِتَشْدِيدِ التّاءِ، والتَّشْدِيدُ لِتَكْثِيرِ الفِعْلِ،“ وإذا " هي الفُجائِيَّةُ وهي حَرْفٌ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ وظَرْفُ مَكانٍ، ونُسِبَ إلى سِيبَوَيْهِ، وظَرْفُ زَمانٍ وهو مَذْهَبُ الرِّياشِيِّ، والعامِلُ فِيها - إذا قُلْنا بِظَرْفِيَّتِها - هو خَبَرُ المُبْتَدَأِ أيْ فَفي ذَلِكَ المَكانِ هم مُبْلِسُونَ، أيْ مَكانِ إقامَتِهِمْ وذَلِكَ الزَّمانِ هم مُبْلِسُونَ، وأصْلُ الإبْلاسِ الإطْراقُ لِحُلُولِ نِقْمَةٍ أوْ زَوالِ نِعْمَةٍ. قالَ الحَسَنُ: مُكْتَئِبُونَ. وقالَ السُّدِّيُّ: هالِكُونَ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ وقُطْرُبٌ: خاشِعُونَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مُتَحَيِّرُونَ. وقالَ الزَّجّاجُ: مُتَحَسِّرُونَ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: السّاكِتُ عِنْدَ انْقِطاعِ الحُجَّةِ. ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ عِبارَةٌ عَنِ اسْتِئْصالِهِمْ بِالهَلاكِ، والمَعْنى: فَقُطِعَ دابِرُهم، ونَبَّهَ عَلى سَبَبِ الِاسْتِئْصالِ بِذِكْرِ الوَصْفِ الَّذِي هو الظُّلْمُ، وهو هُنا الكُفْرُ، والدّابِرُ: التّابِعُ لِلشَّيْءِ مِن خَلْفِهِ، يُقالُ: دَبَرَ الوالِدَ الوَلَدُ يَدْبُرُهُ، وفُلانٌ دَبَرَ القَوْمَ دُبُورًا ودَبَرًا: إذا كانَ آخِرَهم. وقالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ: ؎فاسْتُؤْصِلُوا بِعَذابٍ خَصَّ دابِرَهم فَما اسْتَطاعُوا لَهُ صَرْفًا ولا انْتَصَرُوا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: دابِرُ القَوْمِ آخِرُهُمُ الَّذِي يَدْبُرُهم. وقالَ الأصْمَعِيُّ: الدّابِرُ: الأصْلُ، يُقالُ: قَطَعَ اللَّهُ دابِرَهُ أيْ أذْهَبَ أصْلَهُ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: (فَقَطَعَ دابِرَ) بِفَتْحِ القافِ والطّاءِ والرّاءِ، أيْ فَقَطَعَ اللَّهُ، وهو التِفاتٌ إذْ فِيهِ الخُرُوجُ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ إلى ضَمِيرِ الغائِبِ. ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إيذانٌ بِوُجُوبِ الحَمْدِ لِلَّهِ عِنْدَ هَلاكِ الظَّلَمَةِ وأنَّهُ مِن أجَلِّ النِّعَمِ وأجْزَلِ القِسَمِ. انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ تَعالى لَمّا أرْسَلَ الرُّسُلَ إلى هَؤُلاءِ الأُمَمِ كَذَّبُوهم وآذَوْهم فابْتَلاهُمُ اللَّهُ تارَةً بِالبَلاءِ، وتارَةً بِالرَّخاءِ فَلَمْ يُؤْمِنُوا فَأهْلَكَهم واسْتَراحَ الرُّسُلُ مِن شَرِّهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ، وصارَ ذَلِكَ نِعْمَةً في حَقِّ الرُّسُلِ إذْ أنْجَزَ اللَّهُ وعْدَهُ عَلى لِسانِهِمْ بِهَلاكِ المُكَذِّبِينَ فَناسَبَ هَذا الفِعْلَ كُلَّهُ الخَتْمُ بِالحَمْدِ لَهُ.

الأنعام 6:44

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾ هَذا تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ، . وإنَّ عادَةَ الأُمَمِ مَعَ رُسُلِهِمُ التَّكْذِيبُ والمُبالَغَةُ في قَسْوَةِ القُلُوبِ، حَتّى هم إذا أُخِذُوا بِالبَلايا لا يَتَذَلَّلُونَ لِلَّهِ، ولا يَسْألُونَهُ كَشْفَها، وهَؤُلاءِ الأُمَمُ الَّذِينَ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمُ الرُّسُلَ، أبْلَغُ انْحِرافًا، وأشَدُّ شَكِيمَةً، وأجْلَدُ مِنَ الَّذِينَ بُعِثَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، إذْ خاطَبَهم تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتَكُمْ﴾ [الأنعام: ٤٠] الآيَةَ. وأخْبَرَ أنَّهم عِنْدَ الأزَماتِ لا يَدْعُونَ (p-١٣٠)لِكَشْفِها، إلّا اللَّهَ تَعالى. وفي الكَلامِ حَذْفٌ، التَّقْدِيرُ: ولَقَدْ أرْسَلْنا الرُّسُلَ إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَكَذَّبُوا فَأخَذْناهم وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ البَأْساءِ والضَّرّاءِ. والتَّرَجِّي هُنا بِالنِّسْبَةِ إلى البَشَرِ؛ أيْ لَوْ رَأى أحَدٌ ما حَلَّ بِهِمْ، لَرَجا تَضَرُّعَهم وابْتِهالَهم إلى اللَّهِ في كَشْفِهِ، والأخْذُ: الإمْساكُ بِقُوَّةٍ وبَطْشٍ وقَهْرٍ، وهو هُنا مَجازٌ عَنْ مُتابَعَةِ العُقُوبَةِ والمُلازَمَةِ، والمَعْنى لَعاقَبْناهم في الدُّنْيا. ﴿فَلَوْلا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا﴾ (لَوْلا) هُنا حَرْفُ تَحْضِيضٍ، يَلِيها الفِعْلُ ظاهِرًا، أوْ مُضْمَرًا، أوْ يُفْصَلُ بَيْنَهُما بِمَعْمُولِ الفِعْلِ مِن مَفْعُولٍ بِهِ وظَرْفٍ كَهَذِهِ الآيَةِ فَصَلَ بَيْنَ (لَوْلا)، و(تَضَرَّعُوا) بِإذْ، وهي مَعْمُولَةٌ لَتَضَرَّعُوا، والتَّحْضِيضُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَقَعْ تَضَرُّعُهم حِينَ جاءَ البَأْسُ، فَمَعْناهُ إظْهارُ مُعاتَبَةِ مُذْنِبٍ غائِبٍ، وإظْهارُ سُوءِ فِعْلِهِ؛ لِيَتَحَسَّرَ عَلَيْهِ المُخاطَبُ، وإسْنادُ المَجِيءِ إلى البَأْسِ، مَجازٌ عَنْ وُصُولِهِ إلَيْهِمْ، والمُرادُ أوائِلُ البَأْسِ وعَلاماتُهُ. ﴿ولَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ صَلُبَتْ وصَبَرَتْ عَلى مُلاقاةِ العَذابِ؛ لِما أرادَ اللَّهُ مِن كُفْرِهِمْ، ووُقُوعُ (لَكِنْ) هَنا حَسَنٌ؛ لِأنَّ المَعْنى انْتِفاءُ التَّذَلُّلِ عِنْدَ مَجِيءِ البَأْسِ، ووُجُودِ القَسْوَةِ الدّالَّةِ عَلى العُتُوِّ والتَّعَزُّزِ، فَوَقَعَتْ (لَكِنْ) بَيْنَ ضِدَّيْنِ، وهُما اللِّينُ والقَسْوَةُ، وكَذا إنْ كانَتِ القَسْوَةُ عِبارَةً عَنِ الكُفْرِ، فَعَبَّرَ بِالسَّبَبِ عَنِ المُسَبَّبِ، والضَّراعَةُ عِبارَةٌ عَنِ الإيمانِ، فَعَبَّرَ بِالسَّبَبِ عَنِ المُسَبَّبِ، كانَتْ أيْضًا واقِعَةً بَيْنَ ضِدَّيْنِ، تَقُولُ: قَسا قَلْبُهُ فَكَفَرَ، وآمَنَ فَتَضَرَّعَ. ﴿وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ داخِلَةً تَحْتَ الِاسْتِدْراكِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافَ إخْبارٍ. والظّاهِرُ الأوَّلُ، فَيَكُونُ الحامِلُ عَلى تَرْكِ التَّضَرُّعِ قَسْوَةَ قُلُوبِهِمْ، وإعْجابَهم بِأعْمالِهِمُ الَّتِي كانَ الشَّيْطانُ سَبَبًا في تَحْسِينِها لَهم. ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ فَلَمّا تَرَكُوا الِاتِّعاظَ والِازْدِجارَ بِما ذُكِّرُوا بِهِ مِنَ البَأْسِ، اسْتَدْرَجْناهم بِتَيْسِيرِ مَطالِبِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ، وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾، إذْ يَقْتَضِي شُمُولَ الخَيْراتِ، وبُلُوغَ الطَّلَباتِ. ﴿حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً﴾ مَعْنى هَذِهِ الجُمَلِ، مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨] . وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قالَ: ”«إذا رَأيْتُمُ اللَّهَ تَعالى يُعْطِي العِبادَ ما يَشاءُونَ عَلى مَعاصِيهِمْ، فَإنَّما ذَلِكَ اسْتِدْراجٌ مِنهُ لَهم، ثُمَّ تَلا ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾» الآيَةَ. والأبْوابُ اسْتِعارَةٌ عَنِ الأسْبابِ الَّتِي هَيَّأها اللَّهُ لَهم، المُقْتَضِيَةِ لِبَسْطِ الرِّزْقِ عَلَيْهِمْ، والإبْهامُ في هَذا العُمُومِ؛ لِتَهْوِيلِ ما فُتِحَ عَلَيْهِمْ وتَعْظِيمِهِ، وغَيّا الفَتْحَ بِفَرَحِهِمْ بِما أُوتُوا، وتَرَتَّبَ عَلى فَرَحِهِمْ أخْذُهم بَغْتَةً؛ أيْ إهْلاكُهم فَجْأةً، وهو أشَدُّ الإهْلاكِ، إذْ لَمْ يَتَقَدَّمْ شُعُورٌ بِهِ، فَتَتَوَطَّنَ النَّفْسُ عَلى لِقائِهِ، ابْتَلاهم أوَّلًا بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ، فَلَمْ يَتَّعِظُوا، ثُمَّ نَقَلَهم إلى ما أوْجَبَ سُرُورَهم مِن إسْباغِ النِّعَمِ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يَجِدْ ذَلِكَ (p-١٣١)عِنْدَهم ولا قَصَدُوا الشُّكْرَ ولا أصْغَوْا إلى إنابَةٍ بَلْ لَمْ يَحْصُلُوا إلّا عَلى فَرَحٍ بِما أسْبَغَ عَلَيْهِمْ. قالَ مُحَمَّدُ بْنُ النَّضْرِ الحارِثِيُّ: أُمْهِلَ هَؤُلاءِ القَوْمُ عِشْرِينَ سَنَةً. ﴿فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ أيْ باهِتُونَ بائِسُونَ لا يُحِيرُونَ جَوابًا. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (فَتَّحْنا) بِتَشْدِيدِ التّاءِ، والتَّشْدِيدُ لِتَكْثِيرِ الفِعْلِ،“ وإذا " هي الفُجائِيَّةُ وهي حَرْفٌ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ وظَرْفُ مَكانٍ، ونُسِبَ إلى سِيبَوَيْهِ، وظَرْفُ زَمانٍ وهو مَذْهَبُ الرِّياشِيِّ، والعامِلُ فِيها - إذا قُلْنا بِظَرْفِيَّتِها - هو خَبَرُ المُبْتَدَأِ أيْ فَفي ذَلِكَ المَكانِ هم مُبْلِسُونَ، أيْ مَكانِ إقامَتِهِمْ وذَلِكَ الزَّمانِ هم مُبْلِسُونَ، وأصْلُ الإبْلاسِ الإطْراقُ لِحُلُولِ نِقْمَةٍ أوْ زَوالِ نِعْمَةٍ. قالَ الحَسَنُ: مُكْتَئِبُونَ. وقالَ السُّدِّيُّ: هالِكُونَ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ وقُطْرُبٌ: خاشِعُونَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مُتَحَيِّرُونَ. وقالَ الزَّجّاجُ: مُتَحَسِّرُونَ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: السّاكِتُ عِنْدَ انْقِطاعِ الحُجَّةِ. ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ عِبارَةٌ عَنِ اسْتِئْصالِهِمْ بِالهَلاكِ، والمَعْنى: فَقُطِعَ دابِرُهم، ونَبَّهَ عَلى سَبَبِ الِاسْتِئْصالِ بِذِكْرِ الوَصْفِ الَّذِي هو الظُّلْمُ، وهو هُنا الكُفْرُ، والدّابِرُ: التّابِعُ لِلشَّيْءِ مِن خَلْفِهِ، يُقالُ: دَبَرَ الوالِدَ الوَلَدُ يَدْبُرُهُ، وفُلانٌ دَبَرَ القَوْمَ دُبُورًا ودَبَرًا: إذا كانَ آخِرَهم. وقالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ: ؎فاسْتُؤْصِلُوا بِعَذابٍ خَصَّ دابِرَهم فَما اسْتَطاعُوا لَهُ صَرْفًا ولا انْتَصَرُوا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: دابِرُ القَوْمِ آخِرُهُمُ الَّذِي يَدْبُرُهم. وقالَ الأصْمَعِيُّ: الدّابِرُ: الأصْلُ، يُقالُ: قَطَعَ اللَّهُ دابِرَهُ أيْ أذْهَبَ أصْلَهُ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: (فَقَطَعَ دابِرَ) بِفَتْحِ القافِ والطّاءِ والرّاءِ، أيْ فَقَطَعَ اللَّهُ، وهو التِفاتٌ إذْ فِيهِ الخُرُوجُ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ إلى ضَمِيرِ الغائِبِ. ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إيذانٌ بِوُجُوبِ الحَمْدِ لِلَّهِ عِنْدَ هَلاكِ الظَّلَمَةِ وأنَّهُ مِن أجَلِّ النِّعَمِ وأجْزَلِ القِسَمِ. انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ تَعالى لَمّا أرْسَلَ الرُّسُلَ إلى هَؤُلاءِ الأُمَمِ كَذَّبُوهم وآذَوْهم فابْتَلاهُمُ اللَّهُ تارَةً بِالبَلاءِ، وتارَةً بِالرَّخاءِ فَلَمْ يُؤْمِنُوا فَأهْلَكَهم واسْتَراحَ الرُّسُلُ مِن شَرِّهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ، وصارَ ذَلِكَ نِعْمَةً في حَقِّ الرُّسُلِ إذْ أنْجَزَ اللَّهُ وعْدَهُ عَلى لِسانِهِمْ بِهَلاكِ المُكَذِّبِينَ فَناسَبَ هَذا الفِعْلَ كُلَّهُ الخَتْمُ بِالحَمْدِ لَهُ.

الأنعام 6:45

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾ هَذا تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ، . وإنَّ عادَةَ الأُمَمِ مَعَ رُسُلِهِمُ التَّكْذِيبُ والمُبالَغَةُ في قَسْوَةِ القُلُوبِ، حَتّى هم إذا أُخِذُوا بِالبَلايا لا يَتَذَلَّلُونَ لِلَّهِ، ولا يَسْألُونَهُ كَشْفَها، وهَؤُلاءِ الأُمَمُ الَّذِينَ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمُ الرُّسُلَ، أبْلَغُ انْحِرافًا، وأشَدُّ شَكِيمَةً، وأجْلَدُ مِنَ الَّذِينَ بُعِثَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، إذْ خاطَبَهم تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتَكُمْ﴾ [الأنعام: ٤٠] الآيَةَ. وأخْبَرَ أنَّهم عِنْدَ الأزَماتِ لا يَدْعُونَ (p-١٣٠)لِكَشْفِها، إلّا اللَّهَ تَعالى. وفي الكَلامِ حَذْفٌ، التَّقْدِيرُ: ولَقَدْ أرْسَلْنا الرُّسُلَ إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَكَذَّبُوا فَأخَذْناهم وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ البَأْساءِ والضَّرّاءِ. والتَّرَجِّي هُنا بِالنِّسْبَةِ إلى البَشَرِ؛ أيْ لَوْ رَأى أحَدٌ ما حَلَّ بِهِمْ، لَرَجا تَضَرُّعَهم وابْتِهالَهم إلى اللَّهِ في كَشْفِهِ، والأخْذُ: الإمْساكُ بِقُوَّةٍ وبَطْشٍ وقَهْرٍ، وهو هُنا مَجازٌ عَنْ مُتابَعَةِ العُقُوبَةِ والمُلازَمَةِ، والمَعْنى لَعاقَبْناهم في الدُّنْيا. ﴿فَلَوْلا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا﴾ (لَوْلا) هُنا حَرْفُ تَحْضِيضٍ، يَلِيها الفِعْلُ ظاهِرًا، أوْ مُضْمَرًا، أوْ يُفْصَلُ بَيْنَهُما بِمَعْمُولِ الفِعْلِ مِن مَفْعُولٍ بِهِ وظَرْفٍ كَهَذِهِ الآيَةِ فَصَلَ بَيْنَ (لَوْلا)، و(تَضَرَّعُوا) بِإذْ، وهي مَعْمُولَةٌ لَتَضَرَّعُوا، والتَّحْضِيضُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَقَعْ تَضَرُّعُهم حِينَ جاءَ البَأْسُ، فَمَعْناهُ إظْهارُ مُعاتَبَةِ مُذْنِبٍ غائِبٍ، وإظْهارُ سُوءِ فِعْلِهِ؛ لِيَتَحَسَّرَ عَلَيْهِ المُخاطَبُ، وإسْنادُ المَجِيءِ إلى البَأْسِ، مَجازٌ عَنْ وُصُولِهِ إلَيْهِمْ، والمُرادُ أوائِلُ البَأْسِ وعَلاماتُهُ. ﴿ولَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ صَلُبَتْ وصَبَرَتْ عَلى مُلاقاةِ العَذابِ؛ لِما أرادَ اللَّهُ مِن كُفْرِهِمْ، ووُقُوعُ (لَكِنْ) هَنا حَسَنٌ؛ لِأنَّ المَعْنى انْتِفاءُ التَّذَلُّلِ عِنْدَ مَجِيءِ البَأْسِ، ووُجُودِ القَسْوَةِ الدّالَّةِ عَلى العُتُوِّ والتَّعَزُّزِ، فَوَقَعَتْ (لَكِنْ) بَيْنَ ضِدَّيْنِ، وهُما اللِّينُ والقَسْوَةُ، وكَذا إنْ كانَتِ القَسْوَةُ عِبارَةً عَنِ الكُفْرِ، فَعَبَّرَ بِالسَّبَبِ عَنِ المُسَبَّبِ، والضَّراعَةُ عِبارَةٌ عَنِ الإيمانِ، فَعَبَّرَ بِالسَّبَبِ عَنِ المُسَبَّبِ، كانَتْ أيْضًا واقِعَةً بَيْنَ ضِدَّيْنِ، تَقُولُ: قَسا قَلْبُهُ فَكَفَرَ، وآمَنَ فَتَضَرَّعَ. ﴿وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ داخِلَةً تَحْتَ الِاسْتِدْراكِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافَ إخْبارٍ. والظّاهِرُ الأوَّلُ، فَيَكُونُ الحامِلُ عَلى تَرْكِ التَّضَرُّعِ قَسْوَةَ قُلُوبِهِمْ، وإعْجابَهم بِأعْمالِهِمُ الَّتِي كانَ الشَّيْطانُ سَبَبًا في تَحْسِينِها لَهم. ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ فَلَمّا تَرَكُوا الِاتِّعاظَ والِازْدِجارَ بِما ذُكِّرُوا بِهِ مِنَ البَأْسِ، اسْتَدْرَجْناهم بِتَيْسِيرِ مَطالِبِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ، وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾، إذْ يَقْتَضِي شُمُولَ الخَيْراتِ، وبُلُوغَ الطَّلَباتِ. ﴿حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً﴾ مَعْنى هَذِهِ الجُمَلِ، مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨] . وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قالَ: ”«إذا رَأيْتُمُ اللَّهَ تَعالى يُعْطِي العِبادَ ما يَشاءُونَ عَلى مَعاصِيهِمْ، فَإنَّما ذَلِكَ اسْتِدْراجٌ مِنهُ لَهم، ثُمَّ تَلا ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾» الآيَةَ. والأبْوابُ اسْتِعارَةٌ عَنِ الأسْبابِ الَّتِي هَيَّأها اللَّهُ لَهم، المُقْتَضِيَةِ لِبَسْطِ الرِّزْقِ عَلَيْهِمْ، والإبْهامُ في هَذا العُمُومِ؛ لِتَهْوِيلِ ما فُتِحَ عَلَيْهِمْ وتَعْظِيمِهِ، وغَيّا الفَتْحَ بِفَرَحِهِمْ بِما أُوتُوا، وتَرَتَّبَ عَلى فَرَحِهِمْ أخْذُهم بَغْتَةً؛ أيْ إهْلاكُهم فَجْأةً، وهو أشَدُّ الإهْلاكِ، إذْ لَمْ يَتَقَدَّمْ شُعُورٌ بِهِ، فَتَتَوَطَّنَ النَّفْسُ عَلى لِقائِهِ، ابْتَلاهم أوَّلًا بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ، فَلَمْ يَتَّعِظُوا، ثُمَّ نَقَلَهم إلى ما أوْجَبَ سُرُورَهم مِن إسْباغِ النِّعَمِ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يَجِدْ ذَلِكَ (p-١٣١)عِنْدَهم ولا قَصَدُوا الشُّكْرَ ولا أصْغَوْا إلى إنابَةٍ بَلْ لَمْ يَحْصُلُوا إلّا عَلى فَرَحٍ بِما أسْبَغَ عَلَيْهِمْ. قالَ مُحَمَّدُ بْنُ النَّضْرِ الحارِثِيُّ: أُمْهِلَ هَؤُلاءِ القَوْمُ عِشْرِينَ سَنَةً. ﴿فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ أيْ باهِتُونَ بائِسُونَ لا يُحِيرُونَ جَوابًا. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (فَتَّحْنا) بِتَشْدِيدِ التّاءِ، والتَّشْدِيدُ لِتَكْثِيرِ الفِعْلِ،“ وإذا " هي الفُجائِيَّةُ وهي حَرْفٌ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ وظَرْفُ مَكانٍ، ونُسِبَ إلى سِيبَوَيْهِ، وظَرْفُ زَمانٍ وهو مَذْهَبُ الرِّياشِيِّ، والعامِلُ فِيها - إذا قُلْنا بِظَرْفِيَّتِها - هو خَبَرُ المُبْتَدَأِ أيْ فَفي ذَلِكَ المَكانِ هم مُبْلِسُونَ، أيْ مَكانِ إقامَتِهِمْ وذَلِكَ الزَّمانِ هم مُبْلِسُونَ، وأصْلُ الإبْلاسِ الإطْراقُ لِحُلُولِ نِقْمَةٍ أوْ زَوالِ نِعْمَةٍ. قالَ الحَسَنُ: مُكْتَئِبُونَ. وقالَ السُّدِّيُّ: هالِكُونَ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ وقُطْرُبٌ: خاشِعُونَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مُتَحَيِّرُونَ. وقالَ الزَّجّاجُ: مُتَحَسِّرُونَ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: السّاكِتُ عِنْدَ انْقِطاعِ الحُجَّةِ. ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ عِبارَةٌ عَنِ اسْتِئْصالِهِمْ بِالهَلاكِ، والمَعْنى: فَقُطِعَ دابِرُهم، ونَبَّهَ عَلى سَبَبِ الِاسْتِئْصالِ بِذِكْرِ الوَصْفِ الَّذِي هو الظُّلْمُ، وهو هُنا الكُفْرُ، والدّابِرُ: التّابِعُ لِلشَّيْءِ مِن خَلْفِهِ، يُقالُ: دَبَرَ الوالِدَ الوَلَدُ يَدْبُرُهُ، وفُلانٌ دَبَرَ القَوْمَ دُبُورًا ودَبَرًا: إذا كانَ آخِرَهم. وقالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ: ؎فاسْتُؤْصِلُوا بِعَذابٍ خَصَّ دابِرَهم فَما اسْتَطاعُوا لَهُ صَرْفًا ولا انْتَصَرُوا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: دابِرُ القَوْمِ آخِرُهُمُ الَّذِي يَدْبُرُهم. وقالَ الأصْمَعِيُّ: الدّابِرُ: الأصْلُ، يُقالُ: قَطَعَ اللَّهُ دابِرَهُ أيْ أذْهَبَ أصْلَهُ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: (فَقَطَعَ دابِرَ) بِفَتْحِ القافِ والطّاءِ والرّاءِ، أيْ فَقَطَعَ اللَّهُ، وهو التِفاتٌ إذْ فِيهِ الخُرُوجُ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ إلى ضَمِيرِ الغائِبِ. ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إيذانٌ بِوُجُوبِ الحَمْدِ لِلَّهِ عِنْدَ هَلاكِ الظَّلَمَةِ وأنَّهُ مِن أجَلِّ النِّعَمِ وأجْزَلِ القِسَمِ. انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ تَعالى لَمّا أرْسَلَ الرُّسُلَ إلى هَؤُلاءِ الأُمَمِ كَذَّبُوهم وآذَوْهم فابْتَلاهُمُ اللَّهُ تارَةً بِالبَلاءِ، وتارَةً بِالرَّخاءِ فَلَمْ يُؤْمِنُوا فَأهْلَكَهم واسْتَراحَ الرُّسُلُ مِن شَرِّهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ، وصارَ ذَلِكَ نِعْمَةً في حَقِّ الرُّسُلِ إذْ أنْجَزَ اللَّهُ وعْدَهُ عَلى لِسانِهِمْ بِهَلاكِ المُكَذِّبِينَ فَناسَبَ هَذا الفِعْلَ كُلَّهُ الخَتْمُ بِالحَمْدِ لَهُ.

الأنعام 6:46

﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أخَذَ اللَّهُ سَمْعَكم وأبْصارَكم وخَتَمَ عَلى قُلُوبِكم مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِهِ﴾ لَمّا ذَكَرَ أوَّلًا تَهْدِيدَهم بِإتْيانِ العَذابِ أوِ السّاعَةِ كانَ ذَلِكَ أعْظَمَ مِن هَذا التَّهْدِيدِ، فَأكَّدَ خِطابَ الضَّمِيرِ بِحَرْفِ الخِطابِ فَقِيلَ ﴿أرَأيْتَكُمْ﴾ [الأنعام: ٤٠] ولَمّا كانَ هَذا التَّهْدِيدُ أخَفَّ مِن ذَلِكَ لَمْ يُؤَكَّدْ بِهِ، بَلِ اكْتُفِيَ بِخِطابِ الضَّمِيرِ فَقِيلَ أرَأيْتُمْ، وفي تِلْكَ وهَذِهِ الِاسْتِدْلالُ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ - تَعالى - وأنَّهُ المُتَصَرِّفُ في العالَمِ الكاشِفُ لِلْعَذابِ والرّادُّ لِما شاءَ بَعْدَ الذَّهابِ، وأنَّ آلِهَتَهم لا تُغْنِي عَنْهم شَيْئًا، والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ ﴿أخَذَ اللَّهُ سَمْعَكم وأبْصارَكُمْ﴾ أنَّهُ ذَهابُ الحاسَّةِ (p-١٣٢)السَّمْعِيَّةِ والبَصَرِيَّةِ فَيَكُونُ أخْذًا حَقِيقِيًّا. وقِيلَ: هو أخْذٌ مَعْنَوِيٌّ والمُرادُ إذْهابُ نُورِ البَصَرِ بِحَيْثُ يَحْصُلُ العَمى، وإذْهابُ سَمْعِ الأُذُنِ بِحَيْثُ يَحْصُلُ الصَّمَمُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى إفْرادِ السَّمْعِ وجَمْعِ الأبْصارِ وعَلى الخَتْمِ عَلى القُلُوبِ في أوَّلِ البَقَرَةِ فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. ومَفْعُولُ ﴿أرَأيْتُمْ﴾ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: قُلْ أرَأيْتُمْ سَمْعَكم وأبْصارَكم إنْ أخَذَها اللَّهُ، والمَفْعُولُ الثّانِي هو الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ كَما تَقُولُ: أرَأيْتُكَ زَيْدًا ما يَصْنَعُ، وقَدْ قَرَّرْنا أنَّ ذَلِكَ مِن بابِ الإعْمالِ، أعْمَلَ الثّانِيَ وحَذَفَ مِنَ الأوَّلِ، وأوْضَحْنا كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ في الآيَةِ قَبْلَ هَذِهِ، والضَّمِيرُ في (بِهِ) أفْرَدَهُ إجْراءً لَهُ مَجْرى اسْمِ الإشارَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: تَأْتِيكم بِذَلِكَ، أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: بِما أخَذَ وخَتَمَ عَلَيْهِ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى السَّمْعِ بِالتَّصْرِيحِ وتَدْخُلُ فِيهِ القُلُوبُ والأبْصارُ. وقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى الهُدى الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى لِأنَّ أخْذَ السَّمْعِ والبَصَرِ والخَتْمَ عَلى القُلُوبِ سَبَبُ الضَّلالِ وسَدٌّ لِطُرُقِ الهِدايَةِ، و(مَن إلَهٌ) اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ تَوْقِيفُهم عَلى أنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ سِواهُ، فالتَّعَلُّقُ بِغَيْرِهِ لا يَنْفَعُ. قالَ الحَوْفِيُّ: وحَرْفُ الشَّرْطِ وما اتَّصَلَ بِهِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والعامِلُ في الحالِ أرَأيْتُمْ كَقَوْلِهِ: اضْرِبْهُ إنْ خَرَجَ، أيْ خارِجًا، وجَوابُ الشَّرْطِ ما تَقَدَّمَ مِمّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ. انْتَهى. وهَذا الإعْرابُ تَخْلِيطٌ. ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ ثُمَّ هم يَصْدِفُونَ﴾ رَوى أبُو قُرَّةَ المُسَيِّبِيُّ عَنْ نافِعٍ: بِهُ انْظُرْ، بِضَمِّ الهاءِ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ. وانْظُرْ خِطابٌ لِلسّامِعِ، وتَصْرِيفُ الآياتِ، قالَ مُقاتِلٌ: نُخَوِّفُهم بِأخْذِ الأسْماعِ والأبْصارِ والقُلُوبِ وبِما صُنِعَ بِالأُمَمِ السّالِفَةِ. وقالَ ابْنُ فُورَكٍ: تَصْرِيفُها: مَرَّةٌ تَأْتِي بِالنِّقْمَةِ ومَرَّةٌ تَأْتِي بِالنِّعْمَةِ ومَرَّةٌ بِالتَّرْغِيبِ ومَرَّةٌ بِالتَّرْهِيبِ. وقِيلَ: نُتابِعُ لَهُمُ الحُجَجَ ونَضْرِبُ لَهُمُ الأمْثالَ. وقِيلَ: نُوَجِّهُها إلى الإنْشاءِ والإفْناءِ والإهْلاكِ. وقِيلَ: الآياتُ عَلى صِحَّةِ تَوْحِيدِهِ وصِدْقِ نَبِيِّهِ، والصَّدْفُ والصُّدُوفُ الإعْراضُ والنُّفُورُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: يَصْدِفُونَ: يُعْرِضُونَ ولا يَعْتَبِرُونَ. وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: كَيْفَ نَصْرِفُ، مِن صَرَفَ ثُلاثِيًّا.

الأنعام 6:47

﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الظّالِمُونَ﴾ هَذا تَهْدِيدٌ ثالِثٌ، فالأوَّلُ بِأحَدِ أمْرَيْنِ: العَذابُ والسّاعَةُ، والثّانِي: بِالأخْذِ والخَتْمِ، والثّالِثُ: بِالعَذابِ فَقَطْ. قِيلَ: ﴿بَغْتَةً﴾ فَجْأةً لا يَتَقَدَّمُ لَكم بِهِ عِلْمٌ. و﴿جَهْرَةً﴾ تَبْدُو لَكم مَخايِلُهُ ثُمَّ يَنْزِلُ. وقالَ الحَسَنُ: ﴿بَغْتَةً﴾ لَيْلًا و﴿جَهْرَةً﴾ نَهارًا. وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿بَغْتَةً﴾ فَجْأةً آمِنِينَ و﴿جَهْرَةً﴾ وهم يَنْظُرُونَ، ولَمّا كانَتِ البَغْتَةُ تَضَمَّنَتْ مَعْنى الخِفْيَةِ صَحَّ مُقابَلَتُها لِلْجَهْرَةِ وبُدِئَ بِها لِأنَّها أرْدَعُ مِنَ الجَهْرَةِ، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ ﴿هَلْ يُهْلَكُ﴾ مَعْناها النَّفْيُ أيْ ما يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الظّالِمُونَ، ولِذَلِكَ دَخَلَتْ إلّا وهي في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِأرَأيْتَكم، والرّابِطُ مَحْذُوفٌ، أيْ هَلْ يُهْلَكُ بِهِ، والأوَّلُ مِن مَفْعُولَيْ ﴿أرَأيْتَكُمْ﴾ مَحْذُوفٌ مِن بابِ الإعْمالِ لِما قَرَّرْناهُ، ولَمّا كانَ التَّهْدِيدُ شَدِيدًا جَمَعَ فِيهِ بَيْنَ أداتَيِ الخِطابِ. والخِطابُ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ والعَرَبِ، وفي ذِكْرِ الظُّلْمِ تَنْبِيهٌ عَلى عِلَّةِ الإهْلاكِ، والمَعْنى: هَلْ يُهْلَكُ إلّا أنْتُمْ لِظُلْمِكم ؟ وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: (هَلْ يَهْلِكُ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. ﴿وما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلّا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ أيْ مُبَشِّرِينَ بِالثَّوابِ ومُنْذِرِينَ بِالعِقابِ، وانْتَصَبَ ﴿مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ عَلى الحالِ وفِيهِما مَعْنى العِلِّيَّةِ، أيْ أرْسَلْناهم لِلتَّبْشِيرِ والإنْذارِ لا لِأنْ تُقْتَرَحَ عَلَيْهِمُ الآياتُ بَعْدَ وُضُوحِ ما جاءُوا بِهِ وتَبْيِينِ صِحَّتِهِ. ﴿فَمَن آمَنَ وأصْلَحَ﴾ أيْ مَن صَدَّقَ بِقَلْبِهِ وأصْلَحَ في عَمَلِهِ. ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ العَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ جَعَلَ العَذابَ ماسًّا كَأنَّهُ ذُو حَياةٍ يَفْعَلُ (p-١٣٣)بِهِمْ ما شاءَ مِنَ الآلامِ. وقَرَأ عَلْقَمَةُ: (نُمِسُّهُمُ العَذابَ) بِالنُّونِ مِن أمَسَّ، وأدْغَمَ الأعْمَشُ العَذابَ بِما كَأبِي عَمْرٍو. وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ: (يَفْسِقُونَ) بِكَسْرِ السِّينِ.

الأنعام 6:48

﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الظّالِمُونَ﴾ هَذا تَهْدِيدٌ ثالِثٌ، فالأوَّلُ بِأحَدِ أمْرَيْنِ: العَذابُ والسّاعَةُ، والثّانِي: بِالأخْذِ والخَتْمِ، والثّالِثُ: بِالعَذابِ فَقَطْ. قِيلَ: ﴿بَغْتَةً﴾ فَجْأةً لا يَتَقَدَّمُ لَكم بِهِ عِلْمٌ. و﴿جَهْرَةً﴾ تَبْدُو لَكم مَخايِلُهُ ثُمَّ يَنْزِلُ. وقالَ الحَسَنُ: ﴿بَغْتَةً﴾ لَيْلًا و﴿جَهْرَةً﴾ نَهارًا. وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿بَغْتَةً﴾ فَجْأةً آمِنِينَ و﴿جَهْرَةً﴾ وهم يَنْظُرُونَ، ولَمّا كانَتِ البَغْتَةُ تَضَمَّنَتْ مَعْنى الخِفْيَةِ صَحَّ مُقابَلَتُها لِلْجَهْرَةِ وبُدِئَ بِها لِأنَّها أرْدَعُ مِنَ الجَهْرَةِ، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ ﴿هَلْ يُهْلَكُ﴾ مَعْناها النَّفْيُ أيْ ما يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الظّالِمُونَ، ولِذَلِكَ دَخَلَتْ إلّا وهي في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِأرَأيْتَكم، والرّابِطُ مَحْذُوفٌ، أيْ هَلْ يُهْلَكُ بِهِ، والأوَّلُ مِن مَفْعُولَيْ ﴿أرَأيْتَكُمْ﴾ مَحْذُوفٌ مِن بابِ الإعْمالِ لِما قَرَّرْناهُ، ولَمّا كانَ التَّهْدِيدُ شَدِيدًا جَمَعَ فِيهِ بَيْنَ أداتَيِ الخِطابِ. والخِطابُ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ والعَرَبِ، وفي ذِكْرِ الظُّلْمِ تَنْبِيهٌ عَلى عِلَّةِ الإهْلاكِ، والمَعْنى: هَلْ يُهْلَكُ إلّا أنْتُمْ لِظُلْمِكم ؟ وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: (هَلْ يَهْلِكُ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. ﴿وما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلّا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ أيْ مُبَشِّرِينَ بِالثَّوابِ ومُنْذِرِينَ بِالعِقابِ، وانْتَصَبَ ﴿مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ عَلى الحالِ وفِيهِما مَعْنى العِلِّيَّةِ، أيْ أرْسَلْناهم لِلتَّبْشِيرِ والإنْذارِ لا لِأنْ تُقْتَرَحَ عَلَيْهِمُ الآياتُ بَعْدَ وُضُوحِ ما جاءُوا بِهِ وتَبْيِينِ صِحَّتِهِ. ﴿فَمَن آمَنَ وأصْلَحَ﴾ أيْ مَن صَدَّقَ بِقَلْبِهِ وأصْلَحَ في عَمَلِهِ. ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ العَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ جَعَلَ العَذابَ ماسًّا كَأنَّهُ ذُو حَياةٍ يَفْعَلُ (p-١٣٣)بِهِمْ ما شاءَ مِنَ الآلامِ. وقَرَأ عَلْقَمَةُ: (نُمِسُّهُمُ العَذابَ) بِالنُّونِ مِن أمَسَّ، وأدْغَمَ الأعْمَشُ العَذابَ بِما كَأبِي عَمْرٍو. وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ: (يَفْسِقُونَ) بِكَسْرِ السِّينِ.

الأنعام 6:49

﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الظّالِمُونَ﴾ هَذا تَهْدِيدٌ ثالِثٌ، فالأوَّلُ بِأحَدِ أمْرَيْنِ: العَذابُ والسّاعَةُ، والثّانِي: بِالأخْذِ والخَتْمِ، والثّالِثُ: بِالعَذابِ فَقَطْ. قِيلَ: ﴿بَغْتَةً﴾ فَجْأةً لا يَتَقَدَّمُ لَكم بِهِ عِلْمٌ. و﴿جَهْرَةً﴾ تَبْدُو لَكم مَخايِلُهُ ثُمَّ يَنْزِلُ. وقالَ الحَسَنُ: ﴿بَغْتَةً﴾ لَيْلًا و﴿جَهْرَةً﴾ نَهارًا. وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿بَغْتَةً﴾ فَجْأةً آمِنِينَ و﴿جَهْرَةً﴾ وهم يَنْظُرُونَ، ولَمّا كانَتِ البَغْتَةُ تَضَمَّنَتْ مَعْنى الخِفْيَةِ صَحَّ مُقابَلَتُها لِلْجَهْرَةِ وبُدِئَ بِها لِأنَّها أرْدَعُ مِنَ الجَهْرَةِ، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ ﴿هَلْ يُهْلَكُ﴾ مَعْناها النَّفْيُ أيْ ما يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الظّالِمُونَ، ولِذَلِكَ دَخَلَتْ إلّا وهي في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِأرَأيْتَكم، والرّابِطُ مَحْذُوفٌ، أيْ هَلْ يُهْلَكُ بِهِ، والأوَّلُ مِن مَفْعُولَيْ ﴿أرَأيْتَكُمْ﴾ مَحْذُوفٌ مِن بابِ الإعْمالِ لِما قَرَّرْناهُ، ولَمّا كانَ التَّهْدِيدُ شَدِيدًا جَمَعَ فِيهِ بَيْنَ أداتَيِ الخِطابِ. والخِطابُ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ والعَرَبِ، وفي ذِكْرِ الظُّلْمِ تَنْبِيهٌ عَلى عِلَّةِ الإهْلاكِ، والمَعْنى: هَلْ يُهْلَكُ إلّا أنْتُمْ لِظُلْمِكم ؟ وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: (هَلْ يَهْلِكُ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. ﴿وما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلّا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ أيْ مُبَشِّرِينَ بِالثَّوابِ ومُنْذِرِينَ بِالعِقابِ، وانْتَصَبَ ﴿مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ عَلى الحالِ وفِيهِما مَعْنى العِلِّيَّةِ، أيْ أرْسَلْناهم لِلتَّبْشِيرِ والإنْذارِ لا لِأنْ تُقْتَرَحَ عَلَيْهِمُ الآياتُ بَعْدَ وُضُوحِ ما جاءُوا بِهِ وتَبْيِينِ صِحَّتِهِ. ﴿فَمَن آمَنَ وأصْلَحَ﴾ أيْ مَن صَدَّقَ بِقَلْبِهِ وأصْلَحَ في عَمَلِهِ. ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ العَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ جَعَلَ العَذابَ ماسًّا كَأنَّهُ ذُو حَياةٍ يَفْعَلُ (p-١٣٣)بِهِمْ ما شاءَ مِنَ الآلامِ. وقَرَأ عَلْقَمَةُ: (نُمِسُّهُمُ العَذابَ) بِالنُّونِ مِن أمَسَّ، وأدْغَمَ الأعْمَشُ العَذابَ بِما كَأبِي عَمْرٍو. وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ: (يَفْسِقُونَ) بِكَسْرِ السِّينِ.

الأنعام 6:50

﴿قُلْ لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ ولا أقُولُ لَكم إنِّي مَلَكٌ إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ لا أدَّعِي ما يُسْتَبْعَدُ في العُقُولِ أنْ يَكُونَ لِبَشَرٍ مِن مِلْكِ خَزائِنِ اللَّهِ - وهي قَسْمُهُ بَيْنَ الخَلْقِ وأرْزاقُهُ - وعِلْمِ الغَيْبِ وأنِّي مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم أشْرَفُ جِنْسٍ خَلَقَهُ اللَّهُ وأفْضَلُهُ وأقْرَبُهُ مَنزِلَةً مِنهُ، أيْ لَمْ أدَّعِ الأُلُوهِيَّةَ ولا المَلَكِيَّةَ لِأنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ الإلَهِيَّةِ مَنزِلَةٌ أرْفَعُ مِن مَنزِلَةِ المَلائِكَةِ حَتّى تَسْتَبْعِدُونَ دَعْوايَ وتَسْتَنْكِرُونَها، وإنَّما أدَّعِي ما كانَ مِثْلُهُ لِكَثِيرٍ مِنَ البَشَرِ وهو النُّبُوَّةُ. انْتَهى. وما قالَهُ مِن أنَّ المَعْنى إنِّي أقُولُ لَكم: إنِّي لَسْتُ بِإلَهٍ فَأتَّصِفُ بِصِفاتِهِ مِن كَيْنُونَةِ خَزائِنِهِ عِنْدِي وعِلْمِ الغَيْبِ، وهو قَوْلُ الطَّبَرِيِّ، والأظْهَرُ أنَّهُ يُرِيدُ أنَّهُ بَشَرٌ لا شَيْءَ عِنْدَهُ مِن خَزائِنِ اللَّهِ ولا مِن قُدْرَتِهِ ولا يَعْلَمُ شَيْئًا مِمّا غابَ عَنْهُ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وأمّا قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ في المَلائِكَةِ: هم أشْرَفُ جِنْسٍ خَلَقَهُ اللَّهُ وأفْضَلُهُ وأقْرَبُهُ مَنزِلَةً فَهو جارٍ عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ مِن أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ خَلْقِ اللَّهِ، وقَدِ اسْتَدَلَّ الجُبّائِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ أفْضَلُ مِنَ الأنْبِياءِ قالَ: لِأنَّ مَعْنى الآيَةِ لا أدَّعِي مَنزِلَةً فَوْقَ مَنزِلَتِي، فَلَوْلا أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ. قالَ القاضِي: إنْ كانَ الغَرَضُ مِمّا نَفى طَرِيقَةَ التَّواضُعِ فالأقْرَبُ أنْ يَدُلَّ عَلى أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ، وإنْ كانَ نَفْيُ قُدْرَتِهِ عَنْ أفْعالٍ لا يَقْوى عَلَيْها إلّا المَلائِكَةُ لَمْ يَدُلَّ عَلى كَوْنِهِمْ أفْضَلَ. انْتَهى. وقَدْ تَكَلَّمْنا عَلى ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾ [النساء: ١٧٢] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وتُعْطِي قُوَّةُ اللَّفْظِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِلازِمٍ مِن هَذا المَوْضِعِ، وإنَّما الَّذِي يَلْزَمُ مِنهُ أنَّ المَلَكَ أعْظَمُ مَوْقِعًا في أنْفُسِهِمْ وأقْرَبُ إلى اللَّهِ، والتَّفْضِيلُ يُعْطِيهِ المَعْنى عَطاءً خَفِيًّا وهو ظاهِرٌ مِن آياتٍ أُخَرَ، وهي مَسْألَةُ خِلافٍ، و﴿ما يُوحى﴾ يُرِيدُ بِهِ القُرْآنَ وسائِرَ ما يَأْتِي بِهِ المَلَكُ أيْ في ذَلِكَ عِبَرٌ وآياتٌ لِمَن تَأمَّلَ ونَظَرَ. انْتَهى. وقالَ الكَلْبِيُّ: ﴿خَزائِنُ اللَّهِ﴾ مَقْدُوراتُهُ مِن إغْناءِ الفَقِيرِ وإفْقارِ الغَنِيِّ. وقالَ مُقاتِلٌ: الرَّحْمَةُ والعَذابُ. وقِيلَ: آياتُهُ. وقِيلَ: مَجْمُوعُ هَذا لِقَوْلِهِ ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ [الحجر: ٢١] . قِيلَ: وهَذِهِ الثَّلاثُ جَوابٌ لِما سَألَهُ المُشْرِكُونَ، فالأوَّلُ جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ: إنْ (p-١٣٤)كُنْتَ رَسُولًا فاسْألِ اللَّهَ حَتّى يُوَسِّعَ عَلَيْنا خَزائِنَ الدُّنْيا، والثّانِي: جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ إنْ كُنْتَ رَسُولًا فَأخْبِرْنا بِما يَقَعُ في المُسْتَقْبَلِ مِنَ المَصالِحِ والمَضارِّ فَنَسْتَعِدَّ لِتَحْصِيلِ تِلْكَ ودَفْعِ هَذِهِ، والثّالِثُ: جَوابُ قَوْلِهِمْ: مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ ؟ انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ (فَإنْ قُلْتَ): أعْلَمُ الغَيْبَ ما مَحَلُّهُ مِنَ الإعْرابِ ؟ قُلْتُ: النَّصْبُ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ قَوْلِهِ: ﴿خَزائِنُ اللَّهِ﴾؛ لِأنَّهُ مِن جُمْلَةِ المَقُولِ، كَأنَّهُ قالَ: لا أقُولُ لَكم هَذا القَوْلَ ولا هَذا القَوْلَ، انْتَهى. ولا يَتَعَيَّنُ ما قالَهُ، بَلِ الظّاهِرُ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى لا أقُولُ لا مَعْمُولٌ لَهُ، فَهو أُمِرَ أنْ يُخْبِرَ عَنْ نَفْسِهِ بِهَذِهِ الجُمَلِ الثَّلاثِ فَهي مَعْمُولَةٌ لِلْأمْرِ الَّذِي هو قُلْ، وغايَرَ في مُتَعَلِّقِ النَّفْيِ فَنَفى قَوْلَهُ: ﴿عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ﴾ وقَوْلَهُ: ﴿إنِّي مَلَكٌ﴾ ونَفى عِلْمَ الغَيْبِ، ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ، ولا أقُولُ إنِّي أعْلَمُ الغَيْبَ لِأنَّ كَوْنَهُ لَيْسَ عِنْدَهُ خَزائِنُ اللَّهِ مِن أرْزاقِ العِبادِ وقَسْمِهِمْ مَعْلُومٌ ذَلِكَ لِلنّاسِ كُلِّهِمْ، فَنَفى ادِّعاءَهُ ذَلِكَ، وكَوْنَهُ بِصُورَةِ البَشَرِ مَعْلُومٌ أيْضًا لِمَعْرِفَتِهِمْ بِوِلادَتِهِ ونَشْأتِهِ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ، فَنَفى أيْضًا ادِّعاءَهُ ذَلِكَ ولَمْ يَنْفِهِما مَن أصِلِهِما لِأنَّ انْتِفاءَ ذَلِكَ مِن أصْلِهِ مَعْلُومٌ عِنْدَهم، فَنَفى أنْ يُكابِرَهم في ادِّعاءِ شَيْءٍ يَعْلَمُونَ خِلافَهُ قَطْعًا. ولَمّا كانَ عِلْمُ الغَيْبِ أمْرًا يُمْكِنُ أنْ يَظْهَرَ عَلى لِسانِ البَشَرِ بَلْ قَدْ يَدَّعِيهِ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ كالكُهّانِ وضُرّابِ الرَّمْلِ والمُنَجِّمِينَ، وكانَ قَدْ أخْبَرَ بِأشْياءَ مِنَ المُغَيَّباتِ وطابَقَتْ ما أخْبَرَ بِهِ نَفى عِلْمَ الغَيْبِ مِن أصْلِهِ فَقالَ: ﴿ولا أعْلَمُ الغَيْبَ﴾، تَنْصِيصًا عَلى مَحْضِ العُبُودِيَّةِ والِافْتِقارِ. وأنَّ ما صَدَرَ عَنْهُ مِن إخْبارٍ بِغَيْبٍ إنَّما هو مِنَ الوَحْيِ الوارِدِ عَلَيْهِ لا مِن ذاتِ نَفْسِهِ، فَقالَ: ﴿إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ كَما قالَ فِيما حَكى اللَّهُ عَنْهُ ﴿ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: ١٨٨] وكَما أُثِرَ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «لا أعْلَمُ ما وراءَ هَذا الجِدارِ إلّا أنْ يُعْلِمَنِي رَبِّي»، وجاءَ هَذا النَّفْيُ عَلى سَبِيلِ التَّرَقِّي، فَنَفى أوَّلًا ما تَتَعَلَّقُ بِهِ رَغَباتُ النّاسِ أجْمَعِينَ مِنَ الأرْزاقِ الَّتِي هي قِوامُ الحَياةِ الجُسْمانِيَّةِ، ثُمَّ نَفى ثانِيًا ما تَتَعَلَّقُ بِهِ وتَتَشَوَّفُ إلَيْهِ النُّفُوسُ الفاضِلَةُ مِن مَعْرِفَةِ ما يَجْهَلُونَ وتَعَرُّفِ ما يَقَعُ مِنَ الكَوائِنِ، ثُمَّ نَفى ثالِثًا ما هو مُخْتَصٌّ بِذاتِهِ مِن صِفَةِ المَلائِكَةِ الَّتِي هي مُبايِنَةٌ لِصِفَةِ البَشَرِيَّةِ، فَتَرَقّى في النَّفْيِ مِن عامٍّ إلى خاصٍّ إلى أخَصَّ، ثُمَّ حَصَرَ ما هو عَلَيْهِ في أحْوالِهِ كُلِّها بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ أيْ أنا مُتَّبِعٌ ما أوْحى اللَّهُ غَيْرُ شارِعٍ شَيْئًا مِن جِهَتِي، وظاهِرُهُ حُجَّةٌ لِنُفاةِ القِياسِ. ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ أيْ لا يَسْتَوِي النّاظِرُ المُفَكِّرُ في الآياتِ والمُعْرِضُ الكافِرُ الَّذِي يُهْمِلُ النَّظَرَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الكافِرُ والمُؤْمِنُ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: الضّالُّ والمُهْتَدِي. وقِيلَ: الجاهِلُ والعالِمُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَثَلٌ لِلضُّلّالِ والمُهْتَدِينَ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَثَلًا لِمَنِ اتَّبَعَ ما يُوحى إلَيْهِ ومَن لَمْ يَتَّبِعْ أوْ لِمَنِ ادَّعى المُسْتَقِيمَ وهو النُّبُوَّةُ والمُحالَ وهو الأُلُوهِيَّةُ والمَلَكِيَّةُ. ﴿أفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ هَذا عَرْضٌ وتَحْضِيضٌ مَعْناهُ الأمْرُ أيْ فَفَكِّرُوا ولا تَكُونُوا ضالِّينَ أشْباهَ العُمْيِ، أوْ فَكِّرُوا فَتَعْلَمُونَ أنِّي لا أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ، أوْ فَتَعْلَمُونَ أنِّي لا أدَّعِي ما لا يَلِيقُ بِالبَشَرِ.

الأنعام 6:51

﴿وأنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ﴾ لَمّا أخْبَرَ أنَّهُ لا يَتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيْهِ أمَرَهُ اللَّهُ - تَعالى - أنْ يُنْذِرَ بِهِ فَقالَ: ﴿وأنْذِرْ بِهِ﴾ أيْ بِما أُوحِيَ إلَيْكَ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى اللَّهِ أيْ بِعَذابِ اللَّهِ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الحَشْرِ، وهو مَأْمُورٌ بِإنْذارِ الخَلائِقِ كُلِّهِمْ، وإنَّما خَصَّ بِالإنْذارِ هُنا مَن خافَ الحَشْرَ لِأنَّهُ مَظِنَّةُ الإيمانِ، وكَأنَّهُ قِيلَ: الكَفَرَةُ المُعْرِضُونَ دَعْهم ورَأْيَهم وأنْذِرْ بِالقُرْآنِ مَن يُرْجى إيمانُهُ. ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في المَوالِي مِنهم بِلالٌ وصُهَيْبٌ وخَبّابٌ وعَمّارٌ ومِهْجَعٌ وسَلْمانُ وعامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ وسالِمٌ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ﴾ عُمُومُ مَن خافَ الحَشْرَ وآمَنَ بِالبَعْثِ مِن مُسْلِمٍ ويَهُودِيٍّ (p-١٣٥)ونَصْرانِيٍّ فَلا يَتَخَصَّصُ بِالمُسْلِمِينَ المُقِرِّينَ بِالبَعْثِ إلّا أنَّهم مُفَرِّطُونَ في العَمَلِ فَيُنْذِرُهم بِما أُوحِيَ إلَيْهِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ، أيْ يَدْخُلُونَ في زُمْرَةِ أهْلِ التَّقْوى، ولا بِأهْلِ الكِتابِ ولا بِناسٍ مِنَ المُشْرِكِينَ عُلِمَ مِن حالِهِمْ أنَّهم يَخافُونَ إذا سَمِعُوا بِحَدِيثِ البَعْثِ أنْ يَكُونَ حَقًّا فَيَهْلَكُوا، فَهم مِمَّنْ يُرْجى أنْ يَنْجَعَ فِيهِمُ الإنْذارُ دُونَ المُتَمَرِّدِينَ مِنهم و﴿يَخافُونَ﴾ باقٍ عَلى حَقِيقَتِهِ أيْ يَخافُونَ ما يَتَرَتَّبُ عَلى الحَشْرِ مِن مُؤاخَذَتِهِمْ بِذُنُوبِهِمْ، وأمّا الحَشْرُ فَمُتَحَقِّقٌ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: يَخافُونَ هُنا يَعْلَمُونَ، ومَعْنى إلى رَبِّهِمْ أيْ إلى جَزاءِ رَبِّهِمْ أيْ مَوْعُودِهِ، وقَدْ تَعَلَّقَ بِهَذِهِ الآيَةِ المُجَسِّمَةُ بِأنَّ اللَّهَ في حَيِّزٍ ومَكانٍ مُخْتَصٍّ وجِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ لِأنَّ كَلِمَةَ إلى لِانْتِهاءِ الغايَةِ. ﴿لَيْسَ لَهم مِن دُونِهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في مَوْضِعِ الحالِ مِن ﴿يُحْشَرُوا﴾ بِمَعْنى يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا غَيْرَ مَنصُورِينَ ولا مَشْفُوعًا لَهم ولا بُدَّ مِن هَذِهِ الحالِ؛ لِأنَّ كُلًّا مَحْشُورٌ فالخَوْفُ إنَّما هو الحَشْرُ عَلى هَذِهِ الحالِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنْ جَعَلْناهُ داخِلًا في الخَوْفِ كانَ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا في حالِ مَن لا ولِيَّ لَهُ ولا شَفِيعَ، فَهي مُخْتَصَّةٌ بِالمُؤْمِنِينَ المُسْلِمِينَ لِأنَّ اليَهُودَ والنَّصارى يَزْعُمُونَ أنَّ لَهم شُفَعاءَ وأنَّهم أبْناءُ اللَّهِ ونَحْوُ هَذا مِنَ الأباطِيلِ، وإنْ جَعَلْناهُ إخْبارًا مِنَ اللَّهِ عَنْ صِفَةِ الحالِ يَوْمَئِذٍ فَهي عامَّةٌ لِلْمُسْلِمِينَ وأهْلِ الكِتابِ. ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ تَرْجِئَةٌ لِحُصُولِ تَقْواهم إذا حَصَلَ الإنْذارُ. ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾ قالَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ: نَزَلَتْ فِينا سِتَّةً، فِيَّ وفي ابْنِ مَسْعُودٍ وصُهَيْبٍ وعَمّارٍ والمِقْدادِ وبِلالٍ، قالَتْ قُرَيْشٌ: إنّا لا نَرْضى أنْ نَكُونَ لِهَؤُلاءِ تَبَعًا فاطْرُدْهم عَنْكَ فَنَزَلَتْ. وقالَ خَبّابُ بْنُ الأرَتِّ: فِينا نَزَلَتْ، كُنّا ضُعَفاءَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ يُعَلِّمُنا بِالغَداةِ والعَشِيِّ ما يَنْفَعُنا، فَقالَ الأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ وعُيَيْنَةُ بْنُ حُصَيْنٍ: إنّا مِن أشْرافِ قَوْمِنا وإنّا نَكْرَهُ أنْ يَرَوْنا مَعَهم فاطْرُدْهم إذا جالَسْناكَ، فَنَزَلَتْ، فَأتَيْناهُ وهو يَقُولُ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكم كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤]، فَدَنَوْنا مِنهُ حَتّى وضَعْنا رُكَبَنا عَلى رُكْبَتِهِ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ؛ لِأنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ وهَؤُلاءِ الأشْرافُ لَمْ يُنْذَرُوا إلّا بِالمَدِينَةِ. وفي رِوايَةٍ عَنْ خَبّابٍ: فَإذا أرادَ أنْ يَقُومَ قامَ وتَرَكَنا فَأنْزَلَ اللَّهُ - تَعالى - ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾ [الكهف: ٢٨] الآيَةَ، فَكانَ يَقْعُدُ مَعَنا فَإذا بَلَغَ الوَقْتَ الَّذِي يَقُومُ فِيهِ قُمْنا وتَرَكْناهُ حَتّى يَقُومَ. ورَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ ناسًا مِنَ الأشْرافِ قالُوا: نُؤْمِنُ بِكَ وإذا صَلَّيْنا خَلْفَكَ فَأخِّرْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ مَعَكَ فَيُصَلُّوا خَلْفَنا، فَيَكُونُ الطَّرْدُ تَأخُّرَهم مِنَ الصَّفِّ لا طَرْدَهم مِنَ المَجْلِسِ. ورُوِيَتْ هَذِهِ الأسْبابُ بِزِيادَةٍ ونَقْصٍ، ومَضْمُونُها أنَّ ناسًا مِن أشْرافِ العَرَبِ سَألُوا مِنَ الرَّسُولِ ﷺ طَرْدَ فُقَراءِ المُؤْمِنِينَ عَنْهُ فَنَزَلَتْ، ولَمّا أمَرَ تَعالى بِإنْذارِ غَيْرِ المُتَّقِينَ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ أرْدَفَ ذَلِكَ بِتَقْرِيبِ المُتَّقِينَ وإكْرامِهِمْ ونَهاهُ عَنْ طَرْدِهِمْ ووَصَفَهم بِمُوافَقَةِ ظاهِرِهِمْ لِباطِنِهِمْ مِن دُعاءِ رَبِّهِمْ وخُلُوصِ نِيّاتِهِمْ، والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ يَسْألُونَهُ ويَلْجَأُونَ إلَيْهِ ويَقْصِدُونَهُ بِالدُّعاءِ والرَّغْبَةِ، ﴿بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾ كِنايَةٌ عَنِ الزَّمانِ الدّائِمِ ولا يُرادُ بِهِما خُصُوصُ زَمانِهِما كَما تَقُولُ: الحَمْدُ لِلَّهِ بُكْرَةً وأصِيلًا تُرِيدُ في كُلِّ حالٍ، فَكَنّى بِالغَداةِ عَنِ النَّهارِ وبِالعَشِيِّ عَنِ اللَّيْلِ، أوْ خَصَّهُما بِالذِّكْرِ لِأنَّ الشُّغْلَ فِيهِما غالِبٌ عَلى النّاسِ ومَن كانَ في هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ يَغْلِبُ عَلَيْهِ ذِكْرُ اللَّهِ ودُعاؤُهُ كانَ في وقْتِ الفَراغِ أغْلَبَ عَلَيْهِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالدُّعاءِ الصَّلاةُ المَكْتُوبَةُ. فَقالَ الحَسَنُ ومُقاتِلٌ: هي الصَّلاةُ بِمَكَّةَ الَّتِي كانَتْ مَرَّتَيْنِ في اليَوْمِ بُكْرَةً وعَشِيًّا. وقالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ: هي صَلاةُ الصُّبْحِ والعَصْرِ. وقالَ ابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ وإبْراهِيمُ: هي الصَّلَواتُ الخَمْسُ. وقالَ بَعْضُ القُصّاصِ: إنَّهُ الِاجْتِماعُ إلَيْهِمْ (p-١٣٦)غَدْوَةً وعَشِيًّا فَأنْكَرَ ذَلِكَ ابْنُ المُسَيَّبِ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي عَمْرَةَ وغَيْرُهُما، وقالُوا: الآيَةُ في الصَّلَواتِ في الجَماعَةِ. وقالَ أبُو جَعْفَرٍ: هي قِراءَةُ القُرْآنِ وتَعَلُّمُهُ. وقالَ الضَّحّاكُ: العِبادَةُ. وقالَ إبْراهِيمُ في رِوايَةٍ: ذِكْرُ اللَّهِ. وقالَ الزَّجّاجُ: دُعاءُ اللَّهِ - تَعالى - بِالتَّوْحِيدِ والإخْلاصِ وعِبادَتُهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِالغَداةِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ومالِكُ بْنُ دِينارٍ والحَسَنُ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ: بِالغُدْوَةِ. ورُوِيَ عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أيْضًا: بِالغُدُوِّ بِغَيْرِ هاءٍ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِالغُدْواتِ والعَشِيّاتِ بِالألِفِ فِيهِما عَلى الجَمْعِ، والمَشْهُورُ في غُدْوَةَ أنَّها مُعَرَّفَةٌ بِالعَلَمِيَّةِ مَمْنُوعَةُ الصَّرْفِ. قالَ الفَرّاءُ: سَمِعْتُ أبا الجَرّاحِ يَقُولُ: ما رَأيْتُ كَغَدْوَةَ قَطُّ يُرِيدُ غَداةَ يَوْمِهِ، قالَ: ألا تَرى أنَّ العَرَبَ لا تُضِيفُها، فَكَذا لا تَدْخُلُها الألِفُ واللّامُ إنَّما يَقُولُونَ: جِئْتُكَ غَداةَ الخَمِيسِ. انْتَهى. وحَكى سِيبَوَيْهِ والخَلِيلُ أنَّ بَعْضَهم يُنَكِّرُها فَيَقُولُ: رَأيْتُهُ غَدْوَةً بِالتَّنْوِينِ، وعَلى هَذِهِ اللُّغَةِ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ ومَن ذُكِرَ مَعَهُ وتَكُونُ إذْ ذاكَ كَفَيْنَةَ. حَكى أبُو زَيْدٍ: لَقِيتُهُ فَيْنَةَ غَيْرَ مَصْرُوفٍ، ولَقِيتُهُ الفَيْنَةَ بَعْدَ الفَيْنَةِ أيِ الحِينَ بَعْدَ الحِينِ، ولَمّا خَفِيَتْ هَذِهِ اللُّغَةُ عَلى أبِي عُبَيْدٍ أساءَ الظَّنَّ بِمَن قَرَأ هَذِهِ القِراءَةَ فَقالَ: إنَّما نَرى ابْنَ عامِرٍ والسُّلَمِيَّ قَرَآ تِلْكَ القِراءَةَ اتِّباعًا لِلْخَطِّ، ولَيْسَ في إثْباتِ الواوِ في الكِتابِ دَلِيلٌ عَلى القِراءَةِ بِها؛ لِأنَّهم كَتَبُوا الصَّلاةَ والزَّكاةَ بِالواوِ ولَفْظُهُما عَلى تَرْكِها وكَذَلِكَ الغَداةُ، عَلى هَذا وجَدْنا العَرَبَ. انْتَهى. وهَذا مِن أبِي عُبَيْدٍ جَهْلٌ بِهَذِهِ اللُّغَةِ الَّتِي حَكاها سِيبَوَيْهِ والخَلِيلُ وقَرَأ بِها هَؤُلاءِ الجَماعَةُ، وكَيْفَ يُظَنُّ بِهَؤُلاءِ الجَماعَةِ القُرّاءِ أنَّهم إنَّما قَرَءُوا بِها لِأنَّها مَكْتُوبَةٌ في المُصْحَفِ بِالواوِ، والقِراءَةُ إنَّما هي سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ، وأيْضًا فابْنُ عامِرٍ عَرَبِيٌّ صَرِيحٌ كانَ مَوْجُودًا قَبْلَ أنْ يُوجَدَ اللَّحْنُ لِأنَّهُ قَرَأ القُرْآنَ عَلى عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ أحَدُ العَرَبِ الأئِمَّةِ في النَّحْوِ، وهو مِمَّنْ أخَذَ عِلْمَ النَّحْوِ عَنْ أبِي الأسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ مُسْتَنْبِطِ عِلْمِ النَّحْوِ، والحَسَنُ البَصْرِيُّ مِنَ الفَصاحَةِ بِحَيْثُ يُسْتَشْهَدُ بِكَلامِهِ، فَكَيْفَ يُظَنُّ بِهَؤُلاءِ أنَّهم لَحَنُوا ؟ انْتَهى. واغْتَرُّوا بِخَطِّ المُصْحَفِ، ولَكِنْ أبُو عُبَيْدَةَ جَهِلَ هَذِهِ اللُّغَةَ وجَهِلَ نَقْلَ هَذِهِ القِراءَةِ فَتَجاسَرَ عَلى رَدِّها، عَفا اللَّهُ عَنْهُ. والظّاهِرُ أنَّ العَشِيَّ مُرادِفٌ لِلْعَشِيَّةِ، ألا تَرى قَوْلَهُ: ﴿إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالعَشِيِّ الصّافِناتُ الجِيادُ﴾ [ص: ٣١] . وقِيلَ: هو جَمْعُ عَشِيَّةٍ، ومَعْنى ﴿يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾ يُخْلِصُونَ نِيّاتِهِمْ لَهُ في عِبادَتِهِمْ، ويُعَبَّرُ عَنْ ذاتِ الشَّيْءِ وحَقِيقَتِهِ بِالوَجْهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَطْلُبُونَ ثَوابَ اللَّهِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، وقَدِ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وجْهَهُ﴾ مَن أثْبَتَ الأعْضاءَ لِلَّهِ، تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا. ﴿ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ وما مِن حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ قالَ الحَسَنُ والجُمْهُورُ: الحِسابُ هُنا حِسابُ الأعْمالِ. وقِيلَ: حِسابُ الأرْزاقِ أيْ لا تَرْزُقُهم ولا يَرْزُقُونَكَ حَكاهُ الطَّبَرِيُّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَقَوْلِهِ ﴿إنْ حِسابُهم إلّا عَلى رَبِّي﴾ [الشعراء: ١١٣] وذَلِكَ أنَّهم طَعَنُوا في دِينِهِمْ وإخْلاصِهِمْ فَقالَ: ﴿ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ بَعْدَ شَهادَتِهِ لَهم (p-١٣٧)بِالإخْلاصِ وبِإرادَةِ وجْهِ اللَّهِ تَعالى في أعْمالِهِمْ وإنْ كانَ الأمْرُ كَما يَقُولُونَ عِنْدَ اللَّهِ، فَما يَلْزَمُكَ إلّا اعْتِبارُ الظّاهِرِ والِاتِّسامُ بِسِيرَةِ المُتَّقِينَ وإنْ كانَ لَهم باطِنٌ غَيْرُ مَرْضِيٍّ فَحِسابُهم عَلَيْهِمْ لازِمٌ لَهم لا يَتَعَدّاهم إلَيْكَ، كَما أنَّ حِسابَكَ عَلَيْكَ لا يَتَعَدّاكَ إلَيْهِمْ كَقَوْلِهِ ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] انْتَهى. ولا يُمْكِنُ ما ذَكَرَهُ مِنَ التَّرْدِيدِ في قَوْلِهِ: وإنْ كانَ الأمْرُ إلى آخِرِهِ لِأنَّهُ تَعالى قَدْ أخْبَرَ بِأنَّهم ﴿يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾ وإخْبارُ اللَّهِ تَعالى هو الصِّدْقُ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ فَلا يُقالُ فِيهِمْ وإنْ كانَ الأمْرُ كَما يَقُولُونَ وإنْ كانَ لَهم باطِنٌ غَيْرَ مَرَضِيٍّ لِأنَّهُ فَرْضٌ مُخالِفٌ لِما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِن خُلُوصِ بَواطِنِهِمْ ونِيّاتِهِمْ لَهُ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما كَفى قَوْلُهُ: ﴿ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ حَتّى ضُمَّ إلَيْهِ ﴿وما مِن حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ (قُلْتُ): قَدْ جُعِلَتِ الجُمْلَتانِ بِمَنزِلَةِ جُمْلَةٍ واحِدَةٍ وقَصْدُهُما مُؤَدّى واحِدٌ وهو المَعْنِيُّ في قَوْلِهِ ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] ولا يَسْتَقِلُّ بِهَذا المَعْنى إلّا الجُمْلَتانِ جَمِيعًا كَأنَّهُ قِيلَ: لا تُؤاخَذُ أنْتَ ولا هم بِحِسابِ صاحِبِهِ؛ انْتَهى. وقَوْلُهُ: كَأنَّهُ قِيلَ لا تُؤاخَذُ أنْتَ ولا هم بِحِسابِ صاحِبِهِ تَرْكِيبٌ غَيْرُ عَرَبِيٍّ، لا يَجُوزُ عَوْدُ الضَّمِيرِ هُنا غائِبًا ولا مُخاطَبًا لِأنَّهُ إنْ أُعِيدَ غائِبًا فَلَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ اسْمٌ مُفْرَدٌ غائِبٌ يَعُودُ عَلَيْهِ، إنَّما يَتَقَدَّمُ قَوْلُهُ: ولا هم ولا يُمْكِنُ العَوْدُ إلَيْهِ عَلى اعْتِقادِ الِاسْتِغْناءِ بِالمُفْرَدِ عَنِ الجَمْعِ لِأنَّهُ يَصِيرُ التَّرْكِيبُ بِحِسابِ صاحِبِهِمْ وإنْ أُعِيدَ مُخاطِبًا فَلَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ مُخاطَبٌ يَعُودُ عَلَيْهِ إنَّما تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: لا تُؤاخَذُ أنْتَ، ولا يُمْكِنُ العَوْدُ إلَيْهِ لِأنَّهُ مُخاطَبٌ فَلا يَعُودُ عَلَيْهِ غائِبًا ولَوْ أبْرَزْتَهُ مُخاطَبًا لَمْ يَصِحَّ التَّرْكِيبُ أيْضًا وإصْلاحُ هَذا التَّرْكِيبِ أنْ يُقالَ: لا يُؤاخَذُ كُلُّ واحِدٍ مِنكم ولا مِنهم بِحِسابِ صاحِبِهِ أوْ لا تُؤاخَذُ أنْتَ بِحِسابِهِمْ ولا هم بِحِسابِكَ، أوْ لا تُؤاخَذُ أنْتَ ولا هم بِحِسابِكم فَتُغَلِّبُ الخِطابَ عَلى الغَيْبَةِ كَما تَقُولُ أنْتَ وزَيْدٌ تَضْرِبانِ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمائِرَ كُلَّها عائِدَةٌ عَلى ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ . وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ﴿مِن حِسابِهِمْ﴾ وفي (عَلَيْهِمْ) عائِدٌ عَلى المُشْرِكِينَ وتَكُونُ الجُمْلَتانِ اعْتِراضًا بَيْنَ النَّهْيِ وجَوابِهِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى لا يُؤاخَذُونَ بِحِسابِكَ ولا أنْتَ بِحِسابِهِمْ حَتّى يَهُمَّكَ إيمانُهم ويُحَرِّكَكَ الحِرْصُ عَلَيْهِ إلى أنْ تَطْرُدَ المُؤْمِنِينَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في ﴿حِسابِهِمْ﴾ و(عَلَيْهِمْ) لِلْكُفّارِ الَّذِينَ أرادُوا طَرْدَ المُؤْمِنِينَ أيْ ما عَلَيْكَ مِنهم آمَنُوا ولا كَفَرُوا فَتَطْرُدَ هَؤُلاءِ رَعْيًا بِذَلِكَ، والضَّمِيرُ في تَطْرُدَهم عائِدٌ عَلى الضَّعَفَةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ ويُؤَيِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ أنَّ ما بَعْدَ الفاءِ أبَدًا سَبَبُ ما قَبْلَها وذَلِكَ لا يَبِينُ إذا كانَتِ الضَّمائِرُ كُلُّها لِلْمُؤْمِنِينَ. وحَكى الطَّبَرِيُّ أنَّ الحِسابَ هُنا إنَّما (p-١٣٨)هُوَ في رِزْقِ الدُّنْيا أيْ لا تَرْزُقُهم ولا يَرْزُقُونَكَ، قالَ: فَعَلى هَذا تَجِيءُ الضَّمائِرُ كُلُّها لِلْمُؤْمِنِينَ؛ انْتَهى. ومِن في ﴿مِن حِسابِهِمْ﴾ وفي ﴿مِن حِسابِكَ﴾ مُبَعِّضَةٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ في ﴿مِن حِسابِهِمْ﴾ وذُو الحالِ هو مِن شَيْءٍ لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ مِن حِسابِهِمْ لَكانَ في مَوْضِعِ النَّعْتِ لِشَيْءٍ فَلَمّا تَقَدَّمَ انْتَصَبَ عَلى الحالِ و(عَلَيْكَ) في مَوْضِعِ الخَبَرِ لِما إنْ كانَتْ حِجازِيَّةً، وأجَزْنا تَوَسُّطَ خَبَرِها إذا كانَتْ ظَرْفًا أوْ مَجْرُورًا، وفي مَوْضِعِ خَبَرِ المُبْتَدَإ إنْ لَمْ نُجِزْ ذَلِكَ أوِ اعْتَقَدْنا أنَّ ما تَمِيمِيَّةٌ وأمّا في ﴿مِن حِسابِكَ﴾ فَقِيلَ: هو في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ ويَضْعُفُ ذَلِكَ بِأنَّ الحالَ إذا كانَ العامِلُ فِيها مَعْنى الفِعْلِ لَمْ يَجُزْ تَقْدِيمُها عَلَيْهِ خُصُوصًا إذا تَقَدَّمَتْ عَلى العامِلِ وعَلى ذِي الحالِ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ ﴿مِن حِسابِكَ﴾ و(عَلَيْهِمْ) صِفَةً لِشَيْءٍ تَقَدَّمَتْ عَلَيْهِ فانْتَصَبَ عَلى الحالِ وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ عَلَيْهِمْ هو مَحَطُّ الفائِدَةِ فَتَرَجَّحَ أنْ يَكُونَ هو الخَبَرَ، ويَكُونُ مِن حِسابِكَ عَلى هَذا تَبْيِينًا لا حالًا ولا خَبَرًا وانْظُرْ إلى حُسْنِ اعْتِنائِهِ بِنَبِيِّهِ وتَشْرِيفِهِ بِخِطابِهِ حَيْثُ بَدَأ بِهِ في الجُمْلَتَيْنِ مَعًا فَقالَ: ﴿ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿وما مِن حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ فَقَدَّمَ خِطابُهُ في الجُمْلَتَيْنِ وكانَ مُقْتَضى التَّرْكِيبِ الأوَّلِ لَوْ لُوحِظَ أنْ يَكُونَ التَّرْكِيبُ الثّانِي (وما عَلَيْهِمْ مِن حِسابِكَ مِن شَيْءٍ) لَكِنَّهُ قَدَّمَ خِطابَ الرَّسُولِ وأمْرَهُ تَشْرِيفًا لَهُ عَلَيْهِمْ واعْتِناءً بِمُخاطَبَتِهِ، وفي هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ رَدُّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ولَيْسَ الَّذِي حَلَّلْتَهُ بِمُحَلَّلٍ ولَيْسَ الَّذِي حَرَّمْتَهُ بِمُحَرَّمِ ﴿فَتَطْرُدَهم فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ جَوابٌ لِقَوْلِهِ ﴿ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ ويَكُونُ النَّصْبُ هُنا عَلى أحَدِ مَعْنَيَيِ النَّصْبِ في قَوْلِكَ: ما تَأْتِينا فَتُحَدِّثَنا لِأنَّ أحَدَ مَعْنَيَيْ هَذا ما تَأْتِينا مُحَدِّثًا إنَّما تَأْتِي ولا تُحَدِّثُ، وهَذا المَعْنى لا يَصِحُّ في الآيَةِ والمَعْنى الثّانِي ما تَأْتِينا فَكَيْفَ تُحَدِّثُنا ؟ أيْ لا يَقَعُ هَذا فَكَيْفَ يَقَعُ هَذا، وهَذا المَعْنى هو الَّذِي يَصِحُّ في الآيَةِ أنْ لا يَكُونَ حِسابُهم عَلَيْكَ فَيَكُونَ وقْعُ الطَّرْدِ، وأطْلَقُوا جَوابَ أنْ يَكُونَ ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ جَوابًا لِلنَّفْيِ ولَمْ يُبَيِّنُوا كَيْفِيَّةَ وُقُوعِهِ جَوابًا والظّاهِرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ والمَعْنى الإخْبارُ بِانْتِفاءِ حِسابِهِمْ وانْتِفاءِ الطَّرْدِ والظُّلْمِ المُتَسَبِّبِ عَنِ الطَّرْدِ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ (فَتَكُونَ) جَوابًا لِلنَّهْيِ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَطْرُدِ﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكم بِعَذابٍ﴾ [طه: ٦١] وتَكُونُ الجُمْلَتانِ وجَوابُ الأوْلى اعْتِراضًا بَيْنَ النَّهْيِ وجَوابِهِ، ومَعْنى ﴿مِنَ الظّالِمِينَ﴾ مِنَ الَّذِينَ يَضَعُونَ الشَّيْءَ في غَيْرِ مَواضِعِهِ.

الأنعام 6:52

﴿وأنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ﴾ لَمّا أخْبَرَ أنَّهُ لا يَتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيْهِ أمَرَهُ اللَّهُ - تَعالى - أنْ يُنْذِرَ بِهِ فَقالَ: ﴿وأنْذِرْ بِهِ﴾ أيْ بِما أُوحِيَ إلَيْكَ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى اللَّهِ أيْ بِعَذابِ اللَّهِ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الحَشْرِ، وهو مَأْمُورٌ بِإنْذارِ الخَلائِقِ كُلِّهِمْ، وإنَّما خَصَّ بِالإنْذارِ هُنا مَن خافَ الحَشْرَ لِأنَّهُ مَظِنَّةُ الإيمانِ، وكَأنَّهُ قِيلَ: الكَفَرَةُ المُعْرِضُونَ دَعْهم ورَأْيَهم وأنْذِرْ بِالقُرْآنِ مَن يُرْجى إيمانُهُ. ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في المَوالِي مِنهم بِلالٌ وصُهَيْبٌ وخَبّابٌ وعَمّارٌ ومِهْجَعٌ وسَلْمانُ وعامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ وسالِمٌ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ﴾ عُمُومُ مَن خافَ الحَشْرَ وآمَنَ بِالبَعْثِ مِن مُسْلِمٍ ويَهُودِيٍّ (p-١٣٥)ونَصْرانِيٍّ فَلا يَتَخَصَّصُ بِالمُسْلِمِينَ المُقِرِّينَ بِالبَعْثِ إلّا أنَّهم مُفَرِّطُونَ في العَمَلِ فَيُنْذِرُهم بِما أُوحِيَ إلَيْهِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ، أيْ يَدْخُلُونَ في زُمْرَةِ أهْلِ التَّقْوى، ولا بِأهْلِ الكِتابِ ولا بِناسٍ مِنَ المُشْرِكِينَ عُلِمَ مِن حالِهِمْ أنَّهم يَخافُونَ إذا سَمِعُوا بِحَدِيثِ البَعْثِ أنْ يَكُونَ حَقًّا فَيَهْلَكُوا، فَهم مِمَّنْ يُرْجى أنْ يَنْجَعَ فِيهِمُ الإنْذارُ دُونَ المُتَمَرِّدِينَ مِنهم و﴿يَخافُونَ﴾ باقٍ عَلى حَقِيقَتِهِ أيْ يَخافُونَ ما يَتَرَتَّبُ عَلى الحَشْرِ مِن مُؤاخَذَتِهِمْ بِذُنُوبِهِمْ، وأمّا الحَشْرُ فَمُتَحَقِّقٌ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: يَخافُونَ هُنا يَعْلَمُونَ، ومَعْنى إلى رَبِّهِمْ أيْ إلى جَزاءِ رَبِّهِمْ أيْ مَوْعُودِهِ، وقَدْ تَعَلَّقَ بِهَذِهِ الآيَةِ المُجَسِّمَةُ بِأنَّ اللَّهَ في حَيِّزٍ ومَكانٍ مُخْتَصٍّ وجِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ لِأنَّ كَلِمَةَ إلى لِانْتِهاءِ الغايَةِ. ﴿لَيْسَ لَهم مِن دُونِهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في مَوْضِعِ الحالِ مِن ﴿يُحْشَرُوا﴾ بِمَعْنى يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا غَيْرَ مَنصُورِينَ ولا مَشْفُوعًا لَهم ولا بُدَّ مِن هَذِهِ الحالِ؛ لِأنَّ كُلًّا مَحْشُورٌ فالخَوْفُ إنَّما هو الحَشْرُ عَلى هَذِهِ الحالِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنْ جَعَلْناهُ داخِلًا في الخَوْفِ كانَ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا في حالِ مَن لا ولِيَّ لَهُ ولا شَفِيعَ، فَهي مُخْتَصَّةٌ بِالمُؤْمِنِينَ المُسْلِمِينَ لِأنَّ اليَهُودَ والنَّصارى يَزْعُمُونَ أنَّ لَهم شُفَعاءَ وأنَّهم أبْناءُ اللَّهِ ونَحْوُ هَذا مِنَ الأباطِيلِ، وإنْ جَعَلْناهُ إخْبارًا مِنَ اللَّهِ عَنْ صِفَةِ الحالِ يَوْمَئِذٍ فَهي عامَّةٌ لِلْمُسْلِمِينَ وأهْلِ الكِتابِ. ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ تَرْجِئَةٌ لِحُصُولِ تَقْواهم إذا حَصَلَ الإنْذارُ. ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾ قالَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ: نَزَلَتْ فِينا سِتَّةً، فِيَّ وفي ابْنِ مَسْعُودٍ وصُهَيْبٍ وعَمّارٍ والمِقْدادِ وبِلالٍ، قالَتْ قُرَيْشٌ: إنّا لا نَرْضى أنْ نَكُونَ لِهَؤُلاءِ تَبَعًا فاطْرُدْهم عَنْكَ فَنَزَلَتْ. وقالَ خَبّابُ بْنُ الأرَتِّ: فِينا نَزَلَتْ، كُنّا ضُعَفاءَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ يُعَلِّمُنا بِالغَداةِ والعَشِيِّ ما يَنْفَعُنا، فَقالَ الأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ وعُيَيْنَةُ بْنُ حُصَيْنٍ: إنّا مِن أشْرافِ قَوْمِنا وإنّا نَكْرَهُ أنْ يَرَوْنا مَعَهم فاطْرُدْهم إذا جالَسْناكَ، فَنَزَلَتْ، فَأتَيْناهُ وهو يَقُولُ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكم كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤]، فَدَنَوْنا مِنهُ حَتّى وضَعْنا رُكَبَنا عَلى رُكْبَتِهِ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ؛ لِأنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ وهَؤُلاءِ الأشْرافُ لَمْ يُنْذَرُوا إلّا بِالمَدِينَةِ. وفي رِوايَةٍ عَنْ خَبّابٍ: فَإذا أرادَ أنْ يَقُومَ قامَ وتَرَكَنا فَأنْزَلَ اللَّهُ - تَعالى - ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾ [الكهف: ٢٨] الآيَةَ، فَكانَ يَقْعُدُ مَعَنا فَإذا بَلَغَ الوَقْتَ الَّذِي يَقُومُ فِيهِ قُمْنا وتَرَكْناهُ حَتّى يَقُومَ. ورَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ ناسًا مِنَ الأشْرافِ قالُوا: نُؤْمِنُ بِكَ وإذا صَلَّيْنا خَلْفَكَ فَأخِّرْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ مَعَكَ فَيُصَلُّوا خَلْفَنا، فَيَكُونُ الطَّرْدُ تَأخُّرَهم مِنَ الصَّفِّ لا طَرْدَهم مِنَ المَجْلِسِ. ورُوِيَتْ هَذِهِ الأسْبابُ بِزِيادَةٍ ونَقْصٍ، ومَضْمُونُها أنَّ ناسًا مِن أشْرافِ العَرَبِ سَألُوا مِنَ الرَّسُولِ ﷺ طَرْدَ فُقَراءِ المُؤْمِنِينَ عَنْهُ فَنَزَلَتْ، ولَمّا أمَرَ تَعالى بِإنْذارِ غَيْرِ المُتَّقِينَ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ أرْدَفَ ذَلِكَ بِتَقْرِيبِ المُتَّقِينَ وإكْرامِهِمْ ونَهاهُ عَنْ طَرْدِهِمْ ووَصَفَهم بِمُوافَقَةِ ظاهِرِهِمْ لِباطِنِهِمْ مِن دُعاءِ رَبِّهِمْ وخُلُوصِ نِيّاتِهِمْ، والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ يَسْألُونَهُ ويَلْجَأُونَ إلَيْهِ ويَقْصِدُونَهُ بِالدُّعاءِ والرَّغْبَةِ، ﴿بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾ كِنايَةٌ عَنِ الزَّمانِ الدّائِمِ ولا يُرادُ بِهِما خُصُوصُ زَمانِهِما كَما تَقُولُ: الحَمْدُ لِلَّهِ بُكْرَةً وأصِيلًا تُرِيدُ في كُلِّ حالٍ، فَكَنّى بِالغَداةِ عَنِ النَّهارِ وبِالعَشِيِّ عَنِ اللَّيْلِ، أوْ خَصَّهُما بِالذِّكْرِ لِأنَّ الشُّغْلَ فِيهِما غالِبٌ عَلى النّاسِ ومَن كانَ في هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ يَغْلِبُ عَلَيْهِ ذِكْرُ اللَّهِ ودُعاؤُهُ كانَ في وقْتِ الفَراغِ أغْلَبَ عَلَيْهِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالدُّعاءِ الصَّلاةُ المَكْتُوبَةُ. فَقالَ الحَسَنُ ومُقاتِلٌ: هي الصَّلاةُ بِمَكَّةَ الَّتِي كانَتْ مَرَّتَيْنِ في اليَوْمِ بُكْرَةً وعَشِيًّا. وقالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ: هي صَلاةُ الصُّبْحِ والعَصْرِ. وقالَ ابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ وإبْراهِيمُ: هي الصَّلَواتُ الخَمْسُ. وقالَ بَعْضُ القُصّاصِ: إنَّهُ الِاجْتِماعُ إلَيْهِمْ (p-١٣٦)غَدْوَةً وعَشِيًّا فَأنْكَرَ ذَلِكَ ابْنُ المُسَيَّبِ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي عَمْرَةَ وغَيْرُهُما، وقالُوا: الآيَةُ في الصَّلَواتِ في الجَماعَةِ. وقالَ أبُو جَعْفَرٍ: هي قِراءَةُ القُرْآنِ وتَعَلُّمُهُ. وقالَ الضَّحّاكُ: العِبادَةُ. وقالَ إبْراهِيمُ في رِوايَةٍ: ذِكْرُ اللَّهِ. وقالَ الزَّجّاجُ: دُعاءُ اللَّهِ - تَعالى - بِالتَّوْحِيدِ والإخْلاصِ وعِبادَتُهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِالغَداةِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ومالِكُ بْنُ دِينارٍ والحَسَنُ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ: بِالغُدْوَةِ. ورُوِيَ عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أيْضًا: بِالغُدُوِّ بِغَيْرِ هاءٍ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِالغُدْواتِ والعَشِيّاتِ بِالألِفِ فِيهِما عَلى الجَمْعِ، والمَشْهُورُ في غُدْوَةَ أنَّها مُعَرَّفَةٌ بِالعَلَمِيَّةِ مَمْنُوعَةُ الصَّرْفِ. قالَ الفَرّاءُ: سَمِعْتُ أبا الجَرّاحِ يَقُولُ: ما رَأيْتُ كَغَدْوَةَ قَطُّ يُرِيدُ غَداةَ يَوْمِهِ، قالَ: ألا تَرى أنَّ العَرَبَ لا تُضِيفُها، فَكَذا لا تَدْخُلُها الألِفُ واللّامُ إنَّما يَقُولُونَ: جِئْتُكَ غَداةَ الخَمِيسِ. انْتَهى. وحَكى سِيبَوَيْهِ والخَلِيلُ أنَّ بَعْضَهم يُنَكِّرُها فَيَقُولُ: رَأيْتُهُ غَدْوَةً بِالتَّنْوِينِ، وعَلى هَذِهِ اللُّغَةِ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ ومَن ذُكِرَ مَعَهُ وتَكُونُ إذْ ذاكَ كَفَيْنَةَ. حَكى أبُو زَيْدٍ: لَقِيتُهُ فَيْنَةَ غَيْرَ مَصْرُوفٍ، ولَقِيتُهُ الفَيْنَةَ بَعْدَ الفَيْنَةِ أيِ الحِينَ بَعْدَ الحِينِ، ولَمّا خَفِيَتْ هَذِهِ اللُّغَةُ عَلى أبِي عُبَيْدٍ أساءَ الظَّنَّ بِمَن قَرَأ هَذِهِ القِراءَةَ فَقالَ: إنَّما نَرى ابْنَ عامِرٍ والسُّلَمِيَّ قَرَآ تِلْكَ القِراءَةَ اتِّباعًا لِلْخَطِّ، ولَيْسَ في إثْباتِ الواوِ في الكِتابِ دَلِيلٌ عَلى القِراءَةِ بِها؛ لِأنَّهم كَتَبُوا الصَّلاةَ والزَّكاةَ بِالواوِ ولَفْظُهُما عَلى تَرْكِها وكَذَلِكَ الغَداةُ، عَلى هَذا وجَدْنا العَرَبَ. انْتَهى. وهَذا مِن أبِي عُبَيْدٍ جَهْلٌ بِهَذِهِ اللُّغَةِ الَّتِي حَكاها سِيبَوَيْهِ والخَلِيلُ وقَرَأ بِها هَؤُلاءِ الجَماعَةُ، وكَيْفَ يُظَنُّ بِهَؤُلاءِ الجَماعَةِ القُرّاءِ أنَّهم إنَّما قَرَءُوا بِها لِأنَّها مَكْتُوبَةٌ في المُصْحَفِ بِالواوِ، والقِراءَةُ إنَّما هي سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ، وأيْضًا فابْنُ عامِرٍ عَرَبِيٌّ صَرِيحٌ كانَ مَوْجُودًا قَبْلَ أنْ يُوجَدَ اللَّحْنُ لِأنَّهُ قَرَأ القُرْآنَ عَلى عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ أحَدُ العَرَبِ الأئِمَّةِ في النَّحْوِ، وهو مِمَّنْ أخَذَ عِلْمَ النَّحْوِ عَنْ أبِي الأسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ مُسْتَنْبِطِ عِلْمِ النَّحْوِ، والحَسَنُ البَصْرِيُّ مِنَ الفَصاحَةِ بِحَيْثُ يُسْتَشْهَدُ بِكَلامِهِ، فَكَيْفَ يُظَنُّ بِهَؤُلاءِ أنَّهم لَحَنُوا ؟ انْتَهى. واغْتَرُّوا بِخَطِّ المُصْحَفِ، ولَكِنْ أبُو عُبَيْدَةَ جَهِلَ هَذِهِ اللُّغَةَ وجَهِلَ نَقْلَ هَذِهِ القِراءَةِ فَتَجاسَرَ عَلى رَدِّها، عَفا اللَّهُ عَنْهُ. والظّاهِرُ أنَّ العَشِيَّ مُرادِفٌ لِلْعَشِيَّةِ، ألا تَرى قَوْلَهُ: ﴿إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالعَشِيِّ الصّافِناتُ الجِيادُ﴾ [ص: ٣١] . وقِيلَ: هو جَمْعُ عَشِيَّةٍ، ومَعْنى ﴿يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾ يُخْلِصُونَ نِيّاتِهِمْ لَهُ في عِبادَتِهِمْ، ويُعَبَّرُ عَنْ ذاتِ الشَّيْءِ وحَقِيقَتِهِ بِالوَجْهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَطْلُبُونَ ثَوابَ اللَّهِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، وقَدِ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وجْهَهُ﴾ مَن أثْبَتَ الأعْضاءَ لِلَّهِ، تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا. ﴿ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ وما مِن حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ قالَ الحَسَنُ والجُمْهُورُ: الحِسابُ هُنا حِسابُ الأعْمالِ. وقِيلَ: حِسابُ الأرْزاقِ أيْ لا تَرْزُقُهم ولا يَرْزُقُونَكَ حَكاهُ الطَّبَرِيُّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَقَوْلِهِ ﴿إنْ حِسابُهم إلّا عَلى رَبِّي﴾ [الشعراء: ١١٣] وذَلِكَ أنَّهم طَعَنُوا في دِينِهِمْ وإخْلاصِهِمْ فَقالَ: ﴿ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ بَعْدَ شَهادَتِهِ لَهم (p-١٣٧)بِالإخْلاصِ وبِإرادَةِ وجْهِ اللَّهِ تَعالى في أعْمالِهِمْ وإنْ كانَ الأمْرُ كَما يَقُولُونَ عِنْدَ اللَّهِ، فَما يَلْزَمُكَ إلّا اعْتِبارُ الظّاهِرِ والِاتِّسامُ بِسِيرَةِ المُتَّقِينَ وإنْ كانَ لَهم باطِنٌ غَيْرُ مَرْضِيٍّ فَحِسابُهم عَلَيْهِمْ لازِمٌ لَهم لا يَتَعَدّاهم إلَيْكَ، كَما أنَّ حِسابَكَ عَلَيْكَ لا يَتَعَدّاكَ إلَيْهِمْ كَقَوْلِهِ ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] انْتَهى. ولا يُمْكِنُ ما ذَكَرَهُ مِنَ التَّرْدِيدِ في قَوْلِهِ: وإنْ كانَ الأمْرُ إلى آخِرِهِ لِأنَّهُ تَعالى قَدْ أخْبَرَ بِأنَّهم ﴿يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾ وإخْبارُ اللَّهِ تَعالى هو الصِّدْقُ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ فَلا يُقالُ فِيهِمْ وإنْ كانَ الأمْرُ كَما يَقُولُونَ وإنْ كانَ لَهم باطِنٌ غَيْرَ مَرَضِيٍّ لِأنَّهُ فَرْضٌ مُخالِفٌ لِما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِن خُلُوصِ بَواطِنِهِمْ ونِيّاتِهِمْ لَهُ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما كَفى قَوْلُهُ: ﴿ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ حَتّى ضُمَّ إلَيْهِ ﴿وما مِن حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ (قُلْتُ): قَدْ جُعِلَتِ الجُمْلَتانِ بِمَنزِلَةِ جُمْلَةٍ واحِدَةٍ وقَصْدُهُما مُؤَدّى واحِدٌ وهو المَعْنِيُّ في قَوْلِهِ ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] ولا يَسْتَقِلُّ بِهَذا المَعْنى إلّا الجُمْلَتانِ جَمِيعًا كَأنَّهُ قِيلَ: لا تُؤاخَذُ أنْتَ ولا هم بِحِسابِ صاحِبِهِ؛ انْتَهى. وقَوْلُهُ: كَأنَّهُ قِيلَ لا تُؤاخَذُ أنْتَ ولا هم بِحِسابِ صاحِبِهِ تَرْكِيبٌ غَيْرُ عَرَبِيٍّ، لا يَجُوزُ عَوْدُ الضَّمِيرِ هُنا غائِبًا ولا مُخاطَبًا لِأنَّهُ إنْ أُعِيدَ غائِبًا فَلَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ اسْمٌ مُفْرَدٌ غائِبٌ يَعُودُ عَلَيْهِ، إنَّما يَتَقَدَّمُ قَوْلُهُ: ولا هم ولا يُمْكِنُ العَوْدُ إلَيْهِ عَلى اعْتِقادِ الِاسْتِغْناءِ بِالمُفْرَدِ عَنِ الجَمْعِ لِأنَّهُ يَصِيرُ التَّرْكِيبُ بِحِسابِ صاحِبِهِمْ وإنْ أُعِيدَ مُخاطِبًا فَلَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ مُخاطَبٌ يَعُودُ عَلَيْهِ إنَّما تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: لا تُؤاخَذُ أنْتَ، ولا يُمْكِنُ العَوْدُ إلَيْهِ لِأنَّهُ مُخاطَبٌ فَلا يَعُودُ عَلَيْهِ غائِبًا ولَوْ أبْرَزْتَهُ مُخاطَبًا لَمْ يَصِحَّ التَّرْكِيبُ أيْضًا وإصْلاحُ هَذا التَّرْكِيبِ أنْ يُقالَ: لا يُؤاخَذُ كُلُّ واحِدٍ مِنكم ولا مِنهم بِحِسابِ صاحِبِهِ أوْ لا تُؤاخَذُ أنْتَ بِحِسابِهِمْ ولا هم بِحِسابِكَ، أوْ لا تُؤاخَذُ أنْتَ ولا هم بِحِسابِكم فَتُغَلِّبُ الخِطابَ عَلى الغَيْبَةِ كَما تَقُولُ أنْتَ وزَيْدٌ تَضْرِبانِ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمائِرَ كُلَّها عائِدَةٌ عَلى ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ . وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ﴿مِن حِسابِهِمْ﴾ وفي (عَلَيْهِمْ) عائِدٌ عَلى المُشْرِكِينَ وتَكُونُ الجُمْلَتانِ اعْتِراضًا بَيْنَ النَّهْيِ وجَوابِهِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى لا يُؤاخَذُونَ بِحِسابِكَ ولا أنْتَ بِحِسابِهِمْ حَتّى يَهُمَّكَ إيمانُهم ويُحَرِّكَكَ الحِرْصُ عَلَيْهِ إلى أنْ تَطْرُدَ المُؤْمِنِينَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في ﴿حِسابِهِمْ﴾ و(عَلَيْهِمْ) لِلْكُفّارِ الَّذِينَ أرادُوا طَرْدَ المُؤْمِنِينَ أيْ ما عَلَيْكَ مِنهم آمَنُوا ولا كَفَرُوا فَتَطْرُدَ هَؤُلاءِ رَعْيًا بِذَلِكَ، والضَّمِيرُ في تَطْرُدَهم عائِدٌ عَلى الضَّعَفَةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ ويُؤَيِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ أنَّ ما بَعْدَ الفاءِ أبَدًا سَبَبُ ما قَبْلَها وذَلِكَ لا يَبِينُ إذا كانَتِ الضَّمائِرُ كُلُّها لِلْمُؤْمِنِينَ. وحَكى الطَّبَرِيُّ أنَّ الحِسابَ هُنا إنَّما (p-١٣٨)هُوَ في رِزْقِ الدُّنْيا أيْ لا تَرْزُقُهم ولا يَرْزُقُونَكَ، قالَ: فَعَلى هَذا تَجِيءُ الضَّمائِرُ كُلُّها لِلْمُؤْمِنِينَ؛ انْتَهى. ومِن في ﴿مِن حِسابِهِمْ﴾ وفي ﴿مِن حِسابِكَ﴾ مُبَعِّضَةٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ في ﴿مِن حِسابِهِمْ﴾ وذُو الحالِ هو مِن شَيْءٍ لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ مِن حِسابِهِمْ لَكانَ في مَوْضِعِ النَّعْتِ لِشَيْءٍ فَلَمّا تَقَدَّمَ انْتَصَبَ عَلى الحالِ و(عَلَيْكَ) في مَوْضِعِ الخَبَرِ لِما إنْ كانَتْ حِجازِيَّةً، وأجَزْنا تَوَسُّطَ خَبَرِها إذا كانَتْ ظَرْفًا أوْ مَجْرُورًا، وفي مَوْضِعِ خَبَرِ المُبْتَدَإ إنْ لَمْ نُجِزْ ذَلِكَ أوِ اعْتَقَدْنا أنَّ ما تَمِيمِيَّةٌ وأمّا في ﴿مِن حِسابِكَ﴾ فَقِيلَ: هو في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ ويَضْعُفُ ذَلِكَ بِأنَّ الحالَ إذا كانَ العامِلُ فِيها مَعْنى الفِعْلِ لَمْ يَجُزْ تَقْدِيمُها عَلَيْهِ خُصُوصًا إذا تَقَدَّمَتْ عَلى العامِلِ وعَلى ذِي الحالِ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ ﴿مِن حِسابِكَ﴾ و(عَلَيْهِمْ) صِفَةً لِشَيْءٍ تَقَدَّمَتْ عَلَيْهِ فانْتَصَبَ عَلى الحالِ وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ عَلَيْهِمْ هو مَحَطُّ الفائِدَةِ فَتَرَجَّحَ أنْ يَكُونَ هو الخَبَرَ، ويَكُونُ مِن حِسابِكَ عَلى هَذا تَبْيِينًا لا حالًا ولا خَبَرًا وانْظُرْ إلى حُسْنِ اعْتِنائِهِ بِنَبِيِّهِ وتَشْرِيفِهِ بِخِطابِهِ حَيْثُ بَدَأ بِهِ في الجُمْلَتَيْنِ مَعًا فَقالَ: ﴿ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿وما مِن حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ فَقَدَّمَ خِطابُهُ في الجُمْلَتَيْنِ وكانَ مُقْتَضى التَّرْكِيبِ الأوَّلِ لَوْ لُوحِظَ أنْ يَكُونَ التَّرْكِيبُ الثّانِي (وما عَلَيْهِمْ مِن حِسابِكَ مِن شَيْءٍ) لَكِنَّهُ قَدَّمَ خِطابَ الرَّسُولِ وأمْرَهُ تَشْرِيفًا لَهُ عَلَيْهِمْ واعْتِناءً بِمُخاطَبَتِهِ، وفي هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ رَدُّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ولَيْسَ الَّذِي حَلَّلْتَهُ بِمُحَلَّلٍ ولَيْسَ الَّذِي حَرَّمْتَهُ بِمُحَرَّمِ ﴿فَتَطْرُدَهم فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ جَوابٌ لِقَوْلِهِ ﴿ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ ويَكُونُ النَّصْبُ هُنا عَلى أحَدِ مَعْنَيَيِ النَّصْبِ في قَوْلِكَ: ما تَأْتِينا فَتُحَدِّثَنا لِأنَّ أحَدَ مَعْنَيَيْ هَذا ما تَأْتِينا مُحَدِّثًا إنَّما تَأْتِي ولا تُحَدِّثُ، وهَذا المَعْنى لا يَصِحُّ في الآيَةِ والمَعْنى الثّانِي ما تَأْتِينا فَكَيْفَ تُحَدِّثُنا ؟ أيْ لا يَقَعُ هَذا فَكَيْفَ يَقَعُ هَذا، وهَذا المَعْنى هو الَّذِي يَصِحُّ في الآيَةِ أنْ لا يَكُونَ حِسابُهم عَلَيْكَ فَيَكُونَ وقْعُ الطَّرْدِ، وأطْلَقُوا جَوابَ أنْ يَكُونَ ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ جَوابًا لِلنَّفْيِ ولَمْ يُبَيِّنُوا كَيْفِيَّةَ وُقُوعِهِ جَوابًا والظّاهِرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ والمَعْنى الإخْبارُ بِانْتِفاءِ حِسابِهِمْ وانْتِفاءِ الطَّرْدِ والظُّلْمِ المُتَسَبِّبِ عَنِ الطَّرْدِ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ (فَتَكُونَ) جَوابًا لِلنَّهْيِ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَطْرُدِ﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكم بِعَذابٍ﴾ [طه: ٦١] وتَكُونُ الجُمْلَتانِ وجَوابُ الأوْلى اعْتِراضًا بَيْنَ النَّهْيِ وجَوابِهِ، ومَعْنى ﴿مِنَ الظّالِمِينَ﴾ مِنَ الَّذِينَ يَضَعُونَ الشَّيْءَ في غَيْرِ مَواضِعِهِ.

الأنعام 6:53

﴿وكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا﴾ الكافُ لِلتَّشْبِيهِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى فُتُونٍ سابِقٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ أُمَمِ رُسُلٍ وإرْسالِهِمْ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ، وتَقْسِيمِ أُمَمِهِمْ إلى مُؤْمِنٍ ومُكَذِّبٍ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ أتْباعَ الرُّسُلِ مُخْتَلِفُونَ وواقِعٌ فِيهِمُ الفُتُونُ لا مَحالَةَ، كَما وقَعَ في هَذِهِ الأُمَّةِ، فَشَبَّهَ تَعالى ابْتِلاءَ هَذِهِ الأُمَّةِ واخْتِبارَها بِابْتِلاءِ الأُمَمِ السّالِفَةِ، أيْ حالُ هَذِهِ الأُمَّةِ حالُ الأُمَمِ السّابِقَةِ في فُتُونِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، والفُتُونُ بِالغِنى والفَقْرِ، أوْ بِالشَّرَفِ والوَضاعَةِ، والقُوَّةِ والضَّعْفِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومِثْلُ ذَلِكَ الفَتْنِ العَظِيمِ فَتْنُ بَعْضِ النّاسِ بِبَعْضٍ، أيِ ابْتَلَيْناهم بِهِ وذَلِكَ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَقُولُونَ لِلْمُسْلِمِينَ ﴿أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا﴾ أيْ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِالتَّوْفِيقِ لِإصابَةِ الحَقِّ ولِما يُسْعِدُهم عِنْدَهُ مِن دُونِنا ونَحْنُ المُقَدَّمُونَ والرُّؤَساءُ وهُمُ العَبِيدُ والفُقَراءُ، إنْكارًا لِأنْ يَكُونَ أمْثالُهم عَلى الحَقِّ ومَمْنُونًا عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا بِالخَيْرِ، نَحْوُ: ﴿أؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا﴾ [القمر: ٢٥]، ﴿لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١]، ومَعْنى فَتَنّاهم لِيَقُولُوا ذَلِكَ: خِذْلانُهم فافْتَتَنُوا حَتّى كانَ افْتِتانُهم سَبَبًا لِهَذا القَوْلِ لِأنَّهُ لا يَقُولُ مِثْلَ قَوْلِهِمْ هَذا إلّا مَخْذُولٌ مُتَقَوِّلٌ، انْتَهى. وآخِرُ كَلامِهِ عَلى طَرِيقَةِ المُعْتَزِلَةِ مِن تَأْوِيلِ الفِتْنَةِ الَّتِي نَسَبَها (p-١٣٩)تَعالى إلَيْهِ بِالخِذْلانِ جَرْيًا عَلى عادَتِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ابْتِلاءُ المُؤْمِنِينَ بِالمُشْرِكِينَ هو ما يَلْقَوْنَ مِنهم مِنَ الأذى، وابْتِلاءُ المُشْرِكِينَ بِالمُؤْمِنِينَ هو أنْ يَرى الرَّجُلُ الشَّرِيفُ مِنَ المُشْرِكِينَ قَوْمًا لا شَرَفَ لَهم قَدْ عَظَّمَهم هَذا الدِّينُ وجَعَلَ لَهم عِنْدَ نَبِيِّهِمْ قَدْرًا ومَنزِلَةً، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ما ذُكِرَ مِن ظُلْمِهِمْ أنْ تَطْرُدَ الضَّعَفَةَ. انْتَهى. ولا يَنْتَظِمُ هَذا التَّشْبِيهُ إذْ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: ومِثْلُ ذَلِكَ أيْ طَلَبِ الطَّرْدِ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ، والَّذِي يَتَبادَرُ إلَيْهِ الذِّهْنُ إنَّكَ إذا قُلْتَ: ضَرَبْتُ مِثْلَ ذَلِكَ، إنَّما يُفْهَمُ مِنهُ مِثْلَ ذَلِكَ الضَّرْبِ لا أنَّهُ تَقَعُ المُماثَلَةُ في غَيْرِهِ، واللّامُ في ﴿لِيَقُولُوا﴾ الظّاهِرُ أنَّها لامُ كَيْ، أيْ هَذا الِابْتِلاءُ لِكَيْ يَقُولُوا هَذِهِ المَقالَةَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِفْهامِ لِأنْفُسِهِمْ والمُناجاةِ لَها، ويَصِيرُ المَعْنى: ابْتَلَيْنا أشْرافَ الكُفّارِ بِضُعَفاءِ المُؤْمِنِينَ لِيَتَعَجَّبُوا في نُفُوسِهِمْ مِن ذَلِكَ ويَكُونَ سَبَبًا لِلنَّظَرِ لِمَن هُدِيَ، ومَن أثْبَتَ أنَّ اللّامَ تَكُونُ لِلصَّيْرُورَةِ جَوَّزَ هُنا أنْ تَكُونَ لِلصَّيْرُورَةِ ويَكُونَ قَوْلُهم عَلى سَبِيلِ الِاسْتِحْقاقِ، و(هَؤُلاءِ) إشارَةٌ إلى المُؤْمِنِينَ، و﴿مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ بِزَعْمِهِمْ أنَّ دِينَهم مِنهُ تَعالى. ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ هَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَّقْرِيرُ والرَّدُّ عَلى أُولَئِكَ القائِلِينَ، أيِ اللَّهُ أعْلَمُ بِمَن يَشْكُرُ فَيَضَعُ فِيهِ هِدايَتَهُ دُونَ مَن يَكْفُرُ فَلا يَهْدِيهِ، وجاءَ لَفْظُ الشُّكْرِ هُنا في غايَةٍ مِنَ الحُسْنِ إذْ تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ، فَناسَبَ ذِكْرُ الإنْعامِ لَفْظَ الشُّكْرِ، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِهَؤُلاءِ المُنْعَمِ عَلَيْهِمُ الشّاكِرِينَ لِنَعْمائِهِ، وتَضَمَّنَ العِلْمُ مَعْنى الثَّوابِ والجَزاءِ لَهم عَلى شُكْرِهِمْ فَلَيْسُوا مَوْضِعَ اسْتِخْفافِكم ولا اسْتِعْجابِكم. وقِيلَ: بِالشّاكِرِينَ مَن مَنَّ عَلَيْهِمْ بِالإيمانِ دُونَ الرُّؤَساءِ الَّذِينَ عَلِمَ مِنهُمُ الكُفْرَ. وقِيلَ: مَن يَشْكُرُ عَلى الإسْلامِ إذا هَدَيْتُهُ. وقِيلَ: بِمَن يُوَفَّقُ لِلْإيمانِ كَبِلالٍ ومَن دُونَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيِ اللَّهُ أعْلَمُ بِمَن يَقَعُ مِنهُ الإيمانُ والشُّكْرُ فَيُوَفِّقُهُ لِلْإيمانِ وبِمَن يُصَمِّمُ عَلى كُفْرِهِ فَيَخْذُلُهُ ويَمْنَعُهُ التَّوْفِيقَ. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ.

الأنعام 6:54

﴿وإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ الجُمْهُورُ أنَّها نَزَلَتْ في الَّذِينَ نَهى اللَّهُ عَنْ طَرْدِهِمْ فَكانَ إذا رَآهم بَدَأهم بِالسَّلامِ وقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ في أُمَّتِي مَن أبْدَأُهم بِالسَّلامِ. وقِيلَ: الَّذِينَ صَوَّبُوا رَأْيَ أبِي طالِبٍ في طَرْدِ الضَّعَفَةِ. وقالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ: قالَ قَوْمٌ: قَدْ أصَبْنا ذُنُوبًا فاسْتَغْفِرْ لَنا فَأعْرَضَ عَنْهم فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في عُمَرَ حِينَ أشارَ بِإجابَةِ الكَفَرَةِ ولَمْ يَعْلَمْ أنَّها مَفْسَدَةٌ، وعَلى هَذِهِ الأسْبابِ يَكُونُ تَفْسِيرُ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ فَإنْ كانَ عَنى بِهِمُ السِّتَّةَ الَّذِينَ نَهى عَنْ طَرْدِهِمْ فَيَكُونُ مِن بابِ العامِّ أُرِيدَ بِهِ الخاصُّ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أمْرًا بِإكْرامِهِمْ وتَنْبِيهًا عَلى خُصُوصِيَّةِ تَشْرِيفِهِمْ بِهَذا النَّوْعِ مِنَ الإكْرامِ، وإنْ كانَ عَنى عُمَرَ حِينَ اعْتَذَرَ واسْتَغْفَرَ وقالَ: ما أرَدْتُ بِذَلِكَ إلّا الخَيْرَ، كانَ مِن إطْلاقِ الجَمْعِ عَلى الواحِدِ المُعَظَّمِ، والظّاهِرُ أنَّهُ يُرادُ بِهِ المُؤْمِنُونَ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ لا بِالسِّتَّةِ ولا بِغَيْرِهِمْ، وإنَّها اسْتِئْنافُ إخْبارٍ مِنَ اللَّهِ - تَعالى - بَعْدَ تَقَصِّي خَبَرِ أُولَئِكَ الَّذِينَ نَهى عَنْ طَرْدِهِمْ، ولَوْ كانُوا إيّاهم لَكانَ التَّرْكِيبُ الأحْسَنُ: وإذا جاءُوكَ، والآياتُ هُنا آياتُ القُرْآنِ وعَلاماتُ النُّبُوَّةِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: آياتُ اللَّهِ آياتُ وُجُودِهِ وآياتُ صِفاتِ جَلالِهِ وإكْرامِهِ وكِبْرِيائِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ، وما سِوى اللَّهِ لا نِهايَةَ لَهُ، ولا سَبِيلَ لِلْعُقُولِ إلى الوُقُوفِ عَلَيْهِ عَلى التَّفْصِيلِ التّامِّ، إلّا أنَّ المُمْكِنَ هو أنْ يَطَّلِعَ عَلى بَعْضِ الآياتِ ثُمَّ يُؤْمِنَ بِالبَقِيَّةِ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، ثُمَّ يَكُونُ مُدَّةَ حَيّاتِهِ كالسّابِحِ في تِلْكَ البِحارِ وكالسّائِحِ في تِلْكَ القِفارِ، ولَمّا كانَ لا نِهايَةَ لَها فَكَذَلِكَ لا نِهايَةَ في تَرَقِّي العَبْدِ في مَعارِجِ تِلْكَ الآياتِ، وهَذا مَشْرَعٌ جُمْلِيٌّ لا نِهايَةَ لِتَفاصِيلِهِ، ثُمَّ إنَّ العَبْدَ إذا كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفاتِ فَعِنْدَها أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِأنْ يَقُولَ لَهم: سَلامٌ عَلَيْكم، فَيَكُونُ هَذا التَّسْلِيمُ بِشارَةً بِحُصُولِ الكَرامَةِ عَقِيبَ تِلْكَ السَّلامَةِ والنَّجاةِ مِن بَحْرِ عالَمِ الظُّلُماتِ ومَرْكَزِ الجُسْمانِيّاتِ ومَعْدِنِ الآفاتِ (p-١٤٠)والمَخافاتِ ومَوْضِعِ التَّغْيِيراتِ والتَّبْدِيلاتِ، وأمّا الكَرامَةُ بِالوُصُولِ إلى الباقِياتِ الصّالِحاتِ المُجَرَّداتِ المُقَدَّساتِ والوُصُولِ إلى فُسْحَةِ عالَمِ الأنْوارِ والتَّرَقِّي إلى مَعارِجِ سُرادِقاتِ الجَلالِ. انْتَهى كَلامُهُ. وهو تَكْثِيرٌ لا طائِلَ تَحْتَهُ طافِحٌ بِإشاراتِ أهْلِ الفَلْسَفَةِ بَعِيدٌ مِن مَناهِجِ المُتَشَرِّعِينَ وعَنْ مَناحِي كَلامِ العَرَبِ ومَن غَلَبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ حَتّى في غَيْرِ مَظانِّهِ، ولِلَّهِ دَرُّ القائِلِ يُغْرِي مَنصُورَ المُوَحِّدِينَ بِأهْلِ الفَلْسَفَةِ مِن قَصِيدَةٍ: ؎وحَرِّقْ كُتْبَهم شَرْقًا وغَرْبًا فَفِيها كامِنٌ شَرُّ العُلُومِ ؎يَدُبُّ إلى العَقائِدِ مِن أذاها ∗∗∗ سُمُومٌ والعَقائِدُ كالجُسُومِ وقالَ المُبَرِّدُ: السَّلامُ في اللُّغَةِ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ - تَعالى - وجَمْعُهُ سَلامَةٌ ومَصْدَرٌ واسْمُ شَجَرٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: مَصْدَرٌ لِسَلَّمَ تَسْلِيمًا وسَلامًا كالسَّراحِ مِن سَرَّحَ والأداءِ مِن أدّى. وقالَ عِكْرِمَةُ والحَسَنُ: أُمِرَ بِابْتِداءِ السَّلامِ عَلَيْهِمْ تَشْرِيفًا لَهم. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أُمِرَ بِإبْلاغِ السَّلامِ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ، وقِيلَ: مَعْنى السَّلامِ هُنا الدُّعاءُ مِنَ الآفاتِ. وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: السَّلامُ والتَّحِيَّةُ بِمَعْنًى واحِدٍ، ومَعْنى السَّلامِ عَلَيْكم: حَيّاكُمُ اللَّهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إمّا أنْ يَكُونَ أُمِرَ بِتَبْلِيغِ سَلامِ اللَّهِ إلَيْهِمْ وإمّا أنْ يَكُونَ أُمِرَ بِأنْ يَبْدَأهم بِالسَّلامِ إكْرامًا لَهم وتَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ. انْتَهى. وتَرْدِيدُهُ: إمّا وإمّا، الأوَّلُ قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ والثّانِي قَوْلُ عِكْرِمَةَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَفْظُهُ لَفْظُ الخَبَرِ وهو في مَعْنى الدُّعاءِ، وهَذا مِنَ المَواضِعِ الَّتِي جازَ فِيها الِابْتِداءُ بِالنَّكِرَةِ إذْ قَدْ تَخَصَّصَتْ. انْتَهى. والتَّخْصِيصُ الَّذِي يَعْنِيهِ النُّحاةُ في النَّكِرَةِ الَّتِي يُبْتَدَأُ بِها هو أنْ تَتَخَصَّصَ بِالوَصْفِ أوِ العَمَلِ أوِ الإضافَةِ، و﴿سَلامٌ﴾ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِن هَذِهِ التَّخْصِيصاتِ، وقَدْ رامَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أنْ يَجْعَلَ جَوازَ الِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ راجِعًا إلى التَّخْصِيصِ والتَّعْمِيمِ، والَّذِي يَظْهَرُ مِن كَلامِ ابْنِ عَطِيَّةَ أنَّهُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ: إذْ قَدْ تَخَصَّصَتْ، أيِ اسْتُعْمِلَتْ في الدُّعاءِ فَلَمْ تَبْقَ النَّكِرَةُ عَلى مُطْلَقِ مَدْلُولِها الوَصْفِيِّ؛ إذْ قَدِ اسْتُعْمِلَتْ يُرادُ بِها أحَدُ ما تَحْتَمِلُهُ النَّكِرَةُ. * * ﴿كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ أيْ أوْجَبَها، والبارِئُ - تَعالى - لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ عَقْلًا إلّا إذا أعْلَمَنا أنَّهُ حَتَمَ بِشَيْءٍ فَذَلِكَ الشَّيْءُ واجِبٌ. وقِيلَ: كَتَبَ: وعَدَ، والكَتْبُ هُنا في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. وقِيلَ: في كِتابٍ غَيْرِهِ، وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ «أنَّ اللَّهَ - تَعالى - كَتَبَ كِتابًا فَهو عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ: إنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي» . وهَذِهِ الجُمْلَةُ مَأْمُورٌ بِقَوْلِها تَبْشِيرًا لَهم بِسَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ وتَفْرِيحًا لِقُلُوبِهِمْ. ﴿أنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكم سُوءًا بِجَهالَةٍ﴾ السُّوءُ: قِيلَ: الشِّرْكُ. وقِيلَ: المَعاصِي، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ عَمَلِ السُّوءِ بِجَهالَةٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما التَّوْبَةُ عَلى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ﴾ [النساء: ١٧]، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. ﴿ثُمَّ تابَ مِن بَعْدِهِ وأصْلَحَ فَأنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ مِن بَعْدِ عَمَلِ السُّوءِ، وأصْلَحَ: شَرَطَ اسْتِدامَةَ الإصْلاحِ في الشَّيْءِ الَّذِي تابَ مِنهُ. قَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ (أنَّهُ) بِفَتْحِ الهَمْزَتَيْنِ، فالأُولى (p-١٤١)بَدَلٌ مِنَ الرَّحْمَةِ والثّانِيَةُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: فَأمْرُهُ أنَّهُ - أيْ أنَّ اللَّهَ - غَفُورٌ رَحِيمٌ لَهُ، ووَهِمَ النَّحّاسُ فَزَعَمَ أنَّ قَوْلَهُ (فَإنَّهُ) عَطْفٌ عَلى أنَّهُ، وتَكْرِيرٌ لَها لِطُولِ الكَلامِ، وهَذا كَما ذَكَرْناهُ وهْمٌ؛ لِأنَّ (مَن) مُبْتَدَأٌ سَواءٌ كانَ مَوْصُولًا أوْ شَرْطًا، فَإنْ كانَ مَوْصُولًا بَقِيَ بِلا خَبَرٍ، وإنْ كانَ شَرْطًا بَقِيَ بِلا جَوابٍ. وقِيلَ: إنَّهُ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ تَقْدِيرُهُ عَلَيْهِ: أنَّهُ مِن عَمِلَ. وقِيلَ: (فَإنَّهُ) بَدَلٌ مِن (أنَّهُ) ولَيْسَ بِشَيْءٍ لِدُخُولِ الفاءِ فِيهِ ولِخُلُوِّ (مَن) مِن خَبَرٍ أوْ جَوابٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والأخَوانِ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ فِيهِما، الأُولى عَلى جِهَةِ التَّفْسِيرِ لِلرَّحْمَةِ والثّانِيَةُ في مَوْضِعِ الخَبَرِ أوِ الجَوابِ. وقَرَأ نافِعٌ بِفَتْحِ الأُولى عَلى الوَجْهَيْنِ السّابِقَيْنِ وكَسْرِ الثّانِيَةِ عَلى وجْهِها أيْضًا، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِكَسْرِ الأُولى وفَتْحِ الثّانِيَةِ، حَكاها الزَّهْراوِيُّ عَنِ الأعْرَجِ. وحَكى سِيبَوَيْهِ عَنْهُ مِثْلَ قِراءَةِ نافِعٍ. وقالَ الدّانِي: قِراءَةُ الأعْرَجِ ضِدُّ قِراءَةِ نافِعٍ، و”بِجَهالَةٍ“ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ وهو جاهِلٌ، وما أحْسَنَ مَساقَ هَذا المَقُولِ، أمَرَهُ أوَّلًا أنْ يَقُولَ لِلْمُؤْمِنِينَ سَلامٌ عَلَيْكم فَبَدَأ أوَّلًا بِالسَّلامَةِ والأمْنِ لِمَن آمَنَ، ثُمَّ خاطَبَهم ثانِيًا بِوُجُوبِ الرَّحْمَةِ، وأسْنَدَ الكِتابَةَ إلى رَبِّهِمْ أيْ كَتَبَ النّاظِرُ لَكم في مَصالِحِكم والَّذِي يُرَبِّيكم ويَمْلِكُكُمُ الرَّحْمَةَ فَهَذا تَبْشِيرٌ بِعُمُومِ الرَّحْمَةِ، ثُمَّ أبْدَلَ مِنها شَيْئًا خاصًّا وهو غُفْرانُهُ ورَحْمَتُهُ لِمَن تابَ وأصْلَحَ، ولَوْ ذَهَبَ ذاهِبٌ إلى أنَّ الرَّحْمَةَ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ وأنَّ (أنَّهُ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ لِـ (كَتَبَ) أيْ لِأجْلِ رَحْمَتِهِ إيّاكم - لَمْ يُبْعِدْ. ولَكِنَّ الظّاهِرَ أنَّ الرَّحْمَةَ مَفْعُولُ (كَتَبَ) واسْتَدَلَّ المُعْتَزِلَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ أنَّهُ لا يَخْلُقُ الكُفْرَ في الكافِرِ لِأنَّ الرَّحْمَةَ تُنافِي ذَلِكَ وتُنافِي تَعْذِيبَهُ أبَدَ الآبادِ.

الأنعام 6:55

﴿وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ﴾ الكافُ لِلتَّشْبِيهِ و(ذَلِكَ) إشارَةٌ إلى التَّفْصِيلِ الواقِعِ في هَذِهِ السُّورَةِ، أيْ ومِثْلُ ذَلِكَ التَّفْصِيلِ البَيِّنِ نُفَصِّلُ آياتِ القُرْآنِ ونُلَخِّصُها في صِفَةِ أحْوالِ المُجْرِمِينَ: مَن هو مَطْبُوعٌ عَلى قَلْبِهِ لا يُرْجى إسْلامُهُ، ومَن تَرى فِيهِ أمارَةَ القَبُولِ وهو الَّذِي يَخافُ إذا سَمِعَ ذِكْرَ القِيامَةِ، ومَن دَخَلَ في الإسْلامِ إلّا أنَّهُ لا يَحْفَظُ حُدُودَهُ. وقِيلَ: المَعْنى: كَما فَصَّلْنا في هَذِهِ السُّورَةِ دَلِيلَ صِحَّةِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والقَضاءِ والقَدَرِ نُفَصِّلُ لَكَ دَلِيلَنا وحُجَجَنا في تَقْرِيرِ كُلِّ حَقٍّ يُنْكِرُهُ أهْلُ الباطِلِ. وقِيلَ: إشارَةٌ إلى التَّفْصِيلِ لِلْأُمَمِ السّابِقَةِ، ومِثْلُ ذَلِكَ التَّفْصِيلِ لِمَن كانَ قَبْلَكم نُفَصِّلُ لَكم. وقالَ التِّبْرِيزِيُّ: مَعْناهُ: كَما بَيَّنّا لِلشّاكِرِينَ والكافِرِينَ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: تَفْصِيلُها: إتْيانُها مُتَفَرِّقَةً شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ. وقالَ تاجُ القُرّاءِ: الفَصْلُ: بَوْنُ ما بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، والتَّفْصِيلُ: التَّبْيِينُ بَيْنَ المَعانِي المُلْتَبِسَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: (وكَذَلِكَ) إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ طَرْدِ المُؤْمِنِينَ وبَيانِ فَسادِ مَنزَعِ المُعارِضِينَ لِذَلِكَ، وتَفْصِيلُ الآياتِ: تَبْيِينُها وشَرْحُها وإظْهارُها. انْتَهى. واسْتَبانَ يَكُونُ لازِمًا ومُتَعَدِّيًا، وتَمِيمٌ وأهْلُ نَجْدٍ يُذَكِّرُونَ السَّبِيلَ، وأهْلُ الحِجازِ يُؤَنِّثُونَها. وقَرَأ العَرَبِيّانِ وابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ: (ولِتَسْتَبِينَ) بِالتّاءِ (سَبِيلُ) بِالرَّفْعِ. وقَرَأ الأخَوانِ وأبُو بَكْرٍ: (ولِيَسْتَبِينَ) بِالياءِ (سَبِيلُ) بِالرَّفْعِ، فاسْتَبانَ هُنا لازِمَةٌ، أيْ: ولِتَظْهَرَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ. وقَرَأ نافِعٌ: (ولِتَسْتَبِينَ) بِتاءِ الخِطابِ (سَبِيلَ) بِالنَّصْبِ، فاسْتَبانَ هُنا مُتَعَدِّيَةٌ. فَقِيلَ: هو خِطابٌ لِلرَّسُولِ، ﷺ . وقِيلَ: لَهُ ظاهِرًا، والمُرادُ أُمَّتُهُ لِأنَّهُ ﷺ كانَ اسْتَبانَها. وخُصَّ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنِ اسْتِبانَتِها اسْتِبانَةُ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ، أوْ يَكُونُ عَلى حَذْفِ مَعْطُوفٍ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، التَّقْدِيرُ: سَبِيلُ المُجْرِمِينَ والمُؤْمِنِينَ. وقِيلَ: خُصَّ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ أثارُوا ما تَقَدَّمَ مِنَ الأقْوالِ، وهم أهَمُّ في هَذا المَوْضِعِ لِأنَّها آياتُ رَدٍّ عَلَيْهِمْ، وظاهِرُ ﴿المُجْرِمِينَ﴾ العُمُومُ، وتَأوَّلَهُ ابْنُ زَيْدٍ عَلى أنَّهُ عَنى بِالمُجْرِمِينَ الآمِرِينَ بِطَرْدِ الضَّعَفَةِ، واللّامُ في (لِتَسْتَبِينَ) مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُتَأخِّرٍ أيْ: ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ فَصَّلْناها لَكم، أوْ قَبْلَها عِلَّةٌ مَحْذُوفَةٌ وهو قَوْلُ (p-١٤٢)الكُوفِيِّينَ، التَّقْدِيرُ: لِنُبَيِّنَ لَكم ولِتَسْتَبِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِتَسْتَوْضِحَ سَبِيلَهم فَتُعامِلَ كُلًّا مِنهم بِما يَجِبُ أنْ يُعامَلَ بِهِ فَصَّلْنا ذَلِكَ التَّفْصِيلَ.

الأنعام 6:56

﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أمَرَهُ تَعالى أنْ يُجاهِرَهم بِالتَّبَرِّي مِن عِبادَتِهِمْ غَيْرَ اللَّهِ، ولَمّا ذَكَرَ تَعالى تَفْصِيلَ الآياتِ لِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُبْطِلِ مِنَ المُحِقِّ نَهاهُ عَنْ سُلُوكِ سَبِيلِهِمْ. ومَعْنى ﴿نُهِيتُ﴾ زُجِرْتُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِما رَكَّبَ فِيَّ مِن أدِلَّةِ العَقْلِ وبِما أُوتِيتُ مِن أدِلَّةِ السَّمْعِ. والَّذِينَ يَدْعُونَ: الأصْنامُ. عَبَّرَ عَنْها بِالَّذِينِ عَلى زَعْمِ الكُفّارِ حِينَ أنْزَلُوها مَنزِلَةَ مَن يَعْقِلُ. و﴿تَدْعُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ تَعْبُدُونَ. وقِيلَ: تُسَمُّونَهم آلِهَةً. مِن دَعَوْتُ ولَدِي زَيْدًا: سَمَّيْتُهُ. وقِيلَ: تَدْعُونَ في أُمُورِكم وحَوائِجِكم. وفِي قَوْلِهِ: ﴿تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ اسْتِجْهالٌ لَهم ووَصْفٌ بِالِاقْتِحامِ فِيما كانُوا مِنهُ عَلى غَيْرِ بَصِيرَةٍ، ولَفْظَةُ ﴿نُهِيتُ﴾ أبْلَغُ مِنَ النَّفْيِ بِـ (لا أعْبُدُ) إذْ فِيهِ وُرُودُ تَكْلِيفٍ. ﴿قُلْ لا أتَّبِعُ أهْواءَكُمْ﴾ أيْ ما تَمِيلُ إلَيْهِ أنْفُسُكم مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، ولَمّا كانَتْ أصْنامُهم مُخْتَلِفَةً كانَ لِكُلِّ عابِدِ صَنَمُ هَوًى يَخُصُّهُ فَلِذَلِكَ جُمِعَ، وأهْواءَكم عامٌّ، وغالِبُ ما يُسْتَعْمَلُ في غَيْرِ الخَيْرِ ويَعُمُّ عِبادَةَ الأصْنامِ وما أُمِرُوا بِهِ مِن طَرْدِ المُؤْمِنِينَ الضُّعَفاءِ وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لَيْسَ بِحَقٍّ وهي أعَمُّ مِنَ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ وأنَصُّ عَلى مُخالَفَتِهِمْ، وفي قَوْلِهِ ﴿أهْواءَكُمْ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى السَّبَبِ الَّذِي حَصَلَ مِنهُ الضَّلالُ وتَنْبِيهٌ لِمَن أرادَ اتِّباعَ الحَقِّ ومُجانَبَةَ الباطِلِ كَما قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: ؎وآفَةُ العَقْلِ الهَوى فَمَن عَلا عَلى هَواهُ عَقْلُهُ فَقَدْ نَجا. ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إذًا وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ المَعْنى إنِ اتَّبَعْتُ أهْواءَكم ضَلَلْتُ وما اهْتَدَيْتُ والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ مُؤَكِّدَةٌ لِقَوْلِهِ ﴿قَدْ ضَلَلْتُ﴾ وجاءَتْ تِلْكَ فِعْلِيَّةً لِتَدُلَّ عَلى التَّجَدُّدِ وهَذِهِ اسْمِيَّةٌ لِتَدُلَّ عَلى الثُّبُوتِ فَحَصَلَ نَفْيُ تَجَدُّدِ الضَّلالِ وثُبُوتِهِ، وجاءَتْ رَأْسَ آيَةٍ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ وابْنُ وثّابٍ وطَلْحَةُ (ضَلِلْتُ) بِكَسْرِ فَتْحَةِ اللّامِ وهي لُغَةٌ، وفي التَّحْرِيرِ: قَرَأ يَحْيى وابْنُ أبِي لَيْلى هُنا وفي السَّجْدَةِ في (أئِذا صَلَلْنا) بِالصّادِّ غَيْرَ مُعْجَمَةٍ ويُقالُ صَلَّ اللَّحْمُ: أنْتَنَ. ويُرْوى (صَلَلْنا) أيْ دُفِنّا في الصَّلَّةِ وهي الأرْضُ الصُّلْبَةُ. رَواهُ أبُو العَبّاسِ عَنْ مُجاهِدِ بْنِ الفُراتِ في كِتابِ الشَّواذِلَةِ.

الأنعام 6:57

﴿قُلْ إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ أيْ عَلى شَرِيعَةٍ واضِحَةٍ ومِلَّةٍ صَحِيحَةٍ. وقِيلَ: البَيِّنَةُ هي المُعْجِزَةُ الَّتِي تُبَيِّنُ صِدْقِي وهي القُرْآنُ، قالُوا: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ التّاءُ في (بَيِّنَةٍ) لِلْمُبالَغَةِ، والمَعْنى عَلى أمْرٍ بَيِّنٍ. لَمّا نَفى أنْ يَكُونَ مُتَّبِعًا لِلْهَوى نَبَّهَ عَلى ما يَجِبُ اتِّباعُهُ وهو الأمْرُ الواضِحُ مِنَ اللَّهِ تَعالى. ﴿وكَذَّبْتُمْ بِهِ﴾ إخْبارٌ مِنهُ عَنْهم أنَّهم كَذَّبُوا بِهِ والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى اللَّهِ أيْ وكَذَّبْتُمْ بِاللَّهِ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى (بَيِّنَةٍ) لِأنَّ مَعْناهُ عَلى أمْرٍ بَيِّنٍ. وقِيلَ: عَلى البَيانِ الدّالِّ عَلَيْهِ (بَيِّنَةٍ) وقِيلَ: عَلى القُرْآنِ. ﴿ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ الَّذِي اسْتَعْجَلُوا بِهِ قِيلَ الآياتُ المُقْتَرَحَةُ. قالَهُ الزَّجّاجُ. وقِيلَ: العَذابُ، ورُجِّحَ بِأنَّ الِاسْتِعْجالَ لَمْ يَأْتِ في القُرْآنِ إلّا لِلْعَذابِ لِأنَّهم لَمْ يَسْتَعْجِلُوا بِالآياتِ المُقْتَرَحَةِ وبِأنَّ لَفْظَ ﴿وكَذَّبْتُمْ بِهِ﴾ يَتَضَمَّنُ أنَّكم واقَعْتُمْ ما أنْتُمْ تَسْتَحِقُّونَ بِهِ العَذابَ إلّا أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لِي. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي العَذابَ الَّذِي اسْتَعْجَلُوهُ في قَوْلِهِمْ: ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] . ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ﴾ أيِ الحُكْمُ لِلَّهِ عَلى الإطْلاقِ وهو الفَصْلُ بَيْنَ الخَصْمَيْنِ (p-١٤٣)المُخْتَلِفَيْنِ بِإيجابِ الثَّوابِ والعِقابِ. وقِيلَ: القَضاءُ بِإنْزالِ العَذابِ وفِيهِ التَّفْوِيضُ العامُّ لِلَّهِ تَعالى. ”يَقْضِي الحَقَّ“ هي قِراءَةُ العَرَبِيَّيْنِ والأخَوَيْنِ أيْ يَقْضِي القَضاءَ الحَقَّ في كُلِّ ما يَقْضِي فِيهِ مِن تَأْخِيرٍ أوْ تَعْجِيلٍ، وضَمَّنَ بَعْضُهم (يَقْضِي) مَعْنى: يُنْفِذُ، فَعَدّاهُ إلى مَفْعُولٍ بِهِ. وقِيلَ: (يَقْضِي) بِمَعْنى: يَصْنَعُ. أيْ كُلُّ ما يَصْنَعُهُ فَهو حَقٌّ، قالَ الهُذَلِيُّ: ؎وعَلَيْهِما مَسْدُودَتانِ قَضاهُما داوُدُ أوْ صَنَعَ السَّوابِغَ تُبَّعُ. أيْ صَنَعَهُما وقِيلَ حُذِفَ الباءُ والأصْلُ بِالحَقِّ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ وأُبَيٍّ وابْنِ وثّابٍ والنَّخَعِيِّ وطَلْحَةَ والأعْمَشِ (يَقْضِي بِالحَقِّ) بِباءِ الجَرِّ وسَقَطَتِ الياءُ خَطًّا لِسُقُوطِها لَفْظًا لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ وابْنُ جُبَيْرٍ يَقْضِي بِالحَقِّ. (وهو خَيْرُ الفاصِلِينَ) وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ وهو أسْرَعُ الفاصِلِينَ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ والحَرَمِيّانِ وعاصِمٌ (يَقُصُّ الحَقَّ) مِن قَصَّ الحَدِيثَ كَقَوْلِهِ ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ﴾ [يوسف: ٣] أوْ مِن قَّصَ الأثَرَ أيِ اتَّبَعَهُ. وحُكِيَ أنَّ أبا عَمْرِو بْنَ العَلاءِ سُئِلَ أهْوَ يَقُصُّ الحَقَّ أوْ يَقْضِي الحَقَّ ؟ فَقالَ: لَوْ كانَ يَقُصُّ لَقالَ وهو خَيْرُ القاصِّينَ أقَرَأ أحَدٌ بِهَذا ؟ وحَيْثُ قالَ (وهو خَيْرُ الفاصِلِينَ) فَإنَّما يَكُونُ الفَصْلُ في القَضاءِ. انْتَهى. ولَمْ يَبْلُغْ أبا عَمْرٍو أنَّهُ قُرِئَ بِها ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: أقَرَأ بِها أحَدٌ، ولا يَلْزَمُ ما قالَ، فَقَدْ جاءَ الفَصْلُ في القَوْلِ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: ١٣] وقالَ: (أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ) وقالَ: ﴿نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ [الأنعام: ٥٥] فَلا يَلْزَمُ مِن ذِكْرِ الفاصِلِينَ أنْ يَكُونَ مُعَيِّنًا لِـ (يَقْضِيَ) . و(خَيْرُ) هُنا أفْعَلُ التَّفْضِيلِ عَلى بابِها. وقِيلَ: لَيْسَتْ عَلى بابِها لِأنَّ قَضاءَهُ تَعالى لا يُشْبِهُ قَضاءً ولا يَفْصِلُ كَفَصْلِهِ أحَدٌ، وهَذا الِاسْتِدْلالُ يَدُلُّ عَلى أنَّها عَلى بابِها.

الأنعام 6:58

﴿قُلْ لَوْ أنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأمْرُ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ أيْ لَوْ كانَ في قُدْرَتِي الوُصُولُ إلى ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ مِنِ اقْتِراحِ الآياتِ أوْ مِن حُلُولِ العَذابِ لَبادَرْتُ إلَيْهِ ووَقَعَ الِانْفِصالُ بَيْنِي وبَيْنَكم. ورُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ في ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ أيْ لَقامَتِ القِيامَةُ وما رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ مِن أنَّ المَعْنى لَذُبِحَ المَوْتُ، لا يَصِحُّ ولا لَهُ هُنا مَعْنًى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ و﴿ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ [الأنعام: ٥٧] مِنَ العَذابِ لَأهْلَكْتُكم عاجِلًا غَضَبًا لِرَبِّي وامْتِعاضًا مِن تَكْذِيبِكم بِهِ ولَتَخَلَّصْتُ مِنكم سَرِيعًا. انْتَهى. وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ: لَمْ أُمْهِلْكم ساعَةً ولَأهْلَكْتُكم. ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِالظّالِمِينَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ المَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ - بِكم. فَوُضِعَ الظّاهِرُ المُشْعِرُ بِوَصْفِهِمْ بِالظُّلْمِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ. ومَعْنى (أعْلَمُ) بِهِمْ أيْ بِمُجازاتِهِمْ فَفِيهِ وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ. وقِيلَ: بِتَوْقِيتِ عِقابِهِمْ وقِيلَ: بِمَآلِ أمْرِهِمْ مِن هِدايَةِ بَعْضٍ واسْتِمْرارِ بَعْضٍ. وقِيلَ: بِمَن يَنْبَغِي أنْ يُؤْخَذَ وبِمَن يُمْهَلُ. وقِيلَ: بِما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ مِن عَذابِهِمْ.

الأنعام 6:59

﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هو ويَعْلَمُ ما في البَرِّ والبَحْرِ وما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلّا يَعْلَمُها ولا حَبَّةٍ في ظُلُماتِ الأرْضِ ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكم فِيهِ لِيُقْضى أجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إلَيْهِ مَرْجِعُكم ثُمَّ يُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٦٠] ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ ويُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً حَتّى إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وهم لا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١] ﴿ثُمَّ رُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ ألا لَهُ الحُكْمُ وهو أسْرَعُ الحاسِبِينَ﴾ [الأنعام: ٦٢] ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكم مِن ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وخُفْيَةً لَئِنْ أنْجانا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٦٣] ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكم مِنها ومِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٦٤] ﴿قُلْ هو القادِرُ عَلى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عَذابًا مِن فَوْقِكم أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِكم أوْ يَلْبِسَكم شِيَعًا ويُذِيقَ بَعْضَكم بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ لَعَلَّهم يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام: ٦٥] ﴿وكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وهو الحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ [الأنعام: ٦٦] ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٦٧] ﴿وإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عَنْهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ وإمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨] ﴿وما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ ولَكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ٦٩] ﴿وذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا وذَكِّرْ بِهِ أنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ وإنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنها أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ وعَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [الأنعام: ٧٠] ﴿قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا ولا يَضُرُّنا ونُرَدُّ عَلى أعْقابِنا بَعْدَ إذْ هَدانا اللَّهُ كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ في الأرْضِ حَيْرانَ لَهُ أصْحابٌ يَدْعُونَهُ إلى الهُدى ائْتِنا قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى وأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٧١] ﴿وأنْ أقِيمُوا الصَّلاةَ واتَّقُوهُ وهو الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٧٢] ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ويَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الحَقُّ ولَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ وهو الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ٧٣] (p-١٤٤)السُّقُوطُ: الوُقُوعُ مِن عُلُوٍّ. الوَرَقَةُ: واحِدَةُ الوَرَقِ مِنَ النَّباتِ والكاغِدِ وهي مَعْرُوفَةٌ. الرَّطْبُ واليابِسُ مَعْرُوفانِ، يُقالُ: رَطْبٌ فَهو رَطِبٌ ورَطِيبٌ ويَبِسٌ ويَبِيسٌ، وشَذَّ فِيهِ يَبِسٌ بِحَذْفِ الياءِ وكَسْرِ الباءِ. الكَرْبُ: الغَمُّ يَأْخُذُ بِالنَّفْسِ، كَرَبَ الرَّجُلُ فَهو مَكْرُوبٌ. قالَ الشّاعِرُ: ؎ومَكْرُوبٌ كَشَفْتُ الكَرْبَ عَنْهُ بِطَعْنَةِ فَيْصَلٍ لَمّا دَعانِي الشِّيعَةُ: الفِرْقَةُ تَتْبَعُ الأُخْرى ويُجْمَعُ عَلى أشْياعٍ، وشَيَّعْتُ فُلانًا: اتَّبَعْتُهُ، وتَقُولُ العَرَبُ: شاعَكُمُ السَّلامُ أيِ اتَّبَعَكم، وأشاعَكُمُ اللَّهُ السَّلامَ أيْ أتْبَعَكم. الإبْسالُ: تَسْلِيمُ المَرْءِ نَفْسَهُ لِلْهَلاكِ، ويُقالُ: أبْسَلْتُ ولَدِي أرْهَنْتُهُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎وإبْسالِي بُنَيَّ بِغَيْرِ جُرْمٍ ∗∗∗ بَعَوْناهُ ولا بِدَمٍ مُراقٍ بَعَوْناهُ جَنَيْناهُ، والبَعْوُ: الجِنايَةُ. الحَمِيمُ: الماءُ الحارُّ. الحَيْرَةُ: التَّرَدُّدُ في الأمْرِ لا يَهْتَدِي إلى مَخْرَجٍ مِنهُ، ومِنهُ تَحَيَّرَ الماءُ في الغَيْمِ، يُقالُ: حارَ يَحارُ حَيْرَةً وحَيْرًا وحَيَرانًا وحَيْرُورَةً. الصُّورُ: جَمْعُ صُورَةٍ، والصُّورُ: القَرْنُ بِلُغَةِ أهْلِ اليَمَنِ. قالَ: ؎نَحْنُ نَطَحْناهم غَداةَ الجَمْعَيْنِ ؎بِالشّامِخاتِ في غُبارَ النَّقْعَيْنِ ∗∗∗ نَطْحًا شَدِيدًا لا كَنَطْحِ الصُّورَيْنِ ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾ لَمّا قالَ تَعالى: ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧]، وقالَ: ﴿أعْلَمُ بِالظّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٨]، بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ [الأنعام: ٥٧] انْتَقَلَ مِن خاصٍّ إلى عامٍّ وهو عِلْمُ اللَّهِ بِجَمِيعِ الأُمُورِ الغَيْبِيَّةِ، واسْتَعارَ لِلْقُدْرَةِ عَلَيْها المَفاتِحَ لَمّا كانَتْ سَبَبًا لِلْوُصُولِ إلى الشَّيْءِ فانْدَرَجَ في هَذا العامِّ ما اسْتَعْجَلُوا وُقُوعَهُ وغَيْرُهُ. والمَفاتِحُ جَمْعُ مِفْتَحٍ بِكَسْرِ المِيمِ وهي الآلَةُ الَّتِي يُفْتَحُ بِها ما أُغْلِقَ. قالَ الزَّهْراوِيُّ: ومِفْتَحٌ أفْصَحُ مِن مِفْتاحٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ مِفْتاحٍ لِأنَّهُ يَجُوزُ في مِثْلِ هَذا أنْ لا يُؤْتى فِيهِ بِالياءِ، قالُوا: مَصابِحُ ومَحارِبُ وقَراقِرُ في جَمْعِ مِصْباحٍ وقُرْقُورٍ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ: (مَفاتِيحُ) بِالياءِ، ورُوِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ مِفْتاحُ الغَيْبِ عَلى التَّوْحِيدِ. وقِيلَ: جَمْعُ مَفْتَحٍ بِفَتْحِ المِيمِ ويَكُونُ لِلْمَكانِ أيْ أماكِنُ الغَيْبِ ومَواضِعُها يَفْتَحُ عَنِ المُغَيَّباتِ، ويُؤَيِّدُهُ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّها خَزائِنُ المَطَرِ والنَّباتِ ونُزُولِ العَذابِ. وقالَ السُّدِّيُّ وغَيْرُهُ: خَزائِنُ الغَيْبِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ قالَ: «مَفاتِحُ الغَيْبِ خَمْسٌ لا يَعْلَمُهُنَّ إلّا اللَّهُ»، ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] إلى آخِرِ السُّورَةِ. وقِيلَ: مَفاتِحُ الغَيْبِ الأُمُورُ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِها عَلى الغائِبِ فَتُعْلَمُ حَقِيقَتُهُ، مِن قَوْلِكَ: فَتَحْتُ عَلى الإمامِ: إذا عَرَّفْتَهُ ما نَسِيَ. وقالَ أبُو مَسْعُودٍ: أُوتِيَ (p-١٤٥)نَبِيُّكم كُلَّ شَيْءٍ إلّا مَفاتِحَ الغَيْبِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّها خَزائِنُ غَيْبِ السَّماواتِ والأرْضِ مِنَ الأقْدارِ والأرْزاقِ. وقالَ عَطاءٌ: ما غابَ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ وما تَصِيرُ إلَيْهِ الأُمُورُ. وقالَ الزَّجّاجُ: الوَصْلَةُ إلى عِلْمِ الغَيْبِ إذا اسْتُعْلِمَ. وقِيلَ: عَواقِبُ الأعْمارِ وخَواتِيمُ الأعْمالِ. وقِيلَ: ما لَمْ يَكُنْ هَلْ يَكُونُ أمْ لا يَكُونُ، وما يَكُونُ كَيْفَ يَكُونُ وما لا يَكُونُ إنْ كانَ كَيْفَ يَكُونُ. و﴿لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾ حَصَرَ أنَّهُ لا يَعْلَمُ تِلْكَ المَفاتِحَ ولا يَطَّلِعُ عَلَيْها غَيْرُهُ تَعالى، ولَقَدْ يَظْهَرُ مِن هَؤُلاءِ المُنْتَسِبَةِ إلى الصُّوفِ أشْياءُ مِنِ ادِّعاءِ عِلْمِ المُغَيَّباتِ والِاطِّلاعِ عَلى عِلْمِ عَواقِبِ أتْباعِهِمْ وأنَّهم مَعَهم في الجَنَّةِ مَقْطُوعٌ لَهم ولِأتْباعِهِمْ بِها يُخْبِرُونَ بِذَلِكَ عَلى رُءُوسِ المَنابِرِ ولا يُنْكِرُ ذَلِكَ أحَدٌ، هَذا مَعَ خُلُوِّهِمْ عَنِ العُلُومِ يُوهِمُونَ أنَّهم يَعْلَمُونَ الغَيْبَ. وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: ومَن زَعَمَ أنْ مُحَمَّدًا يُخْبِرُ بِما يَكُونُ في غَدٍ فَقَدْ أعْظَمَ عَلى اللَّهِ الفِرْيَةَ، واللَّهُ - تَعالى - يَقُولُ: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥] . وقَدْ كَثُرَتْ هَذِهِ الدَّعاوى والخُرافاتُ في دِيارِ مِصْرَ وقامَ بِها ناسٌ صِبْيانُ العُقُولِ يُسَمَّوْنَ بِالشُّيُوخِ عَجَزُوا عَنْ مَدارِكِ العَقْلِ والنَّقْلِ وأعْياهم طِلابُ العُلُومِ: ؎فارْتَمَوْا يَدَّعُونَ أمْرًا عَظِيمًا ∗∗∗ لَمْ يَكُنْ لِلْخَلِيلِ لا والكَلِيمِ ؎بَيْنَما المَرْءُ مِنهُمُ في انْسِفالٍ ∗∗∗ أبْصَرَ اللَّوْحَ ما بِهِ مِن رُقُومِ ؎فَجَنى العِلْمَ مِنهُ غَضًّا طَرِيًّا ∗∗∗ ودَرى ما يَكُونُ قَبْلَ الهُجُومِ ؎إنَّ عَقْلِي لَفي عِقالٍ إذا ما ∗∗∗ أنا صَدَّقْتُ بِافْتِراءٍ عَظِيمِ ﴿ويَعْلَمُ ما في البَرِّ والبَحْرِ﴾، لَمّا كانَ ذِكْرُهُ تَعالى مَفاتِحَ الغَيْبِ أمْرًا مَعْقُولًا أخْبَرَ تَعالى بِاسْتِئْثارِهِ بِعِلْمِهِ واخْتِصاصِهِ بِهِ ذَكَرَ تَعَلُّقَ عِلْمِهِ بِهَذا المَحْسُوسِ عَلى سَبِيلِ العُمُومِ، ثُمَّ ذَكَرَ عِلْمَهُ بِالوَرَقَةِ والحَبَّةِ والرَّطْبِ واليابِسِ عَلى سَبِيلِ الخُصُوصِ، فَتَحَصَّلَ إخْبارُهُ تَعالى بِأنَّهُ عالِمٌ بِالكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ مُسْتَأْثِرٌ بِعِلْمِهِ وما نَعْلَمُهُ نَحْنُ وقَدَّمَ البَرَّ لِكَثْرَةِ مُشاهَدَتِنا لِما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ المُدُنِ والقُرى والمَفاوِزِ والجِبالِ والحَيَوانِ والنَّباتِ والمَعادِنِ، أوْ عَلى سَبِيلِ التَّرَقِّي إلى ما هو أعْجَبُ في الجُمْلَةِ؛ لِأنَّ ما فِيهِ مِن أجْناسِ الحَيَواناتِ أعْجَبُ، وطُولُهُ وعَرْضُهُ أعْظَمُ، والبَرُّ مُقابِلُ البَحْرِ. وقِيلَ: البَرُّ: القِفارُ، والبَحْرُ المَعْرُوفُ، فالمَعْنى: ويَعْلَمُ ما في البَرِّ مِن نَباتٍ ودَوابَّ وأحْجارٍ وأمْدارٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، وما في البَحْرِ مِن حَيَوانٍ وجَواهِرَ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقالَ مُجاهِدٌ: البَرُّ: الأرْضُ القِفارُ الَّتِي لا يَكُونُ فِيها الماءُ، والبَحْرُ: كُلُّ قَرْيَةٍ ومَوْضِعٍ فِيهِ الماءُ. وقِيلَ: لَمْ يُرِدْ ظاهِرَ البَرِّ والبَحْرِ وإنَّما أرادَ أنَّ عِلْمَهُ تَعالى مُحِيطٌ بِنا وبِما أُعِدَّ لِمَصالِحِنا مِن مَنافِعِهِما، وخُصّا بِالذِّكْرِ لِأنَّهُما أعْظَمُ مَخْلُوقٍ يُجاوِرُنا. ﴿وما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلّا يَعْلَمُها﴾ (مِن) زائِدَةٌ لِاسْتِغْراقِ جِنْسِ الوَرَقَةِ، ويَعْلَمُها مُطْلَقًا قَبْلَ السُّقُوطِ ومَعَهُ وبَعْدَهُ. قالَ الزَّجّاجُ: يَعْلَمُها ساقِطَةً وثابِتَةً، كَما تَقُولُ: ما يَجِيئُكَ أحَدٌ إلّا وأنا أعْرِفُهُ، لَيْسَ تَأْوِيلُهُ في حالِ مَجِيئِهِ فَقَطْ. وقِيلَ: يَعْلَمُ مَتى تَسْقُطُ وأيْنَ (p-١٤٦)تَسْقُطُ وكَمْ تَدُورُ في الهَواءِ. وقِيلَ: يَعْلَمُها كَيْفَ انْقَلَبَتْ ظَهْرًا لِبَطْنٍ إلى أنْ وقَعَتْ عَلى الأرْضِ، و﴿يَعْلَمُها﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ﴿ورَقَةٍ﴾ وهي حالٌ مِنَ النَّكِرَةِ. كَما تَقُولُ: ما جاءَ أحَدٌ إلّا راكِبًا. ﴿ولا حَبَّةٍ في ظُلُماتِ الأرْضِ﴾ قِيلَ: تَحْتَ الأرْضِ السّابِعَةِ. وقِيلَ: تَحْتَ التُّرابِ. وقِيلَ: الحَبُّ الَّذِي يُزْرَعُ يُخْفِيها الزُّرّاعُ تَحْتَ الأرْضِ. وقِيلَ: تَحْتَ الصَّخْرَةِ في أسْفَلِ الأرَضِينَ. وقِيلَ: ولا حَبَّةٍ إلّا يَعْلَمُ مَتى تَنْبُتُ ؟ ومَن يَأْكُلُها ؟ وانْظُرْ إلى حُسْنِ تَرْتِيبِ هَذِهِ المَعْلُوماتِ، بَدَأ أوَّلًا بِأمْرٍ مَعْقُولٍ لا نُدْرِكُهُ نَحْنُ بِالحِسِّ وهو قَوْلُهُ: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾، ثُمَّ ثانِيًا بِأمْرٍ نُدْرِكُ كَثِيرًا مِنهُ بِالحِسِّ وهو ﴿ويَعْلَمُ ما في البَرِّ والبَحْرِ﴾ وفِيهِ عُمُومٌ، ثُمَّ ثالِثًا بِجُزْءَيْنِ لَطِيفَيْنِ أحَدُهُما عُلْوِيٌّ وهو سُقُوطُ ورَقَةٍ مِن عُلُوٍّ إلى أسْفَلَ، والثّانِي سُفْلِيٌّ وهو اخْتِفاءُ حَبَّةٍ في بَطْنِ الأرْضِ. ودَلَّتْ هَذِهِ الجُمَلُ عَلى أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِالكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ، وفِيها رَدٌّ عَلى الفَلاسِفَةِ في زَعْمِهِمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ الجُزْئِيّاتِ، ومِنهم مَن يَزْعُمُ أنَّهُ تَعالى لا يَعْلَمُ الكُلِّيّاتِ ولا الجُزْئِيّاتِ حَتّى هو لا يَعْلَمُ ذاتَهُ، تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ. ﴿ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾، الرَّطْبُ واليابِسُ وصْفانِ مَعْرُوفانِ، والمُرادُ العُمُومُ في المُتَّصِفِ بِهِما، وقَدْ مَثَّلَ المُفَسِّرُونَ ذَلِكَ بِمَثَلٍ، فَقِيلَ: ما يَنْبُتُ وما لا يَنْبُتُ. وقِيلَ: لِسانُ المُؤْمِنِ ولِسانُ الكافِرِ. وقِيلَ: العَيْنُ الباكِيَةُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ والعَيْنُ الجامِدَةُ لِلْقَسْوَةِ، وأمّا ما حَكاهُ النَّقّاشُ عَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ أنَّ الوَرَقَةَ هي السَّقْطُ مِن أوْلادِ بَنِي آدَمَ، والحَبَّةَ يُرادُ بِها الَّذِي لَيْسَ بِسَقْطٍ، والرَّطْبَ المُرادُ بِهِ الحَيُّ، واليابِسَ يُرادُ بِهِ المَيِّتُ، فَلا يَصِحُّ عَنْ جَعْفَرٍ وهو مِن تَفْسِيرِ الباطِنِيَّةِ لَعَنَهُمُ اللَّهُ. وقالَ مُقاتِلٌ: ﴿فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ هو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ. وقالَ الزَّجّاجُ: كِنايَةٌ عَنْ عِلْمِ اللَّهِ المُتَيَقَّنِ، وهَذا الِاسْتِثْناءُ جارٍ مَجْرى التَّوْكِيدِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا حَبَّةٍ﴾، ﴿ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿مِن ورَقَةٍ﴾، والِاسْتِثْناءُ الأوَّلُ مُنْسَحِبٌ عَلَيْها، كَما تَقُولُ: ما جاءَنِي مِن رَجُلٍ إلّا أكْرَمْتُهُ ولا امْرَأةٍ، فالمَعْنى إلّا أكْرَمْتُها، ولَكِنَّهُ لَمّا طالَ الكَلامُ أُعِيدَ الِاسْتِثْناءُ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، وحَسَّنَهُ كَوْنُهُ فاصِلَةَ رَأْسِ آيَةٍ. وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وابْنُ السَّمَيْقَعِ: (ولا رَطْبٌ ولا يابِسٌ) بِالرَّفْعِ فِيهِما، والأوْلى أنْ يَكُونا مَعْطُوفَيْنِ عَلى مَوْضِعِ ﴿مِن ورَقَةٍ﴾، ويُحْتَمَلُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ﴿إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ .

الأنعام 6:60

﴿وهو الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكم فِيهِ لِيُقْضى أجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إلَيْهِ مَرْجِعُكم ثُمَّ يُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ اسْتِئْثارَهُ بِالعِلْمِ التّامِّ لِلْكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ ذَكَرَ اسْتِئْثارَهُ بِالقُدْرَةِ التّامَّةِ تَنْبِيهًا عَلى ما تَخْتَصُّ بِهِ الإلَهِيَّةُ وذَكَرَ شَيْئًا مَحْسُوسًا قاهِرًا لِلْأنامِ وهو التَّوَفِّي بِاللَّيْلِ والبَعْثُ بِالنَّهارِ وكِلاهُما لَيْسَ لِلْإنْسانِ فِيهِ قُدْرَةٌ، بَلْ هو أمْرٌ يُوقِعُهُ اللَّهُ - تَعالى - بِالإنْسانِ، والتَّوَفِّي عِبارَةٌ في العُرْفِ عَنِ المَوْتِ، وهُنا المَعْنى بِهِ النَّوْمُ عَلى سَبِيلِ المَجازِ لِلْعَلاقَةِ الَّتِي بَيْنَهُ وبَيْنَ المَوْتِ وهي زَوالُ إحْساسِهِ ومَعْرِفَتِهِ وفِكْرِهِ. ولَمّا كانَ التَّوَفِّي المُرادُ بِهِ النَّوْمُ سَبَبًا لِلرّاحَةِ أسْنَدَهُ تَعالى إلَيْهِ، وما كانَ بِمَعْنى المَوْتِ مُؤْلِمًا قالَ: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ﴾ [السجدة: ١١]، و﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾، و﴿تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ [النحل: ٢٨]، والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ عامٌّ لِكُلِّ سامِعٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الخِطابُ لِلْكَفَرَةِ، وخُصَّ اللَّيْلُ بِالنَّوْمِ والبَعْثُ بِالنَّهارِ وإنْ كانَ قَدْ يُنامُ بِالنَّهارِ ويُبْعَثُ بِاللَّيْلِ حَمْلًا عَلى الغالِبِ،، ومَعْنى جَرَحْتُمْ كَسَبْتُمْ، ومِنهُ جَوارِحُ الطَّيْرِ أيْ كَواسِبُها واجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ اكْتَسَبُوها، والمُرادُ مِنها أعْمالُ الجَوارِحِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْأعْضاءِ جَوارِحُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الجَرْحِ كَأنَّ الذَّنْبَ جُرْحٌ في الدِّينِ، (p-١٤٧)والعَرَبُ تَقُولُ: وجُرْحُ اللِّسانِ كَجُرْحِ اليَدِ. وقالَ مَكِّيٌّ: أصْلُ الِاجْتِراحِ عَمَلُ الرَّجُلِ بِجارِحَةٍ مِن جَوارِحِهِ يَدِهِ أوْ رِجْلِهِ، ثُمَّ كَثُرَ حَتّى قِيلَ لِكُلِّ مُكْتَسِبٍ مُجْتَرِحٌ وجارِحٌ، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿ما جَرَحْتُمْ﴾ العُمُومُ في المُكْتَسَبِ خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ما كَسَبْتُمْ مِنَ الآثامِ. انْتَهى. وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ قَتادَةُ: ما عَمِلْتُمْ. وقالَ مُجاهِدٌ: ما كَسَبْتُمْ، والبَعْثُ هُنا هو التَّنَبُّهُ مِنَ النَّوْمِ، والضَّمِيرُ في (فِيهِ) عائِدٌ عَلى النَّهارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ، عادَ عَلَيْهِ لَفْظًا، والمَعْنى في يَوْمٍ آخَرَ كَما تَقُولُ: عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ يَعُودُ عَلى التَّوَفِّي أيْ يُوقِظُكم في التَّوَفِّي أيْ في خِلالِهِ وتَضاعِيفِهِ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى اللَّيْلِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ثُمَّ يَبْعَثُكم مِنَ القُبُورِ في شَأْنِ ذَلِكَ الَّذِي قَطَعْتُمْ بِهِ أعْمارَكم مِنَ النَّوْمِ بِاللَّيْلِ وكَسْبِ الآثامِ بِالنَّهارِ ومِن أجْلِهِ، كَقَوْلِكَ: فِيمَ دَعَوْتَنِي، فَتَقُولُ: في أمْرِ كَذا. انْتَهى. وحَمْلُهُ عَلى البَعْثِ مِنَ القُبُورِ يَنْبُو عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿لِيُقْضى أجَلٌ مُسَمًّى﴾؛ لِأنَّ المَعْنى، واللَّهُ أعْلَمُ، أنَّهُ تَعالى يُحْيِيهِمْ في هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ مِنَ النَّوْمِ واليَقَظَةِ لِيَسْتَوْفُوا ما قُدِّرَ لَهم مِنَ الآجالِ والأعْمالِ المَكْتُوبَةِ، وقَضاءُ الأجَلِ فَصْلُ مُدَّةِ العُمُرِ مِن غَيْرِها ومُسَمًّى في عِلْمِ اللَّهِ أوْ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أوْ عِنْدَ تَكامُلِ الخَلْقِ ونَفْخِ الرُّوحِ، فَفي الصَّحِيحِ أنَّ المَلَكَ يَقُولُ عِنْدَ كَمالِ ذَلِكَ: فَما الرِّزْقُ فَما الأجَلُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو الأجَلُ الَّذِي سَمّاهُ وضَرَبَهُ لِبَعْثِ المَوْتى وجَزائِهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ، ﴿ثُمَّ إلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ هو المَرْجِعُ إلى مَوْقِفِ الحِسابِ، ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في لَيْلِكم ونَهارِكم. انْتَهى. وقالَ غَيْرُهُ كابْنِ جُبَيْرٍ: ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾ بِالمَوْتِ الحَقِيقِيِّ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى النَّوْمَ واليَقَظَةَ كانَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى المَوْتِ والبَعْثِ وأنَّ حُكْمَهُما بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى واحِدٌ فَكَما أنامَ وأيْقَظَ يُمِيتُ ويُحْيِي. وقَرَأ طَلْحَةُ وأبُو رَجاءٍ: (لِيَقْضِيَ أجَلًا مُسَمًّى)، بَنى الفِعْلَ لِلْفاعِلِ ونَصَبَ (أجَلًا) أيْ لِيُتِمَّ اللَّهُ آجالَهم، كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ﴾ [القصص: ٢٩] في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ المَحْذُوفُ ضَمِيرَهُ أوْ ضَمِيرَهم. ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ ويُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ في تَفْسِيرِ ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ . قالَ هُنا ابْنُ عَطِيَّةَ: القاهِرُ إنْ أخَذَ صِفَةَ فِعْلٍ أيْ مُظْهِرُ القَهْرِ بِالصَّواعِقِ والرِّياحِ والعَذابِ، فَيَصِحُّ أنَّ تُجْعَلَ (فَوْقَ) ظَرْفِيَّةً لِلْجِهَةِ لِأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ إنَّما تَعاهُدُها لِلْعِبادِ مِن فَوْقِهِمْ، وإنْ أخَذَ القاهِرُ صِفَةَ ذاتٍ بِمَعْنى القُدْرَةِ والِاسْتِيلاءِ فَفَوْقَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْجِهَةِ وإنَّما هو لِعُلُوِّ القَدْرِ والشَّأْنِ، كَما تَقُولُ: الياقُوتُ فَوْقَ الحَدِيدِ. انْتَهى. وظاهِرُ ﴿ويُرْسِلُ﴾ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ﴿وهُوَ القاهِرُ﴾ [الأنعام: ١٨] عَطْفَ جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ عَلى جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ وهي مِن آثارِ القَهْرِ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى قَوْلِهِ: ﴿يَتَوَفّاكُمْ﴾ وما بَعْدَهُ مِنَ الأفْعالِ، وأنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ﴿القاهِرُ﴾ التَّقْدِيرُ: وهو الَّذِي يَقْهَرُ ويُرْسِلُ، وأنْ يَكُونَ حالًا عَلى إضْمارِ مُبْتَدَإٍ أيْ وهو يُرْسِلُ، وذُو الحالِ إمّا الضَّمِيرُ في ﴿القاهِرُ﴾ وإمّا الضَّمِيرُ في الظَّرْفِ، وهَذا أضْعَفُ هَذِهِ الأعارِيبِ، و﴿عَلَيْكُمْ﴾ ظاهِرُهُ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِيُرْسِلُ كَقَوْلِهِ: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ﴾ [الرحمن: ٣٥]، ولَفْظَةُ (عَلى) مُشْعِرَةٌ بِالعُلُوِّ والِاسْتِعْلاءِ لِتَمَكُّنِهِمْ مِنّا جُعِلُوا كَأنَّ ذَلِكَ عَلَيْنا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِـ ﴿حَفَظَةً﴾ أيْ ويُرْسِلُ حَفَظَةً عَلَيْكم أيْ يَحْفَظُونَ عَلَيْكم أعْمالَكم، كَما قالَ: ﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ [الإنفطار: ١٠]، كَما تَقُولُ: حَفِظْتُ عَلَيْكَ ما تَعْمَلُ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ حالًا لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً أيْ حَفَظَةً كائِنَةً عَلَيْكم أيْ مُسْتَوْلِينَ عَلَيْكم، و﴿حَفَظَةً﴾ جَمْعُ حافِظٍ وهو جَمْعٌ مُنْقاسٌ لِفاعِلٍ وصْفًا مُذَكَّرًا صَحِيحَ اللّامِ عاقِلًا وقَلَّ فِيما لا يَعْقِلُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ مَلائِكَةً حافِظِينَ لِأعْمالِكم وهُمُ الكِرامُ الكاتِبُونَ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المُرادُ بِذَلِكَ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِكَتْبِ الأعْمالِ. انْتَهى. وما قالاهُ هو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وظاهِرُ الجَمْعِ أنَّهُ مُقابِلُ الجَمْعِ، ولَمْ تَتَعَرَّضِ الآيَةُ لِعَدَدِ ما عَلى كُلِّ واحِدٍ ولا لِما يَحْفَظُونَ عَلَيْهِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مَلَكانِ مَعَ كُلِّ إنْسانٍ أحَدُهُما عَنْ يَمِينِهِ (p-١٤٨)لِلْحَسَناتِ، والآخَرُ عَنْ شِمالِهِ لِلسَّيِّئاتِ، وإذا عَمِلَ سَيِّئَةً قالَ مَن عَلى اليَمِينِ: انْتَظِرْهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ مِنها، فَإنْ لَمْ يَتُبْ كُتِبَتْ عَلَيْهِ. وقِيلَ: مَلَكانِ بِاللَّيْلِ ومَلَكانِ بِالنَّهارِ أحَدُهُما يَكْتُبُ الخَيْرَ والآخَرُ يَكْتُبُ الشَّرَّ، فَإذا مَشى كانَ أحَدُهُما بَيْنَ يَدَيْهِ والآخَرُ وراءَهُ، وإذا جَلَسَ فَأحَدُهُما عَنْ يَمِينِهِ والآخَرُ عَنْ شِمالِهِ. وقِيلَ: خَمْسَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ: اثْنانِ بِاللَّيْلِ واثْنانِ بِالنَّهارِ وواحِدٌ لا يُفارِقُهُ لَيْلًا ولا نَهارًا، والمَكْتُوبُ الحَسَنَةُ والسَّيِّئَةُ. وقِيلَ: الطّاعاتُ والمَعاصِي والمُباحاتُ. وقِيلَ: لا يَطَّلِعُونَ إلّا عَلى القَوْلِ والفِعْلِ لِقَوْلِهِ: ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] ولِقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الإنفطار: ١٢] وأمّا أعْمالُ القُلُوبِ فَعِلْمُهُ لِلَّهِ تَعالى. وقِيلَ: يَطَّلِعُونَ عَلَيْها عَلى الإجْمالِ لا عَلى التَّفْصِيلِ، فَإذا عَقَدَ سَيِّئَةً خَرَجَتْ مِن فِيهِ رِيحٌ خَبِيثَةٌ، أوْ حَسَنَةً خَرَجَتْ رِيحٌ طَيِّبَةٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): اللَّهُ غَنِيٌّ بِعِلْمِهِ عَنْ كَتْبِ الكَتَبَةِ فَما فائِدَتُها ؟ (قُلْتُ): فِيها لُطْفٌ لِلْعِبادِ لِأنَّهم إذا عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ رَقِيبٌ عَلَيْهِمْ، والمَلائِكَةَ الَّذِينَ هم أشْرَفُ خَلْقِهِ مُوَكَّلُونَ بِهِمْ يَحْفَظُونَ عَلَيْهِمْ أعْمالَهم ويَكْتُبُونَها في صَحائِفَ تُعْرَضُ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ في مَواقِفِ القِيامَةِ - كانَ ذَلِكَ أزْجَرَ لَهم عَنِ القَبِيحِ وأبْعَدَ مِنَ السُّوءِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ: والمَلائِكَةُ الَّذِينَ هم أشْرَفُ خَلْقِهِ هو جارٍ عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ في المَلائِكَةِ، ولا تَتَعَيَّنُ هَذِهِ الفائِدَةُ إذْ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الفائِدَةُ فِيها أنْ تُوزَنَ صَحائِفُ الأعْمالِ يَوْمَ القِيامَةِ لِأنَّ وزْنَ الأعْمالِ بِمُجَرَّدِها لا يُمْكِنُ، وهَذِهِ الفائِدَةُ جارِيَةٌ عَلى مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ، وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَتَأوَّلُوا الوَزْنَ والمِيزانَ، ولا يُشْعِرُ قَوْلُهُ: ﴿حَفَظَةً﴾ أنَّ ذَلِكَ الحِفْظَ بِالكِتابَةِ كَما فَسَّرُوا، بَلْ قَدْ قِيلَ: هُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ قالَ فِيهِمُ النَّبِيُّ ﷺ: «تَتَعاقَبُ فِيكم مَلائِكَةٌ بِاللَّيْلِ ومَلائِكَةٌ بِالنَّهارِ»، قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ. وقِيلَ: يَحْفَظُونَ الإنْسانَ مِن كُلِّ شَيْءٍ حَتّى يَأْتِيَ أجْلُهُ. ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ أيْ أسْبابُ المَوْتِ، تَوَفَّتْهُ قَبَضَتْ رُوحَهُ، رُسُلُنا جاءَ جَمْعًا. فَقِيلَ: عَنى بِهِ مَلَكَ المَوْتِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأطْلَقَ عَلَيْهِ الجَمْعَ تَعْظِيمًا. وقِيلَ: مَلَكُ المَوْتِ وأعْوانُهُ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّ (رُسُلُنا) عَيْنُ الحَفَظَةِ يَحْفَظُونَهم مُدَّةَ الحَياةِ، وعِنْدَ مَجِيءِ أسْبابِ المَوْتِ يَتَوَفَّوْنَهم، ولا تَعارُضَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ [الزمر: ٤٢] وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ﴾ [السجدة: ١١] وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾؛ لِأنَّ نِسْبَةَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ - تَعالى - بِالحَقِيقَةِ ولِغَيْرِهِ بِالمُباشَرَةِ، ولِمَلَكِ المَوْتِ لِأنَّهُ هو الآمِرُ لِأعْوانِهِ، ولَهُ ولَهم بِكَوْنِهِمْ هُمُ المُتَوَلُّونَ قَبْضَ الأرْواحِ. وعَنْ مُجاهِدٍ: جُعِلَتِ الأرْضُ لَهُ كالطَّسْتِ يَتَناوَلُ مِنهُ مَن يَتَناوَلُهُ وما مِن أهْلِ بَيْتٍ إلّا ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ في كُلِّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ. وقَرَأ حَمْزَةُ: تَوَفّاهُ بِألِفٍ مُمالَةٍ، وظاهِرُهُ أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ كَتَوَفَّتْهُ إلّا أنَّهُ ذُكِّرَ عَلى مَعْنى الجَمْعِ، ومَن قَرَأ: تَوَفَّتْهُ أنَّثَ عَلى مَعْنى الجَماعَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُضارِعًا وأصْلُهُ تَتَوَفّاهُ فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ عَلى الخِلافِ في تَعْيِينِ المَحْذُوفَةِ. وقَرَأ الأعْمَشُ: يَتَوَفّاهُ بِزِيادَةِ ياءِ المُضارَعَةِ عَلى التَّذْكِيرِ. ﴿وهم لا يُفَرِّطُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ والعامِلُ فِيها تَوَفَّتْهُ، أوِ اسْتِئْنافِيَّةٌ أخْبَرَ عَنْهم بِأنَّهم لا يُفَرِّطُونَ في شَيْءٍ مِمّا أُمِرُوا بِهِ مِنَ الحِفْظِ والتَّوَفِّي ومَعْناهُ: لا يُقَصِّرُونَ. وقَرَأ الأعْرَجُ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: لا يُفْرِطُونَ بِالتَّخْفِيفِ أيْ لا يُجاوِزُونَ الحَدَّ فِيما أُمِرُوا بِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فالتَّفْرِيطُ: التَّوَلِّي والتَّأخُّرُ عَنِ الحَدِّ، والإفْراطُ مُجاوَزَةُ الحَدِّ، أيْ لا يُنْقِصُونَ مِمّا أُمِرُوا بِهِ ولا يَزِيدُونَ فِيهِ. انْتَهى. وهو مَعْنى كَلامِ ابْنِ جِنِّيٍّ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: يُفَرِّطُونَ: لا يَدَعُونَ أحَدًا يَفْرُطُ عَنْهم أيْ يَسْبِقُهم ويَفُوتُهم. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ قِراءَةُ التَّخْفِيفِ مَعْناها لا يَتَقَدَّمُونَ عَلى أمْرِ اللَّهِ، وهَذا لا يَصِحُّ إلّا إذا نُقِلَ أنَّ أفْرَطَ بِمَعْنى فَرَّطَ أيْ تَقَدَّمَ. وقالَ الحَسَنُ: إذا (p-١٤٩)احْتُضِرَ المَيِّتُ احْتَضَرَهُ خَمْسُمِائَةِ مَلِكٍ يَقْبِضُونَ رُوحَهُ فَيَعْرُجُونَ بِها. ﴿ثُمَّ رُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ الظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى العِبادِ، وجاءَ عَلَيْكم عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ لِما في الخِطابِ مِن تَقْرِيبِ المَوْعِظَةِ مِنَ السّامِعِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ في رُدُّوا عَلى أحَدِكم عَلى المَعْنى لِأنَّهُ لا يُرِيدُ بِـ (أحَدَكم) ظاهِرَهُ مِنَ الإفْرادِ إنَّما مَعْناهُ الجَمْعُ، وكَأنَّهُ قِيلَ: حَتّى إذا جاءَكُمُ المَوْتُ، وقُرِئَ: رِدُّوا بِكَسْرِ الرّاءِ، نُقِلَ حَرَكَةُ الدّالِ الَّتِي أُدْغِمَتْ إلى الرّاءِ، والرّادُّ المُحَذَّرُ مِنَ اللَّهِ، أوْ بِالبَعْثِ في الآخِرَةِ، أوِ المَلائِكَةُ رَدَّتْهم بِالمَوْتِ إلى اللَّهِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى (رُسُلُنا) أيِ المَلائِكَةُ يَمُوتُونَ كَما يَمُوتُ بَنُو آدَمَ ويُرَدُّونَ إلى اللَّهِ - تَعالى - وعَوْدُهُ عَلى العِبادِ أظْهَرُ، ومَوْلاهم لَفْظٌ عامٌّ لِأنْواعِ الوَلايَةِ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ عَبِيدِهِ مِنَ المُلْكِ والنُّصْرَةِ والرِّزْقِ والمُحاسَبَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وفي الإضافَةِ إشْعارٌ بِرَحْمَتِهِ لَهم، وظاهِرُ الإخْبارِ بِالرَّدِّ إلى اللَّهِ أنَّهُ يُرادُ بِهِ البَعْثُ والرُّجُوعُ إلى حُكْمِ اللَّهِ وجَزائِهِ يَوْمَ القِيامَةِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ آخِرُ الآيَةِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: صَرِيحُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ المَوْتِ لِلْعَبْدِ ورَدِّهِ إلى اللَّهِ، والمَيِّتُ مَعَ كَوْنِهِ مَيِّتًا لا يُمْكِنُ أنْ يُرَدَّ إلى اللَّهِ بَلِ المَرْدُودُ هو النَّفْسُ والرُّوحُ، وهُنا مَوْتٌ وحَياةٌ، فالمَوْتُ نَصِيبُ البَدَنِ والحَياةُ نَصِيبُ النَّفْسِ والرُّوحِ، فَثَبَتَ أنَّ الإنْسانَ لَيْسَ إلّا النَّفْسُ والرُّوحُ، ولَيْسَ عِبارَةً عَنْ مُجَرَّدِ هَذِهِ البِنْيَةِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿رُدُّوا إلى اللَّهِ﴾ إشْعارٌ بِكَوْنِ الرُّوحِ مَوْجُودَةً قَبْلَ البَدَنِ لِأنَّ الرَّدَّ مِن هَذا العالَمِ إلى حَضْرَةِ الجَلالِ إنَّما يَكُونُ إذا كانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ التَّعَلُّقِ بِالبَدَنِ، ونَظِيرُهُ ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ﴾ [الفجر: ٢٨]، ﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٤٨]، وجاءَ في الحَدِيثِ: «خُلِقَتِ الأرْواحُ قَبْلَ الأجْسادِ بِألْفَيْ عامٍ» . وحُجَّةُ الفَلاسِفَةِ عَلى كَوْنِ النُّفُوسِ غَيْرَ مَوْجُودَةٍ قَبْلَ وُجُودِ البَدَنِ ضَعِيفَةٌ، وبَيَّنّا ضَعْفَها في الكُتُبِ العَقْلِيَّةِ، انْتَهى كَلامُهُ وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. وقالَ أيْضًا: ﴿إلى اللَّهِ﴾ يُشْعِرُ بِالجِهَةِ وهو باطِلٌ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى أنَّهم رُدُّوا إلى حَيْثُ لا مالِكَ ولا حاكِمَ سِواهُ. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ هَذا الرَّدَّ هو بِالبَعْثِ يَوْمَ القِيامَةِ لا ما أرادَهُ الرّازِيُّ، ووَصْفُهُ تَعالى بِالحَقِّ مَعْناهُ العَدْلُ الَّذِي لَيْسَ بِباطِلٍ ولا مَجازٍ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: كانُوا في الدُّنْيا تَحْتَ تَصَرُّفاتِ المَوالِي الباطِلَةِ وهي النَّفْسُ والشَّهْوَةُ والغَضَبُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ [الجاثية: ٢٣]، فَلَمّا ماتَ تَخَلَّصَ مِن تَصَرُّفاتِ المَوالِي الباطِلَةِ، وانْتَقَلَ إلى تَصَرُّفِ المَوْلى الحَقِّ. انْتَهى كَلامُهُ. وتَفْسِيرُهُ خارِجٌ عَنْ مَناحِي كَلامِ العَرَبِ ومَقاصِدِها، وهو في أكْثَرِهِ شَبِيهٌ بِكَلامِ الَّذِينَ يُسَمُّونَ أنْفُسَهم حُكَماءَ. وقَرَأ الحَسَنُ والأعْمَشُ: (الحَقَّ) بِالنَّصْبِ، والظّاهِرُ أنَّهُ صِفَةٌ قُطِعَتْ فانْتَصَبَتْ عَلى المَدْحِ، وجَوَّزَ نَصْبَهُ عَلى المَصْدَرِ، تَقْدِيرُهُ: الرَّدَّ الحَقَّ. ﴿ألا لَهُ الحُكْمُ﴾ تَنْبِيهٌ مِنهُ تَعالى عِبادَهُ بِأنَّ جَمِيعَ أنْواعِ التَّصَرُّفاتِ لَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ألا لَهُ الحُكْمُ يَوْمَئِذٍ لا حُكْمَ فِيهِ لِغَيْرِهِ. ﴿وهُوَ أسْرَعُ الحاسِبِينَ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ في سُرْعَةِ حِسابِهِ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [البقرة: ٢٠٢] .

الأنعام 6:61

﴿وهو الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكم فِيهِ لِيُقْضى أجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إلَيْهِ مَرْجِعُكم ثُمَّ يُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ اسْتِئْثارَهُ بِالعِلْمِ التّامِّ لِلْكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ ذَكَرَ اسْتِئْثارَهُ بِالقُدْرَةِ التّامَّةِ تَنْبِيهًا عَلى ما تَخْتَصُّ بِهِ الإلَهِيَّةُ وذَكَرَ شَيْئًا مَحْسُوسًا قاهِرًا لِلْأنامِ وهو التَّوَفِّي بِاللَّيْلِ والبَعْثُ بِالنَّهارِ وكِلاهُما لَيْسَ لِلْإنْسانِ فِيهِ قُدْرَةٌ، بَلْ هو أمْرٌ يُوقِعُهُ اللَّهُ - تَعالى - بِالإنْسانِ، والتَّوَفِّي عِبارَةٌ في العُرْفِ عَنِ المَوْتِ، وهُنا المَعْنى بِهِ النَّوْمُ عَلى سَبِيلِ المَجازِ لِلْعَلاقَةِ الَّتِي بَيْنَهُ وبَيْنَ المَوْتِ وهي زَوالُ إحْساسِهِ ومَعْرِفَتِهِ وفِكْرِهِ. ولَمّا كانَ التَّوَفِّي المُرادُ بِهِ النَّوْمُ سَبَبًا لِلرّاحَةِ أسْنَدَهُ تَعالى إلَيْهِ، وما كانَ بِمَعْنى المَوْتِ مُؤْلِمًا قالَ: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ﴾ [السجدة: ١١]، و﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾، و﴿تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ [النحل: ٢٨]، والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ عامٌّ لِكُلِّ سامِعٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الخِطابُ لِلْكَفَرَةِ، وخُصَّ اللَّيْلُ بِالنَّوْمِ والبَعْثُ بِالنَّهارِ وإنْ كانَ قَدْ يُنامُ بِالنَّهارِ ويُبْعَثُ بِاللَّيْلِ حَمْلًا عَلى الغالِبِ،، ومَعْنى جَرَحْتُمْ كَسَبْتُمْ، ومِنهُ جَوارِحُ الطَّيْرِ أيْ كَواسِبُها واجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ اكْتَسَبُوها، والمُرادُ مِنها أعْمالُ الجَوارِحِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْأعْضاءِ جَوارِحُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الجَرْحِ كَأنَّ الذَّنْبَ جُرْحٌ في الدِّينِ، (p-١٤٧)والعَرَبُ تَقُولُ: وجُرْحُ اللِّسانِ كَجُرْحِ اليَدِ. وقالَ مَكِّيٌّ: أصْلُ الِاجْتِراحِ عَمَلُ الرَّجُلِ بِجارِحَةٍ مِن جَوارِحِهِ يَدِهِ أوْ رِجْلِهِ، ثُمَّ كَثُرَ حَتّى قِيلَ لِكُلِّ مُكْتَسِبٍ مُجْتَرِحٌ وجارِحٌ، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿ما جَرَحْتُمْ﴾ العُمُومُ في المُكْتَسَبِ خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ما كَسَبْتُمْ مِنَ الآثامِ. انْتَهى. وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ قَتادَةُ: ما عَمِلْتُمْ. وقالَ مُجاهِدٌ: ما كَسَبْتُمْ، والبَعْثُ هُنا هو التَّنَبُّهُ مِنَ النَّوْمِ، والضَّمِيرُ في (فِيهِ) عائِدٌ عَلى النَّهارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ، عادَ عَلَيْهِ لَفْظًا، والمَعْنى في يَوْمٍ آخَرَ كَما تَقُولُ: عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ يَعُودُ عَلى التَّوَفِّي أيْ يُوقِظُكم في التَّوَفِّي أيْ في خِلالِهِ وتَضاعِيفِهِ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى اللَّيْلِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ثُمَّ يَبْعَثُكم مِنَ القُبُورِ في شَأْنِ ذَلِكَ الَّذِي قَطَعْتُمْ بِهِ أعْمارَكم مِنَ النَّوْمِ بِاللَّيْلِ وكَسْبِ الآثامِ بِالنَّهارِ ومِن أجْلِهِ، كَقَوْلِكَ: فِيمَ دَعَوْتَنِي، فَتَقُولُ: في أمْرِ كَذا. انْتَهى. وحَمْلُهُ عَلى البَعْثِ مِنَ القُبُورِ يَنْبُو عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿لِيُقْضى أجَلٌ مُسَمًّى﴾؛ لِأنَّ المَعْنى، واللَّهُ أعْلَمُ، أنَّهُ تَعالى يُحْيِيهِمْ في هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ مِنَ النَّوْمِ واليَقَظَةِ لِيَسْتَوْفُوا ما قُدِّرَ لَهم مِنَ الآجالِ والأعْمالِ المَكْتُوبَةِ، وقَضاءُ الأجَلِ فَصْلُ مُدَّةِ العُمُرِ مِن غَيْرِها ومُسَمًّى في عِلْمِ اللَّهِ أوْ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أوْ عِنْدَ تَكامُلِ الخَلْقِ ونَفْخِ الرُّوحِ، فَفي الصَّحِيحِ أنَّ المَلَكَ يَقُولُ عِنْدَ كَمالِ ذَلِكَ: فَما الرِّزْقُ فَما الأجَلُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو الأجَلُ الَّذِي سَمّاهُ وضَرَبَهُ لِبَعْثِ المَوْتى وجَزائِهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ، ﴿ثُمَّ إلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ هو المَرْجِعُ إلى مَوْقِفِ الحِسابِ، ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في لَيْلِكم ونَهارِكم. انْتَهى. وقالَ غَيْرُهُ كابْنِ جُبَيْرٍ: ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾ بِالمَوْتِ الحَقِيقِيِّ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى النَّوْمَ واليَقَظَةَ كانَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى المَوْتِ والبَعْثِ وأنَّ حُكْمَهُما بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى واحِدٌ فَكَما أنامَ وأيْقَظَ يُمِيتُ ويُحْيِي. وقَرَأ طَلْحَةُ وأبُو رَجاءٍ: (لِيَقْضِيَ أجَلًا مُسَمًّى)، بَنى الفِعْلَ لِلْفاعِلِ ونَصَبَ (أجَلًا) أيْ لِيُتِمَّ اللَّهُ آجالَهم، كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ﴾ [القصص: ٢٩] في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ المَحْذُوفُ ضَمِيرَهُ أوْ ضَمِيرَهم. ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ ويُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ في تَفْسِيرِ ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ . قالَ هُنا ابْنُ عَطِيَّةَ: القاهِرُ إنْ أخَذَ صِفَةَ فِعْلٍ أيْ مُظْهِرُ القَهْرِ بِالصَّواعِقِ والرِّياحِ والعَذابِ، فَيَصِحُّ أنَّ تُجْعَلَ (فَوْقَ) ظَرْفِيَّةً لِلْجِهَةِ لِأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ إنَّما تَعاهُدُها لِلْعِبادِ مِن فَوْقِهِمْ، وإنْ أخَذَ القاهِرُ صِفَةَ ذاتٍ بِمَعْنى القُدْرَةِ والِاسْتِيلاءِ فَفَوْقَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْجِهَةِ وإنَّما هو لِعُلُوِّ القَدْرِ والشَّأْنِ، كَما تَقُولُ: الياقُوتُ فَوْقَ الحَدِيدِ. انْتَهى. وظاهِرُ ﴿ويُرْسِلُ﴾ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ﴿وهُوَ القاهِرُ﴾ [الأنعام: ١٨] عَطْفَ جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ عَلى جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ وهي مِن آثارِ القَهْرِ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى قَوْلِهِ: ﴿يَتَوَفّاكُمْ﴾ وما بَعْدَهُ مِنَ الأفْعالِ، وأنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ﴿القاهِرُ﴾ التَّقْدِيرُ: وهو الَّذِي يَقْهَرُ ويُرْسِلُ، وأنْ يَكُونَ حالًا عَلى إضْمارِ مُبْتَدَإٍ أيْ وهو يُرْسِلُ، وذُو الحالِ إمّا الضَّمِيرُ في ﴿القاهِرُ﴾ وإمّا الضَّمِيرُ في الظَّرْفِ، وهَذا أضْعَفُ هَذِهِ الأعارِيبِ، و﴿عَلَيْكُمْ﴾ ظاهِرُهُ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِيُرْسِلُ كَقَوْلِهِ: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ﴾ [الرحمن: ٣٥]، ولَفْظَةُ (عَلى) مُشْعِرَةٌ بِالعُلُوِّ والِاسْتِعْلاءِ لِتَمَكُّنِهِمْ مِنّا جُعِلُوا كَأنَّ ذَلِكَ عَلَيْنا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِـ ﴿حَفَظَةً﴾ أيْ ويُرْسِلُ حَفَظَةً عَلَيْكم أيْ يَحْفَظُونَ عَلَيْكم أعْمالَكم، كَما قالَ: ﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ [الإنفطار: ١٠]، كَما تَقُولُ: حَفِظْتُ عَلَيْكَ ما تَعْمَلُ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ حالًا لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً أيْ حَفَظَةً كائِنَةً عَلَيْكم أيْ مُسْتَوْلِينَ عَلَيْكم، و﴿حَفَظَةً﴾ جَمْعُ حافِظٍ وهو جَمْعٌ مُنْقاسٌ لِفاعِلٍ وصْفًا مُذَكَّرًا صَحِيحَ اللّامِ عاقِلًا وقَلَّ فِيما لا يَعْقِلُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ مَلائِكَةً حافِظِينَ لِأعْمالِكم وهُمُ الكِرامُ الكاتِبُونَ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المُرادُ بِذَلِكَ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِكَتْبِ الأعْمالِ. انْتَهى. وما قالاهُ هو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وظاهِرُ الجَمْعِ أنَّهُ مُقابِلُ الجَمْعِ، ولَمْ تَتَعَرَّضِ الآيَةُ لِعَدَدِ ما عَلى كُلِّ واحِدٍ ولا لِما يَحْفَظُونَ عَلَيْهِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مَلَكانِ مَعَ كُلِّ إنْسانٍ أحَدُهُما عَنْ يَمِينِهِ (p-١٤٨)لِلْحَسَناتِ، والآخَرُ عَنْ شِمالِهِ لِلسَّيِّئاتِ، وإذا عَمِلَ سَيِّئَةً قالَ مَن عَلى اليَمِينِ: انْتَظِرْهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ مِنها، فَإنْ لَمْ يَتُبْ كُتِبَتْ عَلَيْهِ. وقِيلَ: مَلَكانِ بِاللَّيْلِ ومَلَكانِ بِالنَّهارِ أحَدُهُما يَكْتُبُ الخَيْرَ والآخَرُ يَكْتُبُ الشَّرَّ، فَإذا مَشى كانَ أحَدُهُما بَيْنَ يَدَيْهِ والآخَرُ وراءَهُ، وإذا جَلَسَ فَأحَدُهُما عَنْ يَمِينِهِ والآخَرُ عَنْ شِمالِهِ. وقِيلَ: خَمْسَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ: اثْنانِ بِاللَّيْلِ واثْنانِ بِالنَّهارِ وواحِدٌ لا يُفارِقُهُ لَيْلًا ولا نَهارًا، والمَكْتُوبُ الحَسَنَةُ والسَّيِّئَةُ. وقِيلَ: الطّاعاتُ والمَعاصِي والمُباحاتُ. وقِيلَ: لا يَطَّلِعُونَ إلّا عَلى القَوْلِ والفِعْلِ لِقَوْلِهِ: ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] ولِقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الإنفطار: ١٢] وأمّا أعْمالُ القُلُوبِ فَعِلْمُهُ لِلَّهِ تَعالى. وقِيلَ: يَطَّلِعُونَ عَلَيْها عَلى الإجْمالِ لا عَلى التَّفْصِيلِ، فَإذا عَقَدَ سَيِّئَةً خَرَجَتْ مِن فِيهِ رِيحٌ خَبِيثَةٌ، أوْ حَسَنَةً خَرَجَتْ رِيحٌ طَيِّبَةٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): اللَّهُ غَنِيٌّ بِعِلْمِهِ عَنْ كَتْبِ الكَتَبَةِ فَما فائِدَتُها ؟ (قُلْتُ): فِيها لُطْفٌ لِلْعِبادِ لِأنَّهم إذا عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ رَقِيبٌ عَلَيْهِمْ، والمَلائِكَةَ الَّذِينَ هم أشْرَفُ خَلْقِهِ مُوَكَّلُونَ بِهِمْ يَحْفَظُونَ عَلَيْهِمْ أعْمالَهم ويَكْتُبُونَها في صَحائِفَ تُعْرَضُ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ في مَواقِفِ القِيامَةِ - كانَ ذَلِكَ أزْجَرَ لَهم عَنِ القَبِيحِ وأبْعَدَ مِنَ السُّوءِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ: والمَلائِكَةُ الَّذِينَ هم أشْرَفُ خَلْقِهِ هو جارٍ عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ في المَلائِكَةِ، ولا تَتَعَيَّنُ هَذِهِ الفائِدَةُ إذْ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الفائِدَةُ فِيها أنْ تُوزَنَ صَحائِفُ الأعْمالِ يَوْمَ القِيامَةِ لِأنَّ وزْنَ الأعْمالِ بِمُجَرَّدِها لا يُمْكِنُ، وهَذِهِ الفائِدَةُ جارِيَةٌ عَلى مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ، وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَتَأوَّلُوا الوَزْنَ والمِيزانَ، ولا يُشْعِرُ قَوْلُهُ: ﴿حَفَظَةً﴾ أنَّ ذَلِكَ الحِفْظَ بِالكِتابَةِ كَما فَسَّرُوا، بَلْ قَدْ قِيلَ: هُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ قالَ فِيهِمُ النَّبِيُّ ﷺ: «تَتَعاقَبُ فِيكم مَلائِكَةٌ بِاللَّيْلِ ومَلائِكَةٌ بِالنَّهارِ»، قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ. وقِيلَ: يَحْفَظُونَ الإنْسانَ مِن كُلِّ شَيْءٍ حَتّى يَأْتِيَ أجْلُهُ. ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ أيْ أسْبابُ المَوْتِ، تَوَفَّتْهُ قَبَضَتْ رُوحَهُ، رُسُلُنا جاءَ جَمْعًا. فَقِيلَ: عَنى بِهِ مَلَكَ المَوْتِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأطْلَقَ عَلَيْهِ الجَمْعَ تَعْظِيمًا. وقِيلَ: مَلَكُ المَوْتِ وأعْوانُهُ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّ (رُسُلُنا) عَيْنُ الحَفَظَةِ يَحْفَظُونَهم مُدَّةَ الحَياةِ، وعِنْدَ مَجِيءِ أسْبابِ المَوْتِ يَتَوَفَّوْنَهم، ولا تَعارُضَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ [الزمر: ٤٢] وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ﴾ [السجدة: ١١] وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾؛ لِأنَّ نِسْبَةَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ - تَعالى - بِالحَقِيقَةِ ولِغَيْرِهِ بِالمُباشَرَةِ، ولِمَلَكِ المَوْتِ لِأنَّهُ هو الآمِرُ لِأعْوانِهِ، ولَهُ ولَهم بِكَوْنِهِمْ هُمُ المُتَوَلُّونَ قَبْضَ الأرْواحِ. وعَنْ مُجاهِدٍ: جُعِلَتِ الأرْضُ لَهُ كالطَّسْتِ يَتَناوَلُ مِنهُ مَن يَتَناوَلُهُ وما مِن أهْلِ بَيْتٍ إلّا ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ في كُلِّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ. وقَرَأ حَمْزَةُ: تَوَفّاهُ بِألِفٍ مُمالَةٍ، وظاهِرُهُ أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ كَتَوَفَّتْهُ إلّا أنَّهُ ذُكِّرَ عَلى مَعْنى الجَمْعِ، ومَن قَرَأ: تَوَفَّتْهُ أنَّثَ عَلى مَعْنى الجَماعَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُضارِعًا وأصْلُهُ تَتَوَفّاهُ فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ عَلى الخِلافِ في تَعْيِينِ المَحْذُوفَةِ. وقَرَأ الأعْمَشُ: يَتَوَفّاهُ بِزِيادَةِ ياءِ المُضارَعَةِ عَلى التَّذْكِيرِ. ﴿وهم لا يُفَرِّطُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ والعامِلُ فِيها تَوَفَّتْهُ، أوِ اسْتِئْنافِيَّةٌ أخْبَرَ عَنْهم بِأنَّهم لا يُفَرِّطُونَ في شَيْءٍ مِمّا أُمِرُوا بِهِ مِنَ الحِفْظِ والتَّوَفِّي ومَعْناهُ: لا يُقَصِّرُونَ. وقَرَأ الأعْرَجُ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: لا يُفْرِطُونَ بِالتَّخْفِيفِ أيْ لا يُجاوِزُونَ الحَدَّ فِيما أُمِرُوا بِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فالتَّفْرِيطُ: التَّوَلِّي والتَّأخُّرُ عَنِ الحَدِّ، والإفْراطُ مُجاوَزَةُ الحَدِّ، أيْ لا يُنْقِصُونَ مِمّا أُمِرُوا بِهِ ولا يَزِيدُونَ فِيهِ. انْتَهى. وهو مَعْنى كَلامِ ابْنِ جِنِّيٍّ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: يُفَرِّطُونَ: لا يَدَعُونَ أحَدًا يَفْرُطُ عَنْهم أيْ يَسْبِقُهم ويَفُوتُهم. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ قِراءَةُ التَّخْفِيفِ مَعْناها لا يَتَقَدَّمُونَ عَلى أمْرِ اللَّهِ، وهَذا لا يَصِحُّ إلّا إذا نُقِلَ أنَّ أفْرَطَ بِمَعْنى فَرَّطَ أيْ تَقَدَّمَ. وقالَ الحَسَنُ: إذا (p-١٤٩)احْتُضِرَ المَيِّتُ احْتَضَرَهُ خَمْسُمِائَةِ مَلِكٍ يَقْبِضُونَ رُوحَهُ فَيَعْرُجُونَ بِها. ﴿ثُمَّ رُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ الظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى العِبادِ، وجاءَ عَلَيْكم عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ لِما في الخِطابِ مِن تَقْرِيبِ المَوْعِظَةِ مِنَ السّامِعِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ في رُدُّوا عَلى أحَدِكم عَلى المَعْنى لِأنَّهُ لا يُرِيدُ بِـ (أحَدَكم) ظاهِرَهُ مِنَ الإفْرادِ إنَّما مَعْناهُ الجَمْعُ، وكَأنَّهُ قِيلَ: حَتّى إذا جاءَكُمُ المَوْتُ، وقُرِئَ: رِدُّوا بِكَسْرِ الرّاءِ، نُقِلَ حَرَكَةُ الدّالِ الَّتِي أُدْغِمَتْ إلى الرّاءِ، والرّادُّ المُحَذَّرُ مِنَ اللَّهِ، أوْ بِالبَعْثِ في الآخِرَةِ، أوِ المَلائِكَةُ رَدَّتْهم بِالمَوْتِ إلى اللَّهِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى (رُسُلُنا) أيِ المَلائِكَةُ يَمُوتُونَ كَما يَمُوتُ بَنُو آدَمَ ويُرَدُّونَ إلى اللَّهِ - تَعالى - وعَوْدُهُ عَلى العِبادِ أظْهَرُ، ومَوْلاهم لَفْظٌ عامٌّ لِأنْواعِ الوَلايَةِ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ عَبِيدِهِ مِنَ المُلْكِ والنُّصْرَةِ والرِّزْقِ والمُحاسَبَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وفي الإضافَةِ إشْعارٌ بِرَحْمَتِهِ لَهم، وظاهِرُ الإخْبارِ بِالرَّدِّ إلى اللَّهِ أنَّهُ يُرادُ بِهِ البَعْثُ والرُّجُوعُ إلى حُكْمِ اللَّهِ وجَزائِهِ يَوْمَ القِيامَةِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ آخِرُ الآيَةِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: صَرِيحُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ المَوْتِ لِلْعَبْدِ ورَدِّهِ إلى اللَّهِ، والمَيِّتُ مَعَ كَوْنِهِ مَيِّتًا لا يُمْكِنُ أنْ يُرَدَّ إلى اللَّهِ بَلِ المَرْدُودُ هو النَّفْسُ والرُّوحُ، وهُنا مَوْتٌ وحَياةٌ، فالمَوْتُ نَصِيبُ البَدَنِ والحَياةُ نَصِيبُ النَّفْسِ والرُّوحِ، فَثَبَتَ أنَّ الإنْسانَ لَيْسَ إلّا النَّفْسُ والرُّوحُ، ولَيْسَ عِبارَةً عَنْ مُجَرَّدِ هَذِهِ البِنْيَةِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿رُدُّوا إلى اللَّهِ﴾ إشْعارٌ بِكَوْنِ الرُّوحِ مَوْجُودَةً قَبْلَ البَدَنِ لِأنَّ الرَّدَّ مِن هَذا العالَمِ إلى حَضْرَةِ الجَلالِ إنَّما يَكُونُ إذا كانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ التَّعَلُّقِ بِالبَدَنِ، ونَظِيرُهُ ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ﴾ [الفجر: ٢٨]، ﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٤٨]، وجاءَ في الحَدِيثِ: «خُلِقَتِ الأرْواحُ قَبْلَ الأجْسادِ بِألْفَيْ عامٍ» . وحُجَّةُ الفَلاسِفَةِ عَلى كَوْنِ النُّفُوسِ غَيْرَ مَوْجُودَةٍ قَبْلَ وُجُودِ البَدَنِ ضَعِيفَةٌ، وبَيَّنّا ضَعْفَها في الكُتُبِ العَقْلِيَّةِ، انْتَهى كَلامُهُ وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. وقالَ أيْضًا: ﴿إلى اللَّهِ﴾ يُشْعِرُ بِالجِهَةِ وهو باطِلٌ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى أنَّهم رُدُّوا إلى حَيْثُ لا مالِكَ ولا حاكِمَ سِواهُ. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ هَذا الرَّدَّ هو بِالبَعْثِ يَوْمَ القِيامَةِ لا ما أرادَهُ الرّازِيُّ، ووَصْفُهُ تَعالى بِالحَقِّ مَعْناهُ العَدْلُ الَّذِي لَيْسَ بِباطِلٍ ولا مَجازٍ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: كانُوا في الدُّنْيا تَحْتَ تَصَرُّفاتِ المَوالِي الباطِلَةِ وهي النَّفْسُ والشَّهْوَةُ والغَضَبُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ [الجاثية: ٢٣]، فَلَمّا ماتَ تَخَلَّصَ مِن تَصَرُّفاتِ المَوالِي الباطِلَةِ، وانْتَقَلَ إلى تَصَرُّفِ المَوْلى الحَقِّ. انْتَهى كَلامُهُ. وتَفْسِيرُهُ خارِجٌ عَنْ مَناحِي كَلامِ العَرَبِ ومَقاصِدِها، وهو في أكْثَرِهِ شَبِيهٌ بِكَلامِ الَّذِينَ يُسَمُّونَ أنْفُسَهم حُكَماءَ. وقَرَأ الحَسَنُ والأعْمَشُ: (الحَقَّ) بِالنَّصْبِ، والظّاهِرُ أنَّهُ صِفَةٌ قُطِعَتْ فانْتَصَبَتْ عَلى المَدْحِ، وجَوَّزَ نَصْبَهُ عَلى المَصْدَرِ، تَقْدِيرُهُ: الرَّدَّ الحَقَّ. ﴿ألا لَهُ الحُكْمُ﴾ تَنْبِيهٌ مِنهُ تَعالى عِبادَهُ بِأنَّ جَمِيعَ أنْواعِ التَّصَرُّفاتِ لَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ألا لَهُ الحُكْمُ يَوْمَئِذٍ لا حُكْمَ فِيهِ لِغَيْرِهِ. ﴿وهُوَ أسْرَعُ الحاسِبِينَ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ في سُرْعَةِ حِسابِهِ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [البقرة: ٢٠٢] .

الأنعام 6:62

﴿وهو الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكم فِيهِ لِيُقْضى أجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إلَيْهِ مَرْجِعُكم ثُمَّ يُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ اسْتِئْثارَهُ بِالعِلْمِ التّامِّ لِلْكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ ذَكَرَ اسْتِئْثارَهُ بِالقُدْرَةِ التّامَّةِ تَنْبِيهًا عَلى ما تَخْتَصُّ بِهِ الإلَهِيَّةُ وذَكَرَ شَيْئًا مَحْسُوسًا قاهِرًا لِلْأنامِ وهو التَّوَفِّي بِاللَّيْلِ والبَعْثُ بِالنَّهارِ وكِلاهُما لَيْسَ لِلْإنْسانِ فِيهِ قُدْرَةٌ، بَلْ هو أمْرٌ يُوقِعُهُ اللَّهُ - تَعالى - بِالإنْسانِ، والتَّوَفِّي عِبارَةٌ في العُرْفِ عَنِ المَوْتِ، وهُنا المَعْنى بِهِ النَّوْمُ عَلى سَبِيلِ المَجازِ لِلْعَلاقَةِ الَّتِي بَيْنَهُ وبَيْنَ المَوْتِ وهي زَوالُ إحْساسِهِ ومَعْرِفَتِهِ وفِكْرِهِ. ولَمّا كانَ التَّوَفِّي المُرادُ بِهِ النَّوْمُ سَبَبًا لِلرّاحَةِ أسْنَدَهُ تَعالى إلَيْهِ، وما كانَ بِمَعْنى المَوْتِ مُؤْلِمًا قالَ: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ﴾ [السجدة: ١١]، و﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾، و﴿تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ [النحل: ٢٨]، والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ عامٌّ لِكُلِّ سامِعٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الخِطابُ لِلْكَفَرَةِ، وخُصَّ اللَّيْلُ بِالنَّوْمِ والبَعْثُ بِالنَّهارِ وإنْ كانَ قَدْ يُنامُ بِالنَّهارِ ويُبْعَثُ بِاللَّيْلِ حَمْلًا عَلى الغالِبِ،، ومَعْنى جَرَحْتُمْ كَسَبْتُمْ، ومِنهُ جَوارِحُ الطَّيْرِ أيْ كَواسِبُها واجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ اكْتَسَبُوها، والمُرادُ مِنها أعْمالُ الجَوارِحِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْأعْضاءِ جَوارِحُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الجَرْحِ كَأنَّ الذَّنْبَ جُرْحٌ في الدِّينِ، (p-١٤٧)والعَرَبُ تَقُولُ: وجُرْحُ اللِّسانِ كَجُرْحِ اليَدِ. وقالَ مَكِّيٌّ: أصْلُ الِاجْتِراحِ عَمَلُ الرَّجُلِ بِجارِحَةٍ مِن جَوارِحِهِ يَدِهِ أوْ رِجْلِهِ، ثُمَّ كَثُرَ حَتّى قِيلَ لِكُلِّ مُكْتَسِبٍ مُجْتَرِحٌ وجارِحٌ، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿ما جَرَحْتُمْ﴾ العُمُومُ في المُكْتَسَبِ خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ما كَسَبْتُمْ مِنَ الآثامِ. انْتَهى. وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ قَتادَةُ: ما عَمِلْتُمْ. وقالَ مُجاهِدٌ: ما كَسَبْتُمْ، والبَعْثُ هُنا هو التَّنَبُّهُ مِنَ النَّوْمِ، والضَّمِيرُ في (فِيهِ) عائِدٌ عَلى النَّهارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ، عادَ عَلَيْهِ لَفْظًا، والمَعْنى في يَوْمٍ آخَرَ كَما تَقُولُ: عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ يَعُودُ عَلى التَّوَفِّي أيْ يُوقِظُكم في التَّوَفِّي أيْ في خِلالِهِ وتَضاعِيفِهِ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى اللَّيْلِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ثُمَّ يَبْعَثُكم مِنَ القُبُورِ في شَأْنِ ذَلِكَ الَّذِي قَطَعْتُمْ بِهِ أعْمارَكم مِنَ النَّوْمِ بِاللَّيْلِ وكَسْبِ الآثامِ بِالنَّهارِ ومِن أجْلِهِ، كَقَوْلِكَ: فِيمَ دَعَوْتَنِي، فَتَقُولُ: في أمْرِ كَذا. انْتَهى. وحَمْلُهُ عَلى البَعْثِ مِنَ القُبُورِ يَنْبُو عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿لِيُقْضى أجَلٌ مُسَمًّى﴾؛ لِأنَّ المَعْنى، واللَّهُ أعْلَمُ، أنَّهُ تَعالى يُحْيِيهِمْ في هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ مِنَ النَّوْمِ واليَقَظَةِ لِيَسْتَوْفُوا ما قُدِّرَ لَهم مِنَ الآجالِ والأعْمالِ المَكْتُوبَةِ، وقَضاءُ الأجَلِ فَصْلُ مُدَّةِ العُمُرِ مِن غَيْرِها ومُسَمًّى في عِلْمِ اللَّهِ أوْ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أوْ عِنْدَ تَكامُلِ الخَلْقِ ونَفْخِ الرُّوحِ، فَفي الصَّحِيحِ أنَّ المَلَكَ يَقُولُ عِنْدَ كَمالِ ذَلِكَ: فَما الرِّزْقُ فَما الأجَلُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو الأجَلُ الَّذِي سَمّاهُ وضَرَبَهُ لِبَعْثِ المَوْتى وجَزائِهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ، ﴿ثُمَّ إلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ هو المَرْجِعُ إلى مَوْقِفِ الحِسابِ، ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في لَيْلِكم ونَهارِكم. انْتَهى. وقالَ غَيْرُهُ كابْنِ جُبَيْرٍ: ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾ بِالمَوْتِ الحَقِيقِيِّ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى النَّوْمَ واليَقَظَةَ كانَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى المَوْتِ والبَعْثِ وأنَّ حُكْمَهُما بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى واحِدٌ فَكَما أنامَ وأيْقَظَ يُمِيتُ ويُحْيِي. وقَرَأ طَلْحَةُ وأبُو رَجاءٍ: (لِيَقْضِيَ أجَلًا مُسَمًّى)، بَنى الفِعْلَ لِلْفاعِلِ ونَصَبَ (أجَلًا) أيْ لِيُتِمَّ اللَّهُ آجالَهم، كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ﴾ [القصص: ٢٩] في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ المَحْذُوفُ ضَمِيرَهُ أوْ ضَمِيرَهم. ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ ويُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ في تَفْسِيرِ ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ . قالَ هُنا ابْنُ عَطِيَّةَ: القاهِرُ إنْ أخَذَ صِفَةَ فِعْلٍ أيْ مُظْهِرُ القَهْرِ بِالصَّواعِقِ والرِّياحِ والعَذابِ، فَيَصِحُّ أنَّ تُجْعَلَ (فَوْقَ) ظَرْفِيَّةً لِلْجِهَةِ لِأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ إنَّما تَعاهُدُها لِلْعِبادِ مِن فَوْقِهِمْ، وإنْ أخَذَ القاهِرُ صِفَةَ ذاتٍ بِمَعْنى القُدْرَةِ والِاسْتِيلاءِ فَفَوْقَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْجِهَةِ وإنَّما هو لِعُلُوِّ القَدْرِ والشَّأْنِ، كَما تَقُولُ: الياقُوتُ فَوْقَ الحَدِيدِ. انْتَهى. وظاهِرُ ﴿ويُرْسِلُ﴾ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ﴿وهُوَ القاهِرُ﴾ [الأنعام: ١٨] عَطْفَ جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ عَلى جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ وهي مِن آثارِ القَهْرِ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى قَوْلِهِ: ﴿يَتَوَفّاكُمْ﴾ وما بَعْدَهُ مِنَ الأفْعالِ، وأنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ﴿القاهِرُ﴾ التَّقْدِيرُ: وهو الَّذِي يَقْهَرُ ويُرْسِلُ، وأنْ يَكُونَ حالًا عَلى إضْمارِ مُبْتَدَإٍ أيْ وهو يُرْسِلُ، وذُو الحالِ إمّا الضَّمِيرُ في ﴿القاهِرُ﴾ وإمّا الضَّمِيرُ في الظَّرْفِ، وهَذا أضْعَفُ هَذِهِ الأعارِيبِ، و﴿عَلَيْكُمْ﴾ ظاهِرُهُ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِيُرْسِلُ كَقَوْلِهِ: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ﴾ [الرحمن: ٣٥]، ولَفْظَةُ (عَلى) مُشْعِرَةٌ بِالعُلُوِّ والِاسْتِعْلاءِ لِتَمَكُّنِهِمْ مِنّا جُعِلُوا كَأنَّ ذَلِكَ عَلَيْنا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِـ ﴿حَفَظَةً﴾ أيْ ويُرْسِلُ حَفَظَةً عَلَيْكم أيْ يَحْفَظُونَ عَلَيْكم أعْمالَكم، كَما قالَ: ﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ [الإنفطار: ١٠]، كَما تَقُولُ: حَفِظْتُ عَلَيْكَ ما تَعْمَلُ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ حالًا لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً أيْ حَفَظَةً كائِنَةً عَلَيْكم أيْ مُسْتَوْلِينَ عَلَيْكم، و﴿حَفَظَةً﴾ جَمْعُ حافِظٍ وهو جَمْعٌ مُنْقاسٌ لِفاعِلٍ وصْفًا مُذَكَّرًا صَحِيحَ اللّامِ عاقِلًا وقَلَّ فِيما لا يَعْقِلُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ مَلائِكَةً حافِظِينَ لِأعْمالِكم وهُمُ الكِرامُ الكاتِبُونَ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المُرادُ بِذَلِكَ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِكَتْبِ الأعْمالِ. انْتَهى. وما قالاهُ هو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وظاهِرُ الجَمْعِ أنَّهُ مُقابِلُ الجَمْعِ، ولَمْ تَتَعَرَّضِ الآيَةُ لِعَدَدِ ما عَلى كُلِّ واحِدٍ ولا لِما يَحْفَظُونَ عَلَيْهِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مَلَكانِ مَعَ كُلِّ إنْسانٍ أحَدُهُما عَنْ يَمِينِهِ (p-١٤٨)لِلْحَسَناتِ، والآخَرُ عَنْ شِمالِهِ لِلسَّيِّئاتِ، وإذا عَمِلَ سَيِّئَةً قالَ مَن عَلى اليَمِينِ: انْتَظِرْهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ مِنها، فَإنْ لَمْ يَتُبْ كُتِبَتْ عَلَيْهِ. وقِيلَ: مَلَكانِ بِاللَّيْلِ ومَلَكانِ بِالنَّهارِ أحَدُهُما يَكْتُبُ الخَيْرَ والآخَرُ يَكْتُبُ الشَّرَّ، فَإذا مَشى كانَ أحَدُهُما بَيْنَ يَدَيْهِ والآخَرُ وراءَهُ، وإذا جَلَسَ فَأحَدُهُما عَنْ يَمِينِهِ والآخَرُ عَنْ شِمالِهِ. وقِيلَ: خَمْسَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ: اثْنانِ بِاللَّيْلِ واثْنانِ بِالنَّهارِ وواحِدٌ لا يُفارِقُهُ لَيْلًا ولا نَهارًا، والمَكْتُوبُ الحَسَنَةُ والسَّيِّئَةُ. وقِيلَ: الطّاعاتُ والمَعاصِي والمُباحاتُ. وقِيلَ: لا يَطَّلِعُونَ إلّا عَلى القَوْلِ والفِعْلِ لِقَوْلِهِ: ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] ولِقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الإنفطار: ١٢] وأمّا أعْمالُ القُلُوبِ فَعِلْمُهُ لِلَّهِ تَعالى. وقِيلَ: يَطَّلِعُونَ عَلَيْها عَلى الإجْمالِ لا عَلى التَّفْصِيلِ، فَإذا عَقَدَ سَيِّئَةً خَرَجَتْ مِن فِيهِ رِيحٌ خَبِيثَةٌ، أوْ حَسَنَةً خَرَجَتْ رِيحٌ طَيِّبَةٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): اللَّهُ غَنِيٌّ بِعِلْمِهِ عَنْ كَتْبِ الكَتَبَةِ فَما فائِدَتُها ؟ (قُلْتُ): فِيها لُطْفٌ لِلْعِبادِ لِأنَّهم إذا عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ رَقِيبٌ عَلَيْهِمْ، والمَلائِكَةَ الَّذِينَ هم أشْرَفُ خَلْقِهِ مُوَكَّلُونَ بِهِمْ يَحْفَظُونَ عَلَيْهِمْ أعْمالَهم ويَكْتُبُونَها في صَحائِفَ تُعْرَضُ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ في مَواقِفِ القِيامَةِ - كانَ ذَلِكَ أزْجَرَ لَهم عَنِ القَبِيحِ وأبْعَدَ مِنَ السُّوءِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ: والمَلائِكَةُ الَّذِينَ هم أشْرَفُ خَلْقِهِ هو جارٍ عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ في المَلائِكَةِ، ولا تَتَعَيَّنُ هَذِهِ الفائِدَةُ إذْ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الفائِدَةُ فِيها أنْ تُوزَنَ صَحائِفُ الأعْمالِ يَوْمَ القِيامَةِ لِأنَّ وزْنَ الأعْمالِ بِمُجَرَّدِها لا يُمْكِنُ، وهَذِهِ الفائِدَةُ جارِيَةٌ عَلى مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ، وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَتَأوَّلُوا الوَزْنَ والمِيزانَ، ولا يُشْعِرُ قَوْلُهُ: ﴿حَفَظَةً﴾ أنَّ ذَلِكَ الحِفْظَ بِالكِتابَةِ كَما فَسَّرُوا، بَلْ قَدْ قِيلَ: هُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ قالَ فِيهِمُ النَّبِيُّ ﷺ: «تَتَعاقَبُ فِيكم مَلائِكَةٌ بِاللَّيْلِ ومَلائِكَةٌ بِالنَّهارِ»، قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ. وقِيلَ: يَحْفَظُونَ الإنْسانَ مِن كُلِّ شَيْءٍ حَتّى يَأْتِيَ أجْلُهُ. ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ أيْ أسْبابُ المَوْتِ، تَوَفَّتْهُ قَبَضَتْ رُوحَهُ، رُسُلُنا جاءَ جَمْعًا. فَقِيلَ: عَنى بِهِ مَلَكَ المَوْتِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأطْلَقَ عَلَيْهِ الجَمْعَ تَعْظِيمًا. وقِيلَ: مَلَكُ المَوْتِ وأعْوانُهُ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّ (رُسُلُنا) عَيْنُ الحَفَظَةِ يَحْفَظُونَهم مُدَّةَ الحَياةِ، وعِنْدَ مَجِيءِ أسْبابِ المَوْتِ يَتَوَفَّوْنَهم، ولا تَعارُضَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ [الزمر: ٤٢] وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ﴾ [السجدة: ١١] وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾؛ لِأنَّ نِسْبَةَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ - تَعالى - بِالحَقِيقَةِ ولِغَيْرِهِ بِالمُباشَرَةِ، ولِمَلَكِ المَوْتِ لِأنَّهُ هو الآمِرُ لِأعْوانِهِ، ولَهُ ولَهم بِكَوْنِهِمْ هُمُ المُتَوَلُّونَ قَبْضَ الأرْواحِ. وعَنْ مُجاهِدٍ: جُعِلَتِ الأرْضُ لَهُ كالطَّسْتِ يَتَناوَلُ مِنهُ مَن يَتَناوَلُهُ وما مِن أهْلِ بَيْتٍ إلّا ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ في كُلِّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ. وقَرَأ حَمْزَةُ: تَوَفّاهُ بِألِفٍ مُمالَةٍ، وظاهِرُهُ أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ كَتَوَفَّتْهُ إلّا أنَّهُ ذُكِّرَ عَلى مَعْنى الجَمْعِ، ومَن قَرَأ: تَوَفَّتْهُ أنَّثَ عَلى مَعْنى الجَماعَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُضارِعًا وأصْلُهُ تَتَوَفّاهُ فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ عَلى الخِلافِ في تَعْيِينِ المَحْذُوفَةِ. وقَرَأ الأعْمَشُ: يَتَوَفّاهُ بِزِيادَةِ ياءِ المُضارَعَةِ عَلى التَّذْكِيرِ. ﴿وهم لا يُفَرِّطُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ والعامِلُ فِيها تَوَفَّتْهُ، أوِ اسْتِئْنافِيَّةٌ أخْبَرَ عَنْهم بِأنَّهم لا يُفَرِّطُونَ في شَيْءٍ مِمّا أُمِرُوا بِهِ مِنَ الحِفْظِ والتَّوَفِّي ومَعْناهُ: لا يُقَصِّرُونَ. وقَرَأ الأعْرَجُ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: لا يُفْرِطُونَ بِالتَّخْفِيفِ أيْ لا يُجاوِزُونَ الحَدَّ فِيما أُمِرُوا بِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فالتَّفْرِيطُ: التَّوَلِّي والتَّأخُّرُ عَنِ الحَدِّ، والإفْراطُ مُجاوَزَةُ الحَدِّ، أيْ لا يُنْقِصُونَ مِمّا أُمِرُوا بِهِ ولا يَزِيدُونَ فِيهِ. انْتَهى. وهو مَعْنى كَلامِ ابْنِ جِنِّيٍّ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: يُفَرِّطُونَ: لا يَدَعُونَ أحَدًا يَفْرُطُ عَنْهم أيْ يَسْبِقُهم ويَفُوتُهم. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ قِراءَةُ التَّخْفِيفِ مَعْناها لا يَتَقَدَّمُونَ عَلى أمْرِ اللَّهِ، وهَذا لا يَصِحُّ إلّا إذا نُقِلَ أنَّ أفْرَطَ بِمَعْنى فَرَّطَ أيْ تَقَدَّمَ. وقالَ الحَسَنُ: إذا (p-١٤٩)احْتُضِرَ المَيِّتُ احْتَضَرَهُ خَمْسُمِائَةِ مَلِكٍ يَقْبِضُونَ رُوحَهُ فَيَعْرُجُونَ بِها. ﴿ثُمَّ رُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ الظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى العِبادِ، وجاءَ عَلَيْكم عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ لِما في الخِطابِ مِن تَقْرِيبِ المَوْعِظَةِ مِنَ السّامِعِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ في رُدُّوا عَلى أحَدِكم عَلى المَعْنى لِأنَّهُ لا يُرِيدُ بِـ (أحَدَكم) ظاهِرَهُ مِنَ الإفْرادِ إنَّما مَعْناهُ الجَمْعُ، وكَأنَّهُ قِيلَ: حَتّى إذا جاءَكُمُ المَوْتُ، وقُرِئَ: رِدُّوا بِكَسْرِ الرّاءِ، نُقِلَ حَرَكَةُ الدّالِ الَّتِي أُدْغِمَتْ إلى الرّاءِ، والرّادُّ المُحَذَّرُ مِنَ اللَّهِ، أوْ بِالبَعْثِ في الآخِرَةِ، أوِ المَلائِكَةُ رَدَّتْهم بِالمَوْتِ إلى اللَّهِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى (رُسُلُنا) أيِ المَلائِكَةُ يَمُوتُونَ كَما يَمُوتُ بَنُو آدَمَ ويُرَدُّونَ إلى اللَّهِ - تَعالى - وعَوْدُهُ عَلى العِبادِ أظْهَرُ، ومَوْلاهم لَفْظٌ عامٌّ لِأنْواعِ الوَلايَةِ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ عَبِيدِهِ مِنَ المُلْكِ والنُّصْرَةِ والرِّزْقِ والمُحاسَبَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وفي الإضافَةِ إشْعارٌ بِرَحْمَتِهِ لَهم، وظاهِرُ الإخْبارِ بِالرَّدِّ إلى اللَّهِ أنَّهُ يُرادُ بِهِ البَعْثُ والرُّجُوعُ إلى حُكْمِ اللَّهِ وجَزائِهِ يَوْمَ القِيامَةِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ آخِرُ الآيَةِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: صَرِيحُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ المَوْتِ لِلْعَبْدِ ورَدِّهِ إلى اللَّهِ، والمَيِّتُ مَعَ كَوْنِهِ مَيِّتًا لا يُمْكِنُ أنْ يُرَدَّ إلى اللَّهِ بَلِ المَرْدُودُ هو النَّفْسُ والرُّوحُ، وهُنا مَوْتٌ وحَياةٌ، فالمَوْتُ نَصِيبُ البَدَنِ والحَياةُ نَصِيبُ النَّفْسِ والرُّوحِ، فَثَبَتَ أنَّ الإنْسانَ لَيْسَ إلّا النَّفْسُ والرُّوحُ، ولَيْسَ عِبارَةً عَنْ مُجَرَّدِ هَذِهِ البِنْيَةِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿رُدُّوا إلى اللَّهِ﴾ إشْعارٌ بِكَوْنِ الرُّوحِ مَوْجُودَةً قَبْلَ البَدَنِ لِأنَّ الرَّدَّ مِن هَذا العالَمِ إلى حَضْرَةِ الجَلالِ إنَّما يَكُونُ إذا كانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ التَّعَلُّقِ بِالبَدَنِ، ونَظِيرُهُ ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ﴾ [الفجر: ٢٨]، ﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٤٨]، وجاءَ في الحَدِيثِ: «خُلِقَتِ الأرْواحُ قَبْلَ الأجْسادِ بِألْفَيْ عامٍ» . وحُجَّةُ الفَلاسِفَةِ عَلى كَوْنِ النُّفُوسِ غَيْرَ مَوْجُودَةٍ قَبْلَ وُجُودِ البَدَنِ ضَعِيفَةٌ، وبَيَّنّا ضَعْفَها في الكُتُبِ العَقْلِيَّةِ، انْتَهى كَلامُهُ وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. وقالَ أيْضًا: ﴿إلى اللَّهِ﴾ يُشْعِرُ بِالجِهَةِ وهو باطِلٌ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى أنَّهم رُدُّوا إلى حَيْثُ لا مالِكَ ولا حاكِمَ سِواهُ. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ هَذا الرَّدَّ هو بِالبَعْثِ يَوْمَ القِيامَةِ لا ما أرادَهُ الرّازِيُّ، ووَصْفُهُ تَعالى بِالحَقِّ مَعْناهُ العَدْلُ الَّذِي لَيْسَ بِباطِلٍ ولا مَجازٍ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: كانُوا في الدُّنْيا تَحْتَ تَصَرُّفاتِ المَوالِي الباطِلَةِ وهي النَّفْسُ والشَّهْوَةُ والغَضَبُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ [الجاثية: ٢٣]، فَلَمّا ماتَ تَخَلَّصَ مِن تَصَرُّفاتِ المَوالِي الباطِلَةِ، وانْتَقَلَ إلى تَصَرُّفِ المَوْلى الحَقِّ. انْتَهى كَلامُهُ. وتَفْسِيرُهُ خارِجٌ عَنْ مَناحِي كَلامِ العَرَبِ ومَقاصِدِها، وهو في أكْثَرِهِ شَبِيهٌ بِكَلامِ الَّذِينَ يُسَمُّونَ أنْفُسَهم حُكَماءَ. وقَرَأ الحَسَنُ والأعْمَشُ: (الحَقَّ) بِالنَّصْبِ، والظّاهِرُ أنَّهُ صِفَةٌ قُطِعَتْ فانْتَصَبَتْ عَلى المَدْحِ، وجَوَّزَ نَصْبَهُ عَلى المَصْدَرِ، تَقْدِيرُهُ: الرَّدَّ الحَقَّ. ﴿ألا لَهُ الحُكْمُ﴾ تَنْبِيهٌ مِنهُ تَعالى عِبادَهُ بِأنَّ جَمِيعَ أنْواعِ التَّصَرُّفاتِ لَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ألا لَهُ الحُكْمُ يَوْمَئِذٍ لا حُكْمَ فِيهِ لِغَيْرِهِ. ﴿وهُوَ أسْرَعُ الحاسِبِينَ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ في سُرْعَةِ حِسابِهِ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [البقرة: ٢٠٢] .

الأنعام 6:63

﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكم مِن ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ لَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ دَلائِلَ عَلى أُلُوهِيَّتِهِ تَعالى مِنَ العِلْمِ التّامِّ والقُدْرَةِ الكامِلَةِ ذَكَرَ نَوْعًا مِن أثَرِهِما وهو الإنْجاءُ مِنَ الشَّدائِدِ، وهو اسْتِفْهامٌ يُرادُ بِهِ التَّقْرِيرُ والإنْكارُ والتَّوْبِيخُ والتَّوْقِيفُ عَلى سُوءِ (p-١٥٠)مُعْتَقَدِهِمْ عِنْدَ عِبادَةِ الأصْنامِ وتَرْكِ الَّذِي يُنَجِّي مِنَ الشَّدائِدِ ويُلْجَأُ إلَيْهِ في كَشْفِها. قِيلَ: وأُرِيدَ حَقِيقَةُ الظَّلَمَةِ، وجُمِعَتْ بِاعْتِبارِ مَوادِّها، فَفي البَرِّ والبَحْرِ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ وظُلْمَةُ السَّحابِ وظُلْمَةُ الصَّواعِقِ، وفي البَرِّ أيْضًا ظُلْمَةُ الغُبارِ وظُلْمَةُ الغَيْمِ وظُلْمَةُ الرِّيحِ، وفي البَحْرِ أيْضًا ظُلْمَةُ الأمْواجِ، ويَكُونُ ذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، التَّقْدِيرُ: مَهالِكُ ظُلْمَةِ البَرِّ والبَحْرِ ومَخاوِفُها، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ الظُّلُماتِ مَجازٌ عَنْ شَدائِدِ البَرِّ والبَحْرِ ومَخاوِفِهِما وأهْوالِهِما، والعَرَبُ تَقُولُ: يَوْمٌ أسْوَدُ ويَوْمٌ مُظْلِمٌ ويَوْمٌ ذُو كَواكِبَ، كَأنَّهُ لِإظْلامِهِ وغَيْبُوبَةِ شَمْسِهِ بَدَتْ فِيهِ الكَواكِبُ، ويَعْنُونَ بِهِ أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ شَدِيدٌ عَلَيْهِمْ. قالَ قَتادَةُ والزَّجّاجُ: مِن كُرَبِ البَرِّ والبَحْرِ. وحَكى الطَّبَرِيُّ ضَلالَ الطَّرِيقِ في الظُّلُماتِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ ما يُشْفُونَ عَلَيْهِ مِنَ الخَسْفِ في البَرِّ والغَرَقِ في البَحْرِ بِذُنُوبِهِمْ، فَإذا دَعَوْا وتَضَرَّعُوا كَشَفَ اللَّهُ عَنْهُمُ الخَسْفَ والغَرَقَ فَنَجَوْا مِن ظُلُماتِها. انْتَهى. ﴿تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ أيْ تُنادُونَهُ مُظْهِرِي الحاجَةِ إلَيْهِ ومُخْفِيها، والتَّضَرُّعُ وصْفٌ بادٍ عَلى الإنْسانِ، والخُفْيَةُ: الإخْفاءُ. وقالَ الحَسَنُ: تَضَرُّعًا: عَلانِيَةً، خُفْيَةً أيْ نِيَّةً، وانْتَصَبا عَلى المَصْدَرِ. و﴿تَدْعُونَهُ﴾ حالٌ، ويُقالُ: (خُفْيَةً) بِضَمِّ الخاءِ وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ وبِكَسْرِها وهي قِراءَةُ أبِي بَكْرٍ. وقَرَأ الأعْمَشُ ﴿وخِيفَةً﴾ [الأعراف: ٢٠٥] مِنَ الخَوْفِ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: (مَن يُنَجِّيكم، قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكم) بِالتَّشْدِيدِ فِيهِما، وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ ويَعْقُوبُ وعَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِالتَّخْفِيفِ فِيهِما، والحَرَمِيّانِ والعَرَبِيّانِ بِالتَّشْدِيدِ في ﴿مَن يُنَجِّيكُمْ﴾ والتَّخْفِيفِ في ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ﴾، جَمَعُوا بَيْنَ التَّعْدِيَةِ بِالهَمْزَةِ والتَّضْعِيفِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهُمْ﴾ [الطارق: ١٧] . ﴿لَئِنْ أنْجانا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ هَذِهِ إشارَةٌ إلى الظُّلُماتِ، والمَعْنى: قائِلِينَ لَئِنْ أُنْجِينا، لَمّا دَعَوْهُ أقْسَمُوا أنَّهم يَشْكُرُونَهُ عَلى كَشْفِ هَذِهِ الشَّدائِدِ، ودَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهم لَمْ يَكُونُوا قَبْلَ الوُقُوعِ في هَذِهِ الشَّدائِدِ شاكِرِينَ لِأنْعُمِهِ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: (لَئِنْ أنْجانا) عَلى الغائِبِ، وأمالَهُ الأخَوانِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ عَلى الخِطابِ. ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكم مِنها ومِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ الضَّمِيرُ في (مِنها) عائِدٌ عَلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (مِن هَذِهِ) و(مِن كُلِّ) مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ أُعِيدَ مَعَهُ الخافِضُ، وأمَرَهُ تَعالى بِالمُسابَقَةِ إلى الجَوابِ لِيَكُونَ هو أسْبَقَ إلى الخَيْرِ وإلى الِاعْتِرافِ بِالحَقِّ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ تَعالى يُنَجِّي مِن هَذِهِ الشَّدائِدِ الَّتِي حَضَرَتْهم ومِن كُلِّ كَرْبٍ فَعَمَّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ، ثُمَّ ذَكَرَ قَبِيحَ ما يَأْتُونَ بَعْدَ ذَلِكَ وبَعْدَ إقْرارِهِمْ بِالدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ ووَعْدِهِمْ إيّاهُ بِالشُّكْرِ مِن إشْراكِهِمْ مَعَهُ في العِبادَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعَطَفَ بِـ (ثُمَّ) لِلْمُهْلَةِ الَّتِي تُبَيِّنُ قُبْحَ فِعْلِهِمْ أيْ ثُمَّ بَعْدَ مَعْرِفَتِكم بِهَذا كُلِّهِ وتَحَقُّقِهِ أنْتُمْ تُشْرِكُونَ. انْتَهى. وقِيلَ: مَعْنى (تُشْرِكُونَ) تَعُودُونَ إلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الإشْراكِ وعِبادَةِ الأصْنامِ، ولا يَخْفى ما في هَذِهِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مِنَ التَّقْبِيحِ عَلَيْهِمْ إذْ وُوجِهُوا بِقَوْلِهِ: (ثُمَّ أنْتُمْ) كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾ [البقرة: ٨٥] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٤]، وإذْ كانَ الخَبَرُ (تُشْرِكُونَ) بِصِيغَةِ المُضارِعِ المُشْعِرِ بِالِاسْتِمْرارِ والتَّجَدُّدِ في المُسْتَقْبَلِ كَما كانُوا عَلَيْهِ فِيما مَضى. ﴿قُلْ هو القادِرُ عَلى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عَذابًا مِن فَوْقِكم أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ﴾ هَذا إخْبارٌ يَتَضَمَّنُ (p-١٥١)الوَعِيدَ، والأظْهَرُ مَن نَسَقِ الآياتِ أنَّهُ خِطابٌ لِلْكُفّارِ، وهو مَذْهَبُ الطَّبَرِيِّ. وقالَ أُبَيٌّ وأبُو العالِيَةِ وجَماعَةٌ: هي خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. قالَ أُبَيٌّ: هُنَّ أرْبَعٌ عَذابٌ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ، مَضَتِ اثْنَتانِ بَعْدَ وفاةِ الرَّسُولِ بِخَمْسٍ وعِشْرِينَ سَنَةً لُبِسُوا شِيَعًا وأُذِيقَ بَعْضُهم بِأْسَ بَعْضٍ، وثِنْتانِ واقِعَتانِ لا مَحالَةَ: الخَسْفُ والرَّجْمُ. وقالَ الحَسَنُ: بَعْضُها لِلْكُفّارِ: بَعْثُ العَذابَ مِن فَوْقُ ومِن تَحْتُ، وسائِرُها لِلْمُؤْمِنِينَ. انْتَهى. وحِينَ نَزَلَتِ اسْتَعاذَ الرَّسُولُ ﷺ وقالَ في الثّالِثَةِ: ”هَذِهِ أهْوَنُ. أوْ: هَذِهِ أيْسَرُ“ واحْتَجَّ بِهَذا مَن قالَ هي لِلْمُؤْمِنِينَ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَعَوَّذَ لِأُمَّتِهِ مِمّا وُعِدَ بِهِ الكُفّارُ وهَوَّنَ الثّالِثَةَ لِأنَّها في المَعْنى هي الَّتِي دَعا فِيها فَمُنِعَ، كَما في حَدِيثِ المُوَطَّأِ وغَيْرِهِ. والظّاهِرُ ﴿مِن فَوْقِكم أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ﴾ الحَقِيقَةُ، كالصَّواعِقِ وكَما أمْطَرَ عَلى قَوْمِ لُوطٍ وأصْحابِ الفِيلِ الحِجارَةَ وأرْسَلَ عَلى قَوْمِ نُوحٍ الطُّوفانَ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ [القمر: ١١]، وكالزَّلازِلِ ونَبْعِ الماءِ المُهْلِكِ وكَما خُسِفَ بِقارُونَ. وقالَ السُّدِّيُّ عَنْ أبِي مالِكٍ وابْنِ جُبَيْرٍ: الرَّجْمُ والخَسْفُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِن فَوْقِكم وُلاةُ الجَوْرِ ومِن تَحْتِ أرْجُلِكم سَفَلَةُ السُّوءِ وخِدْمَتُهُ. وقِيلَ: حَبْسُ المَطَرِ والنَّباتِ. وقِيلَ: ﴿مِن فَوْقِكُمْ﴾ خِذْلانُ السَّمْعِ والبَصَرِ والآذانِ واللِّسانِ ﴿مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ﴾ خِذْلانُ الفَرْجِ والرِّجْلِ إلى المَعاصِي. انْتَهى. وهَذا والَّذِي قَبْلَهُ مَجازٌ بَعِيدٌ. ﴿أوْ يَلْبِسَكم شِيَعًا﴾ أيْ يَخْلِطَكم فِرَقًا مُخْتَلِفِينَ عَلى أهْواءٍ شَتّى، كُلُّ فِرْقَةٍ مِنكم مُشايِعَةٌ لِإمامٍ، ومَعْنى خَلْطِهِمْ إنْشابُ القِتالِ بَيْنَهم فَيَخْتَلِطُوا ويَشْتَبِكُوا في مَلاحِمِ القِتالِ، كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وكَتِيبَةٌ لَبَّسْتُها بِكَتِيبَةٍ حَتّى إذا التَبَسَتْ نَفَضْتُ لَها يَدِي ؎فَتَرَكْتُهم تَقِصُّ الرِّماحُ ظُهُورَهم ∗∗∗ ما بَيْنَ مُنْعَفِرٍ وآخَرَ مُسْنَدٍ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: تَثْبُتُ فِيكُمُ الأهْواءُ المُخْتَلِفَةُ فَتَصِيرُونَ فِرَقًا. وقِيلَ: المَعْنى: يَقْوى عَدُوُّكم حَتّى يُخالِطُوكم. وقَرَأ أبُو عَبْدِ اللَّهِ المَدَنِيُّ: ﴿يَلْبِسَكُمْ﴾ بِضَمِّ الياءِ مِنَ اللُّبْسِ اسْتِعارَةً مِنَ اللِّباسِ، فَعَلى فَتْحِ الياءِ يَكُونُ ﴿شِيَعًا﴾ حالًا. وقِيلَ: مَصْدَرٌ والعامِلُ فِيهِ ﴿يَلْبِسَكُمْ﴾ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ. انْتَهى. ويُحْتاجُ في كَوْنِهِ مَصْدَرًا إلى نَقْلٍ مِنَ اللُّغَةِ. وعَلى ضَمِّ الياءِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: أوْ يُلْبِسَكُمُ الفِتْنَةَ شِيَعًا، ويَكُونُ ﴿شِيَعًا﴾ حالًا، وحُذِفَ المَفْعُولُ الثّانِي، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ الثّانِي ﴿شِيَعًا﴾ كَأنَّ النّاسَ يُلْبِسُ بَعْضُهم بَعْضًا، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎لَبِسْتُ أُناسًا فَأفْنَيْتُهم ∗∗∗ وغادَرْتُ بَعْدَ أُناسٍ أُناسًا وهِيَ عِبارَةٌ عَنِ الخُلْطَةِ والمُعايَشَةِ. ﴿ويُذِيقَ بَعْضَكم بَأْسَ بَعْضٍ﴾ البَأْسُ: الشِّدَّةُ مِن قَتْلٍ وغَيْرِهِ، والإذاقَةُ: الإنالَةُ والإصابَةُ، وهي مَن أقْوى حَواسِّ الِاخْتِبارِ، وكَثُرَ اسْتِعْمالِها في كَلامِ العَرَبِ وفي القُرْآنِ، قالَ تَعالى: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر: ٤٨]، وقالَ الشّاعِرُ: ؎أذَقْناهم كُؤُوسَ المَوْتِ صِرْفًا ∗∗∗ وذاقُوا مِن أسِنَّتِنا كُؤُوسًا وقَرَأ الأعْمَشُ: (ونُذِيقَ) بِالنُّونِ وهي نُونُ عَظَمَةِ الواحِدِ، وهي التِفاتٌ فائِدَتُهُ نِسْبَةُ ذَلِكَ إلى اللَّهِ عَلى سَبِيلِ العَظَمَةِ والقُدْرَةِ القاهِرَةِ. ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ لَعَلَّهم يَفْقَهُونَ﴾ هَذا اسْتِرْجاعٌ لَهم ولَفْظَةُ تَعَجُّبٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ والمَعْنى: إنّا نَسْلُكُ في مَجِيءِ الآياتِ أنْواعًا رَجاءَ أنْ يَفْقَهُوا ويَفْهَمُوا عَنِ اللَّهِ - تَعالى - لِأنَّ في اخْتِلافِ الآياتِ ما يَقْتَضِي الفَهْمَ، إنْ غَرَبَتْ آيَةٌ لَمْ تَغْرُبْ أُخْرى.

الأنعام 6:64

﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكم مِن ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ لَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ دَلائِلَ عَلى أُلُوهِيَّتِهِ تَعالى مِنَ العِلْمِ التّامِّ والقُدْرَةِ الكامِلَةِ ذَكَرَ نَوْعًا مِن أثَرِهِما وهو الإنْجاءُ مِنَ الشَّدائِدِ، وهو اسْتِفْهامٌ يُرادُ بِهِ التَّقْرِيرُ والإنْكارُ والتَّوْبِيخُ والتَّوْقِيفُ عَلى سُوءِ (p-١٥٠)مُعْتَقَدِهِمْ عِنْدَ عِبادَةِ الأصْنامِ وتَرْكِ الَّذِي يُنَجِّي مِنَ الشَّدائِدِ ويُلْجَأُ إلَيْهِ في كَشْفِها. قِيلَ: وأُرِيدَ حَقِيقَةُ الظَّلَمَةِ، وجُمِعَتْ بِاعْتِبارِ مَوادِّها، فَفي البَرِّ والبَحْرِ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ وظُلْمَةُ السَّحابِ وظُلْمَةُ الصَّواعِقِ، وفي البَرِّ أيْضًا ظُلْمَةُ الغُبارِ وظُلْمَةُ الغَيْمِ وظُلْمَةُ الرِّيحِ، وفي البَحْرِ أيْضًا ظُلْمَةُ الأمْواجِ، ويَكُونُ ذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، التَّقْدِيرُ: مَهالِكُ ظُلْمَةِ البَرِّ والبَحْرِ ومَخاوِفُها، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ الظُّلُماتِ مَجازٌ عَنْ شَدائِدِ البَرِّ والبَحْرِ ومَخاوِفِهِما وأهْوالِهِما، والعَرَبُ تَقُولُ: يَوْمٌ أسْوَدُ ويَوْمٌ مُظْلِمٌ ويَوْمٌ ذُو كَواكِبَ، كَأنَّهُ لِإظْلامِهِ وغَيْبُوبَةِ شَمْسِهِ بَدَتْ فِيهِ الكَواكِبُ، ويَعْنُونَ بِهِ أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ شَدِيدٌ عَلَيْهِمْ. قالَ قَتادَةُ والزَّجّاجُ: مِن كُرَبِ البَرِّ والبَحْرِ. وحَكى الطَّبَرِيُّ ضَلالَ الطَّرِيقِ في الظُّلُماتِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ ما يُشْفُونَ عَلَيْهِ مِنَ الخَسْفِ في البَرِّ والغَرَقِ في البَحْرِ بِذُنُوبِهِمْ، فَإذا دَعَوْا وتَضَرَّعُوا كَشَفَ اللَّهُ عَنْهُمُ الخَسْفَ والغَرَقَ فَنَجَوْا مِن ظُلُماتِها. انْتَهى. ﴿تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ أيْ تُنادُونَهُ مُظْهِرِي الحاجَةِ إلَيْهِ ومُخْفِيها، والتَّضَرُّعُ وصْفٌ بادٍ عَلى الإنْسانِ، والخُفْيَةُ: الإخْفاءُ. وقالَ الحَسَنُ: تَضَرُّعًا: عَلانِيَةً، خُفْيَةً أيْ نِيَّةً، وانْتَصَبا عَلى المَصْدَرِ. و﴿تَدْعُونَهُ﴾ حالٌ، ويُقالُ: (خُفْيَةً) بِضَمِّ الخاءِ وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ وبِكَسْرِها وهي قِراءَةُ أبِي بَكْرٍ. وقَرَأ الأعْمَشُ ﴿وخِيفَةً﴾ [الأعراف: ٢٠٥] مِنَ الخَوْفِ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: (مَن يُنَجِّيكم، قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكم) بِالتَّشْدِيدِ فِيهِما، وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ ويَعْقُوبُ وعَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِالتَّخْفِيفِ فِيهِما، والحَرَمِيّانِ والعَرَبِيّانِ بِالتَّشْدِيدِ في ﴿مَن يُنَجِّيكُمْ﴾ والتَّخْفِيفِ في ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ﴾، جَمَعُوا بَيْنَ التَّعْدِيَةِ بِالهَمْزَةِ والتَّضْعِيفِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهُمْ﴾ [الطارق: ١٧] . ﴿لَئِنْ أنْجانا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ هَذِهِ إشارَةٌ إلى الظُّلُماتِ، والمَعْنى: قائِلِينَ لَئِنْ أُنْجِينا، لَمّا دَعَوْهُ أقْسَمُوا أنَّهم يَشْكُرُونَهُ عَلى كَشْفِ هَذِهِ الشَّدائِدِ، ودَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهم لَمْ يَكُونُوا قَبْلَ الوُقُوعِ في هَذِهِ الشَّدائِدِ شاكِرِينَ لِأنْعُمِهِ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: (لَئِنْ أنْجانا) عَلى الغائِبِ، وأمالَهُ الأخَوانِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ عَلى الخِطابِ. ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكم مِنها ومِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ الضَّمِيرُ في (مِنها) عائِدٌ عَلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (مِن هَذِهِ) و(مِن كُلِّ) مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ أُعِيدَ مَعَهُ الخافِضُ، وأمَرَهُ تَعالى بِالمُسابَقَةِ إلى الجَوابِ لِيَكُونَ هو أسْبَقَ إلى الخَيْرِ وإلى الِاعْتِرافِ بِالحَقِّ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ تَعالى يُنَجِّي مِن هَذِهِ الشَّدائِدِ الَّتِي حَضَرَتْهم ومِن كُلِّ كَرْبٍ فَعَمَّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ، ثُمَّ ذَكَرَ قَبِيحَ ما يَأْتُونَ بَعْدَ ذَلِكَ وبَعْدَ إقْرارِهِمْ بِالدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ ووَعْدِهِمْ إيّاهُ بِالشُّكْرِ مِن إشْراكِهِمْ مَعَهُ في العِبادَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعَطَفَ بِـ (ثُمَّ) لِلْمُهْلَةِ الَّتِي تُبَيِّنُ قُبْحَ فِعْلِهِمْ أيْ ثُمَّ بَعْدَ مَعْرِفَتِكم بِهَذا كُلِّهِ وتَحَقُّقِهِ أنْتُمْ تُشْرِكُونَ. انْتَهى. وقِيلَ: مَعْنى (تُشْرِكُونَ) تَعُودُونَ إلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الإشْراكِ وعِبادَةِ الأصْنامِ، ولا يَخْفى ما في هَذِهِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مِنَ التَّقْبِيحِ عَلَيْهِمْ إذْ وُوجِهُوا بِقَوْلِهِ: (ثُمَّ أنْتُمْ) كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾ [البقرة: ٨٥] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٤]، وإذْ كانَ الخَبَرُ (تُشْرِكُونَ) بِصِيغَةِ المُضارِعِ المُشْعِرِ بِالِاسْتِمْرارِ والتَّجَدُّدِ في المُسْتَقْبَلِ كَما كانُوا عَلَيْهِ فِيما مَضى. ﴿قُلْ هو القادِرُ عَلى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عَذابًا مِن فَوْقِكم أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ﴾ هَذا إخْبارٌ يَتَضَمَّنُ (p-١٥١)الوَعِيدَ، والأظْهَرُ مَن نَسَقِ الآياتِ أنَّهُ خِطابٌ لِلْكُفّارِ، وهو مَذْهَبُ الطَّبَرِيِّ. وقالَ أُبَيٌّ وأبُو العالِيَةِ وجَماعَةٌ: هي خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. قالَ أُبَيٌّ: هُنَّ أرْبَعٌ عَذابٌ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ، مَضَتِ اثْنَتانِ بَعْدَ وفاةِ الرَّسُولِ بِخَمْسٍ وعِشْرِينَ سَنَةً لُبِسُوا شِيَعًا وأُذِيقَ بَعْضُهم بِأْسَ بَعْضٍ، وثِنْتانِ واقِعَتانِ لا مَحالَةَ: الخَسْفُ والرَّجْمُ. وقالَ الحَسَنُ: بَعْضُها لِلْكُفّارِ: بَعْثُ العَذابَ مِن فَوْقُ ومِن تَحْتُ، وسائِرُها لِلْمُؤْمِنِينَ. انْتَهى. وحِينَ نَزَلَتِ اسْتَعاذَ الرَّسُولُ ﷺ وقالَ في الثّالِثَةِ: ”هَذِهِ أهْوَنُ. أوْ: هَذِهِ أيْسَرُ“ واحْتَجَّ بِهَذا مَن قالَ هي لِلْمُؤْمِنِينَ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَعَوَّذَ لِأُمَّتِهِ مِمّا وُعِدَ بِهِ الكُفّارُ وهَوَّنَ الثّالِثَةَ لِأنَّها في المَعْنى هي الَّتِي دَعا فِيها فَمُنِعَ، كَما في حَدِيثِ المُوَطَّأِ وغَيْرِهِ. والظّاهِرُ ﴿مِن فَوْقِكم أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ﴾ الحَقِيقَةُ، كالصَّواعِقِ وكَما أمْطَرَ عَلى قَوْمِ لُوطٍ وأصْحابِ الفِيلِ الحِجارَةَ وأرْسَلَ عَلى قَوْمِ نُوحٍ الطُّوفانَ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ [القمر: ١١]، وكالزَّلازِلِ ونَبْعِ الماءِ المُهْلِكِ وكَما خُسِفَ بِقارُونَ. وقالَ السُّدِّيُّ عَنْ أبِي مالِكٍ وابْنِ جُبَيْرٍ: الرَّجْمُ والخَسْفُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِن فَوْقِكم وُلاةُ الجَوْرِ ومِن تَحْتِ أرْجُلِكم سَفَلَةُ السُّوءِ وخِدْمَتُهُ. وقِيلَ: حَبْسُ المَطَرِ والنَّباتِ. وقِيلَ: ﴿مِن فَوْقِكُمْ﴾ خِذْلانُ السَّمْعِ والبَصَرِ والآذانِ واللِّسانِ ﴿مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ﴾ خِذْلانُ الفَرْجِ والرِّجْلِ إلى المَعاصِي. انْتَهى. وهَذا والَّذِي قَبْلَهُ مَجازٌ بَعِيدٌ. ﴿أوْ يَلْبِسَكم شِيَعًا﴾ أيْ يَخْلِطَكم فِرَقًا مُخْتَلِفِينَ عَلى أهْواءٍ شَتّى، كُلُّ فِرْقَةٍ مِنكم مُشايِعَةٌ لِإمامٍ، ومَعْنى خَلْطِهِمْ إنْشابُ القِتالِ بَيْنَهم فَيَخْتَلِطُوا ويَشْتَبِكُوا في مَلاحِمِ القِتالِ، كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وكَتِيبَةٌ لَبَّسْتُها بِكَتِيبَةٍ حَتّى إذا التَبَسَتْ نَفَضْتُ لَها يَدِي ؎فَتَرَكْتُهم تَقِصُّ الرِّماحُ ظُهُورَهم ∗∗∗ ما بَيْنَ مُنْعَفِرٍ وآخَرَ مُسْنَدٍ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: تَثْبُتُ فِيكُمُ الأهْواءُ المُخْتَلِفَةُ فَتَصِيرُونَ فِرَقًا. وقِيلَ: المَعْنى: يَقْوى عَدُوُّكم حَتّى يُخالِطُوكم. وقَرَأ أبُو عَبْدِ اللَّهِ المَدَنِيُّ: ﴿يَلْبِسَكُمْ﴾ بِضَمِّ الياءِ مِنَ اللُّبْسِ اسْتِعارَةً مِنَ اللِّباسِ، فَعَلى فَتْحِ الياءِ يَكُونُ ﴿شِيَعًا﴾ حالًا. وقِيلَ: مَصْدَرٌ والعامِلُ فِيهِ ﴿يَلْبِسَكُمْ﴾ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ. انْتَهى. ويُحْتاجُ في كَوْنِهِ مَصْدَرًا إلى نَقْلٍ مِنَ اللُّغَةِ. وعَلى ضَمِّ الياءِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: أوْ يُلْبِسَكُمُ الفِتْنَةَ شِيَعًا، ويَكُونُ ﴿شِيَعًا﴾ حالًا، وحُذِفَ المَفْعُولُ الثّانِي، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ الثّانِي ﴿شِيَعًا﴾ كَأنَّ النّاسَ يُلْبِسُ بَعْضُهم بَعْضًا، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎لَبِسْتُ أُناسًا فَأفْنَيْتُهم ∗∗∗ وغادَرْتُ بَعْدَ أُناسٍ أُناسًا وهِيَ عِبارَةٌ عَنِ الخُلْطَةِ والمُعايَشَةِ. ﴿ويُذِيقَ بَعْضَكم بَأْسَ بَعْضٍ﴾ البَأْسُ: الشِّدَّةُ مِن قَتْلٍ وغَيْرِهِ، والإذاقَةُ: الإنالَةُ والإصابَةُ، وهي مَن أقْوى حَواسِّ الِاخْتِبارِ، وكَثُرَ اسْتِعْمالِها في كَلامِ العَرَبِ وفي القُرْآنِ، قالَ تَعالى: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر: ٤٨]، وقالَ الشّاعِرُ: ؎أذَقْناهم كُؤُوسَ المَوْتِ صِرْفًا ∗∗∗ وذاقُوا مِن أسِنَّتِنا كُؤُوسًا وقَرَأ الأعْمَشُ: (ونُذِيقَ) بِالنُّونِ وهي نُونُ عَظَمَةِ الواحِدِ، وهي التِفاتٌ فائِدَتُهُ نِسْبَةُ ذَلِكَ إلى اللَّهِ عَلى سَبِيلِ العَظَمَةِ والقُدْرَةِ القاهِرَةِ. ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ لَعَلَّهم يَفْقَهُونَ﴾ هَذا اسْتِرْجاعٌ لَهم ولَفْظَةُ تَعَجُّبٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ والمَعْنى: إنّا نَسْلُكُ في مَجِيءِ الآياتِ أنْواعًا رَجاءَ أنْ يَفْقَهُوا ويَفْهَمُوا عَنِ اللَّهِ - تَعالى - لِأنَّ في اخْتِلافِ الآياتِ ما يَقْتَضِي الفَهْمَ، إنْ غَرَبَتْ آيَةٌ لَمْ تَغْرُبْ أُخْرى.

الأنعام 6:65

﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكم مِن ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ لَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ دَلائِلَ عَلى أُلُوهِيَّتِهِ تَعالى مِنَ العِلْمِ التّامِّ والقُدْرَةِ الكامِلَةِ ذَكَرَ نَوْعًا مِن أثَرِهِما وهو الإنْجاءُ مِنَ الشَّدائِدِ، وهو اسْتِفْهامٌ يُرادُ بِهِ التَّقْرِيرُ والإنْكارُ والتَّوْبِيخُ والتَّوْقِيفُ عَلى سُوءِ (p-١٥٠)مُعْتَقَدِهِمْ عِنْدَ عِبادَةِ الأصْنامِ وتَرْكِ الَّذِي يُنَجِّي مِنَ الشَّدائِدِ ويُلْجَأُ إلَيْهِ في كَشْفِها. قِيلَ: وأُرِيدَ حَقِيقَةُ الظَّلَمَةِ، وجُمِعَتْ بِاعْتِبارِ مَوادِّها، فَفي البَرِّ والبَحْرِ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ وظُلْمَةُ السَّحابِ وظُلْمَةُ الصَّواعِقِ، وفي البَرِّ أيْضًا ظُلْمَةُ الغُبارِ وظُلْمَةُ الغَيْمِ وظُلْمَةُ الرِّيحِ، وفي البَحْرِ أيْضًا ظُلْمَةُ الأمْواجِ، ويَكُونُ ذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، التَّقْدِيرُ: مَهالِكُ ظُلْمَةِ البَرِّ والبَحْرِ ومَخاوِفُها، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ الظُّلُماتِ مَجازٌ عَنْ شَدائِدِ البَرِّ والبَحْرِ ومَخاوِفِهِما وأهْوالِهِما، والعَرَبُ تَقُولُ: يَوْمٌ أسْوَدُ ويَوْمٌ مُظْلِمٌ ويَوْمٌ ذُو كَواكِبَ، كَأنَّهُ لِإظْلامِهِ وغَيْبُوبَةِ شَمْسِهِ بَدَتْ فِيهِ الكَواكِبُ، ويَعْنُونَ بِهِ أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ شَدِيدٌ عَلَيْهِمْ. قالَ قَتادَةُ والزَّجّاجُ: مِن كُرَبِ البَرِّ والبَحْرِ. وحَكى الطَّبَرِيُّ ضَلالَ الطَّرِيقِ في الظُّلُماتِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ ما يُشْفُونَ عَلَيْهِ مِنَ الخَسْفِ في البَرِّ والغَرَقِ في البَحْرِ بِذُنُوبِهِمْ، فَإذا دَعَوْا وتَضَرَّعُوا كَشَفَ اللَّهُ عَنْهُمُ الخَسْفَ والغَرَقَ فَنَجَوْا مِن ظُلُماتِها. انْتَهى. ﴿تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ أيْ تُنادُونَهُ مُظْهِرِي الحاجَةِ إلَيْهِ ومُخْفِيها، والتَّضَرُّعُ وصْفٌ بادٍ عَلى الإنْسانِ، والخُفْيَةُ: الإخْفاءُ. وقالَ الحَسَنُ: تَضَرُّعًا: عَلانِيَةً، خُفْيَةً أيْ نِيَّةً، وانْتَصَبا عَلى المَصْدَرِ. و﴿تَدْعُونَهُ﴾ حالٌ، ويُقالُ: (خُفْيَةً) بِضَمِّ الخاءِ وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ وبِكَسْرِها وهي قِراءَةُ أبِي بَكْرٍ. وقَرَأ الأعْمَشُ ﴿وخِيفَةً﴾ [الأعراف: ٢٠٥] مِنَ الخَوْفِ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: (مَن يُنَجِّيكم، قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكم) بِالتَّشْدِيدِ فِيهِما، وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ ويَعْقُوبُ وعَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِالتَّخْفِيفِ فِيهِما، والحَرَمِيّانِ والعَرَبِيّانِ بِالتَّشْدِيدِ في ﴿مَن يُنَجِّيكُمْ﴾ والتَّخْفِيفِ في ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ﴾، جَمَعُوا بَيْنَ التَّعْدِيَةِ بِالهَمْزَةِ والتَّضْعِيفِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهُمْ﴾ [الطارق: ١٧] . ﴿لَئِنْ أنْجانا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ هَذِهِ إشارَةٌ إلى الظُّلُماتِ، والمَعْنى: قائِلِينَ لَئِنْ أُنْجِينا، لَمّا دَعَوْهُ أقْسَمُوا أنَّهم يَشْكُرُونَهُ عَلى كَشْفِ هَذِهِ الشَّدائِدِ، ودَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهم لَمْ يَكُونُوا قَبْلَ الوُقُوعِ في هَذِهِ الشَّدائِدِ شاكِرِينَ لِأنْعُمِهِ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: (لَئِنْ أنْجانا) عَلى الغائِبِ، وأمالَهُ الأخَوانِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ عَلى الخِطابِ. ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكم مِنها ومِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ الضَّمِيرُ في (مِنها) عائِدٌ عَلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (مِن هَذِهِ) و(مِن كُلِّ) مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ أُعِيدَ مَعَهُ الخافِضُ، وأمَرَهُ تَعالى بِالمُسابَقَةِ إلى الجَوابِ لِيَكُونَ هو أسْبَقَ إلى الخَيْرِ وإلى الِاعْتِرافِ بِالحَقِّ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ تَعالى يُنَجِّي مِن هَذِهِ الشَّدائِدِ الَّتِي حَضَرَتْهم ومِن كُلِّ كَرْبٍ فَعَمَّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ، ثُمَّ ذَكَرَ قَبِيحَ ما يَأْتُونَ بَعْدَ ذَلِكَ وبَعْدَ إقْرارِهِمْ بِالدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ ووَعْدِهِمْ إيّاهُ بِالشُّكْرِ مِن إشْراكِهِمْ مَعَهُ في العِبادَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعَطَفَ بِـ (ثُمَّ) لِلْمُهْلَةِ الَّتِي تُبَيِّنُ قُبْحَ فِعْلِهِمْ أيْ ثُمَّ بَعْدَ مَعْرِفَتِكم بِهَذا كُلِّهِ وتَحَقُّقِهِ أنْتُمْ تُشْرِكُونَ. انْتَهى. وقِيلَ: مَعْنى (تُشْرِكُونَ) تَعُودُونَ إلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الإشْراكِ وعِبادَةِ الأصْنامِ، ولا يَخْفى ما في هَذِهِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مِنَ التَّقْبِيحِ عَلَيْهِمْ إذْ وُوجِهُوا بِقَوْلِهِ: (ثُمَّ أنْتُمْ) كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾ [البقرة: ٨٥] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٤]، وإذْ كانَ الخَبَرُ (تُشْرِكُونَ) بِصِيغَةِ المُضارِعِ المُشْعِرِ بِالِاسْتِمْرارِ والتَّجَدُّدِ في المُسْتَقْبَلِ كَما كانُوا عَلَيْهِ فِيما مَضى. ﴿قُلْ هو القادِرُ عَلى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عَذابًا مِن فَوْقِكم أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ﴾ هَذا إخْبارٌ يَتَضَمَّنُ (p-١٥١)الوَعِيدَ، والأظْهَرُ مَن نَسَقِ الآياتِ أنَّهُ خِطابٌ لِلْكُفّارِ، وهو مَذْهَبُ الطَّبَرِيِّ. وقالَ أُبَيٌّ وأبُو العالِيَةِ وجَماعَةٌ: هي خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. قالَ أُبَيٌّ: هُنَّ أرْبَعٌ عَذابٌ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ، مَضَتِ اثْنَتانِ بَعْدَ وفاةِ الرَّسُولِ بِخَمْسٍ وعِشْرِينَ سَنَةً لُبِسُوا شِيَعًا وأُذِيقَ بَعْضُهم بِأْسَ بَعْضٍ، وثِنْتانِ واقِعَتانِ لا مَحالَةَ: الخَسْفُ والرَّجْمُ. وقالَ الحَسَنُ: بَعْضُها لِلْكُفّارِ: بَعْثُ العَذابَ مِن فَوْقُ ومِن تَحْتُ، وسائِرُها لِلْمُؤْمِنِينَ. انْتَهى. وحِينَ نَزَلَتِ اسْتَعاذَ الرَّسُولُ ﷺ وقالَ في الثّالِثَةِ: ”هَذِهِ أهْوَنُ. أوْ: هَذِهِ أيْسَرُ“ واحْتَجَّ بِهَذا مَن قالَ هي لِلْمُؤْمِنِينَ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَعَوَّذَ لِأُمَّتِهِ مِمّا وُعِدَ بِهِ الكُفّارُ وهَوَّنَ الثّالِثَةَ لِأنَّها في المَعْنى هي الَّتِي دَعا فِيها فَمُنِعَ، كَما في حَدِيثِ المُوَطَّأِ وغَيْرِهِ. والظّاهِرُ ﴿مِن فَوْقِكم أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ﴾ الحَقِيقَةُ، كالصَّواعِقِ وكَما أمْطَرَ عَلى قَوْمِ لُوطٍ وأصْحابِ الفِيلِ الحِجارَةَ وأرْسَلَ عَلى قَوْمِ نُوحٍ الطُّوفانَ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ [القمر: ١١]، وكالزَّلازِلِ ونَبْعِ الماءِ المُهْلِكِ وكَما خُسِفَ بِقارُونَ. وقالَ السُّدِّيُّ عَنْ أبِي مالِكٍ وابْنِ جُبَيْرٍ: الرَّجْمُ والخَسْفُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِن فَوْقِكم وُلاةُ الجَوْرِ ومِن تَحْتِ أرْجُلِكم سَفَلَةُ السُّوءِ وخِدْمَتُهُ. وقِيلَ: حَبْسُ المَطَرِ والنَّباتِ. وقِيلَ: ﴿مِن فَوْقِكُمْ﴾ خِذْلانُ السَّمْعِ والبَصَرِ والآذانِ واللِّسانِ ﴿مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ﴾ خِذْلانُ الفَرْجِ والرِّجْلِ إلى المَعاصِي. انْتَهى. وهَذا والَّذِي قَبْلَهُ مَجازٌ بَعِيدٌ. ﴿أوْ يَلْبِسَكم شِيَعًا﴾ أيْ يَخْلِطَكم فِرَقًا مُخْتَلِفِينَ عَلى أهْواءٍ شَتّى، كُلُّ فِرْقَةٍ مِنكم مُشايِعَةٌ لِإمامٍ، ومَعْنى خَلْطِهِمْ إنْشابُ القِتالِ بَيْنَهم فَيَخْتَلِطُوا ويَشْتَبِكُوا في مَلاحِمِ القِتالِ، كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وكَتِيبَةٌ لَبَّسْتُها بِكَتِيبَةٍ حَتّى إذا التَبَسَتْ نَفَضْتُ لَها يَدِي ؎فَتَرَكْتُهم تَقِصُّ الرِّماحُ ظُهُورَهم ∗∗∗ ما بَيْنَ مُنْعَفِرٍ وآخَرَ مُسْنَدٍ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: تَثْبُتُ فِيكُمُ الأهْواءُ المُخْتَلِفَةُ فَتَصِيرُونَ فِرَقًا. وقِيلَ: المَعْنى: يَقْوى عَدُوُّكم حَتّى يُخالِطُوكم. وقَرَأ أبُو عَبْدِ اللَّهِ المَدَنِيُّ: ﴿يَلْبِسَكُمْ﴾ بِضَمِّ الياءِ مِنَ اللُّبْسِ اسْتِعارَةً مِنَ اللِّباسِ، فَعَلى فَتْحِ الياءِ يَكُونُ ﴿شِيَعًا﴾ حالًا. وقِيلَ: مَصْدَرٌ والعامِلُ فِيهِ ﴿يَلْبِسَكُمْ﴾ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ. انْتَهى. ويُحْتاجُ في كَوْنِهِ مَصْدَرًا إلى نَقْلٍ مِنَ اللُّغَةِ. وعَلى ضَمِّ الياءِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: أوْ يُلْبِسَكُمُ الفِتْنَةَ شِيَعًا، ويَكُونُ ﴿شِيَعًا﴾ حالًا، وحُذِفَ المَفْعُولُ الثّانِي، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ الثّانِي ﴿شِيَعًا﴾ كَأنَّ النّاسَ يُلْبِسُ بَعْضُهم بَعْضًا، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎لَبِسْتُ أُناسًا فَأفْنَيْتُهم ∗∗∗ وغادَرْتُ بَعْدَ أُناسٍ أُناسًا وهِيَ عِبارَةٌ عَنِ الخُلْطَةِ والمُعايَشَةِ. ﴿ويُذِيقَ بَعْضَكم بَأْسَ بَعْضٍ﴾ البَأْسُ: الشِّدَّةُ مِن قَتْلٍ وغَيْرِهِ، والإذاقَةُ: الإنالَةُ والإصابَةُ، وهي مَن أقْوى حَواسِّ الِاخْتِبارِ، وكَثُرَ اسْتِعْمالِها في كَلامِ العَرَبِ وفي القُرْآنِ، قالَ تَعالى: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر: ٤٨]، وقالَ الشّاعِرُ: ؎أذَقْناهم كُؤُوسَ المَوْتِ صِرْفًا ∗∗∗ وذاقُوا مِن أسِنَّتِنا كُؤُوسًا وقَرَأ الأعْمَشُ: (ونُذِيقَ) بِالنُّونِ وهي نُونُ عَظَمَةِ الواحِدِ، وهي التِفاتٌ فائِدَتُهُ نِسْبَةُ ذَلِكَ إلى اللَّهِ عَلى سَبِيلِ العَظَمَةِ والقُدْرَةِ القاهِرَةِ. ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ لَعَلَّهم يَفْقَهُونَ﴾ هَذا اسْتِرْجاعٌ لَهم ولَفْظَةُ تَعَجُّبٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ والمَعْنى: إنّا نَسْلُكُ في مَجِيءِ الآياتِ أنْواعًا رَجاءَ أنْ يَفْقَهُوا ويَفْهَمُوا عَنِ اللَّهِ - تَعالى - لِأنَّ في اخْتِلافِ الآياتِ ما يَقْتَضِي الفَهْمَ، إنْ غَرَبَتْ آيَةٌ لَمْ تَغْرُبْ أُخْرى.