Lafzullah

Al-Bahr Al-Muhit — الأنفال 8:67 – التوبة 9:20

المؤلف / المصدر: Al-Bahr Al-Muhit

المحتويات
  1. الأنفال 8:67
  2. الأنفال 8:68
  3. الأنفال 8:69
  4. الأنفال 8:70
  5. الأنفال 8:71
  6. الأنفال 8:72
  7. الأنفال 8:73
  8. الأنفال 8:74
  9. الأنفال 8:75
  10. التوبة 9:1
  11. التوبة 9:2
  12. التوبة 9:3
  13. التوبة 9:4
  14. التوبة 9:5
  15. التوبة 9:6
  16. التوبة 9:7
  17. التوبة 9:8
  18. التوبة 9:9
  19. التوبة 9:10
  20. التوبة 9:11
  21. التوبة 9:12
  22. التوبة 9:13
  23. التوبة 9:14
  24. التوبة 9:15
  25. التوبة 9:16
  26. التوبة 9:17
  27. التوبة 9:18
  28. التوبة 9:19
  29. التوبة 9:20

الأنفال 8:67

﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا واللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . نَزَلَتْ في أسْرى بَدْرٍ، وكانَ الرَّسُولُ ﷺ قَدِ اسْتَشارَ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ وعَلِيًّا، فَأشارَ أبُو بَكْرٍ بِالِاسْتِحْياءِ، وعُمَرُ بِالقَتْلِ في حَدِيثٍ طَوِيلٍ يُوقَفُ عَلَيْهِ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وقَرَأ أبُو الدَّرْداءِ وأبُو حَيْوَةَ: ما كانَ لِلنَّبِيِّ مُعَرَّفًا، والمُرادُ بِهِ في التَّنْكِيرِ والتَّعْرِيفِ الرَّسُولُ ﷺ، ولَكِنْ في التَّنْكِيرِ إبْهامٌ في كَوْنِ النَّفْيِ لَمْ يَتَوَجَّهْ عَلَيْهِ مُعَيَّنًا، وتَقَدَّمَ مِثْلُ هَذا التَّرْكِيبِ وكَيْفِيَّةُ هَذا النَّفْيِ، وهو هُنا عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ما كانَ لِأصْحابِ نَبِيٍّ، أوْ لِأتْباعِ نَبِيٍّ، فَحُذِفَ اخْتِصارًا، ولِذَلِكَ جاءَ الجَمْعُ في قَوْلِهِ: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا﴾ ولَمْ يَجِئِ التَّرْكِيبُ تُرِيدُ أوْ يُرِيدُ عَرَضَ الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِاسْتِبْقاءِ الرِّجالِ وقْتَ الحَرْبِ، ولا أرادَ عَرَضَ الدُّنْيا قَطُّ، وإنَّما فَعَلَهُ جُمْهُورُ مُباشِرِي الحَرْبِ، وقَدْ طَوَّلَ المُفَسِّرُونَ في قِصَّةِ هَؤُلاءِ الأُسارى، وذَلِكَ مَذْكُورٌ في السِّيَرِ وحَذَفْناهُ نَحْنُ لِأنَّ في بَعْضِهِ ما لا يُناسِبُ ذِكْرُهُ بِالنِّسْبَةِ إلى مَناصِبِ الرُّسُلِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو أنْ تَكُونَ عَلى تَأْنِيثِ لَفْظِ الجَمْعِ، وباقِي السَّبْعَةِ والجُمْهُورُ عَلى التَّذْكِيرِ عَلى المَعْنى، وقَرَأ الجُمْهُورُ والسَّبْعَةُ: أسْرى عَلى وزْنِ فَعْلى، وهو قِياسُ فَعِيلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ إذا كانَ آفَةً كَجَرِيحٍ وجَرْحى، وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ القَعْقاعِ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ (أُسارى) وشُبِّهَ فَعِيلٌ بِفَعْلانَ، نَحْوَ: كَسْلانُ وكُسالى، كَما شَبَّهُوا كَسْلانَ بِأسِيرٍ، فَقالُوا فِيهِ جَمْعًا: كَسْلى، قالَهُ سِيبَوَيْهِ: وهُما شاذّانِ، وزَعَمَ الزَّجّاجُ أنَّ أُسارى جَمْعُ أسْرى، فَهو جَمْعُ جَمْعٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا ذِكْرُ الخِلافِ في فُعالى أهُوَ جَمْعٌ أوِ اسْمُ جَمْعٍ وأنَّ مَذْهَبَ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ مِن أبْنِيَةِ الجُمُوعِ، ومَدْلُولُ أسْرى وأُسارى واحِدٌ، وقَرَأ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ الأسْرى هم غَيْرُ المُوثَقِينَ عِنْدَما يُؤْخَذُونَ والأُسارى هُمُ المُوثَقُونَ رَبْطًا، وحَكى أبُو حاتِمٍ أنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنَ العَرَبِ، وقَدْ ذَكَرَهُ أيْضًا أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ، وقالَ: العَرَبُ لا تَعْرِفُ هَذا كِلاهُما عِنْدَهم سَواءٌ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: حَتّى يُثَخِّنَ، مُشَدَّدًا عَدَّوْهُ بِالتَّضْعِيفِ، والجُمْهُورُ بِالتَّخْفِيفِ وعَدَّوْهُ بِالهَمْزَةِ؛ إذْ كانَ قَبْلَ التَّعْدِيَةِ ثَخَنَ، ومَعْنى ﴿عَرَضَ الدُّنْيا﴾ ما أخَذْتُمْ في فِداءِ الأُسارى، وكانَ فِداءُ كُلِّ رَجُلٍ عِشْرِينَ أُوقِيَّةً، وفِداءُ العَبّاسِ أرْبَعُونَ أُوقِيَّةً، وعَنِ ابْنِ سِيرِينَ مِائَةُ أُوقِيَّةٍ، والأُوقِيَّةُ أرْبَعُونَ دِرْهَمًا وسِتَّةُ دَنانِيرَ، وكانُوا مالُوا إلى الفِداءِ لِيَقْوَوْا ما يُصِيبُونَهُ عَلى الجِهادِ، وإيثارًا لِلْقَرابَةِ ورَجاءَ الإسْلامِ، وكانَ الإثْخانُ والقَتْلُ أهْيَبُ لِلْكُفّارِ وأرْفَعُ لِمَنارِ الإسْلامِ، وكانَ ذَلِكَ إذِ المُسْلِمُونَ قَلِيلٌ، فَلَمّا اتَّسَعَ نِطاقُ الإسْلامِ وعَزَّ أهْلُهُ نَزَلَ: (فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً)، وقُرِئَ: (يُرِيدُونَ) بِالياءِ مِن تَحْتُ وسُمِّيَ عَرَضًا؛ لِأنَّهُ حَدَثٌ قَلِيلُ اللُّبْثِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: الآخِرَةَ، بِالنَّصْبِ، وقَرَأ سُلَيْمانُ بْنُ جَمّازٍ المَدَنِيُّ بِالجَرِّ، واخْتَلَفُوا في تَقْدِيرِ المُضافِ المَحْذُوفِ، فَمِنهم مَن قَدَّرَهُ: عَرَضَ الآخِرَةِ، قالَ: وحُذِفَ لِدَلالَةِ عَرَضِ الدُّنْيا عَلَيْهِ، قالَ بَعْضُهم: وقَدْ حُذِفَ العَرَضُ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ في الإعْرابِ فَنُصِبَ، ومِمَّنْ قَدَّرَهُ عَرَضَ الآخِرَةِ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: عَلى التَّقابُلِ، يَعْنِي (p-٥١٩)ثَوابَها، انْتَهى. ونَعْنِي أنَّهُ لَمّا أطْلَقَ عَلى الفِداءِ عَرَضَ الدُّنْيا أطْلَقَ عَلى ثَوابِ الآخِرَةِ عَرَضًا عَلى سَبِيلِ التَّقابُلِ لا أنَّ ثَوابَ الآخِرَةِ زائِلٌ فانٍ كَعَرَضِ الدُّنْيا فَسُمِّيَ عَرَضًا عَلى سَبِيلِ التَّقابُلِ، وإنْ كانَ لَوْلا التَّقابُلُ لَمْ يُسَمَّ عَرَضًا وقَدَّرَهُ بَعْضُهم عَمَلَ الآخِرَةِ، أيِ: المُؤَدِّي إلى الثَّوابِ في الآخِرَةِ وكُلُّهم جَعَلَهُ كَقَوْلِهِ: ؎ونارٍ تُوقَدُ بِاللَّيْلِ نارًا ويَعْنُونَ في حَذْفِ المُضافِ فَقَطْ وإبْقاءِ المُضافِ إلَيْهِ عَلى جَرِّهِ؛ لِأنَّ جَرَّ مِثْلِ ونارٍ جائِزٌ فَصِيحٌ، وذَلِكَ إذا لَمْ يُفْصَلْ بَيْنَ المَجْرُورِ وحَرْفِ العَطْفِ، أوْ فُصِلَ بِلا، نَحْوَ: ما مِثْلُ زَيْدٍ ولا أخِيهِ يَقُولانِ ذَلِكَ، وتَقَدَّمَ المَحْذُوفُ مِثْلَهُ لَفْظًا ومَعْنًى، وأمّا إذا فُصِلَ بَيْنَهُما بِغَيْرِ لا كَهَذِهِ القِراءَةِ، فَهو شاذٌّ قَلِيلٌ، واللَّهُ عَزِيزٌ يَنْصُرُ أوْلِياءَهُ ويَجْعَلُ الغَلَبَةَ لَهم ويُمَكِّنُهم مِن أعْدائِهِمْ قَتْلًا وأسْرًا، حَكِيمٌ يَضَعُ الأشْياءَ مَواضِعَها، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُقاتِلٌ: لَوْلا أنَّ اللَّهَ كَتَبَ في أُمِّ الكِتابِ أنَّهُ سَيُحِلُّ لَكُمُ الغَنائِمَ لَمَسَّكم فِيما تَعَجَّلْتُمْ مِنها، ومِنَ الفِداءِ يَوْمَ بَدْرٍ قَبْلَ أنْ تُؤْمَرُوا بِذَلِكَ عَذابٌ عَظِيمٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا ومُجاهِدٌ: لَوْ سَبَقَ أنَّهُ يُعَذَّبُ مَن أتى ذَنْبًا عَلى جَهالَةٍ لَعُوقِبْتُمْ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ وابْنُ إسْحاقَ: سَبَقَ أنْ لا يُعَذَّبَ إلّا بَعْدَ النَّهْيِ ولَمْ يَكُنْ نَهاهم، وقالَ الحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ زَيْدٍ وابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ: لَوْلا ما سَبَقَ لِأهْلِ بَدْرٍ أنَّ اللَّهَ لا يُعَذِّبُهم لَعَذَّبَهم، وقالَ الماوَرْدِيُّ لَوْلا أنَّ القُرْآنَ اقْتَضى غُفْرانَ الصَّغائِرِ لَعَذَّبَهم، وقالَ قَوْمٌ: الكِتابُ السّابِقُ عَفْوُهُ عَنْهم في هَذا الذَّنْبِ مُعَيَّنًا؛ وقِيلَ: هو أنْ لا يُعَذِّبَهم والرَّسُولُ فِيهِمْ؛ وقِيلَ: ما كَتَبَهُ عَلى نَفْسِهِ مِنَ الرَّحْمَةِ. وقِيلَ: سَبَقَ أنَّهُ لا يُضِلُّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهم؛ وقِيلَ: سَبَقَ أنَّهُ سَيُحِلُّ لَهُمُ الغَنائِمَ والفِداءَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو هُرَيْرَةَ والحَسَنُ؛ وقِيلَ: سَبَقَ أنْ يَغْفِرَ الصَّغائِرَ لِمَنِ اجْتَنَبَ الكَبائِرَ لَعَذَّبَكم بِأخْذِ الغَنائِمِ، واخْتارَهُ النَّحّاسُ، وقالَ قَوْمٌ: الكِتابُ السّابِقُ هو القُرْآنُ، والمَعْنى: لَوْلا الكِتابُ الَّذِي سَبَقَ فَآمَنتُمْ بِهِ وصَدَّقْتُمْ لَمَسَّكُمُ العَذابُ لِأخْذِكم هَذِهِ المُفاداةَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَوْلا حُكْمٌ مِنهُ تَعالى سَبَقَ إثْباتُهُ في اللَّوْحِ، وهو أنْ لا يُعاقِبَ أحَدًا بِخَطَأٍ، وكانَ هَذا خَطَأً في الِاجْتِهادِ؛ لِأنَّهم نَظَرُوا في أنَّ اسْتِبْقاءَهم رُبَّما كانَ سَبَبًا في إسْلامِهِمْ وتَوْبَتِهِمْ، وأنَّ فِداءَهم يُتَقَوّى بِهِ عَلى الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وخَفِيَ عَنْهم أنَّ قَتْلَهم أعَزُّ لِلْإسْلامِ وأهْيَبُ لِمَن وراءَهم وأفَلُّ لِشَوْكَتِهِمُ، انْتَهى. ورُوِيَ لَوْ نَزَلَ في هَذا الأمْرِ عَذابٌ لَنَجا مِنهُ عُمَرُ، وفي حَدِيثٍ آخَرَ وسَعْدُ بْنُ مُعاذٍ، وذَلِكَ أنَّ رَأْيَهُما كانَ أنْ تُقْتَلَ الأُسارى. والَّذِي أقُولُهُ: أنَّهم كانُوا مَأْمُورِينَ أوَّلًا بِقَتْلِ الكُفّارِ في غَيْرِ ما آيَةٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [النساء: ٨٩]، ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] فَلَمّا كانَتْ وقْعَةُ بَدْرٍ وأسَرُوا جَماعَةً مِنَ المُشْرِكِينَ اخْتَلَفُوا في أخْذِ الفِداءِ مِنهم وفي قَتْلِهِمْ، فَعُوتِبَ مَن رَأى الفِداءَ؛ إذْ كانَ قَدْ تَقَدَّمَ الأمْرُ بِالقَتْلِ حَيْثُ لَمْ يَسْتَصْحِبُوا امْتِثالَ الأمْرِ ومالُوا إلى الفِداءِ وحَرَصُوا عَلى تَحْصِيلِ المالِ، ألا تَرى إلى قَوْلِ المِقْدادِ حِينَ أمَرَ الرَّسُولُ ﷺ بِقَتْلِ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ قالَ: أسِيرِي يا رَسُولَ اللَّهِ، وقَوْلِ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ لِمَن أسَرَ أخاهُ: شُدَّ يَدَكَ عَلَيْهِ فَإنَّ لَهُ أُمًّا مُوسِرَةً، ثُمَّ بَعْدَ هَذِهِ المُعاتَبَةِ أمَرَ الرَّسُولُ بِقَتْلِ بَعْضٍ، والمَنِّ بِالإطْلاقِ في بَعْضٍ، والفِداءِ في بَعْضٍ، فَكانَ ذَلِكَ نَسْخًا لِتَحَتُّمِ القَتْلِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: (﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾) في تَأْيِيدِكم ونَصْرِكم وقَهْرِكم أعْداءَكم حَتّى اسْتَوْلَيْتُمْ عَلَيْهِمْ قَتْلًا وأسْرًا ونَهْبًا عَلى قِلَّةِ عَدَدِكم وعُدَدِكم لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ مِن غَنائِمِهِمْ وفِدائِهِمْ عَذابٌ عَظِيمٌ مِنهم؛ لِكَوْنِهِمْ كانُوا أكْثَرَ عَدَدًا مِنكم وعُدَدًا، ولَكِنَّهُ سَهَّلَ تَعالى عَلَيْكم ولَمْ يَمَسَّكم مِنهم عَذابٌ لا بِقَتْلٍ ولا أسْرٍ ولا نَهْبٍ، وذَلِكَ بِالحُكْمِ السّابِقِ في قَضائِهِ أنَّهُ يُسَلِّطُكم عَلَيْهِمْ، ولا يُسَلِّطُهم عَلَيْكم، فَلَيْسَ المَعْنى لَمَسَّكم مِنَ اللَّهِ وإنَّما المَعْنى لَمَسَّكم مِن أعْدائِكم، كَما قالَ: ﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران: ١٤٠] وقالَ: ﴿إنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهم يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ﴾ [النساء: ١٠٤]، ثُمَّ (p-٥٢٠)قالَ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا﴾، أيْ: مِمّا غَنِمْتُمْ، ومِنهُ ما حَصَلَ بِالفِداءِ الَّذِي أقَرَّهُ الرَّسُولُ ﷺ، وقالَ: لا يُفْلِتَنَّ مِنهم رَجُلٌ إلّا بِفِدْيَةٍ، أوْ ضَرْبِ عُنُقٍ، ولَيْسَ هَذا الأمْرُ مَنشَأً لِإباحَةِ الغَنائِمِ؛ إذْ قَدْ سَبَقَ تَحْلِيلُها قَبْلَ يَوْمِ بَدْرٍ، ولَكِنَّهُ أمْرٌ يُفِيدُ التَّوْكِيدَ وانْدِراجُ مالِ الفِداءِ في عُمُومِ ما غَنِمْتُمْ؛ إذْ كانَ قَدْ وقَعَ العِتابُ في المَيْلِ لِلْفِداءِ، ثُمَّ أقَرَّهُ الرَّسُولُ، وانْتَصَبَ حَلالًا عَلى الحالِ مِن ما إنْ كانَتْ مَوْصُولَةً، أوْ مِن ضَمِيرِهِ المَحْذُوفِ، أوْ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: أكْلًا حَلالًا وجَوَّزُوا في ما أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، ورُوِيَ أنَّهم أمْسَكُوا عَنِ الغَنائِمِ ولَمْ يَمُدُّوا أيْدِيَهم إلَيْها فَنَزَلَتْ، وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلَهُ: (فَكُلُوا) مُتَسَبِّبًا عَنْ جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ هي سَبَبٌ، وأفادَتْ ذَلِكَ الفاءُ، وقَدَّرَها قَدْ أبَحْتُ لَكُمُ الغَنائِمَ فَكُلُوا، وقالَ الزَّجّاجُ: الفاءُ لِلْجَزاءِ، والمَعْنى: قَدْ أحْلَلْتُ لَكُمُ الفِداءَ فَكُلُوا، وأمَرَ تَعالى بِتَقْواهُ؛ لِأنَّ التَّقْوى حامِلَةٌ عَلى امْتِثالِ أمْرِ اللَّهِ وعَدَمِ الإقْدامِ عَلى ما لَمْ يَتَقَدَّمْ فِيهِ إذْنٌ، فَفِيهِ تَحْرِيضٌ - عَلى التَّقْوى - مَن مالَ إلى الفِداءِ، ثُمَّ جاءَتِ الصِّفَتانِ مُشْعِرَتَيْنِ بِغُفْرانِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ عَنِ الَّذِينَ مالُوا إلى الفِداءِ قَبْلَ الإذْنِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ إذا اتَّقَيْتُمُوهُ بَعْدَما فَرَطَ مِنكم مِنِ اسْتِباحَةِ الفِداءِ قَبْلَ أنْ يُؤْذَنَ لَكم فِيهِ غَفَرَ لَكم ورَحِمَكم وتابَ عَلَيْكم، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وجاءَ قَوْلُهُ: (واتَّقُوا اللَّهَ) اعْتِراضًا فَصِيحًا في أثْناءِ القَوْلِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) هو مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا﴾؛ وقِيلَ: غَفُورٌ لِما أتَيْتُمْ رَحِيمٌ بِإحْلالِ ما غَنِمْتُمْ.

الأنفال 8:68

﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا واللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . نَزَلَتْ في أسْرى بَدْرٍ، وكانَ الرَّسُولُ ﷺ قَدِ اسْتَشارَ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ وعَلِيًّا، فَأشارَ أبُو بَكْرٍ بِالِاسْتِحْياءِ، وعُمَرُ بِالقَتْلِ في حَدِيثٍ طَوِيلٍ يُوقَفُ عَلَيْهِ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وقَرَأ أبُو الدَّرْداءِ وأبُو حَيْوَةَ: ما كانَ لِلنَّبِيِّ مُعَرَّفًا، والمُرادُ بِهِ في التَّنْكِيرِ والتَّعْرِيفِ الرَّسُولُ ﷺ، ولَكِنْ في التَّنْكِيرِ إبْهامٌ في كَوْنِ النَّفْيِ لَمْ يَتَوَجَّهْ عَلَيْهِ مُعَيَّنًا، وتَقَدَّمَ مِثْلُ هَذا التَّرْكِيبِ وكَيْفِيَّةُ هَذا النَّفْيِ، وهو هُنا عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ما كانَ لِأصْحابِ نَبِيٍّ، أوْ لِأتْباعِ نَبِيٍّ، فَحُذِفَ اخْتِصارًا، ولِذَلِكَ جاءَ الجَمْعُ في قَوْلِهِ: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا﴾ ولَمْ يَجِئِ التَّرْكِيبُ تُرِيدُ أوْ يُرِيدُ عَرَضَ الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِاسْتِبْقاءِ الرِّجالِ وقْتَ الحَرْبِ، ولا أرادَ عَرَضَ الدُّنْيا قَطُّ، وإنَّما فَعَلَهُ جُمْهُورُ مُباشِرِي الحَرْبِ، وقَدْ طَوَّلَ المُفَسِّرُونَ في قِصَّةِ هَؤُلاءِ الأُسارى، وذَلِكَ مَذْكُورٌ في السِّيَرِ وحَذَفْناهُ نَحْنُ لِأنَّ في بَعْضِهِ ما لا يُناسِبُ ذِكْرُهُ بِالنِّسْبَةِ إلى مَناصِبِ الرُّسُلِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو أنْ تَكُونَ عَلى تَأْنِيثِ لَفْظِ الجَمْعِ، وباقِي السَّبْعَةِ والجُمْهُورُ عَلى التَّذْكِيرِ عَلى المَعْنى، وقَرَأ الجُمْهُورُ والسَّبْعَةُ: أسْرى عَلى وزْنِ فَعْلى، وهو قِياسُ فَعِيلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ إذا كانَ آفَةً كَجَرِيحٍ وجَرْحى، وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ القَعْقاعِ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ (أُسارى) وشُبِّهَ فَعِيلٌ بِفَعْلانَ، نَحْوَ: كَسْلانُ وكُسالى، كَما شَبَّهُوا كَسْلانَ بِأسِيرٍ، فَقالُوا فِيهِ جَمْعًا: كَسْلى، قالَهُ سِيبَوَيْهِ: وهُما شاذّانِ، وزَعَمَ الزَّجّاجُ أنَّ أُسارى جَمْعُ أسْرى، فَهو جَمْعُ جَمْعٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا ذِكْرُ الخِلافِ في فُعالى أهُوَ جَمْعٌ أوِ اسْمُ جَمْعٍ وأنَّ مَذْهَبَ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ مِن أبْنِيَةِ الجُمُوعِ، ومَدْلُولُ أسْرى وأُسارى واحِدٌ، وقَرَأ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ الأسْرى هم غَيْرُ المُوثَقِينَ عِنْدَما يُؤْخَذُونَ والأُسارى هُمُ المُوثَقُونَ رَبْطًا، وحَكى أبُو حاتِمٍ أنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنَ العَرَبِ، وقَدْ ذَكَرَهُ أيْضًا أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ، وقالَ: العَرَبُ لا تَعْرِفُ هَذا كِلاهُما عِنْدَهم سَواءٌ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: حَتّى يُثَخِّنَ، مُشَدَّدًا عَدَّوْهُ بِالتَّضْعِيفِ، والجُمْهُورُ بِالتَّخْفِيفِ وعَدَّوْهُ بِالهَمْزَةِ؛ إذْ كانَ قَبْلَ التَّعْدِيَةِ ثَخَنَ، ومَعْنى ﴿عَرَضَ الدُّنْيا﴾ ما أخَذْتُمْ في فِداءِ الأُسارى، وكانَ فِداءُ كُلِّ رَجُلٍ عِشْرِينَ أُوقِيَّةً، وفِداءُ العَبّاسِ أرْبَعُونَ أُوقِيَّةً، وعَنِ ابْنِ سِيرِينَ مِائَةُ أُوقِيَّةٍ، والأُوقِيَّةُ أرْبَعُونَ دِرْهَمًا وسِتَّةُ دَنانِيرَ، وكانُوا مالُوا إلى الفِداءِ لِيَقْوَوْا ما يُصِيبُونَهُ عَلى الجِهادِ، وإيثارًا لِلْقَرابَةِ ورَجاءَ الإسْلامِ، وكانَ الإثْخانُ والقَتْلُ أهْيَبُ لِلْكُفّارِ وأرْفَعُ لِمَنارِ الإسْلامِ، وكانَ ذَلِكَ إذِ المُسْلِمُونَ قَلِيلٌ، فَلَمّا اتَّسَعَ نِطاقُ الإسْلامِ وعَزَّ أهْلُهُ نَزَلَ: (فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً)، وقُرِئَ: (يُرِيدُونَ) بِالياءِ مِن تَحْتُ وسُمِّيَ عَرَضًا؛ لِأنَّهُ حَدَثٌ قَلِيلُ اللُّبْثِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: الآخِرَةَ، بِالنَّصْبِ، وقَرَأ سُلَيْمانُ بْنُ جَمّازٍ المَدَنِيُّ بِالجَرِّ، واخْتَلَفُوا في تَقْدِيرِ المُضافِ المَحْذُوفِ، فَمِنهم مَن قَدَّرَهُ: عَرَضَ الآخِرَةِ، قالَ: وحُذِفَ لِدَلالَةِ عَرَضِ الدُّنْيا عَلَيْهِ، قالَ بَعْضُهم: وقَدْ حُذِفَ العَرَضُ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ في الإعْرابِ فَنُصِبَ، ومِمَّنْ قَدَّرَهُ عَرَضَ الآخِرَةِ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: عَلى التَّقابُلِ، يَعْنِي (p-٥١٩)ثَوابَها، انْتَهى. ونَعْنِي أنَّهُ لَمّا أطْلَقَ عَلى الفِداءِ عَرَضَ الدُّنْيا أطْلَقَ عَلى ثَوابِ الآخِرَةِ عَرَضًا عَلى سَبِيلِ التَّقابُلِ لا أنَّ ثَوابَ الآخِرَةِ زائِلٌ فانٍ كَعَرَضِ الدُّنْيا فَسُمِّيَ عَرَضًا عَلى سَبِيلِ التَّقابُلِ، وإنْ كانَ لَوْلا التَّقابُلُ لَمْ يُسَمَّ عَرَضًا وقَدَّرَهُ بَعْضُهم عَمَلَ الآخِرَةِ، أيِ: المُؤَدِّي إلى الثَّوابِ في الآخِرَةِ وكُلُّهم جَعَلَهُ كَقَوْلِهِ: ؎ونارٍ تُوقَدُ بِاللَّيْلِ نارًا ويَعْنُونَ في حَذْفِ المُضافِ فَقَطْ وإبْقاءِ المُضافِ إلَيْهِ عَلى جَرِّهِ؛ لِأنَّ جَرَّ مِثْلِ ونارٍ جائِزٌ فَصِيحٌ، وذَلِكَ إذا لَمْ يُفْصَلْ بَيْنَ المَجْرُورِ وحَرْفِ العَطْفِ، أوْ فُصِلَ بِلا، نَحْوَ: ما مِثْلُ زَيْدٍ ولا أخِيهِ يَقُولانِ ذَلِكَ، وتَقَدَّمَ المَحْذُوفُ مِثْلَهُ لَفْظًا ومَعْنًى، وأمّا إذا فُصِلَ بَيْنَهُما بِغَيْرِ لا كَهَذِهِ القِراءَةِ، فَهو شاذٌّ قَلِيلٌ، واللَّهُ عَزِيزٌ يَنْصُرُ أوْلِياءَهُ ويَجْعَلُ الغَلَبَةَ لَهم ويُمَكِّنُهم مِن أعْدائِهِمْ قَتْلًا وأسْرًا، حَكِيمٌ يَضَعُ الأشْياءَ مَواضِعَها، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُقاتِلٌ: لَوْلا أنَّ اللَّهَ كَتَبَ في أُمِّ الكِتابِ أنَّهُ سَيُحِلُّ لَكُمُ الغَنائِمَ لَمَسَّكم فِيما تَعَجَّلْتُمْ مِنها، ومِنَ الفِداءِ يَوْمَ بَدْرٍ قَبْلَ أنْ تُؤْمَرُوا بِذَلِكَ عَذابٌ عَظِيمٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا ومُجاهِدٌ: لَوْ سَبَقَ أنَّهُ يُعَذَّبُ مَن أتى ذَنْبًا عَلى جَهالَةٍ لَعُوقِبْتُمْ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ وابْنُ إسْحاقَ: سَبَقَ أنْ لا يُعَذَّبَ إلّا بَعْدَ النَّهْيِ ولَمْ يَكُنْ نَهاهم، وقالَ الحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ زَيْدٍ وابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ: لَوْلا ما سَبَقَ لِأهْلِ بَدْرٍ أنَّ اللَّهَ لا يُعَذِّبُهم لَعَذَّبَهم، وقالَ الماوَرْدِيُّ لَوْلا أنَّ القُرْآنَ اقْتَضى غُفْرانَ الصَّغائِرِ لَعَذَّبَهم، وقالَ قَوْمٌ: الكِتابُ السّابِقُ عَفْوُهُ عَنْهم في هَذا الذَّنْبِ مُعَيَّنًا؛ وقِيلَ: هو أنْ لا يُعَذِّبَهم والرَّسُولُ فِيهِمْ؛ وقِيلَ: ما كَتَبَهُ عَلى نَفْسِهِ مِنَ الرَّحْمَةِ. وقِيلَ: سَبَقَ أنَّهُ لا يُضِلُّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهم؛ وقِيلَ: سَبَقَ أنَّهُ سَيُحِلُّ لَهُمُ الغَنائِمَ والفِداءَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو هُرَيْرَةَ والحَسَنُ؛ وقِيلَ: سَبَقَ أنْ يَغْفِرَ الصَّغائِرَ لِمَنِ اجْتَنَبَ الكَبائِرَ لَعَذَّبَكم بِأخْذِ الغَنائِمِ، واخْتارَهُ النَّحّاسُ، وقالَ قَوْمٌ: الكِتابُ السّابِقُ هو القُرْآنُ، والمَعْنى: لَوْلا الكِتابُ الَّذِي سَبَقَ فَآمَنتُمْ بِهِ وصَدَّقْتُمْ لَمَسَّكُمُ العَذابُ لِأخْذِكم هَذِهِ المُفاداةَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَوْلا حُكْمٌ مِنهُ تَعالى سَبَقَ إثْباتُهُ في اللَّوْحِ، وهو أنْ لا يُعاقِبَ أحَدًا بِخَطَأٍ، وكانَ هَذا خَطَأً في الِاجْتِهادِ؛ لِأنَّهم نَظَرُوا في أنَّ اسْتِبْقاءَهم رُبَّما كانَ سَبَبًا في إسْلامِهِمْ وتَوْبَتِهِمْ، وأنَّ فِداءَهم يُتَقَوّى بِهِ عَلى الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وخَفِيَ عَنْهم أنَّ قَتْلَهم أعَزُّ لِلْإسْلامِ وأهْيَبُ لِمَن وراءَهم وأفَلُّ لِشَوْكَتِهِمُ، انْتَهى. ورُوِيَ لَوْ نَزَلَ في هَذا الأمْرِ عَذابٌ لَنَجا مِنهُ عُمَرُ، وفي حَدِيثٍ آخَرَ وسَعْدُ بْنُ مُعاذٍ، وذَلِكَ أنَّ رَأْيَهُما كانَ أنْ تُقْتَلَ الأُسارى. والَّذِي أقُولُهُ: أنَّهم كانُوا مَأْمُورِينَ أوَّلًا بِقَتْلِ الكُفّارِ في غَيْرِ ما آيَةٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [النساء: ٨٩]، ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] فَلَمّا كانَتْ وقْعَةُ بَدْرٍ وأسَرُوا جَماعَةً مِنَ المُشْرِكِينَ اخْتَلَفُوا في أخْذِ الفِداءِ مِنهم وفي قَتْلِهِمْ، فَعُوتِبَ مَن رَأى الفِداءَ؛ إذْ كانَ قَدْ تَقَدَّمَ الأمْرُ بِالقَتْلِ حَيْثُ لَمْ يَسْتَصْحِبُوا امْتِثالَ الأمْرِ ومالُوا إلى الفِداءِ وحَرَصُوا عَلى تَحْصِيلِ المالِ، ألا تَرى إلى قَوْلِ المِقْدادِ حِينَ أمَرَ الرَّسُولُ ﷺ بِقَتْلِ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ قالَ: أسِيرِي يا رَسُولَ اللَّهِ، وقَوْلِ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ لِمَن أسَرَ أخاهُ: شُدَّ يَدَكَ عَلَيْهِ فَإنَّ لَهُ أُمًّا مُوسِرَةً، ثُمَّ بَعْدَ هَذِهِ المُعاتَبَةِ أمَرَ الرَّسُولُ بِقَتْلِ بَعْضٍ، والمَنِّ بِالإطْلاقِ في بَعْضٍ، والفِداءِ في بَعْضٍ، فَكانَ ذَلِكَ نَسْخًا لِتَحَتُّمِ القَتْلِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: (﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾) في تَأْيِيدِكم ونَصْرِكم وقَهْرِكم أعْداءَكم حَتّى اسْتَوْلَيْتُمْ عَلَيْهِمْ قَتْلًا وأسْرًا ونَهْبًا عَلى قِلَّةِ عَدَدِكم وعُدَدِكم لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ مِن غَنائِمِهِمْ وفِدائِهِمْ عَذابٌ عَظِيمٌ مِنهم؛ لِكَوْنِهِمْ كانُوا أكْثَرَ عَدَدًا مِنكم وعُدَدًا، ولَكِنَّهُ سَهَّلَ تَعالى عَلَيْكم ولَمْ يَمَسَّكم مِنهم عَذابٌ لا بِقَتْلٍ ولا أسْرٍ ولا نَهْبٍ، وذَلِكَ بِالحُكْمِ السّابِقِ في قَضائِهِ أنَّهُ يُسَلِّطُكم عَلَيْهِمْ، ولا يُسَلِّطُهم عَلَيْكم، فَلَيْسَ المَعْنى لَمَسَّكم مِنَ اللَّهِ وإنَّما المَعْنى لَمَسَّكم مِن أعْدائِكم، كَما قالَ: ﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران: ١٤٠] وقالَ: ﴿إنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهم يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ﴾ [النساء: ١٠٤]، ثُمَّ (p-٥٢٠)قالَ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا﴾، أيْ: مِمّا غَنِمْتُمْ، ومِنهُ ما حَصَلَ بِالفِداءِ الَّذِي أقَرَّهُ الرَّسُولُ ﷺ، وقالَ: لا يُفْلِتَنَّ مِنهم رَجُلٌ إلّا بِفِدْيَةٍ، أوْ ضَرْبِ عُنُقٍ، ولَيْسَ هَذا الأمْرُ مَنشَأً لِإباحَةِ الغَنائِمِ؛ إذْ قَدْ سَبَقَ تَحْلِيلُها قَبْلَ يَوْمِ بَدْرٍ، ولَكِنَّهُ أمْرٌ يُفِيدُ التَّوْكِيدَ وانْدِراجُ مالِ الفِداءِ في عُمُومِ ما غَنِمْتُمْ؛ إذْ كانَ قَدْ وقَعَ العِتابُ في المَيْلِ لِلْفِداءِ، ثُمَّ أقَرَّهُ الرَّسُولُ، وانْتَصَبَ حَلالًا عَلى الحالِ مِن ما إنْ كانَتْ مَوْصُولَةً، أوْ مِن ضَمِيرِهِ المَحْذُوفِ، أوْ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: أكْلًا حَلالًا وجَوَّزُوا في ما أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، ورُوِيَ أنَّهم أمْسَكُوا عَنِ الغَنائِمِ ولَمْ يَمُدُّوا أيْدِيَهم إلَيْها فَنَزَلَتْ، وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلَهُ: (فَكُلُوا) مُتَسَبِّبًا عَنْ جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ هي سَبَبٌ، وأفادَتْ ذَلِكَ الفاءُ، وقَدَّرَها قَدْ أبَحْتُ لَكُمُ الغَنائِمَ فَكُلُوا، وقالَ الزَّجّاجُ: الفاءُ لِلْجَزاءِ، والمَعْنى: قَدْ أحْلَلْتُ لَكُمُ الفِداءَ فَكُلُوا، وأمَرَ تَعالى بِتَقْواهُ؛ لِأنَّ التَّقْوى حامِلَةٌ عَلى امْتِثالِ أمْرِ اللَّهِ وعَدَمِ الإقْدامِ عَلى ما لَمْ يَتَقَدَّمْ فِيهِ إذْنٌ، فَفِيهِ تَحْرِيضٌ - عَلى التَّقْوى - مَن مالَ إلى الفِداءِ، ثُمَّ جاءَتِ الصِّفَتانِ مُشْعِرَتَيْنِ بِغُفْرانِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ عَنِ الَّذِينَ مالُوا إلى الفِداءِ قَبْلَ الإذْنِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ إذا اتَّقَيْتُمُوهُ بَعْدَما فَرَطَ مِنكم مِنِ اسْتِباحَةِ الفِداءِ قَبْلَ أنْ يُؤْذَنَ لَكم فِيهِ غَفَرَ لَكم ورَحِمَكم وتابَ عَلَيْكم، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وجاءَ قَوْلُهُ: (واتَّقُوا اللَّهَ) اعْتِراضًا فَصِيحًا في أثْناءِ القَوْلِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) هو مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا﴾؛ وقِيلَ: غَفُورٌ لِما أتَيْتُمْ رَحِيمٌ بِإحْلالِ ما غَنِمْتُمْ.

الأنفال 8:69

﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا واللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . نَزَلَتْ في أسْرى بَدْرٍ، وكانَ الرَّسُولُ ﷺ قَدِ اسْتَشارَ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ وعَلِيًّا، فَأشارَ أبُو بَكْرٍ بِالِاسْتِحْياءِ، وعُمَرُ بِالقَتْلِ في حَدِيثٍ طَوِيلٍ يُوقَفُ عَلَيْهِ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وقَرَأ أبُو الدَّرْداءِ وأبُو حَيْوَةَ: ما كانَ لِلنَّبِيِّ مُعَرَّفًا، والمُرادُ بِهِ في التَّنْكِيرِ والتَّعْرِيفِ الرَّسُولُ ﷺ، ولَكِنْ في التَّنْكِيرِ إبْهامٌ في كَوْنِ النَّفْيِ لَمْ يَتَوَجَّهْ عَلَيْهِ مُعَيَّنًا، وتَقَدَّمَ مِثْلُ هَذا التَّرْكِيبِ وكَيْفِيَّةُ هَذا النَّفْيِ، وهو هُنا عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ما كانَ لِأصْحابِ نَبِيٍّ، أوْ لِأتْباعِ نَبِيٍّ، فَحُذِفَ اخْتِصارًا، ولِذَلِكَ جاءَ الجَمْعُ في قَوْلِهِ: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا﴾ ولَمْ يَجِئِ التَّرْكِيبُ تُرِيدُ أوْ يُرِيدُ عَرَضَ الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِاسْتِبْقاءِ الرِّجالِ وقْتَ الحَرْبِ، ولا أرادَ عَرَضَ الدُّنْيا قَطُّ، وإنَّما فَعَلَهُ جُمْهُورُ مُباشِرِي الحَرْبِ، وقَدْ طَوَّلَ المُفَسِّرُونَ في قِصَّةِ هَؤُلاءِ الأُسارى، وذَلِكَ مَذْكُورٌ في السِّيَرِ وحَذَفْناهُ نَحْنُ لِأنَّ في بَعْضِهِ ما لا يُناسِبُ ذِكْرُهُ بِالنِّسْبَةِ إلى مَناصِبِ الرُّسُلِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو أنْ تَكُونَ عَلى تَأْنِيثِ لَفْظِ الجَمْعِ، وباقِي السَّبْعَةِ والجُمْهُورُ عَلى التَّذْكِيرِ عَلى المَعْنى، وقَرَأ الجُمْهُورُ والسَّبْعَةُ: أسْرى عَلى وزْنِ فَعْلى، وهو قِياسُ فَعِيلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ إذا كانَ آفَةً كَجَرِيحٍ وجَرْحى، وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ القَعْقاعِ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ (أُسارى) وشُبِّهَ فَعِيلٌ بِفَعْلانَ، نَحْوَ: كَسْلانُ وكُسالى، كَما شَبَّهُوا كَسْلانَ بِأسِيرٍ، فَقالُوا فِيهِ جَمْعًا: كَسْلى، قالَهُ سِيبَوَيْهِ: وهُما شاذّانِ، وزَعَمَ الزَّجّاجُ أنَّ أُسارى جَمْعُ أسْرى، فَهو جَمْعُ جَمْعٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا ذِكْرُ الخِلافِ في فُعالى أهُوَ جَمْعٌ أوِ اسْمُ جَمْعٍ وأنَّ مَذْهَبَ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ مِن أبْنِيَةِ الجُمُوعِ، ومَدْلُولُ أسْرى وأُسارى واحِدٌ، وقَرَأ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ الأسْرى هم غَيْرُ المُوثَقِينَ عِنْدَما يُؤْخَذُونَ والأُسارى هُمُ المُوثَقُونَ رَبْطًا، وحَكى أبُو حاتِمٍ أنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنَ العَرَبِ، وقَدْ ذَكَرَهُ أيْضًا أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ، وقالَ: العَرَبُ لا تَعْرِفُ هَذا كِلاهُما عِنْدَهم سَواءٌ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: حَتّى يُثَخِّنَ، مُشَدَّدًا عَدَّوْهُ بِالتَّضْعِيفِ، والجُمْهُورُ بِالتَّخْفِيفِ وعَدَّوْهُ بِالهَمْزَةِ؛ إذْ كانَ قَبْلَ التَّعْدِيَةِ ثَخَنَ، ومَعْنى ﴿عَرَضَ الدُّنْيا﴾ ما أخَذْتُمْ في فِداءِ الأُسارى، وكانَ فِداءُ كُلِّ رَجُلٍ عِشْرِينَ أُوقِيَّةً، وفِداءُ العَبّاسِ أرْبَعُونَ أُوقِيَّةً، وعَنِ ابْنِ سِيرِينَ مِائَةُ أُوقِيَّةٍ، والأُوقِيَّةُ أرْبَعُونَ دِرْهَمًا وسِتَّةُ دَنانِيرَ، وكانُوا مالُوا إلى الفِداءِ لِيَقْوَوْا ما يُصِيبُونَهُ عَلى الجِهادِ، وإيثارًا لِلْقَرابَةِ ورَجاءَ الإسْلامِ، وكانَ الإثْخانُ والقَتْلُ أهْيَبُ لِلْكُفّارِ وأرْفَعُ لِمَنارِ الإسْلامِ، وكانَ ذَلِكَ إذِ المُسْلِمُونَ قَلِيلٌ، فَلَمّا اتَّسَعَ نِطاقُ الإسْلامِ وعَزَّ أهْلُهُ نَزَلَ: (فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً)، وقُرِئَ: (يُرِيدُونَ) بِالياءِ مِن تَحْتُ وسُمِّيَ عَرَضًا؛ لِأنَّهُ حَدَثٌ قَلِيلُ اللُّبْثِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: الآخِرَةَ، بِالنَّصْبِ، وقَرَأ سُلَيْمانُ بْنُ جَمّازٍ المَدَنِيُّ بِالجَرِّ، واخْتَلَفُوا في تَقْدِيرِ المُضافِ المَحْذُوفِ، فَمِنهم مَن قَدَّرَهُ: عَرَضَ الآخِرَةِ، قالَ: وحُذِفَ لِدَلالَةِ عَرَضِ الدُّنْيا عَلَيْهِ، قالَ بَعْضُهم: وقَدْ حُذِفَ العَرَضُ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ في الإعْرابِ فَنُصِبَ، ومِمَّنْ قَدَّرَهُ عَرَضَ الآخِرَةِ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: عَلى التَّقابُلِ، يَعْنِي (p-٥١٩)ثَوابَها، انْتَهى. ونَعْنِي أنَّهُ لَمّا أطْلَقَ عَلى الفِداءِ عَرَضَ الدُّنْيا أطْلَقَ عَلى ثَوابِ الآخِرَةِ عَرَضًا عَلى سَبِيلِ التَّقابُلِ لا أنَّ ثَوابَ الآخِرَةِ زائِلٌ فانٍ كَعَرَضِ الدُّنْيا فَسُمِّيَ عَرَضًا عَلى سَبِيلِ التَّقابُلِ، وإنْ كانَ لَوْلا التَّقابُلُ لَمْ يُسَمَّ عَرَضًا وقَدَّرَهُ بَعْضُهم عَمَلَ الآخِرَةِ، أيِ: المُؤَدِّي إلى الثَّوابِ في الآخِرَةِ وكُلُّهم جَعَلَهُ كَقَوْلِهِ: ؎ونارٍ تُوقَدُ بِاللَّيْلِ نارًا ويَعْنُونَ في حَذْفِ المُضافِ فَقَطْ وإبْقاءِ المُضافِ إلَيْهِ عَلى جَرِّهِ؛ لِأنَّ جَرَّ مِثْلِ ونارٍ جائِزٌ فَصِيحٌ، وذَلِكَ إذا لَمْ يُفْصَلْ بَيْنَ المَجْرُورِ وحَرْفِ العَطْفِ، أوْ فُصِلَ بِلا، نَحْوَ: ما مِثْلُ زَيْدٍ ولا أخِيهِ يَقُولانِ ذَلِكَ، وتَقَدَّمَ المَحْذُوفُ مِثْلَهُ لَفْظًا ومَعْنًى، وأمّا إذا فُصِلَ بَيْنَهُما بِغَيْرِ لا كَهَذِهِ القِراءَةِ، فَهو شاذٌّ قَلِيلٌ، واللَّهُ عَزِيزٌ يَنْصُرُ أوْلِياءَهُ ويَجْعَلُ الغَلَبَةَ لَهم ويُمَكِّنُهم مِن أعْدائِهِمْ قَتْلًا وأسْرًا، حَكِيمٌ يَضَعُ الأشْياءَ مَواضِعَها، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُقاتِلٌ: لَوْلا أنَّ اللَّهَ كَتَبَ في أُمِّ الكِتابِ أنَّهُ سَيُحِلُّ لَكُمُ الغَنائِمَ لَمَسَّكم فِيما تَعَجَّلْتُمْ مِنها، ومِنَ الفِداءِ يَوْمَ بَدْرٍ قَبْلَ أنْ تُؤْمَرُوا بِذَلِكَ عَذابٌ عَظِيمٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا ومُجاهِدٌ: لَوْ سَبَقَ أنَّهُ يُعَذَّبُ مَن أتى ذَنْبًا عَلى جَهالَةٍ لَعُوقِبْتُمْ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ وابْنُ إسْحاقَ: سَبَقَ أنْ لا يُعَذَّبَ إلّا بَعْدَ النَّهْيِ ولَمْ يَكُنْ نَهاهم، وقالَ الحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ زَيْدٍ وابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ: لَوْلا ما سَبَقَ لِأهْلِ بَدْرٍ أنَّ اللَّهَ لا يُعَذِّبُهم لَعَذَّبَهم، وقالَ الماوَرْدِيُّ لَوْلا أنَّ القُرْآنَ اقْتَضى غُفْرانَ الصَّغائِرِ لَعَذَّبَهم، وقالَ قَوْمٌ: الكِتابُ السّابِقُ عَفْوُهُ عَنْهم في هَذا الذَّنْبِ مُعَيَّنًا؛ وقِيلَ: هو أنْ لا يُعَذِّبَهم والرَّسُولُ فِيهِمْ؛ وقِيلَ: ما كَتَبَهُ عَلى نَفْسِهِ مِنَ الرَّحْمَةِ. وقِيلَ: سَبَقَ أنَّهُ لا يُضِلُّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهم؛ وقِيلَ: سَبَقَ أنَّهُ سَيُحِلُّ لَهُمُ الغَنائِمَ والفِداءَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو هُرَيْرَةَ والحَسَنُ؛ وقِيلَ: سَبَقَ أنْ يَغْفِرَ الصَّغائِرَ لِمَنِ اجْتَنَبَ الكَبائِرَ لَعَذَّبَكم بِأخْذِ الغَنائِمِ، واخْتارَهُ النَّحّاسُ، وقالَ قَوْمٌ: الكِتابُ السّابِقُ هو القُرْآنُ، والمَعْنى: لَوْلا الكِتابُ الَّذِي سَبَقَ فَآمَنتُمْ بِهِ وصَدَّقْتُمْ لَمَسَّكُمُ العَذابُ لِأخْذِكم هَذِهِ المُفاداةَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَوْلا حُكْمٌ مِنهُ تَعالى سَبَقَ إثْباتُهُ في اللَّوْحِ، وهو أنْ لا يُعاقِبَ أحَدًا بِخَطَأٍ، وكانَ هَذا خَطَأً في الِاجْتِهادِ؛ لِأنَّهم نَظَرُوا في أنَّ اسْتِبْقاءَهم رُبَّما كانَ سَبَبًا في إسْلامِهِمْ وتَوْبَتِهِمْ، وأنَّ فِداءَهم يُتَقَوّى بِهِ عَلى الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وخَفِيَ عَنْهم أنَّ قَتْلَهم أعَزُّ لِلْإسْلامِ وأهْيَبُ لِمَن وراءَهم وأفَلُّ لِشَوْكَتِهِمُ، انْتَهى. ورُوِيَ لَوْ نَزَلَ في هَذا الأمْرِ عَذابٌ لَنَجا مِنهُ عُمَرُ، وفي حَدِيثٍ آخَرَ وسَعْدُ بْنُ مُعاذٍ، وذَلِكَ أنَّ رَأْيَهُما كانَ أنْ تُقْتَلَ الأُسارى. والَّذِي أقُولُهُ: أنَّهم كانُوا مَأْمُورِينَ أوَّلًا بِقَتْلِ الكُفّارِ في غَيْرِ ما آيَةٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [النساء: ٨٩]، ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] فَلَمّا كانَتْ وقْعَةُ بَدْرٍ وأسَرُوا جَماعَةً مِنَ المُشْرِكِينَ اخْتَلَفُوا في أخْذِ الفِداءِ مِنهم وفي قَتْلِهِمْ، فَعُوتِبَ مَن رَأى الفِداءَ؛ إذْ كانَ قَدْ تَقَدَّمَ الأمْرُ بِالقَتْلِ حَيْثُ لَمْ يَسْتَصْحِبُوا امْتِثالَ الأمْرِ ومالُوا إلى الفِداءِ وحَرَصُوا عَلى تَحْصِيلِ المالِ، ألا تَرى إلى قَوْلِ المِقْدادِ حِينَ أمَرَ الرَّسُولُ ﷺ بِقَتْلِ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ قالَ: أسِيرِي يا رَسُولَ اللَّهِ، وقَوْلِ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ لِمَن أسَرَ أخاهُ: شُدَّ يَدَكَ عَلَيْهِ فَإنَّ لَهُ أُمًّا مُوسِرَةً، ثُمَّ بَعْدَ هَذِهِ المُعاتَبَةِ أمَرَ الرَّسُولُ بِقَتْلِ بَعْضٍ، والمَنِّ بِالإطْلاقِ في بَعْضٍ، والفِداءِ في بَعْضٍ، فَكانَ ذَلِكَ نَسْخًا لِتَحَتُّمِ القَتْلِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: (﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾) في تَأْيِيدِكم ونَصْرِكم وقَهْرِكم أعْداءَكم حَتّى اسْتَوْلَيْتُمْ عَلَيْهِمْ قَتْلًا وأسْرًا ونَهْبًا عَلى قِلَّةِ عَدَدِكم وعُدَدِكم لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ مِن غَنائِمِهِمْ وفِدائِهِمْ عَذابٌ عَظِيمٌ مِنهم؛ لِكَوْنِهِمْ كانُوا أكْثَرَ عَدَدًا مِنكم وعُدَدًا، ولَكِنَّهُ سَهَّلَ تَعالى عَلَيْكم ولَمْ يَمَسَّكم مِنهم عَذابٌ لا بِقَتْلٍ ولا أسْرٍ ولا نَهْبٍ، وذَلِكَ بِالحُكْمِ السّابِقِ في قَضائِهِ أنَّهُ يُسَلِّطُكم عَلَيْهِمْ، ولا يُسَلِّطُهم عَلَيْكم، فَلَيْسَ المَعْنى لَمَسَّكم مِنَ اللَّهِ وإنَّما المَعْنى لَمَسَّكم مِن أعْدائِكم، كَما قالَ: ﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران: ١٤٠] وقالَ: ﴿إنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهم يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ﴾ [النساء: ١٠٤]، ثُمَّ (p-٥٢٠)قالَ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا﴾، أيْ: مِمّا غَنِمْتُمْ، ومِنهُ ما حَصَلَ بِالفِداءِ الَّذِي أقَرَّهُ الرَّسُولُ ﷺ، وقالَ: لا يُفْلِتَنَّ مِنهم رَجُلٌ إلّا بِفِدْيَةٍ، أوْ ضَرْبِ عُنُقٍ، ولَيْسَ هَذا الأمْرُ مَنشَأً لِإباحَةِ الغَنائِمِ؛ إذْ قَدْ سَبَقَ تَحْلِيلُها قَبْلَ يَوْمِ بَدْرٍ، ولَكِنَّهُ أمْرٌ يُفِيدُ التَّوْكِيدَ وانْدِراجُ مالِ الفِداءِ في عُمُومِ ما غَنِمْتُمْ؛ إذْ كانَ قَدْ وقَعَ العِتابُ في المَيْلِ لِلْفِداءِ، ثُمَّ أقَرَّهُ الرَّسُولُ، وانْتَصَبَ حَلالًا عَلى الحالِ مِن ما إنْ كانَتْ مَوْصُولَةً، أوْ مِن ضَمِيرِهِ المَحْذُوفِ، أوْ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: أكْلًا حَلالًا وجَوَّزُوا في ما أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، ورُوِيَ أنَّهم أمْسَكُوا عَنِ الغَنائِمِ ولَمْ يَمُدُّوا أيْدِيَهم إلَيْها فَنَزَلَتْ، وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلَهُ: (فَكُلُوا) مُتَسَبِّبًا عَنْ جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ هي سَبَبٌ، وأفادَتْ ذَلِكَ الفاءُ، وقَدَّرَها قَدْ أبَحْتُ لَكُمُ الغَنائِمَ فَكُلُوا، وقالَ الزَّجّاجُ: الفاءُ لِلْجَزاءِ، والمَعْنى: قَدْ أحْلَلْتُ لَكُمُ الفِداءَ فَكُلُوا، وأمَرَ تَعالى بِتَقْواهُ؛ لِأنَّ التَّقْوى حامِلَةٌ عَلى امْتِثالِ أمْرِ اللَّهِ وعَدَمِ الإقْدامِ عَلى ما لَمْ يَتَقَدَّمْ فِيهِ إذْنٌ، فَفِيهِ تَحْرِيضٌ - عَلى التَّقْوى - مَن مالَ إلى الفِداءِ، ثُمَّ جاءَتِ الصِّفَتانِ مُشْعِرَتَيْنِ بِغُفْرانِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ عَنِ الَّذِينَ مالُوا إلى الفِداءِ قَبْلَ الإذْنِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ إذا اتَّقَيْتُمُوهُ بَعْدَما فَرَطَ مِنكم مِنِ اسْتِباحَةِ الفِداءِ قَبْلَ أنْ يُؤْذَنَ لَكم فِيهِ غَفَرَ لَكم ورَحِمَكم وتابَ عَلَيْكم، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وجاءَ قَوْلُهُ: (واتَّقُوا اللَّهَ) اعْتِراضًا فَصِيحًا في أثْناءِ القَوْلِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) هو مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا﴾؛ وقِيلَ: غَفُورٌ لِما أتَيْتُمْ رَحِيمٌ بِإحْلالِ ما غَنِمْتُمْ.

الأنفال 8:70

﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِمَن في أيْدِيكم مِنَ الأسْرى إنْ يَعْلَمِ اللَّهُ في قُلُوبِكم خَيْرًا يُؤْتِكم خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنكم ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وإنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ فَأمْكَنَ مِنهم واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ . نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَقِيبَ بَدْرٍ في أسْرى بَدْرٍ، أُعْلِمُوا أنَّ لَهم مَيْلًا إلى الإسْلامِ وأنَّهم يُؤَمِّلُونَهُ إنْ فُدُوا ورَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ؛ وقِيلَ: في عَبّاسٍ وأصْحابِهِ قالُوا لِلرَّسُولِ: آمَنّا بِما جِئْتَ ونَشْهَدُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ لَنَنْصَحَنَّ لَكَ عَلى قَوْمِنا، ومَعْنى في أيْدِيكم، أيْ: مَلَّكْتُكم، كَأنَّ الأيْدِيَ قابِضَةٌ عَلَيْهِمْ، والصَّحِيحُ أنَّ الأُسارى كانُوا سَبْعِينَ والقَتْلى سَبْعِينَ، كَما ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ المُسَيَّبِ وأبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ، وكانَ عَلَيْهِمْ حِينَ جِيءَ بِهِمْ إلى المَدِينَةِ شُقْرانُ مَوْلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقالَ مالِكٌ: كانُوا مُشْرِكِينَ، ومِنهُمُ العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ أسَرَهُ أبُو اليُسْرِ كَعْبُ بْنُ عَمْرٍو أخُو بَنِي سَلِمَةَ، وكانَ قَصِيرًا والعَبّاسُ ضَخْمٌ طَوِيلٌ، فَلَمّا جاءَ بِهِ قالَ الرَّسُولُ ﷺ: لَقَدْ أعانَكَ عَلَيْهِ مَلَكٌ، وعَنِ العَبّاسِ: كَنْتُ مُسْلِمًا ولَكِنَّهُمُ اسْتَكْرَهُونِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنْ يَكُنْ ما تَقُولُ حَقًّا فاللَّهُ يَجْزِيكَ فَأمّا ظاهِرُ أمْرِكَ فَقَدْ كُنْتَ عَلَيْنا، وكانَ أحَدَ الَّذِينَ ضَمِنُوا إطْعامَ أهْلِ بَدْرٍ وخَرَجَ بِالذَّهَبِ لِذَلِكَ»، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِلْعَبّاسِ «افْدِ ابْنَيْ أخِيكَ» عَقِيلَ بْنَ أبِي طالِبٍ ونَوْفَلَ بْنَ الحارِثِ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، تَرَكْتَنِي أتَكَفَّفُ قُرَيْشًا ما بَقِيتُ، فَقالَ لَهُ: أيْنَ المالُ الَّذِي دَفَعْتَهُ إلى أُمِّ الفَضْلِ وقْتَ خُرُوجِكَ مِن مَكَّةَ وقُلْتَ لَها: لا أدْرِي ما يُصِيبُنِي في وجْهِي هَذا، فَإنْ حَدَثَ بِي حَدَثٌ فَهو لَكِ ولِعَبْدِ اللَّهِ وعُبَيْدِ اللَّهِ والفَضْلِ، فَقالَ العَبّاسُ: وما يُدْرِيكَ ؟ قالَ: أخْبَرَنِي بِهِ رَبِّي، قالَ العَبّاسُ: فَأنا أشْهَدُ أنَّكَ صادِقٌ وأنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنْتَ عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، واللَّهِ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أحَدٌ إلّا اللَّهُ، ولَقَدْ دَفَعْتُهُ إلَيْها في سَوادِ اللَّيْلِ ولَقَدْ كُنْتُ مُرْتابًا في أمْرِكَ فَأمّا إذا أخْبَرْتَنِي بِذَلِكَ فَلا رَيْبَ، قالَ العَبّاسُ: فَأبْدَلَنِي اللَّهُ خَيْرًا مِن ذَلِكَ لِيَ الآنَ عِشْرُونَ عَبْدًا إنَّ أدْناهم لَيَضْرِبُ في عِشْرِينَ ألْفًا، وأعْطانِي زَمْزَمَ ما أُحِبُّ أنَّ لِي بِها جَمِيعَ أمْوالِ مَكَّةَ وأنا أنْتَظِرُ المَغْفِرَةَ مِن رَبِّي، ورُوِيَ أنَّهُ قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مالُ البَحْرَيْنِ ثَمانُونَ ألْفًا فَتَوَضَّأ لِصَلاةِ الظُّهْرِ وما صَلّى حَتّى فَرَّقَهُ وأمَرَ العَبّاسَ أنْ يَأْخُذَ مِنهُ فَأخَذَ ما قَدَرَ عَلى حَمْلِهِ، وكانَ يَقُولُ: (p-٥٢١)هَذا خَيْرٌ مِمّا أُخِذَ مِنِّي وأرْجُو المَغْفِرَةَ، ومَعْنى ﴿إنْ يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ إنْ يَتَبَيَّنْ لِلنّاسِ عِلْمُ اللَّهِ في قُلُوبِكم خَيْرًا، أيْ: إسْلامًا كَما زَعَمْتُمْ بِأنْ تُظْهِرُوا الإسْلامَ فَإنَّهُ سَيُعْطِيكم أفْضَلَ مِمّا أُخِذَ مِنكم بِالفِداءِ، وسَيَغْفِرُ لَكم ما اجْتَرَحْتُمُوهُ، فَإنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِنَ الأسْرى، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: مِن أسْرى، مُنَكَّرًا، وقَتادَةُ وأبُو جَعْفَرٍ وابْنُ أبِي إسْحاقَ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وأبُو عَمْرٍو مِنَ السَّبْعَةِ: مِنَ الأُسارى، واخْتُلِفَ عَنِ الحَسَنِ وعَنِ الجَحْدَرِيِّ، وقَرَأ الأعْمَشُ: يُثِبْكم خَيْرًا، مِنَ الثَّوابِ، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو حَيْوَةَ وشَيْبَةُ وحُمَيْدٌ: مِمّا أخَذَ، مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وإيتاءُ هَذا الخَيْرِ قِيلَ: في الدُّنْيا، وقِيلَ: في الآخِرَةِ؛ وقِيلَ: فِيهِما، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في: وإنْ يُرِيدُوا عَلى الأسْرى؛ لِأنَّهُ أقْرَبُ مَذْكُورٍ، والخِيانَةُ هي كَوْنُهم أظْهَرَ الإسْلامَ بَعْضُهم ثُمَّ رُدُّوا إلى دِينِهِمْ، فَقَدْ خانُوا اللَّهَ لِخُرُوجِهِمْ مَعَ المُشْرِكِينَ، وقالَ الكِرْمانِيُّ: وإنْ يُرِيدُوا، يَعْنِي: الأسْرى خِيانَتَكَ، يَعْنِي: نَقْضَ ما عَهِدُوا مَعَكَ، فَقَدْ خانُوا اللَّهَ بِالكُفْرِ والشُّكْرِ قَبْلَ العَهْدِ؛ وقِيلَ: قَبْلَ بَدْرٍ، فَأمْكَنَ مِنهم، أوْ فَأمْكَنَكَ مِنهم وهَزَمْتَهم وأسَرْتَهم، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: خِيانَتَكَ، أيْ: يَنْكُثُ ما بايَعُوكَ عَلَيْهِ مِنَ الإسْلامِ والرِّدَّةِ واسْتِحْبابِ دِينِ آبائِهِمْ، فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ في كُفْرِهِمْ ونَقْضِ ما أُخِذَ عَلى كُلِّ عاقِلٍ مِن مَشاقِّهِ، فَأمْكَنَ مِنهم، كَما رَأيْتُمْ يَوْمَ بَدْرٍ فَسَيُمْكِنُ مِنهم إنْ أعادُوا الخِيانَةَ؛ وقِيلَ: المُرادُ بِالخِيانَةِ مَنعُ ما ضَمِنُوا مِنَ الفِداءِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنْ أخْلَصُوا فُعِلَ بِهِمْ كَذا، وإنْ أبْطَنُوا خِيانَةً ما رَغِبُوا أنْ يُؤْتَمَنُوا عَلَيْهِ مِنَ العَهْدِ فَلا يَسُرُّهم ذَلِكَ، ولا يَسْكُنُونَ إلَيْهِ فَإنَّ اللَّهَ بِالمِرْصادِ، فَهُمُ الَّذِينَ خانُوهُ بِكُفْرِهِمْ وتَرْكِهِمُ النَّظَرَ في آياتِهِ، وهو قَدْ بَيَّنَها لَهم وجَعَلَ لَهم إدْراكًا يُحَصِّلُونَها بِهِ فَصارَ ذَلِكَ كَعَهْدٍ مُتَقَرَّرٍ فَجُعِلَ جَزاؤُهم عَلى خِيانَتِهِمْ إيّاهُ أنْ مَكَّنَ مِنهُمُ المُؤْمِنِينَ وجَعَلَهم أسْرى في أيْدِيهِمْ، واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يُبْطِنُونَهُ مِن إخْلاصٍ أوْ خِيانَةٍ حَكِيمٌ فِيما يُجازِيهِمُ، انْتَهى؛ وقِيلَ: الضَّمِيرُ في: وإنْ يُرِيدُوا، عائِدٌ عَلى الَّذِينَ قِيلَ في حَقِّهِمْ: وإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ، أيْ: وإنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ في إظْهارِ الصُّلْحِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ في: (وإنْ يُرِيدُوا)، عائِدٌ عَلى الأسْرى، ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ في قِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي سَرْحٍ فَإنْ كانَ قالَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ فَيُمْكِنُ، وإنْ كانَ عَلى سَبِيلِ أنَّها نَزَلَتْ في ذَلِكَ فَلا؛ لِأنَّهُ إنَّما بَيَّنَ أمْرَهُ في فَتْحِ مَكَّةَ، وهَذِهِ نَزَلَتْ عَقِيبَ بَدْرٍ.

الأنفال 8:71

﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِمَن في أيْدِيكم مِنَ الأسْرى إنْ يَعْلَمِ اللَّهُ في قُلُوبِكم خَيْرًا يُؤْتِكم خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنكم ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وإنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ فَأمْكَنَ مِنهم واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ . نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَقِيبَ بَدْرٍ في أسْرى بَدْرٍ، أُعْلِمُوا أنَّ لَهم مَيْلًا إلى الإسْلامِ وأنَّهم يُؤَمِّلُونَهُ إنْ فُدُوا ورَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ؛ وقِيلَ: في عَبّاسٍ وأصْحابِهِ قالُوا لِلرَّسُولِ: آمَنّا بِما جِئْتَ ونَشْهَدُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ لَنَنْصَحَنَّ لَكَ عَلى قَوْمِنا، ومَعْنى في أيْدِيكم، أيْ: مَلَّكْتُكم، كَأنَّ الأيْدِيَ قابِضَةٌ عَلَيْهِمْ، والصَّحِيحُ أنَّ الأُسارى كانُوا سَبْعِينَ والقَتْلى سَبْعِينَ، كَما ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ المُسَيَّبِ وأبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ، وكانَ عَلَيْهِمْ حِينَ جِيءَ بِهِمْ إلى المَدِينَةِ شُقْرانُ مَوْلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقالَ مالِكٌ: كانُوا مُشْرِكِينَ، ومِنهُمُ العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ أسَرَهُ أبُو اليُسْرِ كَعْبُ بْنُ عَمْرٍو أخُو بَنِي سَلِمَةَ، وكانَ قَصِيرًا والعَبّاسُ ضَخْمٌ طَوِيلٌ، فَلَمّا جاءَ بِهِ قالَ الرَّسُولُ ﷺ: لَقَدْ أعانَكَ عَلَيْهِ مَلَكٌ، وعَنِ العَبّاسِ: كَنْتُ مُسْلِمًا ولَكِنَّهُمُ اسْتَكْرَهُونِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنْ يَكُنْ ما تَقُولُ حَقًّا فاللَّهُ يَجْزِيكَ فَأمّا ظاهِرُ أمْرِكَ فَقَدْ كُنْتَ عَلَيْنا، وكانَ أحَدَ الَّذِينَ ضَمِنُوا إطْعامَ أهْلِ بَدْرٍ وخَرَجَ بِالذَّهَبِ لِذَلِكَ»، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِلْعَبّاسِ «افْدِ ابْنَيْ أخِيكَ» عَقِيلَ بْنَ أبِي طالِبٍ ونَوْفَلَ بْنَ الحارِثِ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، تَرَكْتَنِي أتَكَفَّفُ قُرَيْشًا ما بَقِيتُ، فَقالَ لَهُ: أيْنَ المالُ الَّذِي دَفَعْتَهُ إلى أُمِّ الفَضْلِ وقْتَ خُرُوجِكَ مِن مَكَّةَ وقُلْتَ لَها: لا أدْرِي ما يُصِيبُنِي في وجْهِي هَذا، فَإنْ حَدَثَ بِي حَدَثٌ فَهو لَكِ ولِعَبْدِ اللَّهِ وعُبَيْدِ اللَّهِ والفَضْلِ، فَقالَ العَبّاسُ: وما يُدْرِيكَ ؟ قالَ: أخْبَرَنِي بِهِ رَبِّي، قالَ العَبّاسُ: فَأنا أشْهَدُ أنَّكَ صادِقٌ وأنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنْتَ عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، واللَّهِ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أحَدٌ إلّا اللَّهُ، ولَقَدْ دَفَعْتُهُ إلَيْها في سَوادِ اللَّيْلِ ولَقَدْ كُنْتُ مُرْتابًا في أمْرِكَ فَأمّا إذا أخْبَرْتَنِي بِذَلِكَ فَلا رَيْبَ، قالَ العَبّاسُ: فَأبْدَلَنِي اللَّهُ خَيْرًا مِن ذَلِكَ لِيَ الآنَ عِشْرُونَ عَبْدًا إنَّ أدْناهم لَيَضْرِبُ في عِشْرِينَ ألْفًا، وأعْطانِي زَمْزَمَ ما أُحِبُّ أنَّ لِي بِها جَمِيعَ أمْوالِ مَكَّةَ وأنا أنْتَظِرُ المَغْفِرَةَ مِن رَبِّي، ورُوِيَ أنَّهُ قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مالُ البَحْرَيْنِ ثَمانُونَ ألْفًا فَتَوَضَّأ لِصَلاةِ الظُّهْرِ وما صَلّى حَتّى فَرَّقَهُ وأمَرَ العَبّاسَ أنْ يَأْخُذَ مِنهُ فَأخَذَ ما قَدَرَ عَلى حَمْلِهِ، وكانَ يَقُولُ: (p-٥٢١)هَذا خَيْرٌ مِمّا أُخِذَ مِنِّي وأرْجُو المَغْفِرَةَ، ومَعْنى ﴿إنْ يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ إنْ يَتَبَيَّنْ لِلنّاسِ عِلْمُ اللَّهِ في قُلُوبِكم خَيْرًا، أيْ: إسْلامًا كَما زَعَمْتُمْ بِأنْ تُظْهِرُوا الإسْلامَ فَإنَّهُ سَيُعْطِيكم أفْضَلَ مِمّا أُخِذَ مِنكم بِالفِداءِ، وسَيَغْفِرُ لَكم ما اجْتَرَحْتُمُوهُ، فَإنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِنَ الأسْرى، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: مِن أسْرى، مُنَكَّرًا، وقَتادَةُ وأبُو جَعْفَرٍ وابْنُ أبِي إسْحاقَ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وأبُو عَمْرٍو مِنَ السَّبْعَةِ: مِنَ الأُسارى، واخْتُلِفَ عَنِ الحَسَنِ وعَنِ الجَحْدَرِيِّ، وقَرَأ الأعْمَشُ: يُثِبْكم خَيْرًا، مِنَ الثَّوابِ، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو حَيْوَةَ وشَيْبَةُ وحُمَيْدٌ: مِمّا أخَذَ، مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وإيتاءُ هَذا الخَيْرِ قِيلَ: في الدُّنْيا، وقِيلَ: في الآخِرَةِ؛ وقِيلَ: فِيهِما، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في: وإنْ يُرِيدُوا عَلى الأسْرى؛ لِأنَّهُ أقْرَبُ مَذْكُورٍ، والخِيانَةُ هي كَوْنُهم أظْهَرَ الإسْلامَ بَعْضُهم ثُمَّ رُدُّوا إلى دِينِهِمْ، فَقَدْ خانُوا اللَّهَ لِخُرُوجِهِمْ مَعَ المُشْرِكِينَ، وقالَ الكِرْمانِيُّ: وإنْ يُرِيدُوا، يَعْنِي: الأسْرى خِيانَتَكَ، يَعْنِي: نَقْضَ ما عَهِدُوا مَعَكَ، فَقَدْ خانُوا اللَّهَ بِالكُفْرِ والشُّكْرِ قَبْلَ العَهْدِ؛ وقِيلَ: قَبْلَ بَدْرٍ، فَأمْكَنَ مِنهم، أوْ فَأمْكَنَكَ مِنهم وهَزَمْتَهم وأسَرْتَهم، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: خِيانَتَكَ، أيْ: يَنْكُثُ ما بايَعُوكَ عَلَيْهِ مِنَ الإسْلامِ والرِّدَّةِ واسْتِحْبابِ دِينِ آبائِهِمْ، فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ في كُفْرِهِمْ ونَقْضِ ما أُخِذَ عَلى كُلِّ عاقِلٍ مِن مَشاقِّهِ، فَأمْكَنَ مِنهم، كَما رَأيْتُمْ يَوْمَ بَدْرٍ فَسَيُمْكِنُ مِنهم إنْ أعادُوا الخِيانَةَ؛ وقِيلَ: المُرادُ بِالخِيانَةِ مَنعُ ما ضَمِنُوا مِنَ الفِداءِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنْ أخْلَصُوا فُعِلَ بِهِمْ كَذا، وإنْ أبْطَنُوا خِيانَةً ما رَغِبُوا أنْ يُؤْتَمَنُوا عَلَيْهِ مِنَ العَهْدِ فَلا يَسُرُّهم ذَلِكَ، ولا يَسْكُنُونَ إلَيْهِ فَإنَّ اللَّهَ بِالمِرْصادِ، فَهُمُ الَّذِينَ خانُوهُ بِكُفْرِهِمْ وتَرْكِهِمُ النَّظَرَ في آياتِهِ، وهو قَدْ بَيَّنَها لَهم وجَعَلَ لَهم إدْراكًا يُحَصِّلُونَها بِهِ فَصارَ ذَلِكَ كَعَهْدٍ مُتَقَرَّرٍ فَجُعِلَ جَزاؤُهم عَلى خِيانَتِهِمْ إيّاهُ أنْ مَكَّنَ مِنهُمُ المُؤْمِنِينَ وجَعَلَهم أسْرى في أيْدِيهِمْ، واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يُبْطِنُونَهُ مِن إخْلاصٍ أوْ خِيانَةٍ حَكِيمٌ فِيما يُجازِيهِمُ، انْتَهى؛ وقِيلَ: الضَّمِيرُ في: وإنْ يُرِيدُوا، عائِدٌ عَلى الَّذِينَ قِيلَ في حَقِّهِمْ: وإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ، أيْ: وإنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ في إظْهارِ الصُّلْحِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ في: (وإنْ يُرِيدُوا)، عائِدٌ عَلى الأسْرى، ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ في قِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي سَرْحٍ فَإنْ كانَ قالَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ فَيُمْكِنُ، وإنْ كانَ عَلى سَبِيلِ أنَّها نَزَلَتْ في ذَلِكَ فَلا؛ لِأنَّهُ إنَّما بَيَّنَ أمْرَهُ في فَتْحِ مَكَّةَ، وهَذِهِ نَزَلَتْ عَقِيبَ بَدْرٍ.

الأنفال 8:72

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا وإنِ اسْتَنْصَرُوكم في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إلّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ قَسَّمَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ إلى: المُهاجِرِينَ والأنْصارِ والَّذِينَ لَمْ يُهاجِرُوا، فَبَدَأ بِالمُهاجِرِينَ؛ لِأنَّهم أصْلُ الإسْلامِ وأوَّلُ مَنِ اسْتَجابَ لِلَّهِ، فَهاجَرَ قَوْمٌ إلى المَدِينَةِ، وقَوْمٌ إلى الحَبَشَةِ، وقَوْمٌ إلى ابْنِ ذِي يَزَنَ، ثُمَّ هاجَرُوا إلى المَدِينَةِ وكانُوا قُدْوَةً لِغَيْرِهِمْ في الإيمانِ وسَبَبَ تَقْوِيَةِ الدِّينِ، مَن سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أجْرُها وأجْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وثَنّى بِالأنْصارِ لِأنَّهم ساوَوْهم في الإيمانِ، وفي الجِهادِ بِالنَّفْسِ والمالِ، لَكِنَّهُ عادَلَ الهِجْرَةَ الإيواءَ والنَّصْرَ، وانْفَرَدَ المُهاجِرُونَ بِالسَّبْقِ، وذَكَرَ ثالِثًا مَن آمَنَ ولَمْ يُهاجِرْ ولَمْ يَنْصُرْ فَفاتَهم هاتانِ الفَضِيلَتانِ وحُرِمُوا الوَلايَةَ حَتّى يُهاجِرُوا، ومَعْنى (أوْلِياءُ بَعْضٍ) في النُّصْرَةِ والتَّعاوُنِ والمُؤازَرَةِ، كَما جاءَ في غَيْرِ آيَةٍ، نَحْوُ: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] (p-٥٢٢)وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ: ذَلِكَ في المِيراثِ آخى الرَّسُولُ ﷺ بَيْنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، فَكانَ المُهاجِرِيُّ يَرِثُهُ أخُوهُ الأنْصارِيُّ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ بِالمَدِينَةِ ولِيٌّ مُهاجِرِيٌّ، ولا تَوارُثَ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَرِيبِهِ المُسْلِمِ غَيْرِ المُهاجِرِيِّ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: واسْتَمَرَّ أمْرُهم كَذَلِكَ إلى فَتْحِ مَكَّةَ، ثُمَّ تَوارَثُوا بَعْدُ لَمّا لَمْ تَكُنْ هِجْرَةٌ، فَمَعْنى: ﴿ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ نَفْيُ المُوالاةِ في التَّوارُثِ، وكانَ قَوْلُهُ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى﴾ [الأنفال: ٧٥] نَسْخًا لِذَلِكَ، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ المَعْنى في نَفْيِ الوَلايَةِ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِلْحالِ؛ إذْ لا يُمْكِنُ ولايَتُهُ ونَصْرُهُ لِتَباعُدِ ما بَيْنَ المُهاجِرِينَ وبَيْنَهم، وفي ذَلِكَ حَضٌّ لِلْأعْرابِ عَلى الهِجْرَةِ، قِيلَ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ المُوالاةُ؛ لِأنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِ وإنِ اسْتَنْصَرُوكم في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ، والمَعْطُوفُ مُغايِرٌ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ الوَلايَةُ المَنفِيَّةُ غَيْرَ النُّصْرَةِ، انْتَهى. ولَمّا نَزَلَ: (ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا) قالَ الزُّبَيْرُ: هَلْ نُعِينُهم عَلى أمْرٍ إنِ اسْتَعانُوا بِنا ؟ فَنَزَلَ: ﴿وإنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ﴾، ومَعْنى (مِيثاقٌ): عَهْدٌ؛ لِأنَّ نَصْرَكم إيّاهم نَقْضٌ لِلْعَهْدِ فَلا تُقاتِلُونَ؛ لِأنَّ المِيثاقَ مانِعٌ مِن ذَلِكَ، وخَصَّ الِاسْتِنْصارَ بِالدِّينِ؛ لِأنَّهُ بِالحَمِيَّةِ والعَصَبِيَّةِ في غَيْرِ الدِّينِ مَنهِيٌّ عَنْهُ، وعَلى تَقْتَضِي الوُجُوبَ، ولِذَلِكَ قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ: فَواجِبٌ عَلَيْكم أنْ تَنْصُرُوهم. وقالَ زُهَيْرٌ: ؎عَلى مُكْثِرِيهِمْ رِزْقُ مَن يَعْتَرِيهِمُ وعِنْدَ المُقِلِّينَ السَّماحَةُ والبَذْلُ وقَرَأ الأعْمَشُ وابْنُ وثّابٍ وحَمْزَةُ: ﴿ولايَتِهِمْ﴾، بِالكَسْرِ، وباقِي السَّبْعَةِ والجُمْهُورُ بِالفَتْحِ، وهُما لُغَتانِ، قالَهُ الأخْفَشُ، ولَحَّنَ الأصْمَعِيُّ الأخْفَشَ في قِراءَتِهِ بِالكَسْرِ وأخْطَأ في ذَلِكَ؛ لِأنَّها قِراءَةٌ مُتَواتِرَةٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: بِالكَسْرِ مِن وِلايَةِ السُّلْطانِ وبِالفَتْحِ مِنَ المَوْلى، يُقالُ: مَوْلى بَيْنَ الوَلايَةِ بِفَتْحِ الواوِ، وقالَ الزَّجّاجُ بِالفَتْحِ مِنَ النُّصْرَةِ والنَّسَبِ، وبِالكَسْرِ بِمَنزِلَةِ الإمارَةِ قالَ: ويَجُوزُ الكَسْرُ؛ لِأنَّ في تَوَلِّي بَعْضِ القَوْمِ بَعْضًا جَنْسًا مِنَ الصِّناعَةِ والعَمَلِ، وكُلُّ ما كانَ مِن جِنْسِ الصِّناعَةِ مَكْسُورٌ، مِثْلُ القِصارَةِ والخِياطَةِ، وتَبِعَ الزَّمَخْشَرِيَّ الزَّجّاجُ، فَقالَ: وقُرِئَ مِن ﴿ولايَتِهِمْ﴾ بِالفَتْحِ والكَسْرِ، أيْ: مِن تَوَلِّيهِمْ في المِيراثِ، وُوُجِّهَ الكَسْرُ أنَّ تَوَلِّيَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا شُبِّهَ بِالعَمَلِ والصِّناعَةِ، كَأنَّهُ بِتَوَلِّيهِ صاحِبَهُ يُزاوِلُ أمْرًا ويُباشِرُ عَمَلًا، وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: والَّذِي عِنْدَنا الأخْذُ بِالفَتْحِ في هَذَيْنِ الحَرْفَيْنِ نَعْنِي هُنا، وفي الكَهْفِ؛ لِأنَّ مَعْناهُما مِنَ المُوالاةِ؛ لِأنَّها في الدِّينِ، وقالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ مِن مَوارِيثِهِمْ، فَكَسْرُ الواوِ أحَبُّ إلَيَّ مِن فَتْحِها؛ لِأنَّها إنَّما تُفْتَحُ إذا كانَتْ نُصْرَةً، وكانَ الكِسائِيُّ يَذْهَبُ بِفَتْحِها إلى النُّصْرَةِ، وقَدْ ذُكِرَ الفَتْحُ والكَسْرُ في المَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا، وقَرَأ السُّلَمِيُّ والأعْرَجُ بِما يَعْمَلُونَ بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ.

الأنفال 8:73

﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: أوْلى بِبَعْضٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا الجَمْعُ المُوارَثَةُ والمُعاوَنَةُ والنُّصْرَةُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ظاهِرُهُ إثْباتُ المُوالاةِ بَيْنَهم، كَقَوْلِهِ تَعالى في المُسْلِمِينَ ‏ (‏ ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٢] ‏) ومَعْناهُ ‏: ‏ نَهْيُ المُسْلِمِينَ عَنْ مُوالاةِ الَّذِينَ كَفَرُوا ومُوارَثَتِهِمْ وإيجابِ مُباعَدَتِهِمْ ومُصارَمَتِهِمْ وإنْ كانُوا أقارِبَ وأنْ يَتْرُكُوا يَتَوارَثُونَ بَعْضُهم بَعْضًا. وقالَ غَيْرُهُ: لَمّا ذَكَرَ أقْسامَ المُؤْمِنِينَ الثَّلاثَةَ وأنَّهم أوْلِياءُ يَنْصُرُ بَعْضُهم بَعْضًا ويَرِثُ بَعْضُهم بَعْضًا بَيَّنَ أنَّ فَرِيقَ الكُفّارِ كَذَلِكَ؛ إذْ كانُوا قَبْلَ بِعْثَةِ الرَّسُولِ ﷺ يُنادِي أهْلُ الكِتابِ مِنهم قُرَيْشًا ويَتَرَبَّصُونَ بِهِمُ الدَّوائِرَ، فَصارُوا بَعْدَ بَعْثِهِ يُوالِي بَعْضُهم بَعْضًا وإلْبًا واحِدًا عَلى الرَّسُولِ صَوْنًا عَلى رِئاساتِهِمْ وتَحَزُّبًا عَلى المُؤْمِنِينَ. ﴿إنْ لا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ وفَسادٌ كَبِيرٌ﴾ الضَّمِيرُ المَنصُوبُ في تَفْعَلُوهُ عائِدٌ عَلى المِيثاقِ، أيْ: عَلى حِفْظِهِ، أوْ عَلى النَّصْرِ، أوْ عَلى الإرْثِ، أوْ عَلى مَجْمُوعِ ما تَقَدَّمَ، أقْوالٌ أرْبَعَةٌ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: إنْ لا تَفْعَلُوا ما أمَرْتُكم بِهِ مِن تَواصُلِ المُسْلِمِينَ وتَوَلِّي بَعْضِهِمْ بَعْضًا حَتّى في التَّوارُثِ تَفْضِيلًا لِنِسْبَةِ الإسْلامِ عَلى نِسْبَةِ القَرابَةِ، ولَمْ (p-٥٢٣)تَقْطَعُوا العَلائِقَ بَيْنَكم وبَيْنَ الكُفّارِ، ولَمْ تَجْعَلُوا قَرابَتَهم كَلا قَرابَةَ تَحْصُلُ فِتْنَةٌ في الأرْضِ ومَفْسَدَةٌ عَظِيمَةٌ؛ لِأنَّ المُسْلِمِينَ ما لَمْ يَصِيرُوا يَدًا واحِدَةً عَلى الشِّرْكِ كانَ الشِّرْكُ ظاهِرًا والفَسادُ زائِدًا، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والفِتْنَةُ المِحْنَةُ بِالحَرْبِ وما انْجَرَّ مَعَها مِنَ الغاراتِ والجَلاءِ والأسْرِ، والفَسادُ الكَبِيرُ ظُهُورُ الشِّرْكِ، وقالَ البَغَوِيُّ: الفِتْنَةُ في الأرْضِ قُوَّةُ الكُفْرِ، والفَسادُ الكَبِيرُ ضَعْفُ الإسْلامِ، وقَرَأ أبُو مُوسى الحِجازِيُّ عَنِ الكِسائِيِّ: كَثِيرٌ، بِالثّاءِ المُثَلَّثَةِ، ورُوِيَ أنَّ الرَّسُولَ ﷺ قَرَأ: وفَسادٌ عَرِيضٌ.

الأنفال 8:74

﴿والَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ هَذِهِ الآيَةُ فِيها تَعْظِيمُ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ وهي مُخْتَصَرَةٌ؛ إذْ حُذِفَ مِنها بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ، ولَيْسَتْ تَكْرارًا؛ لِأنَّ السّابِقَةَ تَضَمَّنَتْ ولايَةَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وتَقْسِيمَ المُؤْمِنِينَ إلى الأقْسامِ الثَّلاثَةِ، وبَيانَ حُكْمِهِمْ في ولايَتِهِمْ ونَصْرِهِمْ، وهَذِهِ تَضَمَّنَتِ الثَّناءَ والتَّشْرِيفَ والِاخْتِصاصَ، وما آلَ إلَيْهِ حالُهم مِنَ المَغْفِرَةِ والرِّزْقِ الكَرِيمِ وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ أواخِرِ نَظِيرَةِ هَذِهِ الآيَةِ في أوائِلِ هَذِهِ السُّورَةِ. ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وهاجَرُوا وجاهَدُوا مَعَكم فَأُولَئِكَ مِنكُمْ﴾ [الأنفال: ٧٥] يَعْنِي الَّذِينَ لَحِقُوا بِالهِجْرَةِ مَن سَبَقَ إلَيْها، فَحَكَمَ تَعالى بِأنَّهم مِنَ المُؤْمِنِينَ السّابِقِينَ في الثَّوابِ والأجْرِ، وإنْ كانَ لِلسّابِقِينَ شُفُوفُ السَّبْقِ، وتَقَدُّمُ الإيمانِ والهِجْرَةِ والجِهادِ، ومَعْنى مِن بَعْدُ: مِن بَعْدِ الهِجْرَةِ الأُولى، وذَلِكَ بَعْدَ الحُدَيْبِيَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وزادَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وبَيْعَةِ الرِّضْوانِ، وذَلِكَ أنَّ الهِجْرَةَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ كانَتْ أقَلَّ رُتْبَةً مِنَ الهِجْرَةِ قَبْلَ ذَلِكَ، وكانَ يُقالُ لَها: الهِجْرَةُ الثّانِيَةُ؛ لِأنَّ الحَرْبَ وضَعَتْ أوْزارَها نَحْوَ عامَيْنِ، ثُمَّ كانَ فَتْحُ مَكَّةَ. وبِهِ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ» . وقالَ الطَّبَرِيُّ: مِن بَعْدِ ما بَيَّنْتُ حُكْمَ الوَلايَةِ، فَكانَ الحاجِزُ بَيْنَ الهِجْرَتَيْنِ نُزُولَ الآيَةِ، فَأخْبَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم مِنَ الأوَّلِينَ في المُوازَرَةِ وسائِرِ أحْكامِ الإسْلامِ؛ وقِيلَ: مِن بَعْدِ يَوْمِ بَدْرٍ، وقالَ الأصَمُّ: مِن بَعْدِ الفَتْحِ، وفي قَوْلِهِ: مَعَكم، إشْعارٌ أنَّهم تَبَعٌ لا صَدْرٌ، كَما قالَ: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤٦]، وكَذَلِكَ: ﴿فَأُولَئِكَ مِنكُمْ﴾ [الأنفال: ٧٥]، كَما جاءَ مَوْلى القَوْمِ مِنهم، وابْنُ أُخْتِ القَوْمِ مِنهم.

الأنفال 8:75

﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، أيْ: وأصْحابُ القَراباتِ، ومَن قالَ: إنَّ قَوْلَهُ في المُؤْمِنِينَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ: بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ في المَوارِيثِ بِالأُخُوَّةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم، قالَ: هَذِهِ في المَوارِيثِ، وهي نَسْخٌ لِلْمِيراثِ بِتِلْكَ الأُخُوَّةِ، وإيجابُ أنْ يَرِثَ الإنْسانُ قَرِيبَهُ المُؤْمِنَ وإنْ لَمْ يَكُنْ مُهاجِرًا، واسْتَدَلَّ بِها أصْحابُ أبِي حَنِيفَةَ عَلى تَوْرِيثِ ذَوِي الأرْحامِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنهم مالِكٌ: لَيْسَتْ في المَوارِيثِ، وهَذا فِرارٌ عَنْ تَوْرِيثِ الخالِ والعَمَّةِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي في المَوارِيثِ إلّا أنَّها نَسَخَتْها آيَةُ المَوارِيثِ المُبَيِّنَةُ، والظّاهِرُ أنَّ كِتابَ اللَّهِ هو القُرْآنُ المُنَزَّلُ، وذَلِكَ في آيَةِ المَوارِيثِ؛ وقِيلَ: في كِتابِ اللَّهِ السّابِقِ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ؛ وقِيلَ: في كِتابِ اللَّهِ في هَذِهِ الآيَةِ المُنَزَّلَةِ، وقالَ الزَّجّاجُ في حُكْمِهِ، وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، فَقالَ: في حُكْمِهِ وقِسْمَتِهِ، وخَتْمُ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، في غايَةِ البَراعَةِ؛ إذْ قَدْ تَضَمَّنَتْ أحْكامًا كَثِيرَةً في مُهِمّاتِ الدِّينِ وقِوامِهِ وتَفْصِيلًا لِأحْوالِهِ، فَصِفَةُ العِلْمِ تَجْمَعُ ذَلِكَ كُلَّهُ وتُحِيطُ بِمَبادِئِهِ وغاياتِهِ.

التوبة 9:1

(p-٢)سُورَةُ التَّوْبَةِ مِائَةٌ وثَلاثُونَ آيَةً مَدَنِيَّةٌ ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ واعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وأنَّ اللَّهَ مُخْزِي الكافِرِينَ﴾ ﴿وأذانٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى النّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ فَإنْ تُبْتُمْ فَهو خَيْرٌ لَكم وإنْ تَوَلَّيْتُمْ فاعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [التوبة: ٣] ﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكم شَيْئًا ولَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكم أحَدًا فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٤] ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهم وخُذُوهم واحْصُرُوهم واقْعُدُوا لَهم كُلَّ مَرْصَدٍ فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهم إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥] ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٦] ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ فَما اسْتَقامُوا لَكم فاسْتَقِيمُوا لَهم إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٧] ﴿كَيْفَ وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم لا يَرْقُبُوا فِيكم إلًّا ولا ذِمَّةً يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ وتَأْبى قُلُوبُهم وأكْثَرُهم فاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨] ﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ٩] ﴿لا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إلًّا ولا ذِمَّةً وأُولَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ﴾ [التوبة: ١٠] ﴿فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَإخْوانُكم في الدِّينِ ونُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ١١] ﴿وإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِكم فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ إنَّهم لا أيْمانَ لَهم لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢] ﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أيْمانَهم وهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ وهم بَدَءُوكم أوَّلَ مَرَّةٍ أتَخْشَوْنَهم فاللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٣] ﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكم ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٤] ﴿ويُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن يَشاءُ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ١٥] ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تُتْرَكُوا ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ولَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ ولا رَسُولِهِ ولا المُؤْمِنِينَ ولِيجَةً واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٦] ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم وفي النّارِ هم خالِدُونَ﴾ [التوبة: ١٧] ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ ولَمْ يَخْشَ إلّا اللَّهَ فَعَسى أُولَئِكَ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٨] ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وجاهَدَ في سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ [التوبة: ١٩] ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ [التوبة: ٢٠] ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة: ٢١] ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التوبة: ٢٢] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكم وإخْوانَكم أوْلِياءَ إنِ اسْتَحَبُّوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [التوبة: ٢٣] ﴿قُلْ إنْ كانَ آباؤُكم وأبْناؤُكم وإخْوانُكم وأزْواجُكم وعَشِيرَتُكم وأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها ومَساكِنُ تَرْضَوْنَها أحَبَّ إلَيْكم مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وجِهادٍ في سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤] ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ ويَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكم فَلَمْ تُغْنِ عَنْكم شَيْئًا وضاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥] ﴿ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ وأنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها وعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وذَلِكَ جَزاءُ الكافِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٦] ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلى مَن يَشاءُ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٢٧] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إنْ شاءَ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٢٨] ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ ولا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ ولا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] ﴿وقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ يُضاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠] (p-٣)المَرْصَدُ: مَفْعَلٌ مِن رَصَدَ يَرْصُدُ رَقَبَ، يَكُونُ مَصْدَرًا وزَمانًا ومَكانًا. وقالَ عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ: ؎ولَقَدْ عَلِمْتَ وما إخالُكَ ناسِيًا أنَّ المَنِيَّةَ لِلْفَتى بِالمَرْصَدِ الإلُّ: الحَلِفُ والجُؤارُ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي جَهْلٍ. ؎لِإلٍّ عَلَيْنا واجِبٌ لا نُضَيِّعُهُ ∗∗∗ مَتِينٌ قُواهُ غَيْرُ مُنْتَكِثِ الحَبْلِ كانُوا إذا تَسامَحُوا وتَحالَفُوا رَفَعُوا بِهِ أصْواتَهم وشَهَرُوهُ، مِنَ الآلِ وهو الجُؤارُ، ولَهُ ألِيلٌ أيْ أنِينٌ يَرْفَعُ بِهِ صَوْتَهُ، وقِيلَ: القَرابَةُ. وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ عَلى القَرابَةِ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎أفْسَدُ النّاسِ خُلُوفٌ خَلَفُوا ∗∗∗ قَطَعُوا الإلَّ وأعْراقَ الرَّحِمْ وظاهِرُ البَيْتِ أنَّهُ في العَهْدِ. ومِنَ القَرابَةِ قَوْلُ حَسّانَ: ؎لَعَمْرُكَ إنَّ إلَّكَ مِن قُرَيْشٍ ∗∗∗ كَإلِّ السَّقْبِ مِن رَأْلِ النَّعامِ وسُمِّيَتْ إلًّا؛ لِأنَّها عَقَدَتْ ما لا يَعْقِدُ المِيثاقُ. وقِيلَ: مِن ألَّ البَرْقُ لَمَعَ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: الألِيلُ: البَرِيقُ، يُقالُ: ألَّ يَؤُلُّ صَفا ولَمَعَ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: مَأْخُوذٌ مِنَ الحِدَّةِ، ومِنهُ الإلَّةُ الحَرْبَةُ. وأُذُنٌ مُؤَلَّلَةٌ مُحَدَّدَةٌ، فَإذا قِيلَ لِلْعَهْدِ والجُؤارِ والقَرابَةِ: إلٌّ فَمَعْناهُ: أنَّ الأُذُنَ مُنْصَرِفٌ إلى تِلْكَ الجِهَةِ الَّتِي يَتَحَدَّدُ لَها، والعَهْدُ يُسَمّى إلًّا لِصَفائِهِ، ويُجْمَعُ في القِلَّةِ الآلُّ وفي الكَثْرَةِ الأُلُّ، وأصْلُ جَمْعِ القِلَّةِ أُأْلُلٌ، فَسُهِّلَتِ الهَمْزَةُ السّاكِنَةُ (p-٤)الَّتِي هي فاءُ الكَلِمَةِ فَأبْدَلَها ألِفًا، وأُدْغِمَتِ اللّامُ في اللّامِ. الذِّمَّةُ: العَهْدُ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الأمانُ، وقالَ الأصْمَعِيُّ: كُلُّ ما يَجِبُ أنْ يُحْفَظَ ويُحْمى. أبى يَأْبى: مَنَعَ، قالَ: ؎أبى الضَّيْمَ والنُّعْمانُ يَحْرِقُ نابَهُ ∗∗∗ عَلَيْهِ فَأفْصى والسُّيُوفُ مَعاقِلُهْ وقالَ: ؎أبى اللَّهُ إلّا عَدْلَهُ ووَفاءَهُ ∗∗∗ فَلا النُّكْرُ مَعْرُوفٌ ولا العُرْفُ ضائِعُ ومَجِئُ مُضارِعِهِ عَلى فَعَلَ بِفَتْحِ العَيْنِ شاذٌّ، ومِنهُ آبِي اللَّحْمَ لِرَجُلٍ مِنَ الصَّحابَةِ. شَفاهُ: أزالَ سَقَمَهُ. العَشِيرَةُ: جَماعَةٌ بِسَبَبٍ أوْ عَقْدٍ أوْ وِدادٍ كَعَقْدِ العَشِيرَةِ. اقْتَرَفَ: اكْتَسَبَ. كَسَدَ الشَّيْءُ كَسادًا وكُسُودًا: بارَ ولَمْ يَكُنْ لَهُ نَفاقٌ. المَوْطِنُ: المَوْقِفُ والمُقامُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎وكَمْ مَوْطِنٍ لَوْلايَ طِحْتَ كَما هَوى ∗∗∗ بِأجْرامِهِ مِن قُلَّةِ النِّيقِ مُنْهَوى ومِثْلُهُ الوَطَنُ. حُنَيْنٌ: وادٍ بَيْنَ مَكَّةَ والطّائِفِ، وقِيلَ: وادٍ إلى جَنْبِ ذِي المَجازِ. العَيْلَةُ: الفَقْرُ، عالَ يَعِيلُ: افْتَقَرَ، قالَ: ؎وما يَدْرِي الفَقِيرُ مَتى غِناهُ ∗∗∗ وما يَدْرِي الغَنِيُّ مَتى يَعِيلُ الجِزْيَةُ: ما أُخِذَ مِن أهْلِ الذِّمَّةِ عَلى مُقامِهِمْ في بِلادِ الإسْلامِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهم يَجْزُونَها أيْ يَقْضُونَها، أوْ لِأنَّها تُجْزى بِها مَن مُنَّ عَلَيْهِمْ بِالإعْفاءِ عَنِ القَتْلِ. المُضاهاةُ: المُماثَلَةُ والمُحاكاةُ، وثَقِيفُ تَقُولُ: المُضاهَأةُ بِالهَمْزِ، وقَدْ ضاهَأْتُ، فَمادَّتُها مُخالِفَةٌ لِلَّتِي قَبْلَها، إلّا إنْ كانَ ضاهَتْ يُدْعى أنَّ أصْلَها الهَمْزُ كَقَوْلِهِمْ في تَوَضَّأْتُ وقَرَأْتُ وأخْطَأْتُ: تَوَضَّيْتُ، وقَرَيْتُ، وأخْطَيْتُ فَيُمْكِنُ. وأمّا ضَهْيَأ بِالهَمْزِ مَقْصُورًا فَهَمْزَتُهُ زائِدَةٌ كَهَمْزَةِ عَرَفِئَ، أوْ مَمْدُودًا فَهَمْزَتُهُ لِلتَّأْنِيثِ زائِدَةٌ، أوْ مَمْدُودًا بَعْدَهُ هاءُ التَّأْنِيثِ، حَكاهُ البُحْتُرِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو الشَّيْبانِيِّ في النَّوادِرِ، قالَ: جَمَعَ بَيْنَ عَلامَتَيْ تَأْنِيثٍ. ومَدْلُولُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ في ثَلاثِ لُغاتِها المَرْأةُ الَّتِي لا تَحِيضُ، أوِ الَّتِي لا ثَدْيَ لَها، شابَهَتْ بِذَلِكَ الرِّجالَ. فَمَن زَعَمَ أنَّ المُضاهاةَ مَأْخُوذَةٌ مِن ضَهْياءَ فَقَوْلُهُ خَطَأٌ؛ لِاخْتِلافِ المادَّتَيْنِ، لِأصالَةِ هَمْزَةِ المُضاهَأةِ، وزِيادَةِ هَمْزَةِ ضَهْياءَ في لُغاتِها الثَّلاثِ. ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ واعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وأنَّ اللَّهَ مُخْزِي الكافِرِينَ﴾؛ هَذِهِ السُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ كُلُّها، وقِيلَ: إلّا آيَتَيْنِ مِن آخِرِها فَإنَّهُما نَزَلَتا بِمَكَّةَ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ لَها اسْمًا واخْتِلافًا في سَبَبِ ابْتِدائِها بِغَيْرِ بَسْمَلَةٍ، وخِلافًا عَنِ الصَّحابَةِ: أهِيَ والأنْفالُ سُورَةٌ واحِدَةٌ، أوْ سُورَتانِ ؟ ولا تَعَلُّقَ لِمَدْلُولِ اللَّفْظِ بِذَلِكَ، فَأخْلَيْنا كِتابَنا مِنهُ، ويُطالَعُ ذَلِكَ في كُتُبِ المُفَسِّرِينَ. ويُقالُ: بَرِئْتُ مِن فُلانٍ أبْرَأُ بَراءَةً؛ أيِ انْقَطَعَتْ بَيْنَنا العِصْمَةُ، ومِنهُ بَرِئْتُ مِنَ الدَّيْنِ. وارْتَفَعَ (بَراءَةٌ) عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ، ومِنَ اللَّهِ صِفَةٌ مُسَوِّغَةٌ لِجَوازِ الِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ، أوْ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ؛ أيْ: هَذِهِ بَراءَةٌ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ (بَراءَةً) بِالنَّصْبِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أيِ الزَمُوا، وفِيهِ مَعْنى الإغْراءِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اسْمَعُوا بَراءَةً. قالَ: فَإنْ قُلْتَ: بِمَ تَعَلَّقَتِ البَراءَةُ، بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والمُعاهَدَةِ بِالمُسْلِمِينَ ؟ قُلْتُ: قَدْ أذِنَ اللَّهُ تَعالى في مُعاهَدَةِ المُشْرِكِينَ أوَّلًا، فاتَّفَقَ المُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعاهَدُوهم، فَلَمّا نَقَضُوا العَهْدَ أوْجَبَ (p-٥)اللَّهُ تَعالى النَّبْذَ إلَيْهِمْ، فَخُوطِبَ المُسْلِمُونَ بِما تَجَدَّدَ مِن ذَلِكَ، فَقِيلَ لَهم: اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى ورَسُولَهُ قَدْ بَرِئا مِمّا عاهَدْتُمْ بِهِ المُشْرِكِينَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمّا كانَ عَهْدُ الرَّسُولِ ﷺ لازِمًا لِجَمِيعِ أُمَّتِهِ حَسُنَ أنْ يَقُولَ: عاهَدْتُمْ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ: كانَتِ العَرَبُ قَدْ أوْثَقَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَهْدًا عامًّا عَلى أنْ لا يُصَدَّ أحَدٌ عَنِ البَيْتِ الحَرامِ، ونَحْوَ هَذا مِنَ المُوادَعاتِ، فَنُقِضَ ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ، وأُحِلَّ لِجَمِيعِهِمْ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ، فَمَن كانَ لَهُ مَعَ الرَّسُولِ عَهْدٌ خاصٌّ وبَقِيَ مِنهُ أقَلُّ مِنَ الأرْبَعَةِ أُبْلِغَ بِهِ تَمامَها، ومَن كانَ أمَدُهُ أكْثَرَ أُتِمَّ لَهُ عَهْدُهُ، وإذا كانَ مِمَّنْ يُحْتَسبُ مِنهُ نَقْضُ العَهْدِ قُصِرَ عَلى أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، ومَن لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ خاصٌّ فُرِضَتْ لَهُ الأرْبَعَةُ يَسِيحُ في الأرْضِ، أيْ يَذْهَبُ فِيها مُسَرَّحًا آمِنًا. وظاهِرُ لَفْظَةِ (مِنَ المُشْرِكِينَ) العُمُومُ، فَكُلُّ مَن عاهَدَهُ المُسْلِمُونَ داخِلٌ فِيهِ مِن مُشْرِكِي مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ. ورُوِيَ أنَّهم نَكَثُوا إلّا بَنِي ضَمْرَةَ وكِنانَةَ فَنُبِذَ العَهْدُ إلى النّاكِثِينَ. وقالَ مُقاتِلٌ: المُرادُ بِالمُشْرِكِينَ هُنا ثَلاثُ قَبائِلَ مِنَ العَرَبِ: خُزاعَةُ، وبَنُو مُدْلِجٍ، وبَنُو خُزَيْمَةَ. وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ في أهْلِ مَكَّةَ، وكانَ الرَّسُولُ ﷺ صالَحَ قُرَيْشًا عامَ الحُدَيْبِيَةِ عَلى أنْ يَضَعُوا الحَرْبَ عَشْرَ سِنِينَ يَأْمَنُ فِيها النّاسُ، فَدَخَلَتْ خُزاعَةُ في عَهْدِ الرَّسُولِ، وبَنُو بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَناةَ في عَهْدِ قُرَيْشٍ، وكانَ لَبَنِي الدَّيْلِ مِن بَنِي بَكْرٍ دَمٌ عِنْدَ خُزاعَةَ فاغْتَنَمُوا الفُرْصَةَ وغَفْلَةَ خُزاعَةَ، فَخَرَجَ نَوْفَلُ بْنُ مُعاوِيَةَ الدَّيْلِيُّ فِيمَن أطاعَهُ مِن بَنِي بَكْرٍ، وبَيَّتُوا خُزاعَةَ فاقْتَتَلُوا، وأعانَتْ قُرَيْشُ بَنِي بَكْرٍ بِالسِّلاحِ، وقَوْمٌ أعانُوهم بِأنْفُسِهِمْ، فَهُزِمَتْ خُزاعَةُ إلى الحَرَمِ، فَكانَ ذَلِكَ نَقْضًا لِصُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، فَخَرَجَ مِن خُزاعَةَ بُدَيْلُ بْنُ ورْقاءَ وعَمْرُو بْنُ سالِمٍ في ناسٍ مِن قَوْمِهِمْ، فَقَدِمُوا عَلى الرَّسُولِ ﷺ مُسْتَغِيثِينَ، وأنْشَدَهُ عَمْرٌو فَقالَ: ؎يا رَبِّ إنِّي ناشِدٌ مُحَمَّدا ∗∗∗ حِلْفَ أبِينا وأبِيهِ الأتْلَدا ؎كُنْتَ لَنا أبًا وكُنّا ولَدا ∗∗∗ ثُمَّتَ أسْلَمْنا ولَمْ نَنْزِعْ يَدا ؎فانْصُرْ هَداكَ اللَّهُ نَصْرًا عُتَّدا ∗∗∗ وادْعُ عِبادَ اللَّهِ يَأْتُوا مَدَدا ؎فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ قَدْ تَجَرَّدا ∗∗∗ أبْيَضَ مِثْلَ الشَّمْسِ يَنْمُو صُعَدا ؎إنْ سِيمَ خَسْفًا وجْهُهُ تَرَبَّدا ∗∗∗ في فَيْلَقٍ كالبَحْرِ يَجْرِي مُزْبِدا ؎إنَّ قُرَيْشًا أخْلَفُوكَ المَوْعِدا ∗∗∗ ونَقَضُوا مِيثاقَكَ المُؤْكَدا ؎وزَعَمُوا أنْ لَسْتَ تَدْعُو أحَدا ∗∗∗ وهم أذَلُّ وأقَلُّ عَدَدا ؎هم بَيَّتُونا بِالحَطِيمِ هُجَّدًا ∗∗∗ وقَتَلُونا رُكَّعًا وسُجَّدا فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا نُصِرْتُ إنْ لَمْ أنْصُرْكم»، فَتَجَهَّزَ إلى مَكَّةَ وفَتَحَها سَنَةَ ثَمانٍ، ثُمَّ خَرَجَ إلى غَزْوَةِ تَبُوكَ وتَخَلَّفَ مَن تَخَلَّفَ مِنَ المُنافِقِينَ وأرْجَفُوا الأراجِيفَ، فَجَعَلَ المُشْرِكُونَ يَنْقُضُونَ عُهُودَهم، فَأمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِإلْقاءِ عَهِدَهم إلَيْهِمْ، وأذِنَ في الحَرْبِ. (فَسِيحُوا) أمْرُ إباحَةٍ، وفي ضِمْنِهِ تَهْدِيدٌ، وهو التِفاتٌ مِن غَيْبَةٍ إلى خِطابٍ؛ أيْ: قُلْ لَهم: سِيحُوا. يُقالُ: ساحَ سِياحَةً وسَوْحًا وسَيَحانًا، ومِنهُ سَيْحُ الماءِ؛ وهو الجارِي المُنْبَسِطُ. وقالَ طَرَفَةُ: لَوْ خِفْتُ هَذا مِنكَ ما نِلْتَنِي حَتّى تَرى خَيْلًا أمامِي تَسِيحُ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والزُّهْرِيُّ: أوَّلُ الأشْهُرِ شَوّالٌ حَتّى نَزَلَتِ الآيَةُ، وانْقِضاؤُها انْقِضاءُ المُحَرَّمِ بَعْدَ يَوْمِ الأذانِ بِخَمْسِينَ، فَكانَ أجَلُ مَن لَهُ عَهْدٌ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ مِن يَوْمِ النُّزُولِ، وأجَلُ سائِرِ المُشْرِكِينَ خَمْسُونَ لَيْلَةً مِن يَوْمِ الأذانِ. وقالَ السُّدِّيُّ وغَيْرُهُ: أوَّلُها يَوْمُ الأذانِ، وآخِرُها العَشْرُ مِن رَبِيعٍ الآخِرِ. وقِيلَ: العَشْرُ مِن ذِي القِعْدَةِ إلى عِشْرِينَ مِن شَهْرِ رَبِيعٍ الأوَّلِ؛ لِأنَّ الحَجَّ في تِلْكَ السَّنَةِ كانَ في ذَلِكَ (p-٦)الوَقْتِ لِلنَّسِيءِ الَّذِي كانَ فِيهِمْ، ثُمَّ صارَ في السَّنَةِ الثّانِيَةِ في ذِي الحِجَّةِ. (غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ)؛ لا تَفُوتُونَهُ وإنْ أمْهَلَكم وهو مُخْزِيكم؛ أيْ: مُذِلُّكم في الدُّنْيا بِالقَتْلِ والأسْرِ والنَّهْبِ، وفي الآخِرَةِ بِالعَذابِ. وحَكى أبُو عَمْرٍو عَنْ أهْلِ نَجْرانَ: أنَّهم يَقْرَءُونَ (مِنَ اللَّهِ) بِكَسْرِ النُّونِ عَلى أصْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، واتِّباعًا لِكَسْرَةِ النُّونِ.

التوبة 9:2

(p-٢)سُورَةُ التَّوْبَةِ مِائَةٌ وثَلاثُونَ آيَةً مَدَنِيَّةٌ ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ واعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وأنَّ اللَّهَ مُخْزِي الكافِرِينَ﴾ ﴿وأذانٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى النّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ فَإنْ تُبْتُمْ فَهو خَيْرٌ لَكم وإنْ تَوَلَّيْتُمْ فاعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [التوبة: ٣] ﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكم شَيْئًا ولَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكم أحَدًا فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٤] ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهم وخُذُوهم واحْصُرُوهم واقْعُدُوا لَهم كُلَّ مَرْصَدٍ فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهم إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥] ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٦] ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ فَما اسْتَقامُوا لَكم فاسْتَقِيمُوا لَهم إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٧] ﴿كَيْفَ وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم لا يَرْقُبُوا فِيكم إلًّا ولا ذِمَّةً يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ وتَأْبى قُلُوبُهم وأكْثَرُهم فاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨] ﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ٩] ﴿لا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إلًّا ولا ذِمَّةً وأُولَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ﴾ [التوبة: ١٠] ﴿فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَإخْوانُكم في الدِّينِ ونُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ١١] ﴿وإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِكم فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ إنَّهم لا أيْمانَ لَهم لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢] ﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أيْمانَهم وهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ وهم بَدَءُوكم أوَّلَ مَرَّةٍ أتَخْشَوْنَهم فاللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٣] ﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكم ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٤] ﴿ويُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن يَشاءُ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ١٥] ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تُتْرَكُوا ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ولَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ ولا رَسُولِهِ ولا المُؤْمِنِينَ ولِيجَةً واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٦] ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم وفي النّارِ هم خالِدُونَ﴾ [التوبة: ١٧] ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ ولَمْ يَخْشَ إلّا اللَّهَ فَعَسى أُولَئِكَ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٨] ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وجاهَدَ في سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ [التوبة: ١٩] ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ [التوبة: ٢٠] ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة: ٢١] ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التوبة: ٢٢] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكم وإخْوانَكم أوْلِياءَ إنِ اسْتَحَبُّوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [التوبة: ٢٣] ﴿قُلْ إنْ كانَ آباؤُكم وأبْناؤُكم وإخْوانُكم وأزْواجُكم وعَشِيرَتُكم وأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها ومَساكِنُ تَرْضَوْنَها أحَبَّ إلَيْكم مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وجِهادٍ في سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤] ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ ويَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكم فَلَمْ تُغْنِ عَنْكم شَيْئًا وضاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥] ﴿ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ وأنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها وعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وذَلِكَ جَزاءُ الكافِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٦] ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلى مَن يَشاءُ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٢٧] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إنْ شاءَ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٢٨] ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ ولا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ ولا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] ﴿وقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ يُضاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠] (p-٣)المَرْصَدُ: مَفْعَلٌ مِن رَصَدَ يَرْصُدُ رَقَبَ، يَكُونُ مَصْدَرًا وزَمانًا ومَكانًا. وقالَ عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ: ؎ولَقَدْ عَلِمْتَ وما إخالُكَ ناسِيًا أنَّ المَنِيَّةَ لِلْفَتى بِالمَرْصَدِ الإلُّ: الحَلِفُ والجُؤارُ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي جَهْلٍ. ؎لِإلٍّ عَلَيْنا واجِبٌ لا نُضَيِّعُهُ ∗∗∗ مَتِينٌ قُواهُ غَيْرُ مُنْتَكِثِ الحَبْلِ كانُوا إذا تَسامَحُوا وتَحالَفُوا رَفَعُوا بِهِ أصْواتَهم وشَهَرُوهُ، مِنَ الآلِ وهو الجُؤارُ، ولَهُ ألِيلٌ أيْ أنِينٌ يَرْفَعُ بِهِ صَوْتَهُ، وقِيلَ: القَرابَةُ. وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ عَلى القَرابَةِ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎أفْسَدُ النّاسِ خُلُوفٌ خَلَفُوا ∗∗∗ قَطَعُوا الإلَّ وأعْراقَ الرَّحِمْ وظاهِرُ البَيْتِ أنَّهُ في العَهْدِ. ومِنَ القَرابَةِ قَوْلُ حَسّانَ: ؎لَعَمْرُكَ إنَّ إلَّكَ مِن قُرَيْشٍ ∗∗∗ كَإلِّ السَّقْبِ مِن رَأْلِ النَّعامِ وسُمِّيَتْ إلًّا؛ لِأنَّها عَقَدَتْ ما لا يَعْقِدُ المِيثاقُ. وقِيلَ: مِن ألَّ البَرْقُ لَمَعَ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: الألِيلُ: البَرِيقُ، يُقالُ: ألَّ يَؤُلُّ صَفا ولَمَعَ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: مَأْخُوذٌ مِنَ الحِدَّةِ، ومِنهُ الإلَّةُ الحَرْبَةُ. وأُذُنٌ مُؤَلَّلَةٌ مُحَدَّدَةٌ، فَإذا قِيلَ لِلْعَهْدِ والجُؤارِ والقَرابَةِ: إلٌّ فَمَعْناهُ: أنَّ الأُذُنَ مُنْصَرِفٌ إلى تِلْكَ الجِهَةِ الَّتِي يَتَحَدَّدُ لَها، والعَهْدُ يُسَمّى إلًّا لِصَفائِهِ، ويُجْمَعُ في القِلَّةِ الآلُّ وفي الكَثْرَةِ الأُلُّ، وأصْلُ جَمْعِ القِلَّةِ أُأْلُلٌ، فَسُهِّلَتِ الهَمْزَةُ السّاكِنَةُ (p-٤)الَّتِي هي فاءُ الكَلِمَةِ فَأبْدَلَها ألِفًا، وأُدْغِمَتِ اللّامُ في اللّامِ. الذِّمَّةُ: العَهْدُ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الأمانُ، وقالَ الأصْمَعِيُّ: كُلُّ ما يَجِبُ أنْ يُحْفَظَ ويُحْمى. أبى يَأْبى: مَنَعَ، قالَ: ؎أبى الضَّيْمَ والنُّعْمانُ يَحْرِقُ نابَهُ ∗∗∗ عَلَيْهِ فَأفْصى والسُّيُوفُ مَعاقِلُهْ وقالَ: ؎أبى اللَّهُ إلّا عَدْلَهُ ووَفاءَهُ ∗∗∗ فَلا النُّكْرُ مَعْرُوفٌ ولا العُرْفُ ضائِعُ ومَجِئُ مُضارِعِهِ عَلى فَعَلَ بِفَتْحِ العَيْنِ شاذٌّ، ومِنهُ آبِي اللَّحْمَ لِرَجُلٍ مِنَ الصَّحابَةِ. شَفاهُ: أزالَ سَقَمَهُ. العَشِيرَةُ: جَماعَةٌ بِسَبَبٍ أوْ عَقْدٍ أوْ وِدادٍ كَعَقْدِ العَشِيرَةِ. اقْتَرَفَ: اكْتَسَبَ. كَسَدَ الشَّيْءُ كَسادًا وكُسُودًا: بارَ ولَمْ يَكُنْ لَهُ نَفاقٌ. المَوْطِنُ: المَوْقِفُ والمُقامُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎وكَمْ مَوْطِنٍ لَوْلايَ طِحْتَ كَما هَوى ∗∗∗ بِأجْرامِهِ مِن قُلَّةِ النِّيقِ مُنْهَوى ومِثْلُهُ الوَطَنُ. حُنَيْنٌ: وادٍ بَيْنَ مَكَّةَ والطّائِفِ، وقِيلَ: وادٍ إلى جَنْبِ ذِي المَجازِ. العَيْلَةُ: الفَقْرُ، عالَ يَعِيلُ: افْتَقَرَ، قالَ: ؎وما يَدْرِي الفَقِيرُ مَتى غِناهُ ∗∗∗ وما يَدْرِي الغَنِيُّ مَتى يَعِيلُ الجِزْيَةُ: ما أُخِذَ مِن أهْلِ الذِّمَّةِ عَلى مُقامِهِمْ في بِلادِ الإسْلامِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهم يَجْزُونَها أيْ يَقْضُونَها، أوْ لِأنَّها تُجْزى بِها مَن مُنَّ عَلَيْهِمْ بِالإعْفاءِ عَنِ القَتْلِ. المُضاهاةُ: المُماثَلَةُ والمُحاكاةُ، وثَقِيفُ تَقُولُ: المُضاهَأةُ بِالهَمْزِ، وقَدْ ضاهَأْتُ، فَمادَّتُها مُخالِفَةٌ لِلَّتِي قَبْلَها، إلّا إنْ كانَ ضاهَتْ يُدْعى أنَّ أصْلَها الهَمْزُ كَقَوْلِهِمْ في تَوَضَّأْتُ وقَرَأْتُ وأخْطَأْتُ: تَوَضَّيْتُ، وقَرَيْتُ، وأخْطَيْتُ فَيُمْكِنُ. وأمّا ضَهْيَأ بِالهَمْزِ مَقْصُورًا فَهَمْزَتُهُ زائِدَةٌ كَهَمْزَةِ عَرَفِئَ، أوْ مَمْدُودًا فَهَمْزَتُهُ لِلتَّأْنِيثِ زائِدَةٌ، أوْ مَمْدُودًا بَعْدَهُ هاءُ التَّأْنِيثِ، حَكاهُ البُحْتُرِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو الشَّيْبانِيِّ في النَّوادِرِ، قالَ: جَمَعَ بَيْنَ عَلامَتَيْ تَأْنِيثٍ. ومَدْلُولُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ في ثَلاثِ لُغاتِها المَرْأةُ الَّتِي لا تَحِيضُ، أوِ الَّتِي لا ثَدْيَ لَها، شابَهَتْ بِذَلِكَ الرِّجالَ. فَمَن زَعَمَ أنَّ المُضاهاةَ مَأْخُوذَةٌ مِن ضَهْياءَ فَقَوْلُهُ خَطَأٌ؛ لِاخْتِلافِ المادَّتَيْنِ، لِأصالَةِ هَمْزَةِ المُضاهَأةِ، وزِيادَةِ هَمْزَةِ ضَهْياءَ في لُغاتِها الثَّلاثِ. ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ واعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وأنَّ اللَّهَ مُخْزِي الكافِرِينَ﴾؛ هَذِهِ السُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ كُلُّها، وقِيلَ: إلّا آيَتَيْنِ مِن آخِرِها فَإنَّهُما نَزَلَتا بِمَكَّةَ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ لَها اسْمًا واخْتِلافًا في سَبَبِ ابْتِدائِها بِغَيْرِ بَسْمَلَةٍ، وخِلافًا عَنِ الصَّحابَةِ: أهِيَ والأنْفالُ سُورَةٌ واحِدَةٌ، أوْ سُورَتانِ ؟ ولا تَعَلُّقَ لِمَدْلُولِ اللَّفْظِ بِذَلِكَ، فَأخْلَيْنا كِتابَنا مِنهُ، ويُطالَعُ ذَلِكَ في كُتُبِ المُفَسِّرِينَ. ويُقالُ: بَرِئْتُ مِن فُلانٍ أبْرَأُ بَراءَةً؛ أيِ انْقَطَعَتْ بَيْنَنا العِصْمَةُ، ومِنهُ بَرِئْتُ مِنَ الدَّيْنِ. وارْتَفَعَ (بَراءَةٌ) عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ، ومِنَ اللَّهِ صِفَةٌ مُسَوِّغَةٌ لِجَوازِ الِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ، أوْ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ؛ أيْ: هَذِهِ بَراءَةٌ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ (بَراءَةً) بِالنَّصْبِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أيِ الزَمُوا، وفِيهِ مَعْنى الإغْراءِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اسْمَعُوا بَراءَةً. قالَ: فَإنْ قُلْتَ: بِمَ تَعَلَّقَتِ البَراءَةُ، بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والمُعاهَدَةِ بِالمُسْلِمِينَ ؟ قُلْتُ: قَدْ أذِنَ اللَّهُ تَعالى في مُعاهَدَةِ المُشْرِكِينَ أوَّلًا، فاتَّفَقَ المُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعاهَدُوهم، فَلَمّا نَقَضُوا العَهْدَ أوْجَبَ (p-٥)اللَّهُ تَعالى النَّبْذَ إلَيْهِمْ، فَخُوطِبَ المُسْلِمُونَ بِما تَجَدَّدَ مِن ذَلِكَ، فَقِيلَ لَهم: اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى ورَسُولَهُ قَدْ بَرِئا مِمّا عاهَدْتُمْ بِهِ المُشْرِكِينَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمّا كانَ عَهْدُ الرَّسُولِ ﷺ لازِمًا لِجَمِيعِ أُمَّتِهِ حَسُنَ أنْ يَقُولَ: عاهَدْتُمْ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ: كانَتِ العَرَبُ قَدْ أوْثَقَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَهْدًا عامًّا عَلى أنْ لا يُصَدَّ أحَدٌ عَنِ البَيْتِ الحَرامِ، ونَحْوَ هَذا مِنَ المُوادَعاتِ، فَنُقِضَ ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ، وأُحِلَّ لِجَمِيعِهِمْ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ، فَمَن كانَ لَهُ مَعَ الرَّسُولِ عَهْدٌ خاصٌّ وبَقِيَ مِنهُ أقَلُّ مِنَ الأرْبَعَةِ أُبْلِغَ بِهِ تَمامَها، ومَن كانَ أمَدُهُ أكْثَرَ أُتِمَّ لَهُ عَهْدُهُ، وإذا كانَ مِمَّنْ يُحْتَسبُ مِنهُ نَقْضُ العَهْدِ قُصِرَ عَلى أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، ومَن لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ خاصٌّ فُرِضَتْ لَهُ الأرْبَعَةُ يَسِيحُ في الأرْضِ، أيْ يَذْهَبُ فِيها مُسَرَّحًا آمِنًا. وظاهِرُ لَفْظَةِ (مِنَ المُشْرِكِينَ) العُمُومُ، فَكُلُّ مَن عاهَدَهُ المُسْلِمُونَ داخِلٌ فِيهِ مِن مُشْرِكِي مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ. ورُوِيَ أنَّهم نَكَثُوا إلّا بَنِي ضَمْرَةَ وكِنانَةَ فَنُبِذَ العَهْدُ إلى النّاكِثِينَ. وقالَ مُقاتِلٌ: المُرادُ بِالمُشْرِكِينَ هُنا ثَلاثُ قَبائِلَ مِنَ العَرَبِ: خُزاعَةُ، وبَنُو مُدْلِجٍ، وبَنُو خُزَيْمَةَ. وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ في أهْلِ مَكَّةَ، وكانَ الرَّسُولُ ﷺ صالَحَ قُرَيْشًا عامَ الحُدَيْبِيَةِ عَلى أنْ يَضَعُوا الحَرْبَ عَشْرَ سِنِينَ يَأْمَنُ فِيها النّاسُ، فَدَخَلَتْ خُزاعَةُ في عَهْدِ الرَّسُولِ، وبَنُو بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَناةَ في عَهْدِ قُرَيْشٍ، وكانَ لَبَنِي الدَّيْلِ مِن بَنِي بَكْرٍ دَمٌ عِنْدَ خُزاعَةَ فاغْتَنَمُوا الفُرْصَةَ وغَفْلَةَ خُزاعَةَ، فَخَرَجَ نَوْفَلُ بْنُ مُعاوِيَةَ الدَّيْلِيُّ فِيمَن أطاعَهُ مِن بَنِي بَكْرٍ، وبَيَّتُوا خُزاعَةَ فاقْتَتَلُوا، وأعانَتْ قُرَيْشُ بَنِي بَكْرٍ بِالسِّلاحِ، وقَوْمٌ أعانُوهم بِأنْفُسِهِمْ، فَهُزِمَتْ خُزاعَةُ إلى الحَرَمِ، فَكانَ ذَلِكَ نَقْضًا لِصُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، فَخَرَجَ مِن خُزاعَةَ بُدَيْلُ بْنُ ورْقاءَ وعَمْرُو بْنُ سالِمٍ في ناسٍ مِن قَوْمِهِمْ، فَقَدِمُوا عَلى الرَّسُولِ ﷺ مُسْتَغِيثِينَ، وأنْشَدَهُ عَمْرٌو فَقالَ: ؎يا رَبِّ إنِّي ناشِدٌ مُحَمَّدا ∗∗∗ حِلْفَ أبِينا وأبِيهِ الأتْلَدا ؎كُنْتَ لَنا أبًا وكُنّا ولَدا ∗∗∗ ثُمَّتَ أسْلَمْنا ولَمْ نَنْزِعْ يَدا ؎فانْصُرْ هَداكَ اللَّهُ نَصْرًا عُتَّدا ∗∗∗ وادْعُ عِبادَ اللَّهِ يَأْتُوا مَدَدا ؎فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ قَدْ تَجَرَّدا ∗∗∗ أبْيَضَ مِثْلَ الشَّمْسِ يَنْمُو صُعَدا ؎إنْ سِيمَ خَسْفًا وجْهُهُ تَرَبَّدا ∗∗∗ في فَيْلَقٍ كالبَحْرِ يَجْرِي مُزْبِدا ؎إنَّ قُرَيْشًا أخْلَفُوكَ المَوْعِدا ∗∗∗ ونَقَضُوا مِيثاقَكَ المُؤْكَدا ؎وزَعَمُوا أنْ لَسْتَ تَدْعُو أحَدا ∗∗∗ وهم أذَلُّ وأقَلُّ عَدَدا ؎هم بَيَّتُونا بِالحَطِيمِ هُجَّدًا ∗∗∗ وقَتَلُونا رُكَّعًا وسُجَّدا فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا نُصِرْتُ إنْ لَمْ أنْصُرْكم»، فَتَجَهَّزَ إلى مَكَّةَ وفَتَحَها سَنَةَ ثَمانٍ، ثُمَّ خَرَجَ إلى غَزْوَةِ تَبُوكَ وتَخَلَّفَ مَن تَخَلَّفَ مِنَ المُنافِقِينَ وأرْجَفُوا الأراجِيفَ، فَجَعَلَ المُشْرِكُونَ يَنْقُضُونَ عُهُودَهم، فَأمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِإلْقاءِ عَهِدَهم إلَيْهِمْ، وأذِنَ في الحَرْبِ. (فَسِيحُوا) أمْرُ إباحَةٍ، وفي ضِمْنِهِ تَهْدِيدٌ، وهو التِفاتٌ مِن غَيْبَةٍ إلى خِطابٍ؛ أيْ: قُلْ لَهم: سِيحُوا. يُقالُ: ساحَ سِياحَةً وسَوْحًا وسَيَحانًا، ومِنهُ سَيْحُ الماءِ؛ وهو الجارِي المُنْبَسِطُ. وقالَ طَرَفَةُ: لَوْ خِفْتُ هَذا مِنكَ ما نِلْتَنِي حَتّى تَرى خَيْلًا أمامِي تَسِيحُ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والزُّهْرِيُّ: أوَّلُ الأشْهُرِ شَوّالٌ حَتّى نَزَلَتِ الآيَةُ، وانْقِضاؤُها انْقِضاءُ المُحَرَّمِ بَعْدَ يَوْمِ الأذانِ بِخَمْسِينَ، فَكانَ أجَلُ مَن لَهُ عَهْدٌ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ مِن يَوْمِ النُّزُولِ، وأجَلُ سائِرِ المُشْرِكِينَ خَمْسُونَ لَيْلَةً مِن يَوْمِ الأذانِ. وقالَ السُّدِّيُّ وغَيْرُهُ: أوَّلُها يَوْمُ الأذانِ، وآخِرُها العَشْرُ مِن رَبِيعٍ الآخِرِ. وقِيلَ: العَشْرُ مِن ذِي القِعْدَةِ إلى عِشْرِينَ مِن شَهْرِ رَبِيعٍ الأوَّلِ؛ لِأنَّ الحَجَّ في تِلْكَ السَّنَةِ كانَ في ذَلِكَ (p-٦)الوَقْتِ لِلنَّسِيءِ الَّذِي كانَ فِيهِمْ، ثُمَّ صارَ في السَّنَةِ الثّانِيَةِ في ذِي الحِجَّةِ. (غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ)؛ لا تَفُوتُونَهُ وإنْ أمْهَلَكم وهو مُخْزِيكم؛ أيْ: مُذِلُّكم في الدُّنْيا بِالقَتْلِ والأسْرِ والنَّهْبِ، وفي الآخِرَةِ بِالعَذابِ. وحَكى أبُو عَمْرٍو عَنْ أهْلِ نَجْرانَ: أنَّهم يَقْرَءُونَ (مِنَ اللَّهِ) بِكَسْرِ النُّونِ عَلى أصْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، واتِّباعًا لِكَسْرَةِ النُّونِ.

التوبة 9:3

﴿وأذانٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى النّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ﴾ قَرَأ الضَّحّاكُ وعِكْرِمَةُ وأبُو المُتَوَكِّلِ: (وإذْنٌ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الذّالِ. وقَرَأ الحَسَنُ والأعْرَجُ: (إنَّ اللَّهَ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، فالفَتْحُ عَلى تَقْدِيرِ بِأنَّ، والكَسْرُ عَلى إضْمارِ القَوْلِ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، أوْ لِأنَّ الأذانَ في مَعْنى القَوْلِ فَكُسِرَتْ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (ورَسُولَهُ) بِالنَّصْبِ، عَطْفًا عَلى لَفْظِ اسْمِ أنَّ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ. وقُرِئَ بِالجَرِّ شاذًّا، ورُوِيَتْ عَنِ الحَسَنِ، وخَرَجَتْ عَلى العَطْفِ عَلى الجِوارِ، كَما أنَّهم نَعَتُوا وأكَّدُوا عَلى الجِوارِ، وقِيلَ: هي واوُ القَسَمِ. ورُوِيَ أنَّ أعْرابِيًّا سَمِعَ مَن يَقْرَأُ بِالجَرِّ فَقالَ: إنْ كانَ اللَّهُ بَرِيئًا مِن رَسُولِهِ فَأنا مِنهُ بَرِيءٌ، فَلَبَّبَهُ القارِئُ إلى عُمَرَ، فَحَكى الأعْرابِيُّ قِراءَتَهُ، فَعِنْدَها أمَرَ عُمَرُ بِتَعْلِيمِ العَرَبِيَّةِ. وأمّا قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِالرَّفْعِ فَعَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ: ورَسُولُهُ بَرِيءٌ مِنهم، وحُذِفَ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، وجَوَّزُوا فِيهِ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في ”بَرِيءٌ“، وحَسَّنَهُ كَوْنُهُ فَصَلَ بِقَوْلِهِ: (مِنَ المُشْرِكِينَ)، بَيْنَ مُتَحَمِّلِهِ والمَعْطُوفِ. ومَن أجازَ العَطْفَ عَلى مَوْضِعِ اسْمِ إنَّ المَكْسُورَةِ أجازَ ذَلِكَ مَعَ أنَّ المَفْتُوحَةِ. ومِنهم مَن أجازَ ذَلِكَ مَعَ المَكْسُورَةِ ومَنَعَ مَعَ المَفْتُوحَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومَذْهَبُ الأُسْتاذِ يَعْنِي أبا الحَسَنِ بْنِ الباذِشِ عَلى مُقْتَضى كَلامِ سِيبَوَيْهِ: أنْ لا مَوْضِعَ لِما دَخَلَتْ عَلَيْهِ أنَّ إذْ هو مُعْرَبٌ قَدْ ظَهَرَ فِيهِ عَمَلُ العامِلِ، وأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ أنَّ وبَيْنَ لَيْتَ، والإجْماعُ أنْ لا مَوْضِعَ لِما دَخَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ انْتَهى. وهَذا كَلامٌ فِيهِ تَعَقُّبٌ؛ لِأنَّ عِلَّةَ كَوْنِ أنَّ لا مَوْضِعَ لِما دَخَلَتْ عَلَيْهِ، لَيْسَ ظُهُورَ عَمَلِ العامِلِ، بِدَلِيلِ لَيْسَ زَيْدٌ بِقائِمٍ، وما في الدّارِ مِن رَجُلٍ، فَإنَّهُ ظَهَرَ عَمَلُ العامِلِ ولَهُما مَوْضِعٌ. وقَوْلُهُ: والإجْماعُ إلى آخِرِهِ، يُرِيدُ: أنَّ لَيْتَ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ بِالإجْماعِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الفَرّاءُ خالَفَ وجَعَلَ حُكْمَ لَيْتَ ولَعَلَّ وكَأنَّ ولَكِنَّ وأنَّ حُكْمَ إنَّ في كَوْنِ اسْمِهِنَّ لَهُ مَوْضِعٌ. وإعْرابُ (وأذانٌ) كَإعْرابِ (بَراءَةٌ) عَلى الوَجْهَيْنِ، ثُمَّ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى مِثْلِها ولا وجْهَ لِقَوْلِ مَن قالَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى (بَراءَةٌ)، كَما لا يُقالُ: عَمْرٌو مَعْطُوفٌ عَلى زَيْدٍ في: زَيْدٌ قامَ وعَمْرٌو قاعِدٌ. والأذانُ بِمَعْنى الإيذانِ؛ وهو الإعْلامُ كَما أنَّ الأمانَ والعَطاءَ يُسْتَعْمَلانِ بِمَعْنى الإيمانِ والإعْطاءِ، ويَضْعُفُ جَعْلُهُ خَيْرًا عَنْ (وأذانٌ) إذا أعْرَبْناهُ مُبْتَدَأً، بَلِ الخَبَرُ قَوْلُهُ: (إلى النّاسِ) . وجازَ الِابْتِداءُ بِالنَّكِرَةِ؛ لِأنَّها وُصِفَتْ بِقَوْلِهِ: (مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ) . و(يَوْمَ) مَنصُوبٌ بِما يَتَعَلَّقُ بِهِ (إلى النّاسِ)، وقَدْ أجازَ بَعْضُهم نَصْبَهُ بِقَوْلِهِ: (وأذانٌ)، وهو بَعِيدٌ مِن جِهَةِ أنَّ المَصْدَرَ إذا وُصِفَ قَبْلَ أخْذِهِ مَعْمُولَهُ لا يَجُوزُ إعْمالُهُ فِيما بَعْدَ الصِّفَةِ، ومِن جِهَةِ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُخْبَرَ عَنْهُ إلّا بَعْدَ أخْذِهِ مَعْمُولَهُ، وقَدْ أخْبَرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: (إلى النّاسِ) . «لَمّا كانَ سَنَةُ تِسْعٍ أرادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَحُجَّ، فَكَرِهَ أنْ يَرى المُشْرِكِينَ يَطُوفُونَ عُراةً، فَبَعَثَ أبا بَكْرٍ أمِيرًا عَلى المَوْسِمِ، ثُمَّ أتْبَعَهُ عَلِيًّا لِيَقْرَأ هَذِهِ (p-٧)الآياتِ عَلى أهْلِ المَوْسِمِ راكِبًا ناقَتَهُ العَضْباءَ، فَقِيلَ لَهُ: لَوْ بَعَثْتَ بِها إلى أبِي بَكْرٍ، فَقالَ: ”لا يُؤَدِّي عَنِّي إلّا رَجُلٌ مِنِّي“، فَلَمّا اجْتَمَعا قالَ أبُو بَكْرٍ: أمِيرٌ أوْ مَأْمُورٌ ؟ قالَ: مَأْمُورٌ. فَلَمّا كانَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ خَطَبَ أبُو بَكْرٍ وقامَ عَلِيٌّ يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ جَمْرَةِ العَقَبَةِ فَقالَ: ”يا أيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ إلَيْكم“، فَقالُوا: بِماذا ؟ فَقَرَأ عَلَيْهِمْ ثَلاثِينَ آيَةً أوْ أرْبَعِينَ، وعَنْ مُجاهِدٍ: ثَلاثَ عَشْرَةَ، ثُمَّ قالَ: ”أُمِرْتُ بِأرْبَعٍ: أنْ لا يَقْرَبَ البَيْتَ بَعْدَ هَذا العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطُوفَ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ، وأنْ لا يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا كُلُّ نَفْسٍ مُؤْمِنَةٍ، وأنْ يَتِمَّ إلى كُلِّ ذِي عَهْدٍ عَهْدُهُ“، فَقالُوا عِنْدَ ذَلِكَ: يا عَلِيُّ أبْلِغِ ابْنَ عَمِّكَ أنّا قَدْ نَبَذْنا العَهْدَ وراءَ ظُهُورِنا، وأنَّهُ لَيْسَ بَيْنَنا وبَيْنَهُ عَهْدٌ إلّا طَعْنٌ بِالرِّماحِ وضَرْبٌ بِالسُّيُوفِ» . وقِيلَ: عادَةُ العَرَبِ في نَقْضِ عُهُودِها أنْ يَتَوَلّى رَجُلٌ مِنَ القَبِيلَةِ، فَلَوْ تَوَلّاهُ أبُو بَكْرٍ لَقالُوا: هَذا خِلافُ ما يُعْرَفُ مِنّا في نَقْضِ العُهُودِ، فَلِذَلِكَ جَعَلَ عَلِيًّا يَتَوَلّاهُ، وكانَ أبُو هُرَيْرَةَ مَعَ عَلِيٍّ، فَإذا صَحِلَ صَوْتُ عَلِيٍّ نادى أبُو هُرَيْرَةَ. والظّاهِرُ أنَّ (يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ) هو يَوْمُ أُحُدٍ، وقالَ عُمَرُ، وابْنُ الزُّبَيْرِ، وأبُو جُحَيْفَةَ، وطاوُسُ، وعَطاءٌ، وابْنُ المُسَيِّبِ: هو يَوْمُ عَرَفَةَ، ورُوِيَ مَرْفُوعًا إلى الرَّسُولِ ﷺ، وقالَ أبُو مُوسى، وابْنُ أبِي أوْفى، والمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ، والسُّدِّيُّ: هو يَوْمُ النَّحْرِ، وقِيلَ: (يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ) أيّامُ الحَجِّ كُلُّها، قالَهُ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والَّذِي تَظاهَرَتْ بِهِ الأحادِيثُ أنَّ عَلِيًّا أذَّنَ بِتِلْكَ الآياتِ يَوْمَ عَرَفَةَ إثْرَ خُطْبَةِ أبِي بَكْرٍ، ثُمَّ رَأى أنَّهُ لَمْ يَعُمَّ النّاسَ بِالإسْماعِ فَتَتَبَّعَهم بِالأذانِ بِها يَوْمَ النَّحْرِ، وفي ذَلِكَ اليَوْمِ بَعَثَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَن يُعِينُهُ بِها كَأبِي هُرَيْرَةَ وغَيْرِهِ، ويَتَّبِعُوا بِها أيْضًا أسْواقَ العَرَبِ كَذِي المَجازِ وغَيْرِهِ، وبِهَذا يَتَرَجَّحُ قَوْلُ سُفْيانُ. ويَقُولُ: كانَ هَذا يَوْمَ صِفِّينَ، ويَوْمَ الجَمَلِ، يُرِيدُ جَمِيعَ أيّامِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ أيّامُ مِنًى كُلُّها، ومَجامِعُ المُشْرِكِينَ حِينَ كانُوا بِذِي المَجازِ وعُكاظٍ ومَجَنَّةٍ حَتّى نُودِيَ فِيهِمْ: أنْ لا يَجْتَمِعَ المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا. ووَصَفَهُ بِالأكْبَرِ؛ قالَ الحَسَنُ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحَرْثِ بْنِ نَوْفَلٍ: لِأنَّهُ حَجَّ ذَلِكَ العامَ المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ، وصادَفَ عِيدَ اليَهُودِ والنَّصارى، ولَمْ يَتَّفِقْ ذَلِكَ قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ، فَعَظُمَ في قَلْبِ كُلِّ مُؤْمِنٍ وكافِرٍ. وضُعِّفَ هَذا القَوْلُ بِأنَّهُ تَعالى لا يَصِفُهُ بِالأكْبَرِ لِهَذا. وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: لِأنَّهُ حَجَّ فِيهِ أبُو بَكْرٍ، ونُبِذَتْ فِيهِ العُهُودُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا هو القَوْلُ الَّذِي يُشْبِهُ نَظَرَ الحَسَنِ، وبَيانُهُ أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ كانَ المُفْتَتَحَ بِالحَقِّ وأمارَةَ الإسْلامِ بِتَقْدِيمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ونُبِذَتْ فِيهِ العُهُودُ، وعَزَّ فِيهِ الدِّينُ، وذَلَّ فِيهِ الشِّرْكُ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ في عامِ ثَمانٍ حِينَ ولّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَتّابَ بْنَ أسَدٍ كانَ أمِيرَ العَرَبِ عَلى أوَّلِهِ، فَكُلُّ حَجٍّ بَعْدَ حَجِّ أبِي بَكْرٍ فَمُتَرَكِّبٌ عَلَيْهِ، فَحَقُّهُ لِهَذا أنْ يُسَمّى أكْبَرَ انْتَهى. ومَن قالَ: إنَّهُ يَوْمُ عَرَفَةَ، فَسُمِّيَ الأكْبَرَ؛ لِأنَّهُ مُعْظَمُ واجِباتِهِ، فَإذا فاتَ فاتَ الحَجُّ. ومَن قالَ: إنَّهُ يَوْمُ مِنًى فَلِأنَّ فِيهِ مُعْظَمَ الحَجِّ، وتَمامَ أفْعالِهِ مِنَ الطَّوافِ والنَّحْرِ والحَلْقِ والرَّمْيِ. وقِيلَ: وُصِفَ بِالأكْبَرِ؛ لِأنَّ العُمْرَةَ تُسَمّى بِالحَجِّ الأصْغَرِ. وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ وغَيْرُهُ: كانَ النّاسُ يَوْمَ عَرَفَةَ مُفْتَرِقِينَ إذا كانَتِ الحُمْسُ تَقِفُ بِالمُزْدَلِفَةِ، وكانَ الجَمْعُ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى، ولِذَلِكَ كانُوا يُسَمُّونَهُ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ؛ أيِ الأكْبَرِ مِنَ الأصْغَرِ الَّذِي هم فِيهِ مُفْتَرِقُونَ. وقَدْ ذَكَرَ المَهْدَوِيُّ: أنَّ الحُمْسَ ومَنِ اتَّبَعَها وقَفُوا بِالمُزْدَلِفَةِ في حَجَّةِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وحَكى القُرْطُبِيُّ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ: أنَّ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ أرادَ بِهِ العامَ الَّذِي حَجَّ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في حَجَّةِ الوَداعِ، وحَجَّ مَعَهُ الأُمَمُ، وهَذا يَحْتاجُ إلى إضْمارٍ، كَأنَّهُ قالَ: هَذا الأذانُ حُكْمُهُ مُتَحَقِّقٌ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ؛ وهو عامُ حَجِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْتَهى. وسُمِّيَ أكْبَرَ؛ لِأنَّهُ فِيهِ ثَبَتَتْ مَناسِكُ الحَجِّ، وقالَ فِيهِ: «خُذُوا عَنِّي مَناسِكَكم» . وجُمْلَةُ (بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ) إخْبارٌ (p-٨)بِثُبُوتِ البَراءَةِ، وجُمْلَةُ ﴿وأذانٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ إخْبارٌ بِوُجُوبِ الإعْلامِ بِما ثَبَتَ، فافْتَرَقَتا. وعُلِّقَتِ البَراءَةُ بِالمُعاهَدِينَ؛ لِأنَّها مُخْتَصَّةٌ بِهِمْ ناكِثِيهِمْ وغَيْرِ ناكِثِيهِمْ، وعُلِّقَ الأذانُ بِالنّاسِ لِشُمُولِهِ: مُعاهَدًا وغَيْرَهُ، ناكِثًا وغَيْرَهُ، مُسْلِمًا وكافِرًا، هَذا هو قَوْلُ الجُمْهُورِ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلْكَفّارِ بِدَلِيلِ آخِرِ الآيَةِ، وبِدَلِيلِ مُناداةِ عَلِيٍّ بِالجُمَلِ الأرْبَعِ، فَظاهِرُهُ أنَّ المُخاطَبَ بِتِلْكَ الجُمَلِ الكُفّارُ. ولَمّا كانَ المَجْرُورُ خَبَرًا عَنْ قَوْلِهِ: (وأذانٌ)، كانَ بِإلى؛ أيْ مُفْتَدٍ إلى النّاسِ وواصِلٌ إلَيْهِمْ. ولَوْ كانَ المَجْرُورُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ لَكانَ بِاللّامِ. ومِن في (مِنَ المُشْرِكِينَ) مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: (بَرِيءٌ) تَعَلُّقَ المَفْعُولِ. تَقُولُ: بَرِئْتُ مِنكَ، وبَرِئْتُ مِنَ الدِّينِ بِخِلافِ مِن في قَوْلِهِ: (بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ)، فَإنَّها في مَوْضِعِ الصِّفَةِ. (فَإنْ تُبْتُمْ) أيْ: مِنَ الشِّرْكِ المُوجِبِ لِتَبَرُّؤِ اللَّهِ ورَسُولِهِ مِنكم. (فَهو) أيْ: التَّوْبُ (خَيْرٌ لَكم) في الدُّنْيا لِعِصْمَةِ أنْفُسِكم وأوْلادِكم وأمْوالِكم، وفي الآخِرَةِ لِدُخُولِكُمُ الجَنَّةَ وخَلاصِكم مِنَ النّارِ. (وإنْ تَوَلَّيْتُمْ) أيْ: عَنِ الإسْلامِ ﴿فاعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ أيْ: لا تَفُوتُونَهُ عَمّا يَحِلُّ بِكم مِن نَقِماتِهِ، ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ جَعَلَ الإنْذارَ بِشارَةً عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ، والَّذِينَ كَفَرُوا عامٌّ يَشْمَلُ المُشْرِكِينَ عَبَدَةَ الأوْثانِ وغَيْرَهم، وفي هَذا وعِيدٌ عَظِيمٌ بِما يَحِلُّ بِهِمْ.

التوبة 9:4

﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكم شَيْئًا ولَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكم أحَدًا فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾؛ قالَ قَوْمٌ: هَذا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، التَّقْدِيرُ: لَكِنَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ فَثَبَتُوا عَلى العَهْدِ أتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم، وقالَ قَوْمٌ مِنهُمُ الزَّجّاجُ: هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١]، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وجْهُهُ أنْ يَكُونَ مُسْتَثْنًى مِن قَوْلِهِ: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ﴾ [التوبة: ٢]؛ لِأنَّ الكَلامَ خِطابٌ لِلْمُسْلِمِينَ، ومَعْناهُ: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَقُولُوا لَهم: سِيحُوا، إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنهم، ثُمَّ لَمْ يَنْقُضُوا فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم. والِاسْتِثْناءُ بِمَعْنى الِاسْتِدْراكِ، كَأنَّهُ قِيلَ بَعْدَ أنْ أُمِرُوا في النّاكِثِينَ: ولَكِنَّ الَّذِينَ لَمْ يَنْكُثُوا فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم ولا تُجْرُوهم مَجْراهم، ولا تَجْعَلُوا الوَفِيَّ كالغادِرِ. وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، وقَبْلُهُ جُمْلَةٌ مَحْذُوفَةٌ تَقْدِيرُها: اقْتُلُوا المُشْرِكِينَ المُعاهَدِينَ إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ جِدًّا، والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا لِطُولِ الفَصْلِ بِجُمَلٍ كَثِيرَةٍ بَيْنَ ما يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مُسْتَثْنًى مِنهُ وبَيْنَهُ. قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: هم قَوْمٌ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ الرَّسُولِ عَهْدٌ لِمُدَّةٍ، فَأُمِرَ أنْ يَفِيَ لَهم. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَمّا قَرَأ عَلِيٌّ (بَراءَةٌ) قالَ لَبَنِي ضَمْرَةَ وحَيٍّ مِن كِنانَةَ وحَيٍّ مِن سُلَيْمٍ: إنَّ اللَّهَ قَدِ اسْتَثْناكم ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: إلى مُدَّتِهِمْ، يَكُونُ في المُدَّةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم وبَيْنَ الرَّسُولِ أُمِرُوا بِإتْمامِ العَهْدِ إلى تَمامِ المُدَّةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كانَ بَقِيَ لِحَيٍّ مِن كِنانَةَ تِسْعَةُ أشْهُرٍ، فَأُتِمَّ إلَيْهِمْ عَهْدُهم. وعَنْهُ أيْضًا: إلى مُدَّتِهِمْ؛ إلى الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ الَّتِي في الآيَةِ. وهَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ الِاسْتِثْناءُ لا يُفِيدُ تَجْدِيدَ حُكْمٍ؛ إذْ يَكُونُ حُكْمُ هَؤُلاءِ المُسْتَثْنَيْنَ حُكْمَ باقِي المُعاهَدِينَ الَّذِينَ لَمْ يَتَّصِفُوا بِما اتَّصَفَ بِهِ هَؤُلاءِ مِن عَدَمِ النَّقْصِ وعَدَمِ المُظاهَرَةِ. وقَرَأ عَطاءُ بْنُ السّائِبِ الكُوفِيُّ وعِكْرِمَةُ، وأبُو زَيْدٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: (يَنْقُضُوكم) بِالضّادِ مُعْجَمَةً وتُناسِبُ العَهْدَ، وهي بِمَعْنى قِراءَةِ الجُمْهُورِ؛ لِأنَّ مَن نَقَصَ مِنَ العَهْدِ فَقَدْ نَقَصَ مِنَ الأجَلِ المَضْرُوبِ. وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ ولَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَكم، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ؛ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ. وقالَ الكَرْمانِيُّ: هي بِالضّادِ أقْرَبُ إلى مَعْنى العَهْدِ، إلّا أنَّ القِراءَةَ بِالصّادِ أحْسَنُ لِيَقَعَ في مُقابَلَتِهِ التَّمامُ في قَوْلِهِ: (فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ)، والتَّمامُ ضِدُّ النَّقْصِ. وانْتَصَبَ شَيْئًا عَلى المَصْدَرِ، أيْ: لا قَلِيلًا مِنَ النَّقْصِ ولا كَثِيرًا. ﴿ولَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكم أحَدًا﴾ كَما (p-٩)فَعَلَتْ قُرَيْشٌ بِبَنِي بَكْرٍ حِينَ أعانُوهم بِالسِّلاحِ عَلى خُزاعَةَ. وتَعَدّى (أتَوْا) بِإلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى (فَأدُّوا)؛ أيْ: فَأدُّوهُ تامًّا كامِلًا. وقَوْلُ قَتادَةَ: إنَّ المُسْتَثْنَيْنَ هم قُرَيْشٌ عُوهِدُوا زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ مَرْدُودٌ بِإسْلامِ قُرَيْشٍ في الفَتْحِ قَبْلَ الإذْنِ بِهَذا كُلِّهِ. وقَوْلُهُ: ﴿يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الوَفاءَ بِالعَهْدِ مِنَ التَّقْوى، وأنَّ مِنَ التَّقْوى أنْ لا يُسَوّى بَيْنَ القَبِيلَتَيْنِ. ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهم وخُذُوهم واحْصُرُوهم واقْعُدُوا لَهم كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى (انْسَلَخَ) في قَوْلِهِ: (فانْسَلَخَ) . وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: يُقالُ: أهْلَلْنا هِلالَ شَهْرِ كَذا أيْ دَخَلْنا فِيهِ ولَبِسْناهُ، فَنَحْنُ نَزْدادُ كُلَّ لَيْلَةٍ إلى مُضِيِّ نِصْفِهِ لِباسًا مِنهُ، ثُمَّ نَسْلَخُهُ عَنْ أنْفُسِنا بَعْدَ تَكامُلِ النِّصْفِ مِنهُ جُزْءًا حَتّى نَسْلَخَهُ عَنْ أنْفُسِنا كُلَّهُ، فَيَنْسَلِخُ. وأنْشَدَ: ؎إذا ما سَلَخْتَ الشَّهْرَ أهْلَلْتَ مِثْلَهُ كَفى قاتِلًا سَلْخُ الشُّهُورِ وإهْلالُ والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الأشْهُرَ هي الَّتِي أُبِيحَ لِلنّاكِثِينَ أنْ يَسِيحُوا فِيها، ووُصِفَتْ بِالحُرُمِ لِأنَّها مُحَرَّمٌ فِيها القِتالُ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الخِلافِ في ابْتِدائِها وانْتِهائِها. وإذا تَقَدَّمَتِ النَّكِرَةُ وذُكِرَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فالوَجْهُ أنْ تُذْكَرَ بِالضَّمِيرِ نَحْوُ: لَقِيتُ رَجُلًا فَضَرَبْتُهُ. ويَجُوزُ أنْ يُعادَ اللَّفْظُ مُعَرَّفًا بِـ ”ألْ“ نَحْوُ: لَقِيتُ رَجُلًا فَضَرَبْتُ الرَّجُلَ، ولا يَجُوزُ أنْ يُوصَفَ بِوَصْفٍ يُشْعِرُ بِالمُغايَرَةِ، لَوْ قُلْتُ: لَقِيتُ رَجُلًا فَضَرَبْتُ الرَّجُلَ الأزْرَقَ وأنْتَ تُرِيدُ الرَّجُلَ الَّذِي لَقِيتَهُ لَمْ يَجُزْ، بَلْ يَنْصَرِفُ ذَلِكَ إلى غَيْرِهِ، ويَكُونُ المَضْرُوبُ غَيْرَ المُلْقى. فَإنْ وصَفْتَهُ بِوَصْفٍ لا يُشْعِرُ بِالمُغايَرَةِ جازَ نَحْوُ: لَقِيتُ رَجُلًا فَضَرَبْتَ الرَّجُلَ المَذْكُورَ. وهُنا جاءَ الأشْهُرُ الحُرُمُ؛ لِأنَّ هَذا الوَصْفَ مَفْهُومٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢]؛ إذِ التَّقْدِيرُ: أرْبَعَةَ أشْهُرٍ حُرُمٌ، لا يُتَعَرَّضُ إلَيْكم فِيها، فَلَيْسَ الحُرُمُ وصْفًا مُشْعِرًا بِالمُغايَرَةِ. وقِيلَ: الأشْهُرُ الحُرُمُ هي غَيْرُ هَذِهِ الأرْبَعَةِ، وهي الأشْهُرُ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ فِيها القِتالَ مُنْذُ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ، وهي الَّتِي جاءَ في الحَدِيثِ فِيها: «”إنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ؛ السَّنَةُ اثْنا عَشَرَ شَهْرا مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ: ذُو القَعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ، ورَجَبٌ“» فَتَكُونُ الأرْبَعَةُ مِن سَنَتَيْنِ. وقِيلَ: أوَّلُها المُحَرَّمُ، فَتَكُونُ مِن سَنَةٍ. وجاءَ الأمْرُ بِالقَتْلِ عَلى سَبِيلِ التَّشْجِيعِ وتَقْوِيَةِ النَّفْسِ، وأنَّهم لا مَنَعَةَ عِنْدَهم مِن أنْ يُقْتَلُوا. وفي إطْلاقِ الأمْرِ بِالقَتْلِ دَلِيلٌ عَلى قَتْلِهِمْ بِأيِّ وجْهٍ كانَ، وقَدْ قَتَلَ أبُو بَكْرٍ أصْحابَ الرِّدَّةِ بِالإحْراقِ بِالنّارِ، وبِالحِجارَةِ، وبِالرَّمْيِ مِن رُءُوسِ الجِبالِ، والتَّنْكِيسِ في الآبارِ. وتَعَلَّقَ بِعُمُومِ (p-١٠)هَذِهِ الآيَةِ، وأحْرَقَ عَلِيٌّ قَوْمًا مِن أهْلِ الرِّدَّةِ، وقَدْ ورَدَتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِالنَّهْيِ عَنِ المُثْلَةِ. ولَفْظُ (المُشْرِكِينَ) عامٌّ في كُلِّ مُشْرِكٍ، وجاءَتِ السُّنَّةُ بِاسْتِثْناءِ الأطْفالِ والرُّهْبانِ والشُّيُوخِ الَّذِينَ لَيْسُوا ذَوِي رَأْيٍ في الحَرْبِ، ومَن قاتَلَ مِن هَؤُلاءِ قُتِلَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي الَّذِينَ نَقَصُوكم وظاهَرُوا عَلَيْكم. ولَفْظُ: (حَيْثُ وجَدْتُمُوهم) عامٌّ في الأماكِنِ مِن حِلٍّ وحَرَمٍ. (وخُذُوهم) عِبارَةٌ عَنِ الأسْرِ، والأخِيذُ الأسِيرُ. ويَدُلُّ عَلى جَوازِ أسْرِهِمْ: (واحْصُرُوهم)؛ قَيِّدُوهم وامْنَعُوهم مِنَ التَّصَرُّفِ في البِلادِ، وقِيلَ: اسْتَرِقُّوهم، وقِيلَ: مَعْناهُ: حاصِرُوهم إنْ تَحَصَّنُوا. وقُرِئَ: (فَحاصِرُوهم) شاذًّا، وهَذا القَوْلُ يُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَنْهُ أيْضًا: حُولُوا بَيْنَهم وبَيْنَ المَسْجِدِ الحَرامِ، وقِيلَ: امْنَعُوهم عَنْ دُخُولِ بِلادِ الإسْلامِ والتَّصَرُّفِ فِيها إلّا بِإذْنٍ. قالَ القُرْطُبِيُّ في قَوْلِهِ: ﴿واقْعُدُوا لَهم كُلَّ مَرْصَدٍ﴾: دَلالَةٌ عَلى جَوازِ اغْتِيالِهِمْ قَبْلَ الدَّعْوَةِ؛ لِأنَّ المَعْنى اقْعُدُوا لَهم مَواضِعَ الغِرَّةِ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المَقْصُودَ إيصالُ الأذى إلَيْهِمْ بِكُلِّ طَرِيقٍ: إمّا بِطْرِيقِ القِتالِ، وإمّا بِطَرِيقِ الِاغْتِيالِ. وقَدْ أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى جَوازِ السَّرِقَةِ مِن أمْوالِ أهْلِ الحَرْبِ، وإسْلالِ خَيْلِهِمْ، وإتْلافِ مَواشِيهِمْ إذا عُجِزَ عَنِ الخُرُوجِ بِها إلى دارِ الإسْلامِ، إلّا أنْ يُصالِحُوا عَلى مِثْلِ ذَلِكَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (كُلَّ مَرْصَدٍ) كُلَّ مَمَرٍّ ومُجْتازٍ تَرْصُدُونَهم فِيهِ، وانْتِصابُهَ عَلى الظَّرْفِ كَقَوْلِهِ: ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦] انْتَهى. وهَذا الَّذِي قالَهُ الزَّجّاجُ، قالَ: (كُلَّ مَرْصَدٍ) ظَرْفٌ، كَقَوْلِكَ: ذَهَبْتُ مَذْهَبًا، ورَدَّهُ أبُو عَلِيٍّ؛ لِأنَّ المَرْصَدَ المَكانُ الَّذِي يُرْصَدُ فِيهِ العَدُوُّ، فَهو مَكانٌ مَخْصُوصٌ لا يُحْذَفُ الحَرْفُ مِنهُ إلّا سَماعًا كَما حَكى سِيبَوَيْهِ: دَخَلْتُ البَيْتَ، وكَما عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ انْتَهى. وأقُولُ: يَصِحُّ انْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (واقْعُدُوا لَهم) لَيْسَ مَعْناهُ حَقِيقَةَ القُعُودِ، بَلِ المَعْنى ارْصُدُوهم في كُلِّ مَكانٍ يُرْصَدُ فِيهِ، ولَمّا كانَ بِهَذا المَعْنى جازَ قِياسًا أنْ يُحْذَفَ مِنهُ في كَما قالَ: وقَدْ قَعَدُوا أنْفاقَها كُلَّ مَقْعَدٍ. فَمَتى كانَ العامِلُ في الظَّرْفِ المُخْتَصِّ عامِلًا مِن لَفْظِهِ أوْ مِن مَعْناهُ، جازَ أنْ يَصِلَ إلَيْهِ بِغَيْرِ واسِطَةِ ”في“، فَيَجُوزُ جَلَسْتُ مَجْلِسَ زِيدٍ، وقَعَدْتُ مَجْلِسَ زِيدٍ، تُرِيدُ في مَجْلِسِ زِيدٍ، فَكَما يَتَعَدّى الفِعْلُ إلى المَصْدَرِ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ إذا كانَ بِمَعْناهُ، فَكَذَلِكَ إلى الظَّرْفِ. وقالَ الأخْفَشُ: مَعْناهُ عَلى كُلِّ مَرْصَدٍ، فَحُذِفَ وأُعْمِلَ الفِعْلُ، وحُذِفَ ”عَلى“، ووُصُولُ الفِعْلِ إلى مَجْرُورِها فَتَنْصِبُهُ، يَخُصُّهُ أصْحابُنا بِالشِّعْرِ، وأنْشَدُوا: ؎تَحِنُّ فَتُبْدِي ما بِها مِن صَبابَةٍ ∗∗∗ وأُخْفِي الَّذِي لَوْلا الأسى لَقَضانِي أيْ لَقَضى عَلَيَّ. ﴿فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهم إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ عَنِ الكُفْرِ والغَدْرِ. والتَّوْبَةُ تَتَضَمَّنُ الإيمانَ وتَرْكَ ما كانُوا فِيهِ مِنَ المَعاصِي، ثُمَّ نَبَّهَ عَلى أعْظَمِ الشَّعائِرِ الإسْلامِيَّةِ، وذَلِكَ إقامَةُ الصَّلاةِ وهي أفْضَلُ الأعْمالِ البَدَنِيَّةِ، وإيتاءُ الزَّكاةِ وهي أفْضَلُ الأعْمالِ المالِيَّةِ، وبِهِما تَظْهَرُ القُوَّةُ العَمَلِيَّةُ، كَما بِالتَّوْبَةِ تَظْهَرُ القُوَّةُ العِلْمِيَّةُ عَنِ الجَهْلِ. (فَخَلُّوا سَبِيلَهم)، كِنايَةٌ عَنِ الكَفِّ عَنْهم وإجْرائِهِمْ مَجْرى المُسْلِمِينَ في تَصَرُّفاتِهِمْ حَيْثُ ما شاءُوا، ولا تَتَعَرَّضُوا لَهم، كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎خَلِّ السَّبِيلَ لِمَن يُبْنى المَنارُ بِهِ أوْ يَكُونُ المَعْنى: فَأطْلِقُوهم مِنَ الأسْرِ والحَصْرِ، والظّاهِرُ الأوَّلُ؛ لِشُمُولِ الحُكْمِ لِمَن كانَ مَأْسُورًا وغَيْرَهُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: افْتُرِضَتِ الصَّلاةُ والزَّكاةُ جَمِيعًا، وأبى اللَّهُ أنْ لا تُقْبَلَ الصَّلاةُ إلّا بِالزَّكاةِ، وقالَ: يَرْحَمُ اللَّهُ أبا بَكْرٍ ما كانَ أفْقَهَهُ في قَوْلِهِ: ”لَأُقاتِلَنَّ مَن فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ“ . وناسَبَ ذِكْرُ وصْفِ الغُفْرانِ والرَّحْمَةِ مِنهُ تَعالى لِمَن تابَ عَنِ الكُفْرِ والتَزَمَ شَرائِعَ الإسْلامِ. قالَ الحافِظُ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: لا خِلافَ بَيْنِ المُسْلِمِينَ أنَّ مَن تَرَكَ (p-١١)الصَّلاةَ وسائِرَ الفَرائِضِ مُسْتَحِلًّا كَفَرَ، ودُفِنَ في مَقابِرِ الكُفّارِ، وكانَ مالُهُ فَيْئًا. ومَن تَرَكَ السُّنَنَ فَسَقَ، ومَن تَرَكَ النَّوافِلَ لَمْ يُحْرَجْ إلّا أنْ يَجْحَدَ فَضْلَها فَيَكْفُرُ؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ رادًّا عَلى النَّبِيِّ ﷺ ما جاءَ بِهِ وأخْبَرَ عَنْهُ انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ مَفْهُومَ الشَّرْطِ لا يَنْتَهِضُ أنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلى تَعْيِينِ قَتْلِ مَن تَرَكَ الصَّلاةَ والزَّكاةَ مُتَعَمِّدًا غَيْرَ مُسْتَحِلٍّ ومَعَ القُدْرَةِ؛ لِأنَّ انْتِفاءَ تَخْلِيَةِ السَّبِيلِ تَكُونُ بِالحَبْسِ وغَيْرِهِ، فَلا يَتَعَيَّنُ القَتْلُ. وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في ذَلِكَ، فَقالَ مَكْحُولٌ، ومالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وحَمّادُ بْنُ زَيْدٍ، ووَكِيعٌ، وأبُو ثَوْرٍ: يُقْتَلُ. وقالَ ابْنُ شِهابٍ، وأبُو حَنِيفَةَ، وداوُدُ: يُسْجَنُ ويُضْرَبُ، ولا يُقْتَلُ. وقالَ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ: يُقْتَلُ كُفْرًا، ومالُهُ مالُ مُرْتَدٍّ، وبِهِ قالَ إسْحاقُ. قالَ إسْحاقُ: وكَذَلِكَ كانَ رَأْيُ أهْلِ العِلْمِ مِن لَدُنِ النَّبِيِّ ﷺ إلى زَمانِنا. ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ قالَ الضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ: هي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ الأمْرِ بِقَتْلِ المُشْرِكِينَ. وقالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ: هي مُحْكَمَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: جاءَ رَجُلٌ إلى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ: إنْ أرادَ الرَّجُلُ مِنّا أنْ يَأْتِيَ مُحَمَّدًا بَعْدَ انْقِضاءِ هَذا الأجَلِ لِيَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ، أوْ يَأْتِيَهُ لِحاجَةِ قُتِلَ ؟ قالَ: لا؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ﴾ الآيَةَ انْتَهى. وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ إنَّما كانَ حُكْمُها مُدَّةَ الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ الَّتِي ضُرِبَتْ لَهم أجَلًا، والظّاهِرُ أنَّها مُحْكَمَةٌ. ولَمّا أمَرَ تَعالى بِقَتْلِ المُشْرِكِينَ حَيْثُ وُجِدُوا، وأخْذِهِمْ وحَصْرِهم، وطَلَبِ غِرَّتَهم، ذَكَرَ لَهم حالَةً لا يُقْتَلُونَ فِيها ولا يُؤْخَذُونَ ويُؤْسَرُونَ، وتِلْكَ إذا جاءَ واحِدٌ مِنهم مُسْتَرْشِدًا طالِبًا لِلْحُجَّةِ والدَّلالَةِ عَلى ما يَدْعُو إلَيْهِ مِنَ الدِّينِ. فالمَعْنى: ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ﴾؛ أيْ طَلَبَ مِنكَ أنْ تَكُونَ مُجِيرًا لَهُ، وذَلِكَ بَعْدَ انْسِلاخِ الأشْهُرِ لِيَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ وما تَضَمَّنَهُ مِنَ التَّوْحِيدِ، ويَقِفَ عَلى ما بُعِثْتَ بِهِ، فَكُنْ مُجِيرًا لَهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ويَتَدَبَّرَهُ، ويَطَّلِعَ عَلى حَقِيقَةِ الأمْرِ، ثُمَّ أبْلِغْهُ دارَهُ الَّتِي يَأْمَنُ فِيها إنْ لَمْ يُسْلِمْ، ثُمَّ قاتِلْهُ إنْ شِئْتَ مِن غَيْرِ غَدْرٍ ولا خِيانَةٍ. و(حَتّى) يَصِحَّ أنْ تَكُونَ لِلْغايَةِ أيْ: إلى أنْ يَسْمَعَ. ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ لِلتَّعْلِيلِ، وهي مُتَعَلِّقَةٌ في الحالَيْنِ بِأجِرْهُ. ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِن بابِ التَّنازُعِ، وإنْ كانَ يَصِحُّ مِن حَيْثُ المَعْنى أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِاسْتَجارَكَ أوْ بِفَأْجِرْهُ؛ وذَلِكَ لِمانِعٍ لَفْظِيٍّ وهو: أنَّهُ لَوْ أعْمَلَ الأوَّلَ لَأضْمَرَ في الثّانِي، و(حَتّى) لا تَجُرُّ المُضْمَرَ، فَلِذَلِكَ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِن بابِ التَّنازُعِ. لَكِنْ مَن ذَهَبَ مِنَ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّ (حَتّى) تَجُرُّ المُضْمَرَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عِنْدَهُ مِن بابِ التَّنازُعِ، وكَوْنُ (حَتّى) لا تَجُرُّ المُضْمَرَ هو مَذْهَبُ الجُمْهُورِ. ولَمّا كانَ القُرْآنُ أعْظَمَ المُعْجِزاتِ، عُلِّقُ السَّماعُ بِهِ، وذُكِرَ السَّماعُ؛ لِأنَّهُ الطَّرِيقُ إلى الفَهْمِ. وقَدْ يُرادُ بِالسَّماعِ الفَهْمُ، تَقُولُ لِمَن خاطَبْتَهُ فَلَمْ يَقْبَلْ مِنكَ: أنْتَ لَمْ تَسْمَعْ، تُرِيدُ لَمْ تَفْهَمْ. و(كَلامَ اللَّهِ) مِن بابِ إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ، لا مِن بابِ إضافَةِ المَخْلُوقِ إلى الخالِقِ، ومَأْمَنَهُ: مَكانُ أمْنِهِ. وقِيلَ: مَأْمَنُهُ مَصْدَرٌ؛ أيْ ثُمَّ أبْلِغْهُ أمْنَهُ. وقَدِ اسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ عَلى حُدُوثِ كَلامِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ لا يُسْمَعُ إلّا الحُرُوفُ والأصْواتُ، ومَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ حُدُوثُ ذَلِكَ، وهَذا مَذْكُورٌ في عِلْمِ الكَلامِ. وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ النَّظَرَ في التَّوْحِيدِ أعْلى المَقاماتِ؛ إذْ عُصِمَ دَمُ الكافِرِ المُهْدَرِ الدَّمِ بِطَلَبِهِ النَّظَرَ والِاسْتِدْلالَ، وأوْجَبَ عَلى الرَّسُولِ أنْ يُبْلِغَهُ مَأْمَنَهُ، وفِيها دَلالَةٌ عَلى أنَّ التَّقْلِيدَ غَيْرُ كافٍ في الدِّينِ؛ إذْ كانَ لا يُمْهَلُ، بَلْ يُقالُ لَهُ: إمّا أنْ تُسْلِمَ، وإمّا أنْ تُقْتَلَ. وفِيها دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ بَعْدَ سَماعِ كَلامِ اللَّهِ لا يُقَرُّ بِأرْضِ الإسْلامِ، بَلْ يُبْلَغُ مَأْمَنَهُ، وأنَّهُ يَجِبُ حِفْظُهُ وحَوْطَتُهُ مُدَّةً يَسْمَعُ فِيها كَلامَ اللَّهِ. والخِطابُ (p-١٢)بِقَوْلِهِ: (اسْتَجارَكَ) و(فَأجِرْهُ) يَدُلُّ عَلى أنَّ أمانَ السُّلْطانِ جائِزٌ، وأمّا غَيْرُهُ: فالحُرُّ يَمْضِي أمانُهُ، وقالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يَنْظُرُ الإمامُ فِيهِ. والعَبْدُ: قالَ الأوْزاعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ، وإسْحاقُ، ومُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ، وأبُو ثَوْرٍ، وداوُدَ: لَهُ الأمانُ، وهو مَشْهُورُ مَذْهَبِ مالِكٍ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا أمانَ لَهُ، وهو قَوْلٌ في مَذْهَبِ مالِكٍ. والحُرَّةُ لَها الأمانُ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقالَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ الماجِشُونِ: لا، إلّا أنْ يُجِيرَهُ الإمامُ، وقَوْلُهُ شاذٌّ. والصَّبِيُّ إذا أطاقَ القِتالَ جازَ أمانُهُ، ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾؛ أيْ ذَلِكَ الأمْرَ بِالإجارَةِ وإبْلاغِ المَأْمَنِ، بِسَبَبِ أنَّهم قَوْمٌ جَهَلَةٌ لا يَعْلَمُونَ ما الإسْلامُ ؟ وما حَقِيقَةُ ما تَدْعُو إلَيْهِ ؟ فَلا بُدَّ مِن إعْطائِهِمُ الأمانَ حَتّى يَسْمَعُوا ويَفْهَمُوا الحَقَّ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إشارَةٌ إلى هَذا اللُّطْفِ في الإجارَةِ والإسْماعِ وتَبْلِيغِ المَأْمَنِ، (لا يَعْلَمُونَ) نَفى عِلْمَهم بِمَراشِدِهِمْ في اتِّباعِ الرَّسُولِ ﷺ . ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ فَما اسْتَقامُوا لَكم فاسْتَقِيمُوا لَهم إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾؛ هَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَّعَجُّبُ والِاسْتِنْكارُ والِاسْتِبْعادُ. قالَ التَّبْرِيزِيُّ والكَرْمانِيُّ: مَعْناهُ النَّفْيُ؛ أيْ لا يَكُونُ لَهم عَهْدٌ وهم لَكم ضِدٌّ. ونَبَّهَ عَلى عِلَّةِ انْتِفاءِ العَهْدِ بِالوَصْفِ الَّذِي قامَ بِهِ وهو الإشْراكُ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: وفي الآيَةِ إضْمارٌ؛ أيْ كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ مَعَ إضْمارِ الغَدْرِ والنَّكْثِ ؟ انْتَهى. والِاسْتِفْهامُ يُرادُ بِهِ النَّفْيُ كَثِيرًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَها ذِي سُيُوفٌ يا هُدى بْنِ مالِكٍ ∗∗∗ كَثِيرٌ ولَكِنْ لَيْسَ بِالسَّيْفِ ضارِبٌ أيْ لَيْسَ بِالسَّيْفِ ضارِبٌ. ولَمّا كانَ الِاسْتِفْهامُ مَعْناهُ النَّفْيُ، صَلَحَ مَجِيءُ الِاسْتِثْناءِ وهو مُتَّصِلٌ، وقِيلَ: مُنْقَطِعٌ، أيْ لَكِنَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ. قالَ الحَوْفِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (الَّذِينَ) في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى البَدَلِ مِنَ المُشْرِكِينَ؛ لِأنَّ مَعْنى ما تَقَدَّمَ النَّفْيُ؛ أيْ: لَيْسَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ إلّا الَّذِينَ لَمْ يَنْكُثُوا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم قُرَيْشٌ، وقالَ السُّدِّيُّ: بَنُو جَذِيمَةَ بْنِ الدِّيلِ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: قَبائِلُ بَنِي بَكْرٍ كانُوا دَخَلُوا وقْتَ الحُدَيْبِيَةَ في المُدَّةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَ الرَّسُولِ ﷺ وقُرَيْشٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَبَنِي كِنانَةَ وبَنِي ضَمْرَةَ. وقالَ قَوْمٌ مِنهم مُجاهِدٌ: هم خُزاعَةُ ورُدَّ بِإسْلامِهِمْ عامَ الفَتْحِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هم قُرَيْشٌ نَزَلَتْ فَلَمْ يَسْتَقِيمُوا، فَنَزَلَ تَأْجِيلُهم أرْبَعَةَ أشْهُرٍ بَعْدَ ذَلِكَ. وضُعِّفَ هَذا القَوْلُ بِأنَّ قُرَيْشًا بَعْدَ الأذانِ بِأرْبَعَةِ أشْهُرٍ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ إلّا مُسْلِمٌ، وذَلِكَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ بِسَنَةٍ، وكَذَلِكَ خُزاعَةُ قالَهُ الطَّبَرِيُّ. ﴿فَما اسْتَقامُوا لَكُمْ﴾ عَلى العَهْدِ ﴿فاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ عَلى الوَفاءِ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ خَبَرُ يَكُونُ كَيْفَ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ [النمل: ٥١]، وأنْ يَكُونَ الخَبَرُ ﴿لِلْمُشْرِكِينَ﴾ . و(عِنْدَ) عَلى هَذَيْنِ ظَرْفٌ لِلْعَهْدِ، أوْ لِيَكُونَ، أوْ لِلْحالِ، أوْ هي وصْفٌ لِلْعَهْدِ. وأنْ يَكُونَ الخَبَرُ (عِنْدَ اللَّهِ)، و(لِلْمُشْرِكِينَ) تَبْيِينٌ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِيَكُونَ، وكَيْفَ حالٌ مِنَ العَهْدِ انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ، أيْ: اسْتَقِيمُوا لَهم مُدَّةَ اسْتِقامَتِهِمْ، ولَيْسَتْ شَرْطِيَّةً. وقالَ أبُو البَقاءِ: هي شَرْطِيَّةٌ كَقَوْلِهِ: ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ﴾ [فاطر: ٢] انْتَهى. فَكانَ التَّقْدِيرُ: ما اسْتَقامُوا لَكم مِن زَمانٍ فاسْتَقِيمُوا لَهم. وقالَ الحَوْفِيُّ: (ما) شَرْطٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ (اسْتَقامُوا)، و(لَكم) مُتَعَلِّقٌ بِاسْتَقامُوا، ﴿فاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ الفاءُ جَوابُ الشَّرْطِ انْتَهى. فَكانَ التَّقْدِيرُ: فَأيُّ وقْتٍ اسْتَقامُوا فِيهِ لَكم فاسْتَقِيمُوا لَهم. وإنَّما جَوَّزَ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً لِوُجُودِ الفاءِ في (فاسْتَقِيمُوا)؛ لِأنَّ المَصْدَرِيَّةَ الزَّمانِيَّةَ لا تَحْتاجُ إلى الفاءِ. وقَدْ أجازَ ابْنُ مالِكٍ في المَصْدَرِيَّةِ الزَّمانِيَّةِ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً وتَجْزِمَ، وأنْشَدَ عَلى ذَلِكَ ما يَدُلُّ ظاهِرُهُ عَلى صِحَّةِ دَعْواهُ. وقَدْ (p-١٣)ذَكَرْنا ذَلِكَ في كِتابِ التَّكْمِيلِ، وتَأوَّلْنا ما اسْتَشْهَدَ بِهِ. فَعَلى قَوْلِهِ تَكُونُ زَمانِيَّةً شَرْطِيَّةً. ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾، يَعْنِي أنَّ الوَفاءَ بِالعَهْدِ مِن أخْلاقِ المُتَّقِينَ، والتَّرَبُّصَ بِهَؤُلاءِ إنِ اسْتَقامُوا مِن أعْمالِ المُؤْمِنِينَ، والتَّقْوى تَتَضَمَّنُ الإيمانَ والوَفاءَ بِالعَهْدِ. ﴿كَيْفَ وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم لا يَرْقُبُوا فِيكم إلًّا ولا ذِمَّةً يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ وتَأْبى قُلُوبُهم وأكْثَرُهم فاسِقُونَ﴾ (كَيْفَ) تَأْكِيدٌ لِنَفْيِ ثَباتِهِمْ عَلى العَهْدِ. والظّاهِرُ أنَّ الفِعْلَ المَحْذُوفَ بَعْدَها هو مِن جِنْسِ أقْرَبِ مَذْكُورٍ لَها، وحُذِفَ لِلْعِلْمِ بِهِ في (كَيْفَ) السّابِقَةِ، والتَّقْدِيرُ: كَيْفَ يَكُونُ لَهم عَهْدٌ وحالُهم هَذِهِ ؟ وقَدْ جاءَ حَذْفُ الفِعْلِ بَعْدَ كَيْفَ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١]، وقالَ الشاعر: ؎وخَبَّرْتُمانِي أنَّما المَوْتُ بِالقُرى ∗∗∗ فَكَيْفَ وهاتا هَضْبَةٌ وكَثِيبُ أيْ: فَكَيْفَ ماتَ ولَيْسَ في قَرْيَةٍ ؟ وقالَ الحُطَيْئَةُ: ؎فَكَيْفَ ولَمْ أعْلَمْهم خَذَلُوكم ∗∗∗ عَلى مُعْظَمٍ وأنَّ أدِيمَكم قَدُّوا أيْ فَكَيْفَ تَلُومُونَنِي عَلى مَدْحِهِمْ ؟ واسْتَغْنى عَنْ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ جَرى في القَصِيدَةِ ما دَلَّ عَلى ما أُضْمِرَ. وقَدَّرَ أبُو البَقاءِ الفِعْلَ المَحْذُوفَ بَعْدَ كَيْفَ بِقَوْلِهِ: كَيْفَ تَطْمَئِنُّونَ إلَيْهِمْ ؟ وقَدَّرَهُ غَيْرُهُ: كَيْفَ لا يَقْتُلُونَهم ؟ والواوُ في ﴿وإنْ يَظْهَرُوا﴾ واوُ الحالِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى وُقُوعِ جُمْلَةِ الشَّرْطِ حالًا في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ [الأعراف: ١٦٩] ومَعْنى الظُّهُورِ العُلُوُّ والظَّفَرُ، تَقُولُ: ظَهَرْتُ عَلى فُلانٍ عَلَوْتُهُ. والمَعْنى: وإنْ يَقْدِرُوا عَلَيْكم ويَظْفَرُوا بِكم. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ﴿وإنْ يَظْهَرُوا﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. (لا يَرْقُبُوا): لا يَحْفَظُوا ولا يَرْعَوْا (إلًّا): عَهْدًا أوْ قَرابَةً أوْ حِلْفًا أوْ سِياسَةً أوِ اللَّهَ تَعالى، أوْ جُؤارًا؛ أيْ: رَفْعَ صَوْتٍ بِالتَّضَرُّعِ، أقْوالٌ. قالَ مُجاهِدٌ وأبُو مِجْلَزٍ: ”إلٌّ“ اسْمُ اللَّهِ بِالسُّرْيانِيَّةِ وعُرِّبَ. ومِن ذَلِكَ قَوْلُ أبِي بَكْرٍ حِينَ سَمِعَ كَلامَ مُسَيْلِمَةَ فَقالَ: هَذا كَلامٌ لَمْ يَخْرُجْ مِن إلٍّ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: ”ألًّا“ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وهو مَصْدَرٌ مِن فِعْلِ الألِّ الَّذِي هو العَهْدُ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ: إيلًا بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وياءٌ بَعْدَها، فَقِيلَ: هو اسْمُ اللَّهِ تَعالى. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ إلًى أُبْدِلَ مِن أحَدِ المُضاعَفَيْنِ ياءٌ، كَما قالُوا في: إمّا إيما، قالَ الشّاعِرُ: ؎يا لَيْتَما أُمُّنا شالَتْ نَعامَتُها ∗∗∗ إيما إلى الجَنَّةِ إيما إلى نارِ قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا مِن آلَ يَئُولُ إذا ساسَ، أُبْدِلَ مِنَ الواوِ ياءً؛ لِسُكُونِها وانْكِسارِ ما قَبْلَها؛ أيْ: لا يَرْقُبُونَ فِيكم سِياسَةً ولا مُداراةً ولا ذِمَّةً، مَن رَأى أنَّ الإلَّ هو العَهْدُ جَعَلَهُ والذِّمَّةَ لَفْظَيْنِ لِمَعْنًى واحِدٍ أوْ مُتَقارِبَيْنِ، ومَن رَأى أنَّ الإلَّ غَيْرُ العَهْدِ فَهُما لَفْظانِ مُتَبايِنانِ. ولَمّا ذَكَرَ حالَهم مَعَ المُؤْمِنِينَ إنْ ظَهَرُوا عَلَيْهِمْ ذَكَرَ حالَهم مَعَهم إذا كانُوا غَيْرَ ظاهِرِينَ، فَقالَ: ﴿يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ﴾ . واسْتَأْنَفَ هَذا الكَلامَ أيْ: حالُهم في الظّاهِرِ مُخالِفٌ لِباطِنِهِمْ، وهَذا كُلُّهُ تَقْرِيرٌ واسْتِبْعادٌ لِثَباتِ قُلُوبِهِمْ عَلى العَهْدِ، وإباءُ القَلْبِ مُخالَفَتُهُ لِما يَجْرِي عَلى اللِّسانِ مِنَ القَوْلِ الحَسَنِ. وقِيلَ: ﴿يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ﴾ في العِدَةِ بِالإيمانِ، وتَأْبى قُلُوبُهم إلّا الكُفْرَ. وقِيلَ: يُرْضُونَكم في الطّاعَةِ، وتَأْبى قُلُوبُهم إلّا المَعْصِيَةَ. والظّاهِرُ بَقاءُ الأكْثَرِ عَلى حَقِيقَتِهِ فَقِيلَ: (وأكْثَرُهم)؛ لِأنَّ مِنهم مَن قَضى اللَّهُ لَهُ بِالإيمانِ، وقِيلَ: لِأنَّ مِنهم مَن لَهُ حِفْظٌ لِمُراعاةِ الحالِ الحَسَنَةِ مِنَ التَّعَفُّفِ عَمّا يَثْلِمُ العِرْضَ، ويَجُرُّ أُحْدُوثَةَ السُّوءِ، وأكْثَرُهم خُبْثُ الأنْفُسِ خِرِيجُونَ في الشَّرِّ لا مُرُوءَةَ تَرْدَعُهم، ولا طِباعَ مَرْضِيَّةً تَزَعُهم، لا يَحْتَرِزُونَ عَنْ كَذِبٍ ولا مَكْرٍ ولا خَدِيعَةٍ، ومَن كانَ بِهَذا الوَصْفِ كانَ مَذْمُومًا عِنْدَ النّاسِ وفي جَمِيعِ الأدْيانِ. ألا تَرى إلى أهْلِ الجاهِلِيَّةِ وهم كُفّارٌ كَيْفَ يَمْدَحُونَ أنْفُسَهم بِالعَفافِ وبِالصِّدْقِ وبِالوَفاءِ بِالعَهْدِ وبِالأخْلاقِ الحَسَنَةِ. وقِيلَ: مَعْنى (وأكْثَرُهم) وكُلُّهم فاسِقُونَ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ والكَرْمانِيُّ.

التوبة 9:5

﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكم شَيْئًا ولَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكم أحَدًا فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾؛ قالَ قَوْمٌ: هَذا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، التَّقْدِيرُ: لَكِنَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ فَثَبَتُوا عَلى العَهْدِ أتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم، وقالَ قَوْمٌ مِنهُمُ الزَّجّاجُ: هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١]، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وجْهُهُ أنْ يَكُونَ مُسْتَثْنًى مِن قَوْلِهِ: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ﴾ [التوبة: ٢]؛ لِأنَّ الكَلامَ خِطابٌ لِلْمُسْلِمِينَ، ومَعْناهُ: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَقُولُوا لَهم: سِيحُوا، إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنهم، ثُمَّ لَمْ يَنْقُضُوا فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم. والِاسْتِثْناءُ بِمَعْنى الِاسْتِدْراكِ، كَأنَّهُ قِيلَ بَعْدَ أنْ أُمِرُوا في النّاكِثِينَ: ولَكِنَّ الَّذِينَ لَمْ يَنْكُثُوا فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم ولا تُجْرُوهم مَجْراهم، ولا تَجْعَلُوا الوَفِيَّ كالغادِرِ. وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، وقَبْلُهُ جُمْلَةٌ مَحْذُوفَةٌ تَقْدِيرُها: اقْتُلُوا المُشْرِكِينَ المُعاهَدِينَ إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ جِدًّا، والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا لِطُولِ الفَصْلِ بِجُمَلٍ كَثِيرَةٍ بَيْنَ ما يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مُسْتَثْنًى مِنهُ وبَيْنَهُ. قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: هم قَوْمٌ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ الرَّسُولِ عَهْدٌ لِمُدَّةٍ، فَأُمِرَ أنْ يَفِيَ لَهم. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَمّا قَرَأ عَلِيٌّ (بَراءَةٌ) قالَ لَبَنِي ضَمْرَةَ وحَيٍّ مِن كِنانَةَ وحَيٍّ مِن سُلَيْمٍ: إنَّ اللَّهَ قَدِ اسْتَثْناكم ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: إلى مُدَّتِهِمْ، يَكُونُ في المُدَّةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم وبَيْنَ الرَّسُولِ أُمِرُوا بِإتْمامِ العَهْدِ إلى تَمامِ المُدَّةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كانَ بَقِيَ لِحَيٍّ مِن كِنانَةَ تِسْعَةُ أشْهُرٍ، فَأُتِمَّ إلَيْهِمْ عَهْدُهم. وعَنْهُ أيْضًا: إلى مُدَّتِهِمْ؛ إلى الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ الَّتِي في الآيَةِ. وهَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ الِاسْتِثْناءُ لا يُفِيدُ تَجْدِيدَ حُكْمٍ؛ إذْ يَكُونُ حُكْمُ هَؤُلاءِ المُسْتَثْنَيْنَ حُكْمَ باقِي المُعاهَدِينَ الَّذِينَ لَمْ يَتَّصِفُوا بِما اتَّصَفَ بِهِ هَؤُلاءِ مِن عَدَمِ النَّقْصِ وعَدَمِ المُظاهَرَةِ. وقَرَأ عَطاءُ بْنُ السّائِبِ الكُوفِيُّ وعِكْرِمَةُ، وأبُو زَيْدٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: (يَنْقُضُوكم) بِالضّادِ مُعْجَمَةً وتُناسِبُ العَهْدَ، وهي بِمَعْنى قِراءَةِ الجُمْهُورِ؛ لِأنَّ مَن نَقَصَ مِنَ العَهْدِ فَقَدْ نَقَصَ مِنَ الأجَلِ المَضْرُوبِ. وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ ولَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَكم، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ؛ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ. وقالَ الكَرْمانِيُّ: هي بِالضّادِ أقْرَبُ إلى مَعْنى العَهْدِ، إلّا أنَّ القِراءَةَ بِالصّادِ أحْسَنُ لِيَقَعَ في مُقابَلَتِهِ التَّمامُ في قَوْلِهِ: (فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ)، والتَّمامُ ضِدُّ النَّقْصِ. وانْتَصَبَ شَيْئًا عَلى المَصْدَرِ، أيْ: لا قَلِيلًا مِنَ النَّقْصِ ولا كَثِيرًا. ﴿ولَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكم أحَدًا﴾ كَما (p-٩)فَعَلَتْ قُرَيْشٌ بِبَنِي بَكْرٍ حِينَ أعانُوهم بِالسِّلاحِ عَلى خُزاعَةَ. وتَعَدّى (أتَوْا) بِإلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى (فَأدُّوا)؛ أيْ: فَأدُّوهُ تامًّا كامِلًا. وقَوْلُ قَتادَةَ: إنَّ المُسْتَثْنَيْنَ هم قُرَيْشٌ عُوهِدُوا زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ مَرْدُودٌ بِإسْلامِ قُرَيْشٍ في الفَتْحِ قَبْلَ الإذْنِ بِهَذا كُلِّهِ. وقَوْلُهُ: ﴿يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الوَفاءَ بِالعَهْدِ مِنَ التَّقْوى، وأنَّ مِنَ التَّقْوى أنْ لا يُسَوّى بَيْنَ القَبِيلَتَيْنِ. ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهم وخُذُوهم واحْصُرُوهم واقْعُدُوا لَهم كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى (انْسَلَخَ) في قَوْلِهِ: (فانْسَلَخَ) . وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: يُقالُ: أهْلَلْنا هِلالَ شَهْرِ كَذا أيْ دَخَلْنا فِيهِ ولَبِسْناهُ، فَنَحْنُ نَزْدادُ كُلَّ لَيْلَةٍ إلى مُضِيِّ نِصْفِهِ لِباسًا مِنهُ، ثُمَّ نَسْلَخُهُ عَنْ أنْفُسِنا بَعْدَ تَكامُلِ النِّصْفِ مِنهُ جُزْءًا حَتّى نَسْلَخَهُ عَنْ أنْفُسِنا كُلَّهُ، فَيَنْسَلِخُ. وأنْشَدَ: ؎إذا ما سَلَخْتَ الشَّهْرَ أهْلَلْتَ مِثْلَهُ كَفى قاتِلًا سَلْخُ الشُّهُورِ وإهْلالُ والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الأشْهُرَ هي الَّتِي أُبِيحَ لِلنّاكِثِينَ أنْ يَسِيحُوا فِيها، ووُصِفَتْ بِالحُرُمِ لِأنَّها مُحَرَّمٌ فِيها القِتالُ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الخِلافِ في ابْتِدائِها وانْتِهائِها. وإذا تَقَدَّمَتِ النَّكِرَةُ وذُكِرَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فالوَجْهُ أنْ تُذْكَرَ بِالضَّمِيرِ نَحْوُ: لَقِيتُ رَجُلًا فَضَرَبْتُهُ. ويَجُوزُ أنْ يُعادَ اللَّفْظُ مُعَرَّفًا بِـ ”ألْ“ نَحْوُ: لَقِيتُ رَجُلًا فَضَرَبْتُ الرَّجُلَ، ولا يَجُوزُ أنْ يُوصَفَ بِوَصْفٍ يُشْعِرُ بِالمُغايَرَةِ، لَوْ قُلْتُ: لَقِيتُ رَجُلًا فَضَرَبْتُ الرَّجُلَ الأزْرَقَ وأنْتَ تُرِيدُ الرَّجُلَ الَّذِي لَقِيتَهُ لَمْ يَجُزْ، بَلْ يَنْصَرِفُ ذَلِكَ إلى غَيْرِهِ، ويَكُونُ المَضْرُوبُ غَيْرَ المُلْقى. فَإنْ وصَفْتَهُ بِوَصْفٍ لا يُشْعِرُ بِالمُغايَرَةِ جازَ نَحْوُ: لَقِيتُ رَجُلًا فَضَرَبْتَ الرَّجُلَ المَذْكُورَ. وهُنا جاءَ الأشْهُرُ الحُرُمُ؛ لِأنَّ هَذا الوَصْفَ مَفْهُومٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢]؛ إذِ التَّقْدِيرُ: أرْبَعَةَ أشْهُرٍ حُرُمٌ، لا يُتَعَرَّضُ إلَيْكم فِيها، فَلَيْسَ الحُرُمُ وصْفًا مُشْعِرًا بِالمُغايَرَةِ. وقِيلَ: الأشْهُرُ الحُرُمُ هي غَيْرُ هَذِهِ الأرْبَعَةِ، وهي الأشْهُرُ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ فِيها القِتالَ مُنْذُ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ، وهي الَّتِي جاءَ في الحَدِيثِ فِيها: «”إنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ؛ السَّنَةُ اثْنا عَشَرَ شَهْرا مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ: ذُو القَعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ، ورَجَبٌ“» فَتَكُونُ الأرْبَعَةُ مِن سَنَتَيْنِ. وقِيلَ: أوَّلُها المُحَرَّمُ، فَتَكُونُ مِن سَنَةٍ. وجاءَ الأمْرُ بِالقَتْلِ عَلى سَبِيلِ التَّشْجِيعِ وتَقْوِيَةِ النَّفْسِ، وأنَّهم لا مَنَعَةَ عِنْدَهم مِن أنْ يُقْتَلُوا. وفي إطْلاقِ الأمْرِ بِالقَتْلِ دَلِيلٌ عَلى قَتْلِهِمْ بِأيِّ وجْهٍ كانَ، وقَدْ قَتَلَ أبُو بَكْرٍ أصْحابَ الرِّدَّةِ بِالإحْراقِ بِالنّارِ، وبِالحِجارَةِ، وبِالرَّمْيِ مِن رُءُوسِ الجِبالِ، والتَّنْكِيسِ في الآبارِ. وتَعَلَّقَ بِعُمُومِ (p-١٠)هَذِهِ الآيَةِ، وأحْرَقَ عَلِيٌّ قَوْمًا مِن أهْلِ الرِّدَّةِ، وقَدْ ورَدَتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِالنَّهْيِ عَنِ المُثْلَةِ. ولَفْظُ (المُشْرِكِينَ) عامٌّ في كُلِّ مُشْرِكٍ، وجاءَتِ السُّنَّةُ بِاسْتِثْناءِ الأطْفالِ والرُّهْبانِ والشُّيُوخِ الَّذِينَ لَيْسُوا ذَوِي رَأْيٍ في الحَرْبِ، ومَن قاتَلَ مِن هَؤُلاءِ قُتِلَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي الَّذِينَ نَقَصُوكم وظاهَرُوا عَلَيْكم. ولَفْظُ: (حَيْثُ وجَدْتُمُوهم) عامٌّ في الأماكِنِ مِن حِلٍّ وحَرَمٍ. (وخُذُوهم) عِبارَةٌ عَنِ الأسْرِ، والأخِيذُ الأسِيرُ. ويَدُلُّ عَلى جَوازِ أسْرِهِمْ: (واحْصُرُوهم)؛ قَيِّدُوهم وامْنَعُوهم مِنَ التَّصَرُّفِ في البِلادِ، وقِيلَ: اسْتَرِقُّوهم، وقِيلَ: مَعْناهُ: حاصِرُوهم إنْ تَحَصَّنُوا. وقُرِئَ: (فَحاصِرُوهم) شاذًّا، وهَذا القَوْلُ يُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَنْهُ أيْضًا: حُولُوا بَيْنَهم وبَيْنَ المَسْجِدِ الحَرامِ، وقِيلَ: امْنَعُوهم عَنْ دُخُولِ بِلادِ الإسْلامِ والتَّصَرُّفِ فِيها إلّا بِإذْنٍ. قالَ القُرْطُبِيُّ في قَوْلِهِ: ﴿واقْعُدُوا لَهم كُلَّ مَرْصَدٍ﴾: دَلالَةٌ عَلى جَوازِ اغْتِيالِهِمْ قَبْلَ الدَّعْوَةِ؛ لِأنَّ المَعْنى اقْعُدُوا لَهم مَواضِعَ الغِرَّةِ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المَقْصُودَ إيصالُ الأذى إلَيْهِمْ بِكُلِّ طَرِيقٍ: إمّا بِطْرِيقِ القِتالِ، وإمّا بِطَرِيقِ الِاغْتِيالِ. وقَدْ أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى جَوازِ السَّرِقَةِ مِن أمْوالِ أهْلِ الحَرْبِ، وإسْلالِ خَيْلِهِمْ، وإتْلافِ مَواشِيهِمْ إذا عُجِزَ عَنِ الخُرُوجِ بِها إلى دارِ الإسْلامِ، إلّا أنْ يُصالِحُوا عَلى مِثْلِ ذَلِكَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (كُلَّ مَرْصَدٍ) كُلَّ مَمَرٍّ ومُجْتازٍ تَرْصُدُونَهم فِيهِ، وانْتِصابُهَ عَلى الظَّرْفِ كَقَوْلِهِ: ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦] انْتَهى. وهَذا الَّذِي قالَهُ الزَّجّاجُ، قالَ: (كُلَّ مَرْصَدٍ) ظَرْفٌ، كَقَوْلِكَ: ذَهَبْتُ مَذْهَبًا، ورَدَّهُ أبُو عَلِيٍّ؛ لِأنَّ المَرْصَدَ المَكانُ الَّذِي يُرْصَدُ فِيهِ العَدُوُّ، فَهو مَكانٌ مَخْصُوصٌ لا يُحْذَفُ الحَرْفُ مِنهُ إلّا سَماعًا كَما حَكى سِيبَوَيْهِ: دَخَلْتُ البَيْتَ، وكَما عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ انْتَهى. وأقُولُ: يَصِحُّ انْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (واقْعُدُوا لَهم) لَيْسَ مَعْناهُ حَقِيقَةَ القُعُودِ، بَلِ المَعْنى ارْصُدُوهم في كُلِّ مَكانٍ يُرْصَدُ فِيهِ، ولَمّا كانَ بِهَذا المَعْنى جازَ قِياسًا أنْ يُحْذَفَ مِنهُ في كَما قالَ: وقَدْ قَعَدُوا أنْفاقَها كُلَّ مَقْعَدٍ. فَمَتى كانَ العامِلُ في الظَّرْفِ المُخْتَصِّ عامِلًا مِن لَفْظِهِ أوْ مِن مَعْناهُ، جازَ أنْ يَصِلَ إلَيْهِ بِغَيْرِ واسِطَةِ ”في“، فَيَجُوزُ جَلَسْتُ مَجْلِسَ زِيدٍ، وقَعَدْتُ مَجْلِسَ زِيدٍ، تُرِيدُ في مَجْلِسِ زِيدٍ، فَكَما يَتَعَدّى الفِعْلُ إلى المَصْدَرِ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ إذا كانَ بِمَعْناهُ، فَكَذَلِكَ إلى الظَّرْفِ. وقالَ الأخْفَشُ: مَعْناهُ عَلى كُلِّ مَرْصَدٍ، فَحُذِفَ وأُعْمِلَ الفِعْلُ، وحُذِفَ ”عَلى“، ووُصُولُ الفِعْلِ إلى مَجْرُورِها فَتَنْصِبُهُ، يَخُصُّهُ أصْحابُنا بِالشِّعْرِ، وأنْشَدُوا: ؎تَحِنُّ فَتُبْدِي ما بِها مِن صَبابَةٍ ∗∗∗ وأُخْفِي الَّذِي لَوْلا الأسى لَقَضانِي أيْ لَقَضى عَلَيَّ. ﴿فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهم إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ عَنِ الكُفْرِ والغَدْرِ. والتَّوْبَةُ تَتَضَمَّنُ الإيمانَ وتَرْكَ ما كانُوا فِيهِ مِنَ المَعاصِي، ثُمَّ نَبَّهَ عَلى أعْظَمِ الشَّعائِرِ الإسْلامِيَّةِ، وذَلِكَ إقامَةُ الصَّلاةِ وهي أفْضَلُ الأعْمالِ البَدَنِيَّةِ، وإيتاءُ الزَّكاةِ وهي أفْضَلُ الأعْمالِ المالِيَّةِ، وبِهِما تَظْهَرُ القُوَّةُ العَمَلِيَّةُ، كَما بِالتَّوْبَةِ تَظْهَرُ القُوَّةُ العِلْمِيَّةُ عَنِ الجَهْلِ. (فَخَلُّوا سَبِيلَهم)، كِنايَةٌ عَنِ الكَفِّ عَنْهم وإجْرائِهِمْ مَجْرى المُسْلِمِينَ في تَصَرُّفاتِهِمْ حَيْثُ ما شاءُوا، ولا تَتَعَرَّضُوا لَهم، كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎خَلِّ السَّبِيلَ لِمَن يُبْنى المَنارُ بِهِ أوْ يَكُونُ المَعْنى: فَأطْلِقُوهم مِنَ الأسْرِ والحَصْرِ، والظّاهِرُ الأوَّلُ؛ لِشُمُولِ الحُكْمِ لِمَن كانَ مَأْسُورًا وغَيْرَهُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: افْتُرِضَتِ الصَّلاةُ والزَّكاةُ جَمِيعًا، وأبى اللَّهُ أنْ لا تُقْبَلَ الصَّلاةُ إلّا بِالزَّكاةِ، وقالَ: يَرْحَمُ اللَّهُ أبا بَكْرٍ ما كانَ أفْقَهَهُ في قَوْلِهِ: ”لَأُقاتِلَنَّ مَن فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ“ . وناسَبَ ذِكْرُ وصْفِ الغُفْرانِ والرَّحْمَةِ مِنهُ تَعالى لِمَن تابَ عَنِ الكُفْرِ والتَزَمَ شَرائِعَ الإسْلامِ. قالَ الحافِظُ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: لا خِلافَ بَيْنِ المُسْلِمِينَ أنَّ مَن تَرَكَ (p-١١)الصَّلاةَ وسائِرَ الفَرائِضِ مُسْتَحِلًّا كَفَرَ، ودُفِنَ في مَقابِرِ الكُفّارِ، وكانَ مالُهُ فَيْئًا. ومَن تَرَكَ السُّنَنَ فَسَقَ، ومَن تَرَكَ النَّوافِلَ لَمْ يُحْرَجْ إلّا أنْ يَجْحَدَ فَضْلَها فَيَكْفُرُ؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ رادًّا عَلى النَّبِيِّ ﷺ ما جاءَ بِهِ وأخْبَرَ عَنْهُ انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ مَفْهُومَ الشَّرْطِ لا يَنْتَهِضُ أنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلى تَعْيِينِ قَتْلِ مَن تَرَكَ الصَّلاةَ والزَّكاةَ مُتَعَمِّدًا غَيْرَ مُسْتَحِلٍّ ومَعَ القُدْرَةِ؛ لِأنَّ انْتِفاءَ تَخْلِيَةِ السَّبِيلِ تَكُونُ بِالحَبْسِ وغَيْرِهِ، فَلا يَتَعَيَّنُ القَتْلُ. وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في ذَلِكَ، فَقالَ مَكْحُولٌ، ومالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وحَمّادُ بْنُ زَيْدٍ، ووَكِيعٌ، وأبُو ثَوْرٍ: يُقْتَلُ. وقالَ ابْنُ شِهابٍ، وأبُو حَنِيفَةَ، وداوُدُ: يُسْجَنُ ويُضْرَبُ، ولا يُقْتَلُ. وقالَ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ: يُقْتَلُ كُفْرًا، ومالُهُ مالُ مُرْتَدٍّ، وبِهِ قالَ إسْحاقُ. قالَ إسْحاقُ: وكَذَلِكَ كانَ رَأْيُ أهْلِ العِلْمِ مِن لَدُنِ النَّبِيِّ ﷺ إلى زَمانِنا. ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ قالَ الضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ: هي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ الأمْرِ بِقَتْلِ المُشْرِكِينَ. وقالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ: هي مُحْكَمَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: جاءَ رَجُلٌ إلى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ: إنْ أرادَ الرَّجُلُ مِنّا أنْ يَأْتِيَ مُحَمَّدًا بَعْدَ انْقِضاءِ هَذا الأجَلِ لِيَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ، أوْ يَأْتِيَهُ لِحاجَةِ قُتِلَ ؟ قالَ: لا؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ﴾ الآيَةَ انْتَهى. وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ إنَّما كانَ حُكْمُها مُدَّةَ الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ الَّتِي ضُرِبَتْ لَهم أجَلًا، والظّاهِرُ أنَّها مُحْكَمَةٌ. ولَمّا أمَرَ تَعالى بِقَتْلِ المُشْرِكِينَ حَيْثُ وُجِدُوا، وأخْذِهِمْ وحَصْرِهم، وطَلَبِ غِرَّتَهم، ذَكَرَ لَهم حالَةً لا يُقْتَلُونَ فِيها ولا يُؤْخَذُونَ ويُؤْسَرُونَ، وتِلْكَ إذا جاءَ واحِدٌ مِنهم مُسْتَرْشِدًا طالِبًا لِلْحُجَّةِ والدَّلالَةِ عَلى ما يَدْعُو إلَيْهِ مِنَ الدِّينِ. فالمَعْنى: ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ﴾؛ أيْ طَلَبَ مِنكَ أنْ تَكُونَ مُجِيرًا لَهُ، وذَلِكَ بَعْدَ انْسِلاخِ الأشْهُرِ لِيَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ وما تَضَمَّنَهُ مِنَ التَّوْحِيدِ، ويَقِفَ عَلى ما بُعِثْتَ بِهِ، فَكُنْ مُجِيرًا لَهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ويَتَدَبَّرَهُ، ويَطَّلِعَ عَلى حَقِيقَةِ الأمْرِ، ثُمَّ أبْلِغْهُ دارَهُ الَّتِي يَأْمَنُ فِيها إنْ لَمْ يُسْلِمْ، ثُمَّ قاتِلْهُ إنْ شِئْتَ مِن غَيْرِ غَدْرٍ ولا خِيانَةٍ. و(حَتّى) يَصِحَّ أنْ تَكُونَ لِلْغايَةِ أيْ: إلى أنْ يَسْمَعَ. ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ لِلتَّعْلِيلِ، وهي مُتَعَلِّقَةٌ في الحالَيْنِ بِأجِرْهُ. ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِن بابِ التَّنازُعِ، وإنْ كانَ يَصِحُّ مِن حَيْثُ المَعْنى أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِاسْتَجارَكَ أوْ بِفَأْجِرْهُ؛ وذَلِكَ لِمانِعٍ لَفْظِيٍّ وهو: أنَّهُ لَوْ أعْمَلَ الأوَّلَ لَأضْمَرَ في الثّانِي، و(حَتّى) لا تَجُرُّ المُضْمَرَ، فَلِذَلِكَ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِن بابِ التَّنازُعِ. لَكِنْ مَن ذَهَبَ مِنَ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّ (حَتّى) تَجُرُّ المُضْمَرَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عِنْدَهُ مِن بابِ التَّنازُعِ، وكَوْنُ (حَتّى) لا تَجُرُّ المُضْمَرَ هو مَذْهَبُ الجُمْهُورِ. ولَمّا كانَ القُرْآنُ أعْظَمَ المُعْجِزاتِ، عُلِّقُ السَّماعُ بِهِ، وذُكِرَ السَّماعُ؛ لِأنَّهُ الطَّرِيقُ إلى الفَهْمِ. وقَدْ يُرادُ بِالسَّماعِ الفَهْمُ، تَقُولُ لِمَن خاطَبْتَهُ فَلَمْ يَقْبَلْ مِنكَ: أنْتَ لَمْ تَسْمَعْ، تُرِيدُ لَمْ تَفْهَمْ. و(كَلامَ اللَّهِ) مِن بابِ إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ، لا مِن بابِ إضافَةِ المَخْلُوقِ إلى الخالِقِ، ومَأْمَنَهُ: مَكانُ أمْنِهِ. وقِيلَ: مَأْمَنُهُ مَصْدَرٌ؛ أيْ ثُمَّ أبْلِغْهُ أمْنَهُ. وقَدِ اسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ عَلى حُدُوثِ كَلامِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ لا يُسْمَعُ إلّا الحُرُوفُ والأصْواتُ، ومَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ حُدُوثُ ذَلِكَ، وهَذا مَذْكُورٌ في عِلْمِ الكَلامِ. وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ النَّظَرَ في التَّوْحِيدِ أعْلى المَقاماتِ؛ إذْ عُصِمَ دَمُ الكافِرِ المُهْدَرِ الدَّمِ بِطَلَبِهِ النَّظَرَ والِاسْتِدْلالَ، وأوْجَبَ عَلى الرَّسُولِ أنْ يُبْلِغَهُ مَأْمَنَهُ، وفِيها دَلالَةٌ عَلى أنَّ التَّقْلِيدَ غَيْرُ كافٍ في الدِّينِ؛ إذْ كانَ لا يُمْهَلُ، بَلْ يُقالُ لَهُ: إمّا أنْ تُسْلِمَ، وإمّا أنْ تُقْتَلَ. وفِيها دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ بَعْدَ سَماعِ كَلامِ اللَّهِ لا يُقَرُّ بِأرْضِ الإسْلامِ، بَلْ يُبْلَغُ مَأْمَنَهُ، وأنَّهُ يَجِبُ حِفْظُهُ وحَوْطَتُهُ مُدَّةً يَسْمَعُ فِيها كَلامَ اللَّهِ. والخِطابُ (p-١٢)بِقَوْلِهِ: (اسْتَجارَكَ) و(فَأجِرْهُ) يَدُلُّ عَلى أنَّ أمانَ السُّلْطانِ جائِزٌ، وأمّا غَيْرُهُ: فالحُرُّ يَمْضِي أمانُهُ، وقالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يَنْظُرُ الإمامُ فِيهِ. والعَبْدُ: قالَ الأوْزاعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ، وإسْحاقُ، ومُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ، وأبُو ثَوْرٍ، وداوُدَ: لَهُ الأمانُ، وهو مَشْهُورُ مَذْهَبِ مالِكٍ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا أمانَ لَهُ، وهو قَوْلٌ في مَذْهَبِ مالِكٍ. والحُرَّةُ لَها الأمانُ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقالَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ الماجِشُونِ: لا، إلّا أنْ يُجِيرَهُ الإمامُ، وقَوْلُهُ شاذٌّ. والصَّبِيُّ إذا أطاقَ القِتالَ جازَ أمانُهُ، ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾؛ أيْ ذَلِكَ الأمْرَ بِالإجارَةِ وإبْلاغِ المَأْمَنِ، بِسَبَبِ أنَّهم قَوْمٌ جَهَلَةٌ لا يَعْلَمُونَ ما الإسْلامُ ؟ وما حَقِيقَةُ ما تَدْعُو إلَيْهِ ؟ فَلا بُدَّ مِن إعْطائِهِمُ الأمانَ حَتّى يَسْمَعُوا ويَفْهَمُوا الحَقَّ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إشارَةٌ إلى هَذا اللُّطْفِ في الإجارَةِ والإسْماعِ وتَبْلِيغِ المَأْمَنِ، (لا يَعْلَمُونَ) نَفى عِلْمَهم بِمَراشِدِهِمْ في اتِّباعِ الرَّسُولِ ﷺ . ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ فَما اسْتَقامُوا لَكم فاسْتَقِيمُوا لَهم إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾؛ هَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَّعَجُّبُ والِاسْتِنْكارُ والِاسْتِبْعادُ. قالَ التَّبْرِيزِيُّ والكَرْمانِيُّ: مَعْناهُ النَّفْيُ؛ أيْ لا يَكُونُ لَهم عَهْدٌ وهم لَكم ضِدٌّ. ونَبَّهَ عَلى عِلَّةِ انْتِفاءِ العَهْدِ بِالوَصْفِ الَّذِي قامَ بِهِ وهو الإشْراكُ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: وفي الآيَةِ إضْمارٌ؛ أيْ كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ مَعَ إضْمارِ الغَدْرِ والنَّكْثِ ؟ انْتَهى. والِاسْتِفْهامُ يُرادُ بِهِ النَّفْيُ كَثِيرًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَها ذِي سُيُوفٌ يا هُدى بْنِ مالِكٍ ∗∗∗ كَثِيرٌ ولَكِنْ لَيْسَ بِالسَّيْفِ ضارِبٌ أيْ لَيْسَ بِالسَّيْفِ ضارِبٌ. ولَمّا كانَ الِاسْتِفْهامُ مَعْناهُ النَّفْيُ، صَلَحَ مَجِيءُ الِاسْتِثْناءِ وهو مُتَّصِلٌ، وقِيلَ: مُنْقَطِعٌ، أيْ لَكِنَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ. قالَ الحَوْفِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (الَّذِينَ) في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى البَدَلِ مِنَ المُشْرِكِينَ؛ لِأنَّ مَعْنى ما تَقَدَّمَ النَّفْيُ؛ أيْ: لَيْسَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ إلّا الَّذِينَ لَمْ يَنْكُثُوا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم قُرَيْشٌ، وقالَ السُّدِّيُّ: بَنُو جَذِيمَةَ بْنِ الدِّيلِ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: قَبائِلُ بَنِي بَكْرٍ كانُوا دَخَلُوا وقْتَ الحُدَيْبِيَةَ في المُدَّةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَ الرَّسُولِ ﷺ وقُرَيْشٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَبَنِي كِنانَةَ وبَنِي ضَمْرَةَ. وقالَ قَوْمٌ مِنهم مُجاهِدٌ: هم خُزاعَةُ ورُدَّ بِإسْلامِهِمْ عامَ الفَتْحِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هم قُرَيْشٌ نَزَلَتْ فَلَمْ يَسْتَقِيمُوا، فَنَزَلَ تَأْجِيلُهم أرْبَعَةَ أشْهُرٍ بَعْدَ ذَلِكَ. وضُعِّفَ هَذا القَوْلُ بِأنَّ قُرَيْشًا بَعْدَ الأذانِ بِأرْبَعَةِ أشْهُرٍ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ إلّا مُسْلِمٌ، وذَلِكَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ بِسَنَةٍ، وكَذَلِكَ خُزاعَةُ قالَهُ الطَّبَرِيُّ. ﴿فَما اسْتَقامُوا لَكُمْ﴾ عَلى العَهْدِ ﴿فاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ عَلى الوَفاءِ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ خَبَرُ يَكُونُ كَيْفَ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ [النمل: ٥١]، وأنْ يَكُونَ الخَبَرُ ﴿لِلْمُشْرِكِينَ﴾ . و(عِنْدَ) عَلى هَذَيْنِ ظَرْفٌ لِلْعَهْدِ، أوْ لِيَكُونَ، أوْ لِلْحالِ، أوْ هي وصْفٌ لِلْعَهْدِ. وأنْ يَكُونَ الخَبَرُ (عِنْدَ اللَّهِ)، و(لِلْمُشْرِكِينَ) تَبْيِينٌ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِيَكُونَ، وكَيْفَ حالٌ مِنَ العَهْدِ انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ، أيْ: اسْتَقِيمُوا لَهم مُدَّةَ اسْتِقامَتِهِمْ، ولَيْسَتْ شَرْطِيَّةً. وقالَ أبُو البَقاءِ: هي شَرْطِيَّةٌ كَقَوْلِهِ: ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ﴾ [فاطر: ٢] انْتَهى. فَكانَ التَّقْدِيرُ: ما اسْتَقامُوا لَكم مِن زَمانٍ فاسْتَقِيمُوا لَهم. وقالَ الحَوْفِيُّ: (ما) شَرْطٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ (اسْتَقامُوا)، و(لَكم) مُتَعَلِّقٌ بِاسْتَقامُوا، ﴿فاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ الفاءُ جَوابُ الشَّرْطِ انْتَهى. فَكانَ التَّقْدِيرُ: فَأيُّ وقْتٍ اسْتَقامُوا فِيهِ لَكم فاسْتَقِيمُوا لَهم. وإنَّما جَوَّزَ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً لِوُجُودِ الفاءِ في (فاسْتَقِيمُوا)؛ لِأنَّ المَصْدَرِيَّةَ الزَّمانِيَّةَ لا تَحْتاجُ إلى الفاءِ. وقَدْ أجازَ ابْنُ مالِكٍ في المَصْدَرِيَّةِ الزَّمانِيَّةِ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً وتَجْزِمَ، وأنْشَدَ عَلى ذَلِكَ ما يَدُلُّ ظاهِرُهُ عَلى صِحَّةِ دَعْواهُ. وقَدْ (p-١٣)ذَكَرْنا ذَلِكَ في كِتابِ التَّكْمِيلِ، وتَأوَّلْنا ما اسْتَشْهَدَ بِهِ. فَعَلى قَوْلِهِ تَكُونُ زَمانِيَّةً شَرْطِيَّةً. ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾، يَعْنِي أنَّ الوَفاءَ بِالعَهْدِ مِن أخْلاقِ المُتَّقِينَ، والتَّرَبُّصَ بِهَؤُلاءِ إنِ اسْتَقامُوا مِن أعْمالِ المُؤْمِنِينَ، والتَّقْوى تَتَضَمَّنُ الإيمانَ والوَفاءَ بِالعَهْدِ. ﴿كَيْفَ وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم لا يَرْقُبُوا فِيكم إلًّا ولا ذِمَّةً يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ وتَأْبى قُلُوبُهم وأكْثَرُهم فاسِقُونَ﴾ (كَيْفَ) تَأْكِيدٌ لِنَفْيِ ثَباتِهِمْ عَلى العَهْدِ. والظّاهِرُ أنَّ الفِعْلَ المَحْذُوفَ بَعْدَها هو مِن جِنْسِ أقْرَبِ مَذْكُورٍ لَها، وحُذِفَ لِلْعِلْمِ بِهِ في (كَيْفَ) السّابِقَةِ، والتَّقْدِيرُ: كَيْفَ يَكُونُ لَهم عَهْدٌ وحالُهم هَذِهِ ؟ وقَدْ جاءَ حَذْفُ الفِعْلِ بَعْدَ كَيْفَ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١]، وقالَ الشاعر: ؎وخَبَّرْتُمانِي أنَّما المَوْتُ بِالقُرى ∗∗∗ فَكَيْفَ وهاتا هَضْبَةٌ وكَثِيبُ أيْ: فَكَيْفَ ماتَ ولَيْسَ في قَرْيَةٍ ؟ وقالَ الحُطَيْئَةُ: ؎فَكَيْفَ ولَمْ أعْلَمْهم خَذَلُوكم ∗∗∗ عَلى مُعْظَمٍ وأنَّ أدِيمَكم قَدُّوا أيْ فَكَيْفَ تَلُومُونَنِي عَلى مَدْحِهِمْ ؟ واسْتَغْنى عَنْ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ جَرى في القَصِيدَةِ ما دَلَّ عَلى ما أُضْمِرَ. وقَدَّرَ أبُو البَقاءِ الفِعْلَ المَحْذُوفَ بَعْدَ كَيْفَ بِقَوْلِهِ: كَيْفَ تَطْمَئِنُّونَ إلَيْهِمْ ؟ وقَدَّرَهُ غَيْرُهُ: كَيْفَ لا يَقْتُلُونَهم ؟ والواوُ في ﴿وإنْ يَظْهَرُوا﴾ واوُ الحالِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى وُقُوعِ جُمْلَةِ الشَّرْطِ حالًا في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ [الأعراف: ١٦٩] ومَعْنى الظُّهُورِ العُلُوُّ والظَّفَرُ، تَقُولُ: ظَهَرْتُ عَلى فُلانٍ عَلَوْتُهُ. والمَعْنى: وإنْ يَقْدِرُوا عَلَيْكم ويَظْفَرُوا بِكم. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ﴿وإنْ يَظْهَرُوا﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. (لا يَرْقُبُوا): لا يَحْفَظُوا ولا يَرْعَوْا (إلًّا): عَهْدًا أوْ قَرابَةً أوْ حِلْفًا أوْ سِياسَةً أوِ اللَّهَ تَعالى، أوْ جُؤارًا؛ أيْ: رَفْعَ صَوْتٍ بِالتَّضَرُّعِ، أقْوالٌ. قالَ مُجاهِدٌ وأبُو مِجْلَزٍ: ”إلٌّ“ اسْمُ اللَّهِ بِالسُّرْيانِيَّةِ وعُرِّبَ. ومِن ذَلِكَ قَوْلُ أبِي بَكْرٍ حِينَ سَمِعَ كَلامَ مُسَيْلِمَةَ فَقالَ: هَذا كَلامٌ لَمْ يَخْرُجْ مِن إلٍّ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: ”ألًّا“ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وهو مَصْدَرٌ مِن فِعْلِ الألِّ الَّذِي هو العَهْدُ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ: إيلًا بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وياءٌ بَعْدَها، فَقِيلَ: هو اسْمُ اللَّهِ تَعالى. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ إلًى أُبْدِلَ مِن أحَدِ المُضاعَفَيْنِ ياءٌ، كَما قالُوا في: إمّا إيما، قالَ الشّاعِرُ: ؎يا لَيْتَما أُمُّنا شالَتْ نَعامَتُها ∗∗∗ إيما إلى الجَنَّةِ إيما إلى نارِ قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا مِن آلَ يَئُولُ إذا ساسَ، أُبْدِلَ مِنَ الواوِ ياءً؛ لِسُكُونِها وانْكِسارِ ما قَبْلَها؛ أيْ: لا يَرْقُبُونَ فِيكم سِياسَةً ولا مُداراةً ولا ذِمَّةً، مَن رَأى أنَّ الإلَّ هو العَهْدُ جَعَلَهُ والذِّمَّةَ لَفْظَيْنِ لِمَعْنًى واحِدٍ أوْ مُتَقارِبَيْنِ، ومَن رَأى أنَّ الإلَّ غَيْرُ العَهْدِ فَهُما لَفْظانِ مُتَبايِنانِ. ولَمّا ذَكَرَ حالَهم مَعَ المُؤْمِنِينَ إنْ ظَهَرُوا عَلَيْهِمْ ذَكَرَ حالَهم مَعَهم إذا كانُوا غَيْرَ ظاهِرِينَ، فَقالَ: ﴿يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ﴾ . واسْتَأْنَفَ هَذا الكَلامَ أيْ: حالُهم في الظّاهِرِ مُخالِفٌ لِباطِنِهِمْ، وهَذا كُلُّهُ تَقْرِيرٌ واسْتِبْعادٌ لِثَباتِ قُلُوبِهِمْ عَلى العَهْدِ، وإباءُ القَلْبِ مُخالَفَتُهُ لِما يَجْرِي عَلى اللِّسانِ مِنَ القَوْلِ الحَسَنِ. وقِيلَ: ﴿يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ﴾ في العِدَةِ بِالإيمانِ، وتَأْبى قُلُوبُهم إلّا الكُفْرَ. وقِيلَ: يُرْضُونَكم في الطّاعَةِ، وتَأْبى قُلُوبُهم إلّا المَعْصِيَةَ. والظّاهِرُ بَقاءُ الأكْثَرِ عَلى حَقِيقَتِهِ فَقِيلَ: (وأكْثَرُهم)؛ لِأنَّ مِنهم مَن قَضى اللَّهُ لَهُ بِالإيمانِ، وقِيلَ: لِأنَّ مِنهم مَن لَهُ حِفْظٌ لِمُراعاةِ الحالِ الحَسَنَةِ مِنَ التَّعَفُّفِ عَمّا يَثْلِمُ العِرْضَ، ويَجُرُّ أُحْدُوثَةَ السُّوءِ، وأكْثَرُهم خُبْثُ الأنْفُسِ خِرِيجُونَ في الشَّرِّ لا مُرُوءَةَ تَرْدَعُهم، ولا طِباعَ مَرْضِيَّةً تَزَعُهم، لا يَحْتَرِزُونَ عَنْ كَذِبٍ ولا مَكْرٍ ولا خَدِيعَةٍ، ومَن كانَ بِهَذا الوَصْفِ كانَ مَذْمُومًا عِنْدَ النّاسِ وفي جَمِيعِ الأدْيانِ. ألا تَرى إلى أهْلِ الجاهِلِيَّةِ وهم كُفّارٌ كَيْفَ يَمْدَحُونَ أنْفُسَهم بِالعَفافِ وبِالصِّدْقِ وبِالوَفاءِ بِالعَهْدِ وبِالأخْلاقِ الحَسَنَةِ. وقِيلَ: مَعْنى (وأكْثَرُهم) وكُلُّهم فاسِقُونَ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ والكَرْمانِيُّ.

التوبة 9:6

﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكم شَيْئًا ولَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكم أحَدًا فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾؛ قالَ قَوْمٌ: هَذا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، التَّقْدِيرُ: لَكِنَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ فَثَبَتُوا عَلى العَهْدِ أتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم، وقالَ قَوْمٌ مِنهُمُ الزَّجّاجُ: هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١]، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وجْهُهُ أنْ يَكُونَ مُسْتَثْنًى مِن قَوْلِهِ: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ﴾ [التوبة: ٢]؛ لِأنَّ الكَلامَ خِطابٌ لِلْمُسْلِمِينَ، ومَعْناهُ: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَقُولُوا لَهم: سِيحُوا، إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنهم، ثُمَّ لَمْ يَنْقُضُوا فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم. والِاسْتِثْناءُ بِمَعْنى الِاسْتِدْراكِ، كَأنَّهُ قِيلَ بَعْدَ أنْ أُمِرُوا في النّاكِثِينَ: ولَكِنَّ الَّذِينَ لَمْ يَنْكُثُوا فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم ولا تُجْرُوهم مَجْراهم، ولا تَجْعَلُوا الوَفِيَّ كالغادِرِ. وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، وقَبْلُهُ جُمْلَةٌ مَحْذُوفَةٌ تَقْدِيرُها: اقْتُلُوا المُشْرِكِينَ المُعاهَدِينَ إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ جِدًّا، والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا لِطُولِ الفَصْلِ بِجُمَلٍ كَثِيرَةٍ بَيْنَ ما يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مُسْتَثْنًى مِنهُ وبَيْنَهُ. قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: هم قَوْمٌ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ الرَّسُولِ عَهْدٌ لِمُدَّةٍ، فَأُمِرَ أنْ يَفِيَ لَهم. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَمّا قَرَأ عَلِيٌّ (بَراءَةٌ) قالَ لَبَنِي ضَمْرَةَ وحَيٍّ مِن كِنانَةَ وحَيٍّ مِن سُلَيْمٍ: إنَّ اللَّهَ قَدِ اسْتَثْناكم ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: إلى مُدَّتِهِمْ، يَكُونُ في المُدَّةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم وبَيْنَ الرَّسُولِ أُمِرُوا بِإتْمامِ العَهْدِ إلى تَمامِ المُدَّةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كانَ بَقِيَ لِحَيٍّ مِن كِنانَةَ تِسْعَةُ أشْهُرٍ، فَأُتِمَّ إلَيْهِمْ عَهْدُهم. وعَنْهُ أيْضًا: إلى مُدَّتِهِمْ؛ إلى الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ الَّتِي في الآيَةِ. وهَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ الِاسْتِثْناءُ لا يُفِيدُ تَجْدِيدَ حُكْمٍ؛ إذْ يَكُونُ حُكْمُ هَؤُلاءِ المُسْتَثْنَيْنَ حُكْمَ باقِي المُعاهَدِينَ الَّذِينَ لَمْ يَتَّصِفُوا بِما اتَّصَفَ بِهِ هَؤُلاءِ مِن عَدَمِ النَّقْصِ وعَدَمِ المُظاهَرَةِ. وقَرَأ عَطاءُ بْنُ السّائِبِ الكُوفِيُّ وعِكْرِمَةُ، وأبُو زَيْدٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: (يَنْقُضُوكم) بِالضّادِ مُعْجَمَةً وتُناسِبُ العَهْدَ، وهي بِمَعْنى قِراءَةِ الجُمْهُورِ؛ لِأنَّ مَن نَقَصَ مِنَ العَهْدِ فَقَدْ نَقَصَ مِنَ الأجَلِ المَضْرُوبِ. وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ ولَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَكم، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ؛ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ. وقالَ الكَرْمانِيُّ: هي بِالضّادِ أقْرَبُ إلى مَعْنى العَهْدِ، إلّا أنَّ القِراءَةَ بِالصّادِ أحْسَنُ لِيَقَعَ في مُقابَلَتِهِ التَّمامُ في قَوْلِهِ: (فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ)، والتَّمامُ ضِدُّ النَّقْصِ. وانْتَصَبَ شَيْئًا عَلى المَصْدَرِ، أيْ: لا قَلِيلًا مِنَ النَّقْصِ ولا كَثِيرًا. ﴿ولَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكم أحَدًا﴾ كَما (p-٩)فَعَلَتْ قُرَيْشٌ بِبَنِي بَكْرٍ حِينَ أعانُوهم بِالسِّلاحِ عَلى خُزاعَةَ. وتَعَدّى (أتَوْا) بِإلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى (فَأدُّوا)؛ أيْ: فَأدُّوهُ تامًّا كامِلًا. وقَوْلُ قَتادَةَ: إنَّ المُسْتَثْنَيْنَ هم قُرَيْشٌ عُوهِدُوا زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ مَرْدُودٌ بِإسْلامِ قُرَيْشٍ في الفَتْحِ قَبْلَ الإذْنِ بِهَذا كُلِّهِ. وقَوْلُهُ: ﴿يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الوَفاءَ بِالعَهْدِ مِنَ التَّقْوى، وأنَّ مِنَ التَّقْوى أنْ لا يُسَوّى بَيْنَ القَبِيلَتَيْنِ. ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهم وخُذُوهم واحْصُرُوهم واقْعُدُوا لَهم كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى (انْسَلَخَ) في قَوْلِهِ: (فانْسَلَخَ) . وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: يُقالُ: أهْلَلْنا هِلالَ شَهْرِ كَذا أيْ دَخَلْنا فِيهِ ولَبِسْناهُ، فَنَحْنُ نَزْدادُ كُلَّ لَيْلَةٍ إلى مُضِيِّ نِصْفِهِ لِباسًا مِنهُ، ثُمَّ نَسْلَخُهُ عَنْ أنْفُسِنا بَعْدَ تَكامُلِ النِّصْفِ مِنهُ جُزْءًا حَتّى نَسْلَخَهُ عَنْ أنْفُسِنا كُلَّهُ، فَيَنْسَلِخُ. وأنْشَدَ: ؎إذا ما سَلَخْتَ الشَّهْرَ أهْلَلْتَ مِثْلَهُ كَفى قاتِلًا سَلْخُ الشُّهُورِ وإهْلالُ والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الأشْهُرَ هي الَّتِي أُبِيحَ لِلنّاكِثِينَ أنْ يَسِيحُوا فِيها، ووُصِفَتْ بِالحُرُمِ لِأنَّها مُحَرَّمٌ فِيها القِتالُ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الخِلافِ في ابْتِدائِها وانْتِهائِها. وإذا تَقَدَّمَتِ النَّكِرَةُ وذُكِرَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فالوَجْهُ أنْ تُذْكَرَ بِالضَّمِيرِ نَحْوُ: لَقِيتُ رَجُلًا فَضَرَبْتُهُ. ويَجُوزُ أنْ يُعادَ اللَّفْظُ مُعَرَّفًا بِـ ”ألْ“ نَحْوُ: لَقِيتُ رَجُلًا فَضَرَبْتُ الرَّجُلَ، ولا يَجُوزُ أنْ يُوصَفَ بِوَصْفٍ يُشْعِرُ بِالمُغايَرَةِ، لَوْ قُلْتُ: لَقِيتُ رَجُلًا فَضَرَبْتُ الرَّجُلَ الأزْرَقَ وأنْتَ تُرِيدُ الرَّجُلَ الَّذِي لَقِيتَهُ لَمْ يَجُزْ، بَلْ يَنْصَرِفُ ذَلِكَ إلى غَيْرِهِ، ويَكُونُ المَضْرُوبُ غَيْرَ المُلْقى. فَإنْ وصَفْتَهُ بِوَصْفٍ لا يُشْعِرُ بِالمُغايَرَةِ جازَ نَحْوُ: لَقِيتُ رَجُلًا فَضَرَبْتَ الرَّجُلَ المَذْكُورَ. وهُنا جاءَ الأشْهُرُ الحُرُمُ؛ لِأنَّ هَذا الوَصْفَ مَفْهُومٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢]؛ إذِ التَّقْدِيرُ: أرْبَعَةَ أشْهُرٍ حُرُمٌ، لا يُتَعَرَّضُ إلَيْكم فِيها، فَلَيْسَ الحُرُمُ وصْفًا مُشْعِرًا بِالمُغايَرَةِ. وقِيلَ: الأشْهُرُ الحُرُمُ هي غَيْرُ هَذِهِ الأرْبَعَةِ، وهي الأشْهُرُ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ فِيها القِتالَ مُنْذُ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ، وهي الَّتِي جاءَ في الحَدِيثِ فِيها: «”إنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ؛ السَّنَةُ اثْنا عَشَرَ شَهْرا مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ: ذُو القَعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ، ورَجَبٌ“» فَتَكُونُ الأرْبَعَةُ مِن سَنَتَيْنِ. وقِيلَ: أوَّلُها المُحَرَّمُ، فَتَكُونُ مِن سَنَةٍ. وجاءَ الأمْرُ بِالقَتْلِ عَلى سَبِيلِ التَّشْجِيعِ وتَقْوِيَةِ النَّفْسِ، وأنَّهم لا مَنَعَةَ عِنْدَهم مِن أنْ يُقْتَلُوا. وفي إطْلاقِ الأمْرِ بِالقَتْلِ دَلِيلٌ عَلى قَتْلِهِمْ بِأيِّ وجْهٍ كانَ، وقَدْ قَتَلَ أبُو بَكْرٍ أصْحابَ الرِّدَّةِ بِالإحْراقِ بِالنّارِ، وبِالحِجارَةِ، وبِالرَّمْيِ مِن رُءُوسِ الجِبالِ، والتَّنْكِيسِ في الآبارِ. وتَعَلَّقَ بِعُمُومِ (p-١٠)هَذِهِ الآيَةِ، وأحْرَقَ عَلِيٌّ قَوْمًا مِن أهْلِ الرِّدَّةِ، وقَدْ ورَدَتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِالنَّهْيِ عَنِ المُثْلَةِ. ولَفْظُ (المُشْرِكِينَ) عامٌّ في كُلِّ مُشْرِكٍ، وجاءَتِ السُّنَّةُ بِاسْتِثْناءِ الأطْفالِ والرُّهْبانِ والشُّيُوخِ الَّذِينَ لَيْسُوا ذَوِي رَأْيٍ في الحَرْبِ، ومَن قاتَلَ مِن هَؤُلاءِ قُتِلَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي الَّذِينَ نَقَصُوكم وظاهَرُوا عَلَيْكم. ولَفْظُ: (حَيْثُ وجَدْتُمُوهم) عامٌّ في الأماكِنِ مِن حِلٍّ وحَرَمٍ. (وخُذُوهم) عِبارَةٌ عَنِ الأسْرِ، والأخِيذُ الأسِيرُ. ويَدُلُّ عَلى جَوازِ أسْرِهِمْ: (واحْصُرُوهم)؛ قَيِّدُوهم وامْنَعُوهم مِنَ التَّصَرُّفِ في البِلادِ، وقِيلَ: اسْتَرِقُّوهم، وقِيلَ: مَعْناهُ: حاصِرُوهم إنْ تَحَصَّنُوا. وقُرِئَ: (فَحاصِرُوهم) شاذًّا، وهَذا القَوْلُ يُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَنْهُ أيْضًا: حُولُوا بَيْنَهم وبَيْنَ المَسْجِدِ الحَرامِ، وقِيلَ: امْنَعُوهم عَنْ دُخُولِ بِلادِ الإسْلامِ والتَّصَرُّفِ فِيها إلّا بِإذْنٍ. قالَ القُرْطُبِيُّ في قَوْلِهِ: ﴿واقْعُدُوا لَهم كُلَّ مَرْصَدٍ﴾: دَلالَةٌ عَلى جَوازِ اغْتِيالِهِمْ قَبْلَ الدَّعْوَةِ؛ لِأنَّ المَعْنى اقْعُدُوا لَهم مَواضِعَ الغِرَّةِ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المَقْصُودَ إيصالُ الأذى إلَيْهِمْ بِكُلِّ طَرِيقٍ: إمّا بِطْرِيقِ القِتالِ، وإمّا بِطَرِيقِ الِاغْتِيالِ. وقَدْ أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى جَوازِ السَّرِقَةِ مِن أمْوالِ أهْلِ الحَرْبِ، وإسْلالِ خَيْلِهِمْ، وإتْلافِ مَواشِيهِمْ إذا عُجِزَ عَنِ الخُرُوجِ بِها إلى دارِ الإسْلامِ، إلّا أنْ يُصالِحُوا عَلى مِثْلِ ذَلِكَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (كُلَّ مَرْصَدٍ) كُلَّ مَمَرٍّ ومُجْتازٍ تَرْصُدُونَهم فِيهِ، وانْتِصابُهَ عَلى الظَّرْفِ كَقَوْلِهِ: ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦] انْتَهى. وهَذا الَّذِي قالَهُ الزَّجّاجُ، قالَ: (كُلَّ مَرْصَدٍ) ظَرْفٌ، كَقَوْلِكَ: ذَهَبْتُ مَذْهَبًا، ورَدَّهُ أبُو عَلِيٍّ؛ لِأنَّ المَرْصَدَ المَكانُ الَّذِي يُرْصَدُ فِيهِ العَدُوُّ، فَهو مَكانٌ مَخْصُوصٌ لا يُحْذَفُ الحَرْفُ مِنهُ إلّا سَماعًا كَما حَكى سِيبَوَيْهِ: دَخَلْتُ البَيْتَ، وكَما عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ انْتَهى. وأقُولُ: يَصِحُّ انْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (واقْعُدُوا لَهم) لَيْسَ مَعْناهُ حَقِيقَةَ القُعُودِ، بَلِ المَعْنى ارْصُدُوهم في كُلِّ مَكانٍ يُرْصَدُ فِيهِ، ولَمّا كانَ بِهَذا المَعْنى جازَ قِياسًا أنْ يُحْذَفَ مِنهُ في كَما قالَ: وقَدْ قَعَدُوا أنْفاقَها كُلَّ مَقْعَدٍ. فَمَتى كانَ العامِلُ في الظَّرْفِ المُخْتَصِّ عامِلًا مِن لَفْظِهِ أوْ مِن مَعْناهُ، جازَ أنْ يَصِلَ إلَيْهِ بِغَيْرِ واسِطَةِ ”في“، فَيَجُوزُ جَلَسْتُ مَجْلِسَ زِيدٍ، وقَعَدْتُ مَجْلِسَ زِيدٍ، تُرِيدُ في مَجْلِسِ زِيدٍ، فَكَما يَتَعَدّى الفِعْلُ إلى المَصْدَرِ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ إذا كانَ بِمَعْناهُ، فَكَذَلِكَ إلى الظَّرْفِ. وقالَ الأخْفَشُ: مَعْناهُ عَلى كُلِّ مَرْصَدٍ، فَحُذِفَ وأُعْمِلَ الفِعْلُ، وحُذِفَ ”عَلى“، ووُصُولُ الفِعْلِ إلى مَجْرُورِها فَتَنْصِبُهُ، يَخُصُّهُ أصْحابُنا بِالشِّعْرِ، وأنْشَدُوا: ؎تَحِنُّ فَتُبْدِي ما بِها مِن صَبابَةٍ ∗∗∗ وأُخْفِي الَّذِي لَوْلا الأسى لَقَضانِي أيْ لَقَضى عَلَيَّ. ﴿فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهم إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ عَنِ الكُفْرِ والغَدْرِ. والتَّوْبَةُ تَتَضَمَّنُ الإيمانَ وتَرْكَ ما كانُوا فِيهِ مِنَ المَعاصِي، ثُمَّ نَبَّهَ عَلى أعْظَمِ الشَّعائِرِ الإسْلامِيَّةِ، وذَلِكَ إقامَةُ الصَّلاةِ وهي أفْضَلُ الأعْمالِ البَدَنِيَّةِ، وإيتاءُ الزَّكاةِ وهي أفْضَلُ الأعْمالِ المالِيَّةِ، وبِهِما تَظْهَرُ القُوَّةُ العَمَلِيَّةُ، كَما بِالتَّوْبَةِ تَظْهَرُ القُوَّةُ العِلْمِيَّةُ عَنِ الجَهْلِ. (فَخَلُّوا سَبِيلَهم)، كِنايَةٌ عَنِ الكَفِّ عَنْهم وإجْرائِهِمْ مَجْرى المُسْلِمِينَ في تَصَرُّفاتِهِمْ حَيْثُ ما شاءُوا، ولا تَتَعَرَّضُوا لَهم، كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎خَلِّ السَّبِيلَ لِمَن يُبْنى المَنارُ بِهِ أوْ يَكُونُ المَعْنى: فَأطْلِقُوهم مِنَ الأسْرِ والحَصْرِ، والظّاهِرُ الأوَّلُ؛ لِشُمُولِ الحُكْمِ لِمَن كانَ مَأْسُورًا وغَيْرَهُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: افْتُرِضَتِ الصَّلاةُ والزَّكاةُ جَمِيعًا، وأبى اللَّهُ أنْ لا تُقْبَلَ الصَّلاةُ إلّا بِالزَّكاةِ، وقالَ: يَرْحَمُ اللَّهُ أبا بَكْرٍ ما كانَ أفْقَهَهُ في قَوْلِهِ: ”لَأُقاتِلَنَّ مَن فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ“ . وناسَبَ ذِكْرُ وصْفِ الغُفْرانِ والرَّحْمَةِ مِنهُ تَعالى لِمَن تابَ عَنِ الكُفْرِ والتَزَمَ شَرائِعَ الإسْلامِ. قالَ الحافِظُ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: لا خِلافَ بَيْنِ المُسْلِمِينَ أنَّ مَن تَرَكَ (p-١١)الصَّلاةَ وسائِرَ الفَرائِضِ مُسْتَحِلًّا كَفَرَ، ودُفِنَ في مَقابِرِ الكُفّارِ، وكانَ مالُهُ فَيْئًا. ومَن تَرَكَ السُّنَنَ فَسَقَ، ومَن تَرَكَ النَّوافِلَ لَمْ يُحْرَجْ إلّا أنْ يَجْحَدَ فَضْلَها فَيَكْفُرُ؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ رادًّا عَلى النَّبِيِّ ﷺ ما جاءَ بِهِ وأخْبَرَ عَنْهُ انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ مَفْهُومَ الشَّرْطِ لا يَنْتَهِضُ أنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلى تَعْيِينِ قَتْلِ مَن تَرَكَ الصَّلاةَ والزَّكاةَ مُتَعَمِّدًا غَيْرَ مُسْتَحِلٍّ ومَعَ القُدْرَةِ؛ لِأنَّ انْتِفاءَ تَخْلِيَةِ السَّبِيلِ تَكُونُ بِالحَبْسِ وغَيْرِهِ، فَلا يَتَعَيَّنُ القَتْلُ. وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في ذَلِكَ، فَقالَ مَكْحُولٌ، ومالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وحَمّادُ بْنُ زَيْدٍ، ووَكِيعٌ، وأبُو ثَوْرٍ: يُقْتَلُ. وقالَ ابْنُ شِهابٍ، وأبُو حَنِيفَةَ، وداوُدُ: يُسْجَنُ ويُضْرَبُ، ولا يُقْتَلُ. وقالَ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ: يُقْتَلُ كُفْرًا، ومالُهُ مالُ مُرْتَدٍّ، وبِهِ قالَ إسْحاقُ. قالَ إسْحاقُ: وكَذَلِكَ كانَ رَأْيُ أهْلِ العِلْمِ مِن لَدُنِ النَّبِيِّ ﷺ إلى زَمانِنا. ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ قالَ الضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ: هي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ الأمْرِ بِقَتْلِ المُشْرِكِينَ. وقالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ: هي مُحْكَمَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: جاءَ رَجُلٌ إلى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ: إنْ أرادَ الرَّجُلُ مِنّا أنْ يَأْتِيَ مُحَمَّدًا بَعْدَ انْقِضاءِ هَذا الأجَلِ لِيَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ، أوْ يَأْتِيَهُ لِحاجَةِ قُتِلَ ؟ قالَ: لا؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ﴾ الآيَةَ انْتَهى. وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ إنَّما كانَ حُكْمُها مُدَّةَ الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ الَّتِي ضُرِبَتْ لَهم أجَلًا، والظّاهِرُ أنَّها مُحْكَمَةٌ. ولَمّا أمَرَ تَعالى بِقَتْلِ المُشْرِكِينَ حَيْثُ وُجِدُوا، وأخْذِهِمْ وحَصْرِهم، وطَلَبِ غِرَّتَهم، ذَكَرَ لَهم حالَةً لا يُقْتَلُونَ فِيها ولا يُؤْخَذُونَ ويُؤْسَرُونَ، وتِلْكَ إذا جاءَ واحِدٌ مِنهم مُسْتَرْشِدًا طالِبًا لِلْحُجَّةِ والدَّلالَةِ عَلى ما يَدْعُو إلَيْهِ مِنَ الدِّينِ. فالمَعْنى: ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ﴾؛ أيْ طَلَبَ مِنكَ أنْ تَكُونَ مُجِيرًا لَهُ، وذَلِكَ بَعْدَ انْسِلاخِ الأشْهُرِ لِيَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ وما تَضَمَّنَهُ مِنَ التَّوْحِيدِ، ويَقِفَ عَلى ما بُعِثْتَ بِهِ، فَكُنْ مُجِيرًا لَهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ويَتَدَبَّرَهُ، ويَطَّلِعَ عَلى حَقِيقَةِ الأمْرِ، ثُمَّ أبْلِغْهُ دارَهُ الَّتِي يَأْمَنُ فِيها إنْ لَمْ يُسْلِمْ، ثُمَّ قاتِلْهُ إنْ شِئْتَ مِن غَيْرِ غَدْرٍ ولا خِيانَةٍ. و(حَتّى) يَصِحَّ أنْ تَكُونَ لِلْغايَةِ أيْ: إلى أنْ يَسْمَعَ. ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ لِلتَّعْلِيلِ، وهي مُتَعَلِّقَةٌ في الحالَيْنِ بِأجِرْهُ. ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِن بابِ التَّنازُعِ، وإنْ كانَ يَصِحُّ مِن حَيْثُ المَعْنى أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِاسْتَجارَكَ أوْ بِفَأْجِرْهُ؛ وذَلِكَ لِمانِعٍ لَفْظِيٍّ وهو: أنَّهُ لَوْ أعْمَلَ الأوَّلَ لَأضْمَرَ في الثّانِي، و(حَتّى) لا تَجُرُّ المُضْمَرَ، فَلِذَلِكَ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِن بابِ التَّنازُعِ. لَكِنْ مَن ذَهَبَ مِنَ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّ (حَتّى) تَجُرُّ المُضْمَرَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عِنْدَهُ مِن بابِ التَّنازُعِ، وكَوْنُ (حَتّى) لا تَجُرُّ المُضْمَرَ هو مَذْهَبُ الجُمْهُورِ. ولَمّا كانَ القُرْآنُ أعْظَمَ المُعْجِزاتِ، عُلِّقُ السَّماعُ بِهِ، وذُكِرَ السَّماعُ؛ لِأنَّهُ الطَّرِيقُ إلى الفَهْمِ. وقَدْ يُرادُ بِالسَّماعِ الفَهْمُ، تَقُولُ لِمَن خاطَبْتَهُ فَلَمْ يَقْبَلْ مِنكَ: أنْتَ لَمْ تَسْمَعْ، تُرِيدُ لَمْ تَفْهَمْ. و(كَلامَ اللَّهِ) مِن بابِ إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ، لا مِن بابِ إضافَةِ المَخْلُوقِ إلى الخالِقِ، ومَأْمَنَهُ: مَكانُ أمْنِهِ. وقِيلَ: مَأْمَنُهُ مَصْدَرٌ؛ أيْ ثُمَّ أبْلِغْهُ أمْنَهُ. وقَدِ اسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ عَلى حُدُوثِ كَلامِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ لا يُسْمَعُ إلّا الحُرُوفُ والأصْواتُ، ومَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ حُدُوثُ ذَلِكَ، وهَذا مَذْكُورٌ في عِلْمِ الكَلامِ. وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ النَّظَرَ في التَّوْحِيدِ أعْلى المَقاماتِ؛ إذْ عُصِمَ دَمُ الكافِرِ المُهْدَرِ الدَّمِ بِطَلَبِهِ النَّظَرَ والِاسْتِدْلالَ، وأوْجَبَ عَلى الرَّسُولِ أنْ يُبْلِغَهُ مَأْمَنَهُ، وفِيها دَلالَةٌ عَلى أنَّ التَّقْلِيدَ غَيْرُ كافٍ في الدِّينِ؛ إذْ كانَ لا يُمْهَلُ، بَلْ يُقالُ لَهُ: إمّا أنْ تُسْلِمَ، وإمّا أنْ تُقْتَلَ. وفِيها دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ بَعْدَ سَماعِ كَلامِ اللَّهِ لا يُقَرُّ بِأرْضِ الإسْلامِ، بَلْ يُبْلَغُ مَأْمَنَهُ، وأنَّهُ يَجِبُ حِفْظُهُ وحَوْطَتُهُ مُدَّةً يَسْمَعُ فِيها كَلامَ اللَّهِ. والخِطابُ (p-١٢)بِقَوْلِهِ: (اسْتَجارَكَ) و(فَأجِرْهُ) يَدُلُّ عَلى أنَّ أمانَ السُّلْطانِ جائِزٌ، وأمّا غَيْرُهُ: فالحُرُّ يَمْضِي أمانُهُ، وقالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يَنْظُرُ الإمامُ فِيهِ. والعَبْدُ: قالَ الأوْزاعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ، وإسْحاقُ، ومُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ، وأبُو ثَوْرٍ، وداوُدَ: لَهُ الأمانُ، وهو مَشْهُورُ مَذْهَبِ مالِكٍ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا أمانَ لَهُ، وهو قَوْلٌ في مَذْهَبِ مالِكٍ. والحُرَّةُ لَها الأمانُ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقالَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ الماجِشُونِ: لا، إلّا أنْ يُجِيرَهُ الإمامُ، وقَوْلُهُ شاذٌّ. والصَّبِيُّ إذا أطاقَ القِتالَ جازَ أمانُهُ، ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾؛ أيْ ذَلِكَ الأمْرَ بِالإجارَةِ وإبْلاغِ المَأْمَنِ، بِسَبَبِ أنَّهم قَوْمٌ جَهَلَةٌ لا يَعْلَمُونَ ما الإسْلامُ ؟ وما حَقِيقَةُ ما تَدْعُو إلَيْهِ ؟ فَلا بُدَّ مِن إعْطائِهِمُ الأمانَ حَتّى يَسْمَعُوا ويَفْهَمُوا الحَقَّ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إشارَةٌ إلى هَذا اللُّطْفِ في الإجارَةِ والإسْماعِ وتَبْلِيغِ المَأْمَنِ، (لا يَعْلَمُونَ) نَفى عِلْمَهم بِمَراشِدِهِمْ في اتِّباعِ الرَّسُولِ ﷺ . ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ فَما اسْتَقامُوا لَكم فاسْتَقِيمُوا لَهم إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾؛ هَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَّعَجُّبُ والِاسْتِنْكارُ والِاسْتِبْعادُ. قالَ التَّبْرِيزِيُّ والكَرْمانِيُّ: مَعْناهُ النَّفْيُ؛ أيْ لا يَكُونُ لَهم عَهْدٌ وهم لَكم ضِدٌّ. ونَبَّهَ عَلى عِلَّةِ انْتِفاءِ العَهْدِ بِالوَصْفِ الَّذِي قامَ بِهِ وهو الإشْراكُ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: وفي الآيَةِ إضْمارٌ؛ أيْ كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ مَعَ إضْمارِ الغَدْرِ والنَّكْثِ ؟ انْتَهى. والِاسْتِفْهامُ يُرادُ بِهِ النَّفْيُ كَثِيرًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَها ذِي سُيُوفٌ يا هُدى بْنِ مالِكٍ ∗∗∗ كَثِيرٌ ولَكِنْ لَيْسَ بِالسَّيْفِ ضارِبٌ أيْ لَيْسَ بِالسَّيْفِ ضارِبٌ. ولَمّا كانَ الِاسْتِفْهامُ مَعْناهُ النَّفْيُ، صَلَحَ مَجِيءُ الِاسْتِثْناءِ وهو مُتَّصِلٌ، وقِيلَ: مُنْقَطِعٌ، أيْ لَكِنَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ. قالَ الحَوْفِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (الَّذِينَ) في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى البَدَلِ مِنَ المُشْرِكِينَ؛ لِأنَّ مَعْنى ما تَقَدَّمَ النَّفْيُ؛ أيْ: لَيْسَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ إلّا الَّذِينَ لَمْ يَنْكُثُوا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم قُرَيْشٌ، وقالَ السُّدِّيُّ: بَنُو جَذِيمَةَ بْنِ الدِّيلِ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: قَبائِلُ بَنِي بَكْرٍ كانُوا دَخَلُوا وقْتَ الحُدَيْبِيَةَ في المُدَّةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَ الرَّسُولِ ﷺ وقُرَيْشٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَبَنِي كِنانَةَ وبَنِي ضَمْرَةَ. وقالَ قَوْمٌ مِنهم مُجاهِدٌ: هم خُزاعَةُ ورُدَّ بِإسْلامِهِمْ عامَ الفَتْحِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هم قُرَيْشٌ نَزَلَتْ فَلَمْ يَسْتَقِيمُوا، فَنَزَلَ تَأْجِيلُهم أرْبَعَةَ أشْهُرٍ بَعْدَ ذَلِكَ. وضُعِّفَ هَذا القَوْلُ بِأنَّ قُرَيْشًا بَعْدَ الأذانِ بِأرْبَعَةِ أشْهُرٍ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ إلّا مُسْلِمٌ، وذَلِكَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ بِسَنَةٍ، وكَذَلِكَ خُزاعَةُ قالَهُ الطَّبَرِيُّ. ﴿فَما اسْتَقامُوا لَكُمْ﴾ عَلى العَهْدِ ﴿فاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ عَلى الوَفاءِ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ خَبَرُ يَكُونُ كَيْفَ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ [النمل: ٥١]، وأنْ يَكُونَ الخَبَرُ ﴿لِلْمُشْرِكِينَ﴾ . و(عِنْدَ) عَلى هَذَيْنِ ظَرْفٌ لِلْعَهْدِ، أوْ لِيَكُونَ، أوْ لِلْحالِ، أوْ هي وصْفٌ لِلْعَهْدِ. وأنْ يَكُونَ الخَبَرُ (عِنْدَ اللَّهِ)، و(لِلْمُشْرِكِينَ) تَبْيِينٌ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِيَكُونَ، وكَيْفَ حالٌ مِنَ العَهْدِ انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ، أيْ: اسْتَقِيمُوا لَهم مُدَّةَ اسْتِقامَتِهِمْ، ولَيْسَتْ شَرْطِيَّةً. وقالَ أبُو البَقاءِ: هي شَرْطِيَّةٌ كَقَوْلِهِ: ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ﴾ [فاطر: ٢] انْتَهى. فَكانَ التَّقْدِيرُ: ما اسْتَقامُوا لَكم مِن زَمانٍ فاسْتَقِيمُوا لَهم. وقالَ الحَوْفِيُّ: (ما) شَرْطٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ (اسْتَقامُوا)، و(لَكم) مُتَعَلِّقٌ بِاسْتَقامُوا، ﴿فاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ الفاءُ جَوابُ الشَّرْطِ انْتَهى. فَكانَ التَّقْدِيرُ: فَأيُّ وقْتٍ اسْتَقامُوا فِيهِ لَكم فاسْتَقِيمُوا لَهم. وإنَّما جَوَّزَ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً لِوُجُودِ الفاءِ في (فاسْتَقِيمُوا)؛ لِأنَّ المَصْدَرِيَّةَ الزَّمانِيَّةَ لا تَحْتاجُ إلى الفاءِ. وقَدْ أجازَ ابْنُ مالِكٍ في المَصْدَرِيَّةِ الزَّمانِيَّةِ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً وتَجْزِمَ، وأنْشَدَ عَلى ذَلِكَ ما يَدُلُّ ظاهِرُهُ عَلى صِحَّةِ دَعْواهُ. وقَدْ (p-١٣)ذَكَرْنا ذَلِكَ في كِتابِ التَّكْمِيلِ، وتَأوَّلْنا ما اسْتَشْهَدَ بِهِ. فَعَلى قَوْلِهِ تَكُونُ زَمانِيَّةً شَرْطِيَّةً. ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾، يَعْنِي أنَّ الوَفاءَ بِالعَهْدِ مِن أخْلاقِ المُتَّقِينَ، والتَّرَبُّصَ بِهَؤُلاءِ إنِ اسْتَقامُوا مِن أعْمالِ المُؤْمِنِينَ، والتَّقْوى تَتَضَمَّنُ الإيمانَ والوَفاءَ بِالعَهْدِ. ﴿كَيْفَ وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم لا يَرْقُبُوا فِيكم إلًّا ولا ذِمَّةً يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ وتَأْبى قُلُوبُهم وأكْثَرُهم فاسِقُونَ﴾ (كَيْفَ) تَأْكِيدٌ لِنَفْيِ ثَباتِهِمْ عَلى العَهْدِ. والظّاهِرُ أنَّ الفِعْلَ المَحْذُوفَ بَعْدَها هو مِن جِنْسِ أقْرَبِ مَذْكُورٍ لَها، وحُذِفَ لِلْعِلْمِ بِهِ في (كَيْفَ) السّابِقَةِ، والتَّقْدِيرُ: كَيْفَ يَكُونُ لَهم عَهْدٌ وحالُهم هَذِهِ ؟ وقَدْ جاءَ حَذْفُ الفِعْلِ بَعْدَ كَيْفَ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١]، وقالَ الشاعر: ؎وخَبَّرْتُمانِي أنَّما المَوْتُ بِالقُرى ∗∗∗ فَكَيْفَ وهاتا هَضْبَةٌ وكَثِيبُ أيْ: فَكَيْفَ ماتَ ولَيْسَ في قَرْيَةٍ ؟ وقالَ الحُطَيْئَةُ: ؎فَكَيْفَ ولَمْ أعْلَمْهم خَذَلُوكم ∗∗∗ عَلى مُعْظَمٍ وأنَّ أدِيمَكم قَدُّوا أيْ فَكَيْفَ تَلُومُونَنِي عَلى مَدْحِهِمْ ؟ واسْتَغْنى عَنْ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ جَرى في القَصِيدَةِ ما دَلَّ عَلى ما أُضْمِرَ. وقَدَّرَ أبُو البَقاءِ الفِعْلَ المَحْذُوفَ بَعْدَ كَيْفَ بِقَوْلِهِ: كَيْفَ تَطْمَئِنُّونَ إلَيْهِمْ ؟ وقَدَّرَهُ غَيْرُهُ: كَيْفَ لا يَقْتُلُونَهم ؟ والواوُ في ﴿وإنْ يَظْهَرُوا﴾ واوُ الحالِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى وُقُوعِ جُمْلَةِ الشَّرْطِ حالًا في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ [الأعراف: ١٦٩] ومَعْنى الظُّهُورِ العُلُوُّ والظَّفَرُ، تَقُولُ: ظَهَرْتُ عَلى فُلانٍ عَلَوْتُهُ. والمَعْنى: وإنْ يَقْدِرُوا عَلَيْكم ويَظْفَرُوا بِكم. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ﴿وإنْ يَظْهَرُوا﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. (لا يَرْقُبُوا): لا يَحْفَظُوا ولا يَرْعَوْا (إلًّا): عَهْدًا أوْ قَرابَةً أوْ حِلْفًا أوْ سِياسَةً أوِ اللَّهَ تَعالى، أوْ جُؤارًا؛ أيْ: رَفْعَ صَوْتٍ بِالتَّضَرُّعِ، أقْوالٌ. قالَ مُجاهِدٌ وأبُو مِجْلَزٍ: ”إلٌّ“ اسْمُ اللَّهِ بِالسُّرْيانِيَّةِ وعُرِّبَ. ومِن ذَلِكَ قَوْلُ أبِي بَكْرٍ حِينَ سَمِعَ كَلامَ مُسَيْلِمَةَ فَقالَ: هَذا كَلامٌ لَمْ يَخْرُجْ مِن إلٍّ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: ”ألًّا“ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وهو مَصْدَرٌ مِن فِعْلِ الألِّ الَّذِي هو العَهْدُ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ: إيلًا بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وياءٌ بَعْدَها، فَقِيلَ: هو اسْمُ اللَّهِ تَعالى. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ إلًى أُبْدِلَ مِن أحَدِ المُضاعَفَيْنِ ياءٌ، كَما قالُوا في: إمّا إيما، قالَ الشّاعِرُ: ؎يا لَيْتَما أُمُّنا شالَتْ نَعامَتُها ∗∗∗ إيما إلى الجَنَّةِ إيما إلى نارِ قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا مِن آلَ يَئُولُ إذا ساسَ، أُبْدِلَ مِنَ الواوِ ياءً؛ لِسُكُونِها وانْكِسارِ ما قَبْلَها؛ أيْ: لا يَرْقُبُونَ فِيكم سِياسَةً ولا مُداراةً ولا ذِمَّةً، مَن رَأى أنَّ الإلَّ هو العَهْدُ جَعَلَهُ والذِّمَّةَ لَفْظَيْنِ لِمَعْنًى واحِدٍ أوْ مُتَقارِبَيْنِ، ومَن رَأى أنَّ الإلَّ غَيْرُ العَهْدِ فَهُما لَفْظانِ مُتَبايِنانِ. ولَمّا ذَكَرَ حالَهم مَعَ المُؤْمِنِينَ إنْ ظَهَرُوا عَلَيْهِمْ ذَكَرَ حالَهم مَعَهم إذا كانُوا غَيْرَ ظاهِرِينَ، فَقالَ: ﴿يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ﴾ . واسْتَأْنَفَ هَذا الكَلامَ أيْ: حالُهم في الظّاهِرِ مُخالِفٌ لِباطِنِهِمْ، وهَذا كُلُّهُ تَقْرِيرٌ واسْتِبْعادٌ لِثَباتِ قُلُوبِهِمْ عَلى العَهْدِ، وإباءُ القَلْبِ مُخالَفَتُهُ لِما يَجْرِي عَلى اللِّسانِ مِنَ القَوْلِ الحَسَنِ. وقِيلَ: ﴿يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ﴾ في العِدَةِ بِالإيمانِ، وتَأْبى قُلُوبُهم إلّا الكُفْرَ. وقِيلَ: يُرْضُونَكم في الطّاعَةِ، وتَأْبى قُلُوبُهم إلّا المَعْصِيَةَ. والظّاهِرُ بَقاءُ الأكْثَرِ عَلى حَقِيقَتِهِ فَقِيلَ: (وأكْثَرُهم)؛ لِأنَّ مِنهم مَن قَضى اللَّهُ لَهُ بِالإيمانِ، وقِيلَ: لِأنَّ مِنهم مَن لَهُ حِفْظٌ لِمُراعاةِ الحالِ الحَسَنَةِ مِنَ التَّعَفُّفِ عَمّا يَثْلِمُ العِرْضَ، ويَجُرُّ أُحْدُوثَةَ السُّوءِ، وأكْثَرُهم خُبْثُ الأنْفُسِ خِرِيجُونَ في الشَّرِّ لا مُرُوءَةَ تَرْدَعُهم، ولا طِباعَ مَرْضِيَّةً تَزَعُهم، لا يَحْتَرِزُونَ عَنْ كَذِبٍ ولا مَكْرٍ ولا خَدِيعَةٍ، ومَن كانَ بِهَذا الوَصْفِ كانَ مَذْمُومًا عِنْدَ النّاسِ وفي جَمِيعِ الأدْيانِ. ألا تَرى إلى أهْلِ الجاهِلِيَّةِ وهم كُفّارٌ كَيْفَ يَمْدَحُونَ أنْفُسَهم بِالعَفافِ وبِالصِّدْقِ وبِالوَفاءِ بِالعَهْدِ وبِالأخْلاقِ الحَسَنَةِ. وقِيلَ: مَعْنى (وأكْثَرُهم) وكُلُّهم فاسِقُونَ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ والكَرْمانِيُّ.

التوبة 9:7

﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكم شَيْئًا ولَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكم أحَدًا فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾؛ قالَ قَوْمٌ: هَذا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، التَّقْدِيرُ: لَكِنَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ فَثَبَتُوا عَلى العَهْدِ أتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم، وقالَ قَوْمٌ مِنهُمُ الزَّجّاجُ: هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١]، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وجْهُهُ أنْ يَكُونَ مُسْتَثْنًى مِن قَوْلِهِ: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ﴾ [التوبة: ٢]؛ لِأنَّ الكَلامَ خِطابٌ لِلْمُسْلِمِينَ، ومَعْناهُ: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَقُولُوا لَهم: سِيحُوا، إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنهم، ثُمَّ لَمْ يَنْقُضُوا فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم. والِاسْتِثْناءُ بِمَعْنى الِاسْتِدْراكِ، كَأنَّهُ قِيلَ بَعْدَ أنْ أُمِرُوا في النّاكِثِينَ: ولَكِنَّ الَّذِينَ لَمْ يَنْكُثُوا فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم ولا تُجْرُوهم مَجْراهم، ولا تَجْعَلُوا الوَفِيَّ كالغادِرِ. وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، وقَبْلُهُ جُمْلَةٌ مَحْذُوفَةٌ تَقْدِيرُها: اقْتُلُوا المُشْرِكِينَ المُعاهَدِينَ إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ جِدًّا، والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا لِطُولِ الفَصْلِ بِجُمَلٍ كَثِيرَةٍ بَيْنَ ما يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مُسْتَثْنًى مِنهُ وبَيْنَهُ. قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: هم قَوْمٌ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ الرَّسُولِ عَهْدٌ لِمُدَّةٍ، فَأُمِرَ أنْ يَفِيَ لَهم. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَمّا قَرَأ عَلِيٌّ (بَراءَةٌ) قالَ لَبَنِي ضَمْرَةَ وحَيٍّ مِن كِنانَةَ وحَيٍّ مِن سُلَيْمٍ: إنَّ اللَّهَ قَدِ اسْتَثْناكم ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: إلى مُدَّتِهِمْ، يَكُونُ في المُدَّةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم وبَيْنَ الرَّسُولِ أُمِرُوا بِإتْمامِ العَهْدِ إلى تَمامِ المُدَّةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كانَ بَقِيَ لِحَيٍّ مِن كِنانَةَ تِسْعَةُ أشْهُرٍ، فَأُتِمَّ إلَيْهِمْ عَهْدُهم. وعَنْهُ أيْضًا: إلى مُدَّتِهِمْ؛ إلى الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ الَّتِي في الآيَةِ. وهَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ الِاسْتِثْناءُ لا يُفِيدُ تَجْدِيدَ حُكْمٍ؛ إذْ يَكُونُ حُكْمُ هَؤُلاءِ المُسْتَثْنَيْنَ حُكْمَ باقِي المُعاهَدِينَ الَّذِينَ لَمْ يَتَّصِفُوا بِما اتَّصَفَ بِهِ هَؤُلاءِ مِن عَدَمِ النَّقْصِ وعَدَمِ المُظاهَرَةِ. وقَرَأ عَطاءُ بْنُ السّائِبِ الكُوفِيُّ وعِكْرِمَةُ، وأبُو زَيْدٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: (يَنْقُضُوكم) بِالضّادِ مُعْجَمَةً وتُناسِبُ العَهْدَ، وهي بِمَعْنى قِراءَةِ الجُمْهُورِ؛ لِأنَّ مَن نَقَصَ مِنَ العَهْدِ فَقَدْ نَقَصَ مِنَ الأجَلِ المَضْرُوبِ. وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ ولَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَكم، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ؛ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ. وقالَ الكَرْمانِيُّ: هي بِالضّادِ أقْرَبُ إلى مَعْنى العَهْدِ، إلّا أنَّ القِراءَةَ بِالصّادِ أحْسَنُ لِيَقَعَ في مُقابَلَتِهِ التَّمامُ في قَوْلِهِ: (فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ)، والتَّمامُ ضِدُّ النَّقْصِ. وانْتَصَبَ شَيْئًا عَلى المَصْدَرِ، أيْ: لا قَلِيلًا مِنَ النَّقْصِ ولا كَثِيرًا. ﴿ولَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكم أحَدًا﴾ كَما (p-٩)فَعَلَتْ قُرَيْشٌ بِبَنِي بَكْرٍ حِينَ أعانُوهم بِالسِّلاحِ عَلى خُزاعَةَ. وتَعَدّى (أتَوْا) بِإلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى (فَأدُّوا)؛ أيْ: فَأدُّوهُ تامًّا كامِلًا. وقَوْلُ قَتادَةَ: إنَّ المُسْتَثْنَيْنَ هم قُرَيْشٌ عُوهِدُوا زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ مَرْدُودٌ بِإسْلامِ قُرَيْشٍ في الفَتْحِ قَبْلَ الإذْنِ بِهَذا كُلِّهِ. وقَوْلُهُ: ﴿يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الوَفاءَ بِالعَهْدِ مِنَ التَّقْوى، وأنَّ مِنَ التَّقْوى أنْ لا يُسَوّى بَيْنَ القَبِيلَتَيْنِ. ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهم وخُذُوهم واحْصُرُوهم واقْعُدُوا لَهم كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى (انْسَلَخَ) في قَوْلِهِ: (فانْسَلَخَ) . وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: يُقالُ: أهْلَلْنا هِلالَ شَهْرِ كَذا أيْ دَخَلْنا فِيهِ ولَبِسْناهُ، فَنَحْنُ نَزْدادُ كُلَّ لَيْلَةٍ إلى مُضِيِّ نِصْفِهِ لِباسًا مِنهُ، ثُمَّ نَسْلَخُهُ عَنْ أنْفُسِنا بَعْدَ تَكامُلِ النِّصْفِ مِنهُ جُزْءًا حَتّى نَسْلَخَهُ عَنْ أنْفُسِنا كُلَّهُ، فَيَنْسَلِخُ. وأنْشَدَ: ؎إذا ما سَلَخْتَ الشَّهْرَ أهْلَلْتَ مِثْلَهُ كَفى قاتِلًا سَلْخُ الشُّهُورِ وإهْلالُ والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الأشْهُرَ هي الَّتِي أُبِيحَ لِلنّاكِثِينَ أنْ يَسِيحُوا فِيها، ووُصِفَتْ بِالحُرُمِ لِأنَّها مُحَرَّمٌ فِيها القِتالُ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الخِلافِ في ابْتِدائِها وانْتِهائِها. وإذا تَقَدَّمَتِ النَّكِرَةُ وذُكِرَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فالوَجْهُ أنْ تُذْكَرَ بِالضَّمِيرِ نَحْوُ: لَقِيتُ رَجُلًا فَضَرَبْتُهُ. ويَجُوزُ أنْ يُعادَ اللَّفْظُ مُعَرَّفًا بِـ ”ألْ“ نَحْوُ: لَقِيتُ رَجُلًا فَضَرَبْتُ الرَّجُلَ، ولا يَجُوزُ أنْ يُوصَفَ بِوَصْفٍ يُشْعِرُ بِالمُغايَرَةِ، لَوْ قُلْتُ: لَقِيتُ رَجُلًا فَضَرَبْتُ الرَّجُلَ الأزْرَقَ وأنْتَ تُرِيدُ الرَّجُلَ الَّذِي لَقِيتَهُ لَمْ يَجُزْ، بَلْ يَنْصَرِفُ ذَلِكَ إلى غَيْرِهِ، ويَكُونُ المَضْرُوبُ غَيْرَ المُلْقى. فَإنْ وصَفْتَهُ بِوَصْفٍ لا يُشْعِرُ بِالمُغايَرَةِ جازَ نَحْوُ: لَقِيتُ رَجُلًا فَضَرَبْتَ الرَّجُلَ المَذْكُورَ. وهُنا جاءَ الأشْهُرُ الحُرُمُ؛ لِأنَّ هَذا الوَصْفَ مَفْهُومٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢]؛ إذِ التَّقْدِيرُ: أرْبَعَةَ أشْهُرٍ حُرُمٌ، لا يُتَعَرَّضُ إلَيْكم فِيها، فَلَيْسَ الحُرُمُ وصْفًا مُشْعِرًا بِالمُغايَرَةِ. وقِيلَ: الأشْهُرُ الحُرُمُ هي غَيْرُ هَذِهِ الأرْبَعَةِ، وهي الأشْهُرُ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ فِيها القِتالَ مُنْذُ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ، وهي الَّتِي جاءَ في الحَدِيثِ فِيها: «”إنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ؛ السَّنَةُ اثْنا عَشَرَ شَهْرا مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ: ذُو القَعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ، ورَجَبٌ“» فَتَكُونُ الأرْبَعَةُ مِن سَنَتَيْنِ. وقِيلَ: أوَّلُها المُحَرَّمُ، فَتَكُونُ مِن سَنَةٍ. وجاءَ الأمْرُ بِالقَتْلِ عَلى سَبِيلِ التَّشْجِيعِ وتَقْوِيَةِ النَّفْسِ، وأنَّهم لا مَنَعَةَ عِنْدَهم مِن أنْ يُقْتَلُوا. وفي إطْلاقِ الأمْرِ بِالقَتْلِ دَلِيلٌ عَلى قَتْلِهِمْ بِأيِّ وجْهٍ كانَ، وقَدْ قَتَلَ أبُو بَكْرٍ أصْحابَ الرِّدَّةِ بِالإحْراقِ بِالنّارِ، وبِالحِجارَةِ، وبِالرَّمْيِ مِن رُءُوسِ الجِبالِ، والتَّنْكِيسِ في الآبارِ. وتَعَلَّقَ بِعُمُومِ (p-١٠)هَذِهِ الآيَةِ، وأحْرَقَ عَلِيٌّ قَوْمًا مِن أهْلِ الرِّدَّةِ، وقَدْ ورَدَتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِالنَّهْيِ عَنِ المُثْلَةِ. ولَفْظُ (المُشْرِكِينَ) عامٌّ في كُلِّ مُشْرِكٍ، وجاءَتِ السُّنَّةُ بِاسْتِثْناءِ الأطْفالِ والرُّهْبانِ والشُّيُوخِ الَّذِينَ لَيْسُوا ذَوِي رَأْيٍ في الحَرْبِ، ومَن قاتَلَ مِن هَؤُلاءِ قُتِلَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي الَّذِينَ نَقَصُوكم وظاهَرُوا عَلَيْكم. ولَفْظُ: (حَيْثُ وجَدْتُمُوهم) عامٌّ في الأماكِنِ مِن حِلٍّ وحَرَمٍ. (وخُذُوهم) عِبارَةٌ عَنِ الأسْرِ، والأخِيذُ الأسِيرُ. ويَدُلُّ عَلى جَوازِ أسْرِهِمْ: (واحْصُرُوهم)؛ قَيِّدُوهم وامْنَعُوهم مِنَ التَّصَرُّفِ في البِلادِ، وقِيلَ: اسْتَرِقُّوهم، وقِيلَ: مَعْناهُ: حاصِرُوهم إنْ تَحَصَّنُوا. وقُرِئَ: (فَحاصِرُوهم) شاذًّا، وهَذا القَوْلُ يُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَنْهُ أيْضًا: حُولُوا بَيْنَهم وبَيْنَ المَسْجِدِ الحَرامِ، وقِيلَ: امْنَعُوهم عَنْ دُخُولِ بِلادِ الإسْلامِ والتَّصَرُّفِ فِيها إلّا بِإذْنٍ. قالَ القُرْطُبِيُّ في قَوْلِهِ: ﴿واقْعُدُوا لَهم كُلَّ مَرْصَدٍ﴾: دَلالَةٌ عَلى جَوازِ اغْتِيالِهِمْ قَبْلَ الدَّعْوَةِ؛ لِأنَّ المَعْنى اقْعُدُوا لَهم مَواضِعَ الغِرَّةِ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المَقْصُودَ إيصالُ الأذى إلَيْهِمْ بِكُلِّ طَرِيقٍ: إمّا بِطْرِيقِ القِتالِ، وإمّا بِطَرِيقِ الِاغْتِيالِ. وقَدْ أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى جَوازِ السَّرِقَةِ مِن أمْوالِ أهْلِ الحَرْبِ، وإسْلالِ خَيْلِهِمْ، وإتْلافِ مَواشِيهِمْ إذا عُجِزَ عَنِ الخُرُوجِ بِها إلى دارِ الإسْلامِ، إلّا أنْ يُصالِحُوا عَلى مِثْلِ ذَلِكَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (كُلَّ مَرْصَدٍ) كُلَّ مَمَرٍّ ومُجْتازٍ تَرْصُدُونَهم فِيهِ، وانْتِصابُهَ عَلى الظَّرْفِ كَقَوْلِهِ: ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦] انْتَهى. وهَذا الَّذِي قالَهُ الزَّجّاجُ، قالَ: (كُلَّ مَرْصَدٍ) ظَرْفٌ، كَقَوْلِكَ: ذَهَبْتُ مَذْهَبًا، ورَدَّهُ أبُو عَلِيٍّ؛ لِأنَّ المَرْصَدَ المَكانُ الَّذِي يُرْصَدُ فِيهِ العَدُوُّ، فَهو مَكانٌ مَخْصُوصٌ لا يُحْذَفُ الحَرْفُ مِنهُ إلّا سَماعًا كَما حَكى سِيبَوَيْهِ: دَخَلْتُ البَيْتَ، وكَما عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ انْتَهى. وأقُولُ: يَصِحُّ انْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (واقْعُدُوا لَهم) لَيْسَ مَعْناهُ حَقِيقَةَ القُعُودِ، بَلِ المَعْنى ارْصُدُوهم في كُلِّ مَكانٍ يُرْصَدُ فِيهِ، ولَمّا كانَ بِهَذا المَعْنى جازَ قِياسًا أنْ يُحْذَفَ مِنهُ في كَما قالَ: وقَدْ قَعَدُوا أنْفاقَها كُلَّ مَقْعَدٍ. فَمَتى كانَ العامِلُ في الظَّرْفِ المُخْتَصِّ عامِلًا مِن لَفْظِهِ أوْ مِن مَعْناهُ، جازَ أنْ يَصِلَ إلَيْهِ بِغَيْرِ واسِطَةِ ”في“، فَيَجُوزُ جَلَسْتُ مَجْلِسَ زِيدٍ، وقَعَدْتُ مَجْلِسَ زِيدٍ، تُرِيدُ في مَجْلِسِ زِيدٍ، فَكَما يَتَعَدّى الفِعْلُ إلى المَصْدَرِ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ إذا كانَ بِمَعْناهُ، فَكَذَلِكَ إلى الظَّرْفِ. وقالَ الأخْفَشُ: مَعْناهُ عَلى كُلِّ مَرْصَدٍ، فَحُذِفَ وأُعْمِلَ الفِعْلُ، وحُذِفَ ”عَلى“، ووُصُولُ الفِعْلِ إلى مَجْرُورِها فَتَنْصِبُهُ، يَخُصُّهُ أصْحابُنا بِالشِّعْرِ، وأنْشَدُوا: ؎تَحِنُّ فَتُبْدِي ما بِها مِن صَبابَةٍ ∗∗∗ وأُخْفِي الَّذِي لَوْلا الأسى لَقَضانِي أيْ لَقَضى عَلَيَّ. ﴿فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهم إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ عَنِ الكُفْرِ والغَدْرِ. والتَّوْبَةُ تَتَضَمَّنُ الإيمانَ وتَرْكَ ما كانُوا فِيهِ مِنَ المَعاصِي، ثُمَّ نَبَّهَ عَلى أعْظَمِ الشَّعائِرِ الإسْلامِيَّةِ، وذَلِكَ إقامَةُ الصَّلاةِ وهي أفْضَلُ الأعْمالِ البَدَنِيَّةِ، وإيتاءُ الزَّكاةِ وهي أفْضَلُ الأعْمالِ المالِيَّةِ، وبِهِما تَظْهَرُ القُوَّةُ العَمَلِيَّةُ، كَما بِالتَّوْبَةِ تَظْهَرُ القُوَّةُ العِلْمِيَّةُ عَنِ الجَهْلِ. (فَخَلُّوا سَبِيلَهم)، كِنايَةٌ عَنِ الكَفِّ عَنْهم وإجْرائِهِمْ مَجْرى المُسْلِمِينَ في تَصَرُّفاتِهِمْ حَيْثُ ما شاءُوا، ولا تَتَعَرَّضُوا لَهم، كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎خَلِّ السَّبِيلَ لِمَن يُبْنى المَنارُ بِهِ أوْ يَكُونُ المَعْنى: فَأطْلِقُوهم مِنَ الأسْرِ والحَصْرِ، والظّاهِرُ الأوَّلُ؛ لِشُمُولِ الحُكْمِ لِمَن كانَ مَأْسُورًا وغَيْرَهُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: افْتُرِضَتِ الصَّلاةُ والزَّكاةُ جَمِيعًا، وأبى اللَّهُ أنْ لا تُقْبَلَ الصَّلاةُ إلّا بِالزَّكاةِ، وقالَ: يَرْحَمُ اللَّهُ أبا بَكْرٍ ما كانَ أفْقَهَهُ في قَوْلِهِ: ”لَأُقاتِلَنَّ مَن فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ“ . وناسَبَ ذِكْرُ وصْفِ الغُفْرانِ والرَّحْمَةِ مِنهُ تَعالى لِمَن تابَ عَنِ الكُفْرِ والتَزَمَ شَرائِعَ الإسْلامِ. قالَ الحافِظُ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: لا خِلافَ بَيْنِ المُسْلِمِينَ أنَّ مَن تَرَكَ (p-١١)الصَّلاةَ وسائِرَ الفَرائِضِ مُسْتَحِلًّا كَفَرَ، ودُفِنَ في مَقابِرِ الكُفّارِ، وكانَ مالُهُ فَيْئًا. ومَن تَرَكَ السُّنَنَ فَسَقَ، ومَن تَرَكَ النَّوافِلَ لَمْ يُحْرَجْ إلّا أنْ يَجْحَدَ فَضْلَها فَيَكْفُرُ؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ رادًّا عَلى النَّبِيِّ ﷺ ما جاءَ بِهِ وأخْبَرَ عَنْهُ انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ مَفْهُومَ الشَّرْطِ لا يَنْتَهِضُ أنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلى تَعْيِينِ قَتْلِ مَن تَرَكَ الصَّلاةَ والزَّكاةَ مُتَعَمِّدًا غَيْرَ مُسْتَحِلٍّ ومَعَ القُدْرَةِ؛ لِأنَّ انْتِفاءَ تَخْلِيَةِ السَّبِيلِ تَكُونُ بِالحَبْسِ وغَيْرِهِ، فَلا يَتَعَيَّنُ القَتْلُ. وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في ذَلِكَ، فَقالَ مَكْحُولٌ، ومالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وحَمّادُ بْنُ زَيْدٍ، ووَكِيعٌ، وأبُو ثَوْرٍ: يُقْتَلُ. وقالَ ابْنُ شِهابٍ، وأبُو حَنِيفَةَ، وداوُدُ: يُسْجَنُ ويُضْرَبُ، ولا يُقْتَلُ. وقالَ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ: يُقْتَلُ كُفْرًا، ومالُهُ مالُ مُرْتَدٍّ، وبِهِ قالَ إسْحاقُ. قالَ إسْحاقُ: وكَذَلِكَ كانَ رَأْيُ أهْلِ العِلْمِ مِن لَدُنِ النَّبِيِّ ﷺ إلى زَمانِنا. ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ قالَ الضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ: هي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ الأمْرِ بِقَتْلِ المُشْرِكِينَ. وقالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ: هي مُحْكَمَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: جاءَ رَجُلٌ إلى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ: إنْ أرادَ الرَّجُلُ مِنّا أنْ يَأْتِيَ مُحَمَّدًا بَعْدَ انْقِضاءِ هَذا الأجَلِ لِيَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ، أوْ يَأْتِيَهُ لِحاجَةِ قُتِلَ ؟ قالَ: لا؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ﴾ الآيَةَ انْتَهى. وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ إنَّما كانَ حُكْمُها مُدَّةَ الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ الَّتِي ضُرِبَتْ لَهم أجَلًا، والظّاهِرُ أنَّها مُحْكَمَةٌ. ولَمّا أمَرَ تَعالى بِقَتْلِ المُشْرِكِينَ حَيْثُ وُجِدُوا، وأخْذِهِمْ وحَصْرِهم، وطَلَبِ غِرَّتَهم، ذَكَرَ لَهم حالَةً لا يُقْتَلُونَ فِيها ولا يُؤْخَذُونَ ويُؤْسَرُونَ، وتِلْكَ إذا جاءَ واحِدٌ مِنهم مُسْتَرْشِدًا طالِبًا لِلْحُجَّةِ والدَّلالَةِ عَلى ما يَدْعُو إلَيْهِ مِنَ الدِّينِ. فالمَعْنى: ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ﴾؛ أيْ طَلَبَ مِنكَ أنْ تَكُونَ مُجِيرًا لَهُ، وذَلِكَ بَعْدَ انْسِلاخِ الأشْهُرِ لِيَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ وما تَضَمَّنَهُ مِنَ التَّوْحِيدِ، ويَقِفَ عَلى ما بُعِثْتَ بِهِ، فَكُنْ مُجِيرًا لَهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ويَتَدَبَّرَهُ، ويَطَّلِعَ عَلى حَقِيقَةِ الأمْرِ، ثُمَّ أبْلِغْهُ دارَهُ الَّتِي يَأْمَنُ فِيها إنْ لَمْ يُسْلِمْ، ثُمَّ قاتِلْهُ إنْ شِئْتَ مِن غَيْرِ غَدْرٍ ولا خِيانَةٍ. و(حَتّى) يَصِحَّ أنْ تَكُونَ لِلْغايَةِ أيْ: إلى أنْ يَسْمَعَ. ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ لِلتَّعْلِيلِ، وهي مُتَعَلِّقَةٌ في الحالَيْنِ بِأجِرْهُ. ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِن بابِ التَّنازُعِ، وإنْ كانَ يَصِحُّ مِن حَيْثُ المَعْنى أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِاسْتَجارَكَ أوْ بِفَأْجِرْهُ؛ وذَلِكَ لِمانِعٍ لَفْظِيٍّ وهو: أنَّهُ لَوْ أعْمَلَ الأوَّلَ لَأضْمَرَ في الثّانِي، و(حَتّى) لا تَجُرُّ المُضْمَرَ، فَلِذَلِكَ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِن بابِ التَّنازُعِ. لَكِنْ مَن ذَهَبَ مِنَ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّ (حَتّى) تَجُرُّ المُضْمَرَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عِنْدَهُ مِن بابِ التَّنازُعِ، وكَوْنُ (حَتّى) لا تَجُرُّ المُضْمَرَ هو مَذْهَبُ الجُمْهُورِ. ولَمّا كانَ القُرْآنُ أعْظَمَ المُعْجِزاتِ، عُلِّقُ السَّماعُ بِهِ، وذُكِرَ السَّماعُ؛ لِأنَّهُ الطَّرِيقُ إلى الفَهْمِ. وقَدْ يُرادُ بِالسَّماعِ الفَهْمُ، تَقُولُ لِمَن خاطَبْتَهُ فَلَمْ يَقْبَلْ مِنكَ: أنْتَ لَمْ تَسْمَعْ، تُرِيدُ لَمْ تَفْهَمْ. و(كَلامَ اللَّهِ) مِن بابِ إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ، لا مِن بابِ إضافَةِ المَخْلُوقِ إلى الخالِقِ، ومَأْمَنَهُ: مَكانُ أمْنِهِ. وقِيلَ: مَأْمَنُهُ مَصْدَرٌ؛ أيْ ثُمَّ أبْلِغْهُ أمْنَهُ. وقَدِ اسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ عَلى حُدُوثِ كَلامِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ لا يُسْمَعُ إلّا الحُرُوفُ والأصْواتُ، ومَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ حُدُوثُ ذَلِكَ، وهَذا مَذْكُورٌ في عِلْمِ الكَلامِ. وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ النَّظَرَ في التَّوْحِيدِ أعْلى المَقاماتِ؛ إذْ عُصِمَ دَمُ الكافِرِ المُهْدَرِ الدَّمِ بِطَلَبِهِ النَّظَرَ والِاسْتِدْلالَ، وأوْجَبَ عَلى الرَّسُولِ أنْ يُبْلِغَهُ مَأْمَنَهُ، وفِيها دَلالَةٌ عَلى أنَّ التَّقْلِيدَ غَيْرُ كافٍ في الدِّينِ؛ إذْ كانَ لا يُمْهَلُ، بَلْ يُقالُ لَهُ: إمّا أنْ تُسْلِمَ، وإمّا أنْ تُقْتَلَ. وفِيها دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ بَعْدَ سَماعِ كَلامِ اللَّهِ لا يُقَرُّ بِأرْضِ الإسْلامِ، بَلْ يُبْلَغُ مَأْمَنَهُ، وأنَّهُ يَجِبُ حِفْظُهُ وحَوْطَتُهُ مُدَّةً يَسْمَعُ فِيها كَلامَ اللَّهِ. والخِطابُ (p-١٢)بِقَوْلِهِ: (اسْتَجارَكَ) و(فَأجِرْهُ) يَدُلُّ عَلى أنَّ أمانَ السُّلْطانِ جائِزٌ، وأمّا غَيْرُهُ: فالحُرُّ يَمْضِي أمانُهُ، وقالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يَنْظُرُ الإمامُ فِيهِ. والعَبْدُ: قالَ الأوْزاعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ، وإسْحاقُ، ومُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ، وأبُو ثَوْرٍ، وداوُدَ: لَهُ الأمانُ، وهو مَشْهُورُ مَذْهَبِ مالِكٍ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا أمانَ لَهُ، وهو قَوْلٌ في مَذْهَبِ مالِكٍ. والحُرَّةُ لَها الأمانُ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقالَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ الماجِشُونِ: لا، إلّا أنْ يُجِيرَهُ الإمامُ، وقَوْلُهُ شاذٌّ. والصَّبِيُّ إذا أطاقَ القِتالَ جازَ أمانُهُ، ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾؛ أيْ ذَلِكَ الأمْرَ بِالإجارَةِ وإبْلاغِ المَأْمَنِ، بِسَبَبِ أنَّهم قَوْمٌ جَهَلَةٌ لا يَعْلَمُونَ ما الإسْلامُ ؟ وما حَقِيقَةُ ما تَدْعُو إلَيْهِ ؟ فَلا بُدَّ مِن إعْطائِهِمُ الأمانَ حَتّى يَسْمَعُوا ويَفْهَمُوا الحَقَّ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إشارَةٌ إلى هَذا اللُّطْفِ في الإجارَةِ والإسْماعِ وتَبْلِيغِ المَأْمَنِ، (لا يَعْلَمُونَ) نَفى عِلْمَهم بِمَراشِدِهِمْ في اتِّباعِ الرَّسُولِ ﷺ . ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ فَما اسْتَقامُوا لَكم فاسْتَقِيمُوا لَهم إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾؛ هَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَّعَجُّبُ والِاسْتِنْكارُ والِاسْتِبْعادُ. قالَ التَّبْرِيزِيُّ والكَرْمانِيُّ: مَعْناهُ النَّفْيُ؛ أيْ لا يَكُونُ لَهم عَهْدٌ وهم لَكم ضِدٌّ. ونَبَّهَ عَلى عِلَّةِ انْتِفاءِ العَهْدِ بِالوَصْفِ الَّذِي قامَ بِهِ وهو الإشْراكُ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: وفي الآيَةِ إضْمارٌ؛ أيْ كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ مَعَ إضْمارِ الغَدْرِ والنَّكْثِ ؟ انْتَهى. والِاسْتِفْهامُ يُرادُ بِهِ النَّفْيُ كَثِيرًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَها ذِي سُيُوفٌ يا هُدى بْنِ مالِكٍ ∗∗∗ كَثِيرٌ ولَكِنْ لَيْسَ بِالسَّيْفِ ضارِبٌ أيْ لَيْسَ بِالسَّيْفِ ضارِبٌ. ولَمّا كانَ الِاسْتِفْهامُ مَعْناهُ النَّفْيُ، صَلَحَ مَجِيءُ الِاسْتِثْناءِ وهو مُتَّصِلٌ، وقِيلَ: مُنْقَطِعٌ، أيْ لَكِنَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ. قالَ الحَوْفِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (الَّذِينَ) في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى البَدَلِ مِنَ المُشْرِكِينَ؛ لِأنَّ مَعْنى ما تَقَدَّمَ النَّفْيُ؛ أيْ: لَيْسَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ إلّا الَّذِينَ لَمْ يَنْكُثُوا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم قُرَيْشٌ، وقالَ السُّدِّيُّ: بَنُو جَذِيمَةَ بْنِ الدِّيلِ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: قَبائِلُ بَنِي بَكْرٍ كانُوا دَخَلُوا وقْتَ الحُدَيْبِيَةَ في المُدَّةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَ الرَّسُولِ ﷺ وقُرَيْشٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَبَنِي كِنانَةَ وبَنِي ضَمْرَةَ. وقالَ قَوْمٌ مِنهم مُجاهِدٌ: هم خُزاعَةُ ورُدَّ بِإسْلامِهِمْ عامَ الفَتْحِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هم قُرَيْشٌ نَزَلَتْ فَلَمْ يَسْتَقِيمُوا، فَنَزَلَ تَأْجِيلُهم أرْبَعَةَ أشْهُرٍ بَعْدَ ذَلِكَ. وضُعِّفَ هَذا القَوْلُ بِأنَّ قُرَيْشًا بَعْدَ الأذانِ بِأرْبَعَةِ أشْهُرٍ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ إلّا مُسْلِمٌ، وذَلِكَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ بِسَنَةٍ، وكَذَلِكَ خُزاعَةُ قالَهُ الطَّبَرِيُّ. ﴿فَما اسْتَقامُوا لَكُمْ﴾ عَلى العَهْدِ ﴿فاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ عَلى الوَفاءِ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ خَبَرُ يَكُونُ كَيْفَ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ [النمل: ٥١]، وأنْ يَكُونَ الخَبَرُ ﴿لِلْمُشْرِكِينَ﴾ . و(عِنْدَ) عَلى هَذَيْنِ ظَرْفٌ لِلْعَهْدِ، أوْ لِيَكُونَ، أوْ لِلْحالِ، أوْ هي وصْفٌ لِلْعَهْدِ. وأنْ يَكُونَ الخَبَرُ (عِنْدَ اللَّهِ)، و(لِلْمُشْرِكِينَ) تَبْيِينٌ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِيَكُونَ، وكَيْفَ حالٌ مِنَ العَهْدِ انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ، أيْ: اسْتَقِيمُوا لَهم مُدَّةَ اسْتِقامَتِهِمْ، ولَيْسَتْ شَرْطِيَّةً. وقالَ أبُو البَقاءِ: هي شَرْطِيَّةٌ كَقَوْلِهِ: ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ﴾ [فاطر: ٢] انْتَهى. فَكانَ التَّقْدِيرُ: ما اسْتَقامُوا لَكم مِن زَمانٍ فاسْتَقِيمُوا لَهم. وقالَ الحَوْفِيُّ: (ما) شَرْطٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ (اسْتَقامُوا)، و(لَكم) مُتَعَلِّقٌ بِاسْتَقامُوا، ﴿فاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ الفاءُ جَوابُ الشَّرْطِ انْتَهى. فَكانَ التَّقْدِيرُ: فَأيُّ وقْتٍ اسْتَقامُوا فِيهِ لَكم فاسْتَقِيمُوا لَهم. وإنَّما جَوَّزَ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً لِوُجُودِ الفاءِ في (فاسْتَقِيمُوا)؛ لِأنَّ المَصْدَرِيَّةَ الزَّمانِيَّةَ لا تَحْتاجُ إلى الفاءِ. وقَدْ أجازَ ابْنُ مالِكٍ في المَصْدَرِيَّةِ الزَّمانِيَّةِ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً وتَجْزِمَ، وأنْشَدَ عَلى ذَلِكَ ما يَدُلُّ ظاهِرُهُ عَلى صِحَّةِ دَعْواهُ. وقَدْ (p-١٣)ذَكَرْنا ذَلِكَ في كِتابِ التَّكْمِيلِ، وتَأوَّلْنا ما اسْتَشْهَدَ بِهِ. فَعَلى قَوْلِهِ تَكُونُ زَمانِيَّةً شَرْطِيَّةً. ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾، يَعْنِي أنَّ الوَفاءَ بِالعَهْدِ مِن أخْلاقِ المُتَّقِينَ، والتَّرَبُّصَ بِهَؤُلاءِ إنِ اسْتَقامُوا مِن أعْمالِ المُؤْمِنِينَ، والتَّقْوى تَتَضَمَّنُ الإيمانَ والوَفاءَ بِالعَهْدِ. ﴿كَيْفَ وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم لا يَرْقُبُوا فِيكم إلًّا ولا ذِمَّةً يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ وتَأْبى قُلُوبُهم وأكْثَرُهم فاسِقُونَ﴾ (كَيْفَ) تَأْكِيدٌ لِنَفْيِ ثَباتِهِمْ عَلى العَهْدِ. والظّاهِرُ أنَّ الفِعْلَ المَحْذُوفَ بَعْدَها هو مِن جِنْسِ أقْرَبِ مَذْكُورٍ لَها، وحُذِفَ لِلْعِلْمِ بِهِ في (كَيْفَ) السّابِقَةِ، والتَّقْدِيرُ: كَيْفَ يَكُونُ لَهم عَهْدٌ وحالُهم هَذِهِ ؟ وقَدْ جاءَ حَذْفُ الفِعْلِ بَعْدَ كَيْفَ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١]، وقالَ الشاعر: ؎وخَبَّرْتُمانِي أنَّما المَوْتُ بِالقُرى ∗∗∗ فَكَيْفَ وهاتا هَضْبَةٌ وكَثِيبُ أيْ: فَكَيْفَ ماتَ ولَيْسَ في قَرْيَةٍ ؟ وقالَ الحُطَيْئَةُ: ؎فَكَيْفَ ولَمْ أعْلَمْهم خَذَلُوكم ∗∗∗ عَلى مُعْظَمٍ وأنَّ أدِيمَكم قَدُّوا أيْ فَكَيْفَ تَلُومُونَنِي عَلى مَدْحِهِمْ ؟ واسْتَغْنى عَنْ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ جَرى في القَصِيدَةِ ما دَلَّ عَلى ما أُضْمِرَ. وقَدَّرَ أبُو البَقاءِ الفِعْلَ المَحْذُوفَ بَعْدَ كَيْفَ بِقَوْلِهِ: كَيْفَ تَطْمَئِنُّونَ إلَيْهِمْ ؟ وقَدَّرَهُ غَيْرُهُ: كَيْفَ لا يَقْتُلُونَهم ؟ والواوُ في ﴿وإنْ يَظْهَرُوا﴾ واوُ الحالِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى وُقُوعِ جُمْلَةِ الشَّرْطِ حالًا في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ [الأعراف: ١٦٩] ومَعْنى الظُّهُورِ العُلُوُّ والظَّفَرُ، تَقُولُ: ظَهَرْتُ عَلى فُلانٍ عَلَوْتُهُ. والمَعْنى: وإنْ يَقْدِرُوا عَلَيْكم ويَظْفَرُوا بِكم. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ﴿وإنْ يَظْهَرُوا﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. (لا يَرْقُبُوا): لا يَحْفَظُوا ولا يَرْعَوْا (إلًّا): عَهْدًا أوْ قَرابَةً أوْ حِلْفًا أوْ سِياسَةً أوِ اللَّهَ تَعالى، أوْ جُؤارًا؛ أيْ: رَفْعَ صَوْتٍ بِالتَّضَرُّعِ، أقْوالٌ. قالَ مُجاهِدٌ وأبُو مِجْلَزٍ: ”إلٌّ“ اسْمُ اللَّهِ بِالسُّرْيانِيَّةِ وعُرِّبَ. ومِن ذَلِكَ قَوْلُ أبِي بَكْرٍ حِينَ سَمِعَ كَلامَ مُسَيْلِمَةَ فَقالَ: هَذا كَلامٌ لَمْ يَخْرُجْ مِن إلٍّ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: ”ألًّا“ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وهو مَصْدَرٌ مِن فِعْلِ الألِّ الَّذِي هو العَهْدُ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ: إيلًا بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وياءٌ بَعْدَها، فَقِيلَ: هو اسْمُ اللَّهِ تَعالى. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ إلًى أُبْدِلَ مِن أحَدِ المُضاعَفَيْنِ ياءٌ، كَما قالُوا في: إمّا إيما، قالَ الشّاعِرُ: ؎يا لَيْتَما أُمُّنا شالَتْ نَعامَتُها ∗∗∗ إيما إلى الجَنَّةِ إيما إلى نارِ قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا مِن آلَ يَئُولُ إذا ساسَ، أُبْدِلَ مِنَ الواوِ ياءً؛ لِسُكُونِها وانْكِسارِ ما قَبْلَها؛ أيْ: لا يَرْقُبُونَ فِيكم سِياسَةً ولا مُداراةً ولا ذِمَّةً، مَن رَأى أنَّ الإلَّ هو العَهْدُ جَعَلَهُ والذِّمَّةَ لَفْظَيْنِ لِمَعْنًى واحِدٍ أوْ مُتَقارِبَيْنِ، ومَن رَأى أنَّ الإلَّ غَيْرُ العَهْدِ فَهُما لَفْظانِ مُتَبايِنانِ. ولَمّا ذَكَرَ حالَهم مَعَ المُؤْمِنِينَ إنْ ظَهَرُوا عَلَيْهِمْ ذَكَرَ حالَهم مَعَهم إذا كانُوا غَيْرَ ظاهِرِينَ، فَقالَ: ﴿يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ﴾ . واسْتَأْنَفَ هَذا الكَلامَ أيْ: حالُهم في الظّاهِرِ مُخالِفٌ لِباطِنِهِمْ، وهَذا كُلُّهُ تَقْرِيرٌ واسْتِبْعادٌ لِثَباتِ قُلُوبِهِمْ عَلى العَهْدِ، وإباءُ القَلْبِ مُخالَفَتُهُ لِما يَجْرِي عَلى اللِّسانِ مِنَ القَوْلِ الحَسَنِ. وقِيلَ: ﴿يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ﴾ في العِدَةِ بِالإيمانِ، وتَأْبى قُلُوبُهم إلّا الكُفْرَ. وقِيلَ: يُرْضُونَكم في الطّاعَةِ، وتَأْبى قُلُوبُهم إلّا المَعْصِيَةَ. والظّاهِرُ بَقاءُ الأكْثَرِ عَلى حَقِيقَتِهِ فَقِيلَ: (وأكْثَرُهم)؛ لِأنَّ مِنهم مَن قَضى اللَّهُ لَهُ بِالإيمانِ، وقِيلَ: لِأنَّ مِنهم مَن لَهُ حِفْظٌ لِمُراعاةِ الحالِ الحَسَنَةِ مِنَ التَّعَفُّفِ عَمّا يَثْلِمُ العِرْضَ، ويَجُرُّ أُحْدُوثَةَ السُّوءِ، وأكْثَرُهم خُبْثُ الأنْفُسِ خِرِيجُونَ في الشَّرِّ لا مُرُوءَةَ تَرْدَعُهم، ولا طِباعَ مَرْضِيَّةً تَزَعُهم، لا يَحْتَرِزُونَ عَنْ كَذِبٍ ولا مَكْرٍ ولا خَدِيعَةٍ، ومَن كانَ بِهَذا الوَصْفِ كانَ مَذْمُومًا عِنْدَ النّاسِ وفي جَمِيعِ الأدْيانِ. ألا تَرى إلى أهْلِ الجاهِلِيَّةِ وهم كُفّارٌ كَيْفَ يَمْدَحُونَ أنْفُسَهم بِالعَفافِ وبِالصِّدْقِ وبِالوَفاءِ بِالعَهْدِ وبِالأخْلاقِ الحَسَنَةِ. وقِيلَ: مَعْنى (وأكْثَرُهم) وكُلُّهم فاسِقُونَ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ والكَرْمانِيُّ.

التوبة 9:8

﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكم شَيْئًا ولَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكم أحَدًا فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾؛ قالَ قَوْمٌ: هَذا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، التَّقْدِيرُ: لَكِنَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ فَثَبَتُوا عَلى العَهْدِ أتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم، وقالَ قَوْمٌ مِنهُمُ الزَّجّاجُ: هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١]، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وجْهُهُ أنْ يَكُونَ مُسْتَثْنًى مِن قَوْلِهِ: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ﴾ [التوبة: ٢]؛ لِأنَّ الكَلامَ خِطابٌ لِلْمُسْلِمِينَ، ومَعْناهُ: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَقُولُوا لَهم: سِيحُوا، إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنهم، ثُمَّ لَمْ يَنْقُضُوا فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم. والِاسْتِثْناءُ بِمَعْنى الِاسْتِدْراكِ، كَأنَّهُ قِيلَ بَعْدَ أنْ أُمِرُوا في النّاكِثِينَ: ولَكِنَّ الَّذِينَ لَمْ يَنْكُثُوا فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم ولا تُجْرُوهم مَجْراهم، ولا تَجْعَلُوا الوَفِيَّ كالغادِرِ. وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، وقَبْلُهُ جُمْلَةٌ مَحْذُوفَةٌ تَقْدِيرُها: اقْتُلُوا المُشْرِكِينَ المُعاهَدِينَ إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ جِدًّا، والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا لِطُولِ الفَصْلِ بِجُمَلٍ كَثِيرَةٍ بَيْنَ ما يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مُسْتَثْنًى مِنهُ وبَيْنَهُ. قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: هم قَوْمٌ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ الرَّسُولِ عَهْدٌ لِمُدَّةٍ، فَأُمِرَ أنْ يَفِيَ لَهم. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَمّا قَرَأ عَلِيٌّ (بَراءَةٌ) قالَ لَبَنِي ضَمْرَةَ وحَيٍّ مِن كِنانَةَ وحَيٍّ مِن سُلَيْمٍ: إنَّ اللَّهَ قَدِ اسْتَثْناكم ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: إلى مُدَّتِهِمْ، يَكُونُ في المُدَّةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم وبَيْنَ الرَّسُولِ أُمِرُوا بِإتْمامِ العَهْدِ إلى تَمامِ المُدَّةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كانَ بَقِيَ لِحَيٍّ مِن كِنانَةَ تِسْعَةُ أشْهُرٍ، فَأُتِمَّ إلَيْهِمْ عَهْدُهم. وعَنْهُ أيْضًا: إلى مُدَّتِهِمْ؛ إلى الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ الَّتِي في الآيَةِ. وهَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ الِاسْتِثْناءُ لا يُفِيدُ تَجْدِيدَ حُكْمٍ؛ إذْ يَكُونُ حُكْمُ هَؤُلاءِ المُسْتَثْنَيْنَ حُكْمَ باقِي المُعاهَدِينَ الَّذِينَ لَمْ يَتَّصِفُوا بِما اتَّصَفَ بِهِ هَؤُلاءِ مِن عَدَمِ النَّقْصِ وعَدَمِ المُظاهَرَةِ. وقَرَأ عَطاءُ بْنُ السّائِبِ الكُوفِيُّ وعِكْرِمَةُ، وأبُو زَيْدٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: (يَنْقُضُوكم) بِالضّادِ مُعْجَمَةً وتُناسِبُ العَهْدَ، وهي بِمَعْنى قِراءَةِ الجُمْهُورِ؛ لِأنَّ مَن نَقَصَ مِنَ العَهْدِ فَقَدْ نَقَصَ مِنَ الأجَلِ المَضْرُوبِ. وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ ولَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَكم، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ؛ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ. وقالَ الكَرْمانِيُّ: هي بِالضّادِ أقْرَبُ إلى مَعْنى العَهْدِ، إلّا أنَّ القِراءَةَ بِالصّادِ أحْسَنُ لِيَقَعَ في مُقابَلَتِهِ التَّمامُ في قَوْلِهِ: (فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ)، والتَّمامُ ضِدُّ النَّقْصِ. وانْتَصَبَ شَيْئًا عَلى المَصْدَرِ، أيْ: لا قَلِيلًا مِنَ النَّقْصِ ولا كَثِيرًا. ﴿ولَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكم أحَدًا﴾ كَما (p-٩)فَعَلَتْ قُرَيْشٌ بِبَنِي بَكْرٍ حِينَ أعانُوهم بِالسِّلاحِ عَلى خُزاعَةَ. وتَعَدّى (أتَوْا) بِإلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى (فَأدُّوا)؛ أيْ: فَأدُّوهُ تامًّا كامِلًا. وقَوْلُ قَتادَةَ: إنَّ المُسْتَثْنَيْنَ هم قُرَيْشٌ عُوهِدُوا زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ مَرْدُودٌ بِإسْلامِ قُرَيْشٍ في الفَتْحِ قَبْلَ الإذْنِ بِهَذا كُلِّهِ. وقَوْلُهُ: ﴿يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الوَفاءَ بِالعَهْدِ مِنَ التَّقْوى، وأنَّ مِنَ التَّقْوى أنْ لا يُسَوّى بَيْنَ القَبِيلَتَيْنِ. ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهم وخُذُوهم واحْصُرُوهم واقْعُدُوا لَهم كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى (انْسَلَخَ) في قَوْلِهِ: (فانْسَلَخَ) . وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: يُقالُ: أهْلَلْنا هِلالَ شَهْرِ كَذا أيْ دَخَلْنا فِيهِ ولَبِسْناهُ، فَنَحْنُ نَزْدادُ كُلَّ لَيْلَةٍ إلى مُضِيِّ نِصْفِهِ لِباسًا مِنهُ، ثُمَّ نَسْلَخُهُ عَنْ أنْفُسِنا بَعْدَ تَكامُلِ النِّصْفِ مِنهُ جُزْءًا حَتّى نَسْلَخَهُ عَنْ أنْفُسِنا كُلَّهُ، فَيَنْسَلِخُ. وأنْشَدَ: ؎إذا ما سَلَخْتَ الشَّهْرَ أهْلَلْتَ مِثْلَهُ كَفى قاتِلًا سَلْخُ الشُّهُورِ وإهْلالُ والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الأشْهُرَ هي الَّتِي أُبِيحَ لِلنّاكِثِينَ أنْ يَسِيحُوا فِيها، ووُصِفَتْ بِالحُرُمِ لِأنَّها مُحَرَّمٌ فِيها القِتالُ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الخِلافِ في ابْتِدائِها وانْتِهائِها. وإذا تَقَدَّمَتِ النَّكِرَةُ وذُكِرَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فالوَجْهُ أنْ تُذْكَرَ بِالضَّمِيرِ نَحْوُ: لَقِيتُ رَجُلًا فَضَرَبْتُهُ. ويَجُوزُ أنْ يُعادَ اللَّفْظُ مُعَرَّفًا بِـ ”ألْ“ نَحْوُ: لَقِيتُ رَجُلًا فَضَرَبْتُ الرَّجُلَ، ولا يَجُوزُ أنْ يُوصَفَ بِوَصْفٍ يُشْعِرُ بِالمُغايَرَةِ، لَوْ قُلْتُ: لَقِيتُ رَجُلًا فَضَرَبْتُ الرَّجُلَ الأزْرَقَ وأنْتَ تُرِيدُ الرَّجُلَ الَّذِي لَقِيتَهُ لَمْ يَجُزْ، بَلْ يَنْصَرِفُ ذَلِكَ إلى غَيْرِهِ، ويَكُونُ المَضْرُوبُ غَيْرَ المُلْقى. فَإنْ وصَفْتَهُ بِوَصْفٍ لا يُشْعِرُ بِالمُغايَرَةِ جازَ نَحْوُ: لَقِيتُ رَجُلًا فَضَرَبْتَ الرَّجُلَ المَذْكُورَ. وهُنا جاءَ الأشْهُرُ الحُرُمُ؛ لِأنَّ هَذا الوَصْفَ مَفْهُومٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢]؛ إذِ التَّقْدِيرُ: أرْبَعَةَ أشْهُرٍ حُرُمٌ، لا يُتَعَرَّضُ إلَيْكم فِيها، فَلَيْسَ الحُرُمُ وصْفًا مُشْعِرًا بِالمُغايَرَةِ. وقِيلَ: الأشْهُرُ الحُرُمُ هي غَيْرُ هَذِهِ الأرْبَعَةِ، وهي الأشْهُرُ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ فِيها القِتالَ مُنْذُ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ، وهي الَّتِي جاءَ في الحَدِيثِ فِيها: «”إنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ؛ السَّنَةُ اثْنا عَشَرَ شَهْرا مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ: ذُو القَعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ، ورَجَبٌ“» فَتَكُونُ الأرْبَعَةُ مِن سَنَتَيْنِ. وقِيلَ: أوَّلُها المُحَرَّمُ، فَتَكُونُ مِن سَنَةٍ. وجاءَ الأمْرُ بِالقَتْلِ عَلى سَبِيلِ التَّشْجِيعِ وتَقْوِيَةِ النَّفْسِ، وأنَّهم لا مَنَعَةَ عِنْدَهم مِن أنْ يُقْتَلُوا. وفي إطْلاقِ الأمْرِ بِالقَتْلِ دَلِيلٌ عَلى قَتْلِهِمْ بِأيِّ وجْهٍ كانَ، وقَدْ قَتَلَ أبُو بَكْرٍ أصْحابَ الرِّدَّةِ بِالإحْراقِ بِالنّارِ، وبِالحِجارَةِ، وبِالرَّمْيِ مِن رُءُوسِ الجِبالِ، والتَّنْكِيسِ في الآبارِ. وتَعَلَّقَ بِعُمُومِ (p-١٠)هَذِهِ الآيَةِ، وأحْرَقَ عَلِيٌّ قَوْمًا مِن أهْلِ الرِّدَّةِ، وقَدْ ورَدَتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِالنَّهْيِ عَنِ المُثْلَةِ. ولَفْظُ (المُشْرِكِينَ) عامٌّ في كُلِّ مُشْرِكٍ، وجاءَتِ السُّنَّةُ بِاسْتِثْناءِ الأطْفالِ والرُّهْبانِ والشُّيُوخِ الَّذِينَ لَيْسُوا ذَوِي رَأْيٍ في الحَرْبِ، ومَن قاتَلَ مِن هَؤُلاءِ قُتِلَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي الَّذِينَ نَقَصُوكم وظاهَرُوا عَلَيْكم. ولَفْظُ: (حَيْثُ وجَدْتُمُوهم) عامٌّ في الأماكِنِ مِن حِلٍّ وحَرَمٍ. (وخُذُوهم) عِبارَةٌ عَنِ الأسْرِ، والأخِيذُ الأسِيرُ. ويَدُلُّ عَلى جَوازِ أسْرِهِمْ: (واحْصُرُوهم)؛ قَيِّدُوهم وامْنَعُوهم مِنَ التَّصَرُّفِ في البِلادِ، وقِيلَ: اسْتَرِقُّوهم، وقِيلَ: مَعْناهُ: حاصِرُوهم إنْ تَحَصَّنُوا. وقُرِئَ: (فَحاصِرُوهم) شاذًّا، وهَذا القَوْلُ يُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَنْهُ أيْضًا: حُولُوا بَيْنَهم وبَيْنَ المَسْجِدِ الحَرامِ، وقِيلَ: امْنَعُوهم عَنْ دُخُولِ بِلادِ الإسْلامِ والتَّصَرُّفِ فِيها إلّا بِإذْنٍ. قالَ القُرْطُبِيُّ في قَوْلِهِ: ﴿واقْعُدُوا لَهم كُلَّ مَرْصَدٍ﴾: دَلالَةٌ عَلى جَوازِ اغْتِيالِهِمْ قَبْلَ الدَّعْوَةِ؛ لِأنَّ المَعْنى اقْعُدُوا لَهم مَواضِعَ الغِرَّةِ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المَقْصُودَ إيصالُ الأذى إلَيْهِمْ بِكُلِّ طَرِيقٍ: إمّا بِطْرِيقِ القِتالِ، وإمّا بِطَرِيقِ الِاغْتِيالِ. وقَدْ أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى جَوازِ السَّرِقَةِ مِن أمْوالِ أهْلِ الحَرْبِ، وإسْلالِ خَيْلِهِمْ، وإتْلافِ مَواشِيهِمْ إذا عُجِزَ عَنِ الخُرُوجِ بِها إلى دارِ الإسْلامِ، إلّا أنْ يُصالِحُوا عَلى مِثْلِ ذَلِكَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (كُلَّ مَرْصَدٍ) كُلَّ مَمَرٍّ ومُجْتازٍ تَرْصُدُونَهم فِيهِ، وانْتِصابُهَ عَلى الظَّرْفِ كَقَوْلِهِ: ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦] انْتَهى. وهَذا الَّذِي قالَهُ الزَّجّاجُ، قالَ: (كُلَّ مَرْصَدٍ) ظَرْفٌ، كَقَوْلِكَ: ذَهَبْتُ مَذْهَبًا، ورَدَّهُ أبُو عَلِيٍّ؛ لِأنَّ المَرْصَدَ المَكانُ الَّذِي يُرْصَدُ فِيهِ العَدُوُّ، فَهو مَكانٌ مَخْصُوصٌ لا يُحْذَفُ الحَرْفُ مِنهُ إلّا سَماعًا كَما حَكى سِيبَوَيْهِ: دَخَلْتُ البَيْتَ، وكَما عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ انْتَهى. وأقُولُ: يَصِحُّ انْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (واقْعُدُوا لَهم) لَيْسَ مَعْناهُ حَقِيقَةَ القُعُودِ، بَلِ المَعْنى ارْصُدُوهم في كُلِّ مَكانٍ يُرْصَدُ فِيهِ، ولَمّا كانَ بِهَذا المَعْنى جازَ قِياسًا أنْ يُحْذَفَ مِنهُ في كَما قالَ: وقَدْ قَعَدُوا أنْفاقَها كُلَّ مَقْعَدٍ. فَمَتى كانَ العامِلُ في الظَّرْفِ المُخْتَصِّ عامِلًا مِن لَفْظِهِ أوْ مِن مَعْناهُ، جازَ أنْ يَصِلَ إلَيْهِ بِغَيْرِ واسِطَةِ ”في“، فَيَجُوزُ جَلَسْتُ مَجْلِسَ زِيدٍ، وقَعَدْتُ مَجْلِسَ زِيدٍ، تُرِيدُ في مَجْلِسِ زِيدٍ، فَكَما يَتَعَدّى الفِعْلُ إلى المَصْدَرِ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ إذا كانَ بِمَعْناهُ، فَكَذَلِكَ إلى الظَّرْفِ. وقالَ الأخْفَشُ: مَعْناهُ عَلى كُلِّ مَرْصَدٍ، فَحُذِفَ وأُعْمِلَ الفِعْلُ، وحُذِفَ ”عَلى“، ووُصُولُ الفِعْلِ إلى مَجْرُورِها فَتَنْصِبُهُ، يَخُصُّهُ أصْحابُنا بِالشِّعْرِ، وأنْشَدُوا: ؎تَحِنُّ فَتُبْدِي ما بِها مِن صَبابَةٍ ∗∗∗ وأُخْفِي الَّذِي لَوْلا الأسى لَقَضانِي أيْ لَقَضى عَلَيَّ. ﴿فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهم إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ عَنِ الكُفْرِ والغَدْرِ. والتَّوْبَةُ تَتَضَمَّنُ الإيمانَ وتَرْكَ ما كانُوا فِيهِ مِنَ المَعاصِي، ثُمَّ نَبَّهَ عَلى أعْظَمِ الشَّعائِرِ الإسْلامِيَّةِ، وذَلِكَ إقامَةُ الصَّلاةِ وهي أفْضَلُ الأعْمالِ البَدَنِيَّةِ، وإيتاءُ الزَّكاةِ وهي أفْضَلُ الأعْمالِ المالِيَّةِ، وبِهِما تَظْهَرُ القُوَّةُ العَمَلِيَّةُ، كَما بِالتَّوْبَةِ تَظْهَرُ القُوَّةُ العِلْمِيَّةُ عَنِ الجَهْلِ. (فَخَلُّوا سَبِيلَهم)، كِنايَةٌ عَنِ الكَفِّ عَنْهم وإجْرائِهِمْ مَجْرى المُسْلِمِينَ في تَصَرُّفاتِهِمْ حَيْثُ ما شاءُوا، ولا تَتَعَرَّضُوا لَهم، كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎خَلِّ السَّبِيلَ لِمَن يُبْنى المَنارُ بِهِ أوْ يَكُونُ المَعْنى: فَأطْلِقُوهم مِنَ الأسْرِ والحَصْرِ، والظّاهِرُ الأوَّلُ؛ لِشُمُولِ الحُكْمِ لِمَن كانَ مَأْسُورًا وغَيْرَهُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: افْتُرِضَتِ الصَّلاةُ والزَّكاةُ جَمِيعًا، وأبى اللَّهُ أنْ لا تُقْبَلَ الصَّلاةُ إلّا بِالزَّكاةِ، وقالَ: يَرْحَمُ اللَّهُ أبا بَكْرٍ ما كانَ أفْقَهَهُ في قَوْلِهِ: ”لَأُقاتِلَنَّ مَن فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ“ . وناسَبَ ذِكْرُ وصْفِ الغُفْرانِ والرَّحْمَةِ مِنهُ تَعالى لِمَن تابَ عَنِ الكُفْرِ والتَزَمَ شَرائِعَ الإسْلامِ. قالَ الحافِظُ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: لا خِلافَ بَيْنِ المُسْلِمِينَ أنَّ مَن تَرَكَ (p-١١)الصَّلاةَ وسائِرَ الفَرائِضِ مُسْتَحِلًّا كَفَرَ، ودُفِنَ في مَقابِرِ الكُفّارِ، وكانَ مالُهُ فَيْئًا. ومَن تَرَكَ السُّنَنَ فَسَقَ، ومَن تَرَكَ النَّوافِلَ لَمْ يُحْرَجْ إلّا أنْ يَجْحَدَ فَضْلَها فَيَكْفُرُ؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ رادًّا عَلى النَّبِيِّ ﷺ ما جاءَ بِهِ وأخْبَرَ عَنْهُ انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ مَفْهُومَ الشَّرْطِ لا يَنْتَهِضُ أنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلى تَعْيِينِ قَتْلِ مَن تَرَكَ الصَّلاةَ والزَّكاةَ مُتَعَمِّدًا غَيْرَ مُسْتَحِلٍّ ومَعَ القُدْرَةِ؛ لِأنَّ انْتِفاءَ تَخْلِيَةِ السَّبِيلِ تَكُونُ بِالحَبْسِ وغَيْرِهِ، فَلا يَتَعَيَّنُ القَتْلُ. وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في ذَلِكَ، فَقالَ مَكْحُولٌ، ومالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وحَمّادُ بْنُ زَيْدٍ، ووَكِيعٌ، وأبُو ثَوْرٍ: يُقْتَلُ. وقالَ ابْنُ شِهابٍ، وأبُو حَنِيفَةَ، وداوُدُ: يُسْجَنُ ويُضْرَبُ، ولا يُقْتَلُ. وقالَ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ: يُقْتَلُ كُفْرًا، ومالُهُ مالُ مُرْتَدٍّ، وبِهِ قالَ إسْحاقُ. قالَ إسْحاقُ: وكَذَلِكَ كانَ رَأْيُ أهْلِ العِلْمِ مِن لَدُنِ النَّبِيِّ ﷺ إلى زَمانِنا. ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ قالَ الضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ: هي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ الأمْرِ بِقَتْلِ المُشْرِكِينَ. وقالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ: هي مُحْكَمَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: جاءَ رَجُلٌ إلى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ: إنْ أرادَ الرَّجُلُ مِنّا أنْ يَأْتِيَ مُحَمَّدًا بَعْدَ انْقِضاءِ هَذا الأجَلِ لِيَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ، أوْ يَأْتِيَهُ لِحاجَةِ قُتِلَ ؟ قالَ: لا؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ﴾ الآيَةَ انْتَهى. وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ إنَّما كانَ حُكْمُها مُدَّةَ الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ الَّتِي ضُرِبَتْ لَهم أجَلًا، والظّاهِرُ أنَّها مُحْكَمَةٌ. ولَمّا أمَرَ تَعالى بِقَتْلِ المُشْرِكِينَ حَيْثُ وُجِدُوا، وأخْذِهِمْ وحَصْرِهم، وطَلَبِ غِرَّتَهم، ذَكَرَ لَهم حالَةً لا يُقْتَلُونَ فِيها ولا يُؤْخَذُونَ ويُؤْسَرُونَ، وتِلْكَ إذا جاءَ واحِدٌ مِنهم مُسْتَرْشِدًا طالِبًا لِلْحُجَّةِ والدَّلالَةِ عَلى ما يَدْعُو إلَيْهِ مِنَ الدِّينِ. فالمَعْنى: ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ﴾؛ أيْ طَلَبَ مِنكَ أنْ تَكُونَ مُجِيرًا لَهُ، وذَلِكَ بَعْدَ انْسِلاخِ الأشْهُرِ لِيَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ وما تَضَمَّنَهُ مِنَ التَّوْحِيدِ، ويَقِفَ عَلى ما بُعِثْتَ بِهِ، فَكُنْ مُجِيرًا لَهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ويَتَدَبَّرَهُ، ويَطَّلِعَ عَلى حَقِيقَةِ الأمْرِ، ثُمَّ أبْلِغْهُ دارَهُ الَّتِي يَأْمَنُ فِيها إنْ لَمْ يُسْلِمْ، ثُمَّ قاتِلْهُ إنْ شِئْتَ مِن غَيْرِ غَدْرٍ ولا خِيانَةٍ. و(حَتّى) يَصِحَّ أنْ تَكُونَ لِلْغايَةِ أيْ: إلى أنْ يَسْمَعَ. ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ لِلتَّعْلِيلِ، وهي مُتَعَلِّقَةٌ في الحالَيْنِ بِأجِرْهُ. ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِن بابِ التَّنازُعِ، وإنْ كانَ يَصِحُّ مِن حَيْثُ المَعْنى أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِاسْتَجارَكَ أوْ بِفَأْجِرْهُ؛ وذَلِكَ لِمانِعٍ لَفْظِيٍّ وهو: أنَّهُ لَوْ أعْمَلَ الأوَّلَ لَأضْمَرَ في الثّانِي، و(حَتّى) لا تَجُرُّ المُضْمَرَ، فَلِذَلِكَ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِن بابِ التَّنازُعِ. لَكِنْ مَن ذَهَبَ مِنَ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّ (حَتّى) تَجُرُّ المُضْمَرَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عِنْدَهُ مِن بابِ التَّنازُعِ، وكَوْنُ (حَتّى) لا تَجُرُّ المُضْمَرَ هو مَذْهَبُ الجُمْهُورِ. ولَمّا كانَ القُرْآنُ أعْظَمَ المُعْجِزاتِ، عُلِّقُ السَّماعُ بِهِ، وذُكِرَ السَّماعُ؛ لِأنَّهُ الطَّرِيقُ إلى الفَهْمِ. وقَدْ يُرادُ بِالسَّماعِ الفَهْمُ، تَقُولُ لِمَن خاطَبْتَهُ فَلَمْ يَقْبَلْ مِنكَ: أنْتَ لَمْ تَسْمَعْ، تُرِيدُ لَمْ تَفْهَمْ. و(كَلامَ اللَّهِ) مِن بابِ إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ، لا مِن بابِ إضافَةِ المَخْلُوقِ إلى الخالِقِ، ومَأْمَنَهُ: مَكانُ أمْنِهِ. وقِيلَ: مَأْمَنُهُ مَصْدَرٌ؛ أيْ ثُمَّ أبْلِغْهُ أمْنَهُ. وقَدِ اسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ عَلى حُدُوثِ كَلامِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ لا يُسْمَعُ إلّا الحُرُوفُ والأصْواتُ، ومَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ حُدُوثُ ذَلِكَ، وهَذا مَذْكُورٌ في عِلْمِ الكَلامِ. وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ النَّظَرَ في التَّوْحِيدِ أعْلى المَقاماتِ؛ إذْ عُصِمَ دَمُ الكافِرِ المُهْدَرِ الدَّمِ بِطَلَبِهِ النَّظَرَ والِاسْتِدْلالَ، وأوْجَبَ عَلى الرَّسُولِ أنْ يُبْلِغَهُ مَأْمَنَهُ، وفِيها دَلالَةٌ عَلى أنَّ التَّقْلِيدَ غَيْرُ كافٍ في الدِّينِ؛ إذْ كانَ لا يُمْهَلُ، بَلْ يُقالُ لَهُ: إمّا أنْ تُسْلِمَ، وإمّا أنْ تُقْتَلَ. وفِيها دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ بَعْدَ سَماعِ كَلامِ اللَّهِ لا يُقَرُّ بِأرْضِ الإسْلامِ، بَلْ يُبْلَغُ مَأْمَنَهُ، وأنَّهُ يَجِبُ حِفْظُهُ وحَوْطَتُهُ مُدَّةً يَسْمَعُ فِيها كَلامَ اللَّهِ. والخِطابُ (p-١٢)بِقَوْلِهِ: (اسْتَجارَكَ) و(فَأجِرْهُ) يَدُلُّ عَلى أنَّ أمانَ السُّلْطانِ جائِزٌ، وأمّا غَيْرُهُ: فالحُرُّ يَمْضِي أمانُهُ، وقالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يَنْظُرُ الإمامُ فِيهِ. والعَبْدُ: قالَ الأوْزاعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ، وإسْحاقُ، ومُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ، وأبُو ثَوْرٍ، وداوُدَ: لَهُ الأمانُ، وهو مَشْهُورُ مَذْهَبِ مالِكٍ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا أمانَ لَهُ، وهو قَوْلٌ في مَذْهَبِ مالِكٍ. والحُرَّةُ لَها الأمانُ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقالَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ الماجِشُونِ: لا، إلّا أنْ يُجِيرَهُ الإمامُ، وقَوْلُهُ شاذٌّ. والصَّبِيُّ إذا أطاقَ القِتالَ جازَ أمانُهُ، ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾؛ أيْ ذَلِكَ الأمْرَ بِالإجارَةِ وإبْلاغِ المَأْمَنِ، بِسَبَبِ أنَّهم قَوْمٌ جَهَلَةٌ لا يَعْلَمُونَ ما الإسْلامُ ؟ وما حَقِيقَةُ ما تَدْعُو إلَيْهِ ؟ فَلا بُدَّ مِن إعْطائِهِمُ الأمانَ حَتّى يَسْمَعُوا ويَفْهَمُوا الحَقَّ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إشارَةٌ إلى هَذا اللُّطْفِ في الإجارَةِ والإسْماعِ وتَبْلِيغِ المَأْمَنِ، (لا يَعْلَمُونَ) نَفى عِلْمَهم بِمَراشِدِهِمْ في اتِّباعِ الرَّسُولِ ﷺ . ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ فَما اسْتَقامُوا لَكم فاسْتَقِيمُوا لَهم إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾؛ هَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَّعَجُّبُ والِاسْتِنْكارُ والِاسْتِبْعادُ. قالَ التَّبْرِيزِيُّ والكَرْمانِيُّ: مَعْناهُ النَّفْيُ؛ أيْ لا يَكُونُ لَهم عَهْدٌ وهم لَكم ضِدٌّ. ونَبَّهَ عَلى عِلَّةِ انْتِفاءِ العَهْدِ بِالوَصْفِ الَّذِي قامَ بِهِ وهو الإشْراكُ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: وفي الآيَةِ إضْمارٌ؛ أيْ كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ مَعَ إضْمارِ الغَدْرِ والنَّكْثِ ؟ انْتَهى. والِاسْتِفْهامُ يُرادُ بِهِ النَّفْيُ كَثِيرًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَها ذِي سُيُوفٌ يا هُدى بْنِ مالِكٍ ∗∗∗ كَثِيرٌ ولَكِنْ لَيْسَ بِالسَّيْفِ ضارِبٌ أيْ لَيْسَ بِالسَّيْفِ ضارِبٌ. ولَمّا كانَ الِاسْتِفْهامُ مَعْناهُ النَّفْيُ، صَلَحَ مَجِيءُ الِاسْتِثْناءِ وهو مُتَّصِلٌ، وقِيلَ: مُنْقَطِعٌ، أيْ لَكِنَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ. قالَ الحَوْفِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (الَّذِينَ) في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى البَدَلِ مِنَ المُشْرِكِينَ؛ لِأنَّ مَعْنى ما تَقَدَّمَ النَّفْيُ؛ أيْ: لَيْسَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ إلّا الَّذِينَ لَمْ يَنْكُثُوا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم قُرَيْشٌ، وقالَ السُّدِّيُّ: بَنُو جَذِيمَةَ بْنِ الدِّيلِ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: قَبائِلُ بَنِي بَكْرٍ كانُوا دَخَلُوا وقْتَ الحُدَيْبِيَةَ في المُدَّةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَ الرَّسُولِ ﷺ وقُرَيْشٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَبَنِي كِنانَةَ وبَنِي ضَمْرَةَ. وقالَ قَوْمٌ مِنهم مُجاهِدٌ: هم خُزاعَةُ ورُدَّ بِإسْلامِهِمْ عامَ الفَتْحِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هم قُرَيْشٌ نَزَلَتْ فَلَمْ يَسْتَقِيمُوا، فَنَزَلَ تَأْجِيلُهم أرْبَعَةَ أشْهُرٍ بَعْدَ ذَلِكَ. وضُعِّفَ هَذا القَوْلُ بِأنَّ قُرَيْشًا بَعْدَ الأذانِ بِأرْبَعَةِ أشْهُرٍ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ إلّا مُسْلِمٌ، وذَلِكَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ بِسَنَةٍ، وكَذَلِكَ خُزاعَةُ قالَهُ الطَّبَرِيُّ. ﴿فَما اسْتَقامُوا لَكُمْ﴾ عَلى العَهْدِ ﴿فاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ عَلى الوَفاءِ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ خَبَرُ يَكُونُ كَيْفَ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ [النمل: ٥١]، وأنْ يَكُونَ الخَبَرُ ﴿لِلْمُشْرِكِينَ﴾ . و(عِنْدَ) عَلى هَذَيْنِ ظَرْفٌ لِلْعَهْدِ، أوْ لِيَكُونَ، أوْ لِلْحالِ، أوْ هي وصْفٌ لِلْعَهْدِ. وأنْ يَكُونَ الخَبَرُ (عِنْدَ اللَّهِ)، و(لِلْمُشْرِكِينَ) تَبْيِينٌ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِيَكُونَ، وكَيْفَ حالٌ مِنَ العَهْدِ انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ، أيْ: اسْتَقِيمُوا لَهم مُدَّةَ اسْتِقامَتِهِمْ، ولَيْسَتْ شَرْطِيَّةً. وقالَ أبُو البَقاءِ: هي شَرْطِيَّةٌ كَقَوْلِهِ: ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ﴾ [فاطر: ٢] انْتَهى. فَكانَ التَّقْدِيرُ: ما اسْتَقامُوا لَكم مِن زَمانٍ فاسْتَقِيمُوا لَهم. وقالَ الحَوْفِيُّ: (ما) شَرْطٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ (اسْتَقامُوا)، و(لَكم) مُتَعَلِّقٌ بِاسْتَقامُوا، ﴿فاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ الفاءُ جَوابُ الشَّرْطِ انْتَهى. فَكانَ التَّقْدِيرُ: فَأيُّ وقْتٍ اسْتَقامُوا فِيهِ لَكم فاسْتَقِيمُوا لَهم. وإنَّما جَوَّزَ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً لِوُجُودِ الفاءِ في (فاسْتَقِيمُوا)؛ لِأنَّ المَصْدَرِيَّةَ الزَّمانِيَّةَ لا تَحْتاجُ إلى الفاءِ. وقَدْ أجازَ ابْنُ مالِكٍ في المَصْدَرِيَّةِ الزَّمانِيَّةِ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً وتَجْزِمَ، وأنْشَدَ عَلى ذَلِكَ ما يَدُلُّ ظاهِرُهُ عَلى صِحَّةِ دَعْواهُ. وقَدْ (p-١٣)ذَكَرْنا ذَلِكَ في كِتابِ التَّكْمِيلِ، وتَأوَّلْنا ما اسْتَشْهَدَ بِهِ. فَعَلى قَوْلِهِ تَكُونُ زَمانِيَّةً شَرْطِيَّةً. ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾، يَعْنِي أنَّ الوَفاءَ بِالعَهْدِ مِن أخْلاقِ المُتَّقِينَ، والتَّرَبُّصَ بِهَؤُلاءِ إنِ اسْتَقامُوا مِن أعْمالِ المُؤْمِنِينَ، والتَّقْوى تَتَضَمَّنُ الإيمانَ والوَفاءَ بِالعَهْدِ. ﴿كَيْفَ وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم لا يَرْقُبُوا فِيكم إلًّا ولا ذِمَّةً يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ وتَأْبى قُلُوبُهم وأكْثَرُهم فاسِقُونَ﴾ (كَيْفَ) تَأْكِيدٌ لِنَفْيِ ثَباتِهِمْ عَلى العَهْدِ. والظّاهِرُ أنَّ الفِعْلَ المَحْذُوفَ بَعْدَها هو مِن جِنْسِ أقْرَبِ مَذْكُورٍ لَها، وحُذِفَ لِلْعِلْمِ بِهِ في (كَيْفَ) السّابِقَةِ، والتَّقْدِيرُ: كَيْفَ يَكُونُ لَهم عَهْدٌ وحالُهم هَذِهِ ؟ وقَدْ جاءَ حَذْفُ الفِعْلِ بَعْدَ كَيْفَ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١]، وقالَ الشاعر: ؎وخَبَّرْتُمانِي أنَّما المَوْتُ بِالقُرى ∗∗∗ فَكَيْفَ وهاتا هَضْبَةٌ وكَثِيبُ أيْ: فَكَيْفَ ماتَ ولَيْسَ في قَرْيَةٍ ؟ وقالَ الحُطَيْئَةُ: ؎فَكَيْفَ ولَمْ أعْلَمْهم خَذَلُوكم ∗∗∗ عَلى مُعْظَمٍ وأنَّ أدِيمَكم قَدُّوا أيْ فَكَيْفَ تَلُومُونَنِي عَلى مَدْحِهِمْ ؟ واسْتَغْنى عَنْ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ جَرى في القَصِيدَةِ ما دَلَّ عَلى ما أُضْمِرَ. وقَدَّرَ أبُو البَقاءِ الفِعْلَ المَحْذُوفَ بَعْدَ كَيْفَ بِقَوْلِهِ: كَيْفَ تَطْمَئِنُّونَ إلَيْهِمْ ؟ وقَدَّرَهُ غَيْرُهُ: كَيْفَ لا يَقْتُلُونَهم ؟ والواوُ في ﴿وإنْ يَظْهَرُوا﴾ واوُ الحالِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى وُقُوعِ جُمْلَةِ الشَّرْطِ حالًا في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ [الأعراف: ١٦٩] ومَعْنى الظُّهُورِ العُلُوُّ والظَّفَرُ، تَقُولُ: ظَهَرْتُ عَلى فُلانٍ عَلَوْتُهُ. والمَعْنى: وإنْ يَقْدِرُوا عَلَيْكم ويَظْفَرُوا بِكم. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ﴿وإنْ يَظْهَرُوا﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. (لا يَرْقُبُوا): لا يَحْفَظُوا ولا يَرْعَوْا (إلًّا): عَهْدًا أوْ قَرابَةً أوْ حِلْفًا أوْ سِياسَةً أوِ اللَّهَ تَعالى، أوْ جُؤارًا؛ أيْ: رَفْعَ صَوْتٍ بِالتَّضَرُّعِ، أقْوالٌ. قالَ مُجاهِدٌ وأبُو مِجْلَزٍ: ”إلٌّ“ اسْمُ اللَّهِ بِالسُّرْيانِيَّةِ وعُرِّبَ. ومِن ذَلِكَ قَوْلُ أبِي بَكْرٍ حِينَ سَمِعَ كَلامَ مُسَيْلِمَةَ فَقالَ: هَذا كَلامٌ لَمْ يَخْرُجْ مِن إلٍّ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: ”ألًّا“ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وهو مَصْدَرٌ مِن فِعْلِ الألِّ الَّذِي هو العَهْدُ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ: إيلًا بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وياءٌ بَعْدَها، فَقِيلَ: هو اسْمُ اللَّهِ تَعالى. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ إلًى أُبْدِلَ مِن أحَدِ المُضاعَفَيْنِ ياءٌ، كَما قالُوا في: إمّا إيما، قالَ الشّاعِرُ: ؎يا لَيْتَما أُمُّنا شالَتْ نَعامَتُها ∗∗∗ إيما إلى الجَنَّةِ إيما إلى نارِ قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا مِن آلَ يَئُولُ إذا ساسَ، أُبْدِلَ مِنَ الواوِ ياءً؛ لِسُكُونِها وانْكِسارِ ما قَبْلَها؛ أيْ: لا يَرْقُبُونَ فِيكم سِياسَةً ولا مُداراةً ولا ذِمَّةً، مَن رَأى أنَّ الإلَّ هو العَهْدُ جَعَلَهُ والذِّمَّةَ لَفْظَيْنِ لِمَعْنًى واحِدٍ أوْ مُتَقارِبَيْنِ، ومَن رَأى أنَّ الإلَّ غَيْرُ العَهْدِ فَهُما لَفْظانِ مُتَبايِنانِ. ولَمّا ذَكَرَ حالَهم مَعَ المُؤْمِنِينَ إنْ ظَهَرُوا عَلَيْهِمْ ذَكَرَ حالَهم مَعَهم إذا كانُوا غَيْرَ ظاهِرِينَ، فَقالَ: ﴿يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ﴾ . واسْتَأْنَفَ هَذا الكَلامَ أيْ: حالُهم في الظّاهِرِ مُخالِفٌ لِباطِنِهِمْ، وهَذا كُلُّهُ تَقْرِيرٌ واسْتِبْعادٌ لِثَباتِ قُلُوبِهِمْ عَلى العَهْدِ، وإباءُ القَلْبِ مُخالَفَتُهُ لِما يَجْرِي عَلى اللِّسانِ مِنَ القَوْلِ الحَسَنِ. وقِيلَ: ﴿يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ﴾ في العِدَةِ بِالإيمانِ، وتَأْبى قُلُوبُهم إلّا الكُفْرَ. وقِيلَ: يُرْضُونَكم في الطّاعَةِ، وتَأْبى قُلُوبُهم إلّا المَعْصِيَةَ. والظّاهِرُ بَقاءُ الأكْثَرِ عَلى حَقِيقَتِهِ فَقِيلَ: (وأكْثَرُهم)؛ لِأنَّ مِنهم مَن قَضى اللَّهُ لَهُ بِالإيمانِ، وقِيلَ: لِأنَّ مِنهم مَن لَهُ حِفْظٌ لِمُراعاةِ الحالِ الحَسَنَةِ مِنَ التَّعَفُّفِ عَمّا يَثْلِمُ العِرْضَ، ويَجُرُّ أُحْدُوثَةَ السُّوءِ، وأكْثَرُهم خُبْثُ الأنْفُسِ خِرِيجُونَ في الشَّرِّ لا مُرُوءَةَ تَرْدَعُهم، ولا طِباعَ مَرْضِيَّةً تَزَعُهم، لا يَحْتَرِزُونَ عَنْ كَذِبٍ ولا مَكْرٍ ولا خَدِيعَةٍ، ومَن كانَ بِهَذا الوَصْفِ كانَ مَذْمُومًا عِنْدَ النّاسِ وفي جَمِيعِ الأدْيانِ. ألا تَرى إلى أهْلِ الجاهِلِيَّةِ وهم كُفّارٌ كَيْفَ يَمْدَحُونَ أنْفُسَهم بِالعَفافِ وبِالصِّدْقِ وبِالوَفاءِ بِالعَهْدِ وبِالأخْلاقِ الحَسَنَةِ. وقِيلَ: مَعْنى (وأكْثَرُهم) وكُلُّهم فاسِقُونَ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ والكَرْمانِيُّ.

التوبة 9:9

﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (p-١٤)الظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى مَن قَبْلَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ المَأْمُورِ بِقَتْلِهِمْ، ويَكُونُ المَعْنى: اشْتَرَوْا بِالقُرْآنِ وما يَدْعُو إلَيْهِ مِنَ الإسْلامِ ثَمَنًا قَلِيلًا، وهو اتِّباعُ الشَّهَواتِ والأهْواءِ لَمّا تَرَكَتْ دِينَ اللَّهِ وآثَرَتِ الكُفْرَ، كانَ ذَلِكَ كالشِّراءِ والبَيْعِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هُمُ الأعْرابُ الَّذِينَ جَمَعَهم أبُو سُفْيانَ عَلى طَعامِهِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: هم قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ، وآياتُ اللَّهِ التَّوْراةُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أهْلُ الطّائِفِ كانُوا يَمُدُّونَ النّاسَ بِالأمْوالِ يَمْنَعُونَهم مِنَ الدُّخُولِ في الإسْلامِ، فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ؛ أيْ صَرَفُوا أنْفُسَهم عَنْ دِينِ اللَّهِ وعَدَلُوا عَنْهُ. والظّاهِرُ أنَّ (ساءَ) هُنا مُحَوَّلَةٌ إلى فِعْلٍ. ومَذْهَبُ بابِها مَذْهَبُ بِئْسَ، ويَجُوزُ إقْرارُها عَلى وصْفِها الأوَّلِ، فَتَكُونُ مُتَعَدِّيَةً؛ أيْ: أنَّهم ساءَهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ، فَحُذِفَ المَفْهُومُ لِفَهْمِ المَعْنى. ﴿لا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إلًّا ولا ذِمَّةً وأُولَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ﴾ هَذا تَنْبِيهٌ عَلى الوَصْفِ المُوجِبِ لِلْعَداوَةِ وهو الإيمانُ، ولَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ﴾ [التوبة: ٨] يُتَوَهَّمُ أنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالمُخاطَبِينَ، نَبَّهَ عَلى عِلَّةِ ذَلِكَ، وأنَّ سَبَبَ المُنافاةِ هو الإيمانُ، (وأُولَئِكَ)؛ أيِ الجامِعُونَ لِتِلْكَ الأوْصافِ الذَّمِيمَةِ (هُمُ المُعْتَدُونَ)؛ المُجاوِزُونَ الحَدَّ في الظُّلْمِ والشَّرِّ ونَقْضِ العَهْدِ. ﴿فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَإخْوانُكم في الدِّينِ﴾ أيْ فَإنْ تابُوا عَنِ الكُفْرِ ونَقْضِ العَهْدِ، والتَزَمُوا أحْكامَ الإسْلامِ فَإخْوانُكم، أيْ: فَهم إخْوانُكم، والإخْوانُ، والإخْوَةُ جَمْعُ أخٍ مِن نَسَبٍ أوْ دِينٍ. ومَن زَعَمَ أنَّ الإخْوَةَ تَكُونُ في النَّسَبِ، والإخْوانَ في الصَّداقَةِ، فَقَدْ غَلَطَ. قالَ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] وقالَ: ﴿أوْ بُيُوتِ إخْوانِكُمْ﴾ [النور: ٦١]، وعَلَّقَ حُصُولَ الأُخُوَّةِ في الدِّينِ عَلى الِالتِباسِ بِمَجْمُوعِ الثَّلاثَةِ، ويَظْهَرُ أنَّ مَفْهُومَ الشَّرْطِ غَيْرُ مُرادٍ. ﴿ونُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ نُبَيِّنُها ونُوَضِّحُها. وهَذِهِ الجُمْلَةُ اعْتِراضٌ بَيْنَ الشَّرْطَيْنِ، بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تابُوا﴾، وقَوْلِهِ: (وإنْ نَكَثُوا)، بَعْثًا وتَحْرِيضًا عَلى تَأمُّلِ ما فَصَّلَ تَعالى مِنَ الأحْكامِ، وقالَ: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾؛ لِأنَّهُ لا يَتَأمَّلُ تَفْصِيلَها إلّا مَن كانَ مِن أهْلِ العِلْمِ والفَهْمِ. ﴿وإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِكم فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ إنَّهم لا أيْمانَ لَهم لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ أيْ: وإنْ نَقَضُوا أقْسامَهم مِن بَعْدَما تَعاهَدُوا وتَحالَفُوا عَلى أنْ لا يَنْكُثُوا. (وطَعَنُوا): أيْ عابُوهُ وثَلَبُوهُ واسْتَنْقَصُوهُ، والطَّعْنُ هُنا مَجازٌ، وأصْلُهُ الإصابَةُ بِالرُّمْحِ أوِ العُودِ وشَبَهِهِ، وهو هُنا بِمَعْنى العَيْبِ كَما جاءَ في حَدِيثِ إمارَةِ أُسامَةَ: «إنْ تَطْعَنُوا في إمارَتِهِ فَقَدْ طَعَنْتُمْ في إمارَةِ أبِيهِ مِن قَبْلُ»؛ أيْ عِبْتُمُوها واسْتَنْقَصْتُمُوها. والظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّرْدِيدَ في الشَّرْطَيْنِ هو في حَقِّ الكُفّارِ أصْلًا؛ لِأنَّ مَن أسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ؛ أيْ رُؤَساءَ الكُفْرِ وزُعَماءَهُ. والمَعْنى: فَقاتِلُوا الكُفّارَ، وخَصَّ الأئِمَّةَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ يُحَرِّضُونَ الأتْباعَ عَلى البَقاءِ عَلى الكُفْرِ. وقالَ الكَرْمانِيُّ: كُلُّ كافِرٍ إمّامُ نَفْسِهِ، فالمَعْنى: فَقاتِلُوا كُلَّ كافِرٍ. وقِيلَ: مَن أقْدَمَ عَلى نَكْثِ العَهْدِ والطَّعْنِ في الدِّينِ صارَ رَأْسًا في الكُفْرِ، فَهو مِن أئِمَّةِ الكُفْرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أئِمَّةُ الكُفْرِ زُعَماءُ قُرَيْشٍ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: هو بَعِيدٌ؛ لِأنَّ الآيَةَ في سُورَةِ (بَراءَةٌ)، وحِينَ نَزَلَتْ كانَ اللَّهُ قَدِ اسْتَأْصَلَ شَأْفَةَ قُرَيْشٍ ولَمْ يَبْقَ مِنهم إلّا مُسْلِمٌ أوْ مُسالِمٌ. وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ وعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وغَيْرُهم، وهَذا ضَعِيفٌ إنْ لَمْ يُؤْخَذْ عَلى جِهَةِ المِثالِ؛ لِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ بَدْرٍ بِكَثِيرٍ. ورُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ أنَّهُ قالَ: لَمْ يَجِئْ هَؤُلاءِ بَعْدُ، يُرِيدُ لَمْ يَنْقَرِضُوا، فَهم يَجِيئُونَ أبَدًا ويُقاتِلُونَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أصْوَبُ ما في هَذا أنْ يُقالَ: إنَّهُ لا يُعْنى بِها مُعَيَّنٌ، وإنَّما دَفَعَ الأمْرَ بِقِتالِ أئِمَّةِ النّاكِثِينَ العُهُودَ مِنَ الكَفَرَةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ دُونَ تَعْيِينٍ، واقْتَضَتْ حالُ كُفّارِ العَرَبِ ومُحارِبِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنْ يَكُونَ الإشارَةُ إلَيْهِمْ أوَّلًا بِقَوْلِهِ: (أئِمَّةَ الكُفْرِ)، وهم حَصَلُوا حِينَئِذٍ تَحْتَ اللَّفْظَةِ؛ إذِ الَّذِي يَتَوَلّى قِتالَ النَّبِيِّ صَلّى (p-١٥)اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ والدَّفْعَ في صَدْرِ شَرِيعَتِهِ هو إمامُ كُلِّ مَن يَكْفُرُ بِذَلِكَ الشَّرْعِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ يَأْتِي في كُلِّ جِيلٍ مِنَ الكُفّارِ أئِمَّةٌ خاصَّةٌ بِجِيلٍ جِيلٍ انْتَهى. وقِيلَ: المُرادُ بِالعَهْدِ الإسْلامُ، فَمَعْناهُ كَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ. ولِذَلِكَ قَرَأ بَعْضُهم: وإنْ نَكَثُوا إيمانَهم بِالكَسْرِ، وهو قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ، قالَ: ﴿فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾: فَقاتِلُوهم، فَوَضَعَ أئِمَّةَ الكُفْرِ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ، إشْعارًا بِأنَّهم إذا نَكَثُوا في حالَةِ الشِّرْكِ تَمَرُّدًا وطُغْيانًا وطَرْحًا لِعاداتِ الكِرامِ الأوْفِياءِ مِنَ العَرَبِ، ثُمَّ آمَنُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ وصارُوا إخْوانًا لِلْمُسْلِمِينَ في الدِّينِ، ثُمَّ رَجَعُوا فارْتَدُّوا عَنِ الإسْلامِ ونَكَثُوا ما بايَعُوا عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ والوَفاءِ بِالعَهْدِ، وقَعَدُوا يَطْعَنُونَ في دِينِ اللَّهِ تَعالى، ويَقُولُونَ لَيْسَ دِينُ مُحَمَّدٍ بِشَيْءٍ، فَهم أئِمَّةُ الكُفْرِ وذَوُو الرِّئاسَةِ والتَّقَدُّمِ فِيهِ، لا يَشُقُّ كافِرٌ غُبارَهم. والمَشْهُورُ مِن مَذْهَب مالِكٍ أنَّ الذِّمِّيَّ إذا طَعَنَ في الدِّينِ فَفَعَلَ شَيْئًا مِثْلَ تَكْذِيبِ الشَّرِيعَةِ والسَّبِّ لِلنَّبِيِّ ﷺ ونَحْوَهُ قُتِلَ. وقِيلَ: إنْ أعْلَنَ بِشَيْءٍ مِمّا هو مَعْهُودٌ مِن مُعْتَقَدِهِ وكُفْرِهِ أُدِّبَ عَلى الإعْلانِ وتُرِكَ، وإنْ كَفَرَ بِما هو لَيْسَ مِن مُعْتَقَدِهِ كالسَّبِّ ونَحْوِهِ قُتِلَ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يُسْتَتابُ، واخْتُلِفَ إذا سَبَّ الذِّمِّيُّ ثُمَّ أسْلَمَ تَقِيَّةَ القَتْلِ: فالمَشْهُورُ مِن مَذْهَبِ مالِكٍ أنَّهُ يُتْرَكُ؛ لِأنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ، وفي العُتْبِيَّةِ أنَّهُ يُقْتَلُ، ولا يَكُونُ أحْسَنَ حالًا مِنَ المُسْلِمِ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو: بِإبْدالِ الهَمْزَةِ الثّانِيَةِ ياءً، ورُوِيَ عَنْ نافِعٍ مَدُّ الهَمْزَةِ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ وابْنُ أبِي أُوَيْسٍ عَنْ نافِعٍ: بِهَمْزَتَيْنِ، وأدْخَلَ هِشامٌ بَيْنَهُما ألِفًا، وأصْلُهُ أأْمِمَةٌ عَلى وزْنِ ”أفْعِلَةٌ“، جَمْعُ إمامٍ، أدْغَمُوا المِيمَ في المِيمِ فَنُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى الهَمْزَةِ قَبْلَها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتُ: كَيْفَ لَفْظُ أئِمَّةٍ ؟ قُلْتُ: هَمْزَةٌ بَعْدَها هَمْزَةٌ بَيْنَ بَيْنَ؛ أيْ بَيْنَ مَخْرَجِ الهَمْزَةِ والياءِ. وتَحْقِيقُ الهَمْزِ هي قِراءَةٌ مَشْهُورَةٌ، وإنْ لَمْ تَكُنْ مَقْبُولَةً عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، وأمّا التَّصْرِيحُ بِالياءِ فَلَيْسَ بِقِراءَةٍ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ. ومَن صَرَّحَ بِها فَهو لاحِنٌ مُحَرِّفٌ انْتَهى. وذَلِكَ دَأْبُهُ في تَلْحِينِ المُقْرِئِينَ. وكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ لَحْنًا وقَدْ قَرَأ بِهِ رَأْسُ البَصْرِيِّينَ النُّحاةِ: أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ، وقارِئُ مَكَّةَ ابْنُ كَثِيرٍ، وقارِئُ مَدِينَةِ الرَّسُولِ نافِعٌ، ونَفى إيمانَهم لَمّا لَمْ يَثْبُتُوا عَلَيْها ولا وفَّوْا بِها جُعِلُوا لا أيْمانَ لَهم، أوْ يَكُونُ عَلى حَذْفِ الوَصْفِ أيْ: لا أيْمانَ لَهم يُوَفُّونَ بِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعَطاءٌ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ عامِرٍ: لا إيمانَ لَهم أيْ لا إسْلامَ ولا تَصْدِيقَ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا غَيْرُ قَوِيٍّ؛ لِأنَّهُ تَكْرارٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ وصَفَ أئِمَّةَ الكُفْرِ بِأنَّهم لا إيمانَ لَهم، فالوَجْهُ في كَسْرِ الألِفِ أنَّهُ مَصْدَرُ أمَنَهُ إيمانًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤] فالمَعْنى أنَّهم لا يُؤَمِّنُونَ أهْلَ الذِّمَّةِ، إذِ المُشْرِكُونَ لَمْ يَكُنْ لَهم إلّا الإسْلامُ أوِ السَّيْفُ. قالَ أبُو حاتِمٍ: فَسَّرَ الحَسَنُ قِراءَتَهُ لا إسْلامَ لَهُمُ انْتَهى. وكَذا تَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، فَقالَ: وقُرِئَ لا إيمانَ لَهم، أيْ لا إسْلامَ لَهم، ولا يُعْطَوْنَ الأمانَ بَعْدَ الرِّدَّةِ والنَّكْثِ، ولا سَبِيلَ إلَيْهِ. وبِقِراءَةِ الفَتْحِ اسْتَشْهَدَ أبُو حَنِيفَةَ عَلى أنَّ يَمِينَ الكافِرِ لا يَكُونُ يَمِينًا، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ يَمِينُهم يَمِينٌ، وقالَ: مَعْناهُ أنَّهم لا يُوَفُّونَ بِها بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى وصَفَها بِالنَّكْثِ. ﴿لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾؛ أيْ لِيَكُنْ غَرَضُكم في مُقاتَلَتِهِمْ بَعْدَما وُجِدَ مِنهم مَنِ العَظائِمِ ما وُجِدَ انْتِهاءَهم عَمّا هم فِيهِ، وهَذا مِن كَرَمِهِ سُبْحانَهُ وفَضْلِهِ وعَوْدِهِ عَلى المُسِيءِ بِالرَّحْمَةِ. ﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أيْمانَهم وهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ وهم بَدَءُوكم أوَّلَ مَرَّةٍ أتَخْشَوْنَهم فاللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (p-١٦)(ألا) حَرْفُ عَرْضٍ، ومَعْناهُ هُنا الحَضُّ عَلى قِتالِهِمْ. وزَعَمُوا أنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ ولا النّافِيَةِ، فَصارَ فِيها مَعْنى التَّخْصِيصِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: دَخَلَتِ الهَمْزَةُ عَلى تَقْرِيرٍ عَلى انْتِفاءِ المُقاتَلَةِ، ومَعْناها: الحَضُّ عَلَيْها عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ. ولَمّا أمَرَ تَعالى بِقَتْلِ أهْلِ الكُفْرِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِالسَّبَبِ الَّذِي يَبْعَثُ عَلى مُقاتَلَتِهِمْ وهو ثَلاثَةُ أشْياءَ جَمَعُوها، وكُلُّ واحِدٍ مِنها عَلى انْفِرادِهِ كافٍ في الحَضِّ عَلى مُقاتَلَتِهِمْ. ومَعْنى نَكَثُوا أيْمانَهم: نَقَضَ العَهْدَ. قالَ السُّدِّيُّ، وابْنُ إسْحاقَ، والكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في كُفّارِ مَكَّةَ، نَكَثُوا أيْمانَهم بَعْدَ عَهْدِ الحُدَيْبِيَةَ، وأعانُوا بَنِي بَكْرٍ عَلى خُزاعَةَ انْتَهى. وهَمُّهم هو هَمُّ قُرَيْشٍ بِإخْراجِ الرَّسُولِ مِن مَكَّةَ حِينَ تَشاوَرُوا بِدارِ النَّدْوَةِ، فَأذِنَ اللَّهُ في الهِجْرَةِ، فَخَرَجَ بِنَفْسِهِ، أوْ بَنُو بَكْرٍ بِإخْراجِهِ مِنَ المَدِينَةِ لِما أقْدَمُوا عَلَيْهِ مِنَ المُشاوَرَةِ والِاجْتِماعِ، أوِ اليَهُودُ هَمُّوا بِغَدْرِ الرَّسُولِ ﷺ ونَقَضُوا عَهْدَهُ، وأعانُوا المُنافِقِينَ عَلى إخْراجِهِ مِنَ المَدِينَةِ، ثَلاثَةُ أقْوالٍ أوَّلُها لِلسُّدِّيِّ. وقالَ الحَسَنُ: مِنَ المَدِينَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا مُسْتَقِيمٌ لِغَزْوَةِ أُحُدٍ والأحْزابِ وغَيْرِهِما، وهُمُ الَّذِينَ كانَتْ مِنهُمُ البُداءَةُ بِالمُقاتَلَةِ؛ لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جاءَهم أوَّلًا بِالكِتابِ المُبِينِ وتَحَدّاهم بِهِ، فَعَدَلُوا عَنِ المُعارَضَةِ لِعَجْزِهِمْ عَنْها إلى القِتالِ، فَهُمُ البادِئُونَ، والبادِئُ أظْلَمُ، فَما يَمْنَعُكم مِن أنْ تُقاتِلُوهم بِمِثْلِهِ؛ تَصْدِمُونَهم بِالشَّرِّ كَما صَدَمُوكم ؟ وبَّخَهم بِتَرْكِ مُقاتَلَتِهِمْ، وحَضَّهم عَلَيْها، ثُمَّ وصَفَهم بِما يُوجِبُ الحَضَّ عَلَيْها. وتَقَرَّرَ أنَّ مَن كانَ في مِثْلِ صِفاتِهِمْ مِن نَكْثِ العُهُودِ وإخْراجِ الرَّسُولِ والبَدْءِ بِالقِتالِ مِن غَيْرِ مُوجِبٍ حَقِيقٌ بِأنْ لا تُتْرَكَ مُصادَمَتُهُ، وأنْ يُوَبَّخَ مَن فَرَّطَ فِيها، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهو تَكْثِيرٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (أوَّلَ مَرَّةٍ)، قِيلَ: يُرِيدُ أفْعالَهم بِمَكَّةَ بِالنَّبِيِّ ﷺ وبِالمُؤْمِنِينَ. وقالَ مُجاهِدٌ: ما بَدَأتْ بِهِ قُرَيْشٌ مِن مَعُونَةِ بَنِي بَكْرٍ حُلَفائَهم عَلى خُزاعَةَ حُلَفاءِ النَّبِيِّ، فَكانَ هَذا بَدْءَ النَّقْضِ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: يَعْنِي فِعْلَهم يَوْمَ بَدْرٍ انْتَهى. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بَدَوْكم بِغَيْرِ هَمْزٍ، ووَجْهُهُ أنَّهُ سَهَّلَ الهَمْزَةَ مِن بَدَأْتُ، بِإبْدالِها ياءً، كَما قالُوا في قَرَأْتُ: قَرَيْتُ، فَصارَ كَرَمَيْتُ. فَلَمّا أُسْنِدَ الفِعْلُ إلى واوِ الضَّمِيرِ سَقَطَتْ، فَصارَ بَدَوْكم، كَما تَقُولُ: رَمَوْكم. (أتَخْشَوْنَهم) تَقْرِيرٌ لِلْخَشْيَةِ مِنهم، وتَوْبِيخٌ عَلَيْها. ﴿فاللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ﴾ فَتَقْتُلُوا أعْداءَهُ. ولَفْظُ الجَلالَةِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ (أحَقُّ)، و(أنْ تَخْشَوْهُ) بَدَلٌ مِنَ اللَّهِ؛ أيْ: وخَشْيَةُ اللَّهِ أحَقُّ مِن خَشْيَتِهِمْ، (وأنْ تَخْشَوْهُ) في مَوْضِعِ رَفْعٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ أوْ جَرٍّ عَلى الخِلافِ إذا حُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ، وتَقْدِيرُهُ: بِأنْ تَخْشَوْهُ؛ أيْ أحَقُّ مِن غَيْرِهِ بِأنْ تَخْشَوْهُ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ (أنْ تَخْشَوْهُ) مُبْتَدَأً، وأحَقُّ خَبَرُهُ قُدِّمَ عَلَيْهِ. وأجازَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ (أحَقُّ) مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ (أنْ تَخْشَوْهُ)، والجُمْلَةُ خَبَرٌ عَنِ الأوَّلِ. وحَسُنَ الِابْتِداءُ بِالنَّكِرَةِ؛ لِأنَّها أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، وقَدْ أجازَ سِيبَوَيْهِ أنْ تَكُونَ المَعْرِفَةُ خَبَرًا لِلنَّكِرَةِ في نَحْوِ: اقْصِدْ رَجُلًا خَيْرٌ مِنهُ أبُوهُ. ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ كامِلِي الإيمانِ؛ لِأنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنَّ قَضِيَّةَ الإيمانِ الصَّحِيحِ أنْ لا يَخْشى المُؤْمِنُ إلّا رَبَّهُ ولا يُبالِي بِمَن سِواهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٣٩] . ﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكم ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ويُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن يَشاءُ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ قَرَّرَتِ الآياتُ قَبْلَ هَذا أفْعالَ (p-١٧)الكَفَرَةِ المُقْتَضِيَةَ لِقِتالِهِمْ، والحَضَّ عَلى القِتالِ، وحَرُمَ الأمْرُ بِالقِتالِ في هَذِهِ، وتَعْذِيبُهم بِأيْدِي المُؤْمِنِينَ هو في الدُّنْيا بِالقَتْلِ والأسْرِ والنَّهْبِ، وهَذِهِ وُعُودٌ ثَبَّتَتْ قُلُوبَهم وصَحَّحَتْ نِيّاتِهِمْ، وخِزْيُهم هو إهانَتُهم وذُلُّهم، (ويَنْصُرْكم) يُظْفِرُكم بِهِمْ، وشِفاءُ الصُّدُورِ بِإعْلاءِ دِينِ اللَّهِ وتَعْذِيبِ الكُفّارِ وخِزْيِهِمْ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ونَشْفِ بِالنُّونِ عَلى الِالتِفاتِ، وجاءَ التَّرْكِيبُ (صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ) لِيَشْمَلَ المُخاطَبِينَ وكُلَّ مُؤْمِنٍ؛ لِأنَّ ما يُصِيبُ أهْلَ الكُفْرِ مِنَ العَذابِ والخِزْيِ هو شِفاءٌ لِصَدْرِ كُلِّ مُؤْمِنٍ. وقِيلَ: المُرادُ قَوْمٌ مُعَيَّنُونَ، «قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم بُطُونٌ مِنَ اليَمَنِ وسَبَأٍ قَدِمُوا مَكَّةَ فَأسْلَمُوا، فَلَقُوا مِن أهْلِها أذًى شَدِيدًا، فَبَعَثُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ يَشْكُونَ إلَيْهِ فَقالَ: ”أبْشِرُوا فَإنَّ الفَرَجَ قَرِيبٌ“» وقالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: هم خُزاعَةُ. ووَجْهُ تَخْصِيصِهِمْ أنَّهم هُمُ الَّذِينَ نُقِضَ فِيهِمُ العَهْدُ ونالَتْهُمُ الحَرْبُ، وكانَ يَوْمَئِذٍ في خُزاعَةَ مُؤْمِنُونَ كَثِيرٌ. ألا تَرى إلى قَوْلِ الخُزاعِيِّ المُسْتَنْصِرِ بِالنَّبِيِّ ﷺ: ؎ثَمَّتَ أسْلَمْنا فَلَمْ نَنْزِعْ يَدا وفِي آخِرِ الرَّجَزِ: ؎وقَتَلُونا رُكَّعًا وسُجَّدا وإذْهابُ الغَيْظِ بِما نالَ الكُفّارَ مِنَ المَكْرُوهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ كالتَّأْكِيدِ لِلَّتِي قَبْلَها؛ لِأنَّ شِفاءَ الصَّدْرِ مِن آلَةِ الغَيْظِ هو إذْهابُ الغَيْظِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: (ويَذْهَبُ) فِعْلًا لازِمًا (غَيْظُ) فاعِلٌ بِهِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ رَفَعَ الباءَ. وهَذِهِ المَواعِيدُ كُلُّها وُجِدَتْ، فَكانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ وصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، وبُدِئَ أوَّلًا فِيها بِما تَسَبَّبَ عَنِ النَّصْرِ، وهو تَعْذِيبُ اللَّهِ الكُفّارَ، وبِأيْدِي المُؤْمِنِينَ وإخْزاؤُهم، إذا كانَتِ البُداءَةُ بِما يَنالُ الكُفّارَ مِنَ الشَّرِّ هي الَّتِي يُسَرُّ بِها المُؤْمِنُونَ، ثُمَّ ذَكَرَ ما السَّبَبُ؛ وهو نَصْرُ اللَّهِ المُؤْمِنِينَ عَلى الكافِرِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ ما تَسَبَّبَ أيْضًا عَنِ النَّصْرِ مِن شِفاءِ صُدُورِ المُؤْمِنِينَ وإذْهابِ غَيْظِهِمْ تَتْمِيمًا لِلنِّعَمِ، فَذَكَرَ ما تَسَبَّبَ عَنِ النَّصْرِ بِالنِّسْبَةِ لِلْكُفّارِ، وذَكَرَ ما تَسَبَّبَ لِلْمُسْلِمِينَ مِنَ الفَرَحِ والسُّرُورِ بِإدْراكِ الثَّأْرِ، ولَمْ يَذْكُرْ ما نالُوهُ مِنَ المَغانِمِ والمَطاعِمِ، إذِ العَرَبُ قَوْمٌ جُبِلُوا عَلى الحَمِيَّةِ والأنَفَةِ، فَرَغْبَتُهم في إدْراكِ الثَّأْرِ وقَتْلِ الأعْداءِ هي اللّائِقَةُ بِطِباعِهِمْ. ؎إنَّ الأُسُودَ أُسُودَ الغابِ هِمَّتُها ∗∗∗ يَوْمَ الكَرِيهَةِ في المَسْلُوبِ لا السَّلَبِ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ويَتُوبُ اللَّهُ رَفْعًا، وهو اسْتِئْنافُ إخْبارٍ بِأنَّ بَعْضَ أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ يَتُوبُ عَنْ كُفْرِهِ، وكانَ ذَلِكَ عالَمٌ كَثِيرُونَ وحَسُنَ إسْلامُهم. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ وأبُو الفَتْحِ: وهَذا أمْرٌ مَوْجُودٌ سَواءٌ قُوتِلُوا أوْ لَمْ يُقاتَلُوا، فَلا وجْهَ لِإدْخالِ اليَوْمَ في جَوابِ الشَّرْطِ الَّذِي في (قاتِلُوهم) انْتَهى. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والأعْرَجُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى الثَّقَفِيُّ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وعُمَرُ بْنُ قائِدٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ فِيما رُوِيَ عَنْهُما: ويَتُوبَ اللَّهُ بِنَصْبِ الباءِ، جَعَلَهُ داخِلًا في جَوابِ الأمْرِ مِن طَرِيقِ المَعْنى. قِيلَ: ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ التَّوْبَةُ داخِلَةً في الجَزاءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَتَوَجَّهُ ذَلِكَ عِنْدِي إذا ذُهِبَ إلى أنَّ التَّوْبَةَ يُرادُ بِها أنَّ قَتْلَ الكافِرِينَ والجِهادَ في سَبِيلِ اللَّهِ هو تَوْبَةٌ لَكم أيُّها المُؤْمِنُونَ وكَمالٌ لِإيمانِكم، فَتَدْخُلُ التَّوْبَةُ عَلى هَذا في شَرْطِ القِتالِ. وقالَ غَيْرُهُ: لَمّا أمَرَهم بِالمُقاتَلَةِ شَقَّ ذَلِكَ عَلى بَعْضِهِمْ، فَإذا أقْدَمُوا عَلى المُقاتَلَةِ صارَ ذَلِكَ العَمَلُ جارِيًا مَجْرى التَّوْبَةِ مِن تِلْكَ الكَراهَةِ. وقِيلَ: حُصُولُ الكُفْرِ وكَثْرَةُ الأمْوالِ لَذَّةٌ تُطْلَبُ بِطَرِيقٍ حَرامٍ، فَلَمّا حَصَلَتْ لَهم طَرِيقٌ حَلالٌ كانَ ذَلِكَ داعِيًا لَهم إلى التَّوْبَةِ مِمّا تَقَدَّمَ، فَصارَتِ التَّوْبَةُ مُتَعَلِّقَةً بِتِلْكَ المُقاتَلَةِ انْتَهى. وهَذا الَّذِي قَرَّرُوهُ مِن كَوْنِ التَّوْبَةِ تَدْخُلُ تَحْتَ جَوابِ الأمْرِ هو بِالنِّسْبَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أُمِرُوا بِقِتالِ الكُفّارِ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى الكُفّارِ، فالمَعْنى عَلى مَن يَشاءُ مِنَ الكُفّارِ، وذَلِكَ أنَّ قِتالَ الكُفّارِ وغَلَبَةَ المُسْلِمِينَ إيّاهم قَدْ يَنْشَأُ عَنْها إسْلامُ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهم رَغْبَةٌ في الإسْلامِ، ولا داعِيَةٌ قَبْلَ القِتالِ. ألا تَرى إلى قِتالِ (p-١٨)رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أهْلَ مَكَّةَ كَيْفَ كانَ سَبَبًا لِإسْلامِهِمْ؛ لِأنَّ الدّاخِلَ في الإسْلامِ قَدْ يَدْخُلُ فِيهِ عَلى بَصِيرَةٍ، وقَدْ يَدْخُلُ عَلى كُرْهٍ واضْطِرارٍ، ثُمَّ قَدْ تَحْسُنُ حالُهُ في الإسْلامِ. ألا تَرى إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي سَرْحٍ كَيْفَ كانَ حالُهُ أوَّلًا في الإسْلامِ، ثُمَّ صارَ أمْرُهُ إلى أحْسَنِ حالٍ وماتَ أحْسَنَ مَيْتَةٍ في السُّجُودِ في صِلاتِهِ، وكانَ مِن خِيارِ الصَّحابَةِ ؟ (واللَّهُ عَلِيمٌ) يَعْلَمُ ما سَيَكُونُ مِثْلَ ما يَعْلَمُ ما قَدْ كانَ، وفي ذَلِكَ تَقْرِيرٌ لِما رَتَّبَ مِن تِلْكَ المَواعِيدِ، وأنَّها كائِنَةٌ لا مَحالَةَ. (حَكِيمٌ) في تَصْرِيفِ عِبادِهِ مِن حالٍ إلى حالٍ عَلى ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ تَعالى. ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تُتْرَكُوا ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكُمْ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، والمَعْنى: أنَّكم لا تُتْرَكُونَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَتَبَيَّنَ الخُلَّصُ مِنكم وهُمُ المُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ لَمْ يَتَّخِذُوا بِطانَةً مَن دُونِ اللَّهِ مِن غَيْرِهِمْ. ﴿ولَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ ولا رَسُولِهِ ولا المُؤْمِنِينَ ولِيجَةً﴾ (ولَمْ يَتَّخِذُوا) مَعْطُوفٌ عَلى (جاهَدُوا) . غَيْرَ مُتَّخِذِينَ ولِيجَةً، والوَلِيجَةُ فَعَيْلَةٌ مِن ولَجَ كالدَّخِيلَةِ مِن دَخَلَ، وهي البِطانَةُ والمُدْخَلُ يُدْخَلُ فِيهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِسْرارِ، شُبِّهَ النِّفاقُ بِهِ. وقالَ قَتادَةُ: الوَلِيجَةُ الخِيانَةُ، وقالَ الضَّحّاكُ: الخَدِيعَةُ، وقالَ عَطاءٌ: الأوْداءُ، وقالَ الحَسَنُ: الكُفْرُ والنِّفاقُ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ شَيْءٍ أدْخَلْتَهُ في شَيْءٍ ولَيْسَ مِنهُ فَهو ولِيجَةٌ، والرَّجُلُ يَكُونُ في القَوْمِ ولَيْسَ مِنهم ولِيجَةٌ، يَكُونُ لِلْواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَمْعِ بِلَفْظٍ واحِدٍ. ولِيجَةُ الرَّجُلِ مَن يَخْتَصُّ بِدَخِيلَةِ أمْرِهِ مِنَ النّاسِ، وجَمْعُها ولائِجُ ووُلُجٌ، كَصَحِيفَةٍ وصَحائِفَ وصُحُفٍ. وقالَ عُبادَةُ بْنُ صَفْوانَ الغَنَوِيُّ: ؎ولائِجُهم في كُلِّ مَبْدًى ومَحْضَرٍ ∗∗∗ إلى كُلِّ مَن يُرْجى ومَن يَتَخَوَّفُ وفِي هَذِهِ الآيَةِ طَعْنٌ عَلى المُنافِقِينَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الوَلائِجَ لا سِيَّما عِنْدَ فَرْضِ القِتالِ، والمَعْنى: لا بُدَّ مِنِ اخْتِبارِكم أيُّها المُؤْمِنُونَ كَقَوْلِهِ: ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢]، ولَمّا كانَ الرَّجُلُ قَدْ يُجاهِدُ وهو مُنافِقٌ نَفى هَذا الوَصْفَ عَنْهُ، فَبَيَّنَ أنَّهُ لا بُدَّ لِلْجِهادِ مِنَ الإخْلاصِ خالِيًا عَنِ النِّفاقِ والرِّياءِ والتَّوَدُّدِ إلى الكُفّارِ. ﴿واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ مُناسَبَةً لِقَوْلِهِ: أمْ حَسِبْتُمْ، وقَرَأ الحَسَنُ، ويَعْقُوبُ في رِوايَةٍ رُوَيْسٍ، وسَلّامٌ بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ التِفاتًا.

التوبة 9:10

﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (p-١٤)الظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى مَن قَبْلَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ المَأْمُورِ بِقَتْلِهِمْ، ويَكُونُ المَعْنى: اشْتَرَوْا بِالقُرْآنِ وما يَدْعُو إلَيْهِ مِنَ الإسْلامِ ثَمَنًا قَلِيلًا، وهو اتِّباعُ الشَّهَواتِ والأهْواءِ لَمّا تَرَكَتْ دِينَ اللَّهِ وآثَرَتِ الكُفْرَ، كانَ ذَلِكَ كالشِّراءِ والبَيْعِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هُمُ الأعْرابُ الَّذِينَ جَمَعَهم أبُو سُفْيانَ عَلى طَعامِهِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: هم قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ، وآياتُ اللَّهِ التَّوْراةُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أهْلُ الطّائِفِ كانُوا يَمُدُّونَ النّاسَ بِالأمْوالِ يَمْنَعُونَهم مِنَ الدُّخُولِ في الإسْلامِ، فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ؛ أيْ صَرَفُوا أنْفُسَهم عَنْ دِينِ اللَّهِ وعَدَلُوا عَنْهُ. والظّاهِرُ أنَّ (ساءَ) هُنا مُحَوَّلَةٌ إلى فِعْلٍ. ومَذْهَبُ بابِها مَذْهَبُ بِئْسَ، ويَجُوزُ إقْرارُها عَلى وصْفِها الأوَّلِ، فَتَكُونُ مُتَعَدِّيَةً؛ أيْ: أنَّهم ساءَهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ، فَحُذِفَ المَفْهُومُ لِفَهْمِ المَعْنى. ﴿لا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إلًّا ولا ذِمَّةً وأُولَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ﴾ هَذا تَنْبِيهٌ عَلى الوَصْفِ المُوجِبِ لِلْعَداوَةِ وهو الإيمانُ، ولَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ﴾ [التوبة: ٨] يُتَوَهَّمُ أنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالمُخاطَبِينَ، نَبَّهَ عَلى عِلَّةِ ذَلِكَ، وأنَّ سَبَبَ المُنافاةِ هو الإيمانُ، (وأُولَئِكَ)؛ أيِ الجامِعُونَ لِتِلْكَ الأوْصافِ الذَّمِيمَةِ (هُمُ المُعْتَدُونَ)؛ المُجاوِزُونَ الحَدَّ في الظُّلْمِ والشَّرِّ ونَقْضِ العَهْدِ. ﴿فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَإخْوانُكم في الدِّينِ﴾ أيْ فَإنْ تابُوا عَنِ الكُفْرِ ونَقْضِ العَهْدِ، والتَزَمُوا أحْكامَ الإسْلامِ فَإخْوانُكم، أيْ: فَهم إخْوانُكم، والإخْوانُ، والإخْوَةُ جَمْعُ أخٍ مِن نَسَبٍ أوْ دِينٍ. ومَن زَعَمَ أنَّ الإخْوَةَ تَكُونُ في النَّسَبِ، والإخْوانَ في الصَّداقَةِ، فَقَدْ غَلَطَ. قالَ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] وقالَ: ﴿أوْ بُيُوتِ إخْوانِكُمْ﴾ [النور: ٦١]، وعَلَّقَ حُصُولَ الأُخُوَّةِ في الدِّينِ عَلى الِالتِباسِ بِمَجْمُوعِ الثَّلاثَةِ، ويَظْهَرُ أنَّ مَفْهُومَ الشَّرْطِ غَيْرُ مُرادٍ. ﴿ونُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ نُبَيِّنُها ونُوَضِّحُها. وهَذِهِ الجُمْلَةُ اعْتِراضٌ بَيْنَ الشَّرْطَيْنِ، بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تابُوا﴾، وقَوْلِهِ: (وإنْ نَكَثُوا)، بَعْثًا وتَحْرِيضًا عَلى تَأمُّلِ ما فَصَّلَ تَعالى مِنَ الأحْكامِ، وقالَ: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾؛ لِأنَّهُ لا يَتَأمَّلُ تَفْصِيلَها إلّا مَن كانَ مِن أهْلِ العِلْمِ والفَهْمِ. ﴿وإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِكم فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ إنَّهم لا أيْمانَ لَهم لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ أيْ: وإنْ نَقَضُوا أقْسامَهم مِن بَعْدَما تَعاهَدُوا وتَحالَفُوا عَلى أنْ لا يَنْكُثُوا. (وطَعَنُوا): أيْ عابُوهُ وثَلَبُوهُ واسْتَنْقَصُوهُ، والطَّعْنُ هُنا مَجازٌ، وأصْلُهُ الإصابَةُ بِالرُّمْحِ أوِ العُودِ وشَبَهِهِ، وهو هُنا بِمَعْنى العَيْبِ كَما جاءَ في حَدِيثِ إمارَةِ أُسامَةَ: «إنْ تَطْعَنُوا في إمارَتِهِ فَقَدْ طَعَنْتُمْ في إمارَةِ أبِيهِ مِن قَبْلُ»؛ أيْ عِبْتُمُوها واسْتَنْقَصْتُمُوها. والظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّرْدِيدَ في الشَّرْطَيْنِ هو في حَقِّ الكُفّارِ أصْلًا؛ لِأنَّ مَن أسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ؛ أيْ رُؤَساءَ الكُفْرِ وزُعَماءَهُ. والمَعْنى: فَقاتِلُوا الكُفّارَ، وخَصَّ الأئِمَّةَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ يُحَرِّضُونَ الأتْباعَ عَلى البَقاءِ عَلى الكُفْرِ. وقالَ الكَرْمانِيُّ: كُلُّ كافِرٍ إمّامُ نَفْسِهِ، فالمَعْنى: فَقاتِلُوا كُلَّ كافِرٍ. وقِيلَ: مَن أقْدَمَ عَلى نَكْثِ العَهْدِ والطَّعْنِ في الدِّينِ صارَ رَأْسًا في الكُفْرِ، فَهو مِن أئِمَّةِ الكُفْرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أئِمَّةُ الكُفْرِ زُعَماءُ قُرَيْشٍ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: هو بَعِيدٌ؛ لِأنَّ الآيَةَ في سُورَةِ (بَراءَةٌ)، وحِينَ نَزَلَتْ كانَ اللَّهُ قَدِ اسْتَأْصَلَ شَأْفَةَ قُرَيْشٍ ولَمْ يَبْقَ مِنهم إلّا مُسْلِمٌ أوْ مُسالِمٌ. وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ وعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وغَيْرُهم، وهَذا ضَعِيفٌ إنْ لَمْ يُؤْخَذْ عَلى جِهَةِ المِثالِ؛ لِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ بَدْرٍ بِكَثِيرٍ. ورُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ أنَّهُ قالَ: لَمْ يَجِئْ هَؤُلاءِ بَعْدُ، يُرِيدُ لَمْ يَنْقَرِضُوا، فَهم يَجِيئُونَ أبَدًا ويُقاتِلُونَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أصْوَبُ ما في هَذا أنْ يُقالَ: إنَّهُ لا يُعْنى بِها مُعَيَّنٌ، وإنَّما دَفَعَ الأمْرَ بِقِتالِ أئِمَّةِ النّاكِثِينَ العُهُودَ مِنَ الكَفَرَةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ دُونَ تَعْيِينٍ، واقْتَضَتْ حالُ كُفّارِ العَرَبِ ومُحارِبِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنْ يَكُونَ الإشارَةُ إلَيْهِمْ أوَّلًا بِقَوْلِهِ: (أئِمَّةَ الكُفْرِ)، وهم حَصَلُوا حِينَئِذٍ تَحْتَ اللَّفْظَةِ؛ إذِ الَّذِي يَتَوَلّى قِتالَ النَّبِيِّ صَلّى (p-١٥)اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ والدَّفْعَ في صَدْرِ شَرِيعَتِهِ هو إمامُ كُلِّ مَن يَكْفُرُ بِذَلِكَ الشَّرْعِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ يَأْتِي في كُلِّ جِيلٍ مِنَ الكُفّارِ أئِمَّةٌ خاصَّةٌ بِجِيلٍ جِيلٍ انْتَهى. وقِيلَ: المُرادُ بِالعَهْدِ الإسْلامُ، فَمَعْناهُ كَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ. ولِذَلِكَ قَرَأ بَعْضُهم: وإنْ نَكَثُوا إيمانَهم بِالكَسْرِ، وهو قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ، قالَ: ﴿فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾: فَقاتِلُوهم، فَوَضَعَ أئِمَّةَ الكُفْرِ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ، إشْعارًا بِأنَّهم إذا نَكَثُوا في حالَةِ الشِّرْكِ تَمَرُّدًا وطُغْيانًا وطَرْحًا لِعاداتِ الكِرامِ الأوْفِياءِ مِنَ العَرَبِ، ثُمَّ آمَنُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ وصارُوا إخْوانًا لِلْمُسْلِمِينَ في الدِّينِ، ثُمَّ رَجَعُوا فارْتَدُّوا عَنِ الإسْلامِ ونَكَثُوا ما بايَعُوا عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ والوَفاءِ بِالعَهْدِ، وقَعَدُوا يَطْعَنُونَ في دِينِ اللَّهِ تَعالى، ويَقُولُونَ لَيْسَ دِينُ مُحَمَّدٍ بِشَيْءٍ، فَهم أئِمَّةُ الكُفْرِ وذَوُو الرِّئاسَةِ والتَّقَدُّمِ فِيهِ، لا يَشُقُّ كافِرٌ غُبارَهم. والمَشْهُورُ مِن مَذْهَب مالِكٍ أنَّ الذِّمِّيَّ إذا طَعَنَ في الدِّينِ فَفَعَلَ شَيْئًا مِثْلَ تَكْذِيبِ الشَّرِيعَةِ والسَّبِّ لِلنَّبِيِّ ﷺ ونَحْوَهُ قُتِلَ. وقِيلَ: إنْ أعْلَنَ بِشَيْءٍ مِمّا هو مَعْهُودٌ مِن مُعْتَقَدِهِ وكُفْرِهِ أُدِّبَ عَلى الإعْلانِ وتُرِكَ، وإنْ كَفَرَ بِما هو لَيْسَ مِن مُعْتَقَدِهِ كالسَّبِّ ونَحْوِهِ قُتِلَ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يُسْتَتابُ، واخْتُلِفَ إذا سَبَّ الذِّمِّيُّ ثُمَّ أسْلَمَ تَقِيَّةَ القَتْلِ: فالمَشْهُورُ مِن مَذْهَبِ مالِكٍ أنَّهُ يُتْرَكُ؛ لِأنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ، وفي العُتْبِيَّةِ أنَّهُ يُقْتَلُ، ولا يَكُونُ أحْسَنَ حالًا مِنَ المُسْلِمِ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو: بِإبْدالِ الهَمْزَةِ الثّانِيَةِ ياءً، ورُوِيَ عَنْ نافِعٍ مَدُّ الهَمْزَةِ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ وابْنُ أبِي أُوَيْسٍ عَنْ نافِعٍ: بِهَمْزَتَيْنِ، وأدْخَلَ هِشامٌ بَيْنَهُما ألِفًا، وأصْلُهُ أأْمِمَةٌ عَلى وزْنِ ”أفْعِلَةٌ“، جَمْعُ إمامٍ، أدْغَمُوا المِيمَ في المِيمِ فَنُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى الهَمْزَةِ قَبْلَها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتُ: كَيْفَ لَفْظُ أئِمَّةٍ ؟ قُلْتُ: هَمْزَةٌ بَعْدَها هَمْزَةٌ بَيْنَ بَيْنَ؛ أيْ بَيْنَ مَخْرَجِ الهَمْزَةِ والياءِ. وتَحْقِيقُ الهَمْزِ هي قِراءَةٌ مَشْهُورَةٌ، وإنْ لَمْ تَكُنْ مَقْبُولَةً عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، وأمّا التَّصْرِيحُ بِالياءِ فَلَيْسَ بِقِراءَةٍ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ. ومَن صَرَّحَ بِها فَهو لاحِنٌ مُحَرِّفٌ انْتَهى. وذَلِكَ دَأْبُهُ في تَلْحِينِ المُقْرِئِينَ. وكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ لَحْنًا وقَدْ قَرَأ بِهِ رَأْسُ البَصْرِيِّينَ النُّحاةِ: أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ، وقارِئُ مَكَّةَ ابْنُ كَثِيرٍ، وقارِئُ مَدِينَةِ الرَّسُولِ نافِعٌ، ونَفى إيمانَهم لَمّا لَمْ يَثْبُتُوا عَلَيْها ولا وفَّوْا بِها جُعِلُوا لا أيْمانَ لَهم، أوْ يَكُونُ عَلى حَذْفِ الوَصْفِ أيْ: لا أيْمانَ لَهم يُوَفُّونَ بِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعَطاءٌ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ عامِرٍ: لا إيمانَ لَهم أيْ لا إسْلامَ ولا تَصْدِيقَ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا غَيْرُ قَوِيٍّ؛ لِأنَّهُ تَكْرارٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ وصَفَ أئِمَّةَ الكُفْرِ بِأنَّهم لا إيمانَ لَهم، فالوَجْهُ في كَسْرِ الألِفِ أنَّهُ مَصْدَرُ أمَنَهُ إيمانًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤] فالمَعْنى أنَّهم لا يُؤَمِّنُونَ أهْلَ الذِّمَّةِ، إذِ المُشْرِكُونَ لَمْ يَكُنْ لَهم إلّا الإسْلامُ أوِ السَّيْفُ. قالَ أبُو حاتِمٍ: فَسَّرَ الحَسَنُ قِراءَتَهُ لا إسْلامَ لَهُمُ انْتَهى. وكَذا تَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، فَقالَ: وقُرِئَ لا إيمانَ لَهم، أيْ لا إسْلامَ لَهم، ولا يُعْطَوْنَ الأمانَ بَعْدَ الرِّدَّةِ والنَّكْثِ، ولا سَبِيلَ إلَيْهِ. وبِقِراءَةِ الفَتْحِ اسْتَشْهَدَ أبُو حَنِيفَةَ عَلى أنَّ يَمِينَ الكافِرِ لا يَكُونُ يَمِينًا، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ يَمِينُهم يَمِينٌ، وقالَ: مَعْناهُ أنَّهم لا يُوَفُّونَ بِها بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى وصَفَها بِالنَّكْثِ. ﴿لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾؛ أيْ لِيَكُنْ غَرَضُكم في مُقاتَلَتِهِمْ بَعْدَما وُجِدَ مِنهم مَنِ العَظائِمِ ما وُجِدَ انْتِهاءَهم عَمّا هم فِيهِ، وهَذا مِن كَرَمِهِ سُبْحانَهُ وفَضْلِهِ وعَوْدِهِ عَلى المُسِيءِ بِالرَّحْمَةِ. ﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أيْمانَهم وهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ وهم بَدَءُوكم أوَّلَ مَرَّةٍ أتَخْشَوْنَهم فاللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (p-١٦)(ألا) حَرْفُ عَرْضٍ، ومَعْناهُ هُنا الحَضُّ عَلى قِتالِهِمْ. وزَعَمُوا أنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ ولا النّافِيَةِ، فَصارَ فِيها مَعْنى التَّخْصِيصِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: دَخَلَتِ الهَمْزَةُ عَلى تَقْرِيرٍ عَلى انْتِفاءِ المُقاتَلَةِ، ومَعْناها: الحَضُّ عَلَيْها عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ. ولَمّا أمَرَ تَعالى بِقَتْلِ أهْلِ الكُفْرِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِالسَّبَبِ الَّذِي يَبْعَثُ عَلى مُقاتَلَتِهِمْ وهو ثَلاثَةُ أشْياءَ جَمَعُوها، وكُلُّ واحِدٍ مِنها عَلى انْفِرادِهِ كافٍ في الحَضِّ عَلى مُقاتَلَتِهِمْ. ومَعْنى نَكَثُوا أيْمانَهم: نَقَضَ العَهْدَ. قالَ السُّدِّيُّ، وابْنُ إسْحاقَ، والكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في كُفّارِ مَكَّةَ، نَكَثُوا أيْمانَهم بَعْدَ عَهْدِ الحُدَيْبِيَةَ، وأعانُوا بَنِي بَكْرٍ عَلى خُزاعَةَ انْتَهى. وهَمُّهم هو هَمُّ قُرَيْشٍ بِإخْراجِ الرَّسُولِ مِن مَكَّةَ حِينَ تَشاوَرُوا بِدارِ النَّدْوَةِ، فَأذِنَ اللَّهُ في الهِجْرَةِ، فَخَرَجَ بِنَفْسِهِ، أوْ بَنُو بَكْرٍ بِإخْراجِهِ مِنَ المَدِينَةِ لِما أقْدَمُوا عَلَيْهِ مِنَ المُشاوَرَةِ والِاجْتِماعِ، أوِ اليَهُودُ هَمُّوا بِغَدْرِ الرَّسُولِ ﷺ ونَقَضُوا عَهْدَهُ، وأعانُوا المُنافِقِينَ عَلى إخْراجِهِ مِنَ المَدِينَةِ، ثَلاثَةُ أقْوالٍ أوَّلُها لِلسُّدِّيِّ. وقالَ الحَسَنُ: مِنَ المَدِينَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا مُسْتَقِيمٌ لِغَزْوَةِ أُحُدٍ والأحْزابِ وغَيْرِهِما، وهُمُ الَّذِينَ كانَتْ مِنهُمُ البُداءَةُ بِالمُقاتَلَةِ؛ لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جاءَهم أوَّلًا بِالكِتابِ المُبِينِ وتَحَدّاهم بِهِ، فَعَدَلُوا عَنِ المُعارَضَةِ لِعَجْزِهِمْ عَنْها إلى القِتالِ، فَهُمُ البادِئُونَ، والبادِئُ أظْلَمُ، فَما يَمْنَعُكم مِن أنْ تُقاتِلُوهم بِمِثْلِهِ؛ تَصْدِمُونَهم بِالشَّرِّ كَما صَدَمُوكم ؟ وبَّخَهم بِتَرْكِ مُقاتَلَتِهِمْ، وحَضَّهم عَلَيْها، ثُمَّ وصَفَهم بِما يُوجِبُ الحَضَّ عَلَيْها. وتَقَرَّرَ أنَّ مَن كانَ في مِثْلِ صِفاتِهِمْ مِن نَكْثِ العُهُودِ وإخْراجِ الرَّسُولِ والبَدْءِ بِالقِتالِ مِن غَيْرِ مُوجِبٍ حَقِيقٌ بِأنْ لا تُتْرَكَ مُصادَمَتُهُ، وأنْ يُوَبَّخَ مَن فَرَّطَ فِيها، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهو تَكْثِيرٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (أوَّلَ مَرَّةٍ)، قِيلَ: يُرِيدُ أفْعالَهم بِمَكَّةَ بِالنَّبِيِّ ﷺ وبِالمُؤْمِنِينَ. وقالَ مُجاهِدٌ: ما بَدَأتْ بِهِ قُرَيْشٌ مِن مَعُونَةِ بَنِي بَكْرٍ حُلَفائَهم عَلى خُزاعَةَ حُلَفاءِ النَّبِيِّ، فَكانَ هَذا بَدْءَ النَّقْضِ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: يَعْنِي فِعْلَهم يَوْمَ بَدْرٍ انْتَهى. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بَدَوْكم بِغَيْرِ هَمْزٍ، ووَجْهُهُ أنَّهُ سَهَّلَ الهَمْزَةَ مِن بَدَأْتُ، بِإبْدالِها ياءً، كَما قالُوا في قَرَأْتُ: قَرَيْتُ، فَصارَ كَرَمَيْتُ. فَلَمّا أُسْنِدَ الفِعْلُ إلى واوِ الضَّمِيرِ سَقَطَتْ، فَصارَ بَدَوْكم، كَما تَقُولُ: رَمَوْكم. (أتَخْشَوْنَهم) تَقْرِيرٌ لِلْخَشْيَةِ مِنهم، وتَوْبِيخٌ عَلَيْها. ﴿فاللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ﴾ فَتَقْتُلُوا أعْداءَهُ. ولَفْظُ الجَلالَةِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ (أحَقُّ)، و(أنْ تَخْشَوْهُ) بَدَلٌ مِنَ اللَّهِ؛ أيْ: وخَشْيَةُ اللَّهِ أحَقُّ مِن خَشْيَتِهِمْ، (وأنْ تَخْشَوْهُ) في مَوْضِعِ رَفْعٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ أوْ جَرٍّ عَلى الخِلافِ إذا حُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ، وتَقْدِيرُهُ: بِأنْ تَخْشَوْهُ؛ أيْ أحَقُّ مِن غَيْرِهِ بِأنْ تَخْشَوْهُ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ (أنْ تَخْشَوْهُ) مُبْتَدَأً، وأحَقُّ خَبَرُهُ قُدِّمَ عَلَيْهِ. وأجازَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ (أحَقُّ) مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ (أنْ تَخْشَوْهُ)، والجُمْلَةُ خَبَرٌ عَنِ الأوَّلِ. وحَسُنَ الِابْتِداءُ بِالنَّكِرَةِ؛ لِأنَّها أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، وقَدْ أجازَ سِيبَوَيْهِ أنْ تَكُونَ المَعْرِفَةُ خَبَرًا لِلنَّكِرَةِ في نَحْوِ: اقْصِدْ رَجُلًا خَيْرٌ مِنهُ أبُوهُ. ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ كامِلِي الإيمانِ؛ لِأنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنَّ قَضِيَّةَ الإيمانِ الصَّحِيحِ أنْ لا يَخْشى المُؤْمِنُ إلّا رَبَّهُ ولا يُبالِي بِمَن سِواهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٣٩] . ﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكم ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ويُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن يَشاءُ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ قَرَّرَتِ الآياتُ قَبْلَ هَذا أفْعالَ (p-١٧)الكَفَرَةِ المُقْتَضِيَةَ لِقِتالِهِمْ، والحَضَّ عَلى القِتالِ، وحَرُمَ الأمْرُ بِالقِتالِ في هَذِهِ، وتَعْذِيبُهم بِأيْدِي المُؤْمِنِينَ هو في الدُّنْيا بِالقَتْلِ والأسْرِ والنَّهْبِ، وهَذِهِ وُعُودٌ ثَبَّتَتْ قُلُوبَهم وصَحَّحَتْ نِيّاتِهِمْ، وخِزْيُهم هو إهانَتُهم وذُلُّهم، (ويَنْصُرْكم) يُظْفِرُكم بِهِمْ، وشِفاءُ الصُّدُورِ بِإعْلاءِ دِينِ اللَّهِ وتَعْذِيبِ الكُفّارِ وخِزْيِهِمْ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ونَشْفِ بِالنُّونِ عَلى الِالتِفاتِ، وجاءَ التَّرْكِيبُ (صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ) لِيَشْمَلَ المُخاطَبِينَ وكُلَّ مُؤْمِنٍ؛ لِأنَّ ما يُصِيبُ أهْلَ الكُفْرِ مِنَ العَذابِ والخِزْيِ هو شِفاءٌ لِصَدْرِ كُلِّ مُؤْمِنٍ. وقِيلَ: المُرادُ قَوْمٌ مُعَيَّنُونَ، «قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم بُطُونٌ مِنَ اليَمَنِ وسَبَأٍ قَدِمُوا مَكَّةَ فَأسْلَمُوا، فَلَقُوا مِن أهْلِها أذًى شَدِيدًا، فَبَعَثُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ يَشْكُونَ إلَيْهِ فَقالَ: ”أبْشِرُوا فَإنَّ الفَرَجَ قَرِيبٌ“» وقالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: هم خُزاعَةُ. ووَجْهُ تَخْصِيصِهِمْ أنَّهم هُمُ الَّذِينَ نُقِضَ فِيهِمُ العَهْدُ ونالَتْهُمُ الحَرْبُ، وكانَ يَوْمَئِذٍ في خُزاعَةَ مُؤْمِنُونَ كَثِيرٌ. ألا تَرى إلى قَوْلِ الخُزاعِيِّ المُسْتَنْصِرِ بِالنَّبِيِّ ﷺ: ؎ثَمَّتَ أسْلَمْنا فَلَمْ نَنْزِعْ يَدا وفِي آخِرِ الرَّجَزِ: ؎وقَتَلُونا رُكَّعًا وسُجَّدا وإذْهابُ الغَيْظِ بِما نالَ الكُفّارَ مِنَ المَكْرُوهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ كالتَّأْكِيدِ لِلَّتِي قَبْلَها؛ لِأنَّ شِفاءَ الصَّدْرِ مِن آلَةِ الغَيْظِ هو إذْهابُ الغَيْظِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: (ويَذْهَبُ) فِعْلًا لازِمًا (غَيْظُ) فاعِلٌ بِهِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ رَفَعَ الباءَ. وهَذِهِ المَواعِيدُ كُلُّها وُجِدَتْ، فَكانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ وصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، وبُدِئَ أوَّلًا فِيها بِما تَسَبَّبَ عَنِ النَّصْرِ، وهو تَعْذِيبُ اللَّهِ الكُفّارَ، وبِأيْدِي المُؤْمِنِينَ وإخْزاؤُهم، إذا كانَتِ البُداءَةُ بِما يَنالُ الكُفّارَ مِنَ الشَّرِّ هي الَّتِي يُسَرُّ بِها المُؤْمِنُونَ، ثُمَّ ذَكَرَ ما السَّبَبُ؛ وهو نَصْرُ اللَّهِ المُؤْمِنِينَ عَلى الكافِرِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ ما تَسَبَّبَ أيْضًا عَنِ النَّصْرِ مِن شِفاءِ صُدُورِ المُؤْمِنِينَ وإذْهابِ غَيْظِهِمْ تَتْمِيمًا لِلنِّعَمِ، فَذَكَرَ ما تَسَبَّبَ عَنِ النَّصْرِ بِالنِّسْبَةِ لِلْكُفّارِ، وذَكَرَ ما تَسَبَّبَ لِلْمُسْلِمِينَ مِنَ الفَرَحِ والسُّرُورِ بِإدْراكِ الثَّأْرِ، ولَمْ يَذْكُرْ ما نالُوهُ مِنَ المَغانِمِ والمَطاعِمِ، إذِ العَرَبُ قَوْمٌ جُبِلُوا عَلى الحَمِيَّةِ والأنَفَةِ، فَرَغْبَتُهم في إدْراكِ الثَّأْرِ وقَتْلِ الأعْداءِ هي اللّائِقَةُ بِطِباعِهِمْ. ؎إنَّ الأُسُودَ أُسُودَ الغابِ هِمَّتُها ∗∗∗ يَوْمَ الكَرِيهَةِ في المَسْلُوبِ لا السَّلَبِ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ويَتُوبُ اللَّهُ رَفْعًا، وهو اسْتِئْنافُ إخْبارٍ بِأنَّ بَعْضَ أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ يَتُوبُ عَنْ كُفْرِهِ، وكانَ ذَلِكَ عالَمٌ كَثِيرُونَ وحَسُنَ إسْلامُهم. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ وأبُو الفَتْحِ: وهَذا أمْرٌ مَوْجُودٌ سَواءٌ قُوتِلُوا أوْ لَمْ يُقاتَلُوا، فَلا وجْهَ لِإدْخالِ اليَوْمَ في جَوابِ الشَّرْطِ الَّذِي في (قاتِلُوهم) انْتَهى. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والأعْرَجُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى الثَّقَفِيُّ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وعُمَرُ بْنُ قائِدٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ فِيما رُوِيَ عَنْهُما: ويَتُوبَ اللَّهُ بِنَصْبِ الباءِ، جَعَلَهُ داخِلًا في جَوابِ الأمْرِ مِن طَرِيقِ المَعْنى. قِيلَ: ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ التَّوْبَةُ داخِلَةً في الجَزاءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَتَوَجَّهُ ذَلِكَ عِنْدِي إذا ذُهِبَ إلى أنَّ التَّوْبَةَ يُرادُ بِها أنَّ قَتْلَ الكافِرِينَ والجِهادَ في سَبِيلِ اللَّهِ هو تَوْبَةٌ لَكم أيُّها المُؤْمِنُونَ وكَمالٌ لِإيمانِكم، فَتَدْخُلُ التَّوْبَةُ عَلى هَذا في شَرْطِ القِتالِ. وقالَ غَيْرُهُ: لَمّا أمَرَهم بِالمُقاتَلَةِ شَقَّ ذَلِكَ عَلى بَعْضِهِمْ، فَإذا أقْدَمُوا عَلى المُقاتَلَةِ صارَ ذَلِكَ العَمَلُ جارِيًا مَجْرى التَّوْبَةِ مِن تِلْكَ الكَراهَةِ. وقِيلَ: حُصُولُ الكُفْرِ وكَثْرَةُ الأمْوالِ لَذَّةٌ تُطْلَبُ بِطَرِيقٍ حَرامٍ، فَلَمّا حَصَلَتْ لَهم طَرِيقٌ حَلالٌ كانَ ذَلِكَ داعِيًا لَهم إلى التَّوْبَةِ مِمّا تَقَدَّمَ، فَصارَتِ التَّوْبَةُ مُتَعَلِّقَةً بِتِلْكَ المُقاتَلَةِ انْتَهى. وهَذا الَّذِي قَرَّرُوهُ مِن كَوْنِ التَّوْبَةِ تَدْخُلُ تَحْتَ جَوابِ الأمْرِ هو بِالنِّسْبَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أُمِرُوا بِقِتالِ الكُفّارِ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى الكُفّارِ، فالمَعْنى عَلى مَن يَشاءُ مِنَ الكُفّارِ، وذَلِكَ أنَّ قِتالَ الكُفّارِ وغَلَبَةَ المُسْلِمِينَ إيّاهم قَدْ يَنْشَأُ عَنْها إسْلامُ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهم رَغْبَةٌ في الإسْلامِ، ولا داعِيَةٌ قَبْلَ القِتالِ. ألا تَرى إلى قِتالِ (p-١٨)رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أهْلَ مَكَّةَ كَيْفَ كانَ سَبَبًا لِإسْلامِهِمْ؛ لِأنَّ الدّاخِلَ في الإسْلامِ قَدْ يَدْخُلُ فِيهِ عَلى بَصِيرَةٍ، وقَدْ يَدْخُلُ عَلى كُرْهٍ واضْطِرارٍ، ثُمَّ قَدْ تَحْسُنُ حالُهُ في الإسْلامِ. ألا تَرى إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي سَرْحٍ كَيْفَ كانَ حالُهُ أوَّلًا في الإسْلامِ، ثُمَّ صارَ أمْرُهُ إلى أحْسَنِ حالٍ وماتَ أحْسَنَ مَيْتَةٍ في السُّجُودِ في صِلاتِهِ، وكانَ مِن خِيارِ الصَّحابَةِ ؟ (واللَّهُ عَلِيمٌ) يَعْلَمُ ما سَيَكُونُ مِثْلَ ما يَعْلَمُ ما قَدْ كانَ، وفي ذَلِكَ تَقْرِيرٌ لِما رَتَّبَ مِن تِلْكَ المَواعِيدِ، وأنَّها كائِنَةٌ لا مَحالَةَ. (حَكِيمٌ) في تَصْرِيفِ عِبادِهِ مِن حالٍ إلى حالٍ عَلى ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ تَعالى. ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تُتْرَكُوا ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكُمْ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، والمَعْنى: أنَّكم لا تُتْرَكُونَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَتَبَيَّنَ الخُلَّصُ مِنكم وهُمُ المُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ لَمْ يَتَّخِذُوا بِطانَةً مَن دُونِ اللَّهِ مِن غَيْرِهِمْ. ﴿ولَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ ولا رَسُولِهِ ولا المُؤْمِنِينَ ولِيجَةً﴾ (ولَمْ يَتَّخِذُوا) مَعْطُوفٌ عَلى (جاهَدُوا) . غَيْرَ مُتَّخِذِينَ ولِيجَةً، والوَلِيجَةُ فَعَيْلَةٌ مِن ولَجَ كالدَّخِيلَةِ مِن دَخَلَ، وهي البِطانَةُ والمُدْخَلُ يُدْخَلُ فِيهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِسْرارِ، شُبِّهَ النِّفاقُ بِهِ. وقالَ قَتادَةُ: الوَلِيجَةُ الخِيانَةُ، وقالَ الضَّحّاكُ: الخَدِيعَةُ، وقالَ عَطاءٌ: الأوْداءُ، وقالَ الحَسَنُ: الكُفْرُ والنِّفاقُ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ شَيْءٍ أدْخَلْتَهُ في شَيْءٍ ولَيْسَ مِنهُ فَهو ولِيجَةٌ، والرَّجُلُ يَكُونُ في القَوْمِ ولَيْسَ مِنهم ولِيجَةٌ، يَكُونُ لِلْواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَمْعِ بِلَفْظٍ واحِدٍ. ولِيجَةُ الرَّجُلِ مَن يَخْتَصُّ بِدَخِيلَةِ أمْرِهِ مِنَ النّاسِ، وجَمْعُها ولائِجُ ووُلُجٌ، كَصَحِيفَةٍ وصَحائِفَ وصُحُفٍ. وقالَ عُبادَةُ بْنُ صَفْوانَ الغَنَوِيُّ: ؎ولائِجُهم في كُلِّ مَبْدًى ومَحْضَرٍ ∗∗∗ إلى كُلِّ مَن يُرْجى ومَن يَتَخَوَّفُ وفِي هَذِهِ الآيَةِ طَعْنٌ عَلى المُنافِقِينَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الوَلائِجَ لا سِيَّما عِنْدَ فَرْضِ القِتالِ، والمَعْنى: لا بُدَّ مِنِ اخْتِبارِكم أيُّها المُؤْمِنُونَ كَقَوْلِهِ: ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢]، ولَمّا كانَ الرَّجُلُ قَدْ يُجاهِدُ وهو مُنافِقٌ نَفى هَذا الوَصْفَ عَنْهُ، فَبَيَّنَ أنَّهُ لا بُدَّ لِلْجِهادِ مِنَ الإخْلاصِ خالِيًا عَنِ النِّفاقِ والرِّياءِ والتَّوَدُّدِ إلى الكُفّارِ. ﴿واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ مُناسَبَةً لِقَوْلِهِ: أمْ حَسِبْتُمْ، وقَرَأ الحَسَنُ، ويَعْقُوبُ في رِوايَةٍ رُوَيْسٍ، وسَلّامٌ بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ التِفاتًا.

التوبة 9:11

﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (p-١٤)الظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى مَن قَبْلَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ المَأْمُورِ بِقَتْلِهِمْ، ويَكُونُ المَعْنى: اشْتَرَوْا بِالقُرْآنِ وما يَدْعُو إلَيْهِ مِنَ الإسْلامِ ثَمَنًا قَلِيلًا، وهو اتِّباعُ الشَّهَواتِ والأهْواءِ لَمّا تَرَكَتْ دِينَ اللَّهِ وآثَرَتِ الكُفْرَ، كانَ ذَلِكَ كالشِّراءِ والبَيْعِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هُمُ الأعْرابُ الَّذِينَ جَمَعَهم أبُو سُفْيانَ عَلى طَعامِهِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: هم قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ، وآياتُ اللَّهِ التَّوْراةُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أهْلُ الطّائِفِ كانُوا يَمُدُّونَ النّاسَ بِالأمْوالِ يَمْنَعُونَهم مِنَ الدُّخُولِ في الإسْلامِ، فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ؛ أيْ صَرَفُوا أنْفُسَهم عَنْ دِينِ اللَّهِ وعَدَلُوا عَنْهُ. والظّاهِرُ أنَّ (ساءَ) هُنا مُحَوَّلَةٌ إلى فِعْلٍ. ومَذْهَبُ بابِها مَذْهَبُ بِئْسَ، ويَجُوزُ إقْرارُها عَلى وصْفِها الأوَّلِ، فَتَكُونُ مُتَعَدِّيَةً؛ أيْ: أنَّهم ساءَهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ، فَحُذِفَ المَفْهُومُ لِفَهْمِ المَعْنى. ﴿لا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إلًّا ولا ذِمَّةً وأُولَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ﴾ هَذا تَنْبِيهٌ عَلى الوَصْفِ المُوجِبِ لِلْعَداوَةِ وهو الإيمانُ، ولَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ﴾ [التوبة: ٨] يُتَوَهَّمُ أنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالمُخاطَبِينَ، نَبَّهَ عَلى عِلَّةِ ذَلِكَ، وأنَّ سَبَبَ المُنافاةِ هو الإيمانُ، (وأُولَئِكَ)؛ أيِ الجامِعُونَ لِتِلْكَ الأوْصافِ الذَّمِيمَةِ (هُمُ المُعْتَدُونَ)؛ المُجاوِزُونَ الحَدَّ في الظُّلْمِ والشَّرِّ ونَقْضِ العَهْدِ. ﴿فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَإخْوانُكم في الدِّينِ﴾ أيْ فَإنْ تابُوا عَنِ الكُفْرِ ونَقْضِ العَهْدِ، والتَزَمُوا أحْكامَ الإسْلامِ فَإخْوانُكم، أيْ: فَهم إخْوانُكم، والإخْوانُ، والإخْوَةُ جَمْعُ أخٍ مِن نَسَبٍ أوْ دِينٍ. ومَن زَعَمَ أنَّ الإخْوَةَ تَكُونُ في النَّسَبِ، والإخْوانَ في الصَّداقَةِ، فَقَدْ غَلَطَ. قالَ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] وقالَ: ﴿أوْ بُيُوتِ إخْوانِكُمْ﴾ [النور: ٦١]، وعَلَّقَ حُصُولَ الأُخُوَّةِ في الدِّينِ عَلى الِالتِباسِ بِمَجْمُوعِ الثَّلاثَةِ، ويَظْهَرُ أنَّ مَفْهُومَ الشَّرْطِ غَيْرُ مُرادٍ. ﴿ونُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ نُبَيِّنُها ونُوَضِّحُها. وهَذِهِ الجُمْلَةُ اعْتِراضٌ بَيْنَ الشَّرْطَيْنِ، بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تابُوا﴾، وقَوْلِهِ: (وإنْ نَكَثُوا)، بَعْثًا وتَحْرِيضًا عَلى تَأمُّلِ ما فَصَّلَ تَعالى مِنَ الأحْكامِ، وقالَ: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾؛ لِأنَّهُ لا يَتَأمَّلُ تَفْصِيلَها إلّا مَن كانَ مِن أهْلِ العِلْمِ والفَهْمِ. ﴿وإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِكم فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ إنَّهم لا أيْمانَ لَهم لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ أيْ: وإنْ نَقَضُوا أقْسامَهم مِن بَعْدَما تَعاهَدُوا وتَحالَفُوا عَلى أنْ لا يَنْكُثُوا. (وطَعَنُوا): أيْ عابُوهُ وثَلَبُوهُ واسْتَنْقَصُوهُ، والطَّعْنُ هُنا مَجازٌ، وأصْلُهُ الإصابَةُ بِالرُّمْحِ أوِ العُودِ وشَبَهِهِ، وهو هُنا بِمَعْنى العَيْبِ كَما جاءَ في حَدِيثِ إمارَةِ أُسامَةَ: «إنْ تَطْعَنُوا في إمارَتِهِ فَقَدْ طَعَنْتُمْ في إمارَةِ أبِيهِ مِن قَبْلُ»؛ أيْ عِبْتُمُوها واسْتَنْقَصْتُمُوها. والظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّرْدِيدَ في الشَّرْطَيْنِ هو في حَقِّ الكُفّارِ أصْلًا؛ لِأنَّ مَن أسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ؛ أيْ رُؤَساءَ الكُفْرِ وزُعَماءَهُ. والمَعْنى: فَقاتِلُوا الكُفّارَ، وخَصَّ الأئِمَّةَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ يُحَرِّضُونَ الأتْباعَ عَلى البَقاءِ عَلى الكُفْرِ. وقالَ الكَرْمانِيُّ: كُلُّ كافِرٍ إمّامُ نَفْسِهِ، فالمَعْنى: فَقاتِلُوا كُلَّ كافِرٍ. وقِيلَ: مَن أقْدَمَ عَلى نَكْثِ العَهْدِ والطَّعْنِ في الدِّينِ صارَ رَأْسًا في الكُفْرِ، فَهو مِن أئِمَّةِ الكُفْرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أئِمَّةُ الكُفْرِ زُعَماءُ قُرَيْشٍ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: هو بَعِيدٌ؛ لِأنَّ الآيَةَ في سُورَةِ (بَراءَةٌ)، وحِينَ نَزَلَتْ كانَ اللَّهُ قَدِ اسْتَأْصَلَ شَأْفَةَ قُرَيْشٍ ولَمْ يَبْقَ مِنهم إلّا مُسْلِمٌ أوْ مُسالِمٌ. وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ وعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وغَيْرُهم، وهَذا ضَعِيفٌ إنْ لَمْ يُؤْخَذْ عَلى جِهَةِ المِثالِ؛ لِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ بَدْرٍ بِكَثِيرٍ. ورُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ أنَّهُ قالَ: لَمْ يَجِئْ هَؤُلاءِ بَعْدُ، يُرِيدُ لَمْ يَنْقَرِضُوا، فَهم يَجِيئُونَ أبَدًا ويُقاتِلُونَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أصْوَبُ ما في هَذا أنْ يُقالَ: إنَّهُ لا يُعْنى بِها مُعَيَّنٌ، وإنَّما دَفَعَ الأمْرَ بِقِتالِ أئِمَّةِ النّاكِثِينَ العُهُودَ مِنَ الكَفَرَةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ دُونَ تَعْيِينٍ، واقْتَضَتْ حالُ كُفّارِ العَرَبِ ومُحارِبِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنْ يَكُونَ الإشارَةُ إلَيْهِمْ أوَّلًا بِقَوْلِهِ: (أئِمَّةَ الكُفْرِ)، وهم حَصَلُوا حِينَئِذٍ تَحْتَ اللَّفْظَةِ؛ إذِ الَّذِي يَتَوَلّى قِتالَ النَّبِيِّ صَلّى (p-١٥)اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ والدَّفْعَ في صَدْرِ شَرِيعَتِهِ هو إمامُ كُلِّ مَن يَكْفُرُ بِذَلِكَ الشَّرْعِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ يَأْتِي في كُلِّ جِيلٍ مِنَ الكُفّارِ أئِمَّةٌ خاصَّةٌ بِجِيلٍ جِيلٍ انْتَهى. وقِيلَ: المُرادُ بِالعَهْدِ الإسْلامُ، فَمَعْناهُ كَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ. ولِذَلِكَ قَرَأ بَعْضُهم: وإنْ نَكَثُوا إيمانَهم بِالكَسْرِ، وهو قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ، قالَ: ﴿فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾: فَقاتِلُوهم، فَوَضَعَ أئِمَّةَ الكُفْرِ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ، إشْعارًا بِأنَّهم إذا نَكَثُوا في حالَةِ الشِّرْكِ تَمَرُّدًا وطُغْيانًا وطَرْحًا لِعاداتِ الكِرامِ الأوْفِياءِ مِنَ العَرَبِ، ثُمَّ آمَنُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ وصارُوا إخْوانًا لِلْمُسْلِمِينَ في الدِّينِ، ثُمَّ رَجَعُوا فارْتَدُّوا عَنِ الإسْلامِ ونَكَثُوا ما بايَعُوا عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ والوَفاءِ بِالعَهْدِ، وقَعَدُوا يَطْعَنُونَ في دِينِ اللَّهِ تَعالى، ويَقُولُونَ لَيْسَ دِينُ مُحَمَّدٍ بِشَيْءٍ، فَهم أئِمَّةُ الكُفْرِ وذَوُو الرِّئاسَةِ والتَّقَدُّمِ فِيهِ، لا يَشُقُّ كافِرٌ غُبارَهم. والمَشْهُورُ مِن مَذْهَب مالِكٍ أنَّ الذِّمِّيَّ إذا طَعَنَ في الدِّينِ فَفَعَلَ شَيْئًا مِثْلَ تَكْذِيبِ الشَّرِيعَةِ والسَّبِّ لِلنَّبِيِّ ﷺ ونَحْوَهُ قُتِلَ. وقِيلَ: إنْ أعْلَنَ بِشَيْءٍ مِمّا هو مَعْهُودٌ مِن مُعْتَقَدِهِ وكُفْرِهِ أُدِّبَ عَلى الإعْلانِ وتُرِكَ، وإنْ كَفَرَ بِما هو لَيْسَ مِن مُعْتَقَدِهِ كالسَّبِّ ونَحْوِهِ قُتِلَ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يُسْتَتابُ، واخْتُلِفَ إذا سَبَّ الذِّمِّيُّ ثُمَّ أسْلَمَ تَقِيَّةَ القَتْلِ: فالمَشْهُورُ مِن مَذْهَبِ مالِكٍ أنَّهُ يُتْرَكُ؛ لِأنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ، وفي العُتْبِيَّةِ أنَّهُ يُقْتَلُ، ولا يَكُونُ أحْسَنَ حالًا مِنَ المُسْلِمِ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو: بِإبْدالِ الهَمْزَةِ الثّانِيَةِ ياءً، ورُوِيَ عَنْ نافِعٍ مَدُّ الهَمْزَةِ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ وابْنُ أبِي أُوَيْسٍ عَنْ نافِعٍ: بِهَمْزَتَيْنِ، وأدْخَلَ هِشامٌ بَيْنَهُما ألِفًا، وأصْلُهُ أأْمِمَةٌ عَلى وزْنِ ”أفْعِلَةٌ“، جَمْعُ إمامٍ، أدْغَمُوا المِيمَ في المِيمِ فَنُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى الهَمْزَةِ قَبْلَها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتُ: كَيْفَ لَفْظُ أئِمَّةٍ ؟ قُلْتُ: هَمْزَةٌ بَعْدَها هَمْزَةٌ بَيْنَ بَيْنَ؛ أيْ بَيْنَ مَخْرَجِ الهَمْزَةِ والياءِ. وتَحْقِيقُ الهَمْزِ هي قِراءَةٌ مَشْهُورَةٌ، وإنْ لَمْ تَكُنْ مَقْبُولَةً عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، وأمّا التَّصْرِيحُ بِالياءِ فَلَيْسَ بِقِراءَةٍ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ. ومَن صَرَّحَ بِها فَهو لاحِنٌ مُحَرِّفٌ انْتَهى. وذَلِكَ دَأْبُهُ في تَلْحِينِ المُقْرِئِينَ. وكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ لَحْنًا وقَدْ قَرَأ بِهِ رَأْسُ البَصْرِيِّينَ النُّحاةِ: أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ، وقارِئُ مَكَّةَ ابْنُ كَثِيرٍ، وقارِئُ مَدِينَةِ الرَّسُولِ نافِعٌ، ونَفى إيمانَهم لَمّا لَمْ يَثْبُتُوا عَلَيْها ولا وفَّوْا بِها جُعِلُوا لا أيْمانَ لَهم، أوْ يَكُونُ عَلى حَذْفِ الوَصْفِ أيْ: لا أيْمانَ لَهم يُوَفُّونَ بِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعَطاءٌ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ عامِرٍ: لا إيمانَ لَهم أيْ لا إسْلامَ ولا تَصْدِيقَ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا غَيْرُ قَوِيٍّ؛ لِأنَّهُ تَكْرارٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ وصَفَ أئِمَّةَ الكُفْرِ بِأنَّهم لا إيمانَ لَهم، فالوَجْهُ في كَسْرِ الألِفِ أنَّهُ مَصْدَرُ أمَنَهُ إيمانًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤] فالمَعْنى أنَّهم لا يُؤَمِّنُونَ أهْلَ الذِّمَّةِ، إذِ المُشْرِكُونَ لَمْ يَكُنْ لَهم إلّا الإسْلامُ أوِ السَّيْفُ. قالَ أبُو حاتِمٍ: فَسَّرَ الحَسَنُ قِراءَتَهُ لا إسْلامَ لَهُمُ انْتَهى. وكَذا تَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، فَقالَ: وقُرِئَ لا إيمانَ لَهم، أيْ لا إسْلامَ لَهم، ولا يُعْطَوْنَ الأمانَ بَعْدَ الرِّدَّةِ والنَّكْثِ، ولا سَبِيلَ إلَيْهِ. وبِقِراءَةِ الفَتْحِ اسْتَشْهَدَ أبُو حَنِيفَةَ عَلى أنَّ يَمِينَ الكافِرِ لا يَكُونُ يَمِينًا، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ يَمِينُهم يَمِينٌ، وقالَ: مَعْناهُ أنَّهم لا يُوَفُّونَ بِها بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى وصَفَها بِالنَّكْثِ. ﴿لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾؛ أيْ لِيَكُنْ غَرَضُكم في مُقاتَلَتِهِمْ بَعْدَما وُجِدَ مِنهم مَنِ العَظائِمِ ما وُجِدَ انْتِهاءَهم عَمّا هم فِيهِ، وهَذا مِن كَرَمِهِ سُبْحانَهُ وفَضْلِهِ وعَوْدِهِ عَلى المُسِيءِ بِالرَّحْمَةِ. ﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أيْمانَهم وهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ وهم بَدَءُوكم أوَّلَ مَرَّةٍ أتَخْشَوْنَهم فاللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (p-١٦)(ألا) حَرْفُ عَرْضٍ، ومَعْناهُ هُنا الحَضُّ عَلى قِتالِهِمْ. وزَعَمُوا أنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ ولا النّافِيَةِ، فَصارَ فِيها مَعْنى التَّخْصِيصِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: دَخَلَتِ الهَمْزَةُ عَلى تَقْرِيرٍ عَلى انْتِفاءِ المُقاتَلَةِ، ومَعْناها: الحَضُّ عَلَيْها عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ. ولَمّا أمَرَ تَعالى بِقَتْلِ أهْلِ الكُفْرِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِالسَّبَبِ الَّذِي يَبْعَثُ عَلى مُقاتَلَتِهِمْ وهو ثَلاثَةُ أشْياءَ جَمَعُوها، وكُلُّ واحِدٍ مِنها عَلى انْفِرادِهِ كافٍ في الحَضِّ عَلى مُقاتَلَتِهِمْ. ومَعْنى نَكَثُوا أيْمانَهم: نَقَضَ العَهْدَ. قالَ السُّدِّيُّ، وابْنُ إسْحاقَ، والكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في كُفّارِ مَكَّةَ، نَكَثُوا أيْمانَهم بَعْدَ عَهْدِ الحُدَيْبِيَةَ، وأعانُوا بَنِي بَكْرٍ عَلى خُزاعَةَ انْتَهى. وهَمُّهم هو هَمُّ قُرَيْشٍ بِإخْراجِ الرَّسُولِ مِن مَكَّةَ حِينَ تَشاوَرُوا بِدارِ النَّدْوَةِ، فَأذِنَ اللَّهُ في الهِجْرَةِ، فَخَرَجَ بِنَفْسِهِ، أوْ بَنُو بَكْرٍ بِإخْراجِهِ مِنَ المَدِينَةِ لِما أقْدَمُوا عَلَيْهِ مِنَ المُشاوَرَةِ والِاجْتِماعِ، أوِ اليَهُودُ هَمُّوا بِغَدْرِ الرَّسُولِ ﷺ ونَقَضُوا عَهْدَهُ، وأعانُوا المُنافِقِينَ عَلى إخْراجِهِ مِنَ المَدِينَةِ، ثَلاثَةُ أقْوالٍ أوَّلُها لِلسُّدِّيِّ. وقالَ الحَسَنُ: مِنَ المَدِينَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا مُسْتَقِيمٌ لِغَزْوَةِ أُحُدٍ والأحْزابِ وغَيْرِهِما، وهُمُ الَّذِينَ كانَتْ مِنهُمُ البُداءَةُ بِالمُقاتَلَةِ؛ لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جاءَهم أوَّلًا بِالكِتابِ المُبِينِ وتَحَدّاهم بِهِ، فَعَدَلُوا عَنِ المُعارَضَةِ لِعَجْزِهِمْ عَنْها إلى القِتالِ، فَهُمُ البادِئُونَ، والبادِئُ أظْلَمُ، فَما يَمْنَعُكم مِن أنْ تُقاتِلُوهم بِمِثْلِهِ؛ تَصْدِمُونَهم بِالشَّرِّ كَما صَدَمُوكم ؟ وبَّخَهم بِتَرْكِ مُقاتَلَتِهِمْ، وحَضَّهم عَلَيْها، ثُمَّ وصَفَهم بِما يُوجِبُ الحَضَّ عَلَيْها. وتَقَرَّرَ أنَّ مَن كانَ في مِثْلِ صِفاتِهِمْ مِن نَكْثِ العُهُودِ وإخْراجِ الرَّسُولِ والبَدْءِ بِالقِتالِ مِن غَيْرِ مُوجِبٍ حَقِيقٌ بِأنْ لا تُتْرَكَ مُصادَمَتُهُ، وأنْ يُوَبَّخَ مَن فَرَّطَ فِيها، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهو تَكْثِيرٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (أوَّلَ مَرَّةٍ)، قِيلَ: يُرِيدُ أفْعالَهم بِمَكَّةَ بِالنَّبِيِّ ﷺ وبِالمُؤْمِنِينَ. وقالَ مُجاهِدٌ: ما بَدَأتْ بِهِ قُرَيْشٌ مِن مَعُونَةِ بَنِي بَكْرٍ حُلَفائَهم عَلى خُزاعَةَ حُلَفاءِ النَّبِيِّ، فَكانَ هَذا بَدْءَ النَّقْضِ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: يَعْنِي فِعْلَهم يَوْمَ بَدْرٍ انْتَهى. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بَدَوْكم بِغَيْرِ هَمْزٍ، ووَجْهُهُ أنَّهُ سَهَّلَ الهَمْزَةَ مِن بَدَأْتُ، بِإبْدالِها ياءً، كَما قالُوا في قَرَأْتُ: قَرَيْتُ، فَصارَ كَرَمَيْتُ. فَلَمّا أُسْنِدَ الفِعْلُ إلى واوِ الضَّمِيرِ سَقَطَتْ، فَصارَ بَدَوْكم، كَما تَقُولُ: رَمَوْكم. (أتَخْشَوْنَهم) تَقْرِيرٌ لِلْخَشْيَةِ مِنهم، وتَوْبِيخٌ عَلَيْها. ﴿فاللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ﴾ فَتَقْتُلُوا أعْداءَهُ. ولَفْظُ الجَلالَةِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ (أحَقُّ)، و(أنْ تَخْشَوْهُ) بَدَلٌ مِنَ اللَّهِ؛ أيْ: وخَشْيَةُ اللَّهِ أحَقُّ مِن خَشْيَتِهِمْ، (وأنْ تَخْشَوْهُ) في مَوْضِعِ رَفْعٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ أوْ جَرٍّ عَلى الخِلافِ إذا حُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ، وتَقْدِيرُهُ: بِأنْ تَخْشَوْهُ؛ أيْ أحَقُّ مِن غَيْرِهِ بِأنْ تَخْشَوْهُ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ (أنْ تَخْشَوْهُ) مُبْتَدَأً، وأحَقُّ خَبَرُهُ قُدِّمَ عَلَيْهِ. وأجازَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ (أحَقُّ) مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ (أنْ تَخْشَوْهُ)، والجُمْلَةُ خَبَرٌ عَنِ الأوَّلِ. وحَسُنَ الِابْتِداءُ بِالنَّكِرَةِ؛ لِأنَّها أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، وقَدْ أجازَ سِيبَوَيْهِ أنْ تَكُونَ المَعْرِفَةُ خَبَرًا لِلنَّكِرَةِ في نَحْوِ: اقْصِدْ رَجُلًا خَيْرٌ مِنهُ أبُوهُ. ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ كامِلِي الإيمانِ؛ لِأنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنَّ قَضِيَّةَ الإيمانِ الصَّحِيحِ أنْ لا يَخْشى المُؤْمِنُ إلّا رَبَّهُ ولا يُبالِي بِمَن سِواهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٣٩] . ﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكم ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ويُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن يَشاءُ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ قَرَّرَتِ الآياتُ قَبْلَ هَذا أفْعالَ (p-١٧)الكَفَرَةِ المُقْتَضِيَةَ لِقِتالِهِمْ، والحَضَّ عَلى القِتالِ، وحَرُمَ الأمْرُ بِالقِتالِ في هَذِهِ، وتَعْذِيبُهم بِأيْدِي المُؤْمِنِينَ هو في الدُّنْيا بِالقَتْلِ والأسْرِ والنَّهْبِ، وهَذِهِ وُعُودٌ ثَبَّتَتْ قُلُوبَهم وصَحَّحَتْ نِيّاتِهِمْ، وخِزْيُهم هو إهانَتُهم وذُلُّهم، (ويَنْصُرْكم) يُظْفِرُكم بِهِمْ، وشِفاءُ الصُّدُورِ بِإعْلاءِ دِينِ اللَّهِ وتَعْذِيبِ الكُفّارِ وخِزْيِهِمْ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ونَشْفِ بِالنُّونِ عَلى الِالتِفاتِ، وجاءَ التَّرْكِيبُ (صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ) لِيَشْمَلَ المُخاطَبِينَ وكُلَّ مُؤْمِنٍ؛ لِأنَّ ما يُصِيبُ أهْلَ الكُفْرِ مِنَ العَذابِ والخِزْيِ هو شِفاءٌ لِصَدْرِ كُلِّ مُؤْمِنٍ. وقِيلَ: المُرادُ قَوْمٌ مُعَيَّنُونَ، «قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم بُطُونٌ مِنَ اليَمَنِ وسَبَأٍ قَدِمُوا مَكَّةَ فَأسْلَمُوا، فَلَقُوا مِن أهْلِها أذًى شَدِيدًا، فَبَعَثُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ يَشْكُونَ إلَيْهِ فَقالَ: ”أبْشِرُوا فَإنَّ الفَرَجَ قَرِيبٌ“» وقالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: هم خُزاعَةُ. ووَجْهُ تَخْصِيصِهِمْ أنَّهم هُمُ الَّذِينَ نُقِضَ فِيهِمُ العَهْدُ ونالَتْهُمُ الحَرْبُ، وكانَ يَوْمَئِذٍ في خُزاعَةَ مُؤْمِنُونَ كَثِيرٌ. ألا تَرى إلى قَوْلِ الخُزاعِيِّ المُسْتَنْصِرِ بِالنَّبِيِّ ﷺ: ؎ثَمَّتَ أسْلَمْنا فَلَمْ نَنْزِعْ يَدا وفِي آخِرِ الرَّجَزِ: ؎وقَتَلُونا رُكَّعًا وسُجَّدا وإذْهابُ الغَيْظِ بِما نالَ الكُفّارَ مِنَ المَكْرُوهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ كالتَّأْكِيدِ لِلَّتِي قَبْلَها؛ لِأنَّ شِفاءَ الصَّدْرِ مِن آلَةِ الغَيْظِ هو إذْهابُ الغَيْظِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: (ويَذْهَبُ) فِعْلًا لازِمًا (غَيْظُ) فاعِلٌ بِهِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ رَفَعَ الباءَ. وهَذِهِ المَواعِيدُ كُلُّها وُجِدَتْ، فَكانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ وصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، وبُدِئَ أوَّلًا فِيها بِما تَسَبَّبَ عَنِ النَّصْرِ، وهو تَعْذِيبُ اللَّهِ الكُفّارَ، وبِأيْدِي المُؤْمِنِينَ وإخْزاؤُهم، إذا كانَتِ البُداءَةُ بِما يَنالُ الكُفّارَ مِنَ الشَّرِّ هي الَّتِي يُسَرُّ بِها المُؤْمِنُونَ، ثُمَّ ذَكَرَ ما السَّبَبُ؛ وهو نَصْرُ اللَّهِ المُؤْمِنِينَ عَلى الكافِرِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ ما تَسَبَّبَ أيْضًا عَنِ النَّصْرِ مِن شِفاءِ صُدُورِ المُؤْمِنِينَ وإذْهابِ غَيْظِهِمْ تَتْمِيمًا لِلنِّعَمِ، فَذَكَرَ ما تَسَبَّبَ عَنِ النَّصْرِ بِالنِّسْبَةِ لِلْكُفّارِ، وذَكَرَ ما تَسَبَّبَ لِلْمُسْلِمِينَ مِنَ الفَرَحِ والسُّرُورِ بِإدْراكِ الثَّأْرِ، ولَمْ يَذْكُرْ ما نالُوهُ مِنَ المَغانِمِ والمَطاعِمِ، إذِ العَرَبُ قَوْمٌ جُبِلُوا عَلى الحَمِيَّةِ والأنَفَةِ، فَرَغْبَتُهم في إدْراكِ الثَّأْرِ وقَتْلِ الأعْداءِ هي اللّائِقَةُ بِطِباعِهِمْ. ؎إنَّ الأُسُودَ أُسُودَ الغابِ هِمَّتُها ∗∗∗ يَوْمَ الكَرِيهَةِ في المَسْلُوبِ لا السَّلَبِ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ويَتُوبُ اللَّهُ رَفْعًا، وهو اسْتِئْنافُ إخْبارٍ بِأنَّ بَعْضَ أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ يَتُوبُ عَنْ كُفْرِهِ، وكانَ ذَلِكَ عالَمٌ كَثِيرُونَ وحَسُنَ إسْلامُهم. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ وأبُو الفَتْحِ: وهَذا أمْرٌ مَوْجُودٌ سَواءٌ قُوتِلُوا أوْ لَمْ يُقاتَلُوا، فَلا وجْهَ لِإدْخالِ اليَوْمَ في جَوابِ الشَّرْطِ الَّذِي في (قاتِلُوهم) انْتَهى. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والأعْرَجُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى الثَّقَفِيُّ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وعُمَرُ بْنُ قائِدٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ فِيما رُوِيَ عَنْهُما: ويَتُوبَ اللَّهُ بِنَصْبِ الباءِ، جَعَلَهُ داخِلًا في جَوابِ الأمْرِ مِن طَرِيقِ المَعْنى. قِيلَ: ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ التَّوْبَةُ داخِلَةً في الجَزاءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَتَوَجَّهُ ذَلِكَ عِنْدِي إذا ذُهِبَ إلى أنَّ التَّوْبَةَ يُرادُ بِها أنَّ قَتْلَ الكافِرِينَ والجِهادَ في سَبِيلِ اللَّهِ هو تَوْبَةٌ لَكم أيُّها المُؤْمِنُونَ وكَمالٌ لِإيمانِكم، فَتَدْخُلُ التَّوْبَةُ عَلى هَذا في شَرْطِ القِتالِ. وقالَ غَيْرُهُ: لَمّا أمَرَهم بِالمُقاتَلَةِ شَقَّ ذَلِكَ عَلى بَعْضِهِمْ، فَإذا أقْدَمُوا عَلى المُقاتَلَةِ صارَ ذَلِكَ العَمَلُ جارِيًا مَجْرى التَّوْبَةِ مِن تِلْكَ الكَراهَةِ. وقِيلَ: حُصُولُ الكُفْرِ وكَثْرَةُ الأمْوالِ لَذَّةٌ تُطْلَبُ بِطَرِيقٍ حَرامٍ، فَلَمّا حَصَلَتْ لَهم طَرِيقٌ حَلالٌ كانَ ذَلِكَ داعِيًا لَهم إلى التَّوْبَةِ مِمّا تَقَدَّمَ، فَصارَتِ التَّوْبَةُ مُتَعَلِّقَةً بِتِلْكَ المُقاتَلَةِ انْتَهى. وهَذا الَّذِي قَرَّرُوهُ مِن كَوْنِ التَّوْبَةِ تَدْخُلُ تَحْتَ جَوابِ الأمْرِ هو بِالنِّسْبَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أُمِرُوا بِقِتالِ الكُفّارِ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى الكُفّارِ، فالمَعْنى عَلى مَن يَشاءُ مِنَ الكُفّارِ، وذَلِكَ أنَّ قِتالَ الكُفّارِ وغَلَبَةَ المُسْلِمِينَ إيّاهم قَدْ يَنْشَأُ عَنْها إسْلامُ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهم رَغْبَةٌ في الإسْلامِ، ولا داعِيَةٌ قَبْلَ القِتالِ. ألا تَرى إلى قِتالِ (p-١٨)رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أهْلَ مَكَّةَ كَيْفَ كانَ سَبَبًا لِإسْلامِهِمْ؛ لِأنَّ الدّاخِلَ في الإسْلامِ قَدْ يَدْخُلُ فِيهِ عَلى بَصِيرَةٍ، وقَدْ يَدْخُلُ عَلى كُرْهٍ واضْطِرارٍ، ثُمَّ قَدْ تَحْسُنُ حالُهُ في الإسْلامِ. ألا تَرى إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي سَرْحٍ كَيْفَ كانَ حالُهُ أوَّلًا في الإسْلامِ، ثُمَّ صارَ أمْرُهُ إلى أحْسَنِ حالٍ وماتَ أحْسَنَ مَيْتَةٍ في السُّجُودِ في صِلاتِهِ، وكانَ مِن خِيارِ الصَّحابَةِ ؟ (واللَّهُ عَلِيمٌ) يَعْلَمُ ما سَيَكُونُ مِثْلَ ما يَعْلَمُ ما قَدْ كانَ، وفي ذَلِكَ تَقْرِيرٌ لِما رَتَّبَ مِن تِلْكَ المَواعِيدِ، وأنَّها كائِنَةٌ لا مَحالَةَ. (حَكِيمٌ) في تَصْرِيفِ عِبادِهِ مِن حالٍ إلى حالٍ عَلى ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ تَعالى. ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تُتْرَكُوا ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكُمْ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، والمَعْنى: أنَّكم لا تُتْرَكُونَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَتَبَيَّنَ الخُلَّصُ مِنكم وهُمُ المُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ لَمْ يَتَّخِذُوا بِطانَةً مَن دُونِ اللَّهِ مِن غَيْرِهِمْ. ﴿ولَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ ولا رَسُولِهِ ولا المُؤْمِنِينَ ولِيجَةً﴾ (ولَمْ يَتَّخِذُوا) مَعْطُوفٌ عَلى (جاهَدُوا) . غَيْرَ مُتَّخِذِينَ ولِيجَةً، والوَلِيجَةُ فَعَيْلَةٌ مِن ولَجَ كالدَّخِيلَةِ مِن دَخَلَ، وهي البِطانَةُ والمُدْخَلُ يُدْخَلُ فِيهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِسْرارِ، شُبِّهَ النِّفاقُ بِهِ. وقالَ قَتادَةُ: الوَلِيجَةُ الخِيانَةُ، وقالَ الضَّحّاكُ: الخَدِيعَةُ، وقالَ عَطاءٌ: الأوْداءُ، وقالَ الحَسَنُ: الكُفْرُ والنِّفاقُ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ شَيْءٍ أدْخَلْتَهُ في شَيْءٍ ولَيْسَ مِنهُ فَهو ولِيجَةٌ، والرَّجُلُ يَكُونُ في القَوْمِ ولَيْسَ مِنهم ولِيجَةٌ، يَكُونُ لِلْواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَمْعِ بِلَفْظٍ واحِدٍ. ولِيجَةُ الرَّجُلِ مَن يَخْتَصُّ بِدَخِيلَةِ أمْرِهِ مِنَ النّاسِ، وجَمْعُها ولائِجُ ووُلُجٌ، كَصَحِيفَةٍ وصَحائِفَ وصُحُفٍ. وقالَ عُبادَةُ بْنُ صَفْوانَ الغَنَوِيُّ: ؎ولائِجُهم في كُلِّ مَبْدًى ومَحْضَرٍ ∗∗∗ إلى كُلِّ مَن يُرْجى ومَن يَتَخَوَّفُ وفِي هَذِهِ الآيَةِ طَعْنٌ عَلى المُنافِقِينَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الوَلائِجَ لا سِيَّما عِنْدَ فَرْضِ القِتالِ، والمَعْنى: لا بُدَّ مِنِ اخْتِبارِكم أيُّها المُؤْمِنُونَ كَقَوْلِهِ: ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢]، ولَمّا كانَ الرَّجُلُ قَدْ يُجاهِدُ وهو مُنافِقٌ نَفى هَذا الوَصْفَ عَنْهُ، فَبَيَّنَ أنَّهُ لا بُدَّ لِلْجِهادِ مِنَ الإخْلاصِ خالِيًا عَنِ النِّفاقِ والرِّياءِ والتَّوَدُّدِ إلى الكُفّارِ. ﴿واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ مُناسَبَةً لِقَوْلِهِ: أمْ حَسِبْتُمْ، وقَرَأ الحَسَنُ، ويَعْقُوبُ في رِوايَةٍ رُوَيْسٍ، وسَلّامٌ بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ التِفاتًا.

التوبة 9:12

﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (p-١٤)الظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى مَن قَبْلَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ المَأْمُورِ بِقَتْلِهِمْ، ويَكُونُ المَعْنى: اشْتَرَوْا بِالقُرْآنِ وما يَدْعُو إلَيْهِ مِنَ الإسْلامِ ثَمَنًا قَلِيلًا، وهو اتِّباعُ الشَّهَواتِ والأهْواءِ لَمّا تَرَكَتْ دِينَ اللَّهِ وآثَرَتِ الكُفْرَ، كانَ ذَلِكَ كالشِّراءِ والبَيْعِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هُمُ الأعْرابُ الَّذِينَ جَمَعَهم أبُو سُفْيانَ عَلى طَعامِهِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: هم قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ، وآياتُ اللَّهِ التَّوْراةُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أهْلُ الطّائِفِ كانُوا يَمُدُّونَ النّاسَ بِالأمْوالِ يَمْنَعُونَهم مِنَ الدُّخُولِ في الإسْلامِ، فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ؛ أيْ صَرَفُوا أنْفُسَهم عَنْ دِينِ اللَّهِ وعَدَلُوا عَنْهُ. والظّاهِرُ أنَّ (ساءَ) هُنا مُحَوَّلَةٌ إلى فِعْلٍ. ومَذْهَبُ بابِها مَذْهَبُ بِئْسَ، ويَجُوزُ إقْرارُها عَلى وصْفِها الأوَّلِ، فَتَكُونُ مُتَعَدِّيَةً؛ أيْ: أنَّهم ساءَهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ، فَحُذِفَ المَفْهُومُ لِفَهْمِ المَعْنى. ﴿لا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إلًّا ولا ذِمَّةً وأُولَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ﴾ هَذا تَنْبِيهٌ عَلى الوَصْفِ المُوجِبِ لِلْعَداوَةِ وهو الإيمانُ، ولَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ﴾ [التوبة: ٨] يُتَوَهَّمُ أنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالمُخاطَبِينَ، نَبَّهَ عَلى عِلَّةِ ذَلِكَ، وأنَّ سَبَبَ المُنافاةِ هو الإيمانُ، (وأُولَئِكَ)؛ أيِ الجامِعُونَ لِتِلْكَ الأوْصافِ الذَّمِيمَةِ (هُمُ المُعْتَدُونَ)؛ المُجاوِزُونَ الحَدَّ في الظُّلْمِ والشَّرِّ ونَقْضِ العَهْدِ. ﴿فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَإخْوانُكم في الدِّينِ﴾ أيْ فَإنْ تابُوا عَنِ الكُفْرِ ونَقْضِ العَهْدِ، والتَزَمُوا أحْكامَ الإسْلامِ فَإخْوانُكم، أيْ: فَهم إخْوانُكم، والإخْوانُ، والإخْوَةُ جَمْعُ أخٍ مِن نَسَبٍ أوْ دِينٍ. ومَن زَعَمَ أنَّ الإخْوَةَ تَكُونُ في النَّسَبِ، والإخْوانَ في الصَّداقَةِ، فَقَدْ غَلَطَ. قالَ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] وقالَ: ﴿أوْ بُيُوتِ إخْوانِكُمْ﴾ [النور: ٦١]، وعَلَّقَ حُصُولَ الأُخُوَّةِ في الدِّينِ عَلى الِالتِباسِ بِمَجْمُوعِ الثَّلاثَةِ، ويَظْهَرُ أنَّ مَفْهُومَ الشَّرْطِ غَيْرُ مُرادٍ. ﴿ونُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ نُبَيِّنُها ونُوَضِّحُها. وهَذِهِ الجُمْلَةُ اعْتِراضٌ بَيْنَ الشَّرْطَيْنِ، بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تابُوا﴾، وقَوْلِهِ: (وإنْ نَكَثُوا)، بَعْثًا وتَحْرِيضًا عَلى تَأمُّلِ ما فَصَّلَ تَعالى مِنَ الأحْكامِ، وقالَ: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾؛ لِأنَّهُ لا يَتَأمَّلُ تَفْصِيلَها إلّا مَن كانَ مِن أهْلِ العِلْمِ والفَهْمِ. ﴿وإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِكم فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ إنَّهم لا أيْمانَ لَهم لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ أيْ: وإنْ نَقَضُوا أقْسامَهم مِن بَعْدَما تَعاهَدُوا وتَحالَفُوا عَلى أنْ لا يَنْكُثُوا. (وطَعَنُوا): أيْ عابُوهُ وثَلَبُوهُ واسْتَنْقَصُوهُ، والطَّعْنُ هُنا مَجازٌ، وأصْلُهُ الإصابَةُ بِالرُّمْحِ أوِ العُودِ وشَبَهِهِ، وهو هُنا بِمَعْنى العَيْبِ كَما جاءَ في حَدِيثِ إمارَةِ أُسامَةَ: «إنْ تَطْعَنُوا في إمارَتِهِ فَقَدْ طَعَنْتُمْ في إمارَةِ أبِيهِ مِن قَبْلُ»؛ أيْ عِبْتُمُوها واسْتَنْقَصْتُمُوها. والظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّرْدِيدَ في الشَّرْطَيْنِ هو في حَقِّ الكُفّارِ أصْلًا؛ لِأنَّ مَن أسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ؛ أيْ رُؤَساءَ الكُفْرِ وزُعَماءَهُ. والمَعْنى: فَقاتِلُوا الكُفّارَ، وخَصَّ الأئِمَّةَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ يُحَرِّضُونَ الأتْباعَ عَلى البَقاءِ عَلى الكُفْرِ. وقالَ الكَرْمانِيُّ: كُلُّ كافِرٍ إمّامُ نَفْسِهِ، فالمَعْنى: فَقاتِلُوا كُلَّ كافِرٍ. وقِيلَ: مَن أقْدَمَ عَلى نَكْثِ العَهْدِ والطَّعْنِ في الدِّينِ صارَ رَأْسًا في الكُفْرِ، فَهو مِن أئِمَّةِ الكُفْرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أئِمَّةُ الكُفْرِ زُعَماءُ قُرَيْشٍ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: هو بَعِيدٌ؛ لِأنَّ الآيَةَ في سُورَةِ (بَراءَةٌ)، وحِينَ نَزَلَتْ كانَ اللَّهُ قَدِ اسْتَأْصَلَ شَأْفَةَ قُرَيْشٍ ولَمْ يَبْقَ مِنهم إلّا مُسْلِمٌ أوْ مُسالِمٌ. وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ وعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وغَيْرُهم، وهَذا ضَعِيفٌ إنْ لَمْ يُؤْخَذْ عَلى جِهَةِ المِثالِ؛ لِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ بَدْرٍ بِكَثِيرٍ. ورُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ أنَّهُ قالَ: لَمْ يَجِئْ هَؤُلاءِ بَعْدُ، يُرِيدُ لَمْ يَنْقَرِضُوا، فَهم يَجِيئُونَ أبَدًا ويُقاتِلُونَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أصْوَبُ ما في هَذا أنْ يُقالَ: إنَّهُ لا يُعْنى بِها مُعَيَّنٌ، وإنَّما دَفَعَ الأمْرَ بِقِتالِ أئِمَّةِ النّاكِثِينَ العُهُودَ مِنَ الكَفَرَةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ دُونَ تَعْيِينٍ، واقْتَضَتْ حالُ كُفّارِ العَرَبِ ومُحارِبِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنْ يَكُونَ الإشارَةُ إلَيْهِمْ أوَّلًا بِقَوْلِهِ: (أئِمَّةَ الكُفْرِ)، وهم حَصَلُوا حِينَئِذٍ تَحْتَ اللَّفْظَةِ؛ إذِ الَّذِي يَتَوَلّى قِتالَ النَّبِيِّ صَلّى (p-١٥)اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ والدَّفْعَ في صَدْرِ شَرِيعَتِهِ هو إمامُ كُلِّ مَن يَكْفُرُ بِذَلِكَ الشَّرْعِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ يَأْتِي في كُلِّ جِيلٍ مِنَ الكُفّارِ أئِمَّةٌ خاصَّةٌ بِجِيلٍ جِيلٍ انْتَهى. وقِيلَ: المُرادُ بِالعَهْدِ الإسْلامُ، فَمَعْناهُ كَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ. ولِذَلِكَ قَرَأ بَعْضُهم: وإنْ نَكَثُوا إيمانَهم بِالكَسْرِ، وهو قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ، قالَ: ﴿فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾: فَقاتِلُوهم، فَوَضَعَ أئِمَّةَ الكُفْرِ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ، إشْعارًا بِأنَّهم إذا نَكَثُوا في حالَةِ الشِّرْكِ تَمَرُّدًا وطُغْيانًا وطَرْحًا لِعاداتِ الكِرامِ الأوْفِياءِ مِنَ العَرَبِ، ثُمَّ آمَنُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ وصارُوا إخْوانًا لِلْمُسْلِمِينَ في الدِّينِ، ثُمَّ رَجَعُوا فارْتَدُّوا عَنِ الإسْلامِ ونَكَثُوا ما بايَعُوا عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ والوَفاءِ بِالعَهْدِ، وقَعَدُوا يَطْعَنُونَ في دِينِ اللَّهِ تَعالى، ويَقُولُونَ لَيْسَ دِينُ مُحَمَّدٍ بِشَيْءٍ، فَهم أئِمَّةُ الكُفْرِ وذَوُو الرِّئاسَةِ والتَّقَدُّمِ فِيهِ، لا يَشُقُّ كافِرٌ غُبارَهم. والمَشْهُورُ مِن مَذْهَب مالِكٍ أنَّ الذِّمِّيَّ إذا طَعَنَ في الدِّينِ فَفَعَلَ شَيْئًا مِثْلَ تَكْذِيبِ الشَّرِيعَةِ والسَّبِّ لِلنَّبِيِّ ﷺ ونَحْوَهُ قُتِلَ. وقِيلَ: إنْ أعْلَنَ بِشَيْءٍ مِمّا هو مَعْهُودٌ مِن مُعْتَقَدِهِ وكُفْرِهِ أُدِّبَ عَلى الإعْلانِ وتُرِكَ، وإنْ كَفَرَ بِما هو لَيْسَ مِن مُعْتَقَدِهِ كالسَّبِّ ونَحْوِهِ قُتِلَ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يُسْتَتابُ، واخْتُلِفَ إذا سَبَّ الذِّمِّيُّ ثُمَّ أسْلَمَ تَقِيَّةَ القَتْلِ: فالمَشْهُورُ مِن مَذْهَبِ مالِكٍ أنَّهُ يُتْرَكُ؛ لِأنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ، وفي العُتْبِيَّةِ أنَّهُ يُقْتَلُ، ولا يَكُونُ أحْسَنَ حالًا مِنَ المُسْلِمِ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو: بِإبْدالِ الهَمْزَةِ الثّانِيَةِ ياءً، ورُوِيَ عَنْ نافِعٍ مَدُّ الهَمْزَةِ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ وابْنُ أبِي أُوَيْسٍ عَنْ نافِعٍ: بِهَمْزَتَيْنِ، وأدْخَلَ هِشامٌ بَيْنَهُما ألِفًا، وأصْلُهُ أأْمِمَةٌ عَلى وزْنِ ”أفْعِلَةٌ“، جَمْعُ إمامٍ، أدْغَمُوا المِيمَ في المِيمِ فَنُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى الهَمْزَةِ قَبْلَها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتُ: كَيْفَ لَفْظُ أئِمَّةٍ ؟ قُلْتُ: هَمْزَةٌ بَعْدَها هَمْزَةٌ بَيْنَ بَيْنَ؛ أيْ بَيْنَ مَخْرَجِ الهَمْزَةِ والياءِ. وتَحْقِيقُ الهَمْزِ هي قِراءَةٌ مَشْهُورَةٌ، وإنْ لَمْ تَكُنْ مَقْبُولَةً عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، وأمّا التَّصْرِيحُ بِالياءِ فَلَيْسَ بِقِراءَةٍ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ. ومَن صَرَّحَ بِها فَهو لاحِنٌ مُحَرِّفٌ انْتَهى. وذَلِكَ دَأْبُهُ في تَلْحِينِ المُقْرِئِينَ. وكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ لَحْنًا وقَدْ قَرَأ بِهِ رَأْسُ البَصْرِيِّينَ النُّحاةِ: أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ، وقارِئُ مَكَّةَ ابْنُ كَثِيرٍ، وقارِئُ مَدِينَةِ الرَّسُولِ نافِعٌ، ونَفى إيمانَهم لَمّا لَمْ يَثْبُتُوا عَلَيْها ولا وفَّوْا بِها جُعِلُوا لا أيْمانَ لَهم، أوْ يَكُونُ عَلى حَذْفِ الوَصْفِ أيْ: لا أيْمانَ لَهم يُوَفُّونَ بِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعَطاءٌ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ عامِرٍ: لا إيمانَ لَهم أيْ لا إسْلامَ ولا تَصْدِيقَ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا غَيْرُ قَوِيٍّ؛ لِأنَّهُ تَكْرارٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ وصَفَ أئِمَّةَ الكُفْرِ بِأنَّهم لا إيمانَ لَهم، فالوَجْهُ في كَسْرِ الألِفِ أنَّهُ مَصْدَرُ أمَنَهُ إيمانًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤] فالمَعْنى أنَّهم لا يُؤَمِّنُونَ أهْلَ الذِّمَّةِ، إذِ المُشْرِكُونَ لَمْ يَكُنْ لَهم إلّا الإسْلامُ أوِ السَّيْفُ. قالَ أبُو حاتِمٍ: فَسَّرَ الحَسَنُ قِراءَتَهُ لا إسْلامَ لَهُمُ انْتَهى. وكَذا تَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، فَقالَ: وقُرِئَ لا إيمانَ لَهم، أيْ لا إسْلامَ لَهم، ولا يُعْطَوْنَ الأمانَ بَعْدَ الرِّدَّةِ والنَّكْثِ، ولا سَبِيلَ إلَيْهِ. وبِقِراءَةِ الفَتْحِ اسْتَشْهَدَ أبُو حَنِيفَةَ عَلى أنَّ يَمِينَ الكافِرِ لا يَكُونُ يَمِينًا، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ يَمِينُهم يَمِينٌ، وقالَ: مَعْناهُ أنَّهم لا يُوَفُّونَ بِها بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى وصَفَها بِالنَّكْثِ. ﴿لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾؛ أيْ لِيَكُنْ غَرَضُكم في مُقاتَلَتِهِمْ بَعْدَما وُجِدَ مِنهم مَنِ العَظائِمِ ما وُجِدَ انْتِهاءَهم عَمّا هم فِيهِ، وهَذا مِن كَرَمِهِ سُبْحانَهُ وفَضْلِهِ وعَوْدِهِ عَلى المُسِيءِ بِالرَّحْمَةِ. ﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أيْمانَهم وهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ وهم بَدَءُوكم أوَّلَ مَرَّةٍ أتَخْشَوْنَهم فاللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (p-١٦)(ألا) حَرْفُ عَرْضٍ، ومَعْناهُ هُنا الحَضُّ عَلى قِتالِهِمْ. وزَعَمُوا أنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ ولا النّافِيَةِ، فَصارَ فِيها مَعْنى التَّخْصِيصِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: دَخَلَتِ الهَمْزَةُ عَلى تَقْرِيرٍ عَلى انْتِفاءِ المُقاتَلَةِ، ومَعْناها: الحَضُّ عَلَيْها عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ. ولَمّا أمَرَ تَعالى بِقَتْلِ أهْلِ الكُفْرِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِالسَّبَبِ الَّذِي يَبْعَثُ عَلى مُقاتَلَتِهِمْ وهو ثَلاثَةُ أشْياءَ جَمَعُوها، وكُلُّ واحِدٍ مِنها عَلى انْفِرادِهِ كافٍ في الحَضِّ عَلى مُقاتَلَتِهِمْ. ومَعْنى نَكَثُوا أيْمانَهم: نَقَضَ العَهْدَ. قالَ السُّدِّيُّ، وابْنُ إسْحاقَ، والكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في كُفّارِ مَكَّةَ، نَكَثُوا أيْمانَهم بَعْدَ عَهْدِ الحُدَيْبِيَةَ، وأعانُوا بَنِي بَكْرٍ عَلى خُزاعَةَ انْتَهى. وهَمُّهم هو هَمُّ قُرَيْشٍ بِإخْراجِ الرَّسُولِ مِن مَكَّةَ حِينَ تَشاوَرُوا بِدارِ النَّدْوَةِ، فَأذِنَ اللَّهُ في الهِجْرَةِ، فَخَرَجَ بِنَفْسِهِ، أوْ بَنُو بَكْرٍ بِإخْراجِهِ مِنَ المَدِينَةِ لِما أقْدَمُوا عَلَيْهِ مِنَ المُشاوَرَةِ والِاجْتِماعِ، أوِ اليَهُودُ هَمُّوا بِغَدْرِ الرَّسُولِ ﷺ ونَقَضُوا عَهْدَهُ، وأعانُوا المُنافِقِينَ عَلى إخْراجِهِ مِنَ المَدِينَةِ، ثَلاثَةُ أقْوالٍ أوَّلُها لِلسُّدِّيِّ. وقالَ الحَسَنُ: مِنَ المَدِينَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا مُسْتَقِيمٌ لِغَزْوَةِ أُحُدٍ والأحْزابِ وغَيْرِهِما، وهُمُ الَّذِينَ كانَتْ مِنهُمُ البُداءَةُ بِالمُقاتَلَةِ؛ لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جاءَهم أوَّلًا بِالكِتابِ المُبِينِ وتَحَدّاهم بِهِ، فَعَدَلُوا عَنِ المُعارَضَةِ لِعَجْزِهِمْ عَنْها إلى القِتالِ، فَهُمُ البادِئُونَ، والبادِئُ أظْلَمُ، فَما يَمْنَعُكم مِن أنْ تُقاتِلُوهم بِمِثْلِهِ؛ تَصْدِمُونَهم بِالشَّرِّ كَما صَدَمُوكم ؟ وبَّخَهم بِتَرْكِ مُقاتَلَتِهِمْ، وحَضَّهم عَلَيْها، ثُمَّ وصَفَهم بِما يُوجِبُ الحَضَّ عَلَيْها. وتَقَرَّرَ أنَّ مَن كانَ في مِثْلِ صِفاتِهِمْ مِن نَكْثِ العُهُودِ وإخْراجِ الرَّسُولِ والبَدْءِ بِالقِتالِ مِن غَيْرِ مُوجِبٍ حَقِيقٌ بِأنْ لا تُتْرَكَ مُصادَمَتُهُ، وأنْ يُوَبَّخَ مَن فَرَّطَ فِيها، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهو تَكْثِيرٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (أوَّلَ مَرَّةٍ)، قِيلَ: يُرِيدُ أفْعالَهم بِمَكَّةَ بِالنَّبِيِّ ﷺ وبِالمُؤْمِنِينَ. وقالَ مُجاهِدٌ: ما بَدَأتْ بِهِ قُرَيْشٌ مِن مَعُونَةِ بَنِي بَكْرٍ حُلَفائَهم عَلى خُزاعَةَ حُلَفاءِ النَّبِيِّ، فَكانَ هَذا بَدْءَ النَّقْضِ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: يَعْنِي فِعْلَهم يَوْمَ بَدْرٍ انْتَهى. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بَدَوْكم بِغَيْرِ هَمْزٍ، ووَجْهُهُ أنَّهُ سَهَّلَ الهَمْزَةَ مِن بَدَأْتُ، بِإبْدالِها ياءً، كَما قالُوا في قَرَأْتُ: قَرَيْتُ، فَصارَ كَرَمَيْتُ. فَلَمّا أُسْنِدَ الفِعْلُ إلى واوِ الضَّمِيرِ سَقَطَتْ، فَصارَ بَدَوْكم، كَما تَقُولُ: رَمَوْكم. (أتَخْشَوْنَهم) تَقْرِيرٌ لِلْخَشْيَةِ مِنهم، وتَوْبِيخٌ عَلَيْها. ﴿فاللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ﴾ فَتَقْتُلُوا أعْداءَهُ. ولَفْظُ الجَلالَةِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ (أحَقُّ)، و(أنْ تَخْشَوْهُ) بَدَلٌ مِنَ اللَّهِ؛ أيْ: وخَشْيَةُ اللَّهِ أحَقُّ مِن خَشْيَتِهِمْ، (وأنْ تَخْشَوْهُ) في مَوْضِعِ رَفْعٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ أوْ جَرٍّ عَلى الخِلافِ إذا حُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ، وتَقْدِيرُهُ: بِأنْ تَخْشَوْهُ؛ أيْ أحَقُّ مِن غَيْرِهِ بِأنْ تَخْشَوْهُ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ (أنْ تَخْشَوْهُ) مُبْتَدَأً، وأحَقُّ خَبَرُهُ قُدِّمَ عَلَيْهِ. وأجازَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ (أحَقُّ) مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ (أنْ تَخْشَوْهُ)، والجُمْلَةُ خَبَرٌ عَنِ الأوَّلِ. وحَسُنَ الِابْتِداءُ بِالنَّكِرَةِ؛ لِأنَّها أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، وقَدْ أجازَ سِيبَوَيْهِ أنْ تَكُونَ المَعْرِفَةُ خَبَرًا لِلنَّكِرَةِ في نَحْوِ: اقْصِدْ رَجُلًا خَيْرٌ مِنهُ أبُوهُ. ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ كامِلِي الإيمانِ؛ لِأنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنَّ قَضِيَّةَ الإيمانِ الصَّحِيحِ أنْ لا يَخْشى المُؤْمِنُ إلّا رَبَّهُ ولا يُبالِي بِمَن سِواهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٣٩] . ﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكم ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ويُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن يَشاءُ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ قَرَّرَتِ الآياتُ قَبْلَ هَذا أفْعالَ (p-١٧)الكَفَرَةِ المُقْتَضِيَةَ لِقِتالِهِمْ، والحَضَّ عَلى القِتالِ، وحَرُمَ الأمْرُ بِالقِتالِ في هَذِهِ، وتَعْذِيبُهم بِأيْدِي المُؤْمِنِينَ هو في الدُّنْيا بِالقَتْلِ والأسْرِ والنَّهْبِ، وهَذِهِ وُعُودٌ ثَبَّتَتْ قُلُوبَهم وصَحَّحَتْ نِيّاتِهِمْ، وخِزْيُهم هو إهانَتُهم وذُلُّهم، (ويَنْصُرْكم) يُظْفِرُكم بِهِمْ، وشِفاءُ الصُّدُورِ بِإعْلاءِ دِينِ اللَّهِ وتَعْذِيبِ الكُفّارِ وخِزْيِهِمْ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ونَشْفِ بِالنُّونِ عَلى الِالتِفاتِ، وجاءَ التَّرْكِيبُ (صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ) لِيَشْمَلَ المُخاطَبِينَ وكُلَّ مُؤْمِنٍ؛ لِأنَّ ما يُصِيبُ أهْلَ الكُفْرِ مِنَ العَذابِ والخِزْيِ هو شِفاءٌ لِصَدْرِ كُلِّ مُؤْمِنٍ. وقِيلَ: المُرادُ قَوْمٌ مُعَيَّنُونَ، «قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم بُطُونٌ مِنَ اليَمَنِ وسَبَأٍ قَدِمُوا مَكَّةَ فَأسْلَمُوا، فَلَقُوا مِن أهْلِها أذًى شَدِيدًا، فَبَعَثُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ يَشْكُونَ إلَيْهِ فَقالَ: ”أبْشِرُوا فَإنَّ الفَرَجَ قَرِيبٌ“» وقالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: هم خُزاعَةُ. ووَجْهُ تَخْصِيصِهِمْ أنَّهم هُمُ الَّذِينَ نُقِضَ فِيهِمُ العَهْدُ ونالَتْهُمُ الحَرْبُ، وكانَ يَوْمَئِذٍ في خُزاعَةَ مُؤْمِنُونَ كَثِيرٌ. ألا تَرى إلى قَوْلِ الخُزاعِيِّ المُسْتَنْصِرِ بِالنَّبِيِّ ﷺ: ؎ثَمَّتَ أسْلَمْنا فَلَمْ نَنْزِعْ يَدا وفِي آخِرِ الرَّجَزِ: ؎وقَتَلُونا رُكَّعًا وسُجَّدا وإذْهابُ الغَيْظِ بِما نالَ الكُفّارَ مِنَ المَكْرُوهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ كالتَّأْكِيدِ لِلَّتِي قَبْلَها؛ لِأنَّ شِفاءَ الصَّدْرِ مِن آلَةِ الغَيْظِ هو إذْهابُ الغَيْظِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: (ويَذْهَبُ) فِعْلًا لازِمًا (غَيْظُ) فاعِلٌ بِهِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ رَفَعَ الباءَ. وهَذِهِ المَواعِيدُ كُلُّها وُجِدَتْ، فَكانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ وصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، وبُدِئَ أوَّلًا فِيها بِما تَسَبَّبَ عَنِ النَّصْرِ، وهو تَعْذِيبُ اللَّهِ الكُفّارَ، وبِأيْدِي المُؤْمِنِينَ وإخْزاؤُهم، إذا كانَتِ البُداءَةُ بِما يَنالُ الكُفّارَ مِنَ الشَّرِّ هي الَّتِي يُسَرُّ بِها المُؤْمِنُونَ، ثُمَّ ذَكَرَ ما السَّبَبُ؛ وهو نَصْرُ اللَّهِ المُؤْمِنِينَ عَلى الكافِرِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ ما تَسَبَّبَ أيْضًا عَنِ النَّصْرِ مِن شِفاءِ صُدُورِ المُؤْمِنِينَ وإذْهابِ غَيْظِهِمْ تَتْمِيمًا لِلنِّعَمِ، فَذَكَرَ ما تَسَبَّبَ عَنِ النَّصْرِ بِالنِّسْبَةِ لِلْكُفّارِ، وذَكَرَ ما تَسَبَّبَ لِلْمُسْلِمِينَ مِنَ الفَرَحِ والسُّرُورِ بِإدْراكِ الثَّأْرِ، ولَمْ يَذْكُرْ ما نالُوهُ مِنَ المَغانِمِ والمَطاعِمِ، إذِ العَرَبُ قَوْمٌ جُبِلُوا عَلى الحَمِيَّةِ والأنَفَةِ، فَرَغْبَتُهم في إدْراكِ الثَّأْرِ وقَتْلِ الأعْداءِ هي اللّائِقَةُ بِطِباعِهِمْ. ؎إنَّ الأُسُودَ أُسُودَ الغابِ هِمَّتُها ∗∗∗ يَوْمَ الكَرِيهَةِ في المَسْلُوبِ لا السَّلَبِ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ويَتُوبُ اللَّهُ رَفْعًا، وهو اسْتِئْنافُ إخْبارٍ بِأنَّ بَعْضَ أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ يَتُوبُ عَنْ كُفْرِهِ، وكانَ ذَلِكَ عالَمٌ كَثِيرُونَ وحَسُنَ إسْلامُهم. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ وأبُو الفَتْحِ: وهَذا أمْرٌ مَوْجُودٌ سَواءٌ قُوتِلُوا أوْ لَمْ يُقاتَلُوا، فَلا وجْهَ لِإدْخالِ اليَوْمَ في جَوابِ الشَّرْطِ الَّذِي في (قاتِلُوهم) انْتَهى. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والأعْرَجُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى الثَّقَفِيُّ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وعُمَرُ بْنُ قائِدٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ فِيما رُوِيَ عَنْهُما: ويَتُوبَ اللَّهُ بِنَصْبِ الباءِ، جَعَلَهُ داخِلًا في جَوابِ الأمْرِ مِن طَرِيقِ المَعْنى. قِيلَ: ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ التَّوْبَةُ داخِلَةً في الجَزاءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَتَوَجَّهُ ذَلِكَ عِنْدِي إذا ذُهِبَ إلى أنَّ التَّوْبَةَ يُرادُ بِها أنَّ قَتْلَ الكافِرِينَ والجِهادَ في سَبِيلِ اللَّهِ هو تَوْبَةٌ لَكم أيُّها المُؤْمِنُونَ وكَمالٌ لِإيمانِكم، فَتَدْخُلُ التَّوْبَةُ عَلى هَذا في شَرْطِ القِتالِ. وقالَ غَيْرُهُ: لَمّا أمَرَهم بِالمُقاتَلَةِ شَقَّ ذَلِكَ عَلى بَعْضِهِمْ، فَإذا أقْدَمُوا عَلى المُقاتَلَةِ صارَ ذَلِكَ العَمَلُ جارِيًا مَجْرى التَّوْبَةِ مِن تِلْكَ الكَراهَةِ. وقِيلَ: حُصُولُ الكُفْرِ وكَثْرَةُ الأمْوالِ لَذَّةٌ تُطْلَبُ بِطَرِيقٍ حَرامٍ، فَلَمّا حَصَلَتْ لَهم طَرِيقٌ حَلالٌ كانَ ذَلِكَ داعِيًا لَهم إلى التَّوْبَةِ مِمّا تَقَدَّمَ، فَصارَتِ التَّوْبَةُ مُتَعَلِّقَةً بِتِلْكَ المُقاتَلَةِ انْتَهى. وهَذا الَّذِي قَرَّرُوهُ مِن كَوْنِ التَّوْبَةِ تَدْخُلُ تَحْتَ جَوابِ الأمْرِ هو بِالنِّسْبَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أُمِرُوا بِقِتالِ الكُفّارِ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى الكُفّارِ، فالمَعْنى عَلى مَن يَشاءُ مِنَ الكُفّارِ، وذَلِكَ أنَّ قِتالَ الكُفّارِ وغَلَبَةَ المُسْلِمِينَ إيّاهم قَدْ يَنْشَأُ عَنْها إسْلامُ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهم رَغْبَةٌ في الإسْلامِ، ولا داعِيَةٌ قَبْلَ القِتالِ. ألا تَرى إلى قِتالِ (p-١٨)رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أهْلَ مَكَّةَ كَيْفَ كانَ سَبَبًا لِإسْلامِهِمْ؛ لِأنَّ الدّاخِلَ في الإسْلامِ قَدْ يَدْخُلُ فِيهِ عَلى بَصِيرَةٍ، وقَدْ يَدْخُلُ عَلى كُرْهٍ واضْطِرارٍ، ثُمَّ قَدْ تَحْسُنُ حالُهُ في الإسْلامِ. ألا تَرى إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي سَرْحٍ كَيْفَ كانَ حالُهُ أوَّلًا في الإسْلامِ، ثُمَّ صارَ أمْرُهُ إلى أحْسَنِ حالٍ وماتَ أحْسَنَ مَيْتَةٍ في السُّجُودِ في صِلاتِهِ، وكانَ مِن خِيارِ الصَّحابَةِ ؟ (واللَّهُ عَلِيمٌ) يَعْلَمُ ما سَيَكُونُ مِثْلَ ما يَعْلَمُ ما قَدْ كانَ، وفي ذَلِكَ تَقْرِيرٌ لِما رَتَّبَ مِن تِلْكَ المَواعِيدِ، وأنَّها كائِنَةٌ لا مَحالَةَ. (حَكِيمٌ) في تَصْرِيفِ عِبادِهِ مِن حالٍ إلى حالٍ عَلى ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ تَعالى. ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تُتْرَكُوا ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكُمْ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، والمَعْنى: أنَّكم لا تُتْرَكُونَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَتَبَيَّنَ الخُلَّصُ مِنكم وهُمُ المُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ لَمْ يَتَّخِذُوا بِطانَةً مَن دُونِ اللَّهِ مِن غَيْرِهِمْ. ﴿ولَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ ولا رَسُولِهِ ولا المُؤْمِنِينَ ولِيجَةً﴾ (ولَمْ يَتَّخِذُوا) مَعْطُوفٌ عَلى (جاهَدُوا) . غَيْرَ مُتَّخِذِينَ ولِيجَةً، والوَلِيجَةُ فَعَيْلَةٌ مِن ولَجَ كالدَّخِيلَةِ مِن دَخَلَ، وهي البِطانَةُ والمُدْخَلُ يُدْخَلُ فِيهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِسْرارِ، شُبِّهَ النِّفاقُ بِهِ. وقالَ قَتادَةُ: الوَلِيجَةُ الخِيانَةُ، وقالَ الضَّحّاكُ: الخَدِيعَةُ، وقالَ عَطاءٌ: الأوْداءُ، وقالَ الحَسَنُ: الكُفْرُ والنِّفاقُ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ شَيْءٍ أدْخَلْتَهُ في شَيْءٍ ولَيْسَ مِنهُ فَهو ولِيجَةٌ، والرَّجُلُ يَكُونُ في القَوْمِ ولَيْسَ مِنهم ولِيجَةٌ، يَكُونُ لِلْواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَمْعِ بِلَفْظٍ واحِدٍ. ولِيجَةُ الرَّجُلِ مَن يَخْتَصُّ بِدَخِيلَةِ أمْرِهِ مِنَ النّاسِ، وجَمْعُها ولائِجُ ووُلُجٌ، كَصَحِيفَةٍ وصَحائِفَ وصُحُفٍ. وقالَ عُبادَةُ بْنُ صَفْوانَ الغَنَوِيُّ: ؎ولائِجُهم في كُلِّ مَبْدًى ومَحْضَرٍ ∗∗∗ إلى كُلِّ مَن يُرْجى ومَن يَتَخَوَّفُ وفِي هَذِهِ الآيَةِ طَعْنٌ عَلى المُنافِقِينَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الوَلائِجَ لا سِيَّما عِنْدَ فَرْضِ القِتالِ، والمَعْنى: لا بُدَّ مِنِ اخْتِبارِكم أيُّها المُؤْمِنُونَ كَقَوْلِهِ: ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢]، ولَمّا كانَ الرَّجُلُ قَدْ يُجاهِدُ وهو مُنافِقٌ نَفى هَذا الوَصْفَ عَنْهُ، فَبَيَّنَ أنَّهُ لا بُدَّ لِلْجِهادِ مِنَ الإخْلاصِ خالِيًا عَنِ النِّفاقِ والرِّياءِ والتَّوَدُّدِ إلى الكُفّارِ. ﴿واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ مُناسَبَةً لِقَوْلِهِ: أمْ حَسِبْتُمْ، وقَرَأ الحَسَنُ، ويَعْقُوبُ في رِوايَةٍ رُوَيْسٍ، وسَلّامٌ بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ التِفاتًا.

التوبة 9:13

﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (p-١٤)الظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى مَن قَبْلَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ المَأْمُورِ بِقَتْلِهِمْ، ويَكُونُ المَعْنى: اشْتَرَوْا بِالقُرْآنِ وما يَدْعُو إلَيْهِ مِنَ الإسْلامِ ثَمَنًا قَلِيلًا، وهو اتِّباعُ الشَّهَواتِ والأهْواءِ لَمّا تَرَكَتْ دِينَ اللَّهِ وآثَرَتِ الكُفْرَ، كانَ ذَلِكَ كالشِّراءِ والبَيْعِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هُمُ الأعْرابُ الَّذِينَ جَمَعَهم أبُو سُفْيانَ عَلى طَعامِهِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: هم قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ، وآياتُ اللَّهِ التَّوْراةُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أهْلُ الطّائِفِ كانُوا يَمُدُّونَ النّاسَ بِالأمْوالِ يَمْنَعُونَهم مِنَ الدُّخُولِ في الإسْلامِ، فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ؛ أيْ صَرَفُوا أنْفُسَهم عَنْ دِينِ اللَّهِ وعَدَلُوا عَنْهُ. والظّاهِرُ أنَّ (ساءَ) هُنا مُحَوَّلَةٌ إلى فِعْلٍ. ومَذْهَبُ بابِها مَذْهَبُ بِئْسَ، ويَجُوزُ إقْرارُها عَلى وصْفِها الأوَّلِ، فَتَكُونُ مُتَعَدِّيَةً؛ أيْ: أنَّهم ساءَهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ، فَحُذِفَ المَفْهُومُ لِفَهْمِ المَعْنى. ﴿لا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إلًّا ولا ذِمَّةً وأُولَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ﴾ هَذا تَنْبِيهٌ عَلى الوَصْفِ المُوجِبِ لِلْعَداوَةِ وهو الإيمانُ، ولَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ﴾ [التوبة: ٨] يُتَوَهَّمُ أنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالمُخاطَبِينَ، نَبَّهَ عَلى عِلَّةِ ذَلِكَ، وأنَّ سَبَبَ المُنافاةِ هو الإيمانُ، (وأُولَئِكَ)؛ أيِ الجامِعُونَ لِتِلْكَ الأوْصافِ الذَّمِيمَةِ (هُمُ المُعْتَدُونَ)؛ المُجاوِزُونَ الحَدَّ في الظُّلْمِ والشَّرِّ ونَقْضِ العَهْدِ. ﴿فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَإخْوانُكم في الدِّينِ﴾ أيْ فَإنْ تابُوا عَنِ الكُفْرِ ونَقْضِ العَهْدِ، والتَزَمُوا أحْكامَ الإسْلامِ فَإخْوانُكم، أيْ: فَهم إخْوانُكم، والإخْوانُ، والإخْوَةُ جَمْعُ أخٍ مِن نَسَبٍ أوْ دِينٍ. ومَن زَعَمَ أنَّ الإخْوَةَ تَكُونُ في النَّسَبِ، والإخْوانَ في الصَّداقَةِ، فَقَدْ غَلَطَ. قالَ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] وقالَ: ﴿أوْ بُيُوتِ إخْوانِكُمْ﴾ [النور: ٦١]، وعَلَّقَ حُصُولَ الأُخُوَّةِ في الدِّينِ عَلى الِالتِباسِ بِمَجْمُوعِ الثَّلاثَةِ، ويَظْهَرُ أنَّ مَفْهُومَ الشَّرْطِ غَيْرُ مُرادٍ. ﴿ونُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ نُبَيِّنُها ونُوَضِّحُها. وهَذِهِ الجُمْلَةُ اعْتِراضٌ بَيْنَ الشَّرْطَيْنِ، بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تابُوا﴾، وقَوْلِهِ: (وإنْ نَكَثُوا)، بَعْثًا وتَحْرِيضًا عَلى تَأمُّلِ ما فَصَّلَ تَعالى مِنَ الأحْكامِ، وقالَ: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾؛ لِأنَّهُ لا يَتَأمَّلُ تَفْصِيلَها إلّا مَن كانَ مِن أهْلِ العِلْمِ والفَهْمِ. ﴿وإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِكم فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ إنَّهم لا أيْمانَ لَهم لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ أيْ: وإنْ نَقَضُوا أقْسامَهم مِن بَعْدَما تَعاهَدُوا وتَحالَفُوا عَلى أنْ لا يَنْكُثُوا. (وطَعَنُوا): أيْ عابُوهُ وثَلَبُوهُ واسْتَنْقَصُوهُ، والطَّعْنُ هُنا مَجازٌ، وأصْلُهُ الإصابَةُ بِالرُّمْحِ أوِ العُودِ وشَبَهِهِ، وهو هُنا بِمَعْنى العَيْبِ كَما جاءَ في حَدِيثِ إمارَةِ أُسامَةَ: «إنْ تَطْعَنُوا في إمارَتِهِ فَقَدْ طَعَنْتُمْ في إمارَةِ أبِيهِ مِن قَبْلُ»؛ أيْ عِبْتُمُوها واسْتَنْقَصْتُمُوها. والظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّرْدِيدَ في الشَّرْطَيْنِ هو في حَقِّ الكُفّارِ أصْلًا؛ لِأنَّ مَن أسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ؛ أيْ رُؤَساءَ الكُفْرِ وزُعَماءَهُ. والمَعْنى: فَقاتِلُوا الكُفّارَ، وخَصَّ الأئِمَّةَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ يُحَرِّضُونَ الأتْباعَ عَلى البَقاءِ عَلى الكُفْرِ. وقالَ الكَرْمانِيُّ: كُلُّ كافِرٍ إمّامُ نَفْسِهِ، فالمَعْنى: فَقاتِلُوا كُلَّ كافِرٍ. وقِيلَ: مَن أقْدَمَ عَلى نَكْثِ العَهْدِ والطَّعْنِ في الدِّينِ صارَ رَأْسًا في الكُفْرِ، فَهو مِن أئِمَّةِ الكُفْرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أئِمَّةُ الكُفْرِ زُعَماءُ قُرَيْشٍ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: هو بَعِيدٌ؛ لِأنَّ الآيَةَ في سُورَةِ (بَراءَةٌ)، وحِينَ نَزَلَتْ كانَ اللَّهُ قَدِ اسْتَأْصَلَ شَأْفَةَ قُرَيْشٍ ولَمْ يَبْقَ مِنهم إلّا مُسْلِمٌ أوْ مُسالِمٌ. وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ وعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وغَيْرُهم، وهَذا ضَعِيفٌ إنْ لَمْ يُؤْخَذْ عَلى جِهَةِ المِثالِ؛ لِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ بَدْرٍ بِكَثِيرٍ. ورُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ أنَّهُ قالَ: لَمْ يَجِئْ هَؤُلاءِ بَعْدُ، يُرِيدُ لَمْ يَنْقَرِضُوا، فَهم يَجِيئُونَ أبَدًا ويُقاتِلُونَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أصْوَبُ ما في هَذا أنْ يُقالَ: إنَّهُ لا يُعْنى بِها مُعَيَّنٌ، وإنَّما دَفَعَ الأمْرَ بِقِتالِ أئِمَّةِ النّاكِثِينَ العُهُودَ مِنَ الكَفَرَةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ دُونَ تَعْيِينٍ، واقْتَضَتْ حالُ كُفّارِ العَرَبِ ومُحارِبِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنْ يَكُونَ الإشارَةُ إلَيْهِمْ أوَّلًا بِقَوْلِهِ: (أئِمَّةَ الكُفْرِ)، وهم حَصَلُوا حِينَئِذٍ تَحْتَ اللَّفْظَةِ؛ إذِ الَّذِي يَتَوَلّى قِتالَ النَّبِيِّ صَلّى (p-١٥)اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ والدَّفْعَ في صَدْرِ شَرِيعَتِهِ هو إمامُ كُلِّ مَن يَكْفُرُ بِذَلِكَ الشَّرْعِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ يَأْتِي في كُلِّ جِيلٍ مِنَ الكُفّارِ أئِمَّةٌ خاصَّةٌ بِجِيلٍ جِيلٍ انْتَهى. وقِيلَ: المُرادُ بِالعَهْدِ الإسْلامُ، فَمَعْناهُ كَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ. ولِذَلِكَ قَرَأ بَعْضُهم: وإنْ نَكَثُوا إيمانَهم بِالكَسْرِ، وهو قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ، قالَ: ﴿فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾: فَقاتِلُوهم، فَوَضَعَ أئِمَّةَ الكُفْرِ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ، إشْعارًا بِأنَّهم إذا نَكَثُوا في حالَةِ الشِّرْكِ تَمَرُّدًا وطُغْيانًا وطَرْحًا لِعاداتِ الكِرامِ الأوْفِياءِ مِنَ العَرَبِ، ثُمَّ آمَنُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ وصارُوا إخْوانًا لِلْمُسْلِمِينَ في الدِّينِ، ثُمَّ رَجَعُوا فارْتَدُّوا عَنِ الإسْلامِ ونَكَثُوا ما بايَعُوا عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ والوَفاءِ بِالعَهْدِ، وقَعَدُوا يَطْعَنُونَ في دِينِ اللَّهِ تَعالى، ويَقُولُونَ لَيْسَ دِينُ مُحَمَّدٍ بِشَيْءٍ، فَهم أئِمَّةُ الكُفْرِ وذَوُو الرِّئاسَةِ والتَّقَدُّمِ فِيهِ، لا يَشُقُّ كافِرٌ غُبارَهم. والمَشْهُورُ مِن مَذْهَب مالِكٍ أنَّ الذِّمِّيَّ إذا طَعَنَ في الدِّينِ فَفَعَلَ شَيْئًا مِثْلَ تَكْذِيبِ الشَّرِيعَةِ والسَّبِّ لِلنَّبِيِّ ﷺ ونَحْوَهُ قُتِلَ. وقِيلَ: إنْ أعْلَنَ بِشَيْءٍ مِمّا هو مَعْهُودٌ مِن مُعْتَقَدِهِ وكُفْرِهِ أُدِّبَ عَلى الإعْلانِ وتُرِكَ، وإنْ كَفَرَ بِما هو لَيْسَ مِن مُعْتَقَدِهِ كالسَّبِّ ونَحْوِهِ قُتِلَ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يُسْتَتابُ، واخْتُلِفَ إذا سَبَّ الذِّمِّيُّ ثُمَّ أسْلَمَ تَقِيَّةَ القَتْلِ: فالمَشْهُورُ مِن مَذْهَبِ مالِكٍ أنَّهُ يُتْرَكُ؛ لِأنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ، وفي العُتْبِيَّةِ أنَّهُ يُقْتَلُ، ولا يَكُونُ أحْسَنَ حالًا مِنَ المُسْلِمِ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو: بِإبْدالِ الهَمْزَةِ الثّانِيَةِ ياءً، ورُوِيَ عَنْ نافِعٍ مَدُّ الهَمْزَةِ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ وابْنُ أبِي أُوَيْسٍ عَنْ نافِعٍ: بِهَمْزَتَيْنِ، وأدْخَلَ هِشامٌ بَيْنَهُما ألِفًا، وأصْلُهُ أأْمِمَةٌ عَلى وزْنِ ”أفْعِلَةٌ“، جَمْعُ إمامٍ، أدْغَمُوا المِيمَ في المِيمِ فَنُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى الهَمْزَةِ قَبْلَها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتُ: كَيْفَ لَفْظُ أئِمَّةٍ ؟ قُلْتُ: هَمْزَةٌ بَعْدَها هَمْزَةٌ بَيْنَ بَيْنَ؛ أيْ بَيْنَ مَخْرَجِ الهَمْزَةِ والياءِ. وتَحْقِيقُ الهَمْزِ هي قِراءَةٌ مَشْهُورَةٌ، وإنْ لَمْ تَكُنْ مَقْبُولَةً عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، وأمّا التَّصْرِيحُ بِالياءِ فَلَيْسَ بِقِراءَةٍ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ. ومَن صَرَّحَ بِها فَهو لاحِنٌ مُحَرِّفٌ انْتَهى. وذَلِكَ دَأْبُهُ في تَلْحِينِ المُقْرِئِينَ. وكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ لَحْنًا وقَدْ قَرَأ بِهِ رَأْسُ البَصْرِيِّينَ النُّحاةِ: أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ، وقارِئُ مَكَّةَ ابْنُ كَثِيرٍ، وقارِئُ مَدِينَةِ الرَّسُولِ نافِعٌ، ونَفى إيمانَهم لَمّا لَمْ يَثْبُتُوا عَلَيْها ولا وفَّوْا بِها جُعِلُوا لا أيْمانَ لَهم، أوْ يَكُونُ عَلى حَذْفِ الوَصْفِ أيْ: لا أيْمانَ لَهم يُوَفُّونَ بِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعَطاءٌ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ عامِرٍ: لا إيمانَ لَهم أيْ لا إسْلامَ ولا تَصْدِيقَ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا غَيْرُ قَوِيٍّ؛ لِأنَّهُ تَكْرارٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ وصَفَ أئِمَّةَ الكُفْرِ بِأنَّهم لا إيمانَ لَهم، فالوَجْهُ في كَسْرِ الألِفِ أنَّهُ مَصْدَرُ أمَنَهُ إيمانًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤] فالمَعْنى أنَّهم لا يُؤَمِّنُونَ أهْلَ الذِّمَّةِ، إذِ المُشْرِكُونَ لَمْ يَكُنْ لَهم إلّا الإسْلامُ أوِ السَّيْفُ. قالَ أبُو حاتِمٍ: فَسَّرَ الحَسَنُ قِراءَتَهُ لا إسْلامَ لَهُمُ انْتَهى. وكَذا تَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، فَقالَ: وقُرِئَ لا إيمانَ لَهم، أيْ لا إسْلامَ لَهم، ولا يُعْطَوْنَ الأمانَ بَعْدَ الرِّدَّةِ والنَّكْثِ، ولا سَبِيلَ إلَيْهِ. وبِقِراءَةِ الفَتْحِ اسْتَشْهَدَ أبُو حَنِيفَةَ عَلى أنَّ يَمِينَ الكافِرِ لا يَكُونُ يَمِينًا، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ يَمِينُهم يَمِينٌ، وقالَ: مَعْناهُ أنَّهم لا يُوَفُّونَ بِها بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى وصَفَها بِالنَّكْثِ. ﴿لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾؛ أيْ لِيَكُنْ غَرَضُكم في مُقاتَلَتِهِمْ بَعْدَما وُجِدَ مِنهم مَنِ العَظائِمِ ما وُجِدَ انْتِهاءَهم عَمّا هم فِيهِ، وهَذا مِن كَرَمِهِ سُبْحانَهُ وفَضْلِهِ وعَوْدِهِ عَلى المُسِيءِ بِالرَّحْمَةِ. ﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أيْمانَهم وهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ وهم بَدَءُوكم أوَّلَ مَرَّةٍ أتَخْشَوْنَهم فاللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (p-١٦)(ألا) حَرْفُ عَرْضٍ، ومَعْناهُ هُنا الحَضُّ عَلى قِتالِهِمْ. وزَعَمُوا أنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ ولا النّافِيَةِ، فَصارَ فِيها مَعْنى التَّخْصِيصِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: دَخَلَتِ الهَمْزَةُ عَلى تَقْرِيرٍ عَلى انْتِفاءِ المُقاتَلَةِ، ومَعْناها: الحَضُّ عَلَيْها عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ. ولَمّا أمَرَ تَعالى بِقَتْلِ أهْلِ الكُفْرِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِالسَّبَبِ الَّذِي يَبْعَثُ عَلى مُقاتَلَتِهِمْ وهو ثَلاثَةُ أشْياءَ جَمَعُوها، وكُلُّ واحِدٍ مِنها عَلى انْفِرادِهِ كافٍ في الحَضِّ عَلى مُقاتَلَتِهِمْ. ومَعْنى نَكَثُوا أيْمانَهم: نَقَضَ العَهْدَ. قالَ السُّدِّيُّ، وابْنُ إسْحاقَ، والكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في كُفّارِ مَكَّةَ، نَكَثُوا أيْمانَهم بَعْدَ عَهْدِ الحُدَيْبِيَةَ، وأعانُوا بَنِي بَكْرٍ عَلى خُزاعَةَ انْتَهى. وهَمُّهم هو هَمُّ قُرَيْشٍ بِإخْراجِ الرَّسُولِ مِن مَكَّةَ حِينَ تَشاوَرُوا بِدارِ النَّدْوَةِ، فَأذِنَ اللَّهُ في الهِجْرَةِ، فَخَرَجَ بِنَفْسِهِ، أوْ بَنُو بَكْرٍ بِإخْراجِهِ مِنَ المَدِينَةِ لِما أقْدَمُوا عَلَيْهِ مِنَ المُشاوَرَةِ والِاجْتِماعِ، أوِ اليَهُودُ هَمُّوا بِغَدْرِ الرَّسُولِ ﷺ ونَقَضُوا عَهْدَهُ، وأعانُوا المُنافِقِينَ عَلى إخْراجِهِ مِنَ المَدِينَةِ، ثَلاثَةُ أقْوالٍ أوَّلُها لِلسُّدِّيِّ. وقالَ الحَسَنُ: مِنَ المَدِينَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا مُسْتَقِيمٌ لِغَزْوَةِ أُحُدٍ والأحْزابِ وغَيْرِهِما، وهُمُ الَّذِينَ كانَتْ مِنهُمُ البُداءَةُ بِالمُقاتَلَةِ؛ لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جاءَهم أوَّلًا بِالكِتابِ المُبِينِ وتَحَدّاهم بِهِ، فَعَدَلُوا عَنِ المُعارَضَةِ لِعَجْزِهِمْ عَنْها إلى القِتالِ، فَهُمُ البادِئُونَ، والبادِئُ أظْلَمُ، فَما يَمْنَعُكم مِن أنْ تُقاتِلُوهم بِمِثْلِهِ؛ تَصْدِمُونَهم بِالشَّرِّ كَما صَدَمُوكم ؟ وبَّخَهم بِتَرْكِ مُقاتَلَتِهِمْ، وحَضَّهم عَلَيْها، ثُمَّ وصَفَهم بِما يُوجِبُ الحَضَّ عَلَيْها. وتَقَرَّرَ أنَّ مَن كانَ في مِثْلِ صِفاتِهِمْ مِن نَكْثِ العُهُودِ وإخْراجِ الرَّسُولِ والبَدْءِ بِالقِتالِ مِن غَيْرِ مُوجِبٍ حَقِيقٌ بِأنْ لا تُتْرَكَ مُصادَمَتُهُ، وأنْ يُوَبَّخَ مَن فَرَّطَ فِيها، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهو تَكْثِيرٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (أوَّلَ مَرَّةٍ)، قِيلَ: يُرِيدُ أفْعالَهم بِمَكَّةَ بِالنَّبِيِّ ﷺ وبِالمُؤْمِنِينَ. وقالَ مُجاهِدٌ: ما بَدَأتْ بِهِ قُرَيْشٌ مِن مَعُونَةِ بَنِي بَكْرٍ حُلَفائَهم عَلى خُزاعَةَ حُلَفاءِ النَّبِيِّ، فَكانَ هَذا بَدْءَ النَّقْضِ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: يَعْنِي فِعْلَهم يَوْمَ بَدْرٍ انْتَهى. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بَدَوْكم بِغَيْرِ هَمْزٍ، ووَجْهُهُ أنَّهُ سَهَّلَ الهَمْزَةَ مِن بَدَأْتُ، بِإبْدالِها ياءً، كَما قالُوا في قَرَأْتُ: قَرَيْتُ، فَصارَ كَرَمَيْتُ. فَلَمّا أُسْنِدَ الفِعْلُ إلى واوِ الضَّمِيرِ سَقَطَتْ، فَصارَ بَدَوْكم، كَما تَقُولُ: رَمَوْكم. (أتَخْشَوْنَهم) تَقْرِيرٌ لِلْخَشْيَةِ مِنهم، وتَوْبِيخٌ عَلَيْها. ﴿فاللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ﴾ فَتَقْتُلُوا أعْداءَهُ. ولَفْظُ الجَلالَةِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ (أحَقُّ)، و(أنْ تَخْشَوْهُ) بَدَلٌ مِنَ اللَّهِ؛ أيْ: وخَشْيَةُ اللَّهِ أحَقُّ مِن خَشْيَتِهِمْ، (وأنْ تَخْشَوْهُ) في مَوْضِعِ رَفْعٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ أوْ جَرٍّ عَلى الخِلافِ إذا حُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ، وتَقْدِيرُهُ: بِأنْ تَخْشَوْهُ؛ أيْ أحَقُّ مِن غَيْرِهِ بِأنْ تَخْشَوْهُ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ (أنْ تَخْشَوْهُ) مُبْتَدَأً، وأحَقُّ خَبَرُهُ قُدِّمَ عَلَيْهِ. وأجازَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ (أحَقُّ) مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ (أنْ تَخْشَوْهُ)، والجُمْلَةُ خَبَرٌ عَنِ الأوَّلِ. وحَسُنَ الِابْتِداءُ بِالنَّكِرَةِ؛ لِأنَّها أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، وقَدْ أجازَ سِيبَوَيْهِ أنْ تَكُونَ المَعْرِفَةُ خَبَرًا لِلنَّكِرَةِ في نَحْوِ: اقْصِدْ رَجُلًا خَيْرٌ مِنهُ أبُوهُ. ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ كامِلِي الإيمانِ؛ لِأنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنَّ قَضِيَّةَ الإيمانِ الصَّحِيحِ أنْ لا يَخْشى المُؤْمِنُ إلّا رَبَّهُ ولا يُبالِي بِمَن سِواهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٣٩] . ﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكم ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ويُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن يَشاءُ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ قَرَّرَتِ الآياتُ قَبْلَ هَذا أفْعالَ (p-١٧)الكَفَرَةِ المُقْتَضِيَةَ لِقِتالِهِمْ، والحَضَّ عَلى القِتالِ، وحَرُمَ الأمْرُ بِالقِتالِ في هَذِهِ، وتَعْذِيبُهم بِأيْدِي المُؤْمِنِينَ هو في الدُّنْيا بِالقَتْلِ والأسْرِ والنَّهْبِ، وهَذِهِ وُعُودٌ ثَبَّتَتْ قُلُوبَهم وصَحَّحَتْ نِيّاتِهِمْ، وخِزْيُهم هو إهانَتُهم وذُلُّهم، (ويَنْصُرْكم) يُظْفِرُكم بِهِمْ، وشِفاءُ الصُّدُورِ بِإعْلاءِ دِينِ اللَّهِ وتَعْذِيبِ الكُفّارِ وخِزْيِهِمْ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ونَشْفِ بِالنُّونِ عَلى الِالتِفاتِ، وجاءَ التَّرْكِيبُ (صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ) لِيَشْمَلَ المُخاطَبِينَ وكُلَّ مُؤْمِنٍ؛ لِأنَّ ما يُصِيبُ أهْلَ الكُفْرِ مِنَ العَذابِ والخِزْيِ هو شِفاءٌ لِصَدْرِ كُلِّ مُؤْمِنٍ. وقِيلَ: المُرادُ قَوْمٌ مُعَيَّنُونَ، «قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم بُطُونٌ مِنَ اليَمَنِ وسَبَأٍ قَدِمُوا مَكَّةَ فَأسْلَمُوا، فَلَقُوا مِن أهْلِها أذًى شَدِيدًا، فَبَعَثُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ يَشْكُونَ إلَيْهِ فَقالَ: ”أبْشِرُوا فَإنَّ الفَرَجَ قَرِيبٌ“» وقالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: هم خُزاعَةُ. ووَجْهُ تَخْصِيصِهِمْ أنَّهم هُمُ الَّذِينَ نُقِضَ فِيهِمُ العَهْدُ ونالَتْهُمُ الحَرْبُ، وكانَ يَوْمَئِذٍ في خُزاعَةَ مُؤْمِنُونَ كَثِيرٌ. ألا تَرى إلى قَوْلِ الخُزاعِيِّ المُسْتَنْصِرِ بِالنَّبِيِّ ﷺ: ؎ثَمَّتَ أسْلَمْنا فَلَمْ نَنْزِعْ يَدا وفِي آخِرِ الرَّجَزِ: ؎وقَتَلُونا رُكَّعًا وسُجَّدا وإذْهابُ الغَيْظِ بِما نالَ الكُفّارَ مِنَ المَكْرُوهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ كالتَّأْكِيدِ لِلَّتِي قَبْلَها؛ لِأنَّ شِفاءَ الصَّدْرِ مِن آلَةِ الغَيْظِ هو إذْهابُ الغَيْظِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: (ويَذْهَبُ) فِعْلًا لازِمًا (غَيْظُ) فاعِلٌ بِهِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ رَفَعَ الباءَ. وهَذِهِ المَواعِيدُ كُلُّها وُجِدَتْ، فَكانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ وصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، وبُدِئَ أوَّلًا فِيها بِما تَسَبَّبَ عَنِ النَّصْرِ، وهو تَعْذِيبُ اللَّهِ الكُفّارَ، وبِأيْدِي المُؤْمِنِينَ وإخْزاؤُهم، إذا كانَتِ البُداءَةُ بِما يَنالُ الكُفّارَ مِنَ الشَّرِّ هي الَّتِي يُسَرُّ بِها المُؤْمِنُونَ، ثُمَّ ذَكَرَ ما السَّبَبُ؛ وهو نَصْرُ اللَّهِ المُؤْمِنِينَ عَلى الكافِرِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ ما تَسَبَّبَ أيْضًا عَنِ النَّصْرِ مِن شِفاءِ صُدُورِ المُؤْمِنِينَ وإذْهابِ غَيْظِهِمْ تَتْمِيمًا لِلنِّعَمِ، فَذَكَرَ ما تَسَبَّبَ عَنِ النَّصْرِ بِالنِّسْبَةِ لِلْكُفّارِ، وذَكَرَ ما تَسَبَّبَ لِلْمُسْلِمِينَ مِنَ الفَرَحِ والسُّرُورِ بِإدْراكِ الثَّأْرِ، ولَمْ يَذْكُرْ ما نالُوهُ مِنَ المَغانِمِ والمَطاعِمِ، إذِ العَرَبُ قَوْمٌ جُبِلُوا عَلى الحَمِيَّةِ والأنَفَةِ، فَرَغْبَتُهم في إدْراكِ الثَّأْرِ وقَتْلِ الأعْداءِ هي اللّائِقَةُ بِطِباعِهِمْ. ؎إنَّ الأُسُودَ أُسُودَ الغابِ هِمَّتُها ∗∗∗ يَوْمَ الكَرِيهَةِ في المَسْلُوبِ لا السَّلَبِ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ويَتُوبُ اللَّهُ رَفْعًا، وهو اسْتِئْنافُ إخْبارٍ بِأنَّ بَعْضَ أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ يَتُوبُ عَنْ كُفْرِهِ، وكانَ ذَلِكَ عالَمٌ كَثِيرُونَ وحَسُنَ إسْلامُهم. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ وأبُو الفَتْحِ: وهَذا أمْرٌ مَوْجُودٌ سَواءٌ قُوتِلُوا أوْ لَمْ يُقاتَلُوا، فَلا وجْهَ لِإدْخالِ اليَوْمَ في جَوابِ الشَّرْطِ الَّذِي في (قاتِلُوهم) انْتَهى. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والأعْرَجُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى الثَّقَفِيُّ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وعُمَرُ بْنُ قائِدٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ فِيما رُوِيَ عَنْهُما: ويَتُوبَ اللَّهُ بِنَصْبِ الباءِ، جَعَلَهُ داخِلًا في جَوابِ الأمْرِ مِن طَرِيقِ المَعْنى. قِيلَ: ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ التَّوْبَةُ داخِلَةً في الجَزاءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَتَوَجَّهُ ذَلِكَ عِنْدِي إذا ذُهِبَ إلى أنَّ التَّوْبَةَ يُرادُ بِها أنَّ قَتْلَ الكافِرِينَ والجِهادَ في سَبِيلِ اللَّهِ هو تَوْبَةٌ لَكم أيُّها المُؤْمِنُونَ وكَمالٌ لِإيمانِكم، فَتَدْخُلُ التَّوْبَةُ عَلى هَذا في شَرْطِ القِتالِ. وقالَ غَيْرُهُ: لَمّا أمَرَهم بِالمُقاتَلَةِ شَقَّ ذَلِكَ عَلى بَعْضِهِمْ، فَإذا أقْدَمُوا عَلى المُقاتَلَةِ صارَ ذَلِكَ العَمَلُ جارِيًا مَجْرى التَّوْبَةِ مِن تِلْكَ الكَراهَةِ. وقِيلَ: حُصُولُ الكُفْرِ وكَثْرَةُ الأمْوالِ لَذَّةٌ تُطْلَبُ بِطَرِيقٍ حَرامٍ، فَلَمّا حَصَلَتْ لَهم طَرِيقٌ حَلالٌ كانَ ذَلِكَ داعِيًا لَهم إلى التَّوْبَةِ مِمّا تَقَدَّمَ، فَصارَتِ التَّوْبَةُ مُتَعَلِّقَةً بِتِلْكَ المُقاتَلَةِ انْتَهى. وهَذا الَّذِي قَرَّرُوهُ مِن كَوْنِ التَّوْبَةِ تَدْخُلُ تَحْتَ جَوابِ الأمْرِ هو بِالنِّسْبَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أُمِرُوا بِقِتالِ الكُفّارِ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى الكُفّارِ، فالمَعْنى عَلى مَن يَشاءُ مِنَ الكُفّارِ، وذَلِكَ أنَّ قِتالَ الكُفّارِ وغَلَبَةَ المُسْلِمِينَ إيّاهم قَدْ يَنْشَأُ عَنْها إسْلامُ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهم رَغْبَةٌ في الإسْلامِ، ولا داعِيَةٌ قَبْلَ القِتالِ. ألا تَرى إلى قِتالِ (p-١٨)رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أهْلَ مَكَّةَ كَيْفَ كانَ سَبَبًا لِإسْلامِهِمْ؛ لِأنَّ الدّاخِلَ في الإسْلامِ قَدْ يَدْخُلُ فِيهِ عَلى بَصِيرَةٍ، وقَدْ يَدْخُلُ عَلى كُرْهٍ واضْطِرارٍ، ثُمَّ قَدْ تَحْسُنُ حالُهُ في الإسْلامِ. ألا تَرى إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي سَرْحٍ كَيْفَ كانَ حالُهُ أوَّلًا في الإسْلامِ، ثُمَّ صارَ أمْرُهُ إلى أحْسَنِ حالٍ وماتَ أحْسَنَ مَيْتَةٍ في السُّجُودِ في صِلاتِهِ، وكانَ مِن خِيارِ الصَّحابَةِ ؟ (واللَّهُ عَلِيمٌ) يَعْلَمُ ما سَيَكُونُ مِثْلَ ما يَعْلَمُ ما قَدْ كانَ، وفي ذَلِكَ تَقْرِيرٌ لِما رَتَّبَ مِن تِلْكَ المَواعِيدِ، وأنَّها كائِنَةٌ لا مَحالَةَ. (حَكِيمٌ) في تَصْرِيفِ عِبادِهِ مِن حالٍ إلى حالٍ عَلى ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ تَعالى. ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تُتْرَكُوا ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكُمْ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، والمَعْنى: أنَّكم لا تُتْرَكُونَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَتَبَيَّنَ الخُلَّصُ مِنكم وهُمُ المُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ لَمْ يَتَّخِذُوا بِطانَةً مَن دُونِ اللَّهِ مِن غَيْرِهِمْ. ﴿ولَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ ولا رَسُولِهِ ولا المُؤْمِنِينَ ولِيجَةً﴾ (ولَمْ يَتَّخِذُوا) مَعْطُوفٌ عَلى (جاهَدُوا) . غَيْرَ مُتَّخِذِينَ ولِيجَةً، والوَلِيجَةُ فَعَيْلَةٌ مِن ولَجَ كالدَّخِيلَةِ مِن دَخَلَ، وهي البِطانَةُ والمُدْخَلُ يُدْخَلُ فِيهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِسْرارِ، شُبِّهَ النِّفاقُ بِهِ. وقالَ قَتادَةُ: الوَلِيجَةُ الخِيانَةُ، وقالَ الضَّحّاكُ: الخَدِيعَةُ، وقالَ عَطاءٌ: الأوْداءُ، وقالَ الحَسَنُ: الكُفْرُ والنِّفاقُ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ شَيْءٍ أدْخَلْتَهُ في شَيْءٍ ولَيْسَ مِنهُ فَهو ولِيجَةٌ، والرَّجُلُ يَكُونُ في القَوْمِ ولَيْسَ مِنهم ولِيجَةٌ، يَكُونُ لِلْواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَمْعِ بِلَفْظٍ واحِدٍ. ولِيجَةُ الرَّجُلِ مَن يَخْتَصُّ بِدَخِيلَةِ أمْرِهِ مِنَ النّاسِ، وجَمْعُها ولائِجُ ووُلُجٌ، كَصَحِيفَةٍ وصَحائِفَ وصُحُفٍ. وقالَ عُبادَةُ بْنُ صَفْوانَ الغَنَوِيُّ: ؎ولائِجُهم في كُلِّ مَبْدًى ومَحْضَرٍ ∗∗∗ إلى كُلِّ مَن يُرْجى ومَن يَتَخَوَّفُ وفِي هَذِهِ الآيَةِ طَعْنٌ عَلى المُنافِقِينَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الوَلائِجَ لا سِيَّما عِنْدَ فَرْضِ القِتالِ، والمَعْنى: لا بُدَّ مِنِ اخْتِبارِكم أيُّها المُؤْمِنُونَ كَقَوْلِهِ: ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢]، ولَمّا كانَ الرَّجُلُ قَدْ يُجاهِدُ وهو مُنافِقٌ نَفى هَذا الوَصْفَ عَنْهُ، فَبَيَّنَ أنَّهُ لا بُدَّ لِلْجِهادِ مِنَ الإخْلاصِ خالِيًا عَنِ النِّفاقِ والرِّياءِ والتَّوَدُّدِ إلى الكُفّارِ. ﴿واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ مُناسَبَةً لِقَوْلِهِ: أمْ حَسِبْتُمْ، وقَرَأ الحَسَنُ، ويَعْقُوبُ في رِوايَةٍ رُوَيْسٍ، وسَلّامٌ بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ التِفاتًا.

التوبة 9:14

﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (p-١٤)الظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى مَن قَبْلَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ المَأْمُورِ بِقَتْلِهِمْ، ويَكُونُ المَعْنى: اشْتَرَوْا بِالقُرْآنِ وما يَدْعُو إلَيْهِ مِنَ الإسْلامِ ثَمَنًا قَلِيلًا، وهو اتِّباعُ الشَّهَواتِ والأهْواءِ لَمّا تَرَكَتْ دِينَ اللَّهِ وآثَرَتِ الكُفْرَ، كانَ ذَلِكَ كالشِّراءِ والبَيْعِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هُمُ الأعْرابُ الَّذِينَ جَمَعَهم أبُو سُفْيانَ عَلى طَعامِهِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: هم قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ، وآياتُ اللَّهِ التَّوْراةُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أهْلُ الطّائِفِ كانُوا يَمُدُّونَ النّاسَ بِالأمْوالِ يَمْنَعُونَهم مِنَ الدُّخُولِ في الإسْلامِ، فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ؛ أيْ صَرَفُوا أنْفُسَهم عَنْ دِينِ اللَّهِ وعَدَلُوا عَنْهُ. والظّاهِرُ أنَّ (ساءَ) هُنا مُحَوَّلَةٌ إلى فِعْلٍ. ومَذْهَبُ بابِها مَذْهَبُ بِئْسَ، ويَجُوزُ إقْرارُها عَلى وصْفِها الأوَّلِ، فَتَكُونُ مُتَعَدِّيَةً؛ أيْ: أنَّهم ساءَهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ، فَحُذِفَ المَفْهُومُ لِفَهْمِ المَعْنى. ﴿لا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إلًّا ولا ذِمَّةً وأُولَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ﴾ هَذا تَنْبِيهٌ عَلى الوَصْفِ المُوجِبِ لِلْعَداوَةِ وهو الإيمانُ، ولَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ﴾ [التوبة: ٨] يُتَوَهَّمُ أنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالمُخاطَبِينَ، نَبَّهَ عَلى عِلَّةِ ذَلِكَ، وأنَّ سَبَبَ المُنافاةِ هو الإيمانُ، (وأُولَئِكَ)؛ أيِ الجامِعُونَ لِتِلْكَ الأوْصافِ الذَّمِيمَةِ (هُمُ المُعْتَدُونَ)؛ المُجاوِزُونَ الحَدَّ في الظُّلْمِ والشَّرِّ ونَقْضِ العَهْدِ. ﴿فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَإخْوانُكم في الدِّينِ﴾ أيْ فَإنْ تابُوا عَنِ الكُفْرِ ونَقْضِ العَهْدِ، والتَزَمُوا أحْكامَ الإسْلامِ فَإخْوانُكم، أيْ: فَهم إخْوانُكم، والإخْوانُ، والإخْوَةُ جَمْعُ أخٍ مِن نَسَبٍ أوْ دِينٍ. ومَن زَعَمَ أنَّ الإخْوَةَ تَكُونُ في النَّسَبِ، والإخْوانَ في الصَّداقَةِ، فَقَدْ غَلَطَ. قالَ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] وقالَ: ﴿أوْ بُيُوتِ إخْوانِكُمْ﴾ [النور: ٦١]، وعَلَّقَ حُصُولَ الأُخُوَّةِ في الدِّينِ عَلى الِالتِباسِ بِمَجْمُوعِ الثَّلاثَةِ، ويَظْهَرُ أنَّ مَفْهُومَ الشَّرْطِ غَيْرُ مُرادٍ. ﴿ونُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ نُبَيِّنُها ونُوَضِّحُها. وهَذِهِ الجُمْلَةُ اعْتِراضٌ بَيْنَ الشَّرْطَيْنِ، بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تابُوا﴾، وقَوْلِهِ: (وإنْ نَكَثُوا)، بَعْثًا وتَحْرِيضًا عَلى تَأمُّلِ ما فَصَّلَ تَعالى مِنَ الأحْكامِ، وقالَ: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾؛ لِأنَّهُ لا يَتَأمَّلُ تَفْصِيلَها إلّا مَن كانَ مِن أهْلِ العِلْمِ والفَهْمِ. ﴿وإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِكم فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ إنَّهم لا أيْمانَ لَهم لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ أيْ: وإنْ نَقَضُوا أقْسامَهم مِن بَعْدَما تَعاهَدُوا وتَحالَفُوا عَلى أنْ لا يَنْكُثُوا. (وطَعَنُوا): أيْ عابُوهُ وثَلَبُوهُ واسْتَنْقَصُوهُ، والطَّعْنُ هُنا مَجازٌ، وأصْلُهُ الإصابَةُ بِالرُّمْحِ أوِ العُودِ وشَبَهِهِ، وهو هُنا بِمَعْنى العَيْبِ كَما جاءَ في حَدِيثِ إمارَةِ أُسامَةَ: «إنْ تَطْعَنُوا في إمارَتِهِ فَقَدْ طَعَنْتُمْ في إمارَةِ أبِيهِ مِن قَبْلُ»؛ أيْ عِبْتُمُوها واسْتَنْقَصْتُمُوها. والظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّرْدِيدَ في الشَّرْطَيْنِ هو في حَقِّ الكُفّارِ أصْلًا؛ لِأنَّ مَن أسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ؛ أيْ رُؤَساءَ الكُفْرِ وزُعَماءَهُ. والمَعْنى: فَقاتِلُوا الكُفّارَ، وخَصَّ الأئِمَّةَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ يُحَرِّضُونَ الأتْباعَ عَلى البَقاءِ عَلى الكُفْرِ. وقالَ الكَرْمانِيُّ: كُلُّ كافِرٍ إمّامُ نَفْسِهِ، فالمَعْنى: فَقاتِلُوا كُلَّ كافِرٍ. وقِيلَ: مَن أقْدَمَ عَلى نَكْثِ العَهْدِ والطَّعْنِ في الدِّينِ صارَ رَأْسًا في الكُفْرِ، فَهو مِن أئِمَّةِ الكُفْرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أئِمَّةُ الكُفْرِ زُعَماءُ قُرَيْشٍ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: هو بَعِيدٌ؛ لِأنَّ الآيَةَ في سُورَةِ (بَراءَةٌ)، وحِينَ نَزَلَتْ كانَ اللَّهُ قَدِ اسْتَأْصَلَ شَأْفَةَ قُرَيْشٍ ولَمْ يَبْقَ مِنهم إلّا مُسْلِمٌ أوْ مُسالِمٌ. وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ وعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وغَيْرُهم، وهَذا ضَعِيفٌ إنْ لَمْ يُؤْخَذْ عَلى جِهَةِ المِثالِ؛ لِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ بَدْرٍ بِكَثِيرٍ. ورُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ أنَّهُ قالَ: لَمْ يَجِئْ هَؤُلاءِ بَعْدُ، يُرِيدُ لَمْ يَنْقَرِضُوا، فَهم يَجِيئُونَ أبَدًا ويُقاتِلُونَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أصْوَبُ ما في هَذا أنْ يُقالَ: إنَّهُ لا يُعْنى بِها مُعَيَّنٌ، وإنَّما دَفَعَ الأمْرَ بِقِتالِ أئِمَّةِ النّاكِثِينَ العُهُودَ مِنَ الكَفَرَةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ دُونَ تَعْيِينٍ، واقْتَضَتْ حالُ كُفّارِ العَرَبِ ومُحارِبِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنْ يَكُونَ الإشارَةُ إلَيْهِمْ أوَّلًا بِقَوْلِهِ: (أئِمَّةَ الكُفْرِ)، وهم حَصَلُوا حِينَئِذٍ تَحْتَ اللَّفْظَةِ؛ إذِ الَّذِي يَتَوَلّى قِتالَ النَّبِيِّ صَلّى (p-١٥)اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ والدَّفْعَ في صَدْرِ شَرِيعَتِهِ هو إمامُ كُلِّ مَن يَكْفُرُ بِذَلِكَ الشَّرْعِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ يَأْتِي في كُلِّ جِيلٍ مِنَ الكُفّارِ أئِمَّةٌ خاصَّةٌ بِجِيلٍ جِيلٍ انْتَهى. وقِيلَ: المُرادُ بِالعَهْدِ الإسْلامُ، فَمَعْناهُ كَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ. ولِذَلِكَ قَرَأ بَعْضُهم: وإنْ نَكَثُوا إيمانَهم بِالكَسْرِ، وهو قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ، قالَ: ﴿فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾: فَقاتِلُوهم، فَوَضَعَ أئِمَّةَ الكُفْرِ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ، إشْعارًا بِأنَّهم إذا نَكَثُوا في حالَةِ الشِّرْكِ تَمَرُّدًا وطُغْيانًا وطَرْحًا لِعاداتِ الكِرامِ الأوْفِياءِ مِنَ العَرَبِ، ثُمَّ آمَنُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ وصارُوا إخْوانًا لِلْمُسْلِمِينَ في الدِّينِ، ثُمَّ رَجَعُوا فارْتَدُّوا عَنِ الإسْلامِ ونَكَثُوا ما بايَعُوا عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ والوَفاءِ بِالعَهْدِ، وقَعَدُوا يَطْعَنُونَ في دِينِ اللَّهِ تَعالى، ويَقُولُونَ لَيْسَ دِينُ مُحَمَّدٍ بِشَيْءٍ، فَهم أئِمَّةُ الكُفْرِ وذَوُو الرِّئاسَةِ والتَّقَدُّمِ فِيهِ، لا يَشُقُّ كافِرٌ غُبارَهم. والمَشْهُورُ مِن مَذْهَب مالِكٍ أنَّ الذِّمِّيَّ إذا طَعَنَ في الدِّينِ فَفَعَلَ شَيْئًا مِثْلَ تَكْذِيبِ الشَّرِيعَةِ والسَّبِّ لِلنَّبِيِّ ﷺ ونَحْوَهُ قُتِلَ. وقِيلَ: إنْ أعْلَنَ بِشَيْءٍ مِمّا هو مَعْهُودٌ مِن مُعْتَقَدِهِ وكُفْرِهِ أُدِّبَ عَلى الإعْلانِ وتُرِكَ، وإنْ كَفَرَ بِما هو لَيْسَ مِن مُعْتَقَدِهِ كالسَّبِّ ونَحْوِهِ قُتِلَ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يُسْتَتابُ، واخْتُلِفَ إذا سَبَّ الذِّمِّيُّ ثُمَّ أسْلَمَ تَقِيَّةَ القَتْلِ: فالمَشْهُورُ مِن مَذْهَبِ مالِكٍ أنَّهُ يُتْرَكُ؛ لِأنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ، وفي العُتْبِيَّةِ أنَّهُ يُقْتَلُ، ولا يَكُونُ أحْسَنَ حالًا مِنَ المُسْلِمِ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو: بِإبْدالِ الهَمْزَةِ الثّانِيَةِ ياءً، ورُوِيَ عَنْ نافِعٍ مَدُّ الهَمْزَةِ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ وابْنُ أبِي أُوَيْسٍ عَنْ نافِعٍ: بِهَمْزَتَيْنِ، وأدْخَلَ هِشامٌ بَيْنَهُما ألِفًا، وأصْلُهُ أأْمِمَةٌ عَلى وزْنِ ”أفْعِلَةٌ“، جَمْعُ إمامٍ، أدْغَمُوا المِيمَ في المِيمِ فَنُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى الهَمْزَةِ قَبْلَها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتُ: كَيْفَ لَفْظُ أئِمَّةٍ ؟ قُلْتُ: هَمْزَةٌ بَعْدَها هَمْزَةٌ بَيْنَ بَيْنَ؛ أيْ بَيْنَ مَخْرَجِ الهَمْزَةِ والياءِ. وتَحْقِيقُ الهَمْزِ هي قِراءَةٌ مَشْهُورَةٌ، وإنْ لَمْ تَكُنْ مَقْبُولَةً عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، وأمّا التَّصْرِيحُ بِالياءِ فَلَيْسَ بِقِراءَةٍ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ. ومَن صَرَّحَ بِها فَهو لاحِنٌ مُحَرِّفٌ انْتَهى. وذَلِكَ دَأْبُهُ في تَلْحِينِ المُقْرِئِينَ. وكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ لَحْنًا وقَدْ قَرَأ بِهِ رَأْسُ البَصْرِيِّينَ النُّحاةِ: أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ، وقارِئُ مَكَّةَ ابْنُ كَثِيرٍ، وقارِئُ مَدِينَةِ الرَّسُولِ نافِعٌ، ونَفى إيمانَهم لَمّا لَمْ يَثْبُتُوا عَلَيْها ولا وفَّوْا بِها جُعِلُوا لا أيْمانَ لَهم، أوْ يَكُونُ عَلى حَذْفِ الوَصْفِ أيْ: لا أيْمانَ لَهم يُوَفُّونَ بِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعَطاءٌ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ عامِرٍ: لا إيمانَ لَهم أيْ لا إسْلامَ ولا تَصْدِيقَ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا غَيْرُ قَوِيٍّ؛ لِأنَّهُ تَكْرارٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ وصَفَ أئِمَّةَ الكُفْرِ بِأنَّهم لا إيمانَ لَهم، فالوَجْهُ في كَسْرِ الألِفِ أنَّهُ مَصْدَرُ أمَنَهُ إيمانًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤] فالمَعْنى أنَّهم لا يُؤَمِّنُونَ أهْلَ الذِّمَّةِ، إذِ المُشْرِكُونَ لَمْ يَكُنْ لَهم إلّا الإسْلامُ أوِ السَّيْفُ. قالَ أبُو حاتِمٍ: فَسَّرَ الحَسَنُ قِراءَتَهُ لا إسْلامَ لَهُمُ انْتَهى. وكَذا تَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، فَقالَ: وقُرِئَ لا إيمانَ لَهم، أيْ لا إسْلامَ لَهم، ولا يُعْطَوْنَ الأمانَ بَعْدَ الرِّدَّةِ والنَّكْثِ، ولا سَبِيلَ إلَيْهِ. وبِقِراءَةِ الفَتْحِ اسْتَشْهَدَ أبُو حَنِيفَةَ عَلى أنَّ يَمِينَ الكافِرِ لا يَكُونُ يَمِينًا، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ يَمِينُهم يَمِينٌ، وقالَ: مَعْناهُ أنَّهم لا يُوَفُّونَ بِها بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى وصَفَها بِالنَّكْثِ. ﴿لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾؛ أيْ لِيَكُنْ غَرَضُكم في مُقاتَلَتِهِمْ بَعْدَما وُجِدَ مِنهم مَنِ العَظائِمِ ما وُجِدَ انْتِهاءَهم عَمّا هم فِيهِ، وهَذا مِن كَرَمِهِ سُبْحانَهُ وفَضْلِهِ وعَوْدِهِ عَلى المُسِيءِ بِالرَّحْمَةِ. ﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أيْمانَهم وهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ وهم بَدَءُوكم أوَّلَ مَرَّةٍ أتَخْشَوْنَهم فاللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (p-١٦)(ألا) حَرْفُ عَرْضٍ، ومَعْناهُ هُنا الحَضُّ عَلى قِتالِهِمْ. وزَعَمُوا أنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ ولا النّافِيَةِ، فَصارَ فِيها مَعْنى التَّخْصِيصِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: دَخَلَتِ الهَمْزَةُ عَلى تَقْرِيرٍ عَلى انْتِفاءِ المُقاتَلَةِ، ومَعْناها: الحَضُّ عَلَيْها عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ. ولَمّا أمَرَ تَعالى بِقَتْلِ أهْلِ الكُفْرِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِالسَّبَبِ الَّذِي يَبْعَثُ عَلى مُقاتَلَتِهِمْ وهو ثَلاثَةُ أشْياءَ جَمَعُوها، وكُلُّ واحِدٍ مِنها عَلى انْفِرادِهِ كافٍ في الحَضِّ عَلى مُقاتَلَتِهِمْ. ومَعْنى نَكَثُوا أيْمانَهم: نَقَضَ العَهْدَ. قالَ السُّدِّيُّ، وابْنُ إسْحاقَ، والكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في كُفّارِ مَكَّةَ، نَكَثُوا أيْمانَهم بَعْدَ عَهْدِ الحُدَيْبِيَةَ، وأعانُوا بَنِي بَكْرٍ عَلى خُزاعَةَ انْتَهى. وهَمُّهم هو هَمُّ قُرَيْشٍ بِإخْراجِ الرَّسُولِ مِن مَكَّةَ حِينَ تَشاوَرُوا بِدارِ النَّدْوَةِ، فَأذِنَ اللَّهُ في الهِجْرَةِ، فَخَرَجَ بِنَفْسِهِ، أوْ بَنُو بَكْرٍ بِإخْراجِهِ مِنَ المَدِينَةِ لِما أقْدَمُوا عَلَيْهِ مِنَ المُشاوَرَةِ والِاجْتِماعِ، أوِ اليَهُودُ هَمُّوا بِغَدْرِ الرَّسُولِ ﷺ ونَقَضُوا عَهْدَهُ، وأعانُوا المُنافِقِينَ عَلى إخْراجِهِ مِنَ المَدِينَةِ، ثَلاثَةُ أقْوالٍ أوَّلُها لِلسُّدِّيِّ. وقالَ الحَسَنُ: مِنَ المَدِينَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا مُسْتَقِيمٌ لِغَزْوَةِ أُحُدٍ والأحْزابِ وغَيْرِهِما، وهُمُ الَّذِينَ كانَتْ مِنهُمُ البُداءَةُ بِالمُقاتَلَةِ؛ لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جاءَهم أوَّلًا بِالكِتابِ المُبِينِ وتَحَدّاهم بِهِ، فَعَدَلُوا عَنِ المُعارَضَةِ لِعَجْزِهِمْ عَنْها إلى القِتالِ، فَهُمُ البادِئُونَ، والبادِئُ أظْلَمُ، فَما يَمْنَعُكم مِن أنْ تُقاتِلُوهم بِمِثْلِهِ؛ تَصْدِمُونَهم بِالشَّرِّ كَما صَدَمُوكم ؟ وبَّخَهم بِتَرْكِ مُقاتَلَتِهِمْ، وحَضَّهم عَلَيْها، ثُمَّ وصَفَهم بِما يُوجِبُ الحَضَّ عَلَيْها. وتَقَرَّرَ أنَّ مَن كانَ في مِثْلِ صِفاتِهِمْ مِن نَكْثِ العُهُودِ وإخْراجِ الرَّسُولِ والبَدْءِ بِالقِتالِ مِن غَيْرِ مُوجِبٍ حَقِيقٌ بِأنْ لا تُتْرَكَ مُصادَمَتُهُ، وأنْ يُوَبَّخَ مَن فَرَّطَ فِيها، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهو تَكْثِيرٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (أوَّلَ مَرَّةٍ)، قِيلَ: يُرِيدُ أفْعالَهم بِمَكَّةَ بِالنَّبِيِّ ﷺ وبِالمُؤْمِنِينَ. وقالَ مُجاهِدٌ: ما بَدَأتْ بِهِ قُرَيْشٌ مِن مَعُونَةِ بَنِي بَكْرٍ حُلَفائَهم عَلى خُزاعَةَ حُلَفاءِ النَّبِيِّ، فَكانَ هَذا بَدْءَ النَّقْضِ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: يَعْنِي فِعْلَهم يَوْمَ بَدْرٍ انْتَهى. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بَدَوْكم بِغَيْرِ هَمْزٍ، ووَجْهُهُ أنَّهُ سَهَّلَ الهَمْزَةَ مِن بَدَأْتُ، بِإبْدالِها ياءً، كَما قالُوا في قَرَأْتُ: قَرَيْتُ، فَصارَ كَرَمَيْتُ. فَلَمّا أُسْنِدَ الفِعْلُ إلى واوِ الضَّمِيرِ سَقَطَتْ، فَصارَ بَدَوْكم، كَما تَقُولُ: رَمَوْكم. (أتَخْشَوْنَهم) تَقْرِيرٌ لِلْخَشْيَةِ مِنهم، وتَوْبِيخٌ عَلَيْها. ﴿فاللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ﴾ فَتَقْتُلُوا أعْداءَهُ. ولَفْظُ الجَلالَةِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ (أحَقُّ)، و(أنْ تَخْشَوْهُ) بَدَلٌ مِنَ اللَّهِ؛ أيْ: وخَشْيَةُ اللَّهِ أحَقُّ مِن خَشْيَتِهِمْ، (وأنْ تَخْشَوْهُ) في مَوْضِعِ رَفْعٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ أوْ جَرٍّ عَلى الخِلافِ إذا حُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ، وتَقْدِيرُهُ: بِأنْ تَخْشَوْهُ؛ أيْ أحَقُّ مِن غَيْرِهِ بِأنْ تَخْشَوْهُ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ (أنْ تَخْشَوْهُ) مُبْتَدَأً، وأحَقُّ خَبَرُهُ قُدِّمَ عَلَيْهِ. وأجازَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ (أحَقُّ) مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ (أنْ تَخْشَوْهُ)، والجُمْلَةُ خَبَرٌ عَنِ الأوَّلِ. وحَسُنَ الِابْتِداءُ بِالنَّكِرَةِ؛ لِأنَّها أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، وقَدْ أجازَ سِيبَوَيْهِ أنْ تَكُونَ المَعْرِفَةُ خَبَرًا لِلنَّكِرَةِ في نَحْوِ: اقْصِدْ رَجُلًا خَيْرٌ مِنهُ أبُوهُ. ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ كامِلِي الإيمانِ؛ لِأنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنَّ قَضِيَّةَ الإيمانِ الصَّحِيحِ أنْ لا يَخْشى المُؤْمِنُ إلّا رَبَّهُ ولا يُبالِي بِمَن سِواهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٣٩] . ﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكم ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ويُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن يَشاءُ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ قَرَّرَتِ الآياتُ قَبْلَ هَذا أفْعالَ (p-١٧)الكَفَرَةِ المُقْتَضِيَةَ لِقِتالِهِمْ، والحَضَّ عَلى القِتالِ، وحَرُمَ الأمْرُ بِالقِتالِ في هَذِهِ، وتَعْذِيبُهم بِأيْدِي المُؤْمِنِينَ هو في الدُّنْيا بِالقَتْلِ والأسْرِ والنَّهْبِ، وهَذِهِ وُعُودٌ ثَبَّتَتْ قُلُوبَهم وصَحَّحَتْ نِيّاتِهِمْ، وخِزْيُهم هو إهانَتُهم وذُلُّهم، (ويَنْصُرْكم) يُظْفِرُكم بِهِمْ، وشِفاءُ الصُّدُورِ بِإعْلاءِ دِينِ اللَّهِ وتَعْذِيبِ الكُفّارِ وخِزْيِهِمْ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ونَشْفِ بِالنُّونِ عَلى الِالتِفاتِ، وجاءَ التَّرْكِيبُ (صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ) لِيَشْمَلَ المُخاطَبِينَ وكُلَّ مُؤْمِنٍ؛ لِأنَّ ما يُصِيبُ أهْلَ الكُفْرِ مِنَ العَذابِ والخِزْيِ هو شِفاءٌ لِصَدْرِ كُلِّ مُؤْمِنٍ. وقِيلَ: المُرادُ قَوْمٌ مُعَيَّنُونَ، «قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم بُطُونٌ مِنَ اليَمَنِ وسَبَأٍ قَدِمُوا مَكَّةَ فَأسْلَمُوا، فَلَقُوا مِن أهْلِها أذًى شَدِيدًا، فَبَعَثُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ يَشْكُونَ إلَيْهِ فَقالَ: ”أبْشِرُوا فَإنَّ الفَرَجَ قَرِيبٌ“» وقالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: هم خُزاعَةُ. ووَجْهُ تَخْصِيصِهِمْ أنَّهم هُمُ الَّذِينَ نُقِضَ فِيهِمُ العَهْدُ ونالَتْهُمُ الحَرْبُ، وكانَ يَوْمَئِذٍ في خُزاعَةَ مُؤْمِنُونَ كَثِيرٌ. ألا تَرى إلى قَوْلِ الخُزاعِيِّ المُسْتَنْصِرِ بِالنَّبِيِّ ﷺ: ؎ثَمَّتَ أسْلَمْنا فَلَمْ نَنْزِعْ يَدا وفِي آخِرِ الرَّجَزِ: ؎وقَتَلُونا رُكَّعًا وسُجَّدا وإذْهابُ الغَيْظِ بِما نالَ الكُفّارَ مِنَ المَكْرُوهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ كالتَّأْكِيدِ لِلَّتِي قَبْلَها؛ لِأنَّ شِفاءَ الصَّدْرِ مِن آلَةِ الغَيْظِ هو إذْهابُ الغَيْظِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: (ويَذْهَبُ) فِعْلًا لازِمًا (غَيْظُ) فاعِلٌ بِهِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ رَفَعَ الباءَ. وهَذِهِ المَواعِيدُ كُلُّها وُجِدَتْ، فَكانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ وصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، وبُدِئَ أوَّلًا فِيها بِما تَسَبَّبَ عَنِ النَّصْرِ، وهو تَعْذِيبُ اللَّهِ الكُفّارَ، وبِأيْدِي المُؤْمِنِينَ وإخْزاؤُهم، إذا كانَتِ البُداءَةُ بِما يَنالُ الكُفّارَ مِنَ الشَّرِّ هي الَّتِي يُسَرُّ بِها المُؤْمِنُونَ، ثُمَّ ذَكَرَ ما السَّبَبُ؛ وهو نَصْرُ اللَّهِ المُؤْمِنِينَ عَلى الكافِرِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ ما تَسَبَّبَ أيْضًا عَنِ النَّصْرِ مِن شِفاءِ صُدُورِ المُؤْمِنِينَ وإذْهابِ غَيْظِهِمْ تَتْمِيمًا لِلنِّعَمِ، فَذَكَرَ ما تَسَبَّبَ عَنِ النَّصْرِ بِالنِّسْبَةِ لِلْكُفّارِ، وذَكَرَ ما تَسَبَّبَ لِلْمُسْلِمِينَ مِنَ الفَرَحِ والسُّرُورِ بِإدْراكِ الثَّأْرِ، ولَمْ يَذْكُرْ ما نالُوهُ مِنَ المَغانِمِ والمَطاعِمِ، إذِ العَرَبُ قَوْمٌ جُبِلُوا عَلى الحَمِيَّةِ والأنَفَةِ، فَرَغْبَتُهم في إدْراكِ الثَّأْرِ وقَتْلِ الأعْداءِ هي اللّائِقَةُ بِطِباعِهِمْ. ؎إنَّ الأُسُودَ أُسُودَ الغابِ هِمَّتُها ∗∗∗ يَوْمَ الكَرِيهَةِ في المَسْلُوبِ لا السَّلَبِ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ويَتُوبُ اللَّهُ رَفْعًا، وهو اسْتِئْنافُ إخْبارٍ بِأنَّ بَعْضَ أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ يَتُوبُ عَنْ كُفْرِهِ، وكانَ ذَلِكَ عالَمٌ كَثِيرُونَ وحَسُنَ إسْلامُهم. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ وأبُو الفَتْحِ: وهَذا أمْرٌ مَوْجُودٌ سَواءٌ قُوتِلُوا أوْ لَمْ يُقاتَلُوا، فَلا وجْهَ لِإدْخالِ اليَوْمَ في جَوابِ الشَّرْطِ الَّذِي في (قاتِلُوهم) انْتَهى. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والأعْرَجُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى الثَّقَفِيُّ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وعُمَرُ بْنُ قائِدٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ فِيما رُوِيَ عَنْهُما: ويَتُوبَ اللَّهُ بِنَصْبِ الباءِ، جَعَلَهُ داخِلًا في جَوابِ الأمْرِ مِن طَرِيقِ المَعْنى. قِيلَ: ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ التَّوْبَةُ داخِلَةً في الجَزاءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَتَوَجَّهُ ذَلِكَ عِنْدِي إذا ذُهِبَ إلى أنَّ التَّوْبَةَ يُرادُ بِها أنَّ قَتْلَ الكافِرِينَ والجِهادَ في سَبِيلِ اللَّهِ هو تَوْبَةٌ لَكم أيُّها المُؤْمِنُونَ وكَمالٌ لِإيمانِكم، فَتَدْخُلُ التَّوْبَةُ عَلى هَذا في شَرْطِ القِتالِ. وقالَ غَيْرُهُ: لَمّا أمَرَهم بِالمُقاتَلَةِ شَقَّ ذَلِكَ عَلى بَعْضِهِمْ، فَإذا أقْدَمُوا عَلى المُقاتَلَةِ صارَ ذَلِكَ العَمَلُ جارِيًا مَجْرى التَّوْبَةِ مِن تِلْكَ الكَراهَةِ. وقِيلَ: حُصُولُ الكُفْرِ وكَثْرَةُ الأمْوالِ لَذَّةٌ تُطْلَبُ بِطَرِيقٍ حَرامٍ، فَلَمّا حَصَلَتْ لَهم طَرِيقٌ حَلالٌ كانَ ذَلِكَ داعِيًا لَهم إلى التَّوْبَةِ مِمّا تَقَدَّمَ، فَصارَتِ التَّوْبَةُ مُتَعَلِّقَةً بِتِلْكَ المُقاتَلَةِ انْتَهى. وهَذا الَّذِي قَرَّرُوهُ مِن كَوْنِ التَّوْبَةِ تَدْخُلُ تَحْتَ جَوابِ الأمْرِ هو بِالنِّسْبَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أُمِرُوا بِقِتالِ الكُفّارِ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى الكُفّارِ، فالمَعْنى عَلى مَن يَشاءُ مِنَ الكُفّارِ، وذَلِكَ أنَّ قِتالَ الكُفّارِ وغَلَبَةَ المُسْلِمِينَ إيّاهم قَدْ يَنْشَأُ عَنْها إسْلامُ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهم رَغْبَةٌ في الإسْلامِ، ولا داعِيَةٌ قَبْلَ القِتالِ. ألا تَرى إلى قِتالِ (p-١٨)رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أهْلَ مَكَّةَ كَيْفَ كانَ سَبَبًا لِإسْلامِهِمْ؛ لِأنَّ الدّاخِلَ في الإسْلامِ قَدْ يَدْخُلُ فِيهِ عَلى بَصِيرَةٍ، وقَدْ يَدْخُلُ عَلى كُرْهٍ واضْطِرارٍ، ثُمَّ قَدْ تَحْسُنُ حالُهُ في الإسْلامِ. ألا تَرى إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي سَرْحٍ كَيْفَ كانَ حالُهُ أوَّلًا في الإسْلامِ، ثُمَّ صارَ أمْرُهُ إلى أحْسَنِ حالٍ وماتَ أحْسَنَ مَيْتَةٍ في السُّجُودِ في صِلاتِهِ، وكانَ مِن خِيارِ الصَّحابَةِ ؟ (واللَّهُ عَلِيمٌ) يَعْلَمُ ما سَيَكُونُ مِثْلَ ما يَعْلَمُ ما قَدْ كانَ، وفي ذَلِكَ تَقْرِيرٌ لِما رَتَّبَ مِن تِلْكَ المَواعِيدِ، وأنَّها كائِنَةٌ لا مَحالَةَ. (حَكِيمٌ) في تَصْرِيفِ عِبادِهِ مِن حالٍ إلى حالٍ عَلى ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ تَعالى. ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تُتْرَكُوا ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكُمْ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، والمَعْنى: أنَّكم لا تُتْرَكُونَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَتَبَيَّنَ الخُلَّصُ مِنكم وهُمُ المُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ لَمْ يَتَّخِذُوا بِطانَةً مَن دُونِ اللَّهِ مِن غَيْرِهِمْ. ﴿ولَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ ولا رَسُولِهِ ولا المُؤْمِنِينَ ولِيجَةً﴾ (ولَمْ يَتَّخِذُوا) مَعْطُوفٌ عَلى (جاهَدُوا) . غَيْرَ مُتَّخِذِينَ ولِيجَةً، والوَلِيجَةُ فَعَيْلَةٌ مِن ولَجَ كالدَّخِيلَةِ مِن دَخَلَ، وهي البِطانَةُ والمُدْخَلُ يُدْخَلُ فِيهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِسْرارِ، شُبِّهَ النِّفاقُ بِهِ. وقالَ قَتادَةُ: الوَلِيجَةُ الخِيانَةُ، وقالَ الضَّحّاكُ: الخَدِيعَةُ، وقالَ عَطاءٌ: الأوْداءُ، وقالَ الحَسَنُ: الكُفْرُ والنِّفاقُ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ شَيْءٍ أدْخَلْتَهُ في شَيْءٍ ولَيْسَ مِنهُ فَهو ولِيجَةٌ، والرَّجُلُ يَكُونُ في القَوْمِ ولَيْسَ مِنهم ولِيجَةٌ، يَكُونُ لِلْواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَمْعِ بِلَفْظٍ واحِدٍ. ولِيجَةُ الرَّجُلِ مَن يَخْتَصُّ بِدَخِيلَةِ أمْرِهِ مِنَ النّاسِ، وجَمْعُها ولائِجُ ووُلُجٌ، كَصَحِيفَةٍ وصَحائِفَ وصُحُفٍ. وقالَ عُبادَةُ بْنُ صَفْوانَ الغَنَوِيُّ: ؎ولائِجُهم في كُلِّ مَبْدًى ومَحْضَرٍ ∗∗∗ إلى كُلِّ مَن يُرْجى ومَن يَتَخَوَّفُ وفِي هَذِهِ الآيَةِ طَعْنٌ عَلى المُنافِقِينَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الوَلائِجَ لا سِيَّما عِنْدَ فَرْضِ القِتالِ، والمَعْنى: لا بُدَّ مِنِ اخْتِبارِكم أيُّها المُؤْمِنُونَ كَقَوْلِهِ: ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢]، ولَمّا كانَ الرَّجُلُ قَدْ يُجاهِدُ وهو مُنافِقٌ نَفى هَذا الوَصْفَ عَنْهُ، فَبَيَّنَ أنَّهُ لا بُدَّ لِلْجِهادِ مِنَ الإخْلاصِ خالِيًا عَنِ النِّفاقِ والرِّياءِ والتَّوَدُّدِ إلى الكُفّارِ. ﴿واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ مُناسَبَةً لِقَوْلِهِ: أمْ حَسِبْتُمْ، وقَرَأ الحَسَنُ، ويَعْقُوبُ في رِوايَةٍ رُوَيْسٍ، وسَلّامٌ بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ التِفاتًا.

التوبة 9:15

﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (p-١٤)الظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى مَن قَبْلَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ المَأْمُورِ بِقَتْلِهِمْ، ويَكُونُ المَعْنى: اشْتَرَوْا بِالقُرْآنِ وما يَدْعُو إلَيْهِ مِنَ الإسْلامِ ثَمَنًا قَلِيلًا، وهو اتِّباعُ الشَّهَواتِ والأهْواءِ لَمّا تَرَكَتْ دِينَ اللَّهِ وآثَرَتِ الكُفْرَ، كانَ ذَلِكَ كالشِّراءِ والبَيْعِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هُمُ الأعْرابُ الَّذِينَ جَمَعَهم أبُو سُفْيانَ عَلى طَعامِهِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: هم قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ، وآياتُ اللَّهِ التَّوْراةُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أهْلُ الطّائِفِ كانُوا يَمُدُّونَ النّاسَ بِالأمْوالِ يَمْنَعُونَهم مِنَ الدُّخُولِ في الإسْلامِ، فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ؛ أيْ صَرَفُوا أنْفُسَهم عَنْ دِينِ اللَّهِ وعَدَلُوا عَنْهُ. والظّاهِرُ أنَّ (ساءَ) هُنا مُحَوَّلَةٌ إلى فِعْلٍ. ومَذْهَبُ بابِها مَذْهَبُ بِئْسَ، ويَجُوزُ إقْرارُها عَلى وصْفِها الأوَّلِ، فَتَكُونُ مُتَعَدِّيَةً؛ أيْ: أنَّهم ساءَهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ، فَحُذِفَ المَفْهُومُ لِفَهْمِ المَعْنى. ﴿لا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إلًّا ولا ذِمَّةً وأُولَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ﴾ هَذا تَنْبِيهٌ عَلى الوَصْفِ المُوجِبِ لِلْعَداوَةِ وهو الإيمانُ، ولَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ﴾ [التوبة: ٨] يُتَوَهَّمُ أنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالمُخاطَبِينَ، نَبَّهَ عَلى عِلَّةِ ذَلِكَ، وأنَّ سَبَبَ المُنافاةِ هو الإيمانُ، (وأُولَئِكَ)؛ أيِ الجامِعُونَ لِتِلْكَ الأوْصافِ الذَّمِيمَةِ (هُمُ المُعْتَدُونَ)؛ المُجاوِزُونَ الحَدَّ في الظُّلْمِ والشَّرِّ ونَقْضِ العَهْدِ. ﴿فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَإخْوانُكم في الدِّينِ﴾ أيْ فَإنْ تابُوا عَنِ الكُفْرِ ونَقْضِ العَهْدِ، والتَزَمُوا أحْكامَ الإسْلامِ فَإخْوانُكم، أيْ: فَهم إخْوانُكم، والإخْوانُ، والإخْوَةُ جَمْعُ أخٍ مِن نَسَبٍ أوْ دِينٍ. ومَن زَعَمَ أنَّ الإخْوَةَ تَكُونُ في النَّسَبِ، والإخْوانَ في الصَّداقَةِ، فَقَدْ غَلَطَ. قالَ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] وقالَ: ﴿أوْ بُيُوتِ إخْوانِكُمْ﴾ [النور: ٦١]، وعَلَّقَ حُصُولَ الأُخُوَّةِ في الدِّينِ عَلى الِالتِباسِ بِمَجْمُوعِ الثَّلاثَةِ، ويَظْهَرُ أنَّ مَفْهُومَ الشَّرْطِ غَيْرُ مُرادٍ. ﴿ونُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ نُبَيِّنُها ونُوَضِّحُها. وهَذِهِ الجُمْلَةُ اعْتِراضٌ بَيْنَ الشَّرْطَيْنِ، بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تابُوا﴾، وقَوْلِهِ: (وإنْ نَكَثُوا)، بَعْثًا وتَحْرِيضًا عَلى تَأمُّلِ ما فَصَّلَ تَعالى مِنَ الأحْكامِ، وقالَ: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾؛ لِأنَّهُ لا يَتَأمَّلُ تَفْصِيلَها إلّا مَن كانَ مِن أهْلِ العِلْمِ والفَهْمِ. ﴿وإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِكم فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ إنَّهم لا أيْمانَ لَهم لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ أيْ: وإنْ نَقَضُوا أقْسامَهم مِن بَعْدَما تَعاهَدُوا وتَحالَفُوا عَلى أنْ لا يَنْكُثُوا. (وطَعَنُوا): أيْ عابُوهُ وثَلَبُوهُ واسْتَنْقَصُوهُ، والطَّعْنُ هُنا مَجازٌ، وأصْلُهُ الإصابَةُ بِالرُّمْحِ أوِ العُودِ وشَبَهِهِ، وهو هُنا بِمَعْنى العَيْبِ كَما جاءَ في حَدِيثِ إمارَةِ أُسامَةَ: «إنْ تَطْعَنُوا في إمارَتِهِ فَقَدْ طَعَنْتُمْ في إمارَةِ أبِيهِ مِن قَبْلُ»؛ أيْ عِبْتُمُوها واسْتَنْقَصْتُمُوها. والظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّرْدِيدَ في الشَّرْطَيْنِ هو في حَقِّ الكُفّارِ أصْلًا؛ لِأنَّ مَن أسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ؛ أيْ رُؤَساءَ الكُفْرِ وزُعَماءَهُ. والمَعْنى: فَقاتِلُوا الكُفّارَ، وخَصَّ الأئِمَّةَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ يُحَرِّضُونَ الأتْباعَ عَلى البَقاءِ عَلى الكُفْرِ. وقالَ الكَرْمانِيُّ: كُلُّ كافِرٍ إمّامُ نَفْسِهِ، فالمَعْنى: فَقاتِلُوا كُلَّ كافِرٍ. وقِيلَ: مَن أقْدَمَ عَلى نَكْثِ العَهْدِ والطَّعْنِ في الدِّينِ صارَ رَأْسًا في الكُفْرِ، فَهو مِن أئِمَّةِ الكُفْرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أئِمَّةُ الكُفْرِ زُعَماءُ قُرَيْشٍ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: هو بَعِيدٌ؛ لِأنَّ الآيَةَ في سُورَةِ (بَراءَةٌ)، وحِينَ نَزَلَتْ كانَ اللَّهُ قَدِ اسْتَأْصَلَ شَأْفَةَ قُرَيْشٍ ولَمْ يَبْقَ مِنهم إلّا مُسْلِمٌ أوْ مُسالِمٌ. وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ وعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وغَيْرُهم، وهَذا ضَعِيفٌ إنْ لَمْ يُؤْخَذْ عَلى جِهَةِ المِثالِ؛ لِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ بَدْرٍ بِكَثِيرٍ. ورُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ أنَّهُ قالَ: لَمْ يَجِئْ هَؤُلاءِ بَعْدُ، يُرِيدُ لَمْ يَنْقَرِضُوا، فَهم يَجِيئُونَ أبَدًا ويُقاتِلُونَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أصْوَبُ ما في هَذا أنْ يُقالَ: إنَّهُ لا يُعْنى بِها مُعَيَّنٌ، وإنَّما دَفَعَ الأمْرَ بِقِتالِ أئِمَّةِ النّاكِثِينَ العُهُودَ مِنَ الكَفَرَةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ دُونَ تَعْيِينٍ، واقْتَضَتْ حالُ كُفّارِ العَرَبِ ومُحارِبِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنْ يَكُونَ الإشارَةُ إلَيْهِمْ أوَّلًا بِقَوْلِهِ: (أئِمَّةَ الكُفْرِ)، وهم حَصَلُوا حِينَئِذٍ تَحْتَ اللَّفْظَةِ؛ إذِ الَّذِي يَتَوَلّى قِتالَ النَّبِيِّ صَلّى (p-١٥)اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ والدَّفْعَ في صَدْرِ شَرِيعَتِهِ هو إمامُ كُلِّ مَن يَكْفُرُ بِذَلِكَ الشَّرْعِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ يَأْتِي في كُلِّ جِيلٍ مِنَ الكُفّارِ أئِمَّةٌ خاصَّةٌ بِجِيلٍ جِيلٍ انْتَهى. وقِيلَ: المُرادُ بِالعَهْدِ الإسْلامُ، فَمَعْناهُ كَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ. ولِذَلِكَ قَرَأ بَعْضُهم: وإنْ نَكَثُوا إيمانَهم بِالكَسْرِ، وهو قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ، قالَ: ﴿فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾: فَقاتِلُوهم، فَوَضَعَ أئِمَّةَ الكُفْرِ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ، إشْعارًا بِأنَّهم إذا نَكَثُوا في حالَةِ الشِّرْكِ تَمَرُّدًا وطُغْيانًا وطَرْحًا لِعاداتِ الكِرامِ الأوْفِياءِ مِنَ العَرَبِ، ثُمَّ آمَنُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ وصارُوا إخْوانًا لِلْمُسْلِمِينَ في الدِّينِ، ثُمَّ رَجَعُوا فارْتَدُّوا عَنِ الإسْلامِ ونَكَثُوا ما بايَعُوا عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ والوَفاءِ بِالعَهْدِ، وقَعَدُوا يَطْعَنُونَ في دِينِ اللَّهِ تَعالى، ويَقُولُونَ لَيْسَ دِينُ مُحَمَّدٍ بِشَيْءٍ، فَهم أئِمَّةُ الكُفْرِ وذَوُو الرِّئاسَةِ والتَّقَدُّمِ فِيهِ، لا يَشُقُّ كافِرٌ غُبارَهم. والمَشْهُورُ مِن مَذْهَب مالِكٍ أنَّ الذِّمِّيَّ إذا طَعَنَ في الدِّينِ فَفَعَلَ شَيْئًا مِثْلَ تَكْذِيبِ الشَّرِيعَةِ والسَّبِّ لِلنَّبِيِّ ﷺ ونَحْوَهُ قُتِلَ. وقِيلَ: إنْ أعْلَنَ بِشَيْءٍ مِمّا هو مَعْهُودٌ مِن مُعْتَقَدِهِ وكُفْرِهِ أُدِّبَ عَلى الإعْلانِ وتُرِكَ، وإنْ كَفَرَ بِما هو لَيْسَ مِن مُعْتَقَدِهِ كالسَّبِّ ونَحْوِهِ قُتِلَ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يُسْتَتابُ، واخْتُلِفَ إذا سَبَّ الذِّمِّيُّ ثُمَّ أسْلَمَ تَقِيَّةَ القَتْلِ: فالمَشْهُورُ مِن مَذْهَبِ مالِكٍ أنَّهُ يُتْرَكُ؛ لِأنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ، وفي العُتْبِيَّةِ أنَّهُ يُقْتَلُ، ولا يَكُونُ أحْسَنَ حالًا مِنَ المُسْلِمِ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو: بِإبْدالِ الهَمْزَةِ الثّانِيَةِ ياءً، ورُوِيَ عَنْ نافِعٍ مَدُّ الهَمْزَةِ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ وابْنُ أبِي أُوَيْسٍ عَنْ نافِعٍ: بِهَمْزَتَيْنِ، وأدْخَلَ هِشامٌ بَيْنَهُما ألِفًا، وأصْلُهُ أأْمِمَةٌ عَلى وزْنِ ”أفْعِلَةٌ“، جَمْعُ إمامٍ، أدْغَمُوا المِيمَ في المِيمِ فَنُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى الهَمْزَةِ قَبْلَها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتُ: كَيْفَ لَفْظُ أئِمَّةٍ ؟ قُلْتُ: هَمْزَةٌ بَعْدَها هَمْزَةٌ بَيْنَ بَيْنَ؛ أيْ بَيْنَ مَخْرَجِ الهَمْزَةِ والياءِ. وتَحْقِيقُ الهَمْزِ هي قِراءَةٌ مَشْهُورَةٌ، وإنْ لَمْ تَكُنْ مَقْبُولَةً عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، وأمّا التَّصْرِيحُ بِالياءِ فَلَيْسَ بِقِراءَةٍ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ. ومَن صَرَّحَ بِها فَهو لاحِنٌ مُحَرِّفٌ انْتَهى. وذَلِكَ دَأْبُهُ في تَلْحِينِ المُقْرِئِينَ. وكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ لَحْنًا وقَدْ قَرَأ بِهِ رَأْسُ البَصْرِيِّينَ النُّحاةِ: أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ، وقارِئُ مَكَّةَ ابْنُ كَثِيرٍ، وقارِئُ مَدِينَةِ الرَّسُولِ نافِعٌ، ونَفى إيمانَهم لَمّا لَمْ يَثْبُتُوا عَلَيْها ولا وفَّوْا بِها جُعِلُوا لا أيْمانَ لَهم، أوْ يَكُونُ عَلى حَذْفِ الوَصْفِ أيْ: لا أيْمانَ لَهم يُوَفُّونَ بِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعَطاءٌ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ عامِرٍ: لا إيمانَ لَهم أيْ لا إسْلامَ ولا تَصْدِيقَ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا غَيْرُ قَوِيٍّ؛ لِأنَّهُ تَكْرارٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ وصَفَ أئِمَّةَ الكُفْرِ بِأنَّهم لا إيمانَ لَهم، فالوَجْهُ في كَسْرِ الألِفِ أنَّهُ مَصْدَرُ أمَنَهُ إيمانًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤] فالمَعْنى أنَّهم لا يُؤَمِّنُونَ أهْلَ الذِّمَّةِ، إذِ المُشْرِكُونَ لَمْ يَكُنْ لَهم إلّا الإسْلامُ أوِ السَّيْفُ. قالَ أبُو حاتِمٍ: فَسَّرَ الحَسَنُ قِراءَتَهُ لا إسْلامَ لَهُمُ انْتَهى. وكَذا تَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، فَقالَ: وقُرِئَ لا إيمانَ لَهم، أيْ لا إسْلامَ لَهم، ولا يُعْطَوْنَ الأمانَ بَعْدَ الرِّدَّةِ والنَّكْثِ، ولا سَبِيلَ إلَيْهِ. وبِقِراءَةِ الفَتْحِ اسْتَشْهَدَ أبُو حَنِيفَةَ عَلى أنَّ يَمِينَ الكافِرِ لا يَكُونُ يَمِينًا، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ يَمِينُهم يَمِينٌ، وقالَ: مَعْناهُ أنَّهم لا يُوَفُّونَ بِها بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى وصَفَها بِالنَّكْثِ. ﴿لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾؛ أيْ لِيَكُنْ غَرَضُكم في مُقاتَلَتِهِمْ بَعْدَما وُجِدَ مِنهم مَنِ العَظائِمِ ما وُجِدَ انْتِهاءَهم عَمّا هم فِيهِ، وهَذا مِن كَرَمِهِ سُبْحانَهُ وفَضْلِهِ وعَوْدِهِ عَلى المُسِيءِ بِالرَّحْمَةِ. ﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أيْمانَهم وهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ وهم بَدَءُوكم أوَّلَ مَرَّةٍ أتَخْشَوْنَهم فاللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (p-١٦)(ألا) حَرْفُ عَرْضٍ، ومَعْناهُ هُنا الحَضُّ عَلى قِتالِهِمْ. وزَعَمُوا أنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ ولا النّافِيَةِ، فَصارَ فِيها مَعْنى التَّخْصِيصِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: دَخَلَتِ الهَمْزَةُ عَلى تَقْرِيرٍ عَلى انْتِفاءِ المُقاتَلَةِ، ومَعْناها: الحَضُّ عَلَيْها عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ. ولَمّا أمَرَ تَعالى بِقَتْلِ أهْلِ الكُفْرِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِالسَّبَبِ الَّذِي يَبْعَثُ عَلى مُقاتَلَتِهِمْ وهو ثَلاثَةُ أشْياءَ جَمَعُوها، وكُلُّ واحِدٍ مِنها عَلى انْفِرادِهِ كافٍ في الحَضِّ عَلى مُقاتَلَتِهِمْ. ومَعْنى نَكَثُوا أيْمانَهم: نَقَضَ العَهْدَ. قالَ السُّدِّيُّ، وابْنُ إسْحاقَ، والكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في كُفّارِ مَكَّةَ، نَكَثُوا أيْمانَهم بَعْدَ عَهْدِ الحُدَيْبِيَةَ، وأعانُوا بَنِي بَكْرٍ عَلى خُزاعَةَ انْتَهى. وهَمُّهم هو هَمُّ قُرَيْشٍ بِإخْراجِ الرَّسُولِ مِن مَكَّةَ حِينَ تَشاوَرُوا بِدارِ النَّدْوَةِ، فَأذِنَ اللَّهُ في الهِجْرَةِ، فَخَرَجَ بِنَفْسِهِ، أوْ بَنُو بَكْرٍ بِإخْراجِهِ مِنَ المَدِينَةِ لِما أقْدَمُوا عَلَيْهِ مِنَ المُشاوَرَةِ والِاجْتِماعِ، أوِ اليَهُودُ هَمُّوا بِغَدْرِ الرَّسُولِ ﷺ ونَقَضُوا عَهْدَهُ، وأعانُوا المُنافِقِينَ عَلى إخْراجِهِ مِنَ المَدِينَةِ، ثَلاثَةُ أقْوالٍ أوَّلُها لِلسُّدِّيِّ. وقالَ الحَسَنُ: مِنَ المَدِينَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا مُسْتَقِيمٌ لِغَزْوَةِ أُحُدٍ والأحْزابِ وغَيْرِهِما، وهُمُ الَّذِينَ كانَتْ مِنهُمُ البُداءَةُ بِالمُقاتَلَةِ؛ لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جاءَهم أوَّلًا بِالكِتابِ المُبِينِ وتَحَدّاهم بِهِ، فَعَدَلُوا عَنِ المُعارَضَةِ لِعَجْزِهِمْ عَنْها إلى القِتالِ، فَهُمُ البادِئُونَ، والبادِئُ أظْلَمُ، فَما يَمْنَعُكم مِن أنْ تُقاتِلُوهم بِمِثْلِهِ؛ تَصْدِمُونَهم بِالشَّرِّ كَما صَدَمُوكم ؟ وبَّخَهم بِتَرْكِ مُقاتَلَتِهِمْ، وحَضَّهم عَلَيْها، ثُمَّ وصَفَهم بِما يُوجِبُ الحَضَّ عَلَيْها. وتَقَرَّرَ أنَّ مَن كانَ في مِثْلِ صِفاتِهِمْ مِن نَكْثِ العُهُودِ وإخْراجِ الرَّسُولِ والبَدْءِ بِالقِتالِ مِن غَيْرِ مُوجِبٍ حَقِيقٌ بِأنْ لا تُتْرَكَ مُصادَمَتُهُ، وأنْ يُوَبَّخَ مَن فَرَّطَ فِيها، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهو تَكْثِيرٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (أوَّلَ مَرَّةٍ)، قِيلَ: يُرِيدُ أفْعالَهم بِمَكَّةَ بِالنَّبِيِّ ﷺ وبِالمُؤْمِنِينَ. وقالَ مُجاهِدٌ: ما بَدَأتْ بِهِ قُرَيْشٌ مِن مَعُونَةِ بَنِي بَكْرٍ حُلَفائَهم عَلى خُزاعَةَ حُلَفاءِ النَّبِيِّ، فَكانَ هَذا بَدْءَ النَّقْضِ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: يَعْنِي فِعْلَهم يَوْمَ بَدْرٍ انْتَهى. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بَدَوْكم بِغَيْرِ هَمْزٍ، ووَجْهُهُ أنَّهُ سَهَّلَ الهَمْزَةَ مِن بَدَأْتُ، بِإبْدالِها ياءً، كَما قالُوا في قَرَأْتُ: قَرَيْتُ، فَصارَ كَرَمَيْتُ. فَلَمّا أُسْنِدَ الفِعْلُ إلى واوِ الضَّمِيرِ سَقَطَتْ، فَصارَ بَدَوْكم، كَما تَقُولُ: رَمَوْكم. (أتَخْشَوْنَهم) تَقْرِيرٌ لِلْخَشْيَةِ مِنهم، وتَوْبِيخٌ عَلَيْها. ﴿فاللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ﴾ فَتَقْتُلُوا أعْداءَهُ. ولَفْظُ الجَلالَةِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ (أحَقُّ)، و(أنْ تَخْشَوْهُ) بَدَلٌ مِنَ اللَّهِ؛ أيْ: وخَشْيَةُ اللَّهِ أحَقُّ مِن خَشْيَتِهِمْ، (وأنْ تَخْشَوْهُ) في مَوْضِعِ رَفْعٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ أوْ جَرٍّ عَلى الخِلافِ إذا حُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ، وتَقْدِيرُهُ: بِأنْ تَخْشَوْهُ؛ أيْ أحَقُّ مِن غَيْرِهِ بِأنْ تَخْشَوْهُ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ (أنْ تَخْشَوْهُ) مُبْتَدَأً، وأحَقُّ خَبَرُهُ قُدِّمَ عَلَيْهِ. وأجازَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ (أحَقُّ) مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ (أنْ تَخْشَوْهُ)، والجُمْلَةُ خَبَرٌ عَنِ الأوَّلِ. وحَسُنَ الِابْتِداءُ بِالنَّكِرَةِ؛ لِأنَّها أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، وقَدْ أجازَ سِيبَوَيْهِ أنْ تَكُونَ المَعْرِفَةُ خَبَرًا لِلنَّكِرَةِ في نَحْوِ: اقْصِدْ رَجُلًا خَيْرٌ مِنهُ أبُوهُ. ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ كامِلِي الإيمانِ؛ لِأنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنَّ قَضِيَّةَ الإيمانِ الصَّحِيحِ أنْ لا يَخْشى المُؤْمِنُ إلّا رَبَّهُ ولا يُبالِي بِمَن سِواهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٣٩] . ﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكم ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ويُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن يَشاءُ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ قَرَّرَتِ الآياتُ قَبْلَ هَذا أفْعالَ (p-١٧)الكَفَرَةِ المُقْتَضِيَةَ لِقِتالِهِمْ، والحَضَّ عَلى القِتالِ، وحَرُمَ الأمْرُ بِالقِتالِ في هَذِهِ، وتَعْذِيبُهم بِأيْدِي المُؤْمِنِينَ هو في الدُّنْيا بِالقَتْلِ والأسْرِ والنَّهْبِ، وهَذِهِ وُعُودٌ ثَبَّتَتْ قُلُوبَهم وصَحَّحَتْ نِيّاتِهِمْ، وخِزْيُهم هو إهانَتُهم وذُلُّهم، (ويَنْصُرْكم) يُظْفِرُكم بِهِمْ، وشِفاءُ الصُّدُورِ بِإعْلاءِ دِينِ اللَّهِ وتَعْذِيبِ الكُفّارِ وخِزْيِهِمْ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ونَشْفِ بِالنُّونِ عَلى الِالتِفاتِ، وجاءَ التَّرْكِيبُ (صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ) لِيَشْمَلَ المُخاطَبِينَ وكُلَّ مُؤْمِنٍ؛ لِأنَّ ما يُصِيبُ أهْلَ الكُفْرِ مِنَ العَذابِ والخِزْيِ هو شِفاءٌ لِصَدْرِ كُلِّ مُؤْمِنٍ. وقِيلَ: المُرادُ قَوْمٌ مُعَيَّنُونَ، «قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم بُطُونٌ مِنَ اليَمَنِ وسَبَأٍ قَدِمُوا مَكَّةَ فَأسْلَمُوا، فَلَقُوا مِن أهْلِها أذًى شَدِيدًا، فَبَعَثُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ يَشْكُونَ إلَيْهِ فَقالَ: ”أبْشِرُوا فَإنَّ الفَرَجَ قَرِيبٌ“» وقالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: هم خُزاعَةُ. ووَجْهُ تَخْصِيصِهِمْ أنَّهم هُمُ الَّذِينَ نُقِضَ فِيهِمُ العَهْدُ ونالَتْهُمُ الحَرْبُ، وكانَ يَوْمَئِذٍ في خُزاعَةَ مُؤْمِنُونَ كَثِيرٌ. ألا تَرى إلى قَوْلِ الخُزاعِيِّ المُسْتَنْصِرِ بِالنَّبِيِّ ﷺ: ؎ثَمَّتَ أسْلَمْنا فَلَمْ نَنْزِعْ يَدا وفِي آخِرِ الرَّجَزِ: ؎وقَتَلُونا رُكَّعًا وسُجَّدا وإذْهابُ الغَيْظِ بِما نالَ الكُفّارَ مِنَ المَكْرُوهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ كالتَّأْكِيدِ لِلَّتِي قَبْلَها؛ لِأنَّ شِفاءَ الصَّدْرِ مِن آلَةِ الغَيْظِ هو إذْهابُ الغَيْظِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: (ويَذْهَبُ) فِعْلًا لازِمًا (غَيْظُ) فاعِلٌ بِهِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ رَفَعَ الباءَ. وهَذِهِ المَواعِيدُ كُلُّها وُجِدَتْ، فَكانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ وصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، وبُدِئَ أوَّلًا فِيها بِما تَسَبَّبَ عَنِ النَّصْرِ، وهو تَعْذِيبُ اللَّهِ الكُفّارَ، وبِأيْدِي المُؤْمِنِينَ وإخْزاؤُهم، إذا كانَتِ البُداءَةُ بِما يَنالُ الكُفّارَ مِنَ الشَّرِّ هي الَّتِي يُسَرُّ بِها المُؤْمِنُونَ، ثُمَّ ذَكَرَ ما السَّبَبُ؛ وهو نَصْرُ اللَّهِ المُؤْمِنِينَ عَلى الكافِرِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ ما تَسَبَّبَ أيْضًا عَنِ النَّصْرِ مِن شِفاءِ صُدُورِ المُؤْمِنِينَ وإذْهابِ غَيْظِهِمْ تَتْمِيمًا لِلنِّعَمِ، فَذَكَرَ ما تَسَبَّبَ عَنِ النَّصْرِ بِالنِّسْبَةِ لِلْكُفّارِ، وذَكَرَ ما تَسَبَّبَ لِلْمُسْلِمِينَ مِنَ الفَرَحِ والسُّرُورِ بِإدْراكِ الثَّأْرِ، ولَمْ يَذْكُرْ ما نالُوهُ مِنَ المَغانِمِ والمَطاعِمِ، إذِ العَرَبُ قَوْمٌ جُبِلُوا عَلى الحَمِيَّةِ والأنَفَةِ، فَرَغْبَتُهم في إدْراكِ الثَّأْرِ وقَتْلِ الأعْداءِ هي اللّائِقَةُ بِطِباعِهِمْ. ؎إنَّ الأُسُودَ أُسُودَ الغابِ هِمَّتُها ∗∗∗ يَوْمَ الكَرِيهَةِ في المَسْلُوبِ لا السَّلَبِ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ويَتُوبُ اللَّهُ رَفْعًا، وهو اسْتِئْنافُ إخْبارٍ بِأنَّ بَعْضَ أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ يَتُوبُ عَنْ كُفْرِهِ، وكانَ ذَلِكَ عالَمٌ كَثِيرُونَ وحَسُنَ إسْلامُهم. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ وأبُو الفَتْحِ: وهَذا أمْرٌ مَوْجُودٌ سَواءٌ قُوتِلُوا أوْ لَمْ يُقاتَلُوا، فَلا وجْهَ لِإدْخالِ اليَوْمَ في جَوابِ الشَّرْطِ الَّذِي في (قاتِلُوهم) انْتَهى. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والأعْرَجُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى الثَّقَفِيُّ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وعُمَرُ بْنُ قائِدٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ فِيما رُوِيَ عَنْهُما: ويَتُوبَ اللَّهُ بِنَصْبِ الباءِ، جَعَلَهُ داخِلًا في جَوابِ الأمْرِ مِن طَرِيقِ المَعْنى. قِيلَ: ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ التَّوْبَةُ داخِلَةً في الجَزاءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَتَوَجَّهُ ذَلِكَ عِنْدِي إذا ذُهِبَ إلى أنَّ التَّوْبَةَ يُرادُ بِها أنَّ قَتْلَ الكافِرِينَ والجِهادَ في سَبِيلِ اللَّهِ هو تَوْبَةٌ لَكم أيُّها المُؤْمِنُونَ وكَمالٌ لِإيمانِكم، فَتَدْخُلُ التَّوْبَةُ عَلى هَذا في شَرْطِ القِتالِ. وقالَ غَيْرُهُ: لَمّا أمَرَهم بِالمُقاتَلَةِ شَقَّ ذَلِكَ عَلى بَعْضِهِمْ، فَإذا أقْدَمُوا عَلى المُقاتَلَةِ صارَ ذَلِكَ العَمَلُ جارِيًا مَجْرى التَّوْبَةِ مِن تِلْكَ الكَراهَةِ. وقِيلَ: حُصُولُ الكُفْرِ وكَثْرَةُ الأمْوالِ لَذَّةٌ تُطْلَبُ بِطَرِيقٍ حَرامٍ، فَلَمّا حَصَلَتْ لَهم طَرِيقٌ حَلالٌ كانَ ذَلِكَ داعِيًا لَهم إلى التَّوْبَةِ مِمّا تَقَدَّمَ، فَصارَتِ التَّوْبَةُ مُتَعَلِّقَةً بِتِلْكَ المُقاتَلَةِ انْتَهى. وهَذا الَّذِي قَرَّرُوهُ مِن كَوْنِ التَّوْبَةِ تَدْخُلُ تَحْتَ جَوابِ الأمْرِ هو بِالنِّسْبَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أُمِرُوا بِقِتالِ الكُفّارِ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى الكُفّارِ، فالمَعْنى عَلى مَن يَشاءُ مِنَ الكُفّارِ، وذَلِكَ أنَّ قِتالَ الكُفّارِ وغَلَبَةَ المُسْلِمِينَ إيّاهم قَدْ يَنْشَأُ عَنْها إسْلامُ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهم رَغْبَةٌ في الإسْلامِ، ولا داعِيَةٌ قَبْلَ القِتالِ. ألا تَرى إلى قِتالِ (p-١٨)رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أهْلَ مَكَّةَ كَيْفَ كانَ سَبَبًا لِإسْلامِهِمْ؛ لِأنَّ الدّاخِلَ في الإسْلامِ قَدْ يَدْخُلُ فِيهِ عَلى بَصِيرَةٍ، وقَدْ يَدْخُلُ عَلى كُرْهٍ واضْطِرارٍ، ثُمَّ قَدْ تَحْسُنُ حالُهُ في الإسْلامِ. ألا تَرى إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي سَرْحٍ كَيْفَ كانَ حالُهُ أوَّلًا في الإسْلامِ، ثُمَّ صارَ أمْرُهُ إلى أحْسَنِ حالٍ وماتَ أحْسَنَ مَيْتَةٍ في السُّجُودِ في صِلاتِهِ، وكانَ مِن خِيارِ الصَّحابَةِ ؟ (واللَّهُ عَلِيمٌ) يَعْلَمُ ما سَيَكُونُ مِثْلَ ما يَعْلَمُ ما قَدْ كانَ، وفي ذَلِكَ تَقْرِيرٌ لِما رَتَّبَ مِن تِلْكَ المَواعِيدِ، وأنَّها كائِنَةٌ لا مَحالَةَ. (حَكِيمٌ) في تَصْرِيفِ عِبادِهِ مِن حالٍ إلى حالٍ عَلى ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ تَعالى. ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تُتْرَكُوا ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكُمْ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، والمَعْنى: أنَّكم لا تُتْرَكُونَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَتَبَيَّنَ الخُلَّصُ مِنكم وهُمُ المُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ لَمْ يَتَّخِذُوا بِطانَةً مَن دُونِ اللَّهِ مِن غَيْرِهِمْ. ﴿ولَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ ولا رَسُولِهِ ولا المُؤْمِنِينَ ولِيجَةً﴾ (ولَمْ يَتَّخِذُوا) مَعْطُوفٌ عَلى (جاهَدُوا) . غَيْرَ مُتَّخِذِينَ ولِيجَةً، والوَلِيجَةُ فَعَيْلَةٌ مِن ولَجَ كالدَّخِيلَةِ مِن دَخَلَ، وهي البِطانَةُ والمُدْخَلُ يُدْخَلُ فِيهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِسْرارِ، شُبِّهَ النِّفاقُ بِهِ. وقالَ قَتادَةُ: الوَلِيجَةُ الخِيانَةُ، وقالَ الضَّحّاكُ: الخَدِيعَةُ، وقالَ عَطاءٌ: الأوْداءُ، وقالَ الحَسَنُ: الكُفْرُ والنِّفاقُ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ شَيْءٍ أدْخَلْتَهُ في شَيْءٍ ولَيْسَ مِنهُ فَهو ولِيجَةٌ، والرَّجُلُ يَكُونُ في القَوْمِ ولَيْسَ مِنهم ولِيجَةٌ، يَكُونُ لِلْواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَمْعِ بِلَفْظٍ واحِدٍ. ولِيجَةُ الرَّجُلِ مَن يَخْتَصُّ بِدَخِيلَةِ أمْرِهِ مِنَ النّاسِ، وجَمْعُها ولائِجُ ووُلُجٌ، كَصَحِيفَةٍ وصَحائِفَ وصُحُفٍ. وقالَ عُبادَةُ بْنُ صَفْوانَ الغَنَوِيُّ: ؎ولائِجُهم في كُلِّ مَبْدًى ومَحْضَرٍ ∗∗∗ إلى كُلِّ مَن يُرْجى ومَن يَتَخَوَّفُ وفِي هَذِهِ الآيَةِ طَعْنٌ عَلى المُنافِقِينَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الوَلائِجَ لا سِيَّما عِنْدَ فَرْضِ القِتالِ، والمَعْنى: لا بُدَّ مِنِ اخْتِبارِكم أيُّها المُؤْمِنُونَ كَقَوْلِهِ: ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢]، ولَمّا كانَ الرَّجُلُ قَدْ يُجاهِدُ وهو مُنافِقٌ نَفى هَذا الوَصْفَ عَنْهُ، فَبَيَّنَ أنَّهُ لا بُدَّ لِلْجِهادِ مِنَ الإخْلاصِ خالِيًا عَنِ النِّفاقِ والرِّياءِ والتَّوَدُّدِ إلى الكُفّارِ. ﴿واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ مُناسَبَةً لِقَوْلِهِ: أمْ حَسِبْتُمْ، وقَرَأ الحَسَنُ، ويَعْقُوبُ في رِوايَةٍ رُوَيْسٍ، وسَلّامٌ بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ التِفاتًا.

التوبة 9:16

﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (p-١٤)الظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى مَن قَبْلَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ المَأْمُورِ بِقَتْلِهِمْ، ويَكُونُ المَعْنى: اشْتَرَوْا بِالقُرْآنِ وما يَدْعُو إلَيْهِ مِنَ الإسْلامِ ثَمَنًا قَلِيلًا، وهو اتِّباعُ الشَّهَواتِ والأهْواءِ لَمّا تَرَكَتْ دِينَ اللَّهِ وآثَرَتِ الكُفْرَ، كانَ ذَلِكَ كالشِّراءِ والبَيْعِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هُمُ الأعْرابُ الَّذِينَ جَمَعَهم أبُو سُفْيانَ عَلى طَعامِهِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: هم قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ، وآياتُ اللَّهِ التَّوْراةُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أهْلُ الطّائِفِ كانُوا يَمُدُّونَ النّاسَ بِالأمْوالِ يَمْنَعُونَهم مِنَ الدُّخُولِ في الإسْلامِ، فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ؛ أيْ صَرَفُوا أنْفُسَهم عَنْ دِينِ اللَّهِ وعَدَلُوا عَنْهُ. والظّاهِرُ أنَّ (ساءَ) هُنا مُحَوَّلَةٌ إلى فِعْلٍ. ومَذْهَبُ بابِها مَذْهَبُ بِئْسَ، ويَجُوزُ إقْرارُها عَلى وصْفِها الأوَّلِ، فَتَكُونُ مُتَعَدِّيَةً؛ أيْ: أنَّهم ساءَهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ، فَحُذِفَ المَفْهُومُ لِفَهْمِ المَعْنى. ﴿لا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إلًّا ولا ذِمَّةً وأُولَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ﴾ هَذا تَنْبِيهٌ عَلى الوَصْفِ المُوجِبِ لِلْعَداوَةِ وهو الإيمانُ، ولَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ﴾ [التوبة: ٨] يُتَوَهَّمُ أنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالمُخاطَبِينَ، نَبَّهَ عَلى عِلَّةِ ذَلِكَ، وأنَّ سَبَبَ المُنافاةِ هو الإيمانُ، (وأُولَئِكَ)؛ أيِ الجامِعُونَ لِتِلْكَ الأوْصافِ الذَّمِيمَةِ (هُمُ المُعْتَدُونَ)؛ المُجاوِزُونَ الحَدَّ في الظُّلْمِ والشَّرِّ ونَقْضِ العَهْدِ. ﴿فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَإخْوانُكم في الدِّينِ﴾ أيْ فَإنْ تابُوا عَنِ الكُفْرِ ونَقْضِ العَهْدِ، والتَزَمُوا أحْكامَ الإسْلامِ فَإخْوانُكم، أيْ: فَهم إخْوانُكم، والإخْوانُ، والإخْوَةُ جَمْعُ أخٍ مِن نَسَبٍ أوْ دِينٍ. ومَن زَعَمَ أنَّ الإخْوَةَ تَكُونُ في النَّسَبِ، والإخْوانَ في الصَّداقَةِ، فَقَدْ غَلَطَ. قالَ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] وقالَ: ﴿أوْ بُيُوتِ إخْوانِكُمْ﴾ [النور: ٦١]، وعَلَّقَ حُصُولَ الأُخُوَّةِ في الدِّينِ عَلى الِالتِباسِ بِمَجْمُوعِ الثَّلاثَةِ، ويَظْهَرُ أنَّ مَفْهُومَ الشَّرْطِ غَيْرُ مُرادٍ. ﴿ونُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ نُبَيِّنُها ونُوَضِّحُها. وهَذِهِ الجُمْلَةُ اعْتِراضٌ بَيْنَ الشَّرْطَيْنِ، بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تابُوا﴾، وقَوْلِهِ: (وإنْ نَكَثُوا)، بَعْثًا وتَحْرِيضًا عَلى تَأمُّلِ ما فَصَّلَ تَعالى مِنَ الأحْكامِ، وقالَ: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾؛ لِأنَّهُ لا يَتَأمَّلُ تَفْصِيلَها إلّا مَن كانَ مِن أهْلِ العِلْمِ والفَهْمِ. ﴿وإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِكم فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ إنَّهم لا أيْمانَ لَهم لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ أيْ: وإنْ نَقَضُوا أقْسامَهم مِن بَعْدَما تَعاهَدُوا وتَحالَفُوا عَلى أنْ لا يَنْكُثُوا. (وطَعَنُوا): أيْ عابُوهُ وثَلَبُوهُ واسْتَنْقَصُوهُ، والطَّعْنُ هُنا مَجازٌ، وأصْلُهُ الإصابَةُ بِالرُّمْحِ أوِ العُودِ وشَبَهِهِ، وهو هُنا بِمَعْنى العَيْبِ كَما جاءَ في حَدِيثِ إمارَةِ أُسامَةَ: «إنْ تَطْعَنُوا في إمارَتِهِ فَقَدْ طَعَنْتُمْ في إمارَةِ أبِيهِ مِن قَبْلُ»؛ أيْ عِبْتُمُوها واسْتَنْقَصْتُمُوها. والظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّرْدِيدَ في الشَّرْطَيْنِ هو في حَقِّ الكُفّارِ أصْلًا؛ لِأنَّ مَن أسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ؛ أيْ رُؤَساءَ الكُفْرِ وزُعَماءَهُ. والمَعْنى: فَقاتِلُوا الكُفّارَ، وخَصَّ الأئِمَّةَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ يُحَرِّضُونَ الأتْباعَ عَلى البَقاءِ عَلى الكُفْرِ. وقالَ الكَرْمانِيُّ: كُلُّ كافِرٍ إمّامُ نَفْسِهِ، فالمَعْنى: فَقاتِلُوا كُلَّ كافِرٍ. وقِيلَ: مَن أقْدَمَ عَلى نَكْثِ العَهْدِ والطَّعْنِ في الدِّينِ صارَ رَأْسًا في الكُفْرِ، فَهو مِن أئِمَّةِ الكُفْرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أئِمَّةُ الكُفْرِ زُعَماءُ قُرَيْشٍ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: هو بَعِيدٌ؛ لِأنَّ الآيَةَ في سُورَةِ (بَراءَةٌ)، وحِينَ نَزَلَتْ كانَ اللَّهُ قَدِ اسْتَأْصَلَ شَأْفَةَ قُرَيْشٍ ولَمْ يَبْقَ مِنهم إلّا مُسْلِمٌ أوْ مُسالِمٌ. وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ وعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وغَيْرُهم، وهَذا ضَعِيفٌ إنْ لَمْ يُؤْخَذْ عَلى جِهَةِ المِثالِ؛ لِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ بَدْرٍ بِكَثِيرٍ. ورُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ أنَّهُ قالَ: لَمْ يَجِئْ هَؤُلاءِ بَعْدُ، يُرِيدُ لَمْ يَنْقَرِضُوا، فَهم يَجِيئُونَ أبَدًا ويُقاتِلُونَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أصْوَبُ ما في هَذا أنْ يُقالَ: إنَّهُ لا يُعْنى بِها مُعَيَّنٌ، وإنَّما دَفَعَ الأمْرَ بِقِتالِ أئِمَّةِ النّاكِثِينَ العُهُودَ مِنَ الكَفَرَةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ دُونَ تَعْيِينٍ، واقْتَضَتْ حالُ كُفّارِ العَرَبِ ومُحارِبِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنْ يَكُونَ الإشارَةُ إلَيْهِمْ أوَّلًا بِقَوْلِهِ: (أئِمَّةَ الكُفْرِ)، وهم حَصَلُوا حِينَئِذٍ تَحْتَ اللَّفْظَةِ؛ إذِ الَّذِي يَتَوَلّى قِتالَ النَّبِيِّ صَلّى (p-١٥)اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ والدَّفْعَ في صَدْرِ شَرِيعَتِهِ هو إمامُ كُلِّ مَن يَكْفُرُ بِذَلِكَ الشَّرْعِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ يَأْتِي في كُلِّ جِيلٍ مِنَ الكُفّارِ أئِمَّةٌ خاصَّةٌ بِجِيلٍ جِيلٍ انْتَهى. وقِيلَ: المُرادُ بِالعَهْدِ الإسْلامُ، فَمَعْناهُ كَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ. ولِذَلِكَ قَرَأ بَعْضُهم: وإنْ نَكَثُوا إيمانَهم بِالكَسْرِ، وهو قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ، قالَ: ﴿فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾: فَقاتِلُوهم، فَوَضَعَ أئِمَّةَ الكُفْرِ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ، إشْعارًا بِأنَّهم إذا نَكَثُوا في حالَةِ الشِّرْكِ تَمَرُّدًا وطُغْيانًا وطَرْحًا لِعاداتِ الكِرامِ الأوْفِياءِ مِنَ العَرَبِ، ثُمَّ آمَنُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ وصارُوا إخْوانًا لِلْمُسْلِمِينَ في الدِّينِ، ثُمَّ رَجَعُوا فارْتَدُّوا عَنِ الإسْلامِ ونَكَثُوا ما بايَعُوا عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ والوَفاءِ بِالعَهْدِ، وقَعَدُوا يَطْعَنُونَ في دِينِ اللَّهِ تَعالى، ويَقُولُونَ لَيْسَ دِينُ مُحَمَّدٍ بِشَيْءٍ، فَهم أئِمَّةُ الكُفْرِ وذَوُو الرِّئاسَةِ والتَّقَدُّمِ فِيهِ، لا يَشُقُّ كافِرٌ غُبارَهم. والمَشْهُورُ مِن مَذْهَب مالِكٍ أنَّ الذِّمِّيَّ إذا طَعَنَ في الدِّينِ فَفَعَلَ شَيْئًا مِثْلَ تَكْذِيبِ الشَّرِيعَةِ والسَّبِّ لِلنَّبِيِّ ﷺ ونَحْوَهُ قُتِلَ. وقِيلَ: إنْ أعْلَنَ بِشَيْءٍ مِمّا هو مَعْهُودٌ مِن مُعْتَقَدِهِ وكُفْرِهِ أُدِّبَ عَلى الإعْلانِ وتُرِكَ، وإنْ كَفَرَ بِما هو لَيْسَ مِن مُعْتَقَدِهِ كالسَّبِّ ونَحْوِهِ قُتِلَ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يُسْتَتابُ، واخْتُلِفَ إذا سَبَّ الذِّمِّيُّ ثُمَّ أسْلَمَ تَقِيَّةَ القَتْلِ: فالمَشْهُورُ مِن مَذْهَبِ مالِكٍ أنَّهُ يُتْرَكُ؛ لِأنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ، وفي العُتْبِيَّةِ أنَّهُ يُقْتَلُ، ولا يَكُونُ أحْسَنَ حالًا مِنَ المُسْلِمِ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو: بِإبْدالِ الهَمْزَةِ الثّانِيَةِ ياءً، ورُوِيَ عَنْ نافِعٍ مَدُّ الهَمْزَةِ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ وابْنُ أبِي أُوَيْسٍ عَنْ نافِعٍ: بِهَمْزَتَيْنِ، وأدْخَلَ هِشامٌ بَيْنَهُما ألِفًا، وأصْلُهُ أأْمِمَةٌ عَلى وزْنِ ”أفْعِلَةٌ“، جَمْعُ إمامٍ، أدْغَمُوا المِيمَ في المِيمِ فَنُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى الهَمْزَةِ قَبْلَها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتُ: كَيْفَ لَفْظُ أئِمَّةٍ ؟ قُلْتُ: هَمْزَةٌ بَعْدَها هَمْزَةٌ بَيْنَ بَيْنَ؛ أيْ بَيْنَ مَخْرَجِ الهَمْزَةِ والياءِ. وتَحْقِيقُ الهَمْزِ هي قِراءَةٌ مَشْهُورَةٌ، وإنْ لَمْ تَكُنْ مَقْبُولَةً عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، وأمّا التَّصْرِيحُ بِالياءِ فَلَيْسَ بِقِراءَةٍ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ. ومَن صَرَّحَ بِها فَهو لاحِنٌ مُحَرِّفٌ انْتَهى. وذَلِكَ دَأْبُهُ في تَلْحِينِ المُقْرِئِينَ. وكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ لَحْنًا وقَدْ قَرَأ بِهِ رَأْسُ البَصْرِيِّينَ النُّحاةِ: أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ، وقارِئُ مَكَّةَ ابْنُ كَثِيرٍ، وقارِئُ مَدِينَةِ الرَّسُولِ نافِعٌ، ونَفى إيمانَهم لَمّا لَمْ يَثْبُتُوا عَلَيْها ولا وفَّوْا بِها جُعِلُوا لا أيْمانَ لَهم، أوْ يَكُونُ عَلى حَذْفِ الوَصْفِ أيْ: لا أيْمانَ لَهم يُوَفُّونَ بِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعَطاءٌ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ عامِرٍ: لا إيمانَ لَهم أيْ لا إسْلامَ ولا تَصْدِيقَ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا غَيْرُ قَوِيٍّ؛ لِأنَّهُ تَكْرارٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ وصَفَ أئِمَّةَ الكُفْرِ بِأنَّهم لا إيمانَ لَهم، فالوَجْهُ في كَسْرِ الألِفِ أنَّهُ مَصْدَرُ أمَنَهُ إيمانًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤] فالمَعْنى أنَّهم لا يُؤَمِّنُونَ أهْلَ الذِّمَّةِ، إذِ المُشْرِكُونَ لَمْ يَكُنْ لَهم إلّا الإسْلامُ أوِ السَّيْفُ. قالَ أبُو حاتِمٍ: فَسَّرَ الحَسَنُ قِراءَتَهُ لا إسْلامَ لَهُمُ انْتَهى. وكَذا تَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، فَقالَ: وقُرِئَ لا إيمانَ لَهم، أيْ لا إسْلامَ لَهم، ولا يُعْطَوْنَ الأمانَ بَعْدَ الرِّدَّةِ والنَّكْثِ، ولا سَبِيلَ إلَيْهِ. وبِقِراءَةِ الفَتْحِ اسْتَشْهَدَ أبُو حَنِيفَةَ عَلى أنَّ يَمِينَ الكافِرِ لا يَكُونُ يَمِينًا، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ يَمِينُهم يَمِينٌ، وقالَ: مَعْناهُ أنَّهم لا يُوَفُّونَ بِها بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى وصَفَها بِالنَّكْثِ. ﴿لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾؛ أيْ لِيَكُنْ غَرَضُكم في مُقاتَلَتِهِمْ بَعْدَما وُجِدَ مِنهم مَنِ العَظائِمِ ما وُجِدَ انْتِهاءَهم عَمّا هم فِيهِ، وهَذا مِن كَرَمِهِ سُبْحانَهُ وفَضْلِهِ وعَوْدِهِ عَلى المُسِيءِ بِالرَّحْمَةِ. ﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أيْمانَهم وهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ وهم بَدَءُوكم أوَّلَ مَرَّةٍ أتَخْشَوْنَهم فاللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (p-١٦)(ألا) حَرْفُ عَرْضٍ، ومَعْناهُ هُنا الحَضُّ عَلى قِتالِهِمْ. وزَعَمُوا أنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ ولا النّافِيَةِ، فَصارَ فِيها مَعْنى التَّخْصِيصِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: دَخَلَتِ الهَمْزَةُ عَلى تَقْرِيرٍ عَلى انْتِفاءِ المُقاتَلَةِ، ومَعْناها: الحَضُّ عَلَيْها عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ. ولَمّا أمَرَ تَعالى بِقَتْلِ أهْلِ الكُفْرِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِالسَّبَبِ الَّذِي يَبْعَثُ عَلى مُقاتَلَتِهِمْ وهو ثَلاثَةُ أشْياءَ جَمَعُوها، وكُلُّ واحِدٍ مِنها عَلى انْفِرادِهِ كافٍ في الحَضِّ عَلى مُقاتَلَتِهِمْ. ومَعْنى نَكَثُوا أيْمانَهم: نَقَضَ العَهْدَ. قالَ السُّدِّيُّ، وابْنُ إسْحاقَ، والكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في كُفّارِ مَكَّةَ، نَكَثُوا أيْمانَهم بَعْدَ عَهْدِ الحُدَيْبِيَةَ، وأعانُوا بَنِي بَكْرٍ عَلى خُزاعَةَ انْتَهى. وهَمُّهم هو هَمُّ قُرَيْشٍ بِإخْراجِ الرَّسُولِ مِن مَكَّةَ حِينَ تَشاوَرُوا بِدارِ النَّدْوَةِ، فَأذِنَ اللَّهُ في الهِجْرَةِ، فَخَرَجَ بِنَفْسِهِ، أوْ بَنُو بَكْرٍ بِإخْراجِهِ مِنَ المَدِينَةِ لِما أقْدَمُوا عَلَيْهِ مِنَ المُشاوَرَةِ والِاجْتِماعِ، أوِ اليَهُودُ هَمُّوا بِغَدْرِ الرَّسُولِ ﷺ ونَقَضُوا عَهْدَهُ، وأعانُوا المُنافِقِينَ عَلى إخْراجِهِ مِنَ المَدِينَةِ، ثَلاثَةُ أقْوالٍ أوَّلُها لِلسُّدِّيِّ. وقالَ الحَسَنُ: مِنَ المَدِينَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا مُسْتَقِيمٌ لِغَزْوَةِ أُحُدٍ والأحْزابِ وغَيْرِهِما، وهُمُ الَّذِينَ كانَتْ مِنهُمُ البُداءَةُ بِالمُقاتَلَةِ؛ لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جاءَهم أوَّلًا بِالكِتابِ المُبِينِ وتَحَدّاهم بِهِ، فَعَدَلُوا عَنِ المُعارَضَةِ لِعَجْزِهِمْ عَنْها إلى القِتالِ، فَهُمُ البادِئُونَ، والبادِئُ أظْلَمُ، فَما يَمْنَعُكم مِن أنْ تُقاتِلُوهم بِمِثْلِهِ؛ تَصْدِمُونَهم بِالشَّرِّ كَما صَدَمُوكم ؟ وبَّخَهم بِتَرْكِ مُقاتَلَتِهِمْ، وحَضَّهم عَلَيْها، ثُمَّ وصَفَهم بِما يُوجِبُ الحَضَّ عَلَيْها. وتَقَرَّرَ أنَّ مَن كانَ في مِثْلِ صِفاتِهِمْ مِن نَكْثِ العُهُودِ وإخْراجِ الرَّسُولِ والبَدْءِ بِالقِتالِ مِن غَيْرِ مُوجِبٍ حَقِيقٌ بِأنْ لا تُتْرَكَ مُصادَمَتُهُ، وأنْ يُوَبَّخَ مَن فَرَّطَ فِيها، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهو تَكْثِيرٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (أوَّلَ مَرَّةٍ)، قِيلَ: يُرِيدُ أفْعالَهم بِمَكَّةَ بِالنَّبِيِّ ﷺ وبِالمُؤْمِنِينَ. وقالَ مُجاهِدٌ: ما بَدَأتْ بِهِ قُرَيْشٌ مِن مَعُونَةِ بَنِي بَكْرٍ حُلَفائَهم عَلى خُزاعَةَ حُلَفاءِ النَّبِيِّ، فَكانَ هَذا بَدْءَ النَّقْضِ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: يَعْنِي فِعْلَهم يَوْمَ بَدْرٍ انْتَهى. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بَدَوْكم بِغَيْرِ هَمْزٍ، ووَجْهُهُ أنَّهُ سَهَّلَ الهَمْزَةَ مِن بَدَأْتُ، بِإبْدالِها ياءً، كَما قالُوا في قَرَأْتُ: قَرَيْتُ، فَصارَ كَرَمَيْتُ. فَلَمّا أُسْنِدَ الفِعْلُ إلى واوِ الضَّمِيرِ سَقَطَتْ، فَصارَ بَدَوْكم، كَما تَقُولُ: رَمَوْكم. (أتَخْشَوْنَهم) تَقْرِيرٌ لِلْخَشْيَةِ مِنهم، وتَوْبِيخٌ عَلَيْها. ﴿فاللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ﴾ فَتَقْتُلُوا أعْداءَهُ. ولَفْظُ الجَلالَةِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ (أحَقُّ)، و(أنْ تَخْشَوْهُ) بَدَلٌ مِنَ اللَّهِ؛ أيْ: وخَشْيَةُ اللَّهِ أحَقُّ مِن خَشْيَتِهِمْ، (وأنْ تَخْشَوْهُ) في مَوْضِعِ رَفْعٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ أوْ جَرٍّ عَلى الخِلافِ إذا حُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ، وتَقْدِيرُهُ: بِأنْ تَخْشَوْهُ؛ أيْ أحَقُّ مِن غَيْرِهِ بِأنْ تَخْشَوْهُ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ (أنْ تَخْشَوْهُ) مُبْتَدَأً، وأحَقُّ خَبَرُهُ قُدِّمَ عَلَيْهِ. وأجازَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ (أحَقُّ) مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ (أنْ تَخْشَوْهُ)، والجُمْلَةُ خَبَرٌ عَنِ الأوَّلِ. وحَسُنَ الِابْتِداءُ بِالنَّكِرَةِ؛ لِأنَّها أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، وقَدْ أجازَ سِيبَوَيْهِ أنْ تَكُونَ المَعْرِفَةُ خَبَرًا لِلنَّكِرَةِ في نَحْوِ: اقْصِدْ رَجُلًا خَيْرٌ مِنهُ أبُوهُ. ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ كامِلِي الإيمانِ؛ لِأنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنَّ قَضِيَّةَ الإيمانِ الصَّحِيحِ أنْ لا يَخْشى المُؤْمِنُ إلّا رَبَّهُ ولا يُبالِي بِمَن سِواهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٣٩] . ﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكم ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ويُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن يَشاءُ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ قَرَّرَتِ الآياتُ قَبْلَ هَذا أفْعالَ (p-١٧)الكَفَرَةِ المُقْتَضِيَةَ لِقِتالِهِمْ، والحَضَّ عَلى القِتالِ، وحَرُمَ الأمْرُ بِالقِتالِ في هَذِهِ، وتَعْذِيبُهم بِأيْدِي المُؤْمِنِينَ هو في الدُّنْيا بِالقَتْلِ والأسْرِ والنَّهْبِ، وهَذِهِ وُعُودٌ ثَبَّتَتْ قُلُوبَهم وصَحَّحَتْ نِيّاتِهِمْ، وخِزْيُهم هو إهانَتُهم وذُلُّهم، (ويَنْصُرْكم) يُظْفِرُكم بِهِمْ، وشِفاءُ الصُّدُورِ بِإعْلاءِ دِينِ اللَّهِ وتَعْذِيبِ الكُفّارِ وخِزْيِهِمْ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ونَشْفِ بِالنُّونِ عَلى الِالتِفاتِ، وجاءَ التَّرْكِيبُ (صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ) لِيَشْمَلَ المُخاطَبِينَ وكُلَّ مُؤْمِنٍ؛ لِأنَّ ما يُصِيبُ أهْلَ الكُفْرِ مِنَ العَذابِ والخِزْيِ هو شِفاءٌ لِصَدْرِ كُلِّ مُؤْمِنٍ. وقِيلَ: المُرادُ قَوْمٌ مُعَيَّنُونَ، «قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم بُطُونٌ مِنَ اليَمَنِ وسَبَأٍ قَدِمُوا مَكَّةَ فَأسْلَمُوا، فَلَقُوا مِن أهْلِها أذًى شَدِيدًا، فَبَعَثُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ يَشْكُونَ إلَيْهِ فَقالَ: ”أبْشِرُوا فَإنَّ الفَرَجَ قَرِيبٌ“» وقالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: هم خُزاعَةُ. ووَجْهُ تَخْصِيصِهِمْ أنَّهم هُمُ الَّذِينَ نُقِضَ فِيهِمُ العَهْدُ ونالَتْهُمُ الحَرْبُ، وكانَ يَوْمَئِذٍ في خُزاعَةَ مُؤْمِنُونَ كَثِيرٌ. ألا تَرى إلى قَوْلِ الخُزاعِيِّ المُسْتَنْصِرِ بِالنَّبِيِّ ﷺ: ؎ثَمَّتَ أسْلَمْنا فَلَمْ نَنْزِعْ يَدا وفِي آخِرِ الرَّجَزِ: ؎وقَتَلُونا رُكَّعًا وسُجَّدا وإذْهابُ الغَيْظِ بِما نالَ الكُفّارَ مِنَ المَكْرُوهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ كالتَّأْكِيدِ لِلَّتِي قَبْلَها؛ لِأنَّ شِفاءَ الصَّدْرِ مِن آلَةِ الغَيْظِ هو إذْهابُ الغَيْظِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: (ويَذْهَبُ) فِعْلًا لازِمًا (غَيْظُ) فاعِلٌ بِهِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ رَفَعَ الباءَ. وهَذِهِ المَواعِيدُ كُلُّها وُجِدَتْ، فَكانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ وصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، وبُدِئَ أوَّلًا فِيها بِما تَسَبَّبَ عَنِ النَّصْرِ، وهو تَعْذِيبُ اللَّهِ الكُفّارَ، وبِأيْدِي المُؤْمِنِينَ وإخْزاؤُهم، إذا كانَتِ البُداءَةُ بِما يَنالُ الكُفّارَ مِنَ الشَّرِّ هي الَّتِي يُسَرُّ بِها المُؤْمِنُونَ، ثُمَّ ذَكَرَ ما السَّبَبُ؛ وهو نَصْرُ اللَّهِ المُؤْمِنِينَ عَلى الكافِرِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ ما تَسَبَّبَ أيْضًا عَنِ النَّصْرِ مِن شِفاءِ صُدُورِ المُؤْمِنِينَ وإذْهابِ غَيْظِهِمْ تَتْمِيمًا لِلنِّعَمِ، فَذَكَرَ ما تَسَبَّبَ عَنِ النَّصْرِ بِالنِّسْبَةِ لِلْكُفّارِ، وذَكَرَ ما تَسَبَّبَ لِلْمُسْلِمِينَ مِنَ الفَرَحِ والسُّرُورِ بِإدْراكِ الثَّأْرِ، ولَمْ يَذْكُرْ ما نالُوهُ مِنَ المَغانِمِ والمَطاعِمِ، إذِ العَرَبُ قَوْمٌ جُبِلُوا عَلى الحَمِيَّةِ والأنَفَةِ، فَرَغْبَتُهم في إدْراكِ الثَّأْرِ وقَتْلِ الأعْداءِ هي اللّائِقَةُ بِطِباعِهِمْ. ؎إنَّ الأُسُودَ أُسُودَ الغابِ هِمَّتُها ∗∗∗ يَوْمَ الكَرِيهَةِ في المَسْلُوبِ لا السَّلَبِ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ويَتُوبُ اللَّهُ رَفْعًا، وهو اسْتِئْنافُ إخْبارٍ بِأنَّ بَعْضَ أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ يَتُوبُ عَنْ كُفْرِهِ، وكانَ ذَلِكَ عالَمٌ كَثِيرُونَ وحَسُنَ إسْلامُهم. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ وأبُو الفَتْحِ: وهَذا أمْرٌ مَوْجُودٌ سَواءٌ قُوتِلُوا أوْ لَمْ يُقاتَلُوا، فَلا وجْهَ لِإدْخالِ اليَوْمَ في جَوابِ الشَّرْطِ الَّذِي في (قاتِلُوهم) انْتَهى. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والأعْرَجُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى الثَّقَفِيُّ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وعُمَرُ بْنُ قائِدٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ فِيما رُوِيَ عَنْهُما: ويَتُوبَ اللَّهُ بِنَصْبِ الباءِ، جَعَلَهُ داخِلًا في جَوابِ الأمْرِ مِن طَرِيقِ المَعْنى. قِيلَ: ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ التَّوْبَةُ داخِلَةً في الجَزاءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَتَوَجَّهُ ذَلِكَ عِنْدِي إذا ذُهِبَ إلى أنَّ التَّوْبَةَ يُرادُ بِها أنَّ قَتْلَ الكافِرِينَ والجِهادَ في سَبِيلِ اللَّهِ هو تَوْبَةٌ لَكم أيُّها المُؤْمِنُونَ وكَمالٌ لِإيمانِكم، فَتَدْخُلُ التَّوْبَةُ عَلى هَذا في شَرْطِ القِتالِ. وقالَ غَيْرُهُ: لَمّا أمَرَهم بِالمُقاتَلَةِ شَقَّ ذَلِكَ عَلى بَعْضِهِمْ، فَإذا أقْدَمُوا عَلى المُقاتَلَةِ صارَ ذَلِكَ العَمَلُ جارِيًا مَجْرى التَّوْبَةِ مِن تِلْكَ الكَراهَةِ. وقِيلَ: حُصُولُ الكُفْرِ وكَثْرَةُ الأمْوالِ لَذَّةٌ تُطْلَبُ بِطَرِيقٍ حَرامٍ، فَلَمّا حَصَلَتْ لَهم طَرِيقٌ حَلالٌ كانَ ذَلِكَ داعِيًا لَهم إلى التَّوْبَةِ مِمّا تَقَدَّمَ، فَصارَتِ التَّوْبَةُ مُتَعَلِّقَةً بِتِلْكَ المُقاتَلَةِ انْتَهى. وهَذا الَّذِي قَرَّرُوهُ مِن كَوْنِ التَّوْبَةِ تَدْخُلُ تَحْتَ جَوابِ الأمْرِ هو بِالنِّسْبَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أُمِرُوا بِقِتالِ الكُفّارِ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى الكُفّارِ، فالمَعْنى عَلى مَن يَشاءُ مِنَ الكُفّارِ، وذَلِكَ أنَّ قِتالَ الكُفّارِ وغَلَبَةَ المُسْلِمِينَ إيّاهم قَدْ يَنْشَأُ عَنْها إسْلامُ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهم رَغْبَةٌ في الإسْلامِ، ولا داعِيَةٌ قَبْلَ القِتالِ. ألا تَرى إلى قِتالِ (p-١٨)رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أهْلَ مَكَّةَ كَيْفَ كانَ سَبَبًا لِإسْلامِهِمْ؛ لِأنَّ الدّاخِلَ في الإسْلامِ قَدْ يَدْخُلُ فِيهِ عَلى بَصِيرَةٍ، وقَدْ يَدْخُلُ عَلى كُرْهٍ واضْطِرارٍ، ثُمَّ قَدْ تَحْسُنُ حالُهُ في الإسْلامِ. ألا تَرى إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي سَرْحٍ كَيْفَ كانَ حالُهُ أوَّلًا في الإسْلامِ، ثُمَّ صارَ أمْرُهُ إلى أحْسَنِ حالٍ وماتَ أحْسَنَ مَيْتَةٍ في السُّجُودِ في صِلاتِهِ، وكانَ مِن خِيارِ الصَّحابَةِ ؟ (واللَّهُ عَلِيمٌ) يَعْلَمُ ما سَيَكُونُ مِثْلَ ما يَعْلَمُ ما قَدْ كانَ، وفي ذَلِكَ تَقْرِيرٌ لِما رَتَّبَ مِن تِلْكَ المَواعِيدِ، وأنَّها كائِنَةٌ لا مَحالَةَ. (حَكِيمٌ) في تَصْرِيفِ عِبادِهِ مِن حالٍ إلى حالٍ عَلى ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ تَعالى. ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تُتْرَكُوا ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكُمْ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، والمَعْنى: أنَّكم لا تُتْرَكُونَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَتَبَيَّنَ الخُلَّصُ مِنكم وهُمُ المُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ لَمْ يَتَّخِذُوا بِطانَةً مَن دُونِ اللَّهِ مِن غَيْرِهِمْ. ﴿ولَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ ولا رَسُولِهِ ولا المُؤْمِنِينَ ولِيجَةً﴾ (ولَمْ يَتَّخِذُوا) مَعْطُوفٌ عَلى (جاهَدُوا) . غَيْرَ مُتَّخِذِينَ ولِيجَةً، والوَلِيجَةُ فَعَيْلَةٌ مِن ولَجَ كالدَّخِيلَةِ مِن دَخَلَ، وهي البِطانَةُ والمُدْخَلُ يُدْخَلُ فِيهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِسْرارِ، شُبِّهَ النِّفاقُ بِهِ. وقالَ قَتادَةُ: الوَلِيجَةُ الخِيانَةُ، وقالَ الضَّحّاكُ: الخَدِيعَةُ، وقالَ عَطاءٌ: الأوْداءُ، وقالَ الحَسَنُ: الكُفْرُ والنِّفاقُ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ شَيْءٍ أدْخَلْتَهُ في شَيْءٍ ولَيْسَ مِنهُ فَهو ولِيجَةٌ، والرَّجُلُ يَكُونُ في القَوْمِ ولَيْسَ مِنهم ولِيجَةٌ، يَكُونُ لِلْواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَمْعِ بِلَفْظٍ واحِدٍ. ولِيجَةُ الرَّجُلِ مَن يَخْتَصُّ بِدَخِيلَةِ أمْرِهِ مِنَ النّاسِ، وجَمْعُها ولائِجُ ووُلُجٌ، كَصَحِيفَةٍ وصَحائِفَ وصُحُفٍ. وقالَ عُبادَةُ بْنُ صَفْوانَ الغَنَوِيُّ: ؎ولائِجُهم في كُلِّ مَبْدًى ومَحْضَرٍ ∗∗∗ إلى كُلِّ مَن يُرْجى ومَن يَتَخَوَّفُ وفِي هَذِهِ الآيَةِ طَعْنٌ عَلى المُنافِقِينَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الوَلائِجَ لا سِيَّما عِنْدَ فَرْضِ القِتالِ، والمَعْنى: لا بُدَّ مِنِ اخْتِبارِكم أيُّها المُؤْمِنُونَ كَقَوْلِهِ: ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢]، ولَمّا كانَ الرَّجُلُ قَدْ يُجاهِدُ وهو مُنافِقٌ نَفى هَذا الوَصْفَ عَنْهُ، فَبَيَّنَ أنَّهُ لا بُدَّ لِلْجِهادِ مِنَ الإخْلاصِ خالِيًا عَنِ النِّفاقِ والرِّياءِ والتَّوَدُّدِ إلى الكُفّارِ. ﴿واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ مُناسَبَةً لِقَوْلِهِ: أمْ حَسِبْتُمْ، وقَرَأ الحَسَنُ، ويَعْقُوبُ في رِوايَةٍ رُوَيْسٍ، وسَلّامٌ بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ التِفاتًا.

التوبة 9:17

﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ﴾ قَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ: أنْ يُعْمِرُوا بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ المِيمِ، أنْ يُعِينُوا عَلى عِمارَتِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والجَحْدَرِيُّ: مَسْجِدٌ بِالإفْرادِ، وباقِي السَّبْعَةِ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وأبُو جَعْفَرٍ والأعْرَجُ وشَيْيَةُ بِالجَمْعِ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَما ذَكَرَ البَراءَةَ مِنَ المُشْرِكِينَ وأنْواعًا مِن قَبائِحِهِمْ تُوجِبُ البَراءَةَ مِنهم، ذَكَرُوا أنَّهم مَوْصُوفُونَ بِصِفاتٍ حَمِيدَةٍ تُوجِبُ انْتِفاءَ البَراءَةِ مِنها كَوْنُهم عامِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ. رُوِيَ أنَّهُ أقْبَلَ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ عَلى أُسارى بَدْرٍ يُعَيِّرُونَهم بِالشِّرْكِ، وطَفِقَ عَلِيٌّ يُوَبِّخُ العَبّاسَ، فَقالَ الرَّسُولُ ﷺ: واقَطِيعَةَ الرَّحِمِ، وأغْلَظَ لَهُ في القَوْلِ. فَقالَ العَبّاسُ: تُظْهِرُونَ مَساوِينا، وتَكْتُمُونَ مَحاسِنَنا ؟ فَقالَ: أوَلَكم مَحاسِنُ ؟ قالُوا: نَعَمْ، ونَحْنُ أفْضَلُ مِنكم أجْرًا، إنّا لَنَعْمُرُ المَسْجِدَ الحَرامَ، ونَحْجُبُ الكَعْبَةَ، ونَسْقِي الحَجِيجَ، ونَفُكُّ العانِيَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ رَدًّا عَلَيْهِمْ. ومَعْنى (ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ): أيْ بِالحَقِّ الواجِبِ، وإلّا فَقَدَ عَمَرُوهُ قَدِيمًا وحَدِيثًا عَلى سَبِيلِ التَّغَلُّبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ ما صَحَّ وما اسْتَقامَ انْتَهى. وعِمارَتُهُ دُخُولُهُ والقُعُودُ فِيهِ والمُكْثُ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَعْمُرُ المَسْجِدَ؛ أيْ يُكْثِرُ غَشَيانَهُ، أوْ رَفْعَ بِنائِهِ، وإصْلاحَ ما تَهَدَّمَ مِنهُ، أوِ التَّعَبُّدَ فِيهِ، والطَّوافَ بِهِ. والصَّلاةُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ، ومَن قَرَأ بِالإفْرادِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ المَسْجِدُ الحَرامُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾، أوِ الجِنْسُ فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ المَسْجِدُ الحَرامُ، إذْ هو صَدْرُ ذَلِكَ الجِنْسِ (p-١٩)مُقَدِّمَتُهُ. ومَن قَرَأ بِالجَمْعِ فَيَحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ المَسْجِدُ الحَرامُ، وأُطْلِقَ عَلَيْهِ الجَمْعُ إمّا بِاعْتِبارِ أنَّ كُلَّ مَكانٍ مِنهُ مَسْجِدٌ، وإمّا لِأنَّهُ قِبْلَةُ المَساجِدِ كُلِّها وإمامُها، فَكانَ عامِرُهُ عامِرَ المَساجِدِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ الجَمْعُ، فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ المَسْجِدُ الحَرامُ وهو آكَدُ؛ لِأنَّ طَرِيقَتَهُ طَرِيقَةُ الكِنايَةِ كَما لَوْ قُلْتَ: فُلانٌ لا يَقْرَأُ كُتُبَ اللَّهِ، كُنْتَ أنْفى لِقِراءَةِ القُرْآنِ مِن تَصْرِيحِكَ بِذَلِكَ. وانْتَصَبَ (شاهِدِينَ) عَلى الحالِ، والمَعْنى: ما اسْتَقامَ لَهم أنْ يَجْمَعُوا بَيْنَ أمْرَيْنِ مُتَنافِيَيْنِ: عِمارَةُ مُتَعَبَّداتِ اللَّهِ تَعالى مَعَ الكُفْرِ بِهِ وبِعِبادَتِهِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: شاهِدُونَ عَلى إضْمارِ هم شاهِدُونَ، وشَهادَتُهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ قَوْلُهم في الطَّوافِ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، لا شَرِيكَ لَكَ، إلّا شَرِيكًا هو لَكَ، تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ، أوْ قَوْلُهم إذا سُئِلُوا عَنْ دِينِهِمْ: نَعْبُدُ اللّاتَ والعُزّى، أوْ تَكْذِيبُهُمُ الرَّسُولَ، أوْ قَوْلُ المُشْرِكِ: أنا مُشْرِكٌ كَما يَقُولُ اليَهُودِيُّ هو يَهُودِيٌّ، والنَّصْرانِيُّ هو نَصْرانِيٌّ، والمَجُوسِيُّ هو مَجُوسِيٌّ، والصّابِئُ هو صابِئٌ، أوْ ظُهُورُ أفْعالِ الكَفَرَةِ مِن نَصْبِ أصْنامِهِمْ وطَوافِهِمْ بِالبَيْتِ عُراةً، وغَيْرُ ذَلِكَ أقْوالٌ خَمْسَةٌ، هَذا إذا حُمِلَ (عَلى أنْفُسِهِمْ) عَلى ظاهِرِهِ، وقِيلَ: مَعْناهُ شاهِدِينَ عَلى رَسُولِهِمْ، وأُطْلِقَ عَلَيْهِ أنْفُسَهم؛ لِأنَّهُ ما مِن بَطْنٍ مِن بُطُونِ العَرَبِ إلّا ولَهُ فِيهِمْ وِلادَةٌ، ويُؤَيِّدُ هَذا القَوْلَ قِراءَةُ مَن قَرَأ عَلى أنْفَسِهِمْ بِفَتْحِ الفاءِ، أيْ أشْرَفِهم وأجَلِّهم قَدْرًا. ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ الَّتِي هي العِمارَةُ والحِجابَةُ والسِّقايَةُ وفَكُّ العُناةُ وغَيْرُها مِمّا ذُكِرَ أنَّهُ مِنَ الأعْمالِ الحَمِيدَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإذا هَدَمَ الكُفْرُ أوِ الكَبِيرَةُ الأعْمالَ الثّابِتَةَ الصَّحِيحَةَ إذا تَعَقَّبَها، فَما ظَنُّكَ بِالمُقارِنِ ؟ وإلى ذَلِكَ أشارَ تَعالى بِقَوْلِهِ: (شاهِدِينَ) حَيْثُ جَعَلَهُ حالًا عَنْهم، ودَلَّ عَلى أنَّهم قارِنُونِ بَيْنَ العِمارَةِ والشَّهادَةِ بِالكُفْرِ عَلى أنْفُسِهِمْ في حالٍ واحِدَةٍ، وذَلِكَ مُحالٌ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ انْتَهى. وقَوْلُهُ: أوِ الكَبِيرَةُ دَسِيسَةُ اعْتِزالٍ؛ لِأنَّ الكَبِيرَةَ عِنْدَهم مِنَ المَعاصِي تُحْبِطُ الأعْمالَ. ﴿وفِي النّارِ هم خالِدُونَ﴾ ذَكَرَ مَآلَ المُشْرِكِينَ وهو النّارُ خالِدِينَ فِيها. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِالياءِ نَصْبًا عَلى الحالِ، و(في النّارِ) هو الخَبَرُ. كَما تَقُولُ: في الدّارِ زَيْدٌ قاعِدًا. وقالَ الواحِدِيُّ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الكُفّارَ مَمْنُوعُونَ مِن عِمارَةِ مَسْجِدِ المُسْلِمِينَ، ولَوْ أوْصى لَمْ تُقْبَلْ وصِيَّتُهُ، ويُمْنَعُ مِن دُخُولِ المَساجِدِ، فَإنْ دَخَلَ بِغَيْرِ إذْنِ مُسْلِمٍ اسْتَحَقَّ التَّعْزِيرَ، وإنْ دَخَلَ بِإذْنٍ لَمْ يُعَزَّرْ، والأوْلى تَعْظِيمُ المَساجِدِ ومَنعُها مِنهم. وقَدْ أنْزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وفْدَ ثَقِيفَ وهم كُفّارٌ المَسْجِدَ، ورَبَطَ ثُمامَةَ بْنَ أُثالٍ الحَنَفِيَّ في سارِيَةٍ مِن سَوارِي المَسْجِدِ وهو كافِرٌ. ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ ولَمْ يَخْشَ إلّا اللَّهَ فَعَسى أُولَئِكَ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ قَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وحَمّادُ بْنُ أبِي سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: مَسْجِدًا لِلَّهِ بِالتَّوْحِيدِ، وقَرَأ السَّبْعَةُ وجَماعَةٌ: بِالجَمْعِ، والمَعْنى: إنَّما يَعْمُرُها بِالحَقِّ والواجِبِ، ويَسْتَقِيمُ ذَلِكَ فِيمَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الأوْصافِ. وفي ضِمْنِ هَذا الخَبَرِ أمْرُ المُؤْمِنِينَ بِعِمارَةِ المَساجِدِ، ويَتَناوَلُ عِمارَتُها رَمَّ ما تَهَدَّمَ مِنها، وتَنْظِيفَها، وتَنْوِيرَها، وتَعْظِيمَها، واعْتِيادَها لِلْعِبادَةِ والذِّكْرِ. ومِنَ الذِّكْرِ دَرْسُ العِلْمِ بَلْ هو أجَلُّهُ، وصَوْنَها عَمّا لَمْ تُبْنَ لَهُ مِنَ الخَوْضِ في أحْوالِ الدُّنْيا. وفي الحَدِيثِ: «إذا رَأيْتُمُ الرَّجُلَ يَعْتادُ المَسْجِدَ فاشْهَدُوا لَهُ بِالإيمانِ» ولَمْ يُذْكَرِ الإيمانُ بِالرَّسُولِ؛ لِأنَّ الإيمانَ بِاليَوْمِ الآخِرِ إنَّما هو مُتَلَقَّفٌ مِن أخْبارِ الرَّسُولِ، فَيَتَضَمَّنُ الإيمانَ بِالرَّسُولِ. أوْ لَمْ يُذْكَرْ لِما عُلِمَ وشُهِرَ مِن أنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ تَعالى قَرِينَتُهُ الإيمانُ بِالرَّسُولِ ﷺ؛ لِاشْتِمالِ كَلِمَةِ الشَّهادَةِ والأذانِ والإقامَةِ وغَيْرِها عَلَيْهِما مُقْتَرِنَيْنِ مُزْدَوِجَيْنِ، كَأنَّهُما شَيْءٌ واحِدٌ لا يَنْفِكُّ أحَدُهُما عَنْ صاحِبِهِ، فانْطَوى تَحْتَ ذِكْرِ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى الإيمانُ بِالرَّسُولِ ﷺ . وقِيلَ: دَلَّ عَلَيْهِ بِذِكْرِ إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ، إذْ لا يُتَلَقّى ذَلِكَ إلّا مِنهُ. والمَقْصُودُ مِن بِناءِ المَساجِدِ وعِمارَتِها هو كَوْنُها مُجْتَمَعًا لِإقامَةِ الصَّلَواتِ فِيها والتَّعَبُّداتِ مِنَ الذِّكْرِ والِاعْتِكافِ وغَيْرِهِما، وناسَبَ ذِكْرُ إيتاءِ (p-٢٠)الزَّكاةِ مَعَ عِمارَةِ المَساجِدِ أنَّها لَمّا كانَتْ مَجْمَعًا لِلنّاسِ بانَ فِيها أمْرُ الغَنِيِّ والفَقِيرِ، وعُرِفَتْ أحْوالُ مَن يُؤَدِّي الزَّكاةَ ومَن يَسْتَحِقُّها. ﴿ولَمْ يَخْشَ إلّا اللَّهَ﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُرِيدُ خَشْيَةَ التَّعْظِيمِ والعِبادَةِ والطّاعَةِ، ولا مَحالَةَ أنَّ الإنْسانَ يَخْشى غَيْرَهُ، ويَخْشى المَحاذِيرَ الدُّنْيَوِيَّةَ، ويَنْبَغِي أنْ يَخْشى في ذَلِكَ كُلِّهِ قَضاءَ اللَّهَ وتَصْرِيفَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هي الخَشْيَةُ والتَّقْوى في أبْوابِ الدُّنْيا، وأنْ لا يَخْتارَ عَلى رِضا اللَّهِ رِضا غَيْرِهِ، وإذا اعْتَرَضَهُ أمْرانِ أحَدُهُما حَقُّ اللَّهِ تَعالى، والآخَرُ حَقُّ نَفْسِهِ، خافَ اللَّهَ وآثَرَ حَقَّ اللَّهِ عَلى حَقِّ نَفْسِهِ. وقِيلَ: كانُوا يَخْشَوْنَ الأصْنامَ ويَرْجُونَها، فَأُرِيدَ نَفْيُ تِلْكَ الخَشْيَةِ عَنْهُمُ انْتَهى. وعَسى مِنَ اللَّهِ تَعالى واجِبٌ حَيْثُما وقَعَتْ في القُرْآنِ، وفي ذَلِكَ قَطْعُ أطْماعِ المُشْرِكِينَ أنْ يَكُونُوا مُهْتَدِينَ؛ إذْ مَن جَمَعَ هَذِهِ الخِصالَ الأرْبَعَةَ جُعِلَ حالُهُ حالَ مَن تُرْجى لَهُ الهِدايَةُ، فَكَيْفَ بِمَن هو عارٍ مِنها، وفي ذَلِكَ تَرْجِيحُ الخَشْيَةِ عَلى الرَّجاءِ، ورَفْضُ الِاغْتِرارِ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، فَرُبَّما دَخَلَها بَعْضُ المُفْسِداتِ وصاحِبُها لا يَشْعُرُ بِها. وقالَ تَعالى: ﴿أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾؛ أيْ: مِنَ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمُ الهِدايَةُ، ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ أنْ يَكُونُوا مُهْتَدِينَ، بَلْ جُعِلُوا بَعْضًا مِنَ المُهْتَدِينَ، وكَوْنُهم مِنهم أقَلَّ في التَّعْظِيمِ مِن أنْ يُجَرَّدَ لَهُمُ الحُكْمُ بِالهِدايَةِ. ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وجاهَدَ في سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ قالَ: «كُنْتُ عِنْدَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ فَقالَ رَجُلٌ: ما أُبالِي أنْ لا أعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ أنْ أسْقِيَ الحاجَّ، وقالَ الآخَرُ: ما أُبالِي أنْ لا أعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ أنْ أُعَمِّرَ المَسْجِدَ الحَرامَ، وقالَ آخَرُ: الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ أفْضَلُ مِمّا قُلْتُمْ، فَزَجَرَهم عُمَرُ وقالَ: لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم عِنْدَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهو يَوْمُ الجُمُعَةِ، ولَكِنِّي إذا صَلَّيْتُ الجُمُعَةَ دَخَلْتُ فاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ وقَوْلُهُ أقْوالًا أُخَرَ في سَبَبِ النُّزُولِ كُلُّها تَدُلُّ عَلى الِافْتِخارِ بِالسِّقايَةِ والعِمارَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (سِقايَةَ) (وعِمارَةَ)، وهُما مَصْدَرانِ نَحْوُ الصِّيانَةِ والوِقايَةِ، وقُوبِلا بِالذَّواتِ، فاحْتِيجَ إلى حَذْفٍ مِنَ الأوَّلِ؛ أيْ: أهْلَ سِقايَةِ، أوْ حَذْفٍ مِنَ الثّانِي؛ أيْ: كَعَمَلِ مَن آمَنَ. وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ، والباقِرُ، وأبُو حَيْوَةَ: سَقاةَ الحاجِّ، وعَمَرَةَ المَسْجِدِ، جَمْعُ ساقٍ وجَمْعُ عامِرٍ كَرامٍ ورُماةٍ وصانِعٍ وصَنَعَةٍ، وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ نَصَبَ المَسْجِدَ عَلى إرادَةِ التَّنْوِينِ في (عَمَرَةً)، وقَرَأ الضَّحّاكُ: سُقايَةَ بِضَمِّ السِّينِ، وعِمْرَةَ بُنِيَ الجَمْعُ عَلى فِعالٍ كَرِخْلٍ ورُخالٍ، وظِئْرٍ وظُؤارٍ، وكانَ المُناسِبُ أنْ يَكُونَ بِغَيْرِ هاءٍ، لَكِنَّهُ أدْخَلَ الهاءَ كَما دَخَلَتْ في حِجارَةٍ. وكانَتِ السِّقايَةُ في بَنِي هاشِمٍ، وكانَ العَبّاسُ يَتَوَلّاها، ولَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ العَبّاسُ: ما أرانِي إلّا أتْرُكُ السِّقايَةَ، فَقالَ النَّبِيُّ: «أقِيمُوا عَلَيْها فَهي لَكم خَيْرٌ» وعِمارَةُ المَسْجِدِ هي السِّدانَةُ، وكانَ في بَنِي عَبْدِ الدّارِ، وشَيْبَةُ وعُثْمانُ بْنُ طَلْحَةَ هُما اللَّذانِ دَفَعَ إلَيْهِما رَسُولُ اللَّهِ مِفْتاحَ الكَعْبَةِ في ثامِنِ يَوْمِ الفَتْحِ بَعْدَ أنْ طَلَبَهُ العَبّاسُ وعَلِيٌّ، وقالَ لِعُثْمانَ وشَيْبَةَ: «خُذُوها خالِدَةً تالِدَةً لا يُنازِعُكُما عَلَيْها إلّا ظالِمٌ»؛ يَعْنِي السِّدانَةَ. ومَعْنى الآيَةِ: إنْكارُ أنْ يُشَبَّهَ المُشْرِكُونَ بِالمُؤْمِنِينَ وأعْمالُهُمُ المُحْبَطَةُ بِأعْمالِهِمُ المُثَبِّتَةِ. ولَمّا نَفى المُساواةَ بَيْنَهُما أوْضَحَ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾، مِنَ الرّاجِحِ مِنهُما، وأنَّ الكافِرِينَ بِاللَّهِ هُمُ الظّالِمُونَ، ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِتَرْكِ الإيمانِ بِاللَّهِ، وبِما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ، وظَلَمُوا المَسْجِدَ الحَرامَ إذْ جَعَلَهُ اللَّهُ مُتَعَبَّدًا لَهم فَجَعَلُوهُ مُتَعَبَّدًا لِأوْثانِهِمْ. وذَكَرَ في المُؤْمِنِينَ إثْباتَ الهِدايَةِ لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿فَعَسى أُولَئِكَ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ وفي المُشْرِكِينَ هُنا نَفى الهِدايَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ . (p-٢١)﴿الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ زادَتْ هَذِهِ الآيَةُ وُضُوحًا في التَّرْجِيحِ لِلْمُؤْمِنِينَ المُتَّصِفِينَ بِهَذِهِ الأوْصافِ عَلى المُشْرِكِينَ المُفْتَخِرِينَ بِالسِّقايَةِ والعِمارَةِ، فَطَهَّرُوا أنْفُسَهم مِن دَنَسِ الشِّرْكِ بِالإيمانِ، وطَهَّرُوا أبْدانَهم بِالهِجْرَةِ إلى مَوْطِنِ الرَّسُولِ وتَرْكِ دِيارِهِمُ الَّتِي نَشَئُوا عَلَيْها، ثُمَّ بالَغُوا بِالجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ بِالمالِ والنَّفْسِ المُعَرَّضَيْنِ بِالجِهادِ لِلتَّلَفِ. فَهَذِهِ الخِصالُ أعْظَمُ دَرَجاتِ البَشَرِيَّةِ، و(أعْظَمُ) هُنا يَسُوغُ أنْ تَبْقى عَلى بابِها مِنَ التَّفْضِيلِ، ويَكُونُ ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ اعْتِقادِ المُشْرِكِينَ بِأنَّ في سِقايَتِهِمْ وعِمارَتِهِمْ فَضِيلَةً، فَخُوطِبُوا عَلى اعْتِقادِهِمْ. أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا ولَمْ يُجاهِدُوا. وقِيلَ: (أعْظَمُ) لَيْسَتْ عَلى بابِها، بَلْ هي كَقَوْلِهِ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٢٤]، وقَوْلُ حَسّانَ: ؎فَشَرُّكُما لِخَيْرِكُما الفِداءُ وكَأنَّهُ قِيلَ: عَظِيمُونَ دَرَجَةً. و(عِنْدَ اللَّهِ) بِالمَكانَةِ لا بِالمَكانِ كَقَوْلِهِ: ﴿ومَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ [الأنبياء: ١٩] قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: الأرْواحُ المُقَدَّسَةُ البَشَرِيَّةُ إذا تَطَهَّرَتْ عَنْ دَنَسِ الأوْصافِ البَدَنِيَّةِ والقاذُوراتِ الجَسَدانِيَّةِ أشْرَقَتْ بِأنْوارِ الجَلالِ، وعَلا فِيها أضْواءُ عالَمِ الجَمالِ، وتَرَقَّتْ مِنَ العَبْدِيَّةِ إلى العِنْدِيَّةِ، بَلْ كَأنَّهُ لا كَمالَ في العَبْدِيَّةِ إلّا بِمُشاهَدَةِ الحَقِيقَةِ العِنْدِيَّةِ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١] انْتَهى، وهو شَبِيهٌ بِكَلامِ الصُّوفِيَّةِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الأوْصافِ هو الفائِزُ الظّافِرُ بِأُمْنِيَتِهِ، النّاجِي مِنَ النّارِ. ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي في المُهاجِرِينَ خاصَّةً انْتَهى، وأُسْنِدَ التَّبْشِيرُ إلى قَوْلِهِ: رَبُّهم، لِما في ذَلِكَ مِنَ الإحْسانِ إلَيْهِمْ بِأنَّ مالِكَ أمْرِهِمْ والنّاظِرَ في مَصالِحِهِمْ هو الَّذِي يُبَشِّرُهم، فَذَلِكَ عَلى تَحْقِيقِ عُبُودِيَّتِهِمْ لِرَبِّهِمْ. ولَمّا كانَتِ الأوْصافُ الَّتِي تَحَلَّوْا بِها وصارُوا بِها عَبِيدَهَ حَقِيقَةً هي ثَلاثَةٌ: الإيمانُ، والهِجْرَةُ، والجِهادُ بِالمالِ والنَّفْسِ، قُوبِلُوا في التَّبْشِيرِ بِثَلاثَةٍ: الرَّحْمَةِ، والرِّضْوانِ، والجَنّاتِ. فَبَدَأ بِالرَّحْمَةِ؛ لِأنَّها الوَصْفُ الأعَمُّ النّاشِئُ عَنْها تَيْسِيرُ الإيمانِ لَهم، وثَنّى بِالرِّضْوانِ؛ لِأنَّهُ الغايَةُ مِن إحْسانِ الرَّبِّ لِعَبْدِهِ وهو مُقابِلُ الجِهادِ، إذْ هو بَذْلُ النَّفْسِ والمالِ، وقُدِّمَ عَلى الجَنّاتِ؛ لِأنَّ رِضا اللَّهِ عَنِ العَبْدِ أفْضَلُ مِن إسْكانِهِمُ الجَنَّةَ. وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: يا أهْلَ الجَنَّةِ، هَلْ رَضِيتُمْ ؟ فَيَقُولُونَ: يا رَبَّنا كَيْفَ لا نَرْضى وقَدْ باعَدْتَنا عَنْ نارِكَ وأدْخَلَتْنا جَنَّتَكَ، فَيَقُولُ: لَكم عِنْدِي أفْضَلُ مِن ذَلِكَ، فَيَقُولُونَ: وما أفْضَلُ مِن ذَلِكَ ؟ فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكم رِضائِي فَلا أسْخَطُ عَلَيْكم بَعْدَها»، وأتى ثالِثًا بِقَوْلِهِ: ﴿وجَنّاتٍ لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾؛ أيْ دائِمٌ لا يَنْقَطِعُ. وهَذا مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ ”وهاجَرُوا“؛ لِأنَّهم تَرَكُوا أوْطانَهُمُ الَّتِي نَشَئُوا فِيها وكانُوا فِيها مُنَعَّمِينَ، فَآثَرُوا الهِجْرَةَ عَلى دارِ الكُفْرِ إلى مُسْتَقَرِّ الإيمانِ والرِّسالَةِ، فَقُوبِلُوا عَلى ذَلِكَ بِالجَنّاتِ ذَواتِ النَّعِيمِ الدّائِمِ، فَجاءَ التَّرْتِيبُ في أوْصافِهِمْ عَلى حَسَبِ الواقِعِ: الإيمانُ، ثُمَّ الهِجْرَةُ، ثُمَّ الجِهادُ. وجاءَ التَّرْتِيبُ في المُقابِلِ عَلى حَسَبِ الأعَمِّ، ثُمَّ الأشْرَفِ، ثُمَّ التَّكْمِيلِ. قالَ التَّبْرِيزِيُّ: ونَكَّرَ الرَّحْمَةَ والرِّضْوانَ لِلتَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ. (بِرَحْمَةٍ) أيْ: رَحْمَةٍ لا يَبْلُغُها وصْفُ واصِفٍ. وقَرَأ الأعْمَشُ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وحُمَيْدُ بْنُ هِلالٍ: يَبْشُرُهم بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الشِّينِ خَفِيفَةً. وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: ورُضْوانٌ بِضَمِّ الرّاءِ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ في أوائِلِ آلِ عِمْرانَ. وقَرَأ الأعْمَشُ: بِضَمِّ الرّاءِ والضّادِ مَعًا. قالَ أبُو حاتِمٍ: لا يَجُوزُ هَذا انْتَهى. ويَنْبَغِي أنْ يَجُوزَ، فَقَدْ قالَتِ العَرَبُ: سُلُطانٌ بِضَمِّ اللّامِ، وأوْرَدَهُ التَّصْرِيفِيُّونَ في أبْنِيَةِ الأسْماءِ.

التوبة 9:18

﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ﴾ قَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ: أنْ يُعْمِرُوا بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ المِيمِ، أنْ يُعِينُوا عَلى عِمارَتِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والجَحْدَرِيُّ: مَسْجِدٌ بِالإفْرادِ، وباقِي السَّبْعَةِ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وأبُو جَعْفَرٍ والأعْرَجُ وشَيْيَةُ بِالجَمْعِ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَما ذَكَرَ البَراءَةَ مِنَ المُشْرِكِينَ وأنْواعًا مِن قَبائِحِهِمْ تُوجِبُ البَراءَةَ مِنهم، ذَكَرُوا أنَّهم مَوْصُوفُونَ بِصِفاتٍ حَمِيدَةٍ تُوجِبُ انْتِفاءَ البَراءَةِ مِنها كَوْنُهم عامِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ. رُوِيَ أنَّهُ أقْبَلَ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ عَلى أُسارى بَدْرٍ يُعَيِّرُونَهم بِالشِّرْكِ، وطَفِقَ عَلِيٌّ يُوَبِّخُ العَبّاسَ، فَقالَ الرَّسُولُ ﷺ: واقَطِيعَةَ الرَّحِمِ، وأغْلَظَ لَهُ في القَوْلِ. فَقالَ العَبّاسُ: تُظْهِرُونَ مَساوِينا، وتَكْتُمُونَ مَحاسِنَنا ؟ فَقالَ: أوَلَكم مَحاسِنُ ؟ قالُوا: نَعَمْ، ونَحْنُ أفْضَلُ مِنكم أجْرًا، إنّا لَنَعْمُرُ المَسْجِدَ الحَرامَ، ونَحْجُبُ الكَعْبَةَ، ونَسْقِي الحَجِيجَ، ونَفُكُّ العانِيَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ رَدًّا عَلَيْهِمْ. ومَعْنى (ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ): أيْ بِالحَقِّ الواجِبِ، وإلّا فَقَدَ عَمَرُوهُ قَدِيمًا وحَدِيثًا عَلى سَبِيلِ التَّغَلُّبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ ما صَحَّ وما اسْتَقامَ انْتَهى. وعِمارَتُهُ دُخُولُهُ والقُعُودُ فِيهِ والمُكْثُ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَعْمُرُ المَسْجِدَ؛ أيْ يُكْثِرُ غَشَيانَهُ، أوْ رَفْعَ بِنائِهِ، وإصْلاحَ ما تَهَدَّمَ مِنهُ، أوِ التَّعَبُّدَ فِيهِ، والطَّوافَ بِهِ. والصَّلاةُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ، ومَن قَرَأ بِالإفْرادِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ المَسْجِدُ الحَرامُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾، أوِ الجِنْسُ فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ المَسْجِدُ الحَرامُ، إذْ هو صَدْرُ ذَلِكَ الجِنْسِ (p-١٩)مُقَدِّمَتُهُ. ومَن قَرَأ بِالجَمْعِ فَيَحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ المَسْجِدُ الحَرامُ، وأُطْلِقَ عَلَيْهِ الجَمْعُ إمّا بِاعْتِبارِ أنَّ كُلَّ مَكانٍ مِنهُ مَسْجِدٌ، وإمّا لِأنَّهُ قِبْلَةُ المَساجِدِ كُلِّها وإمامُها، فَكانَ عامِرُهُ عامِرَ المَساجِدِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ الجَمْعُ، فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ المَسْجِدُ الحَرامُ وهو آكَدُ؛ لِأنَّ طَرِيقَتَهُ طَرِيقَةُ الكِنايَةِ كَما لَوْ قُلْتَ: فُلانٌ لا يَقْرَأُ كُتُبَ اللَّهِ، كُنْتَ أنْفى لِقِراءَةِ القُرْآنِ مِن تَصْرِيحِكَ بِذَلِكَ. وانْتَصَبَ (شاهِدِينَ) عَلى الحالِ، والمَعْنى: ما اسْتَقامَ لَهم أنْ يَجْمَعُوا بَيْنَ أمْرَيْنِ مُتَنافِيَيْنِ: عِمارَةُ مُتَعَبَّداتِ اللَّهِ تَعالى مَعَ الكُفْرِ بِهِ وبِعِبادَتِهِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: شاهِدُونَ عَلى إضْمارِ هم شاهِدُونَ، وشَهادَتُهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ قَوْلُهم في الطَّوافِ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، لا شَرِيكَ لَكَ، إلّا شَرِيكًا هو لَكَ، تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ، أوْ قَوْلُهم إذا سُئِلُوا عَنْ دِينِهِمْ: نَعْبُدُ اللّاتَ والعُزّى، أوْ تَكْذِيبُهُمُ الرَّسُولَ، أوْ قَوْلُ المُشْرِكِ: أنا مُشْرِكٌ كَما يَقُولُ اليَهُودِيُّ هو يَهُودِيٌّ، والنَّصْرانِيُّ هو نَصْرانِيٌّ، والمَجُوسِيُّ هو مَجُوسِيٌّ، والصّابِئُ هو صابِئٌ، أوْ ظُهُورُ أفْعالِ الكَفَرَةِ مِن نَصْبِ أصْنامِهِمْ وطَوافِهِمْ بِالبَيْتِ عُراةً، وغَيْرُ ذَلِكَ أقْوالٌ خَمْسَةٌ، هَذا إذا حُمِلَ (عَلى أنْفُسِهِمْ) عَلى ظاهِرِهِ، وقِيلَ: مَعْناهُ شاهِدِينَ عَلى رَسُولِهِمْ، وأُطْلِقَ عَلَيْهِ أنْفُسَهم؛ لِأنَّهُ ما مِن بَطْنٍ مِن بُطُونِ العَرَبِ إلّا ولَهُ فِيهِمْ وِلادَةٌ، ويُؤَيِّدُ هَذا القَوْلَ قِراءَةُ مَن قَرَأ عَلى أنْفَسِهِمْ بِفَتْحِ الفاءِ، أيْ أشْرَفِهم وأجَلِّهم قَدْرًا. ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ الَّتِي هي العِمارَةُ والحِجابَةُ والسِّقايَةُ وفَكُّ العُناةُ وغَيْرُها مِمّا ذُكِرَ أنَّهُ مِنَ الأعْمالِ الحَمِيدَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإذا هَدَمَ الكُفْرُ أوِ الكَبِيرَةُ الأعْمالَ الثّابِتَةَ الصَّحِيحَةَ إذا تَعَقَّبَها، فَما ظَنُّكَ بِالمُقارِنِ ؟ وإلى ذَلِكَ أشارَ تَعالى بِقَوْلِهِ: (شاهِدِينَ) حَيْثُ جَعَلَهُ حالًا عَنْهم، ودَلَّ عَلى أنَّهم قارِنُونِ بَيْنَ العِمارَةِ والشَّهادَةِ بِالكُفْرِ عَلى أنْفُسِهِمْ في حالٍ واحِدَةٍ، وذَلِكَ مُحالٌ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ انْتَهى. وقَوْلُهُ: أوِ الكَبِيرَةُ دَسِيسَةُ اعْتِزالٍ؛ لِأنَّ الكَبِيرَةَ عِنْدَهم مِنَ المَعاصِي تُحْبِطُ الأعْمالَ. ﴿وفِي النّارِ هم خالِدُونَ﴾ ذَكَرَ مَآلَ المُشْرِكِينَ وهو النّارُ خالِدِينَ فِيها. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِالياءِ نَصْبًا عَلى الحالِ، و(في النّارِ) هو الخَبَرُ. كَما تَقُولُ: في الدّارِ زَيْدٌ قاعِدًا. وقالَ الواحِدِيُّ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الكُفّارَ مَمْنُوعُونَ مِن عِمارَةِ مَسْجِدِ المُسْلِمِينَ، ولَوْ أوْصى لَمْ تُقْبَلْ وصِيَّتُهُ، ويُمْنَعُ مِن دُخُولِ المَساجِدِ، فَإنْ دَخَلَ بِغَيْرِ إذْنِ مُسْلِمٍ اسْتَحَقَّ التَّعْزِيرَ، وإنْ دَخَلَ بِإذْنٍ لَمْ يُعَزَّرْ، والأوْلى تَعْظِيمُ المَساجِدِ ومَنعُها مِنهم. وقَدْ أنْزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وفْدَ ثَقِيفَ وهم كُفّارٌ المَسْجِدَ، ورَبَطَ ثُمامَةَ بْنَ أُثالٍ الحَنَفِيَّ في سارِيَةٍ مِن سَوارِي المَسْجِدِ وهو كافِرٌ. ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ ولَمْ يَخْشَ إلّا اللَّهَ فَعَسى أُولَئِكَ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ قَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وحَمّادُ بْنُ أبِي سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: مَسْجِدًا لِلَّهِ بِالتَّوْحِيدِ، وقَرَأ السَّبْعَةُ وجَماعَةٌ: بِالجَمْعِ، والمَعْنى: إنَّما يَعْمُرُها بِالحَقِّ والواجِبِ، ويَسْتَقِيمُ ذَلِكَ فِيمَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الأوْصافِ. وفي ضِمْنِ هَذا الخَبَرِ أمْرُ المُؤْمِنِينَ بِعِمارَةِ المَساجِدِ، ويَتَناوَلُ عِمارَتُها رَمَّ ما تَهَدَّمَ مِنها، وتَنْظِيفَها، وتَنْوِيرَها، وتَعْظِيمَها، واعْتِيادَها لِلْعِبادَةِ والذِّكْرِ. ومِنَ الذِّكْرِ دَرْسُ العِلْمِ بَلْ هو أجَلُّهُ، وصَوْنَها عَمّا لَمْ تُبْنَ لَهُ مِنَ الخَوْضِ في أحْوالِ الدُّنْيا. وفي الحَدِيثِ: «إذا رَأيْتُمُ الرَّجُلَ يَعْتادُ المَسْجِدَ فاشْهَدُوا لَهُ بِالإيمانِ» ولَمْ يُذْكَرِ الإيمانُ بِالرَّسُولِ؛ لِأنَّ الإيمانَ بِاليَوْمِ الآخِرِ إنَّما هو مُتَلَقَّفٌ مِن أخْبارِ الرَّسُولِ، فَيَتَضَمَّنُ الإيمانَ بِالرَّسُولِ. أوْ لَمْ يُذْكَرْ لِما عُلِمَ وشُهِرَ مِن أنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ تَعالى قَرِينَتُهُ الإيمانُ بِالرَّسُولِ ﷺ؛ لِاشْتِمالِ كَلِمَةِ الشَّهادَةِ والأذانِ والإقامَةِ وغَيْرِها عَلَيْهِما مُقْتَرِنَيْنِ مُزْدَوِجَيْنِ، كَأنَّهُما شَيْءٌ واحِدٌ لا يَنْفِكُّ أحَدُهُما عَنْ صاحِبِهِ، فانْطَوى تَحْتَ ذِكْرِ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى الإيمانُ بِالرَّسُولِ ﷺ . وقِيلَ: دَلَّ عَلَيْهِ بِذِكْرِ إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ، إذْ لا يُتَلَقّى ذَلِكَ إلّا مِنهُ. والمَقْصُودُ مِن بِناءِ المَساجِدِ وعِمارَتِها هو كَوْنُها مُجْتَمَعًا لِإقامَةِ الصَّلَواتِ فِيها والتَّعَبُّداتِ مِنَ الذِّكْرِ والِاعْتِكافِ وغَيْرِهِما، وناسَبَ ذِكْرُ إيتاءِ (p-٢٠)الزَّكاةِ مَعَ عِمارَةِ المَساجِدِ أنَّها لَمّا كانَتْ مَجْمَعًا لِلنّاسِ بانَ فِيها أمْرُ الغَنِيِّ والفَقِيرِ، وعُرِفَتْ أحْوالُ مَن يُؤَدِّي الزَّكاةَ ومَن يَسْتَحِقُّها. ﴿ولَمْ يَخْشَ إلّا اللَّهَ﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُرِيدُ خَشْيَةَ التَّعْظِيمِ والعِبادَةِ والطّاعَةِ، ولا مَحالَةَ أنَّ الإنْسانَ يَخْشى غَيْرَهُ، ويَخْشى المَحاذِيرَ الدُّنْيَوِيَّةَ، ويَنْبَغِي أنْ يَخْشى في ذَلِكَ كُلِّهِ قَضاءَ اللَّهَ وتَصْرِيفَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هي الخَشْيَةُ والتَّقْوى في أبْوابِ الدُّنْيا، وأنْ لا يَخْتارَ عَلى رِضا اللَّهِ رِضا غَيْرِهِ، وإذا اعْتَرَضَهُ أمْرانِ أحَدُهُما حَقُّ اللَّهِ تَعالى، والآخَرُ حَقُّ نَفْسِهِ، خافَ اللَّهَ وآثَرَ حَقَّ اللَّهِ عَلى حَقِّ نَفْسِهِ. وقِيلَ: كانُوا يَخْشَوْنَ الأصْنامَ ويَرْجُونَها، فَأُرِيدَ نَفْيُ تِلْكَ الخَشْيَةِ عَنْهُمُ انْتَهى. وعَسى مِنَ اللَّهِ تَعالى واجِبٌ حَيْثُما وقَعَتْ في القُرْآنِ، وفي ذَلِكَ قَطْعُ أطْماعِ المُشْرِكِينَ أنْ يَكُونُوا مُهْتَدِينَ؛ إذْ مَن جَمَعَ هَذِهِ الخِصالَ الأرْبَعَةَ جُعِلَ حالُهُ حالَ مَن تُرْجى لَهُ الهِدايَةُ، فَكَيْفَ بِمَن هو عارٍ مِنها، وفي ذَلِكَ تَرْجِيحُ الخَشْيَةِ عَلى الرَّجاءِ، ورَفْضُ الِاغْتِرارِ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، فَرُبَّما دَخَلَها بَعْضُ المُفْسِداتِ وصاحِبُها لا يَشْعُرُ بِها. وقالَ تَعالى: ﴿أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾؛ أيْ: مِنَ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمُ الهِدايَةُ، ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ أنْ يَكُونُوا مُهْتَدِينَ، بَلْ جُعِلُوا بَعْضًا مِنَ المُهْتَدِينَ، وكَوْنُهم مِنهم أقَلَّ في التَّعْظِيمِ مِن أنْ يُجَرَّدَ لَهُمُ الحُكْمُ بِالهِدايَةِ. ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وجاهَدَ في سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ قالَ: «كُنْتُ عِنْدَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ فَقالَ رَجُلٌ: ما أُبالِي أنْ لا أعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ أنْ أسْقِيَ الحاجَّ، وقالَ الآخَرُ: ما أُبالِي أنْ لا أعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ أنْ أُعَمِّرَ المَسْجِدَ الحَرامَ، وقالَ آخَرُ: الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ أفْضَلُ مِمّا قُلْتُمْ، فَزَجَرَهم عُمَرُ وقالَ: لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم عِنْدَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهو يَوْمُ الجُمُعَةِ، ولَكِنِّي إذا صَلَّيْتُ الجُمُعَةَ دَخَلْتُ فاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ وقَوْلُهُ أقْوالًا أُخَرَ في سَبَبِ النُّزُولِ كُلُّها تَدُلُّ عَلى الِافْتِخارِ بِالسِّقايَةِ والعِمارَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (سِقايَةَ) (وعِمارَةَ)، وهُما مَصْدَرانِ نَحْوُ الصِّيانَةِ والوِقايَةِ، وقُوبِلا بِالذَّواتِ، فاحْتِيجَ إلى حَذْفٍ مِنَ الأوَّلِ؛ أيْ: أهْلَ سِقايَةِ، أوْ حَذْفٍ مِنَ الثّانِي؛ أيْ: كَعَمَلِ مَن آمَنَ. وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ، والباقِرُ، وأبُو حَيْوَةَ: سَقاةَ الحاجِّ، وعَمَرَةَ المَسْجِدِ، جَمْعُ ساقٍ وجَمْعُ عامِرٍ كَرامٍ ورُماةٍ وصانِعٍ وصَنَعَةٍ، وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ نَصَبَ المَسْجِدَ عَلى إرادَةِ التَّنْوِينِ في (عَمَرَةً)، وقَرَأ الضَّحّاكُ: سُقايَةَ بِضَمِّ السِّينِ، وعِمْرَةَ بُنِيَ الجَمْعُ عَلى فِعالٍ كَرِخْلٍ ورُخالٍ، وظِئْرٍ وظُؤارٍ، وكانَ المُناسِبُ أنْ يَكُونَ بِغَيْرِ هاءٍ، لَكِنَّهُ أدْخَلَ الهاءَ كَما دَخَلَتْ في حِجارَةٍ. وكانَتِ السِّقايَةُ في بَنِي هاشِمٍ، وكانَ العَبّاسُ يَتَوَلّاها، ولَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ العَبّاسُ: ما أرانِي إلّا أتْرُكُ السِّقايَةَ، فَقالَ النَّبِيُّ: «أقِيمُوا عَلَيْها فَهي لَكم خَيْرٌ» وعِمارَةُ المَسْجِدِ هي السِّدانَةُ، وكانَ في بَنِي عَبْدِ الدّارِ، وشَيْبَةُ وعُثْمانُ بْنُ طَلْحَةَ هُما اللَّذانِ دَفَعَ إلَيْهِما رَسُولُ اللَّهِ مِفْتاحَ الكَعْبَةِ في ثامِنِ يَوْمِ الفَتْحِ بَعْدَ أنْ طَلَبَهُ العَبّاسُ وعَلِيٌّ، وقالَ لِعُثْمانَ وشَيْبَةَ: «خُذُوها خالِدَةً تالِدَةً لا يُنازِعُكُما عَلَيْها إلّا ظالِمٌ»؛ يَعْنِي السِّدانَةَ. ومَعْنى الآيَةِ: إنْكارُ أنْ يُشَبَّهَ المُشْرِكُونَ بِالمُؤْمِنِينَ وأعْمالُهُمُ المُحْبَطَةُ بِأعْمالِهِمُ المُثَبِّتَةِ. ولَمّا نَفى المُساواةَ بَيْنَهُما أوْضَحَ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾، مِنَ الرّاجِحِ مِنهُما، وأنَّ الكافِرِينَ بِاللَّهِ هُمُ الظّالِمُونَ، ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِتَرْكِ الإيمانِ بِاللَّهِ، وبِما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ، وظَلَمُوا المَسْجِدَ الحَرامَ إذْ جَعَلَهُ اللَّهُ مُتَعَبَّدًا لَهم فَجَعَلُوهُ مُتَعَبَّدًا لِأوْثانِهِمْ. وذَكَرَ في المُؤْمِنِينَ إثْباتَ الهِدايَةِ لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿فَعَسى أُولَئِكَ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ وفي المُشْرِكِينَ هُنا نَفى الهِدايَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ . (p-٢١)﴿الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ زادَتْ هَذِهِ الآيَةُ وُضُوحًا في التَّرْجِيحِ لِلْمُؤْمِنِينَ المُتَّصِفِينَ بِهَذِهِ الأوْصافِ عَلى المُشْرِكِينَ المُفْتَخِرِينَ بِالسِّقايَةِ والعِمارَةِ، فَطَهَّرُوا أنْفُسَهم مِن دَنَسِ الشِّرْكِ بِالإيمانِ، وطَهَّرُوا أبْدانَهم بِالهِجْرَةِ إلى مَوْطِنِ الرَّسُولِ وتَرْكِ دِيارِهِمُ الَّتِي نَشَئُوا عَلَيْها، ثُمَّ بالَغُوا بِالجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ بِالمالِ والنَّفْسِ المُعَرَّضَيْنِ بِالجِهادِ لِلتَّلَفِ. فَهَذِهِ الخِصالُ أعْظَمُ دَرَجاتِ البَشَرِيَّةِ، و(أعْظَمُ) هُنا يَسُوغُ أنْ تَبْقى عَلى بابِها مِنَ التَّفْضِيلِ، ويَكُونُ ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ اعْتِقادِ المُشْرِكِينَ بِأنَّ في سِقايَتِهِمْ وعِمارَتِهِمْ فَضِيلَةً، فَخُوطِبُوا عَلى اعْتِقادِهِمْ. أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا ولَمْ يُجاهِدُوا. وقِيلَ: (أعْظَمُ) لَيْسَتْ عَلى بابِها، بَلْ هي كَقَوْلِهِ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٢٤]، وقَوْلُ حَسّانَ: ؎فَشَرُّكُما لِخَيْرِكُما الفِداءُ وكَأنَّهُ قِيلَ: عَظِيمُونَ دَرَجَةً. و(عِنْدَ اللَّهِ) بِالمَكانَةِ لا بِالمَكانِ كَقَوْلِهِ: ﴿ومَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ [الأنبياء: ١٩] قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: الأرْواحُ المُقَدَّسَةُ البَشَرِيَّةُ إذا تَطَهَّرَتْ عَنْ دَنَسِ الأوْصافِ البَدَنِيَّةِ والقاذُوراتِ الجَسَدانِيَّةِ أشْرَقَتْ بِأنْوارِ الجَلالِ، وعَلا فِيها أضْواءُ عالَمِ الجَمالِ، وتَرَقَّتْ مِنَ العَبْدِيَّةِ إلى العِنْدِيَّةِ، بَلْ كَأنَّهُ لا كَمالَ في العَبْدِيَّةِ إلّا بِمُشاهَدَةِ الحَقِيقَةِ العِنْدِيَّةِ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١] انْتَهى، وهو شَبِيهٌ بِكَلامِ الصُّوفِيَّةِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الأوْصافِ هو الفائِزُ الظّافِرُ بِأُمْنِيَتِهِ، النّاجِي مِنَ النّارِ. ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي في المُهاجِرِينَ خاصَّةً انْتَهى، وأُسْنِدَ التَّبْشِيرُ إلى قَوْلِهِ: رَبُّهم، لِما في ذَلِكَ مِنَ الإحْسانِ إلَيْهِمْ بِأنَّ مالِكَ أمْرِهِمْ والنّاظِرَ في مَصالِحِهِمْ هو الَّذِي يُبَشِّرُهم، فَذَلِكَ عَلى تَحْقِيقِ عُبُودِيَّتِهِمْ لِرَبِّهِمْ. ولَمّا كانَتِ الأوْصافُ الَّتِي تَحَلَّوْا بِها وصارُوا بِها عَبِيدَهَ حَقِيقَةً هي ثَلاثَةٌ: الإيمانُ، والهِجْرَةُ، والجِهادُ بِالمالِ والنَّفْسِ، قُوبِلُوا في التَّبْشِيرِ بِثَلاثَةٍ: الرَّحْمَةِ، والرِّضْوانِ، والجَنّاتِ. فَبَدَأ بِالرَّحْمَةِ؛ لِأنَّها الوَصْفُ الأعَمُّ النّاشِئُ عَنْها تَيْسِيرُ الإيمانِ لَهم، وثَنّى بِالرِّضْوانِ؛ لِأنَّهُ الغايَةُ مِن إحْسانِ الرَّبِّ لِعَبْدِهِ وهو مُقابِلُ الجِهادِ، إذْ هو بَذْلُ النَّفْسِ والمالِ، وقُدِّمَ عَلى الجَنّاتِ؛ لِأنَّ رِضا اللَّهِ عَنِ العَبْدِ أفْضَلُ مِن إسْكانِهِمُ الجَنَّةَ. وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: يا أهْلَ الجَنَّةِ، هَلْ رَضِيتُمْ ؟ فَيَقُولُونَ: يا رَبَّنا كَيْفَ لا نَرْضى وقَدْ باعَدْتَنا عَنْ نارِكَ وأدْخَلَتْنا جَنَّتَكَ، فَيَقُولُ: لَكم عِنْدِي أفْضَلُ مِن ذَلِكَ، فَيَقُولُونَ: وما أفْضَلُ مِن ذَلِكَ ؟ فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكم رِضائِي فَلا أسْخَطُ عَلَيْكم بَعْدَها»، وأتى ثالِثًا بِقَوْلِهِ: ﴿وجَنّاتٍ لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾؛ أيْ دائِمٌ لا يَنْقَطِعُ. وهَذا مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ ”وهاجَرُوا“؛ لِأنَّهم تَرَكُوا أوْطانَهُمُ الَّتِي نَشَئُوا فِيها وكانُوا فِيها مُنَعَّمِينَ، فَآثَرُوا الهِجْرَةَ عَلى دارِ الكُفْرِ إلى مُسْتَقَرِّ الإيمانِ والرِّسالَةِ، فَقُوبِلُوا عَلى ذَلِكَ بِالجَنّاتِ ذَواتِ النَّعِيمِ الدّائِمِ، فَجاءَ التَّرْتِيبُ في أوْصافِهِمْ عَلى حَسَبِ الواقِعِ: الإيمانُ، ثُمَّ الهِجْرَةُ، ثُمَّ الجِهادُ. وجاءَ التَّرْتِيبُ في المُقابِلِ عَلى حَسَبِ الأعَمِّ، ثُمَّ الأشْرَفِ، ثُمَّ التَّكْمِيلِ. قالَ التَّبْرِيزِيُّ: ونَكَّرَ الرَّحْمَةَ والرِّضْوانَ لِلتَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ. (بِرَحْمَةٍ) أيْ: رَحْمَةٍ لا يَبْلُغُها وصْفُ واصِفٍ. وقَرَأ الأعْمَشُ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وحُمَيْدُ بْنُ هِلالٍ: يَبْشُرُهم بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الشِّينِ خَفِيفَةً. وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: ورُضْوانٌ بِضَمِّ الرّاءِ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ في أوائِلِ آلِ عِمْرانَ. وقَرَأ الأعْمَشُ: بِضَمِّ الرّاءِ والضّادِ مَعًا. قالَ أبُو حاتِمٍ: لا يَجُوزُ هَذا انْتَهى. ويَنْبَغِي أنْ يَجُوزَ، فَقَدْ قالَتِ العَرَبُ: سُلُطانٌ بِضَمِّ اللّامِ، وأوْرَدَهُ التَّصْرِيفِيُّونَ في أبْنِيَةِ الأسْماءِ.

التوبة 9:19

﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ﴾ قَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ: أنْ يُعْمِرُوا بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ المِيمِ، أنْ يُعِينُوا عَلى عِمارَتِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والجَحْدَرِيُّ: مَسْجِدٌ بِالإفْرادِ، وباقِي السَّبْعَةِ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وأبُو جَعْفَرٍ والأعْرَجُ وشَيْيَةُ بِالجَمْعِ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَما ذَكَرَ البَراءَةَ مِنَ المُشْرِكِينَ وأنْواعًا مِن قَبائِحِهِمْ تُوجِبُ البَراءَةَ مِنهم، ذَكَرُوا أنَّهم مَوْصُوفُونَ بِصِفاتٍ حَمِيدَةٍ تُوجِبُ انْتِفاءَ البَراءَةِ مِنها كَوْنُهم عامِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ. رُوِيَ أنَّهُ أقْبَلَ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ عَلى أُسارى بَدْرٍ يُعَيِّرُونَهم بِالشِّرْكِ، وطَفِقَ عَلِيٌّ يُوَبِّخُ العَبّاسَ، فَقالَ الرَّسُولُ ﷺ: واقَطِيعَةَ الرَّحِمِ، وأغْلَظَ لَهُ في القَوْلِ. فَقالَ العَبّاسُ: تُظْهِرُونَ مَساوِينا، وتَكْتُمُونَ مَحاسِنَنا ؟ فَقالَ: أوَلَكم مَحاسِنُ ؟ قالُوا: نَعَمْ، ونَحْنُ أفْضَلُ مِنكم أجْرًا، إنّا لَنَعْمُرُ المَسْجِدَ الحَرامَ، ونَحْجُبُ الكَعْبَةَ، ونَسْقِي الحَجِيجَ، ونَفُكُّ العانِيَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ رَدًّا عَلَيْهِمْ. ومَعْنى (ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ): أيْ بِالحَقِّ الواجِبِ، وإلّا فَقَدَ عَمَرُوهُ قَدِيمًا وحَدِيثًا عَلى سَبِيلِ التَّغَلُّبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ ما صَحَّ وما اسْتَقامَ انْتَهى. وعِمارَتُهُ دُخُولُهُ والقُعُودُ فِيهِ والمُكْثُ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَعْمُرُ المَسْجِدَ؛ أيْ يُكْثِرُ غَشَيانَهُ، أوْ رَفْعَ بِنائِهِ، وإصْلاحَ ما تَهَدَّمَ مِنهُ، أوِ التَّعَبُّدَ فِيهِ، والطَّوافَ بِهِ. والصَّلاةُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ، ومَن قَرَأ بِالإفْرادِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ المَسْجِدُ الحَرامُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾، أوِ الجِنْسُ فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ المَسْجِدُ الحَرامُ، إذْ هو صَدْرُ ذَلِكَ الجِنْسِ (p-١٩)مُقَدِّمَتُهُ. ومَن قَرَأ بِالجَمْعِ فَيَحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ المَسْجِدُ الحَرامُ، وأُطْلِقَ عَلَيْهِ الجَمْعُ إمّا بِاعْتِبارِ أنَّ كُلَّ مَكانٍ مِنهُ مَسْجِدٌ، وإمّا لِأنَّهُ قِبْلَةُ المَساجِدِ كُلِّها وإمامُها، فَكانَ عامِرُهُ عامِرَ المَساجِدِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ الجَمْعُ، فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ المَسْجِدُ الحَرامُ وهو آكَدُ؛ لِأنَّ طَرِيقَتَهُ طَرِيقَةُ الكِنايَةِ كَما لَوْ قُلْتَ: فُلانٌ لا يَقْرَأُ كُتُبَ اللَّهِ، كُنْتَ أنْفى لِقِراءَةِ القُرْآنِ مِن تَصْرِيحِكَ بِذَلِكَ. وانْتَصَبَ (شاهِدِينَ) عَلى الحالِ، والمَعْنى: ما اسْتَقامَ لَهم أنْ يَجْمَعُوا بَيْنَ أمْرَيْنِ مُتَنافِيَيْنِ: عِمارَةُ مُتَعَبَّداتِ اللَّهِ تَعالى مَعَ الكُفْرِ بِهِ وبِعِبادَتِهِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: شاهِدُونَ عَلى إضْمارِ هم شاهِدُونَ، وشَهادَتُهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ قَوْلُهم في الطَّوافِ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، لا شَرِيكَ لَكَ، إلّا شَرِيكًا هو لَكَ، تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ، أوْ قَوْلُهم إذا سُئِلُوا عَنْ دِينِهِمْ: نَعْبُدُ اللّاتَ والعُزّى، أوْ تَكْذِيبُهُمُ الرَّسُولَ، أوْ قَوْلُ المُشْرِكِ: أنا مُشْرِكٌ كَما يَقُولُ اليَهُودِيُّ هو يَهُودِيٌّ، والنَّصْرانِيُّ هو نَصْرانِيٌّ، والمَجُوسِيُّ هو مَجُوسِيٌّ، والصّابِئُ هو صابِئٌ، أوْ ظُهُورُ أفْعالِ الكَفَرَةِ مِن نَصْبِ أصْنامِهِمْ وطَوافِهِمْ بِالبَيْتِ عُراةً، وغَيْرُ ذَلِكَ أقْوالٌ خَمْسَةٌ، هَذا إذا حُمِلَ (عَلى أنْفُسِهِمْ) عَلى ظاهِرِهِ، وقِيلَ: مَعْناهُ شاهِدِينَ عَلى رَسُولِهِمْ، وأُطْلِقَ عَلَيْهِ أنْفُسَهم؛ لِأنَّهُ ما مِن بَطْنٍ مِن بُطُونِ العَرَبِ إلّا ولَهُ فِيهِمْ وِلادَةٌ، ويُؤَيِّدُ هَذا القَوْلَ قِراءَةُ مَن قَرَأ عَلى أنْفَسِهِمْ بِفَتْحِ الفاءِ، أيْ أشْرَفِهم وأجَلِّهم قَدْرًا. ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ الَّتِي هي العِمارَةُ والحِجابَةُ والسِّقايَةُ وفَكُّ العُناةُ وغَيْرُها مِمّا ذُكِرَ أنَّهُ مِنَ الأعْمالِ الحَمِيدَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإذا هَدَمَ الكُفْرُ أوِ الكَبِيرَةُ الأعْمالَ الثّابِتَةَ الصَّحِيحَةَ إذا تَعَقَّبَها، فَما ظَنُّكَ بِالمُقارِنِ ؟ وإلى ذَلِكَ أشارَ تَعالى بِقَوْلِهِ: (شاهِدِينَ) حَيْثُ جَعَلَهُ حالًا عَنْهم، ودَلَّ عَلى أنَّهم قارِنُونِ بَيْنَ العِمارَةِ والشَّهادَةِ بِالكُفْرِ عَلى أنْفُسِهِمْ في حالٍ واحِدَةٍ، وذَلِكَ مُحالٌ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ انْتَهى. وقَوْلُهُ: أوِ الكَبِيرَةُ دَسِيسَةُ اعْتِزالٍ؛ لِأنَّ الكَبِيرَةَ عِنْدَهم مِنَ المَعاصِي تُحْبِطُ الأعْمالَ. ﴿وفِي النّارِ هم خالِدُونَ﴾ ذَكَرَ مَآلَ المُشْرِكِينَ وهو النّارُ خالِدِينَ فِيها. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِالياءِ نَصْبًا عَلى الحالِ، و(في النّارِ) هو الخَبَرُ. كَما تَقُولُ: في الدّارِ زَيْدٌ قاعِدًا. وقالَ الواحِدِيُّ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الكُفّارَ مَمْنُوعُونَ مِن عِمارَةِ مَسْجِدِ المُسْلِمِينَ، ولَوْ أوْصى لَمْ تُقْبَلْ وصِيَّتُهُ، ويُمْنَعُ مِن دُخُولِ المَساجِدِ، فَإنْ دَخَلَ بِغَيْرِ إذْنِ مُسْلِمٍ اسْتَحَقَّ التَّعْزِيرَ، وإنْ دَخَلَ بِإذْنٍ لَمْ يُعَزَّرْ، والأوْلى تَعْظِيمُ المَساجِدِ ومَنعُها مِنهم. وقَدْ أنْزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وفْدَ ثَقِيفَ وهم كُفّارٌ المَسْجِدَ، ورَبَطَ ثُمامَةَ بْنَ أُثالٍ الحَنَفِيَّ في سارِيَةٍ مِن سَوارِي المَسْجِدِ وهو كافِرٌ. ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ ولَمْ يَخْشَ إلّا اللَّهَ فَعَسى أُولَئِكَ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ قَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وحَمّادُ بْنُ أبِي سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: مَسْجِدًا لِلَّهِ بِالتَّوْحِيدِ، وقَرَأ السَّبْعَةُ وجَماعَةٌ: بِالجَمْعِ، والمَعْنى: إنَّما يَعْمُرُها بِالحَقِّ والواجِبِ، ويَسْتَقِيمُ ذَلِكَ فِيمَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الأوْصافِ. وفي ضِمْنِ هَذا الخَبَرِ أمْرُ المُؤْمِنِينَ بِعِمارَةِ المَساجِدِ، ويَتَناوَلُ عِمارَتُها رَمَّ ما تَهَدَّمَ مِنها، وتَنْظِيفَها، وتَنْوِيرَها، وتَعْظِيمَها، واعْتِيادَها لِلْعِبادَةِ والذِّكْرِ. ومِنَ الذِّكْرِ دَرْسُ العِلْمِ بَلْ هو أجَلُّهُ، وصَوْنَها عَمّا لَمْ تُبْنَ لَهُ مِنَ الخَوْضِ في أحْوالِ الدُّنْيا. وفي الحَدِيثِ: «إذا رَأيْتُمُ الرَّجُلَ يَعْتادُ المَسْجِدَ فاشْهَدُوا لَهُ بِالإيمانِ» ولَمْ يُذْكَرِ الإيمانُ بِالرَّسُولِ؛ لِأنَّ الإيمانَ بِاليَوْمِ الآخِرِ إنَّما هو مُتَلَقَّفٌ مِن أخْبارِ الرَّسُولِ، فَيَتَضَمَّنُ الإيمانَ بِالرَّسُولِ. أوْ لَمْ يُذْكَرْ لِما عُلِمَ وشُهِرَ مِن أنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ تَعالى قَرِينَتُهُ الإيمانُ بِالرَّسُولِ ﷺ؛ لِاشْتِمالِ كَلِمَةِ الشَّهادَةِ والأذانِ والإقامَةِ وغَيْرِها عَلَيْهِما مُقْتَرِنَيْنِ مُزْدَوِجَيْنِ، كَأنَّهُما شَيْءٌ واحِدٌ لا يَنْفِكُّ أحَدُهُما عَنْ صاحِبِهِ، فانْطَوى تَحْتَ ذِكْرِ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى الإيمانُ بِالرَّسُولِ ﷺ . وقِيلَ: دَلَّ عَلَيْهِ بِذِكْرِ إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ، إذْ لا يُتَلَقّى ذَلِكَ إلّا مِنهُ. والمَقْصُودُ مِن بِناءِ المَساجِدِ وعِمارَتِها هو كَوْنُها مُجْتَمَعًا لِإقامَةِ الصَّلَواتِ فِيها والتَّعَبُّداتِ مِنَ الذِّكْرِ والِاعْتِكافِ وغَيْرِهِما، وناسَبَ ذِكْرُ إيتاءِ (p-٢٠)الزَّكاةِ مَعَ عِمارَةِ المَساجِدِ أنَّها لَمّا كانَتْ مَجْمَعًا لِلنّاسِ بانَ فِيها أمْرُ الغَنِيِّ والفَقِيرِ، وعُرِفَتْ أحْوالُ مَن يُؤَدِّي الزَّكاةَ ومَن يَسْتَحِقُّها. ﴿ولَمْ يَخْشَ إلّا اللَّهَ﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُرِيدُ خَشْيَةَ التَّعْظِيمِ والعِبادَةِ والطّاعَةِ، ولا مَحالَةَ أنَّ الإنْسانَ يَخْشى غَيْرَهُ، ويَخْشى المَحاذِيرَ الدُّنْيَوِيَّةَ، ويَنْبَغِي أنْ يَخْشى في ذَلِكَ كُلِّهِ قَضاءَ اللَّهَ وتَصْرِيفَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هي الخَشْيَةُ والتَّقْوى في أبْوابِ الدُّنْيا، وأنْ لا يَخْتارَ عَلى رِضا اللَّهِ رِضا غَيْرِهِ، وإذا اعْتَرَضَهُ أمْرانِ أحَدُهُما حَقُّ اللَّهِ تَعالى، والآخَرُ حَقُّ نَفْسِهِ، خافَ اللَّهَ وآثَرَ حَقَّ اللَّهِ عَلى حَقِّ نَفْسِهِ. وقِيلَ: كانُوا يَخْشَوْنَ الأصْنامَ ويَرْجُونَها، فَأُرِيدَ نَفْيُ تِلْكَ الخَشْيَةِ عَنْهُمُ انْتَهى. وعَسى مِنَ اللَّهِ تَعالى واجِبٌ حَيْثُما وقَعَتْ في القُرْآنِ، وفي ذَلِكَ قَطْعُ أطْماعِ المُشْرِكِينَ أنْ يَكُونُوا مُهْتَدِينَ؛ إذْ مَن جَمَعَ هَذِهِ الخِصالَ الأرْبَعَةَ جُعِلَ حالُهُ حالَ مَن تُرْجى لَهُ الهِدايَةُ، فَكَيْفَ بِمَن هو عارٍ مِنها، وفي ذَلِكَ تَرْجِيحُ الخَشْيَةِ عَلى الرَّجاءِ، ورَفْضُ الِاغْتِرارِ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، فَرُبَّما دَخَلَها بَعْضُ المُفْسِداتِ وصاحِبُها لا يَشْعُرُ بِها. وقالَ تَعالى: ﴿أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾؛ أيْ: مِنَ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمُ الهِدايَةُ، ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ أنْ يَكُونُوا مُهْتَدِينَ، بَلْ جُعِلُوا بَعْضًا مِنَ المُهْتَدِينَ، وكَوْنُهم مِنهم أقَلَّ في التَّعْظِيمِ مِن أنْ يُجَرَّدَ لَهُمُ الحُكْمُ بِالهِدايَةِ. ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وجاهَدَ في سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ قالَ: «كُنْتُ عِنْدَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ فَقالَ رَجُلٌ: ما أُبالِي أنْ لا أعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ أنْ أسْقِيَ الحاجَّ، وقالَ الآخَرُ: ما أُبالِي أنْ لا أعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ أنْ أُعَمِّرَ المَسْجِدَ الحَرامَ، وقالَ آخَرُ: الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ أفْضَلُ مِمّا قُلْتُمْ، فَزَجَرَهم عُمَرُ وقالَ: لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم عِنْدَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهو يَوْمُ الجُمُعَةِ، ولَكِنِّي إذا صَلَّيْتُ الجُمُعَةَ دَخَلْتُ فاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ وقَوْلُهُ أقْوالًا أُخَرَ في سَبَبِ النُّزُولِ كُلُّها تَدُلُّ عَلى الِافْتِخارِ بِالسِّقايَةِ والعِمارَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (سِقايَةَ) (وعِمارَةَ)، وهُما مَصْدَرانِ نَحْوُ الصِّيانَةِ والوِقايَةِ، وقُوبِلا بِالذَّواتِ، فاحْتِيجَ إلى حَذْفٍ مِنَ الأوَّلِ؛ أيْ: أهْلَ سِقايَةِ، أوْ حَذْفٍ مِنَ الثّانِي؛ أيْ: كَعَمَلِ مَن آمَنَ. وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ، والباقِرُ، وأبُو حَيْوَةَ: سَقاةَ الحاجِّ، وعَمَرَةَ المَسْجِدِ، جَمْعُ ساقٍ وجَمْعُ عامِرٍ كَرامٍ ورُماةٍ وصانِعٍ وصَنَعَةٍ، وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ نَصَبَ المَسْجِدَ عَلى إرادَةِ التَّنْوِينِ في (عَمَرَةً)، وقَرَأ الضَّحّاكُ: سُقايَةَ بِضَمِّ السِّينِ، وعِمْرَةَ بُنِيَ الجَمْعُ عَلى فِعالٍ كَرِخْلٍ ورُخالٍ، وظِئْرٍ وظُؤارٍ، وكانَ المُناسِبُ أنْ يَكُونَ بِغَيْرِ هاءٍ، لَكِنَّهُ أدْخَلَ الهاءَ كَما دَخَلَتْ في حِجارَةٍ. وكانَتِ السِّقايَةُ في بَنِي هاشِمٍ، وكانَ العَبّاسُ يَتَوَلّاها، ولَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ العَبّاسُ: ما أرانِي إلّا أتْرُكُ السِّقايَةَ، فَقالَ النَّبِيُّ: «أقِيمُوا عَلَيْها فَهي لَكم خَيْرٌ» وعِمارَةُ المَسْجِدِ هي السِّدانَةُ، وكانَ في بَنِي عَبْدِ الدّارِ، وشَيْبَةُ وعُثْمانُ بْنُ طَلْحَةَ هُما اللَّذانِ دَفَعَ إلَيْهِما رَسُولُ اللَّهِ مِفْتاحَ الكَعْبَةِ في ثامِنِ يَوْمِ الفَتْحِ بَعْدَ أنْ طَلَبَهُ العَبّاسُ وعَلِيٌّ، وقالَ لِعُثْمانَ وشَيْبَةَ: «خُذُوها خالِدَةً تالِدَةً لا يُنازِعُكُما عَلَيْها إلّا ظالِمٌ»؛ يَعْنِي السِّدانَةَ. ومَعْنى الآيَةِ: إنْكارُ أنْ يُشَبَّهَ المُشْرِكُونَ بِالمُؤْمِنِينَ وأعْمالُهُمُ المُحْبَطَةُ بِأعْمالِهِمُ المُثَبِّتَةِ. ولَمّا نَفى المُساواةَ بَيْنَهُما أوْضَحَ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾، مِنَ الرّاجِحِ مِنهُما، وأنَّ الكافِرِينَ بِاللَّهِ هُمُ الظّالِمُونَ، ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِتَرْكِ الإيمانِ بِاللَّهِ، وبِما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ، وظَلَمُوا المَسْجِدَ الحَرامَ إذْ جَعَلَهُ اللَّهُ مُتَعَبَّدًا لَهم فَجَعَلُوهُ مُتَعَبَّدًا لِأوْثانِهِمْ. وذَكَرَ في المُؤْمِنِينَ إثْباتَ الهِدايَةِ لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿فَعَسى أُولَئِكَ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ وفي المُشْرِكِينَ هُنا نَفى الهِدايَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ . (p-٢١)﴿الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ زادَتْ هَذِهِ الآيَةُ وُضُوحًا في التَّرْجِيحِ لِلْمُؤْمِنِينَ المُتَّصِفِينَ بِهَذِهِ الأوْصافِ عَلى المُشْرِكِينَ المُفْتَخِرِينَ بِالسِّقايَةِ والعِمارَةِ، فَطَهَّرُوا أنْفُسَهم مِن دَنَسِ الشِّرْكِ بِالإيمانِ، وطَهَّرُوا أبْدانَهم بِالهِجْرَةِ إلى مَوْطِنِ الرَّسُولِ وتَرْكِ دِيارِهِمُ الَّتِي نَشَئُوا عَلَيْها، ثُمَّ بالَغُوا بِالجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ بِالمالِ والنَّفْسِ المُعَرَّضَيْنِ بِالجِهادِ لِلتَّلَفِ. فَهَذِهِ الخِصالُ أعْظَمُ دَرَجاتِ البَشَرِيَّةِ، و(أعْظَمُ) هُنا يَسُوغُ أنْ تَبْقى عَلى بابِها مِنَ التَّفْضِيلِ، ويَكُونُ ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ اعْتِقادِ المُشْرِكِينَ بِأنَّ في سِقايَتِهِمْ وعِمارَتِهِمْ فَضِيلَةً، فَخُوطِبُوا عَلى اعْتِقادِهِمْ. أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا ولَمْ يُجاهِدُوا. وقِيلَ: (أعْظَمُ) لَيْسَتْ عَلى بابِها، بَلْ هي كَقَوْلِهِ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٢٤]، وقَوْلُ حَسّانَ: ؎فَشَرُّكُما لِخَيْرِكُما الفِداءُ وكَأنَّهُ قِيلَ: عَظِيمُونَ دَرَجَةً. و(عِنْدَ اللَّهِ) بِالمَكانَةِ لا بِالمَكانِ كَقَوْلِهِ: ﴿ومَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ [الأنبياء: ١٩] قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: الأرْواحُ المُقَدَّسَةُ البَشَرِيَّةُ إذا تَطَهَّرَتْ عَنْ دَنَسِ الأوْصافِ البَدَنِيَّةِ والقاذُوراتِ الجَسَدانِيَّةِ أشْرَقَتْ بِأنْوارِ الجَلالِ، وعَلا فِيها أضْواءُ عالَمِ الجَمالِ، وتَرَقَّتْ مِنَ العَبْدِيَّةِ إلى العِنْدِيَّةِ، بَلْ كَأنَّهُ لا كَمالَ في العَبْدِيَّةِ إلّا بِمُشاهَدَةِ الحَقِيقَةِ العِنْدِيَّةِ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١] انْتَهى، وهو شَبِيهٌ بِكَلامِ الصُّوفِيَّةِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الأوْصافِ هو الفائِزُ الظّافِرُ بِأُمْنِيَتِهِ، النّاجِي مِنَ النّارِ. ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي في المُهاجِرِينَ خاصَّةً انْتَهى، وأُسْنِدَ التَّبْشِيرُ إلى قَوْلِهِ: رَبُّهم، لِما في ذَلِكَ مِنَ الإحْسانِ إلَيْهِمْ بِأنَّ مالِكَ أمْرِهِمْ والنّاظِرَ في مَصالِحِهِمْ هو الَّذِي يُبَشِّرُهم، فَذَلِكَ عَلى تَحْقِيقِ عُبُودِيَّتِهِمْ لِرَبِّهِمْ. ولَمّا كانَتِ الأوْصافُ الَّتِي تَحَلَّوْا بِها وصارُوا بِها عَبِيدَهَ حَقِيقَةً هي ثَلاثَةٌ: الإيمانُ، والهِجْرَةُ، والجِهادُ بِالمالِ والنَّفْسِ، قُوبِلُوا في التَّبْشِيرِ بِثَلاثَةٍ: الرَّحْمَةِ، والرِّضْوانِ، والجَنّاتِ. فَبَدَأ بِالرَّحْمَةِ؛ لِأنَّها الوَصْفُ الأعَمُّ النّاشِئُ عَنْها تَيْسِيرُ الإيمانِ لَهم، وثَنّى بِالرِّضْوانِ؛ لِأنَّهُ الغايَةُ مِن إحْسانِ الرَّبِّ لِعَبْدِهِ وهو مُقابِلُ الجِهادِ، إذْ هو بَذْلُ النَّفْسِ والمالِ، وقُدِّمَ عَلى الجَنّاتِ؛ لِأنَّ رِضا اللَّهِ عَنِ العَبْدِ أفْضَلُ مِن إسْكانِهِمُ الجَنَّةَ. وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: يا أهْلَ الجَنَّةِ، هَلْ رَضِيتُمْ ؟ فَيَقُولُونَ: يا رَبَّنا كَيْفَ لا نَرْضى وقَدْ باعَدْتَنا عَنْ نارِكَ وأدْخَلَتْنا جَنَّتَكَ، فَيَقُولُ: لَكم عِنْدِي أفْضَلُ مِن ذَلِكَ، فَيَقُولُونَ: وما أفْضَلُ مِن ذَلِكَ ؟ فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكم رِضائِي فَلا أسْخَطُ عَلَيْكم بَعْدَها»، وأتى ثالِثًا بِقَوْلِهِ: ﴿وجَنّاتٍ لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾؛ أيْ دائِمٌ لا يَنْقَطِعُ. وهَذا مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ ”وهاجَرُوا“؛ لِأنَّهم تَرَكُوا أوْطانَهُمُ الَّتِي نَشَئُوا فِيها وكانُوا فِيها مُنَعَّمِينَ، فَآثَرُوا الهِجْرَةَ عَلى دارِ الكُفْرِ إلى مُسْتَقَرِّ الإيمانِ والرِّسالَةِ، فَقُوبِلُوا عَلى ذَلِكَ بِالجَنّاتِ ذَواتِ النَّعِيمِ الدّائِمِ، فَجاءَ التَّرْتِيبُ في أوْصافِهِمْ عَلى حَسَبِ الواقِعِ: الإيمانُ، ثُمَّ الهِجْرَةُ، ثُمَّ الجِهادُ. وجاءَ التَّرْتِيبُ في المُقابِلِ عَلى حَسَبِ الأعَمِّ، ثُمَّ الأشْرَفِ، ثُمَّ التَّكْمِيلِ. قالَ التَّبْرِيزِيُّ: ونَكَّرَ الرَّحْمَةَ والرِّضْوانَ لِلتَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ. (بِرَحْمَةٍ) أيْ: رَحْمَةٍ لا يَبْلُغُها وصْفُ واصِفٍ. وقَرَأ الأعْمَشُ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وحُمَيْدُ بْنُ هِلالٍ: يَبْشُرُهم بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الشِّينِ خَفِيفَةً. وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: ورُضْوانٌ بِضَمِّ الرّاءِ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ في أوائِلِ آلِ عِمْرانَ. وقَرَأ الأعْمَشُ: بِضَمِّ الرّاءِ والضّادِ مَعًا. قالَ أبُو حاتِمٍ: لا يَجُوزُ هَذا انْتَهى. ويَنْبَغِي أنْ يَجُوزَ، فَقَدْ قالَتِ العَرَبُ: سُلُطانٌ بِضَمِّ اللّامِ، وأوْرَدَهُ التَّصْرِيفِيُّونَ في أبْنِيَةِ الأسْماءِ.

التوبة 9:20

﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ﴾ قَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ: أنْ يُعْمِرُوا بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ المِيمِ، أنْ يُعِينُوا عَلى عِمارَتِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والجَحْدَرِيُّ: مَسْجِدٌ بِالإفْرادِ، وباقِي السَّبْعَةِ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وأبُو جَعْفَرٍ والأعْرَجُ وشَيْيَةُ بِالجَمْعِ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَما ذَكَرَ البَراءَةَ مِنَ المُشْرِكِينَ وأنْواعًا مِن قَبائِحِهِمْ تُوجِبُ البَراءَةَ مِنهم، ذَكَرُوا أنَّهم مَوْصُوفُونَ بِصِفاتٍ حَمِيدَةٍ تُوجِبُ انْتِفاءَ البَراءَةِ مِنها كَوْنُهم عامِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ. رُوِيَ أنَّهُ أقْبَلَ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ عَلى أُسارى بَدْرٍ يُعَيِّرُونَهم بِالشِّرْكِ، وطَفِقَ عَلِيٌّ يُوَبِّخُ العَبّاسَ، فَقالَ الرَّسُولُ ﷺ: واقَطِيعَةَ الرَّحِمِ، وأغْلَظَ لَهُ في القَوْلِ. فَقالَ العَبّاسُ: تُظْهِرُونَ مَساوِينا، وتَكْتُمُونَ مَحاسِنَنا ؟ فَقالَ: أوَلَكم مَحاسِنُ ؟ قالُوا: نَعَمْ، ونَحْنُ أفْضَلُ مِنكم أجْرًا، إنّا لَنَعْمُرُ المَسْجِدَ الحَرامَ، ونَحْجُبُ الكَعْبَةَ، ونَسْقِي الحَجِيجَ، ونَفُكُّ العانِيَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ رَدًّا عَلَيْهِمْ. ومَعْنى (ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ): أيْ بِالحَقِّ الواجِبِ، وإلّا فَقَدَ عَمَرُوهُ قَدِيمًا وحَدِيثًا عَلى سَبِيلِ التَّغَلُّبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ ما صَحَّ وما اسْتَقامَ انْتَهى. وعِمارَتُهُ دُخُولُهُ والقُعُودُ فِيهِ والمُكْثُ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَعْمُرُ المَسْجِدَ؛ أيْ يُكْثِرُ غَشَيانَهُ، أوْ رَفْعَ بِنائِهِ، وإصْلاحَ ما تَهَدَّمَ مِنهُ، أوِ التَّعَبُّدَ فِيهِ، والطَّوافَ بِهِ. والصَّلاةُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ، ومَن قَرَأ بِالإفْرادِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ المَسْجِدُ الحَرامُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾، أوِ الجِنْسُ فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ المَسْجِدُ الحَرامُ، إذْ هو صَدْرُ ذَلِكَ الجِنْسِ (p-١٩)مُقَدِّمَتُهُ. ومَن قَرَأ بِالجَمْعِ فَيَحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ المَسْجِدُ الحَرامُ، وأُطْلِقَ عَلَيْهِ الجَمْعُ إمّا بِاعْتِبارِ أنَّ كُلَّ مَكانٍ مِنهُ مَسْجِدٌ، وإمّا لِأنَّهُ قِبْلَةُ المَساجِدِ كُلِّها وإمامُها، فَكانَ عامِرُهُ عامِرَ المَساجِدِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ الجَمْعُ، فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ المَسْجِدُ الحَرامُ وهو آكَدُ؛ لِأنَّ طَرِيقَتَهُ طَرِيقَةُ الكِنايَةِ كَما لَوْ قُلْتَ: فُلانٌ لا يَقْرَأُ كُتُبَ اللَّهِ، كُنْتَ أنْفى لِقِراءَةِ القُرْآنِ مِن تَصْرِيحِكَ بِذَلِكَ. وانْتَصَبَ (شاهِدِينَ) عَلى الحالِ، والمَعْنى: ما اسْتَقامَ لَهم أنْ يَجْمَعُوا بَيْنَ أمْرَيْنِ مُتَنافِيَيْنِ: عِمارَةُ مُتَعَبَّداتِ اللَّهِ تَعالى مَعَ الكُفْرِ بِهِ وبِعِبادَتِهِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: شاهِدُونَ عَلى إضْمارِ هم شاهِدُونَ، وشَهادَتُهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ قَوْلُهم في الطَّوافِ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، لا شَرِيكَ لَكَ، إلّا شَرِيكًا هو لَكَ، تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ، أوْ قَوْلُهم إذا سُئِلُوا عَنْ دِينِهِمْ: نَعْبُدُ اللّاتَ والعُزّى، أوْ تَكْذِيبُهُمُ الرَّسُولَ، أوْ قَوْلُ المُشْرِكِ: أنا مُشْرِكٌ كَما يَقُولُ اليَهُودِيُّ هو يَهُودِيٌّ، والنَّصْرانِيُّ هو نَصْرانِيٌّ، والمَجُوسِيُّ هو مَجُوسِيٌّ، والصّابِئُ هو صابِئٌ، أوْ ظُهُورُ أفْعالِ الكَفَرَةِ مِن نَصْبِ أصْنامِهِمْ وطَوافِهِمْ بِالبَيْتِ عُراةً، وغَيْرُ ذَلِكَ أقْوالٌ خَمْسَةٌ، هَذا إذا حُمِلَ (عَلى أنْفُسِهِمْ) عَلى ظاهِرِهِ، وقِيلَ: مَعْناهُ شاهِدِينَ عَلى رَسُولِهِمْ، وأُطْلِقَ عَلَيْهِ أنْفُسَهم؛ لِأنَّهُ ما مِن بَطْنٍ مِن بُطُونِ العَرَبِ إلّا ولَهُ فِيهِمْ وِلادَةٌ، ويُؤَيِّدُ هَذا القَوْلَ قِراءَةُ مَن قَرَأ عَلى أنْفَسِهِمْ بِفَتْحِ الفاءِ، أيْ أشْرَفِهم وأجَلِّهم قَدْرًا. ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ الَّتِي هي العِمارَةُ والحِجابَةُ والسِّقايَةُ وفَكُّ العُناةُ وغَيْرُها مِمّا ذُكِرَ أنَّهُ مِنَ الأعْمالِ الحَمِيدَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإذا هَدَمَ الكُفْرُ أوِ الكَبِيرَةُ الأعْمالَ الثّابِتَةَ الصَّحِيحَةَ إذا تَعَقَّبَها، فَما ظَنُّكَ بِالمُقارِنِ ؟ وإلى ذَلِكَ أشارَ تَعالى بِقَوْلِهِ: (شاهِدِينَ) حَيْثُ جَعَلَهُ حالًا عَنْهم، ودَلَّ عَلى أنَّهم قارِنُونِ بَيْنَ العِمارَةِ والشَّهادَةِ بِالكُفْرِ عَلى أنْفُسِهِمْ في حالٍ واحِدَةٍ، وذَلِكَ مُحالٌ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ انْتَهى. وقَوْلُهُ: أوِ الكَبِيرَةُ دَسِيسَةُ اعْتِزالٍ؛ لِأنَّ الكَبِيرَةَ عِنْدَهم مِنَ المَعاصِي تُحْبِطُ الأعْمالَ. ﴿وفِي النّارِ هم خالِدُونَ﴾ ذَكَرَ مَآلَ المُشْرِكِينَ وهو النّارُ خالِدِينَ فِيها. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِالياءِ نَصْبًا عَلى الحالِ، و(في النّارِ) هو الخَبَرُ. كَما تَقُولُ: في الدّارِ زَيْدٌ قاعِدًا. وقالَ الواحِدِيُّ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الكُفّارَ مَمْنُوعُونَ مِن عِمارَةِ مَسْجِدِ المُسْلِمِينَ، ولَوْ أوْصى لَمْ تُقْبَلْ وصِيَّتُهُ، ويُمْنَعُ مِن دُخُولِ المَساجِدِ، فَإنْ دَخَلَ بِغَيْرِ إذْنِ مُسْلِمٍ اسْتَحَقَّ التَّعْزِيرَ، وإنْ دَخَلَ بِإذْنٍ لَمْ يُعَزَّرْ، والأوْلى تَعْظِيمُ المَساجِدِ ومَنعُها مِنهم. وقَدْ أنْزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وفْدَ ثَقِيفَ وهم كُفّارٌ المَسْجِدَ، ورَبَطَ ثُمامَةَ بْنَ أُثالٍ الحَنَفِيَّ في سارِيَةٍ مِن سَوارِي المَسْجِدِ وهو كافِرٌ. ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ ولَمْ يَخْشَ إلّا اللَّهَ فَعَسى أُولَئِكَ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ قَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وحَمّادُ بْنُ أبِي سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: مَسْجِدًا لِلَّهِ بِالتَّوْحِيدِ، وقَرَأ السَّبْعَةُ وجَماعَةٌ: بِالجَمْعِ، والمَعْنى: إنَّما يَعْمُرُها بِالحَقِّ والواجِبِ، ويَسْتَقِيمُ ذَلِكَ فِيمَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الأوْصافِ. وفي ضِمْنِ هَذا الخَبَرِ أمْرُ المُؤْمِنِينَ بِعِمارَةِ المَساجِدِ، ويَتَناوَلُ عِمارَتُها رَمَّ ما تَهَدَّمَ مِنها، وتَنْظِيفَها، وتَنْوِيرَها، وتَعْظِيمَها، واعْتِيادَها لِلْعِبادَةِ والذِّكْرِ. ومِنَ الذِّكْرِ دَرْسُ العِلْمِ بَلْ هو أجَلُّهُ، وصَوْنَها عَمّا لَمْ تُبْنَ لَهُ مِنَ الخَوْضِ في أحْوالِ الدُّنْيا. وفي الحَدِيثِ: «إذا رَأيْتُمُ الرَّجُلَ يَعْتادُ المَسْجِدَ فاشْهَدُوا لَهُ بِالإيمانِ» ولَمْ يُذْكَرِ الإيمانُ بِالرَّسُولِ؛ لِأنَّ الإيمانَ بِاليَوْمِ الآخِرِ إنَّما هو مُتَلَقَّفٌ مِن أخْبارِ الرَّسُولِ، فَيَتَضَمَّنُ الإيمانَ بِالرَّسُولِ. أوْ لَمْ يُذْكَرْ لِما عُلِمَ وشُهِرَ مِن أنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ تَعالى قَرِينَتُهُ الإيمانُ بِالرَّسُولِ ﷺ؛ لِاشْتِمالِ كَلِمَةِ الشَّهادَةِ والأذانِ والإقامَةِ وغَيْرِها عَلَيْهِما مُقْتَرِنَيْنِ مُزْدَوِجَيْنِ، كَأنَّهُما شَيْءٌ واحِدٌ لا يَنْفِكُّ أحَدُهُما عَنْ صاحِبِهِ، فانْطَوى تَحْتَ ذِكْرِ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى الإيمانُ بِالرَّسُولِ ﷺ . وقِيلَ: دَلَّ عَلَيْهِ بِذِكْرِ إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ، إذْ لا يُتَلَقّى ذَلِكَ إلّا مِنهُ. والمَقْصُودُ مِن بِناءِ المَساجِدِ وعِمارَتِها هو كَوْنُها مُجْتَمَعًا لِإقامَةِ الصَّلَواتِ فِيها والتَّعَبُّداتِ مِنَ الذِّكْرِ والِاعْتِكافِ وغَيْرِهِما، وناسَبَ ذِكْرُ إيتاءِ (p-٢٠)الزَّكاةِ مَعَ عِمارَةِ المَساجِدِ أنَّها لَمّا كانَتْ مَجْمَعًا لِلنّاسِ بانَ فِيها أمْرُ الغَنِيِّ والفَقِيرِ، وعُرِفَتْ أحْوالُ مَن يُؤَدِّي الزَّكاةَ ومَن يَسْتَحِقُّها. ﴿ولَمْ يَخْشَ إلّا اللَّهَ﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُرِيدُ خَشْيَةَ التَّعْظِيمِ والعِبادَةِ والطّاعَةِ، ولا مَحالَةَ أنَّ الإنْسانَ يَخْشى غَيْرَهُ، ويَخْشى المَحاذِيرَ الدُّنْيَوِيَّةَ، ويَنْبَغِي أنْ يَخْشى في ذَلِكَ كُلِّهِ قَضاءَ اللَّهَ وتَصْرِيفَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هي الخَشْيَةُ والتَّقْوى في أبْوابِ الدُّنْيا، وأنْ لا يَخْتارَ عَلى رِضا اللَّهِ رِضا غَيْرِهِ، وإذا اعْتَرَضَهُ أمْرانِ أحَدُهُما حَقُّ اللَّهِ تَعالى، والآخَرُ حَقُّ نَفْسِهِ، خافَ اللَّهَ وآثَرَ حَقَّ اللَّهِ عَلى حَقِّ نَفْسِهِ. وقِيلَ: كانُوا يَخْشَوْنَ الأصْنامَ ويَرْجُونَها، فَأُرِيدَ نَفْيُ تِلْكَ الخَشْيَةِ عَنْهُمُ انْتَهى. وعَسى مِنَ اللَّهِ تَعالى واجِبٌ حَيْثُما وقَعَتْ في القُرْآنِ، وفي ذَلِكَ قَطْعُ أطْماعِ المُشْرِكِينَ أنْ يَكُونُوا مُهْتَدِينَ؛ إذْ مَن جَمَعَ هَذِهِ الخِصالَ الأرْبَعَةَ جُعِلَ حالُهُ حالَ مَن تُرْجى لَهُ الهِدايَةُ، فَكَيْفَ بِمَن هو عارٍ مِنها، وفي ذَلِكَ تَرْجِيحُ الخَشْيَةِ عَلى الرَّجاءِ، ورَفْضُ الِاغْتِرارِ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، فَرُبَّما دَخَلَها بَعْضُ المُفْسِداتِ وصاحِبُها لا يَشْعُرُ بِها. وقالَ تَعالى: ﴿أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾؛ أيْ: مِنَ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمُ الهِدايَةُ، ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ أنْ يَكُونُوا مُهْتَدِينَ، بَلْ جُعِلُوا بَعْضًا مِنَ المُهْتَدِينَ، وكَوْنُهم مِنهم أقَلَّ في التَّعْظِيمِ مِن أنْ يُجَرَّدَ لَهُمُ الحُكْمُ بِالهِدايَةِ. ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وجاهَدَ في سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ قالَ: «كُنْتُ عِنْدَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ فَقالَ رَجُلٌ: ما أُبالِي أنْ لا أعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ أنْ أسْقِيَ الحاجَّ، وقالَ الآخَرُ: ما أُبالِي أنْ لا أعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ أنْ أُعَمِّرَ المَسْجِدَ الحَرامَ، وقالَ آخَرُ: الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ أفْضَلُ مِمّا قُلْتُمْ، فَزَجَرَهم عُمَرُ وقالَ: لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم عِنْدَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهو يَوْمُ الجُمُعَةِ، ولَكِنِّي إذا صَلَّيْتُ الجُمُعَةَ دَخَلْتُ فاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ وقَوْلُهُ أقْوالًا أُخَرَ في سَبَبِ النُّزُولِ كُلُّها تَدُلُّ عَلى الِافْتِخارِ بِالسِّقايَةِ والعِمارَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (سِقايَةَ) (وعِمارَةَ)، وهُما مَصْدَرانِ نَحْوُ الصِّيانَةِ والوِقايَةِ، وقُوبِلا بِالذَّواتِ، فاحْتِيجَ إلى حَذْفٍ مِنَ الأوَّلِ؛ أيْ: أهْلَ سِقايَةِ، أوْ حَذْفٍ مِنَ الثّانِي؛ أيْ: كَعَمَلِ مَن آمَنَ. وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ، والباقِرُ، وأبُو حَيْوَةَ: سَقاةَ الحاجِّ، وعَمَرَةَ المَسْجِدِ، جَمْعُ ساقٍ وجَمْعُ عامِرٍ كَرامٍ ورُماةٍ وصانِعٍ وصَنَعَةٍ، وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ نَصَبَ المَسْجِدَ عَلى إرادَةِ التَّنْوِينِ في (عَمَرَةً)، وقَرَأ الضَّحّاكُ: سُقايَةَ بِضَمِّ السِّينِ، وعِمْرَةَ بُنِيَ الجَمْعُ عَلى فِعالٍ كَرِخْلٍ ورُخالٍ، وظِئْرٍ وظُؤارٍ، وكانَ المُناسِبُ أنْ يَكُونَ بِغَيْرِ هاءٍ، لَكِنَّهُ أدْخَلَ الهاءَ كَما دَخَلَتْ في حِجارَةٍ. وكانَتِ السِّقايَةُ في بَنِي هاشِمٍ، وكانَ العَبّاسُ يَتَوَلّاها، ولَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ العَبّاسُ: ما أرانِي إلّا أتْرُكُ السِّقايَةَ، فَقالَ النَّبِيُّ: «أقِيمُوا عَلَيْها فَهي لَكم خَيْرٌ» وعِمارَةُ المَسْجِدِ هي السِّدانَةُ، وكانَ في بَنِي عَبْدِ الدّارِ، وشَيْبَةُ وعُثْمانُ بْنُ طَلْحَةَ هُما اللَّذانِ دَفَعَ إلَيْهِما رَسُولُ اللَّهِ مِفْتاحَ الكَعْبَةِ في ثامِنِ يَوْمِ الفَتْحِ بَعْدَ أنْ طَلَبَهُ العَبّاسُ وعَلِيٌّ، وقالَ لِعُثْمانَ وشَيْبَةَ: «خُذُوها خالِدَةً تالِدَةً لا يُنازِعُكُما عَلَيْها إلّا ظالِمٌ»؛ يَعْنِي السِّدانَةَ. ومَعْنى الآيَةِ: إنْكارُ أنْ يُشَبَّهَ المُشْرِكُونَ بِالمُؤْمِنِينَ وأعْمالُهُمُ المُحْبَطَةُ بِأعْمالِهِمُ المُثَبِّتَةِ. ولَمّا نَفى المُساواةَ بَيْنَهُما أوْضَحَ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾، مِنَ الرّاجِحِ مِنهُما، وأنَّ الكافِرِينَ بِاللَّهِ هُمُ الظّالِمُونَ، ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِتَرْكِ الإيمانِ بِاللَّهِ، وبِما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ، وظَلَمُوا المَسْجِدَ الحَرامَ إذْ جَعَلَهُ اللَّهُ مُتَعَبَّدًا لَهم فَجَعَلُوهُ مُتَعَبَّدًا لِأوْثانِهِمْ. وذَكَرَ في المُؤْمِنِينَ إثْباتَ الهِدايَةِ لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿فَعَسى أُولَئِكَ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ وفي المُشْرِكِينَ هُنا نَفى الهِدايَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ . (p-٢١)﴿الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ زادَتْ هَذِهِ الآيَةُ وُضُوحًا في التَّرْجِيحِ لِلْمُؤْمِنِينَ المُتَّصِفِينَ بِهَذِهِ الأوْصافِ عَلى المُشْرِكِينَ المُفْتَخِرِينَ بِالسِّقايَةِ والعِمارَةِ، فَطَهَّرُوا أنْفُسَهم مِن دَنَسِ الشِّرْكِ بِالإيمانِ، وطَهَّرُوا أبْدانَهم بِالهِجْرَةِ إلى مَوْطِنِ الرَّسُولِ وتَرْكِ دِيارِهِمُ الَّتِي نَشَئُوا عَلَيْها، ثُمَّ بالَغُوا بِالجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ بِالمالِ والنَّفْسِ المُعَرَّضَيْنِ بِالجِهادِ لِلتَّلَفِ. فَهَذِهِ الخِصالُ أعْظَمُ دَرَجاتِ البَشَرِيَّةِ، و(أعْظَمُ) هُنا يَسُوغُ أنْ تَبْقى عَلى بابِها مِنَ التَّفْضِيلِ، ويَكُونُ ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ اعْتِقادِ المُشْرِكِينَ بِأنَّ في سِقايَتِهِمْ وعِمارَتِهِمْ فَضِيلَةً، فَخُوطِبُوا عَلى اعْتِقادِهِمْ. أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا ولَمْ يُجاهِدُوا. وقِيلَ: (أعْظَمُ) لَيْسَتْ عَلى بابِها، بَلْ هي كَقَوْلِهِ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٢٤]، وقَوْلُ حَسّانَ: ؎فَشَرُّكُما لِخَيْرِكُما الفِداءُ وكَأنَّهُ قِيلَ: عَظِيمُونَ دَرَجَةً. و(عِنْدَ اللَّهِ) بِالمَكانَةِ لا بِالمَكانِ كَقَوْلِهِ: ﴿ومَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ [الأنبياء: ١٩] قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: الأرْواحُ المُقَدَّسَةُ البَشَرِيَّةُ إذا تَطَهَّرَتْ عَنْ دَنَسِ الأوْصافِ البَدَنِيَّةِ والقاذُوراتِ الجَسَدانِيَّةِ أشْرَقَتْ بِأنْوارِ الجَلالِ، وعَلا فِيها أضْواءُ عالَمِ الجَمالِ، وتَرَقَّتْ مِنَ العَبْدِيَّةِ إلى العِنْدِيَّةِ، بَلْ كَأنَّهُ لا كَمالَ في العَبْدِيَّةِ إلّا بِمُشاهَدَةِ الحَقِيقَةِ العِنْدِيَّةِ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١] انْتَهى، وهو شَبِيهٌ بِكَلامِ الصُّوفِيَّةِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الأوْصافِ هو الفائِزُ الظّافِرُ بِأُمْنِيَتِهِ، النّاجِي مِنَ النّارِ. ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي في المُهاجِرِينَ خاصَّةً انْتَهى، وأُسْنِدَ التَّبْشِيرُ إلى قَوْلِهِ: رَبُّهم، لِما في ذَلِكَ مِنَ الإحْسانِ إلَيْهِمْ بِأنَّ مالِكَ أمْرِهِمْ والنّاظِرَ في مَصالِحِهِمْ هو الَّذِي يُبَشِّرُهم، فَذَلِكَ عَلى تَحْقِيقِ عُبُودِيَّتِهِمْ لِرَبِّهِمْ. ولَمّا كانَتِ الأوْصافُ الَّتِي تَحَلَّوْا بِها وصارُوا بِها عَبِيدَهَ حَقِيقَةً هي ثَلاثَةٌ: الإيمانُ، والهِجْرَةُ، والجِهادُ بِالمالِ والنَّفْسِ، قُوبِلُوا في التَّبْشِيرِ بِثَلاثَةٍ: الرَّحْمَةِ، والرِّضْوانِ، والجَنّاتِ. فَبَدَأ بِالرَّحْمَةِ؛ لِأنَّها الوَصْفُ الأعَمُّ النّاشِئُ عَنْها تَيْسِيرُ الإيمانِ لَهم، وثَنّى بِالرِّضْوانِ؛ لِأنَّهُ الغايَةُ مِن إحْسانِ الرَّبِّ لِعَبْدِهِ وهو مُقابِلُ الجِهادِ، إذْ هو بَذْلُ النَّفْسِ والمالِ، وقُدِّمَ عَلى الجَنّاتِ؛ لِأنَّ رِضا اللَّهِ عَنِ العَبْدِ أفْضَلُ مِن إسْكانِهِمُ الجَنَّةَ. وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: يا أهْلَ الجَنَّةِ، هَلْ رَضِيتُمْ ؟ فَيَقُولُونَ: يا رَبَّنا كَيْفَ لا نَرْضى وقَدْ باعَدْتَنا عَنْ نارِكَ وأدْخَلَتْنا جَنَّتَكَ، فَيَقُولُ: لَكم عِنْدِي أفْضَلُ مِن ذَلِكَ، فَيَقُولُونَ: وما أفْضَلُ مِن ذَلِكَ ؟ فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكم رِضائِي فَلا أسْخَطُ عَلَيْكم بَعْدَها»، وأتى ثالِثًا بِقَوْلِهِ: ﴿وجَنّاتٍ لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾؛ أيْ دائِمٌ لا يَنْقَطِعُ. وهَذا مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ ”وهاجَرُوا“؛ لِأنَّهم تَرَكُوا أوْطانَهُمُ الَّتِي نَشَئُوا فِيها وكانُوا فِيها مُنَعَّمِينَ، فَآثَرُوا الهِجْرَةَ عَلى دارِ الكُفْرِ إلى مُسْتَقَرِّ الإيمانِ والرِّسالَةِ، فَقُوبِلُوا عَلى ذَلِكَ بِالجَنّاتِ ذَواتِ النَّعِيمِ الدّائِمِ، فَجاءَ التَّرْتِيبُ في أوْصافِهِمْ عَلى حَسَبِ الواقِعِ: الإيمانُ، ثُمَّ الهِجْرَةُ، ثُمَّ الجِهادُ. وجاءَ التَّرْتِيبُ في المُقابِلِ عَلى حَسَبِ الأعَمِّ، ثُمَّ الأشْرَفِ، ثُمَّ التَّكْمِيلِ. قالَ التَّبْرِيزِيُّ: ونَكَّرَ الرَّحْمَةَ والرِّضْوانَ لِلتَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ. (بِرَحْمَةٍ) أيْ: رَحْمَةٍ لا يَبْلُغُها وصْفُ واصِفٍ. وقَرَأ الأعْمَشُ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وحُمَيْدُ بْنُ هِلالٍ: يَبْشُرُهم بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الشِّينِ خَفِيفَةً. وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: ورُضْوانٌ بِضَمِّ الرّاءِ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ في أوائِلِ آلِ عِمْرانَ. وقَرَأ الأعْمَشُ: بِضَمِّ الرّاءِ والضّادِ مَعًا. قالَ أبُو حاتِمٍ: لا يَجُوزُ هَذا انْتَهى. ويَنْبَغِي أنْ يَجُوزَ، فَقَدْ قالَتِ العَرَبُ: سُلُطانٌ بِضَمِّ اللّامِ، وأوْرَدَهُ التَّصْرِيفِيُّونَ في أبْنِيَةِ الأسْماءِ.