Lafzullah

Al-Bahr Al-Muhit — الأنعام 6:109 – الأنعام 6:151

المؤلف / المصدر: Al-Bahr Al-Muhit

المحتويات
  1. الأنعام 6:109
  2. الأنعام 6:110
  3. الأنعام 6:111
  4. الأنعام 6:112
  5. الأنعام 6:113
  6. الأنعام 6:114
  7. الأنعام 6:115
  8. الأنعام 6:116
  9. الأنعام 6:117
  10. الأنعام 6:118
  11. الأنعام 6:119
  12. الأنعام 6:120
  13. الأنعام 6:121
  14. الأنعام 6:122
  15. الأنعام 6:123
  16. الأنعام 6:124
  17. الأنعام 6:125
  18. الأنعام 6:126
  19. الأنعام 6:127
  20. الأنعام 6:128
  21. الأنعام 6:129
  22. الأنعام 6:130
  23. الأنعام 6:131
  24. الأنعام 6:132
  25. الأنعام 6:133
  26. الأنعام 6:134
  27. الأنعام 6:135
  28. الأنعام 6:136
  29. الأنعام 6:137
  30. الأنعام 6:138
  31. الأنعام 6:139
  32. الأنعام 6:140
  33. الأنعام 6:141
  34. الأنعام 6:142
  35. الأنعام 6:143
  36. الأنعام 6:144
  37. الأنعام 6:145
  38. الأنعام 6:146
  39. الأنعام 6:147
  40. الأنعام 6:148
  41. الأنعام 6:149
  42. الأنعام 6:150
  43. الأنعام 6:151

الأنعام 6:109

﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لا إلَهَ إلّا هو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فاعْبُدُوهُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ [الأنعام: ١٠٢] أيْ: (ذَلِكُمُ) المَوْصُوفُ بِتِلْكَ الأوْصافِ السّابِقَةِ مِن كَوْنِهِ بَدِيعًا لَمْ يَتَّخِذْ صاحِبَةً ولا ولَدًا خالِقَ المَوْجُوداتِ عالِمًا بِكُلِّ شَيْءٍ هو اللَّهُ، بَدَأ بِالِاسْمِ العَلَمِ ثُمَّ قالَ: (رَبُّكم): أيْ مالِكُكم والنّاظِرُ في مَصالِحِكم، ثُمَّ حَصَرَ الأُلُوهِيَّةَ فِيهِ، ثُمَّ كَرَّرَ وصْفَ خَلْقِهِ ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢] ثُمَّ أمَرَ بِعِبادَتِهِ؛ لِأنَّ مَنِ اسْتَجْمَعَتْ فِيهِ هَذِهِ الصِّفاتُ كانَ جَدِيرًا بِالعِبادَةِ وأنْ يُفْرَدَ بِها فَلا يُتَّخَذَ مَعَهُ شَرِيكٌ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ مَعَ تِلْكَ الصِّفاتِ السّابِقَةِ الَّتِي مِنها خَلْقُ كُلِّ شَيْءٍ وهو المالِكُ لِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأرْزاقِ والآجالِ رَقِيبٌ عَلى الأعْمالِ. ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ وهو يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾ الإدْراكُ قِيلَ: مَعْناهُ الإحاطَةُ بِالشَّيْءِ، وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ هُنا ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وعَطِيَّةُ العَوْفِيُّ وابْنُ المُسَيِّبِ والزَّجّاجُ، قالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: لا تُحِيطُ بِهِ الأبْصارُ، وقالَ الزَّجّاجُ: لا تُحِيطُ بِحَقِيقَتِهِ، والإدْراكُ يَتَضَمَّنُ الإحاطَةَ بِالشَّيْءِ والوُصُولَ إلى أعْماقِهِ وحَوْزَهُ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ، أوْ كَنّى بِالأبْصارِ عَنِ الأشْخاصِ لِأنَّ بِها تُدْرِكُ الأشْخاصُ الأشْياءَ، وكانَ المَعْنى: لا تُدْرِكُهُ الخَلْقُ وهو يُدْرِكُهم، أوْ يَكُونُ المَعْنى إبْصارَ القَلْبِ أيْ لا تُدْرِكُهُ عُلُومُ الخَلْقِ وهو يُدْرِكُ عُلُومَهم وذَواتَهم؛ لِأنَّهُ غَيْرُ مُحاطٍ بِهِ، وهو عَلى هَذا مُسْتَحِيلٌ عَلى اللَّهِ عِنْدَ المُسْلِمِينَ، ولا تُنافِي الرُّؤْيَةُ انْتِفاءَ الإدْراكِ، وقِيلَ: الإدْراكُ هُنا الرُّؤْيَةُ، وهي مُخْتَلَفٌ فِيها بَيْنَ المُسْلِمِينَ، فالمُعْتَزِلَةُ يُحِيلُونَها، وأهْلُ السُّنَّةِ يُجَوِّزُونَها عَقْلًا ويَقُولُونَ: هي واقِعَةٌ سَمْعًا، وهَذِهِ مَسْألَةٌ يُبْحَثُ عَنْها في عِلْمِ أُصُولِ الدِّينِ، وفِيهِ ذِكْرُ دَلائِلِ الفَرِيقَيْنِ مُسْتَوْفاةٌ، وقَدْ رَأيْتُ فِيها لِأبِي جَعْفَرٍ الطُّوسِيِّ، وهو مِن عُقَلاءِ الإمامِيَّةِ، سِفْرًا كَبِيرًا يَنْصُرُ فِيهِ مَقالَةَ أصْحابِهِ نُفاةِ الرُّؤْيَةِ، وقَدِ اسْتَدَلَّ نُفاةُ الرُّؤْيَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ لِمَذْهَبِهِمْ، وأُجِيبُوا بِأنَّ الإدْراكَ غَيْرُ الرُّؤْيَةِ، وعَلى تَسْلِيمٍ أنَّ الإدْراكَ هو الرُّؤْيَةُ فالأبْصارُ مَخْصُوصَةٌ أيْ: أبْصارُ الكُفّارِ الَّذِينَ سَبَقَ ذِكْرَهم أوْ لا تُدْرِكُهُ في الدُّنْيا، قالَ الماتُرِيدِيُّ: والبَصَرُ هو الجَوْهَرُ اللَّطِيفُ الَّذِي رَكَّبَهُ اللَّهُ - تَعالى - في حاسَّةِ النَّظَرِ، بِهِ تُدْرَكُ المُبْصَراتُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الإدْراكَ لا يُرادُ بِهِ هُنا مُجَرَّدُ (p-١٩٦)الرُّؤْيَةِ، إذْ لَوْ كانَ مُجَرَّدَ الرُّؤْيَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَعالى بِذَلِكَ اخْتِصاصٌ ولا تَمَدُّحٌ؛ لِأنّا نَحْنُ نَرى الأبْصارَ فَدَلَّ عَلى أنَّ مَعْنى الإدْراكِ الإحاطَةُ بِحَقِيقَةِ الشَّيْءِ، فَهو تَعالى لا تُحِيطُ بِحَقِيقَتِهِ الأبْصارُ وهو مُحِيطٌ بِحَقِيقَتِها، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى أنَّ الأبْصارَ لا تَتَعَلَّقُ بِهِ ولا تُدْرِكُهُ؛ لِأنَّهُ مُتَعالٍ أنْ يَكُونَ مُبْصِرًا في ذاتِهِ؛ لِأنَّ الأبْصارَ إنَّما تَتَعَلَّقُ بِما كانَ في جِهَةٍ أصْلًا أوْ تابِعًا كالأجْسامِ والهَيْئاتِ، ﴿وهُوَ يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾، وهو لِلُطْفِ إدْراكِهِ لِلْمُدْرَكاتِ يُدْرِكُ تِلْكَ الجَواهِرَ اللَّطِيفَةَ الَّتِي لا يُدْرِكُها مُدْرِكٌ. ﴿وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ يَلْطُفُ عَنْ أنْ تُدْرِكَهُ الأبْصارُ، الخَبِيرُ بِكُلِّ لَطِيفٍ ﴿وهُوَ يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾، لا تَلْطُفُ عَنْ إدْراكِهِ، وهَذا مِن بابِ اللَّفِّ. انْتَهى. وهو عَلى مَذْهَبِهِ الِاعْتِزالِيِّ. وتَظافَرَتِ الأخْبارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِرُؤْيَةِ المُؤْمِنِينَ اللَّهَ في الآخِرَةِ، وقَدِ اخْتَلَفُوا هَلْ رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الدُّنْيا بِبَصَرِهِ لَيْلَةَ المِعْراجِ ؟ فَذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ المُحَدِّثِينَ والفُقَهاءِ والمُتَكَلِّمِينَ إلى إنْكارِ ذَلِكَ، قالَتْ عائِشَةُ وابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو هُرَيْرَةَ عَلى خِلافٍ عَنْهُما بِذَلِكَ، وذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ وكَعْبٌ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وأبُو الحَسَنِ الأشْعَرِيُّ وجَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ إلى أنَّهُ رَآهُ بِبَصَرِهِ وعَيْنَيْ رَأْسِهِ، ورَوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأبِي هُرَيْرَةَ، والأوَّلُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أشْهَرُ، وقِيلَ: ﴿وهُوَ يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾ مَعْناهُ: لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ، وخَصَّ الأبْصارَ لِتَجْنِيسِ الكَلامِ يَعْنِي المُقابَلَةَ، وقالَ الزَّجّاجُ: في هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ الخَلْقَ لا يُدْرِكُونَ الأبْصارَ أيْ لا يَعْرِفُونَ كَيْفِيَّةَ حَقِيقَةِ البَصَرِ الَّذِي صارَ بِهِ الإنْسانُ مُبْصِرًا مِن عَيْنَيْهِ دُونَ أنْ يُبْصِرَ مِن غَيْرِهِما مِن سائِرِ أعْضائِهِ. ﴿وهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾، قالَ أبُو العالِيَةِ: لَطِيفٌ بِاسْتِخْراجِ الأشْياءِ، خَبِيرٌ بِأماكِنِها. ﴿قَدْ جاءَكم بَصائِرٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ هَذا وارِدٌ عَلى لِسانِ الرَّسُولِ لِقَوْلِهِ آخِرَهُ: ﴿وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾، والبَصِيرَةُ نُورُ القَلْبِ الَّذِي يُسْتَبْصَرُ بِهِ، كَما أنَّ البَصَرَ نُورُ العَيْنِ الَّذِي بِهِ تُبْصِرُ، أيْ: جاءَكم مِنَ الوَحْيِ والتَّنْبِيهِ بِما يَجُوزُ عَلى اللَّهِ - تَعالى - وما لا يَجُوزُ ما هو لِلْقُلُوبِ كالبَصائِرِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: البَصِيرَةُ هي ما يَنْقُبُ عَنْ تَحْصِيلِ العَقْلِ لِلْأشْياءِ المَنظُورِ فِيها بِالِاعْتِبارِ، فَكَأنَّهُ قالَ: قَدْ جاءَكم في القُرْآنِ والآياتِ طَرائِقُ إبْصارِ الحَقِّ والمُعِينَةِ عَلَيْهِ، والبَصِيرَةُ لِلْقَلْبِ مُسْتَعارَةٌ مِن إبْصارِ العَيْنِ، وقالَ الحَوْفِيُّ: البَصِيرَةُ الحُجَّةُ البَيِّنَةُ الظّاهِرَةُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿أدْعُو إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف: ١٠٨]، ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة: ١٤]، وقالَ الكَلْبِيُّ: البَصائِرُ آياتُ القُرْآنِ الَّتِي فِيها الإيضاحُ والبَيِّناتُ والتَّنْبِيهُ عَلى ما يَجُوزُ عَلَيْهِ وعَلى ما يَسْتَحِيلُ، وإسْنادُ المَجِيءِ إلى البَصائِرِ مَجازٌ لِتَفْخِيمِ شَأْنِها، إذْ كانَتْ بِمَنزِلَةِ الغائِبِ المُتَوَقَّعِ حُضُورُهُ، كَما يُقالُ: جاءَتِ العافِيَةُ. ﴿فَمَن أبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ﴾ أيْ: فالإبْصارُ لِنَفْسِهِ، أيْ: نَفْعُهُ وثَمَرَتُهُ. ﴿ومَن عَمِيَ فَعَلَيْها﴾ أيْ: فالعَمى عَلَيْها، أيْ: فَجَدْوى العَمى عائِدٌ عَلى نَفْسِهِ، والإبْصارُ والعَمى كِنايَتانِ عَنِ الهُدى والضَّلالِ، والمَعْنى: أنَّ ثَمَرَةَ الهُدى والضَّلالِ إنَّما هي لِلْمُهْتَدِي والضّالِّ لِأنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ عَنْ خَلْقِهِ، وهي مِنَ الكِناياتِ الحَسَنَةِ، لَمّا ذَكَرَ البَصائِرَ أعْقَبَها تَعالى بِالإبْصارِ والعَمى، وهَذِهِ مُطابَقَةٌ، وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿فَمَن أبْصَرَ﴾ الحَقَّ وآمَنَ (فَلِنَفْسِهِ) أبْصَرَ وإيّاها نَفَعَ، ﴿ومَن عَمِيَ﴾ عَنْهُ فَعَلى نَفْسِهِ عَمِيَ، والَّذِي قَدَّرْناهُ مِنَ المَصْدَرِ أوْلى وهو فالإبْصارُ والعَمى لِوَجْهَيْنِ، أحَدُهُما أنَّ المَحْذُوفَ يَكُونُ مُفْرَدًا لا جُمْلَةً، ويَكُونُ الجارُّ والمَجْرُورُ عُمْدَةً لا فَضْلَةً، وفي تَقْدِيرِهِ هو: المَحْذُوفُ جُمْلَةٌ والجارُّ والمَجْرُورُ فَضْلَةٌ، والثّانِي وهو أقْوى، وذَلِكَ أنَّهُ لَوْ كانَ التَّقْدِيرُ فِعْلًا لَمْ تَدْخُلِ الفاءُ سَواءٌ كانَتْ (مَن) شَرْطًا أمْ مَوْصُولَةً مُشَبَّهَةً (p-١٩٧)بِالشَّرْطِ؛ لِأنَّ الفِعْلَ الماضِيَ إذا لَمْ يَكُنْ دُعاءً ولا جامِدًا ووَقَعَ جَوابَ شَرْطٍ أوْ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مُشَبَّهٍ بِاسْمِ الشَّرْطِ لَمْ تَدْخُلِ الفاءُ في جَوابِ الشَّرْطِ ولا في خَبَرِ المُبْتَدَأِ، لَوْ قُلْتُ: مَن جاءَنِي فَأكْرَمْتُهُ، لَمْ يَجُزْ بِخِلافِ تَقْدِيرِنا، فَإنَّهُ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ الفاءِ، ولا يَجُوزُ حَذْفُها إلّا في الشِّعْرِ، وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: البَصِيرَةُ اسْمُ الإدْراكِ التّامِّ الحاصِلِ في القَلْبِ، والآياتُ المُتَقَدِّمَةُ لَيْسَتْ في أنْفُسِها بَصائِرَ، إلّا أنَّها لِقُوَّتِها وجَلائِها تُوجِبُ البَصائِرَ لِمَن عَرَفَها، فَلَمّا كانَتْ أسْبابًا لِحُصُولِ البَصائِرِ سُمِّيَتْ بَصائِرَ. ﴿وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ أيْ: بِرَقِيبٍ أحْصُرُ أعْمالَكم، أوْ بِوَكِيلٍ آخُذُكم بِالإيمانِ، أوْ بِحافِظِكم مِن عَذابِ اللَّهِ، أوْ بِرَبٍّ أُجازِيكم، أوْ بِشاهِدٍ، أقْوالٌ، رابِعُها لِلْحَسَنِ وخامِسُها لِلزَّجّاجِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (بِحَفِيظٍ) أحْفَظُ أعْمالَكم وأُجازِيكم عَلَيْها، إنَّما أنا مُنْذِرٌ واللَّهُ هو الحَفِيظُ عَلَيْكم. انْتَهى. وهو بَسْطُ قَوْلِ الحَسَنِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: كانَ قَبْلَ ظُهُورِ الإسْلامِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ كانَ حَفِيظًا عَلى العالَمِ آخِذًا لَهم بِالإسْلامِ والسَّيْفِ. ﴿وكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ أيْ: ومِثْلَ ما بَيَّنّا تِلْكَ الآياتِ الَّتِي هي بَصائِرُ وصَرَّفْناها نُصَرِّفُ الآياتِ ونَرْدُدُها عَلى وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ. ﴿ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ يَعْنِي أهْلُ مَكَّةَ حِينَ يَقْرَأُ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: دارَسْتَ، أيْ: دارَسْتَ يا مُحَمَّدُ غَيْرَكَ في هَذِهِ الأشْياءِ، أيْ: قارَأْتَهُ وناظَرْتَهُ، إشارَةً مِنهم إلى سَلْمانَ وغَيْرِهِ مِنَ الأعاجِمِ واليَهُودِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وجَماعَةٌ مِن غَيْرِ السَّبْعَةِ: (دَرَسَتْ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ مُضْمَرًا فِيهِ، أيْ: دَرَسَتِ الآياتُ، أيْ: تَرَدَّدَتْ عَلى أسْماعِهِمْ حَتّى بَلِيَتْ وقَدِمَتْ في نُفُوسِهِمْ وأمْحَتْ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: (دَرَسْتَ) يا مُحَمَّدُ في الكُتُبِ القَدِيمَةِ ما تَجِيئُنا بِهِ، كَما قالُوا: ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها﴾ [الفرقان: ٥]، وقالَ الضَّحّاكُ: (دَرَسْتَ): قَرَأْتَ وتَعَلَّمْتَ مِن أبِي فَكِيهَةَ وجَبْرٍ ويَسارٍ، وقُرِئَ: (دَرَّسْتَ) بِالتَّشْدِيدِ والخِطابِ، أيْ: دَرَّسْتَ الكُتُبَ القَدِيمَةَ، وقُرِئَ: دُرِّسْتَ مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ المُخاطَبِ، وقُرِئَ: (دُورِسْتَ) بِالتَّخْفِيفِ والواوِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والواوُ مُبْدَلَةٌ مِنَ الألْفِ في دارَسْتَ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: دارَسْتَ، أيْ: دارَسَتْكَ الجَماعَةُ الَّذِينَ تَتَعَلَّمُ مِنهم، وجازَ الإضْمارُ؛ لِأنَّ الشُّهْرَةَ بِالدِّراسَةِ كانَتْ لِلْيَهُودِ عِنْدَهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ لِلْآياتِ وهو لِأهْلِها أيْ: دارَسَ أهْلَ الآياتِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: (دُرِسَتْ) بِضَمِّ الرّاءِ مُسْنَدًا إلى غائِبٍ، مُبالَغَةً في دَرَسَتْ أيِ: اشْتَدَّ دُرُوسُها وبِلاها، وقَرَأ قَتادَةُ والحَسَنُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (دُرِسَتْ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وفِيهِ ضَمِيرُ الآياتِ غائِبًا، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ بِخِلافٍ عَنْهُ، قالَ أبُو الفَتْحِ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ عُفِيَتْ أوْ تُلِيَتْ، وكَذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: بِمَعْنى قُرِئَتْ أوْ عُفِيَتْ، أمّا بِمَعْنى قُرِئَتْ فَظاهِرٌ لِأنَّ دَرَسَ بِمَعْنى كَرَّرَ القِراءَةَ مُتَعَدٍّ، وأمّا دَرَسَ بِمَعْنى بَلِيَ وأُمْحِيَ فَلا أحْفَظُهُ مُتَعَدِّيًا، وما وجَدْناهُ في أشْعارِ مِن وقَفْنا عَلى شِعْرِهِ مِنَ العَرَبِ إلّا لازَما، وقَرَأ أُبَيٌّ: دَرَسَ أيْ مُحَمَّدٌ أوِ الكِتابُ، وهي مُصْحَفُ عَبْدِ اللَّهِ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ: دَرَسْنَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ مُسْنَدًا إلى النُّونِ أيْ دَرَسَ الآياتُ، وكَذا هي في بَعْضِ مَصاحِفِ عَبْدِ اللَّهِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: دَرَّسْنَ بِتَشْدِيدِ الرّاءِ مُبالَغَةً في دَرَسْنَ، وقُرِئَ: دارِساتٌ أيْ هي قَدِيماتٌ أوْ ذاتُ دَرْسٍ كَعِيشَةٍ راضِيَةٍ، فَهَذِهِ ثَلاثَ عَشْرَ قِراءَةً في هَذِهِ الكَلِمَةِ. وقَرَأتْ طائِفَةٌ: (ولْيَقُولُوا) بِسُكُونِ اللّامِ عَلى جِهَةِ الأمْرِ المُتَضَمِّنِ لِلتَّوْبِيخِ والوَعِيدِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِها، وقالُوا: هَذِهِ اللّامُ هي الَّتِي تُضْمَرُ أنْ بَعْدَها، والفِعْلُ مَنصُوبٌ بِأنِ المُضْمَرَةِ. (p-١٩٨)قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَلى أنَّها لامُ كَيْ، وهي عَلى هَذا لامُ الصَّيْرُورَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] أيْ: لِما صارَ أمْرُهم إلى ذَلِكَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (ولِيَقُولُوا) جَوابُهُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: ولِيَقُولُوا دارَسْتَ تَصَرُّفَها، (فَإنْ قُلْتَ): أيُّ فَرْقٍ بَيْنَ اللّامَيْنِ في (لِيَقُولُوا) و(لِنُبَيِّنَهُ) ؟ (قُلْتُ): الفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ الأُولى مَجازٌ والثّانِيَةَ حَقِيقَةٌ، وذَلِكَ أنَّ الآياتِ صُرِّفَتْ لِلتَّبْيِينِ ولَمْ تُصَرَّفْ لِيَقُولُوا دارَسْتَ، ولَكِنَّهُ لِأنَّهُ حَصَلَ هَذا القَوْلُ بِتَصْرِيفِ الآياتِ كَما حَصَلَ التَّبْيِينُ شُبِّهَ بِهِ فَسِيقَ مَساقَهُ، وقِيلَ: (لِيَقُولُوا) كَما قِيلَ: (لِنُبَيِّنَهُ) . انْتَهى. وتَسْمِيَتُهُ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ قَوْلَهُ ”لِيَقُولُوا“ جَوابًا اصْطِلاحٌ غَرِيبٌ، ومِثْلُ هَذا لا يُسَمّى جَوابًا، لا تَقُولُ: في جِئْتُ مِن قَوْلِكَ: جِئْتُ لِتَقُومَ، أنَّهُ جَوابٌ، وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن تَخْرِيجِ (لِيَقُولُوا) عَلَيْهِ هو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ مَن أنْكَرَ لامَ الصَّيْرُورَةِ وهي الَّتِي تُسَمّى أيْضًا لامَ العاقِبَةِ والمَآلِ، وهو أنَّهُ لَمّا تَرَتَّبَ عَلى التِقاطِهِ كَوْنُهُ صارَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا، جُعِلَ كَأنَّهُ عِلَّةٌ لِالتِقاطِهِ، فَهو عِلَّةٌ مَجازِيَّةٌ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: واللّامُ في (لِيَقُولُوا) عَلى قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ ومَن وافَقَهُ بِمَعْنى لِئَلّا يَقُولُوا، أيْ: صُرِّفَ الآياتُ وأُحْكِمَتْ لِئَلّا يَقُولُوا هَذِهِ أساطِيرُ الأوَّلِينَ قَدِيمَةٌ قَدْ تُلِيَتْ وتَكَرَّرَتْ عَلى الأسْماعِ، واللّامُ عَلى سائِرِ القِراءاتِ لامُ الصَّيْرُورَةِ، وما أجازَهُ أبُو عَلِيٍّ مِن إضْمارِ لا بَعْدَ اللّامِ المُضْمَرِ بَعْدَها أنْ هو مَذْهَبٌ لِبَعْضِ الكُوفِيِّينَ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: لِئَلّا يَقُولُوا، كَما أضْمَرُوها بَعْدَ أنِ المُظْهِرَةِ في قَوْلِهِ: ”أنْ تَضِلُّوا“، ولا يُجِيزُ البَصْرِيُّونَ إضْمارَ لا إلّا في القَسَمِ عَلى ما تَبَيَّنَ فِيهِ، وقَدْ حَمَلَهُ بَعْضُهم عَلى أنَّ اللّامَ لامُ كَيْ حَقِيقَةً، فَقالَ: المَعْنى تَصْرِيفُ هَذِهِ الدَّلائِلِ حالًا بَعْدَ حالٍ لِيَقُولَ بَعْضُهم دارَسْتَ فَيَزْدادُوا كُفْرًا عَلى كُفْرٍ، وتَنْبِيهٌ لِبَعْضِهِمْ فَيَزْدادُوا إيمانًا عَلى إيمانٍ، ونَظِيرُهُ ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦]، ﴿وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥]، ولا يَتَعَيَّنُ ما ذَكَرَهُ المُعْرِبُونَ والمُفَسِّرُونَ مِن أنَّ اللّامَ في (ولِيَقُولُوا) لامُ كَيْ أوْ لامُ الصَّيْرُورَةِ، بَلِ الظّاهِرُ أنَّها لامُ الأمْرِ، والفِعْلُ مَجْزُومٌ بِها لا مَنصُوبٌ بِإضْمارِ أنْ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ مَن سَكَّنَ اللّامَ، والمَعْنى عَلَيْهِ مُتَمَكِّنٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: ومِثْلَ ذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ ولِيَقُولُوا هم ما يَقُولُونَ مِن كَوْنِكَ دَرَسْتَها وتَعَلَّمَتْها، أوْ دَرَسَتْ هي أيْ بَلِيَتْ وقَدُمَتْ، فَإنَّهُ لا يَحْفُلُ بِهِمْ ولا يَلْتَفِتُ إلى قَوْلِهِمْ، وهو أمْرٌ مَعْناهُ الوَعِيدُ بِالتَّهْدِيدِ وعَدَمِ الِاكْتِراثِ بِهِمْ وبِما يَقُولُونَ في الآياتِ، أيْ نُصَرِّفُها لِيَدَّعُوا فِيها ما شاءُوا فَلا اكْتِراثَ بِدَعْواهم. ﴿ولِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: نُصَرِّفُ الآياتِ، وأعادَ الضَّمِيرَ مُفْرَدًا، قالُوا: عَلى مَعْنى الآياتِ لِأنَّها القُرْآنُ، كَأنَّهُ قالَ: وكَذَلِكَ نُصَرِّفُ القُرْآنَ أوْ عَلى القُرْآنِ، ودَلَّ عَلَيْهِ الآياتُ أوْ دَرَسْتَ أوْ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن (ولِنُبَيِّنَهُ) أيْ: ولِنُبَيِّنَ التَّبْيِينَ، كَما تَقُولُ: ضَرَبْتُهُ زَيْدًا، إذا أرَدْتَ ضَرَبْتُ الضَّرْبَ زَيْدًا، أوْ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مَن نُصَرِّفُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (لِقَوْمٍ) يُرِيدُ أوْلِياءَ الَّذِينَ هَداهم إلى سَبِيلِ الرَّشادِ. ﴿اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ لا إلَهَ إلّا هو وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ أمَرَهُ تَعالى بِأنْ يَتَّبِعَ ما أُوحِيَ إلَيْهِ وبِأنْ يُعْرِضَ عَنْ مِن أشْرَكَ، والأمْرُ بِالإعْراضِ عَنْهم كانَ قَبْلَ نَسْخِهِ بِالقِتالِ والسَّوْقِ إلى الدِّينِ طَوْعًا أوْ كَرْهًا، والجُمْلَةُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ اعْتِراضٌ أكَّدَ بِهِ وُجُوبَ اتِّباعِ المُوحى، أوْ في مَوْضِعِ الحالِ المُؤَكِّدَةِ. ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكُوا﴾ أيْ: إنَّ إشْراكَهم لَيْسَ في الحَقِيقَةِ بِمَشِيئَتِهِمْ وإنَّما هو بِمَشِيئَةِ اللَّهِ - تَعالى - وظاهِرُ الآيَةِ يَرُدُّ عَلى المُعْتَزِلَةِ ويَتَأوَّلُونَها عَلى مَشِيئَةِ القَسْرِ والإلْجاءِ. ﴿وما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أيْ: رَقِيبًا تَحْفَظُهم مِنَ الإشْراكِ. ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أيْ: بِمُسَلَّطٍ عَلَيْهِمْ، والجُمْلَتانِ مُتَقارِبَتانِ في المَعْنى، إلّا أنَّ الأُولى فِيها نَفْيُ جَعْلِ الحِفْظِ مِنهُ تَعالى لَهُ عَلَيْهِمْ، والثّانِيَةُ فِيها نَفْيُ الوِكالَةِ عَلَيْهِمْ، والمَعْنى: أنّا لَمْ نُسَلِّطْكَ ولا أنْتَ في ذاتِكَ بِمُسَلَّطٍ، فَناسَبَ أنْ تُعْرِضَ عَنْهم إذْ لَسْتَ مَأْمُورًا مِنّا بِأنْ تَكُونَ حَفِيظًا عَلَيْهِمْ، ولا أنْتَ وكِيلٌ (p-١٩٩)عَلَيْهِمْ مِن تِلْقائِكَ. ﴿ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ «قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَبَبُها أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا لِأبِي طالِبٍ: إمّا أنْ يَنْتَهِيَ مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ عَنْ سَبِّ آلِهَتِنا والغَضِّ مِنها، وإمّا أنْ نَسُبَّ إلَهَهُ ونَهْجُوَهُ، فَنَزَلَتْ» . وقِيلَ: قالُوا ذَلِكَ عِنْدَ نُزُولِ قَوْلِهِ: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] . وقِيلَ: كانَ المُسْلِمُونَ يَسُبُّونَ آلِهَتَهم فَنُهُوا لِئَلّا يَكُونَ سَبُّهم سَبَبًا لِسَبِّ اللَّهِ - تَعالى - وحُكْمُ هَذِهِ الآيَةَ باقٍ في هَذِهِ الأُمَّةِ، فَإذا كانَ الكافِرُ في مَنَعَةٍ، وخِيفَ أنْ يُسَبَّ الإسْلامُ أوِ الرَّسُولُ أوِ اللَّهُ، فَلا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ ذَمُّ دِينِ الكافِرِ ولا صَنَمِهِ ولا صَلِيبِهِ ولا يَتَعَرَّضُ إلى ما يُؤَدِّي إلى ذَلِكَ، ولَمّا أمَرَ تَعالى بِاتِّباعِ ما أُوحِيَ إلَيْهِ وبِمُوادَعَةِ المُشْرِكِينَ عَدَلَ عَنْ خِطابِهِ إلى خِطابِ المُؤْمِنِينَ، فَنُهُوا عَنْ سَبِّ أصْنامِ المُشْرِكِينَ، ولَمْ يُواجَهْ هو ﷺ بِالخِطابِ وإنْ كانَ هو الَّذِي سُبَّتِ الأصْنامُ عَلى لِسانِهِ، وأصْحابُهُ تابِعُونَ لَهُ في ذَلِكَ، لِما في مُواجَهَتِهِ وحْدَهُ بِالنَّهْيِ مِن خِلافِ ما كانَ عَلَيْهِ ﷺ مِنَ الأخْلاقِ الكَرِيمَةِ، إذْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ السَّلامُ فَحّاشًا ولا صَخّابًا ولا سَبّابًا، فَلِذَلِكَ جاءَ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ فَقِيلَ: ﴿ولا تَسُبُّوا﴾، ولَمْ يَكُنِ التَّرْكِيبُ: ولا تَسُبَّ، كَما جاءَ (وأعْرِضْ)، وإذا كانَتِ الطّاعَةُ تُؤَدِّي إلى مَفْسَدَةٍ خَرَجَتْ عَنْ أنْ تَكُونَ طاعَةً، فَيَجِبُ النَّهْيُ عَنْها كَما يُنْهى عَنِ المَعْصِيَةِ، و﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ هُمُ الأصْنامُ، أيْ: يَدْعُونَهُمُ المُشْرِكُونَ، وعَبَّرَ عَنِ الأصْنامِ وهي لا تَعْقِلُ بِالَّذِينِ كَما يُعَبَّرُ عَنِ العاقِلِ، عَلى مُعامَلَةِ ما لا يَعْقِلُ مُعامَلَةَ مَن يَعْقِلُ، إذْ كانُوا يُنْزِلُونَهم مَنزِلَةَ مَن يَعْقِلُ في عِبادَتِهِمْ واعْتِقادِهِمْ فِيهِمْ أنَّهم شُفَعاءُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ - تَعالى - وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِـ ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ الكُفّارُ، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ﴾ أنَّهم يُقْدِمُونَ عَلى سَبِّ اللَّهِ إذا سَبَّ آلِهَتَهم وإنْ كانُوا مُعْتَرِفِينَ بِاللَّهِ - تَعالى - لَكِنْ يَحْمِلُهم عَلى ذَلِكَ انْتِصارُهم لِآلِهَتِهِمْ وشَدَّةُ غَيْظِهِمْ لِأجْلِها، فَيَخْرُجُونَ عَنْ الِاعْتِدالِ إلى ما يُنافِي العَقْلَ، كَما يَقَعُ مِن بَعْضِ المُسْلِمِينَ إذا اشْتَدَّ غَضَبُهُ وانْحَرَفَ، فَإنَّهُ قَدْ يَلْفِظُ بِما يُؤَدِّي إلى الكُفْرِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن ذَلِكَ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: رُبَّما كانَ بَعْضُهم قائِلًا بِالدَّهْرِ ونَفْيِ الصّانِعِ، فَكانَ يَأْتِي بِهَذا النَّوْعِ مِنَ الشَّناعَةِ، أوْ كانَ المُسْلِمُونَ يَسُبُّونَ الأصْنامَ، وهم كانُوا يَسُبُّونَ الرَّسُولَ، فَأُجْرِيَ سَبُّ الرَّسُولِ مُجْرى سَبِّ اللَّهِ - تَعالى - كَما قالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠]، وكَما قالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧]، أوْ كانَ بَعْضُ الكَفَرَةِ يَعْتَقِدُ أنْ شَيْطانًا يَحْمِلُ الرَّسُولَ عَلى ادِّعاءِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، وكانُوا بِجَهْلِهِمْ يَشْتُمُونَ ذَلِكَ الشَّيْطانَ بِأنَّهُ إلَهُ مُحَمَّدٍ. انْتَهى. وهَذِهِ احْتِمالاتٌ مُخالِفَةٌ لِلظّاهِرِ، وإنَّما أوْرَدَها لِأنَّهُ ذَكَرَ أنَّ المُعْتَرِفِينَ بِوُجُودِ الصّانِعِ لا يَجْسُرُونَ أنْ يُقْدِمُوا عَلى سَبِّهِ تَعالى، وقَدْ ذَكَرْنا ما يُحْمَلُ عَلى حَمْلِ الكَلامِ عَلى ظاهِرِهِ، وقالَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ: بِمَعْنى خاطِبُوهم بِلِسانِ الحُجَّةِ وإلْزامِ الدَّلِيلِ ولا تُكَلِّمُوهم عَلى نَوازِعِ النَّفْسِ والعادَةِ، و(فَيَسُبُّوا) مَنصُوبٌ عَلى جَوابِ النَّهْيِ، وقِيلَ: هو مَجْزُومٌ عَلى العَطْفِ، كَقَوْلِكَ: (p-٢٠٠)لا تَمْدُدْها فَتَشْقُقْها، و(عَدْوًا) مَصْدَرُ عَدا، وكَذا عَدَوَ وعُدْوانٍ بِمَعْنى اعْتَدى أيْ ظَلَمَ، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ وقَتادَةُ ويَعْقُوبُ وسَلّامٌ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ بِضَمِّ العَيْنِ والدّالِ وتَشْدِيدِ الواوِ، وهو مَصْدَرٌ لِعَدا كَما ذَكَرْناهُ، وجَوَّزُوا فِيهِما انْتِصابَهُما عَلى المَصْدَرِ في مَوْضِعِ الحالِ، أوْ عَلى المَصْدَرِ مِن غَيْرِ لَفْظِ الفِعْلِ؛ لِأنَّ سَبَّ اللَّهِ عُدْوانٌ، أوْ عَلى المَفْعُولِ لَهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ بَعْضُ المَكِّيِّينَ، وعَيَّنَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: بِفَتْحِ العَيْنِ وضَمِّ الدّالِ وتَشْدِيدِ الواوِ أيْ أعْداءً، وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ المُؤَكِّدَةِ، وعَدُوٌّ يُخْبَرُ بِهِ عَنِ الجَمْعِ، كَما قالَ: ”﴿هُمُ العَدُوُّ﴾ [المنافقون: ٤]“، ومَعْنى ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ عَلى جَهالَةٍ بِما يَجِبُ لِلَّهِ - تَعالى - أنْ يُذْكَرَ بِهِ، وهو بَيانٌ لِمَعْنى الِاعْتِداءِ. ﴿كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ أيْ: مِثْلَ تَزْيِينِ عِبادَةِ الأصْنامِ لِلْمُشْرِكِينَ ﴿زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ﴾، وظاهِرُ ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ العُمُومُ في الأُمَمِ وفي العَمَلِ فِيهِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ المُؤْمِنُونَ والكافِرُونَ، وتَزْيِينُهُ هو ما يَخْلُقُهُ ويَخْتَرِعُهُ في النُّفُوسِ مِنَ المَحَبَّةِ لِلْخَيْرِ أوِ الشَّرِّ والِاتِّباعِ لِطُرُقِهِ، وتَزْيِينُ الشَّيْطانِ هو ما يَقْذِفُهُ في النُّفُوسِ مِنَ الوَسْوَسَةِ وخَطَراتِ السُّوءِ، وخَصَّ الزَّمَخْشَرِيُّ ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ فَقالَ: مِن أُمَمِ الكُفّارِ سُوءُ عَمَلِهِمْ، أيْ: خَلَّيْناهم وشَأْنَهم ولَمْ نَكُفُّهم حَتّى حَسُنَ عِنْدَهم سُوءُ عَمَلِهِمْ، وأمْهَلْنا الشَّيْطانَ حَتّى زَيَّنَ لَهم أوْ زَيَّنّاهُ في زَعْمِهِمْ وقَوْلِهِمْ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنا بِهَذا وزَيَّنَهُ لَنا. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَتِهِ الِاعْتِزالِيَّةِ. وقالَ الحَسَنُ: أيْ ﴿زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ العَمَلَ الَّذِي أوْجَبْناهُ عَلَيْهِمْ، فَجَعَلَ (زَيَّنّا) بِمَعْنى شَرَعْنا، و﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ عامٌّ، والعَمَلُ خاصٌّ بِما أوْجَبَهُ اللَّهُ تَعالى. وأنْكَرَ هَذا الزَّجّاجُ وقالَ: هو بِمَعْنى طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: ﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [فاطر: ٨] . انْتَهى. وما فَسَّرَ بِهِ الحَسَنُ قَدْ أوْضَحَهُ بَعْضُ المُعْتَزِلَةِ فَقالَ: المُرادُ بِتَزْيِينِ العَمَلِ تَزْيِينُ المَأْمُورِ بِهِ لا المَنهِيِّ عَنْهُ، ويُحْمَلُ عَلى الخُصُوصِ وإنْ كانَ عامًّا لِئَلّا يُؤَدِّيَ إلى تَناقُضِ النُّصُوصِ؛ لِأنَّهُ نُصَّ عَلى تَزْيِينِ اللَّهِ لِلْإيمانِ وتَكْرِيهِهِ لِلْكُفْرِ في قَوْلِهِ: ﴿حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ وزَيَّنَهُ في قُلُوبِكم وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ﴾ [الحجرات: ٧]، فَلَوْ دَخَلَ تَزْيِينُ الكُفْرِ في هَذِهِ الآيَةِ في المُرادِ لَوَجَبَ التَّناقُضُ بَيْنَ الآيَتَيْنِ؛ ولِذَلِكَ أضافَ التَّزْيِينَ إلى الشَّيْطانِ بِقَوْلِهِ: ﴿زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨]، فَلا يَكُونُ اللَّهُ مُزَيِّنًا ما زَيَّنَهُ الشَّيْطانُ، فَنَقُولُ: اللَّهُ يُزَيِّنُ ما يَأْمُرُ بِهِ، والشَّيْطانُ يُزَيِّنُ ما يَنْهى عَنْهُ، حَتّى يَكُونَ ذَلِكَ عَمَلًا بِجَمِيعِ النُّصُوصِ. انْتَهى. وأُجِيبَ بِأنْ لا تَناقُضَ لِاخْتِلافِ التَّزْيِينِ: تَزْيِينِ اللَّهِ بِالخَلْقِ لِلشَّهَواتِ، وتَزْيِينِ الشَّيْطانِ بِالدُّعاءِ إلى المَعاصِي، فالآيَةُ عَلى عُمُومِها في كُلِّ أُمَّةٍ وفي عَمَلِهِمْ. ﴿ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهم فَيُنَبِّئُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: أمْرُهم مُفَوَّضٌ إلى اللَّهِ وهو عالِمٌ بِأحْوالِهِمْ مُطَّلِعٌ عَلى ضَمائِرِهِمْ، ومُنْقَلَبُهم يَوْمَ القِيامَةِ إلَيْهِ، فَيُجازى كُلٌّ بِمُقْتَضى عَمَلِهِ، وفي ذَلِكَ وعْدٌ جَمِيلٌ لِلْمُحْسِنِ ووَعِيدٌ لِلْمُسِيئِ. ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها﴾ أيْ: آيَةٌ مِنِ اقْتِراحِهِمْ، نَحْوَ قَوْلِهِمْ: حَتّى تُنَزِّلَ ﴿إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤] أنْزِلْها عَلَيْنا حَتّى نُؤْمِنَ بِها، فَقالَ المُسْلِمُونَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أنْزِلْها عَلَيْهِمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوْ نَحْوَ قَوْلِهِمْ: يَجْعَلُ الصَّفا ذَهَبًا، حَتّى ذَكَرُوا مُعْجِزَةَ مُوسى في الحَجَرِ، وعِيسى في إحْياءِ المَوْتى، وصالِحٍ في النّاقَةِ، فَقامَ الرَّسُولُ يَدْعُو، فَجاءَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ (p-٢٠١)السَّلامُ - فَقالَ لَهُ: إنْ شِئْتَ أصْبَحَ الصَّفا ذَهَبًا، فَإنْ لَمْ يُؤْمِنُوا هَلَكُوا عَنْ آخِرِهِمْ مُعاجَلَةً كَما فُعِلَ بِالأُمَمِ الماضِيَةِ، إذْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِالآياتِ المُقْتَرَحَةِ، وإنْ شِئْتَ تَرَكْتَهم حَتّى يَتُوبَ تائِبُهم، فَقالَ: ”بَلْ حَتّى يَتُوبَ تائِبُهم“، وإنَّما اقْتَرَحُوا آيَةً مُعَيَّنَةً لِأنَّهم شَكُّوا في القُرْآنِ، ولِهَذا قالُوا: دارَسْتَ أيِ العُلَماءَ وباحَثْتَ أهْلَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وكابَرَ أكْثَرُهم وعانَدَ، والمَعْنى: أنَّهم حَلَفُوا غايَةَ حَلِفِهِمْ، وسُمِّيَ الحَلِفُ قَسَمًا لِأنَّهُ يَكُونُ عِنْدَ انْقِسامِ النّاسِ إلى التَّصْدِيقِ والتَّكْذِيبِ، فَكَأنَّهُ يُقَوِّي القِسْمَ الَّذِي يَخْتارُهُ، قالَ التِّبْرِيزِيُّ: الإقْسامُ إفْعالٌ مِنَ القَسَمِ الَّذِي هو بِمَعْنى النَّصِيبِ والقِسْمَةِ، وكانَ إقْسامُهم بِاللَّهِ غايَةً في الحَلِفِ، وكانُوا يُقْسِمُونَ بِآبائِهِمْ وآلِهَتِهِمْ، فَإذا كانَ الأمْرُ عَظِيمًا أقْسَمُوا بِاللَّهِ تَعالى. والجَهْدُ: بِفَتْحِ الجِيمِ المَشَقَّةُ، وبِضَمِّها الطّاقَةُ، ومِنهم مَن يَجْعَلُهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، وانْتَصَبَ (جَهْدَ) عَلى المَصْدَرِ المَنصُوبِ بِـ (أقْسَمُوا) أيْ: أقْسَمُوا جَهْدَ إقْساماتِهِمْ، والأيْمانُ بِمَعْنى الإقْساماتِ، كَما تَقُولُ: ضَرَبْتُهُ أشَدَّ الضَّرَباتِ، وقالَ الحَوْفِيُّ: مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في (أقْسَمُوا) أيْ: مُجْتَهِدِينَ في أيْمانِهِمْ، وقالَ المُبَرِّدَ: مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مِن لَفْظِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ في المائِدَةِ، و﴿لَئِنْ جاءَتْهُمْ﴾ إخْبارٌ عَنْهم لا حِكايَةٌ لِقَوْلِهِمْ إذْ لَوْ حُكِيَ قَوْلُهم لَكانَ: لَئِنْ جاءَتْنا آيَةٌ، وعامَلَ الإخْبارَ عَنِ القَسَمِ مُعامَلَةَ حِكايَةِ القَسَمِ بِلَفْظِ ما نَطَقَ بِهِ المُقْسِمُ، وأنَّهُ لا يُرادُ بِها مُطْلَقُ آيَةٍ، إذْ قَدْ جاءَتْهم آياتٌ كَثِيرَةٌ ولَكِنَّهم أرادُوا آيَةً مُقْتَرَحَةً، كَما ذَكَرْناهُ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: ﴿لَيُؤْمَنَنْ بِها﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وبِالنُّونِ الخَفِيفَةِ. ﴿قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ هَذا أمَرٌ بِالرَّدِّ عَلَيْهِمْ، وأنَّ مَجِيءَ الآياتِ لَيْسَ لِي إنَّما ذَلِكَ لِلَّهِ - تَعالى - وهو القادِرُ عَلَيْها يُنَزِّلُها عَلى وجْهِ المَصْلَحَةِ كَيْفَ شاءَ لِحِكْمَتِهِ، ولَيْسَتْ عِنْدِي فَتُقْتَرَحُ عَلَيَّ. ﴿وما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ اسْتِفْهامِيَّةٌ، ويَعُودُ عَلَيْها ضَمِيرُ الفاعِلِ في (يُشْعِرُكم)، وقَرَأ قَوْمٌ بِسُكُونِ ضَمَّةِ الرّاءِ، وقُرِئَ بِاخْتِلاسِها، وأمّا الخِطابُ فَقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ: هو لِلْكُفّارِ، وقالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ: المُخاطَبُ بِها المُؤْمِنُونَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والعَلِيمِيُّ والأعْشى عَنْ أبِي بَكْرٍ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةِ داوُدَ الإيادِيِّ أنَّها بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِفَتْحِها، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ: (لا تُؤْمِنُونَ) بِتاءِ الخِطابِ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِياءِ الغَيْبَةِ، فَتَرَتَّبَتْ أرْبَعُ قِراءاتٍ، الأُولى كَسْرُ الهَمْزَةِ والياءِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو وأبِي بَكْرٍ بِخِلافٍ عَنْهُ في كَسْرِ الهَمْزَةِ، وهَذِهِ قِراءَةٌ واضِحَةٌ، أخْبَرَ تَعالى أنَّهم ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ البَتَّةَ عَلى تَقْدِيرِ مَجِيءِ الآيَةِ، وتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾، ومُتَعَلَّقُ (يُشْعِرُكم) مَحْذُوفٌ، أيْ: ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ ما يَكُونُ، فَإنْ كانَ الخِطابُ لِلْكُفّارِ كانَ التَّقْدِيرُ: ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ ما يَكُونُ مِنكم، ثُمَّ أخْبَرَ عَلى جِهَةِ الِالتِفاتِ بِما عَلِمَهُ مِن حالِهِمْ لَوْ جاءَتْهُمُ الآياتُ، وإنْ كانَ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ كانَ التَّقْدِيرُ: ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ أيُّها المُؤْمِنُونَ ما يَكُونُ مِنهم، ثُمَّ أخْبَرَ المُؤْمِنِينَ بِعِلْمِهِ فِيهِمْ. القِراءَةُ الثّانِيَةُ كَسْرُ الهَمْزَةِ والتّاءُ، وهي رِوايَةُ العَلِيمِيِّ والأعْشى عَنْ أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، والمُناسِبُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلْكُفّارِ في هَذِهِ القِراءَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وما يُدْرِيكم أيُّها الكُفّارُ ما يَكُونُ مِنكم، ثُمَّ أخْبَرَهم عَلى جِهَةِ الجَزْمِ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ عَلى تَقْدِيرِ مَجِيئِها، ويَبْعُدُ جِدًّا أنْ يَكُونَ الخِطابُ في ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ، وفي ”لا تُؤْمِنُونَ“ لِلْكُفّارِ. القِراءَةُ الثّالِثَةُ فَتْحُ الهَمْزَةِ والتّاءُ، وهي قِراءَةُ نافِعٍ والكِسائِيِّ وحَفْصٍ، فالظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ لِلْمُؤْمِنِينَ، والمَعْنى: وما يُدْرِيكم أيُّها المُؤْمِنُونَ أنَّ الآيَةَ الَّتِي تَقْتَرِحُونَها إذا جاءَتْ (p-٢٠٢)لا يُؤْمِنُونَ بِها، يَعْنِي أنا أعْلَمُ أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ وأنْتُمْ لا تَدْرُونَ بِذَلِكَ، وكانَ المُؤْمِنُونَ يَطْمَعُونَ في إيمانِهِمْ إذا جاءَتْ تِلْكَ الآيَةُ، ويَتَمَنَّوْنَ مَجِيئَها، فَقالَ: وما يُدْرِيكم أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، عَلى مَعْنى أنَّكم لا تَدْرُونَ ما سَبَقَ عِلْمِي بِهِ مِن أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ ﴿كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾، ويَبْعُدُ جِدًّا أنَّ يَكُونَ الخِطابُ في ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ لِلْكُفّارِ، و(أنَّ) في هَذِهِ القِراءَةِ مَصْدَرِيَّةٌ ولا عَلى مَعْناها مِنَ النَّفْيِ، وجَعَلَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ (أنَّ) هُنا بِمَعْنى لَعَلَّ، وحُكِيَ مِن كَلامِهِمْ ذَلِكَ، قالُوا: إيتِ السُّوقَ إنَّكَ تَشْتَرِي لَحْمًا، يُرِيدُونَ: لَعَلَّكَ، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎عُوجا عَلى الطَّلَلِ المُحِيلِ لِأنَّنا نَبْكِي الدِّيارَ كَما بَكى ابْنُ حَرامِ وذَكَرَ ذَلِكَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ، و(لَعَلَّ) تَأْتِي كَثِيرًا في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ، قالَ تَعالى: ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ [عبس: ٣]، ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧]، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: وما أدْراكم لَعَلَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ، وضَعَّفَ أبُو عَلِيٍّ هَذا القَوْلَ بِأنَّ التَّوَقُّعَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ (لَعَلَّ) لا يُناسِبُ قِراءَةَ الكَسْرِ؛ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى حُكْمِهِ تَعالى عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، لَكِنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ (أنَّها) مَعْمُولَةً لِـ (يُشْعِرُكم) بَلْ جَعَلَها عِلَّةً عَلى حَذْفِ لامِها، والتَّقْدِيرُ عِنْدَهُ: ﴿قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ لِأنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ، فَهو لا يَأْتِي بِها لِإصْرارِهِمْ عَلى كُفْرِهِمْ فَيَكُونُ نَظِيرَ ”وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلّا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ“ أيْ بِالآياتِ المُقْتَرَحَةِ. انْتَهى. ويَكُونُ ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ اعْتِراضًا بَيْنَ المَعْلُولِ وعِلَّتِهِ، إذْ صارَ المَعْنى: ﴿قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيِ: المُقْتَرَحَةُ لا يَأْتِي بِها لِانْتِفاءِ إيمانِهِمْ وإصْرارِهِمْ عَلى ضَلالِهِمْ، وجَعَلَ بَعْضُهم ”لا“ زائِدَةً فَيَكُونُ المَعْنى: وما يُدْرِيكم بِإيمانِهِمْ، كَما قالُوا: إذا جاءَتْ، وإنَّما جَعَلَها زائِدَةً لِأنَّها لَوْ بَقِيَتْ عَلى النَّفْيِ لَكانَ الكَلامُ عُذْرًا لِلْكَفّارِ وفَسَدَ المُرادُ بِالآيَةِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، قالَ: وضَعَّفَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ زِيادَةَ لا. انْتَهى قَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ. والقائِلُ بِزِيادَةِ ”لا“ هو الكِسائِيُّ والفَرّاءُ، وقالَ الزَّجّاجُ: زَعَمَ سِيبَوَيْهِ أنَّ مَعْناها لَعَلَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ، وهي قِراءَةُ أهْلِ المَدِينَةِ، قالَ: وهَذا الوَجْهُ أقْوى في العَرَبِيَّةِ، والَّذِي ذَكَرَ أنَّ ”لا“ لَغْوٌ غالِطٌ لِأنَّ ما كانَ لَغْوًا لا يَكُونُ غَيْرَ لَغْوٍ، ومَن قَرَأ بِالكَسْرِ فالإجْماعُ عَلى أنَّ ”لا“ غَيْرُ لَغْوٍ، فَلَيْسَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى مَرَّةً إيجابًا ومَرَّةً غَيْرَ ذَلِكَ في سِياقِ كَلامٍ واحِدٍ، وتَأوَّلَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ الآيَةَ عَلى حَذْفِ مَعْطُوفٍ يُخْرِجُ ”لا“ عَنِ الزِّيادَةِ وتَقْدِيرُهُ: ﴿وما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أوْ يُؤْمِنُونَ، أيْ: ما يُدْرِيكم بِانْتِفاءِ الإيمانِ أوْ وُقُوعِهِ، ذَكَرَهُ النَّحّاسُ وغَيْرُهُ، ولا يَحْتاجُ الكَلامُ إلى زِيادَةِ ”لا“، ولا إلى هَذا الإضْمارِ، ولا يَكُونُ (أنَّ) بِمَعْنى (لَعَلَّ) وهَذا كُلُّهُ خُرُوجٌ عَنِ الظّاهِرِ لِفَرْضِهِ، بَلْ حَمْلُهُ عَلى الظّاهِرِ أوْلى، وهو واضِحٌ سائِغٌ كَما بَحَثْناهُ أوَّلًا، أيْ: ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ ويُدْرِيكم بِمَعْرِفَةِ انْتِفاءِ إيمانِهِمْ، لا سَبِيلَ لَكم إلى الشُّعُورِ بِها. القِراءَةُ الرّابِعَةُ: فَتْحُ الهَمْزَةِ والتّاءِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ وحَمْزَةَ، والظّاهِرُ أنَّهُ خِطابٌ لِلْكُفّارِ، ويَتَّضِحُ مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ عَلى زِيادَةِ ”لا“، أيْ: وما يُدْرِيكم أنَّكم تُؤْمِنُونَ إذا جاءَتْ كَما أقْسَمْتُمْ عَلَيْهِ، وعَلى تَأْوِيلِ (أنَّ) بِمَعْنى لَعَلَّ، وكَوْنِ ”لا“ نَفْيًا، أيْ: وما يُدْرِيكم بِحالِهِمْ لَعَلَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ بِها، وكَذَلِكَ يَصِحُّ المَعْنى عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ المَعْطُوفِ، أيْ: وما يُدْرِيكم بِانْتِفاءِ إيمانِكم إذا جاءَتْ أوْ وُقُوعِهِ؛ لِأنَّ مَآلَ أمْرِكم مُغَيَّبٌ عَنْكم، فَكَيْفَ تُقْسِمُونَ عَلى الإيمانِ إذا جاءَتْكُمُ الآيَةُ ؟ وكَذَلِكَ يَصِحُّ مَعْناها عَلى تَقْدِيرٍ، أيْ عَلى أنْ تَكُونَ أنَّها عِلَّةٌ، أيْ: ﴿قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ فَلا يَأْتِيكم بِها لِأنَّها ﴿إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ وما يُشْعِرُكم بِأنَّكم تُؤْمِنُونَ، وأمّا عَلى إقْرارِ أنَّ (أنَّها) مَعْمُولَةٌ لِـ (يُشْعِرُكم) وبَقاءِ (لا) عَلى النَّفْيِ، فَيُشْكِلُ مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ المَعْنى ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ أيُّها الكُفّارُ بِانْتِفاءِ إيمانِكم إذا جاءَتْكُمُ الآيَةُ المُقْتَرَحَةُ، والَّذِي يُناسِبُ صَدْرَ الآيَةِ ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ بِوُقُوعِ الإيمانِ مِنكم إذا جاءَتْ، وقَدْ يَصِحُّ أنْ (p-٢٠٣)يَكُونُ التَّقْدِيرُ: وأيُّ شَيْءٍ يُشْعِرُكم بِانْتِفاءِ الإيمانِ إذا جاءَتْ، أيْ: لا يَقَعُ ذَلِكَ في خَواطِرِكم، بَلْ أنْتُمْ مُصَمِّمُونَ عَلى الإيمانِ إذا جاءَتْ، وأنا أعْلَمُ أنَّكم لا تُؤْمِنُونَ إذا جاءَتْ لِأنَّكم مَطْبُوعٌ عَلى قُلُوبِكم، وكَمْ آيَةٌ جاءَتْكم فَلَمْ تُؤْمِنُوا. وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ ”ما“ في قَوْلِهِ ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ نافِيَةٌ، والفاعِلُ بِـ (يُشْعِرُكم) ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى اللَّهِ، ويَتَكَلَّفُ مَعْنى الآيَةِ عَلى جَعْلِها نافِيَةً، سَواءٌ فُتِحَتْ (أنَّ) أمْ كُسِرَتْ. ومُتَعَلَّقُ ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ مَحْذُوفٌ، وحَسَّنَ حَذْفَهُ كَوْنُ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ وقَعَ فاصِلَةً، وتَقْدِيرُهُ: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ بِها. وقَدِ اتَّضَحَ مِن تَرْتِيبِ هَذِهِ القِراءاتِ الأرْبَعِ أنَّهُ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى الإطْلاقِ ولا لِلْكُفّارِ عَلى الإطْلاقِ، بَلِ الخِطابُ يَكُونُ عَلى ما يَصِحُّ بِهِ المَعْنى الَّذِي لِلْقِراءَةِ. ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ ونَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (ونُقَلِّبُ) جُمْلَةٌ اسْتِئْنافِيَّةٌ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يَفْعَلُ بِهِمْ ذَلِكَ، وهي إشارَةٌ إلى الحَيْرَةِ والتَّرَدُّدِ وصَرْفِ الشَّيْءِ عَنْ وجْهِهِ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى يُحَوِّلُهم عَنِ الهُدى، ويَتْرُكُهم في الضَّلالِ والكُفْرِ، و(كَما) لِلتَّعْلِيلِ؛ أيْ يَفْعَلُ بِهِمْ ذَلِكَ؛ لِكَوْنِهِمْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ وقْتٍ جاءَهم هُدى اللَّهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ وماتُوا وهم كافِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٥]، ويُؤَكِّدُ هَذا المَعْنى آخِرُ الآيَةِ: ﴿ونَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أيْ نَتْرُكُهم في تَغَمُّطِهِمْ في الشَّرِّ، والإفْراطِ فِيهِ يَتَحَيَّرُونَ، وهَذا كُلُّهُ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِفِعْلِهِ بِهِمْ في الدُّنْيا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذا الإخْبارُ هو عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ لَوْ جاءَتِ الآيَةُ الَّتِي اقْتَرَحُوها، صَنَعْنا بِهِمْ ذَلِكَ، ولِذَلِكَ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم ونَذَرُهم، عَطْفٌ عَلى ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ داخِلٌ في حُكْمِ: ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ بِمَعْنى: وما يُشْعِرُكم أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، وما يُشْعِرُكم أنّا نُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم؛ أيْ فَنَطْبَعُ عَلى أبْصارِهِمْ وقُلُوبِهِمْ فَلا يَفْقَهُونَ ولا يُبْصِرُونَ الحَقَّ؛ كَما كانُوا عِنْدَ نُزُولِ آياتِنا أوَّلًا لا يُؤْمِنُونَ بِها؛ لِكَوْنِهِمْ وما يُشْعِرُكم أنّا نَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ؛ أيْ نُخَلِّيهِمْ وشَأْنَهم لا نَكُفُّهم ونَصْرِفُهم عَنِ الطُّغْيانِ حَتّى يَعْمَهُوا فِيهِ. انْتَهى. وهَذا مَعْنى ما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ، قالُوا: لَوْ أتَيْناهم بِآيَةٍ كَما سَألُوا لَقَلَبْنا أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم عَنِ الإيمانِ بِها وحُلْنا بَيْنَهم وبَيْنَ الهُدى فَلَمْ يُؤْمِنُوا؛ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِما رَأوْا قَبْلَها عُقُوبَةً لَهم عَلى ذَلِكَ، والفَرْقُ بَيْنَ هَذا القَوْلِ والَّذِي بَدَأْنا بِهِ أوَّلًا أنَّ ذَلِكَ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ بِما يَفْعَلُ بِهِمْ تَعالى في الدُّنْيا، وهَذا إخْبارٌ عَلى تَقْدِيرِ مَجِيءِ الآيَةِ المُقْتَرَحَةِ، فَذَلِكَ واقِعٌ وهَذا غَيْرُ واقِعٍ؛ لِأنَّ الآيَةَ المُقْتَرَحَةَ لَمْ تَقَعْ، فَلَمْ يَقَعْ ما رُتِّبَ عَلَيْها، وقالَ مُقاتِلٌ: نُقَلِّبُ أفْئِدَةَ هَؤُلاءِ وأبْصارَهم عَنِ الإيمانِ وعَنِ الآياتِ كَما لَمْ يُؤْمِن أوائِلُهم مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ بِما رَأوْا مِنَ الآياتِ وقِيلَ: تَقْلِيبُها بِإزْعاجِ نُفُوسِهِمْ هَمًّا وغَمًّا. وقالَ الكِرْمانِيُّ: مَعْناهُ أنّا نُحِيطُ عِلْمًا بِذاتِ الصُّدُورِ وخائِنَةِ الأعْيُنِ مِنهم. انْتَهى. ولا يَسْتَقِيمُ هَذا التَّفْسِيرُ لِقَوْلِهِ: كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ لا عَلى التَّعْلِيلِ لا عَلى التَّشْبِيهِ إلّا إنْ جُعِلَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ ”أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ“ أيْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ فَيَصِحُّ عَلى بُعْدٍ في تَفْسِيرِ هَذا التَّقْلِيبِ بِإحاطَةِ العِلْمِ. وقالَ الكَعْبِيُّ: المُرادُ أنّا لا نَفْعَلُ بِهِمْ ما نَفْعَلُ بِالمُؤْمِنِينَ مِنَ الفَوائِدِ والألْطافِ مِن حَيْثُ أخْرَجُوا أنْفُسَهم عَنِ الهِدايَةِ بِسَبَبِ الكُفْرِ. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقِهِ الِاعْتِزالِيِّ. ومَعْنى تَقْلِيبِ القَلْبِ والبَصَرِ ما يَنْشَأُ عَنِ القَلْبِ والبَصَرِ مِنَ الدَّواعِي إلى الحَيْرَةِ والضَّلالِ لِأنَّ القَلْبَ والبَصَرَ يَتَقَلَّبانِ بِأنْفُسِهِما فَنِسْبَةُ التَّقْلِيبِ إلَيْهِما مَجازٌ، وقُدِّمَتِ الأفْئِدَةُ؛ لِأنَّ مَوْضِعَ الدَّواعِي والصَّوارِفِ هو القَلْبُ؛ فَإذا حَصَلَتِ الدّاعِيَةُ في القَلْبِ انْصَرَفَ البَصَرُ إلَيْهِ شاءَ أمْ أبى، وإذا حَصَلَتِ الصَّوارِفُ في القَلْبِ انْصَرَفَ البَصَرُ عَنْهُ، وإنْ كانَ تَحَدُّقُ النَّظَرِ إلَيْهِ ظاهِرًا، وهَذِهِ التَّفاسِيرُ عَلى أنَّ ذَلِكَ في الدُّنْيا، وقالَتْ فِرْقَةٌ إنَّ ذَلِكَ إخْبارٌ أنَّ اللَّهِ تَعالى يَفْعَلُ بِهِمْ ذَلِكَ في الآخِرَةِ. فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ جَوابٌ لِسُؤالِهِمْ (p-٢٠٤)فِي الآخِرَةِ الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا، والمَعْنى: لَوْ رُدُّوا لَحُلْنا بَيْنَهم وبَيْنَ الهُدى كَما حُلْنا بَيْنَهم وبَيْنَهُ أوَّلَ مَرَّةٍ، وهم في الدُّنْيا. انْتَهى. وهَذا يَنْبُو عَنْهُ تَرْكِيبُ الكَلامِ وقِيلَ: تَقْلِيبُها في النّارِ في جَهَنَّمَ عَلى لَهِيبِها وجَمْرِها لِيُعَذَّبُوا كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ؛ يَعْنِي في الدُّنْيا، وقالَهُ الجُبّائِيُّ، وقالَ أبُو الهُذَيْلِ: تَقْلِيبُ أفْئِدَتِهِمْ بُلُوغُها الحَناجِرَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ [غافر: ١٨]، وقِيلَ: تَقْلِيبُ أبْصارِهِمْ إلى الزُّرْقَةِ، وحَمْلُ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ في الآخِرَةِ ضَعِيفٌ قَلِقُ النَّظْمِ؛ لِأنَّ التَّقْلِيبَ في الآخِرَةِ، وتَرْكَهم في الطُّغْيانِ في الدُّنْيا، فَيَخْتَلِفُ الظَّرْفانِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ عَلى اخْتِلافِهِما، بَلِ الظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ إخْبارٌ مُسْتَأْنَفٌ كَما قَرَّرْناهُ أوَّلًا، والكافُ في (كَما) ذَكَرْنا أنَّها لِلتَّعْلِيلِ، وهو واضِحٌ فِيها، وإنْ كانَ اسْتِعْمالُها فِيهِ قَلِيلًا، وقالَتْ فِرْقَةٌ (كَما) هي بِمَعْنى المُجازاةِ؛ أيْ: لَمّا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ نُجازِيهِمْ بِأنْ نُقَلِّبَ أفْئِدَتَهم عَنِ الهُدى، ونَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَكَأنَّهُ قالَ: ونَحْنُ نُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم جَزاءً لِما لَمْ يُؤْمِنُوا أوَّلَ مَرَّةٍ بِما دُعُوا إلَيْهِ مِنَ الشَّرْعِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وهو مَعْنى التَّعْلِيلِ الَّذِي ذَكَرْناهُ؛ إلّا أنَّ تَسْمِيَةَ ذَلِكَ بِمَعْنى المُجازاةِ غَرِيبَةٌ، لا يُعْهَدُ في كَلامِ النَّحْوِيِّينَ أنَّ الكافَ لِلْمُجازاةِ، وقِيلَ: لِلتَّشْبِيهِ، وقِيلَ: وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَلا يُؤْمِنُونَ بِهِ ثانِيَ مَرَّةٍ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ، وقِيلَ: الكافُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ تَقْلِيبًا لِكُفْرِهِمْ أيْ عُقُوبَةً مُساوِيَةً لِمَعْصِيَتِهِمْ. قالَهُ أبُو البَقاءِ، وقالَ الحَوْفِيُّ: نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: لا يُؤْمِنُونَ بِهِ إيمانًا ثانِيًا كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ. انْتَهى. والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى اللَّهِ، أوِ القُرْآنِ أوِ الرَّسُولِ. أقْوالٌ. وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ يَعُودُ عَلى التَّقْلِيبِ، وانْتَصَبَ (أوَّلَ مَرَّةٍ) عَلى أنَّهُ ظَرْفُ زَمانٍ، وقَرَأ النَّخَعِيُّ: (ويُقَلِّبُ ويَذَرُهم) بِالياءِ فِيهِما، والفاعِلُ ضَمِيرُ اللَّهِ، وقَرَأ أيْضًا فِيما رَوى عَنْهُ مُغِيرَةُ: وتُقَلَّبُ أفْئِدَتُهم وأبْصارُهم، بِالرَّفْعِ فِيهِما عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ويَذَرُهم بِالياءِ وسُكُونِ الرّاءِ، وافَقَهُ عَلى (ويَذَرُهُمُ) الأعْمَشُ والهَمَدانِيُّ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَرَأ الأعْمَشُ: وتُقَلَّبُ أفْئِدَتُهم وأبْصارُهم، عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.

الأنعام 6:110

﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لا إلَهَ إلّا هو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فاعْبُدُوهُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ [الأنعام: ١٠٢] أيْ: (ذَلِكُمُ) المَوْصُوفُ بِتِلْكَ الأوْصافِ السّابِقَةِ مِن كَوْنِهِ بَدِيعًا لَمْ يَتَّخِذْ صاحِبَةً ولا ولَدًا خالِقَ المَوْجُوداتِ عالِمًا بِكُلِّ شَيْءٍ هو اللَّهُ، بَدَأ بِالِاسْمِ العَلَمِ ثُمَّ قالَ: (رَبُّكم): أيْ مالِكُكم والنّاظِرُ في مَصالِحِكم، ثُمَّ حَصَرَ الأُلُوهِيَّةَ فِيهِ، ثُمَّ كَرَّرَ وصْفَ خَلْقِهِ ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢] ثُمَّ أمَرَ بِعِبادَتِهِ؛ لِأنَّ مَنِ اسْتَجْمَعَتْ فِيهِ هَذِهِ الصِّفاتُ كانَ جَدِيرًا بِالعِبادَةِ وأنْ يُفْرَدَ بِها فَلا يُتَّخَذَ مَعَهُ شَرِيكٌ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ مَعَ تِلْكَ الصِّفاتِ السّابِقَةِ الَّتِي مِنها خَلْقُ كُلِّ شَيْءٍ وهو المالِكُ لِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأرْزاقِ والآجالِ رَقِيبٌ عَلى الأعْمالِ. ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ وهو يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾ الإدْراكُ قِيلَ: مَعْناهُ الإحاطَةُ بِالشَّيْءِ، وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ هُنا ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وعَطِيَّةُ العَوْفِيُّ وابْنُ المُسَيِّبِ والزَّجّاجُ، قالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: لا تُحِيطُ بِهِ الأبْصارُ، وقالَ الزَّجّاجُ: لا تُحِيطُ بِحَقِيقَتِهِ، والإدْراكُ يَتَضَمَّنُ الإحاطَةَ بِالشَّيْءِ والوُصُولَ إلى أعْماقِهِ وحَوْزَهُ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ، أوْ كَنّى بِالأبْصارِ عَنِ الأشْخاصِ لِأنَّ بِها تُدْرِكُ الأشْخاصُ الأشْياءَ، وكانَ المَعْنى: لا تُدْرِكُهُ الخَلْقُ وهو يُدْرِكُهم، أوْ يَكُونُ المَعْنى إبْصارَ القَلْبِ أيْ لا تُدْرِكُهُ عُلُومُ الخَلْقِ وهو يُدْرِكُ عُلُومَهم وذَواتَهم؛ لِأنَّهُ غَيْرُ مُحاطٍ بِهِ، وهو عَلى هَذا مُسْتَحِيلٌ عَلى اللَّهِ عِنْدَ المُسْلِمِينَ، ولا تُنافِي الرُّؤْيَةُ انْتِفاءَ الإدْراكِ، وقِيلَ: الإدْراكُ هُنا الرُّؤْيَةُ، وهي مُخْتَلَفٌ فِيها بَيْنَ المُسْلِمِينَ، فالمُعْتَزِلَةُ يُحِيلُونَها، وأهْلُ السُّنَّةِ يُجَوِّزُونَها عَقْلًا ويَقُولُونَ: هي واقِعَةٌ سَمْعًا، وهَذِهِ مَسْألَةٌ يُبْحَثُ عَنْها في عِلْمِ أُصُولِ الدِّينِ، وفِيهِ ذِكْرُ دَلائِلِ الفَرِيقَيْنِ مُسْتَوْفاةٌ، وقَدْ رَأيْتُ فِيها لِأبِي جَعْفَرٍ الطُّوسِيِّ، وهو مِن عُقَلاءِ الإمامِيَّةِ، سِفْرًا كَبِيرًا يَنْصُرُ فِيهِ مَقالَةَ أصْحابِهِ نُفاةِ الرُّؤْيَةِ، وقَدِ اسْتَدَلَّ نُفاةُ الرُّؤْيَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ لِمَذْهَبِهِمْ، وأُجِيبُوا بِأنَّ الإدْراكَ غَيْرُ الرُّؤْيَةِ، وعَلى تَسْلِيمٍ أنَّ الإدْراكَ هو الرُّؤْيَةُ فالأبْصارُ مَخْصُوصَةٌ أيْ: أبْصارُ الكُفّارِ الَّذِينَ سَبَقَ ذِكْرَهم أوْ لا تُدْرِكُهُ في الدُّنْيا، قالَ الماتُرِيدِيُّ: والبَصَرُ هو الجَوْهَرُ اللَّطِيفُ الَّذِي رَكَّبَهُ اللَّهُ - تَعالى - في حاسَّةِ النَّظَرِ، بِهِ تُدْرَكُ المُبْصَراتُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الإدْراكَ لا يُرادُ بِهِ هُنا مُجَرَّدُ (p-١٩٦)الرُّؤْيَةِ، إذْ لَوْ كانَ مُجَرَّدَ الرُّؤْيَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَعالى بِذَلِكَ اخْتِصاصٌ ولا تَمَدُّحٌ؛ لِأنّا نَحْنُ نَرى الأبْصارَ فَدَلَّ عَلى أنَّ مَعْنى الإدْراكِ الإحاطَةُ بِحَقِيقَةِ الشَّيْءِ، فَهو تَعالى لا تُحِيطُ بِحَقِيقَتِهِ الأبْصارُ وهو مُحِيطٌ بِحَقِيقَتِها، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى أنَّ الأبْصارَ لا تَتَعَلَّقُ بِهِ ولا تُدْرِكُهُ؛ لِأنَّهُ مُتَعالٍ أنْ يَكُونَ مُبْصِرًا في ذاتِهِ؛ لِأنَّ الأبْصارَ إنَّما تَتَعَلَّقُ بِما كانَ في جِهَةٍ أصْلًا أوْ تابِعًا كالأجْسامِ والهَيْئاتِ، ﴿وهُوَ يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾، وهو لِلُطْفِ إدْراكِهِ لِلْمُدْرَكاتِ يُدْرِكُ تِلْكَ الجَواهِرَ اللَّطِيفَةَ الَّتِي لا يُدْرِكُها مُدْرِكٌ. ﴿وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ يَلْطُفُ عَنْ أنْ تُدْرِكَهُ الأبْصارُ، الخَبِيرُ بِكُلِّ لَطِيفٍ ﴿وهُوَ يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾، لا تَلْطُفُ عَنْ إدْراكِهِ، وهَذا مِن بابِ اللَّفِّ. انْتَهى. وهو عَلى مَذْهَبِهِ الِاعْتِزالِيِّ. وتَظافَرَتِ الأخْبارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِرُؤْيَةِ المُؤْمِنِينَ اللَّهَ في الآخِرَةِ، وقَدِ اخْتَلَفُوا هَلْ رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الدُّنْيا بِبَصَرِهِ لَيْلَةَ المِعْراجِ ؟ فَذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ المُحَدِّثِينَ والفُقَهاءِ والمُتَكَلِّمِينَ إلى إنْكارِ ذَلِكَ، قالَتْ عائِشَةُ وابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو هُرَيْرَةَ عَلى خِلافٍ عَنْهُما بِذَلِكَ، وذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ وكَعْبٌ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وأبُو الحَسَنِ الأشْعَرِيُّ وجَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ إلى أنَّهُ رَآهُ بِبَصَرِهِ وعَيْنَيْ رَأْسِهِ، ورَوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأبِي هُرَيْرَةَ، والأوَّلُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أشْهَرُ، وقِيلَ: ﴿وهُوَ يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾ مَعْناهُ: لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ، وخَصَّ الأبْصارَ لِتَجْنِيسِ الكَلامِ يَعْنِي المُقابَلَةَ، وقالَ الزَّجّاجُ: في هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ الخَلْقَ لا يُدْرِكُونَ الأبْصارَ أيْ لا يَعْرِفُونَ كَيْفِيَّةَ حَقِيقَةِ البَصَرِ الَّذِي صارَ بِهِ الإنْسانُ مُبْصِرًا مِن عَيْنَيْهِ دُونَ أنْ يُبْصِرَ مِن غَيْرِهِما مِن سائِرِ أعْضائِهِ. ﴿وهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾، قالَ أبُو العالِيَةِ: لَطِيفٌ بِاسْتِخْراجِ الأشْياءِ، خَبِيرٌ بِأماكِنِها. ﴿قَدْ جاءَكم بَصائِرٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ هَذا وارِدٌ عَلى لِسانِ الرَّسُولِ لِقَوْلِهِ آخِرَهُ: ﴿وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾، والبَصِيرَةُ نُورُ القَلْبِ الَّذِي يُسْتَبْصَرُ بِهِ، كَما أنَّ البَصَرَ نُورُ العَيْنِ الَّذِي بِهِ تُبْصِرُ، أيْ: جاءَكم مِنَ الوَحْيِ والتَّنْبِيهِ بِما يَجُوزُ عَلى اللَّهِ - تَعالى - وما لا يَجُوزُ ما هو لِلْقُلُوبِ كالبَصائِرِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: البَصِيرَةُ هي ما يَنْقُبُ عَنْ تَحْصِيلِ العَقْلِ لِلْأشْياءِ المَنظُورِ فِيها بِالِاعْتِبارِ، فَكَأنَّهُ قالَ: قَدْ جاءَكم في القُرْآنِ والآياتِ طَرائِقُ إبْصارِ الحَقِّ والمُعِينَةِ عَلَيْهِ، والبَصِيرَةُ لِلْقَلْبِ مُسْتَعارَةٌ مِن إبْصارِ العَيْنِ، وقالَ الحَوْفِيُّ: البَصِيرَةُ الحُجَّةُ البَيِّنَةُ الظّاهِرَةُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿أدْعُو إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف: ١٠٨]، ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة: ١٤]، وقالَ الكَلْبِيُّ: البَصائِرُ آياتُ القُرْآنِ الَّتِي فِيها الإيضاحُ والبَيِّناتُ والتَّنْبِيهُ عَلى ما يَجُوزُ عَلَيْهِ وعَلى ما يَسْتَحِيلُ، وإسْنادُ المَجِيءِ إلى البَصائِرِ مَجازٌ لِتَفْخِيمِ شَأْنِها، إذْ كانَتْ بِمَنزِلَةِ الغائِبِ المُتَوَقَّعِ حُضُورُهُ، كَما يُقالُ: جاءَتِ العافِيَةُ. ﴿فَمَن أبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ﴾ أيْ: فالإبْصارُ لِنَفْسِهِ، أيْ: نَفْعُهُ وثَمَرَتُهُ. ﴿ومَن عَمِيَ فَعَلَيْها﴾ أيْ: فالعَمى عَلَيْها، أيْ: فَجَدْوى العَمى عائِدٌ عَلى نَفْسِهِ، والإبْصارُ والعَمى كِنايَتانِ عَنِ الهُدى والضَّلالِ، والمَعْنى: أنَّ ثَمَرَةَ الهُدى والضَّلالِ إنَّما هي لِلْمُهْتَدِي والضّالِّ لِأنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ عَنْ خَلْقِهِ، وهي مِنَ الكِناياتِ الحَسَنَةِ، لَمّا ذَكَرَ البَصائِرَ أعْقَبَها تَعالى بِالإبْصارِ والعَمى، وهَذِهِ مُطابَقَةٌ، وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿فَمَن أبْصَرَ﴾ الحَقَّ وآمَنَ (فَلِنَفْسِهِ) أبْصَرَ وإيّاها نَفَعَ، ﴿ومَن عَمِيَ﴾ عَنْهُ فَعَلى نَفْسِهِ عَمِيَ، والَّذِي قَدَّرْناهُ مِنَ المَصْدَرِ أوْلى وهو فالإبْصارُ والعَمى لِوَجْهَيْنِ، أحَدُهُما أنَّ المَحْذُوفَ يَكُونُ مُفْرَدًا لا جُمْلَةً، ويَكُونُ الجارُّ والمَجْرُورُ عُمْدَةً لا فَضْلَةً، وفي تَقْدِيرِهِ هو: المَحْذُوفُ جُمْلَةٌ والجارُّ والمَجْرُورُ فَضْلَةٌ، والثّانِي وهو أقْوى، وذَلِكَ أنَّهُ لَوْ كانَ التَّقْدِيرُ فِعْلًا لَمْ تَدْخُلِ الفاءُ سَواءٌ كانَتْ (مَن) شَرْطًا أمْ مَوْصُولَةً مُشَبَّهَةً (p-١٩٧)بِالشَّرْطِ؛ لِأنَّ الفِعْلَ الماضِيَ إذا لَمْ يَكُنْ دُعاءً ولا جامِدًا ووَقَعَ جَوابَ شَرْطٍ أوْ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مُشَبَّهٍ بِاسْمِ الشَّرْطِ لَمْ تَدْخُلِ الفاءُ في جَوابِ الشَّرْطِ ولا في خَبَرِ المُبْتَدَأِ، لَوْ قُلْتُ: مَن جاءَنِي فَأكْرَمْتُهُ، لَمْ يَجُزْ بِخِلافِ تَقْدِيرِنا، فَإنَّهُ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ الفاءِ، ولا يَجُوزُ حَذْفُها إلّا في الشِّعْرِ، وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: البَصِيرَةُ اسْمُ الإدْراكِ التّامِّ الحاصِلِ في القَلْبِ، والآياتُ المُتَقَدِّمَةُ لَيْسَتْ في أنْفُسِها بَصائِرَ، إلّا أنَّها لِقُوَّتِها وجَلائِها تُوجِبُ البَصائِرَ لِمَن عَرَفَها، فَلَمّا كانَتْ أسْبابًا لِحُصُولِ البَصائِرِ سُمِّيَتْ بَصائِرَ. ﴿وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ أيْ: بِرَقِيبٍ أحْصُرُ أعْمالَكم، أوْ بِوَكِيلٍ آخُذُكم بِالإيمانِ، أوْ بِحافِظِكم مِن عَذابِ اللَّهِ، أوْ بِرَبٍّ أُجازِيكم، أوْ بِشاهِدٍ، أقْوالٌ، رابِعُها لِلْحَسَنِ وخامِسُها لِلزَّجّاجِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (بِحَفِيظٍ) أحْفَظُ أعْمالَكم وأُجازِيكم عَلَيْها، إنَّما أنا مُنْذِرٌ واللَّهُ هو الحَفِيظُ عَلَيْكم. انْتَهى. وهو بَسْطُ قَوْلِ الحَسَنِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: كانَ قَبْلَ ظُهُورِ الإسْلامِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ كانَ حَفِيظًا عَلى العالَمِ آخِذًا لَهم بِالإسْلامِ والسَّيْفِ. ﴿وكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ أيْ: ومِثْلَ ما بَيَّنّا تِلْكَ الآياتِ الَّتِي هي بَصائِرُ وصَرَّفْناها نُصَرِّفُ الآياتِ ونَرْدُدُها عَلى وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ. ﴿ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ يَعْنِي أهْلُ مَكَّةَ حِينَ يَقْرَأُ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: دارَسْتَ، أيْ: دارَسْتَ يا مُحَمَّدُ غَيْرَكَ في هَذِهِ الأشْياءِ، أيْ: قارَأْتَهُ وناظَرْتَهُ، إشارَةً مِنهم إلى سَلْمانَ وغَيْرِهِ مِنَ الأعاجِمِ واليَهُودِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وجَماعَةٌ مِن غَيْرِ السَّبْعَةِ: (دَرَسَتْ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ مُضْمَرًا فِيهِ، أيْ: دَرَسَتِ الآياتُ، أيْ: تَرَدَّدَتْ عَلى أسْماعِهِمْ حَتّى بَلِيَتْ وقَدِمَتْ في نُفُوسِهِمْ وأمْحَتْ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: (دَرَسْتَ) يا مُحَمَّدُ في الكُتُبِ القَدِيمَةِ ما تَجِيئُنا بِهِ، كَما قالُوا: ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها﴾ [الفرقان: ٥]، وقالَ الضَّحّاكُ: (دَرَسْتَ): قَرَأْتَ وتَعَلَّمْتَ مِن أبِي فَكِيهَةَ وجَبْرٍ ويَسارٍ، وقُرِئَ: (دَرَّسْتَ) بِالتَّشْدِيدِ والخِطابِ، أيْ: دَرَّسْتَ الكُتُبَ القَدِيمَةَ، وقُرِئَ: دُرِّسْتَ مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ المُخاطَبِ، وقُرِئَ: (دُورِسْتَ) بِالتَّخْفِيفِ والواوِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والواوُ مُبْدَلَةٌ مِنَ الألْفِ في دارَسْتَ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: دارَسْتَ، أيْ: دارَسَتْكَ الجَماعَةُ الَّذِينَ تَتَعَلَّمُ مِنهم، وجازَ الإضْمارُ؛ لِأنَّ الشُّهْرَةَ بِالدِّراسَةِ كانَتْ لِلْيَهُودِ عِنْدَهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ لِلْآياتِ وهو لِأهْلِها أيْ: دارَسَ أهْلَ الآياتِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: (دُرِسَتْ) بِضَمِّ الرّاءِ مُسْنَدًا إلى غائِبٍ، مُبالَغَةً في دَرَسَتْ أيِ: اشْتَدَّ دُرُوسُها وبِلاها، وقَرَأ قَتادَةُ والحَسَنُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (دُرِسَتْ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وفِيهِ ضَمِيرُ الآياتِ غائِبًا، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ بِخِلافٍ عَنْهُ، قالَ أبُو الفَتْحِ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ عُفِيَتْ أوْ تُلِيَتْ، وكَذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: بِمَعْنى قُرِئَتْ أوْ عُفِيَتْ، أمّا بِمَعْنى قُرِئَتْ فَظاهِرٌ لِأنَّ دَرَسَ بِمَعْنى كَرَّرَ القِراءَةَ مُتَعَدٍّ، وأمّا دَرَسَ بِمَعْنى بَلِيَ وأُمْحِيَ فَلا أحْفَظُهُ مُتَعَدِّيًا، وما وجَدْناهُ في أشْعارِ مِن وقَفْنا عَلى شِعْرِهِ مِنَ العَرَبِ إلّا لازَما، وقَرَأ أُبَيٌّ: دَرَسَ أيْ مُحَمَّدٌ أوِ الكِتابُ، وهي مُصْحَفُ عَبْدِ اللَّهِ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ: دَرَسْنَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ مُسْنَدًا إلى النُّونِ أيْ دَرَسَ الآياتُ، وكَذا هي في بَعْضِ مَصاحِفِ عَبْدِ اللَّهِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: دَرَّسْنَ بِتَشْدِيدِ الرّاءِ مُبالَغَةً في دَرَسْنَ، وقُرِئَ: دارِساتٌ أيْ هي قَدِيماتٌ أوْ ذاتُ دَرْسٍ كَعِيشَةٍ راضِيَةٍ، فَهَذِهِ ثَلاثَ عَشْرَ قِراءَةً في هَذِهِ الكَلِمَةِ. وقَرَأتْ طائِفَةٌ: (ولْيَقُولُوا) بِسُكُونِ اللّامِ عَلى جِهَةِ الأمْرِ المُتَضَمِّنِ لِلتَّوْبِيخِ والوَعِيدِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِها، وقالُوا: هَذِهِ اللّامُ هي الَّتِي تُضْمَرُ أنْ بَعْدَها، والفِعْلُ مَنصُوبٌ بِأنِ المُضْمَرَةِ. (p-١٩٨)قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَلى أنَّها لامُ كَيْ، وهي عَلى هَذا لامُ الصَّيْرُورَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] أيْ: لِما صارَ أمْرُهم إلى ذَلِكَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (ولِيَقُولُوا) جَوابُهُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: ولِيَقُولُوا دارَسْتَ تَصَرُّفَها، (فَإنْ قُلْتَ): أيُّ فَرْقٍ بَيْنَ اللّامَيْنِ في (لِيَقُولُوا) و(لِنُبَيِّنَهُ) ؟ (قُلْتُ): الفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ الأُولى مَجازٌ والثّانِيَةَ حَقِيقَةٌ، وذَلِكَ أنَّ الآياتِ صُرِّفَتْ لِلتَّبْيِينِ ولَمْ تُصَرَّفْ لِيَقُولُوا دارَسْتَ، ولَكِنَّهُ لِأنَّهُ حَصَلَ هَذا القَوْلُ بِتَصْرِيفِ الآياتِ كَما حَصَلَ التَّبْيِينُ شُبِّهَ بِهِ فَسِيقَ مَساقَهُ، وقِيلَ: (لِيَقُولُوا) كَما قِيلَ: (لِنُبَيِّنَهُ) . انْتَهى. وتَسْمِيَتُهُ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ قَوْلَهُ ”لِيَقُولُوا“ جَوابًا اصْطِلاحٌ غَرِيبٌ، ومِثْلُ هَذا لا يُسَمّى جَوابًا، لا تَقُولُ: في جِئْتُ مِن قَوْلِكَ: جِئْتُ لِتَقُومَ، أنَّهُ جَوابٌ، وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن تَخْرِيجِ (لِيَقُولُوا) عَلَيْهِ هو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ مَن أنْكَرَ لامَ الصَّيْرُورَةِ وهي الَّتِي تُسَمّى أيْضًا لامَ العاقِبَةِ والمَآلِ، وهو أنَّهُ لَمّا تَرَتَّبَ عَلى التِقاطِهِ كَوْنُهُ صارَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا، جُعِلَ كَأنَّهُ عِلَّةٌ لِالتِقاطِهِ، فَهو عِلَّةٌ مَجازِيَّةٌ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: واللّامُ في (لِيَقُولُوا) عَلى قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ ومَن وافَقَهُ بِمَعْنى لِئَلّا يَقُولُوا، أيْ: صُرِّفَ الآياتُ وأُحْكِمَتْ لِئَلّا يَقُولُوا هَذِهِ أساطِيرُ الأوَّلِينَ قَدِيمَةٌ قَدْ تُلِيَتْ وتَكَرَّرَتْ عَلى الأسْماعِ، واللّامُ عَلى سائِرِ القِراءاتِ لامُ الصَّيْرُورَةِ، وما أجازَهُ أبُو عَلِيٍّ مِن إضْمارِ لا بَعْدَ اللّامِ المُضْمَرِ بَعْدَها أنْ هو مَذْهَبٌ لِبَعْضِ الكُوفِيِّينَ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: لِئَلّا يَقُولُوا، كَما أضْمَرُوها بَعْدَ أنِ المُظْهِرَةِ في قَوْلِهِ: ”أنْ تَضِلُّوا“، ولا يُجِيزُ البَصْرِيُّونَ إضْمارَ لا إلّا في القَسَمِ عَلى ما تَبَيَّنَ فِيهِ، وقَدْ حَمَلَهُ بَعْضُهم عَلى أنَّ اللّامَ لامُ كَيْ حَقِيقَةً، فَقالَ: المَعْنى تَصْرِيفُ هَذِهِ الدَّلائِلِ حالًا بَعْدَ حالٍ لِيَقُولَ بَعْضُهم دارَسْتَ فَيَزْدادُوا كُفْرًا عَلى كُفْرٍ، وتَنْبِيهٌ لِبَعْضِهِمْ فَيَزْدادُوا إيمانًا عَلى إيمانٍ، ونَظِيرُهُ ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦]، ﴿وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥]، ولا يَتَعَيَّنُ ما ذَكَرَهُ المُعْرِبُونَ والمُفَسِّرُونَ مِن أنَّ اللّامَ في (ولِيَقُولُوا) لامُ كَيْ أوْ لامُ الصَّيْرُورَةِ، بَلِ الظّاهِرُ أنَّها لامُ الأمْرِ، والفِعْلُ مَجْزُومٌ بِها لا مَنصُوبٌ بِإضْمارِ أنْ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ مَن سَكَّنَ اللّامَ، والمَعْنى عَلَيْهِ مُتَمَكِّنٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: ومِثْلَ ذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ ولِيَقُولُوا هم ما يَقُولُونَ مِن كَوْنِكَ دَرَسْتَها وتَعَلَّمَتْها، أوْ دَرَسَتْ هي أيْ بَلِيَتْ وقَدُمَتْ، فَإنَّهُ لا يَحْفُلُ بِهِمْ ولا يَلْتَفِتُ إلى قَوْلِهِمْ، وهو أمْرٌ مَعْناهُ الوَعِيدُ بِالتَّهْدِيدِ وعَدَمِ الِاكْتِراثِ بِهِمْ وبِما يَقُولُونَ في الآياتِ، أيْ نُصَرِّفُها لِيَدَّعُوا فِيها ما شاءُوا فَلا اكْتِراثَ بِدَعْواهم. ﴿ولِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: نُصَرِّفُ الآياتِ، وأعادَ الضَّمِيرَ مُفْرَدًا، قالُوا: عَلى مَعْنى الآياتِ لِأنَّها القُرْآنُ، كَأنَّهُ قالَ: وكَذَلِكَ نُصَرِّفُ القُرْآنَ أوْ عَلى القُرْآنِ، ودَلَّ عَلَيْهِ الآياتُ أوْ دَرَسْتَ أوْ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن (ولِنُبَيِّنَهُ) أيْ: ولِنُبَيِّنَ التَّبْيِينَ، كَما تَقُولُ: ضَرَبْتُهُ زَيْدًا، إذا أرَدْتَ ضَرَبْتُ الضَّرْبَ زَيْدًا، أوْ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مَن نُصَرِّفُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (لِقَوْمٍ) يُرِيدُ أوْلِياءَ الَّذِينَ هَداهم إلى سَبِيلِ الرَّشادِ. ﴿اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ لا إلَهَ إلّا هو وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ أمَرَهُ تَعالى بِأنْ يَتَّبِعَ ما أُوحِيَ إلَيْهِ وبِأنْ يُعْرِضَ عَنْ مِن أشْرَكَ، والأمْرُ بِالإعْراضِ عَنْهم كانَ قَبْلَ نَسْخِهِ بِالقِتالِ والسَّوْقِ إلى الدِّينِ طَوْعًا أوْ كَرْهًا، والجُمْلَةُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ اعْتِراضٌ أكَّدَ بِهِ وُجُوبَ اتِّباعِ المُوحى، أوْ في مَوْضِعِ الحالِ المُؤَكِّدَةِ. ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكُوا﴾ أيْ: إنَّ إشْراكَهم لَيْسَ في الحَقِيقَةِ بِمَشِيئَتِهِمْ وإنَّما هو بِمَشِيئَةِ اللَّهِ - تَعالى - وظاهِرُ الآيَةِ يَرُدُّ عَلى المُعْتَزِلَةِ ويَتَأوَّلُونَها عَلى مَشِيئَةِ القَسْرِ والإلْجاءِ. ﴿وما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أيْ: رَقِيبًا تَحْفَظُهم مِنَ الإشْراكِ. ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أيْ: بِمُسَلَّطٍ عَلَيْهِمْ، والجُمْلَتانِ مُتَقارِبَتانِ في المَعْنى، إلّا أنَّ الأُولى فِيها نَفْيُ جَعْلِ الحِفْظِ مِنهُ تَعالى لَهُ عَلَيْهِمْ، والثّانِيَةُ فِيها نَفْيُ الوِكالَةِ عَلَيْهِمْ، والمَعْنى: أنّا لَمْ نُسَلِّطْكَ ولا أنْتَ في ذاتِكَ بِمُسَلَّطٍ، فَناسَبَ أنْ تُعْرِضَ عَنْهم إذْ لَسْتَ مَأْمُورًا مِنّا بِأنْ تَكُونَ حَفِيظًا عَلَيْهِمْ، ولا أنْتَ وكِيلٌ (p-١٩٩)عَلَيْهِمْ مِن تِلْقائِكَ. ﴿ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ «قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَبَبُها أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا لِأبِي طالِبٍ: إمّا أنْ يَنْتَهِيَ مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ عَنْ سَبِّ آلِهَتِنا والغَضِّ مِنها، وإمّا أنْ نَسُبَّ إلَهَهُ ونَهْجُوَهُ، فَنَزَلَتْ» . وقِيلَ: قالُوا ذَلِكَ عِنْدَ نُزُولِ قَوْلِهِ: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] . وقِيلَ: كانَ المُسْلِمُونَ يَسُبُّونَ آلِهَتَهم فَنُهُوا لِئَلّا يَكُونَ سَبُّهم سَبَبًا لِسَبِّ اللَّهِ - تَعالى - وحُكْمُ هَذِهِ الآيَةَ باقٍ في هَذِهِ الأُمَّةِ، فَإذا كانَ الكافِرُ في مَنَعَةٍ، وخِيفَ أنْ يُسَبَّ الإسْلامُ أوِ الرَّسُولُ أوِ اللَّهُ، فَلا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ ذَمُّ دِينِ الكافِرِ ولا صَنَمِهِ ولا صَلِيبِهِ ولا يَتَعَرَّضُ إلى ما يُؤَدِّي إلى ذَلِكَ، ولَمّا أمَرَ تَعالى بِاتِّباعِ ما أُوحِيَ إلَيْهِ وبِمُوادَعَةِ المُشْرِكِينَ عَدَلَ عَنْ خِطابِهِ إلى خِطابِ المُؤْمِنِينَ، فَنُهُوا عَنْ سَبِّ أصْنامِ المُشْرِكِينَ، ولَمْ يُواجَهْ هو ﷺ بِالخِطابِ وإنْ كانَ هو الَّذِي سُبَّتِ الأصْنامُ عَلى لِسانِهِ، وأصْحابُهُ تابِعُونَ لَهُ في ذَلِكَ، لِما في مُواجَهَتِهِ وحْدَهُ بِالنَّهْيِ مِن خِلافِ ما كانَ عَلَيْهِ ﷺ مِنَ الأخْلاقِ الكَرِيمَةِ، إذْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ السَّلامُ فَحّاشًا ولا صَخّابًا ولا سَبّابًا، فَلِذَلِكَ جاءَ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ فَقِيلَ: ﴿ولا تَسُبُّوا﴾، ولَمْ يَكُنِ التَّرْكِيبُ: ولا تَسُبَّ، كَما جاءَ (وأعْرِضْ)، وإذا كانَتِ الطّاعَةُ تُؤَدِّي إلى مَفْسَدَةٍ خَرَجَتْ عَنْ أنْ تَكُونَ طاعَةً، فَيَجِبُ النَّهْيُ عَنْها كَما يُنْهى عَنِ المَعْصِيَةِ، و﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ هُمُ الأصْنامُ، أيْ: يَدْعُونَهُمُ المُشْرِكُونَ، وعَبَّرَ عَنِ الأصْنامِ وهي لا تَعْقِلُ بِالَّذِينِ كَما يُعَبَّرُ عَنِ العاقِلِ، عَلى مُعامَلَةِ ما لا يَعْقِلُ مُعامَلَةَ مَن يَعْقِلُ، إذْ كانُوا يُنْزِلُونَهم مَنزِلَةَ مَن يَعْقِلُ في عِبادَتِهِمْ واعْتِقادِهِمْ فِيهِمْ أنَّهم شُفَعاءُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ - تَعالى - وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِـ ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ الكُفّارُ، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ﴾ أنَّهم يُقْدِمُونَ عَلى سَبِّ اللَّهِ إذا سَبَّ آلِهَتَهم وإنْ كانُوا مُعْتَرِفِينَ بِاللَّهِ - تَعالى - لَكِنْ يَحْمِلُهم عَلى ذَلِكَ انْتِصارُهم لِآلِهَتِهِمْ وشَدَّةُ غَيْظِهِمْ لِأجْلِها، فَيَخْرُجُونَ عَنْ الِاعْتِدالِ إلى ما يُنافِي العَقْلَ، كَما يَقَعُ مِن بَعْضِ المُسْلِمِينَ إذا اشْتَدَّ غَضَبُهُ وانْحَرَفَ، فَإنَّهُ قَدْ يَلْفِظُ بِما يُؤَدِّي إلى الكُفْرِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن ذَلِكَ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: رُبَّما كانَ بَعْضُهم قائِلًا بِالدَّهْرِ ونَفْيِ الصّانِعِ، فَكانَ يَأْتِي بِهَذا النَّوْعِ مِنَ الشَّناعَةِ، أوْ كانَ المُسْلِمُونَ يَسُبُّونَ الأصْنامَ، وهم كانُوا يَسُبُّونَ الرَّسُولَ، فَأُجْرِيَ سَبُّ الرَّسُولِ مُجْرى سَبِّ اللَّهِ - تَعالى - كَما قالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠]، وكَما قالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧]، أوْ كانَ بَعْضُ الكَفَرَةِ يَعْتَقِدُ أنْ شَيْطانًا يَحْمِلُ الرَّسُولَ عَلى ادِّعاءِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، وكانُوا بِجَهْلِهِمْ يَشْتُمُونَ ذَلِكَ الشَّيْطانَ بِأنَّهُ إلَهُ مُحَمَّدٍ. انْتَهى. وهَذِهِ احْتِمالاتٌ مُخالِفَةٌ لِلظّاهِرِ، وإنَّما أوْرَدَها لِأنَّهُ ذَكَرَ أنَّ المُعْتَرِفِينَ بِوُجُودِ الصّانِعِ لا يَجْسُرُونَ أنْ يُقْدِمُوا عَلى سَبِّهِ تَعالى، وقَدْ ذَكَرْنا ما يُحْمَلُ عَلى حَمْلِ الكَلامِ عَلى ظاهِرِهِ، وقالَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ: بِمَعْنى خاطِبُوهم بِلِسانِ الحُجَّةِ وإلْزامِ الدَّلِيلِ ولا تُكَلِّمُوهم عَلى نَوازِعِ النَّفْسِ والعادَةِ، و(فَيَسُبُّوا) مَنصُوبٌ عَلى جَوابِ النَّهْيِ، وقِيلَ: هو مَجْزُومٌ عَلى العَطْفِ، كَقَوْلِكَ: (p-٢٠٠)لا تَمْدُدْها فَتَشْقُقْها، و(عَدْوًا) مَصْدَرُ عَدا، وكَذا عَدَوَ وعُدْوانٍ بِمَعْنى اعْتَدى أيْ ظَلَمَ، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ وقَتادَةُ ويَعْقُوبُ وسَلّامٌ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ بِضَمِّ العَيْنِ والدّالِ وتَشْدِيدِ الواوِ، وهو مَصْدَرٌ لِعَدا كَما ذَكَرْناهُ، وجَوَّزُوا فِيهِما انْتِصابَهُما عَلى المَصْدَرِ في مَوْضِعِ الحالِ، أوْ عَلى المَصْدَرِ مِن غَيْرِ لَفْظِ الفِعْلِ؛ لِأنَّ سَبَّ اللَّهِ عُدْوانٌ، أوْ عَلى المَفْعُولِ لَهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ بَعْضُ المَكِّيِّينَ، وعَيَّنَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: بِفَتْحِ العَيْنِ وضَمِّ الدّالِ وتَشْدِيدِ الواوِ أيْ أعْداءً، وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ المُؤَكِّدَةِ، وعَدُوٌّ يُخْبَرُ بِهِ عَنِ الجَمْعِ، كَما قالَ: ”﴿هُمُ العَدُوُّ﴾ [المنافقون: ٤]“، ومَعْنى ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ عَلى جَهالَةٍ بِما يَجِبُ لِلَّهِ - تَعالى - أنْ يُذْكَرَ بِهِ، وهو بَيانٌ لِمَعْنى الِاعْتِداءِ. ﴿كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ أيْ: مِثْلَ تَزْيِينِ عِبادَةِ الأصْنامِ لِلْمُشْرِكِينَ ﴿زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ﴾، وظاهِرُ ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ العُمُومُ في الأُمَمِ وفي العَمَلِ فِيهِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ المُؤْمِنُونَ والكافِرُونَ، وتَزْيِينُهُ هو ما يَخْلُقُهُ ويَخْتَرِعُهُ في النُّفُوسِ مِنَ المَحَبَّةِ لِلْخَيْرِ أوِ الشَّرِّ والِاتِّباعِ لِطُرُقِهِ، وتَزْيِينُ الشَّيْطانِ هو ما يَقْذِفُهُ في النُّفُوسِ مِنَ الوَسْوَسَةِ وخَطَراتِ السُّوءِ، وخَصَّ الزَّمَخْشَرِيُّ ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ فَقالَ: مِن أُمَمِ الكُفّارِ سُوءُ عَمَلِهِمْ، أيْ: خَلَّيْناهم وشَأْنَهم ولَمْ نَكُفُّهم حَتّى حَسُنَ عِنْدَهم سُوءُ عَمَلِهِمْ، وأمْهَلْنا الشَّيْطانَ حَتّى زَيَّنَ لَهم أوْ زَيَّنّاهُ في زَعْمِهِمْ وقَوْلِهِمْ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنا بِهَذا وزَيَّنَهُ لَنا. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَتِهِ الِاعْتِزالِيَّةِ. وقالَ الحَسَنُ: أيْ ﴿زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ العَمَلَ الَّذِي أوْجَبْناهُ عَلَيْهِمْ، فَجَعَلَ (زَيَّنّا) بِمَعْنى شَرَعْنا، و﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ عامٌّ، والعَمَلُ خاصٌّ بِما أوْجَبَهُ اللَّهُ تَعالى. وأنْكَرَ هَذا الزَّجّاجُ وقالَ: هو بِمَعْنى طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: ﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [فاطر: ٨] . انْتَهى. وما فَسَّرَ بِهِ الحَسَنُ قَدْ أوْضَحَهُ بَعْضُ المُعْتَزِلَةِ فَقالَ: المُرادُ بِتَزْيِينِ العَمَلِ تَزْيِينُ المَأْمُورِ بِهِ لا المَنهِيِّ عَنْهُ، ويُحْمَلُ عَلى الخُصُوصِ وإنْ كانَ عامًّا لِئَلّا يُؤَدِّيَ إلى تَناقُضِ النُّصُوصِ؛ لِأنَّهُ نُصَّ عَلى تَزْيِينِ اللَّهِ لِلْإيمانِ وتَكْرِيهِهِ لِلْكُفْرِ في قَوْلِهِ: ﴿حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ وزَيَّنَهُ في قُلُوبِكم وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ﴾ [الحجرات: ٧]، فَلَوْ دَخَلَ تَزْيِينُ الكُفْرِ في هَذِهِ الآيَةِ في المُرادِ لَوَجَبَ التَّناقُضُ بَيْنَ الآيَتَيْنِ؛ ولِذَلِكَ أضافَ التَّزْيِينَ إلى الشَّيْطانِ بِقَوْلِهِ: ﴿زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨]، فَلا يَكُونُ اللَّهُ مُزَيِّنًا ما زَيَّنَهُ الشَّيْطانُ، فَنَقُولُ: اللَّهُ يُزَيِّنُ ما يَأْمُرُ بِهِ، والشَّيْطانُ يُزَيِّنُ ما يَنْهى عَنْهُ، حَتّى يَكُونَ ذَلِكَ عَمَلًا بِجَمِيعِ النُّصُوصِ. انْتَهى. وأُجِيبَ بِأنْ لا تَناقُضَ لِاخْتِلافِ التَّزْيِينِ: تَزْيِينِ اللَّهِ بِالخَلْقِ لِلشَّهَواتِ، وتَزْيِينِ الشَّيْطانِ بِالدُّعاءِ إلى المَعاصِي، فالآيَةُ عَلى عُمُومِها في كُلِّ أُمَّةٍ وفي عَمَلِهِمْ. ﴿ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهم فَيُنَبِّئُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: أمْرُهم مُفَوَّضٌ إلى اللَّهِ وهو عالِمٌ بِأحْوالِهِمْ مُطَّلِعٌ عَلى ضَمائِرِهِمْ، ومُنْقَلَبُهم يَوْمَ القِيامَةِ إلَيْهِ، فَيُجازى كُلٌّ بِمُقْتَضى عَمَلِهِ، وفي ذَلِكَ وعْدٌ جَمِيلٌ لِلْمُحْسِنِ ووَعِيدٌ لِلْمُسِيئِ. ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها﴾ أيْ: آيَةٌ مِنِ اقْتِراحِهِمْ، نَحْوَ قَوْلِهِمْ: حَتّى تُنَزِّلَ ﴿إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤] أنْزِلْها عَلَيْنا حَتّى نُؤْمِنَ بِها، فَقالَ المُسْلِمُونَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أنْزِلْها عَلَيْهِمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوْ نَحْوَ قَوْلِهِمْ: يَجْعَلُ الصَّفا ذَهَبًا، حَتّى ذَكَرُوا مُعْجِزَةَ مُوسى في الحَجَرِ، وعِيسى في إحْياءِ المَوْتى، وصالِحٍ في النّاقَةِ، فَقامَ الرَّسُولُ يَدْعُو، فَجاءَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ (p-٢٠١)السَّلامُ - فَقالَ لَهُ: إنْ شِئْتَ أصْبَحَ الصَّفا ذَهَبًا، فَإنْ لَمْ يُؤْمِنُوا هَلَكُوا عَنْ آخِرِهِمْ مُعاجَلَةً كَما فُعِلَ بِالأُمَمِ الماضِيَةِ، إذْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِالآياتِ المُقْتَرَحَةِ، وإنْ شِئْتَ تَرَكْتَهم حَتّى يَتُوبَ تائِبُهم، فَقالَ: ”بَلْ حَتّى يَتُوبَ تائِبُهم“، وإنَّما اقْتَرَحُوا آيَةً مُعَيَّنَةً لِأنَّهم شَكُّوا في القُرْآنِ، ولِهَذا قالُوا: دارَسْتَ أيِ العُلَماءَ وباحَثْتَ أهْلَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وكابَرَ أكْثَرُهم وعانَدَ، والمَعْنى: أنَّهم حَلَفُوا غايَةَ حَلِفِهِمْ، وسُمِّيَ الحَلِفُ قَسَمًا لِأنَّهُ يَكُونُ عِنْدَ انْقِسامِ النّاسِ إلى التَّصْدِيقِ والتَّكْذِيبِ، فَكَأنَّهُ يُقَوِّي القِسْمَ الَّذِي يَخْتارُهُ، قالَ التِّبْرِيزِيُّ: الإقْسامُ إفْعالٌ مِنَ القَسَمِ الَّذِي هو بِمَعْنى النَّصِيبِ والقِسْمَةِ، وكانَ إقْسامُهم بِاللَّهِ غايَةً في الحَلِفِ، وكانُوا يُقْسِمُونَ بِآبائِهِمْ وآلِهَتِهِمْ، فَإذا كانَ الأمْرُ عَظِيمًا أقْسَمُوا بِاللَّهِ تَعالى. والجَهْدُ: بِفَتْحِ الجِيمِ المَشَقَّةُ، وبِضَمِّها الطّاقَةُ، ومِنهم مَن يَجْعَلُهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، وانْتَصَبَ (جَهْدَ) عَلى المَصْدَرِ المَنصُوبِ بِـ (أقْسَمُوا) أيْ: أقْسَمُوا جَهْدَ إقْساماتِهِمْ، والأيْمانُ بِمَعْنى الإقْساماتِ، كَما تَقُولُ: ضَرَبْتُهُ أشَدَّ الضَّرَباتِ، وقالَ الحَوْفِيُّ: مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في (أقْسَمُوا) أيْ: مُجْتَهِدِينَ في أيْمانِهِمْ، وقالَ المُبَرِّدَ: مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مِن لَفْظِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ في المائِدَةِ، و﴿لَئِنْ جاءَتْهُمْ﴾ إخْبارٌ عَنْهم لا حِكايَةٌ لِقَوْلِهِمْ إذْ لَوْ حُكِيَ قَوْلُهم لَكانَ: لَئِنْ جاءَتْنا آيَةٌ، وعامَلَ الإخْبارَ عَنِ القَسَمِ مُعامَلَةَ حِكايَةِ القَسَمِ بِلَفْظِ ما نَطَقَ بِهِ المُقْسِمُ، وأنَّهُ لا يُرادُ بِها مُطْلَقُ آيَةٍ، إذْ قَدْ جاءَتْهم آياتٌ كَثِيرَةٌ ولَكِنَّهم أرادُوا آيَةً مُقْتَرَحَةً، كَما ذَكَرْناهُ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: ﴿لَيُؤْمَنَنْ بِها﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وبِالنُّونِ الخَفِيفَةِ. ﴿قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ هَذا أمَرٌ بِالرَّدِّ عَلَيْهِمْ، وأنَّ مَجِيءَ الآياتِ لَيْسَ لِي إنَّما ذَلِكَ لِلَّهِ - تَعالى - وهو القادِرُ عَلَيْها يُنَزِّلُها عَلى وجْهِ المَصْلَحَةِ كَيْفَ شاءَ لِحِكْمَتِهِ، ولَيْسَتْ عِنْدِي فَتُقْتَرَحُ عَلَيَّ. ﴿وما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ اسْتِفْهامِيَّةٌ، ويَعُودُ عَلَيْها ضَمِيرُ الفاعِلِ في (يُشْعِرُكم)، وقَرَأ قَوْمٌ بِسُكُونِ ضَمَّةِ الرّاءِ، وقُرِئَ بِاخْتِلاسِها، وأمّا الخِطابُ فَقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ: هو لِلْكُفّارِ، وقالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ: المُخاطَبُ بِها المُؤْمِنُونَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والعَلِيمِيُّ والأعْشى عَنْ أبِي بَكْرٍ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةِ داوُدَ الإيادِيِّ أنَّها بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِفَتْحِها، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ: (لا تُؤْمِنُونَ) بِتاءِ الخِطابِ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِياءِ الغَيْبَةِ، فَتَرَتَّبَتْ أرْبَعُ قِراءاتٍ، الأُولى كَسْرُ الهَمْزَةِ والياءِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو وأبِي بَكْرٍ بِخِلافٍ عَنْهُ في كَسْرِ الهَمْزَةِ، وهَذِهِ قِراءَةٌ واضِحَةٌ، أخْبَرَ تَعالى أنَّهم ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ البَتَّةَ عَلى تَقْدِيرِ مَجِيءِ الآيَةِ، وتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾، ومُتَعَلَّقُ (يُشْعِرُكم) مَحْذُوفٌ، أيْ: ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ ما يَكُونُ، فَإنْ كانَ الخِطابُ لِلْكُفّارِ كانَ التَّقْدِيرُ: ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ ما يَكُونُ مِنكم، ثُمَّ أخْبَرَ عَلى جِهَةِ الِالتِفاتِ بِما عَلِمَهُ مِن حالِهِمْ لَوْ جاءَتْهُمُ الآياتُ، وإنْ كانَ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ كانَ التَّقْدِيرُ: ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ أيُّها المُؤْمِنُونَ ما يَكُونُ مِنهم، ثُمَّ أخْبَرَ المُؤْمِنِينَ بِعِلْمِهِ فِيهِمْ. القِراءَةُ الثّانِيَةُ كَسْرُ الهَمْزَةِ والتّاءُ، وهي رِوايَةُ العَلِيمِيِّ والأعْشى عَنْ أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، والمُناسِبُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلْكُفّارِ في هَذِهِ القِراءَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وما يُدْرِيكم أيُّها الكُفّارُ ما يَكُونُ مِنكم، ثُمَّ أخْبَرَهم عَلى جِهَةِ الجَزْمِ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ عَلى تَقْدِيرِ مَجِيئِها، ويَبْعُدُ جِدًّا أنْ يَكُونَ الخِطابُ في ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ، وفي ”لا تُؤْمِنُونَ“ لِلْكُفّارِ. القِراءَةُ الثّالِثَةُ فَتْحُ الهَمْزَةِ والتّاءُ، وهي قِراءَةُ نافِعٍ والكِسائِيِّ وحَفْصٍ، فالظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ لِلْمُؤْمِنِينَ، والمَعْنى: وما يُدْرِيكم أيُّها المُؤْمِنُونَ أنَّ الآيَةَ الَّتِي تَقْتَرِحُونَها إذا جاءَتْ (p-٢٠٢)لا يُؤْمِنُونَ بِها، يَعْنِي أنا أعْلَمُ أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ وأنْتُمْ لا تَدْرُونَ بِذَلِكَ، وكانَ المُؤْمِنُونَ يَطْمَعُونَ في إيمانِهِمْ إذا جاءَتْ تِلْكَ الآيَةُ، ويَتَمَنَّوْنَ مَجِيئَها، فَقالَ: وما يُدْرِيكم أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، عَلى مَعْنى أنَّكم لا تَدْرُونَ ما سَبَقَ عِلْمِي بِهِ مِن أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ ﴿كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾، ويَبْعُدُ جِدًّا أنَّ يَكُونَ الخِطابُ في ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ لِلْكُفّارِ، و(أنَّ) في هَذِهِ القِراءَةِ مَصْدَرِيَّةٌ ولا عَلى مَعْناها مِنَ النَّفْيِ، وجَعَلَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ (أنَّ) هُنا بِمَعْنى لَعَلَّ، وحُكِيَ مِن كَلامِهِمْ ذَلِكَ، قالُوا: إيتِ السُّوقَ إنَّكَ تَشْتَرِي لَحْمًا، يُرِيدُونَ: لَعَلَّكَ، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎عُوجا عَلى الطَّلَلِ المُحِيلِ لِأنَّنا نَبْكِي الدِّيارَ كَما بَكى ابْنُ حَرامِ وذَكَرَ ذَلِكَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ، و(لَعَلَّ) تَأْتِي كَثِيرًا في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ، قالَ تَعالى: ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ [عبس: ٣]، ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧]، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: وما أدْراكم لَعَلَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ، وضَعَّفَ أبُو عَلِيٍّ هَذا القَوْلَ بِأنَّ التَّوَقُّعَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ (لَعَلَّ) لا يُناسِبُ قِراءَةَ الكَسْرِ؛ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى حُكْمِهِ تَعالى عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، لَكِنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ (أنَّها) مَعْمُولَةً لِـ (يُشْعِرُكم) بَلْ جَعَلَها عِلَّةً عَلى حَذْفِ لامِها، والتَّقْدِيرُ عِنْدَهُ: ﴿قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ لِأنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ، فَهو لا يَأْتِي بِها لِإصْرارِهِمْ عَلى كُفْرِهِمْ فَيَكُونُ نَظِيرَ ”وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلّا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ“ أيْ بِالآياتِ المُقْتَرَحَةِ. انْتَهى. ويَكُونُ ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ اعْتِراضًا بَيْنَ المَعْلُولِ وعِلَّتِهِ، إذْ صارَ المَعْنى: ﴿قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيِ: المُقْتَرَحَةُ لا يَأْتِي بِها لِانْتِفاءِ إيمانِهِمْ وإصْرارِهِمْ عَلى ضَلالِهِمْ، وجَعَلَ بَعْضُهم ”لا“ زائِدَةً فَيَكُونُ المَعْنى: وما يُدْرِيكم بِإيمانِهِمْ، كَما قالُوا: إذا جاءَتْ، وإنَّما جَعَلَها زائِدَةً لِأنَّها لَوْ بَقِيَتْ عَلى النَّفْيِ لَكانَ الكَلامُ عُذْرًا لِلْكَفّارِ وفَسَدَ المُرادُ بِالآيَةِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، قالَ: وضَعَّفَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ زِيادَةَ لا. انْتَهى قَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ. والقائِلُ بِزِيادَةِ ”لا“ هو الكِسائِيُّ والفَرّاءُ، وقالَ الزَّجّاجُ: زَعَمَ سِيبَوَيْهِ أنَّ مَعْناها لَعَلَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ، وهي قِراءَةُ أهْلِ المَدِينَةِ، قالَ: وهَذا الوَجْهُ أقْوى في العَرَبِيَّةِ، والَّذِي ذَكَرَ أنَّ ”لا“ لَغْوٌ غالِطٌ لِأنَّ ما كانَ لَغْوًا لا يَكُونُ غَيْرَ لَغْوٍ، ومَن قَرَأ بِالكَسْرِ فالإجْماعُ عَلى أنَّ ”لا“ غَيْرُ لَغْوٍ، فَلَيْسَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى مَرَّةً إيجابًا ومَرَّةً غَيْرَ ذَلِكَ في سِياقِ كَلامٍ واحِدٍ، وتَأوَّلَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ الآيَةَ عَلى حَذْفِ مَعْطُوفٍ يُخْرِجُ ”لا“ عَنِ الزِّيادَةِ وتَقْدِيرُهُ: ﴿وما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أوْ يُؤْمِنُونَ، أيْ: ما يُدْرِيكم بِانْتِفاءِ الإيمانِ أوْ وُقُوعِهِ، ذَكَرَهُ النَّحّاسُ وغَيْرُهُ، ولا يَحْتاجُ الكَلامُ إلى زِيادَةِ ”لا“، ولا إلى هَذا الإضْمارِ، ولا يَكُونُ (أنَّ) بِمَعْنى (لَعَلَّ) وهَذا كُلُّهُ خُرُوجٌ عَنِ الظّاهِرِ لِفَرْضِهِ، بَلْ حَمْلُهُ عَلى الظّاهِرِ أوْلى، وهو واضِحٌ سائِغٌ كَما بَحَثْناهُ أوَّلًا، أيْ: ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ ويُدْرِيكم بِمَعْرِفَةِ انْتِفاءِ إيمانِهِمْ، لا سَبِيلَ لَكم إلى الشُّعُورِ بِها. القِراءَةُ الرّابِعَةُ: فَتْحُ الهَمْزَةِ والتّاءِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ وحَمْزَةَ، والظّاهِرُ أنَّهُ خِطابٌ لِلْكُفّارِ، ويَتَّضِحُ مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ عَلى زِيادَةِ ”لا“، أيْ: وما يُدْرِيكم أنَّكم تُؤْمِنُونَ إذا جاءَتْ كَما أقْسَمْتُمْ عَلَيْهِ، وعَلى تَأْوِيلِ (أنَّ) بِمَعْنى لَعَلَّ، وكَوْنِ ”لا“ نَفْيًا، أيْ: وما يُدْرِيكم بِحالِهِمْ لَعَلَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ بِها، وكَذَلِكَ يَصِحُّ المَعْنى عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ المَعْطُوفِ، أيْ: وما يُدْرِيكم بِانْتِفاءِ إيمانِكم إذا جاءَتْ أوْ وُقُوعِهِ؛ لِأنَّ مَآلَ أمْرِكم مُغَيَّبٌ عَنْكم، فَكَيْفَ تُقْسِمُونَ عَلى الإيمانِ إذا جاءَتْكُمُ الآيَةُ ؟ وكَذَلِكَ يَصِحُّ مَعْناها عَلى تَقْدِيرٍ، أيْ عَلى أنْ تَكُونَ أنَّها عِلَّةٌ، أيْ: ﴿قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ فَلا يَأْتِيكم بِها لِأنَّها ﴿إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ وما يُشْعِرُكم بِأنَّكم تُؤْمِنُونَ، وأمّا عَلى إقْرارِ أنَّ (أنَّها) مَعْمُولَةٌ لِـ (يُشْعِرُكم) وبَقاءِ (لا) عَلى النَّفْيِ، فَيُشْكِلُ مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ المَعْنى ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ أيُّها الكُفّارُ بِانْتِفاءِ إيمانِكم إذا جاءَتْكُمُ الآيَةُ المُقْتَرَحَةُ، والَّذِي يُناسِبُ صَدْرَ الآيَةِ ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ بِوُقُوعِ الإيمانِ مِنكم إذا جاءَتْ، وقَدْ يَصِحُّ أنْ (p-٢٠٣)يَكُونُ التَّقْدِيرُ: وأيُّ شَيْءٍ يُشْعِرُكم بِانْتِفاءِ الإيمانِ إذا جاءَتْ، أيْ: لا يَقَعُ ذَلِكَ في خَواطِرِكم، بَلْ أنْتُمْ مُصَمِّمُونَ عَلى الإيمانِ إذا جاءَتْ، وأنا أعْلَمُ أنَّكم لا تُؤْمِنُونَ إذا جاءَتْ لِأنَّكم مَطْبُوعٌ عَلى قُلُوبِكم، وكَمْ آيَةٌ جاءَتْكم فَلَمْ تُؤْمِنُوا. وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ ”ما“ في قَوْلِهِ ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ نافِيَةٌ، والفاعِلُ بِـ (يُشْعِرُكم) ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى اللَّهِ، ويَتَكَلَّفُ مَعْنى الآيَةِ عَلى جَعْلِها نافِيَةً، سَواءٌ فُتِحَتْ (أنَّ) أمْ كُسِرَتْ. ومُتَعَلَّقُ ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ مَحْذُوفٌ، وحَسَّنَ حَذْفَهُ كَوْنُ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ وقَعَ فاصِلَةً، وتَقْدِيرُهُ: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ بِها. وقَدِ اتَّضَحَ مِن تَرْتِيبِ هَذِهِ القِراءاتِ الأرْبَعِ أنَّهُ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى الإطْلاقِ ولا لِلْكُفّارِ عَلى الإطْلاقِ، بَلِ الخِطابُ يَكُونُ عَلى ما يَصِحُّ بِهِ المَعْنى الَّذِي لِلْقِراءَةِ. ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ ونَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (ونُقَلِّبُ) جُمْلَةٌ اسْتِئْنافِيَّةٌ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يَفْعَلُ بِهِمْ ذَلِكَ، وهي إشارَةٌ إلى الحَيْرَةِ والتَّرَدُّدِ وصَرْفِ الشَّيْءِ عَنْ وجْهِهِ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى يُحَوِّلُهم عَنِ الهُدى، ويَتْرُكُهم في الضَّلالِ والكُفْرِ، و(كَما) لِلتَّعْلِيلِ؛ أيْ يَفْعَلُ بِهِمْ ذَلِكَ؛ لِكَوْنِهِمْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ وقْتٍ جاءَهم هُدى اللَّهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ وماتُوا وهم كافِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٥]، ويُؤَكِّدُ هَذا المَعْنى آخِرُ الآيَةِ: ﴿ونَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أيْ نَتْرُكُهم في تَغَمُّطِهِمْ في الشَّرِّ، والإفْراطِ فِيهِ يَتَحَيَّرُونَ، وهَذا كُلُّهُ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِفِعْلِهِ بِهِمْ في الدُّنْيا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذا الإخْبارُ هو عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ لَوْ جاءَتِ الآيَةُ الَّتِي اقْتَرَحُوها، صَنَعْنا بِهِمْ ذَلِكَ، ولِذَلِكَ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم ونَذَرُهم، عَطْفٌ عَلى ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ داخِلٌ في حُكْمِ: ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ بِمَعْنى: وما يُشْعِرُكم أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، وما يُشْعِرُكم أنّا نُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم؛ أيْ فَنَطْبَعُ عَلى أبْصارِهِمْ وقُلُوبِهِمْ فَلا يَفْقَهُونَ ولا يُبْصِرُونَ الحَقَّ؛ كَما كانُوا عِنْدَ نُزُولِ آياتِنا أوَّلًا لا يُؤْمِنُونَ بِها؛ لِكَوْنِهِمْ وما يُشْعِرُكم أنّا نَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ؛ أيْ نُخَلِّيهِمْ وشَأْنَهم لا نَكُفُّهم ونَصْرِفُهم عَنِ الطُّغْيانِ حَتّى يَعْمَهُوا فِيهِ. انْتَهى. وهَذا مَعْنى ما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ، قالُوا: لَوْ أتَيْناهم بِآيَةٍ كَما سَألُوا لَقَلَبْنا أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم عَنِ الإيمانِ بِها وحُلْنا بَيْنَهم وبَيْنَ الهُدى فَلَمْ يُؤْمِنُوا؛ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِما رَأوْا قَبْلَها عُقُوبَةً لَهم عَلى ذَلِكَ، والفَرْقُ بَيْنَ هَذا القَوْلِ والَّذِي بَدَأْنا بِهِ أوَّلًا أنَّ ذَلِكَ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ بِما يَفْعَلُ بِهِمْ تَعالى في الدُّنْيا، وهَذا إخْبارٌ عَلى تَقْدِيرِ مَجِيءِ الآيَةِ المُقْتَرَحَةِ، فَذَلِكَ واقِعٌ وهَذا غَيْرُ واقِعٍ؛ لِأنَّ الآيَةَ المُقْتَرَحَةَ لَمْ تَقَعْ، فَلَمْ يَقَعْ ما رُتِّبَ عَلَيْها، وقالَ مُقاتِلٌ: نُقَلِّبُ أفْئِدَةَ هَؤُلاءِ وأبْصارَهم عَنِ الإيمانِ وعَنِ الآياتِ كَما لَمْ يُؤْمِن أوائِلُهم مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ بِما رَأوْا مِنَ الآياتِ وقِيلَ: تَقْلِيبُها بِإزْعاجِ نُفُوسِهِمْ هَمًّا وغَمًّا. وقالَ الكِرْمانِيُّ: مَعْناهُ أنّا نُحِيطُ عِلْمًا بِذاتِ الصُّدُورِ وخائِنَةِ الأعْيُنِ مِنهم. انْتَهى. ولا يَسْتَقِيمُ هَذا التَّفْسِيرُ لِقَوْلِهِ: كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ لا عَلى التَّعْلِيلِ لا عَلى التَّشْبِيهِ إلّا إنْ جُعِلَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ ”أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ“ أيْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ فَيَصِحُّ عَلى بُعْدٍ في تَفْسِيرِ هَذا التَّقْلِيبِ بِإحاطَةِ العِلْمِ. وقالَ الكَعْبِيُّ: المُرادُ أنّا لا نَفْعَلُ بِهِمْ ما نَفْعَلُ بِالمُؤْمِنِينَ مِنَ الفَوائِدِ والألْطافِ مِن حَيْثُ أخْرَجُوا أنْفُسَهم عَنِ الهِدايَةِ بِسَبَبِ الكُفْرِ. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقِهِ الِاعْتِزالِيِّ. ومَعْنى تَقْلِيبِ القَلْبِ والبَصَرِ ما يَنْشَأُ عَنِ القَلْبِ والبَصَرِ مِنَ الدَّواعِي إلى الحَيْرَةِ والضَّلالِ لِأنَّ القَلْبَ والبَصَرَ يَتَقَلَّبانِ بِأنْفُسِهِما فَنِسْبَةُ التَّقْلِيبِ إلَيْهِما مَجازٌ، وقُدِّمَتِ الأفْئِدَةُ؛ لِأنَّ مَوْضِعَ الدَّواعِي والصَّوارِفِ هو القَلْبُ؛ فَإذا حَصَلَتِ الدّاعِيَةُ في القَلْبِ انْصَرَفَ البَصَرُ إلَيْهِ شاءَ أمْ أبى، وإذا حَصَلَتِ الصَّوارِفُ في القَلْبِ انْصَرَفَ البَصَرُ عَنْهُ، وإنْ كانَ تَحَدُّقُ النَّظَرِ إلَيْهِ ظاهِرًا، وهَذِهِ التَّفاسِيرُ عَلى أنَّ ذَلِكَ في الدُّنْيا، وقالَتْ فِرْقَةٌ إنَّ ذَلِكَ إخْبارٌ أنَّ اللَّهِ تَعالى يَفْعَلُ بِهِمْ ذَلِكَ في الآخِرَةِ. فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ جَوابٌ لِسُؤالِهِمْ (p-٢٠٤)فِي الآخِرَةِ الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا، والمَعْنى: لَوْ رُدُّوا لَحُلْنا بَيْنَهم وبَيْنَ الهُدى كَما حُلْنا بَيْنَهم وبَيْنَهُ أوَّلَ مَرَّةٍ، وهم في الدُّنْيا. انْتَهى. وهَذا يَنْبُو عَنْهُ تَرْكِيبُ الكَلامِ وقِيلَ: تَقْلِيبُها في النّارِ في جَهَنَّمَ عَلى لَهِيبِها وجَمْرِها لِيُعَذَّبُوا كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ؛ يَعْنِي في الدُّنْيا، وقالَهُ الجُبّائِيُّ، وقالَ أبُو الهُذَيْلِ: تَقْلِيبُ أفْئِدَتِهِمْ بُلُوغُها الحَناجِرَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ [غافر: ١٨]، وقِيلَ: تَقْلِيبُ أبْصارِهِمْ إلى الزُّرْقَةِ، وحَمْلُ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ في الآخِرَةِ ضَعِيفٌ قَلِقُ النَّظْمِ؛ لِأنَّ التَّقْلِيبَ في الآخِرَةِ، وتَرْكَهم في الطُّغْيانِ في الدُّنْيا، فَيَخْتَلِفُ الظَّرْفانِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ عَلى اخْتِلافِهِما، بَلِ الظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ إخْبارٌ مُسْتَأْنَفٌ كَما قَرَّرْناهُ أوَّلًا، والكافُ في (كَما) ذَكَرْنا أنَّها لِلتَّعْلِيلِ، وهو واضِحٌ فِيها، وإنْ كانَ اسْتِعْمالُها فِيهِ قَلِيلًا، وقالَتْ فِرْقَةٌ (كَما) هي بِمَعْنى المُجازاةِ؛ أيْ: لَمّا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ نُجازِيهِمْ بِأنْ نُقَلِّبَ أفْئِدَتَهم عَنِ الهُدى، ونَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَكَأنَّهُ قالَ: ونَحْنُ نُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم جَزاءً لِما لَمْ يُؤْمِنُوا أوَّلَ مَرَّةٍ بِما دُعُوا إلَيْهِ مِنَ الشَّرْعِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وهو مَعْنى التَّعْلِيلِ الَّذِي ذَكَرْناهُ؛ إلّا أنَّ تَسْمِيَةَ ذَلِكَ بِمَعْنى المُجازاةِ غَرِيبَةٌ، لا يُعْهَدُ في كَلامِ النَّحْوِيِّينَ أنَّ الكافَ لِلْمُجازاةِ، وقِيلَ: لِلتَّشْبِيهِ، وقِيلَ: وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَلا يُؤْمِنُونَ بِهِ ثانِيَ مَرَّةٍ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ، وقِيلَ: الكافُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ تَقْلِيبًا لِكُفْرِهِمْ أيْ عُقُوبَةً مُساوِيَةً لِمَعْصِيَتِهِمْ. قالَهُ أبُو البَقاءِ، وقالَ الحَوْفِيُّ: نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: لا يُؤْمِنُونَ بِهِ إيمانًا ثانِيًا كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ. انْتَهى. والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى اللَّهِ، أوِ القُرْآنِ أوِ الرَّسُولِ. أقْوالٌ. وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ يَعُودُ عَلى التَّقْلِيبِ، وانْتَصَبَ (أوَّلَ مَرَّةٍ) عَلى أنَّهُ ظَرْفُ زَمانٍ، وقَرَأ النَّخَعِيُّ: (ويُقَلِّبُ ويَذَرُهم) بِالياءِ فِيهِما، والفاعِلُ ضَمِيرُ اللَّهِ، وقَرَأ أيْضًا فِيما رَوى عَنْهُ مُغِيرَةُ: وتُقَلَّبُ أفْئِدَتُهم وأبْصارُهم، بِالرَّفْعِ فِيهِما عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ويَذَرُهم بِالياءِ وسُكُونِ الرّاءِ، وافَقَهُ عَلى (ويَذَرُهُمُ) الأعْمَشُ والهَمَدانِيُّ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَرَأ الأعْمَشُ: وتُقَلَّبُ أفْئِدَتُهم وأبْصارُهم، عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.

الأنعام 6:111

﴿ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وكَلَّمَهُمُ المَوْتى وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ولَكِنَّ أكْثَرَهم يَجْهَلُونَ﴾ ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا ولَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢] ﴿ولِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ولِيَرْضَوْهُ ولِيَقْتَرِفُوا ما هم مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: ١١٣] ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا وهو الَّذِي أنْزَلَ إلَيْكُمُ الكِتابَ مُفَصَّلًا والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ [الأنعام: ١١٤] ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١١٥] ﴿وإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١١٦] ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١١٧] ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ١١٨] ﴿وما لَكم ألّا تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكم إلّا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ وإنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِالمُعْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١١٩] ﴿وذَرُوا ظاهِرَ الإثْمِ وباطِنَهُ إنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٠] ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وإنَّهُ لَفِسْقٌ وإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكم وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٢] ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ أكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها وما يَمْكُرُونَ إلّا بِأنْفُسِهِمْ وما يَشْعُرُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٣] ﴿وإذا جاءَتْهم آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٤] ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٥] ﴿وهَذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٦] (p-٢٠٥)قُبُلٌ: جَمْعُ قَبِيلٍ كَرَغِيفٍ ورُغُفٍ، ومَعْناهُ جَماعَةٌ أوْ كَقَبْلَ، أوْ مُفْرَدٌ بِمَعْنى قِبَلَ، أيْ مُواجَهَةً ومُقابَلَةً، ويَكُونُ (قُبُلُ) ظَرْفًا أيْضًا. الزُّخْرُفُ: الزِّينَةُ، قالَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ ما حَسَّنْتَهُ وزَيَّنْتَهُ وهو باطِلٌ فَهو زُخْرُفٌ. انْتَهى. والزُّخْرُفُ: الذَّهَبُ. صَغَوْتُ وصَغَيْتُ وصَغِيتُ بِكَسْرِ الغَيْنِ، فَمَصْدَرُ الأوَّلِ صَغْوًا، والثّانِي صَغًا، والثّالِثُ صِغًا، ومُضارِعُها يَصْغى بِفَتْحِ الغَيْنِ، وهي لازِمَةٌ، وأصْغى مِثْلُها لازِمٌ، ويَأْتِي مُتَعَدِّيًا بِكَوْنِ الهَمْزَةِ فِيهِ لِلنَّقْلِ، قالَ الشّاعِرُ في اللّازِمِ: ؎تَرى السَّفِيهَ بِهِ عَنْ كُلِّ مُحْكَمَةٍ زَيْغٌ وفِيهِ إلى التَّشْبِيهِ إصْغاءُ وقالَ في المُتَعَدِّي: ؎أصاخَ مِن نَبْأةٍ أصْغى لَها أُذُنًا ∗∗∗ صِماخُها بِدَسِيسِ الذَّوْقِ مَسْتُورُ وأصْلُهُ المَيْلُ، يُقالُ: صَغَتِ النُّجُومُ: مالَتْ لِلْغُرُوبِ. وفي الحَدِيثِ: «فَأصْغى لَها الإناءَ» . قالَ أبُو زَيْدٍ: ويُقالُ: صَغْوُهُ مَعَكَ وصِغْوُهُ وصَغاهُ. ويُقالُ: أكْرِمُوا فَلانا في صاغِيَتِهِ، أيْ: في قَرابَتِهِ الَّذِينَ يَمِيلُونَ إلَيْهِ ويَطْلُبُونَ ما عِنْدَهُ. اقْتَرَفَ: اكْتَسَبَ، وأكْثَرَ ما يَكُونُ في الشَّرِّ والذُّنُوبِ. ويُقالُ: خَرَجَ يَقْتَرِفُ لِأهْلِهِ، أيْ: يَكْتَسِبُ لَهم، وقارَفَ فُلانٌ الأمْرَ أيْ: واقَعَهُ، وقَرَفَهُ بِكَذا: رَماهُ بِرِيبَةٍ، واقْتَرَفَ كَذِبًا، وأصْلُهُ اقْتِطاعُ قِطْعَةٍ مِنَ الشَّيْءِ. خَرَصَ: حَزَرَ وقالَ بِغَيْرِ تَيَقُّنٍ ولا عِلْمٍ، ومِنهُ خَرَصَ بِمَعْنى كَذَبَ، وافَتَرى خَرَصًا وخُرُوصًا. وقالَ الأزْهَرِيُّ: وأصْلُهُ التَّظَنِّي فِيما لا يُسْتَيْقَنُ. الشَّرْحُ: البَسْطُ والتَّوْسِعَةُ. قالَ اللَّيْثُ: يُقالُ: شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ فانْشَرَحَ. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الشَّرْحُ: الفَتْحُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومِنهُ شَرَحْتُ لَكَ الأمْرَ وشَرَحْتُ اللَّحْمَ: فَتَحْتَهُ. الضَّيِّقُ فَيْعِلٌ مِن ضاقَ الشَّيْءُ: انْضَمَّتْ أجْزاؤُهُ إذا كانَ مُجَوَّفًا. الحَرِجُ اسْمُ فاعِلٍ مِن حَرَجَ: إذا اشْتَدَّ ضِيقُهُ، وبِالفَتْحِ المَصْدَرُ، قالَهُ الزَّجّاجُ وأبُو عَلِيٍّ. وقالَ الفَرّاءُ: هُما بِمَنزِلَةِ الوَحَدِ والوَحِدِ، والفَرَدِ والفَرِدِ، والدَّنَفِ والدَّنِفِ يَعْنِي أنَّهُما وصْفانِ. انْتَهى. وأصْلُهُ مِنَ الحَرَجَةِ وهي شَجَرَةٌ تَحُفُّ بِها الأشْجارُ حَتّى تَمْنَعَ الدّاعِيَ أنْ يَصِلَ إلَيْها. وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: الحِراجُ غِياضٌ مِن شَجَرِ السِّلْمِ مُلْتَفَّةٌ، واحِدُها حَرَجَةٌ، لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَدْخُلَ فِيها أوْ يَنْفُذَ. ﴿ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وكَلَّمَهُمُ المَوْتى وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ أيْ: لَوْ أتَيْناهم بِالآياتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها مِن إنْزالِ المَلائِكَةِ في قَوْلِهِمْ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨]، وتَكْلِيمِ المَوْتى إيّاهُ في قَوْلِهِمْ ﴿فَأْتُوا بِآبائِنا﴾ [الدخان: ٣٦]، وفي قَوْلِهِمْ أحْيِ قُصَيَّ بْنَ كِلابٍ وجُدْعانَ بْنَ عَمْرٍو، وهُما أمِينا العَرَبِ والوَسَطانِ فِيهِمْ، وحَشْرِ كُلِّ شَيْءٍ عَلَيْهِمْ مِنَ السِّباعِ والدَّوابِّ والطُّيُورِ، وشَهادَتِهِمْ بِصِدْقِ الرَّسُولِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قالُوا: ﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢] . وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: قِبَلا بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ، ومَعْناهُ مُقابَلَةً أيْ عِيانًا ومُشاهَدَةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ، ونَصْبُهُ عَلى الحالِ. وقالَ المُبَرِّدُ: مَعْناهُ ناحِيَةً، كَما تَقُولُ: زَيْدٌ قِبَلَكَ، ولِي قِبَلَ فُلانٍ دَيْنٌ، فانْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِ، وفِيهِ بُعْدٌ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: (قُبُلًا) بِضَمِّ القافِ والباءِ. فَقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ: جَمْعُ قَبِيلٍ وهو النَّوْعُ، أيْ نَوْعًا نَوْعًا وصِنْفًا (p-٢٠٦)صِنْفًا. وقالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: جَمْعُ قَبِيلٍ بِمَعْنى كَفِيلٍ، أيْ: كُفُلًا بِصِدْقِ مُحَمَّدٍ. يُقالُ: قَبِلْتُ الرَّجُلَ أقْبَلُهُ قُبالَةً، أيْ كَفُلْتُ بِهِ، والقَبِيلُ والكَفِيلُ والزَّعِيمُ والأدِينُ والحَمِيلُ والضَّمِينُ بِمَعْنًى واحِدٍ. وقِيلَ: قُبُلا بِمَعْنى قِبَلًا أيْ مُقابَلَةً ومُواجَهَةً. ومِنهُ أتَيْتُكَ قُبُلًا لا دُبُرًا، أيْ مِن قِبَلِ وجْهِكَ، وقالَ تَعالى: ﴿إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ﴾ [يوسف: ٢٦]، وقُرِئَ: (لِقُبُلِ عِدَّتِهِنَّ) أيْ لِاسْتِقْبالِها ومُواجَهَتِها. وهَذا القَوْلُ عِنْدِي أحْسَنُ لِاتِّفاقِ القِراءَتَيْنِ. وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ وأبُو حَيْوَةَ: (قُبْلًا) بِضَمِّ القافِ وسُكُونِ الباءِ عَلى جِهَةِ التَّخْفِيفِ مِنَ الضَّمِّ. وقَرَأ أُبَيٌّ والأعْمَشُ: (قَبِيلًا) بِفَتْحِ القافِ وكَسْرِ الباءِ وياءٍ بَعْدَها، وانْتِصابُهُ في هَذِهِ القِراءَةِ عَلى الحالِ. وقَرَأ ابْنُ مُصَرِّفٍ بِفَتْحِ القافِ وسُكُونِ الباءِ، وجَوابُ (لَوْ) ﴿ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾، وقَدَّرَهُ الحَوْفِيُّ: لَما كانُوا، قالَ: وحُذِفَتِ اللّامُ وهي مُرادُهُ، ولَيْسَ قَوْلُهُ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ المَنفِيَّ بِـ (ما) إذا وقَعَ جَوابًا لِـ (لَوْ) فالأكْثَرُ في لِسانِ العَرَبِ أنْ لا تَدْخُلَ اللّامُ عَلى ما، وقَلَّ دُخُولُها عَلى ما، فَلا نَقُولُ إنَّ اللّامَ حُذِفَتْ مِنهُ بَلْ إنَّما أدْخَلُوها عَلى (ما) تَشْبِيهًا لِلْمَنفِيِّ بِما بِالمُوجَبِ، ألا تَرى أنَّهُ إذا كانَ النَّفْيُ بِـ (لَمْ) لَمْ تَدْخُلِ اللّامُ عَلى لَمْ، فَدَلَّ عَلى أنَّ أصْلَ المَنفِيِّ أنْ لا تَدْخُلَ عَلَيْهِ اللّامُ، و﴿ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ أبْلَغُ في النَّفْيِ مِن: لَمْ يُؤْمِنُوا؛ لِأنَّ فِيهِ نَفْيَ التَّأهُّلِ والصَّلاحِيَةِ لِلْإيمانِ؛ ولِذَلِكَ جاءَتْ لامُ الجُحُودِ في الخَبَرِ، و(إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ) اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن مَحْذُوفٍ هو عِلَّةٌ وسَبَبٌ، التَّقْدِيرُ: ﴿ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا لِمَشِيئَةِ اللَّهِ. وقَدَّرَهُ بَعْضُهم في كُلِّ حالٍ إلّا في حالِ مَشِيئَةِ اللَّهِ، ومَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ كالكِرْمانِيِّ وأبِي البَقاءِ والحَوْفِيِّ فَقَوْلُهُ فِيهِ بُعْدٌ، إذْ هو ظاهِرُ الِاتِّصالِ، أوْ عُلِّقَ إيمانُهم بِمَشِيئَةِ اللَّهِ دَلِيلٌ عَلى ما يَذْهَبُ إلَيْهِ أهْلُ السُّنَّةِ مِن أنَّ إيمانَ العَبْدِ واقِعٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، وحَمَلَ ذَلِكَ المُعْتَزِلَةُ عَلى مَشِيئَةِ الإلْجاءِ والقَهْرِ. ولِذَلِكَ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَشِيئَةُ إكْراهٍ واضْطِرارٍ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (أكْثَرَهم) عائِدٌ عَلى ما عادَتْ عَلَيْهِ الضَّمائِرُ، قِيلَ: مِنَ الكُفّارِ، أيْ: يَجْهَلُونَ الحَقَّ، أوْ يَجْهَلُونَ أنَّهُ لا يَجُوزُ اقْتِراحُ الآياتِ بَعْدَ أنْ رَأوْا آيَةً واحِدَةً، أوْ يَجْهَلُونَ أنَّ كُلًّا مِنَ الإيمانِ والكُفْرِ هو بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وقَدَرِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجْهَلُونَ فَيُقْسِمُونَ بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ عَلى ما لا يَشْعُرُونَ مِن حالِ قُلُوبِهِمْ عِنْدَ نُزُولِ الآياتِ، قالَ: أوْ لَكِنَّ أكْثَرَ المُسْلِمِينَ يَجْهَلُونَ أنَّ هَؤُلاءِ لا يُؤْمِنُونَ إلّا أنْ يَضْطَرَّهم فَيَطْمَعُونَ في إيمانِهِمْ إذا جاءَتِ الآيَةُ المُقْتَرَحَةُ. وقالَ غَيْرُهُ مِنَ المُعْتَزِلَةِ: يَجْهَلُونَ أنَّهم يَبْقَوْنَ كُفّارًا عِنْدَ ظُهُورِ الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها. وقالَ الجُبّائِيُّ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ يَدُلُّ عَلى حُدُوثِ مَشِيئَةِ اللَّهِ، إذْ لَوْ كانَتْ قَدِيمَةً لَمْ يَجُزْ أنْ يُعَلَّقَ عَلَيْها الحادِثُ لِأنَّها شَرْطٌ، ويَلْزَمُ مِن حُصُولِ المَشْرُوطِ حُصُولُ الشَّرْطِ، والحِسُّ دَلَّ عَلى حُدُوثِ الإيمانِ فَوَجَبَ كَوْنُ الشَّرْطِ حادِثًا وهو المَشِيئَةُ. وأجابَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ بِأنَّ المَشِيئَةَ - وإنْ كانَتْ قَدِيمَةً - تَعَلُّقُها بِإحْداثِ ذَلِكَ المُحْدَثِ في الحالَةِ إضافَةٌ حادِثَةٌ. انْتَهى. وهَذِهِ الآيَةُ مُؤَيِّسَةٌ مِن إيمانِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ اقْتَرَحُوا الآياتِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ مِنهم. ولِذَلِكَ جاءَ قَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ وهم مَن خُتِمَ لَهُ بِالسَّعادَةِ فَآمَنَ مِنهم.

الأنعام 6:112

﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا﴾ المَعْنى: مِثْلَ ما جَعَلَ هَؤُلاءِ الكُفّارَ المُقْتَرِحِينَ الآياتِ وغَيْرَهم أعْداءً لَكَ، جَعَلْنا لِمَن قَبْلَكَ مِنَ الأنْبِياءِ أعْداءً شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ، أيْ مُتَمَرِّدِي الصِّنْفَيْنِ. (يُوحِي): يُلْقِي في ‌‌‌‌خُفْيَةٍ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، أيْ: بَعْضُ الصِّنْفِ الجِنِّيِّ إلى بَعْضِ الصِّنْفِ الإنْسِيِّ، أوْ يُوحِي شَياطِينُ الجِنِّ إلى شَياطِينِ الإنْسِ زُخْرُفَ القَوْلِ، أيْ مُحَسَّنَهُ ومُزَيَّنَهُ، وثَمَرَةُ هَذا الجَعْلِ الِامْتِحانُ فَيَظْهَرُ الصَّبْرُ عَلى ما مُنُّوا بِهِ مِمَّنْ يُعادِيهِمْ فَيَعْظُمُ (p-٢٠٧)الثَّوابُ والأجْرُ، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَأسٍّ بِمَن تَقَدَّمَهُ مِنَ الأنْبِياءِ، وأنَّكَ لَسْتَ مُنْفَرِدًا بِعَداوَةِ مَن عاصَرَكَ، بَلْ هَذِهِ سُنَّةُ مَن قَبْلَكَ مِنَ الأنْبِياءِ. و(عَدُوٌّ) كَما قُلْنا قَبْلُ في مَعْنى أعْداءٍ. وقالَ تَعالى: ﴿وهم لَكم عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠]، وقالَ الشّاعِرُ: ؎إذا أنا لَمْ أنْفَعْ صَدِيقِي بِوِدِّهِ فَإنَّ عَدُوِّي لَنْ يَضُرَّهُمُ بُغْضِي وأعْرَبَ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ هُنا كَإعْرابِهِمْ ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ [الأنعام: ١٠٠]، وجَوَّزُوا في (شَياطِينَ) البَدَلِيَّةَ مِن (عَدُوًّا) كَما جَوَّزُوا هُناكَ بَدَلَيَّةَ (الجِنَّ) مِن (شُرَكاءَ) وقَدْ رَدَدْناهُ عَلَيْهِمْ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ ”شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ“ هو مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ، أيِ الإنْسَ والجِنَّ الشَّياطِينَ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ مِنَ الإنْسِ شَياطِينُ ومِنَ الجِنِّ شَياطِينُ، والشَّيْطانُ هو المُتَمَرِّدُ مِنَ الصِّنْفَيْنِ، كَما شَرَحْناهُ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ ومُجاهِدٍ والحَسَنِ، وكَذا فَهِمَ أبُو ذَرٍّ مِن قَوْلِ الرَّسُولِ لَهُ: «هَلْ تَعَوَّذْتَ مِن شَياطِينِ الجِنِّ والإنْسِ ؟ ”قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وهَلْ لِلْإنْسِ مِن شَياطِينَ ؟ قالَ:“ نَعَمْ وهم شَرٌّ مِن شَياطِينِ الجِنِّ» . وقالَ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: شَيْطانُ الإنْسِ عَلَيَّ أشَدُّ مِن شَيْطانِ الجِنِّ لِأنِّي إذا تَعَوَّذْتُ بِاللَّهِ ذَهَبَ عَنِّي شَيْطانُ الجِنِّ، وشَيْطانُ الإنْسِ يَجِيئُنِي ويَجُرُّنِي إلى المَعاصِي عِيانًا. وقالَ عَطاءٌ: أمّا أعْداءُ النَّبِيِّ ﷺ مِن شَياطِينِ الإنْسِ فالوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ والعاصِ بْنُ وائِلٍ وأبُو جَهْلِ ابْنُ هِشامٍ والعاصِي بْنُ عَمْرٍو وزَمْعَةُ بْنُ الأسْوَدِ والنَّضْرُ بْنُ الحارِثِ والأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ الأسَدِ، وعُتْبَةُ وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ، وعُتْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ والوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ، وأُبِيٌّ وأُمَيَّةُ ابْنا خَلَفٍ، ونَبِيهٌ ومُنَبِّهٌ ابْنا الحَجّاجِ، وعُتْبَةُ بْنُ عَبْدِ العُزّى ومَعَتَّبُ بْنُ عَبْدِ العُزّى. وفِي الحَدِيثِ: «ما مِنكم مِن أحَدٍ إلّا وقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الجِنِّ ”قِيلَ: ولا أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ:“ ولا أنا، إلّا أنَّ اللَّهَ عافانِي وأعانَنِي عَلَيْهِ فَأُسْلِمُ، فَلا يَأْمُرُنِي إلّا بِخَيْرٍ» . وقِيلَ: الإضافَةُ لَيْسَتْ مِن بابِ إضافَةِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ، بَلْ هي مِن بابِ غُلامِ زَيْدٍ، أيْ: شَياطِينُ الإنْسِ والجِنِّ، أيْ: مُتَمَرِّدِينَ مُغْوِينَ لَهم. وعَلى هَذا فَسَّرَهُ عِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ والكَلْبِيُّ، قالُوا: لَيْسَ مِنَ الإنْسِ شَياطِينُ، والمَعْنى: شَياطِينُ الإنْسِ الَّتِي مَعَ الإنْسِ، وشَياطِينُ الجِنِّ الَّتِي مَعَ الجِنِّ، قَسَّمَ إبْلِيسُ جُنْدَهُ فَرِيقًا إلى الإنْسِ وفَرِيقًا إلى الجِنِّ، يَتَلاقَوْنَ فَيَأْمُرُ بَعْضٌ بَعْضًا أنْ يُضِلَّ صاحِبَهُ بِما أضَلَّ هو بِهِ صاحِبَهُ، ورَجَّحَتْ هَذِهِ الإضافَةُ الإضافَةَ المُغايِرَةَ بَيْنَ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ، ورُجِّحَتِ الإضافَةُ السّابِقَةُ بِأنَّ المَقْصُودَ التَّسَلِّي والِائْتِسا بِمَن سَبَقَ مِنَ الأنْبِياءِ، إذْ كانَ في أُمَمِهِمْ مَن يُعادِيهِمْ كَما في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ مَن كانَ يُعادِيهِ، وهم شَياطِينُ الإنْسِ، والظّاهِرُ في ”جَعَلْنا“ أنَّهُ تَعالى هو مُصَيِّرُهم أعْداءً لِلْأنْبِياءِ، والعَداوَةُ لِلْأنْبِياءِ مَعْصِيَةٌ وكُفْرٌ، فاقْتَضى أنَّهُ خالِقٌ ذَلِكَ، وتَأوَّلَ المُعْتَزِلَةُ هَذا الظّاهِرَ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكَما خَلَّيْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ أعْدائِكَ كَذَلِكَ فِعَلْنا بِمَن قَبْلَكَ مِنَ الأنْبِياءِ وأعْدائِهِمْ، لَمْ يَمْنَعْهم مِنَ العَداوَةِ. انْتَهى. وهَذا قَوْلُ الكَعْبِيِّ قالَ: خَلّى بَيْنَهُ وبَيْنَهُ. وقالَ الجُبّائِيُّ: الجَعْلُ هُنا الحُكْمُ والبَيانُ، يُقالُ: كَفَّرَهُ حَكَمَ بِكُفْرِهِ، وعَدَّلَهُ أخْبَرَ عَنْ عَدالَتِهِ. ولَمّا بَيَّنَ لِلرَّسُولِ كَوْنَهم أعْداءً لَهم، قالَ: جَعَلَهم أعْداءً لَهم. وقالَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ: لَمّا أرْسَلَهُ اللَّهُ إلى العالِمَيْنَ وخَصَّهُ بِالمُعْجِزاتِ حَسَدُوهُ وصارَ الحَسَدُ مُبَيِّنًا لِلْعَداوَةِ القَوِيَّةِ، فَلِهَذا التَّأْوِيلِ قالَ: جَعَلَهم لَهُ أعْداءً، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎فَأنْتَ صَيَّرَتْهم لِي حَسَدًا وذَلِكَ يَقْتَضِي صَيْرُورَتَهم أعْداءً لِلْأنْبِياءِ، وانْتَصَبَ غُرُورًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا لِيُوحِي لِأنَّهُ بِمَعْنى يَغُرُّ بَعْضُهم بَعْضًا، أوْ مَصْدَرًا في مَوْضِعِ الحالِ أيْ غارِّينَ. ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ﴾ أيْ: ما فَعَلُوا العَداوَةَ أوِ الوَحْيَ أوِ الزُّخْرُفَ أوِ القَوْلَ أوِ الغُرُورَ، أوْجُهٌ ذَكَرُوها. ﴿فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ﴾ أيِ: اتْرُكْهم وما يَفْتَرُونَ مِن تَكْذِيبِكَ، ويَتَضَمَّنُ الوَعِيدَ والتَّهْدِيدَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ ما زَيَّنَ لَهم إبْلِيسُ (p-٢٠٨)وما غَرَّهم بِهِ. انْتَهى. وظاهَرُ الأمْرِ المُوادَعَةُ وهي مَنسُوخَةٌ بِآياتِ القِتالِ. وقالَ قَتادَةُ: كُلٌّ (ذَرْ) في كِتابِ اللَّهِ فَهو مَنسُوخٌ بِالقِتالِ، و(ما) بِمَعْنى الَّذِي أوْ مَوْصُوفَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ. ﴿ولِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ولِيَرْضَوْهُ ولِيَقْتَرِفُوا ما هم مُقْتَرِفُونَ﴾ أيْ: ولِتَمِيلَ إلَيْهِ، الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى ما عادَ عَلَيْهِ في فَعَلُوهُ، ولِيَرْضَوْهُ ولِيَكْتَسِبُوا ما هم مُكْتَسِبُونَ مِنَ الآثامِ. واللّامُ لامُ كَيْ، وهي مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ ”غُرُورًا“ لَمّا كانَ مَعْناهُ لِلْغُرُورِ، فَهي مُتَعَلِّقَةٌ بِيُوحِي، ونَصْبُ (غُرُورًا) لِاجْتِماعِ شُرُوطِ النَّصْبِ فِيهِ، وعُدِّيَ (يُوحِي) إلى هَذا بِاللّامِ لِفَوْتِ شَرْطٍ صَرِيحِ المَصْدَرِيَّةِ، واخْتِلافِ الفاعِلِ لِأنَّ فاعِلَ يُوحِي هو (بَعْضُهم) وفاعِلُ (تَصْغى) هو (أفْئِدَةُ)، وتَرْتِيبُ هَذِهِ المَفاعِيلِ في غايَةِ الفَصاحَةِ؛ لِأنَّهُ أوَّلًا يَكُونُ الخِداعُ فَيَكُونُ المَيْلُ فَيَكُونُ الرِّضا فَيَكُونُ الفِعْلُ، فَكَأنَّ كُلَّ واحِدٍ مُسَبَّبٌ عَمّا قَبْلَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (ولِتَصْغى) جَوابُهُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: ولِيَكُونَ ذَلِكَ جَعْلَنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا، عَلى أنَّ اللّامَ لامُ الصَّيْرُورَةِ، والضَّمِيرُ في (إلَيْهِ) راجِعٌ إلى ما يَرْجِعُ إلَيْهِ الضَّمِيرُ في فَعَلُوهُ، أيْ: ولِتَمِيلَ إلى ما ذُكِرَ مِن عَداوَةِ الأنْبِياءِ ووَسْوَسَةِ الشَّياطِينِ أفْئِدَةُ الكُفّارِ. انْتَهى. وتَسْمِيَةُ ما تَتَعَلَّقُ بِهِ اللّامُ جَوابًا اصْطِلاحٌ غَرِيبٌ، وما قالَهُ هو قَوْلُ الزَّجّاجُ، قالَ: تَقْدِيرُهُ ﴿ولِتَصْغى إلَيْهِ﴾ فَعَلُوا ذَلِكَ، فَهي لامُ صَيْرُورَةٍ. وذَهَبَ الأخْفَشُ إلى أنَّ لامَ (ولِتَصْغى) هي لامُ كَيْ، وهي جَوابٌ لِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: واللَّهِ (ولِتَصْغى) مَوْضِعَ ولَتَصْغَيَنَّ، فَصارَ جَوابُ القِسْمِ مِن قَبِيلِ المُفْرَدِ، فَتَقُولُ: واللَّهِ لَيَقُومُ زَيْدٌ، التَّقْدِيرُ: أُقْسِمُ بِاللَّهِ لِقِيامِ زِيدٍ، واسْتُدِلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎إذا قَلَتْ قُدْنِي قالَ اللَّهُ حَلْفَةً ∗∗∗ لِتُغْنِيَ عَنِّي ذا أنائِكٌ أجْمَعا وبِقَوْلِهِ: (ولِتَصْغى)، والرَّدُّ عَلَيْهِ مَذْكُورٌ في كُتُبِ النَّحْوِ. وقَرَأ النَّخَعِيُّ والجَرّاحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: (ولِتُصْغِي) مَن أصْغى رُباعِيًّا. وقَرَأ الحَسَنُ بِسُكُونِ اللّامِ في الثَّلاثَةِ. وقِيلَ عَنْهُ في لِيَرْضَوْهُ ولِيَقْتَرِفُوا بِالكَسْرِ في (ولِتَصْغى) . وقالَ أبُو عَمْرِو الدّانِيُّ: قِراءَةُ الحَسَنِ إنَّما هي (ولِتَصْغِي) بِكَسْرِ الغَيْنِ. انْتَهى. وخَرَجَ سُكُونُ اللّامِ في الثَّلاثَةِ عَلى أنَّهُ شُذُوذٌ في لامِ كَيْ، وهي لامُ كَيْ في الثَّلاثَةِ، وهي مَعْطُوفَةٌ عَلى غُرُورٍ، أوْ سُكُونُ لامِ كَيْ في نَحْوِ هَذا شاذٌّ في السَّماعِ قَوِيٌّ في القِياسِ، قالَهُ أبُو الفَتْحِ. وقالَ غَيْرُهُ: هي لامُ الأمْرِ في الثَّلاثَةِ، ويَبْعُدُ ذَلِكَ في (ولِتَصْغى) بِإثْباتِ الياءِ، وإنْ كانَ قَدْ جاءَ ذَلِكَ في قَلِيلٍ مِنَ الكَلامِ. قَرَأ قُنْبُلٌ: ”إنَّهُ مَن يَتَّقِي ويَصْبِرُ“ عَلى أنَّهُ يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ. وقِيلَ: هي في (ولِتَصْغى) لامُ كَيْ سَكَنَتْ شُذُوذًا، وفي (لِيَرْضَوْهُ ولِيَقْتَرِفُوا) لامُ الأمْرِ مُضَمَّنًا التَّهْدِيدَ والوَعِيدَ، كَقَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]، وفي قَوْلِهِ: ﴿ما هم مُقْتَرِفُونَ﴾، أنَّها تُفِيدُ التَّعْظِيمَ والتَّشْبِيعَ لِما يَعْمَلُونَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨] .

الأنعام 6:113

﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا﴾ المَعْنى: مِثْلَ ما جَعَلَ هَؤُلاءِ الكُفّارَ المُقْتَرِحِينَ الآياتِ وغَيْرَهم أعْداءً لَكَ، جَعَلْنا لِمَن قَبْلَكَ مِنَ الأنْبِياءِ أعْداءً شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ، أيْ مُتَمَرِّدِي الصِّنْفَيْنِ. (يُوحِي): يُلْقِي في ‌‌‌‌خُفْيَةٍ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، أيْ: بَعْضُ الصِّنْفِ الجِنِّيِّ إلى بَعْضِ الصِّنْفِ الإنْسِيِّ، أوْ يُوحِي شَياطِينُ الجِنِّ إلى شَياطِينِ الإنْسِ زُخْرُفَ القَوْلِ، أيْ مُحَسَّنَهُ ومُزَيَّنَهُ، وثَمَرَةُ هَذا الجَعْلِ الِامْتِحانُ فَيَظْهَرُ الصَّبْرُ عَلى ما مُنُّوا بِهِ مِمَّنْ يُعادِيهِمْ فَيَعْظُمُ (p-٢٠٧)الثَّوابُ والأجْرُ، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَأسٍّ بِمَن تَقَدَّمَهُ مِنَ الأنْبِياءِ، وأنَّكَ لَسْتَ مُنْفَرِدًا بِعَداوَةِ مَن عاصَرَكَ، بَلْ هَذِهِ سُنَّةُ مَن قَبْلَكَ مِنَ الأنْبِياءِ. و(عَدُوٌّ) كَما قُلْنا قَبْلُ في مَعْنى أعْداءٍ. وقالَ تَعالى: ﴿وهم لَكم عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠]، وقالَ الشّاعِرُ: ؎إذا أنا لَمْ أنْفَعْ صَدِيقِي بِوِدِّهِ فَإنَّ عَدُوِّي لَنْ يَضُرَّهُمُ بُغْضِي وأعْرَبَ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ هُنا كَإعْرابِهِمْ ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ [الأنعام: ١٠٠]، وجَوَّزُوا في (شَياطِينَ) البَدَلِيَّةَ مِن (عَدُوًّا) كَما جَوَّزُوا هُناكَ بَدَلَيَّةَ (الجِنَّ) مِن (شُرَكاءَ) وقَدْ رَدَدْناهُ عَلَيْهِمْ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ ”شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ“ هو مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ، أيِ الإنْسَ والجِنَّ الشَّياطِينَ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ مِنَ الإنْسِ شَياطِينُ ومِنَ الجِنِّ شَياطِينُ، والشَّيْطانُ هو المُتَمَرِّدُ مِنَ الصِّنْفَيْنِ، كَما شَرَحْناهُ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ ومُجاهِدٍ والحَسَنِ، وكَذا فَهِمَ أبُو ذَرٍّ مِن قَوْلِ الرَّسُولِ لَهُ: «هَلْ تَعَوَّذْتَ مِن شَياطِينِ الجِنِّ والإنْسِ ؟ ”قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وهَلْ لِلْإنْسِ مِن شَياطِينَ ؟ قالَ:“ نَعَمْ وهم شَرٌّ مِن شَياطِينِ الجِنِّ» . وقالَ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: شَيْطانُ الإنْسِ عَلَيَّ أشَدُّ مِن شَيْطانِ الجِنِّ لِأنِّي إذا تَعَوَّذْتُ بِاللَّهِ ذَهَبَ عَنِّي شَيْطانُ الجِنِّ، وشَيْطانُ الإنْسِ يَجِيئُنِي ويَجُرُّنِي إلى المَعاصِي عِيانًا. وقالَ عَطاءٌ: أمّا أعْداءُ النَّبِيِّ ﷺ مِن شَياطِينِ الإنْسِ فالوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ والعاصِ بْنُ وائِلٍ وأبُو جَهْلِ ابْنُ هِشامٍ والعاصِي بْنُ عَمْرٍو وزَمْعَةُ بْنُ الأسْوَدِ والنَّضْرُ بْنُ الحارِثِ والأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ الأسَدِ، وعُتْبَةُ وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ، وعُتْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ والوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ، وأُبِيٌّ وأُمَيَّةُ ابْنا خَلَفٍ، ونَبِيهٌ ومُنَبِّهٌ ابْنا الحَجّاجِ، وعُتْبَةُ بْنُ عَبْدِ العُزّى ومَعَتَّبُ بْنُ عَبْدِ العُزّى. وفِي الحَدِيثِ: «ما مِنكم مِن أحَدٍ إلّا وقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الجِنِّ ”قِيلَ: ولا أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ:“ ولا أنا، إلّا أنَّ اللَّهَ عافانِي وأعانَنِي عَلَيْهِ فَأُسْلِمُ، فَلا يَأْمُرُنِي إلّا بِخَيْرٍ» . وقِيلَ: الإضافَةُ لَيْسَتْ مِن بابِ إضافَةِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ، بَلْ هي مِن بابِ غُلامِ زَيْدٍ، أيْ: شَياطِينُ الإنْسِ والجِنِّ، أيْ: مُتَمَرِّدِينَ مُغْوِينَ لَهم. وعَلى هَذا فَسَّرَهُ عِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ والكَلْبِيُّ، قالُوا: لَيْسَ مِنَ الإنْسِ شَياطِينُ، والمَعْنى: شَياطِينُ الإنْسِ الَّتِي مَعَ الإنْسِ، وشَياطِينُ الجِنِّ الَّتِي مَعَ الجِنِّ، قَسَّمَ إبْلِيسُ جُنْدَهُ فَرِيقًا إلى الإنْسِ وفَرِيقًا إلى الجِنِّ، يَتَلاقَوْنَ فَيَأْمُرُ بَعْضٌ بَعْضًا أنْ يُضِلَّ صاحِبَهُ بِما أضَلَّ هو بِهِ صاحِبَهُ، ورَجَّحَتْ هَذِهِ الإضافَةُ الإضافَةَ المُغايِرَةَ بَيْنَ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ، ورُجِّحَتِ الإضافَةُ السّابِقَةُ بِأنَّ المَقْصُودَ التَّسَلِّي والِائْتِسا بِمَن سَبَقَ مِنَ الأنْبِياءِ، إذْ كانَ في أُمَمِهِمْ مَن يُعادِيهِمْ كَما في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ مَن كانَ يُعادِيهِ، وهم شَياطِينُ الإنْسِ، والظّاهِرُ في ”جَعَلْنا“ أنَّهُ تَعالى هو مُصَيِّرُهم أعْداءً لِلْأنْبِياءِ، والعَداوَةُ لِلْأنْبِياءِ مَعْصِيَةٌ وكُفْرٌ، فاقْتَضى أنَّهُ خالِقٌ ذَلِكَ، وتَأوَّلَ المُعْتَزِلَةُ هَذا الظّاهِرَ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكَما خَلَّيْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ أعْدائِكَ كَذَلِكَ فِعَلْنا بِمَن قَبْلَكَ مِنَ الأنْبِياءِ وأعْدائِهِمْ، لَمْ يَمْنَعْهم مِنَ العَداوَةِ. انْتَهى. وهَذا قَوْلُ الكَعْبِيِّ قالَ: خَلّى بَيْنَهُ وبَيْنَهُ. وقالَ الجُبّائِيُّ: الجَعْلُ هُنا الحُكْمُ والبَيانُ، يُقالُ: كَفَّرَهُ حَكَمَ بِكُفْرِهِ، وعَدَّلَهُ أخْبَرَ عَنْ عَدالَتِهِ. ولَمّا بَيَّنَ لِلرَّسُولِ كَوْنَهم أعْداءً لَهم، قالَ: جَعَلَهم أعْداءً لَهم. وقالَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ: لَمّا أرْسَلَهُ اللَّهُ إلى العالِمَيْنَ وخَصَّهُ بِالمُعْجِزاتِ حَسَدُوهُ وصارَ الحَسَدُ مُبَيِّنًا لِلْعَداوَةِ القَوِيَّةِ، فَلِهَذا التَّأْوِيلِ قالَ: جَعَلَهم لَهُ أعْداءً، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎فَأنْتَ صَيَّرَتْهم لِي حَسَدًا وذَلِكَ يَقْتَضِي صَيْرُورَتَهم أعْداءً لِلْأنْبِياءِ، وانْتَصَبَ غُرُورًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا لِيُوحِي لِأنَّهُ بِمَعْنى يَغُرُّ بَعْضُهم بَعْضًا، أوْ مَصْدَرًا في مَوْضِعِ الحالِ أيْ غارِّينَ. ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ﴾ أيْ: ما فَعَلُوا العَداوَةَ أوِ الوَحْيَ أوِ الزُّخْرُفَ أوِ القَوْلَ أوِ الغُرُورَ، أوْجُهٌ ذَكَرُوها. ﴿فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ﴾ أيِ: اتْرُكْهم وما يَفْتَرُونَ مِن تَكْذِيبِكَ، ويَتَضَمَّنُ الوَعِيدَ والتَّهْدِيدَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ ما زَيَّنَ لَهم إبْلِيسُ (p-٢٠٨)وما غَرَّهم بِهِ. انْتَهى. وظاهَرُ الأمْرِ المُوادَعَةُ وهي مَنسُوخَةٌ بِآياتِ القِتالِ. وقالَ قَتادَةُ: كُلٌّ (ذَرْ) في كِتابِ اللَّهِ فَهو مَنسُوخٌ بِالقِتالِ، و(ما) بِمَعْنى الَّذِي أوْ مَوْصُوفَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ. ﴿ولِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ولِيَرْضَوْهُ ولِيَقْتَرِفُوا ما هم مُقْتَرِفُونَ﴾ أيْ: ولِتَمِيلَ إلَيْهِ، الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى ما عادَ عَلَيْهِ في فَعَلُوهُ، ولِيَرْضَوْهُ ولِيَكْتَسِبُوا ما هم مُكْتَسِبُونَ مِنَ الآثامِ. واللّامُ لامُ كَيْ، وهي مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ ”غُرُورًا“ لَمّا كانَ مَعْناهُ لِلْغُرُورِ، فَهي مُتَعَلِّقَةٌ بِيُوحِي، ونَصْبُ (غُرُورًا) لِاجْتِماعِ شُرُوطِ النَّصْبِ فِيهِ، وعُدِّيَ (يُوحِي) إلى هَذا بِاللّامِ لِفَوْتِ شَرْطٍ صَرِيحِ المَصْدَرِيَّةِ، واخْتِلافِ الفاعِلِ لِأنَّ فاعِلَ يُوحِي هو (بَعْضُهم) وفاعِلُ (تَصْغى) هو (أفْئِدَةُ)، وتَرْتِيبُ هَذِهِ المَفاعِيلِ في غايَةِ الفَصاحَةِ؛ لِأنَّهُ أوَّلًا يَكُونُ الخِداعُ فَيَكُونُ المَيْلُ فَيَكُونُ الرِّضا فَيَكُونُ الفِعْلُ، فَكَأنَّ كُلَّ واحِدٍ مُسَبَّبٌ عَمّا قَبْلَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (ولِتَصْغى) جَوابُهُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: ولِيَكُونَ ذَلِكَ جَعْلَنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا، عَلى أنَّ اللّامَ لامُ الصَّيْرُورَةِ، والضَّمِيرُ في (إلَيْهِ) راجِعٌ إلى ما يَرْجِعُ إلَيْهِ الضَّمِيرُ في فَعَلُوهُ، أيْ: ولِتَمِيلَ إلى ما ذُكِرَ مِن عَداوَةِ الأنْبِياءِ ووَسْوَسَةِ الشَّياطِينِ أفْئِدَةُ الكُفّارِ. انْتَهى. وتَسْمِيَةُ ما تَتَعَلَّقُ بِهِ اللّامُ جَوابًا اصْطِلاحٌ غَرِيبٌ، وما قالَهُ هو قَوْلُ الزَّجّاجُ، قالَ: تَقْدِيرُهُ ﴿ولِتَصْغى إلَيْهِ﴾ فَعَلُوا ذَلِكَ، فَهي لامُ صَيْرُورَةٍ. وذَهَبَ الأخْفَشُ إلى أنَّ لامَ (ولِتَصْغى) هي لامُ كَيْ، وهي جَوابٌ لِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: واللَّهِ (ولِتَصْغى) مَوْضِعَ ولَتَصْغَيَنَّ، فَصارَ جَوابُ القِسْمِ مِن قَبِيلِ المُفْرَدِ، فَتَقُولُ: واللَّهِ لَيَقُومُ زَيْدٌ، التَّقْدِيرُ: أُقْسِمُ بِاللَّهِ لِقِيامِ زِيدٍ، واسْتُدِلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎إذا قَلَتْ قُدْنِي قالَ اللَّهُ حَلْفَةً ∗∗∗ لِتُغْنِيَ عَنِّي ذا أنائِكٌ أجْمَعا وبِقَوْلِهِ: (ولِتَصْغى)، والرَّدُّ عَلَيْهِ مَذْكُورٌ في كُتُبِ النَّحْوِ. وقَرَأ النَّخَعِيُّ والجَرّاحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: (ولِتُصْغِي) مَن أصْغى رُباعِيًّا. وقَرَأ الحَسَنُ بِسُكُونِ اللّامِ في الثَّلاثَةِ. وقِيلَ عَنْهُ في لِيَرْضَوْهُ ولِيَقْتَرِفُوا بِالكَسْرِ في (ولِتَصْغى) . وقالَ أبُو عَمْرِو الدّانِيُّ: قِراءَةُ الحَسَنِ إنَّما هي (ولِتَصْغِي) بِكَسْرِ الغَيْنِ. انْتَهى. وخَرَجَ سُكُونُ اللّامِ في الثَّلاثَةِ عَلى أنَّهُ شُذُوذٌ في لامِ كَيْ، وهي لامُ كَيْ في الثَّلاثَةِ، وهي مَعْطُوفَةٌ عَلى غُرُورٍ، أوْ سُكُونُ لامِ كَيْ في نَحْوِ هَذا شاذٌّ في السَّماعِ قَوِيٌّ في القِياسِ، قالَهُ أبُو الفَتْحِ. وقالَ غَيْرُهُ: هي لامُ الأمْرِ في الثَّلاثَةِ، ويَبْعُدُ ذَلِكَ في (ولِتَصْغى) بِإثْباتِ الياءِ، وإنْ كانَ قَدْ جاءَ ذَلِكَ في قَلِيلٍ مِنَ الكَلامِ. قَرَأ قُنْبُلٌ: ”إنَّهُ مَن يَتَّقِي ويَصْبِرُ“ عَلى أنَّهُ يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ. وقِيلَ: هي في (ولِتَصْغى) لامُ كَيْ سَكَنَتْ شُذُوذًا، وفي (لِيَرْضَوْهُ ولِيَقْتَرِفُوا) لامُ الأمْرِ مُضَمَّنًا التَّهْدِيدَ والوَعِيدَ، كَقَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]، وفي قَوْلِهِ: ﴿ما هم مُقْتَرِفُونَ﴾، أنَّها تُفِيدُ التَّعْظِيمَ والتَّشْبِيعَ لِما يَعْمَلُونَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨] .

الأنعام 6:114

﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا وهو الَّذِي أنْزَلَ إلَيْكُمُ الكِتابَ مُفَصَّلًا﴾ «قالَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ لِلرَّسُولِ: اجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ حَكَمًا مِن أحْبارِ اليَهُودِ، وإنْ شِئْتَ مِن أساقِفَةِ النَّصارى، لِيُخْبِرَنا عَنْكَ بِما في كِتابِهِمْ مِن أمْرِكَ، فَنَزَلَتْ» . ووَجْهُ نَظْمِها بِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا حَكى حَلِفَ الكُفّارِ، وأجابَ بِأنَّهُ لا فائِدَةَ في إظْهارِ الآياتِ المُقْتَرَحَةِ لَهم أنَّهم لا يَبْقُونَ مُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ بَيَّنَ الدَّلِيلُ عَلى نُبُوَّتِهِ بِإنْزالِ القُرْآنِ عَلَيْهِ، وقَدْ عَجَزَ الخَلْقُ عَنْ مُعارَضَتِهِ، وحَكَمَ فِيهِ بِنُبُوَّتِهِ، وبِاشْتِمالِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ عَلى أنَّهُ رَسُولٌ حَقٌّ، وأنَّ القُرْآنَ كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ حَقٌّ. ووَجْهٌ آخَرُ وهو أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ العَداوَةَ وتَهَدَّدَهم قالُوا ما ذَكَرْناهُ في سَبَبِ النُّزُولِ. وكانَ مِن عادَتِهِمْ إذا التَبَسَ عَلَيْهِمْ أمْرٌ واخْتَلَفُوا فِيهِ جَعَلُوا بَيْنَهم كاهِنًا حَكَمًا، فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَقُولَ: ((p-٢٠٩)﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا﴾)، وهَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ النَّفْيُ، أيْ: لا أبْتَغِي حَكَمًا غَيْرَ اللَّهِ. قالَ الكِرْمانِيُّ: والحَكَمُ أبْلَغُ مِنَ الحاكِمِ لِأنَّهُ مَن عُرِفَ مِنهُ الحُكْمُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، والحاكِمُ اسْمُ فاعِلٍ يَصْدُقُ عَلى المَرَّةِ الواحِدَةِ. وقالَ إسْماعِيلُ الضَّرِيرُ: الفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ الحَكَمَ لا يَحْكُمُ إلّا بِالحَقِّ، والحاكِمُ يَحْكُمُ بِالحَقِّ وبِغَيْرِ الحَقِّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ نَحْوَهُ، قالَ: الحَكَمُ أبْلَغُ مِنَ الحاكِمِ، إذْ هي صِيغَةٌ لِلْعَدْلِ مِنَ الحُكّامِ، والحاكِمُ جارٍ عَلى الفِعْلِ، وقَدْ يُقالُ لِلْجائِرِ. انْتَهى. وكَأنَّهُ إشارَةٌ إلى حُكْمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ بَعَثَ إلَيْهِمْ كُلَّ الآياتِ، أوْ حُكْمِهِ بِأنْ جَعَلَ لِلْأنْبِياءِ أعْداءً، وحَكَمًا أيْ فاصِلًا بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وجَوَّزُوا في إعْرابِ (غَيْرَ) أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِـ (أبْتَغِي) وحَكَمًا حالٌ، وعَكْسُهُ، وأجازَ الحَوْفِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ عَنْ غَيْرِهِمْ، كَقَوْلِهِمْ: إنَّ لَنا غَيْرَها إبِلًا، وهو مُتَّجِهٌ، وحَكاهُ أبُو البَقاءِ، فالكِتابُ القُرْآنُ، ومَفَصَّلًا مُوَضَّحًا مُزالَ الإشْكالِ، أوْ مُفَضَّلًا بِالوَعْدِ والوَعِيدِ، أوْ مُفَصَّلًا مُفَرَّقًا عَلى حَسَبِ المَصالِحِ أيْ لَمْ يُنْزِلْهُ مَجْمُوعًا أوْ مُفَصَّلًا فِيهِ الأحْكامُ مِنَ النَّهْيِ والأمْرِ والحَلالِ والحَرامِ والواجِبِ والمَندُوبِ والضَّلالِ والهُدى، أوْ مُفَصَّلًا مُبَيَّنًا فِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والشَّهادَةُ لِي بِالصِّدْقِ وعَلَيْكم بِالِافْتِراءِ، أقْوالٌ خَمْسَةٌ، وبِهَذِهِ الآيَةِ خاصَمَتِ الخَوارِجُ عَلِيًّا في تَكْفِيرِهِ بِالتَّحْكِيمِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ حالِيَّةٌ. ﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ: والَّذِينَ أعْطَيْناهم عِلْمَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والزَّبُورِ والصُّحُفِ، والمُرادُ عُلَماءُ أهْلِ الكِتابِ، فَهو عامٌّ بِمَعْنى الخُصُوصِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَكُونُ اسْتِئْنافًا، وتَتَضَمَّنُ الِاسْتِشْهادَ بِمُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ والطَّعْنَ عَلى مُشْرِكِيهِمْ وحَسَدَتِهِمْ، والعَضُدُ في الدِّلالَةِ بِأنَّ القُرْآنَ حَقٌّ، يَعْلَمُ أهْلُ الكِتابِ أنَّهُ حَقٌّ لِتَصْدِيقِهِ كُتُبَهم ومُوافَقَتِهِ لَها. ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ قِيلَ: الخِطابُ لِلرَّسُولِ خِطابٌ لِأُمَّتِهِ. وقِيلَ: لِكُلِّ سامِعٍ، أيْ إذا ظَهَرَتِ الدِّلالَةُ فَلا يَنْبَغِي أنْ يُمْتَرى فِيهِ. وقِيلَ: هو مِن بابِ التَّهْيِيجِ والإلْهابِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٤] . وقِيلَ: ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ في أنَّ أهْلَ الكِتابِ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ، ولا يَرِيبُكَ جُحُودُ أكْثَرَهِمْ وكَفْرُهم. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وحَفْصٌ: (مُنَزَّلٌ) بِالتَّشْدِيدِ، والباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ. ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلًا﴾ لَمّا تَقَدَّمَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا دَلائِلُ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والبَعْثِ والطَّعْنِ عَلى مُخالِفِي ذَلِكَ، وكانَ مِن هُنا إلى آخَرِ السُّورَةِ أحْكامٌ وقَصَصٌ ناسَبَ ذِكْرُ هَذِهِ الآياتِ هُنا، أيْ: تَمَّتْ أقْضِيَتُهُ وأقْدارُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ قَتادَةُ: كَلِماتُهُ هو القُرْآنُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كُلُّ ما أخْبَرَ بِهِ وأمَرَ ونَهى ووَعَدَ وأوْعَدَ. وقالَ الحَسَنُ: صِدْقًا في الوَعْدِ وعَدْلًا في الوَعِيدِ. وقِيلَ: في ما تَضَمَّنَ مِن خَبَرٍ وحُكْمٍ، أوْ فِيما كانَ وما يَكُونُ، أوْ فِيما أمَرَ وما نَهى، أوْ في التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، أوْ فِيما قالَ: هَؤُلاءِ إلى الجَنَّةِ وهَؤُلاءِ إلى النّارِ، أوْ في الثَّوابِ والعِقابِ، أوْ في نُصْرَةِ أوْلِيائِهِ وخِذْلانِ أعْدائِهِ، أوْ في نُصْرَةِ الرَّسُولِ بِبَدْرٍ وإهْلاكِ أعْدائِهِ، أوْ في الإرْشادِ والإضْلالِ، أوْ في الغُفْرانِ والتَّعْذِيبِ، أوْ في الفَضْلِ والمَنعِ، أوْ في تَوْسِيعِ الرِّزْقِ وتَقْتِيرِهِ، أوْ في إعْطائِهِ وبَلائِهِ. وهَذِهِ الأقْوالُ أوَّلُ القَوْلِ فُسِّرَ بِهِ الصِّدْقُ والمَعْطُوفُ فُسِّرَ بِهِ العَدْلُ، وأعْرَبَ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ ﴿صِدْقًا وعَدْلًا﴾ مَصْدَرَيْنِ في مَوْضِعِ الحالِ، والطَّبَرِيُّ تَمْيِيزًا، وجَوَّزَهُ أبُو البَقاءِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو غَيْرُ صَوابٍ، وزادَ أبُو البَقاءِ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ، ولَيْسَ المَعْنى في (تَمَّتْ) أنَّها كانَ بِها نَقْصٌ فَكَمَلَتْ، وإنَّما المَعْنى اسْتَمَرَّتْ وصَحَّتْ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ: «وتَمَّ حَمْزَةُ عَلى إسْلامِهِ»، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ﴾ [هود: ١١٩] أيِ: اسْتَمَرَّتْ، وهي عِبارَةٌ عَنْ نُفُوذِ أقْضِيَتِهِ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ هُنا (كَلِمَةُ) بِالإفْرادِ، ونافِعٌ جَمِيعَ ذَلِكَ (كَلِماتُ) بِالجَمْعِ، تابَعَهُ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ هُنا. ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ أيْ: لا مُغَيِّرَ (p-٢١٠)لِأقْضِيَتِهِ ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ القُرْآنِ، فَلا يَلْحَقُها تَغْيِيرٌ لا في المَعْنى ولا في اللَّفْظِ، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ: لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ. ﴿وهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ أيِ: السَّمِيعُ لِأقْوالِكُمُ العَلِيمُ بِالضَّمائِرِ. ﴿وإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: وإنْ تُوافِقْ فِيما هم عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ وشَرْعِ ما شَرَعُوهُ بِغَيْرِ إذَنِ اللَّهِ أكْثَرَ، لِأنَّ الأكْثَرَ إذْ ذاكَ كانُوا كُفّارًا، والأرْضُ هُنا الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: أكْثَرُ مَن في الأرْضِ رُؤَساءُ مَكَّةَ، والأرْضُ خاصٌّ بِأرْضِ مَكَّةَ، وكَثِيرًا ما ذَمَّ الأكْثَرَ في كِتابِهِ، والغالِبُ أنَّهُ لا يُقالُ الأكْثَرُ إلّا لِلَّذِينِ يَتَّبِعُونَ أهْواءَهم. ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ﴾ أيْ: لَيْسُوا راجِعِينَ في عَقائِدِهِمْ إلى عِلْمٍ ولا فِيما شَرَعُوهُ إلى حُكْمِ اللَّهِ. ﴿وإنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ أيْ: يُقَدِّرُونَ ويَحْزُرُونَ، وهَذا تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ. ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن خَصَّ هَذِهِ الطّاعَةَ واتِّباعَهُمُ الظَّنَّ وتَخَرُّصَهم بِأمْرِ الذَّبائِحِ، وحُكِيَ أنَّ سَبَبَ النُّزُولِ مُجادَلَةُ المُشْرِكِينَ الرَّسُولَ في أمْرِ الذَّبائِحِ، وقَوْلُهم: نَأْكُلُ ما نَقْتُلُ ولا نَأْكُلُ ما قَتَلَ اللَّهُ، فَنَزَلَتْ مُخْبِرَةً أنَّهم يُقَدِّرُونَ بِظُنُونِهِمْ وبِخَرْصِهِمْ. ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى ﴿يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أخْبَرَ أنَّهُ أعْلَمُ العالَمِينَ بِالضّالِّ والمُهْتَدِي، والمَعْنى أنَّهُ أعْلَمُ بِهِمْ وبِكَ، فَإنَّهُمُ الضّالُّونَ وأنْتَ المُهْتَدِي، و(مَن) قِيلَ: في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ وإبْقاءِ عَمَلِهِ، وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأنَّ مِثْلَ هَذا لا يَجُوزُ إلّا في الشِّعْرِ، نَحْوَ: زَيْدٌ أضْرَبُ السَّيْفِ، أيْ: بِالسَّيْفِ. وقالَ أبُو الفَتْحِ: في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ (أعْلَمُ) بَعْدَ حَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ، وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ لا يُعْمِلُ النَّصْبَ في المَفْعُولِ بِهِ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: يَعْلَمُ مَن يَضِلُّ، ودَلَّ عَلى حَذْفِهِ (أعْلَمُ) ومِثْلُهُ ما أنْشَدَهُ أبُو زَيْدٍ. ؎وأضْرَبَ مِنّا بِالسُّيُوفِ القَوانِسا أيْ: تَضْرِبُ القَوانِسَ، وهي إذْ ذاكَ مَوْصُولَةٌ، وصِلَتُها (يَضِلُّ) وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ مَوْصُوفَةً بِالفِعْلِ. وقالَ الكِسائِيُّ والمُبَرِّدُ والزَّجّاجُ ومَكِّيٌّ: في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وهي اسْتِفْهامِيَّةٌ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ (يَضِلُّ)، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِأعْلَمَ، أيْ: أعْلَمُ أيُّ النّاسِ يَضِلُّ، كَقَوْلِهِ ﴿لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ﴾ [الكهف: ١٢]، وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ التَّعْلِيقَ فَرْعٌ عَنْ جَوازِ العَمَلِ، وأفْعَلُ التَّفْضِيلِ لا يَعْمَلُ في المَفْعُولِ بِهِ، فَلا يُعَلَّقُ عَنْهُ، والكُوفِيُّونَ يُجِيزُونَ إعْمالَ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ في المَفْعُولِ بِهِ، والرَّدُّ عَلَيْهِمْ في كُتُبِ النَّحْوِ. وقَرَأ الحَسَنُ وأحْمَدُ بْنُ أبِي شُرَيْحٍ: (يُضِلُّ) بِضَمِّ الياءِ، وفاعِلُ (يُضِلُّ) ضَمِيرُ (مَن)، ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: مَن يُضِلُّ النّاسَ، أوْ ضَمِيرُ اللَّهِ عَلى مَعْنى يَجِدُهُ ضالًّا أوْ يَخْلُقُ فِيهِ الضَّلالَ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرِيَّةٌ تَتَضَمَّنُ الوَعِيدَ والوَعْدَ لِأنَّ كَوْنَهُ تَعالى عالِمًا بِالضّالِّ والمُهْتَدِي كِنايَةٌ عَنْ مُجازاتِهِما.

الأنعام 6:115

﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا وهو الَّذِي أنْزَلَ إلَيْكُمُ الكِتابَ مُفَصَّلًا﴾ «قالَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ لِلرَّسُولِ: اجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ حَكَمًا مِن أحْبارِ اليَهُودِ، وإنْ شِئْتَ مِن أساقِفَةِ النَّصارى، لِيُخْبِرَنا عَنْكَ بِما في كِتابِهِمْ مِن أمْرِكَ، فَنَزَلَتْ» . ووَجْهُ نَظْمِها بِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا حَكى حَلِفَ الكُفّارِ، وأجابَ بِأنَّهُ لا فائِدَةَ في إظْهارِ الآياتِ المُقْتَرَحَةِ لَهم أنَّهم لا يَبْقُونَ مُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ بَيَّنَ الدَّلِيلُ عَلى نُبُوَّتِهِ بِإنْزالِ القُرْآنِ عَلَيْهِ، وقَدْ عَجَزَ الخَلْقُ عَنْ مُعارَضَتِهِ، وحَكَمَ فِيهِ بِنُبُوَّتِهِ، وبِاشْتِمالِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ عَلى أنَّهُ رَسُولٌ حَقٌّ، وأنَّ القُرْآنَ كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ حَقٌّ. ووَجْهٌ آخَرُ وهو أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ العَداوَةَ وتَهَدَّدَهم قالُوا ما ذَكَرْناهُ في سَبَبِ النُّزُولِ. وكانَ مِن عادَتِهِمْ إذا التَبَسَ عَلَيْهِمْ أمْرٌ واخْتَلَفُوا فِيهِ جَعَلُوا بَيْنَهم كاهِنًا حَكَمًا، فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَقُولَ: ((p-٢٠٩)﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا﴾)، وهَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ النَّفْيُ، أيْ: لا أبْتَغِي حَكَمًا غَيْرَ اللَّهِ. قالَ الكِرْمانِيُّ: والحَكَمُ أبْلَغُ مِنَ الحاكِمِ لِأنَّهُ مَن عُرِفَ مِنهُ الحُكْمُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، والحاكِمُ اسْمُ فاعِلٍ يَصْدُقُ عَلى المَرَّةِ الواحِدَةِ. وقالَ إسْماعِيلُ الضَّرِيرُ: الفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ الحَكَمَ لا يَحْكُمُ إلّا بِالحَقِّ، والحاكِمُ يَحْكُمُ بِالحَقِّ وبِغَيْرِ الحَقِّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ نَحْوَهُ، قالَ: الحَكَمُ أبْلَغُ مِنَ الحاكِمِ، إذْ هي صِيغَةٌ لِلْعَدْلِ مِنَ الحُكّامِ، والحاكِمُ جارٍ عَلى الفِعْلِ، وقَدْ يُقالُ لِلْجائِرِ. انْتَهى. وكَأنَّهُ إشارَةٌ إلى حُكْمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ بَعَثَ إلَيْهِمْ كُلَّ الآياتِ، أوْ حُكْمِهِ بِأنْ جَعَلَ لِلْأنْبِياءِ أعْداءً، وحَكَمًا أيْ فاصِلًا بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وجَوَّزُوا في إعْرابِ (غَيْرَ) أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِـ (أبْتَغِي) وحَكَمًا حالٌ، وعَكْسُهُ، وأجازَ الحَوْفِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ عَنْ غَيْرِهِمْ، كَقَوْلِهِمْ: إنَّ لَنا غَيْرَها إبِلًا، وهو مُتَّجِهٌ، وحَكاهُ أبُو البَقاءِ، فالكِتابُ القُرْآنُ، ومَفَصَّلًا مُوَضَّحًا مُزالَ الإشْكالِ، أوْ مُفَضَّلًا بِالوَعْدِ والوَعِيدِ، أوْ مُفَصَّلًا مُفَرَّقًا عَلى حَسَبِ المَصالِحِ أيْ لَمْ يُنْزِلْهُ مَجْمُوعًا أوْ مُفَصَّلًا فِيهِ الأحْكامُ مِنَ النَّهْيِ والأمْرِ والحَلالِ والحَرامِ والواجِبِ والمَندُوبِ والضَّلالِ والهُدى، أوْ مُفَصَّلًا مُبَيَّنًا فِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والشَّهادَةُ لِي بِالصِّدْقِ وعَلَيْكم بِالِافْتِراءِ، أقْوالٌ خَمْسَةٌ، وبِهَذِهِ الآيَةِ خاصَمَتِ الخَوارِجُ عَلِيًّا في تَكْفِيرِهِ بِالتَّحْكِيمِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ حالِيَّةٌ. ﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ: والَّذِينَ أعْطَيْناهم عِلْمَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والزَّبُورِ والصُّحُفِ، والمُرادُ عُلَماءُ أهْلِ الكِتابِ، فَهو عامٌّ بِمَعْنى الخُصُوصِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَكُونُ اسْتِئْنافًا، وتَتَضَمَّنُ الِاسْتِشْهادَ بِمُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ والطَّعْنَ عَلى مُشْرِكِيهِمْ وحَسَدَتِهِمْ، والعَضُدُ في الدِّلالَةِ بِأنَّ القُرْآنَ حَقٌّ، يَعْلَمُ أهْلُ الكِتابِ أنَّهُ حَقٌّ لِتَصْدِيقِهِ كُتُبَهم ومُوافَقَتِهِ لَها. ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ قِيلَ: الخِطابُ لِلرَّسُولِ خِطابٌ لِأُمَّتِهِ. وقِيلَ: لِكُلِّ سامِعٍ، أيْ إذا ظَهَرَتِ الدِّلالَةُ فَلا يَنْبَغِي أنْ يُمْتَرى فِيهِ. وقِيلَ: هو مِن بابِ التَّهْيِيجِ والإلْهابِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٤] . وقِيلَ: ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ في أنَّ أهْلَ الكِتابِ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ، ولا يَرِيبُكَ جُحُودُ أكْثَرَهِمْ وكَفْرُهم. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وحَفْصٌ: (مُنَزَّلٌ) بِالتَّشْدِيدِ، والباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ. ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلًا﴾ لَمّا تَقَدَّمَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا دَلائِلُ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والبَعْثِ والطَّعْنِ عَلى مُخالِفِي ذَلِكَ، وكانَ مِن هُنا إلى آخَرِ السُّورَةِ أحْكامٌ وقَصَصٌ ناسَبَ ذِكْرُ هَذِهِ الآياتِ هُنا، أيْ: تَمَّتْ أقْضِيَتُهُ وأقْدارُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ قَتادَةُ: كَلِماتُهُ هو القُرْآنُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كُلُّ ما أخْبَرَ بِهِ وأمَرَ ونَهى ووَعَدَ وأوْعَدَ. وقالَ الحَسَنُ: صِدْقًا في الوَعْدِ وعَدْلًا في الوَعِيدِ. وقِيلَ: في ما تَضَمَّنَ مِن خَبَرٍ وحُكْمٍ، أوْ فِيما كانَ وما يَكُونُ، أوْ فِيما أمَرَ وما نَهى، أوْ في التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، أوْ فِيما قالَ: هَؤُلاءِ إلى الجَنَّةِ وهَؤُلاءِ إلى النّارِ، أوْ في الثَّوابِ والعِقابِ، أوْ في نُصْرَةِ أوْلِيائِهِ وخِذْلانِ أعْدائِهِ، أوْ في نُصْرَةِ الرَّسُولِ بِبَدْرٍ وإهْلاكِ أعْدائِهِ، أوْ في الإرْشادِ والإضْلالِ، أوْ في الغُفْرانِ والتَّعْذِيبِ، أوْ في الفَضْلِ والمَنعِ، أوْ في تَوْسِيعِ الرِّزْقِ وتَقْتِيرِهِ، أوْ في إعْطائِهِ وبَلائِهِ. وهَذِهِ الأقْوالُ أوَّلُ القَوْلِ فُسِّرَ بِهِ الصِّدْقُ والمَعْطُوفُ فُسِّرَ بِهِ العَدْلُ، وأعْرَبَ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ ﴿صِدْقًا وعَدْلًا﴾ مَصْدَرَيْنِ في مَوْضِعِ الحالِ، والطَّبَرِيُّ تَمْيِيزًا، وجَوَّزَهُ أبُو البَقاءِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو غَيْرُ صَوابٍ، وزادَ أبُو البَقاءِ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ، ولَيْسَ المَعْنى في (تَمَّتْ) أنَّها كانَ بِها نَقْصٌ فَكَمَلَتْ، وإنَّما المَعْنى اسْتَمَرَّتْ وصَحَّتْ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ: «وتَمَّ حَمْزَةُ عَلى إسْلامِهِ»، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ﴾ [هود: ١١٩] أيِ: اسْتَمَرَّتْ، وهي عِبارَةٌ عَنْ نُفُوذِ أقْضِيَتِهِ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ هُنا (كَلِمَةُ) بِالإفْرادِ، ونافِعٌ جَمِيعَ ذَلِكَ (كَلِماتُ) بِالجَمْعِ، تابَعَهُ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ هُنا. ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ أيْ: لا مُغَيِّرَ (p-٢١٠)لِأقْضِيَتِهِ ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ القُرْآنِ، فَلا يَلْحَقُها تَغْيِيرٌ لا في المَعْنى ولا في اللَّفْظِ، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ: لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ. ﴿وهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ أيِ: السَّمِيعُ لِأقْوالِكُمُ العَلِيمُ بِالضَّمائِرِ. ﴿وإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: وإنْ تُوافِقْ فِيما هم عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ وشَرْعِ ما شَرَعُوهُ بِغَيْرِ إذَنِ اللَّهِ أكْثَرَ، لِأنَّ الأكْثَرَ إذْ ذاكَ كانُوا كُفّارًا، والأرْضُ هُنا الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: أكْثَرُ مَن في الأرْضِ رُؤَساءُ مَكَّةَ، والأرْضُ خاصٌّ بِأرْضِ مَكَّةَ، وكَثِيرًا ما ذَمَّ الأكْثَرَ في كِتابِهِ، والغالِبُ أنَّهُ لا يُقالُ الأكْثَرُ إلّا لِلَّذِينِ يَتَّبِعُونَ أهْواءَهم. ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ﴾ أيْ: لَيْسُوا راجِعِينَ في عَقائِدِهِمْ إلى عِلْمٍ ولا فِيما شَرَعُوهُ إلى حُكْمِ اللَّهِ. ﴿وإنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ أيْ: يُقَدِّرُونَ ويَحْزُرُونَ، وهَذا تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ. ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن خَصَّ هَذِهِ الطّاعَةَ واتِّباعَهُمُ الظَّنَّ وتَخَرُّصَهم بِأمْرِ الذَّبائِحِ، وحُكِيَ أنَّ سَبَبَ النُّزُولِ مُجادَلَةُ المُشْرِكِينَ الرَّسُولَ في أمْرِ الذَّبائِحِ، وقَوْلُهم: نَأْكُلُ ما نَقْتُلُ ولا نَأْكُلُ ما قَتَلَ اللَّهُ، فَنَزَلَتْ مُخْبِرَةً أنَّهم يُقَدِّرُونَ بِظُنُونِهِمْ وبِخَرْصِهِمْ. ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى ﴿يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أخْبَرَ أنَّهُ أعْلَمُ العالَمِينَ بِالضّالِّ والمُهْتَدِي، والمَعْنى أنَّهُ أعْلَمُ بِهِمْ وبِكَ، فَإنَّهُمُ الضّالُّونَ وأنْتَ المُهْتَدِي، و(مَن) قِيلَ: في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ وإبْقاءِ عَمَلِهِ، وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأنَّ مِثْلَ هَذا لا يَجُوزُ إلّا في الشِّعْرِ، نَحْوَ: زَيْدٌ أضْرَبُ السَّيْفِ، أيْ: بِالسَّيْفِ. وقالَ أبُو الفَتْحِ: في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ (أعْلَمُ) بَعْدَ حَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ، وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ لا يُعْمِلُ النَّصْبَ في المَفْعُولِ بِهِ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: يَعْلَمُ مَن يَضِلُّ، ودَلَّ عَلى حَذْفِهِ (أعْلَمُ) ومِثْلُهُ ما أنْشَدَهُ أبُو زَيْدٍ. ؎وأضْرَبَ مِنّا بِالسُّيُوفِ القَوانِسا أيْ: تَضْرِبُ القَوانِسَ، وهي إذْ ذاكَ مَوْصُولَةٌ، وصِلَتُها (يَضِلُّ) وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ مَوْصُوفَةً بِالفِعْلِ. وقالَ الكِسائِيُّ والمُبَرِّدُ والزَّجّاجُ ومَكِّيٌّ: في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وهي اسْتِفْهامِيَّةٌ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ (يَضِلُّ)، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِأعْلَمَ، أيْ: أعْلَمُ أيُّ النّاسِ يَضِلُّ، كَقَوْلِهِ ﴿لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ﴾ [الكهف: ١٢]، وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ التَّعْلِيقَ فَرْعٌ عَنْ جَوازِ العَمَلِ، وأفْعَلُ التَّفْضِيلِ لا يَعْمَلُ في المَفْعُولِ بِهِ، فَلا يُعَلَّقُ عَنْهُ، والكُوفِيُّونَ يُجِيزُونَ إعْمالَ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ في المَفْعُولِ بِهِ، والرَّدُّ عَلَيْهِمْ في كُتُبِ النَّحْوِ. وقَرَأ الحَسَنُ وأحْمَدُ بْنُ أبِي شُرَيْحٍ: (يُضِلُّ) بِضَمِّ الياءِ، وفاعِلُ (يُضِلُّ) ضَمِيرُ (مَن)، ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: مَن يُضِلُّ النّاسَ، أوْ ضَمِيرُ اللَّهِ عَلى مَعْنى يَجِدُهُ ضالًّا أوْ يَخْلُقُ فِيهِ الضَّلالَ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرِيَّةٌ تَتَضَمَّنُ الوَعِيدَ والوَعْدَ لِأنَّ كَوْنَهُ تَعالى عالِمًا بِالضّالِّ والمُهْتَدِي كِنايَةٌ عَنْ مُجازاتِهِما.

الأنعام 6:116

﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا وهو الَّذِي أنْزَلَ إلَيْكُمُ الكِتابَ مُفَصَّلًا﴾ «قالَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ لِلرَّسُولِ: اجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ حَكَمًا مِن أحْبارِ اليَهُودِ، وإنْ شِئْتَ مِن أساقِفَةِ النَّصارى، لِيُخْبِرَنا عَنْكَ بِما في كِتابِهِمْ مِن أمْرِكَ، فَنَزَلَتْ» . ووَجْهُ نَظْمِها بِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا حَكى حَلِفَ الكُفّارِ، وأجابَ بِأنَّهُ لا فائِدَةَ في إظْهارِ الآياتِ المُقْتَرَحَةِ لَهم أنَّهم لا يَبْقُونَ مُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ بَيَّنَ الدَّلِيلُ عَلى نُبُوَّتِهِ بِإنْزالِ القُرْآنِ عَلَيْهِ، وقَدْ عَجَزَ الخَلْقُ عَنْ مُعارَضَتِهِ، وحَكَمَ فِيهِ بِنُبُوَّتِهِ، وبِاشْتِمالِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ عَلى أنَّهُ رَسُولٌ حَقٌّ، وأنَّ القُرْآنَ كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ حَقٌّ. ووَجْهٌ آخَرُ وهو أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ العَداوَةَ وتَهَدَّدَهم قالُوا ما ذَكَرْناهُ في سَبَبِ النُّزُولِ. وكانَ مِن عادَتِهِمْ إذا التَبَسَ عَلَيْهِمْ أمْرٌ واخْتَلَفُوا فِيهِ جَعَلُوا بَيْنَهم كاهِنًا حَكَمًا، فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَقُولَ: ((p-٢٠٩)﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا﴾)، وهَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ النَّفْيُ، أيْ: لا أبْتَغِي حَكَمًا غَيْرَ اللَّهِ. قالَ الكِرْمانِيُّ: والحَكَمُ أبْلَغُ مِنَ الحاكِمِ لِأنَّهُ مَن عُرِفَ مِنهُ الحُكْمُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، والحاكِمُ اسْمُ فاعِلٍ يَصْدُقُ عَلى المَرَّةِ الواحِدَةِ. وقالَ إسْماعِيلُ الضَّرِيرُ: الفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ الحَكَمَ لا يَحْكُمُ إلّا بِالحَقِّ، والحاكِمُ يَحْكُمُ بِالحَقِّ وبِغَيْرِ الحَقِّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ نَحْوَهُ، قالَ: الحَكَمُ أبْلَغُ مِنَ الحاكِمِ، إذْ هي صِيغَةٌ لِلْعَدْلِ مِنَ الحُكّامِ، والحاكِمُ جارٍ عَلى الفِعْلِ، وقَدْ يُقالُ لِلْجائِرِ. انْتَهى. وكَأنَّهُ إشارَةٌ إلى حُكْمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ بَعَثَ إلَيْهِمْ كُلَّ الآياتِ، أوْ حُكْمِهِ بِأنْ جَعَلَ لِلْأنْبِياءِ أعْداءً، وحَكَمًا أيْ فاصِلًا بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وجَوَّزُوا في إعْرابِ (غَيْرَ) أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِـ (أبْتَغِي) وحَكَمًا حالٌ، وعَكْسُهُ، وأجازَ الحَوْفِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ عَنْ غَيْرِهِمْ، كَقَوْلِهِمْ: إنَّ لَنا غَيْرَها إبِلًا، وهو مُتَّجِهٌ، وحَكاهُ أبُو البَقاءِ، فالكِتابُ القُرْآنُ، ومَفَصَّلًا مُوَضَّحًا مُزالَ الإشْكالِ، أوْ مُفَضَّلًا بِالوَعْدِ والوَعِيدِ، أوْ مُفَصَّلًا مُفَرَّقًا عَلى حَسَبِ المَصالِحِ أيْ لَمْ يُنْزِلْهُ مَجْمُوعًا أوْ مُفَصَّلًا فِيهِ الأحْكامُ مِنَ النَّهْيِ والأمْرِ والحَلالِ والحَرامِ والواجِبِ والمَندُوبِ والضَّلالِ والهُدى، أوْ مُفَصَّلًا مُبَيَّنًا فِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والشَّهادَةُ لِي بِالصِّدْقِ وعَلَيْكم بِالِافْتِراءِ، أقْوالٌ خَمْسَةٌ، وبِهَذِهِ الآيَةِ خاصَمَتِ الخَوارِجُ عَلِيًّا في تَكْفِيرِهِ بِالتَّحْكِيمِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ حالِيَّةٌ. ﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ: والَّذِينَ أعْطَيْناهم عِلْمَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والزَّبُورِ والصُّحُفِ، والمُرادُ عُلَماءُ أهْلِ الكِتابِ، فَهو عامٌّ بِمَعْنى الخُصُوصِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَكُونُ اسْتِئْنافًا، وتَتَضَمَّنُ الِاسْتِشْهادَ بِمُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ والطَّعْنَ عَلى مُشْرِكِيهِمْ وحَسَدَتِهِمْ، والعَضُدُ في الدِّلالَةِ بِأنَّ القُرْآنَ حَقٌّ، يَعْلَمُ أهْلُ الكِتابِ أنَّهُ حَقٌّ لِتَصْدِيقِهِ كُتُبَهم ومُوافَقَتِهِ لَها. ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ قِيلَ: الخِطابُ لِلرَّسُولِ خِطابٌ لِأُمَّتِهِ. وقِيلَ: لِكُلِّ سامِعٍ، أيْ إذا ظَهَرَتِ الدِّلالَةُ فَلا يَنْبَغِي أنْ يُمْتَرى فِيهِ. وقِيلَ: هو مِن بابِ التَّهْيِيجِ والإلْهابِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٤] . وقِيلَ: ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ في أنَّ أهْلَ الكِتابِ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ، ولا يَرِيبُكَ جُحُودُ أكْثَرَهِمْ وكَفْرُهم. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وحَفْصٌ: (مُنَزَّلٌ) بِالتَّشْدِيدِ، والباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ. ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلًا﴾ لَمّا تَقَدَّمَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا دَلائِلُ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والبَعْثِ والطَّعْنِ عَلى مُخالِفِي ذَلِكَ، وكانَ مِن هُنا إلى آخَرِ السُّورَةِ أحْكامٌ وقَصَصٌ ناسَبَ ذِكْرُ هَذِهِ الآياتِ هُنا، أيْ: تَمَّتْ أقْضِيَتُهُ وأقْدارُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ قَتادَةُ: كَلِماتُهُ هو القُرْآنُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كُلُّ ما أخْبَرَ بِهِ وأمَرَ ونَهى ووَعَدَ وأوْعَدَ. وقالَ الحَسَنُ: صِدْقًا في الوَعْدِ وعَدْلًا في الوَعِيدِ. وقِيلَ: في ما تَضَمَّنَ مِن خَبَرٍ وحُكْمٍ، أوْ فِيما كانَ وما يَكُونُ، أوْ فِيما أمَرَ وما نَهى، أوْ في التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، أوْ فِيما قالَ: هَؤُلاءِ إلى الجَنَّةِ وهَؤُلاءِ إلى النّارِ، أوْ في الثَّوابِ والعِقابِ، أوْ في نُصْرَةِ أوْلِيائِهِ وخِذْلانِ أعْدائِهِ، أوْ في نُصْرَةِ الرَّسُولِ بِبَدْرٍ وإهْلاكِ أعْدائِهِ، أوْ في الإرْشادِ والإضْلالِ، أوْ في الغُفْرانِ والتَّعْذِيبِ، أوْ في الفَضْلِ والمَنعِ، أوْ في تَوْسِيعِ الرِّزْقِ وتَقْتِيرِهِ، أوْ في إعْطائِهِ وبَلائِهِ. وهَذِهِ الأقْوالُ أوَّلُ القَوْلِ فُسِّرَ بِهِ الصِّدْقُ والمَعْطُوفُ فُسِّرَ بِهِ العَدْلُ، وأعْرَبَ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ ﴿صِدْقًا وعَدْلًا﴾ مَصْدَرَيْنِ في مَوْضِعِ الحالِ، والطَّبَرِيُّ تَمْيِيزًا، وجَوَّزَهُ أبُو البَقاءِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو غَيْرُ صَوابٍ، وزادَ أبُو البَقاءِ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ، ولَيْسَ المَعْنى في (تَمَّتْ) أنَّها كانَ بِها نَقْصٌ فَكَمَلَتْ، وإنَّما المَعْنى اسْتَمَرَّتْ وصَحَّتْ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ: «وتَمَّ حَمْزَةُ عَلى إسْلامِهِ»، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ﴾ [هود: ١١٩] أيِ: اسْتَمَرَّتْ، وهي عِبارَةٌ عَنْ نُفُوذِ أقْضِيَتِهِ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ هُنا (كَلِمَةُ) بِالإفْرادِ، ونافِعٌ جَمِيعَ ذَلِكَ (كَلِماتُ) بِالجَمْعِ، تابَعَهُ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ هُنا. ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ أيْ: لا مُغَيِّرَ (p-٢١٠)لِأقْضِيَتِهِ ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ القُرْآنِ، فَلا يَلْحَقُها تَغْيِيرٌ لا في المَعْنى ولا في اللَّفْظِ، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ: لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ. ﴿وهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ أيِ: السَّمِيعُ لِأقْوالِكُمُ العَلِيمُ بِالضَّمائِرِ. ﴿وإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: وإنْ تُوافِقْ فِيما هم عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ وشَرْعِ ما شَرَعُوهُ بِغَيْرِ إذَنِ اللَّهِ أكْثَرَ، لِأنَّ الأكْثَرَ إذْ ذاكَ كانُوا كُفّارًا، والأرْضُ هُنا الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: أكْثَرُ مَن في الأرْضِ رُؤَساءُ مَكَّةَ، والأرْضُ خاصٌّ بِأرْضِ مَكَّةَ، وكَثِيرًا ما ذَمَّ الأكْثَرَ في كِتابِهِ، والغالِبُ أنَّهُ لا يُقالُ الأكْثَرُ إلّا لِلَّذِينِ يَتَّبِعُونَ أهْواءَهم. ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ﴾ أيْ: لَيْسُوا راجِعِينَ في عَقائِدِهِمْ إلى عِلْمٍ ولا فِيما شَرَعُوهُ إلى حُكْمِ اللَّهِ. ﴿وإنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ أيْ: يُقَدِّرُونَ ويَحْزُرُونَ، وهَذا تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ. ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن خَصَّ هَذِهِ الطّاعَةَ واتِّباعَهُمُ الظَّنَّ وتَخَرُّصَهم بِأمْرِ الذَّبائِحِ، وحُكِيَ أنَّ سَبَبَ النُّزُولِ مُجادَلَةُ المُشْرِكِينَ الرَّسُولَ في أمْرِ الذَّبائِحِ، وقَوْلُهم: نَأْكُلُ ما نَقْتُلُ ولا نَأْكُلُ ما قَتَلَ اللَّهُ، فَنَزَلَتْ مُخْبِرَةً أنَّهم يُقَدِّرُونَ بِظُنُونِهِمْ وبِخَرْصِهِمْ. ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى ﴿يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أخْبَرَ أنَّهُ أعْلَمُ العالَمِينَ بِالضّالِّ والمُهْتَدِي، والمَعْنى أنَّهُ أعْلَمُ بِهِمْ وبِكَ، فَإنَّهُمُ الضّالُّونَ وأنْتَ المُهْتَدِي، و(مَن) قِيلَ: في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ وإبْقاءِ عَمَلِهِ، وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأنَّ مِثْلَ هَذا لا يَجُوزُ إلّا في الشِّعْرِ، نَحْوَ: زَيْدٌ أضْرَبُ السَّيْفِ، أيْ: بِالسَّيْفِ. وقالَ أبُو الفَتْحِ: في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ (أعْلَمُ) بَعْدَ حَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ، وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ لا يُعْمِلُ النَّصْبَ في المَفْعُولِ بِهِ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: يَعْلَمُ مَن يَضِلُّ، ودَلَّ عَلى حَذْفِهِ (أعْلَمُ) ومِثْلُهُ ما أنْشَدَهُ أبُو زَيْدٍ. ؎وأضْرَبَ مِنّا بِالسُّيُوفِ القَوانِسا أيْ: تَضْرِبُ القَوانِسَ، وهي إذْ ذاكَ مَوْصُولَةٌ، وصِلَتُها (يَضِلُّ) وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ مَوْصُوفَةً بِالفِعْلِ. وقالَ الكِسائِيُّ والمُبَرِّدُ والزَّجّاجُ ومَكِّيٌّ: في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وهي اسْتِفْهامِيَّةٌ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ (يَضِلُّ)، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِأعْلَمَ، أيْ: أعْلَمُ أيُّ النّاسِ يَضِلُّ، كَقَوْلِهِ ﴿لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ﴾ [الكهف: ١٢]، وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ التَّعْلِيقَ فَرْعٌ عَنْ جَوازِ العَمَلِ، وأفْعَلُ التَّفْضِيلِ لا يَعْمَلُ في المَفْعُولِ بِهِ، فَلا يُعَلَّقُ عَنْهُ، والكُوفِيُّونَ يُجِيزُونَ إعْمالَ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ في المَفْعُولِ بِهِ، والرَّدُّ عَلَيْهِمْ في كُتُبِ النَّحْوِ. وقَرَأ الحَسَنُ وأحْمَدُ بْنُ أبِي شُرَيْحٍ: (يُضِلُّ) بِضَمِّ الياءِ، وفاعِلُ (يُضِلُّ) ضَمِيرُ (مَن)، ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: مَن يُضِلُّ النّاسَ، أوْ ضَمِيرُ اللَّهِ عَلى مَعْنى يَجِدُهُ ضالًّا أوْ يَخْلُقُ فِيهِ الضَّلالَ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرِيَّةٌ تَتَضَمَّنُ الوَعِيدَ والوَعْدَ لِأنَّ كَوْنَهُ تَعالى عالِمًا بِالضّالِّ والمُهْتَدِي كِنايَةٌ عَنْ مُجازاتِهِما.

الأنعام 6:117

﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا وهو الَّذِي أنْزَلَ إلَيْكُمُ الكِتابَ مُفَصَّلًا﴾ «قالَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ لِلرَّسُولِ: اجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ حَكَمًا مِن أحْبارِ اليَهُودِ، وإنْ شِئْتَ مِن أساقِفَةِ النَّصارى، لِيُخْبِرَنا عَنْكَ بِما في كِتابِهِمْ مِن أمْرِكَ، فَنَزَلَتْ» . ووَجْهُ نَظْمِها بِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا حَكى حَلِفَ الكُفّارِ، وأجابَ بِأنَّهُ لا فائِدَةَ في إظْهارِ الآياتِ المُقْتَرَحَةِ لَهم أنَّهم لا يَبْقُونَ مُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ بَيَّنَ الدَّلِيلُ عَلى نُبُوَّتِهِ بِإنْزالِ القُرْآنِ عَلَيْهِ، وقَدْ عَجَزَ الخَلْقُ عَنْ مُعارَضَتِهِ، وحَكَمَ فِيهِ بِنُبُوَّتِهِ، وبِاشْتِمالِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ عَلى أنَّهُ رَسُولٌ حَقٌّ، وأنَّ القُرْآنَ كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ حَقٌّ. ووَجْهٌ آخَرُ وهو أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ العَداوَةَ وتَهَدَّدَهم قالُوا ما ذَكَرْناهُ في سَبَبِ النُّزُولِ. وكانَ مِن عادَتِهِمْ إذا التَبَسَ عَلَيْهِمْ أمْرٌ واخْتَلَفُوا فِيهِ جَعَلُوا بَيْنَهم كاهِنًا حَكَمًا، فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَقُولَ: ((p-٢٠٩)﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا﴾)، وهَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ النَّفْيُ، أيْ: لا أبْتَغِي حَكَمًا غَيْرَ اللَّهِ. قالَ الكِرْمانِيُّ: والحَكَمُ أبْلَغُ مِنَ الحاكِمِ لِأنَّهُ مَن عُرِفَ مِنهُ الحُكْمُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، والحاكِمُ اسْمُ فاعِلٍ يَصْدُقُ عَلى المَرَّةِ الواحِدَةِ. وقالَ إسْماعِيلُ الضَّرِيرُ: الفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ الحَكَمَ لا يَحْكُمُ إلّا بِالحَقِّ، والحاكِمُ يَحْكُمُ بِالحَقِّ وبِغَيْرِ الحَقِّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ نَحْوَهُ، قالَ: الحَكَمُ أبْلَغُ مِنَ الحاكِمِ، إذْ هي صِيغَةٌ لِلْعَدْلِ مِنَ الحُكّامِ، والحاكِمُ جارٍ عَلى الفِعْلِ، وقَدْ يُقالُ لِلْجائِرِ. انْتَهى. وكَأنَّهُ إشارَةٌ إلى حُكْمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ بَعَثَ إلَيْهِمْ كُلَّ الآياتِ، أوْ حُكْمِهِ بِأنْ جَعَلَ لِلْأنْبِياءِ أعْداءً، وحَكَمًا أيْ فاصِلًا بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وجَوَّزُوا في إعْرابِ (غَيْرَ) أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِـ (أبْتَغِي) وحَكَمًا حالٌ، وعَكْسُهُ، وأجازَ الحَوْفِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ عَنْ غَيْرِهِمْ، كَقَوْلِهِمْ: إنَّ لَنا غَيْرَها إبِلًا، وهو مُتَّجِهٌ، وحَكاهُ أبُو البَقاءِ، فالكِتابُ القُرْآنُ، ومَفَصَّلًا مُوَضَّحًا مُزالَ الإشْكالِ، أوْ مُفَضَّلًا بِالوَعْدِ والوَعِيدِ، أوْ مُفَصَّلًا مُفَرَّقًا عَلى حَسَبِ المَصالِحِ أيْ لَمْ يُنْزِلْهُ مَجْمُوعًا أوْ مُفَصَّلًا فِيهِ الأحْكامُ مِنَ النَّهْيِ والأمْرِ والحَلالِ والحَرامِ والواجِبِ والمَندُوبِ والضَّلالِ والهُدى، أوْ مُفَصَّلًا مُبَيَّنًا فِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والشَّهادَةُ لِي بِالصِّدْقِ وعَلَيْكم بِالِافْتِراءِ، أقْوالٌ خَمْسَةٌ، وبِهَذِهِ الآيَةِ خاصَمَتِ الخَوارِجُ عَلِيًّا في تَكْفِيرِهِ بِالتَّحْكِيمِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ حالِيَّةٌ. ﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ: والَّذِينَ أعْطَيْناهم عِلْمَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والزَّبُورِ والصُّحُفِ، والمُرادُ عُلَماءُ أهْلِ الكِتابِ، فَهو عامٌّ بِمَعْنى الخُصُوصِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَكُونُ اسْتِئْنافًا، وتَتَضَمَّنُ الِاسْتِشْهادَ بِمُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ والطَّعْنَ عَلى مُشْرِكِيهِمْ وحَسَدَتِهِمْ، والعَضُدُ في الدِّلالَةِ بِأنَّ القُرْآنَ حَقٌّ، يَعْلَمُ أهْلُ الكِتابِ أنَّهُ حَقٌّ لِتَصْدِيقِهِ كُتُبَهم ومُوافَقَتِهِ لَها. ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ قِيلَ: الخِطابُ لِلرَّسُولِ خِطابٌ لِأُمَّتِهِ. وقِيلَ: لِكُلِّ سامِعٍ، أيْ إذا ظَهَرَتِ الدِّلالَةُ فَلا يَنْبَغِي أنْ يُمْتَرى فِيهِ. وقِيلَ: هو مِن بابِ التَّهْيِيجِ والإلْهابِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٤] . وقِيلَ: ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ في أنَّ أهْلَ الكِتابِ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ، ولا يَرِيبُكَ جُحُودُ أكْثَرَهِمْ وكَفْرُهم. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وحَفْصٌ: (مُنَزَّلٌ) بِالتَّشْدِيدِ، والباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ. ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلًا﴾ لَمّا تَقَدَّمَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا دَلائِلُ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والبَعْثِ والطَّعْنِ عَلى مُخالِفِي ذَلِكَ، وكانَ مِن هُنا إلى آخَرِ السُّورَةِ أحْكامٌ وقَصَصٌ ناسَبَ ذِكْرُ هَذِهِ الآياتِ هُنا، أيْ: تَمَّتْ أقْضِيَتُهُ وأقْدارُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ قَتادَةُ: كَلِماتُهُ هو القُرْآنُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كُلُّ ما أخْبَرَ بِهِ وأمَرَ ونَهى ووَعَدَ وأوْعَدَ. وقالَ الحَسَنُ: صِدْقًا في الوَعْدِ وعَدْلًا في الوَعِيدِ. وقِيلَ: في ما تَضَمَّنَ مِن خَبَرٍ وحُكْمٍ، أوْ فِيما كانَ وما يَكُونُ، أوْ فِيما أمَرَ وما نَهى، أوْ في التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، أوْ فِيما قالَ: هَؤُلاءِ إلى الجَنَّةِ وهَؤُلاءِ إلى النّارِ، أوْ في الثَّوابِ والعِقابِ، أوْ في نُصْرَةِ أوْلِيائِهِ وخِذْلانِ أعْدائِهِ، أوْ في نُصْرَةِ الرَّسُولِ بِبَدْرٍ وإهْلاكِ أعْدائِهِ، أوْ في الإرْشادِ والإضْلالِ، أوْ في الغُفْرانِ والتَّعْذِيبِ، أوْ في الفَضْلِ والمَنعِ، أوْ في تَوْسِيعِ الرِّزْقِ وتَقْتِيرِهِ، أوْ في إعْطائِهِ وبَلائِهِ. وهَذِهِ الأقْوالُ أوَّلُ القَوْلِ فُسِّرَ بِهِ الصِّدْقُ والمَعْطُوفُ فُسِّرَ بِهِ العَدْلُ، وأعْرَبَ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ ﴿صِدْقًا وعَدْلًا﴾ مَصْدَرَيْنِ في مَوْضِعِ الحالِ، والطَّبَرِيُّ تَمْيِيزًا، وجَوَّزَهُ أبُو البَقاءِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو غَيْرُ صَوابٍ، وزادَ أبُو البَقاءِ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ، ولَيْسَ المَعْنى في (تَمَّتْ) أنَّها كانَ بِها نَقْصٌ فَكَمَلَتْ، وإنَّما المَعْنى اسْتَمَرَّتْ وصَحَّتْ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ: «وتَمَّ حَمْزَةُ عَلى إسْلامِهِ»، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ﴾ [هود: ١١٩] أيِ: اسْتَمَرَّتْ، وهي عِبارَةٌ عَنْ نُفُوذِ أقْضِيَتِهِ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ هُنا (كَلِمَةُ) بِالإفْرادِ، ونافِعٌ جَمِيعَ ذَلِكَ (كَلِماتُ) بِالجَمْعِ، تابَعَهُ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ هُنا. ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ أيْ: لا مُغَيِّرَ (p-٢١٠)لِأقْضِيَتِهِ ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ القُرْآنِ، فَلا يَلْحَقُها تَغْيِيرٌ لا في المَعْنى ولا في اللَّفْظِ، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ: لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ. ﴿وهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ أيِ: السَّمِيعُ لِأقْوالِكُمُ العَلِيمُ بِالضَّمائِرِ. ﴿وإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: وإنْ تُوافِقْ فِيما هم عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ وشَرْعِ ما شَرَعُوهُ بِغَيْرِ إذَنِ اللَّهِ أكْثَرَ، لِأنَّ الأكْثَرَ إذْ ذاكَ كانُوا كُفّارًا، والأرْضُ هُنا الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: أكْثَرُ مَن في الأرْضِ رُؤَساءُ مَكَّةَ، والأرْضُ خاصٌّ بِأرْضِ مَكَّةَ، وكَثِيرًا ما ذَمَّ الأكْثَرَ في كِتابِهِ، والغالِبُ أنَّهُ لا يُقالُ الأكْثَرُ إلّا لِلَّذِينِ يَتَّبِعُونَ أهْواءَهم. ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ﴾ أيْ: لَيْسُوا راجِعِينَ في عَقائِدِهِمْ إلى عِلْمٍ ولا فِيما شَرَعُوهُ إلى حُكْمِ اللَّهِ. ﴿وإنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ أيْ: يُقَدِّرُونَ ويَحْزُرُونَ، وهَذا تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ. ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن خَصَّ هَذِهِ الطّاعَةَ واتِّباعَهُمُ الظَّنَّ وتَخَرُّصَهم بِأمْرِ الذَّبائِحِ، وحُكِيَ أنَّ سَبَبَ النُّزُولِ مُجادَلَةُ المُشْرِكِينَ الرَّسُولَ في أمْرِ الذَّبائِحِ، وقَوْلُهم: نَأْكُلُ ما نَقْتُلُ ولا نَأْكُلُ ما قَتَلَ اللَّهُ، فَنَزَلَتْ مُخْبِرَةً أنَّهم يُقَدِّرُونَ بِظُنُونِهِمْ وبِخَرْصِهِمْ. ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى ﴿يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أخْبَرَ أنَّهُ أعْلَمُ العالَمِينَ بِالضّالِّ والمُهْتَدِي، والمَعْنى أنَّهُ أعْلَمُ بِهِمْ وبِكَ، فَإنَّهُمُ الضّالُّونَ وأنْتَ المُهْتَدِي، و(مَن) قِيلَ: في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ وإبْقاءِ عَمَلِهِ، وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأنَّ مِثْلَ هَذا لا يَجُوزُ إلّا في الشِّعْرِ، نَحْوَ: زَيْدٌ أضْرَبُ السَّيْفِ، أيْ: بِالسَّيْفِ. وقالَ أبُو الفَتْحِ: في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ (أعْلَمُ) بَعْدَ حَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ، وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ لا يُعْمِلُ النَّصْبَ في المَفْعُولِ بِهِ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: يَعْلَمُ مَن يَضِلُّ، ودَلَّ عَلى حَذْفِهِ (أعْلَمُ) ومِثْلُهُ ما أنْشَدَهُ أبُو زَيْدٍ. ؎وأضْرَبَ مِنّا بِالسُّيُوفِ القَوانِسا أيْ: تَضْرِبُ القَوانِسَ، وهي إذْ ذاكَ مَوْصُولَةٌ، وصِلَتُها (يَضِلُّ) وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ مَوْصُوفَةً بِالفِعْلِ. وقالَ الكِسائِيُّ والمُبَرِّدُ والزَّجّاجُ ومَكِّيٌّ: في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وهي اسْتِفْهامِيَّةٌ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ (يَضِلُّ)، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِأعْلَمَ، أيْ: أعْلَمُ أيُّ النّاسِ يَضِلُّ، كَقَوْلِهِ ﴿لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ﴾ [الكهف: ١٢]، وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ التَّعْلِيقَ فَرْعٌ عَنْ جَوازِ العَمَلِ، وأفْعَلُ التَّفْضِيلِ لا يَعْمَلُ في المَفْعُولِ بِهِ، فَلا يُعَلَّقُ عَنْهُ، والكُوفِيُّونَ يُجِيزُونَ إعْمالَ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ في المَفْعُولِ بِهِ، والرَّدُّ عَلَيْهِمْ في كُتُبِ النَّحْوِ. وقَرَأ الحَسَنُ وأحْمَدُ بْنُ أبِي شُرَيْحٍ: (يُضِلُّ) بِضَمِّ الياءِ، وفاعِلُ (يُضِلُّ) ضَمِيرُ (مَن)، ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: مَن يُضِلُّ النّاسَ، أوْ ضَمِيرُ اللَّهِ عَلى مَعْنى يَجِدُهُ ضالًّا أوْ يَخْلُقُ فِيهِ الضَّلالَ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرِيَّةٌ تَتَضَمَّنُ الوَعِيدَ والوَعْدَ لِأنَّ كَوْنَهُ تَعالى عالِمًا بِالضّالِّ والمُهْتَدِي كِنايَةٌ عَنْ مُجازاتِهِما.

الأنعام 6:118

﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ ذُكِرَ أنَّ السَّبَبَ في نُزُولِها أنَّهم قالُوا لِلرَّسُولِ: «مَن قَتَلَ الشّاةَ الَّتِي ماتَتْ ؟ قالَ: ”اللَّهُ“، قالُوا: فَتَزْعُمُ أنَّ ما قَتَلْتَ أنْتَ وأصْحابُكَ وما قَتَلَهُ الصَّقْرُ والكَلْبُ حَلالٌ، وما قَتَلَهُ اللَّهُ حَرامٌ» . «وقالَ عِكْرِمَةُ: لَمّا أُنْزِلَ تَحْرِيمُ المَيْتَةِ كَتَبَ مَجُوسُ فارِسَ إلى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، وكانُوا أوْلِياءَهم في الجاهِلِيَّةِ وبَيْنَهم مُكاتَبَةٌ: إنَّ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ يَزْعُمُونَ أنَّهم يَتَّبِعُونَ أمْرَ اللَّهِ، ثُمَّ يَزْعُمُونَ أنَّ ما ذَبَحُوا فَهو حَلالٌ، وما ذَبَحَ اللَّهُ فَهو حَرامٌ، فَوَقَعَ (p-٢١١)فِي أنْفُسِ ناسٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا﴾ [الأنعام: ١٢١]»، ولَمّا تَضَمَّنَتِ الآيَةُ الَّتِي قَبْلَها الإنْكارَ عَلى اتِّباعِ المُضِلِّينَ الَّذِينَ يُحِلُّونَ الحَرامَ ويُحَرِّمُونَ الحَلالَ، وكانُوا يُسَمُّونَ في كَثِيرٍ مِمّا يُذَكِّرُونَهُ اسْمَ آلِهَتِهِمْ، أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِأكْلِ ما سُمِّيَ عَلى ذَكاتِهِ اسْمُ اللَّهِ لا غَيْرِهِ مِن آلِهَتِهِمْ أمْرَ إباحَةٍ، وما ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَهو المُذَكّى لا ما ماتَ حَتْفَ أنْفِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَكُلُوا) مُتَسَبِّبٌ عَنْ إنْكارِ اتِّباعِ المُضِلِّينَ، وعُلِّقَ أكْلُ ما سُمِّيَ اللَّهُ عَلى ذَكاتِهِ بِالإيمانِ، كَما تَقُولُ: أطِعْنِي إنْ كُنْتَ ابْنِي، أيْ: أنْتُمْ مُؤْمِنُونَ فَلا تُخالِفُوا أمْرَ اللَّهِ وهو حَثٌّ عَلى أكْلِ ما أحَلَّ وتَرْكِ ما حَرَّمَ. ﴿وما لَكَمَ ألا تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكم إلّا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ﴾ أيْ: وأيُّ غَرَضٍ لَكم في الِامْتِناعِ مِن أكْلِ ما ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ؟ وهو اسْتِفْهامٌ يَتَضَمَّنُ الإنْكارَ عَلى مَنِ امْتَنَعَ مِن ذَلِكَ، أيْ: لا شَيْءَ يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ، ﴿وقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ﴾ في هَذِهِ السُّورَةِ لِأنَّها - عَلى ما نُقِلَ - مَكِّيَّةٌ، ونَزَلَتْ في مَرَّةٍ واحِدَةٍ، فَلا يُناسِبُ أنْ تَكُونَ ﴿وقَدْ فَصَّلَ﴾ راجِعًا إلى تَفْصِيلِ البَقَرَةِ والمائِدَةِ لِتَأْخِيرِهِما في النُّزُولِ عَنْ هَذِهِ السُّورَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ مِمّا لَمْ يُحَرِّمْ عَلَيْكم، وهو قَوْلُهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] . انْتَهى. وذَكَرْنا أنَّ تَفْصِيلَ التَّحْرِيمِ بِما في البَقَرَةِ والمائِدَةِ لا يُناسِبُ، ودَعْوى زِيادَةِ (لا) هُنا لا حاجَةَ إلَيْها، والمَعْنى عَلى كَوْنِها نافِيَةً صَحِيحٌ واضِحٌ، و﴿ألّا تَأْكُلُوا﴾ أصْلُهُ: في أنْ لا تَأْكُلُوا، فَحَذَفَ (في) المُتَعَلِّقَةَ بِما تَعَلَّقَ بِهِ (لَكُمُ) الواقِعُ خَبَرًا لِما الِاسْتِفْهامِيَّةِ، ونَفْيُ ﴿ألّا تَأْكُلُوا﴾، عَلى الخِلافِ أهْوَ مَنصُوبٌ أوْ مَجْرُورٌ، ومَن ذَهَبَ إلى أُنَّ ﴿ألّا تَأْكُلُوا﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: تارِكِينَ الأكْلَ، فَقَوْلُهُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ (أنْ) ومَعْمُولَها لا يَقَعُ حالًا، وهَذا مَنصُوصٌ عَلَيْهِ مِن سِيبَوَيْهِ، ولا نَعْلَمُ مُخالِفًا لَهُ مِمَّنْ يُعْتَبَرُ، ولَهُ عِلَّةٌ مَذْكُورَةٌ في النَّحْوِ، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقَدْ فَصَّلَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ. وقَرَأ العَرَبِيّانِ وابْنُ كَثِيرٍ: (فُصِّلَ) و(حُرِّمَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ونافِعٌ وحَفْصٌ: (فَصَّلَ) و(حَرَّمَ) عَلى بِنائِهِما لِلْفاعِلِ، والأخَوانِ وأبُو بَكْرٍ: (فَصَّلَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ و(حُرِّمَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وعَطِيَّةُ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ خَفَّفَ الصّادَ، والمَعْنى: ﴿إلّا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ﴾ مِن ﴿ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ في حالَةِ الِاخْتِيارِ فَإنَّهُ حَلالٌ لَكم في حالَةِ الِاضْطِرارِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وما يُرِيدُ بِها جَمِيعُ ما حَرَّمَ كالمَيْتَةِ وغَيْرِها، قالَ هو والحَوْفِيُّ، وهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالِاسْتِثْناءِ، أوِ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ. وقالَ أبُو البَقاءِ: (ما) في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الِاسْتِثْناءِ مِنَ الجِنْسِ مِن طَرِيقِ المَعْنى، كَأنَّهُ وبَّخَهم بِتَرْكِ الأكْلِ مِمّا سُمِّيَ عَلَيْهِ، وذَلِكَ يَتَضَمَّنُ إباحَةَ الأكْلِ مُطْلَقًا. ﴿وإنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أيْ: وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الكُفّارِ المُجادِلِينَ في المَطاعِمِ وغَيْرِها لَيُضِلُّونَ بِالتَّحْرِيمِ والتَّحْلِيلِ وبِأهْوائِهِمْ وشَهَواتِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ، أيْ: بِغَيْرِ شَرْعٍ مِنَ اللَّهِ بَلْ بِمُجَرَّدِ أهْوائِهِمْ، كَعَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ ومَن دُونَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ كَأبِي الأحْوَصِ بْنِ مالِكٍ الجَشْمِيِّ وبُدَيْلِ بْنِ ورْقاءَ الخُزاعِيِّ وحُلَيْسِ بْنِ يَزِيدَ القُرَشِيِّ، الَّذِينَ اتَّخَذُوا البَحائِرَ والسَّوائِبَ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: (لَيَضِلُّونِ) بِفَتْحِ الياءِ هُنا، وفي يُونُسَ ﴿رَبَّنا لِيَضِلُّوا﴾ [يونس: ٨٨]، وفي إبْراهِيمَ ﴿أنْدادًا لِيَضِلُّوا﴾ [إبراهيم: ٣٠]، وفي الحَجِّ ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ لِيَضِلَّ﴾ [الحج: ٩]، وفي لُقْمانَ ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٦]، وفي الزُّمَرِ ﴿أنْدادًا لِيَضِلَّ﴾ [الزمر: ٨]، وضَمَّها الكُوفِيُّونَ في السِّتَّةِ، وافَقَهُمُ الصّاحِبانِ، إلّا في يُونُسَ وهُنا فَفَتَحَ. ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِالمُعْتَدِينَ﴾ أيْ: بِالمُجاوِزِينَ (p-٢١٢)الحَدَّ في الِاعْتِداءِ فَيُحَلِّلُونَ ويُحَرَّمُونَ مِن غَيْرِ إذَنِ اللَّهِ، وهَذا إخْبارٌ يَتَضَمَّنُ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ لِمَنِ اعْتَدى، أيْ: فَيُجازِيهِمْ عَلى اعْتِدائِهِمْ. ﴿وذَرُوا ظاهِرَ الإثْمِ وباطِنَهُ﴾ (الإثْمُ) عامٌّ في جَمِيعِ المَعاصِي، لَمّا عَتَبَ عَلَيْهِمْ في تَرْكِ أكْلِ ما سُمِّيَ اللَّهُ عَلَيْهِ أُمِرُوا بِتَرْكِ (الإثْمِ) ما فُعِلَ ظاهِرًا وما فُعِلَ في خُفْيَةٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: اتْرُكُوا المَعاصِيَ ظاهِرَها وباطِنَها، قالَهُ أبُو العالِيَةِ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وعَطاءُ وابْنُ الأنْبارِيِّ والزَّجّاجُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ظاهِرُهُ الزِّنا. وقالَ السُّدِّيُّ: الزِّنا الشَّهِيرُ الَّذِي كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ وباطِنُهُ اتِّخاذُ الأخْدانِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: ظاهِرُهُ ما نَصَّ اللَّهُ عَلى تَحْرِيمِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] الآيَةَ، ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٢٢] الآيَةَ. والباطِنُ الزِّنا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: ظاهِرُهُ نَزْعُ أثْوابِهِمْ إذْ كانُوا يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً، وباطِنُهُ الزِّنا. وقِيلَ: ظاهِرُهُ عَمَلُ الجَوارِحِ وباطِنُهُ عَمَلُ القَلْبِ مِنَ الكِبْرِ والحَسَدِ والعُجْبِ وسُوءِ الِاعْتِقادِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن مَعاصِي القَلْبِ. وقِيلَ: ظاهِرُهُ الخَمْرُ وباطِنُهُ النَّبِيذُ، وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: ظاهِرُهُ الزِّنا وباطِنُهُ ما نَواهُ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: الألْيَقُ أنْ يُحْمَلَ ﴿ظاهِرَ الإثْمِ وباطِنَهُ﴾ عَلى أكْلِ المَيْتَةِ وما لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وقالَ مُقاتِلٌ: (الإثْمُ) هُنا الشِّرْكُ، وقالَ غَيْرُهُ: جَمِيعُ الذُّنُوبِ سِوى الشِّرْكِ، وكُلُّ هَذِهِ الأقْوالِ تَخْصِيصاتٌ لا دَلِيلَ عَلَيْها، والظّاهِرُ العُمُومُ في المَعاصِي كُلِّها مِنَ الشِّرْكِ وغَيْرِهِ، ظاهِرِها وخَفِيِّها، ويَدْخُلُ في هَذا العُمُومِ كُلُّ ما ذَكَرُوهُ. ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ أيْ: يَكْسِبُونَ الإثْمَ في الدُّنْيا سَيُجْزَوْنَ في الآخِرَةِ، وهَذا وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ لِلْعُصاةِ.

الأنعام 6:119

﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ ذُكِرَ أنَّ السَّبَبَ في نُزُولِها أنَّهم قالُوا لِلرَّسُولِ: «مَن قَتَلَ الشّاةَ الَّتِي ماتَتْ ؟ قالَ: ”اللَّهُ“، قالُوا: فَتَزْعُمُ أنَّ ما قَتَلْتَ أنْتَ وأصْحابُكَ وما قَتَلَهُ الصَّقْرُ والكَلْبُ حَلالٌ، وما قَتَلَهُ اللَّهُ حَرامٌ» . «وقالَ عِكْرِمَةُ: لَمّا أُنْزِلَ تَحْرِيمُ المَيْتَةِ كَتَبَ مَجُوسُ فارِسَ إلى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، وكانُوا أوْلِياءَهم في الجاهِلِيَّةِ وبَيْنَهم مُكاتَبَةٌ: إنَّ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ يَزْعُمُونَ أنَّهم يَتَّبِعُونَ أمْرَ اللَّهِ، ثُمَّ يَزْعُمُونَ أنَّ ما ذَبَحُوا فَهو حَلالٌ، وما ذَبَحَ اللَّهُ فَهو حَرامٌ، فَوَقَعَ (p-٢١١)فِي أنْفُسِ ناسٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا﴾ [الأنعام: ١٢١]»، ولَمّا تَضَمَّنَتِ الآيَةُ الَّتِي قَبْلَها الإنْكارَ عَلى اتِّباعِ المُضِلِّينَ الَّذِينَ يُحِلُّونَ الحَرامَ ويُحَرِّمُونَ الحَلالَ، وكانُوا يُسَمُّونَ في كَثِيرٍ مِمّا يُذَكِّرُونَهُ اسْمَ آلِهَتِهِمْ، أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِأكْلِ ما سُمِّيَ عَلى ذَكاتِهِ اسْمُ اللَّهِ لا غَيْرِهِ مِن آلِهَتِهِمْ أمْرَ إباحَةٍ، وما ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَهو المُذَكّى لا ما ماتَ حَتْفَ أنْفِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَكُلُوا) مُتَسَبِّبٌ عَنْ إنْكارِ اتِّباعِ المُضِلِّينَ، وعُلِّقَ أكْلُ ما سُمِّيَ اللَّهُ عَلى ذَكاتِهِ بِالإيمانِ، كَما تَقُولُ: أطِعْنِي إنْ كُنْتَ ابْنِي، أيْ: أنْتُمْ مُؤْمِنُونَ فَلا تُخالِفُوا أمْرَ اللَّهِ وهو حَثٌّ عَلى أكْلِ ما أحَلَّ وتَرْكِ ما حَرَّمَ. ﴿وما لَكَمَ ألا تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكم إلّا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ﴾ أيْ: وأيُّ غَرَضٍ لَكم في الِامْتِناعِ مِن أكْلِ ما ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ؟ وهو اسْتِفْهامٌ يَتَضَمَّنُ الإنْكارَ عَلى مَنِ امْتَنَعَ مِن ذَلِكَ، أيْ: لا شَيْءَ يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ، ﴿وقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ﴾ في هَذِهِ السُّورَةِ لِأنَّها - عَلى ما نُقِلَ - مَكِّيَّةٌ، ونَزَلَتْ في مَرَّةٍ واحِدَةٍ، فَلا يُناسِبُ أنْ تَكُونَ ﴿وقَدْ فَصَّلَ﴾ راجِعًا إلى تَفْصِيلِ البَقَرَةِ والمائِدَةِ لِتَأْخِيرِهِما في النُّزُولِ عَنْ هَذِهِ السُّورَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ مِمّا لَمْ يُحَرِّمْ عَلَيْكم، وهو قَوْلُهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] . انْتَهى. وذَكَرْنا أنَّ تَفْصِيلَ التَّحْرِيمِ بِما في البَقَرَةِ والمائِدَةِ لا يُناسِبُ، ودَعْوى زِيادَةِ (لا) هُنا لا حاجَةَ إلَيْها، والمَعْنى عَلى كَوْنِها نافِيَةً صَحِيحٌ واضِحٌ، و﴿ألّا تَأْكُلُوا﴾ أصْلُهُ: في أنْ لا تَأْكُلُوا، فَحَذَفَ (في) المُتَعَلِّقَةَ بِما تَعَلَّقَ بِهِ (لَكُمُ) الواقِعُ خَبَرًا لِما الِاسْتِفْهامِيَّةِ، ونَفْيُ ﴿ألّا تَأْكُلُوا﴾، عَلى الخِلافِ أهْوَ مَنصُوبٌ أوْ مَجْرُورٌ، ومَن ذَهَبَ إلى أُنَّ ﴿ألّا تَأْكُلُوا﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: تارِكِينَ الأكْلَ، فَقَوْلُهُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ (أنْ) ومَعْمُولَها لا يَقَعُ حالًا، وهَذا مَنصُوصٌ عَلَيْهِ مِن سِيبَوَيْهِ، ولا نَعْلَمُ مُخالِفًا لَهُ مِمَّنْ يُعْتَبَرُ، ولَهُ عِلَّةٌ مَذْكُورَةٌ في النَّحْوِ، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقَدْ فَصَّلَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ. وقَرَأ العَرَبِيّانِ وابْنُ كَثِيرٍ: (فُصِّلَ) و(حُرِّمَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ونافِعٌ وحَفْصٌ: (فَصَّلَ) و(حَرَّمَ) عَلى بِنائِهِما لِلْفاعِلِ، والأخَوانِ وأبُو بَكْرٍ: (فَصَّلَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ و(حُرِّمَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وعَطِيَّةُ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ خَفَّفَ الصّادَ، والمَعْنى: ﴿إلّا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ﴾ مِن ﴿ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ في حالَةِ الِاخْتِيارِ فَإنَّهُ حَلالٌ لَكم في حالَةِ الِاضْطِرارِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وما يُرِيدُ بِها جَمِيعُ ما حَرَّمَ كالمَيْتَةِ وغَيْرِها، قالَ هو والحَوْفِيُّ، وهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالِاسْتِثْناءِ، أوِ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ. وقالَ أبُو البَقاءِ: (ما) في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الِاسْتِثْناءِ مِنَ الجِنْسِ مِن طَرِيقِ المَعْنى، كَأنَّهُ وبَّخَهم بِتَرْكِ الأكْلِ مِمّا سُمِّيَ عَلَيْهِ، وذَلِكَ يَتَضَمَّنُ إباحَةَ الأكْلِ مُطْلَقًا. ﴿وإنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أيْ: وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الكُفّارِ المُجادِلِينَ في المَطاعِمِ وغَيْرِها لَيُضِلُّونَ بِالتَّحْرِيمِ والتَّحْلِيلِ وبِأهْوائِهِمْ وشَهَواتِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ، أيْ: بِغَيْرِ شَرْعٍ مِنَ اللَّهِ بَلْ بِمُجَرَّدِ أهْوائِهِمْ، كَعَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ ومَن دُونَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ كَأبِي الأحْوَصِ بْنِ مالِكٍ الجَشْمِيِّ وبُدَيْلِ بْنِ ورْقاءَ الخُزاعِيِّ وحُلَيْسِ بْنِ يَزِيدَ القُرَشِيِّ، الَّذِينَ اتَّخَذُوا البَحائِرَ والسَّوائِبَ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: (لَيَضِلُّونِ) بِفَتْحِ الياءِ هُنا، وفي يُونُسَ ﴿رَبَّنا لِيَضِلُّوا﴾ [يونس: ٨٨]، وفي إبْراهِيمَ ﴿أنْدادًا لِيَضِلُّوا﴾ [إبراهيم: ٣٠]، وفي الحَجِّ ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ لِيَضِلَّ﴾ [الحج: ٩]، وفي لُقْمانَ ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٦]، وفي الزُّمَرِ ﴿أنْدادًا لِيَضِلَّ﴾ [الزمر: ٨]، وضَمَّها الكُوفِيُّونَ في السِّتَّةِ، وافَقَهُمُ الصّاحِبانِ، إلّا في يُونُسَ وهُنا فَفَتَحَ. ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِالمُعْتَدِينَ﴾ أيْ: بِالمُجاوِزِينَ (p-٢١٢)الحَدَّ في الِاعْتِداءِ فَيُحَلِّلُونَ ويُحَرَّمُونَ مِن غَيْرِ إذَنِ اللَّهِ، وهَذا إخْبارٌ يَتَضَمَّنُ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ لِمَنِ اعْتَدى، أيْ: فَيُجازِيهِمْ عَلى اعْتِدائِهِمْ. ﴿وذَرُوا ظاهِرَ الإثْمِ وباطِنَهُ﴾ (الإثْمُ) عامٌّ في جَمِيعِ المَعاصِي، لَمّا عَتَبَ عَلَيْهِمْ في تَرْكِ أكْلِ ما سُمِّيَ اللَّهُ عَلَيْهِ أُمِرُوا بِتَرْكِ (الإثْمِ) ما فُعِلَ ظاهِرًا وما فُعِلَ في خُفْيَةٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: اتْرُكُوا المَعاصِيَ ظاهِرَها وباطِنَها، قالَهُ أبُو العالِيَةِ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وعَطاءُ وابْنُ الأنْبارِيِّ والزَّجّاجُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ظاهِرُهُ الزِّنا. وقالَ السُّدِّيُّ: الزِّنا الشَّهِيرُ الَّذِي كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ وباطِنُهُ اتِّخاذُ الأخْدانِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: ظاهِرُهُ ما نَصَّ اللَّهُ عَلى تَحْرِيمِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] الآيَةَ، ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٢٢] الآيَةَ. والباطِنُ الزِّنا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: ظاهِرُهُ نَزْعُ أثْوابِهِمْ إذْ كانُوا يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً، وباطِنُهُ الزِّنا. وقِيلَ: ظاهِرُهُ عَمَلُ الجَوارِحِ وباطِنُهُ عَمَلُ القَلْبِ مِنَ الكِبْرِ والحَسَدِ والعُجْبِ وسُوءِ الِاعْتِقادِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن مَعاصِي القَلْبِ. وقِيلَ: ظاهِرُهُ الخَمْرُ وباطِنُهُ النَّبِيذُ، وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: ظاهِرُهُ الزِّنا وباطِنُهُ ما نَواهُ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: الألْيَقُ أنْ يُحْمَلَ ﴿ظاهِرَ الإثْمِ وباطِنَهُ﴾ عَلى أكْلِ المَيْتَةِ وما لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وقالَ مُقاتِلٌ: (الإثْمُ) هُنا الشِّرْكُ، وقالَ غَيْرُهُ: جَمِيعُ الذُّنُوبِ سِوى الشِّرْكِ، وكُلُّ هَذِهِ الأقْوالِ تَخْصِيصاتٌ لا دَلِيلَ عَلَيْها، والظّاهِرُ العُمُومُ في المَعاصِي كُلِّها مِنَ الشِّرْكِ وغَيْرِهِ، ظاهِرِها وخَفِيِّها، ويَدْخُلُ في هَذا العُمُومِ كُلُّ ما ذَكَرُوهُ. ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ أيْ: يَكْسِبُونَ الإثْمَ في الدُّنْيا سَيُجْزَوْنَ في الآخِرَةِ، وهَذا وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ لِلْعُصاةِ.

الأنعام 6:120

﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ ذُكِرَ أنَّ السَّبَبَ في نُزُولِها أنَّهم قالُوا لِلرَّسُولِ: «مَن قَتَلَ الشّاةَ الَّتِي ماتَتْ ؟ قالَ: ”اللَّهُ“، قالُوا: فَتَزْعُمُ أنَّ ما قَتَلْتَ أنْتَ وأصْحابُكَ وما قَتَلَهُ الصَّقْرُ والكَلْبُ حَلالٌ، وما قَتَلَهُ اللَّهُ حَرامٌ» . «وقالَ عِكْرِمَةُ: لَمّا أُنْزِلَ تَحْرِيمُ المَيْتَةِ كَتَبَ مَجُوسُ فارِسَ إلى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، وكانُوا أوْلِياءَهم في الجاهِلِيَّةِ وبَيْنَهم مُكاتَبَةٌ: إنَّ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ يَزْعُمُونَ أنَّهم يَتَّبِعُونَ أمْرَ اللَّهِ، ثُمَّ يَزْعُمُونَ أنَّ ما ذَبَحُوا فَهو حَلالٌ، وما ذَبَحَ اللَّهُ فَهو حَرامٌ، فَوَقَعَ (p-٢١١)فِي أنْفُسِ ناسٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا﴾ [الأنعام: ١٢١]»، ولَمّا تَضَمَّنَتِ الآيَةُ الَّتِي قَبْلَها الإنْكارَ عَلى اتِّباعِ المُضِلِّينَ الَّذِينَ يُحِلُّونَ الحَرامَ ويُحَرِّمُونَ الحَلالَ، وكانُوا يُسَمُّونَ في كَثِيرٍ مِمّا يُذَكِّرُونَهُ اسْمَ آلِهَتِهِمْ، أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِأكْلِ ما سُمِّيَ عَلى ذَكاتِهِ اسْمُ اللَّهِ لا غَيْرِهِ مِن آلِهَتِهِمْ أمْرَ إباحَةٍ، وما ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَهو المُذَكّى لا ما ماتَ حَتْفَ أنْفِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَكُلُوا) مُتَسَبِّبٌ عَنْ إنْكارِ اتِّباعِ المُضِلِّينَ، وعُلِّقَ أكْلُ ما سُمِّيَ اللَّهُ عَلى ذَكاتِهِ بِالإيمانِ، كَما تَقُولُ: أطِعْنِي إنْ كُنْتَ ابْنِي، أيْ: أنْتُمْ مُؤْمِنُونَ فَلا تُخالِفُوا أمْرَ اللَّهِ وهو حَثٌّ عَلى أكْلِ ما أحَلَّ وتَرْكِ ما حَرَّمَ. ﴿وما لَكَمَ ألا تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكم إلّا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ﴾ أيْ: وأيُّ غَرَضٍ لَكم في الِامْتِناعِ مِن أكْلِ ما ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ؟ وهو اسْتِفْهامٌ يَتَضَمَّنُ الإنْكارَ عَلى مَنِ امْتَنَعَ مِن ذَلِكَ، أيْ: لا شَيْءَ يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ، ﴿وقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ﴾ في هَذِهِ السُّورَةِ لِأنَّها - عَلى ما نُقِلَ - مَكِّيَّةٌ، ونَزَلَتْ في مَرَّةٍ واحِدَةٍ، فَلا يُناسِبُ أنْ تَكُونَ ﴿وقَدْ فَصَّلَ﴾ راجِعًا إلى تَفْصِيلِ البَقَرَةِ والمائِدَةِ لِتَأْخِيرِهِما في النُّزُولِ عَنْ هَذِهِ السُّورَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ مِمّا لَمْ يُحَرِّمْ عَلَيْكم، وهو قَوْلُهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] . انْتَهى. وذَكَرْنا أنَّ تَفْصِيلَ التَّحْرِيمِ بِما في البَقَرَةِ والمائِدَةِ لا يُناسِبُ، ودَعْوى زِيادَةِ (لا) هُنا لا حاجَةَ إلَيْها، والمَعْنى عَلى كَوْنِها نافِيَةً صَحِيحٌ واضِحٌ، و﴿ألّا تَأْكُلُوا﴾ أصْلُهُ: في أنْ لا تَأْكُلُوا، فَحَذَفَ (في) المُتَعَلِّقَةَ بِما تَعَلَّقَ بِهِ (لَكُمُ) الواقِعُ خَبَرًا لِما الِاسْتِفْهامِيَّةِ، ونَفْيُ ﴿ألّا تَأْكُلُوا﴾، عَلى الخِلافِ أهْوَ مَنصُوبٌ أوْ مَجْرُورٌ، ومَن ذَهَبَ إلى أُنَّ ﴿ألّا تَأْكُلُوا﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: تارِكِينَ الأكْلَ، فَقَوْلُهُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ (أنْ) ومَعْمُولَها لا يَقَعُ حالًا، وهَذا مَنصُوصٌ عَلَيْهِ مِن سِيبَوَيْهِ، ولا نَعْلَمُ مُخالِفًا لَهُ مِمَّنْ يُعْتَبَرُ، ولَهُ عِلَّةٌ مَذْكُورَةٌ في النَّحْوِ، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقَدْ فَصَّلَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ. وقَرَأ العَرَبِيّانِ وابْنُ كَثِيرٍ: (فُصِّلَ) و(حُرِّمَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ونافِعٌ وحَفْصٌ: (فَصَّلَ) و(حَرَّمَ) عَلى بِنائِهِما لِلْفاعِلِ، والأخَوانِ وأبُو بَكْرٍ: (فَصَّلَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ و(حُرِّمَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وعَطِيَّةُ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ خَفَّفَ الصّادَ، والمَعْنى: ﴿إلّا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ﴾ مِن ﴿ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ في حالَةِ الِاخْتِيارِ فَإنَّهُ حَلالٌ لَكم في حالَةِ الِاضْطِرارِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وما يُرِيدُ بِها جَمِيعُ ما حَرَّمَ كالمَيْتَةِ وغَيْرِها، قالَ هو والحَوْفِيُّ، وهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالِاسْتِثْناءِ، أوِ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ. وقالَ أبُو البَقاءِ: (ما) في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الِاسْتِثْناءِ مِنَ الجِنْسِ مِن طَرِيقِ المَعْنى، كَأنَّهُ وبَّخَهم بِتَرْكِ الأكْلِ مِمّا سُمِّيَ عَلَيْهِ، وذَلِكَ يَتَضَمَّنُ إباحَةَ الأكْلِ مُطْلَقًا. ﴿وإنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أيْ: وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الكُفّارِ المُجادِلِينَ في المَطاعِمِ وغَيْرِها لَيُضِلُّونَ بِالتَّحْرِيمِ والتَّحْلِيلِ وبِأهْوائِهِمْ وشَهَواتِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ، أيْ: بِغَيْرِ شَرْعٍ مِنَ اللَّهِ بَلْ بِمُجَرَّدِ أهْوائِهِمْ، كَعَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ ومَن دُونَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ كَأبِي الأحْوَصِ بْنِ مالِكٍ الجَشْمِيِّ وبُدَيْلِ بْنِ ورْقاءَ الخُزاعِيِّ وحُلَيْسِ بْنِ يَزِيدَ القُرَشِيِّ، الَّذِينَ اتَّخَذُوا البَحائِرَ والسَّوائِبَ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: (لَيَضِلُّونِ) بِفَتْحِ الياءِ هُنا، وفي يُونُسَ ﴿رَبَّنا لِيَضِلُّوا﴾ [يونس: ٨٨]، وفي إبْراهِيمَ ﴿أنْدادًا لِيَضِلُّوا﴾ [إبراهيم: ٣٠]، وفي الحَجِّ ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ لِيَضِلَّ﴾ [الحج: ٩]، وفي لُقْمانَ ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٦]، وفي الزُّمَرِ ﴿أنْدادًا لِيَضِلَّ﴾ [الزمر: ٨]، وضَمَّها الكُوفِيُّونَ في السِّتَّةِ، وافَقَهُمُ الصّاحِبانِ، إلّا في يُونُسَ وهُنا فَفَتَحَ. ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِالمُعْتَدِينَ﴾ أيْ: بِالمُجاوِزِينَ (p-٢١٢)الحَدَّ في الِاعْتِداءِ فَيُحَلِّلُونَ ويُحَرَّمُونَ مِن غَيْرِ إذَنِ اللَّهِ، وهَذا إخْبارٌ يَتَضَمَّنُ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ لِمَنِ اعْتَدى، أيْ: فَيُجازِيهِمْ عَلى اعْتِدائِهِمْ. ﴿وذَرُوا ظاهِرَ الإثْمِ وباطِنَهُ﴾ (الإثْمُ) عامٌّ في جَمِيعِ المَعاصِي، لَمّا عَتَبَ عَلَيْهِمْ في تَرْكِ أكْلِ ما سُمِّيَ اللَّهُ عَلَيْهِ أُمِرُوا بِتَرْكِ (الإثْمِ) ما فُعِلَ ظاهِرًا وما فُعِلَ في خُفْيَةٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: اتْرُكُوا المَعاصِيَ ظاهِرَها وباطِنَها، قالَهُ أبُو العالِيَةِ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وعَطاءُ وابْنُ الأنْبارِيِّ والزَّجّاجُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ظاهِرُهُ الزِّنا. وقالَ السُّدِّيُّ: الزِّنا الشَّهِيرُ الَّذِي كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ وباطِنُهُ اتِّخاذُ الأخْدانِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: ظاهِرُهُ ما نَصَّ اللَّهُ عَلى تَحْرِيمِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] الآيَةَ، ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٢٢] الآيَةَ. والباطِنُ الزِّنا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: ظاهِرُهُ نَزْعُ أثْوابِهِمْ إذْ كانُوا يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً، وباطِنُهُ الزِّنا. وقِيلَ: ظاهِرُهُ عَمَلُ الجَوارِحِ وباطِنُهُ عَمَلُ القَلْبِ مِنَ الكِبْرِ والحَسَدِ والعُجْبِ وسُوءِ الِاعْتِقادِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن مَعاصِي القَلْبِ. وقِيلَ: ظاهِرُهُ الخَمْرُ وباطِنُهُ النَّبِيذُ، وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: ظاهِرُهُ الزِّنا وباطِنُهُ ما نَواهُ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: الألْيَقُ أنْ يُحْمَلَ ﴿ظاهِرَ الإثْمِ وباطِنَهُ﴾ عَلى أكْلِ المَيْتَةِ وما لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وقالَ مُقاتِلٌ: (الإثْمُ) هُنا الشِّرْكُ، وقالَ غَيْرُهُ: جَمِيعُ الذُّنُوبِ سِوى الشِّرْكِ، وكُلُّ هَذِهِ الأقْوالِ تَخْصِيصاتٌ لا دَلِيلَ عَلَيْها، والظّاهِرُ العُمُومُ في المَعاصِي كُلِّها مِنَ الشِّرْكِ وغَيْرِهِ، ظاهِرِها وخَفِيِّها، ويَدْخُلُ في هَذا العُمُومِ كُلُّ ما ذَكَرُوهُ. ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ أيْ: يَكْسِبُونَ الإثْمَ في الدُّنْيا سَيُجْزَوْنَ في الآخِرَةِ، وهَذا وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ لِلْعُصاةِ.

الأنعام 6:121

﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ قالَ السَّخاوِيُّ: قالَ مَكْحُولٌ: ورُوِيَ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ وعُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ مِثْلَ ذَلِكَ، وأجازَ ذَبائِحَ أهْلِ الكِتابِ وإنْ لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْها، وذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّ الآيَةَ مَحْكَمَةٌ ولا يَجُوزُ لَنا أنْ نَأْكُلَ مِن ذَبائِحِهِمْ إلّا ما ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ اللَّهِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وعائِشَةَ وابْنِ عُمَرَ. انْتَهى. ولا يُسَمّى هَذا نَسْخًا بَلْ هو تَخْصِيصٌ، ولَمّا أمَرَ بِأكْلِ ما سُمِّيَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وكانَ مَفْهُومُهُ أنَّهُ لا يَأْكُلُ مِمّا لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، أكَّدَ هَذا المَفْهُومَ بِالنَّصِّ عَلَيْهِ، والظّاهِرُ تَحْرِيمُ أكْلِ ما لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ عَمْدًا كَأنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ، أوْ نِسْيانًا، وبِهِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عُمَرَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الخَطِيمِيُّ وابْنُ سِيرِينَ والشَّعْبِيُّ ونافِعٌ وأبُو ثَوْرٍ وداوُدُ في رِوايَةٍ، وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا في رِوايَةٍ، وأبُو عِياضٍ وأبُو رافِعٍ وعَطاءٌ وابْنُ المُسَيِّبِ والحَسَنُ وجابِرٌ وعِكْرِمَةُ وطاوُسُ والنَّخَعِيُّ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي لَيْلى ورَبِيعَةُ ومالِكٌ في رِوايَةٍ، والشّافِعِيُّ والأصَمُّ: يَحِلُّ أكْلُ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا كانَ التُّرْكُ أوْ نِسْيانًا. وقالَ مُجاهِدٌ وطاوُسُ أيْضًا، وابْنُ شِهابٍ وابْنُ جُبَيْرٍ وعَطاءٌ في رِوايَةٍ، وأبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ، والثَّوْرِيُّ والحَسَنُ بْنُ حُيَيٍّ والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ وإسْحاقُ ومالِكٌ في رِوايَةٍ، وأحْمَدُ في رِوايَةٍ، وابْنُ أبِي القاسِمِ وعِيسى وأصْبُغُ: يُؤْكَلُ إنْ كانَ التَّرْكُ ناسِيًا، وإنْ كانَ عَمْدًا لَمْ يُؤْكَلْ، واخْتارَهُ النَّحّاسُ وقالَ: لا يُسَمّى فاسِقًا إذا كانَ ناسِيًا، ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ جَوازُ أكْلِ ذَبِيحَةِ النّاسِي لِلتَّسْمِيَةِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقالَ أشْهَبُ والطَّبَرِيُّ: تُؤْكَلُ ذَبِيحَةُ تارِكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا إلّا أنْ يَكُونَ مُسْتَخِفًّا. وقالَ أبُو بَكْرٍ الآيِذِيُّ: يُكْرَهُ أكْلُ ذَبِيحَةِ تارِكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا. وتَحْتاجُ هَذِهِ التَّخْصِيصاتُ إلى دَلائِلَ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ظاهِرُهُ لِعُمُومِ الآيَةِ، وهو مَتْرُوكُ التَّسْمِيَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ: إنَّهُ المَيْتَةُ، وعَنْهُ أنَّهُ المَيْتَةُ والمُنْخَنِقَةُ إلى: وما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ، وقالَ عَطاءٌ: ذَبائِحُ لِلْأوْثانِ كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ، وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: صَيْدُ المُشْرِكِينَ لِأنَّهم (p-٢١٣)لا يُسَمُّونَ عِنْدَ إرْسالِ السَّهْمَ ولا هم مِن أهْلِ التَّسْمِيَةِ. قالَ الحَسَنُ: الفِسْقُ الكُفْرُ، قالَ الكِرْمانِيُّ: يُرِيدُ مَعَ الِاسْتِحْلالِ، وقالَ غَيْرُهُ: الفِسْقُ المَعْصِيَةُ، والضَّمِيرُ في (وإنَّهُ) عائِدٌ إلى المَصْدَرِ الدّالِّ عَلَيْهِ (تَأْكُلُوا)، أيْ: وإنَّ الأكْلَ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ واقْتَصَرَ عَلَيْهِ، وجَوَّزَ مَعَهُ الحَوْفِيُّ في أنْ يَعُودَ عَلى ”ما“ مِن قَوْلِهِ: ﴿مِمّا لَمْ يُذْكَرِ﴾، وجَوَّزَ مَعَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَعُودَ عَلى الذِّكْرِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ ﴿لَمْ يُذْكَرِ﴾ . انْتَهى. ومَعْنى أنَّهُ عائِدٌ عَلى المَصْدَرِ المَنفِيِّ كَأنَّهُ قِيلَ: وإنَّ تَرْكَ الذِّكْرِ لِفِسْقٌ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وتَضَمَّنَتْ مَعْنى التَّعْلِيلِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لِفِسْقِهِ. ﴿وإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ﴾ أيْ: وإنَّ شَياطِينَ الجِنِّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ. وقالَ عِكْرِمَةُ: مَرَدَةُ الإنْسِ مِن مَجُوسِ فارِسَ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ كِتابَتِهِمْ إلى قُرَيْشٍ، أيْ: لَيُوَسْوِسُونَ إلى كَفّارِ قُرَيْشٍ بِإلْهامِهِمْ تِلْكَ الحُجَّةَ في أمْرِ الذَّبائِحِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها، أوْ عَلى ألْسِنَةِ الكُهّانِ في زَمانِهِمْ لِيُجادِلُوكم. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِقَوْلِهِمْ: ولا تَأْكُلُونَ ما قَتَلَهُ اللَّهُ، وبِهَذا تَرَجَّحَ تَأْوِيلُ مَن تَأوَّلَ بِالمَيْتَةِ. انْتَهى. والأحْسَنُ حَمْلُ الآيَةِ عَلى عَدَمِ التَّخْصِيصِ بِما ذَكَرُوهُ، بَلْ هَذا إخْبارٌ أنَّ ما صَدَرَ مِن جِدالِ الكُفّارِ لِلْمُؤْمِنِينَ ومُنازَعَتِهِمْ فَإنَّما هو مِنَ الشَّياطِينِ يُوَسْوِسُونَ لَهم بِذَلِكَ، ولِذَلِكَ خُتِمَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ أيْ: وإنْ أطَعْتُمْ أوْلِياءَ الشَّياطِينِ إنَّكم لَمُشْرِكُونَ؛ لِأنَّ طاعَتَهم طاعَةٌ لِلشَّياطِينِ، وذَلِكَ إشْراكٌ، ولا يَكُونُ مُشْرِكًا حَقِيقَةً حَتّى يُطِيعَهُ في الِاعْتِقادِ، وأمّا إذا أطاعَهُ في الفِعْلِ وهو سَلِيمُ الِاعْتِقادِ فَهو فاسِقٌ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ إخْبارٌ يَتَضَمَّنُ الوَعِيدَ، وأصْعَبُ ما عَلى المُؤْمِنِ أنْ يُشْبِهَ المُشْرِكَ فَضْلًا أنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِ بِالشِّرْكِ. وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الَّذِينَ جادَلُوا بِتِلْكَ الحُجَّةِ قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ، وضُعِّفَ بِأنَّ اليَهُودَ لا تَأْكُلُ المَيْتَةَ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ المُغالَطَةِ وإجابَتِهِمْ عَنِ العَرَبِ فَيُمْكِنُ. وجَوابُ الشَّرْطِ زَعَمَ الحَوْفِيُّ أنَّهُ ﴿إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ عَلى حَذْفِ الفاءِ، أيْ: فَإنَّكم، وهَذا الحَذْفُ مِنَ الضَّرائِرِ فَلا يَكُونُ في القُرْآنِ، وإنَّما الجَوابُ مَحْذُوفٌ، و﴿إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، التَّقْدِيرُ: واللَّهِ إنْ أطَعْتُمُوهم، لِقَوْلِهِ: ”وإنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لِيَمَسَّنَّ“،، وقَوْلِهِ: ﴿وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ﴾ [الأعراف: ٢٣]، وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ هَذا التَّرْكِيبُ بِتَقْدِيرِ اللّامِ المُؤْذِنَةِ بِالقَسَمِ المَحْذُوفِ عَلى إنِ الشَّرْطِيَّةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ﴾ [الحشر: ١٢]، وحُذِفَ جَوابُ الشَّرْطِ لِدَلالَةِ جَوابِ القَسَمِ عَلَيْهِ. ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها﴾ «قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في حَمْزَةَ وأبِي جَهْلٍ، (p-٢١٤)رَمى الرَّسُولَ بِفَرْثٍ، فَأخْبَرَ بِذَلِكَ حَمْزَةَ حِينَ رَجَعَ مِن قَنْصِهِ وبِيَدِهِ قَوْسٌ، وكانَ لَمْ يُسْلِمْ، فَغَضِبَ فَعَلا بِها أبا جَهْلٍ وهو يَتَضَرَّعُ إلَيْهِ ويَقُولُ: سَفَّهَ عُقُولَنا وسَبَّ آلِهَتِنا وخالَفَ آباءَنا، فَقالَ حَمْزَةُ: ومَن أسْفَهُ مِنكم، تَعْبُدُونَ الحِجارَةَ مِن دُونِ اللَّهِ، وأسْلَمَ» . وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا أنَّها نَزَلَتْ في عَمّارٍ وأبِي جَهْلٍ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: في عُمَرَ وأبِي جَهْلٍ، لَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ مَثَّلَ تَعالى بِأنْ شَبَّهَ المُؤْمِنَ بَعْدَ أنْ كانَ كافِرًا بِالحَيِّ المَجْعُولِ لَهُ نُورٌ يَتَصَرَّفُ بِهِ كَيْفَ سَلَكَ، والكافِرَ بِالمُخْتَلِطِ في الظُّلُماتِ المُسْتَقِرِّ فِيها دائِمًا، لِيُظْهِرَ الفَرْقَ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، والمَوْتُ والحَياةُ والنُّورُ والظُّلْمَةُ مَجازٌ، فالظُّلْمَةُ مَجازٌ عَنِ الكُفْرِ، والنُّورُ مَجازٌ عَنِ الإيمانِ، والمَوْتُ مَجازٌ عَنِ الكُفْرِ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: المَوْتُ مَجازٌ عَنْ كَوْنِهِ في ظُلْمَةِ البَطْنِ، لا يُبْصِرُ ولا يَعْقِلُ شَيْئًا، ثُمَّ أُخْرِجَ فَأبْصَرَ وعَقَلَ، نَقُولُ: لا يَسْتَوِي مَن أُخْرِجَ مِنَ الظُّلُماتِ ومَن تُرِكَ فِيها، فَكَذَلِكَ لا يَسْتَوِي المُؤْمِنُ الَّذِي يُبْصِرُ الحَقَّ ويَعْمَلُ بِهِ، والكافِرُ الَّذِي لا يُبْصِرُ، ونَحْوٌ مِنهُ قَوْلُ ابْنِ بَحْرٍ قالَ: أوَمَن كانَ نُطْفَةً أوْ عَلَقَةً أوْ مُضْغَةً فَصَوَّرْناهُ ونَفَخْنا فِيهِ الرُّوحَ. انْتَهى. وأمّا النُّورُ فَهو نُورُ الحِكْمَةِ أوْ نُورُ الدِّينِ أوِ القُرْآنُ، أقْوالٌ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: الحَياةُ الِاسْتِعْدادُ لِقَبُولِ المَعارِفِ، فَتَحْصُلُ لَهُ عُلُومٌ كُلِّيَّةٌ أوَّلِيَّةٌ وهي المُسَمّاةُ بِالعَقْلِ، والنُّورُ ما تُوَصِّلُ إلَيْهِ تَرْكِيبُ تِلْكَ البَدِيهِيّاتِ مِنَ المَجْهُولاتِ النَّظَرِيَّةِ، ومَشْيُهُ في النّاسِ كَوْنُهُ صارَ مُحْضِرًا لِلْمَعارِفِ القُدْسِيَّةِ والجَلايا الرُّوحانِيَّةِ ناظِرًا إلَيْها، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ الحَياةُ الِاسْتِعْدادُ القائِمُ بِجَوْهَرِ الرُّوحِ، والنُّورُ اتِّصالُ نُورِ الوَحْيِ والتَّنْزِيلِ بِهِ، فالبَصِيرَةُ لا بُدَّ فِيها مِن أمْرَيْنِ: سَلامَةُ حاسَّةِ العَقْلِ، وطُلُوعُ نُورِ الوَحْيِ، كَما أنَّ البَصَرَ لا بُدَّ فِيهِ مِن أمْرَيْنِ: سَلامَةُ الحاسَّةِ وطُلُوعُ الشَّمْسِ، انْتَهى مُلَخَّصًا. وهو بَعِيدٌ مِن مَناحِي كَلامِ العَرَبِ ومَفْهُوماتِها، ولَمّا ذَكَرَ صِفَةَ الإحْسانِ إلى العَبْدِ المُؤْمِنِ نَسَبَ ذَلِكَ إلَيْهِ فَقالَ: ﴿فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا﴾، وفي صِفَةِ الكافِرِ لَمْ يَنْسُبْها إلى نَفْسِهِ بَلْ قالَ: ﴿كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ﴾، ولَمّا كانَتْ أنْواعُ الكُفْرِ مُتَعَدِّدَةً قالَ: ﴿فِي الظُّلُماتِ﴾، ولَمّا ذَكَرَ جَعْلَ النُّورِ لِلْمَيِّتِ قالَ: ”يَمْشِي بِهِ في النّاسِ“، أيْ: يَصْحَبُهُ كَيْفَ تَقَلَّبَ، وقالَ: في النّاسِ إشارَةً إلى تَنْوِيرِهِ عَلى نَفْسِهِ وعَلى غَيْرِهِ مِنَ النّاسِ، فَذَكَرَ أنَّ مَنفَعَةَ المُؤْمِنِ لَيْسَتْ مُقْتَصِرَةً عَلى نَفْسِهِ، وقابَلَ تَصَرُّفَهُ بِالنُّورِ، ومُلازِمَةُ النُّورِ لَهُ بِاسْتِقْرارِ الكافِرِ ﴿فِي الظُّلُماتِ﴾ وكَوْنِهِ لا يُفارِقُها، وأكَّدَ ذَلِكَ بِدُخُولِ الباءِ في خَبَرِ لَيْسَ، ويَبْعُدُ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّ النُّورَ والظُّلْمَةَ هُما يَوْمَ القِيامَةِ إشارَةً إلى قَوْلِهِ: ﴿يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ﴾ [الحديد: ١٢]، وإلى ظُلْمَةِ جَهَنَّمَ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَثَلِ في قَوْلِهِ ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ [البقرة: ١٧]، وقَرَأ طَلْحَةُ: (أفَمَن)، الفاءُ بَدَلُ الواوِ. ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى إحْياءِ المُؤْمِنِ، أوْ إلى كَوْنِ الكافِرِ في الظُّلُماتِ، أيْ: كَما أحْيَيْنا المُؤْمِنَ زُيِّنَ لِلْكافِرِ، أوْ كَكَيْنُونَةِ الكافِرِ في الظُّلُماتِ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ. والفاعِلُ مَحْذُوفٌ. قالَ الحَسَنُ: هو الشَّيْطانُ، وقالَ غَيْرُهُ: اللَّهُ - تَعالى - وجَوَّزَ الوَجْهَيْنِ الزَّمَخْشَرِيُّ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في التَّزْيِينِ، وقِيلَ: المُزَيِّنُ الأكابِرُ الأصاغِرُ.

الأنعام 6:122

﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ قالَ السَّخاوِيُّ: قالَ مَكْحُولٌ: ورُوِيَ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ وعُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ مِثْلَ ذَلِكَ، وأجازَ ذَبائِحَ أهْلِ الكِتابِ وإنْ لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْها، وذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّ الآيَةَ مَحْكَمَةٌ ولا يَجُوزُ لَنا أنْ نَأْكُلَ مِن ذَبائِحِهِمْ إلّا ما ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ اللَّهِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وعائِشَةَ وابْنِ عُمَرَ. انْتَهى. ولا يُسَمّى هَذا نَسْخًا بَلْ هو تَخْصِيصٌ، ولَمّا أمَرَ بِأكْلِ ما سُمِّيَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وكانَ مَفْهُومُهُ أنَّهُ لا يَأْكُلُ مِمّا لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، أكَّدَ هَذا المَفْهُومَ بِالنَّصِّ عَلَيْهِ، والظّاهِرُ تَحْرِيمُ أكْلِ ما لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ عَمْدًا كَأنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ، أوْ نِسْيانًا، وبِهِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عُمَرَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الخَطِيمِيُّ وابْنُ سِيرِينَ والشَّعْبِيُّ ونافِعٌ وأبُو ثَوْرٍ وداوُدُ في رِوايَةٍ، وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا في رِوايَةٍ، وأبُو عِياضٍ وأبُو رافِعٍ وعَطاءٌ وابْنُ المُسَيِّبِ والحَسَنُ وجابِرٌ وعِكْرِمَةُ وطاوُسُ والنَّخَعِيُّ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي لَيْلى ورَبِيعَةُ ومالِكٌ في رِوايَةٍ، والشّافِعِيُّ والأصَمُّ: يَحِلُّ أكْلُ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا كانَ التُّرْكُ أوْ نِسْيانًا. وقالَ مُجاهِدٌ وطاوُسُ أيْضًا، وابْنُ شِهابٍ وابْنُ جُبَيْرٍ وعَطاءٌ في رِوايَةٍ، وأبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ، والثَّوْرِيُّ والحَسَنُ بْنُ حُيَيٍّ والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ وإسْحاقُ ومالِكٌ في رِوايَةٍ، وأحْمَدُ في رِوايَةٍ، وابْنُ أبِي القاسِمِ وعِيسى وأصْبُغُ: يُؤْكَلُ إنْ كانَ التَّرْكُ ناسِيًا، وإنْ كانَ عَمْدًا لَمْ يُؤْكَلْ، واخْتارَهُ النَّحّاسُ وقالَ: لا يُسَمّى فاسِقًا إذا كانَ ناسِيًا، ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ جَوازُ أكْلِ ذَبِيحَةِ النّاسِي لِلتَّسْمِيَةِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقالَ أشْهَبُ والطَّبَرِيُّ: تُؤْكَلُ ذَبِيحَةُ تارِكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا إلّا أنْ يَكُونَ مُسْتَخِفًّا. وقالَ أبُو بَكْرٍ الآيِذِيُّ: يُكْرَهُ أكْلُ ذَبِيحَةِ تارِكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا. وتَحْتاجُ هَذِهِ التَّخْصِيصاتُ إلى دَلائِلَ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ظاهِرُهُ لِعُمُومِ الآيَةِ، وهو مَتْرُوكُ التَّسْمِيَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ: إنَّهُ المَيْتَةُ، وعَنْهُ أنَّهُ المَيْتَةُ والمُنْخَنِقَةُ إلى: وما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ، وقالَ عَطاءٌ: ذَبائِحُ لِلْأوْثانِ كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ، وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: صَيْدُ المُشْرِكِينَ لِأنَّهم (p-٢١٣)لا يُسَمُّونَ عِنْدَ إرْسالِ السَّهْمَ ولا هم مِن أهْلِ التَّسْمِيَةِ. قالَ الحَسَنُ: الفِسْقُ الكُفْرُ، قالَ الكِرْمانِيُّ: يُرِيدُ مَعَ الِاسْتِحْلالِ، وقالَ غَيْرُهُ: الفِسْقُ المَعْصِيَةُ، والضَّمِيرُ في (وإنَّهُ) عائِدٌ إلى المَصْدَرِ الدّالِّ عَلَيْهِ (تَأْكُلُوا)، أيْ: وإنَّ الأكْلَ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ واقْتَصَرَ عَلَيْهِ، وجَوَّزَ مَعَهُ الحَوْفِيُّ في أنْ يَعُودَ عَلى ”ما“ مِن قَوْلِهِ: ﴿مِمّا لَمْ يُذْكَرِ﴾، وجَوَّزَ مَعَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَعُودَ عَلى الذِّكْرِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ ﴿لَمْ يُذْكَرِ﴾ . انْتَهى. ومَعْنى أنَّهُ عائِدٌ عَلى المَصْدَرِ المَنفِيِّ كَأنَّهُ قِيلَ: وإنَّ تَرْكَ الذِّكْرِ لِفِسْقٌ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وتَضَمَّنَتْ مَعْنى التَّعْلِيلِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لِفِسْقِهِ. ﴿وإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ﴾ أيْ: وإنَّ شَياطِينَ الجِنِّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ. وقالَ عِكْرِمَةُ: مَرَدَةُ الإنْسِ مِن مَجُوسِ فارِسَ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ كِتابَتِهِمْ إلى قُرَيْشٍ، أيْ: لَيُوَسْوِسُونَ إلى كَفّارِ قُرَيْشٍ بِإلْهامِهِمْ تِلْكَ الحُجَّةَ في أمْرِ الذَّبائِحِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها، أوْ عَلى ألْسِنَةِ الكُهّانِ في زَمانِهِمْ لِيُجادِلُوكم. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِقَوْلِهِمْ: ولا تَأْكُلُونَ ما قَتَلَهُ اللَّهُ، وبِهَذا تَرَجَّحَ تَأْوِيلُ مَن تَأوَّلَ بِالمَيْتَةِ. انْتَهى. والأحْسَنُ حَمْلُ الآيَةِ عَلى عَدَمِ التَّخْصِيصِ بِما ذَكَرُوهُ، بَلْ هَذا إخْبارٌ أنَّ ما صَدَرَ مِن جِدالِ الكُفّارِ لِلْمُؤْمِنِينَ ومُنازَعَتِهِمْ فَإنَّما هو مِنَ الشَّياطِينِ يُوَسْوِسُونَ لَهم بِذَلِكَ، ولِذَلِكَ خُتِمَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ أيْ: وإنْ أطَعْتُمْ أوْلِياءَ الشَّياطِينِ إنَّكم لَمُشْرِكُونَ؛ لِأنَّ طاعَتَهم طاعَةٌ لِلشَّياطِينِ، وذَلِكَ إشْراكٌ، ولا يَكُونُ مُشْرِكًا حَقِيقَةً حَتّى يُطِيعَهُ في الِاعْتِقادِ، وأمّا إذا أطاعَهُ في الفِعْلِ وهو سَلِيمُ الِاعْتِقادِ فَهو فاسِقٌ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ إخْبارٌ يَتَضَمَّنُ الوَعِيدَ، وأصْعَبُ ما عَلى المُؤْمِنِ أنْ يُشْبِهَ المُشْرِكَ فَضْلًا أنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِ بِالشِّرْكِ. وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الَّذِينَ جادَلُوا بِتِلْكَ الحُجَّةِ قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ، وضُعِّفَ بِأنَّ اليَهُودَ لا تَأْكُلُ المَيْتَةَ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ المُغالَطَةِ وإجابَتِهِمْ عَنِ العَرَبِ فَيُمْكِنُ. وجَوابُ الشَّرْطِ زَعَمَ الحَوْفِيُّ أنَّهُ ﴿إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ عَلى حَذْفِ الفاءِ، أيْ: فَإنَّكم، وهَذا الحَذْفُ مِنَ الضَّرائِرِ فَلا يَكُونُ في القُرْآنِ، وإنَّما الجَوابُ مَحْذُوفٌ، و﴿إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، التَّقْدِيرُ: واللَّهِ إنْ أطَعْتُمُوهم، لِقَوْلِهِ: ”وإنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لِيَمَسَّنَّ“،، وقَوْلِهِ: ﴿وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ﴾ [الأعراف: ٢٣]، وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ هَذا التَّرْكِيبُ بِتَقْدِيرِ اللّامِ المُؤْذِنَةِ بِالقَسَمِ المَحْذُوفِ عَلى إنِ الشَّرْطِيَّةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ﴾ [الحشر: ١٢]، وحُذِفَ جَوابُ الشَّرْطِ لِدَلالَةِ جَوابِ القَسَمِ عَلَيْهِ. ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها﴾ «قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في حَمْزَةَ وأبِي جَهْلٍ، (p-٢١٤)رَمى الرَّسُولَ بِفَرْثٍ، فَأخْبَرَ بِذَلِكَ حَمْزَةَ حِينَ رَجَعَ مِن قَنْصِهِ وبِيَدِهِ قَوْسٌ، وكانَ لَمْ يُسْلِمْ، فَغَضِبَ فَعَلا بِها أبا جَهْلٍ وهو يَتَضَرَّعُ إلَيْهِ ويَقُولُ: سَفَّهَ عُقُولَنا وسَبَّ آلِهَتِنا وخالَفَ آباءَنا، فَقالَ حَمْزَةُ: ومَن أسْفَهُ مِنكم، تَعْبُدُونَ الحِجارَةَ مِن دُونِ اللَّهِ، وأسْلَمَ» . وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا أنَّها نَزَلَتْ في عَمّارٍ وأبِي جَهْلٍ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: في عُمَرَ وأبِي جَهْلٍ، لَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ مَثَّلَ تَعالى بِأنْ شَبَّهَ المُؤْمِنَ بَعْدَ أنْ كانَ كافِرًا بِالحَيِّ المَجْعُولِ لَهُ نُورٌ يَتَصَرَّفُ بِهِ كَيْفَ سَلَكَ، والكافِرَ بِالمُخْتَلِطِ في الظُّلُماتِ المُسْتَقِرِّ فِيها دائِمًا، لِيُظْهِرَ الفَرْقَ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، والمَوْتُ والحَياةُ والنُّورُ والظُّلْمَةُ مَجازٌ، فالظُّلْمَةُ مَجازٌ عَنِ الكُفْرِ، والنُّورُ مَجازٌ عَنِ الإيمانِ، والمَوْتُ مَجازٌ عَنِ الكُفْرِ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: المَوْتُ مَجازٌ عَنْ كَوْنِهِ في ظُلْمَةِ البَطْنِ، لا يُبْصِرُ ولا يَعْقِلُ شَيْئًا، ثُمَّ أُخْرِجَ فَأبْصَرَ وعَقَلَ، نَقُولُ: لا يَسْتَوِي مَن أُخْرِجَ مِنَ الظُّلُماتِ ومَن تُرِكَ فِيها، فَكَذَلِكَ لا يَسْتَوِي المُؤْمِنُ الَّذِي يُبْصِرُ الحَقَّ ويَعْمَلُ بِهِ، والكافِرُ الَّذِي لا يُبْصِرُ، ونَحْوٌ مِنهُ قَوْلُ ابْنِ بَحْرٍ قالَ: أوَمَن كانَ نُطْفَةً أوْ عَلَقَةً أوْ مُضْغَةً فَصَوَّرْناهُ ونَفَخْنا فِيهِ الرُّوحَ. انْتَهى. وأمّا النُّورُ فَهو نُورُ الحِكْمَةِ أوْ نُورُ الدِّينِ أوِ القُرْآنُ، أقْوالٌ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: الحَياةُ الِاسْتِعْدادُ لِقَبُولِ المَعارِفِ، فَتَحْصُلُ لَهُ عُلُومٌ كُلِّيَّةٌ أوَّلِيَّةٌ وهي المُسَمّاةُ بِالعَقْلِ، والنُّورُ ما تُوَصِّلُ إلَيْهِ تَرْكِيبُ تِلْكَ البَدِيهِيّاتِ مِنَ المَجْهُولاتِ النَّظَرِيَّةِ، ومَشْيُهُ في النّاسِ كَوْنُهُ صارَ مُحْضِرًا لِلْمَعارِفِ القُدْسِيَّةِ والجَلايا الرُّوحانِيَّةِ ناظِرًا إلَيْها، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ الحَياةُ الِاسْتِعْدادُ القائِمُ بِجَوْهَرِ الرُّوحِ، والنُّورُ اتِّصالُ نُورِ الوَحْيِ والتَّنْزِيلِ بِهِ، فالبَصِيرَةُ لا بُدَّ فِيها مِن أمْرَيْنِ: سَلامَةُ حاسَّةِ العَقْلِ، وطُلُوعُ نُورِ الوَحْيِ، كَما أنَّ البَصَرَ لا بُدَّ فِيهِ مِن أمْرَيْنِ: سَلامَةُ الحاسَّةِ وطُلُوعُ الشَّمْسِ، انْتَهى مُلَخَّصًا. وهو بَعِيدٌ مِن مَناحِي كَلامِ العَرَبِ ومَفْهُوماتِها، ولَمّا ذَكَرَ صِفَةَ الإحْسانِ إلى العَبْدِ المُؤْمِنِ نَسَبَ ذَلِكَ إلَيْهِ فَقالَ: ﴿فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا﴾، وفي صِفَةِ الكافِرِ لَمْ يَنْسُبْها إلى نَفْسِهِ بَلْ قالَ: ﴿كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ﴾، ولَمّا كانَتْ أنْواعُ الكُفْرِ مُتَعَدِّدَةً قالَ: ﴿فِي الظُّلُماتِ﴾، ولَمّا ذَكَرَ جَعْلَ النُّورِ لِلْمَيِّتِ قالَ: ”يَمْشِي بِهِ في النّاسِ“، أيْ: يَصْحَبُهُ كَيْفَ تَقَلَّبَ، وقالَ: في النّاسِ إشارَةً إلى تَنْوِيرِهِ عَلى نَفْسِهِ وعَلى غَيْرِهِ مِنَ النّاسِ، فَذَكَرَ أنَّ مَنفَعَةَ المُؤْمِنِ لَيْسَتْ مُقْتَصِرَةً عَلى نَفْسِهِ، وقابَلَ تَصَرُّفَهُ بِالنُّورِ، ومُلازِمَةُ النُّورِ لَهُ بِاسْتِقْرارِ الكافِرِ ﴿فِي الظُّلُماتِ﴾ وكَوْنِهِ لا يُفارِقُها، وأكَّدَ ذَلِكَ بِدُخُولِ الباءِ في خَبَرِ لَيْسَ، ويَبْعُدُ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّ النُّورَ والظُّلْمَةَ هُما يَوْمَ القِيامَةِ إشارَةً إلى قَوْلِهِ: ﴿يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ﴾ [الحديد: ١٢]، وإلى ظُلْمَةِ جَهَنَّمَ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَثَلِ في قَوْلِهِ ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ [البقرة: ١٧]، وقَرَأ طَلْحَةُ: (أفَمَن)، الفاءُ بَدَلُ الواوِ. ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى إحْياءِ المُؤْمِنِ، أوْ إلى كَوْنِ الكافِرِ في الظُّلُماتِ، أيْ: كَما أحْيَيْنا المُؤْمِنَ زُيِّنَ لِلْكافِرِ، أوْ كَكَيْنُونَةِ الكافِرِ في الظُّلُماتِ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ. والفاعِلُ مَحْذُوفٌ. قالَ الحَسَنُ: هو الشَّيْطانُ، وقالَ غَيْرُهُ: اللَّهُ - تَعالى - وجَوَّزَ الوَجْهَيْنِ الزَّمَخْشَرِيُّ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في التَّزْيِينِ، وقِيلَ: المُزَيِّنُ الأكابِرُ الأصاغِرُ.

الأنعام 6:123

﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ أكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها﴾ أيْ: كَما جَعَلْنا في مَكَّةَ صَنادِيدَها (p-٢١٥)لِيَمْكُرُوا فِيها جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ، وتَضَمَّنَ ذَلِكَ فَسادَ حالِ الكَفَرَةِ المُعاصِرِينَ لِلرَّسُولِ، إذْ حالُهم حالُ مَن تَقَدَّمَهم مِن نُظَرائِهِمُ الكُفّارِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ في المُسْتَهْزِئِينَ، يَعْنِي أنَّ التَّمْثِيلَ لَهم، وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى (كَذَلِكَ زَيَّنَ)، فَتَكُونُ الإشارَةُ فِيهِ إلى ما أُشِيرُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (كَذَلِكَ زَيَّنَ)، و(جَعَلْنا) بِمَعْنى صَيَّرْنا، ومَفْعُولُها الأوَّلُ ﴿أكابِرَ مُجْرِمِيها﴾، وفي كُلِّ قَرْيَةٍ المَفْعُولُ الثّانِي، و(أكابِرَ) عَلى هَذا مُضافٌ إلى (مُجْرِمِيها)، وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ ﴿مُجْرِمِيها﴾ بَدَلًا مِن ﴿أكابِرَ﴾، وأجازَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ ﴿مُجْرِمِيها﴾ المَفْعُولَ الأوَّلَ، و﴿أكابِرَ﴾ المَفْعُولَ الثّانِيَ، والتَّقْدِيرُ: مُجْرِمِيها أكابِرَ، وما أجازاهُ خَطَأٌ وذُهُولٌ عَنْ قاعِدَةٍ نَحْوِيَّةٍ، وهو أنَّ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ إذا كانَ بِمِن مَلْفُوظًا بِها أوْ مُقَدَّرَةً أوْ مُضافَةً إلى نَكِرَةٍ كانَ مُفْرَدًا مُذَكَّرًا دائِمًا سَواءً كانَ لِمُذَكَّرٍ أوْ مُؤَنَّثٍ، مُفْرَدٍ أوْ مُثَنّى أوْ مَجْمُوعٍ، فَإذا أُنِّثَ أوْ ثُنِّيَ أوْ جُمِعَ طابَقَ ما هو لَهُ في ذَلِكَ ولَزِمَهُ أحَدُ أمْرَيْنِ: إمّا الألِفُ واللّامُ أوِ الإضافَةُ إلى مَعْرِفَةٍ، وإذا تَقَرَّرَ هَذا فالقَوْلُ بِأنَّ ﴿مُجْرِمِيها﴾ بَدَلٌ مِن ﴿أكابِرَ﴾ أوْ أنَّ ﴿مُجْرِمِيها﴾ مَفْعُولٌ أوَّلُ، خَطَأٌ لِالتِزامِهِ أنْ يَبْقى ﴿أكابِرَ﴾ مَجْمُوعًا ولَيْسَ فِيهِ ألِفٌ ولامٌ، ولا هو مُضافٌ إلى مَعْرِفَةٍ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ، وقَدْ تَنَبَّهَ الكِرْمانِيُّ لِهَذِهِ القاعِدَةِ فَقالَ: أضافَ الأكابِرَ إلى مُجْرِمِيها لِأنَّ أفْعَلُ لا يُجْمَعُ إلّا مَعَ الألِفِ واللّامِ أوْ مَعَ الإضافَةِ. انْتَهى. وكانَ يَنْبَغِي أنْ يُقَيِّدَ فَيَقُولَ: أوْ مَعَ الإضافَةِ إلى مَعْرِفَةٍ. وقَدَّرَ بَعْضُهُمُ المَفْعُولَ الثّانِيَ مَحْذُوفًا، أيْ: فُسّاقًا ﴿لِيَمْكُرُوا فِيها﴾، وهو ضَعِيفٌ جِدًّا لا يَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ القُرْآنُ عَلَيْهِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُقالُ أكابِرَةٌ كَما قالُوا أحْمَرَ وأحامِرَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إنَّ الأحامِرَةَ الثَّلاثَةَ أهْلَكَتْ مالِي وكُنْتُ بِهِنَّ قَدَمًا مُولَعًا انْتَهى. ولا أعْلَمَ أحَدًا أجازَ في الأفاضِلِ أنْ يُقالَ الأفاضِلَةَ، بَلِ الَّذِي ذَكَرَهُ النَّحْوِيُّونَ أنَّ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ يُجْمَعُ لِلْمُذَكَّرِ عَلى الأفْضَلِينَ أوِ الأفاضِلِ، وخَصَّ الأكابِرَ لِأنَّهم أقْدَرُ عَلى الفَسادِ والتَّحَيُّلِ والمَكْرِ لِرِئاسَتِهِمْ وسِعَةِ أرْزاقِهِمْ واسْتِتْباعِهِمُ الضُّعَفاءَ والمَحاوِيجَ. قالَ البَغَوِيُّ: سُنَّةُ اللَّهِ أنَّهُ جَعَلَ أتْباعَ الرُّسُلِ الضُّعَفاءَ كَما قالَ: ﴿واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١]، وجَعَلَ فُسّاقَهم أكابِرَهم، وكانَ قَدْ جَلَسَ عَلى طَرِيقِ مَكَّةَ أرْبَعَةٌ لِيَصْرِفُوا النّاسَ عَنِ الأيْمانِ بِالرَّسُولِ، يَقُولُونَ لِكُلِّ مَن يَقْدَمُ: إيّاكَ وهَذا الرَّجُلَ فَإنَّهُ ساحِرٌ كاهِنٌ كَذّابٌ، وهَذِهِ الآيَةُ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ، إذْ حالُهُ في أنْ كانَ رُؤَساءُ قَوْمِهِ يُعادُونَهُ، كَما كانَ في قَرْيَةِ مَن يُعانِدُ الأنْبِياءَ، وقَرَأ ابْنُ مُسْلِمٍ: أكْبَرَ مُجْرِمِيها، وأفْعَلُ التَّفْضِيلِ إذا أُضِيفَ إلى مَعْرِفَةٍ وكانَ لِمُثَنّى أوْ مَجْمُوعٍ أوْ مُؤَنَّثٍ جازَ أنْ يُطابِقَ وجازَ أنْ يُفْرَدَ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ﴾ [البقرة: ٩٦]، وتَحْرِيرُ هَذا وتَفْصِيلُهُ وخِلافُهُ مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. ولامُ ﴿لِيَمْكُرُوا﴾ لامُ كَيْ. وقِيلَ: لامُ العاقِبَةِ والصَّيْرُورَةِ. ﴿وما يَمْكُرُونَ إلّا بِأنْفُسِهِمْ وما يَشْعُرُونَ﴾ أيْ: وبالُهُ يَحِيقُ بِهِمْ، كَما قالَ: ”ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ“، ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ يَحِيقُ ذَلِكَ بِهِمْ، ولا يَعْنِي شُعُورَهم عَلى الإطْلاقِ، وهو مُبالَغَةٌ في نَفْيِ العِلْمِ إذْ نَفى عَنْهُمُ الشُّعُورَ الَّذِي يَكُونُ لِلْبَهائِمِ. ﴿وإذا جاءَتْهم آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ (p-٢١٦)قالَ مُقاتِلٌ: رُوِيَ أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ قالَ: لَوْ كانَتِ النُّبُوَّةُ حَقًّا لَكُنْتُ أوْلى بِها مِنكَ؛ لِأنِّي أكْبَرُ مِنكَ سِنًّا وأكْثَرُ مِنكَ مالًا. رُوِيَ أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ: زاحَمْنا بَنِي عَبْدِ مُنافٍ في الشَّرَفِ حَتّى إذا صِرْنا كَفَرَسَيْ رِهانٍ قالُوا: مِنّا نَبِيٌّ يُوحى إلَيْهِ، واللَّهِ لا نَرْضى بِهِ ولا نَتَّبِعُهُ أبَدًا إلّا أنْ يَأْتِيَنا وحْيٌ كَما يَأْتِيهِ، فَنَزَلَتْ، ونَحْوَهُ ”﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر: ٥٢]“، والآيَةُ العَلامَةُ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ، والضَّمِيرُ في (جاءَتْهم) عائِدٌ عَلى الأكابِرِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ غَيْرُهُ: يَعُودُ عَلى المُجادِلِينَ في أكْلِ المَيْتَةِ، وتَغْيِيَةُ إيمانِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿حَتّى نُؤْتى﴾ دَلِيلٌ عَلى تَمَحُّلِهِمْ في دَعْواهم واسْتِبْعادٌ مِنهم أنَّ الإيمانَ لا يَقَعُ مِنهُمُ البَتَّةَ إذْ عَلَّقُوهُ بِمُسْتَحِيلٍ عِنْدَهم، وقَوْلُهم: ﴿رُسُلُ اللَّهِ﴾ لَيْسَ فِيهِ إقْرارٌ بِالرُّسُلِ مِنَ اللَّهِ، وإنَّما قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ والِاسْتِهْزاءِ، ولَوْ كانُوا مُوقِنِينَ وغَيْرَ مُعانِدِينَ لاتَّبَعُوا رُسُلَ اللَّهِ، والمِثْلِيَّةُ كَوْنُهم يُجْرى عَلى أيْدِيهِمُ المُعْجِزاتُ، فَتَحْيى لَهُمُ الأمْواتُ ويُفْلَقُ لَهُمُ البَحْرُ ونَحْوُ ذَلِكَ، كَما جَرَتْ عَلى أيْدِي الرُّسُلِ أوِ النُّبُوَّةِ أوْ جِبْرِيلَ والمَلائِكَةِ أوِ انْشِقاقِ القَمَرِ أوِ الدُّخانِ أوْ آيَةٍ مِنَ القُرْآنِ تَأْمُرُهم بِالإيمانِ، أقْوالٌ، آخِرُها لِلْحَسَنِ وابْنِ عَبّاسٍ، وفِيهِ: تَأْمُرُهم بِاتِّباعِ الرَّسُولِ، وأوْلاها النُّبُوَّةُ والرِّسالَةُ لِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهِ﴾، فَظاهِرُهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ المِثْلِيَّةُ هي في الرِّسالَةِ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: أخْبَرَ عَنْ غايَةِ سَفَهِهِمْ وأنَّهم يَنْكِرُونَ رِسالَتَهُ عَنْ عِلْمٍ بِها، ولَوْلا ذَلِكَ ما تَمَنَّوْا أنْ يُؤْتَوْا مِثْلَ ما أُوتِيَ. انْتَهى. ولَمْ يَتَمَنَّوْا ذَلِكَ إنَّما أخْبَرُوا أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُؤْتَوْا مِثْلَ ما أُوتِيَ الرُّسُلُ، فَعَلَّقُوا ذَلِكَ عَلى مُمْتَنِعٍ، وقَصَدُوا بِذَلِكَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ البَتَّةَ. ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ هَذا اسْتِئْنافُ إنْكارٍ عَلَيْهِمْ، وأنَّهُ تَعالى لا يَصْطَفِي لِلرِّسالَةِ إلّا مَن عَلِمَ أنَّهُ يَصْلُحُ لَها، وهو أعْلَمُ بِالجِهَةِ الَّتِي يَضَعُها فِيها، وقَدْ وضَعَها فِيمَنِ اخْتارَهُ لَها وهو رَسُولُ اللَّهِ مُحَمَّدٌ ﷺ دُونَ أكابِرِ مَكَّةَ كَأبِي جَهْلٍ والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ ونَحْوِهِما. وقِيلَ: الأبْلَغُ في تَصْدِيقِ الرُّسُلِ أنْ لا يَكُونُوا قَبْلَ البَعْثِ مُطاعِينَ في قَوْمِهِمْ؛ لِأنَّهم إنْ كانُوا مُطاعِينَ قَبْلُ اتَّبَعُوا لِأجْلِ الطّاعَةِ السّابِقَةِ، وقالُوا: (حَيْثُ) لا يُمْكِنُ إقْرارُها عَلى الظَّرْفِيَّةِ هُنا. قالَ الحَوْفِيُّ: لِأنَّهُ تَعالى لا يَكُونُ في مَكانٍ أعْلَمَ مِنهُ في مَكانٍ، فَإذا لَمْ تَكُنْ ظَرْفًا كانَتْ مَفْعُولًا عَلى السِّعَةِ، والمَفْعُولُ عَلى السِّعَةِ لا يُعْمَلُ فِيهِ أعْلَمُ؛ لِأنَّهُ لا يَعْمَلُ في المَفْعُولاتِ فَيَكُونُ العامِلُ فِيهِ فِعْلٌ دَلَّ عَلَيْهِ أعْلَمُ. وقالَ أبُو البَقاءِ: والتَّقْدِيرُ يَعْلَمُ مَوْضِعَ رِسالاتِهِ، ولَيْسَ ظَرْفًا لِأنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ يَعْلَمُ في هَذا المَكانِ كَذا، ولَيْسَ المَعْنى عَلَيْهِ، وكَذا قَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ التِّبْرِيزِيُّ: (حَيْثُ) هُنا اسْمٌ لا ظَرْفٌ، انْتَصَبَ انْتِصابَ المَفْعُولِ، كَما في قَوْلِ الشَّمّاخِ: ؎وحَلَّأها عَنْ ذِي الأراكَةِ عامِرُ ∗∗∗ أخُو الخُضْرِ يَرْمِي حَيْثُ تُكْوى النَّواحِرُ فَجَعَلَ مَفْعُولًا بِهِ لِأنَّهُ لَيْسَ يُرِيدُ أنَّهُ يَرْمِي شَيْئًا حَيْثُ تُكْوى النَّواحِرُ، إنَّما يُرِيدُ أنَّهُ يَرْمِي ذَلِكَ المَوْضِعَ. انْتَهى. وما قالَهُ مِن أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ عَلى السِّعَةِ أوْ مَفْعُولٌ بِهِ عَلى غَيْرِ السِّعَةِ، تَأْباهُ قَواعِدُ النَّحْوِ؛ لِأنَّ النُّحاةَ نَصُّوا عَلى أنَّ حَيْثُ مَنَّ الظُّرُوفِ الَّتِي لا تَتَصَرَّفُ، وشَذَّ إضافَةُ لَدى إلَيْها وجَرُّها بِالياءِ، ونَصُّوا عَلى أنَّ الظَّرْفَ الَّذِي يُتَوَسَّعُ فِيهِ لا يَكُونُ إلّا مُتَصَرِّفًا، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ امْتَنَعَ نَصْبُ (حَيْثُ) عَلى المَفْعُولِ بِهِ لا عَلى السِّعَةِ ولا عَلى غَيْرِها، والَّذِي يَظْهَرُ لِي إقْرارُ (حَيْثُ) عَلى الظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ، عَلى أنَّ تَضَمُّنَ (أعْلَمُ) مَعْنى ما يَتَعَدّى إلى الظَّرْفِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: اللَّهُ أنْفَذُ عِلْمًا ﴿حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهِ﴾، أيْ: هو نافِذُ العِلْمِ في المَوْضِعِ الَّذِي يَجْعَلُ فِيهِ رِسالَتَهُ، والظَّرْفِيَّةُ هُنا مَجازٌ كَما قُلْنا، ورُوِيَ (حَيْثُ) بِالفَتْحِ، فَقِيلَ: حَرَكَةُ بِناءٍ، وقِيلَ: حَرَكَةُ إعْرابٍ، ويَكُونُ ذَلِكَ عَلى لُغَةِ بَنِي فَقْعَسٍ، فَإنَّهم يُعْرِبُونَ (حَيْثُ)، حَكاها الكِسائِيُّ. (p-٢١٧)وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ: رِسالَتَهُ بِالتَّوْحِيدِ، وباقِي السَّبْعَةِ عَلى الجَمْعِ. ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ﴾ هَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ، وعَلَّقَ الإصابَةَ بِمَن أجْرَمَ لِيَعُمَّ الأكابِرَ وغَيْرَهم، والصَّغارُ: الذُّلُّ والهَوانُ، يُقالُ مِنهُ صَغِرَ يَصْغَرُ وصَغُرَ يَصْغُرُ صَغَرًا وصِغارًا، واسْمُ الفاعِلِ صاغِرٌ وصَغِيرٌ، وأرْضٌ مُصْغِرٌ لَمْ يَطُلْ نَبْتُها، عَنِ ابْنِ السِّكِّيتِ: وقابَلَ الأكْبَرِيَّةَ بِالصَّغارِ، والعَذابِ الشَّدِيدِ مِنَ الأسْرِ والقَتْلِ في الدُّنْيا، والنّارِ في الآخِرَةِ، وإصابَةُ ذَلِكَ لَهم بِسَبَبِ مَكْرِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَمْكُرُوا فِيها﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وما يَمْكُرُونَ إلّا بِأنْفُسِهِمْ﴾، وقَدَّمَ الصَّغارَ عَلى العَذابِ لِأنَّهم تَمَرَّدُوا عَنِ اتِّباعِ الرَّسُولِ وتَكَبَّرُوا طَلَبًا لِلْعِزِّ والكَرامَةِ، فَقُوبِلُوا أوَّلًا بِالهَوانِ والذُّلِّ، ولَمّا كانَتِ الطّاعَةُ يَنْشَأُ عَنْها التَّعْظِيمُ ثُمَّ الثَّوابُ عَلَيْها نَشَأ عَنِ المَعْصِيَةِ الإهانَةُ ثُمَّ العِقابُ عَلَيْها، ومَعْنى (عِنْدَ اللَّهِ) قالَ الزَّجّاجُ: في عَرْصَةِ قَضاءِ الآخِرَةِ. وقالَ الفَرّاءُ: في حُكْمِ اللَّهِ، كَما يَقُولُ عِنْدَ الشّافِعِيِّ أيْ: في حُكْمِهِ. وقِيلَ: في سابِقِ عِلْمِهِ. وقِيلَ: إنَّ الجِزْيَةَ تُوضَعُ عَلَيْهِمْ لا مَحالَةَ، وأنَّ حُكْمَ اللَّهِ بِذَلِكَ مُثْبَتٌ عِنْدَهُ بِأنَّهُ سَيَكُونُ ذَلِكَ فِيهِمْ. وقالَ إسْماعِيلُ الضَّرِيرُ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، أيْ: صَغارٌ ﴿وعَذابٌ شَدِيدٌ﴾ عِنْدَ اللَّهِ في الآخِرَةِ، وانْتَصَبَ عِنْدَ (سَيُصِيبُ)، أوْ بِلَفْظِ (صِغارٌ) لِأنَّهُ مَصْدَرٌ فَيَعْمَلُ، أوْ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِ صَغارٌ فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، وقَدَّرَهُ الزَّجّاجُ: ثابِتٌ عِنْدَ اللَّهِ، و(ما) الظّاهِرُ أنَّها مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: بِكَوْنِهِمْ (يَمْكُرُونَ) . وقِيلَ: مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي.

الأنعام 6:124

﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ أكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها﴾ أيْ: كَما جَعَلْنا في مَكَّةَ صَنادِيدَها (p-٢١٥)لِيَمْكُرُوا فِيها جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ، وتَضَمَّنَ ذَلِكَ فَسادَ حالِ الكَفَرَةِ المُعاصِرِينَ لِلرَّسُولِ، إذْ حالُهم حالُ مَن تَقَدَّمَهم مِن نُظَرائِهِمُ الكُفّارِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ في المُسْتَهْزِئِينَ، يَعْنِي أنَّ التَّمْثِيلَ لَهم، وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى (كَذَلِكَ زَيَّنَ)، فَتَكُونُ الإشارَةُ فِيهِ إلى ما أُشِيرُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (كَذَلِكَ زَيَّنَ)، و(جَعَلْنا) بِمَعْنى صَيَّرْنا، ومَفْعُولُها الأوَّلُ ﴿أكابِرَ مُجْرِمِيها﴾، وفي كُلِّ قَرْيَةٍ المَفْعُولُ الثّانِي، و(أكابِرَ) عَلى هَذا مُضافٌ إلى (مُجْرِمِيها)، وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ ﴿مُجْرِمِيها﴾ بَدَلًا مِن ﴿أكابِرَ﴾، وأجازَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ ﴿مُجْرِمِيها﴾ المَفْعُولَ الأوَّلَ، و﴿أكابِرَ﴾ المَفْعُولَ الثّانِيَ، والتَّقْدِيرُ: مُجْرِمِيها أكابِرَ، وما أجازاهُ خَطَأٌ وذُهُولٌ عَنْ قاعِدَةٍ نَحْوِيَّةٍ، وهو أنَّ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ إذا كانَ بِمِن مَلْفُوظًا بِها أوْ مُقَدَّرَةً أوْ مُضافَةً إلى نَكِرَةٍ كانَ مُفْرَدًا مُذَكَّرًا دائِمًا سَواءً كانَ لِمُذَكَّرٍ أوْ مُؤَنَّثٍ، مُفْرَدٍ أوْ مُثَنّى أوْ مَجْمُوعٍ، فَإذا أُنِّثَ أوْ ثُنِّيَ أوْ جُمِعَ طابَقَ ما هو لَهُ في ذَلِكَ ولَزِمَهُ أحَدُ أمْرَيْنِ: إمّا الألِفُ واللّامُ أوِ الإضافَةُ إلى مَعْرِفَةٍ، وإذا تَقَرَّرَ هَذا فالقَوْلُ بِأنَّ ﴿مُجْرِمِيها﴾ بَدَلٌ مِن ﴿أكابِرَ﴾ أوْ أنَّ ﴿مُجْرِمِيها﴾ مَفْعُولٌ أوَّلُ، خَطَأٌ لِالتِزامِهِ أنْ يَبْقى ﴿أكابِرَ﴾ مَجْمُوعًا ولَيْسَ فِيهِ ألِفٌ ولامٌ، ولا هو مُضافٌ إلى مَعْرِفَةٍ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ، وقَدْ تَنَبَّهَ الكِرْمانِيُّ لِهَذِهِ القاعِدَةِ فَقالَ: أضافَ الأكابِرَ إلى مُجْرِمِيها لِأنَّ أفْعَلُ لا يُجْمَعُ إلّا مَعَ الألِفِ واللّامِ أوْ مَعَ الإضافَةِ. انْتَهى. وكانَ يَنْبَغِي أنْ يُقَيِّدَ فَيَقُولَ: أوْ مَعَ الإضافَةِ إلى مَعْرِفَةٍ. وقَدَّرَ بَعْضُهُمُ المَفْعُولَ الثّانِيَ مَحْذُوفًا، أيْ: فُسّاقًا ﴿لِيَمْكُرُوا فِيها﴾، وهو ضَعِيفٌ جِدًّا لا يَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ القُرْآنُ عَلَيْهِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُقالُ أكابِرَةٌ كَما قالُوا أحْمَرَ وأحامِرَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إنَّ الأحامِرَةَ الثَّلاثَةَ أهْلَكَتْ مالِي وكُنْتُ بِهِنَّ قَدَمًا مُولَعًا انْتَهى. ولا أعْلَمَ أحَدًا أجازَ في الأفاضِلِ أنْ يُقالَ الأفاضِلَةَ، بَلِ الَّذِي ذَكَرَهُ النَّحْوِيُّونَ أنَّ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ يُجْمَعُ لِلْمُذَكَّرِ عَلى الأفْضَلِينَ أوِ الأفاضِلِ، وخَصَّ الأكابِرَ لِأنَّهم أقْدَرُ عَلى الفَسادِ والتَّحَيُّلِ والمَكْرِ لِرِئاسَتِهِمْ وسِعَةِ أرْزاقِهِمْ واسْتِتْباعِهِمُ الضُّعَفاءَ والمَحاوِيجَ. قالَ البَغَوِيُّ: سُنَّةُ اللَّهِ أنَّهُ جَعَلَ أتْباعَ الرُّسُلِ الضُّعَفاءَ كَما قالَ: ﴿واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١]، وجَعَلَ فُسّاقَهم أكابِرَهم، وكانَ قَدْ جَلَسَ عَلى طَرِيقِ مَكَّةَ أرْبَعَةٌ لِيَصْرِفُوا النّاسَ عَنِ الأيْمانِ بِالرَّسُولِ، يَقُولُونَ لِكُلِّ مَن يَقْدَمُ: إيّاكَ وهَذا الرَّجُلَ فَإنَّهُ ساحِرٌ كاهِنٌ كَذّابٌ، وهَذِهِ الآيَةُ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ، إذْ حالُهُ في أنْ كانَ رُؤَساءُ قَوْمِهِ يُعادُونَهُ، كَما كانَ في قَرْيَةِ مَن يُعانِدُ الأنْبِياءَ، وقَرَأ ابْنُ مُسْلِمٍ: أكْبَرَ مُجْرِمِيها، وأفْعَلُ التَّفْضِيلِ إذا أُضِيفَ إلى مَعْرِفَةٍ وكانَ لِمُثَنّى أوْ مَجْمُوعٍ أوْ مُؤَنَّثٍ جازَ أنْ يُطابِقَ وجازَ أنْ يُفْرَدَ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ﴾ [البقرة: ٩٦]، وتَحْرِيرُ هَذا وتَفْصِيلُهُ وخِلافُهُ مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. ولامُ ﴿لِيَمْكُرُوا﴾ لامُ كَيْ. وقِيلَ: لامُ العاقِبَةِ والصَّيْرُورَةِ. ﴿وما يَمْكُرُونَ إلّا بِأنْفُسِهِمْ وما يَشْعُرُونَ﴾ أيْ: وبالُهُ يَحِيقُ بِهِمْ، كَما قالَ: ”ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ“، ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ يَحِيقُ ذَلِكَ بِهِمْ، ولا يَعْنِي شُعُورَهم عَلى الإطْلاقِ، وهو مُبالَغَةٌ في نَفْيِ العِلْمِ إذْ نَفى عَنْهُمُ الشُّعُورَ الَّذِي يَكُونُ لِلْبَهائِمِ. ﴿وإذا جاءَتْهم آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ (p-٢١٦)قالَ مُقاتِلٌ: رُوِيَ أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ قالَ: لَوْ كانَتِ النُّبُوَّةُ حَقًّا لَكُنْتُ أوْلى بِها مِنكَ؛ لِأنِّي أكْبَرُ مِنكَ سِنًّا وأكْثَرُ مِنكَ مالًا. رُوِيَ أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ: زاحَمْنا بَنِي عَبْدِ مُنافٍ في الشَّرَفِ حَتّى إذا صِرْنا كَفَرَسَيْ رِهانٍ قالُوا: مِنّا نَبِيٌّ يُوحى إلَيْهِ، واللَّهِ لا نَرْضى بِهِ ولا نَتَّبِعُهُ أبَدًا إلّا أنْ يَأْتِيَنا وحْيٌ كَما يَأْتِيهِ، فَنَزَلَتْ، ونَحْوَهُ ”﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر: ٥٢]“، والآيَةُ العَلامَةُ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ، والضَّمِيرُ في (جاءَتْهم) عائِدٌ عَلى الأكابِرِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ غَيْرُهُ: يَعُودُ عَلى المُجادِلِينَ في أكْلِ المَيْتَةِ، وتَغْيِيَةُ إيمانِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿حَتّى نُؤْتى﴾ دَلِيلٌ عَلى تَمَحُّلِهِمْ في دَعْواهم واسْتِبْعادٌ مِنهم أنَّ الإيمانَ لا يَقَعُ مِنهُمُ البَتَّةَ إذْ عَلَّقُوهُ بِمُسْتَحِيلٍ عِنْدَهم، وقَوْلُهم: ﴿رُسُلُ اللَّهِ﴾ لَيْسَ فِيهِ إقْرارٌ بِالرُّسُلِ مِنَ اللَّهِ، وإنَّما قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ والِاسْتِهْزاءِ، ولَوْ كانُوا مُوقِنِينَ وغَيْرَ مُعانِدِينَ لاتَّبَعُوا رُسُلَ اللَّهِ، والمِثْلِيَّةُ كَوْنُهم يُجْرى عَلى أيْدِيهِمُ المُعْجِزاتُ، فَتَحْيى لَهُمُ الأمْواتُ ويُفْلَقُ لَهُمُ البَحْرُ ونَحْوُ ذَلِكَ، كَما جَرَتْ عَلى أيْدِي الرُّسُلِ أوِ النُّبُوَّةِ أوْ جِبْرِيلَ والمَلائِكَةِ أوِ انْشِقاقِ القَمَرِ أوِ الدُّخانِ أوْ آيَةٍ مِنَ القُرْآنِ تَأْمُرُهم بِالإيمانِ، أقْوالٌ، آخِرُها لِلْحَسَنِ وابْنِ عَبّاسٍ، وفِيهِ: تَأْمُرُهم بِاتِّباعِ الرَّسُولِ، وأوْلاها النُّبُوَّةُ والرِّسالَةُ لِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهِ﴾، فَظاهِرُهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ المِثْلِيَّةُ هي في الرِّسالَةِ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: أخْبَرَ عَنْ غايَةِ سَفَهِهِمْ وأنَّهم يَنْكِرُونَ رِسالَتَهُ عَنْ عِلْمٍ بِها، ولَوْلا ذَلِكَ ما تَمَنَّوْا أنْ يُؤْتَوْا مِثْلَ ما أُوتِيَ. انْتَهى. ولَمْ يَتَمَنَّوْا ذَلِكَ إنَّما أخْبَرُوا أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُؤْتَوْا مِثْلَ ما أُوتِيَ الرُّسُلُ، فَعَلَّقُوا ذَلِكَ عَلى مُمْتَنِعٍ، وقَصَدُوا بِذَلِكَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ البَتَّةَ. ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ هَذا اسْتِئْنافُ إنْكارٍ عَلَيْهِمْ، وأنَّهُ تَعالى لا يَصْطَفِي لِلرِّسالَةِ إلّا مَن عَلِمَ أنَّهُ يَصْلُحُ لَها، وهو أعْلَمُ بِالجِهَةِ الَّتِي يَضَعُها فِيها، وقَدْ وضَعَها فِيمَنِ اخْتارَهُ لَها وهو رَسُولُ اللَّهِ مُحَمَّدٌ ﷺ دُونَ أكابِرِ مَكَّةَ كَأبِي جَهْلٍ والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ ونَحْوِهِما. وقِيلَ: الأبْلَغُ في تَصْدِيقِ الرُّسُلِ أنْ لا يَكُونُوا قَبْلَ البَعْثِ مُطاعِينَ في قَوْمِهِمْ؛ لِأنَّهم إنْ كانُوا مُطاعِينَ قَبْلُ اتَّبَعُوا لِأجْلِ الطّاعَةِ السّابِقَةِ، وقالُوا: (حَيْثُ) لا يُمْكِنُ إقْرارُها عَلى الظَّرْفِيَّةِ هُنا. قالَ الحَوْفِيُّ: لِأنَّهُ تَعالى لا يَكُونُ في مَكانٍ أعْلَمَ مِنهُ في مَكانٍ، فَإذا لَمْ تَكُنْ ظَرْفًا كانَتْ مَفْعُولًا عَلى السِّعَةِ، والمَفْعُولُ عَلى السِّعَةِ لا يُعْمَلُ فِيهِ أعْلَمُ؛ لِأنَّهُ لا يَعْمَلُ في المَفْعُولاتِ فَيَكُونُ العامِلُ فِيهِ فِعْلٌ دَلَّ عَلَيْهِ أعْلَمُ. وقالَ أبُو البَقاءِ: والتَّقْدِيرُ يَعْلَمُ مَوْضِعَ رِسالاتِهِ، ولَيْسَ ظَرْفًا لِأنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ يَعْلَمُ في هَذا المَكانِ كَذا، ولَيْسَ المَعْنى عَلَيْهِ، وكَذا قَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ التِّبْرِيزِيُّ: (حَيْثُ) هُنا اسْمٌ لا ظَرْفٌ، انْتَصَبَ انْتِصابَ المَفْعُولِ، كَما في قَوْلِ الشَّمّاخِ: ؎وحَلَّأها عَنْ ذِي الأراكَةِ عامِرُ ∗∗∗ أخُو الخُضْرِ يَرْمِي حَيْثُ تُكْوى النَّواحِرُ فَجَعَلَ مَفْعُولًا بِهِ لِأنَّهُ لَيْسَ يُرِيدُ أنَّهُ يَرْمِي شَيْئًا حَيْثُ تُكْوى النَّواحِرُ، إنَّما يُرِيدُ أنَّهُ يَرْمِي ذَلِكَ المَوْضِعَ. انْتَهى. وما قالَهُ مِن أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ عَلى السِّعَةِ أوْ مَفْعُولٌ بِهِ عَلى غَيْرِ السِّعَةِ، تَأْباهُ قَواعِدُ النَّحْوِ؛ لِأنَّ النُّحاةَ نَصُّوا عَلى أنَّ حَيْثُ مَنَّ الظُّرُوفِ الَّتِي لا تَتَصَرَّفُ، وشَذَّ إضافَةُ لَدى إلَيْها وجَرُّها بِالياءِ، ونَصُّوا عَلى أنَّ الظَّرْفَ الَّذِي يُتَوَسَّعُ فِيهِ لا يَكُونُ إلّا مُتَصَرِّفًا، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ امْتَنَعَ نَصْبُ (حَيْثُ) عَلى المَفْعُولِ بِهِ لا عَلى السِّعَةِ ولا عَلى غَيْرِها، والَّذِي يَظْهَرُ لِي إقْرارُ (حَيْثُ) عَلى الظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ، عَلى أنَّ تَضَمُّنَ (أعْلَمُ) مَعْنى ما يَتَعَدّى إلى الظَّرْفِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: اللَّهُ أنْفَذُ عِلْمًا ﴿حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهِ﴾، أيْ: هو نافِذُ العِلْمِ في المَوْضِعِ الَّذِي يَجْعَلُ فِيهِ رِسالَتَهُ، والظَّرْفِيَّةُ هُنا مَجازٌ كَما قُلْنا، ورُوِيَ (حَيْثُ) بِالفَتْحِ، فَقِيلَ: حَرَكَةُ بِناءٍ، وقِيلَ: حَرَكَةُ إعْرابٍ، ويَكُونُ ذَلِكَ عَلى لُغَةِ بَنِي فَقْعَسٍ، فَإنَّهم يُعْرِبُونَ (حَيْثُ)، حَكاها الكِسائِيُّ. (p-٢١٧)وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ: رِسالَتَهُ بِالتَّوْحِيدِ، وباقِي السَّبْعَةِ عَلى الجَمْعِ. ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ﴾ هَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ، وعَلَّقَ الإصابَةَ بِمَن أجْرَمَ لِيَعُمَّ الأكابِرَ وغَيْرَهم، والصَّغارُ: الذُّلُّ والهَوانُ، يُقالُ مِنهُ صَغِرَ يَصْغَرُ وصَغُرَ يَصْغُرُ صَغَرًا وصِغارًا، واسْمُ الفاعِلِ صاغِرٌ وصَغِيرٌ، وأرْضٌ مُصْغِرٌ لَمْ يَطُلْ نَبْتُها، عَنِ ابْنِ السِّكِّيتِ: وقابَلَ الأكْبَرِيَّةَ بِالصَّغارِ، والعَذابِ الشَّدِيدِ مِنَ الأسْرِ والقَتْلِ في الدُّنْيا، والنّارِ في الآخِرَةِ، وإصابَةُ ذَلِكَ لَهم بِسَبَبِ مَكْرِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَمْكُرُوا فِيها﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وما يَمْكُرُونَ إلّا بِأنْفُسِهِمْ﴾، وقَدَّمَ الصَّغارَ عَلى العَذابِ لِأنَّهم تَمَرَّدُوا عَنِ اتِّباعِ الرَّسُولِ وتَكَبَّرُوا طَلَبًا لِلْعِزِّ والكَرامَةِ، فَقُوبِلُوا أوَّلًا بِالهَوانِ والذُّلِّ، ولَمّا كانَتِ الطّاعَةُ يَنْشَأُ عَنْها التَّعْظِيمُ ثُمَّ الثَّوابُ عَلَيْها نَشَأ عَنِ المَعْصِيَةِ الإهانَةُ ثُمَّ العِقابُ عَلَيْها، ومَعْنى (عِنْدَ اللَّهِ) قالَ الزَّجّاجُ: في عَرْصَةِ قَضاءِ الآخِرَةِ. وقالَ الفَرّاءُ: في حُكْمِ اللَّهِ، كَما يَقُولُ عِنْدَ الشّافِعِيِّ أيْ: في حُكْمِهِ. وقِيلَ: في سابِقِ عِلْمِهِ. وقِيلَ: إنَّ الجِزْيَةَ تُوضَعُ عَلَيْهِمْ لا مَحالَةَ، وأنَّ حُكْمَ اللَّهِ بِذَلِكَ مُثْبَتٌ عِنْدَهُ بِأنَّهُ سَيَكُونُ ذَلِكَ فِيهِمْ. وقالَ إسْماعِيلُ الضَّرِيرُ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، أيْ: صَغارٌ ﴿وعَذابٌ شَدِيدٌ﴾ عِنْدَ اللَّهِ في الآخِرَةِ، وانْتَصَبَ عِنْدَ (سَيُصِيبُ)، أوْ بِلَفْظِ (صِغارٌ) لِأنَّهُ مَصْدَرٌ فَيَعْمَلُ، أوْ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِ صَغارٌ فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، وقَدَّرَهُ الزَّجّاجُ: ثابِتٌ عِنْدَ اللَّهِ، و(ما) الظّاهِرُ أنَّها مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: بِكَوْنِهِمْ (يَمْكُرُونَ) . وقِيلَ: مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي.

الأنعام 6:125

﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماءِ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في الرَّسُولِ ﷺ وفي أبِي جَهْلٍ، والهِدايَةُ هُنا مُقابِلَةُ الضَّلالَةِ، والشَّرْحُ كِنايَةٌ عَنْ جَعْلِهِ قابِلًا لِلْإسْلامِ مُتَوَسِّعًا لِقَبُولِ تَكالِيفِهِ، ونِسْبَةُ ذَلِكَ إلى صَدْرِهِ مَجازٌ عَنْ ذاتِ الشَّخْصِ، ولِذَلِكَ قالُوا: فُلانٌ واسِعُ الصَّدْرِ إذا كانَ الشَّخْصُ مُحْتَمِلًا ما يَرِدُ عَلَيْهِ مِنَ المَشاقِّ والتَّكالِيفِ، ونِسْبَةُ إرادَةِ الهُدى والضَّلالِ إلى اللَّهِ إسْنادٌ حَقِيقِيٌّ لِأنَّهُ تَعالى هو الخالِقُ ذَلِكَ والمُوجِدُ لَهُ والمُرِيدُ لَهُ، وشَرْحُ الصَّدْرِ تَسْهِيلُ قَبُولِ الإيمانِ عَلَيْهِ وتَحْسِينُهُ وإعْدادُهُ لِقَبُولِهِ، وضَمِيرُ فاعِلِ الهُدى عائِدٌ عَلى اللَّهِ، أيْ: يَشْرَحُ اللَّهُ صَدْرَهُ، وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الهُدى المُنْسَبِكِ مِن ﴿أنْ يَهْدِيَهُ﴾، أيْ: يَشْرَحُ الهُدى صَدْرَهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَتَرَكَّبُ عَلَيْهِ مَذْهَبُ القَدَرِيَّةِ في خَلْقِ الأعْمالِ. انْتَهى. وفي الحَدِيثِ السُّؤالُ عَنْ كَيْفِيَّةِ هَذا الشَّرْحِ، وأنَّهُ إذا وقَعَ النُّورُ في القَلْبِ انْشَرَحَ الصَّدْرُ، وأمارَتُهُ الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ والتَّجافِي عَنْ دارِ الغُرُورِ، والِاسْتِعْدادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ الفَوْتِ. والضِّيقُ والحَرَجُ كِنايَةٌ عَنْ ضِدِّ الشَّرْحِ، واسْتِعارَةٌ لِعَدَمِ قَبُولِ الإيمانِ، والحَرِجُ الشَّدِيدُ الضِّيقِ، والضَّمِيرُ في (يَجْعَلْ) عائِدٌ عَلى (اللَّهُ)، ومَعْنى يَجْعَلُ يُصَيِّرُ لِأنَّ الإنْسانَ يُخْلَقُ أوَّلًا عَلى الفِطْرَةِ، وهي كَوْنُهُ مُهَيَّئًا لِما يُلْقى إلَيْهِ ولِما يُجْعَلُ فِيهِ، فَإذا أرادَ اللَّهُ إضْلالَهُ أضَلَّهُ وجَعَلَهُ لا يَقْبَلُ الإيمانَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (يَجْعَلْ) بِمَعْنى يَخْلُقُ، ويَنْتَصِبُ ﴿ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ عَلى الحالِ، أيْ: يَخْلُقُهُ عَلى هَذِهِ الهَيْئَةِ فَلا يَسْمَعُ الإيمانَ ولا يَقْبَلُهُ. ولِاعْتِزالِ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ ذَهَبَ إلى أنَّ (يَجْعَلْ) هُنا بِمَعْنى يُسَمِّي، قالَ: كَقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ [الزخرف: ١٩] قالَ: أيْ سَمُّوهم، أوْ بِمَعْنى يُحْكَمُ لَهُ بِالضِّيقِ، كَما تَقُولُ: هَذا يَجْعَلُ البَصْرَةَ مِصْرًا، أيْ: يَحْكُمُ لَها بِحُكْمِها فِرارًا مِن نِسْبَةِ خَلْقِ ذَلِكَ إلى اللَّهِ - تَعالى - أوْ تَصْيِيرُهُ وُجُوبًا عَلى مَذْهَبِهِ الِاعْتِزالِيِّ. ونَحْوٌ مِنهُ في خُرُوجِ اللَّفْظِ عَنْ ظاهِرِهِ قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: ﴿أنْ يَهْدِيَهُ﴾ أنْ يَلْطُفَ بِهِ، ولا يُرِيدُ أنْ يَلْطُفَ إلّا بِمَن لَهُ لُطْفٌ، ”يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ“: يَلْطُفْ بِهِ حَتّى يَرْغَبَ في الإسْلامِ وتَسْكُنَ (p-٢١٨)إلَيْهِ نَفْسُهُ ويُحِبَّ الدُّخُولَ فِيهِ، ﴿ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ﴾: أنْ يَخْذُلَهُ ويُخَلِّيَهُ وشَأْنَهُ، وهو الَّذِي لا لُطْفَ لَهُ، ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾: يَمْنَعُهُ ألْطافَهُ حَتّى يَقْسُوَ قَلْبُهُ ويَنْبُوَ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ ويَنْسَدُّ فَلا يَدْخُلُهُ الإيمانُ. انْتَهى. وهَذا كُلُّهُ إخْراجُ اللَّفْظِ عَنْ ظاهِرِهِ وتَأْوِيلٌ عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ، والجُمْلَةُ التَّشْبِيهِيَّةُ مَعْناها أنَّهُ كَما يُزاوِلُ أمْرًا غَيْرَ مُمْكِنٍ؛ لِأنَّ صُعُودَ السَّماءِ مَثَلٌ فِيما يَبْعُدُ ويَمْتَنِعُ مِن الِاسْتِطاعَةِ ويَضِيقُ عَلَيْهِ عِنْدَ المَقْدِرَةِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وهو قَرِيبٌ مِن تَأْوِيلِ ابْنِ جُرَيْجٍ وعَطاءٍ الخُراسانِيِّ والسُّدِّيِّ، قالُوا: أيْ كانَ هَذا الضَّيِّقُ الصَّدْرِ الحَرِجُ يُحاوِلُ الصُّعُودَ في السَّماءِ حَتّى حاوَلَ الإيمانَ أوْ فَكَّرَ فِيهِ، ويَجِدُ صُعُوبَتَهُ عَلَيْهِ كَصُعُوبَةِ الصُّعُودِ في السَّماءِ. انْتَهى. ولِامْتِناعِ ذَلِكَ عِنْدَهم حَكى اللَّهُ عَنْهم أنَّهُمُ اقْتَرَحُوا قَوْلَهم ”أوْ تَرْقى في السَّماءِ“ . وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: المَعْنى لا تَجِدُ مَسْلَكًا إلّا صَعَدًا مِن شِدَّةِ التَّضايُقِ، يُرِيدُ ضاقَتْ عَلَيْهِ الأرْضُ فَظَلَّ مُصْعِدًا إلى السَّماءِ. وقِيلَ: المَعْنى أنَّهُ عازِبُ الرَّأْيِ طائِرُ القَلْبِ في الهَواءِ كَما يَطِيرُ الشَّيْءُ الخَفِيفُ عِنْدَ عَصْفِ الرِّياحِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: (ضِيقًا) هُنا وفي الفُرْقانِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مُخَفَّفًا مِن ضَيِّقٍ كَما قالُوا لِينٌ. وقالَ الكِسائِيُّ: الضَّيِّقُ بِالتَّشْدِيدِ في الأجْرامِ وبِالتَّخْفِيفِ في المَعانِي، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، قالُوا في مَصْدَرٍ ضاقَ ضَيْقٌ بِفَتْحِ الضّادِ وكَسْرِها بِمَعْنًى واحِدٍ، فَإمّا يَنْسُبُ إلى الصَّدْرِ عَلى المُبالَغَةِ، أوْ عَلى مَعْنى الإضافَةِ، أيْ: ذا ضِيقٍ، أوْ عَلى جَعْلِهِ مَجازًا عَنِ اسْمِ الفاعِلِ، وهَذا عَلى الأوْجُهِ الثَّلاثَةِ المَقُولَةِ في نَعْتِ الأجْرامِ بِالمَصادِرِ. وقَرَأ نافِعٌ وأبُو بَكْرٍ: (حَرَجًا) بِفَتْحِ الرّاءِ وهو مَصْدَرٌ، أيْ: ذا حَرَجٍ، أوْ جُعِلَ نَفْسَ الحَرَجِ، أوْ بِمَعْنى حَرِجَ بِكَسْرِ الرّاءِ، ورُوِيَتْ عَنْ عُمَرَ وقَرَأها لَهُ ثَمَّةَ بَعْضُ الصَّحابَةِ بِالكَسْرِ، فَقالَ: ابْغُونِي رَجُلًا مِن كِنانَةَ راعِيًا ولَكِنْ مَن بَنِيَ مُدْلِجٍ، فَلَمّا جاءَهُ قالَ: يا فَتى ما الحَرِجَةُ عِنْدَكم ؟ قالَ: الشَّجَرَةُ تَكُونُ بَيْنَ الأشْجارِ لا يَصِلُ إلَيْها راعِيَةً ولا وحْشِيَّةٌ، فَقالَ عُمَرُ: كَذَلِكَ قَلْبُ المُنافِقِ لا يَصِلُ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الخَيْرِ. انْتَهى. وهَذا تَنْبِيهٌ - واللَّهُ أعْلَمُ - عَلى جِهَةِ اشْتِقاقِ الفِعْلِ مِن نَفْسِ العَيْنِ، كَقَوْلِهِمْ: اسْتَحْجَرَ واسْتَنْوَقَ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: (يَصْعَدُ) مُضارِعُ صَعِدَ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ: يَصّاعَدُ أصْلُهُ يَتَصاعَدُ فَأُدْغِمَ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: (يَصَّعَّدُ) بِتَشْدِيدِ الصّادِ والعَيْنِ، وأصْلُهُ يَتَصَعَّدُ، وبِهَذا قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وابْنُ مُصَرِّفٍ والأعْمَشُ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: ﴿كَأنَّما يَصَّعَّدُ﴾ مِن سُفْلٍ إلى عُلُوٍّ ولَمْ يُرِدِ السَّماءَ المُظِلَّةَ بِعَيْنِها، كَما قالَ سِيبَوَيْهِ: والقَيْدُودُ الطَّوِيلُ في غَيْرِ سَماءٍ، أيْ: في غَيْرِ ارْتِفاعٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّشْبِيهُ بِالصّاعِدِ في عَقَبَةٍ كَؤُودٍ كَأنَّهُ يَصْعَدُ بِها في الهَواءِ، ويَصْعَدُ مَعْناهُ يَعْلُو، ويَصَّعَّدُ مَعْناهُ يَتَكَلَّفُ مِن ذَلِكَ ما يَشُقُّ عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ: ما تَصَعَّدَنِي شَيْءٌ كَما تَصَعَّدَنِي خِطْبَةُ النِّكاحِ، ورُوِيَ: ما تَصَعَّدَنِي خِطْبَةٌ. ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الجَعْلِ جَعْلُهُ الصَّدْرَ ﴿ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ ويَبْعُدُ ما قالَهُ الزَّجّاجُ: أيْ مِثْلَ ما قَصَصْنا عَلَيْكَ (يَجْعَلُ) ومَعْنى يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ؛ يُلْقِي اللَّهُ أوْ يُصَيِّرُ اللَّهُ العَذابَ، والرِّجْسُ بِمَعْنى العَذابِ قالَهُ أهْلُ اللُّغَةِ. وتَعْدِيَةُ يَجْعَلُ بِعَلى يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ نُلْقِي كَما تَقُولُ: جَعَلْتُ مَتاعَكَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ وأنْ تَكُونَ بِمَعْنى يُصَيِّرُ و(عَلى) في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (يَجْعَلُ اللَّهُ) يَعْنِي الخِذْلانَ ومَنعَ التَّوْفِيقِ وصَفَهُ بِنَقِيضِ ما يُوصَفُ بِهِ التَّوْفِيقُ مِنَ الطِّيبِ أوْ أرادَ الفِعْلَ المُؤَدِّيَ إلى الرِّجْسِ وهو العَذابُ مِن الِارْتِجاسِ وهو الِاضْطِرابُ؛ انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقِهِ الِاعْتِزالِيِّ، ونَقِيضُ الطَّيِّبِ النَّتِنُ الرّائِحَةِ الكَرِيهَةِ، والرِّجْسُ والنَّجَسُ بِمَعْنًى واحِدٍ قالَهُ بَعْضُ أهْلِ الكُوفَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الرِّجْسُ كُلُّ ما لا خَيْرَ فِيهِ. وقالَ عَطاءٌ وابْنُ زَيْدٍ وأبُو عُبَيْدَةَ: الرِّجْسُ العَذابُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: اللَّعْنَةُ في الدُّنْيا والعَذابُ في الآخِرَةِ، وقِيلَ: الرِّجْسُ السُّخْطُ. وقالَ إسْماعِيلُ الضَّرِيرُ: الرِّجْسُ التَّعْذِيبُ وأصْلُهُ النَّتِنُ النَّجِسُ وهو رَجاسَةُ الكُفْرِ. (p-٢١٩)﴿وهَذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا﴾ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: (وهَذا) إلى القُرْآنِ والشَّرْعِ الَّذِي جاءَ بِهِ الرَّسُولُ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوِ القُرْآنِ قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، أوِ التَّوْحِيدِ قالَهُ بَعْضُهم، أوْ ما قَرَّرَهُ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ في هَذِهِ الآيَةِ وفي غَيْرِها مِن سُبُلِ الهُدى وسُبُلِ الضَّلالَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (وهَذا صِراطُ رَبِّكَ) طَرِيقُهُ الَّذِي اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ وعادَتُهُ في التَّوْفِيقِ والخِذْلانِ ونَحْوٌ مِنهُ قَوْلُ إسْماعِيلَ الضَّرِيرِ يَعْنِي هَذا صُنْعُ رَبِّكَ وهَذا إشارَةٌ إلى الهُدى والضَّلالِ، وأُضِيفَ الصِّراطُ إلى الرَّبِّ عَلى جِهَةِ أنَّهُ مِن عِنْدِهِ وبِأمْرِهِ ﴿مُسْتَقِيمًا﴾ لا عِوَجَ فِيهِ وانْتَصَبَ ﴿مُسْتَقِيمًا﴾ عَلى أنَّهُ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ. ﴿قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ﴾ أيْ بَيَّنّاها ولَمْ نَتْرُكْ فِيها إجْمالًا ولا التِباسًا. ﴿لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ يَتَدَبَّرُونَ بِعُقُولِهِمْ وكَأنَّ الآياتِ كانَتْ شَيْئًا غائِبًا عَنْهم لَمْ يَذْكُرُوها فَلَمّا فُصِّلَتْ تَذَكَّرُوها.

الأنعام 6:126

﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماءِ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في الرَّسُولِ ﷺ وفي أبِي جَهْلٍ، والهِدايَةُ هُنا مُقابِلَةُ الضَّلالَةِ، والشَّرْحُ كِنايَةٌ عَنْ جَعْلِهِ قابِلًا لِلْإسْلامِ مُتَوَسِّعًا لِقَبُولِ تَكالِيفِهِ، ونِسْبَةُ ذَلِكَ إلى صَدْرِهِ مَجازٌ عَنْ ذاتِ الشَّخْصِ، ولِذَلِكَ قالُوا: فُلانٌ واسِعُ الصَّدْرِ إذا كانَ الشَّخْصُ مُحْتَمِلًا ما يَرِدُ عَلَيْهِ مِنَ المَشاقِّ والتَّكالِيفِ، ونِسْبَةُ إرادَةِ الهُدى والضَّلالِ إلى اللَّهِ إسْنادٌ حَقِيقِيٌّ لِأنَّهُ تَعالى هو الخالِقُ ذَلِكَ والمُوجِدُ لَهُ والمُرِيدُ لَهُ، وشَرْحُ الصَّدْرِ تَسْهِيلُ قَبُولِ الإيمانِ عَلَيْهِ وتَحْسِينُهُ وإعْدادُهُ لِقَبُولِهِ، وضَمِيرُ فاعِلِ الهُدى عائِدٌ عَلى اللَّهِ، أيْ: يَشْرَحُ اللَّهُ صَدْرَهُ، وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الهُدى المُنْسَبِكِ مِن ﴿أنْ يَهْدِيَهُ﴾، أيْ: يَشْرَحُ الهُدى صَدْرَهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَتَرَكَّبُ عَلَيْهِ مَذْهَبُ القَدَرِيَّةِ في خَلْقِ الأعْمالِ. انْتَهى. وفي الحَدِيثِ السُّؤالُ عَنْ كَيْفِيَّةِ هَذا الشَّرْحِ، وأنَّهُ إذا وقَعَ النُّورُ في القَلْبِ انْشَرَحَ الصَّدْرُ، وأمارَتُهُ الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ والتَّجافِي عَنْ دارِ الغُرُورِ، والِاسْتِعْدادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ الفَوْتِ. والضِّيقُ والحَرَجُ كِنايَةٌ عَنْ ضِدِّ الشَّرْحِ، واسْتِعارَةٌ لِعَدَمِ قَبُولِ الإيمانِ، والحَرِجُ الشَّدِيدُ الضِّيقِ، والضَّمِيرُ في (يَجْعَلْ) عائِدٌ عَلى (اللَّهُ)، ومَعْنى يَجْعَلُ يُصَيِّرُ لِأنَّ الإنْسانَ يُخْلَقُ أوَّلًا عَلى الفِطْرَةِ، وهي كَوْنُهُ مُهَيَّئًا لِما يُلْقى إلَيْهِ ولِما يُجْعَلُ فِيهِ، فَإذا أرادَ اللَّهُ إضْلالَهُ أضَلَّهُ وجَعَلَهُ لا يَقْبَلُ الإيمانَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (يَجْعَلْ) بِمَعْنى يَخْلُقُ، ويَنْتَصِبُ ﴿ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ عَلى الحالِ، أيْ: يَخْلُقُهُ عَلى هَذِهِ الهَيْئَةِ فَلا يَسْمَعُ الإيمانَ ولا يَقْبَلُهُ. ولِاعْتِزالِ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ ذَهَبَ إلى أنَّ (يَجْعَلْ) هُنا بِمَعْنى يُسَمِّي، قالَ: كَقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ [الزخرف: ١٩] قالَ: أيْ سَمُّوهم، أوْ بِمَعْنى يُحْكَمُ لَهُ بِالضِّيقِ، كَما تَقُولُ: هَذا يَجْعَلُ البَصْرَةَ مِصْرًا، أيْ: يَحْكُمُ لَها بِحُكْمِها فِرارًا مِن نِسْبَةِ خَلْقِ ذَلِكَ إلى اللَّهِ - تَعالى - أوْ تَصْيِيرُهُ وُجُوبًا عَلى مَذْهَبِهِ الِاعْتِزالِيِّ. ونَحْوٌ مِنهُ في خُرُوجِ اللَّفْظِ عَنْ ظاهِرِهِ قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: ﴿أنْ يَهْدِيَهُ﴾ أنْ يَلْطُفَ بِهِ، ولا يُرِيدُ أنْ يَلْطُفَ إلّا بِمَن لَهُ لُطْفٌ، ”يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ“: يَلْطُفْ بِهِ حَتّى يَرْغَبَ في الإسْلامِ وتَسْكُنَ (p-٢١٨)إلَيْهِ نَفْسُهُ ويُحِبَّ الدُّخُولَ فِيهِ، ﴿ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ﴾: أنْ يَخْذُلَهُ ويُخَلِّيَهُ وشَأْنَهُ، وهو الَّذِي لا لُطْفَ لَهُ، ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾: يَمْنَعُهُ ألْطافَهُ حَتّى يَقْسُوَ قَلْبُهُ ويَنْبُوَ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ ويَنْسَدُّ فَلا يَدْخُلُهُ الإيمانُ. انْتَهى. وهَذا كُلُّهُ إخْراجُ اللَّفْظِ عَنْ ظاهِرِهِ وتَأْوِيلٌ عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ، والجُمْلَةُ التَّشْبِيهِيَّةُ مَعْناها أنَّهُ كَما يُزاوِلُ أمْرًا غَيْرَ مُمْكِنٍ؛ لِأنَّ صُعُودَ السَّماءِ مَثَلٌ فِيما يَبْعُدُ ويَمْتَنِعُ مِن الِاسْتِطاعَةِ ويَضِيقُ عَلَيْهِ عِنْدَ المَقْدِرَةِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وهو قَرِيبٌ مِن تَأْوِيلِ ابْنِ جُرَيْجٍ وعَطاءٍ الخُراسانِيِّ والسُّدِّيِّ، قالُوا: أيْ كانَ هَذا الضَّيِّقُ الصَّدْرِ الحَرِجُ يُحاوِلُ الصُّعُودَ في السَّماءِ حَتّى حاوَلَ الإيمانَ أوْ فَكَّرَ فِيهِ، ويَجِدُ صُعُوبَتَهُ عَلَيْهِ كَصُعُوبَةِ الصُّعُودِ في السَّماءِ. انْتَهى. ولِامْتِناعِ ذَلِكَ عِنْدَهم حَكى اللَّهُ عَنْهم أنَّهُمُ اقْتَرَحُوا قَوْلَهم ”أوْ تَرْقى في السَّماءِ“ . وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: المَعْنى لا تَجِدُ مَسْلَكًا إلّا صَعَدًا مِن شِدَّةِ التَّضايُقِ، يُرِيدُ ضاقَتْ عَلَيْهِ الأرْضُ فَظَلَّ مُصْعِدًا إلى السَّماءِ. وقِيلَ: المَعْنى أنَّهُ عازِبُ الرَّأْيِ طائِرُ القَلْبِ في الهَواءِ كَما يَطِيرُ الشَّيْءُ الخَفِيفُ عِنْدَ عَصْفِ الرِّياحِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: (ضِيقًا) هُنا وفي الفُرْقانِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مُخَفَّفًا مِن ضَيِّقٍ كَما قالُوا لِينٌ. وقالَ الكِسائِيُّ: الضَّيِّقُ بِالتَّشْدِيدِ في الأجْرامِ وبِالتَّخْفِيفِ في المَعانِي، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، قالُوا في مَصْدَرٍ ضاقَ ضَيْقٌ بِفَتْحِ الضّادِ وكَسْرِها بِمَعْنًى واحِدٍ، فَإمّا يَنْسُبُ إلى الصَّدْرِ عَلى المُبالَغَةِ، أوْ عَلى مَعْنى الإضافَةِ، أيْ: ذا ضِيقٍ، أوْ عَلى جَعْلِهِ مَجازًا عَنِ اسْمِ الفاعِلِ، وهَذا عَلى الأوْجُهِ الثَّلاثَةِ المَقُولَةِ في نَعْتِ الأجْرامِ بِالمَصادِرِ. وقَرَأ نافِعٌ وأبُو بَكْرٍ: (حَرَجًا) بِفَتْحِ الرّاءِ وهو مَصْدَرٌ، أيْ: ذا حَرَجٍ، أوْ جُعِلَ نَفْسَ الحَرَجِ، أوْ بِمَعْنى حَرِجَ بِكَسْرِ الرّاءِ، ورُوِيَتْ عَنْ عُمَرَ وقَرَأها لَهُ ثَمَّةَ بَعْضُ الصَّحابَةِ بِالكَسْرِ، فَقالَ: ابْغُونِي رَجُلًا مِن كِنانَةَ راعِيًا ولَكِنْ مَن بَنِيَ مُدْلِجٍ، فَلَمّا جاءَهُ قالَ: يا فَتى ما الحَرِجَةُ عِنْدَكم ؟ قالَ: الشَّجَرَةُ تَكُونُ بَيْنَ الأشْجارِ لا يَصِلُ إلَيْها راعِيَةً ولا وحْشِيَّةٌ، فَقالَ عُمَرُ: كَذَلِكَ قَلْبُ المُنافِقِ لا يَصِلُ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الخَيْرِ. انْتَهى. وهَذا تَنْبِيهٌ - واللَّهُ أعْلَمُ - عَلى جِهَةِ اشْتِقاقِ الفِعْلِ مِن نَفْسِ العَيْنِ، كَقَوْلِهِمْ: اسْتَحْجَرَ واسْتَنْوَقَ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: (يَصْعَدُ) مُضارِعُ صَعِدَ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ: يَصّاعَدُ أصْلُهُ يَتَصاعَدُ فَأُدْغِمَ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: (يَصَّعَّدُ) بِتَشْدِيدِ الصّادِ والعَيْنِ، وأصْلُهُ يَتَصَعَّدُ، وبِهَذا قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وابْنُ مُصَرِّفٍ والأعْمَشُ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: ﴿كَأنَّما يَصَّعَّدُ﴾ مِن سُفْلٍ إلى عُلُوٍّ ولَمْ يُرِدِ السَّماءَ المُظِلَّةَ بِعَيْنِها، كَما قالَ سِيبَوَيْهِ: والقَيْدُودُ الطَّوِيلُ في غَيْرِ سَماءٍ، أيْ: في غَيْرِ ارْتِفاعٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّشْبِيهُ بِالصّاعِدِ في عَقَبَةٍ كَؤُودٍ كَأنَّهُ يَصْعَدُ بِها في الهَواءِ، ويَصْعَدُ مَعْناهُ يَعْلُو، ويَصَّعَّدُ مَعْناهُ يَتَكَلَّفُ مِن ذَلِكَ ما يَشُقُّ عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ: ما تَصَعَّدَنِي شَيْءٌ كَما تَصَعَّدَنِي خِطْبَةُ النِّكاحِ، ورُوِيَ: ما تَصَعَّدَنِي خِطْبَةٌ. ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الجَعْلِ جَعْلُهُ الصَّدْرَ ﴿ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ ويَبْعُدُ ما قالَهُ الزَّجّاجُ: أيْ مِثْلَ ما قَصَصْنا عَلَيْكَ (يَجْعَلُ) ومَعْنى يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ؛ يُلْقِي اللَّهُ أوْ يُصَيِّرُ اللَّهُ العَذابَ، والرِّجْسُ بِمَعْنى العَذابِ قالَهُ أهْلُ اللُّغَةِ. وتَعْدِيَةُ يَجْعَلُ بِعَلى يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ نُلْقِي كَما تَقُولُ: جَعَلْتُ مَتاعَكَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ وأنْ تَكُونَ بِمَعْنى يُصَيِّرُ و(عَلى) في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (يَجْعَلُ اللَّهُ) يَعْنِي الخِذْلانَ ومَنعَ التَّوْفِيقِ وصَفَهُ بِنَقِيضِ ما يُوصَفُ بِهِ التَّوْفِيقُ مِنَ الطِّيبِ أوْ أرادَ الفِعْلَ المُؤَدِّيَ إلى الرِّجْسِ وهو العَذابُ مِن الِارْتِجاسِ وهو الِاضْطِرابُ؛ انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقِهِ الِاعْتِزالِيِّ، ونَقِيضُ الطَّيِّبِ النَّتِنُ الرّائِحَةِ الكَرِيهَةِ، والرِّجْسُ والنَّجَسُ بِمَعْنًى واحِدٍ قالَهُ بَعْضُ أهْلِ الكُوفَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الرِّجْسُ كُلُّ ما لا خَيْرَ فِيهِ. وقالَ عَطاءٌ وابْنُ زَيْدٍ وأبُو عُبَيْدَةَ: الرِّجْسُ العَذابُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: اللَّعْنَةُ في الدُّنْيا والعَذابُ في الآخِرَةِ، وقِيلَ: الرِّجْسُ السُّخْطُ. وقالَ إسْماعِيلُ الضَّرِيرُ: الرِّجْسُ التَّعْذِيبُ وأصْلُهُ النَّتِنُ النَّجِسُ وهو رَجاسَةُ الكُفْرِ. (p-٢١٩)﴿وهَذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا﴾ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: (وهَذا) إلى القُرْآنِ والشَّرْعِ الَّذِي جاءَ بِهِ الرَّسُولُ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوِ القُرْآنِ قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، أوِ التَّوْحِيدِ قالَهُ بَعْضُهم، أوْ ما قَرَّرَهُ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ في هَذِهِ الآيَةِ وفي غَيْرِها مِن سُبُلِ الهُدى وسُبُلِ الضَّلالَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (وهَذا صِراطُ رَبِّكَ) طَرِيقُهُ الَّذِي اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ وعادَتُهُ في التَّوْفِيقِ والخِذْلانِ ونَحْوٌ مِنهُ قَوْلُ إسْماعِيلَ الضَّرِيرِ يَعْنِي هَذا صُنْعُ رَبِّكَ وهَذا إشارَةٌ إلى الهُدى والضَّلالِ، وأُضِيفَ الصِّراطُ إلى الرَّبِّ عَلى جِهَةِ أنَّهُ مِن عِنْدِهِ وبِأمْرِهِ ﴿مُسْتَقِيمًا﴾ لا عِوَجَ فِيهِ وانْتَصَبَ ﴿مُسْتَقِيمًا﴾ عَلى أنَّهُ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ. ﴿قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ﴾ أيْ بَيَّنّاها ولَمْ نَتْرُكْ فِيها إجْمالًا ولا التِباسًا. ﴿لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ يَتَدَبَّرُونَ بِعُقُولِهِمْ وكَأنَّ الآياتِ كانَتْ شَيْئًا غائِبًا عَنْهم لَمْ يَذْكُرُوها فَلَمّا فُصِّلَتْ تَذَكَّرُوها.

الأنعام 6:127

﴿لَهم دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وهو ولِيُّهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: لَهُمُ الجَنَّةُ، و(السَّلامُ) اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ - تَعالى - كَما قِيلَ في الكَعْبَةِ بَيْتُ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، وأُضِيفَتْ إلَيْهِ تَشْرِيفًا، أوْ دارُ السَّلامَةِ مِن كُلِّ آفَةٍ، والسَّلامُ والسَّلامَةُ بِمَعْنًى، كاللَّذادِ واللَّذاذَةِ والضَّلالِ والضَّلالَةِ، قالَهُ الزَّجّاجُ، أوْ ﴿دارُ السَّلامِ﴾ بِمَعْنى التَّحِيَّةِ لِأنَّ تَحِيَّةَ أهْلِها فِيها سَلامٌ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ، ومَعْنى ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: في نُزُلِهِ وضِيافَتِهِ، كَما تَقُولُ: نَحْنُ اليَوْمَ عِنْدَ فُلانٍ، أيْ: في كَرامَتِهِ وضِيافَتِهِ، قالَهُ قَوْمٌ، أوْ في الآخِرَةِ بَعْدَ الحَشْرِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، أوْ في ضَمانِهِ، كَما تَقُولُ: لِفُلانٍ عَلَيَّ حَقٌّ لا يُنْسى، أوْ ذَخِيرَةٌ لَهم لا يَعْلَمُونَ كُنْهَها، لِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]، قالَهُ قَوْمٌ مِنهُمُ الزَّمَخْشَرِيُّ، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أوْ عِنْدَ لِقاءِ رَبِّهِمْ، قالَهُ قَوْمٌ، أوْ في جِوارِهِ كَما جاءَ في جِوارِ الرَّحْمَنِ في جَنَّةِ عَدْنٍ عَلى الظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى شَرَفِ الرُّتْبَةِ والمَنزِلَةِ، كَما قالَهُ في صِفَةِ المَلائِكَةِ: ﴿ومَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ [الأنبياء: ١٩]، وكَما قالَ: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥]، وكَما قالَ: ﴿ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ﴾ [التحريم: ١١]، ”وهو ولِيُّهم“ أيْ: مُوالِيهِمْ ومُحِبُّهم، أوْ ناصِرُهم عَلى أعْدائِهِمْ، أوْ مُتَوَلَّيْهِمْ بِالجَزاءِ عَلى أعْمالِهِمْ.

الأنعام 6:128

﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا يا مَعْشَرَ الجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ﴾ الظّاهِرُ العُمُومُ في الثِّقَلَيْنِ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِ الشَّياطِينِ وهُمُ الجِنُّ والكَفَرَةُ أوْلِياؤُهم، والمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ﴿لَهم دارُ السَّلامِ﴾ [الأنعام: ١٢٧] قالَ مَعْناهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَدُلُّ عَلَيْهِ التَّأْكِيدُ العامُّ بِقَوْلِهِ ﴿جَمِيعًا﴾ . وقالَ التِّبْرِيزِيُّ: وهَذا النِّداءُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ في يَحْشُرُهم دَخَلَ فِيهِ الجِنُّ حِينَ حَشَرَهم ثُمَّ ناداهم، أمّا الثِّقْلانِ فَحَسْبُ، أوْ هُما وغَيْرُهُما مِنَ الخَلائِقِ. انْتَهى. ومَن جَعَلَ ”ويَوْمَ“ مَعْطُوفًا عَلى ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٧] ”ويَوْمَ يَحْشُرُهم“ فالعامِلُ في الظَّرْفِ ولِيُّهم، وكانَ الضَّمِيرُ خاصًّا بِالمُؤْمِنِينَ، وهو بَعِيدٌ، والأوْلى أنْ يَكُونَ الظَّرْفُ مَعْمُولًا لِفِعْلِ القَوْلِ المَحْكِيِّ بِهِ النِّداءُ، أيْ: ويَوْمَ نَحْشُرُهم نَقُولُ يا مَعْشَرَ الجِنِّ، وهو أوْلى مِمّا أجازَ بَعْضُهم مِن نَصْبِهِ بِاذْكُرْ مَفْعُولًا بِهِ لِخُرُوجِهِ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ، ومِمّا أجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن نَصْبِهِ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ غَيْرِ فِعْلِ القَوْلِ واذْكُرْ، تَقْدِيرُهُ عِنْدَهُ: ((p-٢٢٠)﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ [الأنعام: ٢٢]) وقُلْنا ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ﴾، كانَ ما لا يُوصَفُ لِفَظاعَتِهِ لِاسْتِلْزامِهِ حَذْفُ جُمْلَتَيْنِ مِنَ الكَلامِ، جُمْلَةُ وقُلْنا وجُمْلَةُ العامِلِ، وقَدَّرَ الزَّجّاجُ فِعْلَ القَوْلِ المَحْذُوفِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، التَّقْدِيرُ: فَيُقالُ لَهم لِأنَّهُ يَبْعُدُ أنْ يُكَلِّمَهُمُ اللَّهُ شِفاهًا، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٧٤]، ونِداؤُهم نِداءُ شُهْرَةٍ وتَوْبِيخٍ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، والمَعْشَرُ الجَماعَةُ، ويُجْمَعُ عَلى المُعاشِرِ، كَما جاءَ «نَحْنُ مُعاشِرَ الأنْبِياءِ لا نُورَثُ» . وقالَ الأفْوَهُ: ؎فِينا مُعاشِرُ لَنْ يَبْنُوا لِقَوْمِهِمُ وإنْ بَنى قَوْمُهم ما أفْسَدُوا عادُوا ومَعْنى الِاسْتِكْثارِ هُنا إضْلالُهم مِنهم كَثِيرًا وجَعْلُهم أتْباعَهم، كَما تَقُولُ: اسْتَكْثَرَ فُلانٌ مِنَ الجُنُودِ واسْتَكْثَرَ فُلانٌ مِنَ الأشْياعِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ: أفْرَطْتُمْ في إضْلالِهِمْ وإغْوائِهِمْ. وقَرَأ حَفْصٌ: (يَحْشُرُهم) بِالياءِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالنُّونِ. ﴿وقالَ أوْلِياؤُهم مِنَ الإنْسِ رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وبَلَغْنا أجَلَنا الَّذِي أجَّلْتَ لَنا﴾ وقالَ أوْلِياءُ الجِنَّ، أيِ الكُفّارُ مِنَ الإنْسِ: ﴿رَبَّنا اسْتَمْتَعَ﴾ انْتَفَعَ ﴿بَعْضُنا بِبَعْضٍ﴾، فانْتِفاعُ الإنْسِ بِالشَّياطِينِ حَيْثُ دَلُّوهم عَلى الشَّهَواتِ وعَلى التَّوَصُّلاتِ إلَيْها، وانْتِفاعُ الجِنِّ بِالإنْسِ حَيْثُ أطاعُوهم وساعَدُوهم عَلى مُرادِهِمْ في إغْوائِهِمْ، رُوِيَ هَذا المَعْنى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ والزَّجّاجُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، ومُقاتِلٌ: اسْتِمْتاعُ الإنْسِ بِالجِنِّ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: أعُوذُ بِعَظِيمِ هَذا الوادِي مِن شَرِّ أهْلِهِ، إذا باتَ بِالوادِي في سَفَرِهِ، واسْتِمْتاعُ الجِنِّ بِالإنْسِ افْتِخارُهم عَلى قَوْمِهِمْ وقَوْلُهم: قَدْ سُدْنا الإنْسَ حَتّى صارُوا يَعُوذُونَ بِنا. قالَ الكِرْمانِيُّ: كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ الأرْضَ مَمْلُوءَةٌ جِنًّا وأنَّ مَن لَمْ يُدْخِلْهُ جِنِّيٌّ في جِوارِهِ خَبَلَهُ الآخَرُونَ، وكَذَلِكَ كانُوا إذا قَتَلُوا صَيْدًا اسْتَعاذُوا بِهِمْ لِأنَّهم يَعْتَقِدُونَ أنَّ هَذِهِ البَهائِمَ لِلْجِنِّ مِنها مَراكِبُهم. وقِيلَ: في كَوْنِ عِظامِهِمْ طَعامًا لِلْجِنِّ، وأرْواثِ دَوابِّهِمْ عَلَفًا، واسْتِمْتاعُ الإنْسِ بِالجِنِّ اسْتِعانَتُهم بِهِمْ عَلى مَقاصِدِهِمْ حِينَ يَسْتَخْدِمُونَهم بِالعَزائِمِ، أوْ يُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ. انْتَهى. ووُجُوهُ الِاسْتِمْتاعِ كَثِيرَةٌ، تَدْخُلُ هَذِهِ الأقْوالُ كُلُّها تَحْتَها، فَيَنْبَغِي أنْ يُعْتَقَدَ في هَذِهِ الأقْوالِ أنَّها تَمْثِيلٌ في الِاسْتِمْتاعِ لا حَصْرٌ في واحِدٍ مِنها، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ﴾ أيْ: بَعْضُ الإنْسِ بِالجِنِّ وبَعْضُ الجِنِّ بِالإنْسِ. وقِيلَ: المَعْنى اسْتَمْتَعَ بَعْضُ الإنْسِ بِبَعْضِهِ وبَعْضُ الجِنِّ بِبَعْضِهِ، جَعَلَ الِاسْتِمْتاعَ لِبَعْضِ الصِّنْفِ بِبَعْضٍ، والقَوْلُ السّابِقُ بَعْضُ الصِّنْفَيْنِ بِبَعْضِ الصِّنْفَيْنِ، والأجَلُ الَّذِي بَلَغُوهُ المَوْتُ، قالَهُ الجُمْهُورُ وابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ وغَيْرُهُما. وقِيلَ: البَعْثُ والحَشْرُ، ولَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَهُ. وقِيلَ: هو الغايَةُ الَّتِي انْتَهى إلَيْها جَمِيعُهم مِن الِاسْتِمْتاعِ، وهَذا القَوْلُ مِنهُمُ اعْتِذارٌ عَنِ الجِنِّ في كَوْنِهِمُ اسْتَكْثَرُوا مِنهم، وإشارَةٌ إلى أنَّ ذَلِكَ بِقَدَرِكَ وقَضائِكَ إذْ لِكُلِّ كِتابٍ أجْلٌ، واعْتِرافٌ بِما كانَ مِنهم مَن طاعَةِ الشَّياطِينِ واتِّباعِ الهَوى والتَّكْذِيبِ بِالبَعْثِ، واسْتِسْلامٌ وتَحَسُّرٌ عَلى حالِهِمْ. وقُرِئَ: آجالَنا عَلى الجَمْعِ الَّذِي عَلى التَّذْكِيرِ والإفْرادِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: هو جِنْسٌ أوْقَعَ الَّذِي مَوْقِعَ الَّتِي. انْتَهى. وإعْرابُهُ عِنْدِي بَدَّلٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: الوَقْتَ الَّذِي، وحِينَئِذٍ يَكُونُ جِنْسًا ولا يَكُونُ إعْرابُهُ نَعْتًا لِعَدَمِ المُطابَقَةِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وبَلَغْنا أجَلَنا الَّذِي أجَّلْتَ لَنا﴾ دَلِيلٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ في قَوْلِهِمْ: بِالأجَلَيْنِ؛ لِأنَّهم أقَرُّوا بِذَلِكَ وفِيهِمُ المَعْقُولُ وغَيْرُهُ. ﴿قالَ النّارُ مَثْواكم خالِدِينَ فِيها إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ أيْ مَكانَ ثُوائِكم، أيْ إقامَتِكم، قالَ الزَّجّاجُ: وقالَ أبُو عَلِيٍّ: هو عِنْدِي مَصْدَرٌ لا مَوْضِعٌ، وذَلِكَ لِعَمَلِهِ في الحالِ الَّتِي هي خالِدِينَ، والمَوْضِعُ لَيْسَ فِيهِ مَعْنى فِعْلٍ فَيَكُونُ عامِلًا، والتَّقْدِيرُ: النّارُ ذاتُ ثُوائِكم. انْتَهى. ويَصِحُّ قَوْلُ الزَّجّاجِ عَلى إضْمارٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿مَثْواكُمْ﴾ أيْ: يَثْوَوْنَ ﴿خالِدِينَ فِيها﴾، والظّاهِرُ أنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ مِنَ الجُمْلَةِ الَّتِي يَلِيها الِاسْتِثْناءُ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: هو مِن قَوْلِهِ: ﴿وبَلَغْنا أجَلَنا الَّذِي أجَّلْتَ لَنا﴾ أيْ: إلّا مَن أهْلَكْتَهُ واخْتَرَمْتَهُ. قِيلَ: الأجَلُ الَّذِي سَمَّيْتَهُ لِكُفْرِهِ وضَلالِهِ، وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ عَلى ما (p-٢٢١)زَعَمَ لَكانَ التَّرْكِيبُ إلّا ما شِئْتَ، ولِأنَّ القَوْلَ بِالأجَلَيْنِ: أجْلِ الِاخْتِرامِ والأجْلِ الَّذِي سَمّاهُ اللَّهُ، باطِلٌ، والفَصْلُ بَيْنَ المُسْتَثْنى مِنهُ والمُسْتَثْنى بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ النّارُ مَثْواكم خالِدِينَ فِيها﴾، وفي ذَلِكَ تَنافُرُ التَّرْكِيبِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ مُرادٌ حَقِيقَةً ولَيْسَ بِمَجازٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ يَكُونُ مِن قَوْلِ المُوتُورِ الَّذِي ظَفِرَ بِواتِرِهِ ولَمْ يَزَلْ يَخْرُقُ عَلَيْهِ أنْيابَهُ - وقَدْ طَلَبَ إلَيْهِ أنْ يُنَفِّسَ عَنْهُ خِناقَهُ -: أهْلَكَنِيَ اللَّهُ إنْ نَفَّسْتُ عَنْكَ إلّا إذا شِئْتَ، وقَدْ عَلِمَ أنَّهُ لا يَشاءُ إلّا التَّشَفِّي مِنهُ بِأقْصى ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ التَّعْنِيفِ والتَّشْدِيدِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ إلّا إذا شِئْتَ مِن أشَدِّ الوَعِيدِ مَعَ تَهَكُّمٍ بِالمَوْعِدِ لِخُرُوجِهِ في صُورَةِ الِاسْتِثْناءِ الَّذِي فِيهِ إطْماعٌ. انْتَهى. وإذا كانَ اسْتِثْناءً حَقِيقَةً فاخْتَلَفُوا في الَّذِي اسْتُثْنِيَ ما هو ؟ فَقالَ قَوْمٌ: هو اسْتِثْناءُ أشْخاصٍ مِنَ المُخاطَبِينَ، وهم مَن آمَنَ في الدُّنْيا بِعَذابٍ كانَ مِن هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ، ولَمّا كانَ هَؤُلاءِ صِنْفًا، ساغَ في العِبارَةِ عَنْهم (ما)، فَصارَ كَقَوْلِهِ: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٣]، حَيْثُ وقَعَتْ ما عَلى نَوْعِ مَن يَعْقِلُ، وهَذا القَوْلُ فِيهِ بُعْدٌ لِأنَّ هَذا خِطابٌ لِلْكُفّارِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ الِاسْتِثْناءُ فِيمَن آمَنُ مِنهم في الدُّنْيا، وشَرْطُ مَن أُخْرِجَ بِالِاسْتِثْناءِ اتِّحادُ زَمانِهِ وزَمانُ المُخْرَجِ مِنهُ ؟ فَإذا قُلْتَ: قامَ القَوْمُ إلّا زَيْدًا، فَمَعْناهُ إلّا زَيْدًا فَإنَّهُ ما قامَ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ المَعْنى إلّا زَيْدًا فَإنَّهُ ما يَقُومُ في المُسْتَقْبَلِ، وكَذَلِكَ سَأضْرِبُ القَوْمَ إلّا زَيْدًا، مَعْناهُ إلّا زَيْدًا فَإنِّي لا أضْرِبُهُ في المُسْتَقْبَلِ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ المَعْنى إلّا زَيْدًا فَإنِّي ضَرَبْتُهُ أمْسِ، إلّا إنْ كانَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا فَإنَّهُ يَسُوغُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ [الدخان: ٥٦] أيْ: لَكِنِ المَوْتَةَ الأُولى في الدُّنْيا فَإنَّهم ذاقُوها. وقالَ قَوْمٌ: المُسْتَثْنى هُمُ العُصاةُ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ النّارَ مِن أهْلِ التَّوْحِيدِ، أيْ: إلّا النَّوْعَ الَّذِي دَخَلَها مِنَ العُصاةِ فَإنَّهم لا يُخَلَّدُونَ في النّارِ. وقالَ قَوْمٌ: الِاسْتِثْناءُ مِنَ الأزْمانِ، أيْ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أبَدًا إلّا الزَّمانَ الَّذِي شاءَ اللَّهُ أنْ لا يَخْلُدُوا فِيهِ، واخْتَلَفَ هَؤُلاءِ في تَعْيِينِ الزَّمانِ. فَقالَ الطَّبَرِيُّ: هي المُدَّةُ الَّتِي بَيْنَ حَشْرِهِمْ إلى دُخُولِهِمُ النّارَ، وساغَ هَذا مِن حَيْثُ العِبارَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿النّارُ مَثْواكُمْ﴾ لا يُخَصُّ بِصِيغَتِها مُسْتَقْبَلُ الزَّمانِ دُونَ غَيْرِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إلّا ما شاءَ اللَّهُ، أيْ: يَخْلُدُونَ في عَذابِ الأبَدِ كُلِّهِ إلّا ما شاءَ اللَّهُ، أيِ: الأوْقاتِ الَّتِي يُنْقَلُونَ فِيها مِن عَذابِ النّارِ إلى عَذابِ الزَّمْهَرِيرِ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهم يَدْخُلُونَ وادِيًا مِنَ الزَّمْهَرِيرِ ما يُمَيِّزُ بَعْضَ أوْصالِهِمْ مِن بَعْضٍ، فَيَتَعاوَوْنَ ويَطْلُبُونَ الرَّدَّ إلى الجَحِيمِ. وقالَ الحَسَنُ: إلّا ما شاءَ اللَّهُ مِن كَوْنِهِمْ في الدُّنْيا بِغَيْرِ عَذابٍ، وهَذا راجِعٌ إلى الزَّمانِ، أيْ: إلّا الزَّمانَ الَّذِي كانُوا فِيهِ في الدُّنْيا بِغَيْرِ عَذابٍ، ويَرُدُّ عَلى هَذا القَوْلِ ما يَرُدُّ عَلى مَن جَعَلَهُ اسْتِثْناءً مِنَ الأشْخاصِ الَّذِينَ آمَنُوا في الدُّنْيا. وقالَ الفَرّاءُ: إلّا بِمَعْنى سَواءً، والمَعْنى سَواءً ما يَشاءُ مِن زِيادَةٍ في العَذابِ، ويَجِيءُ إلى هَذا الزَّجّاجُ. وقالَ غَيْرُهُ: إلّا ما شاءَ اللَّهُ مِنَ النَّكالِ والزِّيادَةِ عَلى العَذابِ، وهَذا راجِعٌ إلى الِاسْتِثْناءِ مِنَ المَصْدَرِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ مَعْنى الكَلامِ، إذِ المَعْنى تُعَذَّبُونَ بِالنّارِ ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ إلّا ما شاءَ مِنَ العَذابِ الزّائِدِ عَلى النّارِ فَإنَّهُ يُعَذِّبُكم بِهِ، ويَكُونُ إذْ ذاكَ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، إذِ العَذابُ الزّائِدُ عَلى عَذابِ النّارِ لَمْ يَنْدَرِجْ تَحْتَ عَذابِ النّارِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ هو مِن تَمامِ كَلامِ اللَّهِ لِلْمُخاطَبِينَ، وعَلَيْهِ جاءَتْ تَفاسِيرُ الِاسْتِثْناءِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَتَّجِهُ عِنْدِي في هَذا الِاسْتِثْناءِ أنْ يَكُونَ مُخاطَبَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ وأُمَّتِهِ، ولَيْسَ مِمّا يُقالُ يَوْمَ القِيامَةِ، والمُسْتَثْنى هو مَن كانَ مِنَ الكَفَرَةِ يَوْمَئِذٍ يُؤْمِنُ في عِلْمِ اللَّهِ، كَأنَّهُ لَمّا أخْبَرَهم أنَّهُ يُقالُ لِلْكُفّارِ ﴿مَثْواكُمْ﴾ اسْتَثْنى لَهم مَن يُمْكِنُ أنْ يُؤْمِنَ مِمَّنْ يُرُونَهُ يَوْمَئِذٍ كافِرًا، ويَقَعُ ”ما“ عَلى صِفَةِ مَن يَعْقِلُ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ اتِّصالُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ: مَن يُمْكِنُ أنْ يُؤْمِنَ مِنهم. انْتَهى، وهو تَأْوِيلٌ حَسَنٌ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ تُوجِبُ الوَقْفَ في جَمِيعِ الكُفّارِ. قِيلَ: ومَعْنى ذَلِكَ أنَّها تُوجِبُ الوَقْفَ فِيمَن لَمْ يَمُتْ إذْ قَدْ يُسْلِمْ، (p-٢٢٢)ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: جُعِلَ أمْرُهم في مَبْلَغِ عَذابِهِمْ، ومُدَّتُهُ إلى مَشِيئَتِهِ، حَتّى لا يَحْكُمَ اللَّهُ في خَلْقِهِ، وعَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَحْكُمَ عَلى اللَّهِ في خَلْقِهِ لا يُنْزِلُهم جَنَّةً ولا نارًا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الإجْماعُ عَلى التَّخْلِيدِ الأبَدِيِّ في الكُفّارِ، ولا يَصِحُّ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. انْتَهى. وقَدْ تَعَلَّقَ قَوْمٌ بِظاهِرِ هَذا الِاسْتِثْناءِ، فَزَعَمُوا أنَّ اللَّهَ يُخْرِجُ مِنَ النّارِ كُلَّ بَرٍّ وفاجِرٍ ومُسْلِمٍ وكافِرٍ، وأنَّ النّارَ تَخْلُو وتَخَرَبُ، وقَدْ ذُكِرَ هَذا عَنْ بَعْضِ الصَّحابَةِ، ولا يَصِحُّ، ولا يُعْتَبَرُ خِلافُ هَؤُلاءِ ولا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ. ﴿إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا يَفْعَلُ شَيْئًا إلّا بِمُوجِبِ الحِكْمَةِ عَلَيْهِمْ بِأنَّ الكُفّارَ يَسْتَوْجِبُونَ عَذابَ الأبَدِ. انْتَهى. وهَذا عَلى مَذْهَبِهِ الِاعْتِزالِيِّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: صِفَتانِ مُناسِبَتانِ بِهَذِهِ الآيَةِ لِأنَّ تَخْلِيدَ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ في النّارِ صادَرٌ عَنْ حِكْمَةٍ، وقالَ التِّبْرِيزِيُّ: (حَكِيمٌ) في تَدْبِيرِ المَبْدَإ والمَعادِ، (عَلِيمٌ) بِما يَئُولُ إلَيْهِ أمْرُ العِبادِ. وقالَ إسْماعِيلُ الضَّرِيرُ: (حَكِيمٌ) حَكَمَ عَلَيْهِمُ الخُلُودَ، (عَلِيمٌ) بِهِمْ وبِعُقُوبَتِهِمْ. وقالَ البَغَوِيُّ: (عَلِيمٌ) بِالَّذِي اسْتَثْناهُ وبِما في قُلُوبِهِمْ مِنَ البِرِّ والتَّقْوى. وقالَ القُرْطُبِيُّ: (حَكِيمٌ) في عُقُوبَتِهِمْ، (عَلِيمٌ) بِمِقْدارِ مُجازاتِهِمْ.

الأنعام 6:129

﴿وكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ بِمَعْنى أنَّهُ يَحْفَظُهم ويَنْصُرُهم عَلى أنَّ الكافِرِينَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ في الظُّلْمِ والخِزْيِ. قالَ قَتادَةُ: يَجْعَلُ بَعْضَهم ولِيَّ بَعْضٍ في الكُفْرِ والظُّلْمِ، يُرِيدُ ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ الجِنِّ والإنْسِ واسْتِمْتاعِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ. وقالَ قَتادَةُ أيْضًا: يَتْبَعُ بَعْضُهم بَعْضًا في دُخُولِ النّارِ، أيْ: يَجْعَلُ بَعْضَهم يَلِي بَعْضًا في الدُّخُولِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ نُسَلِّطُ ﴿بَعْضَ الظّالِمِينَ﴾ عَلى بَعْضٍ ونَجْعَلُهم أوْلِياءَ النِّقْمَةِ مِنهم، وهَذا تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ، وحِينَ قَتَلَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ مَرْوانَ عَمْرَو بْنَ سَعِيدٍ الأشْدَقَ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وصَعِدَ المِنبَرَ: إنَّ فَمَ الذِّئابِ قَتَلَ لَطِيمَ الشَّيْطانِ، وتَلا ﴿وكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ﴾ الآيَةَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَفْسِيرُها أنَّ اللَّهَ إذا أرادَ بِقَوْمٍ شَرًّا ولّى عَلَيْهِمْ شِرارَهم، أوْ خَيْرًا ولّى عَلَيْهِمْ خِيارَهم، وفي بَعْضِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ: ”أفْنى أعْدائِي بِأعْدائِي ثُمَّ أُفْنِيهِمْ بِأوْلِيائِي“ . وقالَ إسْماعِيلُ الضَّرِيرُ: نَتْرُكُ المُشْرِكِينَ إلى بَعْضِهِمْ في النُّصْرَةِ والمَعُونَةِ والحاجَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نُخَلِّيهِمْ حَتّى يَتَوَلّى بَعْضُهم بَعْضًا، كَما فَعَلَ الشَّياطِينُ وغُواةُ الإنْسِ، أوْ يَجْعَلُ بَعْضَهم أوْلِياءَ بَعْضٍ يَوْمَ القِيامَةِ وقُرَناءَهم كَما كانُوا في الدُّنْيا ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي. انْتَهى. وقَوْلُهُ نُخَلِّيهِمْ هو عَلى طَرِيقِهِ الِاعْتِزالِيِّ.

الأنعام 6:130

﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ هَذا النِّداءُ أيْضًا يَوْمَ القِيامَةِ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ، حَيْثُ أعْذَرَ اللَّهُ إلَيْهِمْ بِإرْسالِ الرُّسُلِ فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنهم، والظّاهِرُ أنَّ مِنَ الجِنِّ رُسُلًا إلَيْهِمْ كَما أنَّ مِنَ الإنْسِ رُسُلًا لَهم، فَقِيلَ: بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا واحِدًا مِنَ الجِنِّ إلَيْهِمُ اسْمُهُ يُوسُفُ. وقِيلَ: رُسُلُ الجِنِّ هم رُسُلُ الإنْسِ، فَهم رُسُلُ اللَّهِ بِواسِطَةٍ، إذْ هم رُسُلُ رُسُلِهِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩]، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ. ورُوِيَ أنْ قَوْمًا مِنَ الجِنِّ اسْتَمَعُوا إلى الأنْبِياءِ ثُمَّ عادُوا إلى قَوْمِهِمْ فَأخْبَرُوهم كَما جَرى لَهم مَعَ الرَّسُولِ، فَيُقالُ لَهم رُسُلُ اللَّهِ وإنْ لَمْ يَكُونُوا رُسُلَهُ حَقِيقَةً، وعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ يَكُونُ الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى ﴿الجِنِّ والإنْسِ﴾، وقَدْ تَعَلَّقَ قَوْمٌ بِهَذا الظّاهِرِ فَزَعَمُوا أنَّ اللَّهَ - تَعالى - بَعَثَ إلى الجِنِّ رُسُلًا مِنهم، ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ مُكَلَّفِينَ ومُكَلَّفِينَ أنْ يُبْعَثَ إلَيْهِمْ رَسُولٌ مِن جِنْسِهِمْ لِأنَّهم بِهِ آنَسُ وآلَفُ. وقالَ مُجاهِدٌ والضَّحّاكُ وابْنُ جُرَيْجٍ والجُمْهُورُ: والرُّسُلُ مِنَ الإنْسِ دُونَ الجِنِّ، ولَكِنْ لَمّا كانَ النِّداءُ لَهُما والتَّوْبِيخُ مَعًا جَرى الخِطابُ عَلَيْهِما عَلى سَبِيلِ التَّجَوُّزِ، المَعْهُودُ في كَلامِ العَرَبِ تَغْلِيبًا لِلْإنْسِ لِشَرَفِهِمْ، وتَأوَّلَهُ الفَرّاءُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: مِن أحَدِكم، كَقَوْلِهِ: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢]، أيْ: مِن أحَدِهِما وهو المِلْحُ، وكَقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦] أيْ: في إحْداهُنَّ (p-٢٢٣)وهِيَ سَماءُ الدُّنْيا، ﴿ويَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ في أيّامٍ مَعْلُوماتٍ﴾ [الحج: ٢٨] أرادَ بِالذِّكْرِ التَّكْبِيرَ، وبِالأيّامِ المَعْلُوماتِ العَشْرَ، أيْ: في أحَدِ أيّامٍ وهو يَوْمُ النَّحْرِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: كانَ الرُّسُلُ يُبْعَثُونَ إلى الإنْسِ، وبُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ إلى الجِنِّ والإنْسِ. ورُوِيَ هَذا أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومَعْنى قَصَصِ الآياتِ الإخْبارُ بِما أُوحِيَ إلَيْهِمْ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى مَواضِعِ الحَجِّ، والتَّعْرِيفِ بِأدِلَّةِ التَّوْحِيدِ، والِامْتِثالِ لِأوامِرِهِ والِاجْتِنابِ بِمَناهِيهِ. والإنْذارُ الإعْلامُ بِالمَخُوفِ، و﴿لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ، والإنْذارُ بِما يَكُونُ فِيهِ مِنَ الأهْوالِ والمَخاوِفِ وصَيْرُورَةُ الكُفّارِ المُكَذِّبِينَ إلى العَذابِ الأبَدِيِّ. وقَرَأ الأعْرَجُ: ألَمْ تَأْتِكم، عَلى تَأْنِيثِ لَفْظِ الرُّسُلِ بِالتّاءِ. ﴿قالُوا شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا﴾ الظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ حِكايَةٌ لِتَصْدِيقِهِمْ، وإلْجائِهِمْ قَوْلَهُ: ﴿ألَمْ يَأْتِكُمْ﴾ لِأنَّ الهَمْزَةَ الدّاخِلَةَ عَلى نَفْيِ إتْيانِ الرُّسُلِ لِلْإنْكارِ فَكانَ تَقْرِيرًا لَهم، والمَعْنى قالُوا: شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا بِإتْيانِ الرُّسُلِ إلَيْنا وإنْذارِهِمْ إيّانا هَذا اليَوْمَ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ نابَتْ مَنابَ بَلى هُنا، وقَدْ صَرَّحَ بِها في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَتْلُونَ عَلَيْكم آياتِ رَبِّكم ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا قالُوا بَلى﴾ [الزمر: ٧١]، أقَرُّوا بِأنَّ حُجَّةَ اللَّهِ لازِمَةٌ لَهم وأنَّهم مَحْجُوجُونَ بِها. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهُ: (شَهِدْنا) إقْرارٌ مِنهم بِالكُفْرِ واعْتِرافٌ، أيْ: ﴿شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا﴾ بِالتَّقْصِيرِ. انْتَهى. والظّاهِرُ في ﴿شَهِدْنا﴾ شَهادَةُ كُلِّ واحِدٍ عَلى نَفْسِهِ. وقِيلَ: شَهِدَ بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ بِإنْذارِ الرُّسُلِ. ﴿وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ هَذا إخْبارٌ عَنْهم مِنَ اللَّهِ - تَعالى - وتَنْبِيهٌ عَلى السَّبَبِ المُوجِبِ لِكُفْرِهِمْ، وإفْصاحٌ لَهم بِأذَمِّ الوُجُوهِ الَّذِي هو الخِداعُ. وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن غَرَّ الطّائِرُ فَرْخَهُ، أيْ: أطْعَمَهم وأشْبَعَهم، والتَّوْسِيعُ في الرِّزْقِ والبَسْطُ سَبَبٌ لِلْبَغْيِ ”ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ“ . ﴿وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾ ظاهِرُهُ شَهادَةُ كُلِّ واحِدٍ عَلى نَفْسِهِ بِالكُفْرِ. وقِيلَ: شَهِدَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ. وقِيلَ: شَهِدَتْ جَوارِحُهم عَلَيْهِمْ بَعْدَ إنْكارِهِمْ والخَتْمِ عَلى أفْواهِهِمْ، وهو بَعِيدٌ مِن سِياقِ الآيَةِ، وتَنافى بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ وبَيْنَ الآياتِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى الإنْكارِ لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن طَوائِفَ، طائِفَةٍ تَشْهَدُ وطائِفَةٍ تُنْكِرُ، أوْ مِن طائِفَةٍ واحِدَةٍ لِاخْتِلافِ الأحْوالِ ومُواطِنِ القِيامَةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ المُتَطاوِلِ، فَيُقِرُّونَ في بَعْضٍ ويَجْحَدُونَ في بَعْضٍ. وقالَ التِّبْرِيزِيُّ: ﴿وشَهِدُوا﴾ أقَرُّوا عَلى أنْفُسِهِمُ اضْطِرارًا لا اخْتِيارًا، ولَوْ أرادُوا أنْ يَقُولُوا غَيْرَهُ ما طاوَعَتْهم أنْفُسُهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ كَرَّرَ ذِكْرَ شَهادَتِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ ؟ (قُلْتُ): الأُولى حِكايَةٌ لِقَوْلِهِمْ: كَيْفَ يَقُولُونَ ويَعْتَرِفُونَ، والثّانِيَةُ ذَمٌّ لَهم وتَخْطِئَةٌ لِرَأْيِهِمْ ووَصْفٌ لِقِلَّةِ نَظَرِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ، وأنَّهم قَوْمٌ غَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا واللَّذّاتُ الحاضِرَةُ، وكانَ عاقِبَةُ أمْرِهِمْ أنِ اضْطُرُّوا إلى الشَّهادَةِ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ والِاسْتِسْلامِ لِرَبِّهِمْ واسْتِنْجازِ عَذابِهِ، وإنَّما قالَ ذَلِكَ تَحْذِيرًا لِلسّامِعِينَ مِثْلَ حالِهِمْ. انْتَهى. ونَقُولُ: لَمْ تَتَكَرَّرِ الشَّهادَةُ لِاخْتِلافِ المُخْبِرِ ومُتَعَلَّقِها، فالأُولى إخْبارُهم عَنْ أنْفُسِهِمْ، (p-٢٢٤)والثّانِيَةُ إخْبارُهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم شَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ، فَهَذِهِ الشَّهادَةُ غَيْرُ الأُولى.

الأنعام 6:131

﴿ذَلِكَ أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها غافِلُونَ﴾ الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، وهو إتْيانُ الرُّسُلِ قاصِّينَ الآياتِ ومُنْذِرِينَ بِالحَشْرِ والحِسابِ والجَزاءِ بِسَبَبِ انْتِفاءِ إهْلاكِ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها لَمْ يَنْتَهُوا بِبِعْثَةِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ، والإعْذارِ إلَيْهِمْ، والتَّقَدُّمِ بِالإخْبارِ بِما يَحِلُّ بِهِمْ إذا لَمْ يَتَّبِعُوا الرُّسُلَ، وفي الحَدِيثِ: «لَيْسَ أحَدٌ أحَبُّ إلَيْهِ العُذْرُ مِنَ اللَّهِ»، فَمِن أجْلِ ذَلِكَ أنْزَلَ الكِتابَ وأرْسَلَ الرُّسُلَ. وقالَ الزَّجّاجُ قَرِيبًا مِن هَذا، أيْ: ذَلِكَ الَّذِي قَصَصْنا عَلَيْكَ مِن أمْرِ الرُّسُلِ وأمَرِ عَذابِ مَن كَذَّبَ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ كَذا، أيْ: لا يُهْلِكُهم حَتّى يَبْعَثَ إلَيْهِمْ رَسُولًا. وقِيلَ: الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى السُّؤالِ وهو ﴿ألَمْ يَأْتِكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] أنْ لَمْ يَكُنْ، أيْ: لِبَيانِ أنْ لَمْ يَكُنْ، حَكاهُ التِّبْرِيزِيُّ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: الإشارَةُ إلى ما وُجِدَ مِنهم مَنِ التَّكْذِيبِ والمَعاصِي، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشارَ بِهِ إلى الهَلاكِ الَّذِي كانَ بِالأُمَمِ الخالِيَةِ. انْتَهى. ولا يَسْتَقِيمُ هَذانِ القَوْلانِ مَعَ قَوْلِهِ ﴿أنْ لَمْ يَكُنْ﴾؛ لِأنَّ المَعاصِيَ أوِ الإهْلاكَ لَيْسَ مُعَلَّلًا بِأنْ لَمْ يَكُنْ، وجَوَّزُوا في ذَلِكَ الرَّفْعَ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أيْ: ذَلِكَ الأمْرُ، وخَبَرٌ مَحْذُوفُ المُبْتَدَأِ، أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ، والنَّصْبَ عَلى فَعَلْنا ذَلِكَ، و﴿أنْ لَمْ يَكُنْ﴾ تَعْلِيلٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أنِ النّاصِبَةَ لِلْمُضارِعِ والمُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ، أيْ: لِأنَّ الشَّأْنَ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ، وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ لا يَكُونَ ﴿أنْ لَمْ يَكُنْ﴾ تَعْلِيلًا فَأجازَ فِيهِ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ﴾ [الحجر: ٦٦]، فَإذا كانَ تَعْلِيلًا فَهو عَلى إسْقاطِ حَرْفِ العِلَّةِ عَلى الخِلافِ أمَوْضِعُهُ نَصْبٌ أوْ جَرٌّ، وإنْ كانَ بَدَلًا فَهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ لِأنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ لَمْ يَذْكُرْ في ذَلِكَ إلّا أنَّهُ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ، و”بِظُلْمٍ“ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُضافًا إلى اللَّهِ، أيْ: ظالِمًا لَهم، كَقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧]، ومَعْنى ﴿وأهْلُها غافِلُونَ﴾ أيْ: دُونَ أنْ يَتَقَدَّمَ إلَيْهِمْ بِالنِّذارَةِ ﴿وما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعُبَيْدٍ﴾ [فصلت: ٤٦]، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُضافًا إلى القُرى، أيْ: ظالِمَةٌ دُونَ أنْ يُنْذِرَهم، وهَذا مَعْنى قَوْلِ القُشَيْرِيِّ: أيْ لا يُهْلِكُهم بِذُنُوبِهِمْ ما لَمْ يَبْعَثْ إلَيْهِمُ الرُّسُلَ، وهَذا الوَجْهُ ألْيَقُ؛ لِأنَّ الأوَّلَ يُوهِمُ أنَّهُ تَعالى لَوْ آخَذَهم قَبْلَ بِعْثَةِ الرُّسُلِ كانَ ظالِمًا، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ عِنْدَنا؛ لِأنَّهُ تَعالى يَحْكُمُ ما يَشاءُ ويَفْعَلُ ما يُرِيدُ، وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ: لَوْ أهْلَكَهم وهم غافِلُونَ لَمْ يَنْتَهُوا بِكِتابٍ ولا رَسُولٍ لَكانَ ظالِمًا، وهو مُتَعالٍ عَنِ الظُّلْمِ وعَنْ كُلِّ قَبِيحٍ. وقِيلَ: (بِظُلْمٍ) بِشِرْكِ مَن أشْرَكَ مِنهم، فَهو مِثْلُ ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] . وقالَ الماتُرِيدِيُّ: أيْ لَمْ يَكُنْ يُهْلِكُهم بِظُلْمِ أنْفُسِهِمْ إهْلاكَ اسْتِئْصالٍ وتَعْذِيبٍ إلّا بَعْدَ تَقَدُّمِ وعِيدٍ أوْ سُؤالِهِمُ العَذابَ، ولا يُهْلِكُهم مَعَ الغَفْلَةِ عَنِ الظُّلْمِ والعِصْيانِ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ، بَلْ سُنَّتُهُ هَكَذا، لِئَلّا يَقُولُوا: لَوْلا أرْسَلَتْ إلَيْنا، وكُلُّ ذَلِكَ فَضْلٌ مِنهُ ورَحْمَةٌ. وقالَ مُجاهِدٌ: لا يُهْلِكُهم بِظُلْمِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا. وقِيلَ: بِظُلْمِ واحِدٍ مِنهم. وقِيلَ: بِجِنْسِ الظُّلْمِ، حَتّى يَرْتَكِبُوا مَعَ الظُّلْمِ غَيْرَهُ مِمّا لا يَرْضاهُ اللَّهُ مِن سائِرِ القَبائِحِ، ذَكَرَهُ التِّبْرِيزِيُّ. ومَعْنى ﴿وأهْلُها غافِلُونَ﴾ أيْ: لا يُبَيِّنُ لَهم كَيْفِيَّةَ الحالِ ولا يُزِيلُ عَدَدَهم، ولَيْسَ المَعْنى أنَّهم غافِلُونَ عَمّا يُوعَظُونَ بِهِ.

الأنعام 6:132

﴿ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾ أيْ: ولِكُلٍّ مِنَ المُكَلَّفِينَ مُؤْمِنِهِمْ وكافِرِهِمْ دَرَجاتٌ مُتَفاوِتَةٌ مِن جَزاءِ أعْمالِهِمْ وتَفاوُتِها بِنِسْبَةِ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ، أوْ بِنِسْبَةِ عَمَلِ كُلِّ عامِلٍ، فَيَكُونُ هو في دَرَجَةٍ فَيَتَرَقّى إلى أُخْرى كامِلَةٍ ثُمَّ إلى أكْمَلَ، والظّاهِرُ انْدِراجُ الجِنِّ في العُمُومِ في الجَزاءِ كَما انْدَرَجُوا في التَّكْلِيفِ وفي إرْسالِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ. قالَ الضَّحّاكُ: مُؤْمِنُو الجِنِّ في الجَنَّةِ كَمُؤْمِنِي الإنْسِ. وقِيلَ: لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ولا النّارَ، يُقالُ لَهم كُونُوا تُرابًا فَيَصِيرُونَ تُرابًا كالبَهائِمِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جَزاءُ مُؤْمِنِي الجِنِّ إجارَتُهم مِنَ النّارِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ لِلْجِنِّ ثَوابٌ لِأنَّ (p-٢٢٥)الثَّوابَ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ، فَلا يُقالُ بِهِ لَهم إلّا بِبَيانٍ مِنَ اللَّهِ، ولَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ في حَقِّهِمْ إلّا عُقُوبَةَ عاصِيهِمْ لا ثَوابَ طائِعِهِمْ، وخالَفَهُ صاحِباهُ أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ، فَقالا: لَهم ثَوابٌ عَلى الطّاعاتِ وعِقابٌ عَلى المَعاصِي، ودَلِيلُهُما عُمُومُ الكِتابِ والسُّنَّةِ. وقِيلَ: ولِكُلٍّ مِنَ المُؤْمِنِينَ خاصَّةً. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: ولِكُلٍّ مِنَ الكُفّارِ خاصَّةً ﴿دَرَجاتٌ﴾ دِرْكاتٌ، ومَراتِبُ مِنَ العِقابِ مِمّا عَمِلُوا مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي؛ لِأنَّهُ جاءَ عَقِيبَ خِطابِ الكُفّارِ فَيَكُونُ راجِعًا عَلَيْهِمْ. ﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: لَيْسَ بِساهٍ بِخَفِيٍّ عَلَيْهِ مَقادِيرُ الأعْمالِ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها مِنَ الأُجُورِ، وفي ذَلِكَ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: تَعْمَلُونَ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ.

الأنعام 6:133

﴿ورَبُّكَ الغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى مَن أطاعَ ومَن عَصى والثَّوابَ والعِقابَ، ذَكَرَ أنَّهُ هو الغَنِيُّ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ لا تَنْفَعُهُ الطّاعَةُ ولا تَضُرُّهُ المَعْصِيَةُ، ومَعَ كَوْنِهِ غَنِيًّا هو ذُو الرَّحْمَةِ، أيِ: التَّفَضُّلِ التّامِّ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ بِأوْلِيائِهِ وأهْلِ طاعَتِهِ. وقِيلَ: بِكُلِّ خَلْقِهِ، ومِن رَحْمَتِهِ تَأْخِيرُ الِانْتِقامِ مِنَ العُصاةِ. وقِيلَ: ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ جاعِلُ نَفْعِ الخَلائِقِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ يَتَرَحَّمُ عَلَيْهِمْ بِالتَّكْلِيفِ لِيُعَرِّضَهم لِلْمَنافِعِ الدّائِمَةِ. ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكم ما يَشاءُ كَما أنْشَأكم مِن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ هَذا فِيهِ إظْهارُ القُدْرَةِ التّامَّةِ والغِنى المُطْلَقِ، والخِطابُ عامٌّ لِلْخَلْقِ كُلِّهِمْ، كَما قالَ: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ [النساء: ١٣٣]، فالمَعْنى إنْ يَشَأْ إفْناءَ هَذا العالَمِ واسْتِخْلافَ ما يَشاءُ مِنَ الخَلْقِ غَيْرَهِمْ فَعَلَ، والإذْهابَ هُنا الإهْلاكُ، إهْلاكُ الِاسْتِئْصالٍ لا الإماتَةُ، ناسًا بَعْدَ ناسٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ واقِعٌ فَلا يُعَلَّقُ الواقِعُ عَلى إنْ يَشَأْ. وقِيلَ: الخِطابُ لِأهْلِ مَكَّةَ. وقالَ عَطاءٌ: يَعْنِي الأنْصارَ والتّابِعِينَ. وقِيلَ: ﴿يُذْهِبْكُمْ﴾ أيُّها العُصاةُ ﴿ويَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكم ما يَشاءُ﴾ مِنَ النَّوْعِ الطّائِعِ، و﴿كَما أنْشَأكُمْ﴾ في مَوْضِعِ مَصْدَرٍ عَلى غَيْرِ الصَّدْرِ لِقَوْلِهِ: (ويَسْتَخْلِفْ) لِأنَّ مَعْناهُ ويُنْشِئْ، والمَعْنى إنْ يَشَأِ الإذْهابَ والِاسْتِخْلافَ يُذْهِبْكم ويَسْتَخْلِفْ، فَكُلٌّ مِنَ الإذْهابِ والِاسْتِخْلافِ مَعْذُوقٌ بِمَشِيئَتِهِ، و(مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لِلتَّبْعِيضِ. وقالَ الطَّبَرِيُّ وتَبِعَهُ مَكِّيٌّ: هي بِمَعْنى أخَذْتُ مِن ثَوْبِي دِينارًا بِمَعْنى عَنْهُ وعِوَضُهُ. انْتَهى. يَعْنِي أنَّها بِدَلِيَّةٌ، والمَعْنى مِن أوْلادِ قَوْمٍ مُتَقَدِّمِينَ أصْلُهم آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن أوْلادِ ﴿قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ لَمْ يَكُونُوا عَلى مِثْلِ صِفَتِكم، وهم أهْلُ سَفِينَةِ نُوحٍ. انْتَهى. ويَعْنِي أنَّكم ﴿مِن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ﴾ صالِحِينَ، فَلَوْ شاءَ أذَهْبَكم أيُّها العُصاةُ ويَسْتَخْلِفْ بَعْدَكم طائِعِينَ، كَما أنَّكم عُصاةٌ أنْشَأكم مِن قَوْمٍ طائِعِينَ، وما في قَوْلِهِ: ﴿ما يَشاءُ﴾ قِيلَ: بِمَعْنى مَن، والأوْلى إنْ كانَ المِقْدارُ اسْتِخْلافُهُ مِن غَيْرِ العاقِلِ فَهي واقِعَةٌ مَوْقِعَها، وإنْ كانَ عاقِلًا فَيَكُونُ قَدْ أُرِيدَ بِها النَّوْعُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: (ذَرِّيَّةً) بِفَتْحِ الذّالِ، وكَذا في آلِ عِمْرانَ، وأبانُ بْنُ عُثْمانَ (ذَرِيَّةً) بِفَتْحِ الذّالِ وتَخْفِيفِ الرّاءِ المَكْسُورَةِ، وعِنْدَ (ذَرْيَةً) عَلى وزْنِ ضَرْبَةٍ، وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ التَّحْذِيرَ مَن بَطْشِ اللَّهِ في التَّعْجِيلِ بِذَلِكَ.

الأنعام 6:134

﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ﴾ ظاهِرُ ”ما“ العُمُومُ في كُلِّ ما يُوعَدُ بِهِ. وقالَ الحَسَنُ: مِن مَجِيءِ السّاعَةِ لِأنَّهم كانُوا يُكَذِّبُونَ بِها. وقِيلَ: مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ. وقِيلَ: مِنَ النَّصْرِ لِلرَّسُولِ لَكائِنٌ. وقِيلَ: مِنَ العَذابِ ﴿لِآتٍ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ. وقِيلَ: مِنَ الوَعْدِ يَوْمَ القِيامَةِ؛ لِقَرِينَةِ ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾، والإشارَةُ إلى هَذا الوَعِيدِ المُتَقَدِّمِ خُصُوصًا، وإمّا أنْ يَكُونَ لِلْعُمُومِ مُطْلَقًا فَذَلِكَ يَتَضَمَّنُ إنْفاذَ الوَعِيدِ، والعَقائِدُ تَرُدُّ ذَلِكَ. انْتَهى. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: الوَعْدُ مَخْصُوصٌ بِالإخْبارِ عَنِ الثَّوابِ فَهو آتٍ لا مَحالَةَ، فَتَخْصِيصُ الوَعْدِ بِهَذا الجَزْمِ يَدُلُّ عَلى أنَّ جانِبَ الوَعِيدِ لَيْسَ كَذَلِكَ، ويُقَوِّي هَذا الوَجْهَ أنَّهُ قالَ: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾، أيْ: لا تَخْرُجُونَ عَنْ قُدْرَتِنا وحِكْمَتِنا، فَلَمّا ذَكَرَ الوَعْدَ جَزَمَ، ولَمّا ذَكَرَ الوَعِيدَ ما زادَ عَلى ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ جانِبَ الرَّحْمَةِ غالِبٌ، فَتَلَخَّصَ في قَوْلِهِ: ﴿ما تُوعَدُونَ﴾ العُمُومُ، ويَخْرُجُ مِنهُ ما خَرَجَ بِالدَّلِيلِ، أوْ يُرادُ بِهِ الخُصُوصُ مِنَ الحَشْرِ أوِ النَّصْرِ أوِ الوَعِيدِ أوِ الوَعْدِ، (p-٢٢٦)أيْ: بِلازِمِهِما مِنَ الثَّوابِ أوِ العِقابِ أوْ مَجْمُوعِهِما، سِتَّةُ أقْوالٍ. وكُتِبَتْ ) أنَّ ) مَفْصُولَةً مِن (ما)، وما بِمَعْنى الَّذِي، وفي هَذِهِ الجُمْلَةِ إشْعارٌ بِقَصْرِ الأمَلِ وقُرْبِ الأجَلِ والمُجازاةِ عَلى العَمَلِ. ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أيْ: فائِتِينَ، أعْجَزَنِي الشَّيْءُ: فاتَنِي، أيْ: لا يَفُوتُنا عَنْ ما أرَدْنا بِكم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْناهُ بِناجِينَ، وهُنا تَفْسِيرٌ بِاللّازِمِ.

الأنعام 6:135

﴿قُلْ ياقَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ قَرَأ أبُو بَكْرٍ: عَلى مَكاناتِكم، عَلى الجَمْعِ حَيْثُ وقَعَ، فَمَن جَمَعَ قابَلَ جَمْعَ المُخاطَبِينَ بِالجَمْعِ، ومَن أفْرَدَ فَعَلى الجِنْسِ، والمَكانَةُ مَصْدَرُ مَكَّنَ، فالمِيمُ أصْلِيَّةٌ، وبِمَعْنى المَكانِ، ويُقالُ: المَكانُ والمَكانَةُ مُفْعَلٌ ومُفْعَلَةٌ مِنَ الكَوْنِ فالمِيمُ زائِدَةٌ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى عَلى تَمَكُّنِكم مِن أمْرِكم وأقْصى اسْتِطاعَتِكم وإمْكانِكم، قالَ مَعْناهُ الزَّجّاجُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى عَلى جِهَتِكم وحالِكُمُ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها، يُقالُ: عَلى مَكانَتِكَ يا فُلانُ، إذا أمَرْتَهُ أنْ يَثْبُتَ عَلى حالِهِ، أيِ: اثْبُتْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ لا تَنْحَرِفْ عَنْهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَلى ناحِيَتِكم، والمَعْنى ما تَنْحُونَ أيْ: ما تَقْصِدُونَ مِن صالِحٍ وطالِحٍ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: عَلى حالِكم. وقالَ يَمانٌ: عَلى مَذاهِبِكم. وقالَ إسْماعِيلُ الضَّرِيرُ: عَلى دِينِكم في مَنازِلِكم لِهَلاكِي، خِطابًا لِكُفّارِ مَكَّةَ، ﴿إنِّي عامِلٌ﴾ لِهَلاكِكم. انْتَهى. وهي ألْفاظٌ مُتَقارِبَةٌ، وهَذا الأمْرُ أمْرُ تَهْدِيدٍ ووَعِيدٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]، وهي التَّخْلِيَةُ والتَّسْجِيلُ عَلى المَأْمُورِ بِأنَّهُ لا يَأْتِي مِنهُ إلّا الشَّرُّ، فَكَأنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ وهو واجِبٌ عَلَيْهِ حَتْمًا لَيْسَ لَهُ أنْ يَتَفَصّى عَنْهُ ويَعْمَلَ بِخِلافِهِ، ومَعْنى ﴿إنِّي عامِلٌ﴾ أيْ: عَلى مَكانَتِي الَّتِي أنا عَلَيْها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اثْبُتُوا عَلى كُفْرِكم وعَداوَتِكم فِيَّ، فَإنِّي ثابِتٌ عَلى الإسْلامِ وعَلى مُصابِرَتِكم. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ (مَن) مَفْعُولٌ بِـ ﴿تَعْلَمُونَ﴾، وأجازُوا أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً اسْمَ اسْتِفْهامٍ، وخَبَرُهُ ﴿تَكُونُ﴾، والفِعْلُ مُعَلَّقٌ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ إنْ كانَ (يَعْلَمُونَ) مُعَدّى إلى واحِدٍ، أوْ في مَوْضِعِ المَفْعُولَيْنِ إنْ كانَ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، و﴿عاقِبَةُ الدّارِ﴾ مَآلُها وما تَنْتَهِي إلَيْهِ، والدّارُ يَظْهَرُ مِنهُ أنَّها دارُ الآخِرَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ مَآلُ الدُّنْيا بِالنَّصْرِ والظُّهُورِ، فَفي الآيَةِ إعْلامٌ بِغَيْبٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: العاقِبَةُ الحُسْنى الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ هَذِهِ الدّارَ لَها، وهَذا طَرِيقٌ مِنَ الإنْذارِ لِطَيْفُ المَسْلَكِ فِيهِ إنْصافٌ في المَقالِ وأدَبٌ حَسَنٌ مَعَ تَضَمُّنِ شِدَّةِ الوَعِيدِ والوُثُوقِ بِأنَّ المُنْذِرَ مُحِقٌّ وأنَّ المُنْذَرَ مُبْطِلٌ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ﴾ أيْ: مِن لَهُ النُّصْرَةُ في دارِ الإسْلامِ ومَن لَهُ الدّارُ الآخِرَةُ، أيْ: الجَنَّةُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ مِنَ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ ما لا يَخْفى، كَقَوْلِهِ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّها الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١]، ﴿مَن يَرْتَدَّ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ﴾ [المائدة: ٥٤]، وقالَ الشّاعِرُ: ؎إذا ما التَقَيْنا والتَقى الرُّسْلُ بَيْنَنا فَسَوْفَ تَرى يا عَمْرُو ما اللَّهُ صانِعُ وقالَ آخَرُ: ؎سَتَعْلَمُ لَيْلى أيُّ دَيْنٍ تَدايَنَتْ ∗∗∗ وأيُّ غَرِيمٍ لِلتَّقاضِي غَرِيمُها ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ أيْ: لا يَفُوزُونَ، قالَهُ الضَّحّاكُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: لا يَبْقَوْنَ. وقالَ عَطاءٌ: لا يَسْعَدُ مَن كَفَرَ نِعْمَتِي. وقِيلَ: لا يَأْمَنُونَ ولا يَنْجُونَ مِنَ العَذابِ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهم هُمُ الظّالِمُونَ الَّذِينَ لا يُفْلِحُونَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ﴾ تَرْدِيدٌ بَيْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْنَهم، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا التَّهْدِيدَ والوَعِيدَ مُخْتَصٌّ بِهِمْ، وأنَّ عاقِبَةَ الدّارِ الحُسْنى هي لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَكِنَّهُ أُجْرِيَ مُجْرى قَوْلِهِ: فَشَرُّكُما لِخَيْرِكُما الفِداءُ. وقَوْلُهُ: ؎فَأيِّي ما وأيُّكَ كانَ شَرًّا ∗∗∗ فَسِيقَ إلى المَقادَةِ في هَوانِ وقَدْ عُلِمَ ما هو شَرٌّ وما هو خَيْرٌ، ولَكِنَّهُ أُبْرِزَ في صُورَةِ التَّرْدِيدِ إظْهارًا لِصُورَةِ الإنْصافِ ورَمْيًا (p-٢٢٧)بِالكَلامِ عَلى جِهَةِ الِاشْتِراكِ اتِّكالًا عَلى فَهْمِ المَعْنى. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: مَن يَكُونُ، بِالياءِ عَلى التَّذْكِيرِ، وكَذا في القَصَصِ.

الأنعام 6:136

﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا فَقالُوا هَذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهَذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إلى اللَّهِ وما كانَ لِلَّهِ فَهو يَصِلُ إلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ أنَّ العَرَبَ كانَتْ تَجْعَلُ مِن غَلّاتِها وزُرُوعِها وأثْمارِها وأنْعامِها جُزْءًا تُسَمِّيهِ لِلَّهِ، وجُزْءًا تُسَمِّيهِ لِأصْنامِها، وكانَتْ عادَتُها تُبالِغُ وتَجْتَهِدُ في إخْراجِ نَصِيبِ الأصْنامِ أكْثَرَ مِنها في نَصِيبِ اللَّهِ، إذْ كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ الأصْنامَ بِها فَقْرٌ ولَيْسَ ذَلِكَ بِاللَّهِ، فَكانُوا إذا جَمَعُوا الزَّرْعَ فَهَبَّتِ الرِّيحُ فَحَمَلَتْ مِنَ الَّذِي لِلَّهِ إلى الَّذِي لِشُرَكائِهِمْ تَرَكُوهُ ولَمْ يَرُدُّوهُ إلى نَصِيبِ اللَّهِ، ويَفْعَلُونَ عَكْسَ هَذا، وإذا تَفَجَّرَ مِن سَقْيِ ما جَعَلُوهُ لِلَّهِ في نَصِيبِ شُرَكائِهِمْ تَرَكُوهُ، وبِالعَكْسِ سَدُّوهُ، وإذا لَمْ يَنْجَحُ شَيْءٌ مِن نَصِيبِ آلِهَتِهِمْ جَعَلُوا نَصِيبَ اللَّهِ لَها، وكَذا في الأنْعامِ. وإذا أجْدَبُوا أكَلُوا نَصِيبَ اللَّهِ وتَرَكُوا نَصِيبَها. لَمّا ذَكَرَ تَعالى قُبْحَ طَرِيقَةِ مُشْرِكِي العَرَبِ في إنْكارِهِمُ البَعْثَ، ذَكَرَ أنْواعًا مِن جَهالاتِهِمْ تَنْبِيهًا عَلى ضَعْفِ عُقُولِهِمْ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِمّا ذَرَأ﴾ أنَّهُ تَعالى كانَ أوْلى أنْ يُجْعَلَ لَهُ الأحْسَنُ والأجْوَدُ، وأنْ يَكُونَ جانِبُهُ تَعالى هو الأرْجَحَ، إذْ كانَ تَعالى هو المُوجِدَ لِما جَعَلُوا لَهُ مِنهُ نَصِيبًا، والقادِرُ عَلى تَنْمِيَتِهِ دُونَ أصْنامِهِمُ العاجِزَةِ عَنْ ما يَحِلُّ بِها، فَضْلًا عَنْ أنْ تَخْلُقَ شَيْئًا أوْ تُنَمِّيَهُ، وفي قَوْلِهِ (مِمّا) بِمِنِ التَّبْعِيضِيَّةِ دَلِيلٌ عَلى قِسْمٍ ثالِثٍ وهو ما بَقِيَ لَهم مِن غَيْرِ النَّصِيبَيْنِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ دَلَّ عَلَيْهِ التَّقْسِيمُ، أيْ: ونَصِيبًا ﴿لِشُرَكائِهِمْ﴾، ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ: ﴿هَذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهَذا لِشُرَكائِنا﴾ . و﴿الحَرْثِ﴾ قِيلَ هُنا: الزَّرْعُ. وقِيلَ: الزَّرْعُ والأشْجارُ وما يَكُونُ مِنَ الأرْضِ. ﴿والأنْعامِ﴾ الإبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ، يَتَقَرَّبُونَ بِذَبْحِ ذَلِكَ. وقِيلَ: إنَّهُ البَحِيرَةُ والسّائِبَةُ والوَصِيلَةُ والحامِي. وقِيلَ: النَّصِيبُ مِنَ الأنْعامِ هو النَّفَقَةُ عَلَيْها، وفي قَوْلِهِ: (فَقالُوا) تَأْكِيدٌ لِلْفِعْلِ الَّذِي هو الجَعْلُ بِالقَوْلِ لِيَتَطابَقَ ويَتَظافَرَ الفِعْلُ بِالقَوْلِ، ثُمَّ إنَّهم أخْلَفُوا ذَلِكَ، واعْتَرَضَ أثْناءَ الكَلامِ قَوْلُهُ: ﴿بِزَعْمِهِمْ﴾ وجاءَ إثْرَ قَوْلِهِمْ: ﴿هَذا لِلَّهِ﴾ لِأنَّهُ إخْبارُ كَذِبٍ، حَيْثُ أخْلَفَ ما جَعَلُوهُ وأكَّدُوهُ بِالقَوْلِ، ولَمْ يَأْتِ ذَلِكَ إثْرَ قَوْلِهِمْ: ﴿وهَذا لِشُرَكائِنا﴾ لِتَحْقِيقِ ما لِشُرَكائِهِمْ أنَّهُ لَهم، والزَّعْمُ في أكْثَرِ كَلامِ العَرَبِ أقْرَبُ إلى غَيْرِ اليَقِينِ، والحَقُّ نَبَّهَ عَلى أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ مِن غَيْرِ أنْ يَأْمُرَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ ولا أنْ يُشَرِّعَهُ لَهم، وذَلِكَ جَرْيٌ عَلى عادَتِهِمْ في شَرْعِ أحْكامٍ لَمْ يَأْذَنْ فِيها ولَمْ يُشَرِّعْها. وقَرَأ الكِسائِيُّ: ﴿بِزَعْمِهِمْ﴾ فِيهِما بِضَمِّ الزّايِ، وهي لُغَةُ بَنِي أسَدٍ، والفَتْحُ لُغَةُ الحِجازِ، وبِهِ قَرَأ باقِي السَّبْعَةِ، وهُما مَصْدَرانِ. وقِيلَ: الفَتْحُ في المَصْدَرِ والضَّمُّ في الِاسْمِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِ الزّايِ والعَيْنِ فِيهِما. والكَسْرُ لُغَةٌ لِبَعْضِ قَيْسٍ وتَمِيمٍ، ولَمْ يُقْرَأْ (p-٢٢٨)بِهِ، ويَتَعَلَّقُ ﴿بِزَعْمِهِمْ﴾ بِقالُوا. وقِيلَ: بِما تَعَلَّقَ بِهِ ﴿لِلَّهِ﴾ مِن الِاسْتِقْرارِ، و﴿شُرَكاؤُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧] آلِهَتُهم، والشُّرَكاءُ مِنَ الشِّرْكِ، والإضافَةُ إضافَةُ تَخْصِيصٍ، أيِ: الشُّرَكاءُ الَّذِينَ أشْرَكُوا بَيْنَهم وبَيْنَ اللَّهِ في القُرْبَةِ، ولَيْسَ مَعْناهُ الإضافَةُ إلى فاعِلٍ ولا مَفْعُولٍ. وقِيلَ: سُمُّوا شُرَكاءَ لِأنَّهم نَزَّلُوها مَنزِلَةَ الشُّرَكاءِ في أمْوالِهِمْ، فَتَكُونُ إضافَةُ إمّا إلى الفاعِلِ فالتَّقْدِيرُ: وهَذا لِأصْنامِنا الَّتِي تُشْرِكُنا في أمْوالِنا، وإمّا إلى المَفْعُولِ فالتَّقْدِيرُ: الَّتِي شَرَكْناها في أمْوالِنا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: سَمَّوْهم شُرَكاءَ عَلى مُعْتَقَدِهِمْ فِيهِمْ أنَّهم يُساهِمُونَهم في الخَيْرِ والشَّرِّ، ومَعْنى ﴿فَلا يَصِلُ إلى اللَّهِ﴾ أيْ: لا يَقَعُ مَوْقِعَ ما يُصْرَفُ في وُجُوهِ البِرِّ مِنَ الصَّدَقَةِ عَلى المَساكِينِ وزُوّارِ بَيْتِ اللَّهِ ونَحْوِها، ولَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ لَمْ يَنْفَعْ لِأنَّهم أشْرَكُوا، أوْ لا يَصِلُ البَتَّةَ إلى تِلْكَ الوُجُوهِ المَقْصُودِ بِها التَّقَرُّبُ إلى اللَّهِ. وقالَ الحَسَنُ: كانُوا إذا هَلَكَ الَّذِي لِأوْثانِهِمْ أخَذُوا بَدَلَهُ مِمّا لِلَّهِ، ولا يَفْعَلُونَ مِثْلَ ذَلِكَ لِلَّهِ. وقِيلَ: كانُوا يَصْرِفُونَ مِمّا جَعَلُوهُ لِلَّهِ إلى سَدَنَةِ الأصْنامِ، ولا يَتَصَدَّقُونَ بِشَيْءٍ مِمّا جَعَلُوهُ لِلْأوْثانِ، ومَعْنى ﴿فَهُوَ يَصِلُ إلى شُرَكائِهِمْ﴾ بِإنْفاقٍ عَلَيْها بِذَبْحِ نِسائِكَ عِنْدَها، والآخَرُ لِلنَّفَقَةِ عَلى سَدَنَتِها. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا يَصِلُ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿يَصِلُ﴾ ما قَدَّمْنا ذِكْرَهُ مِن حِمايَتِهِمْ نَصِيبَ آلِهَتِهِمْ في هُبُوبِ الرِّيحِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّما ذَلِكَ في أنَّهم كانُوا إذا ذَبَحُوا لِلَّهِ ذَكَرُوا آلِهَتَهم عَلى ذَلِكَ الذَّبْحِ، وإذا ذَبَحُوا لِآلِهَتِهِمْ لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ، قالَ: ﴿فَلا يَصِلُ﴾ إلى ذِكْرٍ، وقالَ: ﴿فَهُوَ يَصِلُ﴾ إلى ذِكْرِ اللَّهِ. انْتَهى. وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ ما جَعَلُوهُ نَصِيبًا لِشُرَكائِهِمْ فَلا يُصْرَفُ مِنهُ شَيْءٌ في وُجُوهِ البِرِّ الَّذِي يَقْتَضِيها وجْهُهُ، وما جَعَلُوهُ نَصِيبًا لِلَّهِ أُنْفِقَ في مَصارِيفِ آلِهَتِهِمْ. ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ هَذِهِ ذَمٌّ بالِغٌ عامٌّ لِأحْكامِهِمْ، فَيَنْدَرِجُ فِيهِ حُكْمُهم هَذا السّابِقُ وغَيْرُهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في إيثارِهِمْ آلِهَتَهم عَلى اللَّهِ وعَمَلِهِمْ ما لَمْ يُشْرَعْ لَهم. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: أيْ بِئْسَ الحُكْمُ حُكْمُهم حَيْثُ قَرَنُوا حَقِّي بِحَقِّ الأصْنامِ وبَخَسُونِي. وقِيلَ: ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ لِأنْفُسِهِمْ، والظّاهِرُ أنَّ ﴿ساءَ﴾ هُنا مُجْراةٌ مُجْرى بِئْسَ في الذَّمِّ، كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ﴾ [البقرة: ٩٣]، والخِلافُ الجارِي في ﴿بِئْسَما﴾ [البقرة: ٩٠]، وإعْرابِ ما جارَ هُنا، وتَقَدَّمَ ذَلِكَ مُسْتَوْفًى في قَوْلِهِ: ﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: ٩٠] في البَقَرَةِ، وعَلى أنَّ حُكْمَها حَكَمُ ﴿بِئْسَما﴾ [البقرة: ٩٠] . فَسَّرَها الماتُرِيدِيُّ فَقالَ: بِئْسَ الحُكْمُ حُكْمُهم، وأعْرَبَها الحَوْفِيُّ وجَعَلَ ما مَوْصُولَةً بِمَعْنى الَّذِي، قالَ: والتَّقْدِيرُ: ساءَ الَّذِي يَحْكُمُونَ حُكْمُهم، فَيَكُونُ حُكْمُهم رَفْعًا بِالِابْتِداءِ، وما قَبْلَهُ الخَبَرُ وحُذِفَ لِدَلالَةِ يَحْكُمُونَ عَلَيْهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ما تَمْيِيزًا عَلى مَذْهَبِ مَن يُجِيزُ ذَلِكَ في ﴿بِئْسَما﴾ [البقرة: ٩٠] فَيَكُونُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، التَّقْدِيرُ: ﴿ساءَ﴾ حُكْمًا حُكْمُهم، ولا يَكُونُ ﴿يَحْكُمُونَ﴾ صِفَةً لِما لِأنَّ الغَرَضَ الإبْهامُ، ولَكِنْ في الكَلامِ حَذْفٌ يَدُلُّ ”ما“ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: ساءَ ما ﴿ما يَحْكُمُونَ﴾ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: و(ما) في مَوْضِعِ رَفْعٍ، كَأنَّهُ قالَ: ساءَ الَّذِي يَحْكُمُونَ، ولا يَتَّجِهُ عِنْدِي أنْ تُجْرى هُنا ﴿ساءَ﴾ مُجْرى نِعْمَ وبِئْسَ؛ لِأنَّ المُفَسِّرَ هُنا مُضْمَرٌ ولا بُدَّ مِن إظْهارِهِ بِاتِّفاقٍ مِنَ النُّحاةِ، وإنَّما اتَّجَهَ أنْ يُجْرِيَ مُجْرى بِئْسَ في قَوْلِهِ: ﴿ساءَ مَثَلًا القَوْمُ﴾ [الأعراف: ١٧٧]؛ لِأنَّ المُفَسِّرَ ظاهِرٌ في الكَلامِ. انْتَهى. وهَذا قَوْلُ مَن شَدا يَسِيرًا مِنَ العَرَبِيَّةِ ولَمْ يُرَسِّخْ قَدَمَهُ فِيها، بَلْ إذا جَرى ساءَ مُجْرى نِعْمَ وبِئْسَ كانَ حُكْمُها حُكْمَهَما سَواءً، لا يَخْتَلِفُ في شَيْءٍ البَتَّةَ مِن فاعِلٍ مُضْمَرٍ أوْ ظاهِرٍ وتَمْيِيزٍ، ولا خِلافَ في جَوازِ حَذْفِ المَخْصُوصِ بِالمَدْحِ والذَّمِّ، والتَّمْيِيزُ فِيها لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، فَقَوْلُهُ: لِأنَّ المُفَسِّرَ هُنا مُضْمَرٌ ولا بُدَّ مِن إظْهارِهِ بِاتِّفاقِ النُّحاةِ إلى آخِرِهِ، كَلامٌ ساقِطٌ، ودَعْواهُ الِاتِّفاقَ، مَعَ أنَّ الِاتِّفاقَ عَلى خِلافِ ما ذَكَرَ، عَجَبٌ عُجابٌ.

الأنعام 6:137

﴿وكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهم لِيُرْدُوهم ولِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ (p-٢٢٩)أيْ: ومِثْلُ تَزْيِينِ قِسْمَةِ القُرْبانِ بَيْنَ اللَّهِ وآلِهَتِهِمْ وجَعْلِهِمْ آلِهَتَهم شُرَكاءَ لِلَّهِ في ذَلِكَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ مِثْلُ ذَلِكَ التَّزْيِينِ البَلِيغِ الَّذِي عُلِمَ مِنَ الشَّياطِينِ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (وكَذَلِكَ) مُسْتَأْنَفًا غَيْرَ مُشارٍ بِهِ إلى ما قَبْلَهُ، فَيَكُونُ المَعْنى وهَكَذا زَيَّنَ. انْتَهى. و(كَثِيرٍ) يُرادُ بِهِ مَن كانَ مِن مُشْرِكِي العَرَبِ. قالَ مُجاهِدٌ: ﴿شُرَكاؤُهُمْ﴾ شَياطِينُهم، أمَرُوهم أنْ يَدْفِنُوا بَناتِهِمْ أحْياءً خَشْيَةِ العَيْلَةِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: ﴿شُرَكاؤُهُمْ﴾ سَدَنَتُهم وخَزَنَتُهُمُ الَّتِي لِآلِهَتِهِمْ، كانُوا يُزَيِّنُونَ لَهم دَفْنَ البَناتِ أحْياءً. وقِيلَ: رُؤَساؤُهم كانُوا يَقْتُلُونَ الإناثَ تَكَبُّرًا والذُّكُورَ خَوْفَ الفَقْرِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿قَتْلَ أوْلادِهِمْ﴾ بِالوَأْدِ أوْ بِنَحْرِهِمْ لِلْآلِهَةِ، وكانَ الرَّجُلُ يَحْلِفُ في الجاهِلِيَّةِ لَئِنْ وُلِدَ لَهُ كَذا غُلامًا لَيَنْحَرَنَّ أحَدَهم، كَما حَلَفَ عَبْدُ المَطْلَبِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿زَيَّنَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، ونَصْبَ ﴿قَتْلَ﴾ مُضافًا إلى ﴿أوْلادِهِمْ﴾، ورَفْعَ ﴿شُرَكاؤُهُمْ﴾ فاعِلًا بِزَيَّنَ، وإعْرابُ هَذِهِ القِراءَةِ واضِحٌ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ مِنهُمُ السُّلَمِيُّ والحَسَنُ وأبُو عَبْدِ المَلِكِ قاضِي الجُنْدِ صاحِبُ ابْنِ عامِرٍ: (زُيِّنَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، (قَتْلُ) مَرْفُوعًا مُضافًا إلى ﴿أوْلادِهِمْ﴾ ﴿شُرَكاؤُهُمْ﴾ مَرْفُوعًا عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: زَيَّنَهُ شُرَكاؤُهم، هَكَذا خَرَّجَهُ سِيبَوَيْهِ، أوْ فاعِلًا بِالمَصْدَرِ، أيْ: ﴿قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ﴾، كَما تَقُولُ: حُبِّبَ لِي رُكُوبُ الفَرَسِ زِيدٌ، هَكَذا خَرَّجَهُ قُطْرُبٌ. فَعَلى تَوْجِيهِ سِيبَوَيْهِ الشُّرَكاءُ مُزَيِّنُونَ لا قاتِلُونَ، كَما ذَلِكَ في القِراءَةِ الأُولى، وعَلى تَوْجِيهِ قُطْرُبٍ الشُّرَكاءُ قاتِلُونَ. ومَجازُهُ أنَّهم لَمّا كانُوا مُزَيِّنِينَ القَتْلَ جُعِلُوا هُمُ القاتِلِينَ وإنْ لَمْ يَكُونُوا مُباشَرِي القَتْلِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهم خَفَضُوا شُرَكائِهِمْ، وعَلى هَذا الشُّرَكاءُ هُمُ المَوْؤِدُونَ لِأنَّهم شُرَكاءُ في النَّسَبِ والمَوارِيثِ، أوْ لِأنَّهم قَسِيمُو أنْفُسِهِمْ وأبْعاضٌ مِنها. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: (كَذَلِكَ) إلّا أنَّهُ نَصَبَ ﴿أوْلادِهِمْ﴾ وجَرَّ ”﴿شُرَكاؤُهُمْ﴾“، فَصَلَ بَيْنَ المَصْدَرِ المُضافِ إلى الفاعِلِ بِالمَفْعُولِ، وهي مَسْألَةٌ مُخْتَلَفٌ في جَوازِها، فَجُمْهُورُ البَصْرِيِّينَ يَمْنَعُونَها مُتَقَدِّمُوهم ومُتَأخَّرُوهم، ولا يُجِيزُونَ ذَلِكَ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، وبَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أجازَها، وهو الصَّحِيحُ لِوُجُودِها في هَذِهِ القِراءَةِ المُتَواتِرَةِ المَنسُوبَةِ إلى العَرَبِيِّ الصَّرِيحِ المَحْضِ ابْنِ عامِرٍ الآخِذِ القُرْآنِ عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ قَبْلَ أنْ يَظْهَرَ اللَّحْنُ في لِسانِ العَرَبِ، ولِوُجُودِها أيْضًا في لِسانِ العَرَبِ في عِدَّةِ أبْياتٍ قَدْ ذَكَرْناها في كِتابِ (مَنهَجِ السّالِكِ) مِن تَأْلِيفِنا، ولا التِفاتَ إلى قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ، وهَذِهِ قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ في اسْتِعْمالِ العَرَبِ، وذَلِكَ أنَّهُ أضافَ الفِعْلَ إلى الفاعِلِ وهو الشُّرَكاءُ، ثُمَّ فَصَلَ بَيْنَ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ بِالمَفْعُولِ، ورُؤَساءُ العَرَبِيَّةِ لا يُجِيزُونَ الفَصْلَ بِالظُّرُوفِ في مِثْلِ هَذا إلّا في الشِّعْرِ، كَقَوْلِهِ: ؎كَما خُطَّ الكِتابُ بِكَفِّ يَوْمًا يَهُودِيٍّ يُقارِبُ أوْ يُزِيلُ فَكَيْفَ بِالمَفْعُولِ في أفْصَحِ كَلامٍ، ولَكِنْ وجْهُها عَلى ضَعْفِها أنَّها ورَدَتْ شاذَّةً في بَيْتٍ أنْشَدَهُ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ: ؎فَزَجَجْتُهُ بِمِزَجَّةٍ ∗∗∗ زَجَّ القَلُوصِ أبِي مَزادَةْ وفِي بَيْتِ الطِّرِمّاحِ وهو قَوْلُهُ:(p-٢٣٠) ؎يَطُفْنَ بِحُوزِيِّ المَراتِعِ لَمْ يَرْعَ ∗∗∗ بِوادِيهِ مِن قَرْعِ القِسِيِّ الكَنائِنِ انْتَهى كَلامُ ابْنِ عَطِيَّةَ، ولا التِفاتَ أيْضًا إلى قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ: إنَّ الفَصْلَ بَيْنَهُما، يَعْنِي بَيْنَ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ فَشا، لَوْ كانَ في مَكانِ الضَّرُوراتِ وهو الشِّعْرُ كانَ سَمِجًا مَرْدُودًا، فَكَيْفَ بِهِ في القُرْآنِ المُعْجِزِ لِحُسْنِ نَظْمِهِ وجَزالَتِهِ ؟ والَّذِي حَمَلَهُ عَلى ذَلِكَ أنْ رَأى في بَعْضِ المَصاحِفِ (شُرَكائِهِمْ) مَكْتُوبًا بِالياءِ، ولَوْ قَرَأ بِجَرِّ الأوْلادِ والشُّرَكاءِ لِأنَّ الأوْلادَ ﴿شُرَكاؤُهُمْ﴾ في أمْوالِهِمْ، لَوَجَدَ في ذَلِكَ مَندُوحَةً عَنْ هَذا الِارْتِكابِ، انْتَهى ما قالَهُ. وأعْجَبُ لِعَجَمِيٍّ ضَعِيفٍ في النَّحْوِ يَرُدُّ عَلى عَرَبِيٍّ صَرِيحٍ مَحْضَ قِراءَةٍ مُتَواتِرَةٍ مَوْجُودٍ نَظِيرُها في لِسانِ العَرَبِ في غَيْرِ ما بَيْتٍ، وأعْجَبُ لِسُوءِ ظَنِّ هَذا الرَّجُلِ بِالقُرّاءِ الأئِمَّةِ الَّذِينَ تَخَيَّرَتْهم هَذِهِ الأُمَّةُ لِنَقْلِ كِتابِ اللَّهِ شَرْقًا وغَرْبًا، وقَدِ اعْتَمَدَ المُسْلِمُونَ عَلى نَقْلِهِمْ لِضَبْطِهِمْ ومَعْرِفَتِهِمْ ودِيانَتِهِمْ، ولا التِفاتَ أيْضًا لِقَوْلِ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ: هَذا قَبِيحٌ قَلِيلٌ في الِاسْتِعْمالِ، ولَوْ عَدَلَ عَنْها يَعْنِي ابْنَ عامِرٍ كانَ أوْلى؛ لِأنَّهم لَمْ يُجِيزُوا الفَصْلَ بَيْنَ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ بِالظَّرْفِ في الكَلامِ مَعَ اتِّساعِهِمْ في الظَّرْفِ، وإنَّما أجازُوهُ في الشِّعْرِ. انْتَهى. وإذا كانُوا قَدْ فَصَلُوا بَيْنَ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ بِالجُمْلَةِ في قَوْلِ بَعْضِ العَرَبِ: هو غُلامُ إنْ شاءَ اللَّهُ أخِيكَ، فالفَصْلُ بِالمُفْرَدِ أسْهَلُ، وقَدْ جاءَ الفَصْلُ في اسْمِ الفاعِلِ في الِاخْتِيارِ. قَرَأ بَعْضُ السَّلَفِ: ”مُخْلِفٌ وعْدَهُ رُسُلِهِ“ بِنَصْبِ وعْدَهُ وخَفْضِ رُسُلِهِ، وقَدِ اسْتَعْمَلَ أبُو الطَّيِّبِ الفَصْلَ بَيْنَ المَصْدَرِ المُضافِ إلى الفاعِلِ بِالمَفْعُولِ اتِّباعًا لِما ورَدَ عَنِ العَرَبِ، فَقالَ: ؎بَعَثْتُ إلَيْهِ مِن لِسانِي حَدِيقَةً ∗∗∗ سَقاها الحِجا سَقْيَ الرِّياضِ السَّحائِبِ وقالَ أبُو الفَتْحِ: إذا اتَّفَقَ كُلُّ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ نُظِرَ في حالِ العَرَبِيِّ وما جاءَ بِهِ، فَإنْ كانَ فَصِيحًا وكانَ ما أوْرَدَهُ يَقْبَلُهُ القِياسُ فالأوْلى أنْ يُحْسَنَ بِهِ الظَّنُّ؛ لِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ وقَعَ إلَيْهِ مِن لُغَةٍ قَدِيمَةٍ قَدْ طالَ عَهْدُها وعَفا رَسْمُها. وقالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: ما انْتَهى إلَيْكم مِمّا قالَتِ العَرَبُ إلّا أقَلُّهُ، ولَوْ جاءَكم وافِرًا لَجاءَكم عِلْمٌ وشِعْرٌ كَثِيرٌ، ونَحْوُهُ ما رَوى ابْنُ سِيرِينَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ حُفِظَ أقَلُّ ذَلِكَ وذَهَبَ عَنْهم كَثِيرُهُ، يَعْنِي الشِّعْرَ في حِكايَةٍ فِيها طُولٌ. وقالَ أبُو الفَتْحِ: فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَمْ نَقْطَعْ عَلى الفَصِيحِ إذا سُمِعَ مِنهُ ما يُخالِفُ الجُمْهُورَ بِالخَطَأِ، انْتَهى مُلَخَّصًا مُقْتَصِرًا عَلى بَعْضِ ما قالَهُ. وقَرَأ بَعْضُ أهْلِ الشّامِ ورُوِّيتُ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: ﴿زَيَّنَ﴾ بِكَسْرِ الزّايِ وسُكُونِ الياءِ عَلى القِراءَةِ المُتَقَدِّمَةِ مِنَ الفَصْلِ بِالمَفْعُولِ، ومَعْنى ﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾ لِيُهْلِكُوهم مِنَ الرَّدى وهو الهَلاكُ، ﴿ولِيَلْبِسُوا﴾ لِيَخْلِطُوا، و﴿دِينَهُمْ﴾ ما كانُوا عَلَيْهِ مِن دِينِ إسْماعِيلَ حَتّى زَلُّوا عَنْهُ إلى الشِّرْكِ. وقِيلَ ﴿دِينَهُمْ﴾ الَّذِي وجَبَ أنْ يَكُونُوا عَلَيْهِ. وقِيلَ: مَعْناهُ ولِيُوقِعُوهم في دِينٍ مُلْتَبِسٍ. وقَرَأ النَّخَعِيُّ: (ولِيَلْبِسُوا) بِفَتْحِ الياءِ. قالَ أبُو الفَتْحِ: اسْتِعارَةٌ مِنَ اللِّباسِ عِبارَةٌ عَنْ شِدَّةِ المُخالَطَةِ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ﴿زَيَّنَ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنْ كانَ التَّزْيِينُ مِنَ الشَّياطِينِ فَهي عَلى حَقِيقَةِ التَّعْلِيلِ، وإنْ كانَ مِنَ السَّدَنَةِ فَعَلى مَعْنى الصَّيْرُورَةِ. ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ﴾ الظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى القَتْلِ لِأنَّهُ المَصْرُحُ بِهِ والمُحَدَّثُ عَنْهُ، والواوُ في ﴿فَعَلُوهُ﴾ عائِدٌ عَلى الكَثِيرِ. وقِيلَ: الهاءُ لِلتَّزْيِينِ والواوُ لِلشُّرَكاءِ. وقِيلَ: الهاءُ لِلَّبْسِ، وهَذا بَعِيدٌ. وقِيلَ: لِجَمِيعِ ذَلِكَ إنْ جَعَلْتَ الضَّمِيرَ جارٍ مُجْرى الإشارَةِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ رَدٌّ عَلى مَن زَعَمَ أنَّهُ يَخْلُقُ أفْعالَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ﴾ مَشِيئَةَ قَسْرٍ. انْتَهى. وهو عَلى مَذْهَبِهِ الِاعْتِزالِيِّ. ﴿فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ﴾ أيْ: ما يَخْتَلِقُونَ مِنَ الإفْكِ عَلى اللَّهِ (p-٢٣١)والأحْكامُ الَّتِي يَشْرَعُونَها، وهو أمْرُ تَهْدِيدٍ ووَعِيدٍ.

الأنعام 6:138

﴿وقالُوا هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إلّا مَن نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ﴾ أعْلَمَ تَعالى بِأشْياءَ مِمّا شَرَعُوها وتَقْسِيماتٍ ابْتَدَعُوها والتَزَمُوها عَلى جِهَةِ الفِرْيَةِ والكَذِبِ مِنهم عَلى اللَّهِ، أفْرَدُوا مِن أنْعامِهِمْ وزُرُوعِهِمْ وثِمارِهِمْ شَيْئًا وقالُوا: هَذا حِجْرٌ، أيْ: حَرامٌ مَمْنُوعٌ. وقَرَأ أبانُ بْنُ عُثْمانَ: ”نَعَمٌ“ عَلى الإفْرادِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِكَسْرِ الحاءِ وسُكُونِ الجِيمِ، والحِجْرُ بِمَعْنى المَحْجُورِ، كالذِّبْحِ والطِّحْنِ يَسْتَوِي في الوَصْفِ بِهِ الواحِدُ والجَمْعُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ؛ لِأنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الأسْماءِ غَيْرَ الصِّفاتِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقَرَأ الحَسَنُ وقَتادَةُ والأعْرَجُ بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ الجِيمِ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: قَرَأ الحَسَنُ وقَتادَةُ بِفَتْحِ الحاءِ وإسْكانِ الجِيمِ، وعَنِ الحَسَنِ أيْضًا: (حِجْرٌ) بِضَمِّ الحاءِ. وقَرَأ أبانُ بْنُ عُثْمانَ وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِضَمِّ الحاءِ والجِيمِ، وقالَ هارُونُ: كانَ الحَسَنُ يَضُمُّ الحاءَ مِن (حِجْرٌ)، حَيْثُ وقَعَ إلّا (حِجْرًا مَحْجُورًا) فَيَكْسِرُها، وقَرَأ أبِيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ وابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ الزُّبَيْرِ وعِكْرِمَةُ وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ والأعْمَشُ: حِرْجٌ بِكَسْرِ الحاءِ وتَقْدِيمِ الرّاءِ عَلى الجِيمِ وسُكُونِها، وخَرَجَ عَلى القَلْبِ، فَمَعْناهُ مَعْنى (حِجْرٌ)، أوْ مِنَ الحَرَجِ وهو التَّضْيِيقُ. ”لا يَطْعَمُها“: لا يَأْكُلُها إلّا مَن نَشاءُ وهُمُ الرِّجالُ دُونَ النِّساءِ، أوْ سَدَنَةُ الأصْنامِ، ﴿بِزَعْمِهِمْ﴾ أيْ: بِتَقَوُّلِهِمُ الَّذِي هو أقْرَبُ إلى الباطِلِ مِنهُ إلى الحَقِّ. ﴿وأنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها﴾ هي البَحائِرُ والسَّوائِبُ والحَوامِي، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُها في المائِدَةِ. ﴿وأنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها﴾ أيْ عِنْدَ الذَّبْحِ. وقالَ أبُو وائِلٍ وجَماعَةٌ: لا يَحُجُّونَ عَلَيْها ولا يُلَبُّونَ، كانَتْ تُرْكَبُ في كُلِّ وجْهٍ إلّا في الحَجِّ. ﴿افْتِراءً عَلَيْهِ﴾ اخْتِلاقًا وكَذِبًا عَلى اللَّهِ، حَيْثُ قَسَّمُوا هَذِهِ الأنْعامَ هَذا التَّقْسِيمَ ونَسَبُوا ذَلِكَ إلى اللَّهِ، وانْتَصَبَ ﴿افْتِراءً﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ أوْ مَصْدَرٌ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، أيْ يَفْتَرُونَ، أوْ مَصْدَرٌ عَلى مَعْنى وقالُوا؛ لِأنَّهُ في مَعْنى افْتَرَوْا، أوْ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ. ﴿سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ ووَعِيدٌ.

الأنعام 6:139

﴿وقالُوا ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا﴾ الَّذِي في بُطُونِها هو الأجِنَّةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانُوا يَقُولُونَ في أجِنَّةِ البَحائِرِ والسَّوائِبِ: ما وُلِدَ مِنها حَيّا فَهو خالِصٌ لِذُكُورِنا ولا تَأْكُلُ مِنهُ الإناثُ، وما وُلِدَ مَيِّتًا اشْتَرَكَ فِيهِ الذُّكُورُ والإناثُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والشَّعْبِيُّ: الَّذِي في بُطُونِها هو اللَّبَنُ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: اللَّفْظُ يَعُمُّ الأجِنَّةَ واللَّبَنَ. انْتَهى. والظّاهِرُ الأجِنَّةُ لِأنَّها الَّتِي في البَطْنِ حَقِيقَةً، وأمّا اللَّبَنُ: فَفي الضَّرْعِ لا في البَطْنِ إلّا بِمَجازٍ بَعِيدٍ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وابْنُ جُبَيْرٍ وأبُو العالِيَةَ والضَّحّاكُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: خالِصٌ بِالرَّفْعِ بِغَيْرِ تاءٍ وهو خَبَرُ ما، و(لِذُكُورِنا) مُتَعَلِّقٌ بِهِ. وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ فِيما ذَكَرَ ابْنُ جِنِّيٍّ: خالِصًا بِالنَّصْبِ بِغَيْرِ تاءٍ، وانْتَصَبَ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ الصِّلَةُ، أوْ عَلى الحالِ مِن ما عَلى مَذْهَبِ أبِي الحَسَنِ في إجازَتِهِ تَقْدِيمَ الحالِ عَلى العامِلِ فِيها، انْتَهى مُلَخَّصًا. ويَعْنِي بِقَوْلِهِ: عَلى الحالِ مِن (ما) أيْ: مِن ضَمِيرِ (ما) الَّذِي تَضَمَّنَهُ خَبَرُ (ما) وهو (لِذُكُورِنا)، ويَعْنِي بِقَوْلِهِ: في إجازَتِهِ إلى آخِرِهِ عَلى العامِلِ فِيها إذا كانَ ظَرْفًا أوْ مَجْرُورًا نَحْوَ: زَيْدٌ قائِمًا في الدّارِ، وخَبَرُ (ما) عَلى هَذِهِ القِراءَةِ هو (لِذُكُورِنا) . وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ والأعْرَجُ وقَتادَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا: (خالِصَةٌ) بِالنَّصْبِ، وإعْرابُها كَإعْرابِ (خالِصًا) بِالنَّصْبِ، وخَرَّجَ ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ كالعافِيَةِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وأبُو رَزِينٍ وعِكْرِمَةُ وابْنُ (p-٢٣٢)يَعْمُرَ وأبُو حَيْوَةَ والزَّهْرِيُّ: (خالِصَةٌ) عَلى الإضافَةِ، وهو بَدَلٌ مِن (ما)، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (لِذُكُورِنا)، والجُمْلَةُ خَبَرُ ما. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (خالِصَةٌ) بِالرَّفْعِ وبِالتّاءِ، وهَلِ التّاءُ لِلْمُبالَغَةِ كَراوِيَةٍ، أوْ حَمْلًا عَلى مَعْنى ما لِأنَّها أجِنَّةٌ والعامُّ، أوْ هو مَصْدَرٌ يُبْنى عَلى فاعِلَةٍ كالعافِيَةِ والعاقِبَةِ أيْ: ذُو خُلُوصٍ، أقْوالٌ. وكانَ قَدْ سَبَقَ لَنا أنَّ شَيْخَنا عَلَمَ الدِّينِ العِراقِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ذَكَرَ أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ في القُرْآنِ حَمْلٌ عَلى المَعْنى أوَّلًا ثُمَّ حَمْلٌ عَلى اللَّفْظِ بَعْدَهُ، إلّا في هَذِهِ الآيَةِ، ووَعَدَنا أنْ نُحَرِّرَ ذَلِكَ في مَكانٍ، وما ذَكَرَهُ قالَهُ مَكِّيٌّ، قالَ: الآيَةُ في قِراءَةِ الجَماعَةِ أتَتْ عَلى خِلافِ نَظائِرِها في القُرْآنِ لِأنَّ كُلَّ ما يُحْمَلُ عَلى اللَّفْظِ مَرَّةً وعَلى المَعْنى مَرَّةً إنَّما يُبْتَدَأُ أوَّلًا بِالحَمْلِ عَلى اللَّفْظِ، ثُمَّ يَلِيهِ الحَمْلُ عَلى مَعْنًى نَحْوَ (مَن آمَنَ بِاللَّهِ)، ثُمَّ قالَ: (فَلَهم أجْرُهم) هَكَذا يَأْتِي في القُرْآنِ وكَلامِ العَرَبِ. وهَذِهِ الآيَةُ تَقَدَّمَ فِيها الحَمْلُ عَلى المَعْنى فَقالَ: (خالِصَةٌ)، ثُمَّ حُمِلَ عَلى اللَّفْظِ فَقالَ: ﴿ومُحَرَّمٌ﴾، ومِثْلُهُ ”كُلُّ ذَلِكَ كانَ سَيِّئَةً“ في قِراءَةِ نافِعٍ ومَن تابَعَهُ فَأنَّثَ عَلى مَعْنى (كُلُّ)؛ لِأنَّها اسْمٌ لِجَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِمّا نُهِيَ عَنْهُ مِنَ الخَطايا، ثُمَّ قالَ: ﴿عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: ٣٨] فَذَكَّرَ عَلى لَفْظِ (كُلُّ)، وكَذَلِكَ (ما تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ) حَمْلًا عَلى ما، ووَحَّدَ الهاءَ حَمْلًا عَلى لَفْظِ ما. وحُكِيَ عَنِ العَرَبِ: هَذا الجَرادُ قَدْ ذَهَبَ فَأراحَنا مِن أنْفُسِهِ، جَمَعَ الأنْفُسَ ووَحَّدَ الهاءَ وذَكَّرَها، انْتَهى وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ الهاءَ لِلْمُبالَغَةِ أوِ الَّتِي في المَصْدَرِ كالعافِيَةِ فَلا يَكُونُ التَّأْنِيثُ حَمْلًا عَلى مَعْنى ما، وعَلى تَسْلِيمٍ أنَّهُ حُمِلَ عَلى المَعْنى فَلا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ بَدَأ أوَّلًا بِالحَمْلِ عَلى المَعْنى ثُمَّ بِالحَمْلِ عَلى اللَّفْظِ؛ لِأنَّ صِلَةَ ما مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، وذَلِكَ الفِعْلُ مُسْنَدٌ إلى ضَمِيرِ ما، ولا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ وقالُوا: ما اسْتَقَرَّتْ في بُطُونِ الأنْعامِ، بَلِ الظّاهِرُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ما اسْتَقَرَّ، فَيَكُونُ حُمِلَ أوَّلًا عَلى التَّذْكِيرِ ثُمَّ ثانِيًا عَلى التَّأْنِيثِ، وإذا احْتَمَلَ هَذا الوَجْهَ، وهو الرّاجِحُ، لَمْ يَكُنْ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ بَدَأ بِالحَمْلِ عَلى التَّأْنِيثِ أوَّلًا ثُمَّ بِالحَمْلِ عَلى اللَّفْظِ، وقَوْلُ مَكِّيٍّ: هَكَذا يَأْتِي في القُرْآنِ وكَلامِ العَرَبِ، أمّا القُرْآنُ فَكَذَلِكَ هو، وأمّا كَلامُ العَرَبِ فَجاءَ فِيهِ الحَمْلِ عَلى اللَّفْظِ أوَّلًا، ثُمَّ عَلى المَعْنى وهو الأكْثَرُ، وجاءَ الحَمْلُ عَلى المَعْنى أوَّلًا ثُمَّ عَلى اللَّفْظِ، وأمّا قَوْلُهُ: ومِثْلُهُ ”كُلُّ ذَلِكَ كانَ سَيِّئَةً“ فَلَيْسَ مِثْلَهُ، بَلْ حُمِلَ أوَّلًا عَلى اللَّفْظِ في قَوْلِهِ: (كانَ) ألا تَرى أنَّهُ أعادَ الضَّمِيرَ مُذَكَّرًا، ثُمَّ عَلى المَعْنى فَقالَ: سَيِّئَةً، وأمّا قَوْلُهُ: وكَذَلِكَ ”ما تَرْكَبُونَ“ فَلَيْسَ مِثْلَهُ، لِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ ما تَرْكَبُونَهُ، فَيَكُونُ قَدْ حُمِلَ أوَّلًا عَلى اللَّفْظِ ثُمَّ عَلى المَعْنى في قَوْلِهِ: ظُهُورُهُ ثُمَّ عَلى اللَّفْظِ في إفْرادِ الضَّمِيرِ، وأمّا هَذا الجَرادُ قَدْ ذَهَبَ فَقَدْ حُمِلَ أوَّلًا عَلى إفْرادِ الضَّمِيرِ عَلى اللَّفْظِ، ثُمَّ جُمِعَ عَلى المَعْنى ثُمَّ عَلى اللَّفْظِ في إفْرادِ الضَّمِيرِ، (p-٢٣٣)ومَعْنى لِأزْواجِنا: لِنِسائِنا، أيْ: مُعَدَّةٌ أنْ تَكُونَ أزْواجًا، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لِبَناتِنا. ﴿وإنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهم فِيهِ شُرَكاءُ﴾ كانُوا إذا خَرَجَ الجَنِينُ مَيِّتًا اشْتَرَكَ في أكْلِهِ الرِّجالُ والنِّساءُ، وكَذَلِكَ ما ماتَ مِنَ الأنْعامِ المَوْقُوفَةِ نَفْسِها. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ: وإنْ تَكُنْ بِتاءِ التَّأْنِيثِ (مَيْتَةً) بِالنَّصْبِ أيْ وإنْ تَكُنِ الأجِنَّةُ الَّتِي تَخْرُجُ مَيْتَةً. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: وإنْ يَكُنْ (مَيْتَةٌ) بِالتَّذْكِيرِ وبِالرَّفْعِ عَلى كانَ التّامَّةِ وأجازَ الأخْفَشُ أنْ تَكُونَ النّاقِصَةَ وجَعَلَ الخَبَرَ مَحْذُوفًا، التَّقْدِيرُ وإنْ تَكُنْ في بُطُونِها مَيْتَةٌ وفِيهِ بُعْدٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَرَأ أهْلُ مَكَّةَ وإنْ تَكُنْ (مَيْتَةً) بِالتَّأْنِيثِ والرَّفْعِ؛ انْتَهى. فَإنْ عَنى ابْنَ كَثِيرٍ فَهو وهْمٌ وإنْ عَنى غَيْرَهُ مِن أهْلِ مَكَّةَ فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ نَقْلًا صَحِيحًا وهَذِهِ القِراءَةُ الَّتِي عَزاها الزَّمَخْشَرِيُّ لِأهْلِ مَكَّةَ هي قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ (وإنْ يَكُنْ) بِالتَّذْكِيرِ (مَيْتَةً) بِالنَّصْبِ عَلى تَقْدِيرِ وإنْ يَكُنْ ما في بُطُونِها مَيْتَةً. قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءَ: ويُقَوِّي هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُهُ: ﴿فَهم فِيهِ شُرَكاءُ﴾ ولَمْ يَقُلْ فِيها؛ انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأنَّ المَيْتَةَ لِكُلِّ مَيِّتٍ ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى فَكَأنَّهُ قِيلَ: وإنْ يَكُنْ مَيْتًا ﴿فَهم فِيهِ شُرَكاءُ﴾ . وقَرَأ يَزِيدُ: ﴿مَيْتَةً﴾ بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ﴿فَهم فِيهِ سَواءٌ﴾ [النحل: ٧١] . ﴿سَيَجْزِيهِمْ وصْفَهُمْ﴾ أيْ جَزاءَ وصْفِهِمُ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ في التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ مِن قَوْلِهِ ﴿ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ﴾ [النحل: ١١٦] . ﴿إنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ ﴿حَكِيمٌ﴾ في عَذابِهِمْ ﴿عَلِيمٌ﴾ بِأحْوالِهِمْ.

الأنعام 6:140

﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أوْلادَهم سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ كانَ جُمْهُورُ العَرَبِ لا يَئِدُونَ بَناتِهِمْ وكانَ بَعْضُ رَبِيعَةَ ومُضَرَ يَئِدُوهُنَّ وهو دَفْنُهُنَّ أحْياءً، فَبَعْضُهم يَئِدُ خَوْفَ العَيْلَةِ والإقْتارِ وبَعْضُهم خَوْفَ السَّبْيِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في ذَلِكَ إخْبارًا بِخُسْرانِ فاعِلِ ذَلِكَ ولَمّا تَقَدَّمَ تَزْيِينُ قَتْلِ الأوْلادِ وتَحْرِيمُ ما حَرَّمُوهُ في قَوْلِهِمْ: هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ. جاءَ هُنا تَقْدِيمُ قَتْلِ الأوْلادِ وتَلاهُ التَّحْرِيمُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿سَفَهًا بِغَيْرِ عَلَمٍ﴾ إشارَةٌ إلى خِفَّةِ عُقُولِهِمْ وجَهْلِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ هو الرَّزّاقُ والمُقَدَّرُ السَّبْيَ وغَيْرَهُ، ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ إظْهارًا لِإباحَتِهِ لَهم فَقابَلُوا إباحَةَ اللَّهِ بِتَحْرِيمِهِمْ هم وما رَزَقَهُمُ اللَّهُ يَعُمُّ السَّوائِبَ والبَحائِرَ والزُّرُوعَ، وتَرَتَّبَ عَلى قَتْلِهِمْ أوْلادَهُمُ الخُسْرانُ مُعَلَّلًا بِالسَّفَهِ والجَهْلِ وعَلى تَحْرِيمِ ما رَزَقَهُمُ الخُسْرانُ مُعَلَّلًا بِالِافْتِراءِ ثُمَّ الإخْبارِ بِالضَّلالِ وانْتِفاءِ الهِدايَةِ؛ وكُلُّ واحِدَةٍ مِن هَذِهِ السَّبْعَةِ سَبَبٌ تامٌّ في حُصُولِ الذَّمِّ، فَأمّا الخُسْرانُ فَلِأنَّ الوَلَدَ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ اللَّهِ فَإذا سَعى في إبْطالِ تِلْكَ النِّعْمَةِ والهِبَةِ فَقَدْ خَسِرَ واسْتَحَقَّ الذَّمَّ في الدُّنْيا بِقَوْلِهِمْ: قَتَلَ ولَدَهُ خَوْفَ أنْ يَأْكُلَ مَعَهُ وفي الآخِرَةِ العِقابَ لِأنَّ ثَمَرَةَ الوَلَدِ المَحَبَّةُ، ومَعَ حُصُولِها ألْحَقَ بِهِ أعْظَمَ المَضارِّ وهو القَتْلُ كانَ أعْظَمَ الذُّنُوبِ فَيَسْتَحِقُّ أعْظَمَ العِقابِ، وأمّا السَّفَهُ وهي الخِفَّةُ المَذْمُومَةُ فَقَتْلُ الوَلَدِ لِخَوْفِ الفَقْرِ وإنْ كانَ ضَرَرًا فالقَتْلُ أعْظَمُ مِنهُ؛ وأيْضًا فالقَتْلُ ناجِزٌ والفَقْرُ مَوْهُومٌ، وأمّا الجَهْلُ فَيَتَوَلَّدُ عَنْهُ السَّفاهَةُ والجَهْلُ أعْظَمُ القَبائِحِ، وأمّا تَحْرِيمٌ ما أحِلَّ اللَّهُ فَهو مِن أعْظَمِ الجِناياتِ، وأمّا الِافْتِراءُ فَجَراءَةٌ عَلى اللَّهِ وهو مِن أعْظَمِ الذُّنُوبِ، وأمّا الضَّلالُ فَهو أنْ لا يَرْشُدُوا في مَصالِحِ الدُّنْيا ولا الآخِرَةِ، وأمّا انْتِفاءُ الهِدايَةِ فَتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم لَمْ يَكُونُوا قَطُّ فِيما سَلَكُوهُ مِن ذَلِكَ ذَوِي هِدايَةٍ. وقَرَأ الحَسَنُ والسُّلَمِيُّ وأهْلُ مَكَّةَ والشّامِ ومِنهُما (p-٢٣٤)ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ: (قَتَّلُوا) بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ اليَمانِيُّ: سُفَهاءُ عَلى الجَمْعِ.

الأنعام 6:141

﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ والنَّخْلَ والزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ والزَّيْتُونَ والرُّمّانَ مُتَشابِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ ولا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿ومِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأنعام: ١٤٢] ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٣] ﴿ومِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ ومِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ وصّاكُمُ اللَّهُ بِهَذا فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٤] ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلّا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً أوْ دَمًا مَسْفُوحًا أوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإنَّهُ رِجْسٌ أوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَإنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إلّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أوِ الحَوايا أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٦] ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكم ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ ولا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٧] ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنْ أنْتُمْ إلّا تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٨] ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩] ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذا فَإنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهم ولا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وهم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٠] ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم ألّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم مِن إمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكم وإيّاهم ولا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥١] ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ وأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها وإذا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى وبِعَهْدِ اللَّهِ أوْفُوا ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٢] الزَّرْعُ: الحَبُّ المُقْتاتُ، الحَصادُ: بِفَتْحِ الحاءِ وكَسْرِها كالجِذاذِ بِالفَتْحِ والكَسْرِ، وهو مَصْدَرُ حَصَدَ، ومَصْدَرُهُ أيْضًا حَصْدٌ وهو القِياسُ. وقالَ سِيبَوَيْهِ: جاءُوا بِالمَصادِرِ حِينَ أرادُوا انْتِهاءَ الزَّمانِ عَلى فِعالٍ، ورُبَّما قالُوا فِيهِ فَعالٌ. وقالَ الفَرّاءُ: الكَسْرُ لِلْحِجازِ والفَتْحُ لِنَجْدٍ وتَمِيمٍ. الحَمُولَةُ: الإبِلُ الَّتِي تَحْمِلُ الأحْمالَ عَلى ظُهُورِها، قالَهُ أبُو الهَيْثَمِ، ولا يَدْخُلُ فِيها البِغالُ ولا الحَمِيرُ، وأدْخَلَ بَعْضُهم فِيها البَقَرَ، إذْ مِن عادَةِ بَعْضِ النّاسِ الحَمْلُ عَلَيْها. الفَرْشُ: الغَنَمُ. وقالَ الزَّجّاجُ: أجْمَعَ أهْلُ اللُّغَةِ عَلى أنَّ الفَرْشَ صِغارُ الإبِلِ، وأنْشَدَ الشّاعِرُ: ؎أوْرَثَنِي حَمُولَةً وفَرْشًا أمُشُّها في كُلِّ يَوْمٍ مَشًّا وقالَ آخَرُ: ؎وحُوِينا الفَرْشَ مِن أنْعامِكم ∗∗∗ والحُمُولاتِ ورَبّاتِ الحَجَلْ والفَرْشُ: مُشْتَرَكٌ بَيْنَ صِغارِ الإبِلِ. قالَ أبُو زَيْدٍ: ويُحْتَمَلُ إنْ سُمِّيَتْ بِالمَصْدَرِ، وهي المَفْرُوشُ مِن مَتاعِ البَيْتِ، والزَّرْعُ إذا فُرِشَ والفَضاءُ الواسِعُ، واتِّساعُ خُفِّ البَعِيرِ قَلِيلًا، والأرْضُ المَلْساءُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو، وفَرْشُ النَّعْلِ، وفِراشُ الطّائِرِ، ونَبْتٌ يَلْتَصِقُ بِالأرْضِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎كَمَشْفَرِ النّابِ يَلُوكُ الفَرْشا ويَأْتِيَ ذِكْرُ الِاخْتِلافِ في الحَمُولَةِ والفَرْشِ إنْ شاءَ اللَّهُ. الإبِلُ: الجِمالُ لِلْواحِدِ والجَمْعِ، ويُجْمَعُ عَلى آبالٍ، وتَأبَّلَ الرَّجُلُ اتَّخَذَ إبِلًا، وقَوْلُهم: ما آبَلَ الرَّجُلَ في التَّعَجُّبِ، شاذًّا. (p-٢٣٥)الضَّأْنُ: مَعْرُوفٌ - بِسُكُونِ الهَمْزَةِ وفَتْحِها - ويُقالُ: ضَئِينٌ، وكِلاهُما اسْمُ جَمْعٍ لِضائِنَةٍ وضائِنٍ. المَعْزُ: مَعْرُوفٌ - بِسُكُونِ العَيْنِ وفَتْحِها - ويُقالُ: مَعِيزٌ ومَعْزى وأُمْعُوزٌ، وهي أسْماءُ جُمُوعٍ لِماعِزَةٍ وماعِزٍ. السَّفْحُ: الصَّبُّ مَصْدَرُ سَفَحَ يَسْفَحُ، والسَّفْحُ مَوْضِعٌ. الظُّفْرُ: مَعْرُوفٌ وهو بِضَمِّ الظّاءِ والفاءِ، وبِسُكُونِ الفاءِ، وبِكَسْرِهِما، وبِسُكُونِ الفاءِ، وأُظْفُورٌ، وجَمْعُ الثُّلاثِيِّ أظْفارٌ، وجَمْعُ أُظْفُورٍ أظافِيرُ وأظافِرُ، ورَجُلٌ أظْفَرُ طَوِيلُ الأظْفارِ. الشَّحْمُ: مَعْرُوفٌ. الحَوايا إنْ قُدِّرَ وزْنُها فَواعِلَ فَجَمْعُ حاوِيَةٍ كَراوِيَةٍ ورَوايا، أوْ جَمْعُ حاوِياءَ كَقاصِعاءَ وقَواصِعَ، وإنْ قُدِّرَ وزْنُها فَعائِلَ فَجَمْعَ حَوِيَّةٍ كَمَطِيَّةِ ومَطايا، وتَقْرِيرُ صَيْرُورَةِ ذَلِكَ إلى حَوايا مَذْكُورٌ في عِلْمِ التَّصْرِيفِ، وهي الدَّوّارَةُ الَّتِي تَكُونُ في بُطُونِ الشِّياهِ، ويَأْتِي خِلافُ المُفَسِّرِينَ فِيها إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. هَلُمَّ: لُغَةُ الحِجازِ أنَّها لا تَلْحَقُها الضَّمائِرُ بَلْ تَكُونُ هَكَذا لِلْمُفْرَدِ والمُثَنّى والمَجْمُوعِ، والمُذَكِّرِ والمُؤَنَّثِ، فَهي عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ اسْمُ فِعْلٍ، ولُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ لِحاقُ الضَّمائِرِ عَلى حَدِّ لُحُوقِها لِلْفِعْلِ، فَهي عِنْدَ مُعْظَمِ النَّحْوِيِّينَ فِعْلٌ لا تَتَصَرَّفُ، والتَزَمَتِ العَرَبُ فَتْحَ المِيمِ في اللُّغَةِ الحِجازِيَّةِ، وإذا كانَ أمْرًا لِلْواحِدِ المُذَكَّرِ في اللُّغَةِ التَّمِيمِيَّةِ فَلا يَجُوزُ فِيها ما جازَ في رُدَّ، ومَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ أنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن ها الَّتِي لِلتَّنْبِيهِ ومِنَ المِيمِ، ومَذْهَبُ الفَرّاءِ مِن هَلْ وأُمَّ، وتَقُولُ لِلْمُؤَنَّثاتِ: هَلْمُمْنَ. وحَكى الفَرّاءُ هَلُمِّينَ، وتَكُونُ مُتَعَدِّيَةً بِمَعْنى احْضَرْ، ولازِمَةً بِمَعْنى أقْبِلْ. الإمْلاقُ: الفَقْرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، يُقالُ: أمْلَقَ الرَّجُلُ إذا افْتَقَرَ، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ كَأرْمَلَ، أيْ: لَمْ يَبْقَ لَهُ شَيْءٌ إلّا المَلْقَ، وهي الحِجارَةُ السُّودُ، وهي المَلَقَةُ، ولَمْ يَبْقَ لَهُ إلّا الرَّمْلُ والتُّرابُ. وقالَ مُؤَرَّجٌ: هو الجُوعُ بِلُغَةِ لَخْمٍ. وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: هو الإنْفاقُ، أمْلَقَ مالَهُ أيْ: أنْفَقَهُ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ نُعَيْمٍ التِّرْمِذِيُّ: هو الإسْرافُ في الإنْفاقِ. الكَيْلُ مَصْدَرُ كالَ، وكالَ مَعْرُوفٌ، ثُمَّ يُطْلَقُ عَلى الآلَةِ الَّتِي يُكالُ بِها كالمِكْيالِ. المِيزانُ: مِفْعالٌّ مِنَ الوَزْنِ، وهو آلَةُ الوَزْنِ كالمِنقاشِ والمِضْرابِ والمِصْباحِ، وتَخْتَلِفُ أشْكالُهُ بِاخْتِلافِ الأقالِيمِ كالمِكْيالِ. * * ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ والنَّخْلَ والزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ والزَّيْتُونَ والرُّمّانَ مُتَشابِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ﴾ مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنْهم أنَّهم حُرِمُوا أشْياءَ مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ، أخَذَ يَذْكُرُ تَعالى ما امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ الرِّزْقِ الَّذِي تَصَرَّفُوا فِيهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ تَعالى افْتِراءً مِنهم عَلَيْهِ واخْتِلافًا، فَذَكَرَ (p-٢٣٦)نَوْعَيِ الرِّزْقِ النَّباتِيِّ والحَيَوانِيِّ، فَبَدَأ بِالنَّباتِيِّ كَما بَدَأ بِهِ في الآيَةِ المُشْبِهَةِ لِهَذا، واسْتَطْرَدَ مِنهُ إلى الحَيَوانِيِّ، إذْ كانُوا قَدْ حُرِمُوا أشْياءَ مِنَ النَّوْعَيْنِ، و﴿مَعْرُوشاتٍ﴾ اسْمُ مَفْعُولٍ، يُقالُ: عَرَشْتُ الكَرْمَ إذا جَعَلْتَ لَهُ دَعائِمَ وسُمُكًا يَنْعَطِفُ عَلَيْهِ القُضْبانُ. وهَلِ المَعْرُوشاتُ ما غَرَسَهُ النّاسُ وعَرَشُوهُ وغَيْرُها ما نَبَتَ في الصَّحارِي والبَرارِي ؟ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، أوْ كُلُّ شَجَرٍ ذِي ساقٍ كالنَّخْلِ والكَرْمِ وكُلِّ ما نَجَمَ غَيْرَ ذِي ساقٍ كالزَّرْعِ، أوْ ما يُثْمِرُ وما لا يُثْمِرُ، أوِ الكَرْمُ قُسِّمَتْ إلى ما عُرِشَ فارْتَفَعَ وإلى ما كانَ مِنها مُنْبَسِطًا عَلى الأرْضِ ؟ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوْ ما حَوْلَهُ حائِطٌ وما لا حائِطَ حَوْلَهُ وما انْبَسَطَ عَلى وجْهِ الأرْضِ وانْتَشَرَ كالكَرْمِ والقَرْعِ والبِطِّيخِ، وما قامَ عَلى ساقٍ كالنَّخْلِ والزَّرْعِ والأشْجارِ ؟ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوِ الكَرْمُ الَّذِي عُرِّشَ عِنَبُهُ، وسائِرُ الشَّجَرِ الَّذِي لا يُعَرَّشُ، أوْ ما يَرْتَفِعُ بَعْضُ أغْصانِهِ عَلى بَعْضٍ وما لا يَحْتاجُ إلى ذَلِكَ، أوْ ما عادَتُهُ أنْ يُعَرَّشَ كالكَرْمِ وما يَجْرِي مُجْراهُ وما لا يُعَرَّشُ كالنَّخْلِ وما أشْبَهَهُ ؟ تِسْعَةُ أقْوالٍ، والظّاهِرُ أنَّ المَعْرُوشَ ما جُعِلَ لَهُ عَرْشٌ كَرْمًا كانَ أوْ غَيْرَهُ، وغَيْرُ المَعْرُوشِ ما لَمْ يُجْعَلْ لَهُ ذَلِكَ، ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ وارِدَةً في مَعْنى ذِكْرِ المِنَّةِ والإحْسانِ قُدِّمَ ما حاجَةُ العَرَبِ إلَيْهِ أشَدُّ وما هو أكْثَرُ فِيهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ [إبراهيم: ٣٧] وهو غالِبُ قُوتِهِمْ، فَقالَ: ﴿والنَّخْلَ والزَّرْعَ﴾، ولَمّا كانَتْ تِلْكَ الآيَةُ جاءَتْ عَقِبَ إنْكارِ الكُفّارِ التَّوْحِيدِ وجَعْلِهِمْ مَعَهُ آلِهَةً، اسْتَطْرَدَ مِن ذَلِكَ إلى المَعادِ الأُخْرَوِيِّ، واسْتَدَلِّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩٩]، فانْدَرَجَ فِيهِ (النَّخْلَ والزَّرْعَ)، كانَ الِابْتِداءُ في التَّقْسِيمِ بِذِكْرِ الزَّرْعِ لِصِغَرِ حَبِّهِ، وهو أدَلُّ عَلى التَّوْحِيدِ والقُدْرَةِ التّامَّةِ، وأبْلَغُ في الِاعْتِبارِ، وأسْرَعُ في الِانْتِفاعِ مِن ما هو فَوْقَهُ في الجِرْمِ، والظّاهِرُ دُخُولُ (والنَّخْلَ) وما بَعْدَهُ في قَوْلِهِ: ﴿جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ﴾، فانْدَرَجَ في ﴿جَنّاتٍ﴾، وخُصَّ بِالذِّكْرِ وجُرِّدَ تَعْظِيمًا لِمَنفَعَتِهِ والِامْتِنانِ بِهِ، ومَن خَصَّ الجَنّاتِ بِقَسْمِها بِالكَرْمِ قالَ: ذِكْرُ النَّخْلِ وما بَعْدَهُ ذِكْرُ أنْواعٍ أخْبَرَ تَعالى بِأنَّهُ أنْشَأها، واخْتِلافُ أُكُلِهِ وهو المَأْكُولُ، هو بِأنَّ كُلَّ نَوْعٍ مِن أنْواعِ النَّخْلِ والزَّرْعِ طَعْمًا ولَوْنًا وحَجْمًا ورائِحَةً يُخالِفُ بِهِ النَّوْعَ الآخَرَ، والمَعْنى مُخْتَلِفًا أُكُلُ ثَمَرِهِ، وانْتَصَبَ مُخْتَلِفًا عَلى أنَّهُ حالٌ مُقَدَّرَةٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ وقْتَ الإنْشاءِ مُخْتَلِفًا. وقِيلَ: هي حالٌ مُقارِنَةٌ، وذَلِكَ بِتَقْدِيرِ حَذْفِ مُضافٍ قَبْلَهُ، تَقْدِيرُهُ: وثَمَرُ النَّخْلِ وحَبُّ الزَّرْعِ، والضَّمِيرُ في ﴿أُكُلُهُ﴾ عائِدٌ عَلى (النَّخْلَ والزَّرْعَ)، وأُفْرِدَ لِدُخُولِهِ في حُكْمِهِ بِالعَطْفِيَّةِ، قالَ مَعْناهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، ولَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأنَّ العَطْفَ بِالواوِ لا يَجُوزُ إفْرادُ ضَمِيرِ المُتَعاطِفَيْنِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: والهاءُ في ﴿أُكُلُهُ﴾ عائِدَةٌ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ هَذِهِ الأشْياءِ المُنْشَآتِ. انْتَهى. وعَلى هَذا لا يَكُونُ ذُو الحالِ (النَّخْلَ والزَّرْعَ) فَقَطْ بَلْ جَمِيعُ ما أنْشَأ لِاشْتِراكِها كُلِّها في اخْتِلافِ المَأْكُولِ، ولَوْ كانَ كَما زَعَمَ لَكانَ التَّرْكِيبُ: مُخْتَلِفًا أُكُلُها، إلّا إنْ أُخِذَ ذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ثَمَرُ جَنّاتِ، ورُوعِي هَذا المَحْذُوفُ فَقِيلَ: ﴿أُكُلُهُ﴾ بِالإفْرادِ عَلى مُراعاتِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿أوْ كَظُلُماتٍ في بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ﴾ [النور: ٤٠] أوْ كَذِي ظُلُماتٍ، ولِذَلِكَ أعادَ الضَّمِيرَ في ﴿يَغْشاهُ﴾ [النور: ٤٠] عَلَيْهِ، والظّاهِرُ عَوْدُهُ عَلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ وهو ﴿الزَّرْعَ﴾ [النحل: ١١]، ويَكُونُ قَدْ حُذِفَتْ حالُ (النَّخْلَ) لِدَلالَةِ هَذِهِ الحالِ عَلَيْها، التَّقْدِيرُ: والنَّخْلَ مُخْتَلِفًا أكُلُهُ والزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ، كَما تَأوَّلَ بَعْضُهم في قَوْلِهِمْ: زَيْدٌ وعَمْرٌو قائِمٌ، أيْ: زَيْدٌ قائِمٌ وعَمْرٌو قائِمٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الحالُ مُخْتَصَّةً بِالزَّرْعِ لِأنَّ أنْواعَهُ مُخْتَلِفَةُ الشَّكْلِ جِدًّا كالقَمْحِ والشَّعِيرِ والذُّرَةِ والقَطِينَةِ والسَّلْتِ والعَدَسِ والجُلْبانِ والأُرْزِ وغَيْرِ ذَلِكَ، بِخِلافِ النَّخْلِ فَإنَّ الثَّمَرَ لا يَخْتَلِفُ شَكْلُهُ إلّا بِالصِّغَرِ والكِبْرِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿والزَّيْتُونَ والرُّمّانَ مُتَشابِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ﴾، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. ﴿كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ﴾ لَمّا كانَ مَجِيءُ تِلْكَ الآيَةِ في مَعْرِضِ الِاسْتِدْلالِ بِها عَلى الصّانِعِ وقُدْرَتِهِ، والحَشْرِ وإعادَةِ الأرْواحِ إلى الأجْسادِ بَعْدَ العَدَمِ، (p-٢٣٧)وإبْرازِ الجَسَدِ وتَكْوِينِهِ مِنَ العَظْمِ الرَّمِيمِ، وهو عَجَبُ الذَّنْبِ، قالَ: ”انْظُرُوا إلى ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ ويَنْعِهِ“ إشارَةً إلى الإيجادِ أوَّلًا وإلى غايَتِهِ، وهُنا لَمّا كانَ مَعْرِضُ الغايَةِ الِامْتِنانَ وإظْهارَ الإحْسانِ بِما خَلَقَ لَنا قالَ: ﴿كُلُوا مِن ثَمَرِهِ﴾، فَحَصَلَ بِمَجْمُوعِهِما الحَياةُ الأبَدِيَّةُ السَّرْمَدِيَّةُ والحَياةُ الدُّنْيَوِيَّةُ السَّرِيعَةُ الِانْقِضاءِ، وتَقَدَّمَ النَّظَرُ - وهو الفِكْرُ - عَلى الأكْلِ لِهَذا السَّبَبِ، وهَذا أمْرٌ بِإباحَةِ الأكْلِ، ويُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى أنَّ الأصْلَ في المَنافِعِ الإباحَةُ والإطْلاقُ، وقَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إذا أثْمَرَ﴾ وإنْ كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ إذا لَمْ يُثْمِرْ فَلا أكْلَ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا يَنْتَظِرُ بِهِ مَحَلَّ إدْراكِهِ واسْتِوائِهِ، بَلْ مَتى أمْكَنَ الأكْلُ مِنهُ فَعَلَ. ﴿وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ والَّذِي يَظْهَرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى ما عادَ عَلَيْهِ مِن ثَمَرِهِ، وهو جَمِيعُ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِمّا يُمْكِنُ أنْ يُؤْكَلَ إذا أثْمَرَ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى (النَّخْلَ)؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ ما يَجِبُ أنْ يُؤْتى حَقُّهُ عِنْدَ جِذاذِهِ إلّا النَّخْلُ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى ﴿والزَّيْتُونَ والرُّمّانَ﴾ لِأنَّهُما أقْرَبُ مَذْكُورٍ. وأُفْرِدَ الضَّمِيرُ لِلْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْناها في قَوْلِهِ ﴿مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ﴾، ﴿وآتُوا﴾ أمْرٌ عَلى الوُجُوبِ، وتَقَدَّمَ الأمْرُ بِالأكْلِ عَلى الأمْرِ بِالصَّدَقَةِ؛ لِأنَّ تَقْدِيمَ مَنفَعَةِ الإنْسانِ بِما يَمْلِكُهُ في خاصَّةِ نَفْسِهِ مُتَرَجِّحَةٌ عَلى مَنفَعَةِ غَيْرِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧]، وابْدَأْ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بِمَن تَعُولُ، إنَّما الصَّدَقَةُ عَنْ ظَهْرِ غِنى، والحَقُّ هُنا مُجْمَلٌ، واخْتُلِفَ فِيهِ أهْوَ الزَّكاةُ أمْ غَيْرُها ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ والحَسَنُ وطاوُسُ وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ وابْنُ المُسَيِّبِ وقَتادَةُ ومُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ وابْنُ طاوُسٍ والضَّحّاكُ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وابْنُهُ ومالِكُ بْنُ أنَسٍ: هو الزَّكاةُ، واعْتُرِضَ هَذا القَوْلُ بِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، وهَذِهِ الآيَةُ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ غَيْرُ مُسْتَثْناةٍ. وحَكى الزَّجّاجُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ قِيلَ فِيها إنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ وهو الباقِرُ، وعَطاءٌ وحَمّادٌ ومُجاهِدٌ وإبْراهِيمُ وابْنُ جُبَيْرٍ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ ويَزِيدُ بْنُ الأصَمِّ والحَكَمُ: هو حَقٌّ غَيْرُ الزَّكاةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: إذا حَضَرَ المَساكِينُ فاطْرَحْ لَهم عِنْدَ الجِذاذِ وعِنْدَ التَّكْدِيسِ وعِنْدَ الدَّرْسِ وعِنْدَ التَّصْفِيَةِ، وعَنْهُ أيْضًا: كانُوا يُعَلِّقُونَ العَذْقَ عِنْدَ الصِّرامِ فَيَأْكُلُ مِنهُ مَن مَسَّ. وعَنْ إبْراهِيمَ: هو الضِّغْثُ يَطْرَحُهُ لِلْمَساكِينِ، ولَفْظُ ما يُسْقِطُ مِنكَ مِنَ السُّنْبُلِ لا يَمْنَعُهم مِنهُ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ الحَنَفِيَّةِ وإبْراهِيمَ والحَسَنِ وعَطِيَّةَ العَوْفِيِّ والسُّدِّيِّ: أنَّها مَنسُوخَةٌ نَسَخَها العُشْرُ ونِصْفُ العُشْرِ. قالَ سُفْيانُ: قُلْتُ لِلسُّدِّيِّ: نَسَخَها عَنْ مَن قالَ عَنِ العُلَماءِ. وقالَ أبُو جَعْفَرٍ النَّحّاسُ ما مُلَخَّصُهُ هَلْ أُرِيدَ بِها الزَّكاةُ، أوْ نُسِخَتْ بِالزَّكاةِ المَفْرُوضَةِ، أوْ بِالعُشْرِ ونِصْفِ العُشْرِ، أوْ هي مُحْكَمَةٌ يُرادُ بِها غَيْرُ الزَّكاةِ، أوْ ذَلِكَ عَلى النَّدْبِ ؟ خَمْسَةُ أقْوالٍ. وإذا كانَ مَعْنِيًّا بِهِ الزَّكاةُ فالظّاهِرُ إخْراجُهُ مِن كُلِّ ما سَبَقَ ذِكْرُهُ، فَيَعُمُّ جَمِيعَ ما أخْرَجَتْهُ الأرْضُ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ وزُفَرُ، إلّا الحَطَبَ والقَصَبَ والحَشِيشَ. وقالَ أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ: لا شَيْءَ فِيما أخْرَجَتْهُ الأرْضُ إلّا ما كانَ لَهُ ثَمَرَةٌ باقِيَةٌ. وقالَ مالِكٌ: الزَّكاةُ في الثِّمارِ والحُبُوبِ، فَمِنَ الثِّمارِ العِنَبُ والزَّيْتُونُ، ومِنَ الحَبِّ القَمْحُ والشَّعِيرُ والسَّلْتُ والذُّرَةُ والدُّخْنِ والحُمُّصُ والعَدَسُ واللُّوبِيا والجُلْبانُ والأُرْزُ وما أشْبَهَ ذَلِكَ إذا كانَ خَمْسَةَ أوْسُقٍ. وقالَ الشّافِعِيُّ وأبُو ثَوْرٍ: يَجِبُ في يابِسٍ مُقْتاتٍ مُدَّخَرٍ لا في زَيْتُونٍ لِأنَّهُ إدامٌ. وقالَ الثَّوْرِيُّ وابْنُ أبِي لَيْلى والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ وابْنُ المُبارَكِ ويَحْيى بْنُ آدَمَ: لا يَجِبُ إلّا في الحِنْطَةِ والشَّعِيرِ والتَّمْرِ والزَّبِيبِ. وعَنْ أحْمَدَ أقْوالٌ، أظْهَرُها كَمَذْهَبِ أبِي حَنِيفَةَ إذا كانَ يُوثَقُ فَأوْجَبَها في اللَّوْزِ لِأنَّهُ مَكِيلٌ ولَمْ يُوجِبْها في الجَوْزِ لِأنَّهُ مَعْدُودٌ. ورُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ مِنهم عَمْرُو بْنُ دِينارٍ: لا صَدَقَةَ في الخُضَرِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كانَ يَأْخُذُ مِن دَساتِيجِ الكُرّاثِ العُشْرَ بِالبَصْرَةِ. وعَنْ إبْراهِيمَ: في كُلِّ ما أخْرَجَتِ الأرْضُ حَتّى في كُلِّ عَشْرٍ دَساتِيجَ مِن بَقْلٍ واحِدٌ. وقالَ الزُّهْرِيُّ والحَسَنُ: يُزَكّى اثْنانِ الخُضَرُ والفَواكِهُ إذا أيْنَعَتْ (p-٢٣٨)وبَلَغَ ثَمَنُها مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، وقالَهُ الأوْزاعِيُّ في ثَمَنِ الفَواكِهِ. وأمّا مِقْدارُ ما يَجِبُ فِيهِ الزَّكاةِ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: في قَلِيلِ ما تُخْرِجُهُ الأرْضُ وكَثِيرِهِ. وقالَ مالِكٌ واللَّيْثُ وابْنُ أبِي لَيْلى وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ والشّافِعِيُّ: لا يُخْرِجُ حَتّى يَبْلُغَ خَمْسَةَ أوْسُقٍ إذا كانَ مَكِيلًا، فَإنْ كانَ غَيْرَ مَكِيلٍ، فَعَنْ أبِي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ اخْتِلافٌ فِيما يُعْتَبَرُ، وذَكَرُوا هُنا فُرُوعًا، قالُوا: لا زَكاةَ عِنْدَ أصْحابِ مالِكٍ في الجَوْزِ واللَّوْزِ والحِلَّوْزِ وما أشْبَهَها وإنْ كانَ مُدَّخَرًا، كَما لا زَكاةَ عِنْدَهم في الإجّاصِ والتُّفّاحِ والكُمَّثْرى والمِشْمِشِ ونَحْوِهِ مِمّا يَيْبَسُ ولا يُدَّخَرُ، وعَدَّ مالِكٌ التِّينَ في الفَواكِهِ. وقالَ ابْنُ حَبِيبٍ: فِيهِ الزَّكاةُ، وإلَيْهِ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِن أتْباعِ مالِكٍ، إسْماعِيلُ بْنُ إسْحاقَ وأبُو بَكْرٍ الأبْهَرِيُّ وغَيْرُهم. وقالَ مالِكٌ: لا زَكاةَ في الزَّيْتُونِ. وقالَ هو والشّافِعِيُّ: ولا في الرُّمّانِ. وقالَ الزُّهْرِيُّ والأوْزاعِيُّ والثَّوْرِيُّ واللَّيْثُ: تَجِبُ الزَّكاةُ في الزَّيْتُونِ. وعَنْ مالِكٍ: لا يُخْرَصُ الزَّيْتُونُ ولَكِنْ يُؤْخَذُ العُشْرُ مِن زَيْتِهِ إذا بَلَغَ مَكِيلُهُ خَمْسَةَ أوْسُقٍ. وأبُو حَنِيفَةَ في هَذِهِ كُلِّها عَلى أصْلِهِ. وما خَصَّصُوهُ بِهِ مِن عُمُومِ الآيَةِ يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ، والأدِلَّةُ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ الفُقَهاءِ. والظّاهِرُ أنَّ ﴿يَوْمَ حَصادِهِ﴾ مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ ﴿وآتُوا﴾، والمَعْنى: واقْصُدُوا الإيتاءَ واهْتَمُّوا بِهِ وقْتَ الحَصادِ فَلا يُؤَخَّرُ عَنْ وقْتِ إمْكانِ الإيتاءِ فِيهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِقَوْلِهِ: ﴿حَقَّهُ﴾، أيْ: ﴿وآتُوا﴾ ما اسْتُحِقَّ ﴿يَوْمَ حَصادِهِ﴾، فَيَكُونُ الِاسْتِحْقاقُ بِإيتاءِ يَوْمِ الحَصادِ والأداءُ بَعْدَ التَّصْفِيَةِ؛ ولِذَلِكَ قالَ بَعْضُهم: في الكَلامِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ إلى تَصْفِيَتِهِ، قالَ: فَيَكُونُ الحَصادُ سَبَبًا لِلْوُجُوبِ المُوَسَّعِ، والتَّصْفِيَةُ سَبَبٌ لِلْأداءِ، والظّاهِرُ وُجُوبُ إخْراجِ الحَقِّ مِنهُ كُلِّهِ، ما أكَلَ صاحِبُهُ وأهْلُهُ مِنهُ وما تَرَكُوهُ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ ومالِكٌ. وقالَ جَماعَةٌ: لا يَدْخُلُ ما أكَلَ هو وأهْلُهُ مِنهُ في الحَقِّ، والظّاهِرُ أنَّهُ أمْرٌ بِأنْ يُؤْتى حَقُّهُ يَوْمَ حَصادِهِ، فَلا يَخْرُصُ عَلَيْهِ. قالَ النَّخَعِيُّ: الخَرْصُ اليَوْمَ بِدْعَةٌ. وقالَ الثَّوْرِيُّ: الخَرْصُ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ ولا يَجُوزُ بِحالٍ، وإنَّما عَلى رَبِّ الحائِطِ أنْ يُؤَدِّيَ عُشْرَ ما يَصِلُ في يَدِهِ لِلْمَساكِينِ إذا بَلَغَ خَمْسَةَ أوْسُقٍ. وقَرَأ العَرَبِيّانِ وعاصِمٌ: ”حَصادِهِ“ بِفَتْحِ الحاءِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِكَسْرِها. ﴿ولا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾ لَمّا أمَرَ تَعالى بِالأكْلِ مِن ثِمارِهِ وبِإيتاءِ حَقِّهِ، نَهى عَنْ مُجاوَزَةِ الحَدِّ، فَقالَ: (لا تُسْرِفُوا)، وهَذا النَّهْيُ يَتَضَمَّنُ إفْرادَ الإسْرافِ فَيَدْخُلُ فِيهِ الإسْرافُ في أكْلِ الثَّمَرَةِ حَتّى لا يَبْقى مِنها شَيْءٌ لِلزَّكاةِ، والإسْرافُ في الصَّدَقَةِ بِها حَتّى لا يُبْقِيَ لِنَفْسِهِ ولا لِعِيالِهِ شَيْئًا، وقَيَّدَهُ أبُو العالِيَةِ وابْنُ جُرَيْجٍ بِالصَّدَقَةِ بِجَمِيعِ المالِ، فَيَبْقى هو وعِيالُهُ كَلًّا عَلى النّاسِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ أيْضًا: هو نَهْيٌ في الأكْلِ، فَيَأْكُلُ حَتّى لا يَبْقى ما تَجِبُ فِيهِ. وقالَ الزُّهْرِيُّ: هو نَهْيٌ عَنِ النَّفَقَةِ في المَعْصِيَةِ. وقِيلَ: في صَرْفِ الصَّدَقَةِ إلى غَيْرِ الجِهَةِ الَّتِي افْتُرِضَتْ، كَما صَرَفَ المُشْرِكُونَ إلى جِهَةِ أصْنامِهِمْ. وقِيلَ: نَهْيٌ لِلْعامِلِينَ عَلى الصَّدَقَةِ عَنْ أخْذِ الزّائِدِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ ثابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ جَذَّ خَمْسَمِائَةِ نَخْلَةٍ وقَسَمَها في يَوْمٍ واحِدٍ ولَمْ يَتْرُكْ لِأهْلِهِ شَيْئًا، فَنَزَلَتْ ﴿ولا تُسْرِفُوا﴾، أيْ: لا تُعْطُوا كُلَّهُ. وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ جَذَّ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ، فَلَمْ يَزَلْ يَتَصَدَّقُ حَتّى لَمْ يَبْقَ مِنها شَيْءٌ، فَنَزَلَتْ (لا تُسْرِفُوا) . وقالَ أبُو العالِيَةِ: كانُوا يُعْطُونَ شَيْئًا عِنْدَ الجِذاذِ فَتَمارَوْا فِيهِ فَأسْرَفُوا، فَنَزَلَتْ. وقالَ مُجاهِدٌ: لَوْ كانَ أبُو قَبِيسٍ لِرَجُلٍ ذَهَبًا فَأنْفَقَهُ في طاعَةِ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ مُسْرِفًا، ولَوْ أنْفَقَ دِرْهَمًا واحِدًا في مَعْصِيَةِ اللَّهِ كانَ مُسْرِفًا. وقالَ إياسُ بْنُ مُعاوِيَةَ: كُلُّ ما جاوَزْتَ فِيهِ أمْرَ اللَّهِ فَهو سَرَفٌ.

الأنعام 6:142

﴿ومِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا﴾ هَذا مَعْطُوفٌ عَلى (جَنّاتٍ) أيْ: وأنْشَأ ﴿ومِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا﴾، وهَلِ الحَمُولَةُ ما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ما حُمِلَ عَلَيْهِ مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ والخَيْلِ والبِغالِ والحَمِيرِ والفَرْشِ الغَنَمِ ؟ أوْ ما قالَهُ أيْضًا: ما انْتُفِعَ بِهِ مِن ظُهُورِها والفَرْشُ الرّاعِيَةُ ؟ أوْ ما قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ وابْنُ قُتَيْبَةَ: ما حَمَلَ مِنَ الإبِلِ والفَرْشُ صِغارُها ؟ (p-٢٣٩)أوْ ما قالَهُ الحَسَنُ أيْضًا: الإبِلُ والفَرْشُ الغَنَمُ ؟ أوْ ما قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ: ما يُرْكَبُ، والفَرْشُ ما يُؤْكَلُ لَحْمُهُ ويُجْلَبُ مِنَ الغَنَمِ والفُصْلانِ والعَجاجِيلِ ؟ أوْ ما قالَهُ الماتُرِيدِيُّ: مَراكِبُ النِّساءِ، والفَرْشُ ما يَكُونُ لِلنِّساءِ، أوْ ما قالَهُ أيْضًا: كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الحَيَوانِ وغَيْرِهِ يُقالُ لَهُ فَرْشٌ ؟ تَقُولُ العَرَبُ: أفْرَشَهُ اللَّهُ كَذا، أيْ: جَعَلَهُ لَهُ، أوْ ما قالَهُ بَعْضُهم: ما كانَ مُعَدًّا لِلْحَمْلِ مِنَ الحَيَواناتِ، والفَرْشُ ما خُلِقَ لَهم مِن أصْوافِها وجُلُودِها الَّتِي يَفْتَرِشُونَها ويَجْلِسُونَ عَلَيْها ؟ أوْ ما يَحْمِلُ الأثْقالَ، والفَرْشُ ما يُفْرَشُ لِلذَّبْحِ أوْ يُنْسَجُ مِن وبَرِهِ وصُوفِهِ وشِعْرِهِ لِلْفَرْشِ. أوْ ما قالَهُ الضَّحّاكُ واخْتارَهُ النَّحّاسُ: الإبِلُ والبَقَرُ، والفَرْشُ الغَنَمُ ؟ ورَجَّحَ هَذا بِإبْدالِ ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ مِنهُ، عَشَرَةُ أقْوالٍ. وقَدَّمَ الحَمُولَةَ عَلى الفَرْشِ لِأنَّها أعْظَمُ في الِانْتِفاعِ إذْ يُنْتَفَعُ بِها في الحَمْلِ والأكْلِ. ﴿كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: مِمّا أحَلَّهُ اللَّهُ لَكم ولا تُحَرِّمُوا، كَفِعْلِ الجاهِلِيَّةِ، وهَذا نَصٌّ في الإجابَةِ وإزالَةٌ لِما سَنَّهُ الكُفّارُ مِنَ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ. ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ أيْ: في التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ مِن عِنْدِ أنْفُسِكم، وتَعَلَّقَتْ بِها المُعْتَزِلَةُ في أنَّ الحَرامَ لَيْسَ بِرِزْقٍ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿ولا تَتَّبِعُوا﴾ إلى آخِرِهِ في البَقَرَةِ. ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ المُشْرِكِينَ فِيما أحَلُّوا وما حَرَّمُوا ونِسْبَتِهِمْ ذَلِكَ إلى اللَّهِ، فَلَمّا قامَ الإسْلامُ وثَبَتَتِ الأحْكامُ جادَلُوا النَّبِيَّ ﷺ وكانَ خَطِيبُهم مالِكَ بْنَ عَوْفِ بْنِ أبِي الأحْوَصِ الجُشَمِيُّ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ بَلَغَنا أنَّكَ تُحِلُّ أشْياءَ، فَقالَ لَهُ: ”إنَّكم قَدْ حَرَّمْتُمْ أشْياءَ عَلى غَيْرِ أصْلٍ، وإنَّما خَلَقَ اللَّهُ هَذِهِ الأزْواجَ الثَّمانِيَةَ لِلْأكْلِ والِانْتِفاعِ بِها، فَمِن أيْنَ جاءَ هَذا التَّحْرِيمُ أمِن قِبَلِ الذَّكَرِ أمْ مِن قِبَلِ الأُنْثى ؟“ فَسَكَتَ مالِكُ بْنُ عَوْفٍ وتَحَيَّرَ، فَلَوْ عَلَّلَ بِالذُّكُورَةِ وجَبَ أنْ يُحَرَّمَ الذَّكَرُ، أوْ بِالأُنُوثَةِ فَكَذَلِكَ، أوْ بِاشْتِمالِ الرَّحِمِ وجَبَ أنْ يُحَرَّمَ لِاشْتِمالِها عَلَيْهِما، فَأمّا تَخْصِيصُ التَّحْرِيمِ بِالوَلَدِ الخامِسِ أوِ السّابِعِ أوْ بِبَعْضٍ دُونِ بَعْضٍ فَمِن أيْنَ ؟ ورُوِيَ أنَّهُ قالَ لِمالِكٍ: ”ما لَكَ لا تَتَكَلَّمُ ؟“ . فَقالَ لَهُ مالِكٌ: بَلْ تَكَلَّمْ وأسْمَعُ مِنكَ، والزَّوْجُ ما كانَ مَعَ آخَرَ مِن جِنْسِهِ، وهُما زَوْجانِ، قالَ: ”وأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى“، فَإنْ كانَ وحْدَهُ فَهو فَرْدٌ، ويَعْنِي بِاثْنَيْنِ ذَكْرًا وأُنْثى، أيْ: كَبْشًا ونَعْجَةً، وتَيْسًا وعَنْزًا، وهَذا الِاسْتِفْهامُ هو اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ، حَيْثُ نَسَبُوا ما حَرَّمُوهُ إلى اللَّهِ - تَعالى - وكانُوا مَرَّةً يُحَرِّمُونَ الذُّكُورَ ومَرَّةً الإناثَ ومَرَّةً أوْلادَها ذُكُورًا أوْ إناثًا أوْ مُخْتَلِطَةً، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذا التَّقْسِيمَ هو مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ لا مِن قِبَلِهِ تَعالى. وانْتَصَبَ ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ عَلى البَدَلِ في قَوْلِ الأكْثَرِينَ مِن قَوْلِهِ: ﴿حَمُولَةً وفَرْشًا﴾، وهو الظّاهِرُ. وأجازُوا نَصْبَهُ بِـ ﴿كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾، وهو قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ سُلَيْمانَ، وقَدَّرَهُ: كُلُوا لَحْمَ ثَمانِيَةٍ، وبِـ ”أنْشَأ“ مُضْمَرَةً، قالَهُ الكِسائِيُّ، وعَلى البَدَلِ مِن مَوْضِعِ ما، مِن قَوْلِهِ: ﴿مِمّا رَزَقَكُمُ﴾، وبِـ (كُلُوا) مُضْمَرَةً، وعَلى أنَّها حالٌ أيْ: مُخْتَلِفَةً مُتَعَدِّدَةً. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ والحَسَنُ وعِيسى بْنُ عُمَرَ: ﴿مِنَ الضَّأْنِ﴾ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. وقَرَأ الِابْنانِ وأبُو عَمْرٍو: ﴿ومِنَ المَعْزِ﴾ بِفَتْحِ العَيْنِ. وقَرَأ أُبَيٌّ: ومِنَ المَعْزى. وقَرَأ أبانُ بْنُ عُثْمانَ: اثْنانِ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ المُقَدَّمُ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ وتَأْخِيرُ الفِعْلِ دَلَّ عَلى وُقُوعِ تَحْرِيمِهِمُ الذُّكُورَ تارَةً والإناثَ أُخْرى، وما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الرَّحِمُ أُخْرى، فَأنْكَرَ تَعالى ذَلِكَ عَلَيْهِمْ حَيْثُ نَسَبُوهُ إلَيْهِ تَعالى فَقالَ: (حَرَّمَ)، أيْ: حَرَّمَ اللَّهُ، أيْ: لَمْ يُحَرِّمْ تَعالى شَيْئًا مِن ذَلِكَ لا ذُكُورَها ولا إناثَها ولا مِمّا تَحْمِلَهُ أرْحامُ إناثِها، وقَدَّمَ في التَّقْسِيمِ الفَرْشَ عَلى الحَمُولَةِ لِقُرْبِ الذِّكْرِ، وهُما طَرِيقانِ لِلْعَرَبِ، تارَةً يُراعُونَ القُرْبَ وتارَةً يُراعُونَ التَّقْدِيمَ، ولِأنَّهُما أيْسَرُ ما يَتَمَلَّكُهُ ويَقْتَنِيهِ الفَقِيرُ والغَنِيُّ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ألا إنْ لا تَكُنْ إبِلٌ فَمَعْزى (p-٢٤٠)وقُدِّمَ الضَّأْنُ عَلى المَعْزِ لِغَلاءِ ثَمَنِهِ وطِيبِ لَحْمِهِ وعِظَمِ الِانْتِفاعِ بِصُوفِهِ. ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في نِسْبَةِ ذَلِكَ التَّحْرِيمِ إلى اللَّهِ، فَأخْبَرُونِي عَنِ اللَّهِ بِعِلْمٍ لا بِافْتِراءٍ ولا بِتَخَرُّصٍ، وأنْتُمْ لا عِلْمَ لَكم بِذَلِكَ، إذْ لَمْ يَأْتِكم بِذَلِكَ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ - تَعالى - فَلا يُمْكِنُ مِنكم تَنْبِئَةٌ بِذَلِكَ، وفَصَلَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ المُعْتَرِضَةِ بَيْنَ المُتَعاطِفِينَ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ لَهم والتَّوْبِيخِ، حَيْثُ لَمْ يَسْتَنِدُوا في تَحْرِيمِهِمْ إلّا إلى الكَذِبِ البَحْتِ والِافْتِراءِ. ﴿ومِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ ومِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ﴾ انْتَقَلَ مِن تَوْبِيخِهِمْ في نَفْيِ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ إلى تَوْبِيخِهِمْ في نَفْيِ شَهادَتِهِمْ ذَلِكَ وقْتَ تَوْصِيَةِ اللَّهِ إيّاهم بِذَلِكَ؛ لِأنَّ مُدْرِكَ الأشْياءِ المَعْقُولُ والمَحْسُوسُ، فَإذا انْتَفَيا فَكَيْفَ يُحْكَمُ بِتَحْلِيلٍ أوْ بِتَحْرِيمٍ ؟ وكَيْفِيَّةُ انْتِفاءِ الشَّهادَةِ مِنهم واضِحَةٌ، وكَيْفِيَّةُ انْتِفاءِ العِلْمِ بِالعَقْلِ، أنَّ ذَلِكَ مُسْتَنِدٌ إلى الوَحْيِ، وكانُوا لا يُصَدِّقُونَ بِالرُّسُلِ، ومَعَ انْتِفاءِ هَذَيْنِ كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ كَذا، افْتِراءً عَلَيْهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَتَهَكَّمَ بِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ﴾ عَلى مَعْنى أعَرَفْتُمُ التَّوْصِيَةَ بِهِ مُشاهِدِينَ لِأنَّكم لا تُؤْمِنُونَ بِالرُّسُلِ. انْتَهى. وقَدَّمَ الإبِلَ عَلى البَقَرِ لِأنَّها أغْلى ثَمَنًا، وأغْنى نَفْعًا في الرِّحْلَةِ وحَمْلِ الأثْقالِ عَلَيْها، وأصْبَرُ عَلى الجُوعِ والعَطَشِ، وأطْوَعُ وأكْثَرُ انْقِيادًا في الإناخَةِ والإثارَةِ. ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أيْ: لا أحَدَ ﴿أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾، فَنُسِبَ إلَيْهِ تَحْرِيمُ ما لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ - تَعالى - فَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلى افْتِراءِ الكَذِبِ في حَقِّ نَفْسِهِ وضَلالِها حَتّى قَصَدَ بِذَلِكَ ضَلالَ غَيْرِهِ، فَسَنَّ هَذِهِ السُّنَّةَ الشَّنْعاءَ، وغايَتُهُ بِها إضْلالُ النّاسِ، فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها. ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ نَفى هِدايَةَ مَن وُجِدَ مِنهُ الظُّلْمُ، وكانَ مَن فِيهِ الأظْلَمِيَّةُ أوْلى بِأنْ لا يَهْدِيَهُ، وهَذا عُمُومٌ في الظّاهِرِ، وقَدْ تَبَيَّنَ تَخْصِيصُهُ مِن ما يَقْتَضِيهِ الشَّرْعُ.

الأنعام 6:143

﴿ومِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا﴾ هَذا مَعْطُوفٌ عَلى (جَنّاتٍ) أيْ: وأنْشَأ ﴿ومِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا﴾، وهَلِ الحَمُولَةُ ما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ما حُمِلَ عَلَيْهِ مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ والخَيْلِ والبِغالِ والحَمِيرِ والفَرْشِ الغَنَمِ ؟ أوْ ما قالَهُ أيْضًا: ما انْتُفِعَ بِهِ مِن ظُهُورِها والفَرْشُ الرّاعِيَةُ ؟ أوْ ما قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ وابْنُ قُتَيْبَةَ: ما حَمَلَ مِنَ الإبِلِ والفَرْشُ صِغارُها ؟ (p-٢٣٩)أوْ ما قالَهُ الحَسَنُ أيْضًا: الإبِلُ والفَرْشُ الغَنَمُ ؟ أوْ ما قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ: ما يُرْكَبُ، والفَرْشُ ما يُؤْكَلُ لَحْمُهُ ويُجْلَبُ مِنَ الغَنَمِ والفُصْلانِ والعَجاجِيلِ ؟ أوْ ما قالَهُ الماتُرِيدِيُّ: مَراكِبُ النِّساءِ، والفَرْشُ ما يَكُونُ لِلنِّساءِ، أوْ ما قالَهُ أيْضًا: كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الحَيَوانِ وغَيْرِهِ يُقالُ لَهُ فَرْشٌ ؟ تَقُولُ العَرَبُ: أفْرَشَهُ اللَّهُ كَذا، أيْ: جَعَلَهُ لَهُ، أوْ ما قالَهُ بَعْضُهم: ما كانَ مُعَدًّا لِلْحَمْلِ مِنَ الحَيَواناتِ، والفَرْشُ ما خُلِقَ لَهم مِن أصْوافِها وجُلُودِها الَّتِي يَفْتَرِشُونَها ويَجْلِسُونَ عَلَيْها ؟ أوْ ما يَحْمِلُ الأثْقالَ، والفَرْشُ ما يُفْرَشُ لِلذَّبْحِ أوْ يُنْسَجُ مِن وبَرِهِ وصُوفِهِ وشِعْرِهِ لِلْفَرْشِ. أوْ ما قالَهُ الضَّحّاكُ واخْتارَهُ النَّحّاسُ: الإبِلُ والبَقَرُ، والفَرْشُ الغَنَمُ ؟ ورَجَّحَ هَذا بِإبْدالِ ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ مِنهُ، عَشَرَةُ أقْوالٍ. وقَدَّمَ الحَمُولَةَ عَلى الفَرْشِ لِأنَّها أعْظَمُ في الِانْتِفاعِ إذْ يُنْتَفَعُ بِها في الحَمْلِ والأكْلِ. ﴿كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: مِمّا أحَلَّهُ اللَّهُ لَكم ولا تُحَرِّمُوا، كَفِعْلِ الجاهِلِيَّةِ، وهَذا نَصٌّ في الإجابَةِ وإزالَةٌ لِما سَنَّهُ الكُفّارُ مِنَ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ. ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ أيْ: في التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ مِن عِنْدِ أنْفُسِكم، وتَعَلَّقَتْ بِها المُعْتَزِلَةُ في أنَّ الحَرامَ لَيْسَ بِرِزْقٍ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿ولا تَتَّبِعُوا﴾ إلى آخِرِهِ في البَقَرَةِ. ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ المُشْرِكِينَ فِيما أحَلُّوا وما حَرَّمُوا ونِسْبَتِهِمْ ذَلِكَ إلى اللَّهِ، فَلَمّا قامَ الإسْلامُ وثَبَتَتِ الأحْكامُ جادَلُوا النَّبِيَّ ﷺ وكانَ خَطِيبُهم مالِكَ بْنَ عَوْفِ بْنِ أبِي الأحْوَصِ الجُشَمِيُّ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ بَلَغَنا أنَّكَ تُحِلُّ أشْياءَ، فَقالَ لَهُ: ”إنَّكم قَدْ حَرَّمْتُمْ أشْياءَ عَلى غَيْرِ أصْلٍ، وإنَّما خَلَقَ اللَّهُ هَذِهِ الأزْواجَ الثَّمانِيَةَ لِلْأكْلِ والِانْتِفاعِ بِها، فَمِن أيْنَ جاءَ هَذا التَّحْرِيمُ أمِن قِبَلِ الذَّكَرِ أمْ مِن قِبَلِ الأُنْثى ؟“ فَسَكَتَ مالِكُ بْنُ عَوْفٍ وتَحَيَّرَ، فَلَوْ عَلَّلَ بِالذُّكُورَةِ وجَبَ أنْ يُحَرَّمَ الذَّكَرُ، أوْ بِالأُنُوثَةِ فَكَذَلِكَ، أوْ بِاشْتِمالِ الرَّحِمِ وجَبَ أنْ يُحَرَّمَ لِاشْتِمالِها عَلَيْهِما، فَأمّا تَخْصِيصُ التَّحْرِيمِ بِالوَلَدِ الخامِسِ أوِ السّابِعِ أوْ بِبَعْضٍ دُونِ بَعْضٍ فَمِن أيْنَ ؟ ورُوِيَ أنَّهُ قالَ لِمالِكٍ: ”ما لَكَ لا تَتَكَلَّمُ ؟“ . فَقالَ لَهُ مالِكٌ: بَلْ تَكَلَّمْ وأسْمَعُ مِنكَ، والزَّوْجُ ما كانَ مَعَ آخَرَ مِن جِنْسِهِ، وهُما زَوْجانِ، قالَ: ”وأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى“، فَإنْ كانَ وحْدَهُ فَهو فَرْدٌ، ويَعْنِي بِاثْنَيْنِ ذَكْرًا وأُنْثى، أيْ: كَبْشًا ونَعْجَةً، وتَيْسًا وعَنْزًا، وهَذا الِاسْتِفْهامُ هو اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ، حَيْثُ نَسَبُوا ما حَرَّمُوهُ إلى اللَّهِ - تَعالى - وكانُوا مَرَّةً يُحَرِّمُونَ الذُّكُورَ ومَرَّةً الإناثَ ومَرَّةً أوْلادَها ذُكُورًا أوْ إناثًا أوْ مُخْتَلِطَةً، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذا التَّقْسِيمَ هو مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ لا مِن قِبَلِهِ تَعالى. وانْتَصَبَ ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ عَلى البَدَلِ في قَوْلِ الأكْثَرِينَ مِن قَوْلِهِ: ﴿حَمُولَةً وفَرْشًا﴾، وهو الظّاهِرُ. وأجازُوا نَصْبَهُ بِـ ﴿كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾، وهو قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ سُلَيْمانَ، وقَدَّرَهُ: كُلُوا لَحْمَ ثَمانِيَةٍ، وبِـ ”أنْشَأ“ مُضْمَرَةً، قالَهُ الكِسائِيُّ، وعَلى البَدَلِ مِن مَوْضِعِ ما، مِن قَوْلِهِ: ﴿مِمّا رَزَقَكُمُ﴾، وبِـ (كُلُوا) مُضْمَرَةً، وعَلى أنَّها حالٌ أيْ: مُخْتَلِفَةً مُتَعَدِّدَةً. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ والحَسَنُ وعِيسى بْنُ عُمَرَ: ﴿مِنَ الضَّأْنِ﴾ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. وقَرَأ الِابْنانِ وأبُو عَمْرٍو: ﴿ومِنَ المَعْزِ﴾ بِفَتْحِ العَيْنِ. وقَرَأ أُبَيٌّ: ومِنَ المَعْزى. وقَرَأ أبانُ بْنُ عُثْمانَ: اثْنانِ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ المُقَدَّمُ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ وتَأْخِيرُ الفِعْلِ دَلَّ عَلى وُقُوعِ تَحْرِيمِهِمُ الذُّكُورَ تارَةً والإناثَ أُخْرى، وما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الرَّحِمُ أُخْرى، فَأنْكَرَ تَعالى ذَلِكَ عَلَيْهِمْ حَيْثُ نَسَبُوهُ إلَيْهِ تَعالى فَقالَ: (حَرَّمَ)، أيْ: حَرَّمَ اللَّهُ، أيْ: لَمْ يُحَرِّمْ تَعالى شَيْئًا مِن ذَلِكَ لا ذُكُورَها ولا إناثَها ولا مِمّا تَحْمِلَهُ أرْحامُ إناثِها، وقَدَّمَ في التَّقْسِيمِ الفَرْشَ عَلى الحَمُولَةِ لِقُرْبِ الذِّكْرِ، وهُما طَرِيقانِ لِلْعَرَبِ، تارَةً يُراعُونَ القُرْبَ وتارَةً يُراعُونَ التَّقْدِيمَ، ولِأنَّهُما أيْسَرُ ما يَتَمَلَّكُهُ ويَقْتَنِيهِ الفَقِيرُ والغَنِيُّ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ألا إنْ لا تَكُنْ إبِلٌ فَمَعْزى (p-٢٤٠)وقُدِّمَ الضَّأْنُ عَلى المَعْزِ لِغَلاءِ ثَمَنِهِ وطِيبِ لَحْمِهِ وعِظَمِ الِانْتِفاعِ بِصُوفِهِ. ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في نِسْبَةِ ذَلِكَ التَّحْرِيمِ إلى اللَّهِ، فَأخْبَرُونِي عَنِ اللَّهِ بِعِلْمٍ لا بِافْتِراءٍ ولا بِتَخَرُّصٍ، وأنْتُمْ لا عِلْمَ لَكم بِذَلِكَ، إذْ لَمْ يَأْتِكم بِذَلِكَ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ - تَعالى - فَلا يُمْكِنُ مِنكم تَنْبِئَةٌ بِذَلِكَ، وفَصَلَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ المُعْتَرِضَةِ بَيْنَ المُتَعاطِفِينَ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ لَهم والتَّوْبِيخِ، حَيْثُ لَمْ يَسْتَنِدُوا في تَحْرِيمِهِمْ إلّا إلى الكَذِبِ البَحْتِ والِافْتِراءِ. ﴿ومِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ ومِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ﴾ انْتَقَلَ مِن تَوْبِيخِهِمْ في نَفْيِ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ إلى تَوْبِيخِهِمْ في نَفْيِ شَهادَتِهِمْ ذَلِكَ وقْتَ تَوْصِيَةِ اللَّهِ إيّاهم بِذَلِكَ؛ لِأنَّ مُدْرِكَ الأشْياءِ المَعْقُولُ والمَحْسُوسُ، فَإذا انْتَفَيا فَكَيْفَ يُحْكَمُ بِتَحْلِيلٍ أوْ بِتَحْرِيمٍ ؟ وكَيْفِيَّةُ انْتِفاءِ الشَّهادَةِ مِنهم واضِحَةٌ، وكَيْفِيَّةُ انْتِفاءِ العِلْمِ بِالعَقْلِ، أنَّ ذَلِكَ مُسْتَنِدٌ إلى الوَحْيِ، وكانُوا لا يُصَدِّقُونَ بِالرُّسُلِ، ومَعَ انْتِفاءِ هَذَيْنِ كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ كَذا، افْتِراءً عَلَيْهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَتَهَكَّمَ بِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ﴾ عَلى مَعْنى أعَرَفْتُمُ التَّوْصِيَةَ بِهِ مُشاهِدِينَ لِأنَّكم لا تُؤْمِنُونَ بِالرُّسُلِ. انْتَهى. وقَدَّمَ الإبِلَ عَلى البَقَرِ لِأنَّها أغْلى ثَمَنًا، وأغْنى نَفْعًا في الرِّحْلَةِ وحَمْلِ الأثْقالِ عَلَيْها، وأصْبَرُ عَلى الجُوعِ والعَطَشِ، وأطْوَعُ وأكْثَرُ انْقِيادًا في الإناخَةِ والإثارَةِ. ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أيْ: لا أحَدَ ﴿أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾، فَنُسِبَ إلَيْهِ تَحْرِيمُ ما لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ - تَعالى - فَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلى افْتِراءِ الكَذِبِ في حَقِّ نَفْسِهِ وضَلالِها حَتّى قَصَدَ بِذَلِكَ ضَلالَ غَيْرِهِ، فَسَنَّ هَذِهِ السُّنَّةَ الشَّنْعاءَ، وغايَتُهُ بِها إضْلالُ النّاسِ، فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها. ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ نَفى هِدايَةَ مَن وُجِدَ مِنهُ الظُّلْمُ، وكانَ مَن فِيهِ الأظْلَمِيَّةُ أوْلى بِأنْ لا يَهْدِيَهُ، وهَذا عُمُومٌ في الظّاهِرِ، وقَدْ تَبَيَّنَ تَخْصِيصُهُ مِن ما يَقْتَضِيهِ الشَّرْعُ.

الأنعام 6:144

﴿ومِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا﴾ هَذا مَعْطُوفٌ عَلى (جَنّاتٍ) أيْ: وأنْشَأ ﴿ومِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا﴾، وهَلِ الحَمُولَةُ ما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ما حُمِلَ عَلَيْهِ مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ والخَيْلِ والبِغالِ والحَمِيرِ والفَرْشِ الغَنَمِ ؟ أوْ ما قالَهُ أيْضًا: ما انْتُفِعَ بِهِ مِن ظُهُورِها والفَرْشُ الرّاعِيَةُ ؟ أوْ ما قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ وابْنُ قُتَيْبَةَ: ما حَمَلَ مِنَ الإبِلِ والفَرْشُ صِغارُها ؟ (p-٢٣٩)أوْ ما قالَهُ الحَسَنُ أيْضًا: الإبِلُ والفَرْشُ الغَنَمُ ؟ أوْ ما قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ: ما يُرْكَبُ، والفَرْشُ ما يُؤْكَلُ لَحْمُهُ ويُجْلَبُ مِنَ الغَنَمِ والفُصْلانِ والعَجاجِيلِ ؟ أوْ ما قالَهُ الماتُرِيدِيُّ: مَراكِبُ النِّساءِ، والفَرْشُ ما يَكُونُ لِلنِّساءِ، أوْ ما قالَهُ أيْضًا: كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الحَيَوانِ وغَيْرِهِ يُقالُ لَهُ فَرْشٌ ؟ تَقُولُ العَرَبُ: أفْرَشَهُ اللَّهُ كَذا، أيْ: جَعَلَهُ لَهُ، أوْ ما قالَهُ بَعْضُهم: ما كانَ مُعَدًّا لِلْحَمْلِ مِنَ الحَيَواناتِ، والفَرْشُ ما خُلِقَ لَهم مِن أصْوافِها وجُلُودِها الَّتِي يَفْتَرِشُونَها ويَجْلِسُونَ عَلَيْها ؟ أوْ ما يَحْمِلُ الأثْقالَ، والفَرْشُ ما يُفْرَشُ لِلذَّبْحِ أوْ يُنْسَجُ مِن وبَرِهِ وصُوفِهِ وشِعْرِهِ لِلْفَرْشِ. أوْ ما قالَهُ الضَّحّاكُ واخْتارَهُ النَّحّاسُ: الإبِلُ والبَقَرُ، والفَرْشُ الغَنَمُ ؟ ورَجَّحَ هَذا بِإبْدالِ ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ مِنهُ، عَشَرَةُ أقْوالٍ. وقَدَّمَ الحَمُولَةَ عَلى الفَرْشِ لِأنَّها أعْظَمُ في الِانْتِفاعِ إذْ يُنْتَفَعُ بِها في الحَمْلِ والأكْلِ. ﴿كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: مِمّا أحَلَّهُ اللَّهُ لَكم ولا تُحَرِّمُوا، كَفِعْلِ الجاهِلِيَّةِ، وهَذا نَصٌّ في الإجابَةِ وإزالَةٌ لِما سَنَّهُ الكُفّارُ مِنَ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ. ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ أيْ: في التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ مِن عِنْدِ أنْفُسِكم، وتَعَلَّقَتْ بِها المُعْتَزِلَةُ في أنَّ الحَرامَ لَيْسَ بِرِزْقٍ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿ولا تَتَّبِعُوا﴾ إلى آخِرِهِ في البَقَرَةِ. ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ المُشْرِكِينَ فِيما أحَلُّوا وما حَرَّمُوا ونِسْبَتِهِمْ ذَلِكَ إلى اللَّهِ، فَلَمّا قامَ الإسْلامُ وثَبَتَتِ الأحْكامُ جادَلُوا النَّبِيَّ ﷺ وكانَ خَطِيبُهم مالِكَ بْنَ عَوْفِ بْنِ أبِي الأحْوَصِ الجُشَمِيُّ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ بَلَغَنا أنَّكَ تُحِلُّ أشْياءَ، فَقالَ لَهُ: ”إنَّكم قَدْ حَرَّمْتُمْ أشْياءَ عَلى غَيْرِ أصْلٍ، وإنَّما خَلَقَ اللَّهُ هَذِهِ الأزْواجَ الثَّمانِيَةَ لِلْأكْلِ والِانْتِفاعِ بِها، فَمِن أيْنَ جاءَ هَذا التَّحْرِيمُ أمِن قِبَلِ الذَّكَرِ أمْ مِن قِبَلِ الأُنْثى ؟“ فَسَكَتَ مالِكُ بْنُ عَوْفٍ وتَحَيَّرَ، فَلَوْ عَلَّلَ بِالذُّكُورَةِ وجَبَ أنْ يُحَرَّمَ الذَّكَرُ، أوْ بِالأُنُوثَةِ فَكَذَلِكَ، أوْ بِاشْتِمالِ الرَّحِمِ وجَبَ أنْ يُحَرَّمَ لِاشْتِمالِها عَلَيْهِما، فَأمّا تَخْصِيصُ التَّحْرِيمِ بِالوَلَدِ الخامِسِ أوِ السّابِعِ أوْ بِبَعْضٍ دُونِ بَعْضٍ فَمِن أيْنَ ؟ ورُوِيَ أنَّهُ قالَ لِمالِكٍ: ”ما لَكَ لا تَتَكَلَّمُ ؟“ . فَقالَ لَهُ مالِكٌ: بَلْ تَكَلَّمْ وأسْمَعُ مِنكَ، والزَّوْجُ ما كانَ مَعَ آخَرَ مِن جِنْسِهِ، وهُما زَوْجانِ، قالَ: ”وأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى“، فَإنْ كانَ وحْدَهُ فَهو فَرْدٌ، ويَعْنِي بِاثْنَيْنِ ذَكْرًا وأُنْثى، أيْ: كَبْشًا ونَعْجَةً، وتَيْسًا وعَنْزًا، وهَذا الِاسْتِفْهامُ هو اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ، حَيْثُ نَسَبُوا ما حَرَّمُوهُ إلى اللَّهِ - تَعالى - وكانُوا مَرَّةً يُحَرِّمُونَ الذُّكُورَ ومَرَّةً الإناثَ ومَرَّةً أوْلادَها ذُكُورًا أوْ إناثًا أوْ مُخْتَلِطَةً، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذا التَّقْسِيمَ هو مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ لا مِن قِبَلِهِ تَعالى. وانْتَصَبَ ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ عَلى البَدَلِ في قَوْلِ الأكْثَرِينَ مِن قَوْلِهِ: ﴿حَمُولَةً وفَرْشًا﴾، وهو الظّاهِرُ. وأجازُوا نَصْبَهُ بِـ ﴿كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾، وهو قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ سُلَيْمانَ، وقَدَّرَهُ: كُلُوا لَحْمَ ثَمانِيَةٍ، وبِـ ”أنْشَأ“ مُضْمَرَةً، قالَهُ الكِسائِيُّ، وعَلى البَدَلِ مِن مَوْضِعِ ما، مِن قَوْلِهِ: ﴿مِمّا رَزَقَكُمُ﴾، وبِـ (كُلُوا) مُضْمَرَةً، وعَلى أنَّها حالٌ أيْ: مُخْتَلِفَةً مُتَعَدِّدَةً. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ والحَسَنُ وعِيسى بْنُ عُمَرَ: ﴿مِنَ الضَّأْنِ﴾ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. وقَرَأ الِابْنانِ وأبُو عَمْرٍو: ﴿ومِنَ المَعْزِ﴾ بِفَتْحِ العَيْنِ. وقَرَأ أُبَيٌّ: ومِنَ المَعْزى. وقَرَأ أبانُ بْنُ عُثْمانَ: اثْنانِ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ المُقَدَّمُ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ وتَأْخِيرُ الفِعْلِ دَلَّ عَلى وُقُوعِ تَحْرِيمِهِمُ الذُّكُورَ تارَةً والإناثَ أُخْرى، وما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الرَّحِمُ أُخْرى، فَأنْكَرَ تَعالى ذَلِكَ عَلَيْهِمْ حَيْثُ نَسَبُوهُ إلَيْهِ تَعالى فَقالَ: (حَرَّمَ)، أيْ: حَرَّمَ اللَّهُ، أيْ: لَمْ يُحَرِّمْ تَعالى شَيْئًا مِن ذَلِكَ لا ذُكُورَها ولا إناثَها ولا مِمّا تَحْمِلَهُ أرْحامُ إناثِها، وقَدَّمَ في التَّقْسِيمِ الفَرْشَ عَلى الحَمُولَةِ لِقُرْبِ الذِّكْرِ، وهُما طَرِيقانِ لِلْعَرَبِ، تارَةً يُراعُونَ القُرْبَ وتارَةً يُراعُونَ التَّقْدِيمَ، ولِأنَّهُما أيْسَرُ ما يَتَمَلَّكُهُ ويَقْتَنِيهِ الفَقِيرُ والغَنِيُّ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ألا إنْ لا تَكُنْ إبِلٌ فَمَعْزى (p-٢٤٠)وقُدِّمَ الضَّأْنُ عَلى المَعْزِ لِغَلاءِ ثَمَنِهِ وطِيبِ لَحْمِهِ وعِظَمِ الِانْتِفاعِ بِصُوفِهِ. ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في نِسْبَةِ ذَلِكَ التَّحْرِيمِ إلى اللَّهِ، فَأخْبَرُونِي عَنِ اللَّهِ بِعِلْمٍ لا بِافْتِراءٍ ولا بِتَخَرُّصٍ، وأنْتُمْ لا عِلْمَ لَكم بِذَلِكَ، إذْ لَمْ يَأْتِكم بِذَلِكَ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ - تَعالى - فَلا يُمْكِنُ مِنكم تَنْبِئَةٌ بِذَلِكَ، وفَصَلَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ المُعْتَرِضَةِ بَيْنَ المُتَعاطِفِينَ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ لَهم والتَّوْبِيخِ، حَيْثُ لَمْ يَسْتَنِدُوا في تَحْرِيمِهِمْ إلّا إلى الكَذِبِ البَحْتِ والِافْتِراءِ. ﴿ومِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ ومِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ﴾ انْتَقَلَ مِن تَوْبِيخِهِمْ في نَفْيِ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ إلى تَوْبِيخِهِمْ في نَفْيِ شَهادَتِهِمْ ذَلِكَ وقْتَ تَوْصِيَةِ اللَّهِ إيّاهم بِذَلِكَ؛ لِأنَّ مُدْرِكَ الأشْياءِ المَعْقُولُ والمَحْسُوسُ، فَإذا انْتَفَيا فَكَيْفَ يُحْكَمُ بِتَحْلِيلٍ أوْ بِتَحْرِيمٍ ؟ وكَيْفِيَّةُ انْتِفاءِ الشَّهادَةِ مِنهم واضِحَةٌ، وكَيْفِيَّةُ انْتِفاءِ العِلْمِ بِالعَقْلِ، أنَّ ذَلِكَ مُسْتَنِدٌ إلى الوَحْيِ، وكانُوا لا يُصَدِّقُونَ بِالرُّسُلِ، ومَعَ انْتِفاءِ هَذَيْنِ كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ كَذا، افْتِراءً عَلَيْهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَتَهَكَّمَ بِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ﴾ عَلى مَعْنى أعَرَفْتُمُ التَّوْصِيَةَ بِهِ مُشاهِدِينَ لِأنَّكم لا تُؤْمِنُونَ بِالرُّسُلِ. انْتَهى. وقَدَّمَ الإبِلَ عَلى البَقَرِ لِأنَّها أغْلى ثَمَنًا، وأغْنى نَفْعًا في الرِّحْلَةِ وحَمْلِ الأثْقالِ عَلَيْها، وأصْبَرُ عَلى الجُوعِ والعَطَشِ، وأطْوَعُ وأكْثَرُ انْقِيادًا في الإناخَةِ والإثارَةِ. ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أيْ: لا أحَدَ ﴿أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾، فَنُسِبَ إلَيْهِ تَحْرِيمُ ما لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ - تَعالى - فَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلى افْتِراءِ الكَذِبِ في حَقِّ نَفْسِهِ وضَلالِها حَتّى قَصَدَ بِذَلِكَ ضَلالَ غَيْرِهِ، فَسَنَّ هَذِهِ السُّنَّةَ الشَّنْعاءَ، وغايَتُهُ بِها إضْلالُ النّاسِ، فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها. ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ نَفى هِدايَةَ مَن وُجِدَ مِنهُ الظُّلْمُ، وكانَ مَن فِيهِ الأظْلَمِيَّةُ أوْلى بِأنْ لا يَهْدِيَهُ، وهَذا عُمُومٌ في الظّاهِرِ، وقَدْ تَبَيَّنَ تَخْصِيصُهُ مِن ما يَقْتَضِيهِ الشَّرْعُ.

الأنعام 6:145

﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلّا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً أوْ دَمًا مَسْفُوحًا أوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإنَّهُ رِجْسٌ أوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ لَمّا ذَكَرَ (p-٢٤١)أنَّهم حَرَّمُوا ما حَرَّمُوا افْتِراءً عَلى اللَّهِ، أمَرَهُ تَعالى أنْ يُخْبِرَهم بِأنَّ مُدْرِكَ التَّحْرِيمِ، إنَّما هو بِالوَحْيِ مِنَ اللَّهِ - تَعالى - وبِشَرْعِهِ لا بِما تَهْوى الأنْفُسُ وما تَخْتَلِقُهُ عَلى اللَّهِ - تَعالى - وجاءَ التَّرْتِيبُ هُنا كالتَّرْتِيبِ الَّذِي في البَقَرَةِ والمائِدَةِ، وجاءَ هُنا هَذِهِ المُحْرِماتُ مُنَكَّرَةً، والدَّمُ مَوْصُوفٌ بِقَوْلِهِ: ﴿مَسْفُوحًا﴾، والفِسْقُ مَوْصُوفًا بِقَوْلِهِ: ﴿أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾، وفي تِينِكِ السُّورَتَيْنِ مُعَرَّفًا؛ لِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ فَعُلِّقَ بِالتَّنْكِيرِ، وتانِكَ السُّورَتانِ مَدَنِيَّتانِ، فَجاءَتْ تِلْكَ الأسْماءُ مَعارِفَ بِالعَهْدِ حُوالَةً عَلى ما سَبَقَ تَنْزِيلُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: ﴿فِي ما أُوحِيَ﴾ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والحاءِ، جَعَلَهُ فِعْلًا ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، و(مُحَرَّمًا) صِفَةً لِمَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ مَطْعُومًا، ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾، ويَطْعَمُهُ صِفَةٌ لِطاعِمٍ. وقَرَأ الباقِرُ: (يَطَّعِمُهُ) بِتَشْدِيدِ الطّاءِ وكَسْرِ العَيْنِ، والأصْلُ يَطْتَعِمُهُ، أُبْدِلَتْ تاؤُهُ طاءً وأُدْغِمَتْ فِيها فاءُ الكَلِمَةِ. وقَرَأتْ عائِشَةُ وأصْحابُ عَبْدِ اللَّهِ ومُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ: تَطَعَّمَهُ بِفِعْلٍ ماضٍ، و”إلّا أنْ يَكُونَ“ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ لِأنَّهُ كَوْنٌ وما قَبْلَهُ عَيْنٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبُهُ بَدَلًا عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ، ونَصْبًا عَلى الِاسْتِثْناءِ عَلى لُغَةِ الحِجازِ. وقَرَأ الِابْنانِ وحَمْزَةُ: إلّا أنْ تَكُونَ بِالتّاءِ، وابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ: ﴿مَيْتَةً﴾ بِالنَّصْبِ، واسْمُ (يَكُونَ) مُضْمَرٌ يَعُودُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿مُحَرَّمًا﴾، وأُنِّثَ لِتَأْنِيثِ الخَبَرِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: (مَيْتَةً) بِالرَّفْعِ، جَعَلَ كانَ تامَّةً. وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ ونَصْبِ ﴿مَيْتَةً﴾، واسْمُ كانَ ضَمِيرٌ مُذَكَّرٌ يَعُودُ عَلى ﴿مُحَرَّمًا﴾، أيْ: ﴿إلّا أنْ يَكُونَ﴾ المُحَرَّمُ ﴿مَيْتَةً﴾، وعَلى قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ، وهي قِراءَةٌ أبِي جَعْفَرٍ فِيما ذَكَرَ مَكِّيٌّ، يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿أوْ دَمًا﴾ مَعْطُوفًا عَلى مَوْضِعِ ﴿أنْ يَكُونَ﴾، وعَلى قِراءَةِ غَيْرِهِ يَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿مَيْتَةً﴾، ومَعْنى ﴿مَسْفُوحًا﴾ مَصْبُوبًا سائِلًا كالدَّمِ في العُرُوقِ لا كالطُّحالِ والكَبِدِ، وقَدْ رُخِّصَ في دَمِ العُرُوقِ بَعْدَ الذَّبْحِ. وقِيلَ لِأبِي مَجْلَزٍ: القِدْرُ تَعْلُوها الحُمْرَةُ مِنَ الدَّمِ. فَقالَ: إنَّما حَرَّمَ اللَّهُ - تَعالى - المَسْفُوحَ، وقالَتْ نَحْوَهُ عائِشَةُ، وعَلَيْهِ إجْماعُ العُلَماءِ. وقِيلَ: الدَّمُ حَرامٌ لِأنَّهُ إذا زايَلَ فَقَدْ سُفِحَ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (فَإنَّهُ) عائِدٌ عَلى ﴿لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾، وزَعَمَ أبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ أنَّهُ عائِدٌ عَلى خِنْزِيرٍ، فَإنَّهُ أقْرَبُ مَذْكُورٍ، وإذا احْتَمَلَ الضَّمِيرُ العَوْدَ عَلى شَيْئَيْنِ كانَ عُودُهُ عَلى الأقْرَبِ أرْجَحَ، وعُورِضَ بِأنَّ المُحَدَّثَ عَنْهُ إنَّما هو اللَّحْمُ، وجاءَ ذِكْرُ الخِنْزِيرِ عَلى سَبِيلِ الإضافَةِ إلَيْهِ لا أنَّهُ هو المُحَدَّثُ عَنْهُ المَعْطُوفُ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: ذُكِرَ اللَّحْمُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ أعْظَمُ ما يُنْتَفَعُ بِهِ مِنَ الخِنْزِيرِ، وإنْ كانَ سائِرُهُ مُشارِكًا لَهُ في التَّحْرِيمِ بِالتَّنْصِيصِ عَلى العِلَّةِ مِن كَوْنِهِ رِجْسًا، أوْ لِإطْلاقِ الأكْثَرِ عَلى كُلِّهِ، أوِ الأصْلُ عَلى التّابِعِ لِأنَّ الشَّحْمَ وغَيْرَهُ تابِعٌ لِلَّحْمِ. واخْتَلَفُوا في هَذِهِ الآيَةِ، أهْيَ مُحْكَمَةٌ ؟ وهو قَوْلُ الشَّعْبِيِّ وابْنِ جُبَيْرٍ، فَعَلى هَذا لا شَيْءَ مُحَرَّمٌ مِنَ الحَيَوانِ إلّا فِيها، ولَيْسَ هَذا مَذْهَبَ الجُمْهُورِ. وقِيلَ: هي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ المائِدَةِ، ويَنْبَغِي أنَّ يُفْهَمَ هَذا النَّسْخُ بِأنَّهُ نَسْخٌ لِلْحَصْرِ فَقَطْ. وقِيلَ: جَمِيعُ ما حُرِّمَ داخِلٌ في الِاسْتِثْناءِ، سَواءٌ كانَ بِنَصِّ قُرْآنٍ أوْ حَدِيثٍ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ بِالِاشْتِراكِ في العِلَّةِ الَّتِي هي الرِّجْسِيَّةِ. والَّذِي نَقُولُهُ: إنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ وجاءَتْ عَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الأنعام: ١٤٣]، وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يُحَرِّمُونَ ما يُحَرِّمُونَ مِنَ البَحائِرِ والسَّوائِبِ والوَصائِلِ والحَوّامِي، مِن هَذِهِ الثَّمانِيَةِ، فالآيَةُ (p-٢٤٢)مُحْكَمَةٌ، وأخْبَرَ فِيها أنَّهُ لَمْ يَجِدْ فِيما أُوحِيَ إلَيْهِ إذْ ذاكَ مِنَ القُرْآنِ سِوى ما ذَكَرَ، ولِذَلِكَ أتَتْ صِلَةُ (ما) جُمْلَةً مُصَدَّرَةً بِالفِعْلِ الماضِي، فَجَمِيعُ ما حُرِّمَ بِالمَدِينَةِ لَمْ يَكُنْ إذْ ذاكَ سَبَقَ مِنهُ وحْيٌ فِيهِ بِمَكَّةَ، فَلا تَعارُضَ بَيْنَ ما حُرِّمَ بِالمَدِينَةِ وبَيْنَ ما أُخْبِرَ أنَّهُ أُوحِيَ إلَيْهِ بِمَكَّةَ تَحْرِيمُهُ، وذِكْرُ الخِنْزِيرِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن ثَمانِيَةِ الأزْواجِ لِأنَّ مِنَ النّاسِ مَن كانَ يَأْكُلُهُ إذْ ذاكَ، ولِأنَّهُ أشْبَهُ شَيْءٍ بِثَمانِيَةِ الأزْواجِ في كَوْنِهِ لَيْسَ سَبُعًا مُفْتَرِسًا يَأْكُلُ اللُّحُومَ ويَتَغَذّى بِها، وإنَّما هو مَن نَمَطِ الثَّمانِيَةِ في كَوْنِهِ يَعِيشُ بِالنَّباتِ ويَرْعى كَما تَرْعى الثَّمانِيَةُ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ هُنا أشْياءَ مِمّا اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ فِيها، ونُلَخِّصُ مِن ذَلِكَ شَيْئًا، فَنَقُولُ: أمّا الحُمُرُ الأهْلِيَّةُ فَذَهَبَ الشَّعْبِيُّ وابْنُ جُبَيْرٍ إلى أنَّهُ يَجُوزُ أكْلُها، وتَحْرِيمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَها إنَّما كانَ لِعِلَّةٍ، وأمّا لُحُومُ الخَيْلِ فاخْتَلَفَ فِيها السَّلَفُ وأباحَها الشّافِعِيُّ وابْنُ حَنْبَلٍ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ، وعَنْ أبِي حَنِيفَةَ الكَراهَةُ. فَقِيلَ: كَراهَةُ تَنْزِيهٍ. وقِيلَ: كَراهَةُ تَحْرِيمٍ، وهو قَوْلُ مالِكٍ والأوْزاعِيِّ والحَكَمِ بْنِ عُيَيْنَةَ وأبِي عُبَيْدٍ وأبِي بَكْرٍ الأصَمِّ، وقالَ بِهِ مِنَ التّابِعِينَ مُجاهِدٌ، ومِنَ الصَّحابَةِ ابْنُ عَبّاسٍ، ورُوِيَ عَنْهُ خِلافُهُ، وقَدْ صَنَّفَ في حُكْمِ لُحُومِ الخَيْلِ جُزْءًا قاضِي القُضاةِ شَمْسُ الدِّينِ أحْمَدُ بْنُ إبْراهِيمَ بْنِ عَبْدِ الغَنِيِّ السُّرُوجِيُّ الحَنَفِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَرَأْناهُ عَلَيْهِ، وأجْمَعُوا عَلى تَحْرِيمِ البِغالِ، وأمّا الحِمارُ الوَحْشِيُّ إذا تَأنَّسَ، فَذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ والشّافِعِيُّ إلى جَوازِ أكْلِهِ، ورَوى ابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ أنَّهُ إذا دَجَنَ وصارَ يُعْمَلُ عَلَيْهِ كَما يُعْمَلُ عَلى الأهْلِيِّ أنَّهُ لا يُؤْكَلُ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ وزُفَرُ ومُحَمَّدٌ: لا يَحِلُّ أكْلُ ذِي النّابِ مِنَ السِّباعِ وذِي المِخْلَبِ مِنَ الطَّيْرِ. وقالَ مالِكٌ: لا يُؤْكَلُ سِباعُ الوَحْشِ، ولا البَرِّ وحْشِيًّا كانَ أوْ أهْلِيًّا، ولا الثَّعْلَبُ، ولا الضَّبُعُ، ولا بَأْسَ بِأكْلِ سِباعِ الطَّيْرِ الرَّخَمِ والعِقابِ والنُّسُورِ وغَيْرِها ما أكَلَ الجِيفَةِ وما لَمْ يَأْكُلْ. وقالَ الأوْزاعِيُّ: الطَّيْرُ كُلُّهُ حَلالٌ إلّا أنَّهم يَكْرَهُونَ الرَّخَمَ. وقالَ الشّافِعِيُّ: ما عَدا عَلى النّاسِ مِن ذِي النّابِ كالأسَدِ والذِّئْبِ والنَّمِرِ، وعَلى الطُّيُورِ مِن ذِي المِخْلَبِ كالنَّسْرِ والبازِي لا يُؤْكَلُ، ويُؤْكَلُ الثَّعْلَبُ والضَّبُعُ، وكَرِهَ أبُو حَنِيفَةَ الغُرابَ الأبْقَعَ لا الغُرابَ الزَّرْعِيَّ، والخِلافُ في الحِدَأةِ كالخِلافِ في العُقابِ والنَّسْرِ، وكَرِهَ أبُو حَنِيفَةَ الضَّبَّ. وقالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ: لا بَأْسَ بِهِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ لا يُؤْكَلُ الهِرُّ الإنْسِيُّ، وعَنْ مالِكٍ جَوازُ أكْلِهِ إنْسِيًّا كانَ أوْ وحْشِيًّا، وعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ جَوازُ أكْلِ إنْسِيِّهِ. وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى: لا بَأْسَ بِأكْلِ الحَيَّةِ إذا ذُكِّيَتْ. وقالَ اللَّيْثُ: لا بَأْسَ بِأكْلِ القُنْفُذِ وفِراخِ النَّحْلِ ودُودِ الجُبْنِ ودُودِ التَّمْرِ ونَحْوِهِ، وكَذا قالَ ابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ في القُنْفُذِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ والشّافِعِيُّ: لا تُؤْكَلُ الفَأْرَةُ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا يُؤْكَلُ اليَرْبُوعُ. وقالَ الشّافِعِيُّ: يُؤْكَلُ، وعَنْ مالِكٍ في الفَأْرِ التَّحْرِيمُ والكَراهَةُ والإباحَةُ، وذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ والشّافِعِيُّ وأصْحابُهُما إلى كَراهَةِ أكْلِ الجَلّالَةِ. وقالَ مالِكٌ واللَّيْثُ: لا بَأْسَ بِأكْلِها. وقالَ صاحِبُ التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ: وأمّا المُخَدِّراتُ كالبَنْجِ والسَّيْكَرانِ واللُّفّاحِ ووَرَقِ القِنَّبِ المُسَمّى بِالحَشِيشَةِ فَلَمْ يُصَرِّحْ فِيها أهْلُ العِلْمِ بِالتَّحْرِيمِ، وهي عِنْدِي إلى التَّحْرِيمِ أقْرَبُ؛ لِأنَّها إنْ كانَتْ مُسْكِرَةً فَهي مُحَرَّمَةٌ بِقَوْلِهِ ﷺ: «ما أسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرامٌ»، وبِقَوْلِهِ: «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرامٌ»، وإنْ كانَتْ غَيْرَ مُسْكِرَةٍ فَإدْخالُ الضَّرَرِ عَلى الجِسْمِ حَرامٌ. وقَدْ نَقَلَ ابْنُ بَخْتِيَشُوعَ في كِتابِهِ: إنَّ ورَقَ القِنَّبِ يُحْدِثُ في الجِسْمِ سَبْعِينَ داءً، وذَكَرَ مِنها أنَّهُ يُصَفِّرُ الجِلْدَ ويُسَوِّدُ الأسْنانَ ويَجْعَلُ فِيها الحُفَرَ ويَثْقُبُ الكَبِدَ ويُحَمِّيها ويُفْسِدُ العَقْلَ ويُضْعِفُ البَصَرَ ويُحْدِثُ الغَمَّ ويُذْهِبُ الشَّجاعَةَ، والبَنْجُ والسَّيْكَرانُ كالوَرَقِ في الضَّرَرِ، وأمّا المُرْقِداتُ كالزَّعْفَرانِ والمازِرْيُونَ فالقَدْرُ المُضِرُّ مِنها حَرامٌ، وقالَ جُمْهُورُ الأطِبّاءِ: إذا اسْتُعْمِلَ مِنَ الزَّعْفَرانِ كَثِيرٌ قَتْلٍ فَرَحًا، انْتَهى وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. وقالَ (p-٢٤٣)أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ دِلالَةٌ عَلى أنَّ المُحَرَّمَ مِنَ المَيْتَةِ ما يَتَأتّى فِيهِ الأكْلُ مِنها، وإنْ لَمْ يَتَناوَلِ الجِلْدَ المَدْبُوغَ ولا القَرْنَ ولا العَظْمَ ولا الظِّلْفَ ولا الرِّيشَ ونَحْوَها، وفي قَوْلِهِ: ﴿أوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ دِلالَةٌ عَلى أنَّ دَمَ البَقِّ والبَراغِيثِ والذُّبابِ لَيْسَ بِنَجِسٍ. انْتَهى. ﴿أوْ فِسْقًا﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى المَنصُوبِ قَبْلَهُ، سُمِّيَ ما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فِسْقًا لِتَوَغُّلِهِ في بابِ الفِسْقِ، ومِنهُ ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]، وأُهِلَّ صِفَةٌ لَهُ مَنصُوبَةُ المَحَلِّ، وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَنْتَصِبَ فِسْقًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ مُقَدَّمٌ عَلى العامِلِ فِيهِ وهو أُهِلَّ؛ لِقَوْلِهِ: ؎طَرِبْتُ وما شَوْقًا إلى البِيضِ أطْرَبُ وفَصَلَ بِهِ بَيْنَ أوْ وأُهِلَّ بِالمَفْعُولِ لَهُ، ويَكُونُ أوْ أُهِلَّ مَعْطُوفًا عَلى (يَكُونَ)، والضَّمِيرُ في (بِهِ) يَعُودُ عَلى ما عادَ عَلَيْهِ في (يَكُونَ)، وهَذا إعْرابٌ مُتَكَلَّفٌ جِدًّا، وتَرْكِيبٌ عَلى هَذا الإعْرابِ خارِجٌ عَنِ الفَصاحَةِ، وغَيْرُ جائِزٍ في قِراءَةِ مَن قَرَأ: (إلّا أنْ يَكُونَ مَيْتَةٌ) بِالرَّفْعِ، فَيَبْقى الضَّمِيرُ في (بِهِ) لَيْسَ لَهُ ما يَعُودُ عَلَيْهِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَتَكَلَّفَ مَحْذُوفًا حَتّى يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: أوْ شَيْءٌ ﴿أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا لا يَجُوزُ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ. ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَإنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلَ هَذا، ولَمّا كانَ صَدْرُ الآيَةِ مُفْتَتَحًا بِخِطابِهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أجِدُ﴾ اخْتَتَمَ الآيَةَ بِالخِطابِ فَقالَ: ”فَإنَّ رَبَّكَ“، ودَلَّ عَلى اعْتِنائِهِ بِهِ تَعالى بِتَشْرِيفِ خِطابِهِ افْتِتاحًا واخْتِتامًا. ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ مُناسِبَةُ هَذِهِ لِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ أنَّ التَّحْرِيمَ إنَّما يَسْتَنِدُ لِلْوَحْيِ الإلَهِيِّ، أخْبَرَ أنَّهُ حَرَّمَ عَلى بَعْضِ الأُمَمِ السّابِقَةِ أشْياءَ، كَما حَرَّمَ عَلى أهْلِ هَذِهِ المِلَّةِ أشْياءَ مِمّا ذَكَرَها في الآيَةِ قَبْلُ، فالتَّحْرِيمُ إنَّما هو راجِعٌ إلى اللَّهِ - تَعالى - في الأُمَمِ جَمِيعِها، وفي قَوْلِهِ ﴿حَرَّمْنا﴾ تَكْذِيبُ اليَهُودِ في قَوْلِهِمْ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَحَرِّمْ عَلَيْنا شَيْئًا، وإنَّما حَرَّمْنا عَلى أنْفُسِنا ما حَرَّمَهُ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وابْنُ جُبَيْرٍ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ: هي ذَواتُ الظِّلْفِ كالإبِلِ والنَّعامِ وما لَيْسَ بِذِي أصابِعَ مُنْفَرِجَةٍ كالبَطِّ والإوَزِّ ونَحْوِهِما، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هي الإبِلُ خاصَّةً، وضُعِّفَ هَذا التَّخْصِيصُ. وقالَ الضَّحّاكُ: هي النَّعامَةُ وحِمارُ الوَحْشِ، وهو ضَعِيفٌ لِتَخْصِيصِهِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: كُلُّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ وذِي حافِرٍ مِنَ الدَّوابِّ وذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ. وقالَ القُتَبِيُّ: الظُّفُرُ هُنا بِمَنزِلَةِ الحافِرِ، يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ ذِي حافِرٍ مِنَ الدَّوابِّ، سُمِّيَ الحافِرُ ظُفْرًا اسْتِعارَةً. وقالَ ثَعْلَبٌ: كُلُّ ما لا يَصِيدُ فَهو ذُو ظُفْرٍ، وما يَصِيدُ فَهو ذُو مِخْلَبٍ. قالَ النَّقّاشُ: هَذا غَيْرُ مُطَّرِدٍ لِأنَّ الأسَدَ ذُو ظُفْرٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ما لَهُ أُصْبُعٌ مِن دابَّةٍ أوْ طائِرٍ، وكانَ بَعْضُ ذَواتِ الظُّفْرِ حَلالًا لَهم، فَلَمّا ظَلَمُوا حُرِّمَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَعَمَّ التَّحْرِيمُ كُلَّ ذِي ظُفُرٍ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠] . وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: حَمْلُ الظُّفْرِ عَلى الحافِرِ ضَعِيفٌ لِأنَّ الحافِرَ لا يَكادُ يُسَمّى ظُفْرًا، ولِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَقِيلَ: حَرَّمَ عَلَيْهِمْ كُلَّ حَيَوانٍ لَهُ حافِرٌ، وذَلِكَ باطِلٌ لِدَلالَةِ الآيَةِ عَلى إباحَةِ البَقَرِ والغَنَمِ مَعَ أنَّها لَها حافِرٌ، فَوَجَبَ حَمْلُ الظُّفْرِ عَلى المَخالِبِ والبَراثِنِ؛ لِأنَّ المَخالِبَ آلاتٌ لِجَوارِحِ الصَّيْدِ في الِاصْطِيادِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ أنْواعُ السِّباعِ والكِلابِ والسَّنانِيرِ والطُّيُورِ الَّتِي تَصْطادُ، ويَكُونُ هَذا مُخْتَصًّا بِاليَهُودِ لِدَلالَةِ ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا﴾ عَلى الحَصْرِ، فَيَخْتَصُّ التَّحْرِيمُ بِاليَهُودِ، ولا تَكُونُ مُحَرَّمَةً عَلى المُسْلِمِينَ، وما رُوِيَ مِن تَحْرِيمِ ذِي النّابِ مِنَ السِّباعِ وذِي المِخْلَبِ مِنَ الطَّيْرِ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ خَبَرُ واحِدٍ عَلى خِلافِ كِتابِ اللَّهِ فَلا يُقْبَلُ، ويُقَوِّي مَذْهَبَ مالِكٍ، انْتَهى مُلَخَّصًا وفِيهِ مُنَوَّعٌ، أحَدُها: لا (p-٢٤٤)نُسَلِّمُ تَخْصِيصَ ذِي الظُّفُرِ بِما قالَهُ. الثّانِي: لا نُسَلِّمُ الحَصْرَ الَّذِي ادَّعاهُ. الثّالِثُ: لا نُسَلِّمُ الِاخْتِصاصَ. الرّابِعُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ خَبَرَ الواحِدِ في تَحْرِيمِ ذِي النّابِ وذِي المِخْلَبِ عَلى خِلافِ كِتابِ اللَّهِ، وكُلُّ مَن فَسَّرَ الظُّفْرَ بِما فَسَّرَهُ مِن ذَوِي الأقْوالِ السّابِقَةِ بِذاهِبٍ إلى تَحْرِيمِ لَحْمِ ما فَسَّرَهُ وشَحْمِهُ وكُلِّ شَيْءٍ مِنهُ. وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ ذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، ولَيْسَ المُحَرَّمُ ذا الظُّفْرِ، وإنَّما المُرادُ ما صادَهُ ذُو الظُّفْرِ، أيْ: ذُو المِخْلَبِ الَّذِي لَمْ يُعَلَّمْ، وهَذا خِلافُ الظّاهِرِ. وقَرَأ أُبَيٌّ والحَسَنُ والأعْرَجُ: (ظَفْرٌ) بِسُكُونِ الفاءِ، والحَسَنُ أيْضًا وأبُو السَّمّالِ قُعْنُبٌ بِسُكُونِها وكَسْرِ الظّاءِ. ﴿ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما﴾ أيْ: شُحُومَ الجِنْسَيْنِ، ويَتَعَلَّقْ ”مِن“ بِحَرَّمْنا المُتَأخِّرَةِ، ولا يَجِبُ تَقَدُّمُها عَلى العامِلِ، فَلَوْ كانَ التَّرْكِيبُ: وحَرَّمْنا عَلَيْهِمْ مِنَ البَقَرِ والغَنَمِ شُحُومَهُما، لَكانَ تَرْكِيبًا غَرِيبًا، كَما تَقُولُ: مِن زَيْدٍ أخَذْتُ مالَهُ، ويَجُوزُ أخَذْتُ مِن زَيْدٍ مالَهُ، والإضافَةُ تَدُلُّ عَلى تَأْكِيدِ التَّخْصِيصِ والرَّبْطِ، إذْ لَوْ أتى في الكَلامِ: مِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمُ الشُّحُومَ، لَكانَ كافِيًا في الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لا يُرادُ إلّا شُحُومُ البَقَرِ والغَنَمِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ﴾ مَعْطُوفًا عَلى ﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾، فَيَتَعَلَّقُ مِن بِحَرَّمْنا الأُولى، ثُمَّ جاءَتِ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ مُفَسِّرَةً ما أبْهَمَ في ”مِن“ التَّبْعِيضِيَّةِ مِنَ المُحَرَّمِ فَقالَ: ﴿حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما﴾ . وقالَ أبُو البَقاءِ: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (مِنَ البَقَرِ) مُتَعَلِّقًا بِحَرَّمْنا الثّانِيَةِ، بَلْ ذَلِكَ مَعْطُوفٌ عَلى كُلِّ، (وحَرَّمْنا عَلَيْهِمْ) تَبْيِينٌ لِلْمُحَرَّمِ مِنَ البَقَرِ والغَنَمِ، وكَأنَّهُ يُوهِمُ أنَّ عَوْدَ الضَّمِيرِ مانِعٌ مِنَ التَّعَلُّقِ، إذْ رُتْبَةُ المَجْرُورِ بِمِنِ التَّأْخِيرُ، لَكِنْ عَنْ ماذا ؟ أمّا عَنِ الفِعْلِ فَمُسَلَّمٌ، وأمّا عَنِ المَفْعُولِ فَغَيْرُ مُسَلِّمٍ، وإنْ سَلَّمْنا أنَّ رُتْبَتَهُ التَّأْخِيرُ عَنِ الفِعْلِ والمَفْعُولِ لَيْسَ بِمَمْنُوعٍ، بَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ كَما جازَ: ضَرَبَ غُلامَ المَرْأةِ أبُوها، وغُلامَ المَرْأةِ ضَرَبَ أبُوها، وإنْ كانَتْ رُتْبَةُ المَفْعُولِ التَّأْخِيرَ، لَكِنَّهُ وجَبَ هُنا تَقْدِيمُهُ لِعَوْدِ الضَّمِيرِ الَّذِي في الفاعِلِ الَّذِي رُتْبَتُهُ التَّقْدِيمُ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ بِالمَفْعُولِ الَّذِي هو والمَجْرُورُ في رُتْبَةٍ واحِدَةٍ ؟ أعْنِي في كَوْنِهِما فَضْلَةً، فَلا يُبالى فِيهِما بِتَقْدِيمِ أيِّهِما شِئْتَ عَلى الآخَرِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎وقَدْ رَكَدَتْ وسْطَ السَّماءِ نُجُومُها فَقَدَّمَ الظَّرْفَ وُجُوبًا لِعَوْدِ الضَّمِيرِ الَّذِي اتَّصَلَ بِالفاعِلِ عَلى المَجْرُورِ بِالظَّرْفِ. واخْتُلِفَ في تَحْرِيمِ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ مِن ذَبائِحِ اليَهُودِ، فَعَنْ مالِكٍ: مَنعُ أكْلِ الشَّحْمِ مِن ذَبائِحِهِمْ، ورُوِيَ عَنْهُ الكَراهَةُ، وأباحَ ذَلِكَ بَعْضُ النّاسِ مِن ذَبائِحِهِمْ، ومِن ذَبْحِهِمْ ما هو عَلَيْهِمْ حَرامٌ إذا أمَرَهم بِذَلِكَ مُسْلِمٌ. وقالَ ابْنُ حَبِيبٍ: ما كانَ مَعْلُومًا تَحْرِيمُهُ عَلَيْهِمْ مِن كِتابِنا فَلا يَحِلُّ لَنا مِن ذَبائِحِهِمْ، وما لَمْ نَعْلَمْهُ إلّا مِن أقْوالِهِمْ فَهو غَيْرُ مُحَرَّمٍ عَلَيْنا مِن ذَبائِحِهِمْ. انْتَهى. فَظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] أنَّ الشَّحْمَ الَّذِي هو مِن ذَبائِحِهِمْ لا يَحِلُّ لَنا أنَّهُ لَيْسَ مِن طَعامِهِمْ، فَلا يَدْخُلُ تَحْتَ عُمُومِ ﴿وطَعامُ الَّذِينَ﴾ [المائدة: ٥]، وحَمْلُ قَوْلِهِ: ﴿وطَعامُ الَّذِينَ﴾ [المائدة: ٥] عَلى الذَّبائِحِ فِيهِ بُعْدٌ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ. ﴿إلّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما﴾ أيْ: إلّا الشَّحْمَ الَّذِي حَمَلَتْهُ ظُهُورُهُما البَقَرُ والغَنَمُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو مِمّا عَلَقَ بِالظَّهْرِ مِنَ الشَّحْمِ، وبِالجَنْبِ مِن داخِلِ بُطُونِهِما. وقِيلَ: سَمِينُ الظَّهْرِ وهي الشَّرائِحُ الَّتِي عَلى الظَّهْرِ مِنَ الشَّحْمِ، فَإنَّ ذَلِكَ لَمْ يُحَرَّمْ عَلَيْهِمْ. وقالَ السُّدِّيُّ وأبُو صالِحٍ: الإلْياتُ مِمّا حَمَلَتْ ظُهُورُهُما. ﴿أوِ الحَوايا﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى (ظُهُورُهُما)، قالَهُ الكِسائِيُّ، وهو الظّاهِرُ، أيْ: والشَّحْمُ الَّذِي حَمَلَتْهُ (الحَوايا) . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ: هي المَباعِرُ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: هو كُلُّ ما تَحْوِيهِ البَطْنُ فاجْتَمَعَ واسْتَدارَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ أيْضًا: هي بَناتُ اللَّبَنِ. وقِيلَ: الأمْعاءُ والمَصارِينُ الَّتِي عَلَيْها الشَّحْمُ. ﴿أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما﴾، بِعَظْمٍ هو (p-٢٤٥)شَحْمُ الإلْيَةِ لِأنَّهُ عَلى العُصْعُصِ، قالَهُ السُّدِّيُّ وابْنُ جُرَيْجٍ، أوْ شَحْمُ الجَنْبِ، أوْ كُلُّ شَحْمٍ في القَوائِمِ والجَنْبِ والرَّأْسِ والعَيْنَيْنِ والأُذُنَيْنِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ أيْضًا، أوْ مُخُّ العَظْمِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الثَّلاثَةَ مُسْتَثْناةٌ مِنَ الشَّحْمِ فَهي حَلالٌ لَهم. قِيلَ: بِالمُحَرَّمِ أذَبَّ شَحْمُ الثَّرْبِ والكُلى. وقِيلَ: ”أوِ الحَوايا أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ“ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿شُحُومَهُما﴾ فَتَكُونُ داخِلَةً في المُحَرَّمِ أيْ: حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما ﴿أوِ الحَوايا أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ إلّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما، وتَكُونُ أوْ كَهي في قَوْلِهِ ﴿ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]، يُرادُ بِها نَفْيُ ما يَدْخُلُ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الِانْفِرادِ، كَما تَقُولُ: هَؤُلاءِ أهْلٌ أنْ يُعْصَوْا فاعْصِ هَذا أوْ هَذا، فالمَعْنى حَرَّمَ عَلَيْهِمْ هَذا وهَذا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأوْ بِمَنزِلَتِها في قَوْلِهِمْ: جالِسِ الحَسَنَ أوِ ابْنَ سِيرِينَ. انْتَهى. وقالَ النَّحْوِيُّونَ: أوْ في هَذا المِثالِ لِلْإباحَةِ فَيَجُوزُ لَهُ أنْ يُجالِسَهُما مَعًا وأنْ يُجالِسَ أحَدَهُما، والأحْسَنُ في الآيَةِ إذا قُلْنا: إنَّ ذَلِكَ مَعْطُوفٌ عَلى ”شُحُومَهُما“ أنْ تَكُونَ أوْ فِيهِ لِلتَّفْصِيلِ، فَصَلَ بِها ما حَرَّمَ عَلَيْهِمْ مِنَ البَقَرِ والغَنَمِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقالَ بَعْضُ النّاسِ ﴿أوِ الحَوايا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الشُّحُومِ. قالَ: وعَلى هَذا يَدْخُلُ الحَوايا في التَّحْرِيمِ، وهَذا قَوْلٌ لا يُعَضِّدُهُ اللَّفْظُ ولا المَعْنى بَلْ يَدْفَعانِهِ. انْتَهى. ولَمْ يُبَيِّنْ دَفْعَ اللَّفْظِ والمَعْنى لِهَذا القَوْلِ. ﴿ذَلِكَ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (ذَلِكَ) في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وقالَ الحَوْفِيُّ: (ذَلِكَ) في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَإٍ تَقْدِيرُهُ: الأمْرُ ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نُصِبَ بِـ ﴿جَزَيْناهُمْ﴾؛ لِأنَّهُ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، والتَّقْدِيرُ: جَزَيْناهم ذَلِكَ. وقالَ أبُو البَقاءِ: (ذَلِكَ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ ﴿جَزَيْناهُمْ﴾ ولَمْ يُبَيِّنْ عَلى أيِّ شَيْءٍ انْتَصَبَ، هَلْ عَلى المَصْدَرِ أوْ عَلى المَفْعُولِ بِإذْ ؟ وقِيلَ: مُبْتَدَأٌ والتَّقْدِيرُ: جَزَيْناهُمُوهُ. انْتَهى. وهَذا ضَعِيفٌ لِضَعْفِ: زِيدٌ ضَرَبْتُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ذَلِكَ الجَزاءُ ﴿جَزَيْناهُمْ﴾، وهو تَحْرِيمُ الطَّيِّباتِ. انْتَهى. وظاهِرُهُ أنَّهُ مُنْتَصِبٌ انْتِصابَ المَصْدَرِ، وزَعَمَ ابْنُ مالِكٍ أنَّ اسْمَ الإشارَةِ لا يَنْتَصِبُ مُشارًا بِهِ إلى المَصْدَرِ إلّا وأُتْبِعَ بِالمَصْدَرِ، فَتَقُولُ: قُمْتُ هَذا القِيامَ وقَعَدْتُ ذَلِكَ العُقُودَ، ولا يَجُوزُ قُمْتُ هَذا ولا قَعَدْتُ ذَلِكَ، فَعَلى هَذا لا يَصِحُّ انْتِصابُ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ إشارَةٌ إلى المَصْدَرِ، والبَغْيُ هُنا الظُّلْمُ. وقالَ الحَسَنُ: الكُفْرُ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: هو قَتْلُهُمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وأخْذُهُمُ الرِّبا وأكْلُهم أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ، ونَظِيرُهُ ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا﴾ [النساء: ١٦٠]، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ هَذا التَّحْرِيمَ كانَ عُقُوبَةً لَهم عَلى ذُنُوبِهِمْ واسْتِعْصائِهِمْ عَلى الأنْبِياءِ. قالَ القاضِي: نَفْسُ التَّحْرِيمِ لا يَكُونُ عُقُوبَةً عَلى جُرْمٍ صَدَرَ مِنهم؛ لِأنَّ التَّكْلِيفَ تَعْرِيضٌ لِلثَّوابِ، والتَّعْرِيضُ لِلثَّوابِ إحْسانٌ. والجَوابُ: أنَّ المَنعَ مِن الِانْتِفاعِ يُمْكِنُ لِمَن يَرى اسْتِحْقاقَ الثَّوابِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لِلْجُرْمِ المُتَقَدِّمِ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ. ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ في الإخْبارِ عَمّا ﴿حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ﴾ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إخْبارٌ يَتَضَمَّنُ التَّعْرِيضَ بِكَذِبِهِمْ في قَوْلِهِمْ: ما حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْنا وإنَّما اقْتَدَيْنا بِإسْرائِيلَ فِيما حَرَّمَ عَلى نَفْسِهِ، ويَتَضَمَّنُ إدْحاضَ قَوْلِهِمْ ورَدَّهُ عَلَيْهِمْ. وقالَ التِّبْرِيزِيُّ: ”وإنّا لَصادِقُونَ“ في إتْمامِ جَزائِهِمْ في الآخِرَةِ الَّذِي سَبَقَ الوَعِيدَ، فَيَكُونُ التَّحْرِيمُ مِنَ الجَزاءِ المُعَجَّلِ لَهم في الدُّنْيا، ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ فِيما أوْعَدْنا بِهِ العُصاةَ لا نُخْلِفُهُ، كَما لا نُخْلِفُ ما وعَدْناهُ أهْلَ الطّاعَةِ، فَلَمّا عَصَوْا وبَغَوْا ألْحَقْنا بِهِمُ الوَعِيدَ وأحْلَلْنا بِهِمُ العِقابَ. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ.

الأنعام 6:146

﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلّا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً أوْ دَمًا مَسْفُوحًا أوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإنَّهُ رِجْسٌ أوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ لَمّا ذَكَرَ (p-٢٤١)أنَّهم حَرَّمُوا ما حَرَّمُوا افْتِراءً عَلى اللَّهِ، أمَرَهُ تَعالى أنْ يُخْبِرَهم بِأنَّ مُدْرِكَ التَّحْرِيمِ، إنَّما هو بِالوَحْيِ مِنَ اللَّهِ - تَعالى - وبِشَرْعِهِ لا بِما تَهْوى الأنْفُسُ وما تَخْتَلِقُهُ عَلى اللَّهِ - تَعالى - وجاءَ التَّرْتِيبُ هُنا كالتَّرْتِيبِ الَّذِي في البَقَرَةِ والمائِدَةِ، وجاءَ هُنا هَذِهِ المُحْرِماتُ مُنَكَّرَةً، والدَّمُ مَوْصُوفٌ بِقَوْلِهِ: ﴿مَسْفُوحًا﴾، والفِسْقُ مَوْصُوفًا بِقَوْلِهِ: ﴿أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾، وفي تِينِكِ السُّورَتَيْنِ مُعَرَّفًا؛ لِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ فَعُلِّقَ بِالتَّنْكِيرِ، وتانِكَ السُّورَتانِ مَدَنِيَّتانِ، فَجاءَتْ تِلْكَ الأسْماءُ مَعارِفَ بِالعَهْدِ حُوالَةً عَلى ما سَبَقَ تَنْزِيلُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: ﴿فِي ما أُوحِيَ﴾ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والحاءِ، جَعَلَهُ فِعْلًا ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، و(مُحَرَّمًا) صِفَةً لِمَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ مَطْعُومًا، ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾، ويَطْعَمُهُ صِفَةٌ لِطاعِمٍ. وقَرَأ الباقِرُ: (يَطَّعِمُهُ) بِتَشْدِيدِ الطّاءِ وكَسْرِ العَيْنِ، والأصْلُ يَطْتَعِمُهُ، أُبْدِلَتْ تاؤُهُ طاءً وأُدْغِمَتْ فِيها فاءُ الكَلِمَةِ. وقَرَأتْ عائِشَةُ وأصْحابُ عَبْدِ اللَّهِ ومُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ: تَطَعَّمَهُ بِفِعْلٍ ماضٍ، و”إلّا أنْ يَكُونَ“ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ لِأنَّهُ كَوْنٌ وما قَبْلَهُ عَيْنٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبُهُ بَدَلًا عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ، ونَصْبًا عَلى الِاسْتِثْناءِ عَلى لُغَةِ الحِجازِ. وقَرَأ الِابْنانِ وحَمْزَةُ: إلّا أنْ تَكُونَ بِالتّاءِ، وابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ: ﴿مَيْتَةً﴾ بِالنَّصْبِ، واسْمُ (يَكُونَ) مُضْمَرٌ يَعُودُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿مُحَرَّمًا﴾، وأُنِّثَ لِتَأْنِيثِ الخَبَرِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: (مَيْتَةً) بِالرَّفْعِ، جَعَلَ كانَ تامَّةً. وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ ونَصْبِ ﴿مَيْتَةً﴾، واسْمُ كانَ ضَمِيرٌ مُذَكَّرٌ يَعُودُ عَلى ﴿مُحَرَّمًا﴾، أيْ: ﴿إلّا أنْ يَكُونَ﴾ المُحَرَّمُ ﴿مَيْتَةً﴾، وعَلى قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ، وهي قِراءَةٌ أبِي جَعْفَرٍ فِيما ذَكَرَ مَكِّيٌّ، يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿أوْ دَمًا﴾ مَعْطُوفًا عَلى مَوْضِعِ ﴿أنْ يَكُونَ﴾، وعَلى قِراءَةِ غَيْرِهِ يَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿مَيْتَةً﴾، ومَعْنى ﴿مَسْفُوحًا﴾ مَصْبُوبًا سائِلًا كالدَّمِ في العُرُوقِ لا كالطُّحالِ والكَبِدِ، وقَدْ رُخِّصَ في دَمِ العُرُوقِ بَعْدَ الذَّبْحِ. وقِيلَ لِأبِي مَجْلَزٍ: القِدْرُ تَعْلُوها الحُمْرَةُ مِنَ الدَّمِ. فَقالَ: إنَّما حَرَّمَ اللَّهُ - تَعالى - المَسْفُوحَ، وقالَتْ نَحْوَهُ عائِشَةُ، وعَلَيْهِ إجْماعُ العُلَماءِ. وقِيلَ: الدَّمُ حَرامٌ لِأنَّهُ إذا زايَلَ فَقَدْ سُفِحَ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (فَإنَّهُ) عائِدٌ عَلى ﴿لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾، وزَعَمَ أبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ أنَّهُ عائِدٌ عَلى خِنْزِيرٍ، فَإنَّهُ أقْرَبُ مَذْكُورٍ، وإذا احْتَمَلَ الضَّمِيرُ العَوْدَ عَلى شَيْئَيْنِ كانَ عُودُهُ عَلى الأقْرَبِ أرْجَحَ، وعُورِضَ بِأنَّ المُحَدَّثَ عَنْهُ إنَّما هو اللَّحْمُ، وجاءَ ذِكْرُ الخِنْزِيرِ عَلى سَبِيلِ الإضافَةِ إلَيْهِ لا أنَّهُ هو المُحَدَّثُ عَنْهُ المَعْطُوفُ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: ذُكِرَ اللَّحْمُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ أعْظَمُ ما يُنْتَفَعُ بِهِ مِنَ الخِنْزِيرِ، وإنْ كانَ سائِرُهُ مُشارِكًا لَهُ في التَّحْرِيمِ بِالتَّنْصِيصِ عَلى العِلَّةِ مِن كَوْنِهِ رِجْسًا، أوْ لِإطْلاقِ الأكْثَرِ عَلى كُلِّهِ، أوِ الأصْلُ عَلى التّابِعِ لِأنَّ الشَّحْمَ وغَيْرَهُ تابِعٌ لِلَّحْمِ. واخْتَلَفُوا في هَذِهِ الآيَةِ، أهْيَ مُحْكَمَةٌ ؟ وهو قَوْلُ الشَّعْبِيِّ وابْنِ جُبَيْرٍ، فَعَلى هَذا لا شَيْءَ مُحَرَّمٌ مِنَ الحَيَوانِ إلّا فِيها، ولَيْسَ هَذا مَذْهَبَ الجُمْهُورِ. وقِيلَ: هي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ المائِدَةِ، ويَنْبَغِي أنَّ يُفْهَمَ هَذا النَّسْخُ بِأنَّهُ نَسْخٌ لِلْحَصْرِ فَقَطْ. وقِيلَ: جَمِيعُ ما حُرِّمَ داخِلٌ في الِاسْتِثْناءِ، سَواءٌ كانَ بِنَصِّ قُرْآنٍ أوْ حَدِيثٍ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ بِالِاشْتِراكِ في العِلَّةِ الَّتِي هي الرِّجْسِيَّةِ. والَّذِي نَقُولُهُ: إنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ وجاءَتْ عَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الأنعام: ١٤٣]، وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يُحَرِّمُونَ ما يُحَرِّمُونَ مِنَ البَحائِرِ والسَّوائِبِ والوَصائِلِ والحَوّامِي، مِن هَذِهِ الثَّمانِيَةِ، فالآيَةُ (p-٢٤٢)مُحْكَمَةٌ، وأخْبَرَ فِيها أنَّهُ لَمْ يَجِدْ فِيما أُوحِيَ إلَيْهِ إذْ ذاكَ مِنَ القُرْآنِ سِوى ما ذَكَرَ، ولِذَلِكَ أتَتْ صِلَةُ (ما) جُمْلَةً مُصَدَّرَةً بِالفِعْلِ الماضِي، فَجَمِيعُ ما حُرِّمَ بِالمَدِينَةِ لَمْ يَكُنْ إذْ ذاكَ سَبَقَ مِنهُ وحْيٌ فِيهِ بِمَكَّةَ، فَلا تَعارُضَ بَيْنَ ما حُرِّمَ بِالمَدِينَةِ وبَيْنَ ما أُخْبِرَ أنَّهُ أُوحِيَ إلَيْهِ بِمَكَّةَ تَحْرِيمُهُ، وذِكْرُ الخِنْزِيرِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن ثَمانِيَةِ الأزْواجِ لِأنَّ مِنَ النّاسِ مَن كانَ يَأْكُلُهُ إذْ ذاكَ، ولِأنَّهُ أشْبَهُ شَيْءٍ بِثَمانِيَةِ الأزْواجِ في كَوْنِهِ لَيْسَ سَبُعًا مُفْتَرِسًا يَأْكُلُ اللُّحُومَ ويَتَغَذّى بِها، وإنَّما هو مَن نَمَطِ الثَّمانِيَةِ في كَوْنِهِ يَعِيشُ بِالنَّباتِ ويَرْعى كَما تَرْعى الثَّمانِيَةُ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ هُنا أشْياءَ مِمّا اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ فِيها، ونُلَخِّصُ مِن ذَلِكَ شَيْئًا، فَنَقُولُ: أمّا الحُمُرُ الأهْلِيَّةُ فَذَهَبَ الشَّعْبِيُّ وابْنُ جُبَيْرٍ إلى أنَّهُ يَجُوزُ أكْلُها، وتَحْرِيمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَها إنَّما كانَ لِعِلَّةٍ، وأمّا لُحُومُ الخَيْلِ فاخْتَلَفَ فِيها السَّلَفُ وأباحَها الشّافِعِيُّ وابْنُ حَنْبَلٍ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ، وعَنْ أبِي حَنِيفَةَ الكَراهَةُ. فَقِيلَ: كَراهَةُ تَنْزِيهٍ. وقِيلَ: كَراهَةُ تَحْرِيمٍ، وهو قَوْلُ مالِكٍ والأوْزاعِيِّ والحَكَمِ بْنِ عُيَيْنَةَ وأبِي عُبَيْدٍ وأبِي بَكْرٍ الأصَمِّ، وقالَ بِهِ مِنَ التّابِعِينَ مُجاهِدٌ، ومِنَ الصَّحابَةِ ابْنُ عَبّاسٍ، ورُوِيَ عَنْهُ خِلافُهُ، وقَدْ صَنَّفَ في حُكْمِ لُحُومِ الخَيْلِ جُزْءًا قاضِي القُضاةِ شَمْسُ الدِّينِ أحْمَدُ بْنُ إبْراهِيمَ بْنِ عَبْدِ الغَنِيِّ السُّرُوجِيُّ الحَنَفِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَرَأْناهُ عَلَيْهِ، وأجْمَعُوا عَلى تَحْرِيمِ البِغالِ، وأمّا الحِمارُ الوَحْشِيُّ إذا تَأنَّسَ، فَذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ والشّافِعِيُّ إلى جَوازِ أكْلِهِ، ورَوى ابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ أنَّهُ إذا دَجَنَ وصارَ يُعْمَلُ عَلَيْهِ كَما يُعْمَلُ عَلى الأهْلِيِّ أنَّهُ لا يُؤْكَلُ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ وزُفَرُ ومُحَمَّدٌ: لا يَحِلُّ أكْلُ ذِي النّابِ مِنَ السِّباعِ وذِي المِخْلَبِ مِنَ الطَّيْرِ. وقالَ مالِكٌ: لا يُؤْكَلُ سِباعُ الوَحْشِ، ولا البَرِّ وحْشِيًّا كانَ أوْ أهْلِيًّا، ولا الثَّعْلَبُ، ولا الضَّبُعُ، ولا بَأْسَ بِأكْلِ سِباعِ الطَّيْرِ الرَّخَمِ والعِقابِ والنُّسُورِ وغَيْرِها ما أكَلَ الجِيفَةِ وما لَمْ يَأْكُلْ. وقالَ الأوْزاعِيُّ: الطَّيْرُ كُلُّهُ حَلالٌ إلّا أنَّهم يَكْرَهُونَ الرَّخَمَ. وقالَ الشّافِعِيُّ: ما عَدا عَلى النّاسِ مِن ذِي النّابِ كالأسَدِ والذِّئْبِ والنَّمِرِ، وعَلى الطُّيُورِ مِن ذِي المِخْلَبِ كالنَّسْرِ والبازِي لا يُؤْكَلُ، ويُؤْكَلُ الثَّعْلَبُ والضَّبُعُ، وكَرِهَ أبُو حَنِيفَةَ الغُرابَ الأبْقَعَ لا الغُرابَ الزَّرْعِيَّ، والخِلافُ في الحِدَأةِ كالخِلافِ في العُقابِ والنَّسْرِ، وكَرِهَ أبُو حَنِيفَةَ الضَّبَّ. وقالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ: لا بَأْسَ بِهِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ لا يُؤْكَلُ الهِرُّ الإنْسِيُّ، وعَنْ مالِكٍ جَوازُ أكْلِهِ إنْسِيًّا كانَ أوْ وحْشِيًّا، وعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ جَوازُ أكْلِ إنْسِيِّهِ. وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى: لا بَأْسَ بِأكْلِ الحَيَّةِ إذا ذُكِّيَتْ. وقالَ اللَّيْثُ: لا بَأْسَ بِأكْلِ القُنْفُذِ وفِراخِ النَّحْلِ ودُودِ الجُبْنِ ودُودِ التَّمْرِ ونَحْوِهِ، وكَذا قالَ ابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ في القُنْفُذِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ والشّافِعِيُّ: لا تُؤْكَلُ الفَأْرَةُ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا يُؤْكَلُ اليَرْبُوعُ. وقالَ الشّافِعِيُّ: يُؤْكَلُ، وعَنْ مالِكٍ في الفَأْرِ التَّحْرِيمُ والكَراهَةُ والإباحَةُ، وذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ والشّافِعِيُّ وأصْحابُهُما إلى كَراهَةِ أكْلِ الجَلّالَةِ. وقالَ مالِكٌ واللَّيْثُ: لا بَأْسَ بِأكْلِها. وقالَ صاحِبُ التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ: وأمّا المُخَدِّراتُ كالبَنْجِ والسَّيْكَرانِ واللُّفّاحِ ووَرَقِ القِنَّبِ المُسَمّى بِالحَشِيشَةِ فَلَمْ يُصَرِّحْ فِيها أهْلُ العِلْمِ بِالتَّحْرِيمِ، وهي عِنْدِي إلى التَّحْرِيمِ أقْرَبُ؛ لِأنَّها إنْ كانَتْ مُسْكِرَةً فَهي مُحَرَّمَةٌ بِقَوْلِهِ ﷺ: «ما أسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرامٌ»، وبِقَوْلِهِ: «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرامٌ»، وإنْ كانَتْ غَيْرَ مُسْكِرَةٍ فَإدْخالُ الضَّرَرِ عَلى الجِسْمِ حَرامٌ. وقَدْ نَقَلَ ابْنُ بَخْتِيَشُوعَ في كِتابِهِ: إنَّ ورَقَ القِنَّبِ يُحْدِثُ في الجِسْمِ سَبْعِينَ داءً، وذَكَرَ مِنها أنَّهُ يُصَفِّرُ الجِلْدَ ويُسَوِّدُ الأسْنانَ ويَجْعَلُ فِيها الحُفَرَ ويَثْقُبُ الكَبِدَ ويُحَمِّيها ويُفْسِدُ العَقْلَ ويُضْعِفُ البَصَرَ ويُحْدِثُ الغَمَّ ويُذْهِبُ الشَّجاعَةَ، والبَنْجُ والسَّيْكَرانُ كالوَرَقِ في الضَّرَرِ، وأمّا المُرْقِداتُ كالزَّعْفَرانِ والمازِرْيُونَ فالقَدْرُ المُضِرُّ مِنها حَرامٌ، وقالَ جُمْهُورُ الأطِبّاءِ: إذا اسْتُعْمِلَ مِنَ الزَّعْفَرانِ كَثِيرٌ قَتْلٍ فَرَحًا، انْتَهى وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. وقالَ (p-٢٤٣)أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ دِلالَةٌ عَلى أنَّ المُحَرَّمَ مِنَ المَيْتَةِ ما يَتَأتّى فِيهِ الأكْلُ مِنها، وإنْ لَمْ يَتَناوَلِ الجِلْدَ المَدْبُوغَ ولا القَرْنَ ولا العَظْمَ ولا الظِّلْفَ ولا الرِّيشَ ونَحْوَها، وفي قَوْلِهِ: ﴿أوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ دِلالَةٌ عَلى أنَّ دَمَ البَقِّ والبَراغِيثِ والذُّبابِ لَيْسَ بِنَجِسٍ. انْتَهى. ﴿أوْ فِسْقًا﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى المَنصُوبِ قَبْلَهُ، سُمِّيَ ما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فِسْقًا لِتَوَغُّلِهِ في بابِ الفِسْقِ، ومِنهُ ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]، وأُهِلَّ صِفَةٌ لَهُ مَنصُوبَةُ المَحَلِّ، وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَنْتَصِبَ فِسْقًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ مُقَدَّمٌ عَلى العامِلِ فِيهِ وهو أُهِلَّ؛ لِقَوْلِهِ: ؎طَرِبْتُ وما شَوْقًا إلى البِيضِ أطْرَبُ وفَصَلَ بِهِ بَيْنَ أوْ وأُهِلَّ بِالمَفْعُولِ لَهُ، ويَكُونُ أوْ أُهِلَّ مَعْطُوفًا عَلى (يَكُونَ)، والضَّمِيرُ في (بِهِ) يَعُودُ عَلى ما عادَ عَلَيْهِ في (يَكُونَ)، وهَذا إعْرابٌ مُتَكَلَّفٌ جِدًّا، وتَرْكِيبٌ عَلى هَذا الإعْرابِ خارِجٌ عَنِ الفَصاحَةِ، وغَيْرُ جائِزٍ في قِراءَةِ مَن قَرَأ: (إلّا أنْ يَكُونَ مَيْتَةٌ) بِالرَّفْعِ، فَيَبْقى الضَّمِيرُ في (بِهِ) لَيْسَ لَهُ ما يَعُودُ عَلَيْهِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَتَكَلَّفَ مَحْذُوفًا حَتّى يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: أوْ شَيْءٌ ﴿أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا لا يَجُوزُ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ. ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَإنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلَ هَذا، ولَمّا كانَ صَدْرُ الآيَةِ مُفْتَتَحًا بِخِطابِهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أجِدُ﴾ اخْتَتَمَ الآيَةَ بِالخِطابِ فَقالَ: ”فَإنَّ رَبَّكَ“، ودَلَّ عَلى اعْتِنائِهِ بِهِ تَعالى بِتَشْرِيفِ خِطابِهِ افْتِتاحًا واخْتِتامًا. ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ مُناسِبَةُ هَذِهِ لِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ أنَّ التَّحْرِيمَ إنَّما يَسْتَنِدُ لِلْوَحْيِ الإلَهِيِّ، أخْبَرَ أنَّهُ حَرَّمَ عَلى بَعْضِ الأُمَمِ السّابِقَةِ أشْياءَ، كَما حَرَّمَ عَلى أهْلِ هَذِهِ المِلَّةِ أشْياءَ مِمّا ذَكَرَها في الآيَةِ قَبْلُ، فالتَّحْرِيمُ إنَّما هو راجِعٌ إلى اللَّهِ - تَعالى - في الأُمَمِ جَمِيعِها، وفي قَوْلِهِ ﴿حَرَّمْنا﴾ تَكْذِيبُ اليَهُودِ في قَوْلِهِمْ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَحَرِّمْ عَلَيْنا شَيْئًا، وإنَّما حَرَّمْنا عَلى أنْفُسِنا ما حَرَّمَهُ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وابْنُ جُبَيْرٍ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ: هي ذَواتُ الظِّلْفِ كالإبِلِ والنَّعامِ وما لَيْسَ بِذِي أصابِعَ مُنْفَرِجَةٍ كالبَطِّ والإوَزِّ ونَحْوِهِما، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هي الإبِلُ خاصَّةً، وضُعِّفَ هَذا التَّخْصِيصُ. وقالَ الضَّحّاكُ: هي النَّعامَةُ وحِمارُ الوَحْشِ، وهو ضَعِيفٌ لِتَخْصِيصِهِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: كُلُّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ وذِي حافِرٍ مِنَ الدَّوابِّ وذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ. وقالَ القُتَبِيُّ: الظُّفُرُ هُنا بِمَنزِلَةِ الحافِرِ، يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ ذِي حافِرٍ مِنَ الدَّوابِّ، سُمِّيَ الحافِرُ ظُفْرًا اسْتِعارَةً. وقالَ ثَعْلَبٌ: كُلُّ ما لا يَصِيدُ فَهو ذُو ظُفْرٍ، وما يَصِيدُ فَهو ذُو مِخْلَبٍ. قالَ النَّقّاشُ: هَذا غَيْرُ مُطَّرِدٍ لِأنَّ الأسَدَ ذُو ظُفْرٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ما لَهُ أُصْبُعٌ مِن دابَّةٍ أوْ طائِرٍ، وكانَ بَعْضُ ذَواتِ الظُّفْرِ حَلالًا لَهم، فَلَمّا ظَلَمُوا حُرِّمَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَعَمَّ التَّحْرِيمُ كُلَّ ذِي ظُفُرٍ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠] . وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: حَمْلُ الظُّفْرِ عَلى الحافِرِ ضَعِيفٌ لِأنَّ الحافِرَ لا يَكادُ يُسَمّى ظُفْرًا، ولِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَقِيلَ: حَرَّمَ عَلَيْهِمْ كُلَّ حَيَوانٍ لَهُ حافِرٌ، وذَلِكَ باطِلٌ لِدَلالَةِ الآيَةِ عَلى إباحَةِ البَقَرِ والغَنَمِ مَعَ أنَّها لَها حافِرٌ، فَوَجَبَ حَمْلُ الظُّفْرِ عَلى المَخالِبِ والبَراثِنِ؛ لِأنَّ المَخالِبَ آلاتٌ لِجَوارِحِ الصَّيْدِ في الِاصْطِيادِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ أنْواعُ السِّباعِ والكِلابِ والسَّنانِيرِ والطُّيُورِ الَّتِي تَصْطادُ، ويَكُونُ هَذا مُخْتَصًّا بِاليَهُودِ لِدَلالَةِ ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا﴾ عَلى الحَصْرِ، فَيَخْتَصُّ التَّحْرِيمُ بِاليَهُودِ، ولا تَكُونُ مُحَرَّمَةً عَلى المُسْلِمِينَ، وما رُوِيَ مِن تَحْرِيمِ ذِي النّابِ مِنَ السِّباعِ وذِي المِخْلَبِ مِنَ الطَّيْرِ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ خَبَرُ واحِدٍ عَلى خِلافِ كِتابِ اللَّهِ فَلا يُقْبَلُ، ويُقَوِّي مَذْهَبَ مالِكٍ، انْتَهى مُلَخَّصًا وفِيهِ مُنَوَّعٌ، أحَدُها: لا (p-٢٤٤)نُسَلِّمُ تَخْصِيصَ ذِي الظُّفُرِ بِما قالَهُ. الثّانِي: لا نُسَلِّمُ الحَصْرَ الَّذِي ادَّعاهُ. الثّالِثُ: لا نُسَلِّمُ الِاخْتِصاصَ. الرّابِعُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ خَبَرَ الواحِدِ في تَحْرِيمِ ذِي النّابِ وذِي المِخْلَبِ عَلى خِلافِ كِتابِ اللَّهِ، وكُلُّ مَن فَسَّرَ الظُّفْرَ بِما فَسَّرَهُ مِن ذَوِي الأقْوالِ السّابِقَةِ بِذاهِبٍ إلى تَحْرِيمِ لَحْمِ ما فَسَّرَهُ وشَحْمِهُ وكُلِّ شَيْءٍ مِنهُ. وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ ذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، ولَيْسَ المُحَرَّمُ ذا الظُّفْرِ، وإنَّما المُرادُ ما صادَهُ ذُو الظُّفْرِ، أيْ: ذُو المِخْلَبِ الَّذِي لَمْ يُعَلَّمْ، وهَذا خِلافُ الظّاهِرِ. وقَرَأ أُبَيٌّ والحَسَنُ والأعْرَجُ: (ظَفْرٌ) بِسُكُونِ الفاءِ، والحَسَنُ أيْضًا وأبُو السَّمّالِ قُعْنُبٌ بِسُكُونِها وكَسْرِ الظّاءِ. ﴿ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما﴾ أيْ: شُحُومَ الجِنْسَيْنِ، ويَتَعَلَّقْ ”مِن“ بِحَرَّمْنا المُتَأخِّرَةِ، ولا يَجِبُ تَقَدُّمُها عَلى العامِلِ، فَلَوْ كانَ التَّرْكِيبُ: وحَرَّمْنا عَلَيْهِمْ مِنَ البَقَرِ والغَنَمِ شُحُومَهُما، لَكانَ تَرْكِيبًا غَرِيبًا، كَما تَقُولُ: مِن زَيْدٍ أخَذْتُ مالَهُ، ويَجُوزُ أخَذْتُ مِن زَيْدٍ مالَهُ، والإضافَةُ تَدُلُّ عَلى تَأْكِيدِ التَّخْصِيصِ والرَّبْطِ، إذْ لَوْ أتى في الكَلامِ: مِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمُ الشُّحُومَ، لَكانَ كافِيًا في الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لا يُرادُ إلّا شُحُومُ البَقَرِ والغَنَمِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ﴾ مَعْطُوفًا عَلى ﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾، فَيَتَعَلَّقُ مِن بِحَرَّمْنا الأُولى، ثُمَّ جاءَتِ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ مُفَسِّرَةً ما أبْهَمَ في ”مِن“ التَّبْعِيضِيَّةِ مِنَ المُحَرَّمِ فَقالَ: ﴿حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما﴾ . وقالَ أبُو البَقاءِ: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (مِنَ البَقَرِ) مُتَعَلِّقًا بِحَرَّمْنا الثّانِيَةِ، بَلْ ذَلِكَ مَعْطُوفٌ عَلى كُلِّ، (وحَرَّمْنا عَلَيْهِمْ) تَبْيِينٌ لِلْمُحَرَّمِ مِنَ البَقَرِ والغَنَمِ، وكَأنَّهُ يُوهِمُ أنَّ عَوْدَ الضَّمِيرِ مانِعٌ مِنَ التَّعَلُّقِ، إذْ رُتْبَةُ المَجْرُورِ بِمِنِ التَّأْخِيرُ، لَكِنْ عَنْ ماذا ؟ أمّا عَنِ الفِعْلِ فَمُسَلَّمٌ، وأمّا عَنِ المَفْعُولِ فَغَيْرُ مُسَلِّمٍ، وإنْ سَلَّمْنا أنَّ رُتْبَتَهُ التَّأْخِيرُ عَنِ الفِعْلِ والمَفْعُولِ لَيْسَ بِمَمْنُوعٍ، بَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ كَما جازَ: ضَرَبَ غُلامَ المَرْأةِ أبُوها، وغُلامَ المَرْأةِ ضَرَبَ أبُوها، وإنْ كانَتْ رُتْبَةُ المَفْعُولِ التَّأْخِيرَ، لَكِنَّهُ وجَبَ هُنا تَقْدِيمُهُ لِعَوْدِ الضَّمِيرِ الَّذِي في الفاعِلِ الَّذِي رُتْبَتُهُ التَّقْدِيمُ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ بِالمَفْعُولِ الَّذِي هو والمَجْرُورُ في رُتْبَةٍ واحِدَةٍ ؟ أعْنِي في كَوْنِهِما فَضْلَةً، فَلا يُبالى فِيهِما بِتَقْدِيمِ أيِّهِما شِئْتَ عَلى الآخَرِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎وقَدْ رَكَدَتْ وسْطَ السَّماءِ نُجُومُها فَقَدَّمَ الظَّرْفَ وُجُوبًا لِعَوْدِ الضَّمِيرِ الَّذِي اتَّصَلَ بِالفاعِلِ عَلى المَجْرُورِ بِالظَّرْفِ. واخْتُلِفَ في تَحْرِيمِ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ مِن ذَبائِحِ اليَهُودِ، فَعَنْ مالِكٍ: مَنعُ أكْلِ الشَّحْمِ مِن ذَبائِحِهِمْ، ورُوِيَ عَنْهُ الكَراهَةُ، وأباحَ ذَلِكَ بَعْضُ النّاسِ مِن ذَبائِحِهِمْ، ومِن ذَبْحِهِمْ ما هو عَلَيْهِمْ حَرامٌ إذا أمَرَهم بِذَلِكَ مُسْلِمٌ. وقالَ ابْنُ حَبِيبٍ: ما كانَ مَعْلُومًا تَحْرِيمُهُ عَلَيْهِمْ مِن كِتابِنا فَلا يَحِلُّ لَنا مِن ذَبائِحِهِمْ، وما لَمْ نَعْلَمْهُ إلّا مِن أقْوالِهِمْ فَهو غَيْرُ مُحَرَّمٍ عَلَيْنا مِن ذَبائِحِهِمْ. انْتَهى. فَظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] أنَّ الشَّحْمَ الَّذِي هو مِن ذَبائِحِهِمْ لا يَحِلُّ لَنا أنَّهُ لَيْسَ مِن طَعامِهِمْ، فَلا يَدْخُلُ تَحْتَ عُمُومِ ﴿وطَعامُ الَّذِينَ﴾ [المائدة: ٥]، وحَمْلُ قَوْلِهِ: ﴿وطَعامُ الَّذِينَ﴾ [المائدة: ٥] عَلى الذَّبائِحِ فِيهِ بُعْدٌ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ. ﴿إلّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما﴾ أيْ: إلّا الشَّحْمَ الَّذِي حَمَلَتْهُ ظُهُورُهُما البَقَرُ والغَنَمُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو مِمّا عَلَقَ بِالظَّهْرِ مِنَ الشَّحْمِ، وبِالجَنْبِ مِن داخِلِ بُطُونِهِما. وقِيلَ: سَمِينُ الظَّهْرِ وهي الشَّرائِحُ الَّتِي عَلى الظَّهْرِ مِنَ الشَّحْمِ، فَإنَّ ذَلِكَ لَمْ يُحَرَّمْ عَلَيْهِمْ. وقالَ السُّدِّيُّ وأبُو صالِحٍ: الإلْياتُ مِمّا حَمَلَتْ ظُهُورُهُما. ﴿أوِ الحَوايا﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى (ظُهُورُهُما)، قالَهُ الكِسائِيُّ، وهو الظّاهِرُ، أيْ: والشَّحْمُ الَّذِي حَمَلَتْهُ (الحَوايا) . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ: هي المَباعِرُ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: هو كُلُّ ما تَحْوِيهِ البَطْنُ فاجْتَمَعَ واسْتَدارَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ أيْضًا: هي بَناتُ اللَّبَنِ. وقِيلَ: الأمْعاءُ والمَصارِينُ الَّتِي عَلَيْها الشَّحْمُ. ﴿أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما﴾، بِعَظْمٍ هو (p-٢٤٥)شَحْمُ الإلْيَةِ لِأنَّهُ عَلى العُصْعُصِ، قالَهُ السُّدِّيُّ وابْنُ جُرَيْجٍ، أوْ شَحْمُ الجَنْبِ، أوْ كُلُّ شَحْمٍ في القَوائِمِ والجَنْبِ والرَّأْسِ والعَيْنَيْنِ والأُذُنَيْنِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ أيْضًا، أوْ مُخُّ العَظْمِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الثَّلاثَةَ مُسْتَثْناةٌ مِنَ الشَّحْمِ فَهي حَلالٌ لَهم. قِيلَ: بِالمُحَرَّمِ أذَبَّ شَحْمُ الثَّرْبِ والكُلى. وقِيلَ: ”أوِ الحَوايا أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ“ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿شُحُومَهُما﴾ فَتَكُونُ داخِلَةً في المُحَرَّمِ أيْ: حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما ﴿أوِ الحَوايا أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ إلّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما، وتَكُونُ أوْ كَهي في قَوْلِهِ ﴿ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]، يُرادُ بِها نَفْيُ ما يَدْخُلُ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الِانْفِرادِ، كَما تَقُولُ: هَؤُلاءِ أهْلٌ أنْ يُعْصَوْا فاعْصِ هَذا أوْ هَذا، فالمَعْنى حَرَّمَ عَلَيْهِمْ هَذا وهَذا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأوْ بِمَنزِلَتِها في قَوْلِهِمْ: جالِسِ الحَسَنَ أوِ ابْنَ سِيرِينَ. انْتَهى. وقالَ النَّحْوِيُّونَ: أوْ في هَذا المِثالِ لِلْإباحَةِ فَيَجُوزُ لَهُ أنْ يُجالِسَهُما مَعًا وأنْ يُجالِسَ أحَدَهُما، والأحْسَنُ في الآيَةِ إذا قُلْنا: إنَّ ذَلِكَ مَعْطُوفٌ عَلى ”شُحُومَهُما“ أنْ تَكُونَ أوْ فِيهِ لِلتَّفْصِيلِ، فَصَلَ بِها ما حَرَّمَ عَلَيْهِمْ مِنَ البَقَرِ والغَنَمِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقالَ بَعْضُ النّاسِ ﴿أوِ الحَوايا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الشُّحُومِ. قالَ: وعَلى هَذا يَدْخُلُ الحَوايا في التَّحْرِيمِ، وهَذا قَوْلٌ لا يُعَضِّدُهُ اللَّفْظُ ولا المَعْنى بَلْ يَدْفَعانِهِ. انْتَهى. ولَمْ يُبَيِّنْ دَفْعَ اللَّفْظِ والمَعْنى لِهَذا القَوْلِ. ﴿ذَلِكَ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (ذَلِكَ) في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وقالَ الحَوْفِيُّ: (ذَلِكَ) في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَإٍ تَقْدِيرُهُ: الأمْرُ ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نُصِبَ بِـ ﴿جَزَيْناهُمْ﴾؛ لِأنَّهُ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، والتَّقْدِيرُ: جَزَيْناهم ذَلِكَ. وقالَ أبُو البَقاءِ: (ذَلِكَ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ ﴿جَزَيْناهُمْ﴾ ولَمْ يُبَيِّنْ عَلى أيِّ شَيْءٍ انْتَصَبَ، هَلْ عَلى المَصْدَرِ أوْ عَلى المَفْعُولِ بِإذْ ؟ وقِيلَ: مُبْتَدَأٌ والتَّقْدِيرُ: جَزَيْناهُمُوهُ. انْتَهى. وهَذا ضَعِيفٌ لِضَعْفِ: زِيدٌ ضَرَبْتُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ذَلِكَ الجَزاءُ ﴿جَزَيْناهُمْ﴾، وهو تَحْرِيمُ الطَّيِّباتِ. انْتَهى. وظاهِرُهُ أنَّهُ مُنْتَصِبٌ انْتِصابَ المَصْدَرِ، وزَعَمَ ابْنُ مالِكٍ أنَّ اسْمَ الإشارَةِ لا يَنْتَصِبُ مُشارًا بِهِ إلى المَصْدَرِ إلّا وأُتْبِعَ بِالمَصْدَرِ، فَتَقُولُ: قُمْتُ هَذا القِيامَ وقَعَدْتُ ذَلِكَ العُقُودَ، ولا يَجُوزُ قُمْتُ هَذا ولا قَعَدْتُ ذَلِكَ، فَعَلى هَذا لا يَصِحُّ انْتِصابُ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ إشارَةٌ إلى المَصْدَرِ، والبَغْيُ هُنا الظُّلْمُ. وقالَ الحَسَنُ: الكُفْرُ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: هو قَتْلُهُمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وأخْذُهُمُ الرِّبا وأكْلُهم أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ، ونَظِيرُهُ ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا﴾ [النساء: ١٦٠]، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ هَذا التَّحْرِيمَ كانَ عُقُوبَةً لَهم عَلى ذُنُوبِهِمْ واسْتِعْصائِهِمْ عَلى الأنْبِياءِ. قالَ القاضِي: نَفْسُ التَّحْرِيمِ لا يَكُونُ عُقُوبَةً عَلى جُرْمٍ صَدَرَ مِنهم؛ لِأنَّ التَّكْلِيفَ تَعْرِيضٌ لِلثَّوابِ، والتَّعْرِيضُ لِلثَّوابِ إحْسانٌ. والجَوابُ: أنَّ المَنعَ مِن الِانْتِفاعِ يُمْكِنُ لِمَن يَرى اسْتِحْقاقَ الثَّوابِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لِلْجُرْمِ المُتَقَدِّمِ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ. ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ في الإخْبارِ عَمّا ﴿حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ﴾ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إخْبارٌ يَتَضَمَّنُ التَّعْرِيضَ بِكَذِبِهِمْ في قَوْلِهِمْ: ما حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْنا وإنَّما اقْتَدَيْنا بِإسْرائِيلَ فِيما حَرَّمَ عَلى نَفْسِهِ، ويَتَضَمَّنُ إدْحاضَ قَوْلِهِمْ ورَدَّهُ عَلَيْهِمْ. وقالَ التِّبْرِيزِيُّ: ”وإنّا لَصادِقُونَ“ في إتْمامِ جَزائِهِمْ في الآخِرَةِ الَّذِي سَبَقَ الوَعِيدَ، فَيَكُونُ التَّحْرِيمُ مِنَ الجَزاءِ المُعَجَّلِ لَهم في الدُّنْيا، ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ فِيما أوْعَدْنا بِهِ العُصاةَ لا نُخْلِفُهُ، كَما لا نُخْلِفُ ما وعَدْناهُ أهْلَ الطّاعَةِ، فَلَمّا عَصَوْا وبَغَوْا ألْحَقْنا بِهِمُ الوَعِيدَ وأحْلَلْنا بِهِمُ العِقابَ. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ.

الأنعام 6:147

﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكم ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ ولا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾ الظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ وهُمُ اليَهُودُ، وقالَهُ مُجاهِدٌ (p-٢٤٦)والسُّدِّيُّ، أيْ: ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ﴾ فِيما أخْبَرْتَ بِهِ أنَّهُ تَعالى حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ، وقالُوا: لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ وإنَّما حَرَّمَهُ إسْرائِيلُ قَبْلُ، مُتَعَجِّبًا مِن قَوْلِهِمْ ومُعَظِّمًا لِافْتِرائِهِمْ مَعَ عِلْمِهِمْ بِما قُلْتَ، ﴿فَقُلْ رَبُّكم ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ﴾ حَيْثُ لَمْ يُعاجِلْكم بِالعُقُوبَةِ مَعَ شِدَّةِ هَذا الجُرْمِ، كَما تَقُولُ عِنْدَ رُؤْيَةِ مَعْصِيَةٍ عَظِيمَةٍ: ما أحْلَمَ اللَّهَ ! وأنْتَ تُرِيدُ لِإمْهالِهِ العاصِيَ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ كانَ الكَلامُ مَعَهم في قَوْلِهِ: ﴿نَبَّئُونِي﴾ [الأنعام: ١٤٣] وقَوْلِهِ: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ﴾ [الأنعام: ١٤٤]، أيْ: ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ﴾ في النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ وتَبْلِيغِ أحْكامِ اللَّهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ﴾ في ذَلِكَ وزَعَمُوا أنَّ اللَّهَ واسِعُ المَغْفِرَةِ وأنَّهُ لا يُؤاخِذُنا بِالبَغْيِ ويُخْلِفُ الوَعِيدَ جُودًا وكَرَمًا، فَقُلْ لَهم ﴿رَبَّكم ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ﴾ لِأهْلِ طاعَتِهِ، ﴿ولا يُرَدُّ بَأْسُهُ﴾ مَعَ سِعَةِ رَحْمَتِهِ ﴿عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾، فَلا تَغْتَرَّ بِرَجاءِ رَحْمَتِهِ عَنْ خَوْفِ نِقْمَتِهِ. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. و﴿القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾ عامٌّ يَنْدَرِجُ فِيهِ مُكَذِّبُو الرُّسُلِ وغَيْرُهم مِنَ المُجْرِمِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن وُقُوعِ الظّاهِرِ مَوْقِعَ المُضْمَرِ، أيْ: ﴿ولا يُرَدُّ بَأْسُهُ﴾ عَنْكم، وجاءَ مَعْمُولُ (قُلْ) الأوَّلُ جُمْلَةً اسْمِيَّةً لِأنَّها أبْلَغُ في الإخْبارِ مِنَ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ، فَناسَبَتِ الأبْلَغِيَّةَ في اللَّهِ - تَعالى - بِالرَّحْمَةِ الواسِعَةِ، وجاءَتِ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ فِعْلِيَّةً ولَمْ تَأْتِ اسْمِيَّةً فَيَكُونُ التَّرْكِيبُ: وذُو بَأْسٍ، لِئَلّا يَتَعادَلَ الإخْبارُ عَنِ الوَصْفَيْنِ، وبابُ الرَّحْمَةِ واسِعٌ فَلا تَعادُلَ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ﴾ فِيما تَدْعُوهم إلَيْهِ مِنَ التَّصْدِيقِ والتَّوْحِيدِ، ﴿فَقُلْ رَبُّكم ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ﴾ إذا رَجَعْتُمْ عَنِ التَّكْذِيبِ. انْتَهى. وقِيلَ: ﴿ذُو رَحْمَةٍ﴾ لا يُهْلِكُ أحَدًا وقْتَ المَعْصِيَةِ ولَكِنْ يُؤَخِّرُ ﴿ولا يُرَدُّ بَأْسُهُ﴾ إذا نَزَلَ. ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن شَيْءٍ﴾ هَذا إخْبارٌ بِمُسْتَقْبَلٍ، وقَدْ وقَعَ، وفِيهِ إخْبارٌ بِمَغِيبٍ مُعْجِزَةٍ لِلرَّسُولِ، فَكانَ كَما أخْبَرَ بِهِ تَعالى، وهَذا القَوْلُ مِنهم ورَدَ حِينَ بَطَلَ احْتِجاجُهم وثَبَتَ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ، فَعَدَلُوا إلى أمْرٍ حَقٍّ وهو أنَّهُ لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ لا يَقَعَ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ، وأوْرَدُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الحَوالَةِ عَلى المَشِيئَةِ والمَقادِيرِ مُغالَطَةً وحِيدَةً عَنِ الحَقِّ وإلْحادًا لا اعْتِقادًا صَحِيحًا، وقالُوا ذَلِكَ اعْتِقادًا صَحِيحًا حِينَ قارَفُوا تِلْكَ الأشْياءَ اسْتِمْساكًا بِأنَّ ما شاءَ اللَّهُ هو الكائِنُ، كَما يَقُولُ الواقِعُ في مَعْصِيَةٍ - إذا بُيِّنَ لَهُ وجْهُها -: هَذا قَدَرُ اللَّهِ لا مَهْرَبَ ولا مَفَرَّ مِن قَدَرِ اللَّهِ، أوْ قالُوا ذَلِكَ وهو حَقٌّ عَلى سَبِيلِ الِاحْتِجاجِ عَلى تِلْكَ الأشْياءِ، أيْ: لَوْ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ ما نَحْنُ عَلَيْهِ لَمْ يَقَعْ ولِحالَ بَيْنَنا وبَيْنَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنُونَ بِكُفْرِهِمْ وتَمَرُّدِهِمْ أنَّ شِرْكَهم وشِرْكَ آبائِهِمْ وتَحْرِيمَهم ما أحَلَّ اللَّهُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وإرادَتِهِ، ولَوْلا مَشِيئَتُهُ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، كَمَذْهَبِ المُجْبَرَةِ بِعَيْنِهِ. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المَشِيئَةُ بِمَعْنى الرِّضا أوْ بِمَعْنى الأمْرِ والدُّعاءِ؛ لِأنَّهم قالُوا: إنَّ اللَّهَ أمَرَنا بِذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ قالُوهُ اسْتِهْزاءً وسُخْرِيَةً. انْتَهى. ولا تَعَلُّقَ لِلْمُعْتَزِلَةِ بِذَلِكَ مَعَ هَذِهِ الِاحْتِمالاتِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وتَعَلَّقَتِ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالُوا: إنَّ اللَّهَ قَدْ ذَمَّ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ، وإنَّما ذَمَّها لِأنَّ كُفْرَهم لَيْسَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ بَلْ هو خَلَقَ لَهم، قالَ: ولَيْسَ الأمْرُ عَلى ما قالُوا، وإنَّما ذَمَّ اللَّهُ ظَنَّ المُشْرِكِينَ أنَّ ما شاءَ اللَّهُ لا يَقَعُ عَلَيْهِ عِقابٌ، وأمّا أنَّهُ ذَمَّ قَوْلَهم: لَوْلا المَشِيئَةُ لَمْ نَكْفُرْ، فَلا. انْتَهى. و﴿الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ أوْ مُشْرِكُو العَرَبِ، قَوْلانِ، ﴿ولا آباؤُنا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ، وأغْنى الفَصْلُ بِلا بَيْنِ حَرْفِ العَطْفِ والمَعْطُوفِ عَلى الفَصْلِ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ بِضَمِيرٍ مُنْفَصِلٍ يَلِي الضَّمِيرَ المُتَّصِلَ أوْ بِغَيْرِهِ. وعَلى هَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ، لا يُجِيزُونَ ذَلِكَ بِغَيْرِ فَصْلٍ إلّا في الشِّعْرِ، ومَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ جَوازُ ذَلِكَ وهو عِنْدَهم فَصِيحٌ في الكَلامِ. وجاءَ في سُورَةِ النَّحْلِ ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ [النحل: ٣٥] فَقالَ: مِن دُونِهِ مَرَّتَيْنِ، وقالَ نَحْنُ فَأكَّدَ الضَّمِيرَ؛ لِأنَّ لَفْظَ العِبادَةِ يَصِحُّ أنْ يُنْسَبَ إلى إفْرادِ اللَّهِ بِها، وهَذا لَيْسَ بِمُسْتَنْكَرٍ، بَلِ المُسْتَنْكَرُ عِبادَةُ شَيْءٍ غَيْرِ اللَّهِ أوْ شَيْءٍ مَعَ اللَّهِ، فَناسَبَ هُنا ذِكْرُ مِن دُونِهِ مَعَ (p-٢٤٧)العِبادَةِ، وأمّا لَفْظُ ﴿ما أشْرَكْنا﴾ فالإشْراكُ يَدُلُّ عَلى إثْباتِ شَرِيكٍ، فَلا يَتَرَكَّبُ مَعَ هَذا الفِعْلِ لَفْظُ (مِن دُونِهِ)، لَوْ كانَ التَّرْكِيبُ في غَيْرِ القُرْآنِ ﴿ما أشْرَكْنا﴾ مَن دُونِهِ، لَمْ يَصِحَّ مَعْناهُ، وأمّا (مِن دُونِهِ) الثّانِيَةُ فالإشْراكُ يَدُلُّ عَلى تَحْرِيمِ أشْياءَ وتَحْلِيلِ أشْياءَ، فَلَمْ يَحْتَجْ إلى لَفْظِ (مِن دُونِهِ)، وأمّا لَفْظُ العِبادَةِ فَلا يَدُلُّ عَلى تَحْرِيمِ شَيْءٍ كَما دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظُ ”أشْرَكَ“ فَقُيِّدَ بِقَوْلِهِ: مِن دُونِهِ، ولَمّا حُذِفَ مِن دُونِهِ هُنا ناسِبَ أنْ يُحْذَفَ نَحْنُ لِيَطَّرِدَ التَّرْكِيبُ في التَّخْفِيفِ. ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ المُشارِ إلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ﴾ فَقَدْ كَذَّبَتِ الأُمَمُ السّالِفَةُ، فَمُتَعَلَّقُ التَّكْذِيبِ هو غَيْرُ قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا﴾ الآيَةَ، أيْ: بِنَحْوِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ مِن ظَنِّهِمْ أنَّ تَرْكَ اللَّهِ لَهم دَلِيلٌ عَلى رِضاهُ بِحالِهِمْ، وحَتّى ذاقُوا بَأْسَنا غايَةٌ لِامْتِدادِ التَّكْذِيبِ إلى وقْتِ العَذابِ؛ لِأنَّهُ إذا حَلَّ العَذابُ لَمْ يَبْقَ تَكْذِيبٌ، وجَعَلَتِ المُعْتَزِلَةُ التَّكْذِيبَ راجِعًا إلى قَوْلِهِ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٣٧] الجُمْلَةُ الَّتِي هي مَحْكِيَّةٌ بِالقَوْلِ، وقالُوا: كَذَّبَهُمُ اللَّهُ في قَوْلِهِمْ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ بَعْضِ الشَّواذِّ: كَذَبَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ جاءُوا بِالتَّكْذِيبِ المُطْلَقِ لِأنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - رَكَّبَ في العُقُولِ وأنْزَلَ في الكُتُبِ ما دَلَّ عَلى غِناهُ وبَراءَتِهِ مِن مَشِيئَةِ القَبائِحِ وإرادَتِها، والرُّسُلُ أخْبَرَتْ بِذَلِكَ، فَمَن عَلَّقَ وُجُوهَ القَبائِحِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وإرادَتِهِ، فَقَدْ كَذَبَ التَّكْذِيبَ كُلَّهُ وهو تَكْذِيبُ اللَّهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ، ونَبَذَ أدِلَّةَ العَقْلِ والسَّمْعِ وراءَ ظَهْرِهِ. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنْ أنْتُمْ إلّا تَخْرُصُونَ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى مَعْنى التَّهَكُّمِ بِهِمْ وهو إنْكارٌ، أيْ: لَيْسَ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ تَحْتَجُّونَ بِهِ فَتُظْهِرُونَهُ لَنا، ما تَتَّبِعُونَ في دَعاواكم إلّا الظَّنَّ الكاذِبَ الفاسِدَ، وما أنْتُمْ إلّا تَكْذِبُونَ أوْ تُقَدِّرُونَ وتَحْزِرُونَ. وقَرَأ النَّخَعِيُّ وابْنُ وثّابٍ: إنْ يَتَّبِعُونَ بِالياءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ قِراءَةٌ شاذَّةٌ يُضَعِّفُها قَوْلُهُ (إنْ أنْتُمْ)؛ لِأنَّهُ يَكُونُ مِن بابِ الِالتِفاتِ. ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ بَيْنَ (قُلْ) والفاءِ مَحْذُوفٌ قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ كانَ الأمْرُ كَما زَعَمْتُمْ أنَّ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ عَلَيْكم وعَلى رَدِّ مَذْهَبِكم، ﴿فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ مِنكم ومِن مُخالِفِيكم، فَإنَّ تَعْلِيقَكم دِينَكم بِمَشِيئَةِ اللَّهِ يَقْتَضِي أنْ تُعَلِّقُوا دِينَ مَن يُخالِفُكم أيْضًا بِمَشِيئَتِهِ، فَتُوالُوهم ولا تُعادُوهم وتُوَقِّرُوهم ولا تُخالِفُوهم؛ لِأنَّ المَشِيئَةَ تَجْمَعُ بَيْنَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ وبَيْنَ ما هم عَلَيْهِ. انْتَهى. وهَذا تَفْسِيرٌ لِلْآيَةِ عَلى ما تَقَرَّرَ قَبْلُ في الآياتِ السّابِقَةِ مِن مَذْهَبِ الِاعْتِزالِ، والَّذِي قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن شَرْطِ مَحْذُوفٍ و﴿فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ﴾ في جَوابِهِ بِعِيدٌ، والأوْلى تَقْدِيرُهُ: أنْتُمْ لا حُجَّةَ لَكم، أيْ: عَلى إشْراكِكم ولا عَلى تَحْرِيمِكم مِن قِبَلِ أنْفُسِكم غَيْرَ مُسْتَنِدِينَ إلى وحْيٍ، ولا عَلى افْتِرائِكم عَلى اللَّهِ أنَّهُ حَرَّمَ ما حَرَّمْتُمْ، ﴿فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ﴾ في الِاحْتِجاجِ الغالِبَةِ كُلَّ حُجَّةٍ، حَيْثُ خَلَقَ عُقُولًا يُفَكَّرُ بِها وأسْماعًا يُسْمَعُ بِها وأبْصارًا يُبَصَرُ بِها، وكُلُّ هَذِهِ مَدارِكٌ لِلتَّوْحِيدِ ولِاتِّباعِ ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ عَنِ اللَّهِ. قالَ أبُو نَصْرِ القُشَيْرِيُّ: ﴿الحُجَّةُ البالِغَةُ﴾ تَبْيِينٌ لِلتَّوْحِيدِ وإبْداءُ الرُّسُلِ بِالمُعْجِزاتِ فَألْزَمَ أمْرَهُ كُلَّ مُكَلَّفٍ، فَأمّا عِلْمُهُ وإرادَتُهُ فَغَيْبٌ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ العَبْدُ، ويَكْفِي في التَّكْلِيفِ أنْ يَكُونَ العَبْدُ لَوْ أرادَ أنْ يَفْعَلَ ما أُمِرَ بِهِ مَكَّنَهُ، وخِلافُ المَعْلُومِ مَقْدُورٌ فَلا يَلْتَحِقُ بِما يَكُونُ مُحالًا في نَفْسِهِ. انْتَهى. وفي آخِرِ كَلامِهِ نَظَرٌ. قالَ الكِرْمانِيُّ: ﴿فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ﴾ هِدايَةَ إلْجاءٍ واضْطِرارٍ. انْتَهى. وهَذِهِ نَزْعَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ. وقالَ أبُو نَصْرِ بْنُ القُشَيْرِيِّ: هَذا تَصْرِيحٌ بِأنَّ الكُفْرَ واقِعٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ البَغَوِيُّ: هَذا يَدُلُّ أنَّهُ لَمْ يَشَأْ إيمانَ الكافِرِ. ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذا فَإنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٠] بَيَّنَ تَعالى كَذِبَهم عَلى اللَّهِ وافْتِراءَهم في (p-٢٤٨)تَحْرِيمِ ما حَرَّمُوا مَنسُوبًا إلى اللَّهِ - تَعالى - فَقالَ: ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٣]، وقالَ: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ﴾ [الأنعام: ١٤٤]، ولَمّا انْتَفى هَذانِ الوَجْهانِ انْتَقَلَ إلى وجْهٍ لَيْسَ بِهَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ وهو أنْ يَسْتَدْعِيَ مِنهم مَن يَشْهَدُ لَهم بِتَحْرِيمِ اللَّهِ ما حَرَّمُوا، و(هَلُمَّ) هُنا عَلى لُغَةِ الحِجازِ، وهي مُتَعَدِّيَةٌ، ولِذَلِكَ انْتَصَبَ المَفْعُولُ بِهِ بَعْدَها، أيْ: أحْضِرُوا شُهَداءَكم وقَرِّبُوهم، وإضافَةُ الشُّهَداءِ إلَيْهِمْ تَدُلُّ عَلى أنَّهم غَيْرُهم، وهَذا أمْرٌ عَلى سَبِيلِ التَّعْجِيزِ، أيْ: لا يُوجَدُ مَن يَشْهَدُ بِذَلِكَ شَهادَةَ حَقٍّ لِأنَّها دَعْوى كاذِبَةٌ، ولِهَذا قالَ: ﴿فَإنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٠] أيْ: فَإنْ فُرِضَ أنَّهم يَشْهَدُونَ فَلا تَشْهَدُ مَعَهم، أيْ: لا تُوافِقْهم لِأنَّهم كَذَبَةٌ في شَهادَتِهِمْ، كَما أنَّ الشُّهُودَ لَهم كَذَبَةٌ في دَعْواهم، وأضافَ الشُّهَداءَ إلَيْهِمْ أيِ: الَّذِينَ أعَدَدْتُمُوهم شُهُودًا لَكم بِما تَشْتَهِي أنْفُسُكم، ولِذَلِكَ وصَفَ بِـ ﴿الَّذِينَ يَشْهَدُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٠]، أيْ: هم مُؤْمِنُونَ بِالشَّهادَةِ لَهم وبِنُصْرَةِ دَعاواهُمُ الكاذِبَةِ، ولَوْ قِيلَ: (هَلُمَّ) شُهَداءَ بِالتَّنْكِيرِ لَفاتَ المَعْنى الَّذِي اقْتَضَتْهُ الإضافَةُ والوَصْفُ بِالمَوْصُوفِ إذا كانَ المَعْنى هَلُمَّ أُناسًا يَشْهَدُونَ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ، فَكانَ الظّاهِرُ طَلَبَ شُهَداءَ بِالحَقِّ، وذَلِكَ يُنافِي مَعْنى الآيَةِ. وقالَ الحَسَنُ: أحْضِرُوا شُهَداءَكم مِن أنْفُسِكم، قالَ: ولا تَجِدُونَ، ولَوْ حَضَرُوا لَمْ تُقْبَلْ شَهادَتُهم لِأنَّها كاذِبَةٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَإنِ افْتَرى أحَدٌ وزَوَّرَ شَهادَةً أوْ خَبَّرَ عَنْ نُبُوَّةٍ، فَتَجَنَّبْ أنْتَ ذَلِكَ ولا تَشْهَدْ مَعَهم، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٠] قُوَّةُ وصْفِ شَهادَتِهِمْ بِنِهايَةِ الزُّورِ. وقالَ أبُو نَصْرِ القُشَيْرِيُّ: فَإنْ شَهِدَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ فَلا يُصَدَّقُ، إذِ الشَّهادَةُ مِن كِتابٍ أوْ عَلى لِسانِ نَبِيٍّ، ولَيْسَ مَعَهم شَيْءٌ مِن ذَلِكَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أمَرَهم بِاسْتِحْضارِهِمْ وهم شُهَداءُ بِالباطِلِ لِيُلْزِمَهُمُ الحُجَّةَ، ويُلْقِمَهُمُ الحَجَرَ، ويُظْهِرَ لِلْمَشْهُودِ لَهم بِانْقِطاعِ الشُّهَداءِ أنَّهم لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ لِتَساوِي أقْدامِ الشّاهِدِينَ، والمَشْهُودِ لَهم في أنَّهم يَرْجِعُونَ إلى ما يَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٠] فَلا تُسَلِّمْ لَهم ما شَهِدُوا بِهِ ولا تُصَدِّقْهم؛ لِأنَّهُ إذا سَلَّمَ لَهم فَكَأنَّهُ شَهِدَ مَعَهم مِثْلَ شَهادَتِهِمْ، فَكانَ واحِدًا مِنهُمُ. انْتَهى، وهو تَكْثِيرٌ.

الأنعام 6:148

﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكم ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ ولا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾ الظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ وهُمُ اليَهُودُ، وقالَهُ مُجاهِدٌ (p-٢٤٦)والسُّدِّيُّ، أيْ: ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ﴾ فِيما أخْبَرْتَ بِهِ أنَّهُ تَعالى حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ، وقالُوا: لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ وإنَّما حَرَّمَهُ إسْرائِيلُ قَبْلُ، مُتَعَجِّبًا مِن قَوْلِهِمْ ومُعَظِّمًا لِافْتِرائِهِمْ مَعَ عِلْمِهِمْ بِما قُلْتَ، ﴿فَقُلْ رَبُّكم ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ﴾ حَيْثُ لَمْ يُعاجِلْكم بِالعُقُوبَةِ مَعَ شِدَّةِ هَذا الجُرْمِ، كَما تَقُولُ عِنْدَ رُؤْيَةِ مَعْصِيَةٍ عَظِيمَةٍ: ما أحْلَمَ اللَّهَ ! وأنْتَ تُرِيدُ لِإمْهالِهِ العاصِيَ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ كانَ الكَلامُ مَعَهم في قَوْلِهِ: ﴿نَبَّئُونِي﴾ [الأنعام: ١٤٣] وقَوْلِهِ: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ﴾ [الأنعام: ١٤٤]، أيْ: ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ﴾ في النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ وتَبْلِيغِ أحْكامِ اللَّهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ﴾ في ذَلِكَ وزَعَمُوا أنَّ اللَّهَ واسِعُ المَغْفِرَةِ وأنَّهُ لا يُؤاخِذُنا بِالبَغْيِ ويُخْلِفُ الوَعِيدَ جُودًا وكَرَمًا، فَقُلْ لَهم ﴿رَبَّكم ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ﴾ لِأهْلِ طاعَتِهِ، ﴿ولا يُرَدُّ بَأْسُهُ﴾ مَعَ سِعَةِ رَحْمَتِهِ ﴿عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾، فَلا تَغْتَرَّ بِرَجاءِ رَحْمَتِهِ عَنْ خَوْفِ نِقْمَتِهِ. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. و﴿القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾ عامٌّ يَنْدَرِجُ فِيهِ مُكَذِّبُو الرُّسُلِ وغَيْرُهم مِنَ المُجْرِمِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن وُقُوعِ الظّاهِرِ مَوْقِعَ المُضْمَرِ، أيْ: ﴿ولا يُرَدُّ بَأْسُهُ﴾ عَنْكم، وجاءَ مَعْمُولُ (قُلْ) الأوَّلُ جُمْلَةً اسْمِيَّةً لِأنَّها أبْلَغُ في الإخْبارِ مِنَ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ، فَناسَبَتِ الأبْلَغِيَّةَ في اللَّهِ - تَعالى - بِالرَّحْمَةِ الواسِعَةِ، وجاءَتِ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ فِعْلِيَّةً ولَمْ تَأْتِ اسْمِيَّةً فَيَكُونُ التَّرْكِيبُ: وذُو بَأْسٍ، لِئَلّا يَتَعادَلَ الإخْبارُ عَنِ الوَصْفَيْنِ، وبابُ الرَّحْمَةِ واسِعٌ فَلا تَعادُلَ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ﴾ فِيما تَدْعُوهم إلَيْهِ مِنَ التَّصْدِيقِ والتَّوْحِيدِ، ﴿فَقُلْ رَبُّكم ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ﴾ إذا رَجَعْتُمْ عَنِ التَّكْذِيبِ. انْتَهى. وقِيلَ: ﴿ذُو رَحْمَةٍ﴾ لا يُهْلِكُ أحَدًا وقْتَ المَعْصِيَةِ ولَكِنْ يُؤَخِّرُ ﴿ولا يُرَدُّ بَأْسُهُ﴾ إذا نَزَلَ. ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن شَيْءٍ﴾ هَذا إخْبارٌ بِمُسْتَقْبَلٍ، وقَدْ وقَعَ، وفِيهِ إخْبارٌ بِمَغِيبٍ مُعْجِزَةٍ لِلرَّسُولِ، فَكانَ كَما أخْبَرَ بِهِ تَعالى، وهَذا القَوْلُ مِنهم ورَدَ حِينَ بَطَلَ احْتِجاجُهم وثَبَتَ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ، فَعَدَلُوا إلى أمْرٍ حَقٍّ وهو أنَّهُ لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ لا يَقَعَ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ، وأوْرَدُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الحَوالَةِ عَلى المَشِيئَةِ والمَقادِيرِ مُغالَطَةً وحِيدَةً عَنِ الحَقِّ وإلْحادًا لا اعْتِقادًا صَحِيحًا، وقالُوا ذَلِكَ اعْتِقادًا صَحِيحًا حِينَ قارَفُوا تِلْكَ الأشْياءَ اسْتِمْساكًا بِأنَّ ما شاءَ اللَّهُ هو الكائِنُ، كَما يَقُولُ الواقِعُ في مَعْصِيَةٍ - إذا بُيِّنَ لَهُ وجْهُها -: هَذا قَدَرُ اللَّهِ لا مَهْرَبَ ولا مَفَرَّ مِن قَدَرِ اللَّهِ، أوْ قالُوا ذَلِكَ وهو حَقٌّ عَلى سَبِيلِ الِاحْتِجاجِ عَلى تِلْكَ الأشْياءِ، أيْ: لَوْ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ ما نَحْنُ عَلَيْهِ لَمْ يَقَعْ ولِحالَ بَيْنَنا وبَيْنَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنُونَ بِكُفْرِهِمْ وتَمَرُّدِهِمْ أنَّ شِرْكَهم وشِرْكَ آبائِهِمْ وتَحْرِيمَهم ما أحَلَّ اللَّهُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وإرادَتِهِ، ولَوْلا مَشِيئَتُهُ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، كَمَذْهَبِ المُجْبَرَةِ بِعَيْنِهِ. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المَشِيئَةُ بِمَعْنى الرِّضا أوْ بِمَعْنى الأمْرِ والدُّعاءِ؛ لِأنَّهم قالُوا: إنَّ اللَّهَ أمَرَنا بِذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ قالُوهُ اسْتِهْزاءً وسُخْرِيَةً. انْتَهى. ولا تَعَلُّقَ لِلْمُعْتَزِلَةِ بِذَلِكَ مَعَ هَذِهِ الِاحْتِمالاتِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وتَعَلَّقَتِ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالُوا: إنَّ اللَّهَ قَدْ ذَمَّ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ، وإنَّما ذَمَّها لِأنَّ كُفْرَهم لَيْسَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ بَلْ هو خَلَقَ لَهم، قالَ: ولَيْسَ الأمْرُ عَلى ما قالُوا، وإنَّما ذَمَّ اللَّهُ ظَنَّ المُشْرِكِينَ أنَّ ما شاءَ اللَّهُ لا يَقَعُ عَلَيْهِ عِقابٌ، وأمّا أنَّهُ ذَمَّ قَوْلَهم: لَوْلا المَشِيئَةُ لَمْ نَكْفُرْ، فَلا. انْتَهى. و﴿الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ أوْ مُشْرِكُو العَرَبِ، قَوْلانِ، ﴿ولا آباؤُنا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ، وأغْنى الفَصْلُ بِلا بَيْنِ حَرْفِ العَطْفِ والمَعْطُوفِ عَلى الفَصْلِ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ بِضَمِيرٍ مُنْفَصِلٍ يَلِي الضَّمِيرَ المُتَّصِلَ أوْ بِغَيْرِهِ. وعَلى هَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ، لا يُجِيزُونَ ذَلِكَ بِغَيْرِ فَصْلٍ إلّا في الشِّعْرِ، ومَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ جَوازُ ذَلِكَ وهو عِنْدَهم فَصِيحٌ في الكَلامِ. وجاءَ في سُورَةِ النَّحْلِ ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ [النحل: ٣٥] فَقالَ: مِن دُونِهِ مَرَّتَيْنِ، وقالَ نَحْنُ فَأكَّدَ الضَّمِيرَ؛ لِأنَّ لَفْظَ العِبادَةِ يَصِحُّ أنْ يُنْسَبَ إلى إفْرادِ اللَّهِ بِها، وهَذا لَيْسَ بِمُسْتَنْكَرٍ، بَلِ المُسْتَنْكَرُ عِبادَةُ شَيْءٍ غَيْرِ اللَّهِ أوْ شَيْءٍ مَعَ اللَّهِ، فَناسَبَ هُنا ذِكْرُ مِن دُونِهِ مَعَ (p-٢٤٧)العِبادَةِ، وأمّا لَفْظُ ﴿ما أشْرَكْنا﴾ فالإشْراكُ يَدُلُّ عَلى إثْباتِ شَرِيكٍ، فَلا يَتَرَكَّبُ مَعَ هَذا الفِعْلِ لَفْظُ (مِن دُونِهِ)، لَوْ كانَ التَّرْكِيبُ في غَيْرِ القُرْآنِ ﴿ما أشْرَكْنا﴾ مَن دُونِهِ، لَمْ يَصِحَّ مَعْناهُ، وأمّا (مِن دُونِهِ) الثّانِيَةُ فالإشْراكُ يَدُلُّ عَلى تَحْرِيمِ أشْياءَ وتَحْلِيلِ أشْياءَ، فَلَمْ يَحْتَجْ إلى لَفْظِ (مِن دُونِهِ)، وأمّا لَفْظُ العِبادَةِ فَلا يَدُلُّ عَلى تَحْرِيمِ شَيْءٍ كَما دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظُ ”أشْرَكَ“ فَقُيِّدَ بِقَوْلِهِ: مِن دُونِهِ، ولَمّا حُذِفَ مِن دُونِهِ هُنا ناسِبَ أنْ يُحْذَفَ نَحْنُ لِيَطَّرِدَ التَّرْكِيبُ في التَّخْفِيفِ. ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ المُشارِ إلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ﴾ فَقَدْ كَذَّبَتِ الأُمَمُ السّالِفَةُ، فَمُتَعَلَّقُ التَّكْذِيبِ هو غَيْرُ قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا﴾ الآيَةَ، أيْ: بِنَحْوِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ مِن ظَنِّهِمْ أنَّ تَرْكَ اللَّهِ لَهم دَلِيلٌ عَلى رِضاهُ بِحالِهِمْ، وحَتّى ذاقُوا بَأْسَنا غايَةٌ لِامْتِدادِ التَّكْذِيبِ إلى وقْتِ العَذابِ؛ لِأنَّهُ إذا حَلَّ العَذابُ لَمْ يَبْقَ تَكْذِيبٌ، وجَعَلَتِ المُعْتَزِلَةُ التَّكْذِيبَ راجِعًا إلى قَوْلِهِ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٣٧] الجُمْلَةُ الَّتِي هي مَحْكِيَّةٌ بِالقَوْلِ، وقالُوا: كَذَّبَهُمُ اللَّهُ في قَوْلِهِمْ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ بَعْضِ الشَّواذِّ: كَذَبَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ جاءُوا بِالتَّكْذِيبِ المُطْلَقِ لِأنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - رَكَّبَ في العُقُولِ وأنْزَلَ في الكُتُبِ ما دَلَّ عَلى غِناهُ وبَراءَتِهِ مِن مَشِيئَةِ القَبائِحِ وإرادَتِها، والرُّسُلُ أخْبَرَتْ بِذَلِكَ، فَمَن عَلَّقَ وُجُوهَ القَبائِحِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وإرادَتِهِ، فَقَدْ كَذَبَ التَّكْذِيبَ كُلَّهُ وهو تَكْذِيبُ اللَّهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ، ونَبَذَ أدِلَّةَ العَقْلِ والسَّمْعِ وراءَ ظَهْرِهِ. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنْ أنْتُمْ إلّا تَخْرُصُونَ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى مَعْنى التَّهَكُّمِ بِهِمْ وهو إنْكارٌ، أيْ: لَيْسَ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ تَحْتَجُّونَ بِهِ فَتُظْهِرُونَهُ لَنا، ما تَتَّبِعُونَ في دَعاواكم إلّا الظَّنَّ الكاذِبَ الفاسِدَ، وما أنْتُمْ إلّا تَكْذِبُونَ أوْ تُقَدِّرُونَ وتَحْزِرُونَ. وقَرَأ النَّخَعِيُّ وابْنُ وثّابٍ: إنْ يَتَّبِعُونَ بِالياءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ قِراءَةٌ شاذَّةٌ يُضَعِّفُها قَوْلُهُ (إنْ أنْتُمْ)؛ لِأنَّهُ يَكُونُ مِن بابِ الِالتِفاتِ. ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ بَيْنَ (قُلْ) والفاءِ مَحْذُوفٌ قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ كانَ الأمْرُ كَما زَعَمْتُمْ أنَّ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ عَلَيْكم وعَلى رَدِّ مَذْهَبِكم، ﴿فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ مِنكم ومِن مُخالِفِيكم، فَإنَّ تَعْلِيقَكم دِينَكم بِمَشِيئَةِ اللَّهِ يَقْتَضِي أنْ تُعَلِّقُوا دِينَ مَن يُخالِفُكم أيْضًا بِمَشِيئَتِهِ، فَتُوالُوهم ولا تُعادُوهم وتُوَقِّرُوهم ولا تُخالِفُوهم؛ لِأنَّ المَشِيئَةَ تَجْمَعُ بَيْنَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ وبَيْنَ ما هم عَلَيْهِ. انْتَهى. وهَذا تَفْسِيرٌ لِلْآيَةِ عَلى ما تَقَرَّرَ قَبْلُ في الآياتِ السّابِقَةِ مِن مَذْهَبِ الِاعْتِزالِ، والَّذِي قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن شَرْطِ مَحْذُوفٍ و﴿فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ﴾ في جَوابِهِ بِعِيدٌ، والأوْلى تَقْدِيرُهُ: أنْتُمْ لا حُجَّةَ لَكم، أيْ: عَلى إشْراكِكم ولا عَلى تَحْرِيمِكم مِن قِبَلِ أنْفُسِكم غَيْرَ مُسْتَنِدِينَ إلى وحْيٍ، ولا عَلى افْتِرائِكم عَلى اللَّهِ أنَّهُ حَرَّمَ ما حَرَّمْتُمْ، ﴿فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ﴾ في الِاحْتِجاجِ الغالِبَةِ كُلَّ حُجَّةٍ، حَيْثُ خَلَقَ عُقُولًا يُفَكَّرُ بِها وأسْماعًا يُسْمَعُ بِها وأبْصارًا يُبَصَرُ بِها، وكُلُّ هَذِهِ مَدارِكٌ لِلتَّوْحِيدِ ولِاتِّباعِ ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ عَنِ اللَّهِ. قالَ أبُو نَصْرِ القُشَيْرِيُّ: ﴿الحُجَّةُ البالِغَةُ﴾ تَبْيِينٌ لِلتَّوْحِيدِ وإبْداءُ الرُّسُلِ بِالمُعْجِزاتِ فَألْزَمَ أمْرَهُ كُلَّ مُكَلَّفٍ، فَأمّا عِلْمُهُ وإرادَتُهُ فَغَيْبٌ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ العَبْدُ، ويَكْفِي في التَّكْلِيفِ أنْ يَكُونَ العَبْدُ لَوْ أرادَ أنْ يَفْعَلَ ما أُمِرَ بِهِ مَكَّنَهُ، وخِلافُ المَعْلُومِ مَقْدُورٌ فَلا يَلْتَحِقُ بِما يَكُونُ مُحالًا في نَفْسِهِ. انْتَهى. وفي آخِرِ كَلامِهِ نَظَرٌ. قالَ الكِرْمانِيُّ: ﴿فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ﴾ هِدايَةَ إلْجاءٍ واضْطِرارٍ. انْتَهى. وهَذِهِ نَزْعَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ. وقالَ أبُو نَصْرِ بْنُ القُشَيْرِيِّ: هَذا تَصْرِيحٌ بِأنَّ الكُفْرَ واقِعٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ البَغَوِيُّ: هَذا يَدُلُّ أنَّهُ لَمْ يَشَأْ إيمانَ الكافِرِ. ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذا فَإنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٠] بَيَّنَ تَعالى كَذِبَهم عَلى اللَّهِ وافْتِراءَهم في (p-٢٤٨)تَحْرِيمِ ما حَرَّمُوا مَنسُوبًا إلى اللَّهِ - تَعالى - فَقالَ: ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٣]، وقالَ: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ﴾ [الأنعام: ١٤٤]، ولَمّا انْتَفى هَذانِ الوَجْهانِ انْتَقَلَ إلى وجْهٍ لَيْسَ بِهَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ وهو أنْ يَسْتَدْعِيَ مِنهم مَن يَشْهَدُ لَهم بِتَحْرِيمِ اللَّهِ ما حَرَّمُوا، و(هَلُمَّ) هُنا عَلى لُغَةِ الحِجازِ، وهي مُتَعَدِّيَةٌ، ولِذَلِكَ انْتَصَبَ المَفْعُولُ بِهِ بَعْدَها، أيْ: أحْضِرُوا شُهَداءَكم وقَرِّبُوهم، وإضافَةُ الشُّهَداءِ إلَيْهِمْ تَدُلُّ عَلى أنَّهم غَيْرُهم، وهَذا أمْرٌ عَلى سَبِيلِ التَّعْجِيزِ، أيْ: لا يُوجَدُ مَن يَشْهَدُ بِذَلِكَ شَهادَةَ حَقٍّ لِأنَّها دَعْوى كاذِبَةٌ، ولِهَذا قالَ: ﴿فَإنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٠] أيْ: فَإنْ فُرِضَ أنَّهم يَشْهَدُونَ فَلا تَشْهَدُ مَعَهم، أيْ: لا تُوافِقْهم لِأنَّهم كَذَبَةٌ في شَهادَتِهِمْ، كَما أنَّ الشُّهُودَ لَهم كَذَبَةٌ في دَعْواهم، وأضافَ الشُّهَداءَ إلَيْهِمْ أيِ: الَّذِينَ أعَدَدْتُمُوهم شُهُودًا لَكم بِما تَشْتَهِي أنْفُسُكم، ولِذَلِكَ وصَفَ بِـ ﴿الَّذِينَ يَشْهَدُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٠]، أيْ: هم مُؤْمِنُونَ بِالشَّهادَةِ لَهم وبِنُصْرَةِ دَعاواهُمُ الكاذِبَةِ، ولَوْ قِيلَ: (هَلُمَّ) شُهَداءَ بِالتَّنْكِيرِ لَفاتَ المَعْنى الَّذِي اقْتَضَتْهُ الإضافَةُ والوَصْفُ بِالمَوْصُوفِ إذا كانَ المَعْنى هَلُمَّ أُناسًا يَشْهَدُونَ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ، فَكانَ الظّاهِرُ طَلَبَ شُهَداءَ بِالحَقِّ، وذَلِكَ يُنافِي مَعْنى الآيَةِ. وقالَ الحَسَنُ: أحْضِرُوا شُهَداءَكم مِن أنْفُسِكم، قالَ: ولا تَجِدُونَ، ولَوْ حَضَرُوا لَمْ تُقْبَلْ شَهادَتُهم لِأنَّها كاذِبَةٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَإنِ افْتَرى أحَدٌ وزَوَّرَ شَهادَةً أوْ خَبَّرَ عَنْ نُبُوَّةٍ، فَتَجَنَّبْ أنْتَ ذَلِكَ ولا تَشْهَدْ مَعَهم، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٠] قُوَّةُ وصْفِ شَهادَتِهِمْ بِنِهايَةِ الزُّورِ. وقالَ أبُو نَصْرِ القُشَيْرِيُّ: فَإنْ شَهِدَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ فَلا يُصَدَّقُ، إذِ الشَّهادَةُ مِن كِتابٍ أوْ عَلى لِسانِ نَبِيٍّ، ولَيْسَ مَعَهم شَيْءٌ مِن ذَلِكَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أمَرَهم بِاسْتِحْضارِهِمْ وهم شُهَداءُ بِالباطِلِ لِيُلْزِمَهُمُ الحُجَّةَ، ويُلْقِمَهُمُ الحَجَرَ، ويُظْهِرَ لِلْمَشْهُودِ لَهم بِانْقِطاعِ الشُّهَداءِ أنَّهم لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ لِتَساوِي أقْدامِ الشّاهِدِينَ، والمَشْهُودِ لَهم في أنَّهم يَرْجِعُونَ إلى ما يَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٠] فَلا تُسَلِّمْ لَهم ما شَهِدُوا بِهِ ولا تُصَدِّقْهم؛ لِأنَّهُ إذا سَلَّمَ لَهم فَكَأنَّهُ شَهِدَ مَعَهم مِثْلَ شَهادَتِهِمْ، فَكانَ واحِدًا مِنهُمُ. انْتَهى، وهو تَكْثِيرٌ.

الأنعام 6:149

﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكم ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ ولا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾ الظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ وهُمُ اليَهُودُ، وقالَهُ مُجاهِدٌ (p-٢٤٦)والسُّدِّيُّ، أيْ: ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ﴾ فِيما أخْبَرْتَ بِهِ أنَّهُ تَعالى حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ، وقالُوا: لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ وإنَّما حَرَّمَهُ إسْرائِيلُ قَبْلُ، مُتَعَجِّبًا مِن قَوْلِهِمْ ومُعَظِّمًا لِافْتِرائِهِمْ مَعَ عِلْمِهِمْ بِما قُلْتَ، ﴿فَقُلْ رَبُّكم ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ﴾ حَيْثُ لَمْ يُعاجِلْكم بِالعُقُوبَةِ مَعَ شِدَّةِ هَذا الجُرْمِ، كَما تَقُولُ عِنْدَ رُؤْيَةِ مَعْصِيَةٍ عَظِيمَةٍ: ما أحْلَمَ اللَّهَ ! وأنْتَ تُرِيدُ لِإمْهالِهِ العاصِيَ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ كانَ الكَلامُ مَعَهم في قَوْلِهِ: ﴿نَبَّئُونِي﴾ [الأنعام: ١٤٣] وقَوْلِهِ: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ﴾ [الأنعام: ١٤٤]، أيْ: ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ﴾ في النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ وتَبْلِيغِ أحْكامِ اللَّهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ﴾ في ذَلِكَ وزَعَمُوا أنَّ اللَّهَ واسِعُ المَغْفِرَةِ وأنَّهُ لا يُؤاخِذُنا بِالبَغْيِ ويُخْلِفُ الوَعِيدَ جُودًا وكَرَمًا، فَقُلْ لَهم ﴿رَبَّكم ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ﴾ لِأهْلِ طاعَتِهِ، ﴿ولا يُرَدُّ بَأْسُهُ﴾ مَعَ سِعَةِ رَحْمَتِهِ ﴿عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾، فَلا تَغْتَرَّ بِرَجاءِ رَحْمَتِهِ عَنْ خَوْفِ نِقْمَتِهِ. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. و﴿القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾ عامٌّ يَنْدَرِجُ فِيهِ مُكَذِّبُو الرُّسُلِ وغَيْرُهم مِنَ المُجْرِمِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن وُقُوعِ الظّاهِرِ مَوْقِعَ المُضْمَرِ، أيْ: ﴿ولا يُرَدُّ بَأْسُهُ﴾ عَنْكم، وجاءَ مَعْمُولُ (قُلْ) الأوَّلُ جُمْلَةً اسْمِيَّةً لِأنَّها أبْلَغُ في الإخْبارِ مِنَ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ، فَناسَبَتِ الأبْلَغِيَّةَ في اللَّهِ - تَعالى - بِالرَّحْمَةِ الواسِعَةِ، وجاءَتِ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ فِعْلِيَّةً ولَمْ تَأْتِ اسْمِيَّةً فَيَكُونُ التَّرْكِيبُ: وذُو بَأْسٍ، لِئَلّا يَتَعادَلَ الإخْبارُ عَنِ الوَصْفَيْنِ، وبابُ الرَّحْمَةِ واسِعٌ فَلا تَعادُلَ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ﴾ فِيما تَدْعُوهم إلَيْهِ مِنَ التَّصْدِيقِ والتَّوْحِيدِ، ﴿فَقُلْ رَبُّكم ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ﴾ إذا رَجَعْتُمْ عَنِ التَّكْذِيبِ. انْتَهى. وقِيلَ: ﴿ذُو رَحْمَةٍ﴾ لا يُهْلِكُ أحَدًا وقْتَ المَعْصِيَةِ ولَكِنْ يُؤَخِّرُ ﴿ولا يُرَدُّ بَأْسُهُ﴾ إذا نَزَلَ. ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن شَيْءٍ﴾ هَذا إخْبارٌ بِمُسْتَقْبَلٍ، وقَدْ وقَعَ، وفِيهِ إخْبارٌ بِمَغِيبٍ مُعْجِزَةٍ لِلرَّسُولِ، فَكانَ كَما أخْبَرَ بِهِ تَعالى، وهَذا القَوْلُ مِنهم ورَدَ حِينَ بَطَلَ احْتِجاجُهم وثَبَتَ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ، فَعَدَلُوا إلى أمْرٍ حَقٍّ وهو أنَّهُ لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ لا يَقَعَ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ، وأوْرَدُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الحَوالَةِ عَلى المَشِيئَةِ والمَقادِيرِ مُغالَطَةً وحِيدَةً عَنِ الحَقِّ وإلْحادًا لا اعْتِقادًا صَحِيحًا، وقالُوا ذَلِكَ اعْتِقادًا صَحِيحًا حِينَ قارَفُوا تِلْكَ الأشْياءَ اسْتِمْساكًا بِأنَّ ما شاءَ اللَّهُ هو الكائِنُ، كَما يَقُولُ الواقِعُ في مَعْصِيَةٍ - إذا بُيِّنَ لَهُ وجْهُها -: هَذا قَدَرُ اللَّهِ لا مَهْرَبَ ولا مَفَرَّ مِن قَدَرِ اللَّهِ، أوْ قالُوا ذَلِكَ وهو حَقٌّ عَلى سَبِيلِ الِاحْتِجاجِ عَلى تِلْكَ الأشْياءِ، أيْ: لَوْ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ ما نَحْنُ عَلَيْهِ لَمْ يَقَعْ ولِحالَ بَيْنَنا وبَيْنَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنُونَ بِكُفْرِهِمْ وتَمَرُّدِهِمْ أنَّ شِرْكَهم وشِرْكَ آبائِهِمْ وتَحْرِيمَهم ما أحَلَّ اللَّهُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وإرادَتِهِ، ولَوْلا مَشِيئَتُهُ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، كَمَذْهَبِ المُجْبَرَةِ بِعَيْنِهِ. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المَشِيئَةُ بِمَعْنى الرِّضا أوْ بِمَعْنى الأمْرِ والدُّعاءِ؛ لِأنَّهم قالُوا: إنَّ اللَّهَ أمَرَنا بِذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ قالُوهُ اسْتِهْزاءً وسُخْرِيَةً. انْتَهى. ولا تَعَلُّقَ لِلْمُعْتَزِلَةِ بِذَلِكَ مَعَ هَذِهِ الِاحْتِمالاتِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وتَعَلَّقَتِ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالُوا: إنَّ اللَّهَ قَدْ ذَمَّ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ، وإنَّما ذَمَّها لِأنَّ كُفْرَهم لَيْسَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ بَلْ هو خَلَقَ لَهم، قالَ: ولَيْسَ الأمْرُ عَلى ما قالُوا، وإنَّما ذَمَّ اللَّهُ ظَنَّ المُشْرِكِينَ أنَّ ما شاءَ اللَّهُ لا يَقَعُ عَلَيْهِ عِقابٌ، وأمّا أنَّهُ ذَمَّ قَوْلَهم: لَوْلا المَشِيئَةُ لَمْ نَكْفُرْ، فَلا. انْتَهى. و﴿الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ أوْ مُشْرِكُو العَرَبِ، قَوْلانِ، ﴿ولا آباؤُنا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ، وأغْنى الفَصْلُ بِلا بَيْنِ حَرْفِ العَطْفِ والمَعْطُوفِ عَلى الفَصْلِ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ بِضَمِيرٍ مُنْفَصِلٍ يَلِي الضَّمِيرَ المُتَّصِلَ أوْ بِغَيْرِهِ. وعَلى هَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ، لا يُجِيزُونَ ذَلِكَ بِغَيْرِ فَصْلٍ إلّا في الشِّعْرِ، ومَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ جَوازُ ذَلِكَ وهو عِنْدَهم فَصِيحٌ في الكَلامِ. وجاءَ في سُورَةِ النَّحْلِ ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ [النحل: ٣٥] فَقالَ: مِن دُونِهِ مَرَّتَيْنِ، وقالَ نَحْنُ فَأكَّدَ الضَّمِيرَ؛ لِأنَّ لَفْظَ العِبادَةِ يَصِحُّ أنْ يُنْسَبَ إلى إفْرادِ اللَّهِ بِها، وهَذا لَيْسَ بِمُسْتَنْكَرٍ، بَلِ المُسْتَنْكَرُ عِبادَةُ شَيْءٍ غَيْرِ اللَّهِ أوْ شَيْءٍ مَعَ اللَّهِ، فَناسَبَ هُنا ذِكْرُ مِن دُونِهِ مَعَ (p-٢٤٧)العِبادَةِ، وأمّا لَفْظُ ﴿ما أشْرَكْنا﴾ فالإشْراكُ يَدُلُّ عَلى إثْباتِ شَرِيكٍ، فَلا يَتَرَكَّبُ مَعَ هَذا الفِعْلِ لَفْظُ (مِن دُونِهِ)، لَوْ كانَ التَّرْكِيبُ في غَيْرِ القُرْآنِ ﴿ما أشْرَكْنا﴾ مَن دُونِهِ، لَمْ يَصِحَّ مَعْناهُ، وأمّا (مِن دُونِهِ) الثّانِيَةُ فالإشْراكُ يَدُلُّ عَلى تَحْرِيمِ أشْياءَ وتَحْلِيلِ أشْياءَ، فَلَمْ يَحْتَجْ إلى لَفْظِ (مِن دُونِهِ)، وأمّا لَفْظُ العِبادَةِ فَلا يَدُلُّ عَلى تَحْرِيمِ شَيْءٍ كَما دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظُ ”أشْرَكَ“ فَقُيِّدَ بِقَوْلِهِ: مِن دُونِهِ، ولَمّا حُذِفَ مِن دُونِهِ هُنا ناسِبَ أنْ يُحْذَفَ نَحْنُ لِيَطَّرِدَ التَّرْكِيبُ في التَّخْفِيفِ. ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ المُشارِ إلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ﴾ فَقَدْ كَذَّبَتِ الأُمَمُ السّالِفَةُ، فَمُتَعَلَّقُ التَّكْذِيبِ هو غَيْرُ قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا﴾ الآيَةَ، أيْ: بِنَحْوِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ مِن ظَنِّهِمْ أنَّ تَرْكَ اللَّهِ لَهم دَلِيلٌ عَلى رِضاهُ بِحالِهِمْ، وحَتّى ذاقُوا بَأْسَنا غايَةٌ لِامْتِدادِ التَّكْذِيبِ إلى وقْتِ العَذابِ؛ لِأنَّهُ إذا حَلَّ العَذابُ لَمْ يَبْقَ تَكْذِيبٌ، وجَعَلَتِ المُعْتَزِلَةُ التَّكْذِيبَ راجِعًا إلى قَوْلِهِ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٣٧] الجُمْلَةُ الَّتِي هي مَحْكِيَّةٌ بِالقَوْلِ، وقالُوا: كَذَّبَهُمُ اللَّهُ في قَوْلِهِمْ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ بَعْضِ الشَّواذِّ: كَذَبَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ جاءُوا بِالتَّكْذِيبِ المُطْلَقِ لِأنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - رَكَّبَ في العُقُولِ وأنْزَلَ في الكُتُبِ ما دَلَّ عَلى غِناهُ وبَراءَتِهِ مِن مَشِيئَةِ القَبائِحِ وإرادَتِها، والرُّسُلُ أخْبَرَتْ بِذَلِكَ، فَمَن عَلَّقَ وُجُوهَ القَبائِحِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وإرادَتِهِ، فَقَدْ كَذَبَ التَّكْذِيبَ كُلَّهُ وهو تَكْذِيبُ اللَّهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ، ونَبَذَ أدِلَّةَ العَقْلِ والسَّمْعِ وراءَ ظَهْرِهِ. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنْ أنْتُمْ إلّا تَخْرُصُونَ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى مَعْنى التَّهَكُّمِ بِهِمْ وهو إنْكارٌ، أيْ: لَيْسَ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ تَحْتَجُّونَ بِهِ فَتُظْهِرُونَهُ لَنا، ما تَتَّبِعُونَ في دَعاواكم إلّا الظَّنَّ الكاذِبَ الفاسِدَ، وما أنْتُمْ إلّا تَكْذِبُونَ أوْ تُقَدِّرُونَ وتَحْزِرُونَ. وقَرَأ النَّخَعِيُّ وابْنُ وثّابٍ: إنْ يَتَّبِعُونَ بِالياءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ قِراءَةٌ شاذَّةٌ يُضَعِّفُها قَوْلُهُ (إنْ أنْتُمْ)؛ لِأنَّهُ يَكُونُ مِن بابِ الِالتِفاتِ. ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ بَيْنَ (قُلْ) والفاءِ مَحْذُوفٌ قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ كانَ الأمْرُ كَما زَعَمْتُمْ أنَّ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ عَلَيْكم وعَلى رَدِّ مَذْهَبِكم، ﴿فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ مِنكم ومِن مُخالِفِيكم، فَإنَّ تَعْلِيقَكم دِينَكم بِمَشِيئَةِ اللَّهِ يَقْتَضِي أنْ تُعَلِّقُوا دِينَ مَن يُخالِفُكم أيْضًا بِمَشِيئَتِهِ، فَتُوالُوهم ولا تُعادُوهم وتُوَقِّرُوهم ولا تُخالِفُوهم؛ لِأنَّ المَشِيئَةَ تَجْمَعُ بَيْنَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ وبَيْنَ ما هم عَلَيْهِ. انْتَهى. وهَذا تَفْسِيرٌ لِلْآيَةِ عَلى ما تَقَرَّرَ قَبْلُ في الآياتِ السّابِقَةِ مِن مَذْهَبِ الِاعْتِزالِ، والَّذِي قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن شَرْطِ مَحْذُوفٍ و﴿فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ﴾ في جَوابِهِ بِعِيدٌ، والأوْلى تَقْدِيرُهُ: أنْتُمْ لا حُجَّةَ لَكم، أيْ: عَلى إشْراكِكم ولا عَلى تَحْرِيمِكم مِن قِبَلِ أنْفُسِكم غَيْرَ مُسْتَنِدِينَ إلى وحْيٍ، ولا عَلى افْتِرائِكم عَلى اللَّهِ أنَّهُ حَرَّمَ ما حَرَّمْتُمْ، ﴿فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ﴾ في الِاحْتِجاجِ الغالِبَةِ كُلَّ حُجَّةٍ، حَيْثُ خَلَقَ عُقُولًا يُفَكَّرُ بِها وأسْماعًا يُسْمَعُ بِها وأبْصارًا يُبَصَرُ بِها، وكُلُّ هَذِهِ مَدارِكٌ لِلتَّوْحِيدِ ولِاتِّباعِ ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ عَنِ اللَّهِ. قالَ أبُو نَصْرِ القُشَيْرِيُّ: ﴿الحُجَّةُ البالِغَةُ﴾ تَبْيِينٌ لِلتَّوْحِيدِ وإبْداءُ الرُّسُلِ بِالمُعْجِزاتِ فَألْزَمَ أمْرَهُ كُلَّ مُكَلَّفٍ، فَأمّا عِلْمُهُ وإرادَتُهُ فَغَيْبٌ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ العَبْدُ، ويَكْفِي في التَّكْلِيفِ أنْ يَكُونَ العَبْدُ لَوْ أرادَ أنْ يَفْعَلَ ما أُمِرَ بِهِ مَكَّنَهُ، وخِلافُ المَعْلُومِ مَقْدُورٌ فَلا يَلْتَحِقُ بِما يَكُونُ مُحالًا في نَفْسِهِ. انْتَهى. وفي آخِرِ كَلامِهِ نَظَرٌ. قالَ الكِرْمانِيُّ: ﴿فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ﴾ هِدايَةَ إلْجاءٍ واضْطِرارٍ. انْتَهى. وهَذِهِ نَزْعَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ. وقالَ أبُو نَصْرِ بْنُ القُشَيْرِيِّ: هَذا تَصْرِيحٌ بِأنَّ الكُفْرَ واقِعٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ البَغَوِيُّ: هَذا يَدُلُّ أنَّهُ لَمْ يَشَأْ إيمانَ الكافِرِ. ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذا فَإنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٠] بَيَّنَ تَعالى كَذِبَهم عَلى اللَّهِ وافْتِراءَهم في (p-٢٤٨)تَحْرِيمِ ما حَرَّمُوا مَنسُوبًا إلى اللَّهِ - تَعالى - فَقالَ: ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٣]، وقالَ: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ﴾ [الأنعام: ١٤٤]، ولَمّا انْتَفى هَذانِ الوَجْهانِ انْتَقَلَ إلى وجْهٍ لَيْسَ بِهَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ وهو أنْ يَسْتَدْعِيَ مِنهم مَن يَشْهَدُ لَهم بِتَحْرِيمِ اللَّهِ ما حَرَّمُوا، و(هَلُمَّ) هُنا عَلى لُغَةِ الحِجازِ، وهي مُتَعَدِّيَةٌ، ولِذَلِكَ انْتَصَبَ المَفْعُولُ بِهِ بَعْدَها، أيْ: أحْضِرُوا شُهَداءَكم وقَرِّبُوهم، وإضافَةُ الشُّهَداءِ إلَيْهِمْ تَدُلُّ عَلى أنَّهم غَيْرُهم، وهَذا أمْرٌ عَلى سَبِيلِ التَّعْجِيزِ، أيْ: لا يُوجَدُ مَن يَشْهَدُ بِذَلِكَ شَهادَةَ حَقٍّ لِأنَّها دَعْوى كاذِبَةٌ، ولِهَذا قالَ: ﴿فَإنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٠] أيْ: فَإنْ فُرِضَ أنَّهم يَشْهَدُونَ فَلا تَشْهَدُ مَعَهم، أيْ: لا تُوافِقْهم لِأنَّهم كَذَبَةٌ في شَهادَتِهِمْ، كَما أنَّ الشُّهُودَ لَهم كَذَبَةٌ في دَعْواهم، وأضافَ الشُّهَداءَ إلَيْهِمْ أيِ: الَّذِينَ أعَدَدْتُمُوهم شُهُودًا لَكم بِما تَشْتَهِي أنْفُسُكم، ولِذَلِكَ وصَفَ بِـ ﴿الَّذِينَ يَشْهَدُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٠]، أيْ: هم مُؤْمِنُونَ بِالشَّهادَةِ لَهم وبِنُصْرَةِ دَعاواهُمُ الكاذِبَةِ، ولَوْ قِيلَ: (هَلُمَّ) شُهَداءَ بِالتَّنْكِيرِ لَفاتَ المَعْنى الَّذِي اقْتَضَتْهُ الإضافَةُ والوَصْفُ بِالمَوْصُوفِ إذا كانَ المَعْنى هَلُمَّ أُناسًا يَشْهَدُونَ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ، فَكانَ الظّاهِرُ طَلَبَ شُهَداءَ بِالحَقِّ، وذَلِكَ يُنافِي مَعْنى الآيَةِ. وقالَ الحَسَنُ: أحْضِرُوا شُهَداءَكم مِن أنْفُسِكم، قالَ: ولا تَجِدُونَ، ولَوْ حَضَرُوا لَمْ تُقْبَلْ شَهادَتُهم لِأنَّها كاذِبَةٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَإنِ افْتَرى أحَدٌ وزَوَّرَ شَهادَةً أوْ خَبَّرَ عَنْ نُبُوَّةٍ، فَتَجَنَّبْ أنْتَ ذَلِكَ ولا تَشْهَدْ مَعَهم، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٠] قُوَّةُ وصْفِ شَهادَتِهِمْ بِنِهايَةِ الزُّورِ. وقالَ أبُو نَصْرِ القُشَيْرِيُّ: فَإنْ شَهِدَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ فَلا يُصَدَّقُ، إذِ الشَّهادَةُ مِن كِتابٍ أوْ عَلى لِسانِ نَبِيٍّ، ولَيْسَ مَعَهم شَيْءٌ مِن ذَلِكَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أمَرَهم بِاسْتِحْضارِهِمْ وهم شُهَداءُ بِالباطِلِ لِيُلْزِمَهُمُ الحُجَّةَ، ويُلْقِمَهُمُ الحَجَرَ، ويُظْهِرَ لِلْمَشْهُودِ لَهم بِانْقِطاعِ الشُّهَداءِ أنَّهم لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ لِتَساوِي أقْدامِ الشّاهِدِينَ، والمَشْهُودِ لَهم في أنَّهم يَرْجِعُونَ إلى ما يَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٠] فَلا تُسَلِّمْ لَهم ما شَهِدُوا بِهِ ولا تُصَدِّقْهم؛ لِأنَّهُ إذا سَلَّمَ لَهم فَكَأنَّهُ شَهِدَ مَعَهم مِثْلَ شَهادَتِهِمْ، فَكانَ واحِدًا مِنهُمُ. انْتَهى، وهو تَكْثِيرٌ.

الأنعام 6:150

﴿ولا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وهم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ الظّاهِرُ في العَطْفِ أنَّهُ يَدُلُّ عَلى مُغايَرَةِ الذَّواتِ، و﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ يَعُمُّ جَمِيعَ مَن كَذَّبَ الرَّسُولَ وإنْ كانَ مُقِرًّا بِالآخِرَةِ، كَأهْلِ الكِتابِ. ﴿والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ قِسْمٌ مِنَ المُكَذِّبِينَ بِالآياتِ، وهم عَبَدَةُ الأوْثانِ والجاعِلُونَ لِرَبِّهِمْ عَدِيلًا، وهو المِثْلُ عَدَلُوا بِهِ الأصْنامَ في العِبادَةِ والإلَهِيَّةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ العَطْفُ مِن تَغايُرِ الصِّفاتِ والمَوْصُوفُ واحِدٌ، وهو قَوْلُ أكْثَرِ النّاسِ، ويَظْهَرُ أنَّهُ اخْتِيارُ الزَّمَخْشَرِيِّ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿ولا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ مِن وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ؛ لِدَلالَتِهِ عَلى أنَّ مَن كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وعَدَلَ بِهِ غَيْرَهُ فَهو مُتَّبِعٌ لِلْهَوى لا غَيْرَ؛ لِأنَّهُ لَوْ تَبِعَ الدَّلِيلَ لَمْ يَكُنْ إلّا مُصَدِّقًا بِالآياتِ مُوَحِّدًا لِلَّهِ. وقالَ النَّقّاشُ: نَزَلَتْ في الدَّهْرِيَّةِ مِنَ الزَّنادِقَةِ.

الأنعام 6:151

﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى ما حَرَّمُوهُ افْتِراءً عَلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَرَ ما أباحَهُ تَعالى لَهم مِنَ الحُبُوبِ والفَواكِهِ والحَيَوانِ، ذَكَرَ ما حَرَّمَهُ تَعالى عَلَيْهِمْ مِن أشْياءَ نَهاهم عَنْها وما أوْجَبَ عَلَيْهِمْ مِن أشْياءَ أمَرَهم بِها. وتَقَدَّمَ (p-٢٤٩)شَرْحُ ﴿تَعالَوْا﴾ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلى كَلِمَةٍ﴾ [آل عمران: ٦٤]، والخِطابُ في قُلْ لِلرَّسُولِ، وفي تَعالَوْا قِيلَ لِلْمُشْرِكِينَ، وقِيلَ: لِمَن بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ مِن مُؤْمِنٍ وكِتابِيٍّ ومُشْرِكٍ. وسِياقُ الآياتِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لِلْمُشْرِكِينَ، وإنْ كانَ حُكْمُ غَيْرِهِمْ في ذَلِكَ حُكْمَهم، أمَرَهُ تَعالى أنْ يَدْعُوَ جَمِيعَ الخَلْقِ إلى سَماعِ ما حَرَّمَ اللَّهُ بِشَرْعِ الإسْلامِ المَبْعُوثِ بِهِ إلى الأسْوَدِ والأحْمَرِ. وأتْلُ: أسْرُدُ وأقُصُّ مِنَ التِّلاوَةِ، وهي إتْباعُ بَعْضِ الحُرُوفِ بَعْضًا. وقالَ كَعْبُ الأحْبارِ: هَذِهِ الآياتُ مُفْتَتَحُ التَّوْراةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم ألّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ﴾ إلى آخَرِ الآيَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذِهِ الآياتُ هي المُحْكَماتُ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، أجْمَعَتْ عَلَيْها شَرائِعُ الخَلْقِ ولَمْ تُنْسَخْ قَطُّ في مِلَّةٍ. وقَدْ قِيلَ: إنَّها العَشْرُ كَلِماتٍ المُنَزَّلَةُ عَلى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - و(ما) بِمَعْنى الَّذِي وهي مُفَعْوِلَةٌ بِأتْلُ، أيْ: أقْرَأُ الَّذِي حَرَّمَهُ رَبُّكم عَلَيْكم. وقِيلَ: مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: تَحْرِيمَ رَبِّكم. وقِيلَ: اسْتِفْهامِيَّةٌ مَنصُوبَةٌ بِحَرَّمَ، أيْ: أيَّ شَيْءٍ حَرَّمَ رَبُّكم، ويَكُونُ قَدْ عَلَّقَ أتْلُ، وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ أتْلُ لَيْسَ مِن أفْعالِ القُلُوبِ فَلا تَعَلُّقَ. و﴿عَلَيْكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِحَرَّمَ لا بِأتْلُ، فَهو مِن إعْمالِ الثّانِي. وقالَ ابْنُ الشَّجَرِيِّ: إنْ عَلَّقْتَهُ بِأتْلُ فَهو جَيِّدٌ لِأنَّهُ أسْبَقُ، وهو اخْتِيارُ الكُوفِيِّينَ، فالتَّقْدِيرُ: أتْلُ عَلَيْكُمُ الَّذِي حَرَّمَ رَبُّكم. * * ﴿أنْ لا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ الظّاهِرُ أنَّ (أنْ) تَفْسِيرِيَّةٌ، و(لا) ناهِيَةٌ؛ (p-٢٥٠)لِأنَّ (أتْلُ) فِعْلٌ بِمَعْنى القَوْلِ، وما بَعْدَ (أنْ) جُمْلَةٌ، فاجْتَمَعَ في أنْ شَرْطا التَّفْسِيرِيَّةِ وهي أنْ يَتَقَدَّمَها مَعْنى القَوْلِ وأنْ يَكُونَ بَعْدَها جُمْلَةٌ، وذَلِكَ بِخِلافِ أيْ فَإنَّها حَرْفُ تَفْسِيرٍ يَكُونُ قَبْلَها مُفْرَدٌ وجُمْلَةٌ يَكُونُ فِيها مَعْنى القَوْلِ وغَيْرُها، وبَعْدَها مُفْرَدٌ وجُمْلَةٌ، وجَعْلُها تَفْسِيرِيَّةً هو اخْتِيارُ الزَّمَخْشَرِيِّ، (فَإنْ قُلْتَ): إذا جَعَلْتَ أنْ مُفَسِّرَةً لِفِعْلِ التِّلاوَةِ وهو مُعَلَّقٌ بِـ ﴿ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ وجَبَ أنْ يَكُونَ ما بَعْدَهُ مَنهِيًّا عَنْهُ مُحَرَّمًا كُلُّهُ، كالشِّرْكِ، وما بَعْدَهُ مِمّا دَخَلَ عَلَيْهِ حَرْفُ النَّهْيِ، فَما يُصْنَعُ بِالأوامِرِ ؟ (قُلْتُ): لَمّا ورَدَتْ هَذِهِ الأوامِرُ مَعَ النَّواهِي وتَقَدَّمَهُنَّ جَمِيعًا فِعْلُ التَّحْرِيمِ واشْتَرَكْنَ في الدُّخُولِ تَحْتَ حُكْمِهِ، عُلِمَ أنَّ التَّحْرِيمَ راجِعٌ إلى أضْدادِها، وهي الإشارَةُ إلى الوالِدَيْنِ وبِخَسِ الكَيْلِ والمِيزانِ وتَرْكِ العَدْلِ في القَوْلِ ونَكْثِ عَهْدِ اللَّهِ. انْتَهى. وكَوْنُ هَذِهِ الأشْياءِ اشْتَرَكَتْ في الدُّخُولِ تَحْتَ حُكْمِ التَّحْرِيمِ، وكَوْنُ التَّحْرِيمِ راجِعًا إلى أضْدادِ الأوامِرِ بِعِيدٌ جِدًّا وألْغازٌ في المَعانِي ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى ذَلِكَ، وأمّا عَطْفُ هَذِهِ الأوامِرِ فَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ، أحَدُهُما أنَّها مَعْطُوفَةٌ عَلى المَناهِي قَبْلَها، فَيَلْزَمُ انْسِحابُ التَّحْرِيمِ عَلَيْها حَيْثُ كانَتْ في حَيِّزِ أنِ التَّفْسِيرِيَّةِ، بَلْ هي مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ﴾، أمَرَهم أوَّلًا بِأمْرٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ذِكْرُ مُناهُ، ثُمَّ أمَرَهم ثانِيًا بِأوامِرَ، وهَذا مَعْنًى واضِحٌ، والثّانِي أنْ تَكُونَ الأوامِرُ مَعْطُوفَةً عَلى المَناهِي وداخِلَةً تَحْتَ أنِ التَّفْسِيرِيَّةِ، ويَصِحُّ ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ تَكُونُ أنْ مُفَسِّرَةً لَهُ ولِلْمَنطُوقِ قَبْلَهُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ حَذْفُهُ، والتَّقْدِيرُ: وما أمَرَكم بِهِ، فَحَذَفَ وما أمَرَكم بِهِ لِدَلالَةِ ما حَرَّمَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ مَعْنى ﴿ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾ ما نَهاكم رَبُّكم عَنْهُ، فالمَعْنى قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما نَهاكم رَبُّكم عَنْهُ، وإذا كانَ التَّقْدِيرُ هَكَذا صَحَّ أنْ تَكُونَ أنْ تَفْسِيرِيَّةً لِفِعْلِ النَّهْيِ الدّالِّ عَلَيْهِ التَّحْرِيمُ وفِعْلِ الأمْرِ المَحْذُوفِ، ألا تَرى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: أمَرْتُكَ أنْ لا تُكْرِمَ جاهِلًا وأكْرِمْ عالِمًا، إذْ يَجُوزُ عَطْفُ الأمْرِ عَلى النَّهْيِ والنَّهْيِ عَلى الأمْرِ، كَما قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎يَقُولُونَ لا تَهْلِكْ أسًى وتَجَمَّلِ وهَذا لا نَعْلَمُ فِيهِ خِلافًا، بِخِلافِ الجُمَلِ المُتَبايِنَةِ بِالخَبَرِ والِاسْتِفْهامِ والإنْشاءِ، فَإنَّ في جَوازِ العَطْفِ فِيها خِلافًا، وقَدْ جَوَّزُوا في (أنْ) أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً لا تَفْسِيرِيَّةَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ وفي مَوْضِعِ نَصْبٍ. فَأمّا الرَّفْعُ فَعَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى، والتَّقْدِيرُ: المَتْلُوُّ (أنْ لا تُشْرِكُوا) . وأمّا النَّصْبُ فَمِن وُجُوهٍ، أحَدُها: أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِقَوْلِهِ: (عَلَيْكم)، ويَكُونُ مِن بابِ الإغْراءِ، وتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾، أيِ: التَزِمُوا انْتِفاءَ الإشْراكِ، وهَذا بَعِيدٌ لِتَفْكِيكِ الكَلامِ عَنْ ظاهِرِهِ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ، أيْ: ﴿أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾ (p-٢٥١)(أنْ لا تُشْرِكُوا)، وهَذا بَعِيدٌ لِأنَّ ما جاءَ بَعْدَهُ أمْرٌ مَعْطُوفٌ بِالواوِ، ومُناهُ هي مَعْطُوفَةٌ بِالواوِ، فَلا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ تَبْيِينًا لِما حَرَّمَ، أمّا الأوامِرُ فَمِن حَيْثُ المَعْنى، وأمّا المَناهِي فَمِن حَيْثُ العَطْفِ. الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: أُوصِيكم أنْ لا تُشْرِكُوا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ مَحْمُولٌ عَلى أُوصِيكم ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾، وهَذا بَعِيدٌ لِأنَّ الإضْمارَ عَلى خِلافِ الأصْلِ. وهَذِهِ الأوْجُهُ الثَّلاثَةُ ”لا“ فِيها باقِيَةٌ عَلى أصْلِ وضْعِها مِنَ النَّفْيِ، وهو مُرادٌ. الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى البَدَلِ مِن ﴿ما حَرَّمَ﴾ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ المَحْذُوفِ مِن ﴿ما حَرَّمَ﴾، إذْ تَقْدِيرُهُ ما حَرَّمَهُ، وهَذانِ الوَجْهانِ ”لا“ فِيهِما زائِدَةٌ كَهي في قَوْلِهِ: (ما مَنَعَكَ أنْ لا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ)، وهَذا ضَعِيفٌ لِانْحِصارِ عُمُومِ المُحَرَّمِ في الإشْراكِ، إذْ ما بَعْدَهُ مِنَ الأمْرِ لَيْسَ داخِلًا مِنَ المُحَرَّمِ، ولا بَعْدَ الأمْرِ مِمّا فِيهِ لا يُمْكِنُ ادِّعاءُ زِيادَةٍ لا فِيهِ لِظُهُورِ ”أنْ لا“ فِيها لِلنَّهْيِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): هَلّا قُلْتَ هي الَّتِي تَنْصِبُ الفِعْلَ، وجَعَلْتَ (أنْ لا تُشْرِكُوا) بَدَلًا مِن ﴿ما حَرَّمَ﴾، (قُلْتُ): وجَبَ أنْ يَكُونَ لا تُشْرِكُوا ولا تَقْرَبُوا ولا تَقْتُلُوا ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ نَواهِيَ لِانْعِطافِ الأوامِرِ عَلَيْها، وهي قَوْلُهُ: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: وأحْسِنُوا ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾، ”وأوْفُوا“، ”وإذا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا“، ”وبِعَهْدِ اللَّهِ أوْفَوْا“ . انْتَهى. ولا يَتَعَيَّنُ أنْ تَكُونَ جَمِيعُ الأوامِرِ مَعْطُوفَةً عَلى جَمِيعِ ما دَخَلَ عَلَيْهِ ”لا“؛ لِأنّا بَيَّنّا جَوازَ عَطْفِ ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ عَلى (تَعالَوْا)، وما بَعْدَهُ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، ولا يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ مَعْطُوفًا عَلى (أنْ تُشْرِكُوا)، و(أنْ لا تُشْرِكُوا) شامِلٌ لِمَن أشْرَكَ بِاللَّهِ الأصْنامَ كَقَوْمِ إبْراهِيمَ، ومَن أشْرَكَ بِاللَّهِ الجِنَّ، ومَن أشْرَكَ بَنِينَ وبَناتٍ. وقالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: قِيلَ ادِّعاءَ شَرِيكٍ لِلَّهِ. وقِيلَ: طاعَةَ غَيْرِ اللَّهِ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ في سُورَةِ البَقَرَةِ. * * ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم مِن إمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكم وإيّاهُمْ﴾: (مِن) هُنا سَبَبِيَّةٌ، أيْ: مِن فَقْرٍ، لِقَوْلِهِ ﴿خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١]، وقَتْلُ الوَلَدِ حَرامٌ إلّا بِحَقِّهِ، وإنَّما ذُكِرَ هَذا السَّبَبُ لِأنَّهُ كانَ العِلَّةَ في قَتْلِ الوَلَدِ عِنْدَهم، وبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ هو الرّازِقُ لَهم ولِأوْلادِهِمْ، وإذا كانَ هو الرّازِقَ فَكَما لا تَقْتُلْ نَفْسَكَ كَذَلِكَ لا تَقْتُلْ ولَدَكَ. ولَمّا أمَرَ تَعالى بِالإحْسانِ إلى الوالِدَيْنِ نَهى عَنِ الإساءَةِ إلى الأوْلادِ، ونَبِّهَ عَلى أعْظَمِ الإساءَةِ لِلْأوْلادِ هو إعْدامُ حَياتِهِمْ بِالقَتْلِ خَوْفَ الفَقْرِ، كَما قالَ في الحَدِيثِ وقَدْ سُئِلَ عَنْ أكْبَرِ الكَبائِرِ فَذَكَرَ الشِّرْكَ بِاللَّهِ، وهو قَوْلُهُ: «أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ» ثُمَّ قالَ: «وأنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ مَخافَةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ» وقالَ: «وأنَّ تُزانِيَ حَلِيلَةَ جارِكَ»، وجاءَ هَذا الحَدِيثُ مُنْتَزَعًا مِن هَذِهِ الآيَةِ، وجاءَ التَّرْكِيبُ هُنا ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكم وإيّاهُمْ﴾، وفي الإسْراءِ ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهم وإيّاكُمْ﴾ [الإسراء: ٣١]، فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنَ التَّفَنُّنِ في الكَلامِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ في هَذِهِ الآيَةِ: جاءَ ﴿مِن إمْلاقٍ﴾، فَظاهِرُهُ حُصُولُ الإمْلاقِ لِلْوالِدِ لا تَوَقُّعُهُ وخَشْيَتُهُ، وإنْ كانَ واجِدًا لِلْمالِ، فَبَدَأ أوَّلًا بِقَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ﴾ خِطابًا لِلْآباءِ وتَبْشِيرًا لَهم بِزَوالِ الإمْلاقِ وإحالَةِ الرِّزْقِ عَلى الخَلّاقِ الرَّزّاقِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِمُ الأوْلادَ. وأمّا في الإسْراءِ فَظاهِرُ التَّرْكِيبِ أنَّهم مُوسِرُونَ، وأنَّ قَتْلَهم إيّاهم إنَّما هو لِتَوَقُّعِ حُصُولِ الإمْلاقِ والخَشْيَةِ مِنهُ، فَبُدِئَ فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ﴾ [الإسراء: ٣١] إخْبارًا بِتَكَفُّلِهِ تَعالى بِرِزْقِهِمْ، فَلَسْتُمْ أنْتُمْ رازِقِيهِمْ، وعَطَفَ عَلَيْهِمُ الآباءَ، وصارَتِ الآيَتانِ مُفِيدَتَيْنِ مَعْنَيَيْنِ. أحَدُهُما أنَّ الآباءَ نُهُوا عَنْ قَتْلِ الأوْلادِ مَعَ وُجُودِ إمْلاقِهِمْ. والآخَرُ أنَّهم نُهُوا عَنْ قَتْلِهِمْ وإنْ كانُوا مُوسِرِينَ لِتَوَقُّعِ الإمْلاقِ وخَشْيَتِهِ، وحَمْلُ (p-٢٥٢)الآيَتَيْنِ عَلى ما يُفِيدُ مَعْنَيَيْنِ أوْلى مِنَ التَّأْكِيدِ. ﴿ولا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ المَنقُولُ فِيما ﴿مِنها وما بَطَنَ﴾ كالمَنقُولِ في ﴿وذَرُوا ظاهِرَ الإثْمِ وباطِنَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٠] وتَقَدَّمَ فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. ﴿ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ﴾ هَذا مُنْدَرِجٌ تَحْتَ عُمُومِ الفَواحِشِ إذِ الأجْوَدُ أنْ لا يَخُصَّ الفَواحِشَ بِنَوْعٍ ما، وإنَّما جَرَّدَ مِنها قَتْلَ النَّفْسِ تَعْظِيمًا لِهَذِهِ الفاحِشَةِ واسْتِهْوالًا لِوُقُوعِها ولِأنَّهُ لا يَتَأتّى الِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا بِالحَقِّ﴾ إلّا مِنَ القَتْلِ لا مِن عُمُومِ الفَواحِشِ، وقَوْلُهُ: ﴿الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ حَوالَةٌ عَلى سَبْقِ العَهْدِ في تَحْرِيمِها فَلِذَلِكَ وُصِفَتْ بِالَّتِي، والنَّفْسُ المُحَرَّمَةُ هي المُؤْمِنَةُ والذِّمِّيَّةُ والمُعاهَدَةُ و﴿بِالحَقِّ﴾ بِالسَّبَبِ المُوجِبِ لِقَتْلِها كالرِّدَّةِ والقِصاصِ والزِّنا بَعْدَ الإحْصانِ والمُحارَبَةِ. ﴿ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ أشارَ إلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ وفي لَفْظِ ﴿وصّاكُمْ﴾ مِنَ اللُّطْفِ والرَّأْفَةِ وجَعْلِهِمْ أوْصِياءَ لَهُ تَعالى ما لا يَخْفى مِنَ الإحْسانِ، ولَمّا كانَ العَقْلُ مَناطَ التَّكْلِيفِ قالَ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ أيْ فَوائِدَ هَذَهِ التَّكالِيفِ ومَنافِعَها في الدِّينِ والدُّنْيا والوَصاةِ الأمْرِ المُؤَكَّدِ المُقَرَّرِ. وقالَ الأعْشى: ؎أجِدَّكَ لَمْ تَسْمَعْ وصاةَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الإلَهِ حِينَ أوْصى وأشْهَدا ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ﴾ هَذا نَهْيٌ عَنِ القُرْبِ الَّذِي يَعُمُّ جَمِيعَ وُجُوهِ التَّصَرُّفِ، وفِيهِ سَدُ الذَّرِيعَةِ ﴿إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ أيْ بِالخَصْلَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ في حَقِّ اليَتِيمِ ولَمْ يَأْتِ إلّا ”بِالَّتِي هي حَسَنَةٌ“، بَلْ جاءَ بِأفْعَلَ التَّفْضِيلِ مُراعاةً لِمالِ اليَتِيمِ وأنَّهُ لا يَكْفِي فِيهِ الحالَةُ الحَسَنَةُ بَلِ الخَصْلَةُ الحُسْنى وأمْوالُ النّاسِ مَمْنُوعٌ مِن قُرْبانِها، ونَصَّ عَلى ﴿اليَتِيمِ﴾ لِأنَّ الطَّمَعَ فِيهِ أكْثَرُ لِضَعْفِهِ وقِلَّةِ مُراعاتِهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ زَيْدٍ ﴿الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣] هو أنْ يَعْمَلَ لَهُ عَمَلًا مُصْلِحًا فَيَأْكُلُ مِنهُ بِالمَعْرُوفِ وقْتَ الحاجَةِ، وقالَ الزَّجّاجُ: حِفْظُهُ وزِيادَتُهُ، وقالَ الضَّحّاكُ: حِفْظُ رِبْحِهِ بِالتِّجارَةِ ولا يَأْخُذُ مِنهُ شَيْئًا، وقالَ مُجاهِدٌ: الَّتِي هي أحْسَنُ التِّجارَةُ فَمَن كانَ مِنَ النّاظِرِينَ لَهُ مالٌ يَعِيشُ بِهِ فالأحْسَنُ إذا أثْمَرَ مالُ اليَتِيمِ أنْ لا يَأْخُذَ مِنهُ نَفَقَةً ولا أُجْرَةً ولا غَيْرَها، ومَن كانَ مِنَ النّاظِرِينَ لا مالَ لَهُ ولا يَتَّفِقُ لَهُ نَظَرٌ إلّا بِأنْ يُنْفِقَ عَلى نَفْسِهِ أنْفَقَ مِن رِبْحِ نَظَرِهِ. وقِيلَ: الِانْتِفاعُ بِدَوابِّهِ واسْتِخْدامُ جَوارِيهِ لِئَلّا يَخْرُجَ الأوْلِياءُ بِالمُخالَطَةِ. ذَكَرَهُ المَرْوَزِيُّ. وقِيلَ لا يَأْكُلُ مِنهُ إلّا قَرْضًا وهَذا بِعِيدٌ وأيُّ أحْسَنِيَّةٍ في هَذا. ﴿حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ هَذِهِ غايَةٌ مِن حَيْثُ المَعْنى لا مِن حَيْثُ هَذا التَّرْكِيبِ اللَّفْظِيِّ، ومَعْناهُ احْفَظُوا عَلى اليَتِيمِ مالَهُ إلى بُلُوغِ أشُدِّهِ فادْفَعُوهُ إلَيْهِ. وبُلُوغُ الأشُدِّ هُنا لِلْيَتِيمِ هو بُلُوغُ الحُلُمِ. قالَهُ الشَّعْبِيُّ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ ورَبِيعَةُ ومالِكٌ. وحَكى ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ ورَبِيعَةَ ومالِكٍ وأبِي حَنِيفَةَ إنَّهُ البُلُوغُ مَعَ أنَّهُ لا يَثْبُتُ فِسْقُهُ وقَدْ نُقِلَ في تَفْسِيرِ الأشُدِّ أقْوالٌ لا يُمْكِنُ أنْ تَجِيءَ هُنا وكَأنَّها نُقِلَتْ في قَوْلِهِ ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ [يوسف: ٢٢] فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ما بَيْنَ ثَمانِيَ عَشْرَةَ إلى ثَلاثِينَ، وعَنْهُ ثَلاثٌ وثَلاثُونَ، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ ومُقاتِلٍ: ثَمانِيَ عَشْرَةَ، وعَنِ السُّدِّيِّ: ثَلاثُونَ، وعَنِ الثَّوْرِيِّ: أرْبَعٌ وثَلاثُونَ، وعَنْ عِكْرِمَةَ: خَمْسٌ وعِشْرُونَ، وعَنْ عائِشَةَ: أرْبَعُونَ، وعَنْ أبِي العالِيَةِ: عَقْلُهُ واجْتِماعُ قُوَّتِهِ، وعَنْ بَعْضِهِمْ: مِن خَمْسَةَ عَشَرَ إلى ثَلاثِينَ، وعَنْ بَعْضِهِمْ: سِتُّونَ سَنَةً (p-٢٥٣)ذَكَرَهُ البَغَوِيُّ. وأشُدُّ جَمْعُ شِدَّةٍ أوْ شَدٍّ أوْ شُدٍّ أوْ جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ أوْ مُفْرَدٌ لا جَمْعَ لَهُ، أقْوالٌ خَمْسَةٌ، اخْتارَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في آخَرِينَ الأخِيرَ ولَيْسَ بِمُخْتارٍ لِفِقْدانِ أفْعَلَ في المُفْرَداتِ وضْعًا وأشُدُّ مُشْتَقٌّ مِنَ الشِّدَّةِ وهي القُوَّةُ والجَلّادَةُ. وقِيلَ: أصْلُهُ الِارْتِفاعُ مَن شَدَّ النَّهارُ إذا ارْتَفَعَ. قالَ عَنْتَرَةُ: ؎عَهْدِي بِهِ شَدَّ النَّهارِ كَأنَّما ∗∗∗ خُضِبَ اللَّبانُ ورَأسُهُ بِالعِظْلِمِ ﴿وأوْفَوُا الكَيْلَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ﴾ أيْ بِالعَدْلِ والتَّسْوِيَةِ. وقِيلَ: القِسْطُ هُنا أدْنى زِيادَةٍ لِيَخْرُجَ بِها عَنِ العُهْدَةِ بِيَقِينٍ لِما رُوِيَ: إذا وزَنْتُمْ فَأرْجِحُوا ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ أيْ إلّا ما يَسَعُها ولا تَعْجِزُ عَنْهُ، ولَمّا كانَتْ مُراعاةُ الحَدِّ مِنَ القِسْطِ الَّذِي لا زِيادَةَ فِيهِ ولا نُقْصانَ يَجْرِي فِيها الحَرَجُ ذَكَرَ بُلُوغَ الوُسْعِ وأنَّ ما وراءَهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، فالواجِبُ في إيفاءِ الكَيْلِ والمِيزانِ هو القَدْرُ المُمْكِنُ وأمّا التَّحْقِيقُ فَغَيْرُ واجِبٍ قالَ مَعْناهُ الطَّبَرِيُّ. وقِيلَ: المَعْنى لا نُكَلِّفُ ما فِيهِ تَلَفُهُ وإنْ جازَ كَقَوْلِهِ: ﴿أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٦٦] فَعَلى هَذا لا يَكُونُ راجِعًا إلى إيفاءِ الكَيْلِ والمِيزانِ، ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَقْتَضِي أنَّ هَذِهِ الأوامِرَ إنَّما هي فِيما يَقَعُ تَحْتَ قُدْرَةِ البَشَرِ مِنَ التَّحَفُّظِ والتَّحَرُّزِ لا أنَّهُ مُطالَبٌ بِغايَةِ العَدْلِ في نَفْسِ الشَّيْءِ المُتَصَرِّفِ فِيهِ. ﴿وإذا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ أيْ ولَوْ كانَ المَقُولُ لَهُ أوْ عَلَيْهِ ذا قَرابَةٍ لِلْقائِلِ فَلا يَنْبَغِي أنْ يَزِيدَ ولا يُنْقِصَ، ويَدْخُلُ في ذِي القُرْبى نَفْسُ القائِلِ ووالِداهُ وأقْرَبُوهُ، فَهو يَنْظُرُ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ عَلى أنْفُسِكم أوِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥] وعَنى بِالقَوْلِ هُنا ما لا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ إلّا بِالقَوْلِ مِن أمْرٍ وحُكْمٍ وشَهادَةِ زَجْرٍ ووَساطَةٍ بَيْنَ النّاسِ وغَيْرِ ذَلِكَ لِكَوْنِها مَنُوطَةً بِالقَوْلِ، وتَخْصِيصُهُ بِالحُكْمِ أوْ بِالأمْرِ أوْ بِالشَّهادَةِ، أقْوالٌ لا دَلِيلَ عَلَيْها عَلى التَّخْصِيصِ. ﴿وبِعَهْدِ اللَّهِ أوْفُوا﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُضافًا إلى الفاعِلِ أيْ بِما عَهِدَكُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ أوْفُوا، وأنْ يَكُونَ مُضافًا إلى المَفْعُولِ أيْ بِما عَهِدْتُمُ اللَّهَ عَلَيْهِ. وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ العَهْدُ بَيْنَ الإنْسانَيْنِ وتَكُونُ إضافَتُهُ إلى اللَّهِ تَعالى مِن حَيْثُ أمَرَ بِحِفْظِهِ والوَفاءِ بِهِ. قالَ الماتُرِيدِيُّ: أمْرُهُ ونَهْيُهُ في التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ. وقالَ التِّبْرِيزِيُّ: بِعَهْدِهِ يَوْمَ المِيثاقِ. وقالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: يَشْمَلُ ما عَهِدَهُ إلى الخَلْقِ وأوْصاهم بِهِ وعَلى ما أوْجَبَهُ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ مِن نَذْرٍ وغَيْرِهِ. ﴿ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَذَّكَّرُونَ﴾ ولَمّا كانَتِ الخَمْسَةُ المَذْكُورَةُ قَبْلَ هَذا مِنَ الأُمُورِ الظّاهِرَةِ الجَلِيَّةِ وجَبَ تَعَلُّقُها وتَفَهُّمُها فَخُتِمَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ وهَذِهِ الأرْبَعَةُ خَفِيَّةٌ غامِضَةٌ لا بُدَّ فِيها مِن الِاجْتِهادِ والذِّكْرِ الكَثِيرِ حَتّى يَقِفَ عَلى مَوْضِعِ الِاعْتِدالِ خُتِمَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ . وقَرَأ حَفْصٌ والأخَوانِ (تَذَكَّرُونَ) حَيْثُ وقَعَ بِتَخْفِيفِ الذّالِ حُذِفَتِ التّاءُ إذْ أصْلُهُ تَتَذَكَّرُونَ، وفي المَحْذُوفِ خِلافٌ أهِيَ تاءُ المُضارَعَةِ أوْ تاءُ تَفَعَّلَ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ (تَذَّكَّرُونَ) بِتَشْدِيدِهِ أُدْغِمَ تاءُ تَفْعَلُ في الذّالِ.