Lafzullah

Al-Bahr Al-Muhit — المائدة 5:109 – الأنعام 6:15

المؤلف / المصدر: Al-Bahr Al-Muhit

المحتويات
  1. المائدة 5:109
  2. المائدة 5:110
  3. المائدة 5:111
  4. المائدة 5:112
  5. المائدة 5:113
  6. المائدة 5:114
  7. المائدة 5:115
  8. المائدة 5:116
  9. المائدة 5:117
  10. المائدة 5:118
  11. المائدة 5:119
  12. المائدة 5:120
  13. الأنعام 6:1
  14. الأنعام 6:2
  15. الأنعام 6:3
  16. الأنعام 6:4
  17. الأنعام 6:5
  18. الأنعام 6:6
  19. الأنعام 6:7
  20. الأنعام 6:8
  21. الأنعام 6:9
  22. الأنعام 6:10
  23. الأنعام 6:11
  24. الأنعام 6:12
  25. الأنعام 6:13
  26. الأنعام 6:14
  27. الأنعام 6:15

المائدة 5:109

﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إنَّكَ أنْتَ عَلّامُ (p-٤٨)الغُيُوبِ﴾ مُناسَبَةُ هَذِهِ لِما قَبْلَها؛ أنَّهُ لَمّا أخْبَرَ تَعالى بِالحُكْمِ في شاهِدَيِ الوَصِيَّةِ، وأمَرَ بِتَقْوى اللَّهِ والسَّمْعِ والطّاعَةِ، ذَكَّرَ بِهَذا اليَوْمِ المَهُولِ المَخُوفِ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، فَجَمَعَ بِذَلِكَ بَيْنَ فَضِيحَةِ الدُّنْيا وعُقُوبَةِ الآخِرَةِ لِمَن حَرَّفَ الشَّهادَةَ، ولِمَن لَمْ يَتَّقِ اللَّهَ، ولَمْ يَسْمَعْ. وذَكَرُوا في نَصْبِ (يَوْمَ) وُجُوهًا أحَدُها: أنَّهُ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ اذْكُرُوا، والثّانِي: بِإضْمارِ احْذَرُوا، والثّالِثُ: بِاتَّقُوا، والرّابِعُ: بِاسْمَعُوا، قالَهُ الحَوْفِيُّ، والخامِسُ: بِـ (لا يَهْدِي) . قالَ قَوْمٌ مِنهُمُ الزَّمَخْشَرِيُّ وأبُو البَقاءِ، قالا: لا يَهْدِيهِمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ طَرِيقَ الجَنَّةِ. قالَ أبُو البَقاءِ: أوْ لا يَهْدِيهِمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ إلى الحُجَّةِ. والسّادِسُ: أجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى البَدَلِ مِنَ المَنصُوبِ في قَوْلِهِ (واتَّقُوا اللَّهَ)، وهو بَدَلُ الِاشْتِمالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: واتَّقُوا اللَّهَ يَوْمَ جَمْعِهِ، وفِيهِ بُعْدٌ لِطُولِ الفَصْلِ بِالجُمْلَتَيْنِ، والسّابِعُ: أنْ يَنْتَصِبَ عَلى الظَّرْفِ، والعامِلُ فِيهِ مُؤَخَّرٌ، تَقْدِيرُهُ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ كانَ كَيْتُ وكَيْتُ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ في وصْفِ الآيَةِ وبَراعَتِها: إنَّما هو أنْ يَكُونَ هَذا الكَلامُ مُسْتَأْنَفًا، والعامِلُ اذْكُرُوا، واحْذَرُوا، مِمّا حَسُنَ اخْتِصارُهُ لِعِلْمِ السّامِعِ والإشارَةُ بِهَذا اليَوْمِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وخَصَّ الرُّسُلَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهم قادَةُ الخَلْقِ، وفي ضِمْنِ جَمْعِهِمْ جَمْعُ الخَلائِقِ، وهُمُ المُكَلَّمُونَ أوَّلًا انْتَهى. والَّذِي نَخْتارُهُ غَيْرَ ما ذَكَرُوا، وهو أنْ يَكُونَ (يَوْمَ) مَعْمُولًا لِقَوْلِهِ ﴿قالُوا لا عِلْمَ لَنا﴾ أيْ قالَ الرُّسُلُ وقْتَ جَمْعِهِمْ، وقَوْلِ اللَّهِ لَهم ﴿ماذا أُجِبْتُمْ﴾، وصارَ نَظِيرَ ما قُلْناهُ في قَوْلِهِ ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أتَجْعَلُ﴾ [البقرة: ٣٠]، وسُؤالُهُ تَعالى إيّاهم بِقَوْلِهِ ماذا (أُجِبْتُمْ) سُؤالُ تَوْبِيخٍ لِأُمَمِهِمْ؛ لِتَقُومَ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ، ويُبْتَدَأ حِسابُهم، كَما سُئِلَتِ المَوْؤُدَةُ؛ تَوْبِيخًا لِوائِدِها، وتَوْقِيفًا لَهُ عَلى سُوءِ فِعْلِهِ، وانْتِصابُ ماذا أُجِبْتُمْ، ولَوْ أُرِيدَ الجَوابُ لَقِيلَ: بِماذا أُجِبْتُمْ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقِيامُ ما الِاسْتِفْهامِيَّةِ مَقامَ المَصْدَرِ جائِزٌ، وكَذَلِكَ ماذا إذا جَعَلْتَها كُلَّها اسْتِفْهامًا. وأنْشَدُوا عَلى مَجِيءِ ما ذُكِرَ مَصْدَرًا قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎ماذا تُعِيرُ ابْنَتِي رَبْعَ عَوِيلِهِما لا تَرْقُدانِ ولا بُؤْسى لِمَن رَقَدا وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْناهُ ماذا أجابَتْ بِهِ الأُمَمُ. ولَمْ يَجْعَلْ ما مَصْدَرًا، بَلْ جَعَلَها كِنايَةً عَنِ الجَوابِ، وهو الشَّيْءُ المُجابُ بِهِ، لا لِلْمَصْدَرِ، وهو الَّذِي عَنى الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ: ولَوْ أُرِيدَ الجَوابُ لَقِيلَ بِماذا أُجِبْتُمْ. وقالَ الحَوْفِيُّ: ما لِلِاسْتِفْهامِ، وهو مُبْتَدَأٌ بِمَعْنى الَّذِي خَبَرُها، وأُجِبْتُمْ صِلَتُهُ، والتَّقْدِيرُ ماذا أُجِبْتُمْ بِهِ انْتَهى. وحَذْفُ هَذا الضَّمِيرِ المَجْرُورِ بِالحَرْفِ، يَضْعُفُ، لَوْ قُلْتَ: جاءَنِي الَّذِي مَرَرْتُ، تُرِيدُ بِهِ كانَ ضَعِيفًا، إلّا إنِ اعْتُقِدَ أنَّهُ حُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ أوَّلًا، فانْتَصَبَ الضَّمِيرُ، ثُمَّ حُذِفَ مَنصُوبًا، ولا يَبْعُدُ. وقالَ أبُو البَقاءِ: (ماذا) في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِأُجِبْتُمْ، وحَرْفُ الجَرِّ مَحْذُوفٌ؛ أيْ بِماذا أُجِبْتُمْ، وما وذا هُنا بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ. ويَضْعُفُ أنْ يُجْعَلَ ذا بِمَعْنى الَّذِي هُنا؛ لِأنَّهُ لا عائِدَ هُنا، وحَذْفُ العائِدِ مَعَ حَرْفِ الجَرِّ ضَعِيفٌ انْتَهى. وما ذَكَرَهُ أبُو البَقاءِ أضْعَفُ؛ لِأنَّهُ لا يَنْقاسُ حَذْفُ حَرْفِ الجَرِّ، إنَّما سُمِعَ ذَلِكَ في ألْفاظٍ مَخْصُوصَةٍ، ونَصُّوا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ زَيْدًا مَرَرْتُ بِهِ، تُرِيدُ بِزَيْدٍ مَرَرْتُ، ولا سِرْتُ البَيْتَ، تُرِيدُ إلى البَيْتِ، إلّا في ضَرُورَةِ شِعْرٍ، نَحْوَ قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎تَحِنُّ فَتُبْدِي ما بِها مِن صَبابَةٍ ∗∗∗ وأُخْفِي الَّذِي لَوْلا الأسى لَقَضانِي يُرِيدُ لَقَضى عَلَيَّ، فَحَذَفَ عَلَيَّ، وعَدّى الفِعْلَ إلى الضَّمِيرِ، فَنَصَبَهُ، ونَفْيُهُمُ العِلْمَ عَنْهم بِقَوْلِهِ ﴿لا عِلْمَ لَنا﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ لا عِلْمَ لَنا إلّا عِلْمًا أنْتَ أعْلَمُ بِهِ مِنّا، كَأنَّ المَعْنى لا عِلْمَ لَنا يَكْفِي ويَنْتَهِي إلى الغايَةِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: مَعْنى ﴿ماذا أُجِبْتُمْ﴾ ماذا عَمِلُوا بَعْدَكم، وماذا أحْدَثُوا، فَلِذَلِكَ قالُوا: لا عِلْمَ لَنا، ويُؤَيِّدُهُ ﴿إنَّكَ أنْتَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾، إلّا أنَّ لَفْظَةَ ماذا أُجِبْتُمْ تَنْبُو عَنْ أنْ تُشْرَحَ بِقَوْلِهِ ماذا عَمِلُوا. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ عَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ وسَهْلٍ التُّسْتَرِيِّ، أقْوالًا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِمْ ﴿لا عِلْمَ لَنا﴾ لا تُناسِبُ الرُّسُلَ أضْرَبْتُ (p-٤٩)عَنْ ذِكْرِها صَفْحًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَقُولُونَ لا عِلْمَ لَنا، وقَدْ عَلِمُوا ما أُجِيبُوا، قُلْتُ: يَعْلَمُونَ أنَّ الغَرَضَ بِالسُّؤالِ تَوْبِيخُ أعْدائِهِمْ، فَيَكِلُونَ الأمْرَ إلى عِلْمِهِ وإحاطَتِهِ بِما مُنُّوا بِهِ مِنهم، وذَلِكَ أعْظَمُ عَلى الكَفَرَةِ، وأفَتُّ في أعَضادِهِمْ، وأجْلَبُ لِحَسْرَتِهِمْ وسُقُوطِهِمْ في أيْدِيهِمْ، إذا اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ تَوْبِيخُ اللَّهِ تَعالى، وتَشَكِّي أنْبِيائِهِمْ عَلَيْهِمْ. ومِثالُهُ أنْ يَنْكُتَ بَعْضُ الخَوارِجِ عَلى السُّلْطانِ خاصَّةً مِن خَواصِّهِ نُكْتَةً قَدْ عَرَفَها السُّلْطانُ، واطَّلَعَ عَلى كُنْهِها، وعَزَمَ عَلى الِانْتِصارِ لَهُ مِنهُ، فَيَجْمَعُ بَيْنَهُما، ويَقُولُ لَهُ: ما فَعَلَ بِكَ هَذا الخارِجِيُّ، وهو عالِمٌ بِما فَعَلَ بِهِ، يُرِيدُ تَوْبِيخَهُ وتَبْكِيتَهُ، فَيَقُولُ: أنْتَ أعْلَمُ بِما فَعَلَ بِي؛ تَفْوِيضًا لِلْأمْرِ إلى عِلْمِ سُلْطانِهِ، واتِّكالًا عَلَيْهِ، وإظْهارًا لِشِكايَتِهِ، وتَعْظِيمًا لِما بِهِ انْتَهى. ولَيْسَتِ الآيَةُ كَهَذا المِثالِ الَّذِي ذَكَرَهُ؛ لِأنَّ في الآيَةِ ﴿لا عِلْمَ لَنا﴾ وهَذا نَفْيٌ لِسائِرِ أفْرادِ العِلْمِ عَنْهم بِالنِّسْبَةِ إلى الإجابَةِ. وفي المِثالِ؛ أنْتَ أعْلَمُ بِما فَعَلَ بِي، وهَذا لا يَنْفِي العِلْمَ عَنْهُ، غَيْرَ أنَّهُ أثْبَتَ لِسُلْطانِهِ أنَّهُ أعْلَمُ بِالخارِجِيِّ مِنهُ. وقالَ ابْنُ أبِي الفَضْلِ في قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ: لَيْسَ بِالقَوِيِّ؛ لِأنَّ السُّؤالَ إنَّما وقَعَ عَنْ كُلِّ الأُمَّةِ، وكُلُّ الأُمَّةِ ما كانُوا كافِرِينَ حَتّى يُرِيدَ الرَّسُولُ تَوْبِيخَهم. وقِيلَ: مَعْناهُ عِلْمُنا ساقِطٌ مَعَ عِلْمِكَ ومَغْمُورٌ بِهِ؛ لِأنَّكَ عَلّامُ الغُيُوبِ، ومَن عَلِمَ الخَفِيّاتِ لَمْ تَخْفَ عَلَيْهِ الظَّواهِرُ الَّتِي مِنها إجابَةُ الأُمَمِ لِرُسُلِهِمْ، فَكَأنَّهُ لا عِلْمَ لَنا إلّا جَنْبَ عِلْمِكَ، حَكاهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِهَذا اللَّفْظِ. قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ مُخْتَصَرًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ أصْوَبُ؛ لِأنَّهُ يَتَرَجَّحُ بِالتَّسْلِيمِ إلى اللَّهِ تَعالى، ورَدِّ الأمْرِ إلَيْهِ، إذْ لا يَعْلَمُونَ إلّا بِما شُوفِهُوا بِهِ مُدَّةَ حَياتِهِمْ، ويَنْقُصُهم ما في قُلُوبِ المُشافِهِينَ مِن نِفاقٍ، ونَحْوِهِ، وما كانَ بَعْدَهم مِن أُمَمِهِمْ، واللَّهُ تَعالى يَعْلَمُ جَمِيعَ ذَلِكَ عَلى التَّفْصِيلِ والكَمالِ، فَرَأوُا التَّسْلِيمَ لَهُ، والخُشُوعَ لِعِلْمِهِ المُحِيطِ انْتَهى. وقِيلَ: لا عِلْمَ لَنا بِما كانَ بَعْدَنا، وإنَّما الحُكْمُ لِلْخاتِمَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكَيْفَ يَخْفى عَلَيْهِمْ أمْرُهم، وقَدْ رَأوْهم سُودَ الوُجُوهِ زُرْقَ العُيُونِ مُوَبَّخِينَ انْتَهى. وقالَ ابْنُ أبِي الفَضْلِ: الأصَحُّ ما اخْتارَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ أيْ تَعْلَمُ ما أظْهَرُوا، وما أضْمَرُوا، ونَحْنُ ما نَعْلَمُ إلّا ما أظْهَرُوا، فَعِلْمُكَ فِيهِمْ أنْفَذُ مِن عِلْمِنا. فَبِهَذا المَعْنى نَفَوُا العِلْمَ عَنْ أنْفُسِهِمْ؛ لِأنَّ عِلْمَهم عِنْدَ اللَّهِ كَلا عِلْمٍ انْتَهى. فَيَكُونُ مِمّا نُفِيَتْ فِيهِ الحَقِيقَةُ ظاهِرًا، والمَقْصُودُ نَفْيُ الكَمالِ، كَأنَّهُ قالَ: لا عِلْمَ لَنا كامِلٌ، تَقُولُ: لا رَجُلَ في الدّارِ؛ أيْ كامِلُ الرُّجُولِيَّةِ في فَوْتِهِ ونَفاذِهِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: ثَبَتَ في عِلْمِ الأُصُولِ؛ أنَّ العِلْمَ غَيْرٌ، والظَّنَّ غَيْرٌ، والحاصِلُ عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ مِنَ الغَيْرِ، إنَّما هو الظَّنُّ لا العِلْمُ، ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «نَحْنُ نَحْكُمُ بِالظَّواهِرِ، واللَّهُ مُتَوَلِّي السَّرائِرَ» . وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”إنَّكم تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ. . . الحَدِيثَ“، والأنْبِياءُ قالُوا: لا عِلْمَ لَنا البَتَّةَ بِأحْوالِهِمْ، إنَّما الحاصِلُ عِنْدَنا مِن أحْوالِهِمْ، هو الظَّنُّ. والظَّنُّ كانَ مُعْتَبَرًا في الدُّنْيا؛ لِأنَّ الأحْكامَ في الدُّنْيا كانَتْ مَبْنِيَّةً عَلى الظُّنُونِ، أمّا الآخِرَةُ فَلا التِفاتَ فِيها إلى الظَّنِّ؛ لِأنَّ الأحْكامَ مَبْنِيَّةٌ عَلى حَقائِقِ الأشْياءِ، وبَواطِنِ الأُمُورِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالُوا: ﴿لا عِلْمَ لَنا﴾، ولَمْ يَذْكُرُوا البَتَّةَ ما مَعَهم مِنَ الظَّنِّ؛ لِأنَّ الظَّنَّ لا عِبْرَةَ بِهِ في القِيامَةِ انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لا عِلْمَ لَنا بِسُؤالِكَ، ولا جَوابَ لَنا عَنْهُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو حَيْوَةَ ﴿ماذا أُجِبْتُمْ﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ (عَلّامَ) بِالنَّصْبِ، وهو عَلى حَذْفِ الخَبَرِ؛ لِفَهْمِ المَعْنى، فَيَتِمُّ الكَلامُ بِالمُقَدَّرِ في قَوْلِهِ ﴿إنَّكَ أنْتَ﴾ أيْ إنَّكَ المَوْصُوفُ بِأوْصافِكَ المَعْرُوفَةِ مِنَ العِلْمِ وغَيْرِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ثُمَّ نُصِبَ ﴿عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ عَلى الِاخْتِصاصِ، أوْ عَلى النِّداءِ، أوْ صِفَةٍ لِاسْمِ (إنَّ) انْتَهى. وهَذا الوَجْهُ الأخِيرُ، لا يَجُوزُ؛ لِأنَّهم أجْمَعُوا عَلى أنَّ ضَمِيرَ المُتَكَلِّمِ، وضَمِيرَ المُخاطَبِ لا يَجُوزُ أنْ يُوصَفَ، وأمّا ضَمِيرُ الغائِبِ فَفِيهِ خِلافٌ شاذٌّ لِلْكِسائِيِّ. وقَرَأ حَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ (الغِيُوبِ)، بِكَسْرِ الغَيْنِ، حَيْثُ وقَعَ، كَأنَّ مَن قالَ ذَلِكَ مِنَ العَرَبِ، قَدِ اسْتَثْقَلَ تَوالِيَ ضَمَّتَيْنِ مَعَ الياءِ، فَفَرَّ إلى حَرَكَةٍ مُغايِرَةٍ لِلضَّمَّةِ، مُناسِبَةٍ لِمُجاوِرَةِ (p-٥٠)الياءِ، وهي لِلْكَسْرَةِ.

المائدة 5:110

﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعَلى والِدَتِكَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (إذْ) بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩]، والمَعْنى أنَّهُ يُوَبِّخُ الكافِرِينَ يَوْمَئِذٍ بِسُؤالِ الرُّسُلِ عَنْ إجابَتِهِمْ، وبِتَعَدُّدِ ما أظْهَرَ عَلى أيْدِيهِمْ مِنَ الآياتِ العِظامِ، فَكَذَّبُوهم، وسَمُّوهم سَحَرَةً، وجاوَزُوا حَدَّ التَّصْدِيقِ إلى أنِ اتَّخَذُوهم آلِهَةً، كَما قالَ بَعْضُ بَنِي إسْرائِيلَ فِيما أظْهَرَ عَلى يَدِ عِيسى مِنَ البَيِّناتِ ﴿هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [النمل: ١٣] . واتَّخَذَهُ بَعْضُهم وأُمَّهُ إلَهَيْنِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ العامِلُ في (إذْ) مُضْمَرًا، تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ، وقالَ هُنا بِمَعْنى يَقُولُ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ مِن هَذا القَوْلِ أنَّهُ في القِيامَةِ؛ تَقْدُمَةً لِقَوْلِهِ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦]، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (إذْ) بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ١٠٩] انْتَهى. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ إذْ في مَوْضِعِ خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: ذَلِكَ إذْ قالَ اللَّهُ. وإذا كانَ المُنادى عَلَمًا مُفْرَدًا ظاهِرَ الضَّمَّةِ مَوْصُوفًا بِابْنٍ مُتَّصِلًا مُضافًا إلى عَلَمٍ، جازَ فَتْحُهُ إتْباعًا لِفَتْحَةِ ابْنٍ، هَذا مَذْهَبُ الجُمْهُورِ. وأجازَ الفَرّاءُ وتَبِعَهُ أبُو البَقاءِ في ما لا يَظْهَرُ فِيهِ تَقْدِيرُ الضَّمَّةِ والفَتْحَةِ، فَإنْ لَمْ تَجْعَلْ ﴿ابْنَ مَرْيَمَ﴾ صِفَةً، وجَعَلْتَهُ بَدَلًا، أوْ مُنادًى، فَلا يَجُوزُ في ذَلِكَ العَلَمِ إلّا الضَّمُّ. وقَدْ خَلَطَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، وبَعْضُ مَن يَنْتَمِي إلى النَّحْوِ هُنا، فَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (عِيسى) في مَحَلِّ الرَّفْعِ؛ لِأنَّهُ مُنادًى مَعْرِفَةٌ غَيْرُ مُضافٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ النَّصْبِ؛ لِأنَّهُ في نِيَّةِ الإضافَةِ، ثُمَّ جُعِلَ الِابْنُ تَوْكِيدًا، وكُلُّ ما كانَ مِثْلَ هَذا جازَ فِيهِ الوَجْهانِ، نَحْوَ يا زَيْدُ بْنَ عَمْرٍو؛ وأنْشَدَ النَّحْوِيُّونَ: ؎يا حَكَمُ بْنَ المُنْذِرِ بْنِ الجارُودْ أنْتَ الجَوادُ بْنُ الجَوادِ بْنِ الجُودِ قالَ التَّبْرِيزِيُّ: الأظْهَرُ عِنْدِي أنَّ مَوْضِعَ (عِيسى) نَصْبٌ؛ لِأنَّكَ تَجْعَلُ الِاسْمَ مَعَ نَعْتِهِ إذا أضَفْتَهُ إلى العَلَمِ، كالشَّيْءِ الواحِدِ المُضافِ انْتَهى. والَّذِي ذَكَرَهُ النَّحْوِيُّونَ في نَحْوِ، يا زَيْدُ بْنَ بَكْرٍ إذا فَتَحْتَ آخِرَ المُنادى؛ أنَّها حَرَكَةُ إتْباعٍ لِحَرَكَةِ نُونِ ابْنٍ، ولَمْ يُعْتَدَّ بِسُكُونِ باءِ ابْنٍ؛ لِأنَّ السّاكِنَ حاجِزٌ غَيْرُ حَصِينٍ، قالُوا: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالذِّكْرِ هُنا؛ الإقْرارُ، وأنْ يُرادَ بِهِ الإعْلامُ، وفائِدَةُ هَذا الذِّكْرِ إسْماعُ الأُمَمِ ما خَصَّهُ بِهِ تَعالى مِنَ الكَرامَةِ، وتَأْكِيدُ حُجَّتِهِ عَلى جاحِدِهِ. وقِيلَ: أُمِرَ بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا لِغَيْرِهِ عَلى مَعْرِفَةِ حَقِّ النِّعْمَةِ، ووُجُوبِ شُكْرِ المُنْعِمِ. قالَ الحَسَنُ: ذِكْرُ النِّعْمَةِ شُكْرُها. والنِّعْمَةُ هُنا جِنْسٌ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما عَدَّدَهُ بَعْدَ هَذا التَّوْحِيدِ اللَّفْظِيِّ مِنَ النِّعَمِ، وإضافَتِها إلَيْهِ؛ تَنْبِيهًا عَلى عِظَمِها، ونِعَمُهُ عَلَيْهِ قَدْ عَدَّدَها هُنا، وفي البَقَرَةِ وآلِ عِمْرانَ ومَرْيَمَ، وفي مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ، ونِعْمَتُهُ عَلى أُمِّهِ؛ بَراءَتُها مِمّا نُسِبَ إلَيْها، وتَكْفِيلُها لِزَكَرِيّا، وتَقَبُّلُها بِقَبُولٍ حَسَنٍ، وما ذُكِرَ في سُورَةِ التَّحْرِيمِ (ومَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرانَ) إلى آخِرِهِ، وغَيْرُ ذَلِكَ. وأُمِرَ بِذِكْرِ نِعْمَةِ أُمِّهِ؛ لِأنَّها نِعْمَةٌ صائِرَةٌ إلَيْهِ. ﴿إذْ أيَّدْتُكَ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ قَرَأ (p-٥١)الجُمْهُورُ بِتَشْدِيدِ الياءِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ (أيَّدْتُكَ) عَلى (أفْعَلْتُكَ) . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَلى وزْنِ فاعَلْتُكَ، ثُمَّ قالَ: ويَظْهَرُ أنَّ الأصْلَ في القِراءَتَيْنِ أيَّدْتُكَ، عَلى وزْنِ أفْعَلْتُكَ، ثُمَّ اخْتَلَفَ الإعْلالُ، والمَعْنى فِيهِما (أيَّدْتُكَ) مِنَ الأيَدِ؛ وقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: ؎الحَمْدُ لِلَّهِ الأعَزِّ الأكْرَمِ ∗∗∗ أيَّدَنا يَوْمَ زُحُوفِ الأشْرَمِ انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ أيَّدَ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، لَيْسَ وزْنُهُ أفْعَلَ؛ لِمَجِيءِ المُضارِعِ عَلى يُؤَيِّدُ، فالوَزْنُ فَعَّلَ، ولَوْ كانَ أفْعَلَ لَكانَ المُضارِعُ يُؤَيِّدُ كَمُضارِعِ آمَنَ يُؤْمِنُ، وأمّا مَن قَرَأ آيَدَ، فَيَحْتاجُ إلى نَقْلِ مُضارِعِهِ مِن كَلامِ العَرَبِ، فَإنْ كانَ يُؤايِدُ، فَهو (فاعَلَ)، وإنْ كانَ (يُؤَيِّدُ)، فَهو (أفْعَلَ) . وأمّا قَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ: أنَّهُ في القِراءَتَيْنِ، يَظْهَرُ أنَّ وزْنَهُ أفْعَلْتُكَ، ثُمَّ اخْتَلَفَ الإعْلالُ، فَلا أفْهَمُ ما أرادَ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في قَوْلِهِ ﴿وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ [البقرة: ٨٧] . ﴿تُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلًا﴾ ﴿وإذْ عَلَّمْتُكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِي وتُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ بِإذْنِي وإذْ تُخْرِجُ المَوْتى بِإذْنِي﴾ . تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمَلِ والقِراءاتِ الَّتِي فِيها، والإعْرابُ، وما لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهُ، نَذْكُرُهُ فَنَقُولُ: جاءَ هُناكَ ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ﴾ . وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ فَتَنْفُخُها فَتَكُونُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (فَتَكُونُ) بِالتّاءِ مِن فَوْقٍ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ (فِيها فَيَكُونُ)، بِالياءِ مِن تَحْتٍ، والضَّمِيرُ في (فِيها) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: اضْطَرَبَ المُفَسِّرُونَ فِيهِ. قالَ مَكِّيٌّ: هو في آلِ عِمْرانَ عائِدٌ عَلى الطّائِرِ، وفي المائِدَةِ عائِدٌ عَلى الهَيْئَةِ، قالَ: ويَصِحُّ عَكْسُ هَذا. وقالَ غَيْرُهُ: الضَّمِيرُ المَذْكُورُ عائِدٌ عَلى (الطِّينِ) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولا يَصِحُّ عَوْدُ هَذا الضَّمِيرِ، لا عَلى الطِّينِ، ولا عَلى الهَيْئَةِ؛ لِأنَّ الطَّيْرَ، أوِ الطّائِرَ الَّذِي يَجِيءُ الطَّيْرُ عَلى هَيْئَتِهِ، لا نَفْخَ فِيهِ البَتَّةَ، وكَذَلِكَ لا نَفْخَ في هَيْئَتِهِ الخاصَّةِ بِهِ، وكَذَلِكَ الطِّينُ، إنَّما هو الطِّينُ العامُّ، ولا نَفْخَ في ذَلِكَ انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولا يَرْجِعُ بَعْضُ الضَّمِيرِ إلى الهَيْئَةِ المُضافِ إلَيْها؛ لِأنَّها لَيْسَتْ مِن خَلْقِهِ، ولا نَفْخِهِ في شَيْءٍ، وكَذَلِكَ الضَّمِيرُ في يَكُونُ انْتَهى. والَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ كَلامُ مَكِّيٍّ؛ أنَّهُ لا يُرِيدُ بِهِ ما فُهِمَ عَنْهُ، بَلْ يَكُونُ قَوْلُهُ عائِدًا (p-٥٢)عَلى الطّائِرِ، لا يُرِيدُ بِهِ الطّائِرَ المُضافَ إلَيْهِ الهَيْئَةُ، بَلِ الطّائِرَ الَّذِي صَوَّرَهُ عِيسى، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ، وإذْ يَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ طائِرًا صُورَةً مِثْلَ صُورَةِ الطّائِرِ الحَقِيقِيِّ، فَيَنْفُخُ فِيهِ، فَيَكُونُ طائِرًا حَقِيقَةً، بِإذْنِ اللَّهِ. ويَكُونُ قَوْلُهُ عائِدًا عَلى الهَيْئَةِ، لا يُرِيدُ بِهِ الهَيْئَةَ المُضافَةَ إلى الطّائِرِ، بَلِ الهَيْئَةَ الَّتِي تَكُونُ الكافُ صِفَةً لَها، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ؛ وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ هَيْئَةً مِثْلَ هَيْئَةِ الطَّيْرِ، فَتَنْفُخُ فِيها؛ أيْ في الهَيْئَةِ المَوْصُوفَةِ بِالكافِ، المَنسُوبِ خَلْقِها إلى عِيسى. وأمّا قَوْلُ مَكِّيٍّ، ويَصِحُّ عَكْسُ هَذا؛ وهو أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ المُذَكَّرُ عائِدًا عَلى الهَيْئَةِ، والضَّمِيرُ المُؤَنَّثُ عائِدًا عَلى الطّائِرِ، فَيُمْكِنُ تَخْرِيجُهُ عَلى أنَّهُ ذُكِّرَ الضَّمِيرُ، وإنْ كانَ عائِدًا عَلى مُؤَنَّثٍ؛ لِأنَّهُ لُحِظَ فِيها مَعْنى الشَّكْلِ، كَأنَّهُ قَدَّرَ هَيْئَةً كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِقَوْلِهِ شَكْلًا كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ. وأنَّهُ أنَّثَ الضَّمِيرَ، وإنْ كانَ عائِدًا عَلى مُذَكَّرٍ؛ لِأنَّهُ لُحِظَ فِيهِ مَعْنى الهَيْئَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والوَجْهُ عَوْدُ ضَمِيرِ المُؤَنَّثِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ الآيَةُ ضَرُورَةً؛ أيْ صُوَرًا، أوْ أشْكالًا، أوْ أجْسامًا، وعَوْدُ الضَّمِيرِ المُذَكَّرِ عَلى المَخْلُوقِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ (تَخْلُقُ)، ثُمَّ قالَ: ولَكَ أنْ تُعِيدَهُ عَلى ما تَدُلُّ عَلَيْهِ الكافُ في مَعْنى المِثْلِ؛ لِأنَّ المَعْنى وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ مِثْلَ هَيْئَةٍ، ولَكَ أنْ تُعِيدَ الضَّمِيرَ عَلى الكافِ نَفْسِهِ، فَيَكُونُ اسْمًا في غَيْرِ الشِّعْرِ، فَهو قَوْلُ أبِي الحَسَنِ وحْدَهُ مِنَ البَصْرِيِّينَ، وكَذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ الضَّمِيرَ في فِيها، لِلْكافِ، قالَ: لِأنَّها صِفَةُ الهَيْئَةِ الَّتِي كانَ يَخْلُقُها عِيسى، ويَنْفُخُ فِيها. وجاءَ في آلِ عِمْرانَ ﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٤٩] مَرَّتَيْنِ، وجاءَ هُنا (بِإذْنِي) أرْبَعَ مَرّاتٍ عَقِيبَ أرْبَعِ جُمَلٍ؛ لِأنَّ هَذا مَوْضِعُ ذِكْرِ النِّعْمَةِ والِامْتِنانِ بِها، فَناسَبَ الإسْهابَ، وهُناكَ مَوْضِعُ إخْبارٍ لِبَنِي إسْرائِيلَ، فَناسَبَ الإيجازَ. والتَّقْدِيرُ في وإذْ تُخْرِجُ المَوْتى؛ تُحْيِي المَوْتى، فَعَبَّرَ بِالإخْراجِ عَنِ الإحْياءِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ [ق: ١١] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وأحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ [ق: ١١]، أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ؛ وإذْ تُخْرِجُ المَوْتى مِن قُبُورِهِمْ أحْياءً. ﴿وإذْ كَفَفْتُ بَنِي إسْرائِيلَ عَنْكَ إذْ جِئْتَهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ مَنَعْتُهم مِن قَتْلِكَ حِينَ هَمُّوا بِكَ، وأحاطُوا بِالبَيْتِ الَّذِي أنْتَ فِيهِ. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: لَمّا قالَ اللَّهُ لِعِيسى: ﴿اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ كانَ يَلْبَسُ الشَّعْرَ، ويَأْكُلُ الشَّجَرَ، ولا يُؤَخِّرُ شَيْئًا لِغَدْوٍ، يَقُولُ مَعَ كُلِّ يَوْمٍ رِزْقُهُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيْتٌ فَيُخَرَّبَ، ولا ولَدٌ فَيَمُوتَ، أيْنَ ما أمْسى باتَ. وهَذا القَوْلُ يَظْهَرُ مِنهُ أنَّ عِيسى خُوطِبَ بِذَلِكَ قَبْلَ الرَّفْعِ. والبَيِّناتُ هُنا؛ هي المُعْجِزاتُ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها، وظَهَرَتْ عَلى يَدَيْهِ، ولَمّا فَصَّلَ تَعالى نِعْمَتَهُ ذَكَرَ ذَلِكَ مَنسُوبًا لِعِيسى دُونَ أُمِّهِ؛ لِأنَّ مِن هَذِهِ النِّعَمِ نِعْمَةَ النُّبُوَّةِ، وظُهُورَ هَذِهِ الخَوارِقِ، فَنِعْمَتُهُ عَلَيْهِ أعْظَمُ مِنها عَلى أُمِّهِ، إذْ ولَدَتْ مِثْلَ هَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ؛ وقالَ الشّاعِرُ فِيما يُشْبِهُ هَذا: ؎شَهِدَ العَوالِمُ أنَّها لَنَفِيسَةٌ ∗∗∗ بِدَلِيلِ ما ولَدَتْ مِنَ النُّجَباءِ ﴿فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (ساحِرٌ) بِالألِفِ هُنا. وفي هُودٍ والصَّفِّ، فَهَذا هُنا إشارَةٌ إلى عِيسى. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ (سِحْرٌ)، فَهَذا إشارَةٌ إلى ما جاءَ بِهِ عِيسى مِنَ البَيِّناتِ. ﴿وإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ أنْ آمِنُوا بِي وبِرَسُولِي﴾ أيْ أوْحَيْتُ إلَيْهِمْ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إمّا أنْ يَكُونَ وحْيَ إلْهامٍ، أوْ وحْيَ أمْرٍ. والرَّسُولُ هُنا؛ هو عِيسى، وهَذا الإيحاءُ إلى الحَوارِيِّينَ؛ هو مِن نِعَمِ اللَّهِ عَلى عِيسى بِأنْ جَعَلَ لَهُ أتْباعًا يُصَدِّقُونَهُ، ويَعْمَلُونَ بِما جاءَ بِهِ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ تَفْسِيرِيَّةً؛ لِأنَّهُ تَقَدَّمَها جُمْلَةٌ في مَعْنى القَوْلِ، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً. ﴿قالُوا آمَنّا واشْهَدْ بِأنَّنا مُسْلِمُونَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في آلِ عِمْرانَ، إلّا أنَّ هُناكَ (آمَنّا بِاللَّهِ) لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُ اللَّهِ فَقَطْ في قَوْلِهِ: ﴿مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢]، وهُنا جاءَ (قالُوا آمَنّا) فَلَمْ يَتَقَيَّدْ بِلَفْظِ الجَلالَةِ، إذْ قَدْ تَقَدَّمَ (p-٥٣)أنْ آمَنُوا بِي وبِرَسُولِي، وجاءَ هُناكَ ﴿واشْهَدْ بِأنّا﴾ [آل عمران: ٥٢]، وهُنا ﴿واشْهَدْ بِأنَّنا﴾ . وهَذا هو الأصْلُ، إذْ (أنَّ) مَحْذُوفٌ مِنهُ النُّونُ؛ لِاجْتِماعِ الأمْثالِ. ﴿إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ﴾ اعْتِراضٌ لِما وصَفَ حالَ قَوْمِ اللَّهِ لِعِيسى يَوْمَ القِيامَةِ، وتَضَمَّنَ الِاعْتِراضُ إخْبارَ مُحَمَّدٍ وأُمَّتِهِ بِنازِلَةِ الحَوارِيِّينَ في المائِدَةِ، إذْ هي مِثالٌ نافِعٌ لِكُلِّ أُمَّةٍ مَعَ نَبِيِّها انْتَهى. والَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ اللَّفْظِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ اللَّهُ ياعِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ إلى آخِرِ قِصَّةِ المائِدَةِ، كانَ ذَلِكَ في الدُّنْيا ذَكَّرَ عِيسى بِنِعَمِهِ، وبِما أجْراهُ عَلى يَدَيْهِ مِنَ المُعْجِزاتِ، وبِاخْتِلافِ بَنِي إسْرائِيلَ عَلَيْهِ، وانْقِسامِهِمْ إلى كافِرٍ ومُؤْمِنٍ، وهُمُ الحَوارِيُّونَ، ثُمَّ اسْتَطْرَدَ إلى قِصَّةِ المائِدَةِ، ثُمَّ إلى سُؤالِهِ تَعالى لِعِيسى ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦]، وإنَّما حَمَلَ بَعْضُهم عَلى أنَّ ذَلِكَ في الآخِرَةِ كَوْنُهُ اعْتَقَدَ أنَّ (إذْ) بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩]، وأنَّ في آخِرِ الآياتِ ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ﴾ [المائدة: ١١٩] . ولا يَتَعَيَّنُ هَذا المَحْمَلُ عَلى ما نُبَيِّنُهُ، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، في قَوْلِهِ: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ﴾ [المائدة: ١١٩]، بَلِ الظّاهِرُ ما ذَكَرْناهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾، بِالياءِ وضَمِّ الباءِ. وهَذا اللَّفْظُ يَقْتَضِي ظاهِرُهُ الشَّكَّ في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، عَلى أنْ يُنْزِلَ مائِدَةً مِنَ السَّماءِ، وذَلِكَ هو الَّذِي حَمَلَ الزَّمَخْشَرِيَّ عَلى أنَّ الحَوارِيِّينَ لَمْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، قالَ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ قالُوا هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ بَعْدَ إيمانِهِمْ وإخْلاصِهِمْ ؟ قُلْتُ: ما وصَفَهُمُ اللَّهُ بِالإيمانِ والإخْلاصِ، وإنَّما حَكى ادِّعاءَهم لَهُما، ثُمَّ أتْبَعَهُ قَوْلَهُ: (إذْ قالُوا) فَآذَنَ أنَّ دَعْواهم كانَتْ باطِلَةً، وأنَّهم كانُوا شاكِّينَ. وقَوْلُهُ: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ كَلامٌ لا يَرِدُ مِثْلُهُ عَنْ مُؤْمِنِينَ مُعَظِّمِينَ لِرَبِّهِمْ، ولِذَلِكَ قَوْلُ عِيسى لَهم مَعْناهُ؛ اتَّقُوا اللَّهَ، ولا تَشُكُّوا في اقْتِدارِهِ واسْتِطاعَتِهِ، ولا تَقْتَرِحُوا عَلَيْهِ، ولا تُحَكِّمُوا ما تَشْتَهُونَ مِنَ الآياتِ، فَتَهْلِكُوا إذا عَصَيْتُمُوهُ بَعْدَها. ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ إنْ كانَتْ دَعْواكم لِلْإيمانِ صَحِيحَةً انْتَهى. وأمّا غَيْرُ الزَّمَخْشَرِيِّ مِن أهْلِ التَّفْسِيرِ، فَأطْبَقُوا عَلى أنَّ الحَوارِيِّينَ كانُوا مُؤْمِنِينَ حَتّى قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لا خِلافَ أحْفَظُهُ في أنَّ الحَوارِيِّينَ كانُوا مُؤْمِنِينَ. وقالَ قَوْمٌ: قالَ الحَوارِيُّونَ هَذِهِ المَقالَةَ في صَدْرِ الأمْرِ قَبْلَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهُ يُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ، ويُحْيِي المَوْتى. قالَ المُفَسِّرُونَ: والحَوارِيُّونَ هم خَواصُّ عِيسى، وكانُوا مُؤْمِنِينَ، ولَمْ يَشُكُّوا في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى ذَلِكَ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لا يَجُوزُ لِأحَدٍ أنْ يَتَوَهَّمَ أنَّ الحَوارِيِّينَ شَكُّوا في قُدْرَةِ اللَّهِ، وإنَّما هَذا كَما يَقُولُ الإنْسانُ لِصاحِبِهِ: هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَقُومَ مَعِي ؟ وهو يَعْلَمُ أنَّهُ مُسْتَطِيعٌ لَهُ، ولَكِنَّهُ يُرِيدُ هَلْ يَسْهُلُ عَلَيْكَ انْتَهى. وقالَ الفارِسِيُّ: مَعْناهُ هَلْ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِمَسْألَتِكَ إيّاهُ. وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَشُكُّوا في قُدْرَةِ اللَّهِ، وإنَّما سَألُوهُ سُؤالَ مُسْتَخْبِرٍ، هَلْ يُنَزِّلُ أمْ لا ؟ فَإنْ كانَ يُنَزِّلُ فاسْألْهُ لَنا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَلْ يَفْعَلُ تَعالى هَذا ؟ وهَلْ يَقَعُ مِنهُ إجابَةٌ إلَيْهِ ؟ كَما قالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ: هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تُرِيَنِيَ كَيْفَ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، يَتَوَضَّأُ ؟ فالمَعْنى هَلْ يُحِبُّ ذَلِكَ، وهَلْ يَفْعَلُهُ انْتَهى. وقِيلَ: المُرادُ مِن هَذا الكَلامِ اسْتِفْهامُ أنَّ ذَلِكَ جائِزٌ، أمْ لا ؟ وذَلِكَ لِأنَّ أفْعالَهُ مَوْقُوفَةٌ عَلى وُجُوهِ الحِكْمَةِ، فَإنْ لَمْ يَحْصُلْ شَيْءٌ مِن وُجُوهِ الحِكْمَةِ، كانَ الفِعْلُ مُمْتَنِعًا، فَإنَّ المُنافِيَ مِن وُجُوهِ الحِكْمَةِ، كالمُنافِي مِن وُجُوهِ القُدْرَةِ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: هَذا الجَوابُ يَمْشِي عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، وأمّا عَلى مَذْهَبِنا، فَهو مَحْمُولٌ عَلى أنَّهُ تَعالى، هَلْ قَضى بِذَلِكَ ؟ وهَلْ عَلِمَ وُقُوعَهُ ؟ فَإنَّهُ إنْ لَمْ يَقْضِ بِهِ ويَعْلَمْ وُقُوعَهُ، كانَ ذَلِكَ مُحالًا غَيْرَ مَقْدُورٍ؛ لِأنَّ خِلافَ (p-٥٤)المَعْلُومِ غَيْرُ مَقْدُورٍ، وقالَ أيْضًا لَيْسَ المَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ كَوْنَهم شاكِّينَ فِيهِ، بَلِ المَقْصُودُ تَقْرِيرُ أنَّ ذَلِكَ في غايَةِ الظُّهُورِ، كَمَن يَأْخُذُ بِيَدِ ضَعِيفٍ، ويَقُولُ: هَلْ يَقْدِرُ السُّلْطانُ عَلى إشْباعِ هَذا ؟ ويَكُونُ غَرَضُهُ مِنهُ أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ واضِحٌ، لا يَجُوزُ لِلْعاقِلِ أنْ يَشُكَّ فِيهِ، وأبْعَدَ مَن قالَ: هَلْ يُنَزِّلُ رَبُّكَ مائِدَةً مِنَ السَّماءِ ؟ (ويَسْتَطِيعُ) صِلَةٌ، ومَن قالَ: الرَّبُّ هَنا جِبْرِيلُ؛ لِأنَّهُ كانَ يُرَبِّي عِيسى، ويَخُصُّهُ بِأنْواعِ الإعانَةِ، ولِذَلِكَ قالَ في أوَّلِ الآيَةِ ﴿إذْ أيَّدْتُكَ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ . ورُوِيَ أنَّ الَّذِي نَحا بِهِمْ هَذا المَنحى مِنَ الِاقْتِراحِ؛ هو أنَّ عِيسى قالَ لَهم مَرَّةً: هَلْ لَكم في صِيامِ ثَلاثِينَ يَوْمًا لِلَّهِ تَعالى، ثُمَّ إنْ سَألْتُمُوهُ حاجَةً، قَضاها، فَلَمّا صامُوها، قالُوا: يا مُعَلِّمَ الخَيْرِ ! إنَّ حَقَّ مَن عَمِلَ عَمَلًا أنْ يُطْعَمَ، فَهَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ؟ فَأرادُوا أنْ تَكُونَ المائِدَةُ عِيدَ ذَلِكَ الصَّوْمِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ (هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ)، بِالتّاءِ مِن فَوْقُ (رَبَّكَ) بِنَصْبِ الباءِ، وهي قِراءَةُ عَلِيٍّ ومُعاذٍ وابْنِ عَبّاسٍ وعائِشَةَ وابْنِ جُبَيْرٍ. قالَتْ عائِشَةُ: كانَ الحَوارِيُّونَ أعْرَفَ بِاللَّهِ مِن أنْ يَقُولُوا ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ نَزَّهَتْهم عَنْ بَشاعَةِ اللَّفْظِ، وعَنْ مُرادِهِمْ ظاهِرَهُ. وقَدْ ذَكَرْنا تَأْوِيلاتِ ذَلِكَ، ومَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ؛ هَلْ تَسْتَطِيعُ سُؤالَ رَبِّكَ ؟ و﴿أنْ يُنَزِّلَ﴾ مَعْمُولٌ لِسُؤالٍ المَحْذُوفِ إذْ هو حَذْفٌ لا يَتِمُّ المَعْنى إلّا بِهِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: وقَدْ يُمْكِنُ أنْ يُسْتَغْنى عَنْ تَقْدِيرِ سُؤالٍ، عَلى أنْ يَكُونَ المَعْنى؛ هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ يُنَزِّلَ رَبُّكَ بِدُعائِكَ ؟ فَيَئُولُ المَعْنى، ولا بُدَّ إلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما ذُكِرَ مِنَ اللَّفْظِ انْتَهى. ولا يَظْهَرُ ما قالَ أبُو عَلِيٍّ؛ لِأنَّ فِعْلَ اللَّهِ تَعالى، وإنْ كانَ سَبَبُهُ الدُّعاءَ، لا يَكُونُ مَقْدُورًا لِعِيسى. وأدْغَمَ الكِسائِيُّ لامَ (هَلْ) في ياءِ (يَسْتَطِيعُ) وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُ قَوْلُ عِيسى ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمُ الِاقْتِراحَ لِلْآياتِ، وهو عَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ تَقْرِيرًا لِلْإيمانِ، كَما تَقُولُ افْعَلْ كَذا، وكَذا إنْ كُنْتَ رَجُلًا. وقالَ مُقاتِلٌ وجَماعَةٌ: اتَّقُوهُ أنْ تَسْألُوهُ البَلاءَ؛ لِأنَّها إنْ نَزَلَتْ، وكَذَّبْتُمْ عُذِّبْتُمْ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ وجَماعَةٌ: أنْ تَسْألُوهُ ما لَمْ تَسْألْهُ الأُمَمُ قَبْلَكم. وقِيلَ: أنْ تَشُكُّوا في قُدْرَتِهِ عَلى إنْزالِ المائِدَةِ. وقِيلَ: اتَّقُوا اللَّهَ في الشَّكِّ فِيهِ، وفي رُسُلِهِ وآياتِهِمْ. وقِيلَ: اتَّقُوا مَعاصِيَ اللَّهِ. وقِيلَ: أمَرَهم بِالتَّقْوى لِيَكُونَ سَبَبًا لِحُصُولِ هَذا المَطْلُوبِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هُنا (عِيسى) في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى اتْباعِ حَرَكَتِهِ حَرَكَةَ الِابْنِ، كَقَوْلِكَ يا زَيْدَ بْنَ عَمْرٍو ! وهي اللُّغَةُ الفاشِيَةُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَضْمُومًا، كَقَوْلِكَ يا زَيْدُ بْنَ عَمْرٍو ! والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: أحارُ ابْنَ عُمَرَ كَأنِّي خَمْرٌ لِأنَّ التَّرْخِيمَ لا يَكُونُ إلّا في المَضْمُومِ انْتَهى. فَقَوْلُهُ: عِيسى في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، وعَلى تَقْدِيرِ ضَمِّهِ، فَهو لا اخْتِصاصَ لَهُ بِكَوْنِهِ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى تَقْدِيرِ الإتْباعِ، فَإصْلاحُهُ عِيسى مُقَدَّرٌ فِيهِ الفَتْحَةُ عَلى إتْباعِ الحَرَكَةِ، وقَوْلُهُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَضْمُومًا؛ هَذا مَذْهَبُ الفَرّاءِ، وهو تَقْدِيرُ الفَتْحِ والضَّمِّ، ونَحْوُهُ مِمّا لا تَظْهَرُ فِيهِ الضَّمَّةُ قِياسًا عَلى الصَّحِيحِ، ولَمْ يَبْدَأْ أوَّلًا بِالضَّمِّ الَّذِي هو مُجْمَعٌ عَلى تَقْدِيرِهِ: فَلَيْسَ بِشَرْطٍ، ألا تُرى إلى جَوازِ تَرْخِيمِ رَجُلٍ اسْمُهُ مُثَنًّى ؟ فَتَقُولُ: يا مُثَنُّ أقْبِلْ، وإلى تَرْخِيمِ بَعْلَبَكَّ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ، لَكِنَّهُ في تَقْدِيرِ الِاسْمِ المَضْمُومِ، وإنْ عَنى ضَمَّةً مُقَدَّرَةً، فَإنْ عَنى ضَمَّةً ظاهِرَةً، فَلَيْسَ بِشَرْطٍ، ألا تَرى إلى جَوازِ تَرْخِيمِ رَجُلٍ اسْمُهُ مُثَنًّى ؟ فَتَقُولُ: يا مُثَنُّ، فَإنَّ مِثْلَ يا جَعْفَرَ بْنَ زَيْدٍ مِمّا فُتِحَ فِيهِ آخِرُ المُنادى لِأجْلِ الإتْباعِ، مُقَدَّرٌ فِيهِ الضَّمَّةُ لِشَغْلِ الحَرْفِ بِحَرَكَةِ الإتْباعِ، كَما قَدَّرَ الأعْرابِيُّ في قِراءَةِ مَن قَرَأ (الحَمْدِ لِلَّهِ)، بِكَسْرِ الدّالِ، لِأجْلِ إتْباعِ حَرَكَةِ (لِلَّهِ)، فَقَوْلُكَ: يا حارُ ! هو (p-٥٥)مَضْمُومٌ تَقْدِيرًا، وإنْ كانَتِ الثّاءُ المَحْذُوفَةُ مَشْغُولَةً في الأصْلِ بِحَرَكَةِ الإتْباعِ، وهي الفَتْحَةُ، فَلا تَنافِي بَيْنَ التَّرْخِيمِ، وبَيْنَ ما فُتِحَ إتْباعًا، وقُدِّرَتْ فِيهِ الضَّمَّةُ. وكانَ يَنْبَغِي لِلزَّمَخْشَرِيِّ أنْ يَتَكَلَّمَ عَلى هَذِهِ المَسْألَةِ قَبْلَ هَذا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ قالَ اللَّهُ ياعِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ حَيْثُ تَكَلَّمَ النّاسُ عَلَيْها. ﴿قالُوا نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها وتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا ونَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا ونَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ لَمّا أمَرَهم عِيسى بِتَقْوى اللَّهِ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ ما تَقَدَّمَ مِن كَلامِهِمْ، صَرَّحُوا بِسَبَبِ طَلَبِ المائِدَةِ، وأنَّهم يُرِيدُونَ الأكْلَ مِنها، وذَلِكَ لِلشَّرَفِ لا لِلشِّبَعِ، واطْمِئْنانِ قُلُوبِهِمْ بِسُكُونِ الفِكْرِ، إذا عايَنُوا هَذا المُعْجِزَ العَظِيمَ النّازِلَ مِنَ السَّماءِ، وعُلِمَ الضَّرُورَةُ والمُشاهِدَةُ بِصِدْقِهِ، فَلا تَعْتَرِضُ الشُّبَهُ اللّاحِقَةُ في عِلْمِ الِاسْتِدْلالِ وكَيْنُونَتِهِمْ مِنَ المُشاهِدِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ، النّاقِلِينَ لَها إلى غَيْرِهِمْ، القائِمِينَ بِهَذا الشَّرْعِ، أوْ مِنَ الشّاهِدِينَ لِلَّهِ بِالوَحْدانِيَّةِ ولَكَ بِالنُّبُوَّةِ، وقَدْ طَوَّلَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِ مُتَعَلِّقِ إرادَتِهِمْ بِهَذِهِ الأشْياءِ، ومُلَخَّصُها أنَّهم أرادُوا الأكْلَ لِلْحاجَةِ وشِدَّةِ الجُوعِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وكانَ إذا خَرَجَ اتَّبَعَهُ خَمْسَةُ آلافٍ أوْ أكْثَرُ مِن صاحِبٍ لَهُ، وذِي عِلَّةٍ يَطْلُبُ البُرْءَ، ومُسْتَهْزِئٍ فَوَقَعُوا يَوْمًا في مَفازَةٍ ولا زادَ، فَجاعُوا وسَألُوا مِنَ الحَوارِيِّينَ أنْ يَسْألُوا عِيسى نُزُولَ مائِدَةٍ مِنَ السَّماءِ، فَذَكَرَ شَمْعُونُ لِعِيسى ذَلِكَ، فَقالَ: قُلْ لَهُمُ اتَّقُوا اللَّهَ، وأرادُوا الأكْلَ لِيَزْدادُوا إيمانًا. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أوِ التَّشْرِيفَ بِالمائِدَةِ ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ والِاطْمِئْنانُ: إمّا بِأنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَكَ إلَيْنا، أوِ اخْتارَنا أعْوانًا لَكَ، أوْ قَدْ أجابَكَ، أوِ العِلْمُ بِالصِّدْقِ في أنّا إذا صُمْنا لِلَّهِ تَعالى ثَلاثِينَ يَوْمًا. لَمْ نَسْألِ اللَّهَ شَيْئًا إلّا أعْطانا، أوْ في أنَّكَ رَسُولٌ حَقًّا، إذِ المُعْجِزُ دَلِيلُ الصِّدْقِ، وكانُوا قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَرَوُا الآياتِ، أوْ يُرادُ بِالعِلْمِ الضَّرُورِيُّ والمُشاهِدَةُ انْتَهى. وأتَتْ هَذِهِ المَعاطِيفُ مُرَتَّبَةً تَرْتِيبًا لَطِيفًا، وذَلِكَ أنَّهم لا يَأْكُلُونَ مِنها إلّا بَعْدَ مُعايَنَةِ نُزُولِها، فَيَجْتَمِعُ عَلى العِلْمِ بِها حاسَّةُ الرُّؤْيَةِ، وحاسَّةُ الذَّوْقِ، فَبِذَلِكَ يَزُولُ عَنِ القَلْبِ قَلَقُ الِاضْطِرابِ، ويَسْكُنُ إلى ما عايَنَهُ الإنْسانُ وذاقَهُ، وبِاطْمِئْنانِ القَلْبِ يَحْصُلُ العِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِصِدْقِ مَن كانَتِ المُعْجِزَةُ عَلى يَدَيْهِ، إذْ جاءَتْ طِبْقَ ما سَألَ، وسَألُوا هَذا المُعْجِزَ العَظِيمَ؛ لِأنَّ تَأْثِيرَهُ في العالَمِ العُلْوِيِّ بِدُعاءِ مَن هو في العالَمِ الأرْضِيِّ، أقْوى وأغْرَبُ مِن تَأْثِيرِ مَن هو في العالَمِ الأرْضِيِّ في عالَمِهِ الأرْضِيِّ، ألا تَرى أنَّ مِن أعْظَمِ مُعْجِزاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ القُرْآنَ، وانْشِقاقَ القَمَرِ، وهُما مِنَ العالَمِ العُلْوِيِّ. وإذا حَصَلَ عِنْدَهُمُ العِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِصِدْقِ عِيسى، شَهِدُوا شَهادَةَ يَقِينٍ لا يَخْتَلِجُ بِها ظَنٌّ ولا شَكٌّ، ولا وهْمٌ وبِذِكْرِهِمْ هَذِهِ الأسْبابَ الحامِلَةَ عَلى طَلَبِ المائِدَةِ، يَتَرَجَّحُ قَوْلُ مَن قالَ: كانَ سُؤالُهم ذَلِكَ قَبْلَ عِلْمِهِمْ بِآياتِ عِيسى ومُعْجِزاتِهِ وإنَّ وحْيَ اللَّهِ إلَيْهِمْ بِالإيمانِ، كانَ في صَدْرِ الأمْرِ، وعِنْدَ ذَلِكَ قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ، ثُمَّ آمَنُوا ورَأوُا الآياتِ، واسْتَمَرُّوا، وصَبَرُوا. وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ: (ونُعْلَمَ) بِضَمِّ النُّونِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وهَكَذا في كِتابِ التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ، وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ (ويُعْلَمَ) بِالياءِ المَضْمُومَةِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى القُلُوبِ، وفي كِتابِ الزَّمَخْشَرِيِّ ويُعْلَمَ بِالياءِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ الأعْمَشُ (وتَعْلَمَ) بِالتّاءِ؛ أيْ وتَعْلَمُهُ قُلُوبُنا. وقَرَأ الجُمْهُورُ (ونَكُونَ) بِالنُّونِ، وفي كِتابِ التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ. وقَرَأ سِنانٌ وعِيسى (وتَكُونَ عَلَيْها) بِالتّاءِ، وفي الزَّمَخْشَرِيِّ؛ وكانَتْ دَعْواهم لِإرادَةِ ما ذَكَرُوا، كَدَعْواهم لِلْإيمانِ والإخْلاصِ، وإنَّما سَألَ عِيسى، وأُجِيبَ لِيَلْزَمُوا الحُجَّةَ بِكَمالِها، ويُرْسَلَ عَلَيْهِمُ العَذابُ، إذا خالَفُوا انْتَهى. وإنَّما قالَ ذَلِكَ لِأنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ الحَوارِيُّونَ مُؤْمِنِينَ، وإذا ولِيَ (أنْ) المُخَفِّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ فِعْلٌ مُتَصَرِّفٌ عَنْ دُعاءٍ، فَإنْ كانَ ماضِيًا، فُصِلَ بَيْنَهُما بِـ (قَدْ)، نَحْوَ قَوْلِهِ: ونَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا، وإنْ كانَ مُضارِعًا، فُصِلَ بَيْنَهُما بِحَرْفِ تَنْفِيسٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ مِنكم مَرْضى﴾ [المزمل: ٢٠] ولا (p-٥٦)يَقَعُ بِغَيْرِ فَصْلٍ، قِيلَ: إلّا قَلِيلًا. وقِيلَ: إلّا ضَرُورَةً، وفِيما تَتَعَلَّقُ بِهِ (عَلَيْها) الَّتِي تَقَدَّمَتْ في نَحْوِ ﴿إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عاكِفِينَ عَلَيْها عَلى أنَّ (عَلَيْها) في مَوْضِعِ الحالِ انْتَهى. وهَذا التَّقْدِيرُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ حَرْفَ الجَرِّ لا يُحْذَفُ عامِلُهُ وُجُوبًا، إلّا إذا كانَ كَوْنًا مُطْلَقًا لا كَوْنًا مُقَيَّدًا، والعُكُوفُ كَوْنٌ مُقَيَّدٌ؛ ولِأنَّ المَجْرُورَ إذا كانَ في مَوْضِعِ الحالِ، كانَ العامِلُ فِيها (عاكِفِينَ) المُقَدَّرَ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، ثُمَّ إنَّ قَوْلَ الزَّمَخْشَرِيِّ مُضْطَرِبٌ؛ لِأنَّ عَلَيْها إذا كانَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ هو عاكِفِينَ، كانَتْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِ الَّذِي تَعَدّى إلَيْهِ العامِلُ بِحَرْفِ الجَرِّ، وإذا كانَتْ في مَوْضِعِ الحالِ، كانَ العامِلُ فِيها كَوْنًا مُطْلَقًا واجِبَ الحَذْفِ، فَظَهَرَ التَّنافِي بَيْنَهُما. ﴿قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيدًا لِأوَّلِنا وآخِرِنا وآيَةً مِنكَ وارْزُقْنا وأنْتَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ . رُوِيَ أنَّ عِيسى لَبِسَ جُبَّةَ شَعْرٍ ورِداءَ شَعْرِ، وقامَ يُصَلِّي ويَبْكِي ويَدْعُو. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى لَفْظَةِ (اللَّهُمَّ) في آلِ عِمْرانَ، ونادى رَبَّهُ أوَّلًا بِالعِلْمِ الَّذِي لا شَرِكَةَ فِيهِ، ثُمَّ ثانِيًا بِلَفْظِ (رَبَّنا) مُطابِقًا إلى مُصْلِحِنا ومُرَبِّينا ومالِكِنا. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿تَكُونُ لَنا﴾ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ صِفَةٌ لِمائِدَةٍ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ والأعْمَشُ (يَكُنْ) بِالجَزْمِ عَلى جَوابِ الأمْرِ، والمَعْنى يَكُنْ يَوْمُ نُزُولِها عِيدًا، وهو يَوْمُ الأحَدِ، ومِن أجْلِ ذَلِكَ اتَّخَذَهُ النَّصارى عِيدًا. وقِيلَ العِيدُ: السُّرُورُ والفَرَحُ، ولِذَلِكَ يُقالُ يَوْمُ عِيدٍ، فالمَعْنى يَكُونُ لَنا سُرُورًا وفَرَحًا، والعِيدُ المُجْتَمَعُ لِلْيَوْمِ المَشْهُودِ، وعُرْفُهُ أنْ يُقالَ فِيما يَسْتَدِيرُ بِالسَّنَةِ أوْ بِالشَّهْرِ أوْ بِالجُمْعَةِ ونَحْوِهِ. وقِيلَ: العِيدُ لُغَةً ما عادَ إلَيْكَ مِن شَيْءٍ في وقْتٍ مَعْلُومٍ، سَواءٌ كانَ فَرَحًا أوْ تَرَحًا، وغَلَبَتِ الحَقِيقَةُ العُرْفِيَّةُ عَلى الحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ. وقالَ الخَلِيلُ: العِيدُ كُلُّ يَوْمٍ يَجْمَعُ النّاسَ؛ لِأنَّهم عادُوا إلَيْهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِأوَّلِنا لِأهْلِ زَمانِنا، وآخِرِنا مَن يَجِيءُ بَعْدَنا. وقِيلَ لِأوَّلِنا المُتَقَدِّمِينَ مِنّا والرُّؤَساءِ، وآخِرِنا يَعْنِي الأتْباعَ. والأوَّلِيَّةُ والآخِرِيَّةُ فاحْتَمَلَتا الأكْلَ والزَّمانَ والرُّتْبَةَ، والظّاهِرُ الزَّمانُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ والجَحْدَرِيُّ لِأُولانا وأُخْرانا، أنَّثُوا عَلى مَعْنى الأُمَّةِ والجَماعَةِ، والمَجْرُورُ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ لَنا، وكُرِّرَ العامِلُ وهو حَرْفُ الجَرِّ، كَقَوْلِهِ ﴿مِنها مِن غَمٍّ﴾ [الحج: ٢٢] والبَدَلُ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ والمُخاطَبِ، إذا كانَ بَدَلَ بَعْضٍ، أوْ بَدَلَ اشْتِمالٍ، جازَ بِلا خِلافٍ، وإنْ كانَ بَدَلَ شَيْءٍ مِن شَيْءٍ، وهُما لِعَيْنٍ واحِدَةٍ، فَإنْ أفادَ مَعْنى التَّأْكِيدِ جازَ لِهَذا البَدَلِ، إذِ المَعْنى تَكُونُ لَنا عِيدًا كُلِّنا، كَقَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِكم أكابِرِكم وأصاغِرِكُمْ؛ لِأنَّ مَعْنى ذَلِكَ؛ مَرَرْتُ بِكم كُلِّكم، وإنْ لَمْ تُفْدِ تَوْكِيدًا، فَمَسْألَةُ خِلافٍ الأخْفَشُ يُجِيزُ، وغَيْرُهُ مِنَ البَصْرِيِّينَ يَمْنَعُ، ومَعْنى ﴿وآيَةً مِنكَ﴾ عَلامَةٌ شاهِدَةٌ عَلى صِدْقِ عَبْدِكَ. وقِيلَ حُجَّةٌ، ودَلالَةٌ عَلى كَمالِ قُدْرَتِكَ. وقَرَأ اليَمانِيُّ (وأنَّهُ مِنكَ)، والضَّمِيرُ في (وأنَّهُ) إمّا لِلْعِيدِ، أوِ الإنْزالِ. (وارْزُقْنا) قِيلَ: المائِدَةَ، وقِيلَ: الشُّكْرَ لِنِعْمَتِكَ ﴿وأنْتَ خَيرُ الرّازِقِينَ﴾ لِأنَّكَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ تَبْتَدِئُ بِالرِّزْقِ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: تَأمَّلْ هَذا التَّرْتِيبَ، فَإنَّ الحَوارِيِّينَ لَمّا سَألُوا المائِدَةَ، ذَكَرُوا في طَلَبِها أغْراضًا، فَقَدَّمُوا ذِكْرَ الأكْلِ، وأخَّرُوا الأغْراضَ الدِّينِيَّةَ الرُّوحانِيَّةَ، وعِيسى طَلَبَ المائِدَةَ، وذَكَرَ أغْراضَهُ، فَقَدَّمَ الدِّينِيَّةَ، وأخَّرَ أغْراضَ الأكْلِ، حَيْثُ قالَ: (وارْزُقْنا) وعِنْدَ هَذا يَلُوحُ لَكَ مَراتِبُ دَرَجاتِ الأرْواحِ في كَوْنِ بَعْضِها رُوحانِيَّةً، وبَعْضِها (p-٥٧)جُسْمانِيَّةً، ثُمَّ إنَّ عِيسى، عَلَيْهِ السَّلامُ، لِشِدَّةِ صَفاءِ وقْتِهِ، وإشْراقِ رُوحِهِ، لَمّا ذَكَرَ الرِّزْقَ بِقَوْلِهِ (وارْزُقْنا) لَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ، بَلِ انْتَقَلَ مِنَ الرِّزْقِ إلى الرّازِقِ، فَقالَ: ﴿وأنْتَ خَيرُ الرّازِقِينَ﴾، فَقَوْلُهُ: (رَبَّنا) ابْتِداءٌ مِنهُ بِنِداءِ الحَقِّ سُبْحانَهُ وتَعالى، وقَوْلُهُ: ﴿أنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً﴾ انْتِقالٌ مِنَ الذّاتِ إلى الصِّفاتِ، وقَوْلُهُ: ﴿تَكُونُ لَنا عِيدًا لِأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ إشارَةٌ إلى ابْتِهاجِ الرُّوحِ بِالنِّعْمَةِ، لا مِن حَيْثُ إنَّها نِعْمَةٌ، بَلْ مِن حَيْثُ إنَّها صادِرَةٌ عَنِ المُنْعِمِ. وقَوْلُهُ: ﴿وآيَةً مِنكَ﴾ إشارَةٌ إلى حِصَّةِ النَّفْسِ، وكُلُّ ذَلِكَ نَزَلَ مِن حَضْرَةِ الجَلالِ، فانْظُرْ كَيْفَ ابْتَدَأ بِالأشْرَفِ، فالأشْرَفِ، نازِلًا إلى الأدْوَنِ، فالأدْوَنِ. ﴿وأنْتَ خَيرُ الرّازِقِينَ﴾ هو عُرُوجٌ مَرَّةً أُخْرى مِنَ الأخَسِّ إلى الأشْرَفِ، وعِنْدَ هَذا يَلُوحُ هَمُّهُ مِن كَيْفِيَّةِ عُرُوجِ الأرْواحِ المُشْرِقَةِ النُّورانِيَّةِ الإلَهِيَّةِ، ونُزُولِها، اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِن أهْلِهِ، وهو كَلامٌ دائِرٌ بَيْنَ لَفْظٍ فَلْسَفِيٍّ، ولَفْظٍ صُوفِيٍّ، وكِلاهُما بَعِيدٌ عَنْ كَلامِ العَرَبِ ومَناحِيها.

المائدة 5:111

﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعَلى والِدَتِكَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (إذْ) بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩]، والمَعْنى أنَّهُ يُوَبِّخُ الكافِرِينَ يَوْمَئِذٍ بِسُؤالِ الرُّسُلِ عَنْ إجابَتِهِمْ، وبِتَعَدُّدِ ما أظْهَرَ عَلى أيْدِيهِمْ مِنَ الآياتِ العِظامِ، فَكَذَّبُوهم، وسَمُّوهم سَحَرَةً، وجاوَزُوا حَدَّ التَّصْدِيقِ إلى أنِ اتَّخَذُوهم آلِهَةً، كَما قالَ بَعْضُ بَنِي إسْرائِيلَ فِيما أظْهَرَ عَلى يَدِ عِيسى مِنَ البَيِّناتِ ﴿هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [النمل: ١٣] . واتَّخَذَهُ بَعْضُهم وأُمَّهُ إلَهَيْنِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ العامِلُ في (إذْ) مُضْمَرًا، تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ، وقالَ هُنا بِمَعْنى يَقُولُ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ مِن هَذا القَوْلِ أنَّهُ في القِيامَةِ؛ تَقْدُمَةً لِقَوْلِهِ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦]، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (إذْ) بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ١٠٩] انْتَهى. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ إذْ في مَوْضِعِ خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: ذَلِكَ إذْ قالَ اللَّهُ. وإذا كانَ المُنادى عَلَمًا مُفْرَدًا ظاهِرَ الضَّمَّةِ مَوْصُوفًا بِابْنٍ مُتَّصِلًا مُضافًا إلى عَلَمٍ، جازَ فَتْحُهُ إتْباعًا لِفَتْحَةِ ابْنٍ، هَذا مَذْهَبُ الجُمْهُورِ. وأجازَ الفَرّاءُ وتَبِعَهُ أبُو البَقاءِ في ما لا يَظْهَرُ فِيهِ تَقْدِيرُ الضَّمَّةِ والفَتْحَةِ، فَإنْ لَمْ تَجْعَلْ ﴿ابْنَ مَرْيَمَ﴾ صِفَةً، وجَعَلْتَهُ بَدَلًا، أوْ مُنادًى، فَلا يَجُوزُ في ذَلِكَ العَلَمِ إلّا الضَّمُّ. وقَدْ خَلَطَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، وبَعْضُ مَن يَنْتَمِي إلى النَّحْوِ هُنا، فَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (عِيسى) في مَحَلِّ الرَّفْعِ؛ لِأنَّهُ مُنادًى مَعْرِفَةٌ غَيْرُ مُضافٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ النَّصْبِ؛ لِأنَّهُ في نِيَّةِ الإضافَةِ، ثُمَّ جُعِلَ الِابْنُ تَوْكِيدًا، وكُلُّ ما كانَ مِثْلَ هَذا جازَ فِيهِ الوَجْهانِ، نَحْوَ يا زَيْدُ بْنَ عَمْرٍو؛ وأنْشَدَ النَّحْوِيُّونَ: ؎يا حَكَمُ بْنَ المُنْذِرِ بْنِ الجارُودْ أنْتَ الجَوادُ بْنُ الجَوادِ بْنِ الجُودِ قالَ التَّبْرِيزِيُّ: الأظْهَرُ عِنْدِي أنَّ مَوْضِعَ (عِيسى) نَصْبٌ؛ لِأنَّكَ تَجْعَلُ الِاسْمَ مَعَ نَعْتِهِ إذا أضَفْتَهُ إلى العَلَمِ، كالشَّيْءِ الواحِدِ المُضافِ انْتَهى. والَّذِي ذَكَرَهُ النَّحْوِيُّونَ في نَحْوِ، يا زَيْدُ بْنَ بَكْرٍ إذا فَتَحْتَ آخِرَ المُنادى؛ أنَّها حَرَكَةُ إتْباعٍ لِحَرَكَةِ نُونِ ابْنٍ، ولَمْ يُعْتَدَّ بِسُكُونِ باءِ ابْنٍ؛ لِأنَّ السّاكِنَ حاجِزٌ غَيْرُ حَصِينٍ، قالُوا: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالذِّكْرِ هُنا؛ الإقْرارُ، وأنْ يُرادَ بِهِ الإعْلامُ، وفائِدَةُ هَذا الذِّكْرِ إسْماعُ الأُمَمِ ما خَصَّهُ بِهِ تَعالى مِنَ الكَرامَةِ، وتَأْكِيدُ حُجَّتِهِ عَلى جاحِدِهِ. وقِيلَ: أُمِرَ بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا لِغَيْرِهِ عَلى مَعْرِفَةِ حَقِّ النِّعْمَةِ، ووُجُوبِ شُكْرِ المُنْعِمِ. قالَ الحَسَنُ: ذِكْرُ النِّعْمَةِ شُكْرُها. والنِّعْمَةُ هُنا جِنْسٌ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما عَدَّدَهُ بَعْدَ هَذا التَّوْحِيدِ اللَّفْظِيِّ مِنَ النِّعَمِ، وإضافَتِها إلَيْهِ؛ تَنْبِيهًا عَلى عِظَمِها، ونِعَمُهُ عَلَيْهِ قَدْ عَدَّدَها هُنا، وفي البَقَرَةِ وآلِ عِمْرانَ ومَرْيَمَ، وفي مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ، ونِعْمَتُهُ عَلى أُمِّهِ؛ بَراءَتُها مِمّا نُسِبَ إلَيْها، وتَكْفِيلُها لِزَكَرِيّا، وتَقَبُّلُها بِقَبُولٍ حَسَنٍ، وما ذُكِرَ في سُورَةِ التَّحْرِيمِ (ومَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرانَ) إلى آخِرِهِ، وغَيْرُ ذَلِكَ. وأُمِرَ بِذِكْرِ نِعْمَةِ أُمِّهِ؛ لِأنَّها نِعْمَةٌ صائِرَةٌ إلَيْهِ. ﴿إذْ أيَّدْتُكَ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ قَرَأ (p-٥١)الجُمْهُورُ بِتَشْدِيدِ الياءِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ (أيَّدْتُكَ) عَلى (أفْعَلْتُكَ) . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَلى وزْنِ فاعَلْتُكَ، ثُمَّ قالَ: ويَظْهَرُ أنَّ الأصْلَ في القِراءَتَيْنِ أيَّدْتُكَ، عَلى وزْنِ أفْعَلْتُكَ، ثُمَّ اخْتَلَفَ الإعْلالُ، والمَعْنى فِيهِما (أيَّدْتُكَ) مِنَ الأيَدِ؛ وقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: ؎الحَمْدُ لِلَّهِ الأعَزِّ الأكْرَمِ ∗∗∗ أيَّدَنا يَوْمَ زُحُوفِ الأشْرَمِ انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ أيَّدَ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، لَيْسَ وزْنُهُ أفْعَلَ؛ لِمَجِيءِ المُضارِعِ عَلى يُؤَيِّدُ، فالوَزْنُ فَعَّلَ، ولَوْ كانَ أفْعَلَ لَكانَ المُضارِعُ يُؤَيِّدُ كَمُضارِعِ آمَنَ يُؤْمِنُ، وأمّا مَن قَرَأ آيَدَ، فَيَحْتاجُ إلى نَقْلِ مُضارِعِهِ مِن كَلامِ العَرَبِ، فَإنْ كانَ يُؤايِدُ، فَهو (فاعَلَ)، وإنْ كانَ (يُؤَيِّدُ)، فَهو (أفْعَلَ) . وأمّا قَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ: أنَّهُ في القِراءَتَيْنِ، يَظْهَرُ أنَّ وزْنَهُ أفْعَلْتُكَ، ثُمَّ اخْتَلَفَ الإعْلالُ، فَلا أفْهَمُ ما أرادَ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في قَوْلِهِ ﴿وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ [البقرة: ٨٧] . ﴿تُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلًا﴾ ﴿وإذْ عَلَّمْتُكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِي وتُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ بِإذْنِي وإذْ تُخْرِجُ المَوْتى بِإذْنِي﴾ . تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمَلِ والقِراءاتِ الَّتِي فِيها، والإعْرابُ، وما لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهُ، نَذْكُرُهُ فَنَقُولُ: جاءَ هُناكَ ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ﴾ . وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ فَتَنْفُخُها فَتَكُونُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (فَتَكُونُ) بِالتّاءِ مِن فَوْقٍ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ (فِيها فَيَكُونُ)، بِالياءِ مِن تَحْتٍ، والضَّمِيرُ في (فِيها) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: اضْطَرَبَ المُفَسِّرُونَ فِيهِ. قالَ مَكِّيٌّ: هو في آلِ عِمْرانَ عائِدٌ عَلى الطّائِرِ، وفي المائِدَةِ عائِدٌ عَلى الهَيْئَةِ، قالَ: ويَصِحُّ عَكْسُ هَذا. وقالَ غَيْرُهُ: الضَّمِيرُ المَذْكُورُ عائِدٌ عَلى (الطِّينِ) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولا يَصِحُّ عَوْدُ هَذا الضَّمِيرِ، لا عَلى الطِّينِ، ولا عَلى الهَيْئَةِ؛ لِأنَّ الطَّيْرَ، أوِ الطّائِرَ الَّذِي يَجِيءُ الطَّيْرُ عَلى هَيْئَتِهِ، لا نَفْخَ فِيهِ البَتَّةَ، وكَذَلِكَ لا نَفْخَ في هَيْئَتِهِ الخاصَّةِ بِهِ، وكَذَلِكَ الطِّينُ، إنَّما هو الطِّينُ العامُّ، ولا نَفْخَ في ذَلِكَ انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولا يَرْجِعُ بَعْضُ الضَّمِيرِ إلى الهَيْئَةِ المُضافِ إلَيْها؛ لِأنَّها لَيْسَتْ مِن خَلْقِهِ، ولا نَفْخِهِ في شَيْءٍ، وكَذَلِكَ الضَّمِيرُ في يَكُونُ انْتَهى. والَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ كَلامُ مَكِّيٍّ؛ أنَّهُ لا يُرِيدُ بِهِ ما فُهِمَ عَنْهُ، بَلْ يَكُونُ قَوْلُهُ عائِدًا (p-٥٢)عَلى الطّائِرِ، لا يُرِيدُ بِهِ الطّائِرَ المُضافَ إلَيْهِ الهَيْئَةُ، بَلِ الطّائِرَ الَّذِي صَوَّرَهُ عِيسى، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ، وإذْ يَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ طائِرًا صُورَةً مِثْلَ صُورَةِ الطّائِرِ الحَقِيقِيِّ، فَيَنْفُخُ فِيهِ، فَيَكُونُ طائِرًا حَقِيقَةً، بِإذْنِ اللَّهِ. ويَكُونُ قَوْلُهُ عائِدًا عَلى الهَيْئَةِ، لا يُرِيدُ بِهِ الهَيْئَةَ المُضافَةَ إلى الطّائِرِ، بَلِ الهَيْئَةَ الَّتِي تَكُونُ الكافُ صِفَةً لَها، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ؛ وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ هَيْئَةً مِثْلَ هَيْئَةِ الطَّيْرِ، فَتَنْفُخُ فِيها؛ أيْ في الهَيْئَةِ المَوْصُوفَةِ بِالكافِ، المَنسُوبِ خَلْقِها إلى عِيسى. وأمّا قَوْلُ مَكِّيٍّ، ويَصِحُّ عَكْسُ هَذا؛ وهو أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ المُذَكَّرُ عائِدًا عَلى الهَيْئَةِ، والضَّمِيرُ المُؤَنَّثُ عائِدًا عَلى الطّائِرِ، فَيُمْكِنُ تَخْرِيجُهُ عَلى أنَّهُ ذُكِّرَ الضَّمِيرُ، وإنْ كانَ عائِدًا عَلى مُؤَنَّثٍ؛ لِأنَّهُ لُحِظَ فِيها مَعْنى الشَّكْلِ، كَأنَّهُ قَدَّرَ هَيْئَةً كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِقَوْلِهِ شَكْلًا كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ. وأنَّهُ أنَّثَ الضَّمِيرَ، وإنْ كانَ عائِدًا عَلى مُذَكَّرٍ؛ لِأنَّهُ لُحِظَ فِيهِ مَعْنى الهَيْئَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والوَجْهُ عَوْدُ ضَمِيرِ المُؤَنَّثِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ الآيَةُ ضَرُورَةً؛ أيْ صُوَرًا، أوْ أشْكالًا، أوْ أجْسامًا، وعَوْدُ الضَّمِيرِ المُذَكَّرِ عَلى المَخْلُوقِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ (تَخْلُقُ)، ثُمَّ قالَ: ولَكَ أنْ تُعِيدَهُ عَلى ما تَدُلُّ عَلَيْهِ الكافُ في مَعْنى المِثْلِ؛ لِأنَّ المَعْنى وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ مِثْلَ هَيْئَةٍ، ولَكَ أنْ تُعِيدَ الضَّمِيرَ عَلى الكافِ نَفْسِهِ، فَيَكُونُ اسْمًا في غَيْرِ الشِّعْرِ، فَهو قَوْلُ أبِي الحَسَنِ وحْدَهُ مِنَ البَصْرِيِّينَ، وكَذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ الضَّمِيرَ في فِيها، لِلْكافِ، قالَ: لِأنَّها صِفَةُ الهَيْئَةِ الَّتِي كانَ يَخْلُقُها عِيسى، ويَنْفُخُ فِيها. وجاءَ في آلِ عِمْرانَ ﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٤٩] مَرَّتَيْنِ، وجاءَ هُنا (بِإذْنِي) أرْبَعَ مَرّاتٍ عَقِيبَ أرْبَعِ جُمَلٍ؛ لِأنَّ هَذا مَوْضِعُ ذِكْرِ النِّعْمَةِ والِامْتِنانِ بِها، فَناسَبَ الإسْهابَ، وهُناكَ مَوْضِعُ إخْبارٍ لِبَنِي إسْرائِيلَ، فَناسَبَ الإيجازَ. والتَّقْدِيرُ في وإذْ تُخْرِجُ المَوْتى؛ تُحْيِي المَوْتى، فَعَبَّرَ بِالإخْراجِ عَنِ الإحْياءِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ [ق: ١١] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وأحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ [ق: ١١]، أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ؛ وإذْ تُخْرِجُ المَوْتى مِن قُبُورِهِمْ أحْياءً. ﴿وإذْ كَفَفْتُ بَنِي إسْرائِيلَ عَنْكَ إذْ جِئْتَهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ مَنَعْتُهم مِن قَتْلِكَ حِينَ هَمُّوا بِكَ، وأحاطُوا بِالبَيْتِ الَّذِي أنْتَ فِيهِ. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: لَمّا قالَ اللَّهُ لِعِيسى: ﴿اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ كانَ يَلْبَسُ الشَّعْرَ، ويَأْكُلُ الشَّجَرَ، ولا يُؤَخِّرُ شَيْئًا لِغَدْوٍ، يَقُولُ مَعَ كُلِّ يَوْمٍ رِزْقُهُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيْتٌ فَيُخَرَّبَ، ولا ولَدٌ فَيَمُوتَ، أيْنَ ما أمْسى باتَ. وهَذا القَوْلُ يَظْهَرُ مِنهُ أنَّ عِيسى خُوطِبَ بِذَلِكَ قَبْلَ الرَّفْعِ. والبَيِّناتُ هُنا؛ هي المُعْجِزاتُ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها، وظَهَرَتْ عَلى يَدَيْهِ، ولَمّا فَصَّلَ تَعالى نِعْمَتَهُ ذَكَرَ ذَلِكَ مَنسُوبًا لِعِيسى دُونَ أُمِّهِ؛ لِأنَّ مِن هَذِهِ النِّعَمِ نِعْمَةَ النُّبُوَّةِ، وظُهُورَ هَذِهِ الخَوارِقِ، فَنِعْمَتُهُ عَلَيْهِ أعْظَمُ مِنها عَلى أُمِّهِ، إذْ ولَدَتْ مِثْلَ هَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ؛ وقالَ الشّاعِرُ فِيما يُشْبِهُ هَذا: ؎شَهِدَ العَوالِمُ أنَّها لَنَفِيسَةٌ ∗∗∗ بِدَلِيلِ ما ولَدَتْ مِنَ النُّجَباءِ ﴿فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (ساحِرٌ) بِالألِفِ هُنا. وفي هُودٍ والصَّفِّ، فَهَذا هُنا إشارَةٌ إلى عِيسى. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ (سِحْرٌ)، فَهَذا إشارَةٌ إلى ما جاءَ بِهِ عِيسى مِنَ البَيِّناتِ. ﴿وإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ أنْ آمِنُوا بِي وبِرَسُولِي﴾ أيْ أوْحَيْتُ إلَيْهِمْ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إمّا أنْ يَكُونَ وحْيَ إلْهامٍ، أوْ وحْيَ أمْرٍ. والرَّسُولُ هُنا؛ هو عِيسى، وهَذا الإيحاءُ إلى الحَوارِيِّينَ؛ هو مِن نِعَمِ اللَّهِ عَلى عِيسى بِأنْ جَعَلَ لَهُ أتْباعًا يُصَدِّقُونَهُ، ويَعْمَلُونَ بِما جاءَ بِهِ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ تَفْسِيرِيَّةً؛ لِأنَّهُ تَقَدَّمَها جُمْلَةٌ في مَعْنى القَوْلِ، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً. ﴿قالُوا آمَنّا واشْهَدْ بِأنَّنا مُسْلِمُونَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في آلِ عِمْرانَ، إلّا أنَّ هُناكَ (آمَنّا بِاللَّهِ) لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُ اللَّهِ فَقَطْ في قَوْلِهِ: ﴿مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢]، وهُنا جاءَ (قالُوا آمَنّا) فَلَمْ يَتَقَيَّدْ بِلَفْظِ الجَلالَةِ، إذْ قَدْ تَقَدَّمَ (p-٥٣)أنْ آمَنُوا بِي وبِرَسُولِي، وجاءَ هُناكَ ﴿واشْهَدْ بِأنّا﴾ [آل عمران: ٥٢]، وهُنا ﴿واشْهَدْ بِأنَّنا﴾ . وهَذا هو الأصْلُ، إذْ (أنَّ) مَحْذُوفٌ مِنهُ النُّونُ؛ لِاجْتِماعِ الأمْثالِ. ﴿إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ﴾ اعْتِراضٌ لِما وصَفَ حالَ قَوْمِ اللَّهِ لِعِيسى يَوْمَ القِيامَةِ، وتَضَمَّنَ الِاعْتِراضُ إخْبارَ مُحَمَّدٍ وأُمَّتِهِ بِنازِلَةِ الحَوارِيِّينَ في المائِدَةِ، إذْ هي مِثالٌ نافِعٌ لِكُلِّ أُمَّةٍ مَعَ نَبِيِّها انْتَهى. والَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ اللَّفْظِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ اللَّهُ ياعِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ إلى آخِرِ قِصَّةِ المائِدَةِ، كانَ ذَلِكَ في الدُّنْيا ذَكَّرَ عِيسى بِنِعَمِهِ، وبِما أجْراهُ عَلى يَدَيْهِ مِنَ المُعْجِزاتِ، وبِاخْتِلافِ بَنِي إسْرائِيلَ عَلَيْهِ، وانْقِسامِهِمْ إلى كافِرٍ ومُؤْمِنٍ، وهُمُ الحَوارِيُّونَ، ثُمَّ اسْتَطْرَدَ إلى قِصَّةِ المائِدَةِ، ثُمَّ إلى سُؤالِهِ تَعالى لِعِيسى ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦]، وإنَّما حَمَلَ بَعْضُهم عَلى أنَّ ذَلِكَ في الآخِرَةِ كَوْنُهُ اعْتَقَدَ أنَّ (إذْ) بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩]، وأنَّ في آخِرِ الآياتِ ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ﴾ [المائدة: ١١٩] . ولا يَتَعَيَّنُ هَذا المَحْمَلُ عَلى ما نُبَيِّنُهُ، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، في قَوْلِهِ: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ﴾ [المائدة: ١١٩]، بَلِ الظّاهِرُ ما ذَكَرْناهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾، بِالياءِ وضَمِّ الباءِ. وهَذا اللَّفْظُ يَقْتَضِي ظاهِرُهُ الشَّكَّ في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، عَلى أنْ يُنْزِلَ مائِدَةً مِنَ السَّماءِ، وذَلِكَ هو الَّذِي حَمَلَ الزَّمَخْشَرِيَّ عَلى أنَّ الحَوارِيِّينَ لَمْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، قالَ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ قالُوا هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ بَعْدَ إيمانِهِمْ وإخْلاصِهِمْ ؟ قُلْتُ: ما وصَفَهُمُ اللَّهُ بِالإيمانِ والإخْلاصِ، وإنَّما حَكى ادِّعاءَهم لَهُما، ثُمَّ أتْبَعَهُ قَوْلَهُ: (إذْ قالُوا) فَآذَنَ أنَّ دَعْواهم كانَتْ باطِلَةً، وأنَّهم كانُوا شاكِّينَ. وقَوْلُهُ: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ كَلامٌ لا يَرِدُ مِثْلُهُ عَنْ مُؤْمِنِينَ مُعَظِّمِينَ لِرَبِّهِمْ، ولِذَلِكَ قَوْلُ عِيسى لَهم مَعْناهُ؛ اتَّقُوا اللَّهَ، ولا تَشُكُّوا في اقْتِدارِهِ واسْتِطاعَتِهِ، ولا تَقْتَرِحُوا عَلَيْهِ، ولا تُحَكِّمُوا ما تَشْتَهُونَ مِنَ الآياتِ، فَتَهْلِكُوا إذا عَصَيْتُمُوهُ بَعْدَها. ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ إنْ كانَتْ دَعْواكم لِلْإيمانِ صَحِيحَةً انْتَهى. وأمّا غَيْرُ الزَّمَخْشَرِيِّ مِن أهْلِ التَّفْسِيرِ، فَأطْبَقُوا عَلى أنَّ الحَوارِيِّينَ كانُوا مُؤْمِنِينَ حَتّى قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لا خِلافَ أحْفَظُهُ في أنَّ الحَوارِيِّينَ كانُوا مُؤْمِنِينَ. وقالَ قَوْمٌ: قالَ الحَوارِيُّونَ هَذِهِ المَقالَةَ في صَدْرِ الأمْرِ قَبْلَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهُ يُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ، ويُحْيِي المَوْتى. قالَ المُفَسِّرُونَ: والحَوارِيُّونَ هم خَواصُّ عِيسى، وكانُوا مُؤْمِنِينَ، ولَمْ يَشُكُّوا في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى ذَلِكَ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لا يَجُوزُ لِأحَدٍ أنْ يَتَوَهَّمَ أنَّ الحَوارِيِّينَ شَكُّوا في قُدْرَةِ اللَّهِ، وإنَّما هَذا كَما يَقُولُ الإنْسانُ لِصاحِبِهِ: هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَقُومَ مَعِي ؟ وهو يَعْلَمُ أنَّهُ مُسْتَطِيعٌ لَهُ، ولَكِنَّهُ يُرِيدُ هَلْ يَسْهُلُ عَلَيْكَ انْتَهى. وقالَ الفارِسِيُّ: مَعْناهُ هَلْ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِمَسْألَتِكَ إيّاهُ. وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَشُكُّوا في قُدْرَةِ اللَّهِ، وإنَّما سَألُوهُ سُؤالَ مُسْتَخْبِرٍ، هَلْ يُنَزِّلُ أمْ لا ؟ فَإنْ كانَ يُنَزِّلُ فاسْألْهُ لَنا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَلْ يَفْعَلُ تَعالى هَذا ؟ وهَلْ يَقَعُ مِنهُ إجابَةٌ إلَيْهِ ؟ كَما قالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ: هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تُرِيَنِيَ كَيْفَ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، يَتَوَضَّأُ ؟ فالمَعْنى هَلْ يُحِبُّ ذَلِكَ، وهَلْ يَفْعَلُهُ انْتَهى. وقِيلَ: المُرادُ مِن هَذا الكَلامِ اسْتِفْهامُ أنَّ ذَلِكَ جائِزٌ، أمْ لا ؟ وذَلِكَ لِأنَّ أفْعالَهُ مَوْقُوفَةٌ عَلى وُجُوهِ الحِكْمَةِ، فَإنْ لَمْ يَحْصُلْ شَيْءٌ مِن وُجُوهِ الحِكْمَةِ، كانَ الفِعْلُ مُمْتَنِعًا، فَإنَّ المُنافِيَ مِن وُجُوهِ الحِكْمَةِ، كالمُنافِي مِن وُجُوهِ القُدْرَةِ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: هَذا الجَوابُ يَمْشِي عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، وأمّا عَلى مَذْهَبِنا، فَهو مَحْمُولٌ عَلى أنَّهُ تَعالى، هَلْ قَضى بِذَلِكَ ؟ وهَلْ عَلِمَ وُقُوعَهُ ؟ فَإنَّهُ إنْ لَمْ يَقْضِ بِهِ ويَعْلَمْ وُقُوعَهُ، كانَ ذَلِكَ مُحالًا غَيْرَ مَقْدُورٍ؛ لِأنَّ خِلافَ (p-٥٤)المَعْلُومِ غَيْرُ مَقْدُورٍ، وقالَ أيْضًا لَيْسَ المَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ كَوْنَهم شاكِّينَ فِيهِ، بَلِ المَقْصُودُ تَقْرِيرُ أنَّ ذَلِكَ في غايَةِ الظُّهُورِ، كَمَن يَأْخُذُ بِيَدِ ضَعِيفٍ، ويَقُولُ: هَلْ يَقْدِرُ السُّلْطانُ عَلى إشْباعِ هَذا ؟ ويَكُونُ غَرَضُهُ مِنهُ أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ واضِحٌ، لا يَجُوزُ لِلْعاقِلِ أنْ يَشُكَّ فِيهِ، وأبْعَدَ مَن قالَ: هَلْ يُنَزِّلُ رَبُّكَ مائِدَةً مِنَ السَّماءِ ؟ (ويَسْتَطِيعُ) صِلَةٌ، ومَن قالَ: الرَّبُّ هَنا جِبْرِيلُ؛ لِأنَّهُ كانَ يُرَبِّي عِيسى، ويَخُصُّهُ بِأنْواعِ الإعانَةِ، ولِذَلِكَ قالَ في أوَّلِ الآيَةِ ﴿إذْ أيَّدْتُكَ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ . ورُوِيَ أنَّ الَّذِي نَحا بِهِمْ هَذا المَنحى مِنَ الِاقْتِراحِ؛ هو أنَّ عِيسى قالَ لَهم مَرَّةً: هَلْ لَكم في صِيامِ ثَلاثِينَ يَوْمًا لِلَّهِ تَعالى، ثُمَّ إنْ سَألْتُمُوهُ حاجَةً، قَضاها، فَلَمّا صامُوها، قالُوا: يا مُعَلِّمَ الخَيْرِ ! إنَّ حَقَّ مَن عَمِلَ عَمَلًا أنْ يُطْعَمَ، فَهَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ؟ فَأرادُوا أنْ تَكُونَ المائِدَةُ عِيدَ ذَلِكَ الصَّوْمِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ (هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ)، بِالتّاءِ مِن فَوْقُ (رَبَّكَ) بِنَصْبِ الباءِ، وهي قِراءَةُ عَلِيٍّ ومُعاذٍ وابْنِ عَبّاسٍ وعائِشَةَ وابْنِ جُبَيْرٍ. قالَتْ عائِشَةُ: كانَ الحَوارِيُّونَ أعْرَفَ بِاللَّهِ مِن أنْ يَقُولُوا ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ نَزَّهَتْهم عَنْ بَشاعَةِ اللَّفْظِ، وعَنْ مُرادِهِمْ ظاهِرَهُ. وقَدْ ذَكَرْنا تَأْوِيلاتِ ذَلِكَ، ومَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ؛ هَلْ تَسْتَطِيعُ سُؤالَ رَبِّكَ ؟ و﴿أنْ يُنَزِّلَ﴾ مَعْمُولٌ لِسُؤالٍ المَحْذُوفِ إذْ هو حَذْفٌ لا يَتِمُّ المَعْنى إلّا بِهِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: وقَدْ يُمْكِنُ أنْ يُسْتَغْنى عَنْ تَقْدِيرِ سُؤالٍ، عَلى أنْ يَكُونَ المَعْنى؛ هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ يُنَزِّلَ رَبُّكَ بِدُعائِكَ ؟ فَيَئُولُ المَعْنى، ولا بُدَّ إلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما ذُكِرَ مِنَ اللَّفْظِ انْتَهى. ولا يَظْهَرُ ما قالَ أبُو عَلِيٍّ؛ لِأنَّ فِعْلَ اللَّهِ تَعالى، وإنْ كانَ سَبَبُهُ الدُّعاءَ، لا يَكُونُ مَقْدُورًا لِعِيسى. وأدْغَمَ الكِسائِيُّ لامَ (هَلْ) في ياءِ (يَسْتَطِيعُ) وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُ قَوْلُ عِيسى ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمُ الِاقْتِراحَ لِلْآياتِ، وهو عَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ تَقْرِيرًا لِلْإيمانِ، كَما تَقُولُ افْعَلْ كَذا، وكَذا إنْ كُنْتَ رَجُلًا. وقالَ مُقاتِلٌ وجَماعَةٌ: اتَّقُوهُ أنْ تَسْألُوهُ البَلاءَ؛ لِأنَّها إنْ نَزَلَتْ، وكَذَّبْتُمْ عُذِّبْتُمْ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ وجَماعَةٌ: أنْ تَسْألُوهُ ما لَمْ تَسْألْهُ الأُمَمُ قَبْلَكم. وقِيلَ: أنْ تَشُكُّوا في قُدْرَتِهِ عَلى إنْزالِ المائِدَةِ. وقِيلَ: اتَّقُوا اللَّهَ في الشَّكِّ فِيهِ، وفي رُسُلِهِ وآياتِهِمْ. وقِيلَ: اتَّقُوا مَعاصِيَ اللَّهِ. وقِيلَ: أمَرَهم بِالتَّقْوى لِيَكُونَ سَبَبًا لِحُصُولِ هَذا المَطْلُوبِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هُنا (عِيسى) في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى اتْباعِ حَرَكَتِهِ حَرَكَةَ الِابْنِ، كَقَوْلِكَ يا زَيْدَ بْنَ عَمْرٍو ! وهي اللُّغَةُ الفاشِيَةُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَضْمُومًا، كَقَوْلِكَ يا زَيْدُ بْنَ عَمْرٍو ! والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: أحارُ ابْنَ عُمَرَ كَأنِّي خَمْرٌ لِأنَّ التَّرْخِيمَ لا يَكُونُ إلّا في المَضْمُومِ انْتَهى. فَقَوْلُهُ: عِيسى في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، وعَلى تَقْدِيرِ ضَمِّهِ، فَهو لا اخْتِصاصَ لَهُ بِكَوْنِهِ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى تَقْدِيرِ الإتْباعِ، فَإصْلاحُهُ عِيسى مُقَدَّرٌ فِيهِ الفَتْحَةُ عَلى إتْباعِ الحَرَكَةِ، وقَوْلُهُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَضْمُومًا؛ هَذا مَذْهَبُ الفَرّاءِ، وهو تَقْدِيرُ الفَتْحِ والضَّمِّ، ونَحْوُهُ مِمّا لا تَظْهَرُ فِيهِ الضَّمَّةُ قِياسًا عَلى الصَّحِيحِ، ولَمْ يَبْدَأْ أوَّلًا بِالضَّمِّ الَّذِي هو مُجْمَعٌ عَلى تَقْدِيرِهِ: فَلَيْسَ بِشَرْطٍ، ألا تُرى إلى جَوازِ تَرْخِيمِ رَجُلٍ اسْمُهُ مُثَنًّى ؟ فَتَقُولُ: يا مُثَنُّ أقْبِلْ، وإلى تَرْخِيمِ بَعْلَبَكَّ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ، لَكِنَّهُ في تَقْدِيرِ الِاسْمِ المَضْمُومِ، وإنْ عَنى ضَمَّةً مُقَدَّرَةً، فَإنْ عَنى ضَمَّةً ظاهِرَةً، فَلَيْسَ بِشَرْطٍ، ألا تَرى إلى جَوازِ تَرْخِيمِ رَجُلٍ اسْمُهُ مُثَنًّى ؟ فَتَقُولُ: يا مُثَنُّ، فَإنَّ مِثْلَ يا جَعْفَرَ بْنَ زَيْدٍ مِمّا فُتِحَ فِيهِ آخِرُ المُنادى لِأجْلِ الإتْباعِ، مُقَدَّرٌ فِيهِ الضَّمَّةُ لِشَغْلِ الحَرْفِ بِحَرَكَةِ الإتْباعِ، كَما قَدَّرَ الأعْرابِيُّ في قِراءَةِ مَن قَرَأ (الحَمْدِ لِلَّهِ)، بِكَسْرِ الدّالِ، لِأجْلِ إتْباعِ حَرَكَةِ (لِلَّهِ)، فَقَوْلُكَ: يا حارُ ! هو (p-٥٥)مَضْمُومٌ تَقْدِيرًا، وإنْ كانَتِ الثّاءُ المَحْذُوفَةُ مَشْغُولَةً في الأصْلِ بِحَرَكَةِ الإتْباعِ، وهي الفَتْحَةُ، فَلا تَنافِي بَيْنَ التَّرْخِيمِ، وبَيْنَ ما فُتِحَ إتْباعًا، وقُدِّرَتْ فِيهِ الضَّمَّةُ. وكانَ يَنْبَغِي لِلزَّمَخْشَرِيِّ أنْ يَتَكَلَّمَ عَلى هَذِهِ المَسْألَةِ قَبْلَ هَذا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ قالَ اللَّهُ ياعِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ حَيْثُ تَكَلَّمَ النّاسُ عَلَيْها. ﴿قالُوا نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها وتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا ونَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا ونَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ لَمّا أمَرَهم عِيسى بِتَقْوى اللَّهِ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ ما تَقَدَّمَ مِن كَلامِهِمْ، صَرَّحُوا بِسَبَبِ طَلَبِ المائِدَةِ، وأنَّهم يُرِيدُونَ الأكْلَ مِنها، وذَلِكَ لِلشَّرَفِ لا لِلشِّبَعِ، واطْمِئْنانِ قُلُوبِهِمْ بِسُكُونِ الفِكْرِ، إذا عايَنُوا هَذا المُعْجِزَ العَظِيمَ النّازِلَ مِنَ السَّماءِ، وعُلِمَ الضَّرُورَةُ والمُشاهِدَةُ بِصِدْقِهِ، فَلا تَعْتَرِضُ الشُّبَهُ اللّاحِقَةُ في عِلْمِ الِاسْتِدْلالِ وكَيْنُونَتِهِمْ مِنَ المُشاهِدِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ، النّاقِلِينَ لَها إلى غَيْرِهِمْ، القائِمِينَ بِهَذا الشَّرْعِ، أوْ مِنَ الشّاهِدِينَ لِلَّهِ بِالوَحْدانِيَّةِ ولَكَ بِالنُّبُوَّةِ، وقَدْ طَوَّلَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِ مُتَعَلِّقِ إرادَتِهِمْ بِهَذِهِ الأشْياءِ، ومُلَخَّصُها أنَّهم أرادُوا الأكْلَ لِلْحاجَةِ وشِدَّةِ الجُوعِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وكانَ إذا خَرَجَ اتَّبَعَهُ خَمْسَةُ آلافٍ أوْ أكْثَرُ مِن صاحِبٍ لَهُ، وذِي عِلَّةٍ يَطْلُبُ البُرْءَ، ومُسْتَهْزِئٍ فَوَقَعُوا يَوْمًا في مَفازَةٍ ولا زادَ، فَجاعُوا وسَألُوا مِنَ الحَوارِيِّينَ أنْ يَسْألُوا عِيسى نُزُولَ مائِدَةٍ مِنَ السَّماءِ، فَذَكَرَ شَمْعُونُ لِعِيسى ذَلِكَ، فَقالَ: قُلْ لَهُمُ اتَّقُوا اللَّهَ، وأرادُوا الأكْلَ لِيَزْدادُوا إيمانًا. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أوِ التَّشْرِيفَ بِالمائِدَةِ ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ والِاطْمِئْنانُ: إمّا بِأنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَكَ إلَيْنا، أوِ اخْتارَنا أعْوانًا لَكَ، أوْ قَدْ أجابَكَ، أوِ العِلْمُ بِالصِّدْقِ في أنّا إذا صُمْنا لِلَّهِ تَعالى ثَلاثِينَ يَوْمًا. لَمْ نَسْألِ اللَّهَ شَيْئًا إلّا أعْطانا، أوْ في أنَّكَ رَسُولٌ حَقًّا، إذِ المُعْجِزُ دَلِيلُ الصِّدْقِ، وكانُوا قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَرَوُا الآياتِ، أوْ يُرادُ بِالعِلْمِ الضَّرُورِيُّ والمُشاهِدَةُ انْتَهى. وأتَتْ هَذِهِ المَعاطِيفُ مُرَتَّبَةً تَرْتِيبًا لَطِيفًا، وذَلِكَ أنَّهم لا يَأْكُلُونَ مِنها إلّا بَعْدَ مُعايَنَةِ نُزُولِها، فَيَجْتَمِعُ عَلى العِلْمِ بِها حاسَّةُ الرُّؤْيَةِ، وحاسَّةُ الذَّوْقِ، فَبِذَلِكَ يَزُولُ عَنِ القَلْبِ قَلَقُ الِاضْطِرابِ، ويَسْكُنُ إلى ما عايَنَهُ الإنْسانُ وذاقَهُ، وبِاطْمِئْنانِ القَلْبِ يَحْصُلُ العِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِصِدْقِ مَن كانَتِ المُعْجِزَةُ عَلى يَدَيْهِ، إذْ جاءَتْ طِبْقَ ما سَألَ، وسَألُوا هَذا المُعْجِزَ العَظِيمَ؛ لِأنَّ تَأْثِيرَهُ في العالَمِ العُلْوِيِّ بِدُعاءِ مَن هو في العالَمِ الأرْضِيِّ، أقْوى وأغْرَبُ مِن تَأْثِيرِ مَن هو في العالَمِ الأرْضِيِّ في عالَمِهِ الأرْضِيِّ، ألا تَرى أنَّ مِن أعْظَمِ مُعْجِزاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ القُرْآنَ، وانْشِقاقَ القَمَرِ، وهُما مِنَ العالَمِ العُلْوِيِّ. وإذا حَصَلَ عِنْدَهُمُ العِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِصِدْقِ عِيسى، شَهِدُوا شَهادَةَ يَقِينٍ لا يَخْتَلِجُ بِها ظَنٌّ ولا شَكٌّ، ولا وهْمٌ وبِذِكْرِهِمْ هَذِهِ الأسْبابَ الحامِلَةَ عَلى طَلَبِ المائِدَةِ، يَتَرَجَّحُ قَوْلُ مَن قالَ: كانَ سُؤالُهم ذَلِكَ قَبْلَ عِلْمِهِمْ بِآياتِ عِيسى ومُعْجِزاتِهِ وإنَّ وحْيَ اللَّهِ إلَيْهِمْ بِالإيمانِ، كانَ في صَدْرِ الأمْرِ، وعِنْدَ ذَلِكَ قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ، ثُمَّ آمَنُوا ورَأوُا الآياتِ، واسْتَمَرُّوا، وصَبَرُوا. وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ: (ونُعْلَمَ) بِضَمِّ النُّونِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وهَكَذا في كِتابِ التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ، وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ (ويُعْلَمَ) بِالياءِ المَضْمُومَةِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى القُلُوبِ، وفي كِتابِ الزَّمَخْشَرِيِّ ويُعْلَمَ بِالياءِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ الأعْمَشُ (وتَعْلَمَ) بِالتّاءِ؛ أيْ وتَعْلَمُهُ قُلُوبُنا. وقَرَأ الجُمْهُورُ (ونَكُونَ) بِالنُّونِ، وفي كِتابِ التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ. وقَرَأ سِنانٌ وعِيسى (وتَكُونَ عَلَيْها) بِالتّاءِ، وفي الزَّمَخْشَرِيِّ؛ وكانَتْ دَعْواهم لِإرادَةِ ما ذَكَرُوا، كَدَعْواهم لِلْإيمانِ والإخْلاصِ، وإنَّما سَألَ عِيسى، وأُجِيبَ لِيَلْزَمُوا الحُجَّةَ بِكَمالِها، ويُرْسَلَ عَلَيْهِمُ العَذابُ، إذا خالَفُوا انْتَهى. وإنَّما قالَ ذَلِكَ لِأنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ الحَوارِيُّونَ مُؤْمِنِينَ، وإذا ولِيَ (أنْ) المُخَفِّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ فِعْلٌ مُتَصَرِّفٌ عَنْ دُعاءٍ، فَإنْ كانَ ماضِيًا، فُصِلَ بَيْنَهُما بِـ (قَدْ)، نَحْوَ قَوْلِهِ: ونَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا، وإنْ كانَ مُضارِعًا، فُصِلَ بَيْنَهُما بِحَرْفِ تَنْفِيسٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ مِنكم مَرْضى﴾ [المزمل: ٢٠] ولا (p-٥٦)يَقَعُ بِغَيْرِ فَصْلٍ، قِيلَ: إلّا قَلِيلًا. وقِيلَ: إلّا ضَرُورَةً، وفِيما تَتَعَلَّقُ بِهِ (عَلَيْها) الَّتِي تَقَدَّمَتْ في نَحْوِ ﴿إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عاكِفِينَ عَلَيْها عَلى أنَّ (عَلَيْها) في مَوْضِعِ الحالِ انْتَهى. وهَذا التَّقْدِيرُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ حَرْفَ الجَرِّ لا يُحْذَفُ عامِلُهُ وُجُوبًا، إلّا إذا كانَ كَوْنًا مُطْلَقًا لا كَوْنًا مُقَيَّدًا، والعُكُوفُ كَوْنٌ مُقَيَّدٌ؛ ولِأنَّ المَجْرُورَ إذا كانَ في مَوْضِعِ الحالِ، كانَ العامِلُ فِيها (عاكِفِينَ) المُقَدَّرَ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، ثُمَّ إنَّ قَوْلَ الزَّمَخْشَرِيِّ مُضْطَرِبٌ؛ لِأنَّ عَلَيْها إذا كانَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ هو عاكِفِينَ، كانَتْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِ الَّذِي تَعَدّى إلَيْهِ العامِلُ بِحَرْفِ الجَرِّ، وإذا كانَتْ في مَوْضِعِ الحالِ، كانَ العامِلُ فِيها كَوْنًا مُطْلَقًا واجِبَ الحَذْفِ، فَظَهَرَ التَّنافِي بَيْنَهُما. ﴿قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيدًا لِأوَّلِنا وآخِرِنا وآيَةً مِنكَ وارْزُقْنا وأنْتَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ . رُوِيَ أنَّ عِيسى لَبِسَ جُبَّةَ شَعْرٍ ورِداءَ شَعْرِ، وقامَ يُصَلِّي ويَبْكِي ويَدْعُو. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى لَفْظَةِ (اللَّهُمَّ) في آلِ عِمْرانَ، ونادى رَبَّهُ أوَّلًا بِالعِلْمِ الَّذِي لا شَرِكَةَ فِيهِ، ثُمَّ ثانِيًا بِلَفْظِ (رَبَّنا) مُطابِقًا إلى مُصْلِحِنا ومُرَبِّينا ومالِكِنا. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿تَكُونُ لَنا﴾ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ صِفَةٌ لِمائِدَةٍ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ والأعْمَشُ (يَكُنْ) بِالجَزْمِ عَلى جَوابِ الأمْرِ، والمَعْنى يَكُنْ يَوْمُ نُزُولِها عِيدًا، وهو يَوْمُ الأحَدِ، ومِن أجْلِ ذَلِكَ اتَّخَذَهُ النَّصارى عِيدًا. وقِيلَ العِيدُ: السُّرُورُ والفَرَحُ، ولِذَلِكَ يُقالُ يَوْمُ عِيدٍ، فالمَعْنى يَكُونُ لَنا سُرُورًا وفَرَحًا، والعِيدُ المُجْتَمَعُ لِلْيَوْمِ المَشْهُودِ، وعُرْفُهُ أنْ يُقالَ فِيما يَسْتَدِيرُ بِالسَّنَةِ أوْ بِالشَّهْرِ أوْ بِالجُمْعَةِ ونَحْوِهِ. وقِيلَ: العِيدُ لُغَةً ما عادَ إلَيْكَ مِن شَيْءٍ في وقْتٍ مَعْلُومٍ، سَواءٌ كانَ فَرَحًا أوْ تَرَحًا، وغَلَبَتِ الحَقِيقَةُ العُرْفِيَّةُ عَلى الحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ. وقالَ الخَلِيلُ: العِيدُ كُلُّ يَوْمٍ يَجْمَعُ النّاسَ؛ لِأنَّهم عادُوا إلَيْهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِأوَّلِنا لِأهْلِ زَمانِنا، وآخِرِنا مَن يَجِيءُ بَعْدَنا. وقِيلَ لِأوَّلِنا المُتَقَدِّمِينَ مِنّا والرُّؤَساءِ، وآخِرِنا يَعْنِي الأتْباعَ. والأوَّلِيَّةُ والآخِرِيَّةُ فاحْتَمَلَتا الأكْلَ والزَّمانَ والرُّتْبَةَ، والظّاهِرُ الزَّمانُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ والجَحْدَرِيُّ لِأُولانا وأُخْرانا، أنَّثُوا عَلى مَعْنى الأُمَّةِ والجَماعَةِ، والمَجْرُورُ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ لَنا، وكُرِّرَ العامِلُ وهو حَرْفُ الجَرِّ، كَقَوْلِهِ ﴿مِنها مِن غَمٍّ﴾ [الحج: ٢٢] والبَدَلُ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ والمُخاطَبِ، إذا كانَ بَدَلَ بَعْضٍ، أوْ بَدَلَ اشْتِمالٍ، جازَ بِلا خِلافٍ، وإنْ كانَ بَدَلَ شَيْءٍ مِن شَيْءٍ، وهُما لِعَيْنٍ واحِدَةٍ، فَإنْ أفادَ مَعْنى التَّأْكِيدِ جازَ لِهَذا البَدَلِ، إذِ المَعْنى تَكُونُ لَنا عِيدًا كُلِّنا، كَقَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِكم أكابِرِكم وأصاغِرِكُمْ؛ لِأنَّ مَعْنى ذَلِكَ؛ مَرَرْتُ بِكم كُلِّكم، وإنْ لَمْ تُفْدِ تَوْكِيدًا، فَمَسْألَةُ خِلافٍ الأخْفَشُ يُجِيزُ، وغَيْرُهُ مِنَ البَصْرِيِّينَ يَمْنَعُ، ومَعْنى ﴿وآيَةً مِنكَ﴾ عَلامَةٌ شاهِدَةٌ عَلى صِدْقِ عَبْدِكَ. وقِيلَ حُجَّةٌ، ودَلالَةٌ عَلى كَمالِ قُدْرَتِكَ. وقَرَأ اليَمانِيُّ (وأنَّهُ مِنكَ)، والضَّمِيرُ في (وأنَّهُ) إمّا لِلْعِيدِ، أوِ الإنْزالِ. (وارْزُقْنا) قِيلَ: المائِدَةَ، وقِيلَ: الشُّكْرَ لِنِعْمَتِكَ ﴿وأنْتَ خَيرُ الرّازِقِينَ﴾ لِأنَّكَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ تَبْتَدِئُ بِالرِّزْقِ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: تَأمَّلْ هَذا التَّرْتِيبَ، فَإنَّ الحَوارِيِّينَ لَمّا سَألُوا المائِدَةَ، ذَكَرُوا في طَلَبِها أغْراضًا، فَقَدَّمُوا ذِكْرَ الأكْلِ، وأخَّرُوا الأغْراضَ الدِّينِيَّةَ الرُّوحانِيَّةَ، وعِيسى طَلَبَ المائِدَةَ، وذَكَرَ أغْراضَهُ، فَقَدَّمَ الدِّينِيَّةَ، وأخَّرَ أغْراضَ الأكْلِ، حَيْثُ قالَ: (وارْزُقْنا) وعِنْدَ هَذا يَلُوحُ لَكَ مَراتِبُ دَرَجاتِ الأرْواحِ في كَوْنِ بَعْضِها رُوحانِيَّةً، وبَعْضِها (p-٥٧)جُسْمانِيَّةً، ثُمَّ إنَّ عِيسى، عَلَيْهِ السَّلامُ، لِشِدَّةِ صَفاءِ وقْتِهِ، وإشْراقِ رُوحِهِ، لَمّا ذَكَرَ الرِّزْقَ بِقَوْلِهِ (وارْزُقْنا) لَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ، بَلِ انْتَقَلَ مِنَ الرِّزْقِ إلى الرّازِقِ، فَقالَ: ﴿وأنْتَ خَيرُ الرّازِقِينَ﴾، فَقَوْلُهُ: (رَبَّنا) ابْتِداءٌ مِنهُ بِنِداءِ الحَقِّ سُبْحانَهُ وتَعالى، وقَوْلُهُ: ﴿أنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً﴾ انْتِقالٌ مِنَ الذّاتِ إلى الصِّفاتِ، وقَوْلُهُ: ﴿تَكُونُ لَنا عِيدًا لِأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ إشارَةٌ إلى ابْتِهاجِ الرُّوحِ بِالنِّعْمَةِ، لا مِن حَيْثُ إنَّها نِعْمَةٌ، بَلْ مِن حَيْثُ إنَّها صادِرَةٌ عَنِ المُنْعِمِ. وقَوْلُهُ: ﴿وآيَةً مِنكَ﴾ إشارَةٌ إلى حِصَّةِ النَّفْسِ، وكُلُّ ذَلِكَ نَزَلَ مِن حَضْرَةِ الجَلالِ، فانْظُرْ كَيْفَ ابْتَدَأ بِالأشْرَفِ، فالأشْرَفِ، نازِلًا إلى الأدْوَنِ، فالأدْوَنِ. ﴿وأنْتَ خَيرُ الرّازِقِينَ﴾ هو عُرُوجٌ مَرَّةً أُخْرى مِنَ الأخَسِّ إلى الأشْرَفِ، وعِنْدَ هَذا يَلُوحُ هَمُّهُ مِن كَيْفِيَّةِ عُرُوجِ الأرْواحِ المُشْرِقَةِ النُّورانِيَّةِ الإلَهِيَّةِ، ونُزُولِها، اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِن أهْلِهِ، وهو كَلامٌ دائِرٌ بَيْنَ لَفْظٍ فَلْسَفِيٍّ، ولَفْظٍ صُوفِيٍّ، وكِلاهُما بَعِيدٌ عَنْ كَلامِ العَرَبِ ومَناحِيها.

المائدة 5:112

﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعَلى والِدَتِكَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (إذْ) بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩]، والمَعْنى أنَّهُ يُوَبِّخُ الكافِرِينَ يَوْمَئِذٍ بِسُؤالِ الرُّسُلِ عَنْ إجابَتِهِمْ، وبِتَعَدُّدِ ما أظْهَرَ عَلى أيْدِيهِمْ مِنَ الآياتِ العِظامِ، فَكَذَّبُوهم، وسَمُّوهم سَحَرَةً، وجاوَزُوا حَدَّ التَّصْدِيقِ إلى أنِ اتَّخَذُوهم آلِهَةً، كَما قالَ بَعْضُ بَنِي إسْرائِيلَ فِيما أظْهَرَ عَلى يَدِ عِيسى مِنَ البَيِّناتِ ﴿هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [النمل: ١٣] . واتَّخَذَهُ بَعْضُهم وأُمَّهُ إلَهَيْنِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ العامِلُ في (إذْ) مُضْمَرًا، تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ، وقالَ هُنا بِمَعْنى يَقُولُ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ مِن هَذا القَوْلِ أنَّهُ في القِيامَةِ؛ تَقْدُمَةً لِقَوْلِهِ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦]، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (إذْ) بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ١٠٩] انْتَهى. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ إذْ في مَوْضِعِ خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: ذَلِكَ إذْ قالَ اللَّهُ. وإذا كانَ المُنادى عَلَمًا مُفْرَدًا ظاهِرَ الضَّمَّةِ مَوْصُوفًا بِابْنٍ مُتَّصِلًا مُضافًا إلى عَلَمٍ، جازَ فَتْحُهُ إتْباعًا لِفَتْحَةِ ابْنٍ، هَذا مَذْهَبُ الجُمْهُورِ. وأجازَ الفَرّاءُ وتَبِعَهُ أبُو البَقاءِ في ما لا يَظْهَرُ فِيهِ تَقْدِيرُ الضَّمَّةِ والفَتْحَةِ، فَإنْ لَمْ تَجْعَلْ ﴿ابْنَ مَرْيَمَ﴾ صِفَةً، وجَعَلْتَهُ بَدَلًا، أوْ مُنادًى، فَلا يَجُوزُ في ذَلِكَ العَلَمِ إلّا الضَّمُّ. وقَدْ خَلَطَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، وبَعْضُ مَن يَنْتَمِي إلى النَّحْوِ هُنا، فَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (عِيسى) في مَحَلِّ الرَّفْعِ؛ لِأنَّهُ مُنادًى مَعْرِفَةٌ غَيْرُ مُضافٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ النَّصْبِ؛ لِأنَّهُ في نِيَّةِ الإضافَةِ، ثُمَّ جُعِلَ الِابْنُ تَوْكِيدًا، وكُلُّ ما كانَ مِثْلَ هَذا جازَ فِيهِ الوَجْهانِ، نَحْوَ يا زَيْدُ بْنَ عَمْرٍو؛ وأنْشَدَ النَّحْوِيُّونَ: ؎يا حَكَمُ بْنَ المُنْذِرِ بْنِ الجارُودْ أنْتَ الجَوادُ بْنُ الجَوادِ بْنِ الجُودِ قالَ التَّبْرِيزِيُّ: الأظْهَرُ عِنْدِي أنَّ مَوْضِعَ (عِيسى) نَصْبٌ؛ لِأنَّكَ تَجْعَلُ الِاسْمَ مَعَ نَعْتِهِ إذا أضَفْتَهُ إلى العَلَمِ، كالشَّيْءِ الواحِدِ المُضافِ انْتَهى. والَّذِي ذَكَرَهُ النَّحْوِيُّونَ في نَحْوِ، يا زَيْدُ بْنَ بَكْرٍ إذا فَتَحْتَ آخِرَ المُنادى؛ أنَّها حَرَكَةُ إتْباعٍ لِحَرَكَةِ نُونِ ابْنٍ، ولَمْ يُعْتَدَّ بِسُكُونِ باءِ ابْنٍ؛ لِأنَّ السّاكِنَ حاجِزٌ غَيْرُ حَصِينٍ، قالُوا: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالذِّكْرِ هُنا؛ الإقْرارُ، وأنْ يُرادَ بِهِ الإعْلامُ، وفائِدَةُ هَذا الذِّكْرِ إسْماعُ الأُمَمِ ما خَصَّهُ بِهِ تَعالى مِنَ الكَرامَةِ، وتَأْكِيدُ حُجَّتِهِ عَلى جاحِدِهِ. وقِيلَ: أُمِرَ بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا لِغَيْرِهِ عَلى مَعْرِفَةِ حَقِّ النِّعْمَةِ، ووُجُوبِ شُكْرِ المُنْعِمِ. قالَ الحَسَنُ: ذِكْرُ النِّعْمَةِ شُكْرُها. والنِّعْمَةُ هُنا جِنْسٌ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما عَدَّدَهُ بَعْدَ هَذا التَّوْحِيدِ اللَّفْظِيِّ مِنَ النِّعَمِ، وإضافَتِها إلَيْهِ؛ تَنْبِيهًا عَلى عِظَمِها، ونِعَمُهُ عَلَيْهِ قَدْ عَدَّدَها هُنا، وفي البَقَرَةِ وآلِ عِمْرانَ ومَرْيَمَ، وفي مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ، ونِعْمَتُهُ عَلى أُمِّهِ؛ بَراءَتُها مِمّا نُسِبَ إلَيْها، وتَكْفِيلُها لِزَكَرِيّا، وتَقَبُّلُها بِقَبُولٍ حَسَنٍ، وما ذُكِرَ في سُورَةِ التَّحْرِيمِ (ومَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرانَ) إلى آخِرِهِ، وغَيْرُ ذَلِكَ. وأُمِرَ بِذِكْرِ نِعْمَةِ أُمِّهِ؛ لِأنَّها نِعْمَةٌ صائِرَةٌ إلَيْهِ. ﴿إذْ أيَّدْتُكَ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ قَرَأ (p-٥١)الجُمْهُورُ بِتَشْدِيدِ الياءِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ (أيَّدْتُكَ) عَلى (أفْعَلْتُكَ) . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَلى وزْنِ فاعَلْتُكَ، ثُمَّ قالَ: ويَظْهَرُ أنَّ الأصْلَ في القِراءَتَيْنِ أيَّدْتُكَ، عَلى وزْنِ أفْعَلْتُكَ، ثُمَّ اخْتَلَفَ الإعْلالُ، والمَعْنى فِيهِما (أيَّدْتُكَ) مِنَ الأيَدِ؛ وقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: ؎الحَمْدُ لِلَّهِ الأعَزِّ الأكْرَمِ ∗∗∗ أيَّدَنا يَوْمَ زُحُوفِ الأشْرَمِ انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ أيَّدَ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، لَيْسَ وزْنُهُ أفْعَلَ؛ لِمَجِيءِ المُضارِعِ عَلى يُؤَيِّدُ، فالوَزْنُ فَعَّلَ، ولَوْ كانَ أفْعَلَ لَكانَ المُضارِعُ يُؤَيِّدُ كَمُضارِعِ آمَنَ يُؤْمِنُ، وأمّا مَن قَرَأ آيَدَ، فَيَحْتاجُ إلى نَقْلِ مُضارِعِهِ مِن كَلامِ العَرَبِ، فَإنْ كانَ يُؤايِدُ، فَهو (فاعَلَ)، وإنْ كانَ (يُؤَيِّدُ)، فَهو (أفْعَلَ) . وأمّا قَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ: أنَّهُ في القِراءَتَيْنِ، يَظْهَرُ أنَّ وزْنَهُ أفْعَلْتُكَ، ثُمَّ اخْتَلَفَ الإعْلالُ، فَلا أفْهَمُ ما أرادَ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في قَوْلِهِ ﴿وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ [البقرة: ٨٧] . ﴿تُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلًا﴾ ﴿وإذْ عَلَّمْتُكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِي وتُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ بِإذْنِي وإذْ تُخْرِجُ المَوْتى بِإذْنِي﴾ . تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمَلِ والقِراءاتِ الَّتِي فِيها، والإعْرابُ، وما لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهُ، نَذْكُرُهُ فَنَقُولُ: جاءَ هُناكَ ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ﴾ . وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ فَتَنْفُخُها فَتَكُونُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (فَتَكُونُ) بِالتّاءِ مِن فَوْقٍ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ (فِيها فَيَكُونُ)، بِالياءِ مِن تَحْتٍ، والضَّمِيرُ في (فِيها) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: اضْطَرَبَ المُفَسِّرُونَ فِيهِ. قالَ مَكِّيٌّ: هو في آلِ عِمْرانَ عائِدٌ عَلى الطّائِرِ، وفي المائِدَةِ عائِدٌ عَلى الهَيْئَةِ، قالَ: ويَصِحُّ عَكْسُ هَذا. وقالَ غَيْرُهُ: الضَّمِيرُ المَذْكُورُ عائِدٌ عَلى (الطِّينِ) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولا يَصِحُّ عَوْدُ هَذا الضَّمِيرِ، لا عَلى الطِّينِ، ولا عَلى الهَيْئَةِ؛ لِأنَّ الطَّيْرَ، أوِ الطّائِرَ الَّذِي يَجِيءُ الطَّيْرُ عَلى هَيْئَتِهِ، لا نَفْخَ فِيهِ البَتَّةَ، وكَذَلِكَ لا نَفْخَ في هَيْئَتِهِ الخاصَّةِ بِهِ، وكَذَلِكَ الطِّينُ، إنَّما هو الطِّينُ العامُّ، ولا نَفْخَ في ذَلِكَ انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولا يَرْجِعُ بَعْضُ الضَّمِيرِ إلى الهَيْئَةِ المُضافِ إلَيْها؛ لِأنَّها لَيْسَتْ مِن خَلْقِهِ، ولا نَفْخِهِ في شَيْءٍ، وكَذَلِكَ الضَّمِيرُ في يَكُونُ انْتَهى. والَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ كَلامُ مَكِّيٍّ؛ أنَّهُ لا يُرِيدُ بِهِ ما فُهِمَ عَنْهُ، بَلْ يَكُونُ قَوْلُهُ عائِدًا (p-٥٢)عَلى الطّائِرِ، لا يُرِيدُ بِهِ الطّائِرَ المُضافَ إلَيْهِ الهَيْئَةُ، بَلِ الطّائِرَ الَّذِي صَوَّرَهُ عِيسى، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ، وإذْ يَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ طائِرًا صُورَةً مِثْلَ صُورَةِ الطّائِرِ الحَقِيقِيِّ، فَيَنْفُخُ فِيهِ، فَيَكُونُ طائِرًا حَقِيقَةً، بِإذْنِ اللَّهِ. ويَكُونُ قَوْلُهُ عائِدًا عَلى الهَيْئَةِ، لا يُرِيدُ بِهِ الهَيْئَةَ المُضافَةَ إلى الطّائِرِ، بَلِ الهَيْئَةَ الَّتِي تَكُونُ الكافُ صِفَةً لَها، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ؛ وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ هَيْئَةً مِثْلَ هَيْئَةِ الطَّيْرِ، فَتَنْفُخُ فِيها؛ أيْ في الهَيْئَةِ المَوْصُوفَةِ بِالكافِ، المَنسُوبِ خَلْقِها إلى عِيسى. وأمّا قَوْلُ مَكِّيٍّ، ويَصِحُّ عَكْسُ هَذا؛ وهو أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ المُذَكَّرُ عائِدًا عَلى الهَيْئَةِ، والضَّمِيرُ المُؤَنَّثُ عائِدًا عَلى الطّائِرِ، فَيُمْكِنُ تَخْرِيجُهُ عَلى أنَّهُ ذُكِّرَ الضَّمِيرُ، وإنْ كانَ عائِدًا عَلى مُؤَنَّثٍ؛ لِأنَّهُ لُحِظَ فِيها مَعْنى الشَّكْلِ، كَأنَّهُ قَدَّرَ هَيْئَةً كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِقَوْلِهِ شَكْلًا كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ. وأنَّهُ أنَّثَ الضَّمِيرَ، وإنْ كانَ عائِدًا عَلى مُذَكَّرٍ؛ لِأنَّهُ لُحِظَ فِيهِ مَعْنى الهَيْئَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والوَجْهُ عَوْدُ ضَمِيرِ المُؤَنَّثِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ الآيَةُ ضَرُورَةً؛ أيْ صُوَرًا، أوْ أشْكالًا، أوْ أجْسامًا، وعَوْدُ الضَّمِيرِ المُذَكَّرِ عَلى المَخْلُوقِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ (تَخْلُقُ)، ثُمَّ قالَ: ولَكَ أنْ تُعِيدَهُ عَلى ما تَدُلُّ عَلَيْهِ الكافُ في مَعْنى المِثْلِ؛ لِأنَّ المَعْنى وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ مِثْلَ هَيْئَةٍ، ولَكَ أنْ تُعِيدَ الضَّمِيرَ عَلى الكافِ نَفْسِهِ، فَيَكُونُ اسْمًا في غَيْرِ الشِّعْرِ، فَهو قَوْلُ أبِي الحَسَنِ وحْدَهُ مِنَ البَصْرِيِّينَ، وكَذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ الضَّمِيرَ في فِيها، لِلْكافِ، قالَ: لِأنَّها صِفَةُ الهَيْئَةِ الَّتِي كانَ يَخْلُقُها عِيسى، ويَنْفُخُ فِيها. وجاءَ في آلِ عِمْرانَ ﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٤٩] مَرَّتَيْنِ، وجاءَ هُنا (بِإذْنِي) أرْبَعَ مَرّاتٍ عَقِيبَ أرْبَعِ جُمَلٍ؛ لِأنَّ هَذا مَوْضِعُ ذِكْرِ النِّعْمَةِ والِامْتِنانِ بِها، فَناسَبَ الإسْهابَ، وهُناكَ مَوْضِعُ إخْبارٍ لِبَنِي إسْرائِيلَ، فَناسَبَ الإيجازَ. والتَّقْدِيرُ في وإذْ تُخْرِجُ المَوْتى؛ تُحْيِي المَوْتى، فَعَبَّرَ بِالإخْراجِ عَنِ الإحْياءِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ [ق: ١١] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وأحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ [ق: ١١]، أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ؛ وإذْ تُخْرِجُ المَوْتى مِن قُبُورِهِمْ أحْياءً. ﴿وإذْ كَفَفْتُ بَنِي إسْرائِيلَ عَنْكَ إذْ جِئْتَهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ مَنَعْتُهم مِن قَتْلِكَ حِينَ هَمُّوا بِكَ، وأحاطُوا بِالبَيْتِ الَّذِي أنْتَ فِيهِ. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: لَمّا قالَ اللَّهُ لِعِيسى: ﴿اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ كانَ يَلْبَسُ الشَّعْرَ، ويَأْكُلُ الشَّجَرَ، ولا يُؤَخِّرُ شَيْئًا لِغَدْوٍ، يَقُولُ مَعَ كُلِّ يَوْمٍ رِزْقُهُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيْتٌ فَيُخَرَّبَ، ولا ولَدٌ فَيَمُوتَ، أيْنَ ما أمْسى باتَ. وهَذا القَوْلُ يَظْهَرُ مِنهُ أنَّ عِيسى خُوطِبَ بِذَلِكَ قَبْلَ الرَّفْعِ. والبَيِّناتُ هُنا؛ هي المُعْجِزاتُ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها، وظَهَرَتْ عَلى يَدَيْهِ، ولَمّا فَصَّلَ تَعالى نِعْمَتَهُ ذَكَرَ ذَلِكَ مَنسُوبًا لِعِيسى دُونَ أُمِّهِ؛ لِأنَّ مِن هَذِهِ النِّعَمِ نِعْمَةَ النُّبُوَّةِ، وظُهُورَ هَذِهِ الخَوارِقِ، فَنِعْمَتُهُ عَلَيْهِ أعْظَمُ مِنها عَلى أُمِّهِ، إذْ ولَدَتْ مِثْلَ هَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ؛ وقالَ الشّاعِرُ فِيما يُشْبِهُ هَذا: ؎شَهِدَ العَوالِمُ أنَّها لَنَفِيسَةٌ ∗∗∗ بِدَلِيلِ ما ولَدَتْ مِنَ النُّجَباءِ ﴿فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (ساحِرٌ) بِالألِفِ هُنا. وفي هُودٍ والصَّفِّ، فَهَذا هُنا إشارَةٌ إلى عِيسى. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ (سِحْرٌ)، فَهَذا إشارَةٌ إلى ما جاءَ بِهِ عِيسى مِنَ البَيِّناتِ. ﴿وإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ أنْ آمِنُوا بِي وبِرَسُولِي﴾ أيْ أوْحَيْتُ إلَيْهِمْ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إمّا أنْ يَكُونَ وحْيَ إلْهامٍ، أوْ وحْيَ أمْرٍ. والرَّسُولُ هُنا؛ هو عِيسى، وهَذا الإيحاءُ إلى الحَوارِيِّينَ؛ هو مِن نِعَمِ اللَّهِ عَلى عِيسى بِأنْ جَعَلَ لَهُ أتْباعًا يُصَدِّقُونَهُ، ويَعْمَلُونَ بِما جاءَ بِهِ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ تَفْسِيرِيَّةً؛ لِأنَّهُ تَقَدَّمَها جُمْلَةٌ في مَعْنى القَوْلِ، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً. ﴿قالُوا آمَنّا واشْهَدْ بِأنَّنا مُسْلِمُونَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في آلِ عِمْرانَ، إلّا أنَّ هُناكَ (آمَنّا بِاللَّهِ) لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُ اللَّهِ فَقَطْ في قَوْلِهِ: ﴿مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢]، وهُنا جاءَ (قالُوا آمَنّا) فَلَمْ يَتَقَيَّدْ بِلَفْظِ الجَلالَةِ، إذْ قَدْ تَقَدَّمَ (p-٥٣)أنْ آمَنُوا بِي وبِرَسُولِي، وجاءَ هُناكَ ﴿واشْهَدْ بِأنّا﴾ [آل عمران: ٥٢]، وهُنا ﴿واشْهَدْ بِأنَّنا﴾ . وهَذا هو الأصْلُ، إذْ (أنَّ) مَحْذُوفٌ مِنهُ النُّونُ؛ لِاجْتِماعِ الأمْثالِ. ﴿إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ﴾ اعْتِراضٌ لِما وصَفَ حالَ قَوْمِ اللَّهِ لِعِيسى يَوْمَ القِيامَةِ، وتَضَمَّنَ الِاعْتِراضُ إخْبارَ مُحَمَّدٍ وأُمَّتِهِ بِنازِلَةِ الحَوارِيِّينَ في المائِدَةِ، إذْ هي مِثالٌ نافِعٌ لِكُلِّ أُمَّةٍ مَعَ نَبِيِّها انْتَهى. والَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ اللَّفْظِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ اللَّهُ ياعِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ إلى آخِرِ قِصَّةِ المائِدَةِ، كانَ ذَلِكَ في الدُّنْيا ذَكَّرَ عِيسى بِنِعَمِهِ، وبِما أجْراهُ عَلى يَدَيْهِ مِنَ المُعْجِزاتِ، وبِاخْتِلافِ بَنِي إسْرائِيلَ عَلَيْهِ، وانْقِسامِهِمْ إلى كافِرٍ ومُؤْمِنٍ، وهُمُ الحَوارِيُّونَ، ثُمَّ اسْتَطْرَدَ إلى قِصَّةِ المائِدَةِ، ثُمَّ إلى سُؤالِهِ تَعالى لِعِيسى ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦]، وإنَّما حَمَلَ بَعْضُهم عَلى أنَّ ذَلِكَ في الآخِرَةِ كَوْنُهُ اعْتَقَدَ أنَّ (إذْ) بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩]، وأنَّ في آخِرِ الآياتِ ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ﴾ [المائدة: ١١٩] . ولا يَتَعَيَّنُ هَذا المَحْمَلُ عَلى ما نُبَيِّنُهُ، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، في قَوْلِهِ: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ﴾ [المائدة: ١١٩]، بَلِ الظّاهِرُ ما ذَكَرْناهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾، بِالياءِ وضَمِّ الباءِ. وهَذا اللَّفْظُ يَقْتَضِي ظاهِرُهُ الشَّكَّ في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، عَلى أنْ يُنْزِلَ مائِدَةً مِنَ السَّماءِ، وذَلِكَ هو الَّذِي حَمَلَ الزَّمَخْشَرِيَّ عَلى أنَّ الحَوارِيِّينَ لَمْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، قالَ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ قالُوا هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ بَعْدَ إيمانِهِمْ وإخْلاصِهِمْ ؟ قُلْتُ: ما وصَفَهُمُ اللَّهُ بِالإيمانِ والإخْلاصِ، وإنَّما حَكى ادِّعاءَهم لَهُما، ثُمَّ أتْبَعَهُ قَوْلَهُ: (إذْ قالُوا) فَآذَنَ أنَّ دَعْواهم كانَتْ باطِلَةً، وأنَّهم كانُوا شاكِّينَ. وقَوْلُهُ: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ كَلامٌ لا يَرِدُ مِثْلُهُ عَنْ مُؤْمِنِينَ مُعَظِّمِينَ لِرَبِّهِمْ، ولِذَلِكَ قَوْلُ عِيسى لَهم مَعْناهُ؛ اتَّقُوا اللَّهَ، ولا تَشُكُّوا في اقْتِدارِهِ واسْتِطاعَتِهِ، ولا تَقْتَرِحُوا عَلَيْهِ، ولا تُحَكِّمُوا ما تَشْتَهُونَ مِنَ الآياتِ، فَتَهْلِكُوا إذا عَصَيْتُمُوهُ بَعْدَها. ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ إنْ كانَتْ دَعْواكم لِلْإيمانِ صَحِيحَةً انْتَهى. وأمّا غَيْرُ الزَّمَخْشَرِيِّ مِن أهْلِ التَّفْسِيرِ، فَأطْبَقُوا عَلى أنَّ الحَوارِيِّينَ كانُوا مُؤْمِنِينَ حَتّى قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لا خِلافَ أحْفَظُهُ في أنَّ الحَوارِيِّينَ كانُوا مُؤْمِنِينَ. وقالَ قَوْمٌ: قالَ الحَوارِيُّونَ هَذِهِ المَقالَةَ في صَدْرِ الأمْرِ قَبْلَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهُ يُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ، ويُحْيِي المَوْتى. قالَ المُفَسِّرُونَ: والحَوارِيُّونَ هم خَواصُّ عِيسى، وكانُوا مُؤْمِنِينَ، ولَمْ يَشُكُّوا في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى ذَلِكَ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لا يَجُوزُ لِأحَدٍ أنْ يَتَوَهَّمَ أنَّ الحَوارِيِّينَ شَكُّوا في قُدْرَةِ اللَّهِ، وإنَّما هَذا كَما يَقُولُ الإنْسانُ لِصاحِبِهِ: هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَقُومَ مَعِي ؟ وهو يَعْلَمُ أنَّهُ مُسْتَطِيعٌ لَهُ، ولَكِنَّهُ يُرِيدُ هَلْ يَسْهُلُ عَلَيْكَ انْتَهى. وقالَ الفارِسِيُّ: مَعْناهُ هَلْ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِمَسْألَتِكَ إيّاهُ. وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَشُكُّوا في قُدْرَةِ اللَّهِ، وإنَّما سَألُوهُ سُؤالَ مُسْتَخْبِرٍ، هَلْ يُنَزِّلُ أمْ لا ؟ فَإنْ كانَ يُنَزِّلُ فاسْألْهُ لَنا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَلْ يَفْعَلُ تَعالى هَذا ؟ وهَلْ يَقَعُ مِنهُ إجابَةٌ إلَيْهِ ؟ كَما قالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ: هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تُرِيَنِيَ كَيْفَ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، يَتَوَضَّأُ ؟ فالمَعْنى هَلْ يُحِبُّ ذَلِكَ، وهَلْ يَفْعَلُهُ انْتَهى. وقِيلَ: المُرادُ مِن هَذا الكَلامِ اسْتِفْهامُ أنَّ ذَلِكَ جائِزٌ، أمْ لا ؟ وذَلِكَ لِأنَّ أفْعالَهُ مَوْقُوفَةٌ عَلى وُجُوهِ الحِكْمَةِ، فَإنْ لَمْ يَحْصُلْ شَيْءٌ مِن وُجُوهِ الحِكْمَةِ، كانَ الفِعْلُ مُمْتَنِعًا، فَإنَّ المُنافِيَ مِن وُجُوهِ الحِكْمَةِ، كالمُنافِي مِن وُجُوهِ القُدْرَةِ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: هَذا الجَوابُ يَمْشِي عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، وأمّا عَلى مَذْهَبِنا، فَهو مَحْمُولٌ عَلى أنَّهُ تَعالى، هَلْ قَضى بِذَلِكَ ؟ وهَلْ عَلِمَ وُقُوعَهُ ؟ فَإنَّهُ إنْ لَمْ يَقْضِ بِهِ ويَعْلَمْ وُقُوعَهُ، كانَ ذَلِكَ مُحالًا غَيْرَ مَقْدُورٍ؛ لِأنَّ خِلافَ (p-٥٤)المَعْلُومِ غَيْرُ مَقْدُورٍ، وقالَ أيْضًا لَيْسَ المَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ كَوْنَهم شاكِّينَ فِيهِ، بَلِ المَقْصُودُ تَقْرِيرُ أنَّ ذَلِكَ في غايَةِ الظُّهُورِ، كَمَن يَأْخُذُ بِيَدِ ضَعِيفٍ، ويَقُولُ: هَلْ يَقْدِرُ السُّلْطانُ عَلى إشْباعِ هَذا ؟ ويَكُونُ غَرَضُهُ مِنهُ أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ واضِحٌ، لا يَجُوزُ لِلْعاقِلِ أنْ يَشُكَّ فِيهِ، وأبْعَدَ مَن قالَ: هَلْ يُنَزِّلُ رَبُّكَ مائِدَةً مِنَ السَّماءِ ؟ (ويَسْتَطِيعُ) صِلَةٌ، ومَن قالَ: الرَّبُّ هَنا جِبْرِيلُ؛ لِأنَّهُ كانَ يُرَبِّي عِيسى، ويَخُصُّهُ بِأنْواعِ الإعانَةِ، ولِذَلِكَ قالَ في أوَّلِ الآيَةِ ﴿إذْ أيَّدْتُكَ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ . ورُوِيَ أنَّ الَّذِي نَحا بِهِمْ هَذا المَنحى مِنَ الِاقْتِراحِ؛ هو أنَّ عِيسى قالَ لَهم مَرَّةً: هَلْ لَكم في صِيامِ ثَلاثِينَ يَوْمًا لِلَّهِ تَعالى، ثُمَّ إنْ سَألْتُمُوهُ حاجَةً، قَضاها، فَلَمّا صامُوها، قالُوا: يا مُعَلِّمَ الخَيْرِ ! إنَّ حَقَّ مَن عَمِلَ عَمَلًا أنْ يُطْعَمَ، فَهَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ؟ فَأرادُوا أنْ تَكُونَ المائِدَةُ عِيدَ ذَلِكَ الصَّوْمِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ (هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ)، بِالتّاءِ مِن فَوْقُ (رَبَّكَ) بِنَصْبِ الباءِ، وهي قِراءَةُ عَلِيٍّ ومُعاذٍ وابْنِ عَبّاسٍ وعائِشَةَ وابْنِ جُبَيْرٍ. قالَتْ عائِشَةُ: كانَ الحَوارِيُّونَ أعْرَفَ بِاللَّهِ مِن أنْ يَقُولُوا ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ نَزَّهَتْهم عَنْ بَشاعَةِ اللَّفْظِ، وعَنْ مُرادِهِمْ ظاهِرَهُ. وقَدْ ذَكَرْنا تَأْوِيلاتِ ذَلِكَ، ومَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ؛ هَلْ تَسْتَطِيعُ سُؤالَ رَبِّكَ ؟ و﴿أنْ يُنَزِّلَ﴾ مَعْمُولٌ لِسُؤالٍ المَحْذُوفِ إذْ هو حَذْفٌ لا يَتِمُّ المَعْنى إلّا بِهِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: وقَدْ يُمْكِنُ أنْ يُسْتَغْنى عَنْ تَقْدِيرِ سُؤالٍ، عَلى أنْ يَكُونَ المَعْنى؛ هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ يُنَزِّلَ رَبُّكَ بِدُعائِكَ ؟ فَيَئُولُ المَعْنى، ولا بُدَّ إلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما ذُكِرَ مِنَ اللَّفْظِ انْتَهى. ولا يَظْهَرُ ما قالَ أبُو عَلِيٍّ؛ لِأنَّ فِعْلَ اللَّهِ تَعالى، وإنْ كانَ سَبَبُهُ الدُّعاءَ، لا يَكُونُ مَقْدُورًا لِعِيسى. وأدْغَمَ الكِسائِيُّ لامَ (هَلْ) في ياءِ (يَسْتَطِيعُ) وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُ قَوْلُ عِيسى ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمُ الِاقْتِراحَ لِلْآياتِ، وهو عَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ تَقْرِيرًا لِلْإيمانِ، كَما تَقُولُ افْعَلْ كَذا، وكَذا إنْ كُنْتَ رَجُلًا. وقالَ مُقاتِلٌ وجَماعَةٌ: اتَّقُوهُ أنْ تَسْألُوهُ البَلاءَ؛ لِأنَّها إنْ نَزَلَتْ، وكَذَّبْتُمْ عُذِّبْتُمْ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ وجَماعَةٌ: أنْ تَسْألُوهُ ما لَمْ تَسْألْهُ الأُمَمُ قَبْلَكم. وقِيلَ: أنْ تَشُكُّوا في قُدْرَتِهِ عَلى إنْزالِ المائِدَةِ. وقِيلَ: اتَّقُوا اللَّهَ في الشَّكِّ فِيهِ، وفي رُسُلِهِ وآياتِهِمْ. وقِيلَ: اتَّقُوا مَعاصِيَ اللَّهِ. وقِيلَ: أمَرَهم بِالتَّقْوى لِيَكُونَ سَبَبًا لِحُصُولِ هَذا المَطْلُوبِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هُنا (عِيسى) في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى اتْباعِ حَرَكَتِهِ حَرَكَةَ الِابْنِ، كَقَوْلِكَ يا زَيْدَ بْنَ عَمْرٍو ! وهي اللُّغَةُ الفاشِيَةُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَضْمُومًا، كَقَوْلِكَ يا زَيْدُ بْنَ عَمْرٍو ! والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: أحارُ ابْنَ عُمَرَ كَأنِّي خَمْرٌ لِأنَّ التَّرْخِيمَ لا يَكُونُ إلّا في المَضْمُومِ انْتَهى. فَقَوْلُهُ: عِيسى في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، وعَلى تَقْدِيرِ ضَمِّهِ، فَهو لا اخْتِصاصَ لَهُ بِكَوْنِهِ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى تَقْدِيرِ الإتْباعِ، فَإصْلاحُهُ عِيسى مُقَدَّرٌ فِيهِ الفَتْحَةُ عَلى إتْباعِ الحَرَكَةِ، وقَوْلُهُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَضْمُومًا؛ هَذا مَذْهَبُ الفَرّاءِ، وهو تَقْدِيرُ الفَتْحِ والضَّمِّ، ونَحْوُهُ مِمّا لا تَظْهَرُ فِيهِ الضَّمَّةُ قِياسًا عَلى الصَّحِيحِ، ولَمْ يَبْدَأْ أوَّلًا بِالضَّمِّ الَّذِي هو مُجْمَعٌ عَلى تَقْدِيرِهِ: فَلَيْسَ بِشَرْطٍ، ألا تُرى إلى جَوازِ تَرْخِيمِ رَجُلٍ اسْمُهُ مُثَنًّى ؟ فَتَقُولُ: يا مُثَنُّ أقْبِلْ، وإلى تَرْخِيمِ بَعْلَبَكَّ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ، لَكِنَّهُ في تَقْدِيرِ الِاسْمِ المَضْمُومِ، وإنْ عَنى ضَمَّةً مُقَدَّرَةً، فَإنْ عَنى ضَمَّةً ظاهِرَةً، فَلَيْسَ بِشَرْطٍ، ألا تَرى إلى جَوازِ تَرْخِيمِ رَجُلٍ اسْمُهُ مُثَنًّى ؟ فَتَقُولُ: يا مُثَنُّ، فَإنَّ مِثْلَ يا جَعْفَرَ بْنَ زَيْدٍ مِمّا فُتِحَ فِيهِ آخِرُ المُنادى لِأجْلِ الإتْباعِ، مُقَدَّرٌ فِيهِ الضَّمَّةُ لِشَغْلِ الحَرْفِ بِحَرَكَةِ الإتْباعِ، كَما قَدَّرَ الأعْرابِيُّ في قِراءَةِ مَن قَرَأ (الحَمْدِ لِلَّهِ)، بِكَسْرِ الدّالِ، لِأجْلِ إتْباعِ حَرَكَةِ (لِلَّهِ)، فَقَوْلُكَ: يا حارُ ! هو (p-٥٥)مَضْمُومٌ تَقْدِيرًا، وإنْ كانَتِ الثّاءُ المَحْذُوفَةُ مَشْغُولَةً في الأصْلِ بِحَرَكَةِ الإتْباعِ، وهي الفَتْحَةُ، فَلا تَنافِي بَيْنَ التَّرْخِيمِ، وبَيْنَ ما فُتِحَ إتْباعًا، وقُدِّرَتْ فِيهِ الضَّمَّةُ. وكانَ يَنْبَغِي لِلزَّمَخْشَرِيِّ أنْ يَتَكَلَّمَ عَلى هَذِهِ المَسْألَةِ قَبْلَ هَذا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ قالَ اللَّهُ ياعِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ حَيْثُ تَكَلَّمَ النّاسُ عَلَيْها. ﴿قالُوا نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها وتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا ونَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا ونَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ لَمّا أمَرَهم عِيسى بِتَقْوى اللَّهِ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ ما تَقَدَّمَ مِن كَلامِهِمْ، صَرَّحُوا بِسَبَبِ طَلَبِ المائِدَةِ، وأنَّهم يُرِيدُونَ الأكْلَ مِنها، وذَلِكَ لِلشَّرَفِ لا لِلشِّبَعِ، واطْمِئْنانِ قُلُوبِهِمْ بِسُكُونِ الفِكْرِ، إذا عايَنُوا هَذا المُعْجِزَ العَظِيمَ النّازِلَ مِنَ السَّماءِ، وعُلِمَ الضَّرُورَةُ والمُشاهِدَةُ بِصِدْقِهِ، فَلا تَعْتَرِضُ الشُّبَهُ اللّاحِقَةُ في عِلْمِ الِاسْتِدْلالِ وكَيْنُونَتِهِمْ مِنَ المُشاهِدِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ، النّاقِلِينَ لَها إلى غَيْرِهِمْ، القائِمِينَ بِهَذا الشَّرْعِ، أوْ مِنَ الشّاهِدِينَ لِلَّهِ بِالوَحْدانِيَّةِ ولَكَ بِالنُّبُوَّةِ، وقَدْ طَوَّلَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِ مُتَعَلِّقِ إرادَتِهِمْ بِهَذِهِ الأشْياءِ، ومُلَخَّصُها أنَّهم أرادُوا الأكْلَ لِلْحاجَةِ وشِدَّةِ الجُوعِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وكانَ إذا خَرَجَ اتَّبَعَهُ خَمْسَةُ آلافٍ أوْ أكْثَرُ مِن صاحِبٍ لَهُ، وذِي عِلَّةٍ يَطْلُبُ البُرْءَ، ومُسْتَهْزِئٍ فَوَقَعُوا يَوْمًا في مَفازَةٍ ولا زادَ، فَجاعُوا وسَألُوا مِنَ الحَوارِيِّينَ أنْ يَسْألُوا عِيسى نُزُولَ مائِدَةٍ مِنَ السَّماءِ، فَذَكَرَ شَمْعُونُ لِعِيسى ذَلِكَ، فَقالَ: قُلْ لَهُمُ اتَّقُوا اللَّهَ، وأرادُوا الأكْلَ لِيَزْدادُوا إيمانًا. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أوِ التَّشْرِيفَ بِالمائِدَةِ ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ والِاطْمِئْنانُ: إمّا بِأنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَكَ إلَيْنا، أوِ اخْتارَنا أعْوانًا لَكَ، أوْ قَدْ أجابَكَ، أوِ العِلْمُ بِالصِّدْقِ في أنّا إذا صُمْنا لِلَّهِ تَعالى ثَلاثِينَ يَوْمًا. لَمْ نَسْألِ اللَّهَ شَيْئًا إلّا أعْطانا، أوْ في أنَّكَ رَسُولٌ حَقًّا، إذِ المُعْجِزُ دَلِيلُ الصِّدْقِ، وكانُوا قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَرَوُا الآياتِ، أوْ يُرادُ بِالعِلْمِ الضَّرُورِيُّ والمُشاهِدَةُ انْتَهى. وأتَتْ هَذِهِ المَعاطِيفُ مُرَتَّبَةً تَرْتِيبًا لَطِيفًا، وذَلِكَ أنَّهم لا يَأْكُلُونَ مِنها إلّا بَعْدَ مُعايَنَةِ نُزُولِها، فَيَجْتَمِعُ عَلى العِلْمِ بِها حاسَّةُ الرُّؤْيَةِ، وحاسَّةُ الذَّوْقِ، فَبِذَلِكَ يَزُولُ عَنِ القَلْبِ قَلَقُ الِاضْطِرابِ، ويَسْكُنُ إلى ما عايَنَهُ الإنْسانُ وذاقَهُ، وبِاطْمِئْنانِ القَلْبِ يَحْصُلُ العِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِصِدْقِ مَن كانَتِ المُعْجِزَةُ عَلى يَدَيْهِ، إذْ جاءَتْ طِبْقَ ما سَألَ، وسَألُوا هَذا المُعْجِزَ العَظِيمَ؛ لِأنَّ تَأْثِيرَهُ في العالَمِ العُلْوِيِّ بِدُعاءِ مَن هو في العالَمِ الأرْضِيِّ، أقْوى وأغْرَبُ مِن تَأْثِيرِ مَن هو في العالَمِ الأرْضِيِّ في عالَمِهِ الأرْضِيِّ، ألا تَرى أنَّ مِن أعْظَمِ مُعْجِزاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ القُرْآنَ، وانْشِقاقَ القَمَرِ، وهُما مِنَ العالَمِ العُلْوِيِّ. وإذا حَصَلَ عِنْدَهُمُ العِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِصِدْقِ عِيسى، شَهِدُوا شَهادَةَ يَقِينٍ لا يَخْتَلِجُ بِها ظَنٌّ ولا شَكٌّ، ولا وهْمٌ وبِذِكْرِهِمْ هَذِهِ الأسْبابَ الحامِلَةَ عَلى طَلَبِ المائِدَةِ، يَتَرَجَّحُ قَوْلُ مَن قالَ: كانَ سُؤالُهم ذَلِكَ قَبْلَ عِلْمِهِمْ بِآياتِ عِيسى ومُعْجِزاتِهِ وإنَّ وحْيَ اللَّهِ إلَيْهِمْ بِالإيمانِ، كانَ في صَدْرِ الأمْرِ، وعِنْدَ ذَلِكَ قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ، ثُمَّ آمَنُوا ورَأوُا الآياتِ، واسْتَمَرُّوا، وصَبَرُوا. وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ: (ونُعْلَمَ) بِضَمِّ النُّونِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وهَكَذا في كِتابِ التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ، وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ (ويُعْلَمَ) بِالياءِ المَضْمُومَةِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى القُلُوبِ، وفي كِتابِ الزَّمَخْشَرِيِّ ويُعْلَمَ بِالياءِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ الأعْمَشُ (وتَعْلَمَ) بِالتّاءِ؛ أيْ وتَعْلَمُهُ قُلُوبُنا. وقَرَأ الجُمْهُورُ (ونَكُونَ) بِالنُّونِ، وفي كِتابِ التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ. وقَرَأ سِنانٌ وعِيسى (وتَكُونَ عَلَيْها) بِالتّاءِ، وفي الزَّمَخْشَرِيِّ؛ وكانَتْ دَعْواهم لِإرادَةِ ما ذَكَرُوا، كَدَعْواهم لِلْإيمانِ والإخْلاصِ، وإنَّما سَألَ عِيسى، وأُجِيبَ لِيَلْزَمُوا الحُجَّةَ بِكَمالِها، ويُرْسَلَ عَلَيْهِمُ العَذابُ، إذا خالَفُوا انْتَهى. وإنَّما قالَ ذَلِكَ لِأنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ الحَوارِيُّونَ مُؤْمِنِينَ، وإذا ولِيَ (أنْ) المُخَفِّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ فِعْلٌ مُتَصَرِّفٌ عَنْ دُعاءٍ، فَإنْ كانَ ماضِيًا، فُصِلَ بَيْنَهُما بِـ (قَدْ)، نَحْوَ قَوْلِهِ: ونَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا، وإنْ كانَ مُضارِعًا، فُصِلَ بَيْنَهُما بِحَرْفِ تَنْفِيسٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ مِنكم مَرْضى﴾ [المزمل: ٢٠] ولا (p-٥٦)يَقَعُ بِغَيْرِ فَصْلٍ، قِيلَ: إلّا قَلِيلًا. وقِيلَ: إلّا ضَرُورَةً، وفِيما تَتَعَلَّقُ بِهِ (عَلَيْها) الَّتِي تَقَدَّمَتْ في نَحْوِ ﴿إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عاكِفِينَ عَلَيْها عَلى أنَّ (عَلَيْها) في مَوْضِعِ الحالِ انْتَهى. وهَذا التَّقْدِيرُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ حَرْفَ الجَرِّ لا يُحْذَفُ عامِلُهُ وُجُوبًا، إلّا إذا كانَ كَوْنًا مُطْلَقًا لا كَوْنًا مُقَيَّدًا، والعُكُوفُ كَوْنٌ مُقَيَّدٌ؛ ولِأنَّ المَجْرُورَ إذا كانَ في مَوْضِعِ الحالِ، كانَ العامِلُ فِيها (عاكِفِينَ) المُقَدَّرَ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، ثُمَّ إنَّ قَوْلَ الزَّمَخْشَرِيِّ مُضْطَرِبٌ؛ لِأنَّ عَلَيْها إذا كانَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ هو عاكِفِينَ، كانَتْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِ الَّذِي تَعَدّى إلَيْهِ العامِلُ بِحَرْفِ الجَرِّ، وإذا كانَتْ في مَوْضِعِ الحالِ، كانَ العامِلُ فِيها كَوْنًا مُطْلَقًا واجِبَ الحَذْفِ، فَظَهَرَ التَّنافِي بَيْنَهُما. ﴿قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيدًا لِأوَّلِنا وآخِرِنا وآيَةً مِنكَ وارْزُقْنا وأنْتَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ . رُوِيَ أنَّ عِيسى لَبِسَ جُبَّةَ شَعْرٍ ورِداءَ شَعْرِ، وقامَ يُصَلِّي ويَبْكِي ويَدْعُو. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى لَفْظَةِ (اللَّهُمَّ) في آلِ عِمْرانَ، ونادى رَبَّهُ أوَّلًا بِالعِلْمِ الَّذِي لا شَرِكَةَ فِيهِ، ثُمَّ ثانِيًا بِلَفْظِ (رَبَّنا) مُطابِقًا إلى مُصْلِحِنا ومُرَبِّينا ومالِكِنا. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿تَكُونُ لَنا﴾ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ صِفَةٌ لِمائِدَةٍ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ والأعْمَشُ (يَكُنْ) بِالجَزْمِ عَلى جَوابِ الأمْرِ، والمَعْنى يَكُنْ يَوْمُ نُزُولِها عِيدًا، وهو يَوْمُ الأحَدِ، ومِن أجْلِ ذَلِكَ اتَّخَذَهُ النَّصارى عِيدًا. وقِيلَ العِيدُ: السُّرُورُ والفَرَحُ، ولِذَلِكَ يُقالُ يَوْمُ عِيدٍ، فالمَعْنى يَكُونُ لَنا سُرُورًا وفَرَحًا، والعِيدُ المُجْتَمَعُ لِلْيَوْمِ المَشْهُودِ، وعُرْفُهُ أنْ يُقالَ فِيما يَسْتَدِيرُ بِالسَّنَةِ أوْ بِالشَّهْرِ أوْ بِالجُمْعَةِ ونَحْوِهِ. وقِيلَ: العِيدُ لُغَةً ما عادَ إلَيْكَ مِن شَيْءٍ في وقْتٍ مَعْلُومٍ، سَواءٌ كانَ فَرَحًا أوْ تَرَحًا، وغَلَبَتِ الحَقِيقَةُ العُرْفِيَّةُ عَلى الحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ. وقالَ الخَلِيلُ: العِيدُ كُلُّ يَوْمٍ يَجْمَعُ النّاسَ؛ لِأنَّهم عادُوا إلَيْهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِأوَّلِنا لِأهْلِ زَمانِنا، وآخِرِنا مَن يَجِيءُ بَعْدَنا. وقِيلَ لِأوَّلِنا المُتَقَدِّمِينَ مِنّا والرُّؤَساءِ، وآخِرِنا يَعْنِي الأتْباعَ. والأوَّلِيَّةُ والآخِرِيَّةُ فاحْتَمَلَتا الأكْلَ والزَّمانَ والرُّتْبَةَ، والظّاهِرُ الزَّمانُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ والجَحْدَرِيُّ لِأُولانا وأُخْرانا، أنَّثُوا عَلى مَعْنى الأُمَّةِ والجَماعَةِ، والمَجْرُورُ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ لَنا، وكُرِّرَ العامِلُ وهو حَرْفُ الجَرِّ، كَقَوْلِهِ ﴿مِنها مِن غَمٍّ﴾ [الحج: ٢٢] والبَدَلُ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ والمُخاطَبِ، إذا كانَ بَدَلَ بَعْضٍ، أوْ بَدَلَ اشْتِمالٍ، جازَ بِلا خِلافٍ، وإنْ كانَ بَدَلَ شَيْءٍ مِن شَيْءٍ، وهُما لِعَيْنٍ واحِدَةٍ، فَإنْ أفادَ مَعْنى التَّأْكِيدِ جازَ لِهَذا البَدَلِ، إذِ المَعْنى تَكُونُ لَنا عِيدًا كُلِّنا، كَقَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِكم أكابِرِكم وأصاغِرِكُمْ؛ لِأنَّ مَعْنى ذَلِكَ؛ مَرَرْتُ بِكم كُلِّكم، وإنْ لَمْ تُفْدِ تَوْكِيدًا، فَمَسْألَةُ خِلافٍ الأخْفَشُ يُجِيزُ، وغَيْرُهُ مِنَ البَصْرِيِّينَ يَمْنَعُ، ومَعْنى ﴿وآيَةً مِنكَ﴾ عَلامَةٌ شاهِدَةٌ عَلى صِدْقِ عَبْدِكَ. وقِيلَ حُجَّةٌ، ودَلالَةٌ عَلى كَمالِ قُدْرَتِكَ. وقَرَأ اليَمانِيُّ (وأنَّهُ مِنكَ)، والضَّمِيرُ في (وأنَّهُ) إمّا لِلْعِيدِ، أوِ الإنْزالِ. (وارْزُقْنا) قِيلَ: المائِدَةَ، وقِيلَ: الشُّكْرَ لِنِعْمَتِكَ ﴿وأنْتَ خَيرُ الرّازِقِينَ﴾ لِأنَّكَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ تَبْتَدِئُ بِالرِّزْقِ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: تَأمَّلْ هَذا التَّرْتِيبَ، فَإنَّ الحَوارِيِّينَ لَمّا سَألُوا المائِدَةَ، ذَكَرُوا في طَلَبِها أغْراضًا، فَقَدَّمُوا ذِكْرَ الأكْلِ، وأخَّرُوا الأغْراضَ الدِّينِيَّةَ الرُّوحانِيَّةَ، وعِيسى طَلَبَ المائِدَةَ، وذَكَرَ أغْراضَهُ، فَقَدَّمَ الدِّينِيَّةَ، وأخَّرَ أغْراضَ الأكْلِ، حَيْثُ قالَ: (وارْزُقْنا) وعِنْدَ هَذا يَلُوحُ لَكَ مَراتِبُ دَرَجاتِ الأرْواحِ في كَوْنِ بَعْضِها رُوحانِيَّةً، وبَعْضِها (p-٥٧)جُسْمانِيَّةً، ثُمَّ إنَّ عِيسى، عَلَيْهِ السَّلامُ، لِشِدَّةِ صَفاءِ وقْتِهِ، وإشْراقِ رُوحِهِ، لَمّا ذَكَرَ الرِّزْقَ بِقَوْلِهِ (وارْزُقْنا) لَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ، بَلِ انْتَقَلَ مِنَ الرِّزْقِ إلى الرّازِقِ، فَقالَ: ﴿وأنْتَ خَيرُ الرّازِقِينَ﴾، فَقَوْلُهُ: (رَبَّنا) ابْتِداءٌ مِنهُ بِنِداءِ الحَقِّ سُبْحانَهُ وتَعالى، وقَوْلُهُ: ﴿أنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً﴾ انْتِقالٌ مِنَ الذّاتِ إلى الصِّفاتِ، وقَوْلُهُ: ﴿تَكُونُ لَنا عِيدًا لِأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ إشارَةٌ إلى ابْتِهاجِ الرُّوحِ بِالنِّعْمَةِ، لا مِن حَيْثُ إنَّها نِعْمَةٌ، بَلْ مِن حَيْثُ إنَّها صادِرَةٌ عَنِ المُنْعِمِ. وقَوْلُهُ: ﴿وآيَةً مِنكَ﴾ إشارَةٌ إلى حِصَّةِ النَّفْسِ، وكُلُّ ذَلِكَ نَزَلَ مِن حَضْرَةِ الجَلالِ، فانْظُرْ كَيْفَ ابْتَدَأ بِالأشْرَفِ، فالأشْرَفِ، نازِلًا إلى الأدْوَنِ، فالأدْوَنِ. ﴿وأنْتَ خَيرُ الرّازِقِينَ﴾ هو عُرُوجٌ مَرَّةً أُخْرى مِنَ الأخَسِّ إلى الأشْرَفِ، وعِنْدَ هَذا يَلُوحُ هَمُّهُ مِن كَيْفِيَّةِ عُرُوجِ الأرْواحِ المُشْرِقَةِ النُّورانِيَّةِ الإلَهِيَّةِ، ونُزُولِها، اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِن أهْلِهِ، وهو كَلامٌ دائِرٌ بَيْنَ لَفْظٍ فَلْسَفِيٍّ، ولَفْظٍ صُوفِيٍّ، وكِلاهُما بَعِيدٌ عَنْ كَلامِ العَرَبِ ومَناحِيها.

المائدة 5:113

﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعَلى والِدَتِكَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (إذْ) بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩]، والمَعْنى أنَّهُ يُوَبِّخُ الكافِرِينَ يَوْمَئِذٍ بِسُؤالِ الرُّسُلِ عَنْ إجابَتِهِمْ، وبِتَعَدُّدِ ما أظْهَرَ عَلى أيْدِيهِمْ مِنَ الآياتِ العِظامِ، فَكَذَّبُوهم، وسَمُّوهم سَحَرَةً، وجاوَزُوا حَدَّ التَّصْدِيقِ إلى أنِ اتَّخَذُوهم آلِهَةً، كَما قالَ بَعْضُ بَنِي إسْرائِيلَ فِيما أظْهَرَ عَلى يَدِ عِيسى مِنَ البَيِّناتِ ﴿هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [النمل: ١٣] . واتَّخَذَهُ بَعْضُهم وأُمَّهُ إلَهَيْنِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ العامِلُ في (إذْ) مُضْمَرًا، تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ، وقالَ هُنا بِمَعْنى يَقُولُ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ مِن هَذا القَوْلِ أنَّهُ في القِيامَةِ؛ تَقْدُمَةً لِقَوْلِهِ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦]، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (إذْ) بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ١٠٩] انْتَهى. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ إذْ في مَوْضِعِ خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: ذَلِكَ إذْ قالَ اللَّهُ. وإذا كانَ المُنادى عَلَمًا مُفْرَدًا ظاهِرَ الضَّمَّةِ مَوْصُوفًا بِابْنٍ مُتَّصِلًا مُضافًا إلى عَلَمٍ، جازَ فَتْحُهُ إتْباعًا لِفَتْحَةِ ابْنٍ، هَذا مَذْهَبُ الجُمْهُورِ. وأجازَ الفَرّاءُ وتَبِعَهُ أبُو البَقاءِ في ما لا يَظْهَرُ فِيهِ تَقْدِيرُ الضَّمَّةِ والفَتْحَةِ، فَإنْ لَمْ تَجْعَلْ ﴿ابْنَ مَرْيَمَ﴾ صِفَةً، وجَعَلْتَهُ بَدَلًا، أوْ مُنادًى، فَلا يَجُوزُ في ذَلِكَ العَلَمِ إلّا الضَّمُّ. وقَدْ خَلَطَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، وبَعْضُ مَن يَنْتَمِي إلى النَّحْوِ هُنا، فَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (عِيسى) في مَحَلِّ الرَّفْعِ؛ لِأنَّهُ مُنادًى مَعْرِفَةٌ غَيْرُ مُضافٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ النَّصْبِ؛ لِأنَّهُ في نِيَّةِ الإضافَةِ، ثُمَّ جُعِلَ الِابْنُ تَوْكِيدًا، وكُلُّ ما كانَ مِثْلَ هَذا جازَ فِيهِ الوَجْهانِ، نَحْوَ يا زَيْدُ بْنَ عَمْرٍو؛ وأنْشَدَ النَّحْوِيُّونَ: ؎يا حَكَمُ بْنَ المُنْذِرِ بْنِ الجارُودْ أنْتَ الجَوادُ بْنُ الجَوادِ بْنِ الجُودِ قالَ التَّبْرِيزِيُّ: الأظْهَرُ عِنْدِي أنَّ مَوْضِعَ (عِيسى) نَصْبٌ؛ لِأنَّكَ تَجْعَلُ الِاسْمَ مَعَ نَعْتِهِ إذا أضَفْتَهُ إلى العَلَمِ، كالشَّيْءِ الواحِدِ المُضافِ انْتَهى. والَّذِي ذَكَرَهُ النَّحْوِيُّونَ في نَحْوِ، يا زَيْدُ بْنَ بَكْرٍ إذا فَتَحْتَ آخِرَ المُنادى؛ أنَّها حَرَكَةُ إتْباعٍ لِحَرَكَةِ نُونِ ابْنٍ، ولَمْ يُعْتَدَّ بِسُكُونِ باءِ ابْنٍ؛ لِأنَّ السّاكِنَ حاجِزٌ غَيْرُ حَصِينٍ، قالُوا: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالذِّكْرِ هُنا؛ الإقْرارُ، وأنْ يُرادَ بِهِ الإعْلامُ، وفائِدَةُ هَذا الذِّكْرِ إسْماعُ الأُمَمِ ما خَصَّهُ بِهِ تَعالى مِنَ الكَرامَةِ، وتَأْكِيدُ حُجَّتِهِ عَلى جاحِدِهِ. وقِيلَ: أُمِرَ بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا لِغَيْرِهِ عَلى مَعْرِفَةِ حَقِّ النِّعْمَةِ، ووُجُوبِ شُكْرِ المُنْعِمِ. قالَ الحَسَنُ: ذِكْرُ النِّعْمَةِ شُكْرُها. والنِّعْمَةُ هُنا جِنْسٌ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما عَدَّدَهُ بَعْدَ هَذا التَّوْحِيدِ اللَّفْظِيِّ مِنَ النِّعَمِ، وإضافَتِها إلَيْهِ؛ تَنْبِيهًا عَلى عِظَمِها، ونِعَمُهُ عَلَيْهِ قَدْ عَدَّدَها هُنا، وفي البَقَرَةِ وآلِ عِمْرانَ ومَرْيَمَ، وفي مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ، ونِعْمَتُهُ عَلى أُمِّهِ؛ بَراءَتُها مِمّا نُسِبَ إلَيْها، وتَكْفِيلُها لِزَكَرِيّا، وتَقَبُّلُها بِقَبُولٍ حَسَنٍ، وما ذُكِرَ في سُورَةِ التَّحْرِيمِ (ومَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرانَ) إلى آخِرِهِ، وغَيْرُ ذَلِكَ. وأُمِرَ بِذِكْرِ نِعْمَةِ أُمِّهِ؛ لِأنَّها نِعْمَةٌ صائِرَةٌ إلَيْهِ. ﴿إذْ أيَّدْتُكَ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ قَرَأ (p-٥١)الجُمْهُورُ بِتَشْدِيدِ الياءِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ (أيَّدْتُكَ) عَلى (أفْعَلْتُكَ) . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَلى وزْنِ فاعَلْتُكَ، ثُمَّ قالَ: ويَظْهَرُ أنَّ الأصْلَ في القِراءَتَيْنِ أيَّدْتُكَ، عَلى وزْنِ أفْعَلْتُكَ، ثُمَّ اخْتَلَفَ الإعْلالُ، والمَعْنى فِيهِما (أيَّدْتُكَ) مِنَ الأيَدِ؛ وقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: ؎الحَمْدُ لِلَّهِ الأعَزِّ الأكْرَمِ ∗∗∗ أيَّدَنا يَوْمَ زُحُوفِ الأشْرَمِ انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ أيَّدَ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، لَيْسَ وزْنُهُ أفْعَلَ؛ لِمَجِيءِ المُضارِعِ عَلى يُؤَيِّدُ، فالوَزْنُ فَعَّلَ، ولَوْ كانَ أفْعَلَ لَكانَ المُضارِعُ يُؤَيِّدُ كَمُضارِعِ آمَنَ يُؤْمِنُ، وأمّا مَن قَرَأ آيَدَ، فَيَحْتاجُ إلى نَقْلِ مُضارِعِهِ مِن كَلامِ العَرَبِ، فَإنْ كانَ يُؤايِدُ، فَهو (فاعَلَ)، وإنْ كانَ (يُؤَيِّدُ)، فَهو (أفْعَلَ) . وأمّا قَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ: أنَّهُ في القِراءَتَيْنِ، يَظْهَرُ أنَّ وزْنَهُ أفْعَلْتُكَ، ثُمَّ اخْتَلَفَ الإعْلالُ، فَلا أفْهَمُ ما أرادَ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في قَوْلِهِ ﴿وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ [البقرة: ٨٧] . ﴿تُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلًا﴾ ﴿وإذْ عَلَّمْتُكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِي وتُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ بِإذْنِي وإذْ تُخْرِجُ المَوْتى بِإذْنِي﴾ . تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمَلِ والقِراءاتِ الَّتِي فِيها، والإعْرابُ، وما لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهُ، نَذْكُرُهُ فَنَقُولُ: جاءَ هُناكَ ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ﴾ . وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ فَتَنْفُخُها فَتَكُونُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (فَتَكُونُ) بِالتّاءِ مِن فَوْقٍ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ (فِيها فَيَكُونُ)، بِالياءِ مِن تَحْتٍ، والضَّمِيرُ في (فِيها) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: اضْطَرَبَ المُفَسِّرُونَ فِيهِ. قالَ مَكِّيٌّ: هو في آلِ عِمْرانَ عائِدٌ عَلى الطّائِرِ، وفي المائِدَةِ عائِدٌ عَلى الهَيْئَةِ، قالَ: ويَصِحُّ عَكْسُ هَذا. وقالَ غَيْرُهُ: الضَّمِيرُ المَذْكُورُ عائِدٌ عَلى (الطِّينِ) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولا يَصِحُّ عَوْدُ هَذا الضَّمِيرِ، لا عَلى الطِّينِ، ولا عَلى الهَيْئَةِ؛ لِأنَّ الطَّيْرَ، أوِ الطّائِرَ الَّذِي يَجِيءُ الطَّيْرُ عَلى هَيْئَتِهِ، لا نَفْخَ فِيهِ البَتَّةَ، وكَذَلِكَ لا نَفْخَ في هَيْئَتِهِ الخاصَّةِ بِهِ، وكَذَلِكَ الطِّينُ، إنَّما هو الطِّينُ العامُّ، ولا نَفْخَ في ذَلِكَ انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولا يَرْجِعُ بَعْضُ الضَّمِيرِ إلى الهَيْئَةِ المُضافِ إلَيْها؛ لِأنَّها لَيْسَتْ مِن خَلْقِهِ، ولا نَفْخِهِ في شَيْءٍ، وكَذَلِكَ الضَّمِيرُ في يَكُونُ انْتَهى. والَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ كَلامُ مَكِّيٍّ؛ أنَّهُ لا يُرِيدُ بِهِ ما فُهِمَ عَنْهُ، بَلْ يَكُونُ قَوْلُهُ عائِدًا (p-٥٢)عَلى الطّائِرِ، لا يُرِيدُ بِهِ الطّائِرَ المُضافَ إلَيْهِ الهَيْئَةُ، بَلِ الطّائِرَ الَّذِي صَوَّرَهُ عِيسى، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ، وإذْ يَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ طائِرًا صُورَةً مِثْلَ صُورَةِ الطّائِرِ الحَقِيقِيِّ، فَيَنْفُخُ فِيهِ، فَيَكُونُ طائِرًا حَقِيقَةً، بِإذْنِ اللَّهِ. ويَكُونُ قَوْلُهُ عائِدًا عَلى الهَيْئَةِ، لا يُرِيدُ بِهِ الهَيْئَةَ المُضافَةَ إلى الطّائِرِ، بَلِ الهَيْئَةَ الَّتِي تَكُونُ الكافُ صِفَةً لَها، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ؛ وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ هَيْئَةً مِثْلَ هَيْئَةِ الطَّيْرِ، فَتَنْفُخُ فِيها؛ أيْ في الهَيْئَةِ المَوْصُوفَةِ بِالكافِ، المَنسُوبِ خَلْقِها إلى عِيسى. وأمّا قَوْلُ مَكِّيٍّ، ويَصِحُّ عَكْسُ هَذا؛ وهو أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ المُذَكَّرُ عائِدًا عَلى الهَيْئَةِ، والضَّمِيرُ المُؤَنَّثُ عائِدًا عَلى الطّائِرِ، فَيُمْكِنُ تَخْرِيجُهُ عَلى أنَّهُ ذُكِّرَ الضَّمِيرُ، وإنْ كانَ عائِدًا عَلى مُؤَنَّثٍ؛ لِأنَّهُ لُحِظَ فِيها مَعْنى الشَّكْلِ، كَأنَّهُ قَدَّرَ هَيْئَةً كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِقَوْلِهِ شَكْلًا كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ. وأنَّهُ أنَّثَ الضَّمِيرَ، وإنْ كانَ عائِدًا عَلى مُذَكَّرٍ؛ لِأنَّهُ لُحِظَ فِيهِ مَعْنى الهَيْئَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والوَجْهُ عَوْدُ ضَمِيرِ المُؤَنَّثِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ الآيَةُ ضَرُورَةً؛ أيْ صُوَرًا، أوْ أشْكالًا، أوْ أجْسامًا، وعَوْدُ الضَّمِيرِ المُذَكَّرِ عَلى المَخْلُوقِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ (تَخْلُقُ)، ثُمَّ قالَ: ولَكَ أنْ تُعِيدَهُ عَلى ما تَدُلُّ عَلَيْهِ الكافُ في مَعْنى المِثْلِ؛ لِأنَّ المَعْنى وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ مِثْلَ هَيْئَةٍ، ولَكَ أنْ تُعِيدَ الضَّمِيرَ عَلى الكافِ نَفْسِهِ، فَيَكُونُ اسْمًا في غَيْرِ الشِّعْرِ، فَهو قَوْلُ أبِي الحَسَنِ وحْدَهُ مِنَ البَصْرِيِّينَ، وكَذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ الضَّمِيرَ في فِيها، لِلْكافِ، قالَ: لِأنَّها صِفَةُ الهَيْئَةِ الَّتِي كانَ يَخْلُقُها عِيسى، ويَنْفُخُ فِيها. وجاءَ في آلِ عِمْرانَ ﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٤٩] مَرَّتَيْنِ، وجاءَ هُنا (بِإذْنِي) أرْبَعَ مَرّاتٍ عَقِيبَ أرْبَعِ جُمَلٍ؛ لِأنَّ هَذا مَوْضِعُ ذِكْرِ النِّعْمَةِ والِامْتِنانِ بِها، فَناسَبَ الإسْهابَ، وهُناكَ مَوْضِعُ إخْبارٍ لِبَنِي إسْرائِيلَ، فَناسَبَ الإيجازَ. والتَّقْدِيرُ في وإذْ تُخْرِجُ المَوْتى؛ تُحْيِي المَوْتى، فَعَبَّرَ بِالإخْراجِ عَنِ الإحْياءِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ [ق: ١١] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وأحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ [ق: ١١]، أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ؛ وإذْ تُخْرِجُ المَوْتى مِن قُبُورِهِمْ أحْياءً. ﴿وإذْ كَفَفْتُ بَنِي إسْرائِيلَ عَنْكَ إذْ جِئْتَهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ مَنَعْتُهم مِن قَتْلِكَ حِينَ هَمُّوا بِكَ، وأحاطُوا بِالبَيْتِ الَّذِي أنْتَ فِيهِ. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: لَمّا قالَ اللَّهُ لِعِيسى: ﴿اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ كانَ يَلْبَسُ الشَّعْرَ، ويَأْكُلُ الشَّجَرَ، ولا يُؤَخِّرُ شَيْئًا لِغَدْوٍ، يَقُولُ مَعَ كُلِّ يَوْمٍ رِزْقُهُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيْتٌ فَيُخَرَّبَ، ولا ولَدٌ فَيَمُوتَ، أيْنَ ما أمْسى باتَ. وهَذا القَوْلُ يَظْهَرُ مِنهُ أنَّ عِيسى خُوطِبَ بِذَلِكَ قَبْلَ الرَّفْعِ. والبَيِّناتُ هُنا؛ هي المُعْجِزاتُ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها، وظَهَرَتْ عَلى يَدَيْهِ، ولَمّا فَصَّلَ تَعالى نِعْمَتَهُ ذَكَرَ ذَلِكَ مَنسُوبًا لِعِيسى دُونَ أُمِّهِ؛ لِأنَّ مِن هَذِهِ النِّعَمِ نِعْمَةَ النُّبُوَّةِ، وظُهُورَ هَذِهِ الخَوارِقِ، فَنِعْمَتُهُ عَلَيْهِ أعْظَمُ مِنها عَلى أُمِّهِ، إذْ ولَدَتْ مِثْلَ هَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ؛ وقالَ الشّاعِرُ فِيما يُشْبِهُ هَذا: ؎شَهِدَ العَوالِمُ أنَّها لَنَفِيسَةٌ ∗∗∗ بِدَلِيلِ ما ولَدَتْ مِنَ النُّجَباءِ ﴿فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (ساحِرٌ) بِالألِفِ هُنا. وفي هُودٍ والصَّفِّ، فَهَذا هُنا إشارَةٌ إلى عِيسى. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ (سِحْرٌ)، فَهَذا إشارَةٌ إلى ما جاءَ بِهِ عِيسى مِنَ البَيِّناتِ. ﴿وإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ أنْ آمِنُوا بِي وبِرَسُولِي﴾ أيْ أوْحَيْتُ إلَيْهِمْ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إمّا أنْ يَكُونَ وحْيَ إلْهامٍ، أوْ وحْيَ أمْرٍ. والرَّسُولُ هُنا؛ هو عِيسى، وهَذا الإيحاءُ إلى الحَوارِيِّينَ؛ هو مِن نِعَمِ اللَّهِ عَلى عِيسى بِأنْ جَعَلَ لَهُ أتْباعًا يُصَدِّقُونَهُ، ويَعْمَلُونَ بِما جاءَ بِهِ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ تَفْسِيرِيَّةً؛ لِأنَّهُ تَقَدَّمَها جُمْلَةٌ في مَعْنى القَوْلِ، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً. ﴿قالُوا آمَنّا واشْهَدْ بِأنَّنا مُسْلِمُونَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في آلِ عِمْرانَ، إلّا أنَّ هُناكَ (آمَنّا بِاللَّهِ) لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُ اللَّهِ فَقَطْ في قَوْلِهِ: ﴿مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢]، وهُنا جاءَ (قالُوا آمَنّا) فَلَمْ يَتَقَيَّدْ بِلَفْظِ الجَلالَةِ، إذْ قَدْ تَقَدَّمَ (p-٥٣)أنْ آمَنُوا بِي وبِرَسُولِي، وجاءَ هُناكَ ﴿واشْهَدْ بِأنّا﴾ [آل عمران: ٥٢]، وهُنا ﴿واشْهَدْ بِأنَّنا﴾ . وهَذا هو الأصْلُ، إذْ (أنَّ) مَحْذُوفٌ مِنهُ النُّونُ؛ لِاجْتِماعِ الأمْثالِ. ﴿إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ﴾ اعْتِراضٌ لِما وصَفَ حالَ قَوْمِ اللَّهِ لِعِيسى يَوْمَ القِيامَةِ، وتَضَمَّنَ الِاعْتِراضُ إخْبارَ مُحَمَّدٍ وأُمَّتِهِ بِنازِلَةِ الحَوارِيِّينَ في المائِدَةِ، إذْ هي مِثالٌ نافِعٌ لِكُلِّ أُمَّةٍ مَعَ نَبِيِّها انْتَهى. والَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ اللَّفْظِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ اللَّهُ ياعِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ إلى آخِرِ قِصَّةِ المائِدَةِ، كانَ ذَلِكَ في الدُّنْيا ذَكَّرَ عِيسى بِنِعَمِهِ، وبِما أجْراهُ عَلى يَدَيْهِ مِنَ المُعْجِزاتِ، وبِاخْتِلافِ بَنِي إسْرائِيلَ عَلَيْهِ، وانْقِسامِهِمْ إلى كافِرٍ ومُؤْمِنٍ، وهُمُ الحَوارِيُّونَ، ثُمَّ اسْتَطْرَدَ إلى قِصَّةِ المائِدَةِ، ثُمَّ إلى سُؤالِهِ تَعالى لِعِيسى ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦]، وإنَّما حَمَلَ بَعْضُهم عَلى أنَّ ذَلِكَ في الآخِرَةِ كَوْنُهُ اعْتَقَدَ أنَّ (إذْ) بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩]، وأنَّ في آخِرِ الآياتِ ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ﴾ [المائدة: ١١٩] . ولا يَتَعَيَّنُ هَذا المَحْمَلُ عَلى ما نُبَيِّنُهُ، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، في قَوْلِهِ: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ﴾ [المائدة: ١١٩]، بَلِ الظّاهِرُ ما ذَكَرْناهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾، بِالياءِ وضَمِّ الباءِ. وهَذا اللَّفْظُ يَقْتَضِي ظاهِرُهُ الشَّكَّ في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، عَلى أنْ يُنْزِلَ مائِدَةً مِنَ السَّماءِ، وذَلِكَ هو الَّذِي حَمَلَ الزَّمَخْشَرِيَّ عَلى أنَّ الحَوارِيِّينَ لَمْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، قالَ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ قالُوا هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ بَعْدَ إيمانِهِمْ وإخْلاصِهِمْ ؟ قُلْتُ: ما وصَفَهُمُ اللَّهُ بِالإيمانِ والإخْلاصِ، وإنَّما حَكى ادِّعاءَهم لَهُما، ثُمَّ أتْبَعَهُ قَوْلَهُ: (إذْ قالُوا) فَآذَنَ أنَّ دَعْواهم كانَتْ باطِلَةً، وأنَّهم كانُوا شاكِّينَ. وقَوْلُهُ: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ كَلامٌ لا يَرِدُ مِثْلُهُ عَنْ مُؤْمِنِينَ مُعَظِّمِينَ لِرَبِّهِمْ، ولِذَلِكَ قَوْلُ عِيسى لَهم مَعْناهُ؛ اتَّقُوا اللَّهَ، ولا تَشُكُّوا في اقْتِدارِهِ واسْتِطاعَتِهِ، ولا تَقْتَرِحُوا عَلَيْهِ، ولا تُحَكِّمُوا ما تَشْتَهُونَ مِنَ الآياتِ، فَتَهْلِكُوا إذا عَصَيْتُمُوهُ بَعْدَها. ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ إنْ كانَتْ دَعْواكم لِلْإيمانِ صَحِيحَةً انْتَهى. وأمّا غَيْرُ الزَّمَخْشَرِيِّ مِن أهْلِ التَّفْسِيرِ، فَأطْبَقُوا عَلى أنَّ الحَوارِيِّينَ كانُوا مُؤْمِنِينَ حَتّى قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لا خِلافَ أحْفَظُهُ في أنَّ الحَوارِيِّينَ كانُوا مُؤْمِنِينَ. وقالَ قَوْمٌ: قالَ الحَوارِيُّونَ هَذِهِ المَقالَةَ في صَدْرِ الأمْرِ قَبْلَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهُ يُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ، ويُحْيِي المَوْتى. قالَ المُفَسِّرُونَ: والحَوارِيُّونَ هم خَواصُّ عِيسى، وكانُوا مُؤْمِنِينَ، ولَمْ يَشُكُّوا في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى ذَلِكَ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لا يَجُوزُ لِأحَدٍ أنْ يَتَوَهَّمَ أنَّ الحَوارِيِّينَ شَكُّوا في قُدْرَةِ اللَّهِ، وإنَّما هَذا كَما يَقُولُ الإنْسانُ لِصاحِبِهِ: هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَقُومَ مَعِي ؟ وهو يَعْلَمُ أنَّهُ مُسْتَطِيعٌ لَهُ، ولَكِنَّهُ يُرِيدُ هَلْ يَسْهُلُ عَلَيْكَ انْتَهى. وقالَ الفارِسِيُّ: مَعْناهُ هَلْ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِمَسْألَتِكَ إيّاهُ. وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَشُكُّوا في قُدْرَةِ اللَّهِ، وإنَّما سَألُوهُ سُؤالَ مُسْتَخْبِرٍ، هَلْ يُنَزِّلُ أمْ لا ؟ فَإنْ كانَ يُنَزِّلُ فاسْألْهُ لَنا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَلْ يَفْعَلُ تَعالى هَذا ؟ وهَلْ يَقَعُ مِنهُ إجابَةٌ إلَيْهِ ؟ كَما قالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ: هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تُرِيَنِيَ كَيْفَ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، يَتَوَضَّأُ ؟ فالمَعْنى هَلْ يُحِبُّ ذَلِكَ، وهَلْ يَفْعَلُهُ انْتَهى. وقِيلَ: المُرادُ مِن هَذا الكَلامِ اسْتِفْهامُ أنَّ ذَلِكَ جائِزٌ، أمْ لا ؟ وذَلِكَ لِأنَّ أفْعالَهُ مَوْقُوفَةٌ عَلى وُجُوهِ الحِكْمَةِ، فَإنْ لَمْ يَحْصُلْ شَيْءٌ مِن وُجُوهِ الحِكْمَةِ، كانَ الفِعْلُ مُمْتَنِعًا، فَإنَّ المُنافِيَ مِن وُجُوهِ الحِكْمَةِ، كالمُنافِي مِن وُجُوهِ القُدْرَةِ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: هَذا الجَوابُ يَمْشِي عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، وأمّا عَلى مَذْهَبِنا، فَهو مَحْمُولٌ عَلى أنَّهُ تَعالى، هَلْ قَضى بِذَلِكَ ؟ وهَلْ عَلِمَ وُقُوعَهُ ؟ فَإنَّهُ إنْ لَمْ يَقْضِ بِهِ ويَعْلَمْ وُقُوعَهُ، كانَ ذَلِكَ مُحالًا غَيْرَ مَقْدُورٍ؛ لِأنَّ خِلافَ (p-٥٤)المَعْلُومِ غَيْرُ مَقْدُورٍ، وقالَ أيْضًا لَيْسَ المَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ كَوْنَهم شاكِّينَ فِيهِ، بَلِ المَقْصُودُ تَقْرِيرُ أنَّ ذَلِكَ في غايَةِ الظُّهُورِ، كَمَن يَأْخُذُ بِيَدِ ضَعِيفٍ، ويَقُولُ: هَلْ يَقْدِرُ السُّلْطانُ عَلى إشْباعِ هَذا ؟ ويَكُونُ غَرَضُهُ مِنهُ أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ واضِحٌ، لا يَجُوزُ لِلْعاقِلِ أنْ يَشُكَّ فِيهِ، وأبْعَدَ مَن قالَ: هَلْ يُنَزِّلُ رَبُّكَ مائِدَةً مِنَ السَّماءِ ؟ (ويَسْتَطِيعُ) صِلَةٌ، ومَن قالَ: الرَّبُّ هَنا جِبْرِيلُ؛ لِأنَّهُ كانَ يُرَبِّي عِيسى، ويَخُصُّهُ بِأنْواعِ الإعانَةِ، ولِذَلِكَ قالَ في أوَّلِ الآيَةِ ﴿إذْ أيَّدْتُكَ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ . ورُوِيَ أنَّ الَّذِي نَحا بِهِمْ هَذا المَنحى مِنَ الِاقْتِراحِ؛ هو أنَّ عِيسى قالَ لَهم مَرَّةً: هَلْ لَكم في صِيامِ ثَلاثِينَ يَوْمًا لِلَّهِ تَعالى، ثُمَّ إنْ سَألْتُمُوهُ حاجَةً، قَضاها، فَلَمّا صامُوها، قالُوا: يا مُعَلِّمَ الخَيْرِ ! إنَّ حَقَّ مَن عَمِلَ عَمَلًا أنْ يُطْعَمَ، فَهَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ؟ فَأرادُوا أنْ تَكُونَ المائِدَةُ عِيدَ ذَلِكَ الصَّوْمِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ (هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ)، بِالتّاءِ مِن فَوْقُ (رَبَّكَ) بِنَصْبِ الباءِ، وهي قِراءَةُ عَلِيٍّ ومُعاذٍ وابْنِ عَبّاسٍ وعائِشَةَ وابْنِ جُبَيْرٍ. قالَتْ عائِشَةُ: كانَ الحَوارِيُّونَ أعْرَفَ بِاللَّهِ مِن أنْ يَقُولُوا ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ نَزَّهَتْهم عَنْ بَشاعَةِ اللَّفْظِ، وعَنْ مُرادِهِمْ ظاهِرَهُ. وقَدْ ذَكَرْنا تَأْوِيلاتِ ذَلِكَ، ومَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ؛ هَلْ تَسْتَطِيعُ سُؤالَ رَبِّكَ ؟ و﴿أنْ يُنَزِّلَ﴾ مَعْمُولٌ لِسُؤالٍ المَحْذُوفِ إذْ هو حَذْفٌ لا يَتِمُّ المَعْنى إلّا بِهِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: وقَدْ يُمْكِنُ أنْ يُسْتَغْنى عَنْ تَقْدِيرِ سُؤالٍ، عَلى أنْ يَكُونَ المَعْنى؛ هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ يُنَزِّلَ رَبُّكَ بِدُعائِكَ ؟ فَيَئُولُ المَعْنى، ولا بُدَّ إلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما ذُكِرَ مِنَ اللَّفْظِ انْتَهى. ولا يَظْهَرُ ما قالَ أبُو عَلِيٍّ؛ لِأنَّ فِعْلَ اللَّهِ تَعالى، وإنْ كانَ سَبَبُهُ الدُّعاءَ، لا يَكُونُ مَقْدُورًا لِعِيسى. وأدْغَمَ الكِسائِيُّ لامَ (هَلْ) في ياءِ (يَسْتَطِيعُ) وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُ قَوْلُ عِيسى ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمُ الِاقْتِراحَ لِلْآياتِ، وهو عَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ تَقْرِيرًا لِلْإيمانِ، كَما تَقُولُ افْعَلْ كَذا، وكَذا إنْ كُنْتَ رَجُلًا. وقالَ مُقاتِلٌ وجَماعَةٌ: اتَّقُوهُ أنْ تَسْألُوهُ البَلاءَ؛ لِأنَّها إنْ نَزَلَتْ، وكَذَّبْتُمْ عُذِّبْتُمْ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ وجَماعَةٌ: أنْ تَسْألُوهُ ما لَمْ تَسْألْهُ الأُمَمُ قَبْلَكم. وقِيلَ: أنْ تَشُكُّوا في قُدْرَتِهِ عَلى إنْزالِ المائِدَةِ. وقِيلَ: اتَّقُوا اللَّهَ في الشَّكِّ فِيهِ، وفي رُسُلِهِ وآياتِهِمْ. وقِيلَ: اتَّقُوا مَعاصِيَ اللَّهِ. وقِيلَ: أمَرَهم بِالتَّقْوى لِيَكُونَ سَبَبًا لِحُصُولِ هَذا المَطْلُوبِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هُنا (عِيسى) في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى اتْباعِ حَرَكَتِهِ حَرَكَةَ الِابْنِ، كَقَوْلِكَ يا زَيْدَ بْنَ عَمْرٍو ! وهي اللُّغَةُ الفاشِيَةُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَضْمُومًا، كَقَوْلِكَ يا زَيْدُ بْنَ عَمْرٍو ! والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: أحارُ ابْنَ عُمَرَ كَأنِّي خَمْرٌ لِأنَّ التَّرْخِيمَ لا يَكُونُ إلّا في المَضْمُومِ انْتَهى. فَقَوْلُهُ: عِيسى في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، وعَلى تَقْدِيرِ ضَمِّهِ، فَهو لا اخْتِصاصَ لَهُ بِكَوْنِهِ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى تَقْدِيرِ الإتْباعِ، فَإصْلاحُهُ عِيسى مُقَدَّرٌ فِيهِ الفَتْحَةُ عَلى إتْباعِ الحَرَكَةِ، وقَوْلُهُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَضْمُومًا؛ هَذا مَذْهَبُ الفَرّاءِ، وهو تَقْدِيرُ الفَتْحِ والضَّمِّ، ونَحْوُهُ مِمّا لا تَظْهَرُ فِيهِ الضَّمَّةُ قِياسًا عَلى الصَّحِيحِ، ولَمْ يَبْدَأْ أوَّلًا بِالضَّمِّ الَّذِي هو مُجْمَعٌ عَلى تَقْدِيرِهِ: فَلَيْسَ بِشَرْطٍ، ألا تُرى إلى جَوازِ تَرْخِيمِ رَجُلٍ اسْمُهُ مُثَنًّى ؟ فَتَقُولُ: يا مُثَنُّ أقْبِلْ، وإلى تَرْخِيمِ بَعْلَبَكَّ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ، لَكِنَّهُ في تَقْدِيرِ الِاسْمِ المَضْمُومِ، وإنْ عَنى ضَمَّةً مُقَدَّرَةً، فَإنْ عَنى ضَمَّةً ظاهِرَةً، فَلَيْسَ بِشَرْطٍ، ألا تَرى إلى جَوازِ تَرْخِيمِ رَجُلٍ اسْمُهُ مُثَنًّى ؟ فَتَقُولُ: يا مُثَنُّ، فَإنَّ مِثْلَ يا جَعْفَرَ بْنَ زَيْدٍ مِمّا فُتِحَ فِيهِ آخِرُ المُنادى لِأجْلِ الإتْباعِ، مُقَدَّرٌ فِيهِ الضَّمَّةُ لِشَغْلِ الحَرْفِ بِحَرَكَةِ الإتْباعِ، كَما قَدَّرَ الأعْرابِيُّ في قِراءَةِ مَن قَرَأ (الحَمْدِ لِلَّهِ)، بِكَسْرِ الدّالِ، لِأجْلِ إتْباعِ حَرَكَةِ (لِلَّهِ)، فَقَوْلُكَ: يا حارُ ! هو (p-٥٥)مَضْمُومٌ تَقْدِيرًا، وإنْ كانَتِ الثّاءُ المَحْذُوفَةُ مَشْغُولَةً في الأصْلِ بِحَرَكَةِ الإتْباعِ، وهي الفَتْحَةُ، فَلا تَنافِي بَيْنَ التَّرْخِيمِ، وبَيْنَ ما فُتِحَ إتْباعًا، وقُدِّرَتْ فِيهِ الضَّمَّةُ. وكانَ يَنْبَغِي لِلزَّمَخْشَرِيِّ أنْ يَتَكَلَّمَ عَلى هَذِهِ المَسْألَةِ قَبْلَ هَذا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ قالَ اللَّهُ ياعِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ حَيْثُ تَكَلَّمَ النّاسُ عَلَيْها. ﴿قالُوا نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها وتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا ونَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا ونَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ لَمّا أمَرَهم عِيسى بِتَقْوى اللَّهِ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ ما تَقَدَّمَ مِن كَلامِهِمْ، صَرَّحُوا بِسَبَبِ طَلَبِ المائِدَةِ، وأنَّهم يُرِيدُونَ الأكْلَ مِنها، وذَلِكَ لِلشَّرَفِ لا لِلشِّبَعِ، واطْمِئْنانِ قُلُوبِهِمْ بِسُكُونِ الفِكْرِ، إذا عايَنُوا هَذا المُعْجِزَ العَظِيمَ النّازِلَ مِنَ السَّماءِ، وعُلِمَ الضَّرُورَةُ والمُشاهِدَةُ بِصِدْقِهِ، فَلا تَعْتَرِضُ الشُّبَهُ اللّاحِقَةُ في عِلْمِ الِاسْتِدْلالِ وكَيْنُونَتِهِمْ مِنَ المُشاهِدِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ، النّاقِلِينَ لَها إلى غَيْرِهِمْ، القائِمِينَ بِهَذا الشَّرْعِ، أوْ مِنَ الشّاهِدِينَ لِلَّهِ بِالوَحْدانِيَّةِ ولَكَ بِالنُّبُوَّةِ، وقَدْ طَوَّلَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِ مُتَعَلِّقِ إرادَتِهِمْ بِهَذِهِ الأشْياءِ، ومُلَخَّصُها أنَّهم أرادُوا الأكْلَ لِلْحاجَةِ وشِدَّةِ الجُوعِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وكانَ إذا خَرَجَ اتَّبَعَهُ خَمْسَةُ آلافٍ أوْ أكْثَرُ مِن صاحِبٍ لَهُ، وذِي عِلَّةٍ يَطْلُبُ البُرْءَ، ومُسْتَهْزِئٍ فَوَقَعُوا يَوْمًا في مَفازَةٍ ولا زادَ، فَجاعُوا وسَألُوا مِنَ الحَوارِيِّينَ أنْ يَسْألُوا عِيسى نُزُولَ مائِدَةٍ مِنَ السَّماءِ، فَذَكَرَ شَمْعُونُ لِعِيسى ذَلِكَ، فَقالَ: قُلْ لَهُمُ اتَّقُوا اللَّهَ، وأرادُوا الأكْلَ لِيَزْدادُوا إيمانًا. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أوِ التَّشْرِيفَ بِالمائِدَةِ ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ والِاطْمِئْنانُ: إمّا بِأنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَكَ إلَيْنا، أوِ اخْتارَنا أعْوانًا لَكَ، أوْ قَدْ أجابَكَ، أوِ العِلْمُ بِالصِّدْقِ في أنّا إذا صُمْنا لِلَّهِ تَعالى ثَلاثِينَ يَوْمًا. لَمْ نَسْألِ اللَّهَ شَيْئًا إلّا أعْطانا، أوْ في أنَّكَ رَسُولٌ حَقًّا، إذِ المُعْجِزُ دَلِيلُ الصِّدْقِ، وكانُوا قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَرَوُا الآياتِ، أوْ يُرادُ بِالعِلْمِ الضَّرُورِيُّ والمُشاهِدَةُ انْتَهى. وأتَتْ هَذِهِ المَعاطِيفُ مُرَتَّبَةً تَرْتِيبًا لَطِيفًا، وذَلِكَ أنَّهم لا يَأْكُلُونَ مِنها إلّا بَعْدَ مُعايَنَةِ نُزُولِها، فَيَجْتَمِعُ عَلى العِلْمِ بِها حاسَّةُ الرُّؤْيَةِ، وحاسَّةُ الذَّوْقِ، فَبِذَلِكَ يَزُولُ عَنِ القَلْبِ قَلَقُ الِاضْطِرابِ، ويَسْكُنُ إلى ما عايَنَهُ الإنْسانُ وذاقَهُ، وبِاطْمِئْنانِ القَلْبِ يَحْصُلُ العِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِصِدْقِ مَن كانَتِ المُعْجِزَةُ عَلى يَدَيْهِ، إذْ جاءَتْ طِبْقَ ما سَألَ، وسَألُوا هَذا المُعْجِزَ العَظِيمَ؛ لِأنَّ تَأْثِيرَهُ في العالَمِ العُلْوِيِّ بِدُعاءِ مَن هو في العالَمِ الأرْضِيِّ، أقْوى وأغْرَبُ مِن تَأْثِيرِ مَن هو في العالَمِ الأرْضِيِّ في عالَمِهِ الأرْضِيِّ، ألا تَرى أنَّ مِن أعْظَمِ مُعْجِزاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ القُرْآنَ، وانْشِقاقَ القَمَرِ، وهُما مِنَ العالَمِ العُلْوِيِّ. وإذا حَصَلَ عِنْدَهُمُ العِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِصِدْقِ عِيسى، شَهِدُوا شَهادَةَ يَقِينٍ لا يَخْتَلِجُ بِها ظَنٌّ ولا شَكٌّ، ولا وهْمٌ وبِذِكْرِهِمْ هَذِهِ الأسْبابَ الحامِلَةَ عَلى طَلَبِ المائِدَةِ، يَتَرَجَّحُ قَوْلُ مَن قالَ: كانَ سُؤالُهم ذَلِكَ قَبْلَ عِلْمِهِمْ بِآياتِ عِيسى ومُعْجِزاتِهِ وإنَّ وحْيَ اللَّهِ إلَيْهِمْ بِالإيمانِ، كانَ في صَدْرِ الأمْرِ، وعِنْدَ ذَلِكَ قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ، ثُمَّ آمَنُوا ورَأوُا الآياتِ، واسْتَمَرُّوا، وصَبَرُوا. وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ: (ونُعْلَمَ) بِضَمِّ النُّونِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وهَكَذا في كِتابِ التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ، وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ (ويُعْلَمَ) بِالياءِ المَضْمُومَةِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى القُلُوبِ، وفي كِتابِ الزَّمَخْشَرِيِّ ويُعْلَمَ بِالياءِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ الأعْمَشُ (وتَعْلَمَ) بِالتّاءِ؛ أيْ وتَعْلَمُهُ قُلُوبُنا. وقَرَأ الجُمْهُورُ (ونَكُونَ) بِالنُّونِ، وفي كِتابِ التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ. وقَرَأ سِنانٌ وعِيسى (وتَكُونَ عَلَيْها) بِالتّاءِ، وفي الزَّمَخْشَرِيِّ؛ وكانَتْ دَعْواهم لِإرادَةِ ما ذَكَرُوا، كَدَعْواهم لِلْإيمانِ والإخْلاصِ، وإنَّما سَألَ عِيسى، وأُجِيبَ لِيَلْزَمُوا الحُجَّةَ بِكَمالِها، ويُرْسَلَ عَلَيْهِمُ العَذابُ، إذا خالَفُوا انْتَهى. وإنَّما قالَ ذَلِكَ لِأنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ الحَوارِيُّونَ مُؤْمِنِينَ، وإذا ولِيَ (أنْ) المُخَفِّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ فِعْلٌ مُتَصَرِّفٌ عَنْ دُعاءٍ، فَإنْ كانَ ماضِيًا، فُصِلَ بَيْنَهُما بِـ (قَدْ)، نَحْوَ قَوْلِهِ: ونَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا، وإنْ كانَ مُضارِعًا، فُصِلَ بَيْنَهُما بِحَرْفِ تَنْفِيسٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ مِنكم مَرْضى﴾ [المزمل: ٢٠] ولا (p-٥٦)يَقَعُ بِغَيْرِ فَصْلٍ، قِيلَ: إلّا قَلِيلًا. وقِيلَ: إلّا ضَرُورَةً، وفِيما تَتَعَلَّقُ بِهِ (عَلَيْها) الَّتِي تَقَدَّمَتْ في نَحْوِ ﴿إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عاكِفِينَ عَلَيْها عَلى أنَّ (عَلَيْها) في مَوْضِعِ الحالِ انْتَهى. وهَذا التَّقْدِيرُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ حَرْفَ الجَرِّ لا يُحْذَفُ عامِلُهُ وُجُوبًا، إلّا إذا كانَ كَوْنًا مُطْلَقًا لا كَوْنًا مُقَيَّدًا، والعُكُوفُ كَوْنٌ مُقَيَّدٌ؛ ولِأنَّ المَجْرُورَ إذا كانَ في مَوْضِعِ الحالِ، كانَ العامِلُ فِيها (عاكِفِينَ) المُقَدَّرَ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، ثُمَّ إنَّ قَوْلَ الزَّمَخْشَرِيِّ مُضْطَرِبٌ؛ لِأنَّ عَلَيْها إذا كانَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ هو عاكِفِينَ، كانَتْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِ الَّذِي تَعَدّى إلَيْهِ العامِلُ بِحَرْفِ الجَرِّ، وإذا كانَتْ في مَوْضِعِ الحالِ، كانَ العامِلُ فِيها كَوْنًا مُطْلَقًا واجِبَ الحَذْفِ، فَظَهَرَ التَّنافِي بَيْنَهُما. ﴿قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيدًا لِأوَّلِنا وآخِرِنا وآيَةً مِنكَ وارْزُقْنا وأنْتَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ . رُوِيَ أنَّ عِيسى لَبِسَ جُبَّةَ شَعْرٍ ورِداءَ شَعْرِ، وقامَ يُصَلِّي ويَبْكِي ويَدْعُو. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى لَفْظَةِ (اللَّهُمَّ) في آلِ عِمْرانَ، ونادى رَبَّهُ أوَّلًا بِالعِلْمِ الَّذِي لا شَرِكَةَ فِيهِ، ثُمَّ ثانِيًا بِلَفْظِ (رَبَّنا) مُطابِقًا إلى مُصْلِحِنا ومُرَبِّينا ومالِكِنا. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿تَكُونُ لَنا﴾ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ صِفَةٌ لِمائِدَةٍ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ والأعْمَشُ (يَكُنْ) بِالجَزْمِ عَلى جَوابِ الأمْرِ، والمَعْنى يَكُنْ يَوْمُ نُزُولِها عِيدًا، وهو يَوْمُ الأحَدِ، ومِن أجْلِ ذَلِكَ اتَّخَذَهُ النَّصارى عِيدًا. وقِيلَ العِيدُ: السُّرُورُ والفَرَحُ، ولِذَلِكَ يُقالُ يَوْمُ عِيدٍ، فالمَعْنى يَكُونُ لَنا سُرُورًا وفَرَحًا، والعِيدُ المُجْتَمَعُ لِلْيَوْمِ المَشْهُودِ، وعُرْفُهُ أنْ يُقالَ فِيما يَسْتَدِيرُ بِالسَّنَةِ أوْ بِالشَّهْرِ أوْ بِالجُمْعَةِ ونَحْوِهِ. وقِيلَ: العِيدُ لُغَةً ما عادَ إلَيْكَ مِن شَيْءٍ في وقْتٍ مَعْلُومٍ، سَواءٌ كانَ فَرَحًا أوْ تَرَحًا، وغَلَبَتِ الحَقِيقَةُ العُرْفِيَّةُ عَلى الحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ. وقالَ الخَلِيلُ: العِيدُ كُلُّ يَوْمٍ يَجْمَعُ النّاسَ؛ لِأنَّهم عادُوا إلَيْهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِأوَّلِنا لِأهْلِ زَمانِنا، وآخِرِنا مَن يَجِيءُ بَعْدَنا. وقِيلَ لِأوَّلِنا المُتَقَدِّمِينَ مِنّا والرُّؤَساءِ، وآخِرِنا يَعْنِي الأتْباعَ. والأوَّلِيَّةُ والآخِرِيَّةُ فاحْتَمَلَتا الأكْلَ والزَّمانَ والرُّتْبَةَ، والظّاهِرُ الزَّمانُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ والجَحْدَرِيُّ لِأُولانا وأُخْرانا، أنَّثُوا عَلى مَعْنى الأُمَّةِ والجَماعَةِ، والمَجْرُورُ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ لَنا، وكُرِّرَ العامِلُ وهو حَرْفُ الجَرِّ، كَقَوْلِهِ ﴿مِنها مِن غَمٍّ﴾ [الحج: ٢٢] والبَدَلُ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ والمُخاطَبِ، إذا كانَ بَدَلَ بَعْضٍ، أوْ بَدَلَ اشْتِمالٍ، جازَ بِلا خِلافٍ، وإنْ كانَ بَدَلَ شَيْءٍ مِن شَيْءٍ، وهُما لِعَيْنٍ واحِدَةٍ، فَإنْ أفادَ مَعْنى التَّأْكِيدِ جازَ لِهَذا البَدَلِ، إذِ المَعْنى تَكُونُ لَنا عِيدًا كُلِّنا، كَقَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِكم أكابِرِكم وأصاغِرِكُمْ؛ لِأنَّ مَعْنى ذَلِكَ؛ مَرَرْتُ بِكم كُلِّكم، وإنْ لَمْ تُفْدِ تَوْكِيدًا، فَمَسْألَةُ خِلافٍ الأخْفَشُ يُجِيزُ، وغَيْرُهُ مِنَ البَصْرِيِّينَ يَمْنَعُ، ومَعْنى ﴿وآيَةً مِنكَ﴾ عَلامَةٌ شاهِدَةٌ عَلى صِدْقِ عَبْدِكَ. وقِيلَ حُجَّةٌ، ودَلالَةٌ عَلى كَمالِ قُدْرَتِكَ. وقَرَأ اليَمانِيُّ (وأنَّهُ مِنكَ)، والضَّمِيرُ في (وأنَّهُ) إمّا لِلْعِيدِ، أوِ الإنْزالِ. (وارْزُقْنا) قِيلَ: المائِدَةَ، وقِيلَ: الشُّكْرَ لِنِعْمَتِكَ ﴿وأنْتَ خَيرُ الرّازِقِينَ﴾ لِأنَّكَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ تَبْتَدِئُ بِالرِّزْقِ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: تَأمَّلْ هَذا التَّرْتِيبَ، فَإنَّ الحَوارِيِّينَ لَمّا سَألُوا المائِدَةَ، ذَكَرُوا في طَلَبِها أغْراضًا، فَقَدَّمُوا ذِكْرَ الأكْلِ، وأخَّرُوا الأغْراضَ الدِّينِيَّةَ الرُّوحانِيَّةَ، وعِيسى طَلَبَ المائِدَةَ، وذَكَرَ أغْراضَهُ، فَقَدَّمَ الدِّينِيَّةَ، وأخَّرَ أغْراضَ الأكْلِ، حَيْثُ قالَ: (وارْزُقْنا) وعِنْدَ هَذا يَلُوحُ لَكَ مَراتِبُ دَرَجاتِ الأرْواحِ في كَوْنِ بَعْضِها رُوحانِيَّةً، وبَعْضِها (p-٥٧)جُسْمانِيَّةً، ثُمَّ إنَّ عِيسى، عَلَيْهِ السَّلامُ، لِشِدَّةِ صَفاءِ وقْتِهِ، وإشْراقِ رُوحِهِ، لَمّا ذَكَرَ الرِّزْقَ بِقَوْلِهِ (وارْزُقْنا) لَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ، بَلِ انْتَقَلَ مِنَ الرِّزْقِ إلى الرّازِقِ، فَقالَ: ﴿وأنْتَ خَيرُ الرّازِقِينَ﴾، فَقَوْلُهُ: (رَبَّنا) ابْتِداءٌ مِنهُ بِنِداءِ الحَقِّ سُبْحانَهُ وتَعالى، وقَوْلُهُ: ﴿أنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً﴾ انْتِقالٌ مِنَ الذّاتِ إلى الصِّفاتِ، وقَوْلُهُ: ﴿تَكُونُ لَنا عِيدًا لِأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ إشارَةٌ إلى ابْتِهاجِ الرُّوحِ بِالنِّعْمَةِ، لا مِن حَيْثُ إنَّها نِعْمَةٌ، بَلْ مِن حَيْثُ إنَّها صادِرَةٌ عَنِ المُنْعِمِ. وقَوْلُهُ: ﴿وآيَةً مِنكَ﴾ إشارَةٌ إلى حِصَّةِ النَّفْسِ، وكُلُّ ذَلِكَ نَزَلَ مِن حَضْرَةِ الجَلالِ، فانْظُرْ كَيْفَ ابْتَدَأ بِالأشْرَفِ، فالأشْرَفِ، نازِلًا إلى الأدْوَنِ، فالأدْوَنِ. ﴿وأنْتَ خَيرُ الرّازِقِينَ﴾ هو عُرُوجٌ مَرَّةً أُخْرى مِنَ الأخَسِّ إلى الأشْرَفِ، وعِنْدَ هَذا يَلُوحُ هَمُّهُ مِن كَيْفِيَّةِ عُرُوجِ الأرْواحِ المُشْرِقَةِ النُّورانِيَّةِ الإلَهِيَّةِ، ونُزُولِها، اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِن أهْلِهِ، وهو كَلامٌ دائِرٌ بَيْنَ لَفْظٍ فَلْسَفِيٍّ، ولَفْظٍ صُوفِيٍّ، وكِلاهُما بَعِيدٌ عَنْ كَلامِ العَرَبِ ومَناحِيها.

المائدة 5:114

﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعَلى والِدَتِكَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (إذْ) بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩]، والمَعْنى أنَّهُ يُوَبِّخُ الكافِرِينَ يَوْمَئِذٍ بِسُؤالِ الرُّسُلِ عَنْ إجابَتِهِمْ، وبِتَعَدُّدِ ما أظْهَرَ عَلى أيْدِيهِمْ مِنَ الآياتِ العِظامِ، فَكَذَّبُوهم، وسَمُّوهم سَحَرَةً، وجاوَزُوا حَدَّ التَّصْدِيقِ إلى أنِ اتَّخَذُوهم آلِهَةً، كَما قالَ بَعْضُ بَنِي إسْرائِيلَ فِيما أظْهَرَ عَلى يَدِ عِيسى مِنَ البَيِّناتِ ﴿هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [النمل: ١٣] . واتَّخَذَهُ بَعْضُهم وأُمَّهُ إلَهَيْنِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ العامِلُ في (إذْ) مُضْمَرًا، تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ، وقالَ هُنا بِمَعْنى يَقُولُ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ مِن هَذا القَوْلِ أنَّهُ في القِيامَةِ؛ تَقْدُمَةً لِقَوْلِهِ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦]، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (إذْ) بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ١٠٩] انْتَهى. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ إذْ في مَوْضِعِ خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: ذَلِكَ إذْ قالَ اللَّهُ. وإذا كانَ المُنادى عَلَمًا مُفْرَدًا ظاهِرَ الضَّمَّةِ مَوْصُوفًا بِابْنٍ مُتَّصِلًا مُضافًا إلى عَلَمٍ، جازَ فَتْحُهُ إتْباعًا لِفَتْحَةِ ابْنٍ، هَذا مَذْهَبُ الجُمْهُورِ. وأجازَ الفَرّاءُ وتَبِعَهُ أبُو البَقاءِ في ما لا يَظْهَرُ فِيهِ تَقْدِيرُ الضَّمَّةِ والفَتْحَةِ، فَإنْ لَمْ تَجْعَلْ ﴿ابْنَ مَرْيَمَ﴾ صِفَةً، وجَعَلْتَهُ بَدَلًا، أوْ مُنادًى، فَلا يَجُوزُ في ذَلِكَ العَلَمِ إلّا الضَّمُّ. وقَدْ خَلَطَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، وبَعْضُ مَن يَنْتَمِي إلى النَّحْوِ هُنا، فَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (عِيسى) في مَحَلِّ الرَّفْعِ؛ لِأنَّهُ مُنادًى مَعْرِفَةٌ غَيْرُ مُضافٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ النَّصْبِ؛ لِأنَّهُ في نِيَّةِ الإضافَةِ، ثُمَّ جُعِلَ الِابْنُ تَوْكِيدًا، وكُلُّ ما كانَ مِثْلَ هَذا جازَ فِيهِ الوَجْهانِ، نَحْوَ يا زَيْدُ بْنَ عَمْرٍو؛ وأنْشَدَ النَّحْوِيُّونَ: ؎يا حَكَمُ بْنَ المُنْذِرِ بْنِ الجارُودْ أنْتَ الجَوادُ بْنُ الجَوادِ بْنِ الجُودِ قالَ التَّبْرِيزِيُّ: الأظْهَرُ عِنْدِي أنَّ مَوْضِعَ (عِيسى) نَصْبٌ؛ لِأنَّكَ تَجْعَلُ الِاسْمَ مَعَ نَعْتِهِ إذا أضَفْتَهُ إلى العَلَمِ، كالشَّيْءِ الواحِدِ المُضافِ انْتَهى. والَّذِي ذَكَرَهُ النَّحْوِيُّونَ في نَحْوِ، يا زَيْدُ بْنَ بَكْرٍ إذا فَتَحْتَ آخِرَ المُنادى؛ أنَّها حَرَكَةُ إتْباعٍ لِحَرَكَةِ نُونِ ابْنٍ، ولَمْ يُعْتَدَّ بِسُكُونِ باءِ ابْنٍ؛ لِأنَّ السّاكِنَ حاجِزٌ غَيْرُ حَصِينٍ، قالُوا: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالذِّكْرِ هُنا؛ الإقْرارُ، وأنْ يُرادَ بِهِ الإعْلامُ، وفائِدَةُ هَذا الذِّكْرِ إسْماعُ الأُمَمِ ما خَصَّهُ بِهِ تَعالى مِنَ الكَرامَةِ، وتَأْكِيدُ حُجَّتِهِ عَلى جاحِدِهِ. وقِيلَ: أُمِرَ بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا لِغَيْرِهِ عَلى مَعْرِفَةِ حَقِّ النِّعْمَةِ، ووُجُوبِ شُكْرِ المُنْعِمِ. قالَ الحَسَنُ: ذِكْرُ النِّعْمَةِ شُكْرُها. والنِّعْمَةُ هُنا جِنْسٌ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما عَدَّدَهُ بَعْدَ هَذا التَّوْحِيدِ اللَّفْظِيِّ مِنَ النِّعَمِ، وإضافَتِها إلَيْهِ؛ تَنْبِيهًا عَلى عِظَمِها، ونِعَمُهُ عَلَيْهِ قَدْ عَدَّدَها هُنا، وفي البَقَرَةِ وآلِ عِمْرانَ ومَرْيَمَ، وفي مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ، ونِعْمَتُهُ عَلى أُمِّهِ؛ بَراءَتُها مِمّا نُسِبَ إلَيْها، وتَكْفِيلُها لِزَكَرِيّا، وتَقَبُّلُها بِقَبُولٍ حَسَنٍ، وما ذُكِرَ في سُورَةِ التَّحْرِيمِ (ومَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرانَ) إلى آخِرِهِ، وغَيْرُ ذَلِكَ. وأُمِرَ بِذِكْرِ نِعْمَةِ أُمِّهِ؛ لِأنَّها نِعْمَةٌ صائِرَةٌ إلَيْهِ. ﴿إذْ أيَّدْتُكَ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ قَرَأ (p-٥١)الجُمْهُورُ بِتَشْدِيدِ الياءِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ (أيَّدْتُكَ) عَلى (أفْعَلْتُكَ) . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَلى وزْنِ فاعَلْتُكَ، ثُمَّ قالَ: ويَظْهَرُ أنَّ الأصْلَ في القِراءَتَيْنِ أيَّدْتُكَ، عَلى وزْنِ أفْعَلْتُكَ، ثُمَّ اخْتَلَفَ الإعْلالُ، والمَعْنى فِيهِما (أيَّدْتُكَ) مِنَ الأيَدِ؛ وقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: ؎الحَمْدُ لِلَّهِ الأعَزِّ الأكْرَمِ ∗∗∗ أيَّدَنا يَوْمَ زُحُوفِ الأشْرَمِ انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ أيَّدَ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، لَيْسَ وزْنُهُ أفْعَلَ؛ لِمَجِيءِ المُضارِعِ عَلى يُؤَيِّدُ، فالوَزْنُ فَعَّلَ، ولَوْ كانَ أفْعَلَ لَكانَ المُضارِعُ يُؤَيِّدُ كَمُضارِعِ آمَنَ يُؤْمِنُ، وأمّا مَن قَرَأ آيَدَ، فَيَحْتاجُ إلى نَقْلِ مُضارِعِهِ مِن كَلامِ العَرَبِ، فَإنْ كانَ يُؤايِدُ، فَهو (فاعَلَ)، وإنْ كانَ (يُؤَيِّدُ)، فَهو (أفْعَلَ) . وأمّا قَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ: أنَّهُ في القِراءَتَيْنِ، يَظْهَرُ أنَّ وزْنَهُ أفْعَلْتُكَ، ثُمَّ اخْتَلَفَ الإعْلالُ، فَلا أفْهَمُ ما أرادَ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في قَوْلِهِ ﴿وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ [البقرة: ٨٧] . ﴿تُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلًا﴾ ﴿وإذْ عَلَّمْتُكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِي وتُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ بِإذْنِي وإذْ تُخْرِجُ المَوْتى بِإذْنِي﴾ . تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمَلِ والقِراءاتِ الَّتِي فِيها، والإعْرابُ، وما لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهُ، نَذْكُرُهُ فَنَقُولُ: جاءَ هُناكَ ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ﴾ . وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ فَتَنْفُخُها فَتَكُونُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (فَتَكُونُ) بِالتّاءِ مِن فَوْقٍ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ (فِيها فَيَكُونُ)، بِالياءِ مِن تَحْتٍ، والضَّمِيرُ في (فِيها) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: اضْطَرَبَ المُفَسِّرُونَ فِيهِ. قالَ مَكِّيٌّ: هو في آلِ عِمْرانَ عائِدٌ عَلى الطّائِرِ، وفي المائِدَةِ عائِدٌ عَلى الهَيْئَةِ، قالَ: ويَصِحُّ عَكْسُ هَذا. وقالَ غَيْرُهُ: الضَّمِيرُ المَذْكُورُ عائِدٌ عَلى (الطِّينِ) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولا يَصِحُّ عَوْدُ هَذا الضَّمِيرِ، لا عَلى الطِّينِ، ولا عَلى الهَيْئَةِ؛ لِأنَّ الطَّيْرَ، أوِ الطّائِرَ الَّذِي يَجِيءُ الطَّيْرُ عَلى هَيْئَتِهِ، لا نَفْخَ فِيهِ البَتَّةَ، وكَذَلِكَ لا نَفْخَ في هَيْئَتِهِ الخاصَّةِ بِهِ، وكَذَلِكَ الطِّينُ، إنَّما هو الطِّينُ العامُّ، ولا نَفْخَ في ذَلِكَ انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولا يَرْجِعُ بَعْضُ الضَّمِيرِ إلى الهَيْئَةِ المُضافِ إلَيْها؛ لِأنَّها لَيْسَتْ مِن خَلْقِهِ، ولا نَفْخِهِ في شَيْءٍ، وكَذَلِكَ الضَّمِيرُ في يَكُونُ انْتَهى. والَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ كَلامُ مَكِّيٍّ؛ أنَّهُ لا يُرِيدُ بِهِ ما فُهِمَ عَنْهُ، بَلْ يَكُونُ قَوْلُهُ عائِدًا (p-٥٢)عَلى الطّائِرِ، لا يُرِيدُ بِهِ الطّائِرَ المُضافَ إلَيْهِ الهَيْئَةُ، بَلِ الطّائِرَ الَّذِي صَوَّرَهُ عِيسى، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ، وإذْ يَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ طائِرًا صُورَةً مِثْلَ صُورَةِ الطّائِرِ الحَقِيقِيِّ، فَيَنْفُخُ فِيهِ، فَيَكُونُ طائِرًا حَقِيقَةً، بِإذْنِ اللَّهِ. ويَكُونُ قَوْلُهُ عائِدًا عَلى الهَيْئَةِ، لا يُرِيدُ بِهِ الهَيْئَةَ المُضافَةَ إلى الطّائِرِ، بَلِ الهَيْئَةَ الَّتِي تَكُونُ الكافُ صِفَةً لَها، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ؛ وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ هَيْئَةً مِثْلَ هَيْئَةِ الطَّيْرِ، فَتَنْفُخُ فِيها؛ أيْ في الهَيْئَةِ المَوْصُوفَةِ بِالكافِ، المَنسُوبِ خَلْقِها إلى عِيسى. وأمّا قَوْلُ مَكِّيٍّ، ويَصِحُّ عَكْسُ هَذا؛ وهو أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ المُذَكَّرُ عائِدًا عَلى الهَيْئَةِ، والضَّمِيرُ المُؤَنَّثُ عائِدًا عَلى الطّائِرِ، فَيُمْكِنُ تَخْرِيجُهُ عَلى أنَّهُ ذُكِّرَ الضَّمِيرُ، وإنْ كانَ عائِدًا عَلى مُؤَنَّثٍ؛ لِأنَّهُ لُحِظَ فِيها مَعْنى الشَّكْلِ، كَأنَّهُ قَدَّرَ هَيْئَةً كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِقَوْلِهِ شَكْلًا كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ. وأنَّهُ أنَّثَ الضَّمِيرَ، وإنْ كانَ عائِدًا عَلى مُذَكَّرٍ؛ لِأنَّهُ لُحِظَ فِيهِ مَعْنى الهَيْئَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والوَجْهُ عَوْدُ ضَمِيرِ المُؤَنَّثِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ الآيَةُ ضَرُورَةً؛ أيْ صُوَرًا، أوْ أشْكالًا، أوْ أجْسامًا، وعَوْدُ الضَّمِيرِ المُذَكَّرِ عَلى المَخْلُوقِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ (تَخْلُقُ)، ثُمَّ قالَ: ولَكَ أنْ تُعِيدَهُ عَلى ما تَدُلُّ عَلَيْهِ الكافُ في مَعْنى المِثْلِ؛ لِأنَّ المَعْنى وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ مِثْلَ هَيْئَةٍ، ولَكَ أنْ تُعِيدَ الضَّمِيرَ عَلى الكافِ نَفْسِهِ، فَيَكُونُ اسْمًا في غَيْرِ الشِّعْرِ، فَهو قَوْلُ أبِي الحَسَنِ وحْدَهُ مِنَ البَصْرِيِّينَ، وكَذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ الضَّمِيرَ في فِيها، لِلْكافِ، قالَ: لِأنَّها صِفَةُ الهَيْئَةِ الَّتِي كانَ يَخْلُقُها عِيسى، ويَنْفُخُ فِيها. وجاءَ في آلِ عِمْرانَ ﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٤٩] مَرَّتَيْنِ، وجاءَ هُنا (بِإذْنِي) أرْبَعَ مَرّاتٍ عَقِيبَ أرْبَعِ جُمَلٍ؛ لِأنَّ هَذا مَوْضِعُ ذِكْرِ النِّعْمَةِ والِامْتِنانِ بِها، فَناسَبَ الإسْهابَ، وهُناكَ مَوْضِعُ إخْبارٍ لِبَنِي إسْرائِيلَ، فَناسَبَ الإيجازَ. والتَّقْدِيرُ في وإذْ تُخْرِجُ المَوْتى؛ تُحْيِي المَوْتى، فَعَبَّرَ بِالإخْراجِ عَنِ الإحْياءِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ [ق: ١١] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وأحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ [ق: ١١]، أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ؛ وإذْ تُخْرِجُ المَوْتى مِن قُبُورِهِمْ أحْياءً. ﴿وإذْ كَفَفْتُ بَنِي إسْرائِيلَ عَنْكَ إذْ جِئْتَهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ مَنَعْتُهم مِن قَتْلِكَ حِينَ هَمُّوا بِكَ، وأحاطُوا بِالبَيْتِ الَّذِي أنْتَ فِيهِ. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: لَمّا قالَ اللَّهُ لِعِيسى: ﴿اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ كانَ يَلْبَسُ الشَّعْرَ، ويَأْكُلُ الشَّجَرَ، ولا يُؤَخِّرُ شَيْئًا لِغَدْوٍ، يَقُولُ مَعَ كُلِّ يَوْمٍ رِزْقُهُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيْتٌ فَيُخَرَّبَ، ولا ولَدٌ فَيَمُوتَ، أيْنَ ما أمْسى باتَ. وهَذا القَوْلُ يَظْهَرُ مِنهُ أنَّ عِيسى خُوطِبَ بِذَلِكَ قَبْلَ الرَّفْعِ. والبَيِّناتُ هُنا؛ هي المُعْجِزاتُ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها، وظَهَرَتْ عَلى يَدَيْهِ، ولَمّا فَصَّلَ تَعالى نِعْمَتَهُ ذَكَرَ ذَلِكَ مَنسُوبًا لِعِيسى دُونَ أُمِّهِ؛ لِأنَّ مِن هَذِهِ النِّعَمِ نِعْمَةَ النُّبُوَّةِ، وظُهُورَ هَذِهِ الخَوارِقِ، فَنِعْمَتُهُ عَلَيْهِ أعْظَمُ مِنها عَلى أُمِّهِ، إذْ ولَدَتْ مِثْلَ هَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ؛ وقالَ الشّاعِرُ فِيما يُشْبِهُ هَذا: ؎شَهِدَ العَوالِمُ أنَّها لَنَفِيسَةٌ ∗∗∗ بِدَلِيلِ ما ولَدَتْ مِنَ النُّجَباءِ ﴿فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (ساحِرٌ) بِالألِفِ هُنا. وفي هُودٍ والصَّفِّ، فَهَذا هُنا إشارَةٌ إلى عِيسى. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ (سِحْرٌ)، فَهَذا إشارَةٌ إلى ما جاءَ بِهِ عِيسى مِنَ البَيِّناتِ. ﴿وإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ أنْ آمِنُوا بِي وبِرَسُولِي﴾ أيْ أوْحَيْتُ إلَيْهِمْ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إمّا أنْ يَكُونَ وحْيَ إلْهامٍ، أوْ وحْيَ أمْرٍ. والرَّسُولُ هُنا؛ هو عِيسى، وهَذا الإيحاءُ إلى الحَوارِيِّينَ؛ هو مِن نِعَمِ اللَّهِ عَلى عِيسى بِأنْ جَعَلَ لَهُ أتْباعًا يُصَدِّقُونَهُ، ويَعْمَلُونَ بِما جاءَ بِهِ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ تَفْسِيرِيَّةً؛ لِأنَّهُ تَقَدَّمَها جُمْلَةٌ في مَعْنى القَوْلِ، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً. ﴿قالُوا آمَنّا واشْهَدْ بِأنَّنا مُسْلِمُونَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في آلِ عِمْرانَ، إلّا أنَّ هُناكَ (آمَنّا بِاللَّهِ) لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُ اللَّهِ فَقَطْ في قَوْلِهِ: ﴿مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢]، وهُنا جاءَ (قالُوا آمَنّا) فَلَمْ يَتَقَيَّدْ بِلَفْظِ الجَلالَةِ، إذْ قَدْ تَقَدَّمَ (p-٥٣)أنْ آمَنُوا بِي وبِرَسُولِي، وجاءَ هُناكَ ﴿واشْهَدْ بِأنّا﴾ [آل عمران: ٥٢]، وهُنا ﴿واشْهَدْ بِأنَّنا﴾ . وهَذا هو الأصْلُ، إذْ (أنَّ) مَحْذُوفٌ مِنهُ النُّونُ؛ لِاجْتِماعِ الأمْثالِ. ﴿إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ﴾ اعْتِراضٌ لِما وصَفَ حالَ قَوْمِ اللَّهِ لِعِيسى يَوْمَ القِيامَةِ، وتَضَمَّنَ الِاعْتِراضُ إخْبارَ مُحَمَّدٍ وأُمَّتِهِ بِنازِلَةِ الحَوارِيِّينَ في المائِدَةِ، إذْ هي مِثالٌ نافِعٌ لِكُلِّ أُمَّةٍ مَعَ نَبِيِّها انْتَهى. والَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ اللَّفْظِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ اللَّهُ ياعِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ إلى آخِرِ قِصَّةِ المائِدَةِ، كانَ ذَلِكَ في الدُّنْيا ذَكَّرَ عِيسى بِنِعَمِهِ، وبِما أجْراهُ عَلى يَدَيْهِ مِنَ المُعْجِزاتِ، وبِاخْتِلافِ بَنِي إسْرائِيلَ عَلَيْهِ، وانْقِسامِهِمْ إلى كافِرٍ ومُؤْمِنٍ، وهُمُ الحَوارِيُّونَ، ثُمَّ اسْتَطْرَدَ إلى قِصَّةِ المائِدَةِ، ثُمَّ إلى سُؤالِهِ تَعالى لِعِيسى ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦]، وإنَّما حَمَلَ بَعْضُهم عَلى أنَّ ذَلِكَ في الآخِرَةِ كَوْنُهُ اعْتَقَدَ أنَّ (إذْ) بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩]، وأنَّ في آخِرِ الآياتِ ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ﴾ [المائدة: ١١٩] . ولا يَتَعَيَّنُ هَذا المَحْمَلُ عَلى ما نُبَيِّنُهُ، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، في قَوْلِهِ: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ﴾ [المائدة: ١١٩]، بَلِ الظّاهِرُ ما ذَكَرْناهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾، بِالياءِ وضَمِّ الباءِ. وهَذا اللَّفْظُ يَقْتَضِي ظاهِرُهُ الشَّكَّ في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، عَلى أنْ يُنْزِلَ مائِدَةً مِنَ السَّماءِ، وذَلِكَ هو الَّذِي حَمَلَ الزَّمَخْشَرِيَّ عَلى أنَّ الحَوارِيِّينَ لَمْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، قالَ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ قالُوا هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ بَعْدَ إيمانِهِمْ وإخْلاصِهِمْ ؟ قُلْتُ: ما وصَفَهُمُ اللَّهُ بِالإيمانِ والإخْلاصِ، وإنَّما حَكى ادِّعاءَهم لَهُما، ثُمَّ أتْبَعَهُ قَوْلَهُ: (إذْ قالُوا) فَآذَنَ أنَّ دَعْواهم كانَتْ باطِلَةً، وأنَّهم كانُوا شاكِّينَ. وقَوْلُهُ: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ كَلامٌ لا يَرِدُ مِثْلُهُ عَنْ مُؤْمِنِينَ مُعَظِّمِينَ لِرَبِّهِمْ، ولِذَلِكَ قَوْلُ عِيسى لَهم مَعْناهُ؛ اتَّقُوا اللَّهَ، ولا تَشُكُّوا في اقْتِدارِهِ واسْتِطاعَتِهِ، ولا تَقْتَرِحُوا عَلَيْهِ، ولا تُحَكِّمُوا ما تَشْتَهُونَ مِنَ الآياتِ، فَتَهْلِكُوا إذا عَصَيْتُمُوهُ بَعْدَها. ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ إنْ كانَتْ دَعْواكم لِلْإيمانِ صَحِيحَةً انْتَهى. وأمّا غَيْرُ الزَّمَخْشَرِيِّ مِن أهْلِ التَّفْسِيرِ، فَأطْبَقُوا عَلى أنَّ الحَوارِيِّينَ كانُوا مُؤْمِنِينَ حَتّى قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لا خِلافَ أحْفَظُهُ في أنَّ الحَوارِيِّينَ كانُوا مُؤْمِنِينَ. وقالَ قَوْمٌ: قالَ الحَوارِيُّونَ هَذِهِ المَقالَةَ في صَدْرِ الأمْرِ قَبْلَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهُ يُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ، ويُحْيِي المَوْتى. قالَ المُفَسِّرُونَ: والحَوارِيُّونَ هم خَواصُّ عِيسى، وكانُوا مُؤْمِنِينَ، ولَمْ يَشُكُّوا في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى ذَلِكَ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لا يَجُوزُ لِأحَدٍ أنْ يَتَوَهَّمَ أنَّ الحَوارِيِّينَ شَكُّوا في قُدْرَةِ اللَّهِ، وإنَّما هَذا كَما يَقُولُ الإنْسانُ لِصاحِبِهِ: هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَقُومَ مَعِي ؟ وهو يَعْلَمُ أنَّهُ مُسْتَطِيعٌ لَهُ، ولَكِنَّهُ يُرِيدُ هَلْ يَسْهُلُ عَلَيْكَ انْتَهى. وقالَ الفارِسِيُّ: مَعْناهُ هَلْ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِمَسْألَتِكَ إيّاهُ. وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَشُكُّوا في قُدْرَةِ اللَّهِ، وإنَّما سَألُوهُ سُؤالَ مُسْتَخْبِرٍ، هَلْ يُنَزِّلُ أمْ لا ؟ فَإنْ كانَ يُنَزِّلُ فاسْألْهُ لَنا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَلْ يَفْعَلُ تَعالى هَذا ؟ وهَلْ يَقَعُ مِنهُ إجابَةٌ إلَيْهِ ؟ كَما قالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ: هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تُرِيَنِيَ كَيْفَ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، يَتَوَضَّأُ ؟ فالمَعْنى هَلْ يُحِبُّ ذَلِكَ، وهَلْ يَفْعَلُهُ انْتَهى. وقِيلَ: المُرادُ مِن هَذا الكَلامِ اسْتِفْهامُ أنَّ ذَلِكَ جائِزٌ، أمْ لا ؟ وذَلِكَ لِأنَّ أفْعالَهُ مَوْقُوفَةٌ عَلى وُجُوهِ الحِكْمَةِ، فَإنْ لَمْ يَحْصُلْ شَيْءٌ مِن وُجُوهِ الحِكْمَةِ، كانَ الفِعْلُ مُمْتَنِعًا، فَإنَّ المُنافِيَ مِن وُجُوهِ الحِكْمَةِ، كالمُنافِي مِن وُجُوهِ القُدْرَةِ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: هَذا الجَوابُ يَمْشِي عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، وأمّا عَلى مَذْهَبِنا، فَهو مَحْمُولٌ عَلى أنَّهُ تَعالى، هَلْ قَضى بِذَلِكَ ؟ وهَلْ عَلِمَ وُقُوعَهُ ؟ فَإنَّهُ إنْ لَمْ يَقْضِ بِهِ ويَعْلَمْ وُقُوعَهُ، كانَ ذَلِكَ مُحالًا غَيْرَ مَقْدُورٍ؛ لِأنَّ خِلافَ (p-٥٤)المَعْلُومِ غَيْرُ مَقْدُورٍ، وقالَ أيْضًا لَيْسَ المَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ كَوْنَهم شاكِّينَ فِيهِ، بَلِ المَقْصُودُ تَقْرِيرُ أنَّ ذَلِكَ في غايَةِ الظُّهُورِ، كَمَن يَأْخُذُ بِيَدِ ضَعِيفٍ، ويَقُولُ: هَلْ يَقْدِرُ السُّلْطانُ عَلى إشْباعِ هَذا ؟ ويَكُونُ غَرَضُهُ مِنهُ أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ واضِحٌ، لا يَجُوزُ لِلْعاقِلِ أنْ يَشُكَّ فِيهِ، وأبْعَدَ مَن قالَ: هَلْ يُنَزِّلُ رَبُّكَ مائِدَةً مِنَ السَّماءِ ؟ (ويَسْتَطِيعُ) صِلَةٌ، ومَن قالَ: الرَّبُّ هَنا جِبْرِيلُ؛ لِأنَّهُ كانَ يُرَبِّي عِيسى، ويَخُصُّهُ بِأنْواعِ الإعانَةِ، ولِذَلِكَ قالَ في أوَّلِ الآيَةِ ﴿إذْ أيَّدْتُكَ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ . ورُوِيَ أنَّ الَّذِي نَحا بِهِمْ هَذا المَنحى مِنَ الِاقْتِراحِ؛ هو أنَّ عِيسى قالَ لَهم مَرَّةً: هَلْ لَكم في صِيامِ ثَلاثِينَ يَوْمًا لِلَّهِ تَعالى، ثُمَّ إنْ سَألْتُمُوهُ حاجَةً، قَضاها، فَلَمّا صامُوها، قالُوا: يا مُعَلِّمَ الخَيْرِ ! إنَّ حَقَّ مَن عَمِلَ عَمَلًا أنْ يُطْعَمَ، فَهَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ؟ فَأرادُوا أنْ تَكُونَ المائِدَةُ عِيدَ ذَلِكَ الصَّوْمِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ (هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ)، بِالتّاءِ مِن فَوْقُ (رَبَّكَ) بِنَصْبِ الباءِ، وهي قِراءَةُ عَلِيٍّ ومُعاذٍ وابْنِ عَبّاسٍ وعائِشَةَ وابْنِ جُبَيْرٍ. قالَتْ عائِشَةُ: كانَ الحَوارِيُّونَ أعْرَفَ بِاللَّهِ مِن أنْ يَقُولُوا ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ نَزَّهَتْهم عَنْ بَشاعَةِ اللَّفْظِ، وعَنْ مُرادِهِمْ ظاهِرَهُ. وقَدْ ذَكَرْنا تَأْوِيلاتِ ذَلِكَ، ومَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ؛ هَلْ تَسْتَطِيعُ سُؤالَ رَبِّكَ ؟ و﴿أنْ يُنَزِّلَ﴾ مَعْمُولٌ لِسُؤالٍ المَحْذُوفِ إذْ هو حَذْفٌ لا يَتِمُّ المَعْنى إلّا بِهِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: وقَدْ يُمْكِنُ أنْ يُسْتَغْنى عَنْ تَقْدِيرِ سُؤالٍ، عَلى أنْ يَكُونَ المَعْنى؛ هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ يُنَزِّلَ رَبُّكَ بِدُعائِكَ ؟ فَيَئُولُ المَعْنى، ولا بُدَّ إلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما ذُكِرَ مِنَ اللَّفْظِ انْتَهى. ولا يَظْهَرُ ما قالَ أبُو عَلِيٍّ؛ لِأنَّ فِعْلَ اللَّهِ تَعالى، وإنْ كانَ سَبَبُهُ الدُّعاءَ، لا يَكُونُ مَقْدُورًا لِعِيسى. وأدْغَمَ الكِسائِيُّ لامَ (هَلْ) في ياءِ (يَسْتَطِيعُ) وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُ قَوْلُ عِيسى ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمُ الِاقْتِراحَ لِلْآياتِ، وهو عَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ تَقْرِيرًا لِلْإيمانِ، كَما تَقُولُ افْعَلْ كَذا، وكَذا إنْ كُنْتَ رَجُلًا. وقالَ مُقاتِلٌ وجَماعَةٌ: اتَّقُوهُ أنْ تَسْألُوهُ البَلاءَ؛ لِأنَّها إنْ نَزَلَتْ، وكَذَّبْتُمْ عُذِّبْتُمْ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ وجَماعَةٌ: أنْ تَسْألُوهُ ما لَمْ تَسْألْهُ الأُمَمُ قَبْلَكم. وقِيلَ: أنْ تَشُكُّوا في قُدْرَتِهِ عَلى إنْزالِ المائِدَةِ. وقِيلَ: اتَّقُوا اللَّهَ في الشَّكِّ فِيهِ، وفي رُسُلِهِ وآياتِهِمْ. وقِيلَ: اتَّقُوا مَعاصِيَ اللَّهِ. وقِيلَ: أمَرَهم بِالتَّقْوى لِيَكُونَ سَبَبًا لِحُصُولِ هَذا المَطْلُوبِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هُنا (عِيسى) في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى اتْباعِ حَرَكَتِهِ حَرَكَةَ الِابْنِ، كَقَوْلِكَ يا زَيْدَ بْنَ عَمْرٍو ! وهي اللُّغَةُ الفاشِيَةُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَضْمُومًا، كَقَوْلِكَ يا زَيْدُ بْنَ عَمْرٍو ! والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: أحارُ ابْنَ عُمَرَ كَأنِّي خَمْرٌ لِأنَّ التَّرْخِيمَ لا يَكُونُ إلّا في المَضْمُومِ انْتَهى. فَقَوْلُهُ: عِيسى في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، وعَلى تَقْدِيرِ ضَمِّهِ، فَهو لا اخْتِصاصَ لَهُ بِكَوْنِهِ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى تَقْدِيرِ الإتْباعِ، فَإصْلاحُهُ عِيسى مُقَدَّرٌ فِيهِ الفَتْحَةُ عَلى إتْباعِ الحَرَكَةِ، وقَوْلُهُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَضْمُومًا؛ هَذا مَذْهَبُ الفَرّاءِ، وهو تَقْدِيرُ الفَتْحِ والضَّمِّ، ونَحْوُهُ مِمّا لا تَظْهَرُ فِيهِ الضَّمَّةُ قِياسًا عَلى الصَّحِيحِ، ولَمْ يَبْدَأْ أوَّلًا بِالضَّمِّ الَّذِي هو مُجْمَعٌ عَلى تَقْدِيرِهِ: فَلَيْسَ بِشَرْطٍ، ألا تُرى إلى جَوازِ تَرْخِيمِ رَجُلٍ اسْمُهُ مُثَنًّى ؟ فَتَقُولُ: يا مُثَنُّ أقْبِلْ، وإلى تَرْخِيمِ بَعْلَبَكَّ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ، لَكِنَّهُ في تَقْدِيرِ الِاسْمِ المَضْمُومِ، وإنْ عَنى ضَمَّةً مُقَدَّرَةً، فَإنْ عَنى ضَمَّةً ظاهِرَةً، فَلَيْسَ بِشَرْطٍ، ألا تَرى إلى جَوازِ تَرْخِيمِ رَجُلٍ اسْمُهُ مُثَنًّى ؟ فَتَقُولُ: يا مُثَنُّ، فَإنَّ مِثْلَ يا جَعْفَرَ بْنَ زَيْدٍ مِمّا فُتِحَ فِيهِ آخِرُ المُنادى لِأجْلِ الإتْباعِ، مُقَدَّرٌ فِيهِ الضَّمَّةُ لِشَغْلِ الحَرْفِ بِحَرَكَةِ الإتْباعِ، كَما قَدَّرَ الأعْرابِيُّ في قِراءَةِ مَن قَرَأ (الحَمْدِ لِلَّهِ)، بِكَسْرِ الدّالِ، لِأجْلِ إتْباعِ حَرَكَةِ (لِلَّهِ)، فَقَوْلُكَ: يا حارُ ! هو (p-٥٥)مَضْمُومٌ تَقْدِيرًا، وإنْ كانَتِ الثّاءُ المَحْذُوفَةُ مَشْغُولَةً في الأصْلِ بِحَرَكَةِ الإتْباعِ، وهي الفَتْحَةُ، فَلا تَنافِي بَيْنَ التَّرْخِيمِ، وبَيْنَ ما فُتِحَ إتْباعًا، وقُدِّرَتْ فِيهِ الضَّمَّةُ. وكانَ يَنْبَغِي لِلزَّمَخْشَرِيِّ أنْ يَتَكَلَّمَ عَلى هَذِهِ المَسْألَةِ قَبْلَ هَذا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ قالَ اللَّهُ ياعِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ حَيْثُ تَكَلَّمَ النّاسُ عَلَيْها. ﴿قالُوا نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها وتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا ونَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا ونَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ لَمّا أمَرَهم عِيسى بِتَقْوى اللَّهِ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ ما تَقَدَّمَ مِن كَلامِهِمْ، صَرَّحُوا بِسَبَبِ طَلَبِ المائِدَةِ، وأنَّهم يُرِيدُونَ الأكْلَ مِنها، وذَلِكَ لِلشَّرَفِ لا لِلشِّبَعِ، واطْمِئْنانِ قُلُوبِهِمْ بِسُكُونِ الفِكْرِ، إذا عايَنُوا هَذا المُعْجِزَ العَظِيمَ النّازِلَ مِنَ السَّماءِ، وعُلِمَ الضَّرُورَةُ والمُشاهِدَةُ بِصِدْقِهِ، فَلا تَعْتَرِضُ الشُّبَهُ اللّاحِقَةُ في عِلْمِ الِاسْتِدْلالِ وكَيْنُونَتِهِمْ مِنَ المُشاهِدِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ، النّاقِلِينَ لَها إلى غَيْرِهِمْ، القائِمِينَ بِهَذا الشَّرْعِ، أوْ مِنَ الشّاهِدِينَ لِلَّهِ بِالوَحْدانِيَّةِ ولَكَ بِالنُّبُوَّةِ، وقَدْ طَوَّلَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِ مُتَعَلِّقِ إرادَتِهِمْ بِهَذِهِ الأشْياءِ، ومُلَخَّصُها أنَّهم أرادُوا الأكْلَ لِلْحاجَةِ وشِدَّةِ الجُوعِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وكانَ إذا خَرَجَ اتَّبَعَهُ خَمْسَةُ آلافٍ أوْ أكْثَرُ مِن صاحِبٍ لَهُ، وذِي عِلَّةٍ يَطْلُبُ البُرْءَ، ومُسْتَهْزِئٍ فَوَقَعُوا يَوْمًا في مَفازَةٍ ولا زادَ، فَجاعُوا وسَألُوا مِنَ الحَوارِيِّينَ أنْ يَسْألُوا عِيسى نُزُولَ مائِدَةٍ مِنَ السَّماءِ، فَذَكَرَ شَمْعُونُ لِعِيسى ذَلِكَ، فَقالَ: قُلْ لَهُمُ اتَّقُوا اللَّهَ، وأرادُوا الأكْلَ لِيَزْدادُوا إيمانًا. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أوِ التَّشْرِيفَ بِالمائِدَةِ ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ والِاطْمِئْنانُ: إمّا بِأنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَكَ إلَيْنا، أوِ اخْتارَنا أعْوانًا لَكَ، أوْ قَدْ أجابَكَ، أوِ العِلْمُ بِالصِّدْقِ في أنّا إذا صُمْنا لِلَّهِ تَعالى ثَلاثِينَ يَوْمًا. لَمْ نَسْألِ اللَّهَ شَيْئًا إلّا أعْطانا، أوْ في أنَّكَ رَسُولٌ حَقًّا، إذِ المُعْجِزُ دَلِيلُ الصِّدْقِ، وكانُوا قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَرَوُا الآياتِ، أوْ يُرادُ بِالعِلْمِ الضَّرُورِيُّ والمُشاهِدَةُ انْتَهى. وأتَتْ هَذِهِ المَعاطِيفُ مُرَتَّبَةً تَرْتِيبًا لَطِيفًا، وذَلِكَ أنَّهم لا يَأْكُلُونَ مِنها إلّا بَعْدَ مُعايَنَةِ نُزُولِها، فَيَجْتَمِعُ عَلى العِلْمِ بِها حاسَّةُ الرُّؤْيَةِ، وحاسَّةُ الذَّوْقِ، فَبِذَلِكَ يَزُولُ عَنِ القَلْبِ قَلَقُ الِاضْطِرابِ، ويَسْكُنُ إلى ما عايَنَهُ الإنْسانُ وذاقَهُ، وبِاطْمِئْنانِ القَلْبِ يَحْصُلُ العِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِصِدْقِ مَن كانَتِ المُعْجِزَةُ عَلى يَدَيْهِ، إذْ جاءَتْ طِبْقَ ما سَألَ، وسَألُوا هَذا المُعْجِزَ العَظِيمَ؛ لِأنَّ تَأْثِيرَهُ في العالَمِ العُلْوِيِّ بِدُعاءِ مَن هو في العالَمِ الأرْضِيِّ، أقْوى وأغْرَبُ مِن تَأْثِيرِ مَن هو في العالَمِ الأرْضِيِّ في عالَمِهِ الأرْضِيِّ، ألا تَرى أنَّ مِن أعْظَمِ مُعْجِزاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ القُرْآنَ، وانْشِقاقَ القَمَرِ، وهُما مِنَ العالَمِ العُلْوِيِّ. وإذا حَصَلَ عِنْدَهُمُ العِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِصِدْقِ عِيسى، شَهِدُوا شَهادَةَ يَقِينٍ لا يَخْتَلِجُ بِها ظَنٌّ ولا شَكٌّ، ولا وهْمٌ وبِذِكْرِهِمْ هَذِهِ الأسْبابَ الحامِلَةَ عَلى طَلَبِ المائِدَةِ، يَتَرَجَّحُ قَوْلُ مَن قالَ: كانَ سُؤالُهم ذَلِكَ قَبْلَ عِلْمِهِمْ بِآياتِ عِيسى ومُعْجِزاتِهِ وإنَّ وحْيَ اللَّهِ إلَيْهِمْ بِالإيمانِ، كانَ في صَدْرِ الأمْرِ، وعِنْدَ ذَلِكَ قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ، ثُمَّ آمَنُوا ورَأوُا الآياتِ، واسْتَمَرُّوا، وصَبَرُوا. وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ: (ونُعْلَمَ) بِضَمِّ النُّونِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وهَكَذا في كِتابِ التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ، وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ (ويُعْلَمَ) بِالياءِ المَضْمُومَةِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى القُلُوبِ، وفي كِتابِ الزَّمَخْشَرِيِّ ويُعْلَمَ بِالياءِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ الأعْمَشُ (وتَعْلَمَ) بِالتّاءِ؛ أيْ وتَعْلَمُهُ قُلُوبُنا. وقَرَأ الجُمْهُورُ (ونَكُونَ) بِالنُّونِ، وفي كِتابِ التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ. وقَرَأ سِنانٌ وعِيسى (وتَكُونَ عَلَيْها) بِالتّاءِ، وفي الزَّمَخْشَرِيِّ؛ وكانَتْ دَعْواهم لِإرادَةِ ما ذَكَرُوا، كَدَعْواهم لِلْإيمانِ والإخْلاصِ، وإنَّما سَألَ عِيسى، وأُجِيبَ لِيَلْزَمُوا الحُجَّةَ بِكَمالِها، ويُرْسَلَ عَلَيْهِمُ العَذابُ، إذا خالَفُوا انْتَهى. وإنَّما قالَ ذَلِكَ لِأنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ الحَوارِيُّونَ مُؤْمِنِينَ، وإذا ولِيَ (أنْ) المُخَفِّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ فِعْلٌ مُتَصَرِّفٌ عَنْ دُعاءٍ، فَإنْ كانَ ماضِيًا، فُصِلَ بَيْنَهُما بِـ (قَدْ)، نَحْوَ قَوْلِهِ: ونَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا، وإنْ كانَ مُضارِعًا، فُصِلَ بَيْنَهُما بِحَرْفِ تَنْفِيسٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ مِنكم مَرْضى﴾ [المزمل: ٢٠] ولا (p-٥٦)يَقَعُ بِغَيْرِ فَصْلٍ، قِيلَ: إلّا قَلِيلًا. وقِيلَ: إلّا ضَرُورَةً، وفِيما تَتَعَلَّقُ بِهِ (عَلَيْها) الَّتِي تَقَدَّمَتْ في نَحْوِ ﴿إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عاكِفِينَ عَلَيْها عَلى أنَّ (عَلَيْها) في مَوْضِعِ الحالِ انْتَهى. وهَذا التَّقْدِيرُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ حَرْفَ الجَرِّ لا يُحْذَفُ عامِلُهُ وُجُوبًا، إلّا إذا كانَ كَوْنًا مُطْلَقًا لا كَوْنًا مُقَيَّدًا، والعُكُوفُ كَوْنٌ مُقَيَّدٌ؛ ولِأنَّ المَجْرُورَ إذا كانَ في مَوْضِعِ الحالِ، كانَ العامِلُ فِيها (عاكِفِينَ) المُقَدَّرَ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، ثُمَّ إنَّ قَوْلَ الزَّمَخْشَرِيِّ مُضْطَرِبٌ؛ لِأنَّ عَلَيْها إذا كانَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ هو عاكِفِينَ، كانَتْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِ الَّذِي تَعَدّى إلَيْهِ العامِلُ بِحَرْفِ الجَرِّ، وإذا كانَتْ في مَوْضِعِ الحالِ، كانَ العامِلُ فِيها كَوْنًا مُطْلَقًا واجِبَ الحَذْفِ، فَظَهَرَ التَّنافِي بَيْنَهُما. ﴿قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيدًا لِأوَّلِنا وآخِرِنا وآيَةً مِنكَ وارْزُقْنا وأنْتَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ . رُوِيَ أنَّ عِيسى لَبِسَ جُبَّةَ شَعْرٍ ورِداءَ شَعْرِ، وقامَ يُصَلِّي ويَبْكِي ويَدْعُو. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى لَفْظَةِ (اللَّهُمَّ) في آلِ عِمْرانَ، ونادى رَبَّهُ أوَّلًا بِالعِلْمِ الَّذِي لا شَرِكَةَ فِيهِ، ثُمَّ ثانِيًا بِلَفْظِ (رَبَّنا) مُطابِقًا إلى مُصْلِحِنا ومُرَبِّينا ومالِكِنا. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿تَكُونُ لَنا﴾ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ صِفَةٌ لِمائِدَةٍ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ والأعْمَشُ (يَكُنْ) بِالجَزْمِ عَلى جَوابِ الأمْرِ، والمَعْنى يَكُنْ يَوْمُ نُزُولِها عِيدًا، وهو يَوْمُ الأحَدِ، ومِن أجْلِ ذَلِكَ اتَّخَذَهُ النَّصارى عِيدًا. وقِيلَ العِيدُ: السُّرُورُ والفَرَحُ، ولِذَلِكَ يُقالُ يَوْمُ عِيدٍ، فالمَعْنى يَكُونُ لَنا سُرُورًا وفَرَحًا، والعِيدُ المُجْتَمَعُ لِلْيَوْمِ المَشْهُودِ، وعُرْفُهُ أنْ يُقالَ فِيما يَسْتَدِيرُ بِالسَّنَةِ أوْ بِالشَّهْرِ أوْ بِالجُمْعَةِ ونَحْوِهِ. وقِيلَ: العِيدُ لُغَةً ما عادَ إلَيْكَ مِن شَيْءٍ في وقْتٍ مَعْلُومٍ، سَواءٌ كانَ فَرَحًا أوْ تَرَحًا، وغَلَبَتِ الحَقِيقَةُ العُرْفِيَّةُ عَلى الحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ. وقالَ الخَلِيلُ: العِيدُ كُلُّ يَوْمٍ يَجْمَعُ النّاسَ؛ لِأنَّهم عادُوا إلَيْهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِأوَّلِنا لِأهْلِ زَمانِنا، وآخِرِنا مَن يَجِيءُ بَعْدَنا. وقِيلَ لِأوَّلِنا المُتَقَدِّمِينَ مِنّا والرُّؤَساءِ، وآخِرِنا يَعْنِي الأتْباعَ. والأوَّلِيَّةُ والآخِرِيَّةُ فاحْتَمَلَتا الأكْلَ والزَّمانَ والرُّتْبَةَ، والظّاهِرُ الزَّمانُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ والجَحْدَرِيُّ لِأُولانا وأُخْرانا، أنَّثُوا عَلى مَعْنى الأُمَّةِ والجَماعَةِ، والمَجْرُورُ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ لَنا، وكُرِّرَ العامِلُ وهو حَرْفُ الجَرِّ، كَقَوْلِهِ ﴿مِنها مِن غَمٍّ﴾ [الحج: ٢٢] والبَدَلُ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ والمُخاطَبِ، إذا كانَ بَدَلَ بَعْضٍ، أوْ بَدَلَ اشْتِمالٍ، جازَ بِلا خِلافٍ، وإنْ كانَ بَدَلَ شَيْءٍ مِن شَيْءٍ، وهُما لِعَيْنٍ واحِدَةٍ، فَإنْ أفادَ مَعْنى التَّأْكِيدِ جازَ لِهَذا البَدَلِ، إذِ المَعْنى تَكُونُ لَنا عِيدًا كُلِّنا، كَقَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِكم أكابِرِكم وأصاغِرِكُمْ؛ لِأنَّ مَعْنى ذَلِكَ؛ مَرَرْتُ بِكم كُلِّكم، وإنْ لَمْ تُفْدِ تَوْكِيدًا، فَمَسْألَةُ خِلافٍ الأخْفَشُ يُجِيزُ، وغَيْرُهُ مِنَ البَصْرِيِّينَ يَمْنَعُ، ومَعْنى ﴿وآيَةً مِنكَ﴾ عَلامَةٌ شاهِدَةٌ عَلى صِدْقِ عَبْدِكَ. وقِيلَ حُجَّةٌ، ودَلالَةٌ عَلى كَمالِ قُدْرَتِكَ. وقَرَأ اليَمانِيُّ (وأنَّهُ مِنكَ)، والضَّمِيرُ في (وأنَّهُ) إمّا لِلْعِيدِ، أوِ الإنْزالِ. (وارْزُقْنا) قِيلَ: المائِدَةَ، وقِيلَ: الشُّكْرَ لِنِعْمَتِكَ ﴿وأنْتَ خَيرُ الرّازِقِينَ﴾ لِأنَّكَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ تَبْتَدِئُ بِالرِّزْقِ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: تَأمَّلْ هَذا التَّرْتِيبَ، فَإنَّ الحَوارِيِّينَ لَمّا سَألُوا المائِدَةَ، ذَكَرُوا في طَلَبِها أغْراضًا، فَقَدَّمُوا ذِكْرَ الأكْلِ، وأخَّرُوا الأغْراضَ الدِّينِيَّةَ الرُّوحانِيَّةَ، وعِيسى طَلَبَ المائِدَةَ، وذَكَرَ أغْراضَهُ، فَقَدَّمَ الدِّينِيَّةَ، وأخَّرَ أغْراضَ الأكْلِ، حَيْثُ قالَ: (وارْزُقْنا) وعِنْدَ هَذا يَلُوحُ لَكَ مَراتِبُ دَرَجاتِ الأرْواحِ في كَوْنِ بَعْضِها رُوحانِيَّةً، وبَعْضِها (p-٥٧)جُسْمانِيَّةً، ثُمَّ إنَّ عِيسى، عَلَيْهِ السَّلامُ، لِشِدَّةِ صَفاءِ وقْتِهِ، وإشْراقِ رُوحِهِ، لَمّا ذَكَرَ الرِّزْقَ بِقَوْلِهِ (وارْزُقْنا) لَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ، بَلِ انْتَقَلَ مِنَ الرِّزْقِ إلى الرّازِقِ، فَقالَ: ﴿وأنْتَ خَيرُ الرّازِقِينَ﴾، فَقَوْلُهُ: (رَبَّنا) ابْتِداءٌ مِنهُ بِنِداءِ الحَقِّ سُبْحانَهُ وتَعالى، وقَوْلُهُ: ﴿أنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً﴾ انْتِقالٌ مِنَ الذّاتِ إلى الصِّفاتِ، وقَوْلُهُ: ﴿تَكُونُ لَنا عِيدًا لِأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ إشارَةٌ إلى ابْتِهاجِ الرُّوحِ بِالنِّعْمَةِ، لا مِن حَيْثُ إنَّها نِعْمَةٌ، بَلْ مِن حَيْثُ إنَّها صادِرَةٌ عَنِ المُنْعِمِ. وقَوْلُهُ: ﴿وآيَةً مِنكَ﴾ إشارَةٌ إلى حِصَّةِ النَّفْسِ، وكُلُّ ذَلِكَ نَزَلَ مِن حَضْرَةِ الجَلالِ، فانْظُرْ كَيْفَ ابْتَدَأ بِالأشْرَفِ، فالأشْرَفِ، نازِلًا إلى الأدْوَنِ، فالأدْوَنِ. ﴿وأنْتَ خَيرُ الرّازِقِينَ﴾ هو عُرُوجٌ مَرَّةً أُخْرى مِنَ الأخَسِّ إلى الأشْرَفِ، وعِنْدَ هَذا يَلُوحُ هَمُّهُ مِن كَيْفِيَّةِ عُرُوجِ الأرْواحِ المُشْرِقَةِ النُّورانِيَّةِ الإلَهِيَّةِ، ونُزُولِها، اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِن أهْلِهِ، وهو كَلامٌ دائِرٌ بَيْنَ لَفْظٍ فَلْسَفِيٍّ، ولَفْظٍ صُوفِيٍّ، وكِلاهُما بَعِيدٌ عَنْ كَلامِ العَرَبِ ومَناحِيها.

المائدة 5:115

﴿قالَ اللَّهُ إنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكم فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكم فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ المائِدَةَ نَزَلَتْ؛ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّهُ مُنَزِّلُها، وبِإنْزالِها قالَ الجُمْهُورُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: شَرَطَ عَلَيْهِمْ شَرْطَهُ المُتَعارَفَ في الأُمَمِ؛ أنَّهُ مَن كَفَرَ بَعْدَ آيَةِ الِاقْتِراحِ، عُذِّبَ أشَدَّ عَذابٍ. قالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ لَمّا سَمِعُوا الشَّرْطَ أشْفَقُوا فَلَمْ تَنْزِلْ. قالَ مُجاهِدٌ: فَهو مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلنّاسِ؛ لِئَلّا يَسْألُوا هَذا الآياتِ، واخْتَلَفَ مَن قالَ إنَّها نَزَلَتْ، هَلْ رُفِعَتْ بِإحْداثٍ أحْدَثُوهُ أمْ لَمْ تُرْفَعْ ؟ وقالَ الأكْثَرُونَ: أكَلُوا مِنها أرْبَعِينَ يَوْمًا بُكْرَةً وعَشِيَّةً. وقالَ إسْحاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: يَأْكُلُونَ مِنها مَتى شاءُوا. وقِيلَ: بَطِرُوا فَكانَتْ تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ. وقالَ المُؤَرِّخُونَ: كانَتْ تَنْزِلُ عِنْدَ ارْتِفاعِ الضُّحى، فَيَأْكُلُونَ مِنها، ثُمَّ تَرْتَفِعُ إلى السَّماءِ وهم يَنْظُرُونَ إلى ظِلِّها في الأرْضِ. واخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ نُزُولِها، وفِيما كانَ عَلَيْها، وفي عَدَدِ مَن أكَلَ مِنها، وفِيما آلَ إلَيْهِ حالُ مَن أكَلَ مِنها، اخْتِلافًا مُضْطَرِبًا مُتَعارِضًا ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ، ضَرَبْتُ عَنْ ذِكْرِهِ صَفْحًا، إذْ لَيْسَ مِنهُ شَيْءٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ الآيَةِ. وأحْسَنُ ما يُقالُ فِيهِ ما خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ في أبْوابِ التَّفْسِيرِ عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أُنْزِلَتِ المائِدَةُ مِنَ السَّماءِ خُبْزًا ولَحْمًا، وأُمِرُوا أنْ لا يَدَّخِرُوا لِغَدٍ، ولا يَخُونُوا، فَخانُوا، وادَّخَرُوا، ورَفَعُوا لِغَدٍ، فَمُسِخُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ» . قالَ أبُو عِيسى هَذا حَدِيثٌ رَواهُ عاصِمٌ وغَيْرُ واحِدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ قَتادَةَ عَنْ خِلاسٍ عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، مَرْفُوعًا، ولا نَعْلَمُهُ مَرْفُوعًا، إلّا مِن حَدِيثِ الحَسَنِ بْنِ قَزَعَةَ؛ حَدَّثَنا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، قالَ: حَدَّثَنا سُفْيانُ بْنُ حَبِيبٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُرْوَةَ نَحْوَهُ، ولَمْ يَرْفَعْهُ، وهَذا أصَحُّ مِن حَدِيثِ الحَسَنِ بْنِ قَزَعَةَ، ولا نَعْلَمُ الحَدِيثَ مَرْفُوعًا أصْلًا. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ (مُنَزِّلُها) مُشَدَّدًا. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ مُخَفَّفًا، والأعْمَشُ وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، إنِّي سَأُنْزِلُها، بِسِينِ الِاسْتِقْبالِ بَعْدُ؛ أيْ: بَعْدَ إنْزالِها. والعَذابُ هُنا بِمَعْنى التَّعْذِيبِ، فانْتِصابُهُ انْتِصابُ المَصْدَرِ، وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ عَلى السَّعَةِ، وهو إعْرابٌ سائِغٌ. ولا يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالعَذابِ؛ ما يُعَذِّبُ بِهِ إذْ يَلْزَمُ أنْ يَتَعَدّى إلَيْهِ الفِعْلُ بِحَرْفِ الجَرِّ، فَكانَ يَكُونُ التَّرْكِيبُ؛ فَإنِّي أُعَذِّبُهُ بِعَذابٍ. لا يُقالُ حُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ، فَتَعَدّى الفِعْلُ إلَيْهِ، فَنَصَبَهُ؛ لِأنَّ حَذْفَ الحَرْفِ في مِثْلِ هَذا مُخْتَصٌّ بِالضَّرُورَةِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في لا أُعَذِّبُهُ يَعُودُ عَلى العَذابِ بِمَعْنى التَّعْذِيبِ، والمَعْنى؛ لا أُعَذِّبُ مِثْلَ التَّعْذِيبِ أحَدًا. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ لا أُعَذِّبُ بِهِ أحَدًا، وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ عَلى السَّعَةِ، وأنْ يَكُونَ ضَمِيرَ المَصْدَرِ المُؤَكَّدِ، كَقَوْلِكَ: ظَنَنْتُهُ زَيْدًا مُنْطَلِقًا، فَلا يَعُودُ عَلى العَذابِ. ورابِطُ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ صِفَةً لِعَذابٍ هو العُمُومُ الَّذِي في المَصْدَرِ المُؤَكَّدِ، كَقَوْلِكَ: هو جِنْسٌ، و(عَذابًا) نَكِرَةٌ، فانْتَظَمَهُ المَصْدَرُ، كَما انْتَظَمَ اسْمُ الجِنْسِ زَيْدًا في: زِيدٌ نِعْمَ الرَّجُلُ، وأجازَ أيْضًا أنْ يَكُونَ ضَمِيرَ (مِن) عَلى حَذْفٍ؛ أيْ لا أُعَذِّبُ مِثْلَ عَذابِ الكافِرِ، وهَذِهِ تَقادِيرُ مُتَكَلَّفَةٌ يَنْبَغِي أنْ (p-٥٨)يُنَزَّهَ القُرْآنُ عَنْها والعَذابُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَسَخَهم خَنازِيرَ. وقالَ غَيْرُهُ قِرَدَةً وخَنازِيرَ، ووَقَعَ ذَلِكَ في الدُّنْيا والكُفْرُ المُشارُ إلَيْهِ المُوجِبُ تَعْذِيبَهم، قِيلَ: ارْتِدادُهم. وقِيلَ: شَكُّهم في عِيسى، وتَشْكِيكُهُمُ النّاسَ. وقِيلَ: مُخالَفَتُهُمُ الأمْرَ بِأنْ لا يَخُونُوا، ولا يُخَبِّئُوا، ولا يَدَّخِرُوا، قالَهُ قَتادَةُ. وقالَ عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ: لَمْ يَتِمَّ يَوْمُهم حَتّى خانُوا، فادَّخَرُوا، ورَفَعُوا. وظاهِرُ العالَمِينَ العُمُومُ. وقِيلَ: عالَمِي زَمانِهِمْ.

المائدة 5:116

﴿وإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: (إذْ) زائِدَةٌ. وقالَ غَيْرُهُ بِمَعْنى (إذا) . والظّاهِرُ أنَّها عَلى أصْلِ وضْعِها، وأنَّ ما بَعْدَها مِنَ الفِعْلِ الماضِي قَدْ وقَعَ، ولا يَئُولُ قَوْلٌ. قالَ السُّدِّيُّ وغَيْرُهُ: كانَ هَذا القَوْلُ مِنَ اللَّهِ تَعالى حِينَ رَفَعَ عِيسى إلَيْهِ، وقالَتِ النَّصارى ما قالَتْ، وادَّعَتْ أنَّ عِيسى أمَرَهم بِذَلِكَ، واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والجُمْهُورُ: هَذا القَوْلُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، إنَّما هو يَوْمُ القِيامَةِ يَقُولُ لَهُ عَلى رُءُوسِ الخَلائِقِ، فَيَعْلَمُ الكُفّارُ أنَّ ما كانُوا عَلَيْهِ باطِلٌ، فَيَقَعُ التَّجَوُّزُ في اسْتِعْمالِ (إذْ) بِمَعْنى (إذا)، والماضِي بَعْدَهُ بِمَعْنى المُسْتَقْبَلِ، وفي إيلاءِ الِاسْتِفْهامِ الِاسْمَ، ومَجِيءِ الفِعْلِ بَعْدَهُ دَلالَةٌ عَلى صُدُورِ الفِعْلِ في الوُجُودِ، لَكِنْ وقَعَ الِاسْتِفْهامُ عَنِ النِّسْبَةِ، أكانَ هَذا الفِعْلُ الواقِعُ صادِرًا عَنِ المُخاطَبِ، أمْ لَيْسَ بِصادِرٍ عَنْهُ ؟ بَيانُ ذَلِكَ أنَّكَ تَقُولُ: أضْرَبْتَ زَيْدًا، فَهَذا اسْتِفْهامٌ، هَلْ صَدَرَ مِنكَ ضَرْبٌ لِزَيْدٍ أمْ لا ؟ ولا إشْعارَ فِيهِ بِأنَّ ضَرْبَ زِيدٍ قَدْ وقَعَ. فَإذا قُلْتَ: أنْتَ ضَرَبْتَ زَيْدًا ؟ كانَ الضَّرْبُ قَدْ وقَعَ بِزَيْدٍ، لَكِنَّكَ اسْتَفْهَمْتَ عَنْ إسْنادِهِ لِلْمُخاطَبِ، وهَذِهِ مَسْألَةٌ بَيانِيَّةٌ، نَصَّ عَلى ذَلِكَ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ: أنَّهُ لَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِنَ النَّصارى بِإلَهِيَّةِ مَرْيَمَ، فَكَيْفَ قِيلَ: (إلَهَيْنِ) ؟ وأجابُوا بِأنَّهم لَمّا قالُوا لَمْ تَلِدْ بَشَرًا، وإنَّما ولَدَتْ إلَهًا، لَزِمَهم أنْ يَقُولُوا مِن حَيْثُ البَعْضِيَّةُ بِإلَهِيَّةِ مَن ولَدَتْهُ، فَصارُوا بِمَثابَةِ مَن قالَ انْتَهى. والظّاهِرُ صُدُورُ هَذا القَوْلِ في الوُجُودِ، لا مِن عِيسى، ولا يَلْزَمُ مِن صُدُورِ القَوْلِ وُجُودُ الِاتِّخاذِ. ﴿قالَ سُبْحانَكَ﴾ أيْ تَنْزِيهًا لَكَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَنْ أنْ يُقالَ هَذا ويُنْطَقَ بِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن أنْ يَكُونَ لَكَ شَرِيكٌ. والظّاهِرُ الأوَّلُ لِقَوْلِهِ بَعْدُ ﴿ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ . قالَ أبُو رَوْقٍ: لَمّا سَمِعَ عِيسى هَذا المَقالَ، ارْتَعَدَتْ مَفاصِلُهُ، وانْفَجَرَتْ مِن أصْلِ كُلِّ شَعْرَةٍ عَيْنٌ مِن دَمٍ، فَقالَ عِنْدَ ذَلِكَ مُجِيبًا لِلَّهِ تَعالى: ﴿سُبْحانَكَ﴾ تَنْزِيهًا وتَعْظِيمًا لَكَ وبَراءَةً لَكَ مِنَ السُّوءِ. ﴿ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ هَذا نَفْيٌ يُعَضِّدُهُ دَلِيلُ العَقْلِ، فَيَمْتَنِعُ عَقْلًا ادِّعاءُ بَشَرٍ مُحْدَثٍ الأُلُوهِيَّةَ، و(بِحَقٍّ) خَبَرُ (لَيْسَ) أيْ لَيْسَ مُسْتَحَقًّا، وأجازُوا في (لِي) (p-٥٩)أنْ يَكُونَ تَبْيِينًا وأنْ يَكُونَ صِلَةً صِفَةً لِقَوْلِهِ (بِحَقٍّ) لِي تَقَدَّمَ، فَصارَ حالًا؛ أيْ بِحَقٍّ لِي، ويَظْهَرُ أنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِحَقٍّ؛ لِأنَّ الباءَ زائِدَةٌ، (وحَقٍّ) بِمَعْنى مُسْتَحَقٍّ؛ أيْ ما لَيْسَ مُسْتَحَقًّا. وأجازَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ الكَلامُ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ما لَيْسَ لِي﴾ وجَعَلَ (بِحَقٍّ) مُتَعَلِّقًا بِعِلْمِيَّتِهِ الَّذِي هو جَوابُ الشَّرْطِ. ورُدَّ ذَلِكَ بِادِّعاءِ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ فِيما ظاهِرُهُ خِلافُ ذَلِكَ، ولا يُصارُ إلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، إلّا لِمَعْنًى يَقْتَضِي ذَلِكَ، أوْ بِتَوْقِيفٍ، أوْ فِيما لا يُمْكِنُ فِيهِ إلّا ذَلِكَ انْتَهى هَذا القَوْلُ ورَدُّهُ. ويَمْتَنِعُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِعِلْمِيَّتِهِ؛ لِأنَّهُ لا يَتَقَدَّمُ عَلى الشَّرْطِ شَيْءٌ مِن مَعْمُولاتِ فِعْلِ الشَّرْطِ، ولا مِن مَعْمُولاتِ جَوابِهِ. ووَقَفَ نافِعٌ وغَيْرُهُ مِنَ القُرّاءِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿بِحَقٍّ﴾ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . ﴿إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: هَذا مَقامُ خُضُوعٍ وتَواضُعٍ، فَقُدِّمَ ناسِخُ نَفْيِ القَوْلِ عَنْهُ، ولَمْ يَقُلْ ما قُلْتُهُ، بَلْ فَوَّضَ ذَلِكَ إلى عِلْمِهِ المُحِيطِ بِالكُلِّ، وهَذِهِ مُبالَغَةٌ في الأدَبِ، وفي إظْهارِ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ في حَضْرَةِ الجَلالِ، وتَفْوِيضِ الأمْرِ بِالكُلِّيَّةِ إلى الحَقِّ سُبْحانَهُ انْتَهى. وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ خَصَّ النَّفْسَ لِأنَّها مَظِنَّةُ الكَتْمِ والِانْطِواءِ عَلى المَعْلُوماتِ. قِيلَ: المَعْنى: تَعْلَمُ ما أُخْفِي، ولا أعْلَمُ ما تُخْفِي. وقِيلَ: تَعْلَمُ ما عِنْدِي، ولا أعْلَمُ ما عِنْدَكَ. وقِيلَ: تَعْلَمُ سِرِّيَ، ولا أعْلَمُ سِرَّكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَعْلَمُ مَعْلُومِي، ولا أعْلَمُ مَعْلُومَكَ، وأتى بِقَوْلِهِ: ﴿ما في نَفْسِكَ﴾ عَلى جِهَةِ المُقابَلَةِ والتَّشاكُلِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ما في نَفْسِي﴾ فَهو شَبِيهٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] . ومَن زَعَمَ أنَّ النَّفْسَ تُطْلَقُ عَلى ذاتِ الشَّيْءِ وحَقِيقَتِهِ، كانَ المَعْنى عِنْدَهُ تَعْلَمُ كُنْهَ ذاتِي، ولا أعْلَمُ كُنْهَ ذاتِكَ، وقَدِ اسْتَدَلَّتِ المُجَسِّمَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ قالُوا: النَّفْسُ هي الشَّخْصُ، وذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَهُ جِسْمًا، تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا. ﴿إنَّكَ أنْتَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١٠٩] هَذا تَقْرِيرٌ لِلْجُمْلَتَيْنِ مَعًا؛ لِأنَّ ما انْطَوَتْ عَلَيْهِ النُّفُوسُ مِن جُمْلَةِ الغُيُوبِ؛ ولِأنَّ ما يَعْلَمُهُ ﴿عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١٠٩] لا يَنْتَهِي إلَيْهِ أحَدٌ، فَإذا كُنْتَ أنْتَ المُخْتَصَّ بِعِلْمِ الغَيْبِ، فَلا عِلْمَ لِي بِالغَيْبِ، فَكَيْفَ تَكُونُ لِي الأُلُوهِيَّةُ ؟ وخَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَقّاهُ اللَّهُ ﴿سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ الآيَةَ كُلَّها. قالَ أبُو عِيسى: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

المائدة 5:117

﴿ما قُلْتُ لَهم إلّا ما أمَرْتَنِي بِهِ أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ أخْبَرَ أنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ أمْرَ اللَّهِ في أنْ أمَرَ بِعِبادَتِهِ، وأقَرَّ بِرُبُوبِيَّتِهِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ بَراءَةٌ مِمّا ادَّعَوْهُ فِيهِ، وفي الإنْجِيلِ قالَ (p-٦٠)يا مَعاشِرَ بَنِي المَعْمُودِيَّةِ ؟ قُومُوا بِنا إلى أبِي وأبِيكم، وإلَهِي وإلَهِكم، ومُخَلِّصِي ومُخَلِّصِكم. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: كانَ الأصْلُ أنْ يُقالَ: ما أمَرْتُهم إلّا ما أمَرْتَنِي بِهِ، إلّا أنَّهُ وضَعَ القَوْلَ مَوْضِعَ الأمْرِ؛ نُزُولًا عَلى مُوجِبِ الأدَبِ. وقالَ الحَسَنُ: إنَّما عَدَلَ لِئَلّا يَجْعَلَ نَفْسَهُ ورَبَّهُ آمِرِينَ مَعًا، ودَلَّ عَلى أنَّ الأصْلَ ما ذَكَرَ (أنْ) المُفَسِّرَةُ انْتَهى. قالَ الحَوْفِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ: (وأنْ) في (أنِ اعْبُدُوا) مُفَسِّرَةٌ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (ما)، وصَحَّ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ في بِهِ، زادَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّهُ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ خَفْضٍ عَلى تَقْدِيرِهِ: . ﴿أنِ اعْبُدُوا﴾، وأجازَ أبُو البَقاءِ الجَرَّ عَلى البَدَلِ مِنَ الهاءِ، والرَّفْعَ عَلى إضْمارِ (هو)، والنَّصْبَ عَلى إضْمارِ (أعْنِي)، أوْ بَدَلًا مِن مَوْضِعِ (بِهِ) . قالَ: ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى (أنْ) المُفَسِّرَةِ؛ لِأنَّ القَوْلَ قَدْ صُرِّحَ بِهِ، و(أنْ) لا تَكُونُ مَعَ التَّصْرِيحِ بِالقَوْلِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (أنْ) في قَوْلِهِ: ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ إنْ جَعَلْتَها مُفَسِّرَةً لَمْ يَكُنْ لَها بُدٌّ مِن مُفَسَّرٍ، والمُفَسَّرُ إمّا فِعْلُ القَوْلِ، وإمّا فِعْلُ الأمْرِ، وكِلاهُما لا وجْهَ لَهُ؛ أمّا فِعْلُ القَوْلِ، فَيُحْكى بَعْدَهُ الكَلامُ مِن غَيْرِ أنْ يُوَسَّطَ بَيْنَهُما حَرْفُ التَّفْسِيرِ، لا تَقُولُ: ما قُلْتُ لَهم إلّا (p-٦١)﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾، ولَكِنْ ما قَلْتُ لَهم إلّا اعْبُدُوا اللَّهَ، وأمّا فِعْلُ الأمْرِ، فَمُسْنَدٌ إلى ضَمِيرِ اللَّهِ تَعالى، فَلَوْ فَسَّرْتَهُ بِاعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكم، لَمْ يَسْتَقِمْ؛ لِأنَّ اللَّهَ لا يَقُولُ: اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكم، وإنْ جَعَلْتَها مَوْصُولَةً بِالفِعْلِ، لَمْ يَخْلُ مِن أنْ تَكُونَ بَدَلًا مِن ما أمَرْتَنِي بِهِ، أوْ مِنَ الهاءِ في بِهِ، وكِلاهُما غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ؛ لِأنَّ البَدَلَ هو الَّذِي يَقُومُ مَقامَ المُبَدَّلِ مِنهُ، ولا يُقالُ ما قُلْتُ لَهم إلّا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ، بِمَعْنى ما قُلْتُ لَهم إلّا عِبادَتَهُ؛ لِأنَّ العِبادَةَ لا تُقالُ، وكَذَلِكَ إذا جَعَلْتَهُ بَدَلًا مِنَ الهاءِ؛ لِأنَّكَ لَوْ أقَمْتَ ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ لَمْ يَصِحَّ لِبَقاءِ المَوْصُولِ بِغَيْرِ راجِعٍ إلَيْهِ مِن صِلَتِهِ. فَإنْ قُلْتَ: فَكَيْفَ تَصْنَعُ ؟ قُلْتُ: يُحْمَلُ فِعْلُ القَوْلِ عَلى مَعْناهُ؛ لِأنَّ مَعْنى ﴿ما قُلْتُ لَهم إلّا ما أمَرْتَنِي بِهِ﴾ ما أمَرْتُهم إلّا بِما أمَرْتَنِي بِهِ حَتّى يَسْتَقِيمَ تَفْسِيرُهُ بِـ ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً عَطْفًا عَلى بَيانِ الهاءِ، لا بَدَلًا انْتَهى. وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. أمّا قَوْلُهُ: وأمّا فِعْلُ الأمْرِ إلى آخِرِ المَنعِ، وقَوْلُهُ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى، لا يَقُولُ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكم، فَإنَّما لَمْ يَسْتَقِمْ؛ لِأنَّهُ جَعَلَ الجُمْلَةَ وما بَعْدَها مَضْمُومَةً إلى فِعْلِ الأمْرِ، ويَسْتَقِيمُ أنْ يَكُونَ فِعْلُ الأمْرِ مُفَسَّرًا بِقَوْلِهِ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾، ويَكُونُ ﴿رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ مِن كَلامِ عِيسى، عَلى إضْمارِ أعْنِي؛ أيْ أعْنِي رَبِّي ورَبَّكم، لا عَلى الصِّفَةِ الَّتِي فَهِمَها الزَّمَخْشَرِيُّ فَلَمْ يَسْتَقِمْ ذَلِكَ عِنْدَهُ. وأمّا قَوْلُهُ: لِأنَّ العِبادَةَ لا تُقالُ، فَصَحِيحٌ، لَكِنَّ ذَلِكَ يَصِحُّ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ ما قُلْتُ لَهم إلّا القَوْلَ الَّذِي أمَرْتَنِي بِهِ، قَوْلَ عِبادَةِ اللَّهِ؛ أيِ القَوْلَ المُتَضَمِّنَ عِبادَةَ اللَّهِ. وأمّا قَوْلُهُ لِبَقاءِ المَوْصُولِ بِغَيْرِ راجِعٍ إلَيْهِ مِن صِلَتِهِ، فَلا يَلْزَمُ في كُلِّ بَدَلٍ أنْ يَحِلَّ مَحَلَّ المُبْدَلِ مِنهُ، ألا تَرى إلى تَجْوِيزِ النَّحْوِيِّينَ: زَيْدٌ مَرَرْتُ بِهِ أبِي عَبْدِ اللَّهِ، ولَوْ قُلْتَ: زَيْدٌ مَرَرْتُ بِأبِي عَبْدِ اللَّهِ، لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ عِنْدَهم، إلّا عَلى رَأْيِ الأخْفَشِ. وأمّا قَوْلُهُ عَطْفًا عَلى بَيانِ الهاءِ، فَهَذا فِيهِ بُعْدٌ؛ لِأنَّ عَطْفَ البَيانِ أكْثَرُهُ بِالجَوامِدِ الأعْلامِ، وما اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وجَوَّزَهُ غَيْرُهُ مِن كَوْنِ (أنْ) مُفَسِّرَةً، لا يَصِحُّ لِأنَّها جاءَتْ بَعْدَ (إلّا)، وكُلُّ ما كانَ بَعْدَ (إلّا) المُسْتَثْنى بِها، فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ لَهُ مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ، (وأنْ) التَّفْسِيرِيَّةُ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وانْظُرْ إلى ما تَضَمَّنَتْ مُحاوَرَةُ عِيسى، وجَوابُهُ مَعَ اللَّهِ تَعالى، لَمّا قَرَعَ سَمْعَهُ ما لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ، نَزَّهَ اللَّهَ تَعالى، وبَرَّأهُ مِنَ السُّوءِ، ومِن أنْ يَكُونَ مَعَهُ شَرِيكٌ، ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ أنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَقُولَ ما لَيْسَ لَهُ بِحَقٍّ، فَأتى بِنَفْيِ لَفْظٍ عامٍّ، وهو لَفْظُ (ما) المُنْدَرِجُ تَحْتَهُ كُلُّ قَوْلٍ لَيْسَ بِحَقٍّ، حَتّى هَذا القَوْلِ المُعَيَّنِ، ثُمَّ تَبَرَّأ تَبَرُّءًا ثالِثًا، وهو إحالَةُ ذَلِكَ عَلى عِلْمِهِ تَعالى، وتَفْوِيضُ ذَلِكَ إلَيْهِ، وعِيسى يَعْلَمُ أنَّهُ ما قالَهُ، ثُمَّ لَمّا أحالَ عَلى العِلْمِ، أثْبَتَ عِلْمَ اللَّهِ بِهِ، ونَفى عِلْمَهُ بِما هو لِلَّهِ. وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَهْجِسَ ذَلِكَ في خاطِرِي، فَضْلًا عَنْ أنْ أفُوهَ بِهِ وأقُولَهُ، فَصارَ مَجْمُوعُ ذَلِكَ نَفْيَ هَذا القَوْلِ، ونَفْيَ أنْ يَهْجِسَ في النَّفْسِ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِأنَّهُ تَعالى مُسْتَأْثِرٌ بِعِلْمِ الغَيْبِ، ثُمَّ لَمّا نَزَّهَ اللَّهَ تَعالى، وانْتَفى عَنْهُ قَوْلُ ذَلِكَ، وأنْ يَخْطُرَ ذَلِكَ في نَفْسِهِ، انْتَقَلَ إلى ما قالَهُ لَهم، فَأتى بِهِ مَحْصُورًا بِـ (إلّا)، مَعْذُوقًا بِأنَّهُ هو الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ أنْ يُبَلِّغَهم عَنْهُ. ﴿وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾ أيْ رَقِيبًا، كالشّاهِدِ عَلى المَشْهُودِ عَلَيْهِ أمْنَعُهم مِن قَوْلِ ذَلِكَ، وأنْ يَتَدَيَّنُوا بِهِ، وأتى بِصِيغَةِ فَعِيلٍ لِلْمُبالَغَةِ كَثِيرُ الحِفْظِ عَلَيْهِمْ، والمُلازَمَةِ لَهم، (وما) ظَرْفِيَّةٌ، (ودامَ) تامَّةٌ أيْ ما بَقِيتُ فِيهِمْ؛ أيْ شَهِيدًا في الدُّنْيا. ﴿فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ قِيلَ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَوَفّاهُ وفاةَ المَوْتِ قَبْلَ أنْ يَرْفَعَهُ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ الأخْبارَ تَظافَرَتْ بِرَفْعِهِ حَيًّا، وأنَّهُ في السَّماءِ حَيٌّ، وأنَّهُ يَنْزِلُ ويَقْتُلُ الدَّجّالَ، ومَعْنى ﴿تَوَفَّيْتَنِي﴾ قَبَضْتَنِي إلَيْكَ، بِالرَّفْعِ. وقالَ الحَسَنُ: الوَفاةُ وفاةُ المَوْتِ، ووَفاةُ النَّوْمِ، ووَفاةُ الرَّفْعِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وأنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ تَمْنَعُهم مِنَ القَوْلِ بِهِ بِما نَصَبْتَ لَهم مِنَ الأدِلَّةِ، وأنْزَلْتَ عَلَيْهِمْ مِنَ البَيِّناتِ، وأرْسَلْتَ إلَيْهِمُ الرُّسُلَ انْتَهى. وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ.

المائدة 5:118

﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿فَإنَّهم عِبادُكَ﴾ والَّذِينَ عَذَّبْتَهم جاحِدِينَ لِآياتِكَ (p-٦٢)مُكَذِّبِينَ لِأنْبِيائِكَ، وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ القَوِيُّ عَلى الثَّوابِ والعِقابِ، الحَكِيمُ الَّذِي لا يُثِيبُ ولا يُعاقِبُ إلّا عَنْ حِكْمَةٍ وصَوابٍ. فَإنْ قُلْتَ: المَغْفِرَةُ لا تَكُونُ لِلْكُفّارِ، فَكَيْفَ قالَ: ﴿وإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ ؟ قُلْتُ: ما قالَ: إنَّكَ تَغْفِرُ لَهم، ولَكِنَّهُ بَنى الكَلامَ عَلى أنْ يُقالَ: إنْ عَذَّبْتَهم عَدَلْتَ؛ لِأنَّهم أحِقّاءُ بِالعَذابِ، وإنْ غَفَرْتَ لَهم مَعَ كُفْرِهِمْ، لَمْ تَعْدَمْ في المَغْفِرَةِ وجْهَ حِكْمَةٍ؛ لِأنَّ المَغْفِرَةَ حَسَنَةٌ لِكُلِّ مُجْرِمٍ في المَعْقُولِ، بَلْ مَتى كانَ المُجْرِمُ أعْظَمَ جُرْمًا، كانَ العَفْوُ عَنْهُ أحْسَنَ. وهَذا مِنَ الزَّمَخْشَرِيِّ مَيْلٌ إلى مَذاهِبِ أهْلِ السُّنَّةِ، فَإنَّ غُفْرانَ الكُفْرِ جائِزٌ عِنْدَهم، وعِنْدَ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ مِنَ المُعْتَزِلَةِ عَقْلًا، قالُوا: لِأنَّ العِقابَ حَقٌّ لِلَّهِ عَلى الذَّنْبِ، وفي إسْقاطِ مَنفَعَةٍ، ولَيْسَ في إسْقاطِهِ عَلى اللَّهِ مَضَرَّةٌ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ حَسَنًا، ودَلَّ الدَّلِيلُ السَّمْعِيُّ في شَرْعِنا عَلى أنَّهُ لا يَقَعُ، فَلَعَلَّ هَذا الدَّلِيلَ السَّمْعِيَّ، ما كانَ مَوْجُودًا في شَرْعِ عِيسى، عَلَيْهِ السَّلامُ انْتَهى كَلامُ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ مِنَ المُعْتَزِلَةِ. وقالَ أهْلُ السُّنَّةِ: مَقْصُودُ عِيسى تَفْوِيضُ الأُمُورِ كُلِّها إلى اللَّهِ تَعالى، وتَرْكُ الِاعْتِراضِ بِالكُلِّيَّةِ، ولِذَلِكَ خَتَمَ الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ أيْ قادِرٌ عَلى ما تُرِيدُ في كُلِّ ما تَفْعَلُ، لا اعْتِراضَ عَلَيْكَ. وقِيلَ: لَمّا قالَ لِعِيسى: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦] الآيَةَ، عُلِمَ أنَّ قَوْمًا مِنَ النَّصارى حَكَوْا هَذا الكَلامَ عَنْهُ، والحاكِي هَذا الكُفْرَ، لا يَكُونُ كافِرًا، بَلْ مُذْنِبًا حَيْثُ كَذَبَ، وغُفْرانُ الذَّنْبِ جائِزٌ، فَلِهَذا قالَ: ﴿وإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ . وقِيلَ: كانَ عِنْدَ عِيسى أنَّهم أحْدَثُوا المَعاصِيَ، وعَمِلُوا بَعْدَهُ بِما لَمْ يَأْمُرْهم بِهِ، إلّا أنَّهم عَلى عَمُودِ دِينِهِ، فَقالَ: ﴿وإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ ما أحْدَثُوا بَعْدِي مِنَ المَعاصِي، وهَذا يَتَوَجَّهُ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ قَوْلَ اللَّهِ لَهُ ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦] كانَ وقْتَ الرَّفْعِ؛ لِأنَّهُ قالَ ذَلِكَ، وهم أحْياءٌ لا يَدْرِي ما يَمُوتُونَ عَلَيْهِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (تُعَذِّبُهم) عائِدٌ عَلى مَن ماتَ كافِرًا، وفي ﴿وإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى مَن تابَ مِنهم قَبْلَ المَوْتِ. وقِيلَ: قالَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الِاسْتِعْطافِ لَهم، والرَّأْفَةِ بِهِمْ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّ الكُفّارَ لا يُغْفَرُ لَهم، ولِهَذا لَمْ يَقُلْ: لِأنَّهم عَصَوْكَ ؟ انْتَهى. وهَذا فِيهِ بُعْدٌ؛ لِأنَّ الِاسْتِعْطافَ، لا يَحْسُنُ إلّا لِمَن يُرْجى لَهُ العَفْوُ والتَّخْفِيفُ، والكُفّارُ لا يُرْجى لَهم ذَلِكَ. والَّذِي أخْتارُهُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ؛ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ ياعِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦] قَوْلٌ قَدْ صَدَرَ، ومَعْنًى يَعْطِفُهُ عَلى ما صَدَرَ ومَضى، ومَجِيئُهُ بِـ (إذْ) الَّتِي هي ظَرْفٌ لِما مَضى، ويُقالُ الَّتِي هي حَقِيقَةٌ في الماضِي، فَجَمِيعُ ما جاءَ في هَذِهِ الآياتِ مِن (إذْ) قالَ: هو مَحْمُولٌ عَلى أصْلِ وضْعِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ، فَقَوْلُ عِيسى: ﴿وإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾، فَعَبَّرَ بِالسَّبَبِ عَنِ المُسَبَّبِ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّ الغُفْرانَ مُرَتَّبٌ عَلى التَّوْبَةِ، وإذا كانَ هَذا القَوْلُ في غَيْرِ وقْتِ الآخِرَةِ، كانُوا في مَعْرِضِ أنْ يَرِدَ فِيهِمُ التَّعْذِيبُ أوِ المَغْفِرَةُ النّاشِئَةُ عَنِ التَّوْبَةِ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ أنَّهُ جَوابُ الشَّرْطِ، والمَعْنى فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الَّذِي لا يَمْتَنِعُ عَلَيْكَ ما تُرِيدُهُ، الحَكِيمُ فِيما تَفْعَلُهُ، تُضِلُّ مَن تَشاءُ، وتَهْدِي مَن تَشاءُ. وقَرَأتْ جَماعَةٌ فَإنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، عَلى ما يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ: ﴿وإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ . قالَ عِياضُ بْنُ مُوسى: لَيْسَتْ مِنَ المُصْحَفِ. وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ الأنْبارِيِّ: وقَدْ طَعَنَ عَلى القُرْآنِ مَن قالَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ لا يُناسِبُ قَوْلَهُ: وإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ؛ لِأنَّ المُناسِبَ؛ فَإنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ. والجَوابُ: أنَّهُ لا يُحْتَمَلُ إلّا ما أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى، ومَتى نُقِلَ إلى ما قالَ هَذا الطّاعِنُ ضَعُفَ مَعْناهُ، فَإنَّهُ يَنْفَرِدُ الغَفُورُ الرَّحِيمُ بِالشَّرْطِ الثّانِي، ولا يَكُونُ لَهُ بِالشَّرْطِ الأوَّلِ تَعَلُّقٌ، وهو ما أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى، وأجْمَعَ عَلى قِراءَتِهِ المُسْلِمُونَ، مَعْذُوقٌ بِالشَّرْطَيْنِ كِلَيْهِما، أوَّلِهِما وآخِرِهِما، إذْ تَلْخِيصُهُ؛ إنْ تُعَذِّبْهم فَأنْتَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَأنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ، في الأمْرَيْنِ كِلاهُما مِنَ التَّعْذِيبِ، والغُفْرانِ، فَكانَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ألْيَقَ بِهَذا المَكانِ؛ لِعُمُومِهِ، وأنَّهُ يَجْمَعُ الشَّرْطَيْنِ، ولَمْ يَصْلُحِ الغَفُورُ الرَّحِيمُ أنْ يَحْتَمِلَ ما احْتَمَلَهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ انْتَهى. وأمّا قَوْلُ مَن ذَهَبَ (p-٦٣)إلى أنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، تَقْدِيرُهُ: إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ، وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّهم عِبادُكَ، فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وهو قَوْلُ مَنِ اجْتَرَأ عَلى كِتابِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ. رَوى النَّسائِيُّ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «قامَ النَّبِيُّ ﷺ حَتّى أصْبَحَ بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾» .

المائدة 5:119

﴿قالَ اللَّهُ هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿هَذا يَوْمُ﴾، بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ هَذا مُبْتَدَأٌ، و(يَوْمُ) خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ مَحْكِيَّةٌ بِـ (قالَ)، وهي في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِهِ لِـ (قالَ) أيْ هَذا الوَقْتُ وقْتُ نَفْعِ الصّادِقِينَ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى صِدْقِ عِيسى، عَلَيْهِ السَّلامُ. وقَرَأ نافِعٌ (هَذا يَوْمَ) بِفَتْحِ المِيمِ. وخَرَّجَهُ الكُوفِيُّونَ عَلى أنَّهُ مَبْنِيٌّ خَبَرٌ لِهَذا، وبُنِيَ لِإضافَتِهِ إلى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ، وهم لا يَشْتَرِطُونَ كَوْنَ الفِعْلِ مَبْنِيًّا في بِناءِ الظَّرْفِ المُضافِ إلى الجُمْلَةِ، فَعَلى قَوْلِهِمْ تَتَّحِدُ القِراءَتانِ في المَعْنى. وقالَ البَصْرِيُّونَ: شَرْطُ هَذا البِناءِ إذا أُضِيفَ الظَّرْفُ إلى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ، أنْ يَكُونَ مُصَدَّرًا بِفِعْلٍ مَبْنِيٍّ؛ لِأنَّهُ لا يَسْرِي إلَيْهِ البِناءُ، إلّا مِنَ المَبْنِيِّ الَّذِي أُضِيفَ إلَيْهِ. والمَسْألَةُ مُقَرَّرَةٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، فَعَلى قَوْلِ البَصْرِيِّينَ: هو مُعْرَبٌ لا مَبْنِيٌّ، وخُرِّجَ نَصْبُهُ عَلى وجْهَيْنِ ذَكَرَهُما الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ؛ أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِـ (قالَ)، وهَذا إشارَةٌ إلى المَصْدَرِ، فَيَكُونُ مَنصُوبًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ؛ أيْ قالَ اللَّهُ هَذا القَوْلَ، أوْ إشارَةٌ إلى الخَبَرِ، أوِ القَصَصِ، كَقَوْلِكَ: قالَ زَيْدٌ شِعْرًا، أوْ قالَ زَيْدٌ خُطْبَةً، فَيَكُونُ إشارَةً إلى مَضْمُونِ الجُمْلَةِ. واخْتُلِفَ في نَصْبِهِ، أهْوَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، أوْ يَنْتَصِبُ مَفْعُولًا بِهِ ؟ فَعَلى هَذا الخِلافِ يَنْتَصِبُ إذا كانَ إشارَةً إلى الخَبَرِ، أوِ القَصَصِ، نَصْبَ المَصْدَرِ، أوْ نَصْبَ المَفْعُولِ بِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وانْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِ. وتَقْدِيرُهُ ﴿قالَ اللَّهُ هَذا﴾ القَصَصَ، أوِ الخَبَرَ ﴿يَوْمُ يَنْفَعُ﴾ مَعْنًى يُزِيلُ وصْفَ الآيَةِ، وبَهاءَ اللَّفْظِ والمَعْنى، والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ ظَرْفًا خَبَرَ (هَذا)، (وهَذا) مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ، والتَّقْدِيرُ هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ مِن كَلامِ عِيسى واقِعٌ يَوْمَ يَنْفَعُ، ويَكُونُ هَذا يَوْمَ يَنْفَعُ، جُمْلَةً مَحْكِيَّةً بِـ (قالَ) . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَرَأ الأعْمَشُ يَوْمًا يَنْفَعُ، بِالتَّنْوِينِ، كَقَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي﴾ [البقرة: ٤٨] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ عَيّاشٍ الشّامِيُّ ﴿هَذا يَوْمُ﴾ بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿صِدْقُهُمْ﴾ بِالرَّفْعِ فاعِلُ (يَنْفَعُ)، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ، وخُرِّجَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ؛ أيْ لِصِدْقِهِمْ، أوْ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ؛ أيْ بِصِدْقِهِمْ، أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ؛ أيِ الَّذِينَ يَصْدُقُونَ صِدْقَهَمْ، أوْ مَفْعُولٌ بِهِ؛ أيْ يَصْدُقُونَ الصِّدْقَ، كَما تَقُولُ: صَدَقْتُهُ القِتالَ، والمَعْنى يُحَقِّقُونَ الصِّدْقَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: إنْ أُرِيدَ صِدْقُهم في الآخِرَةِ، فَلَيْسَتْ بِدارِ عَمَلٍ، وإنْ أُرِيدَ في الدُّنْيا، فَلَيْسَ بِمُطابِقٍ لِما ورَدَ فِيهِ، لِأنَّهُ في مَعْنى الشَّهادَةِ لِعِيسى، عَلَيْهِ السَّلامُ، بِالصِّدْقِ فِيما يُجِيبُ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، قُلْتُ: مَعْناهُ الصِّدْقُ المُسْتَمِرُّ بِالصّادِقِينَ في دُنْياهم وآخِرَتِهِمُ انْتَهى. وهَذا بِناءً عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ هَذا القَوْلَ يَكُونُ مِنَ اللَّهِ تَعالى في الآخِرَةِ، وقَدِ اتَّبَعَ الزَّمَخْشَرِيَّ الزَّجّاجُ في قَوْلِهِ: هَذا حَقِيقَتُهُ الحِكايَةُ، ومَعْنى ﴿يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ الَّذِي كانَ في الدُّنْيا يَنْفَعُهم في القِيامَةِ، لِأنَّ الآخِرَةَ لَيْسَتْ بِدارِ عَمَلٍ، ولا يَنْفَعُ أحَدًا فِيها ما قالَ، وإنْ حَسُنَ، ولَوْ صَدَقَ الكافِرُ، وأقَرَّ بِما عَمِلَ، فَقالَ: كَفَرْتُ، وأسَأْتُ ما نَفَعَهُ، وإنَّما الصّادِقُ الَّذِي يَنْفَعُهُ صِدْقُهُ الَّذِي كانَ فِيهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّهُ ابْتِداءُ كَلامٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى. وقالَ السُّدِّيُّ: هَذا فَصْلٌ مِن كَلامِ عِيسى، عَلَيْهِ السَّلامُ، أيْ: يَقُولُ عِيسى يَوْمَ القِيامَةِ: قالَ اللَّهُ تَعالى، واخْتُلِفَ في هَذا اليَوْمِ، فَقِيلَ: يَوْمُ القِيامَةِ، كَما ذَكَرْناهُ، وخُصَّ بِالذِّكْرِ، لِأنَّهُ يَوْمُ الجَزاءِ الَّذِي فِيهِ تُجْبى ثَمَراتُ الصِّدْقِ الدّائِمَةِ الكامِلَةِ، وإلّا فالصِّدْقُ يَنْفَعُ في كُلِّ يَوْمٍ، وكُلِّ وقْتٍ. وقِيلَ: هو يَوْمٌ مِن أيّامِ الدُّنْيا، فَإنَّ العَمَلَ لا يَنْفَعُ إلّا إذا كانَ في الدُّنْيا. والصّادِقُونَ هُنا النَّبِيُّونَ، وصِدْقُهم تَبْلِيغُهم، أوِ المُؤْمِنُونَ، وصِدْقُهم إخْلاصُهم في إيمانِهِمْ، أوْ صِدْقُ عُهُودِهِمْ، أوْ صِدْقُهم في العَمَلِ لِلَّهِ تَعالى، أوْ صِدْقُهم تَرْكُهُمُ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ، وعَلى رُسُلِهِ، أوْ صِدْقُهم في الآخِرَةِ في الشَّهادَةِ (p-٦٤)لِأنْبِيائِهِمْ بِالبَلاغِ، أوْ شَهِدُوا بِهِ عَلى أنْفُسِهِمْ مِن أعْمالِهِمْ، ويَكُونُ وجْهُ النَّفْعِ فِيهِ أنْ يُكْفَوُا المُؤاخَذَةَ بِتَرْكِهِمْ كَتْمَ الشَّهادَةِ، فَيُغْفَرَ لَهم بِإقْرارِهِمْ لِأنْبِيائِهِمْ وعَلى أنْفُسِهِمْ، أقْوالٌ سِتَّةٌ، والظّاهِرُ العُمُومُ، فَكُلُّ صادِقٍ يَنْفَعُهُ صِدْقُهُ. ﴿لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ هَذا كَأنَّهُ جَوابُ سائِلٍ ما لَهم جَزاءٌ عَلى الصِّدْقِ ؟ فَقِيلَ: لَهم جَنّاتٌ. ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ إشارَةٌ إلى تَأْبِيدِ الدَّيْمُومِيَّةِ في الجَنَّةِ. ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ﴾، قِيلَ: بِقَبُولِ حَسَناتِهِمْ، ورَضُوا عَنْهُ بِما آتاهم مِنَ الكَرامَةِ. وقِيلَ: بِطاعَتِهِمْ، ورَضُوا عَنْهُ في الآخِرَةِ بِثَوابِهِ. وقالَ التِّرْمِذِيُّ: بِصِدْقِهِمْ، ورَضُوا عَنْهُ بِوَفاءِ حَقِّهِمْ. وقِيلَ: في الدُّنْيا، ورَضُوا عَنْهُ في الآخِرَةِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: في قَوْلِهِ ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ هو إشارَةٌ إلى التَّعْظِيمِ، هَذا عَلى ظاهِرِ قَوْلِ المُتَكَلِّمِينَ، وأمّا عِنْدَ أصْحابِ الأرْواحِ المُشْرِقَةِ بِأنْوارِ جَلالِ اللَّهِ تَعالى فَتَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ﴾ أسْرارٌ عَجِيبَةٌ لا تَسْمَحُ الأقْلامُ بِمِثْلِها، جَعَلْنا اللَّهُ مِن أهْلِها انْتَهى، وهو كَلامٌ عَجِيبٌ شَبِيهٌ بِكَلامِ أهْلِ الفَلْسَفَةِ والتَّصَوُّفِ. ﴿ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن كَيْنُونَةِ الجَنَّةِ لَهم عَلى التَّأْبِيدِ، وإلى رِضْوانِ اللَّهِ عَنْهُمْ؛ لِأنَّ الجَنَّةَ بِما فِيها كالعَدَمِ بِالنِّسْبَةِ إلى رِضْوانِ اللَّهِ، وثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «يَطَّلِعُ اللَّهُ عَلى أهْلِ الجَنَّةِ، فَيَقُولُ: يا أهْلَ الجَنَّةِ هَلْ رَضِيتُمْ ؟ فَيَقُولُونَ: يا رَبَّنا، وكَيْفَ لا نَرْضى، وقَدْ بَعَّدْتَنا عَنْ نارِكَ، وأدْخَلْتَنا جَنَّتَكَ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ولَكم عِنْدِي أفْضَلُ مِن ذَلِكَ، فَيَقُولُونَ: وما أفْضَلُ مِن ذَلِكَ ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: أُحِلُّ عَلَيْكم رِضْوانِي، فَلا أسْخَطُ عَلَيْكم بَعْدَها أبَدًا» .

المائدة 5:120

﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . لَمّا ادَّعَتِ النَّصارى في عِيسى وأُمِّهِ الأُلُوهِيَّةَ، اقْتَضَتِ الدَّعْوى أنْ يَكُونا مالِكَيْنِ قادِرَيْنِ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِمّا يُقالُ يَوْمَ القِيامَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَقْطُوعًا مِن ذَلِكَ مُخاطَبًا بِهِ مُحَمَّدًا ﷺ، وأُمَّتَهُ انْتَهى. وقِيلَ: هَذا جَوابُ سائِلٍ مَن يُعْطِيهِمْ ﴿ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [المائدة: ١١٩] فَقِيلَ: الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما في السَّماواتِ والأرْضِ العُقَلاءُ وغَيْرُهم، فَهَلْ غَلَّبَ العُقَلاءَ، فَقِيلَ: ومَن فِيهِنَّ، قُلْتُ: (ما) تَتَناوَلُ الأجْناسَ كُلَّها تَناوُلًا عامًّا، ألا تَراكَ تَقُولُ: إذا رَأيْتَ شَبَحًا مِن بَعِيدٍ ما هو قَبْلَ أنْ تَعْرِفَ أعاقِلٌ هو أمْ غَيْرُ عاقِلٍ ؟ فَكانَ أوْلى بِإرادَةِ العُمُومِ انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: غُلِّبَ غَيْرُ العُقَلاءِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ كُلَّ المَخْلُوقاتِ مُسَخَّرِينَ في قَبْضَةِ قَهْرِهِ وقَدَرِهِ وقَضائِهِ وقُدْرَتِهِ، وهم في ذَلِكَ التَّسْخِيرِ كالجَماداتِ الَّتِي لا قُدْرَةَ لَها، وكالبَهائِمِ الَّتِي لا عَقْلَ لَها، فَعِلْمُ الكُلِّ بِالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِهِ كَلا عِلْمٍ، وقُدْرَةُ الكُلِّ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِهِ كَلا قُدْرَةٍ. وقالَ أيْضًا: مُفْتَتَحُ السُّورَةِ، (p-٦٥)كانَ بِذِكْرِ العَهْدِ المُنْعَقِدِ بَيْنَ الرُّبُوبِيَّةِ، والعُبُودِيَّةِ، فَيُشْرَعُ العَبْدُ في العُبُودِيَّةِ، ويَنْتَهِي إلى الفَناءِ المَحْضِ عَنْ نَفْسِهِ بِالكُلِّيَّةِ، فالأوَّلُ هو الشَّرِيعَةُ، وهو البِدايَةُ، والآخَرُ هو الحَقِيقَةُ، وهو النِّهايَةُ، فَمُفْتَتَحُ السُّورَةِ مِنَ الشَّرِيعَةِ، ومُخْتَتَمُها بِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وكِبْرِيائِهِ تَعالى وعِزَّتِهِ وقَهْرِهِ وعُلُّوِهِ، وذَلِكَ هو الوُصُولُ إلى مَقامِ الحَقِيقَةِ، فَما أحْسَنَ المُناسَبَةَ بَيْنَ ذَلِكَ المُفْتَتَحِ وهَذا المُخْتَتَمِ انْتَهى كَلامُهُ. ولَيْسَتِ الحَقِيقَةُ والشَّرِيعَةُ والتَّمْيِيزُ بَيْنَهُما، لا مِن كَلامِ الصَّحابَةِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، ولا مِن كَلامِ التّابِعِينَ، وإنَّما ذَلِكَ مِن ألْفاظِ الصُّوفِيَّةِ واصْطِلاحاتِهِمْ، ولَهم في ذَلِكَ كَلامٌ طَوِيلٌ، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.

الأنعام 6:1

سُورَةُ الأنْعامِ مِائَةٌ وسِتٌّ وسَبْعُونَ آيَةً مَكِّيَّةٌ، أوْ مَدَنِيَّةٌ ﷽ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ ثُمَّ قَضى أجَلًا وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢] ﴿وهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكم ويَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ٣] ﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ [الأنعام: ٤] ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأنعام: ٥] ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكم وأرْسَلْنا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا وجَعَلْنا الأنْهارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأهْلَكْناهم بِذُنُوبِهِمْ وأنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ [الأنعام: ٦] ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأنعام: ٧] ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ [الأنعام: ٨] ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩] ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأنعام: ١٠] ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ [الأنعام: ١١] . الطِّينُ: مَعْرُوفٌ يُقالُ مِنهُ طانَ الكَتّانَ يَطِينُهُ وطِنْهُ يا هَذا. القَرْنُ: الأُمَّةُ المُقْتَرِنَةُ في مُدَّةٍ مِنَ الزَّمانِ، ومِنهُ خَيْرُ القُرُونِ قَرْنِي، وأصْلُهُ الِارْتِفاعُ عَنِ الشَّيْءِ، ومِنهُ قَرْنُ الجَبَلِ، فَسُمُّوا بِذَلِكَ لِارْتِفاعِ السِّنِّ. وقِيلَ: هو مِن قَرَنْتُ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ؛ جَعَلْتُهُ بِجانِبِهِ، أوْ مُواجِهًا لَهُ، فَسُمُّوا بِذَلِكَ لِكَوْنِ بَعْضِهِمْ يُقْرَنُ بِبَعْضٍ. وقِيلَ: سُمُّوا بِذَلِكَ لِأنَّهم جَمَعَهم زَمانٌ لَهُ مِقْدارٌ، هو أكْثَرُ ما يُقْرَنُ فِيهِ أهْلُ ذَلِكَ الزَّمانِ، وهو اخْتِيارُ الزَّجّاجِ. ومُدَّةُ القَرْنِ مِائَةٌ وعِشْرُونَ سَنَةً، قالَهُ زُرارَةُ بْنُ أوْفى وإياسُ بْنُ مُعاوِيَةَ، أوْ مِائَةُ سَنَةٍ، قالَهُ الجُمْهُورُ، وقَدِ احْتَجُّوا لِذَلِكَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرٍ: «تَعِيشُ قَرْنًا، فَعاشَ مِائَةً، وقالَ: أرَأيْتَكم لَيْلَتَكم هَذِهِ، فَإنَّ عَلى رَأْسِ مِائَةٍ لا يَبْقى مِمَّنْ هو اليَوْمَ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ أحَدٌ» . قالَ ابْنُ عُمَرَ يُؤَيِّدُ أنَّها انْحِزامُ ذَلِكَ القَرْنِ، أوْ ثَمانُونَ سَنَةً، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوْ سَبْعُونَ سَنَةً، حَكاهُ الفَرّاءُ، أوْ سِتُّونَ سَنَةً، لِقَوْلِهِ، عَلَيْهِ السَّلامُ: «مُعْتَرَكُ المَنايا ما بَيْنَ السِّتِّينَ إلى السَّبْعِينَ، أوْ أرْبَعُونَ» . قالَهُ ابْنُ سِيرِينَ، ورَفَعَهُ إلى النَّبِيِّ ﷺ، وكَذا حَكاهُ الزَّهْراوِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أوْ ثَلاثُونَ. رُوِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّهُ قالَ: يَرَوْنَ أنَّ ما بَيْنَ القَرْنَيْنِ ثَلاثُونَ، وحَكاهُ النَّقّاشُ، أوْ عِشْرُونَ، حَكاهُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ، أوْ ثَمانِيَةَ عَشَرَ عامًا، أوِ المِقْدارُ الوَسَطُ في أعْمارِ أهْلِ ذَلِكَ الزَّمانِ، وهَذا حَسَنٌ؛ لِأنَّ الأُمَمَ السّالِفَةَ كانَ فِيهِمْ مَن يَعِيشُ أرْبَعَمِائَةِ عامٍ وثَلاثَمِائَةٍ، وما بَقِيَ عامٌّ، وما فَوْقَ ذَلِكَ، وما دُونَهُ. وهَكَذا الِاخْتِلافُ الإسْلامِيُّ، واللَّهُ أعْلَمُ، كَأنَّهُ نَظَرَ إلى الطَّرَفِ الأقْصى، والطَّرَفِ الأدْنى، فَمَن نَظَرَ إلى الغايَةِ قالَ: مِنَ السِّتِّينَ فَما فَوْقَها إلى مِائَةٍ وعِشْرِينَ، (p-٦٦)ومَن نَظَرَ إلى الأدْنى قالَ: عِشْرُونَ وثَلاثُونَ وأرْبَعُونَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: القَرْنُ أنْ يَكُونَ وفاةُ الأشْياخِ، ثُمَّ وِلادَةُ الأطْفالِ، ويَظْهَرُ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وأنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ [الأنعام: ٦]، وهَذِهِ يُشِيرُ ابْنُ عَطِيَّةَ إلى مَن حَدَّدَ بِأرْبَعِينَ فَما دُونَها طَبَقاتٌ، ولَيْسَتْ بِقُرُونٍ. وقِيلَ: القَرْنُ القَوْمُ المُجْتَمِعُونَ، قُلْتُ: السُّنُونَ، أوْ كَثُرَتْ؛ لِقَوْلِهِ: خَيْرُ القُرُونِ قَرْنِي، يَعْنِي أصْحابَهُ؛ وقالَ قُسٌّ: ؎فِي الذّاهِبِينَ الأوَّلِينَ مِنَ القُرُونِ لَنا بَصائِرُ وقالَ آخَرُ: ؎إذا ذَهَبَ القَوْمُ الَّذِي كُنْتَ فِيهِمْ ∗∗∗ وخُلِّفْتَ في قَوْمٍ فَأنْتَ غَرِيبُ وقِيلَ: القَرْنُ الزَّمانُ نَفْسُهُ، فَيُقَدَّرُ قَوْلُهُ مِن قَرْنٍ مِن أهْلِ قَرْنٍ. التَّمَكُّنُ ضِدُّ التَّعَذُّرِ، والتَّمْكِينُ مِنَ الشَّيْءِ ما يَصِحُّ بِهِ الفِعْلُ مِنَ الآياتِ والقُوى، وهو أتَمُّ مِنَ الأقْدارِ؛ لِأنَّ الأقْدارَ إعْطاءُ القُدْرَةِ خاصَّةً، والقادِرُ عَلى الشَّيْءِ، قَدْ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ الفِعْلُ؛ لِعَدَمِ الآلَةِ. وقِيلَ: التَّمْكِينُ مِنَ الشَّيْءِ: إزالَةُ الحائِلِ بَيْنَ المُتَمَكِّنِ والمُمْكَنِ مِنهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَكَّنَ لَهُ في الأرْضِ: جَعَلَ لَهُ مَكانًا، ونَحْوُهُ أرْضٌ لَهُ، وتَمْكِينُهُ في الأرْضِ: إثْباتُهُ فِيها. المِدْرارُ: المُتَتابِعُ، يُقالُ: مَطَرٌ مِدْرارٌ، وعَطاءٌ مِدْرارٌ، وهو في المَطَرِ أكْثَرُ، ومِدْرارٌ مِفْعالٌ مِنَ الدَّرِّ لِلْمُبالَغَةِ، كَمِذْكارٍ ومِئْناثٍ ومِهْذارٍ لِلْكَثِيرِ ذَلِكَ مِنهُ. الإنْشاءُ: الخَلْقُ والإحْداثُ مِن غَيْرِ سَبَبٍ، وكُلُّ مَنِ ابْتَدَأ شَيْئًا، فَقَدْ أنْشَأهُ، والنَّشَأُ الأحْداثُ، واحِدُهم ناشِئٌ، كَقَوْلِكَ: خادِمٌ وخَدَمٌ. القِرْطاسُ: اسْمٌ لِما يُكْتَبُ عَلَيْهِ مِن رَقِّ ووَرَقٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ؛ قالَ الشّاعِرُ، وهو زُهَيْرٌ: ؎لَها أخادِيدُ مِن آثارِ ساكِنِها ∗∗∗ كَما تَرَدَّدَ في قِرْطاسِهِ القَلَمُ ولا يُسَمّى قِرْطاسًا، إلّا إذا كانَ مَكْتُوبًا، وإنْ لَمْ يَكُنْ مَكْتُوبًا، فَهو طِرْسٌ، وكاغَدٌ، ووَرَقٌ، وكَسْرُ القافِ أكْثَرُ اسْتِعْمالًا، وأشْهَرُ مِن ضَمِّها، وهو أعْجَمِيٌّ، وجَمْعُهُ قَراطِيسُ. حاقَ يَحِيقُ حَيْقًا وحُيُوقًا وحَيَقانًا؛ أيْ: أحاطَ، قالَهُ الضَّحّاكُ: ولا يُسْتَعْمَلُ، إلّا في الشَّرِّ. قالَ الشّاعِرُ: ؎فَأوْطَأ جَرْدَ الخَيْلِ عُقْرَ دِيارِهِمْ ∗∗∗ وحاقَ بِهِمْ مِن بَأْسِ ضَبِّهِ حائِقُ وقالَ الفَرّاءُ: حاقَ بِهِ عادَ عَلَيْهِ وبالُ مَكْرِهِ. وقالَ النَّضْرُ: وجَبَ عَلَيْهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: دارَ. وقِيلَ: حَلَّ ونَزَلَ، ومَن جَعَلَهُ مُشْتَقًّا مِنَ الحَوْقِ، وهو ما اسْتَدارَ بِالشَّيْءِ، فَلَيْسَ قَوْلُهُ بِصَحِيحٍ، لِاخْتِلافِ المادَّتَيْنِ، وكَذَلِكَ مَن قالَ: أصْلُهُ حَقَّ، فَأُبْدِلَتِ القافُ الواحِدَةُ ياءً، كَما قالُوا: في تَظَنَّنْتُ: تَظَنَّيْتُ؛ لِأنَّها دَعْوى لا دَلِيلَ عَلى صِحَّتِها. سَخِرَ مِنهُ: هَزَأ بِهِ والسُّخْرِيَةُ والِاسْتِهْزاءُ والتَّهَكُّمُ مَعْناها مُتَقارِبٌ. عاقِبَةُ الشَّيْءِ: مُنْتَهاهُ وما آلَ إلَيْهِ. ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ كُلُّها. وقالَ الكِسائِيُّ: إلّا آيَتَيْنِ نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ؛ وهُما ﴿قُلْ مَن أنْزَلَ (p-٦٧)الكِتابَ﴾ [الأنعام: ٩١] وما يَرْتَبِطُ بِها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ لَيْلًا بِمَكَّةَ حَوْلَها سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ يَجْأرُونَ بِالتَّسْبِيحِ، إلّا سِتَّ آياتٍ: ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ﴾ [الأنعام: ١٥١]، ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ﴾ [الأنعام: ٩١]، ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى﴾ [الأنعام: ٩٣]، ﴿ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٩٣]، ﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١١٤]، ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ﴾ [الأنعام: ٢٠] . انْتَهى. وعَنْهُ أيْضًا وعَنْ مُجاهِدٍ والكَلْبِيِّ إلّا ثَلاثَ آياتٍ مِنها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ﴾ [الأنعام: ١٥١]، إلى قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] . وقالَ قَتادَةُ: إلّا ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١]، ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ﴾ [الأنعام: ١٤١] . وذَكَرَ ابْنُ العَرَبِيِّ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قُلْ لا أجِدُ﴾ [الأنعام: ١٤٥] نَزَلَ بِمَكَّةَ يَوْمَ عَرَفَةَ. ومُناسَبَةُ افْتِتاحِ هَذِهِ السُّورَةِ لِآخِرِ المائِدَةِ؛ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ما قالَتْهُ النَّصارى في عِيسى وأُمِّهِ مِن كَوْنِهِما إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ، وجَرَتْ تِلْكَ المُحاوَرَةُ، وذَكَرَ ثَوابَ ما لِلصّادِقِينَ، وأعْقَبَ ذَلِكَ بِأنَّ لَهُ مُلْكَ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ، وأنَّهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، ذَكَرَ بِأنَّ الحَمْدَ لَهُ المُسْتَغْرِقَ جَمِيعَ المَحامِدِ، فَلا يُمْكِنُ أنْ يَثْبُتَ مَعَهُ شَرِيكٌ في الأُلُوهِيَّةِ، فَيُحْمَدَ، ثُمَّ نَبَّهَ عَلى العِلَّةِ المُقْتَضِيَةِ لِجَمِيعِ المَحامِدِ، والمُقْتَضِيَةِ كَوْنَ مُلْكِ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ لَهُ بِوَصْفِ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ لِأنَّ المُوجِدَ لِلشَّيْءِ المُنْفَرِدَ بِاخْتِراعِهِ لَهُ الِاسْتِيلاءُ والسَّلْطَنَةُ عَلَيْهِ، ولَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهم في عِيسى، وكُفْرُهم بِذَلِكَ، وذِكْرُ الصّادِقِينَ وجَزاءُهم، أعْقَبَ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾، بِجْعَلِ الظُّلُماتِ والنُّورِ )، فَكانَ ذَلِكَ مُناسِبًا لِلْكافِرِ والصّادِقِ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ في أوَّلِ الفاتِحَةِ، وتَفْسِيرُ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤] في البَقَرَةِ. وجَعَلَ هُنا، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لا يَجُوزُ غَيْرُ ذَلِكَ، وتَأمَّلْ لِمَ خُصَّتِ السَّماواتُ والأرْضُ بِـ (خَلَقَ)، والظُّلُماتُ والنُّورُ بِـ (جَعَلَ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (جَعَلَ) يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، إذا كانَ (p-٦٨)بِمَعْنى أحْدَثَ وأنْشَأ، كَقَوْلِهِ: (جَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ)، وإلى مَفْعُولَيْنِ، إذا كانَ بِمَعْنى صَيَّرَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ [الزخرف: ١٩] . والفَرْقُ بَيْنَ الخَلْقِ والجَعْلِ؛ أنَّ الخَلْقَ فِيهِ مَعْنى التَّقْدِيرِ، وفي الجَعْلِ مَعْنى التَّصْيِيرِ، كَإنْشاءٍ مِن شَيْءٍ، أوْ تَصْيِيرِ شَيْءٍ شَيْئًا، أوْ نَقْلِهِ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ، ومِن ذَلِكَ ﴿وجَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ [الأعراف: ١٨٩]، ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ لِأنَّ الظُّلُماتِ مِنَ الأجْرامِ المُتَكاثِفَةِ، والنُّورَ مِنَ النّارِ. ﴿جَعَلَكم أزْواجًا﴾ [فاطر: ١١]، ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾ [ص: ٥] انْتَهى. وما ذَكَرَهُ مِن أنَّ (جَعَلَ) بِمَعْنى صَيَّرَ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ﴾ [الزخرف: ١٩] لا يَصِحُّ لِأنَّهم لَمْ يُصَيِّرُوهم إناثًا، وإنَّما قالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: إنَّها بِمَعْنى سَمّى، وقَوْلُ الطَّبَرِيِّ (جَعَلَ) هُنا هي الَّتِي تَتَصَرَّفُ في طَرَفِ الكَلامِ، كَما تَقُولُ: جَعَلْتُ أفْعَلُ كَذا، فَكَأنَّهُ قالَ: وجَعْلُ إظْلامِها وإنارَتِها تَخْلِيطٌ؛ لِأنَّ تِلْكَ مِن أفْعالِ المُقارَبَةِ تَدْخُلُ عَلى المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، وهَذِهِ الَّتِي في الآيَةِ، تَعَدَّتْ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، فَهُما مُتَبايِنانِ مَعْنًى واسْتِعْمالًا، وناسَبَ عَطْفُ الصِّلَةِ الثّانِيَةِ بِمُتَعَلِّقِها مِن جَمْعِ الظُّلُماتِ وإفْرادِ النُّورِ عَلى الصِّلَةِ الأُولى، المُتَعَلِّقَةِ بِجَمْعِ السَّماواتِ، وإفْرادِ الأرْضِ. وتَقَدَّمَ في البَقَرَةِ الكَلامُ عَلى جَمْعِ السَّماواتِ، وإفْرادِ الأرْضِ، وجَمْعِ الظُّلُماتِ، وإفْرادِ النُّورِ، واخْتُلِفَ في المُرادِ هُنا بِـ ﴿الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ فَقالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ والجُمْهُورُ: اللَّيْلُ والنَّهارُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الشِّرْكُ والنِّفاقُ والكُفْرُ، والنُّورُ الإسْلامُ والإيمانُ والنُّبُوَّةُ واليَقِينُ. وقالَ الحَسَنُ: الكُفْرُ والإيمانُ، وهو تَلْخِيصُ قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، واسْتَدَلَّ لِهَذا بِآيَةِ البَقَرَةِ. وقالَ قَتادَةُ أيْضًا: الجَنَّةُ والنّارُ، خَلَقَ الجَنَّةَ وأرْواحَ المُؤْمِنِينَ مِن نُورٍ، والنّارَ وأرْواحَ الكافِرِينَ مِن ظُلْمَةٍ، فَيَوْمُ القِيامَةِ يُحْكَمُ لِأرْواحِ المُؤْمِنِينَ بِالجَنَّةِ؛ لِأنَّهم مِنَ النُّورِ خُلِقُوا، ولِلْكافِرِينَ بِالنّارِ؛ لِأنَّهم مِنَ الظُّلْمَةِ خُلِقُوا. وقِيلَ: الأجْسادُ والأرْواحُ، وقِيلَ: شَهَواتُ النُّفُوسِ وأسْرارُ القُلُوبِ. وقِيلَ: الجَهْلُ والعِلْمُ. وقالَ مُجاهِدٌ: المُرادُ حَقِيقَةُ الظُّلْمَةِ والنُّورِ؛ لِأنَّ الزَّنادِقَةَ كانَتْ تَقُولُ: اللَّهُ يَخْلُقُ الضَّوْءَ وكُلَّ شَيْءٍ حَسَنٍ، وإبْلِيسُ يَخْلُقُ الظُّلْمَةَ وكُلَّ شَيْءٍ قَبِيحٍ، فَأُنْزِلَتْ رَدًّا عَلَيْهِمْ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: فِيهِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: أنَّهُما الأمْرانِ المَحْسُوسانِ، وهَذا هو الحَقِيقَةُ، والثّانِي: ما نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ قَبْلُ، وهو مَجازٌ. وقالَ الواحِدِيُّ: يُحْمَلُ عَلى الحَقِيقَةِ والمَجازِ مَعًا، لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَيْهِما انْتَهى مُلَخَّصًا. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: لَيْسَتِ الظُّلْمَةُ عِبارَةً عَنْ كَيْفِيَّةٍ وُجُودِيَّةٍ مُضادَّةٍ لِلنُّورِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ إذا جَلَسَ اثْنانِ بِقُرْبِ السِّراجِ، وآخَرُ بِالبُعْدِ مِنهُ، فالبَعِيدُ يَرى القَرِيبَ، ويَرى ذَلِكَ الهَواءَ صافِيًا مُضِيئًا، والقَرِيبُ لا يَرى البَعِيدَ، ويَرى ذَلِكَ الهَواءَ مُظْلِمًا، فَلَوْ كانَتِ الظُّلْمَةُ كَيْفِيَّةً وُجُودِيَّةً، لَكانَتْ حاصِلَةً بِالنِّسْبَةِ إلى هَذَيْنِ الشَّخْصَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، وحَيْثُ لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ، عَلِمْنا أنَّ الظُّلْمَةَ لَيْسَتْ كَيْفِيَّةً وُجُودِيَّةً، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ فَنَقُولُ: عَدَمُ المُحْدَثاتِ مُتَقَدِّمٌ عَلى وُجُودِها، فالظُّلْمَةُ مُتَقَدِّمَةٌ في التَّحْقِيقِ عَلى النُّورِ، فَوَجَبَ تَقْدِيمُها عَلَيْهِ في اللَّفْظِ. ومِمّا يُقَوِّي ذَلِكَ ما رُوِيَ في الأخْبارِ الإلَهِيَّةِ؛ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الخَلْقَ في ظُلْمَةٍ، ثُمَّ رَشَّ عَلَيْهِمْ مِن نُورِهِ. ورَوى ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أنَّهُ قالَ: «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ خَلْقَهُ في ظُلْمَةٍ، ثُمَّ ألْقى عَلَيْهِمُ النُّورَ، فَمَن أصابَهُ يَوْمَئِذٍ مِن ذَلِكَ النُّورِ، اهْتَدى، ومَن أخْطَأ ضَلَّ» انْتَهى. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أبِي الفَضْلِ: قَوْلُهُ في الظُّلْمَةِ خَطَأٌ، بَلْ هي عِبارَةٌ عَنْ كَيْفِيَّةٍ وُجُودِيَّةٍ. مُضادَّةٍ لِلنُّورِ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ والعَدَمُ لا يُقالُ فِيهِ جَعَلَ (ثُمَّ) كَما تَقَرَّرَ في اللِّسانِ العَرَبِيِّ، أصْلُها لِلْمُهْلَةِ في الزَّمانِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (ثُمَّ) دالَّةٌ عَلى قُبْحِ فِعِلِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لِأنَّ المَعْنى: أنَّ خَلْقَهُ السَّماواتِ والأرْضَ وغَيْرَها، قَدْ تَقَرَّرَ، وآياتِهِ قَدْ سَطَعَتْ، وإنْعامَهُ بِذَلِكَ (p-٦٩)قَدْ تَبَيَّنَ، ثُمَّ بَعْدَ هَذا كُلِّهِ قَدْ عَدَلُوا بِرَبِّهِمْ، فَهَذا كَما تَقُولُ: يا فُلانُ أعْطَيْتُكَ وأكْرَمْتُكَ وأحْسَنْتُ إلَيْكَ، ثُمَّ تَشْتُمُنِي أيْ: بَعْدَ وُضُوحِ هَذا كُلِّهِ. ولَوْ وقَعَ العَطْفُ في هَذا ونَحْوِهِ بِالواوِ، لَمْ يَلْزَمِ التَّوْبِيخُ، كَلُزُومِهِ بِـ (ثُمَّ) انْتَهى. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: فَما مَعْنى (ثُمَّ) قُلْتُ: اسْتِبْعادُ أنْ يَعْدِلُوا بِهِ بَعْدَ وُضُوحِ آياتِ قُدْرَتِهِ، وكَذَلِكَ ﴿ثُمَّ أنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢] اسْتِبْعادُ لِأنْ تَمْتَرُوا فِيهِ بَعْدَ ما ثَبَتَ أنَّهُ مُحْيِيهِمْ ومُمِيتُهم وباعِثُهُمُ انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ عَطِيَّةَ مِن أنَّ (ثُمَّ) لِلتَّوْبِيخِ، والزَّمَخْشَرِيُّ مِن أنَّ (ثُمَّ) لِلِاسْتِبْعادِ، لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأنَّ (ثُمَّ) لَمْ تُوضَعْ لِذَلِكَ، وإنَّما التَّوْبِيخُ أوِ الِاسْتِبْعادُ مَفْهُومٌ مِن سِياقِ الكَلامِ، لا مِن مَدْلُولِ (ثُمَّ)، ولا أعْلَمُ أحَدًا مِنَ النَّحْوِيِّينَ ذَكَرَ ذَلِكَ، بَلْ (ثُمَّ) هُنا لِلْمُهْلَةِ في الزَّمانِ، وهي عاطِفَةٌ جُمْلَةً اسْمِيَّةً عَلى جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ، أخْبَرَ تَعالى بِأنَّ الحَمْدَ لَهُ، ونَبَّهَ عَلى العِلَّةِ المُقْتَضِيَةِ لِلْحَمْدِ مِن جَمِيعِ النّاسِ، وهي خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ، والظُّلُماتِ والنُّورِ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ الكافِرِينَ بِهِ يَعْدِلُونَ فَلا يَحْمَدُونَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: عَلامَ عُطِفَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ . قُلْتُ: إمّا عَلى قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ عَلى مَعْنى أنَّ اللَّهَ حَقِيقٌ بِالحَمْدِ عَلى ما خَلَقَ؛ لِأنَّهُ ما خَلَقَهُ إلّا نِعْمَةً ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ فَيَكْفُرُونَ نِعَمَهُ، وإمّا عَلى قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ عَلى مَعْنى أنَّهُ خَلَقَ ما خَلَقَ مِمّا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أحَدٌ سِواهُ، ثُمَّ هم يَعْدِلُونَ بِهِ ما لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِنهُ انْتَهى. وهَذا الوَجْهُ الثّانِي الَّذِي جَوَّزَهُ، لا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ إذْ ذاكَ يَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى الصِّلَةِ، والمَعْطُوفُ عَلى الصِّلَةِ صِلَةٌ، فَلَوْ جَعَلْتَ الجُمْلَةَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ صِلَةً لَمْ يَصِحَّ هَذا التَّرْكِيبُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ فِيها رابِطٌ يَرْبُطُ الصِّلَةَ بِالمَوْصُولِ، إلّا إنْ خُرِّجَ عَلى قَوْلِهِمْ أبُو سَعِيدٍ الَّذِي رَوَيْتُ عَنِ الخُدْرِيِّ؛ يُرِيدُ رَوَيْتُ عَنْهُ، فَيَكُونُ الظّاهِرُ قَدْ وقَعَ مَوْقِعَ المُضْمَرِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ يَعْدِلُونَ)، وهَذا مِنَ النُّدُورِ بِحَيْثُ لا يُقاسُ عَلَيْهِ، ولا يَجْمُلُ كِتابُ اللَّهِ عَلَيْهِ مَعَ تَرْجِيحِ حَمْلِهِ عَلى التَّرْكِيبِ الصَّحِيحِ الفَصِيحِ. (والَّذِينَ كَفَرُوا) الظّاهِرُ فِيهِ العُمُومُ، فَيَنْدَرِجُ فِيهِ عَبْدَةُ الأصْنامِ، وأهْلُ الكِتابِ، عَبَدَتِ النَّصارى المَسِيحَ، واليَهُودُ عُزَيْرًا، واتَّخَذُوا أحْبارَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ، والمَجُوسُ عَبَدُوا النّارَ، والمانَوِيَّةُ عَبَدُوا النُّورَ، ومَن خَصَّصَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالمانَوِيَّةِ، كَقَتادَةَ أوْ بِعَبَدَةِ الأصْنامِ أوْ بِالمَجُوسِ، حَيْثُ قالُوا: المَوْتُ مِن أهْرَمَن، والحَياةُ مِنَ اللَّهِ، أوْ بِأهْلِ الكِتابِ كابْنِ أبِي أبْزى، فَلا يَظْهَرُ لَهُ دَلِيلٌ عَلى التَّخْصِيصِ، والباءُ في (بِرَبِّهِمْ) يُحْتَمَلُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِـ (يَعْدِلُونَ)، وتَكُونُ الباءُ بِمَعْنى (عَنْ) أيْ يَعْدِلُونَ عَنْهُ إلى غَيْرِهِ، مِمّا لا يَخْلُقُ ولا يَقْدِرُ، أوْ يَكُونُ المَعْنى يَعْدِلُونَ بِهِ غَيْرَهُ؛ أيْ يُسَوُّونَ بِهِ غَيْرَهُ في اتِّخاذِهِ رَبًّا وإلَهًا، وفي الخَلْقِ، والإيجادِ. وعَدْلُ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ؛ التَّسْوِيَةُ بِهِ. وفي الآيَةِ رَدٌّ عَلى القَدَرِيَّةِ في قَوْلِهِمْ: الخَيْرُ مِنَ اللَّهِ، والشَّرُّ مِنَ الإنْسانِ، فَعَدَلُوا بِهِ غَيْرَهُ في الخَلْقِ والإيجادِ. ﴿هو الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ﴾ [الأنعام: ٢] ظاهِرُهُ أنّا مَخْلُوقُونَ مِن طِينٍ، وذَكَرَ ذَلِكَ المَهْدَوِيُّ ومَكِّيُّ والزَّهْراوِيُّ، عَنْ فِرْقَةٍ، فالنُّطْفَةُ الَّتِي يُخْلَقُ مِنها الإنْسانُ أصْلُها ﴿مِن طِينٍ﴾ [الأنعام: ٢]، ثُمَّ يَقْلِبُها اللَّهُ نُطْفَةً. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا يَتَرَتَّبُ عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ: يَرْجِعُ بَعْدَ التَّوَلُّدِ والِاسْتَحالاتِ الكَثِيرَةِ نُطْفَةً، وذَلِكَ مَرْدُودٌ عِنْدَ الأُصُولِيِّينَ انْتَهى. وقالَ النَّحّاسُ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ النُّطْفَةُ خَلَقَها اللَّهُ ﴿مِن طِينٍ﴾ [الأنعام: ٢] عَلى الحَقِيقَةِ، ثُمَّ قَلَبَها حَتّى كانَ الإنْسانُ مِنها انْتَهى. وقَدْ رَوى أبُو نُعَيْمٍ الحافِظُ عَنْ بُرَيْدَةَ بْنِ مَسْعُودٍ حَدِيثًا في الخَلْقِ آخِرُهُ: ”ويَأْخُذُ التُّرابَ الَّذِي يُدْفَنُ في بُقْعَتِهِ، ويَعْجِنُ بِهِ نُطْفَتَهُ“، فَذَلِكَ قَوْلُهُ (p-٧٠)تَعالى: ﴿مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكُمْ﴾ [طه: ٥٥] الآيَةَ. وخُرِّجَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما مِن مَوْلُودٍ يُولَدُ إلّا وقَدْ دَرَّ عَلَيْهِ مِن تُرابِ حُفْرَتِهِ» . وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ ما مُلَخَّصُهُ: وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّ الإنْسانَ مَخْلُوقٌ مِنَ المَنِيِّ، ومِن دَمِ الطَّمْثِ المُتَوَلِّدَيْنِ مِنَ الأغْذِيَةِ، والأغْذِيَةُ حَيَوانِيَّةٌ. والقَوْلُ في كَيْفِيَّةِ تَوَلُّدِها كالقَوْلِ في الإنْسانِ، أوْ نَباتِيَّةٌ، فَثَبَتَ تَوَلُّدُ الإنْسانِ مِنَ النَّباتِيَّةِ، وهي مُتَوَلِّدَةٌ (مِنَ الطِّينِ) فَكُلُّ إنْسانٍ مُتَوَلِّدٌ. (مِنَ الطِّينِ) وهَذا الوَجْهُ أقْرَبُ إلى الصَّوابِ انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَ أنَّهُ عِنْدَهُ وجْهٌ آخَرُ، وهو أقْرَبُ إلى الصَّوابِ هو بَسْطُ ما حَكاهُ المُفَسِّرُونَ عَنْ فِرْقَةٍ. وقالَ فِيهِ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو مَرْدُودٌ عِنْدَ الأُصُولِيِّينَ؛ يَعْنِي القَوْلَ: بِالتَّوالُدِ والِاسْتَحالاتِ، والَّذِي هو مَشْهُورٌ عِنْدَ المُفَسِّرِينَ أنَّ المَخْلُوقَ (مِنَ الطِّينِ) هُنا هو آدَمُ. قالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ وغَيْرُهم: المَعْنى خُلِقَ آدَمُ (مِن طِينٍ)، والبَشَرُ مِن آدَمَ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿خَلَقَكم مِن طِينٍ﴾ [الأنعام: ٢] . وذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ في الطَّبَقاتِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «النّاسُ ولَدُ آدَمَ، وآدَمُ مِن تُرابٍ» . وقالَ بَعْضُ شُعَراءِ الجاهِلِيَّةِ: ؎وإلى عِرْقِ الثَّرى وشَجَتْ عُرُوقِي ∗∗∗ وهَذا المَوْتُ يَسْلِبُنِي شَبابِي وفَسَّرَهُ الشُّرّاحُ بِأنَّ عِرْقَ الثَّرى، هو آدَمُ، فَعَلى هَذا يَكُونُ التَّأْوِيلُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، إمّا في (خَلَقَكم) أيْ خَلَقَ أصْلَكم، وإمّا في (مِن طِينٍ) أيْ مِن عِرْقِ طِينٍ وفَرْعِهِ.

الأنعام 6:2

﴿ثُمَّ قَضى أجَلًا وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾، (قَضى)، إنْ كانَتْ هُنا بِمَعْنى قَدَّرَ وكَتَبَ، كانَتْ (ثُمَّ) هُنا لِلتَّرْتِيبِ في الذِّكْرِ، لا في الزَّمانِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ سابِقٌ عَلى خَلْقِنا، إذْ هي صِفَةُ ذاتٍ، وإنْ كانَتْ بِمَعْنى (أظْهَرَ)، كانَتْ لِلتَّرْتِيبِ الزَّمانِيِّ عَلى أصْلِ وضْعِها؛ لِأنَّ ذَلِكَ مُتَأخِّرٌ عَنْ خَلْقِنا، فَهي صِفَةُ فِعْلٍ. والظّاهِرُ مِن تَنْكِيرِ الأجَلَيْنِ، أنَّهُ تَعالى أبْهَمَ أمْرَهُما. وقالَ الحَسَنُ: ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ وخَصِيفٌ وقَتادَةُ: الأوَّلُ أجَلُ الدُّنْيا مِن وقْتِ الخَلْقِ إلى المَوْتِ، والثّانِي أجَلُ الآخِرَةِ؛ لِأنَّ الحَياةَ في الآخِرَةِ، لا انْقِضاءَ لَها، ولا يَعْلَمُ كَيْفِيَّةَ الحالِ في هَذا الأجَلِ، إلّا اللَّهُ تَعالى. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الأوَّلَ، هو وفاتُهُ بِالنَّوْمِ، والثّانِي بِالمَوْتِ. وقالَ أيْضًا: الأوَّلُ أجَلُ الدُّنْيا، والثّانِي الآخِرَةُ. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: الأوَّلُ الآخِرَةُ، والثّانِي الدُّنْيا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الأوَّلُ، هو في وقْتِ أخْذِ المِيثاقِ عَلى بَنِي آدَمَ حِينَ اسْتَخْرَجَهم مِن ظَهْرِ آدَمَ، والمُسَمّى في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: الأوَّلُ أجَلُ الماضِينَ، والثّانِي أجَلُ الباقِينَ، ووَصَفَهُ بِأنَّهُ مُسَمًّى عِنْدَهُ؛ لِأنَّهُ تَعالى مُخْتَصٌّ بِهِ بِخِلافِ الماضِينَ، فَإنَّهم لَمّا ماتُوا عُلِمَتْ آجالُهم. وقِيلَ: الأوَّلُ ما بَيْنَ أنْ يُخْلَقَ إلى أنْ يَمُوتَ، والثّانِي ما بَيْنَ المَوْتِ والبَعْثِ، وهو البَرْزَخُ. وقِيلَ: الأوَّلُ مِقْدارُ ما انْقَضى مِن عُمْرِ كُلِّ إنْسانٍ، والثّانِي مِقْدارُ ما بَقِيَ. وقِيلَ: الأوَّلُ أجَلُ الأُمَمِ السّالِفَةِ، والثّانِي أجَلُ هَذِهِ الأُمَّةِ. وقِيلَ: الأوَّلُ ما عَلِمْناهُ أنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ﷺ، (p-٧١)والثّانِي مِنَ الآخِرَةِ. وقِيلَ: الأوَّلُ ما عَرَفَ النّاسُ مِن آجالِ الأهِلَّةِ والسِّنِينَ والكَوائِنِ، والثّانِي قِيامُ السّاعَةِ. وقِيلَ: الأوَّلُ مِن أوْقاتِ الأهِلَّةِ وما أشْبَهَها، والثّانِي مَوْتُ الإنْسانِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ أيْضًا ﴿قَضى أجَلًا﴾ بِانْقِضاءِ الدُّنْيا، والثّانِي لِابْتِداءِ الآخِرَةِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: لِكُلِّ أحَدٍ أجَلانِ، فَإنْ كانَ تَقِيًّا وصُوَلًا لِلرَّحِمِ، زِيدَ لَهُ مِن أجَلِ البَعْثِ في أجَلِ العُمْرِ، وإنْ كانَ بِالعَكْسِ، نُقِصَ مِن أجَلِ العُمْرِ، وزِيدَ في أجَلِ البَعْثِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: لِكُلِّ إنْسانٍ أجَلانِ الطَّبِيعِيُّ والِاخْتَرامِيُّ. فالطَّبِيعِيُّ؛ هو الَّذِي لَوْ بَقِيَ ذَلِكَ المِزاجُ مَصُونًا عَنِ العَوارِضِ الخارِجَةِ، لانْتَهَتْ مُدَّةُ بَقائِهِ إلى الأوْقاتِ الفَلَكِيَّةِ. والِاخْتَرامِيُّ؛ هو الَّذِي يَحْصُلُ بِسَبَبِ الأسْبابِ الخارِجِيَّةِ، كالحَرْقِ والغَرَقِ، ولَدْغِ الحَشَراتِ وغَيْرِها مِنَ الأُمُورِ المُنْفَصِلَةِ انْتَهى. وهَذا قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ، وهو نَقَلَهُ عَنْهم وقالَ: هَذا قَوْلُ حُكَماءِ الإسْلامِ انْتَهى. ومَعْنى ﴿مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ مَعْلُومٌ عِنْدَهُ، أوْ مَذْكُورٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وعِنْدَهُ مَجازٌ عَنْ عِلْمِهِ، ولا يُرادُ بِهِ المَكانُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: المُبْتَدَأُ النَّكِرَةُ إذا كانَ خَبَرُهُ ظَرْفًا، وجَبَ تَقْدِيمُهُ فَلَمّا جازَ تَقْدِيمُهُ في قَوْلِهِ: ﴿وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ . قُلْتُ: لِأنَّهُ تَخْصِيصٌ بِالصِّفَةِ فَقارَبَ المَعْرِفَةَ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكٍ﴾ [البقرة: ٢٢١] انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ مِن مُسَوِّغِ الِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ؛ لِكَوْنِها وُصِفَتْ لا يَتَعَيَّنُ هُنا أنْ يَكُونَ هو المُسَوِّغَ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُسَوِّغُ هو التَّفْصِيلَ؛ لِأنَّ مِن مُسَوِّغاتِ الِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ، أنْ يَكُونَ المَوْضِعُ مَوْضِعَ تَفْصِيلٍ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ؎إذا ما بَكى مِن خَلْفِها انْحَرَفَتْ لَهُ بِشِقٍّ وشِقٌّ عِنْدَنا لَمْ يُحَوَّلِ وقَدْ سَبَقَ كَلامُنا عَلى هَذا البَيْتِ، وبَيَّنّا أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِنْدَنا في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، بَلْ يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الخَبَرِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: الكَلامُ السّائِرُ أنْ يُقالَ: عِنْدِي ثَوْبٌ جَيِّدٌ، ولِي عَبْدٌ كَيِّسٌ، وما أشْبَهَ ذَلِكَ. قُلْتُ: أوْجَبَهُ أنَّ المَعْنى وأيُّ (أجَلٍ مُسَمًّى عِنْدَهُ) تَعْظِيمًا لِشَأْنِ السّاعَةِ، فَلَمّا جَرى فِيهِ هَذا المَعْنى، وجَبَ التَّقْدِيمُ انْتَهى. وهَذا لا يَجُوزُ لِأنَّهُ إذا كانَ التَّقْدِيرُ وأيُّ (أجَلٍ مُسَمًّى عِنْدَهُ)، كانَتْ أيٌّ صِفَةً لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: وأجَلٌ أيُّ (أجَلٍ مُسَمًّى عِنْدَهُ)، ولا يَجُوزُ حَذْفُ الصِّفَةِ إذا كانَتْ أيًّا، ولا حَذْفُ مَوْصُوفِها وإبْقاؤُها، فَلَوْ قُلْتَ: مَرَرْتُ بِأيِّ رَجُلٍ، تُرِيدُ بِرَجُلٍ أيِّ رَجُلٍ، لَمْ يَجُزْ (وتَمْتَرُونَ) مَعْناهُ تَشُكُّونَ أوْ تُجادِلُونَ جِدالَ الشّاكِّينَ، والتَّمّارِي المُجادَلَةُ عَلى مَذْهَبِ الشَّكِّ، قالَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ. والكَلامُ في (ثُمَّ) هُنا كالكَلامِ فِيها في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنعام: ١] والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ عَلى جِهَةِ الخِطابِ، هو التِفاتٌ مِنَ الغائِبِ الَّذِي هو قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنعام: ١]، وإنْ كانَ الخَلْقُ وقَضاءُ الأجَلِ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالكُفّارِ، إذِ اشْتَرَكَ فِيهِ المُؤْمِنُ والكافِرُ، لَكِنَّهُ قُصِدَ بِهِ الكافِرُ؛ تَنْبِيهًا لَهُ عَلى أصْلِ خَلْقِهِ، وقَضاءِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ وقُدْرَتِهِ، وإنَّما قُلْتُ إنَّهُ مِن بابِ الِالتِفاتِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ أنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾، لا يُمْكِنُ أنْ يَنْدَرِجَ في هَذا الخِطابِ مَنِ اصْطَفاهُ اللَّهُ بِالنُّبُوَّةِ والإيمانِ. ﴿وهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكم ويَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ﴾ لَمّا تَقَدَّمَ ما يَدُلُّ عَلى القُدْرَةِ التّامَّةِ والِاخْتِيارِ، ذَكَرَ ما (p-٧٢)يَدُلُّ عَلى العِلْمِ التّامِّ، فَكانَ في التَّنْبِيهِ عَلى هَذِهِ الأوْصافِ دَلالَةٌ عَلى كَوْنِهِ تَعالى قادِرًا مُخْتارًا عالِمًا بِالكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ، وإبْطالًا لِشُبَهِ مُنْكِرِ المَعادِ. والظّاهِرُ أنَّ (هو) ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى ما عادَتْ عَلَيْهِ الضَّمائِرُ قَبْلَهُ ﴿وهُوَ اللَّهُ﴾ وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، قالَهُ الكِرْمانِيُّ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: (هو) ضَمِيرُ الشَّأْنِ (واللَّهُ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، والجُمْلَةُ مُفَسِّرَةٌ لِضَمِيرِ الشَّأْنِ، وإنَّما فَرَّ إلى هَذا؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يَكُنْ ضَمِيرَ الشَّأْنِ كانَ عائِدًا عَلى اللَّهِ تَعالى، فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ اللَّهُ و(اللَّهُ)، فَيَنْعَقِدُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ مِنَ اسْمَيْنِ مُتَّحِدَيْنِ لَفْظًا ومَعْنًى، لا نِسْبَةَ بَيْنَهُما إسْنادِيَّةً، وذَلِكَ لا يَجُوزُ، فَلِذَلِكَ، واللَّهُ أعْلَمُ، تَأوَّلَ. أبُو عَلِيٍّ: الآيَةَ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ ضَمِيرُ الأمْرِ (واللَّهُ)، خَبَرُهُ يَعْلَمُ في ﴿السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَعْلَمُ)، والتَّقْدِيرُ؛ اللَّهُ يَعْلَمُ ﴿فِي السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾، ﴿سِرَّكم وجَهْرَكُمْ﴾، ذَهَبَ الزَّجّاجُ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِي السَّماواتِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما تَضَمَّنَهُ اسْمُ اللَّهِ مِنَ المَعانِي، كَما يُقالُ: أمِيرُ المُؤْمِنِينَ الخَلِيفَةُ في المَشْرِقِ والمَغْرِبِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا عِنْدِي أفْضَلُ الأقْوالِ وأكْثَرُها إحْرازًا لِفَصاحَةِ اللَّفْظِ وجَزالَةِ المَعْنى، وإيضاحِهِ أنَّهُ أرادَ أنْ يَدُلَّ عَلى خَلْقِهِ، وآثارِ قُدْرَتِهِ وإحاطَتِهِ واسْتِيلائِهِ، ونَحْوَ هَذِهِ الصِّفاتِ، فَجَمَعَ هَذِهِ كُلَّها في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ هَذِهِ كُلُّها ﴿فِي السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾، كَأنَّهُ قالَ: وهو الخالِقُ الرّازِقُ، والمُحْيِي المُحِيطُ في السَّماواتِ، وفي الأرْضِ، كَما تَقُولُ: زَيْدٌ السُّلْطانُ في الشّامِ والعِراقِ، فَلَوْ قَصَدْتَ ذاتَ زَيْدٍ، لَقُلْتَ: مُحالًا، وإذا كانَ مَقْصِدُ قَوْلِكَ زَيْدٌ السُّلْطانُ، الآمِرُ النّاهِي، النّاقِضُ المُبْرِمُ، الَّذِي يَعْزِلُ ويُوَلِّي في الشّامِ والعِراقِ، فَأقَمْتَ السُّلْطانَ مَقامَ هَذِهِ كُلِّها، كانَ فَصِيحًا صَحِيحًا، فَكَذَلِكَ في الآيَةِ أقامَ لَفْظَةَ (اللَّهُ) مَقامَ تِلْكَ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ انْتَهى. وما ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ وأوْضَحَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ صَحِيحٌ مِن حَيْثُ المَعْنى، لَكِنَّ صِناعَةَ النَّحْوِ لا تُساعِدُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُما زَعَما أنَّ ﴿فِي السَّماواتِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِلَفْظِ (اللَّهُ) لِما تَضَمَّنَهُ مِنَ المَعانِي، ولا تَعْمَلُ تِلْكَ المَعانِي جَمِيعُها في اللَّفْظِ؛ لِأنَّهُ لَوْ صُرِّحَ بِها جَمِيعِها، لَمْ تَعْمَلْ فِيهِ، بَلِ العَمَلُ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ لِواحِدٍ مِنها، وإنْ كانَ ﴿فِي السَّماواتِ﴾ مُتَعَلِّقًا بِها جَمِيعِها مِن حَيْثُ المَعْنى، بَلِ الأوْلى أنْ يَعْمَلَ في المَجْرُورِ ما تَضَمَّنَهُ لَفْظُ (اللَّهُ) مِن مَعْنى الأُلُوهِيَّةِ، وإنْ كانَ لَفْظُ (اللَّهُ) عَلَمًا؛ لِأنَّ الظَّرْفَ والمَجْرُورَ قَدْ يَعْمَلُ فِيهِما العَلَمُ بِما تَضَمَّنَهُ مِنَ المَعْنى، كَما قالَ: أنا أبُو المِنهالِ بَعْضَ الأحْيانِ، فَـ (بَعْضَ) مَنصُوبٌ بِما تَضَمَّنَهُ أبُو المِنهالِ، كَأنَّهُ قالَ: أنا المَشْهُورُ بَعْضَ الأحْيانِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نَحْوًا مِن هَذا، قالَ: ﴿فِي السَّماواتِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَعْنى اسْمِ اللَّهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وهو المَعْبُودُ فِيهِما، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] أيْ: وهو المَعْرُوفُ بِالإلَهِيَّةِ، أوِ المُتَوَحِّدُ بِالإلَهِيَّةِ فِيها، أوْ هو الَّذِي يُقالُ لَهُ: اللَّهُ فِيها لا يُشْرَكُ في هَذا الِاسْمِ انْتَهى. فانْظُرْ (p-٧٣)تَقادِيرَهُ كُلَّها، كَيْفَ قَدَّرَ العامِلَ واحِدًا مِنَ المَعانِي لا جَمِيعِها. وقالَتْ فِرْقَةٌ (هو) عَلى تَقْدِيرِ صِفَةٍ حُذِفَتْ، وهي مُرادَةٌ في المَعْنى، كَأنَّهُ قِيلَ: هو اللَّهُ المَعْبُودُ ﴿فِي السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾ وقَدَّرَها بَعْضُهم، وهو اللَّهُ المُدَبِّرُ ﴿فِي السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾ . وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿وهُوَ اللَّهُ﴾ تَمَّ الكَلامُ هُنا. ثُمَّ اسْتَأْنَفَ ما بَعْدَهُ، وتَعَلَّقَ المَجْرُورُ بِـ (يَعْلَمُ) . وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿وهُوَ اللَّهُ﴾ تامٌّ، و﴿فِي السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَفْعُولِ (يَعْلَمُ) وهو ﴿سِرَّكم وجَهْرَكُمْ﴾، والتَّقْدِيرُ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكم في السَّماواتِ وفي الأرْضِ، وهَذا يَضْعُفُ؛ لِأنَّ فِيهِ تَقْدِيمَ مَفْعُولِ المَصْدَرِ المَوْصُولِ عَلَيْهِ. والعَجَبُ مِنَ النَّحّاسِ حَيْثُ قالَ: هَذا مِن أحْسَنِ ما قِيلَ: فِيهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ضَمِيرُ الأمْرِ، واللَّهُ مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ ﴿فِي السَّماواتِ﴾، والجُمْلَةُ خَبَرٌ عَنْ ضَمِيرِ الأمْرِ؛ وتَمَّ الكَلامُ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقالَ: ﴿وفِي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكُمْ﴾ أيْ: ويَعْلَمُ في الأرْضِ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ نَحْوًا مِن هَذا، إلّا أنَّ (هو) عائِدٌ عَلى ما عادَتْ عَلَيْهِ الضَّمائِرُ قَبْلُ، ولَيْسَ ضَمِيرَ الأمْرِ، وقِيلَ: يَتَعَلَّقُ ﴿فِي السَّماواتِ﴾ بِقَوْلِهِ: (تَكْسِبُونَ) هَذا خَطَأٌ لِأنَّ (ما) مَوْصُولَةٌ بِـ (تَكْسِبُونَ)، وسَواءٌ كانَتْ حَرْفًا مَصْدَرِيًّا، أمِ اسْمًا بِمَعْنى (الَّذِي)، فَإنَّهُ لا يَجُوزُ تَقْدِيمُ مَعْمُولِ الصِّلَةِ عَلى المَوْصُولِ. وقِيلَ: ﴿فِي السَّماواتِ﴾ حالٌ مِنَ المَصْدَرِ الَّذِي هو ﴿سِرَّكم وجَهْرَكُمْ﴾ تَقَدَّمَ عَلى ذِي الحالِ، وعَلى العامِلِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿اللَّهُ في السَّماواتِ﴾ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، عَلى مَعْنى أنَّهُ اللَّهُ، وأنَّهُ في السَّماواتِ والأرْضِ، بِمَعْنى أنَّهُ عالِمٌ بِما فِيهِما، لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنهُ، كَأنَّ ذاتَهُ فِيها، وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ المَجْرُورَ بِـ (في) لا يَدُلُّ عَلى وصْفٍ خاصٍّ، إنَّما يَدُلُّ عَلى كَوْنٍ مُطْلَقٍ. وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ يَنْبَنِي إعْرابُ هَذِهِ الآيَةِ، وإنَّما ذَهَبَ أهْلُ العِلْمِ إلى هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ، والخُرُوجِ عَنْ ظاهِرِ ﴿فِي السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾ لِما قامَ عَلَيْهِ دَلِيلُ العَقْلِ مِنِ اسْتِحالَةِ حُلُولِ اللَّهِ تَعالى في الأماكِنِ، ومُماسَّةِ الإجْرامِ، ومُحاذاتِهِ لَها، وتَحَيُّزِهِ في جِهَةٍ، قالَ مَعْناهُ، وبَعْضَ لَفْظِهِ ابْنُ عَطِيَّةَ. وفي قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ﴾ إلى آخِرِهِ خَبَرٌ في ضِمْنِهِ تَحْذِيرٌ وزَجْرٌ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: المُرادُ بِالسِّرِّ: صِفاتُ القُلُوبِ، وهو الدَّواعِي والصَّوارِفُ، وبِالجَهْرِ أعْمالُ الجَوارِحِ، وقُدِّمَ السِّرُّ لِأنَّ ذِكْرَ المُؤَثِّرِ في الفِعْلِ، هو مَجْمُوعُ القُدْرَةِ مَعَ الدّاعِي، فالدّاعِيَةُ الَّتِي هي مِن بابِ السِّرِّ، هي المُؤَثِّرَةُ في أعْمالِ الجَوارِحِ المُسَمّاةِ بِالجَهْرِ، وقَدْ ثَبَتَ أنَّ العِلْمَ بِالعِلَّةِ، عِلَّةُ العِلْمِ بِالمَعْلُولِ، والعِلَّةُ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى المَعْلُولِ، والمُقَدَّمُ بِالذّاتِ يَجِبُ تَقْدِيمُهُ بِحَسَبِ اللَّفْظِ انْتَهى. قالَ التَّبْرِيزِيُّ: مَعْناهُ يَعْلَمُ ما تُخْفُونَهُ مِن أعْمالِكم ونِيّاتِكم، وما تُظْهِرُونَ مِن أعْمالِكم، وما تَكْسِبُونَ عامٌّ لِجَمِيعِ الِاعْتِقاداتِ والأقْوالِ والأفْعالِ، وكَسْبُ كُلِّ إنْسانٍ عَمَلُهُ المُفْضِي بِهِ إلى اجْتِلابِ نَفْعٍ، أوْ دَفْعِ ضُرٍّ، ولِهَذا لا يُوصَفُ بِهِ اللَّهُ تَعالى. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: وفي أوَّلِ كَلامِهِ شَيْءٌ مِن مَعْنى كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ، يَجِبُ حَمْلُ قَوْلِهِ: ﴿ما تَكْسِبُونَ﴾ عَلى ما يَسْتَحِقُّهُ الإنْسانُ عَلى فِعْلِهِ مِن ثَوابٍ وعِقابٍ، فَهو مَحْمُولٌ عَلى المُكْتَسَبِ، كَما يُقالُ هَذا المالُ كَسْبُ فُلانٍ؛ أيْ مُكْتَسَبُهُ، ولا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى نَفْسِ الكَسْبِ، وإلّا لَزِمَ عَطْفُ الشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ رَدٌّ عَلى المُعَطِّلَةِ والثَّنَوِيَّةِ والحَشَوِيَّةِ والفَلاسِفَةِ انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ مَوْقِعُ قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكُمْ﴾، قُلْتُ: إنْ أرادَ المُتَوَحِّدُ بِالإلَهِيَّةِ، كانَ تَقْرِيرًا لَهُ؛ لِأنَّ الَّذِي اسْتَوى في عِلْمِهِ السِّرُّ والعَلانِيَةُ، هو اللَّهُ وحْدَهُ، وكَذَلِكَ إذا جَعَلْتَ ﴿فِي السَّماواتِ﴾ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، وإلّا فَهو كَلامٌ مُبْتَدَأٌ، أوْ خَبَرٌ ثالِثٌ انْتَهى. وهَذا عَلى مَذْهَبِ مَن يُجِيزُ أنْ يَكُونَ لِلْمُبْتَدَأِ أخْبارٌ مُتَعَدِّدَةٌ. ﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ . (مِن) الأُولى زائِدَةٌ لِاسْتِغْراقِ الجِنْسِ، ومَعْنى الزِّيادَةِ فِيها أنَّ ما بَعْدَها مَعْمُولٌ لِما قَبْلَها فاعِلٌ بِقَوْلِهِ: (تَأْتِيهِمْ)، فَإذا كانَتِ (p-٧٤)النَّكِرَةُ بَعْدَها مِمّا لا يُسْتَعْمَلُ إلّا في النَّفْيِ العامِّ، كانَتْ (مِن) لِتَأْكِيدِ الِاسْتِغْراقِ، نَحْوَ: ما في الدّارِ مِن أحَدٍ، وإذا كانَتْ مِمّا يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها الِاسْتِغْراقُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها نَفْيُ الوَحْدَةِ، أوْ نَفْيُ الكَمالِ، كانَتْ (مِن)، دالَّةً عَلى الِاسْتِغْراقِ، نَحْوَ: ما قامَ مِن رَجُلٍ. و(مِن) الثّانِيَةُ لِلتَّبْعِيضِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي وما يَظْهَرُ لَهم قَطُّ دَلِيلٌ مِنَ الأدِلَّةِ الَّتِي يَجِبُ فِيها النَّظَرُ والِاسْتِدْلالُ والِاعْتِبارُ، إلّا كانُوا عَنْهُ (مُعْرِضِينَ) تارِكِينَ لِلنَّظَرِ، لا يَلْتَفِتُونَ إلَيْهِ، ولا يَرْفَعُونَ بِهِ رَأْسًا؛ لِقِلَّةِ خَوْفِهِمْ وتَدَبُّرِهِمْ لِلْعَواقِبِ انْتَهى. واسْتِعْمالُ الزَّمَخْشَرِيِّ قَطُّ مَعَ المُضارِعِ في قَوْلِهِ: وما يَظْهَرُ لَهم قَطُّ دَلِيلٌ، لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ قَطُّ ظَرْفٌ مُخْتَصٌّ بِالماضِي، إلّا إنْ كانَ أرادَ بِقَوْلِهِ: وما يَظْهَرُ، وما ظَهَرَ، ولا حاجَةَ إلى اسْتِعْمالِ ذَلِكَ. وقِيلَ: (الآيَةُ) هُنا العَلامَةُ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ، وانْفِرادِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ. وقِيلَ: الرِّسالَةُ. وقِيلَ: المُعْجِزُ الخارِقُ. وقِيلَ: القُرْآنُ، ومَعْنى (عَنْها) أيْ: عَنْ قَبُولِها أوْ سَماعِها، والإعْراضُ ضِدُّ الإقْبالِ، وهو مَجازٌ، إذْ حَقِيقَتُهُ في الأجْسامِ، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (كانُوا) ومُتَعَلِّقُها في مَوْضِعِ الحالِ، فَيَكُونُ (تَأْتِيهِمْ) ماضِي المَعْنى؛ لِقَوْلِهِ: (كانُوا)، أوْ يَكُونُ (كانُوا) مُضارِعٌ المَعْنى؛ لِقَوْلِهِ: (تَأْتِيهِمْ)، وذُو الحالِ، هو الضَّمِيرُ في (تَأْتِيهِمْ)، ولا يَأْتِي ماضِيًا إلّا بِأحَدِ شَرْطَيْنِ، أحَدُهُما: أنْ يَسْبِقَهُ فِعْلٌ كَما في هَذا الآيَةِ، والثّانِي أنْ تَدَخُلَ عَلى ذَلِكَ الماضِي (قَدْ)، نَحْوَ ما زَيْدٌ إلّا قَدْ ضَرَبَ عَمْرًا، وهَذا التِفاتٌ، وخُرُوجٌ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى (الَّذِينَ كَفَرُوا) . وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَذَمَّةَ هَؤُلاءِ (الَّذِينَ كَفَرُوا) بِأنَّهم يُعْرِضُونَ عَنْ كُلِّ آيَةٍ تَرِدُ عَلَيْهِمْ، ولَمّا تَقَدَّمَ الكَلامُ أوَّلًا في التَّوْحِيدِ، وثانِيًا في المَعادِ، وثالِثًا في تَقْرِيرِ هَذَيْنِ المَطْلُوبَيْنِ، ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ما يَتَعَلَّقُ بِتَقْرِيرِ النُّبُوَّةِ، وبَيَّنَ فِيهِ أنَّهم أعْرَضُوا عَنْ تَأمُّلِ الدَّلائِلِ، ويَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّ التَّقْلِيدَ باطِلٌ، وأنَّ التَّأمُّلَ في الدَّلائِلِ، واجِبٌ، ولِذَلِكَ ذُمُّوا بِإعْراضِهِمْ عَنِ الدَّلائِلِ. ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ﴾، (الحَقُّ) القُرْآنُ أوِ الإسْلامُ أوْ مُحَمَّدٌ أوِ انْشِقاقُ القَمَرِ أوِ الوَعْدُ أوِ الوَعِيدُ، أقْوالٌ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ الآيَةُ الَّتِي تَأْتِيهِمْ، وكَأنَّهُ قِيلَ: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ بِالآيَةِ الَّتِي تَأْتِيهِمْ، وهي (الحَقُّ) فَأقامَ الظّاهِرَ مَقامَ المُضْمَرِ؛ لِما في ذَلِكَ مِن وصْفِهِ بِالحَقِّ، وحَقِيقَتُهُ كَوْنُهُ مِن آياتِ اللَّهِ تَعالى. وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ أنَّ الفاءَ لِلتَّعْقِيبِ، وأنَّ إعْراضَهم عَنِ الآيَةِ أعَقَبَهُ التَّكْذِيبُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ مَرْدُودٌ عَلى كَلامٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ كانُوا مُعْرِضِينَ عَنِ الآياتِ، ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ بِما هو أعْظَمُ آيَةٍ وأكْبَرُها، وهو الحَقُّ لَمّا جاءَهم، يَعْنِي القُرْآنَ الَّذِي تُحُدُّوا بِهِ عَلى تَبالُغِهِمْ في الفَصاحَةِ، فَعَجَزُوا عَنْهُ انْتَهى. ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، إذِ الكَلامُ مُنْتَظِمٌ بِدُونِ هَذا التَّقْدِيرِ. ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم وقَعَ مِنهُمُ الِاسْتِهْزاءُ، (p-٧٥)فَيَكُونُ في الكَلامِ مَعْطُوفٌ مَحْذُوفٌ، دَلَّ عَلَيْهِ آخِرُ الآيَةِ، وتَقْدِيرُهُ: واسْتَهْزَءُوا بِهِ ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ﴾ وهَذِهِ رُتَبٌ ثَلاثٌ صَدَرَتْ مِن هَؤُلاءِ الكُفّارِ، الإعْراضُ عَنْ تَأمُّلِ الدَّلائِلِ، ثُمَّ أعْقَبَ الإعْراضَ التَّكْذِيبُ، وهو أزْيَدُ مِنَ الإعْراضِ، إذِ المُعْرِضُ قَدْ يَكُونُ غافِلًا عَنِ الشَّيْءِ، ثُمَّ أعْقَبَ التَّكْذِيبَ الِاسْتِهْزاءُ، وهو أزْيَدُ مِنَ التَّكْذِيبِ، إذِ المُكَذِّبُ قَدْ لا يَبْلُغُ إلى حَدِّ الِاسْتِهْزاءِ، وهَذِهِ هي المُبالَغَةُ في الإنْكارِ. والنَّبَأُ: الخَبَرُ الَّذِي يَعْظُمُ وقْعُهُ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ مُضافٌ؛ أيْ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ﴾ مُضْمَنُ (أنْباءِ)، فَقالَ قَوْمٌ: المُرادُ ما عُذِّبُوا بِهِ في الدُّنْيا مِنَ القَتْلِ والسَّبْيِ والنَّهْبِ والإجْلاءِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، وخَصَّصَ بَعْضُهم ذَلِكَ بِيَوْمِ بَدْرٍ. وقِيلَ: هو عَذابُ الآخِرَةِ، وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ التَّهْدِيدَ والزَّجْرَ والوَعِيدَ، كَما تَقُولُ: اصْنَعْ ما تَشاءُ، فَسَيَأْتِيكَ الخَبَرُ، وعَلَّقَ التَّهْدِيدَ بِالِاسْتِهْزاءِ دُونَ الإعْراضِ والتَّكْذِيبِ، لِتَضَمُّنِهِ إيّاهُما، إذْ هو الغايَةُ القُصْوى في إنْكارِ الحَقِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهو القُرْآنُ؛ أيْ أخْبارُهُ وأحْوالُهُ، بِمَعْنى سَيَعْلَمُونَ بِأيِّ شَيْءٍ اسْتَهْزَءُوا، وسَيَظْهَرُ لَهم أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَوْضِعُ اسْتِهْزاءٍ، وذَلِكَ عِنْدَ إرْسالِ العَذابِ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا أوْ يَوْمَ القِيامَةِ أوْ عِنْدَ ظُهُورِ الإسْلامِ وعُلُوِّ كَلِمَتِهِ انْتَهى. وهو عَلى عادَتِهِ في الإسْهابِ وشَرْحِ اللَّفْظِ والمَعْنى مِمّا لا يَدُلّانِ عَلَيْهِ. وجاءَ هُنا تَقْيِيدُ الكَذِبِ بِالحَقِّ، والتَّنْفِيسُ بِـ (سَوْفَ) . وفي الشُّعَراءِ، فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ؛ لِأنَّ الأنْعامَ مُتَقَدِّمَةٌ في النُّزُولِ عَلى الشُّعَراءِ، فاسْتَوْفى فِيها اللَّفْظَ، وحُذِفَ مِنَ الشُّعَراءِ، وهو مُرادٌ حالَةً عَلى الأوَّلِ، وناسَبَ الحَذْفَ الِاخْتِصارُ في حَرْفِ التَّنْفِيسِ، فَجاءَ بِالسِّينِ. والظّاهِرُ أنَّ (ما) في قَوْلِهِ: (ما كانُوا) مَوْصُولَةٌ اسْمِيَّةٌ، بِمَعْنى (الَّذِي)، والضَّمِيرُ في (بِهِ) عائِدٌ عَلَيْها. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَصِحُّ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً. التَّقْدِيرُ (أنْباءُ) كَوْنِهِمْ مُسْتَهْزِئِينَ، فَعَلى هَذا يَكُونُ الضَّمِيرُ في (بِهِ) عائِدًا عَلى الحَقِّ، لا عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ، حَيْثُ زَعَمَ أنَّ (ما) المَصْدَرِيَّةَ اسْمٌ لا حَرْفٌ، ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى كَوْنِها مَصْدَرِيَّةً.

الأنعام 6:3

﴿ثُمَّ قَضى أجَلًا وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾، (قَضى)، إنْ كانَتْ هُنا بِمَعْنى قَدَّرَ وكَتَبَ، كانَتْ (ثُمَّ) هُنا لِلتَّرْتِيبِ في الذِّكْرِ، لا في الزَّمانِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ سابِقٌ عَلى خَلْقِنا، إذْ هي صِفَةُ ذاتٍ، وإنْ كانَتْ بِمَعْنى (أظْهَرَ)، كانَتْ لِلتَّرْتِيبِ الزَّمانِيِّ عَلى أصْلِ وضْعِها؛ لِأنَّ ذَلِكَ مُتَأخِّرٌ عَنْ خَلْقِنا، فَهي صِفَةُ فِعْلٍ. والظّاهِرُ مِن تَنْكِيرِ الأجَلَيْنِ، أنَّهُ تَعالى أبْهَمَ أمْرَهُما. وقالَ الحَسَنُ: ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ وخَصِيفٌ وقَتادَةُ: الأوَّلُ أجَلُ الدُّنْيا مِن وقْتِ الخَلْقِ إلى المَوْتِ، والثّانِي أجَلُ الآخِرَةِ؛ لِأنَّ الحَياةَ في الآخِرَةِ، لا انْقِضاءَ لَها، ولا يَعْلَمُ كَيْفِيَّةَ الحالِ في هَذا الأجَلِ، إلّا اللَّهُ تَعالى. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الأوَّلَ، هو وفاتُهُ بِالنَّوْمِ، والثّانِي بِالمَوْتِ. وقالَ أيْضًا: الأوَّلُ أجَلُ الدُّنْيا، والثّانِي الآخِرَةُ. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: الأوَّلُ الآخِرَةُ، والثّانِي الدُّنْيا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الأوَّلُ، هو في وقْتِ أخْذِ المِيثاقِ عَلى بَنِي آدَمَ حِينَ اسْتَخْرَجَهم مِن ظَهْرِ آدَمَ، والمُسَمّى في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: الأوَّلُ أجَلُ الماضِينَ، والثّانِي أجَلُ الباقِينَ، ووَصَفَهُ بِأنَّهُ مُسَمًّى عِنْدَهُ؛ لِأنَّهُ تَعالى مُخْتَصٌّ بِهِ بِخِلافِ الماضِينَ، فَإنَّهم لَمّا ماتُوا عُلِمَتْ آجالُهم. وقِيلَ: الأوَّلُ ما بَيْنَ أنْ يُخْلَقَ إلى أنْ يَمُوتَ، والثّانِي ما بَيْنَ المَوْتِ والبَعْثِ، وهو البَرْزَخُ. وقِيلَ: الأوَّلُ مِقْدارُ ما انْقَضى مِن عُمْرِ كُلِّ إنْسانٍ، والثّانِي مِقْدارُ ما بَقِيَ. وقِيلَ: الأوَّلُ أجَلُ الأُمَمِ السّالِفَةِ، والثّانِي أجَلُ هَذِهِ الأُمَّةِ. وقِيلَ: الأوَّلُ ما عَلِمْناهُ أنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ﷺ، (p-٧١)والثّانِي مِنَ الآخِرَةِ. وقِيلَ: الأوَّلُ ما عَرَفَ النّاسُ مِن آجالِ الأهِلَّةِ والسِّنِينَ والكَوائِنِ، والثّانِي قِيامُ السّاعَةِ. وقِيلَ: الأوَّلُ مِن أوْقاتِ الأهِلَّةِ وما أشْبَهَها، والثّانِي مَوْتُ الإنْسانِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ أيْضًا ﴿قَضى أجَلًا﴾ بِانْقِضاءِ الدُّنْيا، والثّانِي لِابْتِداءِ الآخِرَةِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: لِكُلِّ أحَدٍ أجَلانِ، فَإنْ كانَ تَقِيًّا وصُوَلًا لِلرَّحِمِ، زِيدَ لَهُ مِن أجَلِ البَعْثِ في أجَلِ العُمْرِ، وإنْ كانَ بِالعَكْسِ، نُقِصَ مِن أجَلِ العُمْرِ، وزِيدَ في أجَلِ البَعْثِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: لِكُلِّ إنْسانٍ أجَلانِ الطَّبِيعِيُّ والِاخْتَرامِيُّ. فالطَّبِيعِيُّ؛ هو الَّذِي لَوْ بَقِيَ ذَلِكَ المِزاجُ مَصُونًا عَنِ العَوارِضِ الخارِجَةِ، لانْتَهَتْ مُدَّةُ بَقائِهِ إلى الأوْقاتِ الفَلَكِيَّةِ. والِاخْتَرامِيُّ؛ هو الَّذِي يَحْصُلُ بِسَبَبِ الأسْبابِ الخارِجِيَّةِ، كالحَرْقِ والغَرَقِ، ولَدْغِ الحَشَراتِ وغَيْرِها مِنَ الأُمُورِ المُنْفَصِلَةِ انْتَهى. وهَذا قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ، وهو نَقَلَهُ عَنْهم وقالَ: هَذا قَوْلُ حُكَماءِ الإسْلامِ انْتَهى. ومَعْنى ﴿مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ مَعْلُومٌ عِنْدَهُ، أوْ مَذْكُورٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وعِنْدَهُ مَجازٌ عَنْ عِلْمِهِ، ولا يُرادُ بِهِ المَكانُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: المُبْتَدَأُ النَّكِرَةُ إذا كانَ خَبَرُهُ ظَرْفًا، وجَبَ تَقْدِيمُهُ فَلَمّا جازَ تَقْدِيمُهُ في قَوْلِهِ: ﴿وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ . قُلْتُ: لِأنَّهُ تَخْصِيصٌ بِالصِّفَةِ فَقارَبَ المَعْرِفَةَ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكٍ﴾ [البقرة: ٢٢١] انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ مِن مُسَوِّغِ الِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ؛ لِكَوْنِها وُصِفَتْ لا يَتَعَيَّنُ هُنا أنْ يَكُونَ هو المُسَوِّغَ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُسَوِّغُ هو التَّفْصِيلَ؛ لِأنَّ مِن مُسَوِّغاتِ الِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ، أنْ يَكُونَ المَوْضِعُ مَوْضِعَ تَفْصِيلٍ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ؎إذا ما بَكى مِن خَلْفِها انْحَرَفَتْ لَهُ بِشِقٍّ وشِقٌّ عِنْدَنا لَمْ يُحَوَّلِ وقَدْ سَبَقَ كَلامُنا عَلى هَذا البَيْتِ، وبَيَّنّا أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِنْدَنا في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، بَلْ يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الخَبَرِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: الكَلامُ السّائِرُ أنْ يُقالَ: عِنْدِي ثَوْبٌ جَيِّدٌ، ولِي عَبْدٌ كَيِّسٌ، وما أشْبَهَ ذَلِكَ. قُلْتُ: أوْجَبَهُ أنَّ المَعْنى وأيُّ (أجَلٍ مُسَمًّى عِنْدَهُ) تَعْظِيمًا لِشَأْنِ السّاعَةِ، فَلَمّا جَرى فِيهِ هَذا المَعْنى، وجَبَ التَّقْدِيمُ انْتَهى. وهَذا لا يَجُوزُ لِأنَّهُ إذا كانَ التَّقْدِيرُ وأيُّ (أجَلٍ مُسَمًّى عِنْدَهُ)، كانَتْ أيٌّ صِفَةً لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: وأجَلٌ أيُّ (أجَلٍ مُسَمًّى عِنْدَهُ)، ولا يَجُوزُ حَذْفُ الصِّفَةِ إذا كانَتْ أيًّا، ولا حَذْفُ مَوْصُوفِها وإبْقاؤُها، فَلَوْ قُلْتَ: مَرَرْتُ بِأيِّ رَجُلٍ، تُرِيدُ بِرَجُلٍ أيِّ رَجُلٍ، لَمْ يَجُزْ (وتَمْتَرُونَ) مَعْناهُ تَشُكُّونَ أوْ تُجادِلُونَ جِدالَ الشّاكِّينَ، والتَّمّارِي المُجادَلَةُ عَلى مَذْهَبِ الشَّكِّ، قالَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ. والكَلامُ في (ثُمَّ) هُنا كالكَلامِ فِيها في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنعام: ١] والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ عَلى جِهَةِ الخِطابِ، هو التِفاتٌ مِنَ الغائِبِ الَّذِي هو قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنعام: ١]، وإنْ كانَ الخَلْقُ وقَضاءُ الأجَلِ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالكُفّارِ، إذِ اشْتَرَكَ فِيهِ المُؤْمِنُ والكافِرُ، لَكِنَّهُ قُصِدَ بِهِ الكافِرُ؛ تَنْبِيهًا لَهُ عَلى أصْلِ خَلْقِهِ، وقَضاءِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ وقُدْرَتِهِ، وإنَّما قُلْتُ إنَّهُ مِن بابِ الِالتِفاتِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ أنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾، لا يُمْكِنُ أنْ يَنْدَرِجَ في هَذا الخِطابِ مَنِ اصْطَفاهُ اللَّهُ بِالنُّبُوَّةِ والإيمانِ. ﴿وهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكم ويَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ﴾ لَمّا تَقَدَّمَ ما يَدُلُّ عَلى القُدْرَةِ التّامَّةِ والِاخْتِيارِ، ذَكَرَ ما (p-٧٢)يَدُلُّ عَلى العِلْمِ التّامِّ، فَكانَ في التَّنْبِيهِ عَلى هَذِهِ الأوْصافِ دَلالَةٌ عَلى كَوْنِهِ تَعالى قادِرًا مُخْتارًا عالِمًا بِالكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ، وإبْطالًا لِشُبَهِ مُنْكِرِ المَعادِ. والظّاهِرُ أنَّ (هو) ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى ما عادَتْ عَلَيْهِ الضَّمائِرُ قَبْلَهُ ﴿وهُوَ اللَّهُ﴾ وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، قالَهُ الكِرْمانِيُّ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: (هو) ضَمِيرُ الشَّأْنِ (واللَّهُ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، والجُمْلَةُ مُفَسِّرَةٌ لِضَمِيرِ الشَّأْنِ، وإنَّما فَرَّ إلى هَذا؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يَكُنْ ضَمِيرَ الشَّأْنِ كانَ عائِدًا عَلى اللَّهِ تَعالى، فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ اللَّهُ و(اللَّهُ)، فَيَنْعَقِدُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ مِنَ اسْمَيْنِ مُتَّحِدَيْنِ لَفْظًا ومَعْنًى، لا نِسْبَةَ بَيْنَهُما إسْنادِيَّةً، وذَلِكَ لا يَجُوزُ، فَلِذَلِكَ، واللَّهُ أعْلَمُ، تَأوَّلَ. أبُو عَلِيٍّ: الآيَةَ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ ضَمِيرُ الأمْرِ (واللَّهُ)، خَبَرُهُ يَعْلَمُ في ﴿السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَعْلَمُ)، والتَّقْدِيرُ؛ اللَّهُ يَعْلَمُ ﴿فِي السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾، ﴿سِرَّكم وجَهْرَكُمْ﴾، ذَهَبَ الزَّجّاجُ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِي السَّماواتِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما تَضَمَّنَهُ اسْمُ اللَّهِ مِنَ المَعانِي، كَما يُقالُ: أمِيرُ المُؤْمِنِينَ الخَلِيفَةُ في المَشْرِقِ والمَغْرِبِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا عِنْدِي أفْضَلُ الأقْوالِ وأكْثَرُها إحْرازًا لِفَصاحَةِ اللَّفْظِ وجَزالَةِ المَعْنى، وإيضاحِهِ أنَّهُ أرادَ أنْ يَدُلَّ عَلى خَلْقِهِ، وآثارِ قُدْرَتِهِ وإحاطَتِهِ واسْتِيلائِهِ، ونَحْوَ هَذِهِ الصِّفاتِ، فَجَمَعَ هَذِهِ كُلَّها في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ هَذِهِ كُلُّها ﴿فِي السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾، كَأنَّهُ قالَ: وهو الخالِقُ الرّازِقُ، والمُحْيِي المُحِيطُ في السَّماواتِ، وفي الأرْضِ، كَما تَقُولُ: زَيْدٌ السُّلْطانُ في الشّامِ والعِراقِ، فَلَوْ قَصَدْتَ ذاتَ زَيْدٍ، لَقُلْتَ: مُحالًا، وإذا كانَ مَقْصِدُ قَوْلِكَ زَيْدٌ السُّلْطانُ، الآمِرُ النّاهِي، النّاقِضُ المُبْرِمُ، الَّذِي يَعْزِلُ ويُوَلِّي في الشّامِ والعِراقِ، فَأقَمْتَ السُّلْطانَ مَقامَ هَذِهِ كُلِّها، كانَ فَصِيحًا صَحِيحًا، فَكَذَلِكَ في الآيَةِ أقامَ لَفْظَةَ (اللَّهُ) مَقامَ تِلْكَ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ انْتَهى. وما ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ وأوْضَحَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ صَحِيحٌ مِن حَيْثُ المَعْنى، لَكِنَّ صِناعَةَ النَّحْوِ لا تُساعِدُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُما زَعَما أنَّ ﴿فِي السَّماواتِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِلَفْظِ (اللَّهُ) لِما تَضَمَّنَهُ مِنَ المَعانِي، ولا تَعْمَلُ تِلْكَ المَعانِي جَمِيعُها في اللَّفْظِ؛ لِأنَّهُ لَوْ صُرِّحَ بِها جَمِيعِها، لَمْ تَعْمَلْ فِيهِ، بَلِ العَمَلُ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ لِواحِدٍ مِنها، وإنْ كانَ ﴿فِي السَّماواتِ﴾ مُتَعَلِّقًا بِها جَمِيعِها مِن حَيْثُ المَعْنى، بَلِ الأوْلى أنْ يَعْمَلَ في المَجْرُورِ ما تَضَمَّنَهُ لَفْظُ (اللَّهُ) مِن مَعْنى الأُلُوهِيَّةِ، وإنْ كانَ لَفْظُ (اللَّهُ) عَلَمًا؛ لِأنَّ الظَّرْفَ والمَجْرُورَ قَدْ يَعْمَلُ فِيهِما العَلَمُ بِما تَضَمَّنَهُ مِنَ المَعْنى، كَما قالَ: أنا أبُو المِنهالِ بَعْضَ الأحْيانِ، فَـ (بَعْضَ) مَنصُوبٌ بِما تَضَمَّنَهُ أبُو المِنهالِ، كَأنَّهُ قالَ: أنا المَشْهُورُ بَعْضَ الأحْيانِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نَحْوًا مِن هَذا، قالَ: ﴿فِي السَّماواتِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَعْنى اسْمِ اللَّهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وهو المَعْبُودُ فِيهِما، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] أيْ: وهو المَعْرُوفُ بِالإلَهِيَّةِ، أوِ المُتَوَحِّدُ بِالإلَهِيَّةِ فِيها، أوْ هو الَّذِي يُقالُ لَهُ: اللَّهُ فِيها لا يُشْرَكُ في هَذا الِاسْمِ انْتَهى. فانْظُرْ (p-٧٣)تَقادِيرَهُ كُلَّها، كَيْفَ قَدَّرَ العامِلَ واحِدًا مِنَ المَعانِي لا جَمِيعِها. وقالَتْ فِرْقَةٌ (هو) عَلى تَقْدِيرِ صِفَةٍ حُذِفَتْ، وهي مُرادَةٌ في المَعْنى، كَأنَّهُ قِيلَ: هو اللَّهُ المَعْبُودُ ﴿فِي السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾ وقَدَّرَها بَعْضُهم، وهو اللَّهُ المُدَبِّرُ ﴿فِي السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾ . وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿وهُوَ اللَّهُ﴾ تَمَّ الكَلامُ هُنا. ثُمَّ اسْتَأْنَفَ ما بَعْدَهُ، وتَعَلَّقَ المَجْرُورُ بِـ (يَعْلَمُ) . وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿وهُوَ اللَّهُ﴾ تامٌّ، و﴿فِي السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَفْعُولِ (يَعْلَمُ) وهو ﴿سِرَّكم وجَهْرَكُمْ﴾، والتَّقْدِيرُ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكم في السَّماواتِ وفي الأرْضِ، وهَذا يَضْعُفُ؛ لِأنَّ فِيهِ تَقْدِيمَ مَفْعُولِ المَصْدَرِ المَوْصُولِ عَلَيْهِ. والعَجَبُ مِنَ النَّحّاسِ حَيْثُ قالَ: هَذا مِن أحْسَنِ ما قِيلَ: فِيهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ضَمِيرُ الأمْرِ، واللَّهُ مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ ﴿فِي السَّماواتِ﴾، والجُمْلَةُ خَبَرٌ عَنْ ضَمِيرِ الأمْرِ؛ وتَمَّ الكَلامُ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقالَ: ﴿وفِي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكُمْ﴾ أيْ: ويَعْلَمُ في الأرْضِ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ نَحْوًا مِن هَذا، إلّا أنَّ (هو) عائِدٌ عَلى ما عادَتْ عَلَيْهِ الضَّمائِرُ قَبْلُ، ولَيْسَ ضَمِيرَ الأمْرِ، وقِيلَ: يَتَعَلَّقُ ﴿فِي السَّماواتِ﴾ بِقَوْلِهِ: (تَكْسِبُونَ) هَذا خَطَأٌ لِأنَّ (ما) مَوْصُولَةٌ بِـ (تَكْسِبُونَ)، وسَواءٌ كانَتْ حَرْفًا مَصْدَرِيًّا، أمِ اسْمًا بِمَعْنى (الَّذِي)، فَإنَّهُ لا يَجُوزُ تَقْدِيمُ مَعْمُولِ الصِّلَةِ عَلى المَوْصُولِ. وقِيلَ: ﴿فِي السَّماواتِ﴾ حالٌ مِنَ المَصْدَرِ الَّذِي هو ﴿سِرَّكم وجَهْرَكُمْ﴾ تَقَدَّمَ عَلى ذِي الحالِ، وعَلى العامِلِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿اللَّهُ في السَّماواتِ﴾ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، عَلى مَعْنى أنَّهُ اللَّهُ، وأنَّهُ في السَّماواتِ والأرْضِ، بِمَعْنى أنَّهُ عالِمٌ بِما فِيهِما، لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنهُ، كَأنَّ ذاتَهُ فِيها، وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ المَجْرُورَ بِـ (في) لا يَدُلُّ عَلى وصْفٍ خاصٍّ، إنَّما يَدُلُّ عَلى كَوْنٍ مُطْلَقٍ. وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ يَنْبَنِي إعْرابُ هَذِهِ الآيَةِ، وإنَّما ذَهَبَ أهْلُ العِلْمِ إلى هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ، والخُرُوجِ عَنْ ظاهِرِ ﴿فِي السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾ لِما قامَ عَلَيْهِ دَلِيلُ العَقْلِ مِنِ اسْتِحالَةِ حُلُولِ اللَّهِ تَعالى في الأماكِنِ، ومُماسَّةِ الإجْرامِ، ومُحاذاتِهِ لَها، وتَحَيُّزِهِ في جِهَةٍ، قالَ مَعْناهُ، وبَعْضَ لَفْظِهِ ابْنُ عَطِيَّةَ. وفي قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ﴾ إلى آخِرِهِ خَبَرٌ في ضِمْنِهِ تَحْذِيرٌ وزَجْرٌ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: المُرادُ بِالسِّرِّ: صِفاتُ القُلُوبِ، وهو الدَّواعِي والصَّوارِفُ، وبِالجَهْرِ أعْمالُ الجَوارِحِ، وقُدِّمَ السِّرُّ لِأنَّ ذِكْرَ المُؤَثِّرِ في الفِعْلِ، هو مَجْمُوعُ القُدْرَةِ مَعَ الدّاعِي، فالدّاعِيَةُ الَّتِي هي مِن بابِ السِّرِّ، هي المُؤَثِّرَةُ في أعْمالِ الجَوارِحِ المُسَمّاةِ بِالجَهْرِ، وقَدْ ثَبَتَ أنَّ العِلْمَ بِالعِلَّةِ، عِلَّةُ العِلْمِ بِالمَعْلُولِ، والعِلَّةُ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى المَعْلُولِ، والمُقَدَّمُ بِالذّاتِ يَجِبُ تَقْدِيمُهُ بِحَسَبِ اللَّفْظِ انْتَهى. قالَ التَّبْرِيزِيُّ: مَعْناهُ يَعْلَمُ ما تُخْفُونَهُ مِن أعْمالِكم ونِيّاتِكم، وما تُظْهِرُونَ مِن أعْمالِكم، وما تَكْسِبُونَ عامٌّ لِجَمِيعِ الِاعْتِقاداتِ والأقْوالِ والأفْعالِ، وكَسْبُ كُلِّ إنْسانٍ عَمَلُهُ المُفْضِي بِهِ إلى اجْتِلابِ نَفْعٍ، أوْ دَفْعِ ضُرٍّ، ولِهَذا لا يُوصَفُ بِهِ اللَّهُ تَعالى. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: وفي أوَّلِ كَلامِهِ شَيْءٌ مِن مَعْنى كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ، يَجِبُ حَمْلُ قَوْلِهِ: ﴿ما تَكْسِبُونَ﴾ عَلى ما يَسْتَحِقُّهُ الإنْسانُ عَلى فِعْلِهِ مِن ثَوابٍ وعِقابٍ، فَهو مَحْمُولٌ عَلى المُكْتَسَبِ، كَما يُقالُ هَذا المالُ كَسْبُ فُلانٍ؛ أيْ مُكْتَسَبُهُ، ولا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى نَفْسِ الكَسْبِ، وإلّا لَزِمَ عَطْفُ الشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ رَدٌّ عَلى المُعَطِّلَةِ والثَّنَوِيَّةِ والحَشَوِيَّةِ والفَلاسِفَةِ انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ مَوْقِعُ قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكُمْ﴾، قُلْتُ: إنْ أرادَ المُتَوَحِّدُ بِالإلَهِيَّةِ، كانَ تَقْرِيرًا لَهُ؛ لِأنَّ الَّذِي اسْتَوى في عِلْمِهِ السِّرُّ والعَلانِيَةُ، هو اللَّهُ وحْدَهُ، وكَذَلِكَ إذا جَعَلْتَ ﴿فِي السَّماواتِ﴾ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، وإلّا فَهو كَلامٌ مُبْتَدَأٌ، أوْ خَبَرٌ ثالِثٌ انْتَهى. وهَذا عَلى مَذْهَبِ مَن يُجِيزُ أنْ يَكُونَ لِلْمُبْتَدَأِ أخْبارٌ مُتَعَدِّدَةٌ. ﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ . (مِن) الأُولى زائِدَةٌ لِاسْتِغْراقِ الجِنْسِ، ومَعْنى الزِّيادَةِ فِيها أنَّ ما بَعْدَها مَعْمُولٌ لِما قَبْلَها فاعِلٌ بِقَوْلِهِ: (تَأْتِيهِمْ)، فَإذا كانَتِ (p-٧٤)النَّكِرَةُ بَعْدَها مِمّا لا يُسْتَعْمَلُ إلّا في النَّفْيِ العامِّ، كانَتْ (مِن) لِتَأْكِيدِ الِاسْتِغْراقِ، نَحْوَ: ما في الدّارِ مِن أحَدٍ، وإذا كانَتْ مِمّا يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها الِاسْتِغْراقُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها نَفْيُ الوَحْدَةِ، أوْ نَفْيُ الكَمالِ، كانَتْ (مِن)، دالَّةً عَلى الِاسْتِغْراقِ، نَحْوَ: ما قامَ مِن رَجُلٍ. و(مِن) الثّانِيَةُ لِلتَّبْعِيضِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي وما يَظْهَرُ لَهم قَطُّ دَلِيلٌ مِنَ الأدِلَّةِ الَّتِي يَجِبُ فِيها النَّظَرُ والِاسْتِدْلالُ والِاعْتِبارُ، إلّا كانُوا عَنْهُ (مُعْرِضِينَ) تارِكِينَ لِلنَّظَرِ، لا يَلْتَفِتُونَ إلَيْهِ، ولا يَرْفَعُونَ بِهِ رَأْسًا؛ لِقِلَّةِ خَوْفِهِمْ وتَدَبُّرِهِمْ لِلْعَواقِبِ انْتَهى. واسْتِعْمالُ الزَّمَخْشَرِيِّ قَطُّ مَعَ المُضارِعِ في قَوْلِهِ: وما يَظْهَرُ لَهم قَطُّ دَلِيلٌ، لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ قَطُّ ظَرْفٌ مُخْتَصٌّ بِالماضِي، إلّا إنْ كانَ أرادَ بِقَوْلِهِ: وما يَظْهَرُ، وما ظَهَرَ، ولا حاجَةَ إلى اسْتِعْمالِ ذَلِكَ. وقِيلَ: (الآيَةُ) هُنا العَلامَةُ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ، وانْفِرادِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ. وقِيلَ: الرِّسالَةُ. وقِيلَ: المُعْجِزُ الخارِقُ. وقِيلَ: القُرْآنُ، ومَعْنى (عَنْها) أيْ: عَنْ قَبُولِها أوْ سَماعِها، والإعْراضُ ضِدُّ الإقْبالِ، وهو مَجازٌ، إذْ حَقِيقَتُهُ في الأجْسامِ، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (كانُوا) ومُتَعَلِّقُها في مَوْضِعِ الحالِ، فَيَكُونُ (تَأْتِيهِمْ) ماضِي المَعْنى؛ لِقَوْلِهِ: (كانُوا)، أوْ يَكُونُ (كانُوا) مُضارِعٌ المَعْنى؛ لِقَوْلِهِ: (تَأْتِيهِمْ)، وذُو الحالِ، هو الضَّمِيرُ في (تَأْتِيهِمْ)، ولا يَأْتِي ماضِيًا إلّا بِأحَدِ شَرْطَيْنِ، أحَدُهُما: أنْ يَسْبِقَهُ فِعْلٌ كَما في هَذا الآيَةِ، والثّانِي أنْ تَدَخُلَ عَلى ذَلِكَ الماضِي (قَدْ)، نَحْوَ ما زَيْدٌ إلّا قَدْ ضَرَبَ عَمْرًا، وهَذا التِفاتٌ، وخُرُوجٌ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى (الَّذِينَ كَفَرُوا) . وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَذَمَّةَ هَؤُلاءِ (الَّذِينَ كَفَرُوا) بِأنَّهم يُعْرِضُونَ عَنْ كُلِّ آيَةٍ تَرِدُ عَلَيْهِمْ، ولَمّا تَقَدَّمَ الكَلامُ أوَّلًا في التَّوْحِيدِ، وثانِيًا في المَعادِ، وثالِثًا في تَقْرِيرِ هَذَيْنِ المَطْلُوبَيْنِ، ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ما يَتَعَلَّقُ بِتَقْرِيرِ النُّبُوَّةِ، وبَيَّنَ فِيهِ أنَّهم أعْرَضُوا عَنْ تَأمُّلِ الدَّلائِلِ، ويَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّ التَّقْلِيدَ باطِلٌ، وأنَّ التَّأمُّلَ في الدَّلائِلِ، واجِبٌ، ولِذَلِكَ ذُمُّوا بِإعْراضِهِمْ عَنِ الدَّلائِلِ. ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ﴾، (الحَقُّ) القُرْآنُ أوِ الإسْلامُ أوْ مُحَمَّدٌ أوِ انْشِقاقُ القَمَرِ أوِ الوَعْدُ أوِ الوَعِيدُ، أقْوالٌ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ الآيَةُ الَّتِي تَأْتِيهِمْ، وكَأنَّهُ قِيلَ: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ بِالآيَةِ الَّتِي تَأْتِيهِمْ، وهي (الحَقُّ) فَأقامَ الظّاهِرَ مَقامَ المُضْمَرِ؛ لِما في ذَلِكَ مِن وصْفِهِ بِالحَقِّ، وحَقِيقَتُهُ كَوْنُهُ مِن آياتِ اللَّهِ تَعالى. وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ أنَّ الفاءَ لِلتَّعْقِيبِ، وأنَّ إعْراضَهم عَنِ الآيَةِ أعَقَبَهُ التَّكْذِيبُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ مَرْدُودٌ عَلى كَلامٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ كانُوا مُعْرِضِينَ عَنِ الآياتِ، ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ بِما هو أعْظَمُ آيَةٍ وأكْبَرُها، وهو الحَقُّ لَمّا جاءَهم، يَعْنِي القُرْآنَ الَّذِي تُحُدُّوا بِهِ عَلى تَبالُغِهِمْ في الفَصاحَةِ، فَعَجَزُوا عَنْهُ انْتَهى. ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، إذِ الكَلامُ مُنْتَظِمٌ بِدُونِ هَذا التَّقْدِيرِ. ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم وقَعَ مِنهُمُ الِاسْتِهْزاءُ، (p-٧٥)فَيَكُونُ في الكَلامِ مَعْطُوفٌ مَحْذُوفٌ، دَلَّ عَلَيْهِ آخِرُ الآيَةِ، وتَقْدِيرُهُ: واسْتَهْزَءُوا بِهِ ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ﴾ وهَذِهِ رُتَبٌ ثَلاثٌ صَدَرَتْ مِن هَؤُلاءِ الكُفّارِ، الإعْراضُ عَنْ تَأمُّلِ الدَّلائِلِ، ثُمَّ أعْقَبَ الإعْراضَ التَّكْذِيبُ، وهو أزْيَدُ مِنَ الإعْراضِ، إذِ المُعْرِضُ قَدْ يَكُونُ غافِلًا عَنِ الشَّيْءِ، ثُمَّ أعْقَبَ التَّكْذِيبَ الِاسْتِهْزاءُ، وهو أزْيَدُ مِنَ التَّكْذِيبِ، إذِ المُكَذِّبُ قَدْ لا يَبْلُغُ إلى حَدِّ الِاسْتِهْزاءِ، وهَذِهِ هي المُبالَغَةُ في الإنْكارِ. والنَّبَأُ: الخَبَرُ الَّذِي يَعْظُمُ وقْعُهُ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ مُضافٌ؛ أيْ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ﴾ مُضْمَنُ (أنْباءِ)، فَقالَ قَوْمٌ: المُرادُ ما عُذِّبُوا بِهِ في الدُّنْيا مِنَ القَتْلِ والسَّبْيِ والنَّهْبِ والإجْلاءِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، وخَصَّصَ بَعْضُهم ذَلِكَ بِيَوْمِ بَدْرٍ. وقِيلَ: هو عَذابُ الآخِرَةِ، وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ التَّهْدِيدَ والزَّجْرَ والوَعِيدَ، كَما تَقُولُ: اصْنَعْ ما تَشاءُ، فَسَيَأْتِيكَ الخَبَرُ، وعَلَّقَ التَّهْدِيدَ بِالِاسْتِهْزاءِ دُونَ الإعْراضِ والتَّكْذِيبِ، لِتَضَمُّنِهِ إيّاهُما، إذْ هو الغايَةُ القُصْوى في إنْكارِ الحَقِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهو القُرْآنُ؛ أيْ أخْبارُهُ وأحْوالُهُ، بِمَعْنى سَيَعْلَمُونَ بِأيِّ شَيْءٍ اسْتَهْزَءُوا، وسَيَظْهَرُ لَهم أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَوْضِعُ اسْتِهْزاءٍ، وذَلِكَ عِنْدَ إرْسالِ العَذابِ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا أوْ يَوْمَ القِيامَةِ أوْ عِنْدَ ظُهُورِ الإسْلامِ وعُلُوِّ كَلِمَتِهِ انْتَهى. وهو عَلى عادَتِهِ في الإسْهابِ وشَرْحِ اللَّفْظِ والمَعْنى مِمّا لا يَدُلّانِ عَلَيْهِ. وجاءَ هُنا تَقْيِيدُ الكَذِبِ بِالحَقِّ، والتَّنْفِيسُ بِـ (سَوْفَ) . وفي الشُّعَراءِ، فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ؛ لِأنَّ الأنْعامَ مُتَقَدِّمَةٌ في النُّزُولِ عَلى الشُّعَراءِ، فاسْتَوْفى فِيها اللَّفْظَ، وحُذِفَ مِنَ الشُّعَراءِ، وهو مُرادٌ حالَةً عَلى الأوَّلِ، وناسَبَ الحَذْفَ الِاخْتِصارُ في حَرْفِ التَّنْفِيسِ، فَجاءَ بِالسِّينِ. والظّاهِرُ أنَّ (ما) في قَوْلِهِ: (ما كانُوا) مَوْصُولَةٌ اسْمِيَّةٌ، بِمَعْنى (الَّذِي)، والضَّمِيرُ في (بِهِ) عائِدٌ عَلَيْها. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَصِحُّ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً. التَّقْدِيرُ (أنْباءُ) كَوْنِهِمْ مُسْتَهْزِئِينَ، فَعَلى هَذا يَكُونُ الضَّمِيرُ في (بِهِ) عائِدًا عَلى الحَقِّ، لا عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ، حَيْثُ زَعَمَ أنَّ (ما) المَصْدَرِيَّةَ اسْمٌ لا حَرْفٌ، ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى كَوْنِها مَصْدَرِيَّةً.

الأنعام 6:4

﴿ثُمَّ قَضى أجَلًا وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾، (قَضى)، إنْ كانَتْ هُنا بِمَعْنى قَدَّرَ وكَتَبَ، كانَتْ (ثُمَّ) هُنا لِلتَّرْتِيبِ في الذِّكْرِ، لا في الزَّمانِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ سابِقٌ عَلى خَلْقِنا، إذْ هي صِفَةُ ذاتٍ، وإنْ كانَتْ بِمَعْنى (أظْهَرَ)، كانَتْ لِلتَّرْتِيبِ الزَّمانِيِّ عَلى أصْلِ وضْعِها؛ لِأنَّ ذَلِكَ مُتَأخِّرٌ عَنْ خَلْقِنا، فَهي صِفَةُ فِعْلٍ. والظّاهِرُ مِن تَنْكِيرِ الأجَلَيْنِ، أنَّهُ تَعالى أبْهَمَ أمْرَهُما. وقالَ الحَسَنُ: ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ وخَصِيفٌ وقَتادَةُ: الأوَّلُ أجَلُ الدُّنْيا مِن وقْتِ الخَلْقِ إلى المَوْتِ، والثّانِي أجَلُ الآخِرَةِ؛ لِأنَّ الحَياةَ في الآخِرَةِ، لا انْقِضاءَ لَها، ولا يَعْلَمُ كَيْفِيَّةَ الحالِ في هَذا الأجَلِ، إلّا اللَّهُ تَعالى. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الأوَّلَ، هو وفاتُهُ بِالنَّوْمِ، والثّانِي بِالمَوْتِ. وقالَ أيْضًا: الأوَّلُ أجَلُ الدُّنْيا، والثّانِي الآخِرَةُ. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: الأوَّلُ الآخِرَةُ، والثّانِي الدُّنْيا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الأوَّلُ، هو في وقْتِ أخْذِ المِيثاقِ عَلى بَنِي آدَمَ حِينَ اسْتَخْرَجَهم مِن ظَهْرِ آدَمَ، والمُسَمّى في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: الأوَّلُ أجَلُ الماضِينَ، والثّانِي أجَلُ الباقِينَ، ووَصَفَهُ بِأنَّهُ مُسَمًّى عِنْدَهُ؛ لِأنَّهُ تَعالى مُخْتَصٌّ بِهِ بِخِلافِ الماضِينَ، فَإنَّهم لَمّا ماتُوا عُلِمَتْ آجالُهم. وقِيلَ: الأوَّلُ ما بَيْنَ أنْ يُخْلَقَ إلى أنْ يَمُوتَ، والثّانِي ما بَيْنَ المَوْتِ والبَعْثِ، وهو البَرْزَخُ. وقِيلَ: الأوَّلُ مِقْدارُ ما انْقَضى مِن عُمْرِ كُلِّ إنْسانٍ، والثّانِي مِقْدارُ ما بَقِيَ. وقِيلَ: الأوَّلُ أجَلُ الأُمَمِ السّالِفَةِ، والثّانِي أجَلُ هَذِهِ الأُمَّةِ. وقِيلَ: الأوَّلُ ما عَلِمْناهُ أنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ﷺ، (p-٧١)والثّانِي مِنَ الآخِرَةِ. وقِيلَ: الأوَّلُ ما عَرَفَ النّاسُ مِن آجالِ الأهِلَّةِ والسِّنِينَ والكَوائِنِ، والثّانِي قِيامُ السّاعَةِ. وقِيلَ: الأوَّلُ مِن أوْقاتِ الأهِلَّةِ وما أشْبَهَها، والثّانِي مَوْتُ الإنْسانِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ أيْضًا ﴿قَضى أجَلًا﴾ بِانْقِضاءِ الدُّنْيا، والثّانِي لِابْتِداءِ الآخِرَةِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: لِكُلِّ أحَدٍ أجَلانِ، فَإنْ كانَ تَقِيًّا وصُوَلًا لِلرَّحِمِ، زِيدَ لَهُ مِن أجَلِ البَعْثِ في أجَلِ العُمْرِ، وإنْ كانَ بِالعَكْسِ، نُقِصَ مِن أجَلِ العُمْرِ، وزِيدَ في أجَلِ البَعْثِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: لِكُلِّ إنْسانٍ أجَلانِ الطَّبِيعِيُّ والِاخْتَرامِيُّ. فالطَّبِيعِيُّ؛ هو الَّذِي لَوْ بَقِيَ ذَلِكَ المِزاجُ مَصُونًا عَنِ العَوارِضِ الخارِجَةِ، لانْتَهَتْ مُدَّةُ بَقائِهِ إلى الأوْقاتِ الفَلَكِيَّةِ. والِاخْتَرامِيُّ؛ هو الَّذِي يَحْصُلُ بِسَبَبِ الأسْبابِ الخارِجِيَّةِ، كالحَرْقِ والغَرَقِ، ولَدْغِ الحَشَراتِ وغَيْرِها مِنَ الأُمُورِ المُنْفَصِلَةِ انْتَهى. وهَذا قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ، وهو نَقَلَهُ عَنْهم وقالَ: هَذا قَوْلُ حُكَماءِ الإسْلامِ انْتَهى. ومَعْنى ﴿مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ مَعْلُومٌ عِنْدَهُ، أوْ مَذْكُورٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وعِنْدَهُ مَجازٌ عَنْ عِلْمِهِ، ولا يُرادُ بِهِ المَكانُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: المُبْتَدَأُ النَّكِرَةُ إذا كانَ خَبَرُهُ ظَرْفًا، وجَبَ تَقْدِيمُهُ فَلَمّا جازَ تَقْدِيمُهُ في قَوْلِهِ: ﴿وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ . قُلْتُ: لِأنَّهُ تَخْصِيصٌ بِالصِّفَةِ فَقارَبَ المَعْرِفَةَ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكٍ﴾ [البقرة: ٢٢١] انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ مِن مُسَوِّغِ الِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ؛ لِكَوْنِها وُصِفَتْ لا يَتَعَيَّنُ هُنا أنْ يَكُونَ هو المُسَوِّغَ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُسَوِّغُ هو التَّفْصِيلَ؛ لِأنَّ مِن مُسَوِّغاتِ الِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ، أنْ يَكُونَ المَوْضِعُ مَوْضِعَ تَفْصِيلٍ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ؎إذا ما بَكى مِن خَلْفِها انْحَرَفَتْ لَهُ بِشِقٍّ وشِقٌّ عِنْدَنا لَمْ يُحَوَّلِ وقَدْ سَبَقَ كَلامُنا عَلى هَذا البَيْتِ، وبَيَّنّا أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِنْدَنا في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، بَلْ يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الخَبَرِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: الكَلامُ السّائِرُ أنْ يُقالَ: عِنْدِي ثَوْبٌ جَيِّدٌ، ولِي عَبْدٌ كَيِّسٌ، وما أشْبَهَ ذَلِكَ. قُلْتُ: أوْجَبَهُ أنَّ المَعْنى وأيُّ (أجَلٍ مُسَمًّى عِنْدَهُ) تَعْظِيمًا لِشَأْنِ السّاعَةِ، فَلَمّا جَرى فِيهِ هَذا المَعْنى، وجَبَ التَّقْدِيمُ انْتَهى. وهَذا لا يَجُوزُ لِأنَّهُ إذا كانَ التَّقْدِيرُ وأيُّ (أجَلٍ مُسَمًّى عِنْدَهُ)، كانَتْ أيٌّ صِفَةً لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: وأجَلٌ أيُّ (أجَلٍ مُسَمًّى عِنْدَهُ)، ولا يَجُوزُ حَذْفُ الصِّفَةِ إذا كانَتْ أيًّا، ولا حَذْفُ مَوْصُوفِها وإبْقاؤُها، فَلَوْ قُلْتَ: مَرَرْتُ بِأيِّ رَجُلٍ، تُرِيدُ بِرَجُلٍ أيِّ رَجُلٍ، لَمْ يَجُزْ (وتَمْتَرُونَ) مَعْناهُ تَشُكُّونَ أوْ تُجادِلُونَ جِدالَ الشّاكِّينَ، والتَّمّارِي المُجادَلَةُ عَلى مَذْهَبِ الشَّكِّ، قالَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ. والكَلامُ في (ثُمَّ) هُنا كالكَلامِ فِيها في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنعام: ١] والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ عَلى جِهَةِ الخِطابِ، هو التِفاتٌ مِنَ الغائِبِ الَّذِي هو قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنعام: ١]، وإنْ كانَ الخَلْقُ وقَضاءُ الأجَلِ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالكُفّارِ، إذِ اشْتَرَكَ فِيهِ المُؤْمِنُ والكافِرُ، لَكِنَّهُ قُصِدَ بِهِ الكافِرُ؛ تَنْبِيهًا لَهُ عَلى أصْلِ خَلْقِهِ، وقَضاءِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ وقُدْرَتِهِ، وإنَّما قُلْتُ إنَّهُ مِن بابِ الِالتِفاتِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ أنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾، لا يُمْكِنُ أنْ يَنْدَرِجَ في هَذا الخِطابِ مَنِ اصْطَفاهُ اللَّهُ بِالنُّبُوَّةِ والإيمانِ. ﴿وهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكم ويَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ﴾ لَمّا تَقَدَّمَ ما يَدُلُّ عَلى القُدْرَةِ التّامَّةِ والِاخْتِيارِ، ذَكَرَ ما (p-٧٢)يَدُلُّ عَلى العِلْمِ التّامِّ، فَكانَ في التَّنْبِيهِ عَلى هَذِهِ الأوْصافِ دَلالَةٌ عَلى كَوْنِهِ تَعالى قادِرًا مُخْتارًا عالِمًا بِالكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ، وإبْطالًا لِشُبَهِ مُنْكِرِ المَعادِ. والظّاهِرُ أنَّ (هو) ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى ما عادَتْ عَلَيْهِ الضَّمائِرُ قَبْلَهُ ﴿وهُوَ اللَّهُ﴾ وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، قالَهُ الكِرْمانِيُّ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: (هو) ضَمِيرُ الشَّأْنِ (واللَّهُ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، والجُمْلَةُ مُفَسِّرَةٌ لِضَمِيرِ الشَّأْنِ، وإنَّما فَرَّ إلى هَذا؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يَكُنْ ضَمِيرَ الشَّأْنِ كانَ عائِدًا عَلى اللَّهِ تَعالى، فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ اللَّهُ و(اللَّهُ)، فَيَنْعَقِدُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ مِنَ اسْمَيْنِ مُتَّحِدَيْنِ لَفْظًا ومَعْنًى، لا نِسْبَةَ بَيْنَهُما إسْنادِيَّةً، وذَلِكَ لا يَجُوزُ، فَلِذَلِكَ، واللَّهُ أعْلَمُ، تَأوَّلَ. أبُو عَلِيٍّ: الآيَةَ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ ضَمِيرُ الأمْرِ (واللَّهُ)، خَبَرُهُ يَعْلَمُ في ﴿السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَعْلَمُ)، والتَّقْدِيرُ؛ اللَّهُ يَعْلَمُ ﴿فِي السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾، ﴿سِرَّكم وجَهْرَكُمْ﴾، ذَهَبَ الزَّجّاجُ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِي السَّماواتِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما تَضَمَّنَهُ اسْمُ اللَّهِ مِنَ المَعانِي، كَما يُقالُ: أمِيرُ المُؤْمِنِينَ الخَلِيفَةُ في المَشْرِقِ والمَغْرِبِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا عِنْدِي أفْضَلُ الأقْوالِ وأكْثَرُها إحْرازًا لِفَصاحَةِ اللَّفْظِ وجَزالَةِ المَعْنى، وإيضاحِهِ أنَّهُ أرادَ أنْ يَدُلَّ عَلى خَلْقِهِ، وآثارِ قُدْرَتِهِ وإحاطَتِهِ واسْتِيلائِهِ، ونَحْوَ هَذِهِ الصِّفاتِ، فَجَمَعَ هَذِهِ كُلَّها في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ هَذِهِ كُلُّها ﴿فِي السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾، كَأنَّهُ قالَ: وهو الخالِقُ الرّازِقُ، والمُحْيِي المُحِيطُ في السَّماواتِ، وفي الأرْضِ، كَما تَقُولُ: زَيْدٌ السُّلْطانُ في الشّامِ والعِراقِ، فَلَوْ قَصَدْتَ ذاتَ زَيْدٍ، لَقُلْتَ: مُحالًا، وإذا كانَ مَقْصِدُ قَوْلِكَ زَيْدٌ السُّلْطانُ، الآمِرُ النّاهِي، النّاقِضُ المُبْرِمُ، الَّذِي يَعْزِلُ ويُوَلِّي في الشّامِ والعِراقِ، فَأقَمْتَ السُّلْطانَ مَقامَ هَذِهِ كُلِّها، كانَ فَصِيحًا صَحِيحًا، فَكَذَلِكَ في الآيَةِ أقامَ لَفْظَةَ (اللَّهُ) مَقامَ تِلْكَ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ انْتَهى. وما ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ وأوْضَحَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ صَحِيحٌ مِن حَيْثُ المَعْنى، لَكِنَّ صِناعَةَ النَّحْوِ لا تُساعِدُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُما زَعَما أنَّ ﴿فِي السَّماواتِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِلَفْظِ (اللَّهُ) لِما تَضَمَّنَهُ مِنَ المَعانِي، ولا تَعْمَلُ تِلْكَ المَعانِي جَمِيعُها في اللَّفْظِ؛ لِأنَّهُ لَوْ صُرِّحَ بِها جَمِيعِها، لَمْ تَعْمَلْ فِيهِ، بَلِ العَمَلُ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ لِواحِدٍ مِنها، وإنْ كانَ ﴿فِي السَّماواتِ﴾ مُتَعَلِّقًا بِها جَمِيعِها مِن حَيْثُ المَعْنى، بَلِ الأوْلى أنْ يَعْمَلَ في المَجْرُورِ ما تَضَمَّنَهُ لَفْظُ (اللَّهُ) مِن مَعْنى الأُلُوهِيَّةِ، وإنْ كانَ لَفْظُ (اللَّهُ) عَلَمًا؛ لِأنَّ الظَّرْفَ والمَجْرُورَ قَدْ يَعْمَلُ فِيهِما العَلَمُ بِما تَضَمَّنَهُ مِنَ المَعْنى، كَما قالَ: أنا أبُو المِنهالِ بَعْضَ الأحْيانِ، فَـ (بَعْضَ) مَنصُوبٌ بِما تَضَمَّنَهُ أبُو المِنهالِ، كَأنَّهُ قالَ: أنا المَشْهُورُ بَعْضَ الأحْيانِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نَحْوًا مِن هَذا، قالَ: ﴿فِي السَّماواتِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَعْنى اسْمِ اللَّهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وهو المَعْبُودُ فِيهِما، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] أيْ: وهو المَعْرُوفُ بِالإلَهِيَّةِ، أوِ المُتَوَحِّدُ بِالإلَهِيَّةِ فِيها، أوْ هو الَّذِي يُقالُ لَهُ: اللَّهُ فِيها لا يُشْرَكُ في هَذا الِاسْمِ انْتَهى. فانْظُرْ (p-٧٣)تَقادِيرَهُ كُلَّها، كَيْفَ قَدَّرَ العامِلَ واحِدًا مِنَ المَعانِي لا جَمِيعِها. وقالَتْ فِرْقَةٌ (هو) عَلى تَقْدِيرِ صِفَةٍ حُذِفَتْ، وهي مُرادَةٌ في المَعْنى، كَأنَّهُ قِيلَ: هو اللَّهُ المَعْبُودُ ﴿فِي السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾ وقَدَّرَها بَعْضُهم، وهو اللَّهُ المُدَبِّرُ ﴿فِي السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾ . وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿وهُوَ اللَّهُ﴾ تَمَّ الكَلامُ هُنا. ثُمَّ اسْتَأْنَفَ ما بَعْدَهُ، وتَعَلَّقَ المَجْرُورُ بِـ (يَعْلَمُ) . وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿وهُوَ اللَّهُ﴾ تامٌّ، و﴿فِي السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَفْعُولِ (يَعْلَمُ) وهو ﴿سِرَّكم وجَهْرَكُمْ﴾، والتَّقْدِيرُ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكم في السَّماواتِ وفي الأرْضِ، وهَذا يَضْعُفُ؛ لِأنَّ فِيهِ تَقْدِيمَ مَفْعُولِ المَصْدَرِ المَوْصُولِ عَلَيْهِ. والعَجَبُ مِنَ النَّحّاسِ حَيْثُ قالَ: هَذا مِن أحْسَنِ ما قِيلَ: فِيهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ضَمِيرُ الأمْرِ، واللَّهُ مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ ﴿فِي السَّماواتِ﴾، والجُمْلَةُ خَبَرٌ عَنْ ضَمِيرِ الأمْرِ؛ وتَمَّ الكَلامُ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقالَ: ﴿وفِي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكُمْ﴾ أيْ: ويَعْلَمُ في الأرْضِ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ نَحْوًا مِن هَذا، إلّا أنَّ (هو) عائِدٌ عَلى ما عادَتْ عَلَيْهِ الضَّمائِرُ قَبْلُ، ولَيْسَ ضَمِيرَ الأمْرِ، وقِيلَ: يَتَعَلَّقُ ﴿فِي السَّماواتِ﴾ بِقَوْلِهِ: (تَكْسِبُونَ) هَذا خَطَأٌ لِأنَّ (ما) مَوْصُولَةٌ بِـ (تَكْسِبُونَ)، وسَواءٌ كانَتْ حَرْفًا مَصْدَرِيًّا، أمِ اسْمًا بِمَعْنى (الَّذِي)، فَإنَّهُ لا يَجُوزُ تَقْدِيمُ مَعْمُولِ الصِّلَةِ عَلى المَوْصُولِ. وقِيلَ: ﴿فِي السَّماواتِ﴾ حالٌ مِنَ المَصْدَرِ الَّذِي هو ﴿سِرَّكم وجَهْرَكُمْ﴾ تَقَدَّمَ عَلى ذِي الحالِ، وعَلى العامِلِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿اللَّهُ في السَّماواتِ﴾ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، عَلى مَعْنى أنَّهُ اللَّهُ، وأنَّهُ في السَّماواتِ والأرْضِ، بِمَعْنى أنَّهُ عالِمٌ بِما فِيهِما، لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنهُ، كَأنَّ ذاتَهُ فِيها، وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ المَجْرُورَ بِـ (في) لا يَدُلُّ عَلى وصْفٍ خاصٍّ، إنَّما يَدُلُّ عَلى كَوْنٍ مُطْلَقٍ. وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ يَنْبَنِي إعْرابُ هَذِهِ الآيَةِ، وإنَّما ذَهَبَ أهْلُ العِلْمِ إلى هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ، والخُرُوجِ عَنْ ظاهِرِ ﴿فِي السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾ لِما قامَ عَلَيْهِ دَلِيلُ العَقْلِ مِنِ اسْتِحالَةِ حُلُولِ اللَّهِ تَعالى في الأماكِنِ، ومُماسَّةِ الإجْرامِ، ومُحاذاتِهِ لَها، وتَحَيُّزِهِ في جِهَةٍ، قالَ مَعْناهُ، وبَعْضَ لَفْظِهِ ابْنُ عَطِيَّةَ. وفي قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ﴾ إلى آخِرِهِ خَبَرٌ في ضِمْنِهِ تَحْذِيرٌ وزَجْرٌ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: المُرادُ بِالسِّرِّ: صِفاتُ القُلُوبِ، وهو الدَّواعِي والصَّوارِفُ، وبِالجَهْرِ أعْمالُ الجَوارِحِ، وقُدِّمَ السِّرُّ لِأنَّ ذِكْرَ المُؤَثِّرِ في الفِعْلِ، هو مَجْمُوعُ القُدْرَةِ مَعَ الدّاعِي، فالدّاعِيَةُ الَّتِي هي مِن بابِ السِّرِّ، هي المُؤَثِّرَةُ في أعْمالِ الجَوارِحِ المُسَمّاةِ بِالجَهْرِ، وقَدْ ثَبَتَ أنَّ العِلْمَ بِالعِلَّةِ، عِلَّةُ العِلْمِ بِالمَعْلُولِ، والعِلَّةُ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى المَعْلُولِ، والمُقَدَّمُ بِالذّاتِ يَجِبُ تَقْدِيمُهُ بِحَسَبِ اللَّفْظِ انْتَهى. قالَ التَّبْرِيزِيُّ: مَعْناهُ يَعْلَمُ ما تُخْفُونَهُ مِن أعْمالِكم ونِيّاتِكم، وما تُظْهِرُونَ مِن أعْمالِكم، وما تَكْسِبُونَ عامٌّ لِجَمِيعِ الِاعْتِقاداتِ والأقْوالِ والأفْعالِ، وكَسْبُ كُلِّ إنْسانٍ عَمَلُهُ المُفْضِي بِهِ إلى اجْتِلابِ نَفْعٍ، أوْ دَفْعِ ضُرٍّ، ولِهَذا لا يُوصَفُ بِهِ اللَّهُ تَعالى. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: وفي أوَّلِ كَلامِهِ شَيْءٌ مِن مَعْنى كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ، يَجِبُ حَمْلُ قَوْلِهِ: ﴿ما تَكْسِبُونَ﴾ عَلى ما يَسْتَحِقُّهُ الإنْسانُ عَلى فِعْلِهِ مِن ثَوابٍ وعِقابٍ، فَهو مَحْمُولٌ عَلى المُكْتَسَبِ، كَما يُقالُ هَذا المالُ كَسْبُ فُلانٍ؛ أيْ مُكْتَسَبُهُ، ولا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى نَفْسِ الكَسْبِ، وإلّا لَزِمَ عَطْفُ الشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ رَدٌّ عَلى المُعَطِّلَةِ والثَّنَوِيَّةِ والحَشَوِيَّةِ والفَلاسِفَةِ انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ مَوْقِعُ قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكُمْ﴾، قُلْتُ: إنْ أرادَ المُتَوَحِّدُ بِالإلَهِيَّةِ، كانَ تَقْرِيرًا لَهُ؛ لِأنَّ الَّذِي اسْتَوى في عِلْمِهِ السِّرُّ والعَلانِيَةُ، هو اللَّهُ وحْدَهُ، وكَذَلِكَ إذا جَعَلْتَ ﴿فِي السَّماواتِ﴾ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، وإلّا فَهو كَلامٌ مُبْتَدَأٌ، أوْ خَبَرٌ ثالِثٌ انْتَهى. وهَذا عَلى مَذْهَبِ مَن يُجِيزُ أنْ يَكُونَ لِلْمُبْتَدَأِ أخْبارٌ مُتَعَدِّدَةٌ. ﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ . (مِن) الأُولى زائِدَةٌ لِاسْتِغْراقِ الجِنْسِ، ومَعْنى الزِّيادَةِ فِيها أنَّ ما بَعْدَها مَعْمُولٌ لِما قَبْلَها فاعِلٌ بِقَوْلِهِ: (تَأْتِيهِمْ)، فَإذا كانَتِ (p-٧٤)النَّكِرَةُ بَعْدَها مِمّا لا يُسْتَعْمَلُ إلّا في النَّفْيِ العامِّ، كانَتْ (مِن) لِتَأْكِيدِ الِاسْتِغْراقِ، نَحْوَ: ما في الدّارِ مِن أحَدٍ، وإذا كانَتْ مِمّا يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها الِاسْتِغْراقُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها نَفْيُ الوَحْدَةِ، أوْ نَفْيُ الكَمالِ، كانَتْ (مِن)، دالَّةً عَلى الِاسْتِغْراقِ، نَحْوَ: ما قامَ مِن رَجُلٍ. و(مِن) الثّانِيَةُ لِلتَّبْعِيضِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي وما يَظْهَرُ لَهم قَطُّ دَلِيلٌ مِنَ الأدِلَّةِ الَّتِي يَجِبُ فِيها النَّظَرُ والِاسْتِدْلالُ والِاعْتِبارُ، إلّا كانُوا عَنْهُ (مُعْرِضِينَ) تارِكِينَ لِلنَّظَرِ، لا يَلْتَفِتُونَ إلَيْهِ، ولا يَرْفَعُونَ بِهِ رَأْسًا؛ لِقِلَّةِ خَوْفِهِمْ وتَدَبُّرِهِمْ لِلْعَواقِبِ انْتَهى. واسْتِعْمالُ الزَّمَخْشَرِيِّ قَطُّ مَعَ المُضارِعِ في قَوْلِهِ: وما يَظْهَرُ لَهم قَطُّ دَلِيلٌ، لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ قَطُّ ظَرْفٌ مُخْتَصٌّ بِالماضِي، إلّا إنْ كانَ أرادَ بِقَوْلِهِ: وما يَظْهَرُ، وما ظَهَرَ، ولا حاجَةَ إلى اسْتِعْمالِ ذَلِكَ. وقِيلَ: (الآيَةُ) هُنا العَلامَةُ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ، وانْفِرادِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ. وقِيلَ: الرِّسالَةُ. وقِيلَ: المُعْجِزُ الخارِقُ. وقِيلَ: القُرْآنُ، ومَعْنى (عَنْها) أيْ: عَنْ قَبُولِها أوْ سَماعِها، والإعْراضُ ضِدُّ الإقْبالِ، وهو مَجازٌ، إذْ حَقِيقَتُهُ في الأجْسامِ، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (كانُوا) ومُتَعَلِّقُها في مَوْضِعِ الحالِ، فَيَكُونُ (تَأْتِيهِمْ) ماضِي المَعْنى؛ لِقَوْلِهِ: (كانُوا)، أوْ يَكُونُ (كانُوا) مُضارِعٌ المَعْنى؛ لِقَوْلِهِ: (تَأْتِيهِمْ)، وذُو الحالِ، هو الضَّمِيرُ في (تَأْتِيهِمْ)، ولا يَأْتِي ماضِيًا إلّا بِأحَدِ شَرْطَيْنِ، أحَدُهُما: أنْ يَسْبِقَهُ فِعْلٌ كَما في هَذا الآيَةِ، والثّانِي أنْ تَدَخُلَ عَلى ذَلِكَ الماضِي (قَدْ)، نَحْوَ ما زَيْدٌ إلّا قَدْ ضَرَبَ عَمْرًا، وهَذا التِفاتٌ، وخُرُوجٌ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى (الَّذِينَ كَفَرُوا) . وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَذَمَّةَ هَؤُلاءِ (الَّذِينَ كَفَرُوا) بِأنَّهم يُعْرِضُونَ عَنْ كُلِّ آيَةٍ تَرِدُ عَلَيْهِمْ، ولَمّا تَقَدَّمَ الكَلامُ أوَّلًا في التَّوْحِيدِ، وثانِيًا في المَعادِ، وثالِثًا في تَقْرِيرِ هَذَيْنِ المَطْلُوبَيْنِ، ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ما يَتَعَلَّقُ بِتَقْرِيرِ النُّبُوَّةِ، وبَيَّنَ فِيهِ أنَّهم أعْرَضُوا عَنْ تَأمُّلِ الدَّلائِلِ، ويَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّ التَّقْلِيدَ باطِلٌ، وأنَّ التَّأمُّلَ في الدَّلائِلِ، واجِبٌ، ولِذَلِكَ ذُمُّوا بِإعْراضِهِمْ عَنِ الدَّلائِلِ. ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ﴾، (الحَقُّ) القُرْآنُ أوِ الإسْلامُ أوْ مُحَمَّدٌ أوِ انْشِقاقُ القَمَرِ أوِ الوَعْدُ أوِ الوَعِيدُ، أقْوالٌ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ الآيَةُ الَّتِي تَأْتِيهِمْ، وكَأنَّهُ قِيلَ: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ بِالآيَةِ الَّتِي تَأْتِيهِمْ، وهي (الحَقُّ) فَأقامَ الظّاهِرَ مَقامَ المُضْمَرِ؛ لِما في ذَلِكَ مِن وصْفِهِ بِالحَقِّ، وحَقِيقَتُهُ كَوْنُهُ مِن آياتِ اللَّهِ تَعالى. وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ أنَّ الفاءَ لِلتَّعْقِيبِ، وأنَّ إعْراضَهم عَنِ الآيَةِ أعَقَبَهُ التَّكْذِيبُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ مَرْدُودٌ عَلى كَلامٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ كانُوا مُعْرِضِينَ عَنِ الآياتِ، ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ بِما هو أعْظَمُ آيَةٍ وأكْبَرُها، وهو الحَقُّ لَمّا جاءَهم، يَعْنِي القُرْآنَ الَّذِي تُحُدُّوا بِهِ عَلى تَبالُغِهِمْ في الفَصاحَةِ، فَعَجَزُوا عَنْهُ انْتَهى. ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، إذِ الكَلامُ مُنْتَظِمٌ بِدُونِ هَذا التَّقْدِيرِ. ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم وقَعَ مِنهُمُ الِاسْتِهْزاءُ، (p-٧٥)فَيَكُونُ في الكَلامِ مَعْطُوفٌ مَحْذُوفٌ، دَلَّ عَلَيْهِ آخِرُ الآيَةِ، وتَقْدِيرُهُ: واسْتَهْزَءُوا بِهِ ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ﴾ وهَذِهِ رُتَبٌ ثَلاثٌ صَدَرَتْ مِن هَؤُلاءِ الكُفّارِ، الإعْراضُ عَنْ تَأمُّلِ الدَّلائِلِ، ثُمَّ أعْقَبَ الإعْراضَ التَّكْذِيبُ، وهو أزْيَدُ مِنَ الإعْراضِ، إذِ المُعْرِضُ قَدْ يَكُونُ غافِلًا عَنِ الشَّيْءِ، ثُمَّ أعْقَبَ التَّكْذِيبَ الِاسْتِهْزاءُ، وهو أزْيَدُ مِنَ التَّكْذِيبِ، إذِ المُكَذِّبُ قَدْ لا يَبْلُغُ إلى حَدِّ الِاسْتِهْزاءِ، وهَذِهِ هي المُبالَغَةُ في الإنْكارِ. والنَّبَأُ: الخَبَرُ الَّذِي يَعْظُمُ وقْعُهُ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ مُضافٌ؛ أيْ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ﴾ مُضْمَنُ (أنْباءِ)، فَقالَ قَوْمٌ: المُرادُ ما عُذِّبُوا بِهِ في الدُّنْيا مِنَ القَتْلِ والسَّبْيِ والنَّهْبِ والإجْلاءِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، وخَصَّصَ بَعْضُهم ذَلِكَ بِيَوْمِ بَدْرٍ. وقِيلَ: هو عَذابُ الآخِرَةِ، وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ التَّهْدِيدَ والزَّجْرَ والوَعِيدَ، كَما تَقُولُ: اصْنَعْ ما تَشاءُ، فَسَيَأْتِيكَ الخَبَرُ، وعَلَّقَ التَّهْدِيدَ بِالِاسْتِهْزاءِ دُونَ الإعْراضِ والتَّكْذِيبِ، لِتَضَمُّنِهِ إيّاهُما، إذْ هو الغايَةُ القُصْوى في إنْكارِ الحَقِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهو القُرْآنُ؛ أيْ أخْبارُهُ وأحْوالُهُ، بِمَعْنى سَيَعْلَمُونَ بِأيِّ شَيْءٍ اسْتَهْزَءُوا، وسَيَظْهَرُ لَهم أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَوْضِعُ اسْتِهْزاءٍ، وذَلِكَ عِنْدَ إرْسالِ العَذابِ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا أوْ يَوْمَ القِيامَةِ أوْ عِنْدَ ظُهُورِ الإسْلامِ وعُلُوِّ كَلِمَتِهِ انْتَهى. وهو عَلى عادَتِهِ في الإسْهابِ وشَرْحِ اللَّفْظِ والمَعْنى مِمّا لا يَدُلّانِ عَلَيْهِ. وجاءَ هُنا تَقْيِيدُ الكَذِبِ بِالحَقِّ، والتَّنْفِيسُ بِـ (سَوْفَ) . وفي الشُّعَراءِ، فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ؛ لِأنَّ الأنْعامَ مُتَقَدِّمَةٌ في النُّزُولِ عَلى الشُّعَراءِ، فاسْتَوْفى فِيها اللَّفْظَ، وحُذِفَ مِنَ الشُّعَراءِ، وهو مُرادٌ حالَةً عَلى الأوَّلِ، وناسَبَ الحَذْفَ الِاخْتِصارُ في حَرْفِ التَّنْفِيسِ، فَجاءَ بِالسِّينِ. والظّاهِرُ أنَّ (ما) في قَوْلِهِ: (ما كانُوا) مَوْصُولَةٌ اسْمِيَّةٌ، بِمَعْنى (الَّذِي)، والضَّمِيرُ في (بِهِ) عائِدٌ عَلَيْها. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَصِحُّ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً. التَّقْدِيرُ (أنْباءُ) كَوْنِهِمْ مُسْتَهْزِئِينَ، فَعَلى هَذا يَكُونُ الضَّمِيرُ في (بِهِ) عائِدًا عَلى الحَقِّ، لا عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ، حَيْثُ زَعَمَ أنَّ (ما) المَصْدَرِيَّةَ اسْمٌ لا حَرْفٌ، ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى كَوْنِها مَصْدَرِيَّةً.

الأنعام 6:5

﴿ثُمَّ قَضى أجَلًا وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾، (قَضى)، إنْ كانَتْ هُنا بِمَعْنى قَدَّرَ وكَتَبَ، كانَتْ (ثُمَّ) هُنا لِلتَّرْتِيبِ في الذِّكْرِ، لا في الزَّمانِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ سابِقٌ عَلى خَلْقِنا، إذْ هي صِفَةُ ذاتٍ، وإنْ كانَتْ بِمَعْنى (أظْهَرَ)، كانَتْ لِلتَّرْتِيبِ الزَّمانِيِّ عَلى أصْلِ وضْعِها؛ لِأنَّ ذَلِكَ مُتَأخِّرٌ عَنْ خَلْقِنا، فَهي صِفَةُ فِعْلٍ. والظّاهِرُ مِن تَنْكِيرِ الأجَلَيْنِ، أنَّهُ تَعالى أبْهَمَ أمْرَهُما. وقالَ الحَسَنُ: ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ وخَصِيفٌ وقَتادَةُ: الأوَّلُ أجَلُ الدُّنْيا مِن وقْتِ الخَلْقِ إلى المَوْتِ، والثّانِي أجَلُ الآخِرَةِ؛ لِأنَّ الحَياةَ في الآخِرَةِ، لا انْقِضاءَ لَها، ولا يَعْلَمُ كَيْفِيَّةَ الحالِ في هَذا الأجَلِ، إلّا اللَّهُ تَعالى. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الأوَّلَ، هو وفاتُهُ بِالنَّوْمِ، والثّانِي بِالمَوْتِ. وقالَ أيْضًا: الأوَّلُ أجَلُ الدُّنْيا، والثّانِي الآخِرَةُ. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: الأوَّلُ الآخِرَةُ، والثّانِي الدُّنْيا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الأوَّلُ، هو في وقْتِ أخْذِ المِيثاقِ عَلى بَنِي آدَمَ حِينَ اسْتَخْرَجَهم مِن ظَهْرِ آدَمَ، والمُسَمّى في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: الأوَّلُ أجَلُ الماضِينَ، والثّانِي أجَلُ الباقِينَ، ووَصَفَهُ بِأنَّهُ مُسَمًّى عِنْدَهُ؛ لِأنَّهُ تَعالى مُخْتَصٌّ بِهِ بِخِلافِ الماضِينَ، فَإنَّهم لَمّا ماتُوا عُلِمَتْ آجالُهم. وقِيلَ: الأوَّلُ ما بَيْنَ أنْ يُخْلَقَ إلى أنْ يَمُوتَ، والثّانِي ما بَيْنَ المَوْتِ والبَعْثِ، وهو البَرْزَخُ. وقِيلَ: الأوَّلُ مِقْدارُ ما انْقَضى مِن عُمْرِ كُلِّ إنْسانٍ، والثّانِي مِقْدارُ ما بَقِيَ. وقِيلَ: الأوَّلُ أجَلُ الأُمَمِ السّالِفَةِ، والثّانِي أجَلُ هَذِهِ الأُمَّةِ. وقِيلَ: الأوَّلُ ما عَلِمْناهُ أنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ﷺ، (p-٧١)والثّانِي مِنَ الآخِرَةِ. وقِيلَ: الأوَّلُ ما عَرَفَ النّاسُ مِن آجالِ الأهِلَّةِ والسِّنِينَ والكَوائِنِ، والثّانِي قِيامُ السّاعَةِ. وقِيلَ: الأوَّلُ مِن أوْقاتِ الأهِلَّةِ وما أشْبَهَها، والثّانِي مَوْتُ الإنْسانِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ أيْضًا ﴿قَضى أجَلًا﴾ بِانْقِضاءِ الدُّنْيا، والثّانِي لِابْتِداءِ الآخِرَةِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: لِكُلِّ أحَدٍ أجَلانِ، فَإنْ كانَ تَقِيًّا وصُوَلًا لِلرَّحِمِ، زِيدَ لَهُ مِن أجَلِ البَعْثِ في أجَلِ العُمْرِ، وإنْ كانَ بِالعَكْسِ، نُقِصَ مِن أجَلِ العُمْرِ، وزِيدَ في أجَلِ البَعْثِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: لِكُلِّ إنْسانٍ أجَلانِ الطَّبِيعِيُّ والِاخْتَرامِيُّ. فالطَّبِيعِيُّ؛ هو الَّذِي لَوْ بَقِيَ ذَلِكَ المِزاجُ مَصُونًا عَنِ العَوارِضِ الخارِجَةِ، لانْتَهَتْ مُدَّةُ بَقائِهِ إلى الأوْقاتِ الفَلَكِيَّةِ. والِاخْتَرامِيُّ؛ هو الَّذِي يَحْصُلُ بِسَبَبِ الأسْبابِ الخارِجِيَّةِ، كالحَرْقِ والغَرَقِ، ولَدْغِ الحَشَراتِ وغَيْرِها مِنَ الأُمُورِ المُنْفَصِلَةِ انْتَهى. وهَذا قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ، وهو نَقَلَهُ عَنْهم وقالَ: هَذا قَوْلُ حُكَماءِ الإسْلامِ انْتَهى. ومَعْنى ﴿مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ مَعْلُومٌ عِنْدَهُ، أوْ مَذْكُورٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وعِنْدَهُ مَجازٌ عَنْ عِلْمِهِ، ولا يُرادُ بِهِ المَكانُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: المُبْتَدَأُ النَّكِرَةُ إذا كانَ خَبَرُهُ ظَرْفًا، وجَبَ تَقْدِيمُهُ فَلَمّا جازَ تَقْدِيمُهُ في قَوْلِهِ: ﴿وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ . قُلْتُ: لِأنَّهُ تَخْصِيصٌ بِالصِّفَةِ فَقارَبَ المَعْرِفَةَ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكٍ﴾ [البقرة: ٢٢١] انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ مِن مُسَوِّغِ الِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ؛ لِكَوْنِها وُصِفَتْ لا يَتَعَيَّنُ هُنا أنْ يَكُونَ هو المُسَوِّغَ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُسَوِّغُ هو التَّفْصِيلَ؛ لِأنَّ مِن مُسَوِّغاتِ الِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ، أنْ يَكُونَ المَوْضِعُ مَوْضِعَ تَفْصِيلٍ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ؎إذا ما بَكى مِن خَلْفِها انْحَرَفَتْ لَهُ بِشِقٍّ وشِقٌّ عِنْدَنا لَمْ يُحَوَّلِ وقَدْ سَبَقَ كَلامُنا عَلى هَذا البَيْتِ، وبَيَّنّا أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِنْدَنا في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، بَلْ يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الخَبَرِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: الكَلامُ السّائِرُ أنْ يُقالَ: عِنْدِي ثَوْبٌ جَيِّدٌ، ولِي عَبْدٌ كَيِّسٌ، وما أشْبَهَ ذَلِكَ. قُلْتُ: أوْجَبَهُ أنَّ المَعْنى وأيُّ (أجَلٍ مُسَمًّى عِنْدَهُ) تَعْظِيمًا لِشَأْنِ السّاعَةِ، فَلَمّا جَرى فِيهِ هَذا المَعْنى، وجَبَ التَّقْدِيمُ انْتَهى. وهَذا لا يَجُوزُ لِأنَّهُ إذا كانَ التَّقْدِيرُ وأيُّ (أجَلٍ مُسَمًّى عِنْدَهُ)، كانَتْ أيٌّ صِفَةً لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: وأجَلٌ أيُّ (أجَلٍ مُسَمًّى عِنْدَهُ)، ولا يَجُوزُ حَذْفُ الصِّفَةِ إذا كانَتْ أيًّا، ولا حَذْفُ مَوْصُوفِها وإبْقاؤُها، فَلَوْ قُلْتَ: مَرَرْتُ بِأيِّ رَجُلٍ، تُرِيدُ بِرَجُلٍ أيِّ رَجُلٍ، لَمْ يَجُزْ (وتَمْتَرُونَ) مَعْناهُ تَشُكُّونَ أوْ تُجادِلُونَ جِدالَ الشّاكِّينَ، والتَّمّارِي المُجادَلَةُ عَلى مَذْهَبِ الشَّكِّ، قالَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ. والكَلامُ في (ثُمَّ) هُنا كالكَلامِ فِيها في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنعام: ١] والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ عَلى جِهَةِ الخِطابِ، هو التِفاتٌ مِنَ الغائِبِ الَّذِي هو قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنعام: ١]، وإنْ كانَ الخَلْقُ وقَضاءُ الأجَلِ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالكُفّارِ، إذِ اشْتَرَكَ فِيهِ المُؤْمِنُ والكافِرُ، لَكِنَّهُ قُصِدَ بِهِ الكافِرُ؛ تَنْبِيهًا لَهُ عَلى أصْلِ خَلْقِهِ، وقَضاءِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ وقُدْرَتِهِ، وإنَّما قُلْتُ إنَّهُ مِن بابِ الِالتِفاتِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ أنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾، لا يُمْكِنُ أنْ يَنْدَرِجَ في هَذا الخِطابِ مَنِ اصْطَفاهُ اللَّهُ بِالنُّبُوَّةِ والإيمانِ. ﴿وهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكم ويَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ﴾ لَمّا تَقَدَّمَ ما يَدُلُّ عَلى القُدْرَةِ التّامَّةِ والِاخْتِيارِ، ذَكَرَ ما (p-٧٢)يَدُلُّ عَلى العِلْمِ التّامِّ، فَكانَ في التَّنْبِيهِ عَلى هَذِهِ الأوْصافِ دَلالَةٌ عَلى كَوْنِهِ تَعالى قادِرًا مُخْتارًا عالِمًا بِالكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ، وإبْطالًا لِشُبَهِ مُنْكِرِ المَعادِ. والظّاهِرُ أنَّ (هو) ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى ما عادَتْ عَلَيْهِ الضَّمائِرُ قَبْلَهُ ﴿وهُوَ اللَّهُ﴾ وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، قالَهُ الكِرْمانِيُّ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: (هو) ضَمِيرُ الشَّأْنِ (واللَّهُ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، والجُمْلَةُ مُفَسِّرَةٌ لِضَمِيرِ الشَّأْنِ، وإنَّما فَرَّ إلى هَذا؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يَكُنْ ضَمِيرَ الشَّأْنِ كانَ عائِدًا عَلى اللَّهِ تَعالى، فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ اللَّهُ و(اللَّهُ)، فَيَنْعَقِدُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ مِنَ اسْمَيْنِ مُتَّحِدَيْنِ لَفْظًا ومَعْنًى، لا نِسْبَةَ بَيْنَهُما إسْنادِيَّةً، وذَلِكَ لا يَجُوزُ، فَلِذَلِكَ، واللَّهُ أعْلَمُ، تَأوَّلَ. أبُو عَلِيٍّ: الآيَةَ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ ضَمِيرُ الأمْرِ (واللَّهُ)، خَبَرُهُ يَعْلَمُ في ﴿السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَعْلَمُ)، والتَّقْدِيرُ؛ اللَّهُ يَعْلَمُ ﴿فِي السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾، ﴿سِرَّكم وجَهْرَكُمْ﴾، ذَهَبَ الزَّجّاجُ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِي السَّماواتِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما تَضَمَّنَهُ اسْمُ اللَّهِ مِنَ المَعانِي، كَما يُقالُ: أمِيرُ المُؤْمِنِينَ الخَلِيفَةُ في المَشْرِقِ والمَغْرِبِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا عِنْدِي أفْضَلُ الأقْوالِ وأكْثَرُها إحْرازًا لِفَصاحَةِ اللَّفْظِ وجَزالَةِ المَعْنى، وإيضاحِهِ أنَّهُ أرادَ أنْ يَدُلَّ عَلى خَلْقِهِ، وآثارِ قُدْرَتِهِ وإحاطَتِهِ واسْتِيلائِهِ، ونَحْوَ هَذِهِ الصِّفاتِ، فَجَمَعَ هَذِهِ كُلَّها في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ هَذِهِ كُلُّها ﴿فِي السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾، كَأنَّهُ قالَ: وهو الخالِقُ الرّازِقُ، والمُحْيِي المُحِيطُ في السَّماواتِ، وفي الأرْضِ، كَما تَقُولُ: زَيْدٌ السُّلْطانُ في الشّامِ والعِراقِ، فَلَوْ قَصَدْتَ ذاتَ زَيْدٍ، لَقُلْتَ: مُحالًا، وإذا كانَ مَقْصِدُ قَوْلِكَ زَيْدٌ السُّلْطانُ، الآمِرُ النّاهِي، النّاقِضُ المُبْرِمُ، الَّذِي يَعْزِلُ ويُوَلِّي في الشّامِ والعِراقِ، فَأقَمْتَ السُّلْطانَ مَقامَ هَذِهِ كُلِّها، كانَ فَصِيحًا صَحِيحًا، فَكَذَلِكَ في الآيَةِ أقامَ لَفْظَةَ (اللَّهُ) مَقامَ تِلْكَ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ انْتَهى. وما ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ وأوْضَحَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ صَحِيحٌ مِن حَيْثُ المَعْنى، لَكِنَّ صِناعَةَ النَّحْوِ لا تُساعِدُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُما زَعَما أنَّ ﴿فِي السَّماواتِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِلَفْظِ (اللَّهُ) لِما تَضَمَّنَهُ مِنَ المَعانِي، ولا تَعْمَلُ تِلْكَ المَعانِي جَمِيعُها في اللَّفْظِ؛ لِأنَّهُ لَوْ صُرِّحَ بِها جَمِيعِها، لَمْ تَعْمَلْ فِيهِ، بَلِ العَمَلُ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ لِواحِدٍ مِنها، وإنْ كانَ ﴿فِي السَّماواتِ﴾ مُتَعَلِّقًا بِها جَمِيعِها مِن حَيْثُ المَعْنى، بَلِ الأوْلى أنْ يَعْمَلَ في المَجْرُورِ ما تَضَمَّنَهُ لَفْظُ (اللَّهُ) مِن مَعْنى الأُلُوهِيَّةِ، وإنْ كانَ لَفْظُ (اللَّهُ) عَلَمًا؛ لِأنَّ الظَّرْفَ والمَجْرُورَ قَدْ يَعْمَلُ فِيهِما العَلَمُ بِما تَضَمَّنَهُ مِنَ المَعْنى، كَما قالَ: أنا أبُو المِنهالِ بَعْضَ الأحْيانِ، فَـ (بَعْضَ) مَنصُوبٌ بِما تَضَمَّنَهُ أبُو المِنهالِ، كَأنَّهُ قالَ: أنا المَشْهُورُ بَعْضَ الأحْيانِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نَحْوًا مِن هَذا، قالَ: ﴿فِي السَّماواتِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَعْنى اسْمِ اللَّهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وهو المَعْبُودُ فِيهِما، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] أيْ: وهو المَعْرُوفُ بِالإلَهِيَّةِ، أوِ المُتَوَحِّدُ بِالإلَهِيَّةِ فِيها، أوْ هو الَّذِي يُقالُ لَهُ: اللَّهُ فِيها لا يُشْرَكُ في هَذا الِاسْمِ انْتَهى. فانْظُرْ (p-٧٣)تَقادِيرَهُ كُلَّها، كَيْفَ قَدَّرَ العامِلَ واحِدًا مِنَ المَعانِي لا جَمِيعِها. وقالَتْ فِرْقَةٌ (هو) عَلى تَقْدِيرِ صِفَةٍ حُذِفَتْ، وهي مُرادَةٌ في المَعْنى، كَأنَّهُ قِيلَ: هو اللَّهُ المَعْبُودُ ﴿فِي السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾ وقَدَّرَها بَعْضُهم، وهو اللَّهُ المُدَبِّرُ ﴿فِي السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾ . وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿وهُوَ اللَّهُ﴾ تَمَّ الكَلامُ هُنا. ثُمَّ اسْتَأْنَفَ ما بَعْدَهُ، وتَعَلَّقَ المَجْرُورُ بِـ (يَعْلَمُ) . وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿وهُوَ اللَّهُ﴾ تامٌّ، و﴿فِي السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَفْعُولِ (يَعْلَمُ) وهو ﴿سِرَّكم وجَهْرَكُمْ﴾، والتَّقْدِيرُ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكم في السَّماواتِ وفي الأرْضِ، وهَذا يَضْعُفُ؛ لِأنَّ فِيهِ تَقْدِيمَ مَفْعُولِ المَصْدَرِ المَوْصُولِ عَلَيْهِ. والعَجَبُ مِنَ النَّحّاسِ حَيْثُ قالَ: هَذا مِن أحْسَنِ ما قِيلَ: فِيهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ضَمِيرُ الأمْرِ، واللَّهُ مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ ﴿فِي السَّماواتِ﴾، والجُمْلَةُ خَبَرٌ عَنْ ضَمِيرِ الأمْرِ؛ وتَمَّ الكَلامُ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقالَ: ﴿وفِي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكُمْ﴾ أيْ: ويَعْلَمُ في الأرْضِ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ نَحْوًا مِن هَذا، إلّا أنَّ (هو) عائِدٌ عَلى ما عادَتْ عَلَيْهِ الضَّمائِرُ قَبْلُ، ولَيْسَ ضَمِيرَ الأمْرِ، وقِيلَ: يَتَعَلَّقُ ﴿فِي السَّماواتِ﴾ بِقَوْلِهِ: (تَكْسِبُونَ) هَذا خَطَأٌ لِأنَّ (ما) مَوْصُولَةٌ بِـ (تَكْسِبُونَ)، وسَواءٌ كانَتْ حَرْفًا مَصْدَرِيًّا، أمِ اسْمًا بِمَعْنى (الَّذِي)، فَإنَّهُ لا يَجُوزُ تَقْدِيمُ مَعْمُولِ الصِّلَةِ عَلى المَوْصُولِ. وقِيلَ: ﴿فِي السَّماواتِ﴾ حالٌ مِنَ المَصْدَرِ الَّذِي هو ﴿سِرَّكم وجَهْرَكُمْ﴾ تَقَدَّمَ عَلى ذِي الحالِ، وعَلى العامِلِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿اللَّهُ في السَّماواتِ﴾ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، عَلى مَعْنى أنَّهُ اللَّهُ، وأنَّهُ في السَّماواتِ والأرْضِ، بِمَعْنى أنَّهُ عالِمٌ بِما فِيهِما، لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنهُ، كَأنَّ ذاتَهُ فِيها، وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ المَجْرُورَ بِـ (في) لا يَدُلُّ عَلى وصْفٍ خاصٍّ، إنَّما يَدُلُّ عَلى كَوْنٍ مُطْلَقٍ. وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ يَنْبَنِي إعْرابُ هَذِهِ الآيَةِ، وإنَّما ذَهَبَ أهْلُ العِلْمِ إلى هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ، والخُرُوجِ عَنْ ظاهِرِ ﴿فِي السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾ لِما قامَ عَلَيْهِ دَلِيلُ العَقْلِ مِنِ اسْتِحالَةِ حُلُولِ اللَّهِ تَعالى في الأماكِنِ، ومُماسَّةِ الإجْرامِ، ومُحاذاتِهِ لَها، وتَحَيُّزِهِ في جِهَةٍ، قالَ مَعْناهُ، وبَعْضَ لَفْظِهِ ابْنُ عَطِيَّةَ. وفي قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ﴾ إلى آخِرِهِ خَبَرٌ في ضِمْنِهِ تَحْذِيرٌ وزَجْرٌ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: المُرادُ بِالسِّرِّ: صِفاتُ القُلُوبِ، وهو الدَّواعِي والصَّوارِفُ، وبِالجَهْرِ أعْمالُ الجَوارِحِ، وقُدِّمَ السِّرُّ لِأنَّ ذِكْرَ المُؤَثِّرِ في الفِعْلِ، هو مَجْمُوعُ القُدْرَةِ مَعَ الدّاعِي، فالدّاعِيَةُ الَّتِي هي مِن بابِ السِّرِّ، هي المُؤَثِّرَةُ في أعْمالِ الجَوارِحِ المُسَمّاةِ بِالجَهْرِ، وقَدْ ثَبَتَ أنَّ العِلْمَ بِالعِلَّةِ، عِلَّةُ العِلْمِ بِالمَعْلُولِ، والعِلَّةُ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى المَعْلُولِ، والمُقَدَّمُ بِالذّاتِ يَجِبُ تَقْدِيمُهُ بِحَسَبِ اللَّفْظِ انْتَهى. قالَ التَّبْرِيزِيُّ: مَعْناهُ يَعْلَمُ ما تُخْفُونَهُ مِن أعْمالِكم ونِيّاتِكم، وما تُظْهِرُونَ مِن أعْمالِكم، وما تَكْسِبُونَ عامٌّ لِجَمِيعِ الِاعْتِقاداتِ والأقْوالِ والأفْعالِ، وكَسْبُ كُلِّ إنْسانٍ عَمَلُهُ المُفْضِي بِهِ إلى اجْتِلابِ نَفْعٍ، أوْ دَفْعِ ضُرٍّ، ولِهَذا لا يُوصَفُ بِهِ اللَّهُ تَعالى. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: وفي أوَّلِ كَلامِهِ شَيْءٌ مِن مَعْنى كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ، يَجِبُ حَمْلُ قَوْلِهِ: ﴿ما تَكْسِبُونَ﴾ عَلى ما يَسْتَحِقُّهُ الإنْسانُ عَلى فِعْلِهِ مِن ثَوابٍ وعِقابٍ، فَهو مَحْمُولٌ عَلى المُكْتَسَبِ، كَما يُقالُ هَذا المالُ كَسْبُ فُلانٍ؛ أيْ مُكْتَسَبُهُ، ولا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى نَفْسِ الكَسْبِ، وإلّا لَزِمَ عَطْفُ الشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ رَدٌّ عَلى المُعَطِّلَةِ والثَّنَوِيَّةِ والحَشَوِيَّةِ والفَلاسِفَةِ انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ مَوْقِعُ قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكُمْ﴾، قُلْتُ: إنْ أرادَ المُتَوَحِّدُ بِالإلَهِيَّةِ، كانَ تَقْرِيرًا لَهُ؛ لِأنَّ الَّذِي اسْتَوى في عِلْمِهِ السِّرُّ والعَلانِيَةُ، هو اللَّهُ وحْدَهُ، وكَذَلِكَ إذا جَعَلْتَ ﴿فِي السَّماواتِ﴾ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، وإلّا فَهو كَلامٌ مُبْتَدَأٌ، أوْ خَبَرٌ ثالِثٌ انْتَهى. وهَذا عَلى مَذْهَبِ مَن يُجِيزُ أنْ يَكُونَ لِلْمُبْتَدَأِ أخْبارٌ مُتَعَدِّدَةٌ. ﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ . (مِن) الأُولى زائِدَةٌ لِاسْتِغْراقِ الجِنْسِ، ومَعْنى الزِّيادَةِ فِيها أنَّ ما بَعْدَها مَعْمُولٌ لِما قَبْلَها فاعِلٌ بِقَوْلِهِ: (تَأْتِيهِمْ)، فَإذا كانَتِ (p-٧٤)النَّكِرَةُ بَعْدَها مِمّا لا يُسْتَعْمَلُ إلّا في النَّفْيِ العامِّ، كانَتْ (مِن) لِتَأْكِيدِ الِاسْتِغْراقِ، نَحْوَ: ما في الدّارِ مِن أحَدٍ، وإذا كانَتْ مِمّا يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها الِاسْتِغْراقُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها نَفْيُ الوَحْدَةِ، أوْ نَفْيُ الكَمالِ، كانَتْ (مِن)، دالَّةً عَلى الِاسْتِغْراقِ، نَحْوَ: ما قامَ مِن رَجُلٍ. و(مِن) الثّانِيَةُ لِلتَّبْعِيضِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي وما يَظْهَرُ لَهم قَطُّ دَلِيلٌ مِنَ الأدِلَّةِ الَّتِي يَجِبُ فِيها النَّظَرُ والِاسْتِدْلالُ والِاعْتِبارُ، إلّا كانُوا عَنْهُ (مُعْرِضِينَ) تارِكِينَ لِلنَّظَرِ، لا يَلْتَفِتُونَ إلَيْهِ، ولا يَرْفَعُونَ بِهِ رَأْسًا؛ لِقِلَّةِ خَوْفِهِمْ وتَدَبُّرِهِمْ لِلْعَواقِبِ انْتَهى. واسْتِعْمالُ الزَّمَخْشَرِيِّ قَطُّ مَعَ المُضارِعِ في قَوْلِهِ: وما يَظْهَرُ لَهم قَطُّ دَلِيلٌ، لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ قَطُّ ظَرْفٌ مُخْتَصٌّ بِالماضِي، إلّا إنْ كانَ أرادَ بِقَوْلِهِ: وما يَظْهَرُ، وما ظَهَرَ، ولا حاجَةَ إلى اسْتِعْمالِ ذَلِكَ. وقِيلَ: (الآيَةُ) هُنا العَلامَةُ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ، وانْفِرادِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ. وقِيلَ: الرِّسالَةُ. وقِيلَ: المُعْجِزُ الخارِقُ. وقِيلَ: القُرْآنُ، ومَعْنى (عَنْها) أيْ: عَنْ قَبُولِها أوْ سَماعِها، والإعْراضُ ضِدُّ الإقْبالِ، وهو مَجازٌ، إذْ حَقِيقَتُهُ في الأجْسامِ، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (كانُوا) ومُتَعَلِّقُها في مَوْضِعِ الحالِ، فَيَكُونُ (تَأْتِيهِمْ) ماضِي المَعْنى؛ لِقَوْلِهِ: (كانُوا)، أوْ يَكُونُ (كانُوا) مُضارِعٌ المَعْنى؛ لِقَوْلِهِ: (تَأْتِيهِمْ)، وذُو الحالِ، هو الضَّمِيرُ في (تَأْتِيهِمْ)، ولا يَأْتِي ماضِيًا إلّا بِأحَدِ شَرْطَيْنِ، أحَدُهُما: أنْ يَسْبِقَهُ فِعْلٌ كَما في هَذا الآيَةِ، والثّانِي أنْ تَدَخُلَ عَلى ذَلِكَ الماضِي (قَدْ)، نَحْوَ ما زَيْدٌ إلّا قَدْ ضَرَبَ عَمْرًا، وهَذا التِفاتٌ، وخُرُوجٌ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى (الَّذِينَ كَفَرُوا) . وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَذَمَّةَ هَؤُلاءِ (الَّذِينَ كَفَرُوا) بِأنَّهم يُعْرِضُونَ عَنْ كُلِّ آيَةٍ تَرِدُ عَلَيْهِمْ، ولَمّا تَقَدَّمَ الكَلامُ أوَّلًا في التَّوْحِيدِ، وثانِيًا في المَعادِ، وثالِثًا في تَقْرِيرِ هَذَيْنِ المَطْلُوبَيْنِ، ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ما يَتَعَلَّقُ بِتَقْرِيرِ النُّبُوَّةِ، وبَيَّنَ فِيهِ أنَّهم أعْرَضُوا عَنْ تَأمُّلِ الدَّلائِلِ، ويَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّ التَّقْلِيدَ باطِلٌ، وأنَّ التَّأمُّلَ في الدَّلائِلِ، واجِبٌ، ولِذَلِكَ ذُمُّوا بِإعْراضِهِمْ عَنِ الدَّلائِلِ. ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ﴾، (الحَقُّ) القُرْآنُ أوِ الإسْلامُ أوْ مُحَمَّدٌ أوِ انْشِقاقُ القَمَرِ أوِ الوَعْدُ أوِ الوَعِيدُ، أقْوالٌ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ الآيَةُ الَّتِي تَأْتِيهِمْ، وكَأنَّهُ قِيلَ: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ بِالآيَةِ الَّتِي تَأْتِيهِمْ، وهي (الحَقُّ) فَأقامَ الظّاهِرَ مَقامَ المُضْمَرِ؛ لِما في ذَلِكَ مِن وصْفِهِ بِالحَقِّ، وحَقِيقَتُهُ كَوْنُهُ مِن آياتِ اللَّهِ تَعالى. وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ أنَّ الفاءَ لِلتَّعْقِيبِ، وأنَّ إعْراضَهم عَنِ الآيَةِ أعَقَبَهُ التَّكْذِيبُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ مَرْدُودٌ عَلى كَلامٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ كانُوا مُعْرِضِينَ عَنِ الآياتِ، ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ بِما هو أعْظَمُ آيَةٍ وأكْبَرُها، وهو الحَقُّ لَمّا جاءَهم، يَعْنِي القُرْآنَ الَّذِي تُحُدُّوا بِهِ عَلى تَبالُغِهِمْ في الفَصاحَةِ، فَعَجَزُوا عَنْهُ انْتَهى. ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، إذِ الكَلامُ مُنْتَظِمٌ بِدُونِ هَذا التَّقْدِيرِ. ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم وقَعَ مِنهُمُ الِاسْتِهْزاءُ، (p-٧٥)فَيَكُونُ في الكَلامِ مَعْطُوفٌ مَحْذُوفٌ، دَلَّ عَلَيْهِ آخِرُ الآيَةِ، وتَقْدِيرُهُ: واسْتَهْزَءُوا بِهِ ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ﴾ وهَذِهِ رُتَبٌ ثَلاثٌ صَدَرَتْ مِن هَؤُلاءِ الكُفّارِ، الإعْراضُ عَنْ تَأمُّلِ الدَّلائِلِ، ثُمَّ أعْقَبَ الإعْراضَ التَّكْذِيبُ، وهو أزْيَدُ مِنَ الإعْراضِ، إذِ المُعْرِضُ قَدْ يَكُونُ غافِلًا عَنِ الشَّيْءِ، ثُمَّ أعْقَبَ التَّكْذِيبَ الِاسْتِهْزاءُ، وهو أزْيَدُ مِنَ التَّكْذِيبِ، إذِ المُكَذِّبُ قَدْ لا يَبْلُغُ إلى حَدِّ الِاسْتِهْزاءِ، وهَذِهِ هي المُبالَغَةُ في الإنْكارِ. والنَّبَأُ: الخَبَرُ الَّذِي يَعْظُمُ وقْعُهُ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ مُضافٌ؛ أيْ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ﴾ مُضْمَنُ (أنْباءِ)، فَقالَ قَوْمٌ: المُرادُ ما عُذِّبُوا بِهِ في الدُّنْيا مِنَ القَتْلِ والسَّبْيِ والنَّهْبِ والإجْلاءِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، وخَصَّصَ بَعْضُهم ذَلِكَ بِيَوْمِ بَدْرٍ. وقِيلَ: هو عَذابُ الآخِرَةِ، وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ التَّهْدِيدَ والزَّجْرَ والوَعِيدَ، كَما تَقُولُ: اصْنَعْ ما تَشاءُ، فَسَيَأْتِيكَ الخَبَرُ، وعَلَّقَ التَّهْدِيدَ بِالِاسْتِهْزاءِ دُونَ الإعْراضِ والتَّكْذِيبِ، لِتَضَمُّنِهِ إيّاهُما، إذْ هو الغايَةُ القُصْوى في إنْكارِ الحَقِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهو القُرْآنُ؛ أيْ أخْبارُهُ وأحْوالُهُ، بِمَعْنى سَيَعْلَمُونَ بِأيِّ شَيْءٍ اسْتَهْزَءُوا، وسَيَظْهَرُ لَهم أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَوْضِعُ اسْتِهْزاءٍ، وذَلِكَ عِنْدَ إرْسالِ العَذابِ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا أوْ يَوْمَ القِيامَةِ أوْ عِنْدَ ظُهُورِ الإسْلامِ وعُلُوِّ كَلِمَتِهِ انْتَهى. وهو عَلى عادَتِهِ في الإسْهابِ وشَرْحِ اللَّفْظِ والمَعْنى مِمّا لا يَدُلّانِ عَلَيْهِ. وجاءَ هُنا تَقْيِيدُ الكَذِبِ بِالحَقِّ، والتَّنْفِيسُ بِـ (سَوْفَ) . وفي الشُّعَراءِ، فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ؛ لِأنَّ الأنْعامَ مُتَقَدِّمَةٌ في النُّزُولِ عَلى الشُّعَراءِ، فاسْتَوْفى فِيها اللَّفْظَ، وحُذِفَ مِنَ الشُّعَراءِ، وهو مُرادٌ حالَةً عَلى الأوَّلِ، وناسَبَ الحَذْفَ الِاخْتِصارُ في حَرْفِ التَّنْفِيسِ، فَجاءَ بِالسِّينِ. والظّاهِرُ أنَّ (ما) في قَوْلِهِ: (ما كانُوا) مَوْصُولَةٌ اسْمِيَّةٌ، بِمَعْنى (الَّذِي)، والضَّمِيرُ في (بِهِ) عائِدٌ عَلَيْها. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَصِحُّ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً. التَّقْدِيرُ (أنْباءُ) كَوْنِهِمْ مُسْتَهْزِئِينَ، فَعَلى هَذا يَكُونُ الضَّمِيرُ في (بِهِ) عائِدًا عَلى الحَقِّ، لا عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ، حَيْثُ زَعَمَ أنَّ (ما) المَصْدَرِيَّةَ اسْمٌ لا حَرْفٌ، ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى كَوْنِها مَصْدَرِيَّةً.

الأنعام 6:6

﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكم وأرْسَلْنا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا وجَعَلْنا الأنْهارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأهْلَكْناهم بِذُنُوبِهِمْ وأنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ لَمّا هَدَّدَهم، وأوْعَدَهم عَلى إعْراضِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِما يُجْرى مَجْرى المَوْعِظَةِ والنَّصِيحَةِ، وحَضَّ عَلى الِاعْتِبارِ بِالقُرُونِ الماضِيَةِ. و(يَرَوْا) هُنا بِمَعْنى يَعْلَمُوا؛ لِأنَّهم لَمْ يُبْصِرُوا هَلاكَ القُرُونِ السّالِفَةِ. و(كَمْ) في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِـ (أهْلَكْنا) . و(يَرَوْا) مُعَلَّقَةٌ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ مَفْعُولِها. و(مِن) الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ، و(مِن) الثّانِيَةُ لِلتَّبْعِيضِ، والمُفْرَدُ بَعْدَها واقِعٌ مَوْقِعَ الجَمْعِ. ووَهِمَ الحَوْفِيُّ في جَعْلِهِ (مِن) الثّانِيَةَ بَدَلًا مِنَ الأُولى، وظاهِرُ الإهْلاكِ أنَّهُ حَقِيقَةٌ، كَما أهْلَكَ قَوْمَ نُوحٍ وعادًا وثَمُودَ وغَيْرَهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنَوِيًّا بِالمَسْخِ قِرَدَةً وخَنازِيرَ، والضَّمِيرُ في (يَرَوْا) عائِدٌ عَلى مَن سَبَقَ مِنَ المُكَذِّبِينَ المُسْتَهْزِئِينَ. و(لَكم) خِطابٌ لَهم، فَهو التِفاتٌ، والمَعْنى أنَّ القُرُونَ المُهْلَكَةَ أُعْطُوا مِنَ البَسْطَةِ في الدُّنْيا، والسَّعَةِ في الأمْوالِ، ما لَمْ يُعْطَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ حُضُّوا عَلى الِاعْتِبارِ بِالأُمَمِ السّالِفَةِ وما جَرى لَهم. وفي هَذا الِالتِفاتِ تَعْرِيضٌ بِقِلَّةِ تَمْكِينِ هَؤُلاءِ، ونَقَصِهِمْ عَنْ أحْوالِ مَن سَبَقَ، ومَعَ تَمْكِينِ أُولَئِكَ في الأرْضِ فَقَدْ حَلَّ بِهِمُ (p-٧٦)الهَلاكُ فَكَيْفَ لا يَحِلُّ بِكم عَلى قِلَّتِكم وضِيقِ خُطَّتِكم ؟ فالهَلاكُ إلَيْكم أسْرَعُ مِنَ الهَلاكِ إلَيْهِمْ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والمُخاطَبَةُ في (لَكُمُ) هي لِلْمُؤْمِنِينَ، ولِجَمِيعِ المُعاصِرِينَ لَهم، وسائِرِ النّاسِ كافَّةً، كَأنَّهُ قالَ: ﴿ما لَمْ نُمَكِّنْ﴾ يا أهْلَ هَذا العَصْرِ لَكم، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقَدَّرَ مَعْنى القَوْلِ لِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ، كَأنَّهُ قالَ: يا مُحَمَّدُ قُلْ لَهم ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا﴾ الآيَةَ. وإذا أخْبَرْتَ أنَّكَ قُلْتَ: لَوْ قِيلَ: لَهُ، أوْ أمَرْتَ أنْ يُقالَ لَهُ، فَلَكَ في فَصِيحِ كَلامِ العَرَبِ أنْ تَحْكِيَ الألْفاظَ المَقُولَةَ بِعَيْنِها، فَتَجِيءُ بِلَفْظِ المُخاطَبَةِ، ولَكَ أنْ تَأْتِيَ بِالمَعْنى في الألْفاظِ، كَذِكْرِ غائِبٍ دُونَ مُخاطَبَةٍ انْتَهى. فَتَقُولُ: قُلْتُ لِزَيْدٍ ما أكْرَمَكَ !، وقُلْتُ لِزَيْدٍ ما أكْرَمَهُ ! . والضَّمِيرُ في (مَكَّنّاهم) عائِدٌ عَلى (كَمْ) مُراعاةً لِمَعْناها؛ لِأنَّ مَعْناها جَمْعٌ، والمُرادُ بِها الأُمَمُ، وأجازَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ أنْ يَعُودَ عَلى (قَرْنٍ)، وذَلِكَ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ ﴿مِن قَرْنٍ﴾ تَمْيِيزٌ (لَكم)، فَكَمْ هي المُحَدَّثُ عَنْها بِالإهْلاكِ، فَتَكُونُ هي المُحَدَّثَ عَنْها بِالتَّمْكِينِ فَما بَعْدَهُ، إذْ ﴿مِن قَرْنٍ﴾ جَرى مَجْرى التَّبْيِينِ، ولَمْ يُحَدَّثْ عَنْهُ، وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ (كَمْ) هُنا ظَرْفًا، وأنْ يَكُونَ مَصْدَرًا؛ أيْ: كَمْ أزْمِنَةً أهْلَكْنا ؟ أوْ كَمْ إهْلاكًا أهْلَكْنا ؟ ومَفْعُولُ (أهْلَكْنا مِن قَرْنٍ) عَلى زِيادَةِ (مِن)، وهَذا الَّذِي أجازَهُ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ لا يَقَعُ إذْ ذاكَ المُفْرَدُ مَوْقِعَ الجَمْعِ، بَلْ تَدُلُّ عَلى المُفْرَدِ، لَوْ قُلْتَ: كَمْ أزْمانًا ضَرَبْتُ رَجُلًا ؟ أوْ كَمْ مَرَّةً ضَرَبْتُ رَجُلًا ؟ لَمْ يَكُنْ مَدْلُولُهُ مَدْلُولَ رِجالٍ؛ لِأنَّ السُّؤالَ إنَّما هو عَنْ عَدَدِ الأزْمانِ، أوِ المَرّاتِ الَّتِي ضُرِبَ فِيها رَجُلٌ؛ ولِأنَّ هَذا المَوْضِعَ لَيْسَ مِن مَواضِعِ زِيادَةِ (مِن) لِأنَّها لا تُزادُ إلّا في الِاسْتِفْهامِ المَحْضِ، أوِ الِاسْتِفْهامِ المُرادِ بِهِ النَّفْيُ، والِاسْتِفْهامُ هُنا لَيْسَ مَحْضًا، ولا يُرادُ بِهِ النَّفْيُ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَكَّنّاهُمْ﴾ جَوابٌ لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما كانَ مِن حالِهِمْ ؟ فَقِيلَ: ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ﴾ . وقالَ أبُو البَقاءِ: (مَكَّنّاهم) في مَوْضِعِ خَبَرٍ صِفَةُ (قَرْنٍ)، وجُمِعَ عَلى المَعْنى، وما قالَهُ أبُو البَقاءِ مُمْكِنٌ. وما في قَوْلِهِ: ﴿ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ جَوَّزُوا في إعْرابِها أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي، ويَكُونَ التَّقْدِيرُ التَّمْكِينَ الَّذِي ﴿لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾، فَحُذِفَ المَنعُوتُ، وأُقِيمَ النَّعْتُ مَقامَهُ، ويَكُونَ الضَّمِيرُ العائِدُ عَلى (ما) مَحْذُوفًا؛ أيْ ما لَمْ نُمَكِّنْهُ لَكم، وهَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ (ما) بِمَعْنى الَّذِي لا يَكُونُ نَعْتًا لِلْمَعارِفِ، وإنْ كانَ مَدْلُولُها مَدْلُولَ الَّذِي، بَلْ لَفْظُ الَّذِي هو الَّذِي يَكُونُ نَعْتًا لِلْمَعارِفِ، لَوْ قُلْتَ: ضَرَبْتُ الضَّرْبَ ما ضَرَبَ زَيْدٌ، تُرِيدُ الَّذِي ضَرَبَ زَيْدٌ، لَمْ يَجُزْ، فَلَوْ قُلْتَ: الضَّرْبَ الَّذِي ضَرَبَهُ زَيْدٌ، جازَ. وجَوَّزُوا أيْضًا أنْ يَكُونَ نَكِرَةً صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: تَمْكِينًا لَمْ نُمَكِّنْهُ لَكم، وهَذا أيْضًا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ (ما) النَّكِرَةَ صِفَةٌ، لا يَجُوزُ حَذْفُ مَوْصُوفِها، لَوْ قُلْتَ: قُمْتُ ما، أوْ ضَرَبْتُ ما، وأنْتَ تُرِيدُ قُمْتُ قِيامًا ما، وضَرَبْتُ ضَرْبًا ما، لَمْ يَجُزْ، وهَذانِ الوَجْهانِ أجازَهُما الحَوْفِيُّ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ (ما) مَفْعُولًا بِهِ بِتَمَكُّنٍ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ المَعْنى أعْطَيْناهم ما لَمْ نُعْطِكم، وهَذا الَّذِي أجازَهُ تَضْمِينٌ، والتَّضْمِينُ لا يَنْقاسُ. وأجازَ أيْضًا أنْ تَكُونَ (ما) مَصْدَرِيَّةً، والزَّمانُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ مَدٌّ ﴿ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ ويَعْنِي مُدَّةَ انْتِفاءِ التَّمْكِينِ لَكم. وأجازَ أيْضًا أنْ تَكُونَ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً بِالجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ بَعْدَها؛ أيْ شَيْئًا لَمْ نُمَكِّنْهُ لَكم، وحُذِفَ العائِدُ مِنَ الصِّفَةِ عَلى المَوْصُوفِ، وهَذا أقْرَبُ إلى الصَّوابِ. وتَعَدّى مَكَّنَ هُنا لِلذَّواتِ بِنَفْسِهِ وبِحَرْفِ الجَرِّ، والأكْثَرُ تَعْدِيَتُهُ بِاللّامِ، ﴿مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ﴾ [يوسف: ٢١]، ﴿إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ﴾ [الكهف: ٨٤]، ﴿أوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ﴾ [القصص: ٥٧] . وقالَ أبُو عُبَيْدٍ (مَكَّنّاهم) و(مَكَّنا لَهم) لُغَتانِ فَصِيحَتانِ، كَنَصَحْتُهُ، ونَصَحْتُ لَهُ، والإرْسالُ والإنْزالُ مُتَقارِبانِ في المَعْنى؛ لِأنَّ اشْتِقاقَهُ مِن رِسْلِ اللَّبَنِ، وهو ما يَنْزِلُ مِنَ الضَّرْعِ مُتَتابِعًا. و(السَّماءَ) السَّماءَ المُظِلَّةَ، قالُوا: لِأنَّ المَطَرَ يَنْزِلُ مِنها إلى السَّحابِ، ويَكُونُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ مَطَرَ السَّماءِ، ويَكُونُ (مِدْرارًا)، حالًا مِن ذَلِكَ المُضافِ المَحْذُوفِ. وقِيلَ: (السَّماءَ) المَطَرَ. وفي الحَدِيثِ: «فِي أثَرِ سَماءٍ كانَتْ مِنَ اللَّيْلِ» . وتَقُولُ العَرَبُ: ما زِلْنا نَطَأُ السَّماءَ حَتّى أتَيْناكم، يُرِيدُونَ المَطَرَ؛ وقالَ الشّاعِرُ:(p-٧٧) ؎إذا نَزَلَ السَّماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابا (ومِدْرارًا) عَلى هَذا حالٌ مِن نَفْسِ (السَّماءَ) . وقِيلَ: (السَّماءَ) هُنا السَّحابَ، ويُوصَفُ بِالمِدْرارِ، فَـ (مِدْرارًا) حالٌ مِنهُ (ومِدْرارًا) يُوصَفُ بِهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، وهو لِلْمُبالَغَةِ في اتِّصالِ المَطَرِ ودَوامِهِ وقْتَ الحاجَةِ، إلّا أنَّها تُرْفَعُ لَيْلًا ونَهارًا، فَتَفْسُدُ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. ولِأنَّ هَذِهِ الأوْصافَ إنَّما ذُكِرَتْ لِتَعْدِيدِ النِّعَمِ عَلَيْهِمْ ومُقابَلَتِها بِالعِصْيانِ ﴿وجَعَلْنا الأنْهارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ﴾ تَقَدَّمَ ذِكْرُ كَيْفِيَّةِ جَرَيانِ الأنْهارِ مِنِ التَّحْتِ في أوائِلِ البَقَرَةِ. وقَدْ أغْرَبَ مَن فَسَّرَ (الأنْهارَ) هُنا بِالخَيْلِ، كَما قِيلَ: في قَوْلِهِ: ﴿وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ [الزخرف: ٥١] وإذا كانَ الفَرَسُ سَرِيعَ العَدْوِ واسِعَ الخَطْوِ، وُصِفَ بِالبَحْرِ وبِالنَّهْرِ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى مَكَّنَهُمُ التَّمْكِينَ البالِغَ، ووَسَّعَ عَلَيْهِمُ الرِّزْقَ، فَذَكَرَ سَبَبَهُ، وهو تَتابُعُ الأمْطارِ عَلى قَدْرِ حاجاتِهِمْ، وإمْساكُ الأرْضِ ذَلِكَ الماءَ حَتّى صارَتِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ، فَكَثُرَ الخَصْبُ، فَأذْنَبُوا، فَأُهْلِكُوا بِذُنُوبِهِمْ. والظّاهِرُ أنَّ الذُّنُوبَ هُنا، هي كُفْرُهم وتَكْذِيبُهم بِرُسُلِ اللَّهِ وآياتِهِ، والإهْلاكُ هُنا لا يُرادُ بِهِ مُجَرَّدُ الإفْناءِ والإماتَةِ، بَلِ المُرادُ الإهْلاكُ النّاشِئُ عَنِ الذُّنُوبِ، والأخْذُ بِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكُلًّا أخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنهم مَن أرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا ومِنهم مَن أخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ ومِنهم مَن خَسَفْنا بِهِ الأرْضَ ومِنهم مَن أغْرَقْنا﴾ [العنكبوت: ٤٠] لِأنَّ الإهْلاكَ بِمَعْنى الإماتَةِ مُشْتَرِكٌ فِيهِ الصّالِحُ والطّالِحُ، وفائِدَةُ ذِكْرِ إنْشاءِ قَرْنٍ (آخَرِينَ) بَعْدَهم، إظْهارُ القُدْرَةِ التّامَّةِ عَلى إفْناءِ ناسٍ، وإنْشاءِ ناسٍ، فَهو تَعالى لا يَتَعاظَمُهُ أنْ يُهْلِكَ (قَرْنًا)، ويُخَرِّبَ بِلادَهُ، ويُنْشِئَ مَكانَهُ آخَرَ يُعَمِّرَ بِلادَهُ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ لِلْمُخاطَبِينَ بِإهْلاكِهِمْ، إذا عَصَوْا، كَما أهْلَكَ مَن قَبْلَهم، ووَصَفَ قَرْنًا (بِآخَرِينَ) وهو جَمْعٌ، حَمْلًا عَلى مَعْنى قَرْنٍ، وكانَ الحَمْلُ عَلى المَعْنى أفْصَحَ؛ لِأنَّها فاصِلَةُ رَأْسِ آيَةٍ. ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ سَبَبُ نُزُولِها اقْتِراحُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أُمَيَّةَ، وتَعَنُّتُهُ، إذْ قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: لا أُؤْمِنُ لَكَ حَتّى تَصْعَدَ إلى السَّماءِ، ثُمَّ تَنْزِلَ بِكِتابٍ فِيهِ مِن رَبِّ العِزَّةِ إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمَيَّةَ، يَأْمُرُنِي بِتَصْدِيقِكَ. وما أرانِي مَعَ هَذا كُنْتُ أُصَدِّقُكَ. ثُمَّ أسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ، وقُتِلَ شَهِيدًا بِالطّائِفِ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى تَكْذِيبَهم بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم، ثُمَّ وعَظَهم، وذَكَّرَهم بِإهْلاكِ القُرُونِ الماضِيَةِ بِذُنُوبِهِمْ، ذَكَّرَهم مُبالَغَتَهم في التَّكْذِيبِ، بِأنَّهم لَوْ رَأوْا كَلامًا مَكْتُوبًا ﴿فِي قِرْطاسٍ﴾ ومَعَ رُؤْيَتِهِمْ جَسُّوهُ بِأيْدِيهِمْ، لَمْ تَزِدْهُمُ الرُّؤْيَةُ واللَّمْسُ إلّا تَكْذِيبًا، وادَّعَوْا أنَّ ذَلِكَ مِن بابِ السِّحْرِ، لا مِن بابِ المُعْجِزِ عِنادًا وتَعَنُّتًا، وإنْ كانَ مَن لَهُ أدْنى مُسْكَةٍ مِن عَقْلٍ، لا يُنازِعُ فِيما أدْرَكَهُ بِالبَصَرِ عَنْ قَرِيبٍ، ولا بِما لَمَسَتْهُ يَدُهُ. وذَكَرَ اللَّمْسَ لِأنَّهم لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى الرُّؤْيَةِ؛ لِئَلّا يَقُولُوا سُكِّرَتْ أبْصارُنا. ولَمّا كانَتِ المُعْجِزاتُ مَرْئِيّاتٍ ومَسْمُوعاتٍ، ذَكَرَ المَلْمُوساتِ مُبالَغَةً في أنَّهم لا يَتَوَقَّفُونَ في إنْكارِ هَذِهِ الأنْواعِ كُلِّها، حَتّى إنَّ المَلْمُوسَ بِاليَدِ هو عِنْدَهم مِثْلُ المَرْئِيِّ بِالعَيْنِ والمَسْمُوعِ بِالأُذُنِ. وذِكْرُ اليَدِ هُنا، فَقِيلَ مُبالَغَةً في التَّأْكِيدِ؛ ولِأنَّ اليَدَ أقْوى في اللَّمْسِ مِن غَيْرِها مِنَ الأعْضاءِ. وقِيلَ: النّاسُ مُنْقَسِمُونَ إلى بُصَراءَ، وأضِرّاءَ، فَذَكَرَ الطَّرِيقَ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ العِلْمُ لِلْفَرِيقَيْنِ. وقِيلَ: عَلَّقَهُ بِاللَّمْسِ بِاليَدِ؛ لِأنَّهُ أبْعَدُ عَنِ السِّحْرِ. وقِيلَ: اللَّمْسُ بِاليَدِ مُقَدِّمَةُ الإبْصارِ، ولا يَقَعُ مَعَ التَّزْوِيرِ. وقِيلَ: اللَّمْسُ يُطْلَقُ، ويُرادُ بِهِ الفَحْصُ عَنِ الشَّيْءِ، والكَشْفُ عَنْهُ، كَما قالَ: ﴿وأنّا لَمَسْنا السَّماءَ﴾ [الجن: ٨]، فَذُكِرَتِ اليَدُ حَتّى يُعْلَمَ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِهِ ذَلِكَ اللَّمْسَ. وجاءَ ﴿لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لِأنَّ مِثْلَ هَذا الغَرَضِ يَقْتَضِي انْقِسامَ النّاسِ إلى مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، فالمُؤْمِنُ يَراهُ مِن أعْظَمِ المُعْجِزاتِ، والكافِرُ يَجْعَلُهُ مِن بابِ السِّحْرِ. ووَصْفُ السِّحْرِ بِـ (مُبِينٌ) إمّا لِكَوْنِهِ بَيِّنًا في نَفْسِهِ، وإمّا لِكَوْنِهِ أظْهَرَ غَيْرَهُ. ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (p-٧٨)قالَ النَّضْرُ بْنُ الحَرْثِ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ ونَوْفَلُ بْنُ خالِدٍ: يا مُحَمَّدُ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَأْتِيَنا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ومَعَهُ أرْبَعَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ، يَشْهَدُونَ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وأنَّكَ رَسُولُهُ انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (وقالُوا) اسْتِئْنافُ إخْبارٍ مِنَ اللَّهِ، حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى جَوابِ (لَوْ) أيْ: ﴿لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، ولَقالُوا: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾، فَلا يَكُونُ إذْ ذاكَ هَذانِ القَوْلانِ المُرَتَّبانِ عَلى تَقْدِيرِ إنْزالِ الكِتابِ ﴿فِي قِرْطاسٍ﴾ واقِعِينَ؛ لِأنَّ التَّنْزِيلَ لَمْ يَقَعْ، وكانَ يَكُونُ القَوْلُ الثّانِي غايَةً في التَّعَنُّتِ. وقَدْ أشارَ إلى هَذا الِاحْتِمالِ أبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أبِي الفَضْلِ، قالَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، تَقْدِيرُهُ: ولَوْ أجَبْناهم إلى ما سَألُوا، لَمْ يُؤْمِنُوا، ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ وظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّها في كُفّارِ العَرَبِ، وذَكَرَ بَعْضُ النّاسِ أنَّها في أهْلِ الكِتابِ، والضَّمِيرُ في (عَلَيْهِ) عائِدٌ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، والمَعْنى (مَلَكٌ) نُشاهِدُهُ، ويُخْبِرُنا عَنِ اللَّهِ تَعالى بِنُبُوَّتِهِ وبِصِدْقِهِ. و(لَوْلا) بِمَعْنى هَلّا لِلتَّحْضِيضِ، وهَذا قَوْلُ مَن تَعَنَّتَ، وأنْكَرَ النُّبُوّاتِ. ﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ ﴿ولَوْ أنْزَلْنا﴾ عَلَيْهِ (مَلَكًا) يُشاهِدُونَهُ، لَقامَتِ القِيامَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ: في الكَلامِ حَذْفٌ، تَقْدِيرُهُ: ﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا﴾، فَكَذَّبُوهُ، ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ بِعَذابِهِمْ، ولَمْ يُؤَخَّرُوا حَسَبَ ما سَلَفَ في كُلِّ أُمَّةٍ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ لَماتُوا مِن هَوْلِ رُؤْيَةِ المَلَكِ في صُورَتِهِ. ويُؤَيِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ، ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا﴾ إلى آخِرِهِ، فَإنَّ أهْلَ التَّأْوِيلِ مُجْمِعُونَ عَلى أنَّهم لَمْ يَكُونُوا لِيُطِيقُوا رُؤْيَةَ المَلَكِ في صُورَتِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فالأوْلى في ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ لَماتُوا مِن هَوْلِ رُؤْيَتِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَقُضِيَ أمْرُ إهْلاكِهِمْ. ﴿ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ بَعْدَ نُزُولِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، إمّا لِأنَّهم إذا عايَنُوا المَلَكَ، قَدْ نَزَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، في صُورَتِهِ، وهي أنَّهُ لا شَيْءَ أبْيَنُ مِنها وأيْقَنُ، ثُمَّ لا يُؤْمِنُونَ كَما قالَ، ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ، لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن إهْلاكِهِمْ كَما أهْلَكَ أصْحابَ المائِدَةِ، وإمّا لِأنَّهُ يَزُولُ الِاخْتِيارُ الَّذِي هو قاعِدَةُ التَّكْلِيفِ عِنْدَ نُزُولِ المَلائِكَةِ، فَيَجِبُ إهْلاكُهم، وإمّا لِأنَّهم إذا شاهَدُوا مَلَكًا في صُورَتِهِ، زَهَقَتْ أرْواحُهم مِن هَوْلِ ما يُشاهِدُونَ انْتَهى. والتَّرْدِيدُ الأوَّلُ بِإمّا، قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والثّالِثُ قَوْلُ تِلْكَ الفِرْقَةِ. وقَوْلُهُ: كَما أهْلَكَ أصْحابَ المائِدَةِ؛ لِأنَّهم عِنْدَهُ كُفّارٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِمْ في أواخِرِ سُورَةِ العُقُودِ، وذَكَرَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ الأوْجُهَ الثَّلاثَةَ الَّتِي ذَكَرَها الزَّمَخْشَرِيُّ بِبَسْطٍ فِيها. وقالَ التَّبْرِيزِيُّ في مَعْنى ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما؛ لَقامَتِ القِيامَةُ لِأنَّ الغَيْبَ يَصِيرُ عِنْدَها شَهادَةً عِيانًا، الثّانِي؛ الفَزَعُ مِن إهْلاكِهِمْ؛ لِأنَّ السُّنَّةَ الإلَهِيَّةَ جارِيَةٌ في إنْزالِ المَلائِكَةِ بِأحَدِ أمْرَيْنِ: الوَحْيِ، أوِ الإهْلاكِ، وقَدِ امْتَنَعَ الأوَّلُ، فَيَتَعَيَّنُ الثّانِي انْتَهى. فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ أيْ بِإهْلاكِنا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْنى (ثُمَّ) بَعْدَما بَيَّنَ الأمْرَيْنِ قَضاءَ الأمْرِ، وعَدَمَ الإنْظارِ جَعَلَ عَدَمَ الإنْظارِ أشَدَّ مِن قَضاءِ الأمْرِ؛ لِأنَّ مُفاجَأةَ الشِّدَّةِ أشَدُّ مِن نَفْسِ الشِّدَّةِ انْتَهى. ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ أيْ ولَجَعَلْنا الرَّسُولَ مَلَكًا كَما اقْتَرَحُوا؛ لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: لَوْلا أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ مَلَكٌ، وتارَةً يَقُولُونَ: ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم، ولَوْ شاءَ رَبُّنا لَأنْزَلَ مَلائِكَةً، ومَعْنى ﴿لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ أيْ لَصَيَّرْناهُ في صُورَةِ رَجُلٍ، كَما كانَ جِبْرِيلُ يَنْزِلُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، في غالِبِ الأحْوالِ في صُورَةِ دَحْيَةَ، وتارَةً ظَهَرَ لَهُ ولِلصَّحابَةِ في صُورَةِ رَجُلٍ شَدِيدٍ بَياضِ الثِّيابِ، شَدِيدِ سَوادِ الشَّعَرِ، لا يُرى عَلَيْهِ أثَرُ السَّفَرِ، ولا يَعْرِفُهُ أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ. وفي الحَدِيثِ: «وأحْيانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ المَلَكُ رَجُلًا»، وكَما تَصَوَّرَ جِبْرِيلُ لِمَرْيَمَ بَشَرًا سَوِيًّا، والمَلائِكَةُ أضْيافُ إبْراهِيمَ، وأضْيافُ لُوطٍ ومُتَسَوِّرُ والمِحْرابِ، فَإنَّهم ظَهَرُوا بِصُورَةِ البَشَرِ، وإنَّما كانَ يَكُونُ بِصُورَةِ رَجُلٍ؛ لِأنَّ النّاسَ لا طاقَةَ لَهم عَلى رُؤْيَةِ المَلَكِ في صُورَتِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وابْنُ (p-٧٩)زَيْدٍ، ويُؤَيِّدُهُ هَلاكُ الَّذِي سَمِعَ صَوْتَ مَلَكٍ في السَّحابِ يَقُولُ: أقْدِمْ حَيْزُومُ، فَماتَ لِسَماعِ صَوْتِهِ، فَكَيْفَ لَوْ رَآهُ في خِلْقَتِهِ ؟ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولا يُعارَضُ هَذا بِرُؤْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ، لِجِبْرِيلَ وغَيْرِهِ في صُوَرِهِمْ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أُعْطِيَ قُوَّةً، يَعْنِي غَيْرَ قُوى البَشَرِ. وجاءَ بِلَفْظِ رَجُلٍ رَدًّا عَلى المُخاطَبِينَ بِهَذا، إذْ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ المَلائِكَةَ إناثٌ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: لَوْ جَعَلَ اللَّهُ الرَّسُولَ إلى البَشَرِ مَلَكًا، لَفَرُّوا مِن مُقارَبَتِهِ، وما أنِسُوا بِهِ، ولَداخَلَهم مِنَ الرُّعْبِ مِن كَلامِهِ، ما يُلْكِنُهم عَنْ كَلامِهِ ويَمْنَعُهم عَنْ سُؤالِهِ، فَلا تَعَمُّ المَصْلَحَةُ، ولَوْ نَقَلَهُ عَنْ صُورَةِ المَلائِكَةِ إلى مِثْلِ صُورَتِهِمْ لَقالُوا: لَسْتَ مَلَكًا، وإنَّما أنْتَ بَشَرٌ، فَلا نُؤْمِنُ بِكَ، وعادُوا إلى مِثْلِ حالِهِمُ انْتَهى. وهو جَمْعُ كَلامِ مَن قَبْلَهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى مَن أنْكَرَ نُزُولَ المَلائِكَةِ إلى الأرْضِ، وقالُوا: هي أجْسامٌ لَطِيفَةٌ لَيْسَ فِيها ما يَقْتَضِي انْحِطاطَها، ونُزُولُها إلى الأرْضِ. ورُدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ؛ بِأنَّهُ تَعالى قادِرٌ أنْ يُودِعَ أجْسامَها ثِقَلًا يَكُونُ سَبَبًا لِنُزُولِها إلى الأرْضِ، ثُمَّ يُزِيلُ ذَلِكَ فَتَعُودُ إلى ما كانَتْ عَلَيْهِ مِنَ اللَّطافَةِ والخِفَّةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِارْتِفاعِها انْتَهى هَذا الرَّدُّ. والَّذِي نَقُولُ إنَّ القُدْرَةَ الإلَهِيَّةَ تُنْزِلُ الخَفِيفَ، وتُصْعِدُ الكَثِيفَ مِن غَيْرِ أنْ يَجْعَلَ في الخَفِيفِ ثِقَلًا، وفي الكَثِيفِ خِفَّةً، ولَيْسَ هَذا بِالمُسْتَحِيلِ، فَيَتَكَلَّفُ أنْ يُودِعَ في الخَفِيفِ ثِقَلًا، وفي الكَثِيفِ خِفَّةً. وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى إمْكانِ تَمْثِيلِ المَلائِكَةِ بِصُورَةِ البَشَرِ، وهو صَحِيحٌ واقِعٌ بِالنَّقْلِ المُتَواتِرِ. ﴿ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ أيْ ولَخَلَطْنا عَلَيْهِمْ ما يَخْلِطُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ حِينَئِذٍ، فَإنَّهم يَقُولُونَ إذا رَأوُا المَلَكَ في صُورَةِ إنْسانٍ: هَذا إنْسانٌ ولَيْسَ بِمَلَكٍ، فَإنِّي أسْتَدِلُّ بِأنِّي جِئْتُ بِالقُرْآنِ المُعْجِزِ، وفِيهِ أنِّي مَلَكٌ لا بَشَرٌ كَذَّبُوهُ كَما كَذَّبُوا الرُّسُلَ، فَخُذِلُوا كَما هم مَخْذُولُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى ﴿ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ﴾ حِينَئِذٍ مِثْلَ، ﴿ما يَلْبِسُونَ﴾ عَلى أنَفْسِهِمُ السّاعَةَ في كُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَخَلَطْنا عَلَيْهِمْ ما يَخْلِطُونَ بِهِ عَلى أنْفُسِهِمْ وضَعَفَتِهِمْ؛ أيْ: لَفَعَلْنا لَهم في ذَلِكَ تَلَبُّسًا، يَطْرُقُ لَهم إلى أنْ يُلَبَّسُوا بِهِ، وذَلِكَ لا يَحْسُنُ، ويُحْتَمَلُ الكَلامُ مَقْصِدًا آخَرَ؛ أيْ (لَلَبَسْنا) نَحْنُ (عَلَيْهِمْ) كَما يَلْبِسُونَ هم عَلى ضَعَفَتِهِمْ، فَكُنّا نَنْهاهم عَنِ التَّلْبِيسِ، ونَفْعَلُهُ نَحْنُ انْتَهى. وقالَ قَوْمٌ: كانَ يَحْصُلُ التَّلْبِيسُ لِاعْتِقادِهِمْ أنَّ المَلائِكَةَ إناثٌ، فَلَوْ رَأوْهُ في صُورَةِ رَجُلٍ، حَصَلَ التَّلْبِيسُ عَلَيْهِمْ، كَما حَصَلَ مِنهُمُ التَّلْبِيسُ عَلى غَيْرِهِمْ. وقالَ قَوْمٌ مِنهُمُ الضَّحّاكُ: الآيَةُ نَزَلَتْ في اليَهُودِ، والنَّصارى في دِينِهِمْ وكُتُبِهِمْ، حَرَّفُوها، وكَذَّبُوا رُسُلَهم، فالمَعْنى في اللَّبْسِ؛ زِدْناهم ضَلالًا عَلى ضَلالِهِمْ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَبَسَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما لَبِسُوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِتَحْرِيفِ الكَلامِ عَنْ مَواضِعِهِ. و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ، وأضافَ اللَّبْسَ إلَيْهِ تَعالى عَلى جِهَةِ الخَلْقِ، وإلَيْهِمْ عَلى جِهَةِ الِاكْتِسابِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: (ولَبَسْنا) بِلامٍ واحِدَةٍ، والزُّهْرِيُّ (ولَلَبَّسْنا) بِتَشْدِيدِ الباءِ.

الأنعام 6:7

﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكم وأرْسَلْنا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا وجَعَلْنا الأنْهارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأهْلَكْناهم بِذُنُوبِهِمْ وأنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ لَمّا هَدَّدَهم، وأوْعَدَهم عَلى إعْراضِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِما يُجْرى مَجْرى المَوْعِظَةِ والنَّصِيحَةِ، وحَضَّ عَلى الِاعْتِبارِ بِالقُرُونِ الماضِيَةِ. و(يَرَوْا) هُنا بِمَعْنى يَعْلَمُوا؛ لِأنَّهم لَمْ يُبْصِرُوا هَلاكَ القُرُونِ السّالِفَةِ. و(كَمْ) في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِـ (أهْلَكْنا) . و(يَرَوْا) مُعَلَّقَةٌ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ مَفْعُولِها. و(مِن) الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ، و(مِن) الثّانِيَةُ لِلتَّبْعِيضِ، والمُفْرَدُ بَعْدَها واقِعٌ مَوْقِعَ الجَمْعِ. ووَهِمَ الحَوْفِيُّ في جَعْلِهِ (مِن) الثّانِيَةَ بَدَلًا مِنَ الأُولى، وظاهِرُ الإهْلاكِ أنَّهُ حَقِيقَةٌ، كَما أهْلَكَ قَوْمَ نُوحٍ وعادًا وثَمُودَ وغَيْرَهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنَوِيًّا بِالمَسْخِ قِرَدَةً وخَنازِيرَ، والضَّمِيرُ في (يَرَوْا) عائِدٌ عَلى مَن سَبَقَ مِنَ المُكَذِّبِينَ المُسْتَهْزِئِينَ. و(لَكم) خِطابٌ لَهم، فَهو التِفاتٌ، والمَعْنى أنَّ القُرُونَ المُهْلَكَةَ أُعْطُوا مِنَ البَسْطَةِ في الدُّنْيا، والسَّعَةِ في الأمْوالِ، ما لَمْ يُعْطَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ حُضُّوا عَلى الِاعْتِبارِ بِالأُمَمِ السّالِفَةِ وما جَرى لَهم. وفي هَذا الِالتِفاتِ تَعْرِيضٌ بِقِلَّةِ تَمْكِينِ هَؤُلاءِ، ونَقَصِهِمْ عَنْ أحْوالِ مَن سَبَقَ، ومَعَ تَمْكِينِ أُولَئِكَ في الأرْضِ فَقَدْ حَلَّ بِهِمُ (p-٧٦)الهَلاكُ فَكَيْفَ لا يَحِلُّ بِكم عَلى قِلَّتِكم وضِيقِ خُطَّتِكم ؟ فالهَلاكُ إلَيْكم أسْرَعُ مِنَ الهَلاكِ إلَيْهِمْ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والمُخاطَبَةُ في (لَكُمُ) هي لِلْمُؤْمِنِينَ، ولِجَمِيعِ المُعاصِرِينَ لَهم، وسائِرِ النّاسِ كافَّةً، كَأنَّهُ قالَ: ﴿ما لَمْ نُمَكِّنْ﴾ يا أهْلَ هَذا العَصْرِ لَكم، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقَدَّرَ مَعْنى القَوْلِ لِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ، كَأنَّهُ قالَ: يا مُحَمَّدُ قُلْ لَهم ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا﴾ الآيَةَ. وإذا أخْبَرْتَ أنَّكَ قُلْتَ: لَوْ قِيلَ: لَهُ، أوْ أمَرْتَ أنْ يُقالَ لَهُ، فَلَكَ في فَصِيحِ كَلامِ العَرَبِ أنْ تَحْكِيَ الألْفاظَ المَقُولَةَ بِعَيْنِها، فَتَجِيءُ بِلَفْظِ المُخاطَبَةِ، ولَكَ أنْ تَأْتِيَ بِالمَعْنى في الألْفاظِ، كَذِكْرِ غائِبٍ دُونَ مُخاطَبَةٍ انْتَهى. فَتَقُولُ: قُلْتُ لِزَيْدٍ ما أكْرَمَكَ !، وقُلْتُ لِزَيْدٍ ما أكْرَمَهُ ! . والضَّمِيرُ في (مَكَّنّاهم) عائِدٌ عَلى (كَمْ) مُراعاةً لِمَعْناها؛ لِأنَّ مَعْناها جَمْعٌ، والمُرادُ بِها الأُمَمُ، وأجازَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ أنْ يَعُودَ عَلى (قَرْنٍ)، وذَلِكَ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ ﴿مِن قَرْنٍ﴾ تَمْيِيزٌ (لَكم)، فَكَمْ هي المُحَدَّثُ عَنْها بِالإهْلاكِ، فَتَكُونُ هي المُحَدَّثَ عَنْها بِالتَّمْكِينِ فَما بَعْدَهُ، إذْ ﴿مِن قَرْنٍ﴾ جَرى مَجْرى التَّبْيِينِ، ولَمْ يُحَدَّثْ عَنْهُ، وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ (كَمْ) هُنا ظَرْفًا، وأنْ يَكُونَ مَصْدَرًا؛ أيْ: كَمْ أزْمِنَةً أهْلَكْنا ؟ أوْ كَمْ إهْلاكًا أهْلَكْنا ؟ ومَفْعُولُ (أهْلَكْنا مِن قَرْنٍ) عَلى زِيادَةِ (مِن)، وهَذا الَّذِي أجازَهُ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ لا يَقَعُ إذْ ذاكَ المُفْرَدُ مَوْقِعَ الجَمْعِ، بَلْ تَدُلُّ عَلى المُفْرَدِ، لَوْ قُلْتَ: كَمْ أزْمانًا ضَرَبْتُ رَجُلًا ؟ أوْ كَمْ مَرَّةً ضَرَبْتُ رَجُلًا ؟ لَمْ يَكُنْ مَدْلُولُهُ مَدْلُولَ رِجالٍ؛ لِأنَّ السُّؤالَ إنَّما هو عَنْ عَدَدِ الأزْمانِ، أوِ المَرّاتِ الَّتِي ضُرِبَ فِيها رَجُلٌ؛ ولِأنَّ هَذا المَوْضِعَ لَيْسَ مِن مَواضِعِ زِيادَةِ (مِن) لِأنَّها لا تُزادُ إلّا في الِاسْتِفْهامِ المَحْضِ، أوِ الِاسْتِفْهامِ المُرادِ بِهِ النَّفْيُ، والِاسْتِفْهامُ هُنا لَيْسَ مَحْضًا، ولا يُرادُ بِهِ النَّفْيُ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَكَّنّاهُمْ﴾ جَوابٌ لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما كانَ مِن حالِهِمْ ؟ فَقِيلَ: ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ﴾ . وقالَ أبُو البَقاءِ: (مَكَّنّاهم) في مَوْضِعِ خَبَرٍ صِفَةُ (قَرْنٍ)، وجُمِعَ عَلى المَعْنى، وما قالَهُ أبُو البَقاءِ مُمْكِنٌ. وما في قَوْلِهِ: ﴿ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ جَوَّزُوا في إعْرابِها أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي، ويَكُونَ التَّقْدِيرُ التَّمْكِينَ الَّذِي ﴿لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾، فَحُذِفَ المَنعُوتُ، وأُقِيمَ النَّعْتُ مَقامَهُ، ويَكُونَ الضَّمِيرُ العائِدُ عَلى (ما) مَحْذُوفًا؛ أيْ ما لَمْ نُمَكِّنْهُ لَكم، وهَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ (ما) بِمَعْنى الَّذِي لا يَكُونُ نَعْتًا لِلْمَعارِفِ، وإنْ كانَ مَدْلُولُها مَدْلُولَ الَّذِي، بَلْ لَفْظُ الَّذِي هو الَّذِي يَكُونُ نَعْتًا لِلْمَعارِفِ، لَوْ قُلْتَ: ضَرَبْتُ الضَّرْبَ ما ضَرَبَ زَيْدٌ، تُرِيدُ الَّذِي ضَرَبَ زَيْدٌ، لَمْ يَجُزْ، فَلَوْ قُلْتَ: الضَّرْبَ الَّذِي ضَرَبَهُ زَيْدٌ، جازَ. وجَوَّزُوا أيْضًا أنْ يَكُونَ نَكِرَةً صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: تَمْكِينًا لَمْ نُمَكِّنْهُ لَكم، وهَذا أيْضًا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ (ما) النَّكِرَةَ صِفَةٌ، لا يَجُوزُ حَذْفُ مَوْصُوفِها، لَوْ قُلْتَ: قُمْتُ ما، أوْ ضَرَبْتُ ما، وأنْتَ تُرِيدُ قُمْتُ قِيامًا ما، وضَرَبْتُ ضَرْبًا ما، لَمْ يَجُزْ، وهَذانِ الوَجْهانِ أجازَهُما الحَوْفِيُّ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ (ما) مَفْعُولًا بِهِ بِتَمَكُّنٍ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ المَعْنى أعْطَيْناهم ما لَمْ نُعْطِكم، وهَذا الَّذِي أجازَهُ تَضْمِينٌ، والتَّضْمِينُ لا يَنْقاسُ. وأجازَ أيْضًا أنْ تَكُونَ (ما) مَصْدَرِيَّةً، والزَّمانُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ مَدٌّ ﴿ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ ويَعْنِي مُدَّةَ انْتِفاءِ التَّمْكِينِ لَكم. وأجازَ أيْضًا أنْ تَكُونَ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً بِالجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ بَعْدَها؛ أيْ شَيْئًا لَمْ نُمَكِّنْهُ لَكم، وحُذِفَ العائِدُ مِنَ الصِّفَةِ عَلى المَوْصُوفِ، وهَذا أقْرَبُ إلى الصَّوابِ. وتَعَدّى مَكَّنَ هُنا لِلذَّواتِ بِنَفْسِهِ وبِحَرْفِ الجَرِّ، والأكْثَرُ تَعْدِيَتُهُ بِاللّامِ، ﴿مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ﴾ [يوسف: ٢١]، ﴿إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ﴾ [الكهف: ٨٤]، ﴿أوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ﴾ [القصص: ٥٧] . وقالَ أبُو عُبَيْدٍ (مَكَّنّاهم) و(مَكَّنا لَهم) لُغَتانِ فَصِيحَتانِ، كَنَصَحْتُهُ، ونَصَحْتُ لَهُ، والإرْسالُ والإنْزالُ مُتَقارِبانِ في المَعْنى؛ لِأنَّ اشْتِقاقَهُ مِن رِسْلِ اللَّبَنِ، وهو ما يَنْزِلُ مِنَ الضَّرْعِ مُتَتابِعًا. و(السَّماءَ) السَّماءَ المُظِلَّةَ، قالُوا: لِأنَّ المَطَرَ يَنْزِلُ مِنها إلى السَّحابِ، ويَكُونُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ مَطَرَ السَّماءِ، ويَكُونُ (مِدْرارًا)، حالًا مِن ذَلِكَ المُضافِ المَحْذُوفِ. وقِيلَ: (السَّماءَ) المَطَرَ. وفي الحَدِيثِ: «فِي أثَرِ سَماءٍ كانَتْ مِنَ اللَّيْلِ» . وتَقُولُ العَرَبُ: ما زِلْنا نَطَأُ السَّماءَ حَتّى أتَيْناكم، يُرِيدُونَ المَطَرَ؛ وقالَ الشّاعِرُ:(p-٧٧) ؎إذا نَزَلَ السَّماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابا (ومِدْرارًا) عَلى هَذا حالٌ مِن نَفْسِ (السَّماءَ) . وقِيلَ: (السَّماءَ) هُنا السَّحابَ، ويُوصَفُ بِالمِدْرارِ، فَـ (مِدْرارًا) حالٌ مِنهُ (ومِدْرارًا) يُوصَفُ بِهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، وهو لِلْمُبالَغَةِ في اتِّصالِ المَطَرِ ودَوامِهِ وقْتَ الحاجَةِ، إلّا أنَّها تُرْفَعُ لَيْلًا ونَهارًا، فَتَفْسُدُ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. ولِأنَّ هَذِهِ الأوْصافَ إنَّما ذُكِرَتْ لِتَعْدِيدِ النِّعَمِ عَلَيْهِمْ ومُقابَلَتِها بِالعِصْيانِ ﴿وجَعَلْنا الأنْهارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ﴾ تَقَدَّمَ ذِكْرُ كَيْفِيَّةِ جَرَيانِ الأنْهارِ مِنِ التَّحْتِ في أوائِلِ البَقَرَةِ. وقَدْ أغْرَبَ مَن فَسَّرَ (الأنْهارَ) هُنا بِالخَيْلِ، كَما قِيلَ: في قَوْلِهِ: ﴿وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ [الزخرف: ٥١] وإذا كانَ الفَرَسُ سَرِيعَ العَدْوِ واسِعَ الخَطْوِ، وُصِفَ بِالبَحْرِ وبِالنَّهْرِ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى مَكَّنَهُمُ التَّمْكِينَ البالِغَ، ووَسَّعَ عَلَيْهِمُ الرِّزْقَ، فَذَكَرَ سَبَبَهُ، وهو تَتابُعُ الأمْطارِ عَلى قَدْرِ حاجاتِهِمْ، وإمْساكُ الأرْضِ ذَلِكَ الماءَ حَتّى صارَتِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ، فَكَثُرَ الخَصْبُ، فَأذْنَبُوا، فَأُهْلِكُوا بِذُنُوبِهِمْ. والظّاهِرُ أنَّ الذُّنُوبَ هُنا، هي كُفْرُهم وتَكْذِيبُهم بِرُسُلِ اللَّهِ وآياتِهِ، والإهْلاكُ هُنا لا يُرادُ بِهِ مُجَرَّدُ الإفْناءِ والإماتَةِ، بَلِ المُرادُ الإهْلاكُ النّاشِئُ عَنِ الذُّنُوبِ، والأخْذُ بِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكُلًّا أخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنهم مَن أرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا ومِنهم مَن أخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ ومِنهم مَن خَسَفْنا بِهِ الأرْضَ ومِنهم مَن أغْرَقْنا﴾ [العنكبوت: ٤٠] لِأنَّ الإهْلاكَ بِمَعْنى الإماتَةِ مُشْتَرِكٌ فِيهِ الصّالِحُ والطّالِحُ، وفائِدَةُ ذِكْرِ إنْشاءِ قَرْنٍ (آخَرِينَ) بَعْدَهم، إظْهارُ القُدْرَةِ التّامَّةِ عَلى إفْناءِ ناسٍ، وإنْشاءِ ناسٍ، فَهو تَعالى لا يَتَعاظَمُهُ أنْ يُهْلِكَ (قَرْنًا)، ويُخَرِّبَ بِلادَهُ، ويُنْشِئَ مَكانَهُ آخَرَ يُعَمِّرَ بِلادَهُ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ لِلْمُخاطَبِينَ بِإهْلاكِهِمْ، إذا عَصَوْا، كَما أهْلَكَ مَن قَبْلَهم، ووَصَفَ قَرْنًا (بِآخَرِينَ) وهو جَمْعٌ، حَمْلًا عَلى مَعْنى قَرْنٍ، وكانَ الحَمْلُ عَلى المَعْنى أفْصَحَ؛ لِأنَّها فاصِلَةُ رَأْسِ آيَةٍ. ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ سَبَبُ نُزُولِها اقْتِراحُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أُمَيَّةَ، وتَعَنُّتُهُ، إذْ قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: لا أُؤْمِنُ لَكَ حَتّى تَصْعَدَ إلى السَّماءِ، ثُمَّ تَنْزِلَ بِكِتابٍ فِيهِ مِن رَبِّ العِزَّةِ إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمَيَّةَ، يَأْمُرُنِي بِتَصْدِيقِكَ. وما أرانِي مَعَ هَذا كُنْتُ أُصَدِّقُكَ. ثُمَّ أسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ، وقُتِلَ شَهِيدًا بِالطّائِفِ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى تَكْذِيبَهم بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم، ثُمَّ وعَظَهم، وذَكَّرَهم بِإهْلاكِ القُرُونِ الماضِيَةِ بِذُنُوبِهِمْ، ذَكَّرَهم مُبالَغَتَهم في التَّكْذِيبِ، بِأنَّهم لَوْ رَأوْا كَلامًا مَكْتُوبًا ﴿فِي قِرْطاسٍ﴾ ومَعَ رُؤْيَتِهِمْ جَسُّوهُ بِأيْدِيهِمْ، لَمْ تَزِدْهُمُ الرُّؤْيَةُ واللَّمْسُ إلّا تَكْذِيبًا، وادَّعَوْا أنَّ ذَلِكَ مِن بابِ السِّحْرِ، لا مِن بابِ المُعْجِزِ عِنادًا وتَعَنُّتًا، وإنْ كانَ مَن لَهُ أدْنى مُسْكَةٍ مِن عَقْلٍ، لا يُنازِعُ فِيما أدْرَكَهُ بِالبَصَرِ عَنْ قَرِيبٍ، ولا بِما لَمَسَتْهُ يَدُهُ. وذَكَرَ اللَّمْسَ لِأنَّهم لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى الرُّؤْيَةِ؛ لِئَلّا يَقُولُوا سُكِّرَتْ أبْصارُنا. ولَمّا كانَتِ المُعْجِزاتُ مَرْئِيّاتٍ ومَسْمُوعاتٍ، ذَكَرَ المَلْمُوساتِ مُبالَغَةً في أنَّهم لا يَتَوَقَّفُونَ في إنْكارِ هَذِهِ الأنْواعِ كُلِّها، حَتّى إنَّ المَلْمُوسَ بِاليَدِ هو عِنْدَهم مِثْلُ المَرْئِيِّ بِالعَيْنِ والمَسْمُوعِ بِالأُذُنِ. وذِكْرُ اليَدِ هُنا، فَقِيلَ مُبالَغَةً في التَّأْكِيدِ؛ ولِأنَّ اليَدَ أقْوى في اللَّمْسِ مِن غَيْرِها مِنَ الأعْضاءِ. وقِيلَ: النّاسُ مُنْقَسِمُونَ إلى بُصَراءَ، وأضِرّاءَ، فَذَكَرَ الطَّرِيقَ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ العِلْمُ لِلْفَرِيقَيْنِ. وقِيلَ: عَلَّقَهُ بِاللَّمْسِ بِاليَدِ؛ لِأنَّهُ أبْعَدُ عَنِ السِّحْرِ. وقِيلَ: اللَّمْسُ بِاليَدِ مُقَدِّمَةُ الإبْصارِ، ولا يَقَعُ مَعَ التَّزْوِيرِ. وقِيلَ: اللَّمْسُ يُطْلَقُ، ويُرادُ بِهِ الفَحْصُ عَنِ الشَّيْءِ، والكَشْفُ عَنْهُ، كَما قالَ: ﴿وأنّا لَمَسْنا السَّماءَ﴾ [الجن: ٨]، فَذُكِرَتِ اليَدُ حَتّى يُعْلَمَ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِهِ ذَلِكَ اللَّمْسَ. وجاءَ ﴿لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لِأنَّ مِثْلَ هَذا الغَرَضِ يَقْتَضِي انْقِسامَ النّاسِ إلى مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، فالمُؤْمِنُ يَراهُ مِن أعْظَمِ المُعْجِزاتِ، والكافِرُ يَجْعَلُهُ مِن بابِ السِّحْرِ. ووَصْفُ السِّحْرِ بِـ (مُبِينٌ) إمّا لِكَوْنِهِ بَيِّنًا في نَفْسِهِ، وإمّا لِكَوْنِهِ أظْهَرَ غَيْرَهُ. ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (p-٧٨)قالَ النَّضْرُ بْنُ الحَرْثِ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ ونَوْفَلُ بْنُ خالِدٍ: يا مُحَمَّدُ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَأْتِيَنا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ومَعَهُ أرْبَعَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ، يَشْهَدُونَ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وأنَّكَ رَسُولُهُ انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (وقالُوا) اسْتِئْنافُ إخْبارٍ مِنَ اللَّهِ، حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى جَوابِ (لَوْ) أيْ: ﴿لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، ولَقالُوا: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾، فَلا يَكُونُ إذْ ذاكَ هَذانِ القَوْلانِ المُرَتَّبانِ عَلى تَقْدِيرِ إنْزالِ الكِتابِ ﴿فِي قِرْطاسٍ﴾ واقِعِينَ؛ لِأنَّ التَّنْزِيلَ لَمْ يَقَعْ، وكانَ يَكُونُ القَوْلُ الثّانِي غايَةً في التَّعَنُّتِ. وقَدْ أشارَ إلى هَذا الِاحْتِمالِ أبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أبِي الفَضْلِ، قالَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، تَقْدِيرُهُ: ولَوْ أجَبْناهم إلى ما سَألُوا، لَمْ يُؤْمِنُوا، ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ وظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّها في كُفّارِ العَرَبِ، وذَكَرَ بَعْضُ النّاسِ أنَّها في أهْلِ الكِتابِ، والضَّمِيرُ في (عَلَيْهِ) عائِدٌ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، والمَعْنى (مَلَكٌ) نُشاهِدُهُ، ويُخْبِرُنا عَنِ اللَّهِ تَعالى بِنُبُوَّتِهِ وبِصِدْقِهِ. و(لَوْلا) بِمَعْنى هَلّا لِلتَّحْضِيضِ، وهَذا قَوْلُ مَن تَعَنَّتَ، وأنْكَرَ النُّبُوّاتِ. ﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ ﴿ولَوْ أنْزَلْنا﴾ عَلَيْهِ (مَلَكًا) يُشاهِدُونَهُ، لَقامَتِ القِيامَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ: في الكَلامِ حَذْفٌ، تَقْدِيرُهُ: ﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا﴾، فَكَذَّبُوهُ، ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ بِعَذابِهِمْ، ولَمْ يُؤَخَّرُوا حَسَبَ ما سَلَفَ في كُلِّ أُمَّةٍ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ لَماتُوا مِن هَوْلِ رُؤْيَةِ المَلَكِ في صُورَتِهِ. ويُؤَيِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ، ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا﴾ إلى آخِرِهِ، فَإنَّ أهْلَ التَّأْوِيلِ مُجْمِعُونَ عَلى أنَّهم لَمْ يَكُونُوا لِيُطِيقُوا رُؤْيَةَ المَلَكِ في صُورَتِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فالأوْلى في ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ لَماتُوا مِن هَوْلِ رُؤْيَتِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَقُضِيَ أمْرُ إهْلاكِهِمْ. ﴿ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ بَعْدَ نُزُولِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، إمّا لِأنَّهم إذا عايَنُوا المَلَكَ، قَدْ نَزَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، في صُورَتِهِ، وهي أنَّهُ لا شَيْءَ أبْيَنُ مِنها وأيْقَنُ، ثُمَّ لا يُؤْمِنُونَ كَما قالَ، ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ، لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن إهْلاكِهِمْ كَما أهْلَكَ أصْحابَ المائِدَةِ، وإمّا لِأنَّهُ يَزُولُ الِاخْتِيارُ الَّذِي هو قاعِدَةُ التَّكْلِيفِ عِنْدَ نُزُولِ المَلائِكَةِ، فَيَجِبُ إهْلاكُهم، وإمّا لِأنَّهم إذا شاهَدُوا مَلَكًا في صُورَتِهِ، زَهَقَتْ أرْواحُهم مِن هَوْلِ ما يُشاهِدُونَ انْتَهى. والتَّرْدِيدُ الأوَّلُ بِإمّا، قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والثّالِثُ قَوْلُ تِلْكَ الفِرْقَةِ. وقَوْلُهُ: كَما أهْلَكَ أصْحابَ المائِدَةِ؛ لِأنَّهم عِنْدَهُ كُفّارٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِمْ في أواخِرِ سُورَةِ العُقُودِ، وذَكَرَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ الأوْجُهَ الثَّلاثَةَ الَّتِي ذَكَرَها الزَّمَخْشَرِيُّ بِبَسْطٍ فِيها. وقالَ التَّبْرِيزِيُّ في مَعْنى ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما؛ لَقامَتِ القِيامَةُ لِأنَّ الغَيْبَ يَصِيرُ عِنْدَها شَهادَةً عِيانًا، الثّانِي؛ الفَزَعُ مِن إهْلاكِهِمْ؛ لِأنَّ السُّنَّةَ الإلَهِيَّةَ جارِيَةٌ في إنْزالِ المَلائِكَةِ بِأحَدِ أمْرَيْنِ: الوَحْيِ، أوِ الإهْلاكِ، وقَدِ امْتَنَعَ الأوَّلُ، فَيَتَعَيَّنُ الثّانِي انْتَهى. فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ أيْ بِإهْلاكِنا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْنى (ثُمَّ) بَعْدَما بَيَّنَ الأمْرَيْنِ قَضاءَ الأمْرِ، وعَدَمَ الإنْظارِ جَعَلَ عَدَمَ الإنْظارِ أشَدَّ مِن قَضاءِ الأمْرِ؛ لِأنَّ مُفاجَأةَ الشِّدَّةِ أشَدُّ مِن نَفْسِ الشِّدَّةِ انْتَهى. ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ أيْ ولَجَعَلْنا الرَّسُولَ مَلَكًا كَما اقْتَرَحُوا؛ لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: لَوْلا أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ مَلَكٌ، وتارَةً يَقُولُونَ: ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم، ولَوْ شاءَ رَبُّنا لَأنْزَلَ مَلائِكَةً، ومَعْنى ﴿لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ أيْ لَصَيَّرْناهُ في صُورَةِ رَجُلٍ، كَما كانَ جِبْرِيلُ يَنْزِلُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، في غالِبِ الأحْوالِ في صُورَةِ دَحْيَةَ، وتارَةً ظَهَرَ لَهُ ولِلصَّحابَةِ في صُورَةِ رَجُلٍ شَدِيدٍ بَياضِ الثِّيابِ، شَدِيدِ سَوادِ الشَّعَرِ، لا يُرى عَلَيْهِ أثَرُ السَّفَرِ، ولا يَعْرِفُهُ أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ. وفي الحَدِيثِ: «وأحْيانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ المَلَكُ رَجُلًا»، وكَما تَصَوَّرَ جِبْرِيلُ لِمَرْيَمَ بَشَرًا سَوِيًّا، والمَلائِكَةُ أضْيافُ إبْراهِيمَ، وأضْيافُ لُوطٍ ومُتَسَوِّرُ والمِحْرابِ، فَإنَّهم ظَهَرُوا بِصُورَةِ البَشَرِ، وإنَّما كانَ يَكُونُ بِصُورَةِ رَجُلٍ؛ لِأنَّ النّاسَ لا طاقَةَ لَهم عَلى رُؤْيَةِ المَلَكِ في صُورَتِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وابْنُ (p-٧٩)زَيْدٍ، ويُؤَيِّدُهُ هَلاكُ الَّذِي سَمِعَ صَوْتَ مَلَكٍ في السَّحابِ يَقُولُ: أقْدِمْ حَيْزُومُ، فَماتَ لِسَماعِ صَوْتِهِ، فَكَيْفَ لَوْ رَآهُ في خِلْقَتِهِ ؟ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولا يُعارَضُ هَذا بِرُؤْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ، لِجِبْرِيلَ وغَيْرِهِ في صُوَرِهِمْ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أُعْطِيَ قُوَّةً، يَعْنِي غَيْرَ قُوى البَشَرِ. وجاءَ بِلَفْظِ رَجُلٍ رَدًّا عَلى المُخاطَبِينَ بِهَذا، إذْ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ المَلائِكَةَ إناثٌ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: لَوْ جَعَلَ اللَّهُ الرَّسُولَ إلى البَشَرِ مَلَكًا، لَفَرُّوا مِن مُقارَبَتِهِ، وما أنِسُوا بِهِ، ولَداخَلَهم مِنَ الرُّعْبِ مِن كَلامِهِ، ما يُلْكِنُهم عَنْ كَلامِهِ ويَمْنَعُهم عَنْ سُؤالِهِ، فَلا تَعَمُّ المَصْلَحَةُ، ولَوْ نَقَلَهُ عَنْ صُورَةِ المَلائِكَةِ إلى مِثْلِ صُورَتِهِمْ لَقالُوا: لَسْتَ مَلَكًا، وإنَّما أنْتَ بَشَرٌ، فَلا نُؤْمِنُ بِكَ، وعادُوا إلى مِثْلِ حالِهِمُ انْتَهى. وهو جَمْعُ كَلامِ مَن قَبْلَهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى مَن أنْكَرَ نُزُولَ المَلائِكَةِ إلى الأرْضِ، وقالُوا: هي أجْسامٌ لَطِيفَةٌ لَيْسَ فِيها ما يَقْتَضِي انْحِطاطَها، ونُزُولُها إلى الأرْضِ. ورُدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ؛ بِأنَّهُ تَعالى قادِرٌ أنْ يُودِعَ أجْسامَها ثِقَلًا يَكُونُ سَبَبًا لِنُزُولِها إلى الأرْضِ، ثُمَّ يُزِيلُ ذَلِكَ فَتَعُودُ إلى ما كانَتْ عَلَيْهِ مِنَ اللَّطافَةِ والخِفَّةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِارْتِفاعِها انْتَهى هَذا الرَّدُّ. والَّذِي نَقُولُ إنَّ القُدْرَةَ الإلَهِيَّةَ تُنْزِلُ الخَفِيفَ، وتُصْعِدُ الكَثِيفَ مِن غَيْرِ أنْ يَجْعَلَ في الخَفِيفِ ثِقَلًا، وفي الكَثِيفِ خِفَّةً، ولَيْسَ هَذا بِالمُسْتَحِيلِ، فَيَتَكَلَّفُ أنْ يُودِعَ في الخَفِيفِ ثِقَلًا، وفي الكَثِيفِ خِفَّةً. وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى إمْكانِ تَمْثِيلِ المَلائِكَةِ بِصُورَةِ البَشَرِ، وهو صَحِيحٌ واقِعٌ بِالنَّقْلِ المُتَواتِرِ. ﴿ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ أيْ ولَخَلَطْنا عَلَيْهِمْ ما يَخْلِطُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ حِينَئِذٍ، فَإنَّهم يَقُولُونَ إذا رَأوُا المَلَكَ في صُورَةِ إنْسانٍ: هَذا إنْسانٌ ولَيْسَ بِمَلَكٍ، فَإنِّي أسْتَدِلُّ بِأنِّي جِئْتُ بِالقُرْآنِ المُعْجِزِ، وفِيهِ أنِّي مَلَكٌ لا بَشَرٌ كَذَّبُوهُ كَما كَذَّبُوا الرُّسُلَ، فَخُذِلُوا كَما هم مَخْذُولُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى ﴿ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ﴾ حِينَئِذٍ مِثْلَ، ﴿ما يَلْبِسُونَ﴾ عَلى أنَفْسِهِمُ السّاعَةَ في كُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَخَلَطْنا عَلَيْهِمْ ما يَخْلِطُونَ بِهِ عَلى أنْفُسِهِمْ وضَعَفَتِهِمْ؛ أيْ: لَفَعَلْنا لَهم في ذَلِكَ تَلَبُّسًا، يَطْرُقُ لَهم إلى أنْ يُلَبَّسُوا بِهِ، وذَلِكَ لا يَحْسُنُ، ويُحْتَمَلُ الكَلامُ مَقْصِدًا آخَرَ؛ أيْ (لَلَبَسْنا) نَحْنُ (عَلَيْهِمْ) كَما يَلْبِسُونَ هم عَلى ضَعَفَتِهِمْ، فَكُنّا نَنْهاهم عَنِ التَّلْبِيسِ، ونَفْعَلُهُ نَحْنُ انْتَهى. وقالَ قَوْمٌ: كانَ يَحْصُلُ التَّلْبِيسُ لِاعْتِقادِهِمْ أنَّ المَلائِكَةَ إناثٌ، فَلَوْ رَأوْهُ في صُورَةِ رَجُلٍ، حَصَلَ التَّلْبِيسُ عَلَيْهِمْ، كَما حَصَلَ مِنهُمُ التَّلْبِيسُ عَلى غَيْرِهِمْ. وقالَ قَوْمٌ مِنهُمُ الضَّحّاكُ: الآيَةُ نَزَلَتْ في اليَهُودِ، والنَّصارى في دِينِهِمْ وكُتُبِهِمْ، حَرَّفُوها، وكَذَّبُوا رُسُلَهم، فالمَعْنى في اللَّبْسِ؛ زِدْناهم ضَلالًا عَلى ضَلالِهِمْ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَبَسَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما لَبِسُوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِتَحْرِيفِ الكَلامِ عَنْ مَواضِعِهِ. و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ، وأضافَ اللَّبْسَ إلَيْهِ تَعالى عَلى جِهَةِ الخَلْقِ، وإلَيْهِمْ عَلى جِهَةِ الِاكْتِسابِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: (ولَبَسْنا) بِلامٍ واحِدَةٍ، والزُّهْرِيُّ (ولَلَبَّسْنا) بِتَشْدِيدِ الباءِ.

الأنعام 6:8

﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكم وأرْسَلْنا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا وجَعَلْنا الأنْهارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأهْلَكْناهم بِذُنُوبِهِمْ وأنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ لَمّا هَدَّدَهم، وأوْعَدَهم عَلى إعْراضِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِما يُجْرى مَجْرى المَوْعِظَةِ والنَّصِيحَةِ، وحَضَّ عَلى الِاعْتِبارِ بِالقُرُونِ الماضِيَةِ. و(يَرَوْا) هُنا بِمَعْنى يَعْلَمُوا؛ لِأنَّهم لَمْ يُبْصِرُوا هَلاكَ القُرُونِ السّالِفَةِ. و(كَمْ) في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِـ (أهْلَكْنا) . و(يَرَوْا) مُعَلَّقَةٌ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ مَفْعُولِها. و(مِن) الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ، و(مِن) الثّانِيَةُ لِلتَّبْعِيضِ، والمُفْرَدُ بَعْدَها واقِعٌ مَوْقِعَ الجَمْعِ. ووَهِمَ الحَوْفِيُّ في جَعْلِهِ (مِن) الثّانِيَةَ بَدَلًا مِنَ الأُولى، وظاهِرُ الإهْلاكِ أنَّهُ حَقِيقَةٌ، كَما أهْلَكَ قَوْمَ نُوحٍ وعادًا وثَمُودَ وغَيْرَهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنَوِيًّا بِالمَسْخِ قِرَدَةً وخَنازِيرَ، والضَّمِيرُ في (يَرَوْا) عائِدٌ عَلى مَن سَبَقَ مِنَ المُكَذِّبِينَ المُسْتَهْزِئِينَ. و(لَكم) خِطابٌ لَهم، فَهو التِفاتٌ، والمَعْنى أنَّ القُرُونَ المُهْلَكَةَ أُعْطُوا مِنَ البَسْطَةِ في الدُّنْيا، والسَّعَةِ في الأمْوالِ، ما لَمْ يُعْطَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ حُضُّوا عَلى الِاعْتِبارِ بِالأُمَمِ السّالِفَةِ وما جَرى لَهم. وفي هَذا الِالتِفاتِ تَعْرِيضٌ بِقِلَّةِ تَمْكِينِ هَؤُلاءِ، ونَقَصِهِمْ عَنْ أحْوالِ مَن سَبَقَ، ومَعَ تَمْكِينِ أُولَئِكَ في الأرْضِ فَقَدْ حَلَّ بِهِمُ (p-٧٦)الهَلاكُ فَكَيْفَ لا يَحِلُّ بِكم عَلى قِلَّتِكم وضِيقِ خُطَّتِكم ؟ فالهَلاكُ إلَيْكم أسْرَعُ مِنَ الهَلاكِ إلَيْهِمْ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والمُخاطَبَةُ في (لَكُمُ) هي لِلْمُؤْمِنِينَ، ولِجَمِيعِ المُعاصِرِينَ لَهم، وسائِرِ النّاسِ كافَّةً، كَأنَّهُ قالَ: ﴿ما لَمْ نُمَكِّنْ﴾ يا أهْلَ هَذا العَصْرِ لَكم، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقَدَّرَ مَعْنى القَوْلِ لِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ، كَأنَّهُ قالَ: يا مُحَمَّدُ قُلْ لَهم ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا﴾ الآيَةَ. وإذا أخْبَرْتَ أنَّكَ قُلْتَ: لَوْ قِيلَ: لَهُ، أوْ أمَرْتَ أنْ يُقالَ لَهُ، فَلَكَ في فَصِيحِ كَلامِ العَرَبِ أنْ تَحْكِيَ الألْفاظَ المَقُولَةَ بِعَيْنِها، فَتَجِيءُ بِلَفْظِ المُخاطَبَةِ، ولَكَ أنْ تَأْتِيَ بِالمَعْنى في الألْفاظِ، كَذِكْرِ غائِبٍ دُونَ مُخاطَبَةٍ انْتَهى. فَتَقُولُ: قُلْتُ لِزَيْدٍ ما أكْرَمَكَ !، وقُلْتُ لِزَيْدٍ ما أكْرَمَهُ ! . والضَّمِيرُ في (مَكَّنّاهم) عائِدٌ عَلى (كَمْ) مُراعاةً لِمَعْناها؛ لِأنَّ مَعْناها جَمْعٌ، والمُرادُ بِها الأُمَمُ، وأجازَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ أنْ يَعُودَ عَلى (قَرْنٍ)، وذَلِكَ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ ﴿مِن قَرْنٍ﴾ تَمْيِيزٌ (لَكم)، فَكَمْ هي المُحَدَّثُ عَنْها بِالإهْلاكِ، فَتَكُونُ هي المُحَدَّثَ عَنْها بِالتَّمْكِينِ فَما بَعْدَهُ، إذْ ﴿مِن قَرْنٍ﴾ جَرى مَجْرى التَّبْيِينِ، ولَمْ يُحَدَّثْ عَنْهُ، وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ (كَمْ) هُنا ظَرْفًا، وأنْ يَكُونَ مَصْدَرًا؛ أيْ: كَمْ أزْمِنَةً أهْلَكْنا ؟ أوْ كَمْ إهْلاكًا أهْلَكْنا ؟ ومَفْعُولُ (أهْلَكْنا مِن قَرْنٍ) عَلى زِيادَةِ (مِن)، وهَذا الَّذِي أجازَهُ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ لا يَقَعُ إذْ ذاكَ المُفْرَدُ مَوْقِعَ الجَمْعِ، بَلْ تَدُلُّ عَلى المُفْرَدِ، لَوْ قُلْتَ: كَمْ أزْمانًا ضَرَبْتُ رَجُلًا ؟ أوْ كَمْ مَرَّةً ضَرَبْتُ رَجُلًا ؟ لَمْ يَكُنْ مَدْلُولُهُ مَدْلُولَ رِجالٍ؛ لِأنَّ السُّؤالَ إنَّما هو عَنْ عَدَدِ الأزْمانِ، أوِ المَرّاتِ الَّتِي ضُرِبَ فِيها رَجُلٌ؛ ولِأنَّ هَذا المَوْضِعَ لَيْسَ مِن مَواضِعِ زِيادَةِ (مِن) لِأنَّها لا تُزادُ إلّا في الِاسْتِفْهامِ المَحْضِ، أوِ الِاسْتِفْهامِ المُرادِ بِهِ النَّفْيُ، والِاسْتِفْهامُ هُنا لَيْسَ مَحْضًا، ولا يُرادُ بِهِ النَّفْيُ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَكَّنّاهُمْ﴾ جَوابٌ لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما كانَ مِن حالِهِمْ ؟ فَقِيلَ: ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ﴾ . وقالَ أبُو البَقاءِ: (مَكَّنّاهم) في مَوْضِعِ خَبَرٍ صِفَةُ (قَرْنٍ)، وجُمِعَ عَلى المَعْنى، وما قالَهُ أبُو البَقاءِ مُمْكِنٌ. وما في قَوْلِهِ: ﴿ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ جَوَّزُوا في إعْرابِها أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي، ويَكُونَ التَّقْدِيرُ التَّمْكِينَ الَّذِي ﴿لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾، فَحُذِفَ المَنعُوتُ، وأُقِيمَ النَّعْتُ مَقامَهُ، ويَكُونَ الضَّمِيرُ العائِدُ عَلى (ما) مَحْذُوفًا؛ أيْ ما لَمْ نُمَكِّنْهُ لَكم، وهَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ (ما) بِمَعْنى الَّذِي لا يَكُونُ نَعْتًا لِلْمَعارِفِ، وإنْ كانَ مَدْلُولُها مَدْلُولَ الَّذِي، بَلْ لَفْظُ الَّذِي هو الَّذِي يَكُونُ نَعْتًا لِلْمَعارِفِ، لَوْ قُلْتَ: ضَرَبْتُ الضَّرْبَ ما ضَرَبَ زَيْدٌ، تُرِيدُ الَّذِي ضَرَبَ زَيْدٌ، لَمْ يَجُزْ، فَلَوْ قُلْتَ: الضَّرْبَ الَّذِي ضَرَبَهُ زَيْدٌ، جازَ. وجَوَّزُوا أيْضًا أنْ يَكُونَ نَكِرَةً صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: تَمْكِينًا لَمْ نُمَكِّنْهُ لَكم، وهَذا أيْضًا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ (ما) النَّكِرَةَ صِفَةٌ، لا يَجُوزُ حَذْفُ مَوْصُوفِها، لَوْ قُلْتَ: قُمْتُ ما، أوْ ضَرَبْتُ ما، وأنْتَ تُرِيدُ قُمْتُ قِيامًا ما، وضَرَبْتُ ضَرْبًا ما، لَمْ يَجُزْ، وهَذانِ الوَجْهانِ أجازَهُما الحَوْفِيُّ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ (ما) مَفْعُولًا بِهِ بِتَمَكُّنٍ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ المَعْنى أعْطَيْناهم ما لَمْ نُعْطِكم، وهَذا الَّذِي أجازَهُ تَضْمِينٌ، والتَّضْمِينُ لا يَنْقاسُ. وأجازَ أيْضًا أنْ تَكُونَ (ما) مَصْدَرِيَّةً، والزَّمانُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ مَدٌّ ﴿ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ ويَعْنِي مُدَّةَ انْتِفاءِ التَّمْكِينِ لَكم. وأجازَ أيْضًا أنْ تَكُونَ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً بِالجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ بَعْدَها؛ أيْ شَيْئًا لَمْ نُمَكِّنْهُ لَكم، وحُذِفَ العائِدُ مِنَ الصِّفَةِ عَلى المَوْصُوفِ، وهَذا أقْرَبُ إلى الصَّوابِ. وتَعَدّى مَكَّنَ هُنا لِلذَّواتِ بِنَفْسِهِ وبِحَرْفِ الجَرِّ، والأكْثَرُ تَعْدِيَتُهُ بِاللّامِ، ﴿مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ﴾ [يوسف: ٢١]، ﴿إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ﴾ [الكهف: ٨٤]، ﴿أوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ﴾ [القصص: ٥٧] . وقالَ أبُو عُبَيْدٍ (مَكَّنّاهم) و(مَكَّنا لَهم) لُغَتانِ فَصِيحَتانِ، كَنَصَحْتُهُ، ونَصَحْتُ لَهُ، والإرْسالُ والإنْزالُ مُتَقارِبانِ في المَعْنى؛ لِأنَّ اشْتِقاقَهُ مِن رِسْلِ اللَّبَنِ، وهو ما يَنْزِلُ مِنَ الضَّرْعِ مُتَتابِعًا. و(السَّماءَ) السَّماءَ المُظِلَّةَ، قالُوا: لِأنَّ المَطَرَ يَنْزِلُ مِنها إلى السَّحابِ، ويَكُونُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ مَطَرَ السَّماءِ، ويَكُونُ (مِدْرارًا)، حالًا مِن ذَلِكَ المُضافِ المَحْذُوفِ. وقِيلَ: (السَّماءَ) المَطَرَ. وفي الحَدِيثِ: «فِي أثَرِ سَماءٍ كانَتْ مِنَ اللَّيْلِ» . وتَقُولُ العَرَبُ: ما زِلْنا نَطَأُ السَّماءَ حَتّى أتَيْناكم، يُرِيدُونَ المَطَرَ؛ وقالَ الشّاعِرُ:(p-٧٧) ؎إذا نَزَلَ السَّماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابا (ومِدْرارًا) عَلى هَذا حالٌ مِن نَفْسِ (السَّماءَ) . وقِيلَ: (السَّماءَ) هُنا السَّحابَ، ويُوصَفُ بِالمِدْرارِ، فَـ (مِدْرارًا) حالٌ مِنهُ (ومِدْرارًا) يُوصَفُ بِهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، وهو لِلْمُبالَغَةِ في اتِّصالِ المَطَرِ ودَوامِهِ وقْتَ الحاجَةِ، إلّا أنَّها تُرْفَعُ لَيْلًا ونَهارًا، فَتَفْسُدُ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. ولِأنَّ هَذِهِ الأوْصافَ إنَّما ذُكِرَتْ لِتَعْدِيدِ النِّعَمِ عَلَيْهِمْ ومُقابَلَتِها بِالعِصْيانِ ﴿وجَعَلْنا الأنْهارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ﴾ تَقَدَّمَ ذِكْرُ كَيْفِيَّةِ جَرَيانِ الأنْهارِ مِنِ التَّحْتِ في أوائِلِ البَقَرَةِ. وقَدْ أغْرَبَ مَن فَسَّرَ (الأنْهارَ) هُنا بِالخَيْلِ، كَما قِيلَ: في قَوْلِهِ: ﴿وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ [الزخرف: ٥١] وإذا كانَ الفَرَسُ سَرِيعَ العَدْوِ واسِعَ الخَطْوِ، وُصِفَ بِالبَحْرِ وبِالنَّهْرِ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى مَكَّنَهُمُ التَّمْكِينَ البالِغَ، ووَسَّعَ عَلَيْهِمُ الرِّزْقَ، فَذَكَرَ سَبَبَهُ، وهو تَتابُعُ الأمْطارِ عَلى قَدْرِ حاجاتِهِمْ، وإمْساكُ الأرْضِ ذَلِكَ الماءَ حَتّى صارَتِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ، فَكَثُرَ الخَصْبُ، فَأذْنَبُوا، فَأُهْلِكُوا بِذُنُوبِهِمْ. والظّاهِرُ أنَّ الذُّنُوبَ هُنا، هي كُفْرُهم وتَكْذِيبُهم بِرُسُلِ اللَّهِ وآياتِهِ، والإهْلاكُ هُنا لا يُرادُ بِهِ مُجَرَّدُ الإفْناءِ والإماتَةِ، بَلِ المُرادُ الإهْلاكُ النّاشِئُ عَنِ الذُّنُوبِ، والأخْذُ بِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكُلًّا أخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنهم مَن أرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا ومِنهم مَن أخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ ومِنهم مَن خَسَفْنا بِهِ الأرْضَ ومِنهم مَن أغْرَقْنا﴾ [العنكبوت: ٤٠] لِأنَّ الإهْلاكَ بِمَعْنى الإماتَةِ مُشْتَرِكٌ فِيهِ الصّالِحُ والطّالِحُ، وفائِدَةُ ذِكْرِ إنْشاءِ قَرْنٍ (آخَرِينَ) بَعْدَهم، إظْهارُ القُدْرَةِ التّامَّةِ عَلى إفْناءِ ناسٍ، وإنْشاءِ ناسٍ، فَهو تَعالى لا يَتَعاظَمُهُ أنْ يُهْلِكَ (قَرْنًا)، ويُخَرِّبَ بِلادَهُ، ويُنْشِئَ مَكانَهُ آخَرَ يُعَمِّرَ بِلادَهُ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ لِلْمُخاطَبِينَ بِإهْلاكِهِمْ، إذا عَصَوْا، كَما أهْلَكَ مَن قَبْلَهم، ووَصَفَ قَرْنًا (بِآخَرِينَ) وهو جَمْعٌ، حَمْلًا عَلى مَعْنى قَرْنٍ، وكانَ الحَمْلُ عَلى المَعْنى أفْصَحَ؛ لِأنَّها فاصِلَةُ رَأْسِ آيَةٍ. ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ سَبَبُ نُزُولِها اقْتِراحُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أُمَيَّةَ، وتَعَنُّتُهُ، إذْ قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: لا أُؤْمِنُ لَكَ حَتّى تَصْعَدَ إلى السَّماءِ، ثُمَّ تَنْزِلَ بِكِتابٍ فِيهِ مِن رَبِّ العِزَّةِ إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمَيَّةَ، يَأْمُرُنِي بِتَصْدِيقِكَ. وما أرانِي مَعَ هَذا كُنْتُ أُصَدِّقُكَ. ثُمَّ أسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ، وقُتِلَ شَهِيدًا بِالطّائِفِ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى تَكْذِيبَهم بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم، ثُمَّ وعَظَهم، وذَكَّرَهم بِإهْلاكِ القُرُونِ الماضِيَةِ بِذُنُوبِهِمْ، ذَكَّرَهم مُبالَغَتَهم في التَّكْذِيبِ، بِأنَّهم لَوْ رَأوْا كَلامًا مَكْتُوبًا ﴿فِي قِرْطاسٍ﴾ ومَعَ رُؤْيَتِهِمْ جَسُّوهُ بِأيْدِيهِمْ، لَمْ تَزِدْهُمُ الرُّؤْيَةُ واللَّمْسُ إلّا تَكْذِيبًا، وادَّعَوْا أنَّ ذَلِكَ مِن بابِ السِّحْرِ، لا مِن بابِ المُعْجِزِ عِنادًا وتَعَنُّتًا، وإنْ كانَ مَن لَهُ أدْنى مُسْكَةٍ مِن عَقْلٍ، لا يُنازِعُ فِيما أدْرَكَهُ بِالبَصَرِ عَنْ قَرِيبٍ، ولا بِما لَمَسَتْهُ يَدُهُ. وذَكَرَ اللَّمْسَ لِأنَّهم لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى الرُّؤْيَةِ؛ لِئَلّا يَقُولُوا سُكِّرَتْ أبْصارُنا. ولَمّا كانَتِ المُعْجِزاتُ مَرْئِيّاتٍ ومَسْمُوعاتٍ، ذَكَرَ المَلْمُوساتِ مُبالَغَةً في أنَّهم لا يَتَوَقَّفُونَ في إنْكارِ هَذِهِ الأنْواعِ كُلِّها، حَتّى إنَّ المَلْمُوسَ بِاليَدِ هو عِنْدَهم مِثْلُ المَرْئِيِّ بِالعَيْنِ والمَسْمُوعِ بِالأُذُنِ. وذِكْرُ اليَدِ هُنا، فَقِيلَ مُبالَغَةً في التَّأْكِيدِ؛ ولِأنَّ اليَدَ أقْوى في اللَّمْسِ مِن غَيْرِها مِنَ الأعْضاءِ. وقِيلَ: النّاسُ مُنْقَسِمُونَ إلى بُصَراءَ، وأضِرّاءَ، فَذَكَرَ الطَّرِيقَ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ العِلْمُ لِلْفَرِيقَيْنِ. وقِيلَ: عَلَّقَهُ بِاللَّمْسِ بِاليَدِ؛ لِأنَّهُ أبْعَدُ عَنِ السِّحْرِ. وقِيلَ: اللَّمْسُ بِاليَدِ مُقَدِّمَةُ الإبْصارِ، ولا يَقَعُ مَعَ التَّزْوِيرِ. وقِيلَ: اللَّمْسُ يُطْلَقُ، ويُرادُ بِهِ الفَحْصُ عَنِ الشَّيْءِ، والكَشْفُ عَنْهُ، كَما قالَ: ﴿وأنّا لَمَسْنا السَّماءَ﴾ [الجن: ٨]، فَذُكِرَتِ اليَدُ حَتّى يُعْلَمَ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِهِ ذَلِكَ اللَّمْسَ. وجاءَ ﴿لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لِأنَّ مِثْلَ هَذا الغَرَضِ يَقْتَضِي انْقِسامَ النّاسِ إلى مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، فالمُؤْمِنُ يَراهُ مِن أعْظَمِ المُعْجِزاتِ، والكافِرُ يَجْعَلُهُ مِن بابِ السِّحْرِ. ووَصْفُ السِّحْرِ بِـ (مُبِينٌ) إمّا لِكَوْنِهِ بَيِّنًا في نَفْسِهِ، وإمّا لِكَوْنِهِ أظْهَرَ غَيْرَهُ. ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (p-٧٨)قالَ النَّضْرُ بْنُ الحَرْثِ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ ونَوْفَلُ بْنُ خالِدٍ: يا مُحَمَّدُ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَأْتِيَنا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ومَعَهُ أرْبَعَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ، يَشْهَدُونَ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وأنَّكَ رَسُولُهُ انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (وقالُوا) اسْتِئْنافُ إخْبارٍ مِنَ اللَّهِ، حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى جَوابِ (لَوْ) أيْ: ﴿لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، ولَقالُوا: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾، فَلا يَكُونُ إذْ ذاكَ هَذانِ القَوْلانِ المُرَتَّبانِ عَلى تَقْدِيرِ إنْزالِ الكِتابِ ﴿فِي قِرْطاسٍ﴾ واقِعِينَ؛ لِأنَّ التَّنْزِيلَ لَمْ يَقَعْ، وكانَ يَكُونُ القَوْلُ الثّانِي غايَةً في التَّعَنُّتِ. وقَدْ أشارَ إلى هَذا الِاحْتِمالِ أبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أبِي الفَضْلِ، قالَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، تَقْدِيرُهُ: ولَوْ أجَبْناهم إلى ما سَألُوا، لَمْ يُؤْمِنُوا، ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ وظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّها في كُفّارِ العَرَبِ، وذَكَرَ بَعْضُ النّاسِ أنَّها في أهْلِ الكِتابِ، والضَّمِيرُ في (عَلَيْهِ) عائِدٌ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، والمَعْنى (مَلَكٌ) نُشاهِدُهُ، ويُخْبِرُنا عَنِ اللَّهِ تَعالى بِنُبُوَّتِهِ وبِصِدْقِهِ. و(لَوْلا) بِمَعْنى هَلّا لِلتَّحْضِيضِ، وهَذا قَوْلُ مَن تَعَنَّتَ، وأنْكَرَ النُّبُوّاتِ. ﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ ﴿ولَوْ أنْزَلْنا﴾ عَلَيْهِ (مَلَكًا) يُشاهِدُونَهُ، لَقامَتِ القِيامَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ: في الكَلامِ حَذْفٌ، تَقْدِيرُهُ: ﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا﴾، فَكَذَّبُوهُ، ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ بِعَذابِهِمْ، ولَمْ يُؤَخَّرُوا حَسَبَ ما سَلَفَ في كُلِّ أُمَّةٍ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ لَماتُوا مِن هَوْلِ رُؤْيَةِ المَلَكِ في صُورَتِهِ. ويُؤَيِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ، ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا﴾ إلى آخِرِهِ، فَإنَّ أهْلَ التَّأْوِيلِ مُجْمِعُونَ عَلى أنَّهم لَمْ يَكُونُوا لِيُطِيقُوا رُؤْيَةَ المَلَكِ في صُورَتِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فالأوْلى في ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ لَماتُوا مِن هَوْلِ رُؤْيَتِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَقُضِيَ أمْرُ إهْلاكِهِمْ. ﴿ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ بَعْدَ نُزُولِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، إمّا لِأنَّهم إذا عايَنُوا المَلَكَ، قَدْ نَزَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، في صُورَتِهِ، وهي أنَّهُ لا شَيْءَ أبْيَنُ مِنها وأيْقَنُ، ثُمَّ لا يُؤْمِنُونَ كَما قالَ، ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ، لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن إهْلاكِهِمْ كَما أهْلَكَ أصْحابَ المائِدَةِ، وإمّا لِأنَّهُ يَزُولُ الِاخْتِيارُ الَّذِي هو قاعِدَةُ التَّكْلِيفِ عِنْدَ نُزُولِ المَلائِكَةِ، فَيَجِبُ إهْلاكُهم، وإمّا لِأنَّهم إذا شاهَدُوا مَلَكًا في صُورَتِهِ، زَهَقَتْ أرْواحُهم مِن هَوْلِ ما يُشاهِدُونَ انْتَهى. والتَّرْدِيدُ الأوَّلُ بِإمّا، قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والثّالِثُ قَوْلُ تِلْكَ الفِرْقَةِ. وقَوْلُهُ: كَما أهْلَكَ أصْحابَ المائِدَةِ؛ لِأنَّهم عِنْدَهُ كُفّارٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِمْ في أواخِرِ سُورَةِ العُقُودِ، وذَكَرَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ الأوْجُهَ الثَّلاثَةَ الَّتِي ذَكَرَها الزَّمَخْشَرِيُّ بِبَسْطٍ فِيها. وقالَ التَّبْرِيزِيُّ في مَعْنى ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما؛ لَقامَتِ القِيامَةُ لِأنَّ الغَيْبَ يَصِيرُ عِنْدَها شَهادَةً عِيانًا، الثّانِي؛ الفَزَعُ مِن إهْلاكِهِمْ؛ لِأنَّ السُّنَّةَ الإلَهِيَّةَ جارِيَةٌ في إنْزالِ المَلائِكَةِ بِأحَدِ أمْرَيْنِ: الوَحْيِ، أوِ الإهْلاكِ، وقَدِ امْتَنَعَ الأوَّلُ، فَيَتَعَيَّنُ الثّانِي انْتَهى. فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ أيْ بِإهْلاكِنا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْنى (ثُمَّ) بَعْدَما بَيَّنَ الأمْرَيْنِ قَضاءَ الأمْرِ، وعَدَمَ الإنْظارِ جَعَلَ عَدَمَ الإنْظارِ أشَدَّ مِن قَضاءِ الأمْرِ؛ لِأنَّ مُفاجَأةَ الشِّدَّةِ أشَدُّ مِن نَفْسِ الشِّدَّةِ انْتَهى. ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ أيْ ولَجَعَلْنا الرَّسُولَ مَلَكًا كَما اقْتَرَحُوا؛ لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: لَوْلا أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ مَلَكٌ، وتارَةً يَقُولُونَ: ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم، ولَوْ شاءَ رَبُّنا لَأنْزَلَ مَلائِكَةً، ومَعْنى ﴿لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ أيْ لَصَيَّرْناهُ في صُورَةِ رَجُلٍ، كَما كانَ جِبْرِيلُ يَنْزِلُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، في غالِبِ الأحْوالِ في صُورَةِ دَحْيَةَ، وتارَةً ظَهَرَ لَهُ ولِلصَّحابَةِ في صُورَةِ رَجُلٍ شَدِيدٍ بَياضِ الثِّيابِ، شَدِيدِ سَوادِ الشَّعَرِ، لا يُرى عَلَيْهِ أثَرُ السَّفَرِ، ولا يَعْرِفُهُ أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ. وفي الحَدِيثِ: «وأحْيانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ المَلَكُ رَجُلًا»، وكَما تَصَوَّرَ جِبْرِيلُ لِمَرْيَمَ بَشَرًا سَوِيًّا، والمَلائِكَةُ أضْيافُ إبْراهِيمَ، وأضْيافُ لُوطٍ ومُتَسَوِّرُ والمِحْرابِ، فَإنَّهم ظَهَرُوا بِصُورَةِ البَشَرِ، وإنَّما كانَ يَكُونُ بِصُورَةِ رَجُلٍ؛ لِأنَّ النّاسَ لا طاقَةَ لَهم عَلى رُؤْيَةِ المَلَكِ في صُورَتِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وابْنُ (p-٧٩)زَيْدٍ، ويُؤَيِّدُهُ هَلاكُ الَّذِي سَمِعَ صَوْتَ مَلَكٍ في السَّحابِ يَقُولُ: أقْدِمْ حَيْزُومُ، فَماتَ لِسَماعِ صَوْتِهِ، فَكَيْفَ لَوْ رَآهُ في خِلْقَتِهِ ؟ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولا يُعارَضُ هَذا بِرُؤْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ، لِجِبْرِيلَ وغَيْرِهِ في صُوَرِهِمْ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أُعْطِيَ قُوَّةً، يَعْنِي غَيْرَ قُوى البَشَرِ. وجاءَ بِلَفْظِ رَجُلٍ رَدًّا عَلى المُخاطَبِينَ بِهَذا، إذْ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ المَلائِكَةَ إناثٌ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: لَوْ جَعَلَ اللَّهُ الرَّسُولَ إلى البَشَرِ مَلَكًا، لَفَرُّوا مِن مُقارَبَتِهِ، وما أنِسُوا بِهِ، ولَداخَلَهم مِنَ الرُّعْبِ مِن كَلامِهِ، ما يُلْكِنُهم عَنْ كَلامِهِ ويَمْنَعُهم عَنْ سُؤالِهِ، فَلا تَعَمُّ المَصْلَحَةُ، ولَوْ نَقَلَهُ عَنْ صُورَةِ المَلائِكَةِ إلى مِثْلِ صُورَتِهِمْ لَقالُوا: لَسْتَ مَلَكًا، وإنَّما أنْتَ بَشَرٌ، فَلا نُؤْمِنُ بِكَ، وعادُوا إلى مِثْلِ حالِهِمُ انْتَهى. وهو جَمْعُ كَلامِ مَن قَبْلَهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى مَن أنْكَرَ نُزُولَ المَلائِكَةِ إلى الأرْضِ، وقالُوا: هي أجْسامٌ لَطِيفَةٌ لَيْسَ فِيها ما يَقْتَضِي انْحِطاطَها، ونُزُولُها إلى الأرْضِ. ورُدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ؛ بِأنَّهُ تَعالى قادِرٌ أنْ يُودِعَ أجْسامَها ثِقَلًا يَكُونُ سَبَبًا لِنُزُولِها إلى الأرْضِ، ثُمَّ يُزِيلُ ذَلِكَ فَتَعُودُ إلى ما كانَتْ عَلَيْهِ مِنَ اللَّطافَةِ والخِفَّةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِارْتِفاعِها انْتَهى هَذا الرَّدُّ. والَّذِي نَقُولُ إنَّ القُدْرَةَ الإلَهِيَّةَ تُنْزِلُ الخَفِيفَ، وتُصْعِدُ الكَثِيفَ مِن غَيْرِ أنْ يَجْعَلَ في الخَفِيفِ ثِقَلًا، وفي الكَثِيفِ خِفَّةً، ولَيْسَ هَذا بِالمُسْتَحِيلِ، فَيَتَكَلَّفُ أنْ يُودِعَ في الخَفِيفِ ثِقَلًا، وفي الكَثِيفِ خِفَّةً. وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى إمْكانِ تَمْثِيلِ المَلائِكَةِ بِصُورَةِ البَشَرِ، وهو صَحِيحٌ واقِعٌ بِالنَّقْلِ المُتَواتِرِ. ﴿ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ أيْ ولَخَلَطْنا عَلَيْهِمْ ما يَخْلِطُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ حِينَئِذٍ، فَإنَّهم يَقُولُونَ إذا رَأوُا المَلَكَ في صُورَةِ إنْسانٍ: هَذا إنْسانٌ ولَيْسَ بِمَلَكٍ، فَإنِّي أسْتَدِلُّ بِأنِّي جِئْتُ بِالقُرْآنِ المُعْجِزِ، وفِيهِ أنِّي مَلَكٌ لا بَشَرٌ كَذَّبُوهُ كَما كَذَّبُوا الرُّسُلَ، فَخُذِلُوا كَما هم مَخْذُولُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى ﴿ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ﴾ حِينَئِذٍ مِثْلَ، ﴿ما يَلْبِسُونَ﴾ عَلى أنَفْسِهِمُ السّاعَةَ في كُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَخَلَطْنا عَلَيْهِمْ ما يَخْلِطُونَ بِهِ عَلى أنْفُسِهِمْ وضَعَفَتِهِمْ؛ أيْ: لَفَعَلْنا لَهم في ذَلِكَ تَلَبُّسًا، يَطْرُقُ لَهم إلى أنْ يُلَبَّسُوا بِهِ، وذَلِكَ لا يَحْسُنُ، ويُحْتَمَلُ الكَلامُ مَقْصِدًا آخَرَ؛ أيْ (لَلَبَسْنا) نَحْنُ (عَلَيْهِمْ) كَما يَلْبِسُونَ هم عَلى ضَعَفَتِهِمْ، فَكُنّا نَنْهاهم عَنِ التَّلْبِيسِ، ونَفْعَلُهُ نَحْنُ انْتَهى. وقالَ قَوْمٌ: كانَ يَحْصُلُ التَّلْبِيسُ لِاعْتِقادِهِمْ أنَّ المَلائِكَةَ إناثٌ، فَلَوْ رَأوْهُ في صُورَةِ رَجُلٍ، حَصَلَ التَّلْبِيسُ عَلَيْهِمْ، كَما حَصَلَ مِنهُمُ التَّلْبِيسُ عَلى غَيْرِهِمْ. وقالَ قَوْمٌ مِنهُمُ الضَّحّاكُ: الآيَةُ نَزَلَتْ في اليَهُودِ، والنَّصارى في دِينِهِمْ وكُتُبِهِمْ، حَرَّفُوها، وكَذَّبُوا رُسُلَهم، فالمَعْنى في اللَّبْسِ؛ زِدْناهم ضَلالًا عَلى ضَلالِهِمْ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَبَسَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما لَبِسُوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِتَحْرِيفِ الكَلامِ عَنْ مَواضِعِهِ. و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ، وأضافَ اللَّبْسَ إلَيْهِ تَعالى عَلى جِهَةِ الخَلْقِ، وإلَيْهِمْ عَلى جِهَةِ الِاكْتِسابِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: (ولَبَسْنا) بِلامٍ واحِدَةٍ، والزُّهْرِيُّ (ولَلَبَّسْنا) بِتَشْدِيدِ الباءِ.

الأنعام 6:9

﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكم وأرْسَلْنا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا وجَعَلْنا الأنْهارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأهْلَكْناهم بِذُنُوبِهِمْ وأنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ لَمّا هَدَّدَهم، وأوْعَدَهم عَلى إعْراضِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِما يُجْرى مَجْرى المَوْعِظَةِ والنَّصِيحَةِ، وحَضَّ عَلى الِاعْتِبارِ بِالقُرُونِ الماضِيَةِ. و(يَرَوْا) هُنا بِمَعْنى يَعْلَمُوا؛ لِأنَّهم لَمْ يُبْصِرُوا هَلاكَ القُرُونِ السّالِفَةِ. و(كَمْ) في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِـ (أهْلَكْنا) . و(يَرَوْا) مُعَلَّقَةٌ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ مَفْعُولِها. و(مِن) الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ، و(مِن) الثّانِيَةُ لِلتَّبْعِيضِ، والمُفْرَدُ بَعْدَها واقِعٌ مَوْقِعَ الجَمْعِ. ووَهِمَ الحَوْفِيُّ في جَعْلِهِ (مِن) الثّانِيَةَ بَدَلًا مِنَ الأُولى، وظاهِرُ الإهْلاكِ أنَّهُ حَقِيقَةٌ، كَما أهْلَكَ قَوْمَ نُوحٍ وعادًا وثَمُودَ وغَيْرَهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنَوِيًّا بِالمَسْخِ قِرَدَةً وخَنازِيرَ، والضَّمِيرُ في (يَرَوْا) عائِدٌ عَلى مَن سَبَقَ مِنَ المُكَذِّبِينَ المُسْتَهْزِئِينَ. و(لَكم) خِطابٌ لَهم، فَهو التِفاتٌ، والمَعْنى أنَّ القُرُونَ المُهْلَكَةَ أُعْطُوا مِنَ البَسْطَةِ في الدُّنْيا، والسَّعَةِ في الأمْوالِ، ما لَمْ يُعْطَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ حُضُّوا عَلى الِاعْتِبارِ بِالأُمَمِ السّالِفَةِ وما جَرى لَهم. وفي هَذا الِالتِفاتِ تَعْرِيضٌ بِقِلَّةِ تَمْكِينِ هَؤُلاءِ، ونَقَصِهِمْ عَنْ أحْوالِ مَن سَبَقَ، ومَعَ تَمْكِينِ أُولَئِكَ في الأرْضِ فَقَدْ حَلَّ بِهِمُ (p-٧٦)الهَلاكُ فَكَيْفَ لا يَحِلُّ بِكم عَلى قِلَّتِكم وضِيقِ خُطَّتِكم ؟ فالهَلاكُ إلَيْكم أسْرَعُ مِنَ الهَلاكِ إلَيْهِمْ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والمُخاطَبَةُ في (لَكُمُ) هي لِلْمُؤْمِنِينَ، ولِجَمِيعِ المُعاصِرِينَ لَهم، وسائِرِ النّاسِ كافَّةً، كَأنَّهُ قالَ: ﴿ما لَمْ نُمَكِّنْ﴾ يا أهْلَ هَذا العَصْرِ لَكم، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقَدَّرَ مَعْنى القَوْلِ لِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ، كَأنَّهُ قالَ: يا مُحَمَّدُ قُلْ لَهم ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا﴾ الآيَةَ. وإذا أخْبَرْتَ أنَّكَ قُلْتَ: لَوْ قِيلَ: لَهُ، أوْ أمَرْتَ أنْ يُقالَ لَهُ، فَلَكَ في فَصِيحِ كَلامِ العَرَبِ أنْ تَحْكِيَ الألْفاظَ المَقُولَةَ بِعَيْنِها، فَتَجِيءُ بِلَفْظِ المُخاطَبَةِ، ولَكَ أنْ تَأْتِيَ بِالمَعْنى في الألْفاظِ، كَذِكْرِ غائِبٍ دُونَ مُخاطَبَةٍ انْتَهى. فَتَقُولُ: قُلْتُ لِزَيْدٍ ما أكْرَمَكَ !، وقُلْتُ لِزَيْدٍ ما أكْرَمَهُ ! . والضَّمِيرُ في (مَكَّنّاهم) عائِدٌ عَلى (كَمْ) مُراعاةً لِمَعْناها؛ لِأنَّ مَعْناها جَمْعٌ، والمُرادُ بِها الأُمَمُ، وأجازَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ أنْ يَعُودَ عَلى (قَرْنٍ)، وذَلِكَ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ ﴿مِن قَرْنٍ﴾ تَمْيِيزٌ (لَكم)، فَكَمْ هي المُحَدَّثُ عَنْها بِالإهْلاكِ، فَتَكُونُ هي المُحَدَّثَ عَنْها بِالتَّمْكِينِ فَما بَعْدَهُ، إذْ ﴿مِن قَرْنٍ﴾ جَرى مَجْرى التَّبْيِينِ، ولَمْ يُحَدَّثْ عَنْهُ، وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ (كَمْ) هُنا ظَرْفًا، وأنْ يَكُونَ مَصْدَرًا؛ أيْ: كَمْ أزْمِنَةً أهْلَكْنا ؟ أوْ كَمْ إهْلاكًا أهْلَكْنا ؟ ومَفْعُولُ (أهْلَكْنا مِن قَرْنٍ) عَلى زِيادَةِ (مِن)، وهَذا الَّذِي أجازَهُ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ لا يَقَعُ إذْ ذاكَ المُفْرَدُ مَوْقِعَ الجَمْعِ، بَلْ تَدُلُّ عَلى المُفْرَدِ، لَوْ قُلْتَ: كَمْ أزْمانًا ضَرَبْتُ رَجُلًا ؟ أوْ كَمْ مَرَّةً ضَرَبْتُ رَجُلًا ؟ لَمْ يَكُنْ مَدْلُولُهُ مَدْلُولَ رِجالٍ؛ لِأنَّ السُّؤالَ إنَّما هو عَنْ عَدَدِ الأزْمانِ، أوِ المَرّاتِ الَّتِي ضُرِبَ فِيها رَجُلٌ؛ ولِأنَّ هَذا المَوْضِعَ لَيْسَ مِن مَواضِعِ زِيادَةِ (مِن) لِأنَّها لا تُزادُ إلّا في الِاسْتِفْهامِ المَحْضِ، أوِ الِاسْتِفْهامِ المُرادِ بِهِ النَّفْيُ، والِاسْتِفْهامُ هُنا لَيْسَ مَحْضًا، ولا يُرادُ بِهِ النَّفْيُ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَكَّنّاهُمْ﴾ جَوابٌ لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما كانَ مِن حالِهِمْ ؟ فَقِيلَ: ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ﴾ . وقالَ أبُو البَقاءِ: (مَكَّنّاهم) في مَوْضِعِ خَبَرٍ صِفَةُ (قَرْنٍ)، وجُمِعَ عَلى المَعْنى، وما قالَهُ أبُو البَقاءِ مُمْكِنٌ. وما في قَوْلِهِ: ﴿ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ جَوَّزُوا في إعْرابِها أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي، ويَكُونَ التَّقْدِيرُ التَّمْكِينَ الَّذِي ﴿لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾، فَحُذِفَ المَنعُوتُ، وأُقِيمَ النَّعْتُ مَقامَهُ، ويَكُونَ الضَّمِيرُ العائِدُ عَلى (ما) مَحْذُوفًا؛ أيْ ما لَمْ نُمَكِّنْهُ لَكم، وهَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ (ما) بِمَعْنى الَّذِي لا يَكُونُ نَعْتًا لِلْمَعارِفِ، وإنْ كانَ مَدْلُولُها مَدْلُولَ الَّذِي، بَلْ لَفْظُ الَّذِي هو الَّذِي يَكُونُ نَعْتًا لِلْمَعارِفِ، لَوْ قُلْتَ: ضَرَبْتُ الضَّرْبَ ما ضَرَبَ زَيْدٌ، تُرِيدُ الَّذِي ضَرَبَ زَيْدٌ، لَمْ يَجُزْ، فَلَوْ قُلْتَ: الضَّرْبَ الَّذِي ضَرَبَهُ زَيْدٌ، جازَ. وجَوَّزُوا أيْضًا أنْ يَكُونَ نَكِرَةً صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: تَمْكِينًا لَمْ نُمَكِّنْهُ لَكم، وهَذا أيْضًا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ (ما) النَّكِرَةَ صِفَةٌ، لا يَجُوزُ حَذْفُ مَوْصُوفِها، لَوْ قُلْتَ: قُمْتُ ما، أوْ ضَرَبْتُ ما، وأنْتَ تُرِيدُ قُمْتُ قِيامًا ما، وضَرَبْتُ ضَرْبًا ما، لَمْ يَجُزْ، وهَذانِ الوَجْهانِ أجازَهُما الحَوْفِيُّ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ (ما) مَفْعُولًا بِهِ بِتَمَكُّنٍ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ المَعْنى أعْطَيْناهم ما لَمْ نُعْطِكم، وهَذا الَّذِي أجازَهُ تَضْمِينٌ، والتَّضْمِينُ لا يَنْقاسُ. وأجازَ أيْضًا أنْ تَكُونَ (ما) مَصْدَرِيَّةً، والزَّمانُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ مَدٌّ ﴿ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ ويَعْنِي مُدَّةَ انْتِفاءِ التَّمْكِينِ لَكم. وأجازَ أيْضًا أنْ تَكُونَ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً بِالجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ بَعْدَها؛ أيْ شَيْئًا لَمْ نُمَكِّنْهُ لَكم، وحُذِفَ العائِدُ مِنَ الصِّفَةِ عَلى المَوْصُوفِ، وهَذا أقْرَبُ إلى الصَّوابِ. وتَعَدّى مَكَّنَ هُنا لِلذَّواتِ بِنَفْسِهِ وبِحَرْفِ الجَرِّ، والأكْثَرُ تَعْدِيَتُهُ بِاللّامِ، ﴿مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ﴾ [يوسف: ٢١]، ﴿إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ﴾ [الكهف: ٨٤]، ﴿أوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ﴾ [القصص: ٥٧] . وقالَ أبُو عُبَيْدٍ (مَكَّنّاهم) و(مَكَّنا لَهم) لُغَتانِ فَصِيحَتانِ، كَنَصَحْتُهُ، ونَصَحْتُ لَهُ، والإرْسالُ والإنْزالُ مُتَقارِبانِ في المَعْنى؛ لِأنَّ اشْتِقاقَهُ مِن رِسْلِ اللَّبَنِ، وهو ما يَنْزِلُ مِنَ الضَّرْعِ مُتَتابِعًا. و(السَّماءَ) السَّماءَ المُظِلَّةَ، قالُوا: لِأنَّ المَطَرَ يَنْزِلُ مِنها إلى السَّحابِ، ويَكُونُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ مَطَرَ السَّماءِ، ويَكُونُ (مِدْرارًا)، حالًا مِن ذَلِكَ المُضافِ المَحْذُوفِ. وقِيلَ: (السَّماءَ) المَطَرَ. وفي الحَدِيثِ: «فِي أثَرِ سَماءٍ كانَتْ مِنَ اللَّيْلِ» . وتَقُولُ العَرَبُ: ما زِلْنا نَطَأُ السَّماءَ حَتّى أتَيْناكم، يُرِيدُونَ المَطَرَ؛ وقالَ الشّاعِرُ:(p-٧٧) ؎إذا نَزَلَ السَّماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابا (ومِدْرارًا) عَلى هَذا حالٌ مِن نَفْسِ (السَّماءَ) . وقِيلَ: (السَّماءَ) هُنا السَّحابَ، ويُوصَفُ بِالمِدْرارِ، فَـ (مِدْرارًا) حالٌ مِنهُ (ومِدْرارًا) يُوصَفُ بِهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، وهو لِلْمُبالَغَةِ في اتِّصالِ المَطَرِ ودَوامِهِ وقْتَ الحاجَةِ، إلّا أنَّها تُرْفَعُ لَيْلًا ونَهارًا، فَتَفْسُدُ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. ولِأنَّ هَذِهِ الأوْصافَ إنَّما ذُكِرَتْ لِتَعْدِيدِ النِّعَمِ عَلَيْهِمْ ومُقابَلَتِها بِالعِصْيانِ ﴿وجَعَلْنا الأنْهارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ﴾ تَقَدَّمَ ذِكْرُ كَيْفِيَّةِ جَرَيانِ الأنْهارِ مِنِ التَّحْتِ في أوائِلِ البَقَرَةِ. وقَدْ أغْرَبَ مَن فَسَّرَ (الأنْهارَ) هُنا بِالخَيْلِ، كَما قِيلَ: في قَوْلِهِ: ﴿وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ [الزخرف: ٥١] وإذا كانَ الفَرَسُ سَرِيعَ العَدْوِ واسِعَ الخَطْوِ، وُصِفَ بِالبَحْرِ وبِالنَّهْرِ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى مَكَّنَهُمُ التَّمْكِينَ البالِغَ، ووَسَّعَ عَلَيْهِمُ الرِّزْقَ، فَذَكَرَ سَبَبَهُ، وهو تَتابُعُ الأمْطارِ عَلى قَدْرِ حاجاتِهِمْ، وإمْساكُ الأرْضِ ذَلِكَ الماءَ حَتّى صارَتِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ، فَكَثُرَ الخَصْبُ، فَأذْنَبُوا، فَأُهْلِكُوا بِذُنُوبِهِمْ. والظّاهِرُ أنَّ الذُّنُوبَ هُنا، هي كُفْرُهم وتَكْذِيبُهم بِرُسُلِ اللَّهِ وآياتِهِ، والإهْلاكُ هُنا لا يُرادُ بِهِ مُجَرَّدُ الإفْناءِ والإماتَةِ، بَلِ المُرادُ الإهْلاكُ النّاشِئُ عَنِ الذُّنُوبِ، والأخْذُ بِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكُلًّا أخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنهم مَن أرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا ومِنهم مَن أخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ ومِنهم مَن خَسَفْنا بِهِ الأرْضَ ومِنهم مَن أغْرَقْنا﴾ [العنكبوت: ٤٠] لِأنَّ الإهْلاكَ بِمَعْنى الإماتَةِ مُشْتَرِكٌ فِيهِ الصّالِحُ والطّالِحُ، وفائِدَةُ ذِكْرِ إنْشاءِ قَرْنٍ (آخَرِينَ) بَعْدَهم، إظْهارُ القُدْرَةِ التّامَّةِ عَلى إفْناءِ ناسٍ، وإنْشاءِ ناسٍ، فَهو تَعالى لا يَتَعاظَمُهُ أنْ يُهْلِكَ (قَرْنًا)، ويُخَرِّبَ بِلادَهُ، ويُنْشِئَ مَكانَهُ آخَرَ يُعَمِّرَ بِلادَهُ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ لِلْمُخاطَبِينَ بِإهْلاكِهِمْ، إذا عَصَوْا، كَما أهْلَكَ مَن قَبْلَهم، ووَصَفَ قَرْنًا (بِآخَرِينَ) وهو جَمْعٌ، حَمْلًا عَلى مَعْنى قَرْنٍ، وكانَ الحَمْلُ عَلى المَعْنى أفْصَحَ؛ لِأنَّها فاصِلَةُ رَأْسِ آيَةٍ. ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ سَبَبُ نُزُولِها اقْتِراحُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أُمَيَّةَ، وتَعَنُّتُهُ، إذْ قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: لا أُؤْمِنُ لَكَ حَتّى تَصْعَدَ إلى السَّماءِ، ثُمَّ تَنْزِلَ بِكِتابٍ فِيهِ مِن رَبِّ العِزَّةِ إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمَيَّةَ، يَأْمُرُنِي بِتَصْدِيقِكَ. وما أرانِي مَعَ هَذا كُنْتُ أُصَدِّقُكَ. ثُمَّ أسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ، وقُتِلَ شَهِيدًا بِالطّائِفِ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى تَكْذِيبَهم بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم، ثُمَّ وعَظَهم، وذَكَّرَهم بِإهْلاكِ القُرُونِ الماضِيَةِ بِذُنُوبِهِمْ، ذَكَّرَهم مُبالَغَتَهم في التَّكْذِيبِ، بِأنَّهم لَوْ رَأوْا كَلامًا مَكْتُوبًا ﴿فِي قِرْطاسٍ﴾ ومَعَ رُؤْيَتِهِمْ جَسُّوهُ بِأيْدِيهِمْ، لَمْ تَزِدْهُمُ الرُّؤْيَةُ واللَّمْسُ إلّا تَكْذِيبًا، وادَّعَوْا أنَّ ذَلِكَ مِن بابِ السِّحْرِ، لا مِن بابِ المُعْجِزِ عِنادًا وتَعَنُّتًا، وإنْ كانَ مَن لَهُ أدْنى مُسْكَةٍ مِن عَقْلٍ، لا يُنازِعُ فِيما أدْرَكَهُ بِالبَصَرِ عَنْ قَرِيبٍ، ولا بِما لَمَسَتْهُ يَدُهُ. وذَكَرَ اللَّمْسَ لِأنَّهم لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى الرُّؤْيَةِ؛ لِئَلّا يَقُولُوا سُكِّرَتْ أبْصارُنا. ولَمّا كانَتِ المُعْجِزاتُ مَرْئِيّاتٍ ومَسْمُوعاتٍ، ذَكَرَ المَلْمُوساتِ مُبالَغَةً في أنَّهم لا يَتَوَقَّفُونَ في إنْكارِ هَذِهِ الأنْواعِ كُلِّها، حَتّى إنَّ المَلْمُوسَ بِاليَدِ هو عِنْدَهم مِثْلُ المَرْئِيِّ بِالعَيْنِ والمَسْمُوعِ بِالأُذُنِ. وذِكْرُ اليَدِ هُنا، فَقِيلَ مُبالَغَةً في التَّأْكِيدِ؛ ولِأنَّ اليَدَ أقْوى في اللَّمْسِ مِن غَيْرِها مِنَ الأعْضاءِ. وقِيلَ: النّاسُ مُنْقَسِمُونَ إلى بُصَراءَ، وأضِرّاءَ، فَذَكَرَ الطَّرِيقَ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ العِلْمُ لِلْفَرِيقَيْنِ. وقِيلَ: عَلَّقَهُ بِاللَّمْسِ بِاليَدِ؛ لِأنَّهُ أبْعَدُ عَنِ السِّحْرِ. وقِيلَ: اللَّمْسُ بِاليَدِ مُقَدِّمَةُ الإبْصارِ، ولا يَقَعُ مَعَ التَّزْوِيرِ. وقِيلَ: اللَّمْسُ يُطْلَقُ، ويُرادُ بِهِ الفَحْصُ عَنِ الشَّيْءِ، والكَشْفُ عَنْهُ، كَما قالَ: ﴿وأنّا لَمَسْنا السَّماءَ﴾ [الجن: ٨]، فَذُكِرَتِ اليَدُ حَتّى يُعْلَمَ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِهِ ذَلِكَ اللَّمْسَ. وجاءَ ﴿لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لِأنَّ مِثْلَ هَذا الغَرَضِ يَقْتَضِي انْقِسامَ النّاسِ إلى مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، فالمُؤْمِنُ يَراهُ مِن أعْظَمِ المُعْجِزاتِ، والكافِرُ يَجْعَلُهُ مِن بابِ السِّحْرِ. ووَصْفُ السِّحْرِ بِـ (مُبِينٌ) إمّا لِكَوْنِهِ بَيِّنًا في نَفْسِهِ، وإمّا لِكَوْنِهِ أظْهَرَ غَيْرَهُ. ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (p-٧٨)قالَ النَّضْرُ بْنُ الحَرْثِ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ ونَوْفَلُ بْنُ خالِدٍ: يا مُحَمَّدُ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَأْتِيَنا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ومَعَهُ أرْبَعَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ، يَشْهَدُونَ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وأنَّكَ رَسُولُهُ انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (وقالُوا) اسْتِئْنافُ إخْبارٍ مِنَ اللَّهِ، حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى جَوابِ (لَوْ) أيْ: ﴿لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، ولَقالُوا: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾، فَلا يَكُونُ إذْ ذاكَ هَذانِ القَوْلانِ المُرَتَّبانِ عَلى تَقْدِيرِ إنْزالِ الكِتابِ ﴿فِي قِرْطاسٍ﴾ واقِعِينَ؛ لِأنَّ التَّنْزِيلَ لَمْ يَقَعْ، وكانَ يَكُونُ القَوْلُ الثّانِي غايَةً في التَّعَنُّتِ. وقَدْ أشارَ إلى هَذا الِاحْتِمالِ أبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أبِي الفَضْلِ، قالَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، تَقْدِيرُهُ: ولَوْ أجَبْناهم إلى ما سَألُوا، لَمْ يُؤْمِنُوا، ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ وظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّها في كُفّارِ العَرَبِ، وذَكَرَ بَعْضُ النّاسِ أنَّها في أهْلِ الكِتابِ، والضَّمِيرُ في (عَلَيْهِ) عائِدٌ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، والمَعْنى (مَلَكٌ) نُشاهِدُهُ، ويُخْبِرُنا عَنِ اللَّهِ تَعالى بِنُبُوَّتِهِ وبِصِدْقِهِ. و(لَوْلا) بِمَعْنى هَلّا لِلتَّحْضِيضِ، وهَذا قَوْلُ مَن تَعَنَّتَ، وأنْكَرَ النُّبُوّاتِ. ﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ ﴿ولَوْ أنْزَلْنا﴾ عَلَيْهِ (مَلَكًا) يُشاهِدُونَهُ، لَقامَتِ القِيامَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ: في الكَلامِ حَذْفٌ، تَقْدِيرُهُ: ﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا﴾، فَكَذَّبُوهُ، ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ بِعَذابِهِمْ، ولَمْ يُؤَخَّرُوا حَسَبَ ما سَلَفَ في كُلِّ أُمَّةٍ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ لَماتُوا مِن هَوْلِ رُؤْيَةِ المَلَكِ في صُورَتِهِ. ويُؤَيِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ، ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا﴾ إلى آخِرِهِ، فَإنَّ أهْلَ التَّأْوِيلِ مُجْمِعُونَ عَلى أنَّهم لَمْ يَكُونُوا لِيُطِيقُوا رُؤْيَةَ المَلَكِ في صُورَتِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فالأوْلى في ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ لَماتُوا مِن هَوْلِ رُؤْيَتِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَقُضِيَ أمْرُ إهْلاكِهِمْ. ﴿ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ بَعْدَ نُزُولِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، إمّا لِأنَّهم إذا عايَنُوا المَلَكَ، قَدْ نَزَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، في صُورَتِهِ، وهي أنَّهُ لا شَيْءَ أبْيَنُ مِنها وأيْقَنُ، ثُمَّ لا يُؤْمِنُونَ كَما قالَ، ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ، لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن إهْلاكِهِمْ كَما أهْلَكَ أصْحابَ المائِدَةِ، وإمّا لِأنَّهُ يَزُولُ الِاخْتِيارُ الَّذِي هو قاعِدَةُ التَّكْلِيفِ عِنْدَ نُزُولِ المَلائِكَةِ، فَيَجِبُ إهْلاكُهم، وإمّا لِأنَّهم إذا شاهَدُوا مَلَكًا في صُورَتِهِ، زَهَقَتْ أرْواحُهم مِن هَوْلِ ما يُشاهِدُونَ انْتَهى. والتَّرْدِيدُ الأوَّلُ بِإمّا، قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والثّالِثُ قَوْلُ تِلْكَ الفِرْقَةِ. وقَوْلُهُ: كَما أهْلَكَ أصْحابَ المائِدَةِ؛ لِأنَّهم عِنْدَهُ كُفّارٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِمْ في أواخِرِ سُورَةِ العُقُودِ، وذَكَرَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ الأوْجُهَ الثَّلاثَةَ الَّتِي ذَكَرَها الزَّمَخْشَرِيُّ بِبَسْطٍ فِيها. وقالَ التَّبْرِيزِيُّ في مَعْنى ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما؛ لَقامَتِ القِيامَةُ لِأنَّ الغَيْبَ يَصِيرُ عِنْدَها شَهادَةً عِيانًا، الثّانِي؛ الفَزَعُ مِن إهْلاكِهِمْ؛ لِأنَّ السُّنَّةَ الإلَهِيَّةَ جارِيَةٌ في إنْزالِ المَلائِكَةِ بِأحَدِ أمْرَيْنِ: الوَحْيِ، أوِ الإهْلاكِ، وقَدِ امْتَنَعَ الأوَّلُ، فَيَتَعَيَّنُ الثّانِي انْتَهى. فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ أيْ بِإهْلاكِنا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْنى (ثُمَّ) بَعْدَما بَيَّنَ الأمْرَيْنِ قَضاءَ الأمْرِ، وعَدَمَ الإنْظارِ جَعَلَ عَدَمَ الإنْظارِ أشَدَّ مِن قَضاءِ الأمْرِ؛ لِأنَّ مُفاجَأةَ الشِّدَّةِ أشَدُّ مِن نَفْسِ الشِّدَّةِ انْتَهى. ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ أيْ ولَجَعَلْنا الرَّسُولَ مَلَكًا كَما اقْتَرَحُوا؛ لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: لَوْلا أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ مَلَكٌ، وتارَةً يَقُولُونَ: ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم، ولَوْ شاءَ رَبُّنا لَأنْزَلَ مَلائِكَةً، ومَعْنى ﴿لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ أيْ لَصَيَّرْناهُ في صُورَةِ رَجُلٍ، كَما كانَ جِبْرِيلُ يَنْزِلُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، في غالِبِ الأحْوالِ في صُورَةِ دَحْيَةَ، وتارَةً ظَهَرَ لَهُ ولِلصَّحابَةِ في صُورَةِ رَجُلٍ شَدِيدٍ بَياضِ الثِّيابِ، شَدِيدِ سَوادِ الشَّعَرِ، لا يُرى عَلَيْهِ أثَرُ السَّفَرِ، ولا يَعْرِفُهُ أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ. وفي الحَدِيثِ: «وأحْيانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ المَلَكُ رَجُلًا»، وكَما تَصَوَّرَ جِبْرِيلُ لِمَرْيَمَ بَشَرًا سَوِيًّا، والمَلائِكَةُ أضْيافُ إبْراهِيمَ، وأضْيافُ لُوطٍ ومُتَسَوِّرُ والمِحْرابِ، فَإنَّهم ظَهَرُوا بِصُورَةِ البَشَرِ، وإنَّما كانَ يَكُونُ بِصُورَةِ رَجُلٍ؛ لِأنَّ النّاسَ لا طاقَةَ لَهم عَلى رُؤْيَةِ المَلَكِ في صُورَتِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وابْنُ (p-٧٩)زَيْدٍ، ويُؤَيِّدُهُ هَلاكُ الَّذِي سَمِعَ صَوْتَ مَلَكٍ في السَّحابِ يَقُولُ: أقْدِمْ حَيْزُومُ، فَماتَ لِسَماعِ صَوْتِهِ، فَكَيْفَ لَوْ رَآهُ في خِلْقَتِهِ ؟ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولا يُعارَضُ هَذا بِرُؤْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ، لِجِبْرِيلَ وغَيْرِهِ في صُوَرِهِمْ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أُعْطِيَ قُوَّةً، يَعْنِي غَيْرَ قُوى البَشَرِ. وجاءَ بِلَفْظِ رَجُلٍ رَدًّا عَلى المُخاطَبِينَ بِهَذا، إذْ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ المَلائِكَةَ إناثٌ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: لَوْ جَعَلَ اللَّهُ الرَّسُولَ إلى البَشَرِ مَلَكًا، لَفَرُّوا مِن مُقارَبَتِهِ، وما أنِسُوا بِهِ، ولَداخَلَهم مِنَ الرُّعْبِ مِن كَلامِهِ، ما يُلْكِنُهم عَنْ كَلامِهِ ويَمْنَعُهم عَنْ سُؤالِهِ، فَلا تَعَمُّ المَصْلَحَةُ، ولَوْ نَقَلَهُ عَنْ صُورَةِ المَلائِكَةِ إلى مِثْلِ صُورَتِهِمْ لَقالُوا: لَسْتَ مَلَكًا، وإنَّما أنْتَ بَشَرٌ، فَلا نُؤْمِنُ بِكَ، وعادُوا إلى مِثْلِ حالِهِمُ انْتَهى. وهو جَمْعُ كَلامِ مَن قَبْلَهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى مَن أنْكَرَ نُزُولَ المَلائِكَةِ إلى الأرْضِ، وقالُوا: هي أجْسامٌ لَطِيفَةٌ لَيْسَ فِيها ما يَقْتَضِي انْحِطاطَها، ونُزُولُها إلى الأرْضِ. ورُدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ؛ بِأنَّهُ تَعالى قادِرٌ أنْ يُودِعَ أجْسامَها ثِقَلًا يَكُونُ سَبَبًا لِنُزُولِها إلى الأرْضِ، ثُمَّ يُزِيلُ ذَلِكَ فَتَعُودُ إلى ما كانَتْ عَلَيْهِ مِنَ اللَّطافَةِ والخِفَّةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِارْتِفاعِها انْتَهى هَذا الرَّدُّ. والَّذِي نَقُولُ إنَّ القُدْرَةَ الإلَهِيَّةَ تُنْزِلُ الخَفِيفَ، وتُصْعِدُ الكَثِيفَ مِن غَيْرِ أنْ يَجْعَلَ في الخَفِيفِ ثِقَلًا، وفي الكَثِيفِ خِفَّةً، ولَيْسَ هَذا بِالمُسْتَحِيلِ، فَيَتَكَلَّفُ أنْ يُودِعَ في الخَفِيفِ ثِقَلًا، وفي الكَثِيفِ خِفَّةً. وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى إمْكانِ تَمْثِيلِ المَلائِكَةِ بِصُورَةِ البَشَرِ، وهو صَحِيحٌ واقِعٌ بِالنَّقْلِ المُتَواتِرِ. ﴿ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ أيْ ولَخَلَطْنا عَلَيْهِمْ ما يَخْلِطُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ حِينَئِذٍ، فَإنَّهم يَقُولُونَ إذا رَأوُا المَلَكَ في صُورَةِ إنْسانٍ: هَذا إنْسانٌ ولَيْسَ بِمَلَكٍ، فَإنِّي أسْتَدِلُّ بِأنِّي جِئْتُ بِالقُرْآنِ المُعْجِزِ، وفِيهِ أنِّي مَلَكٌ لا بَشَرٌ كَذَّبُوهُ كَما كَذَّبُوا الرُّسُلَ، فَخُذِلُوا كَما هم مَخْذُولُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى ﴿ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ﴾ حِينَئِذٍ مِثْلَ، ﴿ما يَلْبِسُونَ﴾ عَلى أنَفْسِهِمُ السّاعَةَ في كُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَخَلَطْنا عَلَيْهِمْ ما يَخْلِطُونَ بِهِ عَلى أنْفُسِهِمْ وضَعَفَتِهِمْ؛ أيْ: لَفَعَلْنا لَهم في ذَلِكَ تَلَبُّسًا، يَطْرُقُ لَهم إلى أنْ يُلَبَّسُوا بِهِ، وذَلِكَ لا يَحْسُنُ، ويُحْتَمَلُ الكَلامُ مَقْصِدًا آخَرَ؛ أيْ (لَلَبَسْنا) نَحْنُ (عَلَيْهِمْ) كَما يَلْبِسُونَ هم عَلى ضَعَفَتِهِمْ، فَكُنّا نَنْهاهم عَنِ التَّلْبِيسِ، ونَفْعَلُهُ نَحْنُ انْتَهى. وقالَ قَوْمٌ: كانَ يَحْصُلُ التَّلْبِيسُ لِاعْتِقادِهِمْ أنَّ المَلائِكَةَ إناثٌ، فَلَوْ رَأوْهُ في صُورَةِ رَجُلٍ، حَصَلَ التَّلْبِيسُ عَلَيْهِمْ، كَما حَصَلَ مِنهُمُ التَّلْبِيسُ عَلى غَيْرِهِمْ. وقالَ قَوْمٌ مِنهُمُ الضَّحّاكُ: الآيَةُ نَزَلَتْ في اليَهُودِ، والنَّصارى في دِينِهِمْ وكُتُبِهِمْ، حَرَّفُوها، وكَذَّبُوا رُسُلَهم، فالمَعْنى في اللَّبْسِ؛ زِدْناهم ضَلالًا عَلى ضَلالِهِمْ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَبَسَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما لَبِسُوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِتَحْرِيفِ الكَلامِ عَنْ مَواضِعِهِ. و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ، وأضافَ اللَّبْسَ إلَيْهِ تَعالى عَلى جِهَةِ الخَلْقِ، وإلَيْهِمْ عَلى جِهَةِ الِاكْتِسابِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: (ولَبَسْنا) بِلامٍ واحِدَةٍ، والزُّهْرِيُّ (ولَلَبَّسْنا) بِتَشْدِيدِ الباءِ.

الأنعام 6:10

﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ . هَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، عَلى ما كانَ يَلْقى مِن قَوْمِهِ، وتَأسٍّ بِمَن سَبَقَ مِنَ الرُّسُلِ، وهو نَظِيرُ ﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ﴾ [فاطر: ٤] لِأنَّ ما كانَ مَشْتَرَكًا مِن ما لا يَلِيقُ أهْوَنُ عَلى النَّفْسِ مِمّا يَكُونُ فِيهِ الِانْفِرادُ، وفي التَّسْلِيَةِ والتَّأسِّي مِنَ التَّخْفِيفِ ما لا يَخْفى؛ وقالَتِ الخَنْساءُ: ؎ولَوْلا كَثْرَةُ الباكِينَ حَوْلِي عَلى إخْوانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي ؎وما يَبْكُونَ مِثْلَ أخِي ولَكِنْ ∗∗∗ أُسَلِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأسِّي وقالَ بَعْضُ المُوَلِّدِينَ: ؎ولا بُدَّ مِن شَكْوى إلى ذِي مُرُوءَةٍ ∗∗∗ يُواسِيكَ أوْ يُسَلِّيكَ أوْ يَتَوَجَّعُ ولَمّا كانَ الكُفّارُ لا يَنْفَعُهُمُ الِاشْتِراكُ في العَذابِ، ولا يَتَسَلَّوْنَ بِذَلِكَ، نَفى ذَلِكَ تَعالى عَنْهم، فَقالَ: ﴿ولَنْ (p-٨٠)يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: ٣٩]، قِيلَ: كانَ قَوْمٌ يَقُولُونَ: يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَلَكًا مِنَ المَلائِكَةِ، عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، فَيَضِيقُ قَلْبُ الرَّسُولِ عِنْدَ سَماعِ ذَلِكَ، فَسَلّاهُ اللَّهُ تَعالى بِإخْبارِهِ أنَّهُ قَدْ سَبَقَ لِلرُّسُلِ قَبْلَكَ اسْتِهْزاءُ قَوْمِهِمْ بِهِمْ؛ لِيَكُونَ سَبَبًا لِلتَّخْفِيفِ عَنِ القَلْبِ. وفي قَوْلِهِ تَعالى: (فَحاقَ) إلى آخِرِهِ إخْبارٌ بِما جَرى لِلْمُسْتَهْزِئِينَ بِالرُّسُلِ قَبْلَكَ، ووَعِيدٌ مُتَيَقِّنٌ لِمَنِ اسْتَهْزَأ بِالرَّسُولِ، عَلَيْهِ السَّلامُ، وتَثْبِيتٌ لِلرَّسُولِ عَلى عَدَمِ اكْتِراثِهِ بِهِمْ؛ لِأنَّ مَآلَهم إلى التَّلَفِ، والعِقابِ الشَّدِيدِ المُرَتَّبِ عَلى الِاسْتِهْزاءِ، وأنَّهُ تَعالى يَكْفِيهِ شَرَّهم وإذايَتَهم، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٥] . ومَعْنى (سَخِرُوا) اسْتَهْزَءُوا، إلّا أنَّ (اسْتَهْزَأ) تَعَدّى بِالباءِ، وسَخِرَ بِـ (مِن)، كَما قالَ: ﴿إنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم كَما تَسْخَرُونَ﴾ [هود: ٣٨] وبِالباءِ تَقُولُ: سَخِرْتُ بِهِ، وتَكَرَّرَ الفِعْلُ هُنا لِخِفَّةِ الثُّلاثِيِّ، ولَمْ يَتَكَرَّرْ في ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ﴾، فَكانَ يَكُونُ التَّرْكِيبُ ﴿فَحاقَ بِالَّذِينَ﴾ اسْتَهْزَءُوا بِهِمْ لِثِقَلِ (اسْتَفْعَلَ) . والظّاهِرُ في (ما) أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي، وجَوَّزُوا أنْ تَكُونَ (ما) مَصْدَرِيَّةً. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (مِنهم) عائِدٌ عَلى الرُّسُلِ؛ أيْ ﴿فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا﴾، مِنَ الرُّسُلِ، وجَوَّزَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى غَيْرِ الرُّسُلِ. قالَ الحَوْفِيُّ: في أُمَمِ الرُّسُلِ، وقالَ أبُو البَقاءِ: عَلى المُسْتَهْزِئِينَ، ويَكُونُ (مِنهم) حالًا مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في (سَخِرُوا) . وما قالاهُ وجَوَّزاهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، أمّا قَوْلُ الحَوْفِيِّ فَإنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ، وهو خِلافُ الأصْلِ، وأمّا قَوْلُ أبِي البَقاءِ، فَهو أبْعَدُ؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ المَعْنى ﴿فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا﴾ كائِنِينَ مِنَ المُسْتَهْزِئِينَ، فَلا حاجَةَ لِهَذِهِ الحالِ؛ لِأنَّها مَفْهُومَةٌ مِن قَوْلِهِ: (سَخِرُوا) . وقَرَأ عاصِمٌ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ، بِكَسْرِ دالِ ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ﴾ عَلى أصْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ، بِالضَّمِّ إتْباعًا، ومُراعاةً لِضَمِّ التّاءِ، إذِ الحاجِزُ بَيْنَهُما ساكِنٌ، وهو حاجِزٌ غَيْرُ حَصِينٍ. ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى ما حَلَّ بِالمُكَذِّبِينَ المُسْتَهْزِئِينَ، وكانَ المُخاطَبُونَ بِذَلِكَ أُمَّةً أُمَيَّةً، لَمْ تَدْرُسِ الكُتُبَ، ولَمْ تُجالِسِ العُلَماءَ، فَلَها أنْ تُظافِرَ في الإخْبارِ بِهَلاكِ مَن أُهْلِكَ بِذُنُوبِهِمْ، أُمِرُوا بِالسَّيْرِ في الأرْضِ، والنَّظَرِ فِيما حَلَّ بِالمُكَذِّبِينَ؛ لِيَعْتَبِرُوا بِذَلِكَ، وتَتَظافَرَ مَعَ الإخْبارِ الصّادِقِ الحِسِّ، فَلِلرُّؤْيَةِ مِن مَزِيدِ الِاعْتِبارِ، ما لا يَكُونُ، كَما قالَ بَعْضُ العَصْرِيِّينَ: ؎لَطائِفُ مَعْنًى في العِيانِ ولَمْ تَكُنْ ∗∗∗ لِتُدْرَكَ إلّا بِالتَّزاوُرِ واللُّقا والظّاهِرُ أنَّ السَّيْرَ المَأْمُورَ بِهِ، هو الِانْتِقالُ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ، وأنَّ النَّظَرَ المَأْمُورَ بِهِ، هو نَظَرُ العَيْنِ، وأنَّ الأرْضَ هي ما قَرُبَ مِن بِلادِهِمْ مِن دِيارِ الهالِكِينَ بِذُنُوبِهِمْ، كَأرْضِ عادٍ ومَدْيَنَ ومَدائِنَ قَوْمِ لُوطٍ وثَمُودَ. وقالَ قَوْمٌ: السَّيْرُ والنَّظَرُ هُنا، لَيْسا حِسِّيَّيْنِ، بَلْ هُما جَوَلانِ الفِكْرِ والعَقْلِ في أحْوالِ مَن مَضى مِنَ الأُمَمِ الَّتِي كَذَّبَتْ رُسُلَها، ولِذَلِكَ قالَ الحَسَنُ: سِيرُوا في الأرْضِ لِقِراءَةِ القُرْآنِ أيْ: اقْرَءُوا القُرْآنَ وانْظُرُوا ما آلَ إلَيْهِ أمْرُ المُكَذِّبِينَ، واسْتِعارَةُ السَّيْرِ ﴿فِي الأرْضِ﴾ [الأنعام: ٦] لِقِراءَةِ القُرْآنِ فِيهِ بُعْدٌ. وقالَ قَوْمٌ: ﴿الأرْضِ﴾ [الأنعام: ٦] هُنا عامٌّ؛ لِأنَّ في كُلِّ قُطْرٍ مِنها آثارًا لِهالِكِينَ، وعِبَرًا لِلنّاظِرِينَ، وجاءَ هُنا خاصَّةً ﴿ثُمَّ انْظُرُوا﴾ بِحَرْفِ المُهْلَةِ، وفِيما سِوى ذَلِكَ بِالفاءِ الَّتِي هي لِلتَّعْقِيبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في الفَرْقِ جَعَلَ (p-٨١)النَّظَرَ مُتَسَبِّبًا عَنِ السَّيْرِ فَكانَ السَّيْرُ سَبَبًا لِلنَّظَرِ، ثُمَّ قالَ: فَكَأنَّهُ قِيلَ: (سِيرُوا) لِأجْلِ النَّظَرِ، ولا تَسِيرُوا سَيْرَ الغافِلِينَ، وهُنا مَعْناهُ إباحَةُ السَّيْرِ في الأرْضِ لِلتِّجارَةِ وغَيْرِها مِنَ المَنافِعِ، وإيجابِ النَّظَرِ في آثارِ الهالِكِينَ، ونَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِـ (ثُمَّ) لِتُباعُدِ ما بَيْنَ الواجِبِ والمُباحِ انْتَهى. وما ذَكَرَهُ أوَّلًا مُتَناقِضٌ؛ لِأنَّهُ جَعَلَ النَّظَرَ مُتَسَبِّبًا عَنِ السَّيْرِ، فَكانَ السَّيْرُ سَبَبًا لِلنَّظَرِ، ثُمَّ قالَ: فَكَأنَّما قِيلَ: (سِيرُوا) لِأجْلِ النَّظَرِ، فَجُعِلَ السَّيْرُ مَعْلُولًا بِالنَّظَرِ، فالنَّظَرُ سَبَبٌ لَهُ، فَتَناقَضا، ودَعْوى أنَّ الفاءَ تَكُونُ سَبَبِيَّةً، لا دَلِيلَ عَلَيْها، وإنَّما مَعْناها التَّعْقِيبُ فَقَطْ، وأمّا مِثْلُ ضَرَبْتُ زَيْدًا فَبَكى، وزَنى ماعِزٌ فَرُجِمَ، فالتَّسْبِيبُ فُهِمَ مِن مَضْمُونِ الجُمْلَةِ؛ لِأنَّ الفاءَ مَوْضُوعَةٌ لَهُ، وإنَّما يُفِيدُ تَعْقِيبَ الضَّرْبِ بِالبُكاءِ، وتَعْقِيبَ الزِّنا بِالرَّجْمِ فَقَطْ، وعَلى تَسْلِيمِ أنَّ الفاءَ تُفِيدُ التَّسْبِيبَ، فَلِمَ كانَ السَّيْرُ هُنا سَيْرَ إباحَةٍ، وفي غَيْرِهِ سَيْرَ واجِبٍ ؟ فَيَحْتاجُ ذَلِكَ إلى فَرْقٍ بَيْنَ هَذا المَوْضِعِ، وبَيْنَ تِلْكَ المَواضِعِ.

الأنعام 6:11

﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ . هَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، عَلى ما كانَ يَلْقى مِن قَوْمِهِ، وتَأسٍّ بِمَن سَبَقَ مِنَ الرُّسُلِ، وهو نَظِيرُ ﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ﴾ [فاطر: ٤] لِأنَّ ما كانَ مَشْتَرَكًا مِن ما لا يَلِيقُ أهْوَنُ عَلى النَّفْسِ مِمّا يَكُونُ فِيهِ الِانْفِرادُ، وفي التَّسْلِيَةِ والتَّأسِّي مِنَ التَّخْفِيفِ ما لا يَخْفى؛ وقالَتِ الخَنْساءُ: ؎ولَوْلا كَثْرَةُ الباكِينَ حَوْلِي عَلى إخْوانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي ؎وما يَبْكُونَ مِثْلَ أخِي ولَكِنْ ∗∗∗ أُسَلِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأسِّي وقالَ بَعْضُ المُوَلِّدِينَ: ؎ولا بُدَّ مِن شَكْوى إلى ذِي مُرُوءَةٍ ∗∗∗ يُواسِيكَ أوْ يُسَلِّيكَ أوْ يَتَوَجَّعُ ولَمّا كانَ الكُفّارُ لا يَنْفَعُهُمُ الِاشْتِراكُ في العَذابِ، ولا يَتَسَلَّوْنَ بِذَلِكَ، نَفى ذَلِكَ تَعالى عَنْهم، فَقالَ: ﴿ولَنْ (p-٨٠)يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: ٣٩]، قِيلَ: كانَ قَوْمٌ يَقُولُونَ: يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَلَكًا مِنَ المَلائِكَةِ، عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، فَيَضِيقُ قَلْبُ الرَّسُولِ عِنْدَ سَماعِ ذَلِكَ، فَسَلّاهُ اللَّهُ تَعالى بِإخْبارِهِ أنَّهُ قَدْ سَبَقَ لِلرُّسُلِ قَبْلَكَ اسْتِهْزاءُ قَوْمِهِمْ بِهِمْ؛ لِيَكُونَ سَبَبًا لِلتَّخْفِيفِ عَنِ القَلْبِ. وفي قَوْلِهِ تَعالى: (فَحاقَ) إلى آخِرِهِ إخْبارٌ بِما جَرى لِلْمُسْتَهْزِئِينَ بِالرُّسُلِ قَبْلَكَ، ووَعِيدٌ مُتَيَقِّنٌ لِمَنِ اسْتَهْزَأ بِالرَّسُولِ، عَلَيْهِ السَّلامُ، وتَثْبِيتٌ لِلرَّسُولِ عَلى عَدَمِ اكْتِراثِهِ بِهِمْ؛ لِأنَّ مَآلَهم إلى التَّلَفِ، والعِقابِ الشَّدِيدِ المُرَتَّبِ عَلى الِاسْتِهْزاءِ، وأنَّهُ تَعالى يَكْفِيهِ شَرَّهم وإذايَتَهم، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٥] . ومَعْنى (سَخِرُوا) اسْتَهْزَءُوا، إلّا أنَّ (اسْتَهْزَأ) تَعَدّى بِالباءِ، وسَخِرَ بِـ (مِن)، كَما قالَ: ﴿إنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم كَما تَسْخَرُونَ﴾ [هود: ٣٨] وبِالباءِ تَقُولُ: سَخِرْتُ بِهِ، وتَكَرَّرَ الفِعْلُ هُنا لِخِفَّةِ الثُّلاثِيِّ، ولَمْ يَتَكَرَّرْ في ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ﴾، فَكانَ يَكُونُ التَّرْكِيبُ ﴿فَحاقَ بِالَّذِينَ﴾ اسْتَهْزَءُوا بِهِمْ لِثِقَلِ (اسْتَفْعَلَ) . والظّاهِرُ في (ما) أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي، وجَوَّزُوا أنْ تَكُونَ (ما) مَصْدَرِيَّةً. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (مِنهم) عائِدٌ عَلى الرُّسُلِ؛ أيْ ﴿فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا﴾، مِنَ الرُّسُلِ، وجَوَّزَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى غَيْرِ الرُّسُلِ. قالَ الحَوْفِيُّ: في أُمَمِ الرُّسُلِ، وقالَ أبُو البَقاءِ: عَلى المُسْتَهْزِئِينَ، ويَكُونُ (مِنهم) حالًا مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في (سَخِرُوا) . وما قالاهُ وجَوَّزاهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، أمّا قَوْلُ الحَوْفِيِّ فَإنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ، وهو خِلافُ الأصْلِ، وأمّا قَوْلُ أبِي البَقاءِ، فَهو أبْعَدُ؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ المَعْنى ﴿فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا﴾ كائِنِينَ مِنَ المُسْتَهْزِئِينَ، فَلا حاجَةَ لِهَذِهِ الحالِ؛ لِأنَّها مَفْهُومَةٌ مِن قَوْلِهِ: (سَخِرُوا) . وقَرَأ عاصِمٌ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ، بِكَسْرِ دالِ ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ﴾ عَلى أصْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ، بِالضَّمِّ إتْباعًا، ومُراعاةً لِضَمِّ التّاءِ، إذِ الحاجِزُ بَيْنَهُما ساكِنٌ، وهو حاجِزٌ غَيْرُ حَصِينٍ. ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى ما حَلَّ بِالمُكَذِّبِينَ المُسْتَهْزِئِينَ، وكانَ المُخاطَبُونَ بِذَلِكَ أُمَّةً أُمَيَّةً، لَمْ تَدْرُسِ الكُتُبَ، ولَمْ تُجالِسِ العُلَماءَ، فَلَها أنْ تُظافِرَ في الإخْبارِ بِهَلاكِ مَن أُهْلِكَ بِذُنُوبِهِمْ، أُمِرُوا بِالسَّيْرِ في الأرْضِ، والنَّظَرِ فِيما حَلَّ بِالمُكَذِّبِينَ؛ لِيَعْتَبِرُوا بِذَلِكَ، وتَتَظافَرَ مَعَ الإخْبارِ الصّادِقِ الحِسِّ، فَلِلرُّؤْيَةِ مِن مَزِيدِ الِاعْتِبارِ، ما لا يَكُونُ، كَما قالَ بَعْضُ العَصْرِيِّينَ: ؎لَطائِفُ مَعْنًى في العِيانِ ولَمْ تَكُنْ ∗∗∗ لِتُدْرَكَ إلّا بِالتَّزاوُرِ واللُّقا والظّاهِرُ أنَّ السَّيْرَ المَأْمُورَ بِهِ، هو الِانْتِقالُ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ، وأنَّ النَّظَرَ المَأْمُورَ بِهِ، هو نَظَرُ العَيْنِ، وأنَّ الأرْضَ هي ما قَرُبَ مِن بِلادِهِمْ مِن دِيارِ الهالِكِينَ بِذُنُوبِهِمْ، كَأرْضِ عادٍ ومَدْيَنَ ومَدائِنَ قَوْمِ لُوطٍ وثَمُودَ. وقالَ قَوْمٌ: السَّيْرُ والنَّظَرُ هُنا، لَيْسا حِسِّيَّيْنِ، بَلْ هُما جَوَلانِ الفِكْرِ والعَقْلِ في أحْوالِ مَن مَضى مِنَ الأُمَمِ الَّتِي كَذَّبَتْ رُسُلَها، ولِذَلِكَ قالَ الحَسَنُ: سِيرُوا في الأرْضِ لِقِراءَةِ القُرْآنِ أيْ: اقْرَءُوا القُرْآنَ وانْظُرُوا ما آلَ إلَيْهِ أمْرُ المُكَذِّبِينَ، واسْتِعارَةُ السَّيْرِ ﴿فِي الأرْضِ﴾ [الأنعام: ٦] لِقِراءَةِ القُرْآنِ فِيهِ بُعْدٌ. وقالَ قَوْمٌ: ﴿الأرْضِ﴾ [الأنعام: ٦] هُنا عامٌّ؛ لِأنَّ في كُلِّ قُطْرٍ مِنها آثارًا لِهالِكِينَ، وعِبَرًا لِلنّاظِرِينَ، وجاءَ هُنا خاصَّةً ﴿ثُمَّ انْظُرُوا﴾ بِحَرْفِ المُهْلَةِ، وفِيما سِوى ذَلِكَ بِالفاءِ الَّتِي هي لِلتَّعْقِيبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في الفَرْقِ جَعَلَ (p-٨١)النَّظَرَ مُتَسَبِّبًا عَنِ السَّيْرِ فَكانَ السَّيْرُ سَبَبًا لِلنَّظَرِ، ثُمَّ قالَ: فَكَأنَّهُ قِيلَ: (سِيرُوا) لِأجْلِ النَّظَرِ، ولا تَسِيرُوا سَيْرَ الغافِلِينَ، وهُنا مَعْناهُ إباحَةُ السَّيْرِ في الأرْضِ لِلتِّجارَةِ وغَيْرِها مِنَ المَنافِعِ، وإيجابِ النَّظَرِ في آثارِ الهالِكِينَ، ونَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِـ (ثُمَّ) لِتُباعُدِ ما بَيْنَ الواجِبِ والمُباحِ انْتَهى. وما ذَكَرَهُ أوَّلًا مُتَناقِضٌ؛ لِأنَّهُ جَعَلَ النَّظَرَ مُتَسَبِّبًا عَنِ السَّيْرِ، فَكانَ السَّيْرُ سَبَبًا لِلنَّظَرِ، ثُمَّ قالَ: فَكَأنَّما قِيلَ: (سِيرُوا) لِأجْلِ النَّظَرِ، فَجُعِلَ السَّيْرُ مَعْلُولًا بِالنَّظَرِ، فالنَّظَرُ سَبَبٌ لَهُ، فَتَناقَضا، ودَعْوى أنَّ الفاءَ تَكُونُ سَبَبِيَّةً، لا دَلِيلَ عَلَيْها، وإنَّما مَعْناها التَّعْقِيبُ فَقَطْ، وأمّا مِثْلُ ضَرَبْتُ زَيْدًا فَبَكى، وزَنى ماعِزٌ فَرُجِمَ، فالتَّسْبِيبُ فُهِمَ مِن مَضْمُونِ الجُمْلَةِ؛ لِأنَّ الفاءَ مَوْضُوعَةٌ لَهُ، وإنَّما يُفِيدُ تَعْقِيبَ الضَّرْبِ بِالبُكاءِ، وتَعْقِيبَ الزِّنا بِالرَّجْمِ فَقَطْ، وعَلى تَسْلِيمِ أنَّ الفاءَ تُفِيدُ التَّسْبِيبَ، فَلِمَ كانَ السَّيْرُ هُنا سَيْرَ إباحَةٍ، وفي غَيْرِهِ سَيْرَ واجِبٍ ؟ فَيَحْتاجُ ذَلِكَ إلى فَرْقٍ بَيْنَ هَذا المَوْضِعِ، وبَيْنَ تِلْكَ المَواضِعِ.

الأنعام 6:12

﴿قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ قُلْ لِلَّهِ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى تَصْرِيفَهُ فِيمَن أهْلَكَهم بِذُنُوبِهِمْ، أمَرَ نَبِيَّهُ ﷺ بِسُؤالِهِمْ ذَلِكَ، فَإنَّهُ لا يُمْكِنُهم أنْ يَقُولُوا إلّا أنَّ ذَلِكَ لِلَّهِ تَعالى، فَيَلْزَمُهم بِذَلِكَ أنَّهُ تَعالى هو المالِكُ المُهْلِكُ لَهم. وهَذا السُّؤالُ سُؤالُ تَبْكِيتٍ وتَقْرِيرٍ، ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِنِسْبَةِ ذَلِكَ لِلَّهِ تَعالى؛ لِيَكُونَ أوَّلَ مَن بادَرَ إلى الِاعْتِرافِ بِذَلِكَ. وقِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَإذا لَمْ يُجِيبُوا ﴿قُلْ لِلَّهِ﴾ . وقالَ قَوْمٌ: المَعْنى أنَّهُ أُمِرَ بِالسُّؤالِ، فَكَأنَّهُ لَمّا لَمْ يُجِيبُوا سَألُوا فَقِيلَ لَهم: ﴿قُلْ لِلَّهِ﴾، ولِلَّهِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، التَّقْدِيرُ قُلْ ذَلِكَ، أوْ هو لِلَّهِ. ﴿كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ مُوجِدُ العالَمِ المُتَصَرِّفُ فِيهِمْ بِما يُرِيدُ، ودَلَّ ذَلِكَ عَلى نَفاذِ قُدْرَتِهِ، أرْدَفَهُ بِذِكْرِ رَحْمَتِهِ وإحْسانِهِ إلى الخَلْقِ، وظاهِرُ كَتَبَ أنَّهُ بِمَعْنى سَطَّرَ، وخَطَّ، وقالَ بِهِ قَوْمٌ هُنا، وأنَّهُ أُرِيدَ حَقِيقَةُ الكَتْبِ، والمَعْنى أمَرَ بِالكَتْبِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. وقِيلَ: (كَتَبَ) هُنا بِمَعْنى وعَدَ بِها فَضْلًا وكَرَمًا. وقِيلَ: بِمَعْنى أخْبَرَ. وقِيلَ: أوْجَبَ إيجابَ فَضْلٍ وكَرَمٍ، لا إيجابَ لُزُومٍ. وقِيلَ: قَضاها وأنْفَذَها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ أوْجَبَها عَلى ذاتِهِ في هِدايَتِكم إلى مَعْرِفَتِهِ، ونَصَبَ الأدِلَّةَ لَكم عَلى تَوْحِيدِ ما أنْتُمْ مُقِرُّونَ بِهِ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ انْتَهى. و(الرَّحْمَةَ) هُنا الظّاهِرُ أنَّها عامَّةٌ، فَتَعُمُّ المُحْسِنَ والمُسِيءَ في الدُّنْيا، وهي عِبارَةٌ عَنِ الِاتِّصالِ إلَيْهِمْ والإحْسانِ إلَيْهِمْ، ولَمْ يَذْكُرْ مُتَعَلِّقَ الرَّحْمَةِ لِمَن هي، فَتَعُمُّ كَما ذَكَرْنا. وقِيلَ: الألِفُ واللّامُ لِلْعَهْدِ، فَيُرادُ بِها الرَّحْمَةُ الواحِدَةُ الَّتِي أنْزَلَها اللَّهُ تَعالى مِنَ المِائَةِ (الرَّحْمَةَ) الَّتِي خَلَقَها، وأخَّرَ تِسْعَةً وتِسْعِينَ يَرْحَمُ بِها عِبادَهُ في الآخِرَةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: (الرَّحْمَةَ) إمْهالُ الكُفّارِ وتَعْمِيرُهم لِيَتُوبُوا، فَلَمْ يُعاجِلْهم عَلى كُفْرِهِمْ. وقِيلَ: (الرَّحْمَةَ) لِمَن آمَنَ وصَدَّقَ الرُّسُلَ. وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ لَمّا قَضى اللَّهُ الخَلْقَ، كَتَبَ في كِتابٍ عَلى نَفْسِهِ، فَهو مَوْضُوعٌ عِنْدَهُ؛ إنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي. ﴿لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ تَعالى رَحِمَ عِبادَهُ (p-٨٢)ذَكَرَ الحَشْرَ، وأنَّ فِيهِ المُجازاةَ عَلى الخَيْرِ والشَّرِّ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُقْسَمٌ عَلَيْها، ولا تَعَلُّقَ لَها بِما قَبْلَها مِن جِهَةِ الإعْرابِ، وإنْ كانَتْ مِن حَيْثُ المَعْنى مُتَعَلِّقَةً بِما قَبْلَها كَما ذَكَرْنا. وحَكى المَهْدَوِيُّ أنَّ جَماعَةً مِنَ النَّحْوِيِّينَ قالُوا: إنَّها تَفْسِيرٌ لِلرَّحْمَةِ، تَقْدِيرُهُ: أنْ يَجْمَعَكم، فَتَكُونَ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى البَدَلِ مِن (الرَّحْمَةَ) وهو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ بَدا لَهم مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ [يوسف: ٣٥] المَعْنى أنْ يَسْجُنُوهُ. ورَدَّ ذَلِكَ ابْنُ عَطِيَّةَ، بِأنَّ النُّونَ الثَّقِيلَةَ تَكُونُ قَدْ دَخَلَتْ في الإيجابِ، قالَ: وإنَّما تَدْخُلُ في الأمْرِ والنَّهْيِ وبِاخْتِصاصٍ مِنَ الواجِبِ في القَسَمِ انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ لا يَحْصُرُ مَواضِعَ دُخُولِ نُونِ التَّوْكِيدِ، ألا تَرى دُخُولَها في الشَّرْطِ ؟ ولَيْسَ واحِدًا مِمّا ذَكَرَ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: وبِاخْتِصاصٍ مِنَ الواجِبِ في القَسَمِ بِهَذا لَيْسَ عَلى إطْلاقِهِ، بَلْ لَهُ شُرُوطٌ ذُكِرَتْ في عِلْمِ النَّحْوِ، ولَهم أنْ يَقُولُوا: صُورَةُ الجُمْلَةِ صُورَةُ المُقْسَمِ عَلَيْهِ، فَلِذَلِكَ لَحِقَتِ النُّونُ، وإنْ كانَ المَعْنى عَلى خِلافِ القَسَمِ، ويَبْطُلُ ما ذَكَرُوهُ؛ أنَّ الجُمْلَةَ المُقْسَمَ عَلَيْها لا مَوْضِعَ لَها وحْدَها مِنَ الإعْرابِ، فَإذا قُلْتَ: واللَّهِ لَأضْرِبَنَّ زَيْدًا، فَـ (لْأضْرِبَنَّ) لا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، فَإذا قُلْتَ: زَيْدٌ واللَّهِ لَأضْرِبَنَّهُ، كانَتْ جُمْلَةُ القَسَمِ والمُقْسَمِ عَلَيْهِ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، والجَمْعُ هُنا قِيلَ: حَقِيقَةٌ؛ أيْ ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ في القُبُورِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. والظّاهِرُ أنَّ (إلى) لِلْغايَةِ، والمَعْنى لَيَحْشُرَنَّكم مُنْتَهِينَ ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ . وقِيلَ: المَعْنى ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ في الدُّنْيا يَخْلُقُكم قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقَدْ تَكُونُ (إلى) هُنا بِمَعْنى اللّامِ؛ أيْ لِيَوْمِ القِيامَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل عمران: ٩] وأبْعَدَ مَن زَعَمَ أنَّ (إلى) بِمَعْنى (في) أيْ (في يَوْمِ القِيامَةِ) وأبْعَدُ مِنهُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّها صِلَةٌ، والتَّقْدِيرُ ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (فِيهِ) عائِدٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وفِيهِ رَدٌّ عَلى مَنِ ارْتابَ في الحَشْرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الجَمْعِ، وهو المَصْدَرُ المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ . ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ اخْتُلِفَ في إعْرابِ (الَّذِينَ) فَقالَ الأخْفَشُ: هو بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ (p-٨٣)الخِطابِ في ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾، ورَدَّهُ المُبَرِّدُ بِأنَّ البَدَلَ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ، لا يَجُوزُ، كَما لا يَجُوزُ مَرَرْتُ بِكَ زَيْدٌ، ورَدَّ رَدَّ المُبَرِّدِ ابْنُ عَطِيَّةَ، فَقالَ: ما في الآيَةِ مُخالِفٌ لِلْمِثالِ؛ لِأنَّ الفائِدَةَ في البَدَلِ مُتَرَتِّبَةٌ مِنَ الثّانِي، وإذا قُلْتَ: مَرَرْتُ بِكَ زَيْدٌ، فَلا فائِدَةَ في الثّانِي، وقَوْلُهُ: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ يَصْلُحُ لِمُخاطَبَةِ النّاسِ كافَّةً فَيُفِيدُنا إبْدالُ (الَّذِينَ) مِنَ الضَّمِيرِ أنَّهم هُمُ المُخْتَصُّونَ بِالخِطابِ، وخُصُّوا عَلى جِهَةِ الوَعِيدِ، ويَجِيءُ هَذا بَدَلَ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ انْتَهى. وما ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ في هَذا الرَّدِّ، لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّهُ إذا جَعَلْنا ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ يَصْلُحُ لِمُخاطَبَةِ النّاسِ كافَّةً، كانَ (الَّذِينَ) بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، ويَحْتاجُ إذْ ذاكَ إلى ضَمِيرٍ. ويُقَدَّرُ ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ مِنهم، وقَوْلُهُ فَيُفِيدُنا إبْدالُ (الَّذِينَ) مِنَ الضَّمِيرِ أنَّهم هُمُ المُخْتَصُّونَ بِالخِطابِ، وخُصُّوا عَلى جِهَةِ الوَعِيدِ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ بَدَلَ كُلِّ مِن كُلٍّ، فَتَناقَضَ أوَّلُ كَلامِهِ مَعَ آخِرِهِ؛ لِأنَّهُ مِن حَيْثُ الصَّلاحِيَّةُ يَكُونُ بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، ومِن حَيْثُ اخْتِصاصُ الخِطابِ بِهِمْ يَكُونُ بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ، والمُبْدَلُ مِنهُ مُتَكَلِّمٌ أوْ مُخاطَبٌ، في جَوازِهِ خِلافٌ؛ مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ والأخْفَشِ؛ أنَّهُ يَجُوزُ، ومَذْهَبُ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ؛ أنَّهُ لا يَجُوزُ، وهَذا إذا لَمْ يَكُنِ البَدَلُ يُفِيدُ مَعْنى التَّوْكِيدِ، فَإنَّهُ إذْ ذاكَ يَجُوزُ، وهَذا كُلُّهُ مُقَرَّرٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. وقالَ الزَّجّاجُ: ﴿الَّذِينَ﴾ مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ قَوْلُهُ: ﴿فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾، ودَخَلَتِ الفاءُ لِما تَضَمَّنَ المُبْتَدَأُ مِن مَعْنى الشَّرْطِ، كَأنَّهُ قِيلَ: مَن يَخْسَرُ نَفْسَهُ، فَهو لا يُؤْمِنُ، ومَن ذَهَبَ إلى البَدَلِ جَعَلَ الفاءَ عاطِفَةً جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ، وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ (الَّذِينَ) مَنصُوبًا عَلى الذَّمِّ؛ أيْ: أُرِيدَ ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ انْتَهى. وتَقْدِيرُهُ: بِأُرِيدَ، لَيْسَ بِجَيِّدٍ، إنَّما يُقِدِّرُ النُّحاةُ المَنصُوبَ عَلى الذَّمِّ بِـ (أذُمُّ)، وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ مَوْضِعَ (الَّذِينَ) جَرٌّ نَعْتًا لِلْمُكَذِّبِينَ، أوْ بَدَلًا مِنهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ جُعِلَ عَدَمُ إيمانِهِمْ مُسَبَّبًا عَنْ خُسْرِهِمْ، والأمْرُ بِالعَكْسِ ؟ قُلْتُ: مَعْناهُ ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ في عِلْمِ اللَّهِ؛ لِاخْتِيارِهِمُ الكُفْرَ (فَهم لا يُؤْمِنُونَ) انْتَهى. وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ بِقَوْلِهِ: لِاخْتِيارِهِمُ الكُفْرَ. ﴿ولَهُ ما سَكَنَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ . لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ لَهُ مُلْكُ ما حَوى المَكانُ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ، ذَكَرَ ما حَواهُ الزَّمانُ مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وإنْ كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الزَّمانِ والمَكانِ يَسْتَلْزِمُ الآخَرَ، لَكِنَّ النَّصَّ عَلَيْهِما أبْلَغُ في المِلْكِيَّةِ، وقُدِّمَ المَكانُ؛ لِأنَّهُ أقْرَبُ إلى العُقُولِ والأفْكارِ مِنَ الزَّمانِ، ولَهُ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ: هو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ (لِلَّهِ) . والظّاهِرُ أنَّهُ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ، ولَيْسَ مُنْدَرِجًا تَحْتَ قَوْلِهِ: (قُلْ): و(سَكَنَ) هُنا، قالَ السُّدِّيُّ وغَيْرُهُ: مِنَ السُّكْنى أيْ ما ثَبَتَ وتَقَرَّرَ، ولَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَهُ، قالَ: وتَعَدِّيهِ بِـ (في) كَما في قَوْلِهِ: ﴿وسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٥] وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مِنَ السُّكُونِ المُقابِلِ لِلْحَرَكَةِ، واخْتَلَفَ هَؤُلاءِ، فَقِيلَ: ثَمَّ مَعْطُوفٌ مَحْذُوفٌ؛ أيْ وما تَحَرَّكَ، وحُذِفَ كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ: (تَقِيكُمُ الحَرَّ والبَرْدَ) . وقِيلَ: لا مَحْذُوفَ هُنا، واقْتَصَرَ عَلى السّاكِنِ؛ لِأنَّ كُلَّ مُتَحَرِّكٍ قَدْ يَسْكُنُ، ولَيْسَ كُلُّ ما يَسْكُنُ يَتَحَرَّكُ. وقِيلَ: لِأنَّ السُّكُونَ أكْثَرُ وُجُودًا مِنَ الحَرَكَةِ، وقالَ في قَوْلِهِ: ﴿والنَّهارِ﴾ لِأنَّ مِنَ المَخْلُوقاتِ ما يَسْكُنُ بِالنَّهارِ ويَنْتَشِرُ بِاللَّيْلِ، قالَهُ مُقاتِلٌ، ورَجَّحَ ابْنُ عَطِيَّةَ القَوْلَ الأوَّلَ، قالَ: والمَقْصِدُ في الآيَةِ عُمُومُ كُلِّ شَيْءٍ، وذَلِكَ لا يَتَرَتَّبُ إلّا بِأنْ يَكُونَ (سَكَنَ) بِمَعْنى اسْتَقَرَّ وثَبَتَ، وإلّا فالمُتَحَرِّكُ مِنَ الأشْياءِ المَخْلُوقاتِ أكْثَرُ مِنَ السَّواكِنِ، ألا تَرى أنَّ الفُلْكَ والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ السّايِحَةَ والمَلائِكَةَ وأنْواعَ الحَيَوانِ مُتَحَرِّكَةٌ، واللَّيْلَ والنَّهارَ حاصِرانِ لِلزَّمانِ انْتَهى. ولَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّهُ قالَ لا يَتَرَتَّبُ العُمُومُ (p-٨٤)إلّا بِأنْ يَكُونَ (سَكَنَ) بِمَعْنى اسْتَقَرَّ وثَبَتَ، ولا يَنْحَصِرُ فِيما ذُكِرَ، ألا تَرى أنَّهُ يَتَرَتَّبُ العُمُومُ عَلى قَوْلِ مَن جَعَلَهُ مِنَ السُّكُونِ، وجَعَلَ في الكَلامِ مَعْطُوفًا مَحْذُوفًا؛ أيْ وما تَحَرَّكَ، وعَلى قَوْلِ مَنِ ادَّعى أنَّ كُلَّ ما يَتَحَرَّكُ قَدْ يَسْكُنُ، ولَيْسَ كُلُّ ما يَسْكُنُ يَتَحَرَّكُ، فَكُلُّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ، يَتَرَتَّبُ مَعَهُ العُمُومُ، فَلَمْ يَنْحَصِرِ العُمُومُ فِيما ذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ. ﴿وهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ لَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ مُحاوَراتِ الكُفّارِ المُكَذِّبِينَ، وذِكْرُ الحَشْرِ الَّذِي فِيهِ الجَزاءُ، ناسَبَ ذِكْرُ صِفَةِ السَّمْعِ؛ لِما وقَعَتْ فِيهِ المُحاوَرَةُ، وصِفَةِ العِلْمِ؛ لِتَضَمُّنِها مَعْنى الجَزاءِ، إذْ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ.

الأنعام 6:13

﴿قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ قُلْ لِلَّهِ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى تَصْرِيفَهُ فِيمَن أهْلَكَهم بِذُنُوبِهِمْ، أمَرَ نَبِيَّهُ ﷺ بِسُؤالِهِمْ ذَلِكَ، فَإنَّهُ لا يُمْكِنُهم أنْ يَقُولُوا إلّا أنَّ ذَلِكَ لِلَّهِ تَعالى، فَيَلْزَمُهم بِذَلِكَ أنَّهُ تَعالى هو المالِكُ المُهْلِكُ لَهم. وهَذا السُّؤالُ سُؤالُ تَبْكِيتٍ وتَقْرِيرٍ، ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِنِسْبَةِ ذَلِكَ لِلَّهِ تَعالى؛ لِيَكُونَ أوَّلَ مَن بادَرَ إلى الِاعْتِرافِ بِذَلِكَ. وقِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَإذا لَمْ يُجِيبُوا ﴿قُلْ لِلَّهِ﴾ . وقالَ قَوْمٌ: المَعْنى أنَّهُ أُمِرَ بِالسُّؤالِ، فَكَأنَّهُ لَمّا لَمْ يُجِيبُوا سَألُوا فَقِيلَ لَهم: ﴿قُلْ لِلَّهِ﴾، ولِلَّهِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، التَّقْدِيرُ قُلْ ذَلِكَ، أوْ هو لِلَّهِ. ﴿كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ مُوجِدُ العالَمِ المُتَصَرِّفُ فِيهِمْ بِما يُرِيدُ، ودَلَّ ذَلِكَ عَلى نَفاذِ قُدْرَتِهِ، أرْدَفَهُ بِذِكْرِ رَحْمَتِهِ وإحْسانِهِ إلى الخَلْقِ، وظاهِرُ كَتَبَ أنَّهُ بِمَعْنى سَطَّرَ، وخَطَّ، وقالَ بِهِ قَوْمٌ هُنا، وأنَّهُ أُرِيدَ حَقِيقَةُ الكَتْبِ، والمَعْنى أمَرَ بِالكَتْبِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. وقِيلَ: (كَتَبَ) هُنا بِمَعْنى وعَدَ بِها فَضْلًا وكَرَمًا. وقِيلَ: بِمَعْنى أخْبَرَ. وقِيلَ: أوْجَبَ إيجابَ فَضْلٍ وكَرَمٍ، لا إيجابَ لُزُومٍ. وقِيلَ: قَضاها وأنْفَذَها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ أوْجَبَها عَلى ذاتِهِ في هِدايَتِكم إلى مَعْرِفَتِهِ، ونَصَبَ الأدِلَّةَ لَكم عَلى تَوْحِيدِ ما أنْتُمْ مُقِرُّونَ بِهِ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ انْتَهى. و(الرَّحْمَةَ) هُنا الظّاهِرُ أنَّها عامَّةٌ، فَتَعُمُّ المُحْسِنَ والمُسِيءَ في الدُّنْيا، وهي عِبارَةٌ عَنِ الِاتِّصالِ إلَيْهِمْ والإحْسانِ إلَيْهِمْ، ولَمْ يَذْكُرْ مُتَعَلِّقَ الرَّحْمَةِ لِمَن هي، فَتَعُمُّ كَما ذَكَرْنا. وقِيلَ: الألِفُ واللّامُ لِلْعَهْدِ، فَيُرادُ بِها الرَّحْمَةُ الواحِدَةُ الَّتِي أنْزَلَها اللَّهُ تَعالى مِنَ المِائَةِ (الرَّحْمَةَ) الَّتِي خَلَقَها، وأخَّرَ تِسْعَةً وتِسْعِينَ يَرْحَمُ بِها عِبادَهُ في الآخِرَةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: (الرَّحْمَةَ) إمْهالُ الكُفّارِ وتَعْمِيرُهم لِيَتُوبُوا، فَلَمْ يُعاجِلْهم عَلى كُفْرِهِمْ. وقِيلَ: (الرَّحْمَةَ) لِمَن آمَنَ وصَدَّقَ الرُّسُلَ. وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ لَمّا قَضى اللَّهُ الخَلْقَ، كَتَبَ في كِتابٍ عَلى نَفْسِهِ، فَهو مَوْضُوعٌ عِنْدَهُ؛ إنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي. ﴿لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ تَعالى رَحِمَ عِبادَهُ (p-٨٢)ذَكَرَ الحَشْرَ، وأنَّ فِيهِ المُجازاةَ عَلى الخَيْرِ والشَّرِّ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُقْسَمٌ عَلَيْها، ولا تَعَلُّقَ لَها بِما قَبْلَها مِن جِهَةِ الإعْرابِ، وإنْ كانَتْ مِن حَيْثُ المَعْنى مُتَعَلِّقَةً بِما قَبْلَها كَما ذَكَرْنا. وحَكى المَهْدَوِيُّ أنَّ جَماعَةً مِنَ النَّحْوِيِّينَ قالُوا: إنَّها تَفْسِيرٌ لِلرَّحْمَةِ، تَقْدِيرُهُ: أنْ يَجْمَعَكم، فَتَكُونَ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى البَدَلِ مِن (الرَّحْمَةَ) وهو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ بَدا لَهم مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ [يوسف: ٣٥] المَعْنى أنْ يَسْجُنُوهُ. ورَدَّ ذَلِكَ ابْنُ عَطِيَّةَ، بِأنَّ النُّونَ الثَّقِيلَةَ تَكُونُ قَدْ دَخَلَتْ في الإيجابِ، قالَ: وإنَّما تَدْخُلُ في الأمْرِ والنَّهْيِ وبِاخْتِصاصٍ مِنَ الواجِبِ في القَسَمِ انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ لا يَحْصُرُ مَواضِعَ دُخُولِ نُونِ التَّوْكِيدِ، ألا تَرى دُخُولَها في الشَّرْطِ ؟ ولَيْسَ واحِدًا مِمّا ذَكَرَ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: وبِاخْتِصاصٍ مِنَ الواجِبِ في القَسَمِ بِهَذا لَيْسَ عَلى إطْلاقِهِ، بَلْ لَهُ شُرُوطٌ ذُكِرَتْ في عِلْمِ النَّحْوِ، ولَهم أنْ يَقُولُوا: صُورَةُ الجُمْلَةِ صُورَةُ المُقْسَمِ عَلَيْهِ، فَلِذَلِكَ لَحِقَتِ النُّونُ، وإنْ كانَ المَعْنى عَلى خِلافِ القَسَمِ، ويَبْطُلُ ما ذَكَرُوهُ؛ أنَّ الجُمْلَةَ المُقْسَمَ عَلَيْها لا مَوْضِعَ لَها وحْدَها مِنَ الإعْرابِ، فَإذا قُلْتَ: واللَّهِ لَأضْرِبَنَّ زَيْدًا، فَـ (لْأضْرِبَنَّ) لا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، فَإذا قُلْتَ: زَيْدٌ واللَّهِ لَأضْرِبَنَّهُ، كانَتْ جُمْلَةُ القَسَمِ والمُقْسَمِ عَلَيْهِ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، والجَمْعُ هُنا قِيلَ: حَقِيقَةٌ؛ أيْ ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ في القُبُورِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. والظّاهِرُ أنَّ (إلى) لِلْغايَةِ، والمَعْنى لَيَحْشُرَنَّكم مُنْتَهِينَ ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ . وقِيلَ: المَعْنى ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ في الدُّنْيا يَخْلُقُكم قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقَدْ تَكُونُ (إلى) هُنا بِمَعْنى اللّامِ؛ أيْ لِيَوْمِ القِيامَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل عمران: ٩] وأبْعَدَ مَن زَعَمَ أنَّ (إلى) بِمَعْنى (في) أيْ (في يَوْمِ القِيامَةِ) وأبْعَدُ مِنهُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّها صِلَةٌ، والتَّقْدِيرُ ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (فِيهِ) عائِدٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وفِيهِ رَدٌّ عَلى مَنِ ارْتابَ في الحَشْرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الجَمْعِ، وهو المَصْدَرُ المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ . ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ اخْتُلِفَ في إعْرابِ (الَّذِينَ) فَقالَ الأخْفَشُ: هو بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ (p-٨٣)الخِطابِ في ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾، ورَدَّهُ المُبَرِّدُ بِأنَّ البَدَلَ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ، لا يَجُوزُ، كَما لا يَجُوزُ مَرَرْتُ بِكَ زَيْدٌ، ورَدَّ رَدَّ المُبَرِّدِ ابْنُ عَطِيَّةَ، فَقالَ: ما في الآيَةِ مُخالِفٌ لِلْمِثالِ؛ لِأنَّ الفائِدَةَ في البَدَلِ مُتَرَتِّبَةٌ مِنَ الثّانِي، وإذا قُلْتَ: مَرَرْتُ بِكَ زَيْدٌ، فَلا فائِدَةَ في الثّانِي، وقَوْلُهُ: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ يَصْلُحُ لِمُخاطَبَةِ النّاسِ كافَّةً فَيُفِيدُنا إبْدالُ (الَّذِينَ) مِنَ الضَّمِيرِ أنَّهم هُمُ المُخْتَصُّونَ بِالخِطابِ، وخُصُّوا عَلى جِهَةِ الوَعِيدِ، ويَجِيءُ هَذا بَدَلَ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ انْتَهى. وما ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ في هَذا الرَّدِّ، لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّهُ إذا جَعَلْنا ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ يَصْلُحُ لِمُخاطَبَةِ النّاسِ كافَّةً، كانَ (الَّذِينَ) بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، ويَحْتاجُ إذْ ذاكَ إلى ضَمِيرٍ. ويُقَدَّرُ ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ مِنهم، وقَوْلُهُ فَيُفِيدُنا إبْدالُ (الَّذِينَ) مِنَ الضَّمِيرِ أنَّهم هُمُ المُخْتَصُّونَ بِالخِطابِ، وخُصُّوا عَلى جِهَةِ الوَعِيدِ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ بَدَلَ كُلِّ مِن كُلٍّ، فَتَناقَضَ أوَّلُ كَلامِهِ مَعَ آخِرِهِ؛ لِأنَّهُ مِن حَيْثُ الصَّلاحِيَّةُ يَكُونُ بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، ومِن حَيْثُ اخْتِصاصُ الخِطابِ بِهِمْ يَكُونُ بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ، والمُبْدَلُ مِنهُ مُتَكَلِّمٌ أوْ مُخاطَبٌ، في جَوازِهِ خِلافٌ؛ مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ والأخْفَشِ؛ أنَّهُ يَجُوزُ، ومَذْهَبُ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ؛ أنَّهُ لا يَجُوزُ، وهَذا إذا لَمْ يَكُنِ البَدَلُ يُفِيدُ مَعْنى التَّوْكِيدِ، فَإنَّهُ إذْ ذاكَ يَجُوزُ، وهَذا كُلُّهُ مُقَرَّرٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. وقالَ الزَّجّاجُ: ﴿الَّذِينَ﴾ مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ قَوْلُهُ: ﴿فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾، ودَخَلَتِ الفاءُ لِما تَضَمَّنَ المُبْتَدَأُ مِن مَعْنى الشَّرْطِ، كَأنَّهُ قِيلَ: مَن يَخْسَرُ نَفْسَهُ، فَهو لا يُؤْمِنُ، ومَن ذَهَبَ إلى البَدَلِ جَعَلَ الفاءَ عاطِفَةً جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ، وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ (الَّذِينَ) مَنصُوبًا عَلى الذَّمِّ؛ أيْ: أُرِيدَ ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ انْتَهى. وتَقْدِيرُهُ: بِأُرِيدَ، لَيْسَ بِجَيِّدٍ، إنَّما يُقِدِّرُ النُّحاةُ المَنصُوبَ عَلى الذَّمِّ بِـ (أذُمُّ)، وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ مَوْضِعَ (الَّذِينَ) جَرٌّ نَعْتًا لِلْمُكَذِّبِينَ، أوْ بَدَلًا مِنهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ جُعِلَ عَدَمُ إيمانِهِمْ مُسَبَّبًا عَنْ خُسْرِهِمْ، والأمْرُ بِالعَكْسِ ؟ قُلْتُ: مَعْناهُ ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ في عِلْمِ اللَّهِ؛ لِاخْتِيارِهِمُ الكُفْرَ (فَهم لا يُؤْمِنُونَ) انْتَهى. وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ بِقَوْلِهِ: لِاخْتِيارِهِمُ الكُفْرَ. ﴿ولَهُ ما سَكَنَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ . لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ لَهُ مُلْكُ ما حَوى المَكانُ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ، ذَكَرَ ما حَواهُ الزَّمانُ مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وإنْ كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الزَّمانِ والمَكانِ يَسْتَلْزِمُ الآخَرَ، لَكِنَّ النَّصَّ عَلَيْهِما أبْلَغُ في المِلْكِيَّةِ، وقُدِّمَ المَكانُ؛ لِأنَّهُ أقْرَبُ إلى العُقُولِ والأفْكارِ مِنَ الزَّمانِ، ولَهُ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ: هو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ (لِلَّهِ) . والظّاهِرُ أنَّهُ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ، ولَيْسَ مُنْدَرِجًا تَحْتَ قَوْلِهِ: (قُلْ): و(سَكَنَ) هُنا، قالَ السُّدِّيُّ وغَيْرُهُ: مِنَ السُّكْنى أيْ ما ثَبَتَ وتَقَرَّرَ، ولَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَهُ، قالَ: وتَعَدِّيهِ بِـ (في) كَما في قَوْلِهِ: ﴿وسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٥] وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مِنَ السُّكُونِ المُقابِلِ لِلْحَرَكَةِ، واخْتَلَفَ هَؤُلاءِ، فَقِيلَ: ثَمَّ مَعْطُوفٌ مَحْذُوفٌ؛ أيْ وما تَحَرَّكَ، وحُذِفَ كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ: (تَقِيكُمُ الحَرَّ والبَرْدَ) . وقِيلَ: لا مَحْذُوفَ هُنا، واقْتَصَرَ عَلى السّاكِنِ؛ لِأنَّ كُلَّ مُتَحَرِّكٍ قَدْ يَسْكُنُ، ولَيْسَ كُلُّ ما يَسْكُنُ يَتَحَرَّكُ. وقِيلَ: لِأنَّ السُّكُونَ أكْثَرُ وُجُودًا مِنَ الحَرَكَةِ، وقالَ في قَوْلِهِ: ﴿والنَّهارِ﴾ لِأنَّ مِنَ المَخْلُوقاتِ ما يَسْكُنُ بِالنَّهارِ ويَنْتَشِرُ بِاللَّيْلِ، قالَهُ مُقاتِلٌ، ورَجَّحَ ابْنُ عَطِيَّةَ القَوْلَ الأوَّلَ، قالَ: والمَقْصِدُ في الآيَةِ عُمُومُ كُلِّ شَيْءٍ، وذَلِكَ لا يَتَرَتَّبُ إلّا بِأنْ يَكُونَ (سَكَنَ) بِمَعْنى اسْتَقَرَّ وثَبَتَ، وإلّا فالمُتَحَرِّكُ مِنَ الأشْياءِ المَخْلُوقاتِ أكْثَرُ مِنَ السَّواكِنِ، ألا تَرى أنَّ الفُلْكَ والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ السّايِحَةَ والمَلائِكَةَ وأنْواعَ الحَيَوانِ مُتَحَرِّكَةٌ، واللَّيْلَ والنَّهارَ حاصِرانِ لِلزَّمانِ انْتَهى. ولَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّهُ قالَ لا يَتَرَتَّبُ العُمُومُ (p-٨٤)إلّا بِأنْ يَكُونَ (سَكَنَ) بِمَعْنى اسْتَقَرَّ وثَبَتَ، ولا يَنْحَصِرُ فِيما ذُكِرَ، ألا تَرى أنَّهُ يَتَرَتَّبُ العُمُومُ عَلى قَوْلِ مَن جَعَلَهُ مِنَ السُّكُونِ، وجَعَلَ في الكَلامِ مَعْطُوفًا مَحْذُوفًا؛ أيْ وما تَحَرَّكَ، وعَلى قَوْلِ مَنِ ادَّعى أنَّ كُلَّ ما يَتَحَرَّكُ قَدْ يَسْكُنُ، ولَيْسَ كُلُّ ما يَسْكُنُ يَتَحَرَّكُ، فَكُلُّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ، يَتَرَتَّبُ مَعَهُ العُمُومُ، فَلَمْ يَنْحَصِرِ العُمُومُ فِيما ذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ. ﴿وهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ لَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ مُحاوَراتِ الكُفّارِ المُكَذِّبِينَ، وذِكْرُ الحَشْرِ الَّذِي فِيهِ الجَزاءُ، ناسَبَ ذِكْرُ صِفَةِ السَّمْعِ؛ لِما وقَعَتْ فِيهِ المُحاوَرَةُ، وصِفَةِ العِلْمِ؛ لِتَضَمُّنِها مَعْنى الجَزاءِ، إذْ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ.

الأنعام 6:14

﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ وهو يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿مَن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وذَلِكَ الفَوْزُ المُبِينُ﴾ ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هو وإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام: ١٧] ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وهو الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨] ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكم وأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ لِأُنْذِرَكم بِهِ ومَن بَلَغَ أئِنَّكم لَتَشْهَدُونَ أنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أشْهَدُ قُلْ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ وإنَّنِي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٩] ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٢٠] ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٢١] ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٢٢] ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٤] ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتّى إذا جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] ﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ وإنْ يُهْلِكُونَ إلّا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٦] ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ٢٧] ﴿بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨] ﴿وقالُوا إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام: ٢٩] ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ قالُوا بَلى ورَبِّنا قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٠] ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتّى إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ [الأنعام: ٣١] ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا إلّا لَعِبٌ ولَهْوٌ ولَلدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ٣٢] . فَطَرَ: خَلَقَ وابْتَدَأ مِن غَيْرِ مِثالٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ما كُنْتُ أعْرِفُ مَعْنى (فَطَرَ)، حَتّى أتانِي أعْرابِيّانِ يَخْتَصِمانِ في بِئْرٍ، فَقالَ أحَدُهُما: أنا فَطَرْتُها؛ أيِ اخْتَرَعْتُها وأنْشَأْتُها، وفَطَرَ أيْضًا شَقَّ يُقالُ فَطَرَ نابَ البَعِيرِ ومِنهُ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ ؟ وقَوْلُهُ: يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ. كَشَفَ الضُّرَّ: أزالَهُ، وكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها؛ أزالَتْ ما يَسْتُرُهُما. القَهْرُ: الغَلَبَةُ والحَمْلُ عَلى الشَّيْءِ مِن غَيْرِ اخْتِيارٍ. الوَقْرُ: الثِّقَلُ في السَّمْعِ، يُقالُ: وقَرَتْ أُذُنُهُ، بِفَتْحِ القافِ وكَسْرِها، وسُمِعَ أُذُنٌ مَوْقُورَةٌ، فالفِعْلُ عَلى هَذا وقَرَتْ. والوَقْرُ بِفَتْحِ الواوِ وكَسْرِها. أساطِيرُ: جَمْعُ إسْطارَةٍ، وهي التُّرَّهاتُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. وقِيلَ: أُسْطُورَةٌ كَأُضْحُوكَةٍ. وقِيلَ: واحِدُهُ أُسْطُورٌ. وقِيلَ: إسْطِيرٌ وإسْطِيرَةٌ. وقِيلَ: جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ، مِثْلُ عَبادِيدَ. وقِيلَ: جَمْعُ الجَمْعِ، يُقالُ سَطْرٌ وسُطُرٌ، فَمَن قالَ: سَطْرٌ، جَمَعَهُ في القَلِيلِ عَلى أسْطُرٍ، وفي الكَثِيرِ عَلى سُطُورٍ، ومَن قالَ: سُطُرٌ، جَمَعَهُ عَلى أسْطارٍ، ثُمَّ جَمَعَ أسْطارًا عَلى أساطِيرَ، قالَهُ يَعْقُوبُ. وقِيلَ: هو جَمْعُ جَمْعِ الجَمْعِ يُقالُ: سَطْرٌ، وأسْطُرٌ، ثُمَّ أسْطارٌ، ثُمَّ أساطِيرٌ، ذُكِرَ ذَلِكَ عَنِ الزَّجّاجِ. ولَيْسَ أسْطارٌ جَمْعَ أسْطُرٍ، بَلْ هُما جَمْعا قِلَّةٍ لِسَطْرٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقِيلَ: هو اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، (p-٨٥)كَعَبادِيدَ، وشَماطِيطَ انْتَهى. وهَذا لا تُسَمِّيهِ النُّحاةُ اسْمَ جَمْعٍ؛ لِأنَّهُ عَلى وزْنِ الجُمُوعِ، بَلْ يُسَمُّونَهُ جَمْعًا، وإنْ لَمْ يُلْفَظْ لَهُ بِواحِدٍ. نَأى نَأْيًا بَعُدَ وتَعْدِيَتُهُ لِمَفْعُولٍ مَنصُوبٍ بِالهَمْزَةِ، لا بِالتَّضْعِيفِ، وكَذا ما كانَ مِثْلُهُ مِمّا عَيْنُهُ هَمْزَةٌ. وقَفَ عَلى كَذا: (حَبَسَ)، ومَصْدَرُ المُتَعَدِّي (وقْفٌ)، ومَصْدَرُ اللّازِمِ، (وُقُوفٌ)، فَرَّقَ بَيْنَهُما بِالمَصْدَرِ. البَغْتُ والبَغْتَةُ: الفَجْأةُ، يُقالُ: بَغَتَهَ يَبْغَتُهُ؛ أيْ فَجَأهُ يَفْجَأُهُ، وهي مَجِيءُ الشَّيْءِ سُرْعَةً مِن غَيْرِ جَعْلِ بالِكَ إلَيْهِ، وغَيْرِ عِلْمِكَ بِوَقْتِ مَجِيئِهِ. فَرَّطَ: قَصَّرَ مَعَ القُدْرَةِ عَلى تَرْكِ التَّقْصِيرِ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: فَرَّطَ: ضَيَّعَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: فَرَطَ: سَبَقَ، والفارِطُ السّابِقُ، وفَرَطَ خَلّى السَّبْقَ لِغَيْرِهِ. الأوْزارُ: الآثامُ والخَطايا، وأصْلُهُ الثِّقَلُ مِنَ الحَمْلِ، وزَرْتُهُ حَمَلْتُهُ، وأوْزارُ الحَرْبِ أثْقالُها مِنَ السِّلاحِ، ومِنهُ الوَزِيرُ؛ لِأنَّهُ يَحْمِلُ عَنِ السُّلْطانِ أثْقالَ ما يُسْنَدُ إلَيْهِ مِن تَدْبِيرِ مُلْكِهِ. اللَّهْوُ: صَرْفُ النَّفْسِ عَنِ الجِدِّ إلى الهَزْلِ، يُقالُ مِنهُ لَها يَلْهُو، ولُهِيَ عَنْ كَذا، صَرَفَ نَفْسَهُ عَنْهُ، والمادَّةُ واحِدَةٌ، انْقَلَبَتِ الواوُ ياءً؛ لِكَسْرِ ما قَبْلَها، نَحْوَ شَقِيٌّ ورَضِيٌ. قالَ المَهْدَوِيُّ: الَّذِي مَعْناهُ الصَّرْفُ، لامُهُ ياءٌ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ لَهَيانِ، ولامُ الأوَّلِ واوٌ انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ الواوَ في التَّثْنِيَةِ انْقَلَبَتْ ياءً، ولَيْسَ أصْلُها الياءَ، ألا تَرى إلى تَثْنِيَةِ شَجٍ شَجِيانِ وهو مِن ذَواتِ الواوِ، مِنَ الشَّجْوِ ؟ ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لَمّا تَقَدَّمَ أنَّهُ تَعالى اخْتَرَعَ السَّماواتِ والأرْضَ، وأنَّهُ مالِكٌ لِما تَضَمَّنَهُ المَكانُ والزَّمانُ، أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يَقُولَ لَهم ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ لَهُمْ؛ أيْ مَن هَذِهِ صِفاتُهُ هو الَّذِي يُتَّخَذُ ولِيًّا وناصِرًا ومُعِينًا، لا الآلِهَةُ الَّتِي لَكم، إذْ هي لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ؛ لِأنَّها بَيْنَ جَمادٍ أوْ حَيَوانٍ مَقْهُورٍ، ودَخَلَتْ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ عَلى الِاسْمِ دُونَ الفِعْلِ؛ لِأنَّ الإنْكارَ في اتِّخاذِ غَيْرِ اللَّهِ ولِيًّا، لا في اتِّخاذِ الوَلِيِّ، كَقَوْلِكَ لِمَن ضَرَبَ زَيْدًا، وهو مِمَّنْ لا يَسْتَحِقُّ الضَّرْبَ، بَلْ يَسْتَحِقُّ الإكْرامَ، أزَيْدًا ضَرَبْتَ، تُنْكِرُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ مِثْلُ هَذا يُضْرَبُ، ونَحْوُهُ ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤]، و﴿آللَّهُ أذِنَ لَكُمْ﴾ [يونس: ٥٩] . وقالَ الطَّبَرِيُّ: وغَيْرُهُ أُمِرَ أنْ يَقُولَ هَذِهِ المَقالَةَ لِلْكَفَرَةِ الَّذِينَ دَعَوْهُ إلى عِبادَةِ أوْثانِهِمْ، فَتَجِيءُ الآيَةُ عَلى هَذا جَوابًا لِكَلامِهِمُ انْتَهى. وهَذا يَحْتاجُ إلى سَنَدٍ في أنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، هو ما ذَكَرَهُ وانْتِصابُ غَيْرِ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ أوَّلٌ لِـ (اتَّخَذَ) . وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فاطِرِ﴾، فَوَجَّهَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ والزَّمَخْشَرِيُّ، ونَقَلَها الحَوْفِيُّ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلَّهِ، وخَرَّجَهُ أبُو البَقاءِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ، وكَأنَّهُ رَأى أنَّ الفَصْلَ بَيْنَ المُبَدَلِ مِنهُ والبَدَلِ، أسْهَلُ مِنَ الفَصْلِ بَيْنَ المَنعُوتِ والنَّعْتِ، إذِ البَدَلُ عَلى المَشْهُورِ، هو عَلى تَكْرارُ العامِلِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، بِرَفْعِ الرّاءِ، عَلى إضْمارِ (هو) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أوْ عَلى الِابْتِداءِ انْتَهى. ويُحْتاجُ إلى إضْمارِ خَبَرٍ، ولا دَلِيلَ عَلى حَذْفِهِ. وقُرِئَ شاذًّا، بِنَصْبِ الرّاءِ، وخَرَّجَهُ أبُو البَقاءِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِوَلِيٍّ، عَلى إرادَةِ التَّنْوِينِ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، أوْ حالٌ، والمَعْنى عَلى هَذا أأجْعَلُ ﴿فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ غَيْرَ اللَّهِ ؟ انْتَهى. والأحْسَنُ نَصْبُهُ عَلى المَدْحِ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ (فَطَرَ)، جَعَلَهُ فِعْلًا ماضِيًا. ﴿وهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ﴾ أيْ يَرْزُقُ، ولا يُرْزَقُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٧] والمَعْنى أنَّ المَنافِعَ كُلَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ. وخُصَّ الإطْعامُ مِن بَيْنِ أنْواعِ الِانْتِفاعاتِ، لِمَسِّ الحاجَةِ إلَيْهِ، كَما خُصَّ الرِّبا بِالأكْلِ، وإنْ كانَ المَقْصُودُ الِانْتِفاعَ بِالرِّبا. وقَرَأ مُجاهِدٌ وابْنُ جُبَيْرٍ والأعْمَشُ وأبُو حَيْوَةَ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وأبُو عَمْرٍو، وفي رِوايَةٍ عَنْهُ ﴿ولا (p-٨٦)يُطْعَمُ﴾ بِفَتْحِ الياءِ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الأكْلِ، ولا يُشْبِهُ المَخْلُوقِينَ. وقَرَأ يَمانُ العَمّانِيُّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ (ولا يُطْعِمُ)، بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ العَيْنِ مِثْلُ الأوَّلِ، فالضَّمِيرُ في (وهو يُطْعِمُ) عائِدٌ عَلى اللَّهِ، وفي (ولا يُطْعِمُ) عائِدٌ عَلى الوَلِيِّ. ورَوى ابْنُ المَأْمُونِ عَنْ يَعْقُوبَ (وهو يُطْعَمُ ولا يُطْعِمُ) عَلى بِناءِ الأوَّلِ لِلْمَفْعُولِ، والثّانِي لِلْفاعِلِ، والضَّمِيرُ لِغَيْرِ اللَّهِ. وقَرَأ الأشْهَبُ: (وهو يُطْعِمُ ولا يُطْعِمُ) عَلى بِنائِهِما لِلْفاعِلِ، وفُسِّرَ بِأنَّ مَعْناهُ، وهو يُطْعِمُ، ولا يَسْتَطْعِمُ، وحَكى الأزْهَرِيُّ أطْعَمْتُ بِمَعْنى اسْتَطْعَمْتُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى؛ وهو يُطْعِمُ تارَةً، ولا يُطْعِمُ أُخْرى، عَلى حَسَبِ المَصالِحِ، كَقَوْلِكَ: هو يُعْطِي، ويَمْنَعُ، ويَبْسُطُ، ويَقْدِرُ، ويُغْنِي، ويُفْقِرُ. وفي قِراءَةِ مَن قَرَأ بِاخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ تَجْنِيسُ التَّشْكِيلِ، وهو أنْ يَكُونَ الشَّكْلُ فَرْقًا بَيْنَ الكَلِمَتَيْنِ، وسَمّاهُ أُسامَةُ بْنُ مُنْقِذٍ في بَدِيعَتِهِ؛ تَجْنِيسَ التَّحْرِيفِ، وهو بِتَجْنِيسِ التَّشْكِيلِ أوْلى. ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ﴾ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِأنَّ النَّبِيَّ سابِقُ أُمَّتِهِ في الإسْلامِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وبِذَلِكَ أُمِرْتُ وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٣]، وكَقَوْلِ مُوسى: ﴿سُبْحانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَعْنى؛ أوَّلُ مَن أسْلَمَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، وبِهَذِهِ الشَّرِيعَةِ، ولا يَتَضَمَّنُ مِنَ الكَلامِ إلّا ذَلِكَ، وهَذا الَّذِي قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ، هو قَوْلُ الحَسَنِ. قالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ أوَّلُ مَن أسْلَمَ مِن أُمَّتِي. قِيلَ: وفي هَذا القَوْلِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَصْدُرْ مِنهُ امْتِناعٌ عَنِ الحَقِّ، وعَدَمُ انْقِيادٍ إلَيْهِ، وإنَّما هَذا عَلى طَرِيقِ التَّعْرِيضِ عَلى الإسْلامِ، كَما يَأْمُرُ المَلِكُ رَعِيَّتَهُ بِأمْرٍ، ثُمَّ يُتْبِعُهُ بِقَوْلِهِ: أنا أوَّلُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ؛ لِيَحْمِلَهم عَلى فِعْلِ ذَلِكَ. وقِيلَ: أرادَ الأوَّلِيَّةَ في الرُّتْبَةِ، والفَضِيلَةَ، كَما جاءَ نَحْنُ الآخِرُونَ الأوَّلُونَ، وفي رِوايَةٍ السّابِقُونَ. وقِيلَ: (أسْلَمَ) أخْلَصَ، ولَمْ يَعْدِلْ بِاللَّهِ شَيْئًا. وقِيلَ: اسْتَسْلَمَ. وقِيلَ: أرادَ دُخُولَهُ في دِينِ إبْراهِيمَ، عَلَيْهِ السَّلامُ، كَقَوْلِهِ: ﴿مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ هو سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ [الحج: ٧٨] . وقِيلَ: أوَّلُ مَن أسْلَمَ يَوْمَ المِيثاقِ، فَيَكُونُ سابِقًا عَلى الخَلْقِ كُلِّهِمْ، كَما قالَ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧] . ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ أيْ، وقِيلَ: لِي، والمَعْنى أنَّهُ أُمِرَ بِالإسْلامِ، ونُهِيَ عَنِ الشِّرْكِ، هَكَذا خَرَّجَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ، عَلى إضْمارِ وقِيلَ: لِي؛ لِأنَّهُ لا يَنْتَظِمُ عَطْفُهُ عَلى لَفْظِ ﴿إنِّي أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ﴾ فَيَكُونُ مُنْدَرِجًا تَحْتَ لَفْظِ (قُلْ)، إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ، لَكانَ التَّرْكِيبُ، ولا أكُونُ مِنَ المُشْرِكِينَ. وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى مَعْمُولِ (قُلْ) حَمْلًا عَلى المَعْنى، والمَعْنى ﴿قُلْ إنِّي﴾ قِيلَ: لِي كُنْ ﴿أوَّلَ مَن أسْلَمَ ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾، فَهُما جَمِيعًا مَحْمُولانِ عَلى القَوْلِ، لَكِنْ أتى الأوَّلُ بِغَيْرِ لَفْظِ القَوْلِ، وفِيهِ مَعْناهُ، فَحُمِلُ الثّانِي عَلى المَعْنى. وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى (قُلْ) أُمِرَ بِأنْ يَقُولَ كَذا، ونُهِيَ عَنْ كَذا. وقِيلَ: هو نَهْيٌ عَنْ مُوالاةِ المُشْرِكِينَ. وقِيلَ: الخِطابُ لَهُ لَفْظًا، والمُرادُ أُمَّتُهُ، وهَذا هو الظّاهِرُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، والعِصْمَةُ تُنافِي إمْكانَ الشِّرْكِ. ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ . الظّاهِرُ أنَّ الخَوْفَ هُنا عَلى بابِهِ، وهو تَوَقُّعُ المَكْرُوهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْنى (أخافُ) أعْلَمُ. و(عَصَيْتُ) عامَّةٌ في أنْواعِ المَعاصِي، ولَكِنَّها هُنا إنَّما تُشِيرُ إلى الشِّرْكِ الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. والخَوْفُ لَيْسَ بِحاصِلٍ لِعِصْمَتِهِ، بَلْ هو مُعَلَّقٌ بِشَرْطٍ، هو مُمْتَنِعٌ في حَقِّهِ، وجَوابُهُ مَحْذُوفٌ، ولِذَلِكَ جاءَ بِصِيغَةِ الماضِي، فَقِيلَ: هو شَرْطٌ مُعْتَرِضٌ، لا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، كالِاعْتِراضِ بِالقَسَمِ. وقِيلَ: هو في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنِّي أخافُ عاصِيًا رَبِّي. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: مِثالُ الآيَةِ، إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا، كانَتْ مُنْقَسِمَةً مُتَساوِيَتَيْنِ؛ يَعْنِي أنَّهُ تَعْلِيقٌ عَلى مُسْتَحِيلٍ. واليَوْمُ العَظِيمُ هو يَوْمُ القِيامَةِ. ﴿مَن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ . قَرَأ حَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ والكِسائِيُّ (مَن يَصْرِفْ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، فَـ (مَن) مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ، والضَّمِيرُ في (يَصْرِفْ) عائِدٌ عَلى اللَّهِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ (مَن يَصْرِفِ اللَّهُ)، وفي (عَنْهُ) عائِدٌ عَلى العَذابِ، والضَّمِيرُ المُسْتَكِنُّ (p-٨٧)فِي (رَحِمَهُ) عائِدٌ عَلى الرَّبِّ؛ أيْ أيَّ شَخْصٍ يَصْرِفِ اللَّهُ عَنْهُ العَذابَ، فَقَدْ رَحِمَهُ الرَّحْمَةَ العُظْمى، وهي النَّجاةُ مِنَ العَذابِ، وإذا نُجِّيَ مِنَ العَذابِ، دَخَلَ الجَنَّةَ. ويَجُوزُ أنْ يُعْرَبَ (مَن) مُبْتَدَأً. والضَّمِيرُ في (عَنْهُ) عائِدٌ عَلَيْهِ، ومَفْعُولُ (يَصْرِفْ) مَحْذُوفٌ اخْتِصارًا، إذْ قَدْ تَقَدَّمَ في الآيَةِ قَبْلَ التَّقْدِيرِ؛ أيُّ شَخْصٍ يَصْرِفِ اللَّهُ العَذابَ عَنْهُ، فَقَدْ رَحِمَهُ، وعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ الِاشْتِغالِ، فَيَكُونُ (مَن) مَنصُوبًا بِإضْمارِ فِعْلٍ، يُفَسِّرُهُ مَعْنى (يَصْرِفْ)، ويَجُوزُ عَلى إعْرابِ (مَن) مُبْتَدَأً، أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ مَذْكُورًا، وهو (يَوْمَئِذٍ)، عَلى حَذْفٍ أيْ هَوْلَ يَوْمِئِذٍ، فَيَنْتَصِبُ (يَوْمَئِذٍ) انْتِصابَ المَفْعُولِ بِهِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ ﴿مَن يُصْرَفْ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الصّارِفَ هو اللَّهُ تَعالى، فَحُذِفَ لِلْعِلْمِ بِهِ، أوْ لِلْإيجازِ، إذْ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الرَّبِّ، ويَجُوزُ في هَذا الوَجْهِ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في (يُصْرَفْ) عائِدًا عَلى (مَن)، وفي (عَنْهُ) عائِدًا عَلى العَذابِ؛ أيْ أيُّ شَخْصٍ يُصْرَفْ عَنِ العَذابِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى (مَن)، ومَفْعُولُ (يُصْرَفْ) (يَوْمَئِذٍ)، وهو مَبْنِيٌّ لِإضافَتِهِ إلى (إذْ)، فَهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِـ (يُصْرَفْ) . والتَّنْوِينُ في (يَوْمَئِذٍ) تَنْوِينُ عِوَضٍ مِن جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ، يَتَضَمَّنُها الكَلامُ السّابِقُ، التَّقْدِيرُ يَوْمَ إذْ يَكُونُ الجَزاءُ، إذْ لَمْ يَتَقَدَّمْ جُمْلَةٌ مُصَرَّحٌ بِها، يَكُونُ التَّنْوِينُ عِوَضًا عَنْها، وتَكَلَّمَ المُعْرِبُونَ في التَّرْجِيحِ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ عَلى عادَتِهِمْ، فاخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ. وأشارَ أبُو عَلِيٍّ إلى تَحْسِينِهِ قِراءَةَ (يَصْرِفْ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ؛ لِتُناسِبَ ﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾، ولَمْ يَأْتِ (فَقَدْ رُحِمَ)، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ، وأُبَيٍّ (مَن يَصْرِفِ اللَّهُ) . ورَجَّحَ الطَّبَرِيُّ قِراءَةَ (يُصْرَفْ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، قالَ: لِأنَّها أقَلُّ إضْمارًا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأما مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، فَتَخَبَّطَ في كِتابِ الهِدايَةِ في تَرْجِيحِ القِراءَةِ بِفَتْحِ الياءِ، ومَثَّلَ في احْتِجاجِهِ بِأمْثِلَةٍ فاسِدَةٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا تَوْجِيهٌ لَفْظِيٌّ، يُشِيرُ إلى التَّرْجِيحِ تَعَلُّقُهُ خَفِيفٌ، وأمّا المَعْنى؛ فالقِراءَتانِ واحِدٌ انْتَهى. وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا غَيْرَ مُرَّةٍ، أنّا لا نُرَجِّحُ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ المُتَواتِرَتَيْنِ. وحَكى أبُو عَمْرٍو الزّاهِدُ في كِتابِ اليَواقِيتِ؛ أنَّ أبا العَبّاسِ أحْمَدَ بْنَ يَحْيى ثَعْلَبًا، كانَ لا يَرى التَّرْجِيحَ بَيْنَ القِراءاتِ السَّبْعِ. وقالَ: قالَ ثَعْلَبٌ مِن كَلامِ نَفْسِهِ، إذا اخْتَلَفَ الإعْرابُ في القُرْآنِ عَنِ السَّبْعَةِ، لَمْ أُفَضِّلْ إعْرابًا عَلى إعْرابٍ في القُرْآنِ، فَإذا خَرَجْتُ إلى الكَلامِ، كَلامِ النّاسِ، فَضَّلْتُ الأقْوى، ونِعْمَ السَّلَفُ لَنا أحْمَدُ بْنُ يَحْيى، كانَ عالِمًا بِالنَّحْوِ واللُّغَةِ، مُتَدَيِّنًا ثِقَةً. ﴿وذَلِكَ الفَوْزُ المُبِينُ﴾ الإشارَةُ بِـ (ذَلِكَ) إلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ ﴿مَن يُصْرَفْ﴾ أيْ وذَلِكَ الصَّرْفُ هو الظَّفَرُ، والنَّجاةُ مِنَ الهَلَكَةِ. و(المُبِينُ) البَيِّنُ في نَفْسِهِ، أوِ المُبَيِّنُ غَيْرَهُ.

الأنعام 6:15

﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ وهو يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿مَن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وذَلِكَ الفَوْزُ المُبِينُ﴾ ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هو وإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام: ١٧] ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وهو الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨] ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكم وأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ لِأُنْذِرَكم بِهِ ومَن بَلَغَ أئِنَّكم لَتَشْهَدُونَ أنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أشْهَدُ قُلْ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ وإنَّنِي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٩] ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٢٠] ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٢١] ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٢٢] ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٤] ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتّى إذا جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] ﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ وإنْ يُهْلِكُونَ إلّا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٦] ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ٢٧] ﴿بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨] ﴿وقالُوا إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام: ٢٩] ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ قالُوا بَلى ورَبِّنا قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٠] ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتّى إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ [الأنعام: ٣١] ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا إلّا لَعِبٌ ولَهْوٌ ولَلدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ٣٢] . فَطَرَ: خَلَقَ وابْتَدَأ مِن غَيْرِ مِثالٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ما كُنْتُ أعْرِفُ مَعْنى (فَطَرَ)، حَتّى أتانِي أعْرابِيّانِ يَخْتَصِمانِ في بِئْرٍ، فَقالَ أحَدُهُما: أنا فَطَرْتُها؛ أيِ اخْتَرَعْتُها وأنْشَأْتُها، وفَطَرَ أيْضًا شَقَّ يُقالُ فَطَرَ نابَ البَعِيرِ ومِنهُ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ ؟ وقَوْلُهُ: يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ. كَشَفَ الضُّرَّ: أزالَهُ، وكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها؛ أزالَتْ ما يَسْتُرُهُما. القَهْرُ: الغَلَبَةُ والحَمْلُ عَلى الشَّيْءِ مِن غَيْرِ اخْتِيارٍ. الوَقْرُ: الثِّقَلُ في السَّمْعِ، يُقالُ: وقَرَتْ أُذُنُهُ، بِفَتْحِ القافِ وكَسْرِها، وسُمِعَ أُذُنٌ مَوْقُورَةٌ، فالفِعْلُ عَلى هَذا وقَرَتْ. والوَقْرُ بِفَتْحِ الواوِ وكَسْرِها. أساطِيرُ: جَمْعُ إسْطارَةٍ، وهي التُّرَّهاتُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. وقِيلَ: أُسْطُورَةٌ كَأُضْحُوكَةٍ. وقِيلَ: واحِدُهُ أُسْطُورٌ. وقِيلَ: إسْطِيرٌ وإسْطِيرَةٌ. وقِيلَ: جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ، مِثْلُ عَبادِيدَ. وقِيلَ: جَمْعُ الجَمْعِ، يُقالُ سَطْرٌ وسُطُرٌ، فَمَن قالَ: سَطْرٌ، جَمَعَهُ في القَلِيلِ عَلى أسْطُرٍ، وفي الكَثِيرِ عَلى سُطُورٍ، ومَن قالَ: سُطُرٌ، جَمَعَهُ عَلى أسْطارٍ، ثُمَّ جَمَعَ أسْطارًا عَلى أساطِيرَ، قالَهُ يَعْقُوبُ. وقِيلَ: هو جَمْعُ جَمْعِ الجَمْعِ يُقالُ: سَطْرٌ، وأسْطُرٌ، ثُمَّ أسْطارٌ، ثُمَّ أساطِيرٌ، ذُكِرَ ذَلِكَ عَنِ الزَّجّاجِ. ولَيْسَ أسْطارٌ جَمْعَ أسْطُرٍ، بَلْ هُما جَمْعا قِلَّةٍ لِسَطْرٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقِيلَ: هو اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، (p-٨٥)كَعَبادِيدَ، وشَماطِيطَ انْتَهى. وهَذا لا تُسَمِّيهِ النُّحاةُ اسْمَ جَمْعٍ؛ لِأنَّهُ عَلى وزْنِ الجُمُوعِ، بَلْ يُسَمُّونَهُ جَمْعًا، وإنْ لَمْ يُلْفَظْ لَهُ بِواحِدٍ. نَأى نَأْيًا بَعُدَ وتَعْدِيَتُهُ لِمَفْعُولٍ مَنصُوبٍ بِالهَمْزَةِ، لا بِالتَّضْعِيفِ، وكَذا ما كانَ مِثْلُهُ مِمّا عَيْنُهُ هَمْزَةٌ. وقَفَ عَلى كَذا: (حَبَسَ)، ومَصْدَرُ المُتَعَدِّي (وقْفٌ)، ومَصْدَرُ اللّازِمِ، (وُقُوفٌ)، فَرَّقَ بَيْنَهُما بِالمَصْدَرِ. البَغْتُ والبَغْتَةُ: الفَجْأةُ، يُقالُ: بَغَتَهَ يَبْغَتُهُ؛ أيْ فَجَأهُ يَفْجَأُهُ، وهي مَجِيءُ الشَّيْءِ سُرْعَةً مِن غَيْرِ جَعْلِ بالِكَ إلَيْهِ، وغَيْرِ عِلْمِكَ بِوَقْتِ مَجِيئِهِ. فَرَّطَ: قَصَّرَ مَعَ القُدْرَةِ عَلى تَرْكِ التَّقْصِيرِ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: فَرَّطَ: ضَيَّعَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: فَرَطَ: سَبَقَ، والفارِطُ السّابِقُ، وفَرَطَ خَلّى السَّبْقَ لِغَيْرِهِ. الأوْزارُ: الآثامُ والخَطايا، وأصْلُهُ الثِّقَلُ مِنَ الحَمْلِ، وزَرْتُهُ حَمَلْتُهُ، وأوْزارُ الحَرْبِ أثْقالُها مِنَ السِّلاحِ، ومِنهُ الوَزِيرُ؛ لِأنَّهُ يَحْمِلُ عَنِ السُّلْطانِ أثْقالَ ما يُسْنَدُ إلَيْهِ مِن تَدْبِيرِ مُلْكِهِ. اللَّهْوُ: صَرْفُ النَّفْسِ عَنِ الجِدِّ إلى الهَزْلِ، يُقالُ مِنهُ لَها يَلْهُو، ولُهِيَ عَنْ كَذا، صَرَفَ نَفْسَهُ عَنْهُ، والمادَّةُ واحِدَةٌ، انْقَلَبَتِ الواوُ ياءً؛ لِكَسْرِ ما قَبْلَها، نَحْوَ شَقِيٌّ ورَضِيٌ. قالَ المَهْدَوِيُّ: الَّذِي مَعْناهُ الصَّرْفُ، لامُهُ ياءٌ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ لَهَيانِ، ولامُ الأوَّلِ واوٌ انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ الواوَ في التَّثْنِيَةِ انْقَلَبَتْ ياءً، ولَيْسَ أصْلُها الياءَ، ألا تَرى إلى تَثْنِيَةِ شَجٍ شَجِيانِ وهو مِن ذَواتِ الواوِ، مِنَ الشَّجْوِ ؟ ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لَمّا تَقَدَّمَ أنَّهُ تَعالى اخْتَرَعَ السَّماواتِ والأرْضَ، وأنَّهُ مالِكٌ لِما تَضَمَّنَهُ المَكانُ والزَّمانُ، أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يَقُولَ لَهم ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ لَهُمْ؛ أيْ مَن هَذِهِ صِفاتُهُ هو الَّذِي يُتَّخَذُ ولِيًّا وناصِرًا ومُعِينًا، لا الآلِهَةُ الَّتِي لَكم، إذْ هي لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ؛ لِأنَّها بَيْنَ جَمادٍ أوْ حَيَوانٍ مَقْهُورٍ، ودَخَلَتْ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ عَلى الِاسْمِ دُونَ الفِعْلِ؛ لِأنَّ الإنْكارَ في اتِّخاذِ غَيْرِ اللَّهِ ولِيًّا، لا في اتِّخاذِ الوَلِيِّ، كَقَوْلِكَ لِمَن ضَرَبَ زَيْدًا، وهو مِمَّنْ لا يَسْتَحِقُّ الضَّرْبَ، بَلْ يَسْتَحِقُّ الإكْرامَ، أزَيْدًا ضَرَبْتَ، تُنْكِرُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ مِثْلُ هَذا يُضْرَبُ، ونَحْوُهُ ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤]، و﴿آللَّهُ أذِنَ لَكُمْ﴾ [يونس: ٥٩] . وقالَ الطَّبَرِيُّ: وغَيْرُهُ أُمِرَ أنْ يَقُولَ هَذِهِ المَقالَةَ لِلْكَفَرَةِ الَّذِينَ دَعَوْهُ إلى عِبادَةِ أوْثانِهِمْ، فَتَجِيءُ الآيَةُ عَلى هَذا جَوابًا لِكَلامِهِمُ انْتَهى. وهَذا يَحْتاجُ إلى سَنَدٍ في أنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، هو ما ذَكَرَهُ وانْتِصابُ غَيْرِ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ أوَّلٌ لِـ (اتَّخَذَ) . وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فاطِرِ﴾، فَوَجَّهَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ والزَّمَخْشَرِيُّ، ونَقَلَها الحَوْفِيُّ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلَّهِ، وخَرَّجَهُ أبُو البَقاءِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ، وكَأنَّهُ رَأى أنَّ الفَصْلَ بَيْنَ المُبَدَلِ مِنهُ والبَدَلِ، أسْهَلُ مِنَ الفَصْلِ بَيْنَ المَنعُوتِ والنَّعْتِ، إذِ البَدَلُ عَلى المَشْهُورِ، هو عَلى تَكْرارُ العامِلِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، بِرَفْعِ الرّاءِ، عَلى إضْمارِ (هو) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أوْ عَلى الِابْتِداءِ انْتَهى. ويُحْتاجُ إلى إضْمارِ خَبَرٍ، ولا دَلِيلَ عَلى حَذْفِهِ. وقُرِئَ شاذًّا، بِنَصْبِ الرّاءِ، وخَرَّجَهُ أبُو البَقاءِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِوَلِيٍّ، عَلى إرادَةِ التَّنْوِينِ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، أوْ حالٌ، والمَعْنى عَلى هَذا أأجْعَلُ ﴿فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ غَيْرَ اللَّهِ ؟ انْتَهى. والأحْسَنُ نَصْبُهُ عَلى المَدْحِ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ (فَطَرَ)، جَعَلَهُ فِعْلًا ماضِيًا. ﴿وهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ﴾ أيْ يَرْزُقُ، ولا يُرْزَقُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٧] والمَعْنى أنَّ المَنافِعَ كُلَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ. وخُصَّ الإطْعامُ مِن بَيْنِ أنْواعِ الِانْتِفاعاتِ، لِمَسِّ الحاجَةِ إلَيْهِ، كَما خُصَّ الرِّبا بِالأكْلِ، وإنْ كانَ المَقْصُودُ الِانْتِفاعَ بِالرِّبا. وقَرَأ مُجاهِدٌ وابْنُ جُبَيْرٍ والأعْمَشُ وأبُو حَيْوَةَ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وأبُو عَمْرٍو، وفي رِوايَةٍ عَنْهُ ﴿ولا (p-٨٦)يُطْعَمُ﴾ بِفَتْحِ الياءِ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الأكْلِ، ولا يُشْبِهُ المَخْلُوقِينَ. وقَرَأ يَمانُ العَمّانِيُّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ (ولا يُطْعِمُ)، بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ العَيْنِ مِثْلُ الأوَّلِ، فالضَّمِيرُ في (وهو يُطْعِمُ) عائِدٌ عَلى اللَّهِ، وفي (ولا يُطْعِمُ) عائِدٌ عَلى الوَلِيِّ. ورَوى ابْنُ المَأْمُونِ عَنْ يَعْقُوبَ (وهو يُطْعَمُ ولا يُطْعِمُ) عَلى بِناءِ الأوَّلِ لِلْمَفْعُولِ، والثّانِي لِلْفاعِلِ، والضَّمِيرُ لِغَيْرِ اللَّهِ. وقَرَأ الأشْهَبُ: (وهو يُطْعِمُ ولا يُطْعِمُ) عَلى بِنائِهِما لِلْفاعِلِ، وفُسِّرَ بِأنَّ مَعْناهُ، وهو يُطْعِمُ، ولا يَسْتَطْعِمُ، وحَكى الأزْهَرِيُّ أطْعَمْتُ بِمَعْنى اسْتَطْعَمْتُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى؛ وهو يُطْعِمُ تارَةً، ولا يُطْعِمُ أُخْرى، عَلى حَسَبِ المَصالِحِ، كَقَوْلِكَ: هو يُعْطِي، ويَمْنَعُ، ويَبْسُطُ، ويَقْدِرُ، ويُغْنِي، ويُفْقِرُ. وفي قِراءَةِ مَن قَرَأ بِاخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ تَجْنِيسُ التَّشْكِيلِ، وهو أنْ يَكُونَ الشَّكْلُ فَرْقًا بَيْنَ الكَلِمَتَيْنِ، وسَمّاهُ أُسامَةُ بْنُ مُنْقِذٍ في بَدِيعَتِهِ؛ تَجْنِيسَ التَّحْرِيفِ، وهو بِتَجْنِيسِ التَّشْكِيلِ أوْلى. ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ﴾ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِأنَّ النَّبِيَّ سابِقُ أُمَّتِهِ في الإسْلامِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وبِذَلِكَ أُمِرْتُ وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٣]، وكَقَوْلِ مُوسى: ﴿سُبْحانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَعْنى؛ أوَّلُ مَن أسْلَمَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، وبِهَذِهِ الشَّرِيعَةِ، ولا يَتَضَمَّنُ مِنَ الكَلامِ إلّا ذَلِكَ، وهَذا الَّذِي قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ، هو قَوْلُ الحَسَنِ. قالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ أوَّلُ مَن أسْلَمَ مِن أُمَّتِي. قِيلَ: وفي هَذا القَوْلِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَصْدُرْ مِنهُ امْتِناعٌ عَنِ الحَقِّ، وعَدَمُ انْقِيادٍ إلَيْهِ، وإنَّما هَذا عَلى طَرِيقِ التَّعْرِيضِ عَلى الإسْلامِ، كَما يَأْمُرُ المَلِكُ رَعِيَّتَهُ بِأمْرٍ، ثُمَّ يُتْبِعُهُ بِقَوْلِهِ: أنا أوَّلُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ؛ لِيَحْمِلَهم عَلى فِعْلِ ذَلِكَ. وقِيلَ: أرادَ الأوَّلِيَّةَ في الرُّتْبَةِ، والفَضِيلَةَ، كَما جاءَ نَحْنُ الآخِرُونَ الأوَّلُونَ، وفي رِوايَةٍ السّابِقُونَ. وقِيلَ: (أسْلَمَ) أخْلَصَ، ولَمْ يَعْدِلْ بِاللَّهِ شَيْئًا. وقِيلَ: اسْتَسْلَمَ. وقِيلَ: أرادَ دُخُولَهُ في دِينِ إبْراهِيمَ، عَلَيْهِ السَّلامُ، كَقَوْلِهِ: ﴿مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ هو سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ [الحج: ٧٨] . وقِيلَ: أوَّلُ مَن أسْلَمَ يَوْمَ المِيثاقِ، فَيَكُونُ سابِقًا عَلى الخَلْقِ كُلِّهِمْ، كَما قالَ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧] . ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ أيْ، وقِيلَ: لِي، والمَعْنى أنَّهُ أُمِرَ بِالإسْلامِ، ونُهِيَ عَنِ الشِّرْكِ، هَكَذا خَرَّجَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ، عَلى إضْمارِ وقِيلَ: لِي؛ لِأنَّهُ لا يَنْتَظِمُ عَطْفُهُ عَلى لَفْظِ ﴿إنِّي أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ﴾ فَيَكُونُ مُنْدَرِجًا تَحْتَ لَفْظِ (قُلْ)، إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ، لَكانَ التَّرْكِيبُ، ولا أكُونُ مِنَ المُشْرِكِينَ. وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى مَعْمُولِ (قُلْ) حَمْلًا عَلى المَعْنى، والمَعْنى ﴿قُلْ إنِّي﴾ قِيلَ: لِي كُنْ ﴿أوَّلَ مَن أسْلَمَ ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾، فَهُما جَمِيعًا مَحْمُولانِ عَلى القَوْلِ، لَكِنْ أتى الأوَّلُ بِغَيْرِ لَفْظِ القَوْلِ، وفِيهِ مَعْناهُ، فَحُمِلُ الثّانِي عَلى المَعْنى. وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى (قُلْ) أُمِرَ بِأنْ يَقُولَ كَذا، ونُهِيَ عَنْ كَذا. وقِيلَ: هو نَهْيٌ عَنْ مُوالاةِ المُشْرِكِينَ. وقِيلَ: الخِطابُ لَهُ لَفْظًا، والمُرادُ أُمَّتُهُ، وهَذا هو الظّاهِرُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، والعِصْمَةُ تُنافِي إمْكانَ الشِّرْكِ. ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ . الظّاهِرُ أنَّ الخَوْفَ هُنا عَلى بابِهِ، وهو تَوَقُّعُ المَكْرُوهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْنى (أخافُ) أعْلَمُ. و(عَصَيْتُ) عامَّةٌ في أنْواعِ المَعاصِي، ولَكِنَّها هُنا إنَّما تُشِيرُ إلى الشِّرْكِ الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. والخَوْفُ لَيْسَ بِحاصِلٍ لِعِصْمَتِهِ، بَلْ هو مُعَلَّقٌ بِشَرْطٍ، هو مُمْتَنِعٌ في حَقِّهِ، وجَوابُهُ مَحْذُوفٌ، ولِذَلِكَ جاءَ بِصِيغَةِ الماضِي، فَقِيلَ: هو شَرْطٌ مُعْتَرِضٌ، لا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، كالِاعْتِراضِ بِالقَسَمِ. وقِيلَ: هو في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنِّي أخافُ عاصِيًا رَبِّي. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: مِثالُ الآيَةِ، إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا، كانَتْ مُنْقَسِمَةً مُتَساوِيَتَيْنِ؛ يَعْنِي أنَّهُ تَعْلِيقٌ عَلى مُسْتَحِيلٍ. واليَوْمُ العَظِيمُ هو يَوْمُ القِيامَةِ. ﴿مَن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ . قَرَأ حَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ والكِسائِيُّ (مَن يَصْرِفْ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، فَـ (مَن) مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ، والضَّمِيرُ في (يَصْرِفْ) عائِدٌ عَلى اللَّهِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ (مَن يَصْرِفِ اللَّهُ)، وفي (عَنْهُ) عائِدٌ عَلى العَذابِ، والضَّمِيرُ المُسْتَكِنُّ (p-٨٧)فِي (رَحِمَهُ) عائِدٌ عَلى الرَّبِّ؛ أيْ أيَّ شَخْصٍ يَصْرِفِ اللَّهُ عَنْهُ العَذابَ، فَقَدْ رَحِمَهُ الرَّحْمَةَ العُظْمى، وهي النَّجاةُ مِنَ العَذابِ، وإذا نُجِّيَ مِنَ العَذابِ، دَخَلَ الجَنَّةَ. ويَجُوزُ أنْ يُعْرَبَ (مَن) مُبْتَدَأً. والضَّمِيرُ في (عَنْهُ) عائِدٌ عَلَيْهِ، ومَفْعُولُ (يَصْرِفْ) مَحْذُوفٌ اخْتِصارًا، إذْ قَدْ تَقَدَّمَ في الآيَةِ قَبْلَ التَّقْدِيرِ؛ أيُّ شَخْصٍ يَصْرِفِ اللَّهُ العَذابَ عَنْهُ، فَقَدْ رَحِمَهُ، وعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ الِاشْتِغالِ، فَيَكُونُ (مَن) مَنصُوبًا بِإضْمارِ فِعْلٍ، يُفَسِّرُهُ مَعْنى (يَصْرِفْ)، ويَجُوزُ عَلى إعْرابِ (مَن) مُبْتَدَأً، أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ مَذْكُورًا، وهو (يَوْمَئِذٍ)، عَلى حَذْفٍ أيْ هَوْلَ يَوْمِئِذٍ، فَيَنْتَصِبُ (يَوْمَئِذٍ) انْتِصابَ المَفْعُولِ بِهِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ ﴿مَن يُصْرَفْ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الصّارِفَ هو اللَّهُ تَعالى، فَحُذِفَ لِلْعِلْمِ بِهِ، أوْ لِلْإيجازِ، إذْ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الرَّبِّ، ويَجُوزُ في هَذا الوَجْهِ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في (يُصْرَفْ) عائِدًا عَلى (مَن)، وفي (عَنْهُ) عائِدًا عَلى العَذابِ؛ أيْ أيُّ شَخْصٍ يُصْرَفْ عَنِ العَذابِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى (مَن)، ومَفْعُولُ (يُصْرَفْ) (يَوْمَئِذٍ)، وهو مَبْنِيٌّ لِإضافَتِهِ إلى (إذْ)، فَهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِـ (يُصْرَفْ) . والتَّنْوِينُ في (يَوْمَئِذٍ) تَنْوِينُ عِوَضٍ مِن جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ، يَتَضَمَّنُها الكَلامُ السّابِقُ، التَّقْدِيرُ يَوْمَ إذْ يَكُونُ الجَزاءُ، إذْ لَمْ يَتَقَدَّمْ جُمْلَةٌ مُصَرَّحٌ بِها، يَكُونُ التَّنْوِينُ عِوَضًا عَنْها، وتَكَلَّمَ المُعْرِبُونَ في التَّرْجِيحِ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ عَلى عادَتِهِمْ، فاخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ. وأشارَ أبُو عَلِيٍّ إلى تَحْسِينِهِ قِراءَةَ (يَصْرِفْ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ؛ لِتُناسِبَ ﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾، ولَمْ يَأْتِ (فَقَدْ رُحِمَ)، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ، وأُبَيٍّ (مَن يَصْرِفِ اللَّهُ) . ورَجَّحَ الطَّبَرِيُّ قِراءَةَ (يُصْرَفْ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، قالَ: لِأنَّها أقَلُّ إضْمارًا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأما مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، فَتَخَبَّطَ في كِتابِ الهِدايَةِ في تَرْجِيحِ القِراءَةِ بِفَتْحِ الياءِ، ومَثَّلَ في احْتِجاجِهِ بِأمْثِلَةٍ فاسِدَةٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا تَوْجِيهٌ لَفْظِيٌّ، يُشِيرُ إلى التَّرْجِيحِ تَعَلُّقُهُ خَفِيفٌ، وأمّا المَعْنى؛ فالقِراءَتانِ واحِدٌ انْتَهى. وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا غَيْرَ مُرَّةٍ، أنّا لا نُرَجِّحُ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ المُتَواتِرَتَيْنِ. وحَكى أبُو عَمْرٍو الزّاهِدُ في كِتابِ اليَواقِيتِ؛ أنَّ أبا العَبّاسِ أحْمَدَ بْنَ يَحْيى ثَعْلَبًا، كانَ لا يَرى التَّرْجِيحَ بَيْنَ القِراءاتِ السَّبْعِ. وقالَ: قالَ ثَعْلَبٌ مِن كَلامِ نَفْسِهِ، إذا اخْتَلَفَ الإعْرابُ في القُرْآنِ عَنِ السَّبْعَةِ، لَمْ أُفَضِّلْ إعْرابًا عَلى إعْرابٍ في القُرْآنِ، فَإذا خَرَجْتُ إلى الكَلامِ، كَلامِ النّاسِ، فَضَّلْتُ الأقْوى، ونِعْمَ السَّلَفُ لَنا أحْمَدُ بْنُ يَحْيى، كانَ عالِمًا بِالنَّحْوِ واللُّغَةِ، مُتَدَيِّنًا ثِقَةً. ﴿وذَلِكَ الفَوْزُ المُبِينُ﴾ الإشارَةُ بِـ (ذَلِكَ) إلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ ﴿مَن يُصْرَفْ﴾ أيْ وذَلِكَ الصَّرْفُ هو الظَّفَرُ، والنَّجاةُ مِنَ الهَلَكَةِ. و(المُبِينُ) البَيِّنُ في نَفْسِهِ، أوِ المُبَيِّنُ غَيْرَهُ.