Al-Bahr Al-Muhit — الأعراف 7:204 – الأنفال 8:40
المحتويات
- الأعراف 7:204
- الأعراف 7:205
- الأعراف 7:206
- الأنفال 8:1
- الأنفال 8:2
- الأنفال 8:3
- الأنفال 8:4
- الأنفال 8:5
- الأنفال 8:6
- الأنفال 8:7
- الأنفال 8:8
- الأنفال 8:9
- الأنفال 8:10
- الأنفال 8:11
- الأنفال 8:12
- الأنفال 8:13
- الأنفال 8:14
- الأنفال 8:15
- الأنفال 8:16
- الأنفال 8:17
- الأنفال 8:18
- الأنفال 8:19
- الأنفال 8:20
- الأنفال 8:21
- الأنفال 8:22
- الأنفال 8:23
- الأنفال 8:24
- الأنفال 8:25
- الأنفال 8:26
- الأنفال 8:27
- الأنفال 8:28
- الأنفال 8:29
- الأنفال 8:30
- الأنفال 8:31
- الأنفال 8:32
- الأنفال 8:33
- الأنفال 8:34
- الأنفال 8:35
- الأنفال 8:36
- الأنفال 8:37
- الأنفال 8:38
- الأنفال 8:39
- الأنفال 8:40
الأعراف 7:204
﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ لَمّا ذَكَرَ أنَّ القُرْآنَ بَصائِرُ وهُدًى ورَحْمَةٌ أمَرَ بِاسْتِماعِهِ إذا شُرِعَ في قِراءَتِهِ وبِالإنْصاتِ، وهو السُّكُوتُ مَعَ الإصْغاءِ إلَيْهِ؛ لِأنَّ ما اشْتَمَلَ عَلى هَذِهِ الأوْصافِ مِنَ البَصائِرِ والهُدى والرَّحْمَةِ حَرِيٌّ بِأنْ يُصْغى إلَيْهِ حَتّى يَحْصُلَ مِنهُ لِلْمُنْصِتِ هَذِهِ النَّتائِجُ العَظِيمَةُ ويَنْتَفِعَ بِها، فَيَسْتَبْصِرَ مِنَ العَمى ويَهْتَدِي مِنَ الضَّلالِ ويُرْحَمُ بِها، والظّاهِرُ اسْتِدْعاءُ الِاسْتِماعِ والإنْصاتِ إذا أخَذَ في قِراءَةِ القُرْآنِ ومَتى قُرِئَ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو هُرَيْرَةَ وجابِرٌ وعَطاءٌ وابْنُ المُسَيَّبِ والزُّهْرِيُّ وعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: إنَّها في المُشْرِكِينَ، كانُوا إذا صَلّى الرَّسُولُ ﷺ يَقُولُونَ: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] فَنَزَلَتْ جَوابًا لَهم، وقالَ عَطاءٌ أيْضًا وابْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ والقاسِمُ بْنُ مُخَيْمِرَةَ ومُسْلِمُ بْنُ يَسارٍ وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ: هي في الخُطْبَةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وضُعِّفَ هَذا القَوْلُ بِأنَّ ما يُقْرَأُ في الخُطْبَةِ مِنَ القُرْآنِ قَلِيلٌ، وبِأنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ والخُطْبَةُ لَمْ تَكُنْ إلّا بَعْدَ الهِجْرَةِ مِن مَكَّةَ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: إنَّها في الإنْصاتِ يَوْمَ الأضْحى ويَوْمَ الفِطْرِ ويَوْمَ الجُمُعَةِ وفِيما يَجْهَرُ فِيهِ الإمامُ مِنَ الصَّلاةِ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ أيْضًا: كانَ يُسَلِّمُ بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ في الصَّلاةِ ويُكَلِّمُهُ في حاجَتِهِ فَأُمِرْنا بِالسُّكُوتِ في الصَّلاةِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قَرَأ في الصَّلاةِ المَكْتُوبَةِ، وقَرَأ الصَّحابَةُ رافِعِي أصْواتِهِمْ فَخَلَطُوا عَلَيْهِ فالآيَةُ فِيهِمْ؛ وقِيلَ: هو أمْرٌ بِالِاسْتِماعِ والإنْصاتِ؛ إذْ أدّى الوَحْيَ، وقالَ جَماعَةٌ مِنهُمُ الزَّجّاجُ: لَيْسَ المُرادُ الصَّلاةَ ولا غَيْرَها، وإنَّما المُرادُ بِقَوْلِهِ: فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا اعْمَلُوا بِما فِيهِ، ولا تُجاوِزُوهُ، كَقَوْلِكَ: سَمِعَ اللَّهُ دُعاءَكَ، أيْ: أجابَكَ، وقالَ الحَسَنُ: هي عَلى عُمُومِها، فَفي أيِّ مَوْضِعٍ قُرِئَ القُرْآنُ وجَبَ عَلى كُلِّ حاضِرٍ اسْتِماعُهُ والسُّكُوتُ، والخِطابُ في قَوْلِهِ: فاسْتَمِعُوا، إنْ كانَ لِلْكُفّارِ فَتُرْجى لَهُمُ الرَّحْمَةُ بِاسْتِماعِهِ والإصْغاءِ إلَيْهِ بِأنْ كانَ سَبَبًا لِإيمانِهِمْ وإنْ كانَ لِلْمُؤْمِنِينَ فَرَحْمَتُهم هو ثَوابُهم عَلى الِاسْتِماعِ والإنْصاتِ والعَمَلِ بِمُقْتَضاهُ، وإنْ كانَ لِلْجَمِيعِ فَرَحْمَةُ كُلٍّ مِنهم عَلى ما يُناسِبُهُ، ولَعَلَّ باقِيَةٌ عَلى بابِها مِن تَوَقُّعِ التَّرَجِّي؛ وقِيلَ: هي لِلتَّعْلِيلِ.
الأعراف 7:205
﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وخِيفَةً ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ بِالغُدُوِّ والآصالِ ولا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ﴾ . لَمّا أمَرَهم تَعالى بِالِاسْتِماعِ والإنْصاتِ إذا شُرِعَ في قِراءَةِ القُرْآنِ (p-٤٥٣)ارْتَقى مِن أمْرِهِمْ إلى أمْرِ الرَّسُولِ ﷺ أنْ يَذْكُرَ رَبَّهُ في نَفْسِهِ، أيْ بِحَيْثُ يُراقِبُهُ ويَذْكُرُهُ في الحالَةِ الَّتِي لا يَشْعُرُ بِها أحَدٌ، وهي الحالَةُ الشَّرِيفَةُ العُلْيا، ثُمَّ أمَرَهُ أنْ يَذْكُرَهُ دُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ، أيْ: يَذْكُرَهُ بِالقَوْلِ الخَفِيِّ الَّذِي لا يُشْعِرُ بِالتَّذَلُّلِ والخُشُوعِ مِن غَيْرِ صِياحٍ ولا تَصْوِيتٍ شَدِيدٍ، كَما تُناجى المُلُوكُ وتَسْتَجْلَبُ مِنهُمُ الرَّغائِبُ، وكَما قالَ لِلصَّحابَةِ وقَدْ جَهَرُوا بِالدُّعاءِ: «إنَّكم لا تَدْعُونَ أصَمَّ ولا غائِبًا ارْبَعُوا عَلى أنْفُسِكم»، وكانَ كَلامُ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم لِلرَّسُولِ ﷺ سِرارًا، وكَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِن وراءِ الحُجُراتِ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: ٤]، وقالَ تَعالى: ﴿لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ولا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ﴾ [الحجرات: ٢] لِأنَّ في الجَهْرِ عَدَمَ مُبالاةٍ بِالمُخاطَبِ، وظُهُورَ اسْتِعْلاءٍ وعَدَمَ تَذَلُّلٍ، والذِّكْرُ شامِلٌ لِكُلٍّ مِنَ التَّهْلِيلِ والتَّسْبِيحِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وانْتَصَبَ تَضَرُّعًا وخِيفَةً عَلى أنَّهُما مَفْعُولانِ مِن أجْلِهِما لِأنَّهُما يَتَسَبَّبُ عَنْهُما الذِّكْرُ، وهو التَّضَرُّعُ في اتِّصالِ الثَّوابِ والخَوْفِ مِنَ العِقابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَنْتَصِبا عَلى أنَّهُما مَصْدَرانِ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: مُتَضَرِّعًا وخائِفًا، أوْ ذا تَضَرُّعٍ وخِيفَةٍ، وقُرِئَ: وخِفْيَةً، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: واذْكُرْ، خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ، وقِيلَ: خِطابٌ لِكُلِّ ذاكِرٍ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: خِطابٌ لَهُ ويَعُمُّ جَمِيعَ أُمَّتِهِ، والظّاهِرُ تَعَلُّقُ الذِّكْرِ بِالرَّبِّ تَعالى لِأنَّ اسْتِحْضارَ الذّاتِ المُقَدَّسَةِ اسْتِحْضارٌ لِجَمِيعِ أوْصافِها، وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: واذْكُرْ نِعَمَ رَبِّكَ في نَفْسِكَ بِاسْتِدامَةِ الفِكْرِ حَتّى لا تَنْسى نِعَمَهُ المُوجِبَةَ لِدَوامِ الشُّكْرِ، وفي لَفْظَةِ رَبِّكَ مِنَ التَّشْرِيفِ بِالخِطابِ والإشْعارِ بِالإحْسانِ الصّادِرِ مِنَ المالِكِ لِلْمُلُوكِ ما لا خَفاءَ فِيهِ، ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ واذْكُرِ اللَّهَ ولا غَيْرَهُ مِنَ الأسْماءِ، وناسَبَ أيْضًا لَفْظَ الرَّبِّ قَوْلُهُ: تَضَرُّعًا وخِيفَةً، لِأنَّ فِيهِ التَّصْرِيحَ بِمَقامِ العُبُودِيَّةِ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ، حالَةٌ مُغايِرَةٌ لِقَوْلِهِ: في نَفْسِكَ، لِعَطْفِها عَلَيْها، والعَطْفُ يَقْتَضِي التَّغايُرَ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والجُمْهُورُ عَلى أنَّ الذِّكْرَ لا يَكُونُ في النَّفْسِ، ولا يُراعى إلّا بِحَرَكَةِ اللِّسانِ قالَ: ويَدُلُّ عَلَيْهِ مِن هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ﴾ فَهَذِهِ مَرْتَبَةُ السِّرِّ والمُخافَتَةِ بِاللَّفْظِ، انْتَهى، ولا دَلالَةَ في ذَلِكَ لِما زَعَمَ، بَلِ الظّاهِرُ المُغايَرَةُ بَيْنَ الحالَتَيْنِ وأنَّهُما ذِكْرانِ نَفْسانِيٌّ ولِسانِيٌّ، ولِذَلِكَ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومُتَكَلِّمًا كَلامًا دُونَ الجَهْرِ، لِأنَّ الإخْفاءَ أدْخَلُ في الإخْلاصِ وأقْرَبُ إلى جِنْسِ التَّفَكُّرِ، انْتَهى، ولَمّا ذَكَرَ حالَتَيِ الذِّكْرِ وسَبَبَهُما وهُما التَّضَرُّعُ والخُفْيَةُ ذَكَرَ أوْقاتَ الذِّكْرِ، فَقِيلَ: أرادَ خُصُوصِيَّةَ الوَقْتَيْنِ لِأنَّهم كانُوا يُصَلُّونَ في وقْتَيْنِ قَبْلَ فَرْضِ الخَمْسِ، وقالَ قَتادَةُ: الغُدُوُّ: صَلاةُ الصُّبْحِ، والآصالُ: صَلاةُ العَصْرِ، وقِيلَ: خَصَّهُما بِالذِّكْرِ لِفَضْلِهِما، وقِيلَ: المَعْنى جَمِيعُ الأوْقاتِ، وعَبَّرَ بِالطَّرَفَيْنِ المُشْعِرَيْنِ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ، والغُدُوُّ قِيلَ: جَمْعُ غَدْوَةٍ، فَعَلى هَذا تَظْهَرُ المُقابَلَةُ لِاسْمِ جِنْسٍ بِجَمْعٍ، ويَكُونُ المُرادُ بِالغَدَواتِ والعَشايا وإنْ كانَ مَصْدَرَ الغَداءِ، فالمُرادُ بِأوْقاتِ الغُدُوِّ حَتّى يُقابَلَ زَمانٌ مَجْمُوعٌ بِزَمانٍ مَجْمُوعٍ. وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ لاحِقُ بْنُ حُمَيْدٍ السَّدُوسِيُّ البَصْرِيُّ، والإيصالُ جَعَلَهُ مَصْدَرًا لِقَوْلِهِمْ: آصَلْتُ أيْ دَخَلْتُ في وقْتِ الأصِيلِ، فَيَكُونُ قَدْ قابَلَ مَصْدَرًا بِمَصْدَرٍ ويَكُونُ كَأعْصَرَ أيْ: دَخَلَ في العَصْرِ وهو العَشِيُّ وأعْتَمَ أيْ دَخَلَ في العَتَمَةِ، ولَمّا أمَرَهُ بِالذِّكْرِ أكَّدَ ذَلِكَ بِالنَّهْيِ عَنْ أنْ يَكُونَ مِنَ الغافِلِينَ أيِ اسْتَلْزِمِ الذِّكْرَ ولا تَغْفُلْ طَرْفَةَ عَيْنٍ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ الغَفْلَةُ لِعِصْمَتِهِ، فَهو نَهْيٌ لَهُ ﷺ والمُرادُ أُمَّتُهُ.
الأعراف 7:206
﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ويُسَبِّحُونَهُ ولَهُ يَسْجُدُونَ﴾ هُمُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ومَعْنى العِنْدِيَّةِ الزُّلْفى والقُرْبُ مِنهُ تَعالى بِالمَكانَةِ لا بِالمَكانِ، وذَلِكَ لِتَوَفُّرِهِمْ عَلى طاعَتِهِ وابْتِغاءِ مَرْضاتِهِ، ولَمّا أمَرَ تَعالى بِالذِّكْرِ ورَغَّبَ في المُواظَبَةِ عَلَيْهِ ذَكَرَ مِن شَأْنِهِمْ ذَلِكَ فَأخْبَرَ عَنْهم بِأخْبارٍ ثَلاثَةٍ، (p-٤٥٤)الأوَّلُ: نَفْيُ الِاسْتِكْبارِ عَنْ عِبادَتِهِ، وذَلِكَ هو إظْهارُ العُبُودِيَّةِ، ونَفْيُ الِاسْتِكْبارِ هو المُوجِبُ لِلطّاعاتِ كَما أنَّ الِاسْتِكْبارَ هو المُوجِبُ لِلْعِصْيانِ؛ لِأنَّ المُسْتَكْبِرَ يَرى لِنَفْسِهِ شُفُوفًا ومَزِيَّةً فَيَمْنَعُهُ ذَلِكَ مِنَ الطّاعَةِ، الثّانِي: إثْباتُ التَّسْبِيحِ مِنهم لَهُ تَعالى وهو التَّنْزِيهُ والتَّطْهِيرُ عَنْ جَمِيعِ ما لا يَلِيقُ بِذاتِهِ المُقَدَّسَةِ، والثّالِثُ: السُّجُودُ لَهُ، قِيلَ: وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ يُؤْذِنُ بِالِاخْتِصاصِ، أيْ لا يَسْجُدُونَ إلّا لَهُ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ إنَّما قَدَّمَ المَجْرُورَ لِيَقَعَ الفِعْلُ فاصِلَةً، فَأخَّرَهُ لِذَلِكَ لِيُناسِبَ ما قَبْلَهُ مِن رُءُوسِ الآيِ، ولَمّا كانَتِ العِبادَةُ ناشِئَةً عَنِ انْتِفاءِ الِاسْتِكْبارِ، وكانَتْ عَلى قِسْمَيْنِ: عِبادَةٍ قَلْبِيَّةٍ وعِبادَةٍ جُسْمانِيَّةٍ ذَكَرَهُما، فالقَلْبِيَّةُ: تَنْزِيهُ اللَّهِ تَعالى عَنْ كُلِّ سُوءٍ، والجُسْمانِيَّةُ: السُّجُودُ وهو الحالُ الَّتِي يَكُونُ العَبْدُ فِيها أقْرَبَ إلى اللَّهِ تَعالى، «وفِي الحَدِيثِ: أطَّتِ السَّماءُ وحَقَّ لَها أنْ تَئِطَّ ما فِيها مَوْضِعُ شِبْرٍ إلّا وفِيهِ مَلَكٌ قائِمٌ أوْ راكِعٌ أوْ ساجِدٌ»، ﴿ولَهُ يَسْجُدُونَ﴾ هو مَكانُ سَجْدَةٍ، وقِيلَ: سُجُودُ التِّلاوَةِ أرْبَعُ سَجَداتٍ: ألم تَنْزِيلُ: وحم تَنْزِيلُ والنَّجْمِ والعَلَقِ، وذُكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها عُشْرٌ أسْقَطَ آخِرَ الحَجِّ وص وثَلاثًا في المُفَصَّلِ، ورُوِيَ عَنْ مالِكٍ إحْدى عَشْرَةَ، أسْقَطَ آخِرَةَ الحَجِّ وثَلاثَ المُفَصَّلِ، وعَنِ ابْنِ وهْبٍ أرْبَعَ عَشْرَةَ أسْقَطَ ثانِيَةَ الحَجِّ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ والشّافِعِيِّ، لَكِنْ أبُو حَنِيفَةَ أسْقَطَ ثانِيَةَ الحَجِّ وأثْبَتَ ص، وعَكَسَ الشّافِعِيُّ، وعَنِ ابْنِ وهْبٍ أيْضًا وابْنِ حَبِيبٍ خَمْسَ عَشْرَةَ آخِرُها خاتِمَةُ العَلَقِ، وعَنْ بَعْضِ العُلَماءِ سِتَّ عَشْرَةَ، وزادَ سَجْدَةَ الحِجْرِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِواجِبٍ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ هو واجِبٌ ولا خِلافَ في أنَّ شَرْطَهُ شَرْطُ الصَّلاةِ مِن طَهارَةِ خَبَثٍ وحَدَثٍ ونِيَّةٍ واسْتِقْبالٍ ووَقْتٍ، إلّا ما رَوى البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو وابْنِ المُنْكَدِرِ عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ يَسْجُدُ عَلى غَيْرِ طَهارَةٍ، وذَهَبَ الشّافِعِيُّ وأحْمَدُ وإسْحاقُ إلى أنَّهُ يُكَبِّرُ ويَرْفَعُ اليَدَيْنِ، وقالَ مالِكٌ: يُكَبِّرُ لَها في الخَفْضِ والرَّفْعِ في الصَّلاةِ، وأمّا في غَيْرِ الصَّلاةِ فاخْتُلِفَ عَنْهُ ويُسَلِّمُ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ وإسْحاقُ: لا يُسَلِّمُ ووَقْتُها سائِرُ الأوْقاتِ مُطْلَقًا لِأنَّها صَلاةٌ بِسَبَبٍ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ وجَماعَةٍ، وقِيلَ: ما لَمْ يُسْفِرْ ولَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ، وقِيلَ: لا يَسْجُدُ بَعْدَ الصُّبْحِ ولا بَعْدَ العَصْرِ، وقِيلَ: بَعْدَ الصُّبْحِ لا بَعْدَ العَصْرِ، وثَلاثَةُ الأقْوالِ هَذِهِ في مَذْهَبِ مالِكٍ، وفي سُنَنِ ابْنِ ماجَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: كانَ يَقُولُ في سُجُودِ التِّلاوَةِ «اللَّهُمَّ احْطُطْ عَنِّي بِها وِزْرًا واكْتُبْ لِي بِها أجْرًا واجْعَلْها لِي عِنْدَكَ ذُخْرًا»، ومَشْهُورُ مَذْهَبِ مالِكٍ أنَّهُ لا يَسْجُدُ في الفَرِيضَةِ سِرًّا كانَتْ أوْ جَهْرًا، ومَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ واجِبٌ عَلى السّامِعِ قَصَدَ الِاسْتِماعَ أوْ لا. والحَمْدُ لِلَّهِ أوَّلًا وآخِرًا، وظاهِرًا وباطِنًا.
الأنفال 8:1
سُورَةُ الأنْفالِ خَمْسٌ وسَبْعُونَ آيَةً مَدَنِيَّةٌ
﷽
﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ فاتَّقُوا اللَّهَ وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكم وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢] ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [الأنفال: ٣] ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهم دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ومَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٤] ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ وإنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ [الأنفال: ٥] ﴿يُجادِلُونَكَ في الحَقِّ بَعْدَما تَبَيَّنَ كَأنَّما يُساقُونَ إلى المَوْتِ وهم يَنْظُرُونَ﴾ [الأنفال: ٦] ﴿وإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ أنَّها لَكم وتَوَدُّونَ أنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكم ويُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ ويَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ﴾ [الأنفال: ٧] ﴿لِيُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ الباطِلَ ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾ [الأنفال: ٨] ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكم فاسْتَجابَ لَكم أنِّي مُمِدُّكم بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩] ﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلّا بُشْرى ولِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكم وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ١٠] ﴿إذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أمَنَةً مِنهُ ويُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ ويُذْهِبَ عَنْكم رِجْزَ الشَّيْطانِ ولِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكم ويُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ﴾ [الأنفال: ١١] ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكم فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ﴾ [الأنفال: ١٢]
(p-٤٥٥)النَّفْلُ: الزِّيادَةُ عَلى الواجِبِ، وسُمِّيَتِ الغَنِيمَةُ بِهِ؛ لِأنَّها زِيادَةٌ عَلى القِيامِ بِحِمايَةِ الحَوْزَةِ، قالَ لَبِيَدٌ:
؎إنَّ تَقْوى رَبِّنا خَيْرُ نَفَلْ وبِإذْنِ اللَّهِ رَيْثِي وعَجَلْ
أيْ: خَيْرُ غَنِيمَةٍ، وقالَ غَيْرُهُ:
؎إنّا إذا احْمَرَّ الوَغى ذَوِي الغِنا ∗∗∗ ونَعِفُّ عِنْدَ مَقاسِمِ الأنْفالِ
الوَجَلُ: الفَزَعُ. الشَّوْكَةُ قالَ المُبَرِّدُ: السِّلاحُ، وأصْلُهُ مِنَ الشَّوْكِ: النَّبْتُ الَّذِي لَهُ خَرْبَشَةٌ، السِّلاحُ بِهِ يُقالُ: رَجُلٌ شاكِي السِّلاحِ، إذا كانَ حَدِيدَ السِّنانِ والنَّصْلِ، وأصْلُهُ شائِكُ، وهو اسْمُ فاعِلٍ مِنَ الشَّوْكَةِ، قالَ:
؎لَدى أسَدٍ شاكِي السِّلاحِ مُقَذَّفِ ∗∗∗ لَهُ لِبَدٌ أظْفارُهُ لَمْ تُقَلَّمِ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الشّاكِي والشّائِكُ جَمِيعًا ذُو الشَّوْكَةِ، وانْجَرَّ في سِلاحِهِ ويُوصَفُ بِهِ السِّلاحُ، كَما يُوصَفُ بِهِ الرَّجُلُ، قالَ:
؎وألْبَسُ مِن رِضاهُ في طَرِيقِي ∗∗∗ سِلاحًا يَذْعَرُ الأبْطالَ شاكا
ويُقالُ: رَجُلٌ شاكٍ، وسِلاحٌ شاكٍ وشاكٍ، فَشاكٍ أصْلُهُ شَوْكٌ، نَحْوَ: كَبْشٌ صافٍ، أيْ: صُوفٌ، وشاكٍ إمّا مَحْذُوفَةٌ أوْ مَقْلُوبٌ، وإيضاحُ هَذا في عِلْمِ النَّحْوِ. الِاسْتِغاثَةُ طَلَبُ الغَوْثِ والنَّصْرِ، غَوَثَ الرَّجُلُ، قالَ: واغَوْثاهُ، والِاسْمُ الغَوْثُ والغِواثُ والغَواثُ. وقِيلَ: الِاسْتِغاثَةُ طَلَبُ سُرِّ الخَلَّةِ وقْتَ الحاجَةِ؛ وقِيلَ: الِاسْتِجارَةُ. رَدَفَ وأرْدَفَ بِمَعْنًى واحِدٍ: تَبِعَ، ويُقالُ أرْدَفْتُهُ إيّاهُ، أيِ: اتَّبَعْتَهُ. العُنُقُ مَعْرُوفٌ وجَمْعُهُ في القِلَّةِ عَلى أعْناقٍ، وفي الكَثْرَةِ عَلى عُنُوقٍ. البَنانُ الأصابِعُ، وهو اسْمُ جِنْسٍ واحِدُهُ بَنانَةُ، وقالُوا فِيهِ: البَنامُ بِالمِيمِ بَدَلَ النُّونِ، قالَ رُؤْبَةُ:
؎يا سالَ ذاتَ المَنطِقِ التِّمْتامِ ∗∗∗ وكَفِّكِ المُخَضَّبِ البَنامِ
﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ فاتَّقُوا اللَّهَ وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكم وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ هَذِهِ السُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ كُلُّها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إلّا سَبْعَ آياتٍ، أوَّلُها: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٣٠] إلى آخِرِ الآياتِ. وقالَ مُقاتِلٌ غَيْرَ آيَةٍ واحِدَةٍ وهي: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٣٠] الآيَةَ، نَزَلَتْ في قِصَّةٍ وقَعَتْ بِمَكَّةَ، ويُمْكِنُ أنْ تَنْزِلَ الآيَةُ بِالمَدِينَةِ في ذَلِكَ، ولا خِلافَ أنَّها نَزَلَتْ في يَوْمِ بَدْرٍ وأمْرِ غَنائِمِهِ، وقَدْ طَوَّلَ المُفَسِّرُونَ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُما في تَعْيِينِ ما كانَ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ، ومُلَخَّصُها: أنَّ نُفُوسَ أهْلِ بَدْرٍ تَنافَرَتْ ووَقَعَ فِيها ما يَقَعُ في نُفُوسِ البَشَرِ مِن إرادَةِ الأثَرَةِ والِاخْتِصاصِ، ونَحْنُ لا نُسَمِّي مَن أبْلى ذَلِكَ اليَوْمَ فَنَزَلَتْ ورَضِيَ المُسْلِمُونَ وسَلَّمُوا، وأصْلَحَ اللَّهُ ذاتَ (p-٤٥٦)بَيْنِهِمْ، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ بِالأنْفالِ. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ وعَطاءٌ وابْنُ زَيْدٍ: يَعْنِي الغَنائِمَ مُجْمَلَةً، قالَ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ: كانَ هَذا الحُكْمُ مِنَ اللَّهِ لِدَفْعِ الشَّغَبِ، ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١] الآيَةَ. وقالَ أبُو زَيْدٍ: لا نَسْخَ، إنَّما أخْبَرَ أنَّ الغَنائِمَ لِلَّهِ مِن حَيْثُ هي مِلْكُهُ ورِزْقُهُ، ولِلرَّسُولِ مِن حَيْثُ هو مُبَيِّنٌ لِحُكْمِ اللَّهِ، والمُضارِعُ فِيها لِيَقَعَ التَّسْلِيمُ فِيها مِنَ النّاسِ، وحُكْمُ القِسْمَةِ قاتِلٌ خِلالَ ذَلِكَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الأنْفالُ في الآيَةِ ما يُعْطِيهِ الإمامُ لِمَن أرادَ مِن سَيْفٍ، أوْ فَرَسٍ، أوْ نَحْوِهِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ صالِحٍ وابْنُ جِنِّيٍّ والحَسَنُ: الأنْفالُ في الآيَةِ الخُمُسُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعَطاءٌ أيْضًا: الأنْفالُ في الآيَةِ ما شَذَّ مِن أمْوالِ المُشْرِكِينَ إلى المُسْلِمِينَ، كالفَرَسِ الغائِرِ والعَبْدِ الآبِقِ، وهو لِلنَّبِيِّ ﷺ يَصْنَعُ فِيهِ ما يَشاءُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الأنْفالُ في الآيَةِ ما أُصِيبَ مِن أمْوالِ المُشْرِكِينَ بَعْدَ قِسْمَةِ الغَنِيمَةِ. وهَذِهِ الأقْوالُ الأرْبَعَةُ مُخالَفَةٌ لِما تَظافَرَتْ عَلَيْهِ أسْبابُ النُّزُولِ المَرْوِيَّةُ، والجَيِّدُ هو القَوْلُ الأوَّلُ، وهو الَّذِي تَظاهَرَتِ الرِّواياتُ بِهِ، وقالَ الشَّعْبِيُّ: الأنْفالُ الأسْرى، وهَذا إنَّما هو مِنهُ عَلى جِهَةِ المِثالِ، وقَدْ طَوَّلَ ابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُ في أحْكامٍ ما يَنْقُلُهُ الإمامُ وحُكْمِ السَّلْبِ، ومَوْضُوعُ ذَلِكَ كُتُبُ الفِقْهِ، وضَمِيرُ الفاعِلِ في يَسْألُونَكَ لَيْسَ عائِدًا عَلى مَذْكُورٍ قَبْلَهُ، إنَّما يُفَسِّرُهُ وقْعَةُ بَدْرٍ، فَهو عائِدٌ عَلى مَن حَضَرَها مِنَ الصَّحابَةِ، وكَأنَّ السّائِلَ مَعْلُومٌ مُعَيَّنٌ ذَلِكَ اليَوْمَ فَعادَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِ، والخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ، والسُّؤالُ قَدْ يَكُونُ لِاقْتِضاءِ مَعْنًى في نَفْسِ المَسْؤُولِ فَيَتَعَدّى إذْ ذاكَ بِعْنَ، كَما قالَ:
؎سَلِي إنْ جَهِلْتِ النّاسَ عَنّا وعَنْهُمُ
وقالَ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ﴾ [الأعراف: ١٨٧]، ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، وكَذا هُنا: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ حُكْمِها ولِمَن تَكُونُ، ولِذَلِكَ جاءَ الجَوابُ: ﴿قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾، وقَدْ يَكُونُ السُّؤالُ لِاقْتِضاءِ مالٍ ونَحْوِهِ، فَيَتَعَدّى إذْ ذاكَ لِمَفْعُولَيْنِ، تَقُولُ: سَألْتُ زِيادًا مالًا، وقَدْ جَعَلَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ السُّؤالَ هُنا بِهَذا المَعْنى وادَّعى زِيادَةَ عَنْ، وأنَّ التَّقْدِيرَ: يَسْألُونَكَ الأنْفالَ، وهَذا لا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى ذَلِكَ، ويَنْبَغِي أنْ تُحْمَلَ قِراءَةُ مَن قَرَأ بِإسْقاطِ عَنْ عَلى إرادَتِها؛ لِأنَّ حَذْفَ الحَرْفِ وهو مُرادٌ مَعْنًى أسْهَلُ مِن زِيادَتِهِ لِغَيْرِ مَعْنًى غَيْرَ التَّوْكِيدِ، وهي قِراءَةُ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وعَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ ووَلَدَيْهِ زَيْدٍ ومُحَمَّدٍ الباقِرِ ووَلَدِهِ جَعْفَرٍ الصّادِقِ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ والضَّحّاكِ وطَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ. وقِيلَ: عَنْ بِمَعْنى مِن، أيْ: يَسْألُونَكَ مِنَ الأنْفالِ، ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى تَضْمِينِ الحَرْفِ مَعْنى الحَرْفِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: عَلَنْفالِ، نَقَلَ حَرَكَةَ الهَمْزَةِ إلى لامِ التَّعْرِيفِ وحَذَفَ الهَمْزَةَ واعْتَدَّ بِالحَرَكَةِ المُعارِضَةِ فَأدْغَمَ، نَحْوَ: وقَدْ تَبَيَّنَ لَكم، ومَعْنى: ﴿قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ لَيْسَ فِيها لِأحَدٍ مِنَ المُهاجِرِينَ ولا مِنَ الأنْصارِ، ولا فُوِّضَ إلى أحَدٍ بَلْ ذَلِكَ مُفَوَّضٌ لِلَّهِ عَلى ما يُرِيدُهُ ولِلرَّسُولِ حَيْثُ هو مُبَلِّغٌ عَنِ اللَّهِ الأحْكامَ، وأمَرَهم بِالتَّقْوى لِيَزُولَ عَنْهُمُ التَّخاصُمُ ويَصِيرُوا مُتَحابِّينَ في اللَّهِ وأمَرَ بِإصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَتْ بَيْنَهم مُبايَنَةٌ ومُباعَدَةٌ رُبَّما خِيفَ أنْ تُفْضِيَ بِهِمْ إلى فَسادِ ما بَيْنَهم مِنَ المَوَدَّةِ والمُعافاةِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى (ذاتَ) في قَوْلِهِ: ﴿بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الأنفال: ٤٣]، والبَيْنُ هُنا الفِراقُ والتَّباعُدُ، و(ذاتَ) هُنا نَعْتٌ لِمَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: وأصْلِحُوا أحْوالًا ذاتَ افْتِراقِكم، لَمّا كانَتِ الأحْوالُ مُلابِسَةً لِلْبَيْنِ أُضِيفَتْ صِفَتُها إلَيْهِ، كَما تَقُولُ: اسْقِنِي ذا إنائِكَ، أيْ: ماءُ صاحِبِ إنائِكَ، لَمًّا لابَسَ الماءُ الإناءَ وُصِفَ بِذا وأُضِيفَ إلى الإناءِ، والمَعْنى: اسْقِنِي ما في الإناءِ مِنَ الماءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذاتَ في هَذا المَوْضِعِ يُرادُ بِها نَفْسُ الشَّيْءِ وحَقِيقَتُهُ، والَّذِي يُفْهَمُ مِن بَيْنِكم هو مَعْنى يَعُمُّ جَمِيعَ الوَصْلِ والِالتِحاماتِ والمَوَدّاتِ، وذاتَ ذَلِكَ هو المَأْمُورُ بِإصْلاحِها، أيْ: نَفْسَهُ وعَيْنَهُ فَحَضَّ اللَّهُ عَلى إصْلاحِ تِلْكَ الأجْزاءِ، وإذا حَصَلَتْ تِلْكَ حَصَلَ إصْلاحُ ما يَعُمُّها، وهو البَيْنُ الَّذِي لَهم، وقَدْ (p-٤٥٧)تُسْتَعْمَلُ لَفْظَةُ الذّاتِ عَلى أنَّها لَزِيمَةُ ما يُضافُ إلَيْهِ وإنْ لَمْ يَكُنْ نَفْسَهُ وعَيْنَهُ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [المائدة: ٧] و﴿ذاتِ الشَّوْكَةِ﴾ [الأنفال: ٧]، ويُحْتَمَلُ ذاتُ البَيْنِ أنْ تَكُونَ هَذِهِ، وقَدْ يُقالُ: الذّاتُ أيْضًا بِمَعْنًى آخَرَ وإنْ كانَ يَقْرُبُ مِن هَذا، وهو قَوْلُهم: فَعَلْتُ كَذا ذاتَ يَوْمٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لا يَنْبَحُ الكَلْبُ فِيها غَيْرَ واحِدَةٍ ∗∗∗ ذاتَ العِشاءِ ولا تَسْرِي أفاعِيها
وذَكَرَ الطَّبَرِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: ذاتَ بَيْنِكُمُ: الحالَ الَّتِي بَيْنَكم، كَما ذاتَ العِشاءِ السّاعَةُ الَّتِي فِيها العِشاءُ، ووَجَّهَهُ الطَّبَرِيُّ، وهو قَوْلٌ بَيِّنُ الِانْتِقاضِ، انْتَهى، وتَلَخَّصَ أنَّ البَيْنَ يُطْلَقُ عَلى الفِراقِ ويُطْلَقُ عَلى الوَصْلِ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ هُنا، قالَ: ومِثْلُهُ ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] ويَكُونُ ظَرْفًا بِمَعْنى وسَطَ، ويُحْتَمَلُ ذاتَ أنْ تُضافَ لِكُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ المَعانِي، وإنَّما اخْتَرْنا في أنَّهُ بِمَعْنى الفِراقِ؛ لِأنَّ اسْتِعْمالَهُ فِيهِ أشْهَرُ مِنِ اسْتِعْمالِهِ في الوَصْلِ، ولِأنَّ إضافَةَ ذاتٍ إلَيْهِ أكْثَرُ مِن إضافَةِ ذاتٍ إلى بَيْنٍ الظَّرْفِيَّةِ؛ لِأنَّها لَيْسَتْ كَثِيرَةَ التَّصَرُّفِ، بَلْ تَصَرُّفُها كَتَصَرُّفِ أمامٍ وخَلْفٍ، وهو تَصَرُّفٌ مُتَوَسِّطٌ لَيْسَ بِكَثِيرٍ، وأمَرَ تَعالى أوَّلًا بِالتَّقْوى؛ لِأنَّها أصْلٌ لِلطّاعاتِ، ثُمَّ بِإصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أهَمُّ نَتائِجِ التَّقْوى في ذَلِكَ الوَقْتِ الَّذِي تَشاجَرُوا فِيهِ، ثُمَّ أمَرَ بِطاعَتِهِ وطاعَةِ رَسُولِهِ فِيما أمَرَكم بِهِ مِنَ التَّقْوى والإصْلاحِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ومَعْنى ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٨٥]، أيْ: كُنْتُمْ كامِلِي الإيمانِ، وتَسَنَّنَ هَنا الزَّمَخْشَرِيُّ واضْطَرَبَ، فَقالَ: وقَدْ جَعَلَ التَّقْوى وإصْلاحَ ذاتِ البَيْنِ وطاعَةَ اللَّهِ تَعالى والرَّسُولِ ﷺ مِن لَوازِمِ الإيمانِ ومُوجِباتِهِ، لِيُعْلِمَهم أنَّ كَمالَ الإيمانِ مَوْقُوفٌ عَلى التَّوَفُّرِ عَلَيْها، ومَعْنى ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٨٥] إنْ كُنْتُمْ كامِلِي الإيمانِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: كَما يَقُولُ الرَّجُلُ: إنْ كُنْتَ رَجُلًا فافْعَلْ كَذا، أيْ: إنْ كَنْتَ كامِلَ الرُّجُولِيَّةِ، قالَ: وجَوابُ الشَّرْطِ في قَوْلِهِ المُتَقَدِّمِ ﴿وأطِيعُوا﴾ [الأنفال: ٤٦] هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، ومَذْهَبُ أبِي العَبّاسِ أنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ مُتَأخِّرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المُتَقَدِّمُ، تَقْدِيرُهُ: إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أُطِيعُوا، ومَذْهَبُهُ في هَذا أنْ لا يَتَقَدَّمَ الجَوابُ عَلى الشَّرْطِ، انْتَهى. والَّذِي قالَهُ مُخالِفٌ لِكَلامِ النُّحاةِ، فَإنَّهم يَقُولُونَ: إنَّ مَذْهَبَ سِيبَوَيْهِ أنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ، وأنَّ مَذْهَبَ أبِي العَبّاسِ وأبِي زَيْدٍ الأنْصارِيِّ والكُوفِيِّينَ جَوازُ تَقْدِيمِ جَوابِ الشَّرْطِ عَلَيْهِ، وهَذا النَّقْلُ هو الصَّحِيحُ.
الأنفال 8:2
﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ قُرِئَ: وجَلَتْ، بِفَتْحِ الجِيمِ، وهي لُغَةٌ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: فَرِقَتْ، وقَرَأ أُبَيٌّ: فَزِعَتْ، ويَنْبَغِي أنْ تُحْمَلَ هاتانِ القِراءَتانِ عَلى التَّفْسِيرِ، ولَمّا كانَ مَعْنى: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٨٥]، قالَ: إنَّما المُؤْمِنُونَ، أيِ: الكامِلُو الإيمانِ، ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم بِمَوْصُولٍ وُصِلَ بِثَلاثِ مَقاماتٍ عَظِيمَةٍ: مَقامِ الخَوْفِ، ومَقامِ زِيادَةِ الإيمانِ، ومَقامِ التَّوَكُّلِ، ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: ﴿إذا ذُكِرَ اللَّهُ﴾ إنْ يُذْكَرِ اسْمُهُ ويُلْفَظْ بِهِ تَفْزَعْ قُلُوبُهم لِذِكْرِهِ اسْتِعْظامًا لَهُ وتَهَيُّبًا وإجْلالًا، ويَكُونُ هَذا الذِّكْرُ مُخالِفًا لِلذِّكْرِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣]؛ لِأنَّ ذِكْرَ اللَّهِ هُناكَ رَأْفَتُهُ ورَحْمَتُهُ وثَوابُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ اللَّهِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ذُكِرَتْ عَظَمَةُ اللَّهِ وقُدْرَتُهُ وما خَوَّفَ بِهِ مَن عَصاهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ، وقالَ السُّدِّيُّ: هو الرَّجُلُ يَهُمُّ بِالمَعْصِيَةِ فَيَذْكُرُ اللَّهَ فَيَفْزَعُ عَنْها، وفي الحَدِيثِ في السَّبْعِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَحْتَ ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلّا ظِلُّهُ: «ورَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأةُ ذاتُ جِمالٍ ومَنصِبٍ، فَقالَ: إنِّي أخافُ اللَّهَ»، ومَعْنى زادَتْهم إيمانًا، أيْ: يَقِينًا وتَثْبِيتًا؛ لِأنَّ تَظاهُرَ الأدِلَّةِ وتَظافُرَها أقْوى عَلى الطُّمَأْنِينَةِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ وأرْسَخُ لِقَدَمِهِ. وقِيلَ: المَعْنى أنَّهُ إذا كانَ لَمْ يَسْمَعْ حُكْمًا مِن أحْكامِ القُرْآنِ مُنَزَّلٌ لِلنَّبِيِّ (p-٤٥٨)ﷺ فَآمَنَ بِهِ زادَ إيمانًا إلى سائِرِ ما قَدْ آمَنَ بِهِ؛ إذْ لِكُلِّ حُكْمٍ تَصْدِيقٌ خاصٌّ، ولِهَذا قالَ مُجاهِدٌ: عَبَّرَ بِزِيادَةِ الإيمانِ عَنْ زِيادَةِ العِلْمِ وأحْكامِهِ. وقِيلَ: زِيادَةُ الإيمانِ كِنايَةٌ عَنْ زِيادَةِ العَمَلِ، وعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ أنَّ لِلْإيمانِ سُنَّةً وفَرائِضَ وشَرائِعَ، فَمَنِ اسْتَكْمَلَها اسْتَكْمَلَ الإيمانَ؛ وقِيلَ: هَذا في الظّالِمِ يُوعَظُ فَيُقالُ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ، فَيُقْلِعُ فَيَزِيدُهُ ذَلِكَ إيمانًا، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ داخِلٌ في صِلَةِ الَّذِينَ كَما قُلْنا قَبْلُ؛ وقِيلَ: هو مُسْتَأْنَفٌ وتَرْتِيبُ هَذِهِ المَقاماتِ أحْسَنُ تَرْتِيبٍ، فَبَدَأ بِمَقامِ الخَوْفِ إمّا خَوْفُ الإجْلالِ والهَيْبَةِ، وإمّا خَوْفُ العِقابِ، ثُمَّ ثانِيًا: بِالإيمانِ بِالتَّكالِيفِ الوارِدَةِ، ثُمَّ ثالِثًا: بِالتَّفْوِيضِ إلى اللَّهِ والِانْقِطاعِ إلَيْهِ ورُخْصِ ما سِواهُ.
﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ الأحْسَنُ أنْ يَكُونَ: (الَّذِينَ) صِفَةً لِلَّذِينَ السّابِقَةِ حَتّى تَدْخُلَ في حَيِّزِ الجُزْئِيَّةِ، فَيَكُونَ ذَلِكَ إخْبارًا عَنِ المُؤْمِنِينَ بِثَلاثٍ: الصِّفَةِ القَلْبِيَّةِ، وعَنْهم بِالصِّفَةِ البَدَنِيَّةِ، والصِّفَةِ المالِيَّةِ، وجَمَعَ أفْعالَ القُلُوبِ لِأنَّها أشْرَفُ، وجَمَعَ في أفْعالِ الجَوارِحِ بَيْنَ الصَّلاةِ والصَّدَقَةِ؛ لِأنَّهُما عَمُودا أفْعالٍ، وأجازَ الحَوْفِيُّ والتَّبْرِيزِيُّ أنْ يَكُونَ: (الَّذِينَ) بَدَلًا مِنَ الَّذِينَ، وأنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هُمُ الَّذِينَ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ عامٌّ في الزَّكاةِ ونَوافِلِ الصَّدَقاتِ وصِلاتِ الرَّحِمِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَبارِّ المالِيَّةِ، وقَدْ خَصَّ ذَلِكَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ بِالزَّكاةِ لِاقْتِرانِها بِالصَّلاةِ.
﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: حَقًّا مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، كَذا نَصَّ عَلَيْهِ سِيبَوَيْهِ، وهو المَصْدَرُ غَيْرُ المُنْتَقِلِ والعامِلُ فِيهِ أحَقَّ ذَلِكَ حَقًّا، انْتَهى، ومَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ تَأْكِيدٌ لِما تَضَمَّنَتْهُ الجُمْلَةُ مِنَ الإسْنادِ الخَبَرِيِّ، وأنَّهُ لا مَجازَ في ذَلِكَ الإسْنادِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: حَقًّا صِفَةٌ لِلْمَصْدَرِ المَحْذُوفِ، أيْ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ﴾ إيمانًا حَقًّا، وهو مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي هي ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ﴾، كَقَوْلِهِ: هو عَبْدُ اللَّهِ حَقًّا، أيْ: حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا. وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ سَألَهُ رَجُلٌ: أمُؤْمِنٌ أنْتَ ؟ قالَ: الإيمانُ إيمانانِ، فَإنْ كُنْتَ تَسْألُنِي عَنِ الإيمانِ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ والجَنَّةِ والنّارِ والبَعْثِ والحِسابِ، فَأنا مُؤْمِنٌ، وإنْ كُنْتَ تَسْألُنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ﴾ فَواللَّهِ لا أدْرِي أمِنهم أنا أمْ لا، وأبْعَدَ مَن زَعَمَ أنَّ الكَلامَ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ﴾، وأنَّ حَقًّا مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ، أيْ: حَقًّا لَهم دَرَجاتٌ، وهَذا لِأنَّ انْتِصابَ حَقًّا عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ عَنْ تَمامِ جُمْلَةِ الِابْتِداءِ بِمَكانِ التَّأْخِيرِ عَنْها؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ فَلا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ، وقَدْ أجازَهُ بَعْضُهم، وهو ضَعِيفٌ.
﴿لَهم دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ومَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ لَمّا تَقَدَّمَتْ ثَلاثُ صِفاتٍ: قَلْبِيَّةٌ وبَدَنِيَّةٌ ومالِيَّةٌ، تَرَتَّبَ عَلَيْها ثَلاثَةُ أشْياءَ، فَقُوبِلَتِ الأعْمالُ القَلْبِيَّةُ بِالدَّرَجاتِ، والبَدَنِيَّةُ بِالغُفْرانِ، وفي الحَدِيثِ «أنَّ رَجُلًا أتى مِنِ امْرَأةٍ أجْنَبِيَّةٍ ما يَأْتِيهِ الرَّجُلُ مِن أهْلِهِ غَيْرَ الوَطْءِ، فَسَألَهُ الرَّسُولُ ﷺ لَمّا أُخْبِرَ بِذَلِكَ: أصَلَّيْتَ مَعَنا ؟ فَقالَ نَعَمْ، فَقالَ لَهُ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ»، وقُوبِلَتِ المالِيَّةُ بِالرِّزْقِ بِالكَرِيمِ، وهَذا النَّوْعُ مِنَ المُقابَلَةِ مِن بَدِيعِ عِلْمِ البَيانِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ والجُمْهُورُ: إنَّ المُرادَ مَراتِبُ الجَنَّةِ ومَنازِلُها ودَرَجاتُها عَلى قَدْرِ أعْمالِهِمْ، وحَكى الطَّبَرِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّها دَرَجاتُ أعْمالِ الدُّنْيا، وقَوْلُهُ: ﴿ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ يُرِيدُ بِهِ مَآكِلَ الجَنَّةِ ومَشارِبَها، وكَرِيمٌ صِفَةٌ تَقْتَضِي رَفْعَ المَقامِ، كَقَوْلِهِ: ثَوْبٌ كِرِيمٌ وحَسَبٌ كَرِيمٌ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: دَرَجاتُ شَرَفٍ وكَرامَةٌ، وعُلُوُّ مَنزِلَةٍ ومَغْفِرَةٌ، وتَجاوُزٌ لِسَيِّئاتِهِمْ، ورِزْقٌ كَرِيمٌ، ونَعِيمُ الجَنَّةِ يَعْنِي مَنافِعَ حَسَنَةً دائِمَةً عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ، وهَذا مَعْنى الثَّوابِ، انْتَهى. وقالَ عَطاءٌ: دَرَجاتُ الجَنَّةِ يَرْتَقُونَها بِأعْمالِهِمْ، وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: سَبْعُونَ دَرَجَةً ما بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ حِصْنُ الفَرَسِ (p-٤٥٩)المُضْمَرِ سَبْعِينَ سَنَةً؛ وقِيلَ: مَراتِبُ، ومَنازِلُ في الجَنَّةِ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، وفي الحَدِيثِ أنَّ «أهْلَ الجَنَّةِ لَيَتَراءَوْنَ أهْلَ الغُرَفِ كَما يَتَراءى الكَوْكَبُ الدُّرِّيُّ»، وثَلاثَةُ الأقْوالِ هَذِهِ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ أُرِيدَ الدَّرَجاتُ حَقِيقَةً، وعَنْ مُجاهِدٍ دَرَجاتُ أعْمالٍ رَفِيعَةٌ.
﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ وإنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ يُجادِلُونَكَ في الحَقِّ بَعْدَما تَبَيَّنَ كَأنَّما يُساقُونَ إلى المَوْتِ وهم يَنْظُرُونَ﴾ اضْطَرَبَ المُفَسِّرُونَ في قَوْلِهِ: ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ﴾ واخْتَلَفُوا عَلى خَمْسَةَ عَشَرَ قَوْلًا. أحَدُها: أنَّ الكافَ بِمَعْنى واوِ القَسَمِ وما بِمَعْنى الَّذِي واقِعَةٌ عَلى ذِي العِلْمِ، وهو اللَّهُ، كَما وقَعَتْ في قَوْلِهِ: ﴿وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [الليل: ٣] وجَوابُ القَسَمِ ﴿يُجادِلُونَكَ﴾، والتَّقْدِيرُ: واللَّهِ الَّذِي أخْرَجَكَ مِن بَيْتِكَ يُجادِلُونَكَ في الحَقِّ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وكانَ ضَعِيفًا في عِلْمِ النَّحْوِ، وقالَ الكِرْمانِيُّ: هَذا سَهْوٌ، وقالَ (p-٤٦٠)ابْنُ الأنْبارِيِّ: الكافُ لَيْسَتْ مِن حُرُوفِ القَسَمِ، انْتَهى. وفِيهِ أيْضًا أنَّ جَوابَ القَسَمِ بِالمُضارِعِ المُثْبَتِ جاءَ بِغَيْرِ لامٍ ولا نُونِ تَوْكِيدٍ، ولا بُدَّ مِنهُما في مِثْلِ هَذا عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، أوْ مِن مُعاقَبَةِ أحَدِهِما الآخَرَ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، أمّا خُلُوُّهُ عَنْهُما أوْ أحَدِهِما، فَهو قَوْلٌ مُخالِفٌ لِما أجْمَعَ عَلَيْهِ الكُوفِيُّونَ والبَصْرِيُّونَ، القَوْلُ الثّانِي: أنَّ الكافَ بِمَعْنى إذْ وما زائِدَةٌ، تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ إذْ أخْرَجَكَ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ أنَّ الكافَ تَكُونُ بِمَعْنى إذْ في لِسانِ العَرَبِ، ولَمْ يَثْبُتْ أنَّ ما تُزادُ بَعْدَ هَذا غَيْرَ الشَّرْطِيَّةِ، وكَذَلِكَ لا تُزادُ ما ادُّعِيَ أنَّهُ بِمَعْناها، القَوْلُ الثّالِثُ: الكافُ بِمَعْنى عَلى وما بِمَعْنى الَّذِي، تَقْدِيرُهُ: امْضِ عَلى الَّذِي أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ أنَّ الكافَ تَكُونُ بِمَعْنى عَلى، ولِأنَّهُ يَحْتاجُ المَوْصُولُ إلى عائِدٍ، وهو لا يَجُوزُ أنْ يُحْذَفَ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ، القَوْلُ الرّابِعُ: قالَ عِكْرِمَةُ: التَّقْدِيرُ: وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، كَما أخْرَجَكَ في الطّاعَةِ خَيْرٌ لَكم، كَما كانَ إخْراجُكَ خَيْرًا لَهُمُ، القَوْلُ الخامِسُ: قالَ الكِسائِيُّ وغَيْرُهُ، كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ عَلى كَراهَةٍ مِن فَرِيقٍ مِنهم، كَذَلِكَ يُجادِلُونَكَ في قِتالِ كُفّارِ مَكَّةَ، ويَوَدُّونَ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّكَ (p-٤٦١)إنَّما تَفْعَلُ ما أُمِرْتَ بِهِ لا ما يُرِيدُونَ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والتَّقْدِيرُ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ: يُجادِلُونَكَ في الحَقِّ مُجادَلَةً لِكَراهَتِهِمْ إخْراجَ رَبِّكَ إيّاكَ مِن بَيْتِكَ، فالمُجادَلَةُ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ بِمَثابَةِ الكَراهَةِ، وكَذا وقَعَ التَّشْبِيهُ في المَعْنى، وقائِلُ هَذِهِ المَقالَةِ يَقُولُ: إنَّ المُجادِلِينَ هُمُ المُشْرِكُونَ، القَوْلُ السّادِسُ: قالَ الفَرّاءُ: التَّقْدِيرُ امْضِ لِأمْرِكَ في الغَنائِمِ ونَفِّلْ مَن شِئْتَ إنْ كَرِهُوا كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ، انْتَهى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والعِبارَةُ بِقَوْلِهِ: امْضِ لِأمْرِكَ ونَفِّلْ مَن شِئْتَ غَيْرُ مُحَرَّرَةٍ، وتَحْرِيرُ هَذا المَعْنى عِنْدِي أنْ يُقالَ: هَذِهِ الكافُ شَبَّهَتْ هَذِهِ القِصَّةَ الَّتِي هي إخْراجُهُ مِن بَيْتِهِ بِالقِصَّةِ المُتَقَدِّمَةِ الَّتِي هي سُؤالُهم عَنِ الأنْفالِ، كَأنَّهم سَألُوا عَنِ النَّفْلِ وتَشاجَرُوا فَأخْرَجَ اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهم فَكانَتْ هَذِهِ الخِيَرَةُ، كَما كَرِهُوا في هَذِهِ القِصَّةِ انْبِعاثَ النَّبِيِّ ﷺ بِإخْراجِهِ اللَّهُ مِن بَيْتِهِ، فَكانَتْ في ذَلِكَ الخِيَرَةُ وتَشاجُرُهم في النَّفْلِ بِمَثابَةِ كَراهِيَتِهِمْ هاهُنا الخُرُوجَ، وحُكْمَ اللَّهِ في النَّفْلِ بِأنَّهُ لِلَّهِ والرَّسُولِ، فَهو بِمَثابَةِ إخْراجِهِ نَبِيَّهُ مِن بَيْتِهِ، ثُمَّ كانَتِ الخِيَرَةُ في القِصَّتَيْنِ مِمّا صَنَعَ اللَّهُ، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿يُجادِلُونَكَ﴾ كَلامًا مُسْتَأْنَفًا يُرادُ بِهِ الكُفّارُ، أيْ: يُجادِلُونَكَ في شَرِيعَةِ الإسْلامِ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ الحَقُّ (p-٤٦٢)فِيها، كَأنَّما يُساقُونَ إلى المَوْتِ في الدُّعاءِ إلى الإيمانِ، وهَذا الَّذِي ذَكَرْتُ مِن أنَّ يُجادِلُونَكَ في الكُفّارِ مَنصُوصٌ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَهَذانَ قَوْلانِ مُطَّرِدانِ يَتِمُّ بِهِما المَعْنى ويَحْسُنُ وصْفُ اللَّفْظِ، انْتَهى. ونَعْنِي بِالقَوْلَيْنِ قَوْلَ الفَرّاءِ وقَوْلَ الكِسائِيِّ، وقَدْ كَثُرَ الكَلامُ في هاتَيْنِ المَقالَتَيْنِ، ولا يَظْهَرانِ، ولا يَلْتَئِمانِ مِن حَيْثُ دَلالَةِ العاطِفِ، القَوْلُ السّابِعُ: قالَ الأخْفَشُ: الكافُ نَعْتٌ لِحَقًّا، والتَّقْدِيرُ: هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا كَما أخْرَجَكَ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والمَعْنى عَلى هَذا التَّأْوِيلِ كَما زادَ لا يَتَناسَقُ، القَوْلُ الثّامِنُ أنَّ الكافَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، والتَّقْدِيرُ: كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ فاتَّقُوا اللَّهَ، كَأنَّهُ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا المَعْنى وضَعَهُ هَذا المُفَسِّرُ، ولَيْسَ مِن ألْفاظِ الآيَةِ في وِرْدٍ ولا صَدْرٍ، القَوْلُ التّاسِعُ: قالَ الزَّجّاجُ: الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، والتَّقْدِيرُ: الأنْفالُ ثابِتَةٌ لِلَّهِ ثَباتًا، كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ، وهَذا الفِعْلُ أخَذَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وحَسَّنَهُ. فَقالَ يَنْتَصِبُ عَلى أنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ في قَوْلِهِ: ﴿الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١]، أيِ: الأنْفالُ اسْتَقَرَّتْ لِلَّهِ والرَّسُولِ وثَبَتَتْ مَعَ كَراهَتِهِمْ ثَباتًا، مِثْلَ ثَباتِ إخْراجِ رَبِّكَ إيّاكَ مِن بَيْتِكَ وهم كارِهُونَ، انْتَهى، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ لِكَثْرَةِ الفَصْلِ بَيْنَ المُشَبَّهِ والمُشَبَّهِ بِهِ، ولا يَظْهَرُ كَبِيرُ مَعْنًى لِتَشْبِيهِ هَذا بِهَذا، بَلْ لَوْ كانا مُتَقارِبَيْنِ لَمْ يَظْهَرْ لِلتَّشْبِيهِ كَبِيرُ فائِدَةٍ، القَوْلُ العاشِرُ: أنَّ الكافَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، والتَّقْدِيرُ: لَهم دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ومَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ هَذا وعْدُ حَقٍّ كَما أخْرَجَكَ، وهَذا في حَذْفِ مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ، ولَوْ صَرَّحَ بِذَلِكَ لَمْ يَلْتَئِمِ التَّشْبِيهُ ولَمْ يَحْسُنِ، القَوْلُ الحادِيَ عَشَرَ: أنَّ الكافَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ أيْضًا، والمَعْنى: وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكم ذَلِكم خَيْرٌ لَكم كَما أخْرَجَكَ، فالكافُ نَعْتٌ لِخَبَرِ ابْتِداءٍ مَحْذُوفٍ، وهَذا أيْضًا فِيهِ حَذْفٌ وطُولٌ، فَصَلَ بَيْنَ قَوْلِهِ: وأصْلِحُوا وبَيْنَ كَما أخْرَجَكَ، القَوْلُ الثّانِي عَشَرَ: أنَّهُ شَبَّهَ كَراهِيَةَ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِخُرُوجِهِ مِنَ المَدِينَةِ حِينَ تَحَقَّقُوا خُرُوجَ قُرَيْشٍ لِلدَّفْعِ عَنْ أبِي سُفْيانَ وحِفْظِ غَيْرِهِ بِكَراهِيَتِهِمْ نَزْعَ الغَنائِمِ مِن أيْدِيهِمْ وجَعْلَها لِلرَّسُولِ، أوِ التَّنْفِيلَ مِنها، وهَذا القَوْلُ أخَذَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وحَسَّنَهُ، فَقالَ: يَرْتَفِعُ مَحَلُّ الكافِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: هَذا الحالُ كَحالِ إخْراجِكَ، يَعْنِي أنَّ حالَهم في كَراهَةِ ما رَأيْتَ مِن تَنْفِيلِ القِراءَةِ، مِثْلَ حالِهِمْ في كَراهَةِ خُرُوجِهِمْ لِلْحَرْبِ، وهَذا النَّهْيُ قالَهُ هَذا القائِلُ، وحَسَّنَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، هو ما فَسَّرَ بِهِ ابْنُ عَطِيَّةَ قَوْلَ الفَرّاءِ بِقَوْلِهِ: هَذِهِ الكافُ شَبَّهَتْ هَذِهِ القِصَّةَ الَّتِي هي إخْراجُهُ مِن بَيْتِهِ بِالقِصَّةِ المُتَقَدِّمَةِ الَّتِي هي سُؤالُهم عَنِ الأنْفالِ إلى آخِرِ كَلامِهِ، القَوْلُ الثّالِثَ عَشَرَ أنَّ المَعْنى: قِسْمَتُكَ لِلْغَنائِمِ حَقٌّ كَما كانَ خُرُوجُكَ حَقًّا؛ القَوْلُ الرّابِعَ عَشَرَ: أنَّ التَّشْبِيهَ وقَعَ بَيْنَ إخْراجَيْنِ، أيْ: إخْراجُكَ رَبُّكَ إيّاكَ مِن بَيْتِكَ، وهو مَكَّةُ وأنْتَ كارِهٌ لِخُرُوجِكَ، وكانَتْ عاقِبَةُ ذَلِكَ الخَيْرَ والنَّصْرَ والظَّفَرَ كَإخْراجِ رَبِّكَ إيّاكَ مِنَ المَدِينَةِ، وبَعْضُ المُؤْمِنِينَ كارِهٌ يَكُونُ عَقِيبُ ذَلِكَ الظَّفَرَ والنَّصْرَ، القَوْلُ الخامِسَ عَشَرَ: الكافُ لِلتَّشْبِيهِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، كَقَوْلِ القائِلِ لِعَبْدِهِ: كَما وجَّهْتُكَ إلى أعْدائِي فاسْتَضْعَفُوكَ وسَألْتَ مَدَدًا فَأمْدَدْتُكَ وقَوَّيْتُكَ وأزَحْتُ عِلَلَكَ فَخُذْهُمُ الآنَ فَعاقِبْهم بِكَذا، وكَما كَسَوْتُكَ وأجْرَيْتُ عَلَيْكَ الرِّزْقَ فاعْمَلْ كَذا، وكَما أحْسَنْتُ إلَيْكَ ما شَكَرْتَنِي عَلَيْهِ، فَتَقْدِيرُ الآيَةِ: كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ، وغَشّاكُمُ النُّعاسَ أمَنَةً مِنهُ، يَعْنِي بِهِ إيّاهُ ومَن مَعَهُ، وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ، وأنْزَلَ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ مَلائِكَةً مُرْدِفِينَ فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ، كَأنَّهُ يَقُولُ قَدْ أزَحْتُ عِلَلَكم وأمْدَدْتُكم بِالمَلائِكَةِ، فاضْرِبُوا مِنهم هَذِهِ المَواضِعَ، وهو القَتْلُ لِتَبْلُغُوا مُرادَ اللَّهِ في إحْقاقِ الحَقِّ وإبْطالِ الباطِلِ، ومُلَخَّصُ هَذا القَوْلِ الطَّوِيلِ أنَّ: ﴿كَما أخْرَجَكَ﴾ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: فاضْرِبُوا، وفِيهِ مِنَ الفَصْلِ والبُعْدِ ما لا خَفاءَ بِهِ، وقَدِ انْتَهى ذِكْرُ هَذِهِ الأقْوالِ الخَمْسَةَ عَشَرَ الَّتِي وقَفْنا عَلَيْها.
ومَن دَفَعَ إلى (p-٤٦٣)حَوْكِ الكَلامِ وتَقَلَّبَ في إنْشاءِ أفانِينِهِ وزاوَلِ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ لَمْ يَسْتَحْسِنْ شَيْئًا مِن هَذِهِ الأقْوالِ، وإنْ كانَ بَعْضُ قائِلِها لَهُ إمامَةٌ في عِلْمِ النَّحْوِ ورُسُوخُ قَدَمٍ، لَكِنَّهُ لَمْ يَحْتَطْ بِلَفْظِ الكَلامِ، ولَمْ يَكُنْ في طَبْعِهِ صَوْغُهُ أحْسَنَ صَوْغٍ، ولا التَّصَرُّفُ في النَّظَرِ فِيهِ مِن حَيْثُ الفَصاحَةِ وما بِهِ يَظْهَرُ الإعْجازُ. وقَبْلَ تَسْطِيرِ هَذِهِ الأقْوالِ هُنا وقَعْتُ عَلى جُمْلَةٍ مِنها فَلَمْ يَلْقَ لِخاطِرِي مِنها شَيْءٌ، فَرَأيْتُ في النَّوْمِ أنَّنِي أمْشِي في رَصِيفٍ ومَعِي رَجُلٌ أُباحِثُهُ في قَوْلِهِ: ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ﴾ فَقُلْتُ لَهُ: ما مَرَّ بِي شَيْءٌ مُشْكِلٌ مِثْلُ هَذا، ولَعَلَّ ثَمَّ مَحْذُوفًا يَصِحُّ بِهِ المَعْنى، وما وقَفْتُ فِيهِ لِأحَدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى شَيْءٍ طائِلٍ، ثُمَّ قُلْتُ لَهُ: ظَهَرَ لِيَ السّاعَةَ تَخْرِيجُهُ، وإنَّ ذَلِكَ المَحْذُوفَ هو: نَصَرَكَ، واسْتَحْسَنْتُ أنا وذَلِكَ الرَّجُلُ هَذا التَّخْرِيجَ، ثُمَّ انْتَبَهْتُ مِنَ النَّوْمِ وأنا أذْكُرُهُ، والتَّقْدِيرُ: فَكَأنَّهُ قِيلَ: ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ﴾، أيْ: بِسَبَبِ إظْهارِ دِينِ اللَّهِ وإعْزازِ شَرِيعَتِهِ وقَدْ كَرِهُوا خُرُوجَكَ تَهَيُّبًا لِلْقِتالِ وخَوْفًا مِنَ المَوْتِ؛ إذْ كانَ أمْرُ النَّبِيِّ ﷺ لِخُرُوجِهِمْ بَغْتَةً، ولَمْ يَكُونُوا مُسْتَعِدِّينَ لِلْخُرُوجِ وجادَلُوكَ في الحَقِّ بَعْدَ وُضُوحِهِ نَصَرَكَ اللَّهُ وأمَدَّكَ بِمَلائِكَتِهِ ودَلَّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ الكَلامُ الَّذِي بَعْدَهُ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكم فاسْتَجابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٩] الآياتِ، ويَظْهَرُ أنَّ الكافَ في هَذا التَّخْرِيجِ المَنامِيِّ لَيْسَتْ لِمَحْضِ التَّشْبِيهِ بَلْ فِيها مَعْنى التَّعْلِيلِ، وقَدْ نَصَّ النَّحْوِيُّونَ عَلى أنَّها قَدْ تُحْدِثُ فِيها مَعْنى التَّعْلِيلِ وخَرَّجُوا عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] وأنْشَدُوا:
؎لا تَشْتُمِ النّاسَ كَما لا تُشْتَمِ
أيْ لِانْتِفاءِ أنْ يَشْتُمَكَ النّاسُ لا تَشْتُمْهم، ومِنَ الكَلامِ الشّائِعِ عَلى هَذا المَعْنى، كَما تُطِيعُ اللَّهَ يُدْخِلُكَ الجَنَّةَ، أيْ: لِأجْلِ طاعَتِكَ اللَّهَ يُدْخِلُكَ الجَنَّةَ، فَكانَ المَعْنى: إنْ خَرَجْتَ لِإعْزازِ دِينِ اللَّهِ وقَتْلِ أعْدائِهِ نَصَرَكَ اللَّهُ وأمَدَّكَ بِالمَلائِكَةِ، والواوُ في وإنَّ فَرِيقًا واوُ الحالِ، والظّاهِرُ أنَّ مِن بَيْتِكَ هو مَقامُ سُكْناهُ؛ وقِيلَ: المَدِينَةُ؛ لِأنَّها مُهاجَرُهُ ومُخْتَصَّةٌ بِهِ؛ وقِيلَ: مَكَّةُ، وفِيهِ بُعْدٌ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ هَذا إخْبارٌ عَنْ خُرُوجِهِ إلى بَدْرٍ، فَصَرْفُهُ إلى الخُرُوجِ مِن مَكَّةَ لَيْسَ بِظاهِرٍ، ومَفْعُولُ لَكارِهُونَ هو الخُرُوجُ، أيْ: لَكارِهُونَ الخُرُوجَ مَعَكَ، وكَراهَتُهم ذَلِكَ إمّا لِنَفْرَةِ الطَّبْعِ، أوْ لِأنَّهم لَمْ يُسْتَنْفَرُوا، أوِ العُدُولُ مِنَ العِيرِ إلى النَّفِيرِ لِما في ذَلِكَ مِن قُوَّةِ أخْذِ الأمْوالِ، ولِما في هَذا مِنَ القَتْلِ والقِتالِ، أوْ لِتَرْكِ مَكَّةَ ودِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ، أقْوالٌ أرْبَعَةٌ: والظّاهِرُ أنَّ ضَمِيرَ الرَّفْعِ في يُجادِلُونَكَ عائِدٌ عَلى فَرِيقِ المُؤْمِنِينَ الكارِهِينَ، وجِدالُهم قَوْلُهم: ما كانَ خُرُوجُنا إلّا لِلْعِيرِ ولَوْ عَرَفْنا لاسْتَعْدَدْنا لِلْقِتالِ، والحَقُّ هُنا نُصْرَةُ دِينِ الإسْلامِ؛ وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى المُشْرِكِينَ، وجِدالُهم في الحَقِّ هو في شَرِيعَةِ الإسْلامِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: بُعْدَ ما بَيَّنَ، بِضَمِّ الباءِ مِن غَيْرِ تاءٍ، وفي قَوْلِهِ: بَعْدَ ما تَبَيَّنَ إنْكارٌ عَظِيمٌ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ مَن جادَلَ في شَيْءٍ لَمْ يَتَّضِحْ كانَ أخَفَّ عَتْبًا، أمّا مَن نازَعَ في أمْرٍ واضِحٍ، فَهو جَدِيرٌ بِاللَّوْمِ والإنْكارِ، ثُمَّ شَبَّهَ حالَهم في فَرْطِ فَزَعِهِمْ، وهم يُسارُ بِهِمْ إلى الظَّفَرِ والغَنِيمَةِ بِحالِ مَن يُساقُ عَلى الصَّفا إلى المَوْتِ، وهو مُشاهِدٌ لِأسْبابِهِ ناظِرٌ إلَيْها لا يَشُكُّ فِيها؛ وقِيلَ: كانَ خَوْفُهم لِقِلَّةِ العَدَدِ وأنَّهم كانُوا رَجّالَةً، ورُوِيَ أنَّهُ ما كانَ فِيهِمْ إلّا فارِسانِ، وكانُوا ثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ، وكانَ المُشْرِكُونَ في نَحْوِ ألْفِ رَجُلٍ، وقِصَّةُ بَدْرٍ هَذِهِ مُسْتَوْعَبَةٌ في كِتابِ السِّيَرِ، وقَدْ لَخَّصَ مِنها الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ ما يُوقَفُ عَلَيْهِ في كِتابَيْهِما.
الأنفال 8:3
﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ قُرِئَ: وجَلَتْ، بِفَتْحِ الجِيمِ، وهي لُغَةٌ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: فَرِقَتْ، وقَرَأ أُبَيٌّ: فَزِعَتْ، ويَنْبَغِي أنْ تُحْمَلَ هاتانِ القِراءَتانِ عَلى التَّفْسِيرِ، ولَمّا كانَ مَعْنى: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٨٥]، قالَ: إنَّما المُؤْمِنُونَ، أيِ: الكامِلُو الإيمانِ، ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم بِمَوْصُولٍ وُصِلَ بِثَلاثِ مَقاماتٍ عَظِيمَةٍ: مَقامِ الخَوْفِ، ومَقامِ زِيادَةِ الإيمانِ، ومَقامِ التَّوَكُّلِ، ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: ﴿إذا ذُكِرَ اللَّهُ﴾ إنْ يُذْكَرِ اسْمُهُ ويُلْفَظْ بِهِ تَفْزَعْ قُلُوبُهم لِذِكْرِهِ اسْتِعْظامًا لَهُ وتَهَيُّبًا وإجْلالًا، ويَكُونُ هَذا الذِّكْرُ مُخالِفًا لِلذِّكْرِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣]؛ لِأنَّ ذِكْرَ اللَّهِ هُناكَ رَأْفَتُهُ ورَحْمَتُهُ وثَوابُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ اللَّهِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ذُكِرَتْ عَظَمَةُ اللَّهِ وقُدْرَتُهُ وما خَوَّفَ بِهِ مَن عَصاهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ، وقالَ السُّدِّيُّ: هو الرَّجُلُ يَهُمُّ بِالمَعْصِيَةِ فَيَذْكُرُ اللَّهَ فَيَفْزَعُ عَنْها، وفي الحَدِيثِ في السَّبْعِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَحْتَ ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلّا ظِلُّهُ: «ورَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأةُ ذاتُ جِمالٍ ومَنصِبٍ، فَقالَ: إنِّي أخافُ اللَّهَ»، ومَعْنى زادَتْهم إيمانًا، أيْ: يَقِينًا وتَثْبِيتًا؛ لِأنَّ تَظاهُرَ الأدِلَّةِ وتَظافُرَها أقْوى عَلى الطُّمَأْنِينَةِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ وأرْسَخُ لِقَدَمِهِ. وقِيلَ: المَعْنى أنَّهُ إذا كانَ لَمْ يَسْمَعْ حُكْمًا مِن أحْكامِ القُرْآنِ مُنَزَّلٌ لِلنَّبِيِّ (p-٤٥٨)ﷺ فَآمَنَ بِهِ زادَ إيمانًا إلى سائِرِ ما قَدْ آمَنَ بِهِ؛ إذْ لِكُلِّ حُكْمٍ تَصْدِيقٌ خاصٌّ، ولِهَذا قالَ مُجاهِدٌ: عَبَّرَ بِزِيادَةِ الإيمانِ عَنْ زِيادَةِ العِلْمِ وأحْكامِهِ. وقِيلَ: زِيادَةُ الإيمانِ كِنايَةٌ عَنْ زِيادَةِ العَمَلِ، وعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ أنَّ لِلْإيمانِ سُنَّةً وفَرائِضَ وشَرائِعَ، فَمَنِ اسْتَكْمَلَها اسْتَكْمَلَ الإيمانَ؛ وقِيلَ: هَذا في الظّالِمِ يُوعَظُ فَيُقالُ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ، فَيُقْلِعُ فَيَزِيدُهُ ذَلِكَ إيمانًا، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ داخِلٌ في صِلَةِ الَّذِينَ كَما قُلْنا قَبْلُ؛ وقِيلَ: هو مُسْتَأْنَفٌ وتَرْتِيبُ هَذِهِ المَقاماتِ أحْسَنُ تَرْتِيبٍ، فَبَدَأ بِمَقامِ الخَوْفِ إمّا خَوْفُ الإجْلالِ والهَيْبَةِ، وإمّا خَوْفُ العِقابِ، ثُمَّ ثانِيًا: بِالإيمانِ بِالتَّكالِيفِ الوارِدَةِ، ثُمَّ ثالِثًا: بِالتَّفْوِيضِ إلى اللَّهِ والِانْقِطاعِ إلَيْهِ ورُخْصِ ما سِواهُ.
﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ الأحْسَنُ أنْ يَكُونَ: (الَّذِينَ) صِفَةً لِلَّذِينَ السّابِقَةِ حَتّى تَدْخُلَ في حَيِّزِ الجُزْئِيَّةِ، فَيَكُونَ ذَلِكَ إخْبارًا عَنِ المُؤْمِنِينَ بِثَلاثٍ: الصِّفَةِ القَلْبِيَّةِ، وعَنْهم بِالصِّفَةِ البَدَنِيَّةِ، والصِّفَةِ المالِيَّةِ، وجَمَعَ أفْعالَ القُلُوبِ لِأنَّها أشْرَفُ، وجَمَعَ في أفْعالِ الجَوارِحِ بَيْنَ الصَّلاةِ والصَّدَقَةِ؛ لِأنَّهُما عَمُودا أفْعالٍ، وأجازَ الحَوْفِيُّ والتَّبْرِيزِيُّ أنْ يَكُونَ: (الَّذِينَ) بَدَلًا مِنَ الَّذِينَ، وأنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هُمُ الَّذِينَ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ عامٌّ في الزَّكاةِ ونَوافِلِ الصَّدَقاتِ وصِلاتِ الرَّحِمِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَبارِّ المالِيَّةِ، وقَدْ خَصَّ ذَلِكَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ بِالزَّكاةِ لِاقْتِرانِها بِالصَّلاةِ.
﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: حَقًّا مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، كَذا نَصَّ عَلَيْهِ سِيبَوَيْهِ، وهو المَصْدَرُ غَيْرُ المُنْتَقِلِ والعامِلُ فِيهِ أحَقَّ ذَلِكَ حَقًّا، انْتَهى، ومَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ تَأْكِيدٌ لِما تَضَمَّنَتْهُ الجُمْلَةُ مِنَ الإسْنادِ الخَبَرِيِّ، وأنَّهُ لا مَجازَ في ذَلِكَ الإسْنادِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: حَقًّا صِفَةٌ لِلْمَصْدَرِ المَحْذُوفِ، أيْ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ﴾ إيمانًا حَقًّا، وهو مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي هي ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ﴾، كَقَوْلِهِ: هو عَبْدُ اللَّهِ حَقًّا، أيْ: حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا. وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ سَألَهُ رَجُلٌ: أمُؤْمِنٌ أنْتَ ؟ قالَ: الإيمانُ إيمانانِ، فَإنْ كُنْتَ تَسْألُنِي عَنِ الإيمانِ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ والجَنَّةِ والنّارِ والبَعْثِ والحِسابِ، فَأنا مُؤْمِنٌ، وإنْ كُنْتَ تَسْألُنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ﴾ فَواللَّهِ لا أدْرِي أمِنهم أنا أمْ لا، وأبْعَدَ مَن زَعَمَ أنَّ الكَلامَ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ﴾، وأنَّ حَقًّا مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ، أيْ: حَقًّا لَهم دَرَجاتٌ، وهَذا لِأنَّ انْتِصابَ حَقًّا عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ عَنْ تَمامِ جُمْلَةِ الِابْتِداءِ بِمَكانِ التَّأْخِيرِ عَنْها؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ فَلا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ، وقَدْ أجازَهُ بَعْضُهم، وهو ضَعِيفٌ.
﴿لَهم دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ومَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ لَمّا تَقَدَّمَتْ ثَلاثُ صِفاتٍ: قَلْبِيَّةٌ وبَدَنِيَّةٌ ومالِيَّةٌ، تَرَتَّبَ عَلَيْها ثَلاثَةُ أشْياءَ، فَقُوبِلَتِ الأعْمالُ القَلْبِيَّةُ بِالدَّرَجاتِ، والبَدَنِيَّةُ بِالغُفْرانِ، وفي الحَدِيثِ «أنَّ رَجُلًا أتى مِنِ امْرَأةٍ أجْنَبِيَّةٍ ما يَأْتِيهِ الرَّجُلُ مِن أهْلِهِ غَيْرَ الوَطْءِ، فَسَألَهُ الرَّسُولُ ﷺ لَمّا أُخْبِرَ بِذَلِكَ: أصَلَّيْتَ مَعَنا ؟ فَقالَ نَعَمْ، فَقالَ لَهُ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ»، وقُوبِلَتِ المالِيَّةُ بِالرِّزْقِ بِالكَرِيمِ، وهَذا النَّوْعُ مِنَ المُقابَلَةِ مِن بَدِيعِ عِلْمِ البَيانِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ والجُمْهُورُ: إنَّ المُرادَ مَراتِبُ الجَنَّةِ ومَنازِلُها ودَرَجاتُها عَلى قَدْرِ أعْمالِهِمْ، وحَكى الطَّبَرِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّها دَرَجاتُ أعْمالِ الدُّنْيا، وقَوْلُهُ: ﴿ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ يُرِيدُ بِهِ مَآكِلَ الجَنَّةِ ومَشارِبَها، وكَرِيمٌ صِفَةٌ تَقْتَضِي رَفْعَ المَقامِ، كَقَوْلِهِ: ثَوْبٌ كِرِيمٌ وحَسَبٌ كَرِيمٌ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: دَرَجاتُ شَرَفٍ وكَرامَةٌ، وعُلُوُّ مَنزِلَةٍ ومَغْفِرَةٌ، وتَجاوُزٌ لِسَيِّئاتِهِمْ، ورِزْقٌ كَرِيمٌ، ونَعِيمُ الجَنَّةِ يَعْنِي مَنافِعَ حَسَنَةً دائِمَةً عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ، وهَذا مَعْنى الثَّوابِ، انْتَهى. وقالَ عَطاءٌ: دَرَجاتُ الجَنَّةِ يَرْتَقُونَها بِأعْمالِهِمْ، وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: سَبْعُونَ دَرَجَةً ما بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ حِصْنُ الفَرَسِ (p-٤٥٩)المُضْمَرِ سَبْعِينَ سَنَةً؛ وقِيلَ: مَراتِبُ، ومَنازِلُ في الجَنَّةِ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، وفي الحَدِيثِ أنَّ «أهْلَ الجَنَّةِ لَيَتَراءَوْنَ أهْلَ الغُرَفِ كَما يَتَراءى الكَوْكَبُ الدُّرِّيُّ»، وثَلاثَةُ الأقْوالِ هَذِهِ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ أُرِيدَ الدَّرَجاتُ حَقِيقَةً، وعَنْ مُجاهِدٍ دَرَجاتُ أعْمالٍ رَفِيعَةٌ.
﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ وإنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ يُجادِلُونَكَ في الحَقِّ بَعْدَما تَبَيَّنَ كَأنَّما يُساقُونَ إلى المَوْتِ وهم يَنْظُرُونَ﴾ اضْطَرَبَ المُفَسِّرُونَ في قَوْلِهِ: ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ﴾ واخْتَلَفُوا عَلى خَمْسَةَ عَشَرَ قَوْلًا. أحَدُها: أنَّ الكافَ بِمَعْنى واوِ القَسَمِ وما بِمَعْنى الَّذِي واقِعَةٌ عَلى ذِي العِلْمِ، وهو اللَّهُ، كَما وقَعَتْ في قَوْلِهِ: ﴿وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [الليل: ٣] وجَوابُ القَسَمِ ﴿يُجادِلُونَكَ﴾، والتَّقْدِيرُ: واللَّهِ الَّذِي أخْرَجَكَ مِن بَيْتِكَ يُجادِلُونَكَ في الحَقِّ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وكانَ ضَعِيفًا في عِلْمِ النَّحْوِ، وقالَ الكِرْمانِيُّ: هَذا سَهْوٌ، وقالَ (p-٤٦٠)ابْنُ الأنْبارِيِّ: الكافُ لَيْسَتْ مِن حُرُوفِ القَسَمِ، انْتَهى. وفِيهِ أيْضًا أنَّ جَوابَ القَسَمِ بِالمُضارِعِ المُثْبَتِ جاءَ بِغَيْرِ لامٍ ولا نُونِ تَوْكِيدٍ، ولا بُدَّ مِنهُما في مِثْلِ هَذا عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، أوْ مِن مُعاقَبَةِ أحَدِهِما الآخَرَ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، أمّا خُلُوُّهُ عَنْهُما أوْ أحَدِهِما، فَهو قَوْلٌ مُخالِفٌ لِما أجْمَعَ عَلَيْهِ الكُوفِيُّونَ والبَصْرِيُّونَ، القَوْلُ الثّانِي: أنَّ الكافَ بِمَعْنى إذْ وما زائِدَةٌ، تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ إذْ أخْرَجَكَ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ أنَّ الكافَ تَكُونُ بِمَعْنى إذْ في لِسانِ العَرَبِ، ولَمْ يَثْبُتْ أنَّ ما تُزادُ بَعْدَ هَذا غَيْرَ الشَّرْطِيَّةِ، وكَذَلِكَ لا تُزادُ ما ادُّعِيَ أنَّهُ بِمَعْناها، القَوْلُ الثّالِثُ: الكافُ بِمَعْنى عَلى وما بِمَعْنى الَّذِي، تَقْدِيرُهُ: امْضِ عَلى الَّذِي أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ أنَّ الكافَ تَكُونُ بِمَعْنى عَلى، ولِأنَّهُ يَحْتاجُ المَوْصُولُ إلى عائِدٍ، وهو لا يَجُوزُ أنْ يُحْذَفَ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ، القَوْلُ الرّابِعُ: قالَ عِكْرِمَةُ: التَّقْدِيرُ: وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، كَما أخْرَجَكَ في الطّاعَةِ خَيْرٌ لَكم، كَما كانَ إخْراجُكَ خَيْرًا لَهُمُ، القَوْلُ الخامِسُ: قالَ الكِسائِيُّ وغَيْرُهُ، كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ عَلى كَراهَةٍ مِن فَرِيقٍ مِنهم، كَذَلِكَ يُجادِلُونَكَ في قِتالِ كُفّارِ مَكَّةَ، ويَوَدُّونَ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّكَ (p-٤٦١)إنَّما تَفْعَلُ ما أُمِرْتَ بِهِ لا ما يُرِيدُونَ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والتَّقْدِيرُ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ: يُجادِلُونَكَ في الحَقِّ مُجادَلَةً لِكَراهَتِهِمْ إخْراجَ رَبِّكَ إيّاكَ مِن بَيْتِكَ، فالمُجادَلَةُ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ بِمَثابَةِ الكَراهَةِ، وكَذا وقَعَ التَّشْبِيهُ في المَعْنى، وقائِلُ هَذِهِ المَقالَةِ يَقُولُ: إنَّ المُجادِلِينَ هُمُ المُشْرِكُونَ، القَوْلُ السّادِسُ: قالَ الفَرّاءُ: التَّقْدِيرُ امْضِ لِأمْرِكَ في الغَنائِمِ ونَفِّلْ مَن شِئْتَ إنْ كَرِهُوا كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ، انْتَهى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والعِبارَةُ بِقَوْلِهِ: امْضِ لِأمْرِكَ ونَفِّلْ مَن شِئْتَ غَيْرُ مُحَرَّرَةٍ، وتَحْرِيرُ هَذا المَعْنى عِنْدِي أنْ يُقالَ: هَذِهِ الكافُ شَبَّهَتْ هَذِهِ القِصَّةَ الَّتِي هي إخْراجُهُ مِن بَيْتِهِ بِالقِصَّةِ المُتَقَدِّمَةِ الَّتِي هي سُؤالُهم عَنِ الأنْفالِ، كَأنَّهم سَألُوا عَنِ النَّفْلِ وتَشاجَرُوا فَأخْرَجَ اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهم فَكانَتْ هَذِهِ الخِيَرَةُ، كَما كَرِهُوا في هَذِهِ القِصَّةِ انْبِعاثَ النَّبِيِّ ﷺ بِإخْراجِهِ اللَّهُ مِن بَيْتِهِ، فَكانَتْ في ذَلِكَ الخِيَرَةُ وتَشاجُرُهم في النَّفْلِ بِمَثابَةِ كَراهِيَتِهِمْ هاهُنا الخُرُوجَ، وحُكْمَ اللَّهِ في النَّفْلِ بِأنَّهُ لِلَّهِ والرَّسُولِ، فَهو بِمَثابَةِ إخْراجِهِ نَبِيَّهُ مِن بَيْتِهِ، ثُمَّ كانَتِ الخِيَرَةُ في القِصَّتَيْنِ مِمّا صَنَعَ اللَّهُ، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿يُجادِلُونَكَ﴾ كَلامًا مُسْتَأْنَفًا يُرادُ بِهِ الكُفّارُ، أيْ: يُجادِلُونَكَ في شَرِيعَةِ الإسْلامِ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ الحَقُّ (p-٤٦٢)فِيها، كَأنَّما يُساقُونَ إلى المَوْتِ في الدُّعاءِ إلى الإيمانِ، وهَذا الَّذِي ذَكَرْتُ مِن أنَّ يُجادِلُونَكَ في الكُفّارِ مَنصُوصٌ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَهَذانَ قَوْلانِ مُطَّرِدانِ يَتِمُّ بِهِما المَعْنى ويَحْسُنُ وصْفُ اللَّفْظِ، انْتَهى. ونَعْنِي بِالقَوْلَيْنِ قَوْلَ الفَرّاءِ وقَوْلَ الكِسائِيِّ، وقَدْ كَثُرَ الكَلامُ في هاتَيْنِ المَقالَتَيْنِ، ولا يَظْهَرانِ، ولا يَلْتَئِمانِ مِن حَيْثُ دَلالَةِ العاطِفِ، القَوْلُ السّابِعُ: قالَ الأخْفَشُ: الكافُ نَعْتٌ لِحَقًّا، والتَّقْدِيرُ: هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا كَما أخْرَجَكَ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والمَعْنى عَلى هَذا التَّأْوِيلِ كَما زادَ لا يَتَناسَقُ، القَوْلُ الثّامِنُ أنَّ الكافَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، والتَّقْدِيرُ: كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ فاتَّقُوا اللَّهَ، كَأنَّهُ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا المَعْنى وضَعَهُ هَذا المُفَسِّرُ، ولَيْسَ مِن ألْفاظِ الآيَةِ في وِرْدٍ ولا صَدْرٍ، القَوْلُ التّاسِعُ: قالَ الزَّجّاجُ: الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، والتَّقْدِيرُ: الأنْفالُ ثابِتَةٌ لِلَّهِ ثَباتًا، كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ، وهَذا الفِعْلُ أخَذَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وحَسَّنَهُ. فَقالَ يَنْتَصِبُ عَلى أنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ في قَوْلِهِ: ﴿الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١]، أيِ: الأنْفالُ اسْتَقَرَّتْ لِلَّهِ والرَّسُولِ وثَبَتَتْ مَعَ كَراهَتِهِمْ ثَباتًا، مِثْلَ ثَباتِ إخْراجِ رَبِّكَ إيّاكَ مِن بَيْتِكَ وهم كارِهُونَ، انْتَهى، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ لِكَثْرَةِ الفَصْلِ بَيْنَ المُشَبَّهِ والمُشَبَّهِ بِهِ، ولا يَظْهَرُ كَبِيرُ مَعْنًى لِتَشْبِيهِ هَذا بِهَذا، بَلْ لَوْ كانا مُتَقارِبَيْنِ لَمْ يَظْهَرْ لِلتَّشْبِيهِ كَبِيرُ فائِدَةٍ، القَوْلُ العاشِرُ: أنَّ الكافَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، والتَّقْدِيرُ: لَهم دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ومَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ هَذا وعْدُ حَقٍّ كَما أخْرَجَكَ، وهَذا في حَذْفِ مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ، ولَوْ صَرَّحَ بِذَلِكَ لَمْ يَلْتَئِمِ التَّشْبِيهُ ولَمْ يَحْسُنِ، القَوْلُ الحادِيَ عَشَرَ: أنَّ الكافَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ أيْضًا، والمَعْنى: وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكم ذَلِكم خَيْرٌ لَكم كَما أخْرَجَكَ، فالكافُ نَعْتٌ لِخَبَرِ ابْتِداءٍ مَحْذُوفٍ، وهَذا أيْضًا فِيهِ حَذْفٌ وطُولٌ، فَصَلَ بَيْنَ قَوْلِهِ: وأصْلِحُوا وبَيْنَ كَما أخْرَجَكَ، القَوْلُ الثّانِي عَشَرَ: أنَّهُ شَبَّهَ كَراهِيَةَ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِخُرُوجِهِ مِنَ المَدِينَةِ حِينَ تَحَقَّقُوا خُرُوجَ قُرَيْشٍ لِلدَّفْعِ عَنْ أبِي سُفْيانَ وحِفْظِ غَيْرِهِ بِكَراهِيَتِهِمْ نَزْعَ الغَنائِمِ مِن أيْدِيهِمْ وجَعْلَها لِلرَّسُولِ، أوِ التَّنْفِيلَ مِنها، وهَذا القَوْلُ أخَذَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وحَسَّنَهُ، فَقالَ: يَرْتَفِعُ مَحَلُّ الكافِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: هَذا الحالُ كَحالِ إخْراجِكَ، يَعْنِي أنَّ حالَهم في كَراهَةِ ما رَأيْتَ مِن تَنْفِيلِ القِراءَةِ، مِثْلَ حالِهِمْ في كَراهَةِ خُرُوجِهِمْ لِلْحَرْبِ، وهَذا النَّهْيُ قالَهُ هَذا القائِلُ، وحَسَّنَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، هو ما فَسَّرَ بِهِ ابْنُ عَطِيَّةَ قَوْلَ الفَرّاءِ بِقَوْلِهِ: هَذِهِ الكافُ شَبَّهَتْ هَذِهِ القِصَّةَ الَّتِي هي إخْراجُهُ مِن بَيْتِهِ بِالقِصَّةِ المُتَقَدِّمَةِ الَّتِي هي سُؤالُهم عَنِ الأنْفالِ إلى آخِرِ كَلامِهِ، القَوْلُ الثّالِثَ عَشَرَ أنَّ المَعْنى: قِسْمَتُكَ لِلْغَنائِمِ حَقٌّ كَما كانَ خُرُوجُكَ حَقًّا؛ القَوْلُ الرّابِعَ عَشَرَ: أنَّ التَّشْبِيهَ وقَعَ بَيْنَ إخْراجَيْنِ، أيْ: إخْراجُكَ رَبُّكَ إيّاكَ مِن بَيْتِكَ، وهو مَكَّةُ وأنْتَ كارِهٌ لِخُرُوجِكَ، وكانَتْ عاقِبَةُ ذَلِكَ الخَيْرَ والنَّصْرَ والظَّفَرَ كَإخْراجِ رَبِّكَ إيّاكَ مِنَ المَدِينَةِ، وبَعْضُ المُؤْمِنِينَ كارِهٌ يَكُونُ عَقِيبُ ذَلِكَ الظَّفَرَ والنَّصْرَ، القَوْلُ الخامِسَ عَشَرَ: الكافُ لِلتَّشْبِيهِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، كَقَوْلِ القائِلِ لِعَبْدِهِ: كَما وجَّهْتُكَ إلى أعْدائِي فاسْتَضْعَفُوكَ وسَألْتَ مَدَدًا فَأمْدَدْتُكَ وقَوَّيْتُكَ وأزَحْتُ عِلَلَكَ فَخُذْهُمُ الآنَ فَعاقِبْهم بِكَذا، وكَما كَسَوْتُكَ وأجْرَيْتُ عَلَيْكَ الرِّزْقَ فاعْمَلْ كَذا، وكَما أحْسَنْتُ إلَيْكَ ما شَكَرْتَنِي عَلَيْهِ، فَتَقْدِيرُ الآيَةِ: كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ، وغَشّاكُمُ النُّعاسَ أمَنَةً مِنهُ، يَعْنِي بِهِ إيّاهُ ومَن مَعَهُ، وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ، وأنْزَلَ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ مَلائِكَةً مُرْدِفِينَ فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ، كَأنَّهُ يَقُولُ قَدْ أزَحْتُ عِلَلَكم وأمْدَدْتُكم بِالمَلائِكَةِ، فاضْرِبُوا مِنهم هَذِهِ المَواضِعَ، وهو القَتْلُ لِتَبْلُغُوا مُرادَ اللَّهِ في إحْقاقِ الحَقِّ وإبْطالِ الباطِلِ، ومُلَخَّصُ هَذا القَوْلِ الطَّوِيلِ أنَّ: ﴿كَما أخْرَجَكَ﴾ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: فاضْرِبُوا، وفِيهِ مِنَ الفَصْلِ والبُعْدِ ما لا خَفاءَ بِهِ، وقَدِ انْتَهى ذِكْرُ هَذِهِ الأقْوالِ الخَمْسَةَ عَشَرَ الَّتِي وقَفْنا عَلَيْها.
ومَن دَفَعَ إلى (p-٤٦٣)حَوْكِ الكَلامِ وتَقَلَّبَ في إنْشاءِ أفانِينِهِ وزاوَلِ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ لَمْ يَسْتَحْسِنْ شَيْئًا مِن هَذِهِ الأقْوالِ، وإنْ كانَ بَعْضُ قائِلِها لَهُ إمامَةٌ في عِلْمِ النَّحْوِ ورُسُوخُ قَدَمٍ، لَكِنَّهُ لَمْ يَحْتَطْ بِلَفْظِ الكَلامِ، ولَمْ يَكُنْ في طَبْعِهِ صَوْغُهُ أحْسَنَ صَوْغٍ، ولا التَّصَرُّفُ في النَّظَرِ فِيهِ مِن حَيْثُ الفَصاحَةِ وما بِهِ يَظْهَرُ الإعْجازُ. وقَبْلَ تَسْطِيرِ هَذِهِ الأقْوالِ هُنا وقَعْتُ عَلى جُمْلَةٍ مِنها فَلَمْ يَلْقَ لِخاطِرِي مِنها شَيْءٌ، فَرَأيْتُ في النَّوْمِ أنَّنِي أمْشِي في رَصِيفٍ ومَعِي رَجُلٌ أُباحِثُهُ في قَوْلِهِ: ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ﴾ فَقُلْتُ لَهُ: ما مَرَّ بِي شَيْءٌ مُشْكِلٌ مِثْلُ هَذا، ولَعَلَّ ثَمَّ مَحْذُوفًا يَصِحُّ بِهِ المَعْنى، وما وقَفْتُ فِيهِ لِأحَدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى شَيْءٍ طائِلٍ، ثُمَّ قُلْتُ لَهُ: ظَهَرَ لِيَ السّاعَةَ تَخْرِيجُهُ، وإنَّ ذَلِكَ المَحْذُوفَ هو: نَصَرَكَ، واسْتَحْسَنْتُ أنا وذَلِكَ الرَّجُلُ هَذا التَّخْرِيجَ، ثُمَّ انْتَبَهْتُ مِنَ النَّوْمِ وأنا أذْكُرُهُ، والتَّقْدِيرُ: فَكَأنَّهُ قِيلَ: ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ﴾، أيْ: بِسَبَبِ إظْهارِ دِينِ اللَّهِ وإعْزازِ شَرِيعَتِهِ وقَدْ كَرِهُوا خُرُوجَكَ تَهَيُّبًا لِلْقِتالِ وخَوْفًا مِنَ المَوْتِ؛ إذْ كانَ أمْرُ النَّبِيِّ ﷺ لِخُرُوجِهِمْ بَغْتَةً، ولَمْ يَكُونُوا مُسْتَعِدِّينَ لِلْخُرُوجِ وجادَلُوكَ في الحَقِّ بَعْدَ وُضُوحِهِ نَصَرَكَ اللَّهُ وأمَدَّكَ بِمَلائِكَتِهِ ودَلَّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ الكَلامُ الَّذِي بَعْدَهُ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكم فاسْتَجابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٩] الآياتِ، ويَظْهَرُ أنَّ الكافَ في هَذا التَّخْرِيجِ المَنامِيِّ لَيْسَتْ لِمَحْضِ التَّشْبِيهِ بَلْ فِيها مَعْنى التَّعْلِيلِ، وقَدْ نَصَّ النَّحْوِيُّونَ عَلى أنَّها قَدْ تُحْدِثُ فِيها مَعْنى التَّعْلِيلِ وخَرَّجُوا عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] وأنْشَدُوا:
؎لا تَشْتُمِ النّاسَ كَما لا تُشْتَمِ
أيْ لِانْتِفاءِ أنْ يَشْتُمَكَ النّاسُ لا تَشْتُمْهم، ومِنَ الكَلامِ الشّائِعِ عَلى هَذا المَعْنى، كَما تُطِيعُ اللَّهَ يُدْخِلُكَ الجَنَّةَ، أيْ: لِأجْلِ طاعَتِكَ اللَّهَ يُدْخِلُكَ الجَنَّةَ، فَكانَ المَعْنى: إنْ خَرَجْتَ لِإعْزازِ دِينِ اللَّهِ وقَتْلِ أعْدائِهِ نَصَرَكَ اللَّهُ وأمَدَّكَ بِالمَلائِكَةِ، والواوُ في وإنَّ فَرِيقًا واوُ الحالِ، والظّاهِرُ أنَّ مِن بَيْتِكَ هو مَقامُ سُكْناهُ؛ وقِيلَ: المَدِينَةُ؛ لِأنَّها مُهاجَرُهُ ومُخْتَصَّةٌ بِهِ؛ وقِيلَ: مَكَّةُ، وفِيهِ بُعْدٌ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ هَذا إخْبارٌ عَنْ خُرُوجِهِ إلى بَدْرٍ، فَصَرْفُهُ إلى الخُرُوجِ مِن مَكَّةَ لَيْسَ بِظاهِرٍ، ومَفْعُولُ لَكارِهُونَ هو الخُرُوجُ، أيْ: لَكارِهُونَ الخُرُوجَ مَعَكَ، وكَراهَتُهم ذَلِكَ إمّا لِنَفْرَةِ الطَّبْعِ، أوْ لِأنَّهم لَمْ يُسْتَنْفَرُوا، أوِ العُدُولُ مِنَ العِيرِ إلى النَّفِيرِ لِما في ذَلِكَ مِن قُوَّةِ أخْذِ الأمْوالِ، ولِما في هَذا مِنَ القَتْلِ والقِتالِ، أوْ لِتَرْكِ مَكَّةَ ودِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ، أقْوالٌ أرْبَعَةٌ: والظّاهِرُ أنَّ ضَمِيرَ الرَّفْعِ في يُجادِلُونَكَ عائِدٌ عَلى فَرِيقِ المُؤْمِنِينَ الكارِهِينَ، وجِدالُهم قَوْلُهم: ما كانَ خُرُوجُنا إلّا لِلْعِيرِ ولَوْ عَرَفْنا لاسْتَعْدَدْنا لِلْقِتالِ، والحَقُّ هُنا نُصْرَةُ دِينِ الإسْلامِ؛ وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى المُشْرِكِينَ، وجِدالُهم في الحَقِّ هو في شَرِيعَةِ الإسْلامِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: بُعْدَ ما بَيَّنَ، بِضَمِّ الباءِ مِن غَيْرِ تاءٍ، وفي قَوْلِهِ: بَعْدَ ما تَبَيَّنَ إنْكارٌ عَظِيمٌ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ مَن جادَلَ في شَيْءٍ لَمْ يَتَّضِحْ كانَ أخَفَّ عَتْبًا، أمّا مَن نازَعَ في أمْرٍ واضِحٍ، فَهو جَدِيرٌ بِاللَّوْمِ والإنْكارِ، ثُمَّ شَبَّهَ حالَهم في فَرْطِ فَزَعِهِمْ، وهم يُسارُ بِهِمْ إلى الظَّفَرِ والغَنِيمَةِ بِحالِ مَن يُساقُ عَلى الصَّفا إلى المَوْتِ، وهو مُشاهِدٌ لِأسْبابِهِ ناظِرٌ إلَيْها لا يَشُكُّ فِيها؛ وقِيلَ: كانَ خَوْفُهم لِقِلَّةِ العَدَدِ وأنَّهم كانُوا رَجّالَةً، ورُوِيَ أنَّهُ ما كانَ فِيهِمْ إلّا فارِسانِ، وكانُوا ثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ، وكانَ المُشْرِكُونَ في نَحْوِ ألْفِ رَجُلٍ، وقِصَّةُ بَدْرٍ هَذِهِ مُسْتَوْعَبَةٌ في كِتابِ السِّيَرِ، وقَدْ لَخَّصَ مِنها الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ ما يُوقَفُ عَلَيْهِ في كِتابَيْهِما.
الأنفال 8:4
﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ قُرِئَ: وجَلَتْ، بِفَتْحِ الجِيمِ، وهي لُغَةٌ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: فَرِقَتْ، وقَرَأ أُبَيٌّ: فَزِعَتْ، ويَنْبَغِي أنْ تُحْمَلَ هاتانِ القِراءَتانِ عَلى التَّفْسِيرِ، ولَمّا كانَ مَعْنى: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٨٥]، قالَ: إنَّما المُؤْمِنُونَ، أيِ: الكامِلُو الإيمانِ، ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم بِمَوْصُولٍ وُصِلَ بِثَلاثِ مَقاماتٍ عَظِيمَةٍ: مَقامِ الخَوْفِ، ومَقامِ زِيادَةِ الإيمانِ، ومَقامِ التَّوَكُّلِ، ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: ﴿إذا ذُكِرَ اللَّهُ﴾ إنْ يُذْكَرِ اسْمُهُ ويُلْفَظْ بِهِ تَفْزَعْ قُلُوبُهم لِذِكْرِهِ اسْتِعْظامًا لَهُ وتَهَيُّبًا وإجْلالًا، ويَكُونُ هَذا الذِّكْرُ مُخالِفًا لِلذِّكْرِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣]؛ لِأنَّ ذِكْرَ اللَّهِ هُناكَ رَأْفَتُهُ ورَحْمَتُهُ وثَوابُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ اللَّهِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ذُكِرَتْ عَظَمَةُ اللَّهِ وقُدْرَتُهُ وما خَوَّفَ بِهِ مَن عَصاهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ، وقالَ السُّدِّيُّ: هو الرَّجُلُ يَهُمُّ بِالمَعْصِيَةِ فَيَذْكُرُ اللَّهَ فَيَفْزَعُ عَنْها، وفي الحَدِيثِ في السَّبْعِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَحْتَ ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلّا ظِلُّهُ: «ورَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأةُ ذاتُ جِمالٍ ومَنصِبٍ، فَقالَ: إنِّي أخافُ اللَّهَ»، ومَعْنى زادَتْهم إيمانًا، أيْ: يَقِينًا وتَثْبِيتًا؛ لِأنَّ تَظاهُرَ الأدِلَّةِ وتَظافُرَها أقْوى عَلى الطُّمَأْنِينَةِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ وأرْسَخُ لِقَدَمِهِ. وقِيلَ: المَعْنى أنَّهُ إذا كانَ لَمْ يَسْمَعْ حُكْمًا مِن أحْكامِ القُرْآنِ مُنَزَّلٌ لِلنَّبِيِّ (p-٤٥٨)ﷺ فَآمَنَ بِهِ زادَ إيمانًا إلى سائِرِ ما قَدْ آمَنَ بِهِ؛ إذْ لِكُلِّ حُكْمٍ تَصْدِيقٌ خاصٌّ، ولِهَذا قالَ مُجاهِدٌ: عَبَّرَ بِزِيادَةِ الإيمانِ عَنْ زِيادَةِ العِلْمِ وأحْكامِهِ. وقِيلَ: زِيادَةُ الإيمانِ كِنايَةٌ عَنْ زِيادَةِ العَمَلِ، وعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ أنَّ لِلْإيمانِ سُنَّةً وفَرائِضَ وشَرائِعَ، فَمَنِ اسْتَكْمَلَها اسْتَكْمَلَ الإيمانَ؛ وقِيلَ: هَذا في الظّالِمِ يُوعَظُ فَيُقالُ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ، فَيُقْلِعُ فَيَزِيدُهُ ذَلِكَ إيمانًا، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ داخِلٌ في صِلَةِ الَّذِينَ كَما قُلْنا قَبْلُ؛ وقِيلَ: هو مُسْتَأْنَفٌ وتَرْتِيبُ هَذِهِ المَقاماتِ أحْسَنُ تَرْتِيبٍ، فَبَدَأ بِمَقامِ الخَوْفِ إمّا خَوْفُ الإجْلالِ والهَيْبَةِ، وإمّا خَوْفُ العِقابِ، ثُمَّ ثانِيًا: بِالإيمانِ بِالتَّكالِيفِ الوارِدَةِ، ثُمَّ ثالِثًا: بِالتَّفْوِيضِ إلى اللَّهِ والِانْقِطاعِ إلَيْهِ ورُخْصِ ما سِواهُ.
﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ الأحْسَنُ أنْ يَكُونَ: (الَّذِينَ) صِفَةً لِلَّذِينَ السّابِقَةِ حَتّى تَدْخُلَ في حَيِّزِ الجُزْئِيَّةِ، فَيَكُونَ ذَلِكَ إخْبارًا عَنِ المُؤْمِنِينَ بِثَلاثٍ: الصِّفَةِ القَلْبِيَّةِ، وعَنْهم بِالصِّفَةِ البَدَنِيَّةِ، والصِّفَةِ المالِيَّةِ، وجَمَعَ أفْعالَ القُلُوبِ لِأنَّها أشْرَفُ، وجَمَعَ في أفْعالِ الجَوارِحِ بَيْنَ الصَّلاةِ والصَّدَقَةِ؛ لِأنَّهُما عَمُودا أفْعالٍ، وأجازَ الحَوْفِيُّ والتَّبْرِيزِيُّ أنْ يَكُونَ: (الَّذِينَ) بَدَلًا مِنَ الَّذِينَ، وأنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هُمُ الَّذِينَ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ عامٌّ في الزَّكاةِ ونَوافِلِ الصَّدَقاتِ وصِلاتِ الرَّحِمِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَبارِّ المالِيَّةِ، وقَدْ خَصَّ ذَلِكَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ بِالزَّكاةِ لِاقْتِرانِها بِالصَّلاةِ.
﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: حَقًّا مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، كَذا نَصَّ عَلَيْهِ سِيبَوَيْهِ، وهو المَصْدَرُ غَيْرُ المُنْتَقِلِ والعامِلُ فِيهِ أحَقَّ ذَلِكَ حَقًّا، انْتَهى، ومَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ تَأْكِيدٌ لِما تَضَمَّنَتْهُ الجُمْلَةُ مِنَ الإسْنادِ الخَبَرِيِّ، وأنَّهُ لا مَجازَ في ذَلِكَ الإسْنادِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: حَقًّا صِفَةٌ لِلْمَصْدَرِ المَحْذُوفِ، أيْ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ﴾ إيمانًا حَقًّا، وهو مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي هي ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ﴾، كَقَوْلِهِ: هو عَبْدُ اللَّهِ حَقًّا، أيْ: حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا. وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ سَألَهُ رَجُلٌ: أمُؤْمِنٌ أنْتَ ؟ قالَ: الإيمانُ إيمانانِ، فَإنْ كُنْتَ تَسْألُنِي عَنِ الإيمانِ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ والجَنَّةِ والنّارِ والبَعْثِ والحِسابِ، فَأنا مُؤْمِنٌ، وإنْ كُنْتَ تَسْألُنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ﴾ فَواللَّهِ لا أدْرِي أمِنهم أنا أمْ لا، وأبْعَدَ مَن زَعَمَ أنَّ الكَلامَ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ﴾، وأنَّ حَقًّا مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ، أيْ: حَقًّا لَهم دَرَجاتٌ، وهَذا لِأنَّ انْتِصابَ حَقًّا عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ عَنْ تَمامِ جُمْلَةِ الِابْتِداءِ بِمَكانِ التَّأْخِيرِ عَنْها؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ فَلا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ، وقَدْ أجازَهُ بَعْضُهم، وهو ضَعِيفٌ.
﴿لَهم دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ومَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ لَمّا تَقَدَّمَتْ ثَلاثُ صِفاتٍ: قَلْبِيَّةٌ وبَدَنِيَّةٌ ومالِيَّةٌ، تَرَتَّبَ عَلَيْها ثَلاثَةُ أشْياءَ، فَقُوبِلَتِ الأعْمالُ القَلْبِيَّةُ بِالدَّرَجاتِ، والبَدَنِيَّةُ بِالغُفْرانِ، وفي الحَدِيثِ «أنَّ رَجُلًا أتى مِنِ امْرَأةٍ أجْنَبِيَّةٍ ما يَأْتِيهِ الرَّجُلُ مِن أهْلِهِ غَيْرَ الوَطْءِ، فَسَألَهُ الرَّسُولُ ﷺ لَمّا أُخْبِرَ بِذَلِكَ: أصَلَّيْتَ مَعَنا ؟ فَقالَ نَعَمْ، فَقالَ لَهُ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ»، وقُوبِلَتِ المالِيَّةُ بِالرِّزْقِ بِالكَرِيمِ، وهَذا النَّوْعُ مِنَ المُقابَلَةِ مِن بَدِيعِ عِلْمِ البَيانِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ والجُمْهُورُ: إنَّ المُرادَ مَراتِبُ الجَنَّةِ ومَنازِلُها ودَرَجاتُها عَلى قَدْرِ أعْمالِهِمْ، وحَكى الطَّبَرِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّها دَرَجاتُ أعْمالِ الدُّنْيا، وقَوْلُهُ: ﴿ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ يُرِيدُ بِهِ مَآكِلَ الجَنَّةِ ومَشارِبَها، وكَرِيمٌ صِفَةٌ تَقْتَضِي رَفْعَ المَقامِ، كَقَوْلِهِ: ثَوْبٌ كِرِيمٌ وحَسَبٌ كَرِيمٌ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: دَرَجاتُ شَرَفٍ وكَرامَةٌ، وعُلُوُّ مَنزِلَةٍ ومَغْفِرَةٌ، وتَجاوُزٌ لِسَيِّئاتِهِمْ، ورِزْقٌ كَرِيمٌ، ونَعِيمُ الجَنَّةِ يَعْنِي مَنافِعَ حَسَنَةً دائِمَةً عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ، وهَذا مَعْنى الثَّوابِ، انْتَهى. وقالَ عَطاءٌ: دَرَجاتُ الجَنَّةِ يَرْتَقُونَها بِأعْمالِهِمْ، وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: سَبْعُونَ دَرَجَةً ما بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ حِصْنُ الفَرَسِ (p-٤٥٩)المُضْمَرِ سَبْعِينَ سَنَةً؛ وقِيلَ: مَراتِبُ، ومَنازِلُ في الجَنَّةِ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، وفي الحَدِيثِ أنَّ «أهْلَ الجَنَّةِ لَيَتَراءَوْنَ أهْلَ الغُرَفِ كَما يَتَراءى الكَوْكَبُ الدُّرِّيُّ»، وثَلاثَةُ الأقْوالِ هَذِهِ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ أُرِيدَ الدَّرَجاتُ حَقِيقَةً، وعَنْ مُجاهِدٍ دَرَجاتُ أعْمالٍ رَفِيعَةٌ.
﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ وإنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ يُجادِلُونَكَ في الحَقِّ بَعْدَما تَبَيَّنَ كَأنَّما يُساقُونَ إلى المَوْتِ وهم يَنْظُرُونَ﴾ اضْطَرَبَ المُفَسِّرُونَ في قَوْلِهِ: ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ﴾ واخْتَلَفُوا عَلى خَمْسَةَ عَشَرَ قَوْلًا. أحَدُها: أنَّ الكافَ بِمَعْنى واوِ القَسَمِ وما بِمَعْنى الَّذِي واقِعَةٌ عَلى ذِي العِلْمِ، وهو اللَّهُ، كَما وقَعَتْ في قَوْلِهِ: ﴿وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [الليل: ٣] وجَوابُ القَسَمِ ﴿يُجادِلُونَكَ﴾، والتَّقْدِيرُ: واللَّهِ الَّذِي أخْرَجَكَ مِن بَيْتِكَ يُجادِلُونَكَ في الحَقِّ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وكانَ ضَعِيفًا في عِلْمِ النَّحْوِ، وقالَ الكِرْمانِيُّ: هَذا سَهْوٌ، وقالَ (p-٤٦٠)ابْنُ الأنْبارِيِّ: الكافُ لَيْسَتْ مِن حُرُوفِ القَسَمِ، انْتَهى. وفِيهِ أيْضًا أنَّ جَوابَ القَسَمِ بِالمُضارِعِ المُثْبَتِ جاءَ بِغَيْرِ لامٍ ولا نُونِ تَوْكِيدٍ، ولا بُدَّ مِنهُما في مِثْلِ هَذا عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، أوْ مِن مُعاقَبَةِ أحَدِهِما الآخَرَ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، أمّا خُلُوُّهُ عَنْهُما أوْ أحَدِهِما، فَهو قَوْلٌ مُخالِفٌ لِما أجْمَعَ عَلَيْهِ الكُوفِيُّونَ والبَصْرِيُّونَ، القَوْلُ الثّانِي: أنَّ الكافَ بِمَعْنى إذْ وما زائِدَةٌ، تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ إذْ أخْرَجَكَ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ أنَّ الكافَ تَكُونُ بِمَعْنى إذْ في لِسانِ العَرَبِ، ولَمْ يَثْبُتْ أنَّ ما تُزادُ بَعْدَ هَذا غَيْرَ الشَّرْطِيَّةِ، وكَذَلِكَ لا تُزادُ ما ادُّعِيَ أنَّهُ بِمَعْناها، القَوْلُ الثّالِثُ: الكافُ بِمَعْنى عَلى وما بِمَعْنى الَّذِي، تَقْدِيرُهُ: امْضِ عَلى الَّذِي أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ أنَّ الكافَ تَكُونُ بِمَعْنى عَلى، ولِأنَّهُ يَحْتاجُ المَوْصُولُ إلى عائِدٍ، وهو لا يَجُوزُ أنْ يُحْذَفَ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ، القَوْلُ الرّابِعُ: قالَ عِكْرِمَةُ: التَّقْدِيرُ: وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، كَما أخْرَجَكَ في الطّاعَةِ خَيْرٌ لَكم، كَما كانَ إخْراجُكَ خَيْرًا لَهُمُ، القَوْلُ الخامِسُ: قالَ الكِسائِيُّ وغَيْرُهُ، كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ عَلى كَراهَةٍ مِن فَرِيقٍ مِنهم، كَذَلِكَ يُجادِلُونَكَ في قِتالِ كُفّارِ مَكَّةَ، ويَوَدُّونَ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّكَ (p-٤٦١)إنَّما تَفْعَلُ ما أُمِرْتَ بِهِ لا ما يُرِيدُونَ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والتَّقْدِيرُ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ: يُجادِلُونَكَ في الحَقِّ مُجادَلَةً لِكَراهَتِهِمْ إخْراجَ رَبِّكَ إيّاكَ مِن بَيْتِكَ، فالمُجادَلَةُ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ بِمَثابَةِ الكَراهَةِ، وكَذا وقَعَ التَّشْبِيهُ في المَعْنى، وقائِلُ هَذِهِ المَقالَةِ يَقُولُ: إنَّ المُجادِلِينَ هُمُ المُشْرِكُونَ، القَوْلُ السّادِسُ: قالَ الفَرّاءُ: التَّقْدِيرُ امْضِ لِأمْرِكَ في الغَنائِمِ ونَفِّلْ مَن شِئْتَ إنْ كَرِهُوا كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ، انْتَهى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والعِبارَةُ بِقَوْلِهِ: امْضِ لِأمْرِكَ ونَفِّلْ مَن شِئْتَ غَيْرُ مُحَرَّرَةٍ، وتَحْرِيرُ هَذا المَعْنى عِنْدِي أنْ يُقالَ: هَذِهِ الكافُ شَبَّهَتْ هَذِهِ القِصَّةَ الَّتِي هي إخْراجُهُ مِن بَيْتِهِ بِالقِصَّةِ المُتَقَدِّمَةِ الَّتِي هي سُؤالُهم عَنِ الأنْفالِ، كَأنَّهم سَألُوا عَنِ النَّفْلِ وتَشاجَرُوا فَأخْرَجَ اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهم فَكانَتْ هَذِهِ الخِيَرَةُ، كَما كَرِهُوا في هَذِهِ القِصَّةِ انْبِعاثَ النَّبِيِّ ﷺ بِإخْراجِهِ اللَّهُ مِن بَيْتِهِ، فَكانَتْ في ذَلِكَ الخِيَرَةُ وتَشاجُرُهم في النَّفْلِ بِمَثابَةِ كَراهِيَتِهِمْ هاهُنا الخُرُوجَ، وحُكْمَ اللَّهِ في النَّفْلِ بِأنَّهُ لِلَّهِ والرَّسُولِ، فَهو بِمَثابَةِ إخْراجِهِ نَبِيَّهُ مِن بَيْتِهِ، ثُمَّ كانَتِ الخِيَرَةُ في القِصَّتَيْنِ مِمّا صَنَعَ اللَّهُ، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿يُجادِلُونَكَ﴾ كَلامًا مُسْتَأْنَفًا يُرادُ بِهِ الكُفّارُ، أيْ: يُجادِلُونَكَ في شَرِيعَةِ الإسْلامِ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ الحَقُّ (p-٤٦٢)فِيها، كَأنَّما يُساقُونَ إلى المَوْتِ في الدُّعاءِ إلى الإيمانِ، وهَذا الَّذِي ذَكَرْتُ مِن أنَّ يُجادِلُونَكَ في الكُفّارِ مَنصُوصٌ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَهَذانَ قَوْلانِ مُطَّرِدانِ يَتِمُّ بِهِما المَعْنى ويَحْسُنُ وصْفُ اللَّفْظِ، انْتَهى. ونَعْنِي بِالقَوْلَيْنِ قَوْلَ الفَرّاءِ وقَوْلَ الكِسائِيِّ، وقَدْ كَثُرَ الكَلامُ في هاتَيْنِ المَقالَتَيْنِ، ولا يَظْهَرانِ، ولا يَلْتَئِمانِ مِن حَيْثُ دَلالَةِ العاطِفِ، القَوْلُ السّابِعُ: قالَ الأخْفَشُ: الكافُ نَعْتٌ لِحَقًّا، والتَّقْدِيرُ: هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا كَما أخْرَجَكَ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والمَعْنى عَلى هَذا التَّأْوِيلِ كَما زادَ لا يَتَناسَقُ، القَوْلُ الثّامِنُ أنَّ الكافَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، والتَّقْدِيرُ: كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ فاتَّقُوا اللَّهَ، كَأنَّهُ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا المَعْنى وضَعَهُ هَذا المُفَسِّرُ، ولَيْسَ مِن ألْفاظِ الآيَةِ في وِرْدٍ ولا صَدْرٍ، القَوْلُ التّاسِعُ: قالَ الزَّجّاجُ: الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، والتَّقْدِيرُ: الأنْفالُ ثابِتَةٌ لِلَّهِ ثَباتًا، كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ، وهَذا الفِعْلُ أخَذَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وحَسَّنَهُ. فَقالَ يَنْتَصِبُ عَلى أنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ في قَوْلِهِ: ﴿الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١]، أيِ: الأنْفالُ اسْتَقَرَّتْ لِلَّهِ والرَّسُولِ وثَبَتَتْ مَعَ كَراهَتِهِمْ ثَباتًا، مِثْلَ ثَباتِ إخْراجِ رَبِّكَ إيّاكَ مِن بَيْتِكَ وهم كارِهُونَ، انْتَهى، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ لِكَثْرَةِ الفَصْلِ بَيْنَ المُشَبَّهِ والمُشَبَّهِ بِهِ، ولا يَظْهَرُ كَبِيرُ مَعْنًى لِتَشْبِيهِ هَذا بِهَذا، بَلْ لَوْ كانا مُتَقارِبَيْنِ لَمْ يَظْهَرْ لِلتَّشْبِيهِ كَبِيرُ فائِدَةٍ، القَوْلُ العاشِرُ: أنَّ الكافَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، والتَّقْدِيرُ: لَهم دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ومَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ هَذا وعْدُ حَقٍّ كَما أخْرَجَكَ، وهَذا في حَذْفِ مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ، ولَوْ صَرَّحَ بِذَلِكَ لَمْ يَلْتَئِمِ التَّشْبِيهُ ولَمْ يَحْسُنِ، القَوْلُ الحادِيَ عَشَرَ: أنَّ الكافَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ أيْضًا، والمَعْنى: وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكم ذَلِكم خَيْرٌ لَكم كَما أخْرَجَكَ، فالكافُ نَعْتٌ لِخَبَرِ ابْتِداءٍ مَحْذُوفٍ، وهَذا أيْضًا فِيهِ حَذْفٌ وطُولٌ، فَصَلَ بَيْنَ قَوْلِهِ: وأصْلِحُوا وبَيْنَ كَما أخْرَجَكَ، القَوْلُ الثّانِي عَشَرَ: أنَّهُ شَبَّهَ كَراهِيَةَ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِخُرُوجِهِ مِنَ المَدِينَةِ حِينَ تَحَقَّقُوا خُرُوجَ قُرَيْشٍ لِلدَّفْعِ عَنْ أبِي سُفْيانَ وحِفْظِ غَيْرِهِ بِكَراهِيَتِهِمْ نَزْعَ الغَنائِمِ مِن أيْدِيهِمْ وجَعْلَها لِلرَّسُولِ، أوِ التَّنْفِيلَ مِنها، وهَذا القَوْلُ أخَذَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وحَسَّنَهُ، فَقالَ: يَرْتَفِعُ مَحَلُّ الكافِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: هَذا الحالُ كَحالِ إخْراجِكَ، يَعْنِي أنَّ حالَهم في كَراهَةِ ما رَأيْتَ مِن تَنْفِيلِ القِراءَةِ، مِثْلَ حالِهِمْ في كَراهَةِ خُرُوجِهِمْ لِلْحَرْبِ، وهَذا النَّهْيُ قالَهُ هَذا القائِلُ، وحَسَّنَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، هو ما فَسَّرَ بِهِ ابْنُ عَطِيَّةَ قَوْلَ الفَرّاءِ بِقَوْلِهِ: هَذِهِ الكافُ شَبَّهَتْ هَذِهِ القِصَّةَ الَّتِي هي إخْراجُهُ مِن بَيْتِهِ بِالقِصَّةِ المُتَقَدِّمَةِ الَّتِي هي سُؤالُهم عَنِ الأنْفالِ إلى آخِرِ كَلامِهِ، القَوْلُ الثّالِثَ عَشَرَ أنَّ المَعْنى: قِسْمَتُكَ لِلْغَنائِمِ حَقٌّ كَما كانَ خُرُوجُكَ حَقًّا؛ القَوْلُ الرّابِعَ عَشَرَ: أنَّ التَّشْبِيهَ وقَعَ بَيْنَ إخْراجَيْنِ، أيْ: إخْراجُكَ رَبُّكَ إيّاكَ مِن بَيْتِكَ، وهو مَكَّةُ وأنْتَ كارِهٌ لِخُرُوجِكَ، وكانَتْ عاقِبَةُ ذَلِكَ الخَيْرَ والنَّصْرَ والظَّفَرَ كَإخْراجِ رَبِّكَ إيّاكَ مِنَ المَدِينَةِ، وبَعْضُ المُؤْمِنِينَ كارِهٌ يَكُونُ عَقِيبُ ذَلِكَ الظَّفَرَ والنَّصْرَ، القَوْلُ الخامِسَ عَشَرَ: الكافُ لِلتَّشْبِيهِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، كَقَوْلِ القائِلِ لِعَبْدِهِ: كَما وجَّهْتُكَ إلى أعْدائِي فاسْتَضْعَفُوكَ وسَألْتَ مَدَدًا فَأمْدَدْتُكَ وقَوَّيْتُكَ وأزَحْتُ عِلَلَكَ فَخُذْهُمُ الآنَ فَعاقِبْهم بِكَذا، وكَما كَسَوْتُكَ وأجْرَيْتُ عَلَيْكَ الرِّزْقَ فاعْمَلْ كَذا، وكَما أحْسَنْتُ إلَيْكَ ما شَكَرْتَنِي عَلَيْهِ، فَتَقْدِيرُ الآيَةِ: كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ، وغَشّاكُمُ النُّعاسَ أمَنَةً مِنهُ، يَعْنِي بِهِ إيّاهُ ومَن مَعَهُ، وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ، وأنْزَلَ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ مَلائِكَةً مُرْدِفِينَ فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ، كَأنَّهُ يَقُولُ قَدْ أزَحْتُ عِلَلَكم وأمْدَدْتُكم بِالمَلائِكَةِ، فاضْرِبُوا مِنهم هَذِهِ المَواضِعَ، وهو القَتْلُ لِتَبْلُغُوا مُرادَ اللَّهِ في إحْقاقِ الحَقِّ وإبْطالِ الباطِلِ، ومُلَخَّصُ هَذا القَوْلِ الطَّوِيلِ أنَّ: ﴿كَما أخْرَجَكَ﴾ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: فاضْرِبُوا، وفِيهِ مِنَ الفَصْلِ والبُعْدِ ما لا خَفاءَ بِهِ، وقَدِ انْتَهى ذِكْرُ هَذِهِ الأقْوالِ الخَمْسَةَ عَشَرَ الَّتِي وقَفْنا عَلَيْها.
ومَن دَفَعَ إلى (p-٤٦٣)حَوْكِ الكَلامِ وتَقَلَّبَ في إنْشاءِ أفانِينِهِ وزاوَلِ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ لَمْ يَسْتَحْسِنْ شَيْئًا مِن هَذِهِ الأقْوالِ، وإنْ كانَ بَعْضُ قائِلِها لَهُ إمامَةٌ في عِلْمِ النَّحْوِ ورُسُوخُ قَدَمٍ، لَكِنَّهُ لَمْ يَحْتَطْ بِلَفْظِ الكَلامِ، ولَمْ يَكُنْ في طَبْعِهِ صَوْغُهُ أحْسَنَ صَوْغٍ، ولا التَّصَرُّفُ في النَّظَرِ فِيهِ مِن حَيْثُ الفَصاحَةِ وما بِهِ يَظْهَرُ الإعْجازُ. وقَبْلَ تَسْطِيرِ هَذِهِ الأقْوالِ هُنا وقَعْتُ عَلى جُمْلَةٍ مِنها فَلَمْ يَلْقَ لِخاطِرِي مِنها شَيْءٌ، فَرَأيْتُ في النَّوْمِ أنَّنِي أمْشِي في رَصِيفٍ ومَعِي رَجُلٌ أُباحِثُهُ في قَوْلِهِ: ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ﴾ فَقُلْتُ لَهُ: ما مَرَّ بِي شَيْءٌ مُشْكِلٌ مِثْلُ هَذا، ولَعَلَّ ثَمَّ مَحْذُوفًا يَصِحُّ بِهِ المَعْنى، وما وقَفْتُ فِيهِ لِأحَدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى شَيْءٍ طائِلٍ، ثُمَّ قُلْتُ لَهُ: ظَهَرَ لِيَ السّاعَةَ تَخْرِيجُهُ، وإنَّ ذَلِكَ المَحْذُوفَ هو: نَصَرَكَ، واسْتَحْسَنْتُ أنا وذَلِكَ الرَّجُلُ هَذا التَّخْرِيجَ، ثُمَّ انْتَبَهْتُ مِنَ النَّوْمِ وأنا أذْكُرُهُ، والتَّقْدِيرُ: فَكَأنَّهُ قِيلَ: ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ﴾، أيْ: بِسَبَبِ إظْهارِ دِينِ اللَّهِ وإعْزازِ شَرِيعَتِهِ وقَدْ كَرِهُوا خُرُوجَكَ تَهَيُّبًا لِلْقِتالِ وخَوْفًا مِنَ المَوْتِ؛ إذْ كانَ أمْرُ النَّبِيِّ ﷺ لِخُرُوجِهِمْ بَغْتَةً، ولَمْ يَكُونُوا مُسْتَعِدِّينَ لِلْخُرُوجِ وجادَلُوكَ في الحَقِّ بَعْدَ وُضُوحِهِ نَصَرَكَ اللَّهُ وأمَدَّكَ بِمَلائِكَتِهِ ودَلَّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ الكَلامُ الَّذِي بَعْدَهُ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكم فاسْتَجابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٩] الآياتِ، ويَظْهَرُ أنَّ الكافَ في هَذا التَّخْرِيجِ المَنامِيِّ لَيْسَتْ لِمَحْضِ التَّشْبِيهِ بَلْ فِيها مَعْنى التَّعْلِيلِ، وقَدْ نَصَّ النَّحْوِيُّونَ عَلى أنَّها قَدْ تُحْدِثُ فِيها مَعْنى التَّعْلِيلِ وخَرَّجُوا عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] وأنْشَدُوا:
؎لا تَشْتُمِ النّاسَ كَما لا تُشْتَمِ
أيْ لِانْتِفاءِ أنْ يَشْتُمَكَ النّاسُ لا تَشْتُمْهم، ومِنَ الكَلامِ الشّائِعِ عَلى هَذا المَعْنى، كَما تُطِيعُ اللَّهَ يُدْخِلُكَ الجَنَّةَ، أيْ: لِأجْلِ طاعَتِكَ اللَّهَ يُدْخِلُكَ الجَنَّةَ، فَكانَ المَعْنى: إنْ خَرَجْتَ لِإعْزازِ دِينِ اللَّهِ وقَتْلِ أعْدائِهِ نَصَرَكَ اللَّهُ وأمَدَّكَ بِالمَلائِكَةِ، والواوُ في وإنَّ فَرِيقًا واوُ الحالِ، والظّاهِرُ أنَّ مِن بَيْتِكَ هو مَقامُ سُكْناهُ؛ وقِيلَ: المَدِينَةُ؛ لِأنَّها مُهاجَرُهُ ومُخْتَصَّةٌ بِهِ؛ وقِيلَ: مَكَّةُ، وفِيهِ بُعْدٌ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ هَذا إخْبارٌ عَنْ خُرُوجِهِ إلى بَدْرٍ، فَصَرْفُهُ إلى الخُرُوجِ مِن مَكَّةَ لَيْسَ بِظاهِرٍ، ومَفْعُولُ لَكارِهُونَ هو الخُرُوجُ، أيْ: لَكارِهُونَ الخُرُوجَ مَعَكَ، وكَراهَتُهم ذَلِكَ إمّا لِنَفْرَةِ الطَّبْعِ، أوْ لِأنَّهم لَمْ يُسْتَنْفَرُوا، أوِ العُدُولُ مِنَ العِيرِ إلى النَّفِيرِ لِما في ذَلِكَ مِن قُوَّةِ أخْذِ الأمْوالِ، ولِما في هَذا مِنَ القَتْلِ والقِتالِ، أوْ لِتَرْكِ مَكَّةَ ودِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ، أقْوالٌ أرْبَعَةٌ: والظّاهِرُ أنَّ ضَمِيرَ الرَّفْعِ في يُجادِلُونَكَ عائِدٌ عَلى فَرِيقِ المُؤْمِنِينَ الكارِهِينَ، وجِدالُهم قَوْلُهم: ما كانَ خُرُوجُنا إلّا لِلْعِيرِ ولَوْ عَرَفْنا لاسْتَعْدَدْنا لِلْقِتالِ، والحَقُّ هُنا نُصْرَةُ دِينِ الإسْلامِ؛ وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى المُشْرِكِينَ، وجِدالُهم في الحَقِّ هو في شَرِيعَةِ الإسْلامِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: بُعْدَ ما بَيَّنَ، بِضَمِّ الباءِ مِن غَيْرِ تاءٍ، وفي قَوْلِهِ: بَعْدَ ما تَبَيَّنَ إنْكارٌ عَظِيمٌ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ مَن جادَلَ في شَيْءٍ لَمْ يَتَّضِحْ كانَ أخَفَّ عَتْبًا، أمّا مَن نازَعَ في أمْرٍ واضِحٍ، فَهو جَدِيرٌ بِاللَّوْمِ والإنْكارِ، ثُمَّ شَبَّهَ حالَهم في فَرْطِ فَزَعِهِمْ، وهم يُسارُ بِهِمْ إلى الظَّفَرِ والغَنِيمَةِ بِحالِ مَن يُساقُ عَلى الصَّفا إلى المَوْتِ، وهو مُشاهِدٌ لِأسْبابِهِ ناظِرٌ إلَيْها لا يَشُكُّ فِيها؛ وقِيلَ: كانَ خَوْفُهم لِقِلَّةِ العَدَدِ وأنَّهم كانُوا رَجّالَةً، ورُوِيَ أنَّهُ ما كانَ فِيهِمْ إلّا فارِسانِ، وكانُوا ثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ، وكانَ المُشْرِكُونَ في نَحْوِ ألْفِ رَجُلٍ، وقِصَّةُ بَدْرٍ هَذِهِ مُسْتَوْعَبَةٌ في كِتابِ السِّيَرِ، وقَدْ لَخَّصَ مِنها الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ ما يُوقَفُ عَلَيْهِ في كِتابَيْهِما.
الأنفال 8:5
﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ قُرِئَ: وجَلَتْ، بِفَتْحِ الجِيمِ، وهي لُغَةٌ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: فَرِقَتْ، وقَرَأ أُبَيٌّ: فَزِعَتْ، ويَنْبَغِي أنْ تُحْمَلَ هاتانِ القِراءَتانِ عَلى التَّفْسِيرِ، ولَمّا كانَ مَعْنى: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٨٥]، قالَ: إنَّما المُؤْمِنُونَ، أيِ: الكامِلُو الإيمانِ، ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم بِمَوْصُولٍ وُصِلَ بِثَلاثِ مَقاماتٍ عَظِيمَةٍ: مَقامِ الخَوْفِ، ومَقامِ زِيادَةِ الإيمانِ، ومَقامِ التَّوَكُّلِ، ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: ﴿إذا ذُكِرَ اللَّهُ﴾ إنْ يُذْكَرِ اسْمُهُ ويُلْفَظْ بِهِ تَفْزَعْ قُلُوبُهم لِذِكْرِهِ اسْتِعْظامًا لَهُ وتَهَيُّبًا وإجْلالًا، ويَكُونُ هَذا الذِّكْرُ مُخالِفًا لِلذِّكْرِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣]؛ لِأنَّ ذِكْرَ اللَّهِ هُناكَ رَأْفَتُهُ ورَحْمَتُهُ وثَوابُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ اللَّهِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ذُكِرَتْ عَظَمَةُ اللَّهِ وقُدْرَتُهُ وما خَوَّفَ بِهِ مَن عَصاهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ، وقالَ السُّدِّيُّ: هو الرَّجُلُ يَهُمُّ بِالمَعْصِيَةِ فَيَذْكُرُ اللَّهَ فَيَفْزَعُ عَنْها، وفي الحَدِيثِ في السَّبْعِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَحْتَ ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلّا ظِلُّهُ: «ورَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأةُ ذاتُ جِمالٍ ومَنصِبٍ، فَقالَ: إنِّي أخافُ اللَّهَ»، ومَعْنى زادَتْهم إيمانًا، أيْ: يَقِينًا وتَثْبِيتًا؛ لِأنَّ تَظاهُرَ الأدِلَّةِ وتَظافُرَها أقْوى عَلى الطُّمَأْنِينَةِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ وأرْسَخُ لِقَدَمِهِ. وقِيلَ: المَعْنى أنَّهُ إذا كانَ لَمْ يَسْمَعْ حُكْمًا مِن أحْكامِ القُرْآنِ مُنَزَّلٌ لِلنَّبِيِّ (p-٤٥٨)ﷺ فَآمَنَ بِهِ زادَ إيمانًا إلى سائِرِ ما قَدْ آمَنَ بِهِ؛ إذْ لِكُلِّ حُكْمٍ تَصْدِيقٌ خاصٌّ، ولِهَذا قالَ مُجاهِدٌ: عَبَّرَ بِزِيادَةِ الإيمانِ عَنْ زِيادَةِ العِلْمِ وأحْكامِهِ. وقِيلَ: زِيادَةُ الإيمانِ كِنايَةٌ عَنْ زِيادَةِ العَمَلِ، وعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ أنَّ لِلْإيمانِ سُنَّةً وفَرائِضَ وشَرائِعَ، فَمَنِ اسْتَكْمَلَها اسْتَكْمَلَ الإيمانَ؛ وقِيلَ: هَذا في الظّالِمِ يُوعَظُ فَيُقالُ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ، فَيُقْلِعُ فَيَزِيدُهُ ذَلِكَ إيمانًا، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ داخِلٌ في صِلَةِ الَّذِينَ كَما قُلْنا قَبْلُ؛ وقِيلَ: هو مُسْتَأْنَفٌ وتَرْتِيبُ هَذِهِ المَقاماتِ أحْسَنُ تَرْتِيبٍ، فَبَدَأ بِمَقامِ الخَوْفِ إمّا خَوْفُ الإجْلالِ والهَيْبَةِ، وإمّا خَوْفُ العِقابِ، ثُمَّ ثانِيًا: بِالإيمانِ بِالتَّكالِيفِ الوارِدَةِ، ثُمَّ ثالِثًا: بِالتَّفْوِيضِ إلى اللَّهِ والِانْقِطاعِ إلَيْهِ ورُخْصِ ما سِواهُ.
﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ الأحْسَنُ أنْ يَكُونَ: (الَّذِينَ) صِفَةً لِلَّذِينَ السّابِقَةِ حَتّى تَدْخُلَ في حَيِّزِ الجُزْئِيَّةِ، فَيَكُونَ ذَلِكَ إخْبارًا عَنِ المُؤْمِنِينَ بِثَلاثٍ: الصِّفَةِ القَلْبِيَّةِ، وعَنْهم بِالصِّفَةِ البَدَنِيَّةِ، والصِّفَةِ المالِيَّةِ، وجَمَعَ أفْعالَ القُلُوبِ لِأنَّها أشْرَفُ، وجَمَعَ في أفْعالِ الجَوارِحِ بَيْنَ الصَّلاةِ والصَّدَقَةِ؛ لِأنَّهُما عَمُودا أفْعالٍ، وأجازَ الحَوْفِيُّ والتَّبْرِيزِيُّ أنْ يَكُونَ: (الَّذِينَ) بَدَلًا مِنَ الَّذِينَ، وأنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هُمُ الَّذِينَ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ عامٌّ في الزَّكاةِ ونَوافِلِ الصَّدَقاتِ وصِلاتِ الرَّحِمِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَبارِّ المالِيَّةِ، وقَدْ خَصَّ ذَلِكَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ بِالزَّكاةِ لِاقْتِرانِها بِالصَّلاةِ.
﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: حَقًّا مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، كَذا نَصَّ عَلَيْهِ سِيبَوَيْهِ، وهو المَصْدَرُ غَيْرُ المُنْتَقِلِ والعامِلُ فِيهِ أحَقَّ ذَلِكَ حَقًّا، انْتَهى، ومَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ تَأْكِيدٌ لِما تَضَمَّنَتْهُ الجُمْلَةُ مِنَ الإسْنادِ الخَبَرِيِّ، وأنَّهُ لا مَجازَ في ذَلِكَ الإسْنادِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: حَقًّا صِفَةٌ لِلْمَصْدَرِ المَحْذُوفِ، أيْ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ﴾ إيمانًا حَقًّا، وهو مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي هي ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ﴾، كَقَوْلِهِ: هو عَبْدُ اللَّهِ حَقًّا، أيْ: حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا. وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ سَألَهُ رَجُلٌ: أمُؤْمِنٌ أنْتَ ؟ قالَ: الإيمانُ إيمانانِ، فَإنْ كُنْتَ تَسْألُنِي عَنِ الإيمانِ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ والجَنَّةِ والنّارِ والبَعْثِ والحِسابِ، فَأنا مُؤْمِنٌ، وإنْ كُنْتَ تَسْألُنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ﴾ فَواللَّهِ لا أدْرِي أمِنهم أنا أمْ لا، وأبْعَدَ مَن زَعَمَ أنَّ الكَلامَ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ﴾، وأنَّ حَقًّا مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ، أيْ: حَقًّا لَهم دَرَجاتٌ، وهَذا لِأنَّ انْتِصابَ حَقًّا عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ عَنْ تَمامِ جُمْلَةِ الِابْتِداءِ بِمَكانِ التَّأْخِيرِ عَنْها؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ فَلا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ، وقَدْ أجازَهُ بَعْضُهم، وهو ضَعِيفٌ.
﴿لَهم دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ومَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ لَمّا تَقَدَّمَتْ ثَلاثُ صِفاتٍ: قَلْبِيَّةٌ وبَدَنِيَّةٌ ومالِيَّةٌ، تَرَتَّبَ عَلَيْها ثَلاثَةُ أشْياءَ، فَقُوبِلَتِ الأعْمالُ القَلْبِيَّةُ بِالدَّرَجاتِ، والبَدَنِيَّةُ بِالغُفْرانِ، وفي الحَدِيثِ «أنَّ رَجُلًا أتى مِنِ امْرَأةٍ أجْنَبِيَّةٍ ما يَأْتِيهِ الرَّجُلُ مِن أهْلِهِ غَيْرَ الوَطْءِ، فَسَألَهُ الرَّسُولُ ﷺ لَمّا أُخْبِرَ بِذَلِكَ: أصَلَّيْتَ مَعَنا ؟ فَقالَ نَعَمْ، فَقالَ لَهُ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ»، وقُوبِلَتِ المالِيَّةُ بِالرِّزْقِ بِالكَرِيمِ، وهَذا النَّوْعُ مِنَ المُقابَلَةِ مِن بَدِيعِ عِلْمِ البَيانِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ والجُمْهُورُ: إنَّ المُرادَ مَراتِبُ الجَنَّةِ ومَنازِلُها ودَرَجاتُها عَلى قَدْرِ أعْمالِهِمْ، وحَكى الطَّبَرِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّها دَرَجاتُ أعْمالِ الدُّنْيا، وقَوْلُهُ: ﴿ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ يُرِيدُ بِهِ مَآكِلَ الجَنَّةِ ومَشارِبَها، وكَرِيمٌ صِفَةٌ تَقْتَضِي رَفْعَ المَقامِ، كَقَوْلِهِ: ثَوْبٌ كِرِيمٌ وحَسَبٌ كَرِيمٌ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: دَرَجاتُ شَرَفٍ وكَرامَةٌ، وعُلُوُّ مَنزِلَةٍ ومَغْفِرَةٌ، وتَجاوُزٌ لِسَيِّئاتِهِمْ، ورِزْقٌ كَرِيمٌ، ونَعِيمُ الجَنَّةِ يَعْنِي مَنافِعَ حَسَنَةً دائِمَةً عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ، وهَذا مَعْنى الثَّوابِ، انْتَهى. وقالَ عَطاءٌ: دَرَجاتُ الجَنَّةِ يَرْتَقُونَها بِأعْمالِهِمْ، وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: سَبْعُونَ دَرَجَةً ما بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ حِصْنُ الفَرَسِ (p-٤٥٩)المُضْمَرِ سَبْعِينَ سَنَةً؛ وقِيلَ: مَراتِبُ، ومَنازِلُ في الجَنَّةِ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، وفي الحَدِيثِ أنَّ «أهْلَ الجَنَّةِ لَيَتَراءَوْنَ أهْلَ الغُرَفِ كَما يَتَراءى الكَوْكَبُ الدُّرِّيُّ»، وثَلاثَةُ الأقْوالِ هَذِهِ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ أُرِيدَ الدَّرَجاتُ حَقِيقَةً، وعَنْ مُجاهِدٍ دَرَجاتُ أعْمالٍ رَفِيعَةٌ.
﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ وإنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ يُجادِلُونَكَ في الحَقِّ بَعْدَما تَبَيَّنَ كَأنَّما يُساقُونَ إلى المَوْتِ وهم يَنْظُرُونَ﴾ اضْطَرَبَ المُفَسِّرُونَ في قَوْلِهِ: ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ﴾ واخْتَلَفُوا عَلى خَمْسَةَ عَشَرَ قَوْلًا. أحَدُها: أنَّ الكافَ بِمَعْنى واوِ القَسَمِ وما بِمَعْنى الَّذِي واقِعَةٌ عَلى ذِي العِلْمِ، وهو اللَّهُ، كَما وقَعَتْ في قَوْلِهِ: ﴿وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [الليل: ٣] وجَوابُ القَسَمِ ﴿يُجادِلُونَكَ﴾، والتَّقْدِيرُ: واللَّهِ الَّذِي أخْرَجَكَ مِن بَيْتِكَ يُجادِلُونَكَ في الحَقِّ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وكانَ ضَعِيفًا في عِلْمِ النَّحْوِ، وقالَ الكِرْمانِيُّ: هَذا سَهْوٌ، وقالَ (p-٤٦٠)ابْنُ الأنْبارِيِّ: الكافُ لَيْسَتْ مِن حُرُوفِ القَسَمِ، انْتَهى. وفِيهِ أيْضًا أنَّ جَوابَ القَسَمِ بِالمُضارِعِ المُثْبَتِ جاءَ بِغَيْرِ لامٍ ولا نُونِ تَوْكِيدٍ، ولا بُدَّ مِنهُما في مِثْلِ هَذا عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، أوْ مِن مُعاقَبَةِ أحَدِهِما الآخَرَ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، أمّا خُلُوُّهُ عَنْهُما أوْ أحَدِهِما، فَهو قَوْلٌ مُخالِفٌ لِما أجْمَعَ عَلَيْهِ الكُوفِيُّونَ والبَصْرِيُّونَ، القَوْلُ الثّانِي: أنَّ الكافَ بِمَعْنى إذْ وما زائِدَةٌ، تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ إذْ أخْرَجَكَ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ أنَّ الكافَ تَكُونُ بِمَعْنى إذْ في لِسانِ العَرَبِ، ولَمْ يَثْبُتْ أنَّ ما تُزادُ بَعْدَ هَذا غَيْرَ الشَّرْطِيَّةِ، وكَذَلِكَ لا تُزادُ ما ادُّعِيَ أنَّهُ بِمَعْناها، القَوْلُ الثّالِثُ: الكافُ بِمَعْنى عَلى وما بِمَعْنى الَّذِي، تَقْدِيرُهُ: امْضِ عَلى الَّذِي أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ أنَّ الكافَ تَكُونُ بِمَعْنى عَلى، ولِأنَّهُ يَحْتاجُ المَوْصُولُ إلى عائِدٍ، وهو لا يَجُوزُ أنْ يُحْذَفَ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ، القَوْلُ الرّابِعُ: قالَ عِكْرِمَةُ: التَّقْدِيرُ: وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، كَما أخْرَجَكَ في الطّاعَةِ خَيْرٌ لَكم، كَما كانَ إخْراجُكَ خَيْرًا لَهُمُ، القَوْلُ الخامِسُ: قالَ الكِسائِيُّ وغَيْرُهُ، كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ عَلى كَراهَةٍ مِن فَرِيقٍ مِنهم، كَذَلِكَ يُجادِلُونَكَ في قِتالِ كُفّارِ مَكَّةَ، ويَوَدُّونَ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّكَ (p-٤٦١)إنَّما تَفْعَلُ ما أُمِرْتَ بِهِ لا ما يُرِيدُونَ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والتَّقْدِيرُ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ: يُجادِلُونَكَ في الحَقِّ مُجادَلَةً لِكَراهَتِهِمْ إخْراجَ رَبِّكَ إيّاكَ مِن بَيْتِكَ، فالمُجادَلَةُ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ بِمَثابَةِ الكَراهَةِ، وكَذا وقَعَ التَّشْبِيهُ في المَعْنى، وقائِلُ هَذِهِ المَقالَةِ يَقُولُ: إنَّ المُجادِلِينَ هُمُ المُشْرِكُونَ، القَوْلُ السّادِسُ: قالَ الفَرّاءُ: التَّقْدِيرُ امْضِ لِأمْرِكَ في الغَنائِمِ ونَفِّلْ مَن شِئْتَ إنْ كَرِهُوا كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ، انْتَهى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والعِبارَةُ بِقَوْلِهِ: امْضِ لِأمْرِكَ ونَفِّلْ مَن شِئْتَ غَيْرُ مُحَرَّرَةٍ، وتَحْرِيرُ هَذا المَعْنى عِنْدِي أنْ يُقالَ: هَذِهِ الكافُ شَبَّهَتْ هَذِهِ القِصَّةَ الَّتِي هي إخْراجُهُ مِن بَيْتِهِ بِالقِصَّةِ المُتَقَدِّمَةِ الَّتِي هي سُؤالُهم عَنِ الأنْفالِ، كَأنَّهم سَألُوا عَنِ النَّفْلِ وتَشاجَرُوا فَأخْرَجَ اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهم فَكانَتْ هَذِهِ الخِيَرَةُ، كَما كَرِهُوا في هَذِهِ القِصَّةِ انْبِعاثَ النَّبِيِّ ﷺ بِإخْراجِهِ اللَّهُ مِن بَيْتِهِ، فَكانَتْ في ذَلِكَ الخِيَرَةُ وتَشاجُرُهم في النَّفْلِ بِمَثابَةِ كَراهِيَتِهِمْ هاهُنا الخُرُوجَ، وحُكْمَ اللَّهِ في النَّفْلِ بِأنَّهُ لِلَّهِ والرَّسُولِ، فَهو بِمَثابَةِ إخْراجِهِ نَبِيَّهُ مِن بَيْتِهِ، ثُمَّ كانَتِ الخِيَرَةُ في القِصَّتَيْنِ مِمّا صَنَعَ اللَّهُ، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿يُجادِلُونَكَ﴾ كَلامًا مُسْتَأْنَفًا يُرادُ بِهِ الكُفّارُ، أيْ: يُجادِلُونَكَ في شَرِيعَةِ الإسْلامِ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ الحَقُّ (p-٤٦٢)فِيها، كَأنَّما يُساقُونَ إلى المَوْتِ في الدُّعاءِ إلى الإيمانِ، وهَذا الَّذِي ذَكَرْتُ مِن أنَّ يُجادِلُونَكَ في الكُفّارِ مَنصُوصٌ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَهَذانَ قَوْلانِ مُطَّرِدانِ يَتِمُّ بِهِما المَعْنى ويَحْسُنُ وصْفُ اللَّفْظِ، انْتَهى. ونَعْنِي بِالقَوْلَيْنِ قَوْلَ الفَرّاءِ وقَوْلَ الكِسائِيِّ، وقَدْ كَثُرَ الكَلامُ في هاتَيْنِ المَقالَتَيْنِ، ولا يَظْهَرانِ، ولا يَلْتَئِمانِ مِن حَيْثُ دَلالَةِ العاطِفِ، القَوْلُ السّابِعُ: قالَ الأخْفَشُ: الكافُ نَعْتٌ لِحَقًّا، والتَّقْدِيرُ: هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا كَما أخْرَجَكَ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والمَعْنى عَلى هَذا التَّأْوِيلِ كَما زادَ لا يَتَناسَقُ، القَوْلُ الثّامِنُ أنَّ الكافَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، والتَّقْدِيرُ: كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ فاتَّقُوا اللَّهَ، كَأنَّهُ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا المَعْنى وضَعَهُ هَذا المُفَسِّرُ، ولَيْسَ مِن ألْفاظِ الآيَةِ في وِرْدٍ ولا صَدْرٍ، القَوْلُ التّاسِعُ: قالَ الزَّجّاجُ: الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، والتَّقْدِيرُ: الأنْفالُ ثابِتَةٌ لِلَّهِ ثَباتًا، كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ، وهَذا الفِعْلُ أخَذَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وحَسَّنَهُ. فَقالَ يَنْتَصِبُ عَلى أنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ في قَوْلِهِ: ﴿الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١]، أيِ: الأنْفالُ اسْتَقَرَّتْ لِلَّهِ والرَّسُولِ وثَبَتَتْ مَعَ كَراهَتِهِمْ ثَباتًا، مِثْلَ ثَباتِ إخْراجِ رَبِّكَ إيّاكَ مِن بَيْتِكَ وهم كارِهُونَ، انْتَهى، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ لِكَثْرَةِ الفَصْلِ بَيْنَ المُشَبَّهِ والمُشَبَّهِ بِهِ، ولا يَظْهَرُ كَبِيرُ مَعْنًى لِتَشْبِيهِ هَذا بِهَذا، بَلْ لَوْ كانا مُتَقارِبَيْنِ لَمْ يَظْهَرْ لِلتَّشْبِيهِ كَبِيرُ فائِدَةٍ، القَوْلُ العاشِرُ: أنَّ الكافَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، والتَّقْدِيرُ: لَهم دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ومَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ هَذا وعْدُ حَقٍّ كَما أخْرَجَكَ، وهَذا في حَذْفِ مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ، ولَوْ صَرَّحَ بِذَلِكَ لَمْ يَلْتَئِمِ التَّشْبِيهُ ولَمْ يَحْسُنِ، القَوْلُ الحادِيَ عَشَرَ: أنَّ الكافَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ أيْضًا، والمَعْنى: وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكم ذَلِكم خَيْرٌ لَكم كَما أخْرَجَكَ، فالكافُ نَعْتٌ لِخَبَرِ ابْتِداءٍ مَحْذُوفٍ، وهَذا أيْضًا فِيهِ حَذْفٌ وطُولٌ، فَصَلَ بَيْنَ قَوْلِهِ: وأصْلِحُوا وبَيْنَ كَما أخْرَجَكَ، القَوْلُ الثّانِي عَشَرَ: أنَّهُ شَبَّهَ كَراهِيَةَ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِخُرُوجِهِ مِنَ المَدِينَةِ حِينَ تَحَقَّقُوا خُرُوجَ قُرَيْشٍ لِلدَّفْعِ عَنْ أبِي سُفْيانَ وحِفْظِ غَيْرِهِ بِكَراهِيَتِهِمْ نَزْعَ الغَنائِمِ مِن أيْدِيهِمْ وجَعْلَها لِلرَّسُولِ، أوِ التَّنْفِيلَ مِنها، وهَذا القَوْلُ أخَذَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وحَسَّنَهُ، فَقالَ: يَرْتَفِعُ مَحَلُّ الكافِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: هَذا الحالُ كَحالِ إخْراجِكَ، يَعْنِي أنَّ حالَهم في كَراهَةِ ما رَأيْتَ مِن تَنْفِيلِ القِراءَةِ، مِثْلَ حالِهِمْ في كَراهَةِ خُرُوجِهِمْ لِلْحَرْبِ، وهَذا النَّهْيُ قالَهُ هَذا القائِلُ، وحَسَّنَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، هو ما فَسَّرَ بِهِ ابْنُ عَطِيَّةَ قَوْلَ الفَرّاءِ بِقَوْلِهِ: هَذِهِ الكافُ شَبَّهَتْ هَذِهِ القِصَّةَ الَّتِي هي إخْراجُهُ مِن بَيْتِهِ بِالقِصَّةِ المُتَقَدِّمَةِ الَّتِي هي سُؤالُهم عَنِ الأنْفالِ إلى آخِرِ كَلامِهِ، القَوْلُ الثّالِثَ عَشَرَ أنَّ المَعْنى: قِسْمَتُكَ لِلْغَنائِمِ حَقٌّ كَما كانَ خُرُوجُكَ حَقًّا؛ القَوْلُ الرّابِعَ عَشَرَ: أنَّ التَّشْبِيهَ وقَعَ بَيْنَ إخْراجَيْنِ، أيْ: إخْراجُكَ رَبُّكَ إيّاكَ مِن بَيْتِكَ، وهو مَكَّةُ وأنْتَ كارِهٌ لِخُرُوجِكَ، وكانَتْ عاقِبَةُ ذَلِكَ الخَيْرَ والنَّصْرَ والظَّفَرَ كَإخْراجِ رَبِّكَ إيّاكَ مِنَ المَدِينَةِ، وبَعْضُ المُؤْمِنِينَ كارِهٌ يَكُونُ عَقِيبُ ذَلِكَ الظَّفَرَ والنَّصْرَ، القَوْلُ الخامِسَ عَشَرَ: الكافُ لِلتَّشْبِيهِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، كَقَوْلِ القائِلِ لِعَبْدِهِ: كَما وجَّهْتُكَ إلى أعْدائِي فاسْتَضْعَفُوكَ وسَألْتَ مَدَدًا فَأمْدَدْتُكَ وقَوَّيْتُكَ وأزَحْتُ عِلَلَكَ فَخُذْهُمُ الآنَ فَعاقِبْهم بِكَذا، وكَما كَسَوْتُكَ وأجْرَيْتُ عَلَيْكَ الرِّزْقَ فاعْمَلْ كَذا، وكَما أحْسَنْتُ إلَيْكَ ما شَكَرْتَنِي عَلَيْهِ، فَتَقْدِيرُ الآيَةِ: كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ، وغَشّاكُمُ النُّعاسَ أمَنَةً مِنهُ، يَعْنِي بِهِ إيّاهُ ومَن مَعَهُ، وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ، وأنْزَلَ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ مَلائِكَةً مُرْدِفِينَ فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ، كَأنَّهُ يَقُولُ قَدْ أزَحْتُ عِلَلَكم وأمْدَدْتُكم بِالمَلائِكَةِ، فاضْرِبُوا مِنهم هَذِهِ المَواضِعَ، وهو القَتْلُ لِتَبْلُغُوا مُرادَ اللَّهِ في إحْقاقِ الحَقِّ وإبْطالِ الباطِلِ، ومُلَخَّصُ هَذا القَوْلِ الطَّوِيلِ أنَّ: ﴿كَما أخْرَجَكَ﴾ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: فاضْرِبُوا، وفِيهِ مِنَ الفَصْلِ والبُعْدِ ما لا خَفاءَ بِهِ، وقَدِ انْتَهى ذِكْرُ هَذِهِ الأقْوالِ الخَمْسَةَ عَشَرَ الَّتِي وقَفْنا عَلَيْها.
ومَن دَفَعَ إلى (p-٤٦٣)حَوْكِ الكَلامِ وتَقَلَّبَ في إنْشاءِ أفانِينِهِ وزاوَلِ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ لَمْ يَسْتَحْسِنْ شَيْئًا مِن هَذِهِ الأقْوالِ، وإنْ كانَ بَعْضُ قائِلِها لَهُ إمامَةٌ في عِلْمِ النَّحْوِ ورُسُوخُ قَدَمٍ، لَكِنَّهُ لَمْ يَحْتَطْ بِلَفْظِ الكَلامِ، ولَمْ يَكُنْ في طَبْعِهِ صَوْغُهُ أحْسَنَ صَوْغٍ، ولا التَّصَرُّفُ في النَّظَرِ فِيهِ مِن حَيْثُ الفَصاحَةِ وما بِهِ يَظْهَرُ الإعْجازُ. وقَبْلَ تَسْطِيرِ هَذِهِ الأقْوالِ هُنا وقَعْتُ عَلى جُمْلَةٍ مِنها فَلَمْ يَلْقَ لِخاطِرِي مِنها شَيْءٌ، فَرَأيْتُ في النَّوْمِ أنَّنِي أمْشِي في رَصِيفٍ ومَعِي رَجُلٌ أُباحِثُهُ في قَوْلِهِ: ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ﴾ فَقُلْتُ لَهُ: ما مَرَّ بِي شَيْءٌ مُشْكِلٌ مِثْلُ هَذا، ولَعَلَّ ثَمَّ مَحْذُوفًا يَصِحُّ بِهِ المَعْنى، وما وقَفْتُ فِيهِ لِأحَدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى شَيْءٍ طائِلٍ، ثُمَّ قُلْتُ لَهُ: ظَهَرَ لِيَ السّاعَةَ تَخْرِيجُهُ، وإنَّ ذَلِكَ المَحْذُوفَ هو: نَصَرَكَ، واسْتَحْسَنْتُ أنا وذَلِكَ الرَّجُلُ هَذا التَّخْرِيجَ، ثُمَّ انْتَبَهْتُ مِنَ النَّوْمِ وأنا أذْكُرُهُ، والتَّقْدِيرُ: فَكَأنَّهُ قِيلَ: ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ﴾، أيْ: بِسَبَبِ إظْهارِ دِينِ اللَّهِ وإعْزازِ شَرِيعَتِهِ وقَدْ كَرِهُوا خُرُوجَكَ تَهَيُّبًا لِلْقِتالِ وخَوْفًا مِنَ المَوْتِ؛ إذْ كانَ أمْرُ النَّبِيِّ ﷺ لِخُرُوجِهِمْ بَغْتَةً، ولَمْ يَكُونُوا مُسْتَعِدِّينَ لِلْخُرُوجِ وجادَلُوكَ في الحَقِّ بَعْدَ وُضُوحِهِ نَصَرَكَ اللَّهُ وأمَدَّكَ بِمَلائِكَتِهِ ودَلَّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ الكَلامُ الَّذِي بَعْدَهُ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكم فاسْتَجابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٩] الآياتِ، ويَظْهَرُ أنَّ الكافَ في هَذا التَّخْرِيجِ المَنامِيِّ لَيْسَتْ لِمَحْضِ التَّشْبِيهِ بَلْ فِيها مَعْنى التَّعْلِيلِ، وقَدْ نَصَّ النَّحْوِيُّونَ عَلى أنَّها قَدْ تُحْدِثُ فِيها مَعْنى التَّعْلِيلِ وخَرَّجُوا عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] وأنْشَدُوا:
؎لا تَشْتُمِ النّاسَ كَما لا تُشْتَمِ
أيْ لِانْتِفاءِ أنْ يَشْتُمَكَ النّاسُ لا تَشْتُمْهم، ومِنَ الكَلامِ الشّائِعِ عَلى هَذا المَعْنى، كَما تُطِيعُ اللَّهَ يُدْخِلُكَ الجَنَّةَ، أيْ: لِأجْلِ طاعَتِكَ اللَّهَ يُدْخِلُكَ الجَنَّةَ، فَكانَ المَعْنى: إنْ خَرَجْتَ لِإعْزازِ دِينِ اللَّهِ وقَتْلِ أعْدائِهِ نَصَرَكَ اللَّهُ وأمَدَّكَ بِالمَلائِكَةِ، والواوُ في وإنَّ فَرِيقًا واوُ الحالِ، والظّاهِرُ أنَّ مِن بَيْتِكَ هو مَقامُ سُكْناهُ؛ وقِيلَ: المَدِينَةُ؛ لِأنَّها مُهاجَرُهُ ومُخْتَصَّةٌ بِهِ؛ وقِيلَ: مَكَّةُ، وفِيهِ بُعْدٌ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ هَذا إخْبارٌ عَنْ خُرُوجِهِ إلى بَدْرٍ، فَصَرْفُهُ إلى الخُرُوجِ مِن مَكَّةَ لَيْسَ بِظاهِرٍ، ومَفْعُولُ لَكارِهُونَ هو الخُرُوجُ، أيْ: لَكارِهُونَ الخُرُوجَ مَعَكَ، وكَراهَتُهم ذَلِكَ إمّا لِنَفْرَةِ الطَّبْعِ، أوْ لِأنَّهم لَمْ يُسْتَنْفَرُوا، أوِ العُدُولُ مِنَ العِيرِ إلى النَّفِيرِ لِما في ذَلِكَ مِن قُوَّةِ أخْذِ الأمْوالِ، ولِما في هَذا مِنَ القَتْلِ والقِتالِ، أوْ لِتَرْكِ مَكَّةَ ودِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ، أقْوالٌ أرْبَعَةٌ: والظّاهِرُ أنَّ ضَمِيرَ الرَّفْعِ في يُجادِلُونَكَ عائِدٌ عَلى فَرِيقِ المُؤْمِنِينَ الكارِهِينَ، وجِدالُهم قَوْلُهم: ما كانَ خُرُوجُنا إلّا لِلْعِيرِ ولَوْ عَرَفْنا لاسْتَعْدَدْنا لِلْقِتالِ، والحَقُّ هُنا نُصْرَةُ دِينِ الإسْلامِ؛ وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى المُشْرِكِينَ، وجِدالُهم في الحَقِّ هو في شَرِيعَةِ الإسْلامِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: بُعْدَ ما بَيَّنَ، بِضَمِّ الباءِ مِن غَيْرِ تاءٍ، وفي قَوْلِهِ: بَعْدَ ما تَبَيَّنَ إنْكارٌ عَظِيمٌ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ مَن جادَلَ في شَيْءٍ لَمْ يَتَّضِحْ كانَ أخَفَّ عَتْبًا، أمّا مَن نازَعَ في أمْرٍ واضِحٍ، فَهو جَدِيرٌ بِاللَّوْمِ والإنْكارِ، ثُمَّ شَبَّهَ حالَهم في فَرْطِ فَزَعِهِمْ، وهم يُسارُ بِهِمْ إلى الظَّفَرِ والغَنِيمَةِ بِحالِ مَن يُساقُ عَلى الصَّفا إلى المَوْتِ، وهو مُشاهِدٌ لِأسْبابِهِ ناظِرٌ إلَيْها لا يَشُكُّ فِيها؛ وقِيلَ: كانَ خَوْفُهم لِقِلَّةِ العَدَدِ وأنَّهم كانُوا رَجّالَةً، ورُوِيَ أنَّهُ ما كانَ فِيهِمْ إلّا فارِسانِ، وكانُوا ثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ، وكانَ المُشْرِكُونَ في نَحْوِ ألْفِ رَجُلٍ، وقِصَّةُ بَدْرٍ هَذِهِ مُسْتَوْعَبَةٌ في كِتابِ السِّيَرِ، وقَدْ لَخَّصَ مِنها الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ ما يُوقَفُ عَلَيْهِ في كِتابَيْهِما.
الأنفال 8:6
﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ قُرِئَ: وجَلَتْ، بِفَتْحِ الجِيمِ، وهي لُغَةٌ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: فَرِقَتْ، وقَرَأ أُبَيٌّ: فَزِعَتْ، ويَنْبَغِي أنْ تُحْمَلَ هاتانِ القِراءَتانِ عَلى التَّفْسِيرِ، ولَمّا كانَ مَعْنى: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٨٥]، قالَ: إنَّما المُؤْمِنُونَ، أيِ: الكامِلُو الإيمانِ، ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم بِمَوْصُولٍ وُصِلَ بِثَلاثِ مَقاماتٍ عَظِيمَةٍ: مَقامِ الخَوْفِ، ومَقامِ زِيادَةِ الإيمانِ، ومَقامِ التَّوَكُّلِ، ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: ﴿إذا ذُكِرَ اللَّهُ﴾ إنْ يُذْكَرِ اسْمُهُ ويُلْفَظْ بِهِ تَفْزَعْ قُلُوبُهم لِذِكْرِهِ اسْتِعْظامًا لَهُ وتَهَيُّبًا وإجْلالًا، ويَكُونُ هَذا الذِّكْرُ مُخالِفًا لِلذِّكْرِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣]؛ لِأنَّ ذِكْرَ اللَّهِ هُناكَ رَأْفَتُهُ ورَحْمَتُهُ وثَوابُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ اللَّهِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ذُكِرَتْ عَظَمَةُ اللَّهِ وقُدْرَتُهُ وما خَوَّفَ بِهِ مَن عَصاهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ، وقالَ السُّدِّيُّ: هو الرَّجُلُ يَهُمُّ بِالمَعْصِيَةِ فَيَذْكُرُ اللَّهَ فَيَفْزَعُ عَنْها، وفي الحَدِيثِ في السَّبْعِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَحْتَ ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلّا ظِلُّهُ: «ورَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأةُ ذاتُ جِمالٍ ومَنصِبٍ، فَقالَ: إنِّي أخافُ اللَّهَ»، ومَعْنى زادَتْهم إيمانًا، أيْ: يَقِينًا وتَثْبِيتًا؛ لِأنَّ تَظاهُرَ الأدِلَّةِ وتَظافُرَها أقْوى عَلى الطُّمَأْنِينَةِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ وأرْسَخُ لِقَدَمِهِ. وقِيلَ: المَعْنى أنَّهُ إذا كانَ لَمْ يَسْمَعْ حُكْمًا مِن أحْكامِ القُرْآنِ مُنَزَّلٌ لِلنَّبِيِّ (p-٤٥٨)ﷺ فَآمَنَ بِهِ زادَ إيمانًا إلى سائِرِ ما قَدْ آمَنَ بِهِ؛ إذْ لِكُلِّ حُكْمٍ تَصْدِيقٌ خاصٌّ، ولِهَذا قالَ مُجاهِدٌ: عَبَّرَ بِزِيادَةِ الإيمانِ عَنْ زِيادَةِ العِلْمِ وأحْكامِهِ. وقِيلَ: زِيادَةُ الإيمانِ كِنايَةٌ عَنْ زِيادَةِ العَمَلِ، وعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ أنَّ لِلْإيمانِ سُنَّةً وفَرائِضَ وشَرائِعَ، فَمَنِ اسْتَكْمَلَها اسْتَكْمَلَ الإيمانَ؛ وقِيلَ: هَذا في الظّالِمِ يُوعَظُ فَيُقالُ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ، فَيُقْلِعُ فَيَزِيدُهُ ذَلِكَ إيمانًا، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ داخِلٌ في صِلَةِ الَّذِينَ كَما قُلْنا قَبْلُ؛ وقِيلَ: هو مُسْتَأْنَفٌ وتَرْتِيبُ هَذِهِ المَقاماتِ أحْسَنُ تَرْتِيبٍ، فَبَدَأ بِمَقامِ الخَوْفِ إمّا خَوْفُ الإجْلالِ والهَيْبَةِ، وإمّا خَوْفُ العِقابِ، ثُمَّ ثانِيًا: بِالإيمانِ بِالتَّكالِيفِ الوارِدَةِ، ثُمَّ ثالِثًا: بِالتَّفْوِيضِ إلى اللَّهِ والِانْقِطاعِ إلَيْهِ ورُخْصِ ما سِواهُ.
﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ الأحْسَنُ أنْ يَكُونَ: (الَّذِينَ) صِفَةً لِلَّذِينَ السّابِقَةِ حَتّى تَدْخُلَ في حَيِّزِ الجُزْئِيَّةِ، فَيَكُونَ ذَلِكَ إخْبارًا عَنِ المُؤْمِنِينَ بِثَلاثٍ: الصِّفَةِ القَلْبِيَّةِ، وعَنْهم بِالصِّفَةِ البَدَنِيَّةِ، والصِّفَةِ المالِيَّةِ، وجَمَعَ أفْعالَ القُلُوبِ لِأنَّها أشْرَفُ، وجَمَعَ في أفْعالِ الجَوارِحِ بَيْنَ الصَّلاةِ والصَّدَقَةِ؛ لِأنَّهُما عَمُودا أفْعالٍ، وأجازَ الحَوْفِيُّ والتَّبْرِيزِيُّ أنْ يَكُونَ: (الَّذِينَ) بَدَلًا مِنَ الَّذِينَ، وأنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هُمُ الَّذِينَ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ عامٌّ في الزَّكاةِ ونَوافِلِ الصَّدَقاتِ وصِلاتِ الرَّحِمِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَبارِّ المالِيَّةِ، وقَدْ خَصَّ ذَلِكَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ بِالزَّكاةِ لِاقْتِرانِها بِالصَّلاةِ.
﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: حَقًّا مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، كَذا نَصَّ عَلَيْهِ سِيبَوَيْهِ، وهو المَصْدَرُ غَيْرُ المُنْتَقِلِ والعامِلُ فِيهِ أحَقَّ ذَلِكَ حَقًّا، انْتَهى، ومَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ تَأْكِيدٌ لِما تَضَمَّنَتْهُ الجُمْلَةُ مِنَ الإسْنادِ الخَبَرِيِّ، وأنَّهُ لا مَجازَ في ذَلِكَ الإسْنادِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: حَقًّا صِفَةٌ لِلْمَصْدَرِ المَحْذُوفِ، أيْ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ﴾ إيمانًا حَقًّا، وهو مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي هي ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ﴾، كَقَوْلِهِ: هو عَبْدُ اللَّهِ حَقًّا، أيْ: حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا. وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ سَألَهُ رَجُلٌ: أمُؤْمِنٌ أنْتَ ؟ قالَ: الإيمانُ إيمانانِ، فَإنْ كُنْتَ تَسْألُنِي عَنِ الإيمانِ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ والجَنَّةِ والنّارِ والبَعْثِ والحِسابِ، فَأنا مُؤْمِنٌ، وإنْ كُنْتَ تَسْألُنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ﴾ فَواللَّهِ لا أدْرِي أمِنهم أنا أمْ لا، وأبْعَدَ مَن زَعَمَ أنَّ الكَلامَ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ﴾، وأنَّ حَقًّا مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ، أيْ: حَقًّا لَهم دَرَجاتٌ، وهَذا لِأنَّ انْتِصابَ حَقًّا عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ عَنْ تَمامِ جُمْلَةِ الِابْتِداءِ بِمَكانِ التَّأْخِيرِ عَنْها؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ فَلا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ، وقَدْ أجازَهُ بَعْضُهم، وهو ضَعِيفٌ.
﴿لَهم دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ومَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ لَمّا تَقَدَّمَتْ ثَلاثُ صِفاتٍ: قَلْبِيَّةٌ وبَدَنِيَّةٌ ومالِيَّةٌ، تَرَتَّبَ عَلَيْها ثَلاثَةُ أشْياءَ، فَقُوبِلَتِ الأعْمالُ القَلْبِيَّةُ بِالدَّرَجاتِ، والبَدَنِيَّةُ بِالغُفْرانِ، وفي الحَدِيثِ «أنَّ رَجُلًا أتى مِنِ امْرَأةٍ أجْنَبِيَّةٍ ما يَأْتِيهِ الرَّجُلُ مِن أهْلِهِ غَيْرَ الوَطْءِ، فَسَألَهُ الرَّسُولُ ﷺ لَمّا أُخْبِرَ بِذَلِكَ: أصَلَّيْتَ مَعَنا ؟ فَقالَ نَعَمْ، فَقالَ لَهُ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ»، وقُوبِلَتِ المالِيَّةُ بِالرِّزْقِ بِالكَرِيمِ، وهَذا النَّوْعُ مِنَ المُقابَلَةِ مِن بَدِيعِ عِلْمِ البَيانِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ والجُمْهُورُ: إنَّ المُرادَ مَراتِبُ الجَنَّةِ ومَنازِلُها ودَرَجاتُها عَلى قَدْرِ أعْمالِهِمْ، وحَكى الطَّبَرِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّها دَرَجاتُ أعْمالِ الدُّنْيا، وقَوْلُهُ: ﴿ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ يُرِيدُ بِهِ مَآكِلَ الجَنَّةِ ومَشارِبَها، وكَرِيمٌ صِفَةٌ تَقْتَضِي رَفْعَ المَقامِ، كَقَوْلِهِ: ثَوْبٌ كِرِيمٌ وحَسَبٌ كَرِيمٌ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: دَرَجاتُ شَرَفٍ وكَرامَةٌ، وعُلُوُّ مَنزِلَةٍ ومَغْفِرَةٌ، وتَجاوُزٌ لِسَيِّئاتِهِمْ، ورِزْقٌ كَرِيمٌ، ونَعِيمُ الجَنَّةِ يَعْنِي مَنافِعَ حَسَنَةً دائِمَةً عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ، وهَذا مَعْنى الثَّوابِ، انْتَهى. وقالَ عَطاءٌ: دَرَجاتُ الجَنَّةِ يَرْتَقُونَها بِأعْمالِهِمْ، وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: سَبْعُونَ دَرَجَةً ما بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ حِصْنُ الفَرَسِ (p-٤٥٩)المُضْمَرِ سَبْعِينَ سَنَةً؛ وقِيلَ: مَراتِبُ، ومَنازِلُ في الجَنَّةِ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، وفي الحَدِيثِ أنَّ «أهْلَ الجَنَّةِ لَيَتَراءَوْنَ أهْلَ الغُرَفِ كَما يَتَراءى الكَوْكَبُ الدُّرِّيُّ»، وثَلاثَةُ الأقْوالِ هَذِهِ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ أُرِيدَ الدَّرَجاتُ حَقِيقَةً، وعَنْ مُجاهِدٍ دَرَجاتُ أعْمالٍ رَفِيعَةٌ.
﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ وإنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ يُجادِلُونَكَ في الحَقِّ بَعْدَما تَبَيَّنَ كَأنَّما يُساقُونَ إلى المَوْتِ وهم يَنْظُرُونَ﴾ اضْطَرَبَ المُفَسِّرُونَ في قَوْلِهِ: ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ﴾ واخْتَلَفُوا عَلى خَمْسَةَ عَشَرَ قَوْلًا. أحَدُها: أنَّ الكافَ بِمَعْنى واوِ القَسَمِ وما بِمَعْنى الَّذِي واقِعَةٌ عَلى ذِي العِلْمِ، وهو اللَّهُ، كَما وقَعَتْ في قَوْلِهِ: ﴿وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [الليل: ٣] وجَوابُ القَسَمِ ﴿يُجادِلُونَكَ﴾، والتَّقْدِيرُ: واللَّهِ الَّذِي أخْرَجَكَ مِن بَيْتِكَ يُجادِلُونَكَ في الحَقِّ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وكانَ ضَعِيفًا في عِلْمِ النَّحْوِ، وقالَ الكِرْمانِيُّ: هَذا سَهْوٌ، وقالَ (p-٤٦٠)ابْنُ الأنْبارِيِّ: الكافُ لَيْسَتْ مِن حُرُوفِ القَسَمِ، انْتَهى. وفِيهِ أيْضًا أنَّ جَوابَ القَسَمِ بِالمُضارِعِ المُثْبَتِ جاءَ بِغَيْرِ لامٍ ولا نُونِ تَوْكِيدٍ، ولا بُدَّ مِنهُما في مِثْلِ هَذا عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، أوْ مِن مُعاقَبَةِ أحَدِهِما الآخَرَ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، أمّا خُلُوُّهُ عَنْهُما أوْ أحَدِهِما، فَهو قَوْلٌ مُخالِفٌ لِما أجْمَعَ عَلَيْهِ الكُوفِيُّونَ والبَصْرِيُّونَ، القَوْلُ الثّانِي: أنَّ الكافَ بِمَعْنى إذْ وما زائِدَةٌ، تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ إذْ أخْرَجَكَ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ أنَّ الكافَ تَكُونُ بِمَعْنى إذْ في لِسانِ العَرَبِ، ولَمْ يَثْبُتْ أنَّ ما تُزادُ بَعْدَ هَذا غَيْرَ الشَّرْطِيَّةِ، وكَذَلِكَ لا تُزادُ ما ادُّعِيَ أنَّهُ بِمَعْناها، القَوْلُ الثّالِثُ: الكافُ بِمَعْنى عَلى وما بِمَعْنى الَّذِي، تَقْدِيرُهُ: امْضِ عَلى الَّذِي أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ أنَّ الكافَ تَكُونُ بِمَعْنى عَلى، ولِأنَّهُ يَحْتاجُ المَوْصُولُ إلى عائِدٍ، وهو لا يَجُوزُ أنْ يُحْذَفَ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ، القَوْلُ الرّابِعُ: قالَ عِكْرِمَةُ: التَّقْدِيرُ: وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، كَما أخْرَجَكَ في الطّاعَةِ خَيْرٌ لَكم، كَما كانَ إخْراجُكَ خَيْرًا لَهُمُ، القَوْلُ الخامِسُ: قالَ الكِسائِيُّ وغَيْرُهُ، كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ عَلى كَراهَةٍ مِن فَرِيقٍ مِنهم، كَذَلِكَ يُجادِلُونَكَ في قِتالِ كُفّارِ مَكَّةَ، ويَوَدُّونَ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّكَ (p-٤٦١)إنَّما تَفْعَلُ ما أُمِرْتَ بِهِ لا ما يُرِيدُونَ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والتَّقْدِيرُ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ: يُجادِلُونَكَ في الحَقِّ مُجادَلَةً لِكَراهَتِهِمْ إخْراجَ رَبِّكَ إيّاكَ مِن بَيْتِكَ، فالمُجادَلَةُ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ بِمَثابَةِ الكَراهَةِ، وكَذا وقَعَ التَّشْبِيهُ في المَعْنى، وقائِلُ هَذِهِ المَقالَةِ يَقُولُ: إنَّ المُجادِلِينَ هُمُ المُشْرِكُونَ، القَوْلُ السّادِسُ: قالَ الفَرّاءُ: التَّقْدِيرُ امْضِ لِأمْرِكَ في الغَنائِمِ ونَفِّلْ مَن شِئْتَ إنْ كَرِهُوا كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ، انْتَهى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والعِبارَةُ بِقَوْلِهِ: امْضِ لِأمْرِكَ ونَفِّلْ مَن شِئْتَ غَيْرُ مُحَرَّرَةٍ، وتَحْرِيرُ هَذا المَعْنى عِنْدِي أنْ يُقالَ: هَذِهِ الكافُ شَبَّهَتْ هَذِهِ القِصَّةَ الَّتِي هي إخْراجُهُ مِن بَيْتِهِ بِالقِصَّةِ المُتَقَدِّمَةِ الَّتِي هي سُؤالُهم عَنِ الأنْفالِ، كَأنَّهم سَألُوا عَنِ النَّفْلِ وتَشاجَرُوا فَأخْرَجَ اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهم فَكانَتْ هَذِهِ الخِيَرَةُ، كَما كَرِهُوا في هَذِهِ القِصَّةِ انْبِعاثَ النَّبِيِّ ﷺ بِإخْراجِهِ اللَّهُ مِن بَيْتِهِ، فَكانَتْ في ذَلِكَ الخِيَرَةُ وتَشاجُرُهم في النَّفْلِ بِمَثابَةِ كَراهِيَتِهِمْ هاهُنا الخُرُوجَ، وحُكْمَ اللَّهِ في النَّفْلِ بِأنَّهُ لِلَّهِ والرَّسُولِ، فَهو بِمَثابَةِ إخْراجِهِ نَبِيَّهُ مِن بَيْتِهِ، ثُمَّ كانَتِ الخِيَرَةُ في القِصَّتَيْنِ مِمّا صَنَعَ اللَّهُ، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿يُجادِلُونَكَ﴾ كَلامًا مُسْتَأْنَفًا يُرادُ بِهِ الكُفّارُ، أيْ: يُجادِلُونَكَ في شَرِيعَةِ الإسْلامِ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ الحَقُّ (p-٤٦٢)فِيها، كَأنَّما يُساقُونَ إلى المَوْتِ في الدُّعاءِ إلى الإيمانِ، وهَذا الَّذِي ذَكَرْتُ مِن أنَّ يُجادِلُونَكَ في الكُفّارِ مَنصُوصٌ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَهَذانَ قَوْلانِ مُطَّرِدانِ يَتِمُّ بِهِما المَعْنى ويَحْسُنُ وصْفُ اللَّفْظِ، انْتَهى. ونَعْنِي بِالقَوْلَيْنِ قَوْلَ الفَرّاءِ وقَوْلَ الكِسائِيِّ، وقَدْ كَثُرَ الكَلامُ في هاتَيْنِ المَقالَتَيْنِ، ولا يَظْهَرانِ، ولا يَلْتَئِمانِ مِن حَيْثُ دَلالَةِ العاطِفِ، القَوْلُ السّابِعُ: قالَ الأخْفَشُ: الكافُ نَعْتٌ لِحَقًّا، والتَّقْدِيرُ: هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا كَما أخْرَجَكَ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والمَعْنى عَلى هَذا التَّأْوِيلِ كَما زادَ لا يَتَناسَقُ، القَوْلُ الثّامِنُ أنَّ الكافَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، والتَّقْدِيرُ: كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ فاتَّقُوا اللَّهَ، كَأنَّهُ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا المَعْنى وضَعَهُ هَذا المُفَسِّرُ، ولَيْسَ مِن ألْفاظِ الآيَةِ في وِرْدٍ ولا صَدْرٍ، القَوْلُ التّاسِعُ: قالَ الزَّجّاجُ: الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، والتَّقْدِيرُ: الأنْفالُ ثابِتَةٌ لِلَّهِ ثَباتًا، كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ، وهَذا الفِعْلُ أخَذَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وحَسَّنَهُ. فَقالَ يَنْتَصِبُ عَلى أنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ في قَوْلِهِ: ﴿الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١]، أيِ: الأنْفالُ اسْتَقَرَّتْ لِلَّهِ والرَّسُولِ وثَبَتَتْ مَعَ كَراهَتِهِمْ ثَباتًا، مِثْلَ ثَباتِ إخْراجِ رَبِّكَ إيّاكَ مِن بَيْتِكَ وهم كارِهُونَ، انْتَهى، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ لِكَثْرَةِ الفَصْلِ بَيْنَ المُشَبَّهِ والمُشَبَّهِ بِهِ، ولا يَظْهَرُ كَبِيرُ مَعْنًى لِتَشْبِيهِ هَذا بِهَذا، بَلْ لَوْ كانا مُتَقارِبَيْنِ لَمْ يَظْهَرْ لِلتَّشْبِيهِ كَبِيرُ فائِدَةٍ، القَوْلُ العاشِرُ: أنَّ الكافَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، والتَّقْدِيرُ: لَهم دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ومَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ هَذا وعْدُ حَقٍّ كَما أخْرَجَكَ، وهَذا في حَذْفِ مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ، ولَوْ صَرَّحَ بِذَلِكَ لَمْ يَلْتَئِمِ التَّشْبِيهُ ولَمْ يَحْسُنِ، القَوْلُ الحادِيَ عَشَرَ: أنَّ الكافَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ أيْضًا، والمَعْنى: وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكم ذَلِكم خَيْرٌ لَكم كَما أخْرَجَكَ، فالكافُ نَعْتٌ لِخَبَرِ ابْتِداءٍ مَحْذُوفٍ، وهَذا أيْضًا فِيهِ حَذْفٌ وطُولٌ، فَصَلَ بَيْنَ قَوْلِهِ: وأصْلِحُوا وبَيْنَ كَما أخْرَجَكَ، القَوْلُ الثّانِي عَشَرَ: أنَّهُ شَبَّهَ كَراهِيَةَ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِخُرُوجِهِ مِنَ المَدِينَةِ حِينَ تَحَقَّقُوا خُرُوجَ قُرَيْشٍ لِلدَّفْعِ عَنْ أبِي سُفْيانَ وحِفْظِ غَيْرِهِ بِكَراهِيَتِهِمْ نَزْعَ الغَنائِمِ مِن أيْدِيهِمْ وجَعْلَها لِلرَّسُولِ، أوِ التَّنْفِيلَ مِنها، وهَذا القَوْلُ أخَذَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وحَسَّنَهُ، فَقالَ: يَرْتَفِعُ مَحَلُّ الكافِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: هَذا الحالُ كَحالِ إخْراجِكَ، يَعْنِي أنَّ حالَهم في كَراهَةِ ما رَأيْتَ مِن تَنْفِيلِ القِراءَةِ، مِثْلَ حالِهِمْ في كَراهَةِ خُرُوجِهِمْ لِلْحَرْبِ، وهَذا النَّهْيُ قالَهُ هَذا القائِلُ، وحَسَّنَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، هو ما فَسَّرَ بِهِ ابْنُ عَطِيَّةَ قَوْلَ الفَرّاءِ بِقَوْلِهِ: هَذِهِ الكافُ شَبَّهَتْ هَذِهِ القِصَّةَ الَّتِي هي إخْراجُهُ مِن بَيْتِهِ بِالقِصَّةِ المُتَقَدِّمَةِ الَّتِي هي سُؤالُهم عَنِ الأنْفالِ إلى آخِرِ كَلامِهِ، القَوْلُ الثّالِثَ عَشَرَ أنَّ المَعْنى: قِسْمَتُكَ لِلْغَنائِمِ حَقٌّ كَما كانَ خُرُوجُكَ حَقًّا؛ القَوْلُ الرّابِعَ عَشَرَ: أنَّ التَّشْبِيهَ وقَعَ بَيْنَ إخْراجَيْنِ، أيْ: إخْراجُكَ رَبُّكَ إيّاكَ مِن بَيْتِكَ، وهو مَكَّةُ وأنْتَ كارِهٌ لِخُرُوجِكَ، وكانَتْ عاقِبَةُ ذَلِكَ الخَيْرَ والنَّصْرَ والظَّفَرَ كَإخْراجِ رَبِّكَ إيّاكَ مِنَ المَدِينَةِ، وبَعْضُ المُؤْمِنِينَ كارِهٌ يَكُونُ عَقِيبُ ذَلِكَ الظَّفَرَ والنَّصْرَ، القَوْلُ الخامِسَ عَشَرَ: الكافُ لِلتَّشْبِيهِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، كَقَوْلِ القائِلِ لِعَبْدِهِ: كَما وجَّهْتُكَ إلى أعْدائِي فاسْتَضْعَفُوكَ وسَألْتَ مَدَدًا فَأمْدَدْتُكَ وقَوَّيْتُكَ وأزَحْتُ عِلَلَكَ فَخُذْهُمُ الآنَ فَعاقِبْهم بِكَذا، وكَما كَسَوْتُكَ وأجْرَيْتُ عَلَيْكَ الرِّزْقَ فاعْمَلْ كَذا، وكَما أحْسَنْتُ إلَيْكَ ما شَكَرْتَنِي عَلَيْهِ، فَتَقْدِيرُ الآيَةِ: كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ، وغَشّاكُمُ النُّعاسَ أمَنَةً مِنهُ، يَعْنِي بِهِ إيّاهُ ومَن مَعَهُ، وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ، وأنْزَلَ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ مَلائِكَةً مُرْدِفِينَ فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ، كَأنَّهُ يَقُولُ قَدْ أزَحْتُ عِلَلَكم وأمْدَدْتُكم بِالمَلائِكَةِ، فاضْرِبُوا مِنهم هَذِهِ المَواضِعَ، وهو القَتْلُ لِتَبْلُغُوا مُرادَ اللَّهِ في إحْقاقِ الحَقِّ وإبْطالِ الباطِلِ، ومُلَخَّصُ هَذا القَوْلِ الطَّوِيلِ أنَّ: ﴿كَما أخْرَجَكَ﴾ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: فاضْرِبُوا، وفِيهِ مِنَ الفَصْلِ والبُعْدِ ما لا خَفاءَ بِهِ، وقَدِ انْتَهى ذِكْرُ هَذِهِ الأقْوالِ الخَمْسَةَ عَشَرَ الَّتِي وقَفْنا عَلَيْها.
ومَن دَفَعَ إلى (p-٤٦٣)حَوْكِ الكَلامِ وتَقَلَّبَ في إنْشاءِ أفانِينِهِ وزاوَلِ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ لَمْ يَسْتَحْسِنْ شَيْئًا مِن هَذِهِ الأقْوالِ، وإنْ كانَ بَعْضُ قائِلِها لَهُ إمامَةٌ في عِلْمِ النَّحْوِ ورُسُوخُ قَدَمٍ، لَكِنَّهُ لَمْ يَحْتَطْ بِلَفْظِ الكَلامِ، ولَمْ يَكُنْ في طَبْعِهِ صَوْغُهُ أحْسَنَ صَوْغٍ، ولا التَّصَرُّفُ في النَّظَرِ فِيهِ مِن حَيْثُ الفَصاحَةِ وما بِهِ يَظْهَرُ الإعْجازُ. وقَبْلَ تَسْطِيرِ هَذِهِ الأقْوالِ هُنا وقَعْتُ عَلى جُمْلَةٍ مِنها فَلَمْ يَلْقَ لِخاطِرِي مِنها شَيْءٌ، فَرَأيْتُ في النَّوْمِ أنَّنِي أمْشِي في رَصِيفٍ ومَعِي رَجُلٌ أُباحِثُهُ في قَوْلِهِ: ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ﴾ فَقُلْتُ لَهُ: ما مَرَّ بِي شَيْءٌ مُشْكِلٌ مِثْلُ هَذا، ولَعَلَّ ثَمَّ مَحْذُوفًا يَصِحُّ بِهِ المَعْنى، وما وقَفْتُ فِيهِ لِأحَدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى شَيْءٍ طائِلٍ، ثُمَّ قُلْتُ لَهُ: ظَهَرَ لِيَ السّاعَةَ تَخْرِيجُهُ، وإنَّ ذَلِكَ المَحْذُوفَ هو: نَصَرَكَ، واسْتَحْسَنْتُ أنا وذَلِكَ الرَّجُلُ هَذا التَّخْرِيجَ، ثُمَّ انْتَبَهْتُ مِنَ النَّوْمِ وأنا أذْكُرُهُ، والتَّقْدِيرُ: فَكَأنَّهُ قِيلَ: ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ﴾، أيْ: بِسَبَبِ إظْهارِ دِينِ اللَّهِ وإعْزازِ شَرِيعَتِهِ وقَدْ كَرِهُوا خُرُوجَكَ تَهَيُّبًا لِلْقِتالِ وخَوْفًا مِنَ المَوْتِ؛ إذْ كانَ أمْرُ النَّبِيِّ ﷺ لِخُرُوجِهِمْ بَغْتَةً، ولَمْ يَكُونُوا مُسْتَعِدِّينَ لِلْخُرُوجِ وجادَلُوكَ في الحَقِّ بَعْدَ وُضُوحِهِ نَصَرَكَ اللَّهُ وأمَدَّكَ بِمَلائِكَتِهِ ودَلَّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ الكَلامُ الَّذِي بَعْدَهُ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكم فاسْتَجابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٩] الآياتِ، ويَظْهَرُ أنَّ الكافَ في هَذا التَّخْرِيجِ المَنامِيِّ لَيْسَتْ لِمَحْضِ التَّشْبِيهِ بَلْ فِيها مَعْنى التَّعْلِيلِ، وقَدْ نَصَّ النَّحْوِيُّونَ عَلى أنَّها قَدْ تُحْدِثُ فِيها مَعْنى التَّعْلِيلِ وخَرَّجُوا عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] وأنْشَدُوا:
؎لا تَشْتُمِ النّاسَ كَما لا تُشْتَمِ
أيْ لِانْتِفاءِ أنْ يَشْتُمَكَ النّاسُ لا تَشْتُمْهم، ومِنَ الكَلامِ الشّائِعِ عَلى هَذا المَعْنى، كَما تُطِيعُ اللَّهَ يُدْخِلُكَ الجَنَّةَ، أيْ: لِأجْلِ طاعَتِكَ اللَّهَ يُدْخِلُكَ الجَنَّةَ، فَكانَ المَعْنى: إنْ خَرَجْتَ لِإعْزازِ دِينِ اللَّهِ وقَتْلِ أعْدائِهِ نَصَرَكَ اللَّهُ وأمَدَّكَ بِالمَلائِكَةِ، والواوُ في وإنَّ فَرِيقًا واوُ الحالِ، والظّاهِرُ أنَّ مِن بَيْتِكَ هو مَقامُ سُكْناهُ؛ وقِيلَ: المَدِينَةُ؛ لِأنَّها مُهاجَرُهُ ومُخْتَصَّةٌ بِهِ؛ وقِيلَ: مَكَّةُ، وفِيهِ بُعْدٌ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ هَذا إخْبارٌ عَنْ خُرُوجِهِ إلى بَدْرٍ، فَصَرْفُهُ إلى الخُرُوجِ مِن مَكَّةَ لَيْسَ بِظاهِرٍ، ومَفْعُولُ لَكارِهُونَ هو الخُرُوجُ، أيْ: لَكارِهُونَ الخُرُوجَ مَعَكَ، وكَراهَتُهم ذَلِكَ إمّا لِنَفْرَةِ الطَّبْعِ، أوْ لِأنَّهم لَمْ يُسْتَنْفَرُوا، أوِ العُدُولُ مِنَ العِيرِ إلى النَّفِيرِ لِما في ذَلِكَ مِن قُوَّةِ أخْذِ الأمْوالِ، ولِما في هَذا مِنَ القَتْلِ والقِتالِ، أوْ لِتَرْكِ مَكَّةَ ودِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ، أقْوالٌ أرْبَعَةٌ: والظّاهِرُ أنَّ ضَمِيرَ الرَّفْعِ في يُجادِلُونَكَ عائِدٌ عَلى فَرِيقِ المُؤْمِنِينَ الكارِهِينَ، وجِدالُهم قَوْلُهم: ما كانَ خُرُوجُنا إلّا لِلْعِيرِ ولَوْ عَرَفْنا لاسْتَعْدَدْنا لِلْقِتالِ، والحَقُّ هُنا نُصْرَةُ دِينِ الإسْلامِ؛ وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى المُشْرِكِينَ، وجِدالُهم في الحَقِّ هو في شَرِيعَةِ الإسْلامِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: بُعْدَ ما بَيَّنَ، بِضَمِّ الباءِ مِن غَيْرِ تاءٍ، وفي قَوْلِهِ: بَعْدَ ما تَبَيَّنَ إنْكارٌ عَظِيمٌ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ مَن جادَلَ في شَيْءٍ لَمْ يَتَّضِحْ كانَ أخَفَّ عَتْبًا، أمّا مَن نازَعَ في أمْرٍ واضِحٍ، فَهو جَدِيرٌ بِاللَّوْمِ والإنْكارِ، ثُمَّ شَبَّهَ حالَهم في فَرْطِ فَزَعِهِمْ، وهم يُسارُ بِهِمْ إلى الظَّفَرِ والغَنِيمَةِ بِحالِ مَن يُساقُ عَلى الصَّفا إلى المَوْتِ، وهو مُشاهِدٌ لِأسْبابِهِ ناظِرٌ إلَيْها لا يَشُكُّ فِيها؛ وقِيلَ: كانَ خَوْفُهم لِقِلَّةِ العَدَدِ وأنَّهم كانُوا رَجّالَةً، ورُوِيَ أنَّهُ ما كانَ فِيهِمْ إلّا فارِسانِ، وكانُوا ثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ، وكانَ المُشْرِكُونَ في نَحْوِ ألْفِ رَجُلٍ، وقِصَّةُ بَدْرٍ هَذِهِ مُسْتَوْعَبَةٌ في كِتابِ السِّيَرِ، وقَدْ لَخَّصَ مِنها الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ ما يُوقَفُ عَلَيْهِ في كِتابَيْهِما.
الأنفال 8:7
﴿وإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ أنَّها لَكم وتَوَدُّونَ أنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكم ويُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ ويَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ لِيُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ الباطِلَ ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾ ﴿إحْدى الطّائِفَتَيْنِ﴾ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ، والطّائِفَتانِ هُما كَطائِفَةِ عِيرِ قُرَيْشٍ، وكانَتْ فِيهِما تِجارَةٌ عَظِيمَةٌ لَهم ومَعَها أرْبَعُونَ راكِبًا فِيها أبُو سُفْيانَ، وعَمْرُو بْنُ العاصِ، وعَمْرُو بْنُ هِشامٍ، وطائِفَةُ الَّذِينَ اسْتَنْفَرَهم أبُو جَهْلٍ وكانُوا في العَدَدِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، ﴿غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ﴾ هي العِيرُ؛ لِأنَّها (p-٤٦٤)لَيْسَتْ ذاتَ قِتالٍ، وإنَّما هي غَنِيمَةٌ بارِدَةٌ، ومَعْنى إثْباتِ الحَقِّ تَثْبِيتُهُ وإعْلاؤُهُ، وبِكَلِماتِهِ بِآياتِهِ المُنَزَّلَةِ في مُحارَبَةِ ذاتِ الشَّوْكَةِ، وبِما أمَرَ المَلائِكَةَ مِن نُزُولِهِمْ لِلنُّصْرَةِ، وبِما قَضى مِن أسْرِهِمْ وقَتْلِهِمْ وطَرْحِهِمْ في قَلِيبِ بَدْرٍ، وبِما ظَهَرَ ما أخْبَرَ بِهِ ﷺ، وقَطْعُ الدّابِرِ عِبارَةٌ عَنِ الِاسْتِئْصالِ، والمَعْنى: أنَّكم تَرْغَبُونَ في إبْقاءِ العاجِلَةِ وسَلامَةِ الأحْوالِ وسَفْسافِ الأُمُورِ وإعْلاءِ الحَقِّ والفَوْزِ في الدّارَيْنِ، وشَتّانَ ما بَيْنَ المُرادَيْنِ، ولِذَلِكَ اخْتارَ لَكم ذاتَ الشَّوْكَةِ وأراكَهم عِيانًا، خَذَلَهم ونَصَرَكم، وأذَلَّهم وأعَزَّكم، وحَصَّلَ لَكم ما أرْبى عَلى دائِرَةِ العِيرِ وما أدْناهُ خَيْرٌ مِنهُما، وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ: يَعِدْكم، بِسُكُونِ الدّالِ لِتَوالِي الحَرَكاتِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: اللَّهُ احْدى، بِإسْقاطِ هَمْزَةِ إحْدى عَلى غَيْرِ قِياسٍ، وعَنْهُ أيْضًا: أحَدَ، عَلى التَّذْكِيرِ؛ إذْ تَأْنِيثُ الطّائِفَةِ مَجازٌ، وأدْغَمَ أبُو عَمْرٍو: الشَّوْكَة تَّكُونُ، وقَرَأ مُسْلِمُ بْنُ مُحارِبٍ: بِكَلِمَتِهِ، عَلى التَّوْحِيدِ، وحَكاها ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ شَيْبَةَ وأبِي جَعْفَرٍ ونافِعٍ، بِخِلافٍ عَنْهم وأطْلَقَ المُفْرَدَ مُرادًا بِهِ الجَمْعُ لِلْعِلْمِ بِهِ، أوْ أُرِيدَ بِهِ كَلِمَةُ تَكْوِينِ الأشْياءِ، وهو: كُنْ، قِيلَ: وكَلِماتُهُ هي ما وعَدَ نَبِيَّهُ في سُورَةِ الدُّخانِ، فَقالَ: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦]، أيْ: مِن أبِي جَهْلٍ وأصْحابِهِ؛ وقِيلَ: أوامِرُهُ ونَواهِيهِ؛ وقِيلَ: مَواعِيدُهُ النَّصْرُ والظَّفَرُ والِاسْتِيلاءُ عَلى إحْدى الطّائِفَتَيْنِ؛ وقِيلَ: كَلِماتُهُ الَّتِي سَبَقَتْ في الأزَلِ، ومَعْنى ﴿لِيُحِقَّ الحَقَّ﴾ لِيُظْهِرَ ما يَجِبُ إظْهارُهُ، وهو الإسْلامُ ﴿ويُبْطِلَ الباطِلَ﴾ فَعَلَ ذَلِكَ؛ وقِيلَ: الحَقُّ القُرْآنُ، والباطِلُ إبْلِيسُ، وتَتَعَلَّقُ هَذِهِ اللّامُ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: لِيُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ الباطِلَ فَعَلَ ذَلِكَ، أيْ: ما فَعَلَهُ إلّا لَهُما، وهو إثْباتُ الإسْلامِ وإظْهارُهُ وإبْطالُ الكُفْرِ ومَحْوُهُ، ولَيْسَ هَذا بِتَكْرِيرٍ لِاخْتِلافِ المَعْنَيَيْنِ، الأوَّلُ: تَبْيِينٌ بَيْنَ الإرادَتَيْنِ، والثّانِي: بَيانٌ لِما فُعِلَ مِنِ اخْتِيارِ ذاتِ الشَّوْكَةِ عَلى غَيْرِها لَهم ونُصْرَتِهِمْ عَلَيْها، وأنَّهُ ما نَصَرَهم ولا خَذَلَ أُولَئِكَ عَلى كَثْرَتِهِمْ إلّا لِهَذا المَقْصِدِ الَّذِي هو أسْنى المَقاصِدِ، وتَقْدِيرُ ما تَعَلَّقَ بِهِ مُتَأخِّرًا أحْسَنُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجِبُ أنْ يُقَدَّرَ المَحْذُوفُ مُتَأخِّرًا حَتّى يُفِيدَ مَعْنى الِاخْتِصاصِ ويَنْطَبِقَ عَلَيْهِ المَعْنى، انْتَهى، وذَلِكَ عَلى مَذْهَبِهِ في أنَّ تَقْدِيمَ المَفْعُولِ والمَجْرُورِ يَدُلُّ عَلى الِاخْتِصاصِ والحَصْرِ، وذَلِكَ عِنْدَنا لا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ إنَّما يَدُلُّ عَلى الِاعْتِناءِ والِاهْتِمامِ بِما قُدِّمَ لا عَلى تَخْصِيصٍ ولا حَصْرٍ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ مَعَهُ في ذَلِكَ؛ وقِيلَ: يَتَعَلَّقُ لِيُحِقَّ بِقَوْلِهِ: ويَقْطَعَ؛ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَوْ كَرِهَ، أيْ: وكَراهَتُكم واقِعَةٌ فَهي جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ، انْتَهى، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ مَعَهُ في ذَلِكَ وأنَّ التَّحْقِيقَ فِيهِ أنَّ الواوَ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ ذَلِكَ المَحْذُوفُ في مَوْضِعِ الحالِ، والمَعْطُوفُ عَلى الحالِ حالٌ، ومَثَّلْنا ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: أعْطُوا السّائِلَ ولَوْ جاءَ عَلى فَرَسٍ، أيْ: عَلى كُلِّ حالٍ ولَوْ عَلى هَذِهِ الحالَةِ الَّتِي تُنافِي الصَّدَقَةَ عَلى السّائِلِ، وأنْ ولَوْ هَذِهِ تَأْتِي لِاسْتِقْصاءِ ما بَطَنَ؛ لِأنَّهُ لا يَنْدَرِجُ في عُمُومِ ما قَبْلَهُ لِمُلاقاةِ الَّتِي بَيْنَ هَذِهِ الحالِ وبَيْنَ المُسْنَدِ الَّذِي قَبْلَهُما، وقالَ الحَسَنُ: هاتانِ الآيَتانِ مُتَقَدِّمَتانِ في النُّزُولِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾ [الأنفال: ٥]، وفي القِراءَةِ بَعْدَهُما لِتَقابُلِ الحَقِّ بِالحَقِّ والكَراهَةِ بِالكَراهَةِ، انْتَهى، وهَذِهِ دَعْوى لا دَلِيلَ عَلَيْها، ولا حاجَةَ تَضْطَرُّنا إلى تَصْحِيحِها.
﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكم فاسْتَجابَ لَكم أنِّي مُمِدُّكم بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ اسْتَغاثَ: طَلَبَ الغَوْثَ، لَمّا عَلِمُوا أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ القِتالِ شَرَعُوا في طَلَبِ الغَوْثِ مِنَ اللَّهِ تَعالى والدُّعاءِ بِالنُّصْرَةِ، والظّاهِرُ أنَّهُ خِطابٌ لِمَن خُوطِبَ بِقَوْلِهِ: وإذْ يَعِدُكم وتَوَدُّونَ، وأنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ: كَما أخْرَجَكَ، ويُجادِلُونَكَ، هو خِطابٌ لِلرَّسُولِ، ولِذَلِكَ أفْرَدَ، فالخِطابانِ مُخْتَلِفانِ؛ وقِيلَ: المُسْتَغِيثُ هو النَّبِيُّ ﷺ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ إلى أصْحابِهِ وهم ثَلاثُمِائَةٍ ونَيِّفٌ، وإلى المُشْرِكِينَ وهم (p-٤٦٥)ألْفٌ، فاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ ومَدَّ يَدَهُ وهو يَقُولُ: اللَّهُمَّ أنْجِزْنِي ما وعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إنْ تُهْلِكْ هَذِهِ العُصْبَةَ لا تُعْبَدْ في الأرْضِ، ولَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتّى سَقَطَ رِداؤُهُ، فَرَدَّهُ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَفاكَ يا رَسُولَ اللَّهِ مُناشَدَتَكَ اللَّهَ فَإنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ ما وعَدَكَ»، قالُوا: فَيَكُونُ مِن خِطابِ الواحِدِ المُعَظَّمِ خِطابُ الجَمِيعِ، ورُوِيَ أنَّ أبا جَهْلٍ عِنْدَما اصْطَفَّ القَوْمُ قالَ: اللَّهُمَّ أوْلانا بِالحَقِّ فانْصُرْهُ، وإذْ بَدَلٌ مِن إذْ يَعِدُكم، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ، وكانَ قَدْ قَدَّمَ أنَّ العامِلَ في إذْ يَعِدُكُمُ اذْكُرْ، وقالَ الطَّبَرِيُّ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِيُحِقَّ ويُبْطِلَ، وأجازَ هو والحَوْفِيُّ أنْ تَكُونَ مَنصُوبَةً بِيَعِدُكم، وأجازَ الحَوْفِيُّ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً عَلى إضْمارِ واذْكُرُوا، وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ ظَرْفًا لِتَوَدُّونَ، واسْتَغاثَ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، كَما هو في الآيَةِ، ويَتَعَدّى بِحَرْفِ جَرٍّ، كَما جاءَ في لَفْظِ سِيبَوَيْهِ في بابِ الِاسْتِغاثَةِ، وفي بابِ ابْنِ مالِكٍ في النَّحْوِ المُسْتَغاثُ، ولا يَقُولُ: المُسْتَغاثُ بِهِ، وكَأنَّهُ لَمّا رَآهُ في القُرْآنِ تَعَدّى بِنَفْسِهِ قالَ: المُسْتَغاثُ، ولَمْ يُعَدِّهِ بِالباءِ كَما عَدّاهُ سِيبَوَيْهِ والنَّحْوِيُّونَ، وزَعَمَ أنَّ كَلامَ العَرَبِ بِخِلافِ ذَلِكَ، وكَلامُهُ مَسْمُوعٌ مِن كَلامِ العَرَبِ فَما جاءَ مُعَدًّى بِالباءِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎حَتّى اسْتَغاثَ بِماءٍ لا رِشاءَ لَهُ مِنَ الأباطِحِ في حاجاتِهِ البُرَكُ
؎مُكَلَّلٌ بِأُصُولِ النَّبْتِ تَنْسُجُهُ ∗∗∗ رِيحٌ حَرِيقٌ لِضاحِي مائِهِ حُبُكُ
؎كَما اسْتَغاثَ بِشَيْءٍ قَبْرُ عَنْطَلَةٍ ∗∗∗ خافَ العُيُونَ ولَمْ يُنْظَرْ بِهِ الحَشَكُ
وقَرَأ الجُمْهُورُ: أنِّي، بِفَتْحٍ، أيْ: بِأنِّي، وعِيسى بْنُ عُمَرَ رَواها عَنْ أبِي عَمْرٍو: وإنِّي، بِكَسْرِها عَلى إضْمارِ القَوْلِ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، أوْ عَلى الحِكايَةِ بِاسْتَجابَ لِإجْرائِهِ مَجْرى الفِعْلِ؛ إذْ سَوّى في مَعْناهُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في شَرْحِ اسْتَجابَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِألْفٍ عَلى التَّوْحِيدِ، والجَحْدَرِيُّ بِآلُفٍ عَلى وزْنِ أفْلُسٍ، وعَنْهُ وعَنِ السُّدِّيِّ بِآلافٍ، والجَمْعُ بَيْنَ الإفْرادِ والجَمْعِ، أنْ يُحْمَلَ الإفْرادُ عَلى مَن قاتَلَ مِنهم، أوْ عَلى الوُجُوهِ الَّذِينَ مَن سِواهم أتْباعٌ لَهم؛ وقَرَأ نافِعٌ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ المَدِينَةِ وغَيْرُهم مُرْدَفِينَ بِفَتْحِ الدّالِ، وباقِي السَّبْعَةِ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ بِكَسْرِها، أيْ: مُتابِعًا بَعْضُهم بَعْضًا، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: خَلْفَ كُلِّ مَلَكٍ مَلَكٌ وراءَهُ. وقَرَأ بَعْضُ المَكِّيِّينَ فِيما رَوى عَنْهُ الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ، وحَكاهُ عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ: مُرَدِّفِينَ، بِفَتْحِ الرّاءِ وكَسْرِ الدّالِ مُشَدَّدَةً أصْلُهُ مُرْتَدِفِينَ فَأُدْغِمَ؛ وقالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: وقَدْ يَجُوزُ فَتْحُ الرّاءِ فِرارًا إلى أخَفِّ الحَرَكاتِ، أوْ لِثِقَلِ حَرَكَةِ التّاءِ إلى الرّاءِ عِنْدَ الإدْغامِ، ولا يُعْرَفُ فِيهِ أثَرًا انْتَهى. ورُوِيَ عَنِ الخَلِيلِ أنَّهُ يُضَمُّ الرّاءُ إتْباعًا لِحَرَكَةِ المِيمِ لِقَوْلِهِمْ: مُخَضَّمٌ؛ وقُرِئَ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِكَسْرِ الرّاءِ إتْباعًا لِحَرَكَةِ الدّالِ، أوْ حُرِّكَتْ بِالكَسْرِ عَلى أصْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ؛ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْسُنُ مَعَ هَذِهِ القِراءَةِ كَسْرُ المِيمِ، ولا أحْفَظُهُ قِراءَةً، كَقَوْلِهِمْ: مُخَضَّمٌ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في عَدَدِ المَلائِكَةِ وهَلْ قاتَلَتْ أمْ لَمْ تُقاتِلْ في آلِ عِمْرانَ ولَمْ تَتَعَرَّضِ الآيَةُ لِقِتالِهِمْ، والظّاهِرُ أنَّ قِراءَةَ مَن قَرَأ ﴿مُرْدِفِينَ﴾ بِسُكُونِ الرّاءِ وفَتْحِ الدّالِ أنَّهُ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿بِألْفٍ﴾، أيْ: أرْدَفَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ؛ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالمُرْدَفِينَ المُؤْمِنِينَ، أيْ: أُرْدِفُوا بِالمَلائِكَةِ، فَمُرْدَفِينَ عَلى هَذا حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأرْدَفْتُهُ إيّاهُ إذا أتْبَعْتَهُ، ويُقالُ: أرْدَفْتُهُ، كَقَوْلِكَ: أتْبَعْتُهُ إذا جِئْتَ بَعْدَهُ، فَلا يَخْلُو المَكْسُورُ الدّالِ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى مُتْبِعِينَ أوْ مُتَّبَعِينَ، فَإنْ (p-٤٦٦)كانَ بِمَعْنى مُتْبِعِينَ فَلا يَخْلُو أنْ يَكُونَ بِمَعْنى مُتْبِعِينَ بَعْضُهم بَعْضًا، أوْ مُتْبِعِينَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، أوْ بِمَعْنى مُتْبِعِينَ إيّاهُمُ المُؤْمِنُونَ، أيْ: يَتَقَدَّمُونَهم فَيَتْبَعُونَهم أنْفُسَهم، أوْ مُتْبِعِينَ لَهم يُشَيِّعُوهم ويُقَدِّمُونَهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ وهم عَلى ساقَتِهِمْ لِيَكُونُوا عَلى أعْيُنِهِمْ وحِفْظِهِمْ، أوْ بِمَعْنى مُتْبِعِينَ أنْفُسَهم مَلائِكَةً آخَرِينَ، أوْ مُتْبِعِينَ غَيْرَهم مِنَ المَلائِكَةِ، ويُعَضِّدُ هَذا الوَجْهَ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ: ﴿بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٤]، ﴿بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٥]، انْتَهى. وهَذا تَكْثِيرٌ في الكَلامِ، ومُلَخَّصُهُ أنَّ اتَّبَعَ مُشَدَّدًا يَتَعَدّى إلى واحِدٍ، وأتْبَعَ مُخَفَّفًا يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، وأرْدَفَ أتى بِمَعْناهُما، والمَفْعُولُ لِـ (تَبِعَ) مَحْذُوفٌ والمَفْعُولانِ لِـ (تَبِعَ) مَحْذُوفانِ، فَيُقَدَّرُ ما يَصِحُّ بِهِ المَعْنى، وقَوْلُهُ: أوْ مُتْبِعِينَ إيّاهُمُ المُؤْمِنِينَ، هَذا لَيْسَ مِن مَواضِعِ فَصْلِ الضَّمِيرِ، بَلْ مِمّا يُتَّصَلُ وتُحْذَفُ لَهُ النُّونُ، لا يُقالُ: هَؤُلاءِ كاسُّونَ إيّاكَ ثَوْبًا، بَلْ يُقالُ: كاسُوكَ، فَتَصْحِيحُهُ أنْ يَقُولَ: أوْ بِمَعْنى مُتْبِعِيهِمُ المُؤْمِنِينَ، أوْ يَقُولَ: أوْ بِمَعْنى مُتْبِعِينَ أنْفُسَهُمُ المُؤْمِنِينَ.
الأنفال 8:8
﴿وإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ أنَّها لَكم وتَوَدُّونَ أنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكم ويُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ ويَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ لِيُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ الباطِلَ ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾ ﴿إحْدى الطّائِفَتَيْنِ﴾ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ، والطّائِفَتانِ هُما كَطائِفَةِ عِيرِ قُرَيْشٍ، وكانَتْ فِيهِما تِجارَةٌ عَظِيمَةٌ لَهم ومَعَها أرْبَعُونَ راكِبًا فِيها أبُو سُفْيانَ، وعَمْرُو بْنُ العاصِ، وعَمْرُو بْنُ هِشامٍ، وطائِفَةُ الَّذِينَ اسْتَنْفَرَهم أبُو جَهْلٍ وكانُوا في العَدَدِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، ﴿غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ﴾ هي العِيرُ؛ لِأنَّها (p-٤٦٤)لَيْسَتْ ذاتَ قِتالٍ، وإنَّما هي غَنِيمَةٌ بارِدَةٌ، ومَعْنى إثْباتِ الحَقِّ تَثْبِيتُهُ وإعْلاؤُهُ، وبِكَلِماتِهِ بِآياتِهِ المُنَزَّلَةِ في مُحارَبَةِ ذاتِ الشَّوْكَةِ، وبِما أمَرَ المَلائِكَةَ مِن نُزُولِهِمْ لِلنُّصْرَةِ، وبِما قَضى مِن أسْرِهِمْ وقَتْلِهِمْ وطَرْحِهِمْ في قَلِيبِ بَدْرٍ، وبِما ظَهَرَ ما أخْبَرَ بِهِ ﷺ، وقَطْعُ الدّابِرِ عِبارَةٌ عَنِ الِاسْتِئْصالِ، والمَعْنى: أنَّكم تَرْغَبُونَ في إبْقاءِ العاجِلَةِ وسَلامَةِ الأحْوالِ وسَفْسافِ الأُمُورِ وإعْلاءِ الحَقِّ والفَوْزِ في الدّارَيْنِ، وشَتّانَ ما بَيْنَ المُرادَيْنِ، ولِذَلِكَ اخْتارَ لَكم ذاتَ الشَّوْكَةِ وأراكَهم عِيانًا، خَذَلَهم ونَصَرَكم، وأذَلَّهم وأعَزَّكم، وحَصَّلَ لَكم ما أرْبى عَلى دائِرَةِ العِيرِ وما أدْناهُ خَيْرٌ مِنهُما، وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ: يَعِدْكم، بِسُكُونِ الدّالِ لِتَوالِي الحَرَكاتِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: اللَّهُ احْدى، بِإسْقاطِ هَمْزَةِ إحْدى عَلى غَيْرِ قِياسٍ، وعَنْهُ أيْضًا: أحَدَ، عَلى التَّذْكِيرِ؛ إذْ تَأْنِيثُ الطّائِفَةِ مَجازٌ، وأدْغَمَ أبُو عَمْرٍو: الشَّوْكَة تَّكُونُ، وقَرَأ مُسْلِمُ بْنُ مُحارِبٍ: بِكَلِمَتِهِ، عَلى التَّوْحِيدِ، وحَكاها ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ شَيْبَةَ وأبِي جَعْفَرٍ ونافِعٍ، بِخِلافٍ عَنْهم وأطْلَقَ المُفْرَدَ مُرادًا بِهِ الجَمْعُ لِلْعِلْمِ بِهِ، أوْ أُرِيدَ بِهِ كَلِمَةُ تَكْوِينِ الأشْياءِ، وهو: كُنْ، قِيلَ: وكَلِماتُهُ هي ما وعَدَ نَبِيَّهُ في سُورَةِ الدُّخانِ، فَقالَ: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦]، أيْ: مِن أبِي جَهْلٍ وأصْحابِهِ؛ وقِيلَ: أوامِرُهُ ونَواهِيهِ؛ وقِيلَ: مَواعِيدُهُ النَّصْرُ والظَّفَرُ والِاسْتِيلاءُ عَلى إحْدى الطّائِفَتَيْنِ؛ وقِيلَ: كَلِماتُهُ الَّتِي سَبَقَتْ في الأزَلِ، ومَعْنى ﴿لِيُحِقَّ الحَقَّ﴾ لِيُظْهِرَ ما يَجِبُ إظْهارُهُ، وهو الإسْلامُ ﴿ويُبْطِلَ الباطِلَ﴾ فَعَلَ ذَلِكَ؛ وقِيلَ: الحَقُّ القُرْآنُ، والباطِلُ إبْلِيسُ، وتَتَعَلَّقُ هَذِهِ اللّامُ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: لِيُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ الباطِلَ فَعَلَ ذَلِكَ، أيْ: ما فَعَلَهُ إلّا لَهُما، وهو إثْباتُ الإسْلامِ وإظْهارُهُ وإبْطالُ الكُفْرِ ومَحْوُهُ، ولَيْسَ هَذا بِتَكْرِيرٍ لِاخْتِلافِ المَعْنَيَيْنِ، الأوَّلُ: تَبْيِينٌ بَيْنَ الإرادَتَيْنِ، والثّانِي: بَيانٌ لِما فُعِلَ مِنِ اخْتِيارِ ذاتِ الشَّوْكَةِ عَلى غَيْرِها لَهم ونُصْرَتِهِمْ عَلَيْها، وأنَّهُ ما نَصَرَهم ولا خَذَلَ أُولَئِكَ عَلى كَثْرَتِهِمْ إلّا لِهَذا المَقْصِدِ الَّذِي هو أسْنى المَقاصِدِ، وتَقْدِيرُ ما تَعَلَّقَ بِهِ مُتَأخِّرًا أحْسَنُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجِبُ أنْ يُقَدَّرَ المَحْذُوفُ مُتَأخِّرًا حَتّى يُفِيدَ مَعْنى الِاخْتِصاصِ ويَنْطَبِقَ عَلَيْهِ المَعْنى، انْتَهى، وذَلِكَ عَلى مَذْهَبِهِ في أنَّ تَقْدِيمَ المَفْعُولِ والمَجْرُورِ يَدُلُّ عَلى الِاخْتِصاصِ والحَصْرِ، وذَلِكَ عِنْدَنا لا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ إنَّما يَدُلُّ عَلى الِاعْتِناءِ والِاهْتِمامِ بِما قُدِّمَ لا عَلى تَخْصِيصٍ ولا حَصْرٍ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ مَعَهُ في ذَلِكَ؛ وقِيلَ: يَتَعَلَّقُ لِيُحِقَّ بِقَوْلِهِ: ويَقْطَعَ؛ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَوْ كَرِهَ، أيْ: وكَراهَتُكم واقِعَةٌ فَهي جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ، انْتَهى، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ مَعَهُ في ذَلِكَ وأنَّ التَّحْقِيقَ فِيهِ أنَّ الواوَ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ ذَلِكَ المَحْذُوفُ في مَوْضِعِ الحالِ، والمَعْطُوفُ عَلى الحالِ حالٌ، ومَثَّلْنا ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: أعْطُوا السّائِلَ ولَوْ جاءَ عَلى فَرَسٍ، أيْ: عَلى كُلِّ حالٍ ولَوْ عَلى هَذِهِ الحالَةِ الَّتِي تُنافِي الصَّدَقَةَ عَلى السّائِلِ، وأنْ ولَوْ هَذِهِ تَأْتِي لِاسْتِقْصاءِ ما بَطَنَ؛ لِأنَّهُ لا يَنْدَرِجُ في عُمُومِ ما قَبْلَهُ لِمُلاقاةِ الَّتِي بَيْنَ هَذِهِ الحالِ وبَيْنَ المُسْنَدِ الَّذِي قَبْلَهُما، وقالَ الحَسَنُ: هاتانِ الآيَتانِ مُتَقَدِّمَتانِ في النُّزُولِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾ [الأنفال: ٥]، وفي القِراءَةِ بَعْدَهُما لِتَقابُلِ الحَقِّ بِالحَقِّ والكَراهَةِ بِالكَراهَةِ، انْتَهى، وهَذِهِ دَعْوى لا دَلِيلَ عَلَيْها، ولا حاجَةَ تَضْطَرُّنا إلى تَصْحِيحِها.
﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكم فاسْتَجابَ لَكم أنِّي مُمِدُّكم بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ اسْتَغاثَ: طَلَبَ الغَوْثَ، لَمّا عَلِمُوا أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ القِتالِ شَرَعُوا في طَلَبِ الغَوْثِ مِنَ اللَّهِ تَعالى والدُّعاءِ بِالنُّصْرَةِ، والظّاهِرُ أنَّهُ خِطابٌ لِمَن خُوطِبَ بِقَوْلِهِ: وإذْ يَعِدُكم وتَوَدُّونَ، وأنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ: كَما أخْرَجَكَ، ويُجادِلُونَكَ، هو خِطابٌ لِلرَّسُولِ، ولِذَلِكَ أفْرَدَ، فالخِطابانِ مُخْتَلِفانِ؛ وقِيلَ: المُسْتَغِيثُ هو النَّبِيُّ ﷺ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ إلى أصْحابِهِ وهم ثَلاثُمِائَةٍ ونَيِّفٌ، وإلى المُشْرِكِينَ وهم (p-٤٦٥)ألْفٌ، فاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ ومَدَّ يَدَهُ وهو يَقُولُ: اللَّهُمَّ أنْجِزْنِي ما وعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إنْ تُهْلِكْ هَذِهِ العُصْبَةَ لا تُعْبَدْ في الأرْضِ، ولَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتّى سَقَطَ رِداؤُهُ، فَرَدَّهُ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَفاكَ يا رَسُولَ اللَّهِ مُناشَدَتَكَ اللَّهَ فَإنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ ما وعَدَكَ»، قالُوا: فَيَكُونُ مِن خِطابِ الواحِدِ المُعَظَّمِ خِطابُ الجَمِيعِ، ورُوِيَ أنَّ أبا جَهْلٍ عِنْدَما اصْطَفَّ القَوْمُ قالَ: اللَّهُمَّ أوْلانا بِالحَقِّ فانْصُرْهُ، وإذْ بَدَلٌ مِن إذْ يَعِدُكم، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ، وكانَ قَدْ قَدَّمَ أنَّ العامِلَ في إذْ يَعِدُكُمُ اذْكُرْ، وقالَ الطَّبَرِيُّ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِيُحِقَّ ويُبْطِلَ، وأجازَ هو والحَوْفِيُّ أنْ تَكُونَ مَنصُوبَةً بِيَعِدُكم، وأجازَ الحَوْفِيُّ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً عَلى إضْمارِ واذْكُرُوا، وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ ظَرْفًا لِتَوَدُّونَ، واسْتَغاثَ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، كَما هو في الآيَةِ، ويَتَعَدّى بِحَرْفِ جَرٍّ، كَما جاءَ في لَفْظِ سِيبَوَيْهِ في بابِ الِاسْتِغاثَةِ، وفي بابِ ابْنِ مالِكٍ في النَّحْوِ المُسْتَغاثُ، ولا يَقُولُ: المُسْتَغاثُ بِهِ، وكَأنَّهُ لَمّا رَآهُ في القُرْآنِ تَعَدّى بِنَفْسِهِ قالَ: المُسْتَغاثُ، ولَمْ يُعَدِّهِ بِالباءِ كَما عَدّاهُ سِيبَوَيْهِ والنَّحْوِيُّونَ، وزَعَمَ أنَّ كَلامَ العَرَبِ بِخِلافِ ذَلِكَ، وكَلامُهُ مَسْمُوعٌ مِن كَلامِ العَرَبِ فَما جاءَ مُعَدًّى بِالباءِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎حَتّى اسْتَغاثَ بِماءٍ لا رِشاءَ لَهُ مِنَ الأباطِحِ في حاجاتِهِ البُرَكُ
؎مُكَلَّلٌ بِأُصُولِ النَّبْتِ تَنْسُجُهُ ∗∗∗ رِيحٌ حَرِيقٌ لِضاحِي مائِهِ حُبُكُ
؎كَما اسْتَغاثَ بِشَيْءٍ قَبْرُ عَنْطَلَةٍ ∗∗∗ خافَ العُيُونَ ولَمْ يُنْظَرْ بِهِ الحَشَكُ
وقَرَأ الجُمْهُورُ: أنِّي، بِفَتْحٍ، أيْ: بِأنِّي، وعِيسى بْنُ عُمَرَ رَواها عَنْ أبِي عَمْرٍو: وإنِّي، بِكَسْرِها عَلى إضْمارِ القَوْلِ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، أوْ عَلى الحِكايَةِ بِاسْتَجابَ لِإجْرائِهِ مَجْرى الفِعْلِ؛ إذْ سَوّى في مَعْناهُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في شَرْحِ اسْتَجابَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِألْفٍ عَلى التَّوْحِيدِ، والجَحْدَرِيُّ بِآلُفٍ عَلى وزْنِ أفْلُسٍ، وعَنْهُ وعَنِ السُّدِّيِّ بِآلافٍ، والجَمْعُ بَيْنَ الإفْرادِ والجَمْعِ، أنْ يُحْمَلَ الإفْرادُ عَلى مَن قاتَلَ مِنهم، أوْ عَلى الوُجُوهِ الَّذِينَ مَن سِواهم أتْباعٌ لَهم؛ وقَرَأ نافِعٌ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ المَدِينَةِ وغَيْرُهم مُرْدَفِينَ بِفَتْحِ الدّالِ، وباقِي السَّبْعَةِ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ بِكَسْرِها، أيْ: مُتابِعًا بَعْضُهم بَعْضًا، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: خَلْفَ كُلِّ مَلَكٍ مَلَكٌ وراءَهُ. وقَرَأ بَعْضُ المَكِّيِّينَ فِيما رَوى عَنْهُ الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ، وحَكاهُ عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ: مُرَدِّفِينَ، بِفَتْحِ الرّاءِ وكَسْرِ الدّالِ مُشَدَّدَةً أصْلُهُ مُرْتَدِفِينَ فَأُدْغِمَ؛ وقالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: وقَدْ يَجُوزُ فَتْحُ الرّاءِ فِرارًا إلى أخَفِّ الحَرَكاتِ، أوْ لِثِقَلِ حَرَكَةِ التّاءِ إلى الرّاءِ عِنْدَ الإدْغامِ، ولا يُعْرَفُ فِيهِ أثَرًا انْتَهى. ورُوِيَ عَنِ الخَلِيلِ أنَّهُ يُضَمُّ الرّاءُ إتْباعًا لِحَرَكَةِ المِيمِ لِقَوْلِهِمْ: مُخَضَّمٌ؛ وقُرِئَ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِكَسْرِ الرّاءِ إتْباعًا لِحَرَكَةِ الدّالِ، أوْ حُرِّكَتْ بِالكَسْرِ عَلى أصْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ؛ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْسُنُ مَعَ هَذِهِ القِراءَةِ كَسْرُ المِيمِ، ولا أحْفَظُهُ قِراءَةً، كَقَوْلِهِمْ: مُخَضَّمٌ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في عَدَدِ المَلائِكَةِ وهَلْ قاتَلَتْ أمْ لَمْ تُقاتِلْ في آلِ عِمْرانَ ولَمْ تَتَعَرَّضِ الآيَةُ لِقِتالِهِمْ، والظّاهِرُ أنَّ قِراءَةَ مَن قَرَأ ﴿مُرْدِفِينَ﴾ بِسُكُونِ الرّاءِ وفَتْحِ الدّالِ أنَّهُ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿بِألْفٍ﴾، أيْ: أرْدَفَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ؛ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالمُرْدَفِينَ المُؤْمِنِينَ، أيْ: أُرْدِفُوا بِالمَلائِكَةِ، فَمُرْدَفِينَ عَلى هَذا حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأرْدَفْتُهُ إيّاهُ إذا أتْبَعْتَهُ، ويُقالُ: أرْدَفْتُهُ، كَقَوْلِكَ: أتْبَعْتُهُ إذا جِئْتَ بَعْدَهُ، فَلا يَخْلُو المَكْسُورُ الدّالِ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى مُتْبِعِينَ أوْ مُتَّبَعِينَ، فَإنْ (p-٤٦٦)كانَ بِمَعْنى مُتْبِعِينَ فَلا يَخْلُو أنْ يَكُونَ بِمَعْنى مُتْبِعِينَ بَعْضُهم بَعْضًا، أوْ مُتْبِعِينَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، أوْ بِمَعْنى مُتْبِعِينَ إيّاهُمُ المُؤْمِنُونَ، أيْ: يَتَقَدَّمُونَهم فَيَتْبَعُونَهم أنْفُسَهم، أوْ مُتْبِعِينَ لَهم يُشَيِّعُوهم ويُقَدِّمُونَهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ وهم عَلى ساقَتِهِمْ لِيَكُونُوا عَلى أعْيُنِهِمْ وحِفْظِهِمْ، أوْ بِمَعْنى مُتْبِعِينَ أنْفُسَهم مَلائِكَةً آخَرِينَ، أوْ مُتْبِعِينَ غَيْرَهم مِنَ المَلائِكَةِ، ويُعَضِّدُ هَذا الوَجْهَ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ: ﴿بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٤]، ﴿بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٥]، انْتَهى. وهَذا تَكْثِيرٌ في الكَلامِ، ومُلَخَّصُهُ أنَّ اتَّبَعَ مُشَدَّدًا يَتَعَدّى إلى واحِدٍ، وأتْبَعَ مُخَفَّفًا يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، وأرْدَفَ أتى بِمَعْناهُما، والمَفْعُولُ لِـ (تَبِعَ) مَحْذُوفٌ والمَفْعُولانِ لِـ (تَبِعَ) مَحْذُوفانِ، فَيُقَدَّرُ ما يَصِحُّ بِهِ المَعْنى، وقَوْلُهُ: أوْ مُتْبِعِينَ إيّاهُمُ المُؤْمِنِينَ، هَذا لَيْسَ مِن مَواضِعِ فَصْلِ الضَّمِيرِ، بَلْ مِمّا يُتَّصَلُ وتُحْذَفُ لَهُ النُّونُ، لا يُقالُ: هَؤُلاءِ كاسُّونَ إيّاكَ ثَوْبًا، بَلْ يُقالُ: كاسُوكَ، فَتَصْحِيحُهُ أنْ يَقُولَ: أوْ بِمَعْنى مُتْبِعِيهِمُ المُؤْمِنِينَ، أوْ يَقُولَ: أوْ بِمَعْنى مُتْبِعِينَ أنْفُسَهُمُ المُؤْمِنِينَ.
الأنفال 8:9
﴿وإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ أنَّها لَكم وتَوَدُّونَ أنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكم ويُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ ويَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ لِيُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ الباطِلَ ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾ ﴿إحْدى الطّائِفَتَيْنِ﴾ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ، والطّائِفَتانِ هُما كَطائِفَةِ عِيرِ قُرَيْشٍ، وكانَتْ فِيهِما تِجارَةٌ عَظِيمَةٌ لَهم ومَعَها أرْبَعُونَ راكِبًا فِيها أبُو سُفْيانَ، وعَمْرُو بْنُ العاصِ، وعَمْرُو بْنُ هِشامٍ، وطائِفَةُ الَّذِينَ اسْتَنْفَرَهم أبُو جَهْلٍ وكانُوا في العَدَدِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، ﴿غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ﴾ هي العِيرُ؛ لِأنَّها (p-٤٦٤)لَيْسَتْ ذاتَ قِتالٍ، وإنَّما هي غَنِيمَةٌ بارِدَةٌ، ومَعْنى إثْباتِ الحَقِّ تَثْبِيتُهُ وإعْلاؤُهُ، وبِكَلِماتِهِ بِآياتِهِ المُنَزَّلَةِ في مُحارَبَةِ ذاتِ الشَّوْكَةِ، وبِما أمَرَ المَلائِكَةَ مِن نُزُولِهِمْ لِلنُّصْرَةِ، وبِما قَضى مِن أسْرِهِمْ وقَتْلِهِمْ وطَرْحِهِمْ في قَلِيبِ بَدْرٍ، وبِما ظَهَرَ ما أخْبَرَ بِهِ ﷺ، وقَطْعُ الدّابِرِ عِبارَةٌ عَنِ الِاسْتِئْصالِ، والمَعْنى: أنَّكم تَرْغَبُونَ في إبْقاءِ العاجِلَةِ وسَلامَةِ الأحْوالِ وسَفْسافِ الأُمُورِ وإعْلاءِ الحَقِّ والفَوْزِ في الدّارَيْنِ، وشَتّانَ ما بَيْنَ المُرادَيْنِ، ولِذَلِكَ اخْتارَ لَكم ذاتَ الشَّوْكَةِ وأراكَهم عِيانًا، خَذَلَهم ونَصَرَكم، وأذَلَّهم وأعَزَّكم، وحَصَّلَ لَكم ما أرْبى عَلى دائِرَةِ العِيرِ وما أدْناهُ خَيْرٌ مِنهُما، وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ: يَعِدْكم، بِسُكُونِ الدّالِ لِتَوالِي الحَرَكاتِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: اللَّهُ احْدى، بِإسْقاطِ هَمْزَةِ إحْدى عَلى غَيْرِ قِياسٍ، وعَنْهُ أيْضًا: أحَدَ، عَلى التَّذْكِيرِ؛ إذْ تَأْنِيثُ الطّائِفَةِ مَجازٌ، وأدْغَمَ أبُو عَمْرٍو: الشَّوْكَة تَّكُونُ، وقَرَأ مُسْلِمُ بْنُ مُحارِبٍ: بِكَلِمَتِهِ، عَلى التَّوْحِيدِ، وحَكاها ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ شَيْبَةَ وأبِي جَعْفَرٍ ونافِعٍ، بِخِلافٍ عَنْهم وأطْلَقَ المُفْرَدَ مُرادًا بِهِ الجَمْعُ لِلْعِلْمِ بِهِ، أوْ أُرِيدَ بِهِ كَلِمَةُ تَكْوِينِ الأشْياءِ، وهو: كُنْ، قِيلَ: وكَلِماتُهُ هي ما وعَدَ نَبِيَّهُ في سُورَةِ الدُّخانِ، فَقالَ: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦]، أيْ: مِن أبِي جَهْلٍ وأصْحابِهِ؛ وقِيلَ: أوامِرُهُ ونَواهِيهِ؛ وقِيلَ: مَواعِيدُهُ النَّصْرُ والظَّفَرُ والِاسْتِيلاءُ عَلى إحْدى الطّائِفَتَيْنِ؛ وقِيلَ: كَلِماتُهُ الَّتِي سَبَقَتْ في الأزَلِ، ومَعْنى ﴿لِيُحِقَّ الحَقَّ﴾ لِيُظْهِرَ ما يَجِبُ إظْهارُهُ، وهو الإسْلامُ ﴿ويُبْطِلَ الباطِلَ﴾ فَعَلَ ذَلِكَ؛ وقِيلَ: الحَقُّ القُرْآنُ، والباطِلُ إبْلِيسُ، وتَتَعَلَّقُ هَذِهِ اللّامُ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: لِيُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ الباطِلَ فَعَلَ ذَلِكَ، أيْ: ما فَعَلَهُ إلّا لَهُما، وهو إثْباتُ الإسْلامِ وإظْهارُهُ وإبْطالُ الكُفْرِ ومَحْوُهُ، ولَيْسَ هَذا بِتَكْرِيرٍ لِاخْتِلافِ المَعْنَيَيْنِ، الأوَّلُ: تَبْيِينٌ بَيْنَ الإرادَتَيْنِ، والثّانِي: بَيانٌ لِما فُعِلَ مِنِ اخْتِيارِ ذاتِ الشَّوْكَةِ عَلى غَيْرِها لَهم ونُصْرَتِهِمْ عَلَيْها، وأنَّهُ ما نَصَرَهم ولا خَذَلَ أُولَئِكَ عَلى كَثْرَتِهِمْ إلّا لِهَذا المَقْصِدِ الَّذِي هو أسْنى المَقاصِدِ، وتَقْدِيرُ ما تَعَلَّقَ بِهِ مُتَأخِّرًا أحْسَنُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجِبُ أنْ يُقَدَّرَ المَحْذُوفُ مُتَأخِّرًا حَتّى يُفِيدَ مَعْنى الِاخْتِصاصِ ويَنْطَبِقَ عَلَيْهِ المَعْنى، انْتَهى، وذَلِكَ عَلى مَذْهَبِهِ في أنَّ تَقْدِيمَ المَفْعُولِ والمَجْرُورِ يَدُلُّ عَلى الِاخْتِصاصِ والحَصْرِ، وذَلِكَ عِنْدَنا لا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ إنَّما يَدُلُّ عَلى الِاعْتِناءِ والِاهْتِمامِ بِما قُدِّمَ لا عَلى تَخْصِيصٍ ولا حَصْرٍ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ مَعَهُ في ذَلِكَ؛ وقِيلَ: يَتَعَلَّقُ لِيُحِقَّ بِقَوْلِهِ: ويَقْطَعَ؛ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَوْ كَرِهَ، أيْ: وكَراهَتُكم واقِعَةٌ فَهي جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ، انْتَهى، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ مَعَهُ في ذَلِكَ وأنَّ التَّحْقِيقَ فِيهِ أنَّ الواوَ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ ذَلِكَ المَحْذُوفُ في مَوْضِعِ الحالِ، والمَعْطُوفُ عَلى الحالِ حالٌ، ومَثَّلْنا ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: أعْطُوا السّائِلَ ولَوْ جاءَ عَلى فَرَسٍ، أيْ: عَلى كُلِّ حالٍ ولَوْ عَلى هَذِهِ الحالَةِ الَّتِي تُنافِي الصَّدَقَةَ عَلى السّائِلِ، وأنْ ولَوْ هَذِهِ تَأْتِي لِاسْتِقْصاءِ ما بَطَنَ؛ لِأنَّهُ لا يَنْدَرِجُ في عُمُومِ ما قَبْلَهُ لِمُلاقاةِ الَّتِي بَيْنَ هَذِهِ الحالِ وبَيْنَ المُسْنَدِ الَّذِي قَبْلَهُما، وقالَ الحَسَنُ: هاتانِ الآيَتانِ مُتَقَدِّمَتانِ في النُّزُولِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾ [الأنفال: ٥]، وفي القِراءَةِ بَعْدَهُما لِتَقابُلِ الحَقِّ بِالحَقِّ والكَراهَةِ بِالكَراهَةِ، انْتَهى، وهَذِهِ دَعْوى لا دَلِيلَ عَلَيْها، ولا حاجَةَ تَضْطَرُّنا إلى تَصْحِيحِها.
﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكم فاسْتَجابَ لَكم أنِّي مُمِدُّكم بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ اسْتَغاثَ: طَلَبَ الغَوْثَ، لَمّا عَلِمُوا أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ القِتالِ شَرَعُوا في طَلَبِ الغَوْثِ مِنَ اللَّهِ تَعالى والدُّعاءِ بِالنُّصْرَةِ، والظّاهِرُ أنَّهُ خِطابٌ لِمَن خُوطِبَ بِقَوْلِهِ: وإذْ يَعِدُكم وتَوَدُّونَ، وأنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ: كَما أخْرَجَكَ، ويُجادِلُونَكَ، هو خِطابٌ لِلرَّسُولِ، ولِذَلِكَ أفْرَدَ، فالخِطابانِ مُخْتَلِفانِ؛ وقِيلَ: المُسْتَغِيثُ هو النَّبِيُّ ﷺ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ إلى أصْحابِهِ وهم ثَلاثُمِائَةٍ ونَيِّفٌ، وإلى المُشْرِكِينَ وهم (p-٤٦٥)ألْفٌ، فاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ ومَدَّ يَدَهُ وهو يَقُولُ: اللَّهُمَّ أنْجِزْنِي ما وعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إنْ تُهْلِكْ هَذِهِ العُصْبَةَ لا تُعْبَدْ في الأرْضِ، ولَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتّى سَقَطَ رِداؤُهُ، فَرَدَّهُ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَفاكَ يا رَسُولَ اللَّهِ مُناشَدَتَكَ اللَّهَ فَإنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ ما وعَدَكَ»، قالُوا: فَيَكُونُ مِن خِطابِ الواحِدِ المُعَظَّمِ خِطابُ الجَمِيعِ، ورُوِيَ أنَّ أبا جَهْلٍ عِنْدَما اصْطَفَّ القَوْمُ قالَ: اللَّهُمَّ أوْلانا بِالحَقِّ فانْصُرْهُ، وإذْ بَدَلٌ مِن إذْ يَعِدُكم، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ، وكانَ قَدْ قَدَّمَ أنَّ العامِلَ في إذْ يَعِدُكُمُ اذْكُرْ، وقالَ الطَّبَرِيُّ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِيُحِقَّ ويُبْطِلَ، وأجازَ هو والحَوْفِيُّ أنْ تَكُونَ مَنصُوبَةً بِيَعِدُكم، وأجازَ الحَوْفِيُّ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً عَلى إضْمارِ واذْكُرُوا، وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ ظَرْفًا لِتَوَدُّونَ، واسْتَغاثَ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، كَما هو في الآيَةِ، ويَتَعَدّى بِحَرْفِ جَرٍّ، كَما جاءَ في لَفْظِ سِيبَوَيْهِ في بابِ الِاسْتِغاثَةِ، وفي بابِ ابْنِ مالِكٍ في النَّحْوِ المُسْتَغاثُ، ولا يَقُولُ: المُسْتَغاثُ بِهِ، وكَأنَّهُ لَمّا رَآهُ في القُرْآنِ تَعَدّى بِنَفْسِهِ قالَ: المُسْتَغاثُ، ولَمْ يُعَدِّهِ بِالباءِ كَما عَدّاهُ سِيبَوَيْهِ والنَّحْوِيُّونَ، وزَعَمَ أنَّ كَلامَ العَرَبِ بِخِلافِ ذَلِكَ، وكَلامُهُ مَسْمُوعٌ مِن كَلامِ العَرَبِ فَما جاءَ مُعَدًّى بِالباءِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎حَتّى اسْتَغاثَ بِماءٍ لا رِشاءَ لَهُ مِنَ الأباطِحِ في حاجاتِهِ البُرَكُ
؎مُكَلَّلٌ بِأُصُولِ النَّبْتِ تَنْسُجُهُ ∗∗∗ رِيحٌ حَرِيقٌ لِضاحِي مائِهِ حُبُكُ
؎كَما اسْتَغاثَ بِشَيْءٍ قَبْرُ عَنْطَلَةٍ ∗∗∗ خافَ العُيُونَ ولَمْ يُنْظَرْ بِهِ الحَشَكُ
وقَرَأ الجُمْهُورُ: أنِّي، بِفَتْحٍ، أيْ: بِأنِّي، وعِيسى بْنُ عُمَرَ رَواها عَنْ أبِي عَمْرٍو: وإنِّي، بِكَسْرِها عَلى إضْمارِ القَوْلِ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، أوْ عَلى الحِكايَةِ بِاسْتَجابَ لِإجْرائِهِ مَجْرى الفِعْلِ؛ إذْ سَوّى في مَعْناهُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في شَرْحِ اسْتَجابَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِألْفٍ عَلى التَّوْحِيدِ، والجَحْدَرِيُّ بِآلُفٍ عَلى وزْنِ أفْلُسٍ، وعَنْهُ وعَنِ السُّدِّيِّ بِآلافٍ، والجَمْعُ بَيْنَ الإفْرادِ والجَمْعِ، أنْ يُحْمَلَ الإفْرادُ عَلى مَن قاتَلَ مِنهم، أوْ عَلى الوُجُوهِ الَّذِينَ مَن سِواهم أتْباعٌ لَهم؛ وقَرَأ نافِعٌ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ المَدِينَةِ وغَيْرُهم مُرْدَفِينَ بِفَتْحِ الدّالِ، وباقِي السَّبْعَةِ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ بِكَسْرِها، أيْ: مُتابِعًا بَعْضُهم بَعْضًا، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: خَلْفَ كُلِّ مَلَكٍ مَلَكٌ وراءَهُ. وقَرَأ بَعْضُ المَكِّيِّينَ فِيما رَوى عَنْهُ الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ، وحَكاهُ عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ: مُرَدِّفِينَ، بِفَتْحِ الرّاءِ وكَسْرِ الدّالِ مُشَدَّدَةً أصْلُهُ مُرْتَدِفِينَ فَأُدْغِمَ؛ وقالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: وقَدْ يَجُوزُ فَتْحُ الرّاءِ فِرارًا إلى أخَفِّ الحَرَكاتِ، أوْ لِثِقَلِ حَرَكَةِ التّاءِ إلى الرّاءِ عِنْدَ الإدْغامِ، ولا يُعْرَفُ فِيهِ أثَرًا انْتَهى. ورُوِيَ عَنِ الخَلِيلِ أنَّهُ يُضَمُّ الرّاءُ إتْباعًا لِحَرَكَةِ المِيمِ لِقَوْلِهِمْ: مُخَضَّمٌ؛ وقُرِئَ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِكَسْرِ الرّاءِ إتْباعًا لِحَرَكَةِ الدّالِ، أوْ حُرِّكَتْ بِالكَسْرِ عَلى أصْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ؛ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْسُنُ مَعَ هَذِهِ القِراءَةِ كَسْرُ المِيمِ، ولا أحْفَظُهُ قِراءَةً، كَقَوْلِهِمْ: مُخَضَّمٌ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في عَدَدِ المَلائِكَةِ وهَلْ قاتَلَتْ أمْ لَمْ تُقاتِلْ في آلِ عِمْرانَ ولَمْ تَتَعَرَّضِ الآيَةُ لِقِتالِهِمْ، والظّاهِرُ أنَّ قِراءَةَ مَن قَرَأ ﴿مُرْدِفِينَ﴾ بِسُكُونِ الرّاءِ وفَتْحِ الدّالِ أنَّهُ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿بِألْفٍ﴾، أيْ: أرْدَفَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ؛ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالمُرْدَفِينَ المُؤْمِنِينَ، أيْ: أُرْدِفُوا بِالمَلائِكَةِ، فَمُرْدَفِينَ عَلى هَذا حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأرْدَفْتُهُ إيّاهُ إذا أتْبَعْتَهُ، ويُقالُ: أرْدَفْتُهُ، كَقَوْلِكَ: أتْبَعْتُهُ إذا جِئْتَ بَعْدَهُ، فَلا يَخْلُو المَكْسُورُ الدّالِ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى مُتْبِعِينَ أوْ مُتَّبَعِينَ، فَإنْ (p-٤٦٦)كانَ بِمَعْنى مُتْبِعِينَ فَلا يَخْلُو أنْ يَكُونَ بِمَعْنى مُتْبِعِينَ بَعْضُهم بَعْضًا، أوْ مُتْبِعِينَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، أوْ بِمَعْنى مُتْبِعِينَ إيّاهُمُ المُؤْمِنُونَ، أيْ: يَتَقَدَّمُونَهم فَيَتْبَعُونَهم أنْفُسَهم، أوْ مُتْبِعِينَ لَهم يُشَيِّعُوهم ويُقَدِّمُونَهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ وهم عَلى ساقَتِهِمْ لِيَكُونُوا عَلى أعْيُنِهِمْ وحِفْظِهِمْ، أوْ بِمَعْنى مُتْبِعِينَ أنْفُسَهم مَلائِكَةً آخَرِينَ، أوْ مُتْبِعِينَ غَيْرَهم مِنَ المَلائِكَةِ، ويُعَضِّدُ هَذا الوَجْهَ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ: ﴿بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٤]، ﴿بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٥]، انْتَهى. وهَذا تَكْثِيرٌ في الكَلامِ، ومُلَخَّصُهُ أنَّ اتَّبَعَ مُشَدَّدًا يَتَعَدّى إلى واحِدٍ، وأتْبَعَ مُخَفَّفًا يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، وأرْدَفَ أتى بِمَعْناهُما، والمَفْعُولُ لِـ (تَبِعَ) مَحْذُوفٌ والمَفْعُولانِ لِـ (تَبِعَ) مَحْذُوفانِ، فَيُقَدَّرُ ما يَصِحُّ بِهِ المَعْنى، وقَوْلُهُ: أوْ مُتْبِعِينَ إيّاهُمُ المُؤْمِنِينَ، هَذا لَيْسَ مِن مَواضِعِ فَصْلِ الضَّمِيرِ، بَلْ مِمّا يُتَّصَلُ وتُحْذَفُ لَهُ النُّونُ، لا يُقالُ: هَؤُلاءِ كاسُّونَ إيّاكَ ثَوْبًا، بَلْ يُقالُ: كاسُوكَ، فَتَصْحِيحُهُ أنْ يَقُولَ: أوْ بِمَعْنى مُتْبِعِيهِمُ المُؤْمِنِينَ، أوْ يَقُولَ: أوْ بِمَعْنى مُتْبِعِينَ أنْفُسَهُمُ المُؤْمِنِينَ.
الأنفال 8:10
﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلّا بُشْرى ولِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكم وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، والمَعْنى: إلّا بُشْرى لَكم، وأُثْبِتَ في آلِ عِمْرانَ؛ لِأنَّ القِصَّةَ فِيها مُسْهِبَةٌ وهُنا مُوجَزَةٌ، فَناسَبَ هُنا الحَذْفُ، وهُنا قَدَّمَ وأخَّرَ هُناكَ عَلى سَبِيلِ التَّفَنُّنِ والِاتِّساعِ في الكَلامِ، وهُنا جاءَ ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ مُراعاةً لِأواخِرِ الآيِ، وهُناكَ لَيْسَتْ آخِرَ آيَةٍ لِتَعَلُّقِ (يَقْطَعَ) بِما قَبْلَهُ، فَناسَبَ أنْ يَأْتِيَ (العَزِيزُ الحَكِيمُ) عَلى سَبِيلِ الصِّفَةِ، وكِلاهُما مُشْعِرٌ بِالعَلِيَّةِ، كَما تَقُولُ: أكْرِمْ زَيْدًا العالِمَ، وأكْرِمْ زَيْدًا إنَّهُ عالِمٌ، والضَّمِيرُ في ﴿وما جَعَلَهُ﴾ عائِدٌ عَلى الإمْدادِ المُنْسَبِكِ مِن ﴿أنِّي مُمِدُّكُمْ﴾ [الأنفال: ٩]، أوْ عَلى المَدَدِ، أوْ عَلى الوَعْدِ الدّالِّ عَلَيْهِ يَعِدُكم إحْدى الطّائِفَتَيْنِ، أوْ عَلى الألْفِ، أوْ عَلى الِاسْتِجابَةِ، أوْ عَلى الإرْدافِ، أوْ عَلى الخَبَرِ بِالإمْدادِ، أوْ عَلى جِبْرِيلَ، أقْوالٌ مُحْتَمَلَةٌ مَقُولَةٌ أظْهَرُها الأوَّلُ، ولَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَهُ.
﴿إذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أمَنَةً مِنهُ ويُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ ويُذْهِبَ عَنْكم رِجْزَ الشَّيْطانِ ولِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكم ويُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ﴾ قالَ (p-٤٦٧)الزَّمَخْشَرِيُّ: بَدَلٌ ثانٍ مِن إذْ يَعِدُكم، أوْ مَنصُوبٌ بِالنَّصْرِ، أوْ بِما في عِنْدِ اللَّهِ مِن مَعْنى الفِعْلِ، أوْ بِما جَعَلَهُ اللَّهُ، أوْ بِإضْمارِ اذْكُرِ، انْتَهى. أمّا كَوْنُهُ بَدَلًا ثانِيًا مِن إذْ يَعِدُكم فَوافَقَهُ عَلَيْهِ ابْنُ عَطِيَّةَ، فَإنَّ العامِلَ في إذْ هو العامِلُ في قَوْلِهِ: وإذْ يَعِدُكم بِتَقْدِيرِ تَكْرارِهِ؛ لِأنَّ الِاشْتِراكَ في العامِلِ الأوَّلِ نَفْسِهِ لا يَكُونُ إلّا بِحَرْفِ عَطْفٍ، وإنَّما القَصْدُ أنْ يُعَدِّدَ نِعَمَهُ عَلى المُؤْمِنِينَ في يَوْمِ بَدْرٍ، فَقالَ: واذْكُرُوا إذْ فَعَلْنا بِكم كَذا، اذْكُرُوا إذْ فَعَلْنا كَذا، وأمّا كَوْنُهُ مَنصُوبًا بِالنَّصْرِ فَفِيهِ ضَعْفٌ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ مَصْدَرٌ فِيهِ ألْ، وفي إعْمالِهِ خِلافٌ ذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى أنَّهُ لا يَجُوزُ إعْمالُهُ، الثّانِي: أنَّهُ مَوْصُولٌ، وقَدْ فُصِلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَعْمُولِهِ بِالخَبَرِ الَّذِي هو إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ، وذَلِكَ إعْمالٌ لا يَجُوزُ، لا يُقالُ ضَرْبُ زَيْدٍ شَدِيدٌ عَمْرًا، الثّالِثُ: أنَّهُ يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ إعْمالُ ما قَبْلَ إلّا في ما بَعْدَها مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ المَفْعُولُ مُسْتَثْنًى أوْ مُسْتَثْنًى مِنهُ أوْ صِفَةً لَهُ، وإذْ لَيْسَ واحِدًا مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ، فَلا يَجُوزُ: ما قامَ إلّا زَيْدٌ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وقَدْ أجازَ ذَلِكَ الكِسائِيُّ والأخْفَشُ، وأمّا كَوْنُهُ مَنصُوبًا بِما في عِنْدِ اللَّهِ مِن مَعْنى الفِعْلِ فَيُضَعِّفُهُ المَعْنى؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ اسْتِقْرارُ النَّصْرِ مُقَيَّدًا بِالظَّرْفِ، والنَّصْرُ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُطْلَقًا في وقْتِ غَشْيِ النُّعاسِ وغَيْرِهِ، وأمّا كَوْنُهُ مَنصُوبًا بِما جَعَلَهُ اللَّهُ فَقَدْ سَبَقَهُ إلَيْهِ الحَوْفِيُّ، وهو ضَعِيفٌ أيْضًا لِطُولِ الفَصْلِ، ولِكَوْنِهِ مَعْمُولَ ما قَبْلَ إلّا، ولَيْسَ أحَدَ تِلْكَ الثَّلاثَةِ، وقالَ الطَّبَرِيُّ: العامِلُ في إذْ قَوْلُهُ: ولِتَطْمَئِنَّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا مَعَ احْتِمالِهِ فِيهِ ضَعْفٌ، وقالَ أبُو البَقاءِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِما دَلَّ عَلَيْهِ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، وقَدْ سَبَقَهُ إلى قَرِيبٍ مِن هَذا ابْنُ عَطِيَّةَ، فَقالَ: ولَوْ جُعِلَ العامِلُ في إذْ شَيْئًا قَرَنَها بِما قَبْلَها لَكانَ الأوْلى في ذَلِكَ أنْ يَعْمَلَ في إذْ (حَكِيمٌ)؛ لِأنَّ إلْقاءَ النُّعاسِ عَلَيْهِمْ وجَعْلَهُ أمَنَةً حِكْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، انْتَهى، والأجْوَدُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ أنْ يَكُونَ بَدَلًا، وقَرَأ مُجاهِدٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ: يَغْشاكُمُ النُّعاسُ، مُضارِعُ غَشِيَ والنُّعاسُ رُفِعَ بِهِ، وقَرَأ الأعْرَجُ وابْنُ نِصاحٍ وأبُو حَفْصٍ ونافِعٌ: ﴿يُغَشِّيكُمُ﴾، مُضارِعُ أغْشى، وقَرَأ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ومُجاهِدٌ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وأبُو رَجاءٍ وابْنُ عامِرٍ والكُوفِيُّونَ: ﴿يُغَشِّيكُمُ﴾ مُضارِعُ: غَشّى، والنُّعاسُ في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ مَنصُوبٌ، والفاعِلُ ضَمِيرُ اللَّهِ، وناسَبَتْ قِراءَةُ نافِعٍ قَوْلَهُ: يَغْشى طائِفَةً مِنكم، وقِراءَةَ الباقِينَ ﴿ويُنَزِّلُ﴾ حَيْثُ لَمْ يَخْتَلِفِ الفاعِلُ، ومَعْنى يُغَشِّيكم يُعْطِيكم بِهِ، وهو اسْتِعارَةٌ، جَعَلَ ما غَلَبَ عَلَيْهِمْ مِنَ النُّعاسِ غَشَيانًا لَهم، وتَقَدَّمَ شَرْحُ النُّعاسِ وأمَنَةً في آلِ عِمْرانَ، والضَّمِيرُ في مِنهُ عائِدٌ عَلى اللَّهِ، وانْتَصَبَ أمَنَةً، قِيلَ عَلى المَصْدَرِ، أيْ: فَأمِنتُمْ أمَنَةً، والأظْهَرُ أنَّهُ انْتَصَبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ في قِراءَةِ ﴿يُغَشِّيكُمُ﴾ لِاتِّحادِ الفاعِلِ؛ لِأنَّ المُغَشِّيَ والمُؤَمِّنَ هو اللَّهُ تَعالى، وأمّا عَلى قِراءَةِ: يَغْشاكم، فالفاعِلُ مُخْتَلِفٌ؛ إذْ فاعِلُ يَغْشاكم هو النُّعاسُ والمُؤَمِّنُ هو اللَّهُ، وفي جَوازِ مَجِيءِ المَفْعُولِ لَهُ مَعَ اخْتِلافِ الفاعِلِ خِلافٌ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): أما وجَبَ أنْ يَكُونَ فاعِلُ الفِعْلِ المُعَلَّلِ والعِلَّةِ واحِدًا ؟ قُلْتُ بَلى، ولَكِنْ لَمّا كانَ مَعْنى يَغْشاكُمُ النُّعاسُ: تُتَغَشَّوْنَ، انْتَصَبَ أمَنَةً عَلى أنَّ النُّعاسَ والأمَنَةَ لَهم، والمَعْنى: إذْ تُتَغَشَّوْنَ أمَنَةً (p-٤٦٨)بِمَعْنى أمْنًا، أيْ: لِأمْنِكم، ومِنهُ صِفَةٌ لَها، أيْ: أمَنَةً حاصِلَةً لَكم مِنَ اللَّهِ تَعالى، (فَإنْ قُلْتَ): هَلْ يَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى أنَّ الأمَنَةَ لِلنُّعاسِ الَّذِي هو يَغْشاكم، أيْ: يَغْشاكُمُ النُّعاسُ لِأمْنِهِ، عَلى أنَّ إسْنادَ الأمْنِ إلى النُّعاسِ إسْنادٌ مَجازِيٌّ، وهو لِأصْحابِ النُّعاسِ عَلى الحَقِيقَةِ، أوْ عَلى أنَّهُ أمانُكم في وقْتِهِ كانَ مِن حَقِّ النُّعاسِ في ذَلِكَ الوَقْتِ المَخُوفِ أنْ لا يُقَدَّمَ عَلى غِشْيانِكم، وإنَّما غَشّاكم أمَنَةً حاصِلَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى لَوْلاها لَمْ يَغْشَكم عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ والتَّخْيِيلِ، (قُلْتُ) لا تَتَعَدّى فَصاحَةُ القُرْآنِ عَنِ احْتِمالِهِ، ولَهُ فِيهِ نَظائِرُ، ولَقَدْ ألَمَّ بِهِ مَن قالَ:
؎يَهابُ النَّوْمُ أنْ يَغْشى عُيُونًا تَهابُكَ فَهْوَ نَفّارٌ شُرُودُ
وقُرِئَ أمْنَةً بِسُكُونِ المِيمِ، ونَظِيرُ أمِنَ أمَنَةً حَيِيَ حَياةً، ونَحْوُ أمِنَ أمْنَةً رَحِمَ رَحْمَةً، والمَعْنى: أنَّ ما كانَ بِهِمْ مِنَ الخَوْفِ كانَ يَمْنَعُهم مِنَ النَّوْمِ، فَلَمّا طامَنَ اللَّهُ تَعالى قُلُوبَهم أمَّنَهم وأقَرُّوا، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: النُّعاسُ في القِتالِ أمَنَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وفي الصَّلاةِ وسْوَسَةٌ مِنَ الشَّيْطانِ، انْتَهى، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ شَبِيهُ هَذا الكَلامِ، وقالَ: النُّعاسُ عِنْدَ حُضُورِ القِتالِ عَلامَةُ أمْنٍ مِنَ العَدُوِّ، وهو مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهو في الصَّلاةِ مِنَ الشَّيْطانِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا إنَّما طَرِيقَةُ الوَحْيِ، فَهو لا مَحالَةَ يُسْنِدُها، انْتَهى، والَّذِي قَرَأ ﴿أمَنَةً﴾ بِسُكُونِ المِيمِ هو ابْنُ مُحَيْصِنٍ، ورُوِيَتْ عَنِ النَّخَعِيِّ ويَحْيى بْنِ يَعْمُرَ، وغِشْيانُ النَّوْمِ إيّاهم قِيلَ: حالَ التِقاءِ الصَّفَّيْنِ ومَضى مِثْلُ هَذا في يَوْمِ أُحُدٍ في آلِ عِمْرانَ؛ وقِيلَ: اللَّيْلَةَ الَّتِي كانَ القِتالُ في غَدِها امْتُنَّ عَلَيْهِمْ بِالنَّوْمِ مَعَ الأمْرِ المُهِمِّ الَّذِي يَرَوْنَهُ في غَدٍ لِيَسْتَرِيحُوا تِلْكَ اللَّيْلَةَ ويَنْشَطُوا في غَدِها لِلْقِتالِ ويَزُولَ رُعْبُهم، ويُقالُ: الأمْنُ مُنِيمٌ والخَوْفُ مُسْهِرٌ، والأوْلى أنْ يَكُونَ تَرْتِيبُ هَذِهِ الجُمَلِ في الزَّمانِ كَتَرْتِيبِها في التِّلاوَةِ، فَيَكُونَ إنْزالُ المَطَرِ تَأخَّرَ عَنْ غِشْيانِ النُّعاسِ، وعَنِ ابْنِ نَجِيحٍ أنَّ المَطَرَ كانَ قَبْلَ النُّعاسِ، واخْتارَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ قالَ: ونُزُولُ الماءِ كانَ قَبْلَ تَغْشِيَةِ النُّعاسِ ولَمْ يَتَرَتَّبْ كَذَلِكَ في الآيَةِ؛ إذِ القَصْدُ مِنها تَعْدِيدُ النِّعَمِ فَقَطْ، وقَرَأ طَلْحَةُ: ﴿ويُنَزِّلُ﴾، بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ماءً﴾، بِالمَدِّ، وقَرَأ الشَّعْبِيُّ: ما، بِغَيْرِ هَمْزٍ، حَكاهُ ابْنُ جِنِّيٍّ، صاحِبُ اللَّوامِحِ في شَواذِّ القِراءاتِ، وخَرَّجاهُ عَلى أنَّ ما بِمَعْنى الَّذِي، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وصِلَتُهُ حَرْفُ الجَرِّ الَّذِي هو لِيُطَهِّرَكم، والعائِدُ عَلَيْهِ هو، ومَعْناهُ الَّذِي هو لِيُطَهِّرَكم بِهِ، انْتَهى، وظاهِرُ هَذا التَّخْرِيجِ فاسِدٌ؛ لِأنَّ لامَ كَيْ لا تَكُونُ صِلَةً، ومِن حَيْثُ جَعْلِ الضَّمائِرِ هو، وقالَ: مَعْناهُ الَّذِي هو لِيُطَهِّرَكم، ولا تَكُونُ لامُ كَيْ هي الصِّلَةُ، بَلِ الصِّلَةُ هو، ولامُ الجَرِّ والمَجْرُورِ، وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ ما مَوْصُولَةٌ وصِلَتُها حَرْفُ الجَرِّ بِما جَرَّهُ، فَكَأنَّهُ قالَ ما لِلطَّهُورِ، انْتَهى. وهَذا فِيهِ ما قُلْنا مِن مَجِيءِ لامِ كَيْ صِلَةً، ويُمْكِنُ تَخْرِيجُ هَذِهِ القِراءَةِ عَلى وجْهٍ آخَرَ، وهو أنَّ ما لَيْسَ مَوْصُولًا بِمَعْنى الَّذِي، وأنَّهُ بِمَعْنى ماءً المَحْدُودِ، وذَلِكَ أنَّهم حَكَوْا أنَّ العَرَبَ حَذَفَتْ هَذِهِ الهَمْزَةَ، فَقالُوا: مًا يا هَذا، بِحَذْفِ الهَمْزَةِ وتَنْوِينِ المِيمِ، فَيُمْكِنُ أنْ تُخَرَّجَ عَلى هَذا، إلّا أنَّهم أجْرَوُا الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ فَحَذَفُوا التَّنْوِينَ؛ لِأنَّكَ إذا وقَفْتَ عَلى شَرِبْتُ مًا قُلْتَ: شَرِبْتُ ما، بِحَذْفِ التَّنْوِينِ وإبْقاءِ الألِفِ، إمّا ألِفُ الوَصْلِ الَّذِي هي بَدَلٌ مِنَ الواوِ وهي عَيْنُ الكَلِمَةِ، وإمّا الألِفُ الَّتِي هي بَدَلٌ مِنَ التَّنْوِينِ حالَةَ النَّصْبِ، وقَرَأ ابْنُ المُسَيَّبِ: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ﴾، بِسُكُونِ الطّاءِ، ومَعْنى لِيُطْهِرَكم مِنَ الجَناباتِ، وكانَ المُؤْمِنُونَ لَحِقَ أكْثَرَهم في سَفَرِهِمُ الجَناباتُ وعَدِمُوا الماءَ وكانَتْ بَيْنَهم وبَيْنَ ماءِ بَدْرٍ مَسافَةٌ طَوِيلَةٌ مِن رَمْلٍ دَهْسٍ لَيِّنٍ تَسُوخُ فِيهِ الأرْجُلُ، وكانَ المُشْرِكُونَ قَدْ سَبَقُوهم إلى ماءِ بَدْرٍ؛ وقِيلَ: بَلِ المُؤْمِنُونَ سَبَقُوا إلى الماءِ بِبَدْرٍ، وكانَ نُزُولُ المَطَرِ قَبْلَ ذَلِكَ، والمَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ أنَّ الكُفّارَ يَوْمَ بَدْرٍ سَبَقُوا المُؤْمِنِينَ إلى ماءِ بَدْرٍ، فَنَزَلُوا عَلَيْهِ وبَقِيَ المُؤْمِنُونَ لا ماءَ لَهم فَوَجَسَتْ نُفُوسُهم وعَطِشُوا وأجْنَبُوا وصَلَّوْا كَذَلِكَ، فَقالَ بَعْضُهم في نُفُوسِهِمْ بِإلْقاءِ الشَّيْطانِ إلَيْهِمْ: نَزْعُمُ أنّا أوْلِياءُ اللَّهِ وفِينا رَسُولُ اللَّهِ وحالُنا هَذِهِ، والمُشْرِكُونَ (p-٤٦٩)عَلى الماءِ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ المَطَرَ لَيْلَةَ بَدْرٍ السّابِعَةَ عَشَرَ مِن رَمَضانَ حَتّى سالَتِ الأوْدِيَةُ، فَشَرِبَ النّاسُ وتَطَهَّرُوا وسَقَوُا الظَّهْرَ وتَلَبَّدَتِ السَّبْخَةُ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم وبَيْنَ المُشْرِكِينَ، حَتّى ثَبَتَتْ فِيها أقْدامُ المُسْلِمِينَ وقْتَ القِتالِ وكانَتْ قَبْلَ المَطَرِ تَسُوخُ فِيها الأرْجُلُ، فَلَمّا نَزَلَ تَلَبَّدَتْ، قالُوا: فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾، أيْ: مِنَ الجَناباتِ، ويُذْهِبَ عَنْكم رِجْزَ الشَّيْطانِ، أيْ: عَذابَهُ لَكم بِوَسْواسِهِ، والرِّجْزُ العَذابُ؛ وقِيلَ: رِجْزُهُ كَيْدُهُ ووَسْوَسَتُهُ؛ وقِيلَ: الجَنابَةُ مِنَ الِاحْتِلامِ فَإنَّها مِنَ الشَّيْطانِ، ووَرَدَ ما احْتَلَمَ نَبِيٌّ قَطُّ، إنَّما الِاحْتِلامُ يَكُونُ مِنَ الشَّيْطانِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عَمْرٍو يُذْهِبْ بِجَزْمِ الباءِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ رُجْزَ بِضَمِّ الرّاءِ، وأبُو العالِيَةِ رِجْسَ بِالسِّينِ، ومَعْنى الرَّبْطِ عَلى القَلْبِ هو اجْتِماعُ الرَّأْيِ والتَّشْجِيعُ عَلى لِقاءِ العَدُوِّ والصَّبْرُ عَلى مُكافَحَةِ العَدُوِّ، والرَّبْطُ الشَّدُّ، هو حَقِيقَةٌ في الأجْسامِ، فاسْتُعِيرَ مِنها لِما حَصَلَ في القَلْبِ مِنَ الشِّدَّةِ والطُّمَأْنِينَةِ بَعْدَ التَّزَلْزُلِ، ومُقْتَضى ذَلِكَ الرَّبْطِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الصَّبْرُ، وقالَ مُقاتِلٌ: الإيمانُ؛ وقِيلَ: نُزُولُ المَطَرِ، وهو الظّاهِرُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ وما بَعْدَهُ تَعْلِيلٌ لِإنْزالِ المَطَرِ، والظّاهِرُ أنَّ تَثْبِيتَ الأقْدامِ هو حَقِيقَةٌ؛ لِأنَّ المَكانَ الَّذِي وقَعَ فِيهِ اللِّقاءُ كانَ رَمْلًا تَغُوصُ فِيهِ الأرْجُلُ فَلَبَّدَهُ المَطَرُ حَتّى ثَبَتَتْ عَلَيْهِ الأقْدامُ، والضَّمِيرُ في بِهِ عائِدٌ عَلى المَطَرِ؛ وقِيلَ: التَّثْبِيتُ لِلْأقْدامِ مَعْنَوِيٌّ والمُرادُ بِهِ كَوْنُهُ لا يَفِرُّ وقْتَ القِتالِ، والضَّمِيرُ في بِهِ عائِدٌ عَلى المَصْدَرِ الدّالِّ عَلَيْهِ ﴿ولِيَرْبِطَ﴾ وانْظُرْ إلى فَصاحَةِ مَجِيءِ هَذِهِ التَّعْلِيلاتِ، بَدَأ أوَّلًا مِنها بِالتَّعْلِيلِ الظّاهِرِ، وهو تَطْهِيرُهم مِنَ الجَنابَةِ، وهو فِعْلٌ جُسْمانِيٌّ، أعْنِي اغْتِسالَهم مِنَ الجَنابَةِ، وعَطَفَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ لامِ العِلَّةِ ما هو مِن لازِمِ التَّطْهِيرِ، وهو إذْهابُ رِجْزِ الشَّيْطانِ؛ حَيْثُ وسْوَسَ إلَيْهِمْ بِكَوْنِهِمْ يُصَلُّونَ ولَمْ يَغْتَسِلُوا مِنَ الجَنابَةِ، ثُمَّ عَطَفَ بِلامِ العِلَّةِ ما لَيْسَ بِفِعْلٍ جُسْمانِيٍّ، وهو فِعْلٌ مَحَلُّهُ القَلْبُ، وهو التَّشْجِيعُ والِاطْمِئْنانُ والصَّبْرُ عَلى اللِّقاءِ، وعَطَفَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ لامِ العِلَّةِ ما هو مِن لازِمِهِ، وهو كَوْنُهم لا يَفِرُّونَ وقْتَ الحَرْبِ، فَحِينَ ذَكَرَ التَّعْلِيلَ الظّاهِرَ الجُسْمانِيَّ والتَّعْلِيلَ الباطِنَ القَلْبِيَّ ظَهَرَ حَرْفُ التَّعْلِيلِ، وحِينَ ذَكَرَ لازِمَها لَمْ يُؤَكِّدْ بِلامِ التَّعْلِيلِ وبَدَأ أوَّلًا بِالتَّطْهِيرِ؛ لِأنَّهُ الآكَدُ والأسْبَقُ في الفِعْلِ، ولِأنَّهُ الَّذِي تُؤَدّى بِهِ أفْضَلُ العِباداتِ وتَحْيا بِهِ القُلُوبُ.
الأنفال 8:11
﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلّا بُشْرى ولِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكم وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، والمَعْنى: إلّا بُشْرى لَكم، وأُثْبِتَ في آلِ عِمْرانَ؛ لِأنَّ القِصَّةَ فِيها مُسْهِبَةٌ وهُنا مُوجَزَةٌ، فَناسَبَ هُنا الحَذْفُ، وهُنا قَدَّمَ وأخَّرَ هُناكَ عَلى سَبِيلِ التَّفَنُّنِ والِاتِّساعِ في الكَلامِ، وهُنا جاءَ ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ مُراعاةً لِأواخِرِ الآيِ، وهُناكَ لَيْسَتْ آخِرَ آيَةٍ لِتَعَلُّقِ (يَقْطَعَ) بِما قَبْلَهُ، فَناسَبَ أنْ يَأْتِيَ (العَزِيزُ الحَكِيمُ) عَلى سَبِيلِ الصِّفَةِ، وكِلاهُما مُشْعِرٌ بِالعَلِيَّةِ، كَما تَقُولُ: أكْرِمْ زَيْدًا العالِمَ، وأكْرِمْ زَيْدًا إنَّهُ عالِمٌ، والضَّمِيرُ في ﴿وما جَعَلَهُ﴾ عائِدٌ عَلى الإمْدادِ المُنْسَبِكِ مِن ﴿أنِّي مُمِدُّكُمْ﴾ [الأنفال: ٩]، أوْ عَلى المَدَدِ، أوْ عَلى الوَعْدِ الدّالِّ عَلَيْهِ يَعِدُكم إحْدى الطّائِفَتَيْنِ، أوْ عَلى الألْفِ، أوْ عَلى الِاسْتِجابَةِ، أوْ عَلى الإرْدافِ، أوْ عَلى الخَبَرِ بِالإمْدادِ، أوْ عَلى جِبْرِيلَ، أقْوالٌ مُحْتَمَلَةٌ مَقُولَةٌ أظْهَرُها الأوَّلُ، ولَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَهُ.
﴿إذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أمَنَةً مِنهُ ويُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ ويُذْهِبَ عَنْكم رِجْزَ الشَّيْطانِ ولِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكم ويُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ﴾ قالَ (p-٤٦٧)الزَّمَخْشَرِيُّ: بَدَلٌ ثانٍ مِن إذْ يَعِدُكم، أوْ مَنصُوبٌ بِالنَّصْرِ، أوْ بِما في عِنْدِ اللَّهِ مِن مَعْنى الفِعْلِ، أوْ بِما جَعَلَهُ اللَّهُ، أوْ بِإضْمارِ اذْكُرِ، انْتَهى. أمّا كَوْنُهُ بَدَلًا ثانِيًا مِن إذْ يَعِدُكم فَوافَقَهُ عَلَيْهِ ابْنُ عَطِيَّةَ، فَإنَّ العامِلَ في إذْ هو العامِلُ في قَوْلِهِ: وإذْ يَعِدُكم بِتَقْدِيرِ تَكْرارِهِ؛ لِأنَّ الِاشْتِراكَ في العامِلِ الأوَّلِ نَفْسِهِ لا يَكُونُ إلّا بِحَرْفِ عَطْفٍ، وإنَّما القَصْدُ أنْ يُعَدِّدَ نِعَمَهُ عَلى المُؤْمِنِينَ في يَوْمِ بَدْرٍ، فَقالَ: واذْكُرُوا إذْ فَعَلْنا بِكم كَذا، اذْكُرُوا إذْ فَعَلْنا كَذا، وأمّا كَوْنُهُ مَنصُوبًا بِالنَّصْرِ فَفِيهِ ضَعْفٌ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ مَصْدَرٌ فِيهِ ألْ، وفي إعْمالِهِ خِلافٌ ذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى أنَّهُ لا يَجُوزُ إعْمالُهُ، الثّانِي: أنَّهُ مَوْصُولٌ، وقَدْ فُصِلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَعْمُولِهِ بِالخَبَرِ الَّذِي هو إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ، وذَلِكَ إعْمالٌ لا يَجُوزُ، لا يُقالُ ضَرْبُ زَيْدٍ شَدِيدٌ عَمْرًا، الثّالِثُ: أنَّهُ يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ إعْمالُ ما قَبْلَ إلّا في ما بَعْدَها مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ المَفْعُولُ مُسْتَثْنًى أوْ مُسْتَثْنًى مِنهُ أوْ صِفَةً لَهُ، وإذْ لَيْسَ واحِدًا مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ، فَلا يَجُوزُ: ما قامَ إلّا زَيْدٌ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وقَدْ أجازَ ذَلِكَ الكِسائِيُّ والأخْفَشُ، وأمّا كَوْنُهُ مَنصُوبًا بِما في عِنْدِ اللَّهِ مِن مَعْنى الفِعْلِ فَيُضَعِّفُهُ المَعْنى؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ اسْتِقْرارُ النَّصْرِ مُقَيَّدًا بِالظَّرْفِ، والنَّصْرُ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُطْلَقًا في وقْتِ غَشْيِ النُّعاسِ وغَيْرِهِ، وأمّا كَوْنُهُ مَنصُوبًا بِما جَعَلَهُ اللَّهُ فَقَدْ سَبَقَهُ إلَيْهِ الحَوْفِيُّ، وهو ضَعِيفٌ أيْضًا لِطُولِ الفَصْلِ، ولِكَوْنِهِ مَعْمُولَ ما قَبْلَ إلّا، ولَيْسَ أحَدَ تِلْكَ الثَّلاثَةِ، وقالَ الطَّبَرِيُّ: العامِلُ في إذْ قَوْلُهُ: ولِتَطْمَئِنَّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا مَعَ احْتِمالِهِ فِيهِ ضَعْفٌ، وقالَ أبُو البَقاءِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِما دَلَّ عَلَيْهِ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، وقَدْ سَبَقَهُ إلى قَرِيبٍ مِن هَذا ابْنُ عَطِيَّةَ، فَقالَ: ولَوْ جُعِلَ العامِلُ في إذْ شَيْئًا قَرَنَها بِما قَبْلَها لَكانَ الأوْلى في ذَلِكَ أنْ يَعْمَلَ في إذْ (حَكِيمٌ)؛ لِأنَّ إلْقاءَ النُّعاسِ عَلَيْهِمْ وجَعْلَهُ أمَنَةً حِكْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، انْتَهى، والأجْوَدُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ أنْ يَكُونَ بَدَلًا، وقَرَأ مُجاهِدٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ: يَغْشاكُمُ النُّعاسُ، مُضارِعُ غَشِيَ والنُّعاسُ رُفِعَ بِهِ، وقَرَأ الأعْرَجُ وابْنُ نِصاحٍ وأبُو حَفْصٍ ونافِعٌ: ﴿يُغَشِّيكُمُ﴾، مُضارِعُ أغْشى، وقَرَأ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ومُجاهِدٌ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وأبُو رَجاءٍ وابْنُ عامِرٍ والكُوفِيُّونَ: ﴿يُغَشِّيكُمُ﴾ مُضارِعُ: غَشّى، والنُّعاسُ في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ مَنصُوبٌ، والفاعِلُ ضَمِيرُ اللَّهِ، وناسَبَتْ قِراءَةُ نافِعٍ قَوْلَهُ: يَغْشى طائِفَةً مِنكم، وقِراءَةَ الباقِينَ ﴿ويُنَزِّلُ﴾ حَيْثُ لَمْ يَخْتَلِفِ الفاعِلُ، ومَعْنى يُغَشِّيكم يُعْطِيكم بِهِ، وهو اسْتِعارَةٌ، جَعَلَ ما غَلَبَ عَلَيْهِمْ مِنَ النُّعاسِ غَشَيانًا لَهم، وتَقَدَّمَ شَرْحُ النُّعاسِ وأمَنَةً في آلِ عِمْرانَ، والضَّمِيرُ في مِنهُ عائِدٌ عَلى اللَّهِ، وانْتَصَبَ أمَنَةً، قِيلَ عَلى المَصْدَرِ، أيْ: فَأمِنتُمْ أمَنَةً، والأظْهَرُ أنَّهُ انْتَصَبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ في قِراءَةِ ﴿يُغَشِّيكُمُ﴾ لِاتِّحادِ الفاعِلِ؛ لِأنَّ المُغَشِّيَ والمُؤَمِّنَ هو اللَّهُ تَعالى، وأمّا عَلى قِراءَةِ: يَغْشاكم، فالفاعِلُ مُخْتَلِفٌ؛ إذْ فاعِلُ يَغْشاكم هو النُّعاسُ والمُؤَمِّنُ هو اللَّهُ، وفي جَوازِ مَجِيءِ المَفْعُولِ لَهُ مَعَ اخْتِلافِ الفاعِلِ خِلافٌ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): أما وجَبَ أنْ يَكُونَ فاعِلُ الفِعْلِ المُعَلَّلِ والعِلَّةِ واحِدًا ؟ قُلْتُ بَلى، ولَكِنْ لَمّا كانَ مَعْنى يَغْشاكُمُ النُّعاسُ: تُتَغَشَّوْنَ، انْتَصَبَ أمَنَةً عَلى أنَّ النُّعاسَ والأمَنَةَ لَهم، والمَعْنى: إذْ تُتَغَشَّوْنَ أمَنَةً (p-٤٦٨)بِمَعْنى أمْنًا، أيْ: لِأمْنِكم، ومِنهُ صِفَةٌ لَها، أيْ: أمَنَةً حاصِلَةً لَكم مِنَ اللَّهِ تَعالى، (فَإنْ قُلْتَ): هَلْ يَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى أنَّ الأمَنَةَ لِلنُّعاسِ الَّذِي هو يَغْشاكم، أيْ: يَغْشاكُمُ النُّعاسُ لِأمْنِهِ، عَلى أنَّ إسْنادَ الأمْنِ إلى النُّعاسِ إسْنادٌ مَجازِيٌّ، وهو لِأصْحابِ النُّعاسِ عَلى الحَقِيقَةِ، أوْ عَلى أنَّهُ أمانُكم في وقْتِهِ كانَ مِن حَقِّ النُّعاسِ في ذَلِكَ الوَقْتِ المَخُوفِ أنْ لا يُقَدَّمَ عَلى غِشْيانِكم، وإنَّما غَشّاكم أمَنَةً حاصِلَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى لَوْلاها لَمْ يَغْشَكم عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ والتَّخْيِيلِ، (قُلْتُ) لا تَتَعَدّى فَصاحَةُ القُرْآنِ عَنِ احْتِمالِهِ، ولَهُ فِيهِ نَظائِرُ، ولَقَدْ ألَمَّ بِهِ مَن قالَ:
؎يَهابُ النَّوْمُ أنْ يَغْشى عُيُونًا تَهابُكَ فَهْوَ نَفّارٌ شُرُودُ
وقُرِئَ أمْنَةً بِسُكُونِ المِيمِ، ونَظِيرُ أمِنَ أمَنَةً حَيِيَ حَياةً، ونَحْوُ أمِنَ أمْنَةً رَحِمَ رَحْمَةً، والمَعْنى: أنَّ ما كانَ بِهِمْ مِنَ الخَوْفِ كانَ يَمْنَعُهم مِنَ النَّوْمِ، فَلَمّا طامَنَ اللَّهُ تَعالى قُلُوبَهم أمَّنَهم وأقَرُّوا، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: النُّعاسُ في القِتالِ أمَنَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وفي الصَّلاةِ وسْوَسَةٌ مِنَ الشَّيْطانِ، انْتَهى، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ شَبِيهُ هَذا الكَلامِ، وقالَ: النُّعاسُ عِنْدَ حُضُورِ القِتالِ عَلامَةُ أمْنٍ مِنَ العَدُوِّ، وهو مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهو في الصَّلاةِ مِنَ الشَّيْطانِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا إنَّما طَرِيقَةُ الوَحْيِ، فَهو لا مَحالَةَ يُسْنِدُها، انْتَهى، والَّذِي قَرَأ ﴿أمَنَةً﴾ بِسُكُونِ المِيمِ هو ابْنُ مُحَيْصِنٍ، ورُوِيَتْ عَنِ النَّخَعِيِّ ويَحْيى بْنِ يَعْمُرَ، وغِشْيانُ النَّوْمِ إيّاهم قِيلَ: حالَ التِقاءِ الصَّفَّيْنِ ومَضى مِثْلُ هَذا في يَوْمِ أُحُدٍ في آلِ عِمْرانَ؛ وقِيلَ: اللَّيْلَةَ الَّتِي كانَ القِتالُ في غَدِها امْتُنَّ عَلَيْهِمْ بِالنَّوْمِ مَعَ الأمْرِ المُهِمِّ الَّذِي يَرَوْنَهُ في غَدٍ لِيَسْتَرِيحُوا تِلْكَ اللَّيْلَةَ ويَنْشَطُوا في غَدِها لِلْقِتالِ ويَزُولَ رُعْبُهم، ويُقالُ: الأمْنُ مُنِيمٌ والخَوْفُ مُسْهِرٌ، والأوْلى أنْ يَكُونَ تَرْتِيبُ هَذِهِ الجُمَلِ في الزَّمانِ كَتَرْتِيبِها في التِّلاوَةِ، فَيَكُونَ إنْزالُ المَطَرِ تَأخَّرَ عَنْ غِشْيانِ النُّعاسِ، وعَنِ ابْنِ نَجِيحٍ أنَّ المَطَرَ كانَ قَبْلَ النُّعاسِ، واخْتارَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ قالَ: ونُزُولُ الماءِ كانَ قَبْلَ تَغْشِيَةِ النُّعاسِ ولَمْ يَتَرَتَّبْ كَذَلِكَ في الآيَةِ؛ إذِ القَصْدُ مِنها تَعْدِيدُ النِّعَمِ فَقَطْ، وقَرَأ طَلْحَةُ: ﴿ويُنَزِّلُ﴾، بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ماءً﴾، بِالمَدِّ، وقَرَأ الشَّعْبِيُّ: ما، بِغَيْرِ هَمْزٍ، حَكاهُ ابْنُ جِنِّيٍّ، صاحِبُ اللَّوامِحِ في شَواذِّ القِراءاتِ، وخَرَّجاهُ عَلى أنَّ ما بِمَعْنى الَّذِي، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وصِلَتُهُ حَرْفُ الجَرِّ الَّذِي هو لِيُطَهِّرَكم، والعائِدُ عَلَيْهِ هو، ومَعْناهُ الَّذِي هو لِيُطَهِّرَكم بِهِ، انْتَهى، وظاهِرُ هَذا التَّخْرِيجِ فاسِدٌ؛ لِأنَّ لامَ كَيْ لا تَكُونُ صِلَةً، ومِن حَيْثُ جَعْلِ الضَّمائِرِ هو، وقالَ: مَعْناهُ الَّذِي هو لِيُطَهِّرَكم، ولا تَكُونُ لامُ كَيْ هي الصِّلَةُ، بَلِ الصِّلَةُ هو، ولامُ الجَرِّ والمَجْرُورِ، وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ ما مَوْصُولَةٌ وصِلَتُها حَرْفُ الجَرِّ بِما جَرَّهُ، فَكَأنَّهُ قالَ ما لِلطَّهُورِ، انْتَهى. وهَذا فِيهِ ما قُلْنا مِن مَجِيءِ لامِ كَيْ صِلَةً، ويُمْكِنُ تَخْرِيجُ هَذِهِ القِراءَةِ عَلى وجْهٍ آخَرَ، وهو أنَّ ما لَيْسَ مَوْصُولًا بِمَعْنى الَّذِي، وأنَّهُ بِمَعْنى ماءً المَحْدُودِ، وذَلِكَ أنَّهم حَكَوْا أنَّ العَرَبَ حَذَفَتْ هَذِهِ الهَمْزَةَ، فَقالُوا: مًا يا هَذا، بِحَذْفِ الهَمْزَةِ وتَنْوِينِ المِيمِ، فَيُمْكِنُ أنْ تُخَرَّجَ عَلى هَذا، إلّا أنَّهم أجْرَوُا الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ فَحَذَفُوا التَّنْوِينَ؛ لِأنَّكَ إذا وقَفْتَ عَلى شَرِبْتُ مًا قُلْتَ: شَرِبْتُ ما، بِحَذْفِ التَّنْوِينِ وإبْقاءِ الألِفِ، إمّا ألِفُ الوَصْلِ الَّذِي هي بَدَلٌ مِنَ الواوِ وهي عَيْنُ الكَلِمَةِ، وإمّا الألِفُ الَّتِي هي بَدَلٌ مِنَ التَّنْوِينِ حالَةَ النَّصْبِ، وقَرَأ ابْنُ المُسَيَّبِ: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ﴾، بِسُكُونِ الطّاءِ، ومَعْنى لِيُطْهِرَكم مِنَ الجَناباتِ، وكانَ المُؤْمِنُونَ لَحِقَ أكْثَرَهم في سَفَرِهِمُ الجَناباتُ وعَدِمُوا الماءَ وكانَتْ بَيْنَهم وبَيْنَ ماءِ بَدْرٍ مَسافَةٌ طَوِيلَةٌ مِن رَمْلٍ دَهْسٍ لَيِّنٍ تَسُوخُ فِيهِ الأرْجُلُ، وكانَ المُشْرِكُونَ قَدْ سَبَقُوهم إلى ماءِ بَدْرٍ؛ وقِيلَ: بَلِ المُؤْمِنُونَ سَبَقُوا إلى الماءِ بِبَدْرٍ، وكانَ نُزُولُ المَطَرِ قَبْلَ ذَلِكَ، والمَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ أنَّ الكُفّارَ يَوْمَ بَدْرٍ سَبَقُوا المُؤْمِنِينَ إلى ماءِ بَدْرٍ، فَنَزَلُوا عَلَيْهِ وبَقِيَ المُؤْمِنُونَ لا ماءَ لَهم فَوَجَسَتْ نُفُوسُهم وعَطِشُوا وأجْنَبُوا وصَلَّوْا كَذَلِكَ، فَقالَ بَعْضُهم في نُفُوسِهِمْ بِإلْقاءِ الشَّيْطانِ إلَيْهِمْ: نَزْعُمُ أنّا أوْلِياءُ اللَّهِ وفِينا رَسُولُ اللَّهِ وحالُنا هَذِهِ، والمُشْرِكُونَ (p-٤٦٩)عَلى الماءِ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ المَطَرَ لَيْلَةَ بَدْرٍ السّابِعَةَ عَشَرَ مِن رَمَضانَ حَتّى سالَتِ الأوْدِيَةُ، فَشَرِبَ النّاسُ وتَطَهَّرُوا وسَقَوُا الظَّهْرَ وتَلَبَّدَتِ السَّبْخَةُ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم وبَيْنَ المُشْرِكِينَ، حَتّى ثَبَتَتْ فِيها أقْدامُ المُسْلِمِينَ وقْتَ القِتالِ وكانَتْ قَبْلَ المَطَرِ تَسُوخُ فِيها الأرْجُلُ، فَلَمّا نَزَلَ تَلَبَّدَتْ، قالُوا: فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾، أيْ: مِنَ الجَناباتِ، ويُذْهِبَ عَنْكم رِجْزَ الشَّيْطانِ، أيْ: عَذابَهُ لَكم بِوَسْواسِهِ، والرِّجْزُ العَذابُ؛ وقِيلَ: رِجْزُهُ كَيْدُهُ ووَسْوَسَتُهُ؛ وقِيلَ: الجَنابَةُ مِنَ الِاحْتِلامِ فَإنَّها مِنَ الشَّيْطانِ، ووَرَدَ ما احْتَلَمَ نَبِيٌّ قَطُّ، إنَّما الِاحْتِلامُ يَكُونُ مِنَ الشَّيْطانِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عَمْرٍو يُذْهِبْ بِجَزْمِ الباءِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ رُجْزَ بِضَمِّ الرّاءِ، وأبُو العالِيَةِ رِجْسَ بِالسِّينِ، ومَعْنى الرَّبْطِ عَلى القَلْبِ هو اجْتِماعُ الرَّأْيِ والتَّشْجِيعُ عَلى لِقاءِ العَدُوِّ والصَّبْرُ عَلى مُكافَحَةِ العَدُوِّ، والرَّبْطُ الشَّدُّ، هو حَقِيقَةٌ في الأجْسامِ، فاسْتُعِيرَ مِنها لِما حَصَلَ في القَلْبِ مِنَ الشِّدَّةِ والطُّمَأْنِينَةِ بَعْدَ التَّزَلْزُلِ، ومُقْتَضى ذَلِكَ الرَّبْطِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الصَّبْرُ، وقالَ مُقاتِلٌ: الإيمانُ؛ وقِيلَ: نُزُولُ المَطَرِ، وهو الظّاهِرُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ وما بَعْدَهُ تَعْلِيلٌ لِإنْزالِ المَطَرِ، والظّاهِرُ أنَّ تَثْبِيتَ الأقْدامِ هو حَقِيقَةٌ؛ لِأنَّ المَكانَ الَّذِي وقَعَ فِيهِ اللِّقاءُ كانَ رَمْلًا تَغُوصُ فِيهِ الأرْجُلُ فَلَبَّدَهُ المَطَرُ حَتّى ثَبَتَتْ عَلَيْهِ الأقْدامُ، والضَّمِيرُ في بِهِ عائِدٌ عَلى المَطَرِ؛ وقِيلَ: التَّثْبِيتُ لِلْأقْدامِ مَعْنَوِيٌّ والمُرادُ بِهِ كَوْنُهُ لا يَفِرُّ وقْتَ القِتالِ، والضَّمِيرُ في بِهِ عائِدٌ عَلى المَصْدَرِ الدّالِّ عَلَيْهِ ﴿ولِيَرْبِطَ﴾ وانْظُرْ إلى فَصاحَةِ مَجِيءِ هَذِهِ التَّعْلِيلاتِ، بَدَأ أوَّلًا مِنها بِالتَّعْلِيلِ الظّاهِرِ، وهو تَطْهِيرُهم مِنَ الجَنابَةِ، وهو فِعْلٌ جُسْمانِيٌّ، أعْنِي اغْتِسالَهم مِنَ الجَنابَةِ، وعَطَفَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ لامِ العِلَّةِ ما هو مِن لازِمِ التَّطْهِيرِ، وهو إذْهابُ رِجْزِ الشَّيْطانِ؛ حَيْثُ وسْوَسَ إلَيْهِمْ بِكَوْنِهِمْ يُصَلُّونَ ولَمْ يَغْتَسِلُوا مِنَ الجَنابَةِ، ثُمَّ عَطَفَ بِلامِ العِلَّةِ ما لَيْسَ بِفِعْلٍ جُسْمانِيٍّ، وهو فِعْلٌ مَحَلُّهُ القَلْبُ، وهو التَّشْجِيعُ والِاطْمِئْنانُ والصَّبْرُ عَلى اللِّقاءِ، وعَطَفَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ لامِ العِلَّةِ ما هو مِن لازِمِهِ، وهو كَوْنُهم لا يَفِرُّونَ وقْتَ الحَرْبِ، فَحِينَ ذَكَرَ التَّعْلِيلَ الظّاهِرَ الجُسْمانِيَّ والتَّعْلِيلَ الباطِنَ القَلْبِيَّ ظَهَرَ حَرْفُ التَّعْلِيلِ، وحِينَ ذَكَرَ لازِمَها لَمْ يُؤَكِّدْ بِلامِ التَّعْلِيلِ وبَدَأ أوَّلًا بِالتَّطْهِيرِ؛ لِأنَّهُ الآكَدُ والأسْبَقُ في الفِعْلِ، ولِأنَّهُ الَّذِي تُؤَدّى بِهِ أفْضَلُ العِباداتِ وتَحْيا بِهِ القُلُوبُ.
الأنفال 8:12
﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكم فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ﴾ هَذا أيْضًا مِن تَعَدُّدِ النِّعَمِ؛ إذِ الإيحاءُ إلى المَلائِكَةِ - بِأنَّهُ تَعالى مَعَهم، أيْ: يَنْصُرُهم ويُعِينُهم - وأمْرُهم بِتَثْبِيتِ المُؤْمِنِينَ، والإخْبارُ بِما يَأْتِي بَعْدُ مِن إلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِ أعْدائِهِمْ، والأمْرُ بِالضَّرْبِ فَوْقَ أعْناقِهِمْ وكُلَّ بَنانٍ مِنهم - مِن أعْظَمِ النِّعَمِ، وفي ذَلِكَ إعْلامٌ بِأنَّ الغَلَبَةَ والظَّفَرَ والعاقِبَةَ لِلْمُؤْمِنِينَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿إذْ يُوحِي﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا ثالِثًا مِن إذْ يَعِدُكم وأنْ يَنْتَصِبَ بِثَبِّتْ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: العامِلُ في إذِ العامِلُ الأوَّلُ عَلى ما تَقَدَّمَ فِيما قَبْلَها، ولَوْ قَدَّرْناهُ قَرِيبًا لَكانَ قَوْلُهُ: ﴿ويُثَبِّتَ﴾ [الأنفال: ١١] عَلى تَأْوِيلِ عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلى الرَّبْطِ، وأمّا عَوْدُهُ عَلى الماءِ فَيُمْكِنُ أنْ يَعْمَلَ ﴿ويُثَبِّتَ﴾ [الأنفال: ١١] في (إذْ)، انْتَهى، وإنَّما يُمْكِنُ ذَلِكَ عِنْدَهُ لِاخْتِلافِ زَمانِ التَّثْبِيتِ عِنْدَهُ وزَمانِ هَذا الوَحْيِ؛ لِأنَّ زَمانَ إنْزالِ المَطَرِ وما تَعَلَّقَ بِهِ مِن تَعالِيلِهِ مُتَقَدِّمٌ عَلى تَغْشِيَةِ النُّعاسِ والإيحاءِ كانا وقْتَ القِتالِ، وهَذا الوَحْيُ إمّا بِإلْهامٍ، وإمّا بِإعْلامٍ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِخِلافٍ عَنْهُ: إذْ مَعَكم، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى إضْمارِ القَوْلِ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، أوْ عَلى إجْراءِ يُوحِي مَجْرى تَقُولُ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، والمَلائِكَةُ هُمُ الَّذِينَ أُمِدَّ المُؤْمِنُونَ بِهِمْ، ولَمّا كانَ ما تَقَدَّمَ مِن تَعْدادِ النِّعَمِ عَلى المُؤْمِنِينَ جاءَ الخِطابُ لَهم بِيَغْشاكم، ويَنْزِلُ عَلَيْكم، ويُطَهِّرَكم، ويُذْهِبَ رِجْزَ، ولِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكم؛ إذْ كانَ في هَذِهِ أشْياءُ لا تُناسِبُ مَنصِبَ الرِّسالَةِ، ولَمّا ذَكَرَ الوَحْيَ إلى المَلائِكَةِ أتى بِخِطابِ الرَّسُولِ وحْدَهُ، فَقالَ: ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ﴾، فَفي ذَلِكَ (p-٤٧٠)تَشْرِيفٌ بِمُواجَهَتِهِ بِالخِطابِ وحْدَهُ، أيْ: مُرَبِّيكَ والنّاظِرُ في مَصْلَحَتِكَ ويُثَبِّتُ الَّذِينَ آمَنُوا. قالَ الحَسَنُ بِالقِتالِ، أيْ: فَقاتِلُوا، وقالَ مُقاتِلٌ: بَشِّرُوهم بِالنَّصْرِ، فَكانَ المَلَكُ يَسِيرُ أمامَ الصَّفِّ في صُورَةِ الرَّجُلِ فَيَقُولُ أبْشِرُوا فَإنَّ اللَّهَ ناصِرُكم، وذَكَرَ الزَّجّاجُ أنَّهم يُثَبِّتُونَهم بِأشْياءَ يُلْقُونَها في قُلُوبِهِمْ تَقْوى بِها، وذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ ونَحْوُهُ قالَ: صَحِّحُوا عَزائِمَهم ونِيّاتِهِمْ عَلى الجِهادِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ نَحْوَهُ قالَ: ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنْ يَكُونَ التَّثْبِيتُ الَّذِي أمَرَ بِهِ ما يُلْقِيهِ المَلَكُ في قَلْبِ الإنْسانِ مِن تَوَهُّمِ الظَّفَرِ واحْتِقارِ الكُفّارِ، ويَجْرِي عَلَيْهِ مِن خَواطِرِ تَشْجِيعِهِ، ويُقَوِّي هَذا التَّأْوِيلَ مُطابَقَةُ قَوْلِهِ: ﴿سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ وإنْ كانَ إلْقاءُ الرُّعْبِ يُطابِقُ التَّثْبِيتَ عَلى أيِّ صُورَةٍ كانَ التَّثْبِيتُ، ولَكِنَّهُ أشْبَهُ بِهَذا إذْ هي مِن جِنْسٍ واحِدٍ، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ يَجِيءُ قَوْلُهُ: ﴿سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ مُخاطَبَةً لِلْمَلائِكَةِ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْلُهُ: ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ﴾ لَفْظُهُ لَفْظُ الأمْرِ ومَعْناهُ الخَبَرُ عَنْ صُورَةِ الحالِ، كَما تَقُولُ إذا وصَفْتَ لِمَن تُخاطِبُهُ: لَقِينا القَوْمَ وهَزَمْناهم فاضْرِبْ بِسَيْفِكَ حَيْثُ شِئْتَ واقْتُلْ وخُذْ أسِيرَكَ، أيْ: هَذِهِ كانَتْ صِفَةَ الحالِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ سَأُلْقِي إلى آخِرِ الآيَةِ خَبَرًا يُخاطِبُ بِهِ المُؤْمِنِينَ عَمّا يَفْعَلُهُ بِالكَفّارِ في المُسْتَقْبَلِ، كَما فَعَلَهُ في الماضِي، ثُمَّ أمَرَهم بِضَرْبِ الرِّقابِ والبَنانِ تَشْجِيعًا لَهم وحَضًّا عَلى نُصْرَةِ الدِّينِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى أنِّي مُعِينُكم عَلى التَّثَبُّتِ فَثَبِّتُوهم، فَقَوْلُهُ: سَأُلْقِي، فاضْرِبُوا، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ: أنِّي مَعَكم فَثَبِّتُوا، ولا مَعُونَةَ أعْظَمُ مِن إلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِ الكَفَرَةِ، ولا تَثْبِيتَ أبْلَغُ مِن ضَرْبِ أعْناقِهِمْ، واجْتِماعُهُما غايَةُ النُّصْرَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ تَفْسِيرٍ، وأنْ يُرادَ بِالتَّثْبِيتِ أنْ يُخْطِرُوا بِبالِهِمْ ما تَقْوى بِهِ قُلُوبُهم، وتَصِحُّ عَزائِمُهم ونِيّاتُهم، وأنْ يُظْهِرُوا ما يَتَيَقَّنُونَ بِهِ أنَّهم مُمَدُّونَ بِالمَلائِكَةِ؛ وقِيلَ: كانَ المَلَكُ يَتَشَبَّهُ بِالرَّجُلِ الَّذِي يَعْرِفُونَ وجْهَهُ، فَيَأْتِي فَيَقُولُ: إنِّي سَمِعْتُ المُشْرِكِينَ يَقُولُونَ واللَّهِ لَئِنْ حَمَلُوا عَلَيْنا لَنَنْكَشِفَنَّ، ويَمْشِي بَيْنَ الصَّفَّيْنِ فَيَقُولُ: أبْشِرُوا فَإنَّ اللَّهَ ناصِرُكم؛ لِأنَّكم تَعْبُدُونَهُ وهَؤُلاءِ لا يَعْبُدُونَهُ، انْتَهى، ثُمَّ قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: سَأُلْقِي، إلى قَوْلِهِ: كُلَّ بَنانٍ، عَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، تَلْقِينًا لِلْمَلائِكَةِ وما يُثَبِّتُونَهم بِهِ، كَأنَّهُ قالَ: قُولُوا لَهم: سَأُلْقِي، والضّارِبُونَ عَلى هَذا هُمُ المُؤْمِنُونَ، انْتَهى، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ ما بَعْدَ: ﴿يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ﴾ هو مِن جُمْلَةِ المُوحى بِهِ، وأنَّ المَلائِكَةَ هُمُ المُخاطَبُونَ بِتَثْبِيتِ المُؤْمِنِينَ وبِضَرْبٍ فَوْقَ الأعْناقِ وكُلَّ بَنانٍ، وقالَ السّائِبُ بْنُ يَسارٍ: كُنّا إذا سَألْنا يَزِيدَ بْنَ عامِرٍ السَّوّارِيَّ عَنِ الرُّعْبِ الَّذِي ألْقاهُ اللَّهُ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ كَيْفَ كانَ يَأْخُذُ الحَصا ويَرْمِي بِهِ الطَّسْتَ فَيَطِنُّ فَيَقُولُ: كُنّا نَجِدُ في أجْوافِنا مِثْلَ هَذا، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ والأعْرَجُ: ﴿الرُّعْبَ﴾، بِضَمِّ العَيْنِ، وفَوْقَ قالَ الأخْفَشُ: زائِدَةٌ، أيْ: فاضْرِبُوا الأعْناقَ، وهو قَوْلُ عَطِيَّةَ والضَّحّاكِ فَيَكُونُ الأعْناقُ هي المَفْعُولُ بِاضْرِبُوا هَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ فَوْقَ اسْمُ ظَرْفٍ والأسْماءُ لا تُزادُ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فَوْقَ بِمَعْنى عَلى، تَقُولُ: ضَرَبْتُهُ فَوْقَ الرَّأْسِ وعَلى الرَّأْسِ، ويَكُونُ مَفْعُولُ فاضْرِبُوا عَلى هَذا مَحْذُوفًا، أيْ: فاضْرِبُوهم فَوْقَ الأعْناقِ، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ لِإبْقاءِ فَوْقَ عَلى مَعْناها مِنَ الظَّرْفِيَّةِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فَوْقَ بِمَعْنى دُونَ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا خَطَأٌ بَيِّنٌ، وإنَّما دَخَلَ عَلَيْهِ اللَّبْسُ مِن قَوْلِهِ: بَعُوضَةً فَما فَوْقَها، في القِلَّةِ والصِّغَرِ فَأشْبَهَ المَعْنى دُونَ، انْتَهى. وعَلى قَوْلِ ابْنِ قُتَيْبَةَ يَكُونُ المَفْعُولُ مَحْذُوفًا، أيْ: فاضْرِبُوهم، وقالَ عِكْرِمَةُ: فَوْقَ عَلى بابِها، وأرادَ الرُّؤُوسَ؛ إذْ هي فَوْقَ الأعْناقِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي ضَرْبَ الهامِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎وأضْـرِبُ هَـامَـةَ البَطَــلِ المُشِيــحِ
وقالَ آخَرُ:
غَشِيتُهُ وهْوَ في جَأْواءَ باسِلَةٍ عَضْبًا أصابَ سَواءَ الرَّأْسِ فانْفَلَقا (p-٤٧١)انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا التَّأْوِيلُ أنْبَلُها، ويُحْتَمَلُ عِنْدِي أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: فَوْقَ الأعْناقِ وصْفَ أبْلَغِ ضَرَباتِ العُنُقِ وأحْكَمِها، وهي الضَّرْبَةُ الَّتِي تَكُونُ فَوْقَ عَظْمِ العُنُقِ ودُونَ عَظْمِ الرَّأْسِ في المَفْصِلِ، ويُنْظَرُ إلى هَذا المَعْنى قَوْلُ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ الجَشَمِيِّ لِابْنِ الدَّغِنَةِ السُّلَمِيِّ حِينَ قالَ لَهُ: خُذْ سَيْفِي وارْفَعْ عَنِ العَظْمِ واخْفِضْ عَنِ الدِّماغِ، فَهَكَذا كُنْتُ أضْرِبُ أعْناقَ الأبْطالِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎جَعَلْتُ السَّيْفَ بَيْنَ الجِيدِ مِنهُ ∗∗∗ وبَيْنَ أسِيلِ خَدَّيْهِ عِذارًا
فَيَجِيءُ عَلى هَذا فَوْقَ الأعْناقِ مُتَمَكِّنًا، انْتَهى. فَإنْ كانَ قَوْلُ عِكْرِمَةَ تَفْسِيرَ مَعْنًى فَحَسَنٌ، ويَكُونُ مَفْعُولُ فاضْرِبُوا مَحْذُوفًا، وإنْ كانَ أرادَ أنَّ فَوْقَ هو المَضْرُوبُ فَلَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأنَّ فَوْقَ مِنَ الظُّرُوفِ الَّتِي لا يُتَصَرَّفُ فِيها، لا تَكُونُ مُبْتَدَأةً ولا مَفْعُولًا بِها ولا مُضافًا إلَيْها، إنَّما يُتَصَرَّفُ فِيها بِحَرْفِ جَرٍّ، كَقَوْلِهِ: ﴿مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦]، هَذا هو الصَّحِيحُ في فَوْقَ، وقَدْ أجازَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ فَوْقَ في الآيَةِ مَفْعُولًا بِهِ، وأجازَ فِيها التَّصَرُّفَ، قالَ: تَقُولُ: فَوْقُكَ رَأسُكَ بِالرَّفْعِ، وفَوْقَكَ قَلَنْسُوَتُكَ بِالنَّصْبِ، ويَظْهَرُ هَذا القَوْلُ مِنَ الزَّمَخْشَرِيِّ قالَ: فَوْقَ الأعْناقِ، أرادَ أعالِيَ الأعْناقِ الَّتِي هي المَذابِحُ؛ لِأنَّها مَفاصِلُ، فَكانَ إيقاعُ الضَّرْبِ فِيها جَزًّا وتَطْيِيرًا لِلرَّأْسِ، انْتَهى، والبَنانُ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيها في المُفْرَداتِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنهُمُ الضَّحّاكُ: البَنانُ هي المَفاصِلُ حَيْثُ كانَتْ مِنَ الأعْضاءِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: البَنانُ الأصابِعُ مِنَ اليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ. وقِيلَ: الأصابِعُ وغَيْرُها مِنَ الأعْضاءِ، والمُخْتارُ أنَّها الأصابِعُ. وقالَ عَنْتَرَةُ العَبْسِيُّ:
؎وكانَ فَتى الهَيْجاءِ يَحْمِي ذِمارَها ∗∗∗ ويَضْرِبُ عِنْدَ الكَرْبِ كُلَّ بَنانِ
وقالَ أيْضًا:
؎وأنَّ المَوْتَ طَرْحُ يَدِي إذا ما ∗∗∗ وصَلْتُ بَنانَها بِالهِنْدُوانِي
وضَرْبُ الكُفّارِ مَشْرُوعٌ في كُلِّ مَوْضِعٍ مِنهم، وإنَّما قَصَدَ أبْلَغَ المَواضِعِ وأثْبَتَ ما يَكُونُ المَقاتِلُ؛ لِأنَّهُ إذا عُمِدَ إلى الرَّأْسِ أوِ الأطْرافِ كانَ ثابِتَ الجَأْشِ مُتَبَصِّرًا فِيما يَضَعُ فِيهِ آلَةَ قِتالِهِ مِن سَيْفٍ ورُمْحٍ وغَيْرِهِما مِمّا يَقَعُ بِهِ اللِّقاءُ؛ إذْ ضَرْبُ الرَّأْسِ فِيهِ أشْغَلُ شاغِلٍ عَنِ القِتالِ، وكَثِيرًا ما يُؤَدِّي إلى المَوْتِ، وضَرْبُ البَنانِ فِيهِ تَعْطِيلُ القِتالِ مِنَ المَضْرُوبِ، بِخِلافِ سائِرِ الأعْضاءِ. قالَ الفَرّاءُ: عَلَّمَهم مَواضِعَ الضَّرْبِ، فَقالَ: اضْرِبُوا الرُّءُوسَ والأيْدِيَ والأرْجُلَ، فَكَأنَّهُ قالَ: فاضْرِبُوا الأعالِيَ إنْ تَمَكَّنْتُمْ مِنَ الضَّرْبِ فِيها، فَإنْ لَمْ تَقْدِرُوا فاضْرِبُوهم في أوْساطِهِمْ، فَإنْ لَمْ تَقْدِرُوا فاضْرِبُوهم في أسافِلِهِمْ، فَإنَّ الضَّرْبَ في الأعالِي يُسْرِعُ بِهِمْ إلى المَوْتِ، والضَّرْبَ في الأوْساطِ يُسْرِعُ بِهِمْ إلى عَدَمِ الِامْتِناعِ، والضَّرْبَ في الأسافِلِ يَمْنَعُهم مِنَ الكَرِّ والفَرِّ، فَيَحْصُلُ مِن ذَلِكَ إمّا إهْلاكُهم بِالكُلِّيَّةِ، وإمّا الِاسْتِيلاءُ عَلَيْهِمُ، انْتَهى، وفي قَوْلِ الفَرّاءِ هَذا تَحْمِيلُ ألْفاظِ القُرْآنِ ما لا يَحْتَمِلُهُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى فاضْرِبُوا المَقاتِلَ والشَّوى؛ لِأنَّ الضَّرْبَ إمّا واقِعٌ عَلى مَقْتَلٍ أوْ غَيْرِ مَقْتَلٍ، فَأمَرَهم بِأنْ يَجْمَعُوا عَلَيْهِمُ النَّوْعَيْنِ مَعًا، انْتَهى.
الأنفال 8:13
﴿ذَلِكَ بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ الإشارَةُ إلى ما حَلَّ بِهِمْ مِن إلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ وما أصابَهم مِنَ الضَّرْبِ والقَتْلِ، والكافُ لِخِطابِ الرَّسُولِ، أوْ لِخِطابِ كُلِّ سامِعٍ، أوْ لِخِطابِ الكُفّارِ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ، وذَلِكَ مُبْتَدَأٌ وبِأنَّهم هو الخَبَرُ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الكُفّارِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في المُشاقَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّما هم في شِقاقٍ﴾ [البقرة: ١٣٧] والمُشاقَّةُ هُنا مُفاعَلَةٌ، فَكَأنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَعَ شَرْعًا وأمَرَ بِأوامِرَ وكَذَّبُوا بِها وصَدُّوا تَباعَدَ ما بَيْنَهم وانْفَصَلَ وانْشَقَّ، وعَبَّرَ المُفَسِّرُونَ في قَوْلِهِ: شاقُّوا اللَّهَ، أيْ: صارُوا في شَقٍّ غَيْرِ شَقِّهِ.
﴿ومَن يُشاقِقِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ أجْمَعُوا عَلى الفَكِّ في يُشاقِقِ اتِّباعًا لِخَطِّ المُصْحَفِ، وهي لُغَةُ الحِجازِ، والإدْغامُ لُغَةُ تَمِيمٍ، كَما جاءَ في الآيَةِ الأُخْرى، ﴿ومَن يُشاقِّ اللَّهَ﴾ [الحشر: ٤]؛ وقِيلَ: فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ، تَقْدِيرُهُ: شاقُّوا (p-٤٧٢)أوْلِياءَ اللَّهِ، ومَن شَرْطِيَّةٌ، والجَوابُ فَإنَّ وما بَعْدَها، والعائِدُ عَلى مَن مَحْذُوفٌ، أيْ: شَدِيدُ العِقابِ لَهُ، وتَضَمَّنَ وعِيدًا وتَهْدِيدًا، وبَدَأهم بِعَذابِ الدُّنْيا مِنَ القَتْلِ والأسْرِ والِاسْتِيلاءِ عَلَيْهِمْ.
﴿ذَلِكم فَذُوقُوهُ وأنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ﴾ جَمَعَ بَيْنَ العَذابَيْنِ عَذابِ الدُّنْيا وهو المُعَجَّلُ، وعَذابِ الآخِرَةِ وهو المُؤَجَّلُ، والإشارَةُ بِذَلِكم إلى ما حَلَّ بِهِمْ مِن عَذابِ الدُّنْيا، والخِطابُ لِلْمُشاقِّينَ، ولَمّا كانَ عَذابُ الدُّنْيا بِالنِّسْبَةِ إلى عَذابِ الآخِرَةِ يَسِيرًا سَمّى ما أصابَهم مِنهُ ذَوْقًا؛ لِأنَّ الذَّوْقَ يُعْرَفُ بِهِ الطَّعْمُ، وهو يَسِيرٌ لِيُعْرَفَ بِهِ حالُ الطَّعْمِ الكَثِيرِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٥١] ﴿لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ [الواقعة: ٥٢] ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ [الواقعة: ٥٣] فَما حَصَلَ لَهم مِنَ العَذابِ في الدُّنْيا كالذَّوْقِ القَلِيلِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما أُعِدَّ لَهم في الآخِرَةِ مِنَ العَذابِ العَظِيمِ، وذَلِكم مَرْفُوعٌ إمّا عَلى ابْتِداءٍ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ذَلِكُمُ العِقابُ، أوْ عَلى الخَبَرِ والمُبْتَدَأُ مَحْذُوفٌ، أيِ: العِقابُ ذَلِكم، وهُما تَقْدِيرانِ لِلزَّمَخْشَرِيِّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أيْ: ذَلِكُمُ الضَّرْبُ والقَتْلُ وما أوْقَعَ اللَّهُ بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: الأمْرُ ذَلِكم فَذُوقُوهُ، انْتَهى. وهَذا تَقْدِيرُ الزَّجّاجِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى عَلَيْكم ذَلِكم فَذُوقُوهُ، كَقَوْلِكَ زَيْدًا فاضْرِبْهُ، انْتَهى، ولا يَجُوزُ هَذا التَّقْدِيرُ: لِأنَّ عَلَيْكم مِن أسْماءِ الأفْعالِ، وأسْماءُ الأفْعالِ لا تُضْمَرُ، وتَشْبِيهُهُ لَهُ بِقَوْلِكَ: زَيْدًا فاضْرِبْهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّهم لَمْ يُقَدِّرُوهُ بِعَلَيْكَ زَيْدًا فاضْرِبْهُ، وإنَّما هَذا مَنصُوبٌ عَلى الِاشْتِغالِ، وقَدْ أجازَ بَعْضُهم في ذَلِكَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الِاشْتِغالِ، وقالَ بَعْضُهم: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكم مُبْتَدَأً أوْ فَذُوقُوهُ خَبَرًا؛ لِأنَّ ما بَعْدَ الفاءِ لا يَكُونُ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ، إلّا أنْ يَكُونَ المُبْتَدَأُ اسْمًا مَوْصُولًا أوْ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً، نَحْوُ: الَّذِي يَأْتِينِي فَلَهُ دِرْهَمٌ، وكُلُّ رَجُلٍ في الدّارِ فَمُكْرَمٌ، انْتَهى، وهَذا الَّذِي قالَهُ صَحِيحٌ، ومَسْألَةُ الِاشْتِغالِ تَنْبَنِي عَلى صِحَّةِ جَوازِ أنْ يَكُونَ ذَلِكم يَصِحُّ فِيهِ الِابْتِداءُ، إلّا أنَّ قَوْلَهم: زَيْدًا فاضْرِبْهُ وزَيْدٌ فاضْرِبْهُ لَيْسَتِ الفاءُ هُنا كالفاءِ في: الَّذِي يَأْتِينِي فَلَهُ دِرْهَمٌ، لِأنَّ هَذِهِ الفاءَ دَخَلَتْ لِتَضَمُّنِ المُبْتَدَأِ مَعْنى اسْمِ الشَّرْطِ، ولِذَلِكَ شُرُوطٌ ذُكِرَتْ في النَّحْوِ، والفاءُ في: زَيْدٌ فاضْرِبْهُ هي جَوابٌ لِأمْرٍ مُقَدَّرٍ ومُؤَخَّرَةٌ مِن تَقْدِيمٍ، والتَّقْدِيرُ: تَنَبَّهَ فَزَيْدٌ اضْرِبْهُ وقالَتِ العَرَبُ زَيْدًا فاضْرِبْهُ، وقَدَّرَهُ النُّحاةُ: تَنَبَّهَ فاضْرِبْ زَيْدًا، وابْتَنى الِاشْتِغالُ في زَيْدًا فاضْرِبْهُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، فَقَدْ بانَ الفَرْقُ بَيْنَ الفاءَيْنِ، ولَوْلا هَذا التَّقْدِيرُ لَمْ يَجُزْ: زَيْدًا فاضْرِبْ، بَلْ كانَ يَكُونُ التَّرْكِيبُ زَيْدًا اضْرِبْ، كَما هو إذا لَمْ يُقَدَّرْ هُناكَ أمْرٌ بِالتَّنْبِيهِ مَحْذُوفٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وأنَّ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عُطِفَ عَلى ذَلِكم في وجْهَيْهِ، أوْ نُصِبَ عَلى أنَّ الواوَ (p-٤٧٣)بِمَعْنى مَعَ، ذُوقُوا هَذا العَذابَ العاجِلَ مَعَ الآجِلِ الَّذِي لَكم في الآخِرَةِ، فَوُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ، أيْ مَكانَ: وإنَّ لَكم، وإنَّ لِلْكافِرِينَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إمّا عَلى تَقْدِيرِ: وحَتْمٌ أنَّ، فَتَقْدِيرُ ابْتِداءٍ مَحْذُوفٍ يَكُونُ خَبَرَهُ. وقالَ سِيبَوَيْهِ: التَّقْدِيرُ: الأمْرُ ذَلِكم، وإمّا عَلى تَقْدِيرِ: واعْلَمُوا أنَّ، فَهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ، انْتَهى. وقَرَأ الحَسَنُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وسُلَيْمانُ التَّيْمِيُّ: وإنَّ، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى اسْتِئْنافِ الأخْبارِ.
الأنفال 8:14
﴿ذَلِكَ بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ الإشارَةُ إلى ما حَلَّ بِهِمْ مِن إلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ وما أصابَهم مِنَ الضَّرْبِ والقَتْلِ، والكافُ لِخِطابِ الرَّسُولِ، أوْ لِخِطابِ كُلِّ سامِعٍ، أوْ لِخِطابِ الكُفّارِ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ، وذَلِكَ مُبْتَدَأٌ وبِأنَّهم هو الخَبَرُ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الكُفّارِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في المُشاقَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّما هم في شِقاقٍ﴾ [البقرة: ١٣٧] والمُشاقَّةُ هُنا مُفاعَلَةٌ، فَكَأنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَعَ شَرْعًا وأمَرَ بِأوامِرَ وكَذَّبُوا بِها وصَدُّوا تَباعَدَ ما بَيْنَهم وانْفَصَلَ وانْشَقَّ، وعَبَّرَ المُفَسِّرُونَ في قَوْلِهِ: شاقُّوا اللَّهَ، أيْ: صارُوا في شَقٍّ غَيْرِ شَقِّهِ.
﴿ومَن يُشاقِقِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ أجْمَعُوا عَلى الفَكِّ في يُشاقِقِ اتِّباعًا لِخَطِّ المُصْحَفِ، وهي لُغَةُ الحِجازِ، والإدْغامُ لُغَةُ تَمِيمٍ، كَما جاءَ في الآيَةِ الأُخْرى، ﴿ومَن يُشاقِّ اللَّهَ﴾ [الحشر: ٤]؛ وقِيلَ: فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ، تَقْدِيرُهُ: شاقُّوا (p-٤٧٢)أوْلِياءَ اللَّهِ، ومَن شَرْطِيَّةٌ، والجَوابُ فَإنَّ وما بَعْدَها، والعائِدُ عَلى مَن مَحْذُوفٌ، أيْ: شَدِيدُ العِقابِ لَهُ، وتَضَمَّنَ وعِيدًا وتَهْدِيدًا، وبَدَأهم بِعَذابِ الدُّنْيا مِنَ القَتْلِ والأسْرِ والِاسْتِيلاءِ عَلَيْهِمْ.
﴿ذَلِكم فَذُوقُوهُ وأنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ﴾ جَمَعَ بَيْنَ العَذابَيْنِ عَذابِ الدُّنْيا وهو المُعَجَّلُ، وعَذابِ الآخِرَةِ وهو المُؤَجَّلُ، والإشارَةُ بِذَلِكم إلى ما حَلَّ بِهِمْ مِن عَذابِ الدُّنْيا، والخِطابُ لِلْمُشاقِّينَ، ولَمّا كانَ عَذابُ الدُّنْيا بِالنِّسْبَةِ إلى عَذابِ الآخِرَةِ يَسِيرًا سَمّى ما أصابَهم مِنهُ ذَوْقًا؛ لِأنَّ الذَّوْقَ يُعْرَفُ بِهِ الطَّعْمُ، وهو يَسِيرٌ لِيُعْرَفَ بِهِ حالُ الطَّعْمِ الكَثِيرِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٥١] ﴿لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ [الواقعة: ٥٢] ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ [الواقعة: ٥٣] فَما حَصَلَ لَهم مِنَ العَذابِ في الدُّنْيا كالذَّوْقِ القَلِيلِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما أُعِدَّ لَهم في الآخِرَةِ مِنَ العَذابِ العَظِيمِ، وذَلِكم مَرْفُوعٌ إمّا عَلى ابْتِداءٍ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ذَلِكُمُ العِقابُ، أوْ عَلى الخَبَرِ والمُبْتَدَأُ مَحْذُوفٌ، أيِ: العِقابُ ذَلِكم، وهُما تَقْدِيرانِ لِلزَّمَخْشَرِيِّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أيْ: ذَلِكُمُ الضَّرْبُ والقَتْلُ وما أوْقَعَ اللَّهُ بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: الأمْرُ ذَلِكم فَذُوقُوهُ، انْتَهى. وهَذا تَقْدِيرُ الزَّجّاجِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى عَلَيْكم ذَلِكم فَذُوقُوهُ، كَقَوْلِكَ زَيْدًا فاضْرِبْهُ، انْتَهى، ولا يَجُوزُ هَذا التَّقْدِيرُ: لِأنَّ عَلَيْكم مِن أسْماءِ الأفْعالِ، وأسْماءُ الأفْعالِ لا تُضْمَرُ، وتَشْبِيهُهُ لَهُ بِقَوْلِكَ: زَيْدًا فاضْرِبْهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّهم لَمْ يُقَدِّرُوهُ بِعَلَيْكَ زَيْدًا فاضْرِبْهُ، وإنَّما هَذا مَنصُوبٌ عَلى الِاشْتِغالِ، وقَدْ أجازَ بَعْضُهم في ذَلِكَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الِاشْتِغالِ، وقالَ بَعْضُهم: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكم مُبْتَدَأً أوْ فَذُوقُوهُ خَبَرًا؛ لِأنَّ ما بَعْدَ الفاءِ لا يَكُونُ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ، إلّا أنْ يَكُونَ المُبْتَدَأُ اسْمًا مَوْصُولًا أوْ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً، نَحْوُ: الَّذِي يَأْتِينِي فَلَهُ دِرْهَمٌ، وكُلُّ رَجُلٍ في الدّارِ فَمُكْرَمٌ، انْتَهى، وهَذا الَّذِي قالَهُ صَحِيحٌ، ومَسْألَةُ الِاشْتِغالِ تَنْبَنِي عَلى صِحَّةِ جَوازِ أنْ يَكُونَ ذَلِكم يَصِحُّ فِيهِ الِابْتِداءُ، إلّا أنَّ قَوْلَهم: زَيْدًا فاضْرِبْهُ وزَيْدٌ فاضْرِبْهُ لَيْسَتِ الفاءُ هُنا كالفاءِ في: الَّذِي يَأْتِينِي فَلَهُ دِرْهَمٌ، لِأنَّ هَذِهِ الفاءَ دَخَلَتْ لِتَضَمُّنِ المُبْتَدَأِ مَعْنى اسْمِ الشَّرْطِ، ولِذَلِكَ شُرُوطٌ ذُكِرَتْ في النَّحْوِ، والفاءُ في: زَيْدٌ فاضْرِبْهُ هي جَوابٌ لِأمْرٍ مُقَدَّرٍ ومُؤَخَّرَةٌ مِن تَقْدِيمٍ، والتَّقْدِيرُ: تَنَبَّهَ فَزَيْدٌ اضْرِبْهُ وقالَتِ العَرَبُ زَيْدًا فاضْرِبْهُ، وقَدَّرَهُ النُّحاةُ: تَنَبَّهَ فاضْرِبْ زَيْدًا، وابْتَنى الِاشْتِغالُ في زَيْدًا فاضْرِبْهُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، فَقَدْ بانَ الفَرْقُ بَيْنَ الفاءَيْنِ، ولَوْلا هَذا التَّقْدِيرُ لَمْ يَجُزْ: زَيْدًا فاضْرِبْ، بَلْ كانَ يَكُونُ التَّرْكِيبُ زَيْدًا اضْرِبْ، كَما هو إذا لَمْ يُقَدَّرْ هُناكَ أمْرٌ بِالتَّنْبِيهِ مَحْذُوفٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وأنَّ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عُطِفَ عَلى ذَلِكم في وجْهَيْهِ، أوْ نُصِبَ عَلى أنَّ الواوَ (p-٤٧٣)بِمَعْنى مَعَ، ذُوقُوا هَذا العَذابَ العاجِلَ مَعَ الآجِلِ الَّذِي لَكم في الآخِرَةِ، فَوُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ، أيْ مَكانَ: وإنَّ لَكم، وإنَّ لِلْكافِرِينَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إمّا عَلى تَقْدِيرِ: وحَتْمٌ أنَّ، فَتَقْدِيرُ ابْتِداءٍ مَحْذُوفٍ يَكُونُ خَبَرَهُ. وقالَ سِيبَوَيْهِ: التَّقْدِيرُ: الأمْرُ ذَلِكم، وإمّا عَلى تَقْدِيرِ: واعْلَمُوا أنَّ، فَهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ، انْتَهى. وقَرَأ الحَسَنُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وسُلَيْمانُ التَّيْمِيُّ: وإنَّ، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى اسْتِئْنافِ الأخْبارِ.
الأنفال 8:15
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾ ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أوْ مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ومَأْواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهم وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى ولِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ بَلاءً حَسَنًا إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ١٧] ﴿ذَلِكم وأنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الكافِرِينَ﴾ [الأنفال: ١٨] ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ وإنْ تَنْتَهُوا فَهو خَيْرٌ لَكم وإنْ تَعُودُوا نَعُدْ ولَنْ تُغْنِيَ عَنْكم فِئَتُكم شَيْئًا ولَوْ كَثُرَتْ وأنَّ اللَّهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١٩] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولا تَوَلَّوْا عَنْهُ وأنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢٠] ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وهم لا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢١] ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال: ٢٢] ﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهم ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكم واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ وأنَّهُ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٤] ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ [الأنفال: ٢٥] ﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ في الأرْضِ تَخافُونَ أنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ فَآواكم وأيَّدَكم بِنَصْرِهِ ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٦] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ وتَخُونُوا أماناتِكم وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧] ﴿واعْلَمُوا أنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ وأنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢٨] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا ويُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكم ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ [الأنفال: ٢٩] ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠] ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنفال: ٣١] ﴿وإذْ قالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] ﴿وما لَهم ألّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وهم يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ وما كانُوا أوْلِياءَهُ إنْ أوْلِياؤُهُ إلّا المُتَّقُونَ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤] ﴿وما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ إلّا مُكاءً وتَصْدِيَةً فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٥] ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ والَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٦] ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ويَجْعَلَ الخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ في جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٧] ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ وإنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنفال: ٣٨] قالَ اللَّيْثُ: الجَماعَةُ يَمْشُونَ إلى عَدُوِّهِمْ هو الزَّحْفُ. قالَ الأعْشى:
؎لِمَنِ الظَّعائِنُ سَيْرُهُنَّ تَزَحُّفُ مِنكَ السَّفِينُ إذا تَقاعَسَ تَجْرُفُ
وقالَ الفَرّاءُ: الزَّحْفُ الدُّنُوُّ قَلِيلًا، يُقالُ: زَحَفَ إلَيْهِ يَزْحَفُ زَحْفًا إذا مَشى، وأزْحَفْتُ القَوْمَ دَنَوْتَ لِقِتالِهِمْ، وكَذَلِكَ تَزَحَّفَ وتَزاحَفَ وأزْحِفْ لَنا عَدُوَّنا إزْحافًا صارُوا يَزْحَفُونَ لِقِتالِنا، فازْدَحَفَ القَوْمُ ازْدِحافًا مَشى بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، وقالَ ثَعْلَبٌ، ومِنهُ الزِّحافُ في الشِّعْرِ، وهو أنْ يَسْقُطَ مِنَ الحَرْفَيْنِ حَرْفٌ ويَزْحَفَ أحَدُهُما إلى الآخَرِ، وسُمِّيَ الجَيْشُ العَرَمْرَمُ بِالزَّحْفِ لِكَثْرَتِهِ، كَأنَّهُ يَزْحَفُ إلَيَّ يَدِبُّ دَبِيبًا، مِن زَحَفَ الصَّبِيُّ إذا دَبَّ عَلى ألْيَتِهِ قَلِيلًا قَلِيلًا، وأصْلُهُ مَصْدَرُ زَحَفَ، وقَدْ جَمَعَ أزْحَفُ عَلى زُحُوفٍ. وقالَ الهُذَلِيُّ يَصِفُ مَنهَلًا:(p-٤٧٤)
؎كَأنَّ مَزاحِفَ الحَيّاتِ فِيهِ ∗∗∗ قُبَيْلَ الصُّبْحِ آثارُ السِّياطِ
المُتَحَيِّزُ المُنْضَمُّ إلى جانِبٍ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: التَّحَيُّزُ والتَّحَوُّزُ التَّنَحِّي، وقالَ اللَّيْثُ: ما لَكَ مُتَحَوِّزًا إذا لَمْ تَسْتَقِرَّ عَلى الأرْضِ، وأصْلُهُ مِنَ الحَوْزِ، وهو الجَمْعُ، يُقالُ: حُزْتُهُ في الطَّرْسِ فانْحازَ، وتَحَيَّزَ انْضَمَّ واجْتَمَعَ، وتَحَوَّزَتِ الحَيَّةُ انْطَوَتْ واجْتَمَعَتْ، وسَمّى التَّنَحِّيَ تَحَيُّزًا؛ لِأنَّ المُتَنَحِّيَ عَنْ جانِبٍ يَنْضَمُّ عَنْهُ ويَجْتَمِعُ إلى غَيْرِهِ، وتَحَيَّزَ تَفَيْعَلَ، أصْلُهُ تَحَيْوَزَ، اجْتَمَعَتْ ياءٌ وواوٌ وسُبِقَتْ إحْداهُما بِالسُّكُونِ فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ فِيها الياءُ، وتَحَوَّزَ تَفَعَّلَ ضُعِّفَتْ عَيْنُهُ. الرَّمْيُ مَعْرُوفٌ، ويَكُونُ بِالسَّهْمِ والحَجَرِ والتُّرابِ. المُكاءُ: الصَّفِيرُ. وقالَ عَنْتَرَةُ:
؎وخَلِيلِ غانِيَةٍ تَرَكْتُ مُجَنْدَلًا ∗∗∗ تَمْكُوا فَرِيصَتُهُ كَشَدْقِ الأعْلَمِ
أيْ: تُصَوِّتُ، ومِنهُ مَكَّتِ اسْتُ الدّابَّةِ إذا نَفَخَتْ بِالرِّيحِ. وقالَ السُّدِّيُّ: المُكاءُ الصَّفِيرُ عَلى لَحْنِ طائِرٍ أبْيَضَ بِالحِجازِ يُقالُ لَهُ: المَكّاءُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎إذا غَرَّدَ المَكّاءُ في غَيْرِ رَوْضَةٍ ∗∗∗ فَوَيْلٌ لِأهْلِ السِّقاءِ والحَمِراتِ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: مَكا يَمْكُو مُكاءً إذا صَفَّرَ، والكَثِيرُ في الأصْواتِ أنْ تَكُونَ عَلى فِعالٍ كالصُّراخِ والخُوارِ والدُّعاءِ والنُّباحِ. التَّصْدِيَةُ: التَّصْفِيقُ، صَدّى يُصَدِّي تَصْدِيَةً صَفَّقَ، وهو فِعْلٌ مِنَ الصَّدى، وهو الصَّوْتُ الرَّكْمُ. قالَ اللَّيْثُ: جَمَعَكَ شَيْئًا فَوْقَ شَيْءٍ حَتّى تَجْعَلَهُ رُكامًا مَرْكُومًا كَرُكامِ الرَّمْلِ والسَّحابِ. مَضى تَقَدَّمَ، والمَصْدَرُ المُضِيُّ.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾ مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ أنَّهُ سَيُلْقِي الرُّعْبَ في قُلُوبِ الكُفّارِ، وأمَرَ مَن آمَنَ بِضَرْبٍ فَوْقَ أعْناقِهِمْ وبَنانَهم حَرَّضَهم عَلى الصَّبْرِ عِنْدَ مُكافَحَةِ العَدُوِّ ونَهاهم عَنِ الِانْهِزامِ، وانْتَصَبَ زَحْفًا عَلى الحالِ، فَقِيلَ مِنَ المَفْعُولِ، أيْ: لَقِيتُمُوهم وهم جَمْعٌ كَثِيرٌ وأنْتُمْ قَلِيلٌ فَلا تَفِرُّوا، فَضْلًا عَنْ أنْ تُدانُوهم في العَدَدِ أوْ تُساوُوهم؛ وقِيلَ: مِنَ الفاعِلِ، أيْ: وأنْتُمْ زَحْفٌ مِنَ الزُّحُوفِ، وكانَ ذَلِكَ إشْعارًا بِما سَيَكُونُ مِنهم يَوْمَ حُنَيْنٍ حِينَ انْهَزَمُوا وهُمُ اثْنا عَشَرَ ألْفًا بَعْدَ أنْ نَهاهم عَنِ الفِرارِ يَوْمَئِذٍ؛ وقِيلَ: حالٌ مِنَ الفاعِلِ والمَفْعُولِ، أيْ: مُتَزاحِفِينَ، ولَمْ يَذْكُرِ ابْنُ عَطِيَّةَ إلّا ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنهُما، قالَ: زَحْفًا يُرادُ بِهِ مُتَقابِلِي الصُّفُوفِ والأشْخاصِ، أيْ: يَزْحَفُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ. وقِيلَ: انْتَصَبَ زَحْفًا عَلى المَصْدَرِ بِحالٍ مَحْذُوفَةٍ، أيْ: زاحِفِينَ زَحْفًا، وهَذا الَّذِي قِيلَ مُحْكَمٌ، فَحَرُمَ بِكُلِّ حالٍ. وقِيلَ: كانَ هَذا في ابْتِداءِ الإسْلامِ حَيْثُ كانَ الأمْرُ بِالمُصابَرَةِ أنْ يُواقِفَ مُسْلِمٌ عَشَرَةَ كُفّارٍ، ثُمَّ خُفِّفَ فَجُعِلَ واحِدٌ في مُقابَلَةِ اثْنَيْنِ، ويَأْتِي حُكْمُ المُؤْمِنَةِ الفارَّةِ مِن ضَعْفِها في آيَةِ التَّخْفِيفِ، وعَدَلَ عَنِ الظُّهُورِ إلى لَفْظِ الأدْبارِ تَقْبِيحًا لِفِعْلِ الفارِّ وتَبْشِيعًا؛ لِانْهِزامِهِ، وتَضَمَّنَ هَذا النَّهْيُ الأمْرَ بِالثَّباتِ والمُصابَرَةِ.
﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أوْ مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ومَأْواهُ جَهَنَّمُ﴾ لَمّا نَهى تَعالى عَنْ تَوَلِّي الأدْبارِ تَوَعَّدَ مَن ولّى دُبُرَهُ وقْتَ لِقاءِ العَدُوِّ وناسَبَ قَوْلَهُ: ومَن يُوَلِّهِمْ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ، كَأنَّ المَعْنى: فَقَدْ ولّى مَصْحُوبًا بِغَضَبِ اللَّهِ، وعَدَلَ أيْضًا عَنْ ذِكْرِ الظَّهْرِ إلى الدُّبُرِ مُبالَغَةً في التَّقْبِيحِ والذَّمِّ؛ إذْ تِلْكَ الحالَةُ مِنَ الصِّفاتِ القَبِيحَةِ المَذْمُومَةِ جِدًّا، ألا تَرى إلى قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎فَلَسْنا عَلى الأعْقابِ تَجْرِي كُلُومُنا ∗∗∗ ولَكِنْ عَلى أقْدامِنا تَقْطُرُ الدِّما
قالَ في التَّحْرِيرِ: وهَذا النَّوْعُ مِن عِلْمِ البَيانِ يُسَمّى بِالتَّعْرِيضِ، عَرَّضَ بِسُوءِ حالِهِمْ وقُبْحِ فِعالِهِمْ (p-٤٧٥)وخَساسَةِ مَنزِلَتِهِمْ، وبَعْضُهم يُسَمِّيهِ الإيماءَ، وبَعْضُهم يُسَمِّيهِ الكِنايَةَ، وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ، فَإنَّ الكِنايَةَ أنْ تُصَرِّحَ بِاللَّفْظِ الجَمِيلِ عَلى المَعْنى القَبِيحِ، انْتَهى، والظّاهِرُ أنَّ الجُمْلَةَ المَحْذُوفَةَ بَعْدَ إذْ وعُوِّضَ مِنها التَّنْوِينُ هي قَوْلُهُ: إذْ لَقِيتُمُ الكُفّارَ، تَعْقِيلُ المُرادِ يَوْمَ بَدْرٍ وما ولِيَهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ وقَعَ الوَعِيدُ بِالغَضَبِ عَلى مَن فَرَّ، ونُسِخَ بَعْدَ ذَلِكَ حُكْمُ الآيَةِ بِآيَةِ الضَّعْفِ، وبَقِيَ الفِرارُ مِنَ الزَّحْفِ لَيْسَ كَبِيرَةً، وقَدْ فَرَّ النّاسُ يَوْمَ أُحُدٍ فَعَفا اللَّهُ عَنْهم وقالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿ويَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ [التوبة: ٢٥] ﴿ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥] ولَمْ يَقَعْ عَلى ذَلِكَ تَعْنِيفٌ، انْتَهى، وهَذا القَوْلُ بِأنَّ الإشارَةَ بِقَوْلِهِ: يَوْمَئِذٍ إلى يَوْمِ بَدْرٍ لا يَظْهَرُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ في سِياقِ الشَّرْطِ، وهو مُسْتَقْبَلٌ، فَإنْ كانَتِ الآيَةُ نَزَلَتْ يَوْمَ بَدْرٍ قَبْلَ انْقِضاءِ القِتالِ، فَيَوْمُ بَدْرٍ فَرْدٌ مِن أفْرادِ لِقاءِ الكُفّارِ فَيَنْدَرِجُ فِيهِ، ولا يَكُونُ خاصًّا بِهِ، وإنْ كانَتْ نَزَلَتْ بَعْدَهُ فَلا يَدْخُلُ يَوْمُ بَدْرٍ فِيهِ، بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ اسْتِئْنافُ حُكْمٍ في الِاسْتِقْبالِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ إشارَةٌ إلى يَوْمِ اللِّقاءِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿إذا لَقِيتُمُ﴾، وحُكْمُ الآيَةِ باقٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ بِسَبَبِ الضَّعْفِ الَّذِي بَيَّنَهُ اللَّهُ في آيَةٍ أُخْرى، ولَيْسَ في الآيَةِ نَسْخٌ، وأمّا يَوْمُ أُحُدٍ فَإنَّما فَرَّ النّاسُ مِن مَراكِزِهِمْ مِن ضَعْفِهِمْ، ومَعَ ذَلِكَ عُنِّفُوا لِكَوْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِمْ وفِرارُهم عَنْهُ، وأمّا يَوْمُ حُنَيْنَ فَكَذَلِكَ مَن فَرَّ إنَّما انْكَشَفَ أمامَ الكَرَّةِ، ويُحْتَمَلُ أنَّ عَفْوَ اللَّهِ عَنْ مَن فَرَّ يَوْمَ أُحُدٍ كانَ عَفْوًا عَنْ كَثْرَةٍ، انْتَهى، وقَرَأ الحَسَنُ: ﴿دُبُرَهُ﴾، بِسُكُونِ الباءِ، وانْتَصَبَ ﴿مُتَحَرِّفًا﴾ و ﴿مُتَحَيِّزًا﴾ عَنِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِ في قَوْلِهِمُ العائِدِ عَلى مَن. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإلّا لَغْوٌ أوْ عَنِ الِاسْتِثْناءِ مِنَ المُوَلِّينَ، أيْ: ومَن يُوَلِّهِمْ إلّا رَجُلًا مِنهم مُتَحَرِّفًا أوْ مُتَحَيِّزًا، انْتَهى، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأمّا الِاسْتِثْناءُ فَهو مِنَ المُوَلِّينَ الَّذِينَ يَتَضَمَّنُهم مَن، انْتَهى، ولا يُرِيدُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ: وإلّا لَغْوٌ أنَّها زائِدَةٌ إنَّما يُرِيدُ أنَّ العامِلَ الَّذِي هو يُوَلِّهِمْ وصَلَ إلى العَمَلِ فِيما بَعْدَها، كَما قالُوا في لا مِن قَوْلِهِمْ: جِئْتُ بِلا زادٍ: إنَّها لَغْوٌ، وفي الحَقِيقَةِ هو اسْتِثْناءٌ مِن حالَةٍ مَحْذُوفَةٍ، والتَّقْدِيرُ: ومَن يُوَلِّهِمْ مُلْتَبِسًا بِأيَّةِ حالَةٍ إلّا في حالِ كَذا، وإنْ لَمْ يُقَدَّرْ حالُ غايَةٍ مَحْذُوفَةٍ لَمْ يَصِحَّ دُخُولُ إلّا؛ لِأنَّ الشَّرْطَ عِنْدَهم واجِبٌ، وحُكْمُ الواجِبِ لا تَدْخُلُ إلّا فِيهِ لا في المَفْعُولِ ولا في غَيْرِهِ مِنَ الفَضَلاتِ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ اسْتِثْناءً مُفَرَّغًا، والِاسْتِثْناءُ المُفَرَّغُ لا يَكُونُ في الواجِبِ، لَوْ قُلْتَ: ضَرَبْتُ إلّا زَيْدًا، وقُمْتُ إلّا ضاحِكًا لَمْ يَصِحَّ، والِاسْتِثْناءُ المُفَرَّغُ لا يَكُونُ إلّا مَعَ النَّفْيِ أوِ النَّهْيِ أوِ المُؤَوَّلِ بِهِما، فَإنْ جاءَ ما ظاهِرُهُ خِلافُ ذَلِكَ قُدِّرَ عُمُومٌ قَبْلَ إلّا حَتّى يَصِحَّ الِاسْتِثْناءُ مِن ذَلِكَ العُمُومِ، فَلا يَكُونُ اسْتِثْناءً غَيْرَ مُفَرَّغٍ، وقالَ قَوْمٌ: الِاسْتِثْناءُ هو مِن أنْواعِ التَّوَلِّي، ورُدَّ بِأنَّهُ لَوْ كانَ ذَلِكَ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ إلّا تَحَرُّفًا أوْ تَحَيُّزًا، والتَّحَرُّفُ لِلْقِتالِ هو الكَرُّ بَعْدَ الفَرِّ يُخَيِّلُ عَدُوَّهُ أنَّهُ مُنْهَزِمٌ ثُمَّ يَنْعَطِفُ عَلَيْهِ، وهو عَيْنُ بابِ خِدَعِ الحَرْبِ ومَكائِدِها، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ: يُرادُ بِهِ الَّذِي يَرى أنَّ فِعْلَهُ ذَلِكَ أنَكى لِلْعَدُوِّ وأعْوَدُ عَلَيْهِ بِالشَّرِّ، والفِئَةُ هُنا، قالَ الجُمْهُورُ: هي الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ الحاضِرَةُ لِلْحَرْبِ، فاقْتَضى هَذا الإطْراقُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الفِئَةُ مِنَ الكُفّارِ، أيْ: لِكَوْنِهِ يَرى أنَّهُ يُنْكِي فِيها العَدُوَّ ويُبْلِي أكْثَرَ مِن إبْلائِهِ فِيما قابَلَهُ مِنَ الكُفّارِ، إمّا لِعَدَمِ مُقاوَمَتِهِ أوْ لِكَوْنِ غَيْرِهِ يُعْنى فِيمَن قاتَلَهُ مِنهم فَتَحَيَّزَ إلى فِئَةٍ أُخْرى مِنَ الكُفّارِ لِيُبْلِيَ فِيها، واقْتَضى أيْضًا أنْ تَكُونَ هَذِهِ الفِئَةُ مِنَ المُسْلِمِينَ، أيْ: تَحَيَّزَ إلَيْها لِيَنْصُرَها ويُقَوِّيَها إذا رَأى فِيها ضَعْفًا وأغْنى غَيْرَهُ في قِتالِ مَن قاتَلَهُ مِنَ الكُفّارِ، وبِهَذا فَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: ﴿إلى فِئَةٍ﴾ جَماعَةٍ أُخْرى مِنَ المُسْلِمِينَ سِوى الفِئَةِ الَّتِي هو فِيها؛ وقِيلَ: الفِئَةُ هُنا المَدِينَةُ والإمامُ وجَماعَةُ المُسْلِمِينَ أيْنَما كانُوا، ورُوِيَ هَذا عَنْ عُمَرَ: انْهَزَمَ رَجُلٌ مِنَ القادِسِيَّةِ فَأتى المَدِينَةَ إلى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، هَلَكْتُ، فَرَرْتُ مِنَ الزَّحْفِ، فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنا فِئَتُكَ. وعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «خَرَجَتْ سَرِيَّةٌ وأنا فِيهِمْ فَفَرُّوا، فَلَمّا رَجَعُوا إلى المَدِينَةِ (p-٤٧٦)اسْتَحْيَوْا فَدَخَلُوا البُيُوتَ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ نَحْنُ الفَرّارُونَ. فَقالَ: بَلْ أنْتُمُ العَكّارُونَ وأنا فِئَتُكم» . قالَ ثَعْلَبٌ: العَكّارُونَ العَطّافُونَ، وقالَ غَيْرُهُ: يُقالُ لِلرَّجُلِ الَّذِي يُوَلِّي عَنِ الحَرْبِ لَمْ يَكُنْ راجِعًا: عَكَّرَ واعْتَكَرَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: الفِرارُ مِنَ الزَّحْفِ مِن أكْبَرِ الكَبائِرِ، وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «اتَّقُوا السَّبْعَ المُوبِقاتِ»، وعَدَّ فِيها الفِرارَ مِنَ الزَّحْفِ، وفي التَّحْرِيرِ: التَّوَلِّي الَّذِي وقَعَ عَلَيْهِ الوَعِيدُ هو الفِرارُ مَعَ المُصابَرَةِ عَلى الثَّباتِ، فَأمّا إذا جاءَهُ مَن لا يَسْتَطِيعُ مَعَهُ الثَّباتَ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِالفِرارِ، انْتَهى. وما أحْسَنَ ما اسْتَعْذَرَ الحارِثُ بْنُ هِشامٍ؛ إذْ فَرَّ فَقِيلَ فِيهِ:
؎تَرَكَ الأحِبَّةَ أنْ يُقاتِلَ دُونَهم ∗∗∗ ونَجا بِرَأْسِ طِمِرَّةٍ ولِجامِ
وقالَ الحارِثُ مِن أبْياتٍ:
؎وعَلِمْتُ أنِّيَ إنْ أُقاتِلْ واحِدًا ∗∗∗ أُقْتَلْ ولَمْ يَضْرُرْ عَدُوِّيَ مَشْهَدِي
واسْتَدَلَّ القاضِي بِهَذِهِ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ عَلى وعِيدِ الفُسّاقِ مِن أهْلِ الصَّلاةِ؛ لِأنَّها دَلَّتْ عَلى أنَّ مَنِ انْهَزَمَ إلّا في هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ اسْتَوْجَبَ غَضَبَ اللَّهِ ومَأْواهُ جَهَنَّمُ. قالَ: ولَيْسَ لِلْمُرْجِئَةِ أنْ يَحْمِلُوا ذَلِكَ عَلى الكُفّارِ، كَما فَعَلُوا في آياتِ الوَعِيدِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مُفْتَتَحٌ بِأهْلِ الصَّلاةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾، انْتَهى، ولا حُجَّةَ في ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ عامٌّ مَخْصُوصٌ، والظّاهِرُ أنَّهُ يَجُوزُ التَّحَيُّزُ سَواءٌ عَظُمَ العَسْكَرُ أمْ لا؛ وقِيلَ: لا يَجُوزُ إذا عَظُمَ، والظّاهِرُ أنَّ الفِرارَ مِنَ الزَّحْفِ بِغَيْرِ شُرُوطِهِ كَبِيرَةٌ لِلتَّوَعُّدِ، ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ القاسِمِ: لا تَقْبَلُوا شَهادَةَ مَن فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ وإنْ فَرَّ أمامَهم، ومَن فَرَّ فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ فَفي التِّرْمِذِيِّ: «مَن قالَ أسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ غُفِرَ لَهُ وإنْ كانَ قَدْ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ» .
الأنفال 8:16
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾ ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أوْ مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ومَأْواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهم وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى ولِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ بَلاءً حَسَنًا إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ١٧] ﴿ذَلِكم وأنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الكافِرِينَ﴾ [الأنفال: ١٨] ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ وإنْ تَنْتَهُوا فَهو خَيْرٌ لَكم وإنْ تَعُودُوا نَعُدْ ولَنْ تُغْنِيَ عَنْكم فِئَتُكم شَيْئًا ولَوْ كَثُرَتْ وأنَّ اللَّهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١٩] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولا تَوَلَّوْا عَنْهُ وأنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢٠] ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وهم لا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢١] ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال: ٢٢] ﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهم ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكم واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ وأنَّهُ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٤] ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ [الأنفال: ٢٥] ﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ في الأرْضِ تَخافُونَ أنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ فَآواكم وأيَّدَكم بِنَصْرِهِ ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٦] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ وتَخُونُوا أماناتِكم وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧] ﴿واعْلَمُوا أنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ وأنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢٨] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا ويُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكم ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ [الأنفال: ٢٩] ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠] ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنفال: ٣١] ﴿وإذْ قالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] ﴿وما لَهم ألّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وهم يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ وما كانُوا أوْلِياءَهُ إنْ أوْلِياؤُهُ إلّا المُتَّقُونَ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤] ﴿وما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ إلّا مُكاءً وتَصْدِيَةً فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٥] ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ والَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٦] ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ويَجْعَلَ الخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ في جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٧] ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ وإنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنفال: ٣٨] قالَ اللَّيْثُ: الجَماعَةُ يَمْشُونَ إلى عَدُوِّهِمْ هو الزَّحْفُ. قالَ الأعْشى:
؎لِمَنِ الظَّعائِنُ سَيْرُهُنَّ تَزَحُّفُ مِنكَ السَّفِينُ إذا تَقاعَسَ تَجْرُفُ
وقالَ الفَرّاءُ: الزَّحْفُ الدُّنُوُّ قَلِيلًا، يُقالُ: زَحَفَ إلَيْهِ يَزْحَفُ زَحْفًا إذا مَشى، وأزْحَفْتُ القَوْمَ دَنَوْتَ لِقِتالِهِمْ، وكَذَلِكَ تَزَحَّفَ وتَزاحَفَ وأزْحِفْ لَنا عَدُوَّنا إزْحافًا صارُوا يَزْحَفُونَ لِقِتالِنا، فازْدَحَفَ القَوْمُ ازْدِحافًا مَشى بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، وقالَ ثَعْلَبٌ، ومِنهُ الزِّحافُ في الشِّعْرِ، وهو أنْ يَسْقُطَ مِنَ الحَرْفَيْنِ حَرْفٌ ويَزْحَفَ أحَدُهُما إلى الآخَرِ، وسُمِّيَ الجَيْشُ العَرَمْرَمُ بِالزَّحْفِ لِكَثْرَتِهِ، كَأنَّهُ يَزْحَفُ إلَيَّ يَدِبُّ دَبِيبًا، مِن زَحَفَ الصَّبِيُّ إذا دَبَّ عَلى ألْيَتِهِ قَلِيلًا قَلِيلًا، وأصْلُهُ مَصْدَرُ زَحَفَ، وقَدْ جَمَعَ أزْحَفُ عَلى زُحُوفٍ. وقالَ الهُذَلِيُّ يَصِفُ مَنهَلًا:(p-٤٧٤)
؎كَأنَّ مَزاحِفَ الحَيّاتِ فِيهِ ∗∗∗ قُبَيْلَ الصُّبْحِ آثارُ السِّياطِ
المُتَحَيِّزُ المُنْضَمُّ إلى جانِبٍ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: التَّحَيُّزُ والتَّحَوُّزُ التَّنَحِّي، وقالَ اللَّيْثُ: ما لَكَ مُتَحَوِّزًا إذا لَمْ تَسْتَقِرَّ عَلى الأرْضِ، وأصْلُهُ مِنَ الحَوْزِ، وهو الجَمْعُ، يُقالُ: حُزْتُهُ في الطَّرْسِ فانْحازَ، وتَحَيَّزَ انْضَمَّ واجْتَمَعَ، وتَحَوَّزَتِ الحَيَّةُ انْطَوَتْ واجْتَمَعَتْ، وسَمّى التَّنَحِّيَ تَحَيُّزًا؛ لِأنَّ المُتَنَحِّيَ عَنْ جانِبٍ يَنْضَمُّ عَنْهُ ويَجْتَمِعُ إلى غَيْرِهِ، وتَحَيَّزَ تَفَيْعَلَ، أصْلُهُ تَحَيْوَزَ، اجْتَمَعَتْ ياءٌ وواوٌ وسُبِقَتْ إحْداهُما بِالسُّكُونِ فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ فِيها الياءُ، وتَحَوَّزَ تَفَعَّلَ ضُعِّفَتْ عَيْنُهُ. الرَّمْيُ مَعْرُوفٌ، ويَكُونُ بِالسَّهْمِ والحَجَرِ والتُّرابِ. المُكاءُ: الصَّفِيرُ. وقالَ عَنْتَرَةُ:
؎وخَلِيلِ غانِيَةٍ تَرَكْتُ مُجَنْدَلًا ∗∗∗ تَمْكُوا فَرِيصَتُهُ كَشَدْقِ الأعْلَمِ
أيْ: تُصَوِّتُ، ومِنهُ مَكَّتِ اسْتُ الدّابَّةِ إذا نَفَخَتْ بِالرِّيحِ. وقالَ السُّدِّيُّ: المُكاءُ الصَّفِيرُ عَلى لَحْنِ طائِرٍ أبْيَضَ بِالحِجازِ يُقالُ لَهُ: المَكّاءُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎إذا غَرَّدَ المَكّاءُ في غَيْرِ رَوْضَةٍ ∗∗∗ فَوَيْلٌ لِأهْلِ السِّقاءِ والحَمِراتِ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: مَكا يَمْكُو مُكاءً إذا صَفَّرَ، والكَثِيرُ في الأصْواتِ أنْ تَكُونَ عَلى فِعالٍ كالصُّراخِ والخُوارِ والدُّعاءِ والنُّباحِ. التَّصْدِيَةُ: التَّصْفِيقُ، صَدّى يُصَدِّي تَصْدِيَةً صَفَّقَ، وهو فِعْلٌ مِنَ الصَّدى، وهو الصَّوْتُ الرَّكْمُ. قالَ اللَّيْثُ: جَمَعَكَ شَيْئًا فَوْقَ شَيْءٍ حَتّى تَجْعَلَهُ رُكامًا مَرْكُومًا كَرُكامِ الرَّمْلِ والسَّحابِ. مَضى تَقَدَّمَ، والمَصْدَرُ المُضِيُّ.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾ مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ أنَّهُ سَيُلْقِي الرُّعْبَ في قُلُوبِ الكُفّارِ، وأمَرَ مَن آمَنَ بِضَرْبٍ فَوْقَ أعْناقِهِمْ وبَنانَهم حَرَّضَهم عَلى الصَّبْرِ عِنْدَ مُكافَحَةِ العَدُوِّ ونَهاهم عَنِ الِانْهِزامِ، وانْتَصَبَ زَحْفًا عَلى الحالِ، فَقِيلَ مِنَ المَفْعُولِ، أيْ: لَقِيتُمُوهم وهم جَمْعٌ كَثِيرٌ وأنْتُمْ قَلِيلٌ فَلا تَفِرُّوا، فَضْلًا عَنْ أنْ تُدانُوهم في العَدَدِ أوْ تُساوُوهم؛ وقِيلَ: مِنَ الفاعِلِ، أيْ: وأنْتُمْ زَحْفٌ مِنَ الزُّحُوفِ، وكانَ ذَلِكَ إشْعارًا بِما سَيَكُونُ مِنهم يَوْمَ حُنَيْنٍ حِينَ انْهَزَمُوا وهُمُ اثْنا عَشَرَ ألْفًا بَعْدَ أنْ نَهاهم عَنِ الفِرارِ يَوْمَئِذٍ؛ وقِيلَ: حالٌ مِنَ الفاعِلِ والمَفْعُولِ، أيْ: مُتَزاحِفِينَ، ولَمْ يَذْكُرِ ابْنُ عَطِيَّةَ إلّا ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنهُما، قالَ: زَحْفًا يُرادُ بِهِ مُتَقابِلِي الصُّفُوفِ والأشْخاصِ، أيْ: يَزْحَفُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ. وقِيلَ: انْتَصَبَ زَحْفًا عَلى المَصْدَرِ بِحالٍ مَحْذُوفَةٍ، أيْ: زاحِفِينَ زَحْفًا، وهَذا الَّذِي قِيلَ مُحْكَمٌ، فَحَرُمَ بِكُلِّ حالٍ. وقِيلَ: كانَ هَذا في ابْتِداءِ الإسْلامِ حَيْثُ كانَ الأمْرُ بِالمُصابَرَةِ أنْ يُواقِفَ مُسْلِمٌ عَشَرَةَ كُفّارٍ، ثُمَّ خُفِّفَ فَجُعِلَ واحِدٌ في مُقابَلَةِ اثْنَيْنِ، ويَأْتِي حُكْمُ المُؤْمِنَةِ الفارَّةِ مِن ضَعْفِها في آيَةِ التَّخْفِيفِ، وعَدَلَ عَنِ الظُّهُورِ إلى لَفْظِ الأدْبارِ تَقْبِيحًا لِفِعْلِ الفارِّ وتَبْشِيعًا؛ لِانْهِزامِهِ، وتَضَمَّنَ هَذا النَّهْيُ الأمْرَ بِالثَّباتِ والمُصابَرَةِ.
﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أوْ مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ومَأْواهُ جَهَنَّمُ﴾ لَمّا نَهى تَعالى عَنْ تَوَلِّي الأدْبارِ تَوَعَّدَ مَن ولّى دُبُرَهُ وقْتَ لِقاءِ العَدُوِّ وناسَبَ قَوْلَهُ: ومَن يُوَلِّهِمْ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ، كَأنَّ المَعْنى: فَقَدْ ولّى مَصْحُوبًا بِغَضَبِ اللَّهِ، وعَدَلَ أيْضًا عَنْ ذِكْرِ الظَّهْرِ إلى الدُّبُرِ مُبالَغَةً في التَّقْبِيحِ والذَّمِّ؛ إذْ تِلْكَ الحالَةُ مِنَ الصِّفاتِ القَبِيحَةِ المَذْمُومَةِ جِدًّا، ألا تَرى إلى قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎فَلَسْنا عَلى الأعْقابِ تَجْرِي كُلُومُنا ∗∗∗ ولَكِنْ عَلى أقْدامِنا تَقْطُرُ الدِّما
قالَ في التَّحْرِيرِ: وهَذا النَّوْعُ مِن عِلْمِ البَيانِ يُسَمّى بِالتَّعْرِيضِ، عَرَّضَ بِسُوءِ حالِهِمْ وقُبْحِ فِعالِهِمْ (p-٤٧٥)وخَساسَةِ مَنزِلَتِهِمْ، وبَعْضُهم يُسَمِّيهِ الإيماءَ، وبَعْضُهم يُسَمِّيهِ الكِنايَةَ، وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ، فَإنَّ الكِنايَةَ أنْ تُصَرِّحَ بِاللَّفْظِ الجَمِيلِ عَلى المَعْنى القَبِيحِ، انْتَهى، والظّاهِرُ أنَّ الجُمْلَةَ المَحْذُوفَةَ بَعْدَ إذْ وعُوِّضَ مِنها التَّنْوِينُ هي قَوْلُهُ: إذْ لَقِيتُمُ الكُفّارَ، تَعْقِيلُ المُرادِ يَوْمَ بَدْرٍ وما ولِيَهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ وقَعَ الوَعِيدُ بِالغَضَبِ عَلى مَن فَرَّ، ونُسِخَ بَعْدَ ذَلِكَ حُكْمُ الآيَةِ بِآيَةِ الضَّعْفِ، وبَقِيَ الفِرارُ مِنَ الزَّحْفِ لَيْسَ كَبِيرَةً، وقَدْ فَرَّ النّاسُ يَوْمَ أُحُدٍ فَعَفا اللَّهُ عَنْهم وقالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿ويَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ [التوبة: ٢٥] ﴿ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥] ولَمْ يَقَعْ عَلى ذَلِكَ تَعْنِيفٌ، انْتَهى، وهَذا القَوْلُ بِأنَّ الإشارَةَ بِقَوْلِهِ: يَوْمَئِذٍ إلى يَوْمِ بَدْرٍ لا يَظْهَرُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ في سِياقِ الشَّرْطِ، وهو مُسْتَقْبَلٌ، فَإنْ كانَتِ الآيَةُ نَزَلَتْ يَوْمَ بَدْرٍ قَبْلَ انْقِضاءِ القِتالِ، فَيَوْمُ بَدْرٍ فَرْدٌ مِن أفْرادِ لِقاءِ الكُفّارِ فَيَنْدَرِجُ فِيهِ، ولا يَكُونُ خاصًّا بِهِ، وإنْ كانَتْ نَزَلَتْ بَعْدَهُ فَلا يَدْخُلُ يَوْمُ بَدْرٍ فِيهِ، بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ اسْتِئْنافُ حُكْمٍ في الِاسْتِقْبالِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ إشارَةٌ إلى يَوْمِ اللِّقاءِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿إذا لَقِيتُمُ﴾، وحُكْمُ الآيَةِ باقٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ بِسَبَبِ الضَّعْفِ الَّذِي بَيَّنَهُ اللَّهُ في آيَةٍ أُخْرى، ولَيْسَ في الآيَةِ نَسْخٌ، وأمّا يَوْمُ أُحُدٍ فَإنَّما فَرَّ النّاسُ مِن مَراكِزِهِمْ مِن ضَعْفِهِمْ، ومَعَ ذَلِكَ عُنِّفُوا لِكَوْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِمْ وفِرارُهم عَنْهُ، وأمّا يَوْمُ حُنَيْنَ فَكَذَلِكَ مَن فَرَّ إنَّما انْكَشَفَ أمامَ الكَرَّةِ، ويُحْتَمَلُ أنَّ عَفْوَ اللَّهِ عَنْ مَن فَرَّ يَوْمَ أُحُدٍ كانَ عَفْوًا عَنْ كَثْرَةٍ، انْتَهى، وقَرَأ الحَسَنُ: ﴿دُبُرَهُ﴾، بِسُكُونِ الباءِ، وانْتَصَبَ ﴿مُتَحَرِّفًا﴾ و ﴿مُتَحَيِّزًا﴾ عَنِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِ في قَوْلِهِمُ العائِدِ عَلى مَن. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإلّا لَغْوٌ أوْ عَنِ الِاسْتِثْناءِ مِنَ المُوَلِّينَ، أيْ: ومَن يُوَلِّهِمْ إلّا رَجُلًا مِنهم مُتَحَرِّفًا أوْ مُتَحَيِّزًا، انْتَهى، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأمّا الِاسْتِثْناءُ فَهو مِنَ المُوَلِّينَ الَّذِينَ يَتَضَمَّنُهم مَن، انْتَهى، ولا يُرِيدُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ: وإلّا لَغْوٌ أنَّها زائِدَةٌ إنَّما يُرِيدُ أنَّ العامِلَ الَّذِي هو يُوَلِّهِمْ وصَلَ إلى العَمَلِ فِيما بَعْدَها، كَما قالُوا في لا مِن قَوْلِهِمْ: جِئْتُ بِلا زادٍ: إنَّها لَغْوٌ، وفي الحَقِيقَةِ هو اسْتِثْناءٌ مِن حالَةٍ مَحْذُوفَةٍ، والتَّقْدِيرُ: ومَن يُوَلِّهِمْ مُلْتَبِسًا بِأيَّةِ حالَةٍ إلّا في حالِ كَذا، وإنْ لَمْ يُقَدَّرْ حالُ غايَةٍ مَحْذُوفَةٍ لَمْ يَصِحَّ دُخُولُ إلّا؛ لِأنَّ الشَّرْطَ عِنْدَهم واجِبٌ، وحُكْمُ الواجِبِ لا تَدْخُلُ إلّا فِيهِ لا في المَفْعُولِ ولا في غَيْرِهِ مِنَ الفَضَلاتِ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ اسْتِثْناءً مُفَرَّغًا، والِاسْتِثْناءُ المُفَرَّغُ لا يَكُونُ في الواجِبِ، لَوْ قُلْتَ: ضَرَبْتُ إلّا زَيْدًا، وقُمْتُ إلّا ضاحِكًا لَمْ يَصِحَّ، والِاسْتِثْناءُ المُفَرَّغُ لا يَكُونُ إلّا مَعَ النَّفْيِ أوِ النَّهْيِ أوِ المُؤَوَّلِ بِهِما، فَإنْ جاءَ ما ظاهِرُهُ خِلافُ ذَلِكَ قُدِّرَ عُمُومٌ قَبْلَ إلّا حَتّى يَصِحَّ الِاسْتِثْناءُ مِن ذَلِكَ العُمُومِ، فَلا يَكُونُ اسْتِثْناءً غَيْرَ مُفَرَّغٍ، وقالَ قَوْمٌ: الِاسْتِثْناءُ هو مِن أنْواعِ التَّوَلِّي، ورُدَّ بِأنَّهُ لَوْ كانَ ذَلِكَ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ إلّا تَحَرُّفًا أوْ تَحَيُّزًا، والتَّحَرُّفُ لِلْقِتالِ هو الكَرُّ بَعْدَ الفَرِّ يُخَيِّلُ عَدُوَّهُ أنَّهُ مُنْهَزِمٌ ثُمَّ يَنْعَطِفُ عَلَيْهِ، وهو عَيْنُ بابِ خِدَعِ الحَرْبِ ومَكائِدِها، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ: يُرادُ بِهِ الَّذِي يَرى أنَّ فِعْلَهُ ذَلِكَ أنَكى لِلْعَدُوِّ وأعْوَدُ عَلَيْهِ بِالشَّرِّ، والفِئَةُ هُنا، قالَ الجُمْهُورُ: هي الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ الحاضِرَةُ لِلْحَرْبِ، فاقْتَضى هَذا الإطْراقُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الفِئَةُ مِنَ الكُفّارِ، أيْ: لِكَوْنِهِ يَرى أنَّهُ يُنْكِي فِيها العَدُوَّ ويُبْلِي أكْثَرَ مِن إبْلائِهِ فِيما قابَلَهُ مِنَ الكُفّارِ، إمّا لِعَدَمِ مُقاوَمَتِهِ أوْ لِكَوْنِ غَيْرِهِ يُعْنى فِيمَن قاتَلَهُ مِنهم فَتَحَيَّزَ إلى فِئَةٍ أُخْرى مِنَ الكُفّارِ لِيُبْلِيَ فِيها، واقْتَضى أيْضًا أنْ تَكُونَ هَذِهِ الفِئَةُ مِنَ المُسْلِمِينَ، أيْ: تَحَيَّزَ إلَيْها لِيَنْصُرَها ويُقَوِّيَها إذا رَأى فِيها ضَعْفًا وأغْنى غَيْرَهُ في قِتالِ مَن قاتَلَهُ مِنَ الكُفّارِ، وبِهَذا فَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: ﴿إلى فِئَةٍ﴾ جَماعَةٍ أُخْرى مِنَ المُسْلِمِينَ سِوى الفِئَةِ الَّتِي هو فِيها؛ وقِيلَ: الفِئَةُ هُنا المَدِينَةُ والإمامُ وجَماعَةُ المُسْلِمِينَ أيْنَما كانُوا، ورُوِيَ هَذا عَنْ عُمَرَ: انْهَزَمَ رَجُلٌ مِنَ القادِسِيَّةِ فَأتى المَدِينَةَ إلى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، هَلَكْتُ، فَرَرْتُ مِنَ الزَّحْفِ، فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنا فِئَتُكَ. وعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «خَرَجَتْ سَرِيَّةٌ وأنا فِيهِمْ فَفَرُّوا، فَلَمّا رَجَعُوا إلى المَدِينَةِ (p-٤٧٦)اسْتَحْيَوْا فَدَخَلُوا البُيُوتَ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ نَحْنُ الفَرّارُونَ. فَقالَ: بَلْ أنْتُمُ العَكّارُونَ وأنا فِئَتُكم» . قالَ ثَعْلَبٌ: العَكّارُونَ العَطّافُونَ، وقالَ غَيْرُهُ: يُقالُ لِلرَّجُلِ الَّذِي يُوَلِّي عَنِ الحَرْبِ لَمْ يَكُنْ راجِعًا: عَكَّرَ واعْتَكَرَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: الفِرارُ مِنَ الزَّحْفِ مِن أكْبَرِ الكَبائِرِ، وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «اتَّقُوا السَّبْعَ المُوبِقاتِ»، وعَدَّ فِيها الفِرارَ مِنَ الزَّحْفِ، وفي التَّحْرِيرِ: التَّوَلِّي الَّذِي وقَعَ عَلَيْهِ الوَعِيدُ هو الفِرارُ مَعَ المُصابَرَةِ عَلى الثَّباتِ، فَأمّا إذا جاءَهُ مَن لا يَسْتَطِيعُ مَعَهُ الثَّباتَ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِالفِرارِ، انْتَهى. وما أحْسَنَ ما اسْتَعْذَرَ الحارِثُ بْنُ هِشامٍ؛ إذْ فَرَّ فَقِيلَ فِيهِ:
؎تَرَكَ الأحِبَّةَ أنْ يُقاتِلَ دُونَهم ∗∗∗ ونَجا بِرَأْسِ طِمِرَّةٍ ولِجامِ
وقالَ الحارِثُ مِن أبْياتٍ:
؎وعَلِمْتُ أنِّيَ إنْ أُقاتِلْ واحِدًا ∗∗∗ أُقْتَلْ ولَمْ يَضْرُرْ عَدُوِّيَ مَشْهَدِي
واسْتَدَلَّ القاضِي بِهَذِهِ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ عَلى وعِيدِ الفُسّاقِ مِن أهْلِ الصَّلاةِ؛ لِأنَّها دَلَّتْ عَلى أنَّ مَنِ انْهَزَمَ إلّا في هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ اسْتَوْجَبَ غَضَبَ اللَّهِ ومَأْواهُ جَهَنَّمُ. قالَ: ولَيْسَ لِلْمُرْجِئَةِ أنْ يَحْمِلُوا ذَلِكَ عَلى الكُفّارِ، كَما فَعَلُوا في آياتِ الوَعِيدِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مُفْتَتَحٌ بِأهْلِ الصَّلاةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾، انْتَهى، ولا حُجَّةَ في ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ عامٌّ مَخْصُوصٌ، والظّاهِرُ أنَّهُ يَجُوزُ التَّحَيُّزُ سَواءٌ عَظُمَ العَسْكَرُ أمْ لا؛ وقِيلَ: لا يَجُوزُ إذا عَظُمَ، والظّاهِرُ أنَّ الفِرارَ مِنَ الزَّحْفِ بِغَيْرِ شُرُوطِهِ كَبِيرَةٌ لِلتَّوَعُّدِ، ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ القاسِمِ: لا تَقْبَلُوا شَهادَةَ مَن فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ وإنْ فَرَّ أمامَهم، ومَن فَرَّ فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ فَفي التِّرْمِذِيِّ: «مَن قالَ أسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ غُفِرَ لَهُ وإنْ كانَ قَدْ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ» .
الأنفال 8:17
﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهم وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى ولِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ بَلاءً حَسَنًا إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ لَمّا رَجَعَ الصَّحابَةُ مِن بَدْرٍ ذَكَرُوا مَفاخِرَهم، فَيَقُولُ القائِلُ: قَتَلْتُ وأسَرْتُ، فَنَزَلَتْ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والفاءُ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: إنِ افْتَخَرْتُمْ بِقَتْلِهِمْ فَأنْتُمْ لَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهم؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي أنْزَلَ المَلائِكَةَ وألْقى الرُّعْبَ في قُلُوبِهِمْ وشاءَ النَّصْرَ والظَّفَرَ وقَوّى قُلُوبَكم وأذْهَبَ عَنْها الفَزَعَ والجَزَعَ، انْتَهى، ولَيْسَتِ الفاءُ جَوابَ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ كَما زَعَمَ، وإنَّما هي لِلرَّبْطِ بَيْنَ الجُمَلِ؛ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ﴾ [الأنفال: ١٢] كانَ امْتِثالُ ما أُمِرُوا بِهِ سَبَبًا لِلْقَتْلِ، فَقِيلَ: فَلَمْ تَقْتُلُوهم، أيْ: لَسْتُمْ مُسْتَبِدِّينَ بِالقَتْلِ؛ لِأنَّ الأقْدارَ عَلَيْهِ والخالِقَ لَهُ إنَّما هو اللَّهُ لَيْسَ لِلْقاتِلِ فِيها شَيْءٌ، لَكِنَّهُ أجْرى عَلى يَدِهِ (p-٤٧٧)فَنُفِيَ عَنْهم إيجادُ القَتْلِ وأُثْبِتَ لِلَّهِ، وفي ذَلِكَ رَدٌّ عَلى مَن زَعَمَ أنَّ أفْعالَ العِبادِ خَلْقٌ لَهم، ومَجِيءُ لَكِنَّ هُنا أحْسَنُ مَجِيءٍ لِكَوْنِها بَيْنَ نَفْيٍ وإثْباتٍ، فالمُثْبَتُ لِلَّهِ هو المَنفِيُّ عَنْهم، وهو حَقِيقَةُ القَتْلِ، ومَن زَعَمَ أنَّ أفْعالَ العِبادِ مَخْلُوقَةٌ لَهم أوَّلَ الكَلامَ عَلى مَعْنى فَلَمْ يَتَسَبَّبُوا لِقَتْلِكم إيّاهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهم؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي أنْزَلَ المَلائِكَةَ إلى آخِرِ كَلامِهِ، وعَطَفَ الجُمْلَةَ المَنفِيَّةَ بِما عَلى الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ بِلَمْ؛ لِأنَّ لَمْ نَفْيٌ لِلْماضِي وإنْ كانَ بِصُورَةِ المُضارِعِ؛ لِأنَّ لِنَفْيِ الماضِي طَرِيقَيْنِ: إحْداهُما: أنْ تَدَخُلَ ما عَلى لَفْظِهِ، والأُخْرى: أنْ تَنْفِيَهُ بِلَمْ فَتَأْتِيَ بِالمُضارِعِ، والأصْلُ هو الأوَّلُ؛ لِأنَّ النَّفْيَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عَلى حَسَبِ الإيجابِ، وفي الجُمْلَةِ مُبالَغَةٌ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما، أنَّ النَّفْيَ جاءَ عَلى حَسَبِ الإيجابِ لَفْظًا؛ الثّانِي: أنْ نَفى ما صَرَّحَ بِإثْباتِهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ﴾ ولَمْ يُصَرِّحْ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾ بِقَوْلِهِ: إذْ قَتَلْتُمُوهم، وإنَّما بُولِغَ في هَذا؛ لِأنَّ الرَّمْيَ كانَ أمْرًا خارِقًا لِلْعادَةِ مُعْجِزًا آيَةً مِن آياتِ اللَّهِ عَلى أيِّ وجْهٍ فُسِّرَ الرَّمْيُ؛ لِأنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقالَ «ابْنُ عَبّاسٍ: قَبَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ قَبْضَةً مِن تُرابٍ، فَقالَ: شاهَتِ الوُجُوهُ»، أيْ: قُبِّحَتْ، فَلَمْ يَبْقَ مُشْرِكٌ إلّا دَخَلَ في عَيْنَيْهِ وفِيهِ ومَنخَرَيْهِ مِنها شَيْءٌ، وقالَ حَكِيمُ بْنُ حِزامٍ «فَسَمِعْنا صَوْتًا مِنَ السَّماءِ، كَأنَّهُ صَوْتُ حَصاةٍ وقَعَتْ في طَسْتٍ، فَرَمى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تِلْكَ الرَّمْيَةَ فانْهَزَمُوا»، وقالَ أنَسٌ: «رَمى ثَلاثَ حَصَياتٍ يَوْمَ بَدْرٍ: واحِدَةً في مَيْمَنَةِ القَوْمِ، وواحِدَةً في مَيْسَرَتِهِمْ، وثالِثَةً بَيْنَ أظْهُرِهِمْ، وقالَ: شاهَتِ الوُجُوهُ، فانْهَزَمُوا»؛ وقِيلَ: الرَّمْيُ هُنا رَمْيُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِحَرْبَةٍ عَلى أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ يَوْمَ أُحُدٍ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ عَقِبَ بَدْرٍ، وعَلى هَذا القَوْلِ تَكُونُ أجْنَبِيَّةً مِمّا قَبْلَها وبَعْدَها، وذَلِكَ بِعِيدٌ؛ وقِيلَ: المُرادُ السَّهْمُ الَّذِي رَمى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في حِصْنِ خَيْبَرَ، فَسارَ في الهَواءِ حَتّى أصابَ ابْنَ أبِي الحَقِيقِ، وهَذا فاسِدٌ، والصَّحِيحُ في صُورَةِ قَتْلِ ابْنِ أبِي الحَقِيقِ غَيْرُ هَذا، وقَوْلُهُ: ﴿وما رَمَيْتَ﴾ نَفْيٌ و﴿إذْ رَمَيْتَ﴾ إثْباتٌ فاحْتِيجَ إلى تَأْوِيلٍ، وهو أنْ يُغايِرَ بَيْنَ الرَّمْيَيْنِ، فالمَنفِيُّ الإصابَةُ والظَّفَرُ، والمُثْبَتُ الإرْسالُ؛ وقِيلَ: المَنفِيُّ إزْهاقُ الرُّوحِ، والمُثْبَتُ أثَرُ الرَّمْيِ وهو الجَرْحُ، وهَذانِ القَوْلانِ مُتَقارِبانِ؛ وقِيلَ: ما اسْتَبْدَدْتَ بِالرَّمْيِ إذْ أرْسَلْتَ التُّرابَ؛ لِأنَّ الِاسْتِبْدادَ بِهِ هو فِعْلُ اللَّهِ حَقِيقَةً، وإرْسالُ التُّرابِ مَنسُوبٌ إلَيْهِ كَسْبًا كانَ المَعْنى، وما رَمَيْتَ الرَّمْيَ الكافِيَ؛ إذْ رَمَيْتَ، ونَحْوُهُ قَوْلُ العَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ:
؎وقَدْ كُنْتُ في الحَرْبِ ذا تُدْرَأُ فَلَمْ أُعْطَ شَيْئًا ولَمْ أمْنَعِ
أيْ: لَمْ أُعْطَ شَيْئًا مَرْضِيًّا. وقِيلَ: مُتَعَلِّقُ المَنفِيِّ الرُّعْبُ، ومُتَعَلِّقُ المُثْبَتِ الحَصَياتُ، أيْ: وما رَمَيْتَ الرُّعْبَ في قُلُوبِهِمْ إذْ رَمَيْتَ الحَصَياتِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنَّ الرَّمْيَةَ الَّتِي رَمَيْتَها لَمْ تَرْمِها أنْتَ عَلى الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّكَ لَوْ رَمَيْتَها لَما بَلَغَ أثَرُها إلّا ما يَبْلُغُهُ رَمْيُ البَشَرِ، ولَكِنَّها كانَتْ رَمْيَةَ اللَّهِ حَيْثُ أثَّرَتْ ذَلِكَ الأثَرَ العَظِيمَ، فَأثْبَتَ الرَّمْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأنَّ صُورَةَ الرَّمْيِ وُجِدَتْ مِنهُ، ونَفاها عَنْهُ لِأنَّ أثَرَها الَّذِي لا يُطِيقُهُ البَشَرُ فِعْلُ اللَّهِ، فَكانَ اللَّهُ تَعالى هو فاعِلُ الرَّمْيِ حَقِيقَةً، وكَأنَّها لَمْ تُوجَدْ مِنَ الرَّسُولِ أصْلًا، انْتَهى، وهو راجِعٌ لِمَعْنى القَوْلَيْنِ أوَّلًا، وتَقَدَّمَ خِلافُ الفَرّاءِ في لَكِنَّ وما بَعْدَها عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ١٠٢] ﴿ولِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ بَلاءً حَسَنًا﴾ قالَ السُّدِّيُّ: يَنْصُرُهم ويُنْعِمُ عَلَيْهِمْ، يُقالُ: أبْلاهُ إذا أنْعَمَ عَلَيْهِ، وبَلاهُ إذا امْتَحَنَهُ، والبَلاءُ يُسْتَعْمَلُ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ، ووَصْفُهُ بِحَسَنٍ يَدُلُّ عَلى النَّصْرِ والعِزَّةِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولِيُعْطِيَهم عَطاءً جَمِيلًا، كَما قالَ:
؎فَأبْلاهُما خَيْرَ البَلاءِ الَّذِي يَبْلُو
انْتَهى، والبَلاءُ الحَسَنُ قِيلَ: بِالنَّصْرِ والغَنِيمَةِ؛ وقِيلَ: بِالشَّهادَةِ لِمَنِ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ بَدْرٍ، وهم أرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنهم عُبَيْدَةُ بْنُ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، ومِهْجَعٌ مَوْلى عُمَرَ، ومُعاذٌ وعَمْرٌو ابْنا عَفْراءَ أنَّهُ (p-٤٧٨)قالَ: لَوْلا أنَّ المُفَسِّرِينَ اتَّفَقُوا عَلى حَمْلِ البَلاءِ هُنا عَلى النِّعْمَةِ لَكانَ يَحْتَمِلُ المِحْنَةَ لِلتَّكْلِيفِ بِما بَعْدَهُ مِنَ الجِهادِ حَتّى يُقالَ: إنَّ الَّذِي فَعَلَهُ تَعالى يَوْمَ بَدْرٍ كانَ السَّبَبَ في حُصُولِ تَكْلِيفٍ شاقٍّ عَلَيْهِمْ فِيما بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الغَزَواتِ، انْتَهى. وسِياقُ الكَلامِ يَنْفِي أنْ يُرادَ بِالبَلاءِ المِحْنَةُ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿ولِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ بَلاءً حَسَنًا﴾ فَعَلَ ذَلِكَ، أيْ: قَتْلَ الكُفّارِ ورَمْيِهِمْ، ونِسْبَةُ ذَلِكَ إلى اللَّهِ، وكانَ ذَلِكَ سَبَبَ هَزِيمَتِهِمْ والنَّصْرِ عَلَيْهِمْ وجَعْلِهِمْ نُهْبَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، وهَذا لَيْسَ مِحْنَةً بَلْ مِنحَةٌ ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ لَمّا كانُوا قَدْ أقْبَلُوا عَلى المَفاخِرِ بِقَتْلِ مَن قَتَلُوا وأسْرِ مَن أسَرُوا، أوْ كانَ رُبَّما قَدْ لا يَخْلُصُ العَمَلُ مِن بَعْضِ المُقاتِلِينَ إمّا لِقِتالِ حَمِيَّةٍ، وإمّا لِدَفْعٍ عَنْ نَفْسٍ، أوْ إمّا خُتِمَتُ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ، فَقِيلَ: ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ لِكَلامِكم وما تَفْخَرُونَ بِهِ عَلِيمٌ بِما انْطَوَتْ عَلَيْهِ الضَّمائِرُ، ومَن يُقاتِلُ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا.
﴿ذَلِكم وأنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الكافِرِينَ﴾ قالَ: ﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى البَلاءِ الحَسَنِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ ﴿وأنَّ اللَّهَ مُوهِنُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ولِيُبْلِيَ﴾ يَعْنِي أنَّ الغَرَضَ إبْلاءُ المُؤْمِنِينَ وتَوْهِينُ كَيْدِ الكافِرِينَ، انْتَهى، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن قَتْلِ اللَّهِ ورَمْيِهِ إيّاهم، ومَوْضِعُ ذَلِكَ مِنَ الإعْرابِ رَفْعٌ، قالَ سِيبَوَيْهِ: التَّقْدِيرُ: الأمْرُ ذَلِكم، وقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِتَقْدِيرِ: فَعَلَ ذَلِكَ، (وأنَّ) مَعْطُوفٌ عَلى ذَلِكم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ: وحَتْمٌ وسابِقٌ وثابِتٌ، ونَحْوُ هَذا، انْتَهى، وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿ذَلِكُمْ﴾ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: ذَلِكُمُ الأمْرُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكُمُ الخَبَرُ والأمْرُ الِابْتِداءُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، تَقْدِيرُهُ: فَعَلْنا ذَلِكم، والإشارَةُ إلى القَتْلِ وإلى إبْلاءِ المُؤْمِنِينَ بَلاءً حَسَنًا، وفي فَتْحِ أنَّ وجْهانِ النَّصْبُ والرَّفْعُ عَطْفًا عَلى ذَلِكم عَلى حَسَبِ التَّقْدِيرَيْنِ، أوْ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، تَقْدِيرُهُ: واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مُوهِنُ، انْتَهى، وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو: مُوَهِّنُ، مِن وهَّنَ، والتَّعْدِيَةُ بِالتَّضْعِيفِ فِيما عَيْنُهُ حَرْفُ حَلْقٍ غَيْرُ الهَمْزَةِ قَلِيلٌ، نَحْوُ: ضَعَّفْتُ ووَهَّنْتُ، وبابُهُ أنْ يُعَدّى بِالهَمْزَةِ، نَحْوُ: أذْهَلْتُهُ وأوْهَنْتُهُ وألْحَمْتُهُ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ والأعْمَشُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ مِن أوْهَنَ، وأضافَهُ حَفْصٌ.
الأنفال 8:18
﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهم وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى ولِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ بَلاءً حَسَنًا إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ لَمّا رَجَعَ الصَّحابَةُ مِن بَدْرٍ ذَكَرُوا مَفاخِرَهم، فَيَقُولُ القائِلُ: قَتَلْتُ وأسَرْتُ، فَنَزَلَتْ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والفاءُ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: إنِ افْتَخَرْتُمْ بِقَتْلِهِمْ فَأنْتُمْ لَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهم؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي أنْزَلَ المَلائِكَةَ وألْقى الرُّعْبَ في قُلُوبِهِمْ وشاءَ النَّصْرَ والظَّفَرَ وقَوّى قُلُوبَكم وأذْهَبَ عَنْها الفَزَعَ والجَزَعَ، انْتَهى، ولَيْسَتِ الفاءُ جَوابَ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ كَما زَعَمَ، وإنَّما هي لِلرَّبْطِ بَيْنَ الجُمَلِ؛ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ﴾ [الأنفال: ١٢] كانَ امْتِثالُ ما أُمِرُوا بِهِ سَبَبًا لِلْقَتْلِ، فَقِيلَ: فَلَمْ تَقْتُلُوهم، أيْ: لَسْتُمْ مُسْتَبِدِّينَ بِالقَتْلِ؛ لِأنَّ الأقْدارَ عَلَيْهِ والخالِقَ لَهُ إنَّما هو اللَّهُ لَيْسَ لِلْقاتِلِ فِيها شَيْءٌ، لَكِنَّهُ أجْرى عَلى يَدِهِ (p-٤٧٧)فَنُفِيَ عَنْهم إيجادُ القَتْلِ وأُثْبِتَ لِلَّهِ، وفي ذَلِكَ رَدٌّ عَلى مَن زَعَمَ أنَّ أفْعالَ العِبادِ خَلْقٌ لَهم، ومَجِيءُ لَكِنَّ هُنا أحْسَنُ مَجِيءٍ لِكَوْنِها بَيْنَ نَفْيٍ وإثْباتٍ، فالمُثْبَتُ لِلَّهِ هو المَنفِيُّ عَنْهم، وهو حَقِيقَةُ القَتْلِ، ومَن زَعَمَ أنَّ أفْعالَ العِبادِ مَخْلُوقَةٌ لَهم أوَّلَ الكَلامَ عَلى مَعْنى فَلَمْ يَتَسَبَّبُوا لِقَتْلِكم إيّاهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهم؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي أنْزَلَ المَلائِكَةَ إلى آخِرِ كَلامِهِ، وعَطَفَ الجُمْلَةَ المَنفِيَّةَ بِما عَلى الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ بِلَمْ؛ لِأنَّ لَمْ نَفْيٌ لِلْماضِي وإنْ كانَ بِصُورَةِ المُضارِعِ؛ لِأنَّ لِنَفْيِ الماضِي طَرِيقَيْنِ: إحْداهُما: أنْ تَدَخُلَ ما عَلى لَفْظِهِ، والأُخْرى: أنْ تَنْفِيَهُ بِلَمْ فَتَأْتِيَ بِالمُضارِعِ، والأصْلُ هو الأوَّلُ؛ لِأنَّ النَّفْيَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عَلى حَسَبِ الإيجابِ، وفي الجُمْلَةِ مُبالَغَةٌ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما، أنَّ النَّفْيَ جاءَ عَلى حَسَبِ الإيجابِ لَفْظًا؛ الثّانِي: أنْ نَفى ما صَرَّحَ بِإثْباتِهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ﴾ ولَمْ يُصَرِّحْ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾ بِقَوْلِهِ: إذْ قَتَلْتُمُوهم، وإنَّما بُولِغَ في هَذا؛ لِأنَّ الرَّمْيَ كانَ أمْرًا خارِقًا لِلْعادَةِ مُعْجِزًا آيَةً مِن آياتِ اللَّهِ عَلى أيِّ وجْهٍ فُسِّرَ الرَّمْيُ؛ لِأنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقالَ «ابْنُ عَبّاسٍ: قَبَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ قَبْضَةً مِن تُرابٍ، فَقالَ: شاهَتِ الوُجُوهُ»، أيْ: قُبِّحَتْ، فَلَمْ يَبْقَ مُشْرِكٌ إلّا دَخَلَ في عَيْنَيْهِ وفِيهِ ومَنخَرَيْهِ مِنها شَيْءٌ، وقالَ حَكِيمُ بْنُ حِزامٍ «فَسَمِعْنا صَوْتًا مِنَ السَّماءِ، كَأنَّهُ صَوْتُ حَصاةٍ وقَعَتْ في طَسْتٍ، فَرَمى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تِلْكَ الرَّمْيَةَ فانْهَزَمُوا»، وقالَ أنَسٌ: «رَمى ثَلاثَ حَصَياتٍ يَوْمَ بَدْرٍ: واحِدَةً في مَيْمَنَةِ القَوْمِ، وواحِدَةً في مَيْسَرَتِهِمْ، وثالِثَةً بَيْنَ أظْهُرِهِمْ، وقالَ: شاهَتِ الوُجُوهُ، فانْهَزَمُوا»؛ وقِيلَ: الرَّمْيُ هُنا رَمْيُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِحَرْبَةٍ عَلى أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ يَوْمَ أُحُدٍ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ عَقِبَ بَدْرٍ، وعَلى هَذا القَوْلِ تَكُونُ أجْنَبِيَّةً مِمّا قَبْلَها وبَعْدَها، وذَلِكَ بِعِيدٌ؛ وقِيلَ: المُرادُ السَّهْمُ الَّذِي رَمى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في حِصْنِ خَيْبَرَ، فَسارَ في الهَواءِ حَتّى أصابَ ابْنَ أبِي الحَقِيقِ، وهَذا فاسِدٌ، والصَّحِيحُ في صُورَةِ قَتْلِ ابْنِ أبِي الحَقِيقِ غَيْرُ هَذا، وقَوْلُهُ: ﴿وما رَمَيْتَ﴾ نَفْيٌ و﴿إذْ رَمَيْتَ﴾ إثْباتٌ فاحْتِيجَ إلى تَأْوِيلٍ، وهو أنْ يُغايِرَ بَيْنَ الرَّمْيَيْنِ، فالمَنفِيُّ الإصابَةُ والظَّفَرُ، والمُثْبَتُ الإرْسالُ؛ وقِيلَ: المَنفِيُّ إزْهاقُ الرُّوحِ، والمُثْبَتُ أثَرُ الرَّمْيِ وهو الجَرْحُ، وهَذانِ القَوْلانِ مُتَقارِبانِ؛ وقِيلَ: ما اسْتَبْدَدْتَ بِالرَّمْيِ إذْ أرْسَلْتَ التُّرابَ؛ لِأنَّ الِاسْتِبْدادَ بِهِ هو فِعْلُ اللَّهِ حَقِيقَةً، وإرْسالُ التُّرابِ مَنسُوبٌ إلَيْهِ كَسْبًا كانَ المَعْنى، وما رَمَيْتَ الرَّمْيَ الكافِيَ؛ إذْ رَمَيْتَ، ونَحْوُهُ قَوْلُ العَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ:
؎وقَدْ كُنْتُ في الحَرْبِ ذا تُدْرَأُ فَلَمْ أُعْطَ شَيْئًا ولَمْ أمْنَعِ
أيْ: لَمْ أُعْطَ شَيْئًا مَرْضِيًّا. وقِيلَ: مُتَعَلِّقُ المَنفِيِّ الرُّعْبُ، ومُتَعَلِّقُ المُثْبَتِ الحَصَياتُ، أيْ: وما رَمَيْتَ الرُّعْبَ في قُلُوبِهِمْ إذْ رَمَيْتَ الحَصَياتِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنَّ الرَّمْيَةَ الَّتِي رَمَيْتَها لَمْ تَرْمِها أنْتَ عَلى الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّكَ لَوْ رَمَيْتَها لَما بَلَغَ أثَرُها إلّا ما يَبْلُغُهُ رَمْيُ البَشَرِ، ولَكِنَّها كانَتْ رَمْيَةَ اللَّهِ حَيْثُ أثَّرَتْ ذَلِكَ الأثَرَ العَظِيمَ، فَأثْبَتَ الرَّمْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأنَّ صُورَةَ الرَّمْيِ وُجِدَتْ مِنهُ، ونَفاها عَنْهُ لِأنَّ أثَرَها الَّذِي لا يُطِيقُهُ البَشَرُ فِعْلُ اللَّهِ، فَكانَ اللَّهُ تَعالى هو فاعِلُ الرَّمْيِ حَقِيقَةً، وكَأنَّها لَمْ تُوجَدْ مِنَ الرَّسُولِ أصْلًا، انْتَهى، وهو راجِعٌ لِمَعْنى القَوْلَيْنِ أوَّلًا، وتَقَدَّمَ خِلافُ الفَرّاءِ في لَكِنَّ وما بَعْدَها عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ١٠٢] ﴿ولِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ بَلاءً حَسَنًا﴾ قالَ السُّدِّيُّ: يَنْصُرُهم ويُنْعِمُ عَلَيْهِمْ، يُقالُ: أبْلاهُ إذا أنْعَمَ عَلَيْهِ، وبَلاهُ إذا امْتَحَنَهُ، والبَلاءُ يُسْتَعْمَلُ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ، ووَصْفُهُ بِحَسَنٍ يَدُلُّ عَلى النَّصْرِ والعِزَّةِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولِيُعْطِيَهم عَطاءً جَمِيلًا، كَما قالَ:
؎فَأبْلاهُما خَيْرَ البَلاءِ الَّذِي يَبْلُو
انْتَهى، والبَلاءُ الحَسَنُ قِيلَ: بِالنَّصْرِ والغَنِيمَةِ؛ وقِيلَ: بِالشَّهادَةِ لِمَنِ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ بَدْرٍ، وهم أرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنهم عُبَيْدَةُ بْنُ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، ومِهْجَعٌ مَوْلى عُمَرَ، ومُعاذٌ وعَمْرٌو ابْنا عَفْراءَ أنَّهُ (p-٤٧٨)قالَ: لَوْلا أنَّ المُفَسِّرِينَ اتَّفَقُوا عَلى حَمْلِ البَلاءِ هُنا عَلى النِّعْمَةِ لَكانَ يَحْتَمِلُ المِحْنَةَ لِلتَّكْلِيفِ بِما بَعْدَهُ مِنَ الجِهادِ حَتّى يُقالَ: إنَّ الَّذِي فَعَلَهُ تَعالى يَوْمَ بَدْرٍ كانَ السَّبَبَ في حُصُولِ تَكْلِيفٍ شاقٍّ عَلَيْهِمْ فِيما بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الغَزَواتِ، انْتَهى. وسِياقُ الكَلامِ يَنْفِي أنْ يُرادَ بِالبَلاءِ المِحْنَةُ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿ولِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ بَلاءً حَسَنًا﴾ فَعَلَ ذَلِكَ، أيْ: قَتْلَ الكُفّارِ ورَمْيِهِمْ، ونِسْبَةُ ذَلِكَ إلى اللَّهِ، وكانَ ذَلِكَ سَبَبَ هَزِيمَتِهِمْ والنَّصْرِ عَلَيْهِمْ وجَعْلِهِمْ نُهْبَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، وهَذا لَيْسَ مِحْنَةً بَلْ مِنحَةٌ ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ لَمّا كانُوا قَدْ أقْبَلُوا عَلى المَفاخِرِ بِقَتْلِ مَن قَتَلُوا وأسْرِ مَن أسَرُوا، أوْ كانَ رُبَّما قَدْ لا يَخْلُصُ العَمَلُ مِن بَعْضِ المُقاتِلِينَ إمّا لِقِتالِ حَمِيَّةٍ، وإمّا لِدَفْعٍ عَنْ نَفْسٍ، أوْ إمّا خُتِمَتُ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ، فَقِيلَ: ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ لِكَلامِكم وما تَفْخَرُونَ بِهِ عَلِيمٌ بِما انْطَوَتْ عَلَيْهِ الضَّمائِرُ، ومَن يُقاتِلُ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا.
﴿ذَلِكم وأنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الكافِرِينَ﴾ قالَ: ﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى البَلاءِ الحَسَنِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ ﴿وأنَّ اللَّهَ مُوهِنُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ولِيُبْلِيَ﴾ يَعْنِي أنَّ الغَرَضَ إبْلاءُ المُؤْمِنِينَ وتَوْهِينُ كَيْدِ الكافِرِينَ، انْتَهى، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن قَتْلِ اللَّهِ ورَمْيِهِ إيّاهم، ومَوْضِعُ ذَلِكَ مِنَ الإعْرابِ رَفْعٌ، قالَ سِيبَوَيْهِ: التَّقْدِيرُ: الأمْرُ ذَلِكم، وقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِتَقْدِيرِ: فَعَلَ ذَلِكَ، (وأنَّ) مَعْطُوفٌ عَلى ذَلِكم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ: وحَتْمٌ وسابِقٌ وثابِتٌ، ونَحْوُ هَذا، انْتَهى، وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿ذَلِكُمْ﴾ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: ذَلِكُمُ الأمْرُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكُمُ الخَبَرُ والأمْرُ الِابْتِداءُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، تَقْدِيرُهُ: فَعَلْنا ذَلِكم، والإشارَةُ إلى القَتْلِ وإلى إبْلاءِ المُؤْمِنِينَ بَلاءً حَسَنًا، وفي فَتْحِ أنَّ وجْهانِ النَّصْبُ والرَّفْعُ عَطْفًا عَلى ذَلِكم عَلى حَسَبِ التَّقْدِيرَيْنِ، أوْ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، تَقْدِيرُهُ: واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مُوهِنُ، انْتَهى، وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو: مُوَهِّنُ، مِن وهَّنَ، والتَّعْدِيَةُ بِالتَّضْعِيفِ فِيما عَيْنُهُ حَرْفُ حَلْقٍ غَيْرُ الهَمْزَةِ قَلِيلٌ، نَحْوُ: ضَعَّفْتُ ووَهَّنْتُ، وبابُهُ أنْ يُعَدّى بِالهَمْزَةِ، نَحْوُ: أذْهَلْتُهُ وأوْهَنْتُهُ وألْحَمْتُهُ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ والأعْمَشُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ مِن أوْهَنَ، وأضافَهُ حَفْصٌ.
الأنفال 8:19
﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ وإنْ تَنْتَهُوا فَهو خَيْرٌ لَكم وإنْ تَعُودُوا نَعُدْ ولَنْ تُغْنِيَ عَنْكم فِئَتُكم شَيْئًا ولَوْ كَثُرَتْ وأنَّ اللَّهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾ تَقَدَّمَ ذِكْرُ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، وسَبَقَ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾ [الأنفال: ١٧] وبِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكُمْ﴾ [الأنفال: ١٨] فَحَمَلَهُ قَوْمٌ عَلى أنَّهُ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾؛ إذْ لا يَلِيقُ هَذا الخِطابُ إلّا بِالمُؤْمِنِينَ عَلى إرادَةِ النَّصْرِ بِالِاسْتِفْتاحِ، وأنَّ حَمْلَهُ عَلى البَيانِ والحُكْمِ ناسَبَ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلْكُفّارِ والمُؤْمِنِينَ، فَإذا كانَ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ فالمَعْنى: إنْ تَسْتَنْصِرُوا فَقَدْ جاءَكُمُ النَّصْرُ وإنْ تَنْتَهُوا عَنْ مِثْلِ ما فَعَلْتُمُوهُ في الغَنائِمِ والأسْرى قَبْلَ الإذْنِ فَهو خَيْرٌ لَكم، وإنْ تَعُودُوا إلى مِثْلِ ذَلِكَ نَعُدْ إلى تَوْبِيخِكم، كَما قالَ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال: ٦٨] الآيَةَ، ثُمَّ أعْلَمَهم أنَّ الفِئَةَ وهي الجَماعَةُ لا تُغْنِي وإنْ كَثُرَتْ إلّا بِنَصْرِ اللَّهِ ومَعُونَتِهِ، ثُمَّ آنَسَهم بِإخْبارِهِ أنَّهُ تَعالى مَعَ المُؤْمِنِينَ، وقالَ الأكْثَرُونَ: هي خِطابٌ لِأهْلِ مَكَّةَ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ، وذَلِكَ أنَّهُ حِينَ أرادُوا أنْ يَنْفِرُوا تَعَلَّقُوا بِأسْتارِ الكَعْبَةِ، وقالُوا: اللَّهُمَّ انْصُرْ أقْرانا لِلضَّيْفِ، وأوْصَلَنا لِلرَّحِمِ، وأفَكَّنا لِلْعانِي، إنْ كانَ مُحَمَّدٌ عَلى حَقٍّ فانْصُرْهُ، وإنْ كُنّا عَلى حَقٍّ فانْصُرْنا، ورُوِيَ أنَّهم قالُوا: اللَّهُمَّ انْصُرْ أعْلى الجُنْدَيْنِ وأهْدى الفِئَتَيْنِ وأكْرَمَ الحِزْبَيْنِ، ورُوِيَ أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ صَبِيحَةَ يَوْمِ بَدْرٍ: اللَّهُمَّ أيُّنا كانَ أهْجَرَ وأقْطَعَ لِلرَّحِمِ فاحْنِهِ اليَوْمَ، أيْ: فَأهْلِكْهُ، ورُوِيَ عَنْهُ دَعا شِبْهَ هَذا، وقالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وغَيْرُهُما: كانَ هَذا القَوْلُ مِن قُرَيْشٍ وقْتَ خُرُوجِهِمْ لِنُصْرَةِ العِيرِ، وقالَ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآيَةَ، وهو مِمَّنْ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ، وعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ (p-٤٧٩)﴿فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ ولَكِنَّهُ كانَ لِلْمُسْلِمِينَ عَلَيْكم؛ وقِيلَ: مَعْناهُ: فَقَدْ جاءَكم ما بانَ لَكم بِهِ الأمْرُ، واسْتَقَرَّ بِهِ الحُكْمُ، وانْكَشَفَ لَكُمُ الحَقُّ بِهِ، ويَكُونُ الِاسْتِفْتاحُ عَلى هَذا بِمَعْنى الحُكْمِ والقَضاءِ، وإنِ انْتَهَوْا عَنِ الكُفْرِ، وإنْ تَعُودُوا إلى هَذا القَوْلِ وقِتالِ مُحَمَّدٍ بَعْدُ نَعُدْ إلى نَصْرِ المُؤْمِنِينَ وخِذْلانِكم، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنْ تَسْتَفْتِحُوا خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وإنْ تَنْتَهُوا خِطابٌ لِلْكافِرِينَ، أيْ: وإنْ تَنْتَهُوا عَنْ عَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَهو خَيْرٌ لَكم وإنْ تَعُودُوا لِمُحارَبَتِهِ نَعُدْ لِنُصْرَتِهِ عَلَيْكم، وقالَ الكِرْمانِيُّ: وإنْ تَنْتَهُوا عَنْ أمْرِ الأنْفالِ وفِداءِ الأسْرى بِبَدْرٍ وإنْ تَعُودُوا إلى مَعْصِيَةِ اللَّهِ نَعُدْ إلى الإنْكارِ، وقُرِئَ: ولَنْ يُغْنِيَ، بِالياءِ؛ لِأنَّ التَّأْنِيثَ مَجازٌ، وحَسَّنَهُ الفَضْلُ، وقَرَأ الصّاحِبانِ وحَفْصٌ: ﴿وأنَّ اللَّهَ﴾، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِكَسْرِها، وابْنُ مَسْعُودٍ: واللَّهُ مَعَ المُؤْمِنِينَ.
الأنفال 8:20
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولا تَوَلَّوْا عَنْهُ وأنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ لَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: وإنْ تَنْتَهُوا، وكانَ الضَّمِيرُ ظاهِرُهُ العَوْدُ عَلى المُؤْمِنِينَ ناداهم وحَرَّكَهم إلى طاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، والظّاهِرُ أنَّهُ نِداءٌ وخِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ الخُلَّصِ، حَثَّهم بِالأمْرِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، ولَمّا كانَتِ الآيَةُ قَبْلَها مَسُوقَةً في أمْرِ الجِهادِ. قِيلَ مَعْنى أطِيعُوهُ: فِيما يَدْعُوكم إلَيْهِ مِنَ الجِهادِ؛ وقِيلَ: في امْتِثالِ الأمْرِ والنَّهْيِ، وأفْرَدَهم بِالأمْرِ رَفْعًا لِأقْدارِهِمْ وإنْ كانَ غَيْرُهم مَأْمُورًا بِطاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وأمّا مَن قالَ: إنَّ قَوْلَهُ: وإنْ تَنْتَهُوا خِطابٌ لِلْكُفّارِ، فَيَرى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ اخْتِلافِهِمْ في النَّفْلِ ومُجادَلَتِهِمْ في الحَقِّ وتَفاخُرِهِمْ بِقَتْلِ الكُفّارِ والنِّكايَةِ فِيهِمْ، وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ نِداءٌ وخِطابٌ لِلْمُنافِقِينَ، أيْ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمْ، وهَذا لا يُناسِبُ؛ لِأنَّ وصْفَهم بِالإيمانِ، وهو التَّصْدِيقُ، ولَيْسَ المُنافِقُونَ مِنَ التَّصْدِيقِ في شَيْءٍ، وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ نِداءٌ وخِطابٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ؛ لِأنَّهُ أيْضًا يَكُونُ أجْنَبِيًّا مِنَ الآياتِ، وأصْلُ ولا تَوَلَّوْا ولا تَتَوَلَّوْا، وتَقَدَّمَ الخِلافُ في حَرْفِ التّاءِ في نَحْوِ هَذا أهِيَ حَرْفُ المُضارَعَةِ أمْ تاءُ تَفَعَّلَ، والضَّمِيرُ في عَنْهُ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ لِأنَّ المَعْنى وأطِيعُوا رَسُولَ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] ولِأنَّ طاعَةَ الرَّسُولِ وطاعَةَ اللَّهِ شَيْءٌ واحِدٌ، مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ، فَكانَ رُجُوعُ الضَّمِيرِ إلى أحَدِهِما كَرُجُوعِهِ إلَيْهِما، كَقَوْلِكَ: الإحْسانُ والإجْمالُ لا يَنْفَعُ في فُلانٍ، ويَجُوزُ أنْ يَرْجِعَ إلى الأمْرِ بِالطّاعَةِ، ولا تَوَلَّوْا عَنْ هَذا الأمْرِ وامْتِثالِهِ وأنْتُمْ تَسْمَعُونَهُ، أوْ ولا تَتَوَلَّوْا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ولا تُخالِفُوهُ وأنْتُمْ تَسْمَعُونَ، أيْ: تُصَدِّقُونَ لِأنَّكم مُؤْمِنُونَ لَسْتُمْ كالصُّمِّ المُكَذِّبِينَ مِنَ الكَفَرَةِ، انْتَهى، وإنَّما عادَ عَلى الرَّسُولِ؛ لِأنَّ التَّوَلِّيَ إنَّما يَصِحُّ في حَقِّ الرَّسُولِ بِأنْ يُعْرِضُوا عَنْهُ، وهَذا عَلى أنْ يَكُونَ التَّوَلِّي حَقِيقَةً، وإذا عادَ عَلى الأمْرِ كانَ مَجازًا؛ وقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى الطّاعَةِ؛ وقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى اللَّهِ، وقالَ الكِرْمانِيُّ ما مَعْناهُ: إنَّهُ لَمّا لَمْ يُطْلَقْ لَفْظُ التَّثْنِيَةِ عَلى اللَّهِ وحْدَهُ لَمْ يُجْمَعْ بَيْنَهُ تَعالى وبَيْنَ غَيْرِهِ في ضَمِيرِها، بِخِلافِ الجَمْعِ فَإنَّهُ أُطْلِقَ عَلى لَفْظِهِ تَعْظِيمًا، فَجَمَعَ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ في ضَمِيرِهِ، ولِهَذا نَظائِرُ في القُرْآنِ مِنها: ﴿إذا دَعاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]، ومِنها ﴿أنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] فَفي الحَدِيثِ ذَمُّ مَن جَمَعَ في التَّثْنِيَةِ بَيْنَهُما في الضَّمِيرِ، وتَعْلِيمُهُ أنْ يَقُولَ: ومَن عَصى اللَّهَ ورَسُولَهُ، وأنْتُمْ تَسْمَعُونَ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، أيْ: لا يُناسِبُ سَماعُكُمُ التَّوَلِّيَ ولا يُجامِعُهُ، وفي مُتَعَلِّقِهِ أقْوالٌ: أحَدُها: وعْظُ اللَّهِ لَكم، الثّانِي: الأمْرُ والنَّهْيُ، الثّالِثُ: التَّعْبِيرُ بِالسَّماعِ عَنِ العَقْلِ والفَهْمِ، الرّابِعُ: التَّعْبِيرُ عَنِ التَّصْدِيقِ، وهو الإيمانُ.
الأنفال 8:21
﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وهم لا يَسْمَعُونَ﴾ نَهى عَنْ أنْ يَكُونُوا كالَّذِينَ ادَّعَوُا السَّماعَ، والمُشَبَّهُ بِهِمُ اليَهُودُ أوِ المُنافِقُونَ أوِ المُشْرِكُونَ، أوِ الَّذِينَ قالُوا: قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا، أوْ بَنُو عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيٍّ ولَمْ يُسْلِمْ مِنهم إلّا رَجُلانِ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وسُوَيْدُ بْنُ حَرْمَلَةَ، أوِ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ ومَن تابَعَهُ، سِتَّةُ أقْوالٍ، ولَمّا لَمْ يُجْدِ سَماعُهم، ولا أثَّرَ فِيهِمْ (p-٤٨٠)نَفى عَنْهُمُ السَّماعَ لِانْتِفاءِ ثَمَرَتِهِ؛ إذْ ثَمَرَةُ سَماعِ الوَحْيِ تَصْدِيقُهُ والإيمانُ بِهِ، والمَعْنى: أنَّكم تُصَدِّقُونَ بِالقُرْآنِ والنُّبُوَّةِ، فَإذا صَدَرَ مِنكم تَوَلٍّ عَنِ الطّاعَةِ كانَ تَصْدِيقُكم كَلا تَصْدِيقٍ، فَأشْبَهَ سَماعُكم سَماعَ مَن لا يُصَدِّقُ، وجاءَتِ الجُمْلَةُ النّافِيَةُ عَلى غَيْرِ لَفْظِ المُثْبَتَةِ إذْ لَمْ تَأْتِ وهم ما سَمِعُوا؛ لِأنَّ لَفْظَ المُضِيِّ لا يَدُلُّ عَلى اسْتِمْرارِ الحالِ ولا دَيْمُومَتِهِ بِخِلافِ نَفْيِ المُضارِعِ، فَكَما يَدُلُّ إثْباتُهُ عَلى الدَّيْمُومَةِ في قَوْلِهِمْ: هو يُعْطِي ويَمْنَعُ، كَذَلِكَ يَجِيءُ نَفْيُهُ، وجاءَ حَرْفُ النَّفْيِ لا؛ لِأنَّها أوْسَعُ في نَفْسِ المُضارِعِ مِن ما، وأدَلُّ عَلى انْتِفاءِ السَّماعِ في المُسْتَقْبَلِ، أيْ: هم مِمَّنْ لا يَقْبَلُ أنْ يَسْمَعَ.
﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ لَمّا أخْبَرَ تَعالى أنَّ هَؤُلاءِ المُشَبَّهَ بِهِمْ لا يَسْمَعُونَ أخْبَرَ أنَّ شَرَّ الحَيَوانِ الَّذِي يَدِبُّ الصُّمُّ، أوْ أنَّ شَرَّ البَهائِمِ، فَجَمَعَ بَيْنَ هَؤُلاءِ وبَيْنَ جَمْعِ الدَّوابِّ، وأخْبَرَ أنَّهم شَرُّ الحَيَوانِ مُطْلَقًا، ومَعْنى الصُّمِّ عَنْ ما يُلْقى إلَيْهِمْ مِنَ القُرْآنِ، البُكْمِ عَنِ الإقْرارِ بِالإيمانِ وما فِيهِ نَجاتُهم، ثُمَّ جاءَ بِانْتِفاءِ الوَصْفِ المُنْتِجِ لَهُمُ الصَّمَمَ والبَكَمَ النّاشِئَيْنِ عَنْهُ، وهو العَقْلُ، وكانَ الِابْتِداءُ بِالصَّمَمِ؛ لِأنَّهُ ناشِئٌ عَنْهُ البَكَمُ؛ إذْ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ كُلُّ أصَمَّ خَلَقَهُ أبْكَمَ؛ لِأنَّ الكَلامَ إنَّما يَتَلَقَّنُهُ ويَتَعَلَّمُهُ مَن كانَ سالِمَ حاسَّةِ السَّمْعِ، وهَذا مُطابِقٌ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١] إلّا أنَّهُ زادَ في هَذا وصْفَ العَمى، وكُلُّ هَذِهِ الأوْصافِ كِنايَةٌ عَنِ انْتِفاءِ قَبُولِهِمْ لِلْإيمانِ وإعْراضِهِمْ عَمّا جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ، وظاهِرُ هَذِهِ الأخْبارِ العُمُومُ؛ وقِيلَ: نَزَلَتْ في طائِفَةٍ مِن بَنِي عَبْدِ الدّارِ كانُوا يَقُولُونَ: نَحْنُ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ عَمّا جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ لا نَسْمَعُهُ ولا نُجِيبُهُ، فَقُتِلُوا جَمِيعًا بِبَدْرٍ وكانُوا أصْحابَ اللِّواءِ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هُمُ المُنافِقُونَ، وقالَ الحَسَنُ: هم أهْلُ الكِتابِ.
الأنفال 8:22
﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وهم لا يَسْمَعُونَ﴾ نَهى عَنْ أنْ يَكُونُوا كالَّذِينَ ادَّعَوُا السَّماعَ، والمُشَبَّهُ بِهِمُ اليَهُودُ أوِ المُنافِقُونَ أوِ المُشْرِكُونَ، أوِ الَّذِينَ قالُوا: قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا، أوْ بَنُو عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيٍّ ولَمْ يُسْلِمْ مِنهم إلّا رَجُلانِ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وسُوَيْدُ بْنُ حَرْمَلَةَ، أوِ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ ومَن تابَعَهُ، سِتَّةُ أقْوالٍ، ولَمّا لَمْ يُجْدِ سَماعُهم، ولا أثَّرَ فِيهِمْ (p-٤٨٠)نَفى عَنْهُمُ السَّماعَ لِانْتِفاءِ ثَمَرَتِهِ؛ إذْ ثَمَرَةُ سَماعِ الوَحْيِ تَصْدِيقُهُ والإيمانُ بِهِ، والمَعْنى: أنَّكم تُصَدِّقُونَ بِالقُرْآنِ والنُّبُوَّةِ، فَإذا صَدَرَ مِنكم تَوَلٍّ عَنِ الطّاعَةِ كانَ تَصْدِيقُكم كَلا تَصْدِيقٍ، فَأشْبَهَ سَماعُكم سَماعَ مَن لا يُصَدِّقُ، وجاءَتِ الجُمْلَةُ النّافِيَةُ عَلى غَيْرِ لَفْظِ المُثْبَتَةِ إذْ لَمْ تَأْتِ وهم ما سَمِعُوا؛ لِأنَّ لَفْظَ المُضِيِّ لا يَدُلُّ عَلى اسْتِمْرارِ الحالِ ولا دَيْمُومَتِهِ بِخِلافِ نَفْيِ المُضارِعِ، فَكَما يَدُلُّ إثْباتُهُ عَلى الدَّيْمُومَةِ في قَوْلِهِمْ: هو يُعْطِي ويَمْنَعُ، كَذَلِكَ يَجِيءُ نَفْيُهُ، وجاءَ حَرْفُ النَّفْيِ لا؛ لِأنَّها أوْسَعُ في نَفْسِ المُضارِعِ مِن ما، وأدَلُّ عَلى انْتِفاءِ السَّماعِ في المُسْتَقْبَلِ، أيْ: هم مِمَّنْ لا يَقْبَلُ أنْ يَسْمَعَ.
﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ لَمّا أخْبَرَ تَعالى أنَّ هَؤُلاءِ المُشَبَّهَ بِهِمْ لا يَسْمَعُونَ أخْبَرَ أنَّ شَرَّ الحَيَوانِ الَّذِي يَدِبُّ الصُّمُّ، أوْ أنَّ شَرَّ البَهائِمِ، فَجَمَعَ بَيْنَ هَؤُلاءِ وبَيْنَ جَمْعِ الدَّوابِّ، وأخْبَرَ أنَّهم شَرُّ الحَيَوانِ مُطْلَقًا، ومَعْنى الصُّمِّ عَنْ ما يُلْقى إلَيْهِمْ مِنَ القُرْآنِ، البُكْمِ عَنِ الإقْرارِ بِالإيمانِ وما فِيهِ نَجاتُهم، ثُمَّ جاءَ بِانْتِفاءِ الوَصْفِ المُنْتِجِ لَهُمُ الصَّمَمَ والبَكَمَ النّاشِئَيْنِ عَنْهُ، وهو العَقْلُ، وكانَ الِابْتِداءُ بِالصَّمَمِ؛ لِأنَّهُ ناشِئٌ عَنْهُ البَكَمُ؛ إذْ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ كُلُّ أصَمَّ خَلَقَهُ أبْكَمَ؛ لِأنَّ الكَلامَ إنَّما يَتَلَقَّنُهُ ويَتَعَلَّمُهُ مَن كانَ سالِمَ حاسَّةِ السَّمْعِ، وهَذا مُطابِقٌ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١] إلّا أنَّهُ زادَ في هَذا وصْفَ العَمى، وكُلُّ هَذِهِ الأوْصافِ كِنايَةٌ عَنِ انْتِفاءِ قَبُولِهِمْ لِلْإيمانِ وإعْراضِهِمْ عَمّا جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ، وظاهِرُ هَذِهِ الأخْبارِ العُمُومُ؛ وقِيلَ: نَزَلَتْ في طائِفَةٍ مِن بَنِي عَبْدِ الدّارِ كانُوا يَقُولُونَ: نَحْنُ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ عَمّا جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ لا نَسْمَعُهُ ولا نُجِيبُهُ، فَقُتِلُوا جَمِيعًا بِبَدْرٍ وكانُوا أصْحابَ اللِّواءِ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هُمُ المُنافِقُونَ، وقالَ الحَسَنُ: هم أهْلُ الكِتابِ.
الأنفال 8:23
﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهم ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أخْبَرَ تَعالى بِأنَّ عَدَمَ سَماعِهِمْ وهُداهم إنَّما هو بِما عَلِمَهُ اللَّهُ مِنهم وسَبَقَ مِن قَضائِهِ عَلَيْهِمْ، فَخَرَجَ ذَلِكَ في عِبارَةٍ بَلِيغَةٍ في ذَمِّهِمْ، ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهم، والمُرادُ لَأسْمَعَهم إسْماعَ تَفَهُّمٍ وهُدًى، ثُمَّ ابْتَدَأ عَزَّ وجَلَّ الخَبَرَ عَنْهم بِما هو عَلَيْهِ مِن خَتْمِهِ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ، فَقالَ: ولَوْ أسْمَعَهم، أيْ: ولَوْ فَهَّمَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ بِالقَضاءِ السّابِقِ فِيهِمْ، ولَأعْرَضُوا عَمّا تَبَيَّنَ لَهم مِنَ الهُدى، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ في هَؤُلاءِ الصُّمِّ البُكْمِ خَيْرًا، أيِ: انْتِفاعًا بِاللُّطْفِ لَأسْمَعَهُمُ اللُّطْفَ بِهِمْ حَتّى سَمِعُوا سَماعَ المُصَدِّقِينَ، ثُمَّ قالَ: ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا، يَعْنِي: ولَوْ لَطَفَ بِهِمْ لَما نَفَعَهُمُ اللُّطْفُ، فَلِذَلِكَ مَنَعَهم ألْطافَهُ، أيْ: ولَوْ لَطَفَ بِهِمْ فَصَدَّقُوا لارْتَدُّوا بَعْدَ ذَلِكَ وكَذَّبُوا ولَمْ يَسْتَقِيمُوا، وقالَ الزَّجّاجُ: لَأسْمَعَهم جَوابَ كُلِّ ما سَألُوا، وحَكى ابْنُ الجَوْزِيِّ: لَأسْمَعَهم كَلامَ المَوْتى الَّذِينَ طَلَبُوا إحْياءَهم؛ لِأنَّهم طَلَبُوا إحْياءَ قُصَيِّ بْنِ كِلابٍ وغَيْرِهِ لِيَشْهَدُوا بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: التَّعْبِيرُ عَنْ عَدَمِهِ في نَفْسِهِ بِعَدَمِ عِلْمِ اللَّهِ بِوُجُودِهِ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ لَوْ حَصَلَ فِيهِمْ خَيْرٌ لَأسْمَعَهُمُ اللَّهُ الحُجَجَ والمَواعِظَ سَماعَ تَعْلِيمٍ مُفْهِمٍ، ولَوْ أسْمَعَهم إذْ عَلِمَ أنَّهُ لا خَيْرَ فِيهِمْ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِها وتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ، وقالَ أيْضًا: مَعْلُوماتُ اللَّهِ عَلى أرْبَعَةِ أقْسامٍ. أحَدُها: جُمْلَةُ المَوْجُوداتِ، الثّانِي: جُمْلَةُ المَعْدُوماتِ، الثّالِثُ: إنْ كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ المَوْجُوداتِ لَوْ كانَ مَعْدُومًا فَكَيْفَ حالُهُ، الرّابِعُ: إنْ كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ المَعْدُوماتِ لَوْ كانَ مَوْجُودًا فَكَيْفَ حالُهُ، فالقِسْمانِ الأوَّلانِ عِلْمٌ بِالواقِعِ، والقِسْمانِ الثّانِيانِ عِلْمٌ بِالمَقْدُورِ الَّذِي هو غَيْرُ واقِعٍ، فَقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهُمْ﴾ مِنَ القِسْمِ الثّانِي، وهو العِلْمُ بِالمَقْدُوراتِ، ولَيْسَ مِن أقْسامِ العِلْمِ بِالواقِعاتِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنِ المُنافِقِينَ: ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ﴾ [الحشر: ١١] ﴿وإنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ [الحشر: ١١] فَقالَ تَعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهم ولَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهم ولَئِنْ نَصَرُوهم لَيُوَلُّنَّ الأدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ [الحشر: ١٢] فَعِلْمُ اللَّهِ تَعالى في المَعْدُومِ أنَّهُ لَوْ كانَ مَوْجُودًا كَيْفَ يَكُونُ حالُهُ، وأيْضًا قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] أخْبَرَ عَنِ المَعْدُومِ أنَّهُ لَوْ كانَ مَوْجُودًا (p-٤٨١)كَيْفَ يَكُونُ حالُهُ، انْتَهى. وأقُولُ: ظاهِرُ هاتَيْنِ المُلازَمَتَيْنِ يَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ؛ لِأنَّهُ أخْبَرَ أنَّهُ كانَ يَقَعُ إسْماعٌ مِنهُ لَهم عَلى تَقْدِيرِ عِلْمِهِ خَيْرًا فِيهِمْ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ كانَ يَقَعُ تَوَلِّيهِمْ عَلى تَقْدِيرِ إسْماعِهِمْ إيّاهم، فَأنْتَجَ أنَّهُ كانَ يَقَعُ تَوَلِّيهِمْ عَلى تَقْدِيرِ عِلْمِهِ تَعالى خَيْرًا فِيهِمْ، وذَلِكَ بِحَرْفِ الواسِطَةِ؛ لِأنَّ المُرَتَّبَ عَلى شَيْءٍ يَكُونُ مُرَتَّبًا عَلى ما رُتِّبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الشَّيْءُ، وهَذا لا يَكُونُ؛ لِأنَّهُ لا يَقَعُ التَّوَلِّي عَلى تَقْدِيرِ عِلْمِهِ فِيهِمْ خَيْرًا، ويَصِيرُ الكَلامُ في الجُمْلَتَيْنِ في تَقْدِيرِ كَلامٍ واحِدٍ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا فَأسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَوْ عَلِمَ فِيهِمْ خَيْرًا ما تَوَلَّوْا.
الأنفال 8:24
﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكُمْ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ في اسْتَجابَ في (فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي) وأفْرَدَ الضَّمِيرَ في دَعاكم، كَما أفْرَدَهُ في: ولا تَوَلَّوْا عَنْهُ؛ لِأنَّ ذِكْرَ أحَدِهِما مَعَ الآخَرِ إنَّما هو عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، والِاسْتِجابَةُ هُنا الِامْتِثالُ، والدُّعاءُ بِمَعْنى التَّحْرِيضِ والبَعْثِ عَلى ما فِيهِ حَياتُهم، وظاهِرُ اسْتَجِيبُوا الوُجُوبُ، ولِذَلِكَ قالَ ﷺ: لِأُبَيٍّ حِينَ دَعاهُ وهو في الصَّلاةِ مُتَلَبِّثٌ: «ما مَنَعَكَ عَنِ الِاسْتِجابَةِ ؟ ألَمْ تُخْبَرْ فِيما أُوحِيَ إلَيَّ: اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ»، والظّاهِرُ تَعَلُّقُ ”لِما“ بِقَوْلِهِ: دَعاكم، ودَعا يَتَعَدّى بِاللّامِ. قالَ:
؎دَعَوْتُ لِما نابَنِي مِسْوَرًا
وقالَ آخَرُ:
؎وإنْ أُدْعَ لِلْجُلّى أكُنْ مِن حُماتِها
وقِيلَ: اللّامُ بِمَعْنى إلى ويَتَعَلَّقُ بِاسْتَجِيبُوا، فَلِذَلِكَ قَدَّرَهُ بِإلى حَتّى يَتَغايَرَ مَدْلُولُ اللّامِ فَيَتَعَلَّقُ الحَرْفانِ بِفِعْلٍ واحِدٍ، قالَ مُجاهِدٌ والجُمْهُورُ: المَعْنى اسْتَجِيبُوا لِلطّاعَةِ وما تَضَمَّنَهُ القُرْآنُ مِن أوامِرَ ونَواهٍ، فَفِيهِ الحَياةُ الأبَدِيَّةُ والنِّعْمَةُ السَّرْمَدِيَّةُ؛ وقِيلَ: ما يُحْيِيكم هو مُجاهَدَةُ الكُفّارِ؛ لِأنَّهم لَوْ تَرَكُوها لَغَلَبُوهم وقَتَلُوهم، ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ؛ وقِيلَ: الشَّهادَةُ لِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ؛ وقِيلَ: لِما يُحْيِيكم مِن عُلُومِ الدِّياناتِ والشَّرائِعِ؛ لِأنَّ العِلْمَ حَياةٌ كَما أنَّ الجَهْلَ مَوْتٌ. قالَ الشّاعِرُ:
؎لا تُعْجِبَنَّ الجَهُولَ حِلْيَتُهُ ∗∗∗ فَذاكَ مَيْتٌ وثَوْبُهُ كَفَنُ
وهَذا نَحْوٌ مِن قَوْلِ الجُمْهُورِ ومُجاهِدٍ، وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: ما يُحْيِيكم هو الحَقُّ؛ وقِيلَ: هو إحْياءُ أُمُورِهِمْ وطِيبُ أحْوالِهِمْ في الدُّنْيا ورِفْعَتُهم، يُقالُ: حَيِيَتْ حالُهُ إذا ارْتَفَعَتْ؛ وقِيلَ: ما يَحْصُلُ لَكم مِنَ الغَنائِمِ في الجِهادِ ويَعِيشُونَ مِنها؛ وقِيلَ: الجُثَّةُ، والَّذِي يَظْهَرُ هو القَوْلُ الأوَّلُ؛ لِأنَّهُ في سِياقِ قَوْلِهِ: ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهم، فالَّذِي يَحْيا بِهِ مِنَ الجَهْلِ هو سَماعُ ما يَنْفَعُ مِمّا أمَرَ بِهِ ونَهى عَنْهُ فَيَمْتَثِلُ المَأْمُورَ بِهِ ويَجْتَنِبُ المَنهِيَّ عَنْهُ، فَيَئُولُ إلى الحَياتَيْنِ الطَّيِّبَتَيْنِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ.
﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ وأنَّهُ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ المَعْنى: أنَّهُ تَعالى هو المُتَصَرِّفُ في جَمِيعِ الأشْياءِ والقادِرُ عَلى الحَيْلُولَةِ بَيْنَ الإنْسانِ وبَيْنَ ما يَشْتَهِيهِ قَلْبُهُ، فَهو الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُسْتَجابَ لَهُ إذا دَعاهُ؛ إذْ بِيَدِهِ تَعالى مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وزِمامُهُ، وفي ذَلِكَ حَضٌّ عَلى المُراقَبَةِ والخَوْفِ مِنَ اللَّهِ تَعالى والبِدارِ إلى الِاسْتِجابَةِ لَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ والضَّحّاكُ: يَحُولُ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكُفْرِ، وبَيْنَ الكافِرِ والإيمانِ، وقالَ مُجاهِدٌ: يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وعَقْلِهِ فَلا يَدْرِي ما يَعْمَلُ عُقُوبَةً عَلى عِنادِهِ، فَفي التَّنْزِيلِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧]، أيْ: عَقْلٌ، وقالَ السُّدِّيُّ: يَحُولُ بَيْنَ كُلِّ واحِدٍ وقَلْبِهِ فَلا يَقْدِرُ عَلى إيمانٍ ولا كُفْرٍ إلّا بِإذْنِهِ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: بَيْنَهُ وبَيْنَ ما يَتَمَنّاهُ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: بَيْنَهُ وبَيْنَ هَواهُ، وهَذانِ راجِعانِ إلى القَوْلِ الأوَّلِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: هو أنْ يَتَوَفّاهُ، ولِأنَّ الأجَلَ يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ أمَلِ قَلْبِهِ، وهَذا حَثٌّ عَلى انْتِهازِ الفُرْصَةِ قَبْلَ الوَفاةِ الَّتِي هو واجِدُها، وهي التَّمَكُّنُ مِن إخْلاصِ القَلْبِ ومُخالَجَةِ أدْوائِهِ وعِلَلِهِ ورَدِّهِ سَلِيمًا كَما يُرِيدُهُ اللَّهُ، فاغْتَنِمُوا هَذِهِ الفُرْصَةَ وأخْلِصُوا قُلُوبَكم لِطاعَةِ اللَّهِ (p-٤٨٢)ورَسُولِهِ، انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقَةِ المُعْتَزِلَةِ، وعَلِيُّ بْنُ عِيسى هو الرُّمّانِيُّ، وهو مُعْتَزِلِيٌّ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْضًا. وقِيلَ: مَعْناهُ: أنَّ اللَّهَ قَدْ يَمْلِكُ عَلى العَبْدِ قَلْبَهُ فَيَفْسَخُ عَزائِمَهُ ويُغَيِّرُ نِيّاتِهِ ومَقاصِدَهُ ويُبَدِّلُهُ بِالخَوْفِ أمْنًا وبِالأمْنِ خَوْفًا وبِالذِّكْرِ نِسْيانًا وبِالنِّسْيانِ ذِكْرًا، وما أشْبَهَ ذَلِكَ مِمّا هو جائِزٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَأمّا ما يُثابُ عَلَيْهِ العَبْدُ ويُعاقَبُ مِن أفْعالِ القُلُوبِ فَلا، والمُجْبِرَةُ عَلى أنَّهُ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ والإيمانِ إذا كَفَرَ، وبَيْنَهُ وبَيْنَ الكُفْرِ إذا آمَنَ، تَعالى اللَّهُ عَمّا يَقُولُ الظّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا، انْتَهى، وجَعَلَ هَذا المِسْكِينُ صَدْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ ظالِمِينَ؛ إذْ قائِلُ ذَلِكَ هو ابْنُ عَبّاسٍ تُرْجُمانُ القُرْآنِ، ومَن ذُكِرَ مَعَهُ مِن ساداتِ التّابِعِينَ؛ وقِيلَ: يُبَدِّلُ الجُبْنَ جَراءَةً، وهو تَحْرِيضٌ عَلى القِتالِ بَعْدَ الأمْرِ بِهِ بِقَوْلِهِ: اسْتَجِيبُوا، ويَكْشِفُ حَقِيقَتَهُ قَوْلُهُ: «قَلْبُ ابْنِ آدَمَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِن أصابِعِ الرَّحْمَنِ يُقَلِّبُهُ كَيْفَ يَشاءُ» وتَأْوِيلُهُ بَيْنَ أثَرَيْنِ مِن آثارِ رُبُوبِيَّتِهِ. وقِيلَ: يَحُولُ بَيْنَ المُؤْمِنِ وبَيْنَ المَعاصِي الَّتِي يَهُمُّ بِها قَلْبُهُ بِالعِصْمَةِ؛ وقِيلَ: مَعْناهُ أنَّهُ يَطَّلِعُ عَلى كُلِّ ما يَخْطُرُ المَرْءَ بِبالِهِ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن ضَمائِرِهِ، فَكَأنَّهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَلْبِهِ، واخْتارَ الطَّبَرِيُّ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ اللَّهَ أخْبَرَ أنَّهُ أمْلَكُ لِقُلُوبِ العِبادِ مِنهم، وأنَّهُ يَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَها إذا شاءَ حَتّى لا يُدْرِكَ الإنْسانُ شَيْئًا إلّا بِمَشِيئَتِهِ تَعالى، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: بَيْنَ المِرْءِ، بِكَسْرِ المِيمِ إتْباعًا لِحَرَكَةِ الإعْرابِ؛ إذْ في المَرْءِ لُغَتانِ: فَتْحُ المِيمِ مُطْلَقًا وإتْباعُها حَرَكَةَ الإعْرابِ، وقَرَأ الحَسَنُ والزُّهْرِيُّ: بَيْنَ المَرِّ بِتَشْدِيدِ الرّاءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، ووَجَّهَهُ أنَّهُ نَقَلَ حَرَكَةَ الهَمْزَةِ إلى الرّاءِ وحَذَفَ الهَمْزَةَ، ثُمَّ شَدَّدَها، كَما تُشَدَّدُ في الوَقْفِ، وأجْرى الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ، وكَثِيرًا ما تَفْعَلُ العَرَبُ ذَلِكَ، تُجْرِي الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ، وهَذا تَوْجِيهُ شُذُوذٍ: وأنَّهُ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ، الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في أنَّهُ عائِدٌ إلى اللَّهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ، ولَمّا أمَرَهم بِأنْ يَعْلَمُوا قُدْرَةَ اللَّهِ وحَيْلُولَتَهُ بَيْنَ المَرْءِ ومَقاصِدِ قَلْبِهِ أعْلَمَهم بِأنَّهُ تَعالى إلَيْهِ يَحْشُرُهم فَيُثِيبُهم عَلى أعْمالِهِمْ، فَكانَ في ذَلِكَ تِذْكارٌ لِما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهم مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ بِالثَّوابِ والعِقابِ.
الأنفال 8:25
﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ هَذا الخِطابُ ظاهِرُهُ العُمُومُ بِاتِّقاءِ الفِتْنَةِ الَّتِي لا تَخْتَصُّ بِالظّالِمِ بَلْ تَعُمُّ الصّالِحَ والطّالِحَ، وكَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أمَرَ المُؤْمِنِينَ أنْ لا يُقِرُّوا المُنْكَرَ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ فَيَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِالعَذابِ، فَفي البُخارِيِّ والتِّرْمِذِيِّ «أنَّ النّاسَ إذا رَأوُا الظّالِمَ ولَمْ يَأْخُذُوا عَلى يَدَيْهِ أوْشَكَ أنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ»، وفي مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ سَألَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنَهْلِكُ وفِينا الصّالِحُونَ ؟ قالَ: (p-٤٨٣)«نَعَمْ إذا كَثُرَ الخَبَثُ»؛ وقِيلَ: الخِطابُ لِلصَّحابَةِ؛ وقِيلَ: لِأهْلِ بَدْرٍ؛ وقِيلَ: لِعَلِيٍّ وعَمّارٍ وطَلْحَةَ والزُّبَيْرِ؛ وقِيلَ: لِرَجُلَيْنِ مِن قُرَيْشٍ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ولَمْ يُسَمِّهِما، والفِتْنَةُ هُنا القِتالُ في وقْعَةِ الجَمَلِ، أوِ الضَّلالَةُ، أوْ عَدَمُ إنْكارِ المُنْكَرِ، أوْ بِالأمْوالِ والأوْلادِ، أوْ بِظُهُورِ البِدَعِ، أوِ العُقُوبَةُ، أقْوالٌ، وقالَ الزُّبَيْرُ بْنُ العَوّامِ يَوْمَ الجَمَلِ: ما عَلِمْتُ أنّا أُرِدْنا بِهَذِهِ الآيَةِ إلّا اليَوْمَ، وما كُنْتُ أظُنُّها إلّا فِيمَن خُوطِبَ بِها في ذَلِكَ الوَقْتِ، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: لا تُصِيبَنَّ، خَبَرِيَّةٌ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: فِتْنَةً، أيْ: غَيْرَ مُصِيبَةٍ الظّالِمَ خاصَّةً، إلّا أنَّ دُخُولَ نُونِ التَّوْكِيدِ عَلى المَنفِيِّ بِلا مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فالجُمْهُورُ لا يُجِيزُونَهُ ويَحْمِلُونَ ما جاءَ مِنهُ عَلى الضَّرُورَةِ، أوِ النُّدُورِ، والَّذِي نَخْتارُهُ الجَوازُ، وإلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ، وإذا كانَ قَدْ جاءَ لَحاقُها الفِعْلَ مَبْنِيًّا بِلا مَعَ الفَصْلِ، نَحْوَ قَوْلِهِ:
؎فَلا ذا نَعِيمٌ يُتْرَكَنْ لِنَعِيمِهِ وإنْ قالَ قَرِّظْنِي وخُذْ رِشْوَةً أبى
؎ولا ذا بَئِيسٌ يُتْرَكَنَّ لِبُؤْسِهِ ∗∗∗ فَيَنْفَعُهُ شَكْوى إلَيْهِ إنِ اشْتَكى
(p-٤٨٤)فَلَأنْ يَلْحَقُهُ مَعَ غَيْرِ الفَصْلِ أوْلى، نَحْوُ: لا تُصِيبَنَّ، وزَعَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ الجُمْلَةَ صِفَةٌ وهي نَهْيٌ قالَ: وكَذَلِكَ إذا جَعَلْتَهُ صِفَةً عَلى إرادَةِ القَوْلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: واتَّقَوْا فِتْنَةً مَقُولًا فِيها لا تُصِيبَنَّ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ:
؎حَتّى إذا جَنَّ الظَّلامُ واخْتَلَطْ ∗∗∗ جاءُوا بِمَذْقٍ هَلْ رَأيْتَ الذِّئْبَ قَطْ
أيْ: بِمَذْقٍ مَقُولٌ فِيهِ هَذا القَوْلُ؛ لِأنَّ فِيهِ لَوْنُ الزُّرْقَةِ الَّتِي هي مَعْنى الذِّئْبِ، انْتَهى. وتَحْرِيرُهُ أنَّ الجُمْلَةَ مَعْمُولَةٌ لِصِفَةٍ مَحْذُوفَةٍ، وزَعَمَ الفَرّاءُ أنَّ الجُمْلَةَ جَوابٌ لِلْأمْرِ، نَحْوُ قَوْلِكَ: انْزِلْ عَنِ الدّابَّةِ لا تَطْرَحَنَّكَ، أيْ: إنْ تَنْزِلْ عَنْها لا تَطْرَحَنَّكَ، قالَ: ومِنهُ ﴿لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ﴾ [النمل: ١٨]، أيْ: إنْ تَدْخُلُوا لا يَحْطِمَنَّكم، فَدَخَلَتِ النُّونُ لِما فِيها مِن مَعْنى الجَزاءِ، انْتَهى، وهَذا المِثالُ بِقَوْلِهِ: ﴿ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ [النمل: ١٨] لَيْسَ نَظِيرَ ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً﴾؛ لِأنَّهُ يَنْتَظِمُ مِنَ المِثالِ، والآيَةُ شَرْطٌ وجَزاءٌ كَما قُدِّرَ، ولا يَنْتَظِمُ ذَلِكَ هُناكَ، ألا تَرى أنَّهُ لا يَصِحُّ تَقْدِيرُ: إنْ تَتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً؛ لِأنَّهُ يَتَرَتَّبُ إذْ ذاكَ عَلى الشَّرْطِ، مُقْتَضاهُ مِن جِهَةِ المَعْنى، وأخَذَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلَ الفَرّاءِ، وزادَهُ فَسادًا وخَبَّطَ فِيهِ، فَقالَ: وقَوْلُهُ: لا تُصِيبَنَّ، لا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونَ جَوابًا لِلْأمْرِ، أوْ نَهْيًا بَعْدَ أمْرٍ، أوْ صِفَةً لِـ (فِتْنَةً)، فَإذا كانَ جَوابًا، فالمَعْنى إنْ أصابَتْكم لا تُصِبِ الظّالِمِينَ مِنكم خاصَّةً، ولَكِنَّها تَعُمُّكُمُ، انْتَهى تَقْرِيرُ هَذا القَوْلِ، فانْظُرْ كَيْفَ قَدَّرَ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِلْأمْرِ الَّذِي هو اتَّقُوا، ثُمَّ قَدَّرَ أداةَ الشَّرْطِ داخِلَةً عَلى غَيْرِ مُضارِعِ (اتَّقُوا)، فَقالَ: فالمَعْنى إنْ أصابَتْكم يَعْنِي الفِتْنَةَ، وانْظُرْ كَيْفَ قَدَّرَ الفَرّاءُ في: انْزِلْ عَنِ الدّابَّةِ لا تَطْرَحَنَّكَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ [النمل: ١٨]، فَأدْخَلَ أداةَ الشَّرْطِ عَلى مُضارِعِ فِعْلِ الأمْرِ، وهَكَذا يُقَدَّرُ ما كانَ جَوابًا لِلْأمْرِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ قَوْلَهُ: لا تُصِيبَنَّ، جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ؛ وقِيلَ: لا نافِيَةٌ، وشُبِّهَ النَّفْيُ بِالمُوجَبِ فَدَخَلَتِ النُّونُ، كَما دَخَلَتْ في لَتَضْرِبَنَّ، التَّقْدِيرُ: واللَّهُ لا تُصِيبَنَّ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ بِأنَّها صِفَةٌ، أوْ جَوابُ أمْرٍ، أوْ جَوابُ قَسَمٍ تَكُونُ النُّونُ قَدْ دَخَلَتْ في المَنفِيِّ بِلا، وذَهَبَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّها جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ مُوجَبَةٌ فَدَخَلَتِ النُّونُ في مَحَلِّها ومُطِلَتِ اللّامُ فَصارَتْ لا، والمَعْنى: لَتُصِيبَنَّ، ويُؤَيِّدُ هَذا قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ وعَلِيٍّ وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ والباقِرِ والرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ وأبِي العالِيَةِ: لَتُصِيبَنَّ، وفي ذَلِكَ وعِيدٌ لِلظّالِمِينَ فَقَطْ، وعَلى هَذا التَّوْجِيهِ خَرَّجَ ابْنُ جِنِّي أيْضًا قِراءَةَ الجَماعَةِ: لا تُصِيبَنَّ، وكَوْنُ اللّامِ مُطِلَتْ فَحَدَثَتْ عَنْها الألِفُ إشْباعًا؛ لِأنَّ الإشْباعَ بابُهُ الشِّعْرُ، وقالَ ابْنُ جِنِّي في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ ومَن مَعَهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهَذِهِ القِراءَةِ: لا تُصِيبَنَّ، فَحُذِفَتِ الألِفُ تَخْفِيفًا واكْتِفاءً بِالحَرَكَةِ، كَما قالُوا: أمْ واللَّهِ. قالَ المَهْدَوِيُّ: كَما حُذِفَتْ مِن ما وهي أُخْتُ لا في قَوْلِهِ: أمْ واللَّهِ لَأفْعَلَنَّ وشِبْهِهِ، انْتَهى، ولَيْسَتْ لِلنَّفْيِ، وحَكى النَّقّاشُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ: قَرَأ فِتْنَةً أنْ تُصِيبَ، وعَنِ الزُّبَيْرِ: لَتُصِيبَنَّ، وخَرَّجَ المُبَرِّدُ والفَرّاءُ والزَّجّاجُ قِراءَةَ: لا تُصِيبَنَّ، عَلى أنْ تَكُونَ ناهِيَةً وتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: واتَّقُوا فِتْنَةً، وهو خِطابٌ عامٌّ لِلْمُؤْمِنِينَ، تَمَّ الكَلامُ عِنْدَهُ، ثُمَّ ابْتُدِئَ نَهْيُ الظَّلَمَةِ خاصَّةً عَنِ التَّعَرُّضِ لِلظُّلْمِ فَتُصِيبُهُمُ الفِتْنَةُ خاصَّةً، وأُخْرِجَ النَّهْيُ عَلى جِهَةِ إسْنادِهِ لِلْفِتْنَةِ، فَهو نَهْيٌ مُحَوَّلٌ كَما قالُوا: لا أرَيَنَّكَ هاهُنا، أيْ: لا تَكُنْ هُنا فَيَقَعَ مِنِّي رُؤْيَتُكَ، والمُرادُ هُنا لا يَتَعَرَّضُ الظّالِمُ لِلْفِتْنَةِ فَتَقَعَ إصابَتُها لَهُ خاصَّةً، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في تَقْدِيرِ هَذا الوَجْهِ، وإذا كانَتْ نَهْيًا بَعْدَ أمْرٍ، فَكَأنَّهُ قِيلَ واحْذَرُوا ذَنْبًا أوْ عِقابًا، ثُمَّ قِيلَ: لا تَتَعَرَّضُوا لِلظُّلْمِ فَيُصِيبَ العِقابُ أوْ أثَرُ الذَّنْبِ مَن ظَلَمَ مِنكم خاصَّةً، (p-٤٨٥)وقالَ الأخْفَشُ: لا تُصِيبَنَّ، هو عَلى مَعْنى الدُّعاءِ، انْتَهى، والَّذِي دَعاهُ إلى هَذا - واللَّهُ أعْلَمُ - اسْتِبْعادُ دُخُولِ نُونِ التَّوْكِيدِ في المَنفِيِّ بِلا، واعْتِياضُ تَقْرِيرِهِ نَهْيًا، فَعَدَلَ إلى جَعْلِهِ دُعاءً فَيَصِيرُ المَعْنى لا أصابَتِ الفِتْنَةُ الظّالِمِينَ خاصَّةً، واسْتَلْزَمَتِ الدُّعاءَ عَلى غَيْرِ الظّالِمِينَ، فَصارَ التَّقْدِيرُ: لا أصابَتْ ظالِمًا ولا غَيْرَ ظالِمٍ، فَكَأنَّهُ واتَّقُوا فِتْنَةً لا أوْقَعَها اللَّهُ بِأحَدٍ، فَتُلَخَّصَ في تَخْرِيجِ قَوْلِهِ: لا تُصِيبَنَّ - أقْوالُ الدُّعاءِ والنَّهْيِ عَلى تَقْدِيرَيْنِ وجَوابُ أمْرٍ عَلى تَقْدِيرَيْنِ وصِفَةٌ - . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ جازَ أنْ تَدْخُلَ النُّونُ المُؤَكِّدَةُ في جَوابِ الأمْرِ، (قُلْتُ): لِأنَّ فِيهِ مَعْنى التَّمَنِّي، إذا قُلْتَ: انْزِلْ عَنِ الدّابَّةِ لا تَطْرَحْكَ، فَلِذَلِكَ جازَ لا تَطْرَحَنَّكَ، ولا تُصِيبَنَّ، ولا يَحْطِمَنَّكُمُ، انْتَهى، وإذا قُلْتَ -: لا تَطْرَحْكَ وجَعَلْتَهُ جَوابًا لِقَوْلِكَ انْزِلْ ولَيْسَ فِيهِ نَهْيٌ بَلْ نَفْيٌ مَحْضٌ - جَوابُ الأمْرِ نُفِيَ بِلا، وجَزَمَهُ عَلى الجَوابِ عَلى الخِلافِ الَّذِي في جَوابِ الأمْرِ، والسِّتَّةُ مَعَهُ هَلْ ثَمَّ شَرْطٌ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ الأمْرُ وما ذُكِرَ مَعَهُ مَعْنى الشَّرْطِ، وإذا فَرَّعْنا عَلى مَذْهَبِ الجُمْهُورِ في أنَّ الفِعْلَ المَنفِيَّ بِلا لا تَدْخُلُ عَلَيْهِ النُّونُ لِلتَّوْكِيدِ، لَمْ يَجُزِ: انْزِلْ عَنِ الدّابَّةِ لا تَطْرَحَنَّكَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما مَعْنى مِن في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾، (قُلْتُ): التَّبْعِيضُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، فالتَّبْيِينُ عَلى الثّانِي؛ لِأنَّ المَعْنى لا تُصِيبُكم خاصَّةً عَلى ظُلْمِكم؛ لِأنَّ الظُّلْمَ مِنكم أقْبَحُ مِن سائِرِ النّاسِ، انْتَهى، ويَعْنِي بِالأوَّلِ: أنْ يَكُونَ جَوابًا بَعْدَ أمْرٍ، وبِالثّانِي: أنْ يَكُونَ نَهْيًا بَعْدَ أمْرٍ، وخاصَّةً أصْلُهُ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: إصابَةٌ خاصَّةٌ، وهي حالٌ مِنَ الفاعِلِ المُسْتَكِنُ في لا تُصِيبَنَّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا، أيْ: مَخْصُوصِينَ بِها بَلْ تَعُمُّهم وغَيْرَهم، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ خاصَّةً حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ظَلَمُوا، ولا أتَعَقَّلُ هَذا الوَجْهَ.
﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ هَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ مُناسِبٌ لِقَوْلِهِ: لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً؛ إذْ فِيهِ حَثٌّ عَلى لُزُومِ الِاسْتِقامَةِ خَوْفًا مِن عِقابِ اللَّهِ، لا يُقالُ: كَيْفَ يُوصِلُ الرَّحِيمُ الكَرِيمُ الفِتْنَةَ والعَذابَ لِمَن لَمْ يُذْنِبْ، (قُلْتُ): لِأنَّهُ تَصَرُّفٌ بِحُكْمِ المَلِكِ، كَما قَدْ يُنْزِلُ الفَقْرَ والمَرَضَ بِعَبْدِهِ ابْتِداءً فَيَحْسُنُ ذَلِكَ مِنهُ، أوْ لِأنَّهُ عَلِمَ اشْتِمالَ ذَلِكَ عَلى مَزِيدِ ثَوابٍ لِمَن أُوقِعَ بِهِ ذَلِكَ.
الأنفال 8:26
﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ هَذا الخِطابُ ظاهِرُهُ العُمُومُ بِاتِّقاءِ الفِتْنَةِ الَّتِي لا تَخْتَصُّ بِالظّالِمِ بَلْ تَعُمُّ الصّالِحَ والطّالِحَ، وكَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أمَرَ المُؤْمِنِينَ أنْ لا يُقِرُّوا المُنْكَرَ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ فَيَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِالعَذابِ، فَفي البُخارِيِّ والتِّرْمِذِيِّ «أنَّ النّاسَ إذا رَأوُا الظّالِمَ ولَمْ يَأْخُذُوا عَلى يَدَيْهِ أوْشَكَ أنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ»، وفي مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ سَألَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنَهْلِكُ وفِينا الصّالِحُونَ ؟ قالَ: (p-٤٨٣)«نَعَمْ إذا كَثُرَ الخَبَثُ»؛ وقِيلَ: الخِطابُ لِلصَّحابَةِ؛ وقِيلَ: لِأهْلِ بَدْرٍ؛ وقِيلَ: لِعَلِيٍّ وعَمّارٍ وطَلْحَةَ والزُّبَيْرِ؛ وقِيلَ: لِرَجُلَيْنِ مِن قُرَيْشٍ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ولَمْ يُسَمِّهِما، والفِتْنَةُ هُنا القِتالُ في وقْعَةِ الجَمَلِ، أوِ الضَّلالَةُ، أوْ عَدَمُ إنْكارِ المُنْكَرِ، أوْ بِالأمْوالِ والأوْلادِ، أوْ بِظُهُورِ البِدَعِ، أوِ العُقُوبَةُ، أقْوالٌ، وقالَ الزُّبَيْرُ بْنُ العَوّامِ يَوْمَ الجَمَلِ: ما عَلِمْتُ أنّا أُرِدْنا بِهَذِهِ الآيَةِ إلّا اليَوْمَ، وما كُنْتُ أظُنُّها إلّا فِيمَن خُوطِبَ بِها في ذَلِكَ الوَقْتِ، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: لا تُصِيبَنَّ، خَبَرِيَّةٌ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: فِتْنَةً، أيْ: غَيْرَ مُصِيبَةٍ الظّالِمَ خاصَّةً، إلّا أنَّ دُخُولَ نُونِ التَّوْكِيدِ عَلى المَنفِيِّ بِلا مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فالجُمْهُورُ لا يُجِيزُونَهُ ويَحْمِلُونَ ما جاءَ مِنهُ عَلى الضَّرُورَةِ، أوِ النُّدُورِ، والَّذِي نَخْتارُهُ الجَوازُ، وإلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ، وإذا كانَ قَدْ جاءَ لَحاقُها الفِعْلَ مَبْنِيًّا بِلا مَعَ الفَصْلِ، نَحْوَ قَوْلِهِ:
؎فَلا ذا نَعِيمٌ يُتْرَكَنْ لِنَعِيمِهِ وإنْ قالَ قَرِّظْنِي وخُذْ رِشْوَةً أبى
؎ولا ذا بَئِيسٌ يُتْرَكَنَّ لِبُؤْسِهِ ∗∗∗ فَيَنْفَعُهُ شَكْوى إلَيْهِ إنِ اشْتَكى
(p-٤٨٤)فَلَأنْ يَلْحَقُهُ مَعَ غَيْرِ الفَصْلِ أوْلى، نَحْوُ: لا تُصِيبَنَّ، وزَعَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ الجُمْلَةَ صِفَةٌ وهي نَهْيٌ قالَ: وكَذَلِكَ إذا جَعَلْتَهُ صِفَةً عَلى إرادَةِ القَوْلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: واتَّقَوْا فِتْنَةً مَقُولًا فِيها لا تُصِيبَنَّ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ:
؎حَتّى إذا جَنَّ الظَّلامُ واخْتَلَطْ ∗∗∗ جاءُوا بِمَذْقٍ هَلْ رَأيْتَ الذِّئْبَ قَطْ
أيْ: بِمَذْقٍ مَقُولٌ فِيهِ هَذا القَوْلُ؛ لِأنَّ فِيهِ لَوْنُ الزُّرْقَةِ الَّتِي هي مَعْنى الذِّئْبِ، انْتَهى. وتَحْرِيرُهُ أنَّ الجُمْلَةَ مَعْمُولَةٌ لِصِفَةٍ مَحْذُوفَةٍ، وزَعَمَ الفَرّاءُ أنَّ الجُمْلَةَ جَوابٌ لِلْأمْرِ، نَحْوُ قَوْلِكَ: انْزِلْ عَنِ الدّابَّةِ لا تَطْرَحَنَّكَ، أيْ: إنْ تَنْزِلْ عَنْها لا تَطْرَحَنَّكَ، قالَ: ومِنهُ ﴿لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ﴾ [النمل: ١٨]، أيْ: إنْ تَدْخُلُوا لا يَحْطِمَنَّكم، فَدَخَلَتِ النُّونُ لِما فِيها مِن مَعْنى الجَزاءِ، انْتَهى، وهَذا المِثالُ بِقَوْلِهِ: ﴿ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ [النمل: ١٨] لَيْسَ نَظِيرَ ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً﴾؛ لِأنَّهُ يَنْتَظِمُ مِنَ المِثالِ، والآيَةُ شَرْطٌ وجَزاءٌ كَما قُدِّرَ، ولا يَنْتَظِمُ ذَلِكَ هُناكَ، ألا تَرى أنَّهُ لا يَصِحُّ تَقْدِيرُ: إنْ تَتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً؛ لِأنَّهُ يَتَرَتَّبُ إذْ ذاكَ عَلى الشَّرْطِ، مُقْتَضاهُ مِن جِهَةِ المَعْنى، وأخَذَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلَ الفَرّاءِ، وزادَهُ فَسادًا وخَبَّطَ فِيهِ، فَقالَ: وقَوْلُهُ: لا تُصِيبَنَّ، لا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونَ جَوابًا لِلْأمْرِ، أوْ نَهْيًا بَعْدَ أمْرٍ، أوْ صِفَةً لِـ (فِتْنَةً)، فَإذا كانَ جَوابًا، فالمَعْنى إنْ أصابَتْكم لا تُصِبِ الظّالِمِينَ مِنكم خاصَّةً، ولَكِنَّها تَعُمُّكُمُ، انْتَهى تَقْرِيرُ هَذا القَوْلِ، فانْظُرْ كَيْفَ قَدَّرَ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِلْأمْرِ الَّذِي هو اتَّقُوا، ثُمَّ قَدَّرَ أداةَ الشَّرْطِ داخِلَةً عَلى غَيْرِ مُضارِعِ (اتَّقُوا)، فَقالَ: فالمَعْنى إنْ أصابَتْكم يَعْنِي الفِتْنَةَ، وانْظُرْ كَيْفَ قَدَّرَ الفَرّاءُ في: انْزِلْ عَنِ الدّابَّةِ لا تَطْرَحَنَّكَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ [النمل: ١٨]، فَأدْخَلَ أداةَ الشَّرْطِ عَلى مُضارِعِ فِعْلِ الأمْرِ، وهَكَذا يُقَدَّرُ ما كانَ جَوابًا لِلْأمْرِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ قَوْلَهُ: لا تُصِيبَنَّ، جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ؛ وقِيلَ: لا نافِيَةٌ، وشُبِّهَ النَّفْيُ بِالمُوجَبِ فَدَخَلَتِ النُّونُ، كَما دَخَلَتْ في لَتَضْرِبَنَّ، التَّقْدِيرُ: واللَّهُ لا تُصِيبَنَّ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ بِأنَّها صِفَةٌ، أوْ جَوابُ أمْرٍ، أوْ جَوابُ قَسَمٍ تَكُونُ النُّونُ قَدْ دَخَلَتْ في المَنفِيِّ بِلا، وذَهَبَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّها جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ مُوجَبَةٌ فَدَخَلَتِ النُّونُ في مَحَلِّها ومُطِلَتِ اللّامُ فَصارَتْ لا، والمَعْنى: لَتُصِيبَنَّ، ويُؤَيِّدُ هَذا قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ وعَلِيٍّ وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ والباقِرِ والرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ وأبِي العالِيَةِ: لَتُصِيبَنَّ، وفي ذَلِكَ وعِيدٌ لِلظّالِمِينَ فَقَطْ، وعَلى هَذا التَّوْجِيهِ خَرَّجَ ابْنُ جِنِّي أيْضًا قِراءَةَ الجَماعَةِ: لا تُصِيبَنَّ، وكَوْنُ اللّامِ مُطِلَتْ فَحَدَثَتْ عَنْها الألِفُ إشْباعًا؛ لِأنَّ الإشْباعَ بابُهُ الشِّعْرُ، وقالَ ابْنُ جِنِّي في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ ومَن مَعَهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهَذِهِ القِراءَةِ: لا تُصِيبَنَّ، فَحُذِفَتِ الألِفُ تَخْفِيفًا واكْتِفاءً بِالحَرَكَةِ، كَما قالُوا: أمْ واللَّهِ. قالَ المَهْدَوِيُّ: كَما حُذِفَتْ مِن ما وهي أُخْتُ لا في قَوْلِهِ: أمْ واللَّهِ لَأفْعَلَنَّ وشِبْهِهِ، انْتَهى، ولَيْسَتْ لِلنَّفْيِ، وحَكى النَّقّاشُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ: قَرَأ فِتْنَةً أنْ تُصِيبَ، وعَنِ الزُّبَيْرِ: لَتُصِيبَنَّ، وخَرَّجَ المُبَرِّدُ والفَرّاءُ والزَّجّاجُ قِراءَةَ: لا تُصِيبَنَّ، عَلى أنْ تَكُونَ ناهِيَةً وتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: واتَّقُوا فِتْنَةً، وهو خِطابٌ عامٌّ لِلْمُؤْمِنِينَ، تَمَّ الكَلامُ عِنْدَهُ، ثُمَّ ابْتُدِئَ نَهْيُ الظَّلَمَةِ خاصَّةً عَنِ التَّعَرُّضِ لِلظُّلْمِ فَتُصِيبُهُمُ الفِتْنَةُ خاصَّةً، وأُخْرِجَ النَّهْيُ عَلى جِهَةِ إسْنادِهِ لِلْفِتْنَةِ، فَهو نَهْيٌ مُحَوَّلٌ كَما قالُوا: لا أرَيَنَّكَ هاهُنا، أيْ: لا تَكُنْ هُنا فَيَقَعَ مِنِّي رُؤْيَتُكَ، والمُرادُ هُنا لا يَتَعَرَّضُ الظّالِمُ لِلْفِتْنَةِ فَتَقَعَ إصابَتُها لَهُ خاصَّةً، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في تَقْدِيرِ هَذا الوَجْهِ، وإذا كانَتْ نَهْيًا بَعْدَ أمْرٍ، فَكَأنَّهُ قِيلَ واحْذَرُوا ذَنْبًا أوْ عِقابًا، ثُمَّ قِيلَ: لا تَتَعَرَّضُوا لِلظُّلْمِ فَيُصِيبَ العِقابُ أوْ أثَرُ الذَّنْبِ مَن ظَلَمَ مِنكم خاصَّةً، (p-٤٨٥)وقالَ الأخْفَشُ: لا تُصِيبَنَّ، هو عَلى مَعْنى الدُّعاءِ، انْتَهى، والَّذِي دَعاهُ إلى هَذا - واللَّهُ أعْلَمُ - اسْتِبْعادُ دُخُولِ نُونِ التَّوْكِيدِ في المَنفِيِّ بِلا، واعْتِياضُ تَقْرِيرِهِ نَهْيًا، فَعَدَلَ إلى جَعْلِهِ دُعاءً فَيَصِيرُ المَعْنى لا أصابَتِ الفِتْنَةُ الظّالِمِينَ خاصَّةً، واسْتَلْزَمَتِ الدُّعاءَ عَلى غَيْرِ الظّالِمِينَ، فَصارَ التَّقْدِيرُ: لا أصابَتْ ظالِمًا ولا غَيْرَ ظالِمٍ، فَكَأنَّهُ واتَّقُوا فِتْنَةً لا أوْقَعَها اللَّهُ بِأحَدٍ، فَتُلَخَّصَ في تَخْرِيجِ قَوْلِهِ: لا تُصِيبَنَّ - أقْوالُ الدُّعاءِ والنَّهْيِ عَلى تَقْدِيرَيْنِ وجَوابُ أمْرٍ عَلى تَقْدِيرَيْنِ وصِفَةٌ - . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ جازَ أنْ تَدْخُلَ النُّونُ المُؤَكِّدَةُ في جَوابِ الأمْرِ، (قُلْتُ): لِأنَّ فِيهِ مَعْنى التَّمَنِّي، إذا قُلْتَ: انْزِلْ عَنِ الدّابَّةِ لا تَطْرَحْكَ، فَلِذَلِكَ جازَ لا تَطْرَحَنَّكَ، ولا تُصِيبَنَّ، ولا يَحْطِمَنَّكُمُ، انْتَهى، وإذا قُلْتَ -: لا تَطْرَحْكَ وجَعَلْتَهُ جَوابًا لِقَوْلِكَ انْزِلْ ولَيْسَ فِيهِ نَهْيٌ بَلْ نَفْيٌ مَحْضٌ - جَوابُ الأمْرِ نُفِيَ بِلا، وجَزَمَهُ عَلى الجَوابِ عَلى الخِلافِ الَّذِي في جَوابِ الأمْرِ، والسِّتَّةُ مَعَهُ هَلْ ثَمَّ شَرْطٌ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ الأمْرُ وما ذُكِرَ مَعَهُ مَعْنى الشَّرْطِ، وإذا فَرَّعْنا عَلى مَذْهَبِ الجُمْهُورِ في أنَّ الفِعْلَ المَنفِيَّ بِلا لا تَدْخُلُ عَلَيْهِ النُّونُ لِلتَّوْكِيدِ، لَمْ يَجُزِ: انْزِلْ عَنِ الدّابَّةِ لا تَطْرَحَنَّكَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما مَعْنى مِن في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾، (قُلْتُ): التَّبْعِيضُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، فالتَّبْيِينُ عَلى الثّانِي؛ لِأنَّ المَعْنى لا تُصِيبُكم خاصَّةً عَلى ظُلْمِكم؛ لِأنَّ الظُّلْمَ مِنكم أقْبَحُ مِن سائِرِ النّاسِ، انْتَهى، ويَعْنِي بِالأوَّلِ: أنْ يَكُونَ جَوابًا بَعْدَ أمْرٍ، وبِالثّانِي: أنْ يَكُونَ نَهْيًا بَعْدَ أمْرٍ، وخاصَّةً أصْلُهُ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: إصابَةٌ خاصَّةٌ، وهي حالٌ مِنَ الفاعِلِ المُسْتَكِنُ في لا تُصِيبَنَّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا، أيْ: مَخْصُوصِينَ بِها بَلْ تَعُمُّهم وغَيْرَهم، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ خاصَّةً حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ظَلَمُوا، ولا أتَعَقَّلُ هَذا الوَجْهَ.
﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ هَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ مُناسِبٌ لِقَوْلِهِ: لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً؛ إذْ فِيهِ حَثٌّ عَلى لُزُومِ الِاسْتِقامَةِ خَوْفًا مِن عِقابِ اللَّهِ، لا يُقالُ: كَيْفَ يُوصِلُ الرَّحِيمُ الكَرِيمُ الفِتْنَةَ والعَذابَ لِمَن لَمْ يُذْنِبْ، (قُلْتُ): لِأنَّهُ تَصَرُّفٌ بِحُكْمِ المَلِكِ، كَما قَدْ يُنْزِلُ الفَقْرَ والمَرَضَ بِعَبْدِهِ ابْتِداءً فَيَحْسُنُ ذَلِكَ مِنهُ، أوْ لِأنَّهُ عَلِمَ اشْتِمالَ ذَلِكَ عَلى مَزِيدِ ثَوابٍ لِمَن أُوقِعَ بِهِ ذَلِكَ.
الأنفال 8:27
﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ في الأرْضِ تَخافُونَ أنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ فَآواكم وأيَّدَكم بِنَصْرِهِ ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٦] نَزَلَتْ عَقِبَ بَدْرٍ، فَقِيلَ: خِطابٌ لِلْمُهاجِرِينَ خاصَّةً كانُوا بِمَكَّةَ قَلِيلِي العَدَدِ مَقْهُورِينَ فِيها يَخافُونَ أنْ يَسْلُبَهُمُ المُشْرِكُونَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ فَآواهم بِالمَدِينَةِ، وأيَّدَهم بِالنَّصْرِ يَوْمَ بَدْرٍ، والطَّيِّباتُ الغَنائِمُ، وما فُتِحَ بِهِ عَلَيْهِمْ؛ وقِيلَ: الخِطابُ لِلرَّسُولِ والصَّحابَةِ وهي حالُهم يَوْمَ بَدْرٍ، والطَّيِّباتُ الغَنائِمُ، والنّاسُ عَسْكَرُ مَكَّةَ وسائِرُ القَبائِلِ المُجاوِرَةِ، والتَّأْيِيدُ هو الإمْدادُ بِالمَلائِكَةِ والتَّغَلُّبُ عَلى العَدَدِ، وقالَ وهْبٌ وقَتادَةُ: الخِطابُ لِلْعَرَبِ قاطِبَةً، فَإنَّها كانَتْ أعْرى النّاسِ أجْسامًا وأجْوَعَهم بُطُونًا وأقَلَّهم حالًا حَسَنَةً، والنّاسُ فارِسُ والرُّومُ، والمَأْوى النُّبُوَّةُ والشَّرِيعَةُ، والتَّأْيِيدُ بِالنَّصْرِ فَتْحُ البِلادِ وغَلَبَةُ المُلُوكِ، والطَّيِّباتُ تَعُمُّ المَآكِلَ والمَشارِبَ والمَلابِسَ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا التَّأْوِيلُ يَرُدُّهُ أنَّ العَرَبَ كانَتْ في وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ كافِرَةً إلّا القَلِيلَ، ولَمْ تَتَرَتَّبِ الأحْوالُ الَّتِي ذَكَرَ هَذا المُتَأوِّلُ، وإنَّما كانَ يُمْكِنُ أنْ يُخاطِبَ العَرَبَ بِهَذِهِ الآيَةِ في آخِرِ زَمانِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَإنْ تَمَثَّلَ أحَدٌ بِهَذِهِ الآيَةِ بِحالِ العَرَبِ فَتَمْثِيلُهُ صَحِيحٌ، وأمّا أنْ يَكُونَ حالَةُ العَرَبِ هي سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ فَبَعِيدٌ لِما ذَكَرْناهُ، انْتَهى، وهَذِهِ الآيَةُ تَعْدِيلٌ لِنِعَمِهِ تَعالى عَلَيْهِمْ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إذْ أنْتُمْ، نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِاذْكُرُوا ظَرْفٌ، أيِ: اذْكُرُوا وقْتَ كَوْنِكم أقِلَّةً أذِلَّةً، انْتَهى، وفِيهِ التَّصَرُّفُ في إذْ بِنَصْبِها مُفْعُولَةً وهي مِنَ الظُّرُوفِ الَّتِي لا تَتَصَرَّفُ إلّا بِأنْ أُضِيفَ إلَيْها الأزْمانُ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإذْ ظَرْفٌ لِمَعْمُولِ واذْكُرُوا، تَقْدِيرُهُ: (p-٤٨٦)واذْكُرُوا حالَكُمُ الكائِنَةَ، أوِ الثّابِتَةَ؛ إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ إذْ ظَرْفًا لِاذْكُرُوا، وإنَّما تُعْمَلُ اذْكُرْ في إذْ لَوْ قَدَّرْناها مَفْعُولَةً، انْتَهى، وهو تَخْرِيجٌ حَسَنٌ. وقالَ الحَوْفِيُّ: إذْ أنْتُمْ ظَرْفٌ العامِلُ فِيهِ اذْكُرُوا، انْتَهى، وهَذا لا يَتَأتّى أصْلًا؛ لِأنَّ اذْكُرْ لِلْمُسْتَقْبَلِ، فَلا يَكُونُ ظَرْفُهُ إلّا مُسْتَقْبَلًا، وإذْ ظَرْفٌ ماضٍ يَسْتَحِيلُ أنْ يَقَعَ فِيهِ المُسْتَقْبَلُ، ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: فَآواكم وما بَعْدَهُ، أيْ: فَعَلَ هَذا الإحْسانَ لِإرادَةِ الشُّكْرِ.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ وتَخُونُوا أماناتِكم وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والأكْثَرُونَ: نَزَلَتْ في أبِي لُبابَةَ حِينَ اسْتَنْصَحَتْهُ قُرَيْظَةُ لَمّا أتى الرَّسُولُ ﷺ أنْ يُسَيِّرَهم إلى أذْرِعاتٍ وأرِيحا كَفِعْلِهِ بِبَنِي النَّضِيرِ، فَأشارَ أبُو لُبابَةَ إلى حَلْقِهِ، أيْ: لَيْسَ عِنْدَ الرَّسُولِ إلّا الذَّبْحُ، فَكانَتْ هَذِهِ خِيانَتَهُ في قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ، وقالَ جابِرٌ: في رَجُلٍ مِنَ المُنافِقِينَ كَتَبَ إلى أبِي سُفْيانَ بِشَيْءٍ مِن أخْبارِ الرَّسُولِ ﷺ، وقالَ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: في قَتْلِ عُثْمانَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُشْبِهُ أنْ يُتَمَثَّلَ بِالآيَةِ في قَتْلِهِ؛ فَقَدْ كانَ قَتْلُهُ خِيانَةً لِلَّهِ ورَسُولِهِ والأماناتِ، انْتَهى؛ وقِيلَ: في حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ حِينَ كَتَبَ إلى أهْلِ مَكَّةَ يُعْلِمُهم بِخُرُوجِ الرَّسُولِ ﷺ إلَيْها؛ وقِيلَ: في قَوْمٍ كانُوا يَسْمَعُونَ الحَدِيثَ مِنَ الرَّسُولِ فَيُفْشُونَهُ حَتّى يَبْلُغَ المُشْرِكِينَ، وخِيانَتُهُمُ اللَّهَ في عَدَمِ امْتِثالِ أوامِرِهِ وفِعْلِ ما نَهى عَنْهُ في سِرٍّ، وخِيانَةُ الرَّسُولِ فِيما اسْتَحْفَظَ، وخِيانَةُ الأماناتِ إسْقاطُها وعَدَمُ الِاعْتِبارِ بِها؛ وقِيلَ: وتَخُونُوا ذَوِي أماناتِكم (وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ) جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، أيْ: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ تَبِعَةَ ذَلِكَ ووَبالَهُ، فَكانَ ذَلِكَ أبْعَدَ لَكم مِنَ الوُقُوعِ في الخِيانَةِ؛ لِأنَّ العالِمَ بِما يَتَرَتَّبُ عَلى الذَّنْبِ يَكُونُ أبْعَدَ النّاسِ عَنْهُ؛ وقِيلَ: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ الخِيانَةَ تُوجَدُ مِنكم عَنْ تَعَمُّدٍ لا عَنْ سَهْوٍ؛ وقِيلَ: وأنْتُمْ عالِمُونَ تَعْلَمُونَ قُبْحَ القَبِيحِ وحُسْنَ الحَسَنِ، وجَوَّزُوا في (وتَخُونُوا) أنْ يَكُونَ مَجْزُومًا عَطْفًا عَلى لا تَخُونُوا، ومَنصُوبًا عَلى جَوابِ النَّهْيِ، وكَوْنُهُ مَجْزُومًا هو الرّاجِحُ؛ لِأنَّ النَّصْبَ يَقْتَضِي النَّهْيَ عَنِ الجَمْعِ، والجَزْمُ يَقْتَضِي النَّهْيَ عَنْ كُلِّ واحِدٍ، وقَرَأ مُجاهِدٌ (أمانَتَكم) عَلى التَّوْحِيدِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي عَمْرٍو.
﴿واعْلَمُوا أنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ وأنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾، أيْ: سَبَبُ الوُقُوعِ في الفِتْنَةِ وهي الإثْمُ، أوِ العَذابُ، أوْ مِحْنَةٌ، واخْتِبارٌ لَكم وكَيْفَ تُحافِظُونَ عَلى حُدُودِهِ فِيها، فَفي كَوْنِ الأجْرِ العَظِيمِ عِنْدَهُ إشارَةٌ إلى أنْ لا يُفْتَنَ المَرْءُ بِمالِهِ ووَلَدِهِ، فَيُؤْثِرَ مَحَبَّتَهُ لَهُما عَلى ما عِنْدَ اللَّهِ فَيَجْمَعَ المالَ ويُحِبَّ الوَلَدَ حَتّى يُؤْثِرَ ذَلِكَ، كَما فَعَلَ أبُو لُبابَةَ لِأجْلِ كَوْنِ مالِهِ ووَلَدِهِ كانُوا عِنْدَ بَنِي قُرَيْظَةَ.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا ويُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكم ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ فُرْقانًا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ وابْنُ قُتَيْبَةَ ومالِكٌ فِيما رُوِيَ عَنِ ابْنِ وهْبٍ وابْنِ القاسِمِ وأشْهَبَ: مَخْرَجًا، وقَرَأ مالِكٌ: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]، والمَعْنى: مَخْرَجًا في الدِّينِ مِنَ الضَّلالِ، وقالَ مِزْرَدُ بْنُ ضِرارٍ:
؎بادَرَ الأُفْقَ أنْ يَغِيبَ فَلَمّا أظْلَمَ اللَّيْلُ لَمْ يَجِدْ فُرْقانا
وقالَ الآخَرُ:
؎ما لَكَ مِن طُولِ الأسى فُرْقانُ ∗∗∗ بَعْدَ قَطِينٍ رَحَلُوا وبانُوا
وقالَ الآخَرُ:
؎وكَيْفَ أُرَجِّي الخُلْدَ والمَوْتُ طالِبِي ∗∗∗ وما لِيَ مِن كَأْسِ المَنِيَّةِ فُرْقانُ
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وابْنُ إسْحاقَ: فَصْلًا بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وقالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: نَجاةً، وقالَ الفَرّاءُ: فَتْحًا ونَصْرًا، وهو في الآخِرَةِ يُدْخِلُكُمُ الجَنَّةَ والكُفّارَ النّارَ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَرْقًا بَيْنَ حَقِّكم وباطِلِ (p-٤٨٧)مَن يُنازِعُكم، أيْ: بِالنَّصْرِ والتَّأْيِيدِ عَلَيْهِمْ، والفُرْقانُ مَصْدَرٌ مِن فَرَقَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ: حالَ بَيْنَهُما، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نَصْرًا؛ لِأنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ وبَيْنَ الكُفْرِ بِإذْلالِ حِزْبِهِ والإسْلامِ بِإعْزازِ أهْلِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: (يَوْمَ الفُرْقانِ)، أوْ بَيانًا وظُهُورًا يَشْهَدُ أمْرَكم ويُثَبِّتُ صِيتَكم وآثارَكم في أقْطارِ الأرْضِ، تَقُولُ: بِتُّ أفْعَلُ كَذا حَتّى سَطَعَ الفُرْقانُ، أيْ: طَلَعَ الفَجْرُ، أوْ مَخْرَجًا مِنَ الشُّبُهاتِ وتَوْفِيقًا وشَرْحًا لِلصُّدُورِ، أوْ تَفْرِقَةً بَيْنِكم وبَيْنَ غَيْرِكم مِن أهْلِ الأدْيانِ، وفَضْلًا ومَزِيَّةً في الدُّنْيا والآخِرَةِ، انْتَهى، ولَفْظُ فُرْقانًا مُطْلَقٌ فَيَصْلُحُ لِما يَقَعُ بِهِ فَرْقٌ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ في أُمُورِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، والتَّقْوى هُنا إنْ كانَتْ مِنِ اتِّقاءِ الكَبائِرِ كانَتِ السَّيِّئاتُ الصَّغائِرُ لِيَتَغايَرَ الشَّرْطُ والجَوازُ، وتَكْفِيرُها في الدُّنْيا، ومَغْفِرَتُها إزالَتُها في القِيامَةِ، وتَغايَرَ الظَّرْفانِ لِئَلّا يَلْزَمَ التَّكْرارُ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ في البَقَرَةِ.
الأنفال 8:28
﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ في الأرْضِ تَخافُونَ أنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ فَآواكم وأيَّدَكم بِنَصْرِهِ ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٦] نَزَلَتْ عَقِبَ بَدْرٍ، فَقِيلَ: خِطابٌ لِلْمُهاجِرِينَ خاصَّةً كانُوا بِمَكَّةَ قَلِيلِي العَدَدِ مَقْهُورِينَ فِيها يَخافُونَ أنْ يَسْلُبَهُمُ المُشْرِكُونَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ فَآواهم بِالمَدِينَةِ، وأيَّدَهم بِالنَّصْرِ يَوْمَ بَدْرٍ، والطَّيِّباتُ الغَنائِمُ، وما فُتِحَ بِهِ عَلَيْهِمْ؛ وقِيلَ: الخِطابُ لِلرَّسُولِ والصَّحابَةِ وهي حالُهم يَوْمَ بَدْرٍ، والطَّيِّباتُ الغَنائِمُ، والنّاسُ عَسْكَرُ مَكَّةَ وسائِرُ القَبائِلِ المُجاوِرَةِ، والتَّأْيِيدُ هو الإمْدادُ بِالمَلائِكَةِ والتَّغَلُّبُ عَلى العَدَدِ، وقالَ وهْبٌ وقَتادَةُ: الخِطابُ لِلْعَرَبِ قاطِبَةً، فَإنَّها كانَتْ أعْرى النّاسِ أجْسامًا وأجْوَعَهم بُطُونًا وأقَلَّهم حالًا حَسَنَةً، والنّاسُ فارِسُ والرُّومُ، والمَأْوى النُّبُوَّةُ والشَّرِيعَةُ، والتَّأْيِيدُ بِالنَّصْرِ فَتْحُ البِلادِ وغَلَبَةُ المُلُوكِ، والطَّيِّباتُ تَعُمُّ المَآكِلَ والمَشارِبَ والمَلابِسَ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا التَّأْوِيلُ يَرُدُّهُ أنَّ العَرَبَ كانَتْ في وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ كافِرَةً إلّا القَلِيلَ، ولَمْ تَتَرَتَّبِ الأحْوالُ الَّتِي ذَكَرَ هَذا المُتَأوِّلُ، وإنَّما كانَ يُمْكِنُ أنْ يُخاطِبَ العَرَبَ بِهَذِهِ الآيَةِ في آخِرِ زَمانِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَإنْ تَمَثَّلَ أحَدٌ بِهَذِهِ الآيَةِ بِحالِ العَرَبِ فَتَمْثِيلُهُ صَحِيحٌ، وأمّا أنْ يَكُونَ حالَةُ العَرَبِ هي سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ فَبَعِيدٌ لِما ذَكَرْناهُ، انْتَهى، وهَذِهِ الآيَةُ تَعْدِيلٌ لِنِعَمِهِ تَعالى عَلَيْهِمْ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إذْ أنْتُمْ، نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِاذْكُرُوا ظَرْفٌ، أيِ: اذْكُرُوا وقْتَ كَوْنِكم أقِلَّةً أذِلَّةً، انْتَهى، وفِيهِ التَّصَرُّفُ في إذْ بِنَصْبِها مُفْعُولَةً وهي مِنَ الظُّرُوفِ الَّتِي لا تَتَصَرَّفُ إلّا بِأنْ أُضِيفَ إلَيْها الأزْمانُ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإذْ ظَرْفٌ لِمَعْمُولِ واذْكُرُوا، تَقْدِيرُهُ: (p-٤٨٦)واذْكُرُوا حالَكُمُ الكائِنَةَ، أوِ الثّابِتَةَ؛ إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ إذْ ظَرْفًا لِاذْكُرُوا، وإنَّما تُعْمَلُ اذْكُرْ في إذْ لَوْ قَدَّرْناها مَفْعُولَةً، انْتَهى، وهو تَخْرِيجٌ حَسَنٌ. وقالَ الحَوْفِيُّ: إذْ أنْتُمْ ظَرْفٌ العامِلُ فِيهِ اذْكُرُوا، انْتَهى، وهَذا لا يَتَأتّى أصْلًا؛ لِأنَّ اذْكُرْ لِلْمُسْتَقْبَلِ، فَلا يَكُونُ ظَرْفُهُ إلّا مُسْتَقْبَلًا، وإذْ ظَرْفٌ ماضٍ يَسْتَحِيلُ أنْ يَقَعَ فِيهِ المُسْتَقْبَلُ، ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: فَآواكم وما بَعْدَهُ، أيْ: فَعَلَ هَذا الإحْسانَ لِإرادَةِ الشُّكْرِ.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ وتَخُونُوا أماناتِكم وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والأكْثَرُونَ: نَزَلَتْ في أبِي لُبابَةَ حِينَ اسْتَنْصَحَتْهُ قُرَيْظَةُ لَمّا أتى الرَّسُولُ ﷺ أنْ يُسَيِّرَهم إلى أذْرِعاتٍ وأرِيحا كَفِعْلِهِ بِبَنِي النَّضِيرِ، فَأشارَ أبُو لُبابَةَ إلى حَلْقِهِ، أيْ: لَيْسَ عِنْدَ الرَّسُولِ إلّا الذَّبْحُ، فَكانَتْ هَذِهِ خِيانَتَهُ في قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ، وقالَ جابِرٌ: في رَجُلٍ مِنَ المُنافِقِينَ كَتَبَ إلى أبِي سُفْيانَ بِشَيْءٍ مِن أخْبارِ الرَّسُولِ ﷺ، وقالَ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: في قَتْلِ عُثْمانَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُشْبِهُ أنْ يُتَمَثَّلَ بِالآيَةِ في قَتْلِهِ؛ فَقَدْ كانَ قَتْلُهُ خِيانَةً لِلَّهِ ورَسُولِهِ والأماناتِ، انْتَهى؛ وقِيلَ: في حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ حِينَ كَتَبَ إلى أهْلِ مَكَّةَ يُعْلِمُهم بِخُرُوجِ الرَّسُولِ ﷺ إلَيْها؛ وقِيلَ: في قَوْمٍ كانُوا يَسْمَعُونَ الحَدِيثَ مِنَ الرَّسُولِ فَيُفْشُونَهُ حَتّى يَبْلُغَ المُشْرِكِينَ، وخِيانَتُهُمُ اللَّهَ في عَدَمِ امْتِثالِ أوامِرِهِ وفِعْلِ ما نَهى عَنْهُ في سِرٍّ، وخِيانَةُ الرَّسُولِ فِيما اسْتَحْفَظَ، وخِيانَةُ الأماناتِ إسْقاطُها وعَدَمُ الِاعْتِبارِ بِها؛ وقِيلَ: وتَخُونُوا ذَوِي أماناتِكم (وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ) جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، أيْ: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ تَبِعَةَ ذَلِكَ ووَبالَهُ، فَكانَ ذَلِكَ أبْعَدَ لَكم مِنَ الوُقُوعِ في الخِيانَةِ؛ لِأنَّ العالِمَ بِما يَتَرَتَّبُ عَلى الذَّنْبِ يَكُونُ أبْعَدَ النّاسِ عَنْهُ؛ وقِيلَ: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ الخِيانَةَ تُوجَدُ مِنكم عَنْ تَعَمُّدٍ لا عَنْ سَهْوٍ؛ وقِيلَ: وأنْتُمْ عالِمُونَ تَعْلَمُونَ قُبْحَ القَبِيحِ وحُسْنَ الحَسَنِ، وجَوَّزُوا في (وتَخُونُوا) أنْ يَكُونَ مَجْزُومًا عَطْفًا عَلى لا تَخُونُوا، ومَنصُوبًا عَلى جَوابِ النَّهْيِ، وكَوْنُهُ مَجْزُومًا هو الرّاجِحُ؛ لِأنَّ النَّصْبَ يَقْتَضِي النَّهْيَ عَنِ الجَمْعِ، والجَزْمُ يَقْتَضِي النَّهْيَ عَنْ كُلِّ واحِدٍ، وقَرَأ مُجاهِدٌ (أمانَتَكم) عَلى التَّوْحِيدِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي عَمْرٍو.
﴿واعْلَمُوا أنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ وأنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾، أيْ: سَبَبُ الوُقُوعِ في الفِتْنَةِ وهي الإثْمُ، أوِ العَذابُ، أوْ مِحْنَةٌ، واخْتِبارٌ لَكم وكَيْفَ تُحافِظُونَ عَلى حُدُودِهِ فِيها، فَفي كَوْنِ الأجْرِ العَظِيمِ عِنْدَهُ إشارَةٌ إلى أنْ لا يُفْتَنَ المَرْءُ بِمالِهِ ووَلَدِهِ، فَيُؤْثِرَ مَحَبَّتَهُ لَهُما عَلى ما عِنْدَ اللَّهِ فَيَجْمَعَ المالَ ويُحِبَّ الوَلَدَ حَتّى يُؤْثِرَ ذَلِكَ، كَما فَعَلَ أبُو لُبابَةَ لِأجْلِ كَوْنِ مالِهِ ووَلَدِهِ كانُوا عِنْدَ بَنِي قُرَيْظَةَ.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا ويُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكم ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ فُرْقانًا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ وابْنُ قُتَيْبَةَ ومالِكٌ فِيما رُوِيَ عَنِ ابْنِ وهْبٍ وابْنِ القاسِمِ وأشْهَبَ: مَخْرَجًا، وقَرَأ مالِكٌ: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]، والمَعْنى: مَخْرَجًا في الدِّينِ مِنَ الضَّلالِ، وقالَ مِزْرَدُ بْنُ ضِرارٍ:
؎بادَرَ الأُفْقَ أنْ يَغِيبَ فَلَمّا أظْلَمَ اللَّيْلُ لَمْ يَجِدْ فُرْقانا
وقالَ الآخَرُ:
؎ما لَكَ مِن طُولِ الأسى فُرْقانُ ∗∗∗ بَعْدَ قَطِينٍ رَحَلُوا وبانُوا
وقالَ الآخَرُ:
؎وكَيْفَ أُرَجِّي الخُلْدَ والمَوْتُ طالِبِي ∗∗∗ وما لِيَ مِن كَأْسِ المَنِيَّةِ فُرْقانُ
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وابْنُ إسْحاقَ: فَصْلًا بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وقالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: نَجاةً، وقالَ الفَرّاءُ: فَتْحًا ونَصْرًا، وهو في الآخِرَةِ يُدْخِلُكُمُ الجَنَّةَ والكُفّارَ النّارَ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَرْقًا بَيْنَ حَقِّكم وباطِلِ (p-٤٨٧)مَن يُنازِعُكم، أيْ: بِالنَّصْرِ والتَّأْيِيدِ عَلَيْهِمْ، والفُرْقانُ مَصْدَرٌ مِن فَرَقَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ: حالَ بَيْنَهُما، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نَصْرًا؛ لِأنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ وبَيْنَ الكُفْرِ بِإذْلالِ حِزْبِهِ والإسْلامِ بِإعْزازِ أهْلِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: (يَوْمَ الفُرْقانِ)، أوْ بَيانًا وظُهُورًا يَشْهَدُ أمْرَكم ويُثَبِّتُ صِيتَكم وآثارَكم في أقْطارِ الأرْضِ، تَقُولُ: بِتُّ أفْعَلُ كَذا حَتّى سَطَعَ الفُرْقانُ، أيْ: طَلَعَ الفَجْرُ، أوْ مَخْرَجًا مِنَ الشُّبُهاتِ وتَوْفِيقًا وشَرْحًا لِلصُّدُورِ، أوْ تَفْرِقَةً بَيْنِكم وبَيْنَ غَيْرِكم مِن أهْلِ الأدْيانِ، وفَضْلًا ومَزِيَّةً في الدُّنْيا والآخِرَةِ، انْتَهى، ولَفْظُ فُرْقانًا مُطْلَقٌ فَيَصْلُحُ لِما يَقَعُ بِهِ فَرْقٌ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ في أُمُورِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، والتَّقْوى هُنا إنْ كانَتْ مِنِ اتِّقاءِ الكَبائِرِ كانَتِ السَّيِّئاتُ الصَّغائِرُ لِيَتَغايَرَ الشَّرْطُ والجَوازُ، وتَكْفِيرُها في الدُّنْيا، ومَغْفِرَتُها إزالَتُها في القِيامَةِ، وتَغايَرَ الظَّرْفانِ لِئَلّا يَلْزَمَ التَّكْرارُ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ في البَقَرَةِ.
الأنفال 8:29
﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ في الأرْضِ تَخافُونَ أنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ فَآواكم وأيَّدَكم بِنَصْرِهِ ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٦] نَزَلَتْ عَقِبَ بَدْرٍ، فَقِيلَ: خِطابٌ لِلْمُهاجِرِينَ خاصَّةً كانُوا بِمَكَّةَ قَلِيلِي العَدَدِ مَقْهُورِينَ فِيها يَخافُونَ أنْ يَسْلُبَهُمُ المُشْرِكُونَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ فَآواهم بِالمَدِينَةِ، وأيَّدَهم بِالنَّصْرِ يَوْمَ بَدْرٍ، والطَّيِّباتُ الغَنائِمُ، وما فُتِحَ بِهِ عَلَيْهِمْ؛ وقِيلَ: الخِطابُ لِلرَّسُولِ والصَّحابَةِ وهي حالُهم يَوْمَ بَدْرٍ، والطَّيِّباتُ الغَنائِمُ، والنّاسُ عَسْكَرُ مَكَّةَ وسائِرُ القَبائِلِ المُجاوِرَةِ، والتَّأْيِيدُ هو الإمْدادُ بِالمَلائِكَةِ والتَّغَلُّبُ عَلى العَدَدِ، وقالَ وهْبٌ وقَتادَةُ: الخِطابُ لِلْعَرَبِ قاطِبَةً، فَإنَّها كانَتْ أعْرى النّاسِ أجْسامًا وأجْوَعَهم بُطُونًا وأقَلَّهم حالًا حَسَنَةً، والنّاسُ فارِسُ والرُّومُ، والمَأْوى النُّبُوَّةُ والشَّرِيعَةُ، والتَّأْيِيدُ بِالنَّصْرِ فَتْحُ البِلادِ وغَلَبَةُ المُلُوكِ، والطَّيِّباتُ تَعُمُّ المَآكِلَ والمَشارِبَ والمَلابِسَ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا التَّأْوِيلُ يَرُدُّهُ أنَّ العَرَبَ كانَتْ في وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ كافِرَةً إلّا القَلِيلَ، ولَمْ تَتَرَتَّبِ الأحْوالُ الَّتِي ذَكَرَ هَذا المُتَأوِّلُ، وإنَّما كانَ يُمْكِنُ أنْ يُخاطِبَ العَرَبَ بِهَذِهِ الآيَةِ في آخِرِ زَمانِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَإنْ تَمَثَّلَ أحَدٌ بِهَذِهِ الآيَةِ بِحالِ العَرَبِ فَتَمْثِيلُهُ صَحِيحٌ، وأمّا أنْ يَكُونَ حالَةُ العَرَبِ هي سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ فَبَعِيدٌ لِما ذَكَرْناهُ، انْتَهى، وهَذِهِ الآيَةُ تَعْدِيلٌ لِنِعَمِهِ تَعالى عَلَيْهِمْ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إذْ أنْتُمْ، نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِاذْكُرُوا ظَرْفٌ، أيِ: اذْكُرُوا وقْتَ كَوْنِكم أقِلَّةً أذِلَّةً، انْتَهى، وفِيهِ التَّصَرُّفُ في إذْ بِنَصْبِها مُفْعُولَةً وهي مِنَ الظُّرُوفِ الَّتِي لا تَتَصَرَّفُ إلّا بِأنْ أُضِيفَ إلَيْها الأزْمانُ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإذْ ظَرْفٌ لِمَعْمُولِ واذْكُرُوا، تَقْدِيرُهُ: (p-٤٨٦)واذْكُرُوا حالَكُمُ الكائِنَةَ، أوِ الثّابِتَةَ؛ إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ إذْ ظَرْفًا لِاذْكُرُوا، وإنَّما تُعْمَلُ اذْكُرْ في إذْ لَوْ قَدَّرْناها مَفْعُولَةً، انْتَهى، وهو تَخْرِيجٌ حَسَنٌ. وقالَ الحَوْفِيُّ: إذْ أنْتُمْ ظَرْفٌ العامِلُ فِيهِ اذْكُرُوا، انْتَهى، وهَذا لا يَتَأتّى أصْلًا؛ لِأنَّ اذْكُرْ لِلْمُسْتَقْبَلِ، فَلا يَكُونُ ظَرْفُهُ إلّا مُسْتَقْبَلًا، وإذْ ظَرْفٌ ماضٍ يَسْتَحِيلُ أنْ يَقَعَ فِيهِ المُسْتَقْبَلُ، ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: فَآواكم وما بَعْدَهُ، أيْ: فَعَلَ هَذا الإحْسانَ لِإرادَةِ الشُّكْرِ.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ وتَخُونُوا أماناتِكم وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والأكْثَرُونَ: نَزَلَتْ في أبِي لُبابَةَ حِينَ اسْتَنْصَحَتْهُ قُرَيْظَةُ لَمّا أتى الرَّسُولُ ﷺ أنْ يُسَيِّرَهم إلى أذْرِعاتٍ وأرِيحا كَفِعْلِهِ بِبَنِي النَّضِيرِ، فَأشارَ أبُو لُبابَةَ إلى حَلْقِهِ، أيْ: لَيْسَ عِنْدَ الرَّسُولِ إلّا الذَّبْحُ، فَكانَتْ هَذِهِ خِيانَتَهُ في قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ، وقالَ جابِرٌ: في رَجُلٍ مِنَ المُنافِقِينَ كَتَبَ إلى أبِي سُفْيانَ بِشَيْءٍ مِن أخْبارِ الرَّسُولِ ﷺ، وقالَ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: في قَتْلِ عُثْمانَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُشْبِهُ أنْ يُتَمَثَّلَ بِالآيَةِ في قَتْلِهِ؛ فَقَدْ كانَ قَتْلُهُ خِيانَةً لِلَّهِ ورَسُولِهِ والأماناتِ، انْتَهى؛ وقِيلَ: في حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ حِينَ كَتَبَ إلى أهْلِ مَكَّةَ يُعْلِمُهم بِخُرُوجِ الرَّسُولِ ﷺ إلَيْها؛ وقِيلَ: في قَوْمٍ كانُوا يَسْمَعُونَ الحَدِيثَ مِنَ الرَّسُولِ فَيُفْشُونَهُ حَتّى يَبْلُغَ المُشْرِكِينَ، وخِيانَتُهُمُ اللَّهَ في عَدَمِ امْتِثالِ أوامِرِهِ وفِعْلِ ما نَهى عَنْهُ في سِرٍّ، وخِيانَةُ الرَّسُولِ فِيما اسْتَحْفَظَ، وخِيانَةُ الأماناتِ إسْقاطُها وعَدَمُ الِاعْتِبارِ بِها؛ وقِيلَ: وتَخُونُوا ذَوِي أماناتِكم (وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ) جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، أيْ: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ تَبِعَةَ ذَلِكَ ووَبالَهُ، فَكانَ ذَلِكَ أبْعَدَ لَكم مِنَ الوُقُوعِ في الخِيانَةِ؛ لِأنَّ العالِمَ بِما يَتَرَتَّبُ عَلى الذَّنْبِ يَكُونُ أبْعَدَ النّاسِ عَنْهُ؛ وقِيلَ: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ الخِيانَةَ تُوجَدُ مِنكم عَنْ تَعَمُّدٍ لا عَنْ سَهْوٍ؛ وقِيلَ: وأنْتُمْ عالِمُونَ تَعْلَمُونَ قُبْحَ القَبِيحِ وحُسْنَ الحَسَنِ، وجَوَّزُوا في (وتَخُونُوا) أنْ يَكُونَ مَجْزُومًا عَطْفًا عَلى لا تَخُونُوا، ومَنصُوبًا عَلى جَوابِ النَّهْيِ، وكَوْنُهُ مَجْزُومًا هو الرّاجِحُ؛ لِأنَّ النَّصْبَ يَقْتَضِي النَّهْيَ عَنِ الجَمْعِ، والجَزْمُ يَقْتَضِي النَّهْيَ عَنْ كُلِّ واحِدٍ، وقَرَأ مُجاهِدٌ (أمانَتَكم) عَلى التَّوْحِيدِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي عَمْرٍو.
﴿واعْلَمُوا أنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ وأنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾، أيْ: سَبَبُ الوُقُوعِ في الفِتْنَةِ وهي الإثْمُ، أوِ العَذابُ، أوْ مِحْنَةٌ، واخْتِبارٌ لَكم وكَيْفَ تُحافِظُونَ عَلى حُدُودِهِ فِيها، فَفي كَوْنِ الأجْرِ العَظِيمِ عِنْدَهُ إشارَةٌ إلى أنْ لا يُفْتَنَ المَرْءُ بِمالِهِ ووَلَدِهِ، فَيُؤْثِرَ مَحَبَّتَهُ لَهُما عَلى ما عِنْدَ اللَّهِ فَيَجْمَعَ المالَ ويُحِبَّ الوَلَدَ حَتّى يُؤْثِرَ ذَلِكَ، كَما فَعَلَ أبُو لُبابَةَ لِأجْلِ كَوْنِ مالِهِ ووَلَدِهِ كانُوا عِنْدَ بَنِي قُرَيْظَةَ.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا ويُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكم ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ فُرْقانًا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ وابْنُ قُتَيْبَةَ ومالِكٌ فِيما رُوِيَ عَنِ ابْنِ وهْبٍ وابْنِ القاسِمِ وأشْهَبَ: مَخْرَجًا، وقَرَأ مالِكٌ: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]، والمَعْنى: مَخْرَجًا في الدِّينِ مِنَ الضَّلالِ، وقالَ مِزْرَدُ بْنُ ضِرارٍ:
؎بادَرَ الأُفْقَ أنْ يَغِيبَ فَلَمّا أظْلَمَ اللَّيْلُ لَمْ يَجِدْ فُرْقانا
وقالَ الآخَرُ:
؎ما لَكَ مِن طُولِ الأسى فُرْقانُ ∗∗∗ بَعْدَ قَطِينٍ رَحَلُوا وبانُوا
وقالَ الآخَرُ:
؎وكَيْفَ أُرَجِّي الخُلْدَ والمَوْتُ طالِبِي ∗∗∗ وما لِيَ مِن كَأْسِ المَنِيَّةِ فُرْقانُ
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وابْنُ إسْحاقَ: فَصْلًا بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وقالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: نَجاةً، وقالَ الفَرّاءُ: فَتْحًا ونَصْرًا، وهو في الآخِرَةِ يُدْخِلُكُمُ الجَنَّةَ والكُفّارَ النّارَ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَرْقًا بَيْنَ حَقِّكم وباطِلِ (p-٤٨٧)مَن يُنازِعُكم، أيْ: بِالنَّصْرِ والتَّأْيِيدِ عَلَيْهِمْ، والفُرْقانُ مَصْدَرٌ مِن فَرَقَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ: حالَ بَيْنَهُما، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نَصْرًا؛ لِأنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ وبَيْنَ الكُفْرِ بِإذْلالِ حِزْبِهِ والإسْلامِ بِإعْزازِ أهْلِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: (يَوْمَ الفُرْقانِ)، أوْ بَيانًا وظُهُورًا يَشْهَدُ أمْرَكم ويُثَبِّتُ صِيتَكم وآثارَكم في أقْطارِ الأرْضِ، تَقُولُ: بِتُّ أفْعَلُ كَذا حَتّى سَطَعَ الفُرْقانُ، أيْ: طَلَعَ الفَجْرُ، أوْ مَخْرَجًا مِنَ الشُّبُهاتِ وتَوْفِيقًا وشَرْحًا لِلصُّدُورِ، أوْ تَفْرِقَةً بَيْنِكم وبَيْنَ غَيْرِكم مِن أهْلِ الأدْيانِ، وفَضْلًا ومَزِيَّةً في الدُّنْيا والآخِرَةِ، انْتَهى، ولَفْظُ فُرْقانًا مُطْلَقٌ فَيَصْلُحُ لِما يَقَعُ بِهِ فَرْقٌ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ في أُمُورِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، والتَّقْوى هُنا إنْ كانَتْ مِنِ اتِّقاءِ الكَبائِرِ كانَتِ السَّيِّئاتُ الصَّغائِرُ لِيَتَغايَرَ الشَّرْطُ والجَوازُ، وتَكْفِيرُها في الدُّنْيا، ومَغْفِرَتُها إزالَتُها في القِيامَةِ، وتَغايَرَ الظَّرْفانِ لِئَلّا يَلْزَمَ التَّكْرارُ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ في البَقَرَةِ.
الأنفال 8:30
﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ لَمّا ذَكَّرَ المُؤْمِنِينَ نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ ذَكَّرَهُ ﷺ نِعَمَهُ عَلَيْهِ في خاصَّةِ نَفْسِهِ، وكانَتْ قُرَيْشٌ قَدْ تَشاوَرُوا في دارِ النَّدْوَةِ بِما تَفْعَلُ بِهِ، فَمِن قائِلٍ: يُحْبَسُ ويُقَيَّدُ ويُتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبُ المَنُونِ، ومِن قائِلٍ: يُخْرَجُ مِن مَكَّةَ تَسْتَرِيحُوا مِنهُ، وتَصَوَّرَ إبْلِيسُ في صُورَةِ شَيْخٍ نَجْدِيٍّ، وقِيلَ: هَذَيْنِ الرَّأْيَيْنِ، ومِن قائِلٍ: يَجْتَمِعُ مِن كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ ويَضْرِبُونَهُ ضَرْبَةً واحِدَةً بِأسْيافِهِمْ، فَيَتَفَرَّقُ دَمُهُ في القَبائِلِ، فَلا تَقْدِرُ بَنُو هاشِمٍ لِمُحارَبَةِ قُرَيْشٍ كُلِّها، فَيَرْضَوْنَ بِأخْذِ الدِّيَةِ، فَصَوَّبَ إبْلِيسُ هَذا الرَّأْيَ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى نَبِيِّهِ ﷺ بِذَلِكَ، وأمَرَهُ أنْ لا يَبِيتَ في مَضْجَعِهِ وأذِنَ لَهُ بِالخُرُوجِ إلى المَدِينَةِ، وأمَرَ عَلِيًّا أنْ يَبِيتَ في مَضْجَعِهِ ويَتَّشِحَ بِبُرْدَتِهِ، وباتُوا راصِدِينَ فَبادَرُوا إلى المَضْجَعِ فَأبْصَرُوا عَلِيًّا فَبُهِتُوا، وخَلَّفَ عَلِيًّا لِيَرُدَّ ودائِعَ كانَتْ عِنْدَهُ وخَرَجَ إلى المَدِينَةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: لِيُثْبِتُوكَ، أيْ: يُقَيِّدُوكَ، وقالَ عَطاءٌ والسُّدِّيُّ: لِيُثْخِنُوكَ بِالجَرْحِ والضَّرْبِ، مِن قَوْلِهِمْ: ضَرَبُوهُ حَتّى أثْبَتُوهُ لا حَراكَ بِهِ ولا بَراحَ، ورَمى الطّائِرَ فَأثْبَتَهُ، أيْ: أثْخَنَهُ. قالَ الشّاعِرُ:
؎فَقُلْتُ ويْحَكَ ماذا في صَحِيفَتِكم قالَ الخَلِيفَةُ أمْسى مُثْبَتًا وجِعا
أيْ مُثْخَنًا. وقَرَأ النَّخَعِيُّ لِيُبَيِّتُوكَ مِنَ البَياتِ، وهَذا المَكْرُ هُنا هو بِإجْماعِ المُفَسِّرِينَ ما اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ قُرَيْشٌ في دارِ النَّدْوَةِ، كَما أشَرْنا إلَيْهِ، وهَذِهِ الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ كَسائِرِ السُّورَةِ، وهو الصَّوابُ، وعَنْ عِكْرِمَةَ ومُجاهِدٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ، وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ نَزَلَتْ عَقِيبَ كِفايَةِ اللَّهِ رَسُولَهُ المُسْتَهْزِئِينَ، ويُتَأوَّلُ قَوْلُ عِكْرِمَةَ ومُجاهِدٍ عَلى أنَّهُما أشارا إلى قِصَّةِ الآيَةِ إلى وقْتِ نُزُولِها، وتَكَرَّرَ ويَمْكُرُونَ إخْبارًا بِاسْتِمْرارِ مَكْرِهِمْ وكَثْرَتِهِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ مِثْلِ باقِي الآيَةِ في آلِ عِمْرانَ.
﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا﴾ قائِلُ ذَلِكَ هو النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ واتَّبَعَهُ قائِلُونَ كَثِيرُونَ، وكانَ مِن مَرَدَةِ قُرَيْشٍ، سافَرَ (p-٤٨٨)إلى فارِسَ والحِيرَةِ، وسَمِعَ مِن قَصَصِ الرُّهْبانِ والأناجِيلِ، وأخْبارِ رُسْتُمَ واسْفَنْدِيارَ، ويَرى اليَهُودَ والنَّصارى يَرْكَعُونَ ويَسْجُدُونَ، قَتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَبْرًا بِالصَّفْراءِ بِالأثِيلِ مِنها مُنْصَرَفَهُ مِن بَدْرٍ، وفي هَذا التَّرْكِيبِ جَوازُ وُقُوعِ المُضارِعِ بَعْدَ إذا وجَوابُهُ الماضِي جَوازًا فَصِيحًا، بِخِلافِ أدَواتِ الشَّرْطِ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ ذَلِكَ فِيها إلّا في الشِّعْرِ، نَحْوَ:
؎مَن يَكِدْنِي بِشَيْءٍ كُنْتُ مِنهُ
ومَعْنى قَدْ سَمِعْنا: قَدْ سَمِعْنا ولا نُطِيعُ، أوْ قَدْ سَمِعْنا مِنكَ هَذا، وقَوْلُهم: لَوْ نَشاءُ، أيْ: لَوْ نَشاءُ القَوْلَ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا الَّذِي تَتْلُوهُ، وذُكِرَ عَلى مَعْنى المَتْلُوِّ، وهَذا القَوْلُ مِنهم عَلى سَبِيلِ البَهْتِ والمُصادَمَةِ، ولَيْسَ ذَلِكَ في اسْتِطاعَتِهِمْ، فَقَدْ طُولِبُوا بِسُورَةٍ مِنهُ فَعَجَزُوا، وكانَ أصْعَبَ شَيْءٍ إلَيْهِمُ الغَلَبَةُ وخُصُوصًا في بابِ البَيانِ، فَقَدْ كانُوا يَتَمالَطُونَ ويَتَعارَضُونَ ويُحْكَمُ بَيْنَهم في ذَلِكَ، وكانُوا أحْرَصَ النّاسِ عَلى قَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكَيْفَ يُحِيلُونَ المُعارَضَةَ عَلى المَشِيئَةِ ويَتَعَلَّلُونَ بِأنَّهم لَوْ أرادُوا لَقالُوا مِثْلَ هَذا القَوْلِ ؟ !
﴿إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ في الأنْعامِ.
﴿وإذْ قالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ قائِلُ ذَلِكَ النَّضْرُ؛ وقِيلَ: أبُو جَهْلٍ، رَواهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ، وقالَ الجُمْهُورُ: قائِلُ ذَلِكَ كُفّارُ قُرَيْشٍ، والإشارَةُ في قَوْلِهِ: (إنْ كانَ هَذا) إلى القُرْآنِ، أوْ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِنَ التَّوْحِيدِ وغَيْرِهِ، أوْ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِن بَيْنِ سائِرِ قُرَيْشٍ، أقْوالٌ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى اللَّهُمَّ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: هو الحَقَّ، بِالنَّصْبِ، جَعَلُوا هو فَصْلًا، وقَرَأ الأعْمَشُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِالرَّفْعِ وهي جائِزَةٌ في العَرَبِيَّةِ، فالجُمْلَةُ خَبَرُ كانَ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ يَرْفَعُونَ بَعْدَ هو الَّتِي هي فَصْلٌ في لُغَةِ غَيْرِهِمْ، كَما قالَ:
؎وكُنْتَ عَلَيْها بِالمَلا أنْتَ أقْدَرُ
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الفَصْلِ وفائِدَتِهِ في أوَّلِ البَقَرَةِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ في العَرَبِيَّةِ رَفْعُ (الحَقَّ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ والجُمْلَةُ خَبَرُ كانَ. قالَ الزَّجّاجُ، ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِهَذا الجائِزِ، وقِراءَةُ النّاسِ إنَّما هي بِنَصْبِ (الحَقَّ)، انْتَهى، وقَدْ ذُكِرَ مَن قَرَأ بِالرَّفْعِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ فِيها مُبالَغَةٌ في إنْكارِ الحَقِّ عَظِيمَةٌ، أيْ: إنْ كانَ حَقًّا فَعاقِبْنا عَلى إنْكارِهِ بِإمْطارِ الحِجارَةِ عَلَيْنا أمْ بِعَذابٍ آخَرَ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومُرادُهُ نَفْيُ كَوْنِهِ حَقًّا، فَإذا انْتَفى كَوْنُهُ حَقًّا لَمْ يَسْتَوْجِبْ مُنْكِرُهُ عَذابًا، فَكانَ تَعْلِيقُ العَذابِ بِكَوْنِهِ حَقًّا مَعَ اعْتِقادِ أنَّهُ لَيْسَ بِحَقٍّ كَتَعْلِيقِهِ بِالمُحالِ في قَوْلِهِ: إنْ كانَ الباطِلُ حَقًّا، مَعَ اعْتِقادِهِ أنَّهُ لَيْسَ بِحَقِّ، وقَوْلُهُ: هو الحَقَّ، تَهَكُّمٌ بِمَن يَقُولُ عَلى سَبِيلِ التَّخْصِيصِ والتَّعْيِينِ هَذا هو الحَقُّ، ويُقالُ: أمْطَرَتْ كَأنْجَمَتْ وأسْبَلَتْ، ومَطَرَتْ كَهَتَفَتْ، وكَثُرَ الأمْطارُ في مَعْنى العَذابِ، (فَإنْ قُلْتَ): فَما فائِدَةُ قَوْلِهِ: مِنَ السَّماءِ، والأمْطارُ لا تَكُونُ إلّا مِنها، (قُلْتُ): كَأنَّهُ أرادَ أنْ يُقالَ: فَأمْطِرْ عَلَيْنا السِّجِّيلَ، وهي الحِجارَةُ المُسَوَّمَةُ لِلْعَذابِ، مَوْضِعُ حِجارَةٍ مِنَ السَّماءِ مَوْضِعُ السِّجِّيلِ، كَما يُقالُ: صَبَّ عَلَيْهِ مَسْرُودَةً مِن حَدِيدٍ يُرِيدُ دِرْعًا، انْتَهى، ومَعْنى جَوابِهِ أنَّ قَوْلَهُ: مِنَ السَّماءِ جاءَ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ، كَما أنَّ قَوْلَهُ: مِن حَدِيدٍ مَعْناهُ التَّأْكِيدُ؛ لِأنَّ المَسْرُودَةَ لا تَكُونُ إلّا مِن حَدِيدٍ، (p-٤٨٩)كَما أنَّ الأمْطارَ لا تَكُونُ إلّا مِنَ السَّماءِ
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهم مِنَ السَّماءِ مُبالَغَةٌ وإغْراقٌ، انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ حِكْمَةَ قَوْلِهِمْ مِنَ السَّماءِ هي مُقابَلَتُهم مَجِيءَ الأمْطارِ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي ذُكِرَ أنَّهُ يَأْتِيهِ الوَحْيُ مِن جِهَتِها، أيْ: إنَّكَ تَذْكُرُ أنَّهُ يَأْتِيكَ الوَحْيُ مِنَ السَّماءِ فَأْتِنا بِعَذابٍ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي يَأْتِيكَ مِنها الوَحْيُ؛ إذْ كانَ يَحْسُنُ أنْ يُعَبَّرَ عَنْ إرْسالِ الحِجارَةِ عَلَيْهِمْ مِن غَيْرِ جِهَةِ السَّماءِ بِقَوْلِهِمْ: فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً، وقالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِبْعادِ والِاعْتِقادِ أنَّ ما أُتِيَ بِهِ لَيْسَ بِحَقٍّ؛ وقِيلَ: عَلى سَبِيلِ الحَسَدِ والعِنادِ مَعَ عِلْمِهِمْ أنَّهُ حَقٌّ، واسْتَبْعَدَ هَذا الثّانِيَ ابْنُ فُورَكٍ، قالَ: ولا يَقُولُ هَذا عَلى وجْهِ العِنادِ عاقِلٌ، انْتَهى، وكَأنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤] وقِصَّةُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ وأحْبارِ اليَهُودِ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ: ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩]، وقَوْلُ الرَّسُولِ ﷺ لَهم: «واللَّهِ إنَّكم لَتَعْلَمُونَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ»، أوْ كَلامٌ يُقارِبُهُ، واقْتِراحُهم هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ هو عَلى ما جَرى عَلَيْهِ اقْتِراحُ الأُمَمِ السّالِفَةِ، وسَألَ يَهُودِيٌّ ابْنَ عَبّاسٍ مِمَّنْ أنْتَ، قالَ مِن قُرَيْشٍ، فَقالَ أنْتَ مِنَ الَّذِينَ قالُوا: ﴿إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾ الآيَةَ، فَهَلّا قالُوا: فاهْدِنا إلَيْهِ ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَأنْتَ يا إسْرائِيلِيٌّ مِنَ الَّذِينَ لَمْ تَجِفَّ أرْجُلُهم مِن بَلَلِ البَحْرِ الَّذِي أُغْرِقَ فِيهِ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ ونَجا مُوسى وقَوْمُهُ حَتّى قالُوا: ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨] فَقالَ لَهم مُوسى: ﴿إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨] فَأطْرَقَ اليَهُودِيُّ مُفْحَمًا، وعَنْ مُعاوِيَةَ أنَّهُ قالَ لِرَجُلٍ مِن سَبَأٍ: ما أجْهَلَ قَوْمَكَ حِينَ مَلَّكُوا عَلَيْهِمُ امْرَأةً، فَقالَ أجْهَلُ مِن قَوْمِي قَوْمُكَ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ دَعاهم إلى الحَقِّ: (إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ) الآيَةَ، ولَمْ يَقُولُوا: فاهْدِنا لَهُ.
﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ نَزَلَتْ هَذِهِ إلى ”يَعْلَمُونَ“ بِمَكَّةَ؛ وقِيلَ: بَعْدَ وقْعَةِ بَدْرٍ حِكايَةً عَمّا حَصَلَ فِيها. وقالَ ابْنُ أبْزى: الجُمْلَةُ الأُولى بِمَكَّةَ إثْرَ قَوْلِهِ: (بِعَذابٍ ألِيمٍ)، والثّانِيَةُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِن مَكَّةَ في طَرِيقِهِ إلى المَدِينَةِ، وقَدْ بَقِيَ بِمَكَّةَ مُؤْمِنُونَ يَسْتَغْفِرُونَ، والثّالِثَةُ بَعْدَ بَدْرٍ عِنْدَ ظُهُورِ العَذابِ عَلَيْهِمْ، ولَمّا عَلَّقُوا إمْطارَ الحِجارَةِ أوِ الإتْيانَ بِعَذابٍ ألِيمٍ عَلى تَقْدِيرِ كَيْنُونَةِ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ حَقًّا أخْبَرَ تَعالى أنَّهم مُسْتَحِقُّو العَذابِ، لَكِنَّهُ لا يُعَذِّبُهم وأنْتَ فِيهِمْ إكْرامًا لَهُ وجَرْيًا عَلى عادَتِهِ تَعالى مَعَ مُكَذِّبِي أنْبِيائِهِ أنْ لا يُعَذِّبَهم وأنْبِياؤُهم مُقِيمُونَ فِيهِمْ عَذابًا يَسْتَأْصِلُهم فِيهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ تُعَذَّبْ أُمَّةٌ قَطُّ ونَبِيُّها فِيها، وعَلَيْهِ جَماعَةُ المُتَأوِّلِينَ، فالمَعْنى فَما كانَتْ لِتُعَذَّبَ أُمَّتُكَ وأنْتَ فِيهِمْ، بَلْ كَرامَتُكَ عِنْدَ رَبِّكَ أعْظَمُ، وقالَ تَعالى ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، ومِن رَحْمَتِهِ تَعالى أنْ لا يُعَذِّبَهم والرَّسُولُ ﷺ فِيهِمْ، ولَمّا كانَ الإمْطارُ لِلْحِجارَةِ عَلَيْهِمْ مُنْدَرِجًا تَحْتَ العَذابِ كانَ النَّفْيُ مُتَسَلِّطًا عَلى العَذابِ الَّذِي إمْطارُ الحِجارَةِ نَوْعٌ مِنهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ ولَمْ يَجِئِ التَّرْكِيبُ: وما كانَ اللَّهُ لِيُمْطِرَ أوْ لِيَأْتِيَ بِعَذابٍ، وتَقْيِيدُ نَفْيِ العَذابِ بِكَيْنُونَةِ الرَّسُولِ فِيهِمْ إعْلامٌ بِأنَّهُ إذا لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ وفارَقَهم عَذَّبَهم، ولَكِنَّهُ لَمْ يُعَذِّبْهم إكْرامًا لَهُ مَعَ كَوْنِهِمْ بِصَدَدِ مَن يُعَذَّبُ لِتَكْذِيبِهِمْ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَنْ أبِي زَيْدٍ: سَمِعْتُ مِنَ العَرَبِ مَن يَقُولُ: وما كانَ اللَّهُ لَيُعَذِّبُهم، بِفَتْحِ اللّامِ، وهي لُغَةٌ غَيْرُ مَعْرُوفَةٍ، ولا مُسْتَعْمَلَةٍ في القُرْآنِ، انْتَهى، وبِفَتْحِ اللّامِ في لِيُعَذِّبَهم قَرَأ أبُو السَّمالِ، وقَرَأ عَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِالفَتْحِ في لامِ الأمْرِ في قَوْلِهِ: فَلَيَنْظُرُ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ، ورَوى ابْنُ مُجاهِدٍ عَنْ أبِي زَيْدٍ أنَّ مِنَ العَرَبِ مَن يَفْتَحُ كُلَّ لامٍ إلّا في نَحْوِ: الحَمْدُ لِلَّهِ، انْتَهى، يَعْنِي لامَ الجَرِّ إذا دَخَلَتْ عَلى الظّاهِرِ، أوْ عَلى ياءِ المُتَكَلِّمِ، والظَّرْفِيَّةُ في فِيهِمْ مَجازٌ، والمَعْنى: وأنْتَ مُقِيمٌ بَيْنَهم غَيْرُ راحِلٍ عَنْهم.
﴿وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ انْظُرْ إلى حُسْنِ مَساقِ هاتَيْنِ (p-٤٩٠)الجُمْلَتَيْنِ لَمّا كانَتْ كَيْنُونَتُهُ فِيهِمْ سَبَبًا؛ لِانْتِفاءِ تَعْذِيبِهِمْ أكَّدَ خَبَرَ كانَ بِاللّامِ عَلى رَأْيِ الكُوفِيِّينَ، أوْ جَعَلَ خَبَرَ كانَ الإرادَةَ المَنفِيَّةَ عَلى رَأْيِ البَصْرِيِّينَ، وانْتِفاءُ الإرادَةِ لِلْعَذابِ أبْلَغُ مِنِ انْتِفاءِ العَذابِ، ولَمّا كانَ اسْتِغْفارُهم دُونَ تِلْكَ الكَيْنُونَةِ الشَّرِيفَةِ لَمْ يُؤَكِّدْ بِاللّامِ، بَلْ جاءَ خَبَرُ كانَ قَوْلُهُ: مُعَذِّبَهم، فَشَتّانَ ما بَيْنَ اسْتِغْفارِهِمْ وكَيْنُونَتِهِ ﷺ فِيهِمْ، والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الضَّمائِرَ كُلَّها في الجُمَلِ عائِدَةٌ عَلى الكُفّارِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ أبْزى وأبُو مالِكٍ والضَّحّاكُ ما مُقْتَضاهُ: إنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: مُعَذِّبَهم، عائِدٌ عَلى كُفّارِ مَكَّةَ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: وهم، عائِدٌ عَلى المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ بَقُوا بَعْدَ الرَّسُولِ ﷺ بِمَكَّةَ، أيْ: وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَ الكُفّارَ والمُؤْمِنُونَ بَيْنَهم يَسْتَغْفِرُونَ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَدْفَعُ في صَدْرِ هَذا القَوْلِ أنَّ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ رُدَّ الضَّمِيرُ إلَيْهِمْ لَمْ يَجْرِ لَهم ذِكْرٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا ما مُقْتَضاهُ: إنَّ الضَّمِيرَيْنِ عائِدانِ عَلى الكُفّارِ، وكانُوا يَقُولُونَ في دُعائِهِمْ: غُفْرانَكَ، ويَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ، ونَحْوَ هَذا مِمّا هو دُعاءٌ واسْتِغْفارٌ، فَجَعَلَهُ اللَّهُ أمَنَةً مِن عَذابِ الدُّنْيا، عَلى هَذا تَرَكَّبَ قَوْلُ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ وابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ اللَّهَ جَعَلَ مِن عَذابِ الدُّنْيا أمَنَتَيْنِ كَوْنَ الرَّسُولِ ﷺ مَعَ النّاسِ والِاسْتِغْفارَ، فارْتَفَعَتِ الواحِدَةُ وبَقِيَ الِاسْتِغْفارُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقالَ الزَّجّاجُ وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: وهم يَسْتَغْفِرُونَ، عائِدٌ عَلى الكُفّارِ، والمُرادُ بِهِ مَن سَبَقَ لَهُ في عِلْمِ اللَّهِ أنْ يُسْلِمَ ويَسْتَغْفِرَ، فالمَعْنى: وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَ الكُفّارَ، ومِنهم مَن يَسْتَغْفِرُ ويُؤْمِنُ في ثانِي حالٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: وهم يَسْتَغْفِرُونَ، أيْ: وذَرِّيَّتُهم يَسْتَغْفِرُونَ ويُؤْمِنُونَ فَأُسْنِدَ إلَيْهِمْ إذْ ذُرِّيَّتُهم مِنهم، والِاسْتِغْفارُ طَلَبُ الغُفْرانِ، وقالَ الضَّحّاكُ ومُجاهِدٌ: مَعْنى يَسْتَغْفِرُونَ يُصَلُّونَ، وقالَ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ أيْضًا: يُسْلِمُونَ، وظاهِرُ قَوْلِهِ: وهم يَسْتَغْفِرُونَ أنَّهم مُلْتَبِسُونَ بِالِاسْتِغْفارِ، أيْ: هم يَسْتَغْفِرُونَ فَلا يُعَذَّبُونَ، كَما أنَّ الرَّسُولَ فِيهِمْ فَلا يُعَذَّبُونَ، فَكِلا الحالَيْنِ مَوْجُودٌ كَوْنُ الرَّسُولِ فِيهِمْ واسْتِغْفارُهم، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهم يَسْتَغْفِرُونَ في مَوْضِعِ الحالِ، ومَعْناهُ نَفْيُ الِاسْتِغْفارِ عَنْهم، أيْ: ولَوْ كانُوا مِمَّنْ يُؤْمِنُ ويَسْتَغْفِرُ مِنَ الكُفْرِ لَما عَذَّبَهم، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧] ولَكِنَّهم لا يَسْتَغْفِرُونَ ولا يُؤْمِنُونَ، ولا يُتَوَقَّعُ ذَلِكَ مِنهُمُ، انْتَهى، وما قالَهُ تَقَدَّمَهُ إلَيْهِ غَيْرُهُ، فَقالَ: المَعْنى وهم بِحالِ تَوْبَةٍ واسْتِغْفارٍ مِن كُفْرِهِمْ أنْ لَوْ وقَعَ ذَلِكَ مِنهم، واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ قَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ.
﴿وما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وهم يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ وما كانُوا أوْلِياءَهُ إنْ أوْلِياؤُهُ إلّا المُتَّقُونَ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ ما اسْتِفْهامِيَّةٌ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ لَهم في انْتِفاءِ العَذابِ، وهو اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَّقْرِيرُ، أيْ: كَيْفَ لا يُعَذَّبُونَ وهم مُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الحالَةِ المُقْتَضِيَةِ لِلْعَذابِ وهي صَدُّهُمُ المُؤْمِنِينَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ ولَيْسُوا بِوُلاةِ البَيْتِ، ولا مُتَأهِّلِينَ لِوِلايَتِهِ، ومِن صَدِّهِمْ ما فَعَلُوا بِالرَّسُولِ ﷺ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، وإخْراجُهُ مَعَ المُؤْمِنِينَ داخِلٌ في الصَّدِّ، كانُوا يَقُولُونَ: نَحْنُ وُلاةُ البَيْتِ نَصُدُّ مَن نَشاءُ ونُدْخِلُ مَن نَشاءُ، وأنْ مَصْدَرِيَّةٌ، وقالَ الأخْفَشُ: هي زائِدَةٌ، قالَ النَّحّاسُ: لَوْ كانَ كَما قالَ لَرَفَعَ تَعْذِيبَهُمُ، انْتَهى، فَكانَ يَكُونُ الفِعْلُ في مَوْضِعِ الحالِ، كَقَوْلِهِ: وما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ، ومَوْضِعُ أنْ نَصْبٌ، أوْ جَرٌّ عَلى الخِلافِ؛ إذْ حُذِفَ مِنهُ في وهي تَتَعَلَّقُ بِما تَعَلَّقَ بِهِ لَهم، أيْ: أيُّ شَيْءٍ كائِنٍ أوْ مُسْتَقِرٍّ لَهم في أنْ لا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ، والمَعْنى: لا حَظَّ لَهم في انْتِفاءِ العَذابِ، وإذا انْتَفى ذَلِكَ فَهم مُعَذَّبُونَ ولا بُدَّ، وتَقْدِيرُ الطَّبَرِيِّ وما يَمْنَعُهم مِن أنْ يُعَذَّبُوا هو تَفْسِيرُ مَعْنى لا تَفْسِيرُ إعْرابٍ، وكَذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ يُتَأوَّلَ كَلامُ ابْنِ عَطِيَّةَ أنَّ التَّقْدِيرَ: وما قُدْرَتُهم، ونَحْوُهُ مِنَ الأفْعالِ مُوجِبٌ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في (أوْلِياءَهُ) عَلى المَسْجِدِ لِقُرْبِهِ وصِحَّةِ المَعْنى؛ وقِيلَ: ما لِلنَّفْيِ فَيَكُونُ إخْبارًا، أيْ: ولَيْسَ (p-٤٩١)لَهم أنْ لا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ، أيْ: لَيْسَ يَنْتَفِي العَذابُ عَنْهم مَعَ تَلَبُّسِهِمْ بِهَذِهِ الحالِ؛ وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (أوْلِياءَهُ) عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: وما كانُوا أوْلِياءَهُ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ، أيْ: وما اسْتَحَقُّوا أنْ يَكُونُوا وُلاةَ أمْرِهِ ﴿إنْ أوْلِياؤُهُ إلّا المُتَّقُونَ﴾، أيِ: المُتَّقُونَ لِلشِّرْكِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إلّا المُتَّقُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ لَيْسَ كُلُّ مُسْلِمٍ أيْضًا مِمَّنْ يَصْلُحُ أنْ يَلِيَ أمْرَهُ، إنَّما يَسْتَأْهِلُ وِلايَتَهُ مَن كانَ بَرًّا تَقِيًّا فَكَيْفَ عَبَدَةُ الأصْنامِ ؟ انْتَهى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿وما كانُوا أوْلِياءَهُ﴾ مَعْطُوفًا عَلى وهم يَصُدُّونَ، فَيَكُونُ حالًا، والمَعْنى: كَيْفَ لا يُعَذِّبُهُمُ اللَّهُ وهم مُتَّصِفُونَ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ صَدِّهِمْ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ وانْتِفاءِ كَوْنِهِمْ أوْلِياءَهُ، أيْ: أوْلِياءَ المَسْجِدِ، أيْ: لَيْسُوا وُلاتَهُ فَلا يَنْبَغِي أنْ يَصُدُّوا عَنْهُ، أوْ أوْلِياءَ اللَّهِ، فَهم كُفّارٌ، فَيَكُونُ قَدِ ارْتَقى مِن حالٍ إلى أعْظَمَ مِنها، وهو كَوْنُهم لَيْسُوا مُؤْمِنِينَ، فَمَن كانَ صادًّا عَنِ المَسْجِدِ كافِرًا بِاللَّهِ فَهو حَقِيقٌ بِالتَّعْذِيبِ، والضَّمِيرُ في (إنْ أوْلِياؤُهُ) مُتَرَتِّبٌ عَلى ما يَعُودُ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿وما كانُوا أوْلِياءَهُ﴾، واخْتَلَفُوا في هَذا التَّعْذِيبِ فَقالَ قَوْمٌ: هو الأوَّلُ إلّا أنَّهُ كانَ امْتَنَعَ بِشَيْئَيْنِ: كَوْنِ النَّبِيِّ فِيهِمْ واسْتِغْفارِ مَن بَيْنَهم مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَلَمّا وقَعَ التَّمْيِيزُ بِالهِجْرَةِ وقَعَ بِالباقِينَ يَوْمَ بَدْرٍ؛ وقِيلَ: بَلْ وقَعَ بِفَتْحِ مَكَّةَ، وقالَ قَوْمٌ: هَذا التَّعْذِيبُ غَيْرُ ذَلِكَ، فالأوَّلُ: اسْتِئْصالُ كُلِّهِمْ، فَلَمْ يَقَعْ لِما عَلِمَ مِن إسْلامِ بَعْضِهِمْ وإسْلامِ بَعْضِ ذَرارِيهِمْ، والثّانِي: قَتْلُ بَعْضِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الأوَّلُ عَذابُ الدُّنْيا، والثّانِي: عَذابُ الآخِرَةِ، فالمَعْنى وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَ المُشْرِكِينَ لِاسْتِغْفارِهِمْ في الدُّنْيا وما لَهم أنْ لا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ في الآخِرَةِ، ومُتَعَلِّقُ لا يَعْلَمُونَ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: لا يَعْلَمُونَ أنَّهم لَيْسُوا أوْلِياءَهُ بَلْ يَظُنُّونَ أنَّهم أوْلِياؤُهُ، والظّاهِرُ اسْتِدْراكُ الأكْثَرِ في انْتِفاءِ العِلْمِ؛ إذْ كانَ بَيْنَهم، وفي خِلالِهِمْ مَن جَنَحَ إلى الإيمانِ، فَكانَ يَعْلَمُ أنَّ أُولَئِكَ الصّادِّينَ لَيْسُوا أوْلِياءَ البَيْتِ، أوْ أوْلِياءَ اللَّهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولَكِنَّ أكْثَرَهم، أيْ: أكْثَرَ المُقِيمِينَ بِمَكَّةَ لا يَعْلَمُونَ لِتُخْرِجَ مِنهُمُ العَبّاسَ وأُمَّ الفَضْلِ وغَيْرَهُما مِمَّنْ وقَعَ لَهُ عِلْمٌ، أوْ إذْ كانَ فِيهِمْ مَن يَعْلَمُهُ، وهو يُعانِدُ طَلَبًا لِلرِّياسَةِ، أوْ أُرِيدَ بِالأكْثَرِ الجَمِيعُ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولَكِنَّهم لا يَعْلَمُونَ، كَما قِيلَ: قَلَّما رَجُلٌ يَقُولُ ذَلِكَ، في مَعْنى النَّفْيِ المَحْضِ، وإبْقاءُ الأكْثَرِ عَلى ظاهِرِهِ أوْلى، وكَوْنُهُ أُرِيدَ بِهِ الجَمِيعُ هو تَخْرِيجُ الزَّمَخْشَرِيِّ وابْنِ عَطِيَّةَ.
الأنفال 8:31
﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ لَمّا ذَكَّرَ المُؤْمِنِينَ نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ ذَكَّرَهُ ﷺ نِعَمَهُ عَلَيْهِ في خاصَّةِ نَفْسِهِ، وكانَتْ قُرَيْشٌ قَدْ تَشاوَرُوا في دارِ النَّدْوَةِ بِما تَفْعَلُ بِهِ، فَمِن قائِلٍ: يُحْبَسُ ويُقَيَّدُ ويُتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبُ المَنُونِ، ومِن قائِلٍ: يُخْرَجُ مِن مَكَّةَ تَسْتَرِيحُوا مِنهُ، وتَصَوَّرَ إبْلِيسُ في صُورَةِ شَيْخٍ نَجْدِيٍّ، وقِيلَ: هَذَيْنِ الرَّأْيَيْنِ، ومِن قائِلٍ: يَجْتَمِعُ مِن كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ ويَضْرِبُونَهُ ضَرْبَةً واحِدَةً بِأسْيافِهِمْ، فَيَتَفَرَّقُ دَمُهُ في القَبائِلِ، فَلا تَقْدِرُ بَنُو هاشِمٍ لِمُحارَبَةِ قُرَيْشٍ كُلِّها، فَيَرْضَوْنَ بِأخْذِ الدِّيَةِ، فَصَوَّبَ إبْلِيسُ هَذا الرَّأْيَ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى نَبِيِّهِ ﷺ بِذَلِكَ، وأمَرَهُ أنْ لا يَبِيتَ في مَضْجَعِهِ وأذِنَ لَهُ بِالخُرُوجِ إلى المَدِينَةِ، وأمَرَ عَلِيًّا أنْ يَبِيتَ في مَضْجَعِهِ ويَتَّشِحَ بِبُرْدَتِهِ، وباتُوا راصِدِينَ فَبادَرُوا إلى المَضْجَعِ فَأبْصَرُوا عَلِيًّا فَبُهِتُوا، وخَلَّفَ عَلِيًّا لِيَرُدَّ ودائِعَ كانَتْ عِنْدَهُ وخَرَجَ إلى المَدِينَةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: لِيُثْبِتُوكَ، أيْ: يُقَيِّدُوكَ، وقالَ عَطاءٌ والسُّدِّيُّ: لِيُثْخِنُوكَ بِالجَرْحِ والضَّرْبِ، مِن قَوْلِهِمْ: ضَرَبُوهُ حَتّى أثْبَتُوهُ لا حَراكَ بِهِ ولا بَراحَ، ورَمى الطّائِرَ فَأثْبَتَهُ، أيْ: أثْخَنَهُ. قالَ الشّاعِرُ:
؎فَقُلْتُ ويْحَكَ ماذا في صَحِيفَتِكم قالَ الخَلِيفَةُ أمْسى مُثْبَتًا وجِعا
أيْ مُثْخَنًا. وقَرَأ النَّخَعِيُّ لِيُبَيِّتُوكَ مِنَ البَياتِ، وهَذا المَكْرُ هُنا هو بِإجْماعِ المُفَسِّرِينَ ما اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ قُرَيْشٌ في دارِ النَّدْوَةِ، كَما أشَرْنا إلَيْهِ، وهَذِهِ الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ كَسائِرِ السُّورَةِ، وهو الصَّوابُ، وعَنْ عِكْرِمَةَ ومُجاهِدٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ، وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ نَزَلَتْ عَقِيبَ كِفايَةِ اللَّهِ رَسُولَهُ المُسْتَهْزِئِينَ، ويُتَأوَّلُ قَوْلُ عِكْرِمَةَ ومُجاهِدٍ عَلى أنَّهُما أشارا إلى قِصَّةِ الآيَةِ إلى وقْتِ نُزُولِها، وتَكَرَّرَ ويَمْكُرُونَ إخْبارًا بِاسْتِمْرارِ مَكْرِهِمْ وكَثْرَتِهِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ مِثْلِ باقِي الآيَةِ في آلِ عِمْرانَ.
﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا﴾ قائِلُ ذَلِكَ هو النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ واتَّبَعَهُ قائِلُونَ كَثِيرُونَ، وكانَ مِن مَرَدَةِ قُرَيْشٍ، سافَرَ (p-٤٨٨)إلى فارِسَ والحِيرَةِ، وسَمِعَ مِن قَصَصِ الرُّهْبانِ والأناجِيلِ، وأخْبارِ رُسْتُمَ واسْفَنْدِيارَ، ويَرى اليَهُودَ والنَّصارى يَرْكَعُونَ ويَسْجُدُونَ، قَتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَبْرًا بِالصَّفْراءِ بِالأثِيلِ مِنها مُنْصَرَفَهُ مِن بَدْرٍ، وفي هَذا التَّرْكِيبِ جَوازُ وُقُوعِ المُضارِعِ بَعْدَ إذا وجَوابُهُ الماضِي جَوازًا فَصِيحًا، بِخِلافِ أدَواتِ الشَّرْطِ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ ذَلِكَ فِيها إلّا في الشِّعْرِ، نَحْوَ:
؎مَن يَكِدْنِي بِشَيْءٍ كُنْتُ مِنهُ
ومَعْنى قَدْ سَمِعْنا: قَدْ سَمِعْنا ولا نُطِيعُ، أوْ قَدْ سَمِعْنا مِنكَ هَذا، وقَوْلُهم: لَوْ نَشاءُ، أيْ: لَوْ نَشاءُ القَوْلَ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا الَّذِي تَتْلُوهُ، وذُكِرَ عَلى مَعْنى المَتْلُوِّ، وهَذا القَوْلُ مِنهم عَلى سَبِيلِ البَهْتِ والمُصادَمَةِ، ولَيْسَ ذَلِكَ في اسْتِطاعَتِهِمْ، فَقَدْ طُولِبُوا بِسُورَةٍ مِنهُ فَعَجَزُوا، وكانَ أصْعَبَ شَيْءٍ إلَيْهِمُ الغَلَبَةُ وخُصُوصًا في بابِ البَيانِ، فَقَدْ كانُوا يَتَمالَطُونَ ويَتَعارَضُونَ ويُحْكَمُ بَيْنَهم في ذَلِكَ، وكانُوا أحْرَصَ النّاسِ عَلى قَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكَيْفَ يُحِيلُونَ المُعارَضَةَ عَلى المَشِيئَةِ ويَتَعَلَّلُونَ بِأنَّهم لَوْ أرادُوا لَقالُوا مِثْلَ هَذا القَوْلِ ؟ !
﴿إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ في الأنْعامِ.
﴿وإذْ قالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ قائِلُ ذَلِكَ النَّضْرُ؛ وقِيلَ: أبُو جَهْلٍ، رَواهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ، وقالَ الجُمْهُورُ: قائِلُ ذَلِكَ كُفّارُ قُرَيْشٍ، والإشارَةُ في قَوْلِهِ: (إنْ كانَ هَذا) إلى القُرْآنِ، أوْ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِنَ التَّوْحِيدِ وغَيْرِهِ، أوْ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِن بَيْنِ سائِرِ قُرَيْشٍ، أقْوالٌ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى اللَّهُمَّ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: هو الحَقَّ، بِالنَّصْبِ، جَعَلُوا هو فَصْلًا، وقَرَأ الأعْمَشُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِالرَّفْعِ وهي جائِزَةٌ في العَرَبِيَّةِ، فالجُمْلَةُ خَبَرُ كانَ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ يَرْفَعُونَ بَعْدَ هو الَّتِي هي فَصْلٌ في لُغَةِ غَيْرِهِمْ، كَما قالَ:
؎وكُنْتَ عَلَيْها بِالمَلا أنْتَ أقْدَرُ
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الفَصْلِ وفائِدَتِهِ في أوَّلِ البَقَرَةِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ في العَرَبِيَّةِ رَفْعُ (الحَقَّ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ والجُمْلَةُ خَبَرُ كانَ. قالَ الزَّجّاجُ، ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِهَذا الجائِزِ، وقِراءَةُ النّاسِ إنَّما هي بِنَصْبِ (الحَقَّ)، انْتَهى، وقَدْ ذُكِرَ مَن قَرَأ بِالرَّفْعِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ فِيها مُبالَغَةٌ في إنْكارِ الحَقِّ عَظِيمَةٌ، أيْ: إنْ كانَ حَقًّا فَعاقِبْنا عَلى إنْكارِهِ بِإمْطارِ الحِجارَةِ عَلَيْنا أمْ بِعَذابٍ آخَرَ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومُرادُهُ نَفْيُ كَوْنِهِ حَقًّا، فَإذا انْتَفى كَوْنُهُ حَقًّا لَمْ يَسْتَوْجِبْ مُنْكِرُهُ عَذابًا، فَكانَ تَعْلِيقُ العَذابِ بِكَوْنِهِ حَقًّا مَعَ اعْتِقادِ أنَّهُ لَيْسَ بِحَقٍّ كَتَعْلِيقِهِ بِالمُحالِ في قَوْلِهِ: إنْ كانَ الباطِلُ حَقًّا، مَعَ اعْتِقادِهِ أنَّهُ لَيْسَ بِحَقِّ، وقَوْلُهُ: هو الحَقَّ، تَهَكُّمٌ بِمَن يَقُولُ عَلى سَبِيلِ التَّخْصِيصِ والتَّعْيِينِ هَذا هو الحَقُّ، ويُقالُ: أمْطَرَتْ كَأنْجَمَتْ وأسْبَلَتْ، ومَطَرَتْ كَهَتَفَتْ، وكَثُرَ الأمْطارُ في مَعْنى العَذابِ، (فَإنْ قُلْتَ): فَما فائِدَةُ قَوْلِهِ: مِنَ السَّماءِ، والأمْطارُ لا تَكُونُ إلّا مِنها، (قُلْتُ): كَأنَّهُ أرادَ أنْ يُقالَ: فَأمْطِرْ عَلَيْنا السِّجِّيلَ، وهي الحِجارَةُ المُسَوَّمَةُ لِلْعَذابِ، مَوْضِعُ حِجارَةٍ مِنَ السَّماءِ مَوْضِعُ السِّجِّيلِ، كَما يُقالُ: صَبَّ عَلَيْهِ مَسْرُودَةً مِن حَدِيدٍ يُرِيدُ دِرْعًا، انْتَهى، ومَعْنى جَوابِهِ أنَّ قَوْلَهُ: مِنَ السَّماءِ جاءَ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ، كَما أنَّ قَوْلَهُ: مِن حَدِيدٍ مَعْناهُ التَّأْكِيدُ؛ لِأنَّ المَسْرُودَةَ لا تَكُونُ إلّا مِن حَدِيدٍ، (p-٤٨٩)كَما أنَّ الأمْطارَ لا تَكُونُ إلّا مِنَ السَّماءِ
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهم مِنَ السَّماءِ مُبالَغَةٌ وإغْراقٌ، انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ حِكْمَةَ قَوْلِهِمْ مِنَ السَّماءِ هي مُقابَلَتُهم مَجِيءَ الأمْطارِ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي ذُكِرَ أنَّهُ يَأْتِيهِ الوَحْيُ مِن جِهَتِها، أيْ: إنَّكَ تَذْكُرُ أنَّهُ يَأْتِيكَ الوَحْيُ مِنَ السَّماءِ فَأْتِنا بِعَذابٍ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي يَأْتِيكَ مِنها الوَحْيُ؛ إذْ كانَ يَحْسُنُ أنْ يُعَبَّرَ عَنْ إرْسالِ الحِجارَةِ عَلَيْهِمْ مِن غَيْرِ جِهَةِ السَّماءِ بِقَوْلِهِمْ: فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً، وقالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِبْعادِ والِاعْتِقادِ أنَّ ما أُتِيَ بِهِ لَيْسَ بِحَقٍّ؛ وقِيلَ: عَلى سَبِيلِ الحَسَدِ والعِنادِ مَعَ عِلْمِهِمْ أنَّهُ حَقٌّ، واسْتَبْعَدَ هَذا الثّانِيَ ابْنُ فُورَكٍ، قالَ: ولا يَقُولُ هَذا عَلى وجْهِ العِنادِ عاقِلٌ، انْتَهى، وكَأنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤] وقِصَّةُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ وأحْبارِ اليَهُودِ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ: ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩]، وقَوْلُ الرَّسُولِ ﷺ لَهم: «واللَّهِ إنَّكم لَتَعْلَمُونَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ»، أوْ كَلامٌ يُقارِبُهُ، واقْتِراحُهم هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ هو عَلى ما جَرى عَلَيْهِ اقْتِراحُ الأُمَمِ السّالِفَةِ، وسَألَ يَهُودِيٌّ ابْنَ عَبّاسٍ مِمَّنْ أنْتَ، قالَ مِن قُرَيْشٍ، فَقالَ أنْتَ مِنَ الَّذِينَ قالُوا: ﴿إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾ الآيَةَ، فَهَلّا قالُوا: فاهْدِنا إلَيْهِ ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَأنْتَ يا إسْرائِيلِيٌّ مِنَ الَّذِينَ لَمْ تَجِفَّ أرْجُلُهم مِن بَلَلِ البَحْرِ الَّذِي أُغْرِقَ فِيهِ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ ونَجا مُوسى وقَوْمُهُ حَتّى قالُوا: ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨] فَقالَ لَهم مُوسى: ﴿إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨] فَأطْرَقَ اليَهُودِيُّ مُفْحَمًا، وعَنْ مُعاوِيَةَ أنَّهُ قالَ لِرَجُلٍ مِن سَبَأٍ: ما أجْهَلَ قَوْمَكَ حِينَ مَلَّكُوا عَلَيْهِمُ امْرَأةً، فَقالَ أجْهَلُ مِن قَوْمِي قَوْمُكَ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ دَعاهم إلى الحَقِّ: (إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ) الآيَةَ، ولَمْ يَقُولُوا: فاهْدِنا لَهُ.
﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ نَزَلَتْ هَذِهِ إلى ”يَعْلَمُونَ“ بِمَكَّةَ؛ وقِيلَ: بَعْدَ وقْعَةِ بَدْرٍ حِكايَةً عَمّا حَصَلَ فِيها. وقالَ ابْنُ أبْزى: الجُمْلَةُ الأُولى بِمَكَّةَ إثْرَ قَوْلِهِ: (بِعَذابٍ ألِيمٍ)، والثّانِيَةُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِن مَكَّةَ في طَرِيقِهِ إلى المَدِينَةِ، وقَدْ بَقِيَ بِمَكَّةَ مُؤْمِنُونَ يَسْتَغْفِرُونَ، والثّالِثَةُ بَعْدَ بَدْرٍ عِنْدَ ظُهُورِ العَذابِ عَلَيْهِمْ، ولَمّا عَلَّقُوا إمْطارَ الحِجارَةِ أوِ الإتْيانَ بِعَذابٍ ألِيمٍ عَلى تَقْدِيرِ كَيْنُونَةِ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ حَقًّا أخْبَرَ تَعالى أنَّهم مُسْتَحِقُّو العَذابِ، لَكِنَّهُ لا يُعَذِّبُهم وأنْتَ فِيهِمْ إكْرامًا لَهُ وجَرْيًا عَلى عادَتِهِ تَعالى مَعَ مُكَذِّبِي أنْبِيائِهِ أنْ لا يُعَذِّبَهم وأنْبِياؤُهم مُقِيمُونَ فِيهِمْ عَذابًا يَسْتَأْصِلُهم فِيهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ تُعَذَّبْ أُمَّةٌ قَطُّ ونَبِيُّها فِيها، وعَلَيْهِ جَماعَةُ المُتَأوِّلِينَ، فالمَعْنى فَما كانَتْ لِتُعَذَّبَ أُمَّتُكَ وأنْتَ فِيهِمْ، بَلْ كَرامَتُكَ عِنْدَ رَبِّكَ أعْظَمُ، وقالَ تَعالى ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، ومِن رَحْمَتِهِ تَعالى أنْ لا يُعَذِّبَهم والرَّسُولُ ﷺ فِيهِمْ، ولَمّا كانَ الإمْطارُ لِلْحِجارَةِ عَلَيْهِمْ مُنْدَرِجًا تَحْتَ العَذابِ كانَ النَّفْيُ مُتَسَلِّطًا عَلى العَذابِ الَّذِي إمْطارُ الحِجارَةِ نَوْعٌ مِنهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ ولَمْ يَجِئِ التَّرْكِيبُ: وما كانَ اللَّهُ لِيُمْطِرَ أوْ لِيَأْتِيَ بِعَذابٍ، وتَقْيِيدُ نَفْيِ العَذابِ بِكَيْنُونَةِ الرَّسُولِ فِيهِمْ إعْلامٌ بِأنَّهُ إذا لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ وفارَقَهم عَذَّبَهم، ولَكِنَّهُ لَمْ يُعَذِّبْهم إكْرامًا لَهُ مَعَ كَوْنِهِمْ بِصَدَدِ مَن يُعَذَّبُ لِتَكْذِيبِهِمْ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَنْ أبِي زَيْدٍ: سَمِعْتُ مِنَ العَرَبِ مَن يَقُولُ: وما كانَ اللَّهُ لَيُعَذِّبُهم، بِفَتْحِ اللّامِ، وهي لُغَةٌ غَيْرُ مَعْرُوفَةٍ، ولا مُسْتَعْمَلَةٍ في القُرْآنِ، انْتَهى، وبِفَتْحِ اللّامِ في لِيُعَذِّبَهم قَرَأ أبُو السَّمالِ، وقَرَأ عَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِالفَتْحِ في لامِ الأمْرِ في قَوْلِهِ: فَلَيَنْظُرُ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ، ورَوى ابْنُ مُجاهِدٍ عَنْ أبِي زَيْدٍ أنَّ مِنَ العَرَبِ مَن يَفْتَحُ كُلَّ لامٍ إلّا في نَحْوِ: الحَمْدُ لِلَّهِ، انْتَهى، يَعْنِي لامَ الجَرِّ إذا دَخَلَتْ عَلى الظّاهِرِ، أوْ عَلى ياءِ المُتَكَلِّمِ، والظَّرْفِيَّةُ في فِيهِمْ مَجازٌ، والمَعْنى: وأنْتَ مُقِيمٌ بَيْنَهم غَيْرُ راحِلٍ عَنْهم.
﴿وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ انْظُرْ إلى حُسْنِ مَساقِ هاتَيْنِ (p-٤٩٠)الجُمْلَتَيْنِ لَمّا كانَتْ كَيْنُونَتُهُ فِيهِمْ سَبَبًا؛ لِانْتِفاءِ تَعْذِيبِهِمْ أكَّدَ خَبَرَ كانَ بِاللّامِ عَلى رَأْيِ الكُوفِيِّينَ، أوْ جَعَلَ خَبَرَ كانَ الإرادَةَ المَنفِيَّةَ عَلى رَأْيِ البَصْرِيِّينَ، وانْتِفاءُ الإرادَةِ لِلْعَذابِ أبْلَغُ مِنِ انْتِفاءِ العَذابِ، ولَمّا كانَ اسْتِغْفارُهم دُونَ تِلْكَ الكَيْنُونَةِ الشَّرِيفَةِ لَمْ يُؤَكِّدْ بِاللّامِ، بَلْ جاءَ خَبَرُ كانَ قَوْلُهُ: مُعَذِّبَهم، فَشَتّانَ ما بَيْنَ اسْتِغْفارِهِمْ وكَيْنُونَتِهِ ﷺ فِيهِمْ، والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الضَّمائِرَ كُلَّها في الجُمَلِ عائِدَةٌ عَلى الكُفّارِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ أبْزى وأبُو مالِكٍ والضَّحّاكُ ما مُقْتَضاهُ: إنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: مُعَذِّبَهم، عائِدٌ عَلى كُفّارِ مَكَّةَ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: وهم، عائِدٌ عَلى المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ بَقُوا بَعْدَ الرَّسُولِ ﷺ بِمَكَّةَ، أيْ: وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَ الكُفّارَ والمُؤْمِنُونَ بَيْنَهم يَسْتَغْفِرُونَ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَدْفَعُ في صَدْرِ هَذا القَوْلِ أنَّ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ رُدَّ الضَّمِيرُ إلَيْهِمْ لَمْ يَجْرِ لَهم ذِكْرٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا ما مُقْتَضاهُ: إنَّ الضَّمِيرَيْنِ عائِدانِ عَلى الكُفّارِ، وكانُوا يَقُولُونَ في دُعائِهِمْ: غُفْرانَكَ، ويَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ، ونَحْوَ هَذا مِمّا هو دُعاءٌ واسْتِغْفارٌ، فَجَعَلَهُ اللَّهُ أمَنَةً مِن عَذابِ الدُّنْيا، عَلى هَذا تَرَكَّبَ قَوْلُ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ وابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ اللَّهَ جَعَلَ مِن عَذابِ الدُّنْيا أمَنَتَيْنِ كَوْنَ الرَّسُولِ ﷺ مَعَ النّاسِ والِاسْتِغْفارَ، فارْتَفَعَتِ الواحِدَةُ وبَقِيَ الِاسْتِغْفارُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقالَ الزَّجّاجُ وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: وهم يَسْتَغْفِرُونَ، عائِدٌ عَلى الكُفّارِ، والمُرادُ بِهِ مَن سَبَقَ لَهُ في عِلْمِ اللَّهِ أنْ يُسْلِمَ ويَسْتَغْفِرَ، فالمَعْنى: وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَ الكُفّارَ، ومِنهم مَن يَسْتَغْفِرُ ويُؤْمِنُ في ثانِي حالٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: وهم يَسْتَغْفِرُونَ، أيْ: وذَرِّيَّتُهم يَسْتَغْفِرُونَ ويُؤْمِنُونَ فَأُسْنِدَ إلَيْهِمْ إذْ ذُرِّيَّتُهم مِنهم، والِاسْتِغْفارُ طَلَبُ الغُفْرانِ، وقالَ الضَّحّاكُ ومُجاهِدٌ: مَعْنى يَسْتَغْفِرُونَ يُصَلُّونَ، وقالَ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ أيْضًا: يُسْلِمُونَ، وظاهِرُ قَوْلِهِ: وهم يَسْتَغْفِرُونَ أنَّهم مُلْتَبِسُونَ بِالِاسْتِغْفارِ، أيْ: هم يَسْتَغْفِرُونَ فَلا يُعَذَّبُونَ، كَما أنَّ الرَّسُولَ فِيهِمْ فَلا يُعَذَّبُونَ، فَكِلا الحالَيْنِ مَوْجُودٌ كَوْنُ الرَّسُولِ فِيهِمْ واسْتِغْفارُهم، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهم يَسْتَغْفِرُونَ في مَوْضِعِ الحالِ، ومَعْناهُ نَفْيُ الِاسْتِغْفارِ عَنْهم، أيْ: ولَوْ كانُوا مِمَّنْ يُؤْمِنُ ويَسْتَغْفِرُ مِنَ الكُفْرِ لَما عَذَّبَهم، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧] ولَكِنَّهم لا يَسْتَغْفِرُونَ ولا يُؤْمِنُونَ، ولا يُتَوَقَّعُ ذَلِكَ مِنهُمُ، انْتَهى، وما قالَهُ تَقَدَّمَهُ إلَيْهِ غَيْرُهُ، فَقالَ: المَعْنى وهم بِحالِ تَوْبَةٍ واسْتِغْفارٍ مِن كُفْرِهِمْ أنْ لَوْ وقَعَ ذَلِكَ مِنهم، واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ قَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ.
﴿وما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وهم يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ وما كانُوا أوْلِياءَهُ إنْ أوْلِياؤُهُ إلّا المُتَّقُونَ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ ما اسْتِفْهامِيَّةٌ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ لَهم في انْتِفاءِ العَذابِ، وهو اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَّقْرِيرُ، أيْ: كَيْفَ لا يُعَذَّبُونَ وهم مُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الحالَةِ المُقْتَضِيَةِ لِلْعَذابِ وهي صَدُّهُمُ المُؤْمِنِينَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ ولَيْسُوا بِوُلاةِ البَيْتِ، ولا مُتَأهِّلِينَ لِوِلايَتِهِ، ومِن صَدِّهِمْ ما فَعَلُوا بِالرَّسُولِ ﷺ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، وإخْراجُهُ مَعَ المُؤْمِنِينَ داخِلٌ في الصَّدِّ، كانُوا يَقُولُونَ: نَحْنُ وُلاةُ البَيْتِ نَصُدُّ مَن نَشاءُ ونُدْخِلُ مَن نَشاءُ، وأنْ مَصْدَرِيَّةٌ، وقالَ الأخْفَشُ: هي زائِدَةٌ، قالَ النَّحّاسُ: لَوْ كانَ كَما قالَ لَرَفَعَ تَعْذِيبَهُمُ، انْتَهى، فَكانَ يَكُونُ الفِعْلُ في مَوْضِعِ الحالِ، كَقَوْلِهِ: وما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ، ومَوْضِعُ أنْ نَصْبٌ، أوْ جَرٌّ عَلى الخِلافِ؛ إذْ حُذِفَ مِنهُ في وهي تَتَعَلَّقُ بِما تَعَلَّقَ بِهِ لَهم، أيْ: أيُّ شَيْءٍ كائِنٍ أوْ مُسْتَقِرٍّ لَهم في أنْ لا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ، والمَعْنى: لا حَظَّ لَهم في انْتِفاءِ العَذابِ، وإذا انْتَفى ذَلِكَ فَهم مُعَذَّبُونَ ولا بُدَّ، وتَقْدِيرُ الطَّبَرِيِّ وما يَمْنَعُهم مِن أنْ يُعَذَّبُوا هو تَفْسِيرُ مَعْنى لا تَفْسِيرُ إعْرابٍ، وكَذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ يُتَأوَّلَ كَلامُ ابْنِ عَطِيَّةَ أنَّ التَّقْدِيرَ: وما قُدْرَتُهم، ونَحْوُهُ مِنَ الأفْعالِ مُوجِبٌ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في (أوْلِياءَهُ) عَلى المَسْجِدِ لِقُرْبِهِ وصِحَّةِ المَعْنى؛ وقِيلَ: ما لِلنَّفْيِ فَيَكُونُ إخْبارًا، أيْ: ولَيْسَ (p-٤٩١)لَهم أنْ لا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ، أيْ: لَيْسَ يَنْتَفِي العَذابُ عَنْهم مَعَ تَلَبُّسِهِمْ بِهَذِهِ الحالِ؛ وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (أوْلِياءَهُ) عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: وما كانُوا أوْلِياءَهُ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ، أيْ: وما اسْتَحَقُّوا أنْ يَكُونُوا وُلاةَ أمْرِهِ ﴿إنْ أوْلِياؤُهُ إلّا المُتَّقُونَ﴾، أيِ: المُتَّقُونَ لِلشِّرْكِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إلّا المُتَّقُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ لَيْسَ كُلُّ مُسْلِمٍ أيْضًا مِمَّنْ يَصْلُحُ أنْ يَلِيَ أمْرَهُ، إنَّما يَسْتَأْهِلُ وِلايَتَهُ مَن كانَ بَرًّا تَقِيًّا فَكَيْفَ عَبَدَةُ الأصْنامِ ؟ انْتَهى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿وما كانُوا أوْلِياءَهُ﴾ مَعْطُوفًا عَلى وهم يَصُدُّونَ، فَيَكُونُ حالًا، والمَعْنى: كَيْفَ لا يُعَذِّبُهُمُ اللَّهُ وهم مُتَّصِفُونَ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ صَدِّهِمْ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ وانْتِفاءِ كَوْنِهِمْ أوْلِياءَهُ، أيْ: أوْلِياءَ المَسْجِدِ، أيْ: لَيْسُوا وُلاتَهُ فَلا يَنْبَغِي أنْ يَصُدُّوا عَنْهُ، أوْ أوْلِياءَ اللَّهِ، فَهم كُفّارٌ، فَيَكُونُ قَدِ ارْتَقى مِن حالٍ إلى أعْظَمَ مِنها، وهو كَوْنُهم لَيْسُوا مُؤْمِنِينَ، فَمَن كانَ صادًّا عَنِ المَسْجِدِ كافِرًا بِاللَّهِ فَهو حَقِيقٌ بِالتَّعْذِيبِ، والضَّمِيرُ في (إنْ أوْلِياؤُهُ) مُتَرَتِّبٌ عَلى ما يَعُودُ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿وما كانُوا أوْلِياءَهُ﴾، واخْتَلَفُوا في هَذا التَّعْذِيبِ فَقالَ قَوْمٌ: هو الأوَّلُ إلّا أنَّهُ كانَ امْتَنَعَ بِشَيْئَيْنِ: كَوْنِ النَّبِيِّ فِيهِمْ واسْتِغْفارِ مَن بَيْنَهم مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَلَمّا وقَعَ التَّمْيِيزُ بِالهِجْرَةِ وقَعَ بِالباقِينَ يَوْمَ بَدْرٍ؛ وقِيلَ: بَلْ وقَعَ بِفَتْحِ مَكَّةَ، وقالَ قَوْمٌ: هَذا التَّعْذِيبُ غَيْرُ ذَلِكَ، فالأوَّلُ: اسْتِئْصالُ كُلِّهِمْ، فَلَمْ يَقَعْ لِما عَلِمَ مِن إسْلامِ بَعْضِهِمْ وإسْلامِ بَعْضِ ذَرارِيهِمْ، والثّانِي: قَتْلُ بَعْضِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الأوَّلُ عَذابُ الدُّنْيا، والثّانِي: عَذابُ الآخِرَةِ، فالمَعْنى وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَ المُشْرِكِينَ لِاسْتِغْفارِهِمْ في الدُّنْيا وما لَهم أنْ لا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ في الآخِرَةِ، ومُتَعَلِّقُ لا يَعْلَمُونَ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: لا يَعْلَمُونَ أنَّهم لَيْسُوا أوْلِياءَهُ بَلْ يَظُنُّونَ أنَّهم أوْلِياؤُهُ، والظّاهِرُ اسْتِدْراكُ الأكْثَرِ في انْتِفاءِ العِلْمِ؛ إذْ كانَ بَيْنَهم، وفي خِلالِهِمْ مَن جَنَحَ إلى الإيمانِ، فَكانَ يَعْلَمُ أنَّ أُولَئِكَ الصّادِّينَ لَيْسُوا أوْلِياءَ البَيْتِ، أوْ أوْلِياءَ اللَّهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولَكِنَّ أكْثَرَهم، أيْ: أكْثَرَ المُقِيمِينَ بِمَكَّةَ لا يَعْلَمُونَ لِتُخْرِجَ مِنهُمُ العَبّاسَ وأُمَّ الفَضْلِ وغَيْرَهُما مِمَّنْ وقَعَ لَهُ عِلْمٌ، أوْ إذْ كانَ فِيهِمْ مَن يَعْلَمُهُ، وهو يُعانِدُ طَلَبًا لِلرِّياسَةِ، أوْ أُرِيدَ بِالأكْثَرِ الجَمِيعُ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولَكِنَّهم لا يَعْلَمُونَ، كَما قِيلَ: قَلَّما رَجُلٌ يَقُولُ ذَلِكَ، في مَعْنى النَّفْيِ المَحْضِ، وإبْقاءُ الأكْثَرِ عَلى ظاهِرِهِ أوْلى، وكَوْنُهُ أُرِيدَ بِهِ الجَمِيعُ هو تَخْرِيجُ الزَّمَخْشَرِيِّ وابْنِ عَطِيَّةَ.
الأنفال 8:32
﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ لَمّا ذَكَّرَ المُؤْمِنِينَ نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ ذَكَّرَهُ ﷺ نِعَمَهُ عَلَيْهِ في خاصَّةِ نَفْسِهِ، وكانَتْ قُرَيْشٌ قَدْ تَشاوَرُوا في دارِ النَّدْوَةِ بِما تَفْعَلُ بِهِ، فَمِن قائِلٍ: يُحْبَسُ ويُقَيَّدُ ويُتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبُ المَنُونِ، ومِن قائِلٍ: يُخْرَجُ مِن مَكَّةَ تَسْتَرِيحُوا مِنهُ، وتَصَوَّرَ إبْلِيسُ في صُورَةِ شَيْخٍ نَجْدِيٍّ، وقِيلَ: هَذَيْنِ الرَّأْيَيْنِ، ومِن قائِلٍ: يَجْتَمِعُ مِن كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ ويَضْرِبُونَهُ ضَرْبَةً واحِدَةً بِأسْيافِهِمْ، فَيَتَفَرَّقُ دَمُهُ في القَبائِلِ، فَلا تَقْدِرُ بَنُو هاشِمٍ لِمُحارَبَةِ قُرَيْشٍ كُلِّها، فَيَرْضَوْنَ بِأخْذِ الدِّيَةِ، فَصَوَّبَ إبْلِيسُ هَذا الرَّأْيَ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى نَبِيِّهِ ﷺ بِذَلِكَ، وأمَرَهُ أنْ لا يَبِيتَ في مَضْجَعِهِ وأذِنَ لَهُ بِالخُرُوجِ إلى المَدِينَةِ، وأمَرَ عَلِيًّا أنْ يَبِيتَ في مَضْجَعِهِ ويَتَّشِحَ بِبُرْدَتِهِ، وباتُوا راصِدِينَ فَبادَرُوا إلى المَضْجَعِ فَأبْصَرُوا عَلِيًّا فَبُهِتُوا، وخَلَّفَ عَلِيًّا لِيَرُدَّ ودائِعَ كانَتْ عِنْدَهُ وخَرَجَ إلى المَدِينَةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: لِيُثْبِتُوكَ، أيْ: يُقَيِّدُوكَ، وقالَ عَطاءٌ والسُّدِّيُّ: لِيُثْخِنُوكَ بِالجَرْحِ والضَّرْبِ، مِن قَوْلِهِمْ: ضَرَبُوهُ حَتّى أثْبَتُوهُ لا حَراكَ بِهِ ولا بَراحَ، ورَمى الطّائِرَ فَأثْبَتَهُ، أيْ: أثْخَنَهُ. قالَ الشّاعِرُ:
؎فَقُلْتُ ويْحَكَ ماذا في صَحِيفَتِكم قالَ الخَلِيفَةُ أمْسى مُثْبَتًا وجِعا
أيْ مُثْخَنًا. وقَرَأ النَّخَعِيُّ لِيُبَيِّتُوكَ مِنَ البَياتِ، وهَذا المَكْرُ هُنا هو بِإجْماعِ المُفَسِّرِينَ ما اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ قُرَيْشٌ في دارِ النَّدْوَةِ، كَما أشَرْنا إلَيْهِ، وهَذِهِ الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ كَسائِرِ السُّورَةِ، وهو الصَّوابُ، وعَنْ عِكْرِمَةَ ومُجاهِدٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ، وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ نَزَلَتْ عَقِيبَ كِفايَةِ اللَّهِ رَسُولَهُ المُسْتَهْزِئِينَ، ويُتَأوَّلُ قَوْلُ عِكْرِمَةَ ومُجاهِدٍ عَلى أنَّهُما أشارا إلى قِصَّةِ الآيَةِ إلى وقْتِ نُزُولِها، وتَكَرَّرَ ويَمْكُرُونَ إخْبارًا بِاسْتِمْرارِ مَكْرِهِمْ وكَثْرَتِهِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ مِثْلِ باقِي الآيَةِ في آلِ عِمْرانَ.
﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا﴾ قائِلُ ذَلِكَ هو النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ واتَّبَعَهُ قائِلُونَ كَثِيرُونَ، وكانَ مِن مَرَدَةِ قُرَيْشٍ، سافَرَ (p-٤٨٨)إلى فارِسَ والحِيرَةِ، وسَمِعَ مِن قَصَصِ الرُّهْبانِ والأناجِيلِ، وأخْبارِ رُسْتُمَ واسْفَنْدِيارَ، ويَرى اليَهُودَ والنَّصارى يَرْكَعُونَ ويَسْجُدُونَ، قَتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَبْرًا بِالصَّفْراءِ بِالأثِيلِ مِنها مُنْصَرَفَهُ مِن بَدْرٍ، وفي هَذا التَّرْكِيبِ جَوازُ وُقُوعِ المُضارِعِ بَعْدَ إذا وجَوابُهُ الماضِي جَوازًا فَصِيحًا، بِخِلافِ أدَواتِ الشَّرْطِ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ ذَلِكَ فِيها إلّا في الشِّعْرِ، نَحْوَ:
؎مَن يَكِدْنِي بِشَيْءٍ كُنْتُ مِنهُ
ومَعْنى قَدْ سَمِعْنا: قَدْ سَمِعْنا ولا نُطِيعُ، أوْ قَدْ سَمِعْنا مِنكَ هَذا، وقَوْلُهم: لَوْ نَشاءُ، أيْ: لَوْ نَشاءُ القَوْلَ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا الَّذِي تَتْلُوهُ، وذُكِرَ عَلى مَعْنى المَتْلُوِّ، وهَذا القَوْلُ مِنهم عَلى سَبِيلِ البَهْتِ والمُصادَمَةِ، ولَيْسَ ذَلِكَ في اسْتِطاعَتِهِمْ، فَقَدْ طُولِبُوا بِسُورَةٍ مِنهُ فَعَجَزُوا، وكانَ أصْعَبَ شَيْءٍ إلَيْهِمُ الغَلَبَةُ وخُصُوصًا في بابِ البَيانِ، فَقَدْ كانُوا يَتَمالَطُونَ ويَتَعارَضُونَ ويُحْكَمُ بَيْنَهم في ذَلِكَ، وكانُوا أحْرَصَ النّاسِ عَلى قَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكَيْفَ يُحِيلُونَ المُعارَضَةَ عَلى المَشِيئَةِ ويَتَعَلَّلُونَ بِأنَّهم لَوْ أرادُوا لَقالُوا مِثْلَ هَذا القَوْلِ ؟ !
﴿إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ في الأنْعامِ.
﴿وإذْ قالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ قائِلُ ذَلِكَ النَّضْرُ؛ وقِيلَ: أبُو جَهْلٍ، رَواهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ، وقالَ الجُمْهُورُ: قائِلُ ذَلِكَ كُفّارُ قُرَيْشٍ، والإشارَةُ في قَوْلِهِ: (إنْ كانَ هَذا) إلى القُرْآنِ، أوْ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِنَ التَّوْحِيدِ وغَيْرِهِ، أوْ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِن بَيْنِ سائِرِ قُرَيْشٍ، أقْوالٌ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى اللَّهُمَّ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: هو الحَقَّ، بِالنَّصْبِ، جَعَلُوا هو فَصْلًا، وقَرَأ الأعْمَشُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِالرَّفْعِ وهي جائِزَةٌ في العَرَبِيَّةِ، فالجُمْلَةُ خَبَرُ كانَ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ يَرْفَعُونَ بَعْدَ هو الَّتِي هي فَصْلٌ في لُغَةِ غَيْرِهِمْ، كَما قالَ:
؎وكُنْتَ عَلَيْها بِالمَلا أنْتَ أقْدَرُ
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الفَصْلِ وفائِدَتِهِ في أوَّلِ البَقَرَةِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ في العَرَبِيَّةِ رَفْعُ (الحَقَّ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ والجُمْلَةُ خَبَرُ كانَ. قالَ الزَّجّاجُ، ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِهَذا الجائِزِ، وقِراءَةُ النّاسِ إنَّما هي بِنَصْبِ (الحَقَّ)، انْتَهى، وقَدْ ذُكِرَ مَن قَرَأ بِالرَّفْعِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ فِيها مُبالَغَةٌ في إنْكارِ الحَقِّ عَظِيمَةٌ، أيْ: إنْ كانَ حَقًّا فَعاقِبْنا عَلى إنْكارِهِ بِإمْطارِ الحِجارَةِ عَلَيْنا أمْ بِعَذابٍ آخَرَ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومُرادُهُ نَفْيُ كَوْنِهِ حَقًّا، فَإذا انْتَفى كَوْنُهُ حَقًّا لَمْ يَسْتَوْجِبْ مُنْكِرُهُ عَذابًا، فَكانَ تَعْلِيقُ العَذابِ بِكَوْنِهِ حَقًّا مَعَ اعْتِقادِ أنَّهُ لَيْسَ بِحَقٍّ كَتَعْلِيقِهِ بِالمُحالِ في قَوْلِهِ: إنْ كانَ الباطِلُ حَقًّا، مَعَ اعْتِقادِهِ أنَّهُ لَيْسَ بِحَقِّ، وقَوْلُهُ: هو الحَقَّ، تَهَكُّمٌ بِمَن يَقُولُ عَلى سَبِيلِ التَّخْصِيصِ والتَّعْيِينِ هَذا هو الحَقُّ، ويُقالُ: أمْطَرَتْ كَأنْجَمَتْ وأسْبَلَتْ، ومَطَرَتْ كَهَتَفَتْ، وكَثُرَ الأمْطارُ في مَعْنى العَذابِ، (فَإنْ قُلْتَ): فَما فائِدَةُ قَوْلِهِ: مِنَ السَّماءِ، والأمْطارُ لا تَكُونُ إلّا مِنها، (قُلْتُ): كَأنَّهُ أرادَ أنْ يُقالَ: فَأمْطِرْ عَلَيْنا السِّجِّيلَ، وهي الحِجارَةُ المُسَوَّمَةُ لِلْعَذابِ، مَوْضِعُ حِجارَةٍ مِنَ السَّماءِ مَوْضِعُ السِّجِّيلِ، كَما يُقالُ: صَبَّ عَلَيْهِ مَسْرُودَةً مِن حَدِيدٍ يُرِيدُ دِرْعًا، انْتَهى، ومَعْنى جَوابِهِ أنَّ قَوْلَهُ: مِنَ السَّماءِ جاءَ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ، كَما أنَّ قَوْلَهُ: مِن حَدِيدٍ مَعْناهُ التَّأْكِيدُ؛ لِأنَّ المَسْرُودَةَ لا تَكُونُ إلّا مِن حَدِيدٍ، (p-٤٨٩)كَما أنَّ الأمْطارَ لا تَكُونُ إلّا مِنَ السَّماءِ
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهم مِنَ السَّماءِ مُبالَغَةٌ وإغْراقٌ، انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ حِكْمَةَ قَوْلِهِمْ مِنَ السَّماءِ هي مُقابَلَتُهم مَجِيءَ الأمْطارِ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي ذُكِرَ أنَّهُ يَأْتِيهِ الوَحْيُ مِن جِهَتِها، أيْ: إنَّكَ تَذْكُرُ أنَّهُ يَأْتِيكَ الوَحْيُ مِنَ السَّماءِ فَأْتِنا بِعَذابٍ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي يَأْتِيكَ مِنها الوَحْيُ؛ إذْ كانَ يَحْسُنُ أنْ يُعَبَّرَ عَنْ إرْسالِ الحِجارَةِ عَلَيْهِمْ مِن غَيْرِ جِهَةِ السَّماءِ بِقَوْلِهِمْ: فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً، وقالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِبْعادِ والِاعْتِقادِ أنَّ ما أُتِيَ بِهِ لَيْسَ بِحَقٍّ؛ وقِيلَ: عَلى سَبِيلِ الحَسَدِ والعِنادِ مَعَ عِلْمِهِمْ أنَّهُ حَقٌّ، واسْتَبْعَدَ هَذا الثّانِيَ ابْنُ فُورَكٍ، قالَ: ولا يَقُولُ هَذا عَلى وجْهِ العِنادِ عاقِلٌ، انْتَهى، وكَأنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤] وقِصَّةُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ وأحْبارِ اليَهُودِ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ: ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩]، وقَوْلُ الرَّسُولِ ﷺ لَهم: «واللَّهِ إنَّكم لَتَعْلَمُونَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ»، أوْ كَلامٌ يُقارِبُهُ، واقْتِراحُهم هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ هو عَلى ما جَرى عَلَيْهِ اقْتِراحُ الأُمَمِ السّالِفَةِ، وسَألَ يَهُودِيٌّ ابْنَ عَبّاسٍ مِمَّنْ أنْتَ، قالَ مِن قُرَيْشٍ، فَقالَ أنْتَ مِنَ الَّذِينَ قالُوا: ﴿إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾ الآيَةَ، فَهَلّا قالُوا: فاهْدِنا إلَيْهِ ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَأنْتَ يا إسْرائِيلِيٌّ مِنَ الَّذِينَ لَمْ تَجِفَّ أرْجُلُهم مِن بَلَلِ البَحْرِ الَّذِي أُغْرِقَ فِيهِ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ ونَجا مُوسى وقَوْمُهُ حَتّى قالُوا: ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨] فَقالَ لَهم مُوسى: ﴿إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨] فَأطْرَقَ اليَهُودِيُّ مُفْحَمًا، وعَنْ مُعاوِيَةَ أنَّهُ قالَ لِرَجُلٍ مِن سَبَأٍ: ما أجْهَلَ قَوْمَكَ حِينَ مَلَّكُوا عَلَيْهِمُ امْرَأةً، فَقالَ أجْهَلُ مِن قَوْمِي قَوْمُكَ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ دَعاهم إلى الحَقِّ: (إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ) الآيَةَ، ولَمْ يَقُولُوا: فاهْدِنا لَهُ.
﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ نَزَلَتْ هَذِهِ إلى ”يَعْلَمُونَ“ بِمَكَّةَ؛ وقِيلَ: بَعْدَ وقْعَةِ بَدْرٍ حِكايَةً عَمّا حَصَلَ فِيها. وقالَ ابْنُ أبْزى: الجُمْلَةُ الأُولى بِمَكَّةَ إثْرَ قَوْلِهِ: (بِعَذابٍ ألِيمٍ)، والثّانِيَةُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِن مَكَّةَ في طَرِيقِهِ إلى المَدِينَةِ، وقَدْ بَقِيَ بِمَكَّةَ مُؤْمِنُونَ يَسْتَغْفِرُونَ، والثّالِثَةُ بَعْدَ بَدْرٍ عِنْدَ ظُهُورِ العَذابِ عَلَيْهِمْ، ولَمّا عَلَّقُوا إمْطارَ الحِجارَةِ أوِ الإتْيانَ بِعَذابٍ ألِيمٍ عَلى تَقْدِيرِ كَيْنُونَةِ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ حَقًّا أخْبَرَ تَعالى أنَّهم مُسْتَحِقُّو العَذابِ، لَكِنَّهُ لا يُعَذِّبُهم وأنْتَ فِيهِمْ إكْرامًا لَهُ وجَرْيًا عَلى عادَتِهِ تَعالى مَعَ مُكَذِّبِي أنْبِيائِهِ أنْ لا يُعَذِّبَهم وأنْبِياؤُهم مُقِيمُونَ فِيهِمْ عَذابًا يَسْتَأْصِلُهم فِيهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ تُعَذَّبْ أُمَّةٌ قَطُّ ونَبِيُّها فِيها، وعَلَيْهِ جَماعَةُ المُتَأوِّلِينَ، فالمَعْنى فَما كانَتْ لِتُعَذَّبَ أُمَّتُكَ وأنْتَ فِيهِمْ، بَلْ كَرامَتُكَ عِنْدَ رَبِّكَ أعْظَمُ، وقالَ تَعالى ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، ومِن رَحْمَتِهِ تَعالى أنْ لا يُعَذِّبَهم والرَّسُولُ ﷺ فِيهِمْ، ولَمّا كانَ الإمْطارُ لِلْحِجارَةِ عَلَيْهِمْ مُنْدَرِجًا تَحْتَ العَذابِ كانَ النَّفْيُ مُتَسَلِّطًا عَلى العَذابِ الَّذِي إمْطارُ الحِجارَةِ نَوْعٌ مِنهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ ولَمْ يَجِئِ التَّرْكِيبُ: وما كانَ اللَّهُ لِيُمْطِرَ أوْ لِيَأْتِيَ بِعَذابٍ، وتَقْيِيدُ نَفْيِ العَذابِ بِكَيْنُونَةِ الرَّسُولِ فِيهِمْ إعْلامٌ بِأنَّهُ إذا لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ وفارَقَهم عَذَّبَهم، ولَكِنَّهُ لَمْ يُعَذِّبْهم إكْرامًا لَهُ مَعَ كَوْنِهِمْ بِصَدَدِ مَن يُعَذَّبُ لِتَكْذِيبِهِمْ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَنْ أبِي زَيْدٍ: سَمِعْتُ مِنَ العَرَبِ مَن يَقُولُ: وما كانَ اللَّهُ لَيُعَذِّبُهم، بِفَتْحِ اللّامِ، وهي لُغَةٌ غَيْرُ مَعْرُوفَةٍ، ولا مُسْتَعْمَلَةٍ في القُرْآنِ، انْتَهى، وبِفَتْحِ اللّامِ في لِيُعَذِّبَهم قَرَأ أبُو السَّمالِ، وقَرَأ عَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِالفَتْحِ في لامِ الأمْرِ في قَوْلِهِ: فَلَيَنْظُرُ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ، ورَوى ابْنُ مُجاهِدٍ عَنْ أبِي زَيْدٍ أنَّ مِنَ العَرَبِ مَن يَفْتَحُ كُلَّ لامٍ إلّا في نَحْوِ: الحَمْدُ لِلَّهِ، انْتَهى، يَعْنِي لامَ الجَرِّ إذا دَخَلَتْ عَلى الظّاهِرِ، أوْ عَلى ياءِ المُتَكَلِّمِ، والظَّرْفِيَّةُ في فِيهِمْ مَجازٌ، والمَعْنى: وأنْتَ مُقِيمٌ بَيْنَهم غَيْرُ راحِلٍ عَنْهم.
﴿وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ انْظُرْ إلى حُسْنِ مَساقِ هاتَيْنِ (p-٤٩٠)الجُمْلَتَيْنِ لَمّا كانَتْ كَيْنُونَتُهُ فِيهِمْ سَبَبًا؛ لِانْتِفاءِ تَعْذِيبِهِمْ أكَّدَ خَبَرَ كانَ بِاللّامِ عَلى رَأْيِ الكُوفِيِّينَ، أوْ جَعَلَ خَبَرَ كانَ الإرادَةَ المَنفِيَّةَ عَلى رَأْيِ البَصْرِيِّينَ، وانْتِفاءُ الإرادَةِ لِلْعَذابِ أبْلَغُ مِنِ انْتِفاءِ العَذابِ، ولَمّا كانَ اسْتِغْفارُهم دُونَ تِلْكَ الكَيْنُونَةِ الشَّرِيفَةِ لَمْ يُؤَكِّدْ بِاللّامِ، بَلْ جاءَ خَبَرُ كانَ قَوْلُهُ: مُعَذِّبَهم، فَشَتّانَ ما بَيْنَ اسْتِغْفارِهِمْ وكَيْنُونَتِهِ ﷺ فِيهِمْ، والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الضَّمائِرَ كُلَّها في الجُمَلِ عائِدَةٌ عَلى الكُفّارِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ أبْزى وأبُو مالِكٍ والضَّحّاكُ ما مُقْتَضاهُ: إنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: مُعَذِّبَهم، عائِدٌ عَلى كُفّارِ مَكَّةَ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: وهم، عائِدٌ عَلى المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ بَقُوا بَعْدَ الرَّسُولِ ﷺ بِمَكَّةَ، أيْ: وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَ الكُفّارَ والمُؤْمِنُونَ بَيْنَهم يَسْتَغْفِرُونَ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَدْفَعُ في صَدْرِ هَذا القَوْلِ أنَّ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ رُدَّ الضَّمِيرُ إلَيْهِمْ لَمْ يَجْرِ لَهم ذِكْرٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا ما مُقْتَضاهُ: إنَّ الضَّمِيرَيْنِ عائِدانِ عَلى الكُفّارِ، وكانُوا يَقُولُونَ في دُعائِهِمْ: غُفْرانَكَ، ويَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ، ونَحْوَ هَذا مِمّا هو دُعاءٌ واسْتِغْفارٌ، فَجَعَلَهُ اللَّهُ أمَنَةً مِن عَذابِ الدُّنْيا، عَلى هَذا تَرَكَّبَ قَوْلُ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ وابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ اللَّهَ جَعَلَ مِن عَذابِ الدُّنْيا أمَنَتَيْنِ كَوْنَ الرَّسُولِ ﷺ مَعَ النّاسِ والِاسْتِغْفارَ، فارْتَفَعَتِ الواحِدَةُ وبَقِيَ الِاسْتِغْفارُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقالَ الزَّجّاجُ وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: وهم يَسْتَغْفِرُونَ، عائِدٌ عَلى الكُفّارِ، والمُرادُ بِهِ مَن سَبَقَ لَهُ في عِلْمِ اللَّهِ أنْ يُسْلِمَ ويَسْتَغْفِرَ، فالمَعْنى: وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَ الكُفّارَ، ومِنهم مَن يَسْتَغْفِرُ ويُؤْمِنُ في ثانِي حالٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: وهم يَسْتَغْفِرُونَ، أيْ: وذَرِّيَّتُهم يَسْتَغْفِرُونَ ويُؤْمِنُونَ فَأُسْنِدَ إلَيْهِمْ إذْ ذُرِّيَّتُهم مِنهم، والِاسْتِغْفارُ طَلَبُ الغُفْرانِ، وقالَ الضَّحّاكُ ومُجاهِدٌ: مَعْنى يَسْتَغْفِرُونَ يُصَلُّونَ، وقالَ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ أيْضًا: يُسْلِمُونَ، وظاهِرُ قَوْلِهِ: وهم يَسْتَغْفِرُونَ أنَّهم مُلْتَبِسُونَ بِالِاسْتِغْفارِ، أيْ: هم يَسْتَغْفِرُونَ فَلا يُعَذَّبُونَ، كَما أنَّ الرَّسُولَ فِيهِمْ فَلا يُعَذَّبُونَ، فَكِلا الحالَيْنِ مَوْجُودٌ كَوْنُ الرَّسُولِ فِيهِمْ واسْتِغْفارُهم، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهم يَسْتَغْفِرُونَ في مَوْضِعِ الحالِ، ومَعْناهُ نَفْيُ الِاسْتِغْفارِ عَنْهم، أيْ: ولَوْ كانُوا مِمَّنْ يُؤْمِنُ ويَسْتَغْفِرُ مِنَ الكُفْرِ لَما عَذَّبَهم، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧] ولَكِنَّهم لا يَسْتَغْفِرُونَ ولا يُؤْمِنُونَ، ولا يُتَوَقَّعُ ذَلِكَ مِنهُمُ، انْتَهى، وما قالَهُ تَقَدَّمَهُ إلَيْهِ غَيْرُهُ، فَقالَ: المَعْنى وهم بِحالِ تَوْبَةٍ واسْتِغْفارٍ مِن كُفْرِهِمْ أنْ لَوْ وقَعَ ذَلِكَ مِنهم، واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ قَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ.
﴿وما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وهم يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ وما كانُوا أوْلِياءَهُ إنْ أوْلِياؤُهُ إلّا المُتَّقُونَ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ ما اسْتِفْهامِيَّةٌ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ لَهم في انْتِفاءِ العَذابِ، وهو اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَّقْرِيرُ، أيْ: كَيْفَ لا يُعَذَّبُونَ وهم مُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الحالَةِ المُقْتَضِيَةِ لِلْعَذابِ وهي صَدُّهُمُ المُؤْمِنِينَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ ولَيْسُوا بِوُلاةِ البَيْتِ، ولا مُتَأهِّلِينَ لِوِلايَتِهِ، ومِن صَدِّهِمْ ما فَعَلُوا بِالرَّسُولِ ﷺ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، وإخْراجُهُ مَعَ المُؤْمِنِينَ داخِلٌ في الصَّدِّ، كانُوا يَقُولُونَ: نَحْنُ وُلاةُ البَيْتِ نَصُدُّ مَن نَشاءُ ونُدْخِلُ مَن نَشاءُ، وأنْ مَصْدَرِيَّةٌ، وقالَ الأخْفَشُ: هي زائِدَةٌ، قالَ النَّحّاسُ: لَوْ كانَ كَما قالَ لَرَفَعَ تَعْذِيبَهُمُ، انْتَهى، فَكانَ يَكُونُ الفِعْلُ في مَوْضِعِ الحالِ، كَقَوْلِهِ: وما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ، ومَوْضِعُ أنْ نَصْبٌ، أوْ جَرٌّ عَلى الخِلافِ؛ إذْ حُذِفَ مِنهُ في وهي تَتَعَلَّقُ بِما تَعَلَّقَ بِهِ لَهم، أيْ: أيُّ شَيْءٍ كائِنٍ أوْ مُسْتَقِرٍّ لَهم في أنْ لا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ، والمَعْنى: لا حَظَّ لَهم في انْتِفاءِ العَذابِ، وإذا انْتَفى ذَلِكَ فَهم مُعَذَّبُونَ ولا بُدَّ، وتَقْدِيرُ الطَّبَرِيِّ وما يَمْنَعُهم مِن أنْ يُعَذَّبُوا هو تَفْسِيرُ مَعْنى لا تَفْسِيرُ إعْرابٍ، وكَذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ يُتَأوَّلَ كَلامُ ابْنِ عَطِيَّةَ أنَّ التَّقْدِيرَ: وما قُدْرَتُهم، ونَحْوُهُ مِنَ الأفْعالِ مُوجِبٌ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في (أوْلِياءَهُ) عَلى المَسْجِدِ لِقُرْبِهِ وصِحَّةِ المَعْنى؛ وقِيلَ: ما لِلنَّفْيِ فَيَكُونُ إخْبارًا، أيْ: ولَيْسَ (p-٤٩١)لَهم أنْ لا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ، أيْ: لَيْسَ يَنْتَفِي العَذابُ عَنْهم مَعَ تَلَبُّسِهِمْ بِهَذِهِ الحالِ؛ وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (أوْلِياءَهُ) عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: وما كانُوا أوْلِياءَهُ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ، أيْ: وما اسْتَحَقُّوا أنْ يَكُونُوا وُلاةَ أمْرِهِ ﴿إنْ أوْلِياؤُهُ إلّا المُتَّقُونَ﴾، أيِ: المُتَّقُونَ لِلشِّرْكِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إلّا المُتَّقُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ لَيْسَ كُلُّ مُسْلِمٍ أيْضًا مِمَّنْ يَصْلُحُ أنْ يَلِيَ أمْرَهُ، إنَّما يَسْتَأْهِلُ وِلايَتَهُ مَن كانَ بَرًّا تَقِيًّا فَكَيْفَ عَبَدَةُ الأصْنامِ ؟ انْتَهى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿وما كانُوا أوْلِياءَهُ﴾ مَعْطُوفًا عَلى وهم يَصُدُّونَ، فَيَكُونُ حالًا، والمَعْنى: كَيْفَ لا يُعَذِّبُهُمُ اللَّهُ وهم مُتَّصِفُونَ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ صَدِّهِمْ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ وانْتِفاءِ كَوْنِهِمْ أوْلِياءَهُ، أيْ: أوْلِياءَ المَسْجِدِ، أيْ: لَيْسُوا وُلاتَهُ فَلا يَنْبَغِي أنْ يَصُدُّوا عَنْهُ، أوْ أوْلِياءَ اللَّهِ، فَهم كُفّارٌ، فَيَكُونُ قَدِ ارْتَقى مِن حالٍ إلى أعْظَمَ مِنها، وهو كَوْنُهم لَيْسُوا مُؤْمِنِينَ، فَمَن كانَ صادًّا عَنِ المَسْجِدِ كافِرًا بِاللَّهِ فَهو حَقِيقٌ بِالتَّعْذِيبِ، والضَّمِيرُ في (إنْ أوْلِياؤُهُ) مُتَرَتِّبٌ عَلى ما يَعُودُ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿وما كانُوا أوْلِياءَهُ﴾، واخْتَلَفُوا في هَذا التَّعْذِيبِ فَقالَ قَوْمٌ: هو الأوَّلُ إلّا أنَّهُ كانَ امْتَنَعَ بِشَيْئَيْنِ: كَوْنِ النَّبِيِّ فِيهِمْ واسْتِغْفارِ مَن بَيْنَهم مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَلَمّا وقَعَ التَّمْيِيزُ بِالهِجْرَةِ وقَعَ بِالباقِينَ يَوْمَ بَدْرٍ؛ وقِيلَ: بَلْ وقَعَ بِفَتْحِ مَكَّةَ، وقالَ قَوْمٌ: هَذا التَّعْذِيبُ غَيْرُ ذَلِكَ، فالأوَّلُ: اسْتِئْصالُ كُلِّهِمْ، فَلَمْ يَقَعْ لِما عَلِمَ مِن إسْلامِ بَعْضِهِمْ وإسْلامِ بَعْضِ ذَرارِيهِمْ، والثّانِي: قَتْلُ بَعْضِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الأوَّلُ عَذابُ الدُّنْيا، والثّانِي: عَذابُ الآخِرَةِ، فالمَعْنى وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَ المُشْرِكِينَ لِاسْتِغْفارِهِمْ في الدُّنْيا وما لَهم أنْ لا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ في الآخِرَةِ، ومُتَعَلِّقُ لا يَعْلَمُونَ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: لا يَعْلَمُونَ أنَّهم لَيْسُوا أوْلِياءَهُ بَلْ يَظُنُّونَ أنَّهم أوْلِياؤُهُ، والظّاهِرُ اسْتِدْراكُ الأكْثَرِ في انْتِفاءِ العِلْمِ؛ إذْ كانَ بَيْنَهم، وفي خِلالِهِمْ مَن جَنَحَ إلى الإيمانِ، فَكانَ يَعْلَمُ أنَّ أُولَئِكَ الصّادِّينَ لَيْسُوا أوْلِياءَ البَيْتِ، أوْ أوْلِياءَ اللَّهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولَكِنَّ أكْثَرَهم، أيْ: أكْثَرَ المُقِيمِينَ بِمَكَّةَ لا يَعْلَمُونَ لِتُخْرِجَ مِنهُمُ العَبّاسَ وأُمَّ الفَضْلِ وغَيْرَهُما مِمَّنْ وقَعَ لَهُ عِلْمٌ، أوْ إذْ كانَ فِيهِمْ مَن يَعْلَمُهُ، وهو يُعانِدُ طَلَبًا لِلرِّياسَةِ، أوْ أُرِيدَ بِالأكْثَرِ الجَمِيعُ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولَكِنَّهم لا يَعْلَمُونَ، كَما قِيلَ: قَلَّما رَجُلٌ يَقُولُ ذَلِكَ، في مَعْنى النَّفْيِ المَحْضِ، وإبْقاءُ الأكْثَرِ عَلى ظاهِرِهِ أوْلى، وكَوْنُهُ أُرِيدَ بِهِ الجَمِيعُ هو تَخْرِيجُ الزَّمَخْشَرِيِّ وابْنِ عَطِيَّةَ.
الأنفال 8:33
﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ لَمّا ذَكَّرَ المُؤْمِنِينَ نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ ذَكَّرَهُ ﷺ نِعَمَهُ عَلَيْهِ في خاصَّةِ نَفْسِهِ، وكانَتْ قُرَيْشٌ قَدْ تَشاوَرُوا في دارِ النَّدْوَةِ بِما تَفْعَلُ بِهِ، فَمِن قائِلٍ: يُحْبَسُ ويُقَيَّدُ ويُتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبُ المَنُونِ، ومِن قائِلٍ: يُخْرَجُ مِن مَكَّةَ تَسْتَرِيحُوا مِنهُ، وتَصَوَّرَ إبْلِيسُ في صُورَةِ شَيْخٍ نَجْدِيٍّ، وقِيلَ: هَذَيْنِ الرَّأْيَيْنِ، ومِن قائِلٍ: يَجْتَمِعُ مِن كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ ويَضْرِبُونَهُ ضَرْبَةً واحِدَةً بِأسْيافِهِمْ، فَيَتَفَرَّقُ دَمُهُ في القَبائِلِ، فَلا تَقْدِرُ بَنُو هاشِمٍ لِمُحارَبَةِ قُرَيْشٍ كُلِّها، فَيَرْضَوْنَ بِأخْذِ الدِّيَةِ، فَصَوَّبَ إبْلِيسُ هَذا الرَّأْيَ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى نَبِيِّهِ ﷺ بِذَلِكَ، وأمَرَهُ أنْ لا يَبِيتَ في مَضْجَعِهِ وأذِنَ لَهُ بِالخُرُوجِ إلى المَدِينَةِ، وأمَرَ عَلِيًّا أنْ يَبِيتَ في مَضْجَعِهِ ويَتَّشِحَ بِبُرْدَتِهِ، وباتُوا راصِدِينَ فَبادَرُوا إلى المَضْجَعِ فَأبْصَرُوا عَلِيًّا فَبُهِتُوا، وخَلَّفَ عَلِيًّا لِيَرُدَّ ودائِعَ كانَتْ عِنْدَهُ وخَرَجَ إلى المَدِينَةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: لِيُثْبِتُوكَ، أيْ: يُقَيِّدُوكَ، وقالَ عَطاءٌ والسُّدِّيُّ: لِيُثْخِنُوكَ بِالجَرْحِ والضَّرْبِ، مِن قَوْلِهِمْ: ضَرَبُوهُ حَتّى أثْبَتُوهُ لا حَراكَ بِهِ ولا بَراحَ، ورَمى الطّائِرَ فَأثْبَتَهُ، أيْ: أثْخَنَهُ. قالَ الشّاعِرُ:
؎فَقُلْتُ ويْحَكَ ماذا في صَحِيفَتِكم قالَ الخَلِيفَةُ أمْسى مُثْبَتًا وجِعا
أيْ مُثْخَنًا. وقَرَأ النَّخَعِيُّ لِيُبَيِّتُوكَ مِنَ البَياتِ، وهَذا المَكْرُ هُنا هو بِإجْماعِ المُفَسِّرِينَ ما اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ قُرَيْشٌ في دارِ النَّدْوَةِ، كَما أشَرْنا إلَيْهِ، وهَذِهِ الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ كَسائِرِ السُّورَةِ، وهو الصَّوابُ، وعَنْ عِكْرِمَةَ ومُجاهِدٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ، وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ نَزَلَتْ عَقِيبَ كِفايَةِ اللَّهِ رَسُولَهُ المُسْتَهْزِئِينَ، ويُتَأوَّلُ قَوْلُ عِكْرِمَةَ ومُجاهِدٍ عَلى أنَّهُما أشارا إلى قِصَّةِ الآيَةِ إلى وقْتِ نُزُولِها، وتَكَرَّرَ ويَمْكُرُونَ إخْبارًا بِاسْتِمْرارِ مَكْرِهِمْ وكَثْرَتِهِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ مِثْلِ باقِي الآيَةِ في آلِ عِمْرانَ.
﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا﴾ قائِلُ ذَلِكَ هو النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ واتَّبَعَهُ قائِلُونَ كَثِيرُونَ، وكانَ مِن مَرَدَةِ قُرَيْشٍ، سافَرَ (p-٤٨٨)إلى فارِسَ والحِيرَةِ، وسَمِعَ مِن قَصَصِ الرُّهْبانِ والأناجِيلِ، وأخْبارِ رُسْتُمَ واسْفَنْدِيارَ، ويَرى اليَهُودَ والنَّصارى يَرْكَعُونَ ويَسْجُدُونَ، قَتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَبْرًا بِالصَّفْراءِ بِالأثِيلِ مِنها مُنْصَرَفَهُ مِن بَدْرٍ، وفي هَذا التَّرْكِيبِ جَوازُ وُقُوعِ المُضارِعِ بَعْدَ إذا وجَوابُهُ الماضِي جَوازًا فَصِيحًا، بِخِلافِ أدَواتِ الشَّرْطِ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ ذَلِكَ فِيها إلّا في الشِّعْرِ، نَحْوَ:
؎مَن يَكِدْنِي بِشَيْءٍ كُنْتُ مِنهُ
ومَعْنى قَدْ سَمِعْنا: قَدْ سَمِعْنا ولا نُطِيعُ، أوْ قَدْ سَمِعْنا مِنكَ هَذا، وقَوْلُهم: لَوْ نَشاءُ، أيْ: لَوْ نَشاءُ القَوْلَ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا الَّذِي تَتْلُوهُ، وذُكِرَ عَلى مَعْنى المَتْلُوِّ، وهَذا القَوْلُ مِنهم عَلى سَبِيلِ البَهْتِ والمُصادَمَةِ، ولَيْسَ ذَلِكَ في اسْتِطاعَتِهِمْ، فَقَدْ طُولِبُوا بِسُورَةٍ مِنهُ فَعَجَزُوا، وكانَ أصْعَبَ شَيْءٍ إلَيْهِمُ الغَلَبَةُ وخُصُوصًا في بابِ البَيانِ، فَقَدْ كانُوا يَتَمالَطُونَ ويَتَعارَضُونَ ويُحْكَمُ بَيْنَهم في ذَلِكَ، وكانُوا أحْرَصَ النّاسِ عَلى قَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكَيْفَ يُحِيلُونَ المُعارَضَةَ عَلى المَشِيئَةِ ويَتَعَلَّلُونَ بِأنَّهم لَوْ أرادُوا لَقالُوا مِثْلَ هَذا القَوْلِ ؟ !
﴿إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ في الأنْعامِ.
﴿وإذْ قالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ قائِلُ ذَلِكَ النَّضْرُ؛ وقِيلَ: أبُو جَهْلٍ، رَواهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ، وقالَ الجُمْهُورُ: قائِلُ ذَلِكَ كُفّارُ قُرَيْشٍ، والإشارَةُ في قَوْلِهِ: (إنْ كانَ هَذا) إلى القُرْآنِ، أوْ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِنَ التَّوْحِيدِ وغَيْرِهِ، أوْ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِن بَيْنِ سائِرِ قُرَيْشٍ، أقْوالٌ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى اللَّهُمَّ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: هو الحَقَّ، بِالنَّصْبِ، جَعَلُوا هو فَصْلًا، وقَرَأ الأعْمَشُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِالرَّفْعِ وهي جائِزَةٌ في العَرَبِيَّةِ، فالجُمْلَةُ خَبَرُ كانَ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ يَرْفَعُونَ بَعْدَ هو الَّتِي هي فَصْلٌ في لُغَةِ غَيْرِهِمْ، كَما قالَ:
؎وكُنْتَ عَلَيْها بِالمَلا أنْتَ أقْدَرُ
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الفَصْلِ وفائِدَتِهِ في أوَّلِ البَقَرَةِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ في العَرَبِيَّةِ رَفْعُ (الحَقَّ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ والجُمْلَةُ خَبَرُ كانَ. قالَ الزَّجّاجُ، ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِهَذا الجائِزِ، وقِراءَةُ النّاسِ إنَّما هي بِنَصْبِ (الحَقَّ)، انْتَهى، وقَدْ ذُكِرَ مَن قَرَأ بِالرَّفْعِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ فِيها مُبالَغَةٌ في إنْكارِ الحَقِّ عَظِيمَةٌ، أيْ: إنْ كانَ حَقًّا فَعاقِبْنا عَلى إنْكارِهِ بِإمْطارِ الحِجارَةِ عَلَيْنا أمْ بِعَذابٍ آخَرَ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومُرادُهُ نَفْيُ كَوْنِهِ حَقًّا، فَإذا انْتَفى كَوْنُهُ حَقًّا لَمْ يَسْتَوْجِبْ مُنْكِرُهُ عَذابًا، فَكانَ تَعْلِيقُ العَذابِ بِكَوْنِهِ حَقًّا مَعَ اعْتِقادِ أنَّهُ لَيْسَ بِحَقٍّ كَتَعْلِيقِهِ بِالمُحالِ في قَوْلِهِ: إنْ كانَ الباطِلُ حَقًّا، مَعَ اعْتِقادِهِ أنَّهُ لَيْسَ بِحَقِّ، وقَوْلُهُ: هو الحَقَّ، تَهَكُّمٌ بِمَن يَقُولُ عَلى سَبِيلِ التَّخْصِيصِ والتَّعْيِينِ هَذا هو الحَقُّ، ويُقالُ: أمْطَرَتْ كَأنْجَمَتْ وأسْبَلَتْ، ومَطَرَتْ كَهَتَفَتْ، وكَثُرَ الأمْطارُ في مَعْنى العَذابِ، (فَإنْ قُلْتَ): فَما فائِدَةُ قَوْلِهِ: مِنَ السَّماءِ، والأمْطارُ لا تَكُونُ إلّا مِنها، (قُلْتُ): كَأنَّهُ أرادَ أنْ يُقالَ: فَأمْطِرْ عَلَيْنا السِّجِّيلَ، وهي الحِجارَةُ المُسَوَّمَةُ لِلْعَذابِ، مَوْضِعُ حِجارَةٍ مِنَ السَّماءِ مَوْضِعُ السِّجِّيلِ، كَما يُقالُ: صَبَّ عَلَيْهِ مَسْرُودَةً مِن حَدِيدٍ يُرِيدُ دِرْعًا، انْتَهى، ومَعْنى جَوابِهِ أنَّ قَوْلَهُ: مِنَ السَّماءِ جاءَ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ، كَما أنَّ قَوْلَهُ: مِن حَدِيدٍ مَعْناهُ التَّأْكِيدُ؛ لِأنَّ المَسْرُودَةَ لا تَكُونُ إلّا مِن حَدِيدٍ، (p-٤٨٩)كَما أنَّ الأمْطارَ لا تَكُونُ إلّا مِنَ السَّماءِ
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهم مِنَ السَّماءِ مُبالَغَةٌ وإغْراقٌ، انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ حِكْمَةَ قَوْلِهِمْ مِنَ السَّماءِ هي مُقابَلَتُهم مَجِيءَ الأمْطارِ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي ذُكِرَ أنَّهُ يَأْتِيهِ الوَحْيُ مِن جِهَتِها، أيْ: إنَّكَ تَذْكُرُ أنَّهُ يَأْتِيكَ الوَحْيُ مِنَ السَّماءِ فَأْتِنا بِعَذابٍ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي يَأْتِيكَ مِنها الوَحْيُ؛ إذْ كانَ يَحْسُنُ أنْ يُعَبَّرَ عَنْ إرْسالِ الحِجارَةِ عَلَيْهِمْ مِن غَيْرِ جِهَةِ السَّماءِ بِقَوْلِهِمْ: فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً، وقالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِبْعادِ والِاعْتِقادِ أنَّ ما أُتِيَ بِهِ لَيْسَ بِحَقٍّ؛ وقِيلَ: عَلى سَبِيلِ الحَسَدِ والعِنادِ مَعَ عِلْمِهِمْ أنَّهُ حَقٌّ، واسْتَبْعَدَ هَذا الثّانِيَ ابْنُ فُورَكٍ، قالَ: ولا يَقُولُ هَذا عَلى وجْهِ العِنادِ عاقِلٌ، انْتَهى، وكَأنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤] وقِصَّةُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ وأحْبارِ اليَهُودِ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ: ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩]، وقَوْلُ الرَّسُولِ ﷺ لَهم: «واللَّهِ إنَّكم لَتَعْلَمُونَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ»، أوْ كَلامٌ يُقارِبُهُ، واقْتِراحُهم هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ هو عَلى ما جَرى عَلَيْهِ اقْتِراحُ الأُمَمِ السّالِفَةِ، وسَألَ يَهُودِيٌّ ابْنَ عَبّاسٍ مِمَّنْ أنْتَ، قالَ مِن قُرَيْشٍ، فَقالَ أنْتَ مِنَ الَّذِينَ قالُوا: ﴿إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾ الآيَةَ، فَهَلّا قالُوا: فاهْدِنا إلَيْهِ ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَأنْتَ يا إسْرائِيلِيٌّ مِنَ الَّذِينَ لَمْ تَجِفَّ أرْجُلُهم مِن بَلَلِ البَحْرِ الَّذِي أُغْرِقَ فِيهِ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ ونَجا مُوسى وقَوْمُهُ حَتّى قالُوا: ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨] فَقالَ لَهم مُوسى: ﴿إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨] فَأطْرَقَ اليَهُودِيُّ مُفْحَمًا، وعَنْ مُعاوِيَةَ أنَّهُ قالَ لِرَجُلٍ مِن سَبَأٍ: ما أجْهَلَ قَوْمَكَ حِينَ مَلَّكُوا عَلَيْهِمُ امْرَأةً، فَقالَ أجْهَلُ مِن قَوْمِي قَوْمُكَ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ دَعاهم إلى الحَقِّ: (إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ) الآيَةَ، ولَمْ يَقُولُوا: فاهْدِنا لَهُ.
﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ نَزَلَتْ هَذِهِ إلى ”يَعْلَمُونَ“ بِمَكَّةَ؛ وقِيلَ: بَعْدَ وقْعَةِ بَدْرٍ حِكايَةً عَمّا حَصَلَ فِيها. وقالَ ابْنُ أبْزى: الجُمْلَةُ الأُولى بِمَكَّةَ إثْرَ قَوْلِهِ: (بِعَذابٍ ألِيمٍ)، والثّانِيَةُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِن مَكَّةَ في طَرِيقِهِ إلى المَدِينَةِ، وقَدْ بَقِيَ بِمَكَّةَ مُؤْمِنُونَ يَسْتَغْفِرُونَ، والثّالِثَةُ بَعْدَ بَدْرٍ عِنْدَ ظُهُورِ العَذابِ عَلَيْهِمْ، ولَمّا عَلَّقُوا إمْطارَ الحِجارَةِ أوِ الإتْيانَ بِعَذابٍ ألِيمٍ عَلى تَقْدِيرِ كَيْنُونَةِ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ حَقًّا أخْبَرَ تَعالى أنَّهم مُسْتَحِقُّو العَذابِ، لَكِنَّهُ لا يُعَذِّبُهم وأنْتَ فِيهِمْ إكْرامًا لَهُ وجَرْيًا عَلى عادَتِهِ تَعالى مَعَ مُكَذِّبِي أنْبِيائِهِ أنْ لا يُعَذِّبَهم وأنْبِياؤُهم مُقِيمُونَ فِيهِمْ عَذابًا يَسْتَأْصِلُهم فِيهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ تُعَذَّبْ أُمَّةٌ قَطُّ ونَبِيُّها فِيها، وعَلَيْهِ جَماعَةُ المُتَأوِّلِينَ، فالمَعْنى فَما كانَتْ لِتُعَذَّبَ أُمَّتُكَ وأنْتَ فِيهِمْ، بَلْ كَرامَتُكَ عِنْدَ رَبِّكَ أعْظَمُ، وقالَ تَعالى ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، ومِن رَحْمَتِهِ تَعالى أنْ لا يُعَذِّبَهم والرَّسُولُ ﷺ فِيهِمْ، ولَمّا كانَ الإمْطارُ لِلْحِجارَةِ عَلَيْهِمْ مُنْدَرِجًا تَحْتَ العَذابِ كانَ النَّفْيُ مُتَسَلِّطًا عَلى العَذابِ الَّذِي إمْطارُ الحِجارَةِ نَوْعٌ مِنهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ ولَمْ يَجِئِ التَّرْكِيبُ: وما كانَ اللَّهُ لِيُمْطِرَ أوْ لِيَأْتِيَ بِعَذابٍ، وتَقْيِيدُ نَفْيِ العَذابِ بِكَيْنُونَةِ الرَّسُولِ فِيهِمْ إعْلامٌ بِأنَّهُ إذا لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ وفارَقَهم عَذَّبَهم، ولَكِنَّهُ لَمْ يُعَذِّبْهم إكْرامًا لَهُ مَعَ كَوْنِهِمْ بِصَدَدِ مَن يُعَذَّبُ لِتَكْذِيبِهِمْ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَنْ أبِي زَيْدٍ: سَمِعْتُ مِنَ العَرَبِ مَن يَقُولُ: وما كانَ اللَّهُ لَيُعَذِّبُهم، بِفَتْحِ اللّامِ، وهي لُغَةٌ غَيْرُ مَعْرُوفَةٍ، ولا مُسْتَعْمَلَةٍ في القُرْآنِ، انْتَهى، وبِفَتْحِ اللّامِ في لِيُعَذِّبَهم قَرَأ أبُو السَّمالِ، وقَرَأ عَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِالفَتْحِ في لامِ الأمْرِ في قَوْلِهِ: فَلَيَنْظُرُ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ، ورَوى ابْنُ مُجاهِدٍ عَنْ أبِي زَيْدٍ أنَّ مِنَ العَرَبِ مَن يَفْتَحُ كُلَّ لامٍ إلّا في نَحْوِ: الحَمْدُ لِلَّهِ، انْتَهى، يَعْنِي لامَ الجَرِّ إذا دَخَلَتْ عَلى الظّاهِرِ، أوْ عَلى ياءِ المُتَكَلِّمِ، والظَّرْفِيَّةُ في فِيهِمْ مَجازٌ، والمَعْنى: وأنْتَ مُقِيمٌ بَيْنَهم غَيْرُ راحِلٍ عَنْهم.
﴿وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ انْظُرْ إلى حُسْنِ مَساقِ هاتَيْنِ (p-٤٩٠)الجُمْلَتَيْنِ لَمّا كانَتْ كَيْنُونَتُهُ فِيهِمْ سَبَبًا؛ لِانْتِفاءِ تَعْذِيبِهِمْ أكَّدَ خَبَرَ كانَ بِاللّامِ عَلى رَأْيِ الكُوفِيِّينَ، أوْ جَعَلَ خَبَرَ كانَ الإرادَةَ المَنفِيَّةَ عَلى رَأْيِ البَصْرِيِّينَ، وانْتِفاءُ الإرادَةِ لِلْعَذابِ أبْلَغُ مِنِ انْتِفاءِ العَذابِ، ولَمّا كانَ اسْتِغْفارُهم دُونَ تِلْكَ الكَيْنُونَةِ الشَّرِيفَةِ لَمْ يُؤَكِّدْ بِاللّامِ، بَلْ جاءَ خَبَرُ كانَ قَوْلُهُ: مُعَذِّبَهم، فَشَتّانَ ما بَيْنَ اسْتِغْفارِهِمْ وكَيْنُونَتِهِ ﷺ فِيهِمْ، والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الضَّمائِرَ كُلَّها في الجُمَلِ عائِدَةٌ عَلى الكُفّارِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ أبْزى وأبُو مالِكٍ والضَّحّاكُ ما مُقْتَضاهُ: إنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: مُعَذِّبَهم، عائِدٌ عَلى كُفّارِ مَكَّةَ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: وهم، عائِدٌ عَلى المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ بَقُوا بَعْدَ الرَّسُولِ ﷺ بِمَكَّةَ، أيْ: وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَ الكُفّارَ والمُؤْمِنُونَ بَيْنَهم يَسْتَغْفِرُونَ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَدْفَعُ في صَدْرِ هَذا القَوْلِ أنَّ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ رُدَّ الضَّمِيرُ إلَيْهِمْ لَمْ يَجْرِ لَهم ذِكْرٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا ما مُقْتَضاهُ: إنَّ الضَّمِيرَيْنِ عائِدانِ عَلى الكُفّارِ، وكانُوا يَقُولُونَ في دُعائِهِمْ: غُفْرانَكَ، ويَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ، ونَحْوَ هَذا مِمّا هو دُعاءٌ واسْتِغْفارٌ، فَجَعَلَهُ اللَّهُ أمَنَةً مِن عَذابِ الدُّنْيا، عَلى هَذا تَرَكَّبَ قَوْلُ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ وابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ اللَّهَ جَعَلَ مِن عَذابِ الدُّنْيا أمَنَتَيْنِ كَوْنَ الرَّسُولِ ﷺ مَعَ النّاسِ والِاسْتِغْفارَ، فارْتَفَعَتِ الواحِدَةُ وبَقِيَ الِاسْتِغْفارُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقالَ الزَّجّاجُ وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: وهم يَسْتَغْفِرُونَ، عائِدٌ عَلى الكُفّارِ، والمُرادُ بِهِ مَن سَبَقَ لَهُ في عِلْمِ اللَّهِ أنْ يُسْلِمَ ويَسْتَغْفِرَ، فالمَعْنى: وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَ الكُفّارَ، ومِنهم مَن يَسْتَغْفِرُ ويُؤْمِنُ في ثانِي حالٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: وهم يَسْتَغْفِرُونَ، أيْ: وذَرِّيَّتُهم يَسْتَغْفِرُونَ ويُؤْمِنُونَ فَأُسْنِدَ إلَيْهِمْ إذْ ذُرِّيَّتُهم مِنهم، والِاسْتِغْفارُ طَلَبُ الغُفْرانِ، وقالَ الضَّحّاكُ ومُجاهِدٌ: مَعْنى يَسْتَغْفِرُونَ يُصَلُّونَ، وقالَ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ أيْضًا: يُسْلِمُونَ، وظاهِرُ قَوْلِهِ: وهم يَسْتَغْفِرُونَ أنَّهم مُلْتَبِسُونَ بِالِاسْتِغْفارِ، أيْ: هم يَسْتَغْفِرُونَ فَلا يُعَذَّبُونَ، كَما أنَّ الرَّسُولَ فِيهِمْ فَلا يُعَذَّبُونَ، فَكِلا الحالَيْنِ مَوْجُودٌ كَوْنُ الرَّسُولِ فِيهِمْ واسْتِغْفارُهم، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهم يَسْتَغْفِرُونَ في مَوْضِعِ الحالِ، ومَعْناهُ نَفْيُ الِاسْتِغْفارِ عَنْهم، أيْ: ولَوْ كانُوا مِمَّنْ يُؤْمِنُ ويَسْتَغْفِرُ مِنَ الكُفْرِ لَما عَذَّبَهم، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧] ولَكِنَّهم لا يَسْتَغْفِرُونَ ولا يُؤْمِنُونَ، ولا يُتَوَقَّعُ ذَلِكَ مِنهُمُ، انْتَهى، وما قالَهُ تَقَدَّمَهُ إلَيْهِ غَيْرُهُ، فَقالَ: المَعْنى وهم بِحالِ تَوْبَةٍ واسْتِغْفارٍ مِن كُفْرِهِمْ أنْ لَوْ وقَعَ ذَلِكَ مِنهم، واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ قَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ.
﴿وما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وهم يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ وما كانُوا أوْلِياءَهُ إنْ أوْلِياؤُهُ إلّا المُتَّقُونَ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ ما اسْتِفْهامِيَّةٌ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ لَهم في انْتِفاءِ العَذابِ، وهو اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَّقْرِيرُ، أيْ: كَيْفَ لا يُعَذَّبُونَ وهم مُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الحالَةِ المُقْتَضِيَةِ لِلْعَذابِ وهي صَدُّهُمُ المُؤْمِنِينَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ ولَيْسُوا بِوُلاةِ البَيْتِ، ولا مُتَأهِّلِينَ لِوِلايَتِهِ، ومِن صَدِّهِمْ ما فَعَلُوا بِالرَّسُولِ ﷺ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، وإخْراجُهُ مَعَ المُؤْمِنِينَ داخِلٌ في الصَّدِّ، كانُوا يَقُولُونَ: نَحْنُ وُلاةُ البَيْتِ نَصُدُّ مَن نَشاءُ ونُدْخِلُ مَن نَشاءُ، وأنْ مَصْدَرِيَّةٌ، وقالَ الأخْفَشُ: هي زائِدَةٌ، قالَ النَّحّاسُ: لَوْ كانَ كَما قالَ لَرَفَعَ تَعْذِيبَهُمُ، انْتَهى، فَكانَ يَكُونُ الفِعْلُ في مَوْضِعِ الحالِ، كَقَوْلِهِ: وما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ، ومَوْضِعُ أنْ نَصْبٌ، أوْ جَرٌّ عَلى الخِلافِ؛ إذْ حُذِفَ مِنهُ في وهي تَتَعَلَّقُ بِما تَعَلَّقَ بِهِ لَهم، أيْ: أيُّ شَيْءٍ كائِنٍ أوْ مُسْتَقِرٍّ لَهم في أنْ لا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ، والمَعْنى: لا حَظَّ لَهم في انْتِفاءِ العَذابِ، وإذا انْتَفى ذَلِكَ فَهم مُعَذَّبُونَ ولا بُدَّ، وتَقْدِيرُ الطَّبَرِيِّ وما يَمْنَعُهم مِن أنْ يُعَذَّبُوا هو تَفْسِيرُ مَعْنى لا تَفْسِيرُ إعْرابٍ، وكَذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ يُتَأوَّلَ كَلامُ ابْنِ عَطِيَّةَ أنَّ التَّقْدِيرَ: وما قُدْرَتُهم، ونَحْوُهُ مِنَ الأفْعالِ مُوجِبٌ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في (أوْلِياءَهُ) عَلى المَسْجِدِ لِقُرْبِهِ وصِحَّةِ المَعْنى؛ وقِيلَ: ما لِلنَّفْيِ فَيَكُونُ إخْبارًا، أيْ: ولَيْسَ (p-٤٩١)لَهم أنْ لا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ، أيْ: لَيْسَ يَنْتَفِي العَذابُ عَنْهم مَعَ تَلَبُّسِهِمْ بِهَذِهِ الحالِ؛ وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (أوْلِياءَهُ) عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: وما كانُوا أوْلِياءَهُ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ، أيْ: وما اسْتَحَقُّوا أنْ يَكُونُوا وُلاةَ أمْرِهِ ﴿إنْ أوْلِياؤُهُ إلّا المُتَّقُونَ﴾، أيِ: المُتَّقُونَ لِلشِّرْكِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إلّا المُتَّقُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ لَيْسَ كُلُّ مُسْلِمٍ أيْضًا مِمَّنْ يَصْلُحُ أنْ يَلِيَ أمْرَهُ، إنَّما يَسْتَأْهِلُ وِلايَتَهُ مَن كانَ بَرًّا تَقِيًّا فَكَيْفَ عَبَدَةُ الأصْنامِ ؟ انْتَهى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿وما كانُوا أوْلِياءَهُ﴾ مَعْطُوفًا عَلى وهم يَصُدُّونَ، فَيَكُونُ حالًا، والمَعْنى: كَيْفَ لا يُعَذِّبُهُمُ اللَّهُ وهم مُتَّصِفُونَ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ صَدِّهِمْ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ وانْتِفاءِ كَوْنِهِمْ أوْلِياءَهُ، أيْ: أوْلِياءَ المَسْجِدِ، أيْ: لَيْسُوا وُلاتَهُ فَلا يَنْبَغِي أنْ يَصُدُّوا عَنْهُ، أوْ أوْلِياءَ اللَّهِ، فَهم كُفّارٌ، فَيَكُونُ قَدِ ارْتَقى مِن حالٍ إلى أعْظَمَ مِنها، وهو كَوْنُهم لَيْسُوا مُؤْمِنِينَ، فَمَن كانَ صادًّا عَنِ المَسْجِدِ كافِرًا بِاللَّهِ فَهو حَقِيقٌ بِالتَّعْذِيبِ، والضَّمِيرُ في (إنْ أوْلِياؤُهُ) مُتَرَتِّبٌ عَلى ما يَعُودُ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿وما كانُوا أوْلِياءَهُ﴾، واخْتَلَفُوا في هَذا التَّعْذِيبِ فَقالَ قَوْمٌ: هو الأوَّلُ إلّا أنَّهُ كانَ امْتَنَعَ بِشَيْئَيْنِ: كَوْنِ النَّبِيِّ فِيهِمْ واسْتِغْفارِ مَن بَيْنَهم مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَلَمّا وقَعَ التَّمْيِيزُ بِالهِجْرَةِ وقَعَ بِالباقِينَ يَوْمَ بَدْرٍ؛ وقِيلَ: بَلْ وقَعَ بِفَتْحِ مَكَّةَ، وقالَ قَوْمٌ: هَذا التَّعْذِيبُ غَيْرُ ذَلِكَ، فالأوَّلُ: اسْتِئْصالُ كُلِّهِمْ، فَلَمْ يَقَعْ لِما عَلِمَ مِن إسْلامِ بَعْضِهِمْ وإسْلامِ بَعْضِ ذَرارِيهِمْ، والثّانِي: قَتْلُ بَعْضِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الأوَّلُ عَذابُ الدُّنْيا، والثّانِي: عَذابُ الآخِرَةِ، فالمَعْنى وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَ المُشْرِكِينَ لِاسْتِغْفارِهِمْ في الدُّنْيا وما لَهم أنْ لا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ في الآخِرَةِ، ومُتَعَلِّقُ لا يَعْلَمُونَ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: لا يَعْلَمُونَ أنَّهم لَيْسُوا أوْلِياءَهُ بَلْ يَظُنُّونَ أنَّهم أوْلِياؤُهُ، والظّاهِرُ اسْتِدْراكُ الأكْثَرِ في انْتِفاءِ العِلْمِ؛ إذْ كانَ بَيْنَهم، وفي خِلالِهِمْ مَن جَنَحَ إلى الإيمانِ، فَكانَ يَعْلَمُ أنَّ أُولَئِكَ الصّادِّينَ لَيْسُوا أوْلِياءَ البَيْتِ، أوْ أوْلِياءَ اللَّهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولَكِنَّ أكْثَرَهم، أيْ: أكْثَرَ المُقِيمِينَ بِمَكَّةَ لا يَعْلَمُونَ لِتُخْرِجَ مِنهُمُ العَبّاسَ وأُمَّ الفَضْلِ وغَيْرَهُما مِمَّنْ وقَعَ لَهُ عِلْمٌ، أوْ إذْ كانَ فِيهِمْ مَن يَعْلَمُهُ، وهو يُعانِدُ طَلَبًا لِلرِّياسَةِ، أوْ أُرِيدَ بِالأكْثَرِ الجَمِيعُ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولَكِنَّهم لا يَعْلَمُونَ، كَما قِيلَ: قَلَّما رَجُلٌ يَقُولُ ذَلِكَ، في مَعْنى النَّفْيِ المَحْضِ، وإبْقاءُ الأكْثَرِ عَلى ظاهِرِهِ أوْلى، وكَوْنُهُ أُرِيدَ بِهِ الجَمِيعُ هو تَخْرِيجُ الزَّمَخْشَرِيِّ وابْنِ عَطِيَّةَ.
الأنفال 8:34
﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ لَمّا ذَكَّرَ المُؤْمِنِينَ نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ ذَكَّرَهُ ﷺ نِعَمَهُ عَلَيْهِ في خاصَّةِ نَفْسِهِ، وكانَتْ قُرَيْشٌ قَدْ تَشاوَرُوا في دارِ النَّدْوَةِ بِما تَفْعَلُ بِهِ، فَمِن قائِلٍ: يُحْبَسُ ويُقَيَّدُ ويُتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبُ المَنُونِ، ومِن قائِلٍ: يُخْرَجُ مِن مَكَّةَ تَسْتَرِيحُوا مِنهُ، وتَصَوَّرَ إبْلِيسُ في صُورَةِ شَيْخٍ نَجْدِيٍّ، وقِيلَ: هَذَيْنِ الرَّأْيَيْنِ، ومِن قائِلٍ: يَجْتَمِعُ مِن كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ ويَضْرِبُونَهُ ضَرْبَةً واحِدَةً بِأسْيافِهِمْ، فَيَتَفَرَّقُ دَمُهُ في القَبائِلِ، فَلا تَقْدِرُ بَنُو هاشِمٍ لِمُحارَبَةِ قُرَيْشٍ كُلِّها، فَيَرْضَوْنَ بِأخْذِ الدِّيَةِ، فَصَوَّبَ إبْلِيسُ هَذا الرَّأْيَ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى نَبِيِّهِ ﷺ بِذَلِكَ، وأمَرَهُ أنْ لا يَبِيتَ في مَضْجَعِهِ وأذِنَ لَهُ بِالخُرُوجِ إلى المَدِينَةِ، وأمَرَ عَلِيًّا أنْ يَبِيتَ في مَضْجَعِهِ ويَتَّشِحَ بِبُرْدَتِهِ، وباتُوا راصِدِينَ فَبادَرُوا إلى المَضْجَعِ فَأبْصَرُوا عَلِيًّا فَبُهِتُوا، وخَلَّفَ عَلِيًّا لِيَرُدَّ ودائِعَ كانَتْ عِنْدَهُ وخَرَجَ إلى المَدِينَةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: لِيُثْبِتُوكَ، أيْ: يُقَيِّدُوكَ، وقالَ عَطاءٌ والسُّدِّيُّ: لِيُثْخِنُوكَ بِالجَرْحِ والضَّرْبِ، مِن قَوْلِهِمْ: ضَرَبُوهُ حَتّى أثْبَتُوهُ لا حَراكَ بِهِ ولا بَراحَ، ورَمى الطّائِرَ فَأثْبَتَهُ، أيْ: أثْخَنَهُ. قالَ الشّاعِرُ:
؎فَقُلْتُ ويْحَكَ ماذا في صَحِيفَتِكم قالَ الخَلِيفَةُ أمْسى مُثْبَتًا وجِعا
أيْ مُثْخَنًا. وقَرَأ النَّخَعِيُّ لِيُبَيِّتُوكَ مِنَ البَياتِ، وهَذا المَكْرُ هُنا هو بِإجْماعِ المُفَسِّرِينَ ما اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ قُرَيْشٌ في دارِ النَّدْوَةِ، كَما أشَرْنا إلَيْهِ، وهَذِهِ الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ كَسائِرِ السُّورَةِ، وهو الصَّوابُ، وعَنْ عِكْرِمَةَ ومُجاهِدٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ، وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ نَزَلَتْ عَقِيبَ كِفايَةِ اللَّهِ رَسُولَهُ المُسْتَهْزِئِينَ، ويُتَأوَّلُ قَوْلُ عِكْرِمَةَ ومُجاهِدٍ عَلى أنَّهُما أشارا إلى قِصَّةِ الآيَةِ إلى وقْتِ نُزُولِها، وتَكَرَّرَ ويَمْكُرُونَ إخْبارًا بِاسْتِمْرارِ مَكْرِهِمْ وكَثْرَتِهِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ مِثْلِ باقِي الآيَةِ في آلِ عِمْرانَ.
﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا﴾ قائِلُ ذَلِكَ هو النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ واتَّبَعَهُ قائِلُونَ كَثِيرُونَ، وكانَ مِن مَرَدَةِ قُرَيْشٍ، سافَرَ (p-٤٨٨)إلى فارِسَ والحِيرَةِ، وسَمِعَ مِن قَصَصِ الرُّهْبانِ والأناجِيلِ، وأخْبارِ رُسْتُمَ واسْفَنْدِيارَ، ويَرى اليَهُودَ والنَّصارى يَرْكَعُونَ ويَسْجُدُونَ، قَتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَبْرًا بِالصَّفْراءِ بِالأثِيلِ مِنها مُنْصَرَفَهُ مِن بَدْرٍ، وفي هَذا التَّرْكِيبِ جَوازُ وُقُوعِ المُضارِعِ بَعْدَ إذا وجَوابُهُ الماضِي جَوازًا فَصِيحًا، بِخِلافِ أدَواتِ الشَّرْطِ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ ذَلِكَ فِيها إلّا في الشِّعْرِ، نَحْوَ:
؎مَن يَكِدْنِي بِشَيْءٍ كُنْتُ مِنهُ
ومَعْنى قَدْ سَمِعْنا: قَدْ سَمِعْنا ولا نُطِيعُ، أوْ قَدْ سَمِعْنا مِنكَ هَذا، وقَوْلُهم: لَوْ نَشاءُ، أيْ: لَوْ نَشاءُ القَوْلَ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا الَّذِي تَتْلُوهُ، وذُكِرَ عَلى مَعْنى المَتْلُوِّ، وهَذا القَوْلُ مِنهم عَلى سَبِيلِ البَهْتِ والمُصادَمَةِ، ولَيْسَ ذَلِكَ في اسْتِطاعَتِهِمْ، فَقَدْ طُولِبُوا بِسُورَةٍ مِنهُ فَعَجَزُوا، وكانَ أصْعَبَ شَيْءٍ إلَيْهِمُ الغَلَبَةُ وخُصُوصًا في بابِ البَيانِ، فَقَدْ كانُوا يَتَمالَطُونَ ويَتَعارَضُونَ ويُحْكَمُ بَيْنَهم في ذَلِكَ، وكانُوا أحْرَصَ النّاسِ عَلى قَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكَيْفَ يُحِيلُونَ المُعارَضَةَ عَلى المَشِيئَةِ ويَتَعَلَّلُونَ بِأنَّهم لَوْ أرادُوا لَقالُوا مِثْلَ هَذا القَوْلِ ؟ !
﴿إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ في الأنْعامِ.
﴿وإذْ قالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ قائِلُ ذَلِكَ النَّضْرُ؛ وقِيلَ: أبُو جَهْلٍ، رَواهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ، وقالَ الجُمْهُورُ: قائِلُ ذَلِكَ كُفّارُ قُرَيْشٍ، والإشارَةُ في قَوْلِهِ: (إنْ كانَ هَذا) إلى القُرْآنِ، أوْ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِنَ التَّوْحِيدِ وغَيْرِهِ، أوْ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِن بَيْنِ سائِرِ قُرَيْشٍ، أقْوالٌ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى اللَّهُمَّ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: هو الحَقَّ، بِالنَّصْبِ، جَعَلُوا هو فَصْلًا، وقَرَأ الأعْمَشُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِالرَّفْعِ وهي جائِزَةٌ في العَرَبِيَّةِ، فالجُمْلَةُ خَبَرُ كانَ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ يَرْفَعُونَ بَعْدَ هو الَّتِي هي فَصْلٌ في لُغَةِ غَيْرِهِمْ، كَما قالَ:
؎وكُنْتَ عَلَيْها بِالمَلا أنْتَ أقْدَرُ
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الفَصْلِ وفائِدَتِهِ في أوَّلِ البَقَرَةِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ في العَرَبِيَّةِ رَفْعُ (الحَقَّ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ والجُمْلَةُ خَبَرُ كانَ. قالَ الزَّجّاجُ، ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِهَذا الجائِزِ، وقِراءَةُ النّاسِ إنَّما هي بِنَصْبِ (الحَقَّ)، انْتَهى، وقَدْ ذُكِرَ مَن قَرَأ بِالرَّفْعِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ فِيها مُبالَغَةٌ في إنْكارِ الحَقِّ عَظِيمَةٌ، أيْ: إنْ كانَ حَقًّا فَعاقِبْنا عَلى إنْكارِهِ بِإمْطارِ الحِجارَةِ عَلَيْنا أمْ بِعَذابٍ آخَرَ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومُرادُهُ نَفْيُ كَوْنِهِ حَقًّا، فَإذا انْتَفى كَوْنُهُ حَقًّا لَمْ يَسْتَوْجِبْ مُنْكِرُهُ عَذابًا، فَكانَ تَعْلِيقُ العَذابِ بِكَوْنِهِ حَقًّا مَعَ اعْتِقادِ أنَّهُ لَيْسَ بِحَقٍّ كَتَعْلِيقِهِ بِالمُحالِ في قَوْلِهِ: إنْ كانَ الباطِلُ حَقًّا، مَعَ اعْتِقادِهِ أنَّهُ لَيْسَ بِحَقِّ، وقَوْلُهُ: هو الحَقَّ، تَهَكُّمٌ بِمَن يَقُولُ عَلى سَبِيلِ التَّخْصِيصِ والتَّعْيِينِ هَذا هو الحَقُّ، ويُقالُ: أمْطَرَتْ كَأنْجَمَتْ وأسْبَلَتْ، ومَطَرَتْ كَهَتَفَتْ، وكَثُرَ الأمْطارُ في مَعْنى العَذابِ، (فَإنْ قُلْتَ): فَما فائِدَةُ قَوْلِهِ: مِنَ السَّماءِ، والأمْطارُ لا تَكُونُ إلّا مِنها، (قُلْتُ): كَأنَّهُ أرادَ أنْ يُقالَ: فَأمْطِرْ عَلَيْنا السِّجِّيلَ، وهي الحِجارَةُ المُسَوَّمَةُ لِلْعَذابِ، مَوْضِعُ حِجارَةٍ مِنَ السَّماءِ مَوْضِعُ السِّجِّيلِ، كَما يُقالُ: صَبَّ عَلَيْهِ مَسْرُودَةً مِن حَدِيدٍ يُرِيدُ دِرْعًا، انْتَهى، ومَعْنى جَوابِهِ أنَّ قَوْلَهُ: مِنَ السَّماءِ جاءَ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ، كَما أنَّ قَوْلَهُ: مِن حَدِيدٍ مَعْناهُ التَّأْكِيدُ؛ لِأنَّ المَسْرُودَةَ لا تَكُونُ إلّا مِن حَدِيدٍ، (p-٤٨٩)كَما أنَّ الأمْطارَ لا تَكُونُ إلّا مِنَ السَّماءِ
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهم مِنَ السَّماءِ مُبالَغَةٌ وإغْراقٌ، انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ حِكْمَةَ قَوْلِهِمْ مِنَ السَّماءِ هي مُقابَلَتُهم مَجِيءَ الأمْطارِ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي ذُكِرَ أنَّهُ يَأْتِيهِ الوَحْيُ مِن جِهَتِها، أيْ: إنَّكَ تَذْكُرُ أنَّهُ يَأْتِيكَ الوَحْيُ مِنَ السَّماءِ فَأْتِنا بِعَذابٍ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي يَأْتِيكَ مِنها الوَحْيُ؛ إذْ كانَ يَحْسُنُ أنْ يُعَبَّرَ عَنْ إرْسالِ الحِجارَةِ عَلَيْهِمْ مِن غَيْرِ جِهَةِ السَّماءِ بِقَوْلِهِمْ: فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً، وقالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِبْعادِ والِاعْتِقادِ أنَّ ما أُتِيَ بِهِ لَيْسَ بِحَقٍّ؛ وقِيلَ: عَلى سَبِيلِ الحَسَدِ والعِنادِ مَعَ عِلْمِهِمْ أنَّهُ حَقٌّ، واسْتَبْعَدَ هَذا الثّانِيَ ابْنُ فُورَكٍ، قالَ: ولا يَقُولُ هَذا عَلى وجْهِ العِنادِ عاقِلٌ، انْتَهى، وكَأنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤] وقِصَّةُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ وأحْبارِ اليَهُودِ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ: ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩]، وقَوْلُ الرَّسُولِ ﷺ لَهم: «واللَّهِ إنَّكم لَتَعْلَمُونَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ»، أوْ كَلامٌ يُقارِبُهُ، واقْتِراحُهم هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ هو عَلى ما جَرى عَلَيْهِ اقْتِراحُ الأُمَمِ السّالِفَةِ، وسَألَ يَهُودِيٌّ ابْنَ عَبّاسٍ مِمَّنْ أنْتَ، قالَ مِن قُرَيْشٍ، فَقالَ أنْتَ مِنَ الَّذِينَ قالُوا: ﴿إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾ الآيَةَ، فَهَلّا قالُوا: فاهْدِنا إلَيْهِ ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَأنْتَ يا إسْرائِيلِيٌّ مِنَ الَّذِينَ لَمْ تَجِفَّ أرْجُلُهم مِن بَلَلِ البَحْرِ الَّذِي أُغْرِقَ فِيهِ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ ونَجا مُوسى وقَوْمُهُ حَتّى قالُوا: ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨] فَقالَ لَهم مُوسى: ﴿إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨] فَأطْرَقَ اليَهُودِيُّ مُفْحَمًا، وعَنْ مُعاوِيَةَ أنَّهُ قالَ لِرَجُلٍ مِن سَبَأٍ: ما أجْهَلَ قَوْمَكَ حِينَ مَلَّكُوا عَلَيْهِمُ امْرَأةً، فَقالَ أجْهَلُ مِن قَوْمِي قَوْمُكَ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ دَعاهم إلى الحَقِّ: (إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ) الآيَةَ، ولَمْ يَقُولُوا: فاهْدِنا لَهُ.
﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ نَزَلَتْ هَذِهِ إلى ”يَعْلَمُونَ“ بِمَكَّةَ؛ وقِيلَ: بَعْدَ وقْعَةِ بَدْرٍ حِكايَةً عَمّا حَصَلَ فِيها. وقالَ ابْنُ أبْزى: الجُمْلَةُ الأُولى بِمَكَّةَ إثْرَ قَوْلِهِ: (بِعَذابٍ ألِيمٍ)، والثّانِيَةُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِن مَكَّةَ في طَرِيقِهِ إلى المَدِينَةِ، وقَدْ بَقِيَ بِمَكَّةَ مُؤْمِنُونَ يَسْتَغْفِرُونَ، والثّالِثَةُ بَعْدَ بَدْرٍ عِنْدَ ظُهُورِ العَذابِ عَلَيْهِمْ، ولَمّا عَلَّقُوا إمْطارَ الحِجارَةِ أوِ الإتْيانَ بِعَذابٍ ألِيمٍ عَلى تَقْدِيرِ كَيْنُونَةِ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ حَقًّا أخْبَرَ تَعالى أنَّهم مُسْتَحِقُّو العَذابِ، لَكِنَّهُ لا يُعَذِّبُهم وأنْتَ فِيهِمْ إكْرامًا لَهُ وجَرْيًا عَلى عادَتِهِ تَعالى مَعَ مُكَذِّبِي أنْبِيائِهِ أنْ لا يُعَذِّبَهم وأنْبِياؤُهم مُقِيمُونَ فِيهِمْ عَذابًا يَسْتَأْصِلُهم فِيهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ تُعَذَّبْ أُمَّةٌ قَطُّ ونَبِيُّها فِيها، وعَلَيْهِ جَماعَةُ المُتَأوِّلِينَ، فالمَعْنى فَما كانَتْ لِتُعَذَّبَ أُمَّتُكَ وأنْتَ فِيهِمْ، بَلْ كَرامَتُكَ عِنْدَ رَبِّكَ أعْظَمُ، وقالَ تَعالى ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، ومِن رَحْمَتِهِ تَعالى أنْ لا يُعَذِّبَهم والرَّسُولُ ﷺ فِيهِمْ، ولَمّا كانَ الإمْطارُ لِلْحِجارَةِ عَلَيْهِمْ مُنْدَرِجًا تَحْتَ العَذابِ كانَ النَّفْيُ مُتَسَلِّطًا عَلى العَذابِ الَّذِي إمْطارُ الحِجارَةِ نَوْعٌ مِنهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ ولَمْ يَجِئِ التَّرْكِيبُ: وما كانَ اللَّهُ لِيُمْطِرَ أوْ لِيَأْتِيَ بِعَذابٍ، وتَقْيِيدُ نَفْيِ العَذابِ بِكَيْنُونَةِ الرَّسُولِ فِيهِمْ إعْلامٌ بِأنَّهُ إذا لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ وفارَقَهم عَذَّبَهم، ولَكِنَّهُ لَمْ يُعَذِّبْهم إكْرامًا لَهُ مَعَ كَوْنِهِمْ بِصَدَدِ مَن يُعَذَّبُ لِتَكْذِيبِهِمْ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَنْ أبِي زَيْدٍ: سَمِعْتُ مِنَ العَرَبِ مَن يَقُولُ: وما كانَ اللَّهُ لَيُعَذِّبُهم، بِفَتْحِ اللّامِ، وهي لُغَةٌ غَيْرُ مَعْرُوفَةٍ، ولا مُسْتَعْمَلَةٍ في القُرْآنِ، انْتَهى، وبِفَتْحِ اللّامِ في لِيُعَذِّبَهم قَرَأ أبُو السَّمالِ، وقَرَأ عَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِالفَتْحِ في لامِ الأمْرِ في قَوْلِهِ: فَلَيَنْظُرُ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ، ورَوى ابْنُ مُجاهِدٍ عَنْ أبِي زَيْدٍ أنَّ مِنَ العَرَبِ مَن يَفْتَحُ كُلَّ لامٍ إلّا في نَحْوِ: الحَمْدُ لِلَّهِ، انْتَهى، يَعْنِي لامَ الجَرِّ إذا دَخَلَتْ عَلى الظّاهِرِ، أوْ عَلى ياءِ المُتَكَلِّمِ، والظَّرْفِيَّةُ في فِيهِمْ مَجازٌ، والمَعْنى: وأنْتَ مُقِيمٌ بَيْنَهم غَيْرُ راحِلٍ عَنْهم.
﴿وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ انْظُرْ إلى حُسْنِ مَساقِ هاتَيْنِ (p-٤٩٠)الجُمْلَتَيْنِ لَمّا كانَتْ كَيْنُونَتُهُ فِيهِمْ سَبَبًا؛ لِانْتِفاءِ تَعْذِيبِهِمْ أكَّدَ خَبَرَ كانَ بِاللّامِ عَلى رَأْيِ الكُوفِيِّينَ، أوْ جَعَلَ خَبَرَ كانَ الإرادَةَ المَنفِيَّةَ عَلى رَأْيِ البَصْرِيِّينَ، وانْتِفاءُ الإرادَةِ لِلْعَذابِ أبْلَغُ مِنِ انْتِفاءِ العَذابِ، ولَمّا كانَ اسْتِغْفارُهم دُونَ تِلْكَ الكَيْنُونَةِ الشَّرِيفَةِ لَمْ يُؤَكِّدْ بِاللّامِ، بَلْ جاءَ خَبَرُ كانَ قَوْلُهُ: مُعَذِّبَهم، فَشَتّانَ ما بَيْنَ اسْتِغْفارِهِمْ وكَيْنُونَتِهِ ﷺ فِيهِمْ، والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الضَّمائِرَ كُلَّها في الجُمَلِ عائِدَةٌ عَلى الكُفّارِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ أبْزى وأبُو مالِكٍ والضَّحّاكُ ما مُقْتَضاهُ: إنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: مُعَذِّبَهم، عائِدٌ عَلى كُفّارِ مَكَّةَ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: وهم، عائِدٌ عَلى المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ بَقُوا بَعْدَ الرَّسُولِ ﷺ بِمَكَّةَ، أيْ: وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَ الكُفّارَ والمُؤْمِنُونَ بَيْنَهم يَسْتَغْفِرُونَ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَدْفَعُ في صَدْرِ هَذا القَوْلِ أنَّ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ رُدَّ الضَّمِيرُ إلَيْهِمْ لَمْ يَجْرِ لَهم ذِكْرٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا ما مُقْتَضاهُ: إنَّ الضَّمِيرَيْنِ عائِدانِ عَلى الكُفّارِ، وكانُوا يَقُولُونَ في دُعائِهِمْ: غُفْرانَكَ، ويَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ، ونَحْوَ هَذا مِمّا هو دُعاءٌ واسْتِغْفارٌ، فَجَعَلَهُ اللَّهُ أمَنَةً مِن عَذابِ الدُّنْيا، عَلى هَذا تَرَكَّبَ قَوْلُ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ وابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ اللَّهَ جَعَلَ مِن عَذابِ الدُّنْيا أمَنَتَيْنِ كَوْنَ الرَّسُولِ ﷺ مَعَ النّاسِ والِاسْتِغْفارَ، فارْتَفَعَتِ الواحِدَةُ وبَقِيَ الِاسْتِغْفارُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقالَ الزَّجّاجُ وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: وهم يَسْتَغْفِرُونَ، عائِدٌ عَلى الكُفّارِ، والمُرادُ بِهِ مَن سَبَقَ لَهُ في عِلْمِ اللَّهِ أنْ يُسْلِمَ ويَسْتَغْفِرَ، فالمَعْنى: وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَ الكُفّارَ، ومِنهم مَن يَسْتَغْفِرُ ويُؤْمِنُ في ثانِي حالٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: وهم يَسْتَغْفِرُونَ، أيْ: وذَرِّيَّتُهم يَسْتَغْفِرُونَ ويُؤْمِنُونَ فَأُسْنِدَ إلَيْهِمْ إذْ ذُرِّيَّتُهم مِنهم، والِاسْتِغْفارُ طَلَبُ الغُفْرانِ، وقالَ الضَّحّاكُ ومُجاهِدٌ: مَعْنى يَسْتَغْفِرُونَ يُصَلُّونَ، وقالَ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ أيْضًا: يُسْلِمُونَ، وظاهِرُ قَوْلِهِ: وهم يَسْتَغْفِرُونَ أنَّهم مُلْتَبِسُونَ بِالِاسْتِغْفارِ، أيْ: هم يَسْتَغْفِرُونَ فَلا يُعَذَّبُونَ، كَما أنَّ الرَّسُولَ فِيهِمْ فَلا يُعَذَّبُونَ، فَكِلا الحالَيْنِ مَوْجُودٌ كَوْنُ الرَّسُولِ فِيهِمْ واسْتِغْفارُهم، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهم يَسْتَغْفِرُونَ في مَوْضِعِ الحالِ، ومَعْناهُ نَفْيُ الِاسْتِغْفارِ عَنْهم، أيْ: ولَوْ كانُوا مِمَّنْ يُؤْمِنُ ويَسْتَغْفِرُ مِنَ الكُفْرِ لَما عَذَّبَهم، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧] ولَكِنَّهم لا يَسْتَغْفِرُونَ ولا يُؤْمِنُونَ، ولا يُتَوَقَّعُ ذَلِكَ مِنهُمُ، انْتَهى، وما قالَهُ تَقَدَّمَهُ إلَيْهِ غَيْرُهُ، فَقالَ: المَعْنى وهم بِحالِ تَوْبَةٍ واسْتِغْفارٍ مِن كُفْرِهِمْ أنْ لَوْ وقَعَ ذَلِكَ مِنهم، واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ قَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ.
﴿وما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وهم يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ وما كانُوا أوْلِياءَهُ إنْ أوْلِياؤُهُ إلّا المُتَّقُونَ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ ما اسْتِفْهامِيَّةٌ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ لَهم في انْتِفاءِ العَذابِ، وهو اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَّقْرِيرُ، أيْ: كَيْفَ لا يُعَذَّبُونَ وهم مُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الحالَةِ المُقْتَضِيَةِ لِلْعَذابِ وهي صَدُّهُمُ المُؤْمِنِينَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ ولَيْسُوا بِوُلاةِ البَيْتِ، ولا مُتَأهِّلِينَ لِوِلايَتِهِ، ومِن صَدِّهِمْ ما فَعَلُوا بِالرَّسُولِ ﷺ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، وإخْراجُهُ مَعَ المُؤْمِنِينَ داخِلٌ في الصَّدِّ، كانُوا يَقُولُونَ: نَحْنُ وُلاةُ البَيْتِ نَصُدُّ مَن نَشاءُ ونُدْخِلُ مَن نَشاءُ، وأنْ مَصْدَرِيَّةٌ، وقالَ الأخْفَشُ: هي زائِدَةٌ، قالَ النَّحّاسُ: لَوْ كانَ كَما قالَ لَرَفَعَ تَعْذِيبَهُمُ، انْتَهى، فَكانَ يَكُونُ الفِعْلُ في مَوْضِعِ الحالِ، كَقَوْلِهِ: وما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ، ومَوْضِعُ أنْ نَصْبٌ، أوْ جَرٌّ عَلى الخِلافِ؛ إذْ حُذِفَ مِنهُ في وهي تَتَعَلَّقُ بِما تَعَلَّقَ بِهِ لَهم، أيْ: أيُّ شَيْءٍ كائِنٍ أوْ مُسْتَقِرٍّ لَهم في أنْ لا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ، والمَعْنى: لا حَظَّ لَهم في انْتِفاءِ العَذابِ، وإذا انْتَفى ذَلِكَ فَهم مُعَذَّبُونَ ولا بُدَّ، وتَقْدِيرُ الطَّبَرِيِّ وما يَمْنَعُهم مِن أنْ يُعَذَّبُوا هو تَفْسِيرُ مَعْنى لا تَفْسِيرُ إعْرابٍ، وكَذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ يُتَأوَّلَ كَلامُ ابْنِ عَطِيَّةَ أنَّ التَّقْدِيرَ: وما قُدْرَتُهم، ونَحْوُهُ مِنَ الأفْعالِ مُوجِبٌ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في (أوْلِياءَهُ) عَلى المَسْجِدِ لِقُرْبِهِ وصِحَّةِ المَعْنى؛ وقِيلَ: ما لِلنَّفْيِ فَيَكُونُ إخْبارًا، أيْ: ولَيْسَ (p-٤٩١)لَهم أنْ لا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ، أيْ: لَيْسَ يَنْتَفِي العَذابُ عَنْهم مَعَ تَلَبُّسِهِمْ بِهَذِهِ الحالِ؛ وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (أوْلِياءَهُ) عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: وما كانُوا أوْلِياءَهُ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ، أيْ: وما اسْتَحَقُّوا أنْ يَكُونُوا وُلاةَ أمْرِهِ ﴿إنْ أوْلِياؤُهُ إلّا المُتَّقُونَ﴾، أيِ: المُتَّقُونَ لِلشِّرْكِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إلّا المُتَّقُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ لَيْسَ كُلُّ مُسْلِمٍ أيْضًا مِمَّنْ يَصْلُحُ أنْ يَلِيَ أمْرَهُ، إنَّما يَسْتَأْهِلُ وِلايَتَهُ مَن كانَ بَرًّا تَقِيًّا فَكَيْفَ عَبَدَةُ الأصْنامِ ؟ انْتَهى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿وما كانُوا أوْلِياءَهُ﴾ مَعْطُوفًا عَلى وهم يَصُدُّونَ، فَيَكُونُ حالًا، والمَعْنى: كَيْفَ لا يُعَذِّبُهُمُ اللَّهُ وهم مُتَّصِفُونَ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ صَدِّهِمْ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ وانْتِفاءِ كَوْنِهِمْ أوْلِياءَهُ، أيْ: أوْلِياءَ المَسْجِدِ، أيْ: لَيْسُوا وُلاتَهُ فَلا يَنْبَغِي أنْ يَصُدُّوا عَنْهُ، أوْ أوْلِياءَ اللَّهِ، فَهم كُفّارٌ، فَيَكُونُ قَدِ ارْتَقى مِن حالٍ إلى أعْظَمَ مِنها، وهو كَوْنُهم لَيْسُوا مُؤْمِنِينَ، فَمَن كانَ صادًّا عَنِ المَسْجِدِ كافِرًا بِاللَّهِ فَهو حَقِيقٌ بِالتَّعْذِيبِ، والضَّمِيرُ في (إنْ أوْلِياؤُهُ) مُتَرَتِّبٌ عَلى ما يَعُودُ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿وما كانُوا أوْلِياءَهُ﴾، واخْتَلَفُوا في هَذا التَّعْذِيبِ فَقالَ قَوْمٌ: هو الأوَّلُ إلّا أنَّهُ كانَ امْتَنَعَ بِشَيْئَيْنِ: كَوْنِ النَّبِيِّ فِيهِمْ واسْتِغْفارِ مَن بَيْنَهم مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَلَمّا وقَعَ التَّمْيِيزُ بِالهِجْرَةِ وقَعَ بِالباقِينَ يَوْمَ بَدْرٍ؛ وقِيلَ: بَلْ وقَعَ بِفَتْحِ مَكَّةَ، وقالَ قَوْمٌ: هَذا التَّعْذِيبُ غَيْرُ ذَلِكَ، فالأوَّلُ: اسْتِئْصالُ كُلِّهِمْ، فَلَمْ يَقَعْ لِما عَلِمَ مِن إسْلامِ بَعْضِهِمْ وإسْلامِ بَعْضِ ذَرارِيهِمْ، والثّانِي: قَتْلُ بَعْضِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الأوَّلُ عَذابُ الدُّنْيا، والثّانِي: عَذابُ الآخِرَةِ، فالمَعْنى وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَ المُشْرِكِينَ لِاسْتِغْفارِهِمْ في الدُّنْيا وما لَهم أنْ لا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ في الآخِرَةِ، ومُتَعَلِّقُ لا يَعْلَمُونَ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: لا يَعْلَمُونَ أنَّهم لَيْسُوا أوْلِياءَهُ بَلْ يَظُنُّونَ أنَّهم أوْلِياؤُهُ، والظّاهِرُ اسْتِدْراكُ الأكْثَرِ في انْتِفاءِ العِلْمِ؛ إذْ كانَ بَيْنَهم، وفي خِلالِهِمْ مَن جَنَحَ إلى الإيمانِ، فَكانَ يَعْلَمُ أنَّ أُولَئِكَ الصّادِّينَ لَيْسُوا أوْلِياءَ البَيْتِ، أوْ أوْلِياءَ اللَّهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولَكِنَّ أكْثَرَهم، أيْ: أكْثَرَ المُقِيمِينَ بِمَكَّةَ لا يَعْلَمُونَ لِتُخْرِجَ مِنهُمُ العَبّاسَ وأُمَّ الفَضْلِ وغَيْرَهُما مِمَّنْ وقَعَ لَهُ عِلْمٌ، أوْ إذْ كانَ فِيهِمْ مَن يَعْلَمُهُ، وهو يُعانِدُ طَلَبًا لِلرِّياسَةِ، أوْ أُرِيدَ بِالأكْثَرِ الجَمِيعُ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولَكِنَّهم لا يَعْلَمُونَ، كَما قِيلَ: قَلَّما رَجُلٌ يَقُولُ ذَلِكَ، في مَعْنى النَّفْيِ المَحْضِ، وإبْقاءُ الأكْثَرِ عَلى ظاهِرِهِ أوْلى، وكَوْنُهُ أُرِيدَ بِهِ الجَمِيعُ هو تَخْرِيجُ الزَّمَخْشَرِيِّ وابْنِ عَطِيَّةَ.
الأنفال 8:35
﴿وما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ إلّا مُكاءً وتَصْدِيَةً فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ لَمّا نَفى عَنْهم أنْ يَكُونُوا وُلاةَ البَيْتِ ذَكَرَ مِن فِعْلِهِمُ القَبِيحِ ما يُؤَكِّدُ ذَلِكَ، وأنَّ مَن كانَتْ صَلاتُهُ ما ذَكَرَ لا يَسْتَأْهِلُ أنْ يَكُونُوا أوْلِياءَهُ، فالمَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ الَّذِي يَقُومُ مَقامَ صَلاتِهِمْ هو المُكاءُ والتَّصْدِيَةُ، وضَعُوا مَكانَ الصَّلاةِ والتَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ التَّصْفِيرَ والتَّصْفِيقَ، كانُوا يَطُوفُونَ عُراةً، رِجالُهم ونِساؤُهم، مُشَبِّكِينَ بَيْنَ أصابِعِهِمْ يُصَفِّرُونَ ويُصَفِّقُونَ، يَفْعَلُونَ ذَلِكَ إذا قَرَأ الرَّسُولُ ﷺ يَخْلِطُونَ عَلَيْهِ في صَلاتِهِ، ونَظِيرُ هَذا المَعْنى قَوْلُهم: كانَتْ عُقُوبَتُكَ عُزْلَتَكَ، أيِ: القائِمُ مَقامَ العُقُوبَةِ هو العَزْلُ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎وما كُنْتُ أخْشى أنْ يَكُونَ عَطاؤُهُ أداهِمَ سُودًا أوْ مُدَحْرَجَةً سُمْرا
أقامَ مَقامَ العَطاءِ القُيُودَ والسِّياطَ، كَما أقامُوا مَقامَ الصَّلاةِ المُكاءَ والتَّصْدِيَةَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ ذَلِكَ عِبادَةً في ظَنِّهِمْ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمّا نَفى تَعالى ولايَتَهم لِلْبَيْتِ أمْكَنَ أنْ يَعْتَرِضَ مُعْتَرِضٌ بِأنْ يَقُولَ: كَيْفَ لا نَكُونُ أوْلِياءَهُ ونَحْنُ نَسْكُنُهُ ونُصَلِّي عِنْدَهُ فَقَطَعَ اللَّهُ هَذا الِاعْتِراضَ، وما كانَ صَلاتُهم إلّا المُكاءَ والتَّصْدِيَةَ، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ: أنا أفْعَلُ الخَيْرَ، فَيُقالُ لَهُ: ما فِعْلُكَ الخَيْرَ إلّا أنْ تَشْرَبَ الخَمْرَ وتَقْتُلَ، أيْ: هَذِهِ عادَتُكَ وغايَتُكَ، قالَ: والَّذِي مَرَّ بِي مِن أمْرِ العَرَبِ في غَيْرِ ما دِيوانٍ أنَّ المُكاءَ والتَّصْدِيَةَ كانا مِن فِعْلِ العَرَبِ قَدِيمًا قَبْلَ الإسْلامِ عَلى جِهَةِ التَّقَرُّبِ والتَّشَرُّعِ، ورُوِيَ عَنْ بَعْضِ أقْوِياءِ العَرَبِ أنَّهُ (p-٤٩٢)كانَ يَمْكُو عَلى الصَّفا فَيُسْمَعُ مِن جَبَلِ حِراءٍ وبَيْنَهُما أرْبَعَةُ أمْيالٍ، وعَلى هَذا يَسْتَقِيمُ تَعْيِيرُهم وتَنْقِيصُهم بِأنَّ شَرْعَهم وصَلاتَهم وعِبادَتَهم لَمْ تَكُنْ رَهْبَةً ولا رَغْبَةً، إنَّما كانَتْ مُكاءً وتَصْدِيَةً مِن نَوْعِ اللَّعِبِ، ولَكِنَّهم كانُوا يَتَزَيَّدُونَ فِيها وقْتَ قِراءَةِ النَّبِيِّ ﷺ لِيَشْغَلُوهُ وأمَتَّهُ عَنِ القِراءَةِ والصَّلاةِ، قالَ ابْنُ عُمَرَ ومُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: والمُكاءُ: الصَّفِيرُ، والتَّصْدِيَةُ: التَّصْفِيقُ، وعَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا: المُكاءُ إدْخالُهم أصابِعَهم في أفْواهِهِمْ، والتَّصْدِيَةُ الصَّفِيرُ، والصَّفِيرُ بِالفَمِ، وقَدْ يَكُونُ بِالأصابِعِ والكَفِّ في الفَمِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وأبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وقَدْ يُشارِكُ الأنْفُ، يُرِيدُونَ أنْ يَشْغَلُوا بِذَلِكَ الرَّسُولَ عَنِ الصَّلاةِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ زَيْدٍ: التَّصْدِيَةُ صَدُّهم عَنِ البَيْتِ، وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: إنَّ صَلاتَهم ودُعاءَهم غَيْرُ رادِّينَ عَلَيْهِمْ ثَوابًا إلّا كَما يُجِيبُ الصَّدى الصّائِحَ، فَتَلَخَّصَ في مَعْنى الآيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: ما ظاهِرُهُ أنَّ الكُفّارَ كانَتْ لَهم صَلاةٌ وتَعَبُّدٌ، وذَلِكَ هو المُكاءُ والتَّصْدِيَةُ، والثّانِي: أنَّهُ كانَتْ لَهم صَلاةٌ ولا جَدْوى لَها ولا ثَوابَ، فَجُعِلَتْ كَأنَّها أصْواتُ الصَّدا حَيْثُ لَها حَقِيقَةٌ، والثّالِثُ: أنَّهُ لا صَلاةَ لَهم لَكِنَّهم أقامُوا مَقامَها المُكاءَ والتَّصْدِيَةَ، وقالَ بَعْضُ شُيُوخِنا: أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ عَلى أنَّ الصَّلاةَ هُنا هي الطَّوافُ، وقَدْ سَمّاهُ الرَّسُولُ ﷺ صَلاةً، وقَرَأ أبانُ بْنُ تَغْلِبَ وعاصِمٌ والأعْمَشُ بِخِلافٍ عَنْهُما (صَلاتَهم) بِالنَّصْبِ (إلّا مُكاءٌ وتَصْدِيَةٌ) بِالرَّفْعِ، وخَطَّأ قَوْمٌ مِنهم أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ هَذِهِ القِراءَةَ لِجَعْلِ المَعْرِفَةِ خَبَرًا والنَّكِرَةِ اسْمًا، قالُوا: ولا يَجُوزُ ذَلِكَ إلّا في ضَرُورَةٍ، كَقَوْلِهِ:
؎يَكُونُ مِزاجَها عَسَلٌ وماءُ
وخَرَّجَها أبُو الفَتْحِ عَلى أنَّ المُكاءَ والتَّصْدِيَةَ اسْمُ جِنْسٍ، واسْمُ الجِنْسِ تَعْرِيفُهُ وتَنْكِيرُهُ واحِدٌ، انْتَهى، وهو نَظِيرُ قَوْلِ مَن جَعَلَ نَسْلَخُ صِفَةً لِلَّيْلِ في قَوْلِهِ: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ﴾ [يس: ٣٧] ويَسُبُّنِي صِفَةً لِلَّئِيمِ في قَوْلِهِ:
؎ولَقَدْ أمُرُّ عَلى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو فِيما رُوِيَ عَنْهُ: إلّا مُكًا، بِالقَصْرِ مُنَوَّنًا، فَمَن مَدَّ فَكالثُّغاءِ والرُّغاءِ، ومَن قَصَرَ فَكالبُكا في لُغَةِ مَن قَصَرَ، والعَذابُ في قَوْلِهِ: فَذُوقُوا العَذابَ، قِيلَ هو في الآخِرَةِ؛ وقِيلَ: هو قَتْلُهم وأخْذُ غَنائِمِهِمْ بِبَدْرٍ وأسْرُهم، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَيَلْزَمُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ الأخِيرَةُ نَزَلَتْ بَعْدَ بَدْرٍ ولا بُدَّ، والأشْبَهُ أنَّ الكُلَّ بَعْدَ بَدْرٍ حِكايَةٌ عَنْ ماضٍ، وكَوْنُ عَذابِهِمْ بِالقَتْلِ يَوْمَ بَدْرٍ هو قَوْلُ الحَسَنِ والضَّحّاكِ وابْنِ جُرَيْجٍ.
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ قالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في المُطْعِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا: أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ وعُتْبَةُ وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ ونُبَيْهٌ ومُنَبَّهٌ ابْنا حَجّاجٍ وأبُو البَحْتَرِيِّ بْنُ هِشامٍ والنَّضْرُ بْنُ الحارِثِ وحَكِيمُ بْنُ حِزامٍ وأُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ وزَمْعَةُ بْنُ الأسْوَدِ والحارِثُ بْنُ عامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ والعَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وكُلُّهم مِن قُرَيْشٍ، وكانَ يُطْعِمُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم كُلَّ يَوْمٍ عَشْرَ جَزائِرَ، وقالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ وابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ أبْزى: نَزَلَتْ في أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ اسْتَأْجَرَ يَوْمَ أُحُدٍ ألْفَيْنِ مِنَ الأحابِيشِ يُقاتِلُ بِهِمُ النَّبِيَّ ﷺ سِوى مَنِ اسْتَجاشَ مِنَ العَرَبِ، وفِيهِمْ يَقُولُ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ:
؎فَجِئْنا إلى مَوْجٍ مِنَ البَحْرِ وسْطُهُ ∗∗∗ أحابِيشُ مِنهم حاسِرٌ ومُقَنَّعُ
؎ثَلاثَةُ آلافٍ ونَحْنُ بَقِيَّةُ ∗∗∗ ثَلاثِ مِئِينَ إنْ كَثُرْنا وأرْبَعُ
وقالَ الحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ: أنْفَقَ عَلى الأحابِيشِ وغَيْرِهِمْ أرْبَعِينَ أُوقِيَّةً مِن ذَهَبٍ، وقالَ الضَّحّاكُ وغَيْرُهُ: نَزَلَتْ في نَفَقَةِ المُشْرِكِينَ الخارِجِينَ إلى بَدْرٍ كانُوا يَنْحَرُونَ يَوْمًا عَشْرًا مِنَ الإبِلِ ويَوْمًا تِسْعًا، وهَذا نَحْوٌ مِنَ القَوْلِ الأوَّلِ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ عَنْ رِجالِهِ: لَمّا رَجَعَ فُلُّ قُرَيْشٍ إلى مَكَّةَ مِن بَدْرٍ، ورَجَعَ أبُو سُفْيانَ بِعِيرِهِ كَلَّمَ أبْناءُ مَن أُصِيبَ بِبَدْرٍ وغَيْرُهم أبا سُفْيانَ، وتُجّارُ العِيرِ في الإعانَةِ بِالمالِ الَّذِي سُلِّمَ لَعَلَّنا نُدْرِكُ (p-٤٩٣)ثَأْرًا لِمَن أُصِيبَ، فَفَعَلُوا فَنَزَلَتْ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ شِهابٍ ومُحَمَّدِ بْنِ يَحْيى بْنِ حَيّانَ، وعاصِمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ قَتادَةَ، والحَصِينِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ، ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مَن شَرَحَ أحْوالَهم في الطّاعاتِ البَدَنِيَّةِ - وهي صَلاتُهم - شَرَحَ حالَهم في الطّاعاتِ المالِيَّةِ - وهي إنْفاقُهم أمْوالَهم لِلصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ - والظّاهِرُ الإخْبارُ عَنِ الكُفّارِ بِأنَّ إنْفاقَهم لَيْسَ في سَبِيلِ اللَّهِ، بَلْ سَبَبُهُ الصَّدُّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَيَنْدَرِجُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ ذُكِرُوا في هَذا العُمُومِ، وقَدْ يَكُونُ اللَّفْظُ عامًّا والسَّبَبُ خاصًّا، والمَعْنى: أنَّ الكُفّارَ يَقْصِدُونَ بِنَفَقَتِهِمُ الصَّدَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وغَلَبَةَ المُؤْمِنِينَ، فَلا يَقَعُ إلّا عَكْسُ ما قَصَدُوا، وهو تَنَدُّمُهم وتَحَسُّرُهم عَلى ذَهابِ أمْوالِهِمْ، ثُمَّ غَلَبَتُهم والتَّمَكُّنُ مِنهم أسْرًا وقَتْلًا وغَنْمًا، والعَطْفُ بِثُمَّ يُقَوِّي أنَّ الحَسْرَةَ في الدُّنْيا؛ وقِيلَ: الحَسْرَةُ في الآخِرَةِ، وفي الآخِرَةِ فَسَيُنْفِقُونَها إلى آخِرِهِ مِنَ الإخْبارِ بِالغُيُوبِ؛ لِأنَّهُ أخْبَرَ بِما يَكُونُ قَبْلَ كَوْنِهِ، ثُمَّ كانَ كَما أخْبَرَ، والإخْبارُ بِسِينِ الِاسْتِقْبالِ يَدُلُّ عَلى إنْفاقٍ مُتَأخِّرٍ عَنْ وقْعَةِ أُحُدٍ وبَدْرٍ، وأنَّ ذَلِكَ إخْبارٌ عَنْ عُلُوِّ الإسْلامِ وغَلَبَةِ أهْلِهِ، وكَذا وقَعَ فَتَحُوا البِلادَ ودَوَّخُوا العِبادَ ومَلَأ الإسْلامُ مُعْظَمَ أقْطارِ الأرْضِ واتَّسَعَتْ هَذِهِ المِلَّةُ اتِّساعًا لَمْ يَكُنْ لِشَيْءٍ مِنَ المِلَلِ السّابِقَةِ.
الأنفال 8:36
﴿وما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ إلّا مُكاءً وتَصْدِيَةً فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ لَمّا نَفى عَنْهم أنْ يَكُونُوا وُلاةَ البَيْتِ ذَكَرَ مِن فِعْلِهِمُ القَبِيحِ ما يُؤَكِّدُ ذَلِكَ، وأنَّ مَن كانَتْ صَلاتُهُ ما ذَكَرَ لا يَسْتَأْهِلُ أنْ يَكُونُوا أوْلِياءَهُ، فالمَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ الَّذِي يَقُومُ مَقامَ صَلاتِهِمْ هو المُكاءُ والتَّصْدِيَةُ، وضَعُوا مَكانَ الصَّلاةِ والتَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ التَّصْفِيرَ والتَّصْفِيقَ، كانُوا يَطُوفُونَ عُراةً، رِجالُهم ونِساؤُهم، مُشَبِّكِينَ بَيْنَ أصابِعِهِمْ يُصَفِّرُونَ ويُصَفِّقُونَ، يَفْعَلُونَ ذَلِكَ إذا قَرَأ الرَّسُولُ ﷺ يَخْلِطُونَ عَلَيْهِ في صَلاتِهِ، ونَظِيرُ هَذا المَعْنى قَوْلُهم: كانَتْ عُقُوبَتُكَ عُزْلَتَكَ، أيِ: القائِمُ مَقامَ العُقُوبَةِ هو العَزْلُ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎وما كُنْتُ أخْشى أنْ يَكُونَ عَطاؤُهُ أداهِمَ سُودًا أوْ مُدَحْرَجَةً سُمْرا
أقامَ مَقامَ العَطاءِ القُيُودَ والسِّياطَ، كَما أقامُوا مَقامَ الصَّلاةِ المُكاءَ والتَّصْدِيَةَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ ذَلِكَ عِبادَةً في ظَنِّهِمْ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمّا نَفى تَعالى ولايَتَهم لِلْبَيْتِ أمْكَنَ أنْ يَعْتَرِضَ مُعْتَرِضٌ بِأنْ يَقُولَ: كَيْفَ لا نَكُونُ أوْلِياءَهُ ونَحْنُ نَسْكُنُهُ ونُصَلِّي عِنْدَهُ فَقَطَعَ اللَّهُ هَذا الِاعْتِراضَ، وما كانَ صَلاتُهم إلّا المُكاءَ والتَّصْدِيَةَ، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ: أنا أفْعَلُ الخَيْرَ، فَيُقالُ لَهُ: ما فِعْلُكَ الخَيْرَ إلّا أنْ تَشْرَبَ الخَمْرَ وتَقْتُلَ، أيْ: هَذِهِ عادَتُكَ وغايَتُكَ، قالَ: والَّذِي مَرَّ بِي مِن أمْرِ العَرَبِ في غَيْرِ ما دِيوانٍ أنَّ المُكاءَ والتَّصْدِيَةَ كانا مِن فِعْلِ العَرَبِ قَدِيمًا قَبْلَ الإسْلامِ عَلى جِهَةِ التَّقَرُّبِ والتَّشَرُّعِ، ورُوِيَ عَنْ بَعْضِ أقْوِياءِ العَرَبِ أنَّهُ (p-٤٩٢)كانَ يَمْكُو عَلى الصَّفا فَيُسْمَعُ مِن جَبَلِ حِراءٍ وبَيْنَهُما أرْبَعَةُ أمْيالٍ، وعَلى هَذا يَسْتَقِيمُ تَعْيِيرُهم وتَنْقِيصُهم بِأنَّ شَرْعَهم وصَلاتَهم وعِبادَتَهم لَمْ تَكُنْ رَهْبَةً ولا رَغْبَةً، إنَّما كانَتْ مُكاءً وتَصْدِيَةً مِن نَوْعِ اللَّعِبِ، ولَكِنَّهم كانُوا يَتَزَيَّدُونَ فِيها وقْتَ قِراءَةِ النَّبِيِّ ﷺ لِيَشْغَلُوهُ وأمَتَّهُ عَنِ القِراءَةِ والصَّلاةِ، قالَ ابْنُ عُمَرَ ومُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: والمُكاءُ: الصَّفِيرُ، والتَّصْدِيَةُ: التَّصْفِيقُ، وعَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا: المُكاءُ إدْخالُهم أصابِعَهم في أفْواهِهِمْ، والتَّصْدِيَةُ الصَّفِيرُ، والصَّفِيرُ بِالفَمِ، وقَدْ يَكُونُ بِالأصابِعِ والكَفِّ في الفَمِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وأبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وقَدْ يُشارِكُ الأنْفُ، يُرِيدُونَ أنْ يَشْغَلُوا بِذَلِكَ الرَّسُولَ عَنِ الصَّلاةِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ زَيْدٍ: التَّصْدِيَةُ صَدُّهم عَنِ البَيْتِ، وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: إنَّ صَلاتَهم ودُعاءَهم غَيْرُ رادِّينَ عَلَيْهِمْ ثَوابًا إلّا كَما يُجِيبُ الصَّدى الصّائِحَ، فَتَلَخَّصَ في مَعْنى الآيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: ما ظاهِرُهُ أنَّ الكُفّارَ كانَتْ لَهم صَلاةٌ وتَعَبُّدٌ، وذَلِكَ هو المُكاءُ والتَّصْدِيَةُ، والثّانِي: أنَّهُ كانَتْ لَهم صَلاةٌ ولا جَدْوى لَها ولا ثَوابَ، فَجُعِلَتْ كَأنَّها أصْواتُ الصَّدا حَيْثُ لَها حَقِيقَةٌ، والثّالِثُ: أنَّهُ لا صَلاةَ لَهم لَكِنَّهم أقامُوا مَقامَها المُكاءَ والتَّصْدِيَةَ، وقالَ بَعْضُ شُيُوخِنا: أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ عَلى أنَّ الصَّلاةَ هُنا هي الطَّوافُ، وقَدْ سَمّاهُ الرَّسُولُ ﷺ صَلاةً، وقَرَأ أبانُ بْنُ تَغْلِبَ وعاصِمٌ والأعْمَشُ بِخِلافٍ عَنْهُما (صَلاتَهم) بِالنَّصْبِ (إلّا مُكاءٌ وتَصْدِيَةٌ) بِالرَّفْعِ، وخَطَّأ قَوْمٌ مِنهم أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ هَذِهِ القِراءَةَ لِجَعْلِ المَعْرِفَةِ خَبَرًا والنَّكِرَةِ اسْمًا، قالُوا: ولا يَجُوزُ ذَلِكَ إلّا في ضَرُورَةٍ، كَقَوْلِهِ:
؎يَكُونُ مِزاجَها عَسَلٌ وماءُ
وخَرَّجَها أبُو الفَتْحِ عَلى أنَّ المُكاءَ والتَّصْدِيَةَ اسْمُ جِنْسٍ، واسْمُ الجِنْسِ تَعْرِيفُهُ وتَنْكِيرُهُ واحِدٌ، انْتَهى، وهو نَظِيرُ قَوْلِ مَن جَعَلَ نَسْلَخُ صِفَةً لِلَّيْلِ في قَوْلِهِ: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ﴾ [يس: ٣٧] ويَسُبُّنِي صِفَةً لِلَّئِيمِ في قَوْلِهِ:
؎ولَقَدْ أمُرُّ عَلى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو فِيما رُوِيَ عَنْهُ: إلّا مُكًا، بِالقَصْرِ مُنَوَّنًا، فَمَن مَدَّ فَكالثُّغاءِ والرُّغاءِ، ومَن قَصَرَ فَكالبُكا في لُغَةِ مَن قَصَرَ، والعَذابُ في قَوْلِهِ: فَذُوقُوا العَذابَ، قِيلَ هو في الآخِرَةِ؛ وقِيلَ: هو قَتْلُهم وأخْذُ غَنائِمِهِمْ بِبَدْرٍ وأسْرُهم، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَيَلْزَمُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ الأخِيرَةُ نَزَلَتْ بَعْدَ بَدْرٍ ولا بُدَّ، والأشْبَهُ أنَّ الكُلَّ بَعْدَ بَدْرٍ حِكايَةٌ عَنْ ماضٍ، وكَوْنُ عَذابِهِمْ بِالقَتْلِ يَوْمَ بَدْرٍ هو قَوْلُ الحَسَنِ والضَّحّاكِ وابْنِ جُرَيْجٍ.
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ قالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في المُطْعِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا: أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ وعُتْبَةُ وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ ونُبَيْهٌ ومُنَبَّهٌ ابْنا حَجّاجٍ وأبُو البَحْتَرِيِّ بْنُ هِشامٍ والنَّضْرُ بْنُ الحارِثِ وحَكِيمُ بْنُ حِزامٍ وأُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ وزَمْعَةُ بْنُ الأسْوَدِ والحارِثُ بْنُ عامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ والعَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وكُلُّهم مِن قُرَيْشٍ، وكانَ يُطْعِمُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم كُلَّ يَوْمٍ عَشْرَ جَزائِرَ، وقالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ وابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ أبْزى: نَزَلَتْ في أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ اسْتَأْجَرَ يَوْمَ أُحُدٍ ألْفَيْنِ مِنَ الأحابِيشِ يُقاتِلُ بِهِمُ النَّبِيَّ ﷺ سِوى مَنِ اسْتَجاشَ مِنَ العَرَبِ، وفِيهِمْ يَقُولُ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ:
؎فَجِئْنا إلى مَوْجٍ مِنَ البَحْرِ وسْطُهُ ∗∗∗ أحابِيشُ مِنهم حاسِرٌ ومُقَنَّعُ
؎ثَلاثَةُ آلافٍ ونَحْنُ بَقِيَّةُ ∗∗∗ ثَلاثِ مِئِينَ إنْ كَثُرْنا وأرْبَعُ
وقالَ الحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ: أنْفَقَ عَلى الأحابِيشِ وغَيْرِهِمْ أرْبَعِينَ أُوقِيَّةً مِن ذَهَبٍ، وقالَ الضَّحّاكُ وغَيْرُهُ: نَزَلَتْ في نَفَقَةِ المُشْرِكِينَ الخارِجِينَ إلى بَدْرٍ كانُوا يَنْحَرُونَ يَوْمًا عَشْرًا مِنَ الإبِلِ ويَوْمًا تِسْعًا، وهَذا نَحْوٌ مِنَ القَوْلِ الأوَّلِ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ عَنْ رِجالِهِ: لَمّا رَجَعَ فُلُّ قُرَيْشٍ إلى مَكَّةَ مِن بَدْرٍ، ورَجَعَ أبُو سُفْيانَ بِعِيرِهِ كَلَّمَ أبْناءُ مَن أُصِيبَ بِبَدْرٍ وغَيْرُهم أبا سُفْيانَ، وتُجّارُ العِيرِ في الإعانَةِ بِالمالِ الَّذِي سُلِّمَ لَعَلَّنا نُدْرِكُ (p-٤٩٣)ثَأْرًا لِمَن أُصِيبَ، فَفَعَلُوا فَنَزَلَتْ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ شِهابٍ ومُحَمَّدِ بْنِ يَحْيى بْنِ حَيّانَ، وعاصِمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ قَتادَةَ، والحَصِينِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ، ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مَن شَرَحَ أحْوالَهم في الطّاعاتِ البَدَنِيَّةِ - وهي صَلاتُهم - شَرَحَ حالَهم في الطّاعاتِ المالِيَّةِ - وهي إنْفاقُهم أمْوالَهم لِلصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ - والظّاهِرُ الإخْبارُ عَنِ الكُفّارِ بِأنَّ إنْفاقَهم لَيْسَ في سَبِيلِ اللَّهِ، بَلْ سَبَبُهُ الصَّدُّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَيَنْدَرِجُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ ذُكِرُوا في هَذا العُمُومِ، وقَدْ يَكُونُ اللَّفْظُ عامًّا والسَّبَبُ خاصًّا، والمَعْنى: أنَّ الكُفّارَ يَقْصِدُونَ بِنَفَقَتِهِمُ الصَّدَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وغَلَبَةَ المُؤْمِنِينَ، فَلا يَقَعُ إلّا عَكْسُ ما قَصَدُوا، وهو تَنَدُّمُهم وتَحَسُّرُهم عَلى ذَهابِ أمْوالِهِمْ، ثُمَّ غَلَبَتُهم والتَّمَكُّنُ مِنهم أسْرًا وقَتْلًا وغَنْمًا، والعَطْفُ بِثُمَّ يُقَوِّي أنَّ الحَسْرَةَ في الدُّنْيا؛ وقِيلَ: الحَسْرَةُ في الآخِرَةِ، وفي الآخِرَةِ فَسَيُنْفِقُونَها إلى آخِرِهِ مِنَ الإخْبارِ بِالغُيُوبِ؛ لِأنَّهُ أخْبَرَ بِما يَكُونُ قَبْلَ كَوْنِهِ، ثُمَّ كانَ كَما أخْبَرَ، والإخْبارُ بِسِينِ الِاسْتِقْبالِ يَدُلُّ عَلى إنْفاقٍ مُتَأخِّرٍ عَنْ وقْعَةِ أُحُدٍ وبَدْرٍ، وأنَّ ذَلِكَ إخْبارٌ عَنْ عُلُوِّ الإسْلامِ وغَلَبَةِ أهْلِهِ، وكَذا وقَعَ فَتَحُوا البِلادَ ودَوَّخُوا العِبادَ ومَلَأ الإسْلامُ مُعْظَمَ أقْطارِ الأرْضِ واتَّسَعَتْ هَذِهِ المِلَّةُ اتِّساعًا لَمْ يَكُنْ لِشَيْءٍ مِنَ المِلَلِ السّابِقَةِ.
الأنفال 8:37
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٦] ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ويَجْعَلَ الخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ في جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ هَذا إخْبارٌ بِما يَؤُولُ إلَيْهِ حالُ الكُفّارِ في الآخِرَةِ مِن حَشْرِهِمْ إلى جَهَنَّمَ إذْ أخْبَرَ بِما آلَ إلَيْهِ حالُهم في الدُّنْيا مِن حَسْرَتِهِمْ وكَوْنِهِمْ مَغْلُوبِينَ، ومَعْنى قَوْلِهِ: والَّذِينَ كَفَرُوا، مَن وافى عَلى الكُفْرِ، وأعادَ الظّاهِرَ لِأنَّ مَن أنْفَقَ مالَهُ مِنَ الكُفّارِ أسْلَمَ مِنهم جَماعَةٌ، ولامُ لِيَمِيزَ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ يُحْشَرُونَ، والخَبِيثُ والطَّيِّبُ وصْفانِ يَصْلُحانِ لِلْآدَمِيِّينَ ولِلْمالِ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُهُما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمْ﴾ [الأنفال: ٣٦]، فَمِنَ المُفَسِّرِينَ مَن تَأوَّلَ الخَبِيثَ والطَّيِّبَ عَلى الآدَمِيِّينَ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِيَمِيزَ أهْلَ السَّعادَةِ مِن أهْلِ الشَّقاوَةِ، ونَحْوُهُ قالَ السُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ، قالا: أرادَ المُؤْمِنَ مِنَ الكُفّارِ وتَحْرِيرَهُ لِيَمِيزَ أهْلَ الشَّقاوَةِ مِن أهْلِ السَّعادَةِ والكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ، وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: الفَرِيقَ الخَبِيثَ مِنَ الكُفّارِ مِنَ الفَرِيقِ الطَّيِّبِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ومَعْنى جَعْلِ الخَبِيثِ بَعْضِهِ عَلى بَعْضٍ ورَكْمِهِ ضَمُّهُ وجَمْعُهُ حَتّى لا يُفْلِتَ مِنهم أحَدٌ، واحْتَمَلَ الجَعْلُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ التَّصْيِيرِ ومِن بابِ الإلْقاءِ، وقالَ ابْنُ القُشَيْرِيِّ: لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطِّيبِ بِتَأْخِيرِ عَذابِ كُفّارِ هَذِهِ الأُمَّةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ لِيَسْتَخْرِجَ المُؤْمِنِينَ مِن أصْلابِ الكُفّارِ، انْتَهى، فَعَلى ما سَبَقَ يَكُونُ التَّمْيِيزُ في الآخِرَةِ، وعَلى القَوْلِ الأخِيرِ يَكُونُ في الدُّنْيا، ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن تَأوَّلَ الخَبِيثَ والطَّيِّبَ عَلى الأمْوالِ، فَقالَ ابْنُ سَلامٍ والزَّجّاجُ: المَعْنِيُّ بِالخَبِيثِ المالُ الَّذِي أنْفَقَهُ المُشْرِكُونَ كَمالِ أبِي سُفْيانَ وأبِي جَهْلٍ وغَيْرِهِما المُنْفَقِ في عَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والإعانَةُ عَلَيْهِ في الصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، والطَّيِّبُ هو ما أنْفَقَهُ المُؤْمِنُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ، كَمالِ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ، ولامُ لِيَمِيزَ عَلى هَذا مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: يُغْلَبُونَ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ: ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً، والمَعْنى: لِيَمِيزَ اللَّهُ الفَرْقَ بَيْنَ الخَبِيثِ والطَّيِّبِ، فَيَخْذُلَ أهْلَ الخَبِيثِ ويَنْصُرَ أهْلَ الطَّيِّبِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿فَيَجْعَلَهُ في جَهَنَّمَ﴾ مِن جُمْلَةِ ما يُعَذَّبُونَ بِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ﴾ [التوبة: ٣٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٥]، قالَهُ الحَسَنُ، وقِيلَ: الخَبِيثُ ما أُنْفِقَ في المَعاصِي، والطَّيِّبُ ما أُنْفِقَ في الطّاعاتِ، وقِيلَ: المالُ الحَرامُ مِنَ المالِ الحَلالِ، وقِيلَ: ما لَمْ تُؤَدَّ زَكاتُهُ مِنَ الَّذِي أُدِّيَتْ زَكاتُهُ، وقِيلَ: هو عامٌّ في الأعْمالِ السَّيِّئَةِ، ورَكْمُها خَتْمُها وجَعْلُها قَلائِدَ في أعْناقِ عُمّالِها في النّارِ، ولِكَثْرَتِها جَعَلَ بَعْضَها فَوْقَ بَعْضٍ، وإنْ كانَ المَعْنِيُّ بِالخَبِيثِ الأمْوالَ الَّتِي أنْفَقُوها في حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقِيلَ: (p-٤٩٤)الفائِدَةُ في إلْقائِها في النّارِ أنَّها لَمّا كانَتْ عَزِيزَةً في أنْفُسِها عَظِيمَةً بَيْنَهم، ألْقاها اللَّهُ في النّارِ لِيُرِيَهم هَوانَها كَما تُلْقى الشَّمْسُ والقَمَرُ في النّارِ لِيَرى مَن عَبَدَهُما ذُلَّهُما وصَغارَهُما، والَّذِي يَظْهَرُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ هو الأوَّلُ، وهو أنْ يَكُونَ المُرادَ بِالخَبِيثِ الكُفّارُ، وبِالطَّيِّبِ المُؤْمِنُونَ، إذِ الكُفّارُ أُولاهُمُ المُحَدَّثُ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمْ﴾ [الأنفال: ٣٦]، وقَوْلِهِ: ﴿فَسَيُنْفِقُونَها﴾ [الأنفال: ٣٦]، وبِقَوْلِهِ: ﴿إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٦]، وأُخْراهُمُ المُشارُ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾، ولَمّا كانَ تَغَلُّبُ الإنْسانِ في مالِهِ وتَصَرُّفُهُ فِيهِ يَرْجُو بِذَلِكَ حُصُولَ الرِّبْحِ لَهُ، أخْبَرَ تَعالى أنَّ هَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا في إنْفاقِهِمْ، وأخْفَقَتْ صَفْقَتُهم حَيْثُ بَذَلَ أعَزَّ ما عِنْدَهُ في مُقابَلَةِ عَذابِ اللَّهِ، ولا خُسْرانَ أعْظَمُ مِن هَذا، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الخِلافِ في قِراءَةِ: لِيَمِيزَ، في قَوْلِهِ: حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ، ويُقالَ: مَيَّزْتُهُ فَتَمَيَّزَ ومَيَّزْتُهُ فانْمازَ، حَكاهُ يَعْقُوبُ، وفي الشّاذِّ (وانْمازُوا اليَوْمَ) وأنْشَدَ أبُو زَيْدٍ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎لَمّا ثَنى اللَّهُ عَنِّي شَرَّ عُذْرَتِهِ وانْمَزْتُ لا مُنْسِئًا دَعْرًا ولا رَجُلا
﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ لَمّا ذَكَرَ ما يَحِلُّ بِهِمْ مِن حَشْرِهِمْ إلى النّارِ، وجَعْلِهِمْ فِيها وخُسْرِهِمْ تَلَطَّفَ بِهِمْ، وأنَّهم إذا انْتَهَوْا عَنِ الكُفْرِ وآمَنُوا غُفِرَتْ لَهم ذُنُوبُهُمُ السّالِفَةُ، ولَيْسَ ثَمَّ ما يَتَرَتَّبُ عَلى الِانْتِهاءِ عَنْهُ غُفْرانُ الذُّنُوبِ سِوى الكُفْرِ، فَلِذَلِكَ كانَ المَعْنى: إنْ يَنْتَهُوا عَنِ الكُفْرِ، واللّامُ في لِلَّذِينَ الظّاهِرُ أنَّها لِلتَّبْلِيغِ، وأنَّهُ أمْرٌ أنْ يَقُولَ لَهم هَذا المَعْنى الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ ألْفاظُ الجُمْلَةِ المَحْكِيَّةِ بِالقَوْلِ، وسَواءٌ قالَهُ بِهَذِهِ العِبارَةِ أمْ غَيْرِها، وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ اللّامَ لامَ العِلَّةِ، فَقالَ: أيْ قُلْ لِأجْلِهِمْ هَذا القَوْلَ: إنْ يَنْتَهُوا، ولَوْ كانَ بِمَعْنى خاطِبْهم بِهِ لَقِيلَ: إنْ تَنْتَهُوا نَغْفِرْ لَكم، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، ونَحْوُهُ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١] خاطَبُوا بِهِ غَيْرَهم لِيَسْمَعُوهُ، انْتَهى، وقُرِئَ يَغْفِرْ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ والضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى.
﴿وإنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ . العَوْدُ يَقْتَضِي الرُّجُوعَ إلى شَيْءٍ سابِقٍ، ولا يَكُونُ الكُفْرَ لِأنَّهم لَمْ يَنْفَصِلُوا عَنْهُ، فالمَعْنى عَوْدُهم إلى ما أمْكَنَ انْفِصالُهم مِنهُ، وهو قِتالُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقِيلَ: وإنْ يَعُودُوا إلى الِارْتِدادِ بَعْدَ الإسْلامِ، وبِهِ فَسَّرَ أبُو حَنِيفَةَ وإنْ يَعُودُوا، واحْتَجَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ المُرْتَدَّ إذا أسْلَمَ فَلا يَلْزَمُهُ قَضاءُ العِباداتِ المَتْرُوكَةِ في حالِ الرِّدَّةِ وقَبْلَها، وأجْمَعُوا عَلى أنَّ الحَرْبِيَّ إذا أسْلَمَ لَمْ تَبْقَ عَلَيْهِ تَبِعَةٌ، وأمّا إذا أسْلَمَ الذِّمِّيُّ فَيَلْزَمُهُ قَضاءُ حُقُوقِ الآدَمِيِّينَ لا حُقُوقِ اللَّهِ تَعالى، والظّاهِرُ دُخُولُ الزِّنْدِيقِ في عُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾، فَتُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، وهو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ والشّافِعِيِّ، وقالَ مالِكٌ: لا تُقْبَلُ، وقالَ يَحْيى بْنُ مُعاذٍ الرّازِيُّ: التَّوْحِيدُ لا يَعْجِزُ عَنْ هَدْمِ ما قَبْلَهُ مِن كُفْرٍ، فَلا يَعْجِزُ عَنْ هَدْمِ ما بَعْدَهُ مِن ذَنْبٍ، وجَوابُ الشَّرْطِ قالُوا: ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾، ولا يَصِحُّ ذَلِكَ عَلى ظاهِرِهِ، بَلْ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى الجَوابِ، والتَّقْدِيرُ: وإنْ يَعُودُوا انْتَقَمْنا مِنهم وأهْلَكْناهم فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ في أنّا انْتَقَمْنا مِنهم وأهْلَكْناهم بِتَكْذِيبِ أنْبِيائِهِمْ وكُفْرِهِمْ، ويُحْتَمَلُ ﴿سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ أنْ يُرادَ بِها سُنَّةُ الَّذِينَ حاقَ بِهِمْ مَكْرُهم يَوْمَ بَدْرٍ، وسُنَّةُ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى أنْبِيائِهِمْ فَدُمِّرُوا فَلْيَتَوَقَّعُوا مِثْلَ ذَلِكَ، وتَخْوِيفُهم بِقِصَّةِ بَدْرٍ أشَدُّ إذْ هي قَرِيبَةٌ مُعايِنَةٌ لَهم، وعَلَيْها نَصَّ السُّدِّيُّ وابْنُ إسْحاقَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِقَوْلِهِ سُنَّةُ الأوَّلِينَ مَن تَقَدَّمَ مِن أهْلِ بَدْرٍ (p-٤٩٥)والأُمَمِ السّالِفَةِ، والمَعْنى: فَقَدْ عايَنْتُمْ قِصَّةَ بَدْرٍ وسَمِعْتُمْ ما حَلَّ بِهِمْ.
الأنفال 8:38
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٦] ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ويَجْعَلَ الخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ في جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ هَذا إخْبارٌ بِما يَؤُولُ إلَيْهِ حالُ الكُفّارِ في الآخِرَةِ مِن حَشْرِهِمْ إلى جَهَنَّمَ إذْ أخْبَرَ بِما آلَ إلَيْهِ حالُهم في الدُّنْيا مِن حَسْرَتِهِمْ وكَوْنِهِمْ مَغْلُوبِينَ، ومَعْنى قَوْلِهِ: والَّذِينَ كَفَرُوا، مَن وافى عَلى الكُفْرِ، وأعادَ الظّاهِرَ لِأنَّ مَن أنْفَقَ مالَهُ مِنَ الكُفّارِ أسْلَمَ مِنهم جَماعَةٌ، ولامُ لِيَمِيزَ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ يُحْشَرُونَ، والخَبِيثُ والطَّيِّبُ وصْفانِ يَصْلُحانِ لِلْآدَمِيِّينَ ولِلْمالِ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُهُما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمْ﴾ [الأنفال: ٣٦]، فَمِنَ المُفَسِّرِينَ مَن تَأوَّلَ الخَبِيثَ والطَّيِّبَ عَلى الآدَمِيِّينَ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِيَمِيزَ أهْلَ السَّعادَةِ مِن أهْلِ الشَّقاوَةِ، ونَحْوُهُ قالَ السُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ، قالا: أرادَ المُؤْمِنَ مِنَ الكُفّارِ وتَحْرِيرَهُ لِيَمِيزَ أهْلَ الشَّقاوَةِ مِن أهْلِ السَّعادَةِ والكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ، وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: الفَرِيقَ الخَبِيثَ مِنَ الكُفّارِ مِنَ الفَرِيقِ الطَّيِّبِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ومَعْنى جَعْلِ الخَبِيثِ بَعْضِهِ عَلى بَعْضٍ ورَكْمِهِ ضَمُّهُ وجَمْعُهُ حَتّى لا يُفْلِتَ مِنهم أحَدٌ، واحْتَمَلَ الجَعْلُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ التَّصْيِيرِ ومِن بابِ الإلْقاءِ، وقالَ ابْنُ القُشَيْرِيِّ: لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطِّيبِ بِتَأْخِيرِ عَذابِ كُفّارِ هَذِهِ الأُمَّةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ لِيَسْتَخْرِجَ المُؤْمِنِينَ مِن أصْلابِ الكُفّارِ، انْتَهى، فَعَلى ما سَبَقَ يَكُونُ التَّمْيِيزُ في الآخِرَةِ، وعَلى القَوْلِ الأخِيرِ يَكُونُ في الدُّنْيا، ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن تَأوَّلَ الخَبِيثَ والطَّيِّبَ عَلى الأمْوالِ، فَقالَ ابْنُ سَلامٍ والزَّجّاجُ: المَعْنِيُّ بِالخَبِيثِ المالُ الَّذِي أنْفَقَهُ المُشْرِكُونَ كَمالِ أبِي سُفْيانَ وأبِي جَهْلٍ وغَيْرِهِما المُنْفَقِ في عَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والإعانَةُ عَلَيْهِ في الصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، والطَّيِّبُ هو ما أنْفَقَهُ المُؤْمِنُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ، كَمالِ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ، ولامُ لِيَمِيزَ عَلى هَذا مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: يُغْلَبُونَ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ: ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً، والمَعْنى: لِيَمِيزَ اللَّهُ الفَرْقَ بَيْنَ الخَبِيثِ والطَّيِّبِ، فَيَخْذُلَ أهْلَ الخَبِيثِ ويَنْصُرَ أهْلَ الطَّيِّبِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿فَيَجْعَلَهُ في جَهَنَّمَ﴾ مِن جُمْلَةِ ما يُعَذَّبُونَ بِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ﴾ [التوبة: ٣٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٥]، قالَهُ الحَسَنُ، وقِيلَ: الخَبِيثُ ما أُنْفِقَ في المَعاصِي، والطَّيِّبُ ما أُنْفِقَ في الطّاعاتِ، وقِيلَ: المالُ الحَرامُ مِنَ المالِ الحَلالِ، وقِيلَ: ما لَمْ تُؤَدَّ زَكاتُهُ مِنَ الَّذِي أُدِّيَتْ زَكاتُهُ، وقِيلَ: هو عامٌّ في الأعْمالِ السَّيِّئَةِ، ورَكْمُها خَتْمُها وجَعْلُها قَلائِدَ في أعْناقِ عُمّالِها في النّارِ، ولِكَثْرَتِها جَعَلَ بَعْضَها فَوْقَ بَعْضٍ، وإنْ كانَ المَعْنِيُّ بِالخَبِيثِ الأمْوالَ الَّتِي أنْفَقُوها في حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقِيلَ: (p-٤٩٤)الفائِدَةُ في إلْقائِها في النّارِ أنَّها لَمّا كانَتْ عَزِيزَةً في أنْفُسِها عَظِيمَةً بَيْنَهم، ألْقاها اللَّهُ في النّارِ لِيُرِيَهم هَوانَها كَما تُلْقى الشَّمْسُ والقَمَرُ في النّارِ لِيَرى مَن عَبَدَهُما ذُلَّهُما وصَغارَهُما، والَّذِي يَظْهَرُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ هو الأوَّلُ، وهو أنْ يَكُونَ المُرادَ بِالخَبِيثِ الكُفّارُ، وبِالطَّيِّبِ المُؤْمِنُونَ، إذِ الكُفّارُ أُولاهُمُ المُحَدَّثُ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمْ﴾ [الأنفال: ٣٦]، وقَوْلِهِ: ﴿فَسَيُنْفِقُونَها﴾ [الأنفال: ٣٦]، وبِقَوْلِهِ: ﴿إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٦]، وأُخْراهُمُ المُشارُ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾، ولَمّا كانَ تَغَلُّبُ الإنْسانِ في مالِهِ وتَصَرُّفُهُ فِيهِ يَرْجُو بِذَلِكَ حُصُولَ الرِّبْحِ لَهُ، أخْبَرَ تَعالى أنَّ هَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا في إنْفاقِهِمْ، وأخْفَقَتْ صَفْقَتُهم حَيْثُ بَذَلَ أعَزَّ ما عِنْدَهُ في مُقابَلَةِ عَذابِ اللَّهِ، ولا خُسْرانَ أعْظَمُ مِن هَذا، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الخِلافِ في قِراءَةِ: لِيَمِيزَ، في قَوْلِهِ: حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ، ويُقالَ: مَيَّزْتُهُ فَتَمَيَّزَ ومَيَّزْتُهُ فانْمازَ، حَكاهُ يَعْقُوبُ، وفي الشّاذِّ (وانْمازُوا اليَوْمَ) وأنْشَدَ أبُو زَيْدٍ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎لَمّا ثَنى اللَّهُ عَنِّي شَرَّ عُذْرَتِهِ وانْمَزْتُ لا مُنْسِئًا دَعْرًا ولا رَجُلا
﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ لَمّا ذَكَرَ ما يَحِلُّ بِهِمْ مِن حَشْرِهِمْ إلى النّارِ، وجَعْلِهِمْ فِيها وخُسْرِهِمْ تَلَطَّفَ بِهِمْ، وأنَّهم إذا انْتَهَوْا عَنِ الكُفْرِ وآمَنُوا غُفِرَتْ لَهم ذُنُوبُهُمُ السّالِفَةُ، ولَيْسَ ثَمَّ ما يَتَرَتَّبُ عَلى الِانْتِهاءِ عَنْهُ غُفْرانُ الذُّنُوبِ سِوى الكُفْرِ، فَلِذَلِكَ كانَ المَعْنى: إنْ يَنْتَهُوا عَنِ الكُفْرِ، واللّامُ في لِلَّذِينَ الظّاهِرُ أنَّها لِلتَّبْلِيغِ، وأنَّهُ أمْرٌ أنْ يَقُولَ لَهم هَذا المَعْنى الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ ألْفاظُ الجُمْلَةِ المَحْكِيَّةِ بِالقَوْلِ، وسَواءٌ قالَهُ بِهَذِهِ العِبارَةِ أمْ غَيْرِها، وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ اللّامَ لامَ العِلَّةِ، فَقالَ: أيْ قُلْ لِأجْلِهِمْ هَذا القَوْلَ: إنْ يَنْتَهُوا، ولَوْ كانَ بِمَعْنى خاطِبْهم بِهِ لَقِيلَ: إنْ تَنْتَهُوا نَغْفِرْ لَكم، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، ونَحْوُهُ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١] خاطَبُوا بِهِ غَيْرَهم لِيَسْمَعُوهُ، انْتَهى، وقُرِئَ يَغْفِرْ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ والضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى.
﴿وإنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ . العَوْدُ يَقْتَضِي الرُّجُوعَ إلى شَيْءٍ سابِقٍ، ولا يَكُونُ الكُفْرَ لِأنَّهم لَمْ يَنْفَصِلُوا عَنْهُ، فالمَعْنى عَوْدُهم إلى ما أمْكَنَ انْفِصالُهم مِنهُ، وهو قِتالُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقِيلَ: وإنْ يَعُودُوا إلى الِارْتِدادِ بَعْدَ الإسْلامِ، وبِهِ فَسَّرَ أبُو حَنِيفَةَ وإنْ يَعُودُوا، واحْتَجَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ المُرْتَدَّ إذا أسْلَمَ فَلا يَلْزَمُهُ قَضاءُ العِباداتِ المَتْرُوكَةِ في حالِ الرِّدَّةِ وقَبْلَها، وأجْمَعُوا عَلى أنَّ الحَرْبِيَّ إذا أسْلَمَ لَمْ تَبْقَ عَلَيْهِ تَبِعَةٌ، وأمّا إذا أسْلَمَ الذِّمِّيُّ فَيَلْزَمُهُ قَضاءُ حُقُوقِ الآدَمِيِّينَ لا حُقُوقِ اللَّهِ تَعالى، والظّاهِرُ دُخُولُ الزِّنْدِيقِ في عُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾، فَتُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، وهو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ والشّافِعِيِّ، وقالَ مالِكٌ: لا تُقْبَلُ، وقالَ يَحْيى بْنُ مُعاذٍ الرّازِيُّ: التَّوْحِيدُ لا يَعْجِزُ عَنْ هَدْمِ ما قَبْلَهُ مِن كُفْرٍ، فَلا يَعْجِزُ عَنْ هَدْمِ ما بَعْدَهُ مِن ذَنْبٍ، وجَوابُ الشَّرْطِ قالُوا: ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾، ولا يَصِحُّ ذَلِكَ عَلى ظاهِرِهِ، بَلْ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى الجَوابِ، والتَّقْدِيرُ: وإنْ يَعُودُوا انْتَقَمْنا مِنهم وأهْلَكْناهم فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ في أنّا انْتَقَمْنا مِنهم وأهْلَكْناهم بِتَكْذِيبِ أنْبِيائِهِمْ وكُفْرِهِمْ، ويُحْتَمَلُ ﴿سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ أنْ يُرادَ بِها سُنَّةُ الَّذِينَ حاقَ بِهِمْ مَكْرُهم يَوْمَ بَدْرٍ، وسُنَّةُ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى أنْبِيائِهِمْ فَدُمِّرُوا فَلْيَتَوَقَّعُوا مِثْلَ ذَلِكَ، وتَخْوِيفُهم بِقِصَّةِ بَدْرٍ أشَدُّ إذْ هي قَرِيبَةٌ مُعايِنَةٌ لَهم، وعَلَيْها نَصَّ السُّدِّيُّ وابْنُ إسْحاقَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِقَوْلِهِ سُنَّةُ الأوَّلِينَ مَن تَقَدَّمَ مِن أهْلِ بَدْرٍ (p-٤٩٥)والأُمَمِ السّالِفَةِ، والمَعْنى: فَقَدْ عايَنْتُمْ قِصَّةَ بَدْرٍ وسَمِعْتُمْ ما حَلَّ بِهِمْ.
الأنفال 8:39
﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، وهُنا زِيادَةُ (كُلُّهُ) تَوْكِيدًا لِلدِّينِ. وقَرَأ الأعْمَشُ: ويَكُونُ، بِرَفْعِ النُّونِ والجُمْهُورُ بِنَصْبِها.
﴿فَإنِ انْتَهَوْا فَإنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، أيْ: فَإنِ انْتَهَوْا عَنِ الكُفْرِ، ومَعْنى بَصِيرٌ بِإيمانِهِمْ فَيُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ ويُثِيبُهم، وقَرَأ الحَسَنُ ويَعْقُوبُ وسَلّامُ بْنُ سُلَيْمانَ (بِما تَعْمَلُونَ) بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ لِمَن أُمِرُوا بِالمُقاتَلَةِ، أيْ: بِما تَعْمَلُونَ مِنَ الجِهادِ في سَبِيلِهِ والدُّعاءِ إلى دِينِهِ بَصِيرٌ يُجازِيكم عَلَيْهِ أحْسَنَ الجَزاءِ.
﴿وإنْ تَوَلَّوْا فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَوْلاكم نِعْمَ المَوْلى ونِعْمَ النَّصِيرُ﴾، أيْ: مُوالِيكم ومُعِينُكم، وهَذا وعْدٌ صَرِيحٌ بِالظَّفَرِ والنَّصْرِ، والأعْرَقُ في الفَصاحَةِ أنْ يَكُونَ مَوْلاكم خَبَرَ إنَّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفَ بَيانٍ والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرَ إنَّ، والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ، أيِ: اللَّهُ أوْ هو، والمَعْنى: فَثِقُوا بِمُوالاتِهِ ونُصْرَتِهِ، واسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: وقاتِلُوهم، عَلى وُجُوبِ قِتالِ أصْنافِ أهْلِ الكُفْرِ إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، وهم أهْلُ الكِتابِ والمَجُوسُ، فَإنَّهم يُقِرُّونَ بِالجِزْيَةِ، وإنَّهُ لا يُقَرُّ سائِرُ الكُفّارِ عَلى دِينِهِمْ بِالذِّمَّةِ إلّا هَؤُلاءِ الثَّلاثَةَ لِقِيامِ الدَّلِيلِ عَلى جَوازِ إقْرارِها بِالجِزْيَةِ.
الأنفال 8:40
﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، وهُنا زِيادَةُ (كُلُّهُ) تَوْكِيدًا لِلدِّينِ. وقَرَأ الأعْمَشُ: ويَكُونُ، بِرَفْعِ النُّونِ والجُمْهُورُ بِنَصْبِها.
﴿فَإنِ انْتَهَوْا فَإنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، أيْ: فَإنِ انْتَهَوْا عَنِ الكُفْرِ، ومَعْنى بَصِيرٌ بِإيمانِهِمْ فَيُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ ويُثِيبُهم، وقَرَأ الحَسَنُ ويَعْقُوبُ وسَلّامُ بْنُ سُلَيْمانَ (بِما تَعْمَلُونَ) بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ لِمَن أُمِرُوا بِالمُقاتَلَةِ، أيْ: بِما تَعْمَلُونَ مِنَ الجِهادِ في سَبِيلِهِ والدُّعاءِ إلى دِينِهِ بَصِيرٌ يُجازِيكم عَلَيْهِ أحْسَنَ الجَزاءِ.
﴿وإنْ تَوَلَّوْا فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَوْلاكم نِعْمَ المَوْلى ونِعْمَ النَّصِيرُ﴾، أيْ: مُوالِيكم ومُعِينُكم، وهَذا وعْدٌ صَرِيحٌ بِالظَّفَرِ والنَّصْرِ، والأعْرَقُ في الفَصاحَةِ أنْ يَكُونَ مَوْلاكم خَبَرَ إنَّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفَ بَيانٍ والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرَ إنَّ، والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ، أيِ: اللَّهُ أوْ هو، والمَعْنى: فَثِقُوا بِمُوالاتِهِ ونُصْرَتِهِ، واسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: وقاتِلُوهم، عَلى وُجُوبِ قِتالِ أصْنافِ أهْلِ الكُفْرِ إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، وهم أهْلُ الكِتابِ والمَجُوسُ، فَإنَّهم يُقِرُّونَ بِالجِزْيَةِ، وإنَّهُ لا يُقَرُّ سائِرُ الكُفّارِ عَلى دِينِهِمْ بِالذِّمَّةِ إلّا هَؤُلاءِ الثَّلاثَةَ لِقِيامِ الدَّلِيلِ عَلى جَوازِ إقْرارِها بِالجِزْيَةِ.