Lafzullah

Al-Bahr Al-Muhit — الأعراف 7:161 – الأعراف 7:203

المؤلف / المصدر: Al-Bahr Al-Muhit

المحتويات
  1. الأعراف 7:161
  2. الأعراف 7:162
  3. الأعراف 7:163
  4. الأعراف 7:164
  5. الأعراف 7:165
  6. الأعراف 7:166
  7. الأعراف 7:167
  8. الأعراف 7:168
  9. الأعراف 7:169
  10. الأعراف 7:170
  11. الأعراف 7:171
  12. الأعراف 7:172
  13. الأعراف 7:173
  14. الأعراف 7:174
  15. الأعراف 7:175
  16. الأعراف 7:176
  17. الأعراف 7:177
  18. الأعراف 7:178
  19. الأعراف 7:179
  20. الأعراف 7:180
  21. الأعراف 7:181
  22. الأعراف 7:182
  23. الأعراف 7:183
  24. الأعراف 7:184
  25. الأعراف 7:185
  26. الأعراف 7:186
  27. الأعراف 7:187
  28. الأعراف 7:188
  29. الأعراف 7:189
  30. الأعراف 7:190
  31. الأعراف 7:191
  32. الأعراف 7:192
  33. الأعراف 7:193
  34. الأعراف 7:194
  35. الأعراف 7:195
  36. الأعراف 7:196
  37. الأعراف 7:197
  38. الأعراف 7:198
  39. الأعراف 7:199
  40. الأعراف 7:200
  41. الأعراف 7:201
  42. الأعراف 7:202
  43. الأعراف 7:203

الأعراف 7:161

﴿وإذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ وكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ وقُولُوا حِطَّةٌ وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكم خَطِيئاتِكم سَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهم فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ ) تَقَدَّمَتْ هَذِهِ القِصَّةُ وتَفْسِيرُها في البَقَرَةِ، وكَأنَّ هَذِهِ مُخْتَصَرَةٌ مِن تِلْكَ، إلّا أنَّ هُناكَ: وإذْ قُلْنا ادْخُلُوا، وإذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا، وهُناكَ: رَغَدًا، وسَقَطَ هُنا، وهُناكَ وسَنَزِيدُ، وهُنا سَنَزِيدُ، وهُناكَ فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا، وهُنا فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ، وبَيْنَهُما تَغايُرٌ في بَعْضِ الألْفاظِ لا تَناقُضَ فِيهِ، فَقَوْلُهُ: وإذْ قِيلَ لَهُمُ، وهُناكَ: وإذْ قُلْنا، فَهُنا حُذِفَ الفاعِلُ لِلْعِلْمِ بِهِ، وهو اللَّهُ تَعالى، وهُناكَ: ادْخُلُوا، وهُنا: اسْكُنُوا، السُّكْنى ضَرُورَةٌ تَتَعَقَّبُ الدُّخُولَ، فَأُمِرُوا هُناكَ بِمَبْدَأِ الشَّيْءِ وهُنا بِما تَسَبَّبَ عَنِ الدُّخُولِ، وهُناكَ: فَكُلُوا، بِالفاءِ وهُنا بِالواوِ فَجاءَتِ الواوُ عَلى أحَدِ مُحْتَمَلاتِها مِن كَوْنِ ما بَعْدَها وقَعَ بَعْدَ ما قَبْلَها؛ وقِيلَ: الدُّخُولُ حالَةٌ مُقْتَضِيَةٌ، فَحَسُنَ ذِكْرُ فاءِ التَّعْقِيبِ بَعْدَهُ، والسُّكْنى حالَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ فَحَسُنَ الأمْرُ بِالأكْلِ مَعَهُ لا عَقِيبَهُ، فَحَسُنَتِ الواوُ الجامِعَةُ لِلْأمْرَيْنِ في الزَّمَنِ الواحِدِ، وهو أحَدُ مَحامِلِها، ويَزْعُمُ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أنَّهُ أوْلى بِحامِلِها وأكْثَرُ. وقِيلَ: ثَبَّتَ رَغَدًا بَعْدَ الأمْرِ بِالدُّخُولِ؛ لِأنَّها حالَةُ قُدُومٍ، فالأكْلُ فِيها ألَذُّ وأتَمُّ وهم إلَيْهِ أحْوَجُ، بِخِلافِ السُّكْنى فَإنَّها حالَةُ اسْتِقْرارٍ واطْمِئْنانٍ، فَلَيْسَ الأكْلُ فِيها ألَذَّ، ولا هم أحْوَجَ. وأمّا (p-٤٠٩)التَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ في: وقُولُوا وادْخُلُوا، فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سَواءٌ قَدَّمُوا الحِطَّةَ عَلى دُخُولِ البابِ وأخَّرُوها فَهم جامِعُونَ في الإيجادِ بَيْنَهُما، انْتَهى، وقَوْلُهُ: سَواءٌ قَدَّمُوا وأخَّرُوها تَرْكِيبٌ غَيْرُ عَرَبِيٍّ، وإصْلاحُهُ سَواءٌ أقَدَّمُوا أمْ أخَّرُوها، كَما قالَ تَعالى: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا﴾ [إبراهيم: ٢١] ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: ناسَبَ تَقْدِيمُ الأمْرِ بِدُخُولِ البابِ سُجَّدًا مَعَ تَرْكِيبِ ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ؛ لِأنَّهُ فِعْلٌ دالٌّ عَلى الخُضُوعِ والذِّلَّةِ، وحِطَّةٌ قَوْلٌ، والفِعْلُ أقْوى في إظْهارِ الخُضُوعِ مِنَ القَوْلِ، فَناسَبَ أنْ يُذْكَرَ مَعَ مَبْدَأِ الشَّيْءِ، وهو الدُّخُولُ، ولِأنَّ قَبْلَهُ ادْخُلُوا، فَناسَبَ الأمْرَ بِالدُّخُولِ لِلْقَرْيَةِ الأمْرُ بِدُخُولِ بابِها عَلى هَيْئَةِ الخُضُوعِ، ولِأنَّ دُخُولَ القَرْيَةِ لا يُمْكِنُ إلّا بِدُخُولِ بابِها، فَصارَ بابُ القَرْيَةِ، كَأنَّهُ بَدَلٌ مِنَ القَرْيَةِ أُعِيدَ مَعَهُ العامِلُ، بِخِلافِ الأمْرِ بِالسُّكْنى، وأمّا سَنَزِيدُ هُنا فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَوْعِدٌ بِشَيْئَيْنِ بِالغُفْرانِ والزِّيادَةِ، وطَرْحُ الواوِ لا يُخِلُّ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ اسْتِئْنافٌ مُرَتَّبٌ عَلى تَقْدِيرِ قَوْلِ القائِلِ وماذا بَعْدَ الغُفْرانِ، فَقِيلَ لَهُ: سَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ، وزِيادَةُ مِنهم بَيانٌ، وأرْسَلْنا، وأنْزَلْنا، ويَظْلِمُونَ، ويَفْسُقُونَ، مِن وادٍ واحِدٍ، وقَرَأ الحَسَنُ: حِطَّةً، بِالنَّصْبِ عَلى المَصْدَرِ، أيْ: حِطَّةُ ذُنُوبِنا حِطَّةً، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِقُولُوا عَلى حَذْفٍ، التَّقْدِيرُ: وقُولُوا قَوْلًا حِطَّةً، أيْ: ذا حِطَّةٍ، فَحَذَفَ ذا وصارَ حِطَّةً وصْفًا لِلْمَصْدَرِ المَحْذُوفِ، كَما تَقُولُ: قُلْتُ حَسَنًا وقُلْتُ حَقًّا، أيْ: قَوْلًا حَسَنًا وقَوْلًا حَقًّا، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ وابْنُ كَثِيرٍ والحَسَنُ والأعْمَشُ: (نَغْفِرْ)، بِالنُّونِ، (لَكم خَطِيئاتِكم) جَمْعُ سَلامَةٍ، إلّا أنَّ الحَسَنَ خَفَّفَ الهَمْزَةَ وأدْغَمَ الياءَ فِيها، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: نَغْفِرْ، بِالنُّونِ، لَكم خَطاياكم عَلى وزْنِ قَضاياكم، وقَرَأ نافِعٌ ومَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو: (تُغْفَرْ)، بِالتّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، (لَكم خَطِيئاتُكم) جَمْعُ سَلامَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، تُغْفَرْ، بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، لَكم خَطِيئَتُكم عَلى التَّوْحِيدِ مَهْمُوزًا. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزٍ: تَغْفِرْ، بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ عَلى مَعْنى أنَّ الحِطَّةَ تَغْفِرُ؛ إذْ هي سَبَبُ الغُفْرانِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وبَدَّلَ: غَيَّرَ اللَّفْظَ دُونَ أنْ يَذْهَبَ بِجَمِيعِهِ، وأبْدَلَ: إذا ذَهَبَ بِهِ وجاءَ بِلَفْظٍ آخَرَ، انْتَهى، وهَذِهِ التَّفْرِقَةُ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ، وقَدْ جاءَ في القِراءاتِ بَدَّلَ وأبْدَلَ بِمَعْنًى واحِدٍ، قُرِئَ: ﴿فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنهُ زَكاةً﴾ [الكهف: ٨١]، و﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ أزْواجًا﴾ [التحريم: ٥]، ﴿عَسى رَبُّنا أنْ يُبْدِلَنا خَيْرًا مِنها﴾ [القلم: ٣٢] بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ والمَعْنى واحِدٌ، وهو إذْهابُ الشَّيْءِ والإتْيانُ بِغَيْرِهِ بَدَلًا مِنهُ، ثُمَّ التَّشْدِيدُ قَدْ جاءَ حَيْثُ يَذْهَبُ الشَّيْءُ كُلُّهُ قالَ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠]، ﴿وبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ [سبإ: ١٦]، ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ﴾ [الأعراف: ٩٥] وعَلى هَذا كَلامُ العَرَبِ نَثْرُها ونَظْمُها. ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ (p-٤١٠)الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ إذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهم يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا ويَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهم بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ الضَّمِيرُ في واسْألْهم عائِدٌ عَلى مَن بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ ﷺ مِنَ اليَهُودِ، وذَكَرَ أنَّ بَعْضَ اليَهُودِ المُعارِضِينَ لِلرَّسُولِ قالُوا لَهُ: لَمْ يَكُنْ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عِصْيانٌ ولا مُعانَدَةٌ لِما أُمِرُوا بِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُوَبِّخَةً لَهم ومُقَرِّرَةً كَذِبَهم ومُعَلِّمَةً ما جَرى عَلى أسْلافِهِمْ مِنَ الإهْلاكِ والمَسْخِ، وكانَتِ اليَهُودُ تَكْتُمُ هَذِهِ القِصَّةَ فَهي مِمّا لا يُعْلَمُ إلّا بِكِتابٍ أوْ وحْيٍ، فَإذا أعْلَمَهم بِها مَن لَمْ يَقْرَأْ كِتابَهم عُلِمَ أنَّهُ مِن جِهَةِ الوَحْيِ، وقَوْلُهُ: عَنِ القَرْيَةِ فِيهِ حَذْفٌ، أيْ: عَنْ أهْلِ القَرْيَةِ، والقَرْيَةُ: إيلَةُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ وعِكْرِمَةُ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ والثَّوْرِيُّ، أوْ مَدْيَنُ، ورَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أوْ ساحِلُ مَدْيَنَ، ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، وقالَ: هي مَقْنى بِالقافِ ساكِنَةً، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هي مَقْناةُ ساحِلِ مَدْيَنَ، ويُقالُ لَها: مَعَنّى، بِالعَيْنِ مَفْتُوحَةً ونُونٍ مُشَدَّدَةٍ، أوْ طَبَرِيَّةُ، قالَهُ الزُّهْرِيُّ، أوْ أرِيحا، أوْ بَيْتُ المَقْدِسِ، وهو بَعِيدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿حاضِرَةَ البَحْرِ﴾، أوْ قَرْيَةٌ بِالشّامِ لَمْ تُسَمَّ بِعَيْنِها، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ: ومَعَنّى، انْتَهى، ﴿حاضِرَةَ البَحْرِ﴾: بِقُرْبِ البَحْرِ مَبْنِيَّةً بِشاطِئِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مَعْنى الحاضِرَةِ عَلى جِهَةِ التَّعْظِيمِ لَها، أيْ: هي الحاضِرَةُ في قُرى البَحْرِ، فالتَّقْدِيرُ: حاضِرَةُ قُرى البَحْرِ، أيْ: يَحْضُرُ أهْلُ قُرى البَحْرِ إلَيْها لِبَيْعِهِمْ وشِرائِهِمْ وحاجَتِهِمْ؛ إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ، أيْ: يُجاوِزُونَ أمْرَ اللَّهِ في العَمَلِ يَوْمَ السَّبْتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مِنهُ تَعالى النَّهْيُ عَنِ العَمَلِ فِيهِ والِاشْتِغالِ بِصَيْدٍ أوْ غَيْرِهِ، إلّا أنَّهُ في هَذِهِ النّازِلَةِ كانَ عِصْيانُهم، وقُرِئَ: يُعِدُّونَ، مِنَ الإعْدادِ، وكانُوا يُعِدُّونَ آلاتِ الصَّيْدِ يَوْمَ السَّبْتِ، وهم مَأْمُورُونَ بِأنْ لا يَشْتَغِلُوا فِيهِ بِغَيْرِ العِبادَةِ، وقَرَأ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ وأبُو نَهِيكٍ: يَعُدُّونَ، بِفَتْحِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الدّالِ، وأصْلُهُ يَعْتَدُونَ فَأُدْغِمَتِ التّاءَ في الدّالِ كَقِراءَةِ مَن قَرَأ: لا تَعُدُّوا في السَّبْتِ؛ إذْ: ظَرْفٌ والعامِلُ فِيهِ. قالَ الحَوْفِيُّ: إذْ مُتَعَلِّقَةٌ بِسَلْهم، انْتَهى، ولا يُتَصَوَّرُ؛ لِأنَّ إذْ ظَرْفٌ لِما مَضى وسَلْهم مُسْتَقْبَلٌ، ولَوْ كانَ ظَرْفًا مُسْتَقْبَلًا لَمْ يَصِحِّ المَعْنى؛ لِأنَّ العادِينَ وهم أهْلُ القَرْيَةِ مَفْقُودُونَ فَلا يُمْكِنُ سُؤالُهم، والمَسْئُولُ عَنْ أهْلِ القَرْيَةِ العادِينَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إذْ يَعْدُونَ بَدَلٌ مِنَ القَرْيَةِ، والمُرادُ بِالقَرْيَةِ أهْلُها، كَأنَّهُ قِيلَ: وسَلْهم عَنْ أهْلِ القَرْيَةِ وقْتَ عُدْوانِهِمْ في السَّبْتِ، وهو مِن بَدَلِ الِاشْتِمالِ، انْتَهى، وهَذا لا يَجُوزُ، لِأنَّ إذْ مِنَ الظُّرُوفِ الَّتِي لا تَتَصَرَّفُ، ولا يَدْخُلُ عَلَيْها حَرْفُ جَرٍّ، وجَعْلُها بَدَلًا يَجُوزُ دُخُولُ عَنْ عَلَيْها، لِأنَّ البَدَلَ هو عَلى نِيَّةِ تَكْرارِ العامِلِ، ولَوْ أُدْخِلَتْ عَنْ عَلَيْها لَمْ يَجُزْ، وإنَّما تُصُرِّفَ فِيها بِأنْ أُضِيفَ إلَيْها بَعْضُ الظُّرُوفِ الزَّمانِيَّةِ نَحْوُ: يَوْمَ إذْ كانَ كَذا، وأمّا قَوْلُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّها يُتَصَرَّفُ فِيها بِأنْ تَكُونَ مَفْعُولَةً بِاذْكُرْ، فَهو قَوْلُ مَن عَجَزَ عَنْ تَأْوِيلِها عَلى ما (p-٤١١)يَنْبَغِي لَها مِن إبْقائِها ظَرْفًا، وقالَ أبُو البَقاءِ عَنِ القَرْيَةِ: أيْ: عَنْ خَبَرِ القَرْيَةِ، وهَذا المَحْذُوفُ هو النّاصِبُ لِلظَّرْفِ الَّذِي هو إذْ يَعْدُونَ؛ وقِيلَ: هو ظَرْفٌ لِلْحاضِرَةِ، وجَوَّزَ ذَلِكَ أنَّها كانَتْ مَوْجُودَةً في ذَلِكَ الوَقْتِ، ثُمَّ خُرِّبَتِ، انْتَهى، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: في السَّبْتِ ويَوْمَ سَبْتِهِمْ المُرادُ بِهِ اليَوْمُ، ومَعْنى اعْتَدَوْا فِيهِ، أيْ: بِعِصْيانِهِمْ وخِلافِهِمْ، كَما قَدَّمْنا، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: السَّبْتُ مَصْدَرُ سَبَتَتِ اليَهُودُ إذا عَظَّمَتْ سَبْتَها بِتَرْكِ الصَّيْدِ والِاشْتِغالِ بِالتَّعَبُّدِ، فَمَعْناهُ: يَعْدُونَ في تَعْظِيمِ هَذا اليَوْمِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: يَوْمَ سَبْتِهم يَوْمَ تَعْظِيمِهِمْ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ لا يَسْبِتُونَ﴾ وإذْ تَأْتِيهِمُ، العامِلُ في إذْ يَعْدُونَ، أيْ: إذْ عَدَوْا في السَّبْتِ إذْ أتَتْهم؛ لِأنَّ إذْ ظَرْفٌ لِما مَضى يَصْرِفُ المُضارِعَ لِلْمُضِيِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا بَعْدَ بَدَلٍ، انْتَهى، يَعْنِي بَدَلًا مِنَ القَرْيَةِ بَعْدَ بَدَلِ إذْ يَعْدُونَ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ، وأضافَ السَّبْتَ إلَيْهِمْ لِأنَّهم مَخْصُوصُونَ بِأحْكامٍ فِيهِ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: حِيتانُهم يَوْمَ أسْباتِهِمْ، قالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ في كِتابِ اللَّوامِحِ وقَدْ ذَكَرَ هَذِهِ القِراءَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ: وهو مَصْدَرٌ مِن أسْبَتَ الرَّجُلُ إذا دَخَلَ في السَّبْتِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ وعاصِمٌ بِخِلافٍ: لا يَسْبُتُونَ، بِضَمِّ كَسْرَةِ الباءِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وقَرَأ عَلِيٌّ والحَسَنُ وعاصِمٌ بِخِلافٍ: يُسْبِتُونَ، بِضَمِّ ياءِ المُضارَعَةِ مِن أسْبَتَ دَخَلَ في السَّبْتِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعَنِ الحَسَنِ لا يُسْبَتُونَ بِضَمِّ الياءِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، أيْ: لا يُدارُ عَلَيْهِمُ السَّبْتُ، ولا يُؤْمَرُونَ بِأنْ يُسْبِتُوا، والعامِلُ في يَوْمَ قَوْلُهُ: لا تَأْتِيهِمْ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ ما بَعْدَ لا لِلنَّفْيِ يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها، وفِيهِ ثَلاثَةُ مَذاهِبَ: الجَوازُ مُطْلَقًا، والمَنعُ مُطْلَقًا، والتَّفْصِيلُ بَيْنَ أنْ يَكُونَ لا جَوابَ قَسَمٍ فَيَمْتَنِعُ، أوْ غَيْرَ ذَلِكَ فَيَجُوزُ، وهو الصَّحِيحُ كَذَلِكَ، أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ البَلاءِ بِأمْرِ الحُوتِ نَبْلُوهم، أيْ: بَلَوْناهم وامْتَحَنّاهم؛ وقِيلَ: كَذَلِكَ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ، أيْ: ويَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ، أيْ: لا تَأْتِيهِمْ إتْيانًا، مِثْلَ ذَلِكَ الإتْيانِ، وهو أنْ تَأْتِيَ شُرَّعًا ظاهِرَةً كَثِيرَةً بَلْ يَأْتِي ما أتى مِنها، وهو قَلِيلٌ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ في كَذَلِكَ يَنْتَفِي إتْيانُ الحُوتِ مُطْلَقًا، كَما رُوِيَ في القَصَصِ أنَّهُ كانَ يَغِيبُ بِجُمْلَتِهِ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي كانَ يَغِيبُ أكْثَرُهُ، ولا يَبْقى مِنهُ إلّا القَلِيلُ الَّذِي يُتْعِبُ بِصَيْدِهِ، قالَهُ قَتادَةُ: وهَذا الإتْيانُ مِنَ الحُوتِ قَدْ يَكُونُ بِإرْسالٍ مِنَ اللَّهِ كَإرْسالِ السَّحابِ أوْ بِوَحْيِ إلْهامٍ، كَما أوْحى إلى النَّحْلِ، أوْ بِإشْعارٍ في ذَلِكَ اليَوْمِ عَلى نَحْوِ ما يُشْعِرُ اللَّهُ الدَّوابَّ يَوْمَ الجُمُعَةِ بِأمْرِ السّاعَةِ حَسْبَما جاءَ: وما مِن دابَّةٍ إلّا وهي مُصِيخَةٌ يَوْمَ الجُمُعَةِ حَتّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَرَقًا مِنَ السّاعَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنَ الحُوتِ شُعُورًا بِالسَّلامَةِ، ومَعْنى شُرَّعًا: مُقْبِلَةً إلَيْهِمْ مُصْطَفَّةً، كَما تَقُولُ: أشْرَعْتُ الرُّمْحَ نَحْوَهُ، أيْ: أقْبَلْتُ بِهِ إلَيْهِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: شُرَّعًا ظاهِرَةً عَلى وجْهِ الماءِ، وعَنِ الحَسَنِ: تُشْرَعُ عَلى أبْوابِهِمْ، كَأنَّها الكِباشُ السِّمَنُ، يُقالُ: شَرَعَ عَلَيْنا فُلانٌ إذا دَنا مِنّا وأشْرَفَ عَلَيْنا، وشَرَعْتُ عَلى فُلانٍ في بَيْتِهِ فَرَأيْتُهُ يَفْعَلُ كَذا، وقالَ رُواةُ القَصَصِ: يَقْرَبُ حَتّى يُمْكِنَ أخْذُهُ بِاليَدِ، فَساءَهم ذَلِكَ وتَطَرَّقُوا إلى المَعْصِيَةِ بِأنْ حَفَرُوا حُفَرًا يَخْرُجُ إلَيْها ماءُ البَحْرِ عَلى أُخْدُودٍ، فَإذا جاءَ الحُوتُ يَوْمَ السَّبْتِ وحَصَلَ في الحُفْرَةِ ألْقَوْا في الأُخْدُودِ حَجَرًا فَمَنَعُوهُ الخُرُوجَ إلى البَحْرِ، فَإذا كانَ الأحَدُ أخَذُوهُ، فَكانَ هَذا أوَّلُ التَّطْرِيقِ، وقالَ ابْنُ رُومانَ: كانُوا يَأْخُذُ الرَّجُلُ مِنهم خَيْطًا ويَضَعُ فِيهِ وهْقَةً وألْقاها في ذَنَبِ الحُوتِ، وفي الطَّرَفِ الآخَرِ مِنَ الخَيْطِ وتَدٌ مَضْرُوبٌ، وتَرَكَهُ كَذَلِكَ إلى أنْ يَأْخُذَهُ في الأحَدِ، ثُمَّ تَطَرَّقَ النّاسُ حِينَ رَأوْا مَن يَصْنَعُ هَذا لا يُبْتَلى، حَتّى كَثُرَ صَيْدُ الحُوتِ ومُشِيَ بِهِ في الأسْواقِ، وأعْلَنَ الفَسَقَةُ بِصَيْدِهِ وقالُوا: ذَهَبَتْ حُرْمَةُ السَّبْتِ.

الأعراف 7:162

﴿وإذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ وكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ وقُولُوا حِطَّةٌ وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكم خَطِيئاتِكم سَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهم فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ ) تَقَدَّمَتْ هَذِهِ القِصَّةُ وتَفْسِيرُها في البَقَرَةِ، وكَأنَّ هَذِهِ مُخْتَصَرَةٌ مِن تِلْكَ، إلّا أنَّ هُناكَ: وإذْ قُلْنا ادْخُلُوا، وإذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا، وهُناكَ: رَغَدًا، وسَقَطَ هُنا، وهُناكَ وسَنَزِيدُ، وهُنا سَنَزِيدُ، وهُناكَ فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا، وهُنا فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ، وبَيْنَهُما تَغايُرٌ في بَعْضِ الألْفاظِ لا تَناقُضَ فِيهِ، فَقَوْلُهُ: وإذْ قِيلَ لَهُمُ، وهُناكَ: وإذْ قُلْنا، فَهُنا حُذِفَ الفاعِلُ لِلْعِلْمِ بِهِ، وهو اللَّهُ تَعالى، وهُناكَ: ادْخُلُوا، وهُنا: اسْكُنُوا، السُّكْنى ضَرُورَةٌ تَتَعَقَّبُ الدُّخُولَ، فَأُمِرُوا هُناكَ بِمَبْدَأِ الشَّيْءِ وهُنا بِما تَسَبَّبَ عَنِ الدُّخُولِ، وهُناكَ: فَكُلُوا، بِالفاءِ وهُنا بِالواوِ فَجاءَتِ الواوُ عَلى أحَدِ مُحْتَمَلاتِها مِن كَوْنِ ما بَعْدَها وقَعَ بَعْدَ ما قَبْلَها؛ وقِيلَ: الدُّخُولُ حالَةٌ مُقْتَضِيَةٌ، فَحَسُنَ ذِكْرُ فاءِ التَّعْقِيبِ بَعْدَهُ، والسُّكْنى حالَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ فَحَسُنَ الأمْرُ بِالأكْلِ مَعَهُ لا عَقِيبَهُ، فَحَسُنَتِ الواوُ الجامِعَةُ لِلْأمْرَيْنِ في الزَّمَنِ الواحِدِ، وهو أحَدُ مَحامِلِها، ويَزْعُمُ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أنَّهُ أوْلى بِحامِلِها وأكْثَرُ. وقِيلَ: ثَبَّتَ رَغَدًا بَعْدَ الأمْرِ بِالدُّخُولِ؛ لِأنَّها حالَةُ قُدُومٍ، فالأكْلُ فِيها ألَذُّ وأتَمُّ وهم إلَيْهِ أحْوَجُ، بِخِلافِ السُّكْنى فَإنَّها حالَةُ اسْتِقْرارٍ واطْمِئْنانٍ، فَلَيْسَ الأكْلُ فِيها ألَذَّ، ولا هم أحْوَجَ. وأمّا (p-٤٠٩)التَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ في: وقُولُوا وادْخُلُوا، فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سَواءٌ قَدَّمُوا الحِطَّةَ عَلى دُخُولِ البابِ وأخَّرُوها فَهم جامِعُونَ في الإيجادِ بَيْنَهُما، انْتَهى، وقَوْلُهُ: سَواءٌ قَدَّمُوا وأخَّرُوها تَرْكِيبٌ غَيْرُ عَرَبِيٍّ، وإصْلاحُهُ سَواءٌ أقَدَّمُوا أمْ أخَّرُوها، كَما قالَ تَعالى: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا﴾ [إبراهيم: ٢١] ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: ناسَبَ تَقْدِيمُ الأمْرِ بِدُخُولِ البابِ سُجَّدًا مَعَ تَرْكِيبِ ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ؛ لِأنَّهُ فِعْلٌ دالٌّ عَلى الخُضُوعِ والذِّلَّةِ، وحِطَّةٌ قَوْلٌ، والفِعْلُ أقْوى في إظْهارِ الخُضُوعِ مِنَ القَوْلِ، فَناسَبَ أنْ يُذْكَرَ مَعَ مَبْدَأِ الشَّيْءِ، وهو الدُّخُولُ، ولِأنَّ قَبْلَهُ ادْخُلُوا، فَناسَبَ الأمْرَ بِالدُّخُولِ لِلْقَرْيَةِ الأمْرُ بِدُخُولِ بابِها عَلى هَيْئَةِ الخُضُوعِ، ولِأنَّ دُخُولَ القَرْيَةِ لا يُمْكِنُ إلّا بِدُخُولِ بابِها، فَصارَ بابُ القَرْيَةِ، كَأنَّهُ بَدَلٌ مِنَ القَرْيَةِ أُعِيدَ مَعَهُ العامِلُ، بِخِلافِ الأمْرِ بِالسُّكْنى، وأمّا سَنَزِيدُ هُنا فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَوْعِدٌ بِشَيْئَيْنِ بِالغُفْرانِ والزِّيادَةِ، وطَرْحُ الواوِ لا يُخِلُّ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ اسْتِئْنافٌ مُرَتَّبٌ عَلى تَقْدِيرِ قَوْلِ القائِلِ وماذا بَعْدَ الغُفْرانِ، فَقِيلَ لَهُ: سَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ، وزِيادَةُ مِنهم بَيانٌ، وأرْسَلْنا، وأنْزَلْنا، ويَظْلِمُونَ، ويَفْسُقُونَ، مِن وادٍ واحِدٍ، وقَرَأ الحَسَنُ: حِطَّةً، بِالنَّصْبِ عَلى المَصْدَرِ، أيْ: حِطَّةُ ذُنُوبِنا حِطَّةً، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِقُولُوا عَلى حَذْفٍ، التَّقْدِيرُ: وقُولُوا قَوْلًا حِطَّةً، أيْ: ذا حِطَّةٍ، فَحَذَفَ ذا وصارَ حِطَّةً وصْفًا لِلْمَصْدَرِ المَحْذُوفِ، كَما تَقُولُ: قُلْتُ حَسَنًا وقُلْتُ حَقًّا، أيْ: قَوْلًا حَسَنًا وقَوْلًا حَقًّا، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ وابْنُ كَثِيرٍ والحَسَنُ والأعْمَشُ: (نَغْفِرْ)، بِالنُّونِ، (لَكم خَطِيئاتِكم) جَمْعُ سَلامَةٍ، إلّا أنَّ الحَسَنَ خَفَّفَ الهَمْزَةَ وأدْغَمَ الياءَ فِيها، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: نَغْفِرْ، بِالنُّونِ، لَكم خَطاياكم عَلى وزْنِ قَضاياكم، وقَرَأ نافِعٌ ومَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو: (تُغْفَرْ)، بِالتّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، (لَكم خَطِيئاتُكم) جَمْعُ سَلامَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، تُغْفَرْ، بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، لَكم خَطِيئَتُكم عَلى التَّوْحِيدِ مَهْمُوزًا. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزٍ: تَغْفِرْ، بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ عَلى مَعْنى أنَّ الحِطَّةَ تَغْفِرُ؛ إذْ هي سَبَبُ الغُفْرانِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وبَدَّلَ: غَيَّرَ اللَّفْظَ دُونَ أنْ يَذْهَبَ بِجَمِيعِهِ، وأبْدَلَ: إذا ذَهَبَ بِهِ وجاءَ بِلَفْظٍ آخَرَ، انْتَهى، وهَذِهِ التَّفْرِقَةُ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ، وقَدْ جاءَ في القِراءاتِ بَدَّلَ وأبْدَلَ بِمَعْنًى واحِدٍ، قُرِئَ: ﴿فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنهُ زَكاةً﴾ [الكهف: ٨١]، و﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ أزْواجًا﴾ [التحريم: ٥]، ﴿عَسى رَبُّنا أنْ يُبْدِلَنا خَيْرًا مِنها﴾ [القلم: ٣٢] بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ والمَعْنى واحِدٌ، وهو إذْهابُ الشَّيْءِ والإتْيانُ بِغَيْرِهِ بَدَلًا مِنهُ، ثُمَّ التَّشْدِيدُ قَدْ جاءَ حَيْثُ يَذْهَبُ الشَّيْءُ كُلُّهُ قالَ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠]، ﴿وبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ [سبإ: ١٦]، ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ﴾ [الأعراف: ٩٥] وعَلى هَذا كَلامُ العَرَبِ نَثْرُها ونَظْمُها. ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ (p-٤١٠)الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ إذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهم يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا ويَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهم بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ الضَّمِيرُ في واسْألْهم عائِدٌ عَلى مَن بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ ﷺ مِنَ اليَهُودِ، وذَكَرَ أنَّ بَعْضَ اليَهُودِ المُعارِضِينَ لِلرَّسُولِ قالُوا لَهُ: لَمْ يَكُنْ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عِصْيانٌ ولا مُعانَدَةٌ لِما أُمِرُوا بِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُوَبِّخَةً لَهم ومُقَرِّرَةً كَذِبَهم ومُعَلِّمَةً ما جَرى عَلى أسْلافِهِمْ مِنَ الإهْلاكِ والمَسْخِ، وكانَتِ اليَهُودُ تَكْتُمُ هَذِهِ القِصَّةَ فَهي مِمّا لا يُعْلَمُ إلّا بِكِتابٍ أوْ وحْيٍ، فَإذا أعْلَمَهم بِها مَن لَمْ يَقْرَأْ كِتابَهم عُلِمَ أنَّهُ مِن جِهَةِ الوَحْيِ، وقَوْلُهُ: عَنِ القَرْيَةِ فِيهِ حَذْفٌ، أيْ: عَنْ أهْلِ القَرْيَةِ، والقَرْيَةُ: إيلَةُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ وعِكْرِمَةُ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ والثَّوْرِيُّ، أوْ مَدْيَنُ، ورَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أوْ ساحِلُ مَدْيَنَ، ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، وقالَ: هي مَقْنى بِالقافِ ساكِنَةً، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هي مَقْناةُ ساحِلِ مَدْيَنَ، ويُقالُ لَها: مَعَنّى، بِالعَيْنِ مَفْتُوحَةً ونُونٍ مُشَدَّدَةٍ، أوْ طَبَرِيَّةُ، قالَهُ الزُّهْرِيُّ، أوْ أرِيحا، أوْ بَيْتُ المَقْدِسِ، وهو بَعِيدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿حاضِرَةَ البَحْرِ﴾، أوْ قَرْيَةٌ بِالشّامِ لَمْ تُسَمَّ بِعَيْنِها، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ: ومَعَنّى، انْتَهى، ﴿حاضِرَةَ البَحْرِ﴾: بِقُرْبِ البَحْرِ مَبْنِيَّةً بِشاطِئِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مَعْنى الحاضِرَةِ عَلى جِهَةِ التَّعْظِيمِ لَها، أيْ: هي الحاضِرَةُ في قُرى البَحْرِ، فالتَّقْدِيرُ: حاضِرَةُ قُرى البَحْرِ، أيْ: يَحْضُرُ أهْلُ قُرى البَحْرِ إلَيْها لِبَيْعِهِمْ وشِرائِهِمْ وحاجَتِهِمْ؛ إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ، أيْ: يُجاوِزُونَ أمْرَ اللَّهِ في العَمَلِ يَوْمَ السَّبْتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مِنهُ تَعالى النَّهْيُ عَنِ العَمَلِ فِيهِ والِاشْتِغالِ بِصَيْدٍ أوْ غَيْرِهِ، إلّا أنَّهُ في هَذِهِ النّازِلَةِ كانَ عِصْيانُهم، وقُرِئَ: يُعِدُّونَ، مِنَ الإعْدادِ، وكانُوا يُعِدُّونَ آلاتِ الصَّيْدِ يَوْمَ السَّبْتِ، وهم مَأْمُورُونَ بِأنْ لا يَشْتَغِلُوا فِيهِ بِغَيْرِ العِبادَةِ، وقَرَأ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ وأبُو نَهِيكٍ: يَعُدُّونَ، بِفَتْحِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الدّالِ، وأصْلُهُ يَعْتَدُونَ فَأُدْغِمَتِ التّاءَ في الدّالِ كَقِراءَةِ مَن قَرَأ: لا تَعُدُّوا في السَّبْتِ؛ إذْ: ظَرْفٌ والعامِلُ فِيهِ. قالَ الحَوْفِيُّ: إذْ مُتَعَلِّقَةٌ بِسَلْهم، انْتَهى، ولا يُتَصَوَّرُ؛ لِأنَّ إذْ ظَرْفٌ لِما مَضى وسَلْهم مُسْتَقْبَلٌ، ولَوْ كانَ ظَرْفًا مُسْتَقْبَلًا لَمْ يَصِحِّ المَعْنى؛ لِأنَّ العادِينَ وهم أهْلُ القَرْيَةِ مَفْقُودُونَ فَلا يُمْكِنُ سُؤالُهم، والمَسْئُولُ عَنْ أهْلِ القَرْيَةِ العادِينَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إذْ يَعْدُونَ بَدَلٌ مِنَ القَرْيَةِ، والمُرادُ بِالقَرْيَةِ أهْلُها، كَأنَّهُ قِيلَ: وسَلْهم عَنْ أهْلِ القَرْيَةِ وقْتَ عُدْوانِهِمْ في السَّبْتِ، وهو مِن بَدَلِ الِاشْتِمالِ، انْتَهى، وهَذا لا يَجُوزُ، لِأنَّ إذْ مِنَ الظُّرُوفِ الَّتِي لا تَتَصَرَّفُ، ولا يَدْخُلُ عَلَيْها حَرْفُ جَرٍّ، وجَعْلُها بَدَلًا يَجُوزُ دُخُولُ عَنْ عَلَيْها، لِأنَّ البَدَلَ هو عَلى نِيَّةِ تَكْرارِ العامِلِ، ولَوْ أُدْخِلَتْ عَنْ عَلَيْها لَمْ يَجُزْ، وإنَّما تُصُرِّفَ فِيها بِأنْ أُضِيفَ إلَيْها بَعْضُ الظُّرُوفِ الزَّمانِيَّةِ نَحْوُ: يَوْمَ إذْ كانَ كَذا، وأمّا قَوْلُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّها يُتَصَرَّفُ فِيها بِأنْ تَكُونَ مَفْعُولَةً بِاذْكُرْ، فَهو قَوْلُ مَن عَجَزَ عَنْ تَأْوِيلِها عَلى ما (p-٤١١)يَنْبَغِي لَها مِن إبْقائِها ظَرْفًا، وقالَ أبُو البَقاءِ عَنِ القَرْيَةِ: أيْ: عَنْ خَبَرِ القَرْيَةِ، وهَذا المَحْذُوفُ هو النّاصِبُ لِلظَّرْفِ الَّذِي هو إذْ يَعْدُونَ؛ وقِيلَ: هو ظَرْفٌ لِلْحاضِرَةِ، وجَوَّزَ ذَلِكَ أنَّها كانَتْ مَوْجُودَةً في ذَلِكَ الوَقْتِ، ثُمَّ خُرِّبَتِ، انْتَهى، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: في السَّبْتِ ويَوْمَ سَبْتِهِمْ المُرادُ بِهِ اليَوْمُ، ومَعْنى اعْتَدَوْا فِيهِ، أيْ: بِعِصْيانِهِمْ وخِلافِهِمْ، كَما قَدَّمْنا، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: السَّبْتُ مَصْدَرُ سَبَتَتِ اليَهُودُ إذا عَظَّمَتْ سَبْتَها بِتَرْكِ الصَّيْدِ والِاشْتِغالِ بِالتَّعَبُّدِ، فَمَعْناهُ: يَعْدُونَ في تَعْظِيمِ هَذا اليَوْمِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: يَوْمَ سَبْتِهم يَوْمَ تَعْظِيمِهِمْ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ لا يَسْبِتُونَ﴾ وإذْ تَأْتِيهِمُ، العامِلُ في إذْ يَعْدُونَ، أيْ: إذْ عَدَوْا في السَّبْتِ إذْ أتَتْهم؛ لِأنَّ إذْ ظَرْفٌ لِما مَضى يَصْرِفُ المُضارِعَ لِلْمُضِيِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا بَعْدَ بَدَلٍ، انْتَهى، يَعْنِي بَدَلًا مِنَ القَرْيَةِ بَعْدَ بَدَلِ إذْ يَعْدُونَ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ، وأضافَ السَّبْتَ إلَيْهِمْ لِأنَّهم مَخْصُوصُونَ بِأحْكامٍ فِيهِ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: حِيتانُهم يَوْمَ أسْباتِهِمْ، قالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ في كِتابِ اللَّوامِحِ وقَدْ ذَكَرَ هَذِهِ القِراءَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ: وهو مَصْدَرٌ مِن أسْبَتَ الرَّجُلُ إذا دَخَلَ في السَّبْتِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ وعاصِمٌ بِخِلافٍ: لا يَسْبُتُونَ، بِضَمِّ كَسْرَةِ الباءِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وقَرَأ عَلِيٌّ والحَسَنُ وعاصِمٌ بِخِلافٍ: يُسْبِتُونَ، بِضَمِّ ياءِ المُضارَعَةِ مِن أسْبَتَ دَخَلَ في السَّبْتِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعَنِ الحَسَنِ لا يُسْبَتُونَ بِضَمِّ الياءِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، أيْ: لا يُدارُ عَلَيْهِمُ السَّبْتُ، ولا يُؤْمَرُونَ بِأنْ يُسْبِتُوا، والعامِلُ في يَوْمَ قَوْلُهُ: لا تَأْتِيهِمْ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ ما بَعْدَ لا لِلنَّفْيِ يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها، وفِيهِ ثَلاثَةُ مَذاهِبَ: الجَوازُ مُطْلَقًا، والمَنعُ مُطْلَقًا، والتَّفْصِيلُ بَيْنَ أنْ يَكُونَ لا جَوابَ قَسَمٍ فَيَمْتَنِعُ، أوْ غَيْرَ ذَلِكَ فَيَجُوزُ، وهو الصَّحِيحُ كَذَلِكَ، أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ البَلاءِ بِأمْرِ الحُوتِ نَبْلُوهم، أيْ: بَلَوْناهم وامْتَحَنّاهم؛ وقِيلَ: كَذَلِكَ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ، أيْ: ويَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ، أيْ: لا تَأْتِيهِمْ إتْيانًا، مِثْلَ ذَلِكَ الإتْيانِ، وهو أنْ تَأْتِيَ شُرَّعًا ظاهِرَةً كَثِيرَةً بَلْ يَأْتِي ما أتى مِنها، وهو قَلِيلٌ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ في كَذَلِكَ يَنْتَفِي إتْيانُ الحُوتِ مُطْلَقًا، كَما رُوِيَ في القَصَصِ أنَّهُ كانَ يَغِيبُ بِجُمْلَتِهِ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي كانَ يَغِيبُ أكْثَرُهُ، ولا يَبْقى مِنهُ إلّا القَلِيلُ الَّذِي يُتْعِبُ بِصَيْدِهِ، قالَهُ قَتادَةُ: وهَذا الإتْيانُ مِنَ الحُوتِ قَدْ يَكُونُ بِإرْسالٍ مِنَ اللَّهِ كَإرْسالِ السَّحابِ أوْ بِوَحْيِ إلْهامٍ، كَما أوْحى إلى النَّحْلِ، أوْ بِإشْعارٍ في ذَلِكَ اليَوْمِ عَلى نَحْوِ ما يُشْعِرُ اللَّهُ الدَّوابَّ يَوْمَ الجُمُعَةِ بِأمْرِ السّاعَةِ حَسْبَما جاءَ: وما مِن دابَّةٍ إلّا وهي مُصِيخَةٌ يَوْمَ الجُمُعَةِ حَتّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَرَقًا مِنَ السّاعَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنَ الحُوتِ شُعُورًا بِالسَّلامَةِ، ومَعْنى شُرَّعًا: مُقْبِلَةً إلَيْهِمْ مُصْطَفَّةً، كَما تَقُولُ: أشْرَعْتُ الرُّمْحَ نَحْوَهُ، أيْ: أقْبَلْتُ بِهِ إلَيْهِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: شُرَّعًا ظاهِرَةً عَلى وجْهِ الماءِ، وعَنِ الحَسَنِ: تُشْرَعُ عَلى أبْوابِهِمْ، كَأنَّها الكِباشُ السِّمَنُ، يُقالُ: شَرَعَ عَلَيْنا فُلانٌ إذا دَنا مِنّا وأشْرَفَ عَلَيْنا، وشَرَعْتُ عَلى فُلانٍ في بَيْتِهِ فَرَأيْتُهُ يَفْعَلُ كَذا، وقالَ رُواةُ القَصَصِ: يَقْرَبُ حَتّى يُمْكِنَ أخْذُهُ بِاليَدِ، فَساءَهم ذَلِكَ وتَطَرَّقُوا إلى المَعْصِيَةِ بِأنْ حَفَرُوا حُفَرًا يَخْرُجُ إلَيْها ماءُ البَحْرِ عَلى أُخْدُودٍ، فَإذا جاءَ الحُوتُ يَوْمَ السَّبْتِ وحَصَلَ في الحُفْرَةِ ألْقَوْا في الأُخْدُودِ حَجَرًا فَمَنَعُوهُ الخُرُوجَ إلى البَحْرِ، فَإذا كانَ الأحَدُ أخَذُوهُ، فَكانَ هَذا أوَّلُ التَّطْرِيقِ، وقالَ ابْنُ رُومانَ: كانُوا يَأْخُذُ الرَّجُلُ مِنهم خَيْطًا ويَضَعُ فِيهِ وهْقَةً وألْقاها في ذَنَبِ الحُوتِ، وفي الطَّرَفِ الآخَرِ مِنَ الخَيْطِ وتَدٌ مَضْرُوبٌ، وتَرَكَهُ كَذَلِكَ إلى أنْ يَأْخُذَهُ في الأحَدِ، ثُمَّ تَطَرَّقَ النّاسُ حِينَ رَأوْا مَن يَصْنَعُ هَذا لا يُبْتَلى، حَتّى كَثُرَ صَيْدُ الحُوتِ ومُشِيَ بِهِ في الأسْواقِ، وأعْلَنَ الفَسَقَةُ بِصَيْدِهِ وقالُوا: ذَهَبَتْ حُرْمَةُ السَّبْتِ.

الأعراف 7:163

﴿وإذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ وكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ وقُولُوا حِطَّةٌ وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكم خَطِيئاتِكم سَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهم فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ ) تَقَدَّمَتْ هَذِهِ القِصَّةُ وتَفْسِيرُها في البَقَرَةِ، وكَأنَّ هَذِهِ مُخْتَصَرَةٌ مِن تِلْكَ، إلّا أنَّ هُناكَ: وإذْ قُلْنا ادْخُلُوا، وإذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا، وهُناكَ: رَغَدًا، وسَقَطَ هُنا، وهُناكَ وسَنَزِيدُ، وهُنا سَنَزِيدُ، وهُناكَ فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا، وهُنا فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ، وبَيْنَهُما تَغايُرٌ في بَعْضِ الألْفاظِ لا تَناقُضَ فِيهِ، فَقَوْلُهُ: وإذْ قِيلَ لَهُمُ، وهُناكَ: وإذْ قُلْنا، فَهُنا حُذِفَ الفاعِلُ لِلْعِلْمِ بِهِ، وهو اللَّهُ تَعالى، وهُناكَ: ادْخُلُوا، وهُنا: اسْكُنُوا، السُّكْنى ضَرُورَةٌ تَتَعَقَّبُ الدُّخُولَ، فَأُمِرُوا هُناكَ بِمَبْدَأِ الشَّيْءِ وهُنا بِما تَسَبَّبَ عَنِ الدُّخُولِ، وهُناكَ: فَكُلُوا، بِالفاءِ وهُنا بِالواوِ فَجاءَتِ الواوُ عَلى أحَدِ مُحْتَمَلاتِها مِن كَوْنِ ما بَعْدَها وقَعَ بَعْدَ ما قَبْلَها؛ وقِيلَ: الدُّخُولُ حالَةٌ مُقْتَضِيَةٌ، فَحَسُنَ ذِكْرُ فاءِ التَّعْقِيبِ بَعْدَهُ، والسُّكْنى حالَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ فَحَسُنَ الأمْرُ بِالأكْلِ مَعَهُ لا عَقِيبَهُ، فَحَسُنَتِ الواوُ الجامِعَةُ لِلْأمْرَيْنِ في الزَّمَنِ الواحِدِ، وهو أحَدُ مَحامِلِها، ويَزْعُمُ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أنَّهُ أوْلى بِحامِلِها وأكْثَرُ. وقِيلَ: ثَبَّتَ رَغَدًا بَعْدَ الأمْرِ بِالدُّخُولِ؛ لِأنَّها حالَةُ قُدُومٍ، فالأكْلُ فِيها ألَذُّ وأتَمُّ وهم إلَيْهِ أحْوَجُ، بِخِلافِ السُّكْنى فَإنَّها حالَةُ اسْتِقْرارٍ واطْمِئْنانٍ، فَلَيْسَ الأكْلُ فِيها ألَذَّ، ولا هم أحْوَجَ. وأمّا (p-٤٠٩)التَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ في: وقُولُوا وادْخُلُوا، فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سَواءٌ قَدَّمُوا الحِطَّةَ عَلى دُخُولِ البابِ وأخَّرُوها فَهم جامِعُونَ في الإيجادِ بَيْنَهُما، انْتَهى، وقَوْلُهُ: سَواءٌ قَدَّمُوا وأخَّرُوها تَرْكِيبٌ غَيْرُ عَرَبِيٍّ، وإصْلاحُهُ سَواءٌ أقَدَّمُوا أمْ أخَّرُوها، كَما قالَ تَعالى: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا﴾ [إبراهيم: ٢١] ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: ناسَبَ تَقْدِيمُ الأمْرِ بِدُخُولِ البابِ سُجَّدًا مَعَ تَرْكِيبِ ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ؛ لِأنَّهُ فِعْلٌ دالٌّ عَلى الخُضُوعِ والذِّلَّةِ، وحِطَّةٌ قَوْلٌ، والفِعْلُ أقْوى في إظْهارِ الخُضُوعِ مِنَ القَوْلِ، فَناسَبَ أنْ يُذْكَرَ مَعَ مَبْدَأِ الشَّيْءِ، وهو الدُّخُولُ، ولِأنَّ قَبْلَهُ ادْخُلُوا، فَناسَبَ الأمْرَ بِالدُّخُولِ لِلْقَرْيَةِ الأمْرُ بِدُخُولِ بابِها عَلى هَيْئَةِ الخُضُوعِ، ولِأنَّ دُخُولَ القَرْيَةِ لا يُمْكِنُ إلّا بِدُخُولِ بابِها، فَصارَ بابُ القَرْيَةِ، كَأنَّهُ بَدَلٌ مِنَ القَرْيَةِ أُعِيدَ مَعَهُ العامِلُ، بِخِلافِ الأمْرِ بِالسُّكْنى، وأمّا سَنَزِيدُ هُنا فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَوْعِدٌ بِشَيْئَيْنِ بِالغُفْرانِ والزِّيادَةِ، وطَرْحُ الواوِ لا يُخِلُّ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ اسْتِئْنافٌ مُرَتَّبٌ عَلى تَقْدِيرِ قَوْلِ القائِلِ وماذا بَعْدَ الغُفْرانِ، فَقِيلَ لَهُ: سَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ، وزِيادَةُ مِنهم بَيانٌ، وأرْسَلْنا، وأنْزَلْنا، ويَظْلِمُونَ، ويَفْسُقُونَ، مِن وادٍ واحِدٍ، وقَرَأ الحَسَنُ: حِطَّةً، بِالنَّصْبِ عَلى المَصْدَرِ، أيْ: حِطَّةُ ذُنُوبِنا حِطَّةً، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِقُولُوا عَلى حَذْفٍ، التَّقْدِيرُ: وقُولُوا قَوْلًا حِطَّةً، أيْ: ذا حِطَّةٍ، فَحَذَفَ ذا وصارَ حِطَّةً وصْفًا لِلْمَصْدَرِ المَحْذُوفِ، كَما تَقُولُ: قُلْتُ حَسَنًا وقُلْتُ حَقًّا، أيْ: قَوْلًا حَسَنًا وقَوْلًا حَقًّا، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ وابْنُ كَثِيرٍ والحَسَنُ والأعْمَشُ: (نَغْفِرْ)، بِالنُّونِ، (لَكم خَطِيئاتِكم) جَمْعُ سَلامَةٍ، إلّا أنَّ الحَسَنَ خَفَّفَ الهَمْزَةَ وأدْغَمَ الياءَ فِيها، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: نَغْفِرْ، بِالنُّونِ، لَكم خَطاياكم عَلى وزْنِ قَضاياكم، وقَرَأ نافِعٌ ومَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو: (تُغْفَرْ)، بِالتّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، (لَكم خَطِيئاتُكم) جَمْعُ سَلامَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، تُغْفَرْ، بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، لَكم خَطِيئَتُكم عَلى التَّوْحِيدِ مَهْمُوزًا. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزٍ: تَغْفِرْ، بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ عَلى مَعْنى أنَّ الحِطَّةَ تَغْفِرُ؛ إذْ هي سَبَبُ الغُفْرانِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وبَدَّلَ: غَيَّرَ اللَّفْظَ دُونَ أنْ يَذْهَبَ بِجَمِيعِهِ، وأبْدَلَ: إذا ذَهَبَ بِهِ وجاءَ بِلَفْظٍ آخَرَ، انْتَهى، وهَذِهِ التَّفْرِقَةُ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ، وقَدْ جاءَ في القِراءاتِ بَدَّلَ وأبْدَلَ بِمَعْنًى واحِدٍ، قُرِئَ: ﴿فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنهُ زَكاةً﴾ [الكهف: ٨١]، و﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ أزْواجًا﴾ [التحريم: ٥]، ﴿عَسى رَبُّنا أنْ يُبْدِلَنا خَيْرًا مِنها﴾ [القلم: ٣٢] بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ والمَعْنى واحِدٌ، وهو إذْهابُ الشَّيْءِ والإتْيانُ بِغَيْرِهِ بَدَلًا مِنهُ، ثُمَّ التَّشْدِيدُ قَدْ جاءَ حَيْثُ يَذْهَبُ الشَّيْءُ كُلُّهُ قالَ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠]، ﴿وبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ [سبإ: ١٦]، ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ﴾ [الأعراف: ٩٥] وعَلى هَذا كَلامُ العَرَبِ نَثْرُها ونَظْمُها. ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ (p-٤١٠)الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ إذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهم يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا ويَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهم بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ الضَّمِيرُ في واسْألْهم عائِدٌ عَلى مَن بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ ﷺ مِنَ اليَهُودِ، وذَكَرَ أنَّ بَعْضَ اليَهُودِ المُعارِضِينَ لِلرَّسُولِ قالُوا لَهُ: لَمْ يَكُنْ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عِصْيانٌ ولا مُعانَدَةٌ لِما أُمِرُوا بِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُوَبِّخَةً لَهم ومُقَرِّرَةً كَذِبَهم ومُعَلِّمَةً ما جَرى عَلى أسْلافِهِمْ مِنَ الإهْلاكِ والمَسْخِ، وكانَتِ اليَهُودُ تَكْتُمُ هَذِهِ القِصَّةَ فَهي مِمّا لا يُعْلَمُ إلّا بِكِتابٍ أوْ وحْيٍ، فَإذا أعْلَمَهم بِها مَن لَمْ يَقْرَأْ كِتابَهم عُلِمَ أنَّهُ مِن جِهَةِ الوَحْيِ، وقَوْلُهُ: عَنِ القَرْيَةِ فِيهِ حَذْفٌ، أيْ: عَنْ أهْلِ القَرْيَةِ، والقَرْيَةُ: إيلَةُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ وعِكْرِمَةُ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ والثَّوْرِيُّ، أوْ مَدْيَنُ، ورَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أوْ ساحِلُ مَدْيَنَ، ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، وقالَ: هي مَقْنى بِالقافِ ساكِنَةً، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هي مَقْناةُ ساحِلِ مَدْيَنَ، ويُقالُ لَها: مَعَنّى، بِالعَيْنِ مَفْتُوحَةً ونُونٍ مُشَدَّدَةٍ، أوْ طَبَرِيَّةُ، قالَهُ الزُّهْرِيُّ، أوْ أرِيحا، أوْ بَيْتُ المَقْدِسِ، وهو بَعِيدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿حاضِرَةَ البَحْرِ﴾، أوْ قَرْيَةٌ بِالشّامِ لَمْ تُسَمَّ بِعَيْنِها، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ: ومَعَنّى، انْتَهى، ﴿حاضِرَةَ البَحْرِ﴾: بِقُرْبِ البَحْرِ مَبْنِيَّةً بِشاطِئِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مَعْنى الحاضِرَةِ عَلى جِهَةِ التَّعْظِيمِ لَها، أيْ: هي الحاضِرَةُ في قُرى البَحْرِ، فالتَّقْدِيرُ: حاضِرَةُ قُرى البَحْرِ، أيْ: يَحْضُرُ أهْلُ قُرى البَحْرِ إلَيْها لِبَيْعِهِمْ وشِرائِهِمْ وحاجَتِهِمْ؛ إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ، أيْ: يُجاوِزُونَ أمْرَ اللَّهِ في العَمَلِ يَوْمَ السَّبْتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مِنهُ تَعالى النَّهْيُ عَنِ العَمَلِ فِيهِ والِاشْتِغالِ بِصَيْدٍ أوْ غَيْرِهِ، إلّا أنَّهُ في هَذِهِ النّازِلَةِ كانَ عِصْيانُهم، وقُرِئَ: يُعِدُّونَ، مِنَ الإعْدادِ، وكانُوا يُعِدُّونَ آلاتِ الصَّيْدِ يَوْمَ السَّبْتِ، وهم مَأْمُورُونَ بِأنْ لا يَشْتَغِلُوا فِيهِ بِغَيْرِ العِبادَةِ، وقَرَأ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ وأبُو نَهِيكٍ: يَعُدُّونَ، بِفَتْحِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الدّالِ، وأصْلُهُ يَعْتَدُونَ فَأُدْغِمَتِ التّاءَ في الدّالِ كَقِراءَةِ مَن قَرَأ: لا تَعُدُّوا في السَّبْتِ؛ إذْ: ظَرْفٌ والعامِلُ فِيهِ. قالَ الحَوْفِيُّ: إذْ مُتَعَلِّقَةٌ بِسَلْهم، انْتَهى، ولا يُتَصَوَّرُ؛ لِأنَّ إذْ ظَرْفٌ لِما مَضى وسَلْهم مُسْتَقْبَلٌ، ولَوْ كانَ ظَرْفًا مُسْتَقْبَلًا لَمْ يَصِحِّ المَعْنى؛ لِأنَّ العادِينَ وهم أهْلُ القَرْيَةِ مَفْقُودُونَ فَلا يُمْكِنُ سُؤالُهم، والمَسْئُولُ عَنْ أهْلِ القَرْيَةِ العادِينَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إذْ يَعْدُونَ بَدَلٌ مِنَ القَرْيَةِ، والمُرادُ بِالقَرْيَةِ أهْلُها، كَأنَّهُ قِيلَ: وسَلْهم عَنْ أهْلِ القَرْيَةِ وقْتَ عُدْوانِهِمْ في السَّبْتِ، وهو مِن بَدَلِ الِاشْتِمالِ، انْتَهى، وهَذا لا يَجُوزُ، لِأنَّ إذْ مِنَ الظُّرُوفِ الَّتِي لا تَتَصَرَّفُ، ولا يَدْخُلُ عَلَيْها حَرْفُ جَرٍّ، وجَعْلُها بَدَلًا يَجُوزُ دُخُولُ عَنْ عَلَيْها، لِأنَّ البَدَلَ هو عَلى نِيَّةِ تَكْرارِ العامِلِ، ولَوْ أُدْخِلَتْ عَنْ عَلَيْها لَمْ يَجُزْ، وإنَّما تُصُرِّفَ فِيها بِأنْ أُضِيفَ إلَيْها بَعْضُ الظُّرُوفِ الزَّمانِيَّةِ نَحْوُ: يَوْمَ إذْ كانَ كَذا، وأمّا قَوْلُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّها يُتَصَرَّفُ فِيها بِأنْ تَكُونَ مَفْعُولَةً بِاذْكُرْ، فَهو قَوْلُ مَن عَجَزَ عَنْ تَأْوِيلِها عَلى ما (p-٤١١)يَنْبَغِي لَها مِن إبْقائِها ظَرْفًا، وقالَ أبُو البَقاءِ عَنِ القَرْيَةِ: أيْ: عَنْ خَبَرِ القَرْيَةِ، وهَذا المَحْذُوفُ هو النّاصِبُ لِلظَّرْفِ الَّذِي هو إذْ يَعْدُونَ؛ وقِيلَ: هو ظَرْفٌ لِلْحاضِرَةِ، وجَوَّزَ ذَلِكَ أنَّها كانَتْ مَوْجُودَةً في ذَلِكَ الوَقْتِ، ثُمَّ خُرِّبَتِ، انْتَهى، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: في السَّبْتِ ويَوْمَ سَبْتِهِمْ المُرادُ بِهِ اليَوْمُ، ومَعْنى اعْتَدَوْا فِيهِ، أيْ: بِعِصْيانِهِمْ وخِلافِهِمْ، كَما قَدَّمْنا، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: السَّبْتُ مَصْدَرُ سَبَتَتِ اليَهُودُ إذا عَظَّمَتْ سَبْتَها بِتَرْكِ الصَّيْدِ والِاشْتِغالِ بِالتَّعَبُّدِ، فَمَعْناهُ: يَعْدُونَ في تَعْظِيمِ هَذا اليَوْمِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: يَوْمَ سَبْتِهم يَوْمَ تَعْظِيمِهِمْ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ لا يَسْبِتُونَ﴾ وإذْ تَأْتِيهِمُ، العامِلُ في إذْ يَعْدُونَ، أيْ: إذْ عَدَوْا في السَّبْتِ إذْ أتَتْهم؛ لِأنَّ إذْ ظَرْفٌ لِما مَضى يَصْرِفُ المُضارِعَ لِلْمُضِيِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا بَعْدَ بَدَلٍ، انْتَهى، يَعْنِي بَدَلًا مِنَ القَرْيَةِ بَعْدَ بَدَلِ إذْ يَعْدُونَ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ، وأضافَ السَّبْتَ إلَيْهِمْ لِأنَّهم مَخْصُوصُونَ بِأحْكامٍ فِيهِ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: حِيتانُهم يَوْمَ أسْباتِهِمْ، قالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ في كِتابِ اللَّوامِحِ وقَدْ ذَكَرَ هَذِهِ القِراءَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ: وهو مَصْدَرٌ مِن أسْبَتَ الرَّجُلُ إذا دَخَلَ في السَّبْتِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ وعاصِمٌ بِخِلافٍ: لا يَسْبُتُونَ، بِضَمِّ كَسْرَةِ الباءِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وقَرَأ عَلِيٌّ والحَسَنُ وعاصِمٌ بِخِلافٍ: يُسْبِتُونَ، بِضَمِّ ياءِ المُضارَعَةِ مِن أسْبَتَ دَخَلَ في السَّبْتِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعَنِ الحَسَنِ لا يُسْبَتُونَ بِضَمِّ الياءِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، أيْ: لا يُدارُ عَلَيْهِمُ السَّبْتُ، ولا يُؤْمَرُونَ بِأنْ يُسْبِتُوا، والعامِلُ في يَوْمَ قَوْلُهُ: لا تَأْتِيهِمْ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ ما بَعْدَ لا لِلنَّفْيِ يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها، وفِيهِ ثَلاثَةُ مَذاهِبَ: الجَوازُ مُطْلَقًا، والمَنعُ مُطْلَقًا، والتَّفْصِيلُ بَيْنَ أنْ يَكُونَ لا جَوابَ قَسَمٍ فَيَمْتَنِعُ، أوْ غَيْرَ ذَلِكَ فَيَجُوزُ، وهو الصَّحِيحُ كَذَلِكَ، أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ البَلاءِ بِأمْرِ الحُوتِ نَبْلُوهم، أيْ: بَلَوْناهم وامْتَحَنّاهم؛ وقِيلَ: كَذَلِكَ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ، أيْ: ويَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ، أيْ: لا تَأْتِيهِمْ إتْيانًا، مِثْلَ ذَلِكَ الإتْيانِ، وهو أنْ تَأْتِيَ شُرَّعًا ظاهِرَةً كَثِيرَةً بَلْ يَأْتِي ما أتى مِنها، وهو قَلِيلٌ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ في كَذَلِكَ يَنْتَفِي إتْيانُ الحُوتِ مُطْلَقًا، كَما رُوِيَ في القَصَصِ أنَّهُ كانَ يَغِيبُ بِجُمْلَتِهِ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي كانَ يَغِيبُ أكْثَرُهُ، ولا يَبْقى مِنهُ إلّا القَلِيلُ الَّذِي يُتْعِبُ بِصَيْدِهِ، قالَهُ قَتادَةُ: وهَذا الإتْيانُ مِنَ الحُوتِ قَدْ يَكُونُ بِإرْسالٍ مِنَ اللَّهِ كَإرْسالِ السَّحابِ أوْ بِوَحْيِ إلْهامٍ، كَما أوْحى إلى النَّحْلِ، أوْ بِإشْعارٍ في ذَلِكَ اليَوْمِ عَلى نَحْوِ ما يُشْعِرُ اللَّهُ الدَّوابَّ يَوْمَ الجُمُعَةِ بِأمْرِ السّاعَةِ حَسْبَما جاءَ: وما مِن دابَّةٍ إلّا وهي مُصِيخَةٌ يَوْمَ الجُمُعَةِ حَتّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَرَقًا مِنَ السّاعَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنَ الحُوتِ شُعُورًا بِالسَّلامَةِ، ومَعْنى شُرَّعًا: مُقْبِلَةً إلَيْهِمْ مُصْطَفَّةً، كَما تَقُولُ: أشْرَعْتُ الرُّمْحَ نَحْوَهُ، أيْ: أقْبَلْتُ بِهِ إلَيْهِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: شُرَّعًا ظاهِرَةً عَلى وجْهِ الماءِ، وعَنِ الحَسَنِ: تُشْرَعُ عَلى أبْوابِهِمْ، كَأنَّها الكِباشُ السِّمَنُ، يُقالُ: شَرَعَ عَلَيْنا فُلانٌ إذا دَنا مِنّا وأشْرَفَ عَلَيْنا، وشَرَعْتُ عَلى فُلانٍ في بَيْتِهِ فَرَأيْتُهُ يَفْعَلُ كَذا، وقالَ رُواةُ القَصَصِ: يَقْرَبُ حَتّى يُمْكِنَ أخْذُهُ بِاليَدِ، فَساءَهم ذَلِكَ وتَطَرَّقُوا إلى المَعْصِيَةِ بِأنْ حَفَرُوا حُفَرًا يَخْرُجُ إلَيْها ماءُ البَحْرِ عَلى أُخْدُودٍ، فَإذا جاءَ الحُوتُ يَوْمَ السَّبْتِ وحَصَلَ في الحُفْرَةِ ألْقَوْا في الأُخْدُودِ حَجَرًا فَمَنَعُوهُ الخُرُوجَ إلى البَحْرِ، فَإذا كانَ الأحَدُ أخَذُوهُ، فَكانَ هَذا أوَّلُ التَّطْرِيقِ، وقالَ ابْنُ رُومانَ: كانُوا يَأْخُذُ الرَّجُلُ مِنهم خَيْطًا ويَضَعُ فِيهِ وهْقَةً وألْقاها في ذَنَبِ الحُوتِ، وفي الطَّرَفِ الآخَرِ مِنَ الخَيْطِ وتَدٌ مَضْرُوبٌ، وتَرَكَهُ كَذَلِكَ إلى أنْ يَأْخُذَهُ في الأحَدِ، ثُمَّ تَطَرَّقَ النّاسُ حِينَ رَأوْا مَن يَصْنَعُ هَذا لا يُبْتَلى، حَتّى كَثُرَ صَيْدُ الحُوتِ ومُشِيَ بِهِ في الأسْواقِ، وأعْلَنَ الفَسَقَةُ بِصَيْدِهِ وقالُوا: ذَهَبَتْ حُرْمَةُ السَّبْتِ.

الأعراف 7:164

﴿وإذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنهم لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهم أوْ مُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا قالُوا مَعْذِرَةً إلى رَبِّكم ولَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾، أيْ: جَماعَةٌ مِن أهْلِ القَرْيَةِ مِن صُلَحائِهِمُ (p-٤١٢)الَّذِينَ جَرَّبُوا الوَعْظَ فِيهِمْ فَلَمْ يَرَوْهُ يُجْدِي، والظّاهِرُ أنَّ القائِلَ غَيْرُ المَقُولِ لَهم: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا، فَيَكُونُ ثَلاثَ فِرَقٍ: اعْتَدَوْا، وفِرْقَةٌ وعَظَتْ ونَهَتْ، وفِرْقَةٌ اعْتَزَلَتْ ولَمْ تَنْهَ ولَمْ تَعْتَدِ، وهَذِهِ الطّائِفَةُ غَيْرُ القائِلَةِ لِلْواعِظَةِ: لِمَ تَعِظُونَ، ورُوِيَ أنَّهم كانُوا فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةٌ عَصَتْ، وفِرْقَةٌ نَهَتْ ووَعَظَتْ، وأنَّ جَماعَةً مِنَ العاصِيَةِ قالَتْ لِلْواعِظَةِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا قَدْ عَلِمْتُمْ أنْتُمْ أنَّ اللَّهَ مُهْلِكُهم أوْ مُعَذِّبُهم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والقَوْلُ الأوَّلُ أصْوَبُ، ويُؤَيِّدُهُ الضَّمائِرُ في قَوْلِهِ: ﴿مَعْذِرَةً إلى رَبِّكم ولَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ فَهَذِهِ المُخاطَبَةُ تَقْتَضِي مُخاطَبًا، انْتَهى، ويَعْنِي أنَّهُ لَوْ كانَتِ العاصِيَةُ هي القائِلَةُ لَقالَتِ الواعِظَةُ: مَعْذِرَةً إلى رَبِّهِمْ ولَعَلَّهم، أوْ بِالخِطابِ: مَعْذِرَةً إلى رَبِّكم ولَعَلَّكم تَتَّقُونَ، ومَعْنى مُهْلِكُهم: مُخْتَرِمُهم ومُطَهِّرُ الأرْضِ مِنهم، ﴿أوْ مُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ لِتَمادِيهِمْ في العِصْيانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ العَذابُ في الدُّنْيا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في الآخِرَةِ، وإنْ كانُوا ثَلاثَ فِرَقٍ، فالقائِلَةُ إنَّما قالَتْ ذَلِكَ حَيْثُ عَلِمُوا أنَّ الوَعْظَ لا يَنْفَعُ فِيهِمْ لِكَثْرَةِ تَكَرُّرِهِ عَلَيْهِمْ وعَدَمِ قَبُولِهِمْ لَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونا فِرْقَتَيْنِ: عاصِيَةً وطائِعَةً، وأنَّ الطّائِعَةَ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ لَمّا رَأوْا أنَّ العاصِيَةَ لا يُجْدِي فِيها الوَعْظُ ولا يُؤَثِّرُ شَيْئًا: لِمَ تَعِظُونَ ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: مَعْذِرَةٌ، بِالرَّفْعِ، أيْ: مَوْعِظَتُنا إقامَةُ عُذْرٍ إلى اللَّهِ، ولِئَلّا نُنْسَبَ في النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ إلى بَعْضِ التَّفْرِيطِ، ولِطَمَعِنا في أنْ يَتَّقُوا المَعاصِيَ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعاصِمٌ في بَعْضِ ما رُوِيَ عَنْهُ وعِيسى بْنُ عُمَرَ وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: مَعْذِرَةً، بِالنَّصْبِ، أيْ: وعَظْناهم مَعْذِرَةً، قالَ سِيبَوَيْهِ: لَوْ قالَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ: مَعْذِرَةً إلى اللَّهِ وإلَيْكَ مِن كَذا لَنَصَبَ، انْتَهى، ويَخْتارُ هَنا سِيبَوَيْهِ الرَّفْعَ، قالَ: لِأنَّهم لَمْ يُرِيدُوا أنْ يَعْتَذِرُوا اعْتِذارًا مُسْتَأْنَفًا، ولَكِنَّهم قِيلَ: لَهم لِمَ تَعِظُونَ ؟ قالُوا: مَوْعِظَتُنا مَعْذِرَةٌ، وقالَ أبُو البَقاءِ: مَن نَصَبَ فَعَلى المَفْعُولِ لَهُ، أيْ: وعْظُنا لِلْمَعْذِرَةِ؛ وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ، أيْ: نَعْتَذِرُ مَعْذِرَةً، وقالَهُما الزَّمَخْشَرِيُّ.

الأعراف 7:165

﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وأخَذْنا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ الضَّمِيرُ في نَسُوا لِلْمَنهِيِّينَ، أيْ: تَرَكُوا ما ذَكَّرَهم بِهِ الصّالِحُونَ، وجَعَلَ التَّرْكَ نِسْيانًا مُبالَغَةً؛ إذْ أقْوى أحْوالِ التَّرْكِ أنْ يُنْسى المَتْرُوكُ، وما مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الذِّكْرُ نَفْسُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ ما كانَ في الذِّكْرِ، انْتَهى، ولا يَظْهَرُ لِي هَذانِ الِاحْتِمالانِ، والسُّوءُ عامٌّ في المَعاصِي، وبِحَسَبَ القَصَصِ يَخْتَصُّ هُنا بِصَيْدِ الحُوتِ، والَّذِينَ ظَلَمُوا هُمُ العاصُونَ نَبَّهَ عَلى العِلَّةِ في أخْذِهِمْ، وهي الظُّلْمُ. قالَ مُجاهِدٌ: بَئِيسٍ شَدِيدٌ مُوجِعٌ، وقالَ الأخْفَشُ: مُهْلِكٌ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وغَيْرُهُما: بِيسٍ، عَلى وزْنِ جَيِّدٍ، وابْنُ عامِرٍ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ هَمَزَ كَبِئْرٍ، ووُجِّهَتا عَلى أنَّهُ فِعْلٌ سُمِّيَ بِهِ، كَما جاءَ: أنْهاكم عَنْ قِيلَ وقالَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وُضِعَ وصْفًا عَلى وزْنِ فِعْلٍ، كَحِلْفٍ، فَلا يَكُونُ أصْلُهُ فِعْلًا، وخَرَّجَهُ الكِسائِيُّ عَلى وجْهٍ آخَرَ، وهو أنَّ الأصْلَ بَيْئِسٌ فَخُفِّفَ الهَمْزَةُ فالتَقَتَ ياءانِ فَحُذِفَتْ إحْداهُما وكُسِرَ أوَّلُهُ، كَما يُقالُ: رَغِيفٌ وشَهِيدٌ، وخَرَّجَهُ غَيْرُهُ عَلى أنْ يَكُونَ عَلى وزْنِ فِعْلٍ فَكُسِرَ أوَّلُهُ إتْباعًا، ثُمَّ حُذِفَتِ الكَسْرَةُ، كَما قالُوا: فَخِذٌ، ثُمَّ خَفَّفُوا الهَمْزَةَ، وقَرَأ الحَسَنُ: بَئِيسٌ بِهَمْزٍ وبِغَيْرِ هَمْزٍ عَنْ نافِعٍ وأبِي بَكْرٍ مِثْلَهُ، إلّا أنَّهُ بِغَيْرِ هَمْزٍ عَنْ نافِعٍ، كَما تَقُولُ بِيسَ الرَّجُلُ، وضَعَّفَها أبُو حاتِمٍ، وقالَ: لا وجْهَ لَها، قالَ: لِأنَّهُ لا يُقالُ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ بِيسَ حَتّى يُقالَ: بِيسَ الرَّجُلُ، أوْ بِيسَ رَجُلًا، قالَ النَّحّاسُ: هَذا مَرْدُودٌ مِن كَلامِ أبِي حاتِمٍ، حَكى النَّحْوِيُّونَ إنْ فَعَلْتَ كَذا وكَذا فَبِها ونِعْمَتْ، يُرِيدُونَ: ونِعْمَتِ الخَصْلَةُ، والتَّقْدِيرُ: بِيسَ العَذابُ، وقُرِئَ بَئِسَ عَلى وزْنِ شَهِدَ، حَكاها يَعْقُوبُ القارِئُ وعَزاها أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ إلى عِيسى وزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ. وقَرَأ جُرَيَّةُ بْنُ عائِدٍ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ في رِوايَةٍ: بَأسَ، عَلى وزْنِ ضَرَبَ، فِعْلًا ماضِيًا، وعَنِ الأعْمَشِ ومالِكِ بْنِ دِينارٍ: بَأْسَ أصْلُهُ بَأسَ، فَسَكَّنَ الهَمْزَةَ، جَعَلَهُ فِعْلًا لا يَتَصَرَّفُ، (p-٤١٣)وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: بَيَسَ، بِفَتْحِ الباءِ والياءِ والسِّينِ، وحَكى الزَّهْراوِيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وأهْلِ مَكَّةَ: بِئِسَ، بِكَسْرِ الباءِ والهَمْزِ هَمْزًا خَفِيفًا ولَمْ يُبَيِّنْ هَلِ الهَمْزَةُ مَكْسُورَةٌ أوْ ساكِنَةٌ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ باسَ، بِفَتْحِ الباءِ وسُكُونِ الألِفِ. وقَرَأ خارِجَةُ عَنْ نافِعٍ وطَلْحَةَ: (بَيْسٍ)، عَلى وزْنِ كَيْلٍ لَفْظًا، وكانَ أصْلُهُ: فَيْعَلَ، مَهْمُوزًا إلّا أنَّهُ خَفَّفَ الهَمْزَةَ بِإبْدالِها ياءً وأدْغَمَ ثُمَّ حَذَفَ كَمَيِّتٍ، وقَرَأ نَصْرٌ في رِوايَةِ مالِكِ بْنِ دِينارٍ عَنْهُ: (بَأسٍ)، عَلى وزْنِ جَبَلٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ مُصَرِّفٍ: بَئَّسَ، عَلى وزْنِ كَبَّدَ وحَذَّرَ، وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ الرُّقَياتُ: ؎لَيْتَنِي ألْقى رُقَيَّةَ في خَلْوَةٍ مِن غَيْرِ ما بَئَّسْ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ والأعْمَشُ: (بَيْأسٍ) عَلى وزْنٍ ضَيْغَمٍ، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ بْنُ عابِسٍ الكِنْدِيُّ: ؎كِلاهُما كانَ رَئِيسًا بَيْأسا ∗∗∗ يَضْرِبُ في يَوْمِ الهِياجِ القَوْنَسا وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ والأعْمَشُ بِخِلافٍ عَنْهُ: بَيْئِسٍ عَلى وزْنِ صَيْقِلٍ، اسْمُ امْرَأةٍ، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وبِكَسْرِ القافِ وهُما شاذّانِ لِأنَّهُ بِناءٌ مُخْتَصٌّ بِالمُعْتَلِّ كَسَيِّدٍ ومَيِّتٍ، وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عاصِمٍ في رِوايَةٍ: بَيْسٍ، عَلى وزْنِ مَيْتٍ وخُرِّجَ عَلى أنَّهُ مِنَ البُؤْسِ، ولا أصْلَ لَهُ في الهَمْزِ، وخُرِّجَ أيْضًا عَلى أنَّهُ خَفَّفَ الهَمْزَةَ بِإبْدالِها ياءً، ثُمَّ أُدْغِمَتْ، وعَنْهُ أيْضًا بِئْسَ بِقَلْبِ الياءِ هَمْزَةً وإدْغامِها في الهَمْزَةِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ عَنِ الأعْمَشِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: بَأَّسَ، بِفَتْحِ الثَّلاثَةِ والهَمْزَةِ مُشَدَّدَةً، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ ونافِعٌ وفي رِوايَةِ أبِي قُرَّةَ وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ومُجاهِدٌ والأعْرَجُ والأعْمَشُ في رِوايَةٍ وأهْلُ الحِجازِ: بَئِيسٍ عَلى وزْنِ رَئِيسٍ، وخُرِّجَ عَلى أنَّهُ وصْفٌ عَلى وزْنِ فَعِيلٍ لِلْمُبالَغَةِ مِن بائِسٍ عَلى وزْنِ فاعِلٍ، وهي قِراءَةُ أبِي رَجاءٍ عَنْ عَلِيٍّ، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ كالنَّكِيرِ والقَدِيرِ، وقالَ أبُو الإصْبَعِ العُدْوانِيُّ: ؎حَنَقا عَلَيَّ ولا أرى ∗∗∗ لِي مِنهُما شَرًّا بَئِيسا وقَرَأ أهْلُ مَكَّةَ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم كَسَرُوا الباءَ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ في فَعِيلٍ حَلْقِيِّ العَيْنِ يَكْسِرُونَ أوَّلَهُ، وسَواءٌ كانَ اسْمًا أمْ صِفَةً، وقَرَأ الحَسَنُ والأعْمَشُ فِيما زَعَمَ عِصْمَةُ بَئِيسٍ، عَلى وزْنِ طَرِيمٍ وحَزِيمٍ، فَهَذِهِ اثْنَتانِ وعِشْرُونَ قِراءَةً وضَبْطُها بِالتَّلْخِيصِ أنَّها قُرِئَتْ ثُلاثِيَّةَ اللَّفْظِ ورُباعِيَّتَهُ، فالثُّلاثِيُّ اسْمًا بِئْسٍ وبَيْسٍ وبِيسٍ وبَأْسٍ وبَأسٍ وبَيَسٍ، وفِعْلًا بِيسَ وبِئْسَ وبَئِسَ وبَأسَ وبَأْسَ وبُئِسَ، والرُّباعِيَّةُ اسْمًا بَيْأسٍ وبِيئِسٍ وبَيْئِسٍ وبَيْسٍ وبَيِيسٍ وبَئِيسٍ وبائِسٍ وفِعْلًا باءَسَ.

الأعراف 7:166

﴿فَلَمّا عَتَوْا عَمّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خَـاسِئِينَ﴾ . أيِ اسْتَعْصَوْا والعُتُوُّ الِاسْتِعْصاءُ والتَّأبِّي في الشَّيْءِ، وباقِي الآيَةِ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في البَقَرَةِ، والظّاهِرُ أنَّ العَذابَ والمَسْخَ والهَلاكَ إنَّما وقَعَ بِالمُعْتَدِينَ في السَّبْتِ، والأُمَّةُ القائِلَةُ: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾ [الأعراف: ١٦٤] هم مِن فَرِيقِ النّاهِينَ النّاجِينَ، وإنَّما سَألُوا إخْوانَهم عَنْ عِلَّةِ وعْظِهِمْ وهو لا يُجْدِي فِيهِمْ شَيْئًا البَتَّةَ إذِ اللَّهُ مُهْلِكُهم أوْ مُعَذِّبُهم، فَيَصِيرُ الوَعْظُ إذْ ذاكَ كالبَعْثِ كَوَعْظِ المِكاسَيْنِ فَإنَّهم يَسْخَرُونَ بِمَن يَعِظُهم، وكَثِيرٌ ما يُؤَدِّي إلى تَنْكِيلِ الواعِظِ، وعَلى قَوْلِ مَن زَعَمَ أنَّ الأُمَّةَ القائِلَةَ: لِمَ تَعِظُونَ هُمُ العُصاةُ، قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ أيْ تَزْعُمُونَ أنَّ اللَّهَ مُهْلِكُهم أوْ مُعَذِّبُهم، تَكُونُ هَذِهِ الأُمَّةُ مِنَ الهالِكِينَ المَمْسُوخِينَ، والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا عَتَوْا﴾ أنَّهم أوَّلًا أُخِذُوا بِالعَذابِ حِينَ نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ، ثُمَّ لَمّا عَتَوْا مُسِخُوا، وقِيلَ: فَلَمّا عَتَوْا تَكْرِيرٌ لِقَوْلِهِ: فَلَمّا نَسُوا، والعَذابُ البَئِيسُ هو المَسْخُ. وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمٍ القِيَـامَةِ مَن يَسُومُهم سُوءَ العَذابِ. لَمّا ذَكَرَ تَعالى قُبْحَ فِعالِهِمْ واسْتِعْصاءَهم أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالذُّلِّ والصَّغارِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ: تَأذَّنَ أعْلَمَ مِنَ الأذانِ، وهو الإعْلامُ، قالَهُ الحَسَنُ وابْنُ قُتَيْبَةَ واخْتارَهُ الزَّجّاجُ وأبُو عَلِيٍّ، وقالَ عَطاءٌ: تَأذَّنَ حَتَمَ، (p-٤١٤)وقالَ قُطْرُبٌ: وعَدَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أخْبَرَ، وهو راجِعٌ لِمَعْنى أعْلَمَ، وقالَ مُجاهِدٌ: أمَرَ، وعَنْهُ قالَ: وقِيلَ: أقْسَمَ، ورُوِيَ عَنِ الزَّجّاجِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَأذَّنَ عَزَمَ، رَبُّكَ وهو تَفَعَّلَ مِنَ الإيذانِ، وهو الإعْلامُ؛ لِأنَّ العازِمَ عَلى الأمْرِ يُحَدِّثُ بِهِ نَفْسَهُ ويُؤْذِنُها بِفِعْلِهِ، وأُجْرِيَ مَجْرى فِعْلِ القَسَمِ كَعَلِمَ اللَّهُ وشَهِدَ اللَّهُ، ولِذَلِكَ أُجِيبَ بِما يُجابُ بِهِ القَسَمُ، وهو قَوْلُهُ: لَيَبْعَثَنَّ، والمَعْنى: وإذْ حَتَّمَ رَبُّكَ وكَتَبَ عَلى نَفْسِهِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بِنْيَةُ: تَأذَّنَ هي الَّتِي تَقْتَضِي التَّكَسُّبَ، مِن أذِنَ أيْ عَلِمَ ومَكَنَ، فَإذا كانَ مُسْنَدًا إلى غَيْرِ اللَّهِ لَحِقَهُ مَعْنى التَّكَسُّبِ الَّذِي يَلْحَقُ المُحْدَثِينَ، وإلى اللَّهِ كانَ بِمَعْنى عَلِمِ صِفَةً لا مُكْتَسَبَةً بَلْ قائِمَةً بِالذّاتِ، فالمَعْنى: وإذْ عَلِمَ اللَّهُ، لَيَبْعَثَنَّ ويَقْتَضِي قُوَّةَ الكَلامِ أنَّ ذَلِكَ العِلْمَ مِنهُ مُقْتَرِنٌ بِإنْفاذٍ وإمْضاءٍ، كَما تَقُولُ في أمْرٍ قَدْ عَزَمْتَ عَلَيْهِ غايَةَ العَزْمِ: عَلِمَ اللَّهُ لَأبْعَثَنَّ كَذا، نَحا إلَيْهِ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، وقالَ الطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُ: تَأذَّنَ، مَعْناهُ أعْلَمَ، وهو قَلَقٌ مِن جِهَةِ التَّصْرِيفِ، إذْ نِسْبَةُ: تَأذَّنَ إلى الفاعِلِ غَيْرُ نِسْبَةِ أعْلَمَ، وبَيْنَ ذَلِكَ فَرْقٌ مِنَ التَّعَدِّي وغَيْرِهِ، انْتَهى، وفِيهِ بَعْضُ اخْتِصارٍ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: أعْلَمَ أنْبِياءَ بَنِي إسْرائِيلَ، لَيَبْعَثَنَّ لَيُرْسِلَنَّ ولَيُسَلِّطَنَّ؛ لِقَوْلِهِ: بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا والضَّمِيرُ في: (عَلَيْهِمْ) عائِدٌ عَلى اليَهُودِ، قالَهُ الجُمْهُورُ أوْ: (عَلَيْهِمْ) وعَلى النَّصارى قالَهُ مُجاهِدٌ، وقِيلَ: نَسْلُ المَمْسُوخِينَ والَّذِينَ بَقُوا مِنهم، وقِيلَ: يَهُودُ خَيْبَرَ وقُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، وعَلى هَذا تَرَتَّبَ الخِلافُ في مَن: يَسُومُهم، فَقِيلَ: بُخْتُنَصَّرَ ومَن أذَلَّهم بَعْدَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقِيلَ: المَجُوسُ، كانَتِ اليَهُودُ تُؤَدِّي الجِزْيَةَ إلَيْهِمْ إلى أنْ بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ فَضَرَبَها عَلَيْهِمْ، فَلا تَزالُ مَضْرُوبَةً عَلَيْهِمْ إلى آخِرِ الدَّهْرِ، وقِيلَ: العَرَبُ، كانُوا يَجْبُونَ الخَراجَ مِنَ اليَهُودِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، وقالَ السُّدِّيُّ: بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ العَرَبَ يَأْخُذُونَ مِنهُمُ الجِزْيَةَ ويَقْتُلُونَهم، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَبْعُوثُ عَلَيْهِمْ مُحَمَّدٌ ﷺ وأُمَّتُهُ، ولَمْ يَجْبِ الخَراجَ نَبِيٌّ قَطُّ إلّا مُوسى، جَباهُ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً ثُمَّ أمْسَكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وسُوءَ العَذابِ الجِزْيَةُ، أوِ الجِزْيَةُ والمَسْكَنَةُ، وكِلاهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوِ القِتالُ حَتّى يُسْلِمُوا أوْ يُؤَدُّوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ، وقِيلَ: الإخْراجُ والإبْعادُ عَنِ الوَطَنِ، وذَلِكَ عَلى قَوْلِ مَن قالَ إنَّ الضَّمِيرَ في: (عَلَيْهِمْ) عائِدٌ عَلى أهْلِ خَيْبَرَ وقُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنْ لا دَوْلَةَ لِلْيَهُودِ ولا عِزَّ، وأنَّ الذُّلَّ والصَّغارَ فِيهِمْ لا يُفارِقُهم، ولَمّا كانَ خَبَرًا في زَمانِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ وشاهَدْنا الأمْرَ كَذَلِكَ كانَ خَبَرًا عَنْ مَغِيبٍ صِدْقًا، فَكانَ مُعْجِزًا، وأمّا ما جاءَ في أتْباعِ الدَّجّالِ أنَّهم هُمُ اليَهُودُ، فَتَسْمِيَةً بِما كانُوا عَلَيْهِ إذْ هم في ذَلِكَ الوَقْتِ دانُوا بِإلَهِيَّةِ الدَّجّالِ فَلا تَعارُضَ بَيْنَ هَذا الخَبَرِ إنْ صَحَّ والآيَةِ، وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ: ولَقَدْ حُدِّثْتُ أنَّ طائِفَةً مِنَ الرُّومِ أمْلَقَتْ في صُقْعِها فَباعَتِ اليَهُودَ المُجاوِرَةَ لَهم وتَمَلَّكُوهم.

الأعراف 7:167

﴿فَلَمّا عَتَوْا عَمّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خَـاسِئِينَ﴾ . أيِ اسْتَعْصَوْا والعُتُوُّ الِاسْتِعْصاءُ والتَّأبِّي في الشَّيْءِ، وباقِي الآيَةِ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في البَقَرَةِ، والظّاهِرُ أنَّ العَذابَ والمَسْخَ والهَلاكَ إنَّما وقَعَ بِالمُعْتَدِينَ في السَّبْتِ، والأُمَّةُ القائِلَةُ: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾ [الأعراف: ١٦٤] هم مِن فَرِيقِ النّاهِينَ النّاجِينَ، وإنَّما سَألُوا إخْوانَهم عَنْ عِلَّةِ وعْظِهِمْ وهو لا يُجْدِي فِيهِمْ شَيْئًا البَتَّةَ إذِ اللَّهُ مُهْلِكُهم أوْ مُعَذِّبُهم، فَيَصِيرُ الوَعْظُ إذْ ذاكَ كالبَعْثِ كَوَعْظِ المِكاسَيْنِ فَإنَّهم يَسْخَرُونَ بِمَن يَعِظُهم، وكَثِيرٌ ما يُؤَدِّي إلى تَنْكِيلِ الواعِظِ، وعَلى قَوْلِ مَن زَعَمَ أنَّ الأُمَّةَ القائِلَةَ: لِمَ تَعِظُونَ هُمُ العُصاةُ، قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ أيْ تَزْعُمُونَ أنَّ اللَّهَ مُهْلِكُهم أوْ مُعَذِّبُهم، تَكُونُ هَذِهِ الأُمَّةُ مِنَ الهالِكِينَ المَمْسُوخِينَ، والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا عَتَوْا﴾ أنَّهم أوَّلًا أُخِذُوا بِالعَذابِ حِينَ نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ، ثُمَّ لَمّا عَتَوْا مُسِخُوا، وقِيلَ: فَلَمّا عَتَوْا تَكْرِيرٌ لِقَوْلِهِ: فَلَمّا نَسُوا، والعَذابُ البَئِيسُ هو المَسْخُ. وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمٍ القِيَـامَةِ مَن يَسُومُهم سُوءَ العَذابِ. لَمّا ذَكَرَ تَعالى قُبْحَ فِعالِهِمْ واسْتِعْصاءَهم أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالذُّلِّ والصَّغارِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ: تَأذَّنَ أعْلَمَ مِنَ الأذانِ، وهو الإعْلامُ، قالَهُ الحَسَنُ وابْنُ قُتَيْبَةَ واخْتارَهُ الزَّجّاجُ وأبُو عَلِيٍّ، وقالَ عَطاءٌ: تَأذَّنَ حَتَمَ، (p-٤١٤)وقالَ قُطْرُبٌ: وعَدَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أخْبَرَ، وهو راجِعٌ لِمَعْنى أعْلَمَ، وقالَ مُجاهِدٌ: أمَرَ، وعَنْهُ قالَ: وقِيلَ: أقْسَمَ، ورُوِيَ عَنِ الزَّجّاجِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَأذَّنَ عَزَمَ، رَبُّكَ وهو تَفَعَّلَ مِنَ الإيذانِ، وهو الإعْلامُ؛ لِأنَّ العازِمَ عَلى الأمْرِ يُحَدِّثُ بِهِ نَفْسَهُ ويُؤْذِنُها بِفِعْلِهِ، وأُجْرِيَ مَجْرى فِعْلِ القَسَمِ كَعَلِمَ اللَّهُ وشَهِدَ اللَّهُ، ولِذَلِكَ أُجِيبَ بِما يُجابُ بِهِ القَسَمُ، وهو قَوْلُهُ: لَيَبْعَثَنَّ، والمَعْنى: وإذْ حَتَّمَ رَبُّكَ وكَتَبَ عَلى نَفْسِهِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بِنْيَةُ: تَأذَّنَ هي الَّتِي تَقْتَضِي التَّكَسُّبَ، مِن أذِنَ أيْ عَلِمَ ومَكَنَ، فَإذا كانَ مُسْنَدًا إلى غَيْرِ اللَّهِ لَحِقَهُ مَعْنى التَّكَسُّبِ الَّذِي يَلْحَقُ المُحْدَثِينَ، وإلى اللَّهِ كانَ بِمَعْنى عَلِمِ صِفَةً لا مُكْتَسَبَةً بَلْ قائِمَةً بِالذّاتِ، فالمَعْنى: وإذْ عَلِمَ اللَّهُ، لَيَبْعَثَنَّ ويَقْتَضِي قُوَّةَ الكَلامِ أنَّ ذَلِكَ العِلْمَ مِنهُ مُقْتَرِنٌ بِإنْفاذٍ وإمْضاءٍ، كَما تَقُولُ في أمْرٍ قَدْ عَزَمْتَ عَلَيْهِ غايَةَ العَزْمِ: عَلِمَ اللَّهُ لَأبْعَثَنَّ كَذا، نَحا إلَيْهِ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، وقالَ الطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُ: تَأذَّنَ، مَعْناهُ أعْلَمَ، وهو قَلَقٌ مِن جِهَةِ التَّصْرِيفِ، إذْ نِسْبَةُ: تَأذَّنَ إلى الفاعِلِ غَيْرُ نِسْبَةِ أعْلَمَ، وبَيْنَ ذَلِكَ فَرْقٌ مِنَ التَّعَدِّي وغَيْرِهِ، انْتَهى، وفِيهِ بَعْضُ اخْتِصارٍ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: أعْلَمَ أنْبِياءَ بَنِي إسْرائِيلَ، لَيَبْعَثَنَّ لَيُرْسِلَنَّ ولَيُسَلِّطَنَّ؛ لِقَوْلِهِ: بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا والضَّمِيرُ في: (عَلَيْهِمْ) عائِدٌ عَلى اليَهُودِ، قالَهُ الجُمْهُورُ أوْ: (عَلَيْهِمْ) وعَلى النَّصارى قالَهُ مُجاهِدٌ، وقِيلَ: نَسْلُ المَمْسُوخِينَ والَّذِينَ بَقُوا مِنهم، وقِيلَ: يَهُودُ خَيْبَرَ وقُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، وعَلى هَذا تَرَتَّبَ الخِلافُ في مَن: يَسُومُهم، فَقِيلَ: بُخْتُنَصَّرَ ومَن أذَلَّهم بَعْدَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقِيلَ: المَجُوسُ، كانَتِ اليَهُودُ تُؤَدِّي الجِزْيَةَ إلَيْهِمْ إلى أنْ بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ فَضَرَبَها عَلَيْهِمْ، فَلا تَزالُ مَضْرُوبَةً عَلَيْهِمْ إلى آخِرِ الدَّهْرِ، وقِيلَ: العَرَبُ، كانُوا يَجْبُونَ الخَراجَ مِنَ اليَهُودِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، وقالَ السُّدِّيُّ: بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ العَرَبَ يَأْخُذُونَ مِنهُمُ الجِزْيَةَ ويَقْتُلُونَهم، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَبْعُوثُ عَلَيْهِمْ مُحَمَّدٌ ﷺ وأُمَّتُهُ، ولَمْ يَجْبِ الخَراجَ نَبِيٌّ قَطُّ إلّا مُوسى، جَباهُ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً ثُمَّ أمْسَكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وسُوءَ العَذابِ الجِزْيَةُ، أوِ الجِزْيَةُ والمَسْكَنَةُ، وكِلاهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوِ القِتالُ حَتّى يُسْلِمُوا أوْ يُؤَدُّوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ، وقِيلَ: الإخْراجُ والإبْعادُ عَنِ الوَطَنِ، وذَلِكَ عَلى قَوْلِ مَن قالَ إنَّ الضَّمِيرَ في: (عَلَيْهِمْ) عائِدٌ عَلى أهْلِ خَيْبَرَ وقُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنْ لا دَوْلَةَ لِلْيَهُودِ ولا عِزَّ، وأنَّ الذُّلَّ والصَّغارَ فِيهِمْ لا يُفارِقُهم، ولَمّا كانَ خَبَرًا في زَمانِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ وشاهَدْنا الأمْرَ كَذَلِكَ كانَ خَبَرًا عَنْ مَغِيبٍ صِدْقًا، فَكانَ مُعْجِزًا، وأمّا ما جاءَ في أتْباعِ الدَّجّالِ أنَّهم هُمُ اليَهُودُ، فَتَسْمِيَةً بِما كانُوا عَلَيْهِ إذْ هم في ذَلِكَ الوَقْتِ دانُوا بِإلَهِيَّةِ الدَّجّالِ فَلا تَعارُضَ بَيْنَ هَذا الخَبَرِ إنْ صَحَّ والآيَةِ، وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ: ولَقَدْ حُدِّثْتُ أنَّ طائِفَةً مِنَ الرُّومِ أمْلَقَتْ في صُقْعِها فَباعَتِ اليَهُودَ المُجاوِرَةَ لَهم وتَمَلَّكُوهم.

الأعراف 7:168

﴿فَلَمّا عَتَوْا عَمّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خَـاسِئِينَ﴾ . أيِ اسْتَعْصَوْا والعُتُوُّ الِاسْتِعْصاءُ والتَّأبِّي في الشَّيْءِ، وباقِي الآيَةِ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في البَقَرَةِ، والظّاهِرُ أنَّ العَذابَ والمَسْخَ والهَلاكَ إنَّما وقَعَ بِالمُعْتَدِينَ في السَّبْتِ، والأُمَّةُ القائِلَةُ: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾ [الأعراف: ١٦٤] هم مِن فَرِيقِ النّاهِينَ النّاجِينَ، وإنَّما سَألُوا إخْوانَهم عَنْ عِلَّةِ وعْظِهِمْ وهو لا يُجْدِي فِيهِمْ شَيْئًا البَتَّةَ إذِ اللَّهُ مُهْلِكُهم أوْ مُعَذِّبُهم، فَيَصِيرُ الوَعْظُ إذْ ذاكَ كالبَعْثِ كَوَعْظِ المِكاسَيْنِ فَإنَّهم يَسْخَرُونَ بِمَن يَعِظُهم، وكَثِيرٌ ما يُؤَدِّي إلى تَنْكِيلِ الواعِظِ، وعَلى قَوْلِ مَن زَعَمَ أنَّ الأُمَّةَ القائِلَةَ: لِمَ تَعِظُونَ هُمُ العُصاةُ، قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ أيْ تَزْعُمُونَ أنَّ اللَّهَ مُهْلِكُهم أوْ مُعَذِّبُهم، تَكُونُ هَذِهِ الأُمَّةُ مِنَ الهالِكِينَ المَمْسُوخِينَ، والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا عَتَوْا﴾ أنَّهم أوَّلًا أُخِذُوا بِالعَذابِ حِينَ نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ، ثُمَّ لَمّا عَتَوْا مُسِخُوا، وقِيلَ: فَلَمّا عَتَوْا تَكْرِيرٌ لِقَوْلِهِ: فَلَمّا نَسُوا، والعَذابُ البَئِيسُ هو المَسْخُ. وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمٍ القِيَـامَةِ مَن يَسُومُهم سُوءَ العَذابِ. لَمّا ذَكَرَ تَعالى قُبْحَ فِعالِهِمْ واسْتِعْصاءَهم أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالذُّلِّ والصَّغارِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ: تَأذَّنَ أعْلَمَ مِنَ الأذانِ، وهو الإعْلامُ، قالَهُ الحَسَنُ وابْنُ قُتَيْبَةَ واخْتارَهُ الزَّجّاجُ وأبُو عَلِيٍّ، وقالَ عَطاءٌ: تَأذَّنَ حَتَمَ، (p-٤١٤)وقالَ قُطْرُبٌ: وعَدَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أخْبَرَ، وهو راجِعٌ لِمَعْنى أعْلَمَ، وقالَ مُجاهِدٌ: أمَرَ، وعَنْهُ قالَ: وقِيلَ: أقْسَمَ، ورُوِيَ عَنِ الزَّجّاجِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَأذَّنَ عَزَمَ، رَبُّكَ وهو تَفَعَّلَ مِنَ الإيذانِ، وهو الإعْلامُ؛ لِأنَّ العازِمَ عَلى الأمْرِ يُحَدِّثُ بِهِ نَفْسَهُ ويُؤْذِنُها بِفِعْلِهِ، وأُجْرِيَ مَجْرى فِعْلِ القَسَمِ كَعَلِمَ اللَّهُ وشَهِدَ اللَّهُ، ولِذَلِكَ أُجِيبَ بِما يُجابُ بِهِ القَسَمُ، وهو قَوْلُهُ: لَيَبْعَثَنَّ، والمَعْنى: وإذْ حَتَّمَ رَبُّكَ وكَتَبَ عَلى نَفْسِهِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بِنْيَةُ: تَأذَّنَ هي الَّتِي تَقْتَضِي التَّكَسُّبَ، مِن أذِنَ أيْ عَلِمَ ومَكَنَ، فَإذا كانَ مُسْنَدًا إلى غَيْرِ اللَّهِ لَحِقَهُ مَعْنى التَّكَسُّبِ الَّذِي يَلْحَقُ المُحْدَثِينَ، وإلى اللَّهِ كانَ بِمَعْنى عَلِمِ صِفَةً لا مُكْتَسَبَةً بَلْ قائِمَةً بِالذّاتِ، فالمَعْنى: وإذْ عَلِمَ اللَّهُ، لَيَبْعَثَنَّ ويَقْتَضِي قُوَّةَ الكَلامِ أنَّ ذَلِكَ العِلْمَ مِنهُ مُقْتَرِنٌ بِإنْفاذٍ وإمْضاءٍ، كَما تَقُولُ في أمْرٍ قَدْ عَزَمْتَ عَلَيْهِ غايَةَ العَزْمِ: عَلِمَ اللَّهُ لَأبْعَثَنَّ كَذا، نَحا إلَيْهِ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، وقالَ الطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُ: تَأذَّنَ، مَعْناهُ أعْلَمَ، وهو قَلَقٌ مِن جِهَةِ التَّصْرِيفِ، إذْ نِسْبَةُ: تَأذَّنَ إلى الفاعِلِ غَيْرُ نِسْبَةِ أعْلَمَ، وبَيْنَ ذَلِكَ فَرْقٌ مِنَ التَّعَدِّي وغَيْرِهِ، انْتَهى، وفِيهِ بَعْضُ اخْتِصارٍ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: أعْلَمَ أنْبِياءَ بَنِي إسْرائِيلَ، لَيَبْعَثَنَّ لَيُرْسِلَنَّ ولَيُسَلِّطَنَّ؛ لِقَوْلِهِ: بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا والضَّمِيرُ في: (عَلَيْهِمْ) عائِدٌ عَلى اليَهُودِ، قالَهُ الجُمْهُورُ أوْ: (عَلَيْهِمْ) وعَلى النَّصارى قالَهُ مُجاهِدٌ، وقِيلَ: نَسْلُ المَمْسُوخِينَ والَّذِينَ بَقُوا مِنهم، وقِيلَ: يَهُودُ خَيْبَرَ وقُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، وعَلى هَذا تَرَتَّبَ الخِلافُ في مَن: يَسُومُهم، فَقِيلَ: بُخْتُنَصَّرَ ومَن أذَلَّهم بَعْدَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقِيلَ: المَجُوسُ، كانَتِ اليَهُودُ تُؤَدِّي الجِزْيَةَ إلَيْهِمْ إلى أنْ بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ فَضَرَبَها عَلَيْهِمْ، فَلا تَزالُ مَضْرُوبَةً عَلَيْهِمْ إلى آخِرِ الدَّهْرِ، وقِيلَ: العَرَبُ، كانُوا يَجْبُونَ الخَراجَ مِنَ اليَهُودِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، وقالَ السُّدِّيُّ: بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ العَرَبَ يَأْخُذُونَ مِنهُمُ الجِزْيَةَ ويَقْتُلُونَهم، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَبْعُوثُ عَلَيْهِمْ مُحَمَّدٌ ﷺ وأُمَّتُهُ، ولَمْ يَجْبِ الخَراجَ نَبِيٌّ قَطُّ إلّا مُوسى، جَباهُ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً ثُمَّ أمْسَكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وسُوءَ العَذابِ الجِزْيَةُ، أوِ الجِزْيَةُ والمَسْكَنَةُ، وكِلاهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوِ القِتالُ حَتّى يُسْلِمُوا أوْ يُؤَدُّوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ، وقِيلَ: الإخْراجُ والإبْعادُ عَنِ الوَطَنِ، وذَلِكَ عَلى قَوْلِ مَن قالَ إنَّ الضَّمِيرَ في: (عَلَيْهِمْ) عائِدٌ عَلى أهْلِ خَيْبَرَ وقُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنْ لا دَوْلَةَ لِلْيَهُودِ ولا عِزَّ، وأنَّ الذُّلَّ والصَّغارَ فِيهِمْ لا يُفارِقُهم، ولَمّا كانَ خَبَرًا في زَمانِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ وشاهَدْنا الأمْرَ كَذَلِكَ كانَ خَبَرًا عَنْ مَغِيبٍ صِدْقًا، فَكانَ مُعْجِزًا، وأمّا ما جاءَ في أتْباعِ الدَّجّالِ أنَّهم هُمُ اليَهُودُ، فَتَسْمِيَةً بِما كانُوا عَلَيْهِ إذْ هم في ذَلِكَ الوَقْتِ دانُوا بِإلَهِيَّةِ الدَّجّالِ فَلا تَعارُضَ بَيْنَ هَذا الخَبَرِ إنْ صَحَّ والآيَةِ، وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ: ولَقَدْ حُدِّثْتُ أنَّ طائِفَةً مِنَ الرُّومِ أمْلَقَتْ في صُقْعِها فَباعَتِ اليَهُودَ المُجاوِرَةَ لَهم وتَمَلَّكُوهم.

الأعراف 7:169

﴿إنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العِقابِ﴾ [الأعراف: ١٦٧] . إخْبارٌ يَتَضَمَّنُ سُرْعَةَ إيقاعِ العَذابِ بِهِمْ. ﴿وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٦٧] . تَرْجِيَةٌ لِمَن آمَنَ مِنهم ومِن غَيْرِهِمْ ووَعْدٌ لِمَن تابَ وأصْلَحَ ﴿وقَطَّعْناهم في الأرْضِ أُمَمًا مِنهُمُ الصّالِحُونَ ومِنهم دُونَ ذَلِكَ﴾ [الأعراف: ١٦٨] . أيْ فِرَقًا مُتَبايِنِينَ في أقْطارِ الأرْضِ، فَقَلَّ أرْضٌ لا يَكُونُ مِنهم فِيها شِرْذِمَةٌ، وهَذا حالُهم في كُلِّ مَكانٍ تَحْتَ الصَّغارِ والذِّلَّةِ، سَواءٌ كانَ أهْلُ تِلْكَ الأرْضِ مُسْلِمِينَ أمْ كُفّارًا، وأُمَمًا حالٌ، وقالَ الحَوْفِيُّ: مَفْعُولٌ ثانٍ، وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ هَذا في: قَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ، والصّالِحُونَ مَن آمَنَ مِنهم بِعِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَّلامُ، أوْ مَن آمَنَ بِالمَدِينَةِ، ومِنهم مُنْحَطُّونَ عَنِ الصّالِحِينَ، وهُمُ الكَفَرَةُ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى الصَّلاحِ، أيْ: ومِنهم دُونَ أهْلِ الصَّلاحِ؛ لِأنَّهُ لا يَعْتَدِلُ التَّقْسِيمُ إلّا عَلى هَذا التَّقْدِيرِ مِن حَذْفِ مُضافٍ، أوْ يَكُونُ ذَلِكَ المَعْنى بِهِ أُولَئِكَ، فَكَأنَّهُ قالَ ومِنهم (p-٤١٥)قَوْمٌ دُونَ أُولَئِكَ، وقَدْ ذَكَرَ النَّحْوِيُّونَ أنَّ اسْمَ الإشارَةِ المُفْرَدَ قَدْ يُسْتَعْمَلُ لِلْمُثَنّى والمَجْمُوعِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ بِمَعْنى أُولَئِكَ عَلى هَذِهِ اللُّغَةِ ويَعْتَدِلُ التَّقْسِيمُ، والصّالِحُونَ ودُونَ ذَلِكَ ألْفاظٌ مُحْتَمِلَةٌ، فَإنْ أُرِيدَ بِالصَّلاحِ الإيمانُ فَدُونَ ذَلِكَ يُرادُ بِهِ الكُفّارُ، وإنْ أُرِيدَ بِالصَّلاحِ العِبادَةُ والخَيْرُ وتَوابِعُ الإيمانِ كانَ دُونَ ذَلِكَ في مُؤْمِنِينَ لَمْ يَبْلُغُوا رُتْبَةَ الصَّلاحِ الَّذِي لِأُولَئِكَ، والظّاهِرُ الِاحْتِمالُ الأوَّلُ لِقَوْلِهِ: لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ، إذْ ظاهِرُ قَوْلِهِ: وبَلَوْناهم أنَّهُمُ القَوْمُ الَّذِينَ هم دُونَ أُولَئِكَ، وهو مَن ثَبَتَ عَلى اليَهُودِيَّةِ وخَرَجَ مِنَ الإيمانِ، ودُونَ ذَلِكَ ظَرْفٌ أصْلُهُ لِلْمَكانِ، ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ لِلِانْحِطاطِ في المَرْتَبَةِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَإنْ أُرِيدَ بِالصَّلاحِ الإيمانُ فَدُونَ ذَلِكَ بِمَعْنى غَيْرٍ يُرادُ بِها الكَفَرَةُ، انْتَهى، فَإنْ أرادَ أنَّ دُونَ تُرادِفُ غَيْرًا فَهَذا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وإنْ أرادَ أنَّهُ يَلْزَمُ مِمَّنْ كانَ دُونَ شَيْءٍ أنْ يَكُونَ غَيْرًا فَصَحِيحٌ، ودُونَ ظَرْفٌ في مَوْضِعِ رَفْعِ نَعْتٍ لِمَنعُوتٍ مَحْذُوفٍ، ويَجُوزُ في التَّفْصِيلِ بِمِن حَذْفُ المَوْصُوفِ وإقامَةُ صِفَتِهِ مَقامَهُ نَحْوَ هَذا، ومِنهُ قَوْلُهم: مِنّا ظَعَنَ ومِنّا أقامَ. ﴿وبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ﴾ [الأعراف: ١٦٨] . أيْ بِالصِّحَّةِ والرَّخاءِ والسَّعَةِ، والسَّيِّئاتُ مُقابِلاتُها. ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨] إلى الطّاعَةِ ويَتُوبُونَ عَنِ المَعْصِيَةِ. ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ورِثُوا الكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا﴾ . أيْ حَدَثَ مِن بَعْدِ المَذْكُورِينَ خَلْفٌ، قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ لِلْقَرْنِ الَّذِي يَجِيءُ بَعْدَ القَرْنِ خَلْفٌ، وقالَ الفَرّاءُ: الخَلْفُ القَرْنُ، والخَلْفُ مَنِ اسْتَخْلَفَهُ، وقالَ ثَعْلَبٌ: النّاسُ كُلُّهم يَقُولُونَ: خَلْفُ صِدْقٍ لِلصّالِحِ وخَلْفُ سُوءٍ لِلطّالِحِ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ذَهَبَ الَّذِينَ يُعاشُ في أكْنافِهِمْ وبَقِيتُ في خَلْفٍ كَجِلْدِ الأجْرَبِ والمَثَلُ: سَكَتَ ألْفًا ونَطَقَ خَلْفًا، أيْ: سَكَتَ طَوِيلًا ثُمَّ تَكَلَّمَ بِكَلامٍ فاسِدٍ، وعَنِ الفَرّاءِ: الخَلْفُ يُذْهَبُ بِهِ إلى الذَّمِّ والخَلَفُ خَلَفٌ صالِحٌ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎خَلَّفْتَ خَلْفًا ولَمْ تَدَعْ خَلَفًا ∗∗∗ كُنْتَ بِهِمْ كانَ لا بِكَ التَّلَفا وقَدْ يَكُونُ في الرَّدى خَلَفٌ، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ: ؎ألا ذَلِـكَ الخَلَــفُ الأعْــوَرُ، وفي الصّالِحِ خَلْفٌ، وعَلى هَذا بَيْتُ حَسّانَ: ؎لَنا القَدَمُ الأُولى عَلَيْهِمْ وخَلْفُنا ∗∗∗ لِأوَّلِنا في طاعَةِ اللَّهِ تابِعُ وقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: يُقالُ هَذا خَلْفُ صِدْقٍ وهَذا خَلْفُ سُوءٍ، ويَجُوزُ هَؤُلاءِ خَلْفُ صِدْقٍ وهَؤُلاءِ خَلْفُ سُوءٍ، واحِدُهُ وجَمْعُهُ سَواءٌ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎إنّا وجَدْنا خَلْفًا بِئْسَ الخَلَفْ ∗∗∗ عَبْدًا إذا ما ناءَ بِالحَمْلِ وقَفْ (p-٤١٦)انْتَهى، وقَدْ جَمَعَ في الرَّدى بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ في هَذا البَيْتِ، وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: التَّحْرِيكُ والإسْكانُ مَعًا في القُرْآنِ الرَّدى، وأمّا الصّالِحُ فَبِالتَّحْرِيكِ لا غَيْرُ، وأكْثَرُ أهْلِ اللُّغَةِ عَلى هَذا إلّا الفَرّاءَ وأبا عُبَيْدَةَ فَإنَّهُما أجازا الإسْكانَ في الصّالِحِ، والخَلَفُ إمّا مَصْدَرُ خَلَفَ، ولِذَلِكَ لا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ ولا يُؤَنَّثُ، وإنْ ثُنِّيَ وجُمِعَ وأُنِّثَ ما قَبْلَهُ، وأمّا جَمْعُ خالِفٍ كَراكِبٍ ورَكْبٍ وشارِبٍ وشَرْبٍ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ لِجَرَيانِهِ عَلى المُفْرَدِ واسْمِ الجَمْعِ لا يَجْرِي عَلى المُفْرَدِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ زَيْدٍ: هُنا هُمُ اليَهُودُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهُمُ الَّذِينَ كانُوا في زَمانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ورِثُوا الكِتابَ: التَّوْراةَ، بَقِيَتْ في أيْدِيهِمْ بَعْدَ سَلَفِهِمْ يَقْرَأُونَها ويَقِفُونَ عَلى ما فِيها مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي والتَّحْرِيمِ والتَّحْلِيلِ ولا يَعْمَلُونَ بِها، وقالَ الطَّبَرِيُّ: هم أبْناءُ اليَهُودِ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُمُ النَّصارى، وعَنْهُ أنَّهم هَؤُلاءِ الأُمَّةُ، وقَرَأ الحَسَنُ: وُرِّثُوا، بِضَمِّ الواوِ وتَشْدِيدِ الرّاءِ، وعَلى الأقْوالِ يَتَخَرَّجُ الكِتابُ أهُوَ التَّوْراةُ أوِ الإنْجِيلُ والقُرْآنُ، وعَرَضَ هَذا الأدْنى هو ما يَأْخُذُونَهُ مِنَ الرِّشا والمَكاسِبِ الخَبِيثَةِ، والعَرَضُ ما يَعْرِضُ ولا يَثْبُتُ، وفي قَوْلِهِ: عَرَضَ هَذا الأدْنى تَخْسِيسٌ لِما يَأْخُذُونَهُ وتَحْقِيرٌ لَهُ، وأنَّهم مَعَ عِلْمِهِمْ بِما في كِتابِهِمْ مِنَ الوَعِيدِ عَلى المَعاصِي يُقَدِّمُونَ لِأجْلِ العامَّةِ عَلى تَبْدِيلِ الكِتابِ وتَحْرِيفِهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٧٩] والأدْنى مِنَ الدُّنُوِّ، وهو القُرْبُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ قَرِيبٌ مُنْقَضٌ زائِلٌ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإمّا مِن دُنُوِّ الحالِ وسُقُوطِها وقِلَّتِها، ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا، قَطْعٌ عَلى اللَّهِ بِغُفْرانِ مَعاصِيهِمْ، أيْ: لا يُؤاخِذُنا اللَّهُ بِذَلِكَ، والمُناسِبُ إذْ ورِثُوا الكِتابَ أنْ يَعْمَلُوا بِما فِيهِ، وأنَّهُ إنْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ بِالمَعْصِيَةِ أنْ لا يَجْزِمُوا بِالمَغْفِرَةِ وهم مُصِرُّونَ عَلى ارْتِكابِها، ولَنا في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وقِيلَ ضَمِيرُ مَصْدَرِ يَأْخُذُونَ، أيْ: سَيُغْفَرُ هو أيِ الأخْذُ لَنا. وإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ. الظّاهِرُ أنَّ هَذا اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَنْهم بِانْهِماكِهِمْ في المَعاصِي وإنْ أمْكَنَهُمُ الرِّشا والمَكاسِبُ الخَبِيثَةُ لَمْ يَتَوَقَّفُوا عَنْ أخْذِها ثانِيَةً، ودائِمًا فَهم مُصِرُّونَ عَلى المَعاصِي غَيْرَ مُكْتَرِثِينَ بِالوَعِيدِ كَما جاءَ، والفاجِرُ مَن أتْبَعَ نَفْسَهُ هَواها وتَمَنّى عَلى اللَّهِ، والعَرَضُ بِفَتْحِ الرّاءِ مَتاعُ الدُّنْيا، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، يُقالُ: إنَّ الدُّنْيا عَرَضٌ حاضِرٌ يَأْخُذُ مِنها البَرُّ والفاجِرُ، والعَرْضُ بِسُكُونِ الرّاءِ الدَّراهِمُ والدَّنانِيرُ الَّتِي هي رُءُوسُ الأمْوالِ وقِيَمُ المُتْلَفاتِ، قالَ السُّدِّيُّ: كانُوا يُعَيِّرُونَ القاضِيَ فَإذا ولّى المُعَيِّرُ ارْتَشى، وقِيلَ: كانُوا لَوْ أتاهم مِنَ الخَصْمِ الأجْرُ رِشْوَةً أخَذُوها ونَقَضُوا بِالرِّشْوَةِ الثّانِيَةِ ما قَضَوْا بِالرِّشْوَةِ الأُولى. وقالَ الشّاعِرُ: ؎إذا ما صُبَّ في القِنْدِيلِ زَيْتٌ ∗∗∗ تَحَوَّلَتِ القَضِيَّةُ لِلْمُقَنْدِلْ وقالَ آخَرُ: ؎لَمْ يَفْتَحِ النّاسُ أبْوابًا ولا عَرَفُوا ∗∗∗ أجْدى وأنْجَحَ في الحاجاتِ مِن طَبَقِ إذا تَعَمَّمَ بِالمَندِيلِ في طَبَقٍ لَمْ يَخْشَ نُبْوَةَ بَوّابٍ ولا غَلَقِ ولِهَذِهِ الأُمَّةِ مِن هَذِهِ الآيَةِ نَصِيبٌ وافِرٌ. قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَتَسْلُكُنَّ سَنَنَ مَن قَبْلَكم»، ومَنِ اخْتَبَرَ حالَ عُلَمائِها وقُضاتِها ومُفْتِيها شاهَدَ بِالعِيانِ ما أخْبَرَ بِهِ الصّادِقُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الواوُ لِلْحالِ - يَعْنِي في وإنْ يَأْتِهِمْ - أيْ يَرْجُونَ المَغْفِرَةَ وهم مُصِرُّونَ عائِدُونَ إلى مِثْلِ قَوْلِهِمْ غَيْرَ ناسِينَ، وغُفْرانُ الذُّنُوبِ لا يَصِحُّ إلّا بِالتَّوْبَةِ، والمُصِرُّ لا غُفْرانَ لَهُ، انْتَهى، وحَمْلُهُ عَلى جَعْلِ الواوِ لِلْحالِ لا لِلْعَطْفِ مَذْهَبُ الِاعْتِزالِ، والظّاهِرُ ما قَدَّمْناهُ، ولا يُرَدُّ عَلَيْهِ بِأنَّ جُمْلَةَ الشَّرْطِ لا تَقَعُ حالًا لِأنَّ ذَلِكَ جائِزٌ. ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتَـابِ أنْ لا يَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ ودَرَسُوا ما فِيهِ. هَذا تَوْبِيخٌ وتَقْرِيرٌ لِما تَضَمَّنَهُ الكِتابُ مِن أخْذِ المِيثاقِ أنَّهم لا يَكْذِبُونَ عَلى اللَّهِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانَ يَأْتِيهِمُ المُحِقُّ بِرِشْوَةٍ (p-٤١٧)فَيُخْرِجُونَ لَهُ كِتابَ اللَّهِ ويَحْكُمُونَ لَهُ بِهِ، فَإذا جاءَ المُبْطِلُ أخَذُوا مِنهُ الرِّشْوَةَ وأخْرَجُوا كِتابَهُمُ الَّذِي كَتَبُوهُ بِأيْدِيهِمْ وحَكَمُوا لَهُ، وأُضِيفَ المِيثاقُ إلى الكِتابِ لِأنَّهُ ذُكِرَ فِيهِ أنْ لا يَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ، وقالَ بَعْضُهم: هو قَوْلُهم ﴿سَيُغْفَرُ لَنا﴾ ولا يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ بَلْ هو أعَمُّ مِن هَذا القَوْلِ وغَيْرِهِ، فَيَنْدَرِجُ فِيهِ الجَزْمُ بِالغُفْرانِ وغَيْرُهُ، وأنْ لا يَقُولُوا في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى البَدَلِ مِن مِيثاقُ الكِتابِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو عَطْفُ بَيانٍ لِمِيثاقِ الكِتابِ، ومَعْناهُ المِيثاقُ المَذْكُورُ في الكِتابِ، وفِيهِ أنَّ إثْباتَ المَغْفِرَةِ بِغَيْرِ تَوْبَةٍ خُرُوجٌ عَنْ مِيثاقِ الكِتابِ وافْتِراءٌ عَلى اللَّهِ تَعالى وتَقَوُّلُ ما لَيْسَ بِحَقِّ عَلَيْهِ، وإنْ فُسِّرَ مِيثاقُ الكِتابِ بِما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ كانَ أنْ لا يَقُولُوا مَفْعُولًا لَهُ، ومَعْناهُ لِئَلّا يَقُولُوا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً ولا يَقُولُوا نَهْيًا، كَأنَّهُ قِيلَ: ألَمْ يَقُلْ لَكم لا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ، وقالَ أيْضًا قَبْلَ ذَلِكَ مِيثاقُ الكِتابِ يَعْنِي قَوْلَهُ في التَّوْراةِ: مَنِ ارْتَكَبَ ذَنْبًا عَظِيمًا فَإنَّهُ لا يُغْفَرُ لَهُ إلّا بِالتَّوْبَةِ، ودَرَسُوا ما فِيهِ أيْ ما في الكِتابِ مِنِ اشْتِراطِ التَّوْبَةِ في غُفْرانِ الذُّنُوبِ، والَّذِي عَلَيْهِ هَوى المُجْبِرِ هو مَذْهَبُ اليَهُودِ بِعَيْنِهِ كَما تَرى. وقالَ مالِكُ بْنُ دِينارٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَأْتِي عَلى النّاسِ زَمانٌ إنْ قَصَّرُوا عَمّا أُمِرُوا بِهِ قالُوا: سَيُغْفَرُ لَنا لَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا، كُلُّ أمْرِهِمْ عَلى الطَّمَعِ، خِيارُهم فِيهِ المُداهَنَةُ، فَهَؤُلاءِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ أشْباهُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى، وتَلا الآيَةَ، انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقَةِ المُعْتَزِلَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿إلّا الحَقَّ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ الباطِلَ عَلى تَناوُلِهِمْ عَرَضَ الدُّنْيا: ودَرَسُوا مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ألَمْ يُؤْخَذْ وفي ذَلِكَ أعْظَمُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ، وهو أنَّهم كَرَّرُوا عَلى ما في الكِتابِ، وعَرَفُوا ما فِيهِ المَعْرِفَةَ التّامَّةَ مِنَ الوَعِيدِ عَلى قَوْلِ الباطِلِ والِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ، وهَذا العَطْفُ عَلى التَّقْرِيرِ لِأنَّ مَعْناهُ قَدْ أخَذَ عَلَيْهِمْ مِيثاقَ الكِتابِ ودَرَسُوا ما فِيهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا ولَبِثْتَ﴾ [الشعراء: ١٨] مَعْناهُ قَدْ رَبَّيْناكَ ولَبِثْتَ، وقالَ الطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُ: هو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ورِثُوا الكِتابَ﴾ وفِيهِ بُعْدٌ، وقِيلَ: هو عَلى إضْمارِ قَدْ، أيْ وقَدْ دَرَسُوا ما فِيهِ، وكَوْنُهُ مَعْطُوفًا عَلى التَّقْرِيرِ هو الظّاهِرُ، لِأنَّ فِيهِ مَعْنى إقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، في أخْذِ مِيثاقِ الكِتابِ بِكَوْنِهِمْ حَفِظُوا لَفْظَهُ وكَرَّرُوهُ وما نَسُوهُ وفَهِمُوا مَعْناهُ، وهم مَعَ ذَلِكَ لا يَقُولُونَ إلّا الباطِلَ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: أنْ لا تَقُولُوا بِتاءِ الخِطابِ، وقَرَأ عَلِيٌّ والسُّلَمِيُّ: وادّارَسُوا، وأصْلُهُ وتَدارَسُوا، كَقَوْلِهِ: فادّارَأْتُمْ، أيْ: تَدارَأْتُمْ وقَدْ مَرَّ تَقْرِيرُهُ في العَرَبِيَّةِ، وهَذِهِ القِراءَةُ تُوَضِّحُ أنَّ مَعْنى: ودَرَسُوا ما فِيهِ هو التَّكْرارُ لِقِراءَتِهِ والوُقُوفُ عَلَيْهِ وأنَّ تَأْوِيلَ مَن تَأوَّلَ ودَرَسُوا ما فِيهِ أنَّ مَعْناهُ: ومَحَوْهُ بِتَرْكِ العَمَلِ والفَهْمِ لَهُ، مِن قَوْلِهِمْ: دَرَسَتِ الرِّيحُ الآثارَ إذا مَحَتْها فِيهِ بُعْدٌ، ولَوْ كانَ كَما قِيلَ، لَقِيلَ: رَبْعٌ مَدْرُوسٌ، وخَطٌّ مَدْرُوسٌ، وإنَّما قالُوا: رَبْعٌ دارِسٌ، وخَطٌّ دارِسٌ بِمَعْنى داثِرٍ. ﴿والدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ . أيْ ولَثَوابُ دارِ الآخِرَةِ خَيْرٌ مِن تِلْكَ الرِّشْوَةِ الخَبِيثَةِ الخَسِيسَةِ المُعَقِّبَةِ خِزْيَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، ومَعْنى: يَتَّقُونَ مَحارِمَ اللَّهِ تَعالى، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وأهْلُ مَكَّةَ: يَعْقِلُونَ بِالياءِ جَرْيًا عَلى الغَيْبَةِ في الضَّمائِرِ السّابِقَةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالخِطابِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ إلَيْهِمْ، أوْ عَلى طَرِيقِ خِطابِ هَذِهِ الأُمَّةِ كَأنَّهُ قِيلَ: أفَلا تَعْقِلُونَ حالَ هَؤُلاءِ وما هم عَلَيْهِ مِن سُوءِ العَمَلِ ويَتَعَجَّبُونَ مِن تَجارُئِهِمْ عَلى ذَلِكَ.

الأعراف 7:170

﴿والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ وأقامُوا الصَّلاةَ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ المُصْلِحِينَ﴾ . الظّاهِرُ أنَّ الكِتابَ هو السّابِقُ ذِكْرُهُ في: ورِثُوا الكِتَـابَ فَيَجِيءُ الخِلافُ فِيهِ كالخِلافِ في ذَلِكَ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى المُرادِ في قَوْلِهِ: ﴿خَلْفٌ ورِثُوا﴾ [الأعراف: ١٦٩]، وقِيلَ: الكِتابُ هُنا لِلْجِنْسِ أيِ الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ، والتَّمَسُّكُ بِالكِتابِ يَسْتَلْزِمُ إقامَةَ الصَّلاةِ لَكِنَّها أُفْرِدَتْ بِالذِّكْرِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِها؛ لِأنَّها عِمادُ الدِّينِ، بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ الشِّرْكِ تَرْكُ الصَّلاةِ، وقَرَأ عُمَرُ وأبُو العالِيَةِ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: يُمْسِكُونَ مِن أمْسَكَ، والجُمْهُورُ: يُمَسِّكُونَ مُشَدَّدًا (p-٤١٨)مِن مَسَّكَ وهُما لُغَتانِ جَمَعَ بَيْنَهُما كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ فَقالَ: ؎فَما تَمَسَّكُ بِالعَهْدِ الَّذِي زَعَمَتْ إلّا كَما يُمْسِكُ الماءَ الغَرابِيلُ وأمْسَكَ مُتَعَدٍّ قالَ: ﴿ويُمْسِكُ السَّماءَ أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ﴾ [الحج: ٦٥] فالمَفْعُولُ هُنا مَحْذُوفٌ أيْ يُمْسِكُونَ أعْمالَهم، أيْ: يَضْبُطُونَها، والباءُ عَلى هَذا تَحْتَمِلُ الحالِيَّةَ والآلَةَ، ومَسَّكَ مُشَدَّدٌ بِمَعْنى تَمَسَّكَ، والباءُ مَعَها لِلْآلَةِ، وفَعَّلَ تَأْتِي بِمَعْنى تَفَعَّلَ، نَصَّ عَلَيْهِ التَّصْرِيفِيُّونَ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ والأعْمَشُ: اسْتَمْسَكُوا، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ: تَمَسَّكُوا بِالكِتابِ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: والَّذِينَ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ، لَمّا ذَكَرَ حالَ مَن لَمْ يَتَمَسَّكْ بِالكِتابِ ذَكَرَ حالَ مَنِ اسْتَمْسَكَ بِهِ، فَيَكُونُ والَّذِينَ عَلى هَذا مَرْفُوعًا بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ الجُمْلَةُ بَعْدَهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠] إذا جَعَلْنا الرّابِطَ هو في مَن أحْسَنَ عَمَلًا وهو العُمُومُ كَذَلِكَ هَذا يَكُونُ الرّابِطُ هو العُمُومُ في المُصْلِحِينَ، وقالَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ: الرّابِطُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ، أجْرُ المُصْلِحِينَ اعْتِراضٌ، والتَّقْدِيرُ: مَأْجُورُونَ أوْ نَأْجُرُهم. انْتَهى، ولا ضَرُورَةَ إلى ادِّعاءِ الحَذْفِ، وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ الرّابِطُ هو: المُصْلِحِينَ، وضَعَهُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ، أيْ لا نُضِيعُ أجْرَهُمُ، انْتَهى، وهَذا عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ حَيْثُ أجازَ الرّابِطَ بِالظّاهِرِ إذا كانَ هو المُبْتَدَأُ، فَأجازَ زَيْدٌ قامَ أبُو عَمْرٍو، إذا كانَ أبُو عَمْرٍو كُنْيَةَ زَيْدٍ، كَأنَّهُ قالَ: زَيْدٌ أيْ هو، وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ: والَّذِينَ في مَوْضِعِ جَرٍّ عَطْفًا عَلى: الَّذِينَ يَتَّقُونَ ولَمْ يَذْكُرِ ابْنُ عَطِيَّةَ غَيْرَهُ، والِاسْتِئْنافُ هو الظّاهِرُ كَما قُلْنا.

الأعراف 7:171

﴿وإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهم كَأنَّهُ ظُلَّةٌ وظَنُّوا أنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى شَهِدْنا أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ﴾ ﴿أوْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ﴾ ﴿وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ولَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فانْسَلَخَ مِنها فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٥] ﴿ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ واتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٦] ﴿ساءَ مَثَلًا القَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وأنْفُسَهم كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٧] ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٨] ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ولَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ولَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولَئِكَ كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩] ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠] ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨١] ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٢] ﴿وأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٣] ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ إنْ هو إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٤] ﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ وأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهم فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٥] ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ ويَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٦] ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلّا هو ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ لا تَأْتِيكم إلّا بَغْتَةً يَسْألُونَكَ كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] . النَّتْقُ الجَذْبُ بِشِدَّةٍ، وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِغايَتِهِ، وهو القَلْعُ، وتَقُولُ العَرَبُ: نَتَقْتُ الزُّبْدَةَ مِن فَمِ القِرْبَةِ، والنّاتِقُ الرَّحِمُ الَّتِي تُقْلِعُ الوَلَدَ مِنَ الرَّجُلِ. وقالَ النّابِغَةُ: ؎لَمْ يُحْرَمُوا حُسْنَ الفِداءِ وأُمُّهم طَفَحَتْ عَلَيْكَ بِناتِقٍ مِذْكارِ وفِي الحَدِيثِ ”«عَلَيْكم بِزَواجِ الأبْكارِ فَإنَّهُنَّ أنْتَقُ أرْحامًا وأطْيَبُ أفْواهًا وأرْضى بِاليَسِيرِ» . الِانْسِلاخُ (p-٤١٩)التَّعَرِّي مِنَ الشَّيْءِ حَتّى لا يَعْلَقَ بِهِ مِنهُ شَيْءٌ، ومِنهُ انْسَلَخَتِ الحَيَّةُ مِن جِلْدِها. الكَلْبُ حَيَوانٌ مَعْرُوفٌ ويُجْمَعُ في القِلَّةِ عَلى أكْلُبٍ، وفي الكَثْرَةِ عَلى كِلابٍ، وشَذُّوا في هَذا الجَمْعِ فَجَمَعُوهُ بِالألِفِ والتّاءِ، فَقالُوا: كِلاباتٌ، وتَقَدَّمَتْ هَذِهِ المادَّةُ في: مُكَلِّبِينَ وكَرَّرْناها لِزِيادَةِ فائِدَةٍ، لَهَثَ الكَلْبُ يَلْهَثُ بِفَتْحِ الهاءَيْنِ ماضِيًا ومُضارِعًا، والمَصْدَرُ لَهْثًا ولُهْثًا بِالضَّمِّ: أخْرَجَ لِسانَهُ وهي حالَةٌ لَهُ في التَّعَبِ والرّاحَةِ والعَطَشِ والرِّيِّ بِخِلافِ غَيْرِهِ مِنَ الحَيَوانِ فَإنَّهُ لا يَلْهَثُ إلّا مِن إعْياءٍ وعَطَشٍ، لَحَدَ وألْحَدَ لُغَتانِ، قِيلَ: بِمَعْنًى واحِدٍ هو العُدُولُ عَنِ الحَقِّ والإدْخالُ فِيهِ ما لَيْسَ مِنهُ، قالَهُ ابْنُ السِّكِّيتِ، وقالَ غَيْرُهُ: العُدُولُ عَنِ الِاسْتِقامَةِ، والرُّباعِيُّ أشْهَرُ في الِاسْتِعْمالِ مِنَ الثُّلاثِيِّ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎لَيْسَ الأمِيرُ بِالشَّحِيحِ المُلْحِدِ ومِنهُ لَحَدَ القَبْرَ، وهو المَيْلُ إلى أحَدِ شِقَّيْهِ، ومِن كَلامِهِمْ ما فَعَلَ الواحِدُ قالُوا: لَحَدَهُ اللّاحِدُ؛ وقِيلَ: ألْحَدَ بِمَعْنى مالَ وانْحَرَفَ، ولَحَدَ بِمَعْنى رَكَنَ وانْضَوى، قالَهُ الكِسائِيُّ، مَتُنَ مَتانَةً: اشْتَدَّ وقَوِيَ، أيّانَ: ظَرْفُ زَمانٍ مَبْنِيٌّ لا يَتَصَرَّفُ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِهِ في الِاسْتِفْهامِ، ويَلِيهِ الِاسْمُ مَرْفُوعًا بِالِابْتِداءِ، والفِعْلُ المُضارِعُ لا الماضِي بِخِلافِ مَتى فَإنَّهُما يَلِيانِهِ، قالَ تَعالى: أيّانَ يُبْعَثُونَ و: أيّانَ مُرْساها قالَ الشّاعِرُ: ؎أيّانَ تَقْضِي حاجَتِي أيّانا ∗∗∗ أما تَرى لِفِعْلِها إبّانا وتُسْتَعْمَلُ في الجَزاءِ فَتَجْزِمُ المُضارِعَيْنِ، وذَلِكَ قَلِيلٌ فِيها، ولَمْ يَحْفَظْ سِيبَوَيْهِ لَكِنْ حَفِظَهُ غَيْرُهُ، وأنْشَدُوا قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎إذا النَّعْجَةُ العَجْفاءُ باتَتْ بِقَفْرَةٍ ∗∗∗ فَأيّانَ ما تَعْدِلْ بِها الرِّيحُ تَنْزِلِ وقالَ غَيْرُهُ: ؎أيّانَ نُؤْمِنكَ تَأْمَن غَيْرَنا وإذا ∗∗∗ لَمْ تُدْرِكِ الأمْنَ مِنّا لَمْ تَزَلْ حَذِرا وكَسْرُ فَتْحَةِ هَمْزَتِها لُغَةُ سُلَيْمٍ، وهي عِنْدِي حَرْفٌ بَسِيطٌ لا مُرَكَّبٌ، وجامِدٌ لا مُشْتَقٌّ، وذَكَرَ صاحِبُ كِتابِ اللَّوامِحِ أنَّ أيّانَ في الأصْلِ كانَ: أيَّ أوانٍ، فَلَمّا كَثُرَ دَوْرُهُ حُذِفَتِ الهَمْزَةُ عَلى غَيْرِ قِياسٍ ولا عِوَضٍ وقُلِبَتِ الواوُ ياءً، فاجْتَمَعَتْ ثَلاثُ ياءاتٍ فَحُذِفَتْ إحْداها، فَصارَتْ عَلى ما رَأيْتَ، انْتَهى، وزَعَمَ أبُو الفَتْحِ أنَّهُ فَعْلانٌ وفَعْلالٌ مُشْتَقٌّ مِن أيٍّ: ومَعْناهُ: أيُّ وقْتٍ، وأيُّ فِعْلٍ، مِن أوَيْتُ إلَيْهِ؛ لِأنَّ البَعْضَ آوٍ إلى الكُلِّ مُتَسانِدٌ إلَيْهِ، وامْتَنَعَ أنْ يَكُونَ فَعالًا وفَعّالًا مِن أيْنَ؛ لِأنَّ أيّانَ ظَرْفُ زَمانٍ، وأيْنَ ظَرْفُ مَكانٍ، فَأوْجَبَ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ مِن لَفْظِ أيٍّ لِزِيادَةِ النُّونِ؛ ولِأنَّ أيّانَ اسْتِفْهامٌ، كَما أنَّ أيًّا كَذَلِكَ، والأصْلُ عَدَمُ التَّرْكِيبِ، وفي أسْماءِ الِاسْتِفْهامِ والشَّرْطِ الجُمُودُ كَمَتى وحَيْثُما وأنّى وإذا، رَسا يَرْسُو ثَبَتَ. الحَفِيُّ المُسْتَقْصِي لِلشَّيْءِ المُحْتَفِلُ بِهِ المُعْتَنِي، وفُلانٌ حَفِيٌّ بِي بارٌّ مُعْتَنٍ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎فَلَمّا التَقَيْنا بَيَّنَ السَّيْفُ بَيْنَنا ∗∗∗ لِسائِلَةٍ عَنّا حَفِيٌّ سُؤالُها وقالَ آخَرُ: ؎سُؤالُ حَفِيٍّ عَنْ أخِيهِ كَأنَّهُ ∗∗∗ بِذِكْرَتِهِ وسْنانُ أوْ مُتَواسِنُ والإحْفاءُ الِاسْتِقْصاءُ، ومِنهُ إحْفاءُ الشّارِبِ، والحافِي، أيْ: حَفِيَتْ قَدَمَيْهِ لِلِاسْتِقْصاءِ في السَّيْرِ، والحَفاوَةُ: البِرُّ واللُّطْفُ. ﴿وإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهم كَأنَّهُ ظُلَّةٌ وظَنُّوا أنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ﴾، أيْ: جَذَبْنا الجَبَلَ بِشِدَّةٍ، وفَوْقَهم حالٌ مُقَدَّرَةٌ والعامِلُ فِيها مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: كائِنًا فَوْقَهم؛ إذْ كانَتْ حالَةُ النَّتْقِ لَمْ تُقارِنِ الفَوْقِيَّةَ، لَكِنَّهُ صارَ فَوْقَهم، وقالَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ: فَوْقَهم ظَرْفٌ لِنَتَقْنا، ولا يُمْكِنُ ذَلِكَ إلّا إنْ ضُمِّنَ نَتَقْنا مَعْنى فِعْلٍ يُمْكِنُ أنْ يَعْمَلَ في فَوْقَهم، أيْ: رَفَعْنا بِالنَّتْقِ الجَبَلَ فَوْقَهم فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: ﴿ورَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ﴾ [النساء: ١٥٤] والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: كَأنَّهُ ظُلَّةٌ في مَوْضِعِ الحالِ، والمَعْنى: كَأنَّهُ عَلَيْهِمْ ظُلَّةٌ، والظُّلَّةُ ما أظَلَّ مِن (p-٤٢٠)سَقِيفَةٍ أوْ سَحابٍ، ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ التَّشْبِيهُ عَلى أنَّهُ بِظُلَّةٍ مَخْصُوصَةٍ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ كُلُّ ما أظَلُّ يُسَمّى ظُلَّةً فالجَبَلُ فَوْقَهم صارَ ظُلَّةً، وإذا صارَ ظُلَّةً فَكَيْفَ يُشَبَّهُ بِظُلَّةٍ ؟ فالمَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ -، كَأنَّهُ حالَةَ ارْتِفاعِهِ عَلَيْهِمْ ظُلَّةٌ مِنَ الغَمامِ، وهي الظُّلَّةُ الَّتِي لَيْسَتْ تَحْتَها عَمَدٌ، بَلْ إمْساكُها بِالقُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ، وإنْ كانَتْ أجْرامًا بِخِلافِ الظُّلَّةِ الأرْضِيَّةِ، فَإنَّها لا تَكُونُ إلّا عَلى عَمَدٍ، فَلَمّا دانَتْ هَذِهِ الظُّلْمَةُ الأرْضِيَّةُ فَوْقَهم بِلا عَمَدٍ شُبِّهَتْ بِظُلَّةِ الغَمامِ الَّتِي لَيْسَتْ بِلا عَمَدٍ؛ وقِيلَ: اعْتادَ البَشَرُ هَذِهِ الأجْرامَ الأرْضِيَّةَ ظُلَلًا؛ إذْ كانَتْ عَلى عَمَدٍ، فَلَمّا كانَ الجَبَلُ مُرْتَفِعًا عَلى غَيْرِ عَمَدٍ قِيلَ: كَأنَّهُ ظُلَّةٌ، أيْ: كَأنَّهُ عَلى عَمَدٍ، وقُرِئَ طُلَّةٌ بِالطّاءِ مِن أطَلَّ عَلَيْهِ؛ إذا أشْرَفَ وظَنُّوا هُنا باقِيَةٌ عَلى بابِها مِن تَرْجِيحِ أحَدِ الجائِزَيْنِ، وقالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ أيْقَنُوا، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلِمُوا، ولَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هو غَلَبَةُ ظَنٍّ مَعَ بَقاءِ الرَّجاءِ، إلّا إنْ قَيَّدَ ذَلِكَ بِقَيْدِ أنْ لا يَعْقِلُوا التَّوْراةَ، فَإنَّهُ يَكُونُ بِمَعْنى الإتْقانِ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ سَبَبِ رَفْعِ الجَبَلِ فَوْقَهم في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ في البَقَرَةِ فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ، وقَدْ كَرَّرَهُ المُفَسِّرُونَ هَنا الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُما، وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا عِنْدَ ذِكْرِ السَّبَبِ أنَّهُ لَمّا نَشَرَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - الألْواحَ وفِيها كِتابُ اللَّهِ تَعالى لَمْ يَبْقَ شَجَرٌ، ولا جَبَلٌ ولا حَجَرٌ إلّا اهْتَزَّ، فَلِذَلِكَ لا تَرى يَهُودِيًّا يَقْرَأُ التَّوْراةَ إلّا اهْتَزَّ وأنْغَضَ لَها رَأْسَهُ، انْتَهى، وقَدْ سَرَتْ هَذِهِ النَّزْعَةُ إلى أوْلادِ المُسْلِمِينَ فِيما رَأيْتُ بِدِيارِ مِصْرَ تَراهم في المَكْتَبِ إذا قَرَأُوا القُرْآنَ يَهْتَزُّونَ ويُحَرِّكُونَ رُءُوسَهم، وأمّا في بِلادِنا بِالأنْدَلُسِ والغَرْبِ فَلَوْ تَحَرَّكَ صَغِيرٌ عِنْدَ قِراءَةِ القُرْآنِ أدَّبَهُ مُؤَدِّبُ المَكْتَبِ، وقالَ لَهُ: لا تَتَحَرَّكْ فَتُشْبِهِ اليَهُودَ في الدِّراسَةِ. * * ﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ قَرَأ الأعْمَشُ: واذَّكَّرُوا، بِالتَّشْدِيدِ مِنَ الِاذِّكارِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: وتَذْكُرُوا، وقُرِئَ: وتَذَكَّرُوا، بِالتَّشْدِيدِ، بِمَعْنى: وتَذَّكَّرُوا، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمَلِ في البَقَرَةِ. ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ رُوِيَ في الحَدِيثِ مِن طُرُقٍ: «أخَذَ مِن ظَهْرِ آدَمَ ذَرِّيَّتَهُ، وأخَذَ عَلَيْهِمُ العَهْدَ بِأنَّهُ رَبُّهم وأنْ لا إلَهَ غَيْرُهُ، فَأقَرُّوا بِذَلِكَ والتَزَمُوهُ»، واخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ الإخْراجِ وهَيْئَةِ المَخْرَجِ والمَكانِ والزَّمانِ، وتَقْرِيرُ هَذِهِ الأشْياءِ مَحَلُّها ذَلِكَ الحَدِيثُ والكَلامُ عَلَيْهِ، وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يُنافِي ظاهِرَ ذَلِكَ الحَدِيثِ، ولا تَلْتَئِمُ ألْفاظُهُ مَعَ لَفْظِ الآيَةِ، وقَدْ رامَ الجَمْعَ بَيْنَ الآيَةِ والحَدِيثِ جَماعَةٌ بِما هو مُتَكَلَّفٌ في التَّأْوِيلِ، وأحْسَنُ ما تُكُلِّمَ بِهِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ ما فَسَّرَهُ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: مِن بابِ التَّمْثِيلِ والتَّخْيِيلِ، ومَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى نَصَبَ لَهُمُ الأدِلَّةَ عَلى رُبُوبِيَّتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ، وشَهِدَتْ بِها عُقُولُهم وبَصائِرُهُمُ الَّتِي رَكَّبَها فِيهِمْ وجَعَلَها مُمَيِّزَةً بَيْنَ الضَّلالَةِ والهُدى، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ أشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ وقَرَّرَهم، وقالَ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾، وكَأنَّهم قالُوا: بَلى أنْتَ رَبُّنا شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا وأقْرَرْنا لِوَحْدانِيَّتِكَ، وبابُ التَّمْثِيلِ واسِعٌ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ وفي كَلامِ العَرَبِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: إنَّما ﴿قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]، ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]، وقَوْلُ الشّاعِرِ:(p-٤٢١) ؎إذا قالَتِ الأنْساعُ لِلْبَطْنِ الحَقِي تَقُولُ لَهُ رِيحُ الصِّبا قِرْقارُ ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا قَوْلَ ثَمَّ، وإنَّما هو تَمْثِيلٌ وتَصْوِيرٌ لِلْمَعْنى، وأنْ تَقُولُوا مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: فَعَلْنا ذَلِكَ مِن نَصْبِ الأدِلَّةِ الشّاهِدَةِ عَلى صِحَّتِها العُقُولُ كَراهَةَ أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ، وتَقْدِيرُهُ: إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ لَمْ نُنَبَّهْ عَلَيْهِ، أوْ كَراهَةَ أنْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ فاقْتَدَيْنا بِهِمْ؛ لِأنَّ نَصْبَ الأدِلَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ وما نُبِّهُوا عَلَيْهِ قائِمٌ مَعَهم، فَلا عُذْرَ لَهم في الإعْراضِ عَنْهُ والإقْبالِ عَلى التَّقْلِيدِ والِاقْتِداءِ بِالآباءِ، كَما لا عُذْرَ لِآبائِهِمْ في الشِّرْكِ وأدِلَّةُ التَّوْحِيدِ مَنصُوبَةٌ لَهم، (فَإنْ قُلْتَ): بَنُو آدَمَ وذُرِّيّاتُهم مَن هم، قُلْتُ: عَنِيَ بِبَنِي آدَمَ أسْلافَ اليَهُودِ الَّذِينَ أشْرَكُوا بِاللَّهِ تَعالى حَيْثُ قالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وبِذُرِّيّاتِهِمُ الَّذِينَ كانُوا في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ مِن أخْلافِهِمُ المُقْتَدِينَ بِآبائِهِمْ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّها في المُشْرِكِينَ وأوْلادِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ﴾ والدَّلِيلُ عَلى أنَّها في اليَهُودِ الآياتُ الَّتِي عُطِفَتْ عَلَيْها هي، والَّتِي عُطِفَتْ عَلَيْها وهي عَلى نَمَطِها وأُسْلُوبِها، وذَلِكَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ﴾ [الأعراف: ١٦٣] ﴿وإذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنهُمْ﴾ [الأعراف: ١٦٤] ﴿وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكَ﴾ [الأعراف: ١٦٧] ﴿وإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهُمْ﴾ ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا﴾ [الأعراف: ١٧٥]، انْتَهى كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ، وهو بَسْطُ كَلامِ مَن تَقَدَّمَهُ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قالَ قَوْمٌ: الآيَةُ مُشِيرَةٌ إلى هَذا التَّأْوِيلِ الَّذِي في الدُّنْيا، وأخَذَ بِمَعْنى أوْجَدَ وأنَّ الإشْهادَيْنِ عِنْدَ بُلُوغِ المُكَلَّفِ، وهو قَدْ أُعْطِيَ الفَهْمَ ونُصِبَتْ لَهُ الصِّفَةُ الدّالَّةُ عَلى الصّانِعِ، ونَحا لَها الزَّجّاجُ، وهو مَعْنًى تَحْتَمِلُهُ الألْفاظُ، انْتَهى، والقَوْلُ بِظاهِرِ الحَدِيثِ يُطْرِقُ إلى القَوْلِ بِالتَّناسُخِ فَيَجِبُ تَأْوِيلُهُ، ومَفْعُولُ أخَذَ ذُرِّيّاتِهِمْ، قالَهُ الحَوْفِيُّ: ويُحْتَمَلُ في قِراءَةِ الجَمِيعِ أنْ يَكُونَ مَفْعُولُ أخَذَ مَحْذُوفًا لِفَهْمِ المَعْنى، وذُرِّيّاتِهِمْ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ ظُهُورِهِمْ، كَما أنَّ مِن ظُهُورِهِمْ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: بَنِي آدَمَ، والمَفْعُولُ المَحْذُوفُ هو المِيثاقُ، كَما قالَ: ﴿وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ١٥٤]، ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٨٣] وتَقْدِيرُ الكَلامِ: وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن ظُهُورِ ذُرِّيّاتِ بَنِي آدَمَ مِيثاقَ التَّوْحِيدِ لِلَّهِ وإفْرادِهِ بِالعِبادَةِ، واسْتَعارَ أنْ يَكُونَ أُخِذَ المِيثاقُ مِنَ الظَّهْرِ، كَأنَّ المِيثاقَ لِصُعُوبَتِهِ ولِلِارْتِباطِ بِهِ والوُقُوفِ عِنْدَهُ شَيْءٌ ثَقِيلٌ يُحْمَلُ عَلى الظَّهْرِ، وهَذا مِن تَمْثِيلِ المَعْنى بِالجَزْمِ، وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِما نَصَبَ لَهم مِنَ الأدِلَّةِ قائِلًا: ألَسْتُ بِرَبِّكم، قالُوا: بَلى، وقَرَأ العَرَبِيّانِ ونافِعٌ: ذُرِّيّاتِهِمْ، بِالجَمْعِ، وتَقَدَّمَ إعْرابُهُ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: ذَرِّيَّتَهم، مُفْرَدًا بِفَتْحِ التّاءِ، ويَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِأخَذَ، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: مِيثاقَ ذُرِّيّاتِهِمْ، وإنَّما كانَ أخَذَ المِيثاقَ مِن ذُرِّيَّةِ بَنِي آدَمَ؛ لِأنَّ بَنِي آدَمَ لِصُلْبِهِ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مُشْرِكٌ، وإنَّما حَدَثَ الإشْراكُ في ذُرِّيَّتِهِمْ. شَهِدْنا أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ، أيْ: قالَ اللَّهُ: شَهِدْنا عَلَيْكم، أوْ قالَ اللَّهُ والمَلائِكَةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ، أوْ قالَتِ المَلائِكَةُ، أوْ شَهِدَ بَعْضُهم عَلى بَعْضِ أقْوالٍ، ومَعْنى“ عَنْ هَذا " عَنْ هَذا المِيثاقِ والإقْرارِ بِالرُّبُوبِيَّةِ. ﴿أوْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ﴾ المَعْنى أنَّ الكَفَرَةَ لَوْ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ عَهْدٌ، ولا جاءَهم رَسُولٌ مُذَكِّرٌ بِما تَضَمَّنَهُ العَهْدُ مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ وعِبادَتِهِ لَكانَتْ لَهم حُجَّتانِ، إحْداهُما: كُنّا غافِلِينَ، والأُخْرى: كُنّا أتْباعًا لِأسْلافِنا، فَكَيْفَ نَهْلِكُ والذَّنْبُ إنَّما هو لِمَن طَرَقَ لَنا وأضَلَّنا ؟ فَوَقَعَتِ الشَّهادَةُ لِتَنْقَطِعَ عَنْهُمُ الحُجَجُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: أنْ يَقُولُوا، بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ. ﴿أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ﴾ هَذا مِن تَمامِ القَوْلِ الثّانِي، أيْ: كانُوا السَّبَبَ في شِرْكِنا لِتَأْسِيسِهِمُ الشِّرْكَ وتَقَدُّمِهِمْ فِيهِ وتَرْكِهِ سُنَّةً لَنا، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى أزالَ عَنْهُمُ الِاحْتِجاجَ بِتَرْكِيبِ العُقُولِ فِيهِمْ وتَذْكِيرِهِمْ بِبَعْثَةِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ، فَقَطَعَ بِذَلِكَ أعْذارَهم.

الأعراف 7:172

﴿وإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهم كَأنَّهُ ظُلَّةٌ وظَنُّوا أنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى شَهِدْنا أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ﴾ ﴿أوْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ﴾ ﴿وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ولَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فانْسَلَخَ مِنها فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٥] ﴿ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ واتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٦] ﴿ساءَ مَثَلًا القَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وأنْفُسَهم كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٧] ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٨] ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ولَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ولَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولَئِكَ كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩] ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠] ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨١] ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٢] ﴿وأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٣] ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ إنْ هو إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٤] ﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ وأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهم فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٥] ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ ويَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٦] ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلّا هو ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ لا تَأْتِيكم إلّا بَغْتَةً يَسْألُونَكَ كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] . النَّتْقُ الجَذْبُ بِشِدَّةٍ، وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِغايَتِهِ، وهو القَلْعُ، وتَقُولُ العَرَبُ: نَتَقْتُ الزُّبْدَةَ مِن فَمِ القِرْبَةِ، والنّاتِقُ الرَّحِمُ الَّتِي تُقْلِعُ الوَلَدَ مِنَ الرَّجُلِ. وقالَ النّابِغَةُ: ؎لَمْ يُحْرَمُوا حُسْنَ الفِداءِ وأُمُّهم طَفَحَتْ عَلَيْكَ بِناتِقٍ مِذْكارِ وفِي الحَدِيثِ ”«عَلَيْكم بِزَواجِ الأبْكارِ فَإنَّهُنَّ أنْتَقُ أرْحامًا وأطْيَبُ أفْواهًا وأرْضى بِاليَسِيرِ» . الِانْسِلاخُ (p-٤١٩)التَّعَرِّي مِنَ الشَّيْءِ حَتّى لا يَعْلَقَ بِهِ مِنهُ شَيْءٌ، ومِنهُ انْسَلَخَتِ الحَيَّةُ مِن جِلْدِها. الكَلْبُ حَيَوانٌ مَعْرُوفٌ ويُجْمَعُ في القِلَّةِ عَلى أكْلُبٍ، وفي الكَثْرَةِ عَلى كِلابٍ، وشَذُّوا في هَذا الجَمْعِ فَجَمَعُوهُ بِالألِفِ والتّاءِ، فَقالُوا: كِلاباتٌ، وتَقَدَّمَتْ هَذِهِ المادَّةُ في: مُكَلِّبِينَ وكَرَّرْناها لِزِيادَةِ فائِدَةٍ، لَهَثَ الكَلْبُ يَلْهَثُ بِفَتْحِ الهاءَيْنِ ماضِيًا ومُضارِعًا، والمَصْدَرُ لَهْثًا ولُهْثًا بِالضَّمِّ: أخْرَجَ لِسانَهُ وهي حالَةٌ لَهُ في التَّعَبِ والرّاحَةِ والعَطَشِ والرِّيِّ بِخِلافِ غَيْرِهِ مِنَ الحَيَوانِ فَإنَّهُ لا يَلْهَثُ إلّا مِن إعْياءٍ وعَطَشٍ، لَحَدَ وألْحَدَ لُغَتانِ، قِيلَ: بِمَعْنًى واحِدٍ هو العُدُولُ عَنِ الحَقِّ والإدْخالُ فِيهِ ما لَيْسَ مِنهُ، قالَهُ ابْنُ السِّكِّيتِ، وقالَ غَيْرُهُ: العُدُولُ عَنِ الِاسْتِقامَةِ، والرُّباعِيُّ أشْهَرُ في الِاسْتِعْمالِ مِنَ الثُّلاثِيِّ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎لَيْسَ الأمِيرُ بِالشَّحِيحِ المُلْحِدِ ومِنهُ لَحَدَ القَبْرَ، وهو المَيْلُ إلى أحَدِ شِقَّيْهِ، ومِن كَلامِهِمْ ما فَعَلَ الواحِدُ قالُوا: لَحَدَهُ اللّاحِدُ؛ وقِيلَ: ألْحَدَ بِمَعْنى مالَ وانْحَرَفَ، ولَحَدَ بِمَعْنى رَكَنَ وانْضَوى، قالَهُ الكِسائِيُّ، مَتُنَ مَتانَةً: اشْتَدَّ وقَوِيَ، أيّانَ: ظَرْفُ زَمانٍ مَبْنِيٌّ لا يَتَصَرَّفُ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِهِ في الِاسْتِفْهامِ، ويَلِيهِ الِاسْمُ مَرْفُوعًا بِالِابْتِداءِ، والفِعْلُ المُضارِعُ لا الماضِي بِخِلافِ مَتى فَإنَّهُما يَلِيانِهِ، قالَ تَعالى: أيّانَ يُبْعَثُونَ و: أيّانَ مُرْساها قالَ الشّاعِرُ: ؎أيّانَ تَقْضِي حاجَتِي أيّانا ∗∗∗ أما تَرى لِفِعْلِها إبّانا وتُسْتَعْمَلُ في الجَزاءِ فَتَجْزِمُ المُضارِعَيْنِ، وذَلِكَ قَلِيلٌ فِيها، ولَمْ يَحْفَظْ سِيبَوَيْهِ لَكِنْ حَفِظَهُ غَيْرُهُ، وأنْشَدُوا قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎إذا النَّعْجَةُ العَجْفاءُ باتَتْ بِقَفْرَةٍ ∗∗∗ فَأيّانَ ما تَعْدِلْ بِها الرِّيحُ تَنْزِلِ وقالَ غَيْرُهُ: ؎أيّانَ نُؤْمِنكَ تَأْمَن غَيْرَنا وإذا ∗∗∗ لَمْ تُدْرِكِ الأمْنَ مِنّا لَمْ تَزَلْ حَذِرا وكَسْرُ فَتْحَةِ هَمْزَتِها لُغَةُ سُلَيْمٍ، وهي عِنْدِي حَرْفٌ بَسِيطٌ لا مُرَكَّبٌ، وجامِدٌ لا مُشْتَقٌّ، وذَكَرَ صاحِبُ كِتابِ اللَّوامِحِ أنَّ أيّانَ في الأصْلِ كانَ: أيَّ أوانٍ، فَلَمّا كَثُرَ دَوْرُهُ حُذِفَتِ الهَمْزَةُ عَلى غَيْرِ قِياسٍ ولا عِوَضٍ وقُلِبَتِ الواوُ ياءً، فاجْتَمَعَتْ ثَلاثُ ياءاتٍ فَحُذِفَتْ إحْداها، فَصارَتْ عَلى ما رَأيْتَ، انْتَهى، وزَعَمَ أبُو الفَتْحِ أنَّهُ فَعْلانٌ وفَعْلالٌ مُشْتَقٌّ مِن أيٍّ: ومَعْناهُ: أيُّ وقْتٍ، وأيُّ فِعْلٍ، مِن أوَيْتُ إلَيْهِ؛ لِأنَّ البَعْضَ آوٍ إلى الكُلِّ مُتَسانِدٌ إلَيْهِ، وامْتَنَعَ أنْ يَكُونَ فَعالًا وفَعّالًا مِن أيْنَ؛ لِأنَّ أيّانَ ظَرْفُ زَمانٍ، وأيْنَ ظَرْفُ مَكانٍ، فَأوْجَبَ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ مِن لَفْظِ أيٍّ لِزِيادَةِ النُّونِ؛ ولِأنَّ أيّانَ اسْتِفْهامٌ، كَما أنَّ أيًّا كَذَلِكَ، والأصْلُ عَدَمُ التَّرْكِيبِ، وفي أسْماءِ الِاسْتِفْهامِ والشَّرْطِ الجُمُودُ كَمَتى وحَيْثُما وأنّى وإذا، رَسا يَرْسُو ثَبَتَ. الحَفِيُّ المُسْتَقْصِي لِلشَّيْءِ المُحْتَفِلُ بِهِ المُعْتَنِي، وفُلانٌ حَفِيٌّ بِي بارٌّ مُعْتَنٍ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎فَلَمّا التَقَيْنا بَيَّنَ السَّيْفُ بَيْنَنا ∗∗∗ لِسائِلَةٍ عَنّا حَفِيٌّ سُؤالُها وقالَ آخَرُ: ؎سُؤالُ حَفِيٍّ عَنْ أخِيهِ كَأنَّهُ ∗∗∗ بِذِكْرَتِهِ وسْنانُ أوْ مُتَواسِنُ والإحْفاءُ الِاسْتِقْصاءُ، ومِنهُ إحْفاءُ الشّارِبِ، والحافِي، أيْ: حَفِيَتْ قَدَمَيْهِ لِلِاسْتِقْصاءِ في السَّيْرِ، والحَفاوَةُ: البِرُّ واللُّطْفُ. ﴿وإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهم كَأنَّهُ ظُلَّةٌ وظَنُّوا أنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ﴾، أيْ: جَذَبْنا الجَبَلَ بِشِدَّةٍ، وفَوْقَهم حالٌ مُقَدَّرَةٌ والعامِلُ فِيها مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: كائِنًا فَوْقَهم؛ إذْ كانَتْ حالَةُ النَّتْقِ لَمْ تُقارِنِ الفَوْقِيَّةَ، لَكِنَّهُ صارَ فَوْقَهم، وقالَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ: فَوْقَهم ظَرْفٌ لِنَتَقْنا، ولا يُمْكِنُ ذَلِكَ إلّا إنْ ضُمِّنَ نَتَقْنا مَعْنى فِعْلٍ يُمْكِنُ أنْ يَعْمَلَ في فَوْقَهم، أيْ: رَفَعْنا بِالنَّتْقِ الجَبَلَ فَوْقَهم فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: ﴿ورَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ﴾ [النساء: ١٥٤] والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: كَأنَّهُ ظُلَّةٌ في مَوْضِعِ الحالِ، والمَعْنى: كَأنَّهُ عَلَيْهِمْ ظُلَّةٌ، والظُّلَّةُ ما أظَلَّ مِن (p-٤٢٠)سَقِيفَةٍ أوْ سَحابٍ، ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ التَّشْبِيهُ عَلى أنَّهُ بِظُلَّةٍ مَخْصُوصَةٍ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ كُلُّ ما أظَلُّ يُسَمّى ظُلَّةً فالجَبَلُ فَوْقَهم صارَ ظُلَّةً، وإذا صارَ ظُلَّةً فَكَيْفَ يُشَبَّهُ بِظُلَّةٍ ؟ فالمَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ -، كَأنَّهُ حالَةَ ارْتِفاعِهِ عَلَيْهِمْ ظُلَّةٌ مِنَ الغَمامِ، وهي الظُّلَّةُ الَّتِي لَيْسَتْ تَحْتَها عَمَدٌ، بَلْ إمْساكُها بِالقُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ، وإنْ كانَتْ أجْرامًا بِخِلافِ الظُّلَّةِ الأرْضِيَّةِ، فَإنَّها لا تَكُونُ إلّا عَلى عَمَدٍ، فَلَمّا دانَتْ هَذِهِ الظُّلْمَةُ الأرْضِيَّةُ فَوْقَهم بِلا عَمَدٍ شُبِّهَتْ بِظُلَّةِ الغَمامِ الَّتِي لَيْسَتْ بِلا عَمَدٍ؛ وقِيلَ: اعْتادَ البَشَرُ هَذِهِ الأجْرامَ الأرْضِيَّةَ ظُلَلًا؛ إذْ كانَتْ عَلى عَمَدٍ، فَلَمّا كانَ الجَبَلُ مُرْتَفِعًا عَلى غَيْرِ عَمَدٍ قِيلَ: كَأنَّهُ ظُلَّةٌ، أيْ: كَأنَّهُ عَلى عَمَدٍ، وقُرِئَ طُلَّةٌ بِالطّاءِ مِن أطَلَّ عَلَيْهِ؛ إذا أشْرَفَ وظَنُّوا هُنا باقِيَةٌ عَلى بابِها مِن تَرْجِيحِ أحَدِ الجائِزَيْنِ، وقالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ أيْقَنُوا، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلِمُوا، ولَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هو غَلَبَةُ ظَنٍّ مَعَ بَقاءِ الرَّجاءِ، إلّا إنْ قَيَّدَ ذَلِكَ بِقَيْدِ أنْ لا يَعْقِلُوا التَّوْراةَ، فَإنَّهُ يَكُونُ بِمَعْنى الإتْقانِ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ سَبَبِ رَفْعِ الجَبَلِ فَوْقَهم في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ في البَقَرَةِ فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ، وقَدْ كَرَّرَهُ المُفَسِّرُونَ هَنا الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُما، وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا عِنْدَ ذِكْرِ السَّبَبِ أنَّهُ لَمّا نَشَرَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - الألْواحَ وفِيها كِتابُ اللَّهِ تَعالى لَمْ يَبْقَ شَجَرٌ، ولا جَبَلٌ ولا حَجَرٌ إلّا اهْتَزَّ، فَلِذَلِكَ لا تَرى يَهُودِيًّا يَقْرَأُ التَّوْراةَ إلّا اهْتَزَّ وأنْغَضَ لَها رَأْسَهُ، انْتَهى، وقَدْ سَرَتْ هَذِهِ النَّزْعَةُ إلى أوْلادِ المُسْلِمِينَ فِيما رَأيْتُ بِدِيارِ مِصْرَ تَراهم في المَكْتَبِ إذا قَرَأُوا القُرْآنَ يَهْتَزُّونَ ويُحَرِّكُونَ رُءُوسَهم، وأمّا في بِلادِنا بِالأنْدَلُسِ والغَرْبِ فَلَوْ تَحَرَّكَ صَغِيرٌ عِنْدَ قِراءَةِ القُرْآنِ أدَّبَهُ مُؤَدِّبُ المَكْتَبِ، وقالَ لَهُ: لا تَتَحَرَّكْ فَتُشْبِهِ اليَهُودَ في الدِّراسَةِ. * * ﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ قَرَأ الأعْمَشُ: واذَّكَّرُوا، بِالتَّشْدِيدِ مِنَ الِاذِّكارِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: وتَذْكُرُوا، وقُرِئَ: وتَذَكَّرُوا، بِالتَّشْدِيدِ، بِمَعْنى: وتَذَّكَّرُوا، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمَلِ في البَقَرَةِ. ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ رُوِيَ في الحَدِيثِ مِن طُرُقٍ: «أخَذَ مِن ظَهْرِ آدَمَ ذَرِّيَّتَهُ، وأخَذَ عَلَيْهِمُ العَهْدَ بِأنَّهُ رَبُّهم وأنْ لا إلَهَ غَيْرُهُ، فَأقَرُّوا بِذَلِكَ والتَزَمُوهُ»، واخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ الإخْراجِ وهَيْئَةِ المَخْرَجِ والمَكانِ والزَّمانِ، وتَقْرِيرُ هَذِهِ الأشْياءِ مَحَلُّها ذَلِكَ الحَدِيثُ والكَلامُ عَلَيْهِ، وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يُنافِي ظاهِرَ ذَلِكَ الحَدِيثِ، ولا تَلْتَئِمُ ألْفاظُهُ مَعَ لَفْظِ الآيَةِ، وقَدْ رامَ الجَمْعَ بَيْنَ الآيَةِ والحَدِيثِ جَماعَةٌ بِما هو مُتَكَلَّفٌ في التَّأْوِيلِ، وأحْسَنُ ما تُكُلِّمَ بِهِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ ما فَسَّرَهُ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: مِن بابِ التَّمْثِيلِ والتَّخْيِيلِ، ومَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى نَصَبَ لَهُمُ الأدِلَّةَ عَلى رُبُوبِيَّتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ، وشَهِدَتْ بِها عُقُولُهم وبَصائِرُهُمُ الَّتِي رَكَّبَها فِيهِمْ وجَعَلَها مُمَيِّزَةً بَيْنَ الضَّلالَةِ والهُدى، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ أشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ وقَرَّرَهم، وقالَ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾، وكَأنَّهم قالُوا: بَلى أنْتَ رَبُّنا شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا وأقْرَرْنا لِوَحْدانِيَّتِكَ، وبابُ التَّمْثِيلِ واسِعٌ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ وفي كَلامِ العَرَبِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: إنَّما ﴿قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]، ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]، وقَوْلُ الشّاعِرِ:(p-٤٢١) ؎إذا قالَتِ الأنْساعُ لِلْبَطْنِ الحَقِي تَقُولُ لَهُ رِيحُ الصِّبا قِرْقارُ ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا قَوْلَ ثَمَّ، وإنَّما هو تَمْثِيلٌ وتَصْوِيرٌ لِلْمَعْنى، وأنْ تَقُولُوا مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: فَعَلْنا ذَلِكَ مِن نَصْبِ الأدِلَّةِ الشّاهِدَةِ عَلى صِحَّتِها العُقُولُ كَراهَةَ أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ، وتَقْدِيرُهُ: إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ لَمْ نُنَبَّهْ عَلَيْهِ، أوْ كَراهَةَ أنْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ فاقْتَدَيْنا بِهِمْ؛ لِأنَّ نَصْبَ الأدِلَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ وما نُبِّهُوا عَلَيْهِ قائِمٌ مَعَهم، فَلا عُذْرَ لَهم في الإعْراضِ عَنْهُ والإقْبالِ عَلى التَّقْلِيدِ والِاقْتِداءِ بِالآباءِ، كَما لا عُذْرَ لِآبائِهِمْ في الشِّرْكِ وأدِلَّةُ التَّوْحِيدِ مَنصُوبَةٌ لَهم، (فَإنْ قُلْتَ): بَنُو آدَمَ وذُرِّيّاتُهم مَن هم، قُلْتُ: عَنِيَ بِبَنِي آدَمَ أسْلافَ اليَهُودِ الَّذِينَ أشْرَكُوا بِاللَّهِ تَعالى حَيْثُ قالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وبِذُرِّيّاتِهِمُ الَّذِينَ كانُوا في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ مِن أخْلافِهِمُ المُقْتَدِينَ بِآبائِهِمْ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّها في المُشْرِكِينَ وأوْلادِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ﴾ والدَّلِيلُ عَلى أنَّها في اليَهُودِ الآياتُ الَّتِي عُطِفَتْ عَلَيْها هي، والَّتِي عُطِفَتْ عَلَيْها وهي عَلى نَمَطِها وأُسْلُوبِها، وذَلِكَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ﴾ [الأعراف: ١٦٣] ﴿وإذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنهُمْ﴾ [الأعراف: ١٦٤] ﴿وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكَ﴾ [الأعراف: ١٦٧] ﴿وإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهُمْ﴾ ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا﴾ [الأعراف: ١٧٥]، انْتَهى كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ، وهو بَسْطُ كَلامِ مَن تَقَدَّمَهُ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قالَ قَوْمٌ: الآيَةُ مُشِيرَةٌ إلى هَذا التَّأْوِيلِ الَّذِي في الدُّنْيا، وأخَذَ بِمَعْنى أوْجَدَ وأنَّ الإشْهادَيْنِ عِنْدَ بُلُوغِ المُكَلَّفِ، وهو قَدْ أُعْطِيَ الفَهْمَ ونُصِبَتْ لَهُ الصِّفَةُ الدّالَّةُ عَلى الصّانِعِ، ونَحا لَها الزَّجّاجُ، وهو مَعْنًى تَحْتَمِلُهُ الألْفاظُ، انْتَهى، والقَوْلُ بِظاهِرِ الحَدِيثِ يُطْرِقُ إلى القَوْلِ بِالتَّناسُخِ فَيَجِبُ تَأْوِيلُهُ، ومَفْعُولُ أخَذَ ذُرِّيّاتِهِمْ، قالَهُ الحَوْفِيُّ: ويُحْتَمَلُ في قِراءَةِ الجَمِيعِ أنْ يَكُونَ مَفْعُولُ أخَذَ مَحْذُوفًا لِفَهْمِ المَعْنى، وذُرِّيّاتِهِمْ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ ظُهُورِهِمْ، كَما أنَّ مِن ظُهُورِهِمْ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: بَنِي آدَمَ، والمَفْعُولُ المَحْذُوفُ هو المِيثاقُ، كَما قالَ: ﴿وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ١٥٤]، ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٨٣] وتَقْدِيرُ الكَلامِ: وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن ظُهُورِ ذُرِّيّاتِ بَنِي آدَمَ مِيثاقَ التَّوْحِيدِ لِلَّهِ وإفْرادِهِ بِالعِبادَةِ، واسْتَعارَ أنْ يَكُونَ أُخِذَ المِيثاقُ مِنَ الظَّهْرِ، كَأنَّ المِيثاقَ لِصُعُوبَتِهِ ولِلِارْتِباطِ بِهِ والوُقُوفِ عِنْدَهُ شَيْءٌ ثَقِيلٌ يُحْمَلُ عَلى الظَّهْرِ، وهَذا مِن تَمْثِيلِ المَعْنى بِالجَزْمِ، وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِما نَصَبَ لَهم مِنَ الأدِلَّةِ قائِلًا: ألَسْتُ بِرَبِّكم، قالُوا: بَلى، وقَرَأ العَرَبِيّانِ ونافِعٌ: ذُرِّيّاتِهِمْ، بِالجَمْعِ، وتَقَدَّمَ إعْرابُهُ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: ذَرِّيَّتَهم، مُفْرَدًا بِفَتْحِ التّاءِ، ويَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِأخَذَ، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: مِيثاقَ ذُرِّيّاتِهِمْ، وإنَّما كانَ أخَذَ المِيثاقَ مِن ذُرِّيَّةِ بَنِي آدَمَ؛ لِأنَّ بَنِي آدَمَ لِصُلْبِهِ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مُشْرِكٌ، وإنَّما حَدَثَ الإشْراكُ في ذُرِّيَّتِهِمْ. شَهِدْنا أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ، أيْ: قالَ اللَّهُ: شَهِدْنا عَلَيْكم، أوْ قالَ اللَّهُ والمَلائِكَةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ، أوْ قالَتِ المَلائِكَةُ، أوْ شَهِدَ بَعْضُهم عَلى بَعْضِ أقْوالٍ، ومَعْنى“ عَنْ هَذا " عَنْ هَذا المِيثاقِ والإقْرارِ بِالرُّبُوبِيَّةِ. ﴿أوْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ﴾ المَعْنى أنَّ الكَفَرَةَ لَوْ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ عَهْدٌ، ولا جاءَهم رَسُولٌ مُذَكِّرٌ بِما تَضَمَّنَهُ العَهْدُ مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ وعِبادَتِهِ لَكانَتْ لَهم حُجَّتانِ، إحْداهُما: كُنّا غافِلِينَ، والأُخْرى: كُنّا أتْباعًا لِأسْلافِنا، فَكَيْفَ نَهْلِكُ والذَّنْبُ إنَّما هو لِمَن طَرَقَ لَنا وأضَلَّنا ؟ فَوَقَعَتِ الشَّهادَةُ لِتَنْقَطِعَ عَنْهُمُ الحُجَجُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: أنْ يَقُولُوا، بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ. ﴿أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ﴾ هَذا مِن تَمامِ القَوْلِ الثّانِي، أيْ: كانُوا السَّبَبَ في شِرْكِنا لِتَأْسِيسِهِمُ الشِّرْكَ وتَقَدُّمِهِمْ فِيهِ وتَرْكِهِ سُنَّةً لَنا، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى أزالَ عَنْهُمُ الِاحْتِجاجَ بِتَرْكِيبِ العُقُولِ فِيهِمْ وتَذْكِيرِهِمْ بِبَعْثَةِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ، فَقَطَعَ بِذَلِكَ أعْذارَهم.

الأعراف 7:173

﴿وإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهم كَأنَّهُ ظُلَّةٌ وظَنُّوا أنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى شَهِدْنا أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ﴾ ﴿أوْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ﴾ ﴿وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ولَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فانْسَلَخَ مِنها فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٥] ﴿ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ واتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٦] ﴿ساءَ مَثَلًا القَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وأنْفُسَهم كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٧] ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٨] ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ولَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ولَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولَئِكَ كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩] ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠] ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨١] ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٢] ﴿وأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٣] ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ إنْ هو إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٤] ﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ وأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهم فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٥] ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ ويَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٦] ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلّا هو ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ لا تَأْتِيكم إلّا بَغْتَةً يَسْألُونَكَ كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] . النَّتْقُ الجَذْبُ بِشِدَّةٍ، وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِغايَتِهِ، وهو القَلْعُ، وتَقُولُ العَرَبُ: نَتَقْتُ الزُّبْدَةَ مِن فَمِ القِرْبَةِ، والنّاتِقُ الرَّحِمُ الَّتِي تُقْلِعُ الوَلَدَ مِنَ الرَّجُلِ. وقالَ النّابِغَةُ: ؎لَمْ يُحْرَمُوا حُسْنَ الفِداءِ وأُمُّهم طَفَحَتْ عَلَيْكَ بِناتِقٍ مِذْكارِ وفِي الحَدِيثِ ”«عَلَيْكم بِزَواجِ الأبْكارِ فَإنَّهُنَّ أنْتَقُ أرْحامًا وأطْيَبُ أفْواهًا وأرْضى بِاليَسِيرِ» . الِانْسِلاخُ (p-٤١٩)التَّعَرِّي مِنَ الشَّيْءِ حَتّى لا يَعْلَقَ بِهِ مِنهُ شَيْءٌ، ومِنهُ انْسَلَخَتِ الحَيَّةُ مِن جِلْدِها. الكَلْبُ حَيَوانٌ مَعْرُوفٌ ويُجْمَعُ في القِلَّةِ عَلى أكْلُبٍ، وفي الكَثْرَةِ عَلى كِلابٍ، وشَذُّوا في هَذا الجَمْعِ فَجَمَعُوهُ بِالألِفِ والتّاءِ، فَقالُوا: كِلاباتٌ، وتَقَدَّمَتْ هَذِهِ المادَّةُ في: مُكَلِّبِينَ وكَرَّرْناها لِزِيادَةِ فائِدَةٍ، لَهَثَ الكَلْبُ يَلْهَثُ بِفَتْحِ الهاءَيْنِ ماضِيًا ومُضارِعًا، والمَصْدَرُ لَهْثًا ولُهْثًا بِالضَّمِّ: أخْرَجَ لِسانَهُ وهي حالَةٌ لَهُ في التَّعَبِ والرّاحَةِ والعَطَشِ والرِّيِّ بِخِلافِ غَيْرِهِ مِنَ الحَيَوانِ فَإنَّهُ لا يَلْهَثُ إلّا مِن إعْياءٍ وعَطَشٍ، لَحَدَ وألْحَدَ لُغَتانِ، قِيلَ: بِمَعْنًى واحِدٍ هو العُدُولُ عَنِ الحَقِّ والإدْخالُ فِيهِ ما لَيْسَ مِنهُ، قالَهُ ابْنُ السِّكِّيتِ، وقالَ غَيْرُهُ: العُدُولُ عَنِ الِاسْتِقامَةِ، والرُّباعِيُّ أشْهَرُ في الِاسْتِعْمالِ مِنَ الثُّلاثِيِّ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎لَيْسَ الأمِيرُ بِالشَّحِيحِ المُلْحِدِ ومِنهُ لَحَدَ القَبْرَ، وهو المَيْلُ إلى أحَدِ شِقَّيْهِ، ومِن كَلامِهِمْ ما فَعَلَ الواحِدُ قالُوا: لَحَدَهُ اللّاحِدُ؛ وقِيلَ: ألْحَدَ بِمَعْنى مالَ وانْحَرَفَ، ولَحَدَ بِمَعْنى رَكَنَ وانْضَوى، قالَهُ الكِسائِيُّ، مَتُنَ مَتانَةً: اشْتَدَّ وقَوِيَ، أيّانَ: ظَرْفُ زَمانٍ مَبْنِيٌّ لا يَتَصَرَّفُ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِهِ في الِاسْتِفْهامِ، ويَلِيهِ الِاسْمُ مَرْفُوعًا بِالِابْتِداءِ، والفِعْلُ المُضارِعُ لا الماضِي بِخِلافِ مَتى فَإنَّهُما يَلِيانِهِ، قالَ تَعالى: أيّانَ يُبْعَثُونَ و: أيّانَ مُرْساها قالَ الشّاعِرُ: ؎أيّانَ تَقْضِي حاجَتِي أيّانا ∗∗∗ أما تَرى لِفِعْلِها إبّانا وتُسْتَعْمَلُ في الجَزاءِ فَتَجْزِمُ المُضارِعَيْنِ، وذَلِكَ قَلِيلٌ فِيها، ولَمْ يَحْفَظْ سِيبَوَيْهِ لَكِنْ حَفِظَهُ غَيْرُهُ، وأنْشَدُوا قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎إذا النَّعْجَةُ العَجْفاءُ باتَتْ بِقَفْرَةٍ ∗∗∗ فَأيّانَ ما تَعْدِلْ بِها الرِّيحُ تَنْزِلِ وقالَ غَيْرُهُ: ؎أيّانَ نُؤْمِنكَ تَأْمَن غَيْرَنا وإذا ∗∗∗ لَمْ تُدْرِكِ الأمْنَ مِنّا لَمْ تَزَلْ حَذِرا وكَسْرُ فَتْحَةِ هَمْزَتِها لُغَةُ سُلَيْمٍ، وهي عِنْدِي حَرْفٌ بَسِيطٌ لا مُرَكَّبٌ، وجامِدٌ لا مُشْتَقٌّ، وذَكَرَ صاحِبُ كِتابِ اللَّوامِحِ أنَّ أيّانَ في الأصْلِ كانَ: أيَّ أوانٍ، فَلَمّا كَثُرَ دَوْرُهُ حُذِفَتِ الهَمْزَةُ عَلى غَيْرِ قِياسٍ ولا عِوَضٍ وقُلِبَتِ الواوُ ياءً، فاجْتَمَعَتْ ثَلاثُ ياءاتٍ فَحُذِفَتْ إحْداها، فَصارَتْ عَلى ما رَأيْتَ، انْتَهى، وزَعَمَ أبُو الفَتْحِ أنَّهُ فَعْلانٌ وفَعْلالٌ مُشْتَقٌّ مِن أيٍّ: ومَعْناهُ: أيُّ وقْتٍ، وأيُّ فِعْلٍ، مِن أوَيْتُ إلَيْهِ؛ لِأنَّ البَعْضَ آوٍ إلى الكُلِّ مُتَسانِدٌ إلَيْهِ، وامْتَنَعَ أنْ يَكُونَ فَعالًا وفَعّالًا مِن أيْنَ؛ لِأنَّ أيّانَ ظَرْفُ زَمانٍ، وأيْنَ ظَرْفُ مَكانٍ، فَأوْجَبَ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ مِن لَفْظِ أيٍّ لِزِيادَةِ النُّونِ؛ ولِأنَّ أيّانَ اسْتِفْهامٌ، كَما أنَّ أيًّا كَذَلِكَ، والأصْلُ عَدَمُ التَّرْكِيبِ، وفي أسْماءِ الِاسْتِفْهامِ والشَّرْطِ الجُمُودُ كَمَتى وحَيْثُما وأنّى وإذا، رَسا يَرْسُو ثَبَتَ. الحَفِيُّ المُسْتَقْصِي لِلشَّيْءِ المُحْتَفِلُ بِهِ المُعْتَنِي، وفُلانٌ حَفِيٌّ بِي بارٌّ مُعْتَنٍ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎فَلَمّا التَقَيْنا بَيَّنَ السَّيْفُ بَيْنَنا ∗∗∗ لِسائِلَةٍ عَنّا حَفِيٌّ سُؤالُها وقالَ آخَرُ: ؎سُؤالُ حَفِيٍّ عَنْ أخِيهِ كَأنَّهُ ∗∗∗ بِذِكْرَتِهِ وسْنانُ أوْ مُتَواسِنُ والإحْفاءُ الِاسْتِقْصاءُ، ومِنهُ إحْفاءُ الشّارِبِ، والحافِي، أيْ: حَفِيَتْ قَدَمَيْهِ لِلِاسْتِقْصاءِ في السَّيْرِ، والحَفاوَةُ: البِرُّ واللُّطْفُ. ﴿وإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهم كَأنَّهُ ظُلَّةٌ وظَنُّوا أنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ﴾، أيْ: جَذَبْنا الجَبَلَ بِشِدَّةٍ، وفَوْقَهم حالٌ مُقَدَّرَةٌ والعامِلُ فِيها مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: كائِنًا فَوْقَهم؛ إذْ كانَتْ حالَةُ النَّتْقِ لَمْ تُقارِنِ الفَوْقِيَّةَ، لَكِنَّهُ صارَ فَوْقَهم، وقالَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ: فَوْقَهم ظَرْفٌ لِنَتَقْنا، ولا يُمْكِنُ ذَلِكَ إلّا إنْ ضُمِّنَ نَتَقْنا مَعْنى فِعْلٍ يُمْكِنُ أنْ يَعْمَلَ في فَوْقَهم، أيْ: رَفَعْنا بِالنَّتْقِ الجَبَلَ فَوْقَهم فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: ﴿ورَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ﴾ [النساء: ١٥٤] والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: كَأنَّهُ ظُلَّةٌ في مَوْضِعِ الحالِ، والمَعْنى: كَأنَّهُ عَلَيْهِمْ ظُلَّةٌ، والظُّلَّةُ ما أظَلَّ مِن (p-٤٢٠)سَقِيفَةٍ أوْ سَحابٍ، ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ التَّشْبِيهُ عَلى أنَّهُ بِظُلَّةٍ مَخْصُوصَةٍ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ كُلُّ ما أظَلُّ يُسَمّى ظُلَّةً فالجَبَلُ فَوْقَهم صارَ ظُلَّةً، وإذا صارَ ظُلَّةً فَكَيْفَ يُشَبَّهُ بِظُلَّةٍ ؟ فالمَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ -، كَأنَّهُ حالَةَ ارْتِفاعِهِ عَلَيْهِمْ ظُلَّةٌ مِنَ الغَمامِ، وهي الظُّلَّةُ الَّتِي لَيْسَتْ تَحْتَها عَمَدٌ، بَلْ إمْساكُها بِالقُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ، وإنْ كانَتْ أجْرامًا بِخِلافِ الظُّلَّةِ الأرْضِيَّةِ، فَإنَّها لا تَكُونُ إلّا عَلى عَمَدٍ، فَلَمّا دانَتْ هَذِهِ الظُّلْمَةُ الأرْضِيَّةُ فَوْقَهم بِلا عَمَدٍ شُبِّهَتْ بِظُلَّةِ الغَمامِ الَّتِي لَيْسَتْ بِلا عَمَدٍ؛ وقِيلَ: اعْتادَ البَشَرُ هَذِهِ الأجْرامَ الأرْضِيَّةَ ظُلَلًا؛ إذْ كانَتْ عَلى عَمَدٍ، فَلَمّا كانَ الجَبَلُ مُرْتَفِعًا عَلى غَيْرِ عَمَدٍ قِيلَ: كَأنَّهُ ظُلَّةٌ، أيْ: كَأنَّهُ عَلى عَمَدٍ، وقُرِئَ طُلَّةٌ بِالطّاءِ مِن أطَلَّ عَلَيْهِ؛ إذا أشْرَفَ وظَنُّوا هُنا باقِيَةٌ عَلى بابِها مِن تَرْجِيحِ أحَدِ الجائِزَيْنِ، وقالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ أيْقَنُوا، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلِمُوا، ولَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هو غَلَبَةُ ظَنٍّ مَعَ بَقاءِ الرَّجاءِ، إلّا إنْ قَيَّدَ ذَلِكَ بِقَيْدِ أنْ لا يَعْقِلُوا التَّوْراةَ، فَإنَّهُ يَكُونُ بِمَعْنى الإتْقانِ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ سَبَبِ رَفْعِ الجَبَلِ فَوْقَهم في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ في البَقَرَةِ فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ، وقَدْ كَرَّرَهُ المُفَسِّرُونَ هَنا الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُما، وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا عِنْدَ ذِكْرِ السَّبَبِ أنَّهُ لَمّا نَشَرَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - الألْواحَ وفِيها كِتابُ اللَّهِ تَعالى لَمْ يَبْقَ شَجَرٌ، ولا جَبَلٌ ولا حَجَرٌ إلّا اهْتَزَّ، فَلِذَلِكَ لا تَرى يَهُودِيًّا يَقْرَأُ التَّوْراةَ إلّا اهْتَزَّ وأنْغَضَ لَها رَأْسَهُ، انْتَهى، وقَدْ سَرَتْ هَذِهِ النَّزْعَةُ إلى أوْلادِ المُسْلِمِينَ فِيما رَأيْتُ بِدِيارِ مِصْرَ تَراهم في المَكْتَبِ إذا قَرَأُوا القُرْآنَ يَهْتَزُّونَ ويُحَرِّكُونَ رُءُوسَهم، وأمّا في بِلادِنا بِالأنْدَلُسِ والغَرْبِ فَلَوْ تَحَرَّكَ صَغِيرٌ عِنْدَ قِراءَةِ القُرْآنِ أدَّبَهُ مُؤَدِّبُ المَكْتَبِ، وقالَ لَهُ: لا تَتَحَرَّكْ فَتُشْبِهِ اليَهُودَ في الدِّراسَةِ. * * ﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ قَرَأ الأعْمَشُ: واذَّكَّرُوا، بِالتَّشْدِيدِ مِنَ الِاذِّكارِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: وتَذْكُرُوا، وقُرِئَ: وتَذَكَّرُوا، بِالتَّشْدِيدِ، بِمَعْنى: وتَذَّكَّرُوا، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمَلِ في البَقَرَةِ. ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ رُوِيَ في الحَدِيثِ مِن طُرُقٍ: «أخَذَ مِن ظَهْرِ آدَمَ ذَرِّيَّتَهُ، وأخَذَ عَلَيْهِمُ العَهْدَ بِأنَّهُ رَبُّهم وأنْ لا إلَهَ غَيْرُهُ، فَأقَرُّوا بِذَلِكَ والتَزَمُوهُ»، واخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ الإخْراجِ وهَيْئَةِ المَخْرَجِ والمَكانِ والزَّمانِ، وتَقْرِيرُ هَذِهِ الأشْياءِ مَحَلُّها ذَلِكَ الحَدِيثُ والكَلامُ عَلَيْهِ، وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يُنافِي ظاهِرَ ذَلِكَ الحَدِيثِ، ولا تَلْتَئِمُ ألْفاظُهُ مَعَ لَفْظِ الآيَةِ، وقَدْ رامَ الجَمْعَ بَيْنَ الآيَةِ والحَدِيثِ جَماعَةٌ بِما هو مُتَكَلَّفٌ في التَّأْوِيلِ، وأحْسَنُ ما تُكُلِّمَ بِهِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ ما فَسَّرَهُ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: مِن بابِ التَّمْثِيلِ والتَّخْيِيلِ، ومَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى نَصَبَ لَهُمُ الأدِلَّةَ عَلى رُبُوبِيَّتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ، وشَهِدَتْ بِها عُقُولُهم وبَصائِرُهُمُ الَّتِي رَكَّبَها فِيهِمْ وجَعَلَها مُمَيِّزَةً بَيْنَ الضَّلالَةِ والهُدى، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ أشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ وقَرَّرَهم، وقالَ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾، وكَأنَّهم قالُوا: بَلى أنْتَ رَبُّنا شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا وأقْرَرْنا لِوَحْدانِيَّتِكَ، وبابُ التَّمْثِيلِ واسِعٌ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ وفي كَلامِ العَرَبِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: إنَّما ﴿قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]، ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]، وقَوْلُ الشّاعِرِ:(p-٤٢١) ؎إذا قالَتِ الأنْساعُ لِلْبَطْنِ الحَقِي تَقُولُ لَهُ رِيحُ الصِّبا قِرْقارُ ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا قَوْلَ ثَمَّ، وإنَّما هو تَمْثِيلٌ وتَصْوِيرٌ لِلْمَعْنى، وأنْ تَقُولُوا مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: فَعَلْنا ذَلِكَ مِن نَصْبِ الأدِلَّةِ الشّاهِدَةِ عَلى صِحَّتِها العُقُولُ كَراهَةَ أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ، وتَقْدِيرُهُ: إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ لَمْ نُنَبَّهْ عَلَيْهِ، أوْ كَراهَةَ أنْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ فاقْتَدَيْنا بِهِمْ؛ لِأنَّ نَصْبَ الأدِلَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ وما نُبِّهُوا عَلَيْهِ قائِمٌ مَعَهم، فَلا عُذْرَ لَهم في الإعْراضِ عَنْهُ والإقْبالِ عَلى التَّقْلِيدِ والِاقْتِداءِ بِالآباءِ، كَما لا عُذْرَ لِآبائِهِمْ في الشِّرْكِ وأدِلَّةُ التَّوْحِيدِ مَنصُوبَةٌ لَهم، (فَإنْ قُلْتَ): بَنُو آدَمَ وذُرِّيّاتُهم مَن هم، قُلْتُ: عَنِيَ بِبَنِي آدَمَ أسْلافَ اليَهُودِ الَّذِينَ أشْرَكُوا بِاللَّهِ تَعالى حَيْثُ قالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وبِذُرِّيّاتِهِمُ الَّذِينَ كانُوا في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ مِن أخْلافِهِمُ المُقْتَدِينَ بِآبائِهِمْ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّها في المُشْرِكِينَ وأوْلادِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ﴾ والدَّلِيلُ عَلى أنَّها في اليَهُودِ الآياتُ الَّتِي عُطِفَتْ عَلَيْها هي، والَّتِي عُطِفَتْ عَلَيْها وهي عَلى نَمَطِها وأُسْلُوبِها، وذَلِكَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ﴾ [الأعراف: ١٦٣] ﴿وإذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنهُمْ﴾ [الأعراف: ١٦٤] ﴿وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكَ﴾ [الأعراف: ١٦٧] ﴿وإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهُمْ﴾ ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا﴾ [الأعراف: ١٧٥]، انْتَهى كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ، وهو بَسْطُ كَلامِ مَن تَقَدَّمَهُ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قالَ قَوْمٌ: الآيَةُ مُشِيرَةٌ إلى هَذا التَّأْوِيلِ الَّذِي في الدُّنْيا، وأخَذَ بِمَعْنى أوْجَدَ وأنَّ الإشْهادَيْنِ عِنْدَ بُلُوغِ المُكَلَّفِ، وهو قَدْ أُعْطِيَ الفَهْمَ ونُصِبَتْ لَهُ الصِّفَةُ الدّالَّةُ عَلى الصّانِعِ، ونَحا لَها الزَّجّاجُ، وهو مَعْنًى تَحْتَمِلُهُ الألْفاظُ، انْتَهى، والقَوْلُ بِظاهِرِ الحَدِيثِ يُطْرِقُ إلى القَوْلِ بِالتَّناسُخِ فَيَجِبُ تَأْوِيلُهُ، ومَفْعُولُ أخَذَ ذُرِّيّاتِهِمْ، قالَهُ الحَوْفِيُّ: ويُحْتَمَلُ في قِراءَةِ الجَمِيعِ أنْ يَكُونَ مَفْعُولُ أخَذَ مَحْذُوفًا لِفَهْمِ المَعْنى، وذُرِّيّاتِهِمْ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ ظُهُورِهِمْ، كَما أنَّ مِن ظُهُورِهِمْ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: بَنِي آدَمَ، والمَفْعُولُ المَحْذُوفُ هو المِيثاقُ، كَما قالَ: ﴿وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ١٥٤]، ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٨٣] وتَقْدِيرُ الكَلامِ: وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن ظُهُورِ ذُرِّيّاتِ بَنِي آدَمَ مِيثاقَ التَّوْحِيدِ لِلَّهِ وإفْرادِهِ بِالعِبادَةِ، واسْتَعارَ أنْ يَكُونَ أُخِذَ المِيثاقُ مِنَ الظَّهْرِ، كَأنَّ المِيثاقَ لِصُعُوبَتِهِ ولِلِارْتِباطِ بِهِ والوُقُوفِ عِنْدَهُ شَيْءٌ ثَقِيلٌ يُحْمَلُ عَلى الظَّهْرِ، وهَذا مِن تَمْثِيلِ المَعْنى بِالجَزْمِ، وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِما نَصَبَ لَهم مِنَ الأدِلَّةِ قائِلًا: ألَسْتُ بِرَبِّكم، قالُوا: بَلى، وقَرَأ العَرَبِيّانِ ونافِعٌ: ذُرِّيّاتِهِمْ، بِالجَمْعِ، وتَقَدَّمَ إعْرابُهُ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: ذَرِّيَّتَهم، مُفْرَدًا بِفَتْحِ التّاءِ، ويَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِأخَذَ، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: مِيثاقَ ذُرِّيّاتِهِمْ، وإنَّما كانَ أخَذَ المِيثاقَ مِن ذُرِّيَّةِ بَنِي آدَمَ؛ لِأنَّ بَنِي آدَمَ لِصُلْبِهِ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مُشْرِكٌ، وإنَّما حَدَثَ الإشْراكُ في ذُرِّيَّتِهِمْ. شَهِدْنا أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ، أيْ: قالَ اللَّهُ: شَهِدْنا عَلَيْكم، أوْ قالَ اللَّهُ والمَلائِكَةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ، أوْ قالَتِ المَلائِكَةُ، أوْ شَهِدَ بَعْضُهم عَلى بَعْضِ أقْوالٍ، ومَعْنى“ عَنْ هَذا " عَنْ هَذا المِيثاقِ والإقْرارِ بِالرُّبُوبِيَّةِ. ﴿أوْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ﴾ المَعْنى أنَّ الكَفَرَةَ لَوْ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ عَهْدٌ، ولا جاءَهم رَسُولٌ مُذَكِّرٌ بِما تَضَمَّنَهُ العَهْدُ مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ وعِبادَتِهِ لَكانَتْ لَهم حُجَّتانِ، إحْداهُما: كُنّا غافِلِينَ، والأُخْرى: كُنّا أتْباعًا لِأسْلافِنا، فَكَيْفَ نَهْلِكُ والذَّنْبُ إنَّما هو لِمَن طَرَقَ لَنا وأضَلَّنا ؟ فَوَقَعَتِ الشَّهادَةُ لِتَنْقَطِعَ عَنْهُمُ الحُجَجُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: أنْ يَقُولُوا، بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ. ﴿أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ﴾ هَذا مِن تَمامِ القَوْلِ الثّانِي، أيْ: كانُوا السَّبَبَ في شِرْكِنا لِتَأْسِيسِهِمُ الشِّرْكَ وتَقَدُّمِهِمْ فِيهِ وتَرْكِهِ سُنَّةً لَنا، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى أزالَ عَنْهُمُ الِاحْتِجاجَ بِتَرْكِيبِ العُقُولِ فِيهِمْ وتَذْكِيرِهِمْ بِبَعْثَةِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ، فَقَطَعَ بِذَلِكَ أعْذارَهم.

الأعراف 7:174

﴿وإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهم كَأنَّهُ ظُلَّةٌ وظَنُّوا أنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى شَهِدْنا أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ﴾ ﴿أوْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ﴾ ﴿وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ولَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فانْسَلَخَ مِنها فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٥] ﴿ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ واتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٦] ﴿ساءَ مَثَلًا القَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وأنْفُسَهم كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٧] ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٨] ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ولَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ولَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولَئِكَ كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩] ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠] ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨١] ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٢] ﴿وأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٣] ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ إنْ هو إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٤] ﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ وأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهم فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٥] ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ ويَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٦] ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلّا هو ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ لا تَأْتِيكم إلّا بَغْتَةً يَسْألُونَكَ كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] . النَّتْقُ الجَذْبُ بِشِدَّةٍ، وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِغايَتِهِ، وهو القَلْعُ، وتَقُولُ العَرَبُ: نَتَقْتُ الزُّبْدَةَ مِن فَمِ القِرْبَةِ، والنّاتِقُ الرَّحِمُ الَّتِي تُقْلِعُ الوَلَدَ مِنَ الرَّجُلِ. وقالَ النّابِغَةُ: ؎لَمْ يُحْرَمُوا حُسْنَ الفِداءِ وأُمُّهم طَفَحَتْ عَلَيْكَ بِناتِقٍ مِذْكارِ وفِي الحَدِيثِ ”«عَلَيْكم بِزَواجِ الأبْكارِ فَإنَّهُنَّ أنْتَقُ أرْحامًا وأطْيَبُ أفْواهًا وأرْضى بِاليَسِيرِ» . الِانْسِلاخُ (p-٤١٩)التَّعَرِّي مِنَ الشَّيْءِ حَتّى لا يَعْلَقَ بِهِ مِنهُ شَيْءٌ، ومِنهُ انْسَلَخَتِ الحَيَّةُ مِن جِلْدِها. الكَلْبُ حَيَوانٌ مَعْرُوفٌ ويُجْمَعُ في القِلَّةِ عَلى أكْلُبٍ، وفي الكَثْرَةِ عَلى كِلابٍ، وشَذُّوا في هَذا الجَمْعِ فَجَمَعُوهُ بِالألِفِ والتّاءِ، فَقالُوا: كِلاباتٌ، وتَقَدَّمَتْ هَذِهِ المادَّةُ في: مُكَلِّبِينَ وكَرَّرْناها لِزِيادَةِ فائِدَةٍ، لَهَثَ الكَلْبُ يَلْهَثُ بِفَتْحِ الهاءَيْنِ ماضِيًا ومُضارِعًا، والمَصْدَرُ لَهْثًا ولُهْثًا بِالضَّمِّ: أخْرَجَ لِسانَهُ وهي حالَةٌ لَهُ في التَّعَبِ والرّاحَةِ والعَطَشِ والرِّيِّ بِخِلافِ غَيْرِهِ مِنَ الحَيَوانِ فَإنَّهُ لا يَلْهَثُ إلّا مِن إعْياءٍ وعَطَشٍ، لَحَدَ وألْحَدَ لُغَتانِ، قِيلَ: بِمَعْنًى واحِدٍ هو العُدُولُ عَنِ الحَقِّ والإدْخالُ فِيهِ ما لَيْسَ مِنهُ، قالَهُ ابْنُ السِّكِّيتِ، وقالَ غَيْرُهُ: العُدُولُ عَنِ الِاسْتِقامَةِ، والرُّباعِيُّ أشْهَرُ في الِاسْتِعْمالِ مِنَ الثُّلاثِيِّ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎لَيْسَ الأمِيرُ بِالشَّحِيحِ المُلْحِدِ ومِنهُ لَحَدَ القَبْرَ، وهو المَيْلُ إلى أحَدِ شِقَّيْهِ، ومِن كَلامِهِمْ ما فَعَلَ الواحِدُ قالُوا: لَحَدَهُ اللّاحِدُ؛ وقِيلَ: ألْحَدَ بِمَعْنى مالَ وانْحَرَفَ، ولَحَدَ بِمَعْنى رَكَنَ وانْضَوى، قالَهُ الكِسائِيُّ، مَتُنَ مَتانَةً: اشْتَدَّ وقَوِيَ، أيّانَ: ظَرْفُ زَمانٍ مَبْنِيٌّ لا يَتَصَرَّفُ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِهِ في الِاسْتِفْهامِ، ويَلِيهِ الِاسْمُ مَرْفُوعًا بِالِابْتِداءِ، والفِعْلُ المُضارِعُ لا الماضِي بِخِلافِ مَتى فَإنَّهُما يَلِيانِهِ، قالَ تَعالى: أيّانَ يُبْعَثُونَ و: أيّانَ مُرْساها قالَ الشّاعِرُ: ؎أيّانَ تَقْضِي حاجَتِي أيّانا ∗∗∗ أما تَرى لِفِعْلِها إبّانا وتُسْتَعْمَلُ في الجَزاءِ فَتَجْزِمُ المُضارِعَيْنِ، وذَلِكَ قَلِيلٌ فِيها، ولَمْ يَحْفَظْ سِيبَوَيْهِ لَكِنْ حَفِظَهُ غَيْرُهُ، وأنْشَدُوا قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎إذا النَّعْجَةُ العَجْفاءُ باتَتْ بِقَفْرَةٍ ∗∗∗ فَأيّانَ ما تَعْدِلْ بِها الرِّيحُ تَنْزِلِ وقالَ غَيْرُهُ: ؎أيّانَ نُؤْمِنكَ تَأْمَن غَيْرَنا وإذا ∗∗∗ لَمْ تُدْرِكِ الأمْنَ مِنّا لَمْ تَزَلْ حَذِرا وكَسْرُ فَتْحَةِ هَمْزَتِها لُغَةُ سُلَيْمٍ، وهي عِنْدِي حَرْفٌ بَسِيطٌ لا مُرَكَّبٌ، وجامِدٌ لا مُشْتَقٌّ، وذَكَرَ صاحِبُ كِتابِ اللَّوامِحِ أنَّ أيّانَ في الأصْلِ كانَ: أيَّ أوانٍ، فَلَمّا كَثُرَ دَوْرُهُ حُذِفَتِ الهَمْزَةُ عَلى غَيْرِ قِياسٍ ولا عِوَضٍ وقُلِبَتِ الواوُ ياءً، فاجْتَمَعَتْ ثَلاثُ ياءاتٍ فَحُذِفَتْ إحْداها، فَصارَتْ عَلى ما رَأيْتَ، انْتَهى، وزَعَمَ أبُو الفَتْحِ أنَّهُ فَعْلانٌ وفَعْلالٌ مُشْتَقٌّ مِن أيٍّ: ومَعْناهُ: أيُّ وقْتٍ، وأيُّ فِعْلٍ، مِن أوَيْتُ إلَيْهِ؛ لِأنَّ البَعْضَ آوٍ إلى الكُلِّ مُتَسانِدٌ إلَيْهِ، وامْتَنَعَ أنْ يَكُونَ فَعالًا وفَعّالًا مِن أيْنَ؛ لِأنَّ أيّانَ ظَرْفُ زَمانٍ، وأيْنَ ظَرْفُ مَكانٍ، فَأوْجَبَ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ مِن لَفْظِ أيٍّ لِزِيادَةِ النُّونِ؛ ولِأنَّ أيّانَ اسْتِفْهامٌ، كَما أنَّ أيًّا كَذَلِكَ، والأصْلُ عَدَمُ التَّرْكِيبِ، وفي أسْماءِ الِاسْتِفْهامِ والشَّرْطِ الجُمُودُ كَمَتى وحَيْثُما وأنّى وإذا، رَسا يَرْسُو ثَبَتَ. الحَفِيُّ المُسْتَقْصِي لِلشَّيْءِ المُحْتَفِلُ بِهِ المُعْتَنِي، وفُلانٌ حَفِيٌّ بِي بارٌّ مُعْتَنٍ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎فَلَمّا التَقَيْنا بَيَّنَ السَّيْفُ بَيْنَنا ∗∗∗ لِسائِلَةٍ عَنّا حَفِيٌّ سُؤالُها وقالَ آخَرُ: ؎سُؤالُ حَفِيٍّ عَنْ أخِيهِ كَأنَّهُ ∗∗∗ بِذِكْرَتِهِ وسْنانُ أوْ مُتَواسِنُ والإحْفاءُ الِاسْتِقْصاءُ، ومِنهُ إحْفاءُ الشّارِبِ، والحافِي، أيْ: حَفِيَتْ قَدَمَيْهِ لِلِاسْتِقْصاءِ في السَّيْرِ، والحَفاوَةُ: البِرُّ واللُّطْفُ. ﴿وإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهم كَأنَّهُ ظُلَّةٌ وظَنُّوا أنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ﴾، أيْ: جَذَبْنا الجَبَلَ بِشِدَّةٍ، وفَوْقَهم حالٌ مُقَدَّرَةٌ والعامِلُ فِيها مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: كائِنًا فَوْقَهم؛ إذْ كانَتْ حالَةُ النَّتْقِ لَمْ تُقارِنِ الفَوْقِيَّةَ، لَكِنَّهُ صارَ فَوْقَهم، وقالَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ: فَوْقَهم ظَرْفٌ لِنَتَقْنا، ولا يُمْكِنُ ذَلِكَ إلّا إنْ ضُمِّنَ نَتَقْنا مَعْنى فِعْلٍ يُمْكِنُ أنْ يَعْمَلَ في فَوْقَهم، أيْ: رَفَعْنا بِالنَّتْقِ الجَبَلَ فَوْقَهم فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: ﴿ورَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ﴾ [النساء: ١٥٤] والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: كَأنَّهُ ظُلَّةٌ في مَوْضِعِ الحالِ، والمَعْنى: كَأنَّهُ عَلَيْهِمْ ظُلَّةٌ، والظُّلَّةُ ما أظَلَّ مِن (p-٤٢٠)سَقِيفَةٍ أوْ سَحابٍ، ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ التَّشْبِيهُ عَلى أنَّهُ بِظُلَّةٍ مَخْصُوصَةٍ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ كُلُّ ما أظَلُّ يُسَمّى ظُلَّةً فالجَبَلُ فَوْقَهم صارَ ظُلَّةً، وإذا صارَ ظُلَّةً فَكَيْفَ يُشَبَّهُ بِظُلَّةٍ ؟ فالمَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ -، كَأنَّهُ حالَةَ ارْتِفاعِهِ عَلَيْهِمْ ظُلَّةٌ مِنَ الغَمامِ، وهي الظُّلَّةُ الَّتِي لَيْسَتْ تَحْتَها عَمَدٌ، بَلْ إمْساكُها بِالقُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ، وإنْ كانَتْ أجْرامًا بِخِلافِ الظُّلَّةِ الأرْضِيَّةِ، فَإنَّها لا تَكُونُ إلّا عَلى عَمَدٍ، فَلَمّا دانَتْ هَذِهِ الظُّلْمَةُ الأرْضِيَّةُ فَوْقَهم بِلا عَمَدٍ شُبِّهَتْ بِظُلَّةِ الغَمامِ الَّتِي لَيْسَتْ بِلا عَمَدٍ؛ وقِيلَ: اعْتادَ البَشَرُ هَذِهِ الأجْرامَ الأرْضِيَّةَ ظُلَلًا؛ إذْ كانَتْ عَلى عَمَدٍ، فَلَمّا كانَ الجَبَلُ مُرْتَفِعًا عَلى غَيْرِ عَمَدٍ قِيلَ: كَأنَّهُ ظُلَّةٌ، أيْ: كَأنَّهُ عَلى عَمَدٍ، وقُرِئَ طُلَّةٌ بِالطّاءِ مِن أطَلَّ عَلَيْهِ؛ إذا أشْرَفَ وظَنُّوا هُنا باقِيَةٌ عَلى بابِها مِن تَرْجِيحِ أحَدِ الجائِزَيْنِ، وقالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ أيْقَنُوا، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلِمُوا، ولَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هو غَلَبَةُ ظَنٍّ مَعَ بَقاءِ الرَّجاءِ، إلّا إنْ قَيَّدَ ذَلِكَ بِقَيْدِ أنْ لا يَعْقِلُوا التَّوْراةَ، فَإنَّهُ يَكُونُ بِمَعْنى الإتْقانِ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ سَبَبِ رَفْعِ الجَبَلِ فَوْقَهم في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ في البَقَرَةِ فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ، وقَدْ كَرَّرَهُ المُفَسِّرُونَ هَنا الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُما، وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا عِنْدَ ذِكْرِ السَّبَبِ أنَّهُ لَمّا نَشَرَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - الألْواحَ وفِيها كِتابُ اللَّهِ تَعالى لَمْ يَبْقَ شَجَرٌ، ولا جَبَلٌ ولا حَجَرٌ إلّا اهْتَزَّ، فَلِذَلِكَ لا تَرى يَهُودِيًّا يَقْرَأُ التَّوْراةَ إلّا اهْتَزَّ وأنْغَضَ لَها رَأْسَهُ، انْتَهى، وقَدْ سَرَتْ هَذِهِ النَّزْعَةُ إلى أوْلادِ المُسْلِمِينَ فِيما رَأيْتُ بِدِيارِ مِصْرَ تَراهم في المَكْتَبِ إذا قَرَأُوا القُرْآنَ يَهْتَزُّونَ ويُحَرِّكُونَ رُءُوسَهم، وأمّا في بِلادِنا بِالأنْدَلُسِ والغَرْبِ فَلَوْ تَحَرَّكَ صَغِيرٌ عِنْدَ قِراءَةِ القُرْآنِ أدَّبَهُ مُؤَدِّبُ المَكْتَبِ، وقالَ لَهُ: لا تَتَحَرَّكْ فَتُشْبِهِ اليَهُودَ في الدِّراسَةِ. * * ﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ قَرَأ الأعْمَشُ: واذَّكَّرُوا، بِالتَّشْدِيدِ مِنَ الِاذِّكارِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: وتَذْكُرُوا، وقُرِئَ: وتَذَكَّرُوا، بِالتَّشْدِيدِ، بِمَعْنى: وتَذَّكَّرُوا، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمَلِ في البَقَرَةِ. ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ رُوِيَ في الحَدِيثِ مِن طُرُقٍ: «أخَذَ مِن ظَهْرِ آدَمَ ذَرِّيَّتَهُ، وأخَذَ عَلَيْهِمُ العَهْدَ بِأنَّهُ رَبُّهم وأنْ لا إلَهَ غَيْرُهُ، فَأقَرُّوا بِذَلِكَ والتَزَمُوهُ»، واخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ الإخْراجِ وهَيْئَةِ المَخْرَجِ والمَكانِ والزَّمانِ، وتَقْرِيرُ هَذِهِ الأشْياءِ مَحَلُّها ذَلِكَ الحَدِيثُ والكَلامُ عَلَيْهِ، وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يُنافِي ظاهِرَ ذَلِكَ الحَدِيثِ، ولا تَلْتَئِمُ ألْفاظُهُ مَعَ لَفْظِ الآيَةِ، وقَدْ رامَ الجَمْعَ بَيْنَ الآيَةِ والحَدِيثِ جَماعَةٌ بِما هو مُتَكَلَّفٌ في التَّأْوِيلِ، وأحْسَنُ ما تُكُلِّمَ بِهِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ ما فَسَّرَهُ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: مِن بابِ التَّمْثِيلِ والتَّخْيِيلِ، ومَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى نَصَبَ لَهُمُ الأدِلَّةَ عَلى رُبُوبِيَّتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ، وشَهِدَتْ بِها عُقُولُهم وبَصائِرُهُمُ الَّتِي رَكَّبَها فِيهِمْ وجَعَلَها مُمَيِّزَةً بَيْنَ الضَّلالَةِ والهُدى، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ أشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ وقَرَّرَهم، وقالَ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾، وكَأنَّهم قالُوا: بَلى أنْتَ رَبُّنا شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا وأقْرَرْنا لِوَحْدانِيَّتِكَ، وبابُ التَّمْثِيلِ واسِعٌ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ وفي كَلامِ العَرَبِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: إنَّما ﴿قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]، ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]، وقَوْلُ الشّاعِرِ:(p-٤٢١) ؎إذا قالَتِ الأنْساعُ لِلْبَطْنِ الحَقِي تَقُولُ لَهُ رِيحُ الصِّبا قِرْقارُ ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا قَوْلَ ثَمَّ، وإنَّما هو تَمْثِيلٌ وتَصْوِيرٌ لِلْمَعْنى، وأنْ تَقُولُوا مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: فَعَلْنا ذَلِكَ مِن نَصْبِ الأدِلَّةِ الشّاهِدَةِ عَلى صِحَّتِها العُقُولُ كَراهَةَ أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ، وتَقْدِيرُهُ: إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ لَمْ نُنَبَّهْ عَلَيْهِ، أوْ كَراهَةَ أنْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ فاقْتَدَيْنا بِهِمْ؛ لِأنَّ نَصْبَ الأدِلَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ وما نُبِّهُوا عَلَيْهِ قائِمٌ مَعَهم، فَلا عُذْرَ لَهم في الإعْراضِ عَنْهُ والإقْبالِ عَلى التَّقْلِيدِ والِاقْتِداءِ بِالآباءِ، كَما لا عُذْرَ لِآبائِهِمْ في الشِّرْكِ وأدِلَّةُ التَّوْحِيدِ مَنصُوبَةٌ لَهم، (فَإنْ قُلْتَ): بَنُو آدَمَ وذُرِّيّاتُهم مَن هم، قُلْتُ: عَنِيَ بِبَنِي آدَمَ أسْلافَ اليَهُودِ الَّذِينَ أشْرَكُوا بِاللَّهِ تَعالى حَيْثُ قالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وبِذُرِّيّاتِهِمُ الَّذِينَ كانُوا في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ مِن أخْلافِهِمُ المُقْتَدِينَ بِآبائِهِمْ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّها في المُشْرِكِينَ وأوْلادِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ﴾ والدَّلِيلُ عَلى أنَّها في اليَهُودِ الآياتُ الَّتِي عُطِفَتْ عَلَيْها هي، والَّتِي عُطِفَتْ عَلَيْها وهي عَلى نَمَطِها وأُسْلُوبِها، وذَلِكَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ﴾ [الأعراف: ١٦٣] ﴿وإذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنهُمْ﴾ [الأعراف: ١٦٤] ﴿وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكَ﴾ [الأعراف: ١٦٧] ﴿وإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهُمْ﴾ ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا﴾ [الأعراف: ١٧٥]، انْتَهى كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ، وهو بَسْطُ كَلامِ مَن تَقَدَّمَهُ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قالَ قَوْمٌ: الآيَةُ مُشِيرَةٌ إلى هَذا التَّأْوِيلِ الَّذِي في الدُّنْيا، وأخَذَ بِمَعْنى أوْجَدَ وأنَّ الإشْهادَيْنِ عِنْدَ بُلُوغِ المُكَلَّفِ، وهو قَدْ أُعْطِيَ الفَهْمَ ونُصِبَتْ لَهُ الصِّفَةُ الدّالَّةُ عَلى الصّانِعِ، ونَحا لَها الزَّجّاجُ، وهو مَعْنًى تَحْتَمِلُهُ الألْفاظُ، انْتَهى، والقَوْلُ بِظاهِرِ الحَدِيثِ يُطْرِقُ إلى القَوْلِ بِالتَّناسُخِ فَيَجِبُ تَأْوِيلُهُ، ومَفْعُولُ أخَذَ ذُرِّيّاتِهِمْ، قالَهُ الحَوْفِيُّ: ويُحْتَمَلُ في قِراءَةِ الجَمِيعِ أنْ يَكُونَ مَفْعُولُ أخَذَ مَحْذُوفًا لِفَهْمِ المَعْنى، وذُرِّيّاتِهِمْ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ ظُهُورِهِمْ، كَما أنَّ مِن ظُهُورِهِمْ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: بَنِي آدَمَ، والمَفْعُولُ المَحْذُوفُ هو المِيثاقُ، كَما قالَ: ﴿وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ١٥٤]، ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٨٣] وتَقْدِيرُ الكَلامِ: وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن ظُهُورِ ذُرِّيّاتِ بَنِي آدَمَ مِيثاقَ التَّوْحِيدِ لِلَّهِ وإفْرادِهِ بِالعِبادَةِ، واسْتَعارَ أنْ يَكُونَ أُخِذَ المِيثاقُ مِنَ الظَّهْرِ، كَأنَّ المِيثاقَ لِصُعُوبَتِهِ ولِلِارْتِباطِ بِهِ والوُقُوفِ عِنْدَهُ شَيْءٌ ثَقِيلٌ يُحْمَلُ عَلى الظَّهْرِ، وهَذا مِن تَمْثِيلِ المَعْنى بِالجَزْمِ، وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِما نَصَبَ لَهم مِنَ الأدِلَّةِ قائِلًا: ألَسْتُ بِرَبِّكم، قالُوا: بَلى، وقَرَأ العَرَبِيّانِ ونافِعٌ: ذُرِّيّاتِهِمْ، بِالجَمْعِ، وتَقَدَّمَ إعْرابُهُ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: ذَرِّيَّتَهم، مُفْرَدًا بِفَتْحِ التّاءِ، ويَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِأخَذَ، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: مِيثاقَ ذُرِّيّاتِهِمْ، وإنَّما كانَ أخَذَ المِيثاقَ مِن ذُرِّيَّةِ بَنِي آدَمَ؛ لِأنَّ بَنِي آدَمَ لِصُلْبِهِ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مُشْرِكٌ، وإنَّما حَدَثَ الإشْراكُ في ذُرِّيَّتِهِمْ. شَهِدْنا أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ، أيْ: قالَ اللَّهُ: شَهِدْنا عَلَيْكم، أوْ قالَ اللَّهُ والمَلائِكَةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ، أوْ قالَتِ المَلائِكَةُ، أوْ شَهِدَ بَعْضُهم عَلى بَعْضِ أقْوالٍ، ومَعْنى“ عَنْ هَذا " عَنْ هَذا المِيثاقِ والإقْرارِ بِالرُّبُوبِيَّةِ. ﴿أوْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ﴾ المَعْنى أنَّ الكَفَرَةَ لَوْ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ عَهْدٌ، ولا جاءَهم رَسُولٌ مُذَكِّرٌ بِما تَضَمَّنَهُ العَهْدُ مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ وعِبادَتِهِ لَكانَتْ لَهم حُجَّتانِ، إحْداهُما: كُنّا غافِلِينَ، والأُخْرى: كُنّا أتْباعًا لِأسْلافِنا، فَكَيْفَ نَهْلِكُ والذَّنْبُ إنَّما هو لِمَن طَرَقَ لَنا وأضَلَّنا ؟ فَوَقَعَتِ الشَّهادَةُ لِتَنْقَطِعَ عَنْهُمُ الحُجَجُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: أنْ يَقُولُوا، بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ. ﴿أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ﴾ هَذا مِن تَمامِ القَوْلِ الثّانِي، أيْ: كانُوا السَّبَبَ في شِرْكِنا لِتَأْسِيسِهِمُ الشِّرْكَ وتَقَدُّمِهِمْ فِيهِ وتَرْكِهِ سُنَّةً لَنا، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى أزالَ عَنْهُمُ الِاحْتِجاجَ بِتَرْكِيبِ العُقُولِ فِيهِمْ وتَذْكِيرِهِمْ بِبَعْثَةِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ، فَقَطَعَ بِذَلِكَ أعْذارَهم.

الأعراف 7:175

﴿وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ [الأعراف: ١٧٤]، أيْ: مِثْلَ هَذا التَّفْصِيلِ الَّذِي فَصَّلْنا فِيهِ الآياتِ السّابِقَةَ نُفَصِّلُ الآياتِ اللّاحِقَةَ، فالكُلُّ عَلى نَمَطٍ واحِدٍ في التَّفْصِيلِ والتَّوْضِيحِ لِأدِلَّةِ التَّوْحِيدِ (p-٤٢٢)وبَراهِينِهِ. ﴿ولَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٤] عَنْ شِرْكِهِمْ وعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ إلى تَوْحِيدِهِ وعِبادَتِهِ بِذَلِكَ التَّفْصِيلِ والتَّوْضِيحِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: يُفَصِّلُ، بِالياءِ، أيْ: يُفَصِّلُ هو، أيِ: اللَّهُ تَعالى. ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فانْسَلَخَ مِنها فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الغاوِينَ﴾، أيْ: واتْلُ عَلى مَن كانَ حاضِرًا مِن كُفّارِ اليَهُودِ وغَيْرِهِمْ، ولَمّا كانَ تَعالى قَدْ ذَكَرَ أخْذَ المِيثاقِ عَلى تَوْحِيدِهِ تَعالى وتَقْرِيرِ رُبُوبِيَّتِهِ، وذَكَرَ إقْرارَهم بِذَلِكَ وإشْهادَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ذَكَرَ حالَ مَن آمَنَ بِهِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ كَفَرَ، كَحالِ اليَهُودِ كانُوا مُقِرِّينَ مُنْتَظِرِينَ بِعْثَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِما اطَّلَعُوا عَلَيْهِ مِن كُتُبِ اللَّهِ المُنَزَّلَةِ وتَبْشِيرِها بِهِ وذِكْرِ صِفاتِهِ، فَلَمّا بُعِثَ كَفَرُوا بِهِ، فَذَكَرُوا أنَّ ما صَدَرَ مِنهم هو طَرِيقَةٌ لِأسْلافِهِمُ اتَّبَعُوها، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في هَذا الَّذِي آتاهُ اللَّهُ آياتِهِ فانْسَلَخَ مِنها، فَقالَ عِكْرِمَةُ: هو كُلُّ مَنِ انْسَلَخَ مِنَ الحَقِّ بَعْدَ أنْ أُعْطِيَهُ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى والحُنَفاءِ، وقالَ عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ: هم قُرَيْشٌ أتَتْهم أوامِرُ اللَّهِ ونَواهِيهِ والمُعْجِزاتُ فانْسَلَخُوا مِنَ الآياتِ ولَمْ يَقْبَلُوها، فَعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ يَكُونُ الَّذِي مُفَرَدًا أُرِيدَ بِهِ الجَمْعُ، وقالَ الجُمْهُورُ: هو شَخْصٌ مُعَيَّنٌ، فَقِيلَ: هو بُلْعُمٌ؛ وقِيلَ: هو بِلْعامٌ، وهو رَجُلٌ مِنَ الكَنْعانِيِّينَ أُوتِيَ بَعْضَ كُتُبِ اللَّهِ؛ وقِيلَ: كانَ يَعْلَمُ اسْمَ اللَّهِ الأعْظَمَ، واخْتُلِفَ في اسْمِ أبِيهِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هو أبْرَهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: باعُوراءُ، وقالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: باعْرُوَيْهِ، رُوِيَ أنَّ قَوْمَهُ طَلَبُوا إلَيْهِ أنْ يَدْعُوَ عَلى مُوسى ومَن مَعَهُ فَأبى، وقالَ: كَيْفَ أدْعُو عَلى مَن مَعَهُ المَلائِكَةُ، فَألَحُّوا عَلَيْهِ حَتّى فَعَلَ، وقَدْ طَوَّلَ المُفَسِّرُونَ في قِصَّتِهِ وذَكَرُوا ما اللَّهُ أعْلَمُ بِهِ؛ وقِيلَ: هو رَجُلٌ مِن عُلَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: بَعَثَهُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - نَحْوَ مَدْيَنَ داعِيًا إلى اللَّهِ وإلى شَرِيعَتِهِ وعَلِمَ مِن آياتِ اللَّهِ ما يَدَّعُونَهُ، فَكانَ مُجابَ الدَّعْوَةِ، فَلَمّا فارَقَ دِينَ مُوسى سَلَخَ اللَّهُ مِنهُ الآياتِ؛ وقِيلَ: اسْمُهُ ناعِمٌ كانَ في زَمَنِ مُوسى وكانَ بِحَبْتَ - اسْمُ بَلَدٍ - كانَ إذا نَظَرَ رَأى العَرْشَ، وكانَ في مَجْلِسِهِ اثْنا عَشَرَ ألْفَ مَحْبَرَةٍ لِلْمُتَعَلِّمِينَ يَكْتُبُونَ عَنْهُ، وهو أوَّلُ مَن صَنَّفَ كِتابًا أنَّهُ لَيْسَ لِلْعالَمِ صانِعٌ؛ وقِيلَ: هو رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أُعْطِيَ ثَلاثَ دَعَواتٍ مُسْتَجابَةٍ يَدْعُو بِها في مَصالِحِ العِبادِ، فَجَعَلَها كُلَّها لِامْرَأتِهِ وكانَتْ قَبِيحَةً، فَسَألَتْهُ فَدَعا اللَّهَ فَجَعَلَها جَمِيلَةً فَمالَتْ إلى غَيْرِهِ، فَدَعا اللَّهَ عَلَيْها فَصارَتْ كَلْبَةً نَبّاحَةً وكانَ لَهُ مِنها بَنُونَ فَتَضَّرَّعُوا إلَيْهِ، فَدَعا اللَّهَ فَصارَتْ إلى حالَتِها الأُولى، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ وابْنُ المُسَيَّبِ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وأبُو رَوْقٍ: هو أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ الثَّقَفِيُّ قَرَأ الكُتُبَ وعَلِمَ أنَّهُ سَيُبْعَثُ نَبِيٌّ مِنَ العَرَبِ ورَجا أنْ يَكُونَ إيّاهُ، وكانَ يَنْظِمُ الشِّعْرَ في الحِكَمِ والأمْثالِ، فَلَمّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ حَسَدَهُ ووَفَدَ عَلى بَعْضِ المُلُوكِ، ورُوِيَ أنَّهُ جاءَ يُرِيدُ الإسْلامَ فَوَصَلَ إلى بَدْرٍ بَعْدَ الوَقْعَةِ بِيَوْمٍ أوْ نَحْوِهِ، فَقالَ: مَن قَتَلَ هَؤُلاءِ ؟ فَقِيلَ: مُحَمَّدٌ، فَقالَ: لا حاجَةَ لِي بِدِينِ مَن قَتَلَ هَؤُلاءِ، فارْتَدَّ ورَجَعَ، وقالَ: الآنَ حَلَّتْ لِيَ الخَمْرُ، وكانَ قَدْ حَرَّمَ الخَمْرَ عَلى نَفْسِهِ فَلَحِقَ بِقَوْمٍ مِن مُلُوكِ حِمْيَرَ فَنادَمَهم حَتّى ماتَ، وقَدِمَتْ أُخْتُهُ فارِعَةُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ واسْتَنْشَدَها مِن شِعْرِهِ فَأنْشَدَتْهُ عِدَّةَ قَصائِدَ، فَقالَ: آمَنَ شِعْرُهُ وكَفَرَ قَلْبُهُ، وهو الَّذِي قالَ فِيهِ تَعالى: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فانْسَلَخَ مِنها﴾، وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ أيْضًا: هو أبُو عامِرِ بْنُ النُّعْمانِ بْنِ صَيْفِيٍّ الرّاهِبُ، سَمّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: الفاسِقَ، وكانَ تَرَهَّبَ في الجاهِلِيَّةِ ولَبِسَ المُسُوحَ، وهو الَّذِي بَنى لَهُ المُنافِقُونَ مَسْجِدَ الضِّرارِ جَرَتْ بَيْنَهُ وبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ مُحاوَرَةٌ، فَقالَ أبُو عامِرٍ: أماتَ اللَّهُ الكاذِبَ مِنّا طَرِيدًا وحِيدًا، وأرْسَلَ إلى المُنافِقِينَ أنِ اسْتَعِدُّوا بِالقُوَّةِ والسِّلاحِ، ثُمَّ أتى قَيْصَرَ واسْتَجاشَهُ لِيُخْرِجَ مُحَمَّدًا ﷺ وأصْحابَهُ مِنَ المَدِينَةِ، فَماتَ بِالشّامِ طَرِيدًا شَرِيدًا وحِيدًا؛ وقِيلَ غَيْرُ هَذا، والأوْلى في مِثْلِ هَذا إذا ورَدَ عَنِ المُفَسِّرِينَ (p-٤٢٣)أنْ تُحْمَلَ أقاوِيلُهم عَلى التَّمْثِيلِ لا عَلى الحَصْرِ في مُعَيَّنٍ، فَإنَّهُ يُؤَدِّي إلى الِاضْطِرابِ والتَّناقُضِ والخِلافِ في آتَيْناهُ آياتِنا مُتَرَتِّبٌ عَلى مَن عَنى الَّذِي آتَيْناهُ أذَلِكَ اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمُ، أوِ الآياتُ مِن كُتُبِ اللَّهِ، أوْ حُجَجُ التَّوْحِيدِ، أوْ مِن آياتِ مُوسى، أوِ العِلْمُ بِمَجِيءِ الرَّسُولِ ؟ والِانْسِلاخُ مِنَ الآياتِ مُبالَغَةٌ في التَّبَرِّي مِنها والبُعْدِ، أيْ: لَمْ يَعْمَلْ بِما اقْتَضَتْهُ نِعْمَتُنا عَلَيْهِ مِن إتْيانِهِ آياتِنا، جُعِلَ كَأنَّهُ كانَ مُلْتَبِسًا بِها كالثَّوْبِ فانْسَلَخَ مِنها، وهَذا مِن إجْراءِ المَعْنى مَجْرى الجَزْمِ، وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ مِنَ المَقْلُوبِ، أيْ: إلّا انْسَلَخَتِ الآياتُ عَنْهُ لا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَيْهِ، وقالَ سُفْيانُ: إنَّ الرَّجُلَ لَيُذْنِبُ ذَنْبًا فَيَنْسى بابًا مِنَ العِلْمِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ، مِن أتْبَعَ رُباعِيًّا، أيْ: لَحِقَهُ وصارَ مَعَهُ، وهي مُبالَغَةٌ في حَقِّهِ؛ إذْ جُعِلَ كَأنَّهُ هو إمامٌ لِلشَّيْطانِ يَتْبَعُهُ، وكَذَلِكَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ، أيْ: عَدا وراءَهُ، قالَ القَتْبِيُّ: تَبِعَهُ مِن خَلْفِهِ، وأتْبَعَهُ: أدْرَكَهُ ولَحِقَهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: ٦٠]، أيْ: أدْرَكُوهم، فَعَلى هَذا يَكُونُ مُتَعَدِّيًا إلى واحِدٍ، وقَدْ يَكُونُ أتْبَعَ مُتَعَدِّيًا إلى اثْنَيْنِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ﴾ [الطور: ٢١] فَيُقَدَّرُ هَذا: فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ خُطُواتِهِ، أيْ: جَعَلَهُ الشَّيْطانُ يَتْبَعُ خُطُواتِهِ فَتَكُونُ الهَمْزَةُ فِيهِ لِلتَّعَدِّي؛ إذْ أصْلُهُ تَبِعَ هو خُطُواتِ الشَّيْطانِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بِخِلافٍ، والحَسَنُ فِيما رَوى عَنْهُ هارُونُ: فاتَّبَعَهُ، مُشَدَّدًا بِمَعْنى تَبِعَهُ، قالَ صاحِبُ كِتابِ اللَّوامِحِ: بَيْنَهُما فَرْقٌ، وهو أنَّ تَبِعَهُ إذا مَشى في أثَرِهِ، واتَّبَعَهُ إذا واراهُ مَشْيًا، فَأمّا فَأتْبَعَهُ بِقَطْعِ الهَمْزَةِ فَمِمّا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ؛ لِأنَّهُ مَنقُولٌ مِن تَبِعَهُ، وقَدْ حُذِفَ في العامَّةِ أحَدُ المَفْعُولَيْنِ؛ وقِيلَ: فَأتْبَعَهُ بِمَعْنى اسْتَتْبَعَهُ، أيْ: جَعَلَهُ لَهُ تابِعًا فَصارَ لَهُ مُطِيعًا سامِعًا؛ وقِيلَ: مَعْناهُ: تَبِعَهُ شَياطِينُ الإنْسِ أهْلَ الكُفْرِ والضَّلالِ، فَكانَ مِنَ الغاوِينَ، يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ كانَ باقِيَةَ الدَّلالَةِ عَلى مَضْمُونِ الجُمْلَةِ واقِعًا في الزَّمانِ الماضِي، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ كانَ بِمَعْنى صارَ، أيْ: صارَ مِنَ الضّالِّينَ الكافِرِينَ، قالَ مُقاتِلٌ: مِنَ الضّالِّينَ، وقالَ الزَّجّاجُ: مِنَ الهالِكِينَ الفاسِدِينَ. ﴿ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ واتَّبَعْ هَواهُ﴾ [الأعراف: ١٧٦]، أيْ: ولَوْ أرَدْنا أنْ نُشَرِّفَهُ ونَرْفَعَ قَدْرَهُ بِما آتَيْناهُ مِنَ الآياتِ لَفَعَلْنا، ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ، أيْ: تَرامى إلى شَهَواتِ الدُّنْيا ورَغِبَ فِيها، واتَّبَعْ ما هو ناشِئٌ عَنِ الهَوى، وجاءَ الِاسْتِدْراكُ هُنا تَنْبِيهًا عَلى السَّبَبِ الَّذِي لِأجْلِهِ لَمْ يُرْفَعْ ولَمْ يُشَرَّفْ، كَما فَعَلَ بِغَيْرِهِ مِمَّنْ أُوتِيَ الهُدى فَآثَرَهُ وأتْبَعَهُ، وأخْلَدَ مَعْناهُ: رَمى بِنَفْسِهِ إلى الأرْضِ، أيْ: إلى ما فِيها مِنَ المَلاذِّ والشَّهَواتِ، قالَ مَعْناهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: أخْلَدَ إلى الأرْضِ، أيْ: مالَ إلى السَّفاهَةِ والرَّذالَةِ، كَما يُقالُ: فُلانٌ في الحَضِيضِ عِبارَةً عَنِ انْحِطاطِ قَدْرِهِ بِانْسِلاخِهِ مِنَ الآياتِ، قالَ مَعْناهُ الكِرْمانِيُّ. قالَ أبُو رَوْقٍ: غَلَبَ عَلى عَقْلِهِ هَواهُ فاخْتارَ دُنْياهُ عَلى آخِرَتِهِ، وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ لَرَفَعْناهُ بِها لَأخَذْناهُ، كَما تَقُولُ: رُفِعَ الظّالِمُ إذا هَلَكَ، والضَّمِيرُ في بِها عائِدٌ عَلى المَعْصِيَةِ في الِانْسِلاخِ، وابْتُدِئَ وصْفُ حالِهِ بِقَوْلِهِ: ولَكِنَّهُ أخْلَدَ، وقالَ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ لَرَفَعْناهُ لَتَوَفَّيْناهُ قَبْلَ أنْ يَقَعَ في المَعْصِيَةِ ورَفَعْناهُ عَنْها، والضَّمِيرُ لِلْآياتِ، ثُمَّ ابْتُدِئَ وصْفُ حالِهِ، والتَّفْسِيرُ الأوَّلُ أظْهَرُ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجَماعَةٍ ولَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَهُ، وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ الِاسْتِدْراكُ؛ لِأنَّهُ عَلى قَوْلِ الإهْلاكِ بِالمَعْصِيَةِ أوِ التَّوَفِّي قَبْلَ الوُقُوعِ فِيها لا يَصِحُّ مَعْنى الِاسْتِدْراكِ، والضَّمِيرُ في لَرَفَعْناهُ في هَذِهِ الأقْوالِ عائِدٌ عَلى الَّذِي أُوتِيَ الآياتِ، وإنِ اخْتَلَفُوا في الضَّمِيرِ في بِها عَلى ما يَعُودُ، وقالَ قَوْمٌ: الضَّمِيرُ في لَرَفَعْناهُ عَلى الكُفْرِ المَفْهُومِ مِمّا سَبَقَ، وفي بِها عائِدٌ عَلى الآياتِ، أيْ: ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْنا الكُفْرَ بِالآياتِ، وهَذا المَعْنى رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، وفِيهِ (p-٤٢٤)بُعْدٌ وتَكَلُّفٌ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ عُلِّقَ رَفْعُهُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى ولَمْ يُعَلَّقْ بِفِعْلِهِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ الرَّفْعَ ؟ (قُلْتُ): المَعْنى ولَوْ لَزِمَ العَمَلَ بِالآياتِ ولَمْ يَنْسَلِخْ مِنها لَرَفَعْناهُ بِها، وذَلِكَ أنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَعالى رَفْعَهُ تابِعَةٌ لِلُزُومِهِ الآياتِ، فَذَكَرَ المَشِيئَةَ والمُرادُ ما هي تابِعَةٌ لَهُ ومُسَبَّبَةٌ عَنْهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ولَوْ لَزِمَها لَرَفَعْناهُ بِها، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ﴾ [الأعراف: ١٧٦] فاسْتَدْرَكَ المَشِيئَةَ بِإخْلادِهِ الَّذِي هو فَعَلَهُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ولَوْ شِئْنا في مَعْنى ما هو فَعَلَهُ، ولَوْ كانَ الكَلامُ عَلى ظاهِرِهِ لَوَجَبَ أنْ يُقالَ: ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ ولَكِنّا لَمْ نَشَأِ، انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف: ١٧٦]، أيْ: فَصِفَتُهُ إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ الحِكْمَةَ لَمْ يَحْمِلْها وإنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَحْمِلْها، كَصِفَةِ الكَلْبِ إنْ كانَ مَطْرُودًا لَهَثَ وإنْ كانَ رابِضًا لَهَثَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ وقِيلَ: شَبَّهَ المُتَهالِكَ عَلى الدُّنْيا في قَلَقِهِ واضْطِرابِهِ عَلى تَحْصِيلِها ولُزُومِهِ ذَلِكَ بِالكَلْبِ في حالَتِهِ هَذِهِ الَّتِي هي مُلازِمَةٌ لَهُ حالَةَ تَهْيِيجِهِ وتَرْكِهِ، وهي كَوْنُهُ لا يَزالُ لاهِثًا وهي أخَسُّ أحْوالِهِ وأرْذَلُها، كَما أنَّ المُتَهالِكَ عَلى الدُّنْيا لا يَزالُ تَعِبًا قَلِقًا في تَحْصِيلِها قالَ الحَسَنُ: هو مِثْلَ المُنافِقِ لا يُنِيبُ إلى الحَقِّ دُعِيَ أوْ لَمْ يُدْعَ، أُعْطِيَ أوْ لَمْ يُعْطَ، كالكَلْبِ يَلْهَثُ طَرْدًا وتَرْكًا، انْتَهى، وفي كِتابِ الحَيَوانِ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الكَلْبَ أخَسُّ الحَيَوانِ وأذَلُّهُ لِضَرْبِ الخِسَّةِ في المَثَلِ بِهِ في أخَسِّ أحْوالِهِ، ولَوْ كانَ في جِنْسِ الحَيَوانِ ما هو أخَسُّ مِنَ الكَلْبِ ما ضُرِبَ المَثَلُ إلّا بِهِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّما شُبِّهَ في أنَّهُ كانَ ضالًّا قَبْلَ أنْ يُؤْتى الآياتِ، ثُمَّ أُوتِيَها أيْضًا ضالًّا لَمْ تَنْفَعْهُ، فَهو كالكَلْبِ في أنَّهُ لا يُفارِقُ اللَّهْثَ في حالِ حَمْلِ المَشَقَّةِ عَلَيْهِ، أوْ تَرْكِهِ دُونَ حَمْلٍ عَلَيْهِ، وقالَ السُّدِّيُّ وغَيْرُهُ: هَذا الرَّجُلُ خَرَجَ لِسانُهُ عَلى صَدْرِهِ وجَعَلَ يَلْهَثُ، كَما يَلْهَثُ الكَلْبُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكانَ حَقُّ الكَلامِ أنْ يُقالَ: ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ فَحَطَطْناهُ ووَضَعْنا مَنزِلَتَهُ، فَوَقَعَ قَوْلُهُ: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ مُوقِعَ فَحَطَطْناهُ أبْلَغَ حَطٍّ؛ لِأنَّ تَمْثِيلَهُ بِالكَلْبِ في أخَسِّ أحْوالِهِ وأرْذَلِها في مَعْنى ذَلِكَ، انْتَهى، وفي قَوْلِهِ: وكانَ حَقُّ الكَلامِ إلى آخِرِهِ سُوءُ أدَبٍ عَلى كَلامِ اللَّهِ تَعالى، وأمّا قَوْلُهُ: فَوَقَعَ قَوْلُهُ:﴿فَمَثَلُهُ﴾ [الأعراف: ١٧٦] إلى آخِرِهِ، فَلَيْسَ واقِعًا مَوْقِعَ ما ذُكِرَ، لَكِنْ قَوْلُهُ: ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ وقَعَ مَوْقِعَ فَحَطَطْناهُ إلّا أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ الإحْسانَ إلَيْهِ أسْنَدَ ذَلِكَ إلى ذاتِهِ الشَّرِيفَةِ، فَقالَ: آتَيْناهُ آياتِنا ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها، ولَمّا ذَكَرَ ما هو في حَقِّ الشَّخْصِ إساءَةً أسْنَدَهُ إلَيْهِ فَقالَ: ﴿فانْسَلَخَ مِنها﴾، وقالَ: ﴿ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ﴾ [الأعراف: ١٧٦]، واللَّهُ تَعالى في الحَقِيقَةِ هو الَّذِي سَلَخَهُ مِنَ الآياتِ وأخْلَدَهُ إلى الأرْضِ، فَجاءَ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾ [الكهف: ٧٩]، وقَوْلِهِ: فَأرادَ رَبُّكَ أنْ يَبْلُغا في نِسْبَةِ ما كانَ حَسَنًا إلى اللَّهِ ونِسْبَةِ ما كانَ بِخِلافِهِ إلى الشَّخْصِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: لاهِثًا في الحالَتَيْنِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وأبُو البَقاءِ، وقالَ بَعْضُ شُرّاحِ كِتابِ المِصْباحِ: وأمّا الشُّرْطِيَّةُ فَلا تَكادُ تَقَعُ بِتَمامِها مَوْضِعَ الحالِ، فَلا يُقالُ: جاءَنِي زَيْدٌ إنْ يَسْألْ يُعْطَ، عَلى الحالِ، بَلْ لَوْ أُرِيدَ ذَلِكَ لَجُعِلَتِ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ خَبَرًا عَنْ ضَمِيرِ ما أُرِيدَ الحالُ عَنْهُ، نَحْوُ: جاءَ زَيْدٌ هو وإنْ يَسْألْ يُعْطَ، فَيَكُونُ الواقِعُ مَوْقِعَ الحالِ هو الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ لا الشُّرْطِيَّةُ، نَعَمْ قَدْ أوْقَعُوا الجُمَلَ المُصَدَّرَةَ بِحَرْفِ الشَّرْطِ مَوْقِعَ الحالِ ولَكِنْ بَعْدَ ما أخْرَجُوها عَنْ حَقِيقَةِ الشَّرْطِ، وتِلْكَ الجُمْلَةُ لَمْ تَخْلُ مِن أنْ يُعْطَفَ عَلَيْها ما يُناقِضُها أوْ لَمْ يُعْطَفْ، والأوَّلُ تَرْكُ الواوِ مُسْتَمِرٌّ فِيهِ، نَحْوُ: أتَيْتُكَ إنْ أتَيْتَنِي وإنْ لَمْ تَأْتِنِي؛ إذْ لا يَخْفى أنَّ النَّقِيضَيْنِ مِنَ الشَّرْطَيْنِ في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ لا يَبْقَيانِ عَلى مَعْنى الشَّرْطِ، بَلْ يَتَحَوَّلانِ إلى مَعْنى التَّسْوِيَةِ كالِاسْتِفْهامَيْنِ المُتَناقِضَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة: ٦]، وأمّا الثّانِي فَلا بُدَّ مِنَ الواوِ، نَحْوُ: أتَيْتُكَ وإنْ لَمْ تَأْتِنِي، ولَوْ (p-٤٢٥)تَرَكَ الواوَ لالتَبَسَ بِالشَّرْطِ حَقِيقَةً، انْتَهى، فَقَوْلُهُ: ﴿إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف: ١٧٦] مِن قَبِيلِ الأوَّلِ؛ لِأنَّ الحَمْلَ عَلَيْهِ والتَّرْكَ نَقِيضانِ. ﴿ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ [الأعراف: ١٧٦]، أيْ: ذَلِكَ الوَصْفُ وصْفُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا، صِفَتُهُ كَصِفَةِ الكَلْبِ لاهِثًا في الحالَتَيْنِ، فَكَما شَبَّهَ وصْفَ المُؤْتى الآياتِ المُنْسَلِخِ مِنها بِالكَلْبِ في أخَسِّ حالاتِهِ كَذَلِكَ شَبَّهَ بِهِ المُكَذِّبُونَ بِالآياتِ؛ حَيْثُ أُوتُوها وجاءَتْهم واضِحاتٍ تَقْتَضِي التَّصْدِيقَ بِها فَقابَلُوها بِالتَّكْذِيبِ وانْسَلَخُوا مِنها، واحْتَمَلَ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ إشارَةً لِمَثَلِ المُنْسَلِخِ وأنْ يَكُونَ إشارَةً لِوَصْفِ الكَلْبِ، واحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ أداةُ التَّشْبِيهِ مَحْذُوفَةً مِن ذَلِكَ، أيْ: صِفَةُ ذَلِكَ صِفَةُ الَّذِينَ كَذَّبُوا، واحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ مَحْذُوفَةً مِن مَثَلِ القَوْمِ، أيْ: ذَلِكَ الوَصْفُ وصْفُ المُنْسَلِخِ، أوْ وصْفُ الكَلْبِ كَمَثَلِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا، ويَكُونُ أبْلَغَ في ذَمِّ المُكَذِّبِينَ؛ حَيْثُ جُعِلُوا أصْلًا وشُبِّهَ بِهِمْ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أيْ: هَذا المَثَلُ يا مُحَمَّدُ، مَثَلُ هَؤُلاءِ القَوْمِ الَّذِينَ كانُوا ضالِّينَ قَبْلَ أنْ تَأْتِيَهم بِالهُدى والرِّسالَةِ، ثُمَّ جِئْتَهم بِذَلِكَ فَبَقُوا عَلى ضَلالِهِمْ ولَمْ يَنْتَفِعُوا بِذَلِكَ، فَمَثَلُهم كَمَثَلِ الكَلْبِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ [الأعراف: ١٧٦] مِنَ اليَهُودِ بَعْدَما قَرَأُوا بِعْثَةَ رَسُولِ اللَّهِ في التَّوْراةِ، وذِكْرَ القُرْآنِ المُعْجِزِ وما فِيهِ وبَشَّرُوا النّاسَ بِاقْتِرابِ مَبْعَثِهِ وكانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ كُفّارَ مَكَّةَ لِأنَّهم كانُوا يَتَمَنَّوْنَ هادِيًا يَهْدِيهِمْ وداعِيًا يَدْعُوهم إلى طاعَةِ اللَّهِ، ثُمَّ جاءَهم مَن لا يُشَكُّ في صِدْقِهِ ودِيانَتِهِ ونُبُّوتِهِ فَكَذَّبُوهُ، فَحَصَلَ التَّمْثِيلُ بَيْنَهم وبَيْنَ الكَلْبِ الَّذِي إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ؛ لِأنَّهم لَمْ يَهْتَدُوا لِما تَرَكُوا ولَمْ يَهْتَدُوا لِما جاءَهُمُ الرَّسُولُ فَبَقُوا عَلى الضَّلالِ في كُلِّ الأحْوالِ، مِثْلَ الكَلْبِ الَّذِي يَلْهَثُ عَلى كُلِّ حالٍ، انْتَهى وتَلَخَّصَ، أهَؤُلاءِ القَوْمُ المُكَذِّبُونَ بِالآياتِ عامٌّ أمْ خاصٌّ بِاليَهُودِ أمْ بِكُفّارِ مَكَّةَ ؟ أقْوالٌ ثَلاثَةٌ، والأظْهَرُ: العُمُومُ.

الأعراف 7:176

﴿فاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾، أيْ: فاسْرُدْ أخْبارَ القُرُونِ الماضِيَةِ كَخَبَرِ بِلْعامٍ، أوْ مَن فُسِّرَ بِهِ المُنْسَلِخُ؛ إذْ هو مِنَ القَصَصِ الَّذِي لا يَعْلَمُهُ إلّا مَن دَرَسَ الكُتُبَ؛ إذْ هو مِن خَفِيِّ أخْبارِهِمْ، فَفي إخْبارِكَ بِذَلِكَ أعْظَمُ مُعْجِزٍ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ فِيما جَرى عَلى المُكَذِّبِينَ، فَيَكُونَ ذَلِكَ عِبْرَةً لَهم ورادِعًا عَنِ التَّكْذِيبِ، وأنْ يَكُونُوا أخْبارًا شَنِيعَةً تُقَصُّ كَما قُصَّ خَبَرُ ذَلِكَ المُنْسَلِخِ.

الأعراف 7:177

﴿ساءَ مَثَلًا القَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ ساءَ بِمَعْنى بِئْسَ، وتَقَدَّمَ لَنا أنَّ أصْلَها التَّعَدِّي، تَقُولُ: ساءَنِي الشَّيْءُ يَسُوءُنِي، ثُمَّ لَمّا اسْتُعْمِلَتِ اسْتِعْمالَ بِئْسَ بُنِيَتْ عَلى فِعْلَ وجَرَتْ عَلَيْها أحْكامُ بِئْسَ، ومَثَلًا تَمْيِيزٌ لِلضَّمِيرِ المُسْتَكِنِ في ساءَ فاعِلًا، وهو مُفَسَّرٌ بِهَذا التَّمْيِيزِ، وهو مِنَ الضَّمائِرِ الَّتِي يُفَسِّرُها ما بَعْدَها، ولا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، وعَنِ الكُوفِيِّينَ خِلافٌ مَذْكُورٌ في النَّحْوِ، ولا بُدَّ أنْ يَكُونَ المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَن جِنْسِ التَّمْيِيزِ، فاحْتِيجَ إلى تَقْدِيرِ حَذْفٍ، إمّا في التَّمْيِيزِ، أيْ: ساءَ أصْحابُ مَثَلِ القَوْمِ، وإمّا في المَخْصُوصِ، أيْ: ساءَ مَثَلًا مَثَلُ القَوْمِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَأْكِيدٌ لِلْجُمْلَةِ السّابِقَةِ، وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: ظاهِرُهُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ المَثَلُ مَوْصُوفًا بِالسُّوءِ وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّ هَذا المَثَلَ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى فَكَيْفَ يَكُونُ مَوْصُوفًا بِالسُّوءِ ؟ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المَوْصُوفُ بِالسُّوءِ ما أفادَهُ المَثَلُ مِن تَكْذِيبِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وإعْراضِهِمْ عَنْها حَتّى صارُوا في التَّمْثِيلِ لِذَلِكَ بِمَنزِلَةِ الكَلْبِ اللّاهِثِ، انْتَهى، ولَيْسَ كَما ذُكِرَ، لَيْسَ هُنا ضَرْبُ مَثَلٍ، والمَثَلُ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الوَصْفِ وبَيْنَ ما يُضْرَبُ مَثَلًا، والمُرادُ هُنا الوَصْفُ، فَمَعْنى: مَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ، أيْ: وصْفُهُ وصْفُ الكَلْبِ، ولَيْسَ هَذا مِن ضَرْبِ المَثَلِ، بَلْ كَما قالَ: ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ [البقرة: ١٧]، أيْ: صِفَتُهم كَصِفَةِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ، وكَقَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ [الرعد: ٣٥]، أيْ: صِفَتُها، وإذا تَقَرَّرَ هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿ساءَ مَثَلًا﴾ مَعْناهُ: بِئْسَ وصْفًا، فَلَيْسَ مِن ضَرْبِ المَثَلِ في شَيْءٍ، وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى بْنُ عُمَرَ والأعْمَشُ: ساءَ مَثَلُ بِالرَّفْعِ (p-٤٢٦)القَوْمِ بِالخَفْضِ، واخْتُلِفَ عَلى الجَحْدَرِيِّ، فَقِيلَ: كَقِراءَةِ الأعْمَشِ؛ وقِيلَ: بِكَسْرِ المِيمِ وسُكُونِ الثّاءِ وضَمِّ اللّامِ مُضافًا إلى: القَوْمِ والأحْسَنُ في قِراءَةِ المَثَلِ بِالرَّفْعِ أنْ يُكْتَفى بِهِ، ويُجْعَلَ مِن بابِ التَّعَجُّبِ، نَحْوُ: لَقَضُوَ الرَّجُلُ، أيْ: ما أسْوَأ مَثَلَ القَوْمِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كَبِئْسَ عَلى حَذْفِ التَّمْيِيزِ عَلى مَذْهَبِ مَن يُجِيزُهُ، التَّقْدِيرُ: ساءَ مَثَلُ القَوْمِ، أوْ عَلى أنْ يَكُونَ المَخْصُوصُ: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ [الأعراف: ٤٠] عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ مَثَلُ: (الَّذِينَ) كَذَّبُوا لِتَكُونَ الَّذِينَ مَرْفُوعًا؛ إذْ قامَ مَقامَ مَثَلٍ المَحْذُوفِ، لا مَجْرُورًا صِفَةً لِلْقَوْمِ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ التَّمْيِيزِ. ﴿وأنْفُسَهم كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الصِّلَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافَ إخْبارٍ عَنْهم بِأنَّهم كانُوا يَظْلِمُونَ أنْفُسَهم، والزَّمَخْشَرِيُّ عَلى طَرِيقَتِهِ في أنَّ تَقْدِيمَ المَفْعُولِ يَدُلُّ عَلى الحَصْرِ، فَقَدَّرَهُ: وما ظَلَمُوا إلّا أنْفُسَهم بِالتَّكْذِيبِ، قالَ: وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ بِهِ لِاخْتِصاصٍ، كَأنَّهُ قِيلَ وخَصُّوا أنْفُسَهم بِالظُّلْمِ، ولَمْ يَتَعَدَّ إلى غَيْرِها.

الأعراف 7:178

﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ لَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ المُهْتَدِينَ والضّالِّينَ أخْبَرَ تَعالى: أنَّهُ هو المُتَصَرِّفُ فِيهِمْ بِما شاءَ مِن هِدايَةٍ وضَلالٍ، وتَقَرَّرَ مِن مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّهُ تَعالى هو خالِقُ الهِدايَةِ والضَّلالِ في العَبْدِ، ولِلْمُعْتَزِلَةِ في هَذا ونَظائِرِهِ تَأْوِيلاتٌ، قالَ الجُبّائِيُّ: وهو اخْتِيارُ القاضِي ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ﴾ إلى الجَنَّةِ والثَّوابِ في الآخِرَةِ ﴿فَهُوَ المُهْتَدِي﴾ في الدُّنْيا السّالِكُ طَرِيقَ الرُّشْدِ فِيما كُلِّفَ، فَبَيَّنَ أنَّهُ لا يَهْدِي إلى الثَّوابِ في الآخِرَةِ إلّا مَن هَذا وصْفُهُ، ومَن يُضْلِلْهُ عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾، وقالَ بَعْضُهم: في الكَلامِ حَذْفٌ، أيْ: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ﴾ فَيَقْبَلُ ويَهْتَدِي بِهُداهُ ﴿فَهُوَ المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ﴾ بِأنْ لَمْ يَقْبَلْ فَهو الخاسِرُ، وقالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ مَن وصَفَهُ اللَّهُ بِأنَّهُ مُهْتَدٍ: ﴿فَهُوَ المُهْتَدِي﴾؛ لِأنَّ ذَلِكَ مَدْحٌ، ومَدْحُ اللَّهِ لا يَحْصُلُ إلّا في حَقِّ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِذَلِكَ ﴿ومَن يُضْلِلْ﴾، أيْ: ومَن يَصِفُهُ بِكَوْنِهِ ضالًّا فَهو الخاسِرُ، وقالَ بَعْضُهم: مَن آتَيْناهُ الألْطافَ وزِيادَةَ الهُدى ﴿فَهُوَ المُهْتَدِي﴾: ﴿ومَن يُضْلِلْ﴾ عَنْ ذَلِكَ لِما تَقَدَّمَ مِنهُ بِسُوءِ اخْتِيارِهِ، فَأخْرَجَ لِهَذا السَّبَبِ تِلْكَ الألْطافَ مِن أنْ تُؤَثِّرَ فِيهِ فَهو الخاسِرُ، وهَذِهِ التَّأْوِيلاتُ كُلُّها مُتَكَلَّفَةٌ بَعِيدَةٌ، وظاهِرُ الآيَةِ يَرُدُّ عَلى القَدَرِيَّةِ والمُعْتَزِلَةِ، و﴿فَهُوَ المُهْتَدِي﴾ حُمِلَ عَلى لَفْظِ مِن، و﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ حُمِلَ عَلى مَعْنى مِن، وحَسَّنَهُ كَوْنُهُ فاصِلَةَ رَأْسِ آيَةٍ.

الأعراف 7:179

﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ هَذا إخْبارٌ مِنهُ تَعالى بِأنَّهُ خَلَقَ لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الصِّنْفَيْنِ، ومُناسَبَةُ هَذا لِما قَبْلَهُ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ هو الهادِي وهو المُضِلُّ أعْقَبَهُ بِذِكْرِ مَن خُلِقَ لِلْخُسْرانِ والنّارِ، وذَكَرَ أوْصافَهَمْ فِيما ذَكَرَ، وفي ضِمْنِهِ وعِيدُ الكُفّارِ، والمَعْنى: لِعَذابِ جَهَنَّمَ، واللّامُ لِلصَّيْرُورَةِ عَلى قَوْلِ مَن أثْبَتَ لَها هَذا المَعْنى، أوْ لَمّا كانَ مَآلُهم إلَيْها جَعَلَ ذَلِكَ سَبَبًا عَلى جِهَةِ المَجازِ، فَقَدْ رَدَّ ابْنُ عَطِيَّةَ قَوْلَ مَن زَعَمَ أنَّها لِلصَّيْرُورَةِ، فَقالَ: ولَيْسَ هَذا بِصَحِيحٍ ولامُ العاقِبَةِ إنَّما يُتَصَوَّرُ إذا كانَ فِعْلُ الفاعِلِ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ ما يَصِيرُ الأمْرُ إلَيْهِ، وأمّا هُنا فالفِعْلُ قُصِدَ بِهِ ما يَصِيرُ الأمْرُ إلَيْهِ مِن سُكْناهم لِجَهَنَّمَ، انْتَهى، وإنَّما ذُهِبَ إلى أنَّها لامُ العاقِبَةِ والصَّيْرُورَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] فَإثْباتُ كَوْنِها لِلْعِلَّةِ يُنافِي قَوْلَهُ: ﴿إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] وأنْشَدُوا دَلِيلًا عَلى إثْباتِ مَعْنى (p-٤٢٧)الصَّيْرُورَةِ لِلّامِ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎ألا كُلُّ مَوْلُودٍ فَلِلْمَوْتِ يُولَدُ ولَسْتُ أرى حَيًّا لِحَيٍّ يُخَلَّدُ وقَوْلَ الآخَرِ: ؎فَلِلْمَوْتِ تَغْدُو الوالِداتُ سِخالُها ∗∗∗ كَما لِخَرابِ الدَّهْرِ تُبْنى المَساكِنُ ودَعْوى القَلْبِ فِيهِ، وإنَّ تَقْدِيرَهُ - ولَقَدْ ذَرَأْنا جَهَنَّمَ لِكَثِيرٍ - غَيْرُ سَدِيدٍ؛ لِأنَّ القَلْبَ لا يَكُونُ إلّا في الشِّعْرِ عَلى الصَّحِيحِ، ولَفْظَةُ كَثِيرٍ لا تُشْعِرُ بِالأكْثَرِ ولَكِنْ ثَبَتَ في الحَدِيثِ أنَّ بَعْثَ النّارِ أكْثَرُ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ لِآدَمَ: أخْرِجْ بَعْثَ النّارِ مِن ذُرِّيَّتِكَ، فَأخْرَجَ مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعَةً وتِسْعِينَ وتِسْعَمِائَةٍ، وهَؤُلاءِ المَخْلُوقُونَ لِجَهَنَّمَ هُمُ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يَتَأتّى مِنهم إيمانٌ البَتَّةَ، وتَفْسِيرُ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهم أوْلادُ الزِّنا لَيْسَ بِجَيِّدٍ. ﴿لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ولَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ولَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها﴾ لَمّا كانُوا لا يَتَدَبَّرُونَ شَيْئًا مِنَ الآياتِ، ولا يَنْظُرُونَ إلَيْها نَظَرَ اعْتِبارٍ، ولا يَسْمَعُونَها سَماعَ تَفَكُّرٍ، جُعِلُوا كَأنَّهم فَقَدُوا الفِقْهَ بِالقُلُوبِ، والإبْصارَ بِالعُيُونِ، والسَّماعَ بِالآذانِ، ولَيْسَ المُرادُ نَفْيَ هَذِهِ الإدْراكاتِ عَنْ هَذِهِ الحَواسِّ، وإنَّما المُرادُ نَفْيُ الِانْتِفاعِ بِها فِيما طُلِبَ مِنهم مِنَ الإيمانِ. وقالَ مِسْكِينٌ الدّارِمِيُّ: ؎أعْمى إذا ما جارَتِي خَرَجَتْ ∗∗∗ حَتّى يُوارِيَ جارَتِي السِّتْرُ ؎وأصَمُّ عَنْ ما كانَ بَيْنَهُما ∗∗∗ عَمْدًا وما بِالسَّمْعِ لِي وقْرُ وفَسَّرَ مُجاهِدٌ هَذا فَقالَ: ﴿لا يَفْقَهُونَ بِها﴾ شَيْئًا مِن أُمُورِ الآخِرَةِ ﴿لا يُبْصِرُونَ بِها﴾ الهُدى ﴿لا يَسْمَعُونَ بِها﴾ الحَقَّ، انْتَهى، وفي قَوْلِهِ: ﴿لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ القَلْبَ آلَةٌ لِلْفِقْهِ والعِلْمِ، كَما أنَّ العَيْنَ آلَةٌ لِلْإبْصارِ، والأُذُنَ آلَةٌ لِلسَّماعِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وجَعَلَهم لِإغْراقِهِمْ في الكُفْرِ وشِدَّةِ شَكائِمِهِمْ فِيهِ وأنَّهُ لا يَتَأتّى مِنهم إلّا أفْعالُ أهْلِ النّارِ مَخْلُوقِينَ لِلنّارِ دَلالَةً عَلى تَوَغُّلِهِمْ في المُوجِباتِ وتَمَكُّنِهِمْ فِيما يُؤَهِّلُهم لِدُخُولِ النّارِ، ومِنهُ كِتابُ عُمَرَ إلى خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ: بَلَغَنِي أنَّ أهْلَ الشّامِ اتَّخَذُوا لَكَ دَلُوكًا عُجِنَ بِخَمْرٍ، وإنِّي لَأظُنُّكم يا آلَ المُغِيرَةِ ذَرْءَ النّارِ. ويُقالُ لِمَن كانَ غَرِيقًا في بَعْضِ الأُمُورِ: ما خُلِقَ فُلانٌ إلّا لِلنّارِ، والمُرادُ وصْفُ أحْوالِهِمْ في عِظَمِ ما أقْدَمُوا عَلَيْهِ في تَكْذِيبِ رَسُولِ اللَّهِ مَعَ عِلْمِهِمْ أنَّهُ النَّبِيُّ المَوْعُودُ، وأنَّهم مِن جُمْلَةِ الكَثِيرِ الَّذِينَ لا يَكادُ الإيمانُ يَتَأتّى مِنهم، كَأنَّهم خُلِقُوا لِلنّارِ، انْتَهى، وهو تَكْثِيرٌ في الشَّرْحِ. ﴿أُولَئِكَ كالأنْعامِ﴾، أيْ: في عَدَمِ الفِقْهِ في العَواقِبِ والنَّظَرِ لِلِاعْتِبارِ والسَّماعِ لِلتَّفَكُّرِ، ولا يَهْتَمُّونَ بِغَيْرِ الأكْلِ والشُّرْبِ. ﴿بَلْ هم أضَلُّ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿بَلْ هم أضَلُّ﴾ سَبِيلًا مِنَ الأنْعامِ عَنِ الفِقْهِ والِاعْتِبارِ والتَّدَبُّرِ؛ وقِيلَ: الأنْعامُ تُبْصِرُ مَنافِعَها مِن مَضارِّها، فَتَلْزَمُ بَعْضَ ما تُبْصِرُهُ، وهَؤُلاءِ أكْثَرُهم يَعْلَمُ أنَّهُ مُعانِدٌ فَيُقْدِمُ عَلى النّارِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم أضَلُّ؛ لِأنَّ الأنْعامَ رُكِّبَ في بِنْيَتِها وخِلْقَتِها أنْ لا تُفَكِّرَ في شَيْءٍ، وهَؤُلاءِ هم مُعَدُّونَ لِلْفَهْمِ، وقَدْ خُلِقَتْ لَهم قُوًى يَصْرِفُونَها، وأُعْطُوا طَرَفًا مِنَ النَّظَرِ، فَهم بِغَفْلَتِهِمْ وإعْراضِهِمْ يُلْحِقُونَ أنْفُسَهم بِالأنْعامِ فَهم أضَلُّ عَلى هَذا، انْتَهى؛ وقِيلَ: ﴿هم أضَلُّ﴾؛ لِأنَّهم يَعْصُونَ، والأنْعامُ لا تَعْصِي؛ وقِيلَ: الأنْعامُ تَعْرِفُ رَبَّها وتُسَبِّحُ لَهُ، والكُفّارُ لا يَعْرِفُونَهُ ولا يَدْعُونَهُ، ورُوِيَ: كُلُّ شَيْءٍ أطْوَعُ لِلَّهِ مِنِ ابْنِ آدَمَ، وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: الإنْسانُ وسائِرُ الحَيَوانِ يُشارِكُهُ في قُوى الطَّبِيعَةِ الغادِيَةِ والنّامِيَةِ والمُوَلَّدَةِ، وفي مَنافِعِ الحَواسِّ الخَمْسِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ، وفي أحْوالِ التَّخَيُّلِ والتَّفَكُّرِ والتَّذَكُّرِ، وإنَّما يَحْصُلُ الِامْتِيازُ بَيْنَ الإنْسانِ وغَيْرِهِ بِالقُوَّةِ العَقْلِيَّةِ والفِكْرِيَّةِ الَّتِي تَهْدِيهِ إلى مَعْرِفَةِ الحَقِّ لِذاتِهِ، والخَيْرِ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، فَلَمّا أعْرَضَ الكُفّارُ مِن أغْراضِ أحْوالِ العَقْلِ والفِكْرِ ومَعْرِفَةِ الحَقِّ والعَمَلِ بِالخَيْرِ كانُوا كالأنْعامِ، ثُمَّ قالَ: ﴿بَلْ هم أضَلُّ﴾؛ (p-٤٢٨)لِأنَّ الحَيَواناتِ لا قُدْرَةَ لَها عَلى تَحْصِيلِ الفَضائِلِ، والإنْسانُ أُعْطِيَ القُدْرَةَ عَلى تَحْصِيلِها، ومَن أعْرَضَ عَنِ اكْتِسابِ الفَضائِلِ العَظِيمَةِ مَعَ القُدْرَةِ عَلى تَحْصِيلِها كانَ أحْسَنَ حالًا مِمَّنْ لَمْ يَكْتَسِبْها مَعَ العَجْزِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿بَلْ هم أضَلُّ﴾ )، انْتَهى. وقِيلَ: الأنْعامُ تَفِرُّ إلى أرْبابِها، ومَن يَقُومُ بِمَصالِحِها والكافِرُ يَهْرُبُ عَنْ رَبِّهِ الَّذِي أنْعُمُهُ عَلَيْهِ لا تُحْصى؛ وقِيلَ: الأنْعامُ تَضِلُّ إذا لَمْ يَكُنْ مَعَها مُرْشِدٌ، وقَلَّما تَضِلُّ إذا كانَ مَعَها، وهَؤُلاءِ قَدْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ وأُنْزِلَتْ عَلَيْهِمُ الكُتُبُ وهم يَزْدادُونَ في الضَّلالِ، انْتَهى. وأقُولُ هَذا الإضْرابُ لَيْسَ عَلى جِهَةِ الإبْطالِ لِلْخَبَرِ السّابِقِ مِن تَشْبِيهِهِمْ بِالأنْعامِ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ جِهَةُ المُبالَغَةِ في الضَّلالِ هي جِهَةُ التَّشْبِيهِ؛ لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى كَذِبِ أحَدِ الخَبَرَيْنِ وذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، وكَلامُ مَن تَقَدَّمَ مِنَ المُفَسِّرِينَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى شَبَّهَهم بِالأنْعامِ فِيما ذَكَرَ، وأنَّهم أضَلُّ مِنَ الأنْعامِ فِيما وقَعَ التَّشْبِيهُ فِيهِ، وهو لا يَجُوزُ لِما ذَكَرْناهُ، فالمُعَوَّلُ عَلَيْهِ أنَّ جِهَةَ التَّشْبِيهِ مُخالِفَةٌ لِجِهَةِ المُبالَغَةِ في الضَّلالِ وأنَّ هَذا الإضْرابَ لَيْسَ عَلى سَبِيلِ الإبْطالِ بِمَدْلُولِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ: ﴿بَلْ هم أضَلُّ﴾ إضْرابٌ دالٌّ عَلى الِانْتِقالِ مِن إخْبارٍ إلى إخْبارٍ، فالجُمْلَةُ الأوْلى شَبَّهَهم بِالأنْعامِ في انْتِفاءِ مَنافِعِ الإدْراكاتِ المُؤَدِّيَةِ إلى امْتِثالِ ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، والجُمْلَةُ الثّانِيَةُ أثْبَتَتْ لَهُمُ المُبالَغَةَ في ضَلالِ طَرِيقِهِمُ الَّتِي يَسْلُكُونَها، فالمَوْصُوفُ بِالمُبالَغَةِ في الضَّلالِ طَرِيقُهم، وحُذِفَ التَّمْيِيزُ، وتَقْدِيرُهُ: ﴿بَلْ هم أضَلُّ﴾ طَرِيقًا مِنهم، ويُبَيِّنُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ إنْ هم إلّا كالأنْعامِ﴾ [الفرقان: ٤٤]، أيْ: في انْتِفاءِ السَّمْعِ لِلتَّدَبُّرِ والعَقْلِ: ﴿بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤]، أيْ: بَلْ سَبِيلُهم أضَلُّ فالمَحْكُومُ عَلَيْهِ أوَّلًا غَيْرُ المَحْكُومِ عَلَيْهِ آخِرًا، والمَحْكُومُ بِهِ أيْضًا مُخْتَلِفٌ. ﴿أُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ بَيَّنَ تَعالى بِها سَبَبَ كَوْنِهِمْ أضَلَّ مِنَ الأنْعامِ، وهو الغَفْلَةُ. وقالَ عَطاءٌ: عَنْ ما أعَدَّ اللَّهُ لِأوْلِيائِهِ مِنَ الثَّوابِ ولِأعْدائِهِ مِنَ العِقابِ.

الأعراف 7:180

﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قالَ (p-٤٢٩)مُقاتِلٌ: دَعا رَجُلٌ اللَّهَ تَعالى في صَلاتِهِ ومَرَّةً دَعا الرَّحْمَنَ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: ألَيْسَ يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ أنَّهم يَعْبُدُونَ رَبًّا واحِدًا، فَما بالُ هَذا يَدْعُو اثْنَيْنِ ؟ فَنَزَلَتْ، ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ ذَرَأ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ لِلنّارِ ذَكَرَ نَوْعًا مِنهم وهُمُ: ﴿الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ﴾ وهم أشَدُّ الكُفّارِ عِتِيًّا أبُو جَهْلٍ وأضْرابُهُ، وأيْضًا لَمّا نَبَّهَ عَلى أنَّ دُخُولَهم جَهَنَّمَ هو لِلْغَفْلَةِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ والمَخْلَصُ مِنَ العَذابِ هو ذِكْرُ اللَّهِ، أمَرَ بِذِكْرِ اللَّهِ بِأسْمائِهِ الحُسْنى وصِفاتِهِ العُلا، والقَلْبُ إذا غَفَلَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وأقْبَلَ عَلى الدُّنْيا وشَهَواتِها وقَعَ في الحِرْصِ، وانْتَقَلَ مِن رَغْبَةٍ إلى رَغْبَةٍ، ومِن طَلَبٍ إلى طَلَبٍ، ومِن ظُلْمَةٍ إلى ظُلْمَةٍ، وقَدْ وجَدْنا ذَلِكَ بِالذَّوْقِ، حَتّى إنَّ أحَدَهم لَيُصَلِّي الصَّلَواتِ كُلَّها قَضاءً في وقْتٍ واحِدٍ، فَإذا انْفَتَحَ عَلى قَلْبِهِ بابُ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى تَخَلَّصَ مِن آفاتِ الغَفْلَةِ وامْتَثَلَ ما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، واجْتَنَبَ ما نَهى عَنْهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الَّتِي هي أحْسَنُ الأسْماءِ؛ لِأنَّها لا تَدُلُّ عَلى مَعانٍ حَسَنَةٍ مِن تَحْمِيدٍ وتَقْدِيسٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، انْتَهى، فالحُسْنى هي تَأْنِيثُ الأحْسَنِ، ووَصْفُ الجَمْعِ الَّذِي لا يَعْقِلُ بِما يُوصَفُ بِهِ الواحِدَةُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ [طه: ١٨]، وهو فَصِيحٌ، ولَوْ جاءَ عَلى المُطابَقَةِ لِلْجَمْعِ لَكانَ التَّرْكِيبُ الحَسَنُ عَلى وزْنِ الأُخَرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]؛ لِأنَّ جَمْعَ ما لا يَعْقِلُ يُخْبَرُ عَنْهُ ويُوصَفُ بِجَمْعِ المُؤَنَّثاتِ، وإنْ كانَ المُفْرَدُ مُذَكَّرًا؛ وقِيلَ: الحُسْنى مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والأسْماءُ هاهُنا: بِمَعْنى التَّسْمِياتِ إجْماعًا مِنَ المُتَأوِّلِينَ لا يُمْكِنُ غَيْرُهُ، انْتَهى. ولا تَحْرِيرَ فِيما قالَ؛ لِأنَّ التَّسْمِيَةَ مَصْدَرٌ، والمُرادُ هُنا الألْفاظُ الَّتِي تُطْلَقُ عَلى اللَّهِ تَعالى، وهي الأوْصافُ الدّالَّةُ عَلى تَغايُرِ الصِّفاتِ لا تَغايُرِ المَوْصُوفِ، كَما تَقُولُ: جاءَ زَيْدٌ الفَقِيهُ الشُّجاعُ الكَرِيمُ، وكَوْنُ الِاسْمِ الَّذِي أمَرَ تَعالى أنْ يُدْعى بِهِ حَسَنًا هو ما قَرَّرَهُ الشَّرْعُ ونَصَّ عَلَيْهِ في إطْلاقِهِ عَلى اللَّهِ، ومَعْنى: ﴿فادْعُوهُ بِها﴾، أيْ: نادُوهُ بِها، كَقَوْلِكَ: يا اللَّهُ يا رَحْمَنُ يا مالِكُ وما أشْبَهَ ذَلِكَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَسَمُّوهُ بِتِلْكَ الأسْماءِ، جَعَلَهُ مِن بابِ دَعَوْتُ ابْنِيَ عَبْدَ اللَّهِ، أيْ: سَمَّيْتُهُ بِهَذا الِاسْمِ، واخْتُلِفَ في الِاسْمِ الَّذِي يَقْتَضِي مَدْحًا خالِصًا، ولا تَتَعَلَّقُ بِهِ شُبْهَةٌ ولا اشْتِراكٌ، إلّا أنَّهُ لَمْ يَرِدْ مَنصُوصًا هَلْ يُطْلَقُ ويُسَمّى اللَّهُ تَعالى بِهِ، فَنَصَّ القاضِي أبُو بَكْرٍ الباقِلّانِيُّ عَلى الجَوازِ، ونَصَّ أبُو الحَسَنِ الأشْعَرِيُّ عَلى المَنعِ، وبِهِ قالَ الفُقَهاءُ والجُمْهُورُ، وهو الصَّوابُ، واخْتُلِفَ أيْضًا في الأفْعالِ الَّتِي في القُرْآنِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] و﴿ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٠] هَلْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ مِنهُ تَعالى اسْمُ فاعِلٍ مُقَيَّدٌ بِمُتَعَلِّقِهِ فَيُقالُ اللَّهُ مُسْتَهْزِئٌ بِالكافِرِينَ وماكِرٌ بِالَّذِينَ يَمْكُرُونَ، فَجَوَّزَ ذَلِكَ فِرْقَةٌ، ومَنَعَتْ مِنهُ فِرْقَةٌ، وهو الصَّوابُ، وأمّا إطْلاقُ اسْمِ الفاعِلِ بِغَيْرِ قَيْدِهِ فالإجْماعُ عَلى مَنعِهِ، ورَوى التِّرْمِذِيُّ في جامِعِهِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ النَّصَّ عَلى تِسْعَةٍ وتِسْعِينَ اسْمًا مَسْرُودَةٍ اسْمًا اسْمًا، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي بَعْضِها شُذُوذٌ، وذَلِكَ الحَدِيثُ لَيْسَ بِالمُتَواتِرِ وإنْ كانَ قَدْ قالَ فِيهِ أبُو عِيسى: هَذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إلّا مِن طَرِيقِ حَدِيثِ صَفْوانَ بْنِ صالِحٍ، وهو ثِقَةٌ عِنْدَ أهْلِ الحَدِيثِ، وإنَّما المُتَواتِرُ مِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ: «إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إلّا واحِدًا مَن أحْصاها دَخَلَ الجَنَّةَ» . ومَعْنى أحْصاها عَدَّها وحَفِظَها وتَضَمَّنَ ذَلِكَ الإيمانَ بِها والتَّعْظِيمَ لَها والعِبْرَةَ في مَعانِيها، وهَذا حَدِيثُ البُخارِيِّ، انْتَهى. وتَسْمِيَةُ هَذا الحَدِيثِ مُتَواتِرًا لَيْسَ عَلى اصْطِلاحِ المُحَدِّثِينَ في المُتَواتِرِ، وإنَّما هو خَبَرُ آحادٍ. وفِي بَعْضِ دُعاءِ رَسُولِ اللَّهِ: يا حَنّانُ يا مَنّانُ ولَمْ يَرِدا في جامِعِ التِّرْمِذِيِّ، وقَدْ صَنَّفَ العُلَماءُ في شَرْحِ أسْماءِ اللَّهِ الحُسْنى كَأبِي حامِدٍ الغَزالِيِّ وابْنِ الحَكَمِ بْنِ بُرْجانَ وأبِي عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيِّ وأبِي بَكْرِ بْنِ العَرَبِيِّ وغَيْرِهِمْ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ: ولِلَّهِ الأوْصافُ الحُسْنى، وهي الوَصْفُ بِالعَدْلِ والخَيْرِ والإحْسانِ وانْتِفاءِ شِبْهِ الخَلْقِ، وصِفُوهُ بِها: ﴿وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ﴾ في صِفاتِهِ، فَيَصِفُونَهُ بِمَشِيئَةِ القَبائِحِ وخَلْقِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، وبِما (p-٤٣٠)يَدْخُلُ في التَّشْبِيهِ كالرُّؤْيَةِ ونَحْوِها؛ وقِيلَ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ﴾ اتْرُكُوهم ولا تُحاجُّوهم ولا تَعْرِضُوا لَهم، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، فَتَكُونُ الآيَةُ عَلى هَذا مَنسُوخَةً بِالقِتالِ؛ وقِيلَ: مَعْناهُ الوَعِيدُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ [المدثر: ١١]، وقَوْلِهِ: ﴿ذَرْهم يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا﴾ [الحجر: ٣] وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: واتْرُكُوا تَسْمِيَةَ الَّذِينَ يَمِيلُونَ عَنِ الحَقِّ والصَّوابِ فِيها فَيُسَمُّونَهُ بِغَيْرِ الأسْماءِ الحُسْنى، وذَلِكَ أنْ يُسَمُّوهُ بِما لا يَجُوزُ عَلَيْهِ، كَما سَمِعْنا البَدْوَ بِجَهْلِهِمْ يَقُولُونَ: يا أبا المَكارِمِ يا أبْيَضَ الوَجْهِ يا سَخِيُّ، أوْ أنْ يَأْبَوْا تَسْمِيَتَهُ بِبَعْضِ أسْمائِهِ الحُسْنى، نَحْوَ: أنْ يَقُولُوا: يا اللَّهُ، ولا يَقُولُوا: يا رَحْمَنُ؛ وقِيلَ: مَعْنى الإلْحادِ في أسْمائِهِ: تَسْمِيَتُهم أوْثانَهُمُ اللّاتَ نَظَرًا إلى اسْمِ اللَّهِ تَعالى، والعُزّى نَظَرًا إلى العَزِيزِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ويُسَمُّونَ اللَّهَ أبًا وأوْثانَهم أرْبابًا، ونَحْوَ هَذا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْنى (يُلْحِدُونَ) يُكَذِّبُونَ، وقالَ قَتادَةُ: يُشْرِكُونَ، وقالَ الخَطّابِيُّ: الغَلَطُ في أسْمائِهِ والزَّيْغُ عَنْها إلْحادٌ، وقَرَأ حَمْزَةُ: يَلْحَدُونَ بِفَتْحِ الياءِ والحاءِ، وكَذا في النَّحْلِ والسَّجْدَةِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ وثّابٍ والأعْمَشِ وطَلْحَةَ وعِيسى، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الحاءِ فِيهِنَّ و﴿سَيُجْزَوْنَ﴾ وعِيدٌ شَدِيدٌ، وانْدَرَجَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ الإلْحادُ في أسْمائِهِ وسائِرُ أفْعالِهِمُ القَبِيحَةِ.

الأعراف 7:181

﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ لَمّا ذَكَرَ مَن ذَرَأ لِلنّارِ ذَكَرَ مُقابِلَهم، وفي لَفْظَةِ: (ومِمَّنْ) دَلالَةٌ عَلى التَّبْعِيضِ، وأنَّ المُعْظَمَ مِنَ المَخْلُوقِينَ لَيْسُوا هُداةً إلى الحَقِّ، ولا عادِلِينَ بِهِ، قِيلَ: هُمُ العُلَماءُ والدُّعاةُ إلى الدِّينِ؛ وقِيلَ: هم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ، قالَهُ ابْنُ الكَلْبِيِّ، ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ وابْنِ جُرَيْجٍ؛ وقِيلَ: هُمُ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ والتّابِعُونَ لَهم بِإحْسانٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وعَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، ورُوِيَ في ذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ إذا قَرَأها قالَ: هَذِهِ لَكم وقَدْ أُعْطِيَ القَوْمُ بَيْنَ أيْدِيكم مِثْلَها: ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى﴾ [الأعراف: ١٥٩] الآيَةَ، وعَنْهُ: إنَّ مِن أُمَّتِي قَوْمًا عَلى الحَقِّ حَتّى يَنْزِلَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ أخْبَرَ فِيها أنَّ مِمَّنْ خَلَقَ أُمَّةً مَوْصُوفُونَ بِكَذا، فَلا يَدُلُّ عَلى تَعْيِينٍ لا في أشْخاصٍ، ولا في أزْمانٍ، وصَلَحَتْ لِكُلِّ هادٍ بِالحَقِّ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ وغَيْرِهِمْ، وفي زَمانِ الرَّسُولِ وغَيْرِهِ، كَما أنَّ مُقابِلَها في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ﴾ [الأعراف: ١٧٩] لا يَدُلُّ عَلى تَعْيِينِ أشْخاصٍ ولا زَمانٍ، وإنَّما هَذا تَقْسِيمٌ لِلْمَخْلُوقِ لِلنّارِ والمَخْلُوقِ لِلْجَنَّةِ، ولِذَلِكَ قِيلَ: إنَّ في الكَلامِ مَحْذُوفًا، تَقْدِيرُهُ: (ومِمَّنْ خَلَقْنا) يَدُلُّ عَلَيْهِ إثْباتُ مُقابِلِهِ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ﴾ [الأعراف: ١٧٩] . وقالَ الجُبّائِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنْ لا يَخْلُوَ زَمانٌ ألْبَتَّةَ مِمَّنْ يَقُومُ بِالحَقِّ ويَعْمَلُ بِهِ ويَهْدِي إلَيْهِ، وأنَّهم لا يَجْتَمِعُونَ في شَيْءٍ مِنَ الأزْمِنَةِ عَلى الباطِلِ، انْتَهى، والآيَةُ لا تَدُلُّ عَلى ما زَعَمَ الجُبّائِيُّ، وما قالَهُ مُخالِفٌ لِما رُوِيَ مِن أنَّهُ «لا تَقُومُ السّاعَةُ إلّا عَلى شِرارِ الخَلْقِ»، «ولا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى لا يُقالَ في الأرْضِ: اللَّهُ اللَّهُ»، «ولا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى يُسَرّى عَلى كِتابِ اللَّهِ فَلا يُبْقى مِنهُ حَرْفٌ»، أوْ كَما قالَ: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ قالَ الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ: سَنَطْوِي أعْمارَهم في اغْتِرارٍ مِنهم، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الِاسْتِدْراجُ أنْ تَدْرُجَ إلى الشَّيْءِ في خُفْيَةٍ قَلِيلًا قَلِيلًا، ولا تَهْجُمَ عَلَيْهِ، وأصْلُهُ مِنَ الدَّرَجَةِ، وذَلِكَ أنَّ الرّاقِيَ والنّازِلَ يَرْقى ويَنْزِلُ مِرْقاةً مِرْقاةً، ومِنهُ دَرَجَ الكِتابَ طَواهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، ودَرَجَ القَوْمُ ماتُوا بَعْضُهم في إثْرِ بَعْضٍ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو أنْ يُذِيقَهم مِن بَأْسِهِ قَلِيلًا قَلِيلًا مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، ولا يُتابِعُهم بِهِ ولا (p-٤٣١)يُجاهِرُهم، وقالَ الأزْهَرِيُّ: سَنَأْخُذُهم قَلِيلًا قَلِيلًا مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُونَ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَفْتَحُ بابًا مِنَ النِّعْمَةِ يَغْتَبِطُونَ بِهِ ويَرْكَنُونَ إلَيْهِ، ثُمَّ يَأْخُذُهم عَلى غِرَّتِهِمْ أغْفَلَ ما يَكُونُ، انْتَهى، ومِنهُ دَرَجَ الصَّبِيُّ إذا قارَبَ بَيْنَ خُطاهُ، والمَعْنى: سَنَسْتَرِقُهم شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ ودَرَجَةً بَعْدَ دَرَجَةٍ بِالنِّعَمِ عَلَيْهِمْ والإمْهالِ لَهم حَتّى يَغْتَرُّوا ويَظُنُّوا أنَّهم لا يَنالُهم عِقابٌ، وقالَ الجُبّائِيُّ سَنَسْتَدْرِجُهم إلى العُقُوباتِ حَتّى يَقَعُوا فِيها مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ اسْتِدْراجًا لَهم إلى ذَلِكَ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا العَذابُ في الدُّنْيا كالقَتْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَذابَ الآخِرَةِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْنى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ سَنَسْتَدِينُهم قَلِيلًا قَلِيلًا إلى ما يُهْلِكُهم ويُضاعِفُ عِقابَهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ما يُرادُ بِهِمْ، وذَلِكَ أنْ يُواتِرَ اللَّهُ نِعْمَةً عَلَيْهِمْ مَعَ انْهِماكِهِمْ في الغَيِّ، فَكُلَّما جَدَّدَ عَلَيْهِمْ نِعْمَةً ازْدادُوا بَطَرًا وجَدَّدُوا مَعْصِيَةً فَيَتَدَرَّجُونَ في المَعاصِي بِسَبَبِ تَرادُفِ النِّعَمِ ظانِّينَ أنَّ مُواتَرَةَ النِّعَمِ أثَرَةٌ مِنَ اللَّهِ وتَقْرِيبٌ، وإنَّما هي خِذْلانٌ مِنهُ وتَبْعِيدٌ، فَهَذا اسْتِدْراجُ اللَّهِ - نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِنهُ - مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، قِيلَ: بِالِاسْتِدْراجِ؛ وقِيلَ: بِالهَلاكِ، وقَرَأ النَّخَعِيُّ وابْنُ وثّابٍ: سَيَسْتَدْرِجُهم، بِالياءِ فاحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ مِن بابِ الِالتِفاتِ، واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ ضَمِيرَ التَّكْذِيبِ المَفْهُومِ مِن كَذَّبُوا، أيْ: سَيَسْتَدْرِجُهم هو، أيِ: التَّكْذِيبُ، قالَ الأعْشى: في الِاسْتِدْراجِ: ؎فَلَوْ كُنْتَ في جُبٍّ ثَمانِينَ قامَةً ورُقِّيتَ أسْبابَ السَّماءِ بِسُلَّمِ ؎لَيَسْتَدْرِجَنْكَ القَوْلُ حَتّى تَهُزَّهُ ∗∗∗ وتَعْلَمَ أنِّي عَنْكُمُ غَيْرُ مُفْحِمِ ﴿وأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى سَنَسْتَدْرِجُهم، فَهو داخِلٌ في الِاسْتِقْبالِ، وهو خُرُوجٌ مِن ضَمِيرِ التَّكَلُّمِ بِنُونِ العَظَمَةِ إلى ضَمِيرِ تَكَلُّمِ المُفْرَدِ، والمَعْنى: أُؤَخِّرُهم مِلاوَةً مِنَ الدَّهْرِ، أيْ: مُدَّةً فِيها طُولٌ، والمُلاوَةُ بِفَتْحِ المِيمِ وضَمِّها وكَسْرِها، ومِنهُ: ﴿واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦]، أيْ: طَوِيلًا، وسَمّى فِعْلَهُ ذَلِكَ بِهِمْ كَيْدًا؛ لِأنَّهُ شَبِيهٌ بِالكَيْدِ مِن حَيْثُ أنَّهُ في الظّاهِرِ إحْسانٌ، وفي الحَقِيقَةِ خِذْلانٌ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ إنَّ مَكْرِي شَدِيدٌ؛ وقِيلَ: إنَّ عَذابِي وسَمّاهُ كَيْدًا لِنُزُولِهِ بِالعِبادِ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ والمَتِينُ مِن كُلِّ شَيْءٍ القَوِيُّ يُقالُ: مَتُنَ مَتانَةً، وهَذا إخْبارٌ عَنِ المُكَذِّبِينَ عُمُومًا؛ وقِيلَ: نَزَلَتْ في المُسْتَهْزِئِينَ مِن قُرَيْشٍ؛ قَتَلَهُمُ اللَّهُ في لَيْلَةٍ واحِدَةٍ بَعْدَ أنْ أمْهَلَهم مُدَّةً، وقَرَأ عَبْدُ الحَمِيدِ عَنِ ابْنِ عامِرٍ أنَّ كَيَدِي بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى مَعْنى لِأجْلِ أنَّ كَيْدِي، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِها عَلى الِاسْتِئْنافِ.

الأعراف 7:182

﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ لَمّا ذَكَرَ مَن ذَرَأ لِلنّارِ ذَكَرَ مُقابِلَهم، وفي لَفْظَةِ: (ومِمَّنْ) دَلالَةٌ عَلى التَّبْعِيضِ، وأنَّ المُعْظَمَ مِنَ المَخْلُوقِينَ لَيْسُوا هُداةً إلى الحَقِّ، ولا عادِلِينَ بِهِ، قِيلَ: هُمُ العُلَماءُ والدُّعاةُ إلى الدِّينِ؛ وقِيلَ: هم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ، قالَهُ ابْنُ الكَلْبِيِّ، ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ وابْنِ جُرَيْجٍ؛ وقِيلَ: هُمُ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ والتّابِعُونَ لَهم بِإحْسانٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وعَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، ورُوِيَ في ذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ إذا قَرَأها قالَ: هَذِهِ لَكم وقَدْ أُعْطِيَ القَوْمُ بَيْنَ أيْدِيكم مِثْلَها: ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى﴾ [الأعراف: ١٥٩] الآيَةَ، وعَنْهُ: إنَّ مِن أُمَّتِي قَوْمًا عَلى الحَقِّ حَتّى يَنْزِلَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ أخْبَرَ فِيها أنَّ مِمَّنْ خَلَقَ أُمَّةً مَوْصُوفُونَ بِكَذا، فَلا يَدُلُّ عَلى تَعْيِينٍ لا في أشْخاصٍ، ولا في أزْمانٍ، وصَلَحَتْ لِكُلِّ هادٍ بِالحَقِّ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ وغَيْرِهِمْ، وفي زَمانِ الرَّسُولِ وغَيْرِهِ، كَما أنَّ مُقابِلَها في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ﴾ [الأعراف: ١٧٩] لا يَدُلُّ عَلى تَعْيِينِ أشْخاصٍ ولا زَمانٍ، وإنَّما هَذا تَقْسِيمٌ لِلْمَخْلُوقِ لِلنّارِ والمَخْلُوقِ لِلْجَنَّةِ، ولِذَلِكَ قِيلَ: إنَّ في الكَلامِ مَحْذُوفًا، تَقْدِيرُهُ: (ومِمَّنْ خَلَقْنا) يَدُلُّ عَلَيْهِ إثْباتُ مُقابِلِهِ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ﴾ [الأعراف: ١٧٩] . وقالَ الجُبّائِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنْ لا يَخْلُوَ زَمانٌ ألْبَتَّةَ مِمَّنْ يَقُومُ بِالحَقِّ ويَعْمَلُ بِهِ ويَهْدِي إلَيْهِ، وأنَّهم لا يَجْتَمِعُونَ في شَيْءٍ مِنَ الأزْمِنَةِ عَلى الباطِلِ، انْتَهى، والآيَةُ لا تَدُلُّ عَلى ما زَعَمَ الجُبّائِيُّ، وما قالَهُ مُخالِفٌ لِما رُوِيَ مِن أنَّهُ «لا تَقُومُ السّاعَةُ إلّا عَلى شِرارِ الخَلْقِ»، «ولا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى لا يُقالَ في الأرْضِ: اللَّهُ اللَّهُ»، «ولا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى يُسَرّى عَلى كِتابِ اللَّهِ فَلا يُبْقى مِنهُ حَرْفٌ»، أوْ كَما قالَ: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ قالَ الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ: سَنَطْوِي أعْمارَهم في اغْتِرارٍ مِنهم، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الِاسْتِدْراجُ أنْ تَدْرُجَ إلى الشَّيْءِ في خُفْيَةٍ قَلِيلًا قَلِيلًا، ولا تَهْجُمَ عَلَيْهِ، وأصْلُهُ مِنَ الدَّرَجَةِ، وذَلِكَ أنَّ الرّاقِيَ والنّازِلَ يَرْقى ويَنْزِلُ مِرْقاةً مِرْقاةً، ومِنهُ دَرَجَ الكِتابَ طَواهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، ودَرَجَ القَوْمُ ماتُوا بَعْضُهم في إثْرِ بَعْضٍ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو أنْ يُذِيقَهم مِن بَأْسِهِ قَلِيلًا قَلِيلًا مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، ولا يُتابِعُهم بِهِ ولا (p-٤٣١)يُجاهِرُهم، وقالَ الأزْهَرِيُّ: سَنَأْخُذُهم قَلِيلًا قَلِيلًا مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُونَ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَفْتَحُ بابًا مِنَ النِّعْمَةِ يَغْتَبِطُونَ بِهِ ويَرْكَنُونَ إلَيْهِ، ثُمَّ يَأْخُذُهم عَلى غِرَّتِهِمْ أغْفَلَ ما يَكُونُ، انْتَهى، ومِنهُ دَرَجَ الصَّبِيُّ إذا قارَبَ بَيْنَ خُطاهُ، والمَعْنى: سَنَسْتَرِقُهم شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ ودَرَجَةً بَعْدَ دَرَجَةٍ بِالنِّعَمِ عَلَيْهِمْ والإمْهالِ لَهم حَتّى يَغْتَرُّوا ويَظُنُّوا أنَّهم لا يَنالُهم عِقابٌ، وقالَ الجُبّائِيُّ سَنَسْتَدْرِجُهم إلى العُقُوباتِ حَتّى يَقَعُوا فِيها مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ اسْتِدْراجًا لَهم إلى ذَلِكَ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا العَذابُ في الدُّنْيا كالقَتْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَذابَ الآخِرَةِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْنى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ سَنَسْتَدِينُهم قَلِيلًا قَلِيلًا إلى ما يُهْلِكُهم ويُضاعِفُ عِقابَهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ما يُرادُ بِهِمْ، وذَلِكَ أنْ يُواتِرَ اللَّهُ نِعْمَةً عَلَيْهِمْ مَعَ انْهِماكِهِمْ في الغَيِّ، فَكُلَّما جَدَّدَ عَلَيْهِمْ نِعْمَةً ازْدادُوا بَطَرًا وجَدَّدُوا مَعْصِيَةً فَيَتَدَرَّجُونَ في المَعاصِي بِسَبَبِ تَرادُفِ النِّعَمِ ظانِّينَ أنَّ مُواتَرَةَ النِّعَمِ أثَرَةٌ مِنَ اللَّهِ وتَقْرِيبٌ، وإنَّما هي خِذْلانٌ مِنهُ وتَبْعِيدٌ، فَهَذا اسْتِدْراجُ اللَّهِ - نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِنهُ - مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، قِيلَ: بِالِاسْتِدْراجِ؛ وقِيلَ: بِالهَلاكِ، وقَرَأ النَّخَعِيُّ وابْنُ وثّابٍ: سَيَسْتَدْرِجُهم، بِالياءِ فاحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ مِن بابِ الِالتِفاتِ، واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ ضَمِيرَ التَّكْذِيبِ المَفْهُومِ مِن كَذَّبُوا، أيْ: سَيَسْتَدْرِجُهم هو، أيِ: التَّكْذِيبُ، قالَ الأعْشى: في الِاسْتِدْراجِ: ؎فَلَوْ كُنْتَ في جُبٍّ ثَمانِينَ قامَةً ورُقِّيتَ أسْبابَ السَّماءِ بِسُلَّمِ ؎لَيَسْتَدْرِجَنْكَ القَوْلُ حَتّى تَهُزَّهُ ∗∗∗ وتَعْلَمَ أنِّي عَنْكُمُ غَيْرُ مُفْحِمِ ﴿وأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى سَنَسْتَدْرِجُهم، فَهو داخِلٌ في الِاسْتِقْبالِ، وهو خُرُوجٌ مِن ضَمِيرِ التَّكَلُّمِ بِنُونِ العَظَمَةِ إلى ضَمِيرِ تَكَلُّمِ المُفْرَدِ، والمَعْنى: أُؤَخِّرُهم مِلاوَةً مِنَ الدَّهْرِ، أيْ: مُدَّةً فِيها طُولٌ، والمُلاوَةُ بِفَتْحِ المِيمِ وضَمِّها وكَسْرِها، ومِنهُ: ﴿واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦]، أيْ: طَوِيلًا، وسَمّى فِعْلَهُ ذَلِكَ بِهِمْ كَيْدًا؛ لِأنَّهُ شَبِيهٌ بِالكَيْدِ مِن حَيْثُ أنَّهُ في الظّاهِرِ إحْسانٌ، وفي الحَقِيقَةِ خِذْلانٌ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ إنَّ مَكْرِي شَدِيدٌ؛ وقِيلَ: إنَّ عَذابِي وسَمّاهُ كَيْدًا لِنُزُولِهِ بِالعِبادِ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ والمَتِينُ مِن كُلِّ شَيْءٍ القَوِيُّ يُقالُ: مَتُنَ مَتانَةً، وهَذا إخْبارٌ عَنِ المُكَذِّبِينَ عُمُومًا؛ وقِيلَ: نَزَلَتْ في المُسْتَهْزِئِينَ مِن قُرَيْشٍ؛ قَتَلَهُمُ اللَّهُ في لَيْلَةٍ واحِدَةٍ بَعْدَ أنْ أمْهَلَهم مُدَّةً، وقَرَأ عَبْدُ الحَمِيدِ عَنِ ابْنِ عامِرٍ أنَّ كَيَدِي بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى مَعْنى لِأجْلِ أنَّ كَيْدِي، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِها عَلى الِاسْتِئْنافِ.

الأعراف 7:183

﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ لَمّا ذَكَرَ مَن ذَرَأ لِلنّارِ ذَكَرَ مُقابِلَهم، وفي لَفْظَةِ: (ومِمَّنْ) دَلالَةٌ عَلى التَّبْعِيضِ، وأنَّ المُعْظَمَ مِنَ المَخْلُوقِينَ لَيْسُوا هُداةً إلى الحَقِّ، ولا عادِلِينَ بِهِ، قِيلَ: هُمُ العُلَماءُ والدُّعاةُ إلى الدِّينِ؛ وقِيلَ: هم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ، قالَهُ ابْنُ الكَلْبِيِّ، ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ وابْنِ جُرَيْجٍ؛ وقِيلَ: هُمُ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ والتّابِعُونَ لَهم بِإحْسانٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وعَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، ورُوِيَ في ذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ إذا قَرَأها قالَ: هَذِهِ لَكم وقَدْ أُعْطِيَ القَوْمُ بَيْنَ أيْدِيكم مِثْلَها: ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى﴾ [الأعراف: ١٥٩] الآيَةَ، وعَنْهُ: إنَّ مِن أُمَّتِي قَوْمًا عَلى الحَقِّ حَتّى يَنْزِلَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ أخْبَرَ فِيها أنَّ مِمَّنْ خَلَقَ أُمَّةً مَوْصُوفُونَ بِكَذا، فَلا يَدُلُّ عَلى تَعْيِينٍ لا في أشْخاصٍ، ولا في أزْمانٍ، وصَلَحَتْ لِكُلِّ هادٍ بِالحَقِّ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ وغَيْرِهِمْ، وفي زَمانِ الرَّسُولِ وغَيْرِهِ، كَما أنَّ مُقابِلَها في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ﴾ [الأعراف: ١٧٩] لا يَدُلُّ عَلى تَعْيِينِ أشْخاصٍ ولا زَمانٍ، وإنَّما هَذا تَقْسِيمٌ لِلْمَخْلُوقِ لِلنّارِ والمَخْلُوقِ لِلْجَنَّةِ، ولِذَلِكَ قِيلَ: إنَّ في الكَلامِ مَحْذُوفًا، تَقْدِيرُهُ: (ومِمَّنْ خَلَقْنا) يَدُلُّ عَلَيْهِ إثْباتُ مُقابِلِهِ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ﴾ [الأعراف: ١٧٩] . وقالَ الجُبّائِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنْ لا يَخْلُوَ زَمانٌ ألْبَتَّةَ مِمَّنْ يَقُومُ بِالحَقِّ ويَعْمَلُ بِهِ ويَهْدِي إلَيْهِ، وأنَّهم لا يَجْتَمِعُونَ في شَيْءٍ مِنَ الأزْمِنَةِ عَلى الباطِلِ، انْتَهى، والآيَةُ لا تَدُلُّ عَلى ما زَعَمَ الجُبّائِيُّ، وما قالَهُ مُخالِفٌ لِما رُوِيَ مِن أنَّهُ «لا تَقُومُ السّاعَةُ إلّا عَلى شِرارِ الخَلْقِ»، «ولا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى لا يُقالَ في الأرْضِ: اللَّهُ اللَّهُ»، «ولا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى يُسَرّى عَلى كِتابِ اللَّهِ فَلا يُبْقى مِنهُ حَرْفٌ»، أوْ كَما قالَ: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ قالَ الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ: سَنَطْوِي أعْمارَهم في اغْتِرارٍ مِنهم، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الِاسْتِدْراجُ أنْ تَدْرُجَ إلى الشَّيْءِ في خُفْيَةٍ قَلِيلًا قَلِيلًا، ولا تَهْجُمَ عَلَيْهِ، وأصْلُهُ مِنَ الدَّرَجَةِ، وذَلِكَ أنَّ الرّاقِيَ والنّازِلَ يَرْقى ويَنْزِلُ مِرْقاةً مِرْقاةً، ومِنهُ دَرَجَ الكِتابَ طَواهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، ودَرَجَ القَوْمُ ماتُوا بَعْضُهم في إثْرِ بَعْضٍ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو أنْ يُذِيقَهم مِن بَأْسِهِ قَلِيلًا قَلِيلًا مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، ولا يُتابِعُهم بِهِ ولا (p-٤٣١)يُجاهِرُهم، وقالَ الأزْهَرِيُّ: سَنَأْخُذُهم قَلِيلًا قَلِيلًا مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُونَ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَفْتَحُ بابًا مِنَ النِّعْمَةِ يَغْتَبِطُونَ بِهِ ويَرْكَنُونَ إلَيْهِ، ثُمَّ يَأْخُذُهم عَلى غِرَّتِهِمْ أغْفَلَ ما يَكُونُ، انْتَهى، ومِنهُ دَرَجَ الصَّبِيُّ إذا قارَبَ بَيْنَ خُطاهُ، والمَعْنى: سَنَسْتَرِقُهم شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ ودَرَجَةً بَعْدَ دَرَجَةٍ بِالنِّعَمِ عَلَيْهِمْ والإمْهالِ لَهم حَتّى يَغْتَرُّوا ويَظُنُّوا أنَّهم لا يَنالُهم عِقابٌ، وقالَ الجُبّائِيُّ سَنَسْتَدْرِجُهم إلى العُقُوباتِ حَتّى يَقَعُوا فِيها مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ اسْتِدْراجًا لَهم إلى ذَلِكَ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا العَذابُ في الدُّنْيا كالقَتْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَذابَ الآخِرَةِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْنى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ سَنَسْتَدِينُهم قَلِيلًا قَلِيلًا إلى ما يُهْلِكُهم ويُضاعِفُ عِقابَهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ما يُرادُ بِهِمْ، وذَلِكَ أنْ يُواتِرَ اللَّهُ نِعْمَةً عَلَيْهِمْ مَعَ انْهِماكِهِمْ في الغَيِّ، فَكُلَّما جَدَّدَ عَلَيْهِمْ نِعْمَةً ازْدادُوا بَطَرًا وجَدَّدُوا مَعْصِيَةً فَيَتَدَرَّجُونَ في المَعاصِي بِسَبَبِ تَرادُفِ النِّعَمِ ظانِّينَ أنَّ مُواتَرَةَ النِّعَمِ أثَرَةٌ مِنَ اللَّهِ وتَقْرِيبٌ، وإنَّما هي خِذْلانٌ مِنهُ وتَبْعِيدٌ، فَهَذا اسْتِدْراجُ اللَّهِ - نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِنهُ - مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، قِيلَ: بِالِاسْتِدْراجِ؛ وقِيلَ: بِالهَلاكِ، وقَرَأ النَّخَعِيُّ وابْنُ وثّابٍ: سَيَسْتَدْرِجُهم، بِالياءِ فاحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ مِن بابِ الِالتِفاتِ، واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ ضَمِيرَ التَّكْذِيبِ المَفْهُومِ مِن كَذَّبُوا، أيْ: سَيَسْتَدْرِجُهم هو، أيِ: التَّكْذِيبُ، قالَ الأعْشى: في الِاسْتِدْراجِ: ؎فَلَوْ كُنْتَ في جُبٍّ ثَمانِينَ قامَةً ورُقِّيتَ أسْبابَ السَّماءِ بِسُلَّمِ ؎لَيَسْتَدْرِجَنْكَ القَوْلُ حَتّى تَهُزَّهُ ∗∗∗ وتَعْلَمَ أنِّي عَنْكُمُ غَيْرُ مُفْحِمِ ﴿وأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى سَنَسْتَدْرِجُهم، فَهو داخِلٌ في الِاسْتِقْبالِ، وهو خُرُوجٌ مِن ضَمِيرِ التَّكَلُّمِ بِنُونِ العَظَمَةِ إلى ضَمِيرِ تَكَلُّمِ المُفْرَدِ، والمَعْنى: أُؤَخِّرُهم مِلاوَةً مِنَ الدَّهْرِ، أيْ: مُدَّةً فِيها طُولٌ، والمُلاوَةُ بِفَتْحِ المِيمِ وضَمِّها وكَسْرِها، ومِنهُ: ﴿واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦]، أيْ: طَوِيلًا، وسَمّى فِعْلَهُ ذَلِكَ بِهِمْ كَيْدًا؛ لِأنَّهُ شَبِيهٌ بِالكَيْدِ مِن حَيْثُ أنَّهُ في الظّاهِرِ إحْسانٌ، وفي الحَقِيقَةِ خِذْلانٌ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ إنَّ مَكْرِي شَدِيدٌ؛ وقِيلَ: إنَّ عَذابِي وسَمّاهُ كَيْدًا لِنُزُولِهِ بِالعِبادِ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ والمَتِينُ مِن كُلِّ شَيْءٍ القَوِيُّ يُقالُ: مَتُنَ مَتانَةً، وهَذا إخْبارٌ عَنِ المُكَذِّبِينَ عُمُومًا؛ وقِيلَ: نَزَلَتْ في المُسْتَهْزِئِينَ مِن قُرَيْشٍ؛ قَتَلَهُمُ اللَّهُ في لَيْلَةٍ واحِدَةٍ بَعْدَ أنْ أمْهَلَهم مُدَّةً، وقَرَأ عَبْدُ الحَمِيدِ عَنِ ابْنِ عامِرٍ أنَّ كَيَدِي بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى مَعْنى لِأجْلِ أنَّ كَيْدِي، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِها عَلى الِاسْتِئْنافِ.

الأعراف 7:184

﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ إنْ هو إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ «قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: سَبَبُ نُزُولِها أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَعِدَ لَيْلًا عَلى الصَّفا، فَجَعَلَ يَدْعُو قَبائِلَ قُرَيْشٍ: يا بَنِي فُلانٍ، يا بَنِي فُلانٍ، يُحَذِّرُهم ويَدْعُوهم إلى اللَّهِ تَعالى، فَقالَ بَعْضُ الكُفّارِ حِينَ أصْبَحُوا: هَذا مَجْنُونٌ باتَ يُصَوِّتُ حَتّى الصَّباحِ»، وكانُوا يَقُولُونَ: شاعِرٌ مَجْنُونٌ، فَنَفى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَنْهُ ما قالُوهُ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ مُحَذِّرٌ مِن عَذابِ اللَّهِ، والآيَةُ باعِثَةٌ لَهم عَلى التَّفَكُّرِ في أمْرِ الرَّسُولِ ﷺ وانْتِفاءِ الجِنَّةِ عَنْهُ، وهَذا الِاسْتِفْهامُ قِيلَ: مَعْناهُ التَّوْبِيخُ؛ وقِيلَ: التَّحْرِيضُ عَلى التَّأمُّلِ، والجِنَّةُ كَما قالَ تَعالى: ﴿مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ﴾ [الناس: ٦]، والمَعْنى: مِن مَسِّ جِنَّةٍ، أوْ تَخْبِيطِ جِنَّةٍ؛ وقِيلَ: هي هَيْئَةٌ كالجِلْسَةِ والرِّكْبَةِ أُرِيدَ بِها المَصْدَرُ، أيْ: ما بِصاحِبِهِمْ مِن جُنُونٍ، والظّاهِرُ أنَّ يَتَفَكَّرُوا، مُعَلَّقٌ عَنِ الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ، وهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِيَتفَكَّرُوا بَعْدَ إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ؛ لِأنَّ التَّفَكُّرَ مِن أعْمالِ القُلُوبِ، فَيَجُوزُ تَعْلِيقُهُ، والمَعْنى: أوَلَمْ يَتَأمَّلُوا ويَتَدَبَّرُوا في انْتِفاءِ هَذا الوَصْفِ عَنِ (p-٤٣٢)الرَّسُولِ، فَإنَّهُ مُنْتَفٍ لا مَحالَةَ، ولا يُمْكِنُ لِمَن أنْعَمَ الفِكْرَ في نِسْبَةِ ذَلِكَ إلَيْهِ؛ وقِيلَ: ثَمَّ مُضْمَرٌ مَحْذُوفٌ، أيْ: فَيَعْلَمُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ، قالَهُ الحَوْفِيُّ، وزَعَمَ أنَّ (تَفَكَّرُوا) لا تُعَلَّقُ؛ لِأنَّهُ لا يَدْخُلُ عَلى الجُمَلِ، قالَ: ودَلَّ التَّفَكُّرُ عَلى العِلْمِ، وقالَ أصْحابُنا: إذا كانَ فِعْلُ القَلْبِ يَتَعَدّى بِحَرْفِ جَرٍّ قُدِّرَتِ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ جَرٍّ بَعْدَ إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، ومَن هم مَن زَعَمَ أنَّهُ يُضَمَّنُ الفِعْلُ الَّذِي تَعَدّى بِنَفْسِهِ إلى واحِدٍ، أوْ بِحَرْفِ جَرٍّ إلى واحِدٍ مَعْنى ما يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولَيْنِ، فَعَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ لا حاجَةَ إلى هَذا المُضْمَرِ الَّذِي قَدَّرَهُ الحَوْفِيُّ؛ وقِيلَ: تَمَّ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ: يَتَفَكَّرُوا، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ إخْبارًا بِانْتِفاءِ الجَنَّةِ وإثْباتِ النِّذارَةِ، وقالَ أبُو البَقاءِ: في ما وجْهانِ، أحَدُهُما: أنَّها باقِيَةٌ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، تَقْدِيرُهُ: أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في قَوْلِهِمْ بِهِ جِنَّةٌ، والثّانِي أنَّها اسْتِفْهامٌ، أيْ: أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا أيَّ شَيْءٍ بِصاحِبِهِمْ مِنَ الجُنُونِ مَعَ انْتِظامِ أقْوالِهِ وأفْعالِهِ ؟ وقِيلَ: هي بِمَعْنى الَّذِي، تَقْدِيرُهُ: أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في ما بِصاحِبِهِمْ، وعَلى هَذا يَكُونُ الكَلامُ خَرَجَ عَلى زَعْمِهِمُ، انْتَهى، وهي تَخْرِيجاتٌ ضَعِيفَةٌ يَنْبَغِي أنْ يُنَزَّهَ القُرْآنُ عَنْها، وتَفَكَّرَ مِمّا ثَبَتَ في اللِّسانِ تَعْلِيقُهُ فَلا يَنْبَغِي أنْ يُعْدَلَ عَنْهُ.

الأعراف 7:185

﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ لَمّا حَضَّهم عَلى التَّفَكُّرِ في حالِ الرَّسُولِ ﷺ، وكانَ مُفَرِّعًا عَلى تَقْرِيرِ دَلِيلِ التَّوْحِيدِ، أعْقَبَ بِما يَدُلُّ عَلى التَّوْحِيدِ ووُجُودِ الصّانِعِ الحَكِيمِ، والمَلَكُوتُ المُلْكُ العَظِيمُ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأنعام: ٧٥] ولَمْ يَقْتَصِرْ عَلى ذِكْرِ النَّظَرِ في المَلَكُوتِ، بَلْ نَبَّهَ عَلى أنَّ كُلَّ فَرْدٍ فُرِّدَ مِنَ المَوْجُوداتِ مَحَلٌّ لِلنَّظَرِ والِاعْتِبارِ والِاسْتِدْلالِ عَلى الصّانِعِ الحَكِيمِ ووَحْدانِيَّتِهِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎وفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ الواحِدُ ﴿وأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهُمْ﴾ (وأنْ) مَعْطُوفٌ عَلى (ما) في قَوْلِهِ: وما خَلَقَ، وُبِّخُوا عَلى انْتِفاءِ نَظَرِهِمْ في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ وهي أعْظَمُ المَصْنُوعاتِ وأدِلَّتِها عَلى عَظَمَةِ الصّانِعِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ شَيْئًا عامًّا، وهو قَوْلُهُ: ﴿وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ فانْدَرَجَ السَّماواتُ والأرْضُ في ما خَلَقَ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ شَيْئًا يَخُصُّ أنْفُسَهم، وهو انْتِفاءُ نَظَرِهِمْ وتَفَكُّرِهِمْ في أنَّ أجَلَهم قَدِ اقْتَرَبَ، فَيُبادِرُهُمُ المَوْتُ عَلى حالَةِ الغَفْلَةِ عَنِ النَّظَرِ في ما ذَكَرَ فَيَئُولُ أمْرُهم إلى الخَسارِ وعَذابِ النّارِ، نَبَّهَهم عَلى الفِكْرِ في اقْتِرابِ الأجَلِ لَعَلَّهم يُبادِرُونَ إلَيْهِ، وإلى طَلَبِ الحَقِّ وما يُخَلِّصُهم مِن عَذابِ اللَّهِ قَبْلَ مُقانَصَةِ الأجَلِ، وأجَلُهم وقْتُ مَوْتِهِمْ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِاقْتِرابِ الأجَلِ اقْتِرابُ السّاعَةِ، وأنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها مَحْذُوفٌ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وخَبَرُها عَسى وما تَعَلَّقَتْ بِهِ، وقَدْ وقَعَ خَبَرُ الجُمْلَةِ غَيْرِ الخَبَرِيَّةِ في مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ، وفي مِثْلِ: ﴿والخامِسَةَ أنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها﴾ [النور: ٩] فَـ ﴿غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها﴾ [النور: ٩] جُمْلَةُ دُعاءٍ، وهي غَيْرُ خَبَرِيَّةٍ، فَلَوْ كانَتْ أنْ مُشَدَّدَةً لَمْ تَقَعْ عَسى ولا جُمْلَةُ الدُّعاءِ لَها، لا يَجُوزُ: عَلِمْتُ أنَّ زَيْدًا عَسى أنْ يَخْرُجَ، ولا عَلِمْتُ أنَّ زَيْدًا لَعَنَهُ اللَّهُ، وأنْتَ تُرِيدُ الدُّعاءَ، وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ أنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً يَعْنِي أنْ تَكُونَ المَوْضُوعَةُ عَلى حَرْفَيْنِ، وهي النّاصِبَةُ لِلْفِعْلِ المُضارِعِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّهم نَصُّوا عَلى أنَّها تُوصَلُ بِفِعْلٍ مُتَصَرِّفٍ مُطْلَقًا، يَعْنُونَ ماضِيًا ومُضارِعًا وأمْرًا، فَشَرَطُوا فِيهِ التَّصَرُّفَ، وعَسى فِعْلٌ جامِدٌ فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِلَةً لِأنْ، وعَسى هُنا تامَّةٌ، وأنْ يَكُونَ فاعِلٌ بِها، نَحْوَ: قَوْلِكَ عَسى (p-٤٣٣)أنْ تَقُومَ، واسْمُ يَكُونَ، قالَ الحَوْفِيُّ: ﴿أجَلُهُمْ﴾، وقَدِ اقْتَرَبَ الخَبَرُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ: اسْمُ يَكُونَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، فَيَكُونُ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهم في مَوْضِعِ نَصْبٍ، في مَوْضِعِ خَبَرِ يَكُونَ، وأجَلُهم فاعِلٌ بِاقْتَرَبَ، وما أجازَهُ الحَوْفِيُّ فِيهِ خِلافٌ، فَإذا قُلْتَ كانَ يَقُومُ زَيْدٌ فَمِنَ النَّحْوِيِّينَ مَن زَعَمَ أنَّ زَيْدًا هو الِاسْمُ، ويَقُومُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الخَبَرِ، ومِنهم مَن مَنَعَ ذَلِكَ ويَجْعَلُ في ذَلِكَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ، والجَوازُ اخْتِيارُ ابْنِ مالِكٍ، والمَنعُ اخْتِيارُ ابْنِ عُصْفُورٍ، وقَدْ ذَكَرْنا هَذِهِ المَسْألَةَ مُسْتَوْفاةَ التَّقْسِيمِ والدَّلائِلِ في شَرْحِنا لِكِتابِ التَّسْهِيلِ. ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ مَعْنى هَذِهِ الجُمْلَةِ وما قَبْلَها: تَوْقِيفُهم وتَوْبِيخُهم عَلى أنَّهُ لَمْ يَقَعْ مِنهم نَظَرٌ ولا تَدَبُّرٌ في شَيْءٍ مِن مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ، ولا في مَخْلُوقاتِ اللَّهِ تَعالى، ولا في اقْتِرابِ آجالِهِمْ، ثُمَّ قالَ: فَبِأيِّ حَدِيثٍ، أوْ أمْرٍ يَقَعُ إيمانُهم وتَصْدِيقُهم؛ إذْ لَمْ يَقَعْ بِأمْرٍ فِيهِ نَجاتُهم ودُخُولُهُمُ الجَنَّةَ، ونَحْوُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: فَعَنْ أيِّ نَفْسٍ بَعْدَ نَفْسِي أُقاتِلُ والمَعْنى: إذا لَمْ أُقاتِلْ عَنْ نَفْسِي فَكَيْفَ أُقاتِلُ عَنْ غَيْرِها ؟ ولِذَلِكَ إذا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ الَّذِي هو الصِّدْقُ المَحْضُ وفِيهِ نَجاتُهم وخَلاصُهم، فَكَيْفَ يُصَدِّقُونَ بِحَدِيثٍ غَيْرِهِ ؟ والمَعْنى: أنَّهُ لَيْسَ مِن طِباعِهِمُ التَّصْدِيقُ بِما فِيهِ خَلاصُهم، والضَّمِيرُ في بَعْدَهُ لِلْقُرْآنِ، أوِ الرَّسُولِ وقِصَّتِهِ وأمْرِهِ، أوِ الأجَلِ؛ إذْ لا عَمَلَ بَعْدَ المَوْتِ، أقْوالٌ ثَلاثَةٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): بِمَ يَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ: ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾، (قُلْتُ): بِقَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهُمْ﴾، كَأنَّهُ قِيلَ: لَعَلَّ أجْلَهم قَدِ اقْتَرَبَ فَما لَهم لا يُبادِرُونَ إلى الإيمانِ بِالقُرْآنِ قَبْلَ الفَوْتِ ؟ ما يَنْتَظِرُونَ بَعْدَ وُضُوحِ الحَقِّ ؟ وبِأيِّ حَدِيثٍ أحَقَّ مِنهُ يُرِيدُونَ أنْ يُؤْمِنُوا ؟ ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ﴾ نَفى نَفْيًا عامًّا أنْ يَكُونَ هادٍ لِمَن أضَلَّهُ اللَّهُ، فَتَضَمَّنَ اليَأْسَ مِن إيمانِهِمْ والمَقْتَ بِهِمْ. ﴿ويَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ قَرَأ الحَسَنُ وقَتادَةُ وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وأبُو جَعْفَرٍ والأعْرَجُ وشَيْبَةُ والحَرَمِيّانِ وابْنُ عامِرٍ (ونَذَرُهم) بِالنُّونِ ورَفْعِ الرّاءِ، وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ بِالياءِ ورَفْعِ الرّاءِ، وهو اسْتِئْنافُ إخْبارِ قَطْعِ الفِعْلِ، أوْ أضْمَرَ قَبْلَهُ ونَحْنُ، فَيَكُونُ جُمْلَةً اسْمِيَّةً، وقَرَأ ابْنٌ مُصَرِّفٍ والأعْمَشُ والأخَوانِ وأبُو عَمْرٍو فِيما ذَكَرَ أبُو حاتِمٍ بِالياءِ والجَزْمِ، ورَوى خارِجَةُ عَنْ نافِعٍ بِالنُّونِ والجَزْمِ، وخُرِّجَ سُكُونُ الرّاءِ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ سَكَنَ لِتَوالِي الحَرَكاتِ، كَقِراءَةِ: وما يُشْعِرْكم، ويَنْصُرْكم، فَهو مَرْفُوعٌ، والآخَرُ أنَّهُ مَجْزُومٌ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ: فَلا هادِيَ لَهُ، فَإنَّهُ في مَوْضِعِ جَزْمٍ، فَصارَ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكم ويُكَفِّرُ﴾ [البقرة: ٢٧١]، في قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالجَزْمِ في راءِ ونُكَفِّرْ. ومِثْلِ قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎أنّى سَلَكْتُ فَإنَّنِي لَكَ كاشِحٌ ∗∗∗ وعَلى انْتِقاصِكَ في الحَياةِ وازْدَدِ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها﴾ [الأعراف: ١٨٧] الضَّمِيرُ في يَسْألُونَكَ لِقُرَيْشٍ، قالُوا: يا مُحَمَّدُ، إنّا قَرابَتُكَ فَأخْبِرْنا بِوَقْتِ السّاعَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الضَّمِيرُ لِلْيَهُودِ، قالَ حَسَلُ بْنُ أبِي بَشِيرٍ وشَمْوِيلُ بْنُ (p-٤٣٤)زَيْدانَ: إنْ كُنْتَ نَبِيًّا فَأخْبِرْنا بِوَقْتِ السّاعَةِ، فَإنّا نَعْرِفُها فَإنْ صَدَقْتَ آمَنّا بِكَ، فَنَزَلَتْ، ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ التَّوْحِيدَ والنُّبُوَّةَ والقَضاءَ والقَدَرَ أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ المَعادِ، وأيْضًا فَلَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿وأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهُمْ﴾، وكانَ ذَلِكَ باعِثًا عَلى المُبادَرَةِ إلى التَّوْبَةِ أتى بِالسُّؤالِ عَنِ السّاعَةِ لِيُعْلَمَ أنَّ وقْتَها مَكْتُومٌ عَنِ الخَلْقِ، فَيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْمُسارَعَةِ إلى التَّوْبَةِ، والسّاعَةُ: القِيامَةُ، مَوْتُ مَن كانَ حِينَئِذٍ حَيًّا، وبَعْثُ الجَمِيعِ فَيَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ السّاعَةِ واسْمُ القِيامَةِ، والسّاعَةُ مِنَ الأسْماءِ الغالِبَةِ كالنَّجْمِ لِلثُّرَيّا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: أيّانَ، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، والسُّلَمِيُّ بِكَسْرِها حَيْثُ وقَعَتْ، وتَقَدَّمَ أنَّها لُغَةُ قَوْمِهِ سُلَيْمٍ، ومُرْساها مَصْدَرٌ، أيْ: مَتى إرْساؤُها، وإثْباتُها: إقْرارُها، والرُّسُوُّ: ثَباتُ الشَّيْءِ الثَّقِيلِ، ومِنهُ رَسا الجَبَلُ، وأرْسَيْتُ السَّفِينَةَ، والمَرْسا المَكانُ الَّذِي تَرْسُو فِيهِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُرْساها إرْساؤُها أوْ وقْتُ إرْسائِها، أيْ: إثْباتُها وإقْرارُها، انْتَهى، وتَقْدِيرُهُ أوْ وقْتُ إرْسائِها لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ أيّانَ اسْمُ اسْتِفْهامٍ عَنِ الوَقْتِ فَلا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنِ الوَقْتِ إلّا بِمَجازٍ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: في أيِّ وقْتٍ وقْتُ إرْسائِها ؟ وأيّانَ مُرْساها مُبْتَدَأٌ، وحَكى ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ المُبَرِّدِ أنَّ مُرْساها مُرْتَفِعٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، ولا حاجَةَ إلى هَذا الإضْمارِ، وأيّانَ مُرْساها جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ في مَوْضِعِ البَدَلِ مِنَ السّاعَةِ، والبَدَلُ عَلى نِيَّةِ تَكْرارِ العامِلِ، وذَلِكَ العامِلُ مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ فِيها اسْتِفْهامٌ، ولَمّا عَلَّقَ الفِعْلَ وهو يَتَعَدّى بِعْنَ صارَتِ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، فَهو بَدَلٌ في الجُمْلَةِ عَلى مَوْضِعِ عَنِ السّاعَةِ؛ لِأنَّ مَوْضِعَ المَجْرُورِ نَصْبٌ، ونَظِيرُهُ في البَدَلِ قَوْلُهم: عَرَفْتُ زَيْدًا أبُو مَن هو ؟ عَلى أحْسَنِ المَذاهِبِ في تَخْرِيجِ هَذِهِ المَسْألَةِ، أعْنِي: فَيَكُونُ الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ تَكُونُ في مَوْضِعِ البَدَلِ.

الأعراف 7:186

﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ لَمّا حَضَّهم عَلى التَّفَكُّرِ في حالِ الرَّسُولِ ﷺ، وكانَ مُفَرِّعًا عَلى تَقْرِيرِ دَلِيلِ التَّوْحِيدِ، أعْقَبَ بِما يَدُلُّ عَلى التَّوْحِيدِ ووُجُودِ الصّانِعِ الحَكِيمِ، والمَلَكُوتُ المُلْكُ العَظِيمُ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأنعام: ٧٥] ولَمْ يَقْتَصِرْ عَلى ذِكْرِ النَّظَرِ في المَلَكُوتِ، بَلْ نَبَّهَ عَلى أنَّ كُلَّ فَرْدٍ فُرِّدَ مِنَ المَوْجُوداتِ مَحَلٌّ لِلنَّظَرِ والِاعْتِبارِ والِاسْتِدْلالِ عَلى الصّانِعِ الحَكِيمِ ووَحْدانِيَّتِهِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎وفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ الواحِدُ ﴿وأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهُمْ﴾ (وأنْ) مَعْطُوفٌ عَلى (ما) في قَوْلِهِ: وما خَلَقَ، وُبِّخُوا عَلى انْتِفاءِ نَظَرِهِمْ في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ وهي أعْظَمُ المَصْنُوعاتِ وأدِلَّتِها عَلى عَظَمَةِ الصّانِعِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ شَيْئًا عامًّا، وهو قَوْلُهُ: ﴿وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ فانْدَرَجَ السَّماواتُ والأرْضُ في ما خَلَقَ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ شَيْئًا يَخُصُّ أنْفُسَهم، وهو انْتِفاءُ نَظَرِهِمْ وتَفَكُّرِهِمْ في أنَّ أجَلَهم قَدِ اقْتَرَبَ، فَيُبادِرُهُمُ المَوْتُ عَلى حالَةِ الغَفْلَةِ عَنِ النَّظَرِ في ما ذَكَرَ فَيَئُولُ أمْرُهم إلى الخَسارِ وعَذابِ النّارِ، نَبَّهَهم عَلى الفِكْرِ في اقْتِرابِ الأجَلِ لَعَلَّهم يُبادِرُونَ إلَيْهِ، وإلى طَلَبِ الحَقِّ وما يُخَلِّصُهم مِن عَذابِ اللَّهِ قَبْلَ مُقانَصَةِ الأجَلِ، وأجَلُهم وقْتُ مَوْتِهِمْ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِاقْتِرابِ الأجَلِ اقْتِرابُ السّاعَةِ، وأنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها مَحْذُوفٌ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وخَبَرُها عَسى وما تَعَلَّقَتْ بِهِ، وقَدْ وقَعَ خَبَرُ الجُمْلَةِ غَيْرِ الخَبَرِيَّةِ في مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ، وفي مِثْلِ: ﴿والخامِسَةَ أنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها﴾ [النور: ٩] فَـ ﴿غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها﴾ [النور: ٩] جُمْلَةُ دُعاءٍ، وهي غَيْرُ خَبَرِيَّةٍ، فَلَوْ كانَتْ أنْ مُشَدَّدَةً لَمْ تَقَعْ عَسى ولا جُمْلَةُ الدُّعاءِ لَها، لا يَجُوزُ: عَلِمْتُ أنَّ زَيْدًا عَسى أنْ يَخْرُجَ، ولا عَلِمْتُ أنَّ زَيْدًا لَعَنَهُ اللَّهُ، وأنْتَ تُرِيدُ الدُّعاءَ، وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ أنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً يَعْنِي أنْ تَكُونَ المَوْضُوعَةُ عَلى حَرْفَيْنِ، وهي النّاصِبَةُ لِلْفِعْلِ المُضارِعِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّهم نَصُّوا عَلى أنَّها تُوصَلُ بِفِعْلٍ مُتَصَرِّفٍ مُطْلَقًا، يَعْنُونَ ماضِيًا ومُضارِعًا وأمْرًا، فَشَرَطُوا فِيهِ التَّصَرُّفَ، وعَسى فِعْلٌ جامِدٌ فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِلَةً لِأنْ، وعَسى هُنا تامَّةٌ، وأنْ يَكُونَ فاعِلٌ بِها، نَحْوَ: قَوْلِكَ عَسى (p-٤٣٣)أنْ تَقُومَ، واسْمُ يَكُونَ، قالَ الحَوْفِيُّ: ﴿أجَلُهُمْ﴾، وقَدِ اقْتَرَبَ الخَبَرُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ: اسْمُ يَكُونَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، فَيَكُونُ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهم في مَوْضِعِ نَصْبٍ، في مَوْضِعِ خَبَرِ يَكُونَ، وأجَلُهم فاعِلٌ بِاقْتَرَبَ، وما أجازَهُ الحَوْفِيُّ فِيهِ خِلافٌ، فَإذا قُلْتَ كانَ يَقُومُ زَيْدٌ فَمِنَ النَّحْوِيِّينَ مَن زَعَمَ أنَّ زَيْدًا هو الِاسْمُ، ويَقُومُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الخَبَرِ، ومِنهم مَن مَنَعَ ذَلِكَ ويَجْعَلُ في ذَلِكَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ، والجَوازُ اخْتِيارُ ابْنِ مالِكٍ، والمَنعُ اخْتِيارُ ابْنِ عُصْفُورٍ، وقَدْ ذَكَرْنا هَذِهِ المَسْألَةَ مُسْتَوْفاةَ التَّقْسِيمِ والدَّلائِلِ في شَرْحِنا لِكِتابِ التَّسْهِيلِ. ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ مَعْنى هَذِهِ الجُمْلَةِ وما قَبْلَها: تَوْقِيفُهم وتَوْبِيخُهم عَلى أنَّهُ لَمْ يَقَعْ مِنهم نَظَرٌ ولا تَدَبُّرٌ في شَيْءٍ مِن مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ، ولا في مَخْلُوقاتِ اللَّهِ تَعالى، ولا في اقْتِرابِ آجالِهِمْ، ثُمَّ قالَ: فَبِأيِّ حَدِيثٍ، أوْ أمْرٍ يَقَعُ إيمانُهم وتَصْدِيقُهم؛ إذْ لَمْ يَقَعْ بِأمْرٍ فِيهِ نَجاتُهم ودُخُولُهُمُ الجَنَّةَ، ونَحْوُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: فَعَنْ أيِّ نَفْسٍ بَعْدَ نَفْسِي أُقاتِلُ والمَعْنى: إذا لَمْ أُقاتِلْ عَنْ نَفْسِي فَكَيْفَ أُقاتِلُ عَنْ غَيْرِها ؟ ولِذَلِكَ إذا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ الَّذِي هو الصِّدْقُ المَحْضُ وفِيهِ نَجاتُهم وخَلاصُهم، فَكَيْفَ يُصَدِّقُونَ بِحَدِيثٍ غَيْرِهِ ؟ والمَعْنى: أنَّهُ لَيْسَ مِن طِباعِهِمُ التَّصْدِيقُ بِما فِيهِ خَلاصُهم، والضَّمِيرُ في بَعْدَهُ لِلْقُرْآنِ، أوِ الرَّسُولِ وقِصَّتِهِ وأمْرِهِ، أوِ الأجَلِ؛ إذْ لا عَمَلَ بَعْدَ المَوْتِ، أقْوالٌ ثَلاثَةٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): بِمَ يَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ: ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾، (قُلْتُ): بِقَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهُمْ﴾، كَأنَّهُ قِيلَ: لَعَلَّ أجْلَهم قَدِ اقْتَرَبَ فَما لَهم لا يُبادِرُونَ إلى الإيمانِ بِالقُرْآنِ قَبْلَ الفَوْتِ ؟ ما يَنْتَظِرُونَ بَعْدَ وُضُوحِ الحَقِّ ؟ وبِأيِّ حَدِيثٍ أحَقَّ مِنهُ يُرِيدُونَ أنْ يُؤْمِنُوا ؟ ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ﴾ نَفى نَفْيًا عامًّا أنْ يَكُونَ هادٍ لِمَن أضَلَّهُ اللَّهُ، فَتَضَمَّنَ اليَأْسَ مِن إيمانِهِمْ والمَقْتَ بِهِمْ. ﴿ويَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ قَرَأ الحَسَنُ وقَتادَةُ وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وأبُو جَعْفَرٍ والأعْرَجُ وشَيْبَةُ والحَرَمِيّانِ وابْنُ عامِرٍ (ونَذَرُهم) بِالنُّونِ ورَفْعِ الرّاءِ، وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ بِالياءِ ورَفْعِ الرّاءِ، وهو اسْتِئْنافُ إخْبارِ قَطْعِ الفِعْلِ، أوْ أضْمَرَ قَبْلَهُ ونَحْنُ، فَيَكُونُ جُمْلَةً اسْمِيَّةً، وقَرَأ ابْنٌ مُصَرِّفٍ والأعْمَشُ والأخَوانِ وأبُو عَمْرٍو فِيما ذَكَرَ أبُو حاتِمٍ بِالياءِ والجَزْمِ، ورَوى خارِجَةُ عَنْ نافِعٍ بِالنُّونِ والجَزْمِ، وخُرِّجَ سُكُونُ الرّاءِ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ سَكَنَ لِتَوالِي الحَرَكاتِ، كَقِراءَةِ: وما يُشْعِرْكم، ويَنْصُرْكم، فَهو مَرْفُوعٌ، والآخَرُ أنَّهُ مَجْزُومٌ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ: فَلا هادِيَ لَهُ، فَإنَّهُ في مَوْضِعِ جَزْمٍ، فَصارَ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكم ويُكَفِّرُ﴾ [البقرة: ٢٧١]، في قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالجَزْمِ في راءِ ونُكَفِّرْ. ومِثْلِ قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎أنّى سَلَكْتُ فَإنَّنِي لَكَ كاشِحٌ ∗∗∗ وعَلى انْتِقاصِكَ في الحَياةِ وازْدَدِ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها﴾ [الأعراف: ١٨٧] الضَّمِيرُ في يَسْألُونَكَ لِقُرَيْشٍ، قالُوا: يا مُحَمَّدُ، إنّا قَرابَتُكَ فَأخْبِرْنا بِوَقْتِ السّاعَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الضَّمِيرُ لِلْيَهُودِ، قالَ حَسَلُ بْنُ أبِي بَشِيرٍ وشَمْوِيلُ بْنُ (p-٤٣٤)زَيْدانَ: إنْ كُنْتَ نَبِيًّا فَأخْبِرْنا بِوَقْتِ السّاعَةِ، فَإنّا نَعْرِفُها فَإنْ صَدَقْتَ آمَنّا بِكَ، فَنَزَلَتْ، ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ التَّوْحِيدَ والنُّبُوَّةَ والقَضاءَ والقَدَرَ أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ المَعادِ، وأيْضًا فَلَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿وأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهُمْ﴾، وكانَ ذَلِكَ باعِثًا عَلى المُبادَرَةِ إلى التَّوْبَةِ أتى بِالسُّؤالِ عَنِ السّاعَةِ لِيُعْلَمَ أنَّ وقْتَها مَكْتُومٌ عَنِ الخَلْقِ، فَيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْمُسارَعَةِ إلى التَّوْبَةِ، والسّاعَةُ: القِيامَةُ، مَوْتُ مَن كانَ حِينَئِذٍ حَيًّا، وبَعْثُ الجَمِيعِ فَيَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ السّاعَةِ واسْمُ القِيامَةِ، والسّاعَةُ مِنَ الأسْماءِ الغالِبَةِ كالنَّجْمِ لِلثُّرَيّا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: أيّانَ، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، والسُّلَمِيُّ بِكَسْرِها حَيْثُ وقَعَتْ، وتَقَدَّمَ أنَّها لُغَةُ قَوْمِهِ سُلَيْمٍ، ومُرْساها مَصْدَرٌ، أيْ: مَتى إرْساؤُها، وإثْباتُها: إقْرارُها، والرُّسُوُّ: ثَباتُ الشَّيْءِ الثَّقِيلِ، ومِنهُ رَسا الجَبَلُ، وأرْسَيْتُ السَّفِينَةَ، والمَرْسا المَكانُ الَّذِي تَرْسُو فِيهِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُرْساها إرْساؤُها أوْ وقْتُ إرْسائِها، أيْ: إثْباتُها وإقْرارُها، انْتَهى، وتَقْدِيرُهُ أوْ وقْتُ إرْسائِها لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ أيّانَ اسْمُ اسْتِفْهامٍ عَنِ الوَقْتِ فَلا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنِ الوَقْتِ إلّا بِمَجازٍ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: في أيِّ وقْتٍ وقْتُ إرْسائِها ؟ وأيّانَ مُرْساها مُبْتَدَأٌ، وحَكى ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ المُبَرِّدِ أنَّ مُرْساها مُرْتَفِعٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، ولا حاجَةَ إلى هَذا الإضْمارِ، وأيّانَ مُرْساها جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ في مَوْضِعِ البَدَلِ مِنَ السّاعَةِ، والبَدَلُ عَلى نِيَّةِ تَكْرارِ العامِلِ، وذَلِكَ العامِلُ مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ فِيها اسْتِفْهامٌ، ولَمّا عَلَّقَ الفِعْلَ وهو يَتَعَدّى بِعْنَ صارَتِ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، فَهو بَدَلٌ في الجُمْلَةِ عَلى مَوْضِعِ عَنِ السّاعَةِ؛ لِأنَّ مَوْضِعَ المَجْرُورِ نَصْبٌ، ونَظِيرُهُ في البَدَلِ قَوْلُهم: عَرَفْتُ زَيْدًا أبُو مَن هو ؟ عَلى أحْسَنِ المَذاهِبِ في تَخْرِيجِ هَذِهِ المَسْألَةِ، أعْنِي: فَيَكُونُ الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ تَكُونُ في مَوْضِعِ البَدَلِ.

الأعراف 7:187

﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلّا هُوَ﴾ . أيِ: اللَّهُ اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِها، ولَمّا كانَ السُّؤالُ عَنِ السّاعَةِ عُمُومًا ثُمَّ خُصِّصَ بِالسُّؤالِ عَنْ وقْتِها، جاءَ الجَوابُ عُمُومًا عَنْها بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾، ثُمَّ خُصِّصَتْ مِن حَيْثُ الوَقْتُ، فَقِيلَ: لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلّا هو، وعِلْمُ السّاعَةِ مِنَ الخَمْسِ الَّتِي نُصَّ عَلَيْها مِنَ الغَيْبِ أنَّهُ تَعالى لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ، والمَعْنى لا يُظْهِرُها ويَكْشِفُها لِوَقْتِها الَّذِي قُدِّرَ أنْ تَكُونَ فِيهِ إلّا هو، قالُوا: وحِكْمَةُ إخْفائِها أنَّهم يَكُونُونَ دائِمًا عَلى حَذَرٍ، فَإخْفاؤُها أدْعى إلى الطّاعَةِ وأزْجَرُ عَنِ المَعْصِيَةِ، كَما أخْفى الأجَلَ الخاصَّ وهو وقْتُ المَوْتِ لِذَلِكَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلّا هو، أيْ لا تَزالُ خَفِيَّةً ولا يُظْهِرُ أمْرَها ويَكْشِفُ خَفاءَ عِلْمِها إلّا هو وحْدَهُ إذا جاءَ بِها في وقْتِها بَغْتَةً، لا يُجَلِّيها بِالخَبَرِ عَنْها قَبْلَ مَجِيئِها أحَدٌ مِن خَلْقِهِ لِاسْتِمْرارِ الخَفاءِ بِها عَلى غَيْرِهِ إلى وقْتِ وُقُوعِها. انْتَهى، وهو كَلامٌ فِيهِ تَكْثِيرٌ وعُجْمَةٌ. ﴿ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: مَعْناهُ ثَقُلَتْ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ أنْفُسِها، لِتَفَطُّرِ السَّماواتِ وتَبَدُّلِ الأرْضِ ونَسْفِ الجِبالِ، وقالَ الحَسَنُ: ثَقُلَتْ لِهَيْبَتِها والفَزَعِ مِنها عَلى أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ، وقالَ (p-٤٣٥)السُّدِّيُّ: مَعْنى ثَقُلَتْ خَفِيَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ، فَلَمْ يَعْلَمْ أحَدٌ مِنَ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ والأنْبِياءِ المُرْسَلِينَ مَتى تَكُونُ، وما خَفِيَ أمْرُهُ ثَقُلَ عَلى النُّفُوسِ، انْتَهى، ويُعَبَّرُ بِالثِّقَلِ عَنِ الشِّدَّةِ والصُّعُوبَةِ، كَما قالَ: ﴿ويَذَرُونَ وراءَهم يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٧]، أيْ شَدِيدًا صَعْبًا، وأصْلُهُ أنْ يَتَعَدّى بِعَلى، تَقُولُ: ثَقُلَ عَلَيَّ هَذا الأمْرُ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎ثَقِيـــلٌ عَلَـــى الأعْــــداءِ فَإمّا أنْ يُدَّعى أنَّ في بِمَعْنى عَلى، كَما قالَ بَعْضُهم في قَوْلِهِ: ﴿ولَأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، أيْ: ويُضَمَّنُ ثَقُلَتْ مَعْنى يَتَعَدّى بِفي، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: كُلٌّ مِن أهْلِها مِنَ المَلائِكَةِ والثَّقَلَيْنِ أهَمَّهُ شَأْنُ السّاعَةِ، ووَدَّ أنْ يَتَجَلّى لَهُ عِلْمُها وشَقَّ عَلَيْهِ خَفاؤُها وثَقُلَ عَلَيْهِ أوْ ثَقُلَتْ فِيهِما؛ لِأنَّ أهْلَهُما يَتَوَقَّعُونَها ويَخافُونَ شَدائِدَها وأهْوالَها؛ ولِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ لا يُطِيقُها ويَقُومُ لَها، فَهي ثَقِيلَةٌ فِيهِما. ﴿لا تَأْتِيكم إلّا بَغْتَةً﴾ أيْ فَجْأةً عَلى غَفْلَةٍ مِنكم وعَدَمِ شُعُورٍ بِمَجِيئِها، وهَذا خِطابٌ عامٌّ لِكُلِّ النّاسِ، وفي الحَدِيثِ: إنَّ السّاعَةَ لَتَهْجُمُ والرَّجُلُ يُصْلِحُ حَوْضَهُ، والرَّجُلُ يَسْقِي ماشِيَتَهُ، والرَّجُلُ يَسُومُ سائِمَتَهُ، والرَّجُلُ يَخْفِضُ مِيزانَهُ ويَرْفَعُهُ. ﴿يَسْألُونَكَ كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ ومُجاهِدٌ: كَأنَّكَ حَفِيٌّ بِسُؤالِهِمْ، أيْ مُحِبٌّ لَهُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: كَأنَّكَ يُعْجِبُكَ سُؤالُهم عَنْها، وعَنْهُ أيْضًا: كَأنَّكَ مُجْتَهِدٌ في السُّؤالِ مُبالِغٌ في الإقْبالِ عَلى ما تُسْألُ عَنْهُ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كَأنَّكَ طالِبٌ عِلْمَها، وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا والضَّحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ كَأنَّكَ حَفِيٌّ بِالسُّؤالِ عَنْها والِاشْتِغالِ بِها حَتّى حَصَلْتَ عَلَيْها، أيْ تُحِبُّهُ وتُؤْثِرُهُ، أوْ بِمَعْنى أنَّكَ تَكْرَهُ السُّؤالَ لِأنَّها مِن عِلْمِ الغَيْبِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِهِ ولَمْ يُؤْتِهِ أحَدًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أيْ مُحْتَفٍ ومُحْتَفِلٌ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَأنَّكَ عالِمٌ بِها، وحَقِيقَتُهُ كَأنَّكَ بَلِيغٌ في السُّؤالِ عَنْها؛ لِأنَّ مَن بالَغَ في السُّؤالِ عَنِ الشَّيْءِ والتَّنْقِيرِ عَنْهُ اسْتَحْكَمَ عِلْمُهُ فِيهِ، وهَذا التَّرْكِيبُ مَعْناهُ المُبالَغَةُ، ومِنهُ إحْفاءُ الشّارِبِ، واحْتِفاءُ النَّعْلِ اسْتِئْصالُهُ، وأحْفى في المَسْألَةِ ألْحَفَ، وحَفِيَ بِفُلانٍ وتَحَفّى بِهِ بالَغَ في البِرِّ بِهِ، انْتَهى، وعَنْها إمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِيَسْألُونَكَ، أيْ: يَسْألُونَكَ عَنْها، وتَكُونُ صِلَةُ حَفِيٌّ مَحْذُوفَةً، والتَّقْدِيرُ: كَأنَّكَ حَفِيٌّ بِها، أيْ: مُعْتَنٍ بِشَأْنِها حَتّى عَلِمْتَ حَقِيقَتَها ووَقْتَ مَجِيئِها، أوْ كَأنَّكَ حَفِيٌّ بِهِمْ أوَمُعْتَنٍ بِأمْرِهِمْ فَتُجِيبُهم عَنْها لِزَعْمِهِمْ أنَّ عِلْمَها عِنْدَكَ، وحَفِيٌّ لا يَتَعَدّى بِعْنَ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧] فَعَدّاهُ بِالباءِ، وإمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ ﴿حَفِيٌّ﴾ عَلى جِهَةِ التَّضْمِينِ؛ لِأنَّ مَن كانَ حَفِيًّا بِشَيْءٍ أدْرَكَهُ وكَشَفَ عَنْهُ، فالتَّقْدِيرُ: كَأنَّكَ كاشِفٌ بِحَفاوَتِكَ عَنْها، وإمّا أنْ تَكُونَ عَنْ بِمَعْنى الباءِ كَما تَكُونُ الباءُ بِمَعْنى عَنْ في قَوْلِهِ: ؎فَإنْ تَسْألُونِي بِالنِّساءِ فَإنَّنِي أيْ عَنِ النِّساءِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: كَأنَّكَ حَفِيٌّ بِها، بِالباءِ مَكانَ عَنْ، أيْ: عالِمٌ بِها بَلِيغٌ في العِلْمِ بِها. ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ عِلْمُ مَجِيئِها في عِلْمِ اللَّهِ، وظَرْفِيَّةُ عِنْدَ مَجازِيَّةٌ، كَما تَقُولُ: النَّحْوُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ أيْ في عِلْمِهِ، وتَكْرِيرُ السُّؤالِ والجَوابِ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، ولِما جاءَ بِهِ مِن زِيادَةِ قَوْلِهِ: كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها. ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ قالَ الطَّبَرِيُّ: لا يَعْلَمُونَ أنَّ هَذا الأمْرَ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، بَلْ يَظُنُّ أكْثَرُهم أنَّهُ مِمّا يَعْلَمُهُ البَشَرُ، وقِيلَ: لا يَعْلَمُونَ أنَّ القِيامَةَ حَقٌّ لِأنَّ أكْثَرَ الخَلْقِ يُنْكِرُونَ المَعادَ ويَقُولُونَ: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ [الأنعام: ٢٩] الآيَةَ. وقِيلَ: لا يَعْلَمُونَ أنِّي أخْبَرْتُكَ أنَّ وقْتَها لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ. وقِيلَ: لا يَعْلَمُونَ السَّبَبَ الَّذِي لِأجْلِهِ أخْفَيْتُ مَعْرِفَةَ وقْتِها، والأظْهَرُ قَوْلُ الطَّبَرِيِّ.

الأعراف 7:188

﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (p-٤٣٦)قالَ أهْلُ مَكَّةَ: ألا يُخْبِرُكَ رَبُّكَ بِالسِّعْرِ الرَّخِيصِ قَبْلَ أنْ يَغْلُوَ فَتَشْتَرِيَ وتَرْبَحَ ؟ وبِالأرْضِ الَّتِي تَجْدُبُ فَتَرْحَلَ عَنْها إلى ما أخْصَبَ ؟ فَنَزَلَتْ؛ وقِيلَ: لَمّا رَجَعَ مِن غَزْوَةِ المُصْطَلِقِ جاءَتْ رِيحٌ في الطَّرِيقِ فَأخْبَرَتْ بِمَوْتِ رِفاعَةَ، وكانَ فِيهِ غَيْظُ المُنافِقِينَ، ثُمَّ قالَ: انْظُرُوا أيْنَ ناقَتِي، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: ألا تَعْجَبُونَ مِن هَذا الرَّجُلِ يُخْبِرُ عَنْ مَوْتِ رَجُلٍ بِالمَدِينَةِ ولا يَعْرِفُ أيْنَ ناقَتُهُ ! فَقالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنَّ ناسًا مِنَ المُنافِقِينَ قالُوا: كَيْتَ وكَيْتَ وناقَتِي في الشِّعْبِ، وقَدْ تَعَلَّقَ زِمامُها بِشَجَرَةٍ فَرُدُّوها عَلَيَّ، فَنَزَلَتْ، ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِما قَبْلَها ظاهِرٌ جِدًّا، وهَذا مِنهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إظْهارٌ لِلْعُبُودِيَّةِ وانْتِفاءٌ عَنْ ما يَخْتَصُّ بِالرُّبُوبِيَّةِ مِنَ القُدْرَةِ وعِلْمِ الغَيْبِ ومُبالَغَةٌ في الِاسْتِسْلامِ، فَلا أمْلِكُ لِنَفْسِي اجْتِلابَ نَفْعٍ ولا دَفْعَ ضَرٍّ، فَكَيْفَ أمْلِكُ عِلْمَ الغَيْبِ ؟ كَما قالَ في سُورَةِ يُونُسَ: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨] ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا إلّا ما شاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ﴾ [يونس: ٤٩] وقَدَّمَ هُنا النَّفْعَ عَلى الضَّرِّ؛ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ﴾ [الأعراف: ١٧٨]، فَقَدَّمَ الهِدايَةَ عَلى الضَّلالِ، وبَعْدَهُ ﴿لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ فَناسِبَ تَقْدِيمُ النَّفْعِ، وقَدَّمَ الضَّرَّ في يُونُسَ عَلى الأصْلِ؛ لِأنَّ العِبادَةَ لِلَّهِ تَكُونُ خَوْفًا مِن عِقابِهِ أوَّلًا، ثُمَّ طَمَعًا في ثَوابِهِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهم خَوْفًا وطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦]، فَإذا تَقَدَّمَ النَّفْعُ فَلِسابِقَةِ لَفْظٍ تَضَمَّنَهُ، وأيْضًا فَفي يُونُسَ مُوافَقَةُ ما قَبْلَها، فَفِيها ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم ما لا يَنْفَعُنا ولا يَضُرُّنا؛ لِأنَّهُ مَوْصُولٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ وإنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنها﴾ [الأنعام: ٧٠] وفي يُونُسَ: ﴿ولا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ﴾ [يونس: ١٠٦] )، وتَقَدَّمَهُ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا﴾ [يونس: ١٠٣]، ﴿كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ المُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ١٠٣]، وفي الأنْبِياءِ قالَ: ﴿أفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكم شَيْئًا ولا يَضُرُّكُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٦]، وتَقَدَّمَهُ قَوْلُ الكُفّارِ لِإبْراهِيمَ في المُحاجَّةِ: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٥]، وفي الفُرْقانِ: ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهم ولا يَضُرُّهُمْ﴾ [الفرقان: ٥٥] وتَقَدَّمَهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: ٤٥] ونِعَمٌ كَثِيرَةٌ، وهَذا النَّوْعُ مِن لَطائِفِ القُرْآنِ العَظِيمِ وساطِعِ بَراهِينِهِ، والِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، أيْ: إلّا ما شاءَ اللَّهُ مِن تَمْكِينِي مِنهُ فَإنِّي أمْلِكُهُ، وذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، انْتَهى، ولا حاجَةَ لِدَعْوى الِانْقِطاعِ مَعَ إمْكانِ الِاتِّصالِ. * * ﴿ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ أيْ: لَكانَتْ حالِي عَلى خِلافِ ما هي عَلَيْهِ مِنِ اسْتِكْثارِ الخَيْرِ واسْتِغْزارِ المَنافِعِ واجْتِنابِ السُّوءِ والمَضارِّ، حَتّى لا يَمَسَّنِي شَيْءٌ مِنها، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ﴾ انْتِفاءُ العِلْمِ عَنِ الغَيْبِ عَلى جِهَةِ عُمُومِ الغَيْبِ، كَما رُوِيَ عَنْهُ لا أعْلَمُ ما وراءَ هَذا الجِدارِ إلّا أنْ يُعْلِمَنِيهِ رَبِّي، بِخِلافِ ما يَذْهَبُ إلَيْهِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَدَّعُونَ الكَشْفَ، وأنَّهم بِتَصْفِيَةِ نُفُوسِهِمْ يَحْصُلُ لَها اطِّلاعٌ عَلى المُغَيَّباتِ وإخْبارٌ بِالكَوائِنِ الَّتِي تَحْدُثُ، وما أكْثَرَ ادِّعاءَ النّاسِ لِهَذا الأمْرِ وخُصُوصًا في دِيارِ مِصْرَ، حَتّى إنَّهم لَيَنْسُبُونَ ذَلِكَ إلى رَجُلٍ مُتَضَمِّخٍ بِالنَّجاسَةِ يَظَلُّ دَهْرَهُ لا يُصَلِّي ولا يَسْتَنْجِي مِن نَجاسَتِهِ ويَكْشِفُ عَوْرَتَهُ لِلنّاسِ حِينَ يَبُولُ، وهو عارٍ مِنَ العِلْمِ والعَمَلِ الصّالِحِ، وقَدْ خَصَّصَ قَوْمٌ هَذا العُمُومَ، فَحَكى مَكِّيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَوْ كُنْتُ أعْلَمُ السَّنَةَ المُجْدِبَةَ لَأعْدَدْتُ لَها مِنَ المُخْصِبَةِ، وقالَ قَوْمٌ: أوْقاتَ النَّصْرِ لَتَوَخَّيْتُها، وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ: لَوْ كُنْتُ أعْلَمُ أجَلِي لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ؛ وقِيلَ: ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُ وقْتَ السّاعَةِ لَأخْبَرْتُكم حَتّى تُوقِنُوا؛ وقِيلَ: ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الكُتُبَ المُنَزَّلَةَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الوَحْيِ؛ وقِيلَ: ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُ ما يُرِيدُهُ اللَّهُ مِنِّي قَبْلَ أنْ يُعَرِّفَنِيهِ لَفَعَلْتُهُ، ويَنْبَغِي أنْ تُجْعَلَ هَذِهِ الأقْوالُ وما أشْبَهَها مُثُلًا لا تَخْصِيصاتٍ لِعُمُومِ الغَيْبِ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ﴾، فَهو مِن جَوابِ لَوْ، ويُوَضِّحُ ذَلِكَ أنَّهُ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا﴾ فَقابَلَ النَّفْعَ بِقَوْلِهِ: لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ، وقابَلَ الضَّرَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ ولِأنَّ المُتَرَتِّبَ عَلى (p-٤٣٧)تَقْدِيرِ عِلْمِ الغَيْبِ كِلاهُما، وهُما اجْتِلابُ النَّفْعِ واجْتِنابُ الضَّرِّ، ولَمْ نُصْحِبْ ما النّافِيَةَ جَوابَ لَوْ؛ لِأنَّ الفَصِيحَ أنْ لا يَصْحَبَهُما، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ سَمِعُوا ما اسْتَجابُوا لَكُمْ﴾ [فاطر: ١٤]، والظّاهِرُ عُمُومُ الخَبَرِ وعَدَمُ تَعْيِينِ السُّوءِ؛ وقِيلَ: السُّوءُ تَكْذِيبُهم لَهُ مَعَ أنَّهُ كانَ يُدْعى الأمِينَ؛ وقِيلَ: الجَدْبُ؛ وقِيلَ: المَوْتُ؛ وقِيلَ: الغَلَبَةُ عِنْدَ اللِّقاءِ؛ وقِيلَ: الخَسارَةُ في التِّجارَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الفَقْرُ ويَنْبَغِي أنْ تُجْعَلَ هَذِهِ الأقْوالُ خَرَجَتْ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ لا الحَصْرِ، فَإنَّ الظّاهِرَ في الغَيْبِ - الخَيْرِ والسُّوءِ - عَدَمُ التَّعْيِينِ؛ وقِيلَ: ثُمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ ما مَسَّهُ السُّوءُ، وهو الجُنُونُ الَّذِي رَمَوْهُ بِهِ، وقالَ مُؤَرَّجٌ السُّدُوسِيُّ: السُّوءُ الجُنُونُ بِلُغَةِ هُذَيْلٍ، وهَذا القَوْلُ فِيهِ تَفْكِيكٌ لِنَظْمِ الكَلامِ واقْتِصارٌ عَلى أنْ يَكُونَ جَوابُ لَوْ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ فَقَطْ، وتَقْدِيرُ حُصُولِ عِلْمِ الغَيْبِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الأمْرانِ لا أحَدُهُما فَيَكُونَ إذْ ذاكَ جَوابًا قاصِرًا. ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ وبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ لَمّا نَفى عَنْ نَفْسِهِ عِلْمَ الغَيْبِ أخْبَرَ بِما بُعِثَ بِهِ مِنَ النِّذارَةِ، ومُتَعَلِّقُها المُخَوَّفاتُ، والبِشارَةِ، ومُتَعَلِّقُها المَحْبُوباتُ، والظّاهِرُ تَعَلُّقُهُما بِالمُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ مَنفَعَتَهُما مَعًا وجَدْواهُما لا يَحْصُلُ إلّا لَهم، وقالَ تَعالى: ﴿وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١] وقِيلَ: مَعْنى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ يَطْلُبُ مِنهُمُ الإيمانَ ويُدْعَوْنَ إلَيْهِ، وهَؤُلاءِ النّاسُ أجْمَعُ؛ وقِيلَ: أخْبَرَ أنَّهُ نَذِيرٌ وتَمَّ الكَلامُ، ومَعْناهُ أنَّهُ نَذِيرٌ لِلْعالَمِ كُلِّهِمْ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ بَشِيرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ، فَهو وعْدٌ لِمَن حَصُلَ لَهُ الإيمانُ؛ وقِيلَ: حُذِفَ مُتَعَلِّقُ النِّذارَةِ ودَلَّ عَلى حَذْفِهِ إثْباتُ مُقابِلِهِ، والتَّقْدِيرُ: نَذِيرٌ لِلْكافِرِينَ وبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، كَما حُذِفَ المَعْطُوفُ في قَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]، أيْ: والبَرْدَ وبَدَأ بِالنِّذارَةِ؛ لِأنَّ السّائِلِينَ عَنِ السّاعَةِ كانُوا كُفّارًا، إمّا مُشْرِكُو قُرَيْشٍ وإمّا اليَهُودُ، فَكانَ الِاهْتِمامُ بِذِكْرِ الوَصْفِ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ﴾ آكَدُ وأوْلى بِالتَّقْدِيمِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

الأعراف 7:189

﴿هو الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِنها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إلَيْها فَلَمّا تَغَشّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمّا أثْقَلَتْ دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ ﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَتَّبِعُوكم سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكم فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أمْ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكم ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ﴾ [الأعراف: ١٩٥] ﴿إنَّ ولِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ وهو يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦] ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٧] ﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَسْمَعُوا وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ وهم لا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٨] ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ سَمِيعٍ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١] ﴿وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٢] ﴿وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي هَذا بَصائِرُ مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٣] ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وخِيفَةً ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ بِالغُدُوِّ والآصالِ ولا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ويُسَبِّحُونَهُ ولَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] صَمَتَ يَصْمُتُ بِضَمِّ المِيمِ صَمْتًا وصُماتًا سَكَتَ، وإصْمِتْ فَلاةَ مَعْرُوفَةٌ، وهي مُسَمّاةٌ بِفِعْلِ الأمْرِ قُطِعَتْ هَمْزَتُهُ؛ إذْ ذاكَ قاعِدَةٌ في تَسْمِيَتِهِ بِفِعْلٍ فِيهِ هَمْزَةُ وصْلٍ، وكُسِرَتِ المِيمُ لِأنَّ التَّغْيِيرَ يَأْنَسُ بِالتَّغْيِيرِ، ولِئَلّا يَدْخُلَ في وزْنٍ لَيْسَ في الأسْماءِ. البَطْشُ الأخْذُ بِقُوَّةٍ، بَطَشَ (p-٤٣٨)يَبْطِشُ بِضَمِّ الطّاءِ وكَسْرِها، النَّزْعُ أدْنى حَرَكَةٍ، ومِنَ الشَّيْطانِ أدْنى وسْوَسَةٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: حَرَكَةٌ فِيها فَسادٌ وقَلَّما تُسْتَعْمَلُ إلّا في فِعْلِ الشَّيْطانِ؛ لِأنَّ حَرَكاتِهِ مُسْرِعَةٌ مُفْسِدَةٌ؛ وقِيلَ: هو لُغَةُ الإصابَةِ تَعْرِضُ عِنْدَ الغَضَبِ، وقالَ الفَرّاءُ: الإغْراءُ والإغْضابُ الإنْصاتُ، قالَ الفَرّاءُ: هو السُّكُوتُ لِلِاسْتِماعِ، يُقالُ: نَصَتَ وأنْصَتَ وانْتَصَتَ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقَدْ ورَدَ الإنْصاتُ مُتَعَدِّيًا في شِعْرِ الكُمَيْتِ قالَ: ؎أبُوكَ الَّذِي أجْدى عَلَيْهِ بِنَصْرِهِ فَأنْصَتَ عَنِّي بَعْدَهُ كُلَّ قائِلِ قالَ: يُرِيدُ فَأسْكَتَ عَنِّي. الآصالُ جَمْعُ أصْلٍ، وهو العَشِيُّ كَعُنُقٍ وأعْناقٍ، أوْ جَمْعُ أصِيلٍ كَيَمِينٍ وأيْمانٍ، ولا حاجَةَ لِدَعْوى أنَّهُ جَمْعُ جَمْعٍ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُهم؛ إذْ ثَبَتَ أنَّ أصْلًا مُفْرَدٌ وإنْ كانَ يَجُوزُ جَمْعُ أصِيلٍ عَلى أُصُلٍ، فَيَكُونُ جَمْعًا كَكَثِيبٍ وكُثُبٍ، ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ آصالًا جَمْعُ أصْلٍ، ومُفْرَدُ أصْلٍ أصِيلٌ الفَرّاءُ، ويُقالُ: جِئْناهم مُوصِلِينَ، أيْ: عِنْدَ الأصِيلِ. ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِنها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إلَيْها﴾ مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا تَقَدَّمَ سُؤالُ الكُفّارِ عَنِ السّاعَةِ ووَقْتِها، وكانَ فِيهِمْ مَن لا يُؤْمِنُ بِالبَعْثِ ذَكَرَ ابْتِداءَ خَلْقِ الإنْسانِ وإنْشائِهِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الإعادَةَ مُمْكِنَةٌ، كَما أنَّ الإنْشاءَ كانَ مُمْكِنًا، وإذا كانَ إبْرازُهُ مِنَ العَدَمِ الصَّرْفُ إلى الوُجُودِ واقِعًا بِالفِعْلِ، وإعادَتُهُ أحْرى أنْ تَكُونَ واقِعَةً بِالفِعْلِ؛ وقِيلَ: وجْهُ المُناسَبَةِ أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ، ويَشْتَقُّونَ مِنها أسْماءً لِآلِهَتِهِمْ وأصْنامِهِمْ، وأمَرَ بِالنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ المُؤَدِّي إلى تَفَرُّدِهِ بِالإلَهِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ، بَيَّنَ هُنا أنَّ أصْلَ الشِّرْكَ مِن إبْلِيسَ لِآدَمَ وزَوْجَتِهِ حِينَ تَمَنَّيا الوَلَدَ الصّالِحَ، وأجابَ اللَّهُ دُعاءَهُما فَأدْخَلَ إبْلِيسُ عَلَيْهِما الشِّرْكَ بِقَوْلِهِ: سَمِّياهُ عَبْدَ الحارِثِ فَإنَّهُ لا يَمُوتُ فَفَعَلا ذَلِكَ، وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ ما مُلَخَّصُهُ: لَمّا أمَرَ بِالنَّظَرِ في المَلَكُوتِ الدّالِّ عَلى الوَحْدانِيَّةِ، وقَسَّمَ خَلْقَهُ إلى مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، ونَفى قُدْرَةَ أحَدٍ مِن خَلْقِهِ عَلى نَفْعِ نَفْسِهِ أوْ ضَرِّها، رَجَعَ إلى تَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ، انْتَهى، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فالخِطابُ بِخَلَقَكم عامٌّ، والمَعْنى: أنَّكم تَفَرَّعْتُمْ مِن آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنَّ مَعْنى ﴿وجَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ هي حَوّاءُ، ومِنها إمّا مِن جِسْمِ آدَمَ مِن ضِلْعٍ مِن أضْلاعِهِ، وإمّا أنْ يَكُونَ مِن جِنْسِها، كَما قالَ تَعالى: ﴿جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ [النحل: ٧٢]، وقَدْ مَرَّ هَذانِ القَوْلانِ في أوَّلِ النِّساءِ مَشْرُوحَيْنِ بِأكْثَرَ مِن هَذا، ويَكُونُ الإخْبارُ بَعْدَ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَنْ آدَمَ وحَوّاءَ، ويَأْتِي تَفْسِيرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وعَلى هَذا القَوْلِ فَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ الآيَةَ، وقَدْ رَدَّ هَذا القَوْلَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ وأفْسَدَهُ مِن وُجُوهٍ. الأوَّلُ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ فَدَلَّ عَلى أنَّ الَّذِينَ أتَوْا بِهَذا الشِّرْكِ جَماعَةٌ. الثّانِي: أنَّهُ قالَ بَعْدَهُ: ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾، وهَذا رَدٌّ عَلى مَن جَعَلَ الأصْنامَ شُرَكاءَ، ولَمْ يَجْرِ لِإبْلِيسَ في هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرٌ، الثّالِثُ: لَوْ كانَ المُرادُ إبْلِيسَ، لَقالَ: أيُشْرِكُونَ مَن لا يَخْلُقُ، ثُمَّ ذَكَرَ الرّازِيُّ ثَلاثَةَ وُجُوهٍ أُخَرَ مِن جِهَةِ النَّظَرِ يُوقَفُ عَلَيْها مِن كِتابِهِ، وقالَ الحَسَنُ وجَماعَةٌ: الخِطابُ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، والمَعْنى في ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾: مِن هَيْئَةٍ واحِدَةٍ وشَكْلٍ واحِدٍ ﴿وجَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾، أيْ: مِن جِنْسِها، ثُمَّ ذَكَرَ حالَ الذَّكَرِ والأُنْثى مِنَ الخَلْقِ، ومَعْنى ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ﴾، أيْ: حَرَّفاهُ عَنِ الفِطْرَةِ إلى الشِّرْكِ، كَما جاءَ: ما مِن مَوْلُودٍ إلّا يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ، فَأبَواهُ هُما اللَّذانِ يُهَوِّدانِهِ ويُنَصِّرانِهِ ويُمَجِّسانِهِ. وقالَ القَفّالُ نَحْوَ هَذا القَوْلِ، قالَ: هو الَّذِي خَلَقَ كُلَّ واحِدٍ مِنكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِن جِنْسِها زَوْجَها، وذَكَرَ حالَ الزَّوْجِ والزَّوْجَةِ، وجَعَلا، أيِ: الزَّوْجُ والزَّوْجَةُ، لِلَّهِ تَعالى شُرَكاءَ فِيما آتاهُما؛ لِأنَّهُما تارَةً يَنْسُبُونَ ذَلِكَ الوَلَدَ إلى الطَّبائِعِ، كَما هو قَوْلُ الطَّبائِعِيِّينَ، وتارَةً إلى الكَواكِبِ، كَما هو قَوْلُ المُنَجِّمِينَ، وتارَةً إلى الأصْنامِ والأوْثانِ، كَما هو قَوْلُ عَبَدَةِ (p-٤٣٩)الأصْنامِ، انْتَهى، وعَلى هَذا لا يَكُونُ لِآدَمَ وحَوّاءَ ذِكْرٌ في الآيَةِ؛ وقِيلَ: الخِطابُ بِخَلَقَكم خاصٌّ، وهو لِمُشْرِكِي العَرَبِ، كَما يُقَرِّبُونَ المَوْلُودَ لِلّاتَ والعُزّى والأصْنامِ تَبَرُّكًا بِهِمْ في الِابْتِداءِ، ويَنْقَطِعُونَ بِأمَلِهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى في ابْتِداءِ خَلْقِ الوَلَدِ إلى انْفِصالِهِ، ثُمَّ يُشْرِكُونَ فَحَصَلَ التَّعَجُّبُ مِنهم؛ وقِيلَ: الخِطابُ خاصٌّ أيْضًا، وهو لِقُرَيْشٍ المُعاصِرِينَ لِلرَّسُولِ، و﴿نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ هو قَضى مِنها، أيْ: مِن جِنْسِها زَوْجَةٌ عَرَبِيَّةٌ قُرَشِيَّةٌ لِيَسْكُنَ إلَيْها، والصّالِحُ: الوَلَدُ السَّوِيُّ، جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ حَيْثُ سَمَّيا أوْلادَهُما الأرْبَعَةَ: عَبْدَ مَنافٍ وعَبْدَ العُزّى وعَبْدَ قُصَيٍّ وعَبْدَ الدّارِ، والضَّمِيرُ في يُشْرِكُونَ لَهُما ولِأعْقابِهِما الَّذِينَ اقْتَدَوْا بِهِما في الشِّرْكِ، انْتَهى. ﴿لِيَسْكُنَ إلَيْها﴾ لِيَطْمَئِنَّ ويَمِيلَ، ولا يَنْفِرَ؛ لِأنَّ الجِنْسَ إلى الجِنْسِ أمْيَلُ وبِهِ آنَسُ، وإذا كانَ مِنها عَلى حَقِيقَتِهِ فالسُّكُونُ والمَحَبَّةُ أبْلَغُ، كَما يَسْكُنُ الإنْسانُ إلى ولَدِهِ ويُحِبُّهُ مَحَبَّةَ نَفْسِهِ أوْ أكْثَرَ لِكَوْنِهِ بَعْضًا مِنهُ، وأنَّثَ في قَوْلِهِ: مِنها، ذَهابًا إلى لَفْظِ النَّفْسِ، ثُمَّ ذَكَرَ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَسْكُنَ﴾، حَمْلًا عَلى مَعْنى النَّفْسِ لِيُبَيِّنَ أنَّ المُرادَ بِها الذَّكَرُ آدَمُ أوْ غَيْرُهُ عَلى اخْتِلافِ التَّأْوِيلاتِ، وكانَ الذَّكَرُ هو الَّذِي يَسْكُنُ إلى الأُنْثى ويَتَغَشّاها، فَكانَ التَّذْكِيرُ أحْسَنَ طِباقًا لِلْمَعْنى. ﴿فَلَمّا تَغَشّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ﴾ إنْ كانَ الخَبَرُ عَنْ آدَمَ فَخَلْقُ حَوّاءَ كانَ في الجَنَّةِ، وأمّا التَّغَشِّي والحَمْلُ فَكانا في الأرْضِ، والتَّغَشِّي والغَشَيانُ والإتْيانُ كِنايَةٌ عَنِ الجِماعِ، ومَعْنى الخِفَّةِ أنَّها لَمْ تَلْقَ بِهِ مِنَ الكَرْبِ ما يَعْرِضُ لِبَعْضِ الحَبالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حَمْلًا مَصْدَرًا، وأنْ يَكُونَ ما في البَطْنِ، والحَمْلُ بِفَتْحِ الحاءِ ما كانَ في بَطْنٍ أوْ عَلى رَأْسِ الشَّجَرَةِ، وبِالكَسْرِ ما كانَ عَلى ظَهْرٍ أوْ عَلى رَأْسِ غَيْرِ شَجَرَةٍ، وحَكى يَعْقُوبُ في حَمْلِ النَّخْلِ، وحَكى أبُو سَعِيدٍ في حَمْلِ المَرْأةِ خَمَلَ وحَمَلَ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الحَمْلُ الخَفِيفُ هو المَنِيُّ الَّذِي تَحْمِلُهُ المَرْأةُ في فَرْجِها، وقَرَأ حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: حِمْلًا، بِكَسْرِ الحاءِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: فَمَرَّتْ بِهِ، قالَ الحَسَنُ: أيِ: اسْتَمَرَّتْ بِهِ؛ وقِيلَ: هَذا عَلى القَلْبِ، أيْ: فَمَرَّ بِها، أيِ: اسْتَمَرَّ بِها، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَمَضَتْ بِهِ إلى وقْتِ مِيلادِهِ مِن غَيْرِ إخْراجٍ ولا إزْلاقٍ؛ وقِيلَ: حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا يَعْنِي النُّطْفَةَ، فَمَرَّتْ بِهِ: فَقامَتْ بِهِ وقَعَدَتْ فاسْتَمَرَّتْ بِهِ، انْتَهى، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما ذَكَرَ النَّقّاشُ وأبُو العالِيَةِ ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ وأيُّوبُ: فَمَرَتْ بِهِ، خَفِيفَةَ الرّاءِ مِنَ المِرْيَةِ، أيْ: فَشَكَّتْ فِيما أصابَها أهُوَ حَمْلٌ أوْ مَرَضٌ؛ وقِيلَ: مَعْناهُ اسْتَمَرَّتْ بِهِ لَكِنَّهم كَرِهُوا التَّضْعِيفَ فَخَفَّفُوهُ، نَحْوَ: وقَرَنَ، فِيمَن فَتَحَ مِنَ القَرارِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ والجَحْدَرِيُّ: فَمارَتْ بِهِ، بِألِفٍ وتَخْفِيفِ الرّاءِ، أيْ: جاءَتْ وذَهَبَتْ وتَصَرَّفَتْ بِهِ، كَما تَقُولُ: مارَتِ الرِّيحُ مَوْرًا، ووَزْنُهُ فَعَلَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِنَ المِرْيَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَتُمارُونَهُ﴾ [النجم: ١٢] ومَعْناهُ ومَعْنى المُخَفَّفَةِ فَمَرَتْ: وقَعَ في نَفْسِها ظَنُّ الحَمْلِ وارْتابَتْ بِهِ، ووَزْنُهُ فاعَلَ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: فاسْتَمَرَّتْ بِحَمْلِها، وقَرَأ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا والضَّحّاكُ: فاسْتَمَرَّتْ بِهِ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ والجِرْمِيُّ: فاسْتَمارَتْ بِهِ، والظّاهِرُ رُجُوعُهُ إلى المِرْيَةِ بَنى مِنها اسْتَفْعَلَ، كَما بَنى مِنها فاعَلَ في قَوْلِكَ: مارَيْتُ. ﴿فَلَمّا أثْقَلَتْ دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ (p-٤٤٠)أيْ: دَخَلَتْ في الثِّقَلِ، كَما تَقُولُ: أصْبَحَ وأمْسى، أوْ صارَتْ ذاتَ ثِقْلٍ، كَما تَقُولُ: أتْمَرَ الرَّجُلُ وألْبَنَ، إذا صارَ ذا تَمْرٍ ولَبَنٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ حانَ وقْتُ ثِقَلِها، كَقَوْلِهِ: أقْرَبَتْ، وقُرِئَ: أُثْقِلَتْ، عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، رَبَّهُما، أيْ: مالِكَ أمْرِهِما الَّذِي هو الحَقِيقُ أنْ يُدْعى، ومُتَعَلِّقُ الدُّعاءِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ جُمْلَةُ جَوابِ القَسَمِ، أيْ: دَعَوا اللَّهَ ورَغِبا إلَيْهِ في أنْ يُؤْتِيَهُما صالِحًا، ثُمَّ أقْسَما عَلى أنَّهُما يَكُونانِ مِنَ الشّاكِرِينَ إنْ آتاهُما صالِحًا؛ لِأنَّ إيتاءَ الصّالِحِ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَلى والِدَيْهِ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ: إنَّ عَمَلَ ابْنِ آدَمَ يَنْقَطِعُ إلّا مِن ثَلاثٍ، فَذَكَرَ الوَلَدَ الصّالِحَ يَدْعُو لِوالِدِهِ، فَيَنْبَغِي الشُّكْرُ عَلَيْها؛ إذْ هي مِن أجَلِّ النِّعَمِ، ومَعْنى صالِحًا مُطِيعًا لِلَّهِ تَعالى، أيْ: ولَدًا طائِعًا، أوْ ولَدًا ذَكَرًا؛ لِأنَّ الذُّكُورَةَ مِنَ الصَّلاحِ والجَوْدَةِ، قالَ الحَسَنُ: سَمَّياهُ غُلامًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَشَرًا سَوِيًّا سَلِيمًا، ولَنَكُونَنَّ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: وأقْسَما لَئِنْ آتَيْتَنا، أوْ مُقْسِمِينَ لَئِنْ آتَيْتَنا، وانْتِصابُ صالِحًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِآتَيْتَنا، وفي المُشْكِلِ لِمَكِّيٍّ أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ، أيِ: ابْنًا صالِحًا. ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾ مَن جَعَلَ الآيَةَ في آدَمَ وحَوّاءَ جَعَلَ الضَّمائِرَ والأخْبارَ لَهُما، وذَكَرُوا في ذَلِكَ مُحاوَراتٍ جَرَتْ بَيْنَ إبْلِيسَ وآدَمَ وحَوّاءَ لَمْ تَثْبُتْ في قُرْآنٍ ولا حَدِيثٍ صَحِيحٍ، فَأطْرَحْتُ ذِكْرَها، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والضَّمِيرُ في آتَيْتَنا ولَنَكُونَنَّ لَهُما ولِكُلِّ مَن تَناسَلَ مِن ذُرِّيَّتِهِما، فَلَمّا آتاهُما ما طَلَبا مِنَ الوَلَدِ الصّالِحِ السَّوِيِّ جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ، أيْ: جَعَلَ أوْلادَهُما لَهُ شُرَكاءَ عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، وكَذَلِكَ فِيما آتاهُما، أيْ: آتى أوْلادَهُما، وقَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ حَيْثُ جَمَعَ الضَّمِيرَ، وآدَمُ وحَوّاءُ بَرِيئانِ مِنَ الشِّرْكِ، ومَعْنى إشْراكِهِمْ فِيما آتاهُمُ اللَّهُ بِتَسْمِيَةِ أوْلادِهِمْ بِعَبْدِ العُزّى وعَبْدِ مَنافٍ وعَبْدِ شَمْسٍ وما أشْبَهَ ذَلِكَ، مَكانَ عَبْدِ اللَّهِ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ وعَبْدِ الرَّحِيمِ، انْتَهى، وفي كَلامِهِ تَفْكِيكٌ لِلْكَلامِ عَنْ سِياقِهِ وغَيْرِهِ مِمَّنْ جَعَلَ الكَلامَ لِآدَمَ وحَوّاءَ جَعَلَ الشِّرْكَ تَسْمِيَتَهُما الوَلَدَ الثّالِثَ عَبْدَ الحارِثِ؛ إذْ كانَ قَدْ ماتَ لَهُما ولَدانِ قَبْلَهُ كانا سَمَّيا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما عَبْدَ اللَّهِ، فَأشارَ عَلَيْهِما إبْلِيسُ في أنْ يُسَمِّيا هَذا الثّالِثَ عَبْدَ الحارِثِ فَسَمَّياهُ بِهِ حِرْصًا عَلى حَياتِهِ، فالشِّرْكُ الَّذِي جَعَلا لِلَّهِ هو في التَّسْمِيَةِ فَقَطْ، ويَكُونُ الضَّمِيرُ في يُشْرِكُونَ عائِدًا عَلى آدَمَ وحَوّاءَ وإبْلِيسَ؛ لِأنَّهُ مُدَبِّرٌ مَعَهُما تَسْمِيَةَ الوَلَدِ عَبْدَ الحارِثِ؛ وقِيلَ: جَعَلا، أيْ: جَعَلَ أحَدُهُما يَعْنِي حَوّاءَ، وإمّا مِن جَعْلِ الخِطابِ لِلنّاسِ، ولَيْسَ المُرادُ في الآيَةِ بِالنَّفْسِ وزَوْجِها آدَمَ وحَوّاءَ، أوْ جَعَلَ الخِطابَ لِمُشْرِكِي العَرَبِ، أوْ لِقُرَيْشٍ عَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَيَتَّسِقُ الكَلامُ اتِّساقًا حَسَنًا مِن غَيْرِ تَكَلُّفِ تَأْوِيلٍ ولا تَفْكِيكٍ، وقالَ السُّدِّيُّ والطَّبَرِيُّ: ثُمَّ أخْبَرَ آدَمَ وحَوّاءَ في قَوْلِهِ: ﴿فِيما آتاهُما﴾، وقَوْلُهُ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ كَلامٌ مُنْفَصِلٌ يُرادُ بِهِ مُشْرِكُو العَرَبِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا تَحَكُّمٌ لا يُساعِدُهُ اللَّفْظُ، انْتَهى، والضَّمِيرُ في لَهُ عائِدٌ عَلى اللَّهِ، ومَن زَعَمَ أنَّهُ عائِدٌ عَلى إبْلِيسَ فَقَوْلُهُ بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ، وكَذا يَبْعُدُ قَوْلُ مَن جَعَلَهُ عائِدًا عَلى الوَلَدِ الصّالِحِ وفُسِّرَ الشِّرْكُ بِالنَّصِيبِ مِنَ الرِّزْقِ في الدُّنْيا وكانا قَبْلَهُ يَأْكُلانِ ويَشْرَبانِ وحْدَهُما، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقالَ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ يَعْنِي الكُفّارَ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ وإبّانُ بْنُ ثَعْلَبٍ ونافِعٌ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ شِرْكًا عَلى المَصْدَرِ، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ذا شِرْكٍ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ أُطْلِقُ الشِّرْكُ عَلى الشَّرِيكِ، كَقَوْلِهِ: زَيْدٌ عَدْلٌ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ أحْدَثا لِلَّهِ إشْراكًا في الوَلَدِ، انْتَهى، وقَرَأ الأخَوانِ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو شُرَكاءَ عَلى الجَمْعِ، ويَبْعُدُ تَوْجِيهُ الآيَةِ أنَّها في آدَمَ وحَوّاءَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، وتَظْهَرُ باقِي الأقْوالِ عَلَيْها، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: فَلَمّا آتاهُما صالِحًا أشْرَكا فِيهِ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ: عَمّا تُشْرِكُونَ، بِالتّاءِ، التِفاتًا مِنَ الغَيْبَةِ لِلْخِطابِ، وكانَ الضَّمِيرُ بِالواوِ، (p-٤٤١)وانْتِقالًا مِنَ التَّثْنِيَةِ لِلْجَمْعِ، وتَقَدَّمَ تَوْجِيهُ ضَمِيرِ الجَمْعِ عَلى مَن يَعُودُ. ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾، أيْ: أتُشْرِكُونَ الأصْنامَ وهي لا تَقْدِرُ عَلى خَلْقِ شَيْءٍ، كَما يَخْلُقُ اللَّهُ وهم يُخْلَقُونَ، أيْ: يَخْلُقُهُمُ اللَّهُ تَعالى ويُوجِدُهم كَما يُوجِدُكم، أوْ يَكُونُ مَعْناهُ: وهم يُنْحَتُونَ ويُصْنَعُونَ، فَعَبَدَتُهم يَخْلُقُونَهم وهم لا يَقْدِرُونَ عَلى خَلْقِ شَيْءٍ، فَهم أعْجَزُ مِن عَبَدَتِهِمْ، وهم عائِدٌ عَلى مَعْنى ما، وقَدْ عادَ الضَّمِيرُ عَلى لَفْظِ ما في يَخْلُقُ، وعَبَّرَ عَنِ الأصْنامِ بِقَوْلِهِ: وهم، كَأنَّها تَعْقِلُ عَلى اعْتِقادِ الكُفّارِ فِيها وبِحَسَبِ أسْمائِهِمْ. وقِيلَ: أتى بِضَمِيرِ مَن يَعْقِلُ؛ لِأنَّ جُمْلَةَ مَن عَبَدَ الشَّياطِينَ والمَلائِكَةَ وبَعْضَ بَنِي آدَمَ، فَغَلَّبَ مَن يَعْقِلُ كُلَّ مَخْلُوقٍ لِلَّهِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وهم عائِدًا عَلى ما عادَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ الفاعِلِ في أيُشْرِكُونَ، أيْ: وهَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ يَخْلُقُونَ، أيْ: كانَ يَجِبُ أنْ يَعْتَبِرُوا بِأنَّهم مَخْلُوقُونَ، فَيَجْعَلُوا إلَهَهم خالِقَهم لا مَن لا يَخْلُقُ شَيْئًا. وقَرَأ السُّلَمِيُّ: أتُشْرِكُونَ، بِالتّاءِ مِن فَوْقٍ فَيَظْهَرُ أنْ يَكُونَ وهم عائِدًا عَلى ما عَلى مَعْناها، ومَن جَعَلَ ذَلِكَ في آدَمَ وحَوّاءَ قالَ: إنَّ إبْلِيسَ جاءَ إلى آدَمَ، وقَدْ ماتَ لَهُ ولَدٌ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ، فَقالَ: إنْ شِئْتَ أنْ يَعِيشَ لَكَ الوَلَدُ فَسَمِّهِ عَبْدَ شَمْسٍ فَسَمّاهُ كَذَلِكَ، فَإيّاهُ عَنى بِقَوْلِهِ: أتُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ، عائِدٌ عَلى آدَمَ وحَوّاءَ والِابْنِ المُسَمّى عَبْدَ شَمْسٍ. ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾، أيْ: ولا تَقْدِرُ الأصْنامُ لِمَن يَعْبُدُهم عَلى نَصْرٍ ولا لِأنْفُسِهِمْ إنْ حَدَثَ بِهِمْ حادِثٌ، بَلْ عَبَدَتُهُمُ الَّذِينَ يَدْفَعُونَ عَنْها ويَحْمُونَها، ومَن لا يَقْدِرُ عَلى نَصْرِ نَفْسِهِ كَيْفَ يَقْدِرُ عَلى نَصْرِ غَيْرِهِ ؟ ﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَتَّبِعُوكم سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ لِلْكُفّارِ، انْتَقَلَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ والتَّوْبِيخِ عَلى عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ الخِطابَ لِلْكُفّارِ قَوْلُهُ بَعْدُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكُمْ﴾ وضَمِيرُ المَفْعُولِ عائِدٌ عَلى ما عادَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الضَّمائِرُ قَبْلُ، وهو الأصْنامُ، والمَعْنى: وإنْ تَدْعُوا هَذِهِ الأصْنامَ إلى ما هو هُدًى ورَشادٌ أوْ إلى أنْ يَهْدُوكم، كَما تَطْلُبُونَ مِنَ اللَّهِ الهُدى والخَيْرَ لا يَتَّبِعُوكم عَلى مُرادِكم ولا يُجِيبُوكم، أيْ: لَيْسَتْ فِيهِمْ هَذِهِ القابِلِيَّةُ؛ لِأنَّها جَمادٌ لا تَعْقِلُ، ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾، أيْ: دُعاؤُكم إيّاهم وصَمْتُكم عَنْهم سِيّانِ، فَكَيْفَ يُعْبَدُ مَن هَذِهِ حالُهُ ؟ وقِيلَ: الخِطابُ لِلرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ، وضَمِيرُ النَّصْبِ لِلْكُفّارِ، أيْ: وإنْ تَدْعُوا الكُفّارَ إلى الهُدى لا يَقْبَلُوا مِنكم فَدُعاؤُكم وصَمْتُكم سِيّانِ، أيْ: لَيْسَتْ فِيهِمْ قابِلِيَّةُ قَبُولٍ ولا هُدًى، وقَرَأ الجُمْهُورُ: لا يَتَّبِعُوكم، مُشَدَّدًا هُنا وفي الشُّعَراءِ: ﴿يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] مِنِ اتَّبَعَ، ومَعْناها: لا يَقْتَدُوا بِكم، وقَرَأ نافِعٌ فِيهِما لا يَتْبَعُوكم مُخَفَّفًا مِن تَبِعَ، ومَعْناهُ: لا يَتْبَعُوا آثارَكم، وعُطِفَتِ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ عَلى الفِعْلِيَّةِ؛ لِأنَّها في مَعْنى الفِعْلِيَّةِ، والتَّقْدِيرُ: أمْ صَمَتُّمْ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي قَوْلِهِ: أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ عَطَفَ الِاسْمَ عَلى الفِعْلِ؛ إذْ (p-٤٤٢)التَّقْدِيرُ: أمْ صَمَتُّمْ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎سَواءٌ عَلَيْكَ النَّفْرُ أمْ بِتَّ لَيْلَةً ∗∗∗ بِأهْلِ القِبابِ مِن نُمَيْرِ بْنِ عامِرِ انْتَهى، ولَيْسَ مِن عَطْفِ الِاسْمِ عَلى الفِعْلِ، إنَّما هو مِن عَطْفِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ عَلى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ، وأمّا البَيْتُ فَلَيْسَ مِن عَطْفِ الِاسْمِ عَلى الفِعْلِ، بَلْ مِن عَطْفِ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ عَلى الِاسْمِ المُقَدَّرِ بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ؛ إذْ أصْلُ التَّرْكِيبِ: سَواءٌ عَلَيْكَ أنَفَرْتَ أمْ بِتَّ لَيْلَةً، فَأوْقَعَ النَّفْرَ مَوْقِعَ أنَفَرْتَ، وكانَتِ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ اسْمِيَّةً لِمُراعاةِ رُءُوسِ الآيِ، ولِأنَّ الفِعْلَ يُشْعِرُ بِالحُدُوثِ، واسْمُ الفاعِلِ يُشْعِرُ بِالثُّبُوتِ والِاسْتِمْرارِ، فَكانُوا إذا دَهَمَهم أمْرٌ مُعْضِلٌ فَزِعُوا إلى أصْنامِهِمْ، وإذا لَمْ يَحْدُثْ بَقُوا ساكِتِينَ، فَقِيلَ: لا فَرْقَ بَيْنَ أنْ تُحْدِثُوا لَهم دُعاءً، وبَيْنَ أنْ تَسْتَمِرُّوا عَلى صَمْتِكم فَتَبْقُوا عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِن عادَةِ صَمْتِكم وهي الحالَةُ المُسْتَمِرَّةُ. ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكم فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ لِما قَبْلَها في انْتِفاءِ كَوْنِ هَذِهِ الأصْنامِ قادِرَةً عَلى شَيْءٍ مِن نَفْعٍ أوْ ضَرٍّ، أيِ: الَّذِينَ تَدْعُونَهم وتُسَمُّونَهم آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ الَّذِي أوْجَدَها وأوْجَدَكم هم عِبادٌ، وسَمّى الأصْنامَ عِبادًا وإنْ كانَتْ جَماداتٍ؛ لِأنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ فِيها أنَّها تَضُرُّ وتَنْفَعُ، فاقْتَضى ذَلِكَ أنْ تَكُونَ عاقِلَةً (p-٤٤٣)وأمْثالُكم. قالَ الحَسَنُ في كَوْنِها مَمْلُوكَةً لِلَّهِ، وقالَ التَّبْرِيزِيُّ في كَوْنِها مَخْلُوقَةً، وقالَ مُقاتِلٌ: المُرادُ طائِفَةٌ مِنَ العَرَبِ مِن خُزاعَةَ كانَتْ تَعْبُدُ المَلائِكَةَ فَأعْلَمَهم تَعالى أنَّهم عِبادٌ أمْثالُهم لا آلِهَةٌ، انْتَهى، فَعَلى هَذا جاءَ الإخْبارُ إخْبارًا عَنِ العُقَلاءِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿عِبادٌ أمْثالُكُمْ﴾ اسْتِهْزاءٌ بِهِمْ، أيْ: قُصارى أمْرِهِمْ أنْ يَكُونُوا أحْياءَ عُقَلاءَ، فَإنْ ثَبَتَ ذَلِكَ فَمِنهم عِبادٌ أمْثالُكم لا تَفاضُلَ بَيْنَكم، ثُمَّ أبْطَلَ أنْ يَكُونُوا عِبادًا أمْثالَكم، فَقالَ: ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ [الأعراف: ١٩٥] انْتَهى ؟ ولَيْسَ كَما زَعَمَ؛ لِأنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلى (p-٤٤٤)هَؤُلاءِ المَدْعُوِّينَ مِن دُونِ اللَّهِ أنَّهم عِبادٌ أمْثالُ الدّاعِينَ، فَلا يُقالُ في الخَبَرِ مِنَ اللَّهِ، فَإنْ ثَبَتَ ذَلِكَ لِأنَّهُ ثابِتٌ ولا يَصِحُّ أنْ يُقالَ، ثُمَّ أبْطَلَ أنْ يَكُونُوا عِبادًا أمْثالَكم، فَقالَ: ﴿ألَهم أرْجُلٌ﴾ [الأعراف: ١٩٥] لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ألَهم أرْجُلٌ﴾ [الأعراف: ١٩٥] لَيْسَ إبْطالًا لِقَوْلِهِ: ﴿عِبادٌ أمْثالُكُمْ﴾؛ لِأنَّ المِثْلِيَّةَ ثابِتَةٌ، إمّا في أنَّهم مَخْلُوقُونَ، أوْ في أنَّهم مَمْلُوكُونَ مَقْهُورُونَ، وإنَّما ذَلِكَ تَحْقِيرٌ لِشَأْنِ الأصْنامِ وأنَّهم دُونَكم في انْتِفاءِ الآلاتِ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلِانْتِفاعِ بِها مَعَ ثُبُوتِ كَوْنِهِمْ أمْثالَكم فِيما ذُكِرَ، ولا يَدُلُّ إنْكارُ هَذِهِ الآلاتِ عَلى انْتِفاءِ المِثْلِيَّةِ فِيما ذُكِرَ، وأيْضًا فالأبْطالُ لا يُتَصَوَّرُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى كَذِبِ أحَدِ الخَبَرَيْنِ، وذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى، وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ﴾ [الأعراف: ١٧٩] وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ إنْ خَفِيفَةً، وعِبادًا أمْثالَكم، بِنَصْبِ الدّالِ واللّامِ، واتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى تَخْرِيجِ هَذِهِ القِراءَةِ عَلى أنَّ إنْ هي النّافِيَةُ أعُمِلَتْ عَمَلَ ما الحِجازِيَّةِ فَرَفَعَتِ الِاسْمَ ونَصَبَتِ الخَبَرَ، فَعِبادًا أمْثالَكم خَبَرٌ مَنصُوبٌ، قالُوا: والمَعْنى: بِهَذِهِ القِراءَةِ تَحْقِيرُ شَأْنِ الأصْنامِ ونَفْيُ مُماثَلَتِهِمْ لِلْبَشَرِ، بَلْ هم أقَلُّ وأحْقَرُ؛ إذْ هي جَماداتٌ لا تَفْهَمُ ولا تَعْقِلُ، وإعْمالُ إنْ إعْمالَ ما الحِجازِيَّةِ فِيهِ خِلافٌ، أجازَ ذَلِكَ الكِسائِيُّ وأكْثَرُ الكُوفِيِّينَ، ومِنَ البَصْرِيِّينَ ابْنُ السِّراجِ والفارِسِيِّ وابْنُ جِنِّيٍّ، ومَنَعَ مِن إعْمالِهِ الفَرّاءُ وأكْثَرُ البَصْرِيِّينَ، واخْتَلَفَ النَّقْلُ عَنْ سِيبَوَيْهِ والمُبَرِّدِ، والصَّحِيحُ أنَّ إعْمالَها لُغَةٌ ثَبَتَ ذَلِكَ في النَّثْرِ والنَّظْمِ، وقَدْ ذَكَرْنا ذَلِكَ مُشْبَعًا في شَرْحِ التَّسْهِيلِ، وقالَ النَّحّاسُ: هَذِهِ قِراءَةٌ لا يَنْبَغِي أنْ يُقْرَأ بِها بِثَلاثِ جِهاتٍ: إحْداها: أنَّها مُخالِفَةٌ لِلسَّوادِ، والثّانِيَةُ: أنَّ سِيبَوَيْهِ يَخْتارُ الرَّفْعَ في خَبَرِ إنْ إذا كانَتْ بِمَعْنى ما، فَيَقُولُ: إنْ زَيْدٌ مُنْطَلِقٌ؛ لِأنَّ عَمَلَ ما ضَعِيفٌ وإنْ بِمَعْناها فَهي أضْعَفُ مِنها، والثّالِثَةُ: أنَّ الكِسائِيَّ رَأى أنَّها في كَلامِ العَرَبِ لا تَكُونُ بِمَعْنى ما إلّا أنْ يَكُونَ بَعْدَها إيجابٌ، انْتَهى، وكَلامُ النَّحّاسِ هَذا هو الَّذِي لا يَنْبَغِي؛ لِأنَّها قِراءَةٌ مَرْوِيَّةٌ عَنْ تابِعِيٍّ جَلِيلٍ ولَها وجْهٌ في العَرَبِيَّةِ، وأمّا الثَّلاثُ جِهاتٍ الَّتِي ذَكَرَها فَلا يَقْدَحُ شَيْءٌ مِنها في هَذِهِ القِراءَةِ، أمّا كَوْنُها مُخالِفَةً لِلسَّوادِ، فَهو خِلافٌ يَسِيرٌ جِدًّا لا يَضُرُّ، ولَعَلَّهُ كُتِبَ المَنصُوبُ عَلى لُغَةِ رَبِيعَةَ في الوَقْفِ عَلى المُنَوَّنِ المَنصُوبِ بِغَيْرِ ألْفٍ فَلا تَكُونُ فِيهِ مُخالَفَةٌ لِلسَّوادِ، وأمّا ما حُكِيَ عَنْ سِيبَوَيْهِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الفَهْمُ في كَلامِ سِيبَوَيْهِ في إنْ، وأمّا ما حَكاهُ عَنِ الكِسائِيِّ، فالنَّقْلُ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ حَكى إعْمالَها، ولَيْسَ بَعْدَها إيجابٌ، والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ هَذا التَّخْرِيجَ الَّذِي خَرَّجُوهُ مِن أنَّ إنْ لِلنَّفْيِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأنَّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ تَدُلُّ عَلى إثْباتِ كَوْنِ الأصْنامِ عِبادًا أمْثالَ عابِدِيها، وهَذا التَّخْرِيجُ يَدُلُّ عَلى نَفْيِ ذَلِكَ فَيُؤَدِّي إلى عَدَمِ مُطابَقَةِ أحَدِ الخَبَرَيْنِ الآخَرَ، وهو لا يَجُوزُ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى، وقَدْ خُرِّجَتْ هَذِهِ القِراءَةُ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ عَلى وجْهٍ غَيْرِ ما ذَكَرُوهُ، وهو أنَّ إنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ وأعْمَلَها عَمَلَ المُشَدَّدَةِ، وقَدْ ثَبَتَ أنَّ إنِ المُخَفَّفَةَ يَجُوزُ إعْمالُها عَمَلَ المُشَدَّدَةِ في غَيْرِ المُضْمَرِ بِالقِراءَةِ المُتَواتِرَةِ: ﴿وإنَّ كُلًّا لَمّا﴾ [هود: ١١١] وبِنَقْلِ سِيبَوَيْهِ عَنِ العَرَبِ، لَكِنَّهُ نَصَبَ في هَذِهِ القِراءَةِ خَبَرَها نَصْبَ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ المَخْزُومِيِّ في قَوْلِهِ: ؎إذا اسْوَدَّ جُنْحُ اللَّيْلِ فَلْتَأْتِ ولْتَكُنْ ∗∗∗ خُطاكَ خِفافًا إنَّ حُرّاسَنا أُسْدا وقَدْ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ النُّحاةِ إلى جَوازِ نَصْبِ أخْبارِ إنَّ وأخَواتِها، واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِشَواهِدَ ظاهِرَةِ الدَّلالَةِ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِهِمْ وتَأوَّلَها المُخالِفُونَ، فَهَذِهِ القِراءَةُ الشّاذَّةُ تَتَخَرَّجُ عَلى هَذِهِ اللُّغَةِ، أوْ تَتَأوَّلُ عَلى تَأْوِيلِ المُخالِفِينَ لِأهْلِ هَذا المَذْهَبِ، وهو أنَّهم تَأوَّلُوا المَنصُوبَ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، كَما قالُوا في قَوْلِهِ: ؎يا لَيْتَ أيّامَ الصِّبا رَواجِعا إنَّ تَقْدِيرَهُ: أقْبَلَتْ رَواجِعًا، فَكَذَلِكَ تُؤَوَّلُ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، تَقْدِيرُهُ: إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مَن دُونِ اللَّهِ تَدْعُونَ عِبادًا أمْثالَكم، وتَكُونُ القِراءَتانِ قَدْ (p-٤٤٥)تَوافَقَتا عَلى مَعْنًى واحِدٍ، وهو الإخْبارُ أنَّهم عِبادٌ، ولا يَكُونُ تَفاوُتٌ بَيْنَهُما وتَخالُفٌ لا يَجُوزُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، وقُرِئَ أيْضًا إنْ مُخَفَّفَةً، ونَصْبُ عِبادًا عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَحْذُوفِ العائِدِ مِنَ الصِّلَةِ عَلى الَّذِينَ، وأمْثالُكم بِالرَّفْعِ عَلى الخَبَرِ، أيْ: إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ في حالِ كَوْنِهِمْ عِبادًا أمْثالَكم في الخَلْقِ أوْ في المِلْكِ، فَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونُوا آلِهَةً، فادْعُوهم، أيْ: فاخْتَبِرُوهم بِدُعائِكم هَلْ يَقَعُ مِنهم إجابَةٌ أوْ لا يَقَعُ، والأمْرُ بِالِاسْتِجابَةِ هو عَلى سَبِيلِ التَّعْجِيزِ، أيْ: لا يُمْكِنُ أنْ يُجِيبُوا، كَما قالَ: ولَوْ سَمِعُوا ما اسْتَجابُوا لَكم، ومَعْنى إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دَعْوى إلَهِيَّتِهِمْ واسْتِحْقاقِ عِبادَتِهِمْ، كَقَوْلِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأبِيهِ: ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢]

الأعراف 7:190

﴿هو الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِنها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إلَيْها فَلَمّا تَغَشّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمّا أثْقَلَتْ دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ ﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَتَّبِعُوكم سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكم فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أمْ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكم ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ﴾ [الأعراف: ١٩٥] ﴿إنَّ ولِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ وهو يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦] ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٧] ﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَسْمَعُوا وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ وهم لا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٨] ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ سَمِيعٍ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١] ﴿وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٢] ﴿وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي هَذا بَصائِرُ مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٣] ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وخِيفَةً ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ بِالغُدُوِّ والآصالِ ولا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ويُسَبِّحُونَهُ ولَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] صَمَتَ يَصْمُتُ بِضَمِّ المِيمِ صَمْتًا وصُماتًا سَكَتَ، وإصْمِتْ فَلاةَ مَعْرُوفَةٌ، وهي مُسَمّاةٌ بِفِعْلِ الأمْرِ قُطِعَتْ هَمْزَتُهُ؛ إذْ ذاكَ قاعِدَةٌ في تَسْمِيَتِهِ بِفِعْلٍ فِيهِ هَمْزَةُ وصْلٍ، وكُسِرَتِ المِيمُ لِأنَّ التَّغْيِيرَ يَأْنَسُ بِالتَّغْيِيرِ، ولِئَلّا يَدْخُلَ في وزْنٍ لَيْسَ في الأسْماءِ. البَطْشُ الأخْذُ بِقُوَّةٍ، بَطَشَ (p-٤٣٨)يَبْطِشُ بِضَمِّ الطّاءِ وكَسْرِها، النَّزْعُ أدْنى حَرَكَةٍ، ومِنَ الشَّيْطانِ أدْنى وسْوَسَةٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: حَرَكَةٌ فِيها فَسادٌ وقَلَّما تُسْتَعْمَلُ إلّا في فِعْلِ الشَّيْطانِ؛ لِأنَّ حَرَكاتِهِ مُسْرِعَةٌ مُفْسِدَةٌ؛ وقِيلَ: هو لُغَةُ الإصابَةِ تَعْرِضُ عِنْدَ الغَضَبِ، وقالَ الفَرّاءُ: الإغْراءُ والإغْضابُ الإنْصاتُ، قالَ الفَرّاءُ: هو السُّكُوتُ لِلِاسْتِماعِ، يُقالُ: نَصَتَ وأنْصَتَ وانْتَصَتَ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقَدْ ورَدَ الإنْصاتُ مُتَعَدِّيًا في شِعْرِ الكُمَيْتِ قالَ: ؎أبُوكَ الَّذِي أجْدى عَلَيْهِ بِنَصْرِهِ فَأنْصَتَ عَنِّي بَعْدَهُ كُلَّ قائِلِ قالَ: يُرِيدُ فَأسْكَتَ عَنِّي. الآصالُ جَمْعُ أصْلٍ، وهو العَشِيُّ كَعُنُقٍ وأعْناقٍ، أوْ جَمْعُ أصِيلٍ كَيَمِينٍ وأيْمانٍ، ولا حاجَةَ لِدَعْوى أنَّهُ جَمْعُ جَمْعٍ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُهم؛ إذْ ثَبَتَ أنَّ أصْلًا مُفْرَدٌ وإنْ كانَ يَجُوزُ جَمْعُ أصِيلٍ عَلى أُصُلٍ، فَيَكُونُ جَمْعًا كَكَثِيبٍ وكُثُبٍ، ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ آصالًا جَمْعُ أصْلٍ، ومُفْرَدُ أصْلٍ أصِيلٌ الفَرّاءُ، ويُقالُ: جِئْناهم مُوصِلِينَ، أيْ: عِنْدَ الأصِيلِ. ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِنها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إلَيْها﴾ مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا تَقَدَّمَ سُؤالُ الكُفّارِ عَنِ السّاعَةِ ووَقْتِها، وكانَ فِيهِمْ مَن لا يُؤْمِنُ بِالبَعْثِ ذَكَرَ ابْتِداءَ خَلْقِ الإنْسانِ وإنْشائِهِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الإعادَةَ مُمْكِنَةٌ، كَما أنَّ الإنْشاءَ كانَ مُمْكِنًا، وإذا كانَ إبْرازُهُ مِنَ العَدَمِ الصَّرْفُ إلى الوُجُودِ واقِعًا بِالفِعْلِ، وإعادَتُهُ أحْرى أنْ تَكُونَ واقِعَةً بِالفِعْلِ؛ وقِيلَ: وجْهُ المُناسَبَةِ أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ، ويَشْتَقُّونَ مِنها أسْماءً لِآلِهَتِهِمْ وأصْنامِهِمْ، وأمَرَ بِالنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ المُؤَدِّي إلى تَفَرُّدِهِ بِالإلَهِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ، بَيَّنَ هُنا أنَّ أصْلَ الشِّرْكَ مِن إبْلِيسَ لِآدَمَ وزَوْجَتِهِ حِينَ تَمَنَّيا الوَلَدَ الصّالِحَ، وأجابَ اللَّهُ دُعاءَهُما فَأدْخَلَ إبْلِيسُ عَلَيْهِما الشِّرْكَ بِقَوْلِهِ: سَمِّياهُ عَبْدَ الحارِثِ فَإنَّهُ لا يَمُوتُ فَفَعَلا ذَلِكَ، وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ ما مُلَخَّصُهُ: لَمّا أمَرَ بِالنَّظَرِ في المَلَكُوتِ الدّالِّ عَلى الوَحْدانِيَّةِ، وقَسَّمَ خَلْقَهُ إلى مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، ونَفى قُدْرَةَ أحَدٍ مِن خَلْقِهِ عَلى نَفْعِ نَفْسِهِ أوْ ضَرِّها، رَجَعَ إلى تَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ، انْتَهى، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فالخِطابُ بِخَلَقَكم عامٌّ، والمَعْنى: أنَّكم تَفَرَّعْتُمْ مِن آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنَّ مَعْنى ﴿وجَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ هي حَوّاءُ، ومِنها إمّا مِن جِسْمِ آدَمَ مِن ضِلْعٍ مِن أضْلاعِهِ، وإمّا أنْ يَكُونَ مِن جِنْسِها، كَما قالَ تَعالى: ﴿جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ [النحل: ٧٢]، وقَدْ مَرَّ هَذانِ القَوْلانِ في أوَّلِ النِّساءِ مَشْرُوحَيْنِ بِأكْثَرَ مِن هَذا، ويَكُونُ الإخْبارُ بَعْدَ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَنْ آدَمَ وحَوّاءَ، ويَأْتِي تَفْسِيرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وعَلى هَذا القَوْلِ فَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ الآيَةَ، وقَدْ رَدَّ هَذا القَوْلَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ وأفْسَدَهُ مِن وُجُوهٍ. الأوَّلُ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ فَدَلَّ عَلى أنَّ الَّذِينَ أتَوْا بِهَذا الشِّرْكِ جَماعَةٌ. الثّانِي: أنَّهُ قالَ بَعْدَهُ: ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾، وهَذا رَدٌّ عَلى مَن جَعَلَ الأصْنامَ شُرَكاءَ، ولَمْ يَجْرِ لِإبْلِيسَ في هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرٌ، الثّالِثُ: لَوْ كانَ المُرادُ إبْلِيسَ، لَقالَ: أيُشْرِكُونَ مَن لا يَخْلُقُ، ثُمَّ ذَكَرَ الرّازِيُّ ثَلاثَةَ وُجُوهٍ أُخَرَ مِن جِهَةِ النَّظَرِ يُوقَفُ عَلَيْها مِن كِتابِهِ، وقالَ الحَسَنُ وجَماعَةٌ: الخِطابُ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، والمَعْنى في ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾: مِن هَيْئَةٍ واحِدَةٍ وشَكْلٍ واحِدٍ ﴿وجَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾، أيْ: مِن جِنْسِها، ثُمَّ ذَكَرَ حالَ الذَّكَرِ والأُنْثى مِنَ الخَلْقِ، ومَعْنى ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ﴾، أيْ: حَرَّفاهُ عَنِ الفِطْرَةِ إلى الشِّرْكِ، كَما جاءَ: ما مِن مَوْلُودٍ إلّا يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ، فَأبَواهُ هُما اللَّذانِ يُهَوِّدانِهِ ويُنَصِّرانِهِ ويُمَجِّسانِهِ. وقالَ القَفّالُ نَحْوَ هَذا القَوْلِ، قالَ: هو الَّذِي خَلَقَ كُلَّ واحِدٍ مِنكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِن جِنْسِها زَوْجَها، وذَكَرَ حالَ الزَّوْجِ والزَّوْجَةِ، وجَعَلا، أيِ: الزَّوْجُ والزَّوْجَةُ، لِلَّهِ تَعالى شُرَكاءَ فِيما آتاهُما؛ لِأنَّهُما تارَةً يَنْسُبُونَ ذَلِكَ الوَلَدَ إلى الطَّبائِعِ، كَما هو قَوْلُ الطَّبائِعِيِّينَ، وتارَةً إلى الكَواكِبِ، كَما هو قَوْلُ المُنَجِّمِينَ، وتارَةً إلى الأصْنامِ والأوْثانِ، كَما هو قَوْلُ عَبَدَةِ (p-٤٣٩)الأصْنامِ، انْتَهى، وعَلى هَذا لا يَكُونُ لِآدَمَ وحَوّاءَ ذِكْرٌ في الآيَةِ؛ وقِيلَ: الخِطابُ بِخَلَقَكم خاصٌّ، وهو لِمُشْرِكِي العَرَبِ، كَما يُقَرِّبُونَ المَوْلُودَ لِلّاتَ والعُزّى والأصْنامِ تَبَرُّكًا بِهِمْ في الِابْتِداءِ، ويَنْقَطِعُونَ بِأمَلِهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى في ابْتِداءِ خَلْقِ الوَلَدِ إلى انْفِصالِهِ، ثُمَّ يُشْرِكُونَ فَحَصَلَ التَّعَجُّبُ مِنهم؛ وقِيلَ: الخِطابُ خاصٌّ أيْضًا، وهو لِقُرَيْشٍ المُعاصِرِينَ لِلرَّسُولِ، و﴿نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ هو قَضى مِنها، أيْ: مِن جِنْسِها زَوْجَةٌ عَرَبِيَّةٌ قُرَشِيَّةٌ لِيَسْكُنَ إلَيْها، والصّالِحُ: الوَلَدُ السَّوِيُّ، جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ حَيْثُ سَمَّيا أوْلادَهُما الأرْبَعَةَ: عَبْدَ مَنافٍ وعَبْدَ العُزّى وعَبْدَ قُصَيٍّ وعَبْدَ الدّارِ، والضَّمِيرُ في يُشْرِكُونَ لَهُما ولِأعْقابِهِما الَّذِينَ اقْتَدَوْا بِهِما في الشِّرْكِ، انْتَهى. ﴿لِيَسْكُنَ إلَيْها﴾ لِيَطْمَئِنَّ ويَمِيلَ، ولا يَنْفِرَ؛ لِأنَّ الجِنْسَ إلى الجِنْسِ أمْيَلُ وبِهِ آنَسُ، وإذا كانَ مِنها عَلى حَقِيقَتِهِ فالسُّكُونُ والمَحَبَّةُ أبْلَغُ، كَما يَسْكُنُ الإنْسانُ إلى ولَدِهِ ويُحِبُّهُ مَحَبَّةَ نَفْسِهِ أوْ أكْثَرَ لِكَوْنِهِ بَعْضًا مِنهُ، وأنَّثَ في قَوْلِهِ: مِنها، ذَهابًا إلى لَفْظِ النَّفْسِ، ثُمَّ ذَكَرَ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَسْكُنَ﴾، حَمْلًا عَلى مَعْنى النَّفْسِ لِيُبَيِّنَ أنَّ المُرادَ بِها الذَّكَرُ آدَمُ أوْ غَيْرُهُ عَلى اخْتِلافِ التَّأْوِيلاتِ، وكانَ الذَّكَرُ هو الَّذِي يَسْكُنُ إلى الأُنْثى ويَتَغَشّاها، فَكانَ التَّذْكِيرُ أحْسَنَ طِباقًا لِلْمَعْنى. ﴿فَلَمّا تَغَشّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ﴾ إنْ كانَ الخَبَرُ عَنْ آدَمَ فَخَلْقُ حَوّاءَ كانَ في الجَنَّةِ، وأمّا التَّغَشِّي والحَمْلُ فَكانا في الأرْضِ، والتَّغَشِّي والغَشَيانُ والإتْيانُ كِنايَةٌ عَنِ الجِماعِ، ومَعْنى الخِفَّةِ أنَّها لَمْ تَلْقَ بِهِ مِنَ الكَرْبِ ما يَعْرِضُ لِبَعْضِ الحَبالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حَمْلًا مَصْدَرًا، وأنْ يَكُونَ ما في البَطْنِ، والحَمْلُ بِفَتْحِ الحاءِ ما كانَ في بَطْنٍ أوْ عَلى رَأْسِ الشَّجَرَةِ، وبِالكَسْرِ ما كانَ عَلى ظَهْرٍ أوْ عَلى رَأْسِ غَيْرِ شَجَرَةٍ، وحَكى يَعْقُوبُ في حَمْلِ النَّخْلِ، وحَكى أبُو سَعِيدٍ في حَمْلِ المَرْأةِ خَمَلَ وحَمَلَ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الحَمْلُ الخَفِيفُ هو المَنِيُّ الَّذِي تَحْمِلُهُ المَرْأةُ في فَرْجِها، وقَرَأ حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: حِمْلًا، بِكَسْرِ الحاءِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: فَمَرَّتْ بِهِ، قالَ الحَسَنُ: أيِ: اسْتَمَرَّتْ بِهِ؛ وقِيلَ: هَذا عَلى القَلْبِ، أيْ: فَمَرَّ بِها، أيِ: اسْتَمَرَّ بِها، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَمَضَتْ بِهِ إلى وقْتِ مِيلادِهِ مِن غَيْرِ إخْراجٍ ولا إزْلاقٍ؛ وقِيلَ: حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا يَعْنِي النُّطْفَةَ، فَمَرَّتْ بِهِ: فَقامَتْ بِهِ وقَعَدَتْ فاسْتَمَرَّتْ بِهِ، انْتَهى، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما ذَكَرَ النَّقّاشُ وأبُو العالِيَةِ ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ وأيُّوبُ: فَمَرَتْ بِهِ، خَفِيفَةَ الرّاءِ مِنَ المِرْيَةِ، أيْ: فَشَكَّتْ فِيما أصابَها أهُوَ حَمْلٌ أوْ مَرَضٌ؛ وقِيلَ: مَعْناهُ اسْتَمَرَّتْ بِهِ لَكِنَّهم كَرِهُوا التَّضْعِيفَ فَخَفَّفُوهُ، نَحْوَ: وقَرَنَ، فِيمَن فَتَحَ مِنَ القَرارِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ والجَحْدَرِيُّ: فَمارَتْ بِهِ، بِألِفٍ وتَخْفِيفِ الرّاءِ، أيْ: جاءَتْ وذَهَبَتْ وتَصَرَّفَتْ بِهِ، كَما تَقُولُ: مارَتِ الرِّيحُ مَوْرًا، ووَزْنُهُ فَعَلَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِنَ المِرْيَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَتُمارُونَهُ﴾ [النجم: ١٢] ومَعْناهُ ومَعْنى المُخَفَّفَةِ فَمَرَتْ: وقَعَ في نَفْسِها ظَنُّ الحَمْلِ وارْتابَتْ بِهِ، ووَزْنُهُ فاعَلَ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: فاسْتَمَرَّتْ بِحَمْلِها، وقَرَأ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا والضَّحّاكُ: فاسْتَمَرَّتْ بِهِ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ والجِرْمِيُّ: فاسْتَمارَتْ بِهِ، والظّاهِرُ رُجُوعُهُ إلى المِرْيَةِ بَنى مِنها اسْتَفْعَلَ، كَما بَنى مِنها فاعَلَ في قَوْلِكَ: مارَيْتُ. ﴿فَلَمّا أثْقَلَتْ دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ (p-٤٤٠)أيْ: دَخَلَتْ في الثِّقَلِ، كَما تَقُولُ: أصْبَحَ وأمْسى، أوْ صارَتْ ذاتَ ثِقْلٍ، كَما تَقُولُ: أتْمَرَ الرَّجُلُ وألْبَنَ، إذا صارَ ذا تَمْرٍ ولَبَنٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ حانَ وقْتُ ثِقَلِها، كَقَوْلِهِ: أقْرَبَتْ، وقُرِئَ: أُثْقِلَتْ، عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، رَبَّهُما، أيْ: مالِكَ أمْرِهِما الَّذِي هو الحَقِيقُ أنْ يُدْعى، ومُتَعَلِّقُ الدُّعاءِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ جُمْلَةُ جَوابِ القَسَمِ، أيْ: دَعَوا اللَّهَ ورَغِبا إلَيْهِ في أنْ يُؤْتِيَهُما صالِحًا، ثُمَّ أقْسَما عَلى أنَّهُما يَكُونانِ مِنَ الشّاكِرِينَ إنْ آتاهُما صالِحًا؛ لِأنَّ إيتاءَ الصّالِحِ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَلى والِدَيْهِ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ: إنَّ عَمَلَ ابْنِ آدَمَ يَنْقَطِعُ إلّا مِن ثَلاثٍ، فَذَكَرَ الوَلَدَ الصّالِحَ يَدْعُو لِوالِدِهِ، فَيَنْبَغِي الشُّكْرُ عَلَيْها؛ إذْ هي مِن أجَلِّ النِّعَمِ، ومَعْنى صالِحًا مُطِيعًا لِلَّهِ تَعالى، أيْ: ولَدًا طائِعًا، أوْ ولَدًا ذَكَرًا؛ لِأنَّ الذُّكُورَةَ مِنَ الصَّلاحِ والجَوْدَةِ، قالَ الحَسَنُ: سَمَّياهُ غُلامًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَشَرًا سَوِيًّا سَلِيمًا، ولَنَكُونَنَّ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: وأقْسَما لَئِنْ آتَيْتَنا، أوْ مُقْسِمِينَ لَئِنْ آتَيْتَنا، وانْتِصابُ صالِحًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِآتَيْتَنا، وفي المُشْكِلِ لِمَكِّيٍّ أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ، أيِ: ابْنًا صالِحًا. ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾ مَن جَعَلَ الآيَةَ في آدَمَ وحَوّاءَ جَعَلَ الضَّمائِرَ والأخْبارَ لَهُما، وذَكَرُوا في ذَلِكَ مُحاوَراتٍ جَرَتْ بَيْنَ إبْلِيسَ وآدَمَ وحَوّاءَ لَمْ تَثْبُتْ في قُرْآنٍ ولا حَدِيثٍ صَحِيحٍ، فَأطْرَحْتُ ذِكْرَها، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والضَّمِيرُ في آتَيْتَنا ولَنَكُونَنَّ لَهُما ولِكُلِّ مَن تَناسَلَ مِن ذُرِّيَّتِهِما، فَلَمّا آتاهُما ما طَلَبا مِنَ الوَلَدِ الصّالِحِ السَّوِيِّ جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ، أيْ: جَعَلَ أوْلادَهُما لَهُ شُرَكاءَ عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، وكَذَلِكَ فِيما آتاهُما، أيْ: آتى أوْلادَهُما، وقَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ حَيْثُ جَمَعَ الضَّمِيرَ، وآدَمُ وحَوّاءُ بَرِيئانِ مِنَ الشِّرْكِ، ومَعْنى إشْراكِهِمْ فِيما آتاهُمُ اللَّهُ بِتَسْمِيَةِ أوْلادِهِمْ بِعَبْدِ العُزّى وعَبْدِ مَنافٍ وعَبْدِ شَمْسٍ وما أشْبَهَ ذَلِكَ، مَكانَ عَبْدِ اللَّهِ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ وعَبْدِ الرَّحِيمِ، انْتَهى، وفي كَلامِهِ تَفْكِيكٌ لِلْكَلامِ عَنْ سِياقِهِ وغَيْرِهِ مِمَّنْ جَعَلَ الكَلامَ لِآدَمَ وحَوّاءَ جَعَلَ الشِّرْكَ تَسْمِيَتَهُما الوَلَدَ الثّالِثَ عَبْدَ الحارِثِ؛ إذْ كانَ قَدْ ماتَ لَهُما ولَدانِ قَبْلَهُ كانا سَمَّيا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما عَبْدَ اللَّهِ، فَأشارَ عَلَيْهِما إبْلِيسُ في أنْ يُسَمِّيا هَذا الثّالِثَ عَبْدَ الحارِثِ فَسَمَّياهُ بِهِ حِرْصًا عَلى حَياتِهِ، فالشِّرْكُ الَّذِي جَعَلا لِلَّهِ هو في التَّسْمِيَةِ فَقَطْ، ويَكُونُ الضَّمِيرُ في يُشْرِكُونَ عائِدًا عَلى آدَمَ وحَوّاءَ وإبْلِيسَ؛ لِأنَّهُ مُدَبِّرٌ مَعَهُما تَسْمِيَةَ الوَلَدِ عَبْدَ الحارِثِ؛ وقِيلَ: جَعَلا، أيْ: جَعَلَ أحَدُهُما يَعْنِي حَوّاءَ، وإمّا مِن جَعْلِ الخِطابِ لِلنّاسِ، ولَيْسَ المُرادُ في الآيَةِ بِالنَّفْسِ وزَوْجِها آدَمَ وحَوّاءَ، أوْ جَعَلَ الخِطابَ لِمُشْرِكِي العَرَبِ، أوْ لِقُرَيْشٍ عَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَيَتَّسِقُ الكَلامُ اتِّساقًا حَسَنًا مِن غَيْرِ تَكَلُّفِ تَأْوِيلٍ ولا تَفْكِيكٍ، وقالَ السُّدِّيُّ والطَّبَرِيُّ: ثُمَّ أخْبَرَ آدَمَ وحَوّاءَ في قَوْلِهِ: ﴿فِيما آتاهُما﴾، وقَوْلُهُ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ كَلامٌ مُنْفَصِلٌ يُرادُ بِهِ مُشْرِكُو العَرَبِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا تَحَكُّمٌ لا يُساعِدُهُ اللَّفْظُ، انْتَهى، والضَّمِيرُ في لَهُ عائِدٌ عَلى اللَّهِ، ومَن زَعَمَ أنَّهُ عائِدٌ عَلى إبْلِيسَ فَقَوْلُهُ بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ، وكَذا يَبْعُدُ قَوْلُ مَن جَعَلَهُ عائِدًا عَلى الوَلَدِ الصّالِحِ وفُسِّرَ الشِّرْكُ بِالنَّصِيبِ مِنَ الرِّزْقِ في الدُّنْيا وكانا قَبْلَهُ يَأْكُلانِ ويَشْرَبانِ وحْدَهُما، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقالَ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ يَعْنِي الكُفّارَ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ وإبّانُ بْنُ ثَعْلَبٍ ونافِعٌ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ شِرْكًا عَلى المَصْدَرِ، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ذا شِرْكٍ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ أُطْلِقُ الشِّرْكُ عَلى الشَّرِيكِ، كَقَوْلِهِ: زَيْدٌ عَدْلٌ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ أحْدَثا لِلَّهِ إشْراكًا في الوَلَدِ، انْتَهى، وقَرَأ الأخَوانِ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو شُرَكاءَ عَلى الجَمْعِ، ويَبْعُدُ تَوْجِيهُ الآيَةِ أنَّها في آدَمَ وحَوّاءَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، وتَظْهَرُ باقِي الأقْوالِ عَلَيْها، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: فَلَمّا آتاهُما صالِحًا أشْرَكا فِيهِ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ: عَمّا تُشْرِكُونَ، بِالتّاءِ، التِفاتًا مِنَ الغَيْبَةِ لِلْخِطابِ، وكانَ الضَّمِيرُ بِالواوِ، (p-٤٤١)وانْتِقالًا مِنَ التَّثْنِيَةِ لِلْجَمْعِ، وتَقَدَّمَ تَوْجِيهُ ضَمِيرِ الجَمْعِ عَلى مَن يَعُودُ. ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾، أيْ: أتُشْرِكُونَ الأصْنامَ وهي لا تَقْدِرُ عَلى خَلْقِ شَيْءٍ، كَما يَخْلُقُ اللَّهُ وهم يُخْلَقُونَ، أيْ: يَخْلُقُهُمُ اللَّهُ تَعالى ويُوجِدُهم كَما يُوجِدُكم، أوْ يَكُونُ مَعْناهُ: وهم يُنْحَتُونَ ويُصْنَعُونَ، فَعَبَدَتُهم يَخْلُقُونَهم وهم لا يَقْدِرُونَ عَلى خَلْقِ شَيْءٍ، فَهم أعْجَزُ مِن عَبَدَتِهِمْ، وهم عائِدٌ عَلى مَعْنى ما، وقَدْ عادَ الضَّمِيرُ عَلى لَفْظِ ما في يَخْلُقُ، وعَبَّرَ عَنِ الأصْنامِ بِقَوْلِهِ: وهم، كَأنَّها تَعْقِلُ عَلى اعْتِقادِ الكُفّارِ فِيها وبِحَسَبِ أسْمائِهِمْ. وقِيلَ: أتى بِضَمِيرِ مَن يَعْقِلُ؛ لِأنَّ جُمْلَةَ مَن عَبَدَ الشَّياطِينَ والمَلائِكَةَ وبَعْضَ بَنِي آدَمَ، فَغَلَّبَ مَن يَعْقِلُ كُلَّ مَخْلُوقٍ لِلَّهِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وهم عائِدًا عَلى ما عادَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ الفاعِلِ في أيُشْرِكُونَ، أيْ: وهَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ يَخْلُقُونَ، أيْ: كانَ يَجِبُ أنْ يَعْتَبِرُوا بِأنَّهم مَخْلُوقُونَ، فَيَجْعَلُوا إلَهَهم خالِقَهم لا مَن لا يَخْلُقُ شَيْئًا. وقَرَأ السُّلَمِيُّ: أتُشْرِكُونَ، بِالتّاءِ مِن فَوْقٍ فَيَظْهَرُ أنْ يَكُونَ وهم عائِدًا عَلى ما عَلى مَعْناها، ومَن جَعَلَ ذَلِكَ في آدَمَ وحَوّاءَ قالَ: إنَّ إبْلِيسَ جاءَ إلى آدَمَ، وقَدْ ماتَ لَهُ ولَدٌ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ، فَقالَ: إنْ شِئْتَ أنْ يَعِيشَ لَكَ الوَلَدُ فَسَمِّهِ عَبْدَ شَمْسٍ فَسَمّاهُ كَذَلِكَ، فَإيّاهُ عَنى بِقَوْلِهِ: أتُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ، عائِدٌ عَلى آدَمَ وحَوّاءَ والِابْنِ المُسَمّى عَبْدَ شَمْسٍ. ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾، أيْ: ولا تَقْدِرُ الأصْنامُ لِمَن يَعْبُدُهم عَلى نَصْرٍ ولا لِأنْفُسِهِمْ إنْ حَدَثَ بِهِمْ حادِثٌ، بَلْ عَبَدَتُهُمُ الَّذِينَ يَدْفَعُونَ عَنْها ويَحْمُونَها، ومَن لا يَقْدِرُ عَلى نَصْرِ نَفْسِهِ كَيْفَ يَقْدِرُ عَلى نَصْرِ غَيْرِهِ ؟ ﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَتَّبِعُوكم سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ لِلْكُفّارِ، انْتَقَلَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ والتَّوْبِيخِ عَلى عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ الخِطابَ لِلْكُفّارِ قَوْلُهُ بَعْدُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكُمْ﴾ وضَمِيرُ المَفْعُولِ عائِدٌ عَلى ما عادَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الضَّمائِرُ قَبْلُ، وهو الأصْنامُ، والمَعْنى: وإنْ تَدْعُوا هَذِهِ الأصْنامَ إلى ما هو هُدًى ورَشادٌ أوْ إلى أنْ يَهْدُوكم، كَما تَطْلُبُونَ مِنَ اللَّهِ الهُدى والخَيْرَ لا يَتَّبِعُوكم عَلى مُرادِكم ولا يُجِيبُوكم، أيْ: لَيْسَتْ فِيهِمْ هَذِهِ القابِلِيَّةُ؛ لِأنَّها جَمادٌ لا تَعْقِلُ، ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾، أيْ: دُعاؤُكم إيّاهم وصَمْتُكم عَنْهم سِيّانِ، فَكَيْفَ يُعْبَدُ مَن هَذِهِ حالُهُ ؟ وقِيلَ: الخِطابُ لِلرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ، وضَمِيرُ النَّصْبِ لِلْكُفّارِ، أيْ: وإنْ تَدْعُوا الكُفّارَ إلى الهُدى لا يَقْبَلُوا مِنكم فَدُعاؤُكم وصَمْتُكم سِيّانِ، أيْ: لَيْسَتْ فِيهِمْ قابِلِيَّةُ قَبُولٍ ولا هُدًى، وقَرَأ الجُمْهُورُ: لا يَتَّبِعُوكم، مُشَدَّدًا هُنا وفي الشُّعَراءِ: ﴿يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] مِنِ اتَّبَعَ، ومَعْناها: لا يَقْتَدُوا بِكم، وقَرَأ نافِعٌ فِيهِما لا يَتْبَعُوكم مُخَفَّفًا مِن تَبِعَ، ومَعْناهُ: لا يَتْبَعُوا آثارَكم، وعُطِفَتِ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ عَلى الفِعْلِيَّةِ؛ لِأنَّها في مَعْنى الفِعْلِيَّةِ، والتَّقْدِيرُ: أمْ صَمَتُّمْ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي قَوْلِهِ: أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ عَطَفَ الِاسْمَ عَلى الفِعْلِ؛ إذْ (p-٤٤٢)التَّقْدِيرُ: أمْ صَمَتُّمْ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎سَواءٌ عَلَيْكَ النَّفْرُ أمْ بِتَّ لَيْلَةً ∗∗∗ بِأهْلِ القِبابِ مِن نُمَيْرِ بْنِ عامِرِ انْتَهى، ولَيْسَ مِن عَطْفِ الِاسْمِ عَلى الفِعْلِ، إنَّما هو مِن عَطْفِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ عَلى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ، وأمّا البَيْتُ فَلَيْسَ مِن عَطْفِ الِاسْمِ عَلى الفِعْلِ، بَلْ مِن عَطْفِ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ عَلى الِاسْمِ المُقَدَّرِ بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ؛ إذْ أصْلُ التَّرْكِيبِ: سَواءٌ عَلَيْكَ أنَفَرْتَ أمْ بِتَّ لَيْلَةً، فَأوْقَعَ النَّفْرَ مَوْقِعَ أنَفَرْتَ، وكانَتِ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ اسْمِيَّةً لِمُراعاةِ رُءُوسِ الآيِ، ولِأنَّ الفِعْلَ يُشْعِرُ بِالحُدُوثِ، واسْمُ الفاعِلِ يُشْعِرُ بِالثُّبُوتِ والِاسْتِمْرارِ، فَكانُوا إذا دَهَمَهم أمْرٌ مُعْضِلٌ فَزِعُوا إلى أصْنامِهِمْ، وإذا لَمْ يَحْدُثْ بَقُوا ساكِتِينَ، فَقِيلَ: لا فَرْقَ بَيْنَ أنْ تُحْدِثُوا لَهم دُعاءً، وبَيْنَ أنْ تَسْتَمِرُّوا عَلى صَمْتِكم فَتَبْقُوا عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِن عادَةِ صَمْتِكم وهي الحالَةُ المُسْتَمِرَّةُ. ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكم فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ لِما قَبْلَها في انْتِفاءِ كَوْنِ هَذِهِ الأصْنامِ قادِرَةً عَلى شَيْءٍ مِن نَفْعٍ أوْ ضَرٍّ، أيِ: الَّذِينَ تَدْعُونَهم وتُسَمُّونَهم آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ الَّذِي أوْجَدَها وأوْجَدَكم هم عِبادٌ، وسَمّى الأصْنامَ عِبادًا وإنْ كانَتْ جَماداتٍ؛ لِأنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ فِيها أنَّها تَضُرُّ وتَنْفَعُ، فاقْتَضى ذَلِكَ أنْ تَكُونَ عاقِلَةً (p-٤٤٣)وأمْثالُكم. قالَ الحَسَنُ في كَوْنِها مَمْلُوكَةً لِلَّهِ، وقالَ التَّبْرِيزِيُّ في كَوْنِها مَخْلُوقَةً، وقالَ مُقاتِلٌ: المُرادُ طائِفَةٌ مِنَ العَرَبِ مِن خُزاعَةَ كانَتْ تَعْبُدُ المَلائِكَةَ فَأعْلَمَهم تَعالى أنَّهم عِبادٌ أمْثالُهم لا آلِهَةٌ، انْتَهى، فَعَلى هَذا جاءَ الإخْبارُ إخْبارًا عَنِ العُقَلاءِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿عِبادٌ أمْثالُكُمْ﴾ اسْتِهْزاءٌ بِهِمْ، أيْ: قُصارى أمْرِهِمْ أنْ يَكُونُوا أحْياءَ عُقَلاءَ، فَإنْ ثَبَتَ ذَلِكَ فَمِنهم عِبادٌ أمْثالُكم لا تَفاضُلَ بَيْنَكم، ثُمَّ أبْطَلَ أنْ يَكُونُوا عِبادًا أمْثالَكم، فَقالَ: ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ [الأعراف: ١٩٥] انْتَهى ؟ ولَيْسَ كَما زَعَمَ؛ لِأنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلى (p-٤٤٤)هَؤُلاءِ المَدْعُوِّينَ مِن دُونِ اللَّهِ أنَّهم عِبادٌ أمْثالُ الدّاعِينَ، فَلا يُقالُ في الخَبَرِ مِنَ اللَّهِ، فَإنْ ثَبَتَ ذَلِكَ لِأنَّهُ ثابِتٌ ولا يَصِحُّ أنْ يُقالَ، ثُمَّ أبْطَلَ أنْ يَكُونُوا عِبادًا أمْثالَكم، فَقالَ: ﴿ألَهم أرْجُلٌ﴾ [الأعراف: ١٩٥] لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ألَهم أرْجُلٌ﴾ [الأعراف: ١٩٥] لَيْسَ إبْطالًا لِقَوْلِهِ: ﴿عِبادٌ أمْثالُكُمْ﴾؛ لِأنَّ المِثْلِيَّةَ ثابِتَةٌ، إمّا في أنَّهم مَخْلُوقُونَ، أوْ في أنَّهم مَمْلُوكُونَ مَقْهُورُونَ، وإنَّما ذَلِكَ تَحْقِيرٌ لِشَأْنِ الأصْنامِ وأنَّهم دُونَكم في انْتِفاءِ الآلاتِ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلِانْتِفاعِ بِها مَعَ ثُبُوتِ كَوْنِهِمْ أمْثالَكم فِيما ذُكِرَ، ولا يَدُلُّ إنْكارُ هَذِهِ الآلاتِ عَلى انْتِفاءِ المِثْلِيَّةِ فِيما ذُكِرَ، وأيْضًا فالأبْطالُ لا يُتَصَوَّرُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى كَذِبِ أحَدِ الخَبَرَيْنِ، وذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى، وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ﴾ [الأعراف: ١٧٩] وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ إنْ خَفِيفَةً، وعِبادًا أمْثالَكم، بِنَصْبِ الدّالِ واللّامِ، واتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى تَخْرِيجِ هَذِهِ القِراءَةِ عَلى أنَّ إنْ هي النّافِيَةُ أعُمِلَتْ عَمَلَ ما الحِجازِيَّةِ فَرَفَعَتِ الِاسْمَ ونَصَبَتِ الخَبَرَ، فَعِبادًا أمْثالَكم خَبَرٌ مَنصُوبٌ، قالُوا: والمَعْنى: بِهَذِهِ القِراءَةِ تَحْقِيرُ شَأْنِ الأصْنامِ ونَفْيُ مُماثَلَتِهِمْ لِلْبَشَرِ، بَلْ هم أقَلُّ وأحْقَرُ؛ إذْ هي جَماداتٌ لا تَفْهَمُ ولا تَعْقِلُ، وإعْمالُ إنْ إعْمالَ ما الحِجازِيَّةِ فِيهِ خِلافٌ، أجازَ ذَلِكَ الكِسائِيُّ وأكْثَرُ الكُوفِيِّينَ، ومِنَ البَصْرِيِّينَ ابْنُ السِّراجِ والفارِسِيِّ وابْنُ جِنِّيٍّ، ومَنَعَ مِن إعْمالِهِ الفَرّاءُ وأكْثَرُ البَصْرِيِّينَ، واخْتَلَفَ النَّقْلُ عَنْ سِيبَوَيْهِ والمُبَرِّدِ، والصَّحِيحُ أنَّ إعْمالَها لُغَةٌ ثَبَتَ ذَلِكَ في النَّثْرِ والنَّظْمِ، وقَدْ ذَكَرْنا ذَلِكَ مُشْبَعًا في شَرْحِ التَّسْهِيلِ، وقالَ النَّحّاسُ: هَذِهِ قِراءَةٌ لا يَنْبَغِي أنْ يُقْرَأ بِها بِثَلاثِ جِهاتٍ: إحْداها: أنَّها مُخالِفَةٌ لِلسَّوادِ، والثّانِيَةُ: أنَّ سِيبَوَيْهِ يَخْتارُ الرَّفْعَ في خَبَرِ إنْ إذا كانَتْ بِمَعْنى ما، فَيَقُولُ: إنْ زَيْدٌ مُنْطَلِقٌ؛ لِأنَّ عَمَلَ ما ضَعِيفٌ وإنْ بِمَعْناها فَهي أضْعَفُ مِنها، والثّالِثَةُ: أنَّ الكِسائِيَّ رَأى أنَّها في كَلامِ العَرَبِ لا تَكُونُ بِمَعْنى ما إلّا أنْ يَكُونَ بَعْدَها إيجابٌ، انْتَهى، وكَلامُ النَّحّاسِ هَذا هو الَّذِي لا يَنْبَغِي؛ لِأنَّها قِراءَةٌ مَرْوِيَّةٌ عَنْ تابِعِيٍّ جَلِيلٍ ولَها وجْهٌ في العَرَبِيَّةِ، وأمّا الثَّلاثُ جِهاتٍ الَّتِي ذَكَرَها فَلا يَقْدَحُ شَيْءٌ مِنها في هَذِهِ القِراءَةِ، أمّا كَوْنُها مُخالِفَةً لِلسَّوادِ، فَهو خِلافٌ يَسِيرٌ جِدًّا لا يَضُرُّ، ولَعَلَّهُ كُتِبَ المَنصُوبُ عَلى لُغَةِ رَبِيعَةَ في الوَقْفِ عَلى المُنَوَّنِ المَنصُوبِ بِغَيْرِ ألْفٍ فَلا تَكُونُ فِيهِ مُخالَفَةٌ لِلسَّوادِ، وأمّا ما حُكِيَ عَنْ سِيبَوَيْهِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الفَهْمُ في كَلامِ سِيبَوَيْهِ في إنْ، وأمّا ما حَكاهُ عَنِ الكِسائِيِّ، فالنَّقْلُ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ حَكى إعْمالَها، ولَيْسَ بَعْدَها إيجابٌ، والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ هَذا التَّخْرِيجَ الَّذِي خَرَّجُوهُ مِن أنَّ إنْ لِلنَّفْيِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأنَّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ تَدُلُّ عَلى إثْباتِ كَوْنِ الأصْنامِ عِبادًا أمْثالَ عابِدِيها، وهَذا التَّخْرِيجُ يَدُلُّ عَلى نَفْيِ ذَلِكَ فَيُؤَدِّي إلى عَدَمِ مُطابَقَةِ أحَدِ الخَبَرَيْنِ الآخَرَ، وهو لا يَجُوزُ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى، وقَدْ خُرِّجَتْ هَذِهِ القِراءَةُ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ عَلى وجْهٍ غَيْرِ ما ذَكَرُوهُ، وهو أنَّ إنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ وأعْمَلَها عَمَلَ المُشَدَّدَةِ، وقَدْ ثَبَتَ أنَّ إنِ المُخَفَّفَةَ يَجُوزُ إعْمالُها عَمَلَ المُشَدَّدَةِ في غَيْرِ المُضْمَرِ بِالقِراءَةِ المُتَواتِرَةِ: ﴿وإنَّ كُلًّا لَمّا﴾ [هود: ١١١] وبِنَقْلِ سِيبَوَيْهِ عَنِ العَرَبِ، لَكِنَّهُ نَصَبَ في هَذِهِ القِراءَةِ خَبَرَها نَصْبَ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ المَخْزُومِيِّ في قَوْلِهِ: ؎إذا اسْوَدَّ جُنْحُ اللَّيْلِ فَلْتَأْتِ ولْتَكُنْ ∗∗∗ خُطاكَ خِفافًا إنَّ حُرّاسَنا أُسْدا وقَدْ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ النُّحاةِ إلى جَوازِ نَصْبِ أخْبارِ إنَّ وأخَواتِها، واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِشَواهِدَ ظاهِرَةِ الدَّلالَةِ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِهِمْ وتَأوَّلَها المُخالِفُونَ، فَهَذِهِ القِراءَةُ الشّاذَّةُ تَتَخَرَّجُ عَلى هَذِهِ اللُّغَةِ، أوْ تَتَأوَّلُ عَلى تَأْوِيلِ المُخالِفِينَ لِأهْلِ هَذا المَذْهَبِ، وهو أنَّهم تَأوَّلُوا المَنصُوبَ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، كَما قالُوا في قَوْلِهِ: ؎يا لَيْتَ أيّامَ الصِّبا رَواجِعا إنَّ تَقْدِيرَهُ: أقْبَلَتْ رَواجِعًا، فَكَذَلِكَ تُؤَوَّلُ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، تَقْدِيرُهُ: إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مَن دُونِ اللَّهِ تَدْعُونَ عِبادًا أمْثالَكم، وتَكُونُ القِراءَتانِ قَدْ (p-٤٤٥)تَوافَقَتا عَلى مَعْنًى واحِدٍ، وهو الإخْبارُ أنَّهم عِبادٌ، ولا يَكُونُ تَفاوُتٌ بَيْنَهُما وتَخالُفٌ لا يَجُوزُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، وقُرِئَ أيْضًا إنْ مُخَفَّفَةً، ونَصْبُ عِبادًا عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَحْذُوفِ العائِدِ مِنَ الصِّلَةِ عَلى الَّذِينَ، وأمْثالُكم بِالرَّفْعِ عَلى الخَبَرِ، أيْ: إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ في حالِ كَوْنِهِمْ عِبادًا أمْثالَكم في الخَلْقِ أوْ في المِلْكِ، فَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونُوا آلِهَةً، فادْعُوهم، أيْ: فاخْتَبِرُوهم بِدُعائِكم هَلْ يَقَعُ مِنهم إجابَةٌ أوْ لا يَقَعُ، والأمْرُ بِالِاسْتِجابَةِ هو عَلى سَبِيلِ التَّعْجِيزِ، أيْ: لا يُمْكِنُ أنْ يُجِيبُوا، كَما قالَ: ولَوْ سَمِعُوا ما اسْتَجابُوا لَكم، ومَعْنى إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دَعْوى إلَهِيَّتِهِمْ واسْتِحْقاقِ عِبادَتِهِمْ، كَقَوْلِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأبِيهِ: ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢]

الأعراف 7:191

﴿هو الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِنها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إلَيْها فَلَمّا تَغَشّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمّا أثْقَلَتْ دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ ﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَتَّبِعُوكم سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكم فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أمْ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكم ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ﴾ [الأعراف: ١٩٥] ﴿إنَّ ولِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ وهو يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦] ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٧] ﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَسْمَعُوا وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ وهم لا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٨] ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ سَمِيعٍ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١] ﴿وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٢] ﴿وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي هَذا بَصائِرُ مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٣] ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وخِيفَةً ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ بِالغُدُوِّ والآصالِ ولا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ويُسَبِّحُونَهُ ولَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] صَمَتَ يَصْمُتُ بِضَمِّ المِيمِ صَمْتًا وصُماتًا سَكَتَ، وإصْمِتْ فَلاةَ مَعْرُوفَةٌ، وهي مُسَمّاةٌ بِفِعْلِ الأمْرِ قُطِعَتْ هَمْزَتُهُ؛ إذْ ذاكَ قاعِدَةٌ في تَسْمِيَتِهِ بِفِعْلٍ فِيهِ هَمْزَةُ وصْلٍ، وكُسِرَتِ المِيمُ لِأنَّ التَّغْيِيرَ يَأْنَسُ بِالتَّغْيِيرِ، ولِئَلّا يَدْخُلَ في وزْنٍ لَيْسَ في الأسْماءِ. البَطْشُ الأخْذُ بِقُوَّةٍ، بَطَشَ (p-٤٣٨)يَبْطِشُ بِضَمِّ الطّاءِ وكَسْرِها، النَّزْعُ أدْنى حَرَكَةٍ، ومِنَ الشَّيْطانِ أدْنى وسْوَسَةٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: حَرَكَةٌ فِيها فَسادٌ وقَلَّما تُسْتَعْمَلُ إلّا في فِعْلِ الشَّيْطانِ؛ لِأنَّ حَرَكاتِهِ مُسْرِعَةٌ مُفْسِدَةٌ؛ وقِيلَ: هو لُغَةُ الإصابَةِ تَعْرِضُ عِنْدَ الغَضَبِ، وقالَ الفَرّاءُ: الإغْراءُ والإغْضابُ الإنْصاتُ، قالَ الفَرّاءُ: هو السُّكُوتُ لِلِاسْتِماعِ، يُقالُ: نَصَتَ وأنْصَتَ وانْتَصَتَ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقَدْ ورَدَ الإنْصاتُ مُتَعَدِّيًا في شِعْرِ الكُمَيْتِ قالَ: ؎أبُوكَ الَّذِي أجْدى عَلَيْهِ بِنَصْرِهِ فَأنْصَتَ عَنِّي بَعْدَهُ كُلَّ قائِلِ قالَ: يُرِيدُ فَأسْكَتَ عَنِّي. الآصالُ جَمْعُ أصْلٍ، وهو العَشِيُّ كَعُنُقٍ وأعْناقٍ، أوْ جَمْعُ أصِيلٍ كَيَمِينٍ وأيْمانٍ، ولا حاجَةَ لِدَعْوى أنَّهُ جَمْعُ جَمْعٍ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُهم؛ إذْ ثَبَتَ أنَّ أصْلًا مُفْرَدٌ وإنْ كانَ يَجُوزُ جَمْعُ أصِيلٍ عَلى أُصُلٍ، فَيَكُونُ جَمْعًا كَكَثِيبٍ وكُثُبٍ، ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ آصالًا جَمْعُ أصْلٍ، ومُفْرَدُ أصْلٍ أصِيلٌ الفَرّاءُ، ويُقالُ: جِئْناهم مُوصِلِينَ، أيْ: عِنْدَ الأصِيلِ. ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِنها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إلَيْها﴾ مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا تَقَدَّمَ سُؤالُ الكُفّارِ عَنِ السّاعَةِ ووَقْتِها، وكانَ فِيهِمْ مَن لا يُؤْمِنُ بِالبَعْثِ ذَكَرَ ابْتِداءَ خَلْقِ الإنْسانِ وإنْشائِهِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الإعادَةَ مُمْكِنَةٌ، كَما أنَّ الإنْشاءَ كانَ مُمْكِنًا، وإذا كانَ إبْرازُهُ مِنَ العَدَمِ الصَّرْفُ إلى الوُجُودِ واقِعًا بِالفِعْلِ، وإعادَتُهُ أحْرى أنْ تَكُونَ واقِعَةً بِالفِعْلِ؛ وقِيلَ: وجْهُ المُناسَبَةِ أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ، ويَشْتَقُّونَ مِنها أسْماءً لِآلِهَتِهِمْ وأصْنامِهِمْ، وأمَرَ بِالنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ المُؤَدِّي إلى تَفَرُّدِهِ بِالإلَهِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ، بَيَّنَ هُنا أنَّ أصْلَ الشِّرْكَ مِن إبْلِيسَ لِآدَمَ وزَوْجَتِهِ حِينَ تَمَنَّيا الوَلَدَ الصّالِحَ، وأجابَ اللَّهُ دُعاءَهُما فَأدْخَلَ إبْلِيسُ عَلَيْهِما الشِّرْكَ بِقَوْلِهِ: سَمِّياهُ عَبْدَ الحارِثِ فَإنَّهُ لا يَمُوتُ فَفَعَلا ذَلِكَ، وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ ما مُلَخَّصُهُ: لَمّا أمَرَ بِالنَّظَرِ في المَلَكُوتِ الدّالِّ عَلى الوَحْدانِيَّةِ، وقَسَّمَ خَلْقَهُ إلى مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، ونَفى قُدْرَةَ أحَدٍ مِن خَلْقِهِ عَلى نَفْعِ نَفْسِهِ أوْ ضَرِّها، رَجَعَ إلى تَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ، انْتَهى، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فالخِطابُ بِخَلَقَكم عامٌّ، والمَعْنى: أنَّكم تَفَرَّعْتُمْ مِن آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنَّ مَعْنى ﴿وجَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ هي حَوّاءُ، ومِنها إمّا مِن جِسْمِ آدَمَ مِن ضِلْعٍ مِن أضْلاعِهِ، وإمّا أنْ يَكُونَ مِن جِنْسِها، كَما قالَ تَعالى: ﴿جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ [النحل: ٧٢]، وقَدْ مَرَّ هَذانِ القَوْلانِ في أوَّلِ النِّساءِ مَشْرُوحَيْنِ بِأكْثَرَ مِن هَذا، ويَكُونُ الإخْبارُ بَعْدَ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَنْ آدَمَ وحَوّاءَ، ويَأْتِي تَفْسِيرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وعَلى هَذا القَوْلِ فَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ الآيَةَ، وقَدْ رَدَّ هَذا القَوْلَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ وأفْسَدَهُ مِن وُجُوهٍ. الأوَّلُ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ فَدَلَّ عَلى أنَّ الَّذِينَ أتَوْا بِهَذا الشِّرْكِ جَماعَةٌ. الثّانِي: أنَّهُ قالَ بَعْدَهُ: ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾، وهَذا رَدٌّ عَلى مَن جَعَلَ الأصْنامَ شُرَكاءَ، ولَمْ يَجْرِ لِإبْلِيسَ في هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرٌ، الثّالِثُ: لَوْ كانَ المُرادُ إبْلِيسَ، لَقالَ: أيُشْرِكُونَ مَن لا يَخْلُقُ، ثُمَّ ذَكَرَ الرّازِيُّ ثَلاثَةَ وُجُوهٍ أُخَرَ مِن جِهَةِ النَّظَرِ يُوقَفُ عَلَيْها مِن كِتابِهِ، وقالَ الحَسَنُ وجَماعَةٌ: الخِطابُ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، والمَعْنى في ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾: مِن هَيْئَةٍ واحِدَةٍ وشَكْلٍ واحِدٍ ﴿وجَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾، أيْ: مِن جِنْسِها، ثُمَّ ذَكَرَ حالَ الذَّكَرِ والأُنْثى مِنَ الخَلْقِ، ومَعْنى ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ﴾، أيْ: حَرَّفاهُ عَنِ الفِطْرَةِ إلى الشِّرْكِ، كَما جاءَ: ما مِن مَوْلُودٍ إلّا يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ، فَأبَواهُ هُما اللَّذانِ يُهَوِّدانِهِ ويُنَصِّرانِهِ ويُمَجِّسانِهِ. وقالَ القَفّالُ نَحْوَ هَذا القَوْلِ، قالَ: هو الَّذِي خَلَقَ كُلَّ واحِدٍ مِنكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِن جِنْسِها زَوْجَها، وذَكَرَ حالَ الزَّوْجِ والزَّوْجَةِ، وجَعَلا، أيِ: الزَّوْجُ والزَّوْجَةُ، لِلَّهِ تَعالى شُرَكاءَ فِيما آتاهُما؛ لِأنَّهُما تارَةً يَنْسُبُونَ ذَلِكَ الوَلَدَ إلى الطَّبائِعِ، كَما هو قَوْلُ الطَّبائِعِيِّينَ، وتارَةً إلى الكَواكِبِ، كَما هو قَوْلُ المُنَجِّمِينَ، وتارَةً إلى الأصْنامِ والأوْثانِ، كَما هو قَوْلُ عَبَدَةِ (p-٤٣٩)الأصْنامِ، انْتَهى، وعَلى هَذا لا يَكُونُ لِآدَمَ وحَوّاءَ ذِكْرٌ في الآيَةِ؛ وقِيلَ: الخِطابُ بِخَلَقَكم خاصٌّ، وهو لِمُشْرِكِي العَرَبِ، كَما يُقَرِّبُونَ المَوْلُودَ لِلّاتَ والعُزّى والأصْنامِ تَبَرُّكًا بِهِمْ في الِابْتِداءِ، ويَنْقَطِعُونَ بِأمَلِهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى في ابْتِداءِ خَلْقِ الوَلَدِ إلى انْفِصالِهِ، ثُمَّ يُشْرِكُونَ فَحَصَلَ التَّعَجُّبُ مِنهم؛ وقِيلَ: الخِطابُ خاصٌّ أيْضًا، وهو لِقُرَيْشٍ المُعاصِرِينَ لِلرَّسُولِ، و﴿نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ هو قَضى مِنها، أيْ: مِن جِنْسِها زَوْجَةٌ عَرَبِيَّةٌ قُرَشِيَّةٌ لِيَسْكُنَ إلَيْها، والصّالِحُ: الوَلَدُ السَّوِيُّ، جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ حَيْثُ سَمَّيا أوْلادَهُما الأرْبَعَةَ: عَبْدَ مَنافٍ وعَبْدَ العُزّى وعَبْدَ قُصَيٍّ وعَبْدَ الدّارِ، والضَّمِيرُ في يُشْرِكُونَ لَهُما ولِأعْقابِهِما الَّذِينَ اقْتَدَوْا بِهِما في الشِّرْكِ، انْتَهى. ﴿لِيَسْكُنَ إلَيْها﴾ لِيَطْمَئِنَّ ويَمِيلَ، ولا يَنْفِرَ؛ لِأنَّ الجِنْسَ إلى الجِنْسِ أمْيَلُ وبِهِ آنَسُ، وإذا كانَ مِنها عَلى حَقِيقَتِهِ فالسُّكُونُ والمَحَبَّةُ أبْلَغُ، كَما يَسْكُنُ الإنْسانُ إلى ولَدِهِ ويُحِبُّهُ مَحَبَّةَ نَفْسِهِ أوْ أكْثَرَ لِكَوْنِهِ بَعْضًا مِنهُ، وأنَّثَ في قَوْلِهِ: مِنها، ذَهابًا إلى لَفْظِ النَّفْسِ، ثُمَّ ذَكَرَ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَسْكُنَ﴾، حَمْلًا عَلى مَعْنى النَّفْسِ لِيُبَيِّنَ أنَّ المُرادَ بِها الذَّكَرُ آدَمُ أوْ غَيْرُهُ عَلى اخْتِلافِ التَّأْوِيلاتِ، وكانَ الذَّكَرُ هو الَّذِي يَسْكُنُ إلى الأُنْثى ويَتَغَشّاها، فَكانَ التَّذْكِيرُ أحْسَنَ طِباقًا لِلْمَعْنى. ﴿فَلَمّا تَغَشّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ﴾ إنْ كانَ الخَبَرُ عَنْ آدَمَ فَخَلْقُ حَوّاءَ كانَ في الجَنَّةِ، وأمّا التَّغَشِّي والحَمْلُ فَكانا في الأرْضِ، والتَّغَشِّي والغَشَيانُ والإتْيانُ كِنايَةٌ عَنِ الجِماعِ، ومَعْنى الخِفَّةِ أنَّها لَمْ تَلْقَ بِهِ مِنَ الكَرْبِ ما يَعْرِضُ لِبَعْضِ الحَبالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حَمْلًا مَصْدَرًا، وأنْ يَكُونَ ما في البَطْنِ، والحَمْلُ بِفَتْحِ الحاءِ ما كانَ في بَطْنٍ أوْ عَلى رَأْسِ الشَّجَرَةِ، وبِالكَسْرِ ما كانَ عَلى ظَهْرٍ أوْ عَلى رَأْسِ غَيْرِ شَجَرَةٍ، وحَكى يَعْقُوبُ في حَمْلِ النَّخْلِ، وحَكى أبُو سَعِيدٍ في حَمْلِ المَرْأةِ خَمَلَ وحَمَلَ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الحَمْلُ الخَفِيفُ هو المَنِيُّ الَّذِي تَحْمِلُهُ المَرْأةُ في فَرْجِها، وقَرَأ حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: حِمْلًا، بِكَسْرِ الحاءِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: فَمَرَّتْ بِهِ، قالَ الحَسَنُ: أيِ: اسْتَمَرَّتْ بِهِ؛ وقِيلَ: هَذا عَلى القَلْبِ، أيْ: فَمَرَّ بِها، أيِ: اسْتَمَرَّ بِها، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَمَضَتْ بِهِ إلى وقْتِ مِيلادِهِ مِن غَيْرِ إخْراجٍ ولا إزْلاقٍ؛ وقِيلَ: حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا يَعْنِي النُّطْفَةَ، فَمَرَّتْ بِهِ: فَقامَتْ بِهِ وقَعَدَتْ فاسْتَمَرَّتْ بِهِ، انْتَهى، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما ذَكَرَ النَّقّاشُ وأبُو العالِيَةِ ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ وأيُّوبُ: فَمَرَتْ بِهِ، خَفِيفَةَ الرّاءِ مِنَ المِرْيَةِ، أيْ: فَشَكَّتْ فِيما أصابَها أهُوَ حَمْلٌ أوْ مَرَضٌ؛ وقِيلَ: مَعْناهُ اسْتَمَرَّتْ بِهِ لَكِنَّهم كَرِهُوا التَّضْعِيفَ فَخَفَّفُوهُ، نَحْوَ: وقَرَنَ، فِيمَن فَتَحَ مِنَ القَرارِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ والجَحْدَرِيُّ: فَمارَتْ بِهِ، بِألِفٍ وتَخْفِيفِ الرّاءِ، أيْ: جاءَتْ وذَهَبَتْ وتَصَرَّفَتْ بِهِ، كَما تَقُولُ: مارَتِ الرِّيحُ مَوْرًا، ووَزْنُهُ فَعَلَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِنَ المِرْيَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَتُمارُونَهُ﴾ [النجم: ١٢] ومَعْناهُ ومَعْنى المُخَفَّفَةِ فَمَرَتْ: وقَعَ في نَفْسِها ظَنُّ الحَمْلِ وارْتابَتْ بِهِ، ووَزْنُهُ فاعَلَ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: فاسْتَمَرَّتْ بِحَمْلِها، وقَرَأ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا والضَّحّاكُ: فاسْتَمَرَّتْ بِهِ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ والجِرْمِيُّ: فاسْتَمارَتْ بِهِ، والظّاهِرُ رُجُوعُهُ إلى المِرْيَةِ بَنى مِنها اسْتَفْعَلَ، كَما بَنى مِنها فاعَلَ في قَوْلِكَ: مارَيْتُ. ﴿فَلَمّا أثْقَلَتْ دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ (p-٤٤٠)أيْ: دَخَلَتْ في الثِّقَلِ، كَما تَقُولُ: أصْبَحَ وأمْسى، أوْ صارَتْ ذاتَ ثِقْلٍ، كَما تَقُولُ: أتْمَرَ الرَّجُلُ وألْبَنَ، إذا صارَ ذا تَمْرٍ ولَبَنٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ حانَ وقْتُ ثِقَلِها، كَقَوْلِهِ: أقْرَبَتْ، وقُرِئَ: أُثْقِلَتْ، عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، رَبَّهُما، أيْ: مالِكَ أمْرِهِما الَّذِي هو الحَقِيقُ أنْ يُدْعى، ومُتَعَلِّقُ الدُّعاءِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ جُمْلَةُ جَوابِ القَسَمِ، أيْ: دَعَوا اللَّهَ ورَغِبا إلَيْهِ في أنْ يُؤْتِيَهُما صالِحًا، ثُمَّ أقْسَما عَلى أنَّهُما يَكُونانِ مِنَ الشّاكِرِينَ إنْ آتاهُما صالِحًا؛ لِأنَّ إيتاءَ الصّالِحِ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَلى والِدَيْهِ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ: إنَّ عَمَلَ ابْنِ آدَمَ يَنْقَطِعُ إلّا مِن ثَلاثٍ، فَذَكَرَ الوَلَدَ الصّالِحَ يَدْعُو لِوالِدِهِ، فَيَنْبَغِي الشُّكْرُ عَلَيْها؛ إذْ هي مِن أجَلِّ النِّعَمِ، ومَعْنى صالِحًا مُطِيعًا لِلَّهِ تَعالى، أيْ: ولَدًا طائِعًا، أوْ ولَدًا ذَكَرًا؛ لِأنَّ الذُّكُورَةَ مِنَ الصَّلاحِ والجَوْدَةِ، قالَ الحَسَنُ: سَمَّياهُ غُلامًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَشَرًا سَوِيًّا سَلِيمًا، ولَنَكُونَنَّ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: وأقْسَما لَئِنْ آتَيْتَنا، أوْ مُقْسِمِينَ لَئِنْ آتَيْتَنا، وانْتِصابُ صالِحًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِآتَيْتَنا، وفي المُشْكِلِ لِمَكِّيٍّ أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ، أيِ: ابْنًا صالِحًا. ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾ مَن جَعَلَ الآيَةَ في آدَمَ وحَوّاءَ جَعَلَ الضَّمائِرَ والأخْبارَ لَهُما، وذَكَرُوا في ذَلِكَ مُحاوَراتٍ جَرَتْ بَيْنَ إبْلِيسَ وآدَمَ وحَوّاءَ لَمْ تَثْبُتْ في قُرْآنٍ ولا حَدِيثٍ صَحِيحٍ، فَأطْرَحْتُ ذِكْرَها، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والضَّمِيرُ في آتَيْتَنا ولَنَكُونَنَّ لَهُما ولِكُلِّ مَن تَناسَلَ مِن ذُرِّيَّتِهِما، فَلَمّا آتاهُما ما طَلَبا مِنَ الوَلَدِ الصّالِحِ السَّوِيِّ جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ، أيْ: جَعَلَ أوْلادَهُما لَهُ شُرَكاءَ عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، وكَذَلِكَ فِيما آتاهُما، أيْ: آتى أوْلادَهُما، وقَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ حَيْثُ جَمَعَ الضَّمِيرَ، وآدَمُ وحَوّاءُ بَرِيئانِ مِنَ الشِّرْكِ، ومَعْنى إشْراكِهِمْ فِيما آتاهُمُ اللَّهُ بِتَسْمِيَةِ أوْلادِهِمْ بِعَبْدِ العُزّى وعَبْدِ مَنافٍ وعَبْدِ شَمْسٍ وما أشْبَهَ ذَلِكَ، مَكانَ عَبْدِ اللَّهِ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ وعَبْدِ الرَّحِيمِ، انْتَهى، وفي كَلامِهِ تَفْكِيكٌ لِلْكَلامِ عَنْ سِياقِهِ وغَيْرِهِ مِمَّنْ جَعَلَ الكَلامَ لِآدَمَ وحَوّاءَ جَعَلَ الشِّرْكَ تَسْمِيَتَهُما الوَلَدَ الثّالِثَ عَبْدَ الحارِثِ؛ إذْ كانَ قَدْ ماتَ لَهُما ولَدانِ قَبْلَهُ كانا سَمَّيا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما عَبْدَ اللَّهِ، فَأشارَ عَلَيْهِما إبْلِيسُ في أنْ يُسَمِّيا هَذا الثّالِثَ عَبْدَ الحارِثِ فَسَمَّياهُ بِهِ حِرْصًا عَلى حَياتِهِ، فالشِّرْكُ الَّذِي جَعَلا لِلَّهِ هو في التَّسْمِيَةِ فَقَطْ، ويَكُونُ الضَّمِيرُ في يُشْرِكُونَ عائِدًا عَلى آدَمَ وحَوّاءَ وإبْلِيسَ؛ لِأنَّهُ مُدَبِّرٌ مَعَهُما تَسْمِيَةَ الوَلَدِ عَبْدَ الحارِثِ؛ وقِيلَ: جَعَلا، أيْ: جَعَلَ أحَدُهُما يَعْنِي حَوّاءَ، وإمّا مِن جَعْلِ الخِطابِ لِلنّاسِ، ولَيْسَ المُرادُ في الآيَةِ بِالنَّفْسِ وزَوْجِها آدَمَ وحَوّاءَ، أوْ جَعَلَ الخِطابَ لِمُشْرِكِي العَرَبِ، أوْ لِقُرَيْشٍ عَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَيَتَّسِقُ الكَلامُ اتِّساقًا حَسَنًا مِن غَيْرِ تَكَلُّفِ تَأْوِيلٍ ولا تَفْكِيكٍ، وقالَ السُّدِّيُّ والطَّبَرِيُّ: ثُمَّ أخْبَرَ آدَمَ وحَوّاءَ في قَوْلِهِ: ﴿فِيما آتاهُما﴾، وقَوْلُهُ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ كَلامٌ مُنْفَصِلٌ يُرادُ بِهِ مُشْرِكُو العَرَبِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا تَحَكُّمٌ لا يُساعِدُهُ اللَّفْظُ، انْتَهى، والضَّمِيرُ في لَهُ عائِدٌ عَلى اللَّهِ، ومَن زَعَمَ أنَّهُ عائِدٌ عَلى إبْلِيسَ فَقَوْلُهُ بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ، وكَذا يَبْعُدُ قَوْلُ مَن جَعَلَهُ عائِدًا عَلى الوَلَدِ الصّالِحِ وفُسِّرَ الشِّرْكُ بِالنَّصِيبِ مِنَ الرِّزْقِ في الدُّنْيا وكانا قَبْلَهُ يَأْكُلانِ ويَشْرَبانِ وحْدَهُما، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقالَ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ يَعْنِي الكُفّارَ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ وإبّانُ بْنُ ثَعْلَبٍ ونافِعٌ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ شِرْكًا عَلى المَصْدَرِ، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ذا شِرْكٍ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ أُطْلِقُ الشِّرْكُ عَلى الشَّرِيكِ، كَقَوْلِهِ: زَيْدٌ عَدْلٌ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ أحْدَثا لِلَّهِ إشْراكًا في الوَلَدِ، انْتَهى، وقَرَأ الأخَوانِ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو شُرَكاءَ عَلى الجَمْعِ، ويَبْعُدُ تَوْجِيهُ الآيَةِ أنَّها في آدَمَ وحَوّاءَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، وتَظْهَرُ باقِي الأقْوالِ عَلَيْها، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: فَلَمّا آتاهُما صالِحًا أشْرَكا فِيهِ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ: عَمّا تُشْرِكُونَ، بِالتّاءِ، التِفاتًا مِنَ الغَيْبَةِ لِلْخِطابِ، وكانَ الضَّمِيرُ بِالواوِ، (p-٤٤١)وانْتِقالًا مِنَ التَّثْنِيَةِ لِلْجَمْعِ، وتَقَدَّمَ تَوْجِيهُ ضَمِيرِ الجَمْعِ عَلى مَن يَعُودُ. ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾، أيْ: أتُشْرِكُونَ الأصْنامَ وهي لا تَقْدِرُ عَلى خَلْقِ شَيْءٍ، كَما يَخْلُقُ اللَّهُ وهم يُخْلَقُونَ، أيْ: يَخْلُقُهُمُ اللَّهُ تَعالى ويُوجِدُهم كَما يُوجِدُكم، أوْ يَكُونُ مَعْناهُ: وهم يُنْحَتُونَ ويُصْنَعُونَ، فَعَبَدَتُهم يَخْلُقُونَهم وهم لا يَقْدِرُونَ عَلى خَلْقِ شَيْءٍ، فَهم أعْجَزُ مِن عَبَدَتِهِمْ، وهم عائِدٌ عَلى مَعْنى ما، وقَدْ عادَ الضَّمِيرُ عَلى لَفْظِ ما في يَخْلُقُ، وعَبَّرَ عَنِ الأصْنامِ بِقَوْلِهِ: وهم، كَأنَّها تَعْقِلُ عَلى اعْتِقادِ الكُفّارِ فِيها وبِحَسَبِ أسْمائِهِمْ. وقِيلَ: أتى بِضَمِيرِ مَن يَعْقِلُ؛ لِأنَّ جُمْلَةَ مَن عَبَدَ الشَّياطِينَ والمَلائِكَةَ وبَعْضَ بَنِي آدَمَ، فَغَلَّبَ مَن يَعْقِلُ كُلَّ مَخْلُوقٍ لِلَّهِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وهم عائِدًا عَلى ما عادَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ الفاعِلِ في أيُشْرِكُونَ، أيْ: وهَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ يَخْلُقُونَ، أيْ: كانَ يَجِبُ أنْ يَعْتَبِرُوا بِأنَّهم مَخْلُوقُونَ، فَيَجْعَلُوا إلَهَهم خالِقَهم لا مَن لا يَخْلُقُ شَيْئًا. وقَرَأ السُّلَمِيُّ: أتُشْرِكُونَ، بِالتّاءِ مِن فَوْقٍ فَيَظْهَرُ أنْ يَكُونَ وهم عائِدًا عَلى ما عَلى مَعْناها، ومَن جَعَلَ ذَلِكَ في آدَمَ وحَوّاءَ قالَ: إنَّ إبْلِيسَ جاءَ إلى آدَمَ، وقَدْ ماتَ لَهُ ولَدٌ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ، فَقالَ: إنْ شِئْتَ أنْ يَعِيشَ لَكَ الوَلَدُ فَسَمِّهِ عَبْدَ شَمْسٍ فَسَمّاهُ كَذَلِكَ، فَإيّاهُ عَنى بِقَوْلِهِ: أتُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ، عائِدٌ عَلى آدَمَ وحَوّاءَ والِابْنِ المُسَمّى عَبْدَ شَمْسٍ. ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾، أيْ: ولا تَقْدِرُ الأصْنامُ لِمَن يَعْبُدُهم عَلى نَصْرٍ ولا لِأنْفُسِهِمْ إنْ حَدَثَ بِهِمْ حادِثٌ، بَلْ عَبَدَتُهُمُ الَّذِينَ يَدْفَعُونَ عَنْها ويَحْمُونَها، ومَن لا يَقْدِرُ عَلى نَصْرِ نَفْسِهِ كَيْفَ يَقْدِرُ عَلى نَصْرِ غَيْرِهِ ؟ ﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَتَّبِعُوكم سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ لِلْكُفّارِ، انْتَقَلَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ والتَّوْبِيخِ عَلى عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ الخِطابَ لِلْكُفّارِ قَوْلُهُ بَعْدُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكُمْ﴾ وضَمِيرُ المَفْعُولِ عائِدٌ عَلى ما عادَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الضَّمائِرُ قَبْلُ، وهو الأصْنامُ، والمَعْنى: وإنْ تَدْعُوا هَذِهِ الأصْنامَ إلى ما هو هُدًى ورَشادٌ أوْ إلى أنْ يَهْدُوكم، كَما تَطْلُبُونَ مِنَ اللَّهِ الهُدى والخَيْرَ لا يَتَّبِعُوكم عَلى مُرادِكم ولا يُجِيبُوكم، أيْ: لَيْسَتْ فِيهِمْ هَذِهِ القابِلِيَّةُ؛ لِأنَّها جَمادٌ لا تَعْقِلُ، ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾، أيْ: دُعاؤُكم إيّاهم وصَمْتُكم عَنْهم سِيّانِ، فَكَيْفَ يُعْبَدُ مَن هَذِهِ حالُهُ ؟ وقِيلَ: الخِطابُ لِلرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ، وضَمِيرُ النَّصْبِ لِلْكُفّارِ، أيْ: وإنْ تَدْعُوا الكُفّارَ إلى الهُدى لا يَقْبَلُوا مِنكم فَدُعاؤُكم وصَمْتُكم سِيّانِ، أيْ: لَيْسَتْ فِيهِمْ قابِلِيَّةُ قَبُولٍ ولا هُدًى، وقَرَأ الجُمْهُورُ: لا يَتَّبِعُوكم، مُشَدَّدًا هُنا وفي الشُّعَراءِ: ﴿يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] مِنِ اتَّبَعَ، ومَعْناها: لا يَقْتَدُوا بِكم، وقَرَأ نافِعٌ فِيهِما لا يَتْبَعُوكم مُخَفَّفًا مِن تَبِعَ، ومَعْناهُ: لا يَتْبَعُوا آثارَكم، وعُطِفَتِ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ عَلى الفِعْلِيَّةِ؛ لِأنَّها في مَعْنى الفِعْلِيَّةِ، والتَّقْدِيرُ: أمْ صَمَتُّمْ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي قَوْلِهِ: أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ عَطَفَ الِاسْمَ عَلى الفِعْلِ؛ إذْ (p-٤٤٢)التَّقْدِيرُ: أمْ صَمَتُّمْ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎سَواءٌ عَلَيْكَ النَّفْرُ أمْ بِتَّ لَيْلَةً ∗∗∗ بِأهْلِ القِبابِ مِن نُمَيْرِ بْنِ عامِرِ انْتَهى، ولَيْسَ مِن عَطْفِ الِاسْمِ عَلى الفِعْلِ، إنَّما هو مِن عَطْفِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ عَلى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ، وأمّا البَيْتُ فَلَيْسَ مِن عَطْفِ الِاسْمِ عَلى الفِعْلِ، بَلْ مِن عَطْفِ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ عَلى الِاسْمِ المُقَدَّرِ بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ؛ إذْ أصْلُ التَّرْكِيبِ: سَواءٌ عَلَيْكَ أنَفَرْتَ أمْ بِتَّ لَيْلَةً، فَأوْقَعَ النَّفْرَ مَوْقِعَ أنَفَرْتَ، وكانَتِ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ اسْمِيَّةً لِمُراعاةِ رُءُوسِ الآيِ، ولِأنَّ الفِعْلَ يُشْعِرُ بِالحُدُوثِ، واسْمُ الفاعِلِ يُشْعِرُ بِالثُّبُوتِ والِاسْتِمْرارِ، فَكانُوا إذا دَهَمَهم أمْرٌ مُعْضِلٌ فَزِعُوا إلى أصْنامِهِمْ، وإذا لَمْ يَحْدُثْ بَقُوا ساكِتِينَ، فَقِيلَ: لا فَرْقَ بَيْنَ أنْ تُحْدِثُوا لَهم دُعاءً، وبَيْنَ أنْ تَسْتَمِرُّوا عَلى صَمْتِكم فَتَبْقُوا عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِن عادَةِ صَمْتِكم وهي الحالَةُ المُسْتَمِرَّةُ. ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكم فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ لِما قَبْلَها في انْتِفاءِ كَوْنِ هَذِهِ الأصْنامِ قادِرَةً عَلى شَيْءٍ مِن نَفْعٍ أوْ ضَرٍّ، أيِ: الَّذِينَ تَدْعُونَهم وتُسَمُّونَهم آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ الَّذِي أوْجَدَها وأوْجَدَكم هم عِبادٌ، وسَمّى الأصْنامَ عِبادًا وإنْ كانَتْ جَماداتٍ؛ لِأنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ فِيها أنَّها تَضُرُّ وتَنْفَعُ، فاقْتَضى ذَلِكَ أنْ تَكُونَ عاقِلَةً (p-٤٤٣)وأمْثالُكم. قالَ الحَسَنُ في كَوْنِها مَمْلُوكَةً لِلَّهِ، وقالَ التَّبْرِيزِيُّ في كَوْنِها مَخْلُوقَةً، وقالَ مُقاتِلٌ: المُرادُ طائِفَةٌ مِنَ العَرَبِ مِن خُزاعَةَ كانَتْ تَعْبُدُ المَلائِكَةَ فَأعْلَمَهم تَعالى أنَّهم عِبادٌ أمْثالُهم لا آلِهَةٌ، انْتَهى، فَعَلى هَذا جاءَ الإخْبارُ إخْبارًا عَنِ العُقَلاءِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿عِبادٌ أمْثالُكُمْ﴾ اسْتِهْزاءٌ بِهِمْ، أيْ: قُصارى أمْرِهِمْ أنْ يَكُونُوا أحْياءَ عُقَلاءَ، فَإنْ ثَبَتَ ذَلِكَ فَمِنهم عِبادٌ أمْثالُكم لا تَفاضُلَ بَيْنَكم، ثُمَّ أبْطَلَ أنْ يَكُونُوا عِبادًا أمْثالَكم، فَقالَ: ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ [الأعراف: ١٩٥] انْتَهى ؟ ولَيْسَ كَما زَعَمَ؛ لِأنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلى (p-٤٤٤)هَؤُلاءِ المَدْعُوِّينَ مِن دُونِ اللَّهِ أنَّهم عِبادٌ أمْثالُ الدّاعِينَ، فَلا يُقالُ في الخَبَرِ مِنَ اللَّهِ، فَإنْ ثَبَتَ ذَلِكَ لِأنَّهُ ثابِتٌ ولا يَصِحُّ أنْ يُقالَ، ثُمَّ أبْطَلَ أنْ يَكُونُوا عِبادًا أمْثالَكم، فَقالَ: ﴿ألَهم أرْجُلٌ﴾ [الأعراف: ١٩٥] لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ألَهم أرْجُلٌ﴾ [الأعراف: ١٩٥] لَيْسَ إبْطالًا لِقَوْلِهِ: ﴿عِبادٌ أمْثالُكُمْ﴾؛ لِأنَّ المِثْلِيَّةَ ثابِتَةٌ، إمّا في أنَّهم مَخْلُوقُونَ، أوْ في أنَّهم مَمْلُوكُونَ مَقْهُورُونَ، وإنَّما ذَلِكَ تَحْقِيرٌ لِشَأْنِ الأصْنامِ وأنَّهم دُونَكم في انْتِفاءِ الآلاتِ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلِانْتِفاعِ بِها مَعَ ثُبُوتِ كَوْنِهِمْ أمْثالَكم فِيما ذُكِرَ، ولا يَدُلُّ إنْكارُ هَذِهِ الآلاتِ عَلى انْتِفاءِ المِثْلِيَّةِ فِيما ذُكِرَ، وأيْضًا فالأبْطالُ لا يُتَصَوَّرُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى كَذِبِ أحَدِ الخَبَرَيْنِ، وذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى، وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ﴾ [الأعراف: ١٧٩] وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ إنْ خَفِيفَةً، وعِبادًا أمْثالَكم، بِنَصْبِ الدّالِ واللّامِ، واتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى تَخْرِيجِ هَذِهِ القِراءَةِ عَلى أنَّ إنْ هي النّافِيَةُ أعُمِلَتْ عَمَلَ ما الحِجازِيَّةِ فَرَفَعَتِ الِاسْمَ ونَصَبَتِ الخَبَرَ، فَعِبادًا أمْثالَكم خَبَرٌ مَنصُوبٌ، قالُوا: والمَعْنى: بِهَذِهِ القِراءَةِ تَحْقِيرُ شَأْنِ الأصْنامِ ونَفْيُ مُماثَلَتِهِمْ لِلْبَشَرِ، بَلْ هم أقَلُّ وأحْقَرُ؛ إذْ هي جَماداتٌ لا تَفْهَمُ ولا تَعْقِلُ، وإعْمالُ إنْ إعْمالَ ما الحِجازِيَّةِ فِيهِ خِلافٌ، أجازَ ذَلِكَ الكِسائِيُّ وأكْثَرُ الكُوفِيِّينَ، ومِنَ البَصْرِيِّينَ ابْنُ السِّراجِ والفارِسِيِّ وابْنُ جِنِّيٍّ، ومَنَعَ مِن إعْمالِهِ الفَرّاءُ وأكْثَرُ البَصْرِيِّينَ، واخْتَلَفَ النَّقْلُ عَنْ سِيبَوَيْهِ والمُبَرِّدِ، والصَّحِيحُ أنَّ إعْمالَها لُغَةٌ ثَبَتَ ذَلِكَ في النَّثْرِ والنَّظْمِ، وقَدْ ذَكَرْنا ذَلِكَ مُشْبَعًا في شَرْحِ التَّسْهِيلِ، وقالَ النَّحّاسُ: هَذِهِ قِراءَةٌ لا يَنْبَغِي أنْ يُقْرَأ بِها بِثَلاثِ جِهاتٍ: إحْداها: أنَّها مُخالِفَةٌ لِلسَّوادِ، والثّانِيَةُ: أنَّ سِيبَوَيْهِ يَخْتارُ الرَّفْعَ في خَبَرِ إنْ إذا كانَتْ بِمَعْنى ما، فَيَقُولُ: إنْ زَيْدٌ مُنْطَلِقٌ؛ لِأنَّ عَمَلَ ما ضَعِيفٌ وإنْ بِمَعْناها فَهي أضْعَفُ مِنها، والثّالِثَةُ: أنَّ الكِسائِيَّ رَأى أنَّها في كَلامِ العَرَبِ لا تَكُونُ بِمَعْنى ما إلّا أنْ يَكُونَ بَعْدَها إيجابٌ، انْتَهى، وكَلامُ النَّحّاسِ هَذا هو الَّذِي لا يَنْبَغِي؛ لِأنَّها قِراءَةٌ مَرْوِيَّةٌ عَنْ تابِعِيٍّ جَلِيلٍ ولَها وجْهٌ في العَرَبِيَّةِ، وأمّا الثَّلاثُ جِهاتٍ الَّتِي ذَكَرَها فَلا يَقْدَحُ شَيْءٌ مِنها في هَذِهِ القِراءَةِ، أمّا كَوْنُها مُخالِفَةً لِلسَّوادِ، فَهو خِلافٌ يَسِيرٌ جِدًّا لا يَضُرُّ، ولَعَلَّهُ كُتِبَ المَنصُوبُ عَلى لُغَةِ رَبِيعَةَ في الوَقْفِ عَلى المُنَوَّنِ المَنصُوبِ بِغَيْرِ ألْفٍ فَلا تَكُونُ فِيهِ مُخالَفَةٌ لِلسَّوادِ، وأمّا ما حُكِيَ عَنْ سِيبَوَيْهِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الفَهْمُ في كَلامِ سِيبَوَيْهِ في إنْ، وأمّا ما حَكاهُ عَنِ الكِسائِيِّ، فالنَّقْلُ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ حَكى إعْمالَها، ولَيْسَ بَعْدَها إيجابٌ، والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ هَذا التَّخْرِيجَ الَّذِي خَرَّجُوهُ مِن أنَّ إنْ لِلنَّفْيِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأنَّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ تَدُلُّ عَلى إثْباتِ كَوْنِ الأصْنامِ عِبادًا أمْثالَ عابِدِيها، وهَذا التَّخْرِيجُ يَدُلُّ عَلى نَفْيِ ذَلِكَ فَيُؤَدِّي إلى عَدَمِ مُطابَقَةِ أحَدِ الخَبَرَيْنِ الآخَرَ، وهو لا يَجُوزُ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى، وقَدْ خُرِّجَتْ هَذِهِ القِراءَةُ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ عَلى وجْهٍ غَيْرِ ما ذَكَرُوهُ، وهو أنَّ إنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ وأعْمَلَها عَمَلَ المُشَدَّدَةِ، وقَدْ ثَبَتَ أنَّ إنِ المُخَفَّفَةَ يَجُوزُ إعْمالُها عَمَلَ المُشَدَّدَةِ في غَيْرِ المُضْمَرِ بِالقِراءَةِ المُتَواتِرَةِ: ﴿وإنَّ كُلًّا لَمّا﴾ [هود: ١١١] وبِنَقْلِ سِيبَوَيْهِ عَنِ العَرَبِ، لَكِنَّهُ نَصَبَ في هَذِهِ القِراءَةِ خَبَرَها نَصْبَ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ المَخْزُومِيِّ في قَوْلِهِ: ؎إذا اسْوَدَّ جُنْحُ اللَّيْلِ فَلْتَأْتِ ولْتَكُنْ ∗∗∗ خُطاكَ خِفافًا إنَّ حُرّاسَنا أُسْدا وقَدْ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ النُّحاةِ إلى جَوازِ نَصْبِ أخْبارِ إنَّ وأخَواتِها، واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِشَواهِدَ ظاهِرَةِ الدَّلالَةِ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِهِمْ وتَأوَّلَها المُخالِفُونَ، فَهَذِهِ القِراءَةُ الشّاذَّةُ تَتَخَرَّجُ عَلى هَذِهِ اللُّغَةِ، أوْ تَتَأوَّلُ عَلى تَأْوِيلِ المُخالِفِينَ لِأهْلِ هَذا المَذْهَبِ، وهو أنَّهم تَأوَّلُوا المَنصُوبَ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، كَما قالُوا في قَوْلِهِ: ؎يا لَيْتَ أيّامَ الصِّبا رَواجِعا إنَّ تَقْدِيرَهُ: أقْبَلَتْ رَواجِعًا، فَكَذَلِكَ تُؤَوَّلُ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، تَقْدِيرُهُ: إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مَن دُونِ اللَّهِ تَدْعُونَ عِبادًا أمْثالَكم، وتَكُونُ القِراءَتانِ قَدْ (p-٤٤٥)تَوافَقَتا عَلى مَعْنًى واحِدٍ، وهو الإخْبارُ أنَّهم عِبادٌ، ولا يَكُونُ تَفاوُتٌ بَيْنَهُما وتَخالُفٌ لا يَجُوزُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، وقُرِئَ أيْضًا إنْ مُخَفَّفَةً، ونَصْبُ عِبادًا عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَحْذُوفِ العائِدِ مِنَ الصِّلَةِ عَلى الَّذِينَ، وأمْثالُكم بِالرَّفْعِ عَلى الخَبَرِ، أيْ: إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ في حالِ كَوْنِهِمْ عِبادًا أمْثالَكم في الخَلْقِ أوْ في المِلْكِ، فَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونُوا آلِهَةً، فادْعُوهم، أيْ: فاخْتَبِرُوهم بِدُعائِكم هَلْ يَقَعُ مِنهم إجابَةٌ أوْ لا يَقَعُ، والأمْرُ بِالِاسْتِجابَةِ هو عَلى سَبِيلِ التَّعْجِيزِ، أيْ: لا يُمْكِنُ أنْ يُجِيبُوا، كَما قالَ: ولَوْ سَمِعُوا ما اسْتَجابُوا لَكم، ومَعْنى إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دَعْوى إلَهِيَّتِهِمْ واسْتِحْقاقِ عِبادَتِهِمْ، كَقَوْلِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأبِيهِ: ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢]

الأعراف 7:192

﴿هو الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِنها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إلَيْها فَلَمّا تَغَشّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمّا أثْقَلَتْ دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ ﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَتَّبِعُوكم سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكم فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أمْ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكم ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ﴾ [الأعراف: ١٩٥] ﴿إنَّ ولِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ وهو يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦] ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٧] ﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَسْمَعُوا وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ وهم لا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٨] ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ سَمِيعٍ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١] ﴿وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٢] ﴿وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي هَذا بَصائِرُ مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٣] ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وخِيفَةً ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ بِالغُدُوِّ والآصالِ ولا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ويُسَبِّحُونَهُ ولَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] صَمَتَ يَصْمُتُ بِضَمِّ المِيمِ صَمْتًا وصُماتًا سَكَتَ، وإصْمِتْ فَلاةَ مَعْرُوفَةٌ، وهي مُسَمّاةٌ بِفِعْلِ الأمْرِ قُطِعَتْ هَمْزَتُهُ؛ إذْ ذاكَ قاعِدَةٌ في تَسْمِيَتِهِ بِفِعْلٍ فِيهِ هَمْزَةُ وصْلٍ، وكُسِرَتِ المِيمُ لِأنَّ التَّغْيِيرَ يَأْنَسُ بِالتَّغْيِيرِ، ولِئَلّا يَدْخُلَ في وزْنٍ لَيْسَ في الأسْماءِ. البَطْشُ الأخْذُ بِقُوَّةٍ، بَطَشَ (p-٤٣٨)يَبْطِشُ بِضَمِّ الطّاءِ وكَسْرِها، النَّزْعُ أدْنى حَرَكَةٍ، ومِنَ الشَّيْطانِ أدْنى وسْوَسَةٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: حَرَكَةٌ فِيها فَسادٌ وقَلَّما تُسْتَعْمَلُ إلّا في فِعْلِ الشَّيْطانِ؛ لِأنَّ حَرَكاتِهِ مُسْرِعَةٌ مُفْسِدَةٌ؛ وقِيلَ: هو لُغَةُ الإصابَةِ تَعْرِضُ عِنْدَ الغَضَبِ، وقالَ الفَرّاءُ: الإغْراءُ والإغْضابُ الإنْصاتُ، قالَ الفَرّاءُ: هو السُّكُوتُ لِلِاسْتِماعِ، يُقالُ: نَصَتَ وأنْصَتَ وانْتَصَتَ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقَدْ ورَدَ الإنْصاتُ مُتَعَدِّيًا في شِعْرِ الكُمَيْتِ قالَ: ؎أبُوكَ الَّذِي أجْدى عَلَيْهِ بِنَصْرِهِ فَأنْصَتَ عَنِّي بَعْدَهُ كُلَّ قائِلِ قالَ: يُرِيدُ فَأسْكَتَ عَنِّي. الآصالُ جَمْعُ أصْلٍ، وهو العَشِيُّ كَعُنُقٍ وأعْناقٍ، أوْ جَمْعُ أصِيلٍ كَيَمِينٍ وأيْمانٍ، ولا حاجَةَ لِدَعْوى أنَّهُ جَمْعُ جَمْعٍ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُهم؛ إذْ ثَبَتَ أنَّ أصْلًا مُفْرَدٌ وإنْ كانَ يَجُوزُ جَمْعُ أصِيلٍ عَلى أُصُلٍ، فَيَكُونُ جَمْعًا كَكَثِيبٍ وكُثُبٍ، ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ آصالًا جَمْعُ أصْلٍ، ومُفْرَدُ أصْلٍ أصِيلٌ الفَرّاءُ، ويُقالُ: جِئْناهم مُوصِلِينَ، أيْ: عِنْدَ الأصِيلِ. ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِنها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إلَيْها﴾ مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا تَقَدَّمَ سُؤالُ الكُفّارِ عَنِ السّاعَةِ ووَقْتِها، وكانَ فِيهِمْ مَن لا يُؤْمِنُ بِالبَعْثِ ذَكَرَ ابْتِداءَ خَلْقِ الإنْسانِ وإنْشائِهِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الإعادَةَ مُمْكِنَةٌ، كَما أنَّ الإنْشاءَ كانَ مُمْكِنًا، وإذا كانَ إبْرازُهُ مِنَ العَدَمِ الصَّرْفُ إلى الوُجُودِ واقِعًا بِالفِعْلِ، وإعادَتُهُ أحْرى أنْ تَكُونَ واقِعَةً بِالفِعْلِ؛ وقِيلَ: وجْهُ المُناسَبَةِ أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ، ويَشْتَقُّونَ مِنها أسْماءً لِآلِهَتِهِمْ وأصْنامِهِمْ، وأمَرَ بِالنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ المُؤَدِّي إلى تَفَرُّدِهِ بِالإلَهِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ، بَيَّنَ هُنا أنَّ أصْلَ الشِّرْكَ مِن إبْلِيسَ لِآدَمَ وزَوْجَتِهِ حِينَ تَمَنَّيا الوَلَدَ الصّالِحَ، وأجابَ اللَّهُ دُعاءَهُما فَأدْخَلَ إبْلِيسُ عَلَيْهِما الشِّرْكَ بِقَوْلِهِ: سَمِّياهُ عَبْدَ الحارِثِ فَإنَّهُ لا يَمُوتُ فَفَعَلا ذَلِكَ، وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ ما مُلَخَّصُهُ: لَمّا أمَرَ بِالنَّظَرِ في المَلَكُوتِ الدّالِّ عَلى الوَحْدانِيَّةِ، وقَسَّمَ خَلْقَهُ إلى مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، ونَفى قُدْرَةَ أحَدٍ مِن خَلْقِهِ عَلى نَفْعِ نَفْسِهِ أوْ ضَرِّها، رَجَعَ إلى تَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ، انْتَهى، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فالخِطابُ بِخَلَقَكم عامٌّ، والمَعْنى: أنَّكم تَفَرَّعْتُمْ مِن آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنَّ مَعْنى ﴿وجَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ هي حَوّاءُ، ومِنها إمّا مِن جِسْمِ آدَمَ مِن ضِلْعٍ مِن أضْلاعِهِ، وإمّا أنْ يَكُونَ مِن جِنْسِها، كَما قالَ تَعالى: ﴿جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ [النحل: ٧٢]، وقَدْ مَرَّ هَذانِ القَوْلانِ في أوَّلِ النِّساءِ مَشْرُوحَيْنِ بِأكْثَرَ مِن هَذا، ويَكُونُ الإخْبارُ بَعْدَ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَنْ آدَمَ وحَوّاءَ، ويَأْتِي تَفْسِيرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وعَلى هَذا القَوْلِ فَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ الآيَةَ، وقَدْ رَدَّ هَذا القَوْلَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ وأفْسَدَهُ مِن وُجُوهٍ. الأوَّلُ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ فَدَلَّ عَلى أنَّ الَّذِينَ أتَوْا بِهَذا الشِّرْكِ جَماعَةٌ. الثّانِي: أنَّهُ قالَ بَعْدَهُ: ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾، وهَذا رَدٌّ عَلى مَن جَعَلَ الأصْنامَ شُرَكاءَ، ولَمْ يَجْرِ لِإبْلِيسَ في هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرٌ، الثّالِثُ: لَوْ كانَ المُرادُ إبْلِيسَ، لَقالَ: أيُشْرِكُونَ مَن لا يَخْلُقُ، ثُمَّ ذَكَرَ الرّازِيُّ ثَلاثَةَ وُجُوهٍ أُخَرَ مِن جِهَةِ النَّظَرِ يُوقَفُ عَلَيْها مِن كِتابِهِ، وقالَ الحَسَنُ وجَماعَةٌ: الخِطابُ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، والمَعْنى في ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾: مِن هَيْئَةٍ واحِدَةٍ وشَكْلٍ واحِدٍ ﴿وجَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾، أيْ: مِن جِنْسِها، ثُمَّ ذَكَرَ حالَ الذَّكَرِ والأُنْثى مِنَ الخَلْقِ، ومَعْنى ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ﴾، أيْ: حَرَّفاهُ عَنِ الفِطْرَةِ إلى الشِّرْكِ، كَما جاءَ: ما مِن مَوْلُودٍ إلّا يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ، فَأبَواهُ هُما اللَّذانِ يُهَوِّدانِهِ ويُنَصِّرانِهِ ويُمَجِّسانِهِ. وقالَ القَفّالُ نَحْوَ هَذا القَوْلِ، قالَ: هو الَّذِي خَلَقَ كُلَّ واحِدٍ مِنكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِن جِنْسِها زَوْجَها، وذَكَرَ حالَ الزَّوْجِ والزَّوْجَةِ، وجَعَلا، أيِ: الزَّوْجُ والزَّوْجَةُ، لِلَّهِ تَعالى شُرَكاءَ فِيما آتاهُما؛ لِأنَّهُما تارَةً يَنْسُبُونَ ذَلِكَ الوَلَدَ إلى الطَّبائِعِ، كَما هو قَوْلُ الطَّبائِعِيِّينَ، وتارَةً إلى الكَواكِبِ، كَما هو قَوْلُ المُنَجِّمِينَ، وتارَةً إلى الأصْنامِ والأوْثانِ، كَما هو قَوْلُ عَبَدَةِ (p-٤٣٩)الأصْنامِ، انْتَهى، وعَلى هَذا لا يَكُونُ لِآدَمَ وحَوّاءَ ذِكْرٌ في الآيَةِ؛ وقِيلَ: الخِطابُ بِخَلَقَكم خاصٌّ، وهو لِمُشْرِكِي العَرَبِ، كَما يُقَرِّبُونَ المَوْلُودَ لِلّاتَ والعُزّى والأصْنامِ تَبَرُّكًا بِهِمْ في الِابْتِداءِ، ويَنْقَطِعُونَ بِأمَلِهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى في ابْتِداءِ خَلْقِ الوَلَدِ إلى انْفِصالِهِ، ثُمَّ يُشْرِكُونَ فَحَصَلَ التَّعَجُّبُ مِنهم؛ وقِيلَ: الخِطابُ خاصٌّ أيْضًا، وهو لِقُرَيْشٍ المُعاصِرِينَ لِلرَّسُولِ، و﴿نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ هو قَضى مِنها، أيْ: مِن جِنْسِها زَوْجَةٌ عَرَبِيَّةٌ قُرَشِيَّةٌ لِيَسْكُنَ إلَيْها، والصّالِحُ: الوَلَدُ السَّوِيُّ، جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ حَيْثُ سَمَّيا أوْلادَهُما الأرْبَعَةَ: عَبْدَ مَنافٍ وعَبْدَ العُزّى وعَبْدَ قُصَيٍّ وعَبْدَ الدّارِ، والضَّمِيرُ في يُشْرِكُونَ لَهُما ولِأعْقابِهِما الَّذِينَ اقْتَدَوْا بِهِما في الشِّرْكِ، انْتَهى. ﴿لِيَسْكُنَ إلَيْها﴾ لِيَطْمَئِنَّ ويَمِيلَ، ولا يَنْفِرَ؛ لِأنَّ الجِنْسَ إلى الجِنْسِ أمْيَلُ وبِهِ آنَسُ، وإذا كانَ مِنها عَلى حَقِيقَتِهِ فالسُّكُونُ والمَحَبَّةُ أبْلَغُ، كَما يَسْكُنُ الإنْسانُ إلى ولَدِهِ ويُحِبُّهُ مَحَبَّةَ نَفْسِهِ أوْ أكْثَرَ لِكَوْنِهِ بَعْضًا مِنهُ، وأنَّثَ في قَوْلِهِ: مِنها، ذَهابًا إلى لَفْظِ النَّفْسِ، ثُمَّ ذَكَرَ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَسْكُنَ﴾، حَمْلًا عَلى مَعْنى النَّفْسِ لِيُبَيِّنَ أنَّ المُرادَ بِها الذَّكَرُ آدَمُ أوْ غَيْرُهُ عَلى اخْتِلافِ التَّأْوِيلاتِ، وكانَ الذَّكَرُ هو الَّذِي يَسْكُنُ إلى الأُنْثى ويَتَغَشّاها، فَكانَ التَّذْكِيرُ أحْسَنَ طِباقًا لِلْمَعْنى. ﴿فَلَمّا تَغَشّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ﴾ إنْ كانَ الخَبَرُ عَنْ آدَمَ فَخَلْقُ حَوّاءَ كانَ في الجَنَّةِ، وأمّا التَّغَشِّي والحَمْلُ فَكانا في الأرْضِ، والتَّغَشِّي والغَشَيانُ والإتْيانُ كِنايَةٌ عَنِ الجِماعِ، ومَعْنى الخِفَّةِ أنَّها لَمْ تَلْقَ بِهِ مِنَ الكَرْبِ ما يَعْرِضُ لِبَعْضِ الحَبالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حَمْلًا مَصْدَرًا، وأنْ يَكُونَ ما في البَطْنِ، والحَمْلُ بِفَتْحِ الحاءِ ما كانَ في بَطْنٍ أوْ عَلى رَأْسِ الشَّجَرَةِ، وبِالكَسْرِ ما كانَ عَلى ظَهْرٍ أوْ عَلى رَأْسِ غَيْرِ شَجَرَةٍ، وحَكى يَعْقُوبُ في حَمْلِ النَّخْلِ، وحَكى أبُو سَعِيدٍ في حَمْلِ المَرْأةِ خَمَلَ وحَمَلَ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الحَمْلُ الخَفِيفُ هو المَنِيُّ الَّذِي تَحْمِلُهُ المَرْأةُ في فَرْجِها، وقَرَأ حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: حِمْلًا، بِكَسْرِ الحاءِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: فَمَرَّتْ بِهِ، قالَ الحَسَنُ: أيِ: اسْتَمَرَّتْ بِهِ؛ وقِيلَ: هَذا عَلى القَلْبِ، أيْ: فَمَرَّ بِها، أيِ: اسْتَمَرَّ بِها، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَمَضَتْ بِهِ إلى وقْتِ مِيلادِهِ مِن غَيْرِ إخْراجٍ ولا إزْلاقٍ؛ وقِيلَ: حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا يَعْنِي النُّطْفَةَ، فَمَرَّتْ بِهِ: فَقامَتْ بِهِ وقَعَدَتْ فاسْتَمَرَّتْ بِهِ، انْتَهى، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما ذَكَرَ النَّقّاشُ وأبُو العالِيَةِ ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ وأيُّوبُ: فَمَرَتْ بِهِ، خَفِيفَةَ الرّاءِ مِنَ المِرْيَةِ، أيْ: فَشَكَّتْ فِيما أصابَها أهُوَ حَمْلٌ أوْ مَرَضٌ؛ وقِيلَ: مَعْناهُ اسْتَمَرَّتْ بِهِ لَكِنَّهم كَرِهُوا التَّضْعِيفَ فَخَفَّفُوهُ، نَحْوَ: وقَرَنَ، فِيمَن فَتَحَ مِنَ القَرارِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ والجَحْدَرِيُّ: فَمارَتْ بِهِ، بِألِفٍ وتَخْفِيفِ الرّاءِ، أيْ: جاءَتْ وذَهَبَتْ وتَصَرَّفَتْ بِهِ، كَما تَقُولُ: مارَتِ الرِّيحُ مَوْرًا، ووَزْنُهُ فَعَلَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِنَ المِرْيَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَتُمارُونَهُ﴾ [النجم: ١٢] ومَعْناهُ ومَعْنى المُخَفَّفَةِ فَمَرَتْ: وقَعَ في نَفْسِها ظَنُّ الحَمْلِ وارْتابَتْ بِهِ، ووَزْنُهُ فاعَلَ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: فاسْتَمَرَّتْ بِحَمْلِها، وقَرَأ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا والضَّحّاكُ: فاسْتَمَرَّتْ بِهِ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ والجِرْمِيُّ: فاسْتَمارَتْ بِهِ، والظّاهِرُ رُجُوعُهُ إلى المِرْيَةِ بَنى مِنها اسْتَفْعَلَ، كَما بَنى مِنها فاعَلَ في قَوْلِكَ: مارَيْتُ. ﴿فَلَمّا أثْقَلَتْ دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ (p-٤٤٠)أيْ: دَخَلَتْ في الثِّقَلِ، كَما تَقُولُ: أصْبَحَ وأمْسى، أوْ صارَتْ ذاتَ ثِقْلٍ، كَما تَقُولُ: أتْمَرَ الرَّجُلُ وألْبَنَ، إذا صارَ ذا تَمْرٍ ولَبَنٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ حانَ وقْتُ ثِقَلِها، كَقَوْلِهِ: أقْرَبَتْ، وقُرِئَ: أُثْقِلَتْ، عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، رَبَّهُما، أيْ: مالِكَ أمْرِهِما الَّذِي هو الحَقِيقُ أنْ يُدْعى، ومُتَعَلِّقُ الدُّعاءِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ جُمْلَةُ جَوابِ القَسَمِ، أيْ: دَعَوا اللَّهَ ورَغِبا إلَيْهِ في أنْ يُؤْتِيَهُما صالِحًا، ثُمَّ أقْسَما عَلى أنَّهُما يَكُونانِ مِنَ الشّاكِرِينَ إنْ آتاهُما صالِحًا؛ لِأنَّ إيتاءَ الصّالِحِ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَلى والِدَيْهِ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ: إنَّ عَمَلَ ابْنِ آدَمَ يَنْقَطِعُ إلّا مِن ثَلاثٍ، فَذَكَرَ الوَلَدَ الصّالِحَ يَدْعُو لِوالِدِهِ، فَيَنْبَغِي الشُّكْرُ عَلَيْها؛ إذْ هي مِن أجَلِّ النِّعَمِ، ومَعْنى صالِحًا مُطِيعًا لِلَّهِ تَعالى، أيْ: ولَدًا طائِعًا، أوْ ولَدًا ذَكَرًا؛ لِأنَّ الذُّكُورَةَ مِنَ الصَّلاحِ والجَوْدَةِ، قالَ الحَسَنُ: سَمَّياهُ غُلامًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَشَرًا سَوِيًّا سَلِيمًا، ولَنَكُونَنَّ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: وأقْسَما لَئِنْ آتَيْتَنا، أوْ مُقْسِمِينَ لَئِنْ آتَيْتَنا، وانْتِصابُ صالِحًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِآتَيْتَنا، وفي المُشْكِلِ لِمَكِّيٍّ أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ، أيِ: ابْنًا صالِحًا. ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾ مَن جَعَلَ الآيَةَ في آدَمَ وحَوّاءَ جَعَلَ الضَّمائِرَ والأخْبارَ لَهُما، وذَكَرُوا في ذَلِكَ مُحاوَراتٍ جَرَتْ بَيْنَ إبْلِيسَ وآدَمَ وحَوّاءَ لَمْ تَثْبُتْ في قُرْآنٍ ولا حَدِيثٍ صَحِيحٍ، فَأطْرَحْتُ ذِكْرَها، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والضَّمِيرُ في آتَيْتَنا ولَنَكُونَنَّ لَهُما ولِكُلِّ مَن تَناسَلَ مِن ذُرِّيَّتِهِما، فَلَمّا آتاهُما ما طَلَبا مِنَ الوَلَدِ الصّالِحِ السَّوِيِّ جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ، أيْ: جَعَلَ أوْلادَهُما لَهُ شُرَكاءَ عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، وكَذَلِكَ فِيما آتاهُما، أيْ: آتى أوْلادَهُما، وقَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ حَيْثُ جَمَعَ الضَّمِيرَ، وآدَمُ وحَوّاءُ بَرِيئانِ مِنَ الشِّرْكِ، ومَعْنى إشْراكِهِمْ فِيما آتاهُمُ اللَّهُ بِتَسْمِيَةِ أوْلادِهِمْ بِعَبْدِ العُزّى وعَبْدِ مَنافٍ وعَبْدِ شَمْسٍ وما أشْبَهَ ذَلِكَ، مَكانَ عَبْدِ اللَّهِ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ وعَبْدِ الرَّحِيمِ، انْتَهى، وفي كَلامِهِ تَفْكِيكٌ لِلْكَلامِ عَنْ سِياقِهِ وغَيْرِهِ مِمَّنْ جَعَلَ الكَلامَ لِآدَمَ وحَوّاءَ جَعَلَ الشِّرْكَ تَسْمِيَتَهُما الوَلَدَ الثّالِثَ عَبْدَ الحارِثِ؛ إذْ كانَ قَدْ ماتَ لَهُما ولَدانِ قَبْلَهُ كانا سَمَّيا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما عَبْدَ اللَّهِ، فَأشارَ عَلَيْهِما إبْلِيسُ في أنْ يُسَمِّيا هَذا الثّالِثَ عَبْدَ الحارِثِ فَسَمَّياهُ بِهِ حِرْصًا عَلى حَياتِهِ، فالشِّرْكُ الَّذِي جَعَلا لِلَّهِ هو في التَّسْمِيَةِ فَقَطْ، ويَكُونُ الضَّمِيرُ في يُشْرِكُونَ عائِدًا عَلى آدَمَ وحَوّاءَ وإبْلِيسَ؛ لِأنَّهُ مُدَبِّرٌ مَعَهُما تَسْمِيَةَ الوَلَدِ عَبْدَ الحارِثِ؛ وقِيلَ: جَعَلا، أيْ: جَعَلَ أحَدُهُما يَعْنِي حَوّاءَ، وإمّا مِن جَعْلِ الخِطابِ لِلنّاسِ، ولَيْسَ المُرادُ في الآيَةِ بِالنَّفْسِ وزَوْجِها آدَمَ وحَوّاءَ، أوْ جَعَلَ الخِطابَ لِمُشْرِكِي العَرَبِ، أوْ لِقُرَيْشٍ عَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَيَتَّسِقُ الكَلامُ اتِّساقًا حَسَنًا مِن غَيْرِ تَكَلُّفِ تَأْوِيلٍ ولا تَفْكِيكٍ، وقالَ السُّدِّيُّ والطَّبَرِيُّ: ثُمَّ أخْبَرَ آدَمَ وحَوّاءَ في قَوْلِهِ: ﴿فِيما آتاهُما﴾، وقَوْلُهُ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ كَلامٌ مُنْفَصِلٌ يُرادُ بِهِ مُشْرِكُو العَرَبِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا تَحَكُّمٌ لا يُساعِدُهُ اللَّفْظُ، انْتَهى، والضَّمِيرُ في لَهُ عائِدٌ عَلى اللَّهِ، ومَن زَعَمَ أنَّهُ عائِدٌ عَلى إبْلِيسَ فَقَوْلُهُ بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ، وكَذا يَبْعُدُ قَوْلُ مَن جَعَلَهُ عائِدًا عَلى الوَلَدِ الصّالِحِ وفُسِّرَ الشِّرْكُ بِالنَّصِيبِ مِنَ الرِّزْقِ في الدُّنْيا وكانا قَبْلَهُ يَأْكُلانِ ويَشْرَبانِ وحْدَهُما، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقالَ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ يَعْنِي الكُفّارَ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ وإبّانُ بْنُ ثَعْلَبٍ ونافِعٌ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ شِرْكًا عَلى المَصْدَرِ، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ذا شِرْكٍ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ أُطْلِقُ الشِّرْكُ عَلى الشَّرِيكِ، كَقَوْلِهِ: زَيْدٌ عَدْلٌ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ أحْدَثا لِلَّهِ إشْراكًا في الوَلَدِ، انْتَهى، وقَرَأ الأخَوانِ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو شُرَكاءَ عَلى الجَمْعِ، ويَبْعُدُ تَوْجِيهُ الآيَةِ أنَّها في آدَمَ وحَوّاءَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، وتَظْهَرُ باقِي الأقْوالِ عَلَيْها، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: فَلَمّا آتاهُما صالِحًا أشْرَكا فِيهِ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ: عَمّا تُشْرِكُونَ، بِالتّاءِ، التِفاتًا مِنَ الغَيْبَةِ لِلْخِطابِ، وكانَ الضَّمِيرُ بِالواوِ، (p-٤٤١)وانْتِقالًا مِنَ التَّثْنِيَةِ لِلْجَمْعِ، وتَقَدَّمَ تَوْجِيهُ ضَمِيرِ الجَمْعِ عَلى مَن يَعُودُ. ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾، أيْ: أتُشْرِكُونَ الأصْنامَ وهي لا تَقْدِرُ عَلى خَلْقِ شَيْءٍ، كَما يَخْلُقُ اللَّهُ وهم يُخْلَقُونَ، أيْ: يَخْلُقُهُمُ اللَّهُ تَعالى ويُوجِدُهم كَما يُوجِدُكم، أوْ يَكُونُ مَعْناهُ: وهم يُنْحَتُونَ ويُصْنَعُونَ، فَعَبَدَتُهم يَخْلُقُونَهم وهم لا يَقْدِرُونَ عَلى خَلْقِ شَيْءٍ، فَهم أعْجَزُ مِن عَبَدَتِهِمْ، وهم عائِدٌ عَلى مَعْنى ما، وقَدْ عادَ الضَّمِيرُ عَلى لَفْظِ ما في يَخْلُقُ، وعَبَّرَ عَنِ الأصْنامِ بِقَوْلِهِ: وهم، كَأنَّها تَعْقِلُ عَلى اعْتِقادِ الكُفّارِ فِيها وبِحَسَبِ أسْمائِهِمْ. وقِيلَ: أتى بِضَمِيرِ مَن يَعْقِلُ؛ لِأنَّ جُمْلَةَ مَن عَبَدَ الشَّياطِينَ والمَلائِكَةَ وبَعْضَ بَنِي آدَمَ، فَغَلَّبَ مَن يَعْقِلُ كُلَّ مَخْلُوقٍ لِلَّهِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وهم عائِدًا عَلى ما عادَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ الفاعِلِ في أيُشْرِكُونَ، أيْ: وهَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ يَخْلُقُونَ، أيْ: كانَ يَجِبُ أنْ يَعْتَبِرُوا بِأنَّهم مَخْلُوقُونَ، فَيَجْعَلُوا إلَهَهم خالِقَهم لا مَن لا يَخْلُقُ شَيْئًا. وقَرَأ السُّلَمِيُّ: أتُشْرِكُونَ، بِالتّاءِ مِن فَوْقٍ فَيَظْهَرُ أنْ يَكُونَ وهم عائِدًا عَلى ما عَلى مَعْناها، ومَن جَعَلَ ذَلِكَ في آدَمَ وحَوّاءَ قالَ: إنَّ إبْلِيسَ جاءَ إلى آدَمَ، وقَدْ ماتَ لَهُ ولَدٌ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ، فَقالَ: إنْ شِئْتَ أنْ يَعِيشَ لَكَ الوَلَدُ فَسَمِّهِ عَبْدَ شَمْسٍ فَسَمّاهُ كَذَلِكَ، فَإيّاهُ عَنى بِقَوْلِهِ: أتُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ، عائِدٌ عَلى آدَمَ وحَوّاءَ والِابْنِ المُسَمّى عَبْدَ شَمْسٍ. ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾، أيْ: ولا تَقْدِرُ الأصْنامُ لِمَن يَعْبُدُهم عَلى نَصْرٍ ولا لِأنْفُسِهِمْ إنْ حَدَثَ بِهِمْ حادِثٌ، بَلْ عَبَدَتُهُمُ الَّذِينَ يَدْفَعُونَ عَنْها ويَحْمُونَها، ومَن لا يَقْدِرُ عَلى نَصْرِ نَفْسِهِ كَيْفَ يَقْدِرُ عَلى نَصْرِ غَيْرِهِ ؟ ﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَتَّبِعُوكم سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ لِلْكُفّارِ، انْتَقَلَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ والتَّوْبِيخِ عَلى عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ الخِطابَ لِلْكُفّارِ قَوْلُهُ بَعْدُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكُمْ﴾ وضَمِيرُ المَفْعُولِ عائِدٌ عَلى ما عادَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الضَّمائِرُ قَبْلُ، وهو الأصْنامُ، والمَعْنى: وإنْ تَدْعُوا هَذِهِ الأصْنامَ إلى ما هو هُدًى ورَشادٌ أوْ إلى أنْ يَهْدُوكم، كَما تَطْلُبُونَ مِنَ اللَّهِ الهُدى والخَيْرَ لا يَتَّبِعُوكم عَلى مُرادِكم ولا يُجِيبُوكم، أيْ: لَيْسَتْ فِيهِمْ هَذِهِ القابِلِيَّةُ؛ لِأنَّها جَمادٌ لا تَعْقِلُ، ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾، أيْ: دُعاؤُكم إيّاهم وصَمْتُكم عَنْهم سِيّانِ، فَكَيْفَ يُعْبَدُ مَن هَذِهِ حالُهُ ؟ وقِيلَ: الخِطابُ لِلرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ، وضَمِيرُ النَّصْبِ لِلْكُفّارِ، أيْ: وإنْ تَدْعُوا الكُفّارَ إلى الهُدى لا يَقْبَلُوا مِنكم فَدُعاؤُكم وصَمْتُكم سِيّانِ، أيْ: لَيْسَتْ فِيهِمْ قابِلِيَّةُ قَبُولٍ ولا هُدًى، وقَرَأ الجُمْهُورُ: لا يَتَّبِعُوكم، مُشَدَّدًا هُنا وفي الشُّعَراءِ: ﴿يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] مِنِ اتَّبَعَ، ومَعْناها: لا يَقْتَدُوا بِكم، وقَرَأ نافِعٌ فِيهِما لا يَتْبَعُوكم مُخَفَّفًا مِن تَبِعَ، ومَعْناهُ: لا يَتْبَعُوا آثارَكم، وعُطِفَتِ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ عَلى الفِعْلِيَّةِ؛ لِأنَّها في مَعْنى الفِعْلِيَّةِ، والتَّقْدِيرُ: أمْ صَمَتُّمْ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي قَوْلِهِ: أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ عَطَفَ الِاسْمَ عَلى الفِعْلِ؛ إذْ (p-٤٤٢)التَّقْدِيرُ: أمْ صَمَتُّمْ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎سَواءٌ عَلَيْكَ النَّفْرُ أمْ بِتَّ لَيْلَةً ∗∗∗ بِأهْلِ القِبابِ مِن نُمَيْرِ بْنِ عامِرِ انْتَهى، ولَيْسَ مِن عَطْفِ الِاسْمِ عَلى الفِعْلِ، إنَّما هو مِن عَطْفِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ عَلى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ، وأمّا البَيْتُ فَلَيْسَ مِن عَطْفِ الِاسْمِ عَلى الفِعْلِ، بَلْ مِن عَطْفِ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ عَلى الِاسْمِ المُقَدَّرِ بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ؛ إذْ أصْلُ التَّرْكِيبِ: سَواءٌ عَلَيْكَ أنَفَرْتَ أمْ بِتَّ لَيْلَةً، فَأوْقَعَ النَّفْرَ مَوْقِعَ أنَفَرْتَ، وكانَتِ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ اسْمِيَّةً لِمُراعاةِ رُءُوسِ الآيِ، ولِأنَّ الفِعْلَ يُشْعِرُ بِالحُدُوثِ، واسْمُ الفاعِلِ يُشْعِرُ بِالثُّبُوتِ والِاسْتِمْرارِ، فَكانُوا إذا دَهَمَهم أمْرٌ مُعْضِلٌ فَزِعُوا إلى أصْنامِهِمْ، وإذا لَمْ يَحْدُثْ بَقُوا ساكِتِينَ، فَقِيلَ: لا فَرْقَ بَيْنَ أنْ تُحْدِثُوا لَهم دُعاءً، وبَيْنَ أنْ تَسْتَمِرُّوا عَلى صَمْتِكم فَتَبْقُوا عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِن عادَةِ صَمْتِكم وهي الحالَةُ المُسْتَمِرَّةُ. ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكم فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ لِما قَبْلَها في انْتِفاءِ كَوْنِ هَذِهِ الأصْنامِ قادِرَةً عَلى شَيْءٍ مِن نَفْعٍ أوْ ضَرٍّ، أيِ: الَّذِينَ تَدْعُونَهم وتُسَمُّونَهم آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ الَّذِي أوْجَدَها وأوْجَدَكم هم عِبادٌ، وسَمّى الأصْنامَ عِبادًا وإنْ كانَتْ جَماداتٍ؛ لِأنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ فِيها أنَّها تَضُرُّ وتَنْفَعُ، فاقْتَضى ذَلِكَ أنْ تَكُونَ عاقِلَةً (p-٤٤٣)وأمْثالُكم. قالَ الحَسَنُ في كَوْنِها مَمْلُوكَةً لِلَّهِ، وقالَ التَّبْرِيزِيُّ في كَوْنِها مَخْلُوقَةً، وقالَ مُقاتِلٌ: المُرادُ طائِفَةٌ مِنَ العَرَبِ مِن خُزاعَةَ كانَتْ تَعْبُدُ المَلائِكَةَ فَأعْلَمَهم تَعالى أنَّهم عِبادٌ أمْثالُهم لا آلِهَةٌ، انْتَهى، فَعَلى هَذا جاءَ الإخْبارُ إخْبارًا عَنِ العُقَلاءِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿عِبادٌ أمْثالُكُمْ﴾ اسْتِهْزاءٌ بِهِمْ، أيْ: قُصارى أمْرِهِمْ أنْ يَكُونُوا أحْياءَ عُقَلاءَ، فَإنْ ثَبَتَ ذَلِكَ فَمِنهم عِبادٌ أمْثالُكم لا تَفاضُلَ بَيْنَكم، ثُمَّ أبْطَلَ أنْ يَكُونُوا عِبادًا أمْثالَكم، فَقالَ: ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ [الأعراف: ١٩٥] انْتَهى ؟ ولَيْسَ كَما زَعَمَ؛ لِأنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلى (p-٤٤٤)هَؤُلاءِ المَدْعُوِّينَ مِن دُونِ اللَّهِ أنَّهم عِبادٌ أمْثالُ الدّاعِينَ، فَلا يُقالُ في الخَبَرِ مِنَ اللَّهِ، فَإنْ ثَبَتَ ذَلِكَ لِأنَّهُ ثابِتٌ ولا يَصِحُّ أنْ يُقالَ، ثُمَّ أبْطَلَ أنْ يَكُونُوا عِبادًا أمْثالَكم، فَقالَ: ﴿ألَهم أرْجُلٌ﴾ [الأعراف: ١٩٥] لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ألَهم أرْجُلٌ﴾ [الأعراف: ١٩٥] لَيْسَ إبْطالًا لِقَوْلِهِ: ﴿عِبادٌ أمْثالُكُمْ﴾؛ لِأنَّ المِثْلِيَّةَ ثابِتَةٌ، إمّا في أنَّهم مَخْلُوقُونَ، أوْ في أنَّهم مَمْلُوكُونَ مَقْهُورُونَ، وإنَّما ذَلِكَ تَحْقِيرٌ لِشَأْنِ الأصْنامِ وأنَّهم دُونَكم في انْتِفاءِ الآلاتِ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلِانْتِفاعِ بِها مَعَ ثُبُوتِ كَوْنِهِمْ أمْثالَكم فِيما ذُكِرَ، ولا يَدُلُّ إنْكارُ هَذِهِ الآلاتِ عَلى انْتِفاءِ المِثْلِيَّةِ فِيما ذُكِرَ، وأيْضًا فالأبْطالُ لا يُتَصَوَّرُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى كَذِبِ أحَدِ الخَبَرَيْنِ، وذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى، وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ﴾ [الأعراف: ١٧٩] وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ إنْ خَفِيفَةً، وعِبادًا أمْثالَكم، بِنَصْبِ الدّالِ واللّامِ، واتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى تَخْرِيجِ هَذِهِ القِراءَةِ عَلى أنَّ إنْ هي النّافِيَةُ أعُمِلَتْ عَمَلَ ما الحِجازِيَّةِ فَرَفَعَتِ الِاسْمَ ونَصَبَتِ الخَبَرَ، فَعِبادًا أمْثالَكم خَبَرٌ مَنصُوبٌ، قالُوا: والمَعْنى: بِهَذِهِ القِراءَةِ تَحْقِيرُ شَأْنِ الأصْنامِ ونَفْيُ مُماثَلَتِهِمْ لِلْبَشَرِ، بَلْ هم أقَلُّ وأحْقَرُ؛ إذْ هي جَماداتٌ لا تَفْهَمُ ولا تَعْقِلُ، وإعْمالُ إنْ إعْمالَ ما الحِجازِيَّةِ فِيهِ خِلافٌ، أجازَ ذَلِكَ الكِسائِيُّ وأكْثَرُ الكُوفِيِّينَ، ومِنَ البَصْرِيِّينَ ابْنُ السِّراجِ والفارِسِيِّ وابْنُ جِنِّيٍّ، ومَنَعَ مِن إعْمالِهِ الفَرّاءُ وأكْثَرُ البَصْرِيِّينَ، واخْتَلَفَ النَّقْلُ عَنْ سِيبَوَيْهِ والمُبَرِّدِ، والصَّحِيحُ أنَّ إعْمالَها لُغَةٌ ثَبَتَ ذَلِكَ في النَّثْرِ والنَّظْمِ، وقَدْ ذَكَرْنا ذَلِكَ مُشْبَعًا في شَرْحِ التَّسْهِيلِ، وقالَ النَّحّاسُ: هَذِهِ قِراءَةٌ لا يَنْبَغِي أنْ يُقْرَأ بِها بِثَلاثِ جِهاتٍ: إحْداها: أنَّها مُخالِفَةٌ لِلسَّوادِ، والثّانِيَةُ: أنَّ سِيبَوَيْهِ يَخْتارُ الرَّفْعَ في خَبَرِ إنْ إذا كانَتْ بِمَعْنى ما، فَيَقُولُ: إنْ زَيْدٌ مُنْطَلِقٌ؛ لِأنَّ عَمَلَ ما ضَعِيفٌ وإنْ بِمَعْناها فَهي أضْعَفُ مِنها، والثّالِثَةُ: أنَّ الكِسائِيَّ رَأى أنَّها في كَلامِ العَرَبِ لا تَكُونُ بِمَعْنى ما إلّا أنْ يَكُونَ بَعْدَها إيجابٌ، انْتَهى، وكَلامُ النَّحّاسِ هَذا هو الَّذِي لا يَنْبَغِي؛ لِأنَّها قِراءَةٌ مَرْوِيَّةٌ عَنْ تابِعِيٍّ جَلِيلٍ ولَها وجْهٌ في العَرَبِيَّةِ، وأمّا الثَّلاثُ جِهاتٍ الَّتِي ذَكَرَها فَلا يَقْدَحُ شَيْءٌ مِنها في هَذِهِ القِراءَةِ، أمّا كَوْنُها مُخالِفَةً لِلسَّوادِ، فَهو خِلافٌ يَسِيرٌ جِدًّا لا يَضُرُّ، ولَعَلَّهُ كُتِبَ المَنصُوبُ عَلى لُغَةِ رَبِيعَةَ في الوَقْفِ عَلى المُنَوَّنِ المَنصُوبِ بِغَيْرِ ألْفٍ فَلا تَكُونُ فِيهِ مُخالَفَةٌ لِلسَّوادِ، وأمّا ما حُكِيَ عَنْ سِيبَوَيْهِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الفَهْمُ في كَلامِ سِيبَوَيْهِ في إنْ، وأمّا ما حَكاهُ عَنِ الكِسائِيِّ، فالنَّقْلُ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ حَكى إعْمالَها، ولَيْسَ بَعْدَها إيجابٌ، والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ هَذا التَّخْرِيجَ الَّذِي خَرَّجُوهُ مِن أنَّ إنْ لِلنَّفْيِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأنَّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ تَدُلُّ عَلى إثْباتِ كَوْنِ الأصْنامِ عِبادًا أمْثالَ عابِدِيها، وهَذا التَّخْرِيجُ يَدُلُّ عَلى نَفْيِ ذَلِكَ فَيُؤَدِّي إلى عَدَمِ مُطابَقَةِ أحَدِ الخَبَرَيْنِ الآخَرَ، وهو لا يَجُوزُ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى، وقَدْ خُرِّجَتْ هَذِهِ القِراءَةُ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ عَلى وجْهٍ غَيْرِ ما ذَكَرُوهُ، وهو أنَّ إنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ وأعْمَلَها عَمَلَ المُشَدَّدَةِ، وقَدْ ثَبَتَ أنَّ إنِ المُخَفَّفَةَ يَجُوزُ إعْمالُها عَمَلَ المُشَدَّدَةِ في غَيْرِ المُضْمَرِ بِالقِراءَةِ المُتَواتِرَةِ: ﴿وإنَّ كُلًّا لَمّا﴾ [هود: ١١١] وبِنَقْلِ سِيبَوَيْهِ عَنِ العَرَبِ، لَكِنَّهُ نَصَبَ في هَذِهِ القِراءَةِ خَبَرَها نَصْبَ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ المَخْزُومِيِّ في قَوْلِهِ: ؎إذا اسْوَدَّ جُنْحُ اللَّيْلِ فَلْتَأْتِ ولْتَكُنْ ∗∗∗ خُطاكَ خِفافًا إنَّ حُرّاسَنا أُسْدا وقَدْ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ النُّحاةِ إلى جَوازِ نَصْبِ أخْبارِ إنَّ وأخَواتِها، واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِشَواهِدَ ظاهِرَةِ الدَّلالَةِ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِهِمْ وتَأوَّلَها المُخالِفُونَ، فَهَذِهِ القِراءَةُ الشّاذَّةُ تَتَخَرَّجُ عَلى هَذِهِ اللُّغَةِ، أوْ تَتَأوَّلُ عَلى تَأْوِيلِ المُخالِفِينَ لِأهْلِ هَذا المَذْهَبِ، وهو أنَّهم تَأوَّلُوا المَنصُوبَ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، كَما قالُوا في قَوْلِهِ: ؎يا لَيْتَ أيّامَ الصِّبا رَواجِعا إنَّ تَقْدِيرَهُ: أقْبَلَتْ رَواجِعًا، فَكَذَلِكَ تُؤَوَّلُ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، تَقْدِيرُهُ: إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مَن دُونِ اللَّهِ تَدْعُونَ عِبادًا أمْثالَكم، وتَكُونُ القِراءَتانِ قَدْ (p-٤٤٥)تَوافَقَتا عَلى مَعْنًى واحِدٍ، وهو الإخْبارُ أنَّهم عِبادٌ، ولا يَكُونُ تَفاوُتٌ بَيْنَهُما وتَخالُفٌ لا يَجُوزُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، وقُرِئَ أيْضًا إنْ مُخَفَّفَةً، ونَصْبُ عِبادًا عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَحْذُوفِ العائِدِ مِنَ الصِّلَةِ عَلى الَّذِينَ، وأمْثالُكم بِالرَّفْعِ عَلى الخَبَرِ، أيْ: إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ في حالِ كَوْنِهِمْ عِبادًا أمْثالَكم في الخَلْقِ أوْ في المِلْكِ، فَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونُوا آلِهَةً، فادْعُوهم، أيْ: فاخْتَبِرُوهم بِدُعائِكم هَلْ يَقَعُ مِنهم إجابَةٌ أوْ لا يَقَعُ، والأمْرُ بِالِاسْتِجابَةِ هو عَلى سَبِيلِ التَّعْجِيزِ، أيْ: لا يُمْكِنُ أنْ يُجِيبُوا، كَما قالَ: ولَوْ سَمِعُوا ما اسْتَجابُوا لَكم، ومَعْنى إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دَعْوى إلَهِيَّتِهِمْ واسْتِحْقاقِ عِبادَتِهِمْ، كَقَوْلِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأبِيهِ: ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢]

الأعراف 7:193

﴿هو الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِنها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إلَيْها فَلَمّا تَغَشّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمّا أثْقَلَتْ دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ ﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَتَّبِعُوكم سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكم فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أمْ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكم ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ﴾ [الأعراف: ١٩٥] ﴿إنَّ ولِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ وهو يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦] ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٧] ﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَسْمَعُوا وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ وهم لا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٨] ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ سَمِيعٍ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١] ﴿وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٢] ﴿وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي هَذا بَصائِرُ مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٣] ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وخِيفَةً ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ بِالغُدُوِّ والآصالِ ولا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ويُسَبِّحُونَهُ ولَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] صَمَتَ يَصْمُتُ بِضَمِّ المِيمِ صَمْتًا وصُماتًا سَكَتَ، وإصْمِتْ فَلاةَ مَعْرُوفَةٌ، وهي مُسَمّاةٌ بِفِعْلِ الأمْرِ قُطِعَتْ هَمْزَتُهُ؛ إذْ ذاكَ قاعِدَةٌ في تَسْمِيَتِهِ بِفِعْلٍ فِيهِ هَمْزَةُ وصْلٍ، وكُسِرَتِ المِيمُ لِأنَّ التَّغْيِيرَ يَأْنَسُ بِالتَّغْيِيرِ، ولِئَلّا يَدْخُلَ في وزْنٍ لَيْسَ في الأسْماءِ. البَطْشُ الأخْذُ بِقُوَّةٍ، بَطَشَ (p-٤٣٨)يَبْطِشُ بِضَمِّ الطّاءِ وكَسْرِها، النَّزْعُ أدْنى حَرَكَةٍ، ومِنَ الشَّيْطانِ أدْنى وسْوَسَةٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: حَرَكَةٌ فِيها فَسادٌ وقَلَّما تُسْتَعْمَلُ إلّا في فِعْلِ الشَّيْطانِ؛ لِأنَّ حَرَكاتِهِ مُسْرِعَةٌ مُفْسِدَةٌ؛ وقِيلَ: هو لُغَةُ الإصابَةِ تَعْرِضُ عِنْدَ الغَضَبِ، وقالَ الفَرّاءُ: الإغْراءُ والإغْضابُ الإنْصاتُ، قالَ الفَرّاءُ: هو السُّكُوتُ لِلِاسْتِماعِ، يُقالُ: نَصَتَ وأنْصَتَ وانْتَصَتَ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقَدْ ورَدَ الإنْصاتُ مُتَعَدِّيًا في شِعْرِ الكُمَيْتِ قالَ: ؎أبُوكَ الَّذِي أجْدى عَلَيْهِ بِنَصْرِهِ فَأنْصَتَ عَنِّي بَعْدَهُ كُلَّ قائِلِ قالَ: يُرِيدُ فَأسْكَتَ عَنِّي. الآصالُ جَمْعُ أصْلٍ، وهو العَشِيُّ كَعُنُقٍ وأعْناقٍ، أوْ جَمْعُ أصِيلٍ كَيَمِينٍ وأيْمانٍ، ولا حاجَةَ لِدَعْوى أنَّهُ جَمْعُ جَمْعٍ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُهم؛ إذْ ثَبَتَ أنَّ أصْلًا مُفْرَدٌ وإنْ كانَ يَجُوزُ جَمْعُ أصِيلٍ عَلى أُصُلٍ، فَيَكُونُ جَمْعًا كَكَثِيبٍ وكُثُبٍ، ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ آصالًا جَمْعُ أصْلٍ، ومُفْرَدُ أصْلٍ أصِيلٌ الفَرّاءُ، ويُقالُ: جِئْناهم مُوصِلِينَ، أيْ: عِنْدَ الأصِيلِ. ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِنها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إلَيْها﴾ مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا تَقَدَّمَ سُؤالُ الكُفّارِ عَنِ السّاعَةِ ووَقْتِها، وكانَ فِيهِمْ مَن لا يُؤْمِنُ بِالبَعْثِ ذَكَرَ ابْتِداءَ خَلْقِ الإنْسانِ وإنْشائِهِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الإعادَةَ مُمْكِنَةٌ، كَما أنَّ الإنْشاءَ كانَ مُمْكِنًا، وإذا كانَ إبْرازُهُ مِنَ العَدَمِ الصَّرْفُ إلى الوُجُودِ واقِعًا بِالفِعْلِ، وإعادَتُهُ أحْرى أنْ تَكُونَ واقِعَةً بِالفِعْلِ؛ وقِيلَ: وجْهُ المُناسَبَةِ أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ، ويَشْتَقُّونَ مِنها أسْماءً لِآلِهَتِهِمْ وأصْنامِهِمْ، وأمَرَ بِالنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ المُؤَدِّي إلى تَفَرُّدِهِ بِالإلَهِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ، بَيَّنَ هُنا أنَّ أصْلَ الشِّرْكَ مِن إبْلِيسَ لِآدَمَ وزَوْجَتِهِ حِينَ تَمَنَّيا الوَلَدَ الصّالِحَ، وأجابَ اللَّهُ دُعاءَهُما فَأدْخَلَ إبْلِيسُ عَلَيْهِما الشِّرْكَ بِقَوْلِهِ: سَمِّياهُ عَبْدَ الحارِثِ فَإنَّهُ لا يَمُوتُ فَفَعَلا ذَلِكَ، وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ ما مُلَخَّصُهُ: لَمّا أمَرَ بِالنَّظَرِ في المَلَكُوتِ الدّالِّ عَلى الوَحْدانِيَّةِ، وقَسَّمَ خَلْقَهُ إلى مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، ونَفى قُدْرَةَ أحَدٍ مِن خَلْقِهِ عَلى نَفْعِ نَفْسِهِ أوْ ضَرِّها، رَجَعَ إلى تَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ، انْتَهى، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فالخِطابُ بِخَلَقَكم عامٌّ، والمَعْنى: أنَّكم تَفَرَّعْتُمْ مِن آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنَّ مَعْنى ﴿وجَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ هي حَوّاءُ، ومِنها إمّا مِن جِسْمِ آدَمَ مِن ضِلْعٍ مِن أضْلاعِهِ، وإمّا أنْ يَكُونَ مِن جِنْسِها، كَما قالَ تَعالى: ﴿جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ [النحل: ٧٢]، وقَدْ مَرَّ هَذانِ القَوْلانِ في أوَّلِ النِّساءِ مَشْرُوحَيْنِ بِأكْثَرَ مِن هَذا، ويَكُونُ الإخْبارُ بَعْدَ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَنْ آدَمَ وحَوّاءَ، ويَأْتِي تَفْسِيرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وعَلى هَذا القَوْلِ فَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ الآيَةَ، وقَدْ رَدَّ هَذا القَوْلَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ وأفْسَدَهُ مِن وُجُوهٍ. الأوَّلُ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ فَدَلَّ عَلى أنَّ الَّذِينَ أتَوْا بِهَذا الشِّرْكِ جَماعَةٌ. الثّانِي: أنَّهُ قالَ بَعْدَهُ: ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾، وهَذا رَدٌّ عَلى مَن جَعَلَ الأصْنامَ شُرَكاءَ، ولَمْ يَجْرِ لِإبْلِيسَ في هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرٌ، الثّالِثُ: لَوْ كانَ المُرادُ إبْلِيسَ، لَقالَ: أيُشْرِكُونَ مَن لا يَخْلُقُ، ثُمَّ ذَكَرَ الرّازِيُّ ثَلاثَةَ وُجُوهٍ أُخَرَ مِن جِهَةِ النَّظَرِ يُوقَفُ عَلَيْها مِن كِتابِهِ، وقالَ الحَسَنُ وجَماعَةٌ: الخِطابُ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، والمَعْنى في ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾: مِن هَيْئَةٍ واحِدَةٍ وشَكْلٍ واحِدٍ ﴿وجَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾، أيْ: مِن جِنْسِها، ثُمَّ ذَكَرَ حالَ الذَّكَرِ والأُنْثى مِنَ الخَلْقِ، ومَعْنى ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ﴾، أيْ: حَرَّفاهُ عَنِ الفِطْرَةِ إلى الشِّرْكِ، كَما جاءَ: ما مِن مَوْلُودٍ إلّا يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ، فَأبَواهُ هُما اللَّذانِ يُهَوِّدانِهِ ويُنَصِّرانِهِ ويُمَجِّسانِهِ. وقالَ القَفّالُ نَحْوَ هَذا القَوْلِ، قالَ: هو الَّذِي خَلَقَ كُلَّ واحِدٍ مِنكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِن جِنْسِها زَوْجَها، وذَكَرَ حالَ الزَّوْجِ والزَّوْجَةِ، وجَعَلا، أيِ: الزَّوْجُ والزَّوْجَةُ، لِلَّهِ تَعالى شُرَكاءَ فِيما آتاهُما؛ لِأنَّهُما تارَةً يَنْسُبُونَ ذَلِكَ الوَلَدَ إلى الطَّبائِعِ، كَما هو قَوْلُ الطَّبائِعِيِّينَ، وتارَةً إلى الكَواكِبِ، كَما هو قَوْلُ المُنَجِّمِينَ، وتارَةً إلى الأصْنامِ والأوْثانِ، كَما هو قَوْلُ عَبَدَةِ (p-٤٣٩)الأصْنامِ، انْتَهى، وعَلى هَذا لا يَكُونُ لِآدَمَ وحَوّاءَ ذِكْرٌ في الآيَةِ؛ وقِيلَ: الخِطابُ بِخَلَقَكم خاصٌّ، وهو لِمُشْرِكِي العَرَبِ، كَما يُقَرِّبُونَ المَوْلُودَ لِلّاتَ والعُزّى والأصْنامِ تَبَرُّكًا بِهِمْ في الِابْتِداءِ، ويَنْقَطِعُونَ بِأمَلِهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى في ابْتِداءِ خَلْقِ الوَلَدِ إلى انْفِصالِهِ، ثُمَّ يُشْرِكُونَ فَحَصَلَ التَّعَجُّبُ مِنهم؛ وقِيلَ: الخِطابُ خاصٌّ أيْضًا، وهو لِقُرَيْشٍ المُعاصِرِينَ لِلرَّسُولِ، و﴿نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ هو قَضى مِنها، أيْ: مِن جِنْسِها زَوْجَةٌ عَرَبِيَّةٌ قُرَشِيَّةٌ لِيَسْكُنَ إلَيْها، والصّالِحُ: الوَلَدُ السَّوِيُّ، جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ حَيْثُ سَمَّيا أوْلادَهُما الأرْبَعَةَ: عَبْدَ مَنافٍ وعَبْدَ العُزّى وعَبْدَ قُصَيٍّ وعَبْدَ الدّارِ، والضَّمِيرُ في يُشْرِكُونَ لَهُما ولِأعْقابِهِما الَّذِينَ اقْتَدَوْا بِهِما في الشِّرْكِ، انْتَهى. ﴿لِيَسْكُنَ إلَيْها﴾ لِيَطْمَئِنَّ ويَمِيلَ، ولا يَنْفِرَ؛ لِأنَّ الجِنْسَ إلى الجِنْسِ أمْيَلُ وبِهِ آنَسُ، وإذا كانَ مِنها عَلى حَقِيقَتِهِ فالسُّكُونُ والمَحَبَّةُ أبْلَغُ، كَما يَسْكُنُ الإنْسانُ إلى ولَدِهِ ويُحِبُّهُ مَحَبَّةَ نَفْسِهِ أوْ أكْثَرَ لِكَوْنِهِ بَعْضًا مِنهُ، وأنَّثَ في قَوْلِهِ: مِنها، ذَهابًا إلى لَفْظِ النَّفْسِ، ثُمَّ ذَكَرَ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَسْكُنَ﴾، حَمْلًا عَلى مَعْنى النَّفْسِ لِيُبَيِّنَ أنَّ المُرادَ بِها الذَّكَرُ آدَمُ أوْ غَيْرُهُ عَلى اخْتِلافِ التَّأْوِيلاتِ، وكانَ الذَّكَرُ هو الَّذِي يَسْكُنُ إلى الأُنْثى ويَتَغَشّاها، فَكانَ التَّذْكِيرُ أحْسَنَ طِباقًا لِلْمَعْنى. ﴿فَلَمّا تَغَشّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ﴾ إنْ كانَ الخَبَرُ عَنْ آدَمَ فَخَلْقُ حَوّاءَ كانَ في الجَنَّةِ، وأمّا التَّغَشِّي والحَمْلُ فَكانا في الأرْضِ، والتَّغَشِّي والغَشَيانُ والإتْيانُ كِنايَةٌ عَنِ الجِماعِ، ومَعْنى الخِفَّةِ أنَّها لَمْ تَلْقَ بِهِ مِنَ الكَرْبِ ما يَعْرِضُ لِبَعْضِ الحَبالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حَمْلًا مَصْدَرًا، وأنْ يَكُونَ ما في البَطْنِ، والحَمْلُ بِفَتْحِ الحاءِ ما كانَ في بَطْنٍ أوْ عَلى رَأْسِ الشَّجَرَةِ، وبِالكَسْرِ ما كانَ عَلى ظَهْرٍ أوْ عَلى رَأْسِ غَيْرِ شَجَرَةٍ، وحَكى يَعْقُوبُ في حَمْلِ النَّخْلِ، وحَكى أبُو سَعِيدٍ في حَمْلِ المَرْأةِ خَمَلَ وحَمَلَ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الحَمْلُ الخَفِيفُ هو المَنِيُّ الَّذِي تَحْمِلُهُ المَرْأةُ في فَرْجِها، وقَرَأ حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: حِمْلًا، بِكَسْرِ الحاءِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: فَمَرَّتْ بِهِ، قالَ الحَسَنُ: أيِ: اسْتَمَرَّتْ بِهِ؛ وقِيلَ: هَذا عَلى القَلْبِ، أيْ: فَمَرَّ بِها، أيِ: اسْتَمَرَّ بِها، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَمَضَتْ بِهِ إلى وقْتِ مِيلادِهِ مِن غَيْرِ إخْراجٍ ولا إزْلاقٍ؛ وقِيلَ: حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا يَعْنِي النُّطْفَةَ، فَمَرَّتْ بِهِ: فَقامَتْ بِهِ وقَعَدَتْ فاسْتَمَرَّتْ بِهِ، انْتَهى، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما ذَكَرَ النَّقّاشُ وأبُو العالِيَةِ ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ وأيُّوبُ: فَمَرَتْ بِهِ، خَفِيفَةَ الرّاءِ مِنَ المِرْيَةِ، أيْ: فَشَكَّتْ فِيما أصابَها أهُوَ حَمْلٌ أوْ مَرَضٌ؛ وقِيلَ: مَعْناهُ اسْتَمَرَّتْ بِهِ لَكِنَّهم كَرِهُوا التَّضْعِيفَ فَخَفَّفُوهُ، نَحْوَ: وقَرَنَ، فِيمَن فَتَحَ مِنَ القَرارِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ والجَحْدَرِيُّ: فَمارَتْ بِهِ، بِألِفٍ وتَخْفِيفِ الرّاءِ، أيْ: جاءَتْ وذَهَبَتْ وتَصَرَّفَتْ بِهِ، كَما تَقُولُ: مارَتِ الرِّيحُ مَوْرًا، ووَزْنُهُ فَعَلَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِنَ المِرْيَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَتُمارُونَهُ﴾ [النجم: ١٢] ومَعْناهُ ومَعْنى المُخَفَّفَةِ فَمَرَتْ: وقَعَ في نَفْسِها ظَنُّ الحَمْلِ وارْتابَتْ بِهِ، ووَزْنُهُ فاعَلَ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: فاسْتَمَرَّتْ بِحَمْلِها، وقَرَأ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا والضَّحّاكُ: فاسْتَمَرَّتْ بِهِ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ والجِرْمِيُّ: فاسْتَمارَتْ بِهِ، والظّاهِرُ رُجُوعُهُ إلى المِرْيَةِ بَنى مِنها اسْتَفْعَلَ، كَما بَنى مِنها فاعَلَ في قَوْلِكَ: مارَيْتُ. ﴿فَلَمّا أثْقَلَتْ دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ (p-٤٤٠)أيْ: دَخَلَتْ في الثِّقَلِ، كَما تَقُولُ: أصْبَحَ وأمْسى، أوْ صارَتْ ذاتَ ثِقْلٍ، كَما تَقُولُ: أتْمَرَ الرَّجُلُ وألْبَنَ، إذا صارَ ذا تَمْرٍ ولَبَنٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ حانَ وقْتُ ثِقَلِها، كَقَوْلِهِ: أقْرَبَتْ، وقُرِئَ: أُثْقِلَتْ، عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، رَبَّهُما، أيْ: مالِكَ أمْرِهِما الَّذِي هو الحَقِيقُ أنْ يُدْعى، ومُتَعَلِّقُ الدُّعاءِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ جُمْلَةُ جَوابِ القَسَمِ، أيْ: دَعَوا اللَّهَ ورَغِبا إلَيْهِ في أنْ يُؤْتِيَهُما صالِحًا، ثُمَّ أقْسَما عَلى أنَّهُما يَكُونانِ مِنَ الشّاكِرِينَ إنْ آتاهُما صالِحًا؛ لِأنَّ إيتاءَ الصّالِحِ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَلى والِدَيْهِ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ: إنَّ عَمَلَ ابْنِ آدَمَ يَنْقَطِعُ إلّا مِن ثَلاثٍ، فَذَكَرَ الوَلَدَ الصّالِحَ يَدْعُو لِوالِدِهِ، فَيَنْبَغِي الشُّكْرُ عَلَيْها؛ إذْ هي مِن أجَلِّ النِّعَمِ، ومَعْنى صالِحًا مُطِيعًا لِلَّهِ تَعالى، أيْ: ولَدًا طائِعًا، أوْ ولَدًا ذَكَرًا؛ لِأنَّ الذُّكُورَةَ مِنَ الصَّلاحِ والجَوْدَةِ، قالَ الحَسَنُ: سَمَّياهُ غُلامًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَشَرًا سَوِيًّا سَلِيمًا، ولَنَكُونَنَّ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: وأقْسَما لَئِنْ آتَيْتَنا، أوْ مُقْسِمِينَ لَئِنْ آتَيْتَنا، وانْتِصابُ صالِحًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِآتَيْتَنا، وفي المُشْكِلِ لِمَكِّيٍّ أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ، أيِ: ابْنًا صالِحًا. ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾ مَن جَعَلَ الآيَةَ في آدَمَ وحَوّاءَ جَعَلَ الضَّمائِرَ والأخْبارَ لَهُما، وذَكَرُوا في ذَلِكَ مُحاوَراتٍ جَرَتْ بَيْنَ إبْلِيسَ وآدَمَ وحَوّاءَ لَمْ تَثْبُتْ في قُرْآنٍ ولا حَدِيثٍ صَحِيحٍ، فَأطْرَحْتُ ذِكْرَها، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والضَّمِيرُ في آتَيْتَنا ولَنَكُونَنَّ لَهُما ولِكُلِّ مَن تَناسَلَ مِن ذُرِّيَّتِهِما، فَلَمّا آتاهُما ما طَلَبا مِنَ الوَلَدِ الصّالِحِ السَّوِيِّ جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ، أيْ: جَعَلَ أوْلادَهُما لَهُ شُرَكاءَ عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، وكَذَلِكَ فِيما آتاهُما، أيْ: آتى أوْلادَهُما، وقَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ حَيْثُ جَمَعَ الضَّمِيرَ، وآدَمُ وحَوّاءُ بَرِيئانِ مِنَ الشِّرْكِ، ومَعْنى إشْراكِهِمْ فِيما آتاهُمُ اللَّهُ بِتَسْمِيَةِ أوْلادِهِمْ بِعَبْدِ العُزّى وعَبْدِ مَنافٍ وعَبْدِ شَمْسٍ وما أشْبَهَ ذَلِكَ، مَكانَ عَبْدِ اللَّهِ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ وعَبْدِ الرَّحِيمِ، انْتَهى، وفي كَلامِهِ تَفْكِيكٌ لِلْكَلامِ عَنْ سِياقِهِ وغَيْرِهِ مِمَّنْ جَعَلَ الكَلامَ لِآدَمَ وحَوّاءَ جَعَلَ الشِّرْكَ تَسْمِيَتَهُما الوَلَدَ الثّالِثَ عَبْدَ الحارِثِ؛ إذْ كانَ قَدْ ماتَ لَهُما ولَدانِ قَبْلَهُ كانا سَمَّيا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما عَبْدَ اللَّهِ، فَأشارَ عَلَيْهِما إبْلِيسُ في أنْ يُسَمِّيا هَذا الثّالِثَ عَبْدَ الحارِثِ فَسَمَّياهُ بِهِ حِرْصًا عَلى حَياتِهِ، فالشِّرْكُ الَّذِي جَعَلا لِلَّهِ هو في التَّسْمِيَةِ فَقَطْ، ويَكُونُ الضَّمِيرُ في يُشْرِكُونَ عائِدًا عَلى آدَمَ وحَوّاءَ وإبْلِيسَ؛ لِأنَّهُ مُدَبِّرٌ مَعَهُما تَسْمِيَةَ الوَلَدِ عَبْدَ الحارِثِ؛ وقِيلَ: جَعَلا، أيْ: جَعَلَ أحَدُهُما يَعْنِي حَوّاءَ، وإمّا مِن جَعْلِ الخِطابِ لِلنّاسِ، ولَيْسَ المُرادُ في الآيَةِ بِالنَّفْسِ وزَوْجِها آدَمَ وحَوّاءَ، أوْ جَعَلَ الخِطابَ لِمُشْرِكِي العَرَبِ، أوْ لِقُرَيْشٍ عَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَيَتَّسِقُ الكَلامُ اتِّساقًا حَسَنًا مِن غَيْرِ تَكَلُّفِ تَأْوِيلٍ ولا تَفْكِيكٍ، وقالَ السُّدِّيُّ والطَّبَرِيُّ: ثُمَّ أخْبَرَ آدَمَ وحَوّاءَ في قَوْلِهِ: ﴿فِيما آتاهُما﴾، وقَوْلُهُ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ كَلامٌ مُنْفَصِلٌ يُرادُ بِهِ مُشْرِكُو العَرَبِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا تَحَكُّمٌ لا يُساعِدُهُ اللَّفْظُ، انْتَهى، والضَّمِيرُ في لَهُ عائِدٌ عَلى اللَّهِ، ومَن زَعَمَ أنَّهُ عائِدٌ عَلى إبْلِيسَ فَقَوْلُهُ بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ، وكَذا يَبْعُدُ قَوْلُ مَن جَعَلَهُ عائِدًا عَلى الوَلَدِ الصّالِحِ وفُسِّرَ الشِّرْكُ بِالنَّصِيبِ مِنَ الرِّزْقِ في الدُّنْيا وكانا قَبْلَهُ يَأْكُلانِ ويَشْرَبانِ وحْدَهُما، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقالَ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ يَعْنِي الكُفّارَ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ وإبّانُ بْنُ ثَعْلَبٍ ونافِعٌ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ شِرْكًا عَلى المَصْدَرِ، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ذا شِرْكٍ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ أُطْلِقُ الشِّرْكُ عَلى الشَّرِيكِ، كَقَوْلِهِ: زَيْدٌ عَدْلٌ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ أحْدَثا لِلَّهِ إشْراكًا في الوَلَدِ، انْتَهى، وقَرَأ الأخَوانِ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو شُرَكاءَ عَلى الجَمْعِ، ويَبْعُدُ تَوْجِيهُ الآيَةِ أنَّها في آدَمَ وحَوّاءَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، وتَظْهَرُ باقِي الأقْوالِ عَلَيْها، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: فَلَمّا آتاهُما صالِحًا أشْرَكا فِيهِ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ: عَمّا تُشْرِكُونَ، بِالتّاءِ، التِفاتًا مِنَ الغَيْبَةِ لِلْخِطابِ، وكانَ الضَّمِيرُ بِالواوِ، (p-٤٤١)وانْتِقالًا مِنَ التَّثْنِيَةِ لِلْجَمْعِ، وتَقَدَّمَ تَوْجِيهُ ضَمِيرِ الجَمْعِ عَلى مَن يَعُودُ. ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾، أيْ: أتُشْرِكُونَ الأصْنامَ وهي لا تَقْدِرُ عَلى خَلْقِ شَيْءٍ، كَما يَخْلُقُ اللَّهُ وهم يُخْلَقُونَ، أيْ: يَخْلُقُهُمُ اللَّهُ تَعالى ويُوجِدُهم كَما يُوجِدُكم، أوْ يَكُونُ مَعْناهُ: وهم يُنْحَتُونَ ويُصْنَعُونَ، فَعَبَدَتُهم يَخْلُقُونَهم وهم لا يَقْدِرُونَ عَلى خَلْقِ شَيْءٍ، فَهم أعْجَزُ مِن عَبَدَتِهِمْ، وهم عائِدٌ عَلى مَعْنى ما، وقَدْ عادَ الضَّمِيرُ عَلى لَفْظِ ما في يَخْلُقُ، وعَبَّرَ عَنِ الأصْنامِ بِقَوْلِهِ: وهم، كَأنَّها تَعْقِلُ عَلى اعْتِقادِ الكُفّارِ فِيها وبِحَسَبِ أسْمائِهِمْ. وقِيلَ: أتى بِضَمِيرِ مَن يَعْقِلُ؛ لِأنَّ جُمْلَةَ مَن عَبَدَ الشَّياطِينَ والمَلائِكَةَ وبَعْضَ بَنِي آدَمَ، فَغَلَّبَ مَن يَعْقِلُ كُلَّ مَخْلُوقٍ لِلَّهِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وهم عائِدًا عَلى ما عادَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ الفاعِلِ في أيُشْرِكُونَ، أيْ: وهَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ يَخْلُقُونَ، أيْ: كانَ يَجِبُ أنْ يَعْتَبِرُوا بِأنَّهم مَخْلُوقُونَ، فَيَجْعَلُوا إلَهَهم خالِقَهم لا مَن لا يَخْلُقُ شَيْئًا. وقَرَأ السُّلَمِيُّ: أتُشْرِكُونَ، بِالتّاءِ مِن فَوْقٍ فَيَظْهَرُ أنْ يَكُونَ وهم عائِدًا عَلى ما عَلى مَعْناها، ومَن جَعَلَ ذَلِكَ في آدَمَ وحَوّاءَ قالَ: إنَّ إبْلِيسَ جاءَ إلى آدَمَ، وقَدْ ماتَ لَهُ ولَدٌ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ، فَقالَ: إنْ شِئْتَ أنْ يَعِيشَ لَكَ الوَلَدُ فَسَمِّهِ عَبْدَ شَمْسٍ فَسَمّاهُ كَذَلِكَ، فَإيّاهُ عَنى بِقَوْلِهِ: أتُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ، عائِدٌ عَلى آدَمَ وحَوّاءَ والِابْنِ المُسَمّى عَبْدَ شَمْسٍ. ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾، أيْ: ولا تَقْدِرُ الأصْنامُ لِمَن يَعْبُدُهم عَلى نَصْرٍ ولا لِأنْفُسِهِمْ إنْ حَدَثَ بِهِمْ حادِثٌ، بَلْ عَبَدَتُهُمُ الَّذِينَ يَدْفَعُونَ عَنْها ويَحْمُونَها، ومَن لا يَقْدِرُ عَلى نَصْرِ نَفْسِهِ كَيْفَ يَقْدِرُ عَلى نَصْرِ غَيْرِهِ ؟ ﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَتَّبِعُوكم سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ لِلْكُفّارِ، انْتَقَلَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ والتَّوْبِيخِ عَلى عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ الخِطابَ لِلْكُفّارِ قَوْلُهُ بَعْدُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكُمْ﴾ وضَمِيرُ المَفْعُولِ عائِدٌ عَلى ما عادَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الضَّمائِرُ قَبْلُ، وهو الأصْنامُ، والمَعْنى: وإنْ تَدْعُوا هَذِهِ الأصْنامَ إلى ما هو هُدًى ورَشادٌ أوْ إلى أنْ يَهْدُوكم، كَما تَطْلُبُونَ مِنَ اللَّهِ الهُدى والخَيْرَ لا يَتَّبِعُوكم عَلى مُرادِكم ولا يُجِيبُوكم، أيْ: لَيْسَتْ فِيهِمْ هَذِهِ القابِلِيَّةُ؛ لِأنَّها جَمادٌ لا تَعْقِلُ، ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾، أيْ: دُعاؤُكم إيّاهم وصَمْتُكم عَنْهم سِيّانِ، فَكَيْفَ يُعْبَدُ مَن هَذِهِ حالُهُ ؟ وقِيلَ: الخِطابُ لِلرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ، وضَمِيرُ النَّصْبِ لِلْكُفّارِ، أيْ: وإنْ تَدْعُوا الكُفّارَ إلى الهُدى لا يَقْبَلُوا مِنكم فَدُعاؤُكم وصَمْتُكم سِيّانِ، أيْ: لَيْسَتْ فِيهِمْ قابِلِيَّةُ قَبُولٍ ولا هُدًى، وقَرَأ الجُمْهُورُ: لا يَتَّبِعُوكم، مُشَدَّدًا هُنا وفي الشُّعَراءِ: ﴿يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] مِنِ اتَّبَعَ، ومَعْناها: لا يَقْتَدُوا بِكم، وقَرَأ نافِعٌ فِيهِما لا يَتْبَعُوكم مُخَفَّفًا مِن تَبِعَ، ومَعْناهُ: لا يَتْبَعُوا آثارَكم، وعُطِفَتِ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ عَلى الفِعْلِيَّةِ؛ لِأنَّها في مَعْنى الفِعْلِيَّةِ، والتَّقْدِيرُ: أمْ صَمَتُّمْ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي قَوْلِهِ: أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ عَطَفَ الِاسْمَ عَلى الفِعْلِ؛ إذْ (p-٤٤٢)التَّقْدِيرُ: أمْ صَمَتُّمْ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎سَواءٌ عَلَيْكَ النَّفْرُ أمْ بِتَّ لَيْلَةً ∗∗∗ بِأهْلِ القِبابِ مِن نُمَيْرِ بْنِ عامِرِ انْتَهى، ولَيْسَ مِن عَطْفِ الِاسْمِ عَلى الفِعْلِ، إنَّما هو مِن عَطْفِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ عَلى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ، وأمّا البَيْتُ فَلَيْسَ مِن عَطْفِ الِاسْمِ عَلى الفِعْلِ، بَلْ مِن عَطْفِ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ عَلى الِاسْمِ المُقَدَّرِ بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ؛ إذْ أصْلُ التَّرْكِيبِ: سَواءٌ عَلَيْكَ أنَفَرْتَ أمْ بِتَّ لَيْلَةً، فَأوْقَعَ النَّفْرَ مَوْقِعَ أنَفَرْتَ، وكانَتِ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ اسْمِيَّةً لِمُراعاةِ رُءُوسِ الآيِ، ولِأنَّ الفِعْلَ يُشْعِرُ بِالحُدُوثِ، واسْمُ الفاعِلِ يُشْعِرُ بِالثُّبُوتِ والِاسْتِمْرارِ، فَكانُوا إذا دَهَمَهم أمْرٌ مُعْضِلٌ فَزِعُوا إلى أصْنامِهِمْ، وإذا لَمْ يَحْدُثْ بَقُوا ساكِتِينَ، فَقِيلَ: لا فَرْقَ بَيْنَ أنْ تُحْدِثُوا لَهم دُعاءً، وبَيْنَ أنْ تَسْتَمِرُّوا عَلى صَمْتِكم فَتَبْقُوا عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِن عادَةِ صَمْتِكم وهي الحالَةُ المُسْتَمِرَّةُ. ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكم فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ لِما قَبْلَها في انْتِفاءِ كَوْنِ هَذِهِ الأصْنامِ قادِرَةً عَلى شَيْءٍ مِن نَفْعٍ أوْ ضَرٍّ، أيِ: الَّذِينَ تَدْعُونَهم وتُسَمُّونَهم آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ الَّذِي أوْجَدَها وأوْجَدَكم هم عِبادٌ، وسَمّى الأصْنامَ عِبادًا وإنْ كانَتْ جَماداتٍ؛ لِأنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ فِيها أنَّها تَضُرُّ وتَنْفَعُ، فاقْتَضى ذَلِكَ أنْ تَكُونَ عاقِلَةً (p-٤٤٣)وأمْثالُكم. قالَ الحَسَنُ في كَوْنِها مَمْلُوكَةً لِلَّهِ، وقالَ التَّبْرِيزِيُّ في كَوْنِها مَخْلُوقَةً، وقالَ مُقاتِلٌ: المُرادُ طائِفَةٌ مِنَ العَرَبِ مِن خُزاعَةَ كانَتْ تَعْبُدُ المَلائِكَةَ فَأعْلَمَهم تَعالى أنَّهم عِبادٌ أمْثالُهم لا آلِهَةٌ، انْتَهى، فَعَلى هَذا جاءَ الإخْبارُ إخْبارًا عَنِ العُقَلاءِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿عِبادٌ أمْثالُكُمْ﴾ اسْتِهْزاءٌ بِهِمْ، أيْ: قُصارى أمْرِهِمْ أنْ يَكُونُوا أحْياءَ عُقَلاءَ، فَإنْ ثَبَتَ ذَلِكَ فَمِنهم عِبادٌ أمْثالُكم لا تَفاضُلَ بَيْنَكم، ثُمَّ أبْطَلَ أنْ يَكُونُوا عِبادًا أمْثالَكم، فَقالَ: ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ [الأعراف: ١٩٥] انْتَهى ؟ ولَيْسَ كَما زَعَمَ؛ لِأنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلى (p-٤٤٤)هَؤُلاءِ المَدْعُوِّينَ مِن دُونِ اللَّهِ أنَّهم عِبادٌ أمْثالُ الدّاعِينَ، فَلا يُقالُ في الخَبَرِ مِنَ اللَّهِ، فَإنْ ثَبَتَ ذَلِكَ لِأنَّهُ ثابِتٌ ولا يَصِحُّ أنْ يُقالَ، ثُمَّ أبْطَلَ أنْ يَكُونُوا عِبادًا أمْثالَكم، فَقالَ: ﴿ألَهم أرْجُلٌ﴾ [الأعراف: ١٩٥] لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ألَهم أرْجُلٌ﴾ [الأعراف: ١٩٥] لَيْسَ إبْطالًا لِقَوْلِهِ: ﴿عِبادٌ أمْثالُكُمْ﴾؛ لِأنَّ المِثْلِيَّةَ ثابِتَةٌ، إمّا في أنَّهم مَخْلُوقُونَ، أوْ في أنَّهم مَمْلُوكُونَ مَقْهُورُونَ، وإنَّما ذَلِكَ تَحْقِيرٌ لِشَأْنِ الأصْنامِ وأنَّهم دُونَكم في انْتِفاءِ الآلاتِ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلِانْتِفاعِ بِها مَعَ ثُبُوتِ كَوْنِهِمْ أمْثالَكم فِيما ذُكِرَ، ولا يَدُلُّ إنْكارُ هَذِهِ الآلاتِ عَلى انْتِفاءِ المِثْلِيَّةِ فِيما ذُكِرَ، وأيْضًا فالأبْطالُ لا يُتَصَوَّرُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى كَذِبِ أحَدِ الخَبَرَيْنِ، وذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى، وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ﴾ [الأعراف: ١٧٩] وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ إنْ خَفِيفَةً، وعِبادًا أمْثالَكم، بِنَصْبِ الدّالِ واللّامِ، واتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى تَخْرِيجِ هَذِهِ القِراءَةِ عَلى أنَّ إنْ هي النّافِيَةُ أعُمِلَتْ عَمَلَ ما الحِجازِيَّةِ فَرَفَعَتِ الِاسْمَ ونَصَبَتِ الخَبَرَ، فَعِبادًا أمْثالَكم خَبَرٌ مَنصُوبٌ، قالُوا: والمَعْنى: بِهَذِهِ القِراءَةِ تَحْقِيرُ شَأْنِ الأصْنامِ ونَفْيُ مُماثَلَتِهِمْ لِلْبَشَرِ، بَلْ هم أقَلُّ وأحْقَرُ؛ إذْ هي جَماداتٌ لا تَفْهَمُ ولا تَعْقِلُ، وإعْمالُ إنْ إعْمالَ ما الحِجازِيَّةِ فِيهِ خِلافٌ، أجازَ ذَلِكَ الكِسائِيُّ وأكْثَرُ الكُوفِيِّينَ، ومِنَ البَصْرِيِّينَ ابْنُ السِّراجِ والفارِسِيِّ وابْنُ جِنِّيٍّ، ومَنَعَ مِن إعْمالِهِ الفَرّاءُ وأكْثَرُ البَصْرِيِّينَ، واخْتَلَفَ النَّقْلُ عَنْ سِيبَوَيْهِ والمُبَرِّدِ، والصَّحِيحُ أنَّ إعْمالَها لُغَةٌ ثَبَتَ ذَلِكَ في النَّثْرِ والنَّظْمِ، وقَدْ ذَكَرْنا ذَلِكَ مُشْبَعًا في شَرْحِ التَّسْهِيلِ، وقالَ النَّحّاسُ: هَذِهِ قِراءَةٌ لا يَنْبَغِي أنْ يُقْرَأ بِها بِثَلاثِ جِهاتٍ: إحْداها: أنَّها مُخالِفَةٌ لِلسَّوادِ، والثّانِيَةُ: أنَّ سِيبَوَيْهِ يَخْتارُ الرَّفْعَ في خَبَرِ إنْ إذا كانَتْ بِمَعْنى ما، فَيَقُولُ: إنْ زَيْدٌ مُنْطَلِقٌ؛ لِأنَّ عَمَلَ ما ضَعِيفٌ وإنْ بِمَعْناها فَهي أضْعَفُ مِنها، والثّالِثَةُ: أنَّ الكِسائِيَّ رَأى أنَّها في كَلامِ العَرَبِ لا تَكُونُ بِمَعْنى ما إلّا أنْ يَكُونَ بَعْدَها إيجابٌ، انْتَهى، وكَلامُ النَّحّاسِ هَذا هو الَّذِي لا يَنْبَغِي؛ لِأنَّها قِراءَةٌ مَرْوِيَّةٌ عَنْ تابِعِيٍّ جَلِيلٍ ولَها وجْهٌ في العَرَبِيَّةِ، وأمّا الثَّلاثُ جِهاتٍ الَّتِي ذَكَرَها فَلا يَقْدَحُ شَيْءٌ مِنها في هَذِهِ القِراءَةِ، أمّا كَوْنُها مُخالِفَةً لِلسَّوادِ، فَهو خِلافٌ يَسِيرٌ جِدًّا لا يَضُرُّ، ولَعَلَّهُ كُتِبَ المَنصُوبُ عَلى لُغَةِ رَبِيعَةَ في الوَقْفِ عَلى المُنَوَّنِ المَنصُوبِ بِغَيْرِ ألْفٍ فَلا تَكُونُ فِيهِ مُخالَفَةٌ لِلسَّوادِ، وأمّا ما حُكِيَ عَنْ سِيبَوَيْهِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الفَهْمُ في كَلامِ سِيبَوَيْهِ في إنْ، وأمّا ما حَكاهُ عَنِ الكِسائِيِّ، فالنَّقْلُ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ حَكى إعْمالَها، ولَيْسَ بَعْدَها إيجابٌ، والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ هَذا التَّخْرِيجَ الَّذِي خَرَّجُوهُ مِن أنَّ إنْ لِلنَّفْيِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأنَّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ تَدُلُّ عَلى إثْباتِ كَوْنِ الأصْنامِ عِبادًا أمْثالَ عابِدِيها، وهَذا التَّخْرِيجُ يَدُلُّ عَلى نَفْيِ ذَلِكَ فَيُؤَدِّي إلى عَدَمِ مُطابَقَةِ أحَدِ الخَبَرَيْنِ الآخَرَ، وهو لا يَجُوزُ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى، وقَدْ خُرِّجَتْ هَذِهِ القِراءَةُ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ عَلى وجْهٍ غَيْرِ ما ذَكَرُوهُ، وهو أنَّ إنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ وأعْمَلَها عَمَلَ المُشَدَّدَةِ، وقَدْ ثَبَتَ أنَّ إنِ المُخَفَّفَةَ يَجُوزُ إعْمالُها عَمَلَ المُشَدَّدَةِ في غَيْرِ المُضْمَرِ بِالقِراءَةِ المُتَواتِرَةِ: ﴿وإنَّ كُلًّا لَمّا﴾ [هود: ١١١] وبِنَقْلِ سِيبَوَيْهِ عَنِ العَرَبِ، لَكِنَّهُ نَصَبَ في هَذِهِ القِراءَةِ خَبَرَها نَصْبَ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ المَخْزُومِيِّ في قَوْلِهِ: ؎إذا اسْوَدَّ جُنْحُ اللَّيْلِ فَلْتَأْتِ ولْتَكُنْ ∗∗∗ خُطاكَ خِفافًا إنَّ حُرّاسَنا أُسْدا وقَدْ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ النُّحاةِ إلى جَوازِ نَصْبِ أخْبارِ إنَّ وأخَواتِها، واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِشَواهِدَ ظاهِرَةِ الدَّلالَةِ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِهِمْ وتَأوَّلَها المُخالِفُونَ، فَهَذِهِ القِراءَةُ الشّاذَّةُ تَتَخَرَّجُ عَلى هَذِهِ اللُّغَةِ، أوْ تَتَأوَّلُ عَلى تَأْوِيلِ المُخالِفِينَ لِأهْلِ هَذا المَذْهَبِ، وهو أنَّهم تَأوَّلُوا المَنصُوبَ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، كَما قالُوا في قَوْلِهِ: ؎يا لَيْتَ أيّامَ الصِّبا رَواجِعا إنَّ تَقْدِيرَهُ: أقْبَلَتْ رَواجِعًا، فَكَذَلِكَ تُؤَوَّلُ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، تَقْدِيرُهُ: إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مَن دُونِ اللَّهِ تَدْعُونَ عِبادًا أمْثالَكم، وتَكُونُ القِراءَتانِ قَدْ (p-٤٤٥)تَوافَقَتا عَلى مَعْنًى واحِدٍ، وهو الإخْبارُ أنَّهم عِبادٌ، ولا يَكُونُ تَفاوُتٌ بَيْنَهُما وتَخالُفٌ لا يَجُوزُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، وقُرِئَ أيْضًا إنْ مُخَفَّفَةً، ونَصْبُ عِبادًا عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَحْذُوفِ العائِدِ مِنَ الصِّلَةِ عَلى الَّذِينَ، وأمْثالُكم بِالرَّفْعِ عَلى الخَبَرِ، أيْ: إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ في حالِ كَوْنِهِمْ عِبادًا أمْثالَكم في الخَلْقِ أوْ في المِلْكِ، فَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونُوا آلِهَةً، فادْعُوهم، أيْ: فاخْتَبِرُوهم بِدُعائِكم هَلْ يَقَعُ مِنهم إجابَةٌ أوْ لا يَقَعُ، والأمْرُ بِالِاسْتِجابَةِ هو عَلى سَبِيلِ التَّعْجِيزِ، أيْ: لا يُمْكِنُ أنْ يُجِيبُوا، كَما قالَ: ولَوْ سَمِعُوا ما اسْتَجابُوا لَكم، ومَعْنى إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دَعْوى إلَهِيَّتِهِمْ واسْتِحْقاقِ عِبادَتِهِمْ، كَقَوْلِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأبِيهِ: ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢]

الأعراف 7:194

﴿هو الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِنها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إلَيْها فَلَمّا تَغَشّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمّا أثْقَلَتْ دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ ﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَتَّبِعُوكم سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكم فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أمْ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكم ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ﴾ [الأعراف: ١٩٥] ﴿إنَّ ولِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ وهو يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦] ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٧] ﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَسْمَعُوا وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ وهم لا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٨] ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ سَمِيعٍ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١] ﴿وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٢] ﴿وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي هَذا بَصائِرُ مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٣] ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وخِيفَةً ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ بِالغُدُوِّ والآصالِ ولا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ويُسَبِّحُونَهُ ولَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] صَمَتَ يَصْمُتُ بِضَمِّ المِيمِ صَمْتًا وصُماتًا سَكَتَ، وإصْمِتْ فَلاةَ مَعْرُوفَةٌ، وهي مُسَمّاةٌ بِفِعْلِ الأمْرِ قُطِعَتْ هَمْزَتُهُ؛ إذْ ذاكَ قاعِدَةٌ في تَسْمِيَتِهِ بِفِعْلٍ فِيهِ هَمْزَةُ وصْلٍ، وكُسِرَتِ المِيمُ لِأنَّ التَّغْيِيرَ يَأْنَسُ بِالتَّغْيِيرِ، ولِئَلّا يَدْخُلَ في وزْنٍ لَيْسَ في الأسْماءِ. البَطْشُ الأخْذُ بِقُوَّةٍ، بَطَشَ (p-٤٣٨)يَبْطِشُ بِضَمِّ الطّاءِ وكَسْرِها، النَّزْعُ أدْنى حَرَكَةٍ، ومِنَ الشَّيْطانِ أدْنى وسْوَسَةٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: حَرَكَةٌ فِيها فَسادٌ وقَلَّما تُسْتَعْمَلُ إلّا في فِعْلِ الشَّيْطانِ؛ لِأنَّ حَرَكاتِهِ مُسْرِعَةٌ مُفْسِدَةٌ؛ وقِيلَ: هو لُغَةُ الإصابَةِ تَعْرِضُ عِنْدَ الغَضَبِ، وقالَ الفَرّاءُ: الإغْراءُ والإغْضابُ الإنْصاتُ، قالَ الفَرّاءُ: هو السُّكُوتُ لِلِاسْتِماعِ، يُقالُ: نَصَتَ وأنْصَتَ وانْتَصَتَ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقَدْ ورَدَ الإنْصاتُ مُتَعَدِّيًا في شِعْرِ الكُمَيْتِ قالَ: ؎أبُوكَ الَّذِي أجْدى عَلَيْهِ بِنَصْرِهِ فَأنْصَتَ عَنِّي بَعْدَهُ كُلَّ قائِلِ قالَ: يُرِيدُ فَأسْكَتَ عَنِّي. الآصالُ جَمْعُ أصْلٍ، وهو العَشِيُّ كَعُنُقٍ وأعْناقٍ، أوْ جَمْعُ أصِيلٍ كَيَمِينٍ وأيْمانٍ، ولا حاجَةَ لِدَعْوى أنَّهُ جَمْعُ جَمْعٍ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُهم؛ إذْ ثَبَتَ أنَّ أصْلًا مُفْرَدٌ وإنْ كانَ يَجُوزُ جَمْعُ أصِيلٍ عَلى أُصُلٍ، فَيَكُونُ جَمْعًا كَكَثِيبٍ وكُثُبٍ، ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ آصالًا جَمْعُ أصْلٍ، ومُفْرَدُ أصْلٍ أصِيلٌ الفَرّاءُ، ويُقالُ: جِئْناهم مُوصِلِينَ، أيْ: عِنْدَ الأصِيلِ. ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِنها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إلَيْها﴾ مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا تَقَدَّمَ سُؤالُ الكُفّارِ عَنِ السّاعَةِ ووَقْتِها، وكانَ فِيهِمْ مَن لا يُؤْمِنُ بِالبَعْثِ ذَكَرَ ابْتِداءَ خَلْقِ الإنْسانِ وإنْشائِهِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الإعادَةَ مُمْكِنَةٌ، كَما أنَّ الإنْشاءَ كانَ مُمْكِنًا، وإذا كانَ إبْرازُهُ مِنَ العَدَمِ الصَّرْفُ إلى الوُجُودِ واقِعًا بِالفِعْلِ، وإعادَتُهُ أحْرى أنْ تَكُونَ واقِعَةً بِالفِعْلِ؛ وقِيلَ: وجْهُ المُناسَبَةِ أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ، ويَشْتَقُّونَ مِنها أسْماءً لِآلِهَتِهِمْ وأصْنامِهِمْ، وأمَرَ بِالنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ المُؤَدِّي إلى تَفَرُّدِهِ بِالإلَهِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ، بَيَّنَ هُنا أنَّ أصْلَ الشِّرْكَ مِن إبْلِيسَ لِآدَمَ وزَوْجَتِهِ حِينَ تَمَنَّيا الوَلَدَ الصّالِحَ، وأجابَ اللَّهُ دُعاءَهُما فَأدْخَلَ إبْلِيسُ عَلَيْهِما الشِّرْكَ بِقَوْلِهِ: سَمِّياهُ عَبْدَ الحارِثِ فَإنَّهُ لا يَمُوتُ فَفَعَلا ذَلِكَ، وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ ما مُلَخَّصُهُ: لَمّا أمَرَ بِالنَّظَرِ في المَلَكُوتِ الدّالِّ عَلى الوَحْدانِيَّةِ، وقَسَّمَ خَلْقَهُ إلى مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، ونَفى قُدْرَةَ أحَدٍ مِن خَلْقِهِ عَلى نَفْعِ نَفْسِهِ أوْ ضَرِّها، رَجَعَ إلى تَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ، انْتَهى، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فالخِطابُ بِخَلَقَكم عامٌّ، والمَعْنى: أنَّكم تَفَرَّعْتُمْ مِن آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنَّ مَعْنى ﴿وجَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ هي حَوّاءُ، ومِنها إمّا مِن جِسْمِ آدَمَ مِن ضِلْعٍ مِن أضْلاعِهِ، وإمّا أنْ يَكُونَ مِن جِنْسِها، كَما قالَ تَعالى: ﴿جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ [النحل: ٧٢]، وقَدْ مَرَّ هَذانِ القَوْلانِ في أوَّلِ النِّساءِ مَشْرُوحَيْنِ بِأكْثَرَ مِن هَذا، ويَكُونُ الإخْبارُ بَعْدَ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَنْ آدَمَ وحَوّاءَ، ويَأْتِي تَفْسِيرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وعَلى هَذا القَوْلِ فَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ الآيَةَ، وقَدْ رَدَّ هَذا القَوْلَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ وأفْسَدَهُ مِن وُجُوهٍ. الأوَّلُ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ فَدَلَّ عَلى أنَّ الَّذِينَ أتَوْا بِهَذا الشِّرْكِ جَماعَةٌ. الثّانِي: أنَّهُ قالَ بَعْدَهُ: ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾، وهَذا رَدٌّ عَلى مَن جَعَلَ الأصْنامَ شُرَكاءَ، ولَمْ يَجْرِ لِإبْلِيسَ في هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرٌ، الثّالِثُ: لَوْ كانَ المُرادُ إبْلِيسَ، لَقالَ: أيُشْرِكُونَ مَن لا يَخْلُقُ، ثُمَّ ذَكَرَ الرّازِيُّ ثَلاثَةَ وُجُوهٍ أُخَرَ مِن جِهَةِ النَّظَرِ يُوقَفُ عَلَيْها مِن كِتابِهِ، وقالَ الحَسَنُ وجَماعَةٌ: الخِطابُ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، والمَعْنى في ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾: مِن هَيْئَةٍ واحِدَةٍ وشَكْلٍ واحِدٍ ﴿وجَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾، أيْ: مِن جِنْسِها، ثُمَّ ذَكَرَ حالَ الذَّكَرِ والأُنْثى مِنَ الخَلْقِ، ومَعْنى ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ﴾، أيْ: حَرَّفاهُ عَنِ الفِطْرَةِ إلى الشِّرْكِ، كَما جاءَ: ما مِن مَوْلُودٍ إلّا يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ، فَأبَواهُ هُما اللَّذانِ يُهَوِّدانِهِ ويُنَصِّرانِهِ ويُمَجِّسانِهِ. وقالَ القَفّالُ نَحْوَ هَذا القَوْلِ، قالَ: هو الَّذِي خَلَقَ كُلَّ واحِدٍ مِنكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِن جِنْسِها زَوْجَها، وذَكَرَ حالَ الزَّوْجِ والزَّوْجَةِ، وجَعَلا، أيِ: الزَّوْجُ والزَّوْجَةُ، لِلَّهِ تَعالى شُرَكاءَ فِيما آتاهُما؛ لِأنَّهُما تارَةً يَنْسُبُونَ ذَلِكَ الوَلَدَ إلى الطَّبائِعِ، كَما هو قَوْلُ الطَّبائِعِيِّينَ، وتارَةً إلى الكَواكِبِ، كَما هو قَوْلُ المُنَجِّمِينَ، وتارَةً إلى الأصْنامِ والأوْثانِ، كَما هو قَوْلُ عَبَدَةِ (p-٤٣٩)الأصْنامِ، انْتَهى، وعَلى هَذا لا يَكُونُ لِآدَمَ وحَوّاءَ ذِكْرٌ في الآيَةِ؛ وقِيلَ: الخِطابُ بِخَلَقَكم خاصٌّ، وهو لِمُشْرِكِي العَرَبِ، كَما يُقَرِّبُونَ المَوْلُودَ لِلّاتَ والعُزّى والأصْنامِ تَبَرُّكًا بِهِمْ في الِابْتِداءِ، ويَنْقَطِعُونَ بِأمَلِهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى في ابْتِداءِ خَلْقِ الوَلَدِ إلى انْفِصالِهِ، ثُمَّ يُشْرِكُونَ فَحَصَلَ التَّعَجُّبُ مِنهم؛ وقِيلَ: الخِطابُ خاصٌّ أيْضًا، وهو لِقُرَيْشٍ المُعاصِرِينَ لِلرَّسُولِ، و﴿نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ هو قَضى مِنها، أيْ: مِن جِنْسِها زَوْجَةٌ عَرَبِيَّةٌ قُرَشِيَّةٌ لِيَسْكُنَ إلَيْها، والصّالِحُ: الوَلَدُ السَّوِيُّ، جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ حَيْثُ سَمَّيا أوْلادَهُما الأرْبَعَةَ: عَبْدَ مَنافٍ وعَبْدَ العُزّى وعَبْدَ قُصَيٍّ وعَبْدَ الدّارِ، والضَّمِيرُ في يُشْرِكُونَ لَهُما ولِأعْقابِهِما الَّذِينَ اقْتَدَوْا بِهِما في الشِّرْكِ، انْتَهى. ﴿لِيَسْكُنَ إلَيْها﴾ لِيَطْمَئِنَّ ويَمِيلَ، ولا يَنْفِرَ؛ لِأنَّ الجِنْسَ إلى الجِنْسِ أمْيَلُ وبِهِ آنَسُ، وإذا كانَ مِنها عَلى حَقِيقَتِهِ فالسُّكُونُ والمَحَبَّةُ أبْلَغُ، كَما يَسْكُنُ الإنْسانُ إلى ولَدِهِ ويُحِبُّهُ مَحَبَّةَ نَفْسِهِ أوْ أكْثَرَ لِكَوْنِهِ بَعْضًا مِنهُ، وأنَّثَ في قَوْلِهِ: مِنها، ذَهابًا إلى لَفْظِ النَّفْسِ، ثُمَّ ذَكَرَ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَسْكُنَ﴾، حَمْلًا عَلى مَعْنى النَّفْسِ لِيُبَيِّنَ أنَّ المُرادَ بِها الذَّكَرُ آدَمُ أوْ غَيْرُهُ عَلى اخْتِلافِ التَّأْوِيلاتِ، وكانَ الذَّكَرُ هو الَّذِي يَسْكُنُ إلى الأُنْثى ويَتَغَشّاها، فَكانَ التَّذْكِيرُ أحْسَنَ طِباقًا لِلْمَعْنى. ﴿فَلَمّا تَغَشّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ﴾ إنْ كانَ الخَبَرُ عَنْ آدَمَ فَخَلْقُ حَوّاءَ كانَ في الجَنَّةِ، وأمّا التَّغَشِّي والحَمْلُ فَكانا في الأرْضِ، والتَّغَشِّي والغَشَيانُ والإتْيانُ كِنايَةٌ عَنِ الجِماعِ، ومَعْنى الخِفَّةِ أنَّها لَمْ تَلْقَ بِهِ مِنَ الكَرْبِ ما يَعْرِضُ لِبَعْضِ الحَبالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حَمْلًا مَصْدَرًا، وأنْ يَكُونَ ما في البَطْنِ، والحَمْلُ بِفَتْحِ الحاءِ ما كانَ في بَطْنٍ أوْ عَلى رَأْسِ الشَّجَرَةِ، وبِالكَسْرِ ما كانَ عَلى ظَهْرٍ أوْ عَلى رَأْسِ غَيْرِ شَجَرَةٍ، وحَكى يَعْقُوبُ في حَمْلِ النَّخْلِ، وحَكى أبُو سَعِيدٍ في حَمْلِ المَرْأةِ خَمَلَ وحَمَلَ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الحَمْلُ الخَفِيفُ هو المَنِيُّ الَّذِي تَحْمِلُهُ المَرْأةُ في فَرْجِها، وقَرَأ حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: حِمْلًا، بِكَسْرِ الحاءِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: فَمَرَّتْ بِهِ، قالَ الحَسَنُ: أيِ: اسْتَمَرَّتْ بِهِ؛ وقِيلَ: هَذا عَلى القَلْبِ، أيْ: فَمَرَّ بِها، أيِ: اسْتَمَرَّ بِها، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَمَضَتْ بِهِ إلى وقْتِ مِيلادِهِ مِن غَيْرِ إخْراجٍ ولا إزْلاقٍ؛ وقِيلَ: حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا يَعْنِي النُّطْفَةَ، فَمَرَّتْ بِهِ: فَقامَتْ بِهِ وقَعَدَتْ فاسْتَمَرَّتْ بِهِ، انْتَهى، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما ذَكَرَ النَّقّاشُ وأبُو العالِيَةِ ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ وأيُّوبُ: فَمَرَتْ بِهِ، خَفِيفَةَ الرّاءِ مِنَ المِرْيَةِ، أيْ: فَشَكَّتْ فِيما أصابَها أهُوَ حَمْلٌ أوْ مَرَضٌ؛ وقِيلَ: مَعْناهُ اسْتَمَرَّتْ بِهِ لَكِنَّهم كَرِهُوا التَّضْعِيفَ فَخَفَّفُوهُ، نَحْوَ: وقَرَنَ، فِيمَن فَتَحَ مِنَ القَرارِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ والجَحْدَرِيُّ: فَمارَتْ بِهِ، بِألِفٍ وتَخْفِيفِ الرّاءِ، أيْ: جاءَتْ وذَهَبَتْ وتَصَرَّفَتْ بِهِ، كَما تَقُولُ: مارَتِ الرِّيحُ مَوْرًا، ووَزْنُهُ فَعَلَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِنَ المِرْيَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَتُمارُونَهُ﴾ [النجم: ١٢] ومَعْناهُ ومَعْنى المُخَفَّفَةِ فَمَرَتْ: وقَعَ في نَفْسِها ظَنُّ الحَمْلِ وارْتابَتْ بِهِ، ووَزْنُهُ فاعَلَ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: فاسْتَمَرَّتْ بِحَمْلِها، وقَرَأ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا والضَّحّاكُ: فاسْتَمَرَّتْ بِهِ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ والجِرْمِيُّ: فاسْتَمارَتْ بِهِ، والظّاهِرُ رُجُوعُهُ إلى المِرْيَةِ بَنى مِنها اسْتَفْعَلَ، كَما بَنى مِنها فاعَلَ في قَوْلِكَ: مارَيْتُ. ﴿فَلَمّا أثْقَلَتْ دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ (p-٤٤٠)أيْ: دَخَلَتْ في الثِّقَلِ، كَما تَقُولُ: أصْبَحَ وأمْسى، أوْ صارَتْ ذاتَ ثِقْلٍ، كَما تَقُولُ: أتْمَرَ الرَّجُلُ وألْبَنَ، إذا صارَ ذا تَمْرٍ ولَبَنٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ حانَ وقْتُ ثِقَلِها، كَقَوْلِهِ: أقْرَبَتْ، وقُرِئَ: أُثْقِلَتْ، عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، رَبَّهُما، أيْ: مالِكَ أمْرِهِما الَّذِي هو الحَقِيقُ أنْ يُدْعى، ومُتَعَلِّقُ الدُّعاءِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ جُمْلَةُ جَوابِ القَسَمِ، أيْ: دَعَوا اللَّهَ ورَغِبا إلَيْهِ في أنْ يُؤْتِيَهُما صالِحًا، ثُمَّ أقْسَما عَلى أنَّهُما يَكُونانِ مِنَ الشّاكِرِينَ إنْ آتاهُما صالِحًا؛ لِأنَّ إيتاءَ الصّالِحِ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَلى والِدَيْهِ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ: إنَّ عَمَلَ ابْنِ آدَمَ يَنْقَطِعُ إلّا مِن ثَلاثٍ، فَذَكَرَ الوَلَدَ الصّالِحَ يَدْعُو لِوالِدِهِ، فَيَنْبَغِي الشُّكْرُ عَلَيْها؛ إذْ هي مِن أجَلِّ النِّعَمِ، ومَعْنى صالِحًا مُطِيعًا لِلَّهِ تَعالى، أيْ: ولَدًا طائِعًا، أوْ ولَدًا ذَكَرًا؛ لِأنَّ الذُّكُورَةَ مِنَ الصَّلاحِ والجَوْدَةِ، قالَ الحَسَنُ: سَمَّياهُ غُلامًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَشَرًا سَوِيًّا سَلِيمًا، ولَنَكُونَنَّ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: وأقْسَما لَئِنْ آتَيْتَنا، أوْ مُقْسِمِينَ لَئِنْ آتَيْتَنا، وانْتِصابُ صالِحًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِآتَيْتَنا، وفي المُشْكِلِ لِمَكِّيٍّ أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ، أيِ: ابْنًا صالِحًا. ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾ مَن جَعَلَ الآيَةَ في آدَمَ وحَوّاءَ جَعَلَ الضَّمائِرَ والأخْبارَ لَهُما، وذَكَرُوا في ذَلِكَ مُحاوَراتٍ جَرَتْ بَيْنَ إبْلِيسَ وآدَمَ وحَوّاءَ لَمْ تَثْبُتْ في قُرْآنٍ ولا حَدِيثٍ صَحِيحٍ، فَأطْرَحْتُ ذِكْرَها، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والضَّمِيرُ في آتَيْتَنا ولَنَكُونَنَّ لَهُما ولِكُلِّ مَن تَناسَلَ مِن ذُرِّيَّتِهِما، فَلَمّا آتاهُما ما طَلَبا مِنَ الوَلَدِ الصّالِحِ السَّوِيِّ جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ، أيْ: جَعَلَ أوْلادَهُما لَهُ شُرَكاءَ عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، وكَذَلِكَ فِيما آتاهُما، أيْ: آتى أوْلادَهُما، وقَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ حَيْثُ جَمَعَ الضَّمِيرَ، وآدَمُ وحَوّاءُ بَرِيئانِ مِنَ الشِّرْكِ، ومَعْنى إشْراكِهِمْ فِيما آتاهُمُ اللَّهُ بِتَسْمِيَةِ أوْلادِهِمْ بِعَبْدِ العُزّى وعَبْدِ مَنافٍ وعَبْدِ شَمْسٍ وما أشْبَهَ ذَلِكَ، مَكانَ عَبْدِ اللَّهِ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ وعَبْدِ الرَّحِيمِ، انْتَهى، وفي كَلامِهِ تَفْكِيكٌ لِلْكَلامِ عَنْ سِياقِهِ وغَيْرِهِ مِمَّنْ جَعَلَ الكَلامَ لِآدَمَ وحَوّاءَ جَعَلَ الشِّرْكَ تَسْمِيَتَهُما الوَلَدَ الثّالِثَ عَبْدَ الحارِثِ؛ إذْ كانَ قَدْ ماتَ لَهُما ولَدانِ قَبْلَهُ كانا سَمَّيا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما عَبْدَ اللَّهِ، فَأشارَ عَلَيْهِما إبْلِيسُ في أنْ يُسَمِّيا هَذا الثّالِثَ عَبْدَ الحارِثِ فَسَمَّياهُ بِهِ حِرْصًا عَلى حَياتِهِ، فالشِّرْكُ الَّذِي جَعَلا لِلَّهِ هو في التَّسْمِيَةِ فَقَطْ، ويَكُونُ الضَّمِيرُ في يُشْرِكُونَ عائِدًا عَلى آدَمَ وحَوّاءَ وإبْلِيسَ؛ لِأنَّهُ مُدَبِّرٌ مَعَهُما تَسْمِيَةَ الوَلَدِ عَبْدَ الحارِثِ؛ وقِيلَ: جَعَلا، أيْ: جَعَلَ أحَدُهُما يَعْنِي حَوّاءَ، وإمّا مِن جَعْلِ الخِطابِ لِلنّاسِ، ولَيْسَ المُرادُ في الآيَةِ بِالنَّفْسِ وزَوْجِها آدَمَ وحَوّاءَ، أوْ جَعَلَ الخِطابَ لِمُشْرِكِي العَرَبِ، أوْ لِقُرَيْشٍ عَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَيَتَّسِقُ الكَلامُ اتِّساقًا حَسَنًا مِن غَيْرِ تَكَلُّفِ تَأْوِيلٍ ولا تَفْكِيكٍ، وقالَ السُّدِّيُّ والطَّبَرِيُّ: ثُمَّ أخْبَرَ آدَمَ وحَوّاءَ في قَوْلِهِ: ﴿فِيما آتاهُما﴾، وقَوْلُهُ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ كَلامٌ مُنْفَصِلٌ يُرادُ بِهِ مُشْرِكُو العَرَبِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا تَحَكُّمٌ لا يُساعِدُهُ اللَّفْظُ، انْتَهى، والضَّمِيرُ في لَهُ عائِدٌ عَلى اللَّهِ، ومَن زَعَمَ أنَّهُ عائِدٌ عَلى إبْلِيسَ فَقَوْلُهُ بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ، وكَذا يَبْعُدُ قَوْلُ مَن جَعَلَهُ عائِدًا عَلى الوَلَدِ الصّالِحِ وفُسِّرَ الشِّرْكُ بِالنَّصِيبِ مِنَ الرِّزْقِ في الدُّنْيا وكانا قَبْلَهُ يَأْكُلانِ ويَشْرَبانِ وحْدَهُما، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقالَ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ يَعْنِي الكُفّارَ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ وإبّانُ بْنُ ثَعْلَبٍ ونافِعٌ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ شِرْكًا عَلى المَصْدَرِ، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ذا شِرْكٍ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ أُطْلِقُ الشِّرْكُ عَلى الشَّرِيكِ، كَقَوْلِهِ: زَيْدٌ عَدْلٌ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ أحْدَثا لِلَّهِ إشْراكًا في الوَلَدِ، انْتَهى، وقَرَأ الأخَوانِ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو شُرَكاءَ عَلى الجَمْعِ، ويَبْعُدُ تَوْجِيهُ الآيَةِ أنَّها في آدَمَ وحَوّاءَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، وتَظْهَرُ باقِي الأقْوالِ عَلَيْها، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: فَلَمّا آتاهُما صالِحًا أشْرَكا فِيهِ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ: عَمّا تُشْرِكُونَ، بِالتّاءِ، التِفاتًا مِنَ الغَيْبَةِ لِلْخِطابِ، وكانَ الضَّمِيرُ بِالواوِ، (p-٤٤١)وانْتِقالًا مِنَ التَّثْنِيَةِ لِلْجَمْعِ، وتَقَدَّمَ تَوْجِيهُ ضَمِيرِ الجَمْعِ عَلى مَن يَعُودُ. ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾، أيْ: أتُشْرِكُونَ الأصْنامَ وهي لا تَقْدِرُ عَلى خَلْقِ شَيْءٍ، كَما يَخْلُقُ اللَّهُ وهم يُخْلَقُونَ، أيْ: يَخْلُقُهُمُ اللَّهُ تَعالى ويُوجِدُهم كَما يُوجِدُكم، أوْ يَكُونُ مَعْناهُ: وهم يُنْحَتُونَ ويُصْنَعُونَ، فَعَبَدَتُهم يَخْلُقُونَهم وهم لا يَقْدِرُونَ عَلى خَلْقِ شَيْءٍ، فَهم أعْجَزُ مِن عَبَدَتِهِمْ، وهم عائِدٌ عَلى مَعْنى ما، وقَدْ عادَ الضَّمِيرُ عَلى لَفْظِ ما في يَخْلُقُ، وعَبَّرَ عَنِ الأصْنامِ بِقَوْلِهِ: وهم، كَأنَّها تَعْقِلُ عَلى اعْتِقادِ الكُفّارِ فِيها وبِحَسَبِ أسْمائِهِمْ. وقِيلَ: أتى بِضَمِيرِ مَن يَعْقِلُ؛ لِأنَّ جُمْلَةَ مَن عَبَدَ الشَّياطِينَ والمَلائِكَةَ وبَعْضَ بَنِي آدَمَ، فَغَلَّبَ مَن يَعْقِلُ كُلَّ مَخْلُوقٍ لِلَّهِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وهم عائِدًا عَلى ما عادَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ الفاعِلِ في أيُشْرِكُونَ، أيْ: وهَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ يَخْلُقُونَ، أيْ: كانَ يَجِبُ أنْ يَعْتَبِرُوا بِأنَّهم مَخْلُوقُونَ، فَيَجْعَلُوا إلَهَهم خالِقَهم لا مَن لا يَخْلُقُ شَيْئًا. وقَرَأ السُّلَمِيُّ: أتُشْرِكُونَ، بِالتّاءِ مِن فَوْقٍ فَيَظْهَرُ أنْ يَكُونَ وهم عائِدًا عَلى ما عَلى مَعْناها، ومَن جَعَلَ ذَلِكَ في آدَمَ وحَوّاءَ قالَ: إنَّ إبْلِيسَ جاءَ إلى آدَمَ، وقَدْ ماتَ لَهُ ولَدٌ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ، فَقالَ: إنْ شِئْتَ أنْ يَعِيشَ لَكَ الوَلَدُ فَسَمِّهِ عَبْدَ شَمْسٍ فَسَمّاهُ كَذَلِكَ، فَإيّاهُ عَنى بِقَوْلِهِ: أتُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ، عائِدٌ عَلى آدَمَ وحَوّاءَ والِابْنِ المُسَمّى عَبْدَ شَمْسٍ. ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾، أيْ: ولا تَقْدِرُ الأصْنامُ لِمَن يَعْبُدُهم عَلى نَصْرٍ ولا لِأنْفُسِهِمْ إنْ حَدَثَ بِهِمْ حادِثٌ، بَلْ عَبَدَتُهُمُ الَّذِينَ يَدْفَعُونَ عَنْها ويَحْمُونَها، ومَن لا يَقْدِرُ عَلى نَصْرِ نَفْسِهِ كَيْفَ يَقْدِرُ عَلى نَصْرِ غَيْرِهِ ؟ ﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَتَّبِعُوكم سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ لِلْكُفّارِ، انْتَقَلَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ والتَّوْبِيخِ عَلى عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ الخِطابَ لِلْكُفّارِ قَوْلُهُ بَعْدُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكُمْ﴾ وضَمِيرُ المَفْعُولِ عائِدٌ عَلى ما عادَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الضَّمائِرُ قَبْلُ، وهو الأصْنامُ، والمَعْنى: وإنْ تَدْعُوا هَذِهِ الأصْنامَ إلى ما هو هُدًى ورَشادٌ أوْ إلى أنْ يَهْدُوكم، كَما تَطْلُبُونَ مِنَ اللَّهِ الهُدى والخَيْرَ لا يَتَّبِعُوكم عَلى مُرادِكم ولا يُجِيبُوكم، أيْ: لَيْسَتْ فِيهِمْ هَذِهِ القابِلِيَّةُ؛ لِأنَّها جَمادٌ لا تَعْقِلُ، ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾، أيْ: دُعاؤُكم إيّاهم وصَمْتُكم عَنْهم سِيّانِ، فَكَيْفَ يُعْبَدُ مَن هَذِهِ حالُهُ ؟ وقِيلَ: الخِطابُ لِلرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ، وضَمِيرُ النَّصْبِ لِلْكُفّارِ، أيْ: وإنْ تَدْعُوا الكُفّارَ إلى الهُدى لا يَقْبَلُوا مِنكم فَدُعاؤُكم وصَمْتُكم سِيّانِ، أيْ: لَيْسَتْ فِيهِمْ قابِلِيَّةُ قَبُولٍ ولا هُدًى، وقَرَأ الجُمْهُورُ: لا يَتَّبِعُوكم، مُشَدَّدًا هُنا وفي الشُّعَراءِ: ﴿يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] مِنِ اتَّبَعَ، ومَعْناها: لا يَقْتَدُوا بِكم، وقَرَأ نافِعٌ فِيهِما لا يَتْبَعُوكم مُخَفَّفًا مِن تَبِعَ، ومَعْناهُ: لا يَتْبَعُوا آثارَكم، وعُطِفَتِ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ عَلى الفِعْلِيَّةِ؛ لِأنَّها في مَعْنى الفِعْلِيَّةِ، والتَّقْدِيرُ: أمْ صَمَتُّمْ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي قَوْلِهِ: أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ عَطَفَ الِاسْمَ عَلى الفِعْلِ؛ إذْ (p-٤٤٢)التَّقْدِيرُ: أمْ صَمَتُّمْ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎سَواءٌ عَلَيْكَ النَّفْرُ أمْ بِتَّ لَيْلَةً ∗∗∗ بِأهْلِ القِبابِ مِن نُمَيْرِ بْنِ عامِرِ انْتَهى، ولَيْسَ مِن عَطْفِ الِاسْمِ عَلى الفِعْلِ، إنَّما هو مِن عَطْفِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ عَلى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ، وأمّا البَيْتُ فَلَيْسَ مِن عَطْفِ الِاسْمِ عَلى الفِعْلِ، بَلْ مِن عَطْفِ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ عَلى الِاسْمِ المُقَدَّرِ بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ؛ إذْ أصْلُ التَّرْكِيبِ: سَواءٌ عَلَيْكَ أنَفَرْتَ أمْ بِتَّ لَيْلَةً، فَأوْقَعَ النَّفْرَ مَوْقِعَ أنَفَرْتَ، وكانَتِ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ اسْمِيَّةً لِمُراعاةِ رُءُوسِ الآيِ، ولِأنَّ الفِعْلَ يُشْعِرُ بِالحُدُوثِ، واسْمُ الفاعِلِ يُشْعِرُ بِالثُّبُوتِ والِاسْتِمْرارِ، فَكانُوا إذا دَهَمَهم أمْرٌ مُعْضِلٌ فَزِعُوا إلى أصْنامِهِمْ، وإذا لَمْ يَحْدُثْ بَقُوا ساكِتِينَ، فَقِيلَ: لا فَرْقَ بَيْنَ أنْ تُحْدِثُوا لَهم دُعاءً، وبَيْنَ أنْ تَسْتَمِرُّوا عَلى صَمْتِكم فَتَبْقُوا عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِن عادَةِ صَمْتِكم وهي الحالَةُ المُسْتَمِرَّةُ. ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكم فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ لِما قَبْلَها في انْتِفاءِ كَوْنِ هَذِهِ الأصْنامِ قادِرَةً عَلى شَيْءٍ مِن نَفْعٍ أوْ ضَرٍّ، أيِ: الَّذِينَ تَدْعُونَهم وتُسَمُّونَهم آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ الَّذِي أوْجَدَها وأوْجَدَكم هم عِبادٌ، وسَمّى الأصْنامَ عِبادًا وإنْ كانَتْ جَماداتٍ؛ لِأنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ فِيها أنَّها تَضُرُّ وتَنْفَعُ، فاقْتَضى ذَلِكَ أنْ تَكُونَ عاقِلَةً (p-٤٤٣)وأمْثالُكم. قالَ الحَسَنُ في كَوْنِها مَمْلُوكَةً لِلَّهِ، وقالَ التَّبْرِيزِيُّ في كَوْنِها مَخْلُوقَةً، وقالَ مُقاتِلٌ: المُرادُ طائِفَةٌ مِنَ العَرَبِ مِن خُزاعَةَ كانَتْ تَعْبُدُ المَلائِكَةَ فَأعْلَمَهم تَعالى أنَّهم عِبادٌ أمْثالُهم لا آلِهَةٌ، انْتَهى، فَعَلى هَذا جاءَ الإخْبارُ إخْبارًا عَنِ العُقَلاءِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿عِبادٌ أمْثالُكُمْ﴾ اسْتِهْزاءٌ بِهِمْ، أيْ: قُصارى أمْرِهِمْ أنْ يَكُونُوا أحْياءَ عُقَلاءَ، فَإنْ ثَبَتَ ذَلِكَ فَمِنهم عِبادٌ أمْثالُكم لا تَفاضُلَ بَيْنَكم، ثُمَّ أبْطَلَ أنْ يَكُونُوا عِبادًا أمْثالَكم، فَقالَ: ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ [الأعراف: ١٩٥] انْتَهى ؟ ولَيْسَ كَما زَعَمَ؛ لِأنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلى (p-٤٤٤)هَؤُلاءِ المَدْعُوِّينَ مِن دُونِ اللَّهِ أنَّهم عِبادٌ أمْثالُ الدّاعِينَ، فَلا يُقالُ في الخَبَرِ مِنَ اللَّهِ، فَإنْ ثَبَتَ ذَلِكَ لِأنَّهُ ثابِتٌ ولا يَصِحُّ أنْ يُقالَ، ثُمَّ أبْطَلَ أنْ يَكُونُوا عِبادًا أمْثالَكم، فَقالَ: ﴿ألَهم أرْجُلٌ﴾ [الأعراف: ١٩٥] لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ألَهم أرْجُلٌ﴾ [الأعراف: ١٩٥] لَيْسَ إبْطالًا لِقَوْلِهِ: ﴿عِبادٌ أمْثالُكُمْ﴾؛ لِأنَّ المِثْلِيَّةَ ثابِتَةٌ، إمّا في أنَّهم مَخْلُوقُونَ، أوْ في أنَّهم مَمْلُوكُونَ مَقْهُورُونَ، وإنَّما ذَلِكَ تَحْقِيرٌ لِشَأْنِ الأصْنامِ وأنَّهم دُونَكم في انْتِفاءِ الآلاتِ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلِانْتِفاعِ بِها مَعَ ثُبُوتِ كَوْنِهِمْ أمْثالَكم فِيما ذُكِرَ، ولا يَدُلُّ إنْكارُ هَذِهِ الآلاتِ عَلى انْتِفاءِ المِثْلِيَّةِ فِيما ذُكِرَ، وأيْضًا فالأبْطالُ لا يُتَصَوَّرُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى كَذِبِ أحَدِ الخَبَرَيْنِ، وذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى، وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ﴾ [الأعراف: ١٧٩] وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ إنْ خَفِيفَةً، وعِبادًا أمْثالَكم، بِنَصْبِ الدّالِ واللّامِ، واتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى تَخْرِيجِ هَذِهِ القِراءَةِ عَلى أنَّ إنْ هي النّافِيَةُ أعُمِلَتْ عَمَلَ ما الحِجازِيَّةِ فَرَفَعَتِ الِاسْمَ ونَصَبَتِ الخَبَرَ، فَعِبادًا أمْثالَكم خَبَرٌ مَنصُوبٌ، قالُوا: والمَعْنى: بِهَذِهِ القِراءَةِ تَحْقِيرُ شَأْنِ الأصْنامِ ونَفْيُ مُماثَلَتِهِمْ لِلْبَشَرِ، بَلْ هم أقَلُّ وأحْقَرُ؛ إذْ هي جَماداتٌ لا تَفْهَمُ ولا تَعْقِلُ، وإعْمالُ إنْ إعْمالَ ما الحِجازِيَّةِ فِيهِ خِلافٌ، أجازَ ذَلِكَ الكِسائِيُّ وأكْثَرُ الكُوفِيِّينَ، ومِنَ البَصْرِيِّينَ ابْنُ السِّراجِ والفارِسِيِّ وابْنُ جِنِّيٍّ، ومَنَعَ مِن إعْمالِهِ الفَرّاءُ وأكْثَرُ البَصْرِيِّينَ، واخْتَلَفَ النَّقْلُ عَنْ سِيبَوَيْهِ والمُبَرِّدِ، والصَّحِيحُ أنَّ إعْمالَها لُغَةٌ ثَبَتَ ذَلِكَ في النَّثْرِ والنَّظْمِ، وقَدْ ذَكَرْنا ذَلِكَ مُشْبَعًا في شَرْحِ التَّسْهِيلِ، وقالَ النَّحّاسُ: هَذِهِ قِراءَةٌ لا يَنْبَغِي أنْ يُقْرَأ بِها بِثَلاثِ جِهاتٍ: إحْداها: أنَّها مُخالِفَةٌ لِلسَّوادِ، والثّانِيَةُ: أنَّ سِيبَوَيْهِ يَخْتارُ الرَّفْعَ في خَبَرِ إنْ إذا كانَتْ بِمَعْنى ما، فَيَقُولُ: إنْ زَيْدٌ مُنْطَلِقٌ؛ لِأنَّ عَمَلَ ما ضَعِيفٌ وإنْ بِمَعْناها فَهي أضْعَفُ مِنها، والثّالِثَةُ: أنَّ الكِسائِيَّ رَأى أنَّها في كَلامِ العَرَبِ لا تَكُونُ بِمَعْنى ما إلّا أنْ يَكُونَ بَعْدَها إيجابٌ، انْتَهى، وكَلامُ النَّحّاسِ هَذا هو الَّذِي لا يَنْبَغِي؛ لِأنَّها قِراءَةٌ مَرْوِيَّةٌ عَنْ تابِعِيٍّ جَلِيلٍ ولَها وجْهٌ في العَرَبِيَّةِ، وأمّا الثَّلاثُ جِهاتٍ الَّتِي ذَكَرَها فَلا يَقْدَحُ شَيْءٌ مِنها في هَذِهِ القِراءَةِ، أمّا كَوْنُها مُخالِفَةً لِلسَّوادِ، فَهو خِلافٌ يَسِيرٌ جِدًّا لا يَضُرُّ، ولَعَلَّهُ كُتِبَ المَنصُوبُ عَلى لُغَةِ رَبِيعَةَ في الوَقْفِ عَلى المُنَوَّنِ المَنصُوبِ بِغَيْرِ ألْفٍ فَلا تَكُونُ فِيهِ مُخالَفَةٌ لِلسَّوادِ، وأمّا ما حُكِيَ عَنْ سِيبَوَيْهِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الفَهْمُ في كَلامِ سِيبَوَيْهِ في إنْ، وأمّا ما حَكاهُ عَنِ الكِسائِيِّ، فالنَّقْلُ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ حَكى إعْمالَها، ولَيْسَ بَعْدَها إيجابٌ، والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ هَذا التَّخْرِيجَ الَّذِي خَرَّجُوهُ مِن أنَّ إنْ لِلنَّفْيِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأنَّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ تَدُلُّ عَلى إثْباتِ كَوْنِ الأصْنامِ عِبادًا أمْثالَ عابِدِيها، وهَذا التَّخْرِيجُ يَدُلُّ عَلى نَفْيِ ذَلِكَ فَيُؤَدِّي إلى عَدَمِ مُطابَقَةِ أحَدِ الخَبَرَيْنِ الآخَرَ، وهو لا يَجُوزُ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى، وقَدْ خُرِّجَتْ هَذِهِ القِراءَةُ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ عَلى وجْهٍ غَيْرِ ما ذَكَرُوهُ، وهو أنَّ إنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ وأعْمَلَها عَمَلَ المُشَدَّدَةِ، وقَدْ ثَبَتَ أنَّ إنِ المُخَفَّفَةَ يَجُوزُ إعْمالُها عَمَلَ المُشَدَّدَةِ في غَيْرِ المُضْمَرِ بِالقِراءَةِ المُتَواتِرَةِ: ﴿وإنَّ كُلًّا لَمّا﴾ [هود: ١١١] وبِنَقْلِ سِيبَوَيْهِ عَنِ العَرَبِ، لَكِنَّهُ نَصَبَ في هَذِهِ القِراءَةِ خَبَرَها نَصْبَ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ المَخْزُومِيِّ في قَوْلِهِ: ؎إذا اسْوَدَّ جُنْحُ اللَّيْلِ فَلْتَأْتِ ولْتَكُنْ ∗∗∗ خُطاكَ خِفافًا إنَّ حُرّاسَنا أُسْدا وقَدْ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ النُّحاةِ إلى جَوازِ نَصْبِ أخْبارِ إنَّ وأخَواتِها، واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِشَواهِدَ ظاهِرَةِ الدَّلالَةِ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِهِمْ وتَأوَّلَها المُخالِفُونَ، فَهَذِهِ القِراءَةُ الشّاذَّةُ تَتَخَرَّجُ عَلى هَذِهِ اللُّغَةِ، أوْ تَتَأوَّلُ عَلى تَأْوِيلِ المُخالِفِينَ لِأهْلِ هَذا المَذْهَبِ، وهو أنَّهم تَأوَّلُوا المَنصُوبَ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، كَما قالُوا في قَوْلِهِ: ؎يا لَيْتَ أيّامَ الصِّبا رَواجِعا إنَّ تَقْدِيرَهُ: أقْبَلَتْ رَواجِعًا، فَكَذَلِكَ تُؤَوَّلُ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، تَقْدِيرُهُ: إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مَن دُونِ اللَّهِ تَدْعُونَ عِبادًا أمْثالَكم، وتَكُونُ القِراءَتانِ قَدْ (p-٤٤٥)تَوافَقَتا عَلى مَعْنًى واحِدٍ، وهو الإخْبارُ أنَّهم عِبادٌ، ولا يَكُونُ تَفاوُتٌ بَيْنَهُما وتَخالُفٌ لا يَجُوزُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، وقُرِئَ أيْضًا إنْ مُخَفَّفَةً، ونَصْبُ عِبادًا عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَحْذُوفِ العائِدِ مِنَ الصِّلَةِ عَلى الَّذِينَ، وأمْثالُكم بِالرَّفْعِ عَلى الخَبَرِ، أيْ: إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ في حالِ كَوْنِهِمْ عِبادًا أمْثالَكم في الخَلْقِ أوْ في المِلْكِ، فَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونُوا آلِهَةً، فادْعُوهم، أيْ: فاخْتَبِرُوهم بِدُعائِكم هَلْ يَقَعُ مِنهم إجابَةٌ أوْ لا يَقَعُ، والأمْرُ بِالِاسْتِجابَةِ هو عَلى سَبِيلِ التَّعْجِيزِ، أيْ: لا يُمْكِنُ أنْ يُجِيبُوا، كَما قالَ: ولَوْ سَمِعُوا ما اسْتَجابُوا لَكم، ومَعْنى إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دَعْوى إلَهِيَّتِهِمْ واسْتِحْقاقِ عِبادَتِهِمْ، كَقَوْلِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأبِيهِ: ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢]

الأعراف 7:195

﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أمْ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها﴾ هَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وتَعْجِيبٍ وتَبْيِينُ أنَّهم جَمادٌ لا حَراكَ لَهم، وأنَّهم فاقِدُونَ لِهَذِهِ الأعْضاءِ، ومَنافِعِها الَّتِي خُلِقَتْ لِأجْلِها، فَأنْتُمْ أفْضَلُ مِن هَذِهِ الأصْنامِ أذَلَّكم هَذا التَّصَرُّفُ، وهَذا الِاسْتِفْهامُ الَّذِي مَعْناهُ الإنْكارُ قَدْ يَتَوَجَّهُ الإنْكارُ فِيهِ إلى انْتِفاءِ هَذِهِ الأعْضاءِ وانْتِفاءِ مَنافِعِها، فَيَتَسَلَّطُ النَّفْيُ عَلى المَجْمُوعِ كَما فَسَّرْناهُ؛ لِأنَّ تَصْوِيرَهم هَذِهِ الأعْضاءَ لِلْأصْنامِ لَيْسَتْ أعْضاءً حَقِيقَةً، وقَدْ يَتَوَجَّهُ النَّفْيُ إلى الوَصْفِ، أيْ: وإنْ كانَتْ لَهم هَذِهِ الأعْضاءُ مُصَوَّرَةً فَقَدِ انْتَفَتْ هَذِهِ المَنافِعُ الَّتِي لِلْأعْضاءِ، والمَعْنى: أنَّكم أفْضَلُ مِنَ الأصْنامِ بِهَذِهِ الأعْضاءِ النّافِعَةِ، وأمْ هُنا مُنْقَطِعَةٌ فَتُقَدَّرُ بِبَلْ والهَمْزَةِ، وهو إضْرابٌ عَلى مَعْنى الِانْتِقالِ لا عَلى مَعْنى الإبْطالِ، وإنَّما هو تَقْدِيرٌ عَلى نَفْيِ كُلِّ واحِدَةٍ مِن هَذِهِ الجُمَلِ، وكانَ تَرْتِيبُ هَذِهِ الجُمَلِ هَكَذا؛ لِأنَّهُ بُدِئَ بِالأهَمِّ ثُمَّ أُتْبِعَ بِما هو دُونَهُ إلى آخِرِها، وقَرَأ الحَسَنُ والأعْرَجُ ونافِعٌ بِكَسْرِ الطّاءِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ ونافِعٌ بِضَمِّها، وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: تَعَلَّقَ بَعْضُ الأغْمارِ بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ هَذِهِ الأعْضاءِ لِلَّهِ تَعالى، فَقالُوا: جَعَلَ عَدَمَها لِلْأصْنامِ دَلِيلًا عَلى عَدَمِ إلَهِيَّتِها، فَلَوْ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً لَهُ تَعالى لَكانَ عَدَمُها دَلِيلًا عَلى عَدَمِ الإلَهِيَّةِ، وذَلِكَ باطِلٌ فَوَجَبَ القَوْلُ بِإثْباتِها لَهُ تَعالى، والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ، أحَدُهُما: أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الآيَةِ أنَّ الإنْسانَ أفْضَلُ وأكْمَلُ حالًا مِنَ الصَّنَمِ؛ لِأنَّهُ لَهُ رِجْلٌ ماشِيَةٌ ويَدٌ باطِشَةٌ وعَيْنٌ باصِرَةٌ وأُذُنٌ سامِعَةٌ، والصَّنَمُ وإنْ صُوِّرَتْ لَهُ هَذِهِ الأعْضاءُ بِخِلافِ الإنْسانِ، فالإنْسانُ أكْمَلُ وأفْضَلُ فَلا يَشْتَغِلُ بِعِبادَةِ الأخَسِّ الأدْوَنِ، والثّانِي: أنَّ المَقْصُودَ تَقْرِيرُ الحُجَّةِ الَّتِي ذَكَرَها قَبْلُ وهي ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٢] يَعْنِي كَيْفَ يَحْسُنُ عِبادَةُ مَن لا يَقْدِرُ عَلى النَّفْعِ والضَّرِّ، ثُمَّ قَرَّرَ أنَّ هَذِهِ الأصْنامَ انْتَفَتْ عَنْها هَذِهِ الأعْضاءُ ومَنافِعُها، فَلَيْسَتْ قادِرَةً عَلى نَفْعٍ ولا ضَرٍّ، فامْتَنَعَ كَوْنُها آلِهَةً، أمّا اللَّهُ تَعالى فَهو وإنْ كانَ مُتَعالِيًا عَنْ هَذِهِ الأعْضاءِ، فَهو مَوْصُوفٌ بِكَمالِ القُدْرَةِ عَلى النَّفْعِ والضَّرِّ وبِكَمالِ السَّمْعِ والبَصَرِ، انْتَهى، وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. * * ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكم ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ﴾ لَمّا أنْكَرَ تَعالى عَلَيْهِمْ عِبادَةَ الأصْنامِ وحَقَّرَ شَأْنَها وأظْهَرَ كَوْنَها جَمادًا عارِيَةً عَنْ شَيْءٍ مِنَ القُدْرَةِ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يَقُولَ لَهم ذَلِكَ، أيْ: لا مُبالاةَ بِكم ولا بِشُرَكائِكم فاصْنَعُوا ما تَشاءُونَ، وهو أمْرُ تَعْجِيزٍ، أيْ: لا يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ مِنكم دُعاءٌ لِأصْنامِكم ولا كَيْدٌ لِي، وكانُوا قَدْ خَوَّفُوهُ آلِهَتَهم، ومَعْنى ﴿ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ اسْتَعِينُوا بِهِمْ عَلى إيصالِ الضَّرِّ إلَيَّ ﴿ثُمَّ كِيدُونِ﴾، أيِ: امْكُرُوا بِي ولا تُؤَخِّرُونَ عَمّا تُرِيدُونَ بِي مِنَ الضُّرِّ، وهَذا كَما قالَ قَوْمُ هُودٍ: ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ [هود: ٥٤] ﴿مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِي﴾ [هود: ٥٥] (p-٤٤٦)وسَمّى الأصْنامَ شُرَكاءَهم مِن حَيْثُ أنَّ لَهم نِسْبَةً إلَيْهِمْ بِتَسْمِيَتِهِمْ إيّاهم آلِهَةً وشُرَكاءَ اللَّهِ تَعالى، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وهِشامٌ بِخِلافٍ عَنْهُ: كِيدُونِي، بِإثْباتِ الياءِ وصْلًا ووَقْفًا، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِحَذْفِ الياءِ اجْتِزاءً بِالكَسْرَةِ عَنْها.

الأعراف 7:196

﴿إنَّ ولِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ وهو يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ لَمّا أحالَهم عَلى الِاسْتِنْجادِ بِآلِهَتِهِمْ في ضَرِّهِ وأراهم أنَّ اللَّهَ هو القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ عَقَّبَ ذَلِكَ بِالِاسْتِنادِ إلى اللَّهِ تَعالى والتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ والإعْلامِ أنَّهُ تَعالى هو ناصِرُهُ عَلَيْهِمْ، وبَيَّنَ جِهَةَ نَصْرِهِ عَلَيْهِمْ بِأنْ أوْحى إلَيْهِ كِتابَهُ وأعَزَّهُ بِرِسالَتِهِ، ثُمَّ أنَّهُ تَعالى يَتَوَلّى الصّالِحِينَ مِن عِبادِهِ ويَنْصُرُهم عَلى أعْدائِهِ ولا يَخْذُلُهم، وقَرَأ الجُمْهُورُ: إنَّ ولِيِّيَ اللَّهُ بِياءٍ مُشَدَّدَةٍ وهي ياءُ فَعِيلٍ أُدْغِمَتْ في لامِ الكَلِمَةِ، وبِياءِ المُتَكَلِّمِ بَعْدَها مَفْتُوحَةً، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ بِياءٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ، ورَفْعِ الجَلالَةِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ لا يَخْلُو مِن أنْ يُدْغِمَ الياءَ الَّتِي هي لامُ الفِعْلِ في ياءِ الإضافَةِ وهو لا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ يَنْفَكُّ الإدْغامُ الأوَّلُ، أوْ تُدْغَمُ ياءُ فَعِيلٍ في ياءِ الإضافَةِ، ويُحْذَفُ لامُ الفِعْلِ فَلَيْسَ إلّا هَذا، انْتَهى، ويُمْكِنُ تَخْرِيجُ هَذِهِ القِراءَةِ عَلى وجْهٍ آخَرَ، وهو أنْ لا يَكُونَ ولِيٌّ مُضافًا إلى ياءِ مُتَكَلِّمٍ، بَلْ هو اسْمٌ نَكِرَةٌ اسْمُ إنَّ، والخَبَرُ اللَّهُ وحُذِفَ مِن ولِيٍّ التَّنْوِينُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، كَما حُذِفَ مِن قَوْلِهِ: قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ، وقَوْلِهِ: ولا ذاكِرُ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا، والتَّقْدِيرُ: إنَّ ولِيًّا حَقَّ ولِيٍّ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ، وجَعْلُ اسْمِ إنَّ نَكِرَةً والخَبَرُ مَعْرِفَةٌ في فَصِيحِ الكَلامِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎وإنَّ حَرامًا أنْ أسُبَّ مُجاشِعًا بِآبائِيَ الشُّمِّ الكِرامِ الخَضارِمِ وهَذا تَوْجِيهٌ لِهَذِهِ القِراءَةِ سَهْلٌ، واخْتَلَفَ النَّقْلُ عَنِ الجَحْدَرِيِّ، فَنَقَلَ عَنْهُ صاحِبُ كِتابِ اللَّوامِحِ في شَواذِّ القِراءاتِ: إنَّ ولِيِّ، بِياءٍ مَكْسُورَةٍ مُشَدَّدَةٍ وحُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ لَمّا سَكَنَتِ التَقى ساكِنانِ فَحُذِفَتْ، كَما تَقُولُ: إنَّ صاحِبِي الرَّجُلُ الَّذِي تَعَلَّمَ، ونَقَلَ عَنْهُ أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ: إنَّ ولِيَّ اللَّهِ، بِياءٍ واحِدَةٍ مَنصُوبَةٍ مُضافَةٍ إلى اللَّهِ، وذَكَرَها الأخْفَشُ وأبُو حاتِمٍ غَيْرَ مَنصُوبَةٍ وضَعَّفَها أبُو حاتِمٍ، وخَرَّجَ الأخْفَشُ وغَيْرُهُ هَذِهِ القِراءَةَ عَلى أنْ يَكُونَ المُرادُ جِبْرِيلَ، قالَ الأخْفَشُ: فَيَصِيرُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ مِن صِفَةِ جِبْرِيلَ بِدَلالَةِ ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ﴾ [النحل: ١٠٢]، وفي قِراءَةِ العامَّةِ مِن صِفَةِ اللَّهِ تَعالى، انْتَهى، يَعْنِي أنْ يَكُونَ خَبَرُ إنَّ هو قَوْلَهُ: ﴿الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ﴾، قالَ الأخْفَشُ: فَأمّا ﴿وهُوَ يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ فَلا يَكُونُ إلّا مِنَ الإخْبارِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وتَفْسِيرُ هَذِهِ القِراءَةِ بِأنَّ المُرادَ بِها جِبْرِيلُ وإنِ احْتَمَلَها لَفْظُ الآيَةِ لا يُناسِبُ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ ولا ما بَعْدَها، ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ مِنَ الإعْرابِ ولا يَكُونُ المَعْنى جِبْرِيلَ، أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ ﴿ولِيِّيَ اللَّهُ﴾ اسْمَ إنَّ، والَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ هو الخَبَرُ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ الضَّمِيرِ العائِدِ عَلى المَوْصُولِ، والمَوْصُولُ هو النَّبِيُّ ﷺ، والتَّقْدِيرُ: أنَّ ولِيَّ اللَّهِ الشَّخْصُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ عَلَيْهِ، فَحَذَفَ عَلَيْهِ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَرْطُ جَوازِ الحَذْفِ المَقِيسِ لَكِنَّهُ قَدْ جاءَ نَظِيرُهُ في كَلامِ العَرَبِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎وإنَّ لِسانِي شُهْدَةٌ يُشْتَفى بِها ∗∗∗ وهْوَ عَلى مَن صَبَّهُ اللَّهُ عَلْقَمُ التَّقْدِيرُ: وهو عَلى مَن صَبَّهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَلْقَمُ. وقالَ الآخَرُ: ؎فَأصْبَحَ مِن أسْماءَ قَيْسٌ كَقابِضٍ ∗∗∗ عَلى الماءِ لا يَدْرِي بِما هو قابِضُ التَّقْدِيرُ بِما هو قابِضٌ عَلَيْهِ، وقالَ الآخَرُ: ؎لَعَلَّ الَّذِي أصْعَدْتَنِي أنْ يَرُدَّنِي ∗∗∗ إلى الأرْضِ إنْ لَمْ يَقْدِرِ الخَيْرَ قادِرُهْ يُرِيدُ أصْعَدْتَنِي بِهِ. وقالَ الآخَرُ: ؎فَأبْلِغَنَّ خالِدَ بْنَ نَضْلَةَ ∗∗∗ والمَرْءُ مَعْنِيٌّ بِلَوْمِ مَن يَثِقُ (p-٤٤٧)يُرِيدُ يَثِقُ بِهِ. وقالَ الآخَرُ: ؎ومِن حَسَدٍ يَجُورُ عَلَيَّ قَوْمِي ∗∗∗ وأيُّ الدَّهْرِ ذَرْ لَمْ يَحْسُدُونِي يُرِيدُ لَمْ يَحْسُدُونِي فِيهِ. وقالَ الآخَرُ: ؎فَقُلْتُ لَها لا والَّذِي حَجَّ حاتِمٌ ∗∗∗ أخُونُكِ عَهْدًا إنَّنِي غَيْرُ خَوّانِ قالُوا: يُرِيدُ حَجَّ حاتِمٌ إلَيْهِ، فَهَذِهِ نَظائِرُ مِن كَلامِ العَرَبِ يُمْكِنُ حَمْلُ هَذِهِ القِراءَةِ الشّاذَّةِ عَلَيْها، والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ خَبَرُ إنَّ مَحْذُوفًا لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، التَّقْدِيرُ: إنَّ ولِيَّ اللَّهِ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ مَن هو صالِحٌ أوِ الصّالِحُ، وحُذِفَ لِدَلالَةِ وهو يَتَوَلّى الصّالِحِينَ عَلَيْهِ، وحَذْفُ خَبَرِ إنَّ وأخَواتِها لِفَهْمِ المَعْنى جائِزٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهم وإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ﴾ [فصلت: ٤١] الآيَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [الحج: ٢٥] الآيَةَ، وسَيَأْتِي تَقْدِيرُ حَذْفِ الخَبَرِ فِيهِما إنْ شاءَ اللَّهُ.

الأعراف 7:197

﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾، أيْ: مِن دُونِ اللَّهِ ويَتَعَيَّنُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في مِن دُونِهِ عَلى اللَّهِ، وبِذَلِكَ يَضْعُفُ مَن فَسَّرَ: ﴿الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ﴾ [الأعراف: ١٩٦] بِجِبْرِيلَ، وهَذِهِ الآيَةُ بَيانٌ لِحالِ الأصْنامِ وعَجْزِها عَنْ نُصْرَةِ أنْفُسِها، فَضْلًا عَنْ نُصْرَةِ غَيْرِها. وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٢] قالَ الواحِدِيُّ: أُعِيدَ هَذا المَعْنى لِأنَّ الأوَّلَ مَذْكُورٌ عَلى جِهَةِ التَّقْرِيعِ وهَذا مَذْكُورٌ عَلى جِهَةِ الفَرْقِ بَيْنَ مَن تَجُوزُ لَهُ العِبادَةُ وبَيْنَ مَن لا تَجُوزُ، كَأنَّهُ قِيلَ الإلَهُ المَعْبُودُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ يَتَوَلّى الصّالِحِينَ، وهَذِهِ الأصْنامُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ فَلا تَكُونُ صالِحَةً لِلْإلَهِيَّةِ، انْتَهى، ومَعْنى قَوْلِهِ: عَلى جِهَةِ التَّقْرِيعِ، أنَّ قَوْلَهُ: و﴿لا يَسْتَطِيعُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ما لا يَخْلُقُ﴾ [الأعراف: ١٩١] وهو في حَيِّزِ الإنْكارِ، والتَّقْرِيعُ والتَّوْبِيخُ عَلى إشْراكِهِمْ مَن لا يُمْكِنُ أنْ يُوجِدَ شَيْئًا ولا يُنْشِئَهُ ولا يَنْصُرَ نَفْسَهُ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ، وهَذِهِ الآيَةُ كَما ذُكِرَ جاءَتْ عَلى جِهَةِ الفَرْقِ ومُنْدَرِجَةً تَحْتَ الأمْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلِ ادْعُوا﴾ [الأعراف: ١٩٥] فَهَذِهِ الجُمَلُ مَأْمُورٌ بِقَوْلِها، وخِطابُ المُشْرِكِينَ بِها إذْ كانُوا يُخَوِّفُونَ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِآلِهَتِهِمْ، فَأمَرَ أنْ يُخاطِبَهم بِهَذِهِ الجُمَلِ تَحْقِيرًا لَهم ولِأصْنامِهِمْ، وإخْبارًا لَهم بِأنَّ ولَيَّهُ هو اللَّهُ فَلا مُبالاةَ بِهِمْ ولا بِأصْنامِهِمْ.

الأعراف 7:198

﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَسْمَعُوا وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ وهم لا يُبْصِرُونَ﴾ . تَناسُقُ الضَّمائِرِ يَقْتَضِي أنَّ الضَّمِيرَ المَنصُوبَ في: ﴿وإنْ تَدْعُوهُمْ﴾ [الأعراف: ١٩٣] هو لِلْأصْنامِ، ونَفى عَنْهُمُ السَّماعَ لِأنَّها جَمادٌ لا تُحِسُّ، وأثْبَتَ لَهُمُ النَّظَرَ عَلى سَبِيلِ المَجازِ بِمَعْنى أنَّهم صَوَّرُوهم ذَوِي أعْيُنٍ فَهم يُشْبِهُونَ مَن يَنْظُرُ ومَن قَلَبَ حَدَقَتَهُ لِلنَّظَرِ، ثُمَّ نَفى عَنْهُمُ الإبْصارَ، كَقَوْلِهِ: ﴿ياأبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢] ومَعْنى إلَيْكَ أيُّها الدّاعِي، وأفْرَدَ لِأنَّهُ اقْتَطَعَ قَوْلَهُ: ﴿وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ﴾ مِن جُمْلَةِ الشَّرْطِ واسْتَأْنَفَ الإخْبارَ عَنْهم بِحالِهِمُ السَّيِّئِ في انْتِفاءِ الإبْصارِ كانْتِفاءِ السَّماعِ، وقِيلَ: المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿يَنْظُرُونَ إلَيْكَ﴾ أيْ يُحاذُونَكَ، مِن قَوْلِهِمُ: المَنازِلُ تَتَناظَرُ، إذا كانَتْ مُتَحاذِيَةً يُقابِلُ بَعْضُها بَعْضًا، وذَهَبَ بَعْضُ المُعْتَزِلَةِ إلى الِاحْتِجاجِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ العِبادَ يَنْظُرُونَ إلى رَبِّهِمْ ولا يَرَوْنَهُ، ولا حُجَّةَ لَهم في الآيَةِ، لِأنَّ النَّظَرَ في الأصْنامِ مَجازٌ مَحْضٌ، وجَعَلَ الضَّمِيرَ لِلْأصْنامِ، اخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ، قالَ: ومَعْنى الآيَةِ تَبْيِينُ جُمُودِها وصِغَرِ شَأْنِها، قالَ: وإنَّما تَكَرَّرَ القَوْلُ في هَذا وتَرَدَّدَتِ الآياتُ فِيهِ؛ لِأنَّ أمْرَ الأصْنامِ وتَعْظِيمَها كانَ مُتَمَكِّنًا مِن نُفُوسِ العَرَبِ في ذَلِكَ الزَّمَنِ ومُسْتَوْلِيًا عَلى عُقُولِها لُطْفًا مِنَ اللَّهِ تَعالى بِهِمْ، وقالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ والسُّدِّيُّ: الضَّمِيرُ المَنصُوبُ في ﴿تَدْعُوهُمْ﴾ يَعُودُ عَلى الكُفّارِ، ووَصَفَهم بِأنَّهم لا يَسْمَعُونَ ولا يُبْصِرُونَ؛ إذْ لَمْ يَتَحَصَّلْ لَهم عَنِ الِاسْتِماعِ والنَّظَرِ فائِدَةٌ، ولا حَصَلُوا مِنهُ بِطائِلٍ، وهَذا تَأْوِيلٌ حَسَنٌ، ويَكُونُ إثْباتُ النَّظَرِ حَقِيقَةً لا مَجازًا، ويُحَسِّنُ هَذا التَّأْوِيلَ الآيَةُ بَعْدَ هَذِهِ إذْ في آخِرِها: ﴿وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] أيِ الَّذِينَ (p-٤٤٨)مِن شَأْنِهِمْ أنْ تَدْعُوهم لا يَسْمَعُوا ويَنْظُرُونَ إلَيْكَ وهم لا يُبْصِرُونَ، فَتَكُونُ مُرَتَّبَةً عَلى العِلَّةِ المُوجِبَةِ لِذَلِكَ وهي الجَهْلُ.

الأعراف 7:199

﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ . هَذا خِطابٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ويَعُمُّ جَمِيعَ أُمَّتِهِ، وهي أمْرٌ بِجَمِيعِ مَكارِمِ الأخْلاقِ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ ومُجاهِدٌ وعُرْوَةُ والجُمْهُورُ: أيِ اقْبَلْ مِنَ النّاسِ في أخْلاقِهِمْ وأمْوالِهِمْ ومُعاشَرَتِهِمْ بِما أتى عَفْوًا دُونَ تَكَلُّفٍ ولا تَحَرُّجٍ، والعَفْوُ ضِدُّ الجَهْدِ، أيْ لا تَطْلُبْ مِنهم ما يَشُقُّ عَلَيْهِمْ حَتّى لا يَنْفِرُوا، وقَدْ أمَرَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْلِهِ: «يَسِّرُوا ولا تُعَسِّرُوا» . وقالَ حاتِمٌ: ؎خُذِي العَفْوَ مِنِّي تَسْتَدِيمِي مَوَدَّتِي ولا تَنْطِقِي في سَوْرَتِي حِينَ أغْضَبُ وقالَ الآخَرُ: إذا ما بُلْغَةٌ جاءَتْكَ عَفْوًا فَخُذْها فالغِنى مَرْعى وشُرْبُ إذا اتَّفَقَ القَلِيلُ وفِيهِ سِلْمٌ فَلا تَرِدِ الكَثِيرَ وفِيهِ حَرْبُ وقالَ الشَّعْبِيُّ: سَألَ الرَّسُولُ ﷺ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خُذِ العَفْوَ﴾، فَأخْبَرَهُ عَنِ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ يَأْمُرُكَ أنْ تَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ وتُعْطِيَ مَن حَرَمَكَ وتَصِلَ مَن قَطَعَكَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ: هي في الأمْوالِ قَبْلَ فَرْضِ الزَّكاةِ، أمَرَ أنْ يَأْخُذَ ما سَهُلَ مِن أمْوالِ النّاسِ، أيْ ما فَضَلَ وزادَ، ثُمَّ فُرِضَتِ الزَّكاةُ فَنُسِخَتْ هَذِهِ، وتُؤْخَذُ طَوْعًا وكَرْهًا، وقالَ مَكِّيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ: إنَّ العَفْوَ هو الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الآيَةُ جَمِيعُها في مُداراةِ الكُفّارِ وعَدَمِ مُؤاخَذَتِهِمْ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِالقِتالِ، انْتَهى، والَّذِي يَظْهَرُ القَوْلُ الأوَّلُ مِن أنَّهُ أمَرَ بِمَكارِمِ الأخْلاقِ، وأنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ مُسْتَمِرٌّ في النّاسِ لَيْسَ بِمَنسُوخٍ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الحُرِّ بْنِ قَيْسٍ حِينَ أدْخَلَ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ عَلى عُمَرَ، فَكَلَّمَ عُمَرَ كَلامًا فِيهِ غِلْظَةٌ، فَأرادَ عُمَرُ أنْ يَهُمَّ بِهِ، فَتَلا الحُرُّ هَذِهِ الآيَةَ عَلى عُمَرَ فَقَرَّرَها ووَقَفَ عِنْدَها. والعُرْفُ: المَعْرُوفُ والجَمِيلُ مِنَ الأفْعالِ والأقْوالِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: ﴿بِالعُرْفِ﴾ بِضَمِّ الرّاءِ، والأمْرُ بِالإعْراضِ عَنِ الجاهِلِينَ حَضٌّ عَلى التَّخَلُّقِ بِالحِلْمِ والتَّنَزُّهِ عَنْ مُنازَعَةِ السُّفَهاءِ وعَلى الإغْضاءِ عَمّا يَسُوءُ، كَقَوْلِ مَن قالَ: إنَّ هَذِهِ قِسْمَةٌ ما أُرِيدَ بِها وجْهُ اللَّهِ، وقَوْلِ الآخَرانِ: كانَ ابْنَ عَمَّتِكَ، وكالَّذِي جَذَبَ رِداءَهُ حَتّى جَزَّ في عُنُقِهِ، وقالَ: أعْطِنِي مِن مالِ اللَّهِ، وخَرَّجَ البَزّارُ في مَسْنَدِهِ مِن حَدِيثِ جابِرِ بْنِ سُلَيْمٍ ما وصّاهُ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ: «اتَّقِ اللَّهَ ولا تُحَقِّرَنَّ مِنَ المَعْرُوفِ شَيْئًا وأنْ تَلْقى أخاكَ بِوَجْهٍ مُنْبَسِطٍ وأنْ تُفْرِغَ مِن فَضْلِ دَلْوِكَ في إناءِ المُسْتَسْقِي وإنِ امْرُؤٌ سَبَّكَ بِما لا يَعْلَمُ مِنكَ فَلا تَسُبَّهُ بِما تَعْلَمُ فِيهِ، فَإنَّ اللَّهَ جاعِلٌ لَكَ أجْرًا وعَلَيْهِ وِزْرًا، ولا تَسُبَّنَّ شَيْئًا مِمّا خَوَّلَكَ اللَّهُ» . وقالَ جَعْفَرٌ الصّادِقُ: أمَرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ بِمَكارِمِ الأخْلاقِ، ولَيْسَ في القُرْآنِ آيَةٌ أجْمَعُ لِمَكارِمِ الأخْلاقِ مِنها.

الأعراف 7:200

﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْعٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، أيْ: يَنْخَسَنَّكَ بِأنْ يَحْمِلَكَ بِوَسْوَسَتِهِ عَلى ما لا يَلِيقُ، فاطْلُبِ العِياذَةَ بِاللَّهِ مِنهُ وهي اللِّواذُ والِاسْتِجارَةُ، قِيلَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] الآيَةَ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ: كَيْفَ والغَضَبُ، فَنَزَلَتْ، ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ، وفاعِلُ يَنْزَغَنَّكَ هو نَزْغٌ عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ جَدَّ جَدُّهُ، أوْ عَلى إطْلاقِ المَصْدَرِ، والمُرادُ بِهِ نازَغَ، وخَتَمَ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ؛ لِأنَّ الِاسْتِعاذَةَ تَكُونُ بِالنِّسْيانِ، وتُجْدِي إلّا بِاسْتِحْضارِ مَعْناها، فالمَعْنى سَمِيعٌ لِلْأقْوالِ عَلِيمٌ بِما في الضَّمائِرِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الآيَةُ وصِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ تَعُمُّ أُمَّتَهُ رَجُلًا رَجُلًا، ونَزْغُ الشَّيْطانِ عامٌّ في الغَضَبِ وتَحْسِينِ المَعاصِي واكْتِسابِ الغَوائِلِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وفي مُصَنَّفِ أبِي عِيسى التِّرْمِذِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إنَّ لِلْمَلِكِ لَمَّةً وإنَّ لِلشَّيْطانِ لَمَّةً» وبِهَذِهِ الآيَةِ تَعَلَّقَ ابْنُ القاسِمِ في قَوْلِهِ: إنَّ الِاسْتِعاذَةَ عِنْدَ القِراءَةِ أعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ (p-٤٤٩)العَلِيمِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، انْتَهى. واسْتِنْباطُ ذَلِكَ مِنَ الآيَةِ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: إنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ جَرى مَجْرى التَّعْلِيلِ لِطَلَبِ الِاسْتِجارَةِ بِاللَّهِ، أيْ: لا تَسْتَعِذْ بِغَيْرِهِ، فَإنَّهُ هو السَّمِيعُ لِما تَقُولُ، أوِ السَّمِيعُ لِما تَقُولُهُ الكُفّارُ فِيكَ حِينَ يَرُومُونَ إغْضابَكَ، العَلِيمُ بِقَصْدِكَ في الِاسْتِعاذَةِ، أوِ العَلِيمُ بِما انْطَوَتْ عَلَيْهِ ضَمائِرُهم مِنَ الكَيْدِ لَكَ، فَهو يَنْصُرُكَ عَلَيْهِمْ ويُجِيرُكَ مِنهم. ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ النَّزْغُ مِنَ الشَّيْطانِ أخَفُّ مِن مَسِّ الطّائِفِ مِنَ الشَّيْطانِ؛ لِأنَّ النَّزْغَ أدْنى حَرَكَةٍ، والمَسَّ الإصابَةُ، والطّائِفُ ما يَطُوفُ بِهِ ويَدُورُ عَلَيْهِ، فَهو أبْلَغُ لا مَحالَةَ، فَحالُ المُتَّقِينَ تَزِيدُ في ذَلِكَ عَلى حالِ الرَّسُولِ، وانْظُرْ لِحُسْنِ هَذا البَيانِ حَيْثُ جاءَ الكَلامُ لِلرَّسُولِ كانَ الشَّرْطُ بِلَفْظِ إنَّ المُحْتَمِلَةِ لِلْوُقُوعِ ولِعَدَمِهِ، وحَيْثُ كانَ الكَلامُ لِلْمُتَّقِينَ كانَ المَجِيءُ بِإذا المَوْضُوعَةِ لِلتَّحْقِيقِ، أوْ لِلتَّرْجِيحِ، وعَلى هَذا فالنَّزْغُ يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ ويُمْكِنُ أنْ لا يَقَعَ، والمَسُّ واقِعٌ لا مَحالَةَ، أوْ يُرَجَّحُ وُقُوعُهُ، وهو إلْصاقُ البَشَرَةِ، وهو هُنا اسْتِعارَةٌ، وفي تِلْكَ الجُمْلَةِ أُمِرَ هو ﷺ بِالِاسْتِعاذَةِ، وهُنا جاءَتِ الجُمْلَةُ خَبَرِيَّةً في ضِمْنِها الشَّرْطُ، وجاءَ الخَبَرُ تَذَكَّرُوا فَدَلَّ عَلى تَمَكُّنِ مَسِّ الطّائِفِ حَتّى حَصَلَ نِسْيانٌ فَتَذَكَّرُوا ما نَسُوهُ، والمَعْنى: تَذَكَّرُوا ما أمَرَ بِهِ تَعالى وما نَهى عَنْهُ، وبِنَفْسِ التَّذَكُّرِ حَصَلَ إبْصارُهم فاجَأهم إبْصارُ الحَقِّ والسَّدادِ، فاتَّبَعُوهُ وطَرُّوا عَنْهم مَسَّ الشَّيْطانِ الطّائِفِ، واتَّقَوْا قِيلَ: عامَّةٌ في كُلِّ ما يُتَّقى؛ وقِيلَ: الشِّرْكَ والمَعاصِيَ؛ وقِيلَ: عِقابَ اللَّهِ، وقَرَأ النَّحْوِيّانِ وابْنُ كَثِيرٍ: طَيْفٌ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مِن طافَ يَطِيفُ طَيْفًا، أنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ: ؎أنّى ألَمَّ بِكَ الخَيالُ يَطِيفُ ومَطافُهُ لَكَ ذِكْرَةٌ وشُعُوفُ واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مُخَفَّفًا مِن طَيِّفٍ كَمَيِّتٍ ومَيْتٍ، أوْ كَلَيْنٍ مِن لَيِّنٍ؛ لِأنَّ طافَ المُشَدَّدَةَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن طافَ يَطِيفُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن طافَ يَطُوفُ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: طائِفٌ، اسْمَ فاعِلٍ مِن طافَ، وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ (طَيِّفٌ) بِالتَّشْدِيدِ، وهو فَيْعِلٌ، وإلى أنَّ الطَّيْفَ مَصْدَرٌ مالَ الفارِسِيُّ، جَعَلَ الطَّيْفَ كالخَطِرَةِ والطّائِفَ كالخاطِرِ، وقالَ الكِسائِيُّ: الطَّيْفُ اللَّمَمُ والطّائِفُ ما طافَ حَوْلَ الإنْسانِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وكَيْفَ هَذا وقَدْ قالَ الأعْشى: ؎وتُصْبِحُ عَنْ غَبِّ السَّرى وكَأنَّها ∗∗∗ ألَمَّ بِها مِن طائِفِ الجِنِّ أوْلَقُ انْتَهى، ولا يُتَعَجَّبُ مِن تَفْسِيرِ الكِسائِيِّ الطّائِفَ بِأنَّهُ ما طافَ حَوْلَ الإنْسانِ بِهَذا البَيْتِ؛ لِأنَّهُ يَصِحُّ (p-٤٥٠)فِيهِ مَعْنى ما قالَهُ الكِسائِيُّ؛ لِأنَّهُ إنْ كانَ تَعَجُّبُهُ وإنْكارُهُ مِن حَيْثُ خُصِّصَ الإنْسانُ، والَّذِي قالَهُ الأعْشى تَشْبِيهٌ لِأنَّهُ قالَ: كَأنَّها، وإنْ كانَ تَعَجُّبُهُ مِن حَيْثُ فَسَّرَ بِأنَّهُ ما طافَ حَوْلَ الإنْسانِ، فَطائِفُ الجِنِّ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: طافَ حَوْلَ الإنْسانِ، وشَبَّهَ هو النّاقَةَ في سُرْعَتِها ونَشاطِها وقَطْعِها الفَيافِيَ عَجِلَةً بِحالَتِها إذا ألَمَّ بِها أوْلَقَ مِن طائِفِ الجِنِّ، وقالَ أبُو زَيْدٍ: طافَ أقْبَلَ وأدْبَرَ يَطُوفُ طَوْفًا وطَوافًا، وأطافَ اسْتَدارَ القَوْمَ وأتاهم مِن نَواحِيهِمْ، وطافَ الخَيالُ ألَمَّ يَطِيفُ طَيْفًا، وزَعَمَ السُّهَيْلِيُّ أنَّهُ لَمْ يَقُلِ اسْمَ فاعِلٍ مِن طافَ الخَيالُ قالَ: لِأنَّهُ تَخَيُّلٌ لا حَقِيقَةٌ، وأمّا ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ﴾ [القلم: ١٩] فَلا يُقالُ فِيهِ طَيْفٌ؛ لِأنَّهُ اسْمُ فاعِلٍ حَقِيقَةً، انْتَهى، وقالَ حَسّانُ: ؎جِنِّيَّةٌ أرَّقَنِي طَيْفُها ∗∗∗ تَذْهَبُ صُبْحًا وتُرى في المَنامِ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَمّا بِمَعْنى النَّزْعِ، وقالَ السُّدِّيُّ: الطَّيْفُ الجُنُونُ، والطّائِفُ الغَضَبُ، وقالَ أبُو عَمْرٍو: هُما بِمَعْنى الوَسْوَسَةِ؛ وقِيلَ: هُما بِمَعْنى اللَّمَمِ والخَيالِ؛ وقِيلَ: الطَّيْفُ النَّخِيلُ، والطّائِفُ الشَّيْطانُ، وقالَ مُجاهِدٌ: الطَّيْفُ الغَضَبُ ويُسَمّى الجُنُونُ والغَضَبُ والوَسْوَسَةُ طَيْفًا؛ لِأنَّهُ لَمَّةٌ مِنَ الشَّيْطانِ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ والسُّدِّيُّ: إذا زَلُّوا تابُوا، وقالَ مُجاهِدٌ: إذا هَمُّوا بِذَنْبٍ ذَكَرُوا اللَّهَ فَتَرَكُوهُ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: إذا غَضِبَ كَظَمَ غَيْظَهُ، وقالَ مُقاتِلٌ: إذا أصابَهُ نَزْغٌ تَذَكَّرَ وعَرَفَ أنَّها مَعْصِيَةٌ نَزَعَ عَنْها مَخافَةَ اللَّهِ تَعالى، وقالَ أبُو رَوْقٍ: ابْتَهَلُوا، وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: عاذُوا بِذِكْرِ اللَّهِ؛ وقِيلَ: تَفَكَّرُوا فَأبْصَرُوا، وهَذِهِ كُلُّها أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ، وسَبَّ عِصامُ بْنُ المُصْطَلِقِ الشّامِيِّ الحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَبًّا مُبالِغًا وأباهُ؛ إذْ كانَ مُبْغِضًا لِأبِيهِ، فَقالَ الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ: أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، إلى قَوْلِهِ: ﴿فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾، ثُمَّ قالَ: خَفِّضْ عَلَيْكَ، أسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي ولَكَ، ودَعا لَهُ في حِكايَةٍ فِيها طُولٌ، ظَهَرَ فِيها مِن مَكارِمِ أخْلاقِهِ وسَعَةِ صَدْرِهِ وحَوالَةِ الأشْياءِ عَلى القَدْرِ ما صَيَّرَ عِصامًا أشَدَّ النّاسِ حُبًّا لَهُ ولِأبِيهِ، وذَلِكَ بِاسْتِعْمالِهِ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ وأخْذٌ بِها، ومُبْصِرُونَ هُنا مِنَ البَصِيرَةِ لا مِنَ البَصَرِ، وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ: مِنَ الشَّيْطانِ تَأمَّلُوا، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: إذا طافَ مِنَ الشَّيْطانِ طائِفٌ تَأمَّلُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ، ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ هَذا وقِراءَةُ ابْنِ الزُّبَيْرِ عَلى أنَّ ذَلِكَ مِن بابِ التَّفْسِيرِ، لا عَلى أنَّهُ قُرْآنٌ لِمُخالَفَتِهِ سَوادَ ما أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلَيْهِ مِن ألْفاظِ القُرْآنِ. ﴿وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ الضَّمِيرُ في وإخْوانِهِمْ عائِدٌ عَلى الجاهِلِينَ، أوْ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾، وهم غَيْرُ المُتَّقِينَ؛ لِأنَّ الشَّيْءَ قَدْ يَدُلُّ عَلى مُقابِلِهِ فَيُضْمَرُ ذَلِكَ المُقابِلُ لِدَلالَةِ مُقابِلِهِ عَلَيْهِ، وعَنى بِالإخْوانِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ: الشَّياطِينَ، كَأنَّهُ قِيلَ: والشَّياطِينُ الَّذِينَ هم إخْوانُ الجاهِلِينَ، أوْ غَيْرِ المُتَّقِينَ يَمُدُّونَ الجاهِلِينَ، أوْ غَيْرَ المُتَّقِينَ في الغَيِّ، فالواوُ في يَمُدُّونَهم ضَمِيرُ الإخْوانِ، فَيَكُونُ الخَبَرُ جارِيًا عَلى مَن هو لَهُ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ والمَنصُوبُ لِلْكُفّارِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودا جَمِيعًا عَلى الشَّياطِينِ، ويَكُونُ المَعْنى: وإخْوانُ الشَّياطِينِ في الغَيِّ بِخِلافِ الإخْوَةِ في اللَّهِ يَمُدُّونَ الشَّياطِينَ، أيْ: بِطاعَتِهِمْ لَهم وقَبُولِهِمْ مِنهم، ولا يَتَرَتَّبُ هَذا التَّأْوِيلُ عَلى أنْ يَتَعَلَّقَ في الغَيِّ بِالإمْدادِ؛ لِأنَّ الإنْسَ لا يَعُودُونَ الشَّياطِينَ، انْتَهى، ويُمْكِنُ أنْ يَتَعَلَّقَ في الغَيِّ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ بِقَوْلِهِ: يَمُدُّونَهم عَلى أنْ تَكُونَ في لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ: يَمُدُّونَهم بِسَبَبِ غَوايَتِهِمْ، نَحْوَ: «دَخَلَتِ امْرَأةٌ النّارَ في هِرَّةٍ»، أيْ: بِسَبَبِ هِرَّةٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في الغَيِّ حالًا فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، أيْ: كائِنِينَ ومُسْتَقِرِّينَ في الغَيِّ، فَيَبْقى في الغَيِّ في مَوْضِعِهِ لا يَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: وإخْوانُهم، وقَدْ جَوَّزَ ذَلِكَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وعِنْدِي في ذَلِكَ نَظَرٌ، فَلَوْ قُلْتَ: مُطْعِمُكَ زَيْدٌ لَحْمًا، تُرِيدُ: مُطْعِمُكَ لَحْمًا زَيْدٌ، فَتَفْصِلُ بَيْنَ المُبْتَدَأِ ومَعْمُولِهِ بِالخَبَرِ لَكانَ في جَوازِهِ نَظَرٌ (p-٤٥١)لِأنَّكَ فَصَلْتَ بَيْنَ العامِلِ والمَعْمُولِ بِأجْنَبِيٍّ لَهُما مَعًا، وإنْ كانَ لَيْسَ أجْنَبِيًّا لِأحَدِهِما الَّذِي هو المُبْتَدَأُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَخْتَلِفَ الضَّمِيرُ فَيَكُونُ في وإخْوانِهِمْ عائِدٌ عَلى الشَّياطِينِ الدّالِّ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ، أوْ عَلى الشَّيْطانِ نَفْسِهِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ يُرادُ بِهِ الجِنْسُ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، المَعْنى الطَّواغِيتُ، ويَكُونُ في يَمُدُّونَهم عائِدٌ عَلى الكُفّارِ، والواوُ في يَمُدُّونَهم عائِدَةٌ عَلى الشَّياطِينِ، وإخْوانُ الشَّياطِينِ يَمُدُّونَهُمُ الشَّياطِينُ، ويَكُونُ الخَبَرُ جَرى عَلى غَيْرِ مَن هو لَهُ؛ لِأنَّ الإمْدادَ مُسْنَدٌ إلى الشَّياطِينِ لا لِإخْوانِهِمْ، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ: ؎قَوْمٌ إذا الخَيْلُ جالُوا في كَواثِيها وهَذا الِاحْتِمالُ هو قَوْلُ الجُمْهُورِ، وعَلَيْهِ فَسَّرَ الطَّبَرِيُّ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو أوْجُهٌ؛ لِأنَّ إخْوانَهم في مُقابَلَةِ الَّذِينَ اتَّقَوْا، وقَرَأ نافِعٌ: يُمِدُّونَهم مُضارِعُ أمَدَّ، وباقِي السَّبْعَةِ يَمُدُّونَهم مِن مَدَّ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿ويَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥]، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: يُمادُّونَهم، مِن مادَّ عَلى وزْنِ فاعَلَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: لا يُقْصِرُونَ مِن أقْصَرَ، أيْ: كَفَّ. قالَ الشّاعِرُ: ؎لَعَمْرُكَ ما قَلْبِي إلى أهْلِهِ بِحُرْ ∗∗∗ ولا مُقْصِرٌ يَوْمًا فَيَأْتِيَنِي بِقُرْ أيْ، ولا هو نازِعٌ عَمّا هو فِيهِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وعِيسى بْنُ عُمَرَ، ثُمَّ لا يَقْصُرُونَ مِن قَصَرَ، أيْ: ثُمَّ لا يَنْقُصُونَ مِن إمْدادِهِمْ وغَوايَتِهِمْ، وقَدْ أبْعَدَ الزَّجّاجُ في دَعْواهُ أنَّ قَوْلَهُ: وإخْوانُهم، الآيَةَ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٢]، ولا حاجَةَ إلى تَكَلُّفِ ذَلِكَ، بَلْ هو كَلامٌ مُتَناسِقٌ أخَذَ بَعْضُهُ بِعُنُقِ بَعْضٍ، لَمّا بَيَّنَ حالَ المُتَّقِينَ مَعَ الشَّياطِينِ بَيَّنَ حالَ غَيْرِ المُتَّقِينَ مَعَهم، وأنَّ أُولَئِكَ يَنْفُسُ ما يَمَسُّهم مِنَ الشَّيْطانِ ماسٌ أقْلَعُوا عَلى الفَوْرِ، وهَؤُلاءِ في إمْدادٍ مِنَ الغَيِّ وعَدَمِ نُزُوعٍ عَنْهُ.

الأعراف 7:201

﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْعٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، أيْ: يَنْخَسَنَّكَ بِأنْ يَحْمِلَكَ بِوَسْوَسَتِهِ عَلى ما لا يَلِيقُ، فاطْلُبِ العِياذَةَ بِاللَّهِ مِنهُ وهي اللِّواذُ والِاسْتِجارَةُ، قِيلَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] الآيَةَ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ: كَيْفَ والغَضَبُ، فَنَزَلَتْ، ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ، وفاعِلُ يَنْزَغَنَّكَ هو نَزْغٌ عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ جَدَّ جَدُّهُ، أوْ عَلى إطْلاقِ المَصْدَرِ، والمُرادُ بِهِ نازَغَ، وخَتَمَ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ؛ لِأنَّ الِاسْتِعاذَةَ تَكُونُ بِالنِّسْيانِ، وتُجْدِي إلّا بِاسْتِحْضارِ مَعْناها، فالمَعْنى سَمِيعٌ لِلْأقْوالِ عَلِيمٌ بِما في الضَّمائِرِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الآيَةُ وصِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ تَعُمُّ أُمَّتَهُ رَجُلًا رَجُلًا، ونَزْغُ الشَّيْطانِ عامٌّ في الغَضَبِ وتَحْسِينِ المَعاصِي واكْتِسابِ الغَوائِلِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وفي مُصَنَّفِ أبِي عِيسى التِّرْمِذِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إنَّ لِلْمَلِكِ لَمَّةً وإنَّ لِلشَّيْطانِ لَمَّةً» وبِهَذِهِ الآيَةِ تَعَلَّقَ ابْنُ القاسِمِ في قَوْلِهِ: إنَّ الِاسْتِعاذَةَ عِنْدَ القِراءَةِ أعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ (p-٤٤٩)العَلِيمِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، انْتَهى. واسْتِنْباطُ ذَلِكَ مِنَ الآيَةِ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: إنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ جَرى مَجْرى التَّعْلِيلِ لِطَلَبِ الِاسْتِجارَةِ بِاللَّهِ، أيْ: لا تَسْتَعِذْ بِغَيْرِهِ، فَإنَّهُ هو السَّمِيعُ لِما تَقُولُ، أوِ السَّمِيعُ لِما تَقُولُهُ الكُفّارُ فِيكَ حِينَ يَرُومُونَ إغْضابَكَ، العَلِيمُ بِقَصْدِكَ في الِاسْتِعاذَةِ، أوِ العَلِيمُ بِما انْطَوَتْ عَلَيْهِ ضَمائِرُهم مِنَ الكَيْدِ لَكَ، فَهو يَنْصُرُكَ عَلَيْهِمْ ويُجِيرُكَ مِنهم. ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ النَّزْغُ مِنَ الشَّيْطانِ أخَفُّ مِن مَسِّ الطّائِفِ مِنَ الشَّيْطانِ؛ لِأنَّ النَّزْغَ أدْنى حَرَكَةٍ، والمَسَّ الإصابَةُ، والطّائِفُ ما يَطُوفُ بِهِ ويَدُورُ عَلَيْهِ، فَهو أبْلَغُ لا مَحالَةَ، فَحالُ المُتَّقِينَ تَزِيدُ في ذَلِكَ عَلى حالِ الرَّسُولِ، وانْظُرْ لِحُسْنِ هَذا البَيانِ حَيْثُ جاءَ الكَلامُ لِلرَّسُولِ كانَ الشَّرْطُ بِلَفْظِ إنَّ المُحْتَمِلَةِ لِلْوُقُوعِ ولِعَدَمِهِ، وحَيْثُ كانَ الكَلامُ لِلْمُتَّقِينَ كانَ المَجِيءُ بِإذا المَوْضُوعَةِ لِلتَّحْقِيقِ، أوْ لِلتَّرْجِيحِ، وعَلى هَذا فالنَّزْغُ يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ ويُمْكِنُ أنْ لا يَقَعَ، والمَسُّ واقِعٌ لا مَحالَةَ، أوْ يُرَجَّحُ وُقُوعُهُ، وهو إلْصاقُ البَشَرَةِ، وهو هُنا اسْتِعارَةٌ، وفي تِلْكَ الجُمْلَةِ أُمِرَ هو ﷺ بِالِاسْتِعاذَةِ، وهُنا جاءَتِ الجُمْلَةُ خَبَرِيَّةً في ضِمْنِها الشَّرْطُ، وجاءَ الخَبَرُ تَذَكَّرُوا فَدَلَّ عَلى تَمَكُّنِ مَسِّ الطّائِفِ حَتّى حَصَلَ نِسْيانٌ فَتَذَكَّرُوا ما نَسُوهُ، والمَعْنى: تَذَكَّرُوا ما أمَرَ بِهِ تَعالى وما نَهى عَنْهُ، وبِنَفْسِ التَّذَكُّرِ حَصَلَ إبْصارُهم فاجَأهم إبْصارُ الحَقِّ والسَّدادِ، فاتَّبَعُوهُ وطَرُّوا عَنْهم مَسَّ الشَّيْطانِ الطّائِفِ، واتَّقَوْا قِيلَ: عامَّةٌ في كُلِّ ما يُتَّقى؛ وقِيلَ: الشِّرْكَ والمَعاصِيَ؛ وقِيلَ: عِقابَ اللَّهِ، وقَرَأ النَّحْوِيّانِ وابْنُ كَثِيرٍ: طَيْفٌ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مِن طافَ يَطِيفُ طَيْفًا، أنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ: ؎أنّى ألَمَّ بِكَ الخَيالُ يَطِيفُ ومَطافُهُ لَكَ ذِكْرَةٌ وشُعُوفُ واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مُخَفَّفًا مِن طَيِّفٍ كَمَيِّتٍ ومَيْتٍ، أوْ كَلَيْنٍ مِن لَيِّنٍ؛ لِأنَّ طافَ المُشَدَّدَةَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن طافَ يَطِيفُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن طافَ يَطُوفُ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: طائِفٌ، اسْمَ فاعِلٍ مِن طافَ، وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ (طَيِّفٌ) بِالتَّشْدِيدِ، وهو فَيْعِلٌ، وإلى أنَّ الطَّيْفَ مَصْدَرٌ مالَ الفارِسِيُّ، جَعَلَ الطَّيْفَ كالخَطِرَةِ والطّائِفَ كالخاطِرِ، وقالَ الكِسائِيُّ: الطَّيْفُ اللَّمَمُ والطّائِفُ ما طافَ حَوْلَ الإنْسانِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وكَيْفَ هَذا وقَدْ قالَ الأعْشى: ؎وتُصْبِحُ عَنْ غَبِّ السَّرى وكَأنَّها ∗∗∗ ألَمَّ بِها مِن طائِفِ الجِنِّ أوْلَقُ انْتَهى، ولا يُتَعَجَّبُ مِن تَفْسِيرِ الكِسائِيِّ الطّائِفَ بِأنَّهُ ما طافَ حَوْلَ الإنْسانِ بِهَذا البَيْتِ؛ لِأنَّهُ يَصِحُّ (p-٤٥٠)فِيهِ مَعْنى ما قالَهُ الكِسائِيُّ؛ لِأنَّهُ إنْ كانَ تَعَجُّبُهُ وإنْكارُهُ مِن حَيْثُ خُصِّصَ الإنْسانُ، والَّذِي قالَهُ الأعْشى تَشْبِيهٌ لِأنَّهُ قالَ: كَأنَّها، وإنْ كانَ تَعَجُّبُهُ مِن حَيْثُ فَسَّرَ بِأنَّهُ ما طافَ حَوْلَ الإنْسانِ، فَطائِفُ الجِنِّ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: طافَ حَوْلَ الإنْسانِ، وشَبَّهَ هو النّاقَةَ في سُرْعَتِها ونَشاطِها وقَطْعِها الفَيافِيَ عَجِلَةً بِحالَتِها إذا ألَمَّ بِها أوْلَقَ مِن طائِفِ الجِنِّ، وقالَ أبُو زَيْدٍ: طافَ أقْبَلَ وأدْبَرَ يَطُوفُ طَوْفًا وطَوافًا، وأطافَ اسْتَدارَ القَوْمَ وأتاهم مِن نَواحِيهِمْ، وطافَ الخَيالُ ألَمَّ يَطِيفُ طَيْفًا، وزَعَمَ السُّهَيْلِيُّ أنَّهُ لَمْ يَقُلِ اسْمَ فاعِلٍ مِن طافَ الخَيالُ قالَ: لِأنَّهُ تَخَيُّلٌ لا حَقِيقَةٌ، وأمّا ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ﴾ [القلم: ١٩] فَلا يُقالُ فِيهِ طَيْفٌ؛ لِأنَّهُ اسْمُ فاعِلٍ حَقِيقَةً، انْتَهى، وقالَ حَسّانُ: ؎جِنِّيَّةٌ أرَّقَنِي طَيْفُها ∗∗∗ تَذْهَبُ صُبْحًا وتُرى في المَنامِ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَمّا بِمَعْنى النَّزْعِ، وقالَ السُّدِّيُّ: الطَّيْفُ الجُنُونُ، والطّائِفُ الغَضَبُ، وقالَ أبُو عَمْرٍو: هُما بِمَعْنى الوَسْوَسَةِ؛ وقِيلَ: هُما بِمَعْنى اللَّمَمِ والخَيالِ؛ وقِيلَ: الطَّيْفُ النَّخِيلُ، والطّائِفُ الشَّيْطانُ، وقالَ مُجاهِدٌ: الطَّيْفُ الغَضَبُ ويُسَمّى الجُنُونُ والغَضَبُ والوَسْوَسَةُ طَيْفًا؛ لِأنَّهُ لَمَّةٌ مِنَ الشَّيْطانِ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ والسُّدِّيُّ: إذا زَلُّوا تابُوا، وقالَ مُجاهِدٌ: إذا هَمُّوا بِذَنْبٍ ذَكَرُوا اللَّهَ فَتَرَكُوهُ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: إذا غَضِبَ كَظَمَ غَيْظَهُ، وقالَ مُقاتِلٌ: إذا أصابَهُ نَزْغٌ تَذَكَّرَ وعَرَفَ أنَّها مَعْصِيَةٌ نَزَعَ عَنْها مَخافَةَ اللَّهِ تَعالى، وقالَ أبُو رَوْقٍ: ابْتَهَلُوا، وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: عاذُوا بِذِكْرِ اللَّهِ؛ وقِيلَ: تَفَكَّرُوا فَأبْصَرُوا، وهَذِهِ كُلُّها أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ، وسَبَّ عِصامُ بْنُ المُصْطَلِقِ الشّامِيِّ الحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَبًّا مُبالِغًا وأباهُ؛ إذْ كانَ مُبْغِضًا لِأبِيهِ، فَقالَ الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ: أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، إلى قَوْلِهِ: ﴿فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾، ثُمَّ قالَ: خَفِّضْ عَلَيْكَ، أسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي ولَكَ، ودَعا لَهُ في حِكايَةٍ فِيها طُولٌ، ظَهَرَ فِيها مِن مَكارِمِ أخْلاقِهِ وسَعَةِ صَدْرِهِ وحَوالَةِ الأشْياءِ عَلى القَدْرِ ما صَيَّرَ عِصامًا أشَدَّ النّاسِ حُبًّا لَهُ ولِأبِيهِ، وذَلِكَ بِاسْتِعْمالِهِ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ وأخْذٌ بِها، ومُبْصِرُونَ هُنا مِنَ البَصِيرَةِ لا مِنَ البَصَرِ، وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ: مِنَ الشَّيْطانِ تَأمَّلُوا، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: إذا طافَ مِنَ الشَّيْطانِ طائِفٌ تَأمَّلُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ، ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ هَذا وقِراءَةُ ابْنِ الزُّبَيْرِ عَلى أنَّ ذَلِكَ مِن بابِ التَّفْسِيرِ، لا عَلى أنَّهُ قُرْآنٌ لِمُخالَفَتِهِ سَوادَ ما أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلَيْهِ مِن ألْفاظِ القُرْآنِ. ﴿وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ الضَّمِيرُ في وإخْوانِهِمْ عائِدٌ عَلى الجاهِلِينَ، أوْ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾، وهم غَيْرُ المُتَّقِينَ؛ لِأنَّ الشَّيْءَ قَدْ يَدُلُّ عَلى مُقابِلِهِ فَيُضْمَرُ ذَلِكَ المُقابِلُ لِدَلالَةِ مُقابِلِهِ عَلَيْهِ، وعَنى بِالإخْوانِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ: الشَّياطِينَ، كَأنَّهُ قِيلَ: والشَّياطِينُ الَّذِينَ هم إخْوانُ الجاهِلِينَ، أوْ غَيْرِ المُتَّقِينَ يَمُدُّونَ الجاهِلِينَ، أوْ غَيْرَ المُتَّقِينَ في الغَيِّ، فالواوُ في يَمُدُّونَهم ضَمِيرُ الإخْوانِ، فَيَكُونُ الخَبَرُ جارِيًا عَلى مَن هو لَهُ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ والمَنصُوبُ لِلْكُفّارِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودا جَمِيعًا عَلى الشَّياطِينِ، ويَكُونُ المَعْنى: وإخْوانُ الشَّياطِينِ في الغَيِّ بِخِلافِ الإخْوَةِ في اللَّهِ يَمُدُّونَ الشَّياطِينَ، أيْ: بِطاعَتِهِمْ لَهم وقَبُولِهِمْ مِنهم، ولا يَتَرَتَّبُ هَذا التَّأْوِيلُ عَلى أنْ يَتَعَلَّقَ في الغَيِّ بِالإمْدادِ؛ لِأنَّ الإنْسَ لا يَعُودُونَ الشَّياطِينَ، انْتَهى، ويُمْكِنُ أنْ يَتَعَلَّقَ في الغَيِّ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ بِقَوْلِهِ: يَمُدُّونَهم عَلى أنْ تَكُونَ في لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ: يَمُدُّونَهم بِسَبَبِ غَوايَتِهِمْ، نَحْوَ: «دَخَلَتِ امْرَأةٌ النّارَ في هِرَّةٍ»، أيْ: بِسَبَبِ هِرَّةٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في الغَيِّ حالًا فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، أيْ: كائِنِينَ ومُسْتَقِرِّينَ في الغَيِّ، فَيَبْقى في الغَيِّ في مَوْضِعِهِ لا يَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: وإخْوانُهم، وقَدْ جَوَّزَ ذَلِكَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وعِنْدِي في ذَلِكَ نَظَرٌ، فَلَوْ قُلْتَ: مُطْعِمُكَ زَيْدٌ لَحْمًا، تُرِيدُ: مُطْعِمُكَ لَحْمًا زَيْدٌ، فَتَفْصِلُ بَيْنَ المُبْتَدَأِ ومَعْمُولِهِ بِالخَبَرِ لَكانَ في جَوازِهِ نَظَرٌ (p-٤٥١)لِأنَّكَ فَصَلْتَ بَيْنَ العامِلِ والمَعْمُولِ بِأجْنَبِيٍّ لَهُما مَعًا، وإنْ كانَ لَيْسَ أجْنَبِيًّا لِأحَدِهِما الَّذِي هو المُبْتَدَأُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَخْتَلِفَ الضَّمِيرُ فَيَكُونُ في وإخْوانِهِمْ عائِدٌ عَلى الشَّياطِينِ الدّالِّ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ، أوْ عَلى الشَّيْطانِ نَفْسِهِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ يُرادُ بِهِ الجِنْسُ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، المَعْنى الطَّواغِيتُ، ويَكُونُ في يَمُدُّونَهم عائِدٌ عَلى الكُفّارِ، والواوُ في يَمُدُّونَهم عائِدَةٌ عَلى الشَّياطِينِ، وإخْوانُ الشَّياطِينِ يَمُدُّونَهُمُ الشَّياطِينُ، ويَكُونُ الخَبَرُ جَرى عَلى غَيْرِ مَن هو لَهُ؛ لِأنَّ الإمْدادَ مُسْنَدٌ إلى الشَّياطِينِ لا لِإخْوانِهِمْ، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ: ؎قَوْمٌ إذا الخَيْلُ جالُوا في كَواثِيها وهَذا الِاحْتِمالُ هو قَوْلُ الجُمْهُورِ، وعَلَيْهِ فَسَّرَ الطَّبَرِيُّ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو أوْجُهٌ؛ لِأنَّ إخْوانَهم في مُقابَلَةِ الَّذِينَ اتَّقَوْا، وقَرَأ نافِعٌ: يُمِدُّونَهم مُضارِعُ أمَدَّ، وباقِي السَّبْعَةِ يَمُدُّونَهم مِن مَدَّ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿ويَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥]، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: يُمادُّونَهم، مِن مادَّ عَلى وزْنِ فاعَلَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: لا يُقْصِرُونَ مِن أقْصَرَ، أيْ: كَفَّ. قالَ الشّاعِرُ: ؎لَعَمْرُكَ ما قَلْبِي إلى أهْلِهِ بِحُرْ ∗∗∗ ولا مُقْصِرٌ يَوْمًا فَيَأْتِيَنِي بِقُرْ أيْ، ولا هو نازِعٌ عَمّا هو فِيهِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وعِيسى بْنُ عُمَرَ، ثُمَّ لا يَقْصُرُونَ مِن قَصَرَ، أيْ: ثُمَّ لا يَنْقُصُونَ مِن إمْدادِهِمْ وغَوايَتِهِمْ، وقَدْ أبْعَدَ الزَّجّاجُ في دَعْواهُ أنَّ قَوْلَهُ: وإخْوانُهم، الآيَةَ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٢]، ولا حاجَةَ إلى تَكَلُّفِ ذَلِكَ، بَلْ هو كَلامٌ مُتَناسِقٌ أخَذَ بَعْضُهُ بِعُنُقِ بَعْضٍ، لَمّا بَيَّنَ حالَ المُتَّقِينَ مَعَ الشَّياطِينِ بَيَّنَ حالَ غَيْرِ المُتَّقِينَ مَعَهم، وأنَّ أُولَئِكَ يَنْفُسُ ما يَمَسُّهم مِنَ الشَّيْطانِ ماسٌ أقْلَعُوا عَلى الفَوْرِ، وهَؤُلاءِ في إمْدادٍ مِنَ الغَيِّ وعَدَمِ نُزُوعٍ عَنْهُ.

الأعراف 7:202

﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْعٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، أيْ: يَنْخَسَنَّكَ بِأنْ يَحْمِلَكَ بِوَسْوَسَتِهِ عَلى ما لا يَلِيقُ، فاطْلُبِ العِياذَةَ بِاللَّهِ مِنهُ وهي اللِّواذُ والِاسْتِجارَةُ، قِيلَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] الآيَةَ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ: كَيْفَ والغَضَبُ، فَنَزَلَتْ، ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ، وفاعِلُ يَنْزَغَنَّكَ هو نَزْغٌ عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ جَدَّ جَدُّهُ، أوْ عَلى إطْلاقِ المَصْدَرِ، والمُرادُ بِهِ نازَغَ، وخَتَمَ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ؛ لِأنَّ الِاسْتِعاذَةَ تَكُونُ بِالنِّسْيانِ، وتُجْدِي إلّا بِاسْتِحْضارِ مَعْناها، فالمَعْنى سَمِيعٌ لِلْأقْوالِ عَلِيمٌ بِما في الضَّمائِرِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الآيَةُ وصِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ تَعُمُّ أُمَّتَهُ رَجُلًا رَجُلًا، ونَزْغُ الشَّيْطانِ عامٌّ في الغَضَبِ وتَحْسِينِ المَعاصِي واكْتِسابِ الغَوائِلِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وفي مُصَنَّفِ أبِي عِيسى التِّرْمِذِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إنَّ لِلْمَلِكِ لَمَّةً وإنَّ لِلشَّيْطانِ لَمَّةً» وبِهَذِهِ الآيَةِ تَعَلَّقَ ابْنُ القاسِمِ في قَوْلِهِ: إنَّ الِاسْتِعاذَةَ عِنْدَ القِراءَةِ أعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ (p-٤٤٩)العَلِيمِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، انْتَهى. واسْتِنْباطُ ذَلِكَ مِنَ الآيَةِ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: إنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ جَرى مَجْرى التَّعْلِيلِ لِطَلَبِ الِاسْتِجارَةِ بِاللَّهِ، أيْ: لا تَسْتَعِذْ بِغَيْرِهِ، فَإنَّهُ هو السَّمِيعُ لِما تَقُولُ، أوِ السَّمِيعُ لِما تَقُولُهُ الكُفّارُ فِيكَ حِينَ يَرُومُونَ إغْضابَكَ، العَلِيمُ بِقَصْدِكَ في الِاسْتِعاذَةِ، أوِ العَلِيمُ بِما انْطَوَتْ عَلَيْهِ ضَمائِرُهم مِنَ الكَيْدِ لَكَ، فَهو يَنْصُرُكَ عَلَيْهِمْ ويُجِيرُكَ مِنهم. ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ النَّزْغُ مِنَ الشَّيْطانِ أخَفُّ مِن مَسِّ الطّائِفِ مِنَ الشَّيْطانِ؛ لِأنَّ النَّزْغَ أدْنى حَرَكَةٍ، والمَسَّ الإصابَةُ، والطّائِفُ ما يَطُوفُ بِهِ ويَدُورُ عَلَيْهِ، فَهو أبْلَغُ لا مَحالَةَ، فَحالُ المُتَّقِينَ تَزِيدُ في ذَلِكَ عَلى حالِ الرَّسُولِ، وانْظُرْ لِحُسْنِ هَذا البَيانِ حَيْثُ جاءَ الكَلامُ لِلرَّسُولِ كانَ الشَّرْطُ بِلَفْظِ إنَّ المُحْتَمِلَةِ لِلْوُقُوعِ ولِعَدَمِهِ، وحَيْثُ كانَ الكَلامُ لِلْمُتَّقِينَ كانَ المَجِيءُ بِإذا المَوْضُوعَةِ لِلتَّحْقِيقِ، أوْ لِلتَّرْجِيحِ، وعَلى هَذا فالنَّزْغُ يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ ويُمْكِنُ أنْ لا يَقَعَ، والمَسُّ واقِعٌ لا مَحالَةَ، أوْ يُرَجَّحُ وُقُوعُهُ، وهو إلْصاقُ البَشَرَةِ، وهو هُنا اسْتِعارَةٌ، وفي تِلْكَ الجُمْلَةِ أُمِرَ هو ﷺ بِالِاسْتِعاذَةِ، وهُنا جاءَتِ الجُمْلَةُ خَبَرِيَّةً في ضِمْنِها الشَّرْطُ، وجاءَ الخَبَرُ تَذَكَّرُوا فَدَلَّ عَلى تَمَكُّنِ مَسِّ الطّائِفِ حَتّى حَصَلَ نِسْيانٌ فَتَذَكَّرُوا ما نَسُوهُ، والمَعْنى: تَذَكَّرُوا ما أمَرَ بِهِ تَعالى وما نَهى عَنْهُ، وبِنَفْسِ التَّذَكُّرِ حَصَلَ إبْصارُهم فاجَأهم إبْصارُ الحَقِّ والسَّدادِ، فاتَّبَعُوهُ وطَرُّوا عَنْهم مَسَّ الشَّيْطانِ الطّائِفِ، واتَّقَوْا قِيلَ: عامَّةٌ في كُلِّ ما يُتَّقى؛ وقِيلَ: الشِّرْكَ والمَعاصِيَ؛ وقِيلَ: عِقابَ اللَّهِ، وقَرَأ النَّحْوِيّانِ وابْنُ كَثِيرٍ: طَيْفٌ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مِن طافَ يَطِيفُ طَيْفًا، أنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ: ؎أنّى ألَمَّ بِكَ الخَيالُ يَطِيفُ ومَطافُهُ لَكَ ذِكْرَةٌ وشُعُوفُ واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مُخَفَّفًا مِن طَيِّفٍ كَمَيِّتٍ ومَيْتٍ، أوْ كَلَيْنٍ مِن لَيِّنٍ؛ لِأنَّ طافَ المُشَدَّدَةَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن طافَ يَطِيفُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن طافَ يَطُوفُ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: طائِفٌ، اسْمَ فاعِلٍ مِن طافَ، وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ (طَيِّفٌ) بِالتَّشْدِيدِ، وهو فَيْعِلٌ، وإلى أنَّ الطَّيْفَ مَصْدَرٌ مالَ الفارِسِيُّ، جَعَلَ الطَّيْفَ كالخَطِرَةِ والطّائِفَ كالخاطِرِ، وقالَ الكِسائِيُّ: الطَّيْفُ اللَّمَمُ والطّائِفُ ما طافَ حَوْلَ الإنْسانِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وكَيْفَ هَذا وقَدْ قالَ الأعْشى: ؎وتُصْبِحُ عَنْ غَبِّ السَّرى وكَأنَّها ∗∗∗ ألَمَّ بِها مِن طائِفِ الجِنِّ أوْلَقُ انْتَهى، ولا يُتَعَجَّبُ مِن تَفْسِيرِ الكِسائِيِّ الطّائِفَ بِأنَّهُ ما طافَ حَوْلَ الإنْسانِ بِهَذا البَيْتِ؛ لِأنَّهُ يَصِحُّ (p-٤٥٠)فِيهِ مَعْنى ما قالَهُ الكِسائِيُّ؛ لِأنَّهُ إنْ كانَ تَعَجُّبُهُ وإنْكارُهُ مِن حَيْثُ خُصِّصَ الإنْسانُ، والَّذِي قالَهُ الأعْشى تَشْبِيهٌ لِأنَّهُ قالَ: كَأنَّها، وإنْ كانَ تَعَجُّبُهُ مِن حَيْثُ فَسَّرَ بِأنَّهُ ما طافَ حَوْلَ الإنْسانِ، فَطائِفُ الجِنِّ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: طافَ حَوْلَ الإنْسانِ، وشَبَّهَ هو النّاقَةَ في سُرْعَتِها ونَشاطِها وقَطْعِها الفَيافِيَ عَجِلَةً بِحالَتِها إذا ألَمَّ بِها أوْلَقَ مِن طائِفِ الجِنِّ، وقالَ أبُو زَيْدٍ: طافَ أقْبَلَ وأدْبَرَ يَطُوفُ طَوْفًا وطَوافًا، وأطافَ اسْتَدارَ القَوْمَ وأتاهم مِن نَواحِيهِمْ، وطافَ الخَيالُ ألَمَّ يَطِيفُ طَيْفًا، وزَعَمَ السُّهَيْلِيُّ أنَّهُ لَمْ يَقُلِ اسْمَ فاعِلٍ مِن طافَ الخَيالُ قالَ: لِأنَّهُ تَخَيُّلٌ لا حَقِيقَةٌ، وأمّا ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ﴾ [القلم: ١٩] فَلا يُقالُ فِيهِ طَيْفٌ؛ لِأنَّهُ اسْمُ فاعِلٍ حَقِيقَةً، انْتَهى، وقالَ حَسّانُ: ؎جِنِّيَّةٌ أرَّقَنِي طَيْفُها ∗∗∗ تَذْهَبُ صُبْحًا وتُرى في المَنامِ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَمّا بِمَعْنى النَّزْعِ، وقالَ السُّدِّيُّ: الطَّيْفُ الجُنُونُ، والطّائِفُ الغَضَبُ، وقالَ أبُو عَمْرٍو: هُما بِمَعْنى الوَسْوَسَةِ؛ وقِيلَ: هُما بِمَعْنى اللَّمَمِ والخَيالِ؛ وقِيلَ: الطَّيْفُ النَّخِيلُ، والطّائِفُ الشَّيْطانُ، وقالَ مُجاهِدٌ: الطَّيْفُ الغَضَبُ ويُسَمّى الجُنُونُ والغَضَبُ والوَسْوَسَةُ طَيْفًا؛ لِأنَّهُ لَمَّةٌ مِنَ الشَّيْطانِ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ والسُّدِّيُّ: إذا زَلُّوا تابُوا، وقالَ مُجاهِدٌ: إذا هَمُّوا بِذَنْبٍ ذَكَرُوا اللَّهَ فَتَرَكُوهُ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: إذا غَضِبَ كَظَمَ غَيْظَهُ، وقالَ مُقاتِلٌ: إذا أصابَهُ نَزْغٌ تَذَكَّرَ وعَرَفَ أنَّها مَعْصِيَةٌ نَزَعَ عَنْها مَخافَةَ اللَّهِ تَعالى، وقالَ أبُو رَوْقٍ: ابْتَهَلُوا، وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: عاذُوا بِذِكْرِ اللَّهِ؛ وقِيلَ: تَفَكَّرُوا فَأبْصَرُوا، وهَذِهِ كُلُّها أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ، وسَبَّ عِصامُ بْنُ المُصْطَلِقِ الشّامِيِّ الحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَبًّا مُبالِغًا وأباهُ؛ إذْ كانَ مُبْغِضًا لِأبِيهِ، فَقالَ الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ: أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، إلى قَوْلِهِ: ﴿فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾، ثُمَّ قالَ: خَفِّضْ عَلَيْكَ، أسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي ولَكَ، ودَعا لَهُ في حِكايَةٍ فِيها طُولٌ، ظَهَرَ فِيها مِن مَكارِمِ أخْلاقِهِ وسَعَةِ صَدْرِهِ وحَوالَةِ الأشْياءِ عَلى القَدْرِ ما صَيَّرَ عِصامًا أشَدَّ النّاسِ حُبًّا لَهُ ولِأبِيهِ، وذَلِكَ بِاسْتِعْمالِهِ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ وأخْذٌ بِها، ومُبْصِرُونَ هُنا مِنَ البَصِيرَةِ لا مِنَ البَصَرِ، وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ: مِنَ الشَّيْطانِ تَأمَّلُوا، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: إذا طافَ مِنَ الشَّيْطانِ طائِفٌ تَأمَّلُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ، ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ هَذا وقِراءَةُ ابْنِ الزُّبَيْرِ عَلى أنَّ ذَلِكَ مِن بابِ التَّفْسِيرِ، لا عَلى أنَّهُ قُرْآنٌ لِمُخالَفَتِهِ سَوادَ ما أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلَيْهِ مِن ألْفاظِ القُرْآنِ. ﴿وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ الضَّمِيرُ في وإخْوانِهِمْ عائِدٌ عَلى الجاهِلِينَ، أوْ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾، وهم غَيْرُ المُتَّقِينَ؛ لِأنَّ الشَّيْءَ قَدْ يَدُلُّ عَلى مُقابِلِهِ فَيُضْمَرُ ذَلِكَ المُقابِلُ لِدَلالَةِ مُقابِلِهِ عَلَيْهِ، وعَنى بِالإخْوانِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ: الشَّياطِينَ، كَأنَّهُ قِيلَ: والشَّياطِينُ الَّذِينَ هم إخْوانُ الجاهِلِينَ، أوْ غَيْرِ المُتَّقِينَ يَمُدُّونَ الجاهِلِينَ، أوْ غَيْرَ المُتَّقِينَ في الغَيِّ، فالواوُ في يَمُدُّونَهم ضَمِيرُ الإخْوانِ، فَيَكُونُ الخَبَرُ جارِيًا عَلى مَن هو لَهُ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ والمَنصُوبُ لِلْكُفّارِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودا جَمِيعًا عَلى الشَّياطِينِ، ويَكُونُ المَعْنى: وإخْوانُ الشَّياطِينِ في الغَيِّ بِخِلافِ الإخْوَةِ في اللَّهِ يَمُدُّونَ الشَّياطِينَ، أيْ: بِطاعَتِهِمْ لَهم وقَبُولِهِمْ مِنهم، ولا يَتَرَتَّبُ هَذا التَّأْوِيلُ عَلى أنْ يَتَعَلَّقَ في الغَيِّ بِالإمْدادِ؛ لِأنَّ الإنْسَ لا يَعُودُونَ الشَّياطِينَ، انْتَهى، ويُمْكِنُ أنْ يَتَعَلَّقَ في الغَيِّ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ بِقَوْلِهِ: يَمُدُّونَهم عَلى أنْ تَكُونَ في لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ: يَمُدُّونَهم بِسَبَبِ غَوايَتِهِمْ، نَحْوَ: «دَخَلَتِ امْرَأةٌ النّارَ في هِرَّةٍ»، أيْ: بِسَبَبِ هِرَّةٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في الغَيِّ حالًا فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، أيْ: كائِنِينَ ومُسْتَقِرِّينَ في الغَيِّ، فَيَبْقى في الغَيِّ في مَوْضِعِهِ لا يَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: وإخْوانُهم، وقَدْ جَوَّزَ ذَلِكَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وعِنْدِي في ذَلِكَ نَظَرٌ، فَلَوْ قُلْتَ: مُطْعِمُكَ زَيْدٌ لَحْمًا، تُرِيدُ: مُطْعِمُكَ لَحْمًا زَيْدٌ، فَتَفْصِلُ بَيْنَ المُبْتَدَأِ ومَعْمُولِهِ بِالخَبَرِ لَكانَ في جَوازِهِ نَظَرٌ (p-٤٥١)لِأنَّكَ فَصَلْتَ بَيْنَ العامِلِ والمَعْمُولِ بِأجْنَبِيٍّ لَهُما مَعًا، وإنْ كانَ لَيْسَ أجْنَبِيًّا لِأحَدِهِما الَّذِي هو المُبْتَدَأُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَخْتَلِفَ الضَّمِيرُ فَيَكُونُ في وإخْوانِهِمْ عائِدٌ عَلى الشَّياطِينِ الدّالِّ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ، أوْ عَلى الشَّيْطانِ نَفْسِهِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ يُرادُ بِهِ الجِنْسُ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، المَعْنى الطَّواغِيتُ، ويَكُونُ في يَمُدُّونَهم عائِدٌ عَلى الكُفّارِ، والواوُ في يَمُدُّونَهم عائِدَةٌ عَلى الشَّياطِينِ، وإخْوانُ الشَّياطِينِ يَمُدُّونَهُمُ الشَّياطِينُ، ويَكُونُ الخَبَرُ جَرى عَلى غَيْرِ مَن هو لَهُ؛ لِأنَّ الإمْدادَ مُسْنَدٌ إلى الشَّياطِينِ لا لِإخْوانِهِمْ، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ: ؎قَوْمٌ إذا الخَيْلُ جالُوا في كَواثِيها وهَذا الِاحْتِمالُ هو قَوْلُ الجُمْهُورِ، وعَلَيْهِ فَسَّرَ الطَّبَرِيُّ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو أوْجُهٌ؛ لِأنَّ إخْوانَهم في مُقابَلَةِ الَّذِينَ اتَّقَوْا، وقَرَأ نافِعٌ: يُمِدُّونَهم مُضارِعُ أمَدَّ، وباقِي السَّبْعَةِ يَمُدُّونَهم مِن مَدَّ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿ويَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥]، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: يُمادُّونَهم، مِن مادَّ عَلى وزْنِ فاعَلَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: لا يُقْصِرُونَ مِن أقْصَرَ، أيْ: كَفَّ. قالَ الشّاعِرُ: ؎لَعَمْرُكَ ما قَلْبِي إلى أهْلِهِ بِحُرْ ∗∗∗ ولا مُقْصِرٌ يَوْمًا فَيَأْتِيَنِي بِقُرْ أيْ، ولا هو نازِعٌ عَمّا هو فِيهِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وعِيسى بْنُ عُمَرَ، ثُمَّ لا يَقْصُرُونَ مِن قَصَرَ، أيْ: ثُمَّ لا يَنْقُصُونَ مِن إمْدادِهِمْ وغَوايَتِهِمْ، وقَدْ أبْعَدَ الزَّجّاجُ في دَعْواهُ أنَّ قَوْلَهُ: وإخْوانُهم، الآيَةَ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٢]، ولا حاجَةَ إلى تَكَلُّفِ ذَلِكَ، بَلْ هو كَلامٌ مُتَناسِقٌ أخَذَ بَعْضُهُ بِعُنُقِ بَعْضٍ، لَمّا بَيَّنَ حالَ المُتَّقِينَ مَعَ الشَّياطِينِ بَيَّنَ حالَ غَيْرِ المُتَّقِينَ مَعَهم، وأنَّ أُولَئِكَ يَنْفُسُ ما يَمَسُّهم مِنَ الشَّيْطانِ ماسٌ أقْلَعُوا عَلى الفَوْرِ، وهَؤُلاءِ في إمْدادٍ مِنَ الغَيِّ وعَدَمِ نُزُوعٍ عَنْهُ.

الأعراف 7:203

﴿وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها﴾ رُوِيَ أنَّ الوَحْيَ كانَ يَتَأخَّرُ عَنِ النَّبِيِّ أحْيانًا، فَكانَ الكُفّارُ يَقُولُونَ: هَلّا اجْتَبَيْتَها، ومَعْنى اللَّفْظَةِ في كَلامِ العَرَبِ تَخَيَّرْتَها واصْطَفَيْتَها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُمُ: المُرادُ هَلّا اخْتَرَعْتَها واخْتَلَقْتَها مَن قِبَلِكَ ومِن عِنْدِ نَفْسِكَ، والمَعْنى: أنَّ كَلامَكَ كُلَّهُ كَذَلِكَ عَلى ما كانَتْ قُرَيْشٌ تَدَّعِيهِ، كَما قالُوا: ما هَذا إلّا إفْكٌ مُفْتَرى، قالَ الفَرّاءُ: تَقُولُ العَرَبُ: اجْتَبَيْتُ الكَلامَ واخْتَلَقْتُهُ وارْتَجَلْتُهُ إذا افْتَعَلْتَهُ مِن قِبَلِ نَفْسِكَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اجْتَبى الشَّيْءَ بِمَعْنى جَباهُ لِنَفْسِهِ، أيْ: جَمَعَهُ، كَقَوْلِهِ: اجْتَمَعَ، أوْ جَبى إلَيْهِ فاجْتَباهُ، أيْ: أخَذَهُ، كَقَوْلِكَ: جَلَيْتُ العَرُوسَ إلَيْهِ فاجْتَلاها، والمَعْنى: هَلّا اجْتَمَعْتَها افْتِعالًا مِن قِبَلِ نَفْسِكَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا والضَّحّاكُ: هَلّا تَلَقَّيْتَها، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَلّا أخَذْتَها مُنَزَّلَةً عَلَيْكَ مُقْتَرَحَةً، انْتَهى، وهَذا القَوْلُ مِنهم مِن نَتائِجِ الإمْدادِ في الغَيِّ، كانُوا يَطْلُبُونَ آياتٍ مُعَيَّنَةً عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ، كَقَلْبِ الصَّفا ذَهَبًا، وإحْياءِ المَوْتى، وتَفْجِيرِ الأنْهارِ، وكَمْ جاءَتْهم مِن آيَةٍ فَكَذَّبُوا بِها واقْتَرَحُوا غَيْرَها. ﴿قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي﴾ بَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ مَجِيءُ الآياتِ إلَيْهِ، إنَّما هو مُتَّبِعٌ ما أوْحاهُ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ، ولَسْتُ بِمُفْتَعِلِها ولا مُقْتَرِحِها. ﴿هَذا بَصائِرُ مِن رَبِّكُمْ﴾، أيْ: هَذا المُوحى إلَيَّ الَّذِي أنا أتَّبِعُهُ لا أبْتَدِعُهُ، وهو القُرْآنُ بَصائِرُ، أيْ: حُجَجٌ وبَيِّناتٌ يُبْصَرُ بِها وتَتَّضِحُ الأشْياءُ الخَفِيّاتُ، وهي جَمْعُ بَصِيرَةٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿عَلى بَصِيرَةٍ أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨]، أيْ: عَلى أمْرٍ جَلِيٍّ مُنْكَشِفٍ، وأخْبَرَ عَنِ المُفْرَدِ بِالجَمْعِ لِاشْتِمالِهِ عَلى سُوَرٍ وآياتٍ؛ وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ذُو بَصائِرَ. ﴿وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، أيْ: دَلالَةٌ إلى الرُّشْدِ ورَحْمَةٌ في الدّارَيْنِ، وفي الدِّينِ والدُّنْيا، وخَصَّ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَسْتَبْصِرُونَ، وهُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِالوَحْيِ يَتَّبِعُونَ ما أمَرَ بِهِ فِيهِ، ويَجْتَنِبُونَ ما يُنْهَوْنَ عَنْهُ فِيهِ، ويُؤْمِنُونَ بِما تَضَمَّنَهُ، وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: أصْلُ البَصِيرَةِ الإبْصارُ لَمّا كانَ القُرْآنُ سَبَبًا لِبَصائِرِ العُقُولِ في دَلالَةِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ (p-٤٥٢)البَصِيرَةِ تَسْمِيَةً لِلسَّبَبِ بِاسْمِ المُسَبَّبِ، والنّاسُ في مَعارِفِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ ثَلاثَةُ أقْسامٍ، أحَدُها: الَّذِينَ بالَغُوا في هَذِهِ المَعارِفِ إلى حَيْثُ صارُوا كالمُشاهِدِينَ لَها، وهم أصْحابُ عَيْنِ اليَقِينِ، فالقُرْآنُ في حَقِّهِمْ بَصائِرُ، والثّانِي: الَّذِينَ وصَلُوا إلى دَرَجاتِ المُسْتَدِلِّينَ، وهم أصْحابُ عِلْمِ اليَقِينِ، فَهو في حَقِّهِمْ هُدًى، والثّالِثُ: مَنِ اعْتَقَدَ ذَلِكَ الِاعْتِقادَ الجَزْمَ وإنْ لَمْ يَبْلُغْ مَرْتَبَةَ المُسْتَدِلِّينَ، وهم عامَّةُ المُؤْمِنِينَ، فَهو في حَقِّهِمْ رَحْمَةٌ، ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الفِرَقُ الثَّلاثُ مِنَ المُؤْمِنِينَ قالَ: لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، انْتَهى، وفِيهِ تَكْمِيلٌ، وبَعْضُ تَلْخِيصٍ.