Al-Bahr Al-Muhit — الأنعام 6:152 – الأعراف 7:36
المحتويات
- الأنعام 6:152
- الأنعام 6:153
- الأنعام 6:154
- الأنعام 6:155
- الأنعام 6:156
- الأنعام 6:157
- الأنعام 6:158
- الأنعام 6:159
- الأنعام 6:160
- الأنعام 6:161
- الأنعام 6:162
- الأنعام 6:163
- الأنعام 6:164
- الأنعام 6:165
- الأعراف 7:1
- الأعراف 7:2
- الأعراف 7:3
- الأعراف 7:4
- الأعراف 7:5
- الأعراف 7:6
- الأعراف 7:7
- الأعراف 7:8
- الأعراف 7:9
- الأعراف 7:10
- الأعراف 7:11
- الأعراف 7:12
- الأعراف 7:13
- الأعراف 7:14
- الأعراف 7:15
- الأعراف 7:16
- الأعراف 7:17
- الأعراف 7:18
- الأعراف 7:19
- الأعراف 7:20
- الأعراف 7:21
- الأعراف 7:22
- الأعراف 7:23
- الأعراف 7:24
- الأعراف 7:25
- الأعراف 7:26
- الأعراف 7:27
- الأعراف 7:28
- الأعراف 7:29
- الأعراف 7:30
- الأعراف 7:31
- الأعراف 7:32
- الأعراف 7:33
- الأعراف 7:34
- الأعراف 7:35
- الأعراف 7:36
الأنعام 6:152
﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى ما حَرَّمُوهُ افْتِراءً عَلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَرَ ما أباحَهُ تَعالى لَهم مِنَ الحُبُوبِ والفَواكِهِ والحَيَوانِ، ذَكَرَ ما حَرَّمَهُ تَعالى عَلَيْهِمْ مِن أشْياءَ نَهاهم عَنْها وما أوْجَبَ عَلَيْهِمْ مِن أشْياءَ أمَرَهم بِها. وتَقَدَّمَ (p-٢٤٩)شَرْحُ ﴿تَعالَوْا﴾ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلى كَلِمَةٍ﴾ [آل عمران: ٦٤]، والخِطابُ في قُلْ لِلرَّسُولِ، وفي تَعالَوْا قِيلَ لِلْمُشْرِكِينَ، وقِيلَ: لِمَن بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ مِن مُؤْمِنٍ وكِتابِيٍّ ومُشْرِكٍ. وسِياقُ الآياتِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لِلْمُشْرِكِينَ، وإنْ كانَ حُكْمُ غَيْرِهِمْ في ذَلِكَ حُكْمَهم، أمَرَهُ تَعالى أنْ يَدْعُوَ جَمِيعَ الخَلْقِ إلى سَماعِ ما حَرَّمَ اللَّهُ بِشَرْعِ الإسْلامِ المَبْعُوثِ بِهِ إلى الأسْوَدِ والأحْمَرِ. وأتْلُ: أسْرُدُ وأقُصُّ مِنَ التِّلاوَةِ، وهي إتْباعُ بَعْضِ الحُرُوفِ بَعْضًا. وقالَ كَعْبُ الأحْبارِ: هَذِهِ الآياتُ مُفْتَتَحُ التَّوْراةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم ألّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ﴾ إلى آخَرِ الآيَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذِهِ الآياتُ هي المُحْكَماتُ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، أجْمَعَتْ عَلَيْها شَرائِعُ الخَلْقِ ولَمْ تُنْسَخْ قَطُّ في مِلَّةٍ. وقَدْ قِيلَ: إنَّها العَشْرُ كَلِماتٍ المُنَزَّلَةُ عَلى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - و(ما) بِمَعْنى الَّذِي وهي مُفَعْوِلَةٌ بِأتْلُ، أيْ: أقْرَأُ الَّذِي حَرَّمَهُ رَبُّكم عَلَيْكم. وقِيلَ: مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: تَحْرِيمَ رَبِّكم. وقِيلَ: اسْتِفْهامِيَّةٌ مَنصُوبَةٌ بِحَرَّمَ، أيْ: أيَّ شَيْءٍ حَرَّمَ رَبُّكم، ويَكُونُ قَدْ عَلَّقَ أتْلُ، وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ أتْلُ لَيْسَ مِن أفْعالِ القُلُوبِ فَلا تَعَلُّقَ. و﴿عَلَيْكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِحَرَّمَ لا بِأتْلُ، فَهو مِن إعْمالِ الثّانِي. وقالَ ابْنُ الشَّجَرِيِّ: إنْ عَلَّقْتَهُ بِأتْلُ فَهو جَيِّدٌ لِأنَّهُ أسْبَقُ، وهو اخْتِيارُ الكُوفِيِّينَ، فالتَّقْدِيرُ: أتْلُ عَلَيْكُمُ الَّذِي حَرَّمَ رَبُّكم.
* *
﴿أنْ لا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ الظّاهِرُ أنَّ (أنْ) تَفْسِيرِيَّةٌ، و(لا) ناهِيَةٌ؛ (p-٢٥٠)لِأنَّ (أتْلُ) فِعْلٌ بِمَعْنى القَوْلِ، وما بَعْدَ (أنْ) جُمْلَةٌ، فاجْتَمَعَ في أنْ شَرْطا التَّفْسِيرِيَّةِ وهي أنْ يَتَقَدَّمَها مَعْنى القَوْلِ وأنْ يَكُونَ بَعْدَها جُمْلَةٌ، وذَلِكَ بِخِلافِ أيْ فَإنَّها حَرْفُ تَفْسِيرٍ يَكُونُ قَبْلَها مُفْرَدٌ وجُمْلَةٌ يَكُونُ فِيها مَعْنى القَوْلِ وغَيْرُها، وبَعْدَها مُفْرَدٌ وجُمْلَةٌ، وجَعْلُها تَفْسِيرِيَّةً هو اخْتِيارُ الزَّمَخْشَرِيِّ، (فَإنْ قُلْتَ): إذا جَعَلْتَ أنْ مُفَسِّرَةً لِفِعْلِ التِّلاوَةِ وهو مُعَلَّقٌ بِـ ﴿ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ وجَبَ أنْ يَكُونَ ما بَعْدَهُ مَنهِيًّا عَنْهُ مُحَرَّمًا كُلُّهُ، كالشِّرْكِ، وما بَعْدَهُ مِمّا دَخَلَ عَلَيْهِ حَرْفُ النَّهْيِ، فَما يُصْنَعُ بِالأوامِرِ ؟ (قُلْتُ): لَمّا ورَدَتْ هَذِهِ الأوامِرُ مَعَ النَّواهِي وتَقَدَّمَهُنَّ جَمِيعًا فِعْلُ التَّحْرِيمِ واشْتَرَكْنَ في الدُّخُولِ تَحْتَ حُكْمِهِ، عُلِمَ أنَّ التَّحْرِيمَ راجِعٌ إلى أضْدادِها، وهي الإشارَةُ إلى الوالِدَيْنِ وبِخَسِ الكَيْلِ والمِيزانِ وتَرْكِ العَدْلِ في القَوْلِ ونَكْثِ عَهْدِ اللَّهِ. انْتَهى. وكَوْنُ هَذِهِ الأشْياءِ اشْتَرَكَتْ في الدُّخُولِ تَحْتَ حُكْمِ التَّحْرِيمِ، وكَوْنُ التَّحْرِيمِ راجِعًا إلى أضْدادِ الأوامِرِ بِعِيدٌ جِدًّا وألْغازٌ في المَعانِي ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى ذَلِكَ، وأمّا عَطْفُ هَذِهِ الأوامِرِ فَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ، أحَدُهُما أنَّها مَعْطُوفَةٌ عَلى المَناهِي قَبْلَها، فَيَلْزَمُ انْسِحابُ التَّحْرِيمِ عَلَيْها حَيْثُ كانَتْ في حَيِّزِ أنِ التَّفْسِيرِيَّةِ، بَلْ هي مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ﴾، أمَرَهم أوَّلًا بِأمْرٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ذِكْرُ مُناهُ، ثُمَّ أمَرَهم ثانِيًا بِأوامِرَ، وهَذا مَعْنًى واضِحٌ، والثّانِي أنْ تَكُونَ الأوامِرُ مَعْطُوفَةً عَلى المَناهِي وداخِلَةً تَحْتَ أنِ التَّفْسِيرِيَّةِ، ويَصِحُّ ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ تَكُونُ أنْ مُفَسِّرَةً لَهُ ولِلْمَنطُوقِ قَبْلَهُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ حَذْفُهُ، والتَّقْدِيرُ: وما أمَرَكم بِهِ، فَحَذَفَ وما أمَرَكم بِهِ لِدَلالَةِ ما حَرَّمَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ مَعْنى ﴿ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾ ما نَهاكم رَبُّكم عَنْهُ، فالمَعْنى قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما نَهاكم رَبُّكم عَنْهُ، وإذا كانَ التَّقْدِيرُ هَكَذا صَحَّ أنْ تَكُونَ أنْ تَفْسِيرِيَّةً لِفِعْلِ النَّهْيِ الدّالِّ عَلَيْهِ التَّحْرِيمُ وفِعْلِ الأمْرِ المَحْذُوفِ، ألا تَرى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: أمَرْتُكَ أنْ لا تُكْرِمَ جاهِلًا وأكْرِمْ عالِمًا، إذْ يَجُوزُ عَطْفُ الأمْرِ عَلى النَّهْيِ والنَّهْيِ عَلى الأمْرِ، كَما قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎يَقُولُونَ لا تَهْلِكْ أسًى وتَجَمَّلِ
وهَذا لا نَعْلَمُ فِيهِ خِلافًا، بِخِلافِ الجُمَلِ المُتَبايِنَةِ بِالخَبَرِ والِاسْتِفْهامِ والإنْشاءِ، فَإنَّ في جَوازِ العَطْفِ فِيها خِلافًا، وقَدْ جَوَّزُوا في (أنْ) أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً لا تَفْسِيرِيَّةَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ وفي مَوْضِعِ نَصْبٍ. فَأمّا الرَّفْعُ فَعَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى، والتَّقْدِيرُ: المَتْلُوُّ (أنْ لا تُشْرِكُوا) . وأمّا النَّصْبُ فَمِن وُجُوهٍ، أحَدُها: أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِقَوْلِهِ: (عَلَيْكم)، ويَكُونُ مِن بابِ الإغْراءِ، وتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾، أيِ: التَزِمُوا انْتِفاءَ الإشْراكِ، وهَذا بَعِيدٌ لِتَفْكِيكِ الكَلامِ عَنْ ظاهِرِهِ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ، أيْ: ﴿أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾ (p-٢٥١)(أنْ لا تُشْرِكُوا)، وهَذا بَعِيدٌ لِأنَّ ما جاءَ بَعْدَهُ أمْرٌ مَعْطُوفٌ بِالواوِ، ومُناهُ هي مَعْطُوفَةٌ بِالواوِ، فَلا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ تَبْيِينًا لِما حَرَّمَ، أمّا الأوامِرُ فَمِن حَيْثُ المَعْنى، وأمّا المَناهِي فَمِن حَيْثُ العَطْفِ. الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: أُوصِيكم أنْ لا تُشْرِكُوا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ مَحْمُولٌ عَلى أُوصِيكم ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾، وهَذا بَعِيدٌ لِأنَّ الإضْمارَ عَلى خِلافِ الأصْلِ. وهَذِهِ الأوْجُهُ الثَّلاثَةُ ”لا“ فِيها باقِيَةٌ عَلى أصْلِ وضْعِها مِنَ النَّفْيِ، وهو مُرادٌ. الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى البَدَلِ مِن ﴿ما حَرَّمَ﴾ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ المَحْذُوفِ مِن ﴿ما حَرَّمَ﴾، إذْ تَقْدِيرُهُ ما حَرَّمَهُ، وهَذانِ الوَجْهانِ ”لا“ فِيهِما زائِدَةٌ كَهي في قَوْلِهِ: (ما مَنَعَكَ أنْ لا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ)، وهَذا ضَعِيفٌ لِانْحِصارِ عُمُومِ المُحَرَّمِ في الإشْراكِ، إذْ ما بَعْدَهُ مِنَ الأمْرِ لَيْسَ داخِلًا مِنَ المُحَرَّمِ، ولا بَعْدَ الأمْرِ مِمّا فِيهِ لا يُمْكِنُ ادِّعاءُ زِيادَةٍ لا فِيهِ لِظُهُورِ ”أنْ لا“ فِيها لِلنَّهْيِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): هَلّا قُلْتَ هي الَّتِي تَنْصِبُ الفِعْلَ، وجَعَلْتَ (أنْ لا تُشْرِكُوا) بَدَلًا مِن ﴿ما حَرَّمَ﴾، (قُلْتُ): وجَبَ أنْ يَكُونَ لا تُشْرِكُوا ولا تَقْرَبُوا ولا تَقْتُلُوا ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ نَواهِيَ لِانْعِطافِ الأوامِرِ عَلَيْها، وهي قَوْلُهُ: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: وأحْسِنُوا ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾، ”وأوْفُوا“، ”وإذا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا“، ”وبِعَهْدِ اللَّهِ أوْفَوْا“ . انْتَهى. ولا يَتَعَيَّنُ أنْ تَكُونَ جَمِيعُ الأوامِرِ مَعْطُوفَةً عَلى جَمِيعِ ما دَخَلَ عَلَيْهِ ”لا“؛ لِأنّا بَيَّنّا جَوازَ عَطْفِ ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ عَلى (تَعالَوْا)، وما بَعْدَهُ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، ولا يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ مَعْطُوفًا عَلى (أنْ تُشْرِكُوا)، و(أنْ لا تُشْرِكُوا) شامِلٌ لِمَن أشْرَكَ بِاللَّهِ الأصْنامَ كَقَوْمِ إبْراهِيمَ، ومَن أشْرَكَ بِاللَّهِ الجِنَّ، ومَن أشْرَكَ بَنِينَ وبَناتٍ. وقالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: قِيلَ ادِّعاءَ شَرِيكٍ لِلَّهِ. وقِيلَ: طاعَةَ غَيْرِ اللَّهِ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
* *
﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم مِن إمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكم وإيّاهُمْ﴾: (مِن) هُنا سَبَبِيَّةٌ، أيْ: مِن فَقْرٍ، لِقَوْلِهِ ﴿خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١]، وقَتْلُ الوَلَدِ حَرامٌ إلّا بِحَقِّهِ، وإنَّما ذُكِرَ هَذا السَّبَبُ لِأنَّهُ كانَ العِلَّةَ في قَتْلِ الوَلَدِ عِنْدَهم، وبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ هو الرّازِقُ لَهم ولِأوْلادِهِمْ، وإذا كانَ هو الرّازِقَ فَكَما لا تَقْتُلْ نَفْسَكَ كَذَلِكَ لا تَقْتُلْ ولَدَكَ. ولَمّا أمَرَ تَعالى بِالإحْسانِ إلى الوالِدَيْنِ نَهى عَنِ الإساءَةِ إلى الأوْلادِ، ونَبِّهَ عَلى أعْظَمِ الإساءَةِ لِلْأوْلادِ هو إعْدامُ حَياتِهِمْ بِالقَتْلِ خَوْفَ الفَقْرِ، كَما قالَ في الحَدِيثِ وقَدْ سُئِلَ عَنْ أكْبَرِ الكَبائِرِ فَذَكَرَ الشِّرْكَ بِاللَّهِ، وهو قَوْلُهُ: «أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ» ثُمَّ قالَ: «وأنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ مَخافَةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ» وقالَ: «وأنَّ تُزانِيَ حَلِيلَةَ جارِكَ»، وجاءَ هَذا الحَدِيثُ مُنْتَزَعًا مِن هَذِهِ الآيَةِ، وجاءَ التَّرْكِيبُ هُنا ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكم وإيّاهُمْ﴾، وفي الإسْراءِ ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهم وإيّاكُمْ﴾ [الإسراء: ٣١]، فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنَ التَّفَنُّنِ في الكَلامِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ في هَذِهِ الآيَةِ: جاءَ ﴿مِن إمْلاقٍ﴾، فَظاهِرُهُ حُصُولُ الإمْلاقِ لِلْوالِدِ لا تَوَقُّعُهُ وخَشْيَتُهُ، وإنْ كانَ واجِدًا لِلْمالِ، فَبَدَأ أوَّلًا بِقَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ﴾ خِطابًا لِلْآباءِ وتَبْشِيرًا لَهم بِزَوالِ الإمْلاقِ وإحالَةِ الرِّزْقِ عَلى الخَلّاقِ الرَّزّاقِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِمُ الأوْلادَ. وأمّا في الإسْراءِ فَظاهِرُ التَّرْكِيبِ أنَّهم مُوسِرُونَ، وأنَّ قَتْلَهم إيّاهم إنَّما هو لِتَوَقُّعِ حُصُولِ الإمْلاقِ والخَشْيَةِ مِنهُ، فَبُدِئَ فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ﴾ [الإسراء: ٣١] إخْبارًا بِتَكَفُّلِهِ تَعالى بِرِزْقِهِمْ، فَلَسْتُمْ أنْتُمْ رازِقِيهِمْ، وعَطَفَ عَلَيْهِمُ الآباءَ، وصارَتِ الآيَتانِ مُفِيدَتَيْنِ مَعْنَيَيْنِ. أحَدُهُما أنَّ الآباءَ نُهُوا عَنْ قَتْلِ الأوْلادِ مَعَ وُجُودِ إمْلاقِهِمْ. والآخَرُ أنَّهم نُهُوا عَنْ قَتْلِهِمْ وإنْ كانُوا مُوسِرِينَ لِتَوَقُّعِ الإمْلاقِ وخَشْيَتِهِ، وحَمْلُ (p-٢٥٢)الآيَتَيْنِ عَلى ما يُفِيدُ مَعْنَيَيْنِ أوْلى مِنَ التَّأْكِيدِ.
﴿ولا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ المَنقُولُ فِيما ﴿مِنها وما بَطَنَ﴾ كالمَنقُولِ في ﴿وذَرُوا ظاهِرَ الإثْمِ وباطِنَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٠] وتَقَدَّمَ فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ.
﴿ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ﴾ هَذا مُنْدَرِجٌ تَحْتَ عُمُومِ الفَواحِشِ إذِ الأجْوَدُ أنْ لا يَخُصَّ الفَواحِشَ بِنَوْعٍ ما، وإنَّما جَرَّدَ مِنها قَتْلَ النَّفْسِ تَعْظِيمًا لِهَذِهِ الفاحِشَةِ واسْتِهْوالًا لِوُقُوعِها ولِأنَّهُ لا يَتَأتّى الِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا بِالحَقِّ﴾ إلّا مِنَ القَتْلِ لا مِن عُمُومِ الفَواحِشِ، وقَوْلُهُ: ﴿الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ حَوالَةٌ عَلى سَبْقِ العَهْدِ في تَحْرِيمِها فَلِذَلِكَ وُصِفَتْ بِالَّتِي، والنَّفْسُ المُحَرَّمَةُ هي المُؤْمِنَةُ والذِّمِّيَّةُ والمُعاهَدَةُ و﴿بِالحَقِّ﴾ بِالسَّبَبِ المُوجِبِ لِقَتْلِها كالرِّدَّةِ والقِصاصِ والزِّنا بَعْدَ الإحْصانِ والمُحارَبَةِ.
﴿ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ أشارَ إلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ وفي لَفْظِ ﴿وصّاكُمْ﴾ مِنَ اللُّطْفِ والرَّأْفَةِ وجَعْلِهِمْ أوْصِياءَ لَهُ تَعالى ما لا يَخْفى مِنَ الإحْسانِ، ولَمّا كانَ العَقْلُ مَناطَ التَّكْلِيفِ قالَ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ أيْ فَوائِدَ هَذَهِ التَّكالِيفِ ومَنافِعَها في الدِّينِ والدُّنْيا والوَصاةِ الأمْرِ المُؤَكَّدِ المُقَرَّرِ. وقالَ الأعْشى:
؎أجِدَّكَ لَمْ تَسْمَعْ وصاةَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الإلَهِ حِينَ أوْصى وأشْهَدا
﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ﴾ هَذا نَهْيٌ عَنِ القُرْبِ الَّذِي يَعُمُّ جَمِيعَ وُجُوهِ التَّصَرُّفِ، وفِيهِ سَدُ الذَّرِيعَةِ ﴿إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ أيْ بِالخَصْلَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ في حَقِّ اليَتِيمِ ولَمْ يَأْتِ إلّا ”بِالَّتِي هي حَسَنَةٌ“، بَلْ جاءَ بِأفْعَلَ التَّفْضِيلِ مُراعاةً لِمالِ اليَتِيمِ وأنَّهُ لا يَكْفِي فِيهِ الحالَةُ الحَسَنَةُ بَلِ الخَصْلَةُ الحُسْنى وأمْوالُ النّاسِ مَمْنُوعٌ مِن قُرْبانِها، ونَصَّ عَلى ﴿اليَتِيمِ﴾ لِأنَّ الطَّمَعَ فِيهِ أكْثَرُ لِضَعْفِهِ وقِلَّةِ مُراعاتِهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ زَيْدٍ ﴿الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣] هو أنْ يَعْمَلَ لَهُ عَمَلًا مُصْلِحًا فَيَأْكُلُ مِنهُ بِالمَعْرُوفِ وقْتَ الحاجَةِ، وقالَ الزَّجّاجُ: حِفْظُهُ وزِيادَتُهُ، وقالَ الضَّحّاكُ: حِفْظُ رِبْحِهِ بِالتِّجارَةِ ولا يَأْخُذُ مِنهُ شَيْئًا، وقالَ مُجاهِدٌ: الَّتِي هي أحْسَنُ التِّجارَةُ فَمَن كانَ مِنَ النّاظِرِينَ لَهُ مالٌ يَعِيشُ بِهِ فالأحْسَنُ إذا أثْمَرَ مالُ اليَتِيمِ أنْ لا يَأْخُذَ مِنهُ نَفَقَةً ولا أُجْرَةً ولا غَيْرَها، ومَن كانَ مِنَ النّاظِرِينَ لا مالَ لَهُ ولا يَتَّفِقُ لَهُ نَظَرٌ إلّا بِأنْ يُنْفِقَ عَلى نَفْسِهِ أنْفَقَ مِن رِبْحِ نَظَرِهِ. وقِيلَ: الِانْتِفاعُ بِدَوابِّهِ واسْتِخْدامُ جَوارِيهِ لِئَلّا يَخْرُجَ الأوْلِياءُ بِالمُخالَطَةِ. ذَكَرَهُ المَرْوَزِيُّ. وقِيلَ لا يَأْكُلُ مِنهُ إلّا قَرْضًا وهَذا بِعِيدٌ وأيُّ أحْسَنِيَّةٍ في هَذا.
﴿حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ هَذِهِ غايَةٌ مِن حَيْثُ المَعْنى لا مِن حَيْثُ هَذا التَّرْكِيبِ اللَّفْظِيِّ، ومَعْناهُ احْفَظُوا عَلى اليَتِيمِ مالَهُ إلى بُلُوغِ أشُدِّهِ فادْفَعُوهُ إلَيْهِ. وبُلُوغُ الأشُدِّ هُنا لِلْيَتِيمِ هو بُلُوغُ الحُلُمِ. قالَهُ الشَّعْبِيُّ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ ورَبِيعَةُ ومالِكٌ. وحَكى ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ ورَبِيعَةَ ومالِكٍ وأبِي حَنِيفَةَ إنَّهُ البُلُوغُ مَعَ أنَّهُ لا يَثْبُتُ فِسْقُهُ وقَدْ نُقِلَ في تَفْسِيرِ الأشُدِّ أقْوالٌ لا يُمْكِنُ أنْ تَجِيءَ هُنا وكَأنَّها نُقِلَتْ في قَوْلِهِ ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ [يوسف: ٢٢] فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ما بَيْنَ ثَمانِيَ عَشْرَةَ إلى ثَلاثِينَ، وعَنْهُ ثَلاثٌ وثَلاثُونَ، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ ومُقاتِلٍ: ثَمانِيَ عَشْرَةَ، وعَنِ السُّدِّيِّ: ثَلاثُونَ، وعَنِ الثَّوْرِيِّ: أرْبَعٌ وثَلاثُونَ، وعَنْ عِكْرِمَةَ: خَمْسٌ وعِشْرُونَ، وعَنْ عائِشَةَ: أرْبَعُونَ، وعَنْ أبِي العالِيَةِ: عَقْلُهُ واجْتِماعُ قُوَّتِهِ، وعَنْ بَعْضِهِمْ: مِن خَمْسَةَ عَشَرَ إلى ثَلاثِينَ، وعَنْ بَعْضِهِمْ: سِتُّونَ سَنَةً (p-٢٥٣)ذَكَرَهُ البَغَوِيُّ. وأشُدُّ جَمْعُ شِدَّةٍ أوْ شَدٍّ أوْ شُدٍّ أوْ جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ أوْ مُفْرَدٌ لا جَمْعَ لَهُ، أقْوالٌ خَمْسَةٌ، اخْتارَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في آخَرِينَ الأخِيرَ ولَيْسَ بِمُخْتارٍ لِفِقْدانِ أفْعَلَ في المُفْرَداتِ وضْعًا وأشُدُّ مُشْتَقٌّ مِنَ الشِّدَّةِ وهي القُوَّةُ والجَلّادَةُ. وقِيلَ: أصْلُهُ الِارْتِفاعُ مَن شَدَّ النَّهارُ إذا ارْتَفَعَ. قالَ عَنْتَرَةُ:
؎عَهْدِي بِهِ شَدَّ النَّهارِ كَأنَّما ∗∗∗ خُضِبَ اللَّبانُ ورَأسُهُ بِالعِظْلِمِ
﴿وأوْفَوُا الكَيْلَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ﴾ أيْ بِالعَدْلِ والتَّسْوِيَةِ. وقِيلَ: القِسْطُ هُنا أدْنى زِيادَةٍ لِيَخْرُجَ بِها عَنِ العُهْدَةِ بِيَقِينٍ لِما رُوِيَ: إذا وزَنْتُمْ فَأرْجِحُوا ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ أيْ إلّا ما يَسَعُها ولا تَعْجِزُ عَنْهُ، ولَمّا كانَتْ مُراعاةُ الحَدِّ مِنَ القِسْطِ الَّذِي لا زِيادَةَ فِيهِ ولا نُقْصانَ يَجْرِي فِيها الحَرَجُ ذَكَرَ بُلُوغَ الوُسْعِ وأنَّ ما وراءَهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، فالواجِبُ في إيفاءِ الكَيْلِ والمِيزانِ هو القَدْرُ المُمْكِنُ وأمّا التَّحْقِيقُ فَغَيْرُ واجِبٍ قالَ مَعْناهُ الطَّبَرِيُّ. وقِيلَ: المَعْنى لا نُكَلِّفُ ما فِيهِ تَلَفُهُ وإنْ جازَ كَقَوْلِهِ: ﴿أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٦٦] فَعَلى هَذا لا يَكُونُ راجِعًا إلى إيفاءِ الكَيْلِ والمِيزانِ، ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَقْتَضِي أنَّ هَذِهِ الأوامِرَ إنَّما هي فِيما يَقَعُ تَحْتَ قُدْرَةِ البَشَرِ مِنَ التَّحَفُّظِ والتَّحَرُّزِ لا أنَّهُ مُطالَبٌ بِغايَةِ العَدْلِ في نَفْسِ الشَّيْءِ المُتَصَرِّفِ فِيهِ.
﴿وإذا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ أيْ ولَوْ كانَ المَقُولُ لَهُ أوْ عَلَيْهِ ذا قَرابَةٍ لِلْقائِلِ فَلا يَنْبَغِي أنْ يَزِيدَ ولا يُنْقِصَ، ويَدْخُلُ في ذِي القُرْبى نَفْسُ القائِلِ ووالِداهُ وأقْرَبُوهُ، فَهو يَنْظُرُ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ عَلى أنْفُسِكم أوِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥] وعَنى بِالقَوْلِ هُنا ما لا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ إلّا بِالقَوْلِ مِن أمْرٍ وحُكْمٍ وشَهادَةِ زَجْرٍ ووَساطَةٍ بَيْنَ النّاسِ وغَيْرِ ذَلِكَ لِكَوْنِها مَنُوطَةً بِالقَوْلِ، وتَخْصِيصُهُ بِالحُكْمِ أوْ بِالأمْرِ أوْ بِالشَّهادَةِ، أقْوالٌ لا دَلِيلَ عَلَيْها عَلى التَّخْصِيصِ.
﴿وبِعَهْدِ اللَّهِ أوْفُوا﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُضافًا إلى الفاعِلِ أيْ بِما عَهِدَكُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ أوْفُوا، وأنْ يَكُونَ مُضافًا إلى المَفْعُولِ أيْ بِما عَهِدْتُمُ اللَّهَ عَلَيْهِ. وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ العَهْدُ بَيْنَ الإنْسانَيْنِ وتَكُونُ إضافَتُهُ إلى اللَّهِ تَعالى مِن حَيْثُ أمَرَ بِحِفْظِهِ والوَفاءِ بِهِ. قالَ الماتُرِيدِيُّ: أمْرُهُ ونَهْيُهُ في التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ. وقالَ التِّبْرِيزِيُّ: بِعَهْدِهِ يَوْمَ المِيثاقِ. وقالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: يَشْمَلُ ما عَهِدَهُ إلى الخَلْقِ وأوْصاهم بِهِ وعَلى ما أوْجَبَهُ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ مِن نَذْرٍ وغَيْرِهِ.
﴿ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَذَّكَّرُونَ﴾ ولَمّا كانَتِ الخَمْسَةُ المَذْكُورَةُ قَبْلَ هَذا مِنَ الأُمُورِ الظّاهِرَةِ الجَلِيَّةِ وجَبَ تَعَلُّقُها وتَفَهُّمُها فَخُتِمَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ وهَذِهِ الأرْبَعَةُ خَفِيَّةٌ غامِضَةٌ لا بُدَّ فِيها مِن الِاجْتِهادِ والذِّكْرِ الكَثِيرِ حَتّى يَقِفَ عَلى مَوْضِعِ الِاعْتِدالِ خُتِمَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ . وقَرَأ حَفْصٌ والأخَوانِ (تَذَكَّرُونَ) حَيْثُ وقَعَ بِتَخْفِيفِ الذّالِ حُذِفَتِ التّاءُ إذْ أصْلُهُ تَتَذَكَّرُونَ، وفي المَحْذُوفِ خِلافٌ أهِيَ تاءُ المُضارَعَةِ أوْ تاءُ تَفَعَّلَ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ (تَذَّكَّرُونَ) بِتَشْدِيدِهِ أُدْغِمَ تاءُ تَفْعَلُ في الذّالِ.
الأنعام 6:153
﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ﴾ قَرَأ الأخَوانِ: (وإنَّ هَذا) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وتَشْدِيدِ النُّونِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، ﴿فاتَّبِعُوهُ﴾ جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ المُسْتَأْنَفَةِ. وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها، وخَفَّفَ ابْنُ عامِرٍ النُّونَ، وشَدَّدَها الباقُونَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي إسْحاقَ: (وإنَّ) (p-٢٥٤)كَقِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ، فَأمّا تَخْفِيفُ النُّونِ فَعَلى أنَّهُ حُذِفَ اسْمُ إنَّ وهو ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وخَرَجَتْ قِراءَةُ فَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا حُذِفَ مِنها اللّامُ، تَقْدِيرُهُ: ولِأنَّ هَذا ﴿صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ﴾، كَقَوْلِهِ: ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا﴾ [الجن: ١٨]، وقَدْ صَرَّحَ بِاللّامِ في قَوْلِهِ: ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ [قريش: ١] ﴿إيلافِهِمْ﴾ [قريش: ٢]، (فَلْيَعْبُدُوا) . قالَ الفارِسِيَّ: قِياسُ قَوْلِ سِيبَوَيْهِ في فَتْحِ الهَمْزَةِ أنْ تَكُونَ الفاءُ زائِدَةً بِمَنزِلَتِها في زَيْدٌ فَقامَ. الوَجْهُ الثّانِي: أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى (أنْ لا تُشْرِكُوا)، أيْ: أتْلُ عَلَيْكم نَفْيَ الإشْراكِ والتَّوْحِيدَ وأتْلُ عَلَيْكم أنَّ هَذا صِراطِي، وهَذا عَلى تَقْدِيرِ أنَّ (أنْ) في (أنْ لا تُشْرِكُوا) مَصْدَرِيَّةٌ، قالَهُ الحَوْفِيُّ، هَكَذا قَرَّرُوا هَذا الوَجْهَ فَجَعَلُوهُ مَعْطُوفًا عَلى البَدَلِ مِمّا حَرَّمَ، وهو ”أنْ لا تُشْرِكُوا“ . وقالَ أبُو البَقاءِ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى المُبْدَلِ مِنهُ، أيْ: أتْلُ الَّذِي حَرَّمَ وأتْلُ أنَّ هَذا ﴿صِراطِي مُسْتَقِيمًا﴾، وهو تَخْرِيجٌ سائِغٌ في الكَلامِ، وعَلى هَذا فالصِّراطُ مُضافٌ لِلْمُتَكَلِّمِ وهو الرَّسُولُ ﷺ وصِراطُهُ هو صِراطُ اللَّهِ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ جَرٍّ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ في بِهِ، قالَهُ الفَرّاءُ، أيْ: وصّاكم بِهِ، وبِأنَّ حُذِفَتِ الباءُ لِطُولِ أنَّ بِالصِّلَةِ. قالَ الحَوْفِيُّ: وهي مُرادَّةٌ، ولا يَكُونُ في هَذا عَطْفُ مُظْهَرٍ عَلى مُضْمَرٍ لِإرادَتِها. وقالَ أبُو البَقاءِ: هَذا فاسِدٌ لِوَجْهَيْنِ، أحَدُهُما عَطْفُ المُظْهَرِ عَلى المُضْمَرِ مِن غَيْرِ إعادَةِ الجارِّ، والثّانِي أنَّهُ يَصِيرُ المَعْنى: وصّاكم بِاسْتِقامَةِ الصِّراطِ. وقَرَأ الأعْمَشُ: و﴿هَذا صِراطِي﴾، وكَذا في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ، ولَمّا فَصَلَ في الآيَتَيْنِ قَبْلُ أجْمَلَ في هَذِهِ إجْمالًا يَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ ما تَقَدَّمَ وجَمِيعُ شَرِيعَتِهِ، والإشارَةُ بِهَذا إلى الإسْلامِ أوِ القُرْآنِ أوْ ما ورَدَ في هَذِهِ السُّورَةِ؛ لِأنَّها كُلَّها في التَّوْحِيدِ وأدِلَّةِ النُّبُوَّةِ وإثْباتِ الدِّينِ وإلى هَذِهِ الآياتِ الَّتِي أعْقَبَتْها هَذِهِ الآيَةُ؛ لِأنَّها المُحْكَماتُ الَّتِي لَمْ تُنْسَخْ في مِلَّةٍ مِنَ المِلَلِ، أقْوالٌ أرْبَعَةٌ. (فاتَّبِعُوهُ) أمْرٌ بِاتِّباعِهِ كُلِّهِ، والمَعْنى: فاعْمَلُوا بِمُقْتَضاهُ مِن تَحْرِيمٍ وتَحْلِيلٍ وأمْرٍ ونَهْيٍ وإباحَةٍ.
﴿ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي الضَّلالاتُ، قالَ مُجاهِدٌ: البِدَعُ والأهْواءُ والشُّبَهاتُ. وقالَ مُقاتِلٌ: ما حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ مِنَ الأنْعامِ والحَرْثِ. وقِيلَ: سُبُلُ الكُفْرِ كاليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ والمَجُوسِيَّةِ وما يَجْرِي مُجْراهم في الكُفْرِ والشِّرْكِ، وفي مُسْنَدِ الدّارِمِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «خَطَّ لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا خَطًّا ثُمَّ قالَ: ”هَذا سَبِيلُ اللَّهِ“، ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ ويَسارِهِ ثُمَّ قالَ: ”هَذِهِ سُبُلٌ عَلى كُلِّ سَبِيلٍ مِنها شَيْطانٌ يَدْعُو إلَيْها“، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ»، وعَنْ جابِرٍ نَحْوٌ مِنهُ في سُنَنِ ابْنِ ماجَهْ. وانْتَصَبَ ”فَتَفَرَّقَ“ لِأجْلِ النَّهْيِ جَوابًا لَهُ، أيْ: فَتَفَرَّقَ، فَحَذَفَ التّاءَ. وقُرِئَ: (فَتَّفَرَقَ) بِتَشْدِيدِ التّاءِ.
﴿ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ كَرَّرَ التَّوْصِيَةَ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، ولَمّا كانَ الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ هو الجامِعَ لِلتَّكالِيفِ، وأمَرَ تَعالى بِاتِّباعِهِ ونَهى عَنْ بُنَيّاتِ الطُّرُقِ، خَتَمَ ذَلِكَ بِالتَّقْوى الَّتِي هي اتِّقاءُ النّارِ، إذْ مَنِ اتَّبَعَ صِراطَهُ نَجّاهُ النَّجاةَ الأبَدِيَّةَ وحَصَلَ عَلى السَّعادَةِ السَّرْمَدِيَّةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومِن حَيْثُ كانَتِ المُحَرَّماتُ الأُوَلُ لا يَقَعُ فِيها عاقِلٌ قَدْ نَظَرَ بِعَقْلِهِ، جاءَتِ العِبادَةُ ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥١]، والمُحَرَّماتُ الأُخَرُ شَهَواتٌ وقَدْ يَقَعُ فِيها مِنَ العُقَلاءِ مَن لَمْ يَتَذَكَّرْ، ورُكُوبُ الجادَّةِ الكامِلَةِ تَتَضَمَّنُ فِعْلَ الفَضائِلِ وتِلْكَ دَرَجَةُ التَّقْوى.
الأنعام 6:154
﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً لَعَلَّهم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ (p-٢٥٥)(ثُمَّ) تَقْتَضِي المُهْلَةَ في الزَّمانِ، هَذا أصْلُ وضْعِها، ثُمَّ تَأْتِي لِلْمُهْلَةِ في الإخْبارِ. فَقالَ الزَّجّاجُ: هو مَعْطُوفٌ عَلى أتْلُ تَقْدِيرُهُ: أتْلُ ما حَرَّمَ ثُمَّ أتْلُ ﴿آتَيْنا﴾ . وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى (قُلْ) عَلى إضْمارِ قُلْ، أيْ: ثُمَّ قُلْ ﴿آتَيْنا﴾ . وقِيلَ: التَّقْدِيرُ ثُمَّ إنِّي أُخْبِرُكم أنّا آتَيْنا. وقالَ الحَوْفِيُّ: رَتَّبَتْ ”ثُمَّ“ التِّلاوَةَ، أيْ: تَلَوْنا عَلَيْكم قِصَّةَ مُحَمَّدٍ ثُمَّ نَتْلُو عَلَيْكم قِصَّةَ مُوسى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَهَّلَتْها في تَرْتِيبِ القَوْلِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ كَأنَّهُ قالَ: ثُمَّ مِمّا وصَّيْنا أنّا ﴿آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾، ويَدْعُو إلى ذَلِكَ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُتَقَدِّمٌ بِالزَّمانِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ . وقالَ ابْنُ القُشَيْرِيِّ: في الكَلامِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ثُمَّ كُنّا قَدْ ﴿آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ قَبْلَ إنْزالِنا القُرْآنَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَطْفٌ عَلى ﴿وصّاكم بِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ صَحَّ عَطْفُهُ عَلَيْهِ بِثُمَّ والإيتاءُ قَبْلَ التَّوْصِيَةِ بِدَهْرٍ طَوِيلٍ ؟ (قُلْتُ): هَذِهِ التَّوْصِيَةُ قَدِيمَةٌ لَمْ تَزَلْ تَواصاها كُلُّ أُمَّةٍ عَلى لِسانِ نَبِيِّها، كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مُحْكَماتٌ لَمْ يَنْسَخْهُنَّ شَيْءٌ مِن جَمِيعِ الكُتُبِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ﴿ذَلِكم وصّاكم بِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] يا بَنِي آدَمَ قَدِيمًا وحَدِيثًا ثُمَّ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ أنّا ﴿آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ وأنْزَلْنا هَذا الكِتابَ المُبارَكَ، وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ قَبْلَ شَطْرِ السُّورَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ [الأنعام: ٨٤] . انْتَهى. وهَذِهِ الأقْوالُ كُلُّها مُتَكَلَّفَةٌ، والَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُذْهَبَ إلَيْهِ أنَّها اسْتُعْمِلَتْ لِلْعَطْفِ كالواوِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ مُهْلَةٍ، وقَدْ ذَهَبَ إلى ذَلِكَ بَعْضُ النُّحاةِ. و﴿الكِتابُ﴾ [الأنعام: ١٥٦] هُنا التَّوْراةُ بِلا خِلافٍ، وانْتَصَبَ تَمامًا عَلى المَفْعُولِ لَهُ، أوْ عَلى المَصْدَرِ أتْمَمْناهُ تَمامًا مَصْدَرٌ عَلى حَذْفِ الزَّوائِدِ، أوْ عَلى الحالِ إمّا مِنَ الفاعِلِ والمَفْعُولِ، وكُلٌّ قَدْ قِيلَ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿تَمامًا﴾ أيْ: دُفْعَةً واحِدَةً لَمْ نُفَرِّقْ إنْزالَهُ كَما فَرَّقْنا إنْزالَ القُرْآنِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ، والَّذِي أحْسَنَ جِنْسٌ أيْ عَلى مَن كانَ مُحْسِنًا مِن أهْلِ مِلَّتِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، أيْ: إتْمامًا لِلنِّعْمَةِ عِنْدَهم. وقِيلَ: المُرادُ بِالَّذِي أحْسَنَ مَخْصُوصٌ. فَقالَ الماوَرْدِيُّ: إبْراهِيمُ، كانَتْ نُبُوَّةُ مُوسى نِعْمَةً عَلى إبْراهِيمَ؛ لِأنَّهُ مِن ولَدِهِ، والإحْسانُ لِلْأبْناءِ إحْسانٌ لِلْآباءِ. وقِيلَ: مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَتِمَّةً لِلْكَرامَةِ عَلى العَبْدِ الَّذِي أحْسَنَ الطّاعَةَ في التَّبْلِيغِ وفي كُلِّ ما أُمِرَ بِهِ، والَّذِي في هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ واقِعَةٌ عَلى مَن يَعْقِلُ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ﴿تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ﴾ مُوسى مِنَ العِلْمِ وكُتُبِ اللَّهِ القَدِيمَةِ، ونَحْوٌ مِنهُ قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ، قالَ: مَعْنى الآيَةِ ﴿تَمامًا﴾ عَلى ما كانَ أحْسَنَ مِنَ العِلْمِ والحِكْمَةِ مِنَ العِلْمِ، والحِكْمَةُ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يُحْسِنُ كَذا أيْ يَعْلَمُهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في هَذا التَّأْوِيلِ: ﴿تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ﴾ مُوسى مِنَ العِلْمِ والشَّرائِعِ، مِن أحْسَنَ الشَّيْءَ إذا أجادَ مَعْرِفَتَهُ، أيْ: زِيادَةً عَلى عِلْمِهِ عَلى وجْهِ التَّتْمِيمِ. انْتَهى. وقالابْنُ عَطِيَّةَ: عَلى ما أحْسَنَ هو مِن عِبادَةِ رَبِّهِ والِاضْطِلاعِ بِأُمُورِ نُبُوَّتِهِ، يُرِيدُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - هَذا تَأْوِيلُ الرَّبِيعِ وقَتادَةَ. انْتَهى. والَّذِي في هَذا التَّأْوِيلِ واقِعَةُ عَلى غَيْرِ العاقِلِ. وقِيلَ: (الَّذِي) مَصْدَرِيَّةٌ، وهو قَوْلٌ كُوفِيٌّ، وفي ﴿أحْسَنَ﴾ ضَمِيرُ مُوسى، أيْ: تَمامًا عَلى إحْسانِ مُوسى بِطاعَتِنا وقِيامِهِ بِأمْرِنا ونَهْيِنا، ويَكُونُ في ”عَلى“ إشْعارٌ بِالعِلِّيَّةِ، كَما تَقُولُ: أحْسَنْتُ إلَيْكَ عَلى إحْسانِكَ إلَيَّ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ﴿أحْسَنَ﴾ يَعُودُ عَلى اللَّهِ - تَعالى - وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ، ومُتَعَلَّقُ الإحْسانِ إلى أنْبِيائِهِ أوْ إلى مُوسى، قَوْلانِ. وأحْسَنُ ما في هَذِهِ الأقْوالِ كُلِّها فِعْلٌ. وقالَ بَعْضُ نُحاةِ الكُوفَةِ: يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ﴿أحْسَنَ﴾ اسْمًا، وهو أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، وهو مَجْرُورٌ صِفَةٌ لِلَّذِي، وإنْ كانَ نَكِرَةً مِن حَيْثُ قارَبَ المَعْرِفَةَ، إذْ لا يَدْخُلُهُ ألْ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: مَرَرْتُ بِالَّذِي خَيْرٌ مِنكَ، ولا يَجُوزُ مَرَرْتُ بِالَّذِي عالِمٌ. انْتَهى. وهَذا سائِغٌ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ في الكَلامِ، وهو خَطَأٌ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ مَعْمَرٍ وابْنُ أبِي إسْحاقَ: (أحْسَنُ) بِرَفْعِ النُّونِ، وخُرِّجَ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو أحْسَنُ، و(أحْسَنُ) خَبَرٌ وصِلَةٌ، كَقِراءَةِ مَن قَرَأ: ”مَثَلًا مّا بَعُوضَةً“ أيْ: تَمامًا عَلى الَّذِي (p-٢٥٦)هُوَ أحْسَنُ دِينٍ وأرْضاهُ، أوْ تامًّا كامِلًا عَلى أحْسَنِ ما تَكُونُ عَلَيْهِ الكُتُبُ، أيْ: عَلى الوَجْهِ والطَّرِيقِ الَّذِي هو أحْسَنُ ما تَكُونُ عَلَيْهِ الكُتُبُ، وهو مَعْنى قَوْلِ الكَلْبِيِّ: أتَمَّ لَهُ الكِتابَ عَلى أحْسَنِهِ. وقالَ التِّبْرِيزِيُّ: (الَّذِي) هُنا بِمَعْنى الجَمْعِ، وأحْسَنَ صِلَةُ فِعْلٍ ماضٍ حُذِفَ مِنهُ الضَّمِيرُ وهو الواوُ فَبَقِيَ أحْسَنَ، أيْ: عَلى الَّذِينَ أحْسَنُوا، وحَذْفُ هَذا الضَّمِيرِ والِاجْتِزاءُ بِالضَّمَّةِ تَفْعَلُهُ العَرَبُ. قالَ الشّاعِرُ:
؎فَلَوْ أنَّ الأطِبّاءَ كانَ حَوْلِي
وقالَ آخَرُ:
؎إذا شاءُوا أضَرُّوا مَن أرادُوا ∗∗∗ ولا يَأْلُوهُمُ أحَدٌ ضِرارًا
وقالَ آخَرُ:
؎شَبُّوا عَلى المَجْدِ وشابُوا واكْتَهَلَ
يُرِيدُ واكْتَهَلُوا، فَحَذَفَ الواوَ ثُمَّ حَذَفَ الضَّمِيرَ لِلْوَقْفِ. انْتَهى. وهَذا خَصَّهُ أصْحابُنا بِالضَّرُورَةِ فَلا يُحْمَلُ كِتابُ اللَّهِ عَلَيْهِ.
﴿وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً لَعَلَّهم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: لَعَلَّهم بِالبَعْثِ يُؤْمِنُونَ، فالإيمانُ بِهِ هو نِهايَةُ التَّصْدِيقِ، إذْ لا يَجِبُ بِالعَقْلِ لَكِنَّهُ يَجُوزُ في العَقْلِ وأوْجَبَهُ السَّمْعُ، وانْتِصابُ ﴿تَفْصِيلًا﴾ [الإسراء: ١٢] وما بَعْدَهُ كانْتِصابِ ﴿تَمامًا﴾ .
الأنعام 6:155
﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فاتَّبِعُوهُ واتَّقُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ”هَذا“ إشارَةٌ إلى القُرْآنِ، و﴿أنْزَلْناهُ﴾ و﴿مُبارَكٌ﴾ صِفَتانِ لِ ﴿كِتابٌ﴾، أوْ خَبَرانِ عَنْ هَذا عَلى مَذْهَبِ مَن يُجِيزُ تَعْدادَ الأخْبارِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ في مَعْنى خَبَرٍ واحِدٍ وكانَ الوَصْفُ بِالإنْزالِ آكَدَ مِنَ الوَصْفِ بِالبَرَكَةِ فَقُدِّمَ؛ لِأنَّ الكَلامَ مَعَ مَن يُنْكِرُ رِسالَةَ الرَّسُولِ ﷺ ويُنْكِرُ إنْزالَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، وكَوْنَهُ مُبارَكًا عَلَيْهِمْ هو وصْفٌ حاصِلٌ لَهم مِنهُ مُتَراخٍ عَنِ الإنْزالِ؛ فَلِذَلِكَ تَأخَّرَ الوَصْفُ بِالبَرَكَةِ، وتَقَدَّمَ الوَصْفُ بِالإنْزالِ، وكانَ الوَصْفُ بِالفِعْلِ المُسْنَدِ إلى نُونِ العَظَمَةِ أوْلى مِنَ الوَصْفِ بِالِاسْمِ لِما يَدُلُّ الإسْنادُ إلى اللَّهِ - تَعالى - مِنَ التَّعْظِيمِ والتَّشْرِيفِ، ولَيْسَ ذَلِكَ في الِاسْمِ لَوْ كانَ التَّرْكِيبُ: مُنَزَّلٌ، أوْ مُنَزَّلٌ مِنّا، وبِرْكَةُ القُرْآنِ بِما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ النَّفْعِ والنَّماءِ بِجَمْعِ كَلِمَةِ العَرَبِ بِهِ، والمَواعِظِ والحِكَمِ، والإعْلامِ بِأخْبارِ الأُمَمِ السّالِفَةِ والأُجُورِ التّالِيَةِ، والشِّفاءِ مِنَ الأدْواءِ، والشَّفاعَةِ لِقارِئِهِ، وعَدِّهِ مِن أهْلِ اللَّهِ، وكَوْنِهِ مَعَ المُكْرَمِينَ مِنَ المَلائِكَةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ البَرَكاتِ الَّتِي لا تُحْصى، ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - تَعالى - بِاتِّباعِهِ وهو العَمَلُ بِما فِيهِ والِانْتِهاءُ إلى ما تَضَمَّنَهُ والرُّجُوعُ إلَيْهِ عِنْدَ المُشْكِلاتِ. والظّاهِرُ في قَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا﴾ أنَّهُ أمْرٌ بِالتَّقْوى العامَّةِ في جَمِيعِ الأشْياءِ. وقِيلَ: واتَّقُوا مُخالَفَتَهُ لِرَجاءِ الرَّحْمَةِ، وقالَ التِّبْرِيزِيُّ: اتَّقُوا غَيْرَهُ فَإنَّهُ مَنسُوخٌ، وقالَ التِّبْرِيزِيُّ: في الكَلامِ إشارَةٌ وهو وصْفُ اللَّهِ التَّوْراةَ بِالتَّمامِ، والتَّمامُ يُؤْذِنُ بِالِانْصِرامِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎إذا تَمَّ أمَرٌ بَدا نَقْصُهُ تَوَقَّعْ زَوالًا إذا قِيلَ تَمَّ
فَنَسَخَها اللَّهُ بِالقُرْآنِ ودَيَّنَها بِالإسْلامِ، ووَصَفَ القُرْآنَ بِأنَّهُ مُبارَكٌ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ، والمُبارَكُ هو الثّابِتُ الدّائِمُ في ازْدِيادٍ، وذَلِكَ مُشْعِرٌ بِبَقائِهِ ودَوامِهِ.
الأنعام 6:156
﴿أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا وإنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ﴾: ﴿أنْ تَقُولُوا﴾ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، فَقَدَّرَهُ الكُوفِيُّونَ: لِئَلّا (p-٢٥٧)تَقُولُوا، ولِأجْلِ أنْ لا تَقُولُوا، وقَدَّرَهُ البَصْرِيُّونَ: كَراهَةَ أنْ تَقُولُوا، والعامِلُ في كِلا المَذْهَبَيْنِ ﴿أنْزَلْناهُ﴾ [الأنعام: ١٥٥] مَحْذُوفَةٌ يَدُلُّ عَلَيْها قَوْلُهُ قَبْلُ ﴿أنْزَلْناهُ﴾ [الأنعام: ١٥٥]، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ ﴿أنْزَلْناهُ﴾ [الأنعام: ١٥٥] هَذِهِ المَلْفُوظَ بِها لِلْفاصِلِ بَيْنَهُما، وهو مُبارَكٌ الَّذِي هو وصْفٌ لِـ”﴿كِتابٌ﴾ [الأنعام: ١٥٥]“، أوْ خَبَرٌ عَنْ هَذا فَهو أجْنَبِيٌّ مِنَ العامِلِ والمَعْمُولِ. وظاهِرُ كَلامِ ابْنِ عَطِيَّةَ أنَّ العامِلَ فِيهِ ﴿أنْزَلْناهُ﴾ [الأنعام: ١٥٥] المَلْفُوظُ بِها. وقِيلَ: ﴿أنْ تَقُولُوا﴾ مَفْعُولٌ، والعامِلُ فِيهِ ﴿واتَّقُوا﴾ [الأنعام: ١٥٥]، أيْ: واتَّقُوا أنْ تَقُولُوا؛ لِأنَّهُ لا حُجَّةَ لَكم فِيهِ، والكِتابُ هُنا جِنْسٌ، والطّائِفَتانِ هُما أهْلُ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ اليَهُودُ والنَّصارى بِلا خِلافٌ، والخِطابُ مُتَوَجِّهٌ إلى كَفّارِ قُرَيْشٍ بِإثْباتِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِإنْزالِ هَذا الكِتابِ لِئَلّا يَحْتَجُّوا هم وكُفّارُ العَرَبِ بِأنَّهم لَمْ يَكُنْ لَهم كِتابٌ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وهَذا القُرْآنُ يا مَعْشَرَ العَرَبِ أُنْزِلَ حُجَّةً عَلَيْكم لِئَلّا تَقُولُوا: إنَّما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ بِغَيْرِ لِسانِنا عَلى غَيْرِنا ونَحْنُ لَمْ نَعْرِفْ ذَلِكَ، فَهَذا كِتابٌ بِلِسانِكم مَعَ رَجُلٍ مِنكم. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: أنْ يَقُولُوا، بِياءِ الغَيْبَةِ ويَعْنِيَ كُفّارَ قُرَيْشٍ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: المَعْنى إنَّما ظَهَرَ نُزُولُ الكِتابِ عِنْدَ الخَلْقِ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا ولَمْ يَكُونُوا وقْتَ نُزُلِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ يَهُودًا ولا نَصارى، وإنَّما حَدَثَ لَهُما هَذانِ الِاسْمانِ لِما حَدَثَ مِنهُما. و﴿دِراسَتِهِمْ﴾ قِراءَتُهم ودَرْسُهم، والمَعْنى عَنْ مِثْلِ ﴿دِراسَتِهِمْ﴾، وأعادَ الضَّمِيرَ جَمْعًا لِأنَّ كُلَّ طائِفَةٍ مِنهم جَمْعٌ كَما أعادَهُ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩]، وإنْ هُنا هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ. وقالَ الكُوفِيُّونَ: إنْ نافِيَةٌ، واللّامُ بِمَعْنى إلّا، والتَّقْدِيرُ: وما كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ إلّا غافِلِينَ. وقالَ قُطْرُبٌ: في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ إنْ بِمَعْنى قَدْ، واللّامُ زائِدَةٌ، ولَيْسَ هَذا الخِلافُ مَقْصُورًا عَلى ما في هَذِهِ الآيَةِ، بَلْ هو جارٍ في شَخْصِيّاتِ هَذا التَّرْكِيبِ، وتَقْرِيرُهُ في عِلْمِ النَّحْوِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وإنْ كُنّا﴾ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ هي الفارِقَةُ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ، والأصْلُ ﴿وإنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ﴾ غافِلِينَ، عَلى أنَّ الهاءَ ضَمِيرٌ. انْتَهى. وما ذَهَبَ إلَيْهِ مِن أنَّ أصْلَهُ ﴿وإنْ كُنّا﴾ والهاءُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ يَلْزَمُ مِنهُ أنَّ إنِ المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ عامِلَةٌ في مُضْمَرٍ مَحْذُوفٍ حالَةَ التَّخْفِيفِ، كَما قالَ النَّحْوِيُّونَ في أنَّ المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ، والَّذِي نَصَّ النّاسُ عَلَيْهِ أنَّ إنِ المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ إذا لَزِمَتِ اللّامَ في أحَدِ الجُزَءَيْنِ بَعْدَها أوْ في أحَدِ مَعْمُولَيِ الفِعْلِ النّاسِخِ الَّذِي يَلِيها أنَّها مُهْمِلَةٌ لا تَعْمَلُ في ظاهِرٍ ولا مُضْمَرَ لا مُثْبَتَ ولا مَحْذُوفَ، فَهَذا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ مُخالِفٌ لِلنُّصُوصِ، ولَيْسَتْ إذا ولِيَها النّاسِخُ داخِلَةً في الأصْلِ عَلى ضَمِيرِ شَأْنٍ البَتَّةَ. و﴿عَنْ دِراسَتِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لَغافِلِينَ﴾، وهَذا يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ في دَعْواهم أنَّ اللّامَ بِمَعْنى إلّا، ولا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ ما بَعْدَ إلّا فِيما قَبْلَها، وكَذَلِكَ اللّامُ الَّتِي بِمَعْناها، ولَهم أنْ يَجْعَلُوا ”عَنْها“ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ، ويَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ اللّامَ لامُ ابْتِداءٍ لَزِمَتْ لِلْفَرْقِ، فَجازَ أنْ يَتَقَدَّمَ مَعْمُولُها عَلَيْها لَمّا وقَعَتْ في غَيْرِ ما هو لَها أصْلٌ، كَما جازَ ذَلِكَ في إنْ زَيْدًا طَعامَكَ لَآكِلٌ، حَيْثُ وقَعَتْ في غَيْرِ ما هو لَها أصْلٌ، ولَمْ يَجُزْ ذَلِكَ فِيها إذا وقَعَتْ فِيما هو لَها أصْلٌ وهو دُخُولُها عَلى المُبْتَدَأِ.
الأنعام 6:157
﴿أوْ تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهُمْ﴾ انْتِقالٌ مِنَ الإخْبارِ لِحَصْرِ إنْزالِ الكِتابِ عَلى غَيْرِهِمْ، وأنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِمْ إلى الإخْبارِ بِحُكْمٍ عَلى تَقْدِيرٍ، والكِتابُ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الكِتابُ السّابِقُ ذِكْرُهُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ الكِتابُ الَّذِي تَمَنَّوْا أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِمْ، ومَعْنى ﴿أهْدى مِنهُمْ﴾ أرْشَدَ وأسْرَعَ اهْتِداءً لِكَوْنِهِ نَزَلَ عَلَيْنا بِلِسانِنا، فَنَحْنُ نَتَفَهَّمُهُ ونَتَدَبَّرُهُ ونُدْرِكُ (p-٢٥٨)ما تَضَمَّنَهُ مِن غَيْرِ إكْدادِ فِكْرٍ ولا تَعَلُّمِ لِسانٍ، بِخِلافِ الكِتابِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلى الطّائِفَتَيْنِ، فَإنَّهُ بِغَيْرِ لِسانِنا، فَنَحْنُ لا نَعْرِفُهُ ولا نَغْفُلُ عَنْ دِراسَتِهِ، أوْ ﴿أهْدى مِنهُمْ﴾ لِكَوْنِ اليَهُودِ والنَّصارى قَدِ افْتَرَقَتْ فِرَقًا مُتَبايِنَةً فَلا نَعْرِفُ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ.
﴿فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ﴾ هَذا قَطْعٌ لِاعْتِذارِهِمْ بِانْحِصارِ إنْزالِ الكِتابِ عَلى الطّائِفَتَيْنِ وبِكَوْنِهِمْ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِمْ كِتابٌ، ولَوْ نَزَلَ لَكانُوا أهْدى مِنَ الطّائِفَتَيْنِ. والظّاهِرُ أنَّ البَيِّنَةَ هي القُرْآنُ وهو الحُجَّةُ الواضِحَةُ الدّالَّةُ النَّيِّرَةُ، حَيْثُ نَزَلَ عَلَيْهِمْ بِلِسانِهِمْ وألْزَمَ العالَمَ أحْكامَهُ وشَرِيعَتَهُ، وإنَّ الهُدى والنُّورَ مِن صِفاتِ القُرْآنِ. وقِيلَ: البَيِّنَةُ الرَّسُولُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ: حُجَّةٌ وهو النَّبِيُّ ﷺ والقُرْآنُ. وقِيلَ: آياتُ اللَّهِ الَّتِي أظْهَرَها في كِتابِهِ وعَلى لِسانِ رَسُولِهِ. وقِيلَ: دِينُ اللَّهِ، والهُدى والنُّورُ عَلى هَذِهِ الأقْوالِ مِن صِفاتِ ما فُسِّرَتِ البَيِّنَةُ بِهِ. والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ جاءَكُمْ﴾ عَلى ما قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ، جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى إنْ صَدَقْتُمْ فِيما كُنْتُمْ تَعُدُّونَ مِن أنْفُسِكم ﴿فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾، فَحُذِفَ الشَّرْطُ وهو مِن أحاسِنِ الحُذُوفِ. انْتَهى. وقَدَّرَهُ غَيْرُهُ: إنْ كُنْتُمْ كَما تَزْعُمُونَ إذا نَزَلَ عَلَيْكم كِتابٌ تَكُونُونَ أهْدى مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، ﴿فَقَدْ جاءَكُمْ﴾ . وأطْبَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ الغَرَضَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ إقامَةُ الحُجَّةِ عَلى مُشْرِكِي العَرَبِ وقَطْعُ احْتِجاجِهِمْ.
* *
﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وصَدَفَ عَنْها﴾ أيْ: بَعْدَ مَجِيءِ البَيِّنَةِ والهُدى والنُّورِ لا يَكُونُ أحَدٌ أشَدَّ ظُلْمًا مِنَ المُكَذِّبِ بِالأمْرِ الواضِحِ النَّيِّرِ الَّذِي لا شُبْهَةَ فِيهِ والمُعْرِضِ عَنْهُ بَعْدَما لاحَتْ لَهُ صِحَّتُهُ وصِدْقُهُ وعَرَفَهُ أوْ تَمَكَّنَ مِن مَعْرِفَتِهِ، وتَأخَّرَ الإعْراضُ لِأنَّهُ ناشِئٌ عَنِ التَّكْذِيبِ، والإعْراضُ عَنِ الشَّيْءِ هو بَعْدَ رُؤْيَتِهِ وظُهُورِهِ. وقِيلَ: قَبْلَ الفاءِ شَرْطٌ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: فَإنْ كَذَّبْتُمْ فَلا أحَدَ أظْلَمُ مِنكم، وآياتُ اللَّهِ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِها القُرْآنُ والرَّسُولُ، والأوْلى أنْ يُحْمَلَ عَلى العُمُومِ.
﴿وصَدَفَ﴾ لازِمٌ بِمَعْنى أعْرَضَ، وقَدْ شَرَحْناهُ عَلى هَذا المَعْنى، ومُتَعَدٍّ، أيْ: صَدَفَ عَنْها غَيْرَهُ، بِمَعْنى صَدَّهُ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ في الذَّمِّ حَيْثُ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وجَعَلَ غَيْرَهُ يُعْرِضُ عَنْها ويُكَذِّبُ بِها. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ﴿مِمَّنْ كَذَّبَ﴾ بِتَخْفِيفِ الذّالِ.
﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ العَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ﴾ عَلَّقَ الجَزاءَ عَلى الصُّدُوفِ لِأنَّهُ هو ناشِئٌ عَنِ التَّكْذِيبِ، و﴿سُوءَ العَذابِ﴾ شَدِيدَهُ، كَقَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ﴾ [النحل: ٨٨]، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: (يَصْدُفُونَ) بِضَمِّ الدّالِ.
الأنعام 6:158
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ الضَّمِيرُ في ﴿يَنْظُرُونَ﴾ عائِدٌ عَلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم: ﴿فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ﴾ [الأنعام: ١٥٧]، وهُمُ العادِلُونَ بِرَبِّهِمْ مِنَ العَرَبِ الَّذِينَ مَضى أكْثَرُ السُّورَةِ في جِدالِهِمْ، أيْ: ما يَنْتَظِرُونَ ﴿إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ﴾ إلى قَبْضِ أرْواحِهِمْ وتَعْذِيبِها، وهو وقْتٌ لا تَنْفَعُ فِيهِ تَوْبَتُهم، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ وابْنِ جُرَيْجٍ. وقِيلَ: ﴿أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ﴾ الَّذِينَ يَنْصَرِفُونَ يَوْمَ القِيامَةِ ”يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ“ . وقِيلَ: ذَلِكَ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِمْ: ”أوْ تَأْتِي بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا“ أيْ: رُسُلًا مِنَ اللَّهِ إلَيْهِمْ كَما تَمَنَّوْا، أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ فِيهِمْ بِالقَتْلِ أوْ غَيْرِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ بِعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ بِلا أيْنَ ولا كَيْفَ لِفَصْلِ القَضاءِ بَيْنَ خَلْقِهِ في المَوْقِفِ يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: أوْ يَأْتِيَ إهْلاكُ رَبِّكَ إيّاهم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعَلى كُلِّ تَأْوِيلٍ فَإنَّما هو بِحَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: أمْرُ رَبِّكَ وبَطْشُ وحِسابُ رَبِّكَ، وإلّا فالإتْيانُ المَفْهُومُ مِنَ اللُّغَةِ مُسْتَحِيلٌ في حَقِّ اللَّهِ - تَعالى - ألا تَرى أنَّ اللَّهَ - تَعالى - يَقُولُ: ﴿فَأتاهُمُ اللَّهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ [الحشر: ٢]، فَهَذا إتْيانٌ قَدْ وقَعَ وهو عَلى المَجازِ وحُذِفَ المُضافُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿أوْ يَأْتِيَ﴾ كُلُّ آياتِ رَبِّكَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿أوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ يُرِيدُ آياتِ القِيامَةِ والهَلاكَ الكُلِّيَّ، و﴿بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ أشْراطُ السّاعَةِ كَطُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها (p-٢٥٩)وغَيْرِها. انْتَهى. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عُمَرَ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ: إنَّهُ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، ورَواهُ أبُو سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وفي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «لا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِها، فَإذا طَلَعَتْ ورَآها النّاسُ آمَنَ مَن عَلَيْها، فَذَلِكَ حِينَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا» . وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ فِيما رَوى عَنْهُ مَسْرُوقٌ: طُلُوعُ الشَّمْسِ والقَمَرِ مِن مَغْرِبِهِما. وقِيلَ: إحْدى الآياتِ الثَّلاثِ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها والدّابَّةُ وفَتْحُ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، رَواهُ القاسِمُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: طُلُوعُها والدَّجّالُ والدّابَّةُ وفَتْحُ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ. وقِيلَ: العَشْرُ الآياتِ الَّتِي في حَدِيثِ البَراءِ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، والدَّجّالُ، والدّابَّةُ، وخَسْفٌ بِالمُشْرِقِ، وخَسْفٌ بِالمَغْرِبِ، وخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ العَرَبِ، ونُزُولُ عِيسى، وفَتْحُ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، ونارٌ تَخْرُجُ مِن قَعْرِ عَدَنَ تَسُوقُ النّاسَ إلى المَحْشَرِ. والظّاهِرُ أنَّهم تَوَعَّدُوا بِالشَّيْءِ العَظِيمِ مِن أشْراطِ السّاعَةِ لِيَذْهَبَ الفِكْرُ في ذَلِكَ كُلَّ مَذْهَبٍ، لَكِنْ أتى بَعْدَ ذَلِكَ الإخْبارُ عَنْهُ عَنْ هَذا البَعْضِ بِعَدَمِ قَبُولِ التَّوْبَةِ فِيهِ إذا أتى، وتَصْرِيحُ الرَّسُولِ بِأنَّ طُلُوعَ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها وقْتٌ لا تَنْفَعُ فِيهِ التَّوْبَةُ فَيَظْهَرُ أنَّهُ هَذا البَعْضُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا البَعْضُ غَرْغَرَةَ الإنْسانِ عِنْدَ المَوْتِ، فَإنَّها تَكُونُ في وقْتٍ لا تَنْفَعُ فِيهِ التَّوْبَةُ. قالَ تَعالى: ﴿ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ [النساء: ١٨]، وفي الحَدِيثِ أنَّ تَوْبَةَ العَبْدِ تُقْبَلُ ما لَمْ يُغَرْغِرْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ غَيْرَ قَوْلِهِ: ﴿أوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾، فَيَكُونُ هَذا عِبارَةً عَنْ ما يُقْطَعُ بِوُقُوعِهِ مِن أشْراطِ السّاعَةِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ فِيهِ وصْفٌ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى، تَقْدِيرُهُ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ الَّتِي يَرْتَفِعُ مَعَها التَّوْبَةُ. وثَبَتَ بِالحَدِيثِ الصَّحِيحِ أنَّ طُلُوعَ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها وقْتٌ لا تُقْبَلُ فِيهِ التَّوْبَةُ، ويَدُلُّ عَلى التَّغايُرِ إعادَةُ ”آياتُ رَبِّكَ“، إذْ لَوْ كانَتْ هَذِهِ تِلْكَ لَكانَ التَّرْكِيبُ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُها، أيْ: بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ.
﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا﴾ مَنطُوقُ الآيَةِ أنَّهُ إذا أتى هَذا البَعْضُ لا يَنْفَعُ نَفْسًا كافِرَةً إيمانُها الَّذِي أوْقَعَتْهُ إذْ ذاكَ، ولا يَنْفَعُ نَفْسًا سَبَقَ إيمانُها وما كَسَبَتْ فِيهِ خَيْرًا فَعَلَّقَ نَفْيَ الإيمانِ بِأحَدِ وصْفَيْنِ: إمّا نَفْيُ سَبْقِ الإيمانِ فَقَطْ، وإمّا سَبْقُهُ مَعَ نَفْيِ كَسْبِ الخَيْرِ، ومَفْهُومُهُ أنَّهُ يَنْفَعُ الإيمانُ السّابِقُ وحْدَهُ أوِ السّابِقُ ومَعَهُ الخَيْرُ، ومَفْهُومُ الصِّفَةِ قَوِيٌّ، فَيُسْتَدَلُّ بِالآيَةِ لِمَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ مِن أنَّ الإيمانَ لا يُشْتَرَطُ في صِحَّتِهِ العَمَلُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿آمَنَتْ مِن قَبْلُ﴾ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿نَفْسًا﴾، وقَوْلُهُ: ﴿أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿آمَنَتْ﴾، والمَعْنى: أنَّ أشْراطَ السّاعَةِ إذا جاءَتْ، وهي آياتٌ مُلْجِئَةٌ مُضْطَرَّةٌ، ذَهَبَ أوانُ التَّكْلِيفِ عِنْدَها، فَلَمْ يَنْفَعِ الإيمانُ حِينَئِذٍ نَفْسًا غَيْرَ مُقَدِّمَةٍ إيمانَها مِن قَبْلِ ظُهُورِ الآياتِ، أوْ مُقَدِّمَةً إيمانَها غَيْرَ كاسِبَةٍ خَيْرًا في إيمانِها، فَلَمْ يُفَرَّقْ كَما تَرى بَيْنَ النَّفْسِ الكافِرَةِ إذا آمَنَتْ في غَيْرِ وقْتِ الإيمانِ، وبَيْنَ النَّفْسِ الَّتِي آمَنَتْ في وقْتِها ولَمْ تَكْسِبْ خَيْرًا، لِيُعْلَمَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [البقرة: ٢٥] جَمَعَ بَيْنَ قَرِينَتَيْنِ لا يَنْبَغِي أنْ تَنْفَكَّ إحْداهُما عَنِ الأُخْرى حَتّى يَفُوزَ صاحِبُها ويَسْعَدَ، وإلّا فالشَّقاوَةُ والهَلاكُ. انْتَهى. وهو جارٍ عَلى مَذْهَبِهِ الِاعْتِزالِيِّ. وقَرَأ الأخَوانِ: ”إلّا أنْ يَأْتِيَهم“ بِالياءِ. وقَرَأ ابْنُ عَمْرٍو وابْنُ سِيرِينَ وأبُو العالِيَةِ: ”يَوْمَ تَأْتِي بَعْضُ“ بِالتّاءِ، مِثْلَ ”تَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ“، وابْنُ سِيرِينَ: ”لا تَنْفَعُ نَفْسًا“ . قالَ أبُو حاتِمٍ: ذَكَرُوا أنَّها غَلَطٌ مِنهُ. وقالَ النَّحّاسُ: في هَذا شَيْءٌ دَقِيقٌ ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ، وذَلِكَ أنَّ الإيمانَ والنَّفْسَ كُلٌّ مِنهُما مُشْتَمِلٌ عَلى الآخَرِ، فَأنَّثَ الإيمانَ إذْ هو مَنَّ النَّفْسِ وبِها، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:(p-٢٦٠)
؎مَشَيْنَ كَما اهْتَزَّتْ رِماحٌ تَسَفَّهَتْ أعالِيَّها مَرَّ الرِّياحِ النَّواسِمِ
انْتَهى.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ ”لا تَنْفَعُ“ بِالتّاءِ، لِكَوْنِ الإيمانِ مُضافًا إلى ضَمِيرِ المُؤَنَّثِ الَّذِي هو بَعْضُهُ، لِقَوْلِهِ: ذَهَبَتْ بَعْضُ أصابِعِهِ. انْتَهى. وهو غَلَطٌ؛ لِأنَّ الإيمانَ لَيْسَ بَعْضًا لِلنَّفْسِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أُنِّثَ عَلى مَعْنى الإيمانِ وهو المَعْرِفَةُ أوِ العَقِيدَةُ، فَكانَ مِثْلَ جاءَتْهُ كِتابِي فاحْتَقَرَها، عَلى مَعْنى الصَّحِيفَةِ، ونُصِبَ ﴿يَوْمَ يَأْتِي﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَنْفَعُ﴾، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى تَقَدُّمِ مَعْمُولِ الفِعْلِ المَنفِيِّ بِلا عَلى لا، خِلافًا لِمَن مَنَعَ. وقَرَأ زُهَيْرٌ القَرَوِيُّ: (يَوْمُ يَأْتِي) بِالرَّفْعِ، والخَبَرُ ﴿لا يَنْفَعُ﴾، والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ: لا يَنْفَعُ فِيهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ صِفَةً، وجازَ الفَصْلُ بِالفاعِلِ بَيْنَ المَوْصُوفِ وصْفَتِهِ لِأنَّهُ لَيْسَ بِأجْنَبِيٍّ، إذْ قَدِ اشْتَرَكَ المَوْصُوفُ الَّذِي هو المَفْعُولُ والفاعِلُ في العامِلِ، فَعَلى هَذا يَجُوزُ: ضَرَبَ هِنْدًا غُلامُها التَّمِيمِيَّةَ، ومَن جَعَلَ الجُمْلَةَ حالًا أبْعَدَ، ومَن جَعَلَها مُسْتَأْنَفَةً فَهو أبْعَدُ.
﴿قُلِ انْتَظِرُوا إنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ أيِ: انْتَظَرُوا ما تَنْتَظِرُونَ ﴿إنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ ما يَحُلُّ بِكم، وهو أمْرُ تَهْدِيدٍ ووَعِيدٍ. مَن قالَ: إنَّهُ أمْرٌ بِالكَفِّ عَنِ القِتالِ، فَهو مَنسُوخٌ عِنْدَهُ بِآيَةِ السَّيْفِ.
الأنعام 6:159
﴿إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهم وكانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ إنَّما أمْرُهم إلى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهم بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّ صِراطَهُ مُسْتَقِيمٌ، ونَهى عَنِ اتِّباعِ السُّبُلِ، وذَكَرَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وما أنْزَلَ عَلَيْهِ، وذَكَرَ القُرْآنَ وأمَرَ بِاتِّباعِهِ، وذَكَرَ ما يَنْتَظِرُ الكُفّارُ مِمّا هو كائِنٌ بِهِمُ، انْتَقَلَ إلى ذِكْرِ مَنِ اتَّبَعَ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَتْ بِهِ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، لِيُنَبِّهَ المُؤْمِنِينَ عَلى الِائْتِلافِ عَلى الدِّينِ القَوِيمِ، ولِئَلّا يَخْتَلِفُوا كَما اخْتَلَفَ مَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ بَعْدَ أنْ كانُوا مُتَّفِقِينَ عَلى الشَّرائِعِ الَّتِي بُعِثَ أنْبِياؤُهم بِها، والَّذِينَ فَرَّقُوا دَيْنَهُمُ الحَرُورِيَّةُ أوْ أهْلُ الضَّلالَةِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ أوْ أصْحابُ البِدَعِ أوِ الأهْواءِ مِنهم، وهو قَوْلُ الأحْوَصِ وأُمِّ سَلَمَةَ، أوِ اليَهُودُ أوْ هم والنَّصارى، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ وقَتادَةَ، أيْ: فَرَّقُوا دِينَ إبْراهِيمَ الحَنِيفَ، أوْ هم مُشْرِكُو العَرَبِ أوِ الكُفّارُ وأهْلُ البِدَعِ، أقْوالٌ سِتَّةٌ. وافْتِراقُ النَّصارى إلى مِلْكِيَّةٍ ويَعْقُوبِيَّةٍ ونَسْطُورِيَّةٍ، وتَشَعَّبُوا إلى اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ فِرْقَةً، وافْتِراقُ اليَهُودِ إلى مُوسَوِيَّةٍ وهارُونِيَّةٍ وداوُدِيَّةٍ وسامِرِيَّةٍ، وتَشَعَّبُوا إلى اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ فِرْقَةً، وافْتِراقُ هَذِهِ الأُمَّةِ إلى ثَلاثٍ وسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّها في النّارِ إلّا مَن كانَ عَلى ما عَلَيْهِ الرَّسُولُ وأصْحابُهُ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ آمَنُوا بِبَعْضٍ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ، وأضافَ الدِّينَ إلَيْهِمْ مِن حَيْثُ كانَ يَنْبَغِي أنْ يَلْتَزِمُوهُ، إذْ هو دِينُ اللَّهِ الَّذِي ألْزَمَهُ العِبادَ، فَهو دِينُ جَمِيعِ النّاسِ بِهَذا الوَجْهِ. وقَرَأ عَلِيٌّ والأخَوانِ: (فارَقُوا) هُنا، وفي الرُّومِ بِألِفٍ، ومَعْناها قَرِيبٌ مِن قِراءَةِ باقِي السَّبْعَةِ بِالتَّشْدِيدِ، تَقُولُ: ضاعَفَ وضَعَّفَ. وقِيلَ: تَرَكُوهُ وبايِنُوهُ، ومَن فَرَّقَ دِينَهُ فَآمَنَ بِبَعْضٍ وكَفَرَ بِبَعْضٍ فَقَدْ فارَقَ دِينَهُ المَطْلُوبَ مِنهُ. وقَرَأ إبْراهِيمُ والأعْمَشُ وأبُو صالِحٍ: (فَرَقُوا) بِتَخْفِيفِ الرّاءِ.
﴿وكانُوا شِيَعًا﴾ أيْ: أحْزابًا كُلٌّ مِنهم تابِعٌ لِشَخْصٍ لا يَتَعَدّاهُ.
﴿لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ﴾ أيْ: لَسْتَ مِن تَفْرِيقِ دَيْنِهِمْ أوْ مِن عِقابِهِمْ أوْ مِن قِتالِهِمْ، أوْ هو إخْبارٌ عَنِ المُبايَنَةِ التّامَّةِ والمُباعَدَةِ، كَقَوْلِ النّابِغَةِ:
؎إذا حاوَلَتَ في أسَدٍ فُجُورًا فَإنِّي لَسْتُ مِنكَ ولَسْتَ مِنِّي
احْتِمالاتٌ أرْبَعَةٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أيْ لا تَشْفَعُ لَهم، ولا لَهم بِكَ تَعَلُّقٌ، وهَذا عَلى الإطْلاقِ في الكُفّارِ، وعَلى جِهَةِ المُبالَغَةِ في العُصاةِ والمُتَنَطِّعِينَ في الشَّرْعِ، إذْ لَهم حَظٌّ مِن تَفْرِيقِ الدِّينِ، ولَمّا نَفى كَوْنَهُ مِنهم في شَيْءٍ حَصَرَ مَرْجِعَ أمْرِهِمْ مِن هَلاكٍ أوِ اسْتِقامَةِ إلَيْهِ تَعالى، وأخْبَرَ أنَّهُ مُجازِيهِمْ بِأفْعالِهِمْ، وذَلِكَ وعِيدٌ شَدِيدٌ لَهم. وقالَ السُّدِّيُّ: هَذِهِ آيَةٌ لَمْ يُؤْمَرْ فِيها بِقِتالٍ، وهي مَنسُوخَةٌ بِالقِتالِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا كَلامٌ غَيْرُ مُتْقَنٍ، فَإنَّ الآيَةَ خَبَرٌ لا يَدْخُلُهُ نَسْخٌ، ولَكِنَّها تَضَمَّنَتْ بِالمَعْنى أمْرًا بِمُوادَعَةٍ، فَيُشْبِهُ أنْ يُقالَ: إنَّ (p-٢٦١)النَّسْخُ وقَعَ في ذَلِكَ المَعْنى الَّذِي قَدْ تَقَرَّرَ في آياتٍ أُخَرَ.
الأنعام 6:160
﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها وهم لا يُظْلَمُونَ﴾: رَوى الخُدْرِيُّ، وابْنُ عُمَرَ أنَّها نَزَلَتْ في الأعْرابِ الَّذِينَ آمَنُوا بَعْدَ الهِجْرَةِ ضُوعِفَتْ لَهُمُ الحَسَنَةُ بِعَشْرٍ وضُوعِفَ لِلْمُهاجِرِينَ تِسْعَمِائَةٍ. ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ: يُحْتاجُ إلى إسْنادٍ يَقْطَعُ العُذْرَ؛ انْتَهى. ولَمّا ذَكَرَ أنَّهُ يُنَبِّئُهم بِفِعْلِهِمْ ذَكَرَ كَيْفِيَّةَ المُجازاةِ، ولَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا﴾ [الأنعام: ١٥٩] مُشْعِرًا بِقِسْمَيْهِ مِمَّنْ ثَبَتَ عَلى دِينِهِ قَسَّمَ المُجازِينَ إلى جاءَ بِحَسَنَةٍ وجاءَ بِسَيِّئَةٍ، وفُسِّرَتِ الحَسَنَةُ بِالإيمانِ، وعَشْرُ أمْثالِها تَضْعِيفُ أُجُورِهِ أيْ ثَوابُ عَشْرِ أمْثالِها في الجَنَّةِ، وفُسِّرَتِ السَّيِّئَةُ بِالكُفْرِ ومِثْلُها النّارُ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ الخُدْرِيِّ، وابْنِ عُمَرَ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ومُجاهِدٌ والقاسِمُ بْنُ أبِي بَزَّةَ وغَيْرُهم: الحَسَنَةُ هُنا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ والسَّيِّئَةُ الكُفْرُ، والظّاهِرُ أنَّ العَدَدَ مُرادٌ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: لَيْسَ عَلى التَّحْدِيدِ حَتّى لا يُزادَ عَلَيْهِ ولا يُنْقَصَ مِنهُ، بَلْ عَلى التَّعْظِيمِ لِذَلِكَ، إذْ هَذا العَدَدُ لَهُ خَطَرٌ عِنْدَ النّاسِ، أوْ عَلى التَّمْثِيلِ كَقَوْلِهِ: ﴿كَعَرْضِ السَّماءِ والأرْضِ﴾ [الحديد: ٢١] . وقالَ: ﴿مَن جاءَ﴾ ولَمْ يَقُلْ مَن عَمِلَ لِيُعْلَمَ أنَّ النَّظَرَ إلى ما خُتِمَ بِهِ وقُبِضَ عَلَيْهِ دُونَ ما وُجِدَ مِنهُ مِنَ العَمَلِ، فَكَأنَّهُ قالَ: مَن خُتِمَ لَهُ بِالحَسَنَةِ وكَذَلِكَ السَّيِّئَةُ. انْتَهى. وأنَّثَ عَشْرًا وإنْ كانَ مُضافًا إلى جَمْعٍ مُفْرَدٍ (مِثْلٌ) وهو مُذَكَّرٌ رَعْيًا لِلْمَوْصُوفِ المَحْذُوفِ، إذْ مُفْرَدُهُ مُؤَنَّثٌ، والتَّقْدِيرُ: فَلَهُ عَشْرُ حَسَناتٍ أمْثالِها، ونَظِيرُهُ في التَّذْكِيرِ مَرَرْتُ بِثَلاثَةِ نَسّاباتٍ راعى المَوْصُوفَ المَحْذُوفَ، أيْ بِثَلاثَةِ رِجالٍ نَسّاباتٍ. وقِيلَ: أنَّثَ عَشْرًا وإنْ كانَ مُضافًا إلى ما مُفْرَدُهُ مُذَكَّرٌ لِإضافَةِ أمْثالٍ إلى مُؤَنَّثٍ وهو ضَمِيرُ الحَسَنَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ﴾ [يوسف: ١٠] . قالَهُ أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ. وقِيلَ: الحَسَنَةُ والسَّيِّئَةُ عامّانِ وهو الظّاهِرُ ولَيْسا مَخْصُوصَيْنِ بِالكُفْرِ والإيمانِ ويَكُونُ ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ مَخْصُوصًا بِمَن أرادَ اللَّهُ تَعالى وقَضى بِمُجازاتِهِ عَلَيْها، ولَمْ يَقَضِ أنْ يَغْفِرَ لَهُ، وكَوْنُهُ لَهُ عَشْرُ أمْثالِها لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُزادُ إنْ كانَ مَفْهُومُ العَدَدِ قَوِيًّا في الدَّلالَةِ إذْ تَكُونُ العَشْرَ هي الجَزاءُ عَلى الحَسَنَةِ وما زادَ فَهو فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ كَما قالَ: ﴿واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١] .
وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ وعِيسى بْنُ عُمَرَ والأعْمَشُ ويَعْقُوبُ والقَزّازُ عَنْ عَبْدِ الوارِثِ عَشْرٌ بِالتَّنْوِينِ. أمْثالُها بِالرَّفْعِ عَلى الصِّفَةِ لِعَشْرٍ ولا يَلْزَمُ مِنَ المِثْلِيَّةِ أنْ يَكُونَ في النَّوْعِ، بَلْ يُكْتَفى أنْ يَكُونَ في قَدْرٍ مُشْتَرَكٍ، إذِ النَّعِيمُ السَّرْمَدِيُّ والعَذابُ المُؤَبَّدُ لَيْسا مُشْتَرِكَيْنِ في نَوْعِ ما كانَ مَثَلًا لَهُما، لَكِنَّ النَّعِيمَ مُشْتَرِكٌ مَعَ الحَسَنَةِ في كَوْنِهِما حَسَنَتَيْنِ، والعَذابَ مُشْتَرِكٌ مَعَ السَّيِّئَةِ في كَوْنِهِما يَسُوءانِ، وظاهِرُ مَن جاءَ العُمُومُ. وقِيلَ: يَخْتَصُّ بِالأعْرابِ الَّذِينَ أسْلَمُوا كَما ذُكِرَ في سَبَبِ النُّزُولِ. وقِيلَ: بِمَن آمَنَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهم. وقِيلَ: بِهَذِهِ الأُمَّةِ وهي أدْنى المُضاعَفَةِ. وقِيلَ: العَشْرُ عَلى بَعْضِ الأعْمالِ والسَّبْعُونَ عَلى بَعْضِها.
﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ لا يُنْقَصُ مِن ثَوابِهِمْ ولا يُزادُ في عِقابِهِمْ.
الأنعام 6:161
﴿قُلْ إنَّنِي هَدانِي رَبِّي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أمَرَهُ تَعالى بِالإعْلانِ بِالشَّرِيعَةِ، ونَبْذِ ما سِواها، ووَصَفَها بِأنَّها طَرِيقٌ مُسْتَقِيمٌ لا عِوَجَ فِيها وهو إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣] ولَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ الفِرَقِ أمَرَهُ أنْ يُخْبِرَ أنَّهُ لَيْسَ مِن تِلْكَ الفِرَقِ، بَلْ هو عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، وأسْنَدَ الهِدايَةَ إلى رَبِّهِ لِيَدُلَّ عَلى اخْتِصاصِهِ بِعِبادَتِهِ إيّاهُ كَأنَّهُ قِيلَ: هَدانِي مَعْبُودِي لا مَعْبُودُكم مِنَ الأصْنامِ، ومَعْنى ﴿هَدانِي﴾ خَلَقَ فِيَّ الهِدايَةَ. وقالَ بَعْضُ المُعْتَزِلَةِ: دَلَّنِي. قالَ الماتُرِيدِيُّ: وهَذا باطِلٌ إذْ لا فائِدَةَ في تَخْصِيصِهِ لِأنَّ النّاسَ كُلَّهم كَذَلِكَ.
﴿دِينًا قِيَمًا﴾ بِالحَقِّ والبُرْهانِ.
﴿مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ أذْكَرَهم أنَّ هَذا الدِّينَ الَّذِي هو عَلَيْهِ هو مِلَّةُ إبْراهِيمَ (p-٢٦٢)وهُوَ النَّبِيُّ الَّذِي يُعَظِّمُهُ أهْلُ الشَّرائِعِ والدِّياناتِ وتَزْعُمُ كُفّارُ قُرَيْشٍ أنَّهم عَلى دِينِهِ، فَرَدَّ تَعالى عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ وانْتَصَبَ ﴿دِينًا﴾ عَلى إضْمارِ عَرَّفَنِي لِدَلالَةِ هَدانِي عَلَيْهِ، أوْ بِإضْمارِ هَدانِي، أوْ بِإضْمارِ اتَّبِعُوا والزَمُوا، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِهَدانِي عَلى المَعْنى كَأنَّهُ، قالَ اهْتِداءً، أوْ عَلى البَدَلِ مِن إلى صِراطٍ عَلى المَوْضِعِ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: هَدَيْتُ القَوْمَ الطَّرِيقَ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: ٢] . وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وابْنُ عامِرٍ: قِيَمًا، وتَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ في أوائِلِ سُورَةِ النِّساءِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ (قَيِّمًا) كَسَيِّدٍ، و(مِلَّةَ) بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿دِينًا﴾ و﴿حَنِيفًا﴾ تَقَدَّمَ إعْرابُهُ في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: و﴿حَنِيفًا﴾ نُصِبَ عَلى الحالِ مِن إبْراهِيمَ.
الأنعام 6:162
﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيايَ ومَماتِي لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾: الظّاهِرُ أنَّ الصَّلاةَ هي الَّتِي فُرِضَتْ عَلَيْهِ. وقِيلَ: صَلاةُ اللَّيْلِ. وقِيلَ: صَلاةُ العِيدِ لِمُناسَبَةِ النُّسُكِ. وقِيلَ: الدُّعاءُ والتَّذَلُّلُ والنُّسُكُ يُطْلَقُ عَلى الصَّلاةِ أيْضًا وعَلى العِبادَةِ وعَلى الذَّبِيحَةِ، وأمّا في الآيَةِ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: هي الذَّبائِحُ الَّتِي تُذْبَحُ لِلَّهِ، وجَمَعَ بَيْنَهُما، كَما قالَ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] . ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّها نازِلَةٌ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُها، والجِدالُ فِيها في السُّورَةِ. وقالَ الحَسَنُ: الدِّينُ والمَذْهَبُ. وقِيلَ: العِبادَةُ الخالِصَةُ. ومَعْنى: ﴿ومَحْيايَ ومَماتِي لِلَّهِ﴾ أنَّهُ لا يَمْلِكُهُما إلّا اللَّهُ، أوْ حَياتِي لِطاعَتِهِ ومَماتِي رُجُوعِي إلى جَزائِهِ، أوْ ما آتِيهِ في حَياتِي مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ وما أمُوتُ عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ لِلَّهِ، ثَلاثَةُ أقْوالٍ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: مَعْنى كَوْنِهِما لِلَّهِ لِخَلْقِ اللَّهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ طاعَةَ العَبْدِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أمَرَهُ تَعالى أنْ يُعْلِنَ أنَّ مَقْصِدَهُ في صَلاتِهِ وطاعاتِهِ مِن ذَبِيحَةٍ وغَيْرِها وتَصَرُّفِهِ مُدَّةَ حَيّاتِهِ وحالِهِ مِنَ الإخْلاصِ والإيمانِ عِنْدَ مَماتِهِ إنَّما هو لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وإرادَةِ وجْهِهِ وطَلَبِهِ رِضاهُ، وفي إعْلانِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذِهِ المَقالَةِ ما يُلْزِمُ المُؤْمِنِينَ التَّأسِّي بِهِ حَتّى يَلْزَمُوا في جَمِيعِ أعْمالِهِمْ قَصْدَ وجْهِهِ عَزَّ وجَلَّ ولَهُ تَصَرُّفُهُ في جَمِيعِ ذَلِكَ كَيْفَ شاءَ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو حَيْوَةَ (ونُسْكِي) بِإسْكانِ السِّينِ، وما رُوِيَ عَنْ نافِعٍ مِن سُكُونِ ياءِ المُتَكَلِّمِ في (مَحْيايَ) هو جَمْعٌ بَيْنَ ساكِنَيْنِ أُجْرِيَ الوَصْلُ فِيهِ مَجْرى الوَقْفِ، والأحْسَنُ في العَرَبِيَّةِ الفَتْحُ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: هي شاذَّةٌ في القِياسِ لِأنَّها جَمَعَتْ بَيْنَ ساكِنَيْنِ، وشاذَّةٌ في الِاسْتِعْمالِ، ووَجْهُها أنَّهُ قَدْ سُمِعَ مِنَ العَرَبِ التَقَتْ حَلَقَتا البِطانِ، ولِفُلانٍ بَيْتا المالِ، ورَوى أبُو خالِدٍ عَنْ نافِعٍ ﴿ومَحْيايَ﴾ بِكَسْرِ الياءِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى والجَحْدَرِيُّ ومَحْيَيَّ عَلى لُغَةِ هُذَيْلٍ، كَقَوْلِ أبِي ذُؤَيْبٍ.
سَبَقُوا هَوَيَّ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ (صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيايَ ومَماتِي) بِفَتْحِ الياءِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عاصِمٍ مِن سُكُونِ ياءِ المُتَكَلِّمِ.
الأنعام 6:163
﴿لا شَرِيكَ لَهُ وبِذَلِكَ أُمِرْتُ وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ الظّاهِرُ نَفْيُ كُلِّ شَرِيكٍ، فَهو عامٌّ في كُلِّ شَرِيكٍ فَتَخْصِيصُ ذَلِكَ بِما قِيلَ مِن أنَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ في العالَمِ أوْ لا شَرِيكَ لَهُ فِيما أتَقَرَّبُ بِهِ مِنَ العِبادَةِ أوْ لا شَرِيكَ لَهُ في الخَلْقِ والتَّدْبِيرِ أوْ لا شَرِيكَ فِيما شاءَ مِن أفْعالِهِ، الأوْلى بِها أنْ تَكُونَ عَلى جِهَةِ التَّمْثِيلِ لا عَلى التَّخْصِيصِ حَقِيقَةً، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ما بَعْدَ الأمْرَيْنِ ﴿قُلْ إنَّنِي هَدانِي رَبِّي﴾ [الأنعام: ١٦١] ﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي﴾ [الأنعام: ١٦٢] وما بَعْدَها أوْ إلى قَوْلِهِ: ﴿لا شَرِيكَ لَهُ﴾ فَقَطْ أقْوالٌ ثَلاثَةٌ أظْهَرُها الأوَّلُ، والألِفُ واللّامُ في المُسْلِمِينَ لِلْعَهْدِ ويَعْنِي بِهِ هَذِهِ الأُمَّةَ؛ لِأنَّ إسْلامَ كُلِّ نَبِيٍّ سابِقٌ عَلى إسْلامِ أُمَّتِهِ؛ لِأنَّهم مِنهُ يَأْخُذُونَ شَرِيعَتَهُ قالَهُ قَتادَةُ. وقِيلَ: مِنَ العَرَبِ. وقِيلَ: مِن أهْلِ مَكَّةَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: أوَّلُهم في هَذا الزَّمانِ. وقِيلَ: أوَّلُهم في المَزِيَّةِ والرُّتْبَةِ والتَّقَدُّمِ يَوْمَ القِيامَةِ. وقِيلَ: مُذْ كُنْتُ نَبِيًّا كُنْتُ مُسْلِمًا، كُنْتُ نَبِيًّا وآدَمُ بَيْنَ الماءِ والطِّينِ، وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: مَعْناهُ مِنَ المُسْلِمِينَ لِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ إذْ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لَيْسَ أوَّلًا لِكُلِّ مُسْلِمٍ. انْتَهى. وفِيهِ إلْغاءُ لَفْظِ أوَّلٍ، ولا تُلْغى (p-٢٦٣)
الأسْماءُ، والأحْسَنُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ القَوْلُ الأوَّلُ
الأنعام 6:164
﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِي رَبًّا وهو رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ حَكى النَّقّاشُ أنَّهُ رُوِيَ: أنَّ الكُفّارَ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: ارْجِعْ يا مُحَمَّدُ إلى دِينِنا واعْبُدْ آلِهَتَنا واتْرُكْ ما أنْتَ عَلَيْهِ ونَحْنُ نَتَكَفَّلُ لَكَ بِكُلِّ ما تُرِيدُ في دُنْياكَ وآخِرَتِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. والهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ ومَعْناهُ الإنْكارُ والتَّوْبِيخُ وهو رَدٌّ عَلَيْهِمْ إذْ دَعَوْهُ إلى آلِهَتِهِمْ، والمَعْنى أنَّهُ كَيْفَ يَجْتَمِعُ لِي دَعْوَةُ غَيْرِ اللَّهِ رَبًّا، وغَيْرُهُ مَرْبُوبٌ لَهُ.
﴿ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلّا عَلَيْها﴾ أيْ ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ شَيْئًا يَكُونُ عاقِبَتُهُ عَلى أحَدٍ إلّا عَلَيْها.
﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ أيْ لا تُذْنِبُ نَفْسٌ مُذْنِبَةٌ ذَنْبَ نَفْسٍ أُخْرى، والمَعْنى لا تُؤْخَذُ بِغَيْرِ وِزْرِها فَهو تَأْكِيدٌ لِلْجُمْلَةِ قَبْلَهُ، وهو جَوابٌ لِقَوْلِهِمُ اتَّبِعُوا سَبِيلَنا ولِنَحْمِلْ خَطاياكم.
﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ أيْ مَرْجِعُكم إلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ، والتَّنْبِئَةُ عِبارَةٌ عَنِ الجَزاءِ والَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ هو مِنَ الأدْيانِ والمَذاهِبِ يُجازِيكم بِما تَرَتَّبَ عَلَيْها مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، وسِياقُ هَذِهِ الجُمَلِ سِياقُ الخَبَرِ والمَعْنى عَلى الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ، وقِيلَ: بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ في أمْرِي مِن قَوْلِ بَعْضِكم هو شاعِرٌ ساحِرٌ وقَوْلِ بَعْضِكُمُ افْتَراهُ وبَعْضِكُمُ اكْتَتَبَهُ ونَحْوِ هَذا.
الأنعام 6:165
﴿وهو الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ ورَفَعَ بَعْضَكم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكم فِيما آتاكُمْ﴾ .
أذْكَرَهم تَعالى بِنِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ إذْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ المُبْعَثَ، وهو مُحَمَّدٌ ﷺ خاتَمُ النَّبِيِّينَ، فَأُمَّتُهُ خَلَفَتْ سائِرَ الأُمَمِ ولا يَجِيءُ بَعْدَها أُمَّةٌ تَخْلُفُها إذْ عَلَيْهِمْ تَقُومُ السّاعَةُ، وقالَ الحَسَنُ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ «تُوفُونَ سَبْعِينَ أُمَّةً أنْتُمْ خَيْرُها وأكْرَمُها عَلى اللَّهِ»، ورُوِيَ «أنْتُمْ آخِرُها وأكْرَمُها عَلى اللَّهِ»، ورَفْعُ الدَّرَجاتِ هو بِالشَّرَفِ في المَراتِبِ الدُّنْيَوِيَّةِ والعِلْمِ وسَعَةِ الرِّزْقِ، ولِيَبْلُوَكم مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ، ورَفَعَ فِيما آتاكم مِن ذَلِكَ جاهًا ومالًا وعِلْمًا، وكَيْفَ تَكُونُونَ في ذَلِكَ، وقِيلَ: الخِطابُ لِبَنِي آدَمَ خُلِّفُوا في الأرْضِ عَنِ الجِنِّ أوْ عَنِ المَلائِكَةِ، وقِيلَ: يَخْلُفُ بَعْضُهم بَعْضًا، وقِيلَ: خُلَفاءُ الأرْضِ تَمْلِكُونَها وتَتَصَرَّفُونَ فِيها.
﴿إنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقابِ وإنَّهُ لِغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لَمّا كانَ الِابْتِلاءُ يَظْهَرُ بِهِ المُسِيءُ والمُحْسِنُ والطّائِعُ والعاصِي ذَكَرَ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ وخَتَمَ بِهِما، ولَمّا كانَ الغالِبُ عَلى فَواصِلِ الآيِ قَبْلَها هو التَّهْدِيدُ بَدَأ بِقَوْلِهِ سَرِيعُ العِقابِ، يَعْنِي لِمَن كَفَرَ ما أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى، وسُرْعَةُ عِقابِهِ إنْ كانَ في الدُّنْيا فالسُّرْعَةُ ظاهِرَةٌ، وإنْ كانَ في الآخِرَةِ فَوُصِفَ بِالسُّرْعَةِ لِتَحَقُّقِهِ إذْ كُلُّ ما هو آتٍ آتٍ ولَمّا كانَتْ جِهَةُ الرَّحْمَةِ أرْجى أكَّدَ ذَلِكَ بِدُخُولِ اللّامِ في الخَبَرِ ويَكُونُ الوَصْفَيْنِ بُنِيا بِناءَ مُبالَغَةٍ ولَمْ يَأْتِ في جِهَةِ العِقابِ بِوَصْفِهِ، بِذَلِكَ فَلَمْ يَأْتِ إنَّ رَبَّكَ مُعاقِبٌ وسَرِيعُ العِقابِ مِن بابِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ.
الأعراف 7:1
(p-٢٦٤)سُورَةُ الأعْرافِ
﷽
﴿المص﴾ ﴿كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣] ﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا أوْ هم قائِلُونَ﴾ [الأعراف: ٤] ﴿فَما كانَ دَعْواهم إذْ جاءَهم بَأْسُنا إلّا أنْ قالُوا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٥] ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦] ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وما كُنّا غائِبِينَ﴾ [الأعراف: ٧] ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٨] ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ٩] ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاكم في الأرْضِ وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٠] ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ [الأعراف: ١١] ﴿قالَ ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢] ﴿قالَ فاهْبِطْ مِنها فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فاخْرُجْ إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٣] ﴿قالَ أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الأعراف: ١٤] ﴿قالَ إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥] ﴿قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦] ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٧] ﴿قالَ اخْرُجْ مِنها مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَن تَبِعَكَ مِنهم لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ﴾ [الأعراف: ١٨] ﴿ويا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ فَكُلا مِن حَيْثُ شِئْتُما ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٩] ﴿فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِن سَوْآتِهِما وقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠] ﴿وقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١] ﴿فَدَلّاهُما بِغُرُورٍ فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ وناداهُما رَبُّهُما ألَمْ أنْهَكُما عَنْ تِلْكُما الشَّجَرَةِ وأقُلْ لَكُما إنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ٢٢] ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣] ﴿قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ [الأعراف: ٢٤] ﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وفِيها تَمُوتُونَ ومِنها تُخْرَجُونَ﴾ [الأعراف: ٢٥] ﴿يابَنِي آدَمَ قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكم ورِيشًا ولِباسُ التَّقْوى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٦] ﴿يابَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إنَّهُ يَراكم هو وقَبِيلُهُ مِن حَيْثُ لا تَرَوْنَهم إنّا جَعَلْنا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٧]
كَمَ اسْمٌ بَسِيطٌ لا مُرَكَّبٌ، مِن كافِ التَّشْبِيهِ وما الِاسْتِفْهامِيَّةُ حُذِفَ ألِفُها لِدُخُولِ حَرْفِ الجَرِّ عَلَيْها وسَكَنَتْ، كَما قالُوا: لِمَ تَرْكِيبًا لا يَنْفَكُّ، كَما رُكِّبَتْ في كَأيِّنٍ مَعَ أيٍّ، وتَأْتِي اسْتِفْهامِيَّةً وخَبَرِيَّةً، وكَثِيرًا ما جاءَتِ الخَبَرِيَّةُ في القُرْآنِ، ولَمْ يَأْتِ تَمْيِيزُها في القُرْآنِ إلّا مَجْرُورًا بِمِن، وأحْكامُها في نَوْعَيْها مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ النَّحْوِ. القَيْلُولَةُ: نَوْمُ نِصْفِ النَّهارِ وهي القائِلَةُ. قالَهُ اللَّيْثُ، وقالَ الأزْهَرِيُّ: الِاسْتِراحَةُ نِصْفَ النَّهارِ إذا اشْتَدَّ الحَرُّ ولَمْ يَكُنْ نَوْمٌ، وقالَ الفَرّاءُ: قالَ يَقِيلُ قَيْلُولَةً وقَيْلًا وقائِلَةً ومَقِيلًا اسْتَراحَ وسَطَ النَّهارِ. العَيْشُ: الحَياةُ عاشَ يَعِيشُ عَيْشًا ومَعاشًا وعِيشَةً ومَعِيشَةً ومَعِيشًا. قالَ رُؤْبَةُ:
؎إلَيْكَ أشْكُو شَدَّةَ المَعِيشِ وجَهْدَ أيّامٍ نَتَفْنَ رِيشِي
غَوى يَغْوِي غَيًّا وغَوايَةً: فَسَدَ عَلَيْهِ أمْرُهُ وفَسَدَ هو في نَفْسِهِ، ومِنهُ غَوى الفَصِيلُ: أكْثَرَ مِن شُرْبِ لَبَنِ أُمِّهِ حَتّى فَسَدَ جَوْفُهُ وأشْرَفَ عَلى الهَلاكِ، وقِيلَ أصْلُهُ الهَلاكُ ومِنهُ ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩] .
الشَّمائِلُ: (p-٢٦٥)جَمْعُ شِمالٍ وهو جَمْعُ تَكْسِيرٍ وجَمْعُهُ في القِلَّةِ عَلى أشْمُلٍ. قالَ الشّاعِرُ:
؎يَأْتِي لَها مِن أيْمُنٍ وأشْمُلِ
وشِمالٌ يُطْلَقُ عَلى اليَدِ اليُسْرى وعَلى ناحِيَتِها، والشَّمائِلُ أيْضًا جَمْعُ شَمالٍ وهي الرِّيحُ، والشَّمائِلُ أيْضًا الأخْلاقُ يُقالُ: هو حَسَنُ الشَّمائِلِ. ذَأمَهُ: عابَهُ يَذْأمُهُ ذَأْمًا بِسُكُونِ الهَمْزَةِ، ويَجُوزُ إبْدالُها ألِفًا. قالَ الشّاعِرُ:
؎صَحِبْتُكَ إذْ عَيْنِي عَلَيْها غِشاوَةٌ ∗∗∗ فَلَمّا انْجَلَتْ قَطَعْتُ نَفْسِي أذِيمُها
وفِي المَثَلِ: لَنْ تَعْدَمِ الحَسْناءُ ذَأْمًا. وقِيلَ: أرَدْتَ أنْ تَذِيمَهُ فَمَدَحْتَهُ، وقالَ اللَّيْثُ ذَأمْتَهُ حَقَّرْتَهُ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وابْنُ الأنْبارِيِّ: ذَأمَهُ وذَمَّهُ، دَحَرَهُ أبْعَدَهُ وأقْصاهُ دُحُورًا. قالَ الشّاعِرُ:
؎دَحَرْتُ بَنِي الحَصِيبِ إلى قُدَيْدٍ ∗∗∗ وقَدْ كانُوا ذَوِي أشَرٍ وفَخْرِ
وسْوَسَ: تَكَلَّمَ كَلامًا خَفِيًّا يُكَرِّرِهُ، والوَسْواسُ صَوْتُ الحُلِيِّ شُبِّهَ الهَمْسُ بِهِ، وهو فِعْلٌ لا يَتَعَدّى إلى مَنصُوبٍ، نَحْوُ ولْوَلَتْ ووَعْوَعَ. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: رَجُلٌ مُوَسْوِسٌ، بِكَسْرِ الواوِ، ولا يُقالُ: مُوَسْوَسٌ بِفَتْحِها. وقالَ غَيْرُهُ: يُقالُ مُوَسْوَسٌ لَهُ ومُوَسْوَسٌ إلَيْهِ. وقالَ رُؤْبَةُ يَصِفُ صَيّادًا:
؎وسْوَسَ يَدْعُو مُخْلِصًا رَبَّ الفَلَقْ ∗∗∗ لَمّا دَنا الصَّيْدُ دَنا مِنَ الوَهَقْ
يَقُولُ: لَمّا أحَسَّ بِالصَّيْدِ وأرادَ رَمْيَهُ وسَوَسَ في نَفْسِهِ أيُخْطِئُ أمْ يُصِيبُ. قالَ الأزْهَرِيُّ: وسْوَسَ ووَرْوَرَ مَعْناهُما واحِدٌ، نَصَحَ: بَذَلَ المَجْهُودَ في تَبْيِينِ الخَيْرِ، وهو ضِدُّ غَشَّ ويَتَعَدّى بِنَفْسِهِ وبِاللّامِ نَصَحْتُ زَيْدًا ونَصَحْتُ لِزَيْدٍ، ويَبْعُدُ أنْ يَكُونَ يَتَعَدّى لِواحِدٍ بِنَفْسِهِ ولِآخَرَ بِحَرْفِ الجَرِّ، وأصْلُهُ نَصَحْتُ لِزَيْدٍ، مِن قَوْلِهِمْ نَصَحْتُ لِزَيْدٍ الثَّوْبَ بِمَعْنى خِطْتُهُ خِلافًا لِمَن ذَهَبَ إلى ذَلِكَ. ذاقَ الشَّيْءَ يَذُوقُهُ ذَوْقًا: مَسَّهُ بِلِسانِهِ، أوْ بِفَمِهِ، ويُطْلَقُ عَلى الأكْلِ. طَفِقَ، بِكَسْرِ الفاءِ وفَتْحِها، ويُقالُ: طَبَّقَ بِالباءِ وهي بِمَعْنى أخَذَ مِن أفْعالِ المُقارَبَةِ. خَصَفَ النَّعْلَ: وضَعَ جِلْدًا عَلى جِلْدٍ وجَمَعَ بَيْنَهُما بِسَيْرٍ، والخَصْفُ الخَرْزُ. الرِّيشُ مَعْرُوفٌ وهو لِلطّائِرِ، ويُسْتَعْمَلُ في مَعانٍ يَأْتِي ذِكْرُها في تَفْسِيرِ المُرَكَّباتِ، واشْتَقُّوا مِنهُ قالُوا: راشَهُ يَرِيشُهُ، وقِيلَ الرَّيْشُ مَصْدَرُ راشَ. النَّزْعُ: الإزالَةُ والجَذْبُ بِقُوَّةٍ.
﴿المص﴾ ﴿كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ كُلُّها قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وعَطاءٌ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، والضَّحّاكُ، وغَيْرُهم، وقالَ مُقاتِلٌ: إلّا قَوْلَهُ: ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ﴾ [الأعراف: ١٦٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] فَإنَّ ذَلِكَ مَدَنِيٌّ ورُوِيَ هَذا أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. (p-٢٦٦)وقِيلَ إلى قَوْلِهِ: ﴿وإذْ نَتَقْنا﴾ [الأعراف: ١٧١] واعْتِلاقُ هَذِهِ السُّورَةِ بِما قَبْلَها هو أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ تَعالى قَوْلَهُ: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٥] واسْتَطْرَدَ مِنهُ لِما بَعْدَهُ وإلى قَوْلِهِ آخِرَ السُّورَةِ ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ﴾ [الأنعام: ١٦٥] وذَكَرَ ابْتِلاءَهم فِيما آتاهم وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بِالتَّكالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ ذَكَرَ ما يَكُونُ بِهِ التَّكالِيفُ وهو الكِتابُ الإلَهِيُّ وذِكْرُ الأمْرِ بِاتِّباعِهِ، كَما أمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٥] . وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ أوائِلَ السُّورَةِ في أوَّلِ البَقَرَةِ، وذَكَرَ ما حَدَسَهُ النّاسُ فِيها ولَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلى شَيْءٍ مِن تَفْسِيرِهِمْ يُعَيِّنُ ما قالُوا، وزادُوا هُنا لِأجْلِ الصّادِ أنَّ مَعْناهُ أنا اللَّهُ أعْلَمُ وأفْصِلُ. رَواهُ أبُو الضُّحى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوِ المُصَوِّرُ. قالَهُ السُّدِّيُّ: أوِ اللَّهُ المَلِكُ النَّصِيرُ. قالَهُ بَعْضُهم، أوْ أنا اللَّهُ المَصِيرُ إلَيَّ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ، أوِ المَصِيرُ كِتابٌ، فَحَذَفَ الياءَ والرّاءَ تَرْخِيمًا وعَبَّرَ عَنِ المَصِيرِ بِـ ﴿المص﴾ . قالَهُ التِّبْرِيزِيُّ. وقِيلَ عَنْهُ: أنا اللَّهُ الصّادِقُ. وقِيلَ: مَعْناهُ ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] . قالَهُ الكِرْمانِيُّ. قالَ: واكْتَفى بِبَعْضِ الكَلامِ. وهَذِهِ الأقْوالُ في الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ لَوْلا أنَّ المُفَسِّرِينَ شَحَنُوا بِها كُتُبَهم خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ لَضَرَبْنا عَنْ ذِكْرِها صَفْحًا فَإنَّ ذِكْرَها يَدُلُّ عَلى ما لا يَنْبَغِي ذِكْرُهُ مِن تَأْوِيلاتِ الباطِنِيَّةِ وأصْحابِ الألْغازِ والرُّمُوزِ ونَهْيُهُ تَعالى أنْ يَكُونَ في صَدْرِهِ حَرَجٌ مِنهُ أيْ مِن سَبَبِهِ لِما تَضَمَّنَهُ مِن أعْباءِ الرِّسالَةِ وتَبْلِيغِها لِمَن لَمْ يُؤْمِن بِكِتابٍ ولا اعْتَقَدَ صِحَّةَ رِسالَةٍ وتَكْلِيفَ النّاسِ أحْكامَها وهَذِهِ أُمُورٌ صَعْبَةٌ ومَعانِيها يَشُقُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ وأسْنَدَ النَّهْيَ إلى الحَرَجِ ومَعْناهُ نَهْيُ المُخاطَبِ عَنِ التَّعَرُّضِ لِلْحَرَجِ، وكانَ أبْلَغَ مِن نَهْيِ المُخاطَبِ لِما فِيهِ مِن أنَّ الحَرَجَ لَوْ كانَ مِمّا يُنْهى لَنَهَيْناهُ عَنْكَ فانْتَهِ أنْتَ عَنْهُ بِعَدَمِ التَّعَرُّضِ لَهُ ولِأنَّ فِيهِ تَنْزِيهَ نَبِيِّهِ ﷺ بِأنْ يَنْهاهُ فَيَأْتِي التَّرْكِيبُ فَلا تَحْرَجْ مِنهُ؛ لِأنَّ ما أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ يُناسِبُ أنْ يُسَرَّ بِهِ ويَنْشَرِحَ لِما فِيهِ مِن تَخْصِيصِهِ بِذَلِكَ وتَشْرِيفِهِ حَيْثُ أهَّلَهُ لِإنْزالِ كِتابِهِ عَلَيْهِ وجَعَلَهُ سَفِيرًا بَيْنَهُ وبَيْنَ خَلْقِهِ فَلِهَذِهِ الفَوائِدِ عَدَلَ عَنْ أنْ يَنْهاهُ، ونَهى الحَرَجَ وفُسِّرَ الحَرَجُ هُنا بِالشَّكِّ وهو تَفْسِيرٌ قَلِقٌ، وسُمِّيَ الشَّكُّ حَرَجًا؛ لِأنَّ الشّاكَّ ضَيِّقُ الصَّدْرِ كَما أنَّ المُتَيَقِّنَ مُنْشَرِحُ الصَّدْرِ وإنْ صَحَّ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَيَكُونُ مِمّا تَوَجَّهَ فِيهِ الخِطابُ إلَيْهِ لَفْظًا وهو لِأُمَّتِهِ مَعْنًى، أيْ فَلا يَشُكُّوا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ. وقالَ الحَسَنُ: الحَرَجُ هُنا الضِّيقُ أيْ لا يَضِيقُ صَدْرُكَ مِن تَبْلِيغِ ما أُرْسِلْتَ بِهِ خَوْفًا مِن أنْ لا تَقُومَ بِحَقِّهِ. وقالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ لا يَضِيقُ صَدْرُكَ بِأنْ يُكَذِّبُوكَ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾ [الكهف: ٦] وقِيلَ: الحَرَجُ هُنا الخَوْفُ أيْ لا تَخَفْ مِنهم وإنْ كَذَّبُوكَ وتَمالَئُوا عَلَيْكَ. قالُوا: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لَهُ ولِأُمَّتِهِ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ”مِنهُ“ عائِدٌ عَلى الكِتابِ، وقِيلَ عَلى التَّبْلِيغِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ المَعْنى. وقِيلَ عَلى التَّكْذِيبِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى، وقِيلَ عَلى الإنْزالِ، وقِيلَ عَلى الإنْذارِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا التَّخْصِيصُ كُلُّهُ لا وجْهَ لَهُ إذِ اللَّفْظُ يَعُمُّ جَمِيعَ الجِهاتِ الَّتِي هي مِن سَبَبِ الكِتابِ ولِأجْلِهِ وذَلِكَ يَسْتَغْرِقُ التَّبْلِيغَ والإنْذارَ وتَعَرُّضَ المُشْرِكِينَ وتَكْذِيبَ المُكَذِّبِينَ وغَيْرَ ذَلِكَ.
و﴿فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ﴾ اعْتِراضٌ في أثْناءِ الكَلامِ، ولِذَلِكَ قالَ بَعْضُ النّاسِ إنَّ فِيهِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا.
و(لِتُنْذِرَ) مُتَعَلِّقٌ بِأُنْزِلَ. انْتَهى. وكَذا قالَ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ اللّامَ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿أُنْزِلَ﴾ [الأعراف: ٣] وقالَهُ قَبْلَهُمُ الفَرّاءُ ولَزِمَ مِن قَوْلِهِمْ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ﴾ اعْتِراضًا بَيْنَ العامِلِ والمَعْمُولِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: التَّقْدِيرُ: فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ كَيْ تُنْذِرَ بِهِ فَجَعَلَهُ مُتَعَلِّقًا بِما تَعَلَّقَ بِهِ في صَدْرِكَ وكَذا عَلَّقَهُ بِهِ صاحِبُ النَّظْمِ فَعَلى هَذا لا تَكُونُ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةً، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وأبُو البَقاءِ الوَجْهَيْنِ إلّا أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ قالَ: فَإنْ قُلْتَ: بِمَ يَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ: ﴿لِتُنْذِرَ﴾ قُلْتُ: بِأُنْزِلَ أيْ أُنْزِلَ إلَيْكَ لِإنْذارِكَ بِهِ، أوْ بِالنَّهْيِ؛ (p-٢٦٧)لِأنَّهُ إذا لَمْ يُخِفْهم أنْذَرَهم ولِذَلِكَ إذا أيْقَنَ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ شَجَّعَهُ اليَقِينُ عَلى الإنْذارِ؛ لِأنَّ صاحِبَ اليَقِينِ جَسُورٌ مُتَوَكِّلٌ عَلى عِصْمَتِهِ. انْتَهى. فَقَوْلُهُ، أوْ بِالنَّهْيِ ظاهِرُهُ أنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالنَّهْيِ، فَيَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ فَلا يَكُنْ كانَ عِنْدَهم في تَعْلِيقِ المَجْرُورِ والعَمَلِ في الظَّرْفِ فِيهِ خِلافٌ، ومَبْناهُ عَلى أنَّهُ هَلْ تَدُلُّ كانَ النّاقِصَةُ عَلى الحَدَثِ أمْ لا ؟ فَمَن قالَ إنَّها تَدُلُّ عَلى الحَدَثِ جَوَّزَ فِيها ذَلِكَ، ومَن قالَ إنَّها لا تَدُلُّ عَلَيْهِ لَمْ يُجَوِّزْ ذَلِكَ، وأعْرَبَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ ﴿المص﴾ مُبْتَدَأً و﴿كِتابٌ﴾ خَبَرَهُ وأعْرَبَ أيْضًا ﴿كِتابٌ﴾ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هَذا كِتابٌ، و(ذِكْرى) هو مَصْدَرُ ذَكَرَ بِتَخْفِيفِ الكافِ، وجَوَّزُوا فِيهِ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَطْفٌ عَلى كِتابٍ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ وهو ذِكْرى، والنَّصْبُ عَلى المَصْدَرِ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ مَعْطُوفٍ عَلى ﴿لِتُنْذِرَ﴾ أيْ وتَذْكُرَ ذِكْرى، أوْ عَلى مَوْضِعِ لِتُنْذِرَ؛ لِأنَّ مَوْضِعَهُ نَصْبٌ فَيَكُونُ إذْ ذاكَ مَعْطُوفًا عَلى المَعْنى كَما عُطِفَتِ الحالُ عَلى مَوْضِعِ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ: ﴿دَعانا لِجَنْبِهِ أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا﴾ [يونس: ١٢] ويَكُونُ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ وكَما تَقُولُ: جِئْتُكَ لِلْإحْسانِ وشَوْقًا إلَيْكَ، والجَرُّ عَلى مَوْضِعِ النّاصِبَةِ ﴿لِتُنْذِرَ﴾ المُنْسَبِكِ مِنها ومِنَ الفِعْلِ مَصْدَرٌ، التَّقْدِيرُ: لِإنْذارِكَ بِهِ وذِكْرى. وقالَ قَوْمٌ: هو مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ مِن بِهِ وهو مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ، وتَعاوُرُ النَّصْبِ والجَرِّ هو عَلى مَعْنًى، وتَذْكِيرٌ مَصْدَرُ ذَكَّرَ المُشَدَّدِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: النُّفُوسُ قِسْمانِ جاهِلَةٌ غَرِيقَةٌ في طَلَبِ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ وشَرِيفَةٌ مُشْرِقَةٌ بِالأنْوارِ الإلَهِيَّةِ، مُسْتَشْعِرَةٌ بِالحَوادِثِ الرُّوحانِيَّةِ فَبُعِثَتِ الأنْبِياءُ والرُّسُلُ في حَقِّ القِسْمِ الأوَّلِ لِلْإنْذارِ والتَّخْوِيفِ لَمّا غَرِقُوا في بَحْرِ الغَفْلَةِ ورَقْدَةِ الجاهِلِيَّةِ احْتاجُوا إلى مُوقِظٍ ومُنَبِّهٍ، وفي حَقِّ القِسْمِ الثّانِي لِتَذْكِيرٍ وتَنْبِيهٍ؛ لِأنَّ هَذِهِ النُّفُوسَ بِمُقْتَضى جَواهِرِها الأصْلِيَّةِ مُسْتَشْعِرَةً بِالِانْجِذابِ إلى عالَمِ القُدْسِ والِاتِّصالِ بِالحَضْرَةِ الصَّمَدِيَّةِ إلّا أنَّهُ رُبَّما غَشِيَها مِن غَواشِي عالَمِ الحِسِّ فَيَعْرِضُ نَوْعُ ذُهُولٍ، فَإذا سَمِعَتْ دَعْوَةَ الأنْبِياءِ واتَّصَلَ بِها أرْواحُ رُسُلِ اللَّهِ تَذَكَّرَتْ مَرْكَزَها وأبْصَرَتْ مَنشَأها واشْتاقَتْ إلى ما حَصَلَ هُناكَ مِنَ الرُّوحِ والرّاحَةِ والرَّيْحانِ. فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى إنَّما أنْزَلَ الكِتابَ عَلى رَسُولِهِ لِيَكُونَ إنْذارًا في حَقِّ طائِفَةٍ، وذِكْرى في حَقِّ أُخْرى، وهو كَلامٌ فَلْسَفِيٌّ خارِجٌ عَنْ كَلامِ المُتَشَرِّعِينَ وهَكَذا كَلامُ هَذا الرَّجُلِ أعاذَنا اللَّهُ مِنهُ.
الأعراف 7:2
(p-٢٦٤)سُورَةُ الأعْرافِ
﷽
﴿المص﴾ ﴿كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣] ﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا أوْ هم قائِلُونَ﴾ [الأعراف: ٤] ﴿فَما كانَ دَعْواهم إذْ جاءَهم بَأْسُنا إلّا أنْ قالُوا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٥] ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦] ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وما كُنّا غائِبِينَ﴾ [الأعراف: ٧] ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٨] ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ٩] ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاكم في الأرْضِ وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٠] ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ [الأعراف: ١١] ﴿قالَ ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢] ﴿قالَ فاهْبِطْ مِنها فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فاخْرُجْ إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٣] ﴿قالَ أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الأعراف: ١٤] ﴿قالَ إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥] ﴿قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦] ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٧] ﴿قالَ اخْرُجْ مِنها مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَن تَبِعَكَ مِنهم لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ﴾ [الأعراف: ١٨] ﴿ويا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ فَكُلا مِن حَيْثُ شِئْتُما ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٩] ﴿فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِن سَوْآتِهِما وقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠] ﴿وقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١] ﴿فَدَلّاهُما بِغُرُورٍ فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ وناداهُما رَبُّهُما ألَمْ أنْهَكُما عَنْ تِلْكُما الشَّجَرَةِ وأقُلْ لَكُما إنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ٢٢] ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣] ﴿قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ [الأعراف: ٢٤] ﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وفِيها تَمُوتُونَ ومِنها تُخْرَجُونَ﴾ [الأعراف: ٢٥] ﴿يابَنِي آدَمَ قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكم ورِيشًا ولِباسُ التَّقْوى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٦] ﴿يابَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إنَّهُ يَراكم هو وقَبِيلُهُ مِن حَيْثُ لا تَرَوْنَهم إنّا جَعَلْنا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٧]
كَمَ اسْمٌ بَسِيطٌ لا مُرَكَّبٌ، مِن كافِ التَّشْبِيهِ وما الِاسْتِفْهامِيَّةُ حُذِفَ ألِفُها لِدُخُولِ حَرْفِ الجَرِّ عَلَيْها وسَكَنَتْ، كَما قالُوا: لِمَ تَرْكِيبًا لا يَنْفَكُّ، كَما رُكِّبَتْ في كَأيِّنٍ مَعَ أيٍّ، وتَأْتِي اسْتِفْهامِيَّةً وخَبَرِيَّةً، وكَثِيرًا ما جاءَتِ الخَبَرِيَّةُ في القُرْآنِ، ولَمْ يَأْتِ تَمْيِيزُها في القُرْآنِ إلّا مَجْرُورًا بِمِن، وأحْكامُها في نَوْعَيْها مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ النَّحْوِ. القَيْلُولَةُ: نَوْمُ نِصْفِ النَّهارِ وهي القائِلَةُ. قالَهُ اللَّيْثُ، وقالَ الأزْهَرِيُّ: الِاسْتِراحَةُ نِصْفَ النَّهارِ إذا اشْتَدَّ الحَرُّ ولَمْ يَكُنْ نَوْمٌ، وقالَ الفَرّاءُ: قالَ يَقِيلُ قَيْلُولَةً وقَيْلًا وقائِلَةً ومَقِيلًا اسْتَراحَ وسَطَ النَّهارِ. العَيْشُ: الحَياةُ عاشَ يَعِيشُ عَيْشًا ومَعاشًا وعِيشَةً ومَعِيشَةً ومَعِيشًا. قالَ رُؤْبَةُ:
؎إلَيْكَ أشْكُو شَدَّةَ المَعِيشِ وجَهْدَ أيّامٍ نَتَفْنَ رِيشِي
غَوى يَغْوِي غَيًّا وغَوايَةً: فَسَدَ عَلَيْهِ أمْرُهُ وفَسَدَ هو في نَفْسِهِ، ومِنهُ غَوى الفَصِيلُ: أكْثَرَ مِن شُرْبِ لَبَنِ أُمِّهِ حَتّى فَسَدَ جَوْفُهُ وأشْرَفَ عَلى الهَلاكِ، وقِيلَ أصْلُهُ الهَلاكُ ومِنهُ ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩] .
الشَّمائِلُ: (p-٢٦٥)جَمْعُ شِمالٍ وهو جَمْعُ تَكْسِيرٍ وجَمْعُهُ في القِلَّةِ عَلى أشْمُلٍ. قالَ الشّاعِرُ:
؎يَأْتِي لَها مِن أيْمُنٍ وأشْمُلِ
وشِمالٌ يُطْلَقُ عَلى اليَدِ اليُسْرى وعَلى ناحِيَتِها، والشَّمائِلُ أيْضًا جَمْعُ شَمالٍ وهي الرِّيحُ، والشَّمائِلُ أيْضًا الأخْلاقُ يُقالُ: هو حَسَنُ الشَّمائِلِ. ذَأمَهُ: عابَهُ يَذْأمُهُ ذَأْمًا بِسُكُونِ الهَمْزَةِ، ويَجُوزُ إبْدالُها ألِفًا. قالَ الشّاعِرُ:
؎صَحِبْتُكَ إذْ عَيْنِي عَلَيْها غِشاوَةٌ ∗∗∗ فَلَمّا انْجَلَتْ قَطَعْتُ نَفْسِي أذِيمُها
وفِي المَثَلِ: لَنْ تَعْدَمِ الحَسْناءُ ذَأْمًا. وقِيلَ: أرَدْتَ أنْ تَذِيمَهُ فَمَدَحْتَهُ، وقالَ اللَّيْثُ ذَأمْتَهُ حَقَّرْتَهُ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وابْنُ الأنْبارِيِّ: ذَأمَهُ وذَمَّهُ، دَحَرَهُ أبْعَدَهُ وأقْصاهُ دُحُورًا. قالَ الشّاعِرُ:
؎دَحَرْتُ بَنِي الحَصِيبِ إلى قُدَيْدٍ ∗∗∗ وقَدْ كانُوا ذَوِي أشَرٍ وفَخْرِ
وسْوَسَ: تَكَلَّمَ كَلامًا خَفِيًّا يُكَرِّرِهُ، والوَسْواسُ صَوْتُ الحُلِيِّ شُبِّهَ الهَمْسُ بِهِ، وهو فِعْلٌ لا يَتَعَدّى إلى مَنصُوبٍ، نَحْوُ ولْوَلَتْ ووَعْوَعَ. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: رَجُلٌ مُوَسْوِسٌ، بِكَسْرِ الواوِ، ولا يُقالُ: مُوَسْوَسٌ بِفَتْحِها. وقالَ غَيْرُهُ: يُقالُ مُوَسْوَسٌ لَهُ ومُوَسْوَسٌ إلَيْهِ. وقالَ رُؤْبَةُ يَصِفُ صَيّادًا:
؎وسْوَسَ يَدْعُو مُخْلِصًا رَبَّ الفَلَقْ ∗∗∗ لَمّا دَنا الصَّيْدُ دَنا مِنَ الوَهَقْ
يَقُولُ: لَمّا أحَسَّ بِالصَّيْدِ وأرادَ رَمْيَهُ وسَوَسَ في نَفْسِهِ أيُخْطِئُ أمْ يُصِيبُ. قالَ الأزْهَرِيُّ: وسْوَسَ ووَرْوَرَ مَعْناهُما واحِدٌ، نَصَحَ: بَذَلَ المَجْهُودَ في تَبْيِينِ الخَيْرِ، وهو ضِدُّ غَشَّ ويَتَعَدّى بِنَفْسِهِ وبِاللّامِ نَصَحْتُ زَيْدًا ونَصَحْتُ لِزَيْدٍ، ويَبْعُدُ أنْ يَكُونَ يَتَعَدّى لِواحِدٍ بِنَفْسِهِ ولِآخَرَ بِحَرْفِ الجَرِّ، وأصْلُهُ نَصَحْتُ لِزَيْدٍ، مِن قَوْلِهِمْ نَصَحْتُ لِزَيْدٍ الثَّوْبَ بِمَعْنى خِطْتُهُ خِلافًا لِمَن ذَهَبَ إلى ذَلِكَ. ذاقَ الشَّيْءَ يَذُوقُهُ ذَوْقًا: مَسَّهُ بِلِسانِهِ، أوْ بِفَمِهِ، ويُطْلَقُ عَلى الأكْلِ. طَفِقَ، بِكَسْرِ الفاءِ وفَتْحِها، ويُقالُ: طَبَّقَ بِالباءِ وهي بِمَعْنى أخَذَ مِن أفْعالِ المُقارَبَةِ. خَصَفَ النَّعْلَ: وضَعَ جِلْدًا عَلى جِلْدٍ وجَمَعَ بَيْنَهُما بِسَيْرٍ، والخَصْفُ الخَرْزُ. الرِّيشُ مَعْرُوفٌ وهو لِلطّائِرِ، ويُسْتَعْمَلُ في مَعانٍ يَأْتِي ذِكْرُها في تَفْسِيرِ المُرَكَّباتِ، واشْتَقُّوا مِنهُ قالُوا: راشَهُ يَرِيشُهُ، وقِيلَ الرَّيْشُ مَصْدَرُ راشَ. النَّزْعُ: الإزالَةُ والجَذْبُ بِقُوَّةٍ.
﴿المص﴾ ﴿كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ كُلُّها قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وعَطاءٌ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، والضَّحّاكُ، وغَيْرُهم، وقالَ مُقاتِلٌ: إلّا قَوْلَهُ: ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ﴾ [الأعراف: ١٦٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] فَإنَّ ذَلِكَ مَدَنِيٌّ ورُوِيَ هَذا أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. (p-٢٦٦)وقِيلَ إلى قَوْلِهِ: ﴿وإذْ نَتَقْنا﴾ [الأعراف: ١٧١] واعْتِلاقُ هَذِهِ السُّورَةِ بِما قَبْلَها هو أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ تَعالى قَوْلَهُ: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٥] واسْتَطْرَدَ مِنهُ لِما بَعْدَهُ وإلى قَوْلِهِ آخِرَ السُّورَةِ ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ﴾ [الأنعام: ١٦٥] وذَكَرَ ابْتِلاءَهم فِيما آتاهم وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بِالتَّكالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ ذَكَرَ ما يَكُونُ بِهِ التَّكالِيفُ وهو الكِتابُ الإلَهِيُّ وذِكْرُ الأمْرِ بِاتِّباعِهِ، كَما أمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٥] . وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ أوائِلَ السُّورَةِ في أوَّلِ البَقَرَةِ، وذَكَرَ ما حَدَسَهُ النّاسُ فِيها ولَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلى شَيْءٍ مِن تَفْسِيرِهِمْ يُعَيِّنُ ما قالُوا، وزادُوا هُنا لِأجْلِ الصّادِ أنَّ مَعْناهُ أنا اللَّهُ أعْلَمُ وأفْصِلُ. رَواهُ أبُو الضُّحى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوِ المُصَوِّرُ. قالَهُ السُّدِّيُّ: أوِ اللَّهُ المَلِكُ النَّصِيرُ. قالَهُ بَعْضُهم، أوْ أنا اللَّهُ المَصِيرُ إلَيَّ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ، أوِ المَصِيرُ كِتابٌ، فَحَذَفَ الياءَ والرّاءَ تَرْخِيمًا وعَبَّرَ عَنِ المَصِيرِ بِـ ﴿المص﴾ . قالَهُ التِّبْرِيزِيُّ. وقِيلَ عَنْهُ: أنا اللَّهُ الصّادِقُ. وقِيلَ: مَعْناهُ ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] . قالَهُ الكِرْمانِيُّ. قالَ: واكْتَفى بِبَعْضِ الكَلامِ. وهَذِهِ الأقْوالُ في الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ لَوْلا أنَّ المُفَسِّرِينَ شَحَنُوا بِها كُتُبَهم خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ لَضَرَبْنا عَنْ ذِكْرِها صَفْحًا فَإنَّ ذِكْرَها يَدُلُّ عَلى ما لا يَنْبَغِي ذِكْرُهُ مِن تَأْوِيلاتِ الباطِنِيَّةِ وأصْحابِ الألْغازِ والرُّمُوزِ ونَهْيُهُ تَعالى أنْ يَكُونَ في صَدْرِهِ حَرَجٌ مِنهُ أيْ مِن سَبَبِهِ لِما تَضَمَّنَهُ مِن أعْباءِ الرِّسالَةِ وتَبْلِيغِها لِمَن لَمْ يُؤْمِن بِكِتابٍ ولا اعْتَقَدَ صِحَّةَ رِسالَةٍ وتَكْلِيفَ النّاسِ أحْكامَها وهَذِهِ أُمُورٌ صَعْبَةٌ ومَعانِيها يَشُقُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ وأسْنَدَ النَّهْيَ إلى الحَرَجِ ومَعْناهُ نَهْيُ المُخاطَبِ عَنِ التَّعَرُّضِ لِلْحَرَجِ، وكانَ أبْلَغَ مِن نَهْيِ المُخاطَبِ لِما فِيهِ مِن أنَّ الحَرَجَ لَوْ كانَ مِمّا يُنْهى لَنَهَيْناهُ عَنْكَ فانْتَهِ أنْتَ عَنْهُ بِعَدَمِ التَّعَرُّضِ لَهُ ولِأنَّ فِيهِ تَنْزِيهَ نَبِيِّهِ ﷺ بِأنْ يَنْهاهُ فَيَأْتِي التَّرْكِيبُ فَلا تَحْرَجْ مِنهُ؛ لِأنَّ ما أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ يُناسِبُ أنْ يُسَرَّ بِهِ ويَنْشَرِحَ لِما فِيهِ مِن تَخْصِيصِهِ بِذَلِكَ وتَشْرِيفِهِ حَيْثُ أهَّلَهُ لِإنْزالِ كِتابِهِ عَلَيْهِ وجَعَلَهُ سَفِيرًا بَيْنَهُ وبَيْنَ خَلْقِهِ فَلِهَذِهِ الفَوائِدِ عَدَلَ عَنْ أنْ يَنْهاهُ، ونَهى الحَرَجَ وفُسِّرَ الحَرَجُ هُنا بِالشَّكِّ وهو تَفْسِيرٌ قَلِقٌ، وسُمِّيَ الشَّكُّ حَرَجًا؛ لِأنَّ الشّاكَّ ضَيِّقُ الصَّدْرِ كَما أنَّ المُتَيَقِّنَ مُنْشَرِحُ الصَّدْرِ وإنْ صَحَّ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَيَكُونُ مِمّا تَوَجَّهَ فِيهِ الخِطابُ إلَيْهِ لَفْظًا وهو لِأُمَّتِهِ مَعْنًى، أيْ فَلا يَشُكُّوا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ. وقالَ الحَسَنُ: الحَرَجُ هُنا الضِّيقُ أيْ لا يَضِيقُ صَدْرُكَ مِن تَبْلِيغِ ما أُرْسِلْتَ بِهِ خَوْفًا مِن أنْ لا تَقُومَ بِحَقِّهِ. وقالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ لا يَضِيقُ صَدْرُكَ بِأنْ يُكَذِّبُوكَ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾ [الكهف: ٦] وقِيلَ: الحَرَجُ هُنا الخَوْفُ أيْ لا تَخَفْ مِنهم وإنْ كَذَّبُوكَ وتَمالَئُوا عَلَيْكَ. قالُوا: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لَهُ ولِأُمَّتِهِ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ”مِنهُ“ عائِدٌ عَلى الكِتابِ، وقِيلَ عَلى التَّبْلِيغِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ المَعْنى. وقِيلَ عَلى التَّكْذِيبِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى، وقِيلَ عَلى الإنْزالِ، وقِيلَ عَلى الإنْذارِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا التَّخْصِيصُ كُلُّهُ لا وجْهَ لَهُ إذِ اللَّفْظُ يَعُمُّ جَمِيعَ الجِهاتِ الَّتِي هي مِن سَبَبِ الكِتابِ ولِأجْلِهِ وذَلِكَ يَسْتَغْرِقُ التَّبْلِيغَ والإنْذارَ وتَعَرُّضَ المُشْرِكِينَ وتَكْذِيبَ المُكَذِّبِينَ وغَيْرَ ذَلِكَ.
و﴿فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ﴾ اعْتِراضٌ في أثْناءِ الكَلامِ، ولِذَلِكَ قالَ بَعْضُ النّاسِ إنَّ فِيهِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا.
و(لِتُنْذِرَ) مُتَعَلِّقٌ بِأُنْزِلَ. انْتَهى. وكَذا قالَ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ اللّامَ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿أُنْزِلَ﴾ [الأعراف: ٣] وقالَهُ قَبْلَهُمُ الفَرّاءُ ولَزِمَ مِن قَوْلِهِمْ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ﴾ اعْتِراضًا بَيْنَ العامِلِ والمَعْمُولِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: التَّقْدِيرُ: فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ كَيْ تُنْذِرَ بِهِ فَجَعَلَهُ مُتَعَلِّقًا بِما تَعَلَّقَ بِهِ في صَدْرِكَ وكَذا عَلَّقَهُ بِهِ صاحِبُ النَّظْمِ فَعَلى هَذا لا تَكُونُ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةً، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وأبُو البَقاءِ الوَجْهَيْنِ إلّا أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ قالَ: فَإنْ قُلْتَ: بِمَ يَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ: ﴿لِتُنْذِرَ﴾ قُلْتُ: بِأُنْزِلَ أيْ أُنْزِلَ إلَيْكَ لِإنْذارِكَ بِهِ، أوْ بِالنَّهْيِ؛ (p-٢٦٧)لِأنَّهُ إذا لَمْ يُخِفْهم أنْذَرَهم ولِذَلِكَ إذا أيْقَنَ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ شَجَّعَهُ اليَقِينُ عَلى الإنْذارِ؛ لِأنَّ صاحِبَ اليَقِينِ جَسُورٌ مُتَوَكِّلٌ عَلى عِصْمَتِهِ. انْتَهى. فَقَوْلُهُ، أوْ بِالنَّهْيِ ظاهِرُهُ أنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالنَّهْيِ، فَيَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ فَلا يَكُنْ كانَ عِنْدَهم في تَعْلِيقِ المَجْرُورِ والعَمَلِ في الظَّرْفِ فِيهِ خِلافٌ، ومَبْناهُ عَلى أنَّهُ هَلْ تَدُلُّ كانَ النّاقِصَةُ عَلى الحَدَثِ أمْ لا ؟ فَمَن قالَ إنَّها تَدُلُّ عَلى الحَدَثِ جَوَّزَ فِيها ذَلِكَ، ومَن قالَ إنَّها لا تَدُلُّ عَلَيْهِ لَمْ يُجَوِّزْ ذَلِكَ، وأعْرَبَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ ﴿المص﴾ مُبْتَدَأً و﴿كِتابٌ﴾ خَبَرَهُ وأعْرَبَ أيْضًا ﴿كِتابٌ﴾ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هَذا كِتابٌ، و(ذِكْرى) هو مَصْدَرُ ذَكَرَ بِتَخْفِيفِ الكافِ، وجَوَّزُوا فِيهِ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَطْفٌ عَلى كِتابٍ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ وهو ذِكْرى، والنَّصْبُ عَلى المَصْدَرِ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ مَعْطُوفٍ عَلى ﴿لِتُنْذِرَ﴾ أيْ وتَذْكُرَ ذِكْرى، أوْ عَلى مَوْضِعِ لِتُنْذِرَ؛ لِأنَّ مَوْضِعَهُ نَصْبٌ فَيَكُونُ إذْ ذاكَ مَعْطُوفًا عَلى المَعْنى كَما عُطِفَتِ الحالُ عَلى مَوْضِعِ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ: ﴿دَعانا لِجَنْبِهِ أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا﴾ [يونس: ١٢] ويَكُونُ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ وكَما تَقُولُ: جِئْتُكَ لِلْإحْسانِ وشَوْقًا إلَيْكَ، والجَرُّ عَلى مَوْضِعِ النّاصِبَةِ ﴿لِتُنْذِرَ﴾ المُنْسَبِكِ مِنها ومِنَ الفِعْلِ مَصْدَرٌ، التَّقْدِيرُ: لِإنْذارِكَ بِهِ وذِكْرى. وقالَ قَوْمٌ: هو مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ مِن بِهِ وهو مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ، وتَعاوُرُ النَّصْبِ والجَرِّ هو عَلى مَعْنًى، وتَذْكِيرٌ مَصْدَرُ ذَكَّرَ المُشَدَّدِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: النُّفُوسُ قِسْمانِ جاهِلَةٌ غَرِيقَةٌ في طَلَبِ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ وشَرِيفَةٌ مُشْرِقَةٌ بِالأنْوارِ الإلَهِيَّةِ، مُسْتَشْعِرَةٌ بِالحَوادِثِ الرُّوحانِيَّةِ فَبُعِثَتِ الأنْبِياءُ والرُّسُلُ في حَقِّ القِسْمِ الأوَّلِ لِلْإنْذارِ والتَّخْوِيفِ لَمّا غَرِقُوا في بَحْرِ الغَفْلَةِ ورَقْدَةِ الجاهِلِيَّةِ احْتاجُوا إلى مُوقِظٍ ومُنَبِّهٍ، وفي حَقِّ القِسْمِ الثّانِي لِتَذْكِيرٍ وتَنْبِيهٍ؛ لِأنَّ هَذِهِ النُّفُوسَ بِمُقْتَضى جَواهِرِها الأصْلِيَّةِ مُسْتَشْعِرَةً بِالِانْجِذابِ إلى عالَمِ القُدْسِ والِاتِّصالِ بِالحَضْرَةِ الصَّمَدِيَّةِ إلّا أنَّهُ رُبَّما غَشِيَها مِن غَواشِي عالَمِ الحِسِّ فَيَعْرِضُ نَوْعُ ذُهُولٍ، فَإذا سَمِعَتْ دَعْوَةَ الأنْبِياءِ واتَّصَلَ بِها أرْواحُ رُسُلِ اللَّهِ تَذَكَّرَتْ مَرْكَزَها وأبْصَرَتْ مَنشَأها واشْتاقَتْ إلى ما حَصَلَ هُناكَ مِنَ الرُّوحِ والرّاحَةِ والرَّيْحانِ. فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى إنَّما أنْزَلَ الكِتابَ عَلى رَسُولِهِ لِيَكُونَ إنْذارًا في حَقِّ طائِفَةٍ، وذِكْرى في حَقِّ أُخْرى، وهو كَلامٌ فَلْسَفِيٌّ خارِجٌ عَنْ كَلامِ المُتَشَرِّعِينَ وهَكَذا كَلامُ هَذا الرَّجُلِ أعاذَنا اللَّهُ مِنهُ.
الأعراف 7:3
﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّ هَذا الكِتابَ أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ أمَرَ الأُمَّةَ بِاتِّباعِهِ، وما أُنْزِلَ إلَيْكم يَشْمَلُ القُرْآنَ والسُّنَّةَ لِقَوْلِهِ: ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ [النجم: ٣] ﴿إنْ هو إلّا وحْيٌ يُوحى﴾ [النجم: ٤] ونَهاهم عَنِ ابْتِغاءِ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ كالأصْنامِ والرُّهْبانِ والكُهّانِ والأحْبارِ والنّارِ والكَواكِبِ وغَيْرِ ذَلِكَ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿مِن دُونِهِ﴾ عائِدٌ عَلى (رَبِّكم) . وقِيلَ عَلى ما، وقِيلَ عَلى الكِتابِ، والمَعْنى: لا تَعْدِلُوا عَنْهُ إلى الكُتُبِ المَنسُوخَةِ. وقِيلَ أرادَ بِالأوْلِياءِ الشَّياطِينَ شَياطِينَ الجِنِّ والإنْسِ وإنَّهُمُ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ عَلى عِبادَةِ الأوْثانِ والأهْواءِ والبِدَعِ ويُضِلُّونَ عَنْ دِينِ اللَّهِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: ابْتَغُوا مِنَ الِابْتِغاءِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ ومالِكُ بْنُ دِينارٍ: ”ولا تَبْتَغُوا“ مِنَ الِابْتِغاءِ أيْضًا، والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ هو لِجَمِيعِ النّاسِ. وقالَ الطَّبَرِيُّ وحَكاهُ، التَّقْدِيرُ: قُلِ اتَّبِعُوا، فَحَذَفَ القَوْلَ لِدَلالَةِ الإنْذارِ المُتَقَدِّمِ الذِّكْرِ عَلَيْهِ وانْتَصَبَ ﴿قَلِيلًا﴾ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ و”ما“ زائِدَةٌ، أيْ: يَتَذَكَّرُونَ تَذَكُّرًا قَلِيلًا، أيْ: حَيْثُ يَتْرُكُونَ دِينَ اللَّهِ ويَتَّبِعُونَ غَيْرَهُ. وأجازَ الحَوْفِيُّ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ والنّاصِبُ لَهُ ولا تَتَّبِعُوا، أيِ اتِّباعًا قَلِيلًا. وحَكى ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ الفارِسِيِّ: إنَّ ”ما“ مَوْصُولَةٌ بِالفِعْلِ وهي مَصْدَرِيَّةٌ. انْتَهى. وتَمَّمَ غَيْرُهُ هَذا الإعْرابَ بِأنْ نَصَبَ قَلِيلًا عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِظَرْفٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: زَمانًا قَلِيلًا، نُذَكِّرُكم أخْبَرَ أنَّهم لا يَدَّعُونَ الذِّكْرَ إنَّما يَعْرِضُ لَهم في زَمانٍ قَلِيلٍ و(ما تَذَكَّرُونَ) في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ والظَّرْفُ قَبْلَهُ في (p-٢٦٨)مَوْضِعِ الخَبَرِ وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ ”ما“ نافِيَةٌ. وقَرَأ حَفْصٌ والأخْوانِ ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ بِتاءٍ واحِدَةٍ وتَخْفِيفِ الذّالِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (يَتَذَكَّرُونَ) بِالياءِ والتّاءِ وتَخْفِيفِ الذّالِ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِتاءِ الخِطابِ وتَشْدِيدِ الذّالِ وقَرَأ أبُو الدَّرْداءِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ بِتاءَيْنِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ بِياءٍ وتَشْدِيدِ الذّالِ.
الأعراف 7:4
﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا أوْ هم قائِلُونَ﴾ ”كَمْ“ هُنا خَبَرِيَّةٌ، التَّقْدِيرُ: وكَثِيرٌ مِنَ القُرى أهْلَكْناها وأعادَ الضَّمِيرَ في أهْلَكْناها عَلى مَعْنى كَمْ وهي في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، وأهْلَكْناها جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الخَبَرِ وأجازُوا أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ أهْلَكْناها تَقْدِيرُهُ: وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها، ولا بُدَّ في الآيَةِ مِن تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ مُضافٍ لِقَوْلِهِ: أوْ هم قائِلُونَ فَمِنهم مَن قَدَّرَهُ وكَمْ مِن أهْلِ قَرْيَةٍ ومِنهم مَن قَدَّرَهُ أهْلَكْنا أهْلَها ويَنْبَغِي أنْ يُقَدَّرَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَجاءَها﴾، أيْ: فَجاءَ أهْلَها لِمَجِيءِ الحالِ مِن أهْلِها بِدَلِيلِ، أوْ هم قائِلُونَ؛ لِأنَّهُ يُمْكِنُ إهْلاكُ القُرى بِالخَسْفِ والهَدْمِ وغَيْرِ ذَلِكَ فَلا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى حَذْفِ المُضافِ قَبْلَ قَوْلِهِ: ﴿فَجاءَها﴾ . وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ ﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها فَجاءَها﴾ فَيُقَدَّرُ المُضافُ وكَمْ مِن أهْلِ قَرْيَةٍ، ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِهِ صِفَةً لِلْقَرْيَةِ مَحْذُوفَةً، أيْ: مِن قَرْيَةٍ عاصِيَةٍ ويَعْقُبُ مَجِيءَ البَأْسِ وُقُوعُ الإهْلاكِ لا يُتَصَوَّرُ فَلا بُدَّ مِن تَجَوُّزٍ إمّا في الفِعْلِ بِأنْ يُرادَ بِهِ أرَدْنا إهْلاكَها، أوْ حَكَمْنا بِإهْلاكِها ﴿فَجاءَها بَأْسُنا﴾ وإمّا أنْ يَخْتَلِفَ المَدْلُولانِ بِأنْ يَكُونَ المَعْنى أهْلَكْناها بِالخِذْلانِ وقِلَّةِ التَّوْفِيقِ فَجاءَها بَأْسُنا بَعْدَ ذَلِكَ، وإمّا أنْ يَكُونَ التَّجَوُّزُ في الفاءِ بِأنْ تَكُونَ بِمَعْنى الواوِ وهو ضَعِيفٌ، أوْ تَكُونُ لِتَرْتِيبِ القَوْلِ فَقَطْ فَكَأنَّهُ أخْبَرَ عَنْ قُرًى كَثِيرَةٍ أنَّهُ أهْلَكَها، ثُمَّ قالَ فَكانَ مِن أمْرِها مَجِيءُ البَأْسِ. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ الإهْلاكَ هو مَجِيءُ البَأْسِ، ومَجِيءُ البَأْسِ هو الإهْلاكُ فَلَمّا تَلازَما لَمْ يُبالِ أيَّهُما قَدَّمَ في الرُّتْبَةِ، كَما تَقُولُ شَتَمَنِي فَأساءَ وأساءَ فَشَتَمَنِي؛ لِأنَّ الإساءَةَ والشَّتْمَ شَيْءٌ واحِدٌ. وقِيلَ: الفاءُ لَيْسَتْ لِلتَّعْقِيبِ وإنَّما هي لِلتَّفْسِيرِ، كَقَوْلِهِ: تَوَضَّأ فَغَسَلَ كَذا، ثُمَّ كَذا. وانْتَصَبَ بَياتًا عَلى الحالِ وهو مَصْدَرٌ، أيْ: ﴿فَجاءَها بَأْسُنا﴾ بائِتِينَ، أوْ قائِلِينَ، وأوْ هُنا لِلتَّنْوِيعِ، أيْ: جاءَ مَرَّةً لَيْلًا كَقَوْمِ لُوطٍ ومَرَّةً وقْتَ القَيْلُولَةِ كَقَوْمِ شُعَيْبٍ، وهَذا فِيهِ نَشْرٌ لِما لَفَّ في قَوْلِهِ: ﴿فَجاءَها﴾ وخَصَّ مَجِيءَ البَأْسِ بِهَذَيْنِ (p-٢٦٩)الوَقْتَيْنِ؛ لِأنَّهُما وقْتانِ لِلسُّكُونِ والدَّعَةِ والِاسْتِراحَةِ فَمَجِيءُ العَذابِ فِيهِما أقْطَعُ وأشَقُّ ولِأنَّهُ يَكُونُ المَجِيءُ فِيهِ عَلى غَفْلَةٍ مِنَ المُهْلَكِينَ، فَهو كالمَجِيءِ بَغْتَةً وقَوْلُهُ: ﴿أوْ هم قائِلُونَ﴾ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ، ونَصَّ أصْحابُنا أنَّهُ إذْ دَخَلَ عَلى جُمْلَةِ الحالِ واوُ العَطْفِ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ دُخُولُ واوِ الحالِ عَلَيْها فَلا يَجُوزُ جاءَ زَيْدٌ ماشِيًا وهو راكِبٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: لا يُقالُ جاءَ زَيْدٌ هو فارِسٌ بِغَيْرِ واوٍ فَما بالُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ هم قائِلُونَ﴾ قُلْتُ: قَدَّرَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ الواوَ مَحْذُوفَةً، ورَدَّهُ الزَّجّاجُ. وقالَ: لَوْ قُلْتَ جاءَنِي زَيْدٌ راجِلًا، أوْ هو فارِسٌ، أوْ جاءَنِي زَيْدٌ هو فارِسٌ لَمْ يُحْتَجْ فِيهِ إلى واوٍ؛ لِأنَّ الذِّكْرَ قَدْ عادَ إلى الأوَّلِ، والصَّحِيحُ أنَّها إذا عُطِفَتْ عَلى حالٍ قَبْلَها حُذِفَتِ الواوُ اسْتِثْقالًا لِاجْتِماعِ حَرْفَيْ عَطْفٍ؛ لِأنَّ واوَ الحالِ هي واوُ العَطْفِ اسْتُعِيرَتْ لِلْوَصْلِ فَقَوْلُكَ جاءَ زَيْدٌ راجِلًا، أوْ هو فارِسٌ كَلامٌ فَصِيحٌ وارِدٌ عَلى حَدِّهِ، وأمّا جاءَنِي زَيْدٌ هو فارِسٌ فَخَبِيثٌ. انْتَهى. فَأمّا بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ الَّذِي اتَّهَمَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فَهو الفَرّاءُ، وأمّا قَوْلُ الزَّجّاجِ في التَّمْثِيلَيْنِ لَمْ يُحْتَجْ فِيهِ إلى الواوِ؛ لِأنَّ الذِّكْرَ قَدْ عادَ إلى الأوَّلِ فَفِيهِ إبْهامٌ وتَعْيِينُهُ لَمْ يَجُزْ دُخُولُها في المِثالِ الأوَّلِ ويَجُوزُ أنْ يَدْخُلَ في المِثالِ الثّانِي فانْتِفاءُ الِاحْتِياجِ لَيْسَ عَلى حَدٍّ سَواءٍ؛ لِأنَّهُ في الأوَّلِ لِامْتِناعِ الدُّخُولِ وفي الثّانِي لِكَثْرَةِ الدُّخُولِ لا لِامْتِناعِهِ، وأمّا قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ والصَّحِيحُ إلى آخِرِها فَتَعْلِيلُهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأنَّ واوَ الحالِ لَيْسَتْ حَرْفَ عَطْفٍ فَيَلْزَمُ مِن ذِكْرِها اجْتِماعُ حَرْفَيْ عَطْفٍ؛ لِأنَّها لَوْ كانَتْ لِلْعَطْفِ لَلَزِمَ أنْ يَكُونَ ما قَبْلَ الواوِ حالًا حَتّى يَعْطِفَ حالًا عَلى حالٍ فَمَجِيئُها في ما لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ حالًا دَلِيلٌ عَلى أنَّها لَيْسَتْ واوَ عَطْفٍ ولا لُحِظَ فِيها مَعْنى واوِ عَطْفٍ تَقُولُ جاءَ زَيْدٌ والشَّمْسُ طالِعَةٌ فَجاءَ زَيْدٌ لَيْسَ بِحالٍ فَيُعْطَفُ عَلَيْهِ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ وإنَّما هَذِهِ الواوُ مُغايِرَةٌ لِواوِ العَطْفِ بِكُلِّ حالٍ، وهي قِسْمٌ مِن أقْسامِ الواوِ كَما تَأْتِي لِلْقَسَمِ ولَيْسَتْ فِيهِ لِلْعَطْفِ، إذا قَلْتَ واللَّهِ لَيَخْرُجَنَّ، وأمّا قَوْلُهُ: فَخَبِيثٌ فَلَيْسَ بِخَبِيثٍ وذَلِكَ أنَّهُ بَناهُ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ إذا كانَ فِيها ضَمِيرُ ذِي الحالِ فَإنَّ حَذْفَ الواوِ مِنها شاذٌّ، وتَبِعَ في ذَلِكَ الفَرّاءَ ولَيْسَ بِشاذٍّ، بَلْ هو كَثِيرٌ وُقُوعُهُ في القُرْآنِ وفي كَلامِ العَرَبِ نَثْرِها ونَظْمِها وهو أكْثَرُ مِن رَمْلِ بِيرِينَ ومَها فِلَسْطِينَ، وقَدْ ذَكَرْنا كَثْرَةَ مَجِيءِ ذَلِكَ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ، وقَدْ رَجَعَ عَنْ هَذا المَذْهَبِ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى مَذْهَبِ الجَماعَةِ.
الأعراف 7:5
﴿فَما كانَ دَعْواهم إذْ جاءَهم بَأْسُنا إلّا أنْ قالُوا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: دَعْواهم تَضَرُّعُهم إلّا إقْرارَهم بِالشِّرْكِ. وقِيلَ دَعْواهم دُعاؤُهم. قالَ الخَلِيلُ: يَقُولُ اللَّهُمَّ أشْرِكْنا في صالِحِ دَعْوى المُسْلِمِينَ، ومِنهُ فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهم. وقِيلَ: ادِّعاؤُهم، أيِ: ادَّعُوا مَعاذِيرَ تُحَسِّنُ حالَهم وتُقِيمُ حُجَّتَهم في زَعْمِهِمْ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ المَعْنى فَما آلَتْ دَعاوِيهِمُ الَّتِي كانَتْ في حالِ كُفْرِهِمْ إلى اعْتِرافٍ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وقَدْ شَهِدَتْ قَيْسٌ فَما كانَ نَصْرُها قُتَيْبَةَ إلّا عَضَّها بِالأباهِمِ
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ فَما كانَ اسْتِغاثَتَهم إلّا قَوْلُهم هَذا؛ لِأنَّهُ لا مُسْتَغاثَ مِنَ اللَّهِ بِغَيْرِهِ مِن قَوْلِهِمْ (دَعْواهم بِالكَعْبِ) قالُوا و”دَعْواهم“ اسْمُ كانَ (وإلّا أنْ قالُوا) الخَبَرُ، وأجازُوا العَكْسَ والأوَّلُ هو الَّذِي يَقْتَضِي نُصُوصَ المُتَأخِّرِينَ أنْ لا يَجُوزَ إلّا هو، فَيَكُونُ ﴿دَعْواهُمْ﴾ الِاسْمَ و﴿إلّا أنْ قالُوا﴾ الخَبَرَ؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ تَكُنْ قَرِينَةٌ لَفْظِيَّةٌ ولا مَعْنَوِيَّةٌ تُبَيِّنُ الفاعِلَ مِنَ المَفْعُولِ وجَبَ تَقْدِيمُ الفاعِلِ وتَأْخِيرُ المَفْعُولِ، نَحْوُ: ضَرَبَ مُوسى عِيسى، وكانَ وأخَواتُها مُشَبَّهَةٌ في عَمَلِها بِالفِعْلِ الَّذِي يَتَعَدّى إلى واحِدٍ، فَكَما وجَبَ ذَلِكَ فِيهِ وجَبَ ذَلِكَ في المُشَبَّهِ بِهِ وهو كانَ ودَعْواهم، وإلّا أنْ قالُوا لا يَظْهَرُ فِيهِما لَفْظٌ يُبَيِّنُ الِاسْمَ مِنَ الخَبَرِ ولا مَعْنى فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ السّابِقُ هو الِاسْمَ واللّاحِقُ الخَبَرَ.
الأعراف 7:6
﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾، (p-٢٧٠)أيْ: نَسْألُ الأُمَمَ المُرْسَلَ إلَيْهِمْ عَنْ أعْمالِهِمْ وعَنْ ما بَلَّغَهُ إلَيْهِمُ الرُّسُلُ لِقَوْلِهِ ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥]، ويُسْألُ الرُّسُلُ عَمّا أجابَ بِهِ مَن أُرْسِلُوا إلَيْهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٩] وسُؤالُ الأُمَمِ تَقْرِيرٌ وتَوْبِيخٌ يُعْقِبُ الكُفّارَ والعُصاةَ عَذابًا، وسُؤالُ الرُّسُلِ تَأْنِيسٌ يُعْقِبُ الأنْبِياءَ ثَوابًا وكَرامَةً. وقَدْ جاءَ السُّؤالُ مَنفِيًّا ومُثْبَتًا بِحَسَبِ المَواطِنِ، أوْ بِحَسَبِ الكَيْفِيّاتِ كَسُؤالِ التَّوْبِيخِ والتَّأْنِيسِ، وسُؤالُ الِاسْتِعْلامِ البَحْتِ مَنفِيٌّ عَنِ اللَّهِ تَعالى إذْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا. وقِيلَ المُرْسَلُ إلَيْهِمُ الأنْبِياءُ والمُرْسَلُونَ المَلائِكَةُ، وهَذا بَعِيدٌ.
﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وما كُنّا غائِبِينَ﴾، أيْ: نَسْرُدُ عَلَيْهِمْ أعْمالَهم قِصَّةً قِصَّةً ﴿بِعِلْمٍ﴾ مِنّا لِذَلِكَ واطِّلاعٍ عَلَيْهِ ﴿وما كُنّا غائِبِينَ﴾ عَنْ شَيْءٍ مِنهُ، بَلْ عِلْمُنا مُحِيطٌ بِجَمِيعِ أعْمالِهِمْ، ظاهِرِها وباطِنِها، وهَذا مِن أعْظَمِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ حَيْثُ يُقِرُّونَ بِالظُّلْمِ وتَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أنْبِياؤُهم ويَقُصُّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أعْمالَهم. قالَ وهْبٌ: يُقالُ لِلرَّجُلِ مِنهم أتَذْكُرُ يَوْمَ فَعَلْتَ كَذا أتَذْكُرُ حِينَ قُلْتَ كَذا حَتّى يَأْتِيَ عَلى آخِرِ ما فَعَلَهُ وقالَهُ في دُنْياهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿بِعِلْمٍ﴾ دَلِيلٌ عَلى إثْباتِ هَذِهِ الصِّفَةِ لِلَّهِ تَعالى وإبْطالٌ لِقَوْلِ مَن قالَ لا عَلِمَ لِلَّهِ.
الأعراف 7:7
﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾، (p-٢٧٠)أيْ: نَسْألُ الأُمَمَ المُرْسَلَ إلَيْهِمْ عَنْ أعْمالِهِمْ وعَنْ ما بَلَّغَهُ إلَيْهِمُ الرُّسُلُ لِقَوْلِهِ ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥]، ويُسْألُ الرُّسُلُ عَمّا أجابَ بِهِ مَن أُرْسِلُوا إلَيْهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٩] وسُؤالُ الأُمَمِ تَقْرِيرٌ وتَوْبِيخٌ يُعْقِبُ الكُفّارَ والعُصاةَ عَذابًا، وسُؤالُ الرُّسُلِ تَأْنِيسٌ يُعْقِبُ الأنْبِياءَ ثَوابًا وكَرامَةً. وقَدْ جاءَ السُّؤالُ مَنفِيًّا ومُثْبَتًا بِحَسَبِ المَواطِنِ، أوْ بِحَسَبِ الكَيْفِيّاتِ كَسُؤالِ التَّوْبِيخِ والتَّأْنِيسِ، وسُؤالُ الِاسْتِعْلامِ البَحْتِ مَنفِيٌّ عَنِ اللَّهِ تَعالى إذْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا. وقِيلَ المُرْسَلُ إلَيْهِمُ الأنْبِياءُ والمُرْسَلُونَ المَلائِكَةُ، وهَذا بَعِيدٌ.
﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وما كُنّا غائِبِينَ﴾، أيْ: نَسْرُدُ عَلَيْهِمْ أعْمالَهم قِصَّةً قِصَّةً ﴿بِعِلْمٍ﴾ مِنّا لِذَلِكَ واطِّلاعٍ عَلَيْهِ ﴿وما كُنّا غائِبِينَ﴾ عَنْ شَيْءٍ مِنهُ، بَلْ عِلْمُنا مُحِيطٌ بِجَمِيعِ أعْمالِهِمْ، ظاهِرِها وباطِنِها، وهَذا مِن أعْظَمِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ حَيْثُ يُقِرُّونَ بِالظُّلْمِ وتَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أنْبِياؤُهم ويَقُصُّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أعْمالَهم. قالَ وهْبٌ: يُقالُ لِلرَّجُلِ مِنهم أتَذْكُرُ يَوْمَ فَعَلْتَ كَذا أتَذْكُرُ حِينَ قُلْتَ كَذا حَتّى يَأْتِيَ عَلى آخِرِ ما فَعَلَهُ وقالَهُ في دُنْياهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿بِعِلْمٍ﴾ دَلِيلٌ عَلى إثْباتِ هَذِهِ الصِّفَةِ لِلَّهِ تَعالى وإبْطالٌ لِقَوْلِ مَن قالَ لا عَلِمَ لِلَّهِ.
الأعراف 7:8
﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ﴾ اخْتَلَفُوا هَلْ ثَمَّ وزْنٌ ومِيزانٌ حَقِيقَةً أمْ ذَلِكَ عِبارَةٌ عَنْ إظْهارِ العَدْلِ التّامِّ والقَضاءِ السَّوِيِّ والحِسابِ المُحَرِّرِ، فَذَهَبَتِ المُعْتَزِلَةُ إلى إنْكارِ المِيزانِ، وتَقَدَّمَهم إلى هَذا مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ والأعْمَشُ، وغَيْرُهم، وعَبَّرَ بِالثِّقَلِ عَنْ كَثْرَةِ الحَسَناتِ وبِالخِفَّةِ عَنْ قِلَّتِها، وقالَ جُمْهُورُ الأُمَّةِ بِالأوَّلِ، وأنَّ المِيزانَ لَهُ عَمُودٌ وكِفَّتانِ ولِسانٌ وهو الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ ظاهِرُ القُرْآنِ والسُّنَّةِ يَنْظُرُ إلَيْهِ الخَلائِقُ تَأْكِيدًا لِلْحُجَّةِ وإظْهارًا لِلنَّصَفَةِ وقَطْعًا لِلْمَعْذِرَةِ كَما يَسْألُهم عَنْ أعْمالِهِمْ فَيَعْتَرِفُونَ بِها بِألْسِنَتِهِمْ وتَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِها أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم وتَشْهَدُ عَلَيْهِمُ الأنْبِياءُ والمَلائِكَةُ والأشْهادُ، وأمّا الثِّقَلُ والخِفَّةُ فَمِن صِفاتِ الأجْسامِ، وقَدْ ورَدَ أنَّ المَوْزُونَ هي الصَّحائِفُ الَّتِي أُثْبِتَتْ فِيها الأعْمالُ، فَيُحْدِثُ اللَّهُ تَعالى فِيها ثِقَلًا وخِفَّةً، وما ورَدَ في هَيْئَتِهِ وطُولِهِ وأحْوالِهِ لَمْ يَصِحَّ إسْنادُهُ وجُمِعَتِ المَوازِينُ بِاعْتِبارِ المَوْزُوناتِ، والمِيزانُ واحِدٌ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقالَ الحَسَنُ: لِكُلِّ أحَدٍ يَوْمَ القِيامَةِ مِيزانٌ عَلى حِدَةٍ. وقَدْ يُعَبَّرُ عَنِ الحَسَناتِ بِالمَوازِينِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: مَن ثَقُلَتْ كِفَّةُ مَوازِينِهِ، أيْ: مَوْزُوناتِهِ فَيَكُونُ مَوازِينُ جَمْعَ مَوْزُونٍ لا جَمْعَ مِيزانٍ، وكَذَلِكَ ومَن خَفَّتْ كِفَّةُ حَسَناتِهِ، والوَزْنُ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ ظَرْفُ الزَّمانِ، والتَّقْدِيرُ: والوَزْنُ كائِنٌ (p-٢٧١)يَوْمَ أنْ نَسْألَهم ونَقُصَّ عَلَيْهِمْ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ و﴿الحَقُّ﴾ صِفَةٌ لِلْمَوْزُونِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظَرْفًا لِلْوَزْنِ مَعْمُولًا لَهُ و﴿الحَقُّ﴾ خَبَرٌ ويَتَعَلَّقُ ﴿بِآياتِنا﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿يَظْلِمُونَ﴾ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى يُكَذِّبُونَ، أوْ؛ لِأنَّها بِمَعْنى يَجْحَدُونَ وجَحَدَ تَعَدّى بِالباءِ قالَ: ﴿وجَحَدُوا بِها﴾ [النمل: ١٤]، والظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّقْسِيمَ هو بِالنِّسْبَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ مَن أطاعَ ومَن عَصى ولِلْكُفّارِ فَتُوزَنُ أعْمالُ الكُفّارِ. وقالَ قَوْمٌ: لا يُنْصَبُ لَهم مِيزانٌ ولا يُحاسَبُونَ لِقَوْلِهِ: ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] وإنَّما تُوزَنُ أعْمالُ المُؤْمِنِ طائِعِهِمْ وعاصِيهِمْ.
الأعراف 7:9
﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ﴾ اخْتَلَفُوا هَلْ ثَمَّ وزْنٌ ومِيزانٌ حَقِيقَةً أمْ ذَلِكَ عِبارَةٌ عَنْ إظْهارِ العَدْلِ التّامِّ والقَضاءِ السَّوِيِّ والحِسابِ المُحَرِّرِ، فَذَهَبَتِ المُعْتَزِلَةُ إلى إنْكارِ المِيزانِ، وتَقَدَّمَهم إلى هَذا مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ والأعْمَشُ، وغَيْرُهم، وعَبَّرَ بِالثِّقَلِ عَنْ كَثْرَةِ الحَسَناتِ وبِالخِفَّةِ عَنْ قِلَّتِها، وقالَ جُمْهُورُ الأُمَّةِ بِالأوَّلِ، وأنَّ المِيزانَ لَهُ عَمُودٌ وكِفَّتانِ ولِسانٌ وهو الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ ظاهِرُ القُرْآنِ والسُّنَّةِ يَنْظُرُ إلَيْهِ الخَلائِقُ تَأْكِيدًا لِلْحُجَّةِ وإظْهارًا لِلنَّصَفَةِ وقَطْعًا لِلْمَعْذِرَةِ كَما يَسْألُهم عَنْ أعْمالِهِمْ فَيَعْتَرِفُونَ بِها بِألْسِنَتِهِمْ وتَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِها أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم وتَشْهَدُ عَلَيْهِمُ الأنْبِياءُ والمَلائِكَةُ والأشْهادُ، وأمّا الثِّقَلُ والخِفَّةُ فَمِن صِفاتِ الأجْسامِ، وقَدْ ورَدَ أنَّ المَوْزُونَ هي الصَّحائِفُ الَّتِي أُثْبِتَتْ فِيها الأعْمالُ، فَيُحْدِثُ اللَّهُ تَعالى فِيها ثِقَلًا وخِفَّةً، وما ورَدَ في هَيْئَتِهِ وطُولِهِ وأحْوالِهِ لَمْ يَصِحَّ إسْنادُهُ وجُمِعَتِ المَوازِينُ بِاعْتِبارِ المَوْزُوناتِ، والمِيزانُ واحِدٌ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقالَ الحَسَنُ: لِكُلِّ أحَدٍ يَوْمَ القِيامَةِ مِيزانٌ عَلى حِدَةٍ. وقَدْ يُعَبَّرُ عَنِ الحَسَناتِ بِالمَوازِينِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: مَن ثَقُلَتْ كِفَّةُ مَوازِينِهِ، أيْ: مَوْزُوناتِهِ فَيَكُونُ مَوازِينُ جَمْعَ مَوْزُونٍ لا جَمْعَ مِيزانٍ، وكَذَلِكَ ومَن خَفَّتْ كِفَّةُ حَسَناتِهِ، والوَزْنُ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ ظَرْفُ الزَّمانِ، والتَّقْدِيرُ: والوَزْنُ كائِنٌ (p-٢٧١)يَوْمَ أنْ نَسْألَهم ونَقُصَّ عَلَيْهِمْ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ و﴿الحَقُّ﴾ صِفَةٌ لِلْمَوْزُونِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظَرْفًا لِلْوَزْنِ مَعْمُولًا لَهُ و﴿الحَقُّ﴾ خَبَرٌ ويَتَعَلَّقُ ﴿بِآياتِنا﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿يَظْلِمُونَ﴾ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى يُكَذِّبُونَ، أوْ؛ لِأنَّها بِمَعْنى يَجْحَدُونَ وجَحَدَ تَعَدّى بِالباءِ قالَ: ﴿وجَحَدُوا بِها﴾ [النمل: ١٤]، والظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّقْسِيمَ هو بِالنِّسْبَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ مَن أطاعَ ومَن عَصى ولِلْكُفّارِ فَتُوزَنُ أعْمالُ الكُفّارِ. وقالَ قَوْمٌ: لا يُنْصَبُ لَهم مِيزانٌ ولا يُحاسَبُونَ لِقَوْلِهِ: ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] وإنَّما تُوزَنُ أعْمالُ المُؤْمِنِ طائِعِهِمْ وعاصِيهِمْ.
الأعراف 7:10
﴿ولَقَدْ مَكَّنّاكم في الأرْضِ وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ تَقَدَّمَ مَعْنى ﴿مَكَّنّاكُمْ﴾ في قَوْلِهِ في أوَّلِ الأنْعامِ ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ﴾ [الأنعام: ٦] والخِطابُ راجِعٌ لِلَّذِينِ خُوطِبُوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٣] وما بَيْنَهُما أُورِدَ مَوْرِدَ الِاعْتِبارِ والإيقاظِ بِذِكْرِ ما آلَ إلَيْهِ أمْرُهم في الدُّنْيا وما يَئُولُ إلَيْهِ في الآخِرَةِ. والمَعائِشُ جَمْعُ مَعِيشَةٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وزْنُها مَفْعِلَةً ومَفْعُلَةً بِكَسْرِ العَيْنِ وضَمِّها. قالَهُما سِيبَوَيْهِ. وقالَ الفَرّاءُ: مَعِيشَةٌ بِفَتْحِ عَيْنِ الكَلِمَةِ، والمَعِيشَةُ ما يُعاشُ بِهِ مِنَ المَطاعِمِ والمَشارِبِ، وغَيْرِهِما مِمّا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى ذَلِكَ وهي في الأصْلِ مَصْدَرٌ تَنَزَّلَ مَنزِلَةَ الآلاتِ. وقِيلَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، التَّقْدِيرُ: أسْبابُ مَعايِشَ كالزَّرْعِ والحَصْدِ والتِّجارَةِ وما يَجْرِي مَجْرى ذَلِكَ وسَمّاها مَعايِشَ؛ لِأنَّها وصْلَةٌ إلى ما يُعاشُ بِهِ، وقِيلَ المَعائِشُ وُجُوهُ المَنافِعِ وهي إمّا يُحْدِثُهُ اللَّهُ ابْتِداءً كالثِّمارِ، أوْ ما يُحْدِثُهُ بِطَرِيقِ اكْتِسابٍ مِنَ العَدُوِّ وكِلاهُما يُوجِبُ الشُّكْرَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”مَعايِشَ“ بِالياءِ وهو القِياسُ؛ لِأنَّ الياءَ في المُفْرَدِ هي أصْلٌ لا زائِدَةٌ فَتُهْمَزُ وإنَّما تُهْمَزُ الزّائِدَةُ نَحْوُ: صَحائِفُ في صَحِيفَةٍ، وقَرَأ الأعْرَجُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والأعْمَشُ وخارِجَةُ عَنْ نافِعٍ، وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ: ”مَعائِشَ“ بِالهَمْزَةِ ولَيْسَ بِالقِياسِ لَكِنَّهم رَوَوْهُ وهم ثِقاتٌ فَوَجَبَ قَبُولُهُ وشَذَّ هَذا الهَمْزُ، كَما شَذَّ في مَنايِرَ جَمْعِ مَنارَةٍ، وأصْلُها مَنوَرَةٌ وفي مَصائِبَ جَمْعِ مُصِيبَةٍ، وأصْلُها مُصْوِبَةٌ وكانَ القِياسُ مَناوِرَ ومَصاوِبَ. وقَدْ قالُوا مَصاوِبَ عَلى الأصْلِ كَما قالُوا في جَمْعِ مَقامَةٍ مَقاوِمَ ومَعُونَةٍ مَعاوِنَ، وقالَ الزَّجّاجُ: جَمِيعُ نُحاةِ البَصْرَةِ تَزْعُمُ أنَّ هَمْزَها خَطَأٌ ولا أعْلَمُ لَها وجْهًا إلّا التَّشْبِيهَ بِصَحِيفَةٍ وصَحائِفَ ولا يَنْبَغِي التَّعْوِيلُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ. وقالَ المازِنِيُّ: أصْلُ أخْذِ هَذِهِ القِراءَةِ عَنْ نافِعٍ ولَمْ يَكُنْ يَدْرِي ما العَرَبِيَّةُ، وكَلامُ العَرَبِ الصَّحِيحُ في نَحْوِ هَذا. انْتَهى. ولَسْنا مُتَعَبِّدِينَ بِأقْوالِ نُحاةِ البَصْرَةِ. وقالَ الفَرّاءُ: رُبَّما هَمَزَتِ العَرَبُ هَذا وشَبَهَهُ يَتَوَهَّمُونَ أنَّها فَعِيلَةٌ فَيُشَبِّهُونَ مُفْعِلَةً بِفَعِيلَةٍ. انْتَهى. فَهَذا نَقْلٌ مِنَ الفَرّاءِ عَنِ العَرَبِ أنَّهم رُبَّما يَهْمِزُونَ هَذا وشَبَهَهُ، وجاءَ بِهِ نَقَلَةُ القِراءَةِ الثِّقاتُ ابْنُ عامِرٍ وهو عَرَبِيٌّ صُراحٌ، وقَدْ أخَذَ القُرْآنَ عَنْ عُثْمانَ قَبْلَ ظُهُورِ اللَّحْنِ، والأعْرَجُ وهو مِن كِبارِ قُرّاءِ التّابِعِينَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وهو مِنَ الفَصاحَةِ والعِلْمِ بِالمَكانِ الَّذِي قَلَّ أنْ يُدانِيَهُ في ذَلِكَ أحَدٌ، والأعْمَشُ وهو مِنَ الضَّبْطِ والإتْقانِ والحِفْظِ والثِّقَةِ بِمَكانٍ، ونافِعٌ وهو قَدْ قَرَأ عَلى سَبْعِينَ مِنَ التّابِعِينَ وهم مِنَ الفَصاحَةِ والضَّبْطِ والثِّقَةِ بِالمَحَلِّ الَّذِي لا يُجْهَلُ، فَوَجَبَ قَبُولُ ما نَقَلُوهُ إلَيْنا، ولا مُبالاةَ بِمُخالَفَةِ نُحاةِ البَصْرَةِ في مِثْلِ هَذا، وأمّا قَوْلُ المازِنِيِّ أصْلُ أخْذِ هَذِهِ القِراءَةِ عَنْنافِعٍ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأنَّها نُقِلَتْ عَنِ ابْنِ عامِرٍ وعَنِ الأعْرَجِ وزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ والأعْمَشِ، وأمّا قَوْلُهُ: إنَّ نافِعًا لَمْ يَكُنْ يَدْرِي ما العَرَبِيَّةُ فَشَهادَةٌ عَلى النَّفْيِ ولَوْ فَرَضْنا أنَّهُ لا يَدْرِي ما العَرَبِيَّةُ وهي هَذِهِ الصِّناعَةُ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِها إلى التَّكَلُّمِ بِلِسانِ العَرَبِ فَهو لا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ إذْ هو فَصِيحٌ مُتَكَلِّمٌ بِالعَرَبِيَّةِ ناقِلٌ لِلْقِراءَةِ عَنِ العَرَبِ الفُصَحاءِ، وكَثِيرٌ مِن هَؤُلاءِ النُّحاةِ يُسِيئُونَ الظَّنَّ (p-٢٧٢)بِالقُرّاءِ ولا يَجُوزُ لَهم ذَلِكَ. وإعْرابُ ﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ كَإعْرابِ ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣] .
الأعراف 7:11
﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ لَمّا تَقَدَّمَ ما يَدُلُّ عَلى تَقْسِيمِ المُكَلَّفِينَ إلى طائِعٍ وعاصٍ فالطّائِعُ مُمْتَثِلٌ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ مُجْتَنِبٌ ما نَهى عَنْهُ والعاصِي بِضِدِّهِ أخَذَ يُنَبِّهُ عَلى أنَّ هَذا التَّقْسِيمَ كانَ في البَدْءِ الأوَّلِ مِن أمْرِ اللَّهِ لِلْمَلائِكَةِ بِالسُّجُودِ فامْتَثَلَ مَنِ امْتَثَلَ وامْتَنَعَ مَنِ امْتَنَعَ، وأنَّهُ أمَرَ تَعالى آدَمَ ونَهى فَحَكى عَنْهُ ما يَأْتِي خَبَرُهُ فَنَبَّهَ أوَّلًا عَلى مَوْضِعِ الِاعْتِبارِ وإبْرازِ الشَّيْءِ مِنَ العَدَمِ الصِّرْفِ إلى الوُجُودِ والتَّصْوِيرِ في هَذِهِ الصُّورَةِ الغَرِيبَةِ الشَّكْلِ المُتَمَكِّنَةِ مِن بَدائِعِ الصّانِعِ، والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ عامٌّ لِجَمِيعِ بَنِي آدَمَ ويَكُونُ عَلى قَوْلِهِ، ثُمَّ قُلْنا ما أنْ تَكُونَ فِيهِ، ثُمَّ بِمَعْنى الواوِ فَلَمْ تُرَتِّبْ، ويَكُونُ التَّرْتِيبُ بَيْنَ الخَلْقِ والتَّصْوِيرِ، أوْ تَكُونُ ﴿ثُمَّ﴾ في ﴿ثُمَّ قُلْنا﴾ لِلتَّرْتِيبِ في الإخْبارِ لا في الزَّمانِ، وهَذا أسْهَلُ مَحْمَلٍ في الآيَةِ ومِنهم مَن جَعَلَ ﴿ثُمَّ﴾ لِلتَّرْتِيبِ في الزَّمانِ واخْتَلَفُوا في المُخاطَبِ، فَقِيلَ المُرادُ بِهِ آدَمُ وهو مِن إطْلاقِ الجَمْعِ عَلى الواحِدِ، وقِيلَ المُرادُ بِهِ بَنُوهُ فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ الخِطابُ في الجُمْلَتَيْنِ لِآدَمَ؛ لِأنَّ العَرَبَ تُخاطِبُ العَظِيمَ الواحِدَ بِخِطابِ الجَمْعِ، وقِيلَ الخِطابُ في الأُولى لِآدَمَ وفي الثّانِيَةِ لِذُرِّيَّتِهِ فَتَحْصُلُ المُهْلَةُ بَيْنَهُما و﴿ثُمَّ﴾ الثّالِثَةُ لِتَرْتِيبِ الأخْبارِ، ورَوى هَذا العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقِيلَ: خَلَقْناكم لِآدَمَ، ثُمَّ صَوَّرْناكم لِبَنِيهِ يَعْنِي في صُلْبِهِ عِنْدَ أخْذِ المِيثاقِ، ثُمَّ قُلْنا فَيَكُونُ التَّرْتِيبُ واقِعًا عَلى بابِهِ وعَلى القَوْلِ الثّانِي وهو أنَّ الخِطابَ لِبَنِي آدَمَ، فَقِيلَ: الخِطابُ عَلى ظاهِرِهِ وإنِ اخْتَلَفَ مَحَلُّ الخَلْقِ والتَّصْوِيرِ فَرَوى الحارِثُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ خَلَقْناكم في ظَهْرِ آدَمَ، ثُمَّ صَوَّرْناكم في الأرْحامِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ عَنْهُ: خَلَقْناكم في أصْلابِ الرَّجُلِ، ثُمَّ صَوَّرْناكم في أرْحامِ النِّساءِ، وقالَهُ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ والأعْمَشُ، وقالَ ابْنُ السّائِبِ خَلَقْناكم نُطَفًا في أصْلابِ الرِّجالِ وتَرائِبِ النِّساءِ، ثُمَّ صَوَّرْناكم عِنْدَ اجْتِماعِ النُّطَفِ في الأرْحامِ، وقالَ مَعْمَرُ بْنُ راشِدٍ حاكِيًا عَنْ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ: خَلَقْناكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم وصَوَّرْناكم فِيها بَعْدَ الخَلْقِ، شَقَّ السَّمْعَ والبَصَرَ، وثُمَّ عَلى هَذِهِ الأقْوالِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ قُلْنا﴾ لِلتَّرْتِيبِ في الأخْبارِ، وقِيلَ الخِطابُ لِبَنِي آدَمَ إلّا أنَّهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، التَّقْدِيرُ: ولَقَدْ خَلَقْنا أرْواحَكم، ثُمَّ صَوَّرْنا أجْسامَكم، حَكاهُ القاضِي أبُو يَعْلى في المُعْتَمَدِ ويَكُونُ ﴿ثُمَّ﴾ في ﴿ثُمَّ قُلْنا﴾ لِتَرْتِيبِ الأخْبارِ، وقِيلَ، التَّقْدِيرُ: ولَقَدْ خَلَقْنا أباكم، ثُمَّ صَوَّرْنا أباكم، ثُمَّ قُلْنا، فَثُمَّ عَلى هَذا لِلتَّرْتِيبِ الزَّمانِيِّ والمُهْلَةِ عَلى أصْلِ وضْعِها، وقِيلَ هو مِن تَلْوِينِ الخِطابِ يُخاطِبُ العَيْنَ ويُرادُ بِهِ الغَيْرُ فَيَكُونُ الخِطابُ لِبَنِي آدَمَ والمُرادُ آدَمُ كَقَوْلِهِ: ﴿وإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة: ٤٩] ﴿فَأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٥] ﴿وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ [البقرة: ٧٢] هو خِطابٌ لِمَن كانَ بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ والمُرادُ أسْلافُهم. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎إذا افْتَخَرَتْ يَوْمًا تَمِيمٌ بِقَوْسِها وزادَتْ عَلى ما وطَّدَتْ مِن مَناقِبِ
؎فَأنْتُمْ بِذِي قارٍ أمالَتْ سُيُوفُكم ∗∗∗ عُرُوشَ الَّذِينَ اسْتَرْهَنُوا قَوْسَ حاجِبِ
وهَذِهِ الوَقْعَةُ كانَتْ لِآبائِهِمْ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ﴾ في سُورَةِ البَقَرَةِ فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ جُمْلَةٌ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ مُؤَكِّدَةٌ لِمَعْنى ما أخْرَجَهُ الِاسْتِثْناءُ مِن نَفْيِ سُجُودِ إبْلِيسَ كَقَوْلِهِ: ﴿أبى واسْتَكْبَرَ﴾ [البقرة: ٣٤] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿إلّا إبْلِيسَ﴾ في البَقَرَةِ.
الأعراف 7:12
﴿قالَ ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ ”لا“ زائِدَةٌ تُفِيدُ التَّوْكِيدَ والتَّحْقِيقَ كَهي في قَوْلِهِ لِئَلّا يَعْلَمَ، أيْ: لِأنْ يَعْلَمَ وكَأنَّهُ قِيلَ لِيَتَحَقَّقَ عِلْمُ أهْلِ الكِتابِ وما مَنَعَكَ أنْ تُحَقِّقَ السُّجُودَ وتَلْزَمَهُ نَفْسُكَ إذْ أمَرْتُكَ ويَدُلُّ عَلى زِيادَتِها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ﴾ [ص: ٧٥] وسُقُوطُها في هَذا دَلِيلٌ عَلى زِيادَتِها في (p-٢٧٣)﴿ألّا تَسْجُدَ﴾، والمَعْنى: أنَّهُ وبَّخَهُ وقَرَّعَهُ عَلى امْتِناعِهِ مِنَ السُّجُودِ وإنْ كانَ تَعالى عالِمًا بِما مَنَعَهُ مِنَ السُّجُودِ، وما اسْتِفْهامِيَّةٌ تَدُلُّ عَلى التَّوْبِيخِ كَما قُلْنا، وأنْشَدُوا عَلى زِيادَةِ لا قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎أفَعَنْكَ لا بَرْقٌ كَأنَّ ومِيضَهُ غابٌ يُقَسِّمُهُ ضِرامٌ مُثْقَبُ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎أبى جُودُهُ لا البُخْلَ واسْتَعْجَلَتْ بِهِ ∗∗∗ نَعَمْ مِن فَتًى لا يَمْنَعُ الجُوعَ قاتِلُهْ
وأقُولُ: لا حُجَّةَ في البَيْتِ الأوَّلِ إذْ يُحْتَمَلُ أنْ لا تَكُونَ فِيهِ ”لا“ زائِدَةً لِاحْتِمالِ أنْ تَكُونَ عاطِفَةً وحُذِفَ المَعْطُوفُ، والتَّقْدِيرُ: أفَعَنْكَ لا عَنْ غَيْرِكَ، وأمّا البَيْتُ الثّانِي فَقالَ الزَّجّاجُ: لا مَفْعُولَةٌ والبُخْلُ بَدَلٌ مِنها، وقالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: الرِّوايَةُ فِيهِ لا البُخْلِ بِخَفْضِ اللّامِ جَعَلَها مُضافَةً إلى البُخْلِ؛ لِأنَّ ”لا“ قَدْ يُنْطَقُ بِها ولا تَكُونُ لِلْبُخْلِ. انْتَهى. وقَدْ خَرَّجْتُهُ أنا تَخْرِيجًا آخَرَ وهو أنْ يَنْتَصِبَ البُخْلُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ و”لا“ مَفْعُولَةٌ، وقالَ قَوْمٌ: لا في أنْ لا تَسْجُدَ لَيْسَتْ زائِدَةً واخْتَلَفُوا، فَقِيلَ يُقَدَّرُ مَحْذُوفٌ يَصِحُّ مَعَهُ المَعْنى وهو ما مَنَعَكَ فَأحْوَجَكَ أنْ لا تَسْجُدَ، وقِيلَ يَحْمِلُ قَوْلُهُ ما مَنَعَكَ مَعْنًى يَصِحُّ مَعَهُ النَّفْيُ، فَقِيلَ مَعْنى ما مَنَعَكَ مَن أمَرَكَ ومَن قالَ لَكَ أنْ لا تَسْجُدَ.
* *
﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ هَذا لَيْسَ بِجَوابٍ مُطابِقٍ لِلسُّؤالِ لَكِنَّهُ يَتَضَمَّنُ الجَوابَ إذْ مَعْناهُ مَنَعَنِي فَضْلِي عَلَيْهِ لِشَرَفِ عُنْصُرِي عَلى عُنْصُرِهِ، وهَذا يَقْتَضِي عِنْدَهُ أنَّ النّارَ خَيْرٌ مِنَ الطِّينِ وإذا كانَ كَذَلِكَ فالنّاشِئُ مِنَ الأفْضَلِ لا يَسْجُدُ لِلْمَفْضُولِ، قالُوا: وذَلِكَ أنَّ النّارَ جِسْمٌ مُشْرِقٌ عُلْوِيٌّ لَطِيفٌ خَفِيفٌ حارٌّ يابِسٌ مُجاوِرٌ لِجَواهِرِ السَّماواتِ مُلاصِقٌ لَها، والطِّينُ مُظْلِمٌ كَثِيفٌ ثَقِيلٌ بارِدٌ يابِسٌ بَعِيدٌ عَنْ مُجاوَرَةِ السَّماواتِ، والنّارُ قَوِيَّةُ التَّأْثِيرِ والفِعْلِ، والطِّينُ لَيْسَ لَهُ إلّا القَبُولُ والِانْفِعالُ، والفِعْلُ أشْرَفُ مِنَ الِانْفِعالِ والنّارُ مُناسِبَةٌ لِلْحَرارَةِ الغَرِيزِيَّةِ وهي مادَّةُ الحَياةِ، والطِّينُ بِبَرْدِهِ ويُبْسِهِ مُناسِبٌ لِلْمَوْتِ وإذا تَقَرَّرَ هَذا فالمَخْلُوقُ مِنَ الأفْضَلِ أفْضَلُ فَلا يُؤْمَرُ الأفْضَلُ بِخِدْمَةِ المَفْضُولِ ألا تَرى أنَّهُ لَوْ أُمِرَ مَثَلًا مالِكٌ، وأبُو حَنِيفَةَ بِخِدْمَةِ مَن هو دُونَهُما في العِلْمِ لَكانَ ذَلِكَ قَبِيحًا في العَقْلِ، ثُمَّ قالُوا أخْطَأ إبْلِيسُ مِن حَيْثُ فَضَّلَ النّارَ عَلى الطِّينِ وهُما في دَرَجَةٍ واحِدَةٍ مِن حَيْثُ هُما جَمادٌ مَخْلُوقٌ، والطِّينُ أفْضَلُ مِنَ النّارِ مِن وُجُوهٍ، أحَدِها: أنَّ مِن جَوْهَرِ الطِّينِ الرَّزانَةَ والسُّكُونَ والوَقارَ والأناةَ والحِلْمَ والحَياءَ والصَّبْرَ وذَلِكَ هو الدّاعِي لِآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ السَّعادَةِ الَّتِي سَبَقَتْ لَهُ في التَّوْبَةِ والتَّواضُعِ والتَّضَرُّعِ فَأوْرَثَهُ المَغْفِرَةَ والِاجْتِباءَ والهِدايَةَ، ومِن جَوْهَرِ النّارِ الخِفَّةُ والطَّيْشُ والحِدَّةُ والِارْتِفاعُ والِاضْطِرابُ، وذَلِكَ هو الدّاعِي لِإبْلِيسَ بَعْدَ الشَّقاوَةِ الَّتِي سَبَقَتْ إلى الِاسْتِكْبارِ والإصْرارِ، فَأوْرَثَهُ الهَلاكَ واللَّعْنَةَ والعَذابَ. قالَهُ القَفّالُ، ثُمَّ ذَكَرُوا وُجُوهًا عَشْرَةً يَظْهَرُ بِها فَضْلُ التُّرابِ عَلى النّارِ، ثُمَّ قالُوا: لا يَدُلُّ مَن كانَتْ مادَّتُهُ أفْضَلَ عَلى أنَّهُ تَكُونُ صُورَتُهُ أفْضَلَ، إذِ الفَضِيلَةُ عَطِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ألا تَراهُ تَعالى يُخْرِجُ الكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ والمُؤْمِنَ مِنَ الكافِرِ، وأنَّ الحَبَشِيَّ المُؤْمِنَ خَيْرٌ مِنَ القُرَشِيِّ الكافِرِ وإذا كانَتِ المُقَدِّمَةُ غَيْرَ مُسَلَّمَةٍ لَمْ يَنْتِجْ، والمُقَدِّمَتانِ أنْ تَقُولَ: إبْلِيسُ نارِيُّ المادَّةِ وكُلُّ نارِيِّ المادَّةِ أفْضَلُ مِن تُرابِيِّ المادَّةِ، فَإبْلِيسُ أفْضَلُ مِن تُرابِيِّ المادَّةِ، والمُقَدِّمَةُ الثّانِيَةُ مَمْنُوعَةٌ فَلا تَنْتِجْ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وابْنُ سِيرِينَ: أوَّلُ مَن قاسَ إبْلِيسَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَأخْطَأ فَمَن قاسَ الدِّينَ بِرَأْيِهِ قَرَنَهُ اللَّهُ مَعَ إبْلِيسَ، وقالا: وما عُبِدَتِ الشَّمْسُ والقَمَرُ إلّا بِالمَقايِيسِ. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: أخْطَأ قِياسُهُ وذَهَبَ عِلْمُهُ أنَّ الرُّوحَ الَّذِي نُفِخَ في آدَمَ لَيْسَ مِن طِينٍ واسْتَدَلَّ نُفاةُ القِياسِ عَلى إبْطالِهِ بِقِصَّةِ إبْلِيسَ ولا حُجَّةَ فِيها؛ لِأنَّهُ قِياسٌ في مَوْرِدِ النَّصِّ فَهو فاسِدٌ فَلا يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ القِياسِ حَيْثُ لا نَصَّ واسْتَدَلَّ (p-٢٧٤)بِقَوْلِهِ: ﴿إذْ أمَرْتُكَ﴾ عَلى أنَّ مُطْلَقَ الأمْرِ يَدُلُّ عَلى الوُجُوبِ ويَدُلُّ عَلى الفَوْرِ لِذَمِّ إبْلِيسَ عَلى امْتِناعِهِ مِنَ السُّجُودِ في الحالِ ولَوْ لَمْ يَدُلَّ عَلى الوُجُوبِ ولا عَلى الفَوْرِ لَمْ يَسْتَوْجِبِ الذَّمَّ في الحالِ ولا مُطْلَقًا.
﴿قالَ فاهْبِطْ مِنها فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فاخْرُجْ إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ . لَمّا كانَ امْتِناعُهُ مِنَ السُّجُودِ لِسَبَبِ ظُهُورِ شَرَفِهِ عَلى آدَمَ عِنْدَ نَفْسِهِ قابَلَهُ اللَّهُ بِالهُبُوطِ المُشْعِرِ بِالنُّزُولِ مِن عُلُوٍّ إلى أسْفَلَ، والضَّمِيرُ في مِنها لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ مُفَسِّرٌ يَعُودُ عَلَيْهِ، فَقِيلَ: يَعُودُ عَلى الجَنَّةِ وكانَ إبْلِيسُ مِن سُكّانِها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا في جَنَّةِ عَدْنٍ لا في جَنَّةِ الخُلْدِ وخُلِقَ آدَمُ مِن جَنَّةِ عَدْنٍ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أُهْبِطَ أوَّلًا وأُخْرِجَ مِنَ الجَنَّةِ وصارَ في السَّماءِ؛ لِأنَّ الأخْبارَ تَظافَرَتْ أنَّهُ أغْوى آدَمَ وحَوّاءَ مِن خارِجِ الجَنَّةِ، ثُمَّ أُمِرَ آخِرًا بِالهُبُوطِ مِنَ السَّماءِ مَعَ آدَمَ وحَوّاءَ والحَيَّةِ، وهَذا كُلُّهُ بِحَسَبِ ألْفاظِ القِصَّةِ، واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى السَّماءِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فاهْبِطْ مِنها: مِنَ السَّماءِ الَّتِي هي مَكانُ المُطِيعِينَ المُتَواضِعِينَ مِنَ المَلائِكَةِ إلى الأرْضِ الَّتِي هي مَقَرُّ العاصِينَ المُتَكَبِّرِينَ مِنَ الثَّقَلَيْنِ، وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الأرْضِ فَكَأنَّهُ كانَ لَهُ مُلْكُها أمَرَهُ أنْ يَهْبِطَ مِنها إلى جَزائِرِ البِحارِ فَسُلْطانُهُ فِيها فَلا يَدْخُلُ الأرْضَ إلّا كَهَيْئَةِ السّارِقِ يَخافُ فِيها حَتّى يَخْرُجَ مِنها، وهَذا يَحْتاجُ إلى صِحَّةِ نَقْلٍ، وقِيلَ: يَعُودُ عَلى صُورَتِهِ الَّتِي كانَ فِيها؛ لِأنَّهُ افْتَخَرَ أنَّهُ مِنَ النّارِ فَشُوِّهَتْ صُورَتُهُ بِالإظْلامِ وزَوالِ إشْراقِهِ. قالَهُ أبُو رَوْقٍ، وقِيلَ: عائِدٌ عَلى المَدِينَةِ الَّتِي كانَ فِيها ذَكَرَهُ الكِرْمانِيُّ، ويَحْتاجُ إلى تَصْحِيحِ نَقْلٍ، وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المَنزِلَةِ والرُّتْبَةِ الشَّرِيفَةِ الَّتِي كانَ فِيها في مَحَلِّ الِاصْطِفاءِ والتَّقْرِيبِ إلى مَحَلِّ الطَّرْدِ والتَّعْذِيبِ. ومَعْنى فَما يَكُونُ لَكَ: لا يَصِحُّ لَكَ، أوْ لا يَتِمُّ، أوْ لا يَنْبَغِي، بَلِ التَّكَبُّرُ مَنهِيٌّ عَنْهُ في كُلِّ مَوْضِعٍ، وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مَعْطُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى، التَّقْدِيرُ: فِيها ولا في غَيْرِها، وقِيلَ المَعْنى ما لِلْمُتَكَبِّرِ أنْ يَكُونَ فِيها، وكَرَّرَ مَعْنى الهُبُوطِ بِقَوْلِهِ: فاخْرُجْ؛ لِأنَّ الهُبُوطَ مِنها خُرُوجٌ ولَكِنَّهُ أخْبَرَ بِصَغارِهِ وذِلَّتِهِ وهو أنَّهُ جَزاءٌ عَلى تَكَبُّرِهِ قُوبِلَ بِالضِّدِّ مِمّا اتَّصَفَ بِهِ وهو الصَّغارُ هو ضِدُّ التَّكَبُّرِ، والتَّكَبُّرُ تَفَعُّلٌ مِنهُ؛ لِأنَّهُ خُلِقَ كَبِيرًا عَظِيمًا، ولَكِنَّهُ هو الَّذِي تَعاطى الكِبْرَ، ومِن كَلامِ عُمَرَ: ومَن تَكَبَّرَ وعَدا طَوْرَهُ رَهَصَهُ اللَّهُ إلى الأرْضِ.
الأعراف 7:13
﴿قالَ ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ ”لا“ زائِدَةٌ تُفِيدُ التَّوْكِيدَ والتَّحْقِيقَ كَهي في قَوْلِهِ لِئَلّا يَعْلَمَ، أيْ: لِأنْ يَعْلَمَ وكَأنَّهُ قِيلَ لِيَتَحَقَّقَ عِلْمُ أهْلِ الكِتابِ وما مَنَعَكَ أنْ تُحَقِّقَ السُّجُودَ وتَلْزَمَهُ نَفْسُكَ إذْ أمَرْتُكَ ويَدُلُّ عَلى زِيادَتِها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ﴾ [ص: ٧٥] وسُقُوطُها في هَذا دَلِيلٌ عَلى زِيادَتِها في (p-٢٧٣)﴿ألّا تَسْجُدَ﴾، والمَعْنى: أنَّهُ وبَّخَهُ وقَرَّعَهُ عَلى امْتِناعِهِ مِنَ السُّجُودِ وإنْ كانَ تَعالى عالِمًا بِما مَنَعَهُ مِنَ السُّجُودِ، وما اسْتِفْهامِيَّةٌ تَدُلُّ عَلى التَّوْبِيخِ كَما قُلْنا، وأنْشَدُوا عَلى زِيادَةِ لا قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎أفَعَنْكَ لا بَرْقٌ كَأنَّ ومِيضَهُ غابٌ يُقَسِّمُهُ ضِرامٌ مُثْقَبُ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎أبى جُودُهُ لا البُخْلَ واسْتَعْجَلَتْ بِهِ ∗∗∗ نَعَمْ مِن فَتًى لا يَمْنَعُ الجُوعَ قاتِلُهْ
وأقُولُ: لا حُجَّةَ في البَيْتِ الأوَّلِ إذْ يُحْتَمَلُ أنْ لا تَكُونَ فِيهِ ”لا“ زائِدَةً لِاحْتِمالِ أنْ تَكُونَ عاطِفَةً وحُذِفَ المَعْطُوفُ، والتَّقْدِيرُ: أفَعَنْكَ لا عَنْ غَيْرِكَ، وأمّا البَيْتُ الثّانِي فَقالَ الزَّجّاجُ: لا مَفْعُولَةٌ والبُخْلُ بَدَلٌ مِنها، وقالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: الرِّوايَةُ فِيهِ لا البُخْلِ بِخَفْضِ اللّامِ جَعَلَها مُضافَةً إلى البُخْلِ؛ لِأنَّ ”لا“ قَدْ يُنْطَقُ بِها ولا تَكُونُ لِلْبُخْلِ. انْتَهى. وقَدْ خَرَّجْتُهُ أنا تَخْرِيجًا آخَرَ وهو أنْ يَنْتَصِبَ البُخْلُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ و”لا“ مَفْعُولَةٌ، وقالَ قَوْمٌ: لا في أنْ لا تَسْجُدَ لَيْسَتْ زائِدَةً واخْتَلَفُوا، فَقِيلَ يُقَدَّرُ مَحْذُوفٌ يَصِحُّ مَعَهُ المَعْنى وهو ما مَنَعَكَ فَأحْوَجَكَ أنْ لا تَسْجُدَ، وقِيلَ يَحْمِلُ قَوْلُهُ ما مَنَعَكَ مَعْنًى يَصِحُّ مَعَهُ النَّفْيُ، فَقِيلَ مَعْنى ما مَنَعَكَ مَن أمَرَكَ ومَن قالَ لَكَ أنْ لا تَسْجُدَ.
* *
﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ هَذا لَيْسَ بِجَوابٍ مُطابِقٍ لِلسُّؤالِ لَكِنَّهُ يَتَضَمَّنُ الجَوابَ إذْ مَعْناهُ مَنَعَنِي فَضْلِي عَلَيْهِ لِشَرَفِ عُنْصُرِي عَلى عُنْصُرِهِ، وهَذا يَقْتَضِي عِنْدَهُ أنَّ النّارَ خَيْرٌ مِنَ الطِّينِ وإذا كانَ كَذَلِكَ فالنّاشِئُ مِنَ الأفْضَلِ لا يَسْجُدُ لِلْمَفْضُولِ، قالُوا: وذَلِكَ أنَّ النّارَ جِسْمٌ مُشْرِقٌ عُلْوِيٌّ لَطِيفٌ خَفِيفٌ حارٌّ يابِسٌ مُجاوِرٌ لِجَواهِرِ السَّماواتِ مُلاصِقٌ لَها، والطِّينُ مُظْلِمٌ كَثِيفٌ ثَقِيلٌ بارِدٌ يابِسٌ بَعِيدٌ عَنْ مُجاوَرَةِ السَّماواتِ، والنّارُ قَوِيَّةُ التَّأْثِيرِ والفِعْلِ، والطِّينُ لَيْسَ لَهُ إلّا القَبُولُ والِانْفِعالُ، والفِعْلُ أشْرَفُ مِنَ الِانْفِعالِ والنّارُ مُناسِبَةٌ لِلْحَرارَةِ الغَرِيزِيَّةِ وهي مادَّةُ الحَياةِ، والطِّينُ بِبَرْدِهِ ويُبْسِهِ مُناسِبٌ لِلْمَوْتِ وإذا تَقَرَّرَ هَذا فالمَخْلُوقُ مِنَ الأفْضَلِ أفْضَلُ فَلا يُؤْمَرُ الأفْضَلُ بِخِدْمَةِ المَفْضُولِ ألا تَرى أنَّهُ لَوْ أُمِرَ مَثَلًا مالِكٌ، وأبُو حَنِيفَةَ بِخِدْمَةِ مَن هو دُونَهُما في العِلْمِ لَكانَ ذَلِكَ قَبِيحًا في العَقْلِ، ثُمَّ قالُوا أخْطَأ إبْلِيسُ مِن حَيْثُ فَضَّلَ النّارَ عَلى الطِّينِ وهُما في دَرَجَةٍ واحِدَةٍ مِن حَيْثُ هُما جَمادٌ مَخْلُوقٌ، والطِّينُ أفْضَلُ مِنَ النّارِ مِن وُجُوهٍ، أحَدِها: أنَّ مِن جَوْهَرِ الطِّينِ الرَّزانَةَ والسُّكُونَ والوَقارَ والأناةَ والحِلْمَ والحَياءَ والصَّبْرَ وذَلِكَ هو الدّاعِي لِآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ السَّعادَةِ الَّتِي سَبَقَتْ لَهُ في التَّوْبَةِ والتَّواضُعِ والتَّضَرُّعِ فَأوْرَثَهُ المَغْفِرَةَ والِاجْتِباءَ والهِدايَةَ، ومِن جَوْهَرِ النّارِ الخِفَّةُ والطَّيْشُ والحِدَّةُ والِارْتِفاعُ والِاضْطِرابُ، وذَلِكَ هو الدّاعِي لِإبْلِيسَ بَعْدَ الشَّقاوَةِ الَّتِي سَبَقَتْ إلى الِاسْتِكْبارِ والإصْرارِ، فَأوْرَثَهُ الهَلاكَ واللَّعْنَةَ والعَذابَ. قالَهُ القَفّالُ، ثُمَّ ذَكَرُوا وُجُوهًا عَشْرَةً يَظْهَرُ بِها فَضْلُ التُّرابِ عَلى النّارِ، ثُمَّ قالُوا: لا يَدُلُّ مَن كانَتْ مادَّتُهُ أفْضَلَ عَلى أنَّهُ تَكُونُ صُورَتُهُ أفْضَلَ، إذِ الفَضِيلَةُ عَطِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ألا تَراهُ تَعالى يُخْرِجُ الكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ والمُؤْمِنَ مِنَ الكافِرِ، وأنَّ الحَبَشِيَّ المُؤْمِنَ خَيْرٌ مِنَ القُرَشِيِّ الكافِرِ وإذا كانَتِ المُقَدِّمَةُ غَيْرَ مُسَلَّمَةٍ لَمْ يَنْتِجْ، والمُقَدِّمَتانِ أنْ تَقُولَ: إبْلِيسُ نارِيُّ المادَّةِ وكُلُّ نارِيِّ المادَّةِ أفْضَلُ مِن تُرابِيِّ المادَّةِ، فَإبْلِيسُ أفْضَلُ مِن تُرابِيِّ المادَّةِ، والمُقَدِّمَةُ الثّانِيَةُ مَمْنُوعَةٌ فَلا تَنْتِجْ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وابْنُ سِيرِينَ: أوَّلُ مَن قاسَ إبْلِيسَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَأخْطَأ فَمَن قاسَ الدِّينَ بِرَأْيِهِ قَرَنَهُ اللَّهُ مَعَ إبْلِيسَ، وقالا: وما عُبِدَتِ الشَّمْسُ والقَمَرُ إلّا بِالمَقايِيسِ. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: أخْطَأ قِياسُهُ وذَهَبَ عِلْمُهُ أنَّ الرُّوحَ الَّذِي نُفِخَ في آدَمَ لَيْسَ مِن طِينٍ واسْتَدَلَّ نُفاةُ القِياسِ عَلى إبْطالِهِ بِقِصَّةِ إبْلِيسَ ولا حُجَّةَ فِيها؛ لِأنَّهُ قِياسٌ في مَوْرِدِ النَّصِّ فَهو فاسِدٌ فَلا يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ القِياسِ حَيْثُ لا نَصَّ واسْتَدَلَّ (p-٢٧٤)بِقَوْلِهِ: ﴿إذْ أمَرْتُكَ﴾ عَلى أنَّ مُطْلَقَ الأمْرِ يَدُلُّ عَلى الوُجُوبِ ويَدُلُّ عَلى الفَوْرِ لِذَمِّ إبْلِيسَ عَلى امْتِناعِهِ مِنَ السُّجُودِ في الحالِ ولَوْ لَمْ يَدُلَّ عَلى الوُجُوبِ ولا عَلى الفَوْرِ لَمْ يَسْتَوْجِبِ الذَّمَّ في الحالِ ولا مُطْلَقًا.
﴿قالَ فاهْبِطْ مِنها فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فاخْرُجْ إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ . لَمّا كانَ امْتِناعُهُ مِنَ السُّجُودِ لِسَبَبِ ظُهُورِ شَرَفِهِ عَلى آدَمَ عِنْدَ نَفْسِهِ قابَلَهُ اللَّهُ بِالهُبُوطِ المُشْعِرِ بِالنُّزُولِ مِن عُلُوٍّ إلى أسْفَلَ، والضَّمِيرُ في مِنها لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ مُفَسِّرٌ يَعُودُ عَلَيْهِ، فَقِيلَ: يَعُودُ عَلى الجَنَّةِ وكانَ إبْلِيسُ مِن سُكّانِها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا في جَنَّةِ عَدْنٍ لا في جَنَّةِ الخُلْدِ وخُلِقَ آدَمُ مِن جَنَّةِ عَدْنٍ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أُهْبِطَ أوَّلًا وأُخْرِجَ مِنَ الجَنَّةِ وصارَ في السَّماءِ؛ لِأنَّ الأخْبارَ تَظافَرَتْ أنَّهُ أغْوى آدَمَ وحَوّاءَ مِن خارِجِ الجَنَّةِ، ثُمَّ أُمِرَ آخِرًا بِالهُبُوطِ مِنَ السَّماءِ مَعَ آدَمَ وحَوّاءَ والحَيَّةِ، وهَذا كُلُّهُ بِحَسَبِ ألْفاظِ القِصَّةِ، واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى السَّماءِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فاهْبِطْ مِنها: مِنَ السَّماءِ الَّتِي هي مَكانُ المُطِيعِينَ المُتَواضِعِينَ مِنَ المَلائِكَةِ إلى الأرْضِ الَّتِي هي مَقَرُّ العاصِينَ المُتَكَبِّرِينَ مِنَ الثَّقَلَيْنِ، وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الأرْضِ فَكَأنَّهُ كانَ لَهُ مُلْكُها أمَرَهُ أنْ يَهْبِطَ مِنها إلى جَزائِرِ البِحارِ فَسُلْطانُهُ فِيها فَلا يَدْخُلُ الأرْضَ إلّا كَهَيْئَةِ السّارِقِ يَخافُ فِيها حَتّى يَخْرُجَ مِنها، وهَذا يَحْتاجُ إلى صِحَّةِ نَقْلٍ، وقِيلَ: يَعُودُ عَلى صُورَتِهِ الَّتِي كانَ فِيها؛ لِأنَّهُ افْتَخَرَ أنَّهُ مِنَ النّارِ فَشُوِّهَتْ صُورَتُهُ بِالإظْلامِ وزَوالِ إشْراقِهِ. قالَهُ أبُو رَوْقٍ، وقِيلَ: عائِدٌ عَلى المَدِينَةِ الَّتِي كانَ فِيها ذَكَرَهُ الكِرْمانِيُّ، ويَحْتاجُ إلى تَصْحِيحِ نَقْلٍ، وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المَنزِلَةِ والرُّتْبَةِ الشَّرِيفَةِ الَّتِي كانَ فِيها في مَحَلِّ الِاصْطِفاءِ والتَّقْرِيبِ إلى مَحَلِّ الطَّرْدِ والتَّعْذِيبِ. ومَعْنى فَما يَكُونُ لَكَ: لا يَصِحُّ لَكَ، أوْ لا يَتِمُّ، أوْ لا يَنْبَغِي، بَلِ التَّكَبُّرُ مَنهِيٌّ عَنْهُ في كُلِّ مَوْضِعٍ، وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مَعْطُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى، التَّقْدِيرُ: فِيها ولا في غَيْرِها، وقِيلَ المَعْنى ما لِلْمُتَكَبِّرِ أنْ يَكُونَ فِيها، وكَرَّرَ مَعْنى الهُبُوطِ بِقَوْلِهِ: فاخْرُجْ؛ لِأنَّ الهُبُوطَ مِنها خُرُوجٌ ولَكِنَّهُ أخْبَرَ بِصَغارِهِ وذِلَّتِهِ وهو أنَّهُ جَزاءٌ عَلى تَكَبُّرِهِ قُوبِلَ بِالضِّدِّ مِمّا اتَّصَفَ بِهِ وهو الصَّغارُ هو ضِدُّ التَّكَبُّرِ، والتَّكَبُّرُ تَفَعُّلٌ مِنهُ؛ لِأنَّهُ خُلِقَ كَبِيرًا عَظِيمًا، ولَكِنَّهُ هو الَّذِي تَعاطى الكِبْرَ، ومِن كَلامِ عُمَرَ: ومَن تَكَبَّرَ وعَدا طَوْرَهُ رَهَصَهُ اللَّهُ إلى الأرْضِ.
الأعراف 7:14
﴿قالَ أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ هَذا يَدُلُّ عَلى إقْرارِهِ بِالبَعْثِ وعِلْمِهِ بِأنَّ آدَمَ سَيَكُونُ لَهُ ذُرِّيَّةٌ ونَسْلٌ يُعَمِّرُونَ الأرْضَ، ثُمَّ يَمُوتُونَ وإنَّ مِنهم مَن يُنْظَرُ فَيَكُونُ طَلَبُهُ الإنْظارَ بِأنْ يُغْوِيَهم ويُوَسْوِسَ إلَيْهِمْ، فالضَّمِيرُ في يُبْعَثُونَ عائِدٌ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى إذْ لَيْسَ في اللَّفْظِ ما يَعُودُ عَلَيْهِ، وحِكْمَةُ اسْتِنْظارِهِ وإنْ كانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْغَوايَةِ والفِتْنَةِ، إنَّ في ذَلِكَ ابْتِلاءَ العِبادِ بِمُخالَفَتِهِ وطَواعِيَتِهِ وما يَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ مِن إعْظامِ الثَّوابِ بِالمُخالَفَةِ وإدامَةِ العِقابِ بِالطَّواعِيَةِ وأجابَهُ تَعالى بِأنَّهُ مِنَ المُنْظَرِينَ، أيْ: مِنَ المُؤَخَّرِينَ ولَمْ يَأْتِ هُنا بِغايَةٍ لِلِانْتِظارِ وجاءَ مُغَيَّبًا في الحِجْرِ وفي ص بِقَوْلِهِ: ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ [ص: ٨١] ويَأْتِي تَفْسِيرُهُ في الحِجْرِ إنْ شاءَ اللَّهُ، ومَعْنى مِنَ المُنْظَرِينَ مِنَ الطّائِفَةِ الَّتِي تَأخَّرَتْ أعْمارُها كَثِيرًا حَتّى جاءَتْ آجالُها عَلى اخْتِلافِ أوْقاتِها فَقَدْ شَمِلَ تِلْكَ الطّائِفَةَ إنْظارٌ وإنْ لَمْ يَكُونُوا أحْياءً مُدَّةَ الدَّهْرِ، وقِيلَ مِنَ المُنْظَرِينَ جَمْعٌ كَثِيرٌ مِثْلُ قَوْمِ يُونُسَ.
﴿قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الباءَ لِلْقَسَمِ وما مَصْدَرِيَّةٌ ولِذَلِكَ تُلُقِّيَتِ الآيَةُ بِقَوْلِهِ: لَأقْعُدَنَّ، قالَ (p-٢٧٥)الزَّمَخْشَرِيُّ وإنَّما أقْسَمَ بِالإغْواءِ؛ لِأنَّهُ كانَ تَكْلِيفًا مِن أحْسَنِ أفْعالِ اللَّهِ لِكَوْنِهِ تَعْرِيضًا لِسَعادَةِ الأبَدِ، فَكانَ جَدِيرًا أنْ يُقْسِمَ بِهِ. انْتَهى. وقِيلَ: الباءُ لِلسَّبَبِ، أيْ: بِسَبَبِ إغْوائِكَ إيّايَ وعَبَّرَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْها بِأنْ يُرادَ بِها مَعْنى المُجازاةِ قالَ: كَما تَقُولُ فَبِإكْرامِكَ لِي يا زَيْدُ لَأُكْرِمَّنَكَ قالَ، وهَذا ألْيَقٌ بِالقِصَّةِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، فَإنْ قُلْتَ: بِمَ تَعَلَّقَتِ الباءُ فَإنَّ تَعْلِيقَها بِلَأقْعُدَنَّ تَصُدُّ عَنْهُ لامُ القَسَمِ لا تَقُولُ واللَّهِ بِزَيْدٍ لَأمُرَنَّ قُلْتُ تَعَلَّقَتْ بِفِعْلِ القَسَمِ المَحْذُوفِ، تَقْدِيرُهُ: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ أقْسَمَ بِاللَّهِ ﴿لَأقْعُدَنَّ﴾، أيْ: بِسَبَبِ إغْوائِكَ أُقْسِمُ. انْتَهى. وما ذَكَرَهُ مِن أنَّ اللّامَ تَصُدُّ عَنْ تَعَلُّقِ الباءِ بِلَأقْعُدَنَّ لَيْسَ حُكْمًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ، بَلْ في ذَلِكَ خِلافٌ، وقِيلَ: ما اسْتِفْهامِيَّةٌ كَأنَّهُ اسْتَفْهَمَ عَنِ السَّبَبِ الَّذِي أغْواهُ وقالَ بِأيِّ شَيْءٍ أغْوَيْتَنِي، ثُمَّ ابْتَدَأهُ مُقْسِمًا فَقالَ: لَأقْعُدُنَّ لَهم، وضَعُفَ بِإثْباتِ الألِفِ في ما الِاسْتِفْهامِيَّةِ، وذَلِكَ شاذٌّ، أوْ ضَرُورَةٌ نَحْوُ قَوْلِهِمْ عَمّا تَسْألُ، فَهَذا شاذٌّ، والضَّرُورَةُ كَقَوْلِهِ:
؎عَلى ما قامَ يَشْتُمُنِي لَئِيمُ
ومَعْنى (أغْوَيْتَنِي) أضْلَلْتَنِي. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والأكْثَرُونَ، أوْ لَعَنْتَنِي. قالَهُ الحَسَنُ، أوْ أهْلَكْتَنِي. قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ، أوْ خَيَّبْتَنِي. قالَهُ بَعْضُهم، وقِيلَ: ألْقَيْتَنِي غاوِيًا، وقِيلَ: سَمَّيْتَنِي غاوِيًا لِتَكَبُّرِي عَنِ السُّجُودِ لِمَن أنا خَيْرٌ مِنهُ، وقِيلَ: جَعَلْتَنِي في الغَيِّ وهو العَذابُ، وقِيلَ: قَضَيْتَ عَلَيَّ مِنَ الأفْعالِ الذَّمِيمَةِ، وقِيلَ: أدْخَلْتَ عَلَيَّ داءَ الكِبْرِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَبِسَبَبِ إغْوائِكَ إيّايَ لَأقْعُدَنَّ لَهم، وهو تَكْلِيفُهُ إيّاهُ ما وقَعَ بِهِ في الغَيِّ كَما ثَبَتَتِ المَلائِكَةُ مَعَ كَوْنِهِمْ أفْضَلَ مِنهُ ومِن آدَمَ نَفْسًا ومَناصِبَ. وعَنِ الأصَمِّ أمَرْتَنِي بِالسُّجُودِ فَحَمَلَنِي الأنَفُ عَلى مَعْصِيَتِكَ، والمَعْنى: فَبِسَبَبِ وُقُوعِي في الغَيِّ لِأجْتَهِدَنَّ في إغْوائِهِمْ حَتّى يَفْسَدُوا بِسَبَبِي كَما فَسَدْتُ بِسَبَبِهِمْ. انْتَهى. وهو والأصَمُّ فَسَّرا عَلى مَذْهَبِ الِاعْتِزالِ في نَفْيِ نِسْبَةِ الإغْواءِ حَقِيقَةً، وهو الإضْلالُ إلى اللَّهِ وكَذَلِكَ مَن فَسَّرَ ﴿أغْوَيْتَنِي﴾ مَعْنى ألْفَيْتَنِي غاوِيًا وهو فِرارٌ مِن ذَلِكَ، وقَوْلُهُ في المَلائِكَةِ إنَّهم أفْضَلُ مِن آدَمَ نَفْسًا ومَناصِبَ هو مَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: قاتَلَ اللَّهُ القَدَرِيَّةَ، لَإبْلِيسُ أعْلَمُ بِاللَّهِ مِنهم، يُرِيدُ في أنَّهُ عَلِمَ أنَّ اللَّهَ يَهْدِي ويُضِلُّ، وجاءَ رَجُلٌ مِن كِبارِ الفُقَهاءِ يُرْمى بِالقَدَرِ فَجَلَسَ إلى طاوُسٍ في المَسْجِدِ الحَرامِ فَقالَ لَهُ طاوُسٌ: تَقُومُ، أوْ تُقامُ فَقامَ الرَّجُلُ فَقِيلَ لَهُ: أتَقُولُ: هَذا الرَّجُلُ فَقِيهٌ، فَقالَ: إبْلِيسُ أفْقَهُ مِنهُ قالَ: رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي، وهَذا يَقُولُ أنا أُغْوِي نَفْسِي، وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذِهِ الحِكايَةَ مِن تَكاذِيبِ المُجْبِرَةِ وذَكَرَها، ثُمَّ قالَ كَلامًا قَبِيحًا يُوقَفُ عَلَيْهِ في كِتابِهِ وعَبَّرَ بِالقُعُودِ عَنِ الثُّبُوتِ في المَكانِ، والثّابِتُ فِيهِ قالُوا: وانْتَصَبَ ”صِراطَكَ“ عَلى إسْقاطِ عَلى. قالَهُ الزَّجّاجُ، وشَبَّهَهُ بِقَوْلِ العَرَبِ ضَرَبَ زَيْدٌ الظَّهْرَ والبَطْنَ، أيْ: عَلى الظَّهْرِ والبَطْنِ وإسْقاطُ حَرْفِ الجَرِّ لا يَنْقاسُ في مِثْلِ هَذا. لا يُقالُ قَعَدْتُ الخَشَبَةَ تُرِيدُ قَعَدْتُ عَلى الخَشَبَةِ قالُوا: أيْ: عَلى الظَّرْفِ كَما قالَ الشّاعِرُ فِيهِ:
؎كَما عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ
وهَذا أيْضًا تَخْرِيجٌ فِيهِ ضَعْفٌ؛ لِأنَّ صِراطَكَ ظَرْفُ مَكانٍ مُخْتَصٌّ، وكَذَلِكَ الطَّرِيقُ فَلا يَتَعَدّى إلَيْهِ الفِعْلُ إلّا بِواسِطَةِ في، وما جاءَ خِلافَ ذَلِكَ شاذٌّ، أوْ ضَرُورَةٌ وعَلى الضَّرُورَةِ أنْشَدُوا:
؎كَما عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ
وما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو الحُسَيْنِ بْنُ الطَّراوَةِ مِن أنَّ الصِّراطَ والطَّرِيقَ ظَرْفٌ مُبْهَمٌ لا مُخْتَصٌّ، رَدَّهُ عَلَيْهِ أهْلُ العَرَبِيَّةِ، والأوْلى أنْ يُضَمَّنَ لَأقْعُدَنَّ مَعْنى ما يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ فَيَنْتَصِبُ الصِّراطُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، والتَّقْدِيرُ: لَألْزَمَنَّ بِقُعُودِي صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ، وهَذا الصِّراطُ هو دِينُ الإسْلامِ وهو المُوصِلُ إلى الجَنَّةِ، ويَضْعُفُ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وعَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّهُ طَرِيقُ مَكَّةَ خُصُوصًا عَلى العَقَبَةِ المَعْرُوفَةِ بِعَقَبَةِ الشَّيْطانِ يُضِلُّ النّاسَ عَنِ الحَجِّ، ومَعْنى قُعُودِهِ أنَّهُ يَعْتَرِضُ لَهم عَلى طَرِيقِ الإسْلامِ كَما يَعْتَرِضُ العَدُوُّ عَلى الطَّرِيقِ لِيَقْطَعَهُ عَلى السّابِلَةِ وفي الحَدِيثِ: «إنَّ الشَّيْطانَ قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ بِأطْرُقِهِ نَهاهُ (p-٢٧٦)عَنِ الإسْلامِ، وقالَ: أتَتْرُكُ دِينَ آبائِكَ، فَعَصاهُ وأسْلَمَ فَنَهاهُ عَنِ الهِجْرَةِ، وقالَ: تَدَعُ أهْلَكَ وبَلَدَكَ فَعَصاهُ فَهاجَرَ فَنَهاهُ عَنِ الجِهادِ، وقالَ: تُقْتَلُ وتَتْرُكُ ولَدَكَ، فَعَصاهُ فَجاهَدَ، فَلَهُ الجَنَّةُ» .
الأعراف 7:15
﴿قالَ أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ هَذا يَدُلُّ عَلى إقْرارِهِ بِالبَعْثِ وعِلْمِهِ بِأنَّ آدَمَ سَيَكُونُ لَهُ ذُرِّيَّةٌ ونَسْلٌ يُعَمِّرُونَ الأرْضَ، ثُمَّ يَمُوتُونَ وإنَّ مِنهم مَن يُنْظَرُ فَيَكُونُ طَلَبُهُ الإنْظارَ بِأنْ يُغْوِيَهم ويُوَسْوِسَ إلَيْهِمْ، فالضَّمِيرُ في يُبْعَثُونَ عائِدٌ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى إذْ لَيْسَ في اللَّفْظِ ما يَعُودُ عَلَيْهِ، وحِكْمَةُ اسْتِنْظارِهِ وإنْ كانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْغَوايَةِ والفِتْنَةِ، إنَّ في ذَلِكَ ابْتِلاءَ العِبادِ بِمُخالَفَتِهِ وطَواعِيَتِهِ وما يَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ مِن إعْظامِ الثَّوابِ بِالمُخالَفَةِ وإدامَةِ العِقابِ بِالطَّواعِيَةِ وأجابَهُ تَعالى بِأنَّهُ مِنَ المُنْظَرِينَ، أيْ: مِنَ المُؤَخَّرِينَ ولَمْ يَأْتِ هُنا بِغايَةٍ لِلِانْتِظارِ وجاءَ مُغَيَّبًا في الحِجْرِ وفي ص بِقَوْلِهِ: ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ [ص: ٨١] ويَأْتِي تَفْسِيرُهُ في الحِجْرِ إنْ شاءَ اللَّهُ، ومَعْنى مِنَ المُنْظَرِينَ مِنَ الطّائِفَةِ الَّتِي تَأخَّرَتْ أعْمارُها كَثِيرًا حَتّى جاءَتْ آجالُها عَلى اخْتِلافِ أوْقاتِها فَقَدْ شَمِلَ تِلْكَ الطّائِفَةَ إنْظارٌ وإنْ لَمْ يَكُونُوا أحْياءً مُدَّةَ الدَّهْرِ، وقِيلَ مِنَ المُنْظَرِينَ جَمْعٌ كَثِيرٌ مِثْلُ قَوْمِ يُونُسَ.
﴿قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الباءَ لِلْقَسَمِ وما مَصْدَرِيَّةٌ ولِذَلِكَ تُلُقِّيَتِ الآيَةُ بِقَوْلِهِ: لَأقْعُدَنَّ، قالَ (p-٢٧٥)الزَّمَخْشَرِيُّ وإنَّما أقْسَمَ بِالإغْواءِ؛ لِأنَّهُ كانَ تَكْلِيفًا مِن أحْسَنِ أفْعالِ اللَّهِ لِكَوْنِهِ تَعْرِيضًا لِسَعادَةِ الأبَدِ، فَكانَ جَدِيرًا أنْ يُقْسِمَ بِهِ. انْتَهى. وقِيلَ: الباءُ لِلسَّبَبِ، أيْ: بِسَبَبِ إغْوائِكَ إيّايَ وعَبَّرَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْها بِأنْ يُرادَ بِها مَعْنى المُجازاةِ قالَ: كَما تَقُولُ فَبِإكْرامِكَ لِي يا زَيْدُ لَأُكْرِمَّنَكَ قالَ، وهَذا ألْيَقٌ بِالقِصَّةِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، فَإنْ قُلْتَ: بِمَ تَعَلَّقَتِ الباءُ فَإنَّ تَعْلِيقَها بِلَأقْعُدَنَّ تَصُدُّ عَنْهُ لامُ القَسَمِ لا تَقُولُ واللَّهِ بِزَيْدٍ لَأمُرَنَّ قُلْتُ تَعَلَّقَتْ بِفِعْلِ القَسَمِ المَحْذُوفِ، تَقْدِيرُهُ: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ أقْسَمَ بِاللَّهِ ﴿لَأقْعُدَنَّ﴾، أيْ: بِسَبَبِ إغْوائِكَ أُقْسِمُ. انْتَهى. وما ذَكَرَهُ مِن أنَّ اللّامَ تَصُدُّ عَنْ تَعَلُّقِ الباءِ بِلَأقْعُدَنَّ لَيْسَ حُكْمًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ، بَلْ في ذَلِكَ خِلافٌ، وقِيلَ: ما اسْتِفْهامِيَّةٌ كَأنَّهُ اسْتَفْهَمَ عَنِ السَّبَبِ الَّذِي أغْواهُ وقالَ بِأيِّ شَيْءٍ أغْوَيْتَنِي، ثُمَّ ابْتَدَأهُ مُقْسِمًا فَقالَ: لَأقْعُدُنَّ لَهم، وضَعُفَ بِإثْباتِ الألِفِ في ما الِاسْتِفْهامِيَّةِ، وذَلِكَ شاذٌّ، أوْ ضَرُورَةٌ نَحْوُ قَوْلِهِمْ عَمّا تَسْألُ، فَهَذا شاذٌّ، والضَّرُورَةُ كَقَوْلِهِ:
؎عَلى ما قامَ يَشْتُمُنِي لَئِيمُ
ومَعْنى (أغْوَيْتَنِي) أضْلَلْتَنِي. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والأكْثَرُونَ، أوْ لَعَنْتَنِي. قالَهُ الحَسَنُ، أوْ أهْلَكْتَنِي. قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ، أوْ خَيَّبْتَنِي. قالَهُ بَعْضُهم، وقِيلَ: ألْقَيْتَنِي غاوِيًا، وقِيلَ: سَمَّيْتَنِي غاوِيًا لِتَكَبُّرِي عَنِ السُّجُودِ لِمَن أنا خَيْرٌ مِنهُ، وقِيلَ: جَعَلْتَنِي في الغَيِّ وهو العَذابُ، وقِيلَ: قَضَيْتَ عَلَيَّ مِنَ الأفْعالِ الذَّمِيمَةِ، وقِيلَ: أدْخَلْتَ عَلَيَّ داءَ الكِبْرِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَبِسَبَبِ إغْوائِكَ إيّايَ لَأقْعُدَنَّ لَهم، وهو تَكْلِيفُهُ إيّاهُ ما وقَعَ بِهِ في الغَيِّ كَما ثَبَتَتِ المَلائِكَةُ مَعَ كَوْنِهِمْ أفْضَلَ مِنهُ ومِن آدَمَ نَفْسًا ومَناصِبَ. وعَنِ الأصَمِّ أمَرْتَنِي بِالسُّجُودِ فَحَمَلَنِي الأنَفُ عَلى مَعْصِيَتِكَ، والمَعْنى: فَبِسَبَبِ وُقُوعِي في الغَيِّ لِأجْتَهِدَنَّ في إغْوائِهِمْ حَتّى يَفْسَدُوا بِسَبَبِي كَما فَسَدْتُ بِسَبَبِهِمْ. انْتَهى. وهو والأصَمُّ فَسَّرا عَلى مَذْهَبِ الِاعْتِزالِ في نَفْيِ نِسْبَةِ الإغْواءِ حَقِيقَةً، وهو الإضْلالُ إلى اللَّهِ وكَذَلِكَ مَن فَسَّرَ ﴿أغْوَيْتَنِي﴾ مَعْنى ألْفَيْتَنِي غاوِيًا وهو فِرارٌ مِن ذَلِكَ، وقَوْلُهُ في المَلائِكَةِ إنَّهم أفْضَلُ مِن آدَمَ نَفْسًا ومَناصِبَ هو مَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: قاتَلَ اللَّهُ القَدَرِيَّةَ، لَإبْلِيسُ أعْلَمُ بِاللَّهِ مِنهم، يُرِيدُ في أنَّهُ عَلِمَ أنَّ اللَّهَ يَهْدِي ويُضِلُّ، وجاءَ رَجُلٌ مِن كِبارِ الفُقَهاءِ يُرْمى بِالقَدَرِ فَجَلَسَ إلى طاوُسٍ في المَسْجِدِ الحَرامِ فَقالَ لَهُ طاوُسٌ: تَقُومُ، أوْ تُقامُ فَقامَ الرَّجُلُ فَقِيلَ لَهُ: أتَقُولُ: هَذا الرَّجُلُ فَقِيهٌ، فَقالَ: إبْلِيسُ أفْقَهُ مِنهُ قالَ: رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي، وهَذا يَقُولُ أنا أُغْوِي نَفْسِي، وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذِهِ الحِكايَةَ مِن تَكاذِيبِ المُجْبِرَةِ وذَكَرَها، ثُمَّ قالَ كَلامًا قَبِيحًا يُوقَفُ عَلَيْهِ في كِتابِهِ وعَبَّرَ بِالقُعُودِ عَنِ الثُّبُوتِ في المَكانِ، والثّابِتُ فِيهِ قالُوا: وانْتَصَبَ ”صِراطَكَ“ عَلى إسْقاطِ عَلى. قالَهُ الزَّجّاجُ، وشَبَّهَهُ بِقَوْلِ العَرَبِ ضَرَبَ زَيْدٌ الظَّهْرَ والبَطْنَ، أيْ: عَلى الظَّهْرِ والبَطْنِ وإسْقاطُ حَرْفِ الجَرِّ لا يَنْقاسُ في مِثْلِ هَذا. لا يُقالُ قَعَدْتُ الخَشَبَةَ تُرِيدُ قَعَدْتُ عَلى الخَشَبَةِ قالُوا: أيْ: عَلى الظَّرْفِ كَما قالَ الشّاعِرُ فِيهِ:
؎كَما عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ
وهَذا أيْضًا تَخْرِيجٌ فِيهِ ضَعْفٌ؛ لِأنَّ صِراطَكَ ظَرْفُ مَكانٍ مُخْتَصٌّ، وكَذَلِكَ الطَّرِيقُ فَلا يَتَعَدّى إلَيْهِ الفِعْلُ إلّا بِواسِطَةِ في، وما جاءَ خِلافَ ذَلِكَ شاذٌّ، أوْ ضَرُورَةٌ وعَلى الضَّرُورَةِ أنْشَدُوا:
؎كَما عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ
وما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو الحُسَيْنِ بْنُ الطَّراوَةِ مِن أنَّ الصِّراطَ والطَّرِيقَ ظَرْفٌ مُبْهَمٌ لا مُخْتَصٌّ، رَدَّهُ عَلَيْهِ أهْلُ العَرَبِيَّةِ، والأوْلى أنْ يُضَمَّنَ لَأقْعُدَنَّ مَعْنى ما يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ فَيَنْتَصِبُ الصِّراطُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، والتَّقْدِيرُ: لَألْزَمَنَّ بِقُعُودِي صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ، وهَذا الصِّراطُ هو دِينُ الإسْلامِ وهو المُوصِلُ إلى الجَنَّةِ، ويَضْعُفُ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وعَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّهُ طَرِيقُ مَكَّةَ خُصُوصًا عَلى العَقَبَةِ المَعْرُوفَةِ بِعَقَبَةِ الشَّيْطانِ يُضِلُّ النّاسَ عَنِ الحَجِّ، ومَعْنى قُعُودِهِ أنَّهُ يَعْتَرِضُ لَهم عَلى طَرِيقِ الإسْلامِ كَما يَعْتَرِضُ العَدُوُّ عَلى الطَّرِيقِ لِيَقْطَعَهُ عَلى السّابِلَةِ وفي الحَدِيثِ: «إنَّ الشَّيْطانَ قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ بِأطْرُقِهِ نَهاهُ (p-٢٧٦)عَنِ الإسْلامِ، وقالَ: أتَتْرُكُ دِينَ آبائِكَ، فَعَصاهُ وأسْلَمَ فَنَهاهُ عَنِ الهِجْرَةِ، وقالَ: تَدَعُ أهْلَكَ وبَلَدَكَ فَعَصاهُ فَهاجَرَ فَنَهاهُ عَنِ الجِهادِ، وقالَ: تُقْتَلُ وتَتْرُكُ ولَدَكَ، فَعَصاهُ فَجاهَدَ، فَلَهُ الجَنَّةُ» .
الأعراف 7:16
﴿قالَ أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ هَذا يَدُلُّ عَلى إقْرارِهِ بِالبَعْثِ وعِلْمِهِ بِأنَّ آدَمَ سَيَكُونُ لَهُ ذُرِّيَّةٌ ونَسْلٌ يُعَمِّرُونَ الأرْضَ، ثُمَّ يَمُوتُونَ وإنَّ مِنهم مَن يُنْظَرُ فَيَكُونُ طَلَبُهُ الإنْظارَ بِأنْ يُغْوِيَهم ويُوَسْوِسَ إلَيْهِمْ، فالضَّمِيرُ في يُبْعَثُونَ عائِدٌ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى إذْ لَيْسَ في اللَّفْظِ ما يَعُودُ عَلَيْهِ، وحِكْمَةُ اسْتِنْظارِهِ وإنْ كانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْغَوايَةِ والفِتْنَةِ، إنَّ في ذَلِكَ ابْتِلاءَ العِبادِ بِمُخالَفَتِهِ وطَواعِيَتِهِ وما يَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ مِن إعْظامِ الثَّوابِ بِالمُخالَفَةِ وإدامَةِ العِقابِ بِالطَّواعِيَةِ وأجابَهُ تَعالى بِأنَّهُ مِنَ المُنْظَرِينَ، أيْ: مِنَ المُؤَخَّرِينَ ولَمْ يَأْتِ هُنا بِغايَةٍ لِلِانْتِظارِ وجاءَ مُغَيَّبًا في الحِجْرِ وفي ص بِقَوْلِهِ: ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ [ص: ٨١] ويَأْتِي تَفْسِيرُهُ في الحِجْرِ إنْ شاءَ اللَّهُ، ومَعْنى مِنَ المُنْظَرِينَ مِنَ الطّائِفَةِ الَّتِي تَأخَّرَتْ أعْمارُها كَثِيرًا حَتّى جاءَتْ آجالُها عَلى اخْتِلافِ أوْقاتِها فَقَدْ شَمِلَ تِلْكَ الطّائِفَةَ إنْظارٌ وإنْ لَمْ يَكُونُوا أحْياءً مُدَّةَ الدَّهْرِ، وقِيلَ مِنَ المُنْظَرِينَ جَمْعٌ كَثِيرٌ مِثْلُ قَوْمِ يُونُسَ.
﴿قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الباءَ لِلْقَسَمِ وما مَصْدَرِيَّةٌ ولِذَلِكَ تُلُقِّيَتِ الآيَةُ بِقَوْلِهِ: لَأقْعُدَنَّ، قالَ (p-٢٧٥)الزَّمَخْشَرِيُّ وإنَّما أقْسَمَ بِالإغْواءِ؛ لِأنَّهُ كانَ تَكْلِيفًا مِن أحْسَنِ أفْعالِ اللَّهِ لِكَوْنِهِ تَعْرِيضًا لِسَعادَةِ الأبَدِ، فَكانَ جَدِيرًا أنْ يُقْسِمَ بِهِ. انْتَهى. وقِيلَ: الباءُ لِلسَّبَبِ، أيْ: بِسَبَبِ إغْوائِكَ إيّايَ وعَبَّرَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْها بِأنْ يُرادَ بِها مَعْنى المُجازاةِ قالَ: كَما تَقُولُ فَبِإكْرامِكَ لِي يا زَيْدُ لَأُكْرِمَّنَكَ قالَ، وهَذا ألْيَقٌ بِالقِصَّةِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، فَإنْ قُلْتَ: بِمَ تَعَلَّقَتِ الباءُ فَإنَّ تَعْلِيقَها بِلَأقْعُدَنَّ تَصُدُّ عَنْهُ لامُ القَسَمِ لا تَقُولُ واللَّهِ بِزَيْدٍ لَأمُرَنَّ قُلْتُ تَعَلَّقَتْ بِفِعْلِ القَسَمِ المَحْذُوفِ، تَقْدِيرُهُ: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ أقْسَمَ بِاللَّهِ ﴿لَأقْعُدَنَّ﴾، أيْ: بِسَبَبِ إغْوائِكَ أُقْسِمُ. انْتَهى. وما ذَكَرَهُ مِن أنَّ اللّامَ تَصُدُّ عَنْ تَعَلُّقِ الباءِ بِلَأقْعُدَنَّ لَيْسَ حُكْمًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ، بَلْ في ذَلِكَ خِلافٌ، وقِيلَ: ما اسْتِفْهامِيَّةٌ كَأنَّهُ اسْتَفْهَمَ عَنِ السَّبَبِ الَّذِي أغْواهُ وقالَ بِأيِّ شَيْءٍ أغْوَيْتَنِي، ثُمَّ ابْتَدَأهُ مُقْسِمًا فَقالَ: لَأقْعُدُنَّ لَهم، وضَعُفَ بِإثْباتِ الألِفِ في ما الِاسْتِفْهامِيَّةِ، وذَلِكَ شاذٌّ، أوْ ضَرُورَةٌ نَحْوُ قَوْلِهِمْ عَمّا تَسْألُ، فَهَذا شاذٌّ، والضَّرُورَةُ كَقَوْلِهِ:
؎عَلى ما قامَ يَشْتُمُنِي لَئِيمُ
ومَعْنى (أغْوَيْتَنِي) أضْلَلْتَنِي. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والأكْثَرُونَ، أوْ لَعَنْتَنِي. قالَهُ الحَسَنُ، أوْ أهْلَكْتَنِي. قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ، أوْ خَيَّبْتَنِي. قالَهُ بَعْضُهم، وقِيلَ: ألْقَيْتَنِي غاوِيًا، وقِيلَ: سَمَّيْتَنِي غاوِيًا لِتَكَبُّرِي عَنِ السُّجُودِ لِمَن أنا خَيْرٌ مِنهُ، وقِيلَ: جَعَلْتَنِي في الغَيِّ وهو العَذابُ، وقِيلَ: قَضَيْتَ عَلَيَّ مِنَ الأفْعالِ الذَّمِيمَةِ، وقِيلَ: أدْخَلْتَ عَلَيَّ داءَ الكِبْرِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَبِسَبَبِ إغْوائِكَ إيّايَ لَأقْعُدَنَّ لَهم، وهو تَكْلِيفُهُ إيّاهُ ما وقَعَ بِهِ في الغَيِّ كَما ثَبَتَتِ المَلائِكَةُ مَعَ كَوْنِهِمْ أفْضَلَ مِنهُ ومِن آدَمَ نَفْسًا ومَناصِبَ. وعَنِ الأصَمِّ أمَرْتَنِي بِالسُّجُودِ فَحَمَلَنِي الأنَفُ عَلى مَعْصِيَتِكَ، والمَعْنى: فَبِسَبَبِ وُقُوعِي في الغَيِّ لِأجْتَهِدَنَّ في إغْوائِهِمْ حَتّى يَفْسَدُوا بِسَبَبِي كَما فَسَدْتُ بِسَبَبِهِمْ. انْتَهى. وهو والأصَمُّ فَسَّرا عَلى مَذْهَبِ الِاعْتِزالِ في نَفْيِ نِسْبَةِ الإغْواءِ حَقِيقَةً، وهو الإضْلالُ إلى اللَّهِ وكَذَلِكَ مَن فَسَّرَ ﴿أغْوَيْتَنِي﴾ مَعْنى ألْفَيْتَنِي غاوِيًا وهو فِرارٌ مِن ذَلِكَ، وقَوْلُهُ في المَلائِكَةِ إنَّهم أفْضَلُ مِن آدَمَ نَفْسًا ومَناصِبَ هو مَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: قاتَلَ اللَّهُ القَدَرِيَّةَ، لَإبْلِيسُ أعْلَمُ بِاللَّهِ مِنهم، يُرِيدُ في أنَّهُ عَلِمَ أنَّ اللَّهَ يَهْدِي ويُضِلُّ، وجاءَ رَجُلٌ مِن كِبارِ الفُقَهاءِ يُرْمى بِالقَدَرِ فَجَلَسَ إلى طاوُسٍ في المَسْجِدِ الحَرامِ فَقالَ لَهُ طاوُسٌ: تَقُومُ، أوْ تُقامُ فَقامَ الرَّجُلُ فَقِيلَ لَهُ: أتَقُولُ: هَذا الرَّجُلُ فَقِيهٌ، فَقالَ: إبْلِيسُ أفْقَهُ مِنهُ قالَ: رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي، وهَذا يَقُولُ أنا أُغْوِي نَفْسِي، وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذِهِ الحِكايَةَ مِن تَكاذِيبِ المُجْبِرَةِ وذَكَرَها، ثُمَّ قالَ كَلامًا قَبِيحًا يُوقَفُ عَلَيْهِ في كِتابِهِ وعَبَّرَ بِالقُعُودِ عَنِ الثُّبُوتِ في المَكانِ، والثّابِتُ فِيهِ قالُوا: وانْتَصَبَ ”صِراطَكَ“ عَلى إسْقاطِ عَلى. قالَهُ الزَّجّاجُ، وشَبَّهَهُ بِقَوْلِ العَرَبِ ضَرَبَ زَيْدٌ الظَّهْرَ والبَطْنَ، أيْ: عَلى الظَّهْرِ والبَطْنِ وإسْقاطُ حَرْفِ الجَرِّ لا يَنْقاسُ في مِثْلِ هَذا. لا يُقالُ قَعَدْتُ الخَشَبَةَ تُرِيدُ قَعَدْتُ عَلى الخَشَبَةِ قالُوا: أيْ: عَلى الظَّرْفِ كَما قالَ الشّاعِرُ فِيهِ:
؎كَما عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ
وهَذا أيْضًا تَخْرِيجٌ فِيهِ ضَعْفٌ؛ لِأنَّ صِراطَكَ ظَرْفُ مَكانٍ مُخْتَصٌّ، وكَذَلِكَ الطَّرِيقُ فَلا يَتَعَدّى إلَيْهِ الفِعْلُ إلّا بِواسِطَةِ في، وما جاءَ خِلافَ ذَلِكَ شاذٌّ، أوْ ضَرُورَةٌ وعَلى الضَّرُورَةِ أنْشَدُوا:
؎كَما عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ
وما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو الحُسَيْنِ بْنُ الطَّراوَةِ مِن أنَّ الصِّراطَ والطَّرِيقَ ظَرْفٌ مُبْهَمٌ لا مُخْتَصٌّ، رَدَّهُ عَلَيْهِ أهْلُ العَرَبِيَّةِ، والأوْلى أنْ يُضَمَّنَ لَأقْعُدَنَّ مَعْنى ما يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ فَيَنْتَصِبُ الصِّراطُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، والتَّقْدِيرُ: لَألْزَمَنَّ بِقُعُودِي صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ، وهَذا الصِّراطُ هو دِينُ الإسْلامِ وهو المُوصِلُ إلى الجَنَّةِ، ويَضْعُفُ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وعَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّهُ طَرِيقُ مَكَّةَ خُصُوصًا عَلى العَقَبَةِ المَعْرُوفَةِ بِعَقَبَةِ الشَّيْطانِ يُضِلُّ النّاسَ عَنِ الحَجِّ، ومَعْنى قُعُودِهِ أنَّهُ يَعْتَرِضُ لَهم عَلى طَرِيقِ الإسْلامِ كَما يَعْتَرِضُ العَدُوُّ عَلى الطَّرِيقِ لِيَقْطَعَهُ عَلى السّابِلَةِ وفي الحَدِيثِ: «إنَّ الشَّيْطانَ قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ بِأطْرُقِهِ نَهاهُ (p-٢٧٦)عَنِ الإسْلامِ، وقالَ: أتَتْرُكُ دِينَ آبائِكَ، فَعَصاهُ وأسْلَمَ فَنَهاهُ عَنِ الهِجْرَةِ، وقالَ: تَدَعُ أهْلَكَ وبَلَدَكَ فَعَصاهُ فَهاجَرَ فَنَهاهُ عَنِ الجِهادِ، وقالَ: تُقْتَلُ وتَتْرُكُ ولَدَكَ، فَعَصاهُ فَجاهَدَ، فَلَهُ الجَنَّةُ» .
الأعراف 7:17
﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ . الظّاهِرُ أنَّ إتْيانَهُ مِن هَذِهِ الجِهاتِ الأرْبَعِ كِنايَةٌ عَنْ وسْوَسَتِهِ وإغْوائِهِ لَهُ والجِدِّ في إضْلالِهِ مِن كُلِّ وجْهٍ يُمْكِنُ، ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الجِهاتُ يَأْتِي مِنها العَدُوُّ غالِبًا ذَكَرَها لا أنَّهُ يَأْتِي مِنَ الجِهاتِ الأرْبَعِ حَقِيقَةً، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِن بَيْنِ أيْدِيهِمُ الآخِرَةُ، أُشَكِّكُهم فِيها، وأنَّهُ لا بَعْثَ ﴿ومِن خَلْفِهِمْ﴾ الدُّنْيا، أُرَغِّبُهم فِيها وزَيَّنَها لَهم، وعَنْهُ أيْضًا وعَنِ النَّخَعِيِّ والحَكَمِ بْنِ عُتْبَةَ عَكْسُ هَذا، وعَنْهُ و﴿وعَنْ أيْمانِهِمْ﴾ الحَقُّ وعَنْ ﴿شَمائِلِهِمْ﴾ الباطِلُ وعَنْهُ أيْضًا: و﴿وعَنْ أيْمانِهِمْ﴾ الحَسَناتُ وعَنْ ﴿شَمائِلِهِمْ﴾ السَّيِّئاتُ، وقالَ مُجاهِدٌ: الأوَّلانِ حَيْثُ يُنْصَرُونَ والآخَرانِ حَيْثُ لا يُنْصَرُونَ، وقالَ أبُو صالِحٍ: الأوَّلانِ الحَقُّ والباطِلُ والآخَرانِ الآخِرَةُ والدُّنْيا، وقِيلَ: الأوَّلانِ بِفُسْحَةِ الأمَلِ وبِنِسْيانِ الأجَلِ والآخَرانِ فِيما تَيَسَّرَ وفِيما تَعَسَّرَ، وقِيلَ: الأوَّلانِ فِيما بَقِيَ مِن أعْمارِهِمْ فَلا يُطِيعُونَ وفِيما مَضى مِنها فَلا يَنْدَمُونَ عَلى مَعْصِيَةٍ، والآخَرانِ فِيما مَلَكَتْهُ أيْمانُهم فَلا يُنْفِقُونَهُ في مَعْرُوفٍ ومِن قَبْلِ فَقْرِهِمْ فَلا يَمْتَنِعُونَ عَنْ مَحْظُورٍ، وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ حاكِيًا عَنْ مَن سَمّاهُ هو حُكَماءُ الإسْلامِ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمُ القُوَّةُ الخَيالِيَّةُ، وهي تَجْمَعُ مِثْلَ المَحْسُوساتِ وصُوَرِها، وهي مَوْضُوعَةٌ في البَطْنِ المُقَدَّمِ مِنَ الدِّماغِ، ومِن خَلْفِهِمُ القُوَّةُ الوَهْمِيَّةُ وهي تَحْكُمُ في غَيْرِ المَحْسُوساتِ بِالأحْكامِ المُناسِبَةِ لِلْمَحْسُوساتِ، وهي مَوْضُوعَةٌ في البَطْنِ المُؤَخَّرِ مِنَ الدِّماغِ، وعَنْ أيْمانِهِمْ قُوَّةُ الشَّهْوَةِ وهي مَوْضُوعَةٌ في البَطْنِ الأيْمَنِ مِنَ القَلْبِ، وعَنْ شَمائِلِهِمْ قُوَّةُ الغَضَبِ وهي مَوْضُوعَةٌ في البَطْنِ الأيْسَرِ مِنَ القَلْبِ، فَهَذِهِ القُوى الأرْبَعَةُ هي الَّتِي يَتَوَلَّدُ عَنْها أحْوالٌ تُوجِبُ زَوالَ السَّعادَةِ الرُّوحانِيَّةِ، والشَّياطِينُ الخارِجَةُ ما لَمْ تَشْعُرْ بِشَيْءٍ مِن هَذِهِ القُوى الأرْبَعِ لَمْ تَقْدِرْ عَلى إلْقاءِ الوَسْوَسَةِ فَهَذا هو السَّبَبُ في تَعْيِينِ هَذِهِ الجِهاتِ الأرْبَعِ وهو وجْهُ تَحْقِيقٍ. انْتَهى. وهو بَعِيدٌ مِن مَناحِي كَلامِ العَرَبِ والمُتَشَرِّعِينَ قالَ: وعَلى هَذا لَمْ يُحْتَجْ إلى ذِكْرِ العُلُوِّ والسُّفْلِ؛ لِأنَّ هاتَيْنِ الجِهَتَيْنِ لَيْسَتا بِمَقَرِّ شَيْءٍ مِنَ القُوى المُفْسِدَةِ لِمَصالِحِ السَّعادَةِ الرُّوحانِيَّةِ. انْتَهى. وقالابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ يَقُلْ مِن فَوْقِهِمْ؛ لِأنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ مِن فَوْقِهِمْ ولَمْ يَقُلْ مِن تَحْتِهِمْ؛ لِأنَّ الإتْيانَ مِن تَحْتِهِمْ فِيهِ تَوَحُّشٌ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ قِيلَ ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ ومِن خَلْفِهِمْ بِحَرْفِ الِابْتِداءِ و﴿وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ بِحِرَفِ المُجاوَزَةِ، قَلْتُ: المَفْعُولُ فِيهِ عُدِّيَ إلَيْهِ الفِعْلُ تَعْدِيَتَهُ إلى المَفْعُولِ بِهِ، كَما اخْتَلَفَتْ حُرُوفُ التَّعْدِيَةِ في ذَلِكَ اخْتَلَفَتْ في هَذا، وكانَتْ لُغَةً تُؤْخَذُ ولا تُقاسُ وإنَّما يُفَتَّشُ عَنْ صِحَّةِ مَوْقِعِها فَقَطْ فَلَمّا سَمِعْناهم يَقُولُونَ: جَلَسَ عَنْ يَمِينِهِ وعَلى يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ وعَلى شِمالِهِ، قُلْنا: مَعْنى عَلى يَمِينِهِ أنَّهُ يُمْكِنُ مِن جِهَةِ اليَمِينِ، تُمَكِّنُ المُسْتَعْلِي مِنَ المُسْتَعْلى عَلَيْهِ، ومَعْنى عَنْ يَمِينِهِ أنَّهُ جَلَسَ مُتَجافِيًا عَنْ صاحِبِ اليَمِينِ مُنْحَرِفًا عَنْهُ غَيْرَ مُلاصِقٍ لَهُ، ثُمَّ كَثُرَ حَتّى اسْتُعْمِلَ في المُتَجافِي وغَيْرِهِ، كَما ذَكَرْنا في فِعالٍ ونَحْوِهُ مِنَ المَفْعُولِ بِهِ قَوْلَهم: رَمَيْتُ عَنِ القَوْسِ وعَلى القَوْسِ ومِنَ القَوْسِ؛ لِأنَّ السَّهْمَ يَبْعُدُ عَنْها ويَسْتَعْلِيها إذا وُضِعَ عَلى كَبِدِها لِلرَّمْيِ، ويَبْتَدِئُ الرَّمْيُ مِنها فَكَذَلِكَ قالُوا: جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ وخَلْفَهُ بِمَعْنى في؛ لِأنَّهُما ظَرْفانِ لِلْفِعْلِ، ومِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ؛ لِأنَّ الفِعْلَ يَقَعُ في بَعْضِ الجِهَتَيْنِ، كَما تَقُولُ جِئْتُهُ مِنَ اللَّيْلِ تُرِيدُ بَعْضَ اللَّيْلِ. انْتَهى. وهو كَلامٌ لا بَأْسَ بِهِ، وأقُولُ: إنَّما خَصَّ بَيْنَ الأيْدِي والخَلْفِ بِحَرْفِ الِابْتِداءِ الَّذِي هو أمْكَنُ في الإتْيانِ؛ لِأنَّهُما أغْلَبُ ما يَجِيءُ العَدُوُّ مِنها فَيَنالُ فُرْصَتَهُ، وقَدَّمَ بَيْنَ الأيْدِي عَلى الخَلْفِ؛ لِأنَّها الجِهَةُ الَّتِي تَدُلُّ عَلى إقَدامِ العَدُوِّ وبَسالَتِهِ في مُواجَهَةِ قِرْنِهِ غَيْرَ خائِفٍ مِنهُ، والخَلْفُ مِن جِهَةٍ غَدْرٌ ومُخاتَلَةٌ، وجَهالَةُ القِرْنِ بِمَن يَغْتالُهُ ويَتَطَلَّبُ غِرَّتَهُ وغَفْلَتَهُ (p-٢٧٧)وخَصَّ الأيْمانَ والشَّمائِلَ الحَرْفَ الَّذِي يَدُلُّ عَلى المُجاوَزَةِ؛ لِأنَّهُما لَيْسَتا بِأغْلَبِ ما يَأْتِي مِنهُما العَدُوُّ، وإنَّما يَتَجاوَزُ إتْيانُهُ إلى الجِهَةِ الَّتِي هي أغْلَبُ في ذَلِكَ، وقُدِّمَتِ الأيْمانُ عَلى الشَّمائِلِ؛ لِأنَّها الجِهَةُ الَّتِي هي القَوِيَّةُ في مُلاقاةِ العَدُوِّ، وبِالأيْمانِ البَطْشُ والدَّفْعُ، فالقِرْنُ الَّذِي يَأْتِي مِن جِهَتِها أبْسَلُ وأشْجَعُ إذْ جاءَ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي هي أقْوى في الدَّفْعِ، والشَّمائِلُ جِهَةٌ لَيْسَتْ في القُوَّةِ والدَّفْعِ كالأيْمانِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: شاكِرِينَ مُوَحِّدِينَ، وعَنْهُ وعَنْ غَيْرِهِ مُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ ابْنَ آدَمَ لا يَشْكُرُ نِعْمَةَ اللَّهِ إلّا بِأنْ يُؤْمِنَ، وقالَ مُقاتِلٌ شاكِرِينَ لِنِعْمَتِكَ، وقالَ الحَسَنُ: ثابِتِينَ عَلى طاعَتِكَ ولا يَشْكُرُكَ إلّا القَلِيلُ مِنهم وهَذِهِ الجُمْلَةُ المَنفِيَّةُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ داخِلَةً في خَبَرِ القَسَمِ مَعْطُوفَةً عَلى جَوابِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافَ إخْبارٍ لَيْسَ مُقْسَمًا عَلَيْهِ، أخْبَرَ أنَّ سِعايَتَهُ وإتْيانَهُ إيّاهم مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ يَفْعَلُ ذَلِكَ وهَلْ هَذا الإخْبارُ مِنهُ كانَ عَلى سَبِيلِ التَّظَنِّي، لِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ [سبإ: ٢٠]، أوْ عَلى سَبِيلِ العِلْمِ قَوْلانِ، وسَبِيلُ العِلْمِ إمّا رُؤْيَتُهُ ذَلِكَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوِ اسْتِفادَتُهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبإ: ١٣]، أوْ مِنَ المَلائِكَةِ بِإخْبارِ اللَّهِ لَهم، أوْ بِقَوْلِهِمْ ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠]، أوْ بِإغْواءِ آدَمَ، وذُرِّيَّتُهُ أضْعَفُ مِنهُ، أوْ يَكُونُ قُوى ابْنِ آدَمَ تِسْعَةَ عَشَرَ قُوَّةً، وهي خَمْسُ حَواسٍّ ظاهِرَةٍ وخَمْسٌ باطِنَةٌ، والشَّهْوَةُ والغَضَبُ، وسَبْعٌ سابِقَةٌ وهي الجاذِبَةُ والمُمْسِكَةُ والهاضِمَةُ والدّافِعَةُ والقاذِفَةُ والنّامِيَةُ والمُوَلِّدَةُ، وكُلُّها تَدْعُو إلى عالَمِ الجِسْمِ إلى اللَّذّاتِ البَدَنِيَّةِ، والعَقْلُ قُوَّةٌ واحِدَةٌ تَدْعُو إلى عِبادَةِ اللَّهِ وتِلْكَ في أوَّلِ الخَلْقِ، والعَقْلُ إذْ ذاكَ ضَعِيفٌ، أقْوالٌ سِتَّةٌ.
﴿قالَ اخْرُجْ مِنها مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ الجُمْهُورُ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى الجَنَّةِ والخِلافُ فِيهِ كالخِلافِ في ﴿فاهْبِطْ مِنها﴾ [الأعراف: ١٣] وهَذِهِ ثَلاثُ أوامِرَ، أمْرٌ بِالهُبُوطِ مُطْلَقًا، وأمْرٌ بِالخُرُوجِ مُخْبِرًا أنَّهُ ذُو صَغارٍ، وأمْرٌ بِالخُرُوجِ مُقَيَّدًا بِالذَّمِّ والطَّرْدِ، وقالَ قَتادَةُ: (مَذْءُومًا) لَعِينًا، وقالَ الكَلْبِيُّ: مَلُومًا، وقالَ مُجاهِدٌ: مَنفِيًّا، وقِيلَ: مَمْقُوتًا و(مَدْحُورًا) مُبْعَدًا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، أوْ مِنَ الخَيْرِ، أوْ مِنَ الجَنَّةِ، أوْ مِنَ التَّوْفِيقِ، أوْ مِن خَواصِّ المُؤْمِنِينَ، أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ، وقَرَأ الزُّهْرِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ والأعْمَشُ: مَذُومًا بِضَمِّ الذّالِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ فَتَحْتَمِلُ هَذِهِ القِراءَةُ وجْهَيْنِ أحَدَهُما، وهو الأظْهَرُ، أنْ تَكُونَ مِن ذَأمَ المَهْمُوزُ سَهَّلَ الهَمْزَةَ وحَذَفَها وألْقى حَرَكَتَها عَلى الذّالِ. والثّانِي أنْ يَكُونَ مِن ذامَ غَيْرِ المَهْمُوزِ يَذِيمُ كَباعَ يَبِيعُ فَأبْدَلَ الواوَ بِياءٍ، كَما قالُوا في مَكِيلٍ: مَكُولٌ، وانْتَصَبَ (مَدْحُورًا) عَلى أنَّهُ حالٌ ثانِيَةٌ عَلى مَن جَوَّزَ ذَلِكَ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في مَذْءُومًا، أوْ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: (مَذْءُومًا) .
﴿لَمَن تَبِعَكَ مِنهم لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ (لَمَن) بِفَتْحِ اللّامِ، والظّاهِرُ أنَّها اللّامُ المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ، و”مَن“ شَرْطِيَّةٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ جَوابُ القَسَمِ المَحْذُوفِ قَبْلَ اللّامِ المُوَطِّئَةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ لامَ الِابْتِداءِ، ومَن مَوْصُولَةً، (ولَأمْلَأنَّ) جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ بَعْدَ مَن تَبِعَكَ، وذَلِكَ القَسَمُ المَحْذُوفُ وجَوابُهُ في مَوْضِعِ خَبَرِ مَنِ المَوْصُولَةِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ وعِصْمَةُ عَنْ أبِي بَكْرٍ (p-٢٧٨)عَنْ عاصِمٍ (لِمَن تَبِعَكَ مِنهم) بِكَسْرِ اللّامِ، واخْتَلَفُوا في تَخْرِيجِها، فَقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَعْنى لِأجْلِ مَن تَبِعَكَ مِنهم (لَأمْلَأنَّ) . انْتَهى. فَظاهِرُ هَذا التَّقْدِيرِ: أنَّ اللّامَ تَتَعَلَّقُ بِلَأمْلَأنَّ، ويَمْتَنِعُ ذَلِكَ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ أنَّ ما بَعْدَ لامِ القَسَمِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَهُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِمَعْنى لِمَن تَبِعَكَ مِنهُمُ الوَعِيدُ وهو قَوْلُهُ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ﴾ عَلى أنَّ (لَأمْلَأنَّ) في مَحَلِّ الِابْتِداءِ ولِمَن تَبِعَكَ خَبَرُهُ. انْتَهى. فَإنْ أرادَ ظاهِرَ كَلامِهِ فَهو خَطَأٌ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (لَأمْلَأنَّ) جُمْلَةٌ هي جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ فَمِن حَيْثُ كَوْنِها جُمْلَةً فَقَطْ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُبْتَدَأةً، ومِن حَيْثُ كَوْنِها جَوابًا لِلْقَسَمِ يَمْتَنِعُ أيْضًا؛ لِأنَّها إذْ ذاكَ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، ومِن حَيْثُ كَوْنِها مُبْتَدَأةً لَها مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ لَها مَوْضِعٌ، ولا مَوْضِعَ لَها بِحالٍ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ لا في مَوْضِعِ رَفْعٍ داخِلًا عَلَيْها عامِلٌ غَيْرُ داخِلٍ، وذَلِكَ لا يُتَصَوَّرُ، وقالَ أبُو الفَضْلِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أحْمَدَ بْنِ الحَسَنِ الرّازِيُّ: اللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ مِنَ الذَّأْمِ والدَّحْرِ ومَعْناهُ اخْرُجْ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ لِأجْلِ أتْباعِكَ. ذُكِرَ ذَلِكَ في كِتابِ اللَّوامِحِ في شَواذِّ القِراءاتِ ومَعْنى (مِنكم) مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ فَغَلَبَ الخِطابُ عَلى الغَيْبَةِ كَما تَقُولُ أنْتَ وإخْوَتُكَ أُكْرِمُكم.
الأعراف 7:18
﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ . الظّاهِرُ أنَّ إتْيانَهُ مِن هَذِهِ الجِهاتِ الأرْبَعِ كِنايَةٌ عَنْ وسْوَسَتِهِ وإغْوائِهِ لَهُ والجِدِّ في إضْلالِهِ مِن كُلِّ وجْهٍ يُمْكِنُ، ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الجِهاتُ يَأْتِي مِنها العَدُوُّ غالِبًا ذَكَرَها لا أنَّهُ يَأْتِي مِنَ الجِهاتِ الأرْبَعِ حَقِيقَةً، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِن بَيْنِ أيْدِيهِمُ الآخِرَةُ، أُشَكِّكُهم فِيها، وأنَّهُ لا بَعْثَ ﴿ومِن خَلْفِهِمْ﴾ الدُّنْيا، أُرَغِّبُهم فِيها وزَيَّنَها لَهم، وعَنْهُ أيْضًا وعَنِ النَّخَعِيِّ والحَكَمِ بْنِ عُتْبَةَ عَكْسُ هَذا، وعَنْهُ و﴿وعَنْ أيْمانِهِمْ﴾ الحَقُّ وعَنْ ﴿شَمائِلِهِمْ﴾ الباطِلُ وعَنْهُ أيْضًا: و﴿وعَنْ أيْمانِهِمْ﴾ الحَسَناتُ وعَنْ ﴿شَمائِلِهِمْ﴾ السَّيِّئاتُ، وقالَ مُجاهِدٌ: الأوَّلانِ حَيْثُ يُنْصَرُونَ والآخَرانِ حَيْثُ لا يُنْصَرُونَ، وقالَ أبُو صالِحٍ: الأوَّلانِ الحَقُّ والباطِلُ والآخَرانِ الآخِرَةُ والدُّنْيا، وقِيلَ: الأوَّلانِ بِفُسْحَةِ الأمَلِ وبِنِسْيانِ الأجَلِ والآخَرانِ فِيما تَيَسَّرَ وفِيما تَعَسَّرَ، وقِيلَ: الأوَّلانِ فِيما بَقِيَ مِن أعْمارِهِمْ فَلا يُطِيعُونَ وفِيما مَضى مِنها فَلا يَنْدَمُونَ عَلى مَعْصِيَةٍ، والآخَرانِ فِيما مَلَكَتْهُ أيْمانُهم فَلا يُنْفِقُونَهُ في مَعْرُوفٍ ومِن قَبْلِ فَقْرِهِمْ فَلا يَمْتَنِعُونَ عَنْ مَحْظُورٍ، وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ حاكِيًا عَنْ مَن سَمّاهُ هو حُكَماءُ الإسْلامِ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمُ القُوَّةُ الخَيالِيَّةُ، وهي تَجْمَعُ مِثْلَ المَحْسُوساتِ وصُوَرِها، وهي مَوْضُوعَةٌ في البَطْنِ المُقَدَّمِ مِنَ الدِّماغِ، ومِن خَلْفِهِمُ القُوَّةُ الوَهْمِيَّةُ وهي تَحْكُمُ في غَيْرِ المَحْسُوساتِ بِالأحْكامِ المُناسِبَةِ لِلْمَحْسُوساتِ، وهي مَوْضُوعَةٌ في البَطْنِ المُؤَخَّرِ مِنَ الدِّماغِ، وعَنْ أيْمانِهِمْ قُوَّةُ الشَّهْوَةِ وهي مَوْضُوعَةٌ في البَطْنِ الأيْمَنِ مِنَ القَلْبِ، وعَنْ شَمائِلِهِمْ قُوَّةُ الغَضَبِ وهي مَوْضُوعَةٌ في البَطْنِ الأيْسَرِ مِنَ القَلْبِ، فَهَذِهِ القُوى الأرْبَعَةُ هي الَّتِي يَتَوَلَّدُ عَنْها أحْوالٌ تُوجِبُ زَوالَ السَّعادَةِ الرُّوحانِيَّةِ، والشَّياطِينُ الخارِجَةُ ما لَمْ تَشْعُرْ بِشَيْءٍ مِن هَذِهِ القُوى الأرْبَعِ لَمْ تَقْدِرْ عَلى إلْقاءِ الوَسْوَسَةِ فَهَذا هو السَّبَبُ في تَعْيِينِ هَذِهِ الجِهاتِ الأرْبَعِ وهو وجْهُ تَحْقِيقٍ. انْتَهى. وهو بَعِيدٌ مِن مَناحِي كَلامِ العَرَبِ والمُتَشَرِّعِينَ قالَ: وعَلى هَذا لَمْ يُحْتَجْ إلى ذِكْرِ العُلُوِّ والسُّفْلِ؛ لِأنَّ هاتَيْنِ الجِهَتَيْنِ لَيْسَتا بِمَقَرِّ شَيْءٍ مِنَ القُوى المُفْسِدَةِ لِمَصالِحِ السَّعادَةِ الرُّوحانِيَّةِ. انْتَهى. وقالابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ يَقُلْ مِن فَوْقِهِمْ؛ لِأنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ مِن فَوْقِهِمْ ولَمْ يَقُلْ مِن تَحْتِهِمْ؛ لِأنَّ الإتْيانَ مِن تَحْتِهِمْ فِيهِ تَوَحُّشٌ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ قِيلَ ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ ومِن خَلْفِهِمْ بِحَرْفِ الِابْتِداءِ و﴿وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ بِحِرَفِ المُجاوَزَةِ، قَلْتُ: المَفْعُولُ فِيهِ عُدِّيَ إلَيْهِ الفِعْلُ تَعْدِيَتَهُ إلى المَفْعُولِ بِهِ، كَما اخْتَلَفَتْ حُرُوفُ التَّعْدِيَةِ في ذَلِكَ اخْتَلَفَتْ في هَذا، وكانَتْ لُغَةً تُؤْخَذُ ولا تُقاسُ وإنَّما يُفَتَّشُ عَنْ صِحَّةِ مَوْقِعِها فَقَطْ فَلَمّا سَمِعْناهم يَقُولُونَ: جَلَسَ عَنْ يَمِينِهِ وعَلى يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ وعَلى شِمالِهِ، قُلْنا: مَعْنى عَلى يَمِينِهِ أنَّهُ يُمْكِنُ مِن جِهَةِ اليَمِينِ، تُمَكِّنُ المُسْتَعْلِي مِنَ المُسْتَعْلى عَلَيْهِ، ومَعْنى عَنْ يَمِينِهِ أنَّهُ جَلَسَ مُتَجافِيًا عَنْ صاحِبِ اليَمِينِ مُنْحَرِفًا عَنْهُ غَيْرَ مُلاصِقٍ لَهُ، ثُمَّ كَثُرَ حَتّى اسْتُعْمِلَ في المُتَجافِي وغَيْرِهِ، كَما ذَكَرْنا في فِعالٍ ونَحْوِهُ مِنَ المَفْعُولِ بِهِ قَوْلَهم: رَمَيْتُ عَنِ القَوْسِ وعَلى القَوْسِ ومِنَ القَوْسِ؛ لِأنَّ السَّهْمَ يَبْعُدُ عَنْها ويَسْتَعْلِيها إذا وُضِعَ عَلى كَبِدِها لِلرَّمْيِ، ويَبْتَدِئُ الرَّمْيُ مِنها فَكَذَلِكَ قالُوا: جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ وخَلْفَهُ بِمَعْنى في؛ لِأنَّهُما ظَرْفانِ لِلْفِعْلِ، ومِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ؛ لِأنَّ الفِعْلَ يَقَعُ في بَعْضِ الجِهَتَيْنِ، كَما تَقُولُ جِئْتُهُ مِنَ اللَّيْلِ تُرِيدُ بَعْضَ اللَّيْلِ. انْتَهى. وهو كَلامٌ لا بَأْسَ بِهِ، وأقُولُ: إنَّما خَصَّ بَيْنَ الأيْدِي والخَلْفِ بِحَرْفِ الِابْتِداءِ الَّذِي هو أمْكَنُ في الإتْيانِ؛ لِأنَّهُما أغْلَبُ ما يَجِيءُ العَدُوُّ مِنها فَيَنالُ فُرْصَتَهُ، وقَدَّمَ بَيْنَ الأيْدِي عَلى الخَلْفِ؛ لِأنَّها الجِهَةُ الَّتِي تَدُلُّ عَلى إقَدامِ العَدُوِّ وبَسالَتِهِ في مُواجَهَةِ قِرْنِهِ غَيْرَ خائِفٍ مِنهُ، والخَلْفُ مِن جِهَةٍ غَدْرٌ ومُخاتَلَةٌ، وجَهالَةُ القِرْنِ بِمَن يَغْتالُهُ ويَتَطَلَّبُ غِرَّتَهُ وغَفْلَتَهُ (p-٢٧٧)وخَصَّ الأيْمانَ والشَّمائِلَ الحَرْفَ الَّذِي يَدُلُّ عَلى المُجاوَزَةِ؛ لِأنَّهُما لَيْسَتا بِأغْلَبِ ما يَأْتِي مِنهُما العَدُوُّ، وإنَّما يَتَجاوَزُ إتْيانُهُ إلى الجِهَةِ الَّتِي هي أغْلَبُ في ذَلِكَ، وقُدِّمَتِ الأيْمانُ عَلى الشَّمائِلِ؛ لِأنَّها الجِهَةُ الَّتِي هي القَوِيَّةُ في مُلاقاةِ العَدُوِّ، وبِالأيْمانِ البَطْشُ والدَّفْعُ، فالقِرْنُ الَّذِي يَأْتِي مِن جِهَتِها أبْسَلُ وأشْجَعُ إذْ جاءَ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي هي أقْوى في الدَّفْعِ، والشَّمائِلُ جِهَةٌ لَيْسَتْ في القُوَّةِ والدَّفْعِ كالأيْمانِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: شاكِرِينَ مُوَحِّدِينَ، وعَنْهُ وعَنْ غَيْرِهِ مُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ ابْنَ آدَمَ لا يَشْكُرُ نِعْمَةَ اللَّهِ إلّا بِأنْ يُؤْمِنَ، وقالَ مُقاتِلٌ شاكِرِينَ لِنِعْمَتِكَ، وقالَ الحَسَنُ: ثابِتِينَ عَلى طاعَتِكَ ولا يَشْكُرُكَ إلّا القَلِيلُ مِنهم وهَذِهِ الجُمْلَةُ المَنفِيَّةُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ داخِلَةً في خَبَرِ القَسَمِ مَعْطُوفَةً عَلى جَوابِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافَ إخْبارٍ لَيْسَ مُقْسَمًا عَلَيْهِ، أخْبَرَ أنَّ سِعايَتَهُ وإتْيانَهُ إيّاهم مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ يَفْعَلُ ذَلِكَ وهَلْ هَذا الإخْبارُ مِنهُ كانَ عَلى سَبِيلِ التَّظَنِّي، لِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ [سبإ: ٢٠]، أوْ عَلى سَبِيلِ العِلْمِ قَوْلانِ، وسَبِيلُ العِلْمِ إمّا رُؤْيَتُهُ ذَلِكَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوِ اسْتِفادَتُهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبإ: ١٣]، أوْ مِنَ المَلائِكَةِ بِإخْبارِ اللَّهِ لَهم، أوْ بِقَوْلِهِمْ ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠]، أوْ بِإغْواءِ آدَمَ، وذُرِّيَّتُهُ أضْعَفُ مِنهُ، أوْ يَكُونُ قُوى ابْنِ آدَمَ تِسْعَةَ عَشَرَ قُوَّةً، وهي خَمْسُ حَواسٍّ ظاهِرَةٍ وخَمْسٌ باطِنَةٌ، والشَّهْوَةُ والغَضَبُ، وسَبْعٌ سابِقَةٌ وهي الجاذِبَةُ والمُمْسِكَةُ والهاضِمَةُ والدّافِعَةُ والقاذِفَةُ والنّامِيَةُ والمُوَلِّدَةُ، وكُلُّها تَدْعُو إلى عالَمِ الجِسْمِ إلى اللَّذّاتِ البَدَنِيَّةِ، والعَقْلُ قُوَّةٌ واحِدَةٌ تَدْعُو إلى عِبادَةِ اللَّهِ وتِلْكَ في أوَّلِ الخَلْقِ، والعَقْلُ إذْ ذاكَ ضَعِيفٌ، أقْوالٌ سِتَّةٌ.
﴿قالَ اخْرُجْ مِنها مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ الجُمْهُورُ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى الجَنَّةِ والخِلافُ فِيهِ كالخِلافِ في ﴿فاهْبِطْ مِنها﴾ [الأعراف: ١٣] وهَذِهِ ثَلاثُ أوامِرَ، أمْرٌ بِالهُبُوطِ مُطْلَقًا، وأمْرٌ بِالخُرُوجِ مُخْبِرًا أنَّهُ ذُو صَغارٍ، وأمْرٌ بِالخُرُوجِ مُقَيَّدًا بِالذَّمِّ والطَّرْدِ، وقالَ قَتادَةُ: (مَذْءُومًا) لَعِينًا، وقالَ الكَلْبِيُّ: مَلُومًا، وقالَ مُجاهِدٌ: مَنفِيًّا، وقِيلَ: مَمْقُوتًا و(مَدْحُورًا) مُبْعَدًا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، أوْ مِنَ الخَيْرِ، أوْ مِنَ الجَنَّةِ، أوْ مِنَ التَّوْفِيقِ، أوْ مِن خَواصِّ المُؤْمِنِينَ، أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ، وقَرَأ الزُّهْرِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ والأعْمَشُ: مَذُومًا بِضَمِّ الذّالِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ فَتَحْتَمِلُ هَذِهِ القِراءَةُ وجْهَيْنِ أحَدَهُما، وهو الأظْهَرُ، أنْ تَكُونَ مِن ذَأمَ المَهْمُوزُ سَهَّلَ الهَمْزَةَ وحَذَفَها وألْقى حَرَكَتَها عَلى الذّالِ. والثّانِي أنْ يَكُونَ مِن ذامَ غَيْرِ المَهْمُوزِ يَذِيمُ كَباعَ يَبِيعُ فَأبْدَلَ الواوَ بِياءٍ، كَما قالُوا في مَكِيلٍ: مَكُولٌ، وانْتَصَبَ (مَدْحُورًا) عَلى أنَّهُ حالٌ ثانِيَةٌ عَلى مَن جَوَّزَ ذَلِكَ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في مَذْءُومًا، أوْ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: (مَذْءُومًا) .
﴿لَمَن تَبِعَكَ مِنهم لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ (لَمَن) بِفَتْحِ اللّامِ، والظّاهِرُ أنَّها اللّامُ المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ، و”مَن“ شَرْطِيَّةٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ جَوابُ القَسَمِ المَحْذُوفِ قَبْلَ اللّامِ المُوَطِّئَةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ لامَ الِابْتِداءِ، ومَن مَوْصُولَةً، (ولَأمْلَأنَّ) جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ بَعْدَ مَن تَبِعَكَ، وذَلِكَ القَسَمُ المَحْذُوفُ وجَوابُهُ في مَوْضِعِ خَبَرِ مَنِ المَوْصُولَةِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ وعِصْمَةُ عَنْ أبِي بَكْرٍ (p-٢٧٨)عَنْ عاصِمٍ (لِمَن تَبِعَكَ مِنهم) بِكَسْرِ اللّامِ، واخْتَلَفُوا في تَخْرِيجِها، فَقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَعْنى لِأجْلِ مَن تَبِعَكَ مِنهم (لَأمْلَأنَّ) . انْتَهى. فَظاهِرُ هَذا التَّقْدِيرِ: أنَّ اللّامَ تَتَعَلَّقُ بِلَأمْلَأنَّ، ويَمْتَنِعُ ذَلِكَ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ أنَّ ما بَعْدَ لامِ القَسَمِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَهُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِمَعْنى لِمَن تَبِعَكَ مِنهُمُ الوَعِيدُ وهو قَوْلُهُ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ﴾ عَلى أنَّ (لَأمْلَأنَّ) في مَحَلِّ الِابْتِداءِ ولِمَن تَبِعَكَ خَبَرُهُ. انْتَهى. فَإنْ أرادَ ظاهِرَ كَلامِهِ فَهو خَطَأٌ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (لَأمْلَأنَّ) جُمْلَةٌ هي جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ فَمِن حَيْثُ كَوْنِها جُمْلَةً فَقَطْ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُبْتَدَأةً، ومِن حَيْثُ كَوْنِها جَوابًا لِلْقَسَمِ يَمْتَنِعُ أيْضًا؛ لِأنَّها إذْ ذاكَ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، ومِن حَيْثُ كَوْنِها مُبْتَدَأةً لَها مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ لَها مَوْضِعٌ، ولا مَوْضِعَ لَها بِحالٍ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ لا في مَوْضِعِ رَفْعٍ داخِلًا عَلَيْها عامِلٌ غَيْرُ داخِلٍ، وذَلِكَ لا يُتَصَوَّرُ، وقالَ أبُو الفَضْلِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أحْمَدَ بْنِ الحَسَنِ الرّازِيُّ: اللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ مِنَ الذَّأْمِ والدَّحْرِ ومَعْناهُ اخْرُجْ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ لِأجْلِ أتْباعِكَ. ذُكِرَ ذَلِكَ في كِتابِ اللَّوامِحِ في شَواذِّ القِراءاتِ ومَعْنى (مِنكم) مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ فَغَلَبَ الخِطابُ عَلى الغَيْبَةِ كَما تَقُولُ أنْتَ وإخْوَتُكَ أُكْرِمُكم.
الأعراف 7:19
﴿ويا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ فَكُلا مِن حَيْثُ شِئْتُما ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ . أيْ: وقُلْنا يا آدَمُ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في البَقَرَةِ. إلّا أنَّ هُنا فَكُلا مِن حَيْثُ شِئْتُما وفي البَقَرَةِ: ﴿وكُلا مِنها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما﴾ [البقرة: ٣٥]، قالُوا: وجاءَتْ عَلى أحَدِ مَحامِلِها وهو أنْ يَكُونَ الثّانِي بَعْدَ الأوَّلِ، وحُذِفَ رَغَدًا هُنا عَلى سَبِيلِ الِاخْتِصارِ، وأُثْبِتَ هُناكَ؛ لِأنَّ تِلْكَ مَدَنِيَّةٌ وهَذِهِ مَكِّيَّةٌ فَوُفِّيَ المَعْنى هُناكَ بِاللَّفْظِ.
﴿فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِن سَوْآتِهِما وقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾، أيْ: فَعَلَ الوَسْوَسَةَ لِأجْلِهِما، وأمّا قَوْلُهُ: (فَوَسْوَسَ) إلَيْهِ فَمَعْناهُ ألْقى الوَسْوَسَةَ إلَيْهِ، قالَ الحَسَنُ: وصَلَتْ وسْوَسَتُهُ لَهُما في الجَنَّةِ وهو في الأرْضِ بِالقُوَّةِ الَّتِي خَلَقَها اللَّهُ لَهُ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ يَرُدُّهُ لَفْظُ القُرْآنِ، وقِيلَ: كانَ في السَّماءِ وكانا يَخْرُجانِ إلَيْهِ، وقِيلَ: مِن بابِ الجَنَّةِ وهُما بِها، وقِيلَ: كانَ يَدْخُلُ إلَيْهِما في فَمِ الحَيَّةِ، وقالَ الكِرْمانِيُّ: ألْهَمَهُما، وقالَ ابْنُ القُشَيْرِيِّ: أوْرَدَ عَلَيْهِما الخَواطِرَ المُزَيَّنَةَ، وهَذانِ القَوْلانِ يُخالِفانِ ظاهِرَ القُرْآنِ؛ لِأنَّ ظاهِرَهُ يَدُلُّ عَلى قَوْلٍ ومُحاوَرَةٍ وقَسَمٍ، والظّاهِرُ أنَّ اللّامَ لامُ كَيْ، قَصَدَ إبْداءَ سَوْءاتِهِما وتَنْحَطُّ مَرْتَبَتُهُما بِذَلِكَ، ويَسُوءُهُما بِكَشْفِ ما يَنْبَغِي سَتْرُهُ ولا يَجْتَنِبانِ نَهْيَ اللَّهِ، فَيَكُونُ هو وهُما سَواءً في المُخالَفَةِ، هو أُمِرَ بِالسُّجُودِ فَأبى، وهُما نُهِيا فَلَمْ يَنْتَهِيا، وقالَ قَوْمٌ: إنَّها لامُ الصَّيْرُورَةِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلِمٌ بِهَذِهِ العُقُوبَةِ المَخْصُوصَةِ فَيَقْصُدُها، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ كَشْفَ العَوْرَةِ مِن عَظائِمِ الأُمُورِ، وأنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُسْتَهْجَنًا في الطِّباعِ مُسْتَقْبَحًا في العُقُولِ. انْتَهى. وهو عَلى مَذْهَبِهِ الِاعْتِزالِيِّ في أنَّ العَقْلَ يُقَبِّحُ ويُحَسِّنُ، والظّاهِرُ أنَّهُ يُرادُ مَدْلُولُ سَوْءاتِهِما نَفْسِهِما وهُما الفَرْجُ والدُّبُرُ (p-٢٧٩)قِيلَ: وكانا لا يَرَيانِهِما قَبْلَ أكْلِ الشَّجَرَةِ فَلَمّا أكَلا بَدَتا لَهُما، وقِيلَ: لَمْ يَكُنْ كُلُّ واحِدٍ يَرى سَوْءَةَ صاحِبِهِ، وقالَ قَتادَةُ كَنّى بِسَوْءاتِهِما عَنْ جَمِيعِ بَدَنِهِما وذَكَرَ السَّوْءَةَ؛ لِأنَّها أقْبَحُ ما يَظْهَرُ مِن بَنِي آدَمَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ (وُورِيَ)، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: أُورِيَ بِإبْدالِ الواوِ هَمْزَةً وهو بَدَلٌ جائِزٌ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: ”ما وُرِيَ“ بِواوٍ مَضْمُومَةٍ مِن غَيْرِ واوٍ بَعْدَها عَلى وزْنِ كُسِيَ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ مِن سَوَّتِهِما بِالإفْرادِ وتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ بِإبْدالِها واوًا وإدْغامِ الواوِ فِيها، وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا، وأبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ وشَيْبَةُ بْنُ نَصّاحٍ: ”مِن سَوّاتِهِما“ بِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ وتَشْدِيدِ الواوِ، وقُرِئَ: مِن سَواتِهِما بِواوٍ واحِدَةٍ وحَذْفِ الهَمْزَةِ، ووَجْهُهُ أنَّهُ حَذَفَها وألْقى حَرَكَتَها عَلى الواوِ، فَمَن قَرَأ بِالجَمْعِ فَهو مِن وضْعِ الجَمْعِ مَوْضِعَ التَّثْنِيَةِ كَراهَةَ اجْتِماعِ مِثْلَيْنِ، ومَن قَرَأ بِالإفْرادِ فَمِن وضْعِهِ مَوْضِعَ التَّثْنِيَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الجَمْعُ عَلى أصْلِ وضْعِهِ بِاعْتِبارِ أنَّ كُلَّ عَوْرَةٍ هي الدُّبُرُ والفَرْجُ وذَلِكَ أرْبَعَةٌ: فَهي جَمْعٌ. وإلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِنَ المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، أيْ: ما نَهاكُما رَبُّكُما لِشَيْءٍ إلّا كَراهَةَ أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ ويُقَدِّرُهُ الكُوفِيُّونَ إلّا أنْ تَكُونا، وإضْمارُ الِاسْمِ وهو كَراهَةٌ أحْسَنُ مِن إضْمارِ الحَرْفِ، وهو لا، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ بِالمَنظَرِ الأعْلى، وأنَّ البَشَرِيَّةَ تَلْمَحُ مَرْتَبَتَها. انْتَهى. وقالَ ابْنُ فَوْرَكٍ: لا حُجَّةَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ؛ لِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مَلَكَيْنِ في أنْ لا يَكُونَ لَهُما شَهْوَةً في طَعامٍ. انْتَهى. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، والضَّحّاكُ ويَحْيى بْنُ كَثِيرٍ والزُّهْرِيُّ، وابْنُ حَكِيمٍ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ مَلِكَيْنِ بِكَسْرِ اللّامِ، ويَدُلُّ لِهَذِهِ القِراءَةِ ﴿هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلى﴾ [طه: ١٢٠] ومِنَ الخالِدِينَ مِنَ الَّذِينَ لا يَمُوتُونَ ويَبْقُونَ في الجَنَّةِ ساكِنِينَ.
﴿وقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ لَمْ يَكْتَفِ إبْلِيسُ بِالوَسْوَسَةِ وهو الإلْقاءُ في خُفْيَةٍ سِرًّا ولا بِالقَوْلِ حَتّى أقْسَمَ عَلى أنَّهُ ناصِحٌ لَهُما. والمُقاسَمَةُ مُفاعَلَةٌ تَقْتَضِي المُشارَكَةَ في الفِعْلِ فَتُقْسِمُ لِصاحِبِكَ ويُقْسِمُ لَكَ، تَقُولَ قاسَمْتُ فُلانًا حالَفْتُهُ وتَقاسَما تَحالَفا، وأمّا هُنا فَمَعْنى وقاسَمَهُما أقْسَمَ لَهُما؛ لِأنَّ اليَمِينَ لَمْ يُشارِكاهُ فِيها. وهو كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎وقاسَمَهُما بِاللَّهِ جَهْدًا لَأنْتُمُ ألَذُّ مِنَ السَّلْوى إذا ما نَشُورُها
و”فاعَلَ“ قَدْ يَأْتِي بِمَعْنى ”أفْعَلَ“ نَحْوُ باعَدْتُ الشَّيْءَ وأبْعَدْتُهُ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقاسَمَهُما، أيْ: حَلَفَ لَهُما، وهي مُفاعَلَةٌ إذْ قَبُولُ المَحْلُوفِ لَهُ وإقْبالِهِ عَلى مَعْنى اليَمِينِ كالقَسَمِ وتَقْرِيرِهِ وإنْ كانَ بادِيَ الرَّأْيِ يَعْنِي أنَّها مِن واحِدٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَأنَّهُ قالَ لَهُما أُقْسِمُ لَكُما أنِّي لَمِنَ النّاصِحِينَ وقالا لَهُ أتُقْسِمُ بِاللَّهِ إنَّكَ لَمِنَ النّاصِحِينَ، فَجَعَلَ ذَلِكَ مُقاسَمَةً بَيْنَهم، أوْ أقْسَمَ لَهُما بِالنَّصِيحَةِ وأقْسَما لَهُ بِقَبُولِها، أوْ أخْرَجَ قَسَمَ إبْلِيسَ عَلى وزْنِ المُفاعَلَةِ؛ لِأنَّهُ اجْتَهَدَ فِيها اجْتِهادَ المُقاسِمِ. انْتَهى. وقُرِئَ وقاسَمَهُما بِاللَّهِ و(لَكُما) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ ناصِحٌ لَكُما، أوْ أعْنِي، أوْ بِالنّاصِحِينَ، عَلى أنَّ ألْ مَوْصُولَةٌ وتُسُومِحَ في الظَّرْفِ والمَجْرُورِ ما لا يُتَسامَحُ في غَيْرِهِما، أوْ عَلى أنَّ ألْ لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ لا مَوْصُولَةً، أوْجُهٌ مَقُولَةٌ.
﴿فَدَلّاهُما بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف: ٢٢]، أيِ: اسْتَنْزَلَهُما إلى الأكْلِ مِنَ الشَّجَرَةِ بِغُرُورِهِ، أيْ: بِخِداعِهِ إيّاهُما وإظْهارِ النُّصْحِ وإبِطانِ الغِشِّ وإطْماعِهِما أنْ يَكُونا مَلَكَيْنِ، أوْ خالِدَيْنِ وبِإقْسامِهِ أنَّهُ ناصِحٌ لَهُما جَعَلَ مَن يَغْتَرُّ بِالكَلامِ حَتّى يُصَدِّقَ فَيَقَعُ في مُصِيبَةٍ بِالَّذِي يُدْلِي مِن عُلُوٍّ إلى أسْفَلَ بِحَبْلٍ ضَعِيفٍ فَيَنْقَطِعُ بِهِ فَيَهْلِكُ، وقالَ الأزْهَرِيُّ: لِهَذِهِ الكَلِمَةِ أصْلانِ أحَدُهُما: أنَّ الرَّجُلَ يُدْلِي دَلْوَهُ في البِئْرِ لِيَأْخُذَ الماءَ فَلا يَجِدُ فِيها ماءً، وُضِعَتِ التَّدْلِيَةُ مَوْضِعَ الطَّمَعِ فِيما لا فائِدَةَ فِيهِ فَيُقالُ: دَلّاهُ، أيْ: أطْمَعَهُ الثّانِي جَرَّأهُما عَلى أكْلِ الشَّجَرَةِ، والأصْلُ فِيهِ دَلَلْهُما مِنَ الدّالِّ والدَّلالَةِ وهُما الجَراءَةُ. انْتَهى. فَأُبْدِلَ مِنَ المُضاعَفِ الأخِيرِ حَرْفُ عِلَّةٍ، كَما قالُوا: تَظَنَّيْتُ وأصْلُهُ تَظَنَّنْتُ (p-٢٨٠)ومِن كَلامِ بَعْضِ العُلَماءِ: خَدَعَ الشَّيْطانُ آدَمَ فانْخَدَعَ، ونَحْنُ مَن خَدَعَنا بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ انْخَدَعْنا لَهُ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ قَتادَةَ وعَنِ ابْنِ عُمَرَ.
﴿فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما﴾ [الأعراف: ٢٢]، أيْ: وجَدا طَعْمَها آكِلِينَ مِنها كَما قالَ تَعالى فَأكَلا مِنها وتَطايَرَتْ عَنْهُما مَلابِسُ الجَنَّةِ فَظَهَرَتْ لَهُما عَوْراتُهُما وتَقَدَّمَ أنَّهُما كانا قَبْلَ ذَلِكَ لا يَرَيانِها مِن أنْفُسِهِما، ولا أحَدَهُما مِنَ الآخَرِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ: كانَ عَلَيْهِما ظُفُرٌ كاسٍ فَلَمّا أكَلا تَبَلَّسَ عَنْهُما فَبَدَتْ سَوْءاتُهُما وبَقِيَ مِنهُ عَلى الأصابِعِ قَدْرُ ما يَتَذَكَّرانِ بِهِ المُخالَفَةَ فَيُجَدِّدانِ النَّدَمَ. وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كانَ عَلَيْهِما نُورٌ يَسْتُرُ عَوْرَةَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما فانْقَشَعَ بِالأكْلِ ذَلِكَ النُّورُ. وقِيلَ: كانَ عَلَيْهِما نُورٌ فَنَقَصَ وتَجَسَّدَ مِنهُ شَيْءٌ في أظْفارِ اليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ تَذْكِرَةً لَهُما لِيَسْتَغْفِرُوا في كُلِّ وقْتٍ، وأبْناؤُهُما بِعْدَهُما كَما جَرى لِأُوَيْسٍ القَرَنِيِّ حِينَ أذْهَبَ اللَّهُ عَنْهُ البَرَصَ إلّا لُمْعَةً أبْقاها لِيَتَذَكَّرَ نِعَمَهُ فَيَشْكُرَ. وقالَ قَوْمٌ: لَمْ يَقْصِدْ بِالسَّوْءَةِ العَوْرَةَ، والمَعْنى: انْكَشَفَ لَهُما مَعايِشُهُما وما يَسُوؤُهُما، وهَذا القَوْلُ يَنْبُو عَنْهُ دَلالَةُ اللَّفْظِ ويُخالِفُ قَوْلَ الجُمْهُورِ، وقِيلَ: أكَلَتْ حَوّاءُ أوَّلًا فَلَمْ يُصِبْها شَيْءٌ، ثُمَّ آدَمُ فَكانَ البُدُوُّ.
الأعراف 7:20
﴿ويا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ فَكُلا مِن حَيْثُ شِئْتُما ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ . أيْ: وقُلْنا يا آدَمُ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في البَقَرَةِ. إلّا أنَّ هُنا فَكُلا مِن حَيْثُ شِئْتُما وفي البَقَرَةِ: ﴿وكُلا مِنها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما﴾ [البقرة: ٣٥]، قالُوا: وجاءَتْ عَلى أحَدِ مَحامِلِها وهو أنْ يَكُونَ الثّانِي بَعْدَ الأوَّلِ، وحُذِفَ رَغَدًا هُنا عَلى سَبِيلِ الِاخْتِصارِ، وأُثْبِتَ هُناكَ؛ لِأنَّ تِلْكَ مَدَنِيَّةٌ وهَذِهِ مَكِّيَّةٌ فَوُفِّيَ المَعْنى هُناكَ بِاللَّفْظِ.
﴿فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِن سَوْآتِهِما وقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾، أيْ: فَعَلَ الوَسْوَسَةَ لِأجْلِهِما، وأمّا قَوْلُهُ: (فَوَسْوَسَ) إلَيْهِ فَمَعْناهُ ألْقى الوَسْوَسَةَ إلَيْهِ، قالَ الحَسَنُ: وصَلَتْ وسْوَسَتُهُ لَهُما في الجَنَّةِ وهو في الأرْضِ بِالقُوَّةِ الَّتِي خَلَقَها اللَّهُ لَهُ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ يَرُدُّهُ لَفْظُ القُرْآنِ، وقِيلَ: كانَ في السَّماءِ وكانا يَخْرُجانِ إلَيْهِ، وقِيلَ: مِن بابِ الجَنَّةِ وهُما بِها، وقِيلَ: كانَ يَدْخُلُ إلَيْهِما في فَمِ الحَيَّةِ، وقالَ الكِرْمانِيُّ: ألْهَمَهُما، وقالَ ابْنُ القُشَيْرِيِّ: أوْرَدَ عَلَيْهِما الخَواطِرَ المُزَيَّنَةَ، وهَذانِ القَوْلانِ يُخالِفانِ ظاهِرَ القُرْآنِ؛ لِأنَّ ظاهِرَهُ يَدُلُّ عَلى قَوْلٍ ومُحاوَرَةٍ وقَسَمٍ، والظّاهِرُ أنَّ اللّامَ لامُ كَيْ، قَصَدَ إبْداءَ سَوْءاتِهِما وتَنْحَطُّ مَرْتَبَتُهُما بِذَلِكَ، ويَسُوءُهُما بِكَشْفِ ما يَنْبَغِي سَتْرُهُ ولا يَجْتَنِبانِ نَهْيَ اللَّهِ، فَيَكُونُ هو وهُما سَواءً في المُخالَفَةِ، هو أُمِرَ بِالسُّجُودِ فَأبى، وهُما نُهِيا فَلَمْ يَنْتَهِيا، وقالَ قَوْمٌ: إنَّها لامُ الصَّيْرُورَةِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلِمٌ بِهَذِهِ العُقُوبَةِ المَخْصُوصَةِ فَيَقْصُدُها، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ كَشْفَ العَوْرَةِ مِن عَظائِمِ الأُمُورِ، وأنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُسْتَهْجَنًا في الطِّباعِ مُسْتَقْبَحًا في العُقُولِ. انْتَهى. وهو عَلى مَذْهَبِهِ الِاعْتِزالِيِّ في أنَّ العَقْلَ يُقَبِّحُ ويُحَسِّنُ، والظّاهِرُ أنَّهُ يُرادُ مَدْلُولُ سَوْءاتِهِما نَفْسِهِما وهُما الفَرْجُ والدُّبُرُ (p-٢٧٩)قِيلَ: وكانا لا يَرَيانِهِما قَبْلَ أكْلِ الشَّجَرَةِ فَلَمّا أكَلا بَدَتا لَهُما، وقِيلَ: لَمْ يَكُنْ كُلُّ واحِدٍ يَرى سَوْءَةَ صاحِبِهِ، وقالَ قَتادَةُ كَنّى بِسَوْءاتِهِما عَنْ جَمِيعِ بَدَنِهِما وذَكَرَ السَّوْءَةَ؛ لِأنَّها أقْبَحُ ما يَظْهَرُ مِن بَنِي آدَمَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ (وُورِيَ)، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: أُورِيَ بِإبْدالِ الواوِ هَمْزَةً وهو بَدَلٌ جائِزٌ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: ”ما وُرِيَ“ بِواوٍ مَضْمُومَةٍ مِن غَيْرِ واوٍ بَعْدَها عَلى وزْنِ كُسِيَ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ مِن سَوَّتِهِما بِالإفْرادِ وتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ بِإبْدالِها واوًا وإدْغامِ الواوِ فِيها، وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا، وأبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ وشَيْبَةُ بْنُ نَصّاحٍ: ”مِن سَوّاتِهِما“ بِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ وتَشْدِيدِ الواوِ، وقُرِئَ: مِن سَواتِهِما بِواوٍ واحِدَةٍ وحَذْفِ الهَمْزَةِ، ووَجْهُهُ أنَّهُ حَذَفَها وألْقى حَرَكَتَها عَلى الواوِ، فَمَن قَرَأ بِالجَمْعِ فَهو مِن وضْعِ الجَمْعِ مَوْضِعَ التَّثْنِيَةِ كَراهَةَ اجْتِماعِ مِثْلَيْنِ، ومَن قَرَأ بِالإفْرادِ فَمِن وضْعِهِ مَوْضِعَ التَّثْنِيَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الجَمْعُ عَلى أصْلِ وضْعِهِ بِاعْتِبارِ أنَّ كُلَّ عَوْرَةٍ هي الدُّبُرُ والفَرْجُ وذَلِكَ أرْبَعَةٌ: فَهي جَمْعٌ. وإلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِنَ المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، أيْ: ما نَهاكُما رَبُّكُما لِشَيْءٍ إلّا كَراهَةَ أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ ويُقَدِّرُهُ الكُوفِيُّونَ إلّا أنْ تَكُونا، وإضْمارُ الِاسْمِ وهو كَراهَةٌ أحْسَنُ مِن إضْمارِ الحَرْفِ، وهو لا، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ بِالمَنظَرِ الأعْلى، وأنَّ البَشَرِيَّةَ تَلْمَحُ مَرْتَبَتَها. انْتَهى. وقالَ ابْنُ فَوْرَكٍ: لا حُجَّةَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ؛ لِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مَلَكَيْنِ في أنْ لا يَكُونَ لَهُما شَهْوَةً في طَعامٍ. انْتَهى. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، والضَّحّاكُ ويَحْيى بْنُ كَثِيرٍ والزُّهْرِيُّ، وابْنُ حَكِيمٍ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ مَلِكَيْنِ بِكَسْرِ اللّامِ، ويَدُلُّ لِهَذِهِ القِراءَةِ ﴿هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلى﴾ [طه: ١٢٠] ومِنَ الخالِدِينَ مِنَ الَّذِينَ لا يَمُوتُونَ ويَبْقُونَ في الجَنَّةِ ساكِنِينَ.
﴿وقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ لَمْ يَكْتَفِ إبْلِيسُ بِالوَسْوَسَةِ وهو الإلْقاءُ في خُفْيَةٍ سِرًّا ولا بِالقَوْلِ حَتّى أقْسَمَ عَلى أنَّهُ ناصِحٌ لَهُما. والمُقاسَمَةُ مُفاعَلَةٌ تَقْتَضِي المُشارَكَةَ في الفِعْلِ فَتُقْسِمُ لِصاحِبِكَ ويُقْسِمُ لَكَ، تَقُولَ قاسَمْتُ فُلانًا حالَفْتُهُ وتَقاسَما تَحالَفا، وأمّا هُنا فَمَعْنى وقاسَمَهُما أقْسَمَ لَهُما؛ لِأنَّ اليَمِينَ لَمْ يُشارِكاهُ فِيها. وهو كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎وقاسَمَهُما بِاللَّهِ جَهْدًا لَأنْتُمُ ألَذُّ مِنَ السَّلْوى إذا ما نَشُورُها
و”فاعَلَ“ قَدْ يَأْتِي بِمَعْنى ”أفْعَلَ“ نَحْوُ باعَدْتُ الشَّيْءَ وأبْعَدْتُهُ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقاسَمَهُما، أيْ: حَلَفَ لَهُما، وهي مُفاعَلَةٌ إذْ قَبُولُ المَحْلُوفِ لَهُ وإقْبالِهِ عَلى مَعْنى اليَمِينِ كالقَسَمِ وتَقْرِيرِهِ وإنْ كانَ بادِيَ الرَّأْيِ يَعْنِي أنَّها مِن واحِدٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَأنَّهُ قالَ لَهُما أُقْسِمُ لَكُما أنِّي لَمِنَ النّاصِحِينَ وقالا لَهُ أتُقْسِمُ بِاللَّهِ إنَّكَ لَمِنَ النّاصِحِينَ، فَجَعَلَ ذَلِكَ مُقاسَمَةً بَيْنَهم، أوْ أقْسَمَ لَهُما بِالنَّصِيحَةِ وأقْسَما لَهُ بِقَبُولِها، أوْ أخْرَجَ قَسَمَ إبْلِيسَ عَلى وزْنِ المُفاعَلَةِ؛ لِأنَّهُ اجْتَهَدَ فِيها اجْتِهادَ المُقاسِمِ. انْتَهى. وقُرِئَ وقاسَمَهُما بِاللَّهِ و(لَكُما) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ ناصِحٌ لَكُما، أوْ أعْنِي، أوْ بِالنّاصِحِينَ، عَلى أنَّ ألْ مَوْصُولَةٌ وتُسُومِحَ في الظَّرْفِ والمَجْرُورِ ما لا يُتَسامَحُ في غَيْرِهِما، أوْ عَلى أنَّ ألْ لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ لا مَوْصُولَةً، أوْجُهٌ مَقُولَةٌ.
﴿فَدَلّاهُما بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف: ٢٢]، أيِ: اسْتَنْزَلَهُما إلى الأكْلِ مِنَ الشَّجَرَةِ بِغُرُورِهِ، أيْ: بِخِداعِهِ إيّاهُما وإظْهارِ النُّصْحِ وإبِطانِ الغِشِّ وإطْماعِهِما أنْ يَكُونا مَلَكَيْنِ، أوْ خالِدَيْنِ وبِإقْسامِهِ أنَّهُ ناصِحٌ لَهُما جَعَلَ مَن يَغْتَرُّ بِالكَلامِ حَتّى يُصَدِّقَ فَيَقَعُ في مُصِيبَةٍ بِالَّذِي يُدْلِي مِن عُلُوٍّ إلى أسْفَلَ بِحَبْلٍ ضَعِيفٍ فَيَنْقَطِعُ بِهِ فَيَهْلِكُ، وقالَ الأزْهَرِيُّ: لِهَذِهِ الكَلِمَةِ أصْلانِ أحَدُهُما: أنَّ الرَّجُلَ يُدْلِي دَلْوَهُ في البِئْرِ لِيَأْخُذَ الماءَ فَلا يَجِدُ فِيها ماءً، وُضِعَتِ التَّدْلِيَةُ مَوْضِعَ الطَّمَعِ فِيما لا فائِدَةَ فِيهِ فَيُقالُ: دَلّاهُ، أيْ: أطْمَعَهُ الثّانِي جَرَّأهُما عَلى أكْلِ الشَّجَرَةِ، والأصْلُ فِيهِ دَلَلْهُما مِنَ الدّالِّ والدَّلالَةِ وهُما الجَراءَةُ. انْتَهى. فَأُبْدِلَ مِنَ المُضاعَفِ الأخِيرِ حَرْفُ عِلَّةٍ، كَما قالُوا: تَظَنَّيْتُ وأصْلُهُ تَظَنَّنْتُ (p-٢٨٠)ومِن كَلامِ بَعْضِ العُلَماءِ: خَدَعَ الشَّيْطانُ آدَمَ فانْخَدَعَ، ونَحْنُ مَن خَدَعَنا بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ انْخَدَعْنا لَهُ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ قَتادَةَ وعَنِ ابْنِ عُمَرَ.
﴿فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما﴾ [الأعراف: ٢٢]، أيْ: وجَدا طَعْمَها آكِلِينَ مِنها كَما قالَ تَعالى فَأكَلا مِنها وتَطايَرَتْ عَنْهُما مَلابِسُ الجَنَّةِ فَظَهَرَتْ لَهُما عَوْراتُهُما وتَقَدَّمَ أنَّهُما كانا قَبْلَ ذَلِكَ لا يَرَيانِها مِن أنْفُسِهِما، ولا أحَدَهُما مِنَ الآخَرِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ: كانَ عَلَيْهِما ظُفُرٌ كاسٍ فَلَمّا أكَلا تَبَلَّسَ عَنْهُما فَبَدَتْ سَوْءاتُهُما وبَقِيَ مِنهُ عَلى الأصابِعِ قَدْرُ ما يَتَذَكَّرانِ بِهِ المُخالَفَةَ فَيُجَدِّدانِ النَّدَمَ. وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كانَ عَلَيْهِما نُورٌ يَسْتُرُ عَوْرَةَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما فانْقَشَعَ بِالأكْلِ ذَلِكَ النُّورُ. وقِيلَ: كانَ عَلَيْهِما نُورٌ فَنَقَصَ وتَجَسَّدَ مِنهُ شَيْءٌ في أظْفارِ اليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ تَذْكِرَةً لَهُما لِيَسْتَغْفِرُوا في كُلِّ وقْتٍ، وأبْناؤُهُما بِعْدَهُما كَما جَرى لِأُوَيْسٍ القَرَنِيِّ حِينَ أذْهَبَ اللَّهُ عَنْهُ البَرَصَ إلّا لُمْعَةً أبْقاها لِيَتَذَكَّرَ نِعَمَهُ فَيَشْكُرَ. وقالَ قَوْمٌ: لَمْ يَقْصِدْ بِالسَّوْءَةِ العَوْرَةَ، والمَعْنى: انْكَشَفَ لَهُما مَعايِشُهُما وما يَسُوؤُهُما، وهَذا القَوْلُ يَنْبُو عَنْهُ دَلالَةُ اللَّفْظِ ويُخالِفُ قَوْلَ الجُمْهُورِ، وقِيلَ: أكَلَتْ حَوّاءُ أوَّلًا فَلَمْ يُصِبْها شَيْءٌ، ثُمَّ آدَمُ فَكانَ البُدُوُّ.
الأعراف 7:21
﴿ويا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ فَكُلا مِن حَيْثُ شِئْتُما ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ . أيْ: وقُلْنا يا آدَمُ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في البَقَرَةِ. إلّا أنَّ هُنا فَكُلا مِن حَيْثُ شِئْتُما وفي البَقَرَةِ: ﴿وكُلا مِنها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما﴾ [البقرة: ٣٥]، قالُوا: وجاءَتْ عَلى أحَدِ مَحامِلِها وهو أنْ يَكُونَ الثّانِي بَعْدَ الأوَّلِ، وحُذِفَ رَغَدًا هُنا عَلى سَبِيلِ الِاخْتِصارِ، وأُثْبِتَ هُناكَ؛ لِأنَّ تِلْكَ مَدَنِيَّةٌ وهَذِهِ مَكِّيَّةٌ فَوُفِّيَ المَعْنى هُناكَ بِاللَّفْظِ.
﴿فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِن سَوْآتِهِما وقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾، أيْ: فَعَلَ الوَسْوَسَةَ لِأجْلِهِما، وأمّا قَوْلُهُ: (فَوَسْوَسَ) إلَيْهِ فَمَعْناهُ ألْقى الوَسْوَسَةَ إلَيْهِ، قالَ الحَسَنُ: وصَلَتْ وسْوَسَتُهُ لَهُما في الجَنَّةِ وهو في الأرْضِ بِالقُوَّةِ الَّتِي خَلَقَها اللَّهُ لَهُ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ يَرُدُّهُ لَفْظُ القُرْآنِ، وقِيلَ: كانَ في السَّماءِ وكانا يَخْرُجانِ إلَيْهِ، وقِيلَ: مِن بابِ الجَنَّةِ وهُما بِها، وقِيلَ: كانَ يَدْخُلُ إلَيْهِما في فَمِ الحَيَّةِ، وقالَ الكِرْمانِيُّ: ألْهَمَهُما، وقالَ ابْنُ القُشَيْرِيِّ: أوْرَدَ عَلَيْهِما الخَواطِرَ المُزَيَّنَةَ، وهَذانِ القَوْلانِ يُخالِفانِ ظاهِرَ القُرْآنِ؛ لِأنَّ ظاهِرَهُ يَدُلُّ عَلى قَوْلٍ ومُحاوَرَةٍ وقَسَمٍ، والظّاهِرُ أنَّ اللّامَ لامُ كَيْ، قَصَدَ إبْداءَ سَوْءاتِهِما وتَنْحَطُّ مَرْتَبَتُهُما بِذَلِكَ، ويَسُوءُهُما بِكَشْفِ ما يَنْبَغِي سَتْرُهُ ولا يَجْتَنِبانِ نَهْيَ اللَّهِ، فَيَكُونُ هو وهُما سَواءً في المُخالَفَةِ، هو أُمِرَ بِالسُّجُودِ فَأبى، وهُما نُهِيا فَلَمْ يَنْتَهِيا، وقالَ قَوْمٌ: إنَّها لامُ الصَّيْرُورَةِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلِمٌ بِهَذِهِ العُقُوبَةِ المَخْصُوصَةِ فَيَقْصُدُها، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ كَشْفَ العَوْرَةِ مِن عَظائِمِ الأُمُورِ، وأنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُسْتَهْجَنًا في الطِّباعِ مُسْتَقْبَحًا في العُقُولِ. انْتَهى. وهو عَلى مَذْهَبِهِ الِاعْتِزالِيِّ في أنَّ العَقْلَ يُقَبِّحُ ويُحَسِّنُ، والظّاهِرُ أنَّهُ يُرادُ مَدْلُولُ سَوْءاتِهِما نَفْسِهِما وهُما الفَرْجُ والدُّبُرُ (p-٢٧٩)قِيلَ: وكانا لا يَرَيانِهِما قَبْلَ أكْلِ الشَّجَرَةِ فَلَمّا أكَلا بَدَتا لَهُما، وقِيلَ: لَمْ يَكُنْ كُلُّ واحِدٍ يَرى سَوْءَةَ صاحِبِهِ، وقالَ قَتادَةُ كَنّى بِسَوْءاتِهِما عَنْ جَمِيعِ بَدَنِهِما وذَكَرَ السَّوْءَةَ؛ لِأنَّها أقْبَحُ ما يَظْهَرُ مِن بَنِي آدَمَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ (وُورِيَ)، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: أُورِيَ بِإبْدالِ الواوِ هَمْزَةً وهو بَدَلٌ جائِزٌ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: ”ما وُرِيَ“ بِواوٍ مَضْمُومَةٍ مِن غَيْرِ واوٍ بَعْدَها عَلى وزْنِ كُسِيَ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ مِن سَوَّتِهِما بِالإفْرادِ وتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ بِإبْدالِها واوًا وإدْغامِ الواوِ فِيها، وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا، وأبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ وشَيْبَةُ بْنُ نَصّاحٍ: ”مِن سَوّاتِهِما“ بِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ وتَشْدِيدِ الواوِ، وقُرِئَ: مِن سَواتِهِما بِواوٍ واحِدَةٍ وحَذْفِ الهَمْزَةِ، ووَجْهُهُ أنَّهُ حَذَفَها وألْقى حَرَكَتَها عَلى الواوِ، فَمَن قَرَأ بِالجَمْعِ فَهو مِن وضْعِ الجَمْعِ مَوْضِعَ التَّثْنِيَةِ كَراهَةَ اجْتِماعِ مِثْلَيْنِ، ومَن قَرَأ بِالإفْرادِ فَمِن وضْعِهِ مَوْضِعَ التَّثْنِيَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الجَمْعُ عَلى أصْلِ وضْعِهِ بِاعْتِبارِ أنَّ كُلَّ عَوْرَةٍ هي الدُّبُرُ والفَرْجُ وذَلِكَ أرْبَعَةٌ: فَهي جَمْعٌ. وإلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِنَ المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، أيْ: ما نَهاكُما رَبُّكُما لِشَيْءٍ إلّا كَراهَةَ أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ ويُقَدِّرُهُ الكُوفِيُّونَ إلّا أنْ تَكُونا، وإضْمارُ الِاسْمِ وهو كَراهَةٌ أحْسَنُ مِن إضْمارِ الحَرْفِ، وهو لا، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ بِالمَنظَرِ الأعْلى، وأنَّ البَشَرِيَّةَ تَلْمَحُ مَرْتَبَتَها. انْتَهى. وقالَ ابْنُ فَوْرَكٍ: لا حُجَّةَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ؛ لِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مَلَكَيْنِ في أنْ لا يَكُونَ لَهُما شَهْوَةً في طَعامٍ. انْتَهى. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، والضَّحّاكُ ويَحْيى بْنُ كَثِيرٍ والزُّهْرِيُّ، وابْنُ حَكِيمٍ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ مَلِكَيْنِ بِكَسْرِ اللّامِ، ويَدُلُّ لِهَذِهِ القِراءَةِ ﴿هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلى﴾ [طه: ١٢٠] ومِنَ الخالِدِينَ مِنَ الَّذِينَ لا يَمُوتُونَ ويَبْقُونَ في الجَنَّةِ ساكِنِينَ.
﴿وقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ لَمْ يَكْتَفِ إبْلِيسُ بِالوَسْوَسَةِ وهو الإلْقاءُ في خُفْيَةٍ سِرًّا ولا بِالقَوْلِ حَتّى أقْسَمَ عَلى أنَّهُ ناصِحٌ لَهُما. والمُقاسَمَةُ مُفاعَلَةٌ تَقْتَضِي المُشارَكَةَ في الفِعْلِ فَتُقْسِمُ لِصاحِبِكَ ويُقْسِمُ لَكَ، تَقُولَ قاسَمْتُ فُلانًا حالَفْتُهُ وتَقاسَما تَحالَفا، وأمّا هُنا فَمَعْنى وقاسَمَهُما أقْسَمَ لَهُما؛ لِأنَّ اليَمِينَ لَمْ يُشارِكاهُ فِيها. وهو كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎وقاسَمَهُما بِاللَّهِ جَهْدًا لَأنْتُمُ ألَذُّ مِنَ السَّلْوى إذا ما نَشُورُها
و”فاعَلَ“ قَدْ يَأْتِي بِمَعْنى ”أفْعَلَ“ نَحْوُ باعَدْتُ الشَّيْءَ وأبْعَدْتُهُ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقاسَمَهُما، أيْ: حَلَفَ لَهُما، وهي مُفاعَلَةٌ إذْ قَبُولُ المَحْلُوفِ لَهُ وإقْبالِهِ عَلى مَعْنى اليَمِينِ كالقَسَمِ وتَقْرِيرِهِ وإنْ كانَ بادِيَ الرَّأْيِ يَعْنِي أنَّها مِن واحِدٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَأنَّهُ قالَ لَهُما أُقْسِمُ لَكُما أنِّي لَمِنَ النّاصِحِينَ وقالا لَهُ أتُقْسِمُ بِاللَّهِ إنَّكَ لَمِنَ النّاصِحِينَ، فَجَعَلَ ذَلِكَ مُقاسَمَةً بَيْنَهم، أوْ أقْسَمَ لَهُما بِالنَّصِيحَةِ وأقْسَما لَهُ بِقَبُولِها، أوْ أخْرَجَ قَسَمَ إبْلِيسَ عَلى وزْنِ المُفاعَلَةِ؛ لِأنَّهُ اجْتَهَدَ فِيها اجْتِهادَ المُقاسِمِ. انْتَهى. وقُرِئَ وقاسَمَهُما بِاللَّهِ و(لَكُما) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ ناصِحٌ لَكُما، أوْ أعْنِي، أوْ بِالنّاصِحِينَ، عَلى أنَّ ألْ مَوْصُولَةٌ وتُسُومِحَ في الظَّرْفِ والمَجْرُورِ ما لا يُتَسامَحُ في غَيْرِهِما، أوْ عَلى أنَّ ألْ لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ لا مَوْصُولَةً، أوْجُهٌ مَقُولَةٌ.
﴿فَدَلّاهُما بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف: ٢٢]، أيِ: اسْتَنْزَلَهُما إلى الأكْلِ مِنَ الشَّجَرَةِ بِغُرُورِهِ، أيْ: بِخِداعِهِ إيّاهُما وإظْهارِ النُّصْحِ وإبِطانِ الغِشِّ وإطْماعِهِما أنْ يَكُونا مَلَكَيْنِ، أوْ خالِدَيْنِ وبِإقْسامِهِ أنَّهُ ناصِحٌ لَهُما جَعَلَ مَن يَغْتَرُّ بِالكَلامِ حَتّى يُصَدِّقَ فَيَقَعُ في مُصِيبَةٍ بِالَّذِي يُدْلِي مِن عُلُوٍّ إلى أسْفَلَ بِحَبْلٍ ضَعِيفٍ فَيَنْقَطِعُ بِهِ فَيَهْلِكُ، وقالَ الأزْهَرِيُّ: لِهَذِهِ الكَلِمَةِ أصْلانِ أحَدُهُما: أنَّ الرَّجُلَ يُدْلِي دَلْوَهُ في البِئْرِ لِيَأْخُذَ الماءَ فَلا يَجِدُ فِيها ماءً، وُضِعَتِ التَّدْلِيَةُ مَوْضِعَ الطَّمَعِ فِيما لا فائِدَةَ فِيهِ فَيُقالُ: دَلّاهُ، أيْ: أطْمَعَهُ الثّانِي جَرَّأهُما عَلى أكْلِ الشَّجَرَةِ، والأصْلُ فِيهِ دَلَلْهُما مِنَ الدّالِّ والدَّلالَةِ وهُما الجَراءَةُ. انْتَهى. فَأُبْدِلَ مِنَ المُضاعَفِ الأخِيرِ حَرْفُ عِلَّةٍ، كَما قالُوا: تَظَنَّيْتُ وأصْلُهُ تَظَنَّنْتُ (p-٢٨٠)ومِن كَلامِ بَعْضِ العُلَماءِ: خَدَعَ الشَّيْطانُ آدَمَ فانْخَدَعَ، ونَحْنُ مَن خَدَعَنا بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ انْخَدَعْنا لَهُ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ قَتادَةَ وعَنِ ابْنِ عُمَرَ.
﴿فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما﴾ [الأعراف: ٢٢]، أيْ: وجَدا طَعْمَها آكِلِينَ مِنها كَما قالَ تَعالى فَأكَلا مِنها وتَطايَرَتْ عَنْهُما مَلابِسُ الجَنَّةِ فَظَهَرَتْ لَهُما عَوْراتُهُما وتَقَدَّمَ أنَّهُما كانا قَبْلَ ذَلِكَ لا يَرَيانِها مِن أنْفُسِهِما، ولا أحَدَهُما مِنَ الآخَرِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ: كانَ عَلَيْهِما ظُفُرٌ كاسٍ فَلَمّا أكَلا تَبَلَّسَ عَنْهُما فَبَدَتْ سَوْءاتُهُما وبَقِيَ مِنهُ عَلى الأصابِعِ قَدْرُ ما يَتَذَكَّرانِ بِهِ المُخالَفَةَ فَيُجَدِّدانِ النَّدَمَ. وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كانَ عَلَيْهِما نُورٌ يَسْتُرُ عَوْرَةَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما فانْقَشَعَ بِالأكْلِ ذَلِكَ النُّورُ. وقِيلَ: كانَ عَلَيْهِما نُورٌ فَنَقَصَ وتَجَسَّدَ مِنهُ شَيْءٌ في أظْفارِ اليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ تَذْكِرَةً لَهُما لِيَسْتَغْفِرُوا في كُلِّ وقْتٍ، وأبْناؤُهُما بِعْدَهُما كَما جَرى لِأُوَيْسٍ القَرَنِيِّ حِينَ أذْهَبَ اللَّهُ عَنْهُ البَرَصَ إلّا لُمْعَةً أبْقاها لِيَتَذَكَّرَ نِعَمَهُ فَيَشْكُرَ. وقالَ قَوْمٌ: لَمْ يَقْصِدْ بِالسَّوْءَةِ العَوْرَةَ، والمَعْنى: انْكَشَفَ لَهُما مَعايِشُهُما وما يَسُوؤُهُما، وهَذا القَوْلُ يَنْبُو عَنْهُ دَلالَةُ اللَّفْظِ ويُخالِفُ قَوْلَ الجُمْهُورِ، وقِيلَ: أكَلَتْ حَوّاءُ أوَّلًا فَلَمْ يُصِبْها شَيْءٌ، ثُمَّ آدَمُ فَكانَ البُدُوُّ.
الأعراف 7:22
﴿وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ﴾، أيْ: جَعَلا يُلْصِقانِ ورَقَةً عَلى ورَقَةٍ ويُلْصِقانِهِما بَعْدَما كانَتْ كِساهُما حُلَلُ الجَنَّةِ، ظَلّا يَسْتَتِرانِ بِالوَرَقِ كَما قِيلَ:
؎لِلَّهِ دَرُّهم مِن فِتْيَةٍ بَكَرُوا مِثْلَ المُلُوكِ وراحُوا كالمَساكِينِ
والأوْلى أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ في (عَلَيْهِما) عَلى عَوْرَتَيْهِما كَأنَّهُ قِيلَ (يَخْصِفانِ) عَلى سَوْءَتِهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ، وعادَ بِضَمِيرِ الِاثْنَيْنِ؛ لِأنَّ الجَمْعَ يُرادُ بِهِ اثْنانِ ولا يَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلى آدَمَ وحَوّاءَ؛ لِأنَّهُ تَقَرَّرَ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ أنَّهُ لا يَتَعَدّى فِعْلُ الظّاهِرِ والمُضْمَرِ المُتَّصِلِ إلى المُضْمَرِ المُتَّصِلِ المَنصُوبِ لَفْظًا، أوْ مَحَلًّا في غَيْرِ بابِ ظَنَّ وفَقَدَ وعَلِمَ ووَجَدَ، لا يَجُوزُ زَيْدٌ ضَرَبَهُ ولا ضَرَبَهُ زَيْدٌ ولا زَيْدٌ مَرَّ بِهِ زَيْدٌ، فَلَوْ جَعَلْنا الضَّمِيرَ في (عَلَيْهِما) عائِدًا عَلى آدَمَ وحَوّاءَ لَلَزِمَ مِن ذَلِكَ تَعَدِّي يَخْصِفُ إلى الضَّمِيرِ المَنصُوبِ مَحَلًّا، وقَدْ رُفِعَ الضَّمِيرُ المُتَّصِلُ وهو الألِفُ في يَخْصِفانِ، فَإنْ أُخِذَ ذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ مُرادٍ جازَ ذَلِكَ، وتَقْدِيرُهُ: يَخْصِفانِ عَلى بَدَنَيْهِما، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الوَرَقُ الَّذِي خَصَفا مِنهُ ورَقُ الزَّيْتُونِ، وقِيلَ: ورَقُ شَجَرِ التِّينِ، وقِيلَ: ورَقُ المَوْزِ، ولَمْ يَثْبُتْ تَعْيِينُها لا في القُرْآنِ ولا في حَدِيثٍ صَحِيحٍ، وقَرَأ أبُو السَّمّالِ (وطَفَقا) بِفَتْحِ الفاءِ، وقَرَأ الزُّهْرِيُّ (يُخْصِفانِ) مِن أخْصَفَ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أفْعَلَ بِمَعْنى فَعَلَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الهَمْزَةُ لِلتَّعْدِيَةِ مِن خَصَفَ، أيْ: يَخْصِفانِ أنْفُسَهُما، وقَرَأ الحَسَنُ والأعْرَجُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ وثّابٍ (يَخِصِّفانِ) بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الخاءِ والصّادِ وشَدِّها، وقَرَأ الحَسَنُ فِيما رَوى عَنْهُ مَحْبُوبٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ فَتَحَ الخاءَ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ وعَنْ يَعْقُوبَ، وقُرِئَ (يُخَصِّفانِ) بِالتَّشْدِيدِ مِن خَصَّفَ عَلى وزْنِ فَعَّلَ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ (يُخُصِّفانِ) بِضَمِّ الياءِ والخاءِ وتَشْدِيدِ الصّادِ وكَسْرِها، وتَقْرِيرُ هَذِهِ القِراءاتِ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ.
﴿وناداهُما رَبُّهُما ألَمْ أنْهَكُما عَنْ تِلْكُما الشَّجَرَةِ وأقُلْ لَكُما إنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ لَمّا كانَ وقْتُ الهَناءِ شُرِّفَ بِالتَّصْرِيحِ بِاسْمِهِ في النِّداءِ، فَقِيلَ: ”﴿ويا آدَمُ اسْكُنْ﴾ [الأعراف: ١٩]“، وحِينَ كانَ وقْتُ العِتابِ أخْبَرَ أنَّهُ ناداهُ ولَمْ يُصَرِّحْ بِاسْمِهِ، والظّاهِرُ أنَّهُ تَعالى كَلَّمَهُما بِلا واسِطَةٍ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ كَلَّمَ آدَمَ ما في تارِيخِ ابْنِ أبِي خَيْثَمَةَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - سُئِلَ عَنْ آدَمَ فَقالَ: نَبِيٌّ مُكَلَّمٌ، وقالَ الجُمْهُورُ: (p-٢٨١)إنَّ النِّداءَ كانَ بِواسِطَةِ الوَحْيِ ويُؤَيِّدُهُ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - هو الَّذِي خُصَّ مِن بَيْنِ العالَمِ بِالكَلامِ، وفي حَدِيثِ الشَّفاعَةِ إنَّهم يَقُولُونَ لَهُ أنْتَ الَّذِي خَصَّكَ اللَّهُ بِكَلامِهِ، وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ خَصَّهُ بِكَلامِهِ وهو في الأرْضِ، وأمّا آدَمُ فَكانَ ذَلِكَ لَهُ في الجَنَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا في قَوْلِهِ ﴿مِنهم مَن كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] إنَّ مِنهم مُحَمَّدًا كَلَّمَهُ اللَّهُ لَيْلَةَ الإسْراءِ ولَمْ يُكَلِّمْهُ في الأرْضِ، فَيَكُونُ مُوسى مُخْتَصًّا بِكَلامِهِ في الأرْضِ، وقِيلَ: النِّداءُ لِآدَمَ عَلى الحَقِيقَةِ ولَمْ يُرْوَ قَطُّ أنَّ اللَّهَ كَلَّمَ حَوّاءَ، والنِّداءُ هو دُعاءُ الشَّخْصِ بِاسْمِهِ العَلَمِ، أوْ بِنَوْعِهِ، أوْ بِوَصْفِهِ ولَمْ يُصَرِّحْ هُنا بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ، والجُمْلَةُ مَعْمُولَةٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: قائِلًا: ألَمْ أنْهَكُما وهو اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ العِتابُ عَلى ما صَدَرَ مِنهُما، والتَّنْبِيهُ عَلى مَوْضِعِ الغَفْلَةِ في قَوْلِهِ: ﴿تِلْكُما الشَّجَرَةِ﴾، ﴿ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [الأعراف: ١٩] إشارَةٌ لَطِيفَةٌ حَيْثُ كانَ مُباحًا لَهُ الأكْلُ قارًّا ساكِنًا، أُشِيرَ إلى الشَّجَرَةِ بِاللَّفْظِ الدّالِّ عَلى القُرْبِ والتَّمَكُّنِ مِنَ الأشْجارِ فَقِيلَ: ﴿ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [الأعراف: ١٩] وحَيْثُ كانَ تَعاطِي مُخالَفَةِ النَّهْيِ وقُرْبُ إخْراجِهِ مِنَ الجَنَّةِ واضْطِرابُ حالِهِ فِيها وفَرَّ عَلى وجْهِهِ فِيها قِيلَ: ألَمْ أنْهَكُما عَنْ تِلْكُما فَأُشِيرَ إلى الشَّجَرَةِ بِاللَّفْظِ الدّالِّ عَلى البُعْدِ والإنْذارِ بِالخُرُوجِ مِنها ﴿وأقُلْ لَكُما﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقُلْنا يا آدَمُ إنَّ هَذا عَدُوٌّ لَكَ ولِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ [طه: ١١٧]، وهَذا هو العَهْدُ الَّذِي نَسِيَهُ آدَمُ عَلى مَذْهَبِ مَن يُحْمَلُ النِّسْيانُ عَلى بابِهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَيَّنَ العَداوَةَ حَيْثُ أبى السُّجُودَ وقالَ: ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦] رُوِيَ أنَّهُ تَعالى قالَ لِآدَمَ: ألَمْ يَكُنْ لَكَ فِيما مَنَحْتُكَ مِن شَجَرِ الجَنَّةِ مَندُوحَةٌ عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، فَقالَ بَلى وعِزَّتِكَ، ولَكِنْ ما ظَنَنْتُ أنَّ أحَدًا مِن خَلْقِكَ يَحْلِفُ كاذِبًا قالَ فَوَعِزَّتِي لَأُهْبِطَنَّكَ إلى الأرْضِ، ثُمَّ لا تَنالُ إلّا كَدًّا. فَأُهْبِطَ، وعُلِّمَ صَنْعَةَ الحَدِيدِ وأُمِرَ بِالحَرْثِ فَحَرَثَ وسَقى وحَصَدَ ودَرَسَ وذَرّا وعَجَنَ وخَبَزَ، وقَرَأ أُبَيٌّ: ألَمْ تُنْهَيا عَنْ تِلْكُما الشَّجَرَةِ، وقِيلَ لَكُما.
الأعراف 7:23
﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وسَمَّيا ذَنْبَهُما وإنْ كانَ صَغِيرًا مَغْفُورًا ظُلْمًا، وقالا ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ عَلى عادَةِ الأوْلِياءِ والصّالِحِينَ في اسْتِعْظامِهِمُ الصَّغِيرَ مِنَ السَّيِّئاتِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: اعْتِرافٌ مِن آدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وطَلَبٌ لِلتَّوْبَةِ والسَّتْرِ والتَّغَمُّدِ بِالرَّحْمَةِ، فَطَلَبَ آدَمُ هَذا، وطَلَبَ إبْلِيسُ النَّظِرَةَ ولَمْ يَطْلُبِ التَّوْبَةَ، فَوُكِلَ إلى رَأْيِهِ، قالَ الضَّحّاكُ: هَذِهِ الآيَةُ هي الكَلِماتُ الَّتِي تَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ، وقِيلَ: سَعِدَ آدَمُ بِخَمْسَةِ أشْياءَ: اعْتَرَفَ بِالمُخالَفَةِ ونَدِمَ عَلَيْها، ولامَ نَفْسَهُ وسارَعَ إلى التَّوْبَةِ ولَمْ يَقْنَطْ مِنَ الرَّحْمَةِ، وشَقِيَ إبْلِيسُ بِخَمْسَةِ أشْياءَ: لَمْ يُقِرَّ بِالذَّنْبِ، ولَمْ يَنْدَمْ، ولَمْ يَلُمْ نَفْسَهُ، بَلْ أضافَ إلى رَبِّهِ الغَوايَةَ، وقَنَطَ مِنَ الرَّحْمَةِ، و(لَنَكُونَنَّ) جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ قَبْلَ إنَّ، كَقَوْلِهِ و﴿وإنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ﴾ [المائدة: ٧٣]، التَّقْدِيرُ: واللَّهِ إنْ لَمْ يَغْفِرْ لَنا. وأكْثَرُ ما تَأْتِي إنَّ هَذِهِ ولامُ التَّوْطِئَةِ قَبْلَها كَقَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ [الأحزاب: ٦٠]، ثُمَّ قالَ: لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ.
﴿قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في البَقَرَةِ.
﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وفِيها تَمُوتُونَ ومِنها تُخْرَجُونَ﴾ . هَذا كالتَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ [البقرة: ٣٦]، أيْ: بِالحَياةِ إلى حِينِ المَوْتِ، ولِذَلِكَ جاءَ قالَ بِغَيْرِ واوِ العَطْفِ إذِ الأكْثَرُ في لِسانِ العَرَبِ إذا لَمْ تَكُنِ الجُمْلَةُ تَفْسِيرِيَّةً، أوْ كالتَّفْسِيرِيَّةِ أنْ تُعْطَفَ عَلى الجُمْلَةِ قَبْلَها، فَتَقُولَ قالَ فُلانٌ كَذا، وقالَ كَذا، وتَقُولَ: زَيْدٌ قائِمٌ وعَمْرٌو قاعِدٌ، ويَقِلُّ في كَلامِهِمْ قالَ فُلانٌ كَذا قالَ كَذا، وكَذَلِكَ يَقِلُّ زَيْدٌ قائِمٌ، عَمْرٌو قاعِدٌ، وهُنا جاءَ ﴿قالَ اهْبِطُوا﴾ الآيَةَ ﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ﴾ لَمّا كانَتْ كالتَّفْسِيرِ لِما قَبْلَها، وتُمِّمَ هُنا المَقْصُودُ بِالتَّنْبِيهِ عَلى البَعْثِ والنُّشُورِ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِنها تُخْرَجُونَ﴾، أيْ: إلى المُجازاةِ بِالثَّوابِ والعِقابِ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكم ومِنها نُخْرِجُكم تارَةً أُخْرى﴾ [طه: ٥٥] . وقَرَأ الأخَوانِ، وابْنُ ذَكْوانَ تَخْرُجُونَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ هُنا، وعَنِ ابْنِ ذَكْوانَ في أوَّلِ (p-٢٨٢)الرُّومِ خِلافٌ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
﴿يا بَنِي آدَمَ قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكم ورِيشًا ولِباسُ التَّقْوى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها هو أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ قِصَّةَ آدَمَ، وفِيها سَتْرُ السَّوْءاتِ وجَعَلَ لَهُ في الأرْضِ مُسْتَقَرًّا ومَتاعًا، ذَكَرَ ما امْتَنَّ بِهِ عَلى بَنِيهِ وما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ اللِّباسِ الَّذِي يُوارِي السَّوْءاتِ والرِّياشِ الَّذِي يُمْكِنُ بِهِ اسْتِقْرارُهم في الأرْضِ واسْتِمْتاعُهم بِما خَوَّلَهم، وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ والثَّلاثُ بَعْدَها فِيمَن كانَ مِنَ العَرَبِ يَتَعَرّى في طَوافِهِ بِالبَيْتِ وذَكَرَ النَّقّاشُ أنَّها كانَتْ عادَةَ ثَقِيفٍ وخُزاعَةَ وبَنِي عامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ وبَنِي مُدْلِجٍ والحارِثِ وعامِرٍ ابْنَيْ عَبْدِ مَناةَ نِسائِهِمْ ورِجالِهِمْ. وأنْزَلَنا قِيلَ عَلى حَقِيقَتِهِ مِنَ الِانْحِطاطِ مِن عُلُوٍّ إلى سُفْلٍ فَأنْزَلَ مَعَ آدَمَ وحَوّاءَ شَيْئًا مِنَ اللِّباسِ مِثالًا لِغَيْرِهِ، ثُمَّ تَوَسَّعَ بَنُوهُما في الصَّنْعَةِ اسْتِنْباطًا مِن ذَلِكَ المِثالِ، أوْ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ أصْلَ كُلِّ شَيْءٍ عِنْدَ إهْباطِهِما، أوْ أنْزَلَ مَعَهُ الحَدِيدَ فاتَّخَذَ مِنهُ آلاتِ الصَّنائِعِ، أوْ أنْزَلَ المَلَكَ فَعَلَّمَ آدَمَ النَّسْجَ، أرْبَعَةُ أقْوالٍ، وقِيلَ: الإنْزالُ مَجازٌ مِن إطْلاقِ السَّبَبِ عَلى مُسَبِّبِهِ، فَأنْزَلَ المَطَرَ وهو سَبَبُ ما يَتَهَيَّأُ مِنهُ اللِّباسُ، أوْ بِمَعْنى خَلَقَ كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الزمر: ٦]، أوْ بِمَعْنى الهَمِّ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ جَعَلَ ما في الأرْضِ مُنَزَّلًا مِنَ السَّماءِ؛ لِأنَّهُ قُضِيَ ثَمَّ وكُتِبَ، ومِنهُ: ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الزمر: ٦]، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أنْزَلْنا يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالتَّدْرِيجِ، أيْ: لَمّا أنْزَلَ المَطَرَ فَكانَ عَنْهُ جَمِيعُ ما يُلْبَسُ قالَ عَنِ اللِّباسِ (أنْزَلْنا)، وهَذا نَحْوُ قَوْلِ الشّاعِرِ يَصِفُ مَطَرًا:
؎أقْبَلَ في المَسَّيْنِ مِن سَحابِهْ أسْنِمَةُ الآبالِ في رَبابِهْ
أيْ: بِالمالِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ خَلَقْنا فَجاءَتِ العِبارَةُ بِأنْزَلْنا كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلْنا الحَدِيدَ﴾ [الحديد: ٢٥] وقَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ﴾ [الزمر: ٦] وأيْضًا، فَخَلْقُ اللَّهِ وأفْعالُهُ إنَّما هي مِن عُلُوٍّ في القَدْرِ والمَنزِلَةِ. انْتَهى. واللِّباسُ يَعُمُّ جَمِيعَ ما يُلْبَسُ ويَسْتُرُ، والرِّيشُ عِبارَةٌ عَنْ سَعَةِ الرِّزْقِ ورَفاهِيَةِ العَيْشِ ووُجُودِ اللَّبْسِ والتَّمَتُّعِ. وأكْثَرُ أهْلِ اللُّغَةِ عَلى أنَّ الرِّيشَ ما يَسْتُرُ مِن لِباسٍ، أوْ مَعِيشَةٍ، وقالَ قَوْمٌ: الإناثُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ، ومُجاهِدٌ: المالُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الجَمالُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِباسُ الزِّينَةِ اسْتُعِيرَ مِن رِيشِ الطّائِرِ؛ لِأنَّهُ لِباسُهُ وزِينَتُهُ، أيْ: أنْزَلَنا عَلَيْكم لِباسَيْنِ لِباسًا يُوارِي سَوْءاتِكم ولِباسًا يُزَيِّنُكم؛ لِأنَّ الزِّينَةَ غَرَضٌ صَحِيحٌ كَما قالَ تَعالى: ﴿لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ [النحل: ٨]، ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ﴾ [النحل: ٦] . انْتَهى. وعَطْفُ (الرِّيشِ) عَلى (لِباسًا) يَقْتَضِي المُغايَرَةَ، وأنَّهُ قَسِيمٌ لِلِّباسٍ لا قِسْمٌ مِنهُ، وقَرَأ عُثْمانُ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسُّلَمِيُّ، وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، وابْنُهُ زَيْدٌ، وأبُو رَجاءٍ، وزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ، وعاصِمٌ في رِوايَةٍ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ، ورِياشًا، فَقِيلَ: هُما مَصْدَرانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، راشَهُ اللَّهُ يَرِيشُهُ رَيْشًا ورِياشًا أنْعَمَ عَلَيْهِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَمْعُ رِيشٍ كَشُعَبٍ وشِعابٍ، وقالَ الزَّجّاجُ: هُما اللِّباسُ، وقالَ الفَرّاءُ: هُما ما يَسْتُرُ مِن ثِيابٍ ومالٍ كَما يُقالُ لِبْسٌ ولِباسٌ، وقالَ مَعْبَدٌ الجُهَنِيُّ: الرِّياشُ المَعاشُ، وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الرِّيشُ الأكْلُ والشُّرْبُ، والرِّياشُ المالُ المُسْتَفادُ، وقِيلَ: الرِّيشُ ما بَطَنَ، والرِّياشُ ما ظَهَرَ، وقَرَأ الصّاحِبانِ، والكِسائِيُّ: ﴿ولِباسَ التَّقْوى﴾ بِالنَّصْبِ عَطْفًا (p-٢٨٣)عَلى المَنصُوبِ قَبْلَهُ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالرَّفْعِ، فَقِيلَ هو عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: وهو لِباسُ التَّقْوى. قالَهُ الزَّجّاجُ ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ عَلى هَذا مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ (ولِباسُ) مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ ولِباسُ التَّقْوى ساتِرُ عَوْراتِكم، وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ، والظّاهِرُ أنَّهُ مُبْتَدَأٌ ثانٍ و(خَيْرٌ) خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ عَنْ و(لِباسُ التَّقْوى) والرّابِطُ اسْمُ الإشارَةِ، وهو أحَدُ الرَّوابِطِ الخَمْسِ المُتَّفَقِ عَلَيْها في رَبْطِ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ إذا لَمْ يَكُنْ إيّاهُ، وقِيلَ: ذَلِكَ بَدَلٌ مِن لِباسٍ، وقِيلَ: عَطْفُ بَيانٍ، وقِيلَ: صِفَةٌ، وخَبَرُ (ولِباسُ) هو (خَيْرٌ)، وقالَ الحَوْفِيُّ: وأنا أرى أنْ لا يَكُونَ ذَلِكَ نَعْتًا لِلِباسِ التَّقْوى؛ لِأنَّ الأسْماءَ المُبْهَمَةَ أعْرَفُ مِمّا فِيهِ الألِفُ واللّامُ وما أُضِيفَ إلى الألِفِ واللّامِ وسَبِيلُ النَّعْتِ أنْ يَكُونَ مُساوِيًا لِلْمَنعُوتِ، أوْ أقَلُّ مِنهُ تَعْرِيفًا، فَإنْ كانَ قَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ أحَدٍ بِهِ فَهو سَهْوٌ. وأجازَ الحَوْفِيُّ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ فَصْلًا لا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، ويَكُونُ (خَيْرٌ) خَبَرًا لِقَوْلِهِ: ﴿ولِباسُ التَّقْوى﴾ فَجُعِلَ اسْمُ الإشارَةِ فَصْلًا كالمُضْمَرِ ولا أعْلَمُ أحَدًا قالَ بِهَذا، وأمّا قَوْلُهُ: فَإنْ كانَ قَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ أحَدٍ بِهِ فَهو سَهْوٌ، فَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وقالَ: هو أنْبَلُ الأقْوالِ، ذَكَرَهُ أبُو عَلِيٍّ في الحُجَّةِ. انْتَهى؛ وأجازَهُ أيْضًا أبُو البَقاءِ وما ذَكَرَهُ الحَوْفِيُّ هو الصَّوابُ عَلى أشْهَرِ الأقْوالِ في تَرْتِيبِ المَعارِفِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأُبَيٌّ: ”ولِباسُ التَّقْوى خَيْرٌ“ بِإسْقاطِ ذَلِكَ، فَهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، والظّاهِرُ حَمْلُهُ عَلى اللِّباسِ حَقِيقَةً، فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو سَتْرُ العَوْرَةِ، وهَذا فِيهِ تَكْرارٌ؛ لِأنَّهُ قَدْ قالَ: لِباسًا يُوارِي سَوْءاتِكم، وقالَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: الدِّرْعُ والمِغْفَرُ والسّاعِدانِ؛ لِأنَّهُ يُتَّقى بِها في الحَرْبِ. وقِيلَ: الصُّوفُ ولُبْسُ الخَشِنِ، ورُوِيَ: اخْشَوْشِنُوا وكُلُوا الطَّعامَ الخَشِنَ، وقِيلَ ما يَقِي مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ، وقالَ عُثْمانُ بْنُ عَطاءٍ: لِباسُ المُتَّقِينَ في الآخِرَةِ، وقِيلَ لِباسُ التَّقْوى مَجازٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: العَمَلُ الصّالِحُ، وقالَ أيْضًا: العِفَّةُ، وقالَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: السَّمْتُ الحَسَنُ في الوَجْهِ، وقالَ مَعْبَدٌ الجُهَنِيُّ: الحَياءُ، وقالَ الحَسَنُ: الوَرَعُ والسَّمْتُ الحَسَنُ، وقالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: خَشْيَةُ اللَّهِ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الإيمانُ، وقِيلَ ما يَظْهَرُ مِنَ السَّكِينَةِ والإخْباتِ، وقالَ يَحْيى بْنُ يَحْيى: الخُشُوعُ، والأحْسَنُ أنْ يُجْعَلَ عامًّا فَكُلُّ ما يَحْصُلُ بِهِ الِاتِّقاءُ المَشْرُوعُ فَهو مِن لِباسِ التَّقْوى، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ إلى ما تَقَدَّمَ مِن إنْزالِ اللِّباسِ والرِّياشِ ولِباسِ التَّقْوى، والمَعْنى: مِن آياتِ اللَّهِ الدّالَّةِ عَلى فَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ عَلى عِبادِهِ، وقِيلَ: مِن مُوجِبِ آياتِ اللَّهِ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى (لِباسُ التَّقْوى)، أيْ: هو في العِبَرِ آيَةٌ، أيْ: عَلامَةٌ وأمارَةٌ مِنَ اللَّهِ أنَّهُ قَدْ رَضِيَ عَنْهُ ورَحِمَهُ لَعَلَّهم يَذْكُرُونَ هَذِهِ النِّعَمَ فَيَشْكُرُونَ اللَّهَ عَلَيْها.
﴿يابَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما﴾ . أيْ لا يَسْتَهْوِيَنَّكم ويَغْلِبْ عَلَيْكم، وهو نَهْيٌ لِلشَّيْطانِ، والمَعْنى نَهْيُهم أنْفُسَهم عَنِ الإصْغاءِ إلَيْهِ والطَّواعِيَةِ لِأمْرِهِ، كَما قالُوا لا أرَيَنَّكَ هُنا، ومَعْناهُ النَّهْيُ عَنِ الإقامَةِ بِحَيْثُ يَراهُ، وكَما في مَوْضِعِ نَصْبٍ أيْ فِتْنَةٍ مِثْلِ فِتْنَةِ إخْراجِ أبَوَيْكم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى لا يُخْرِجَنَّكم عَنِ الدِّينِ بِفِتْنَتِهِ إخْراجًا مِثْلَ إخْراجِهِ أبَوَيْكم، وقَرَأ يَحْيى وإبْراهِيمُ: (لا يُفْتِنَنَّكم) بِضَمِّ الياءِ مِن أفْتَنَ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: لا يَفْتِنْكم بِغَيْرِ نُونِ تَوْكِيدٍ، والظّاهِرُ أنَّ لِباسَهُما هو الَّذِي كانَ عَلَيْهِما في الجَنَّةِ، وقالَ مُجاهِدٌ هو لِباسُ التَّقْوى، (وسَوْءاتِهِما) هو ما يَسُوءُهُما مِنَ المَعْصِيَةِ، ويَنْزِعُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (أخْرَجَ) أوْ مِن (أبَوَيْكم) لِأنَّ الجُمْلَةَ فِيها ضَمِيرُ الشَّيْطانِ وضَمِيرُ الأبَوَيْنِ، فَلَوْ كانَ بَدَلُ يَنْزِعُ نازِعًا تَعَيَّنَ الأوَّلُ، لِأنَّهُ (p-٢٨٤)إذْ ذاكَ لَوْ جَوَّزَ الثّانِي لَكانَ وصْفًا جَرى عَلى غَيْرِ مَن هو لَهُ فَكانَ يَجِبُ إبْرازُ الضَّمِيرِ وذَلِكَ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، ويَنْزِعُ حِكايَةُ أمْرٍ قَدْ وقَعَ؛ لِأنَّ نَزْعَ اللِّباسِ عَنْهُما كانَ قَبْلَ الإخْراجِ، ونَسَبَ النَّزْعَ إلى الشَّيْطانِ لَمّا كانَ مُتَسَبِّبًا فِيهِ.
﴿إنَّهُ يَراكم هو وقَبِيلُهُ مِن حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ أيْ إنَّ الشَّيْطانَ، وهو إبْلِيسُ يُبْصِرُكم هو وجُنُودُهُ ونَوْعُهُ وذُرِّيَّتُهُ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي لا تُبْصِرُونَهُ مِنها وهم أجْسامٌ لَطِيفَةٌ، مَعْلُومٌ مِن هَذِهِ الشَّرِيعَةِ وُجُودُهم، كَما أنَّ المَلائِكَةَ أيْضًا مَعْلُومٌ وُجُودُهم مِن هَذِهِ الشَّرِيعَةِ، ولا يُسْتَنْكَرُ وُجُودُ أجْسامٍ لَطِيفَةٍ جِدًّا لا نَراها نَحْنُ ألا تَرى أنَّ الهَواءَ جِسْمٌ لَطِيفٌ لا نُدْرِكُهُ نَحْنُ وقَدْ قامَ البُرْهانُ العَقْلِيُّ القاطِعُ عَلى وُجُودِهِ، وقَدْ صَحَّ تَصَوُّرُهم في الأجْسامِ الكَثِيفَةِ ورُؤْيَةُ بَنِي آدَمَ لَهم في تِلْكَ الأجْسامِ كالشَّيْطانِ الَّذِي رَآهُ أبُو هُرَيْرَةَ حِينَ جَعَلَ يَحْفَظُ تَمْرَ الصَّدَقَةِ والعِفْرِيتِ الَّذِي رَآهُ الرَّسُولُ وقالَ فِيهِ: «لَوْلا دَعْوَةُ أخِي سُلَيْمانَ لَرَبَطْتُهُ إلى سارِيَةٍ مِن سَوارِي المَسْجِدِ»، وكَحَدِيثِ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ حِينَ سُيِّرَ لِكَسْرِ ذِي الخَلَصَةِ، وكَحَدِيثِ سَوادِ بْنِ قارِبٍ مَعَ رَئِيِّهِ مِنَ الجِنِّ إلّا أنَّ رُؤْيَتَهم في الصُّوَرِ نادِرَةٌ، كَما أنَّ المَلائِكَةَ تَبْدُو في صُوَرٍ كَحَدِيثِ جِبْرِيلَ وحَدِيثِ المَلَكِ الَّذِي أتى الأعْمى والأقْرَعَ والأبْرَصَ وهَذا أمْرٌ قَدِ اسْتَفاضَ في الشَّرِيعَةِ فَلا يُمْكِنُ رَدُّهُ أعْنِي تَصَوُّرَهم في بَعْضِ الأحْيانِ في الصُّوَرِ الكَثِيفَةِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلى أنَّ الجِنَّ لا يُرَوْنَ ولا يَظْهَرُونَ لِلْإنْسِ وأنَّ إظْهارَهم أنْفُسَهم لَيْسَ في اسْتِطاعَتِهِمْ، وأنَّ زَعْمَ مَن يَدَّعِي رُؤْيَتَهم زُورٌ ومَخْرَفَةٌ انْتَهى. ولا دَلِيلَ في الآيَةِ عَلى ما ذُكِرَ؛ لِأنَّهُ تَعالى أثْبَتَ أنَّهم يَرَوْنَنا مِن جِهَةٍ لا نَراهم نَحْنُ فِيها وهي الجِهَةُ الَّتِي يَكُونُونَ فِيها عَلى أصْلِ خِلْقَتِهِمْ مِنَ الأجْسامِ اللَّطِيفَةِ ولَوْ أرادَ نَفْيَ رُؤْيَتِنا عَلى العُمُومِ لَمْ يَتَقَيَّدْ بِهَذِهِ الحَيْثِيَّةِ، وكانَ يَكُونُ التَّرْكِيبُ أنَّهُ يَراكم هو وقَبِيلُهُ وأنْتُمْ لا تَرَوْنَهم وأيْضًا فَلَوْ فَرَضْنا أنَّ في الآيَةِ دَلالَةً لَكانَ مِنَ العامِّ المَخْصُوصِ بِالحَدِيثِ النَّبَوِيِّ المُسْتَفِيضِ، فَيَكُونُونَ مَرْئِيِّينَ في بَعْضِ الصُّوَرِ لِبَعْضِ النّاسِ في بَعْضِ الأحْيانِ، وفي كِتابِ التَّحْرِيرِ أنْكَرَ جَماعَةٌ مِنَ الحُكَماءِ تَكَرُّرَ الجِنِّ والشَّياطِينِ وتَصَوُّرَهم عَلى أيِّ جِهَةٍ شاءُوا، وقَوْلُهُ ﴿إنَّهُ يَراكُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ وتَحْذِيرٌ مِن فِتْنَتِهِ فَإنَّهُ بِمَنزِلَةِ العَدُوِّ المُداجِي يَكِيدُكم ويَغْتالُكم مِن حَيْثُ لا تَشْعُرُونَ، وفي الحَدِيثِ: «إنَّ الشَّيْطانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرى الدَّمِ» إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يُفارِقُهُ وأنَّهُ يَرْصُدُ غَفَلاتِهِ فَيَتَسَلَّطُ عَلَيْهِ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (أنَّهُ) عائِدٌ عَلى الشَّيْطانِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والضَّمِيرُ في (أنَّهُ) ضَمِيرُ الشَّأْنِ، والحَدِيثُ انْتَهى. ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى هَذا (وقَبِيلُهُ) مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في (يَراكم) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً مَحْذُوفَ الخَبَرِ أوْ مَعْطُوفًا عَلى مَوْضِعِ اسْمِ إنَّ عَلى مَذْهَبِ مَن يُجِيزُ ذَلِكَ، وقَرَأاليَزِيدِيُّ (وقَبِيلَهُ) بِنَصْبِ اللّامِ عَطْفًا عَلى اسْمِ إنَّ إنْ كانَ الضَّمِيرُ (p-٢٨٥)يَعُودُ عَلى الشَّيْطانِ (وقَبِيلَهُ) مَفْعُولٌ مَعَهُ، أيْ مَعَ قَبِيلِهِ، وقُرِئَ شاذًّا مِن حَيْثُ لا تَرَوْنَهُ بِإفْرادِ الضَّمِيرِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى الشَّيْطانِ، (وقَبِيلُهُ) إجْراءٌ لَهُ مَجْرى اسْمِ الإشارَةِ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ:
؎فِيها خُطُوطٌ مِن سَوادٍ وبَلَقْ ∗∗∗ كَأنَّهُ في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ
أيْ كانَ ذَلِكَ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ، عادَ الضَّمِيرُ عَلى الشَّيْطانِ وحْدَهُ لِكَوْنِهِ رَأْسَهم وكَبِيرَهم، وهم لَهُ تَبَعٌ وهو المُفْرَدُ بِالنَّهْيِ أوَّلًا.
﴿إنّا جَعَلْنا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ لِلَّذِينِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ صَيَّرْنا الشَّياطِينَ ناصِرِيهِمْ وعاضِدِيهِمْ في الباطِلِ، وقالَ الزَّجّاجُ: سَلَّطْناهم عَلَيْهِمْ يُزِيدُونَ في غَيِّهِمْ فَيُتابِعُونَهم عَلى ذَلِكَ، فَصارُوا أوْلِياءَهم، وقِيلَ: جَعَلْناهم قُرَناءَ لَهم، وحَكى الزَّهْراوِيُّ أنَّ جَعَلَ هُنا بِمَعْنى وصَفَ، وهي نَزْعَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: خَلَّيْنا بَيْنَهم وبَيْنَهم لَمْ نَكُفَّهم عَنْهم حَتّى تَوَلَّوْهم وأطاعُوهم، فِيما سَوَّلُوا لَهم مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، وهَذا تَحْذِيرٌ آخَرُ أبْلَغُ مِنَ الأوَّلِ، انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ.
الأعراف 7:24
﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وسَمَّيا ذَنْبَهُما وإنْ كانَ صَغِيرًا مَغْفُورًا ظُلْمًا، وقالا ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ عَلى عادَةِ الأوْلِياءِ والصّالِحِينَ في اسْتِعْظامِهِمُ الصَّغِيرَ مِنَ السَّيِّئاتِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: اعْتِرافٌ مِن آدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وطَلَبٌ لِلتَّوْبَةِ والسَّتْرِ والتَّغَمُّدِ بِالرَّحْمَةِ، فَطَلَبَ آدَمُ هَذا، وطَلَبَ إبْلِيسُ النَّظِرَةَ ولَمْ يَطْلُبِ التَّوْبَةَ، فَوُكِلَ إلى رَأْيِهِ، قالَ الضَّحّاكُ: هَذِهِ الآيَةُ هي الكَلِماتُ الَّتِي تَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ، وقِيلَ: سَعِدَ آدَمُ بِخَمْسَةِ أشْياءَ: اعْتَرَفَ بِالمُخالَفَةِ ونَدِمَ عَلَيْها، ولامَ نَفْسَهُ وسارَعَ إلى التَّوْبَةِ ولَمْ يَقْنَطْ مِنَ الرَّحْمَةِ، وشَقِيَ إبْلِيسُ بِخَمْسَةِ أشْياءَ: لَمْ يُقِرَّ بِالذَّنْبِ، ولَمْ يَنْدَمْ، ولَمْ يَلُمْ نَفْسَهُ، بَلْ أضافَ إلى رَبِّهِ الغَوايَةَ، وقَنَطَ مِنَ الرَّحْمَةِ، و(لَنَكُونَنَّ) جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ قَبْلَ إنَّ، كَقَوْلِهِ و﴿وإنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ﴾ [المائدة: ٧٣]، التَّقْدِيرُ: واللَّهِ إنْ لَمْ يَغْفِرْ لَنا. وأكْثَرُ ما تَأْتِي إنَّ هَذِهِ ولامُ التَّوْطِئَةِ قَبْلَها كَقَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ [الأحزاب: ٦٠]، ثُمَّ قالَ: لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ.
﴿قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في البَقَرَةِ.
﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وفِيها تَمُوتُونَ ومِنها تُخْرَجُونَ﴾ . هَذا كالتَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ [البقرة: ٣٦]، أيْ: بِالحَياةِ إلى حِينِ المَوْتِ، ولِذَلِكَ جاءَ قالَ بِغَيْرِ واوِ العَطْفِ إذِ الأكْثَرُ في لِسانِ العَرَبِ إذا لَمْ تَكُنِ الجُمْلَةُ تَفْسِيرِيَّةً، أوْ كالتَّفْسِيرِيَّةِ أنْ تُعْطَفَ عَلى الجُمْلَةِ قَبْلَها، فَتَقُولَ قالَ فُلانٌ كَذا، وقالَ كَذا، وتَقُولَ: زَيْدٌ قائِمٌ وعَمْرٌو قاعِدٌ، ويَقِلُّ في كَلامِهِمْ قالَ فُلانٌ كَذا قالَ كَذا، وكَذَلِكَ يَقِلُّ زَيْدٌ قائِمٌ، عَمْرٌو قاعِدٌ، وهُنا جاءَ ﴿قالَ اهْبِطُوا﴾ الآيَةَ ﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ﴾ لَمّا كانَتْ كالتَّفْسِيرِ لِما قَبْلَها، وتُمِّمَ هُنا المَقْصُودُ بِالتَّنْبِيهِ عَلى البَعْثِ والنُّشُورِ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِنها تُخْرَجُونَ﴾، أيْ: إلى المُجازاةِ بِالثَّوابِ والعِقابِ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكم ومِنها نُخْرِجُكم تارَةً أُخْرى﴾ [طه: ٥٥] . وقَرَأ الأخَوانِ، وابْنُ ذَكْوانَ تَخْرُجُونَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ هُنا، وعَنِ ابْنِ ذَكْوانَ في أوَّلِ (p-٢٨٢)الرُّومِ خِلافٌ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
﴿يا بَنِي آدَمَ قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكم ورِيشًا ولِباسُ التَّقْوى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها هو أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ قِصَّةَ آدَمَ، وفِيها سَتْرُ السَّوْءاتِ وجَعَلَ لَهُ في الأرْضِ مُسْتَقَرًّا ومَتاعًا، ذَكَرَ ما امْتَنَّ بِهِ عَلى بَنِيهِ وما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ اللِّباسِ الَّذِي يُوارِي السَّوْءاتِ والرِّياشِ الَّذِي يُمْكِنُ بِهِ اسْتِقْرارُهم في الأرْضِ واسْتِمْتاعُهم بِما خَوَّلَهم، وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ والثَّلاثُ بَعْدَها فِيمَن كانَ مِنَ العَرَبِ يَتَعَرّى في طَوافِهِ بِالبَيْتِ وذَكَرَ النَّقّاشُ أنَّها كانَتْ عادَةَ ثَقِيفٍ وخُزاعَةَ وبَنِي عامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ وبَنِي مُدْلِجٍ والحارِثِ وعامِرٍ ابْنَيْ عَبْدِ مَناةَ نِسائِهِمْ ورِجالِهِمْ. وأنْزَلَنا قِيلَ عَلى حَقِيقَتِهِ مِنَ الِانْحِطاطِ مِن عُلُوٍّ إلى سُفْلٍ فَأنْزَلَ مَعَ آدَمَ وحَوّاءَ شَيْئًا مِنَ اللِّباسِ مِثالًا لِغَيْرِهِ، ثُمَّ تَوَسَّعَ بَنُوهُما في الصَّنْعَةِ اسْتِنْباطًا مِن ذَلِكَ المِثالِ، أوْ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ أصْلَ كُلِّ شَيْءٍ عِنْدَ إهْباطِهِما، أوْ أنْزَلَ مَعَهُ الحَدِيدَ فاتَّخَذَ مِنهُ آلاتِ الصَّنائِعِ، أوْ أنْزَلَ المَلَكَ فَعَلَّمَ آدَمَ النَّسْجَ، أرْبَعَةُ أقْوالٍ، وقِيلَ: الإنْزالُ مَجازٌ مِن إطْلاقِ السَّبَبِ عَلى مُسَبِّبِهِ، فَأنْزَلَ المَطَرَ وهو سَبَبُ ما يَتَهَيَّأُ مِنهُ اللِّباسُ، أوْ بِمَعْنى خَلَقَ كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الزمر: ٦]، أوْ بِمَعْنى الهَمِّ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ جَعَلَ ما في الأرْضِ مُنَزَّلًا مِنَ السَّماءِ؛ لِأنَّهُ قُضِيَ ثَمَّ وكُتِبَ، ومِنهُ: ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الزمر: ٦]، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أنْزَلْنا يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالتَّدْرِيجِ، أيْ: لَمّا أنْزَلَ المَطَرَ فَكانَ عَنْهُ جَمِيعُ ما يُلْبَسُ قالَ عَنِ اللِّباسِ (أنْزَلْنا)، وهَذا نَحْوُ قَوْلِ الشّاعِرِ يَصِفُ مَطَرًا:
؎أقْبَلَ في المَسَّيْنِ مِن سَحابِهْ أسْنِمَةُ الآبالِ في رَبابِهْ
أيْ: بِالمالِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ خَلَقْنا فَجاءَتِ العِبارَةُ بِأنْزَلْنا كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلْنا الحَدِيدَ﴾ [الحديد: ٢٥] وقَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ﴾ [الزمر: ٦] وأيْضًا، فَخَلْقُ اللَّهِ وأفْعالُهُ إنَّما هي مِن عُلُوٍّ في القَدْرِ والمَنزِلَةِ. انْتَهى. واللِّباسُ يَعُمُّ جَمِيعَ ما يُلْبَسُ ويَسْتُرُ، والرِّيشُ عِبارَةٌ عَنْ سَعَةِ الرِّزْقِ ورَفاهِيَةِ العَيْشِ ووُجُودِ اللَّبْسِ والتَّمَتُّعِ. وأكْثَرُ أهْلِ اللُّغَةِ عَلى أنَّ الرِّيشَ ما يَسْتُرُ مِن لِباسٍ، أوْ مَعِيشَةٍ، وقالَ قَوْمٌ: الإناثُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ، ومُجاهِدٌ: المالُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الجَمالُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِباسُ الزِّينَةِ اسْتُعِيرَ مِن رِيشِ الطّائِرِ؛ لِأنَّهُ لِباسُهُ وزِينَتُهُ، أيْ: أنْزَلَنا عَلَيْكم لِباسَيْنِ لِباسًا يُوارِي سَوْءاتِكم ولِباسًا يُزَيِّنُكم؛ لِأنَّ الزِّينَةَ غَرَضٌ صَحِيحٌ كَما قالَ تَعالى: ﴿لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ [النحل: ٨]، ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ﴾ [النحل: ٦] . انْتَهى. وعَطْفُ (الرِّيشِ) عَلى (لِباسًا) يَقْتَضِي المُغايَرَةَ، وأنَّهُ قَسِيمٌ لِلِّباسٍ لا قِسْمٌ مِنهُ، وقَرَأ عُثْمانُ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسُّلَمِيُّ، وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، وابْنُهُ زَيْدٌ، وأبُو رَجاءٍ، وزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ، وعاصِمٌ في رِوايَةٍ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ، ورِياشًا، فَقِيلَ: هُما مَصْدَرانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، راشَهُ اللَّهُ يَرِيشُهُ رَيْشًا ورِياشًا أنْعَمَ عَلَيْهِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَمْعُ رِيشٍ كَشُعَبٍ وشِعابٍ، وقالَ الزَّجّاجُ: هُما اللِّباسُ، وقالَ الفَرّاءُ: هُما ما يَسْتُرُ مِن ثِيابٍ ومالٍ كَما يُقالُ لِبْسٌ ولِباسٌ، وقالَ مَعْبَدٌ الجُهَنِيُّ: الرِّياشُ المَعاشُ، وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الرِّيشُ الأكْلُ والشُّرْبُ، والرِّياشُ المالُ المُسْتَفادُ، وقِيلَ: الرِّيشُ ما بَطَنَ، والرِّياشُ ما ظَهَرَ، وقَرَأ الصّاحِبانِ، والكِسائِيُّ: ﴿ولِباسَ التَّقْوى﴾ بِالنَّصْبِ عَطْفًا (p-٢٨٣)عَلى المَنصُوبِ قَبْلَهُ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالرَّفْعِ، فَقِيلَ هو عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: وهو لِباسُ التَّقْوى. قالَهُ الزَّجّاجُ ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ عَلى هَذا مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ (ولِباسُ) مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ ولِباسُ التَّقْوى ساتِرُ عَوْراتِكم، وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ، والظّاهِرُ أنَّهُ مُبْتَدَأٌ ثانٍ و(خَيْرٌ) خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ عَنْ و(لِباسُ التَّقْوى) والرّابِطُ اسْمُ الإشارَةِ، وهو أحَدُ الرَّوابِطِ الخَمْسِ المُتَّفَقِ عَلَيْها في رَبْطِ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ إذا لَمْ يَكُنْ إيّاهُ، وقِيلَ: ذَلِكَ بَدَلٌ مِن لِباسٍ، وقِيلَ: عَطْفُ بَيانٍ، وقِيلَ: صِفَةٌ، وخَبَرُ (ولِباسُ) هو (خَيْرٌ)، وقالَ الحَوْفِيُّ: وأنا أرى أنْ لا يَكُونَ ذَلِكَ نَعْتًا لِلِباسِ التَّقْوى؛ لِأنَّ الأسْماءَ المُبْهَمَةَ أعْرَفُ مِمّا فِيهِ الألِفُ واللّامُ وما أُضِيفَ إلى الألِفِ واللّامِ وسَبِيلُ النَّعْتِ أنْ يَكُونَ مُساوِيًا لِلْمَنعُوتِ، أوْ أقَلُّ مِنهُ تَعْرِيفًا، فَإنْ كانَ قَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ أحَدٍ بِهِ فَهو سَهْوٌ. وأجازَ الحَوْفِيُّ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ فَصْلًا لا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، ويَكُونُ (خَيْرٌ) خَبَرًا لِقَوْلِهِ: ﴿ولِباسُ التَّقْوى﴾ فَجُعِلَ اسْمُ الإشارَةِ فَصْلًا كالمُضْمَرِ ولا أعْلَمُ أحَدًا قالَ بِهَذا، وأمّا قَوْلُهُ: فَإنْ كانَ قَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ أحَدٍ بِهِ فَهو سَهْوٌ، فَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وقالَ: هو أنْبَلُ الأقْوالِ، ذَكَرَهُ أبُو عَلِيٍّ في الحُجَّةِ. انْتَهى؛ وأجازَهُ أيْضًا أبُو البَقاءِ وما ذَكَرَهُ الحَوْفِيُّ هو الصَّوابُ عَلى أشْهَرِ الأقْوالِ في تَرْتِيبِ المَعارِفِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأُبَيٌّ: ”ولِباسُ التَّقْوى خَيْرٌ“ بِإسْقاطِ ذَلِكَ، فَهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، والظّاهِرُ حَمْلُهُ عَلى اللِّباسِ حَقِيقَةً، فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو سَتْرُ العَوْرَةِ، وهَذا فِيهِ تَكْرارٌ؛ لِأنَّهُ قَدْ قالَ: لِباسًا يُوارِي سَوْءاتِكم، وقالَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: الدِّرْعُ والمِغْفَرُ والسّاعِدانِ؛ لِأنَّهُ يُتَّقى بِها في الحَرْبِ. وقِيلَ: الصُّوفُ ولُبْسُ الخَشِنِ، ورُوِيَ: اخْشَوْشِنُوا وكُلُوا الطَّعامَ الخَشِنَ، وقِيلَ ما يَقِي مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ، وقالَ عُثْمانُ بْنُ عَطاءٍ: لِباسُ المُتَّقِينَ في الآخِرَةِ، وقِيلَ لِباسُ التَّقْوى مَجازٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: العَمَلُ الصّالِحُ، وقالَ أيْضًا: العِفَّةُ، وقالَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: السَّمْتُ الحَسَنُ في الوَجْهِ، وقالَ مَعْبَدٌ الجُهَنِيُّ: الحَياءُ، وقالَ الحَسَنُ: الوَرَعُ والسَّمْتُ الحَسَنُ، وقالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: خَشْيَةُ اللَّهِ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الإيمانُ، وقِيلَ ما يَظْهَرُ مِنَ السَّكِينَةِ والإخْباتِ، وقالَ يَحْيى بْنُ يَحْيى: الخُشُوعُ، والأحْسَنُ أنْ يُجْعَلَ عامًّا فَكُلُّ ما يَحْصُلُ بِهِ الِاتِّقاءُ المَشْرُوعُ فَهو مِن لِباسِ التَّقْوى، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ إلى ما تَقَدَّمَ مِن إنْزالِ اللِّباسِ والرِّياشِ ولِباسِ التَّقْوى، والمَعْنى: مِن آياتِ اللَّهِ الدّالَّةِ عَلى فَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ عَلى عِبادِهِ، وقِيلَ: مِن مُوجِبِ آياتِ اللَّهِ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى (لِباسُ التَّقْوى)، أيْ: هو في العِبَرِ آيَةٌ، أيْ: عَلامَةٌ وأمارَةٌ مِنَ اللَّهِ أنَّهُ قَدْ رَضِيَ عَنْهُ ورَحِمَهُ لَعَلَّهم يَذْكُرُونَ هَذِهِ النِّعَمَ فَيَشْكُرُونَ اللَّهَ عَلَيْها.
﴿يابَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما﴾ . أيْ لا يَسْتَهْوِيَنَّكم ويَغْلِبْ عَلَيْكم، وهو نَهْيٌ لِلشَّيْطانِ، والمَعْنى نَهْيُهم أنْفُسَهم عَنِ الإصْغاءِ إلَيْهِ والطَّواعِيَةِ لِأمْرِهِ، كَما قالُوا لا أرَيَنَّكَ هُنا، ومَعْناهُ النَّهْيُ عَنِ الإقامَةِ بِحَيْثُ يَراهُ، وكَما في مَوْضِعِ نَصْبٍ أيْ فِتْنَةٍ مِثْلِ فِتْنَةِ إخْراجِ أبَوَيْكم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى لا يُخْرِجَنَّكم عَنِ الدِّينِ بِفِتْنَتِهِ إخْراجًا مِثْلَ إخْراجِهِ أبَوَيْكم، وقَرَأ يَحْيى وإبْراهِيمُ: (لا يُفْتِنَنَّكم) بِضَمِّ الياءِ مِن أفْتَنَ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: لا يَفْتِنْكم بِغَيْرِ نُونِ تَوْكِيدٍ، والظّاهِرُ أنَّ لِباسَهُما هو الَّذِي كانَ عَلَيْهِما في الجَنَّةِ، وقالَ مُجاهِدٌ هو لِباسُ التَّقْوى، (وسَوْءاتِهِما) هو ما يَسُوءُهُما مِنَ المَعْصِيَةِ، ويَنْزِعُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (أخْرَجَ) أوْ مِن (أبَوَيْكم) لِأنَّ الجُمْلَةَ فِيها ضَمِيرُ الشَّيْطانِ وضَمِيرُ الأبَوَيْنِ، فَلَوْ كانَ بَدَلُ يَنْزِعُ نازِعًا تَعَيَّنَ الأوَّلُ، لِأنَّهُ (p-٢٨٤)إذْ ذاكَ لَوْ جَوَّزَ الثّانِي لَكانَ وصْفًا جَرى عَلى غَيْرِ مَن هو لَهُ فَكانَ يَجِبُ إبْرازُ الضَّمِيرِ وذَلِكَ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، ويَنْزِعُ حِكايَةُ أمْرٍ قَدْ وقَعَ؛ لِأنَّ نَزْعَ اللِّباسِ عَنْهُما كانَ قَبْلَ الإخْراجِ، ونَسَبَ النَّزْعَ إلى الشَّيْطانِ لَمّا كانَ مُتَسَبِّبًا فِيهِ.
﴿إنَّهُ يَراكم هو وقَبِيلُهُ مِن حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ أيْ إنَّ الشَّيْطانَ، وهو إبْلِيسُ يُبْصِرُكم هو وجُنُودُهُ ونَوْعُهُ وذُرِّيَّتُهُ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي لا تُبْصِرُونَهُ مِنها وهم أجْسامٌ لَطِيفَةٌ، مَعْلُومٌ مِن هَذِهِ الشَّرِيعَةِ وُجُودُهم، كَما أنَّ المَلائِكَةَ أيْضًا مَعْلُومٌ وُجُودُهم مِن هَذِهِ الشَّرِيعَةِ، ولا يُسْتَنْكَرُ وُجُودُ أجْسامٍ لَطِيفَةٍ جِدًّا لا نَراها نَحْنُ ألا تَرى أنَّ الهَواءَ جِسْمٌ لَطِيفٌ لا نُدْرِكُهُ نَحْنُ وقَدْ قامَ البُرْهانُ العَقْلِيُّ القاطِعُ عَلى وُجُودِهِ، وقَدْ صَحَّ تَصَوُّرُهم في الأجْسامِ الكَثِيفَةِ ورُؤْيَةُ بَنِي آدَمَ لَهم في تِلْكَ الأجْسامِ كالشَّيْطانِ الَّذِي رَآهُ أبُو هُرَيْرَةَ حِينَ جَعَلَ يَحْفَظُ تَمْرَ الصَّدَقَةِ والعِفْرِيتِ الَّذِي رَآهُ الرَّسُولُ وقالَ فِيهِ: «لَوْلا دَعْوَةُ أخِي سُلَيْمانَ لَرَبَطْتُهُ إلى سارِيَةٍ مِن سَوارِي المَسْجِدِ»، وكَحَدِيثِ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ حِينَ سُيِّرَ لِكَسْرِ ذِي الخَلَصَةِ، وكَحَدِيثِ سَوادِ بْنِ قارِبٍ مَعَ رَئِيِّهِ مِنَ الجِنِّ إلّا أنَّ رُؤْيَتَهم في الصُّوَرِ نادِرَةٌ، كَما أنَّ المَلائِكَةَ تَبْدُو في صُوَرٍ كَحَدِيثِ جِبْرِيلَ وحَدِيثِ المَلَكِ الَّذِي أتى الأعْمى والأقْرَعَ والأبْرَصَ وهَذا أمْرٌ قَدِ اسْتَفاضَ في الشَّرِيعَةِ فَلا يُمْكِنُ رَدُّهُ أعْنِي تَصَوُّرَهم في بَعْضِ الأحْيانِ في الصُّوَرِ الكَثِيفَةِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلى أنَّ الجِنَّ لا يُرَوْنَ ولا يَظْهَرُونَ لِلْإنْسِ وأنَّ إظْهارَهم أنْفُسَهم لَيْسَ في اسْتِطاعَتِهِمْ، وأنَّ زَعْمَ مَن يَدَّعِي رُؤْيَتَهم زُورٌ ومَخْرَفَةٌ انْتَهى. ولا دَلِيلَ في الآيَةِ عَلى ما ذُكِرَ؛ لِأنَّهُ تَعالى أثْبَتَ أنَّهم يَرَوْنَنا مِن جِهَةٍ لا نَراهم نَحْنُ فِيها وهي الجِهَةُ الَّتِي يَكُونُونَ فِيها عَلى أصْلِ خِلْقَتِهِمْ مِنَ الأجْسامِ اللَّطِيفَةِ ولَوْ أرادَ نَفْيَ رُؤْيَتِنا عَلى العُمُومِ لَمْ يَتَقَيَّدْ بِهَذِهِ الحَيْثِيَّةِ، وكانَ يَكُونُ التَّرْكِيبُ أنَّهُ يَراكم هو وقَبِيلُهُ وأنْتُمْ لا تَرَوْنَهم وأيْضًا فَلَوْ فَرَضْنا أنَّ في الآيَةِ دَلالَةً لَكانَ مِنَ العامِّ المَخْصُوصِ بِالحَدِيثِ النَّبَوِيِّ المُسْتَفِيضِ، فَيَكُونُونَ مَرْئِيِّينَ في بَعْضِ الصُّوَرِ لِبَعْضِ النّاسِ في بَعْضِ الأحْيانِ، وفي كِتابِ التَّحْرِيرِ أنْكَرَ جَماعَةٌ مِنَ الحُكَماءِ تَكَرُّرَ الجِنِّ والشَّياطِينِ وتَصَوُّرَهم عَلى أيِّ جِهَةٍ شاءُوا، وقَوْلُهُ ﴿إنَّهُ يَراكُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ وتَحْذِيرٌ مِن فِتْنَتِهِ فَإنَّهُ بِمَنزِلَةِ العَدُوِّ المُداجِي يَكِيدُكم ويَغْتالُكم مِن حَيْثُ لا تَشْعُرُونَ، وفي الحَدِيثِ: «إنَّ الشَّيْطانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرى الدَّمِ» إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يُفارِقُهُ وأنَّهُ يَرْصُدُ غَفَلاتِهِ فَيَتَسَلَّطُ عَلَيْهِ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (أنَّهُ) عائِدٌ عَلى الشَّيْطانِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والضَّمِيرُ في (أنَّهُ) ضَمِيرُ الشَّأْنِ، والحَدِيثُ انْتَهى. ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى هَذا (وقَبِيلُهُ) مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في (يَراكم) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً مَحْذُوفَ الخَبَرِ أوْ مَعْطُوفًا عَلى مَوْضِعِ اسْمِ إنَّ عَلى مَذْهَبِ مَن يُجِيزُ ذَلِكَ، وقَرَأاليَزِيدِيُّ (وقَبِيلَهُ) بِنَصْبِ اللّامِ عَطْفًا عَلى اسْمِ إنَّ إنْ كانَ الضَّمِيرُ (p-٢٨٥)يَعُودُ عَلى الشَّيْطانِ (وقَبِيلَهُ) مَفْعُولٌ مَعَهُ، أيْ مَعَ قَبِيلِهِ، وقُرِئَ شاذًّا مِن حَيْثُ لا تَرَوْنَهُ بِإفْرادِ الضَّمِيرِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى الشَّيْطانِ، (وقَبِيلُهُ) إجْراءٌ لَهُ مَجْرى اسْمِ الإشارَةِ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ:
؎فِيها خُطُوطٌ مِن سَوادٍ وبَلَقْ ∗∗∗ كَأنَّهُ في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ
أيْ كانَ ذَلِكَ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ، عادَ الضَّمِيرُ عَلى الشَّيْطانِ وحْدَهُ لِكَوْنِهِ رَأْسَهم وكَبِيرَهم، وهم لَهُ تَبَعٌ وهو المُفْرَدُ بِالنَّهْيِ أوَّلًا.
﴿إنّا جَعَلْنا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ لِلَّذِينِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ صَيَّرْنا الشَّياطِينَ ناصِرِيهِمْ وعاضِدِيهِمْ في الباطِلِ، وقالَ الزَّجّاجُ: سَلَّطْناهم عَلَيْهِمْ يُزِيدُونَ في غَيِّهِمْ فَيُتابِعُونَهم عَلى ذَلِكَ، فَصارُوا أوْلِياءَهم، وقِيلَ: جَعَلْناهم قُرَناءَ لَهم، وحَكى الزَّهْراوِيُّ أنَّ جَعَلَ هُنا بِمَعْنى وصَفَ، وهي نَزْعَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: خَلَّيْنا بَيْنَهم وبَيْنَهم لَمْ نَكُفَّهم عَنْهم حَتّى تَوَلَّوْهم وأطاعُوهم، فِيما سَوَّلُوا لَهم مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، وهَذا تَحْذِيرٌ آخَرُ أبْلَغُ مِنَ الأوَّلِ، انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ.
الأعراف 7:25
﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وسَمَّيا ذَنْبَهُما وإنْ كانَ صَغِيرًا مَغْفُورًا ظُلْمًا، وقالا ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ عَلى عادَةِ الأوْلِياءِ والصّالِحِينَ في اسْتِعْظامِهِمُ الصَّغِيرَ مِنَ السَّيِّئاتِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: اعْتِرافٌ مِن آدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وطَلَبٌ لِلتَّوْبَةِ والسَّتْرِ والتَّغَمُّدِ بِالرَّحْمَةِ، فَطَلَبَ آدَمُ هَذا، وطَلَبَ إبْلِيسُ النَّظِرَةَ ولَمْ يَطْلُبِ التَّوْبَةَ، فَوُكِلَ إلى رَأْيِهِ، قالَ الضَّحّاكُ: هَذِهِ الآيَةُ هي الكَلِماتُ الَّتِي تَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ، وقِيلَ: سَعِدَ آدَمُ بِخَمْسَةِ أشْياءَ: اعْتَرَفَ بِالمُخالَفَةِ ونَدِمَ عَلَيْها، ولامَ نَفْسَهُ وسارَعَ إلى التَّوْبَةِ ولَمْ يَقْنَطْ مِنَ الرَّحْمَةِ، وشَقِيَ إبْلِيسُ بِخَمْسَةِ أشْياءَ: لَمْ يُقِرَّ بِالذَّنْبِ، ولَمْ يَنْدَمْ، ولَمْ يَلُمْ نَفْسَهُ، بَلْ أضافَ إلى رَبِّهِ الغَوايَةَ، وقَنَطَ مِنَ الرَّحْمَةِ، و(لَنَكُونَنَّ) جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ قَبْلَ إنَّ، كَقَوْلِهِ و﴿وإنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ﴾ [المائدة: ٧٣]، التَّقْدِيرُ: واللَّهِ إنْ لَمْ يَغْفِرْ لَنا. وأكْثَرُ ما تَأْتِي إنَّ هَذِهِ ولامُ التَّوْطِئَةِ قَبْلَها كَقَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ [الأحزاب: ٦٠]، ثُمَّ قالَ: لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ.
﴿قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في البَقَرَةِ.
﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وفِيها تَمُوتُونَ ومِنها تُخْرَجُونَ﴾ . هَذا كالتَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ [البقرة: ٣٦]، أيْ: بِالحَياةِ إلى حِينِ المَوْتِ، ولِذَلِكَ جاءَ قالَ بِغَيْرِ واوِ العَطْفِ إذِ الأكْثَرُ في لِسانِ العَرَبِ إذا لَمْ تَكُنِ الجُمْلَةُ تَفْسِيرِيَّةً، أوْ كالتَّفْسِيرِيَّةِ أنْ تُعْطَفَ عَلى الجُمْلَةِ قَبْلَها، فَتَقُولَ قالَ فُلانٌ كَذا، وقالَ كَذا، وتَقُولَ: زَيْدٌ قائِمٌ وعَمْرٌو قاعِدٌ، ويَقِلُّ في كَلامِهِمْ قالَ فُلانٌ كَذا قالَ كَذا، وكَذَلِكَ يَقِلُّ زَيْدٌ قائِمٌ، عَمْرٌو قاعِدٌ، وهُنا جاءَ ﴿قالَ اهْبِطُوا﴾ الآيَةَ ﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ﴾ لَمّا كانَتْ كالتَّفْسِيرِ لِما قَبْلَها، وتُمِّمَ هُنا المَقْصُودُ بِالتَّنْبِيهِ عَلى البَعْثِ والنُّشُورِ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِنها تُخْرَجُونَ﴾، أيْ: إلى المُجازاةِ بِالثَّوابِ والعِقابِ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكم ومِنها نُخْرِجُكم تارَةً أُخْرى﴾ [طه: ٥٥] . وقَرَأ الأخَوانِ، وابْنُ ذَكْوانَ تَخْرُجُونَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ هُنا، وعَنِ ابْنِ ذَكْوانَ في أوَّلِ (p-٢٨٢)الرُّومِ خِلافٌ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
﴿يا بَنِي آدَمَ قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكم ورِيشًا ولِباسُ التَّقْوى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها هو أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ قِصَّةَ آدَمَ، وفِيها سَتْرُ السَّوْءاتِ وجَعَلَ لَهُ في الأرْضِ مُسْتَقَرًّا ومَتاعًا، ذَكَرَ ما امْتَنَّ بِهِ عَلى بَنِيهِ وما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ اللِّباسِ الَّذِي يُوارِي السَّوْءاتِ والرِّياشِ الَّذِي يُمْكِنُ بِهِ اسْتِقْرارُهم في الأرْضِ واسْتِمْتاعُهم بِما خَوَّلَهم، وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ والثَّلاثُ بَعْدَها فِيمَن كانَ مِنَ العَرَبِ يَتَعَرّى في طَوافِهِ بِالبَيْتِ وذَكَرَ النَّقّاشُ أنَّها كانَتْ عادَةَ ثَقِيفٍ وخُزاعَةَ وبَنِي عامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ وبَنِي مُدْلِجٍ والحارِثِ وعامِرٍ ابْنَيْ عَبْدِ مَناةَ نِسائِهِمْ ورِجالِهِمْ. وأنْزَلَنا قِيلَ عَلى حَقِيقَتِهِ مِنَ الِانْحِطاطِ مِن عُلُوٍّ إلى سُفْلٍ فَأنْزَلَ مَعَ آدَمَ وحَوّاءَ شَيْئًا مِنَ اللِّباسِ مِثالًا لِغَيْرِهِ، ثُمَّ تَوَسَّعَ بَنُوهُما في الصَّنْعَةِ اسْتِنْباطًا مِن ذَلِكَ المِثالِ، أوْ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ أصْلَ كُلِّ شَيْءٍ عِنْدَ إهْباطِهِما، أوْ أنْزَلَ مَعَهُ الحَدِيدَ فاتَّخَذَ مِنهُ آلاتِ الصَّنائِعِ، أوْ أنْزَلَ المَلَكَ فَعَلَّمَ آدَمَ النَّسْجَ، أرْبَعَةُ أقْوالٍ، وقِيلَ: الإنْزالُ مَجازٌ مِن إطْلاقِ السَّبَبِ عَلى مُسَبِّبِهِ، فَأنْزَلَ المَطَرَ وهو سَبَبُ ما يَتَهَيَّأُ مِنهُ اللِّباسُ، أوْ بِمَعْنى خَلَقَ كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الزمر: ٦]، أوْ بِمَعْنى الهَمِّ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ جَعَلَ ما في الأرْضِ مُنَزَّلًا مِنَ السَّماءِ؛ لِأنَّهُ قُضِيَ ثَمَّ وكُتِبَ، ومِنهُ: ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الزمر: ٦]، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أنْزَلْنا يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالتَّدْرِيجِ، أيْ: لَمّا أنْزَلَ المَطَرَ فَكانَ عَنْهُ جَمِيعُ ما يُلْبَسُ قالَ عَنِ اللِّباسِ (أنْزَلْنا)، وهَذا نَحْوُ قَوْلِ الشّاعِرِ يَصِفُ مَطَرًا:
؎أقْبَلَ في المَسَّيْنِ مِن سَحابِهْ أسْنِمَةُ الآبالِ في رَبابِهْ
أيْ: بِالمالِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ خَلَقْنا فَجاءَتِ العِبارَةُ بِأنْزَلْنا كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلْنا الحَدِيدَ﴾ [الحديد: ٢٥] وقَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ﴾ [الزمر: ٦] وأيْضًا، فَخَلْقُ اللَّهِ وأفْعالُهُ إنَّما هي مِن عُلُوٍّ في القَدْرِ والمَنزِلَةِ. انْتَهى. واللِّباسُ يَعُمُّ جَمِيعَ ما يُلْبَسُ ويَسْتُرُ، والرِّيشُ عِبارَةٌ عَنْ سَعَةِ الرِّزْقِ ورَفاهِيَةِ العَيْشِ ووُجُودِ اللَّبْسِ والتَّمَتُّعِ. وأكْثَرُ أهْلِ اللُّغَةِ عَلى أنَّ الرِّيشَ ما يَسْتُرُ مِن لِباسٍ، أوْ مَعِيشَةٍ، وقالَ قَوْمٌ: الإناثُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ، ومُجاهِدٌ: المالُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الجَمالُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِباسُ الزِّينَةِ اسْتُعِيرَ مِن رِيشِ الطّائِرِ؛ لِأنَّهُ لِباسُهُ وزِينَتُهُ، أيْ: أنْزَلَنا عَلَيْكم لِباسَيْنِ لِباسًا يُوارِي سَوْءاتِكم ولِباسًا يُزَيِّنُكم؛ لِأنَّ الزِّينَةَ غَرَضٌ صَحِيحٌ كَما قالَ تَعالى: ﴿لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ [النحل: ٨]، ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ﴾ [النحل: ٦] . انْتَهى. وعَطْفُ (الرِّيشِ) عَلى (لِباسًا) يَقْتَضِي المُغايَرَةَ، وأنَّهُ قَسِيمٌ لِلِّباسٍ لا قِسْمٌ مِنهُ، وقَرَأ عُثْمانُ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسُّلَمِيُّ، وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، وابْنُهُ زَيْدٌ، وأبُو رَجاءٍ، وزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ، وعاصِمٌ في رِوايَةٍ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ، ورِياشًا، فَقِيلَ: هُما مَصْدَرانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، راشَهُ اللَّهُ يَرِيشُهُ رَيْشًا ورِياشًا أنْعَمَ عَلَيْهِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَمْعُ رِيشٍ كَشُعَبٍ وشِعابٍ، وقالَ الزَّجّاجُ: هُما اللِّباسُ، وقالَ الفَرّاءُ: هُما ما يَسْتُرُ مِن ثِيابٍ ومالٍ كَما يُقالُ لِبْسٌ ولِباسٌ، وقالَ مَعْبَدٌ الجُهَنِيُّ: الرِّياشُ المَعاشُ، وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الرِّيشُ الأكْلُ والشُّرْبُ، والرِّياشُ المالُ المُسْتَفادُ، وقِيلَ: الرِّيشُ ما بَطَنَ، والرِّياشُ ما ظَهَرَ، وقَرَأ الصّاحِبانِ، والكِسائِيُّ: ﴿ولِباسَ التَّقْوى﴾ بِالنَّصْبِ عَطْفًا (p-٢٨٣)عَلى المَنصُوبِ قَبْلَهُ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالرَّفْعِ، فَقِيلَ هو عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: وهو لِباسُ التَّقْوى. قالَهُ الزَّجّاجُ ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ عَلى هَذا مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ (ولِباسُ) مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ ولِباسُ التَّقْوى ساتِرُ عَوْراتِكم، وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ، والظّاهِرُ أنَّهُ مُبْتَدَأٌ ثانٍ و(خَيْرٌ) خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ عَنْ و(لِباسُ التَّقْوى) والرّابِطُ اسْمُ الإشارَةِ، وهو أحَدُ الرَّوابِطِ الخَمْسِ المُتَّفَقِ عَلَيْها في رَبْطِ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ إذا لَمْ يَكُنْ إيّاهُ، وقِيلَ: ذَلِكَ بَدَلٌ مِن لِباسٍ، وقِيلَ: عَطْفُ بَيانٍ، وقِيلَ: صِفَةٌ، وخَبَرُ (ولِباسُ) هو (خَيْرٌ)، وقالَ الحَوْفِيُّ: وأنا أرى أنْ لا يَكُونَ ذَلِكَ نَعْتًا لِلِباسِ التَّقْوى؛ لِأنَّ الأسْماءَ المُبْهَمَةَ أعْرَفُ مِمّا فِيهِ الألِفُ واللّامُ وما أُضِيفَ إلى الألِفِ واللّامِ وسَبِيلُ النَّعْتِ أنْ يَكُونَ مُساوِيًا لِلْمَنعُوتِ، أوْ أقَلُّ مِنهُ تَعْرِيفًا، فَإنْ كانَ قَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ أحَدٍ بِهِ فَهو سَهْوٌ. وأجازَ الحَوْفِيُّ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ فَصْلًا لا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، ويَكُونُ (خَيْرٌ) خَبَرًا لِقَوْلِهِ: ﴿ولِباسُ التَّقْوى﴾ فَجُعِلَ اسْمُ الإشارَةِ فَصْلًا كالمُضْمَرِ ولا أعْلَمُ أحَدًا قالَ بِهَذا، وأمّا قَوْلُهُ: فَإنْ كانَ قَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ أحَدٍ بِهِ فَهو سَهْوٌ، فَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وقالَ: هو أنْبَلُ الأقْوالِ، ذَكَرَهُ أبُو عَلِيٍّ في الحُجَّةِ. انْتَهى؛ وأجازَهُ أيْضًا أبُو البَقاءِ وما ذَكَرَهُ الحَوْفِيُّ هو الصَّوابُ عَلى أشْهَرِ الأقْوالِ في تَرْتِيبِ المَعارِفِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأُبَيٌّ: ”ولِباسُ التَّقْوى خَيْرٌ“ بِإسْقاطِ ذَلِكَ، فَهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، والظّاهِرُ حَمْلُهُ عَلى اللِّباسِ حَقِيقَةً، فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو سَتْرُ العَوْرَةِ، وهَذا فِيهِ تَكْرارٌ؛ لِأنَّهُ قَدْ قالَ: لِباسًا يُوارِي سَوْءاتِكم، وقالَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: الدِّرْعُ والمِغْفَرُ والسّاعِدانِ؛ لِأنَّهُ يُتَّقى بِها في الحَرْبِ. وقِيلَ: الصُّوفُ ولُبْسُ الخَشِنِ، ورُوِيَ: اخْشَوْشِنُوا وكُلُوا الطَّعامَ الخَشِنَ، وقِيلَ ما يَقِي مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ، وقالَ عُثْمانُ بْنُ عَطاءٍ: لِباسُ المُتَّقِينَ في الآخِرَةِ، وقِيلَ لِباسُ التَّقْوى مَجازٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: العَمَلُ الصّالِحُ، وقالَ أيْضًا: العِفَّةُ، وقالَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: السَّمْتُ الحَسَنُ في الوَجْهِ، وقالَ مَعْبَدٌ الجُهَنِيُّ: الحَياءُ، وقالَ الحَسَنُ: الوَرَعُ والسَّمْتُ الحَسَنُ، وقالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: خَشْيَةُ اللَّهِ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الإيمانُ، وقِيلَ ما يَظْهَرُ مِنَ السَّكِينَةِ والإخْباتِ، وقالَ يَحْيى بْنُ يَحْيى: الخُشُوعُ، والأحْسَنُ أنْ يُجْعَلَ عامًّا فَكُلُّ ما يَحْصُلُ بِهِ الِاتِّقاءُ المَشْرُوعُ فَهو مِن لِباسِ التَّقْوى، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ إلى ما تَقَدَّمَ مِن إنْزالِ اللِّباسِ والرِّياشِ ولِباسِ التَّقْوى، والمَعْنى: مِن آياتِ اللَّهِ الدّالَّةِ عَلى فَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ عَلى عِبادِهِ، وقِيلَ: مِن مُوجِبِ آياتِ اللَّهِ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى (لِباسُ التَّقْوى)، أيْ: هو في العِبَرِ آيَةٌ، أيْ: عَلامَةٌ وأمارَةٌ مِنَ اللَّهِ أنَّهُ قَدْ رَضِيَ عَنْهُ ورَحِمَهُ لَعَلَّهم يَذْكُرُونَ هَذِهِ النِّعَمَ فَيَشْكُرُونَ اللَّهَ عَلَيْها.
﴿يابَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما﴾ . أيْ لا يَسْتَهْوِيَنَّكم ويَغْلِبْ عَلَيْكم، وهو نَهْيٌ لِلشَّيْطانِ، والمَعْنى نَهْيُهم أنْفُسَهم عَنِ الإصْغاءِ إلَيْهِ والطَّواعِيَةِ لِأمْرِهِ، كَما قالُوا لا أرَيَنَّكَ هُنا، ومَعْناهُ النَّهْيُ عَنِ الإقامَةِ بِحَيْثُ يَراهُ، وكَما في مَوْضِعِ نَصْبٍ أيْ فِتْنَةٍ مِثْلِ فِتْنَةِ إخْراجِ أبَوَيْكم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى لا يُخْرِجَنَّكم عَنِ الدِّينِ بِفِتْنَتِهِ إخْراجًا مِثْلَ إخْراجِهِ أبَوَيْكم، وقَرَأ يَحْيى وإبْراهِيمُ: (لا يُفْتِنَنَّكم) بِضَمِّ الياءِ مِن أفْتَنَ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: لا يَفْتِنْكم بِغَيْرِ نُونِ تَوْكِيدٍ، والظّاهِرُ أنَّ لِباسَهُما هو الَّذِي كانَ عَلَيْهِما في الجَنَّةِ، وقالَ مُجاهِدٌ هو لِباسُ التَّقْوى، (وسَوْءاتِهِما) هو ما يَسُوءُهُما مِنَ المَعْصِيَةِ، ويَنْزِعُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (أخْرَجَ) أوْ مِن (أبَوَيْكم) لِأنَّ الجُمْلَةَ فِيها ضَمِيرُ الشَّيْطانِ وضَمِيرُ الأبَوَيْنِ، فَلَوْ كانَ بَدَلُ يَنْزِعُ نازِعًا تَعَيَّنَ الأوَّلُ، لِأنَّهُ (p-٢٨٤)إذْ ذاكَ لَوْ جَوَّزَ الثّانِي لَكانَ وصْفًا جَرى عَلى غَيْرِ مَن هو لَهُ فَكانَ يَجِبُ إبْرازُ الضَّمِيرِ وذَلِكَ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، ويَنْزِعُ حِكايَةُ أمْرٍ قَدْ وقَعَ؛ لِأنَّ نَزْعَ اللِّباسِ عَنْهُما كانَ قَبْلَ الإخْراجِ، ونَسَبَ النَّزْعَ إلى الشَّيْطانِ لَمّا كانَ مُتَسَبِّبًا فِيهِ.
﴿إنَّهُ يَراكم هو وقَبِيلُهُ مِن حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ أيْ إنَّ الشَّيْطانَ، وهو إبْلِيسُ يُبْصِرُكم هو وجُنُودُهُ ونَوْعُهُ وذُرِّيَّتُهُ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي لا تُبْصِرُونَهُ مِنها وهم أجْسامٌ لَطِيفَةٌ، مَعْلُومٌ مِن هَذِهِ الشَّرِيعَةِ وُجُودُهم، كَما أنَّ المَلائِكَةَ أيْضًا مَعْلُومٌ وُجُودُهم مِن هَذِهِ الشَّرِيعَةِ، ولا يُسْتَنْكَرُ وُجُودُ أجْسامٍ لَطِيفَةٍ جِدًّا لا نَراها نَحْنُ ألا تَرى أنَّ الهَواءَ جِسْمٌ لَطِيفٌ لا نُدْرِكُهُ نَحْنُ وقَدْ قامَ البُرْهانُ العَقْلِيُّ القاطِعُ عَلى وُجُودِهِ، وقَدْ صَحَّ تَصَوُّرُهم في الأجْسامِ الكَثِيفَةِ ورُؤْيَةُ بَنِي آدَمَ لَهم في تِلْكَ الأجْسامِ كالشَّيْطانِ الَّذِي رَآهُ أبُو هُرَيْرَةَ حِينَ جَعَلَ يَحْفَظُ تَمْرَ الصَّدَقَةِ والعِفْرِيتِ الَّذِي رَآهُ الرَّسُولُ وقالَ فِيهِ: «لَوْلا دَعْوَةُ أخِي سُلَيْمانَ لَرَبَطْتُهُ إلى سارِيَةٍ مِن سَوارِي المَسْجِدِ»، وكَحَدِيثِ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ حِينَ سُيِّرَ لِكَسْرِ ذِي الخَلَصَةِ، وكَحَدِيثِ سَوادِ بْنِ قارِبٍ مَعَ رَئِيِّهِ مِنَ الجِنِّ إلّا أنَّ رُؤْيَتَهم في الصُّوَرِ نادِرَةٌ، كَما أنَّ المَلائِكَةَ تَبْدُو في صُوَرٍ كَحَدِيثِ جِبْرِيلَ وحَدِيثِ المَلَكِ الَّذِي أتى الأعْمى والأقْرَعَ والأبْرَصَ وهَذا أمْرٌ قَدِ اسْتَفاضَ في الشَّرِيعَةِ فَلا يُمْكِنُ رَدُّهُ أعْنِي تَصَوُّرَهم في بَعْضِ الأحْيانِ في الصُّوَرِ الكَثِيفَةِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلى أنَّ الجِنَّ لا يُرَوْنَ ولا يَظْهَرُونَ لِلْإنْسِ وأنَّ إظْهارَهم أنْفُسَهم لَيْسَ في اسْتِطاعَتِهِمْ، وأنَّ زَعْمَ مَن يَدَّعِي رُؤْيَتَهم زُورٌ ومَخْرَفَةٌ انْتَهى. ولا دَلِيلَ في الآيَةِ عَلى ما ذُكِرَ؛ لِأنَّهُ تَعالى أثْبَتَ أنَّهم يَرَوْنَنا مِن جِهَةٍ لا نَراهم نَحْنُ فِيها وهي الجِهَةُ الَّتِي يَكُونُونَ فِيها عَلى أصْلِ خِلْقَتِهِمْ مِنَ الأجْسامِ اللَّطِيفَةِ ولَوْ أرادَ نَفْيَ رُؤْيَتِنا عَلى العُمُومِ لَمْ يَتَقَيَّدْ بِهَذِهِ الحَيْثِيَّةِ، وكانَ يَكُونُ التَّرْكِيبُ أنَّهُ يَراكم هو وقَبِيلُهُ وأنْتُمْ لا تَرَوْنَهم وأيْضًا فَلَوْ فَرَضْنا أنَّ في الآيَةِ دَلالَةً لَكانَ مِنَ العامِّ المَخْصُوصِ بِالحَدِيثِ النَّبَوِيِّ المُسْتَفِيضِ، فَيَكُونُونَ مَرْئِيِّينَ في بَعْضِ الصُّوَرِ لِبَعْضِ النّاسِ في بَعْضِ الأحْيانِ، وفي كِتابِ التَّحْرِيرِ أنْكَرَ جَماعَةٌ مِنَ الحُكَماءِ تَكَرُّرَ الجِنِّ والشَّياطِينِ وتَصَوُّرَهم عَلى أيِّ جِهَةٍ شاءُوا، وقَوْلُهُ ﴿إنَّهُ يَراكُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ وتَحْذِيرٌ مِن فِتْنَتِهِ فَإنَّهُ بِمَنزِلَةِ العَدُوِّ المُداجِي يَكِيدُكم ويَغْتالُكم مِن حَيْثُ لا تَشْعُرُونَ، وفي الحَدِيثِ: «إنَّ الشَّيْطانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرى الدَّمِ» إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يُفارِقُهُ وأنَّهُ يَرْصُدُ غَفَلاتِهِ فَيَتَسَلَّطُ عَلَيْهِ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (أنَّهُ) عائِدٌ عَلى الشَّيْطانِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والضَّمِيرُ في (أنَّهُ) ضَمِيرُ الشَّأْنِ، والحَدِيثُ انْتَهى. ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى هَذا (وقَبِيلُهُ) مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في (يَراكم) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً مَحْذُوفَ الخَبَرِ أوْ مَعْطُوفًا عَلى مَوْضِعِ اسْمِ إنَّ عَلى مَذْهَبِ مَن يُجِيزُ ذَلِكَ، وقَرَأاليَزِيدِيُّ (وقَبِيلَهُ) بِنَصْبِ اللّامِ عَطْفًا عَلى اسْمِ إنَّ إنْ كانَ الضَّمِيرُ (p-٢٨٥)يَعُودُ عَلى الشَّيْطانِ (وقَبِيلَهُ) مَفْعُولٌ مَعَهُ، أيْ مَعَ قَبِيلِهِ، وقُرِئَ شاذًّا مِن حَيْثُ لا تَرَوْنَهُ بِإفْرادِ الضَّمِيرِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى الشَّيْطانِ، (وقَبِيلُهُ) إجْراءٌ لَهُ مَجْرى اسْمِ الإشارَةِ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ:
؎فِيها خُطُوطٌ مِن سَوادٍ وبَلَقْ ∗∗∗ كَأنَّهُ في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ
أيْ كانَ ذَلِكَ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ، عادَ الضَّمِيرُ عَلى الشَّيْطانِ وحْدَهُ لِكَوْنِهِ رَأْسَهم وكَبِيرَهم، وهم لَهُ تَبَعٌ وهو المُفْرَدُ بِالنَّهْيِ أوَّلًا.
﴿إنّا جَعَلْنا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ لِلَّذِينِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ صَيَّرْنا الشَّياطِينَ ناصِرِيهِمْ وعاضِدِيهِمْ في الباطِلِ، وقالَ الزَّجّاجُ: سَلَّطْناهم عَلَيْهِمْ يُزِيدُونَ في غَيِّهِمْ فَيُتابِعُونَهم عَلى ذَلِكَ، فَصارُوا أوْلِياءَهم، وقِيلَ: جَعَلْناهم قُرَناءَ لَهم، وحَكى الزَّهْراوِيُّ أنَّ جَعَلَ هُنا بِمَعْنى وصَفَ، وهي نَزْعَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: خَلَّيْنا بَيْنَهم وبَيْنَهم لَمْ نَكُفَّهم عَنْهم حَتّى تَوَلَّوْهم وأطاعُوهم، فِيما سَوَّلُوا لَهم مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، وهَذا تَحْذِيرٌ آخَرُ أبْلَغُ مِنَ الأوَّلِ، انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ.
الأعراف 7:26
﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وسَمَّيا ذَنْبَهُما وإنْ كانَ صَغِيرًا مَغْفُورًا ظُلْمًا، وقالا ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ عَلى عادَةِ الأوْلِياءِ والصّالِحِينَ في اسْتِعْظامِهِمُ الصَّغِيرَ مِنَ السَّيِّئاتِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: اعْتِرافٌ مِن آدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وطَلَبٌ لِلتَّوْبَةِ والسَّتْرِ والتَّغَمُّدِ بِالرَّحْمَةِ، فَطَلَبَ آدَمُ هَذا، وطَلَبَ إبْلِيسُ النَّظِرَةَ ولَمْ يَطْلُبِ التَّوْبَةَ، فَوُكِلَ إلى رَأْيِهِ، قالَ الضَّحّاكُ: هَذِهِ الآيَةُ هي الكَلِماتُ الَّتِي تَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ، وقِيلَ: سَعِدَ آدَمُ بِخَمْسَةِ أشْياءَ: اعْتَرَفَ بِالمُخالَفَةِ ونَدِمَ عَلَيْها، ولامَ نَفْسَهُ وسارَعَ إلى التَّوْبَةِ ولَمْ يَقْنَطْ مِنَ الرَّحْمَةِ، وشَقِيَ إبْلِيسُ بِخَمْسَةِ أشْياءَ: لَمْ يُقِرَّ بِالذَّنْبِ، ولَمْ يَنْدَمْ، ولَمْ يَلُمْ نَفْسَهُ، بَلْ أضافَ إلى رَبِّهِ الغَوايَةَ، وقَنَطَ مِنَ الرَّحْمَةِ، و(لَنَكُونَنَّ) جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ قَبْلَ إنَّ، كَقَوْلِهِ و﴿وإنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ﴾ [المائدة: ٧٣]، التَّقْدِيرُ: واللَّهِ إنْ لَمْ يَغْفِرْ لَنا. وأكْثَرُ ما تَأْتِي إنَّ هَذِهِ ولامُ التَّوْطِئَةِ قَبْلَها كَقَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ [الأحزاب: ٦٠]، ثُمَّ قالَ: لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ.
﴿قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في البَقَرَةِ.
﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وفِيها تَمُوتُونَ ومِنها تُخْرَجُونَ﴾ . هَذا كالتَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ [البقرة: ٣٦]، أيْ: بِالحَياةِ إلى حِينِ المَوْتِ، ولِذَلِكَ جاءَ قالَ بِغَيْرِ واوِ العَطْفِ إذِ الأكْثَرُ في لِسانِ العَرَبِ إذا لَمْ تَكُنِ الجُمْلَةُ تَفْسِيرِيَّةً، أوْ كالتَّفْسِيرِيَّةِ أنْ تُعْطَفَ عَلى الجُمْلَةِ قَبْلَها، فَتَقُولَ قالَ فُلانٌ كَذا، وقالَ كَذا، وتَقُولَ: زَيْدٌ قائِمٌ وعَمْرٌو قاعِدٌ، ويَقِلُّ في كَلامِهِمْ قالَ فُلانٌ كَذا قالَ كَذا، وكَذَلِكَ يَقِلُّ زَيْدٌ قائِمٌ، عَمْرٌو قاعِدٌ، وهُنا جاءَ ﴿قالَ اهْبِطُوا﴾ الآيَةَ ﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ﴾ لَمّا كانَتْ كالتَّفْسِيرِ لِما قَبْلَها، وتُمِّمَ هُنا المَقْصُودُ بِالتَّنْبِيهِ عَلى البَعْثِ والنُّشُورِ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِنها تُخْرَجُونَ﴾، أيْ: إلى المُجازاةِ بِالثَّوابِ والعِقابِ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكم ومِنها نُخْرِجُكم تارَةً أُخْرى﴾ [طه: ٥٥] . وقَرَأ الأخَوانِ، وابْنُ ذَكْوانَ تَخْرُجُونَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ هُنا، وعَنِ ابْنِ ذَكْوانَ في أوَّلِ (p-٢٨٢)الرُّومِ خِلافٌ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
﴿يا بَنِي آدَمَ قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكم ورِيشًا ولِباسُ التَّقْوى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها هو أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ قِصَّةَ آدَمَ، وفِيها سَتْرُ السَّوْءاتِ وجَعَلَ لَهُ في الأرْضِ مُسْتَقَرًّا ومَتاعًا، ذَكَرَ ما امْتَنَّ بِهِ عَلى بَنِيهِ وما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ اللِّباسِ الَّذِي يُوارِي السَّوْءاتِ والرِّياشِ الَّذِي يُمْكِنُ بِهِ اسْتِقْرارُهم في الأرْضِ واسْتِمْتاعُهم بِما خَوَّلَهم، وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ والثَّلاثُ بَعْدَها فِيمَن كانَ مِنَ العَرَبِ يَتَعَرّى في طَوافِهِ بِالبَيْتِ وذَكَرَ النَّقّاشُ أنَّها كانَتْ عادَةَ ثَقِيفٍ وخُزاعَةَ وبَنِي عامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ وبَنِي مُدْلِجٍ والحارِثِ وعامِرٍ ابْنَيْ عَبْدِ مَناةَ نِسائِهِمْ ورِجالِهِمْ. وأنْزَلَنا قِيلَ عَلى حَقِيقَتِهِ مِنَ الِانْحِطاطِ مِن عُلُوٍّ إلى سُفْلٍ فَأنْزَلَ مَعَ آدَمَ وحَوّاءَ شَيْئًا مِنَ اللِّباسِ مِثالًا لِغَيْرِهِ، ثُمَّ تَوَسَّعَ بَنُوهُما في الصَّنْعَةِ اسْتِنْباطًا مِن ذَلِكَ المِثالِ، أوْ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ أصْلَ كُلِّ شَيْءٍ عِنْدَ إهْباطِهِما، أوْ أنْزَلَ مَعَهُ الحَدِيدَ فاتَّخَذَ مِنهُ آلاتِ الصَّنائِعِ، أوْ أنْزَلَ المَلَكَ فَعَلَّمَ آدَمَ النَّسْجَ، أرْبَعَةُ أقْوالٍ، وقِيلَ: الإنْزالُ مَجازٌ مِن إطْلاقِ السَّبَبِ عَلى مُسَبِّبِهِ، فَأنْزَلَ المَطَرَ وهو سَبَبُ ما يَتَهَيَّأُ مِنهُ اللِّباسُ، أوْ بِمَعْنى خَلَقَ كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الزمر: ٦]، أوْ بِمَعْنى الهَمِّ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ جَعَلَ ما في الأرْضِ مُنَزَّلًا مِنَ السَّماءِ؛ لِأنَّهُ قُضِيَ ثَمَّ وكُتِبَ، ومِنهُ: ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الزمر: ٦]، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أنْزَلْنا يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالتَّدْرِيجِ، أيْ: لَمّا أنْزَلَ المَطَرَ فَكانَ عَنْهُ جَمِيعُ ما يُلْبَسُ قالَ عَنِ اللِّباسِ (أنْزَلْنا)، وهَذا نَحْوُ قَوْلِ الشّاعِرِ يَصِفُ مَطَرًا:
؎أقْبَلَ في المَسَّيْنِ مِن سَحابِهْ أسْنِمَةُ الآبالِ في رَبابِهْ
أيْ: بِالمالِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ خَلَقْنا فَجاءَتِ العِبارَةُ بِأنْزَلْنا كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلْنا الحَدِيدَ﴾ [الحديد: ٢٥] وقَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ﴾ [الزمر: ٦] وأيْضًا، فَخَلْقُ اللَّهِ وأفْعالُهُ إنَّما هي مِن عُلُوٍّ في القَدْرِ والمَنزِلَةِ. انْتَهى. واللِّباسُ يَعُمُّ جَمِيعَ ما يُلْبَسُ ويَسْتُرُ، والرِّيشُ عِبارَةٌ عَنْ سَعَةِ الرِّزْقِ ورَفاهِيَةِ العَيْشِ ووُجُودِ اللَّبْسِ والتَّمَتُّعِ. وأكْثَرُ أهْلِ اللُّغَةِ عَلى أنَّ الرِّيشَ ما يَسْتُرُ مِن لِباسٍ، أوْ مَعِيشَةٍ، وقالَ قَوْمٌ: الإناثُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ، ومُجاهِدٌ: المالُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الجَمالُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِباسُ الزِّينَةِ اسْتُعِيرَ مِن رِيشِ الطّائِرِ؛ لِأنَّهُ لِباسُهُ وزِينَتُهُ، أيْ: أنْزَلَنا عَلَيْكم لِباسَيْنِ لِباسًا يُوارِي سَوْءاتِكم ولِباسًا يُزَيِّنُكم؛ لِأنَّ الزِّينَةَ غَرَضٌ صَحِيحٌ كَما قالَ تَعالى: ﴿لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ [النحل: ٨]، ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ﴾ [النحل: ٦] . انْتَهى. وعَطْفُ (الرِّيشِ) عَلى (لِباسًا) يَقْتَضِي المُغايَرَةَ، وأنَّهُ قَسِيمٌ لِلِّباسٍ لا قِسْمٌ مِنهُ، وقَرَأ عُثْمانُ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسُّلَمِيُّ، وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، وابْنُهُ زَيْدٌ، وأبُو رَجاءٍ، وزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ، وعاصِمٌ في رِوايَةٍ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ، ورِياشًا، فَقِيلَ: هُما مَصْدَرانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، راشَهُ اللَّهُ يَرِيشُهُ رَيْشًا ورِياشًا أنْعَمَ عَلَيْهِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَمْعُ رِيشٍ كَشُعَبٍ وشِعابٍ، وقالَ الزَّجّاجُ: هُما اللِّباسُ، وقالَ الفَرّاءُ: هُما ما يَسْتُرُ مِن ثِيابٍ ومالٍ كَما يُقالُ لِبْسٌ ولِباسٌ، وقالَ مَعْبَدٌ الجُهَنِيُّ: الرِّياشُ المَعاشُ، وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الرِّيشُ الأكْلُ والشُّرْبُ، والرِّياشُ المالُ المُسْتَفادُ، وقِيلَ: الرِّيشُ ما بَطَنَ، والرِّياشُ ما ظَهَرَ، وقَرَأ الصّاحِبانِ، والكِسائِيُّ: ﴿ولِباسَ التَّقْوى﴾ بِالنَّصْبِ عَطْفًا (p-٢٨٣)عَلى المَنصُوبِ قَبْلَهُ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالرَّفْعِ، فَقِيلَ هو عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: وهو لِباسُ التَّقْوى. قالَهُ الزَّجّاجُ ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ عَلى هَذا مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ (ولِباسُ) مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ ولِباسُ التَّقْوى ساتِرُ عَوْراتِكم، وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ، والظّاهِرُ أنَّهُ مُبْتَدَأٌ ثانٍ و(خَيْرٌ) خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ عَنْ و(لِباسُ التَّقْوى) والرّابِطُ اسْمُ الإشارَةِ، وهو أحَدُ الرَّوابِطِ الخَمْسِ المُتَّفَقِ عَلَيْها في رَبْطِ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ إذا لَمْ يَكُنْ إيّاهُ، وقِيلَ: ذَلِكَ بَدَلٌ مِن لِباسٍ، وقِيلَ: عَطْفُ بَيانٍ، وقِيلَ: صِفَةٌ، وخَبَرُ (ولِباسُ) هو (خَيْرٌ)، وقالَ الحَوْفِيُّ: وأنا أرى أنْ لا يَكُونَ ذَلِكَ نَعْتًا لِلِباسِ التَّقْوى؛ لِأنَّ الأسْماءَ المُبْهَمَةَ أعْرَفُ مِمّا فِيهِ الألِفُ واللّامُ وما أُضِيفَ إلى الألِفِ واللّامِ وسَبِيلُ النَّعْتِ أنْ يَكُونَ مُساوِيًا لِلْمَنعُوتِ، أوْ أقَلُّ مِنهُ تَعْرِيفًا، فَإنْ كانَ قَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ أحَدٍ بِهِ فَهو سَهْوٌ. وأجازَ الحَوْفِيُّ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ فَصْلًا لا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، ويَكُونُ (خَيْرٌ) خَبَرًا لِقَوْلِهِ: ﴿ولِباسُ التَّقْوى﴾ فَجُعِلَ اسْمُ الإشارَةِ فَصْلًا كالمُضْمَرِ ولا أعْلَمُ أحَدًا قالَ بِهَذا، وأمّا قَوْلُهُ: فَإنْ كانَ قَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ أحَدٍ بِهِ فَهو سَهْوٌ، فَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وقالَ: هو أنْبَلُ الأقْوالِ، ذَكَرَهُ أبُو عَلِيٍّ في الحُجَّةِ. انْتَهى؛ وأجازَهُ أيْضًا أبُو البَقاءِ وما ذَكَرَهُ الحَوْفِيُّ هو الصَّوابُ عَلى أشْهَرِ الأقْوالِ في تَرْتِيبِ المَعارِفِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأُبَيٌّ: ”ولِباسُ التَّقْوى خَيْرٌ“ بِإسْقاطِ ذَلِكَ، فَهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، والظّاهِرُ حَمْلُهُ عَلى اللِّباسِ حَقِيقَةً، فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو سَتْرُ العَوْرَةِ، وهَذا فِيهِ تَكْرارٌ؛ لِأنَّهُ قَدْ قالَ: لِباسًا يُوارِي سَوْءاتِكم، وقالَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: الدِّرْعُ والمِغْفَرُ والسّاعِدانِ؛ لِأنَّهُ يُتَّقى بِها في الحَرْبِ. وقِيلَ: الصُّوفُ ولُبْسُ الخَشِنِ، ورُوِيَ: اخْشَوْشِنُوا وكُلُوا الطَّعامَ الخَشِنَ، وقِيلَ ما يَقِي مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ، وقالَ عُثْمانُ بْنُ عَطاءٍ: لِباسُ المُتَّقِينَ في الآخِرَةِ، وقِيلَ لِباسُ التَّقْوى مَجازٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: العَمَلُ الصّالِحُ، وقالَ أيْضًا: العِفَّةُ، وقالَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: السَّمْتُ الحَسَنُ في الوَجْهِ، وقالَ مَعْبَدٌ الجُهَنِيُّ: الحَياءُ، وقالَ الحَسَنُ: الوَرَعُ والسَّمْتُ الحَسَنُ، وقالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: خَشْيَةُ اللَّهِ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الإيمانُ، وقِيلَ ما يَظْهَرُ مِنَ السَّكِينَةِ والإخْباتِ، وقالَ يَحْيى بْنُ يَحْيى: الخُشُوعُ، والأحْسَنُ أنْ يُجْعَلَ عامًّا فَكُلُّ ما يَحْصُلُ بِهِ الِاتِّقاءُ المَشْرُوعُ فَهو مِن لِباسِ التَّقْوى، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ إلى ما تَقَدَّمَ مِن إنْزالِ اللِّباسِ والرِّياشِ ولِباسِ التَّقْوى، والمَعْنى: مِن آياتِ اللَّهِ الدّالَّةِ عَلى فَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ عَلى عِبادِهِ، وقِيلَ: مِن مُوجِبِ آياتِ اللَّهِ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى (لِباسُ التَّقْوى)، أيْ: هو في العِبَرِ آيَةٌ، أيْ: عَلامَةٌ وأمارَةٌ مِنَ اللَّهِ أنَّهُ قَدْ رَضِيَ عَنْهُ ورَحِمَهُ لَعَلَّهم يَذْكُرُونَ هَذِهِ النِّعَمَ فَيَشْكُرُونَ اللَّهَ عَلَيْها.
﴿يابَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما﴾ . أيْ لا يَسْتَهْوِيَنَّكم ويَغْلِبْ عَلَيْكم، وهو نَهْيٌ لِلشَّيْطانِ، والمَعْنى نَهْيُهم أنْفُسَهم عَنِ الإصْغاءِ إلَيْهِ والطَّواعِيَةِ لِأمْرِهِ، كَما قالُوا لا أرَيَنَّكَ هُنا، ومَعْناهُ النَّهْيُ عَنِ الإقامَةِ بِحَيْثُ يَراهُ، وكَما في مَوْضِعِ نَصْبٍ أيْ فِتْنَةٍ مِثْلِ فِتْنَةِ إخْراجِ أبَوَيْكم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى لا يُخْرِجَنَّكم عَنِ الدِّينِ بِفِتْنَتِهِ إخْراجًا مِثْلَ إخْراجِهِ أبَوَيْكم، وقَرَأ يَحْيى وإبْراهِيمُ: (لا يُفْتِنَنَّكم) بِضَمِّ الياءِ مِن أفْتَنَ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: لا يَفْتِنْكم بِغَيْرِ نُونِ تَوْكِيدٍ، والظّاهِرُ أنَّ لِباسَهُما هو الَّذِي كانَ عَلَيْهِما في الجَنَّةِ، وقالَ مُجاهِدٌ هو لِباسُ التَّقْوى، (وسَوْءاتِهِما) هو ما يَسُوءُهُما مِنَ المَعْصِيَةِ، ويَنْزِعُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (أخْرَجَ) أوْ مِن (أبَوَيْكم) لِأنَّ الجُمْلَةَ فِيها ضَمِيرُ الشَّيْطانِ وضَمِيرُ الأبَوَيْنِ، فَلَوْ كانَ بَدَلُ يَنْزِعُ نازِعًا تَعَيَّنَ الأوَّلُ، لِأنَّهُ (p-٢٨٤)إذْ ذاكَ لَوْ جَوَّزَ الثّانِي لَكانَ وصْفًا جَرى عَلى غَيْرِ مَن هو لَهُ فَكانَ يَجِبُ إبْرازُ الضَّمِيرِ وذَلِكَ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، ويَنْزِعُ حِكايَةُ أمْرٍ قَدْ وقَعَ؛ لِأنَّ نَزْعَ اللِّباسِ عَنْهُما كانَ قَبْلَ الإخْراجِ، ونَسَبَ النَّزْعَ إلى الشَّيْطانِ لَمّا كانَ مُتَسَبِّبًا فِيهِ.
﴿إنَّهُ يَراكم هو وقَبِيلُهُ مِن حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ أيْ إنَّ الشَّيْطانَ، وهو إبْلِيسُ يُبْصِرُكم هو وجُنُودُهُ ونَوْعُهُ وذُرِّيَّتُهُ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي لا تُبْصِرُونَهُ مِنها وهم أجْسامٌ لَطِيفَةٌ، مَعْلُومٌ مِن هَذِهِ الشَّرِيعَةِ وُجُودُهم، كَما أنَّ المَلائِكَةَ أيْضًا مَعْلُومٌ وُجُودُهم مِن هَذِهِ الشَّرِيعَةِ، ولا يُسْتَنْكَرُ وُجُودُ أجْسامٍ لَطِيفَةٍ جِدًّا لا نَراها نَحْنُ ألا تَرى أنَّ الهَواءَ جِسْمٌ لَطِيفٌ لا نُدْرِكُهُ نَحْنُ وقَدْ قامَ البُرْهانُ العَقْلِيُّ القاطِعُ عَلى وُجُودِهِ، وقَدْ صَحَّ تَصَوُّرُهم في الأجْسامِ الكَثِيفَةِ ورُؤْيَةُ بَنِي آدَمَ لَهم في تِلْكَ الأجْسامِ كالشَّيْطانِ الَّذِي رَآهُ أبُو هُرَيْرَةَ حِينَ جَعَلَ يَحْفَظُ تَمْرَ الصَّدَقَةِ والعِفْرِيتِ الَّذِي رَآهُ الرَّسُولُ وقالَ فِيهِ: «لَوْلا دَعْوَةُ أخِي سُلَيْمانَ لَرَبَطْتُهُ إلى سارِيَةٍ مِن سَوارِي المَسْجِدِ»، وكَحَدِيثِ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ حِينَ سُيِّرَ لِكَسْرِ ذِي الخَلَصَةِ، وكَحَدِيثِ سَوادِ بْنِ قارِبٍ مَعَ رَئِيِّهِ مِنَ الجِنِّ إلّا أنَّ رُؤْيَتَهم في الصُّوَرِ نادِرَةٌ، كَما أنَّ المَلائِكَةَ تَبْدُو في صُوَرٍ كَحَدِيثِ جِبْرِيلَ وحَدِيثِ المَلَكِ الَّذِي أتى الأعْمى والأقْرَعَ والأبْرَصَ وهَذا أمْرٌ قَدِ اسْتَفاضَ في الشَّرِيعَةِ فَلا يُمْكِنُ رَدُّهُ أعْنِي تَصَوُّرَهم في بَعْضِ الأحْيانِ في الصُّوَرِ الكَثِيفَةِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلى أنَّ الجِنَّ لا يُرَوْنَ ولا يَظْهَرُونَ لِلْإنْسِ وأنَّ إظْهارَهم أنْفُسَهم لَيْسَ في اسْتِطاعَتِهِمْ، وأنَّ زَعْمَ مَن يَدَّعِي رُؤْيَتَهم زُورٌ ومَخْرَفَةٌ انْتَهى. ولا دَلِيلَ في الآيَةِ عَلى ما ذُكِرَ؛ لِأنَّهُ تَعالى أثْبَتَ أنَّهم يَرَوْنَنا مِن جِهَةٍ لا نَراهم نَحْنُ فِيها وهي الجِهَةُ الَّتِي يَكُونُونَ فِيها عَلى أصْلِ خِلْقَتِهِمْ مِنَ الأجْسامِ اللَّطِيفَةِ ولَوْ أرادَ نَفْيَ رُؤْيَتِنا عَلى العُمُومِ لَمْ يَتَقَيَّدْ بِهَذِهِ الحَيْثِيَّةِ، وكانَ يَكُونُ التَّرْكِيبُ أنَّهُ يَراكم هو وقَبِيلُهُ وأنْتُمْ لا تَرَوْنَهم وأيْضًا فَلَوْ فَرَضْنا أنَّ في الآيَةِ دَلالَةً لَكانَ مِنَ العامِّ المَخْصُوصِ بِالحَدِيثِ النَّبَوِيِّ المُسْتَفِيضِ، فَيَكُونُونَ مَرْئِيِّينَ في بَعْضِ الصُّوَرِ لِبَعْضِ النّاسِ في بَعْضِ الأحْيانِ، وفي كِتابِ التَّحْرِيرِ أنْكَرَ جَماعَةٌ مِنَ الحُكَماءِ تَكَرُّرَ الجِنِّ والشَّياطِينِ وتَصَوُّرَهم عَلى أيِّ جِهَةٍ شاءُوا، وقَوْلُهُ ﴿إنَّهُ يَراكُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ وتَحْذِيرٌ مِن فِتْنَتِهِ فَإنَّهُ بِمَنزِلَةِ العَدُوِّ المُداجِي يَكِيدُكم ويَغْتالُكم مِن حَيْثُ لا تَشْعُرُونَ، وفي الحَدِيثِ: «إنَّ الشَّيْطانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرى الدَّمِ» إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يُفارِقُهُ وأنَّهُ يَرْصُدُ غَفَلاتِهِ فَيَتَسَلَّطُ عَلَيْهِ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (أنَّهُ) عائِدٌ عَلى الشَّيْطانِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والضَّمِيرُ في (أنَّهُ) ضَمِيرُ الشَّأْنِ، والحَدِيثُ انْتَهى. ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى هَذا (وقَبِيلُهُ) مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في (يَراكم) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً مَحْذُوفَ الخَبَرِ أوْ مَعْطُوفًا عَلى مَوْضِعِ اسْمِ إنَّ عَلى مَذْهَبِ مَن يُجِيزُ ذَلِكَ، وقَرَأاليَزِيدِيُّ (وقَبِيلَهُ) بِنَصْبِ اللّامِ عَطْفًا عَلى اسْمِ إنَّ إنْ كانَ الضَّمِيرُ (p-٢٨٥)يَعُودُ عَلى الشَّيْطانِ (وقَبِيلَهُ) مَفْعُولٌ مَعَهُ، أيْ مَعَ قَبِيلِهِ، وقُرِئَ شاذًّا مِن حَيْثُ لا تَرَوْنَهُ بِإفْرادِ الضَّمِيرِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى الشَّيْطانِ، (وقَبِيلُهُ) إجْراءٌ لَهُ مَجْرى اسْمِ الإشارَةِ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ:
؎فِيها خُطُوطٌ مِن سَوادٍ وبَلَقْ ∗∗∗ كَأنَّهُ في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ
أيْ كانَ ذَلِكَ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ، عادَ الضَّمِيرُ عَلى الشَّيْطانِ وحْدَهُ لِكَوْنِهِ رَأْسَهم وكَبِيرَهم، وهم لَهُ تَبَعٌ وهو المُفْرَدُ بِالنَّهْيِ أوَّلًا.
﴿إنّا جَعَلْنا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ لِلَّذِينِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ صَيَّرْنا الشَّياطِينَ ناصِرِيهِمْ وعاضِدِيهِمْ في الباطِلِ، وقالَ الزَّجّاجُ: سَلَّطْناهم عَلَيْهِمْ يُزِيدُونَ في غَيِّهِمْ فَيُتابِعُونَهم عَلى ذَلِكَ، فَصارُوا أوْلِياءَهم، وقِيلَ: جَعَلْناهم قُرَناءَ لَهم، وحَكى الزَّهْراوِيُّ أنَّ جَعَلَ هُنا بِمَعْنى وصَفَ، وهي نَزْعَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: خَلَّيْنا بَيْنَهم وبَيْنَهم لَمْ نَكُفَّهم عَنْهم حَتّى تَوَلَّوْهم وأطاعُوهم، فِيما سَوَّلُوا لَهم مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، وهَذا تَحْذِيرٌ آخَرُ أبْلَغُ مِنَ الأوَّلِ، انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ.
الأعراف 7:27
﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وسَمَّيا ذَنْبَهُما وإنْ كانَ صَغِيرًا مَغْفُورًا ظُلْمًا، وقالا ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ عَلى عادَةِ الأوْلِياءِ والصّالِحِينَ في اسْتِعْظامِهِمُ الصَّغِيرَ مِنَ السَّيِّئاتِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: اعْتِرافٌ مِن آدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وطَلَبٌ لِلتَّوْبَةِ والسَّتْرِ والتَّغَمُّدِ بِالرَّحْمَةِ، فَطَلَبَ آدَمُ هَذا، وطَلَبَ إبْلِيسُ النَّظِرَةَ ولَمْ يَطْلُبِ التَّوْبَةَ، فَوُكِلَ إلى رَأْيِهِ، قالَ الضَّحّاكُ: هَذِهِ الآيَةُ هي الكَلِماتُ الَّتِي تَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ، وقِيلَ: سَعِدَ آدَمُ بِخَمْسَةِ أشْياءَ: اعْتَرَفَ بِالمُخالَفَةِ ونَدِمَ عَلَيْها، ولامَ نَفْسَهُ وسارَعَ إلى التَّوْبَةِ ولَمْ يَقْنَطْ مِنَ الرَّحْمَةِ، وشَقِيَ إبْلِيسُ بِخَمْسَةِ أشْياءَ: لَمْ يُقِرَّ بِالذَّنْبِ، ولَمْ يَنْدَمْ، ولَمْ يَلُمْ نَفْسَهُ، بَلْ أضافَ إلى رَبِّهِ الغَوايَةَ، وقَنَطَ مِنَ الرَّحْمَةِ، و(لَنَكُونَنَّ) جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ قَبْلَ إنَّ، كَقَوْلِهِ و﴿وإنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ﴾ [المائدة: ٧٣]، التَّقْدِيرُ: واللَّهِ إنْ لَمْ يَغْفِرْ لَنا. وأكْثَرُ ما تَأْتِي إنَّ هَذِهِ ولامُ التَّوْطِئَةِ قَبْلَها كَقَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ [الأحزاب: ٦٠]، ثُمَّ قالَ: لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ.
﴿قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في البَقَرَةِ.
﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وفِيها تَمُوتُونَ ومِنها تُخْرَجُونَ﴾ . هَذا كالتَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ [البقرة: ٣٦]، أيْ: بِالحَياةِ إلى حِينِ المَوْتِ، ولِذَلِكَ جاءَ قالَ بِغَيْرِ واوِ العَطْفِ إذِ الأكْثَرُ في لِسانِ العَرَبِ إذا لَمْ تَكُنِ الجُمْلَةُ تَفْسِيرِيَّةً، أوْ كالتَّفْسِيرِيَّةِ أنْ تُعْطَفَ عَلى الجُمْلَةِ قَبْلَها، فَتَقُولَ قالَ فُلانٌ كَذا، وقالَ كَذا، وتَقُولَ: زَيْدٌ قائِمٌ وعَمْرٌو قاعِدٌ، ويَقِلُّ في كَلامِهِمْ قالَ فُلانٌ كَذا قالَ كَذا، وكَذَلِكَ يَقِلُّ زَيْدٌ قائِمٌ، عَمْرٌو قاعِدٌ، وهُنا جاءَ ﴿قالَ اهْبِطُوا﴾ الآيَةَ ﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ﴾ لَمّا كانَتْ كالتَّفْسِيرِ لِما قَبْلَها، وتُمِّمَ هُنا المَقْصُودُ بِالتَّنْبِيهِ عَلى البَعْثِ والنُّشُورِ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِنها تُخْرَجُونَ﴾، أيْ: إلى المُجازاةِ بِالثَّوابِ والعِقابِ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكم ومِنها نُخْرِجُكم تارَةً أُخْرى﴾ [طه: ٥٥] . وقَرَأ الأخَوانِ، وابْنُ ذَكْوانَ تَخْرُجُونَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ هُنا، وعَنِ ابْنِ ذَكْوانَ في أوَّلِ (p-٢٨٢)الرُّومِ خِلافٌ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
﴿يا بَنِي آدَمَ قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكم ورِيشًا ولِباسُ التَّقْوى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها هو أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ قِصَّةَ آدَمَ، وفِيها سَتْرُ السَّوْءاتِ وجَعَلَ لَهُ في الأرْضِ مُسْتَقَرًّا ومَتاعًا، ذَكَرَ ما امْتَنَّ بِهِ عَلى بَنِيهِ وما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ اللِّباسِ الَّذِي يُوارِي السَّوْءاتِ والرِّياشِ الَّذِي يُمْكِنُ بِهِ اسْتِقْرارُهم في الأرْضِ واسْتِمْتاعُهم بِما خَوَّلَهم، وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ والثَّلاثُ بَعْدَها فِيمَن كانَ مِنَ العَرَبِ يَتَعَرّى في طَوافِهِ بِالبَيْتِ وذَكَرَ النَّقّاشُ أنَّها كانَتْ عادَةَ ثَقِيفٍ وخُزاعَةَ وبَنِي عامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ وبَنِي مُدْلِجٍ والحارِثِ وعامِرٍ ابْنَيْ عَبْدِ مَناةَ نِسائِهِمْ ورِجالِهِمْ. وأنْزَلَنا قِيلَ عَلى حَقِيقَتِهِ مِنَ الِانْحِطاطِ مِن عُلُوٍّ إلى سُفْلٍ فَأنْزَلَ مَعَ آدَمَ وحَوّاءَ شَيْئًا مِنَ اللِّباسِ مِثالًا لِغَيْرِهِ، ثُمَّ تَوَسَّعَ بَنُوهُما في الصَّنْعَةِ اسْتِنْباطًا مِن ذَلِكَ المِثالِ، أوْ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ أصْلَ كُلِّ شَيْءٍ عِنْدَ إهْباطِهِما، أوْ أنْزَلَ مَعَهُ الحَدِيدَ فاتَّخَذَ مِنهُ آلاتِ الصَّنائِعِ، أوْ أنْزَلَ المَلَكَ فَعَلَّمَ آدَمَ النَّسْجَ، أرْبَعَةُ أقْوالٍ، وقِيلَ: الإنْزالُ مَجازٌ مِن إطْلاقِ السَّبَبِ عَلى مُسَبِّبِهِ، فَأنْزَلَ المَطَرَ وهو سَبَبُ ما يَتَهَيَّأُ مِنهُ اللِّباسُ، أوْ بِمَعْنى خَلَقَ كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الزمر: ٦]، أوْ بِمَعْنى الهَمِّ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ جَعَلَ ما في الأرْضِ مُنَزَّلًا مِنَ السَّماءِ؛ لِأنَّهُ قُضِيَ ثَمَّ وكُتِبَ، ومِنهُ: ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الزمر: ٦]، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أنْزَلْنا يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالتَّدْرِيجِ، أيْ: لَمّا أنْزَلَ المَطَرَ فَكانَ عَنْهُ جَمِيعُ ما يُلْبَسُ قالَ عَنِ اللِّباسِ (أنْزَلْنا)، وهَذا نَحْوُ قَوْلِ الشّاعِرِ يَصِفُ مَطَرًا:
؎أقْبَلَ في المَسَّيْنِ مِن سَحابِهْ أسْنِمَةُ الآبالِ في رَبابِهْ
أيْ: بِالمالِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ خَلَقْنا فَجاءَتِ العِبارَةُ بِأنْزَلْنا كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلْنا الحَدِيدَ﴾ [الحديد: ٢٥] وقَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ﴾ [الزمر: ٦] وأيْضًا، فَخَلْقُ اللَّهِ وأفْعالُهُ إنَّما هي مِن عُلُوٍّ في القَدْرِ والمَنزِلَةِ. انْتَهى. واللِّباسُ يَعُمُّ جَمِيعَ ما يُلْبَسُ ويَسْتُرُ، والرِّيشُ عِبارَةٌ عَنْ سَعَةِ الرِّزْقِ ورَفاهِيَةِ العَيْشِ ووُجُودِ اللَّبْسِ والتَّمَتُّعِ. وأكْثَرُ أهْلِ اللُّغَةِ عَلى أنَّ الرِّيشَ ما يَسْتُرُ مِن لِباسٍ، أوْ مَعِيشَةٍ، وقالَ قَوْمٌ: الإناثُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ، ومُجاهِدٌ: المالُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الجَمالُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِباسُ الزِّينَةِ اسْتُعِيرَ مِن رِيشِ الطّائِرِ؛ لِأنَّهُ لِباسُهُ وزِينَتُهُ، أيْ: أنْزَلَنا عَلَيْكم لِباسَيْنِ لِباسًا يُوارِي سَوْءاتِكم ولِباسًا يُزَيِّنُكم؛ لِأنَّ الزِّينَةَ غَرَضٌ صَحِيحٌ كَما قالَ تَعالى: ﴿لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ [النحل: ٨]، ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ﴾ [النحل: ٦] . انْتَهى. وعَطْفُ (الرِّيشِ) عَلى (لِباسًا) يَقْتَضِي المُغايَرَةَ، وأنَّهُ قَسِيمٌ لِلِّباسٍ لا قِسْمٌ مِنهُ، وقَرَأ عُثْمانُ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسُّلَمِيُّ، وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، وابْنُهُ زَيْدٌ، وأبُو رَجاءٍ، وزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ، وعاصِمٌ في رِوايَةٍ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ، ورِياشًا، فَقِيلَ: هُما مَصْدَرانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، راشَهُ اللَّهُ يَرِيشُهُ رَيْشًا ورِياشًا أنْعَمَ عَلَيْهِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَمْعُ رِيشٍ كَشُعَبٍ وشِعابٍ، وقالَ الزَّجّاجُ: هُما اللِّباسُ، وقالَ الفَرّاءُ: هُما ما يَسْتُرُ مِن ثِيابٍ ومالٍ كَما يُقالُ لِبْسٌ ولِباسٌ، وقالَ مَعْبَدٌ الجُهَنِيُّ: الرِّياشُ المَعاشُ، وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الرِّيشُ الأكْلُ والشُّرْبُ، والرِّياشُ المالُ المُسْتَفادُ، وقِيلَ: الرِّيشُ ما بَطَنَ، والرِّياشُ ما ظَهَرَ، وقَرَأ الصّاحِبانِ، والكِسائِيُّ: ﴿ولِباسَ التَّقْوى﴾ بِالنَّصْبِ عَطْفًا (p-٢٨٣)عَلى المَنصُوبِ قَبْلَهُ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالرَّفْعِ، فَقِيلَ هو عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: وهو لِباسُ التَّقْوى. قالَهُ الزَّجّاجُ ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ عَلى هَذا مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ (ولِباسُ) مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ ولِباسُ التَّقْوى ساتِرُ عَوْراتِكم، وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ، والظّاهِرُ أنَّهُ مُبْتَدَأٌ ثانٍ و(خَيْرٌ) خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ عَنْ و(لِباسُ التَّقْوى) والرّابِطُ اسْمُ الإشارَةِ، وهو أحَدُ الرَّوابِطِ الخَمْسِ المُتَّفَقِ عَلَيْها في رَبْطِ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ إذا لَمْ يَكُنْ إيّاهُ، وقِيلَ: ذَلِكَ بَدَلٌ مِن لِباسٍ، وقِيلَ: عَطْفُ بَيانٍ، وقِيلَ: صِفَةٌ، وخَبَرُ (ولِباسُ) هو (خَيْرٌ)، وقالَ الحَوْفِيُّ: وأنا أرى أنْ لا يَكُونَ ذَلِكَ نَعْتًا لِلِباسِ التَّقْوى؛ لِأنَّ الأسْماءَ المُبْهَمَةَ أعْرَفُ مِمّا فِيهِ الألِفُ واللّامُ وما أُضِيفَ إلى الألِفِ واللّامِ وسَبِيلُ النَّعْتِ أنْ يَكُونَ مُساوِيًا لِلْمَنعُوتِ، أوْ أقَلُّ مِنهُ تَعْرِيفًا، فَإنْ كانَ قَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ أحَدٍ بِهِ فَهو سَهْوٌ. وأجازَ الحَوْفِيُّ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ فَصْلًا لا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، ويَكُونُ (خَيْرٌ) خَبَرًا لِقَوْلِهِ: ﴿ولِباسُ التَّقْوى﴾ فَجُعِلَ اسْمُ الإشارَةِ فَصْلًا كالمُضْمَرِ ولا أعْلَمُ أحَدًا قالَ بِهَذا، وأمّا قَوْلُهُ: فَإنْ كانَ قَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ أحَدٍ بِهِ فَهو سَهْوٌ، فَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وقالَ: هو أنْبَلُ الأقْوالِ، ذَكَرَهُ أبُو عَلِيٍّ في الحُجَّةِ. انْتَهى؛ وأجازَهُ أيْضًا أبُو البَقاءِ وما ذَكَرَهُ الحَوْفِيُّ هو الصَّوابُ عَلى أشْهَرِ الأقْوالِ في تَرْتِيبِ المَعارِفِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأُبَيٌّ: ”ولِباسُ التَّقْوى خَيْرٌ“ بِإسْقاطِ ذَلِكَ، فَهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، والظّاهِرُ حَمْلُهُ عَلى اللِّباسِ حَقِيقَةً، فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو سَتْرُ العَوْرَةِ، وهَذا فِيهِ تَكْرارٌ؛ لِأنَّهُ قَدْ قالَ: لِباسًا يُوارِي سَوْءاتِكم، وقالَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: الدِّرْعُ والمِغْفَرُ والسّاعِدانِ؛ لِأنَّهُ يُتَّقى بِها في الحَرْبِ. وقِيلَ: الصُّوفُ ولُبْسُ الخَشِنِ، ورُوِيَ: اخْشَوْشِنُوا وكُلُوا الطَّعامَ الخَشِنَ، وقِيلَ ما يَقِي مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ، وقالَ عُثْمانُ بْنُ عَطاءٍ: لِباسُ المُتَّقِينَ في الآخِرَةِ، وقِيلَ لِباسُ التَّقْوى مَجازٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: العَمَلُ الصّالِحُ، وقالَ أيْضًا: العِفَّةُ، وقالَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: السَّمْتُ الحَسَنُ في الوَجْهِ، وقالَ مَعْبَدٌ الجُهَنِيُّ: الحَياءُ، وقالَ الحَسَنُ: الوَرَعُ والسَّمْتُ الحَسَنُ، وقالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: خَشْيَةُ اللَّهِ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الإيمانُ، وقِيلَ ما يَظْهَرُ مِنَ السَّكِينَةِ والإخْباتِ، وقالَ يَحْيى بْنُ يَحْيى: الخُشُوعُ، والأحْسَنُ أنْ يُجْعَلَ عامًّا فَكُلُّ ما يَحْصُلُ بِهِ الِاتِّقاءُ المَشْرُوعُ فَهو مِن لِباسِ التَّقْوى، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ إلى ما تَقَدَّمَ مِن إنْزالِ اللِّباسِ والرِّياشِ ولِباسِ التَّقْوى، والمَعْنى: مِن آياتِ اللَّهِ الدّالَّةِ عَلى فَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ عَلى عِبادِهِ، وقِيلَ: مِن مُوجِبِ آياتِ اللَّهِ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى (لِباسُ التَّقْوى)، أيْ: هو في العِبَرِ آيَةٌ، أيْ: عَلامَةٌ وأمارَةٌ مِنَ اللَّهِ أنَّهُ قَدْ رَضِيَ عَنْهُ ورَحِمَهُ لَعَلَّهم يَذْكُرُونَ هَذِهِ النِّعَمَ فَيَشْكُرُونَ اللَّهَ عَلَيْها.
﴿يابَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما﴾ . أيْ لا يَسْتَهْوِيَنَّكم ويَغْلِبْ عَلَيْكم، وهو نَهْيٌ لِلشَّيْطانِ، والمَعْنى نَهْيُهم أنْفُسَهم عَنِ الإصْغاءِ إلَيْهِ والطَّواعِيَةِ لِأمْرِهِ، كَما قالُوا لا أرَيَنَّكَ هُنا، ومَعْناهُ النَّهْيُ عَنِ الإقامَةِ بِحَيْثُ يَراهُ، وكَما في مَوْضِعِ نَصْبٍ أيْ فِتْنَةٍ مِثْلِ فِتْنَةِ إخْراجِ أبَوَيْكم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى لا يُخْرِجَنَّكم عَنِ الدِّينِ بِفِتْنَتِهِ إخْراجًا مِثْلَ إخْراجِهِ أبَوَيْكم، وقَرَأ يَحْيى وإبْراهِيمُ: (لا يُفْتِنَنَّكم) بِضَمِّ الياءِ مِن أفْتَنَ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: لا يَفْتِنْكم بِغَيْرِ نُونِ تَوْكِيدٍ، والظّاهِرُ أنَّ لِباسَهُما هو الَّذِي كانَ عَلَيْهِما في الجَنَّةِ، وقالَ مُجاهِدٌ هو لِباسُ التَّقْوى، (وسَوْءاتِهِما) هو ما يَسُوءُهُما مِنَ المَعْصِيَةِ، ويَنْزِعُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (أخْرَجَ) أوْ مِن (أبَوَيْكم) لِأنَّ الجُمْلَةَ فِيها ضَمِيرُ الشَّيْطانِ وضَمِيرُ الأبَوَيْنِ، فَلَوْ كانَ بَدَلُ يَنْزِعُ نازِعًا تَعَيَّنَ الأوَّلُ، لِأنَّهُ (p-٢٨٤)إذْ ذاكَ لَوْ جَوَّزَ الثّانِي لَكانَ وصْفًا جَرى عَلى غَيْرِ مَن هو لَهُ فَكانَ يَجِبُ إبْرازُ الضَّمِيرِ وذَلِكَ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، ويَنْزِعُ حِكايَةُ أمْرٍ قَدْ وقَعَ؛ لِأنَّ نَزْعَ اللِّباسِ عَنْهُما كانَ قَبْلَ الإخْراجِ، ونَسَبَ النَّزْعَ إلى الشَّيْطانِ لَمّا كانَ مُتَسَبِّبًا فِيهِ.
﴿إنَّهُ يَراكم هو وقَبِيلُهُ مِن حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ أيْ إنَّ الشَّيْطانَ، وهو إبْلِيسُ يُبْصِرُكم هو وجُنُودُهُ ونَوْعُهُ وذُرِّيَّتُهُ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي لا تُبْصِرُونَهُ مِنها وهم أجْسامٌ لَطِيفَةٌ، مَعْلُومٌ مِن هَذِهِ الشَّرِيعَةِ وُجُودُهم، كَما أنَّ المَلائِكَةَ أيْضًا مَعْلُومٌ وُجُودُهم مِن هَذِهِ الشَّرِيعَةِ، ولا يُسْتَنْكَرُ وُجُودُ أجْسامٍ لَطِيفَةٍ جِدًّا لا نَراها نَحْنُ ألا تَرى أنَّ الهَواءَ جِسْمٌ لَطِيفٌ لا نُدْرِكُهُ نَحْنُ وقَدْ قامَ البُرْهانُ العَقْلِيُّ القاطِعُ عَلى وُجُودِهِ، وقَدْ صَحَّ تَصَوُّرُهم في الأجْسامِ الكَثِيفَةِ ورُؤْيَةُ بَنِي آدَمَ لَهم في تِلْكَ الأجْسامِ كالشَّيْطانِ الَّذِي رَآهُ أبُو هُرَيْرَةَ حِينَ جَعَلَ يَحْفَظُ تَمْرَ الصَّدَقَةِ والعِفْرِيتِ الَّذِي رَآهُ الرَّسُولُ وقالَ فِيهِ: «لَوْلا دَعْوَةُ أخِي سُلَيْمانَ لَرَبَطْتُهُ إلى سارِيَةٍ مِن سَوارِي المَسْجِدِ»، وكَحَدِيثِ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ حِينَ سُيِّرَ لِكَسْرِ ذِي الخَلَصَةِ، وكَحَدِيثِ سَوادِ بْنِ قارِبٍ مَعَ رَئِيِّهِ مِنَ الجِنِّ إلّا أنَّ رُؤْيَتَهم في الصُّوَرِ نادِرَةٌ، كَما أنَّ المَلائِكَةَ تَبْدُو في صُوَرٍ كَحَدِيثِ جِبْرِيلَ وحَدِيثِ المَلَكِ الَّذِي أتى الأعْمى والأقْرَعَ والأبْرَصَ وهَذا أمْرٌ قَدِ اسْتَفاضَ في الشَّرِيعَةِ فَلا يُمْكِنُ رَدُّهُ أعْنِي تَصَوُّرَهم في بَعْضِ الأحْيانِ في الصُّوَرِ الكَثِيفَةِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلى أنَّ الجِنَّ لا يُرَوْنَ ولا يَظْهَرُونَ لِلْإنْسِ وأنَّ إظْهارَهم أنْفُسَهم لَيْسَ في اسْتِطاعَتِهِمْ، وأنَّ زَعْمَ مَن يَدَّعِي رُؤْيَتَهم زُورٌ ومَخْرَفَةٌ انْتَهى. ولا دَلِيلَ في الآيَةِ عَلى ما ذُكِرَ؛ لِأنَّهُ تَعالى أثْبَتَ أنَّهم يَرَوْنَنا مِن جِهَةٍ لا نَراهم نَحْنُ فِيها وهي الجِهَةُ الَّتِي يَكُونُونَ فِيها عَلى أصْلِ خِلْقَتِهِمْ مِنَ الأجْسامِ اللَّطِيفَةِ ولَوْ أرادَ نَفْيَ رُؤْيَتِنا عَلى العُمُومِ لَمْ يَتَقَيَّدْ بِهَذِهِ الحَيْثِيَّةِ، وكانَ يَكُونُ التَّرْكِيبُ أنَّهُ يَراكم هو وقَبِيلُهُ وأنْتُمْ لا تَرَوْنَهم وأيْضًا فَلَوْ فَرَضْنا أنَّ في الآيَةِ دَلالَةً لَكانَ مِنَ العامِّ المَخْصُوصِ بِالحَدِيثِ النَّبَوِيِّ المُسْتَفِيضِ، فَيَكُونُونَ مَرْئِيِّينَ في بَعْضِ الصُّوَرِ لِبَعْضِ النّاسِ في بَعْضِ الأحْيانِ، وفي كِتابِ التَّحْرِيرِ أنْكَرَ جَماعَةٌ مِنَ الحُكَماءِ تَكَرُّرَ الجِنِّ والشَّياطِينِ وتَصَوُّرَهم عَلى أيِّ جِهَةٍ شاءُوا، وقَوْلُهُ ﴿إنَّهُ يَراكُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ وتَحْذِيرٌ مِن فِتْنَتِهِ فَإنَّهُ بِمَنزِلَةِ العَدُوِّ المُداجِي يَكِيدُكم ويَغْتالُكم مِن حَيْثُ لا تَشْعُرُونَ، وفي الحَدِيثِ: «إنَّ الشَّيْطانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرى الدَّمِ» إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يُفارِقُهُ وأنَّهُ يَرْصُدُ غَفَلاتِهِ فَيَتَسَلَّطُ عَلَيْهِ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (أنَّهُ) عائِدٌ عَلى الشَّيْطانِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والضَّمِيرُ في (أنَّهُ) ضَمِيرُ الشَّأْنِ، والحَدِيثُ انْتَهى. ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى هَذا (وقَبِيلُهُ) مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في (يَراكم) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً مَحْذُوفَ الخَبَرِ أوْ مَعْطُوفًا عَلى مَوْضِعِ اسْمِ إنَّ عَلى مَذْهَبِ مَن يُجِيزُ ذَلِكَ، وقَرَأاليَزِيدِيُّ (وقَبِيلَهُ) بِنَصْبِ اللّامِ عَطْفًا عَلى اسْمِ إنَّ إنْ كانَ الضَّمِيرُ (p-٢٨٥)يَعُودُ عَلى الشَّيْطانِ (وقَبِيلَهُ) مَفْعُولٌ مَعَهُ، أيْ مَعَ قَبِيلِهِ، وقُرِئَ شاذًّا مِن حَيْثُ لا تَرَوْنَهُ بِإفْرادِ الضَّمِيرِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى الشَّيْطانِ، (وقَبِيلُهُ) إجْراءٌ لَهُ مَجْرى اسْمِ الإشارَةِ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ:
؎فِيها خُطُوطٌ مِن سَوادٍ وبَلَقْ ∗∗∗ كَأنَّهُ في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ
أيْ كانَ ذَلِكَ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ، عادَ الضَّمِيرُ عَلى الشَّيْطانِ وحْدَهُ لِكَوْنِهِ رَأْسَهم وكَبِيرَهم، وهم لَهُ تَبَعٌ وهو المُفْرَدُ بِالنَّهْيِ أوَّلًا.
﴿إنّا جَعَلْنا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ لِلَّذِينِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ صَيَّرْنا الشَّياطِينَ ناصِرِيهِمْ وعاضِدِيهِمْ في الباطِلِ، وقالَ الزَّجّاجُ: سَلَّطْناهم عَلَيْهِمْ يُزِيدُونَ في غَيِّهِمْ فَيُتابِعُونَهم عَلى ذَلِكَ، فَصارُوا أوْلِياءَهم، وقِيلَ: جَعَلْناهم قُرَناءَ لَهم، وحَكى الزَّهْراوِيُّ أنَّ جَعَلَ هُنا بِمَعْنى وصَفَ، وهي نَزْعَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: خَلَّيْنا بَيْنَهم وبَيْنَهم لَمْ نَكُفَّهم عَنْهم حَتّى تَوَلَّوْهم وأطاعُوهم، فِيما سَوَّلُوا لَهم مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، وهَذا تَحْذِيرٌ آخَرُ أبْلَغُ مِنَ الأوَّلِ، انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ.
الأعراف 7:28
﴿وإذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا واللَّهُ أمَرَنا بِها﴾، أيْ: إذا فَعَلُوا ما تَفاحَشَ مِنَ الذُّنُوبِ اعْتَذَرُوا، والتَّقْدِيرُ: وطُلِبُوا بِحُجَّةٍ عَلى ارْتِكابِها قالُوا: آباؤُنا كانُوا يَفْعَلُونَها فَنَحْنُ نَقْتَدِي بِهِمْ واللَّهُ أمَرَنا بِها، كانُوا يَقُولُونَ: لَوْ كَرِهَ اللَّهُ مِنّا ما نَفْعَلُهُ لَنَقَلَنا عَنْهُ، والإخْبارُ الأوَّلُ يَتَضَمَّنُ التَّقْلِيدَ لِآبائِهِمْ، والتَّقْلِيدُ باطِلٌ، إذْ لَيْسَ طَرِيقًا لِلْعِلْمِ، والإخْبارُ الثّانِي افْتِراءٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والفاحِشَةُ وإنْ كانَ اللَّفْظُ عامًّا هي كَشْفُ العَوْرَةِ في الطَّوافِ، فَقَدْ رُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ أنَّهُ قالَ: في ذَلِكَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ. انْتَهى. وبِهِ قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، والسُّدِّيُّ، وقالَ الحَسَنُ، وعَطاءٌ، والزَّجّاجُ: الفاحِشَةُ هُنا الشِّرْكُ، وقِيلَ: البَحِيرَةُ والسّائِبَةُ والوَصِيلَةُ والحامِي، وقِيلَ: الكَبائِرُ، والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ أنَّهُ إخْبارٌ مُسْتَأْنَفٌ عَنْ هَؤُلاءِ الكُفّارِ بِما كانُوا يَقُولُونَ إذا ارْتَكَبُوا الفَواحِشَ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإذا فَعَلُوا، وما بَعْدَهُ داخِلٌ في صِلَةِ (الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) لِيَقَعَ التَّوْبِيخُ بِصِفَةِ قَوْمٍ قَدْ جُعِلُوا أمْثالًا لِلْمُؤْمِنِينَ، إذْ أشْبَهَ فِعْلُهم فِعْلَ المُمَثَّلِ بِهِمْ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعَنِ الحَسَنِ: ”إنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ إلى العَرَبِ وهم قَدَرِيَّةٌ مُجْبِرَةٌ، يُحَمِّلُونَ ذُنُوبَهم عَلى اللَّهِ تَعالى، وتَصْدِيقُهُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وإذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾“ انْتَهَتْ حِكايَتُهُ عَنِ الحَسَنِ ولَعَلَّها لا تَصِحُّ عَنِ الحَسَنِ وانْظُرْ إلى دَسِيسَةِ الزَّمَخْشَرِيِّ في قَوْلِهِ، وهم قَدَرِيَّةٌ، فَإنَّ أهْلَ السُّنَّةِ يَجْعَلُونَ المُعْتَزِلَةَ هُمُ القَدَرِيَّةُ، فَعَكَسَ هو عَلَيْهِمْ وجَعَلَهم هُمُ القَدَرِيَّةُ، حَتّى إنَّ ما جاءَ مِنَ الذَّمِّ لِلْقَدَرِيَّةِ يَكُونُ لَهم، وهَذِهِ النِّسْبَةُ مِن حَيْثُ العَرَبِيَّةِ هي ألْيَقُ بِمَن أثْبَتَ القَدَرَ لا بِمَن نَفاهُ، وقَوْلُ أهْلِ السُّنَّةِ في المُعْتَزِلَةِ أنَّهم قَدَرِيَّةٌ، مَعْناهُ أنَّهم يَنْفُونَ القَدَرَ ويَزْعُمُونَ أنَّ الأمْرَ آنِفٌ، وذَلِكَ شَبِيهٌ بِما يَقُولُ بَعْضُهم في داوُدَ الظّاهِرِيِّ أنَّهُ القِياسِيُّ ومَعْناهُ نافِي القِياسِ.
﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ﴾، أيْ: بِفِعْلِ الفَحْشاءِ وإنَّما لَمْ يَرِدِ التَّقْلِيدُ لِظُهُورِ بُطْلانِهِ لِكُلِّ أحَدٍ لِلُزُومِهِ الأخْذَ بِالمُتَناقِضاتِ، وأبْطَلَ تَعالى دَعْواهم أنَّ اللَّهَ أمَرَ بِها إذْ مَدْرَكٌ ذَلِكَ إنَّما هو الوَحْيُ عَلى لِسانِ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ ولَمْ يَقَعْ ذَلِكَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِأنَّ فِعْلَ القَبِيحِ مُسْتَحِيلٌ عَلَيْهِ لِعَدَمِ الدّاعِي ووُجُودِ الصّارِفِ فَكَيْفَ يَأْمُرُ بِفِعْلِهِ.
﴿أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ إنْكارٌ لِإضافَتِهِمُ القَبِيحَ إلَيْهِ، وشَهادَةٌ عَلى أنَّ مَبْنى أمْرِهِمْ عَلى الجَهْلِ المُفْرِطِ. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ المُعْتَزِلَةِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وبَّخَهم عَلى كَذِبِهِمْ ووَقْفِهِمْ عَلى ما لا عِلْمَ لَهم بِهِ ولا رِوايَةَ لَهم فِيهِ، بَلْ هي دَعْوى واخْتِلاقٌ.
الأعراف 7:29
(p-٢٨٦)﴿قُلْ أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ وأقِيمُوا وُجُوهَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأكم تَعُودُونَ﴾ ﴿فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾ ﴿يابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١] ﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ القِيامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٢] ﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ والإثْمَ والبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وأنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤] ﴿يابَنِي آدَمَ إمّا يَأْتِيَنَّكم رُسُلٌ مِنكم يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: ٣٥] ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [الأعراف: ٣٦] ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولَئِكَ يَنالُهم نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ حَتّى إذا جاءَتْهم رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهم قالُوا أيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٣٧] ﴿قالَ ادْخُلُوا في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم مِنَ الجِنِّ والإنْسِ في النّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا قالَتْ أُخْراهم لِأُولاهم رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨] ﴿وقالَتْ أُولاهم لِأُخْراهم فَما كانَ لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٣٩] ﴿إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ ولا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ وكَذَلِكَ نَجْزِي المُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٠] ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ وكَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤١] ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [الأعراف: ٤٢] ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أنْ هَدانا اللَّهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ ونُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣] ﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابَ النّارِ أنْ قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهم أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٤] ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا وهم بِالآخِرَةِ كافِرُونَ﴾ [الأعراف: ٤٥] ﴿وبَيْنَهُما حِجابٌ وعَلى الأعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهم ونادَوْا أصْحابَ الجَنَّةِ أنْ سَلامٌ عَلَيْكم لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾ [الأعراف: ٤٦] ﴿وإذا صُرِفَتْ أبْصارُهم تِلْقاءَ أصْحابِ النّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٧] ﴿ونادى أصْحابُ الأعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهم بِسِيماهم قالُوا ما أغْنى عَنْكم جَمْعُكم وما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأعراف: ٤٨] ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكم ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: ٤٩] ﴿ونادى أصْحابُ النّارِ أصْحابَ الجَنَّةِ أنْ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٥٠] ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ولَعِبًا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا فاليَوْمَ نَنْساهم كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا وما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ [الأعراف: ٥١] ﴿ولَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٥٢] ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٣] ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] .
بَدَأ الشَّيْءَ: أنْشَأهُ واخْتَرَعَهُ، الجَمَلُ: الحَيَوانُ المَعْرُوفُ، وجَمْعُهُ جِمالٌ وأجْمُلٌ، ولا يُسَمّى جَمَلًا حَتّى يَبْلُغَ أرْبَعَ سِنِينَ، والجَمَلُ: حَبْلُ السَّفِينَةِ، ولُغاتُهُ تَأْتِي في المُرَكَّباتِ. سَمُّ الخِياطِ: ثُقْبُهُ وتُضَمُّ سِينُ ”سَمُّ“ وتُفْتَحُ وتُكْسَرُ، وكُلُّ ثُقْبٍ في أنْفٍ، أوْ أُذُنٍ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فالعَرَبُ تُسَمِّيهِ سَمًّا. والخِياطُ: المَخِيطُ، وهُما آلَتانِ كَإزارٍ ومِئْزَرٍ ولِحافٍ ومِلْحَفٍ وقِناعٍ ومِقْنَعٍ. الغِلُّ: الحِقْدُ والإحْنَةُ الخَفِيَّةُ في النَّفْسِ، وجَمْعُها غِلالٌ ومِنهُ الغُلُولُ أخْذٌ في (p-٢٨٧)خَفاءٍ. نَعَمْ: حَرْفٌ يَكُونُ تَصْدِيقًا لِإثْباتٍ مَحْضٍ، أوْ لِما تَضَمَّنَهُ اسْتِفْهامٌ، وكَسْرُ عَيْنِها لُغَةٌ لِقُرَيْشٍ، وإبْدالُ عَيْنِها بِالحاءِ لُغَةٌ، ووُقُوعُها جَوابًا بَعْدَ نَفْيٍ يُرادُ بِهِ التَّقْرِيرُ نادِرٌ. الأعْرافُ: جَمْعُ عُرْفٍ وهو المُرْتَفِعُ مِنَ الأرْضِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎كُلُّ كِنازٍ لَحْمُهُ نِيافِ كالجَبَلِ المُوفِي عَلى الأعْرافِ
وقالَ الشَّمّاخُ:
؎فَظَلَّتْ بِأعْرافٍ تُعادِي كَأنَّها ∗∗∗ رِماحٌ نَحاها وِجْهَةَ الرِّيحِ راكِزُ
ومِنهُ عُرْفُ الفَرَسِ وعُرْفُ الدِّيكِ لِعُلُوِّهِما. السِّتَّةُ: رُتْبَةٌ مِنَ العَدَدِ مَعْرُوفَةٌ وأصْلُها سِدْسَةٌ فَأبْدَلُوا مِنَ السِّينِ تاءً، ولَزِمَ الإبْدالُ، ثُمَّ أدْغَمُوا الدّالَ في التّاءِ بَعْدَ إبْدالِ الدّالِ بِالتّاءِ، ولَزِمَ الإدْغامُ، وتَصْغِيرُهُ سُدَيْسٌ وسُدَيْسَةٌ. الحَثُّ: الإعْجالُ حَثَثْتُ فُلانًا فَأحْثَثَ. قالَهُ اللَّيْثُ وقالَ: فَهو حَثِيثٌ ومَحْثُوثٌ.
﴿قُلْ أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: القِسْطُ هُنا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ؛ لِأنَّ أسْبابَ الخَيْرِ كُلَّها تَنْشَأُ عَنْها، وقالَ عَطاءٌ، والسُّدِّيُّ: العَدْلُ وما يَظْهَرُ في القَوْلِ كَوْنُهُ حَسَنًا صَوابًا، وقِيلَ الصِّدْقُ والحَقُّ.
﴿وأقِيمُوا وُجُوهَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ . وأقِيمُوا مَعْطُوفٌ عَلى ما يَنْحَلُّ إلَيْهِ المَصْدَرُ الَّذِي هو القِسْطُ، أيْ: بِأنْ أقْسِطُوا وأقِيمُوا، وكَما يَنْحَلُّ المَصْدَرُ لـِ (أنْ) والفِعْلِ الماضِي، نَحْوُ عَجِبْتُ مِن قِيامِ زَيْدٍ وخَرَجَ، أيْ: مِن أنْ قامَ وخَرَجَ، وأنْ والمُضارِعُ نَحْوُ:
؎لَلُبْسُ عَباءَةٍ وتَقَرَّ عَيْنِي
أيْ: لَأنْ ألْبَسَ عَباءَةً وتَقَرَّ عَيْنِي، كَذَلِكَ يَنْحَلُّ لَأنْ وفِعْلُ الأمْرِ ألا تَرى أنَّ (أنْ) تُوصَلُ بِفِعْلِ الأمْرِ نَحْوُ كَتَبْتُ إلَيْهِ بِأنْ قُمْ، كَما تُوصَلُ بِالماضِي والمُضارِعِ بِخِلافِ ما المَصْدَرِيَّةِ، فَإنَّها لا تُوصَلُ بِفِعْلِ الأمْرِ، وبِخِلافِ كَيْ إذا لَمْ تَكُنْ حَرْفًا، وكانَتْ مَصْدَرِيَّةً فَإنَّها تُوصَلُ بِالمُضارِعِ فَقَطْ، ولَمّا أشْكَلَ هَذا التَّخْرِيجُ جَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ (وأقِيمُوا) عَلى تَقْدِيرِ وقُلْ فَقالَ: أقِيمُوا فَيُحْتَمَلُ قَوْلُهُ وقُلْ أقِيمُوا أنْ يَكُونَ (أقِيمُوا) مَعْمُولًا لِهَذا الفِعْلِ المَلْفُوظِ بِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (وأقِيمُوا) مَعْطُوفًا عَلى ﴿أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ﴾ فَيَكُونُ مَعْمُولًا لِقُلِ المَلْفُوظِ بِها أوَّلًا، وقَدَّرَها لِيُبَيِّنَ أنَّها مَعْطُوفَةٌ عَلَيْها، وعَلى ما خَرَّجْناهُ نَحْنُ يَكُونُ في خَبَرِ مَعْمُولِ أمَرَ، وقِيلَ: (وأقِيمُوا) مَعْطُوفٌ عَلى أمَرَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ فَأقْبِلُوا وأقِيمُوا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، واخْتارَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى إذا حَضَرَتِ الصَّلاةُ فَصَلُّوا في كُلِّ مَسْجِدٍ، ولا يَقُلْ أحَدُكم أُصَلِّي في مَسْجِدِي، وقالَ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ تَوَجَّهُوا حَيْثُ كُنْتُمْ في الصَّلاةِ إلى الكَعْبَةِ، وقالَ الرَّبِيعُ: اجْعَلُوا سُجُودَكم خالِصًا لِلَّهِ دُونَ غَيْرِهِ، وقِيلَ: مَعْناهُ اقْصِدُوا المَسْجِدَ في وقْتِ كُلِّ صَلاةٍ أمْرًا بِالجَماعَةِ. ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ، وقِيلَ: مَعْناهُ إذا كانَ في جِوارِكم مَسْجِدٌ فَأقِيمُوا الجَماعَةَ فِيهِ ولا تَتَجاوَزُوا إلى غَيْرِهِ. ذَكَرَهُ التِّبْرِيزِيُّ، وقِيلَ: هو أمْرٌ بِإحْضارِ النِّيَّةِ لِلَّهِ في كُلِّ صَلاةٍ والقَصْدِ نَحْوِهِ كَما تَقُولُ: ﴿وجَّهْتُ وجْهِيَ﴾ [الأنعام: ٧٩] الآيَةَ. قالَهُ الرَّبِيعُ أيْضًا، وقِيلَ: مَعْناهُ إباحَةُ الصَّلاةِ في كُلِّ مَوْضِعٍ مِنَ الأرْضِ، أيْ: حَيْثُما كُنْتُمْ فَهو مَسْجِدٌ لَكم يَلْزَمُكم عِنْدَهُ الصَّلاةُ وإقامَةُ وُجُوهِكم فِيهِ لِلَّهِ وفي الحَدِيثِ: «جُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا (p-٢٨٨)فَأيُّما رَجُلٍ أدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ فَلْيُصَلِّ حَيْثُ كانَ» . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيِ: اقْصِدُوا عِبادَتَهُ مُسْتَقِيمِينَ إلَيْهِ غَيْرَ عادِلِينَ إلى غَيْرِها عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ في وقْتِ كُلِّ سُجُودٍ، وفي كُلِّ مَكانٍ سُجُودٌ وهو الصَّلاةُ وادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ. قِيلَ: الدُّعاءُ عَلى بابِهِ أمَرَ بِهِ مَقْرُونًا بِالإخْلاصِ؛ لِأنَّ دُعاءَ مَن لا يُخْلِصُ الدِّينَ لِلَّهِ لا يُجابُ، وقِيلَ: مَعْناهُ اعْبُدُوا، وقِيلَ: قُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
﴿كَما بَدَأكم تَعُودُونَ﴾ ﴿فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ: هو إعْلامٌ بِالبَعْثِ، أيْ: كَما أوْجَدَكم واخْتَرَعَكم كَذَلِكَ يُعِيدُكم بَعْدَ المَوْتِ ولَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَ هَذا القَوْلِ. قالَ: كَما أنْشَأكُمُ ابْتِداءً يُعِيدُكُمُ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ في إنْكارِهِمُ الإعادَةَ بِابْتِداءِ الخَلْقِ، والمَعْنى: أنَّهُ يُعِيدُكم فَيُجازِيَكم عَلى أعْمالِكم فَأخْلِصُوا لَهُ العِبادَةَ. انْتَهى. وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ قالَ: كَما أحْياكم في الدُّنْيا يُحْيِيكم في الآخِرَةِ ولَيْسَ بَعْثُكم بِأشَدَّ مِنَ ابْتِداءِ إنْشائِكم، وهَذا احْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ في إنْكارِهِمُ البَعْثَ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وأبُو العالِيَةِ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيُّ، ومُجاهِدٌ أيْضًا والفَرّاءُ - ورُوِيَ مَعْناهُ عَنِ الرَّسُولِ - أنَّهُ إعْلامٌ بِأنَّ مَن كُتِبَ عَلَيْهِ أنَّهُ مِن أهْلِ الشَّقاوَةِ والكُفْرِ في الدُّنْيا هم أهْلُ ذَلِكَ في الآخِرَةِ، وكَذَلِكَ مَن كُتِبَ لَهُ السَّعادَةُ والإيمانُ في الدُّنْيا هم أهْلُ ذَلِكَ في الآخِرَةِ لا يَتَبَدَّلُ شَيْءٌ مِمّا أحْكَمَهُ ودَبَّرَهُ تَعالى. ويُؤَيِّدُ هَذا المَعْنى قِراءَةُ أُبَيٍّ: تَعُودُونَ فَرِيقَيْنِ فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ. وعَلى هَذا المَعْنى يَكُونُ الوَقْفُ عَلى ﴿تَعُودُونَ﴾ غَيْرَ حَسَنٍ؛ لِأنَّ (فَرِيقًا) نُصِبَ عَلى الحالِ وفَرِيقًا عُطِفَ عَلَيْهِ، والجُمْلَةُ مِن (هَدى) ومِن (حَقَّ) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِما قَبْلَهُ، وقَدْ حُذِفَ الضَّمِيرُ مِن جُمْلَةِ الصِّفَةِ، أيْ: هَداهم، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ (فَرِيقًا) مَفْعُولَ (هَدى) (وفَرِيقًا) مَفْعُولَ أضَلَّ مُضْمَرَةً، والجُمْلَتانِ الفِعْلِيَّتانِ حالٌ، وهَدى عَلى إضْمارِ قَدْ، أيْ: تَعُودُونَ قَدْ هَدى فَرِيقًا وأضَلَّ فَرِيقًا، وعَلى المَعْنى الأوَّلِ يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى ﴿تَعُودُونَ﴾ ويَكُونُ (فَرِيقًا) مَفْعُولًا بِهَدى، ويَكُونُ (وفَرِيقًا) مَنصُوبًا بِإضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ: ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿فَرِيقًا هَدى﴾ وهُمُ الَّذِينَ أسْلَمُوا، أيْ: وفَّقَهم لِلْإيمانِ وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ، أيْ: كَلِمَةُ الضَّلالَةِ وعَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهم يَضِلُّونَ ولا يَهْتَدُونَ، وانْتِصابُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفَرِيقًا﴾ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ كَأنَّهُ قِيلَ وخَذَلَ فَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ. انْتَهى؛ وهي تَقادِيرُ عَلى مَذْهَبِ الِاعْتِزالِ، وقِيلَ: المَعْنى تَعُودُونَ لا ناصِرَ لَكم ولا مُعِينَ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى﴾ [الأنعام: ٩٤]، وقالَ الحَسَنُ: كَما بَدَأكم مِنَ التُّرابِ يُعِيدُكم إلى التُّرابِ، وقِيلَ: مَعْناهُ كَما خَلَقَكم عُراةً تُبْعَثُونَ عُراةً، ومَعْنى ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾، أيْ: حَقُّ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ، أوْ حَقَّ عَلَيْهِمْ عُقُوبَةُ الضَّلالَةِ، هَكَذا قَدَّرَهُ بَعْضُهم، وجاءَ إسْنادُ الهُدى إلى اللَّهِ ولَمْ يَجِئْ مُقابِلُهُ وفَرِيقًا أضَلَّ؛ لِأنَّ المَساقَ مَساقٌ مِن نَهْيٍ عَنْ أنْ يَفْتِنَهُ الشَّيْطانُ وإخْبارٌ أنَّ الشَّياطِينَ أوْلِياءٌ لِلَّذِينِ لا يُؤْمِنُونَ، وأنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ وأمَرَ بِالقِسْطِ وإقامَةِ الصَّلاةِ فَناسَبَ هَذا المَساقَ أنْ لا يُسْنِدَ إلَيْهِ تَعالى الضَّلالَ، وإنْ كانَ تَعالى هو الهادِي، وفاعِلُ الضَّلالَةِ فَكَذَلِكَ عَدَلَ إلى قَوْلِهِ: ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ .
﴿إنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾، أيْ: إنَّ الفَرِيقَ الضّالَّ ﴿اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ﴾ أنْصارًا وأعْوانًا يَتَوَلَّوْنَهم ويَنْتَصِرُونَ بِهِمْ كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: اعْلُ هُبَلُ اعْلُ هُبَلُ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ حَقِيقَةُ الشَّياطِينِ فَهم يُعِينُونَهم عَلى كُفْرِهِمْ والضّالُّونَ يَتَوَلَّوْنَهم بِانْقِيادِهِمْ إلى وسْوَسَتِهِمْ، وقِيلَ: الشَّياطِينُ أحْبارُهم وكُبَراؤُهم، قالَ الطَّبَرِيُّ: وهَذِهِ الآيَةُ دَلِيلٌ عَلى خَطَأِ قَوْلِ مَن زَعَمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُعَذِّبُ أحَدًا عَلى مَعْصِيَةٍ رَكِبَها، أوْ ضَلالَةٍ اعْتَقَدَها إلّا أنْ يَأْتِيَها عَلى عِلْمٍ مِنهُ بِمَوْضِعِ الصَّوابِ. انْتَهى. ووَجْهُ الدَّلالَةِ قَوْلُهُ: ﴿ويَحْسَبُونَ﴾، والمَحْسَبَةُ الظَّنُّ لا العِلْمُ، وقَرَأ العَبّاسُ بْنُ الفَضْلِ، وسَهْلُ بْنُ شُعَيْبٍ، (p-٢٨٩)وعِيسى بْنُ عُمَرَ: أنَّهُمُ اتَّخَذُوا. بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وهو تَعْلِيلٌ لِحَقِّ الضَّلالَةِ عَلَيْهِمْ، والعَكْسُ يَحْتَمِلُ التَّعْلِيلَ مِن حَيْثُ المَعْنى، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: تَوَلَّوْهم بِالطّاعَةِ فِيما أمَرُوهم بِهِ، وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعالى لا أثَرَ لَهُ في ضَلالِهِمْ، وأنَّهم هُمُ الضّالُّونَ بِاخْتِيارِهِمْ وتَوَلِّيهِمُ الشَّياطِينَ دُونَ اللَّهِ تَعالى. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ.
الأعراف 7:30
(p-٢٨٦)﴿قُلْ أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ وأقِيمُوا وُجُوهَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأكم تَعُودُونَ﴾ ﴿فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾ ﴿يابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١] ﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ القِيامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٢] ﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ والإثْمَ والبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وأنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤] ﴿يابَنِي آدَمَ إمّا يَأْتِيَنَّكم رُسُلٌ مِنكم يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: ٣٥] ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [الأعراف: ٣٦] ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولَئِكَ يَنالُهم نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ حَتّى إذا جاءَتْهم رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهم قالُوا أيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٣٧] ﴿قالَ ادْخُلُوا في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم مِنَ الجِنِّ والإنْسِ في النّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا قالَتْ أُخْراهم لِأُولاهم رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨] ﴿وقالَتْ أُولاهم لِأُخْراهم فَما كانَ لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٣٩] ﴿إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ ولا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ وكَذَلِكَ نَجْزِي المُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٠] ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ وكَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤١] ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [الأعراف: ٤٢] ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أنْ هَدانا اللَّهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ ونُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣] ﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابَ النّارِ أنْ قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهم أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٤] ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا وهم بِالآخِرَةِ كافِرُونَ﴾ [الأعراف: ٤٥] ﴿وبَيْنَهُما حِجابٌ وعَلى الأعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهم ونادَوْا أصْحابَ الجَنَّةِ أنْ سَلامٌ عَلَيْكم لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾ [الأعراف: ٤٦] ﴿وإذا صُرِفَتْ أبْصارُهم تِلْقاءَ أصْحابِ النّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٧] ﴿ونادى أصْحابُ الأعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهم بِسِيماهم قالُوا ما أغْنى عَنْكم جَمْعُكم وما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأعراف: ٤٨] ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكم ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: ٤٩] ﴿ونادى أصْحابُ النّارِ أصْحابَ الجَنَّةِ أنْ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٥٠] ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ولَعِبًا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا فاليَوْمَ نَنْساهم كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا وما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ [الأعراف: ٥١] ﴿ولَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٥٢] ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٣] ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] .
بَدَأ الشَّيْءَ: أنْشَأهُ واخْتَرَعَهُ، الجَمَلُ: الحَيَوانُ المَعْرُوفُ، وجَمْعُهُ جِمالٌ وأجْمُلٌ، ولا يُسَمّى جَمَلًا حَتّى يَبْلُغَ أرْبَعَ سِنِينَ، والجَمَلُ: حَبْلُ السَّفِينَةِ، ولُغاتُهُ تَأْتِي في المُرَكَّباتِ. سَمُّ الخِياطِ: ثُقْبُهُ وتُضَمُّ سِينُ ”سَمُّ“ وتُفْتَحُ وتُكْسَرُ، وكُلُّ ثُقْبٍ في أنْفٍ، أوْ أُذُنٍ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فالعَرَبُ تُسَمِّيهِ سَمًّا. والخِياطُ: المَخِيطُ، وهُما آلَتانِ كَإزارٍ ومِئْزَرٍ ولِحافٍ ومِلْحَفٍ وقِناعٍ ومِقْنَعٍ. الغِلُّ: الحِقْدُ والإحْنَةُ الخَفِيَّةُ في النَّفْسِ، وجَمْعُها غِلالٌ ومِنهُ الغُلُولُ أخْذٌ في (p-٢٨٧)خَفاءٍ. نَعَمْ: حَرْفٌ يَكُونُ تَصْدِيقًا لِإثْباتٍ مَحْضٍ، أوْ لِما تَضَمَّنَهُ اسْتِفْهامٌ، وكَسْرُ عَيْنِها لُغَةٌ لِقُرَيْشٍ، وإبْدالُ عَيْنِها بِالحاءِ لُغَةٌ، ووُقُوعُها جَوابًا بَعْدَ نَفْيٍ يُرادُ بِهِ التَّقْرِيرُ نادِرٌ. الأعْرافُ: جَمْعُ عُرْفٍ وهو المُرْتَفِعُ مِنَ الأرْضِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎كُلُّ كِنازٍ لَحْمُهُ نِيافِ كالجَبَلِ المُوفِي عَلى الأعْرافِ
وقالَ الشَّمّاخُ:
؎فَظَلَّتْ بِأعْرافٍ تُعادِي كَأنَّها ∗∗∗ رِماحٌ نَحاها وِجْهَةَ الرِّيحِ راكِزُ
ومِنهُ عُرْفُ الفَرَسِ وعُرْفُ الدِّيكِ لِعُلُوِّهِما. السِّتَّةُ: رُتْبَةٌ مِنَ العَدَدِ مَعْرُوفَةٌ وأصْلُها سِدْسَةٌ فَأبْدَلُوا مِنَ السِّينِ تاءً، ولَزِمَ الإبْدالُ، ثُمَّ أدْغَمُوا الدّالَ في التّاءِ بَعْدَ إبْدالِ الدّالِ بِالتّاءِ، ولَزِمَ الإدْغامُ، وتَصْغِيرُهُ سُدَيْسٌ وسُدَيْسَةٌ. الحَثُّ: الإعْجالُ حَثَثْتُ فُلانًا فَأحْثَثَ. قالَهُ اللَّيْثُ وقالَ: فَهو حَثِيثٌ ومَحْثُوثٌ.
﴿قُلْ أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: القِسْطُ هُنا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ؛ لِأنَّ أسْبابَ الخَيْرِ كُلَّها تَنْشَأُ عَنْها، وقالَ عَطاءٌ، والسُّدِّيُّ: العَدْلُ وما يَظْهَرُ في القَوْلِ كَوْنُهُ حَسَنًا صَوابًا، وقِيلَ الصِّدْقُ والحَقُّ.
﴿وأقِيمُوا وُجُوهَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ . وأقِيمُوا مَعْطُوفٌ عَلى ما يَنْحَلُّ إلَيْهِ المَصْدَرُ الَّذِي هو القِسْطُ، أيْ: بِأنْ أقْسِطُوا وأقِيمُوا، وكَما يَنْحَلُّ المَصْدَرُ لـِ (أنْ) والفِعْلِ الماضِي، نَحْوُ عَجِبْتُ مِن قِيامِ زَيْدٍ وخَرَجَ، أيْ: مِن أنْ قامَ وخَرَجَ، وأنْ والمُضارِعُ نَحْوُ:
؎لَلُبْسُ عَباءَةٍ وتَقَرَّ عَيْنِي
أيْ: لَأنْ ألْبَسَ عَباءَةً وتَقَرَّ عَيْنِي، كَذَلِكَ يَنْحَلُّ لَأنْ وفِعْلُ الأمْرِ ألا تَرى أنَّ (أنْ) تُوصَلُ بِفِعْلِ الأمْرِ نَحْوُ كَتَبْتُ إلَيْهِ بِأنْ قُمْ، كَما تُوصَلُ بِالماضِي والمُضارِعِ بِخِلافِ ما المَصْدَرِيَّةِ، فَإنَّها لا تُوصَلُ بِفِعْلِ الأمْرِ، وبِخِلافِ كَيْ إذا لَمْ تَكُنْ حَرْفًا، وكانَتْ مَصْدَرِيَّةً فَإنَّها تُوصَلُ بِالمُضارِعِ فَقَطْ، ولَمّا أشْكَلَ هَذا التَّخْرِيجُ جَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ (وأقِيمُوا) عَلى تَقْدِيرِ وقُلْ فَقالَ: أقِيمُوا فَيُحْتَمَلُ قَوْلُهُ وقُلْ أقِيمُوا أنْ يَكُونَ (أقِيمُوا) مَعْمُولًا لِهَذا الفِعْلِ المَلْفُوظِ بِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (وأقِيمُوا) مَعْطُوفًا عَلى ﴿أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ﴾ فَيَكُونُ مَعْمُولًا لِقُلِ المَلْفُوظِ بِها أوَّلًا، وقَدَّرَها لِيُبَيِّنَ أنَّها مَعْطُوفَةٌ عَلَيْها، وعَلى ما خَرَّجْناهُ نَحْنُ يَكُونُ في خَبَرِ مَعْمُولِ أمَرَ، وقِيلَ: (وأقِيمُوا) مَعْطُوفٌ عَلى أمَرَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ فَأقْبِلُوا وأقِيمُوا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، واخْتارَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى إذا حَضَرَتِ الصَّلاةُ فَصَلُّوا في كُلِّ مَسْجِدٍ، ولا يَقُلْ أحَدُكم أُصَلِّي في مَسْجِدِي، وقالَ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ تَوَجَّهُوا حَيْثُ كُنْتُمْ في الصَّلاةِ إلى الكَعْبَةِ، وقالَ الرَّبِيعُ: اجْعَلُوا سُجُودَكم خالِصًا لِلَّهِ دُونَ غَيْرِهِ، وقِيلَ: مَعْناهُ اقْصِدُوا المَسْجِدَ في وقْتِ كُلِّ صَلاةٍ أمْرًا بِالجَماعَةِ. ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ، وقِيلَ: مَعْناهُ إذا كانَ في جِوارِكم مَسْجِدٌ فَأقِيمُوا الجَماعَةَ فِيهِ ولا تَتَجاوَزُوا إلى غَيْرِهِ. ذَكَرَهُ التِّبْرِيزِيُّ، وقِيلَ: هو أمْرٌ بِإحْضارِ النِّيَّةِ لِلَّهِ في كُلِّ صَلاةٍ والقَصْدِ نَحْوِهِ كَما تَقُولُ: ﴿وجَّهْتُ وجْهِيَ﴾ [الأنعام: ٧٩] الآيَةَ. قالَهُ الرَّبِيعُ أيْضًا، وقِيلَ: مَعْناهُ إباحَةُ الصَّلاةِ في كُلِّ مَوْضِعٍ مِنَ الأرْضِ، أيْ: حَيْثُما كُنْتُمْ فَهو مَسْجِدٌ لَكم يَلْزَمُكم عِنْدَهُ الصَّلاةُ وإقامَةُ وُجُوهِكم فِيهِ لِلَّهِ وفي الحَدِيثِ: «جُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا (p-٢٨٨)فَأيُّما رَجُلٍ أدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ فَلْيُصَلِّ حَيْثُ كانَ» . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيِ: اقْصِدُوا عِبادَتَهُ مُسْتَقِيمِينَ إلَيْهِ غَيْرَ عادِلِينَ إلى غَيْرِها عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ في وقْتِ كُلِّ سُجُودٍ، وفي كُلِّ مَكانٍ سُجُودٌ وهو الصَّلاةُ وادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ. قِيلَ: الدُّعاءُ عَلى بابِهِ أمَرَ بِهِ مَقْرُونًا بِالإخْلاصِ؛ لِأنَّ دُعاءَ مَن لا يُخْلِصُ الدِّينَ لِلَّهِ لا يُجابُ، وقِيلَ: مَعْناهُ اعْبُدُوا، وقِيلَ: قُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
﴿كَما بَدَأكم تَعُودُونَ﴾ ﴿فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ: هو إعْلامٌ بِالبَعْثِ، أيْ: كَما أوْجَدَكم واخْتَرَعَكم كَذَلِكَ يُعِيدُكم بَعْدَ المَوْتِ ولَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَ هَذا القَوْلِ. قالَ: كَما أنْشَأكُمُ ابْتِداءً يُعِيدُكُمُ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ في إنْكارِهِمُ الإعادَةَ بِابْتِداءِ الخَلْقِ، والمَعْنى: أنَّهُ يُعِيدُكم فَيُجازِيَكم عَلى أعْمالِكم فَأخْلِصُوا لَهُ العِبادَةَ. انْتَهى. وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ قالَ: كَما أحْياكم في الدُّنْيا يُحْيِيكم في الآخِرَةِ ولَيْسَ بَعْثُكم بِأشَدَّ مِنَ ابْتِداءِ إنْشائِكم، وهَذا احْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ في إنْكارِهِمُ البَعْثَ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وأبُو العالِيَةِ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيُّ، ومُجاهِدٌ أيْضًا والفَرّاءُ - ورُوِيَ مَعْناهُ عَنِ الرَّسُولِ - أنَّهُ إعْلامٌ بِأنَّ مَن كُتِبَ عَلَيْهِ أنَّهُ مِن أهْلِ الشَّقاوَةِ والكُفْرِ في الدُّنْيا هم أهْلُ ذَلِكَ في الآخِرَةِ، وكَذَلِكَ مَن كُتِبَ لَهُ السَّعادَةُ والإيمانُ في الدُّنْيا هم أهْلُ ذَلِكَ في الآخِرَةِ لا يَتَبَدَّلُ شَيْءٌ مِمّا أحْكَمَهُ ودَبَّرَهُ تَعالى. ويُؤَيِّدُ هَذا المَعْنى قِراءَةُ أُبَيٍّ: تَعُودُونَ فَرِيقَيْنِ فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ. وعَلى هَذا المَعْنى يَكُونُ الوَقْفُ عَلى ﴿تَعُودُونَ﴾ غَيْرَ حَسَنٍ؛ لِأنَّ (فَرِيقًا) نُصِبَ عَلى الحالِ وفَرِيقًا عُطِفَ عَلَيْهِ، والجُمْلَةُ مِن (هَدى) ومِن (حَقَّ) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِما قَبْلَهُ، وقَدْ حُذِفَ الضَّمِيرُ مِن جُمْلَةِ الصِّفَةِ، أيْ: هَداهم، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ (فَرِيقًا) مَفْعُولَ (هَدى) (وفَرِيقًا) مَفْعُولَ أضَلَّ مُضْمَرَةً، والجُمْلَتانِ الفِعْلِيَّتانِ حالٌ، وهَدى عَلى إضْمارِ قَدْ، أيْ: تَعُودُونَ قَدْ هَدى فَرِيقًا وأضَلَّ فَرِيقًا، وعَلى المَعْنى الأوَّلِ يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى ﴿تَعُودُونَ﴾ ويَكُونُ (فَرِيقًا) مَفْعُولًا بِهَدى، ويَكُونُ (وفَرِيقًا) مَنصُوبًا بِإضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ: ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿فَرِيقًا هَدى﴾ وهُمُ الَّذِينَ أسْلَمُوا، أيْ: وفَّقَهم لِلْإيمانِ وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ، أيْ: كَلِمَةُ الضَّلالَةِ وعَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهم يَضِلُّونَ ولا يَهْتَدُونَ، وانْتِصابُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفَرِيقًا﴾ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ كَأنَّهُ قِيلَ وخَذَلَ فَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ. انْتَهى؛ وهي تَقادِيرُ عَلى مَذْهَبِ الِاعْتِزالِ، وقِيلَ: المَعْنى تَعُودُونَ لا ناصِرَ لَكم ولا مُعِينَ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى﴾ [الأنعام: ٩٤]، وقالَ الحَسَنُ: كَما بَدَأكم مِنَ التُّرابِ يُعِيدُكم إلى التُّرابِ، وقِيلَ: مَعْناهُ كَما خَلَقَكم عُراةً تُبْعَثُونَ عُراةً، ومَعْنى ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾، أيْ: حَقُّ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ، أوْ حَقَّ عَلَيْهِمْ عُقُوبَةُ الضَّلالَةِ، هَكَذا قَدَّرَهُ بَعْضُهم، وجاءَ إسْنادُ الهُدى إلى اللَّهِ ولَمْ يَجِئْ مُقابِلُهُ وفَرِيقًا أضَلَّ؛ لِأنَّ المَساقَ مَساقٌ مِن نَهْيٍ عَنْ أنْ يَفْتِنَهُ الشَّيْطانُ وإخْبارٌ أنَّ الشَّياطِينَ أوْلِياءٌ لِلَّذِينِ لا يُؤْمِنُونَ، وأنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ وأمَرَ بِالقِسْطِ وإقامَةِ الصَّلاةِ فَناسَبَ هَذا المَساقَ أنْ لا يُسْنِدَ إلَيْهِ تَعالى الضَّلالَ، وإنْ كانَ تَعالى هو الهادِي، وفاعِلُ الضَّلالَةِ فَكَذَلِكَ عَدَلَ إلى قَوْلِهِ: ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ .
﴿إنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾، أيْ: إنَّ الفَرِيقَ الضّالَّ ﴿اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ﴾ أنْصارًا وأعْوانًا يَتَوَلَّوْنَهم ويَنْتَصِرُونَ بِهِمْ كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: اعْلُ هُبَلُ اعْلُ هُبَلُ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ حَقِيقَةُ الشَّياطِينِ فَهم يُعِينُونَهم عَلى كُفْرِهِمْ والضّالُّونَ يَتَوَلَّوْنَهم بِانْقِيادِهِمْ إلى وسْوَسَتِهِمْ، وقِيلَ: الشَّياطِينُ أحْبارُهم وكُبَراؤُهم، قالَ الطَّبَرِيُّ: وهَذِهِ الآيَةُ دَلِيلٌ عَلى خَطَأِ قَوْلِ مَن زَعَمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُعَذِّبُ أحَدًا عَلى مَعْصِيَةٍ رَكِبَها، أوْ ضَلالَةٍ اعْتَقَدَها إلّا أنْ يَأْتِيَها عَلى عِلْمٍ مِنهُ بِمَوْضِعِ الصَّوابِ. انْتَهى. ووَجْهُ الدَّلالَةِ قَوْلُهُ: ﴿ويَحْسَبُونَ﴾، والمَحْسَبَةُ الظَّنُّ لا العِلْمُ، وقَرَأ العَبّاسُ بْنُ الفَضْلِ، وسَهْلُ بْنُ شُعَيْبٍ، (p-٢٨٩)وعِيسى بْنُ عُمَرَ: أنَّهُمُ اتَّخَذُوا. بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وهو تَعْلِيلٌ لِحَقِّ الضَّلالَةِ عَلَيْهِمْ، والعَكْسُ يَحْتَمِلُ التَّعْلِيلَ مِن حَيْثُ المَعْنى، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: تَوَلَّوْهم بِالطّاعَةِ فِيما أمَرُوهم بِهِ، وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعالى لا أثَرَ لَهُ في ضَلالِهِمْ، وأنَّهم هُمُ الضّالُّونَ بِاخْتِيارِهِمْ وتَوَلِّيهِمُ الشَّياطِينَ دُونَ اللَّهِ تَعالى. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ.
الأعراف 7:31
﴿يابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾ كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً وكانُوا لا يَأْكُلُونَ في أيّامِ حَجِّهِمْ دَسَمًا، ولا يَنالُونَ مِنَ الطَّعامِ إلّا قُوتًا تَعْظِيمًا لِحَجِّهِمْ فَنَزَلَتْ، وقِيلَ: كانَ أحَدُهم يَطُوفُ عُرْيانًا ويَدَعُ ثِيابَهُ وراءَ المَسْجِدِ وإنْ طافَ وهي عَلَيْهِ ضُرِبَ وانْتُزِعَتْ مِنهُ؛ لِأنَّهم قالُوا: لا نَعْبُدُ اللَّهَ في ثِيابٍ أذْنَبْنا فِيها، وقِيلَ: تَفاؤُلًا لِيَتَعَرَّوْا مِنَ الذُّنُوبِ كَما تَعَرَّوْا مِنَ الثِّيابِ. والزِّينَةُ: فِعْلَةٌ مِنَ التَّزَيُّنِ وهو اسْمُ ما يُتَجَمَّلُ بِهِ مِن ثِيابٍ وغَيْرِها، كَقَوْلِهِ وازَّيَّنَتْ، أيْ: بِالنَّباتِ، والزِّينَةُ هُنا المَأْمُورُ بِأخْذِها هو ما يَسْتُرُ العَوْرَةَ في الصَّلاةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ، والزَّجّاجُ، وقالَ طاوُسٌ: الشَّمْلَةُ مِنَ الزِّينَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ: ما وارى عَوْرَتَكَ ولَوْ عَباءَةً فَهو زِينَةٌ. وقِيلَ: ما يَسْتُرُ العَوْرَةَ في الطَّوافِ، وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عُرْوَةَ أنَّ العَرَبَ كانَتْ تَطُوفُ عُراةً إلّا الحُمْسَ وهم قُرَيْشٌ إلّا أنْ تُعْطِيَهُمُ الحُمْسُ ثِيابًا فَيُعْطِي الرِّجالُ الرِّجالَ والنِّساءُ النِّساءَ، وفي غَيْرِ مُسْلِمٍ: مَن لَمْ يَكُنْ لَهُ صَدِيقٌ بِمَكَّةَ يُعِيرُهُ ثَوْبًا طافَ عُرْيانًا، أوْ في ثِيابِهِ وألْقاها بَعْدُ فَلا يَمَسُّها أحَدٌ ويُسَمّى اللِّقاءُ. وقالَ بَعْضُهم:
؎كَفى حَزَنًا كَرِّي عَلَيْهِ كَأنَّهُ لَقًى بَيْنَ أيْدِي الطّائِفِينَ حَرِيمُ
وكانَتِ المَرْأةُ تُنْشِدُ وهي تَطُوفُ عُرْيانَةً:
؎اليَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أوْ كُلُّهُ ∗∗∗ وما بَدا مِنهُ فَلا أُحِلُّهُ
فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ، وأنْزَلَ عَلَيْهِ: ﴿يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ أذَّنَ مُؤَذِّنُ الرَّسُولِ: «ألّا لا يَحُجَّ البَيْتَ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ ولا يَطُوفَ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ»، وكانَ النِّداءُ بِمَكَّةَ سَنَةَ تِسْعٍ، وقالَ عَطاءٌ، وأبُو رَوْقٍ: تَسْرِيحُ اللِّحى وتَنْوِيرُها بِالمُشْطِ والتَّرْجِيلِ، وقِيلَ: التَّزَيُّنُ بِأجْمَلِ اللِّباسِ في الجُمَعِ والأعْيادِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ، وقِيلَ: رَفْعُ اليَدَيْنِ في تَكْبِيرَةِ الإحْرامِ والرُّكُوعِ والرَّفْعِ مِنهُ، وقِيلَ: إقامَةُ الصَّلاةِ في الجَماعَةِ بِالمَساجِدِ وكانَ ذَلِكَ زِينَةً لَهم لِما في الصَّلاةِ مِن حُسْنِ الهَيْئَةِ ومُشابَهَةِ صُفُوفِ المَلائِكَةِ، ولِما فِيها مِن إظْهارِ الأُلْفَةِ وإقامَةِ شَعائِرِ الدِّينِ، وقِيلَ: لُبْسُ النِّعالِ في الصَّلاةِ وفِيهِ حَدِيثٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وما أحْسَبُهُ يَصِحُّ، وقالَ أيْضًا: الزِّينَةُ هُنا الثِّيابُ السّاتِرَةُ (p-٢٩٠)ويَدْخُلُ فِيها ما كانَ مِنَ الطِّيبِ لِلْجُمُعَةِ والسِّواكِ وبَدَلِ الثِّيابِ، وكُلِّ ما أُوجِدَ اسْتِحْسانُهُ في الشَّرِيعَةِ ولَمْ يُقْصَدْ بِهِ الخُيَلاءُ، وعِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ يُرِيدُ عِنْدَ كُلِّ مَوْضِعِ سُجُودٍ، فَهو إشارَةٌ إلى الصَّلَواتِ وسَتْرِ العَوْرَةِ فِيها، هو مُهِمُّ الأمْرِ، ويَدْخُلُ في الصَّلاةِ مَواطِنُ الخَيْرِ كُلُّها، ومَعَ سَتْرِ العَوْرَةِ ما ذَكَرْنا مِنَ الطِّيبِ لِلْجُمُعَةِ. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾، أيْ: رِيشَكم ولِباسَ زِينَتِكم ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ كُلَّما صَلَّيْتُمْ وكانُوا يَطُوفُونَ عُراةً. انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ الزِّينَةَ هو ما يُتَجَمَّلُ بِهِ ويُتَزَيَّنُ بِهِ عِنْدَ الصَّلاةِ ولا يَدْخُلُ فِيهِ ما يَسْتُرُ العَوْرَةَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مَأْمُورٌ بِهِ مُطْلَقًا ولا يَخْتَصُّ بِأنْ يَكُونَ ذَلِكَ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ، ولَفْظَةُ ﴿كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ تَأْتِي أنْ يَكُونَ أيْضًا ما يَسْتُرُ العَوْرَةَ في الطَّوافِ لِعُمُومِهِ، والطَّوافُ إنَّما هو الخاصُّ وهو المَسْجِدُ الحَرامُ ولَيْسَ بِظاهِرٍ حَمْلُ العُمُومِ عَلى كُلِّ بُقْعَةٍ مِنهُ، وأيْضًا فَيا بَنِي آدَمَ عامٌّ وتَقْيِيدُ الأمْرِ بِما يَسْتُرُ العَوْرَةَ في الطَّوافِ مُفْضٍ إلى تَخْصِيصِهِ بِمَن يَطُوفُ بِالبَيْتِ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى فَرْضِ سَتْرِ العَوْرَةِ في الصَّلاةِ وهو قَوْلُ أبِي يُوسُفَ، وزُفَرَ، ومُحَمَّدٍ، والحَسَنِ بْنِ زِيادٍ، والشّافِعِيِّ لِقَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ عَلَّقَ الأمْرَ بِهِ فَدَلَّ عَلى أنَّهُ السِّتْرُ لِلصَّلاةِ، وقالَ مالِكٌ، اللَّيْثُ: كَشْفُ العَوْرَةِ حَرامٌ، ويُوجِبانِ الإعادَةَ في الوَقْتِ اسْتِحْبابًا إنْ صَلّى مَكْشُوفَها، وقالَ الأبْهَرِيُّ: هي فَرْضٌ في الجُمْلَةِ وعَلى الإنْسانِ أنْ يَسْتُرَها في الصَّلاةِ وغَيْرِها وهو الصَّحِيحُ لِقَوْلِهِ ﷺ لِلْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ: «ارْجِعْ إلى قَوْمِكَ ولا تَمْشُوا عُراةً»، أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا﴾، قالَ الكَلْبِيُّ: مَعْناهُ كُلُوا مِنَ اللَّحْمِ والدَّسَمِ واشْرَبُوا مِنَ الألْبانِ، وكانُوا يُحَرِّمُونَ جَمِيعَ ذَلِكَ في الإحْرامِ، وقالَ السُّدِّيُّ: كُلُوا مِنَ البَحِيرَةِ وأخَواتِها، والظّاهِرُ أنَّهُ أمْرٌ بِإباحَةِ الأكْلِ والشُّرْبِ مِن كُلِّ ما يُمْكِنُ أنْ يُؤْكَلَ، أوْ يُشْرَبَ مِمّا يُحْظَرُ أكْلُهُ وشُرْبُهُ في الشَّرِيعَةِ وإنْ كانَ النُّزُولُ عَلى سَبَبٍ خاصٍّ كَما ذَكَرُوا مِنَ امْتِناعِ المُشْرِكِينَ مِن أكْلِ اللَّحْمِ والدَّسَمَ أيّامَ إحْرامِهِمْ، أوْ بَنِي عامِرٍ دُونَ سائِرِ العَرَبِ مِن ذَلِكَ، وقَوْلُ المُسْلِمِينَ بِذَلِكَ والنَّهْيُ عَنِ الإسْرافِ يَدُلُّ عَلى التَّحْرِيمِ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الإسْرافُ الخُرُوجُ عَنْ حَدِّ الِاسْتِواءِ، وقالَ أيْضًا (لا تُسْرِفُوا) في تَحْرِيمِ ما أحَلَّ لَكم، وقالَ أيْضًا: «كُلْ ما شِئْتَ والبَسْ ما شِئْتَ ما أخْطَأتْكَ خَصْلَتانِ سَرَفٌ ومَخِيلَةٌ»، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الإسْرافُ أكْلُ الحَرامِ، وقالَ الزَّجّاجُ الإسْرافُ الأكْلُ مِنَ الحَلالِ فَوْقَ الحاجَةِ، وقالَ مُقاتِلٌ: الإسْرافُ الإشْراكُ، وقِيلَ: الإسْرافُ مُخالَفَةُ أمْرِ اللَّهِ في طَوافِهِمْ عُراةً يُصَفِّقُونَ ويُصَفِّرُونَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: لَيْسَ في الحَلالِ سَرَفٌ إنَّما السَّرَفُ في ارْتِكابِ المَعاصِي، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُرِيدُ في الحَلالِ القَصْدَ، واللَّفْظَةُ تَقْتَضِي النَّهْيَ عَنِ السَّرَفِ مُطْلَقًا فِيمَن تَلَبَّسَ بِفِعْلِ حَرامٍ، فَتَأوَّلَ تَلَبُّسُهُ بِهِ حَصَلَ مِنَ المُسْرِفِينَ، وتَوَجَّهَ النَّهْيُ عَلَيْهِ ومَن تَلَبَّسَ بِفِعْلِ مُباحٍ فَإنْ مَشى فِيهِ عَلى القَصْدِ وأوْساطِ الأُمُورِ فَحَسَنٌ، وإنْ أفْرَطَ حَتّى دَخَلَ الضَّرَرُ حَصَلَ أيْضًا مِنَ المُسْرِفِينَ وتَوَجَّهَ النَّهْيُ عَلَيْهِ، مِثالُ ذَلِكَ أنْ يُفَرِطَ في شِراءِ ثِيابٍ، أوْ نَحْوِها ويَسْتَنْفِدُ في ذَلِكَ حِلَّ مالِهِ، أوْ يُعْطِي مالَهُ أجْمَعَ، ويُكابِدُ بِعِيالِهِ الفَقْرَ بَعْدَ ذَلِكَ، أوْ نَحْوِهِ فاللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لا يُحِبُّ شَيْئًا مِن هَذا، وقَدْ نَهَتِ الشَّرِيعَةُ عَنْهُ. انْتَهى. وحَكى المُفَسِّرُونَ هُنا أنَّ نَصْرانِيًّا طَبِيبًا لِلرَّشِيدِ أنْكَرَ أنْ يَكُونَ في القُرْآنِ، أوْ في حَدِيثِ الرَّسُولِ شَيْءٌ مِنَ الطِّبِّ فَأُجِيبَ بِقَوْلِهِ: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا﴾ وبِقَوْلِهِ «المَعِدَةُ بَيْتُ الدّاءِ» و«الحِمْيَةُ رَأسُ كُلِّ دَواءٍ» و«أعْطِ كُلَّ بَدَنٍ ما عَوَّدْتَهُ» فَقالَ النَّصْرانِيُّ: ما تَرَكَ كِتابُكم ولا نَبِيُّكم لِجالِينُوسَ طِبًّا.
﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾: ﴿زِينَةَ اللَّهِ﴾ ما حَسَّنَتْهُ الشَّرِيعَةُ وقَرَّرَتْهُ مِمّا يُتَجَمَّلُ بِهِ مِنَ الثِّيابِ وغَيْرِها وأُضِيفَتْ إلى اللَّهِ؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي أباحَها، والطَّيِّباتُ هي المُسْتَلَذّاتُ مِنَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ بِطَرِيقَةٍ (p-٢٩١)وهُوَ الحِلُّ، وقِيلَ: الطَّيِّباتُ المُحَلَّلاتُ، ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ إنْكارُ تَحْرِيمِ هَذِهِ الأشْياءِ، وتَوْبِيخُ مُحَرِّمِيها، وقَدْ كانُوا يُحَرِّمُونَ أشْياءَ مِن لُحُومِ الطَّيِّباتِ وألْبانِها، والِاسْتِفْهامُ إذا تَضَمَّنَ الإنْكارَ لا جَوابَ لَهُ. وتَوَهُّمُ مَكِّيٍّ هُنا أنَّ لَهُ جَوابًا هُنا، وهو قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هِيَ﴾ تَوَهُّمٌ فاسِدٌ، ومَعْنى (أخْرَجَ) أبْرَزَها وأظْهَرَها، وقِيلَ: فَصَلَ حَلالَها مِن حَرامِها.
﴿قُلْ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ القِيامَةِ﴾ قَرَأ قَتادَةُ: قُلْ هي لِمَن آمَنَ، وقَرَأ نافِعٌ (خالِصَةٌ) بِالرَّفْعِ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالنَّصْبِ، فَأمّا النَّصْبُ فَعَلى الحالِ، والتَّقْدِيرُ: قُلْ هي مُسْتَقِرَّةٌ لِلَّذِينِ آمَنُوا في حالِ خُلُوصِها لَهم يَوْمَ القِيامَةِ، وهي حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في الجارِّ والمَجْرُورِ الواقِعِ خَبَرًا لِهي و﴿فِي الحَياةِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِآمَنُوا ويَصِيرُ المَعْنى قُلْ هي خالِصَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ لِمَن آمَنَ في الدُّنْيا ولا يَعْنِي بِيَوْمِ القِيامَةِ وقْتَ الحِسابِ، وخُلُوصُها كَوْنُهم لا يُعاقَبُونَ عَلَيْها، وإلى هَذا المَعْنى يُشِيرُ تَفْسِيرُ ابْنِ جُبَيْرٍ، وجَوَّزُوا فِيهِ أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، والخَبَرُ الأوَّلُ هو ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ و﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ لِلَّذِينِ، وهو الكَوْنُ المُطْلَقُ، أيْ: قُلْ هي كائِنَةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا لِلْمُؤْمِنِينَ وإنْ كانَ يُشْرِكُهم فِيها في الحَياةِ الدُّنْيا الكُفّارُ و(خالِصَةً لَهم يَوْمَ القِيامَةِ) ويُرادُ بِيَوْمِ القِيامَةِ اسْتِمْرارُ الكَوْنِ في الجَنَّةِ، وهَذا المَعْنى مِن أنَّها لَهم ولِغَيْرِهِمْ في الدُّنْيا خالِصَةٌ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ هو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والضَّحّاكِ، وقَتادَةَ، والحَسَنِ، وابْنِ جُرَيْجٍ، وابْنِ زَيْدٍ وعَلى هَذا المَعْنى فَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ، فَإنْ قُلْتَ: إذا كانَ مَعْنى الآيَةِ أنَّها لَهم في الدُّنْيا عَلى الشَّرِكَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ الكُفّارِ فَكَيْفَ جاءَ ﴿قُلْ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾، فالجَوابُ: مِن وُجُوهٍ، أحَدِها: إنَّ في الكَلامِ حَذْفًا تَقْدِيرُهُ قُلْ هي لِلْمُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ في الدُّنْيا خالِصَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ في القِيامَةِ لا يُشارَكُونَ فِيها. قالَهُ الكِرْمانِيُّ، الثّانِي: إنَّ ما تَعَلَّقَ بِهِ لِلَّذِينِ آمَنُوا لَيْسَ كَوْنًا مُطْلَقًا، بَلْ كَوْنًا مُقَيَّدًا يَدُلُّ عَلى حَذْفِهِ مُقابِلُهُ، وهو ﴿خالِصَةً﴾ تَقْدِيرُهُ قُلْ هي غَيْرُ خالِصَةٍ لِلَّذِينِ آمَنُوا. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: قُلْ هي لِلَّذِينِ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا غَيْرُ خالِصَةٍ لَهم؛ لِأنَّ المُشْرِكِينَ شُرَكاؤُهم فِيها، خالِصَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ لا يُشْرِكُهم فِيها أحَدٌ، ثُمَّ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: هَلّا قِيلَ لِلَّذِينِ آمَنُوا ولِغَيْرِهِمْ، قُلْتُ: النِّيَّةُ عَلى أنَّها خُلِقَتْ لِلَّذِينِ آمَنُوا عَلى طَرِيقِ الأصالَةِ، وأنَّ الكَفَرَةَ تَبَعٌ لَهم كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أضْطَرُّهُ﴾ [البقرة: ١٢٦] . انْتَهى. وجَوابُ الزَّمَخْشَرِيُّ هو لِلتِّبْرِيزِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، قالَ التِّبْرِيزِيُّ مَعْنى الآيَةِ أنَّها لِلْمُؤْمِنِينَ خالِصَةً في الآخِرَةِ لا يُشْرِكُهُمِ الكُفّارُ فِيها هَذا وإنْ كانَ مَفْهُومُهُ الشَّرِكَةَ بَيْنَ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ أشْرَكُوا وهو كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الدُّنْيا عَرَضٌ حاضِرٌ يَأْكُلُ مِنها البَرُّ والفاجِرُ، إلّا أنَّهُ أضافَ إلى المُؤْمِنِينَ ولَمْ يَذْكُرِ الشَّرِكَةَ بَيْنَهم وبَيْنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا في الدُّنْيا تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ إنَّما خَلَقَها لِلَّذِينِ آمَنُوا بِطَرِيقِ الأصالَةِ، والكَفّارُ تَبَعٌ لَهم فِيها في الدُّنْيا ولِذَلِكَ خاطَبَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] . انْتَهى. وقالَ أبُو عَلِيٍّ في الحُجَّةِ ويَصِحُّ أنْ يُعَلَّقَ قَوْلُهُ: ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿حَرَّمَ﴾ [الأعراف: ٣٣] ولا يَصِحُّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿أخْرَجَ لِعِبادِهِ﴾ ويَجُوزُ ذَلِكَ وإنْ فُصِلَ بَيْنَ الصِّلَةِ والمَوْصُولِ بِقَوْلِهِ: ﴿هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ لِأنَّ ذَلِكَ كَلامٌ يَشُدُّ القِصَّةَ ولَيْسَ بِأجْنَبِيٍّ مِنها جِدًّا، كَما جازَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ [يونس: ٢٧] فَقَوْلُهُ: ﴿وتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ [يونس: ٢٧] مَعْطُوفٌ عَلى كَسَبُوا داخِلٌ في الصَّلاةِ، والتَّعَلُّقُ بِأخْرَجَ هو قَوْلُ الأخْفَشِ، ويَصِحُّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿والطَّيِّباتِ﴾ ويَصِحُّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ الرِّزْقِ﴾ . انْتَهى. وتَقادِيرُ أبِي عَلِيٍّ والأخْفَشِ فِيها تَفْكِيكٌ لِلْكَلامِ وسُلُوكٌ بِهِ غَيْرَ ما تَقْتَضِيهِ الفَصاحَةُ، وهي تَقادِيرُ أعْجَمِيَّةٌ بَعِيدَةٌ عَنِ البَلاغَةِ لا تُناسِبُ في كِتابِ اللَّهِ، بَلْ لَوْ قُدِّرَتْ في شِعْرِ الشَّنْفَرى ما ناسَبَ. والنُّحاةُ الصِّرْفُ غَيْرُ الأُدَباءِ بِمَعْزِلٍ عَنْ إدْراكِ الفَصاحَةِ، وأمّا تَشْبِيهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا﴾ [يونس: ٢٧] فَلَيْسَ ما قالَهُ بِمُتَعَيَّنٍ فِيهِ، بَلْ ولا ظاهِرٌ، بَلْ قَوْلُهُ: ﴿جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها﴾ [يونس: ٢٧] هو خَبَرٌ عَنِ النَّهْيِ، (p-٢٩٢)أيْ: جَزاءُ سَيِّئَةٍ مِنهم بِمِثْلِها، وحَذْفُ مِنهم لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ كَما حُذِفَ مِن قَوْلِهِمُ السَّمْنُ مَنَوانِ بِدِرْهَمٍ، أيْ: مَنَوانِ مِنهُ، وقَوْلُهُ: ﴿وتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ [يونس: ٢٧] مَعْطُوفٌ عَلى ﴿جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها﴾ [يونس: ٢٧] وسَيَأْتِي تَوْضِيحُ هَذا بِأكْثَرَ في مَوْضِعِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾، أيْ: مِثْلُ تَفْصِيلِنا وتَقْسِيمِنا السّابِقِ نُقَسِّمُ في المُسْتَقْبَلِ لِقَوْمٍ لَهم عِلْمٌ وإدْراكٌ؛ لِأنَّهُ لا يَنْتَفِعُ بِذَلِكَ إلّا مَن عَلِمَ، لِقَوْلِهِ: ﴿وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] .
الأعراف 7:32
﴿يابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾ كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً وكانُوا لا يَأْكُلُونَ في أيّامِ حَجِّهِمْ دَسَمًا، ولا يَنالُونَ مِنَ الطَّعامِ إلّا قُوتًا تَعْظِيمًا لِحَجِّهِمْ فَنَزَلَتْ، وقِيلَ: كانَ أحَدُهم يَطُوفُ عُرْيانًا ويَدَعُ ثِيابَهُ وراءَ المَسْجِدِ وإنْ طافَ وهي عَلَيْهِ ضُرِبَ وانْتُزِعَتْ مِنهُ؛ لِأنَّهم قالُوا: لا نَعْبُدُ اللَّهَ في ثِيابٍ أذْنَبْنا فِيها، وقِيلَ: تَفاؤُلًا لِيَتَعَرَّوْا مِنَ الذُّنُوبِ كَما تَعَرَّوْا مِنَ الثِّيابِ. والزِّينَةُ: فِعْلَةٌ مِنَ التَّزَيُّنِ وهو اسْمُ ما يُتَجَمَّلُ بِهِ مِن ثِيابٍ وغَيْرِها، كَقَوْلِهِ وازَّيَّنَتْ، أيْ: بِالنَّباتِ، والزِّينَةُ هُنا المَأْمُورُ بِأخْذِها هو ما يَسْتُرُ العَوْرَةَ في الصَّلاةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ، والزَّجّاجُ، وقالَ طاوُسٌ: الشَّمْلَةُ مِنَ الزِّينَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ: ما وارى عَوْرَتَكَ ولَوْ عَباءَةً فَهو زِينَةٌ. وقِيلَ: ما يَسْتُرُ العَوْرَةَ في الطَّوافِ، وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عُرْوَةَ أنَّ العَرَبَ كانَتْ تَطُوفُ عُراةً إلّا الحُمْسَ وهم قُرَيْشٌ إلّا أنْ تُعْطِيَهُمُ الحُمْسُ ثِيابًا فَيُعْطِي الرِّجالُ الرِّجالَ والنِّساءُ النِّساءَ، وفي غَيْرِ مُسْلِمٍ: مَن لَمْ يَكُنْ لَهُ صَدِيقٌ بِمَكَّةَ يُعِيرُهُ ثَوْبًا طافَ عُرْيانًا، أوْ في ثِيابِهِ وألْقاها بَعْدُ فَلا يَمَسُّها أحَدٌ ويُسَمّى اللِّقاءُ. وقالَ بَعْضُهم:
؎كَفى حَزَنًا كَرِّي عَلَيْهِ كَأنَّهُ لَقًى بَيْنَ أيْدِي الطّائِفِينَ حَرِيمُ
وكانَتِ المَرْأةُ تُنْشِدُ وهي تَطُوفُ عُرْيانَةً:
؎اليَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أوْ كُلُّهُ ∗∗∗ وما بَدا مِنهُ فَلا أُحِلُّهُ
فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ، وأنْزَلَ عَلَيْهِ: ﴿يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ أذَّنَ مُؤَذِّنُ الرَّسُولِ: «ألّا لا يَحُجَّ البَيْتَ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ ولا يَطُوفَ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ»، وكانَ النِّداءُ بِمَكَّةَ سَنَةَ تِسْعٍ، وقالَ عَطاءٌ، وأبُو رَوْقٍ: تَسْرِيحُ اللِّحى وتَنْوِيرُها بِالمُشْطِ والتَّرْجِيلِ، وقِيلَ: التَّزَيُّنُ بِأجْمَلِ اللِّباسِ في الجُمَعِ والأعْيادِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ، وقِيلَ: رَفْعُ اليَدَيْنِ في تَكْبِيرَةِ الإحْرامِ والرُّكُوعِ والرَّفْعِ مِنهُ، وقِيلَ: إقامَةُ الصَّلاةِ في الجَماعَةِ بِالمَساجِدِ وكانَ ذَلِكَ زِينَةً لَهم لِما في الصَّلاةِ مِن حُسْنِ الهَيْئَةِ ومُشابَهَةِ صُفُوفِ المَلائِكَةِ، ولِما فِيها مِن إظْهارِ الأُلْفَةِ وإقامَةِ شَعائِرِ الدِّينِ، وقِيلَ: لُبْسُ النِّعالِ في الصَّلاةِ وفِيهِ حَدِيثٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وما أحْسَبُهُ يَصِحُّ، وقالَ أيْضًا: الزِّينَةُ هُنا الثِّيابُ السّاتِرَةُ (p-٢٩٠)ويَدْخُلُ فِيها ما كانَ مِنَ الطِّيبِ لِلْجُمُعَةِ والسِّواكِ وبَدَلِ الثِّيابِ، وكُلِّ ما أُوجِدَ اسْتِحْسانُهُ في الشَّرِيعَةِ ولَمْ يُقْصَدْ بِهِ الخُيَلاءُ، وعِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ يُرِيدُ عِنْدَ كُلِّ مَوْضِعِ سُجُودٍ، فَهو إشارَةٌ إلى الصَّلَواتِ وسَتْرِ العَوْرَةِ فِيها، هو مُهِمُّ الأمْرِ، ويَدْخُلُ في الصَّلاةِ مَواطِنُ الخَيْرِ كُلُّها، ومَعَ سَتْرِ العَوْرَةِ ما ذَكَرْنا مِنَ الطِّيبِ لِلْجُمُعَةِ. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾، أيْ: رِيشَكم ولِباسَ زِينَتِكم ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ كُلَّما صَلَّيْتُمْ وكانُوا يَطُوفُونَ عُراةً. انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ الزِّينَةَ هو ما يُتَجَمَّلُ بِهِ ويُتَزَيَّنُ بِهِ عِنْدَ الصَّلاةِ ولا يَدْخُلُ فِيهِ ما يَسْتُرُ العَوْرَةَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مَأْمُورٌ بِهِ مُطْلَقًا ولا يَخْتَصُّ بِأنْ يَكُونَ ذَلِكَ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ، ولَفْظَةُ ﴿كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ تَأْتِي أنْ يَكُونَ أيْضًا ما يَسْتُرُ العَوْرَةَ في الطَّوافِ لِعُمُومِهِ، والطَّوافُ إنَّما هو الخاصُّ وهو المَسْجِدُ الحَرامُ ولَيْسَ بِظاهِرٍ حَمْلُ العُمُومِ عَلى كُلِّ بُقْعَةٍ مِنهُ، وأيْضًا فَيا بَنِي آدَمَ عامٌّ وتَقْيِيدُ الأمْرِ بِما يَسْتُرُ العَوْرَةَ في الطَّوافِ مُفْضٍ إلى تَخْصِيصِهِ بِمَن يَطُوفُ بِالبَيْتِ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى فَرْضِ سَتْرِ العَوْرَةِ في الصَّلاةِ وهو قَوْلُ أبِي يُوسُفَ، وزُفَرَ، ومُحَمَّدٍ، والحَسَنِ بْنِ زِيادٍ، والشّافِعِيِّ لِقَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ عَلَّقَ الأمْرَ بِهِ فَدَلَّ عَلى أنَّهُ السِّتْرُ لِلصَّلاةِ، وقالَ مالِكٌ، اللَّيْثُ: كَشْفُ العَوْرَةِ حَرامٌ، ويُوجِبانِ الإعادَةَ في الوَقْتِ اسْتِحْبابًا إنْ صَلّى مَكْشُوفَها، وقالَ الأبْهَرِيُّ: هي فَرْضٌ في الجُمْلَةِ وعَلى الإنْسانِ أنْ يَسْتُرَها في الصَّلاةِ وغَيْرِها وهو الصَّحِيحُ لِقَوْلِهِ ﷺ لِلْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ: «ارْجِعْ إلى قَوْمِكَ ولا تَمْشُوا عُراةً»، أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا﴾، قالَ الكَلْبِيُّ: مَعْناهُ كُلُوا مِنَ اللَّحْمِ والدَّسَمِ واشْرَبُوا مِنَ الألْبانِ، وكانُوا يُحَرِّمُونَ جَمِيعَ ذَلِكَ في الإحْرامِ، وقالَ السُّدِّيُّ: كُلُوا مِنَ البَحِيرَةِ وأخَواتِها، والظّاهِرُ أنَّهُ أمْرٌ بِإباحَةِ الأكْلِ والشُّرْبِ مِن كُلِّ ما يُمْكِنُ أنْ يُؤْكَلَ، أوْ يُشْرَبَ مِمّا يُحْظَرُ أكْلُهُ وشُرْبُهُ في الشَّرِيعَةِ وإنْ كانَ النُّزُولُ عَلى سَبَبٍ خاصٍّ كَما ذَكَرُوا مِنَ امْتِناعِ المُشْرِكِينَ مِن أكْلِ اللَّحْمِ والدَّسَمَ أيّامَ إحْرامِهِمْ، أوْ بَنِي عامِرٍ دُونَ سائِرِ العَرَبِ مِن ذَلِكَ، وقَوْلُ المُسْلِمِينَ بِذَلِكَ والنَّهْيُ عَنِ الإسْرافِ يَدُلُّ عَلى التَّحْرِيمِ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الإسْرافُ الخُرُوجُ عَنْ حَدِّ الِاسْتِواءِ، وقالَ أيْضًا (لا تُسْرِفُوا) في تَحْرِيمِ ما أحَلَّ لَكم، وقالَ أيْضًا: «كُلْ ما شِئْتَ والبَسْ ما شِئْتَ ما أخْطَأتْكَ خَصْلَتانِ سَرَفٌ ومَخِيلَةٌ»، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الإسْرافُ أكْلُ الحَرامِ، وقالَ الزَّجّاجُ الإسْرافُ الأكْلُ مِنَ الحَلالِ فَوْقَ الحاجَةِ، وقالَ مُقاتِلٌ: الإسْرافُ الإشْراكُ، وقِيلَ: الإسْرافُ مُخالَفَةُ أمْرِ اللَّهِ في طَوافِهِمْ عُراةً يُصَفِّقُونَ ويُصَفِّرُونَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: لَيْسَ في الحَلالِ سَرَفٌ إنَّما السَّرَفُ في ارْتِكابِ المَعاصِي، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُرِيدُ في الحَلالِ القَصْدَ، واللَّفْظَةُ تَقْتَضِي النَّهْيَ عَنِ السَّرَفِ مُطْلَقًا فِيمَن تَلَبَّسَ بِفِعْلِ حَرامٍ، فَتَأوَّلَ تَلَبُّسُهُ بِهِ حَصَلَ مِنَ المُسْرِفِينَ، وتَوَجَّهَ النَّهْيُ عَلَيْهِ ومَن تَلَبَّسَ بِفِعْلِ مُباحٍ فَإنْ مَشى فِيهِ عَلى القَصْدِ وأوْساطِ الأُمُورِ فَحَسَنٌ، وإنْ أفْرَطَ حَتّى دَخَلَ الضَّرَرُ حَصَلَ أيْضًا مِنَ المُسْرِفِينَ وتَوَجَّهَ النَّهْيُ عَلَيْهِ، مِثالُ ذَلِكَ أنْ يُفَرِطَ في شِراءِ ثِيابٍ، أوْ نَحْوِها ويَسْتَنْفِدُ في ذَلِكَ حِلَّ مالِهِ، أوْ يُعْطِي مالَهُ أجْمَعَ، ويُكابِدُ بِعِيالِهِ الفَقْرَ بَعْدَ ذَلِكَ، أوْ نَحْوِهِ فاللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لا يُحِبُّ شَيْئًا مِن هَذا، وقَدْ نَهَتِ الشَّرِيعَةُ عَنْهُ. انْتَهى. وحَكى المُفَسِّرُونَ هُنا أنَّ نَصْرانِيًّا طَبِيبًا لِلرَّشِيدِ أنْكَرَ أنْ يَكُونَ في القُرْآنِ، أوْ في حَدِيثِ الرَّسُولِ شَيْءٌ مِنَ الطِّبِّ فَأُجِيبَ بِقَوْلِهِ: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا﴾ وبِقَوْلِهِ «المَعِدَةُ بَيْتُ الدّاءِ» و«الحِمْيَةُ رَأسُ كُلِّ دَواءٍ» و«أعْطِ كُلَّ بَدَنٍ ما عَوَّدْتَهُ» فَقالَ النَّصْرانِيُّ: ما تَرَكَ كِتابُكم ولا نَبِيُّكم لِجالِينُوسَ طِبًّا.
﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾: ﴿زِينَةَ اللَّهِ﴾ ما حَسَّنَتْهُ الشَّرِيعَةُ وقَرَّرَتْهُ مِمّا يُتَجَمَّلُ بِهِ مِنَ الثِّيابِ وغَيْرِها وأُضِيفَتْ إلى اللَّهِ؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي أباحَها، والطَّيِّباتُ هي المُسْتَلَذّاتُ مِنَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ بِطَرِيقَةٍ (p-٢٩١)وهُوَ الحِلُّ، وقِيلَ: الطَّيِّباتُ المُحَلَّلاتُ، ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ إنْكارُ تَحْرِيمِ هَذِهِ الأشْياءِ، وتَوْبِيخُ مُحَرِّمِيها، وقَدْ كانُوا يُحَرِّمُونَ أشْياءَ مِن لُحُومِ الطَّيِّباتِ وألْبانِها، والِاسْتِفْهامُ إذا تَضَمَّنَ الإنْكارَ لا جَوابَ لَهُ. وتَوَهُّمُ مَكِّيٍّ هُنا أنَّ لَهُ جَوابًا هُنا، وهو قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هِيَ﴾ تَوَهُّمٌ فاسِدٌ، ومَعْنى (أخْرَجَ) أبْرَزَها وأظْهَرَها، وقِيلَ: فَصَلَ حَلالَها مِن حَرامِها.
﴿قُلْ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ القِيامَةِ﴾ قَرَأ قَتادَةُ: قُلْ هي لِمَن آمَنَ، وقَرَأ نافِعٌ (خالِصَةٌ) بِالرَّفْعِ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالنَّصْبِ، فَأمّا النَّصْبُ فَعَلى الحالِ، والتَّقْدِيرُ: قُلْ هي مُسْتَقِرَّةٌ لِلَّذِينِ آمَنُوا في حالِ خُلُوصِها لَهم يَوْمَ القِيامَةِ، وهي حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في الجارِّ والمَجْرُورِ الواقِعِ خَبَرًا لِهي و﴿فِي الحَياةِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِآمَنُوا ويَصِيرُ المَعْنى قُلْ هي خالِصَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ لِمَن آمَنَ في الدُّنْيا ولا يَعْنِي بِيَوْمِ القِيامَةِ وقْتَ الحِسابِ، وخُلُوصُها كَوْنُهم لا يُعاقَبُونَ عَلَيْها، وإلى هَذا المَعْنى يُشِيرُ تَفْسِيرُ ابْنِ جُبَيْرٍ، وجَوَّزُوا فِيهِ أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، والخَبَرُ الأوَّلُ هو ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ و﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ لِلَّذِينِ، وهو الكَوْنُ المُطْلَقُ، أيْ: قُلْ هي كائِنَةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا لِلْمُؤْمِنِينَ وإنْ كانَ يُشْرِكُهم فِيها في الحَياةِ الدُّنْيا الكُفّارُ و(خالِصَةً لَهم يَوْمَ القِيامَةِ) ويُرادُ بِيَوْمِ القِيامَةِ اسْتِمْرارُ الكَوْنِ في الجَنَّةِ، وهَذا المَعْنى مِن أنَّها لَهم ولِغَيْرِهِمْ في الدُّنْيا خالِصَةٌ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ هو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والضَّحّاكِ، وقَتادَةَ، والحَسَنِ، وابْنِ جُرَيْجٍ، وابْنِ زَيْدٍ وعَلى هَذا المَعْنى فَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ، فَإنْ قُلْتَ: إذا كانَ مَعْنى الآيَةِ أنَّها لَهم في الدُّنْيا عَلى الشَّرِكَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ الكُفّارِ فَكَيْفَ جاءَ ﴿قُلْ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾، فالجَوابُ: مِن وُجُوهٍ، أحَدِها: إنَّ في الكَلامِ حَذْفًا تَقْدِيرُهُ قُلْ هي لِلْمُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ في الدُّنْيا خالِصَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ في القِيامَةِ لا يُشارَكُونَ فِيها. قالَهُ الكِرْمانِيُّ، الثّانِي: إنَّ ما تَعَلَّقَ بِهِ لِلَّذِينِ آمَنُوا لَيْسَ كَوْنًا مُطْلَقًا، بَلْ كَوْنًا مُقَيَّدًا يَدُلُّ عَلى حَذْفِهِ مُقابِلُهُ، وهو ﴿خالِصَةً﴾ تَقْدِيرُهُ قُلْ هي غَيْرُ خالِصَةٍ لِلَّذِينِ آمَنُوا. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: قُلْ هي لِلَّذِينِ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا غَيْرُ خالِصَةٍ لَهم؛ لِأنَّ المُشْرِكِينَ شُرَكاؤُهم فِيها، خالِصَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ لا يُشْرِكُهم فِيها أحَدٌ، ثُمَّ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: هَلّا قِيلَ لِلَّذِينِ آمَنُوا ولِغَيْرِهِمْ، قُلْتُ: النِّيَّةُ عَلى أنَّها خُلِقَتْ لِلَّذِينِ آمَنُوا عَلى طَرِيقِ الأصالَةِ، وأنَّ الكَفَرَةَ تَبَعٌ لَهم كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أضْطَرُّهُ﴾ [البقرة: ١٢٦] . انْتَهى. وجَوابُ الزَّمَخْشَرِيُّ هو لِلتِّبْرِيزِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، قالَ التِّبْرِيزِيُّ مَعْنى الآيَةِ أنَّها لِلْمُؤْمِنِينَ خالِصَةً في الآخِرَةِ لا يُشْرِكُهُمِ الكُفّارُ فِيها هَذا وإنْ كانَ مَفْهُومُهُ الشَّرِكَةَ بَيْنَ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ أشْرَكُوا وهو كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الدُّنْيا عَرَضٌ حاضِرٌ يَأْكُلُ مِنها البَرُّ والفاجِرُ، إلّا أنَّهُ أضافَ إلى المُؤْمِنِينَ ولَمْ يَذْكُرِ الشَّرِكَةَ بَيْنَهم وبَيْنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا في الدُّنْيا تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ إنَّما خَلَقَها لِلَّذِينِ آمَنُوا بِطَرِيقِ الأصالَةِ، والكَفّارُ تَبَعٌ لَهم فِيها في الدُّنْيا ولِذَلِكَ خاطَبَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] . انْتَهى. وقالَ أبُو عَلِيٍّ في الحُجَّةِ ويَصِحُّ أنْ يُعَلَّقَ قَوْلُهُ: ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿حَرَّمَ﴾ [الأعراف: ٣٣] ولا يَصِحُّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿أخْرَجَ لِعِبادِهِ﴾ ويَجُوزُ ذَلِكَ وإنْ فُصِلَ بَيْنَ الصِّلَةِ والمَوْصُولِ بِقَوْلِهِ: ﴿هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ لِأنَّ ذَلِكَ كَلامٌ يَشُدُّ القِصَّةَ ولَيْسَ بِأجْنَبِيٍّ مِنها جِدًّا، كَما جازَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ [يونس: ٢٧] فَقَوْلُهُ: ﴿وتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ [يونس: ٢٧] مَعْطُوفٌ عَلى كَسَبُوا داخِلٌ في الصَّلاةِ، والتَّعَلُّقُ بِأخْرَجَ هو قَوْلُ الأخْفَشِ، ويَصِحُّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿والطَّيِّباتِ﴾ ويَصِحُّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ الرِّزْقِ﴾ . انْتَهى. وتَقادِيرُ أبِي عَلِيٍّ والأخْفَشِ فِيها تَفْكِيكٌ لِلْكَلامِ وسُلُوكٌ بِهِ غَيْرَ ما تَقْتَضِيهِ الفَصاحَةُ، وهي تَقادِيرُ أعْجَمِيَّةٌ بَعِيدَةٌ عَنِ البَلاغَةِ لا تُناسِبُ في كِتابِ اللَّهِ، بَلْ لَوْ قُدِّرَتْ في شِعْرِ الشَّنْفَرى ما ناسَبَ. والنُّحاةُ الصِّرْفُ غَيْرُ الأُدَباءِ بِمَعْزِلٍ عَنْ إدْراكِ الفَصاحَةِ، وأمّا تَشْبِيهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا﴾ [يونس: ٢٧] فَلَيْسَ ما قالَهُ بِمُتَعَيَّنٍ فِيهِ، بَلْ ولا ظاهِرٌ، بَلْ قَوْلُهُ: ﴿جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها﴾ [يونس: ٢٧] هو خَبَرٌ عَنِ النَّهْيِ، (p-٢٩٢)أيْ: جَزاءُ سَيِّئَةٍ مِنهم بِمِثْلِها، وحَذْفُ مِنهم لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ كَما حُذِفَ مِن قَوْلِهِمُ السَّمْنُ مَنَوانِ بِدِرْهَمٍ، أيْ: مَنَوانِ مِنهُ، وقَوْلُهُ: ﴿وتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ [يونس: ٢٧] مَعْطُوفٌ عَلى ﴿جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها﴾ [يونس: ٢٧] وسَيَأْتِي تَوْضِيحُ هَذا بِأكْثَرَ في مَوْضِعِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾، أيْ: مِثْلُ تَفْصِيلِنا وتَقْسِيمِنا السّابِقِ نُقَسِّمُ في المُسْتَقْبَلِ لِقَوْمٍ لَهم عِلْمٌ وإدْراكٌ؛ لِأنَّهُ لا يَنْتَفِعُ بِذَلِكَ إلّا مَن عَلِمَ، لِقَوْلِهِ: ﴿وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] .
الأعراف 7:33
﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ والإثْمَ والبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وأنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ لَمّا لَبِسَ المُسْلِمُونَ الثِّيابَ وطافُوا بِالبَيْتِ عَيَّرَهُمُ المُشْرِكُونَ بِذَلِكَ وقالُوا اسْتَحَلُّوا الحُرُمَ فَنَزَلَتْ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ في أواخِرِ الأنْعامِ، وزِيدَ هُنا أقْوالٌ، أحَدُها: ﴿ما ظَهَرَ مِنها﴾ طَوافُ الرَّجُلِ بِالنَّهارِ عُرْيانًا ﴿وما بَطَنَ﴾ طَوافُها بِاللَّيْلِ عارِيَةً. قالَهُ التِّبْرِيزِيُّ، وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿ما ظَهَرَ﴾ طَوافُ الجاهِلِيَّةِ عُراةً ﴿وما بَطَنَ﴾ الزِّنا، وقِيلَ: ﴿ما ظَهَرَ﴾ الظُّلْمُ ﴿وما بَطَنَ﴾ السَّرِقَةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ: ﴿ما ظَهَرَ﴾ ما كانَتْ تَفْعَلُهُ الجاهِلِيَّةُ مِن نِكاحِ الأبْناءِ نِساءَ الآباءِ، والجَمْعُ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ، وأنْ يَنْكِحَ المَرْأةَ عَلى عَمَّتِها وخالَتِها ﴿وما بَطَنَ﴾ الزِّنا ﴿والإثْمَ﴾ عامٌّ يَشْمَلُ الأقْوالَ والأفْعالَ الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْها الإثْمُ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقِيلَ: هو صِغارُ الذُّنُوبِ، وقِيلَ: الخَمْرُ، وهَذا قَوْلٌ لا يَصِحُّ هُنا؛ لِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، ولَمْ تُحَرَّمِ الخَمْرُ إلّا بِالمَدِينَةِ بَعْدَ أُحُدٍ، وجَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ اصْطَحَبُوها يَوْمَ أُحُدٍ وماتُوا شُهَداءَ، وهي في أجْوافِهِمْ، وأمّا تَسْمِيَةُ الخَمْرِ إثْمًا، فَقِيلَ هو مِن قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎شَرِبْتُ الإثْمَ حَتّى زَلَّ عَقْلِي
وهُوَ بَيْتٌ مَصْنُوعٌ مُخْتَلَقٌ وإنْ صَحَّ فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: مُوجِبَ الإثْمِ، ولا يَدُلُّ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ (الإثْمَ) الخَمْرُ عَلى أنَّهُ مِن أسْمائِها إذْ يَكُونُ ذَلِكَ مِن إطْلاقِ المُسَبِّبِ عَلى السَّبَبِ، وأنْكَرَ أبُو العَبّاسِ أنْ يَكُونَ الإثْمُ مِن أسْماءِ الخَمْرِ وقالَ الفَضْلُ: الإثْمُ الخَمْرُ، وأنْشَدَ:
؎نَهانا رَسُولُ اللَّهِ أنْ نَقْرَبَ الخَنا ∗∗∗ وأنْ نَشْرَبَ الإثْمَ الَّذِي يُوجِبُ الوِزْرا
وأنْشَدَ الأصْمَعِيُّ أيْضًا:
؎ورُحْتُ حَزِينًا ذاهِلَ العَقْلِ بَعْدَهم ∗∗∗ كَأنِّي شَرِبْتُ الإثْمَ أوْ مَسَّنِي خَبَلُ
قالَ: وقَدْ تُسَمّى الخَمْرُ إثْمًا، وأنْشَدَ:
؎شَرِبْتُ الإثْمَ حَتّى زَلَّ عَقْلِي
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والفَرّاءُ: البَغْيُ الِاسْتِطالَةُ، وقالَ الحَسَنُ: السُّكْرُ مِن كُلِّ شَرابٍ، وقالَ ثَعْلَبٌ: تَكَلُّمُ الرَّجُلِ في الرَّجُلِ بِغَيْرِ الحَقِّ إلّا أنْ يَنْتَصِرَ مِنهُ بِحَقٍّ، وقِيلَ: الظُّلْمُ والكِبْرُ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ وأفْرَدُوهُ بِالذِّكْرِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبَغْيِ﴾ [النحل: ٩٠] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿البَغْيُ﴾ [الشورى: ٣٩] التَّعَدِّي وتَجاوُزُ الحَدِّ مُبْتَدِئًا كانَ، أوْ مُنْتَصِرًا، وقَوْلُهُ: ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ زِيادَةُ بَيانٍ ولَيْسَ يُتَصَوَّرُ بَغْيٌ بِحَقٍّ؛ لِأنَّ ما كانَ بِحَقٍّ لا يُسَمّى بَغْيًا، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ في الأنْعامِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِيهِ تَهَكُّمٌ؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُنَزِّلَ بُرْهانًا بِأنْ يُشْرِكَ بِهِ غَيْرَهُ ما لا تَعْلَمُونَ مِن تَحْرِيمِ البَحائِرِ وغَيْرِها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أرادَ بِذَلِكَ أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، وقِيلَ: قَوْلُهم أنَّهُ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ مَآكِلَ ومَلابِسَ ومَشارِبَ في الإحْرامِ مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ.
﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ هَذا وعِيدٌ لِأهْلِ مَكَّةَ بِالعَذابِ النّازِلِ في أجَلٍ مَعْلُومٍ عِنْدَ اللَّهِ كَما نَزَلَ بِالأُمَمِ، أيْ: أجَلٌ مُؤَقَّتٌ لِمَجِيءِ العَذابِ إذا خالَفُوا أمْرَ رَبِّهِمْ، فَأنْتُمْ أيَّتُها الأُمَّةُ كَذَلِكَ، (p-٢٩٣)وقِيلَ: الأجَلُ هُنا أجَلُ الدُّنْيا، التَّقْدِيرُ لِلْأُمَمِ كُلِّها أجَلٌ، أيْ: يُقْدِمُونَ فِيهِ عَلى ما قَدَّمُوا مِن عَمَلٍ، وقِيلَ: الأجَلُ مُدَّةُ العُمْرِ، والتَّقْدِيرُ: ولِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الأُمَّةِ عُمْرٌ يَنْتَهِي إلَيْهِ بَقاؤُهُ في الدُّنْيا، وإذا ماتَ عَلِمَ ما كانَ عَلَيْهِ مِن حَقٍّ، أوْ باطِلٍ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أيُّ فِرْقَةٍ وجَماعَةٍ، وهي لَفْظَةٌ تُسْتَعْمَلُ في الكَثِيرِ مِنَ النّاسِ، وقالَ غَيْرُهُ: والأُمَّةُ الجَماعَةُ قَلُّوا، أوْ كَثُرُوا، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ كَقَوْلِهِ في قُسِّ بْنِ ساعِدَةَ: «يُبْعَثُ يَوْمَ القِيامَةِ أُمَّةً وحْدَهُ»، وأفْرَدَ الأجَلَ؛ لِأنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، أوْ لِتَقارُبِ أعْمالِ أهْلِ كُلِّ عَصْرٍ، أوْ لِكَوْنِ التَّقْدِيرِ: لِكُلِّ واحِدٍ مِن أُمَّةٍ، وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ سِيرِينَ: فَإذا جاءَ آجالُهم، بِالجَمْعِ، وقالَ: ساعَةً؛ لِأنَّها أقَلُّ الأوْقاتِ في اسْتِعْمالِ النّاسِ، يَقُولُ المُسْتَعْجِلُ لِصاحِبِهِ في ساعَةٍ يُرِيدُ في أقْصَرِ وقْتٍ وأقْرَبِهِ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَفْظٌ عُنِيَ بِهِ الجُزْءُ القَلِيلُ مِنَ الزَّمانِ، والمُرادُ جَمْعُ أجْزائِهِ. انْتَهى. والمُضارِعُ المَنفِيُّ بِلا إذا وقَعَ في الظّاهِرِ جَوابًا لِإذا يَجُوزُ أنْ يُتَلَقّى بِفاءِ الجَزاءِ، ويَجُوزَ أنْ لا يُتَلَقّى بِها ويَنْبَغِي أنْ يُعْتَقَدَ أنَّ بَيْنَ الفاءِ والفِعْلِ مُبْتَدَأً مَحْذُوفًا، وتَكُونُ الجُمْلَةُ إذْ ذاكَ اسْمِيَّةً، والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ إذا وقَعَتْ جَوابًا لِإذا فَلا بُدَّ فِيها مِنَ الفاءِ، أوْ إذا الفُجائِيَّةِ، قالَ بَعْضُهم: ودَخَلَتِ الفاءُ عَلى إذا حَيْثُ وقَعَ إلّا في يُونُسَ؛ لِأنَّها عَطَفَتْ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ بَيْنَهُما اتِّصالٌ وتَعْقِيبٌ فَكانَ المَوْضِعُ مَوْضِعَ الفاءِ، وما في يُونُسَ يَأْتِي في مَوْضِعِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ. انْتَهى. وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ . انْتَهى. وهَذا لا يُمْكِنُ؛ لِأنَّ إذا شَرْطِيَّةٌ، فالَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْها إنَّما هو مُسْتَقْبَلٌ ولا يَتَرَتَّبُ عَلى مَجِيءِ الأجَلِ في المُسْتَقْبَلِ إلّا مُسْتَقْبَلٌ، وذَلِكَ يُتَصَوَّرُ في انْتِفاءِ الِاسْتِئْخارِ لا في انْتِفاءِ الِاسْتِقْدامِ؛ لِأنَّ الِاسْتِقْدامَ سابِقٌ عَلى مَجِيءِ الأجَلِ في الِاسْتِقْبالِ، فَيَصِيرُ نَظِيرَ قَوْلِكَ إذا قُمْتَ في المُسْتَقْبَلِ لَمْ يَتَقَدَّمْ قِيامُكَ في الماضِي، ومَعْلُومٌ أنَّهُ إذا قامَ في المُسْتَقْبَلِ لَمْ يَتَقَدَّمْ قِيامُهُ هَذا في الماضِي، وهَذا شَبِيهٌ بِقَوْلِ زُهَيْرٍ:
؎بَدا لِيَ أنِّي لَسْتُ مُدْرِكَ ما مَضى ∗∗∗ ولا سابِقًا شَيْئًا إذا كانَ جائِيًا
ومَعْلُومٌ أنَّ الشَّيْءَ إذا كانَ جائِيًا إلَيْهِ لا يَسْبِقُهُ، والَّذِي تُخَرَّجُ عَلَيْهِ الآيَةُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ مُنْقَطِعٌ مِنَ الجَوابِ عَلى سَبِيلِ اسْتِئْنافِ إخْبارٍ، أيْ: لا يَسْتَقْدِمُونَ الأجَلَ، أيْ: لا يَسْبِقُونَهُ، وصارَ مَعْنى الآيَةِ أنَّهم لا يَسْبِقُونَ الأجَلَ ولا يَتَأخَّرُونَ عَنْهُ.
﴿يابَنِي آدَمَ إمّا يَأْتِيَنَّكم رُسُلٌ مِنكم يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ . هَذا الخِطابُ لِبَنِي آدَمَ. قِيلَ: هو في الأوَّلِ، وقِيلَ: هو مُراعًى بِهِ وقْتَ الإنْزالِ، وجاءَ بِصُورَةِ الِاسْتِقْبالِ لِتَقْوى الإشارَةُ بِصِحَّةِ النُّبُوَّةِ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ وما في إمّا تَأْكِيدٌ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإذا لَمْ يَكُنْ ما لَمْ يُجِزْ دُخُولَ النُّونِ الثَّقِيلَةِ. انْتَهى. وبَعْضُ النَّحْوِيِّينَ يُجِيزُ ذَلِكَ وجَوابُ الشَّرْطِ ﴿فَمَنِ اتَّقى﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَن شُرْطِيَّةً، وجَوابُهُ ﴿فَلا خَوْفٌ﴾ وتَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ مُسْتَقِلَّةً بِجَوابِ الشَّرْطِ الأوَّلِ مِن جِهَةِ اللَّفْظِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَن مَوْصُولَةً، فَتَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ والَّتِي بَعْدَها مِن قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ مَجْمُوعُهُما هو جَوابُ الشَّرْطِ، وكَأنَّهُ قَصَدَ بِالكَلامِ التَّقْسِيمَ وجُعِلَ القِسْمانِ جَوابًا لِلشَّرْطِ، أيْ: ﴿إمّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ فالمُتَّقُونَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ والمُكَذِّبُونَ أصْحابُ النّارِ فَثَمَرَةُ إتْيانِ الرُّسُلِ وفائِدَتِهِ هَذا، وتَضَمَّنَ قَوْلُهُ: ﴿فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ﴾ سَبْقَ الإيمانِ، إذِ التَّقْوى والإصْلاحُ هُما ناشِئانِ عَنْهُ وجاءَ في قَسَمِهِ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ والتَّكْذِيبُ هو بُدُوُّ الشَّقاوَةِ إذْ لا يَنْشَأُ عَنْهُ إلّا الِانْهِماكُ والإفْسادُ وقالَ، بَلِ الإصْلاحُ بِالِاسْتِكْبارِ؛ لِأنَّ إصْلاحَ العَمَلِ مِن نَتِيجَةِ التَّقْوى، والِاسْتِكْبارُ مِن نَتِيجَةِ التَّكْذِيبِ، وهو التَّعاظُمُ فَلَمْ يَكُونُوا لِيَتَّبِعُوا الرُّسُلَ فِيما جاءُوا بِهِ ولا يَقْتَدُوا بِما أُمِرُوا بِهِ؛ لِأنَّ مَن كَذَّبَ بِالشَّيْءِ نَأى بِنَفْسِهِ عَنِ اتِّباعِهِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هاتانِ حالَتانِ تَعُمُّ جَمِيعَ مَن (p-٢٩٤)يَصُدُّ عَنْ رِسالَةِ الرَّسُولِ إمّا أنْ يُكَذِّبَ بِحَسَبِ اعْتِقادِهِ أنَّهُ كَذَّبَ، وإمّا أنْ يَسْتَكْبِرَ فَيُكَذِّبَ، وإنْ كانَ غَيْرَ مُصَمِّمٍ في اعْتِقادِهِ عَلى التَّكْذِيبِ، وهَذا نَحْوُ: الكُفْرُ عِنادٌ. انْتَهى. وتَضَمَّنَتِ الجُمْلَتانِ حَذْفَ رابِطٍ، وتَقْدِيرُهُ: فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ مِنكم، والَّذِينَ كَذَّبُوا مِنكم، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿فَلا خَوْفٌ﴾ و﴿أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ﴾ الجُمْلَتانِ، وقَرَأ أُبَيٌّ، والأعْرَجُ إمّا تَأْتِيَنَّكم بِالتّاءِ عَلى تَأْنِيثِ الجَماعَةِ و﴿يَقُصُّونَ﴾ مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى إذْ ذاكَ إذْ لَوْ حُمِلَ عَلى اللَّفْظِ لَكانَ تَقُصُّ.
﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولَئِكَ يَنالُهم نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ﴾ لَمّا ذَكَرَ المُكَذِّبِينَ ذَكَرَ أسْوَأ حالًا مِنهم، وهو مَن يَفْتَرِي الكَذِبَ عَلى اللَّهِ وذَكَرَ أيْضًا مَن كَذَّبَ بِآياتِهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ: ما كُتِبَ لَهم مِنَ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، ولا يُناسِبُ هَذا التَّفْسِيرُ الجُمْلَةَ الَّتِي بَعْدَ هَذا، وقالَ الحَسَنُ: ما كُتِبَ لَهم مِنَ العَذابِ، وقالَ الرَّبِيعُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ زَيْدٍ: ما سَبَقَ لَهم في أُمِّ الكِتابِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، ومُجاهِدٌ أيْضًا، وقَتادَةُ: ما كَتَبَ الحَفَظَةُ في صَحائِفِ النّاسِ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، فَيُقالُ: هَذا نَصِيبُهم مِن ذَلِكَ وهو الكُفْرُ والمَعاصِي، وقالَ الحَكَمُ، وأبُو صالِحٍ ما كُتِبَ لَهم مِنَ الأرْزاقِ والأعْمارِ والخَيْرِ والشَّرِّ في الدُّنْيا. وقالَ الضَّحّاكُ: ما كُتِبَ لَهم مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، والضَّحّاكُ أيْضًا، ومُجاهِدٌ ما كُتِبَ لَهم مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: ما كُتِبَ لَهم مِنَ الضَّلالَةِ والهُدى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: ما كُتِبَ لَهم مِنَ الأعْمالِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ: مِنَ الكِتابِ يُرادُ بِهِ مِنَ القُرْآنِ وحَظُّهم فِيهِ سَوادُ وُجُوهِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، وقِيلَ: ما أوْجَبَ مِن حِفْظِ عُهُودِهِمْ إذا أعْطُوا الجِزْيَةَ. وقالَ الحَسَنُ، والسُّدِّيُّ، وأبُو صالِحٍ: مِنَ المُقَرَّرِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وقَدْ تَقَرَّرَ في الشَّرْعِ أنَّ حَظَّهم فِيهِ العَذابُ والسُّخْطُ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ الَّذِي كُتِبَ لَهم في الدُّنْيا مِن رِزْقٍ وأجَلٍ، وغَيْرِهِما يَنالُهم فِيها، ولِذَلِكَ جاءَتِ التَّغْيِيَةُ بَعْدَ هَذا بـِ حَتّى، وإلى هَذا المَعْنى نَحا الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: أيْ ما كَتَبَ لَهم مِنَ الأرْزاقِ والأعْمالِ.
﴿حَتّى إذا جاءَتْهم رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهم قالُوا أيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾ . تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿حَتّى إذا﴾ في أوائِلِ الأنْعامِ، ووَقَعَ في التَّحْرِيرِ (حَتّى) هُنا لَيْسَ بِغايَةٍ، بَلْ هي ابْتِداءٌ وجَرٌّ، والجُمْلَةُ بَعْدَها في مَوْضِعِ جَرٍّ، وهَذا وهْمٌ، بَلْ مَعْناهاهُنا الغايَةُ والخِلافُ فِيها إذا كانَتْ حَرْفَ ابْتِداءٍ أهِيَ حَرْفُ جَرٍّ، والجُمْلَةُ بَعْدَها في مَوْضِعِ جَرٍّ وتَتَعَلَّقُ بِما قَبْلَها كَما تَتَعَلَّقُ حُرُوفُ الجَرِّ، أمْ لَيْسَتْ حَرْفَ جَرٍّ ولا تَتَعَلَّقُ بِما قَبْلَها تَعَلُّقَ حُرُوفِ الجَرِّ مِن حَيْثُ المَعْنى لا مِن حَيْثُ الإعْرابِ ؟ قَوْلانِ: الأوَّلُ لِابْنِ دُرُسْتَوَيْهِ، والزَّجّاجِ، والثّانِي لِلْجُمْهُورِ. وإذا كانَتْ حَرْفَ ابْتِداءٍ، فَهي لِلْغايَةِ ألا تَراها في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎سَرَيْتُ بِهِمْ حَتّى تَكِلَّ مَطِيُّهم ∗∗∗ وحَتّى الجِيادُ ما يُقَدْنَ بِأرْسانِ
وقَوْلِ الآخَرِ:
؎فَما زالَتِ القَتْلى تَمُجُّ دِماءُها ∗∗∗ بِدِجْلَةَ حَتّى ماءُ دِجْلَةَ أشْكَلُ
تُفِيدُ الغايَةَ؛ لِأنَّ المَعْنى أنَّهُ مَدَّ هَمَّهم في السَّيْرِ إلى كَلالِ المَطِيِّ والجِيادِ ومَجَّتِ الدِّماءُ إلى تَغْيِيرِ ماءِ دِجْلَةَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهي حَتّى الَّتِي يُبْتَدَأُ بَعْدَها الكَلامُ. انْتَهى. وقالَ الحَوْفِيُّ: وحَتّى غايَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِيَنالُهم، فَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ أنْ يُرِيدَ التَّعَلُّقَ الصِّناعِيَّ، وأنْ يُرِيدَ التَّعَلُّقَ المَعْنَوِيَّ، والمَعْنى: أنَّهم يَنالُهم حَظُّهم مِمّا كُتِبَ لَهم إلى أنْ يَأْتِيَهم رُسُلُ المَوْتِ يَقْبِضُونَ أرْواحَهم فَيَسْألُونَهم سُؤالَ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيرٍ أيْنَ (p-٢٩٥)مَعْبُوداتُكم مَن دُونِ اللَّهِ ؟ فَيُجِيبُونَ بِأنَّهم حادُوا عَنّا وأخَذُوا طَرِيقًا غَيْرَ طَرِيقِنا، أوْ ضَلُّوا عَنّا هَلَكُوا واضْمَحَلُّوا، والرُّسُلُ مَلَكُ المَوْتِ وأعْوانُهُ، ويَتَوَفَّوْنَهم في مَوْضِعِ الحالِ، وكُتِبَتْ أيْنَما مُتَّصِلَةً وكانَ قِياسُهُ كِتابَتَها بِالِانْفِصالِ؛ لِأنَّ ما مَوْصُولَةٌ كَهي في ﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ﴾ [الأنعام: ١٣٤] إذِ التَّقْدِيرُ: أيْنَ الآلِهَةُ الَّتِي كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ؟ وقِيلَ: مَعْنى (تَدْعُونَ)، أيْ: تَسْتَغِيثُونَهم لِقَضاءِ حَوائِجِكم وما ذَكَرْناهُ مِن أنَّ هَذِهِ المُحاوَرَةَ بَيْنَ المَلائِكَةِ وهَؤُلاءِ تَكُونُ وقْتَ المَوْتِ، وأنَّ التَّوَفِّيَ هو بِقَبْضِ الأرْواحِ، هو قَوْلُ المُفَسِّرِينَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنهُمُ الحَسَنُ: (الرُّسُلُ) مَلائِكَةُ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ، والمُحاوَرَةُ في ذَلِكَ اليَوْمِ ومَعْنى ﴿يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ يَسْتَوْفُونَهم عَدَدًا في السَّوْقِ إلى جَهَنَّمَ ونَيْلِ النَّصِيبِ عَلى هَذا إنَّما هو في الآخِرَةِ إذْ لَوْ كانَ في الدُّنْيا لَما تَحَقَّقَتِ الغايَةُ لِانْقِطاعِ النَّيْلِ قَبْلَها بِمَدَدٍ كَثِيرَةٍ، ويُحْتَمَلُ (وشَهِدُوا) أنْ يَكُونَ مَقْطُوعًا عَلى (قالُوا) فَيَكُونُ مِن جُمْلَةِ جَوابِ السُّؤالِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافَ إخْبارٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِإقْرارِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ، ولا تَعارُضَ بَيْنَ هَذا وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] لِاحْتِمالِ ذَلِكَ مِن طَوائِفَ مُخْتَلِفَةٍ، أوْ في أوْقاتٍ، وجَوابُ سُؤالِهِمْ لَيْسَ مُطابِقًا مِن جِهَةِ اللَّفْظِ؛ لِأنَّهُ سُؤالٌ عَنْ مَكانٍ، وأُجِيبَ بِفِعْلٍ وهو مُطابِقٌ مِن جِهَةِ المَعْنى إذْ تَقْدِيرُ السُّؤالِ: ما فَعَلَ مَعْبُودُوكم مِن دُونِ اللَّهِ مَعَكم ؟ ﴿قالُوا ضَلُّوا عَنّا﴾ .
﴿قالَ ادْخُلُوا في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم مِنَ الجِنِّ والإنْسِ في النّارِ﴾ . أيْ: يَقُولُ اللَّهُ لَهم، أيْ: لِكُفّارِ العَرَبِ وهُمُ المُفْتَرُونَ الكَذِبَ والمُكَذِّبُونَ بِالآياتِ وذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، وعَبَّرَ بِالماضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، وقَوْلُهُ ذَلِكَ عَلى لِسانِ المَلائِكَةِ ويَتَعَلَّقُ ﴿فِي أُمَمٍ﴾ في الظّاهِرِ بـِ ادْخُلُوا، والمَعْنى: في جُمْلَةِ أُمَمٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ فَيَكُونُ في مَوْضِعِ الحالِ و﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ﴾، أيْ: تَقَدَّمَتْكم في الحَياةِ الدُّنْيا، أوْ تَقَدَّمَتْكم، أيْ: تَقَدَّمَ دُخُولُها في النّارِ وقَدَّمَ الجِنَّ؛ لِأنَّهُمُ الأصْلُ في الإغْواءِ والإضْلالِ ودَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ عُصاةَ الجِنِّ يَدْخُلُونَ النّارَ، وفي النّارِ مُتَعَلِّقٌ بِخَلَتْ عَلى أنَّ المَعْنى تَقَدَّمَ دُخُولُها، أوْ بِمَحْذُوفٍ وهو صِفَةٌ لِأُمَمٍ، أيْ: في أُمَمٍ سابِقَةٍ في الزَّمانِ كائِنَةٍ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ كائِنَةً في النّارِ، أوْ بـِ ”ادْخُلُوا“ عَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ في بِمَعْنى مَعَ، وقَدْ قالَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ فاخْتَلَفَ مَدْلُولُ في إذِ الأُولى تُفِيدُ الصُّحْبَةَ، والثّانِيَةُ تُفِيدُ الظَّرْفِيَّةَ وإذا اخْتَلَفَ مَدْلُولُ الحَرْفِ جازَ أنْ يَتَعَلَّقَ اللَّفْظانِ بِفِعْلٍ واحِدٍ ويَكُونُ إذْ ذاكَ (ادْخُلُوا) قَدْ تَعَدّى إلى الظَّرْفِ المُخْتَصِّ بِفي وهو الأصْلُ وإنْ كانَ قَدْ تَعَدّى في مَوْضِعٍ آخَرَ بِنَفْسِهِ لا بِوَساطَةِ في كَقَوْلِهِ: وقِيلَ ادْخُلا النّارَ ﴿ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ﴾ [الزمر: ٧٢] ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في باقِيَةً عَلى مَدْلُولِها مِنَ الظَّرْفِيَّةِ و﴿فِي النّارِ﴾ كَذَلِكَ ويَتَعَلَّقانِ بِلَفْظِ (ادْخُلُوا) وذَلِكَ عَلى أنْ يَكُونَ ﴿فِي النّارِ﴾ بَدَلَ اشْتِمالٍ كَقَوْلِهِ: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤] ﴿النّارِ﴾ [البروج: ٥]، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَدّى الفِعْلُ إلى حَرْفَيْ جَرٍّ بِمَعْنًى واحِدٍ عَلى طَرِيقَةِ البَدَلِ.
﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ (كُلَّما) لِلتَّكْرارِ ولا يَسْتَوِي ذَلِكَ في الأُمَّةِ الأُولى، فاللّاحِقَةُ تَلْعَنُ السّابِقَةَ، أوْ يَلْعَنُ بَعْضُ الأُمَّةِ الدّاخِلَةِ بَعْضَها، ومَعْنى ﴿أُخْتَها﴾، أيْ: في الدِّينِ، والمَعْنى: كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى وعَبَدَةِ الأوْثانِ، وغَيْرِهِمْ مِنَ الكُفّارِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿أُخْتَها﴾ الَّتِي ضَلَّتْ بِالِاقْتِداءِ بِها. انْتَهى.، والمَعْنى: أنَّ أهْلَ النّارِ يَلْعَنُ بَعْضُهم بَعْضًا، ويُعادِي بَعْضُهم بَعْضًا، ويَكْفُرُ بَعْضُهم بِبَعْضٍ، كَما جاءَ في آياتٍ أُخَرَ.
﴿حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا قالَتْ أُخْراهم لِأُولاهم رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ (p-٢٩٦)(حَتّى) غايَةٌ لِما قَبْلَها، والمَعْنى: أنَّهم يَدْخُلُونَ فَوْجًا فَفَوْجًا لاعِنًا بَعْضُهم بَعْضًا إلى انْتِهاءِ تَدارُكِهِمْ وتَلاحُقِهِمْ في النّارِ واجْتِماعِهِمْ فِيها، وأصْلُ ﴿ادّارَكُوا﴾ تَدارَكُوا أُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ فاجْتُلِبَتْ هَمْزَةُ الوَصْلِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ أبُو عَمْرٍو أدّارَكُوا بِقَطْعِ ألِفِ الوَصْلِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: هَذا مُشْكِلٌ ولا يُسَوَّغُ أنْ يَقْطَعَها ارْتِجالًا فَذَلِكَ إنَّما يَجِيءُ شاذًّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ في الِاسْمِ أيْضًا، لَكِنَّهُ وقَفَ مِثْلَ وقْفَةِ المُسْتَنْكِرِ، ثُمَّ ابْتَدَأ فَقَطَعَ، وقَرَأ مُجاهِدٌ بِقَطْعِ الألِفِ وسُكُونِ الدّالِ، وفَتْحِ الرّاءِ بِمَعْنى أدْرَكَ بَعْضُهم بَعْضًا، وقَرَأ حُمَيْدٌ: أُدْرِكُوا بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِ الرّاءِ، أيْ: أُدْخِلُوا في إدْراكِها، وقالَ مَكِّيٌّ في قِراءَةِ مُجاهِدٍ: إنَّها ادَّرَكُوا بِشَدِّ الدّالِ المَفْتُوحَةِ وفَتْحِ الرّاءِ، قالَ: وأصْلُها ادْتَرَكُوا وزْنُها افْتَعَلُوا، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ والأعْمَشُ تَدارَكُوا ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عُمَرَ. انْتَهى. وقالَ أبُو البَقاءِ: وقُرِئَ ”إذا ادّارَكُوا“ بِألِفٍ واحِدَةٍ ساكِنَةٍ والدّالُ بَعْدَها مُشَدَّدَةٌ، وهو جَمْعٌ بَيْنَ ساكِنَيْنِ، وجازَ في المُنْفَصِلِ كَما جازَ في المُتَّصِلِ، وقَدْ قالَ بَعْضُهم: اثْنا عَشَرَ بِإثْباتِ الألِفِ وسُكُونِ العَيْنِ. انْتَهى. ويَعْنِي بِقَوْلِهِ: كَما جازَ في المُتَّصِلِ نَحْوِ الضّالِّينَ وجانٍّ وأُخْراهم: الأُمَّةُ الأخِيرَةُ في الزَّمانِ الَّتِي وجَدَتْ ضَلالاتٍ مُقَرَّرَةً مُسْتَعْمَلَةً لِأُولاهُمُ الَّتِي شَرَعَتْ ذَلِكَ وافْتَرَتْ وسَلَكَتْ سَبِيلَ الضَّلالِ ابْتِداءً، أوْ أُخْراهم مَنزِلَةً ورُتْبَةً وهُمُ الأتْباعُ والسَّفِلَةُ لِأُولاهم مَنزِلَةً ورُتْبَةً وهُمُ القادَةُ المَتْبُوعُونَ، أوْ أُخْراهم في الدُّخُولِ إلى النّارِ وهُمُ الأتْباعُ لِأُولاهم دُخُولًا، وهُمُ القادَةُ، أقْوالٌ آخِرُها لِمُقاتِلٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: آخِرُ أُمَّةٍ لِأوَّلِ أُمَّةٍ، وأُخْرى هُنا بِمَعْنى آخِرَةٍ مُؤَنَّثُ آخَرَ، فَمُقابِلُ أوَّلِ لا مُؤَنَّثَ لَهُ، آخَرُ بِمَعْنى غَيْرِ لِقَوْلِهِ: ﴿وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] واللّامُ في لِأُولاهم لامُ السَّبَبِ، أيْ: لِأجْلِ أُولاهم؛ لِأنَّ خِطابَهم مَعَ اللَّهِ لا مَعَهم ﴿أضَلُّونا﴾ شَرَعُوا لَنا الضَّلالَ، أوْ جَعَلُونا نَضِلُّ وحَمَّلُونا عَلَيْهِ ضِعْفًا زائِدًا عَلى عَذابِنا إذْ هم كافِرُونَ ومُسَبِّبُو كُفْرِنا.
﴿قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾، أيْ: لِكُلٍّ مِنَ الأُخْرى والأُولى عَذابٌ، ولِلْأُولى عَذابٌ مُتَضاعِفٌ زائِدٌ إلى غَيْرِ نِهايَةٍ وذَلِكَ أنَّ العَذابَ مُؤَبَّدٌ، فَكُلُّ ألَمٍ يَعْقُبُهُ آخَرُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ لِلسّائِلِينَ، أيْ: لا تَعْلَمُونَ ما لِكُلِّ فَرِيقٍ مِنَ العَذابِ، أوْ لا تَعْلَمُونَ المَقادِيرَ وصُوَرَ العَذابِ. قِيلَ أوْ خِطابٌ لِأهْلِ الدُّنْيا، أيْ: ولَكِنْ يا أهْلَ الدُّنْيا لا تَعْلَمُونَ مِقْدارَ ذَلِكَ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ بِالياءِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا عَنِ الأُمَّةِ ويَكُونُ الضَّمِيرُ في (لا يَعْلَمُونَ) عائِدًا عَلى الأُمَّةِ الأخِيرَةِ الَّتِي طَلَبَتْ أنْ يُضَعَّفَ العَذابُ عَلى أُولاها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنِ الطّائِفَتَيْنِ، أيْ: لا يَعْلَمُ كُلُّ فَرِيقٍ قَدْرَ ما أُعِدَّ لَهُ مِنَ العَذابِ، أوْ قَدْرَ ما أُعِدَّ لِلْفَرِيقِ الآخَرِ مِنَ العَذابِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ الضِّعْفَ هُنا الأفاعِي والحَيّاتُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ رَدٌّ عَلى أُولَئِكَ السّائِلِينَ، وعَدَمُ إسْعافٍ لِما طَلَبُوا.
﴿وقالَتْ أُولاهم لِأُخْراهم فَما كانَ لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ . أيْ: قالَتِ الطّائِفَةُ المَتْبُوعَةُ لِلطّائِفَةِ المُتَّبِعَةِ، واللّامُ في ﴿لِأُخْراهُمْ﴾ لامُ التَّبْلِيغِ نَحْوُ قُلْتُ لَكَ اصْنَعْ كَذا؛ لِأنَّ الخِطابَ هو مَعَ أُخْراهم بِخِلافِ اللّامِ، أيْ: في ﴿لِأُولاهُمْ﴾ فَإنَّها كَما ذَكَرْنا لامُ السَّبَبِ؛ لِأنَّ الخِطابَ هُناكَ مَعَ اللَّهِ تَعالى، والمَعْنى: أنْتُمْ لا فَضْلَ لَكم عَلَيْنا ولَمْ تَزْدَجِرُوا حِينَ جاءَتْكُمُ الرُّسُلُ والنُّذُرُ، بَلْ دُمْتُمْ في كُفْرِكم، وتَرَكْتُمُ النَّظَرَ فاسْتَوَتْ حالُنا وحالُكم قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: قَدْ ثَبَتَ أنْ لا فَضْلَ لَكم عَلَيْنا، وأنّا مُتَساوُونَ في اسْتِحْقاقِ الضِّعْفِ، وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْنى ﴿مِن فَضْلٍ﴾ مِنَ التَّخْفِيفِ لِما قالَ اللَّهُ ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ قالَتِ الأُولى لِلْأُخْرى لَمْ تُبَلَّغُوا أمَلًا بِأنَّ عَذابَكم أخَفُّ مِن عَذابِنا ولا فُضِّلْتُمْ بِالإسْعافِ. انْتَهى. والفاءُ في ”فَما“ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَطَفُوا هَذا الكَلامَ عَلى قَوْلِ اللَّهِ تَعالى لِلسَّفِلَةِ ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ المَعْنى انْتِفاءُ كَوْنِ فُضِّلَ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّفِلَةِ في الدُّنْيا بِسَبَبِ اتِّباعِهِمْ إيّاهم ومُوافَقَتِهِمْ لَهم في الكُفْرِ، أيْ: اتِّباعُكم (p-٢٩٧)إيّانا وعَدَمُ اتِّباعِكم سَواءٌ؛ لِأنَّكم كُنْتُمْ في الدُّنْيا أقَلَّ عِنْدَنا مِن أنْ يَكُونَ لَكم عَلَيْنا فَضْلٌ بِاتِّباعِكم، بَلْ كَفَرْتُمُ اخْتِيارًا لا إنّا حَمَلْناكم عَلى ذَلِكَ إجْبارًا، وأنَّ قَوْلَهُ: (فَما) مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ بَعْدَ القَوْلِ دَلَّ عَلَيْها ما سَبَقَ مِنَ الكَلامِ، والتَّقْدِيرُ: قالَتْ أُولاهم لِأُخْراهم ما دُعاؤُكُمُ اللَّهَ بِأنّا أضْلَلْناكم وسُؤالُكم ما سَألْتُمْ فَما كانَ لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ بِضَلالِكم، وأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَذُوقُوا العَذابَ﴾ مِن كَلامِ الأُولى خِطابًا لِلْأُخْرى عَلى سَبِيلِ التَّشَفِّي مِنهم، وأنَّ ذَوْقَ العَذابِ هو بِما كَسَبَتْ مِنَ الآثامِ لا بِسَبَبِ دَعْواكم أنّا أضْلَلْناكم، وقِيلَ: (فَذُوقُوا) مِن خِطابِ اللَّهِ لِجَمِيعِهِمْ.
الأعراف 7:34
﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ والإثْمَ والبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وأنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ لَمّا لَبِسَ المُسْلِمُونَ الثِّيابَ وطافُوا بِالبَيْتِ عَيَّرَهُمُ المُشْرِكُونَ بِذَلِكَ وقالُوا اسْتَحَلُّوا الحُرُمَ فَنَزَلَتْ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ في أواخِرِ الأنْعامِ، وزِيدَ هُنا أقْوالٌ، أحَدُها: ﴿ما ظَهَرَ مِنها﴾ طَوافُ الرَّجُلِ بِالنَّهارِ عُرْيانًا ﴿وما بَطَنَ﴾ طَوافُها بِاللَّيْلِ عارِيَةً. قالَهُ التِّبْرِيزِيُّ، وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿ما ظَهَرَ﴾ طَوافُ الجاهِلِيَّةِ عُراةً ﴿وما بَطَنَ﴾ الزِّنا، وقِيلَ: ﴿ما ظَهَرَ﴾ الظُّلْمُ ﴿وما بَطَنَ﴾ السَّرِقَةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ: ﴿ما ظَهَرَ﴾ ما كانَتْ تَفْعَلُهُ الجاهِلِيَّةُ مِن نِكاحِ الأبْناءِ نِساءَ الآباءِ، والجَمْعُ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ، وأنْ يَنْكِحَ المَرْأةَ عَلى عَمَّتِها وخالَتِها ﴿وما بَطَنَ﴾ الزِّنا ﴿والإثْمَ﴾ عامٌّ يَشْمَلُ الأقْوالَ والأفْعالَ الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْها الإثْمُ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقِيلَ: هو صِغارُ الذُّنُوبِ، وقِيلَ: الخَمْرُ، وهَذا قَوْلٌ لا يَصِحُّ هُنا؛ لِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، ولَمْ تُحَرَّمِ الخَمْرُ إلّا بِالمَدِينَةِ بَعْدَ أُحُدٍ، وجَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ اصْطَحَبُوها يَوْمَ أُحُدٍ وماتُوا شُهَداءَ، وهي في أجْوافِهِمْ، وأمّا تَسْمِيَةُ الخَمْرِ إثْمًا، فَقِيلَ هو مِن قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎شَرِبْتُ الإثْمَ حَتّى زَلَّ عَقْلِي
وهُوَ بَيْتٌ مَصْنُوعٌ مُخْتَلَقٌ وإنْ صَحَّ فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: مُوجِبَ الإثْمِ، ولا يَدُلُّ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ (الإثْمَ) الخَمْرُ عَلى أنَّهُ مِن أسْمائِها إذْ يَكُونُ ذَلِكَ مِن إطْلاقِ المُسَبِّبِ عَلى السَّبَبِ، وأنْكَرَ أبُو العَبّاسِ أنْ يَكُونَ الإثْمُ مِن أسْماءِ الخَمْرِ وقالَ الفَضْلُ: الإثْمُ الخَمْرُ، وأنْشَدَ:
؎نَهانا رَسُولُ اللَّهِ أنْ نَقْرَبَ الخَنا ∗∗∗ وأنْ نَشْرَبَ الإثْمَ الَّذِي يُوجِبُ الوِزْرا
وأنْشَدَ الأصْمَعِيُّ أيْضًا:
؎ورُحْتُ حَزِينًا ذاهِلَ العَقْلِ بَعْدَهم ∗∗∗ كَأنِّي شَرِبْتُ الإثْمَ أوْ مَسَّنِي خَبَلُ
قالَ: وقَدْ تُسَمّى الخَمْرُ إثْمًا، وأنْشَدَ:
؎شَرِبْتُ الإثْمَ حَتّى زَلَّ عَقْلِي
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والفَرّاءُ: البَغْيُ الِاسْتِطالَةُ، وقالَ الحَسَنُ: السُّكْرُ مِن كُلِّ شَرابٍ، وقالَ ثَعْلَبٌ: تَكَلُّمُ الرَّجُلِ في الرَّجُلِ بِغَيْرِ الحَقِّ إلّا أنْ يَنْتَصِرَ مِنهُ بِحَقٍّ، وقِيلَ: الظُّلْمُ والكِبْرُ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ وأفْرَدُوهُ بِالذِّكْرِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبَغْيِ﴾ [النحل: ٩٠] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿البَغْيُ﴾ [الشورى: ٣٩] التَّعَدِّي وتَجاوُزُ الحَدِّ مُبْتَدِئًا كانَ، أوْ مُنْتَصِرًا، وقَوْلُهُ: ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ زِيادَةُ بَيانٍ ولَيْسَ يُتَصَوَّرُ بَغْيٌ بِحَقٍّ؛ لِأنَّ ما كانَ بِحَقٍّ لا يُسَمّى بَغْيًا، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ في الأنْعامِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِيهِ تَهَكُّمٌ؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُنَزِّلَ بُرْهانًا بِأنْ يُشْرِكَ بِهِ غَيْرَهُ ما لا تَعْلَمُونَ مِن تَحْرِيمِ البَحائِرِ وغَيْرِها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أرادَ بِذَلِكَ أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، وقِيلَ: قَوْلُهم أنَّهُ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ مَآكِلَ ومَلابِسَ ومَشارِبَ في الإحْرامِ مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ.
﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ هَذا وعِيدٌ لِأهْلِ مَكَّةَ بِالعَذابِ النّازِلِ في أجَلٍ مَعْلُومٍ عِنْدَ اللَّهِ كَما نَزَلَ بِالأُمَمِ، أيْ: أجَلٌ مُؤَقَّتٌ لِمَجِيءِ العَذابِ إذا خالَفُوا أمْرَ رَبِّهِمْ، فَأنْتُمْ أيَّتُها الأُمَّةُ كَذَلِكَ، (p-٢٩٣)وقِيلَ: الأجَلُ هُنا أجَلُ الدُّنْيا، التَّقْدِيرُ لِلْأُمَمِ كُلِّها أجَلٌ، أيْ: يُقْدِمُونَ فِيهِ عَلى ما قَدَّمُوا مِن عَمَلٍ، وقِيلَ: الأجَلُ مُدَّةُ العُمْرِ، والتَّقْدِيرُ: ولِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الأُمَّةِ عُمْرٌ يَنْتَهِي إلَيْهِ بَقاؤُهُ في الدُّنْيا، وإذا ماتَ عَلِمَ ما كانَ عَلَيْهِ مِن حَقٍّ، أوْ باطِلٍ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أيُّ فِرْقَةٍ وجَماعَةٍ، وهي لَفْظَةٌ تُسْتَعْمَلُ في الكَثِيرِ مِنَ النّاسِ، وقالَ غَيْرُهُ: والأُمَّةُ الجَماعَةُ قَلُّوا، أوْ كَثُرُوا، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ كَقَوْلِهِ في قُسِّ بْنِ ساعِدَةَ: «يُبْعَثُ يَوْمَ القِيامَةِ أُمَّةً وحْدَهُ»، وأفْرَدَ الأجَلَ؛ لِأنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، أوْ لِتَقارُبِ أعْمالِ أهْلِ كُلِّ عَصْرٍ، أوْ لِكَوْنِ التَّقْدِيرِ: لِكُلِّ واحِدٍ مِن أُمَّةٍ، وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ سِيرِينَ: فَإذا جاءَ آجالُهم، بِالجَمْعِ، وقالَ: ساعَةً؛ لِأنَّها أقَلُّ الأوْقاتِ في اسْتِعْمالِ النّاسِ، يَقُولُ المُسْتَعْجِلُ لِصاحِبِهِ في ساعَةٍ يُرِيدُ في أقْصَرِ وقْتٍ وأقْرَبِهِ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَفْظٌ عُنِيَ بِهِ الجُزْءُ القَلِيلُ مِنَ الزَّمانِ، والمُرادُ جَمْعُ أجْزائِهِ. انْتَهى. والمُضارِعُ المَنفِيُّ بِلا إذا وقَعَ في الظّاهِرِ جَوابًا لِإذا يَجُوزُ أنْ يُتَلَقّى بِفاءِ الجَزاءِ، ويَجُوزَ أنْ لا يُتَلَقّى بِها ويَنْبَغِي أنْ يُعْتَقَدَ أنَّ بَيْنَ الفاءِ والفِعْلِ مُبْتَدَأً مَحْذُوفًا، وتَكُونُ الجُمْلَةُ إذْ ذاكَ اسْمِيَّةً، والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ إذا وقَعَتْ جَوابًا لِإذا فَلا بُدَّ فِيها مِنَ الفاءِ، أوْ إذا الفُجائِيَّةِ، قالَ بَعْضُهم: ودَخَلَتِ الفاءُ عَلى إذا حَيْثُ وقَعَ إلّا في يُونُسَ؛ لِأنَّها عَطَفَتْ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ بَيْنَهُما اتِّصالٌ وتَعْقِيبٌ فَكانَ المَوْضِعُ مَوْضِعَ الفاءِ، وما في يُونُسَ يَأْتِي في مَوْضِعِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ. انْتَهى. وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ . انْتَهى. وهَذا لا يُمْكِنُ؛ لِأنَّ إذا شَرْطِيَّةٌ، فالَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْها إنَّما هو مُسْتَقْبَلٌ ولا يَتَرَتَّبُ عَلى مَجِيءِ الأجَلِ في المُسْتَقْبَلِ إلّا مُسْتَقْبَلٌ، وذَلِكَ يُتَصَوَّرُ في انْتِفاءِ الِاسْتِئْخارِ لا في انْتِفاءِ الِاسْتِقْدامِ؛ لِأنَّ الِاسْتِقْدامَ سابِقٌ عَلى مَجِيءِ الأجَلِ في الِاسْتِقْبالِ، فَيَصِيرُ نَظِيرَ قَوْلِكَ إذا قُمْتَ في المُسْتَقْبَلِ لَمْ يَتَقَدَّمْ قِيامُكَ في الماضِي، ومَعْلُومٌ أنَّهُ إذا قامَ في المُسْتَقْبَلِ لَمْ يَتَقَدَّمْ قِيامُهُ هَذا في الماضِي، وهَذا شَبِيهٌ بِقَوْلِ زُهَيْرٍ:
؎بَدا لِيَ أنِّي لَسْتُ مُدْرِكَ ما مَضى ∗∗∗ ولا سابِقًا شَيْئًا إذا كانَ جائِيًا
ومَعْلُومٌ أنَّ الشَّيْءَ إذا كانَ جائِيًا إلَيْهِ لا يَسْبِقُهُ، والَّذِي تُخَرَّجُ عَلَيْهِ الآيَةُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ مُنْقَطِعٌ مِنَ الجَوابِ عَلى سَبِيلِ اسْتِئْنافِ إخْبارٍ، أيْ: لا يَسْتَقْدِمُونَ الأجَلَ، أيْ: لا يَسْبِقُونَهُ، وصارَ مَعْنى الآيَةِ أنَّهم لا يَسْبِقُونَ الأجَلَ ولا يَتَأخَّرُونَ عَنْهُ.
﴿يابَنِي آدَمَ إمّا يَأْتِيَنَّكم رُسُلٌ مِنكم يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ . هَذا الخِطابُ لِبَنِي آدَمَ. قِيلَ: هو في الأوَّلِ، وقِيلَ: هو مُراعًى بِهِ وقْتَ الإنْزالِ، وجاءَ بِصُورَةِ الِاسْتِقْبالِ لِتَقْوى الإشارَةُ بِصِحَّةِ النُّبُوَّةِ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ وما في إمّا تَأْكِيدٌ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإذا لَمْ يَكُنْ ما لَمْ يُجِزْ دُخُولَ النُّونِ الثَّقِيلَةِ. انْتَهى. وبَعْضُ النَّحْوِيِّينَ يُجِيزُ ذَلِكَ وجَوابُ الشَّرْطِ ﴿فَمَنِ اتَّقى﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَن شُرْطِيَّةً، وجَوابُهُ ﴿فَلا خَوْفٌ﴾ وتَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ مُسْتَقِلَّةً بِجَوابِ الشَّرْطِ الأوَّلِ مِن جِهَةِ اللَّفْظِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَن مَوْصُولَةً، فَتَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ والَّتِي بَعْدَها مِن قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ مَجْمُوعُهُما هو جَوابُ الشَّرْطِ، وكَأنَّهُ قَصَدَ بِالكَلامِ التَّقْسِيمَ وجُعِلَ القِسْمانِ جَوابًا لِلشَّرْطِ، أيْ: ﴿إمّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ فالمُتَّقُونَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ والمُكَذِّبُونَ أصْحابُ النّارِ فَثَمَرَةُ إتْيانِ الرُّسُلِ وفائِدَتِهِ هَذا، وتَضَمَّنَ قَوْلُهُ: ﴿فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ﴾ سَبْقَ الإيمانِ، إذِ التَّقْوى والإصْلاحُ هُما ناشِئانِ عَنْهُ وجاءَ في قَسَمِهِ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ والتَّكْذِيبُ هو بُدُوُّ الشَّقاوَةِ إذْ لا يَنْشَأُ عَنْهُ إلّا الِانْهِماكُ والإفْسادُ وقالَ، بَلِ الإصْلاحُ بِالِاسْتِكْبارِ؛ لِأنَّ إصْلاحَ العَمَلِ مِن نَتِيجَةِ التَّقْوى، والِاسْتِكْبارُ مِن نَتِيجَةِ التَّكْذِيبِ، وهو التَّعاظُمُ فَلَمْ يَكُونُوا لِيَتَّبِعُوا الرُّسُلَ فِيما جاءُوا بِهِ ولا يَقْتَدُوا بِما أُمِرُوا بِهِ؛ لِأنَّ مَن كَذَّبَ بِالشَّيْءِ نَأى بِنَفْسِهِ عَنِ اتِّباعِهِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هاتانِ حالَتانِ تَعُمُّ جَمِيعَ مَن (p-٢٩٤)يَصُدُّ عَنْ رِسالَةِ الرَّسُولِ إمّا أنْ يُكَذِّبَ بِحَسَبِ اعْتِقادِهِ أنَّهُ كَذَّبَ، وإمّا أنْ يَسْتَكْبِرَ فَيُكَذِّبَ، وإنْ كانَ غَيْرَ مُصَمِّمٍ في اعْتِقادِهِ عَلى التَّكْذِيبِ، وهَذا نَحْوُ: الكُفْرُ عِنادٌ. انْتَهى. وتَضَمَّنَتِ الجُمْلَتانِ حَذْفَ رابِطٍ، وتَقْدِيرُهُ: فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ مِنكم، والَّذِينَ كَذَّبُوا مِنكم، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿فَلا خَوْفٌ﴾ و﴿أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ﴾ الجُمْلَتانِ، وقَرَأ أُبَيٌّ، والأعْرَجُ إمّا تَأْتِيَنَّكم بِالتّاءِ عَلى تَأْنِيثِ الجَماعَةِ و﴿يَقُصُّونَ﴾ مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى إذْ ذاكَ إذْ لَوْ حُمِلَ عَلى اللَّفْظِ لَكانَ تَقُصُّ.
﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولَئِكَ يَنالُهم نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ﴾ لَمّا ذَكَرَ المُكَذِّبِينَ ذَكَرَ أسْوَأ حالًا مِنهم، وهو مَن يَفْتَرِي الكَذِبَ عَلى اللَّهِ وذَكَرَ أيْضًا مَن كَذَّبَ بِآياتِهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ: ما كُتِبَ لَهم مِنَ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، ولا يُناسِبُ هَذا التَّفْسِيرُ الجُمْلَةَ الَّتِي بَعْدَ هَذا، وقالَ الحَسَنُ: ما كُتِبَ لَهم مِنَ العَذابِ، وقالَ الرَّبِيعُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ زَيْدٍ: ما سَبَقَ لَهم في أُمِّ الكِتابِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، ومُجاهِدٌ أيْضًا، وقَتادَةُ: ما كَتَبَ الحَفَظَةُ في صَحائِفِ النّاسِ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، فَيُقالُ: هَذا نَصِيبُهم مِن ذَلِكَ وهو الكُفْرُ والمَعاصِي، وقالَ الحَكَمُ، وأبُو صالِحٍ ما كُتِبَ لَهم مِنَ الأرْزاقِ والأعْمارِ والخَيْرِ والشَّرِّ في الدُّنْيا. وقالَ الضَّحّاكُ: ما كُتِبَ لَهم مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، والضَّحّاكُ أيْضًا، ومُجاهِدٌ ما كُتِبَ لَهم مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: ما كُتِبَ لَهم مِنَ الضَّلالَةِ والهُدى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: ما كُتِبَ لَهم مِنَ الأعْمالِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ: مِنَ الكِتابِ يُرادُ بِهِ مِنَ القُرْآنِ وحَظُّهم فِيهِ سَوادُ وُجُوهِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، وقِيلَ: ما أوْجَبَ مِن حِفْظِ عُهُودِهِمْ إذا أعْطُوا الجِزْيَةَ. وقالَ الحَسَنُ، والسُّدِّيُّ، وأبُو صالِحٍ: مِنَ المُقَرَّرِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وقَدْ تَقَرَّرَ في الشَّرْعِ أنَّ حَظَّهم فِيهِ العَذابُ والسُّخْطُ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ الَّذِي كُتِبَ لَهم في الدُّنْيا مِن رِزْقٍ وأجَلٍ، وغَيْرِهِما يَنالُهم فِيها، ولِذَلِكَ جاءَتِ التَّغْيِيَةُ بَعْدَ هَذا بـِ حَتّى، وإلى هَذا المَعْنى نَحا الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: أيْ ما كَتَبَ لَهم مِنَ الأرْزاقِ والأعْمالِ.
﴿حَتّى إذا جاءَتْهم رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهم قالُوا أيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾ . تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿حَتّى إذا﴾ في أوائِلِ الأنْعامِ، ووَقَعَ في التَّحْرِيرِ (حَتّى) هُنا لَيْسَ بِغايَةٍ، بَلْ هي ابْتِداءٌ وجَرٌّ، والجُمْلَةُ بَعْدَها في مَوْضِعِ جَرٍّ، وهَذا وهْمٌ، بَلْ مَعْناهاهُنا الغايَةُ والخِلافُ فِيها إذا كانَتْ حَرْفَ ابْتِداءٍ أهِيَ حَرْفُ جَرٍّ، والجُمْلَةُ بَعْدَها في مَوْضِعِ جَرٍّ وتَتَعَلَّقُ بِما قَبْلَها كَما تَتَعَلَّقُ حُرُوفُ الجَرِّ، أمْ لَيْسَتْ حَرْفَ جَرٍّ ولا تَتَعَلَّقُ بِما قَبْلَها تَعَلُّقَ حُرُوفِ الجَرِّ مِن حَيْثُ المَعْنى لا مِن حَيْثُ الإعْرابِ ؟ قَوْلانِ: الأوَّلُ لِابْنِ دُرُسْتَوَيْهِ، والزَّجّاجِ، والثّانِي لِلْجُمْهُورِ. وإذا كانَتْ حَرْفَ ابْتِداءٍ، فَهي لِلْغايَةِ ألا تَراها في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎سَرَيْتُ بِهِمْ حَتّى تَكِلَّ مَطِيُّهم ∗∗∗ وحَتّى الجِيادُ ما يُقَدْنَ بِأرْسانِ
وقَوْلِ الآخَرِ:
؎فَما زالَتِ القَتْلى تَمُجُّ دِماءُها ∗∗∗ بِدِجْلَةَ حَتّى ماءُ دِجْلَةَ أشْكَلُ
تُفِيدُ الغايَةَ؛ لِأنَّ المَعْنى أنَّهُ مَدَّ هَمَّهم في السَّيْرِ إلى كَلالِ المَطِيِّ والجِيادِ ومَجَّتِ الدِّماءُ إلى تَغْيِيرِ ماءِ دِجْلَةَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهي حَتّى الَّتِي يُبْتَدَأُ بَعْدَها الكَلامُ. انْتَهى. وقالَ الحَوْفِيُّ: وحَتّى غايَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِيَنالُهم، فَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ أنْ يُرِيدَ التَّعَلُّقَ الصِّناعِيَّ، وأنْ يُرِيدَ التَّعَلُّقَ المَعْنَوِيَّ، والمَعْنى: أنَّهم يَنالُهم حَظُّهم مِمّا كُتِبَ لَهم إلى أنْ يَأْتِيَهم رُسُلُ المَوْتِ يَقْبِضُونَ أرْواحَهم فَيَسْألُونَهم سُؤالَ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيرٍ أيْنَ (p-٢٩٥)مَعْبُوداتُكم مَن دُونِ اللَّهِ ؟ فَيُجِيبُونَ بِأنَّهم حادُوا عَنّا وأخَذُوا طَرِيقًا غَيْرَ طَرِيقِنا، أوْ ضَلُّوا عَنّا هَلَكُوا واضْمَحَلُّوا، والرُّسُلُ مَلَكُ المَوْتِ وأعْوانُهُ، ويَتَوَفَّوْنَهم في مَوْضِعِ الحالِ، وكُتِبَتْ أيْنَما مُتَّصِلَةً وكانَ قِياسُهُ كِتابَتَها بِالِانْفِصالِ؛ لِأنَّ ما مَوْصُولَةٌ كَهي في ﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ﴾ [الأنعام: ١٣٤] إذِ التَّقْدِيرُ: أيْنَ الآلِهَةُ الَّتِي كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ؟ وقِيلَ: مَعْنى (تَدْعُونَ)، أيْ: تَسْتَغِيثُونَهم لِقَضاءِ حَوائِجِكم وما ذَكَرْناهُ مِن أنَّ هَذِهِ المُحاوَرَةَ بَيْنَ المَلائِكَةِ وهَؤُلاءِ تَكُونُ وقْتَ المَوْتِ، وأنَّ التَّوَفِّيَ هو بِقَبْضِ الأرْواحِ، هو قَوْلُ المُفَسِّرِينَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنهُمُ الحَسَنُ: (الرُّسُلُ) مَلائِكَةُ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ، والمُحاوَرَةُ في ذَلِكَ اليَوْمِ ومَعْنى ﴿يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ يَسْتَوْفُونَهم عَدَدًا في السَّوْقِ إلى جَهَنَّمَ ونَيْلِ النَّصِيبِ عَلى هَذا إنَّما هو في الآخِرَةِ إذْ لَوْ كانَ في الدُّنْيا لَما تَحَقَّقَتِ الغايَةُ لِانْقِطاعِ النَّيْلِ قَبْلَها بِمَدَدٍ كَثِيرَةٍ، ويُحْتَمَلُ (وشَهِدُوا) أنْ يَكُونَ مَقْطُوعًا عَلى (قالُوا) فَيَكُونُ مِن جُمْلَةِ جَوابِ السُّؤالِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافَ إخْبارٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِإقْرارِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ، ولا تَعارُضَ بَيْنَ هَذا وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] لِاحْتِمالِ ذَلِكَ مِن طَوائِفَ مُخْتَلِفَةٍ، أوْ في أوْقاتٍ، وجَوابُ سُؤالِهِمْ لَيْسَ مُطابِقًا مِن جِهَةِ اللَّفْظِ؛ لِأنَّهُ سُؤالٌ عَنْ مَكانٍ، وأُجِيبَ بِفِعْلٍ وهو مُطابِقٌ مِن جِهَةِ المَعْنى إذْ تَقْدِيرُ السُّؤالِ: ما فَعَلَ مَعْبُودُوكم مِن دُونِ اللَّهِ مَعَكم ؟ ﴿قالُوا ضَلُّوا عَنّا﴾ .
﴿قالَ ادْخُلُوا في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم مِنَ الجِنِّ والإنْسِ في النّارِ﴾ . أيْ: يَقُولُ اللَّهُ لَهم، أيْ: لِكُفّارِ العَرَبِ وهُمُ المُفْتَرُونَ الكَذِبَ والمُكَذِّبُونَ بِالآياتِ وذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، وعَبَّرَ بِالماضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، وقَوْلُهُ ذَلِكَ عَلى لِسانِ المَلائِكَةِ ويَتَعَلَّقُ ﴿فِي أُمَمٍ﴾ في الظّاهِرِ بـِ ادْخُلُوا، والمَعْنى: في جُمْلَةِ أُمَمٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ فَيَكُونُ في مَوْضِعِ الحالِ و﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ﴾، أيْ: تَقَدَّمَتْكم في الحَياةِ الدُّنْيا، أوْ تَقَدَّمَتْكم، أيْ: تَقَدَّمَ دُخُولُها في النّارِ وقَدَّمَ الجِنَّ؛ لِأنَّهُمُ الأصْلُ في الإغْواءِ والإضْلالِ ودَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ عُصاةَ الجِنِّ يَدْخُلُونَ النّارَ، وفي النّارِ مُتَعَلِّقٌ بِخَلَتْ عَلى أنَّ المَعْنى تَقَدَّمَ دُخُولُها، أوْ بِمَحْذُوفٍ وهو صِفَةٌ لِأُمَمٍ، أيْ: في أُمَمٍ سابِقَةٍ في الزَّمانِ كائِنَةٍ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ كائِنَةً في النّارِ، أوْ بـِ ”ادْخُلُوا“ عَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ في بِمَعْنى مَعَ، وقَدْ قالَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ فاخْتَلَفَ مَدْلُولُ في إذِ الأُولى تُفِيدُ الصُّحْبَةَ، والثّانِيَةُ تُفِيدُ الظَّرْفِيَّةَ وإذا اخْتَلَفَ مَدْلُولُ الحَرْفِ جازَ أنْ يَتَعَلَّقَ اللَّفْظانِ بِفِعْلٍ واحِدٍ ويَكُونُ إذْ ذاكَ (ادْخُلُوا) قَدْ تَعَدّى إلى الظَّرْفِ المُخْتَصِّ بِفي وهو الأصْلُ وإنْ كانَ قَدْ تَعَدّى في مَوْضِعٍ آخَرَ بِنَفْسِهِ لا بِوَساطَةِ في كَقَوْلِهِ: وقِيلَ ادْخُلا النّارَ ﴿ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ﴾ [الزمر: ٧٢] ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في باقِيَةً عَلى مَدْلُولِها مِنَ الظَّرْفِيَّةِ و﴿فِي النّارِ﴾ كَذَلِكَ ويَتَعَلَّقانِ بِلَفْظِ (ادْخُلُوا) وذَلِكَ عَلى أنْ يَكُونَ ﴿فِي النّارِ﴾ بَدَلَ اشْتِمالٍ كَقَوْلِهِ: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤] ﴿النّارِ﴾ [البروج: ٥]، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَدّى الفِعْلُ إلى حَرْفَيْ جَرٍّ بِمَعْنًى واحِدٍ عَلى طَرِيقَةِ البَدَلِ.
﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ (كُلَّما) لِلتَّكْرارِ ولا يَسْتَوِي ذَلِكَ في الأُمَّةِ الأُولى، فاللّاحِقَةُ تَلْعَنُ السّابِقَةَ، أوْ يَلْعَنُ بَعْضُ الأُمَّةِ الدّاخِلَةِ بَعْضَها، ومَعْنى ﴿أُخْتَها﴾، أيْ: في الدِّينِ، والمَعْنى: كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى وعَبَدَةِ الأوْثانِ، وغَيْرِهِمْ مِنَ الكُفّارِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿أُخْتَها﴾ الَّتِي ضَلَّتْ بِالِاقْتِداءِ بِها. انْتَهى.، والمَعْنى: أنَّ أهْلَ النّارِ يَلْعَنُ بَعْضُهم بَعْضًا، ويُعادِي بَعْضُهم بَعْضًا، ويَكْفُرُ بَعْضُهم بِبَعْضٍ، كَما جاءَ في آياتٍ أُخَرَ.
﴿حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا قالَتْ أُخْراهم لِأُولاهم رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ (p-٢٩٦)(حَتّى) غايَةٌ لِما قَبْلَها، والمَعْنى: أنَّهم يَدْخُلُونَ فَوْجًا فَفَوْجًا لاعِنًا بَعْضُهم بَعْضًا إلى انْتِهاءِ تَدارُكِهِمْ وتَلاحُقِهِمْ في النّارِ واجْتِماعِهِمْ فِيها، وأصْلُ ﴿ادّارَكُوا﴾ تَدارَكُوا أُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ فاجْتُلِبَتْ هَمْزَةُ الوَصْلِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ أبُو عَمْرٍو أدّارَكُوا بِقَطْعِ ألِفِ الوَصْلِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: هَذا مُشْكِلٌ ولا يُسَوَّغُ أنْ يَقْطَعَها ارْتِجالًا فَذَلِكَ إنَّما يَجِيءُ شاذًّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ في الِاسْمِ أيْضًا، لَكِنَّهُ وقَفَ مِثْلَ وقْفَةِ المُسْتَنْكِرِ، ثُمَّ ابْتَدَأ فَقَطَعَ، وقَرَأ مُجاهِدٌ بِقَطْعِ الألِفِ وسُكُونِ الدّالِ، وفَتْحِ الرّاءِ بِمَعْنى أدْرَكَ بَعْضُهم بَعْضًا، وقَرَأ حُمَيْدٌ: أُدْرِكُوا بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِ الرّاءِ، أيْ: أُدْخِلُوا في إدْراكِها، وقالَ مَكِّيٌّ في قِراءَةِ مُجاهِدٍ: إنَّها ادَّرَكُوا بِشَدِّ الدّالِ المَفْتُوحَةِ وفَتْحِ الرّاءِ، قالَ: وأصْلُها ادْتَرَكُوا وزْنُها افْتَعَلُوا، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ والأعْمَشُ تَدارَكُوا ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عُمَرَ. انْتَهى. وقالَ أبُو البَقاءِ: وقُرِئَ ”إذا ادّارَكُوا“ بِألِفٍ واحِدَةٍ ساكِنَةٍ والدّالُ بَعْدَها مُشَدَّدَةٌ، وهو جَمْعٌ بَيْنَ ساكِنَيْنِ، وجازَ في المُنْفَصِلِ كَما جازَ في المُتَّصِلِ، وقَدْ قالَ بَعْضُهم: اثْنا عَشَرَ بِإثْباتِ الألِفِ وسُكُونِ العَيْنِ. انْتَهى. ويَعْنِي بِقَوْلِهِ: كَما جازَ في المُتَّصِلِ نَحْوِ الضّالِّينَ وجانٍّ وأُخْراهم: الأُمَّةُ الأخِيرَةُ في الزَّمانِ الَّتِي وجَدَتْ ضَلالاتٍ مُقَرَّرَةً مُسْتَعْمَلَةً لِأُولاهُمُ الَّتِي شَرَعَتْ ذَلِكَ وافْتَرَتْ وسَلَكَتْ سَبِيلَ الضَّلالِ ابْتِداءً، أوْ أُخْراهم مَنزِلَةً ورُتْبَةً وهُمُ الأتْباعُ والسَّفِلَةُ لِأُولاهم مَنزِلَةً ورُتْبَةً وهُمُ القادَةُ المَتْبُوعُونَ، أوْ أُخْراهم في الدُّخُولِ إلى النّارِ وهُمُ الأتْباعُ لِأُولاهم دُخُولًا، وهُمُ القادَةُ، أقْوالٌ آخِرُها لِمُقاتِلٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: آخِرُ أُمَّةٍ لِأوَّلِ أُمَّةٍ، وأُخْرى هُنا بِمَعْنى آخِرَةٍ مُؤَنَّثُ آخَرَ، فَمُقابِلُ أوَّلِ لا مُؤَنَّثَ لَهُ، آخَرُ بِمَعْنى غَيْرِ لِقَوْلِهِ: ﴿وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] واللّامُ في لِأُولاهم لامُ السَّبَبِ، أيْ: لِأجْلِ أُولاهم؛ لِأنَّ خِطابَهم مَعَ اللَّهِ لا مَعَهم ﴿أضَلُّونا﴾ شَرَعُوا لَنا الضَّلالَ، أوْ جَعَلُونا نَضِلُّ وحَمَّلُونا عَلَيْهِ ضِعْفًا زائِدًا عَلى عَذابِنا إذْ هم كافِرُونَ ومُسَبِّبُو كُفْرِنا.
﴿قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾، أيْ: لِكُلٍّ مِنَ الأُخْرى والأُولى عَذابٌ، ولِلْأُولى عَذابٌ مُتَضاعِفٌ زائِدٌ إلى غَيْرِ نِهايَةٍ وذَلِكَ أنَّ العَذابَ مُؤَبَّدٌ، فَكُلُّ ألَمٍ يَعْقُبُهُ آخَرُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ لِلسّائِلِينَ، أيْ: لا تَعْلَمُونَ ما لِكُلِّ فَرِيقٍ مِنَ العَذابِ، أوْ لا تَعْلَمُونَ المَقادِيرَ وصُوَرَ العَذابِ. قِيلَ أوْ خِطابٌ لِأهْلِ الدُّنْيا، أيْ: ولَكِنْ يا أهْلَ الدُّنْيا لا تَعْلَمُونَ مِقْدارَ ذَلِكَ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ بِالياءِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا عَنِ الأُمَّةِ ويَكُونُ الضَّمِيرُ في (لا يَعْلَمُونَ) عائِدًا عَلى الأُمَّةِ الأخِيرَةِ الَّتِي طَلَبَتْ أنْ يُضَعَّفَ العَذابُ عَلى أُولاها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنِ الطّائِفَتَيْنِ، أيْ: لا يَعْلَمُ كُلُّ فَرِيقٍ قَدْرَ ما أُعِدَّ لَهُ مِنَ العَذابِ، أوْ قَدْرَ ما أُعِدَّ لِلْفَرِيقِ الآخَرِ مِنَ العَذابِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ الضِّعْفَ هُنا الأفاعِي والحَيّاتُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ رَدٌّ عَلى أُولَئِكَ السّائِلِينَ، وعَدَمُ إسْعافٍ لِما طَلَبُوا.
﴿وقالَتْ أُولاهم لِأُخْراهم فَما كانَ لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ . أيْ: قالَتِ الطّائِفَةُ المَتْبُوعَةُ لِلطّائِفَةِ المُتَّبِعَةِ، واللّامُ في ﴿لِأُخْراهُمْ﴾ لامُ التَّبْلِيغِ نَحْوُ قُلْتُ لَكَ اصْنَعْ كَذا؛ لِأنَّ الخِطابَ هو مَعَ أُخْراهم بِخِلافِ اللّامِ، أيْ: في ﴿لِأُولاهُمْ﴾ فَإنَّها كَما ذَكَرْنا لامُ السَّبَبِ؛ لِأنَّ الخِطابَ هُناكَ مَعَ اللَّهِ تَعالى، والمَعْنى: أنْتُمْ لا فَضْلَ لَكم عَلَيْنا ولَمْ تَزْدَجِرُوا حِينَ جاءَتْكُمُ الرُّسُلُ والنُّذُرُ، بَلْ دُمْتُمْ في كُفْرِكم، وتَرَكْتُمُ النَّظَرَ فاسْتَوَتْ حالُنا وحالُكم قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: قَدْ ثَبَتَ أنْ لا فَضْلَ لَكم عَلَيْنا، وأنّا مُتَساوُونَ في اسْتِحْقاقِ الضِّعْفِ، وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْنى ﴿مِن فَضْلٍ﴾ مِنَ التَّخْفِيفِ لِما قالَ اللَّهُ ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ قالَتِ الأُولى لِلْأُخْرى لَمْ تُبَلَّغُوا أمَلًا بِأنَّ عَذابَكم أخَفُّ مِن عَذابِنا ولا فُضِّلْتُمْ بِالإسْعافِ. انْتَهى. والفاءُ في ”فَما“ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَطَفُوا هَذا الكَلامَ عَلى قَوْلِ اللَّهِ تَعالى لِلسَّفِلَةِ ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ المَعْنى انْتِفاءُ كَوْنِ فُضِّلَ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّفِلَةِ في الدُّنْيا بِسَبَبِ اتِّباعِهِمْ إيّاهم ومُوافَقَتِهِمْ لَهم في الكُفْرِ، أيْ: اتِّباعُكم (p-٢٩٧)إيّانا وعَدَمُ اتِّباعِكم سَواءٌ؛ لِأنَّكم كُنْتُمْ في الدُّنْيا أقَلَّ عِنْدَنا مِن أنْ يَكُونَ لَكم عَلَيْنا فَضْلٌ بِاتِّباعِكم، بَلْ كَفَرْتُمُ اخْتِيارًا لا إنّا حَمَلْناكم عَلى ذَلِكَ إجْبارًا، وأنَّ قَوْلَهُ: (فَما) مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ بَعْدَ القَوْلِ دَلَّ عَلَيْها ما سَبَقَ مِنَ الكَلامِ، والتَّقْدِيرُ: قالَتْ أُولاهم لِأُخْراهم ما دُعاؤُكُمُ اللَّهَ بِأنّا أضْلَلْناكم وسُؤالُكم ما سَألْتُمْ فَما كانَ لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ بِضَلالِكم، وأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَذُوقُوا العَذابَ﴾ مِن كَلامِ الأُولى خِطابًا لِلْأُخْرى عَلى سَبِيلِ التَّشَفِّي مِنهم، وأنَّ ذَوْقَ العَذابِ هو بِما كَسَبَتْ مِنَ الآثامِ لا بِسَبَبِ دَعْواكم أنّا أضْلَلْناكم، وقِيلَ: (فَذُوقُوا) مِن خِطابِ اللَّهِ لِجَمِيعِهِمْ.
الأعراف 7:35
﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ والإثْمَ والبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وأنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ لَمّا لَبِسَ المُسْلِمُونَ الثِّيابَ وطافُوا بِالبَيْتِ عَيَّرَهُمُ المُشْرِكُونَ بِذَلِكَ وقالُوا اسْتَحَلُّوا الحُرُمَ فَنَزَلَتْ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ في أواخِرِ الأنْعامِ، وزِيدَ هُنا أقْوالٌ، أحَدُها: ﴿ما ظَهَرَ مِنها﴾ طَوافُ الرَّجُلِ بِالنَّهارِ عُرْيانًا ﴿وما بَطَنَ﴾ طَوافُها بِاللَّيْلِ عارِيَةً. قالَهُ التِّبْرِيزِيُّ، وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿ما ظَهَرَ﴾ طَوافُ الجاهِلِيَّةِ عُراةً ﴿وما بَطَنَ﴾ الزِّنا، وقِيلَ: ﴿ما ظَهَرَ﴾ الظُّلْمُ ﴿وما بَطَنَ﴾ السَّرِقَةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ: ﴿ما ظَهَرَ﴾ ما كانَتْ تَفْعَلُهُ الجاهِلِيَّةُ مِن نِكاحِ الأبْناءِ نِساءَ الآباءِ، والجَمْعُ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ، وأنْ يَنْكِحَ المَرْأةَ عَلى عَمَّتِها وخالَتِها ﴿وما بَطَنَ﴾ الزِّنا ﴿والإثْمَ﴾ عامٌّ يَشْمَلُ الأقْوالَ والأفْعالَ الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْها الإثْمُ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقِيلَ: هو صِغارُ الذُّنُوبِ، وقِيلَ: الخَمْرُ، وهَذا قَوْلٌ لا يَصِحُّ هُنا؛ لِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، ولَمْ تُحَرَّمِ الخَمْرُ إلّا بِالمَدِينَةِ بَعْدَ أُحُدٍ، وجَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ اصْطَحَبُوها يَوْمَ أُحُدٍ وماتُوا شُهَداءَ، وهي في أجْوافِهِمْ، وأمّا تَسْمِيَةُ الخَمْرِ إثْمًا، فَقِيلَ هو مِن قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎شَرِبْتُ الإثْمَ حَتّى زَلَّ عَقْلِي
وهُوَ بَيْتٌ مَصْنُوعٌ مُخْتَلَقٌ وإنْ صَحَّ فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: مُوجِبَ الإثْمِ، ولا يَدُلُّ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ (الإثْمَ) الخَمْرُ عَلى أنَّهُ مِن أسْمائِها إذْ يَكُونُ ذَلِكَ مِن إطْلاقِ المُسَبِّبِ عَلى السَّبَبِ، وأنْكَرَ أبُو العَبّاسِ أنْ يَكُونَ الإثْمُ مِن أسْماءِ الخَمْرِ وقالَ الفَضْلُ: الإثْمُ الخَمْرُ، وأنْشَدَ:
؎نَهانا رَسُولُ اللَّهِ أنْ نَقْرَبَ الخَنا ∗∗∗ وأنْ نَشْرَبَ الإثْمَ الَّذِي يُوجِبُ الوِزْرا
وأنْشَدَ الأصْمَعِيُّ أيْضًا:
؎ورُحْتُ حَزِينًا ذاهِلَ العَقْلِ بَعْدَهم ∗∗∗ كَأنِّي شَرِبْتُ الإثْمَ أوْ مَسَّنِي خَبَلُ
قالَ: وقَدْ تُسَمّى الخَمْرُ إثْمًا، وأنْشَدَ:
؎شَرِبْتُ الإثْمَ حَتّى زَلَّ عَقْلِي
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والفَرّاءُ: البَغْيُ الِاسْتِطالَةُ، وقالَ الحَسَنُ: السُّكْرُ مِن كُلِّ شَرابٍ، وقالَ ثَعْلَبٌ: تَكَلُّمُ الرَّجُلِ في الرَّجُلِ بِغَيْرِ الحَقِّ إلّا أنْ يَنْتَصِرَ مِنهُ بِحَقٍّ، وقِيلَ: الظُّلْمُ والكِبْرُ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ وأفْرَدُوهُ بِالذِّكْرِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبَغْيِ﴾ [النحل: ٩٠] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿البَغْيُ﴾ [الشورى: ٣٩] التَّعَدِّي وتَجاوُزُ الحَدِّ مُبْتَدِئًا كانَ، أوْ مُنْتَصِرًا، وقَوْلُهُ: ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ زِيادَةُ بَيانٍ ولَيْسَ يُتَصَوَّرُ بَغْيٌ بِحَقٍّ؛ لِأنَّ ما كانَ بِحَقٍّ لا يُسَمّى بَغْيًا، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ في الأنْعامِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِيهِ تَهَكُّمٌ؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُنَزِّلَ بُرْهانًا بِأنْ يُشْرِكَ بِهِ غَيْرَهُ ما لا تَعْلَمُونَ مِن تَحْرِيمِ البَحائِرِ وغَيْرِها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أرادَ بِذَلِكَ أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، وقِيلَ: قَوْلُهم أنَّهُ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ مَآكِلَ ومَلابِسَ ومَشارِبَ في الإحْرامِ مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ.
﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ هَذا وعِيدٌ لِأهْلِ مَكَّةَ بِالعَذابِ النّازِلِ في أجَلٍ مَعْلُومٍ عِنْدَ اللَّهِ كَما نَزَلَ بِالأُمَمِ، أيْ: أجَلٌ مُؤَقَّتٌ لِمَجِيءِ العَذابِ إذا خالَفُوا أمْرَ رَبِّهِمْ، فَأنْتُمْ أيَّتُها الأُمَّةُ كَذَلِكَ، (p-٢٩٣)وقِيلَ: الأجَلُ هُنا أجَلُ الدُّنْيا، التَّقْدِيرُ لِلْأُمَمِ كُلِّها أجَلٌ، أيْ: يُقْدِمُونَ فِيهِ عَلى ما قَدَّمُوا مِن عَمَلٍ، وقِيلَ: الأجَلُ مُدَّةُ العُمْرِ، والتَّقْدِيرُ: ولِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الأُمَّةِ عُمْرٌ يَنْتَهِي إلَيْهِ بَقاؤُهُ في الدُّنْيا، وإذا ماتَ عَلِمَ ما كانَ عَلَيْهِ مِن حَقٍّ، أوْ باطِلٍ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أيُّ فِرْقَةٍ وجَماعَةٍ، وهي لَفْظَةٌ تُسْتَعْمَلُ في الكَثِيرِ مِنَ النّاسِ، وقالَ غَيْرُهُ: والأُمَّةُ الجَماعَةُ قَلُّوا، أوْ كَثُرُوا، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ كَقَوْلِهِ في قُسِّ بْنِ ساعِدَةَ: «يُبْعَثُ يَوْمَ القِيامَةِ أُمَّةً وحْدَهُ»، وأفْرَدَ الأجَلَ؛ لِأنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، أوْ لِتَقارُبِ أعْمالِ أهْلِ كُلِّ عَصْرٍ، أوْ لِكَوْنِ التَّقْدِيرِ: لِكُلِّ واحِدٍ مِن أُمَّةٍ، وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ سِيرِينَ: فَإذا جاءَ آجالُهم، بِالجَمْعِ، وقالَ: ساعَةً؛ لِأنَّها أقَلُّ الأوْقاتِ في اسْتِعْمالِ النّاسِ، يَقُولُ المُسْتَعْجِلُ لِصاحِبِهِ في ساعَةٍ يُرِيدُ في أقْصَرِ وقْتٍ وأقْرَبِهِ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَفْظٌ عُنِيَ بِهِ الجُزْءُ القَلِيلُ مِنَ الزَّمانِ، والمُرادُ جَمْعُ أجْزائِهِ. انْتَهى. والمُضارِعُ المَنفِيُّ بِلا إذا وقَعَ في الظّاهِرِ جَوابًا لِإذا يَجُوزُ أنْ يُتَلَقّى بِفاءِ الجَزاءِ، ويَجُوزَ أنْ لا يُتَلَقّى بِها ويَنْبَغِي أنْ يُعْتَقَدَ أنَّ بَيْنَ الفاءِ والفِعْلِ مُبْتَدَأً مَحْذُوفًا، وتَكُونُ الجُمْلَةُ إذْ ذاكَ اسْمِيَّةً، والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ إذا وقَعَتْ جَوابًا لِإذا فَلا بُدَّ فِيها مِنَ الفاءِ، أوْ إذا الفُجائِيَّةِ، قالَ بَعْضُهم: ودَخَلَتِ الفاءُ عَلى إذا حَيْثُ وقَعَ إلّا في يُونُسَ؛ لِأنَّها عَطَفَتْ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ بَيْنَهُما اتِّصالٌ وتَعْقِيبٌ فَكانَ المَوْضِعُ مَوْضِعَ الفاءِ، وما في يُونُسَ يَأْتِي في مَوْضِعِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ. انْتَهى. وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ . انْتَهى. وهَذا لا يُمْكِنُ؛ لِأنَّ إذا شَرْطِيَّةٌ، فالَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْها إنَّما هو مُسْتَقْبَلٌ ولا يَتَرَتَّبُ عَلى مَجِيءِ الأجَلِ في المُسْتَقْبَلِ إلّا مُسْتَقْبَلٌ، وذَلِكَ يُتَصَوَّرُ في انْتِفاءِ الِاسْتِئْخارِ لا في انْتِفاءِ الِاسْتِقْدامِ؛ لِأنَّ الِاسْتِقْدامَ سابِقٌ عَلى مَجِيءِ الأجَلِ في الِاسْتِقْبالِ، فَيَصِيرُ نَظِيرَ قَوْلِكَ إذا قُمْتَ في المُسْتَقْبَلِ لَمْ يَتَقَدَّمْ قِيامُكَ في الماضِي، ومَعْلُومٌ أنَّهُ إذا قامَ في المُسْتَقْبَلِ لَمْ يَتَقَدَّمْ قِيامُهُ هَذا في الماضِي، وهَذا شَبِيهٌ بِقَوْلِ زُهَيْرٍ:
؎بَدا لِيَ أنِّي لَسْتُ مُدْرِكَ ما مَضى ∗∗∗ ولا سابِقًا شَيْئًا إذا كانَ جائِيًا
ومَعْلُومٌ أنَّ الشَّيْءَ إذا كانَ جائِيًا إلَيْهِ لا يَسْبِقُهُ، والَّذِي تُخَرَّجُ عَلَيْهِ الآيَةُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ مُنْقَطِعٌ مِنَ الجَوابِ عَلى سَبِيلِ اسْتِئْنافِ إخْبارٍ، أيْ: لا يَسْتَقْدِمُونَ الأجَلَ، أيْ: لا يَسْبِقُونَهُ، وصارَ مَعْنى الآيَةِ أنَّهم لا يَسْبِقُونَ الأجَلَ ولا يَتَأخَّرُونَ عَنْهُ.
﴿يابَنِي آدَمَ إمّا يَأْتِيَنَّكم رُسُلٌ مِنكم يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ . هَذا الخِطابُ لِبَنِي آدَمَ. قِيلَ: هو في الأوَّلِ، وقِيلَ: هو مُراعًى بِهِ وقْتَ الإنْزالِ، وجاءَ بِصُورَةِ الِاسْتِقْبالِ لِتَقْوى الإشارَةُ بِصِحَّةِ النُّبُوَّةِ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ وما في إمّا تَأْكِيدٌ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإذا لَمْ يَكُنْ ما لَمْ يُجِزْ دُخُولَ النُّونِ الثَّقِيلَةِ. انْتَهى. وبَعْضُ النَّحْوِيِّينَ يُجِيزُ ذَلِكَ وجَوابُ الشَّرْطِ ﴿فَمَنِ اتَّقى﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَن شُرْطِيَّةً، وجَوابُهُ ﴿فَلا خَوْفٌ﴾ وتَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ مُسْتَقِلَّةً بِجَوابِ الشَّرْطِ الأوَّلِ مِن جِهَةِ اللَّفْظِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَن مَوْصُولَةً، فَتَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ والَّتِي بَعْدَها مِن قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ مَجْمُوعُهُما هو جَوابُ الشَّرْطِ، وكَأنَّهُ قَصَدَ بِالكَلامِ التَّقْسِيمَ وجُعِلَ القِسْمانِ جَوابًا لِلشَّرْطِ، أيْ: ﴿إمّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ فالمُتَّقُونَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ والمُكَذِّبُونَ أصْحابُ النّارِ فَثَمَرَةُ إتْيانِ الرُّسُلِ وفائِدَتِهِ هَذا، وتَضَمَّنَ قَوْلُهُ: ﴿فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ﴾ سَبْقَ الإيمانِ، إذِ التَّقْوى والإصْلاحُ هُما ناشِئانِ عَنْهُ وجاءَ في قَسَمِهِ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ والتَّكْذِيبُ هو بُدُوُّ الشَّقاوَةِ إذْ لا يَنْشَأُ عَنْهُ إلّا الِانْهِماكُ والإفْسادُ وقالَ، بَلِ الإصْلاحُ بِالِاسْتِكْبارِ؛ لِأنَّ إصْلاحَ العَمَلِ مِن نَتِيجَةِ التَّقْوى، والِاسْتِكْبارُ مِن نَتِيجَةِ التَّكْذِيبِ، وهو التَّعاظُمُ فَلَمْ يَكُونُوا لِيَتَّبِعُوا الرُّسُلَ فِيما جاءُوا بِهِ ولا يَقْتَدُوا بِما أُمِرُوا بِهِ؛ لِأنَّ مَن كَذَّبَ بِالشَّيْءِ نَأى بِنَفْسِهِ عَنِ اتِّباعِهِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هاتانِ حالَتانِ تَعُمُّ جَمِيعَ مَن (p-٢٩٤)يَصُدُّ عَنْ رِسالَةِ الرَّسُولِ إمّا أنْ يُكَذِّبَ بِحَسَبِ اعْتِقادِهِ أنَّهُ كَذَّبَ، وإمّا أنْ يَسْتَكْبِرَ فَيُكَذِّبَ، وإنْ كانَ غَيْرَ مُصَمِّمٍ في اعْتِقادِهِ عَلى التَّكْذِيبِ، وهَذا نَحْوُ: الكُفْرُ عِنادٌ. انْتَهى. وتَضَمَّنَتِ الجُمْلَتانِ حَذْفَ رابِطٍ، وتَقْدِيرُهُ: فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ مِنكم، والَّذِينَ كَذَّبُوا مِنكم، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿فَلا خَوْفٌ﴾ و﴿أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ﴾ الجُمْلَتانِ، وقَرَأ أُبَيٌّ، والأعْرَجُ إمّا تَأْتِيَنَّكم بِالتّاءِ عَلى تَأْنِيثِ الجَماعَةِ و﴿يَقُصُّونَ﴾ مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى إذْ ذاكَ إذْ لَوْ حُمِلَ عَلى اللَّفْظِ لَكانَ تَقُصُّ.
﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولَئِكَ يَنالُهم نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ﴾ لَمّا ذَكَرَ المُكَذِّبِينَ ذَكَرَ أسْوَأ حالًا مِنهم، وهو مَن يَفْتَرِي الكَذِبَ عَلى اللَّهِ وذَكَرَ أيْضًا مَن كَذَّبَ بِآياتِهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ: ما كُتِبَ لَهم مِنَ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، ولا يُناسِبُ هَذا التَّفْسِيرُ الجُمْلَةَ الَّتِي بَعْدَ هَذا، وقالَ الحَسَنُ: ما كُتِبَ لَهم مِنَ العَذابِ، وقالَ الرَّبِيعُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ زَيْدٍ: ما سَبَقَ لَهم في أُمِّ الكِتابِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، ومُجاهِدٌ أيْضًا، وقَتادَةُ: ما كَتَبَ الحَفَظَةُ في صَحائِفِ النّاسِ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، فَيُقالُ: هَذا نَصِيبُهم مِن ذَلِكَ وهو الكُفْرُ والمَعاصِي، وقالَ الحَكَمُ، وأبُو صالِحٍ ما كُتِبَ لَهم مِنَ الأرْزاقِ والأعْمارِ والخَيْرِ والشَّرِّ في الدُّنْيا. وقالَ الضَّحّاكُ: ما كُتِبَ لَهم مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، والضَّحّاكُ أيْضًا، ومُجاهِدٌ ما كُتِبَ لَهم مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: ما كُتِبَ لَهم مِنَ الضَّلالَةِ والهُدى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: ما كُتِبَ لَهم مِنَ الأعْمالِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ: مِنَ الكِتابِ يُرادُ بِهِ مِنَ القُرْآنِ وحَظُّهم فِيهِ سَوادُ وُجُوهِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، وقِيلَ: ما أوْجَبَ مِن حِفْظِ عُهُودِهِمْ إذا أعْطُوا الجِزْيَةَ. وقالَ الحَسَنُ، والسُّدِّيُّ، وأبُو صالِحٍ: مِنَ المُقَرَّرِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وقَدْ تَقَرَّرَ في الشَّرْعِ أنَّ حَظَّهم فِيهِ العَذابُ والسُّخْطُ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ الَّذِي كُتِبَ لَهم في الدُّنْيا مِن رِزْقٍ وأجَلٍ، وغَيْرِهِما يَنالُهم فِيها، ولِذَلِكَ جاءَتِ التَّغْيِيَةُ بَعْدَ هَذا بـِ حَتّى، وإلى هَذا المَعْنى نَحا الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: أيْ ما كَتَبَ لَهم مِنَ الأرْزاقِ والأعْمالِ.
﴿حَتّى إذا جاءَتْهم رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهم قالُوا أيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾ . تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿حَتّى إذا﴾ في أوائِلِ الأنْعامِ، ووَقَعَ في التَّحْرِيرِ (حَتّى) هُنا لَيْسَ بِغايَةٍ، بَلْ هي ابْتِداءٌ وجَرٌّ، والجُمْلَةُ بَعْدَها في مَوْضِعِ جَرٍّ، وهَذا وهْمٌ، بَلْ مَعْناهاهُنا الغايَةُ والخِلافُ فِيها إذا كانَتْ حَرْفَ ابْتِداءٍ أهِيَ حَرْفُ جَرٍّ، والجُمْلَةُ بَعْدَها في مَوْضِعِ جَرٍّ وتَتَعَلَّقُ بِما قَبْلَها كَما تَتَعَلَّقُ حُرُوفُ الجَرِّ، أمْ لَيْسَتْ حَرْفَ جَرٍّ ولا تَتَعَلَّقُ بِما قَبْلَها تَعَلُّقَ حُرُوفِ الجَرِّ مِن حَيْثُ المَعْنى لا مِن حَيْثُ الإعْرابِ ؟ قَوْلانِ: الأوَّلُ لِابْنِ دُرُسْتَوَيْهِ، والزَّجّاجِ، والثّانِي لِلْجُمْهُورِ. وإذا كانَتْ حَرْفَ ابْتِداءٍ، فَهي لِلْغايَةِ ألا تَراها في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎سَرَيْتُ بِهِمْ حَتّى تَكِلَّ مَطِيُّهم ∗∗∗ وحَتّى الجِيادُ ما يُقَدْنَ بِأرْسانِ
وقَوْلِ الآخَرِ:
؎فَما زالَتِ القَتْلى تَمُجُّ دِماءُها ∗∗∗ بِدِجْلَةَ حَتّى ماءُ دِجْلَةَ أشْكَلُ
تُفِيدُ الغايَةَ؛ لِأنَّ المَعْنى أنَّهُ مَدَّ هَمَّهم في السَّيْرِ إلى كَلالِ المَطِيِّ والجِيادِ ومَجَّتِ الدِّماءُ إلى تَغْيِيرِ ماءِ دِجْلَةَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهي حَتّى الَّتِي يُبْتَدَأُ بَعْدَها الكَلامُ. انْتَهى. وقالَ الحَوْفِيُّ: وحَتّى غايَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِيَنالُهم، فَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ أنْ يُرِيدَ التَّعَلُّقَ الصِّناعِيَّ، وأنْ يُرِيدَ التَّعَلُّقَ المَعْنَوِيَّ، والمَعْنى: أنَّهم يَنالُهم حَظُّهم مِمّا كُتِبَ لَهم إلى أنْ يَأْتِيَهم رُسُلُ المَوْتِ يَقْبِضُونَ أرْواحَهم فَيَسْألُونَهم سُؤالَ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيرٍ أيْنَ (p-٢٩٥)مَعْبُوداتُكم مَن دُونِ اللَّهِ ؟ فَيُجِيبُونَ بِأنَّهم حادُوا عَنّا وأخَذُوا طَرِيقًا غَيْرَ طَرِيقِنا، أوْ ضَلُّوا عَنّا هَلَكُوا واضْمَحَلُّوا، والرُّسُلُ مَلَكُ المَوْتِ وأعْوانُهُ، ويَتَوَفَّوْنَهم في مَوْضِعِ الحالِ، وكُتِبَتْ أيْنَما مُتَّصِلَةً وكانَ قِياسُهُ كِتابَتَها بِالِانْفِصالِ؛ لِأنَّ ما مَوْصُولَةٌ كَهي في ﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ﴾ [الأنعام: ١٣٤] إذِ التَّقْدِيرُ: أيْنَ الآلِهَةُ الَّتِي كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ؟ وقِيلَ: مَعْنى (تَدْعُونَ)، أيْ: تَسْتَغِيثُونَهم لِقَضاءِ حَوائِجِكم وما ذَكَرْناهُ مِن أنَّ هَذِهِ المُحاوَرَةَ بَيْنَ المَلائِكَةِ وهَؤُلاءِ تَكُونُ وقْتَ المَوْتِ، وأنَّ التَّوَفِّيَ هو بِقَبْضِ الأرْواحِ، هو قَوْلُ المُفَسِّرِينَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنهُمُ الحَسَنُ: (الرُّسُلُ) مَلائِكَةُ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ، والمُحاوَرَةُ في ذَلِكَ اليَوْمِ ومَعْنى ﴿يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ يَسْتَوْفُونَهم عَدَدًا في السَّوْقِ إلى جَهَنَّمَ ونَيْلِ النَّصِيبِ عَلى هَذا إنَّما هو في الآخِرَةِ إذْ لَوْ كانَ في الدُّنْيا لَما تَحَقَّقَتِ الغايَةُ لِانْقِطاعِ النَّيْلِ قَبْلَها بِمَدَدٍ كَثِيرَةٍ، ويُحْتَمَلُ (وشَهِدُوا) أنْ يَكُونَ مَقْطُوعًا عَلى (قالُوا) فَيَكُونُ مِن جُمْلَةِ جَوابِ السُّؤالِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافَ إخْبارٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِإقْرارِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ، ولا تَعارُضَ بَيْنَ هَذا وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] لِاحْتِمالِ ذَلِكَ مِن طَوائِفَ مُخْتَلِفَةٍ، أوْ في أوْقاتٍ، وجَوابُ سُؤالِهِمْ لَيْسَ مُطابِقًا مِن جِهَةِ اللَّفْظِ؛ لِأنَّهُ سُؤالٌ عَنْ مَكانٍ، وأُجِيبَ بِفِعْلٍ وهو مُطابِقٌ مِن جِهَةِ المَعْنى إذْ تَقْدِيرُ السُّؤالِ: ما فَعَلَ مَعْبُودُوكم مِن دُونِ اللَّهِ مَعَكم ؟ ﴿قالُوا ضَلُّوا عَنّا﴾ .
﴿قالَ ادْخُلُوا في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم مِنَ الجِنِّ والإنْسِ في النّارِ﴾ . أيْ: يَقُولُ اللَّهُ لَهم، أيْ: لِكُفّارِ العَرَبِ وهُمُ المُفْتَرُونَ الكَذِبَ والمُكَذِّبُونَ بِالآياتِ وذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، وعَبَّرَ بِالماضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، وقَوْلُهُ ذَلِكَ عَلى لِسانِ المَلائِكَةِ ويَتَعَلَّقُ ﴿فِي أُمَمٍ﴾ في الظّاهِرِ بـِ ادْخُلُوا، والمَعْنى: في جُمْلَةِ أُمَمٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ فَيَكُونُ في مَوْضِعِ الحالِ و﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ﴾، أيْ: تَقَدَّمَتْكم في الحَياةِ الدُّنْيا، أوْ تَقَدَّمَتْكم، أيْ: تَقَدَّمَ دُخُولُها في النّارِ وقَدَّمَ الجِنَّ؛ لِأنَّهُمُ الأصْلُ في الإغْواءِ والإضْلالِ ودَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ عُصاةَ الجِنِّ يَدْخُلُونَ النّارَ، وفي النّارِ مُتَعَلِّقٌ بِخَلَتْ عَلى أنَّ المَعْنى تَقَدَّمَ دُخُولُها، أوْ بِمَحْذُوفٍ وهو صِفَةٌ لِأُمَمٍ، أيْ: في أُمَمٍ سابِقَةٍ في الزَّمانِ كائِنَةٍ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ كائِنَةً في النّارِ، أوْ بـِ ”ادْخُلُوا“ عَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ في بِمَعْنى مَعَ، وقَدْ قالَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ فاخْتَلَفَ مَدْلُولُ في إذِ الأُولى تُفِيدُ الصُّحْبَةَ، والثّانِيَةُ تُفِيدُ الظَّرْفِيَّةَ وإذا اخْتَلَفَ مَدْلُولُ الحَرْفِ جازَ أنْ يَتَعَلَّقَ اللَّفْظانِ بِفِعْلٍ واحِدٍ ويَكُونُ إذْ ذاكَ (ادْخُلُوا) قَدْ تَعَدّى إلى الظَّرْفِ المُخْتَصِّ بِفي وهو الأصْلُ وإنْ كانَ قَدْ تَعَدّى في مَوْضِعٍ آخَرَ بِنَفْسِهِ لا بِوَساطَةِ في كَقَوْلِهِ: وقِيلَ ادْخُلا النّارَ ﴿ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ﴾ [الزمر: ٧٢] ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في باقِيَةً عَلى مَدْلُولِها مِنَ الظَّرْفِيَّةِ و﴿فِي النّارِ﴾ كَذَلِكَ ويَتَعَلَّقانِ بِلَفْظِ (ادْخُلُوا) وذَلِكَ عَلى أنْ يَكُونَ ﴿فِي النّارِ﴾ بَدَلَ اشْتِمالٍ كَقَوْلِهِ: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤] ﴿النّارِ﴾ [البروج: ٥]، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَدّى الفِعْلُ إلى حَرْفَيْ جَرٍّ بِمَعْنًى واحِدٍ عَلى طَرِيقَةِ البَدَلِ.
﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ (كُلَّما) لِلتَّكْرارِ ولا يَسْتَوِي ذَلِكَ في الأُمَّةِ الأُولى، فاللّاحِقَةُ تَلْعَنُ السّابِقَةَ، أوْ يَلْعَنُ بَعْضُ الأُمَّةِ الدّاخِلَةِ بَعْضَها، ومَعْنى ﴿أُخْتَها﴾، أيْ: في الدِّينِ، والمَعْنى: كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى وعَبَدَةِ الأوْثانِ، وغَيْرِهِمْ مِنَ الكُفّارِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿أُخْتَها﴾ الَّتِي ضَلَّتْ بِالِاقْتِداءِ بِها. انْتَهى.، والمَعْنى: أنَّ أهْلَ النّارِ يَلْعَنُ بَعْضُهم بَعْضًا، ويُعادِي بَعْضُهم بَعْضًا، ويَكْفُرُ بَعْضُهم بِبَعْضٍ، كَما جاءَ في آياتٍ أُخَرَ.
﴿حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا قالَتْ أُخْراهم لِأُولاهم رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ (p-٢٩٦)(حَتّى) غايَةٌ لِما قَبْلَها، والمَعْنى: أنَّهم يَدْخُلُونَ فَوْجًا فَفَوْجًا لاعِنًا بَعْضُهم بَعْضًا إلى انْتِهاءِ تَدارُكِهِمْ وتَلاحُقِهِمْ في النّارِ واجْتِماعِهِمْ فِيها، وأصْلُ ﴿ادّارَكُوا﴾ تَدارَكُوا أُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ فاجْتُلِبَتْ هَمْزَةُ الوَصْلِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ أبُو عَمْرٍو أدّارَكُوا بِقَطْعِ ألِفِ الوَصْلِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: هَذا مُشْكِلٌ ولا يُسَوَّغُ أنْ يَقْطَعَها ارْتِجالًا فَذَلِكَ إنَّما يَجِيءُ شاذًّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ في الِاسْمِ أيْضًا، لَكِنَّهُ وقَفَ مِثْلَ وقْفَةِ المُسْتَنْكِرِ، ثُمَّ ابْتَدَأ فَقَطَعَ، وقَرَأ مُجاهِدٌ بِقَطْعِ الألِفِ وسُكُونِ الدّالِ، وفَتْحِ الرّاءِ بِمَعْنى أدْرَكَ بَعْضُهم بَعْضًا، وقَرَأ حُمَيْدٌ: أُدْرِكُوا بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِ الرّاءِ، أيْ: أُدْخِلُوا في إدْراكِها، وقالَ مَكِّيٌّ في قِراءَةِ مُجاهِدٍ: إنَّها ادَّرَكُوا بِشَدِّ الدّالِ المَفْتُوحَةِ وفَتْحِ الرّاءِ، قالَ: وأصْلُها ادْتَرَكُوا وزْنُها افْتَعَلُوا، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ والأعْمَشُ تَدارَكُوا ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عُمَرَ. انْتَهى. وقالَ أبُو البَقاءِ: وقُرِئَ ”إذا ادّارَكُوا“ بِألِفٍ واحِدَةٍ ساكِنَةٍ والدّالُ بَعْدَها مُشَدَّدَةٌ، وهو جَمْعٌ بَيْنَ ساكِنَيْنِ، وجازَ في المُنْفَصِلِ كَما جازَ في المُتَّصِلِ، وقَدْ قالَ بَعْضُهم: اثْنا عَشَرَ بِإثْباتِ الألِفِ وسُكُونِ العَيْنِ. انْتَهى. ويَعْنِي بِقَوْلِهِ: كَما جازَ في المُتَّصِلِ نَحْوِ الضّالِّينَ وجانٍّ وأُخْراهم: الأُمَّةُ الأخِيرَةُ في الزَّمانِ الَّتِي وجَدَتْ ضَلالاتٍ مُقَرَّرَةً مُسْتَعْمَلَةً لِأُولاهُمُ الَّتِي شَرَعَتْ ذَلِكَ وافْتَرَتْ وسَلَكَتْ سَبِيلَ الضَّلالِ ابْتِداءً، أوْ أُخْراهم مَنزِلَةً ورُتْبَةً وهُمُ الأتْباعُ والسَّفِلَةُ لِأُولاهم مَنزِلَةً ورُتْبَةً وهُمُ القادَةُ المَتْبُوعُونَ، أوْ أُخْراهم في الدُّخُولِ إلى النّارِ وهُمُ الأتْباعُ لِأُولاهم دُخُولًا، وهُمُ القادَةُ، أقْوالٌ آخِرُها لِمُقاتِلٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: آخِرُ أُمَّةٍ لِأوَّلِ أُمَّةٍ، وأُخْرى هُنا بِمَعْنى آخِرَةٍ مُؤَنَّثُ آخَرَ، فَمُقابِلُ أوَّلِ لا مُؤَنَّثَ لَهُ، آخَرُ بِمَعْنى غَيْرِ لِقَوْلِهِ: ﴿وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] واللّامُ في لِأُولاهم لامُ السَّبَبِ، أيْ: لِأجْلِ أُولاهم؛ لِأنَّ خِطابَهم مَعَ اللَّهِ لا مَعَهم ﴿أضَلُّونا﴾ شَرَعُوا لَنا الضَّلالَ، أوْ جَعَلُونا نَضِلُّ وحَمَّلُونا عَلَيْهِ ضِعْفًا زائِدًا عَلى عَذابِنا إذْ هم كافِرُونَ ومُسَبِّبُو كُفْرِنا.
﴿قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾، أيْ: لِكُلٍّ مِنَ الأُخْرى والأُولى عَذابٌ، ولِلْأُولى عَذابٌ مُتَضاعِفٌ زائِدٌ إلى غَيْرِ نِهايَةٍ وذَلِكَ أنَّ العَذابَ مُؤَبَّدٌ، فَكُلُّ ألَمٍ يَعْقُبُهُ آخَرُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ لِلسّائِلِينَ، أيْ: لا تَعْلَمُونَ ما لِكُلِّ فَرِيقٍ مِنَ العَذابِ، أوْ لا تَعْلَمُونَ المَقادِيرَ وصُوَرَ العَذابِ. قِيلَ أوْ خِطابٌ لِأهْلِ الدُّنْيا، أيْ: ولَكِنْ يا أهْلَ الدُّنْيا لا تَعْلَمُونَ مِقْدارَ ذَلِكَ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ بِالياءِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا عَنِ الأُمَّةِ ويَكُونُ الضَّمِيرُ في (لا يَعْلَمُونَ) عائِدًا عَلى الأُمَّةِ الأخِيرَةِ الَّتِي طَلَبَتْ أنْ يُضَعَّفَ العَذابُ عَلى أُولاها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنِ الطّائِفَتَيْنِ، أيْ: لا يَعْلَمُ كُلُّ فَرِيقٍ قَدْرَ ما أُعِدَّ لَهُ مِنَ العَذابِ، أوْ قَدْرَ ما أُعِدَّ لِلْفَرِيقِ الآخَرِ مِنَ العَذابِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ الضِّعْفَ هُنا الأفاعِي والحَيّاتُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ رَدٌّ عَلى أُولَئِكَ السّائِلِينَ، وعَدَمُ إسْعافٍ لِما طَلَبُوا.
﴿وقالَتْ أُولاهم لِأُخْراهم فَما كانَ لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ . أيْ: قالَتِ الطّائِفَةُ المَتْبُوعَةُ لِلطّائِفَةِ المُتَّبِعَةِ، واللّامُ في ﴿لِأُخْراهُمْ﴾ لامُ التَّبْلِيغِ نَحْوُ قُلْتُ لَكَ اصْنَعْ كَذا؛ لِأنَّ الخِطابَ هو مَعَ أُخْراهم بِخِلافِ اللّامِ، أيْ: في ﴿لِأُولاهُمْ﴾ فَإنَّها كَما ذَكَرْنا لامُ السَّبَبِ؛ لِأنَّ الخِطابَ هُناكَ مَعَ اللَّهِ تَعالى، والمَعْنى: أنْتُمْ لا فَضْلَ لَكم عَلَيْنا ولَمْ تَزْدَجِرُوا حِينَ جاءَتْكُمُ الرُّسُلُ والنُّذُرُ، بَلْ دُمْتُمْ في كُفْرِكم، وتَرَكْتُمُ النَّظَرَ فاسْتَوَتْ حالُنا وحالُكم قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: قَدْ ثَبَتَ أنْ لا فَضْلَ لَكم عَلَيْنا، وأنّا مُتَساوُونَ في اسْتِحْقاقِ الضِّعْفِ، وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْنى ﴿مِن فَضْلٍ﴾ مِنَ التَّخْفِيفِ لِما قالَ اللَّهُ ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ قالَتِ الأُولى لِلْأُخْرى لَمْ تُبَلَّغُوا أمَلًا بِأنَّ عَذابَكم أخَفُّ مِن عَذابِنا ولا فُضِّلْتُمْ بِالإسْعافِ. انْتَهى. والفاءُ في ”فَما“ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَطَفُوا هَذا الكَلامَ عَلى قَوْلِ اللَّهِ تَعالى لِلسَّفِلَةِ ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ المَعْنى انْتِفاءُ كَوْنِ فُضِّلَ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّفِلَةِ في الدُّنْيا بِسَبَبِ اتِّباعِهِمْ إيّاهم ومُوافَقَتِهِمْ لَهم في الكُفْرِ، أيْ: اتِّباعُكم (p-٢٩٧)إيّانا وعَدَمُ اتِّباعِكم سَواءٌ؛ لِأنَّكم كُنْتُمْ في الدُّنْيا أقَلَّ عِنْدَنا مِن أنْ يَكُونَ لَكم عَلَيْنا فَضْلٌ بِاتِّباعِكم، بَلْ كَفَرْتُمُ اخْتِيارًا لا إنّا حَمَلْناكم عَلى ذَلِكَ إجْبارًا، وأنَّ قَوْلَهُ: (فَما) مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ بَعْدَ القَوْلِ دَلَّ عَلَيْها ما سَبَقَ مِنَ الكَلامِ، والتَّقْدِيرُ: قالَتْ أُولاهم لِأُخْراهم ما دُعاؤُكُمُ اللَّهَ بِأنّا أضْلَلْناكم وسُؤالُكم ما سَألْتُمْ فَما كانَ لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ بِضَلالِكم، وأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَذُوقُوا العَذابَ﴾ مِن كَلامِ الأُولى خِطابًا لِلْأُخْرى عَلى سَبِيلِ التَّشَفِّي مِنهم، وأنَّ ذَوْقَ العَذابِ هو بِما كَسَبَتْ مِنَ الآثامِ لا بِسَبَبِ دَعْواكم أنّا أضْلَلْناكم، وقِيلَ: (فَذُوقُوا) مِن خِطابِ اللَّهِ لِجَمِيعِهِمْ.
الأعراف 7:36
﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ والإثْمَ والبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وأنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ لَمّا لَبِسَ المُسْلِمُونَ الثِّيابَ وطافُوا بِالبَيْتِ عَيَّرَهُمُ المُشْرِكُونَ بِذَلِكَ وقالُوا اسْتَحَلُّوا الحُرُمَ فَنَزَلَتْ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ في أواخِرِ الأنْعامِ، وزِيدَ هُنا أقْوالٌ، أحَدُها: ﴿ما ظَهَرَ مِنها﴾ طَوافُ الرَّجُلِ بِالنَّهارِ عُرْيانًا ﴿وما بَطَنَ﴾ طَوافُها بِاللَّيْلِ عارِيَةً. قالَهُ التِّبْرِيزِيُّ، وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿ما ظَهَرَ﴾ طَوافُ الجاهِلِيَّةِ عُراةً ﴿وما بَطَنَ﴾ الزِّنا، وقِيلَ: ﴿ما ظَهَرَ﴾ الظُّلْمُ ﴿وما بَطَنَ﴾ السَّرِقَةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ: ﴿ما ظَهَرَ﴾ ما كانَتْ تَفْعَلُهُ الجاهِلِيَّةُ مِن نِكاحِ الأبْناءِ نِساءَ الآباءِ، والجَمْعُ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ، وأنْ يَنْكِحَ المَرْأةَ عَلى عَمَّتِها وخالَتِها ﴿وما بَطَنَ﴾ الزِّنا ﴿والإثْمَ﴾ عامٌّ يَشْمَلُ الأقْوالَ والأفْعالَ الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْها الإثْمُ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقِيلَ: هو صِغارُ الذُّنُوبِ، وقِيلَ: الخَمْرُ، وهَذا قَوْلٌ لا يَصِحُّ هُنا؛ لِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، ولَمْ تُحَرَّمِ الخَمْرُ إلّا بِالمَدِينَةِ بَعْدَ أُحُدٍ، وجَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ اصْطَحَبُوها يَوْمَ أُحُدٍ وماتُوا شُهَداءَ، وهي في أجْوافِهِمْ، وأمّا تَسْمِيَةُ الخَمْرِ إثْمًا، فَقِيلَ هو مِن قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎شَرِبْتُ الإثْمَ حَتّى زَلَّ عَقْلِي
وهُوَ بَيْتٌ مَصْنُوعٌ مُخْتَلَقٌ وإنْ صَحَّ فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: مُوجِبَ الإثْمِ، ولا يَدُلُّ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ (الإثْمَ) الخَمْرُ عَلى أنَّهُ مِن أسْمائِها إذْ يَكُونُ ذَلِكَ مِن إطْلاقِ المُسَبِّبِ عَلى السَّبَبِ، وأنْكَرَ أبُو العَبّاسِ أنْ يَكُونَ الإثْمُ مِن أسْماءِ الخَمْرِ وقالَ الفَضْلُ: الإثْمُ الخَمْرُ، وأنْشَدَ:
؎نَهانا رَسُولُ اللَّهِ أنْ نَقْرَبَ الخَنا ∗∗∗ وأنْ نَشْرَبَ الإثْمَ الَّذِي يُوجِبُ الوِزْرا
وأنْشَدَ الأصْمَعِيُّ أيْضًا:
؎ورُحْتُ حَزِينًا ذاهِلَ العَقْلِ بَعْدَهم ∗∗∗ كَأنِّي شَرِبْتُ الإثْمَ أوْ مَسَّنِي خَبَلُ
قالَ: وقَدْ تُسَمّى الخَمْرُ إثْمًا، وأنْشَدَ:
؎شَرِبْتُ الإثْمَ حَتّى زَلَّ عَقْلِي
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والفَرّاءُ: البَغْيُ الِاسْتِطالَةُ، وقالَ الحَسَنُ: السُّكْرُ مِن كُلِّ شَرابٍ، وقالَ ثَعْلَبٌ: تَكَلُّمُ الرَّجُلِ في الرَّجُلِ بِغَيْرِ الحَقِّ إلّا أنْ يَنْتَصِرَ مِنهُ بِحَقٍّ، وقِيلَ: الظُّلْمُ والكِبْرُ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ وأفْرَدُوهُ بِالذِّكْرِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبَغْيِ﴾ [النحل: ٩٠] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿البَغْيُ﴾ [الشورى: ٣٩] التَّعَدِّي وتَجاوُزُ الحَدِّ مُبْتَدِئًا كانَ، أوْ مُنْتَصِرًا، وقَوْلُهُ: ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ زِيادَةُ بَيانٍ ولَيْسَ يُتَصَوَّرُ بَغْيٌ بِحَقٍّ؛ لِأنَّ ما كانَ بِحَقٍّ لا يُسَمّى بَغْيًا، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ في الأنْعامِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِيهِ تَهَكُّمٌ؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُنَزِّلَ بُرْهانًا بِأنْ يُشْرِكَ بِهِ غَيْرَهُ ما لا تَعْلَمُونَ مِن تَحْرِيمِ البَحائِرِ وغَيْرِها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أرادَ بِذَلِكَ أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، وقِيلَ: قَوْلُهم أنَّهُ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ مَآكِلَ ومَلابِسَ ومَشارِبَ في الإحْرامِ مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ.
﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ هَذا وعِيدٌ لِأهْلِ مَكَّةَ بِالعَذابِ النّازِلِ في أجَلٍ مَعْلُومٍ عِنْدَ اللَّهِ كَما نَزَلَ بِالأُمَمِ، أيْ: أجَلٌ مُؤَقَّتٌ لِمَجِيءِ العَذابِ إذا خالَفُوا أمْرَ رَبِّهِمْ، فَأنْتُمْ أيَّتُها الأُمَّةُ كَذَلِكَ، (p-٢٩٣)وقِيلَ: الأجَلُ هُنا أجَلُ الدُّنْيا، التَّقْدِيرُ لِلْأُمَمِ كُلِّها أجَلٌ، أيْ: يُقْدِمُونَ فِيهِ عَلى ما قَدَّمُوا مِن عَمَلٍ، وقِيلَ: الأجَلُ مُدَّةُ العُمْرِ، والتَّقْدِيرُ: ولِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الأُمَّةِ عُمْرٌ يَنْتَهِي إلَيْهِ بَقاؤُهُ في الدُّنْيا، وإذا ماتَ عَلِمَ ما كانَ عَلَيْهِ مِن حَقٍّ، أوْ باطِلٍ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أيُّ فِرْقَةٍ وجَماعَةٍ، وهي لَفْظَةٌ تُسْتَعْمَلُ في الكَثِيرِ مِنَ النّاسِ، وقالَ غَيْرُهُ: والأُمَّةُ الجَماعَةُ قَلُّوا، أوْ كَثُرُوا، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ كَقَوْلِهِ في قُسِّ بْنِ ساعِدَةَ: «يُبْعَثُ يَوْمَ القِيامَةِ أُمَّةً وحْدَهُ»، وأفْرَدَ الأجَلَ؛ لِأنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، أوْ لِتَقارُبِ أعْمالِ أهْلِ كُلِّ عَصْرٍ، أوْ لِكَوْنِ التَّقْدِيرِ: لِكُلِّ واحِدٍ مِن أُمَّةٍ، وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ سِيرِينَ: فَإذا جاءَ آجالُهم، بِالجَمْعِ، وقالَ: ساعَةً؛ لِأنَّها أقَلُّ الأوْقاتِ في اسْتِعْمالِ النّاسِ، يَقُولُ المُسْتَعْجِلُ لِصاحِبِهِ في ساعَةٍ يُرِيدُ في أقْصَرِ وقْتٍ وأقْرَبِهِ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَفْظٌ عُنِيَ بِهِ الجُزْءُ القَلِيلُ مِنَ الزَّمانِ، والمُرادُ جَمْعُ أجْزائِهِ. انْتَهى. والمُضارِعُ المَنفِيُّ بِلا إذا وقَعَ في الظّاهِرِ جَوابًا لِإذا يَجُوزُ أنْ يُتَلَقّى بِفاءِ الجَزاءِ، ويَجُوزَ أنْ لا يُتَلَقّى بِها ويَنْبَغِي أنْ يُعْتَقَدَ أنَّ بَيْنَ الفاءِ والفِعْلِ مُبْتَدَأً مَحْذُوفًا، وتَكُونُ الجُمْلَةُ إذْ ذاكَ اسْمِيَّةً، والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ إذا وقَعَتْ جَوابًا لِإذا فَلا بُدَّ فِيها مِنَ الفاءِ، أوْ إذا الفُجائِيَّةِ، قالَ بَعْضُهم: ودَخَلَتِ الفاءُ عَلى إذا حَيْثُ وقَعَ إلّا في يُونُسَ؛ لِأنَّها عَطَفَتْ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ بَيْنَهُما اتِّصالٌ وتَعْقِيبٌ فَكانَ المَوْضِعُ مَوْضِعَ الفاءِ، وما في يُونُسَ يَأْتِي في مَوْضِعِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ. انْتَهى. وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ . انْتَهى. وهَذا لا يُمْكِنُ؛ لِأنَّ إذا شَرْطِيَّةٌ، فالَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْها إنَّما هو مُسْتَقْبَلٌ ولا يَتَرَتَّبُ عَلى مَجِيءِ الأجَلِ في المُسْتَقْبَلِ إلّا مُسْتَقْبَلٌ، وذَلِكَ يُتَصَوَّرُ في انْتِفاءِ الِاسْتِئْخارِ لا في انْتِفاءِ الِاسْتِقْدامِ؛ لِأنَّ الِاسْتِقْدامَ سابِقٌ عَلى مَجِيءِ الأجَلِ في الِاسْتِقْبالِ، فَيَصِيرُ نَظِيرَ قَوْلِكَ إذا قُمْتَ في المُسْتَقْبَلِ لَمْ يَتَقَدَّمْ قِيامُكَ في الماضِي، ومَعْلُومٌ أنَّهُ إذا قامَ في المُسْتَقْبَلِ لَمْ يَتَقَدَّمْ قِيامُهُ هَذا في الماضِي، وهَذا شَبِيهٌ بِقَوْلِ زُهَيْرٍ:
؎بَدا لِيَ أنِّي لَسْتُ مُدْرِكَ ما مَضى ∗∗∗ ولا سابِقًا شَيْئًا إذا كانَ جائِيًا
ومَعْلُومٌ أنَّ الشَّيْءَ إذا كانَ جائِيًا إلَيْهِ لا يَسْبِقُهُ، والَّذِي تُخَرَّجُ عَلَيْهِ الآيَةُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ مُنْقَطِعٌ مِنَ الجَوابِ عَلى سَبِيلِ اسْتِئْنافِ إخْبارٍ، أيْ: لا يَسْتَقْدِمُونَ الأجَلَ، أيْ: لا يَسْبِقُونَهُ، وصارَ مَعْنى الآيَةِ أنَّهم لا يَسْبِقُونَ الأجَلَ ولا يَتَأخَّرُونَ عَنْهُ.
﴿يابَنِي آدَمَ إمّا يَأْتِيَنَّكم رُسُلٌ مِنكم يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ . هَذا الخِطابُ لِبَنِي آدَمَ. قِيلَ: هو في الأوَّلِ، وقِيلَ: هو مُراعًى بِهِ وقْتَ الإنْزالِ، وجاءَ بِصُورَةِ الِاسْتِقْبالِ لِتَقْوى الإشارَةُ بِصِحَّةِ النُّبُوَّةِ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ وما في إمّا تَأْكِيدٌ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإذا لَمْ يَكُنْ ما لَمْ يُجِزْ دُخُولَ النُّونِ الثَّقِيلَةِ. انْتَهى. وبَعْضُ النَّحْوِيِّينَ يُجِيزُ ذَلِكَ وجَوابُ الشَّرْطِ ﴿فَمَنِ اتَّقى﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَن شُرْطِيَّةً، وجَوابُهُ ﴿فَلا خَوْفٌ﴾ وتَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ مُسْتَقِلَّةً بِجَوابِ الشَّرْطِ الأوَّلِ مِن جِهَةِ اللَّفْظِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَن مَوْصُولَةً، فَتَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ والَّتِي بَعْدَها مِن قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ مَجْمُوعُهُما هو جَوابُ الشَّرْطِ، وكَأنَّهُ قَصَدَ بِالكَلامِ التَّقْسِيمَ وجُعِلَ القِسْمانِ جَوابًا لِلشَّرْطِ، أيْ: ﴿إمّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ فالمُتَّقُونَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ والمُكَذِّبُونَ أصْحابُ النّارِ فَثَمَرَةُ إتْيانِ الرُّسُلِ وفائِدَتِهِ هَذا، وتَضَمَّنَ قَوْلُهُ: ﴿فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ﴾ سَبْقَ الإيمانِ، إذِ التَّقْوى والإصْلاحُ هُما ناشِئانِ عَنْهُ وجاءَ في قَسَمِهِ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ والتَّكْذِيبُ هو بُدُوُّ الشَّقاوَةِ إذْ لا يَنْشَأُ عَنْهُ إلّا الِانْهِماكُ والإفْسادُ وقالَ، بَلِ الإصْلاحُ بِالِاسْتِكْبارِ؛ لِأنَّ إصْلاحَ العَمَلِ مِن نَتِيجَةِ التَّقْوى، والِاسْتِكْبارُ مِن نَتِيجَةِ التَّكْذِيبِ، وهو التَّعاظُمُ فَلَمْ يَكُونُوا لِيَتَّبِعُوا الرُّسُلَ فِيما جاءُوا بِهِ ولا يَقْتَدُوا بِما أُمِرُوا بِهِ؛ لِأنَّ مَن كَذَّبَ بِالشَّيْءِ نَأى بِنَفْسِهِ عَنِ اتِّباعِهِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هاتانِ حالَتانِ تَعُمُّ جَمِيعَ مَن (p-٢٩٤)يَصُدُّ عَنْ رِسالَةِ الرَّسُولِ إمّا أنْ يُكَذِّبَ بِحَسَبِ اعْتِقادِهِ أنَّهُ كَذَّبَ، وإمّا أنْ يَسْتَكْبِرَ فَيُكَذِّبَ، وإنْ كانَ غَيْرَ مُصَمِّمٍ في اعْتِقادِهِ عَلى التَّكْذِيبِ، وهَذا نَحْوُ: الكُفْرُ عِنادٌ. انْتَهى. وتَضَمَّنَتِ الجُمْلَتانِ حَذْفَ رابِطٍ، وتَقْدِيرُهُ: فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ مِنكم، والَّذِينَ كَذَّبُوا مِنكم، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿فَلا خَوْفٌ﴾ و﴿أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ﴾ الجُمْلَتانِ، وقَرَأ أُبَيٌّ، والأعْرَجُ إمّا تَأْتِيَنَّكم بِالتّاءِ عَلى تَأْنِيثِ الجَماعَةِ و﴿يَقُصُّونَ﴾ مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى إذْ ذاكَ إذْ لَوْ حُمِلَ عَلى اللَّفْظِ لَكانَ تَقُصُّ.
﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولَئِكَ يَنالُهم نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ﴾ لَمّا ذَكَرَ المُكَذِّبِينَ ذَكَرَ أسْوَأ حالًا مِنهم، وهو مَن يَفْتَرِي الكَذِبَ عَلى اللَّهِ وذَكَرَ أيْضًا مَن كَذَّبَ بِآياتِهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ: ما كُتِبَ لَهم مِنَ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، ولا يُناسِبُ هَذا التَّفْسِيرُ الجُمْلَةَ الَّتِي بَعْدَ هَذا، وقالَ الحَسَنُ: ما كُتِبَ لَهم مِنَ العَذابِ، وقالَ الرَّبِيعُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ زَيْدٍ: ما سَبَقَ لَهم في أُمِّ الكِتابِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، ومُجاهِدٌ أيْضًا، وقَتادَةُ: ما كَتَبَ الحَفَظَةُ في صَحائِفِ النّاسِ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، فَيُقالُ: هَذا نَصِيبُهم مِن ذَلِكَ وهو الكُفْرُ والمَعاصِي، وقالَ الحَكَمُ، وأبُو صالِحٍ ما كُتِبَ لَهم مِنَ الأرْزاقِ والأعْمارِ والخَيْرِ والشَّرِّ في الدُّنْيا. وقالَ الضَّحّاكُ: ما كُتِبَ لَهم مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، والضَّحّاكُ أيْضًا، ومُجاهِدٌ ما كُتِبَ لَهم مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: ما كُتِبَ لَهم مِنَ الضَّلالَةِ والهُدى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: ما كُتِبَ لَهم مِنَ الأعْمالِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ: مِنَ الكِتابِ يُرادُ بِهِ مِنَ القُرْآنِ وحَظُّهم فِيهِ سَوادُ وُجُوهِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، وقِيلَ: ما أوْجَبَ مِن حِفْظِ عُهُودِهِمْ إذا أعْطُوا الجِزْيَةَ. وقالَ الحَسَنُ، والسُّدِّيُّ، وأبُو صالِحٍ: مِنَ المُقَرَّرِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وقَدْ تَقَرَّرَ في الشَّرْعِ أنَّ حَظَّهم فِيهِ العَذابُ والسُّخْطُ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ الَّذِي كُتِبَ لَهم في الدُّنْيا مِن رِزْقٍ وأجَلٍ، وغَيْرِهِما يَنالُهم فِيها، ولِذَلِكَ جاءَتِ التَّغْيِيَةُ بَعْدَ هَذا بـِ حَتّى، وإلى هَذا المَعْنى نَحا الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: أيْ ما كَتَبَ لَهم مِنَ الأرْزاقِ والأعْمالِ.
﴿حَتّى إذا جاءَتْهم رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهم قالُوا أيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾ . تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿حَتّى إذا﴾ في أوائِلِ الأنْعامِ، ووَقَعَ في التَّحْرِيرِ (حَتّى) هُنا لَيْسَ بِغايَةٍ، بَلْ هي ابْتِداءٌ وجَرٌّ، والجُمْلَةُ بَعْدَها في مَوْضِعِ جَرٍّ، وهَذا وهْمٌ، بَلْ مَعْناهاهُنا الغايَةُ والخِلافُ فِيها إذا كانَتْ حَرْفَ ابْتِداءٍ أهِيَ حَرْفُ جَرٍّ، والجُمْلَةُ بَعْدَها في مَوْضِعِ جَرٍّ وتَتَعَلَّقُ بِما قَبْلَها كَما تَتَعَلَّقُ حُرُوفُ الجَرِّ، أمْ لَيْسَتْ حَرْفَ جَرٍّ ولا تَتَعَلَّقُ بِما قَبْلَها تَعَلُّقَ حُرُوفِ الجَرِّ مِن حَيْثُ المَعْنى لا مِن حَيْثُ الإعْرابِ ؟ قَوْلانِ: الأوَّلُ لِابْنِ دُرُسْتَوَيْهِ، والزَّجّاجِ، والثّانِي لِلْجُمْهُورِ. وإذا كانَتْ حَرْفَ ابْتِداءٍ، فَهي لِلْغايَةِ ألا تَراها في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎سَرَيْتُ بِهِمْ حَتّى تَكِلَّ مَطِيُّهم ∗∗∗ وحَتّى الجِيادُ ما يُقَدْنَ بِأرْسانِ
وقَوْلِ الآخَرِ:
؎فَما زالَتِ القَتْلى تَمُجُّ دِماءُها ∗∗∗ بِدِجْلَةَ حَتّى ماءُ دِجْلَةَ أشْكَلُ
تُفِيدُ الغايَةَ؛ لِأنَّ المَعْنى أنَّهُ مَدَّ هَمَّهم في السَّيْرِ إلى كَلالِ المَطِيِّ والجِيادِ ومَجَّتِ الدِّماءُ إلى تَغْيِيرِ ماءِ دِجْلَةَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهي حَتّى الَّتِي يُبْتَدَأُ بَعْدَها الكَلامُ. انْتَهى. وقالَ الحَوْفِيُّ: وحَتّى غايَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِيَنالُهم، فَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ أنْ يُرِيدَ التَّعَلُّقَ الصِّناعِيَّ، وأنْ يُرِيدَ التَّعَلُّقَ المَعْنَوِيَّ، والمَعْنى: أنَّهم يَنالُهم حَظُّهم مِمّا كُتِبَ لَهم إلى أنْ يَأْتِيَهم رُسُلُ المَوْتِ يَقْبِضُونَ أرْواحَهم فَيَسْألُونَهم سُؤالَ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيرٍ أيْنَ (p-٢٩٥)مَعْبُوداتُكم مَن دُونِ اللَّهِ ؟ فَيُجِيبُونَ بِأنَّهم حادُوا عَنّا وأخَذُوا طَرِيقًا غَيْرَ طَرِيقِنا، أوْ ضَلُّوا عَنّا هَلَكُوا واضْمَحَلُّوا، والرُّسُلُ مَلَكُ المَوْتِ وأعْوانُهُ، ويَتَوَفَّوْنَهم في مَوْضِعِ الحالِ، وكُتِبَتْ أيْنَما مُتَّصِلَةً وكانَ قِياسُهُ كِتابَتَها بِالِانْفِصالِ؛ لِأنَّ ما مَوْصُولَةٌ كَهي في ﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ﴾ [الأنعام: ١٣٤] إذِ التَّقْدِيرُ: أيْنَ الآلِهَةُ الَّتِي كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ؟ وقِيلَ: مَعْنى (تَدْعُونَ)، أيْ: تَسْتَغِيثُونَهم لِقَضاءِ حَوائِجِكم وما ذَكَرْناهُ مِن أنَّ هَذِهِ المُحاوَرَةَ بَيْنَ المَلائِكَةِ وهَؤُلاءِ تَكُونُ وقْتَ المَوْتِ، وأنَّ التَّوَفِّيَ هو بِقَبْضِ الأرْواحِ، هو قَوْلُ المُفَسِّرِينَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنهُمُ الحَسَنُ: (الرُّسُلُ) مَلائِكَةُ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ، والمُحاوَرَةُ في ذَلِكَ اليَوْمِ ومَعْنى ﴿يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ يَسْتَوْفُونَهم عَدَدًا في السَّوْقِ إلى جَهَنَّمَ ونَيْلِ النَّصِيبِ عَلى هَذا إنَّما هو في الآخِرَةِ إذْ لَوْ كانَ في الدُّنْيا لَما تَحَقَّقَتِ الغايَةُ لِانْقِطاعِ النَّيْلِ قَبْلَها بِمَدَدٍ كَثِيرَةٍ، ويُحْتَمَلُ (وشَهِدُوا) أنْ يَكُونَ مَقْطُوعًا عَلى (قالُوا) فَيَكُونُ مِن جُمْلَةِ جَوابِ السُّؤالِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافَ إخْبارٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِإقْرارِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ، ولا تَعارُضَ بَيْنَ هَذا وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] لِاحْتِمالِ ذَلِكَ مِن طَوائِفَ مُخْتَلِفَةٍ، أوْ في أوْقاتٍ، وجَوابُ سُؤالِهِمْ لَيْسَ مُطابِقًا مِن جِهَةِ اللَّفْظِ؛ لِأنَّهُ سُؤالٌ عَنْ مَكانٍ، وأُجِيبَ بِفِعْلٍ وهو مُطابِقٌ مِن جِهَةِ المَعْنى إذْ تَقْدِيرُ السُّؤالِ: ما فَعَلَ مَعْبُودُوكم مِن دُونِ اللَّهِ مَعَكم ؟ ﴿قالُوا ضَلُّوا عَنّا﴾ .
﴿قالَ ادْخُلُوا في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم مِنَ الجِنِّ والإنْسِ في النّارِ﴾ . أيْ: يَقُولُ اللَّهُ لَهم، أيْ: لِكُفّارِ العَرَبِ وهُمُ المُفْتَرُونَ الكَذِبَ والمُكَذِّبُونَ بِالآياتِ وذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، وعَبَّرَ بِالماضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، وقَوْلُهُ ذَلِكَ عَلى لِسانِ المَلائِكَةِ ويَتَعَلَّقُ ﴿فِي أُمَمٍ﴾ في الظّاهِرِ بـِ ادْخُلُوا، والمَعْنى: في جُمْلَةِ أُمَمٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ فَيَكُونُ في مَوْضِعِ الحالِ و﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ﴾، أيْ: تَقَدَّمَتْكم في الحَياةِ الدُّنْيا، أوْ تَقَدَّمَتْكم، أيْ: تَقَدَّمَ دُخُولُها في النّارِ وقَدَّمَ الجِنَّ؛ لِأنَّهُمُ الأصْلُ في الإغْواءِ والإضْلالِ ودَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ عُصاةَ الجِنِّ يَدْخُلُونَ النّارَ، وفي النّارِ مُتَعَلِّقٌ بِخَلَتْ عَلى أنَّ المَعْنى تَقَدَّمَ دُخُولُها، أوْ بِمَحْذُوفٍ وهو صِفَةٌ لِأُمَمٍ، أيْ: في أُمَمٍ سابِقَةٍ في الزَّمانِ كائِنَةٍ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ كائِنَةً في النّارِ، أوْ بـِ ”ادْخُلُوا“ عَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ في بِمَعْنى مَعَ، وقَدْ قالَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ فاخْتَلَفَ مَدْلُولُ في إذِ الأُولى تُفِيدُ الصُّحْبَةَ، والثّانِيَةُ تُفِيدُ الظَّرْفِيَّةَ وإذا اخْتَلَفَ مَدْلُولُ الحَرْفِ جازَ أنْ يَتَعَلَّقَ اللَّفْظانِ بِفِعْلٍ واحِدٍ ويَكُونُ إذْ ذاكَ (ادْخُلُوا) قَدْ تَعَدّى إلى الظَّرْفِ المُخْتَصِّ بِفي وهو الأصْلُ وإنْ كانَ قَدْ تَعَدّى في مَوْضِعٍ آخَرَ بِنَفْسِهِ لا بِوَساطَةِ في كَقَوْلِهِ: وقِيلَ ادْخُلا النّارَ ﴿ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ﴾ [الزمر: ٧٢] ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في باقِيَةً عَلى مَدْلُولِها مِنَ الظَّرْفِيَّةِ و﴿فِي النّارِ﴾ كَذَلِكَ ويَتَعَلَّقانِ بِلَفْظِ (ادْخُلُوا) وذَلِكَ عَلى أنْ يَكُونَ ﴿فِي النّارِ﴾ بَدَلَ اشْتِمالٍ كَقَوْلِهِ: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤] ﴿النّارِ﴾ [البروج: ٥]، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَدّى الفِعْلُ إلى حَرْفَيْ جَرٍّ بِمَعْنًى واحِدٍ عَلى طَرِيقَةِ البَدَلِ.
﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ (كُلَّما) لِلتَّكْرارِ ولا يَسْتَوِي ذَلِكَ في الأُمَّةِ الأُولى، فاللّاحِقَةُ تَلْعَنُ السّابِقَةَ، أوْ يَلْعَنُ بَعْضُ الأُمَّةِ الدّاخِلَةِ بَعْضَها، ومَعْنى ﴿أُخْتَها﴾، أيْ: في الدِّينِ، والمَعْنى: كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى وعَبَدَةِ الأوْثانِ، وغَيْرِهِمْ مِنَ الكُفّارِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿أُخْتَها﴾ الَّتِي ضَلَّتْ بِالِاقْتِداءِ بِها. انْتَهى.، والمَعْنى: أنَّ أهْلَ النّارِ يَلْعَنُ بَعْضُهم بَعْضًا، ويُعادِي بَعْضُهم بَعْضًا، ويَكْفُرُ بَعْضُهم بِبَعْضٍ، كَما جاءَ في آياتٍ أُخَرَ.
﴿حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا قالَتْ أُخْراهم لِأُولاهم رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ (p-٢٩٦)(حَتّى) غايَةٌ لِما قَبْلَها، والمَعْنى: أنَّهم يَدْخُلُونَ فَوْجًا فَفَوْجًا لاعِنًا بَعْضُهم بَعْضًا إلى انْتِهاءِ تَدارُكِهِمْ وتَلاحُقِهِمْ في النّارِ واجْتِماعِهِمْ فِيها، وأصْلُ ﴿ادّارَكُوا﴾ تَدارَكُوا أُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ فاجْتُلِبَتْ هَمْزَةُ الوَصْلِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ أبُو عَمْرٍو أدّارَكُوا بِقَطْعِ ألِفِ الوَصْلِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: هَذا مُشْكِلٌ ولا يُسَوَّغُ أنْ يَقْطَعَها ارْتِجالًا فَذَلِكَ إنَّما يَجِيءُ شاذًّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ في الِاسْمِ أيْضًا، لَكِنَّهُ وقَفَ مِثْلَ وقْفَةِ المُسْتَنْكِرِ، ثُمَّ ابْتَدَأ فَقَطَعَ، وقَرَأ مُجاهِدٌ بِقَطْعِ الألِفِ وسُكُونِ الدّالِ، وفَتْحِ الرّاءِ بِمَعْنى أدْرَكَ بَعْضُهم بَعْضًا، وقَرَأ حُمَيْدٌ: أُدْرِكُوا بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِ الرّاءِ، أيْ: أُدْخِلُوا في إدْراكِها، وقالَ مَكِّيٌّ في قِراءَةِ مُجاهِدٍ: إنَّها ادَّرَكُوا بِشَدِّ الدّالِ المَفْتُوحَةِ وفَتْحِ الرّاءِ، قالَ: وأصْلُها ادْتَرَكُوا وزْنُها افْتَعَلُوا، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ والأعْمَشُ تَدارَكُوا ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عُمَرَ. انْتَهى. وقالَ أبُو البَقاءِ: وقُرِئَ ”إذا ادّارَكُوا“ بِألِفٍ واحِدَةٍ ساكِنَةٍ والدّالُ بَعْدَها مُشَدَّدَةٌ، وهو جَمْعٌ بَيْنَ ساكِنَيْنِ، وجازَ في المُنْفَصِلِ كَما جازَ في المُتَّصِلِ، وقَدْ قالَ بَعْضُهم: اثْنا عَشَرَ بِإثْباتِ الألِفِ وسُكُونِ العَيْنِ. انْتَهى. ويَعْنِي بِقَوْلِهِ: كَما جازَ في المُتَّصِلِ نَحْوِ الضّالِّينَ وجانٍّ وأُخْراهم: الأُمَّةُ الأخِيرَةُ في الزَّمانِ الَّتِي وجَدَتْ ضَلالاتٍ مُقَرَّرَةً مُسْتَعْمَلَةً لِأُولاهُمُ الَّتِي شَرَعَتْ ذَلِكَ وافْتَرَتْ وسَلَكَتْ سَبِيلَ الضَّلالِ ابْتِداءً، أوْ أُخْراهم مَنزِلَةً ورُتْبَةً وهُمُ الأتْباعُ والسَّفِلَةُ لِأُولاهم مَنزِلَةً ورُتْبَةً وهُمُ القادَةُ المَتْبُوعُونَ، أوْ أُخْراهم في الدُّخُولِ إلى النّارِ وهُمُ الأتْباعُ لِأُولاهم دُخُولًا، وهُمُ القادَةُ، أقْوالٌ آخِرُها لِمُقاتِلٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: آخِرُ أُمَّةٍ لِأوَّلِ أُمَّةٍ، وأُخْرى هُنا بِمَعْنى آخِرَةٍ مُؤَنَّثُ آخَرَ، فَمُقابِلُ أوَّلِ لا مُؤَنَّثَ لَهُ، آخَرُ بِمَعْنى غَيْرِ لِقَوْلِهِ: ﴿وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] واللّامُ في لِأُولاهم لامُ السَّبَبِ، أيْ: لِأجْلِ أُولاهم؛ لِأنَّ خِطابَهم مَعَ اللَّهِ لا مَعَهم ﴿أضَلُّونا﴾ شَرَعُوا لَنا الضَّلالَ، أوْ جَعَلُونا نَضِلُّ وحَمَّلُونا عَلَيْهِ ضِعْفًا زائِدًا عَلى عَذابِنا إذْ هم كافِرُونَ ومُسَبِّبُو كُفْرِنا.
﴿قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾، أيْ: لِكُلٍّ مِنَ الأُخْرى والأُولى عَذابٌ، ولِلْأُولى عَذابٌ مُتَضاعِفٌ زائِدٌ إلى غَيْرِ نِهايَةٍ وذَلِكَ أنَّ العَذابَ مُؤَبَّدٌ، فَكُلُّ ألَمٍ يَعْقُبُهُ آخَرُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ لِلسّائِلِينَ، أيْ: لا تَعْلَمُونَ ما لِكُلِّ فَرِيقٍ مِنَ العَذابِ، أوْ لا تَعْلَمُونَ المَقادِيرَ وصُوَرَ العَذابِ. قِيلَ أوْ خِطابٌ لِأهْلِ الدُّنْيا، أيْ: ولَكِنْ يا أهْلَ الدُّنْيا لا تَعْلَمُونَ مِقْدارَ ذَلِكَ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ بِالياءِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا عَنِ الأُمَّةِ ويَكُونُ الضَّمِيرُ في (لا يَعْلَمُونَ) عائِدًا عَلى الأُمَّةِ الأخِيرَةِ الَّتِي طَلَبَتْ أنْ يُضَعَّفَ العَذابُ عَلى أُولاها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنِ الطّائِفَتَيْنِ، أيْ: لا يَعْلَمُ كُلُّ فَرِيقٍ قَدْرَ ما أُعِدَّ لَهُ مِنَ العَذابِ، أوْ قَدْرَ ما أُعِدَّ لِلْفَرِيقِ الآخَرِ مِنَ العَذابِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ الضِّعْفَ هُنا الأفاعِي والحَيّاتُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ رَدٌّ عَلى أُولَئِكَ السّائِلِينَ، وعَدَمُ إسْعافٍ لِما طَلَبُوا.
﴿وقالَتْ أُولاهم لِأُخْراهم فَما كانَ لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ . أيْ: قالَتِ الطّائِفَةُ المَتْبُوعَةُ لِلطّائِفَةِ المُتَّبِعَةِ، واللّامُ في ﴿لِأُخْراهُمْ﴾ لامُ التَّبْلِيغِ نَحْوُ قُلْتُ لَكَ اصْنَعْ كَذا؛ لِأنَّ الخِطابَ هو مَعَ أُخْراهم بِخِلافِ اللّامِ، أيْ: في ﴿لِأُولاهُمْ﴾ فَإنَّها كَما ذَكَرْنا لامُ السَّبَبِ؛ لِأنَّ الخِطابَ هُناكَ مَعَ اللَّهِ تَعالى، والمَعْنى: أنْتُمْ لا فَضْلَ لَكم عَلَيْنا ولَمْ تَزْدَجِرُوا حِينَ جاءَتْكُمُ الرُّسُلُ والنُّذُرُ، بَلْ دُمْتُمْ في كُفْرِكم، وتَرَكْتُمُ النَّظَرَ فاسْتَوَتْ حالُنا وحالُكم قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: قَدْ ثَبَتَ أنْ لا فَضْلَ لَكم عَلَيْنا، وأنّا مُتَساوُونَ في اسْتِحْقاقِ الضِّعْفِ، وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْنى ﴿مِن فَضْلٍ﴾ مِنَ التَّخْفِيفِ لِما قالَ اللَّهُ ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ قالَتِ الأُولى لِلْأُخْرى لَمْ تُبَلَّغُوا أمَلًا بِأنَّ عَذابَكم أخَفُّ مِن عَذابِنا ولا فُضِّلْتُمْ بِالإسْعافِ. انْتَهى. والفاءُ في ”فَما“ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَطَفُوا هَذا الكَلامَ عَلى قَوْلِ اللَّهِ تَعالى لِلسَّفِلَةِ ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ المَعْنى انْتِفاءُ كَوْنِ فُضِّلَ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّفِلَةِ في الدُّنْيا بِسَبَبِ اتِّباعِهِمْ إيّاهم ومُوافَقَتِهِمْ لَهم في الكُفْرِ، أيْ: اتِّباعُكم (p-٢٩٧)إيّانا وعَدَمُ اتِّباعِكم سَواءٌ؛ لِأنَّكم كُنْتُمْ في الدُّنْيا أقَلَّ عِنْدَنا مِن أنْ يَكُونَ لَكم عَلَيْنا فَضْلٌ بِاتِّباعِكم، بَلْ كَفَرْتُمُ اخْتِيارًا لا إنّا حَمَلْناكم عَلى ذَلِكَ إجْبارًا، وأنَّ قَوْلَهُ: (فَما) مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ بَعْدَ القَوْلِ دَلَّ عَلَيْها ما سَبَقَ مِنَ الكَلامِ، والتَّقْدِيرُ: قالَتْ أُولاهم لِأُخْراهم ما دُعاؤُكُمُ اللَّهَ بِأنّا أضْلَلْناكم وسُؤالُكم ما سَألْتُمْ فَما كانَ لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ بِضَلالِكم، وأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَذُوقُوا العَذابَ﴾ مِن كَلامِ الأُولى خِطابًا لِلْأُخْرى عَلى سَبِيلِ التَّشَفِّي مِنهم، وأنَّ ذَوْقَ العَذابِ هو بِما كَسَبَتْ مِنَ الآثامِ لا بِسَبَبِ دَعْواكم أنّا أضْلَلْناكم، وقِيلَ: (فَذُوقُوا) مِن خِطابِ اللَّهِ لِجَمِيعِهِمْ.