Al-Bahr Al-Muhit — التوبة 9:21 – التوبة 9:44
المحتويات
التوبة 9:21
﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ﴾ قَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ: أنْ يُعْمِرُوا بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ المِيمِ، أنْ يُعِينُوا عَلى عِمارَتِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والجَحْدَرِيُّ: مَسْجِدٌ بِالإفْرادِ، وباقِي السَّبْعَةِ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وأبُو جَعْفَرٍ والأعْرَجُ وشَيْيَةُ بِالجَمْعِ.
ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَما ذَكَرَ البَراءَةَ مِنَ المُشْرِكِينَ وأنْواعًا مِن قَبائِحِهِمْ تُوجِبُ البَراءَةَ مِنهم، ذَكَرُوا أنَّهم مَوْصُوفُونَ بِصِفاتٍ حَمِيدَةٍ تُوجِبُ انْتِفاءَ البَراءَةِ مِنها كَوْنُهم عامِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ. رُوِيَ أنَّهُ أقْبَلَ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ عَلى أُسارى بَدْرٍ يُعَيِّرُونَهم بِالشِّرْكِ، وطَفِقَ عَلِيٌّ يُوَبِّخُ العَبّاسَ، فَقالَ الرَّسُولُ ﷺ: واقَطِيعَةَ الرَّحِمِ، وأغْلَظَ لَهُ في القَوْلِ. فَقالَ العَبّاسُ: تُظْهِرُونَ مَساوِينا، وتَكْتُمُونَ مَحاسِنَنا ؟ فَقالَ: أوَلَكم مَحاسِنُ ؟ قالُوا: نَعَمْ، ونَحْنُ أفْضَلُ مِنكم أجْرًا، إنّا لَنَعْمُرُ المَسْجِدَ الحَرامَ، ونَحْجُبُ الكَعْبَةَ، ونَسْقِي الحَجِيجَ، ونَفُكُّ العانِيَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ رَدًّا عَلَيْهِمْ. ومَعْنى (ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ): أيْ بِالحَقِّ الواجِبِ، وإلّا فَقَدَ عَمَرُوهُ قَدِيمًا وحَدِيثًا عَلى سَبِيلِ التَّغَلُّبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ ما صَحَّ وما اسْتَقامَ انْتَهى. وعِمارَتُهُ دُخُولُهُ والقُعُودُ فِيهِ والمُكْثُ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَعْمُرُ المَسْجِدَ؛ أيْ يُكْثِرُ غَشَيانَهُ، أوْ رَفْعَ بِنائِهِ، وإصْلاحَ ما تَهَدَّمَ مِنهُ، أوِ التَّعَبُّدَ فِيهِ، والطَّوافَ بِهِ. والصَّلاةُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ، ومَن قَرَأ بِالإفْرادِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ المَسْجِدُ الحَرامُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾، أوِ الجِنْسُ فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ المَسْجِدُ الحَرامُ، إذْ هو صَدْرُ ذَلِكَ الجِنْسِ (p-١٩)مُقَدِّمَتُهُ. ومَن قَرَأ بِالجَمْعِ فَيَحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ المَسْجِدُ الحَرامُ، وأُطْلِقَ عَلَيْهِ الجَمْعُ إمّا بِاعْتِبارِ أنَّ كُلَّ مَكانٍ مِنهُ مَسْجِدٌ، وإمّا لِأنَّهُ قِبْلَةُ المَساجِدِ كُلِّها وإمامُها، فَكانَ عامِرُهُ عامِرَ المَساجِدِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ الجَمْعُ، فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ المَسْجِدُ الحَرامُ وهو آكَدُ؛ لِأنَّ طَرِيقَتَهُ طَرِيقَةُ الكِنايَةِ كَما لَوْ قُلْتَ: فُلانٌ لا يَقْرَأُ كُتُبَ اللَّهِ، كُنْتَ أنْفى لِقِراءَةِ القُرْآنِ مِن تَصْرِيحِكَ بِذَلِكَ. وانْتَصَبَ (شاهِدِينَ) عَلى الحالِ، والمَعْنى: ما اسْتَقامَ لَهم أنْ يَجْمَعُوا بَيْنَ أمْرَيْنِ مُتَنافِيَيْنِ: عِمارَةُ مُتَعَبَّداتِ اللَّهِ تَعالى مَعَ الكُفْرِ بِهِ وبِعِبادَتِهِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: شاهِدُونَ عَلى إضْمارِ هم شاهِدُونَ، وشَهادَتُهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ قَوْلُهم في الطَّوافِ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، لا شَرِيكَ لَكَ، إلّا شَرِيكًا هو لَكَ، تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ، أوْ قَوْلُهم إذا سُئِلُوا عَنْ دِينِهِمْ: نَعْبُدُ اللّاتَ والعُزّى، أوْ تَكْذِيبُهُمُ الرَّسُولَ، أوْ قَوْلُ المُشْرِكِ: أنا مُشْرِكٌ كَما يَقُولُ اليَهُودِيُّ هو يَهُودِيٌّ، والنَّصْرانِيُّ هو نَصْرانِيٌّ، والمَجُوسِيُّ هو مَجُوسِيٌّ، والصّابِئُ هو صابِئٌ، أوْ ظُهُورُ أفْعالِ الكَفَرَةِ مِن نَصْبِ أصْنامِهِمْ وطَوافِهِمْ بِالبَيْتِ عُراةً، وغَيْرُ ذَلِكَ أقْوالٌ خَمْسَةٌ، هَذا إذا حُمِلَ (عَلى أنْفُسِهِمْ) عَلى ظاهِرِهِ، وقِيلَ: مَعْناهُ شاهِدِينَ عَلى رَسُولِهِمْ، وأُطْلِقَ عَلَيْهِ أنْفُسَهم؛ لِأنَّهُ ما مِن بَطْنٍ مِن بُطُونِ العَرَبِ إلّا ولَهُ فِيهِمْ وِلادَةٌ، ويُؤَيِّدُ هَذا القَوْلَ قِراءَةُ مَن قَرَأ عَلى أنْفَسِهِمْ بِفَتْحِ الفاءِ، أيْ أشْرَفِهم وأجَلِّهم قَدْرًا.
﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ الَّتِي هي العِمارَةُ والحِجابَةُ والسِّقايَةُ وفَكُّ العُناةُ وغَيْرُها مِمّا ذُكِرَ أنَّهُ مِنَ الأعْمالِ الحَمِيدَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإذا هَدَمَ الكُفْرُ أوِ الكَبِيرَةُ الأعْمالَ الثّابِتَةَ الصَّحِيحَةَ إذا تَعَقَّبَها، فَما ظَنُّكَ بِالمُقارِنِ ؟ وإلى ذَلِكَ أشارَ تَعالى بِقَوْلِهِ: (شاهِدِينَ) حَيْثُ جَعَلَهُ حالًا عَنْهم، ودَلَّ عَلى أنَّهم قارِنُونِ بَيْنَ العِمارَةِ والشَّهادَةِ بِالكُفْرِ عَلى أنْفُسِهِمْ في حالٍ واحِدَةٍ، وذَلِكَ مُحالٌ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ انْتَهى. وقَوْلُهُ: أوِ الكَبِيرَةُ دَسِيسَةُ اعْتِزالٍ؛ لِأنَّ الكَبِيرَةَ عِنْدَهم مِنَ المَعاصِي تُحْبِطُ الأعْمالَ.
﴿وفِي النّارِ هم خالِدُونَ﴾ ذَكَرَ مَآلَ المُشْرِكِينَ وهو النّارُ خالِدِينَ فِيها. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِالياءِ نَصْبًا عَلى الحالِ، و(في النّارِ) هو الخَبَرُ. كَما تَقُولُ: في الدّارِ زَيْدٌ قاعِدًا. وقالَ الواحِدِيُّ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الكُفّارَ مَمْنُوعُونَ مِن عِمارَةِ مَسْجِدِ المُسْلِمِينَ، ولَوْ أوْصى لَمْ تُقْبَلْ وصِيَّتُهُ، ويُمْنَعُ مِن دُخُولِ المَساجِدِ، فَإنْ دَخَلَ بِغَيْرِ إذْنِ مُسْلِمٍ اسْتَحَقَّ التَّعْزِيرَ، وإنْ دَخَلَ بِإذْنٍ لَمْ يُعَزَّرْ، والأوْلى تَعْظِيمُ المَساجِدِ ومَنعُها مِنهم. وقَدْ أنْزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وفْدَ ثَقِيفَ وهم كُفّارٌ المَسْجِدَ، ورَبَطَ ثُمامَةَ بْنَ أُثالٍ الحَنَفِيَّ في سارِيَةٍ مِن سَوارِي المَسْجِدِ وهو كافِرٌ.
﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ ولَمْ يَخْشَ إلّا اللَّهَ فَعَسى أُولَئِكَ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ قَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وحَمّادُ بْنُ أبِي سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: مَسْجِدًا لِلَّهِ بِالتَّوْحِيدِ، وقَرَأ السَّبْعَةُ وجَماعَةٌ: بِالجَمْعِ، والمَعْنى: إنَّما يَعْمُرُها بِالحَقِّ والواجِبِ، ويَسْتَقِيمُ ذَلِكَ فِيمَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الأوْصافِ. وفي ضِمْنِ هَذا الخَبَرِ أمْرُ المُؤْمِنِينَ بِعِمارَةِ المَساجِدِ، ويَتَناوَلُ عِمارَتُها رَمَّ ما تَهَدَّمَ مِنها، وتَنْظِيفَها، وتَنْوِيرَها، وتَعْظِيمَها، واعْتِيادَها لِلْعِبادَةِ والذِّكْرِ. ومِنَ الذِّكْرِ دَرْسُ العِلْمِ بَلْ هو أجَلُّهُ، وصَوْنَها عَمّا لَمْ تُبْنَ لَهُ مِنَ الخَوْضِ في أحْوالِ الدُّنْيا. وفي الحَدِيثِ: «إذا رَأيْتُمُ الرَّجُلَ يَعْتادُ المَسْجِدَ فاشْهَدُوا لَهُ بِالإيمانِ» ولَمْ يُذْكَرِ الإيمانُ بِالرَّسُولِ؛ لِأنَّ الإيمانَ بِاليَوْمِ الآخِرِ إنَّما هو مُتَلَقَّفٌ مِن أخْبارِ الرَّسُولِ، فَيَتَضَمَّنُ الإيمانَ بِالرَّسُولِ. أوْ لَمْ يُذْكَرْ لِما عُلِمَ وشُهِرَ مِن أنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ تَعالى قَرِينَتُهُ الإيمانُ بِالرَّسُولِ ﷺ؛ لِاشْتِمالِ كَلِمَةِ الشَّهادَةِ والأذانِ والإقامَةِ وغَيْرِها عَلَيْهِما مُقْتَرِنَيْنِ مُزْدَوِجَيْنِ، كَأنَّهُما شَيْءٌ واحِدٌ لا يَنْفِكُّ أحَدُهُما عَنْ صاحِبِهِ، فانْطَوى تَحْتَ ذِكْرِ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى الإيمانُ بِالرَّسُولِ ﷺ . وقِيلَ: دَلَّ عَلَيْهِ بِذِكْرِ إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ، إذْ لا يُتَلَقّى ذَلِكَ إلّا مِنهُ. والمَقْصُودُ مِن بِناءِ المَساجِدِ وعِمارَتِها هو كَوْنُها مُجْتَمَعًا لِإقامَةِ الصَّلَواتِ فِيها والتَّعَبُّداتِ مِنَ الذِّكْرِ والِاعْتِكافِ وغَيْرِهِما، وناسَبَ ذِكْرُ إيتاءِ (p-٢٠)الزَّكاةِ مَعَ عِمارَةِ المَساجِدِ أنَّها لَمّا كانَتْ مَجْمَعًا لِلنّاسِ بانَ فِيها أمْرُ الغَنِيِّ والفَقِيرِ، وعُرِفَتْ أحْوالُ مَن يُؤَدِّي الزَّكاةَ ومَن يَسْتَحِقُّها.
﴿ولَمْ يَخْشَ إلّا اللَّهَ﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُرِيدُ خَشْيَةَ التَّعْظِيمِ والعِبادَةِ والطّاعَةِ، ولا مَحالَةَ أنَّ الإنْسانَ يَخْشى غَيْرَهُ، ويَخْشى المَحاذِيرَ الدُّنْيَوِيَّةَ، ويَنْبَغِي أنْ يَخْشى في ذَلِكَ كُلِّهِ قَضاءَ اللَّهَ وتَصْرِيفَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هي الخَشْيَةُ والتَّقْوى في أبْوابِ الدُّنْيا، وأنْ لا يَخْتارَ عَلى رِضا اللَّهِ رِضا غَيْرِهِ، وإذا اعْتَرَضَهُ أمْرانِ أحَدُهُما حَقُّ اللَّهِ تَعالى، والآخَرُ حَقُّ نَفْسِهِ، خافَ اللَّهَ وآثَرَ حَقَّ اللَّهِ عَلى حَقِّ نَفْسِهِ. وقِيلَ: كانُوا يَخْشَوْنَ الأصْنامَ ويَرْجُونَها، فَأُرِيدَ نَفْيُ تِلْكَ الخَشْيَةِ عَنْهُمُ انْتَهى. وعَسى مِنَ اللَّهِ تَعالى واجِبٌ حَيْثُما وقَعَتْ في القُرْآنِ، وفي ذَلِكَ قَطْعُ أطْماعِ المُشْرِكِينَ أنْ يَكُونُوا مُهْتَدِينَ؛ إذْ مَن جَمَعَ هَذِهِ الخِصالَ الأرْبَعَةَ جُعِلَ حالُهُ حالَ مَن تُرْجى لَهُ الهِدايَةُ، فَكَيْفَ بِمَن هو عارٍ مِنها، وفي ذَلِكَ تَرْجِيحُ الخَشْيَةِ عَلى الرَّجاءِ، ورَفْضُ الِاغْتِرارِ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، فَرُبَّما دَخَلَها بَعْضُ المُفْسِداتِ وصاحِبُها لا يَشْعُرُ بِها. وقالَ تَعالى: ﴿أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾؛ أيْ: مِنَ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمُ الهِدايَةُ، ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ أنْ يَكُونُوا مُهْتَدِينَ، بَلْ جُعِلُوا بَعْضًا مِنَ المُهْتَدِينَ، وكَوْنُهم مِنهم أقَلَّ في التَّعْظِيمِ مِن أنْ يُجَرَّدَ لَهُمُ الحُكْمُ بِالهِدايَةِ.
﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وجاهَدَ في سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ قالَ: «كُنْتُ عِنْدَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ فَقالَ رَجُلٌ: ما أُبالِي أنْ لا أعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ أنْ أسْقِيَ الحاجَّ، وقالَ الآخَرُ: ما أُبالِي أنْ لا أعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ أنْ أُعَمِّرَ المَسْجِدَ الحَرامَ، وقالَ آخَرُ: الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ أفْضَلُ مِمّا قُلْتُمْ، فَزَجَرَهم عُمَرُ وقالَ: لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم عِنْدَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهو يَوْمُ الجُمُعَةِ، ولَكِنِّي إذا صَلَّيْتُ الجُمُعَةَ دَخَلْتُ فاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ وقَوْلُهُ أقْوالًا أُخَرَ في سَبَبِ النُّزُولِ كُلُّها تَدُلُّ عَلى الِافْتِخارِ بِالسِّقايَةِ والعِمارَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (سِقايَةَ) (وعِمارَةَ)، وهُما مَصْدَرانِ نَحْوُ الصِّيانَةِ والوِقايَةِ، وقُوبِلا بِالذَّواتِ، فاحْتِيجَ إلى حَذْفٍ مِنَ الأوَّلِ؛ أيْ: أهْلَ سِقايَةِ، أوْ حَذْفٍ مِنَ الثّانِي؛ أيْ: كَعَمَلِ مَن آمَنَ. وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ، والباقِرُ، وأبُو حَيْوَةَ: سَقاةَ الحاجِّ، وعَمَرَةَ المَسْجِدِ، جَمْعُ ساقٍ وجَمْعُ عامِرٍ كَرامٍ ورُماةٍ وصانِعٍ وصَنَعَةٍ، وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ نَصَبَ المَسْجِدَ عَلى إرادَةِ التَّنْوِينِ في (عَمَرَةً)، وقَرَأ الضَّحّاكُ: سُقايَةَ بِضَمِّ السِّينِ، وعِمْرَةَ بُنِيَ الجَمْعُ عَلى فِعالٍ كَرِخْلٍ ورُخالٍ، وظِئْرٍ وظُؤارٍ، وكانَ المُناسِبُ أنْ يَكُونَ بِغَيْرِ هاءٍ، لَكِنَّهُ أدْخَلَ الهاءَ كَما دَخَلَتْ في حِجارَةٍ. وكانَتِ السِّقايَةُ في بَنِي هاشِمٍ، وكانَ العَبّاسُ يَتَوَلّاها، ولَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ العَبّاسُ: ما أرانِي إلّا أتْرُكُ السِّقايَةَ، فَقالَ النَّبِيُّ: «أقِيمُوا عَلَيْها فَهي لَكم خَيْرٌ» وعِمارَةُ المَسْجِدِ هي السِّدانَةُ، وكانَ في بَنِي عَبْدِ الدّارِ، وشَيْبَةُ وعُثْمانُ بْنُ طَلْحَةَ هُما اللَّذانِ دَفَعَ إلَيْهِما رَسُولُ اللَّهِ مِفْتاحَ الكَعْبَةِ في ثامِنِ يَوْمِ الفَتْحِ بَعْدَ أنْ طَلَبَهُ العَبّاسُ وعَلِيٌّ، وقالَ لِعُثْمانَ وشَيْبَةَ: «خُذُوها خالِدَةً تالِدَةً لا يُنازِعُكُما عَلَيْها إلّا ظالِمٌ»؛ يَعْنِي السِّدانَةَ. ومَعْنى الآيَةِ: إنْكارُ أنْ يُشَبَّهَ المُشْرِكُونَ بِالمُؤْمِنِينَ وأعْمالُهُمُ المُحْبَطَةُ بِأعْمالِهِمُ المُثَبِّتَةِ. ولَمّا نَفى المُساواةَ بَيْنَهُما أوْضَحَ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾، مِنَ الرّاجِحِ مِنهُما، وأنَّ الكافِرِينَ بِاللَّهِ هُمُ الظّالِمُونَ، ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِتَرْكِ الإيمانِ بِاللَّهِ، وبِما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ، وظَلَمُوا المَسْجِدَ الحَرامَ إذْ جَعَلَهُ اللَّهُ مُتَعَبَّدًا لَهم فَجَعَلُوهُ مُتَعَبَّدًا لِأوْثانِهِمْ. وذَكَرَ في المُؤْمِنِينَ إثْباتَ الهِدايَةِ لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿فَعَسى أُولَئِكَ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ وفي المُشْرِكِينَ هُنا نَفى الهِدايَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ .
(p-٢١)﴿الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ زادَتْ هَذِهِ الآيَةُ وُضُوحًا في التَّرْجِيحِ لِلْمُؤْمِنِينَ المُتَّصِفِينَ بِهَذِهِ الأوْصافِ عَلى المُشْرِكِينَ المُفْتَخِرِينَ بِالسِّقايَةِ والعِمارَةِ، فَطَهَّرُوا أنْفُسَهم مِن دَنَسِ الشِّرْكِ بِالإيمانِ، وطَهَّرُوا أبْدانَهم بِالهِجْرَةِ إلى مَوْطِنِ الرَّسُولِ وتَرْكِ دِيارِهِمُ الَّتِي نَشَئُوا عَلَيْها، ثُمَّ بالَغُوا بِالجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ بِالمالِ والنَّفْسِ المُعَرَّضَيْنِ بِالجِهادِ لِلتَّلَفِ. فَهَذِهِ الخِصالُ أعْظَمُ دَرَجاتِ البَشَرِيَّةِ، و(أعْظَمُ) هُنا يَسُوغُ أنْ تَبْقى عَلى بابِها مِنَ التَّفْضِيلِ، ويَكُونُ ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ اعْتِقادِ المُشْرِكِينَ بِأنَّ في سِقايَتِهِمْ وعِمارَتِهِمْ فَضِيلَةً، فَخُوطِبُوا عَلى اعْتِقادِهِمْ. أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا ولَمْ يُجاهِدُوا. وقِيلَ: (أعْظَمُ) لَيْسَتْ عَلى بابِها، بَلْ هي كَقَوْلِهِ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٢٤]، وقَوْلُ حَسّانَ:
؎فَشَرُّكُما لِخَيْرِكُما الفِداءُ
وكَأنَّهُ قِيلَ: عَظِيمُونَ دَرَجَةً. و(عِنْدَ اللَّهِ) بِالمَكانَةِ لا بِالمَكانِ كَقَوْلِهِ: ﴿ومَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ [الأنبياء: ١٩] قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: الأرْواحُ المُقَدَّسَةُ البَشَرِيَّةُ إذا تَطَهَّرَتْ عَنْ دَنَسِ الأوْصافِ البَدَنِيَّةِ والقاذُوراتِ الجَسَدانِيَّةِ أشْرَقَتْ بِأنْوارِ الجَلالِ، وعَلا فِيها أضْواءُ عالَمِ الجَمالِ، وتَرَقَّتْ مِنَ العَبْدِيَّةِ إلى العِنْدِيَّةِ، بَلْ كَأنَّهُ لا كَمالَ في العَبْدِيَّةِ إلّا بِمُشاهَدَةِ الحَقِيقَةِ العِنْدِيَّةِ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١] انْتَهى، وهو شَبِيهٌ بِكَلامِ الصُّوفِيَّةِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الأوْصافِ هو الفائِزُ الظّافِرُ بِأُمْنِيَتِهِ، النّاجِي مِنَ النّارِ.
﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي في المُهاجِرِينَ خاصَّةً انْتَهى، وأُسْنِدَ التَّبْشِيرُ إلى قَوْلِهِ: رَبُّهم، لِما في ذَلِكَ مِنَ الإحْسانِ إلَيْهِمْ بِأنَّ مالِكَ أمْرِهِمْ والنّاظِرَ في مَصالِحِهِمْ هو الَّذِي يُبَشِّرُهم، فَذَلِكَ عَلى تَحْقِيقِ عُبُودِيَّتِهِمْ لِرَبِّهِمْ. ولَمّا كانَتِ الأوْصافُ الَّتِي تَحَلَّوْا بِها وصارُوا بِها عَبِيدَهَ حَقِيقَةً هي ثَلاثَةٌ: الإيمانُ، والهِجْرَةُ، والجِهادُ بِالمالِ والنَّفْسِ، قُوبِلُوا في التَّبْشِيرِ بِثَلاثَةٍ: الرَّحْمَةِ، والرِّضْوانِ، والجَنّاتِ. فَبَدَأ بِالرَّحْمَةِ؛ لِأنَّها الوَصْفُ الأعَمُّ النّاشِئُ عَنْها تَيْسِيرُ الإيمانِ لَهم، وثَنّى بِالرِّضْوانِ؛ لِأنَّهُ الغايَةُ مِن إحْسانِ الرَّبِّ لِعَبْدِهِ وهو مُقابِلُ الجِهادِ، إذْ هو بَذْلُ النَّفْسِ والمالِ، وقُدِّمَ عَلى الجَنّاتِ؛ لِأنَّ رِضا اللَّهِ عَنِ العَبْدِ أفْضَلُ مِن إسْكانِهِمُ الجَنَّةَ. وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: يا أهْلَ الجَنَّةِ، هَلْ رَضِيتُمْ ؟ فَيَقُولُونَ: يا رَبَّنا كَيْفَ لا نَرْضى وقَدْ باعَدْتَنا عَنْ نارِكَ وأدْخَلَتْنا جَنَّتَكَ، فَيَقُولُ: لَكم عِنْدِي أفْضَلُ مِن ذَلِكَ، فَيَقُولُونَ: وما أفْضَلُ مِن ذَلِكَ ؟ فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكم رِضائِي فَلا أسْخَطُ عَلَيْكم بَعْدَها»، وأتى ثالِثًا بِقَوْلِهِ: ﴿وجَنّاتٍ لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾؛ أيْ دائِمٌ لا يَنْقَطِعُ. وهَذا مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ ”وهاجَرُوا“؛ لِأنَّهم تَرَكُوا أوْطانَهُمُ الَّتِي نَشَئُوا فِيها وكانُوا فِيها مُنَعَّمِينَ، فَآثَرُوا الهِجْرَةَ عَلى دارِ الكُفْرِ إلى مُسْتَقَرِّ الإيمانِ والرِّسالَةِ، فَقُوبِلُوا عَلى ذَلِكَ بِالجَنّاتِ ذَواتِ النَّعِيمِ الدّائِمِ، فَجاءَ التَّرْتِيبُ في أوْصافِهِمْ عَلى حَسَبِ الواقِعِ: الإيمانُ، ثُمَّ الهِجْرَةُ، ثُمَّ الجِهادُ. وجاءَ التَّرْتِيبُ في المُقابِلِ عَلى حَسَبِ الأعَمِّ، ثُمَّ الأشْرَفِ، ثُمَّ التَّكْمِيلِ. قالَ التَّبْرِيزِيُّ: ونَكَّرَ الرَّحْمَةَ والرِّضْوانَ لِلتَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ. (بِرَحْمَةٍ) أيْ: رَحْمَةٍ لا يَبْلُغُها وصْفُ واصِفٍ.
وقَرَأ الأعْمَشُ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وحُمَيْدُ بْنُ هِلالٍ: يَبْشُرُهم بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الشِّينِ خَفِيفَةً. وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: ورُضْوانٌ بِضَمِّ الرّاءِ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ في أوائِلِ آلِ عِمْرانَ. وقَرَأ الأعْمَشُ: بِضَمِّ الرّاءِ والضّادِ مَعًا. قالَ أبُو حاتِمٍ: لا يَجُوزُ هَذا انْتَهى. ويَنْبَغِي أنْ يَجُوزَ، فَقَدْ قالَتِ العَرَبُ: سُلُطانٌ بِضَمِّ اللّامِ، وأوْرَدَهُ التَّصْرِيفِيُّونَ في أبْنِيَةِ الأسْماءِ.
التوبة 9:22
﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ﴾ قَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ: أنْ يُعْمِرُوا بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ المِيمِ، أنْ يُعِينُوا عَلى عِمارَتِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والجَحْدَرِيُّ: مَسْجِدٌ بِالإفْرادِ، وباقِي السَّبْعَةِ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وأبُو جَعْفَرٍ والأعْرَجُ وشَيْيَةُ بِالجَمْعِ.
ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَما ذَكَرَ البَراءَةَ مِنَ المُشْرِكِينَ وأنْواعًا مِن قَبائِحِهِمْ تُوجِبُ البَراءَةَ مِنهم، ذَكَرُوا أنَّهم مَوْصُوفُونَ بِصِفاتٍ حَمِيدَةٍ تُوجِبُ انْتِفاءَ البَراءَةِ مِنها كَوْنُهم عامِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ. رُوِيَ أنَّهُ أقْبَلَ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ عَلى أُسارى بَدْرٍ يُعَيِّرُونَهم بِالشِّرْكِ، وطَفِقَ عَلِيٌّ يُوَبِّخُ العَبّاسَ، فَقالَ الرَّسُولُ ﷺ: واقَطِيعَةَ الرَّحِمِ، وأغْلَظَ لَهُ في القَوْلِ. فَقالَ العَبّاسُ: تُظْهِرُونَ مَساوِينا، وتَكْتُمُونَ مَحاسِنَنا ؟ فَقالَ: أوَلَكم مَحاسِنُ ؟ قالُوا: نَعَمْ، ونَحْنُ أفْضَلُ مِنكم أجْرًا، إنّا لَنَعْمُرُ المَسْجِدَ الحَرامَ، ونَحْجُبُ الكَعْبَةَ، ونَسْقِي الحَجِيجَ، ونَفُكُّ العانِيَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ رَدًّا عَلَيْهِمْ. ومَعْنى (ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ): أيْ بِالحَقِّ الواجِبِ، وإلّا فَقَدَ عَمَرُوهُ قَدِيمًا وحَدِيثًا عَلى سَبِيلِ التَّغَلُّبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ ما صَحَّ وما اسْتَقامَ انْتَهى. وعِمارَتُهُ دُخُولُهُ والقُعُودُ فِيهِ والمُكْثُ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَعْمُرُ المَسْجِدَ؛ أيْ يُكْثِرُ غَشَيانَهُ، أوْ رَفْعَ بِنائِهِ، وإصْلاحَ ما تَهَدَّمَ مِنهُ، أوِ التَّعَبُّدَ فِيهِ، والطَّوافَ بِهِ. والصَّلاةُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ، ومَن قَرَأ بِالإفْرادِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ المَسْجِدُ الحَرامُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾، أوِ الجِنْسُ فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ المَسْجِدُ الحَرامُ، إذْ هو صَدْرُ ذَلِكَ الجِنْسِ (p-١٩)مُقَدِّمَتُهُ. ومَن قَرَأ بِالجَمْعِ فَيَحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ المَسْجِدُ الحَرامُ، وأُطْلِقَ عَلَيْهِ الجَمْعُ إمّا بِاعْتِبارِ أنَّ كُلَّ مَكانٍ مِنهُ مَسْجِدٌ، وإمّا لِأنَّهُ قِبْلَةُ المَساجِدِ كُلِّها وإمامُها، فَكانَ عامِرُهُ عامِرَ المَساجِدِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ الجَمْعُ، فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ المَسْجِدُ الحَرامُ وهو آكَدُ؛ لِأنَّ طَرِيقَتَهُ طَرِيقَةُ الكِنايَةِ كَما لَوْ قُلْتَ: فُلانٌ لا يَقْرَأُ كُتُبَ اللَّهِ، كُنْتَ أنْفى لِقِراءَةِ القُرْآنِ مِن تَصْرِيحِكَ بِذَلِكَ. وانْتَصَبَ (شاهِدِينَ) عَلى الحالِ، والمَعْنى: ما اسْتَقامَ لَهم أنْ يَجْمَعُوا بَيْنَ أمْرَيْنِ مُتَنافِيَيْنِ: عِمارَةُ مُتَعَبَّداتِ اللَّهِ تَعالى مَعَ الكُفْرِ بِهِ وبِعِبادَتِهِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: شاهِدُونَ عَلى إضْمارِ هم شاهِدُونَ، وشَهادَتُهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ قَوْلُهم في الطَّوافِ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، لا شَرِيكَ لَكَ، إلّا شَرِيكًا هو لَكَ، تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ، أوْ قَوْلُهم إذا سُئِلُوا عَنْ دِينِهِمْ: نَعْبُدُ اللّاتَ والعُزّى، أوْ تَكْذِيبُهُمُ الرَّسُولَ، أوْ قَوْلُ المُشْرِكِ: أنا مُشْرِكٌ كَما يَقُولُ اليَهُودِيُّ هو يَهُودِيٌّ، والنَّصْرانِيُّ هو نَصْرانِيٌّ، والمَجُوسِيُّ هو مَجُوسِيٌّ، والصّابِئُ هو صابِئٌ، أوْ ظُهُورُ أفْعالِ الكَفَرَةِ مِن نَصْبِ أصْنامِهِمْ وطَوافِهِمْ بِالبَيْتِ عُراةً، وغَيْرُ ذَلِكَ أقْوالٌ خَمْسَةٌ، هَذا إذا حُمِلَ (عَلى أنْفُسِهِمْ) عَلى ظاهِرِهِ، وقِيلَ: مَعْناهُ شاهِدِينَ عَلى رَسُولِهِمْ، وأُطْلِقَ عَلَيْهِ أنْفُسَهم؛ لِأنَّهُ ما مِن بَطْنٍ مِن بُطُونِ العَرَبِ إلّا ولَهُ فِيهِمْ وِلادَةٌ، ويُؤَيِّدُ هَذا القَوْلَ قِراءَةُ مَن قَرَأ عَلى أنْفَسِهِمْ بِفَتْحِ الفاءِ، أيْ أشْرَفِهم وأجَلِّهم قَدْرًا.
﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ الَّتِي هي العِمارَةُ والحِجابَةُ والسِّقايَةُ وفَكُّ العُناةُ وغَيْرُها مِمّا ذُكِرَ أنَّهُ مِنَ الأعْمالِ الحَمِيدَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإذا هَدَمَ الكُفْرُ أوِ الكَبِيرَةُ الأعْمالَ الثّابِتَةَ الصَّحِيحَةَ إذا تَعَقَّبَها، فَما ظَنُّكَ بِالمُقارِنِ ؟ وإلى ذَلِكَ أشارَ تَعالى بِقَوْلِهِ: (شاهِدِينَ) حَيْثُ جَعَلَهُ حالًا عَنْهم، ودَلَّ عَلى أنَّهم قارِنُونِ بَيْنَ العِمارَةِ والشَّهادَةِ بِالكُفْرِ عَلى أنْفُسِهِمْ في حالٍ واحِدَةٍ، وذَلِكَ مُحالٌ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ انْتَهى. وقَوْلُهُ: أوِ الكَبِيرَةُ دَسِيسَةُ اعْتِزالٍ؛ لِأنَّ الكَبِيرَةَ عِنْدَهم مِنَ المَعاصِي تُحْبِطُ الأعْمالَ.
﴿وفِي النّارِ هم خالِدُونَ﴾ ذَكَرَ مَآلَ المُشْرِكِينَ وهو النّارُ خالِدِينَ فِيها. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِالياءِ نَصْبًا عَلى الحالِ، و(في النّارِ) هو الخَبَرُ. كَما تَقُولُ: في الدّارِ زَيْدٌ قاعِدًا. وقالَ الواحِدِيُّ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الكُفّارَ مَمْنُوعُونَ مِن عِمارَةِ مَسْجِدِ المُسْلِمِينَ، ولَوْ أوْصى لَمْ تُقْبَلْ وصِيَّتُهُ، ويُمْنَعُ مِن دُخُولِ المَساجِدِ، فَإنْ دَخَلَ بِغَيْرِ إذْنِ مُسْلِمٍ اسْتَحَقَّ التَّعْزِيرَ، وإنْ دَخَلَ بِإذْنٍ لَمْ يُعَزَّرْ، والأوْلى تَعْظِيمُ المَساجِدِ ومَنعُها مِنهم. وقَدْ أنْزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وفْدَ ثَقِيفَ وهم كُفّارٌ المَسْجِدَ، ورَبَطَ ثُمامَةَ بْنَ أُثالٍ الحَنَفِيَّ في سارِيَةٍ مِن سَوارِي المَسْجِدِ وهو كافِرٌ.
﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ ولَمْ يَخْشَ إلّا اللَّهَ فَعَسى أُولَئِكَ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ قَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وحَمّادُ بْنُ أبِي سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: مَسْجِدًا لِلَّهِ بِالتَّوْحِيدِ، وقَرَأ السَّبْعَةُ وجَماعَةٌ: بِالجَمْعِ، والمَعْنى: إنَّما يَعْمُرُها بِالحَقِّ والواجِبِ، ويَسْتَقِيمُ ذَلِكَ فِيمَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الأوْصافِ. وفي ضِمْنِ هَذا الخَبَرِ أمْرُ المُؤْمِنِينَ بِعِمارَةِ المَساجِدِ، ويَتَناوَلُ عِمارَتُها رَمَّ ما تَهَدَّمَ مِنها، وتَنْظِيفَها، وتَنْوِيرَها، وتَعْظِيمَها، واعْتِيادَها لِلْعِبادَةِ والذِّكْرِ. ومِنَ الذِّكْرِ دَرْسُ العِلْمِ بَلْ هو أجَلُّهُ، وصَوْنَها عَمّا لَمْ تُبْنَ لَهُ مِنَ الخَوْضِ في أحْوالِ الدُّنْيا. وفي الحَدِيثِ: «إذا رَأيْتُمُ الرَّجُلَ يَعْتادُ المَسْجِدَ فاشْهَدُوا لَهُ بِالإيمانِ» ولَمْ يُذْكَرِ الإيمانُ بِالرَّسُولِ؛ لِأنَّ الإيمانَ بِاليَوْمِ الآخِرِ إنَّما هو مُتَلَقَّفٌ مِن أخْبارِ الرَّسُولِ، فَيَتَضَمَّنُ الإيمانَ بِالرَّسُولِ. أوْ لَمْ يُذْكَرْ لِما عُلِمَ وشُهِرَ مِن أنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ تَعالى قَرِينَتُهُ الإيمانُ بِالرَّسُولِ ﷺ؛ لِاشْتِمالِ كَلِمَةِ الشَّهادَةِ والأذانِ والإقامَةِ وغَيْرِها عَلَيْهِما مُقْتَرِنَيْنِ مُزْدَوِجَيْنِ، كَأنَّهُما شَيْءٌ واحِدٌ لا يَنْفِكُّ أحَدُهُما عَنْ صاحِبِهِ، فانْطَوى تَحْتَ ذِكْرِ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى الإيمانُ بِالرَّسُولِ ﷺ . وقِيلَ: دَلَّ عَلَيْهِ بِذِكْرِ إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ، إذْ لا يُتَلَقّى ذَلِكَ إلّا مِنهُ. والمَقْصُودُ مِن بِناءِ المَساجِدِ وعِمارَتِها هو كَوْنُها مُجْتَمَعًا لِإقامَةِ الصَّلَواتِ فِيها والتَّعَبُّداتِ مِنَ الذِّكْرِ والِاعْتِكافِ وغَيْرِهِما، وناسَبَ ذِكْرُ إيتاءِ (p-٢٠)الزَّكاةِ مَعَ عِمارَةِ المَساجِدِ أنَّها لَمّا كانَتْ مَجْمَعًا لِلنّاسِ بانَ فِيها أمْرُ الغَنِيِّ والفَقِيرِ، وعُرِفَتْ أحْوالُ مَن يُؤَدِّي الزَّكاةَ ومَن يَسْتَحِقُّها.
﴿ولَمْ يَخْشَ إلّا اللَّهَ﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُرِيدُ خَشْيَةَ التَّعْظِيمِ والعِبادَةِ والطّاعَةِ، ولا مَحالَةَ أنَّ الإنْسانَ يَخْشى غَيْرَهُ، ويَخْشى المَحاذِيرَ الدُّنْيَوِيَّةَ، ويَنْبَغِي أنْ يَخْشى في ذَلِكَ كُلِّهِ قَضاءَ اللَّهَ وتَصْرِيفَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هي الخَشْيَةُ والتَّقْوى في أبْوابِ الدُّنْيا، وأنْ لا يَخْتارَ عَلى رِضا اللَّهِ رِضا غَيْرِهِ، وإذا اعْتَرَضَهُ أمْرانِ أحَدُهُما حَقُّ اللَّهِ تَعالى، والآخَرُ حَقُّ نَفْسِهِ، خافَ اللَّهَ وآثَرَ حَقَّ اللَّهِ عَلى حَقِّ نَفْسِهِ. وقِيلَ: كانُوا يَخْشَوْنَ الأصْنامَ ويَرْجُونَها، فَأُرِيدَ نَفْيُ تِلْكَ الخَشْيَةِ عَنْهُمُ انْتَهى. وعَسى مِنَ اللَّهِ تَعالى واجِبٌ حَيْثُما وقَعَتْ في القُرْآنِ، وفي ذَلِكَ قَطْعُ أطْماعِ المُشْرِكِينَ أنْ يَكُونُوا مُهْتَدِينَ؛ إذْ مَن جَمَعَ هَذِهِ الخِصالَ الأرْبَعَةَ جُعِلَ حالُهُ حالَ مَن تُرْجى لَهُ الهِدايَةُ، فَكَيْفَ بِمَن هو عارٍ مِنها، وفي ذَلِكَ تَرْجِيحُ الخَشْيَةِ عَلى الرَّجاءِ، ورَفْضُ الِاغْتِرارِ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، فَرُبَّما دَخَلَها بَعْضُ المُفْسِداتِ وصاحِبُها لا يَشْعُرُ بِها. وقالَ تَعالى: ﴿أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾؛ أيْ: مِنَ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمُ الهِدايَةُ، ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ أنْ يَكُونُوا مُهْتَدِينَ، بَلْ جُعِلُوا بَعْضًا مِنَ المُهْتَدِينَ، وكَوْنُهم مِنهم أقَلَّ في التَّعْظِيمِ مِن أنْ يُجَرَّدَ لَهُمُ الحُكْمُ بِالهِدايَةِ.
﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وجاهَدَ في سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ قالَ: «كُنْتُ عِنْدَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ فَقالَ رَجُلٌ: ما أُبالِي أنْ لا أعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ أنْ أسْقِيَ الحاجَّ، وقالَ الآخَرُ: ما أُبالِي أنْ لا أعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ أنْ أُعَمِّرَ المَسْجِدَ الحَرامَ، وقالَ آخَرُ: الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ أفْضَلُ مِمّا قُلْتُمْ، فَزَجَرَهم عُمَرُ وقالَ: لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم عِنْدَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهو يَوْمُ الجُمُعَةِ، ولَكِنِّي إذا صَلَّيْتُ الجُمُعَةَ دَخَلْتُ فاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ وقَوْلُهُ أقْوالًا أُخَرَ في سَبَبِ النُّزُولِ كُلُّها تَدُلُّ عَلى الِافْتِخارِ بِالسِّقايَةِ والعِمارَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (سِقايَةَ) (وعِمارَةَ)، وهُما مَصْدَرانِ نَحْوُ الصِّيانَةِ والوِقايَةِ، وقُوبِلا بِالذَّواتِ، فاحْتِيجَ إلى حَذْفٍ مِنَ الأوَّلِ؛ أيْ: أهْلَ سِقايَةِ، أوْ حَذْفٍ مِنَ الثّانِي؛ أيْ: كَعَمَلِ مَن آمَنَ. وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ، والباقِرُ، وأبُو حَيْوَةَ: سَقاةَ الحاجِّ، وعَمَرَةَ المَسْجِدِ، جَمْعُ ساقٍ وجَمْعُ عامِرٍ كَرامٍ ورُماةٍ وصانِعٍ وصَنَعَةٍ، وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ نَصَبَ المَسْجِدَ عَلى إرادَةِ التَّنْوِينِ في (عَمَرَةً)، وقَرَأ الضَّحّاكُ: سُقايَةَ بِضَمِّ السِّينِ، وعِمْرَةَ بُنِيَ الجَمْعُ عَلى فِعالٍ كَرِخْلٍ ورُخالٍ، وظِئْرٍ وظُؤارٍ، وكانَ المُناسِبُ أنْ يَكُونَ بِغَيْرِ هاءٍ، لَكِنَّهُ أدْخَلَ الهاءَ كَما دَخَلَتْ في حِجارَةٍ. وكانَتِ السِّقايَةُ في بَنِي هاشِمٍ، وكانَ العَبّاسُ يَتَوَلّاها، ولَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ العَبّاسُ: ما أرانِي إلّا أتْرُكُ السِّقايَةَ، فَقالَ النَّبِيُّ: «أقِيمُوا عَلَيْها فَهي لَكم خَيْرٌ» وعِمارَةُ المَسْجِدِ هي السِّدانَةُ، وكانَ في بَنِي عَبْدِ الدّارِ، وشَيْبَةُ وعُثْمانُ بْنُ طَلْحَةَ هُما اللَّذانِ دَفَعَ إلَيْهِما رَسُولُ اللَّهِ مِفْتاحَ الكَعْبَةِ في ثامِنِ يَوْمِ الفَتْحِ بَعْدَ أنْ طَلَبَهُ العَبّاسُ وعَلِيٌّ، وقالَ لِعُثْمانَ وشَيْبَةَ: «خُذُوها خالِدَةً تالِدَةً لا يُنازِعُكُما عَلَيْها إلّا ظالِمٌ»؛ يَعْنِي السِّدانَةَ. ومَعْنى الآيَةِ: إنْكارُ أنْ يُشَبَّهَ المُشْرِكُونَ بِالمُؤْمِنِينَ وأعْمالُهُمُ المُحْبَطَةُ بِأعْمالِهِمُ المُثَبِّتَةِ. ولَمّا نَفى المُساواةَ بَيْنَهُما أوْضَحَ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾، مِنَ الرّاجِحِ مِنهُما، وأنَّ الكافِرِينَ بِاللَّهِ هُمُ الظّالِمُونَ، ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِتَرْكِ الإيمانِ بِاللَّهِ، وبِما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ، وظَلَمُوا المَسْجِدَ الحَرامَ إذْ جَعَلَهُ اللَّهُ مُتَعَبَّدًا لَهم فَجَعَلُوهُ مُتَعَبَّدًا لِأوْثانِهِمْ. وذَكَرَ في المُؤْمِنِينَ إثْباتَ الهِدايَةِ لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿فَعَسى أُولَئِكَ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ وفي المُشْرِكِينَ هُنا نَفى الهِدايَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ .
(p-٢١)﴿الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ زادَتْ هَذِهِ الآيَةُ وُضُوحًا في التَّرْجِيحِ لِلْمُؤْمِنِينَ المُتَّصِفِينَ بِهَذِهِ الأوْصافِ عَلى المُشْرِكِينَ المُفْتَخِرِينَ بِالسِّقايَةِ والعِمارَةِ، فَطَهَّرُوا أنْفُسَهم مِن دَنَسِ الشِّرْكِ بِالإيمانِ، وطَهَّرُوا أبْدانَهم بِالهِجْرَةِ إلى مَوْطِنِ الرَّسُولِ وتَرْكِ دِيارِهِمُ الَّتِي نَشَئُوا عَلَيْها، ثُمَّ بالَغُوا بِالجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ بِالمالِ والنَّفْسِ المُعَرَّضَيْنِ بِالجِهادِ لِلتَّلَفِ. فَهَذِهِ الخِصالُ أعْظَمُ دَرَجاتِ البَشَرِيَّةِ، و(أعْظَمُ) هُنا يَسُوغُ أنْ تَبْقى عَلى بابِها مِنَ التَّفْضِيلِ، ويَكُونُ ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ اعْتِقادِ المُشْرِكِينَ بِأنَّ في سِقايَتِهِمْ وعِمارَتِهِمْ فَضِيلَةً، فَخُوطِبُوا عَلى اعْتِقادِهِمْ. أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا ولَمْ يُجاهِدُوا. وقِيلَ: (أعْظَمُ) لَيْسَتْ عَلى بابِها، بَلْ هي كَقَوْلِهِ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٢٤]، وقَوْلُ حَسّانَ:
؎فَشَرُّكُما لِخَيْرِكُما الفِداءُ
وكَأنَّهُ قِيلَ: عَظِيمُونَ دَرَجَةً. و(عِنْدَ اللَّهِ) بِالمَكانَةِ لا بِالمَكانِ كَقَوْلِهِ: ﴿ومَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ [الأنبياء: ١٩] قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: الأرْواحُ المُقَدَّسَةُ البَشَرِيَّةُ إذا تَطَهَّرَتْ عَنْ دَنَسِ الأوْصافِ البَدَنِيَّةِ والقاذُوراتِ الجَسَدانِيَّةِ أشْرَقَتْ بِأنْوارِ الجَلالِ، وعَلا فِيها أضْواءُ عالَمِ الجَمالِ، وتَرَقَّتْ مِنَ العَبْدِيَّةِ إلى العِنْدِيَّةِ، بَلْ كَأنَّهُ لا كَمالَ في العَبْدِيَّةِ إلّا بِمُشاهَدَةِ الحَقِيقَةِ العِنْدِيَّةِ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١] انْتَهى، وهو شَبِيهٌ بِكَلامِ الصُّوفِيَّةِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الأوْصافِ هو الفائِزُ الظّافِرُ بِأُمْنِيَتِهِ، النّاجِي مِنَ النّارِ.
﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي في المُهاجِرِينَ خاصَّةً انْتَهى، وأُسْنِدَ التَّبْشِيرُ إلى قَوْلِهِ: رَبُّهم، لِما في ذَلِكَ مِنَ الإحْسانِ إلَيْهِمْ بِأنَّ مالِكَ أمْرِهِمْ والنّاظِرَ في مَصالِحِهِمْ هو الَّذِي يُبَشِّرُهم، فَذَلِكَ عَلى تَحْقِيقِ عُبُودِيَّتِهِمْ لِرَبِّهِمْ. ولَمّا كانَتِ الأوْصافُ الَّتِي تَحَلَّوْا بِها وصارُوا بِها عَبِيدَهَ حَقِيقَةً هي ثَلاثَةٌ: الإيمانُ، والهِجْرَةُ، والجِهادُ بِالمالِ والنَّفْسِ، قُوبِلُوا في التَّبْشِيرِ بِثَلاثَةٍ: الرَّحْمَةِ، والرِّضْوانِ، والجَنّاتِ. فَبَدَأ بِالرَّحْمَةِ؛ لِأنَّها الوَصْفُ الأعَمُّ النّاشِئُ عَنْها تَيْسِيرُ الإيمانِ لَهم، وثَنّى بِالرِّضْوانِ؛ لِأنَّهُ الغايَةُ مِن إحْسانِ الرَّبِّ لِعَبْدِهِ وهو مُقابِلُ الجِهادِ، إذْ هو بَذْلُ النَّفْسِ والمالِ، وقُدِّمَ عَلى الجَنّاتِ؛ لِأنَّ رِضا اللَّهِ عَنِ العَبْدِ أفْضَلُ مِن إسْكانِهِمُ الجَنَّةَ. وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: يا أهْلَ الجَنَّةِ، هَلْ رَضِيتُمْ ؟ فَيَقُولُونَ: يا رَبَّنا كَيْفَ لا نَرْضى وقَدْ باعَدْتَنا عَنْ نارِكَ وأدْخَلَتْنا جَنَّتَكَ، فَيَقُولُ: لَكم عِنْدِي أفْضَلُ مِن ذَلِكَ، فَيَقُولُونَ: وما أفْضَلُ مِن ذَلِكَ ؟ فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكم رِضائِي فَلا أسْخَطُ عَلَيْكم بَعْدَها»، وأتى ثالِثًا بِقَوْلِهِ: ﴿وجَنّاتٍ لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾؛ أيْ دائِمٌ لا يَنْقَطِعُ. وهَذا مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ ”وهاجَرُوا“؛ لِأنَّهم تَرَكُوا أوْطانَهُمُ الَّتِي نَشَئُوا فِيها وكانُوا فِيها مُنَعَّمِينَ، فَآثَرُوا الهِجْرَةَ عَلى دارِ الكُفْرِ إلى مُسْتَقَرِّ الإيمانِ والرِّسالَةِ، فَقُوبِلُوا عَلى ذَلِكَ بِالجَنّاتِ ذَواتِ النَّعِيمِ الدّائِمِ، فَجاءَ التَّرْتِيبُ في أوْصافِهِمْ عَلى حَسَبِ الواقِعِ: الإيمانُ، ثُمَّ الهِجْرَةُ، ثُمَّ الجِهادُ. وجاءَ التَّرْتِيبُ في المُقابِلِ عَلى حَسَبِ الأعَمِّ، ثُمَّ الأشْرَفِ، ثُمَّ التَّكْمِيلِ. قالَ التَّبْرِيزِيُّ: ونَكَّرَ الرَّحْمَةَ والرِّضْوانَ لِلتَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ. (بِرَحْمَةٍ) أيْ: رَحْمَةٍ لا يَبْلُغُها وصْفُ واصِفٍ.
وقَرَأ الأعْمَشُ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وحُمَيْدُ بْنُ هِلالٍ: يَبْشُرُهم بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الشِّينِ خَفِيفَةً. وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: ورُضْوانٌ بِضَمِّ الرّاءِ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ في أوائِلِ آلِ عِمْرانَ. وقَرَأ الأعْمَشُ: بِضَمِّ الرّاءِ والضّادِ مَعًا. قالَ أبُو حاتِمٍ: لا يَجُوزُ هَذا انْتَهى. ويَنْبَغِي أنْ يَجُوزَ، فَقَدْ قالَتِ العَرَبُ: سُلُطانٌ بِضَمِّ اللّامِ، وأوْرَدَهُ التَّصْرِيفِيُّونَ في أبْنِيَةِ الأسْماءِ.
التوبة 9:23
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكم وإخْوانَكم أوْلِياءَ إنِ اسْتَحَبُّوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ كانَ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ مَن آمَنَ لَمْ يَتِمَّ إيمانُهُ إلّا بِأنْ يُهاجِرَ ويُصادِمَ أقارِبَهُ (p-٢٢)الكَفَرَةَ ويَقْطَعُ مُوالاتَهم، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنْ نَحْنُ اعْتَزَلْنا مَن يُخالِفُنا في الدِّينِ قَطَعْنا آباءَنا وأبْناءَنا وعَشائِرَنا، وذَهَبَتْ كادَتُنا، وهَلَكَتْ أمْوالُنا، وخَرِبَتْ دِيارُنا، وبَقِينا ضائِعِينَ، فَنَزَلَتْ، فَهاجَرُوا، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَأْتِيهِ ابْنُهُ أوْ أبُوهُ أوْ أخُوهُ أوْ بَعْضُ أقارِبِهِ فَلا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ، ولا يُنْزِلُهُ، ولا يُنْفِقُ عَلَيْهِ، ثُمَّ رُخِّصَ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ. فَعَلى هَذا الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا بِ مَكَّةَ وغَيْرِها مِن بِلادِ العَرَبِ خُوطِبُوا أنْ لا يُوالُوا الآباءَ والإخْوَةَ، فَيَكُونُوا لَهم تَبَعًا في سُكْنى بِلادِ الكُفْرِ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في التِّسْعَةِ الَّذِينَ ارْتَدُّوا ولَحِقُوا بِمَكَّةَ، فَنَهى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ عَنْ مُوالاتِهِمْ. وذَكَرَ الآباءَ والإخْوانَ؛ لِأنَّهم أهْلُ الرَّأْيِ والمَشُورَةِ، ولَمْ يَذْكُرِ الأبْناءَ؛ لِأنَّهم في الغالِبِ تَبَعٌ لِآبائِهِمْ.
وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: أنِ اسْتَحَبُّوا بِفَتْحِ الهَمْزَةِ جَعَلَهُ تَعْلِيلًا، وغَيْرُهُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ جَعَلَهُ شَرْطًا. ومَعْنى اسْتَحَبُّوا: آثَرُوا وفَضَّلُوا، اسْتَفْعَلَ مِنَ المَحَبَّةِ أيْ طَلَبُوا مَحَبَّةَ الكُفْرِ، وقِيلَ: بِمَعْنى أحَبَّ، وضُمِّنَ مَعْنى اخْتارَ وآثَرَ، ولِذَلِكَ عُدِّيَ بِعَلى. ولَمّا نَهاهم عَنِ اتِّخاذِهِمْ أوْلِياءَ أُخْبِرَ أنَّ مَن تَوَلّاهم فَهو ظالِمٌ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو مُشْرِكٌ مِثْلُهم؛ لِأنَّ مَن رَضِيَ بِالشِّرْكِ فَهو مُشْرِكٌ. قالَ مُجاهِدٌ: وهَذا كُلُّهُ كانَ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ظُلْمُ المَعْصِيَةِ لا ظُلْمُ الكُفْرِ.
﴿قُلْ إنْ كانَ آباؤُكم وأبْناؤُكم وإخْوانُكم وأزْواجُكم وعَشِيرَتُكم وأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها ومَساكِنُ تَرْضَوْنَها أحَبَّ إلَيْكم مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وجِهادٍ في سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ هَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي الحَضَّ عَلى الهِجْرَةِ، وذَكَرَ الأبْناءُ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ المَحَبَّةَ، وهم أعْلَقُ بِالنَّفْسِ، بِخِلافِ الآيَةِ قَبْلَها فَلَمْ يُذْكَرُوا؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنها الرَّأْيُ والمَشُورَةُ. وقَدَّمَ الآباءَ؛ لِأنَّهُمُ الَّذِي يَجِبُ بِرُّهم وإكْرامُهم وحُبُّهم، وثَنّى بِالأبْناءِ؛ لِكَوْنِهِمْ أعْلَقَ بِالقُلُوبِ. ولَمّا ذَكَرَ الأصْلَ والفَرْعَ ذَكَرَ الحاشِيَةَ وهي الإخْوانُ، ثُمَّ ذَكَرَ الأزْواجَ وهُنَّ في المَحَبَّةِ والإيثارِ كالأبْناءِ، ثُمَّ الأبْعَدَ بَعْدَ الأقْرَبِ في القَرابَةِ فَقالَ: وعَشِيرَتُكم.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِغَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: بِألْفٍ عَلى الجَمْعِ. وزَعَمَ الأخْفَشُ أنَّ العَرَبَ تَجْمَعُ عَشِيرَةً عَلى عَشائِرَ، ولا تَكادُ تَقُولُ: عَشِيراتٌ بِالجَمْعِ بِالألِفِ والتّاءِ، ثُمَّ ذَكَرَ ﴿وأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها﴾؛ أيِ اكْتَسَبْتُمُوها؛ لِأنَّ الأمْوالَ يُعادِلُ حُبُّها حُبَّ القَرابَةِ، بَلْ حُبُّها أشَدُّ، كانَتِ الأمْوالُ في ذَلِكَ الوَقْتِ عَزِيزَةً، وأكْثَرُ النّاسِ كانُوا فُقَراءَ. ثُمَّ ذَكَرَ: ﴿وتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها﴾، والتِّجارَةُ لا تَتَهَيَّأُ إلّا بِالأمْوالِ، وجَعَلَ تَعالى التِّجارَةَ سَبَبًا لِزِيادَةِ الأمْوالِ ونَمائِها. وتَفْسِيرُ ابْنِ المُبارَكِ بِأنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى البَناتِ اللَّواتِي لا يَتَزَوَّجْنَ لِقِلَّةِ خُطّابِهِنَّ، تَفْسِيرٌ غَرِيبٌ يَنْبُو عَنْهُ اللَّفْظُ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎كَسَدْنَ مِنَ الفَقْرِ في قَوْمِهِنَّ وقَدْ زادَهُنَّ مَقامِي كُسُودا
ثُمَّ ذَكَرَ: ﴿ومَساكِنُ تَرْضَوْنَها﴾، وهي القُصُورُ والدُّورُ. ومَعْنى: تَرْضَوْنَها: تَخْتارُونَ الإقامَةَ بِها. وهَذِهِ الدَّواعِي الأرْبَعَةُ سَبَبٌ لِمُخالَطَةِ الكُفّارِ: حُبُّ الأقارِبِ، والأمْوالِ، والتِّجارَةِ، والمَساكِنِ. فَذَكَرَ تَعالى أنَّ مُراعاةَ الدِّينِ خَيْرٌ مِن مُراعاةِ هَذِهِ الأُمُورِ. وفي الكَلامِ حَذْفٌ أيْ: أحَبُّ إلَيْكم مِنِ امْتِثالِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ في الهِجْرَةِ مِن دارِ الكُفْرِ إلى دارِ الإسْلامِ. والقُرّاءُ عَلى نَصْبِ (أحَبَّ)؛ لِأنَّهُ خَبَرُ كانَ. وكانَ الحَجّاجُ بْنُ يُوسُفَ يَقْرَأُ: أحَبُّ بِالرَّفْعِ، ولَحَّنَهُ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ، وتَلْحِينُهُ إيّاهُ لَيْسَ مِن جِهَةِ العَرَبِيَّةِ، وإنَّما هو لِمُخالَفَةِ إجْماعِ القُرّاءِ النَّقَلَةِ، وإلّا فَهو جائِزٌ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ عَلى أنْ يُضْمَرَ في كانَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، ويُلْزَمَ ما (p-٢٣)بَعْدَها بِالِابْتِداءِ والخَبَرِ، وتَكُونُ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى أنَّها خَبَرُ كانَ. وتَضَمَّنَ الأمْرُ بِالتَّرَبُّصِ التَّهْدِيدَ والوَعِيدَ حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: الإشارَةُ إلى فَتْحِ مَكَّةَ. وقالَ الحَسَنُ: الإشارَةُ إلى عَذابٍ أوْ عُقُوبَةٍ مِنَ اللَّهِ، و(الفاسِقِينَ) عُمُومٌ يُرادُ بِهِ الخُصُوصُ فِيمَن تَوافى عَلى فِسْقِهِ، أوْ عُمُومٌ مُطْلَقٌ عَلى أنَّهُ لا هِدايَةَ مِن حَيْثُ الفِسْقُ، وفي التَّحْرِيرِ الفِسْقُ هُنا الكُفْرُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما قابَلَهُ مِنَ الهِدايَةِ. والكُفْرُ ضَلالٌ، والضَّلالُ ضِدُّ الهِدايَةِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ في المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَمْ يُهاجِرُوا، فَيَكُونُ الفِسْقُ الخُرُوجَ عَنِ الطّاعَةِ، فَإنَّهم لَمْ يَمْتَثِلُوا أمْرَ اللَّهِ ولا أمْرَ رَسُولِهِ في الهِجْرَةِ.
التوبة 9:24
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكم وإخْوانَكم أوْلِياءَ إنِ اسْتَحَبُّوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ كانَ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ مَن آمَنَ لَمْ يَتِمَّ إيمانُهُ إلّا بِأنْ يُهاجِرَ ويُصادِمَ أقارِبَهُ (p-٢٢)الكَفَرَةَ ويَقْطَعُ مُوالاتَهم، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنْ نَحْنُ اعْتَزَلْنا مَن يُخالِفُنا في الدِّينِ قَطَعْنا آباءَنا وأبْناءَنا وعَشائِرَنا، وذَهَبَتْ كادَتُنا، وهَلَكَتْ أمْوالُنا، وخَرِبَتْ دِيارُنا، وبَقِينا ضائِعِينَ، فَنَزَلَتْ، فَهاجَرُوا، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَأْتِيهِ ابْنُهُ أوْ أبُوهُ أوْ أخُوهُ أوْ بَعْضُ أقارِبِهِ فَلا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ، ولا يُنْزِلُهُ، ولا يُنْفِقُ عَلَيْهِ، ثُمَّ رُخِّصَ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ. فَعَلى هَذا الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا بِ مَكَّةَ وغَيْرِها مِن بِلادِ العَرَبِ خُوطِبُوا أنْ لا يُوالُوا الآباءَ والإخْوَةَ، فَيَكُونُوا لَهم تَبَعًا في سُكْنى بِلادِ الكُفْرِ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في التِّسْعَةِ الَّذِينَ ارْتَدُّوا ولَحِقُوا بِمَكَّةَ، فَنَهى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ عَنْ مُوالاتِهِمْ. وذَكَرَ الآباءَ والإخْوانَ؛ لِأنَّهم أهْلُ الرَّأْيِ والمَشُورَةِ، ولَمْ يَذْكُرِ الأبْناءَ؛ لِأنَّهم في الغالِبِ تَبَعٌ لِآبائِهِمْ.
وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: أنِ اسْتَحَبُّوا بِفَتْحِ الهَمْزَةِ جَعَلَهُ تَعْلِيلًا، وغَيْرُهُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ جَعَلَهُ شَرْطًا. ومَعْنى اسْتَحَبُّوا: آثَرُوا وفَضَّلُوا، اسْتَفْعَلَ مِنَ المَحَبَّةِ أيْ طَلَبُوا مَحَبَّةَ الكُفْرِ، وقِيلَ: بِمَعْنى أحَبَّ، وضُمِّنَ مَعْنى اخْتارَ وآثَرَ، ولِذَلِكَ عُدِّيَ بِعَلى. ولَمّا نَهاهم عَنِ اتِّخاذِهِمْ أوْلِياءَ أُخْبِرَ أنَّ مَن تَوَلّاهم فَهو ظالِمٌ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو مُشْرِكٌ مِثْلُهم؛ لِأنَّ مَن رَضِيَ بِالشِّرْكِ فَهو مُشْرِكٌ. قالَ مُجاهِدٌ: وهَذا كُلُّهُ كانَ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ظُلْمُ المَعْصِيَةِ لا ظُلْمُ الكُفْرِ.
﴿قُلْ إنْ كانَ آباؤُكم وأبْناؤُكم وإخْوانُكم وأزْواجُكم وعَشِيرَتُكم وأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها ومَساكِنُ تَرْضَوْنَها أحَبَّ إلَيْكم مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وجِهادٍ في سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ هَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي الحَضَّ عَلى الهِجْرَةِ، وذَكَرَ الأبْناءُ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ المَحَبَّةَ، وهم أعْلَقُ بِالنَّفْسِ، بِخِلافِ الآيَةِ قَبْلَها فَلَمْ يُذْكَرُوا؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنها الرَّأْيُ والمَشُورَةُ. وقَدَّمَ الآباءَ؛ لِأنَّهُمُ الَّذِي يَجِبُ بِرُّهم وإكْرامُهم وحُبُّهم، وثَنّى بِالأبْناءِ؛ لِكَوْنِهِمْ أعْلَقَ بِالقُلُوبِ. ولَمّا ذَكَرَ الأصْلَ والفَرْعَ ذَكَرَ الحاشِيَةَ وهي الإخْوانُ، ثُمَّ ذَكَرَ الأزْواجَ وهُنَّ في المَحَبَّةِ والإيثارِ كالأبْناءِ، ثُمَّ الأبْعَدَ بَعْدَ الأقْرَبِ في القَرابَةِ فَقالَ: وعَشِيرَتُكم.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِغَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: بِألْفٍ عَلى الجَمْعِ. وزَعَمَ الأخْفَشُ أنَّ العَرَبَ تَجْمَعُ عَشِيرَةً عَلى عَشائِرَ، ولا تَكادُ تَقُولُ: عَشِيراتٌ بِالجَمْعِ بِالألِفِ والتّاءِ، ثُمَّ ذَكَرَ ﴿وأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها﴾؛ أيِ اكْتَسَبْتُمُوها؛ لِأنَّ الأمْوالَ يُعادِلُ حُبُّها حُبَّ القَرابَةِ، بَلْ حُبُّها أشَدُّ، كانَتِ الأمْوالُ في ذَلِكَ الوَقْتِ عَزِيزَةً، وأكْثَرُ النّاسِ كانُوا فُقَراءَ. ثُمَّ ذَكَرَ: ﴿وتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها﴾، والتِّجارَةُ لا تَتَهَيَّأُ إلّا بِالأمْوالِ، وجَعَلَ تَعالى التِّجارَةَ سَبَبًا لِزِيادَةِ الأمْوالِ ونَمائِها. وتَفْسِيرُ ابْنِ المُبارَكِ بِأنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى البَناتِ اللَّواتِي لا يَتَزَوَّجْنَ لِقِلَّةِ خُطّابِهِنَّ، تَفْسِيرٌ غَرِيبٌ يَنْبُو عَنْهُ اللَّفْظُ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎كَسَدْنَ مِنَ الفَقْرِ في قَوْمِهِنَّ وقَدْ زادَهُنَّ مَقامِي كُسُودا
ثُمَّ ذَكَرَ: ﴿ومَساكِنُ تَرْضَوْنَها﴾، وهي القُصُورُ والدُّورُ. ومَعْنى: تَرْضَوْنَها: تَخْتارُونَ الإقامَةَ بِها. وهَذِهِ الدَّواعِي الأرْبَعَةُ سَبَبٌ لِمُخالَطَةِ الكُفّارِ: حُبُّ الأقارِبِ، والأمْوالِ، والتِّجارَةِ، والمَساكِنِ. فَذَكَرَ تَعالى أنَّ مُراعاةَ الدِّينِ خَيْرٌ مِن مُراعاةِ هَذِهِ الأُمُورِ. وفي الكَلامِ حَذْفٌ أيْ: أحَبُّ إلَيْكم مِنِ امْتِثالِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ في الهِجْرَةِ مِن دارِ الكُفْرِ إلى دارِ الإسْلامِ. والقُرّاءُ عَلى نَصْبِ (أحَبَّ)؛ لِأنَّهُ خَبَرُ كانَ. وكانَ الحَجّاجُ بْنُ يُوسُفَ يَقْرَأُ: أحَبُّ بِالرَّفْعِ، ولَحَّنَهُ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ، وتَلْحِينُهُ إيّاهُ لَيْسَ مِن جِهَةِ العَرَبِيَّةِ، وإنَّما هو لِمُخالَفَةِ إجْماعِ القُرّاءِ النَّقَلَةِ، وإلّا فَهو جائِزٌ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ عَلى أنْ يُضْمَرَ في كانَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، ويُلْزَمَ ما (p-٢٣)بَعْدَها بِالِابْتِداءِ والخَبَرِ، وتَكُونُ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى أنَّها خَبَرُ كانَ. وتَضَمَّنَ الأمْرُ بِالتَّرَبُّصِ التَّهْدِيدَ والوَعِيدَ حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: الإشارَةُ إلى فَتْحِ مَكَّةَ. وقالَ الحَسَنُ: الإشارَةُ إلى عَذابٍ أوْ عُقُوبَةٍ مِنَ اللَّهِ، و(الفاسِقِينَ) عُمُومٌ يُرادُ بِهِ الخُصُوصُ فِيمَن تَوافى عَلى فِسْقِهِ، أوْ عُمُومٌ مُطْلَقٌ عَلى أنَّهُ لا هِدايَةَ مِن حَيْثُ الفِسْقُ، وفي التَّحْرِيرِ الفِسْقُ هُنا الكُفْرُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما قابَلَهُ مِنَ الهِدايَةِ. والكُفْرُ ضَلالٌ، والضَّلالُ ضِدُّ الهِدايَةِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ في المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَمْ يُهاجِرُوا، فَيَكُونُ الفِسْقُ الخُرُوجَ عَنِ الطّاعَةِ، فَإنَّهم لَمْ يَمْتَثِلُوا أمْرَ اللَّهِ ولا أمْرَ رَسُولِهِ في الهِجْرَةِ.
التوبة 9:25
﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ ويَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكم فَلَمْ تُغْنِ عَنْكم شَيْئًا وضاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ لَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكم ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٤] واسْتَطْرَدَ بَعْدَ ذَلِكَ بِما اسْتَطْرَدَ ذَكَّرَهم تَعالى نَصْرَهُ إيّاهم في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ، والمَواطِنُ مَقاماتُ الحَرْبِ ومَواقِفُها. وقِيلَ: مَشاهِدُ الحَرْبِ تُوَطِّنُونَ أنْفُسَكم فِيها عَلى لِقاءِ العَدُوِّ، وهي جَمْعُ مَوْطِنٍ بِكَسْرِ الطّاءِ قالَ:
؎وكَمْ مَوْطِنٍ لَوْلايَ طِحْتَ كَما هَوى بِأجْرامِهِ مِن قُلَّةِ النِّيقِ مُنْهَوى
(p-٢٤)وهَذِهِ المَواطِنُ: وقَعاتُ بَدْرٍ، وقُرَيْظَةَ، والنَّضِيرِ، والحُدَيْبِيَةِ، وخَيْبَرَ، وفَتْحِ مَكَّةَ. ووُصِفَتْ بِالكَثْرَةِ؛ لِأنَّ أئِمَّةَ التّارِيخِ والعُلَماءِ والمَغازِي نَقَلُوا أنَّها كانَتْ ثَمانِينَ مَوْطِنًا. وحُنَيْنٌ وادٍ بَيْنَ مَكَّةَ والطّائِفِ قَرِيبٌ مِن ذِي المَجازِ. وصُرِفَ مَذْهُوبًا بِهِ مَذْهَبَ المَكانِ، ولَوْ ذُهِبَ بِهِ مَذْهَبَ البُقْعَةِ لَمْ يُصْرَفْ كَما قالَ:
؎نَصَرُوا نَبِيَّهُمُ وشَدُّوا أزْرَهُ ∗∗∗ بِحُنَيْنَ يَوْمَ تَواكَلَ الأبْطالُ
وعَطَفَ الزَّمانَ عَلى المَكانِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَوْطِنُ يَوْمِ حُنَيْنٍأوْ في أيّامِ مَواطِنَ كَثِيرَةٍ ويَوْمَ حُنَيْنٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: و(يَوْمَ) عُطِفَ عَلى مَوْضِعِ قَوْلِهِ: (في مَواطِنَ)، أوْ عَلى لَفْظِهِ بِتَقْدِيرِ: وفي يَوْمِ، فَحُذِفَ حَرْفُ الخَفْضِ انْتَهى. و(إذْ) بَدَلٌ مِن (يَوْمَ) وأضافَ الإعْجابَ إلى جَمِيعِهِمْ، وإنْ كانَ صادِرًا مِن واحِدٍ لَمّا رَأى الجَمْعَ الكَثِيرَ أعْجَبَهُ ذَلِكَ وقالَ: لَنْ نُغْلَبَ اليَوْمَ مِن قِلَّةٍ. والقائِلُ قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: هو أبُو بَكْرٍ، أوْ سَلَمَةُ بْنُ سَلامَةَ بْنِ قُرَيْشٍ، أوِ ابْنُ عَبّاسٍ، أوْ رَجُلٌ مِن بَنِي بَكْرٍ. ونُقِلَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ساءَهُ كَلامُ هَذا القائِلِ، ووُكِلُوا إلى كَلامِ الرَّجُلِ.
والكَثْرَةُ بِفَتْحِ الكافِ، ويُجْمَعُ عَلى كَثْراتٍ، وتَمِيمٌ تَكْسِرُ الكافَ، وتُجْمَعُ عَلى كُثُرٍ كَشَذْرَةٍ وشُذُرٍ، وكَسْرَةٍ وكُسُرٍ. وهَذِهِ الكَثْرَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: سِتَّةَ عَشَرَ ألْفًا، وعَنِ النَّحّاسِ: أرْبَعَةَ عَشَرَ ألْفًا، وعَنْ قَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ وابْنِ إسْحاقَ والواقِدِيِّ: اثْنا عَشَرَ ألْفًا، وعَنْ مُقاتِلٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أحَدَ عَشَرَ ألْفًا وخَمْسُمِائَةٍ. والباءُ في (بِما رَحُبَتْ) لِلْحالِ، وما مَصْدَرِيَّةٌ؛ أيْ: ضاقَتْ بِكُمُ الأرْضُ مَعَ كَوْنِها رَحْبًا واسِعَةً؛ لِشِدَّةِ الحالِ عَلَيْهِمْ وصُعُوبَتِها كَأنَّهم لا يَجِدُونَ مَكانًا يَسْتَصْلِحُونَهُ لِلْهَرَبِ والنَّجاةِ لِفَرْطِ ما لَحِقَهم مِنَ الرُّعْبِ، فَكَأنَّها ضاقَتْ عَلَيْهِمْ. والرَّحْبُ: السَّعَةُ، وبِفَتْحِ الرّاءِ الواسِعُ. يُقالُ: فُلانٌ رَحْبُ الصَّدْرِ، وبَلَدٌ رَحْبٌ، وأرْضٌ رَحْبَةٌ، وقَدْ رَحُبَتْ رَحْبًا ورَحابَةً. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (بِما رَحْبَتْ) في المَوْضِعَيْنِ بِسُكُونِ الحاءِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، يُسَكِّنُونَ ضَمَّةَ فَعُلَ فَيَقُولُونَ في ظَرُفَ: ظَرْفَ.
﴿ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾؛ أيْ: ولَّيْتُمْ فارِّينَ عَلى أدْبارِكم مُنْهَزِمِينَ تارِكِينَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . وأسْنَدَ التَّوَلِّي إلى جَمِيعِهِمْ وهو واقِعٌ مِن أكْثَرِهِمْ، إذْ ثَبَتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ناسٌ مِنَ الأبْطالِ عَلى ما يَأْتِي ذِكْرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ، فَيَقُولُ: لَمّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ كانَ في عَشَرَةِ آلافٍ مِن أصْحابِهِ، وانْضافَ إلَيْهِ ألْفانِ مِنَ الطُّلَقاءِ فَصارُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا إلى ما انْضافَ إلَيْهِمْ مِنَ الأعْرابِ مِن سُلَيْمٍ، وبَنِي كِلابٍ، وعَبْسٍ، وذُبْيانَ، وسَمِعَ بِذَلِكَ كُفّارُ العَرَبِ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَجَمَعَتْ لَهُ هَوازِنُ وألْفافُها وعَلَيْهِمْ مالِكُ بْنُ عَوْفٍ النَّضْرِيُّ، وثَقِيفُ وعَلَيْهِمْ عَبْدُ يالِيلَ بْنُ عَمْرٍو، وانْضافَ إلَيْهِمْ أخْلاطٌ مِنَ النّاسِ حَتّى كانُوا ثَلاثِينَ ألْفًا، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ اسْتِعْمالِهِ عَتّابَ بْنَ أسِيدٍ عَلى مَكَّةَ، حَتّى اجْتَمَعُوا بِحُنَيْنٍ، فَلَمّا تَصافَّ النّاسُ حَمَلَ المُشْرِكُونَ مِن مَجانِبِ الوادِي، وكانَ قَدْ كَمَنُوا بِها، فانْهَزَمَ المُسْلِمُونَ. قالَ قَتادَةُ: ويُقالُ: إنَّ الطُّلَقاءَ مِن أهْلِ مَكَّةَ فَرُّوا وقَصَدُوا إلْقاءَ الهَزِيمَةِ في المُسْلِمِينَ، وبَلَغَ فَلُّهم مَكَّةَ، وثَبَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في مَرْكَزِهِ عَلى بَغْلَةٍ شَهْباءَ تُسَمّى ”دُلْدُلَ“ لا يَتَخَلْخَلُ، والعَبّاسُ قَدِ اكْتَنَفَهُ آخِذًا بِلِجامِها، وابْنُ عَمِّهِ أبُو سُفْيانَ بْنُ الحَرْثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وابْنُهُ جَعْفَرٌ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، ورَبِيعَةُ بْنُ الحَرْثِ، والفَضْلُ بْنُ العَبّاسِ، وأُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وأيْمَنُ بْنُ عُبَيْدٍ؛ وهو أيْمَنُ ابْنِ أُمِّ أيْمَنَ، وقاتَلَ بَيْنَ يَدَيِ الرَّسُولِ ﷺ هَؤُلاءِ مِن أهْلِ بَيْتِهِ، وثَبَتَ مَعَهُ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ فَكانُوا عَشَرَةَ رِجالٍ، ولِهَذا قالَ العَبّاسُ:
؎نَصَرْنا رَسُولَ اللَّهِ في الحَرْبِ تِسْعَةٌ ∗∗∗ وقَدْ فَرَّ مَن قَدْ فَرَّ مِنهم وأقْشَعُوا
؎وعاشِرُنا لاقى الحِمامَ بِنَفْسِهِ ∗∗∗ بِما مَسَّهُ في اللَّهِ لا يَتَوَجَّعُ
وثَبَتَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ في جُمْلَةِ مَن ثَبَتَ مُمْسِكَةً بَعِيرًا لِأبِي طَلْحَةَ وفي يَدِها خِنْجَرٌ، ونَزَلَ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ (p-٢٥)وسَلَّمَ عَنْ بَغْلَتِهِ إلى الأرْضِ واسْتَنْصَرَ اللَّهَ، وأخَذَ قَبْضَةً مِن تُرابٍ وحَصًا فَرَمى بِها في وُجُوهِ الكُفّارِ وقالَ: ”شاهَتِ الوُجُوهُ“ قالَ يَعْلى بْنُ عَطاءٍ: فَحَدَّثَنِي أبْناؤُهم عَنْ آبائِهِمْ قالُوا: لَمْ يَبْقَ مِنّا أحَدٌ إلّا دَخَلَ عَيْنَيْهِ مِن ذَلِكَ التُّرابِ، وقالَ لِلْعَبّاسِ وكانَ صَيِّتًا: نادِ أصْحابَ السَّمُرَةِ، فَنادى الأنْصارَ فَخِذًا فَخِذًا، ثُمَّ نادى يا أصْحابَ الشَّجَرَةِ، يا أصْحابَ سُورَةِ البَقَرَةِ، فَكَّرُوا عُنُقًا واحِدًا وهم يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، وانْهَزَمَ المُشْرِكُونَ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى قِتالِ المُسْلِمِينَ فَقالَ: «هَذا حِينَ حَمِيَ الوَطِيسُ»، ورَكَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَلْفَهم عَلى بَغْلَتِهِ. وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ البَراءِ: «أنَّ هَوازِنَ كانُوا رُماةً فَرَمَوْهم بِرِشْقٍ مِن نَبْلٍ كَأنَّها رِجْلٌ مِن جَرادٍ فانْكَشَفُوا، فَأقْبَلَ القَوْمُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأبُو سُفْيانَ يَقُودُ بَغْلَتَهُ فَنَزَلَ ودَعا واسْتَنْصَرَ، وهو يَقُولُ:
”أنا النَّبِيُّ لا كَذِبْ
أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ
اللَّهُمَّ أنْزِلْ نَصْرَكَ“»
قالَ البَراءُ: «كُنّا واللَّهِ إذا حَمِيَ البَأْسُ نَتَّقِي بِهِ ﷺ»، وإنَّ الشُّجاعَ مِنّا لَلَّذِي يُحاذِي بِهِ يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ . وفي أوَّلِ هَذا الحَدِيثِ: ”«أكُنْتُمْ ولَّيْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍيا أبا عُمارَةَ ؟“ فَقالَ: أشْهَدُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ما ولّى» .
﴿ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ﴾؛ السَّكِينَةُ: النَّصْرُ الَّذِي سَكَنَتْ إلَيْهِ النُّفُوسُ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: رَحْمَتُهُ الَّتِي سَكَنُوا بِها، وقِيلَ: الوِقاءُ والثَّباتُ بَعْدَ الِاضْطِرابِ والقَلَقِ، ويَخْرُجُ مِن هَذا القَوْلِ الرَّسُولُ ﷺ، فَإنَّهُ لَمْ يَزَلْ ثابِتَ الجَأْشِ ساكِنَهُ. و(عَلى المُؤْمِنِينَ) ظاهِرُهُ شُمُولُ مَن فَرَّ ومَن ثَبَتَ، وقِيلَ: هُمُ الأنْصارُ إذْ هُمُ الَّذِينَ كَرُّوا ورَدُّوا الهَزِيمَةَ، وقِيلَ: مَن ثَبَتَ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ حالَةَ فَرَّ النّاسَ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: سِكِّينَتَهُ بِكَسْرِ السِّينِ وتَشْدِيدِ الكافِ مُبالَغَةً في السَّكِينَةِ، نَحْوُ شِرِّيبٍ وطِبِّيخٍ.
﴿وأنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾؛ هُمُ المَلائِكَةُ بِلا خِلافٍ، ولَمْ تَتَعَرَّضِ الآيَةُ لِعَدَدِهِمْ. فَقالَ الحَسَنُ: سِتَّةَ عَشَرَ ألْفًا، وقالَ مُجاهِدٌ: ثَمانِيَةُ آلافٍ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: خَمْسَةُ آلافٍ. وهَذا تَناقُضٌ في الأخْبارِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّها لَمْ تُقاتِلْ يَوْمَ حُنَيْنٍ. وعَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ كانَ في المُشْرِكِينَ يَوْمَ حُنَيْنٍقالَ: لَمّا كَشَفْنا المُسْلِمِينَ جَعَلْنا نَسُوقُهم، فَلَمّا انْتَهَيْنا إلى صاحِبِ البَغْلَةِ الشَّهْباءِ تَلَقّانا رِجالٌ بِيضُ الوُجُوهِ حِسانُها فَقالُوا: شاهَتِ الوُجُوهُ، ارْجِعُوا فَرَجَعْنا، فَرَكِبُوا أكْتافَنا. والظّاهِرُ انْتِفاءُ الرُّؤْيَةِ عَنِ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ الخِطابَ هو لَهم. وقَدْ رُوِيَ أنَّ رَجُلًا مِن بَنِي النَّضِيرِ قالَ لِلْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ القِتالِ: أيْنَ الخَيْلُ البُلْقُ والرِّجالُ الَّذِينَ كانُوا عَلَيْها بِيضٌ ما كُنّا فِيهِمْ إلّا كَهَيْئَةِ الشّامَةِ، وما كانَ قَتْلُنا إلّا بِأيْدِيهِمْ ؟ فَأخْبَرُوا النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: ”تِلْكَ المَلائِكَةُ“ . وقِيلَ: (لَمْ تَرَوْها)، نَفى عَنِ الجَمِيعِ، ومَن رَأى بَعْضَهم لَمْ يَرَ كُلَّهم، وقِيلَ: لَمْ يَرَها أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ ولا الكُفّارِ، وإنَّما أنْزَلَهم يُلْقُونَ التَّثْبِيتَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ والرُّعْبَ والجُبْنَ في قُلُوبِ الكُفّارِ. وقالَ يَزِيدُ بْنُ عامِرٍ: كانَ في أجْوافِنا مِثْلُ ضَرْبَةِ الحَجَرِ في الطَّسْتِ مِنَ الرُّعْبِ.
﴿وعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وذَلِكَ جَزاءُ الكافِرِينَ﴾؛ أيْ بِالقَتْلِ الَّذِي اسْتَحَرَّ فِيهِمْ، والأسْرِ لِذَرارِيِّهِمْ ونِسائِهِمْ، والنَّهْبِ لِأمْوالِهِمْ. وكانَ السَّبْيُ أرْبَعَةَ آلافِ رَأْسٍ، وقِيلَ: سَتَّةَ آلافٍ، ومِنَ الإبِلِ اثْنا عَشَرَ ألْفًا سِوى ما لا يُعْلَمُ مِنَ الغَنَمِ، وقَسَّمَها الرَّسُولُ بِالجِعْرانَةِ، وفِيها قِصَّةُ عَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ وشِعْرُهُ. وكانَ مالِكُ بْنُ عَوْفٍ قَدْ أخْرَجَ النّاسَ لِلْقِتالِ والذَّرارِيَّ لِيُقاتِلُوا عَلَيْها، فَخَطَّأهُ في ذَلِكَ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ، قالَ: هَلْ يَرُدُّ المُنْهَزِمَ شَيْءٌ ؟ وفي ذَلِكَ اليَوْمِ قُتِلَ دُرَيْدٌ القِتْلَةَ المَشْهُورَةَ، قَتَلَهُ رَبِيعَةُ بْنُ رُفَيْعِ بْنِ أُهْبانَ السَّلَمِيُّ، ويُقالُ لَهُ: ابْنُ الدِّغِنَةِ.
﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلى مَن يَشاءُ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ إخْبارٌ بِأنَّ اللَّهَ يَتُوبُ (p-٢٦)عَلى مَن يَشاءُ فَيَهْدِي مَن يَشاءُ مِمَّنْ بَقِيَ مِنَ الكُفّارِ لِلْإسْلامِ، ووَعَدَ بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ كَمالِكِ بْنِ عَوْفٍ النَّضْرِيِّ رَئِيسِ هَوازِنَ ومَن أسْلَمَ مَعَهُ مِن قَوْمِهِ. ورُوِيَ أنَّ ناسًا مِنهم جاءُوا فَبايَعُوا عَلى الإسْلامِ وقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، أنْتَ خَيْرُ النّاسِ وأبَرُّ النّاسِ، وقَدْ سُبِيَ أهْلُونا وأوْلادُنا وأُخِذَتْ أمْوالُنا، وكانَ سَبْيُ يَوْمَئِذٍ سِتَّةَ آلافِ نَفْسٍ، وأُخِذَ مِنَ الإبِلِ والغَنَمِ ما لا يُحْصى، فَقالَ: «إنْ خَيْرَ القَوْلِ أصْدَقُهُ، اخْتارُوا إمّا ذَرارِيَّكم ونِساءَكم وإمّا أمْوالَكم» فَقالُوا: ما نَعْدِلُ بِالأحْسابِ شَيْئًا. وتَمامُ الحَدِيثِ أنَّهم أخَذُوا نِساءَهم وذَرارِيَّهم إلّا امْرَأةً وقَعَ عَلَيْها صَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ فَحَمَلَتْ مِنهُ فَلَمْ يَرُدَّها.
أخْبَرَنا القاضِي العالِمُ أبُو عَلِيٍّ الحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ أبِي الأحْوَصِ القُرَشِيُّ قِراءَةً مِنِّي عَلَيْهِ بِمَدِينَةِ مالِقَةَ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو الحَسَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بِيقى بْنِ حَبْلَةَ الخَزْرَجَيُّ باوُو بولَةَ، قالَ: أخْبَرَنا الحافِظُ أبُو طاهِرٍ أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّلَفِيُّ الأصْبَهانِيُّ بِإسْكَنْدَرِيَّةَ (ح)، وأخْبَرَنا أُسْتاذُنا الإمامُ العَلّامَةُ الحافِظُ أبُو جَعْفَرٍ أحْمَدُ بْنُ إبْراهِيمَ بْنِ الزُّبَيْرِ قِراءَةً مِنِّي عَلَيْهِ بِغَرْناطَةَ عَنِ القاضِي أبِي الخَطّابِ مُحَمَّدِ بْنِ أحْمَدَ بْنِ خَلِيلٍ السُّكُونِيُّ عَنْ أبِي طاهِرٍ السَّلَفِيِّ وهو آخِرُ مَن حَدَّثَ عَنْهُ بِالغَرْبِ (ح)، وأخْبَرَنا عالِيًا القاضِي السَّعِيدُ صَفِيُّ الدِّينِ أبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الوَهّابِ بْنُ حَسَنِ بْنِ الفُراتِ قِراءَةً عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ بِثَغْرِ الإسْكَنْدَرِيَّةِ عَنْ أبِي الطّاهِرِ إسْماعِيلُ بْنُ صالِحِ بْنِ ياسِينَ الجَبَلِيِّ وهو آخِرُ مَن حَدَّثَ عَنْهُ، قالا - أعْنِي السَّلَفِيَّ والجَبَلِيَّ -: أخْبَرَنا أبُو عَبْدُ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ إبْراهِيمَ الرّازِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ بَقاءِ بْنِ مُحَمَّدٍ الوَرّاقُ بِمِصْرَ أخْبَرَنا أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الحُسَيْنِ بْنِ عُمَرَ اليَمَنِيُّ التَّنُوخِيُّ بِانْتِفاءِ خَلَفٍ الواسِطِيِّ الحافِظِ (ح)، وأخْبَرَنا المُحَدِّثُ العَدْلُ نَجِيبُ الدِّينِ أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ المُؤَيَّدِ الهَمْدانِيُّ عُرِفَ بِابْنِ العَجَمِيِّ قِراءَةً مِنِّي عَلَيْهِ بِالقاهِرَةِ، قُلْتُ لَهُ: أخْبَرَكَ أبُو الفَخْرِ أسْعَدُ بْنُ أبِي الفُتُوحِ بْنِ رَوْحٍ وعَفِيفَةُ بِنْتُ أحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ في كِتابَيْهِما، قالا: أخْبَرَتْنا فاطِمَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أحْمَدَ بْنِ عَقِيلٍ الجَوْزَدانِيَّةُ، قالَتْ: أخْبَرَنا أبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَيْذَةَ الضَّبِّيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو القاسِمِ سُلَيْمانُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ أيُّوبَ الطَّبَرانِيُّ الحافِظُ قالا - أعْنِي التَّنُوخِيَّ والطَّبَرانِيَّ -: أخْبَرَنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ رَماحِسَ، زادَ التَّنُوخِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خالِدِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ قَيْسِ بْنِ رَمادَةَ مِنَ الرَّمْلَةِ عَلى بَرِيدَيْنِ في رَبِيعٍ الآخِرِ مِن سَنَةِ ثَمانِينَ ومِائَتَيْنِ، وقالَ الطَّبَرانِيُّ: ابْنُ رَماحِسَ الجُشَمِيُّ القَيْسِيُّ بِرَمادَةِ الرَّمْلَةِ سَنَةَ سَبْعٍ وسَبْعِينَ ومِائَتَيْنِ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو عَمْرٍو زِيادُ بْنُ طارِقٍ، زادَ التَّنُوخِيُّ الجُشَمِيَّ. وقالَ الطَّبَرانِيُّ: وكانَ قَدْ أتَتْ عَلَيْهِ عِشْرُونَ ومِائَةُ سَنَةٍ، قالَ التَّنُوخِيُّ عَنْ زِيادٍ: أنْبَأنا زُهَيْرُ أبُو جَنْدَلٍ وكانَ سَيِّدَ قَوْمِهِ، وكانَ يُكَنّى أبا صُرَدٍ، قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ حُنَيْنٍأسَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَبَيْنا هو يُمَيِّزُ بَيْنَ الرِّجالِ والنِّساءِ، وثَبْتُ حَتّى قَعَدْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ أُذَكِّرُهُ حَيْثُ شَبَّ ونَشَأ في هَوازِنَ، وحَيْثُ أرْضَعُوهُ فَأنْشَأْتُ أقُولُ: وقالَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ زِيادٍ قالَ: سَمِعْتُ أبا جَرْوَلٍ زُهَيْرَ بْنَ صُرَدٍ الجُشَمِيَّ يَقُولُ: لَمّا أسَرَنا رَسُولَ اللَّهِ يَوْمَ حُنَيْنٍقَوْمَ هَوازِنَ، وذَهَبَ يُفَرِّقُ السَّبْيَ والشّاءِ، فَأتَيْتُهُ فَأنْشَأْتُ أقْولُ هَذا الشِّعْرَ:
؎امْنُنْ عَلَيْنا رَسُولَ اللَّهِ في كَرَمٍ ∗∗∗ فَإنَّكَ المَرْءُ نَرْجُوهُ ونَنْتَظِرُ
؎امْنُنْ عَلى بَيْضَةٍ قَدْ عاقَها قَدَرٌ ∗∗∗ مُفَرِّقٌ شَمْلَها في دَهْرِها غِيَرُ
؎أبْقَتْ لَنا الحَرْبُ هُتافًا عَلى حَزَنٍ ∗∗∗ عَلى قُلُوبِهِمُ الغِماءُ والغَمْرُ
؎إنْ لَمْ تُدارِكْهم نَعْماءُ تَنْشُرُها ∗∗∗ يا أرْجَحَ النّاسِ حِلْمًا حِينَ يُخْتَبَرُ
؎امْنُنْ عَلى نِسْوَةٍ قَدْ كُنْتَ تَرْضَعُها ∗∗∗ إذْ فُوكَ يَمْلَؤُها مِن مَحْضِها الدُّرَرُ
؎إذْ أنْتَ طِفْلٌ صَغِيرٌ كُنْتَ تَرْضَعُها ∗∗∗ وإذْ يَزِينُكَ ما تَأْتِي وما تَذَرُ
؎ (p-٢٧)يا خَيْرَ مَن مَرَحَتْ كُمْتُ الجِيادِ بِهِ ∗∗∗ عِنْدَ الهِياجِ إذا ما اسْتَوْقَدَ الشَّرَرُ
؎لا تَجْعَلَنّا كَمَن شالَتْ نَعامَتُهُ ∗∗∗ واسْتَبْقِ مِنّا فَإنّا مَعْشَرٌ زُهُرُ
؎إنّا نُؤَمِّلُ عَفْوًا مِنكَ نَلْبَسُهُ ∗∗∗ هَذِي البَرِيَّةُ أنْ تَعْفُو وتَنْتَصِرُ
؎إنّا لَنَشْكُرُ لِلنُّعْمى وقَدْ كُفِرَتْ ∗∗∗ وعِنْدَنا بَعْدُ هَذا اليَوْمِ مُدَّخَرُ
؎فَألْبِسِ العَفْوَ مَن قَدْ كُنْتَ تَرْضَعُهُ ∗∗∗ مِن أُمَّهاتِكَ إنَّ العَفْوَ مُشْتَهَرُ
؎واعْفُ عَفا اللَّهُ عَمّا أنْتَ راهِبُهُ ∗∗∗ يَوْمَ القِيامَةِ إذْ يُهْدى لَكَ الظَّفَرُ
وفِي رِوايَةِ الطَّبَرانِيِّ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ في بَعْضِ الأبْياتِ، وتَغْيِيرٌ لِبَعْضِ ألْفاظٍ، فَتَرْتِيبُ الأبْياتِ بَعْدَ قَوْلِهِ: إذْ أنْتَ طِفْلٌ قَوْلُهُ: لا تَجْعَلَنّا، ثُمَّ إنّا لَنَشْكُرُ، ثُمَّ فَألْبِسِ العَفْوَ، ثُمَّ تَأْخِيرُ مَن مَرَحَتْ، ثُمَّ إنّا نُؤَمِّلُ، ثُمَّ فاعْفُ. وتَغْيِيرُ الألْفاظِ قَوْلُهُ: وإذْ يَرِيبُكَ بِالرّاءِ والباءِ مَكانَ الزّايِ والنُّونِ، وقَوْلُهُ لِلنَّعْماءِ: إذْ كُفِرَتْ، وقَوْلُهُ: إذْ تَعْفُو. وفي رِوايَةِ الطَّبَرانِيِّ قالَ: فَلَمّا سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ هَذا الشِّعْرَ قالَ ﷺ: ”ما كانَ لِي ولِبَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ فَهو لَكم“، وقالَتْ قُرَيْشٌ: ما كانَ لَنا فَهو لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ، وقالَتِ الأنْصارُ: ما كانَ لَنا فَهو لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ. وفي رِوايَةِ التَّنُوخِيِّ: فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”أمّا ما كانَ لِي ولِبَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ فَلِلَّهِ ولَكم“، وقالَتِ الأنْصارُ: ما كانَ لَنا فَلِلَّهِ ولِرَسُولِهِ، رَدَّتِ الأنْصارُ ما كانَ في أيْدِيها مِنَ الذَّرارِيِّ والأمْوالِ» .
التوبة 9:26
﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ ويَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكم فَلَمْ تُغْنِ عَنْكم شَيْئًا وضاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ لَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكم ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٤] واسْتَطْرَدَ بَعْدَ ذَلِكَ بِما اسْتَطْرَدَ ذَكَّرَهم تَعالى نَصْرَهُ إيّاهم في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ، والمَواطِنُ مَقاماتُ الحَرْبِ ومَواقِفُها. وقِيلَ: مَشاهِدُ الحَرْبِ تُوَطِّنُونَ أنْفُسَكم فِيها عَلى لِقاءِ العَدُوِّ، وهي جَمْعُ مَوْطِنٍ بِكَسْرِ الطّاءِ قالَ:
؎وكَمْ مَوْطِنٍ لَوْلايَ طِحْتَ كَما هَوى بِأجْرامِهِ مِن قُلَّةِ النِّيقِ مُنْهَوى
(p-٢٤)وهَذِهِ المَواطِنُ: وقَعاتُ بَدْرٍ، وقُرَيْظَةَ، والنَّضِيرِ، والحُدَيْبِيَةِ، وخَيْبَرَ، وفَتْحِ مَكَّةَ. ووُصِفَتْ بِالكَثْرَةِ؛ لِأنَّ أئِمَّةَ التّارِيخِ والعُلَماءِ والمَغازِي نَقَلُوا أنَّها كانَتْ ثَمانِينَ مَوْطِنًا. وحُنَيْنٌ وادٍ بَيْنَ مَكَّةَ والطّائِفِ قَرِيبٌ مِن ذِي المَجازِ. وصُرِفَ مَذْهُوبًا بِهِ مَذْهَبَ المَكانِ، ولَوْ ذُهِبَ بِهِ مَذْهَبَ البُقْعَةِ لَمْ يُصْرَفْ كَما قالَ:
؎نَصَرُوا نَبِيَّهُمُ وشَدُّوا أزْرَهُ ∗∗∗ بِحُنَيْنَ يَوْمَ تَواكَلَ الأبْطالُ
وعَطَفَ الزَّمانَ عَلى المَكانِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَوْطِنُ يَوْمِ حُنَيْنٍأوْ في أيّامِ مَواطِنَ كَثِيرَةٍ ويَوْمَ حُنَيْنٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: و(يَوْمَ) عُطِفَ عَلى مَوْضِعِ قَوْلِهِ: (في مَواطِنَ)، أوْ عَلى لَفْظِهِ بِتَقْدِيرِ: وفي يَوْمِ، فَحُذِفَ حَرْفُ الخَفْضِ انْتَهى. و(إذْ) بَدَلٌ مِن (يَوْمَ) وأضافَ الإعْجابَ إلى جَمِيعِهِمْ، وإنْ كانَ صادِرًا مِن واحِدٍ لَمّا رَأى الجَمْعَ الكَثِيرَ أعْجَبَهُ ذَلِكَ وقالَ: لَنْ نُغْلَبَ اليَوْمَ مِن قِلَّةٍ. والقائِلُ قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: هو أبُو بَكْرٍ، أوْ سَلَمَةُ بْنُ سَلامَةَ بْنِ قُرَيْشٍ، أوِ ابْنُ عَبّاسٍ، أوْ رَجُلٌ مِن بَنِي بَكْرٍ. ونُقِلَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ساءَهُ كَلامُ هَذا القائِلِ، ووُكِلُوا إلى كَلامِ الرَّجُلِ.
والكَثْرَةُ بِفَتْحِ الكافِ، ويُجْمَعُ عَلى كَثْراتٍ، وتَمِيمٌ تَكْسِرُ الكافَ، وتُجْمَعُ عَلى كُثُرٍ كَشَذْرَةٍ وشُذُرٍ، وكَسْرَةٍ وكُسُرٍ. وهَذِهِ الكَثْرَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: سِتَّةَ عَشَرَ ألْفًا، وعَنِ النَّحّاسِ: أرْبَعَةَ عَشَرَ ألْفًا، وعَنْ قَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ وابْنِ إسْحاقَ والواقِدِيِّ: اثْنا عَشَرَ ألْفًا، وعَنْ مُقاتِلٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أحَدَ عَشَرَ ألْفًا وخَمْسُمِائَةٍ. والباءُ في (بِما رَحُبَتْ) لِلْحالِ، وما مَصْدَرِيَّةٌ؛ أيْ: ضاقَتْ بِكُمُ الأرْضُ مَعَ كَوْنِها رَحْبًا واسِعَةً؛ لِشِدَّةِ الحالِ عَلَيْهِمْ وصُعُوبَتِها كَأنَّهم لا يَجِدُونَ مَكانًا يَسْتَصْلِحُونَهُ لِلْهَرَبِ والنَّجاةِ لِفَرْطِ ما لَحِقَهم مِنَ الرُّعْبِ، فَكَأنَّها ضاقَتْ عَلَيْهِمْ. والرَّحْبُ: السَّعَةُ، وبِفَتْحِ الرّاءِ الواسِعُ. يُقالُ: فُلانٌ رَحْبُ الصَّدْرِ، وبَلَدٌ رَحْبٌ، وأرْضٌ رَحْبَةٌ، وقَدْ رَحُبَتْ رَحْبًا ورَحابَةً. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (بِما رَحْبَتْ) في المَوْضِعَيْنِ بِسُكُونِ الحاءِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، يُسَكِّنُونَ ضَمَّةَ فَعُلَ فَيَقُولُونَ في ظَرُفَ: ظَرْفَ.
﴿ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾؛ أيْ: ولَّيْتُمْ فارِّينَ عَلى أدْبارِكم مُنْهَزِمِينَ تارِكِينَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . وأسْنَدَ التَّوَلِّي إلى جَمِيعِهِمْ وهو واقِعٌ مِن أكْثَرِهِمْ، إذْ ثَبَتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ناسٌ مِنَ الأبْطالِ عَلى ما يَأْتِي ذِكْرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ، فَيَقُولُ: لَمّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ كانَ في عَشَرَةِ آلافٍ مِن أصْحابِهِ، وانْضافَ إلَيْهِ ألْفانِ مِنَ الطُّلَقاءِ فَصارُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا إلى ما انْضافَ إلَيْهِمْ مِنَ الأعْرابِ مِن سُلَيْمٍ، وبَنِي كِلابٍ، وعَبْسٍ، وذُبْيانَ، وسَمِعَ بِذَلِكَ كُفّارُ العَرَبِ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَجَمَعَتْ لَهُ هَوازِنُ وألْفافُها وعَلَيْهِمْ مالِكُ بْنُ عَوْفٍ النَّضْرِيُّ، وثَقِيفُ وعَلَيْهِمْ عَبْدُ يالِيلَ بْنُ عَمْرٍو، وانْضافَ إلَيْهِمْ أخْلاطٌ مِنَ النّاسِ حَتّى كانُوا ثَلاثِينَ ألْفًا، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ اسْتِعْمالِهِ عَتّابَ بْنَ أسِيدٍ عَلى مَكَّةَ، حَتّى اجْتَمَعُوا بِحُنَيْنٍ، فَلَمّا تَصافَّ النّاسُ حَمَلَ المُشْرِكُونَ مِن مَجانِبِ الوادِي، وكانَ قَدْ كَمَنُوا بِها، فانْهَزَمَ المُسْلِمُونَ. قالَ قَتادَةُ: ويُقالُ: إنَّ الطُّلَقاءَ مِن أهْلِ مَكَّةَ فَرُّوا وقَصَدُوا إلْقاءَ الهَزِيمَةِ في المُسْلِمِينَ، وبَلَغَ فَلُّهم مَكَّةَ، وثَبَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في مَرْكَزِهِ عَلى بَغْلَةٍ شَهْباءَ تُسَمّى ”دُلْدُلَ“ لا يَتَخَلْخَلُ، والعَبّاسُ قَدِ اكْتَنَفَهُ آخِذًا بِلِجامِها، وابْنُ عَمِّهِ أبُو سُفْيانَ بْنُ الحَرْثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وابْنُهُ جَعْفَرٌ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، ورَبِيعَةُ بْنُ الحَرْثِ، والفَضْلُ بْنُ العَبّاسِ، وأُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وأيْمَنُ بْنُ عُبَيْدٍ؛ وهو أيْمَنُ ابْنِ أُمِّ أيْمَنَ، وقاتَلَ بَيْنَ يَدَيِ الرَّسُولِ ﷺ هَؤُلاءِ مِن أهْلِ بَيْتِهِ، وثَبَتَ مَعَهُ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ فَكانُوا عَشَرَةَ رِجالٍ، ولِهَذا قالَ العَبّاسُ:
؎نَصَرْنا رَسُولَ اللَّهِ في الحَرْبِ تِسْعَةٌ ∗∗∗ وقَدْ فَرَّ مَن قَدْ فَرَّ مِنهم وأقْشَعُوا
؎وعاشِرُنا لاقى الحِمامَ بِنَفْسِهِ ∗∗∗ بِما مَسَّهُ في اللَّهِ لا يَتَوَجَّعُ
وثَبَتَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ في جُمْلَةِ مَن ثَبَتَ مُمْسِكَةً بَعِيرًا لِأبِي طَلْحَةَ وفي يَدِها خِنْجَرٌ، ونَزَلَ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ (p-٢٥)وسَلَّمَ عَنْ بَغْلَتِهِ إلى الأرْضِ واسْتَنْصَرَ اللَّهَ، وأخَذَ قَبْضَةً مِن تُرابٍ وحَصًا فَرَمى بِها في وُجُوهِ الكُفّارِ وقالَ: ”شاهَتِ الوُجُوهُ“ قالَ يَعْلى بْنُ عَطاءٍ: فَحَدَّثَنِي أبْناؤُهم عَنْ آبائِهِمْ قالُوا: لَمْ يَبْقَ مِنّا أحَدٌ إلّا دَخَلَ عَيْنَيْهِ مِن ذَلِكَ التُّرابِ، وقالَ لِلْعَبّاسِ وكانَ صَيِّتًا: نادِ أصْحابَ السَّمُرَةِ، فَنادى الأنْصارَ فَخِذًا فَخِذًا، ثُمَّ نادى يا أصْحابَ الشَّجَرَةِ، يا أصْحابَ سُورَةِ البَقَرَةِ، فَكَّرُوا عُنُقًا واحِدًا وهم يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، وانْهَزَمَ المُشْرِكُونَ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى قِتالِ المُسْلِمِينَ فَقالَ: «هَذا حِينَ حَمِيَ الوَطِيسُ»، ورَكَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَلْفَهم عَلى بَغْلَتِهِ. وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ البَراءِ: «أنَّ هَوازِنَ كانُوا رُماةً فَرَمَوْهم بِرِشْقٍ مِن نَبْلٍ كَأنَّها رِجْلٌ مِن جَرادٍ فانْكَشَفُوا، فَأقْبَلَ القَوْمُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأبُو سُفْيانَ يَقُودُ بَغْلَتَهُ فَنَزَلَ ودَعا واسْتَنْصَرَ، وهو يَقُولُ:
”أنا النَّبِيُّ لا كَذِبْ
أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ
اللَّهُمَّ أنْزِلْ نَصْرَكَ“»
قالَ البَراءُ: «كُنّا واللَّهِ إذا حَمِيَ البَأْسُ نَتَّقِي بِهِ ﷺ»، وإنَّ الشُّجاعَ مِنّا لَلَّذِي يُحاذِي بِهِ يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ . وفي أوَّلِ هَذا الحَدِيثِ: ”«أكُنْتُمْ ولَّيْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍيا أبا عُمارَةَ ؟“ فَقالَ: أشْهَدُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ما ولّى» .
﴿ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ﴾؛ السَّكِينَةُ: النَّصْرُ الَّذِي سَكَنَتْ إلَيْهِ النُّفُوسُ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: رَحْمَتُهُ الَّتِي سَكَنُوا بِها، وقِيلَ: الوِقاءُ والثَّباتُ بَعْدَ الِاضْطِرابِ والقَلَقِ، ويَخْرُجُ مِن هَذا القَوْلِ الرَّسُولُ ﷺ، فَإنَّهُ لَمْ يَزَلْ ثابِتَ الجَأْشِ ساكِنَهُ. و(عَلى المُؤْمِنِينَ) ظاهِرُهُ شُمُولُ مَن فَرَّ ومَن ثَبَتَ، وقِيلَ: هُمُ الأنْصارُ إذْ هُمُ الَّذِينَ كَرُّوا ورَدُّوا الهَزِيمَةَ، وقِيلَ: مَن ثَبَتَ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ حالَةَ فَرَّ النّاسَ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: سِكِّينَتَهُ بِكَسْرِ السِّينِ وتَشْدِيدِ الكافِ مُبالَغَةً في السَّكِينَةِ، نَحْوُ شِرِّيبٍ وطِبِّيخٍ.
﴿وأنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾؛ هُمُ المَلائِكَةُ بِلا خِلافٍ، ولَمْ تَتَعَرَّضِ الآيَةُ لِعَدَدِهِمْ. فَقالَ الحَسَنُ: سِتَّةَ عَشَرَ ألْفًا، وقالَ مُجاهِدٌ: ثَمانِيَةُ آلافٍ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: خَمْسَةُ آلافٍ. وهَذا تَناقُضٌ في الأخْبارِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّها لَمْ تُقاتِلْ يَوْمَ حُنَيْنٍ. وعَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ كانَ في المُشْرِكِينَ يَوْمَ حُنَيْنٍقالَ: لَمّا كَشَفْنا المُسْلِمِينَ جَعَلْنا نَسُوقُهم، فَلَمّا انْتَهَيْنا إلى صاحِبِ البَغْلَةِ الشَّهْباءِ تَلَقّانا رِجالٌ بِيضُ الوُجُوهِ حِسانُها فَقالُوا: شاهَتِ الوُجُوهُ، ارْجِعُوا فَرَجَعْنا، فَرَكِبُوا أكْتافَنا. والظّاهِرُ انْتِفاءُ الرُّؤْيَةِ عَنِ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ الخِطابَ هو لَهم. وقَدْ رُوِيَ أنَّ رَجُلًا مِن بَنِي النَّضِيرِ قالَ لِلْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ القِتالِ: أيْنَ الخَيْلُ البُلْقُ والرِّجالُ الَّذِينَ كانُوا عَلَيْها بِيضٌ ما كُنّا فِيهِمْ إلّا كَهَيْئَةِ الشّامَةِ، وما كانَ قَتْلُنا إلّا بِأيْدِيهِمْ ؟ فَأخْبَرُوا النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: ”تِلْكَ المَلائِكَةُ“ . وقِيلَ: (لَمْ تَرَوْها)، نَفى عَنِ الجَمِيعِ، ومَن رَأى بَعْضَهم لَمْ يَرَ كُلَّهم، وقِيلَ: لَمْ يَرَها أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ ولا الكُفّارِ، وإنَّما أنْزَلَهم يُلْقُونَ التَّثْبِيتَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ والرُّعْبَ والجُبْنَ في قُلُوبِ الكُفّارِ. وقالَ يَزِيدُ بْنُ عامِرٍ: كانَ في أجْوافِنا مِثْلُ ضَرْبَةِ الحَجَرِ في الطَّسْتِ مِنَ الرُّعْبِ.
﴿وعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وذَلِكَ جَزاءُ الكافِرِينَ﴾؛ أيْ بِالقَتْلِ الَّذِي اسْتَحَرَّ فِيهِمْ، والأسْرِ لِذَرارِيِّهِمْ ونِسائِهِمْ، والنَّهْبِ لِأمْوالِهِمْ. وكانَ السَّبْيُ أرْبَعَةَ آلافِ رَأْسٍ، وقِيلَ: سَتَّةَ آلافٍ، ومِنَ الإبِلِ اثْنا عَشَرَ ألْفًا سِوى ما لا يُعْلَمُ مِنَ الغَنَمِ، وقَسَّمَها الرَّسُولُ بِالجِعْرانَةِ، وفِيها قِصَّةُ عَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ وشِعْرُهُ. وكانَ مالِكُ بْنُ عَوْفٍ قَدْ أخْرَجَ النّاسَ لِلْقِتالِ والذَّرارِيَّ لِيُقاتِلُوا عَلَيْها، فَخَطَّأهُ في ذَلِكَ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ، قالَ: هَلْ يَرُدُّ المُنْهَزِمَ شَيْءٌ ؟ وفي ذَلِكَ اليَوْمِ قُتِلَ دُرَيْدٌ القِتْلَةَ المَشْهُورَةَ، قَتَلَهُ رَبِيعَةُ بْنُ رُفَيْعِ بْنِ أُهْبانَ السَّلَمِيُّ، ويُقالُ لَهُ: ابْنُ الدِّغِنَةِ.
﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلى مَن يَشاءُ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ إخْبارٌ بِأنَّ اللَّهَ يَتُوبُ (p-٢٦)عَلى مَن يَشاءُ فَيَهْدِي مَن يَشاءُ مِمَّنْ بَقِيَ مِنَ الكُفّارِ لِلْإسْلامِ، ووَعَدَ بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ كَمالِكِ بْنِ عَوْفٍ النَّضْرِيِّ رَئِيسِ هَوازِنَ ومَن أسْلَمَ مَعَهُ مِن قَوْمِهِ. ورُوِيَ أنَّ ناسًا مِنهم جاءُوا فَبايَعُوا عَلى الإسْلامِ وقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، أنْتَ خَيْرُ النّاسِ وأبَرُّ النّاسِ، وقَدْ سُبِيَ أهْلُونا وأوْلادُنا وأُخِذَتْ أمْوالُنا، وكانَ سَبْيُ يَوْمَئِذٍ سِتَّةَ آلافِ نَفْسٍ، وأُخِذَ مِنَ الإبِلِ والغَنَمِ ما لا يُحْصى، فَقالَ: «إنْ خَيْرَ القَوْلِ أصْدَقُهُ، اخْتارُوا إمّا ذَرارِيَّكم ونِساءَكم وإمّا أمْوالَكم» فَقالُوا: ما نَعْدِلُ بِالأحْسابِ شَيْئًا. وتَمامُ الحَدِيثِ أنَّهم أخَذُوا نِساءَهم وذَرارِيَّهم إلّا امْرَأةً وقَعَ عَلَيْها صَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ فَحَمَلَتْ مِنهُ فَلَمْ يَرُدَّها.
أخْبَرَنا القاضِي العالِمُ أبُو عَلِيٍّ الحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ أبِي الأحْوَصِ القُرَشِيُّ قِراءَةً مِنِّي عَلَيْهِ بِمَدِينَةِ مالِقَةَ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو الحَسَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بِيقى بْنِ حَبْلَةَ الخَزْرَجَيُّ باوُو بولَةَ، قالَ: أخْبَرَنا الحافِظُ أبُو طاهِرٍ أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّلَفِيُّ الأصْبَهانِيُّ بِإسْكَنْدَرِيَّةَ (ح)، وأخْبَرَنا أُسْتاذُنا الإمامُ العَلّامَةُ الحافِظُ أبُو جَعْفَرٍ أحْمَدُ بْنُ إبْراهِيمَ بْنِ الزُّبَيْرِ قِراءَةً مِنِّي عَلَيْهِ بِغَرْناطَةَ عَنِ القاضِي أبِي الخَطّابِ مُحَمَّدِ بْنِ أحْمَدَ بْنِ خَلِيلٍ السُّكُونِيُّ عَنْ أبِي طاهِرٍ السَّلَفِيِّ وهو آخِرُ مَن حَدَّثَ عَنْهُ بِالغَرْبِ (ح)، وأخْبَرَنا عالِيًا القاضِي السَّعِيدُ صَفِيُّ الدِّينِ أبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الوَهّابِ بْنُ حَسَنِ بْنِ الفُراتِ قِراءَةً عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ بِثَغْرِ الإسْكَنْدَرِيَّةِ عَنْ أبِي الطّاهِرِ إسْماعِيلُ بْنُ صالِحِ بْنِ ياسِينَ الجَبَلِيِّ وهو آخِرُ مَن حَدَّثَ عَنْهُ، قالا - أعْنِي السَّلَفِيَّ والجَبَلِيَّ -: أخْبَرَنا أبُو عَبْدُ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ إبْراهِيمَ الرّازِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ بَقاءِ بْنِ مُحَمَّدٍ الوَرّاقُ بِمِصْرَ أخْبَرَنا أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الحُسَيْنِ بْنِ عُمَرَ اليَمَنِيُّ التَّنُوخِيُّ بِانْتِفاءِ خَلَفٍ الواسِطِيِّ الحافِظِ (ح)، وأخْبَرَنا المُحَدِّثُ العَدْلُ نَجِيبُ الدِّينِ أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ المُؤَيَّدِ الهَمْدانِيُّ عُرِفَ بِابْنِ العَجَمِيِّ قِراءَةً مِنِّي عَلَيْهِ بِالقاهِرَةِ، قُلْتُ لَهُ: أخْبَرَكَ أبُو الفَخْرِ أسْعَدُ بْنُ أبِي الفُتُوحِ بْنِ رَوْحٍ وعَفِيفَةُ بِنْتُ أحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ في كِتابَيْهِما، قالا: أخْبَرَتْنا فاطِمَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أحْمَدَ بْنِ عَقِيلٍ الجَوْزَدانِيَّةُ، قالَتْ: أخْبَرَنا أبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَيْذَةَ الضَّبِّيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو القاسِمِ سُلَيْمانُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ أيُّوبَ الطَّبَرانِيُّ الحافِظُ قالا - أعْنِي التَّنُوخِيَّ والطَّبَرانِيَّ -: أخْبَرَنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ رَماحِسَ، زادَ التَّنُوخِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خالِدِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ قَيْسِ بْنِ رَمادَةَ مِنَ الرَّمْلَةِ عَلى بَرِيدَيْنِ في رَبِيعٍ الآخِرِ مِن سَنَةِ ثَمانِينَ ومِائَتَيْنِ، وقالَ الطَّبَرانِيُّ: ابْنُ رَماحِسَ الجُشَمِيُّ القَيْسِيُّ بِرَمادَةِ الرَّمْلَةِ سَنَةَ سَبْعٍ وسَبْعِينَ ومِائَتَيْنِ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو عَمْرٍو زِيادُ بْنُ طارِقٍ، زادَ التَّنُوخِيُّ الجُشَمِيَّ. وقالَ الطَّبَرانِيُّ: وكانَ قَدْ أتَتْ عَلَيْهِ عِشْرُونَ ومِائَةُ سَنَةٍ، قالَ التَّنُوخِيُّ عَنْ زِيادٍ: أنْبَأنا زُهَيْرُ أبُو جَنْدَلٍ وكانَ سَيِّدَ قَوْمِهِ، وكانَ يُكَنّى أبا صُرَدٍ، قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ حُنَيْنٍأسَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَبَيْنا هو يُمَيِّزُ بَيْنَ الرِّجالِ والنِّساءِ، وثَبْتُ حَتّى قَعَدْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ أُذَكِّرُهُ حَيْثُ شَبَّ ونَشَأ في هَوازِنَ، وحَيْثُ أرْضَعُوهُ فَأنْشَأْتُ أقُولُ: وقالَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ زِيادٍ قالَ: سَمِعْتُ أبا جَرْوَلٍ زُهَيْرَ بْنَ صُرَدٍ الجُشَمِيَّ يَقُولُ: لَمّا أسَرَنا رَسُولَ اللَّهِ يَوْمَ حُنَيْنٍقَوْمَ هَوازِنَ، وذَهَبَ يُفَرِّقُ السَّبْيَ والشّاءِ، فَأتَيْتُهُ فَأنْشَأْتُ أقْولُ هَذا الشِّعْرَ:
؎امْنُنْ عَلَيْنا رَسُولَ اللَّهِ في كَرَمٍ ∗∗∗ فَإنَّكَ المَرْءُ نَرْجُوهُ ونَنْتَظِرُ
؎امْنُنْ عَلى بَيْضَةٍ قَدْ عاقَها قَدَرٌ ∗∗∗ مُفَرِّقٌ شَمْلَها في دَهْرِها غِيَرُ
؎أبْقَتْ لَنا الحَرْبُ هُتافًا عَلى حَزَنٍ ∗∗∗ عَلى قُلُوبِهِمُ الغِماءُ والغَمْرُ
؎إنْ لَمْ تُدارِكْهم نَعْماءُ تَنْشُرُها ∗∗∗ يا أرْجَحَ النّاسِ حِلْمًا حِينَ يُخْتَبَرُ
؎امْنُنْ عَلى نِسْوَةٍ قَدْ كُنْتَ تَرْضَعُها ∗∗∗ إذْ فُوكَ يَمْلَؤُها مِن مَحْضِها الدُّرَرُ
؎إذْ أنْتَ طِفْلٌ صَغِيرٌ كُنْتَ تَرْضَعُها ∗∗∗ وإذْ يَزِينُكَ ما تَأْتِي وما تَذَرُ
؎ (p-٢٧)يا خَيْرَ مَن مَرَحَتْ كُمْتُ الجِيادِ بِهِ ∗∗∗ عِنْدَ الهِياجِ إذا ما اسْتَوْقَدَ الشَّرَرُ
؎لا تَجْعَلَنّا كَمَن شالَتْ نَعامَتُهُ ∗∗∗ واسْتَبْقِ مِنّا فَإنّا مَعْشَرٌ زُهُرُ
؎إنّا نُؤَمِّلُ عَفْوًا مِنكَ نَلْبَسُهُ ∗∗∗ هَذِي البَرِيَّةُ أنْ تَعْفُو وتَنْتَصِرُ
؎إنّا لَنَشْكُرُ لِلنُّعْمى وقَدْ كُفِرَتْ ∗∗∗ وعِنْدَنا بَعْدُ هَذا اليَوْمِ مُدَّخَرُ
؎فَألْبِسِ العَفْوَ مَن قَدْ كُنْتَ تَرْضَعُهُ ∗∗∗ مِن أُمَّهاتِكَ إنَّ العَفْوَ مُشْتَهَرُ
؎واعْفُ عَفا اللَّهُ عَمّا أنْتَ راهِبُهُ ∗∗∗ يَوْمَ القِيامَةِ إذْ يُهْدى لَكَ الظَّفَرُ
وفِي رِوايَةِ الطَّبَرانِيِّ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ في بَعْضِ الأبْياتِ، وتَغْيِيرٌ لِبَعْضِ ألْفاظٍ، فَتَرْتِيبُ الأبْياتِ بَعْدَ قَوْلِهِ: إذْ أنْتَ طِفْلٌ قَوْلُهُ: لا تَجْعَلَنّا، ثُمَّ إنّا لَنَشْكُرُ، ثُمَّ فَألْبِسِ العَفْوَ، ثُمَّ تَأْخِيرُ مَن مَرَحَتْ، ثُمَّ إنّا نُؤَمِّلُ، ثُمَّ فاعْفُ. وتَغْيِيرُ الألْفاظِ قَوْلُهُ: وإذْ يَرِيبُكَ بِالرّاءِ والباءِ مَكانَ الزّايِ والنُّونِ، وقَوْلُهُ لِلنَّعْماءِ: إذْ كُفِرَتْ، وقَوْلُهُ: إذْ تَعْفُو. وفي رِوايَةِ الطَّبَرانِيِّ قالَ: فَلَمّا سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ هَذا الشِّعْرَ قالَ ﷺ: ”ما كانَ لِي ولِبَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ فَهو لَكم“، وقالَتْ قُرَيْشٌ: ما كانَ لَنا فَهو لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ، وقالَتِ الأنْصارُ: ما كانَ لَنا فَهو لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ. وفي رِوايَةِ التَّنُوخِيِّ: فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”أمّا ما كانَ لِي ولِبَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ فَلِلَّهِ ولَكم“، وقالَتِ الأنْصارُ: ما كانَ لَنا فَلِلَّهِ ولِرَسُولِهِ، رَدَّتِ الأنْصارُ ما كانَ في أيْدِيها مِنَ الذَّرارِيِّ والأمْوالِ» .
التوبة 9:27
﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ ويَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكم فَلَمْ تُغْنِ عَنْكم شَيْئًا وضاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ لَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكم ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٤] واسْتَطْرَدَ بَعْدَ ذَلِكَ بِما اسْتَطْرَدَ ذَكَّرَهم تَعالى نَصْرَهُ إيّاهم في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ، والمَواطِنُ مَقاماتُ الحَرْبِ ومَواقِفُها. وقِيلَ: مَشاهِدُ الحَرْبِ تُوَطِّنُونَ أنْفُسَكم فِيها عَلى لِقاءِ العَدُوِّ، وهي جَمْعُ مَوْطِنٍ بِكَسْرِ الطّاءِ قالَ:
؎وكَمْ مَوْطِنٍ لَوْلايَ طِحْتَ كَما هَوى بِأجْرامِهِ مِن قُلَّةِ النِّيقِ مُنْهَوى
(p-٢٤)وهَذِهِ المَواطِنُ: وقَعاتُ بَدْرٍ، وقُرَيْظَةَ، والنَّضِيرِ، والحُدَيْبِيَةِ، وخَيْبَرَ، وفَتْحِ مَكَّةَ. ووُصِفَتْ بِالكَثْرَةِ؛ لِأنَّ أئِمَّةَ التّارِيخِ والعُلَماءِ والمَغازِي نَقَلُوا أنَّها كانَتْ ثَمانِينَ مَوْطِنًا. وحُنَيْنٌ وادٍ بَيْنَ مَكَّةَ والطّائِفِ قَرِيبٌ مِن ذِي المَجازِ. وصُرِفَ مَذْهُوبًا بِهِ مَذْهَبَ المَكانِ، ولَوْ ذُهِبَ بِهِ مَذْهَبَ البُقْعَةِ لَمْ يُصْرَفْ كَما قالَ:
؎نَصَرُوا نَبِيَّهُمُ وشَدُّوا أزْرَهُ ∗∗∗ بِحُنَيْنَ يَوْمَ تَواكَلَ الأبْطالُ
وعَطَفَ الزَّمانَ عَلى المَكانِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَوْطِنُ يَوْمِ حُنَيْنٍأوْ في أيّامِ مَواطِنَ كَثِيرَةٍ ويَوْمَ حُنَيْنٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: و(يَوْمَ) عُطِفَ عَلى مَوْضِعِ قَوْلِهِ: (في مَواطِنَ)، أوْ عَلى لَفْظِهِ بِتَقْدِيرِ: وفي يَوْمِ، فَحُذِفَ حَرْفُ الخَفْضِ انْتَهى. و(إذْ) بَدَلٌ مِن (يَوْمَ) وأضافَ الإعْجابَ إلى جَمِيعِهِمْ، وإنْ كانَ صادِرًا مِن واحِدٍ لَمّا رَأى الجَمْعَ الكَثِيرَ أعْجَبَهُ ذَلِكَ وقالَ: لَنْ نُغْلَبَ اليَوْمَ مِن قِلَّةٍ. والقائِلُ قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: هو أبُو بَكْرٍ، أوْ سَلَمَةُ بْنُ سَلامَةَ بْنِ قُرَيْشٍ، أوِ ابْنُ عَبّاسٍ، أوْ رَجُلٌ مِن بَنِي بَكْرٍ. ونُقِلَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ساءَهُ كَلامُ هَذا القائِلِ، ووُكِلُوا إلى كَلامِ الرَّجُلِ.
والكَثْرَةُ بِفَتْحِ الكافِ، ويُجْمَعُ عَلى كَثْراتٍ، وتَمِيمٌ تَكْسِرُ الكافَ، وتُجْمَعُ عَلى كُثُرٍ كَشَذْرَةٍ وشُذُرٍ، وكَسْرَةٍ وكُسُرٍ. وهَذِهِ الكَثْرَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: سِتَّةَ عَشَرَ ألْفًا، وعَنِ النَّحّاسِ: أرْبَعَةَ عَشَرَ ألْفًا، وعَنْ قَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ وابْنِ إسْحاقَ والواقِدِيِّ: اثْنا عَشَرَ ألْفًا، وعَنْ مُقاتِلٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أحَدَ عَشَرَ ألْفًا وخَمْسُمِائَةٍ. والباءُ في (بِما رَحُبَتْ) لِلْحالِ، وما مَصْدَرِيَّةٌ؛ أيْ: ضاقَتْ بِكُمُ الأرْضُ مَعَ كَوْنِها رَحْبًا واسِعَةً؛ لِشِدَّةِ الحالِ عَلَيْهِمْ وصُعُوبَتِها كَأنَّهم لا يَجِدُونَ مَكانًا يَسْتَصْلِحُونَهُ لِلْهَرَبِ والنَّجاةِ لِفَرْطِ ما لَحِقَهم مِنَ الرُّعْبِ، فَكَأنَّها ضاقَتْ عَلَيْهِمْ. والرَّحْبُ: السَّعَةُ، وبِفَتْحِ الرّاءِ الواسِعُ. يُقالُ: فُلانٌ رَحْبُ الصَّدْرِ، وبَلَدٌ رَحْبٌ، وأرْضٌ رَحْبَةٌ، وقَدْ رَحُبَتْ رَحْبًا ورَحابَةً. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (بِما رَحْبَتْ) في المَوْضِعَيْنِ بِسُكُونِ الحاءِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، يُسَكِّنُونَ ضَمَّةَ فَعُلَ فَيَقُولُونَ في ظَرُفَ: ظَرْفَ.
﴿ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾؛ أيْ: ولَّيْتُمْ فارِّينَ عَلى أدْبارِكم مُنْهَزِمِينَ تارِكِينَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . وأسْنَدَ التَّوَلِّي إلى جَمِيعِهِمْ وهو واقِعٌ مِن أكْثَرِهِمْ، إذْ ثَبَتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ناسٌ مِنَ الأبْطالِ عَلى ما يَأْتِي ذِكْرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ، فَيَقُولُ: لَمّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ كانَ في عَشَرَةِ آلافٍ مِن أصْحابِهِ، وانْضافَ إلَيْهِ ألْفانِ مِنَ الطُّلَقاءِ فَصارُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا إلى ما انْضافَ إلَيْهِمْ مِنَ الأعْرابِ مِن سُلَيْمٍ، وبَنِي كِلابٍ، وعَبْسٍ، وذُبْيانَ، وسَمِعَ بِذَلِكَ كُفّارُ العَرَبِ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَجَمَعَتْ لَهُ هَوازِنُ وألْفافُها وعَلَيْهِمْ مالِكُ بْنُ عَوْفٍ النَّضْرِيُّ، وثَقِيفُ وعَلَيْهِمْ عَبْدُ يالِيلَ بْنُ عَمْرٍو، وانْضافَ إلَيْهِمْ أخْلاطٌ مِنَ النّاسِ حَتّى كانُوا ثَلاثِينَ ألْفًا، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ اسْتِعْمالِهِ عَتّابَ بْنَ أسِيدٍ عَلى مَكَّةَ، حَتّى اجْتَمَعُوا بِحُنَيْنٍ، فَلَمّا تَصافَّ النّاسُ حَمَلَ المُشْرِكُونَ مِن مَجانِبِ الوادِي، وكانَ قَدْ كَمَنُوا بِها، فانْهَزَمَ المُسْلِمُونَ. قالَ قَتادَةُ: ويُقالُ: إنَّ الطُّلَقاءَ مِن أهْلِ مَكَّةَ فَرُّوا وقَصَدُوا إلْقاءَ الهَزِيمَةِ في المُسْلِمِينَ، وبَلَغَ فَلُّهم مَكَّةَ، وثَبَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في مَرْكَزِهِ عَلى بَغْلَةٍ شَهْباءَ تُسَمّى ”دُلْدُلَ“ لا يَتَخَلْخَلُ، والعَبّاسُ قَدِ اكْتَنَفَهُ آخِذًا بِلِجامِها، وابْنُ عَمِّهِ أبُو سُفْيانَ بْنُ الحَرْثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وابْنُهُ جَعْفَرٌ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، ورَبِيعَةُ بْنُ الحَرْثِ، والفَضْلُ بْنُ العَبّاسِ، وأُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وأيْمَنُ بْنُ عُبَيْدٍ؛ وهو أيْمَنُ ابْنِ أُمِّ أيْمَنَ، وقاتَلَ بَيْنَ يَدَيِ الرَّسُولِ ﷺ هَؤُلاءِ مِن أهْلِ بَيْتِهِ، وثَبَتَ مَعَهُ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ فَكانُوا عَشَرَةَ رِجالٍ، ولِهَذا قالَ العَبّاسُ:
؎نَصَرْنا رَسُولَ اللَّهِ في الحَرْبِ تِسْعَةٌ ∗∗∗ وقَدْ فَرَّ مَن قَدْ فَرَّ مِنهم وأقْشَعُوا
؎وعاشِرُنا لاقى الحِمامَ بِنَفْسِهِ ∗∗∗ بِما مَسَّهُ في اللَّهِ لا يَتَوَجَّعُ
وثَبَتَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ في جُمْلَةِ مَن ثَبَتَ مُمْسِكَةً بَعِيرًا لِأبِي طَلْحَةَ وفي يَدِها خِنْجَرٌ، ونَزَلَ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ (p-٢٥)وسَلَّمَ عَنْ بَغْلَتِهِ إلى الأرْضِ واسْتَنْصَرَ اللَّهَ، وأخَذَ قَبْضَةً مِن تُرابٍ وحَصًا فَرَمى بِها في وُجُوهِ الكُفّارِ وقالَ: ”شاهَتِ الوُجُوهُ“ قالَ يَعْلى بْنُ عَطاءٍ: فَحَدَّثَنِي أبْناؤُهم عَنْ آبائِهِمْ قالُوا: لَمْ يَبْقَ مِنّا أحَدٌ إلّا دَخَلَ عَيْنَيْهِ مِن ذَلِكَ التُّرابِ، وقالَ لِلْعَبّاسِ وكانَ صَيِّتًا: نادِ أصْحابَ السَّمُرَةِ، فَنادى الأنْصارَ فَخِذًا فَخِذًا، ثُمَّ نادى يا أصْحابَ الشَّجَرَةِ، يا أصْحابَ سُورَةِ البَقَرَةِ، فَكَّرُوا عُنُقًا واحِدًا وهم يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، وانْهَزَمَ المُشْرِكُونَ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى قِتالِ المُسْلِمِينَ فَقالَ: «هَذا حِينَ حَمِيَ الوَطِيسُ»، ورَكَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَلْفَهم عَلى بَغْلَتِهِ. وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ البَراءِ: «أنَّ هَوازِنَ كانُوا رُماةً فَرَمَوْهم بِرِشْقٍ مِن نَبْلٍ كَأنَّها رِجْلٌ مِن جَرادٍ فانْكَشَفُوا، فَأقْبَلَ القَوْمُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأبُو سُفْيانَ يَقُودُ بَغْلَتَهُ فَنَزَلَ ودَعا واسْتَنْصَرَ، وهو يَقُولُ:
”أنا النَّبِيُّ لا كَذِبْ
أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ
اللَّهُمَّ أنْزِلْ نَصْرَكَ“»
قالَ البَراءُ: «كُنّا واللَّهِ إذا حَمِيَ البَأْسُ نَتَّقِي بِهِ ﷺ»، وإنَّ الشُّجاعَ مِنّا لَلَّذِي يُحاذِي بِهِ يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ . وفي أوَّلِ هَذا الحَدِيثِ: ”«أكُنْتُمْ ولَّيْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍيا أبا عُمارَةَ ؟“ فَقالَ: أشْهَدُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ما ولّى» .
﴿ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ﴾؛ السَّكِينَةُ: النَّصْرُ الَّذِي سَكَنَتْ إلَيْهِ النُّفُوسُ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: رَحْمَتُهُ الَّتِي سَكَنُوا بِها، وقِيلَ: الوِقاءُ والثَّباتُ بَعْدَ الِاضْطِرابِ والقَلَقِ، ويَخْرُجُ مِن هَذا القَوْلِ الرَّسُولُ ﷺ، فَإنَّهُ لَمْ يَزَلْ ثابِتَ الجَأْشِ ساكِنَهُ. و(عَلى المُؤْمِنِينَ) ظاهِرُهُ شُمُولُ مَن فَرَّ ومَن ثَبَتَ، وقِيلَ: هُمُ الأنْصارُ إذْ هُمُ الَّذِينَ كَرُّوا ورَدُّوا الهَزِيمَةَ، وقِيلَ: مَن ثَبَتَ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ حالَةَ فَرَّ النّاسَ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: سِكِّينَتَهُ بِكَسْرِ السِّينِ وتَشْدِيدِ الكافِ مُبالَغَةً في السَّكِينَةِ، نَحْوُ شِرِّيبٍ وطِبِّيخٍ.
﴿وأنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾؛ هُمُ المَلائِكَةُ بِلا خِلافٍ، ولَمْ تَتَعَرَّضِ الآيَةُ لِعَدَدِهِمْ. فَقالَ الحَسَنُ: سِتَّةَ عَشَرَ ألْفًا، وقالَ مُجاهِدٌ: ثَمانِيَةُ آلافٍ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: خَمْسَةُ آلافٍ. وهَذا تَناقُضٌ في الأخْبارِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّها لَمْ تُقاتِلْ يَوْمَ حُنَيْنٍ. وعَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ كانَ في المُشْرِكِينَ يَوْمَ حُنَيْنٍقالَ: لَمّا كَشَفْنا المُسْلِمِينَ جَعَلْنا نَسُوقُهم، فَلَمّا انْتَهَيْنا إلى صاحِبِ البَغْلَةِ الشَّهْباءِ تَلَقّانا رِجالٌ بِيضُ الوُجُوهِ حِسانُها فَقالُوا: شاهَتِ الوُجُوهُ، ارْجِعُوا فَرَجَعْنا، فَرَكِبُوا أكْتافَنا. والظّاهِرُ انْتِفاءُ الرُّؤْيَةِ عَنِ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ الخِطابَ هو لَهم. وقَدْ رُوِيَ أنَّ رَجُلًا مِن بَنِي النَّضِيرِ قالَ لِلْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ القِتالِ: أيْنَ الخَيْلُ البُلْقُ والرِّجالُ الَّذِينَ كانُوا عَلَيْها بِيضٌ ما كُنّا فِيهِمْ إلّا كَهَيْئَةِ الشّامَةِ، وما كانَ قَتْلُنا إلّا بِأيْدِيهِمْ ؟ فَأخْبَرُوا النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: ”تِلْكَ المَلائِكَةُ“ . وقِيلَ: (لَمْ تَرَوْها)، نَفى عَنِ الجَمِيعِ، ومَن رَأى بَعْضَهم لَمْ يَرَ كُلَّهم، وقِيلَ: لَمْ يَرَها أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ ولا الكُفّارِ، وإنَّما أنْزَلَهم يُلْقُونَ التَّثْبِيتَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ والرُّعْبَ والجُبْنَ في قُلُوبِ الكُفّارِ. وقالَ يَزِيدُ بْنُ عامِرٍ: كانَ في أجْوافِنا مِثْلُ ضَرْبَةِ الحَجَرِ في الطَّسْتِ مِنَ الرُّعْبِ.
﴿وعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وذَلِكَ جَزاءُ الكافِرِينَ﴾؛ أيْ بِالقَتْلِ الَّذِي اسْتَحَرَّ فِيهِمْ، والأسْرِ لِذَرارِيِّهِمْ ونِسائِهِمْ، والنَّهْبِ لِأمْوالِهِمْ. وكانَ السَّبْيُ أرْبَعَةَ آلافِ رَأْسٍ، وقِيلَ: سَتَّةَ آلافٍ، ومِنَ الإبِلِ اثْنا عَشَرَ ألْفًا سِوى ما لا يُعْلَمُ مِنَ الغَنَمِ، وقَسَّمَها الرَّسُولُ بِالجِعْرانَةِ، وفِيها قِصَّةُ عَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ وشِعْرُهُ. وكانَ مالِكُ بْنُ عَوْفٍ قَدْ أخْرَجَ النّاسَ لِلْقِتالِ والذَّرارِيَّ لِيُقاتِلُوا عَلَيْها، فَخَطَّأهُ في ذَلِكَ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ، قالَ: هَلْ يَرُدُّ المُنْهَزِمَ شَيْءٌ ؟ وفي ذَلِكَ اليَوْمِ قُتِلَ دُرَيْدٌ القِتْلَةَ المَشْهُورَةَ، قَتَلَهُ رَبِيعَةُ بْنُ رُفَيْعِ بْنِ أُهْبانَ السَّلَمِيُّ، ويُقالُ لَهُ: ابْنُ الدِّغِنَةِ.
﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلى مَن يَشاءُ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ إخْبارٌ بِأنَّ اللَّهَ يَتُوبُ (p-٢٦)عَلى مَن يَشاءُ فَيَهْدِي مَن يَشاءُ مِمَّنْ بَقِيَ مِنَ الكُفّارِ لِلْإسْلامِ، ووَعَدَ بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ كَمالِكِ بْنِ عَوْفٍ النَّضْرِيِّ رَئِيسِ هَوازِنَ ومَن أسْلَمَ مَعَهُ مِن قَوْمِهِ. ورُوِيَ أنَّ ناسًا مِنهم جاءُوا فَبايَعُوا عَلى الإسْلامِ وقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، أنْتَ خَيْرُ النّاسِ وأبَرُّ النّاسِ، وقَدْ سُبِيَ أهْلُونا وأوْلادُنا وأُخِذَتْ أمْوالُنا، وكانَ سَبْيُ يَوْمَئِذٍ سِتَّةَ آلافِ نَفْسٍ، وأُخِذَ مِنَ الإبِلِ والغَنَمِ ما لا يُحْصى، فَقالَ: «إنْ خَيْرَ القَوْلِ أصْدَقُهُ، اخْتارُوا إمّا ذَرارِيَّكم ونِساءَكم وإمّا أمْوالَكم» فَقالُوا: ما نَعْدِلُ بِالأحْسابِ شَيْئًا. وتَمامُ الحَدِيثِ أنَّهم أخَذُوا نِساءَهم وذَرارِيَّهم إلّا امْرَأةً وقَعَ عَلَيْها صَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ فَحَمَلَتْ مِنهُ فَلَمْ يَرُدَّها.
أخْبَرَنا القاضِي العالِمُ أبُو عَلِيٍّ الحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ أبِي الأحْوَصِ القُرَشِيُّ قِراءَةً مِنِّي عَلَيْهِ بِمَدِينَةِ مالِقَةَ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو الحَسَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بِيقى بْنِ حَبْلَةَ الخَزْرَجَيُّ باوُو بولَةَ، قالَ: أخْبَرَنا الحافِظُ أبُو طاهِرٍ أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّلَفِيُّ الأصْبَهانِيُّ بِإسْكَنْدَرِيَّةَ (ح)، وأخْبَرَنا أُسْتاذُنا الإمامُ العَلّامَةُ الحافِظُ أبُو جَعْفَرٍ أحْمَدُ بْنُ إبْراهِيمَ بْنِ الزُّبَيْرِ قِراءَةً مِنِّي عَلَيْهِ بِغَرْناطَةَ عَنِ القاضِي أبِي الخَطّابِ مُحَمَّدِ بْنِ أحْمَدَ بْنِ خَلِيلٍ السُّكُونِيُّ عَنْ أبِي طاهِرٍ السَّلَفِيِّ وهو آخِرُ مَن حَدَّثَ عَنْهُ بِالغَرْبِ (ح)، وأخْبَرَنا عالِيًا القاضِي السَّعِيدُ صَفِيُّ الدِّينِ أبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الوَهّابِ بْنُ حَسَنِ بْنِ الفُراتِ قِراءَةً عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ بِثَغْرِ الإسْكَنْدَرِيَّةِ عَنْ أبِي الطّاهِرِ إسْماعِيلُ بْنُ صالِحِ بْنِ ياسِينَ الجَبَلِيِّ وهو آخِرُ مَن حَدَّثَ عَنْهُ، قالا - أعْنِي السَّلَفِيَّ والجَبَلِيَّ -: أخْبَرَنا أبُو عَبْدُ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ إبْراهِيمَ الرّازِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ بَقاءِ بْنِ مُحَمَّدٍ الوَرّاقُ بِمِصْرَ أخْبَرَنا أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الحُسَيْنِ بْنِ عُمَرَ اليَمَنِيُّ التَّنُوخِيُّ بِانْتِفاءِ خَلَفٍ الواسِطِيِّ الحافِظِ (ح)، وأخْبَرَنا المُحَدِّثُ العَدْلُ نَجِيبُ الدِّينِ أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ المُؤَيَّدِ الهَمْدانِيُّ عُرِفَ بِابْنِ العَجَمِيِّ قِراءَةً مِنِّي عَلَيْهِ بِالقاهِرَةِ، قُلْتُ لَهُ: أخْبَرَكَ أبُو الفَخْرِ أسْعَدُ بْنُ أبِي الفُتُوحِ بْنِ رَوْحٍ وعَفِيفَةُ بِنْتُ أحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ في كِتابَيْهِما، قالا: أخْبَرَتْنا فاطِمَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أحْمَدَ بْنِ عَقِيلٍ الجَوْزَدانِيَّةُ، قالَتْ: أخْبَرَنا أبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَيْذَةَ الضَّبِّيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو القاسِمِ سُلَيْمانُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ أيُّوبَ الطَّبَرانِيُّ الحافِظُ قالا - أعْنِي التَّنُوخِيَّ والطَّبَرانِيَّ -: أخْبَرَنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ رَماحِسَ، زادَ التَّنُوخِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خالِدِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ قَيْسِ بْنِ رَمادَةَ مِنَ الرَّمْلَةِ عَلى بَرِيدَيْنِ في رَبِيعٍ الآخِرِ مِن سَنَةِ ثَمانِينَ ومِائَتَيْنِ، وقالَ الطَّبَرانِيُّ: ابْنُ رَماحِسَ الجُشَمِيُّ القَيْسِيُّ بِرَمادَةِ الرَّمْلَةِ سَنَةَ سَبْعٍ وسَبْعِينَ ومِائَتَيْنِ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو عَمْرٍو زِيادُ بْنُ طارِقٍ، زادَ التَّنُوخِيُّ الجُشَمِيَّ. وقالَ الطَّبَرانِيُّ: وكانَ قَدْ أتَتْ عَلَيْهِ عِشْرُونَ ومِائَةُ سَنَةٍ، قالَ التَّنُوخِيُّ عَنْ زِيادٍ: أنْبَأنا زُهَيْرُ أبُو جَنْدَلٍ وكانَ سَيِّدَ قَوْمِهِ، وكانَ يُكَنّى أبا صُرَدٍ، قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ حُنَيْنٍأسَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَبَيْنا هو يُمَيِّزُ بَيْنَ الرِّجالِ والنِّساءِ، وثَبْتُ حَتّى قَعَدْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ أُذَكِّرُهُ حَيْثُ شَبَّ ونَشَأ في هَوازِنَ، وحَيْثُ أرْضَعُوهُ فَأنْشَأْتُ أقُولُ: وقالَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ زِيادٍ قالَ: سَمِعْتُ أبا جَرْوَلٍ زُهَيْرَ بْنَ صُرَدٍ الجُشَمِيَّ يَقُولُ: لَمّا أسَرَنا رَسُولَ اللَّهِ يَوْمَ حُنَيْنٍقَوْمَ هَوازِنَ، وذَهَبَ يُفَرِّقُ السَّبْيَ والشّاءِ، فَأتَيْتُهُ فَأنْشَأْتُ أقْولُ هَذا الشِّعْرَ:
؎امْنُنْ عَلَيْنا رَسُولَ اللَّهِ في كَرَمٍ ∗∗∗ فَإنَّكَ المَرْءُ نَرْجُوهُ ونَنْتَظِرُ
؎امْنُنْ عَلى بَيْضَةٍ قَدْ عاقَها قَدَرٌ ∗∗∗ مُفَرِّقٌ شَمْلَها في دَهْرِها غِيَرُ
؎أبْقَتْ لَنا الحَرْبُ هُتافًا عَلى حَزَنٍ ∗∗∗ عَلى قُلُوبِهِمُ الغِماءُ والغَمْرُ
؎إنْ لَمْ تُدارِكْهم نَعْماءُ تَنْشُرُها ∗∗∗ يا أرْجَحَ النّاسِ حِلْمًا حِينَ يُخْتَبَرُ
؎امْنُنْ عَلى نِسْوَةٍ قَدْ كُنْتَ تَرْضَعُها ∗∗∗ إذْ فُوكَ يَمْلَؤُها مِن مَحْضِها الدُّرَرُ
؎إذْ أنْتَ طِفْلٌ صَغِيرٌ كُنْتَ تَرْضَعُها ∗∗∗ وإذْ يَزِينُكَ ما تَأْتِي وما تَذَرُ
؎ (p-٢٧)يا خَيْرَ مَن مَرَحَتْ كُمْتُ الجِيادِ بِهِ ∗∗∗ عِنْدَ الهِياجِ إذا ما اسْتَوْقَدَ الشَّرَرُ
؎لا تَجْعَلَنّا كَمَن شالَتْ نَعامَتُهُ ∗∗∗ واسْتَبْقِ مِنّا فَإنّا مَعْشَرٌ زُهُرُ
؎إنّا نُؤَمِّلُ عَفْوًا مِنكَ نَلْبَسُهُ ∗∗∗ هَذِي البَرِيَّةُ أنْ تَعْفُو وتَنْتَصِرُ
؎إنّا لَنَشْكُرُ لِلنُّعْمى وقَدْ كُفِرَتْ ∗∗∗ وعِنْدَنا بَعْدُ هَذا اليَوْمِ مُدَّخَرُ
؎فَألْبِسِ العَفْوَ مَن قَدْ كُنْتَ تَرْضَعُهُ ∗∗∗ مِن أُمَّهاتِكَ إنَّ العَفْوَ مُشْتَهَرُ
؎واعْفُ عَفا اللَّهُ عَمّا أنْتَ راهِبُهُ ∗∗∗ يَوْمَ القِيامَةِ إذْ يُهْدى لَكَ الظَّفَرُ
وفِي رِوايَةِ الطَّبَرانِيِّ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ في بَعْضِ الأبْياتِ، وتَغْيِيرٌ لِبَعْضِ ألْفاظٍ، فَتَرْتِيبُ الأبْياتِ بَعْدَ قَوْلِهِ: إذْ أنْتَ طِفْلٌ قَوْلُهُ: لا تَجْعَلَنّا، ثُمَّ إنّا لَنَشْكُرُ، ثُمَّ فَألْبِسِ العَفْوَ، ثُمَّ تَأْخِيرُ مَن مَرَحَتْ، ثُمَّ إنّا نُؤَمِّلُ، ثُمَّ فاعْفُ. وتَغْيِيرُ الألْفاظِ قَوْلُهُ: وإذْ يَرِيبُكَ بِالرّاءِ والباءِ مَكانَ الزّايِ والنُّونِ، وقَوْلُهُ لِلنَّعْماءِ: إذْ كُفِرَتْ، وقَوْلُهُ: إذْ تَعْفُو. وفي رِوايَةِ الطَّبَرانِيِّ قالَ: فَلَمّا سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ هَذا الشِّعْرَ قالَ ﷺ: ”ما كانَ لِي ولِبَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ فَهو لَكم“، وقالَتْ قُرَيْشٌ: ما كانَ لَنا فَهو لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ، وقالَتِ الأنْصارُ: ما كانَ لَنا فَهو لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ. وفي رِوايَةِ التَّنُوخِيِّ: فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”أمّا ما كانَ لِي ولِبَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ فَلِلَّهِ ولَكم“، وقالَتِ الأنْصارُ: ما كانَ لَنا فَلِلَّهِ ولِرَسُولِهِ، رَدَّتِ الأنْصارُ ما كانَ في أيْدِيها مِنَ الذَّرارِيِّ والأمْوالِ» .
التوبة 9:28
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إنْ شاءَ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾؛ لَمّا أمَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَلِيًّا أنْ يَقْرَأ عَلى مُشْرِكِي مَكَّةَ أوَّلَ (بَراءَةٌ)، ويَنْبِذُ إلَيْهِمْ عَهْدَهم، وأنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ قالَ أُناسٌ: يا أهْلَ مَكَّةَ سَتَعْلَمُونَ ما تَلْقَوْنَ مِنَ الشِّدَّةِ وانْقِطاعِ السُّبُلِ وفَقْدِ الحُمُولاتِ، فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: لَمّا نَزَلَ ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾، شَقَّ عَلى المُسْلِمِينَ وقالُوا: مَن يَأْتِينا بِطَعامِنا، وكانُوا يَقْدُمُونَ عَلَيْهِمْ بِالتِّجارَةِ، فَنَزَلَتْ ﴿وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ الآيَةَ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّ المُشْرِكَ مَنِ اتَّخَذَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ، وعَلى أنَّ أهْلَ الكِتابِ لَيْسُوا بِمُشْرِكِينَ، ومِنَ العُلَماءِ مَن أطْلَقَ عَلَيْهِمُ اسْمَ الإشْراكِ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨]؛ أيْ يُكْفَرَ بِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نَجَسٌ) بِفَتْحِ النُّونِ والجِيمِ، وهو مَصْدَرُ نَجِسَ نَجَسًا؛ أيْ قَذِرَ قَذَرًا، والظّاهِرُ الحُكْمُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم نَجَسٌ أيْ ذَوُو نَجَسٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وغَيْرُهُ: الشِّرْكُ هو الَّذِي نَجَّسَهم، فَأعْيانُهم نَجِسَةٌ كالخَمْرِ والكِلابِ والخَنازِيرِ. وقالَ الحَسَنُ: مَن صافَحَ مُشْرِكًا فَلْيَتَوَضَّأْ. وفي التَّحْرِيرِ: وبالَغَ الحَسَنُ حَتّى قالَ: إنَّ الوُضُوءَ يَجِبُ مِن مَسِّ المُشْرِكِ، ولَمْ يَأْخُذْ أحَدٌ بِقَوْلِ الحَسَنِ إلّا الهادِيَ مِنَ الزَّيْدِيَّةِ. وقالَ قَتادَةُ، ومَعْمَرُ بْنُ راشِدٍ وغَيْرُهُما: وُصِفَ المُشْرِكُ بِالنَّجاسَةِ؛ لِأنَّهُ جُنُبٌ، إذْ غُسْلُهُ مِنَ الجَنابَةِ (p-٢٨)لَيْسَ بِغُسْلٍ، وعَلى هَذا القَوْلِ يَجِبُ الغُسْلُ عَلى مَن أسْلَمَ مِنَ المُشْرِكِينَ، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ. وقالَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ: لا يَجِبُ، ولا شَكَّ أنَّهم لا يَتَطَهَّرُونَ ولا يَغْتَسِلُونَ ولا يَجْتَنِبُونَ النَّجاساتِ، فَجُعِلُوا نَجَسًا مُبالَغَةً في وصْفِهِمْ بِالنَّجاسَةِ.
وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: (نِجْسٌ) بِكَسْرِ النُّونِ وسُكُونِ الجِيمِ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ المَوْصُوفِ، أيْ: جِنْسٌ نِجْسٌ، أوْ ضَرْبٌ نِجْسٌ، وهو اسْمُ فاعِلٍ مِن نَجِسَ، فَخَفَّفُوهُ بَعْدَ الإتْباعِ كَما قالُوا في كَبِدٍ: كِبْدٌ، وكَرِشٍ: كِرْشٌ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ: أنْجاسٌ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ جَمْعَ نَجَسٍ المَصْدَرِ كَما قالُوا أصْنافٌ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ جَمْعَ نِجْسٍ اسْمِ فاعِلٍ.
وفِي النَّهْيِ عَنِ القُرْبانِ مَنعُهم عَنْ دُخُولِهِ والطَّوافِ بِهِ بِحَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، كَما كانُوا يَفْعَلُونَ في الجاهِلِيَّةِ، وهَذا النَّهْيُ مِن حَيْثُ المَعْنى هو مُتَعَلِّقٌ بِالمُسْلِمِينَ؛ أيْ لا يَتْرُكُونَهم يَقْرَبُونَ المَسْجِدَ الحَرامَ. والظّاهِرُ أنَّ النَّهْيَ مُخْتَصٌّ بِالمُشْرِكِينَ وبِالمَسْجِدِ الحَرامِ، وهَذا مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ. وأباحَ دُخُولَ اليَهُودِ والنَّصارى المَسْجِدَ الحَرامَ وغَيْرَهُ، ودُخُولَ عَبَدَةِ الأوْثانِ في سائِرِ المَساجِدِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ”فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ“: فَلا يَحُجُّوا ولا يَعْتَمِرُوا، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ عَلِيٌّ حِينَ نادى بِـ (بَراءَةٌ): لا يَحُجُّ بَعْدَ عامِنا هَذا مُشْرِكٌ، قالَ: ولا يُمْنَعُونَ مِن دُخُولِ الحَرَمِ، والمَسْجِدِ الحَرامِ، وسائِرِ المَساجِدِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ انْتَهى. وقالَ الشّافِعِيُّ: هي عامَّةٌ في الكُفّارِ، خاصَّةٌ في المَسْجِدِ الحَرامِ، فَأباحَ دُخُولَ اليَهُودِ والنَّصارى والوَثَنِيِّينَ في سائِرِ المَساجِدِ. وقاسَ مالِكٌ جَمِيعَ الكُفّارِ مِن أهْلِ الكِتابِ وغَيْرِهِمْ عَلى المُشْرِكِينَ، وقاسَ سائِرَ المَساجِدِ عَلى المَسْجِدِ الحَرامِ، ومَنَعَ مِن دُخُولِ الجَمِيعِ في جَمِيعِ المَساجِدِ. وقالَ عَطاءٌ: المُرادُ بِالمَسْجِدِ الحَرامِ الحَرَمُ، وأنَّ عَلى المُسْلِمِينَ أنْ لا يُمَكِّنُوهم مِن دُخُولِهِ. وقِيلَ: المُرادُ مِنَ القُرْبانِ أنْ يُمْنَعُوا مِن تَوَلِّي المَسْجِدِ الحَرامِ والقِيامِ بِمَصالِحِهِ، ويُعْزَلُوا عَنْ ذَلِكَ. وقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وقَتادَةُ: لا يَقْرُبُ المَسْجِدَ الحَرامَ مُشْرِكٌ إلّا أنْ يَكُونَ صاحِبَ حُرِّيَّةٍ، أوْ عَبْدًا لِمُسْلِمٍ. والمَعْنى بِقَوْلِهِ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا: هو عامُ تِسْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ، وهو العامُ الَّذِي حَجَّ فِيهِ أبُو بَكْرٍ أمِيرًا عَلى المَوْسِمِ، وأُتْبِعَ بِعَلِيٍّ ونُودِيَ فِيها بِـ (بَراءَةٌ) . وقالَ قَتادَةُ: هو العامُ العاشِرُ الَّذِي حَجَّ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، و(العَيْلَةُ): الفَقْرُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وعَلْقَمَةُ مِن أصْحابِهِ: عائِلَةٌ وهو مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ، أوْ نَعْتٌ لِمَحْذُوفٍ؛ أيْ: حالًا عائِلَةً. و(إنْ) هُنا عَلى بابِها مِنَ الشَّرْطِ، وقالَ عَمْرُو بْنُ قائِدٍ: المَعْنى: وإذْ خِفْتُمْ كَقَوْلِهِمْ: إنْ كُنْتَ ابْنِي فَأطِعْنِي؛ أيْ: إذْ كُنْتَ. وكَوْنُ (إنْ) بِمَعْنى (إذْ) قَوْلٌ مَرْغُوبٌ عَنْهُ. وتَقَدَّمَ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ وفَضْلُهُ تَعالى. قالَ الضَّحّاكُ: ما فَتَحَ عَلَيْهِمْ مِن أخْذِ الجِزْيَةِ مِن أهْلِ الذِّمَّةِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: أغْناهم بِإدْرارِ المَطَرِ عَلَيْهِمْ، وأسْلَمَتِ العَرَبُ فَتَمادى حَجُّهم ونَحْرُهم، وأغْنى اللَّهُ مِن فَضْلِهِ بِالجِهادِ والظُّهُورِ عَلى الأُمَمِ، وعَلَّقَ الإغْناءَ بِالمَشِيئَةِ؛ لِأنَّهُ يَقَعُ في حَقِّ بَعْضٍ دُونِ بَعْضٍ، وفي وقْتٍ دُونَ وقْتٍ. وقِيلَ: لِإجْراءِ الحُكْمِ عَلى الحِكْمَةِ، فَإنِ اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ والمَصْلَحَةُ إغْناءَكم أغْناكم. وقالَ القُرْطُبِيُّ: إعْلامًا بِأنَّ الرِّزْقَ لا يَأْتِي بِحِيلَةٍ ولا اجْتِهادٍ، وإنَّما هو فَضْلُ اللَّهِ. ويُرْوى لِلشّافِعِيِّ:
؎لَوْ كانَ بِالحِيَلِ الغِنى لَوَجَدْتَنِي بِنُجُومِ أقْطارِ السَّماءِ تَعَلُّقِي
؎لَكِنْ مَن رُزِقَ الحِجا حُرِمَ الغِنى ∗∗∗ ضِدّانِ مُفْتَرِقانِ أيَّ تَفَرُّقِ
؎ومِنَ الدَّلِيلِ عَلى القَضاءِ وكَوْنِهِ ∗∗∗ بُؤْسُ اللَّبِيبِ وطِيبُ عَيْشِ الأحْمَقِ
(إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ) بِأحْوالِكم (حَكِيمٌ) لا يُعْطِي ولا يَمْنَعُ إلّا عَنْ حِكْمَةٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَلِيمٌ بِما يُصْلِحُكم، حَكِيمٌ فِيما حَكَمَ في المُشْرِكِينَ.
(p-٢٩)﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ ولا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ ولا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ﴾ نَزَلَتْ حِينَ أُمِرَ الرَّسُولُ ﷺ بِغَزْوِ الرُّومِ، وغَزا بَعْدَ نُزُولِها تَبُوكَ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ فَصالَحَهم، وكانَتْ أوَّلَ جِزْيَةٍ أصابَها المُسْلِمُونَ، وأوَّلُ ذَلِكَ أصابَ أهْلَ الكِتابِ بِأيْدِي المُسْلِمِينَ نَفْيُ الإيمانِ بِاللَّهِ عَنْهم؛ لِأنَّ سَبِيلَهم سَبِيلُ مَن لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ، إذْ يَصِفُونَهُ بِما لا يَلِيقُ أنْ يُوصَفَ بِهِ، قالَهُ الكَرْمانِيُّ. وقالَ الزَّجّاجُ: لِأنَّهم جَعَلُوا لَهُ ولَدًا وبَدَّلُوا كِتابَهم، وحَرَّمُوا ما لَمْ يُحَرَّمْ، وحَلَّلُوا ما لَمْ يُحَلَّلْ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لِأنَّهم تَرَكُوا شَرائِعَ الإسْلامِ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِمُ الدُّخُولُ فِيهِ، فَصارَ جَمِيعُ ما لَهم في البَعْثِ وفي اللَّهِ مِن تَخَيُّلاتٍ واعْتِقاداتٍ لا مَعْنى لَها؛ إذْ يُلْقُونَها مِن غَيْرِ طَرِيقِها. وأيْضًا فَلَمْ تَكُنِ اعْتِقاداتُهم مُسْتَقِيمَةً؛ لِأنَّهم شَبَّهُوا وقالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وثالِثُ ثَلاثَةٍ، وغَيْرُ ذَلِكَ. ولَهم أيْضًا في البَعْثِ آراءٌ كَثِيرَةٌ في مَنازِلِ الجَنَّةِ مِنَ الرُّهْبانِ. وقَوْلُ اليَهُودِ في النّارِ يَكُونُ فِيها أيّامًا انْتَهى. وفي الغُنْيانِ: نَفى عَنْهُمُ الإيمانَ؛ لِأنَّهم مُجَسِّمَةٌ، والمُؤْمِنُ لا يُجَسِّمُ انْتَهى. والمَنقُولُ عَنِ اليَهُودِ والنَّصارى إنْكارُ البَعْثِ الجُسْمانِيِّ، فَكَأنَّهم يَعْتَقِدُونَ البَعْثَ الرُّوحانِيَّ.
(ما حَرَّمَ اللَّهُ) في كِتابِهِ (ورَسُولُهُ) في السُّنَّةِ. وقِيلَ: في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ؛ لِأنَّهم أباحُوا أشْياءَ حَرَّمَتْها التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، والرَّسُولُ عَلى هَذا مُوسى وعِيسى، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ مُحَمَّدٌ ﷺ . وقِيلَ: ولا يُحَرِّمُونَ الخَمْرَ والخِنْزِيرَ. وقِيلَ: ولا يُحَرِّمُونَ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ، قالُوا: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]، ﴿وقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١] . وقِيلَ: ما حَرَّمَ اللَّهُ مِنَ الرِّبا وأمْوالِ الأُمِّيِّينَ. والظّاهِرُ عُمُومُ ما حَرَّمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْآنِ.
﴿ولا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ﴾؛ أيْ: لا يَعْتَقِدُونَ دِينَ الإسْلامِ الَّذِي هو دِينُ الحَقِّ، وما سِواهُ باطِلٌ. وقِيلَ: دِينُ الحَقِّ دِينُ اللَّهِ، والحَقُّ هو اللَّهُ، قالَهُ قَتادَةُ. يُقالُ: فُلانٌ يَدِينُ بِكَذا أيْ يَتَّخِذُهُ دِينًا ويَعْتَقِدُهُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ ولا يُطِيعُونَ طاعَةَ أهْلِ الإسْلامِ، وكُلُّ مَن كانَ في سُلْطانِ مَلِكٍ فَهو عَلى دِينِهِ، وقَدْ دانَ لَهُ وخَضَعَ. قالَ زُهَيْرٌ:
؎لَئِنْ حَلَلْتَ بِجَوٍّ في بَنِي أسَدٍ ∗∗∗ في دِينِ عَمْرٍو وحالَتْ بَيْنَنا فَدَكُ
﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ بَيانٌ لِقَوْلِهِ: (الَّذِينَ) . والظّاهِرُ اخْتِصاصُ أخْذِ الجِزْيَةِ مِن أهْلِ الكِتابِ وهم بَنُو إسْرائِيلَ والرُّومُ نَصًّا. وأجْمَعَ النّاسُ عَلى ذَلِكَ. وأمّا المَجُوسُ فَقالَ ابْنُ المُنْذِرِ: لا أعْلَمُ خِلافًا في أنَّ الجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِنهُمُ انْتَهى. ورُوِيَ أنَّهُ كانَ بُعِثَ في المَجُوسِ نَبِيٌّ اسْمُهُ زَرادِشْتُ، واخْتَلَفَ أصْحابُ مالِكٍ في مَجُوسِ العَرَبِ. وأمّا السّامِرَةُ والصّابِئَةُ فالجُمْهُورُ عَلى أنَّهم مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى تُؤْخَذُ مِنهُمُ الجِزْيَةُ وتُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهم. وقالَتْ فِرْقَةٌ: لا تُؤْخَذُ مِنهم جِزْيَةٌ، ولا تُؤْكَلُ ذَبائِحُهم. وقِيلَ: تُؤْخَذُ مِنهُمُ الجِزْيَةُ، ولا تُؤْكَلُ ذَبائِحُهم. وقالَ الأوْزاعِيُّ: تُؤْخَذُ مِن كُلِّ عابِدِ وثَنٍ أوْ نارٍ أوْ جامِدٍ مُكَذِّبٍ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا يُقْبَلُ مِن مُشْرِكِي العَرَبِ إلّا الإسْلامُ أوِ السَّيْفُ، وتُقْبَلُ مِن أهْلِ الكِتابِ ومِن سائِرِ كُفّارِ العَجَمِ الجِزْيَةُ. وقالَ مالِكٌ: تُؤْخَذُ مِن عابِدِ النّارِ والوَثَنِ وغَيْرِ ذَلِكَ كائِنًا مَن كانَ مِن عَرَبِيٍّ تَغْلِبِيٍّ أوْ قُرَشِيٍّ أوْ عَجَمِيٍّ إلّا المُرْتَدَّ. وقالَ الشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ، وأبُو ثَوْرٍ: لا تُقْبَلُ إلّا مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى والمَجُوسِ فَقَطْ. والظّاهِرُ شُمُولُ جَمِيعِ أهْلِ الكِتابِ في إعْطاءِ الجِزْيَةِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ ومالِكٌ والشّافِعِيُّ: لا تُؤْخَذُ إلّا مِنَ الرِّجالِ البالِغِينَ الأحْرارِ العُقَلاءِ، ولا تُضْرَبُ عَلى رُهْبانِ الدِّياراتِ والصَّوامِعِ المُنْقَطِعِينَ. وقالَ مالِكٌ في الواضِحَةِ: إنْ كانَتْ قَدْ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ ثُمَّ انْقَطَعُوا لَمْ تَسْقُطْ، وتُضْرَبُ عَلى رُهْبانِ الكَنائِسِ، واخْتُلِفَ في الشَّيْخِ الفانِي.
ولَمْ تَتَعَرَّضِ الآيَةُ لِمِقْدارِ ما عَلى كُلِّ رَأْسٍ (p-٣٠)ولا لِوَقْتِ إعْطائِها. فَأمّا مِقْدارُها فَذَهَبَ مالِكٌ وكَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى ما فَرَضَهُ عُمَرُ: أرْبَعَةُ دَنانِيرَ عَلى أهْلِ الذَّهَبِ، وأرْبَعُونَ دِرْهَمًا عَلى أهْلِ الفِضَّةِ، وفَرَضَ عُمَرُ ضِيافَةً وأرْزاقًا وكُسْوَةً. وقالَ الثَّوْرِيُّ: رُوِيَتْ عَنْ عُمَرَ ضَرائِبُ مُخْتَلِفَةٌ، وأظُنُّ ذَلِكَ بِحَسَبِ اجْتِهادِهِ في عُسْرِهِمْ ويُسْرِهِمْ. وقالَ الشّافِعِيُّ وغَيْرُهُ: عَلى كُلِّ رَأْسٍ دِينارٌ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: عَلى الفَقِيرِ المُكْتَسِبِ اثْنا عَشَرَ دِرْهَمًا، وعَلى المُتَوَسِّطِ في المَعْنى ضِعْفُها، وعَلى المُكْثِرِ ضِعْفُ الضِّعْفِ ثَمانِيَةً وأرْبَعُونَ دِرْهَمًا، ولا يُؤْخَذُ عِنْدَهُ مِن فَقِيرٍ لا كَسْبَ لَهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا كُلُّهُ في الفَتْرَةِ. وأمّا الصُّلْحُ فَهو ما صُولِحُوا عَلَيْهِ مِن قَلِيلٍ أوْ كَثِيرٍ. وأمّا وقْتُها فَعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ أوَّلُ كُلِّ سَنَةٍ، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ آخِرُ السَّنَةِ. وسُمِّيَتْ جِزْيَةً مِن جَزى يَجْزِي إذْ كافَأ عَمّا أُسْدِيَ عَلَيْهِ، فَكَأنَّهم أعْطَوْها جَزاءَ ما مُنِحُوا مِنَ الأمْنِ، وهي كالعِقْدَةِ والجِلْسَةِ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎نَجْزِيكَ أوْ نُثْنِي عَلَيْكَ وإنَّ مَن ∗∗∗ أثْنى عَلَيْكَ بِما فَعَلْتَ فَقَدْ جَزى
وقِيلَ: لِأنَّها طائِفَةٌ مِمّا عَلى أهْلِ الذِّمَّةِ أنْ يَجْزُوهُ؛ أيْ يَقْضُوهُ.
(عَنْ يَدٍ)؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُعْطُونَها بِأيْدِيهِمْ ولا يُرْسِلُونَ بِها. وقالَ عُثْمانُ: يُعْطُونَها نَقْدًا لا نَسِيئَةً. وقالَ قَتادَةُ: يُعْطُونَها وأيْدِيهِمْ تَحْتَ يَدِ الآخِذِ، فالمَعْنى أنَّهم مُسْتَعْلًى عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: عَنِ اعْتِرافٍ. وقِيلَ: عَنْ قُوَّةٍ مِنكم وقَهْرٍ وذُلٍّ ونَفاذِ أمْرٍ فِيهِمْ، كَما تَقُولُ: اليَدُ في هَذا لِفُلانٍ؛ أيِ الأمْرُ لَهُ. وقِيلَ: عَنْ إنْعامٍ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ؛ لِأنَّ قَبُولَها مِنهم عِوَضًا عَنْ أرْواحِهِمْ إنْعامٌ عَلَيْهِمْ مِن قَوْلِهِمْ: لَهُ عَلَيَّ يَدٌ أيْ: نِعْمَةٌ. وقالَ القُتَبِيُّ: يُقالُ أعْطاهُ عَنْ يَدٍ وعَنْ ظَهْرِ يَدٍ إذا أعْطاهُ مُبْتَدِئًا غَيْرَ مُكافِئٍ. وقِيلَ: عَنْ يَدٍ: عَنْ جَماعَةٍ؛ أيْ: لا يُعْفى عَنْ ذِي فَضْلٍ مِنهم لِفَضْلِهِ. واليَدُ جَماعَةُ القَوْمِ، يُقالُ القَوْمُ عَلى يَدٍ واحِدَةٍ؛ أيْ: هم مُجْتَمِعُونَ. وقِيلَ: عَنْ يَدٍ؛ أيْ عَنْ غِنًى وقُدْرَةٍ، فَلا تُؤْخَذُ مِنَ الفَقِيرِ. ولَخَّصَ الزَّمَخْشَرِيُّ في ذَلِكَ فَقالَ: إمّا أنْ يُرِيدَ يَدَ الآخِذِ فَمَعْناهُ حَتّى يَعْلُوها عَنْ يَدٍ قاهِرَةٍ مُسْتَوْلِيَةٍ وعَنْ إنْعامٍ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ قَبُولَ الجِزْيَةِ مِنهم وتَرْكَ أرْواحِهِمْ لَهم نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ عَلَيْهِمْ. وإمّا أنْ يُرِيدَ يَدَ المُعْطِي فالمَعْنى عَنْ يَدٍ مُواتِيَةٍ غَيْرِ مُمْتَنِعَةٍ؛ لِأنَّ مَن أبى وامْتَنَعَ لَمْ يُعْطِ يَدَهُ بِخِلافِ المُطِيعِ المُنْقادِ، ولِذَلِكَ قالُوا: أعْطى بِيَدِهِ إذا انْقادَ واحْتَجَبَ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ: نَزَعَ يَدَهُ عَنِ الطّاعَةِ، أوْ عَنْ يَدٍ إلى يَدٍ؛ أيْ نَقْدًا غَيْرَ نَسِيئَةٍ أوْ لا مَبْعُوثًا عَلى يَدِ آخَرَ ولَكِنْ عَنْ يَدِ المُعْطِي البَرِيدِ الآخِذِ.
﴿وهم صاغِرُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ؛ أيْ: ذَلِيلُونَ حَقِيرُونَ. وذَكَرُوا كَيْفِيّاتٍ في أخْذِها مِنهم، وفي صَغارِهِمْ لَمْ تَتَعَرَّضْ لِتَعْيِينِ شَيْءٍ مِنها الآيَةُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَمْشُونَ بِها مُلَبَّبِينَ. وقالَ سُلَيْمانُ الفارِسِيُّ: لا يُحْمَدُونَ عَلى إعْطائِهِمْ. وقالَ عِكْرِمَةُ: يَكُونُ قائِمًا والآخِذُ جالِسًا. وقالَ الكَلْبِيُّ: يُقالُ لَهُ عِنْدَ دَفْعِها: أدِّ الجِزْيَةَ ويُصَكُّ في قَفاهُ. وحَكى البَغَوِيُّ: يُؤْخَذُ بِلِحْيَتِهِ ويُضْرَبُ في لِهْزِمَتِهِ.
التوبة 9:29
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إنْ شاءَ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾؛ لَمّا أمَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَلِيًّا أنْ يَقْرَأ عَلى مُشْرِكِي مَكَّةَ أوَّلَ (بَراءَةٌ)، ويَنْبِذُ إلَيْهِمْ عَهْدَهم، وأنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ قالَ أُناسٌ: يا أهْلَ مَكَّةَ سَتَعْلَمُونَ ما تَلْقَوْنَ مِنَ الشِّدَّةِ وانْقِطاعِ السُّبُلِ وفَقْدِ الحُمُولاتِ، فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: لَمّا نَزَلَ ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾، شَقَّ عَلى المُسْلِمِينَ وقالُوا: مَن يَأْتِينا بِطَعامِنا، وكانُوا يَقْدُمُونَ عَلَيْهِمْ بِالتِّجارَةِ، فَنَزَلَتْ ﴿وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ الآيَةَ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّ المُشْرِكَ مَنِ اتَّخَذَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ، وعَلى أنَّ أهْلَ الكِتابِ لَيْسُوا بِمُشْرِكِينَ، ومِنَ العُلَماءِ مَن أطْلَقَ عَلَيْهِمُ اسْمَ الإشْراكِ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨]؛ أيْ يُكْفَرَ بِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نَجَسٌ) بِفَتْحِ النُّونِ والجِيمِ، وهو مَصْدَرُ نَجِسَ نَجَسًا؛ أيْ قَذِرَ قَذَرًا، والظّاهِرُ الحُكْمُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم نَجَسٌ أيْ ذَوُو نَجَسٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وغَيْرُهُ: الشِّرْكُ هو الَّذِي نَجَّسَهم، فَأعْيانُهم نَجِسَةٌ كالخَمْرِ والكِلابِ والخَنازِيرِ. وقالَ الحَسَنُ: مَن صافَحَ مُشْرِكًا فَلْيَتَوَضَّأْ. وفي التَّحْرِيرِ: وبالَغَ الحَسَنُ حَتّى قالَ: إنَّ الوُضُوءَ يَجِبُ مِن مَسِّ المُشْرِكِ، ولَمْ يَأْخُذْ أحَدٌ بِقَوْلِ الحَسَنِ إلّا الهادِيَ مِنَ الزَّيْدِيَّةِ. وقالَ قَتادَةُ، ومَعْمَرُ بْنُ راشِدٍ وغَيْرُهُما: وُصِفَ المُشْرِكُ بِالنَّجاسَةِ؛ لِأنَّهُ جُنُبٌ، إذْ غُسْلُهُ مِنَ الجَنابَةِ (p-٢٨)لَيْسَ بِغُسْلٍ، وعَلى هَذا القَوْلِ يَجِبُ الغُسْلُ عَلى مَن أسْلَمَ مِنَ المُشْرِكِينَ، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ. وقالَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ: لا يَجِبُ، ولا شَكَّ أنَّهم لا يَتَطَهَّرُونَ ولا يَغْتَسِلُونَ ولا يَجْتَنِبُونَ النَّجاساتِ، فَجُعِلُوا نَجَسًا مُبالَغَةً في وصْفِهِمْ بِالنَّجاسَةِ.
وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: (نِجْسٌ) بِكَسْرِ النُّونِ وسُكُونِ الجِيمِ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ المَوْصُوفِ، أيْ: جِنْسٌ نِجْسٌ، أوْ ضَرْبٌ نِجْسٌ، وهو اسْمُ فاعِلٍ مِن نَجِسَ، فَخَفَّفُوهُ بَعْدَ الإتْباعِ كَما قالُوا في كَبِدٍ: كِبْدٌ، وكَرِشٍ: كِرْشٌ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ: أنْجاسٌ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ جَمْعَ نَجَسٍ المَصْدَرِ كَما قالُوا أصْنافٌ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ جَمْعَ نِجْسٍ اسْمِ فاعِلٍ.
وفِي النَّهْيِ عَنِ القُرْبانِ مَنعُهم عَنْ دُخُولِهِ والطَّوافِ بِهِ بِحَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، كَما كانُوا يَفْعَلُونَ في الجاهِلِيَّةِ، وهَذا النَّهْيُ مِن حَيْثُ المَعْنى هو مُتَعَلِّقٌ بِالمُسْلِمِينَ؛ أيْ لا يَتْرُكُونَهم يَقْرَبُونَ المَسْجِدَ الحَرامَ. والظّاهِرُ أنَّ النَّهْيَ مُخْتَصٌّ بِالمُشْرِكِينَ وبِالمَسْجِدِ الحَرامِ، وهَذا مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ. وأباحَ دُخُولَ اليَهُودِ والنَّصارى المَسْجِدَ الحَرامَ وغَيْرَهُ، ودُخُولَ عَبَدَةِ الأوْثانِ في سائِرِ المَساجِدِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ”فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ“: فَلا يَحُجُّوا ولا يَعْتَمِرُوا، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ عَلِيٌّ حِينَ نادى بِـ (بَراءَةٌ): لا يَحُجُّ بَعْدَ عامِنا هَذا مُشْرِكٌ، قالَ: ولا يُمْنَعُونَ مِن دُخُولِ الحَرَمِ، والمَسْجِدِ الحَرامِ، وسائِرِ المَساجِدِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ انْتَهى. وقالَ الشّافِعِيُّ: هي عامَّةٌ في الكُفّارِ، خاصَّةٌ في المَسْجِدِ الحَرامِ، فَأباحَ دُخُولَ اليَهُودِ والنَّصارى والوَثَنِيِّينَ في سائِرِ المَساجِدِ. وقاسَ مالِكٌ جَمِيعَ الكُفّارِ مِن أهْلِ الكِتابِ وغَيْرِهِمْ عَلى المُشْرِكِينَ، وقاسَ سائِرَ المَساجِدِ عَلى المَسْجِدِ الحَرامِ، ومَنَعَ مِن دُخُولِ الجَمِيعِ في جَمِيعِ المَساجِدِ. وقالَ عَطاءٌ: المُرادُ بِالمَسْجِدِ الحَرامِ الحَرَمُ، وأنَّ عَلى المُسْلِمِينَ أنْ لا يُمَكِّنُوهم مِن دُخُولِهِ. وقِيلَ: المُرادُ مِنَ القُرْبانِ أنْ يُمْنَعُوا مِن تَوَلِّي المَسْجِدِ الحَرامِ والقِيامِ بِمَصالِحِهِ، ويُعْزَلُوا عَنْ ذَلِكَ. وقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وقَتادَةُ: لا يَقْرُبُ المَسْجِدَ الحَرامَ مُشْرِكٌ إلّا أنْ يَكُونَ صاحِبَ حُرِّيَّةٍ، أوْ عَبْدًا لِمُسْلِمٍ. والمَعْنى بِقَوْلِهِ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا: هو عامُ تِسْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ، وهو العامُ الَّذِي حَجَّ فِيهِ أبُو بَكْرٍ أمِيرًا عَلى المَوْسِمِ، وأُتْبِعَ بِعَلِيٍّ ونُودِيَ فِيها بِـ (بَراءَةٌ) . وقالَ قَتادَةُ: هو العامُ العاشِرُ الَّذِي حَجَّ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، و(العَيْلَةُ): الفَقْرُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وعَلْقَمَةُ مِن أصْحابِهِ: عائِلَةٌ وهو مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ، أوْ نَعْتٌ لِمَحْذُوفٍ؛ أيْ: حالًا عائِلَةً. و(إنْ) هُنا عَلى بابِها مِنَ الشَّرْطِ، وقالَ عَمْرُو بْنُ قائِدٍ: المَعْنى: وإذْ خِفْتُمْ كَقَوْلِهِمْ: إنْ كُنْتَ ابْنِي فَأطِعْنِي؛ أيْ: إذْ كُنْتَ. وكَوْنُ (إنْ) بِمَعْنى (إذْ) قَوْلٌ مَرْغُوبٌ عَنْهُ. وتَقَدَّمَ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ وفَضْلُهُ تَعالى. قالَ الضَّحّاكُ: ما فَتَحَ عَلَيْهِمْ مِن أخْذِ الجِزْيَةِ مِن أهْلِ الذِّمَّةِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: أغْناهم بِإدْرارِ المَطَرِ عَلَيْهِمْ، وأسْلَمَتِ العَرَبُ فَتَمادى حَجُّهم ونَحْرُهم، وأغْنى اللَّهُ مِن فَضْلِهِ بِالجِهادِ والظُّهُورِ عَلى الأُمَمِ، وعَلَّقَ الإغْناءَ بِالمَشِيئَةِ؛ لِأنَّهُ يَقَعُ في حَقِّ بَعْضٍ دُونِ بَعْضٍ، وفي وقْتٍ دُونَ وقْتٍ. وقِيلَ: لِإجْراءِ الحُكْمِ عَلى الحِكْمَةِ، فَإنِ اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ والمَصْلَحَةُ إغْناءَكم أغْناكم. وقالَ القُرْطُبِيُّ: إعْلامًا بِأنَّ الرِّزْقَ لا يَأْتِي بِحِيلَةٍ ولا اجْتِهادٍ، وإنَّما هو فَضْلُ اللَّهِ. ويُرْوى لِلشّافِعِيِّ:
؎لَوْ كانَ بِالحِيَلِ الغِنى لَوَجَدْتَنِي بِنُجُومِ أقْطارِ السَّماءِ تَعَلُّقِي
؎لَكِنْ مَن رُزِقَ الحِجا حُرِمَ الغِنى ∗∗∗ ضِدّانِ مُفْتَرِقانِ أيَّ تَفَرُّقِ
؎ومِنَ الدَّلِيلِ عَلى القَضاءِ وكَوْنِهِ ∗∗∗ بُؤْسُ اللَّبِيبِ وطِيبُ عَيْشِ الأحْمَقِ
(إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ) بِأحْوالِكم (حَكِيمٌ) لا يُعْطِي ولا يَمْنَعُ إلّا عَنْ حِكْمَةٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَلِيمٌ بِما يُصْلِحُكم، حَكِيمٌ فِيما حَكَمَ في المُشْرِكِينَ.
(p-٢٩)﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ ولا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ ولا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ﴾ نَزَلَتْ حِينَ أُمِرَ الرَّسُولُ ﷺ بِغَزْوِ الرُّومِ، وغَزا بَعْدَ نُزُولِها تَبُوكَ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ فَصالَحَهم، وكانَتْ أوَّلَ جِزْيَةٍ أصابَها المُسْلِمُونَ، وأوَّلُ ذَلِكَ أصابَ أهْلَ الكِتابِ بِأيْدِي المُسْلِمِينَ نَفْيُ الإيمانِ بِاللَّهِ عَنْهم؛ لِأنَّ سَبِيلَهم سَبِيلُ مَن لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ، إذْ يَصِفُونَهُ بِما لا يَلِيقُ أنْ يُوصَفَ بِهِ، قالَهُ الكَرْمانِيُّ. وقالَ الزَّجّاجُ: لِأنَّهم جَعَلُوا لَهُ ولَدًا وبَدَّلُوا كِتابَهم، وحَرَّمُوا ما لَمْ يُحَرَّمْ، وحَلَّلُوا ما لَمْ يُحَلَّلْ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لِأنَّهم تَرَكُوا شَرائِعَ الإسْلامِ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِمُ الدُّخُولُ فِيهِ، فَصارَ جَمِيعُ ما لَهم في البَعْثِ وفي اللَّهِ مِن تَخَيُّلاتٍ واعْتِقاداتٍ لا مَعْنى لَها؛ إذْ يُلْقُونَها مِن غَيْرِ طَرِيقِها. وأيْضًا فَلَمْ تَكُنِ اعْتِقاداتُهم مُسْتَقِيمَةً؛ لِأنَّهم شَبَّهُوا وقالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وثالِثُ ثَلاثَةٍ، وغَيْرُ ذَلِكَ. ولَهم أيْضًا في البَعْثِ آراءٌ كَثِيرَةٌ في مَنازِلِ الجَنَّةِ مِنَ الرُّهْبانِ. وقَوْلُ اليَهُودِ في النّارِ يَكُونُ فِيها أيّامًا انْتَهى. وفي الغُنْيانِ: نَفى عَنْهُمُ الإيمانَ؛ لِأنَّهم مُجَسِّمَةٌ، والمُؤْمِنُ لا يُجَسِّمُ انْتَهى. والمَنقُولُ عَنِ اليَهُودِ والنَّصارى إنْكارُ البَعْثِ الجُسْمانِيِّ، فَكَأنَّهم يَعْتَقِدُونَ البَعْثَ الرُّوحانِيَّ.
(ما حَرَّمَ اللَّهُ) في كِتابِهِ (ورَسُولُهُ) في السُّنَّةِ. وقِيلَ: في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ؛ لِأنَّهم أباحُوا أشْياءَ حَرَّمَتْها التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، والرَّسُولُ عَلى هَذا مُوسى وعِيسى، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ مُحَمَّدٌ ﷺ . وقِيلَ: ولا يُحَرِّمُونَ الخَمْرَ والخِنْزِيرَ. وقِيلَ: ولا يُحَرِّمُونَ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ، قالُوا: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]، ﴿وقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١] . وقِيلَ: ما حَرَّمَ اللَّهُ مِنَ الرِّبا وأمْوالِ الأُمِّيِّينَ. والظّاهِرُ عُمُومُ ما حَرَّمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْآنِ.
﴿ولا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ﴾؛ أيْ: لا يَعْتَقِدُونَ دِينَ الإسْلامِ الَّذِي هو دِينُ الحَقِّ، وما سِواهُ باطِلٌ. وقِيلَ: دِينُ الحَقِّ دِينُ اللَّهِ، والحَقُّ هو اللَّهُ، قالَهُ قَتادَةُ. يُقالُ: فُلانٌ يَدِينُ بِكَذا أيْ يَتَّخِذُهُ دِينًا ويَعْتَقِدُهُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ ولا يُطِيعُونَ طاعَةَ أهْلِ الإسْلامِ، وكُلُّ مَن كانَ في سُلْطانِ مَلِكٍ فَهو عَلى دِينِهِ، وقَدْ دانَ لَهُ وخَضَعَ. قالَ زُهَيْرٌ:
؎لَئِنْ حَلَلْتَ بِجَوٍّ في بَنِي أسَدٍ ∗∗∗ في دِينِ عَمْرٍو وحالَتْ بَيْنَنا فَدَكُ
﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ بَيانٌ لِقَوْلِهِ: (الَّذِينَ) . والظّاهِرُ اخْتِصاصُ أخْذِ الجِزْيَةِ مِن أهْلِ الكِتابِ وهم بَنُو إسْرائِيلَ والرُّومُ نَصًّا. وأجْمَعَ النّاسُ عَلى ذَلِكَ. وأمّا المَجُوسُ فَقالَ ابْنُ المُنْذِرِ: لا أعْلَمُ خِلافًا في أنَّ الجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِنهُمُ انْتَهى. ورُوِيَ أنَّهُ كانَ بُعِثَ في المَجُوسِ نَبِيٌّ اسْمُهُ زَرادِشْتُ، واخْتَلَفَ أصْحابُ مالِكٍ في مَجُوسِ العَرَبِ. وأمّا السّامِرَةُ والصّابِئَةُ فالجُمْهُورُ عَلى أنَّهم مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى تُؤْخَذُ مِنهُمُ الجِزْيَةُ وتُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهم. وقالَتْ فِرْقَةٌ: لا تُؤْخَذُ مِنهم جِزْيَةٌ، ولا تُؤْكَلُ ذَبائِحُهم. وقِيلَ: تُؤْخَذُ مِنهُمُ الجِزْيَةُ، ولا تُؤْكَلُ ذَبائِحُهم. وقالَ الأوْزاعِيُّ: تُؤْخَذُ مِن كُلِّ عابِدِ وثَنٍ أوْ نارٍ أوْ جامِدٍ مُكَذِّبٍ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا يُقْبَلُ مِن مُشْرِكِي العَرَبِ إلّا الإسْلامُ أوِ السَّيْفُ، وتُقْبَلُ مِن أهْلِ الكِتابِ ومِن سائِرِ كُفّارِ العَجَمِ الجِزْيَةُ. وقالَ مالِكٌ: تُؤْخَذُ مِن عابِدِ النّارِ والوَثَنِ وغَيْرِ ذَلِكَ كائِنًا مَن كانَ مِن عَرَبِيٍّ تَغْلِبِيٍّ أوْ قُرَشِيٍّ أوْ عَجَمِيٍّ إلّا المُرْتَدَّ. وقالَ الشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ، وأبُو ثَوْرٍ: لا تُقْبَلُ إلّا مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى والمَجُوسِ فَقَطْ. والظّاهِرُ شُمُولُ جَمِيعِ أهْلِ الكِتابِ في إعْطاءِ الجِزْيَةِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ ومالِكٌ والشّافِعِيُّ: لا تُؤْخَذُ إلّا مِنَ الرِّجالِ البالِغِينَ الأحْرارِ العُقَلاءِ، ولا تُضْرَبُ عَلى رُهْبانِ الدِّياراتِ والصَّوامِعِ المُنْقَطِعِينَ. وقالَ مالِكٌ في الواضِحَةِ: إنْ كانَتْ قَدْ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ ثُمَّ انْقَطَعُوا لَمْ تَسْقُطْ، وتُضْرَبُ عَلى رُهْبانِ الكَنائِسِ، واخْتُلِفَ في الشَّيْخِ الفانِي.
ولَمْ تَتَعَرَّضِ الآيَةُ لِمِقْدارِ ما عَلى كُلِّ رَأْسٍ (p-٣٠)ولا لِوَقْتِ إعْطائِها. فَأمّا مِقْدارُها فَذَهَبَ مالِكٌ وكَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى ما فَرَضَهُ عُمَرُ: أرْبَعَةُ دَنانِيرَ عَلى أهْلِ الذَّهَبِ، وأرْبَعُونَ دِرْهَمًا عَلى أهْلِ الفِضَّةِ، وفَرَضَ عُمَرُ ضِيافَةً وأرْزاقًا وكُسْوَةً. وقالَ الثَّوْرِيُّ: رُوِيَتْ عَنْ عُمَرَ ضَرائِبُ مُخْتَلِفَةٌ، وأظُنُّ ذَلِكَ بِحَسَبِ اجْتِهادِهِ في عُسْرِهِمْ ويُسْرِهِمْ. وقالَ الشّافِعِيُّ وغَيْرُهُ: عَلى كُلِّ رَأْسٍ دِينارٌ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: عَلى الفَقِيرِ المُكْتَسِبِ اثْنا عَشَرَ دِرْهَمًا، وعَلى المُتَوَسِّطِ في المَعْنى ضِعْفُها، وعَلى المُكْثِرِ ضِعْفُ الضِّعْفِ ثَمانِيَةً وأرْبَعُونَ دِرْهَمًا، ولا يُؤْخَذُ عِنْدَهُ مِن فَقِيرٍ لا كَسْبَ لَهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا كُلُّهُ في الفَتْرَةِ. وأمّا الصُّلْحُ فَهو ما صُولِحُوا عَلَيْهِ مِن قَلِيلٍ أوْ كَثِيرٍ. وأمّا وقْتُها فَعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ أوَّلُ كُلِّ سَنَةٍ، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ آخِرُ السَّنَةِ. وسُمِّيَتْ جِزْيَةً مِن جَزى يَجْزِي إذْ كافَأ عَمّا أُسْدِيَ عَلَيْهِ، فَكَأنَّهم أعْطَوْها جَزاءَ ما مُنِحُوا مِنَ الأمْنِ، وهي كالعِقْدَةِ والجِلْسَةِ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎نَجْزِيكَ أوْ نُثْنِي عَلَيْكَ وإنَّ مَن ∗∗∗ أثْنى عَلَيْكَ بِما فَعَلْتَ فَقَدْ جَزى
وقِيلَ: لِأنَّها طائِفَةٌ مِمّا عَلى أهْلِ الذِّمَّةِ أنْ يَجْزُوهُ؛ أيْ يَقْضُوهُ.
(عَنْ يَدٍ)؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُعْطُونَها بِأيْدِيهِمْ ولا يُرْسِلُونَ بِها. وقالَ عُثْمانُ: يُعْطُونَها نَقْدًا لا نَسِيئَةً. وقالَ قَتادَةُ: يُعْطُونَها وأيْدِيهِمْ تَحْتَ يَدِ الآخِذِ، فالمَعْنى أنَّهم مُسْتَعْلًى عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: عَنِ اعْتِرافٍ. وقِيلَ: عَنْ قُوَّةٍ مِنكم وقَهْرٍ وذُلٍّ ونَفاذِ أمْرٍ فِيهِمْ، كَما تَقُولُ: اليَدُ في هَذا لِفُلانٍ؛ أيِ الأمْرُ لَهُ. وقِيلَ: عَنْ إنْعامٍ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ؛ لِأنَّ قَبُولَها مِنهم عِوَضًا عَنْ أرْواحِهِمْ إنْعامٌ عَلَيْهِمْ مِن قَوْلِهِمْ: لَهُ عَلَيَّ يَدٌ أيْ: نِعْمَةٌ. وقالَ القُتَبِيُّ: يُقالُ أعْطاهُ عَنْ يَدٍ وعَنْ ظَهْرِ يَدٍ إذا أعْطاهُ مُبْتَدِئًا غَيْرَ مُكافِئٍ. وقِيلَ: عَنْ يَدٍ: عَنْ جَماعَةٍ؛ أيْ: لا يُعْفى عَنْ ذِي فَضْلٍ مِنهم لِفَضْلِهِ. واليَدُ جَماعَةُ القَوْمِ، يُقالُ القَوْمُ عَلى يَدٍ واحِدَةٍ؛ أيْ: هم مُجْتَمِعُونَ. وقِيلَ: عَنْ يَدٍ؛ أيْ عَنْ غِنًى وقُدْرَةٍ، فَلا تُؤْخَذُ مِنَ الفَقِيرِ. ولَخَّصَ الزَّمَخْشَرِيُّ في ذَلِكَ فَقالَ: إمّا أنْ يُرِيدَ يَدَ الآخِذِ فَمَعْناهُ حَتّى يَعْلُوها عَنْ يَدٍ قاهِرَةٍ مُسْتَوْلِيَةٍ وعَنْ إنْعامٍ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ قَبُولَ الجِزْيَةِ مِنهم وتَرْكَ أرْواحِهِمْ لَهم نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ عَلَيْهِمْ. وإمّا أنْ يُرِيدَ يَدَ المُعْطِي فالمَعْنى عَنْ يَدٍ مُواتِيَةٍ غَيْرِ مُمْتَنِعَةٍ؛ لِأنَّ مَن أبى وامْتَنَعَ لَمْ يُعْطِ يَدَهُ بِخِلافِ المُطِيعِ المُنْقادِ، ولِذَلِكَ قالُوا: أعْطى بِيَدِهِ إذا انْقادَ واحْتَجَبَ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ: نَزَعَ يَدَهُ عَنِ الطّاعَةِ، أوْ عَنْ يَدٍ إلى يَدٍ؛ أيْ نَقْدًا غَيْرَ نَسِيئَةٍ أوْ لا مَبْعُوثًا عَلى يَدِ آخَرَ ولَكِنْ عَنْ يَدِ المُعْطِي البَرِيدِ الآخِذِ.
﴿وهم صاغِرُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ؛ أيْ: ذَلِيلُونَ حَقِيرُونَ. وذَكَرُوا كَيْفِيّاتٍ في أخْذِها مِنهم، وفي صَغارِهِمْ لَمْ تَتَعَرَّضْ لِتَعْيِينِ شَيْءٍ مِنها الآيَةُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَمْشُونَ بِها مُلَبَّبِينَ. وقالَ سُلَيْمانُ الفارِسِيُّ: لا يُحْمَدُونَ عَلى إعْطائِهِمْ. وقالَ عِكْرِمَةُ: يَكُونُ قائِمًا والآخِذُ جالِسًا. وقالَ الكَلْبِيُّ: يُقالُ لَهُ عِنْدَ دَفْعِها: أدِّ الجِزْيَةَ ويُصَكُّ في قَفاهُ. وحَكى البَغَوِيُّ: يُؤْخَذُ بِلِحْيَتِهِ ويُضْرَبُ في لِهْزِمَتِهِ.
التوبة 9:30
﴿وقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ يُضاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ (p-٣١)بَيَّنَ تَعالى لَحاقِ اليَهُودِ والنَّصارى بِأهْلِ الشِّرْكِ وإنِ اخْتَلَفَتْ طُرُقُ الشِّرْكِ في فَرْقٍ بَيْنَ مَن يَعْبُدُ الصَّنَمَ وبَيْنَ مَن يَعْبُدُ المَسِيحَ وغَيْرَهُ؛ لِأنَّ الشِّرْكَ هو أنْ يَتَّخِذَ مَعَ اللَّهِ مَعْبُودًا، بَلْ عابِدُ الوَثَنِ أخَفُّ كُفْرًا مِنَ النَّصْرانِيِّ؛ لِأنَّهُ لا يَعْتَقِدُ أنَّ الوَثَنَ خالِقُ العالَمِ، والنَّصْرانِيُّ يَقُولُ بِالحُلُولِ والِاتِّحادِ، وقائِلُ ذَلِكَ قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ كانُوا بِالمَدِينَةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَها أرْبَعَةٌ مِن أحْبارِهِمْ: سَلّامُ بْنُ مِشْكَمٍ، ونُعْمانُ بْنُ أوْفى، وشاسُ بْنُ قَيْسٍ، ومالِكُ بْنُ الصَّيْفِ. وقِيلَ: قالَهُ فِنْحاصُ. وقالَ النَّقّاشُ: لَمْ يَبْقَ يَهُودِيٌّ يَقُولُها بَلِ انْقَرَضُوا، وتُذَمُّ الطّائِفَةُ أوْ تُمْدَحُ بِصُدُورِ ما يُناسِبُ ذَلِكَ مِن بَعْضِها. قِيلَ: والدَّلِيلُ عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ كانَ فِيهِمْ أنَّ الآيَةَ تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ فَما أنْكَرُوا ولا كَذَّبُوا مَعَ تَهالُكِهِمْ عَلى التَّكْذِيبِ. وسَبَبُ هَذا القَوْلِ أنَّ اليَهُودَ قَتَلُوا الأنْبِياءَ بَعْدَ مُوسى، فَرَفَعَ اللَّهُ عَنْهُمُ التَّوْراةَ، ومَحاها مِن قُلُوبِهِمْ، فَخَرَجَ عُزَيْرٌ؛ وهو غُلامٌ يَسِيحُ في الأرْضِ، فَأتاهُ جِبْرِيلُ، فَقالَ لَهُ: إلى أيْنَ تَذْهَبُ ؟ قالَ: أطْلُبُ العِلْمَ، فَحَفَّظَهُ التَّوْراةَ فَأمْلاها عَلَيْهِمْ عَنْ ظَهْرِ لِسانِهِ لا يَخْرِمُ حَرْفًا فَقالُوا: ما جَمَعَ اللَّهُ تَعالى التَّوْراةَ في صَدْرِهِ وهو غُلامٌ إلّا أنَّهُ ابْنُهُ، ونَقَلُوا حِكاياتٍ في ذَلِكَ. وظاهِرُ قَوْلِ النَّصارى: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ بُنُوَّةُ النَّسْلِ كَما قالَتِ العَرَبُ في المَلائِكَةِ، وكَذا يَقْتَضِي قَوْلُ الضَّحّاكِ والطَّبَرِيِّ وغَيْرِهِما عَنْهم: أنَّ المَسِيحَ إلَهٌ، وأنَّهُ ابْنُ الإلَهِ. ويُقالُ: إنَّ بَعْضَهم يَعْتَقِدُها بُنُوَّةَ حُنُوٍّ ورَحْمَةٍ، وهَذا القَوْلُ لَمْ يَظْهَرْ إلّا بَعْدَ النُّبُوَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ وظُهُورِ دَلائِلِ صِدْقِها، وبَعْدَ أنْ خالَطُوا المُسْلِمِينَ وناظَرُوهم، فَرَجَعُوا عَمّا كانُوا يَعْتَقِدُونَهُ في عِيسى. وقَرَأ عاصِمٌ، والكِسائِيُّ: عُزَيْرٌ مُنَوَّنًا عَلى أنَّهُ عَرَبِيٌّ، وباقِي السَّبْعَةِ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ مَمْنُوعَ الصَّرْفِ لِلْعُجْمَةِ والعَلَمِيَّةِ، كَعاذِرَ وعِيذارَ وعِزْرائِيلَ، وعَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ فابْنٌ خَبَرٌ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: هو أعْجَمِيٌّ خَفِيفٌ فانْصَرَفَ كَنُوحٍ ولُوطٍ وهُودٍ. قِيلَ: ولَيْسَ قَوْلُهُ بِمُسْتَقِيمٍ؛ لِأنَّهُ عَلى أرْبَعَةِ أحْرُفٍ ولَيْسَ بِمُصَغَّرٍ، إنَّما هو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ جاءَ عَلى هَيْئَةِ المُصَغَّرِ، كَسُلَيْمانَ جاءَ عَلى هَيْئَةِ عُثْمانَ ولَيْسَ بِمُصَغَّرٍ. ومَن زَعَمَ أنَّ التَّنْوِينَ حُذِفَ مِن عُزَيْرٍ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ كَقِراءَةِ: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢] وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎إذا غُطَيْفُ السُّلَمِيُّ فَرّا
أوْ لِأنَّ ابْنًا صِفَةٌ لِعُزَيْرٍ وقَعَ بَيْنَ عَلَمَيْنِ فَحُذِفَ تَنْوِينُهُ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: إلاهُنا ومَعْبُودُنا. فَقَوْلُهُ مُتَمَحِّلٌ؛ لِأنَّ الَّذِي أنْكَرَ عَلَيْهِمْ إنَّما هو نِسْبَةُ البُنُوَّةِ إلى اللَّهِ تَعالى. ومَعْنى بِأفْواهِهِمْ: أنَّهُ قَوْلٌ لا يُعَضِّدُهُ بُرْهانٌ، فَما هو إلّا لَفْظٌ فارِغٌ يَفُوهُونَ بِهِ كالألْفاظِ المُهْمَلَةِ الَّتِي هي أجْراسٌ ونَغَمٌ لا تَدُلُّ عَلى مَعانٍ، وذَلِكَ أنَّ القَوْلَ الدّالَّ عَلى مَعْنى لَفْظَةٍ مَقُولٌ بِالفَمِ ومَعْناهُ مُؤَثِّرٌ في القَلْبِ، وما لا مَعْنى لَهُ يُقالُ بِالفَمِ لا غَيْرُ. وقِيلَ: مَعْنى بِأفْواهِهِمْ إلْزامُهُمُ المَقالَةَ والتَّأْكِيدَ، كَما قالَ: ﴿يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩]، ﴿ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨]، ولا بُدَّ مِن حَذْفِ مُضافٍ في قَوْلِهِ: يُضاهُونَ؛ أيْ يُضاهِي قَوْلُهم. والَّذِينَ كَفَرُوا قُدَماؤُهم فَهو كُفْرٌ قَدِيمٌ فِيهِمْ أوِ المُشْرِكُونَ القائِلُونَ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ. أوِ الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى النَّصارى، والَّذِينَ كَفَرُوا اليَهُودُ؛ أيْ: يُضاهِي قَوْلُ النَّصارى في دَعْواهم بُنُوَّةَ عِيسى قَوْلَ اليَهُودِ في دَعْواهم بُنُوَّةَ عُزَيْرٍ، واليَهُودُ أقْدَمُ مِنَ النَّصارى، وهو قَوْلُ قَتادَةَ. وقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ مُصَرِّفٍ: يُضاهِئُونَ بِالهَمْزِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِغَيْرِ هَمْزٍ.
﴿قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾؛ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ عامٌّ لِأنْواعِ الشَّرِّ، ومَن قاتَلَهُ اللَّهُ فَهو المَقْتُولُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ. وقالَ أبّانُ بْنُ تَغْلِبٍ:
؎قاتَلَها اللَّهُ تَلْحانِي وقَدْ عَلِمَتْ ∗∗∗ أنِّي لِنَفْسِيَ إفْسادِي وإصْلاحِي
وقالَ قَتادَةُ: قَتَلَهم، وذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: عاداهم. وقالَ النَّقّاشُ: أصْلُ (قاتَلَ) الدُّعاءُ، ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمالُهم حَتّى قالُوهُ عَلى جِهَةِ التَّعَجُّبِ في الخَيْرِ والشَّرِّ، وهم لا يُرِيدُونَ الدُّعاءَ. وأنْشَدَ الأصْمَعِيُّ: (p-٣٢)يا
؎قاتَلَ اللَّهُ لَيْلى كَيْفَ تُعْجِبُنِي ∗∗∗ وأُخْبِرُ النّاسَ أنِّي لا أُبالِيها
ولَيْسَ مِن بابِ المُفاعَلَةِ بَلْ مِن بابِ طارَقْتُ النَّعْلَ وعاقَبْتُ اللِّصَّ. (أنّى يُؤْفَكُونَ): كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ بَعْدَ وُضُوحِ الدَّلِيلِ عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ.
التوبة 9:31
﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ والمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ تَعَدَّتِ اتَّخَذَ هُنا لِمَفْعُولَيْنِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى. قالَ حُذَيْفَةُ: لَمْ يَعْبُدُوهم ولَكِنْ أحَلُّوا لَهُمُ الحَرامَ فَأحَلُّوهُ، وحَرَّمُوا عَلَيْهِمُ الحَلالَ فَحَرَّمُوهُ، وقَدْ جاءَ هَذا مَرْفُوعًا في التِّرْمِذِيِّ إلى الرَّسُولِ ﷺ مِن حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ. وقِيلَ: كانُوا يَسْجُدُونَ لَهم كَما يَسْجُدُونَ لِلَّهِ، والسُّجُودُ لا يَكُونُ إلّا لِلَّهِ، فَأُطْلِقَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ مَجازًا. وقِيلَ: عَلِمَ سُبْحانَهُ أنَّهم يَعْتَقِدُونَ الحُلُولَ، وأنَّهُ سُبْحانَهُ تَجَلّى في بَواطِنِهِمْ فَيَسْجُدُونَ لَهُ مُعْتَقِدِينَ أنَّهُ لِلَّهِ الَّذِي حَلَّ فِيهِمْ وتَجَلّى في سَرائِرِهِمْ، فَهَؤُلاءِ اتَّخَذُوهم أرْبابًا حَقِيقَةً. ومَذْهَبُ الحُلُولِ فَشا في هَذِهِ الأُمَّةِ كَثِيرًا، وقالُوا بِالِاتِّحادِ. وأكْثَرُ ما فَشا في مَشائِخِ الصُّوفِيَّةِ والفُقَراءِ في وقْتِنا هَذا، وقَدْ رَأيْتُ مِنهم جَماعَةً يَزْعُمُونَ أنَّهم أكابِرُ. وحَكى أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ أنَّهُ كانَ فاشِيًا في زَمانِهِ، حَكاهُ في تَفْسِيرِهِ عَنْ بَعْضِ المَرْوَزِيِّينَ كانَ يَقُولُ لِأصْحابِهِ: أنْتُمْ عَبِيدِي، وإذا خَلا بِبَعْضِ الحَمْقى مِن أتْباعِهِ ادَّعى الإلَهِيَّةَ. وإذا كانَ هَذا مُشاهَدًا في هَذِهِ الأُمَّةِ، فَكَيْفَ يَبْعُدُ ثُبُوتُهُ في الأُمَمِ السّابِقَةِ ؟ انْتَهى. وهو مَنقُولٌ مِن كِتابِ التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ، وقَدْ صَنَّفَ شَيْخُنا المُحَدِّثُ المُتَصَوِّفُ قُطْبُ الدِّينِ أبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ القَسْطَلانِيُّ كِتابًا في هَذِهِ الطّائِفَةِ، فَذَكَرَ فِيهِمُ الحُسَيْنَ بْنَ مَنصُورٍ الحَلّاجَ، وأبا عَبْدِ اللَّهِ الشَّوْذِيَّ كانَ بِتِلْمِسانَ، وإبْراهِيمَ بْنَ يُوسُفَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ دَهّانٍ عُرِفَ بِابْنِ المَرْأةِ، وأبا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أحْلى المُتَأمِّرَ بِـ ”لُورَقَةَ“، وأبا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ العَرَبِيِّ الطّائِيَّ، وعُمَرَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ الفارِضِ، وعَبْدَ الحَقِّ بْنَ سَبْعِينَ، وأبا الحَسَنِ الشَّشْتُرِيَّ مِن أصْحابِهِ، وابْنَ مُطَرِّفٍ الأعْمى مِن أصْحابِ ابْنِ أحْلى، والصُّفَيْفِيرَ مِن أصْحابِهِ أيْضًا، والعَفِيفَ التِّلْمِسانِيَّ. وذَكَرَ في كِتابِهِ مِن أحْوالِهِمْ وكَلامِهِمْ وأشْعارِهِمْ ما يَدُلُّ عَلى هَذا المَذْهَبِ. وقَتَلَ السُّلْطانُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الأحْمَرِ مَلِكُ الأنْدَلُسِ الصُّفَيْفِيرَ بِغَرْناطَةَ وأنابَها، وقَدْ رَأيْتُ العَفِيفَ الكُوفِيَّ وأنْشَدَنِي مِن شِعْرِهِ، وكانَ يَتَكَتَّمُ هَذا المَذْهَبَ. وكانَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الأيْكِيُّ شَيْخُ خانْكاهْ سَعِيدِ السُّعَداءِ مُخالِطًا لَهُ خُلْطَةً كَثِيرَةً، وكانَ مُتَهَمًا بِهَذا المَذْهَبِ، وخَرَجَ التِّلْمِسانِيُّ مِنَ القاهِرَةِ هارِبًا إلى الشّامِ مِنَ القَتْلِ عَلى الزَّنْدَقَةِ. وأمّا مُلُوكُ العُبَيْدِيِّينَ بِالمَغْرِبِ ومِصْرَ فَإنَّ أتْباعَهم يَعْتَقِدُونَ فِيهِمُ الإلَهِيَّةَ، وأوَّلُهم عُبَيْدُ اللَّهِ المُتَلَقِّبُ بِالمَهْدِيِّ، وآخِرُهم سُلَيْمانُ المُتَلَقِّبُ بِالعاضِدِ. والأحْبارُ عُلَماءُ اليَهُودِ، والرُّهْبانُ عُبّادُ النَّصارى الَّذِينَ زَهِدُوا في الدُّنْيا وانْقَطَعُوا عَنِ الخَلْقِ في الصَّوامِعِ. أخْبَرَ عَنِ المَجْمُوعِ، وعادَ كُلٌّ إلى ما يُناسِبُهُ؛ أيْ: اتَّخَذَ اليَهُودُ أحْبارَهم، والنَّصارى رُهْبانَهم.
﴿والمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ عَطْفٌ عَلى (رُهْبانَهم) .
﴿وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا إلَهًا واحِدًا لا إلَهَ إلّا هو سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى مَن عادَ عَلَيْهِ في اتَّخَذُوا؛ أيْ: أُمِرُوا في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ عَلى ألْسِنَةِ أنْبِيائِهِمْ. وقِيلَ: في القُرْآنِ عَلى لِسانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقِيلَ: في الكُتُبِ الثَّلاثَةِ. وقِيلَ: في الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، وعَلى لِسانِ جَمِيعِ الأنْبِياءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أمَرَتْهم بِذَلِكَ أدِلَّةُ العَقْلِ والنُّصُوصِ في الإنْجِيلِ والمَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ، أنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الأحْبارِ والرُّهْبانِ المُتَّخِذِينَ أرْبابًا؛ أيْ: وما أُمِرَ هَؤُلاءِ إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ ويُوَحِّدُوهُ، فَكَيْفَ يَصِحُّ أنْ يَكُونُوا أرْبابًا وهم مَأْمُورُونَ مُسْتَعْبَدُونَ ؟ وفي قَوْلِهِ: (عَمّا يُشْرِكُونَ) دَلالَةٌ عَلى إطْلاقِ اسْمِ الشِّرْكِ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى.
التوبة 9:32
﴿يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ ويَأْبى اللَّهُ إلّا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ (p-٣٣)مَثَلُهم ومَثَلُ حالِهِمْ في طَلَبِهِمْ أنْ يُبْطِلُوا نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالتَّكْذِيبِ بِحالِ مَن يُرِيدُ أنْ يَنْفُخَ في نُورٍ عَظِيمٍ مُنْبَثٍّ في الآفاقِ، ونُورُ اللَّهِ هُداهُ الصّادِرُ عَنِ القُرْآنِ والشَّرْعِ المُنْبَثِّ، فَمِن حَيْثُ سَمّاهُ نُورًا سَمّى مُحاوَلَةَ إفْسادِهِ إطْفاءً. وقالَتْ فِرْقَةٌ: النُّورُ القُرْآنُ، وكَنّى بِالأفْواهِ عَنْ قِلَّةِ حِيلَتِهِمْ وضِعْفِها. أخْبَرَ أنَّهم يُحاوِلُونَ أمْرًا جَسِيمًا بِسَعْيٍ ضَعِيفٍ، فَكانَ الإطْفاءُ بِنَفْخِ الأفْواهِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِأقْوالٍ لا بُرْهانَ عَلَيْها، فَهي لا تَتَجاوَزُ الأفْواهَ إلى فَهْمِ سامِعٍ، وناسَبَ ذِكْرُ الإطْفاءِ الأفْواهَ. وقِيلَ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَذْكُرْ قَوْلًا مَقْرُونًا بِالأفْواهِ والألْسُنِ إلّا وهو زُورٌ، ومَجِيءُ (إلّا) بَعْدَ (ويَأْبى) يَدُلُّ عَلى مُسْتَثْنًى مِنهُ مَحْذُوفٍ؛ لِأنَّهُ فِعْلٌ مُوجَبٌ، والمُوجَبُ لا تَدَخُلَ مَعَهُ (إلّا)، لا تَقُولُ كَرِهْتُ إلّا زَيْدًا. وتَقْدِيرُ المُسْتَثْنى مِنهُ: ويَأْبى اللَّهُ كُلَّ شَيْءٍ إلّا أنْ يُتِمَّ، قالَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: جازَ هَذا في أبى؛ لِأنَّهُ مَنعٌ وامْتِناعٌ، فَضارَعَتِ النَّفْيَ. وقالَ الكَرْمانِيُّ: مَعْنى ”أبى“ هُنا لا يَرْضى إلّا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ بِدَوامِ دِينِهِ إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ. وقالَ الفَرّاءُ: دَخَلَتْ (إلّا)؛ لِأنَّ في الكَلامِ طَرَفًا مِنَ الجَحْدِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أجْرى ”أبى“ مَجْرًى لَمْ يَرِدْ. ألا تَرى كَيْفَ قُوبِلَ ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَأْبى اللَّهُ﴾، وكَيْفَ أُوقِعَ مَوْقِعَ ”ولا يُرِيدُ اللَّهُ إلّا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ“ ؟
التوبة 9:33
﴿هو الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾ هو مُحَمَّدٌ ﷺ، و(الهُدى): التَّوْحِيدُ، أوِ القُرْآنُ، أوْ بَيانُ الفَرائِضِ، أقْوالٌ ثَلاثَةٌ. و(دِينِ الحَقِّ): الإسْلامِ ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] . والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (لِيُظْهِرَهُ) عائِدٌ عَلى الرَّسُولِ ﷺ؛ لِأنَّهُ المُحَدِّثُ عَنْهُ، والدِّينُ هُنا جِنْسٌ؛ أيْ: لِيُعْلِيَهُ عَلى أهْلِ الأدْيانِ كُلِّهِمْ، فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ. فَهو ﷺ غَلَبَتْ أُمَّتُهُ اليَهُودَ وأخْرَجُوهم مِن بِلادِ العَرَبِ، وغَلَبُوا النَّصارى عَلى بِلادِ الشّامِ إلى ناحِيَةِ الرُّومِ والمَغْرِبِ، وغَلَبُوا المَجُوسَ عَلى مُلْكِهِمْ، وغَلَبُوا عُبّادَ الأصْنامِ عَلى كَثِيرٍ مِن بِلادِهِمْ مِمّا يَلِي التُّرْكَ والهِنْدَ، وكَذَلِكَ سائِرُ الأدْيانِ. وقِيلَ: المَعْنى يُطْلِعُهُ عَلى شَرائِعَ الدِّينِ حَتّى لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنهُ، فالدِّينُ هُنا شَرْعُهُ الَّذِي جاءَ بِهِ. وقالَ الشّافِعِيُّ: قَدْ أظْهَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ عَلى الأدْيانِ بِأنْ أبانَ لِكُلِّ مَن سَمِعَهُ أنَّهُ الحَقُّ، وما خالَفَهُ مِنَ الأدْيانِ باطِلٌ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى الدِّينِ، فَقالَ أبُو هُرَيْرَةَ، والباقِرُ، وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: إظْهارُ الدِّينِ عِنْدَ نُزُولِ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ ورُجُوعِ الأدْيانِ كُلِّها إلى دِينِ الإسْلامِ، كَأنَّها ذَهَبَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ إلى إظْهارِهِ عَلى أتَمِّ وُجُوهِهِ حَتّى لا يَبْقى مَعَهُ دِينٌ آخَرُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: لِيَجْعَلَهُ أعْلاها وأظْهَرُها، وإنْ كانَ مَعَهُ غَيْرُهُ كانَ دُونَهُ، وهَذا القَوْلُ لا يَحْتاجُ مَعَهُ إلى نُزُولِ عِيسى، بَلْ كانَ هَذا في صَدْرِ الأُمَّةِ، وهو كَذَلِكَ باقٍ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وقالَ السُّدِّيُّ: ذَلِكَ عِنْدَ خُرُوجِ المَهْدِيِّ لا يَبْقى أحَدٌ إلّا دَخَلَ في الإسْلامِ وأدّى الخَراجَ. وقِيلَ: مَخْصُوصٌ بِجَزِيرَةِ العَرَبِ، وقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ ما أبْقى فِيها أحَدًا مِنَ الكُفّارِ. وقِيلَ: مَخْصُوصٌ بِقُرْبِ السّاعَةِ، فَإنَّهُ إذْ ذاكَ يَرْجِعُ النّاسُ إلى دِينِ آبائِهِمْ. وقِيلَ: لِيُظْهِرَهُ بِالحُجَّةِ والبَيانِ. وضُعِّفَ هَذا القَوْلُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ كانَ حاصِلًا أوَّلَ الأمْرِ.
وقِيلَ: نَزَلَتْ عَلى سَبَبٍ؛ وهو أنَّهُ كانَ لِقُرَيْشٍ رِحْلَتانِ: رِحْلَةُ الشِّتاءِ إلى اليَمَنِ، ورِحْلَةُ الصَّيْفِ إلى الشّامِ والعِراقَيْنِ، فَلَمّا أسْلَمُوا انْقَطَعَتِ الرِّحْلَتانِ لِمُبايَنَةِ الدِّينِ والدّارِ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلرَّسُولِ ﷺ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. فالمَعْنى: لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ في بِلادِ الرِّحْلَتَيْنِ، وقَدْ حَصَلَ هَذا أسْلَمَ أهْلُ اليَمَنِ وأهْلُ الشّامِ والعِراقَيْنِ. وفي الحَدِيثِ: (زُوِيَتْ لِيَ الأرْضُ فَأُرِيتُ مَشارِقَها ومَغارِبَها، وسَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي ما زُوِيَ لِي مِنها) . قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ولِذَلِكَ اتَّسَعَ مَجالُ الإسْلامِ بِالمَشْرِقِ والمَغْرِبِ ولَمْ يَتَّسِعْ في الجَنُوبِ. انْتَهى. ولا سِيَّما اتِّساعُ الإسْلامِ بِالمَشْرِقِ في زَمانِنا، فَقَلَّ ما بَقِيَ فِيهِ كافِرٌ، بَلْ أسْلَمَ مُعْظَمُ التُّرْكِ التَّتارِ والخَطا وكُلُّ مَن كانَ يُناوِئُ الإسْلامَ، ودَخَلُوا في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا والحَمْدُ لِلَّهِ (p-٣٤)وخُصَّ المُشْرِكُونَ هُنا بِالذِّكْرِ لَمّا كانَتْ كَراهَةً مُخْتَصَّةً بِظُهُورِ دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وخُصَّ الكافِرُونَ قَبْلُ؛ لِأنَّها كَراهَةُ إتْمامِ نُورِ اللَّهِ في قَدِيمِ الدَّهْرِ، وباقِيهِ يَعُمُّ الكَفَرَةَ مِن لَدُنْ خَلْقِ الدُّنْيا إلى انْقِراضِها، ووَقَعَتِ الكَراهَةُ والإتْمامُ مِرارًا كَثِيرَةً.
التوبة 9:34
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ كَثِيرًا مِنَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهم وجُنُوبُهم وظُهُورُهم هَذا ما كَنَزْتُمْ لِأنْفُسِكم فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا في كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكم وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً كَما يُقاتِلُونَكم كافَّةً واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٣٦] ﴿إنَّما النَّسِيءُ زِيادَةٌ في الكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عامًا ويُحَرِّمُونَهُ عامًا لِيُواطِئُوا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهم سُوءُ أعْمالِهِمْ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ [التوبة: ٣٧] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: ٣٨] ﴿إلّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا ويَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ولا تَضُرُّوهُ شَيْئًا واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التوبة: ٣٩] ﴿إلّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إذْ أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إذْ هُما في الغارِ إذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وأيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وكَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٤٠] ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا وجاهِدُوا بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم في سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٤١] ﴿لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا وسَفَرًا قاصِدًا لاتَّبَعُوكَ ولَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكم يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [التوبة: ٤٢] ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهم حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وتَعْلَمَ الكاذِبِينَ﴾ [التوبة: ٤٣] ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٤٤] ﴿إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وارْتابَتْ قُلُوبُهم فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ [التوبة: ٤٥] ﴿ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لَأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهم فَثَبَّطَهم وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ﴾ [التوبة: ٤٦] ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا ولَأوْضَعُوا خِلالَكم يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ وفِيكم سَمّاعُونَ لَهم واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ [التوبة: ٤٧] ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتّى جاءَ الحَقُّ وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ وهم كارِهُونَ﴾ [التوبة: ٤٨] ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ [التوبة: ٤٩] ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أخَذْنا أمْرَنا مِن قَبْلُ ويَتَوَلَّوْا وهم فَرِحُونَ﴾ [التوبة: ٥٠] ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هو مَوْلانا وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٥١] ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلّا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ ونَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكم أنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ أوْ بِأيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ﴾ [التوبة: ٥٢] ﴿قُلْ أنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكم إنَّكم كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٥٣] ﴿وما مَنَعَهم أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهم إلّا أنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ ولا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إلّا وهم كُسالى ولا يُنْفِقُونَ إلّا وهم كارِهُونَ﴾ [التوبة: ٥٤] ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهم إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الحَياةِ الدُّنْيا وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾ [التوبة: ٥٥] ﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكم وما هم مِنكم ولَكِنَّهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ [التوبة: ٥٦] ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أوْ مَغاراتٍ أوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إلَيْهِ وهم يَجْمَحُونَ﴾ [التوبة: ٥٧] ﴿ومِنهم مَن يَلْمِزُكَ في الصَّدَقاتِ فَإنْ أُعْطُوا مِنها رَضُوا وإنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنها إذا هم يَسْخَطُونَ﴾ [التوبة: ٥٨] ﴿ولَوْ أنَّهم رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ سَيُؤْتِينا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ورَسُولُهُ إنّا إلى اللَّهِ راغِبُونَ﴾ [التوبة: ٥٩] ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ والعامِلِينَ عَلَيْها والمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهم وفي الرِّقابِ والغارِمِينَ وفي سَبِيلِ اللَّهِ وابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠] .
(p-٣٥)أصْلُ الكَنْزِ في اللُّغَةِ الضَّمُّ والجَمْعُ، ولا يَخْتَصُّ بِالذَّهَبِ والفِضَّةِ. قالَ:
؎لا دَرَّ دَرِّيَ إنْ أطْعَمْتُ ضائِعَهم قِرْفَ الحَتِيِّ وعِنْدِي البُرُّ مَكْنُوزُ
وقالُوا: رَجُلٌ مُكْتَنِزُ الخُلُقِ أيْ مُجْتَمِعُهُ. وقالَ الرّاجِزُ:
؎عَلى شَدِيدٍ لَحْمُهُ كِنازٌ ∗∗∗ باتَ يُنَزِّينِي عَلى أوْفازِ
ثُمَّ غَلَبَ اسْتِعْمالُهُ في العُرْفِ عَلى المَدْفُونِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ. الكَيُّ: مَعْرُوفٌ، وهو إلْزاقُ الحارِّ بِعُضْوٍ مِنَ البَدَنِ حَتّى يَتَمَزَّقَ الجِلْدُ. والجَبْهَةُ: مَعْرُوفَةٌ، وهي صَفْحَةٌ أعْلى الوَجْهِ. والغارُ: مَعْرُوفٌ وهو نَقْرٌ في الجَبَلِ يُمْكِنُ الِاسْتِخْفاءُ فِيهِ، وقالَ ابْنُ فارِسٍ: الغارُ الكَهْفُ، والغارُ نَبْتٌ طَيِّبُ الرِّيحِ، والغارُ الجَماعَةُ، والغارانِ البَطْنُ والفَرْجُ. ثَبَّطَهُ عَنِ الأمْرِ أبْطَأ بِهِ عَنْهُ، وناقَةٌ ثَبْطَةٌ أيْ بَطِيئَةُ السَّيْرِ. وأصْلُ التَّثْبِيطِ التَّعْوِيقُ، وهو أنْ يَحُولَ بَيْنَ الإنْسانِ وبَيْنَ أمْرٍ يُرِيدُهُ بِالتَّزْهِيدِ فِيهِ. الزَّهَقُ: الخُرُوجُ بِصُعُوبَةٍ، قالَ الزَّجّاجُ: بِالكَسْرِ خُرُوجُ الرُّوحِ، وقالَ الكِسائِيُّ والمُبَرِّدُ: زَهَقَتْ نَفْسُهُ وزَهِقَتْ لُغَتانِ، والزَّهَقُ الهَلاكُ، وزَهَقَ الحَجَرُ مِن تَحْتِ حافِرِ الدّابَّةِ إذا نَدَرَ، والزَّهُوقُ البُعْدُ، والزَّهُوقُ البِئْرُ البَعِيدَةُ المَهْواةُ. المَلْجَأُ: مَفْعَلٌ مِن لَجَأ إلى كَذا: انْحازَ والتَجَأ وألْجَأْتُهُ إلى كَذا: اضْطَرَرْتُهُ. جَمَحَ: نَفَرَ بِإسْراعٍ، مِن قَوْلِهِمْ: فَرَسٌ جَمُوحٌ؛ أيْ لا يَرُدُّهُ اللِّجامُ إذا حَمَلَ. قالَ:
؎سَبُوحًا جَمُوحًا وإحْضارُها ∗∗∗ كَمَعْمَعَةِ السَّعَفِ المُوقَدِ
وقالَ مُهَلْهَلٌ:
؎وقَدْ جَمَحْتُ جِماحًا في دِمائِهِمْ ∗∗∗ حَتّى رَأيْتُ ذَوِي أجْسامِهِمْ جَمَدُوا
وقالَ آخَرُ:
؎إذا جَمَحَتْ نِساؤُكُمُ إلَيْهِ ∗∗∗ أشَظَّ كَأنَّهُ مَسَدٌّ مُغارُ
جَمَزَ: قَفَرَ، وقِيلَ: بِمَعْنى جَمَحَ. قالَ رُؤْبَةُ:
؎قارَبْتُ بَيْنَ عُنُقِي وجَمْزِي
اللَّمْزُ: قالَ اللَّيْثُ: هو كالغَمْزِ في الوَجْهِ. وقالَ الجَوْهَرِيُّ: العَيْبُ، وأصْلُهُ الإشارَةُ بِالعَيْنِ ونَحْوِها. وقالَ الأزْهَرِيُّ: أصْلُ اللَّمْزِ الدَّفْعُ، لَمَزْتُهُ دَفَعْتُهُ. الغُرْمُ: أصْلُهُ لُزُومُ ما يَشُقُّ، والغَرامُ العَذابُ الشّاقُّ، وسُمِّيَ العِشْقُ غَرامًا لِكَوْنِهِ شاقًّا ولازِمًا.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ كَثِيرًا مِنَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِوالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ لَمّا ذَكَرَ أنَّهُمُ اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ، ذَكَرَ ما هو كَثِيرٌ مِنهم تَنْقِيصًا مِن شَأْنِهِمْ وتَحْقِيرًا لَهم، وأنَّ مِثْلَ هَؤُلاءِ لا يَنْبَغِي تَعْظِيمُهم، فَضْلًا عَنِ اتِّخاذِهِمْ أرْبابًا لِما اشْتَمَلُوا عَلَيْهِ مِن أكْلِ المالِ بِالباطِلِ، وصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ. وانْدَرَجُوا في عُمُومِ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ، فَجَمَعُوا بَيْنَ الخَصْلَتَيْنِ المَذْمُومَتَيْنِ: أكْلِ المالِ بِالباطِلِ، وكَنْزِ المالِ إنْ ضَنُّوا أنْ يُنْفِقُوها في سَبِيلِ اللَّهِ، وأكْلُهُمُ المالَ بِالباطِلِ هو أخْذُهم مِن أمْوالِ أتْباعِهِمْ ضَرائِبَ بِاسْمِ الكَنائِسِ والبِيَعِ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا يُوهِمُونَهم بِهِ أنَّ النَّفَقَةَ فِيهِ مِنَ الشَّرْعِ والتَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ، وهم يَحْجُبُونَ تِلْكَ الأمْوالَ كالرّاهِبِ الَّذِي اسْتَخْرَجَ سَلْمانُ كَنْزَهُ. وكَما يَأْخُذُونَهُ مِنَ الرِّشا في الأحْكامِ، كَإيهامِ حِمايَةِ دِينِهِمْ، وصَدُّهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ هو دِينُ الإسْلامِ واتِّباعُ الرَّسُولِ. وقِيلَ: الجَوْرُ في الحُكْمِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ يَصُدُّونَ مُتَعَدِّيًا، وهو أبْلَغُ في الذَّمِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قاصِرًا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: والَّذِينَ بِالواوِ، وهو عامٌّ يَنْدَرِجُ فِيهِ مَن يَكْنِزُ مِنَ المُسْلِمِينَ. وهو مُبْتَدَأٌ ضُمِّنَ مَعْنى الشَّرْطِ، ولِذَلِكَ دَخَلَتِ الفاءُ في خَبَرِهِ في قَوْلِهِ: فَبَشِّرْهم. وقِيلَ: والَّذِينَ يَكْنِزُونَ مِن أوْصافِ الكَثِيرِ مِنَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ. ورُوِيَ هَذا القَوْلُ عَنْ عُثْمانَ (p-٣٦)ومُعاوِيَةَ. وقِيلَ: كَلامٌ مُبْتَدَأٌ أرادَ بِهِ مانِعِي الزَّكاةِ مِنَ المُسْلِمِينَ، ورُوِيَ هَذا القَوْلُ عَنِ السُّدِّيِّ، والظّاهِرُ العُمُومُ كَما قُلْناهُ، فَيَقْرِنُ بَيْنَ الكانِزِينَ مِنَ المُسْلِمِينَ، وبَيْنَ المُرْتَشِينَ مِنَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ تَغْلِيظًا ودَلالَةً عَلى أنَّهم سَواءٌ في التَّبْشِيرِ بِالعَذابِ. ورُوِيَ العُمُومُ عَنْ أبِي ذَرٍّ وغَيْرِهِ. وقَرَأ ابْنُ مُصَرِّفٍ: الَّذِينَ بِغَيْرِ واوٍ، وهو ظاهِرٌ في كَوْنِهِ مِن أوْصافِ مَن تَقَدَّمَ، ويَحْتَمِلُ الِاسْتِئْنافَ والعُمُومَ. والظّاهِرُ ذَمُّ مَن يَكْنِزُ ولا يُنْفِقُ في سَبِيلِ اللَّهِ. وما جاءَ في ذَمِّ مَن تَرَكَ صَفْراءَ وبَيْضاءَ، وأنَّهُ يُكْوى بِها إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أحادِيثَ، هو قَبْلُ أنْ تُفْرَضَ الزَّكاةُ، والتَّوَعُّدُ في الكَنْزِ إنَّما وقَعَ عَلى مَنعِ الحُقُوقِ مِنهُ، فَلِذَلِكَ قالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: الكَنْزُ هو المالُ الَّذِي لا تُؤَدّى زَكاتُهُ وإنْ كانَ عَلى وجْهِ الأرْضِ، فَأمّا المالُ المَدْفُونُ إذا أُخْرِجَتْ زَكاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ. قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُّ ما أدَّيْتَ زَكاتَهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ» . وعَنْ عُمَرَ أنَّهُ قالَ لِرَجُلٍ باعَ أرْضًا: أحْرِزْ مالَكَ الَّذِي أخَذْتَ، احْفِرْ لَهُ تَحْتَ فِراشِ امْرَأتِكَ، فَقالَ: ألَيْسَ بِكَنْزٍ ؟ فَقالَ: ”ما أُدِّيَ زَكاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ“ . وعَنِ ابْنِ عُمَرَ وعِكْرِمَةَ والشَّعْبِيِّ والسُّدِّيِّ ومالِكٍ وجُمْهُورِ أهْلِ العِلْمِ مِثْلُ ذَلِكَ. وقالَ عَلِيٌّ: أرْبَعَةُ آلافٍ فَما دَوَّنَها نَفَقَةٌ، وما زادَ عَلَيْها فَهو كَنْزٌ، وإنْ أدَّيْتَ زَكاتَهُ. وقالَ أبُو ذَرٍّ وجَماعَةٌ مَعَهُ: ما فَضَلَ مِن مالِ الرَّجُلِ عَلى حاجَةِ نَفْسِهِ فَهو كَنْزٌ. وهَذانِ القَوْلانِ يَقْتَضِيانِ أنَّ الذَّمَّ في جِنْسِ المالِ، لا في مَنعِ الزَّكاةِ فَقَطْ. وقالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: هي مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ”﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]“، فَأتى فَرْضُ الزَّكاةِ عَلى هَذا كُلِّهِ، كَأنَّ الآيَةَ تَضَمَّنَتْ: لا تَجْمَعُوا مالًا فَتُعَذَّبُوا، فَنَسَخَهُ التَّقْرِيرُ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]، واللَّهُ تَعالى أكْرَمُ مِن أنْ يَجْمَعَ عَلى عَبْدِهِ مالًا مِن جِهَةٍ أذِنَ لَهُ فِيها ويُؤَدِّي عَنْهُ ما أوْجَبَهُ عَلَيْهِ فِيهِ ثُمَّ يُعاقِبُهُ. وكانَ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحابَةِ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ كَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، يَقْتَنُونَ الأمْوالَ ويَتَصَرَّفُونَ فِيها، وما عابَهم أحَدٌ مِمَّنْ أعْرَضَ عَنِ الفِتْنَةِ؛ لِأنَّ الإعْراضَ اخْتِيارٌ لِلْأفْضَلِ والأدْخَلِ في الوَرَعِ والزُّهْدِ في الدُّنْيا، والِاقْتِناءُ مُباحٌ مُوَسَّعٌ لا يُذَمُّ صاحِبُهُ، وما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَلامٌ في الأفْضَلِ.
وقَرَأ أبُو السَّمّالِ ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ: يُكْنِزُونَ بِضَمِّ الياءِ، وخَصَّ بِالذِّكْرِ الذَّهَبَ والفِضَّةَ مِن بَيْنِ سائِرِ الأمْوالِ؛ لِأنَّهُما قِيَمُ الأمْوالِ وأثْمانُها، وهُما لا يُكْنَزانِ إلّا عَنْ فَضْلَةٍ وعَنْ كَثْرَةٍ، ومَن كَنَزَهُما لَمْ يُعْدَمْ سائِرَ أجْناسِ الأمْوالِ، وكَنْزُهُما يَدُلُّ عَلى ما سِواهُما. والضَّمِيرُ في: (ولا يُنْفِقُونَها) عائِدٌ عَلى الذَّهَبِ؛ لِأنَّ تَأْنِيثَهُ أشْهَرُ، أوْ عَلى الفِضَّةِ، وحُذِفَ المَعْطُوفُ في هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ، أوْ عَلَيْهِما بِاعْتِبارِ أنَّ تَحْتَهُما أنْواعًا، فَرُوعِيَ المَعْنى كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] أوْ لِأنَّهُما مُحْتَوِيانِ عَلى جَمْعِ دَنانِيرَ ودَراهِمَ، أوْ عَلى المَكْنُوزاتِ، لِدَلالَةِ (يَكْنِزُونَ) . أوْ عَلى الأمْوالِ، أوْ عَلى النَّفَقَةِ وهي المَصْدَرُ الدّالُّ عَلَيْهِ (ولا يُنْفِقُونَها)، أوْ عَلى الزَّكاةِ؛ أيْ: ولا يُنْفِقُونَ زَكاةَ الأمْوالِ، أقْوالٌ. وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: عادَ عَلى أحَدِهِما كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا﴾ [الجمعة: ١١] ولَيْسَ مِثْلَهُ؛ لِأنَّ هَذا عَطْفٌ بَأوْ، فَحُكْمُهُما أنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلى أحَدِ المُتَعاطِفَيْنِ بِخِلافِ الواوِ، إلّا إنِ ادَّعى أنَّ الواوَ في (والفِضَّةَ) بِمَعْنى أوْ لِيَمْكُنَ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ.
﴿يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهم وجُنُوبُهم وظُهُورُهم هَذا ما كَنَزْتُمْ لِأنْفُسِكم فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ يُقالُ: حَمَيْتُ الحَدِيدَةَ في النّارِ؛ أيْ أوْقَدْتُ عَلَيْها لِتُحْمى، وتَقُولَ: أحَمَيْتُها أدْخَلْتُها لِكَيْ تُحْمى أيْضًا فَحَمِيَتْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها﴾ بِالياءِ، أصْلُهُ يَحْمِي النّارَ عَلَيْها، فَلَمّا حُذِفَ المَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وأُسْنِدَ الفِعْلُ إلى الجُمْلَةِ والمَجْرُورِ، لَمْ تَلْحَقِ التّاءُ كَما تَقُولُ: رَفَعْتُ القِصَّةَ إلى الأمِيرِ. وإذا حُذِفَتِ القِصَّةُ وقامَ الجارُّ والمَجْرُورُ مَقامَها قُلْتَ: رُفِعَ إلى الأمِيرِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ في الأصْلِ مُسْنَدٌ إلى النّارِ، قِراءَةُ الحَسَنِ وابْنِ عامِرٍ في رِوايَةِ (تُحْمى) بِالتّاءِ. وقِيلَ: مَن قَرَأ بِالياءِ فالمَعْنى: يُحْمى الوَقُودُ، ومَن قَرَأ بِالتّاءِ فالمَعْنى: تُحْمى النّارُ. وهو النّاصِبُ لِيَوْمٍ ألِيمٍ، أوْ مُضْمَرٌ (p-٣٧)يُفَسِّرُهُ عَذابٌ؛ أيْ: يُعَذَّبُونَ يَوْمَ يُحْمى. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: (فَيُكْوى) بِالياءِ، لَمّا كانَ ما أُسْنِدَ إلَيْهِ تَأْنِيثُهُ حَقِيقِيًّا، ووَقَعَ الفَصْلُ أيْضًا ذُكِرَ، وأدْغَمَ قَوْمٌ (جِباهُهم) وهي مَرْوِيَّةٌ عَنْ أبِي عُمَرَ وذَلِكَ في الإدْغامِ الكَبِيرِ، كَما أُدْغِمَ (مَناسِكَكم) و(ما سَلَكَكم) . وخُصَّتْ هَذِهِ المَواضِعُ بِالكَيِّ قِيلَ: لِأنَّهُ في الجَبْهَةِ أشْنَعُ، وفي الجَنْبِ والظَّهْرِ أوْجَعُ. وقِيلَ: لِأنَّها مُجَوَّفَةٌ فَيَصِلُ إلى أجْوافِها الحَرُّ، بِخِلافِ اليَدِ والرِّجْلِ. وقِيلَ: مَعْناهُ يُكْوَوْنَ عَلى الجِهاتِ الثَّلاثِ: مَقادِيمِهِمْ ومَآخِرِهِمْ وجَنُوبِهِمْ. وقِيلَ: لَمّا طَلَبُوا المالَ والجاهَ شانَ اللَّهُ وُجُوهَهَمْ، ولَمّا طَوَوْا كَشْحًا عَنِ الفَقِيرِ إذا جالَسَهم كُوِيَتْ ظُهُورُهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِأنَّهم لَمْ يَطْلُبُوا بِأمْوالِهِمْ حَيْثُ لَمْ يُنْفِقُوها في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى إلّا الأغْراضَ الدُّنْيَوِيَّةَ مِن وجاهَةٍ عِنْدَ النّاسِ وتَقَدُّمٍ، وأنْ يَكُونَ ماءُ وُجُوهِهِمْ مَصُونًا عِنْدَهم، يُتَلَقَّوْنَ بِالجَمِيلِ، ويُحَيَّوْنَ بِالإكْرامِ، ويَحْتَشِمُونَ، ومِن أكْلِ طَيِّباتٍ يَتَضَلَّعُونَ مِنها، ويَنْفُخُونَ جُنُوبَهم، ومِن لُبْسِ ناعِمَةٍ مِنَ الثِّيابِ يَطْرَحُونَها عَلى ظُهُورِهِمْ كَما تَرى أغْنِياءَ زَمانِكَ هَذِهِ أغْراضُهم وطَلَباتُهم مِن أمْوالِهِمْ. لا يُخْطِرُونَ بِبالِهِمْ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «ذَهَبَ أهْلُ الدُّثُورِ بِالأُجُورِ» . وقِيلَ: لِأنَّهم كانُوا إذا أبْصَرُوا الفَقِيرَ عَبَسُوا، وإذا ضَمَّهم وإيّاهُ مَجْلِسٌ ازْوَرُّوا عَنْهُ، وتَوَلَّوْا بِأرْكانِهِمْ، ووَلَّوْا ظُهُورَهم. وأُضْمِرَ القَوْلُ في (هَذا ما كَنَزْتُمْ)؛ أيْ: يُقالُ لَهم وقْتَ الكَيِّ. والإشارَةُ بِهَذا إلى المالِ المَكْنُوزِ، أوْ إشارَةٌ إلى الكَيِّ عَلى حَذْفِ مُضافٍ مِن (ما كَنَزْتُمْ)؛ أيْ: هَذا الكَيُّ نَتِيجَةُ ما كَنَزْتُمْ، أوْ ثَمَرَةُ ما كَنَزْتُمْ. ومَعْنى (لِأنْفُسِكم): لِتَنْتَفِعَ بِهِ أنْفُسُكم وتَلْتَذَّ، فَصارَ عَذابًا لَكم، وهَذا القَوْلُ تَوْبِيخٌ لَهم. (فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ)؛ أيْ: وبالَ المالِ الَّذِي كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً؛ أيْ: وبالَ كَوْنِكم كانِزِينَ. وقُرِئَ (يَكْنُزُونَ) بِضَمِّ النُّونِ. وفي حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ: «بَشِّرِ الكانِزِينَ بِرَضْفٍ يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ فَيُوضَعُ عَلى حَلَمَةِ ثَدْيَيْهِ وتُزَلْزِلُهُ وتُكْوى الجِباهُ والجُنُوبُ والظُّهُورُ حَتّى يَلْتَقِيَ الحَرُّ في أجْوافِهِمْ»، وفي صَحِيحٍ البُخارِيِّ وصَحِيحِ مُسْلِمٍ: ”الوَعِيدُ الشَّدِيدُ لِمانِعِ الزَّكاةِ“ .
التوبة 9:35
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ كَثِيرًا مِنَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهم وجُنُوبُهم وظُهُورُهم هَذا ما كَنَزْتُمْ لِأنْفُسِكم فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا في كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكم وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً كَما يُقاتِلُونَكم كافَّةً واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٣٦] ﴿إنَّما النَّسِيءُ زِيادَةٌ في الكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عامًا ويُحَرِّمُونَهُ عامًا لِيُواطِئُوا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهم سُوءُ أعْمالِهِمْ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ [التوبة: ٣٧] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: ٣٨] ﴿إلّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا ويَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ولا تَضُرُّوهُ شَيْئًا واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التوبة: ٣٩] ﴿إلّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إذْ أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إذْ هُما في الغارِ إذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وأيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وكَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٤٠] ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا وجاهِدُوا بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم في سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٤١] ﴿لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا وسَفَرًا قاصِدًا لاتَّبَعُوكَ ولَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكم يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [التوبة: ٤٢] ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهم حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وتَعْلَمَ الكاذِبِينَ﴾ [التوبة: ٤٣] ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٤٤] ﴿إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وارْتابَتْ قُلُوبُهم فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ [التوبة: ٤٥] ﴿ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لَأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهم فَثَبَّطَهم وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ﴾ [التوبة: ٤٦] ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا ولَأوْضَعُوا خِلالَكم يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ وفِيكم سَمّاعُونَ لَهم واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ [التوبة: ٤٧] ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتّى جاءَ الحَقُّ وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ وهم كارِهُونَ﴾ [التوبة: ٤٨] ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ [التوبة: ٤٩] ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أخَذْنا أمْرَنا مِن قَبْلُ ويَتَوَلَّوْا وهم فَرِحُونَ﴾ [التوبة: ٥٠] ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هو مَوْلانا وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٥١] ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلّا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ ونَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكم أنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ أوْ بِأيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ﴾ [التوبة: ٥٢] ﴿قُلْ أنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكم إنَّكم كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٥٣] ﴿وما مَنَعَهم أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهم إلّا أنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ ولا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إلّا وهم كُسالى ولا يُنْفِقُونَ إلّا وهم كارِهُونَ﴾ [التوبة: ٥٤] ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهم إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الحَياةِ الدُّنْيا وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾ [التوبة: ٥٥] ﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكم وما هم مِنكم ولَكِنَّهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ [التوبة: ٥٦] ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أوْ مَغاراتٍ أوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إلَيْهِ وهم يَجْمَحُونَ﴾ [التوبة: ٥٧] ﴿ومِنهم مَن يَلْمِزُكَ في الصَّدَقاتِ فَإنْ أُعْطُوا مِنها رَضُوا وإنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنها إذا هم يَسْخَطُونَ﴾ [التوبة: ٥٨] ﴿ولَوْ أنَّهم رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ سَيُؤْتِينا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ورَسُولُهُ إنّا إلى اللَّهِ راغِبُونَ﴾ [التوبة: ٥٩] ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ والعامِلِينَ عَلَيْها والمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهم وفي الرِّقابِ والغارِمِينَ وفي سَبِيلِ اللَّهِ وابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠] .
(p-٣٥)أصْلُ الكَنْزِ في اللُّغَةِ الضَّمُّ والجَمْعُ، ولا يَخْتَصُّ بِالذَّهَبِ والفِضَّةِ. قالَ:
؎لا دَرَّ دَرِّيَ إنْ أطْعَمْتُ ضائِعَهم قِرْفَ الحَتِيِّ وعِنْدِي البُرُّ مَكْنُوزُ
وقالُوا: رَجُلٌ مُكْتَنِزُ الخُلُقِ أيْ مُجْتَمِعُهُ. وقالَ الرّاجِزُ:
؎عَلى شَدِيدٍ لَحْمُهُ كِنازٌ ∗∗∗ باتَ يُنَزِّينِي عَلى أوْفازِ
ثُمَّ غَلَبَ اسْتِعْمالُهُ في العُرْفِ عَلى المَدْفُونِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ. الكَيُّ: مَعْرُوفٌ، وهو إلْزاقُ الحارِّ بِعُضْوٍ مِنَ البَدَنِ حَتّى يَتَمَزَّقَ الجِلْدُ. والجَبْهَةُ: مَعْرُوفَةٌ، وهي صَفْحَةٌ أعْلى الوَجْهِ. والغارُ: مَعْرُوفٌ وهو نَقْرٌ في الجَبَلِ يُمْكِنُ الِاسْتِخْفاءُ فِيهِ، وقالَ ابْنُ فارِسٍ: الغارُ الكَهْفُ، والغارُ نَبْتٌ طَيِّبُ الرِّيحِ، والغارُ الجَماعَةُ، والغارانِ البَطْنُ والفَرْجُ. ثَبَّطَهُ عَنِ الأمْرِ أبْطَأ بِهِ عَنْهُ، وناقَةٌ ثَبْطَةٌ أيْ بَطِيئَةُ السَّيْرِ. وأصْلُ التَّثْبِيطِ التَّعْوِيقُ، وهو أنْ يَحُولَ بَيْنَ الإنْسانِ وبَيْنَ أمْرٍ يُرِيدُهُ بِالتَّزْهِيدِ فِيهِ. الزَّهَقُ: الخُرُوجُ بِصُعُوبَةٍ، قالَ الزَّجّاجُ: بِالكَسْرِ خُرُوجُ الرُّوحِ، وقالَ الكِسائِيُّ والمُبَرِّدُ: زَهَقَتْ نَفْسُهُ وزَهِقَتْ لُغَتانِ، والزَّهَقُ الهَلاكُ، وزَهَقَ الحَجَرُ مِن تَحْتِ حافِرِ الدّابَّةِ إذا نَدَرَ، والزَّهُوقُ البُعْدُ، والزَّهُوقُ البِئْرُ البَعِيدَةُ المَهْواةُ. المَلْجَأُ: مَفْعَلٌ مِن لَجَأ إلى كَذا: انْحازَ والتَجَأ وألْجَأْتُهُ إلى كَذا: اضْطَرَرْتُهُ. جَمَحَ: نَفَرَ بِإسْراعٍ، مِن قَوْلِهِمْ: فَرَسٌ جَمُوحٌ؛ أيْ لا يَرُدُّهُ اللِّجامُ إذا حَمَلَ. قالَ:
؎سَبُوحًا جَمُوحًا وإحْضارُها ∗∗∗ كَمَعْمَعَةِ السَّعَفِ المُوقَدِ
وقالَ مُهَلْهَلٌ:
؎وقَدْ جَمَحْتُ جِماحًا في دِمائِهِمْ ∗∗∗ حَتّى رَأيْتُ ذَوِي أجْسامِهِمْ جَمَدُوا
وقالَ آخَرُ:
؎إذا جَمَحَتْ نِساؤُكُمُ إلَيْهِ ∗∗∗ أشَظَّ كَأنَّهُ مَسَدٌّ مُغارُ
جَمَزَ: قَفَرَ، وقِيلَ: بِمَعْنى جَمَحَ. قالَ رُؤْبَةُ:
؎قارَبْتُ بَيْنَ عُنُقِي وجَمْزِي
اللَّمْزُ: قالَ اللَّيْثُ: هو كالغَمْزِ في الوَجْهِ. وقالَ الجَوْهَرِيُّ: العَيْبُ، وأصْلُهُ الإشارَةُ بِالعَيْنِ ونَحْوِها. وقالَ الأزْهَرِيُّ: أصْلُ اللَّمْزِ الدَّفْعُ، لَمَزْتُهُ دَفَعْتُهُ. الغُرْمُ: أصْلُهُ لُزُومُ ما يَشُقُّ، والغَرامُ العَذابُ الشّاقُّ، وسُمِّيَ العِشْقُ غَرامًا لِكَوْنِهِ شاقًّا ولازِمًا.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ كَثِيرًا مِنَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِوالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ لَمّا ذَكَرَ أنَّهُمُ اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ، ذَكَرَ ما هو كَثِيرٌ مِنهم تَنْقِيصًا مِن شَأْنِهِمْ وتَحْقِيرًا لَهم، وأنَّ مِثْلَ هَؤُلاءِ لا يَنْبَغِي تَعْظِيمُهم، فَضْلًا عَنِ اتِّخاذِهِمْ أرْبابًا لِما اشْتَمَلُوا عَلَيْهِ مِن أكْلِ المالِ بِالباطِلِ، وصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ. وانْدَرَجُوا في عُمُومِ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ، فَجَمَعُوا بَيْنَ الخَصْلَتَيْنِ المَذْمُومَتَيْنِ: أكْلِ المالِ بِالباطِلِ، وكَنْزِ المالِ إنْ ضَنُّوا أنْ يُنْفِقُوها في سَبِيلِ اللَّهِ، وأكْلُهُمُ المالَ بِالباطِلِ هو أخْذُهم مِن أمْوالِ أتْباعِهِمْ ضَرائِبَ بِاسْمِ الكَنائِسِ والبِيَعِ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا يُوهِمُونَهم بِهِ أنَّ النَّفَقَةَ فِيهِ مِنَ الشَّرْعِ والتَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ، وهم يَحْجُبُونَ تِلْكَ الأمْوالَ كالرّاهِبِ الَّذِي اسْتَخْرَجَ سَلْمانُ كَنْزَهُ. وكَما يَأْخُذُونَهُ مِنَ الرِّشا في الأحْكامِ، كَإيهامِ حِمايَةِ دِينِهِمْ، وصَدُّهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ هو دِينُ الإسْلامِ واتِّباعُ الرَّسُولِ. وقِيلَ: الجَوْرُ في الحُكْمِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ يَصُدُّونَ مُتَعَدِّيًا، وهو أبْلَغُ في الذَّمِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قاصِرًا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: والَّذِينَ بِالواوِ، وهو عامٌّ يَنْدَرِجُ فِيهِ مَن يَكْنِزُ مِنَ المُسْلِمِينَ. وهو مُبْتَدَأٌ ضُمِّنَ مَعْنى الشَّرْطِ، ولِذَلِكَ دَخَلَتِ الفاءُ في خَبَرِهِ في قَوْلِهِ: فَبَشِّرْهم. وقِيلَ: والَّذِينَ يَكْنِزُونَ مِن أوْصافِ الكَثِيرِ مِنَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ. ورُوِيَ هَذا القَوْلُ عَنْ عُثْمانَ (p-٣٦)ومُعاوِيَةَ. وقِيلَ: كَلامٌ مُبْتَدَأٌ أرادَ بِهِ مانِعِي الزَّكاةِ مِنَ المُسْلِمِينَ، ورُوِيَ هَذا القَوْلُ عَنِ السُّدِّيِّ، والظّاهِرُ العُمُومُ كَما قُلْناهُ، فَيَقْرِنُ بَيْنَ الكانِزِينَ مِنَ المُسْلِمِينَ، وبَيْنَ المُرْتَشِينَ مِنَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ تَغْلِيظًا ودَلالَةً عَلى أنَّهم سَواءٌ في التَّبْشِيرِ بِالعَذابِ. ورُوِيَ العُمُومُ عَنْ أبِي ذَرٍّ وغَيْرِهِ. وقَرَأ ابْنُ مُصَرِّفٍ: الَّذِينَ بِغَيْرِ واوٍ، وهو ظاهِرٌ في كَوْنِهِ مِن أوْصافِ مَن تَقَدَّمَ، ويَحْتَمِلُ الِاسْتِئْنافَ والعُمُومَ. والظّاهِرُ ذَمُّ مَن يَكْنِزُ ولا يُنْفِقُ في سَبِيلِ اللَّهِ. وما جاءَ في ذَمِّ مَن تَرَكَ صَفْراءَ وبَيْضاءَ، وأنَّهُ يُكْوى بِها إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أحادِيثَ، هو قَبْلُ أنْ تُفْرَضَ الزَّكاةُ، والتَّوَعُّدُ في الكَنْزِ إنَّما وقَعَ عَلى مَنعِ الحُقُوقِ مِنهُ، فَلِذَلِكَ قالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: الكَنْزُ هو المالُ الَّذِي لا تُؤَدّى زَكاتُهُ وإنْ كانَ عَلى وجْهِ الأرْضِ، فَأمّا المالُ المَدْفُونُ إذا أُخْرِجَتْ زَكاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ. قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُّ ما أدَّيْتَ زَكاتَهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ» . وعَنْ عُمَرَ أنَّهُ قالَ لِرَجُلٍ باعَ أرْضًا: أحْرِزْ مالَكَ الَّذِي أخَذْتَ، احْفِرْ لَهُ تَحْتَ فِراشِ امْرَأتِكَ، فَقالَ: ألَيْسَ بِكَنْزٍ ؟ فَقالَ: ”ما أُدِّيَ زَكاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ“ . وعَنِ ابْنِ عُمَرَ وعِكْرِمَةَ والشَّعْبِيِّ والسُّدِّيِّ ومالِكٍ وجُمْهُورِ أهْلِ العِلْمِ مِثْلُ ذَلِكَ. وقالَ عَلِيٌّ: أرْبَعَةُ آلافٍ فَما دَوَّنَها نَفَقَةٌ، وما زادَ عَلَيْها فَهو كَنْزٌ، وإنْ أدَّيْتَ زَكاتَهُ. وقالَ أبُو ذَرٍّ وجَماعَةٌ مَعَهُ: ما فَضَلَ مِن مالِ الرَّجُلِ عَلى حاجَةِ نَفْسِهِ فَهو كَنْزٌ. وهَذانِ القَوْلانِ يَقْتَضِيانِ أنَّ الذَّمَّ في جِنْسِ المالِ، لا في مَنعِ الزَّكاةِ فَقَطْ. وقالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: هي مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ”﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]“، فَأتى فَرْضُ الزَّكاةِ عَلى هَذا كُلِّهِ، كَأنَّ الآيَةَ تَضَمَّنَتْ: لا تَجْمَعُوا مالًا فَتُعَذَّبُوا، فَنَسَخَهُ التَّقْرِيرُ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]، واللَّهُ تَعالى أكْرَمُ مِن أنْ يَجْمَعَ عَلى عَبْدِهِ مالًا مِن جِهَةٍ أذِنَ لَهُ فِيها ويُؤَدِّي عَنْهُ ما أوْجَبَهُ عَلَيْهِ فِيهِ ثُمَّ يُعاقِبُهُ. وكانَ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحابَةِ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ كَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، يَقْتَنُونَ الأمْوالَ ويَتَصَرَّفُونَ فِيها، وما عابَهم أحَدٌ مِمَّنْ أعْرَضَ عَنِ الفِتْنَةِ؛ لِأنَّ الإعْراضَ اخْتِيارٌ لِلْأفْضَلِ والأدْخَلِ في الوَرَعِ والزُّهْدِ في الدُّنْيا، والِاقْتِناءُ مُباحٌ مُوَسَّعٌ لا يُذَمُّ صاحِبُهُ، وما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَلامٌ في الأفْضَلِ.
وقَرَأ أبُو السَّمّالِ ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ: يُكْنِزُونَ بِضَمِّ الياءِ، وخَصَّ بِالذِّكْرِ الذَّهَبَ والفِضَّةَ مِن بَيْنِ سائِرِ الأمْوالِ؛ لِأنَّهُما قِيَمُ الأمْوالِ وأثْمانُها، وهُما لا يُكْنَزانِ إلّا عَنْ فَضْلَةٍ وعَنْ كَثْرَةٍ، ومَن كَنَزَهُما لَمْ يُعْدَمْ سائِرَ أجْناسِ الأمْوالِ، وكَنْزُهُما يَدُلُّ عَلى ما سِواهُما. والضَّمِيرُ في: (ولا يُنْفِقُونَها) عائِدٌ عَلى الذَّهَبِ؛ لِأنَّ تَأْنِيثَهُ أشْهَرُ، أوْ عَلى الفِضَّةِ، وحُذِفَ المَعْطُوفُ في هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ، أوْ عَلَيْهِما بِاعْتِبارِ أنَّ تَحْتَهُما أنْواعًا، فَرُوعِيَ المَعْنى كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] أوْ لِأنَّهُما مُحْتَوِيانِ عَلى جَمْعِ دَنانِيرَ ودَراهِمَ، أوْ عَلى المَكْنُوزاتِ، لِدَلالَةِ (يَكْنِزُونَ) . أوْ عَلى الأمْوالِ، أوْ عَلى النَّفَقَةِ وهي المَصْدَرُ الدّالُّ عَلَيْهِ (ولا يُنْفِقُونَها)، أوْ عَلى الزَّكاةِ؛ أيْ: ولا يُنْفِقُونَ زَكاةَ الأمْوالِ، أقْوالٌ. وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: عادَ عَلى أحَدِهِما كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا﴾ [الجمعة: ١١] ولَيْسَ مِثْلَهُ؛ لِأنَّ هَذا عَطْفٌ بَأوْ، فَحُكْمُهُما أنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلى أحَدِ المُتَعاطِفَيْنِ بِخِلافِ الواوِ، إلّا إنِ ادَّعى أنَّ الواوَ في (والفِضَّةَ) بِمَعْنى أوْ لِيَمْكُنَ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ.
﴿يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهم وجُنُوبُهم وظُهُورُهم هَذا ما كَنَزْتُمْ لِأنْفُسِكم فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ يُقالُ: حَمَيْتُ الحَدِيدَةَ في النّارِ؛ أيْ أوْقَدْتُ عَلَيْها لِتُحْمى، وتَقُولَ: أحَمَيْتُها أدْخَلْتُها لِكَيْ تُحْمى أيْضًا فَحَمِيَتْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها﴾ بِالياءِ، أصْلُهُ يَحْمِي النّارَ عَلَيْها، فَلَمّا حُذِفَ المَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وأُسْنِدَ الفِعْلُ إلى الجُمْلَةِ والمَجْرُورِ، لَمْ تَلْحَقِ التّاءُ كَما تَقُولُ: رَفَعْتُ القِصَّةَ إلى الأمِيرِ. وإذا حُذِفَتِ القِصَّةُ وقامَ الجارُّ والمَجْرُورُ مَقامَها قُلْتَ: رُفِعَ إلى الأمِيرِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ في الأصْلِ مُسْنَدٌ إلى النّارِ، قِراءَةُ الحَسَنِ وابْنِ عامِرٍ في رِوايَةِ (تُحْمى) بِالتّاءِ. وقِيلَ: مَن قَرَأ بِالياءِ فالمَعْنى: يُحْمى الوَقُودُ، ومَن قَرَأ بِالتّاءِ فالمَعْنى: تُحْمى النّارُ. وهو النّاصِبُ لِيَوْمٍ ألِيمٍ، أوْ مُضْمَرٌ (p-٣٧)يُفَسِّرُهُ عَذابٌ؛ أيْ: يُعَذَّبُونَ يَوْمَ يُحْمى. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: (فَيُكْوى) بِالياءِ، لَمّا كانَ ما أُسْنِدَ إلَيْهِ تَأْنِيثُهُ حَقِيقِيًّا، ووَقَعَ الفَصْلُ أيْضًا ذُكِرَ، وأدْغَمَ قَوْمٌ (جِباهُهم) وهي مَرْوِيَّةٌ عَنْ أبِي عُمَرَ وذَلِكَ في الإدْغامِ الكَبِيرِ، كَما أُدْغِمَ (مَناسِكَكم) و(ما سَلَكَكم) . وخُصَّتْ هَذِهِ المَواضِعُ بِالكَيِّ قِيلَ: لِأنَّهُ في الجَبْهَةِ أشْنَعُ، وفي الجَنْبِ والظَّهْرِ أوْجَعُ. وقِيلَ: لِأنَّها مُجَوَّفَةٌ فَيَصِلُ إلى أجْوافِها الحَرُّ، بِخِلافِ اليَدِ والرِّجْلِ. وقِيلَ: مَعْناهُ يُكْوَوْنَ عَلى الجِهاتِ الثَّلاثِ: مَقادِيمِهِمْ ومَآخِرِهِمْ وجَنُوبِهِمْ. وقِيلَ: لَمّا طَلَبُوا المالَ والجاهَ شانَ اللَّهُ وُجُوهَهَمْ، ولَمّا طَوَوْا كَشْحًا عَنِ الفَقِيرِ إذا جالَسَهم كُوِيَتْ ظُهُورُهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِأنَّهم لَمْ يَطْلُبُوا بِأمْوالِهِمْ حَيْثُ لَمْ يُنْفِقُوها في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى إلّا الأغْراضَ الدُّنْيَوِيَّةَ مِن وجاهَةٍ عِنْدَ النّاسِ وتَقَدُّمٍ، وأنْ يَكُونَ ماءُ وُجُوهِهِمْ مَصُونًا عِنْدَهم، يُتَلَقَّوْنَ بِالجَمِيلِ، ويُحَيَّوْنَ بِالإكْرامِ، ويَحْتَشِمُونَ، ومِن أكْلِ طَيِّباتٍ يَتَضَلَّعُونَ مِنها، ويَنْفُخُونَ جُنُوبَهم، ومِن لُبْسِ ناعِمَةٍ مِنَ الثِّيابِ يَطْرَحُونَها عَلى ظُهُورِهِمْ كَما تَرى أغْنِياءَ زَمانِكَ هَذِهِ أغْراضُهم وطَلَباتُهم مِن أمْوالِهِمْ. لا يُخْطِرُونَ بِبالِهِمْ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «ذَهَبَ أهْلُ الدُّثُورِ بِالأُجُورِ» . وقِيلَ: لِأنَّهم كانُوا إذا أبْصَرُوا الفَقِيرَ عَبَسُوا، وإذا ضَمَّهم وإيّاهُ مَجْلِسٌ ازْوَرُّوا عَنْهُ، وتَوَلَّوْا بِأرْكانِهِمْ، ووَلَّوْا ظُهُورَهم. وأُضْمِرَ القَوْلُ في (هَذا ما كَنَزْتُمْ)؛ أيْ: يُقالُ لَهم وقْتَ الكَيِّ. والإشارَةُ بِهَذا إلى المالِ المَكْنُوزِ، أوْ إشارَةٌ إلى الكَيِّ عَلى حَذْفِ مُضافٍ مِن (ما كَنَزْتُمْ)؛ أيْ: هَذا الكَيُّ نَتِيجَةُ ما كَنَزْتُمْ، أوْ ثَمَرَةُ ما كَنَزْتُمْ. ومَعْنى (لِأنْفُسِكم): لِتَنْتَفِعَ بِهِ أنْفُسُكم وتَلْتَذَّ، فَصارَ عَذابًا لَكم، وهَذا القَوْلُ تَوْبِيخٌ لَهم. (فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ)؛ أيْ: وبالَ المالِ الَّذِي كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً؛ أيْ: وبالَ كَوْنِكم كانِزِينَ. وقُرِئَ (يَكْنُزُونَ) بِضَمِّ النُّونِ. وفي حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ: «بَشِّرِ الكانِزِينَ بِرَضْفٍ يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ فَيُوضَعُ عَلى حَلَمَةِ ثَدْيَيْهِ وتُزَلْزِلُهُ وتُكْوى الجِباهُ والجُنُوبُ والظُّهُورُ حَتّى يَلْتَقِيَ الحَرُّ في أجْوافِهِمْ»، وفي صَحِيحٍ البُخارِيِّ وصَحِيحِ مُسْلِمٍ: ”الوَعِيدُ الشَّدِيدُ لِمانِعِ الزَّكاةِ“ .
التوبة 9:36
﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا في كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكم وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً كَما يُقاتِلُونَكم كافَّةً واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ كانَتِ العَرَبُ لا عَيْشَ لِأكْثَرِها إلّا مِنَ الغاراتِ وأعْمالِ سِلاحِها، فَكانَتْ إذا تَوالَتْ عَلَيْهِمُ الأرْبَعَةُ الحُرُمُ صَعُبَ عَلَيْها وأمْلَقُوا، وكانَ بَنُو فُقَيْمٍ مِن كِنانَةَ أهْلَ دِينٍ وتَمَسُّكٍ بِشَرْعِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فانْتُدِبَ مِنهُمُ القَلَمَّسُ وهو حُذَيْفَةُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ فُقَيْمٍ فَنَسَأ (p-٣٨)الشُّهُورَ لِلْعَرَبِ، ثُمَّ خَلَفَهُ عَلى ذَلِكَ ابْنُهُ عَبّادٌ، ثُمَّ ابْنُهُ قَلَعٌ، ثُمَّ ابْنُهُ أُمَيَّةُ، ثُمَّ ابْنُهُ عَوْفٌ، ثُمَّ ابْنُهُ جُنادَةُ بْنُ عَوْفٍ، وعَلَيْهِ قامَ الإسْلامُ. وكانَتِ العَرَبُ إذا فَرَغَتْ مَن حَجَّها جاءَ إلَيْهِ مَن شاءَ مِنهم مُجْتَمِعِينَ فَقالُوا: أنْسِئْنا شَهْرًا؛ أيْ: أخِّرْ عَنّا حُرْمَةَ المُحَرَّمِ فاجْعَلْها في صَفَرٍ، فَيُحِلُّ لَهُمُ المُحَرَّمَ، فَيُغِيرُونَ فِيهِ ويَعِيشُونَ. ثُمَّ يَلْزَمُونَ حُرْمَةَ صَفَرٍ لِيُوافِقُوا عِدَّةَ الأشْهُرِ الأرْبَعَةِ، ويُسَمُّونَ ذَلِكَ الصَّفَرَ المُحَرَّمَ، ويُسَمُّونَ رَبِيعًا الأوَّلَ صَفَرًا، ورَبِيعًا الآخَرَ رَبِيعًا الأوَّلَ، وهَكَذا في سائِرِ الشُّهُورِ يَسْتَقْبِلُونَ نَسِيئَهم في المُحَرَّمِ المَوْضُوعِ لَهم، فَيَسْقُطُ عَلى هَذا حُكْمُ المُحَرَّمِ الَّذِي حُلِّلَ لَهم، وتَجِيءُ السَّنَةُ مِن ثَلاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا أوَّلُها المُحَرَّمُ المُحَلَّلُ، ثُمَّ المُحَرَّمُ الَّذِي هو في الحَقِيقَةِ صَفَرٌ، ثُمَّ اسْتِقْبالُ السَّنَةِ كَما ذَكَرْنا.
قالَ مُجاهِدٌ: ثُمَّ كانُوا يَحُجُّونَ في كُلِّ عامٍ شَهْرَيْنِ ولاءً، وبَعْدَ ذَلِكَ يُبَدِّلُونَ فَيَحُجُّونَ عامَيْنِ ولاءً، ثُمَّ كَذَلِكَ حَتّى كانَتْ حَجَّةَ أبِي بَكْرٍ في ذِي القَعْدَةِ حَقِيقَةً، وهم يُسَمُّونَهُ ذا الحِجَّةِ، ثُمَّ حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَنَةَ عَشْرٍ في ذِي الحِجَّةِ حَقِيقَةً، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: «إنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ، السَّنَةُ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا، أرْبَعَةٌ حُرُمٌ: ذُو القَعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ ورَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمادى وشَعْبانَ» .
ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنْواعًا مِن قَبائِحِ أهْلِ الشِّرْكِ وأهْلِ الكِتابِ، ذَكَرَ أيْضًا نَوْعًا مِنهُ؛ وهو تَغْيِيرُ العَرَبِ أحْكامَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ حَكَمَ في وقْتٍ بِحُكْمٍ خاصٍّ، فَإذا غَيَّرُوا ذَلِكَ الوَقْتَ فَقَدْ غَيَّرُوا حُكْمَ اللَّهِ. والشُّهُورُ: جَمْعُ كَثْرَةٍ لَمّا كانَتْ أزْيَدَ مِن عَشَرَةٍ، بِخِلافِ قَوْلِهِ: ”الحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ“ فَجاءَ بِلَفْظِ جَمْعِ القِلَّةِ، والمَعْنى: شُهُورُ السَّنَةِ القَمَرِيَّةِ؛ لِأنَّهم كانُوا يُؤَرِّخُونَ بِالسَّنَةِ القَمَرِيَّةِ لا الشَّمْسِيَّةِ، تَوارَثُوهُ عَنْ إسْماعِيلَ وإبْراهِيمَ. ومَعْنى (عِنْدَ اللَّهِ) أيْ في حُكْمِهِ وتَقْدِيرِهِ كَما تَقُولُ: هَذا عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ عِدَّةُ الشُّهُورِ الَّتِي تُسَمّى سَنَةً اثْنا عَشَرَ؛ لِأنَّهم جَعَلُوا أشْهُرَ العامِ ثَلاثَةَ عَشَرَ.
وقَرَأ ابْنُ القَعْقاعِ وهُبَيْرَةُ عَنْ حَفْصٍ: بِإسْكانِ العَيْنِ مَعَ إثْباتِ الألِفِ، وهو جَمْعٌ بَيْنَ ساكِنَيْنِ عَلى غَيْرِ حَدِّهِ، كَما رُوِيَ: التَقَتْ حَلْقَتا البِطانِ بِإثْباتِ ألِفِ حَلْقَتا. وقَرَأ طَلْحَةُ بِإسْكانِ الشِّينِ، وانْتَصَبَ (شَهْرًا) عَلى التَّمْيِيزِ المُؤَكِّدِ كَقَوْلِكَ: عِنْدِي مِنَ الرِّجالِ عِشْرُونَ رَجُلًا. ومَعْنى (في كِتابِ اللَّهِ) قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ. وقِيلَ: في إيجابِ اللَّهِ. وقِيلَ: في حُكْمِهِ. وقِيلَ: في القُرْآنِ؛ لِأنَّ السَّنَةَ المُعْتَبَرَةَ في هَذِهِ الشَّرِيعَةِ هي السَّنَةُ القَمَرِيَّةُ، وهَذا الحُكْمُ في القُرْآنِ. قالَ تَعالى: ﴿والقَمَرَ نُورًا وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ﴾ [يونس: ٥]، وقالَ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أيْ فِيما كَتَبَهُ وأثْبَتَهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ وغَيْرِهِ، فَهي صِفَةُ فِعْلٍ مِثْلُ خَلْقِهِ ورِزْقِهِ، ولَيْسَ بِمَعْنى قَضائِهِ وتَقْدِيرِهِ؛ لِأنَّ تِلْكَ هي قَبْلَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ انْتَهى. (وعِنْدَ اللَّهِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (عِدَّةَ) . وقالَ الحَوْفِيُّ: (في كِتابِ اللَّهِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (عِدَّةَ)، ﴿يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ مُتَعَلِّقٌ أيْضًا بِـ (عِدَّةَ) . وقالَ أبُو عَلِيٍّ: لا يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ قَوْلُهُ (في كِتابِ اللَّهِ) بِـ (عِدَّةَ)؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي الفَصْلَ بَيْنَ الصِّلَةِ والمَوْصُولِ بِالخَبَرِ الَّذِي هو ﴿اثْنا عَشَرَ شَهْرًا﴾، ولِأنَّهُ لا يَجُوزُ، انْتَهى. وهو كَلامٌ صَحِيحٌ. وقالَ أبُو البَقاءِ: (عِدَّةَ) مَصْدَرٌ مِثْلُ العَدَدِ، و﴿فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ صِفَةٌ لاثْنا عَشَرَ، و(يَوْمَ) مَعْمُولٌ لِـ (كِتابِ) عَلى أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا لا جُثَّةً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جُثَّةً، ويَكُونُ العامِلُ في (يَوْمَ) مَعْنى الِاسْتِقْرارِ، انْتَهى. وقِيلَ: انْتَصَبَ (يَوْمَ) بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: كُتِبَ ذَلِكَ يَوْمَ خَلْقِ السَّماواتِ، ولَمّا كانَتْ أشْياءُ تُوصَفُ بِكَوْنِها عِنْدَ اللَّهِ ولا يُقالُ فِيها أنَّها مَكْتُوبَةٌ في كِتابِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] جَمَعَ هُنا بَيْنَهُما، إذْ لا تَعارُضَ. والضَّمِيرُ في (مِنها) عائِدٌ عَلى (اثْنا عَشَرَ)؛ لِأنَّهُ أقْرَبُ، لا عَلى الشُّهُورِ، وهي في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِاثْنا عَشَرَ، أوْ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ في (مُسْتَقِرٌّ) .
و(أرْبَعَةٌ حُرُمٌ) سُمِّيَتْ حُرُمًا؛ لِتَحْرِيمِ القِتالِ فِيها، أوْ لِتَعْظِيمِ انْتِهاكِ المَحارِمِ فِيها. وتَسْكِينُ الرّاءِ لُغَةٌ. وذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّها الأشْهُرُ الَّتِي أُجِّلَ المُشْرِكُونَ فِيها (p-٣٩)أنْ يَسِيحُوا، والصَّحِيحُ أنَّها رَجَبٌ، وذُو القَعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمِ. وأوَّلُها عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ العُلَماءِ رَجَبٌ، فَيَكُونُ مِن سَنَتَيْنِ. وقالَ قَوْمٌ: أوَّلُها المُحَرَّمُ، فَيَكُونُ مِن سَنَةٍ واحِدَةٍ.
﴿ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ﴾؛ أيْ: القَضاءُ المُسْتَقِيمُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: العَدَدُ الصَّحِيحُ. وقِيلَ: الشَّرْعُ القَوِيمُ، إذْ هو دِينُ إبْراهِيمَ.
﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكُمْ﴾، الضَّمِيرُ في (فِيهِنَّ) عائِدٌ عَلى الِاثْنا عَشَرَ شَهْرًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والمَعْنى: لا تَجْعَلُوا حَلالًا حَرامًا، ولا حَرامًا حَلالًا كَفِعْلِ النَّسِيءِ. ويُؤَيِّدُهُ كَوْنُ الظُّلْمِ مَنهِيًّا عَنْهُ في كُلِّ وقْتٍ لا يَخْتَصُّ بِالأرْبَعِ الحُرُمِ. وقالَ قَتادَةُ والفَرّاءُ: هو عائِدٌ عَلى الأرْبَعَةِ الحُرُمِ، نَهى عَنِ المَظالِمِ فِيها تَشْرِيفًا لَها وتَعْظِيمًا بِالتَّخْصِيصِ بِالذِّكْرِ، وإنْ كانَتِ المَظالِمُ مَنهِيًّا عَنْها في كُلِّ زَمانٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ﴾؛ أيْ: في الأشْهُرِ الحُرُمِ، أيْ: تَجْعَلُوا حَرامَها حَلالًا. وعَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ: أحَلَّتِ القِتالَ في الأشْهُرِ الحُرُمِ بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ. وقِيلَ: مَعْناهُ لا تَأْثَمُوا فِيهِنَّ بَيانًا لِعِظَمِ حُرْمَتِهِنَّ، كَما عُظِّمَ أشْهُرُ الحَجِّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ ولا جِدالَ في الحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] وإنْ كانَ ذَلِكَ مُحَرَّمًا في سائِرِ الشُّهُورِ. انْتَهى. ويُؤَيِّدُ عَوْدَهُ عَلى الأرْبَعَةِ الحُرُمِ كَوْنُها أقْرَبَ مَذْكُورٍ، وكَوْنُ الضَّمِيرِ جاءَ بِلَفْظِ (فِيهِنَّ)، ولَمْ يَجِئْ بِلَفْظِ فِيها كَما جاءَ ﴿مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾؛ لِأنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ أنَّ الهاءَ تَكُونُ لِما زادَ عَلى العَشَرَةِ تُعامَلُ في الضَّمِيرِ مُعامَلَةَ الواحِدَةِ المُؤَنَّثَةِ فَتَقُولُ: الجُذُوعُ انْكَسَرَتْ، وأنَّ النُّونَ والهاءَ والنُّونَ لِلْعَشَرَةِ فَما دُونَها إلى الثَّلاثَةِ، تَقُولُ: الأجْذاعُ انْكَسَرْنَ، هَذا هو الصَّحِيحُ. وقَدْ يُعْكَسُ قَلِيلًا فَتَقُولُ: الجُذُوعُ انْكَسَرْنَ، والأجْذاعُ انْكَسَرَتْ، والظُّلْمُ بِالمَعاصِي أوْ بِالنَّسِيءِ في تَحْلِيلِ شَهْرٍ مُحَرَّمٍ وتَحْرِيمِ شَهْرٍ حَلّالٍ، أوْ بِالبُداءَةِ بِالقِتالِ، أوْ بِتَرْكِ المَحارِمِ لِعَدَدِكم، أقْوالٌ. وانْتَصَبَ (كافَّةً) عَلى الحالِ مِنَ الفاعِلِ أوْ مِنَ المَفْعُولِ، ومَعْناهُ جَمِيعًا. ولا يُثَنّى، ولا يُجْمَعُ، ولا تَدْخُلُهُ ألْ، ولا يُتَصَرَّفُ فِيها بِغَيْرِ الحالِ. وتَقَدَّمَ بَسْطُ الكَلامِ فِيها في قَوْلِهِ: ﴿ادْخُلُوا في السِّلْمِ كافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨] فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. والمَعِيَّةُ بِالنَّصْرِ والتَّأْيِيدِ، وفي ضِمْنِهِ الأمْرُ بِالتَّقْوى والحَثُّ عَلَيْها.
﴿إنَّما النَّسِيءُ زِيادَةٌ في الكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عامًا ويُحَرِّمُونَهُ عامًا لِيُواطِئُوا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهم سُوءُ أعْمالِهِمْ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾: يُقالُ: نَسَأهُ وأنْسَأهُ إذا أخَّرَهُ، حَكاهُ الكِسائِيُّ. قالَ الجَوْهَرِيُّ وأبُو حاتِمٍ: النَّسِيءُ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، مِن نَسَأْتُ الشَّيْءَ فَهو مَنسُوءٌ إذا أخَّرْتُهُ، ثُمَّ حُوِّلَ إلى نَسِيءٍ كَما حُوِّلَ مَقْتُولٌ إلى قَتِيلٍ. ورَجُلٌ ناسِئٌ، وقَوْمٌ نَسَأةٌ، مِثْلُ فاسِقٍ وفَسَقَةٍ. انْتَهى. وقِيلَ: النَّسِيءُ مَصْدَرٌ مِن أنْسَأ، كالنَّذِيرِ مِن أنْذَرَ، والنَّكِيرُ مِن أنْكَرَ، وهو ظاهِرُ قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ؛ لِأنَّهُ قالَ: النَّسِيءُ تَأْخِيرُ حُرْمَةِ الشَّهْرِ إلى شَهْرٍ آخَرَ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: النَّسِيءُ بِالهَمْزِ مَعْناهُ الزِّيادَةُ انْتَهى. فَإذا قُلْتَ: أنْسَأ اللَّهُ أجَلَهُ بِمَعْنى أخَّرَ، لَزِمَ مِن ذَلِكَ الزِّيادَةُ في الأجَلِ، فَلَيْسَ النَّسِيءُ مُرادِفًا لِلزِّيادَةِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ مُنْفَرِدًا عَنْها في بَعْضِ المَواضِعِ. وإذا كانَ النَّسِيءُ مَصْدَرًا كانَ الإخْبارُ عَنْهُ بِمَصْدَرٍ واضِحًا، وإذا كانَ بِمَعْنى مَفْعُولٍ فَلا بُدَّ مِن إضْمارِ إمّا في النَّسِيءِ؛ أيْ: إنْ نَسَأ النَّسِيءُ، أوْ في زِيادَةٍ؛ أيْ: ذُو زِيادَةٍ. وبِتَقْدِيرِ هَذا الإضْمارِ يَرِدُ عَلى ما يَرِدُ عَلى قَوْلِهِ. ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَعِيلًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ المَعْنى: إنَّما المُؤَخَّرُ زِيادَةٌ، والمُؤَخَّرُ الشَّهْرُ، ولا يَكُونُ الشَّهْرُ زِيادَةً في الكُفْرِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: النَّسِيءُ مَهْمُوزًا عَلى وزْنِ فَعِيلٍ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ وحُمَيْدٌ وأبُو جَعْفَرَ ووَرْشٌ عَنْ نافِعٍ والحَلْوانِيُّ: النَّسِيُّ بِتَشْدِيدِ الياءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ سَهَّلَ الهَمْزَةَ بِإبْدالِها ياءً، وأدْغَمَ الياءَ فِيها، كَما فَعَلُوا في نَبِيءٍ وخَطِيئَةٍ فَقالُوا: نَبِيٌّ وخَطِّيَّةٌ بِالإبْدالِ والإدْغامِ. وفي كِتابِ اللَّوامِحِ: قَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ والزُّهْرِيُّ والأشْهَبُ: النَّسِيُّ بِالياءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ مِثْلُ النَّدِيُّ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ وطَلْحَةُ والأشْهَبُ النَّسْءُ (p-٤٠)بِإسْكانِ السِّينِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: النَّسُوءُ عَلى وزْنِ فَعُولٍ بِفَتْحِ الفاءِ، وهو التَّأْخِيرُ. ورُوِيَتْ هَذِهِ عَنْ طَلْحَةَ والسُّلَمِيِّ. وقَوْلُ أبِي وائِلٍ: إنَّ النَّسِيءَ رَجُلٌ مِن بَنِي كِنانَةَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ. وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ألَسْنا النّاسِئِينَ عَلى مَعَدٍّ شُهُورَ الحِلِّ نَجْعَلُها حَرامًا
وقالَ آخَرُ:
؎نَسَئُوا الشُّهُورَ بِها وكانُوا أهْلَها ∗∗∗ مِن قَبْلِكم والعِزُّ لَمْ يَتَحَوَّلِ
وأخْبَرَ أنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ في الكُفْرِ؛ أيْ: جاءَتْ مَعَ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ؛ لِأنَّ الكافِرَ إذا أحْدَثَ مَعْصِيَةً ازْدادَ كُفْرًا. قالَ تَعالى: ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥] كَما أنَّ المُؤْمِنَ إذا أحْدَثَ طاعَةً ازْدادَ إيمانًا. قالَ تَعالى: ﴿فَزادَتْهم إيمانًا وهم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤]، وأعادَ الضَّمِيرَ في (بِهِ) عَلى (النَّسِيءُ)، لا عَلى لَفْظِ (زِيادَةٌ) . وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ والأخَوانِ وحَفْصٌ: (يُضَلُّ)
وهُوَ مُناسِبٌ لِقَوْلِهِ: (زُيِّنَ)، وباقِي السَّبْعَةِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وابْنُ مَسْعُودٍ في رِوايَةٍ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونَ ويَعْقُوبُ: (يُضِلُّ)؛ أيِ اللَّهُ؛ أيْ: يُضِلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا أتْباعَهم. ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ الحَسَنِ، والأعْمَشِ، وأبِي عَمْرٍو، وأبِي رَجاءٍ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: يَضَلُّ بِفَتْحَتَيْنِ مِن ضَلِلْتُ بِكَسْرِ اللّامِ أضَلَّ بِفَتْحِ الضّادِ مَنقُولًا فَتْحُها مِن فَتْحَةِ اللّامِ؛ إذِ الأصْلُ أضْلَلَ. وقَرَأ النَّخَعِيُّ ومَحْبُوبٌ عَنِ الحَسَنِ: نُضِلُّ بِالنُّونِ المَضْمُومَةِ وكَسْرِ الضّادِ؛ أيْ: نُضِلُّ نَحْنُ. ومَعْنى تَحْرِيمِهِمْ عامًا وتَحْلِيلِهِمْ عامًا: لا يُرادُ أنَّ ذَلِكَ كانَ مُداوَلَةً في الشَّهْرِ بِعَيْنِهِ عامٌ حَلالٌ وعامٌ حَرامٌ. وقَدْ تَأوَّلَ بَعْضُ النّاسِ القِصَّةَ عَلى أنَّهم كانُوا إذا شَقَّ عَلَيْهِمْ تَوالِي الأشْهُرِ الحُرُمِ أحَلَّ لَهُمُ المُحَرَّمَ وحَرَّمَ صَفَرًا بَدَلًا مِنَ المُحَرَّمِ، ثُمَّ مَشَتِ الشُّهُورُ مُسْتَقِيمَةً عَلى أسْمائِها المَعْهُودَةِ، فَإذا كانَ مِن قابِلٍ حُرِّمَ المُحَرَّمُ عَلى حَقِيقَتِهِ وأُحِلَّ صَفَرٌ ومَشَتِ الشُّهُورُ مُسْتَقِيمَةً، وإنَّ هَذِهِ كانَتْ حالَ القَوْمِ.
وتَقَدَّمَ لَنا أنَّ الَّذِي انْتَدَبَ أوَّلًا لِلنَّسِيءِ القَلَمَّسُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ: الَّذِينَ شَرَعُوا النَّسِيءَ هم بَنُو مالِكٍ مِن كِنانَةَ، وكانُوا ثَلاثَةً. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ أوَّلَ مَن فَعَلَ ذَلِكَ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ، وهو أوَّلُ مَن سَيَّبَ السَّوائِبَ، وغَيَّرَ دِينَ إبْراهِيمَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: أوَّلُ مَن فَعَلَ ذَلِكَ رَجُلٌ مِن بَنِي كِنانَةَ يُقالُ لَهُ: نُعَيْمُ بْنُ ثَعْلَبَةَ. والمُواطَأةُ: المُوافَقَةُ، أيْ لِيُوافِقُوا العُدَّةَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، وهي الأرْبَعَةُ، ولا يُخالِفُونَها، وقَدْ خالَفُوا التَّخْصِيصَ الَّذِي هو أصْلُ الواجِبَيْنِ. والواجِبانِ هُما العَدَدُ الَّذِي هو أرْبَعَةٌ في أشْخاصِ أشْهُرٍ مَعْلُومَةٍ وهي: رَجَبٌ، وذُو القَعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ كَما تَقَدَّمَ. ويُقالُ: تَواطَئُوا عَلى كَذا إذا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ، كَأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم يَطَأُ حَيْثُ يَطَأُ صاحِبُهُ. ومِنهُ الإيطاءُ في الشِّعْرِ، وهو أنْ يَأْتِيَ في الشِّعْرِ بِقافِيَتَيْنِ عَلى لَفْظٍ واحِدٍ ومَعْنًى واحِدٍ، وهو عَيْبٌ إنْ تَقارَبَ. واللّامُ في (لِيُواطِئُوا) مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: (ويُحَرِّمُونَهُ)، وذَلِكَ عَلى طَرِيقِ الإعْمالِ. ومَن قالَ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِيُحِلُّونَهُ ويُحَرِّمُونَهُ مَعًا، فَإنَّهُ يُرِيدُ مِن حَيْثُ المَعْنى، لا مِن حَيْثُ الإعْرابُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لِيَحْفَظُوا في كُلِّ عامٍ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ في العَدَدِ، فَأزالُوا الفَضِيلَةَ الَّتِي خَصَّ اللَّهُ بِها الأشْهُرَ الحُرُمَ وحْدَها، بِمَثابَةِ أنْ يُفْطِرَ رَمَضانَ، ويَصُومَ شَهْرًا مِنَ السَّنَةِ بِغَيْرِ مَرَضٍ أوْ سَفَرٍ انْتَهى. وقَرَأ الأعْمَشُ وأبُو جَعْفَرٍ: لِيُواطِيُوا بِالياءِ المَضْمُومَةِ لَمّا أبْدَلَ مِنَ الهَمْزَةِ ياءً عامَلَ البَدَلَ مُعامَلَةَ المُبْدَلِ مِنهُ، والأصَحُّ ضَمُّ الطّاءِ وحَذْفُ الياءِ؛ لِأنَّهُ أخْلَصَ الهَمْزَةَ ياءً خالِصَةً عِنْدَ التَّخْفِيفِ، فَسُكِّنَتْ لِاسْتِثْقالِ الضَّمَّةِ عَلَيْها، وذَهَبَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وبُدِّلَتْ كَسْرَةُ الطّاءِ ضَمَّةً؛ لِأجْلِ الواوِ الَّتِي هي ضَمِيرُ الجَماعَةِ كَما قِيلَ في رَضِيُوا: رَضُوا. وجاءَ عَنِ الزُّهْرِيِّ: لِيُواطِيُّوا بِتَشْدِيدِ الياءِ، هَكَذا التَّرْجَمَةُ عَنْهُ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: فَإنْ لَمْ يُرِدْ بِهِ شِدَّةَ بَيانِ الياءِ وتَخْلِيصِها مِنَ الهَمْزِ دُونَ التَّضْعِيفِ، فَلا أعْرِفُ وجْهَهُ انْتَهى. فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ؛ أيْ بِمُواطَأةِ العِدَّةِ وحْدَها مِن غَيْرِ تَخْصِيصِ ما حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى مِنَ القِتالِ، أوْ مِن تَرْكِ الِاخْتِصاصِ (p-٤١)لِلْأشْهُرِ بِعَيْنِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿زُيِّنَ لَهم سُوءُ أعْمالِهِمْ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. والأوْلى أنْ يَكُونَ المَنسُوبُ إلَيْهِ التَّزْيِينُ الشَّيْطانَ؛ لِأنَّ ما أُخْبِرَ بِهِ عَنْهم سِيقَ في المُبالَغَةِ في مَعْرِضِ الذَّمِّ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: زَيَّنَ لَهم سُوءُ بِفَتْحِ الزّايِ والياءِ والهَمْزَةِ، والأوْلى أنْ يَكُونَ زَيَّنَ لَهم ذَلِكَ الفِعْلَ سُوءُ أعْمالِهِمْ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: خَذَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى فَحَسِبُوا أعْمالَهُمُ القَبِيحَةَ حَسَنَةً. (واللَّهُ لا يَهْدِي)؛ أيْ: لا يَلْطُفُ بِهِمْ، بَلْ يَخْذُلُهُمُ انْتَهى. وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: لا يَهْدِيهِمْ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ والثَّوابِ. وقالَ الأصَمُّ: لا يَحْكُمُ لَهم بِالهِدايَةِ. وقِيلَ: لا يَفْعَلُ بِهِمْ خَيْرًا، والعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ خَيْرٍ هُدًى، وكُلَّ شَرٍّ ضَلالَةً انْتَهى. وهَذا إخْبارٌ عَمَّنْ سَبَقَ في عِلْمِهِ أنَّهم لا يَهْتَدُونَ.
التوبة 9:37
﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا في كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكم وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً كَما يُقاتِلُونَكم كافَّةً واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ كانَتِ العَرَبُ لا عَيْشَ لِأكْثَرِها إلّا مِنَ الغاراتِ وأعْمالِ سِلاحِها، فَكانَتْ إذا تَوالَتْ عَلَيْهِمُ الأرْبَعَةُ الحُرُمُ صَعُبَ عَلَيْها وأمْلَقُوا، وكانَ بَنُو فُقَيْمٍ مِن كِنانَةَ أهْلَ دِينٍ وتَمَسُّكٍ بِشَرْعِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فانْتُدِبَ مِنهُمُ القَلَمَّسُ وهو حُذَيْفَةُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ فُقَيْمٍ فَنَسَأ (p-٣٨)الشُّهُورَ لِلْعَرَبِ، ثُمَّ خَلَفَهُ عَلى ذَلِكَ ابْنُهُ عَبّادٌ، ثُمَّ ابْنُهُ قَلَعٌ، ثُمَّ ابْنُهُ أُمَيَّةُ، ثُمَّ ابْنُهُ عَوْفٌ، ثُمَّ ابْنُهُ جُنادَةُ بْنُ عَوْفٍ، وعَلَيْهِ قامَ الإسْلامُ. وكانَتِ العَرَبُ إذا فَرَغَتْ مَن حَجَّها جاءَ إلَيْهِ مَن شاءَ مِنهم مُجْتَمِعِينَ فَقالُوا: أنْسِئْنا شَهْرًا؛ أيْ: أخِّرْ عَنّا حُرْمَةَ المُحَرَّمِ فاجْعَلْها في صَفَرٍ، فَيُحِلُّ لَهُمُ المُحَرَّمَ، فَيُغِيرُونَ فِيهِ ويَعِيشُونَ. ثُمَّ يَلْزَمُونَ حُرْمَةَ صَفَرٍ لِيُوافِقُوا عِدَّةَ الأشْهُرِ الأرْبَعَةِ، ويُسَمُّونَ ذَلِكَ الصَّفَرَ المُحَرَّمَ، ويُسَمُّونَ رَبِيعًا الأوَّلَ صَفَرًا، ورَبِيعًا الآخَرَ رَبِيعًا الأوَّلَ، وهَكَذا في سائِرِ الشُّهُورِ يَسْتَقْبِلُونَ نَسِيئَهم في المُحَرَّمِ المَوْضُوعِ لَهم، فَيَسْقُطُ عَلى هَذا حُكْمُ المُحَرَّمِ الَّذِي حُلِّلَ لَهم، وتَجِيءُ السَّنَةُ مِن ثَلاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا أوَّلُها المُحَرَّمُ المُحَلَّلُ، ثُمَّ المُحَرَّمُ الَّذِي هو في الحَقِيقَةِ صَفَرٌ، ثُمَّ اسْتِقْبالُ السَّنَةِ كَما ذَكَرْنا.
قالَ مُجاهِدٌ: ثُمَّ كانُوا يَحُجُّونَ في كُلِّ عامٍ شَهْرَيْنِ ولاءً، وبَعْدَ ذَلِكَ يُبَدِّلُونَ فَيَحُجُّونَ عامَيْنِ ولاءً، ثُمَّ كَذَلِكَ حَتّى كانَتْ حَجَّةَ أبِي بَكْرٍ في ذِي القَعْدَةِ حَقِيقَةً، وهم يُسَمُّونَهُ ذا الحِجَّةِ، ثُمَّ حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَنَةَ عَشْرٍ في ذِي الحِجَّةِ حَقِيقَةً، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: «إنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ، السَّنَةُ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا، أرْبَعَةٌ حُرُمٌ: ذُو القَعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ ورَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمادى وشَعْبانَ» .
ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنْواعًا مِن قَبائِحِ أهْلِ الشِّرْكِ وأهْلِ الكِتابِ، ذَكَرَ أيْضًا نَوْعًا مِنهُ؛ وهو تَغْيِيرُ العَرَبِ أحْكامَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ حَكَمَ في وقْتٍ بِحُكْمٍ خاصٍّ، فَإذا غَيَّرُوا ذَلِكَ الوَقْتَ فَقَدْ غَيَّرُوا حُكْمَ اللَّهِ. والشُّهُورُ: جَمْعُ كَثْرَةٍ لَمّا كانَتْ أزْيَدَ مِن عَشَرَةٍ، بِخِلافِ قَوْلِهِ: ”الحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ“ فَجاءَ بِلَفْظِ جَمْعِ القِلَّةِ، والمَعْنى: شُهُورُ السَّنَةِ القَمَرِيَّةِ؛ لِأنَّهم كانُوا يُؤَرِّخُونَ بِالسَّنَةِ القَمَرِيَّةِ لا الشَّمْسِيَّةِ، تَوارَثُوهُ عَنْ إسْماعِيلَ وإبْراهِيمَ. ومَعْنى (عِنْدَ اللَّهِ) أيْ في حُكْمِهِ وتَقْدِيرِهِ كَما تَقُولُ: هَذا عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ عِدَّةُ الشُّهُورِ الَّتِي تُسَمّى سَنَةً اثْنا عَشَرَ؛ لِأنَّهم جَعَلُوا أشْهُرَ العامِ ثَلاثَةَ عَشَرَ.
وقَرَأ ابْنُ القَعْقاعِ وهُبَيْرَةُ عَنْ حَفْصٍ: بِإسْكانِ العَيْنِ مَعَ إثْباتِ الألِفِ، وهو جَمْعٌ بَيْنَ ساكِنَيْنِ عَلى غَيْرِ حَدِّهِ، كَما رُوِيَ: التَقَتْ حَلْقَتا البِطانِ بِإثْباتِ ألِفِ حَلْقَتا. وقَرَأ طَلْحَةُ بِإسْكانِ الشِّينِ، وانْتَصَبَ (شَهْرًا) عَلى التَّمْيِيزِ المُؤَكِّدِ كَقَوْلِكَ: عِنْدِي مِنَ الرِّجالِ عِشْرُونَ رَجُلًا. ومَعْنى (في كِتابِ اللَّهِ) قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ. وقِيلَ: في إيجابِ اللَّهِ. وقِيلَ: في حُكْمِهِ. وقِيلَ: في القُرْآنِ؛ لِأنَّ السَّنَةَ المُعْتَبَرَةَ في هَذِهِ الشَّرِيعَةِ هي السَّنَةُ القَمَرِيَّةُ، وهَذا الحُكْمُ في القُرْآنِ. قالَ تَعالى: ﴿والقَمَرَ نُورًا وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ﴾ [يونس: ٥]، وقالَ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أيْ فِيما كَتَبَهُ وأثْبَتَهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ وغَيْرِهِ، فَهي صِفَةُ فِعْلٍ مِثْلُ خَلْقِهِ ورِزْقِهِ، ولَيْسَ بِمَعْنى قَضائِهِ وتَقْدِيرِهِ؛ لِأنَّ تِلْكَ هي قَبْلَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ انْتَهى. (وعِنْدَ اللَّهِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (عِدَّةَ) . وقالَ الحَوْفِيُّ: (في كِتابِ اللَّهِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (عِدَّةَ)، ﴿يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ مُتَعَلِّقٌ أيْضًا بِـ (عِدَّةَ) . وقالَ أبُو عَلِيٍّ: لا يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ قَوْلُهُ (في كِتابِ اللَّهِ) بِـ (عِدَّةَ)؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي الفَصْلَ بَيْنَ الصِّلَةِ والمَوْصُولِ بِالخَبَرِ الَّذِي هو ﴿اثْنا عَشَرَ شَهْرًا﴾، ولِأنَّهُ لا يَجُوزُ، انْتَهى. وهو كَلامٌ صَحِيحٌ. وقالَ أبُو البَقاءِ: (عِدَّةَ) مَصْدَرٌ مِثْلُ العَدَدِ، و﴿فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ صِفَةٌ لاثْنا عَشَرَ، و(يَوْمَ) مَعْمُولٌ لِـ (كِتابِ) عَلى أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا لا جُثَّةً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جُثَّةً، ويَكُونُ العامِلُ في (يَوْمَ) مَعْنى الِاسْتِقْرارِ، انْتَهى. وقِيلَ: انْتَصَبَ (يَوْمَ) بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: كُتِبَ ذَلِكَ يَوْمَ خَلْقِ السَّماواتِ، ولَمّا كانَتْ أشْياءُ تُوصَفُ بِكَوْنِها عِنْدَ اللَّهِ ولا يُقالُ فِيها أنَّها مَكْتُوبَةٌ في كِتابِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] جَمَعَ هُنا بَيْنَهُما، إذْ لا تَعارُضَ. والضَّمِيرُ في (مِنها) عائِدٌ عَلى (اثْنا عَشَرَ)؛ لِأنَّهُ أقْرَبُ، لا عَلى الشُّهُورِ، وهي في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِاثْنا عَشَرَ، أوْ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ في (مُسْتَقِرٌّ) .
و(أرْبَعَةٌ حُرُمٌ) سُمِّيَتْ حُرُمًا؛ لِتَحْرِيمِ القِتالِ فِيها، أوْ لِتَعْظِيمِ انْتِهاكِ المَحارِمِ فِيها. وتَسْكِينُ الرّاءِ لُغَةٌ. وذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّها الأشْهُرُ الَّتِي أُجِّلَ المُشْرِكُونَ فِيها (p-٣٩)أنْ يَسِيحُوا، والصَّحِيحُ أنَّها رَجَبٌ، وذُو القَعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمِ. وأوَّلُها عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ العُلَماءِ رَجَبٌ، فَيَكُونُ مِن سَنَتَيْنِ. وقالَ قَوْمٌ: أوَّلُها المُحَرَّمُ، فَيَكُونُ مِن سَنَةٍ واحِدَةٍ.
﴿ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ﴾؛ أيْ: القَضاءُ المُسْتَقِيمُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: العَدَدُ الصَّحِيحُ. وقِيلَ: الشَّرْعُ القَوِيمُ، إذْ هو دِينُ إبْراهِيمَ.
﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكُمْ﴾، الضَّمِيرُ في (فِيهِنَّ) عائِدٌ عَلى الِاثْنا عَشَرَ شَهْرًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والمَعْنى: لا تَجْعَلُوا حَلالًا حَرامًا، ولا حَرامًا حَلالًا كَفِعْلِ النَّسِيءِ. ويُؤَيِّدُهُ كَوْنُ الظُّلْمِ مَنهِيًّا عَنْهُ في كُلِّ وقْتٍ لا يَخْتَصُّ بِالأرْبَعِ الحُرُمِ. وقالَ قَتادَةُ والفَرّاءُ: هو عائِدٌ عَلى الأرْبَعَةِ الحُرُمِ، نَهى عَنِ المَظالِمِ فِيها تَشْرِيفًا لَها وتَعْظِيمًا بِالتَّخْصِيصِ بِالذِّكْرِ، وإنْ كانَتِ المَظالِمُ مَنهِيًّا عَنْها في كُلِّ زَمانٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ﴾؛ أيْ: في الأشْهُرِ الحُرُمِ، أيْ: تَجْعَلُوا حَرامَها حَلالًا. وعَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ: أحَلَّتِ القِتالَ في الأشْهُرِ الحُرُمِ بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ. وقِيلَ: مَعْناهُ لا تَأْثَمُوا فِيهِنَّ بَيانًا لِعِظَمِ حُرْمَتِهِنَّ، كَما عُظِّمَ أشْهُرُ الحَجِّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ ولا جِدالَ في الحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] وإنْ كانَ ذَلِكَ مُحَرَّمًا في سائِرِ الشُّهُورِ. انْتَهى. ويُؤَيِّدُ عَوْدَهُ عَلى الأرْبَعَةِ الحُرُمِ كَوْنُها أقْرَبَ مَذْكُورٍ، وكَوْنُ الضَّمِيرِ جاءَ بِلَفْظِ (فِيهِنَّ)، ولَمْ يَجِئْ بِلَفْظِ فِيها كَما جاءَ ﴿مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾؛ لِأنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ أنَّ الهاءَ تَكُونُ لِما زادَ عَلى العَشَرَةِ تُعامَلُ في الضَّمِيرِ مُعامَلَةَ الواحِدَةِ المُؤَنَّثَةِ فَتَقُولُ: الجُذُوعُ انْكَسَرَتْ، وأنَّ النُّونَ والهاءَ والنُّونَ لِلْعَشَرَةِ فَما دُونَها إلى الثَّلاثَةِ، تَقُولُ: الأجْذاعُ انْكَسَرْنَ، هَذا هو الصَّحِيحُ. وقَدْ يُعْكَسُ قَلِيلًا فَتَقُولُ: الجُذُوعُ انْكَسَرْنَ، والأجْذاعُ انْكَسَرَتْ، والظُّلْمُ بِالمَعاصِي أوْ بِالنَّسِيءِ في تَحْلِيلِ شَهْرٍ مُحَرَّمٍ وتَحْرِيمِ شَهْرٍ حَلّالٍ، أوْ بِالبُداءَةِ بِالقِتالِ، أوْ بِتَرْكِ المَحارِمِ لِعَدَدِكم، أقْوالٌ. وانْتَصَبَ (كافَّةً) عَلى الحالِ مِنَ الفاعِلِ أوْ مِنَ المَفْعُولِ، ومَعْناهُ جَمِيعًا. ولا يُثَنّى، ولا يُجْمَعُ، ولا تَدْخُلُهُ ألْ، ولا يُتَصَرَّفُ فِيها بِغَيْرِ الحالِ. وتَقَدَّمَ بَسْطُ الكَلامِ فِيها في قَوْلِهِ: ﴿ادْخُلُوا في السِّلْمِ كافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨] فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. والمَعِيَّةُ بِالنَّصْرِ والتَّأْيِيدِ، وفي ضِمْنِهِ الأمْرُ بِالتَّقْوى والحَثُّ عَلَيْها.
﴿إنَّما النَّسِيءُ زِيادَةٌ في الكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عامًا ويُحَرِّمُونَهُ عامًا لِيُواطِئُوا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهم سُوءُ أعْمالِهِمْ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾: يُقالُ: نَسَأهُ وأنْسَأهُ إذا أخَّرَهُ، حَكاهُ الكِسائِيُّ. قالَ الجَوْهَرِيُّ وأبُو حاتِمٍ: النَّسِيءُ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، مِن نَسَأْتُ الشَّيْءَ فَهو مَنسُوءٌ إذا أخَّرْتُهُ، ثُمَّ حُوِّلَ إلى نَسِيءٍ كَما حُوِّلَ مَقْتُولٌ إلى قَتِيلٍ. ورَجُلٌ ناسِئٌ، وقَوْمٌ نَسَأةٌ، مِثْلُ فاسِقٍ وفَسَقَةٍ. انْتَهى. وقِيلَ: النَّسِيءُ مَصْدَرٌ مِن أنْسَأ، كالنَّذِيرِ مِن أنْذَرَ، والنَّكِيرُ مِن أنْكَرَ، وهو ظاهِرُ قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ؛ لِأنَّهُ قالَ: النَّسِيءُ تَأْخِيرُ حُرْمَةِ الشَّهْرِ إلى شَهْرٍ آخَرَ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: النَّسِيءُ بِالهَمْزِ مَعْناهُ الزِّيادَةُ انْتَهى. فَإذا قُلْتَ: أنْسَأ اللَّهُ أجَلَهُ بِمَعْنى أخَّرَ، لَزِمَ مِن ذَلِكَ الزِّيادَةُ في الأجَلِ، فَلَيْسَ النَّسِيءُ مُرادِفًا لِلزِّيادَةِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ مُنْفَرِدًا عَنْها في بَعْضِ المَواضِعِ. وإذا كانَ النَّسِيءُ مَصْدَرًا كانَ الإخْبارُ عَنْهُ بِمَصْدَرٍ واضِحًا، وإذا كانَ بِمَعْنى مَفْعُولٍ فَلا بُدَّ مِن إضْمارِ إمّا في النَّسِيءِ؛ أيْ: إنْ نَسَأ النَّسِيءُ، أوْ في زِيادَةٍ؛ أيْ: ذُو زِيادَةٍ. وبِتَقْدِيرِ هَذا الإضْمارِ يَرِدُ عَلى ما يَرِدُ عَلى قَوْلِهِ. ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَعِيلًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ المَعْنى: إنَّما المُؤَخَّرُ زِيادَةٌ، والمُؤَخَّرُ الشَّهْرُ، ولا يَكُونُ الشَّهْرُ زِيادَةً في الكُفْرِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: النَّسِيءُ مَهْمُوزًا عَلى وزْنِ فَعِيلٍ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ وحُمَيْدٌ وأبُو جَعْفَرَ ووَرْشٌ عَنْ نافِعٍ والحَلْوانِيُّ: النَّسِيُّ بِتَشْدِيدِ الياءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ سَهَّلَ الهَمْزَةَ بِإبْدالِها ياءً، وأدْغَمَ الياءَ فِيها، كَما فَعَلُوا في نَبِيءٍ وخَطِيئَةٍ فَقالُوا: نَبِيٌّ وخَطِّيَّةٌ بِالإبْدالِ والإدْغامِ. وفي كِتابِ اللَّوامِحِ: قَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ والزُّهْرِيُّ والأشْهَبُ: النَّسِيُّ بِالياءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ مِثْلُ النَّدِيُّ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ وطَلْحَةُ والأشْهَبُ النَّسْءُ (p-٤٠)بِإسْكانِ السِّينِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: النَّسُوءُ عَلى وزْنِ فَعُولٍ بِفَتْحِ الفاءِ، وهو التَّأْخِيرُ. ورُوِيَتْ هَذِهِ عَنْ طَلْحَةَ والسُّلَمِيِّ. وقَوْلُ أبِي وائِلٍ: إنَّ النَّسِيءَ رَجُلٌ مِن بَنِي كِنانَةَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ. وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ألَسْنا النّاسِئِينَ عَلى مَعَدٍّ شُهُورَ الحِلِّ نَجْعَلُها حَرامًا
وقالَ آخَرُ:
؎نَسَئُوا الشُّهُورَ بِها وكانُوا أهْلَها ∗∗∗ مِن قَبْلِكم والعِزُّ لَمْ يَتَحَوَّلِ
وأخْبَرَ أنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ في الكُفْرِ؛ أيْ: جاءَتْ مَعَ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ؛ لِأنَّ الكافِرَ إذا أحْدَثَ مَعْصِيَةً ازْدادَ كُفْرًا. قالَ تَعالى: ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥] كَما أنَّ المُؤْمِنَ إذا أحْدَثَ طاعَةً ازْدادَ إيمانًا. قالَ تَعالى: ﴿فَزادَتْهم إيمانًا وهم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤]، وأعادَ الضَّمِيرَ في (بِهِ) عَلى (النَّسِيءُ)، لا عَلى لَفْظِ (زِيادَةٌ) . وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ والأخَوانِ وحَفْصٌ: (يُضَلُّ)
وهُوَ مُناسِبٌ لِقَوْلِهِ: (زُيِّنَ)، وباقِي السَّبْعَةِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وابْنُ مَسْعُودٍ في رِوايَةٍ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونَ ويَعْقُوبُ: (يُضِلُّ)؛ أيِ اللَّهُ؛ أيْ: يُضِلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا أتْباعَهم. ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ الحَسَنِ، والأعْمَشِ، وأبِي عَمْرٍو، وأبِي رَجاءٍ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: يَضَلُّ بِفَتْحَتَيْنِ مِن ضَلِلْتُ بِكَسْرِ اللّامِ أضَلَّ بِفَتْحِ الضّادِ مَنقُولًا فَتْحُها مِن فَتْحَةِ اللّامِ؛ إذِ الأصْلُ أضْلَلَ. وقَرَأ النَّخَعِيُّ ومَحْبُوبٌ عَنِ الحَسَنِ: نُضِلُّ بِالنُّونِ المَضْمُومَةِ وكَسْرِ الضّادِ؛ أيْ: نُضِلُّ نَحْنُ. ومَعْنى تَحْرِيمِهِمْ عامًا وتَحْلِيلِهِمْ عامًا: لا يُرادُ أنَّ ذَلِكَ كانَ مُداوَلَةً في الشَّهْرِ بِعَيْنِهِ عامٌ حَلالٌ وعامٌ حَرامٌ. وقَدْ تَأوَّلَ بَعْضُ النّاسِ القِصَّةَ عَلى أنَّهم كانُوا إذا شَقَّ عَلَيْهِمْ تَوالِي الأشْهُرِ الحُرُمِ أحَلَّ لَهُمُ المُحَرَّمَ وحَرَّمَ صَفَرًا بَدَلًا مِنَ المُحَرَّمِ، ثُمَّ مَشَتِ الشُّهُورُ مُسْتَقِيمَةً عَلى أسْمائِها المَعْهُودَةِ، فَإذا كانَ مِن قابِلٍ حُرِّمَ المُحَرَّمُ عَلى حَقِيقَتِهِ وأُحِلَّ صَفَرٌ ومَشَتِ الشُّهُورُ مُسْتَقِيمَةً، وإنَّ هَذِهِ كانَتْ حالَ القَوْمِ.
وتَقَدَّمَ لَنا أنَّ الَّذِي انْتَدَبَ أوَّلًا لِلنَّسِيءِ القَلَمَّسُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ: الَّذِينَ شَرَعُوا النَّسِيءَ هم بَنُو مالِكٍ مِن كِنانَةَ، وكانُوا ثَلاثَةً. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ أوَّلَ مَن فَعَلَ ذَلِكَ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ، وهو أوَّلُ مَن سَيَّبَ السَّوائِبَ، وغَيَّرَ دِينَ إبْراهِيمَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: أوَّلُ مَن فَعَلَ ذَلِكَ رَجُلٌ مِن بَنِي كِنانَةَ يُقالُ لَهُ: نُعَيْمُ بْنُ ثَعْلَبَةَ. والمُواطَأةُ: المُوافَقَةُ، أيْ لِيُوافِقُوا العُدَّةَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، وهي الأرْبَعَةُ، ولا يُخالِفُونَها، وقَدْ خالَفُوا التَّخْصِيصَ الَّذِي هو أصْلُ الواجِبَيْنِ. والواجِبانِ هُما العَدَدُ الَّذِي هو أرْبَعَةٌ في أشْخاصِ أشْهُرٍ مَعْلُومَةٍ وهي: رَجَبٌ، وذُو القَعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ كَما تَقَدَّمَ. ويُقالُ: تَواطَئُوا عَلى كَذا إذا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ، كَأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم يَطَأُ حَيْثُ يَطَأُ صاحِبُهُ. ومِنهُ الإيطاءُ في الشِّعْرِ، وهو أنْ يَأْتِيَ في الشِّعْرِ بِقافِيَتَيْنِ عَلى لَفْظٍ واحِدٍ ومَعْنًى واحِدٍ، وهو عَيْبٌ إنْ تَقارَبَ. واللّامُ في (لِيُواطِئُوا) مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: (ويُحَرِّمُونَهُ)، وذَلِكَ عَلى طَرِيقِ الإعْمالِ. ومَن قالَ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِيُحِلُّونَهُ ويُحَرِّمُونَهُ مَعًا، فَإنَّهُ يُرِيدُ مِن حَيْثُ المَعْنى، لا مِن حَيْثُ الإعْرابُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لِيَحْفَظُوا في كُلِّ عامٍ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ في العَدَدِ، فَأزالُوا الفَضِيلَةَ الَّتِي خَصَّ اللَّهُ بِها الأشْهُرَ الحُرُمَ وحْدَها، بِمَثابَةِ أنْ يُفْطِرَ رَمَضانَ، ويَصُومَ شَهْرًا مِنَ السَّنَةِ بِغَيْرِ مَرَضٍ أوْ سَفَرٍ انْتَهى. وقَرَأ الأعْمَشُ وأبُو جَعْفَرٍ: لِيُواطِيُوا بِالياءِ المَضْمُومَةِ لَمّا أبْدَلَ مِنَ الهَمْزَةِ ياءً عامَلَ البَدَلَ مُعامَلَةَ المُبْدَلِ مِنهُ، والأصَحُّ ضَمُّ الطّاءِ وحَذْفُ الياءِ؛ لِأنَّهُ أخْلَصَ الهَمْزَةَ ياءً خالِصَةً عِنْدَ التَّخْفِيفِ، فَسُكِّنَتْ لِاسْتِثْقالِ الضَّمَّةِ عَلَيْها، وذَهَبَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وبُدِّلَتْ كَسْرَةُ الطّاءِ ضَمَّةً؛ لِأجْلِ الواوِ الَّتِي هي ضَمِيرُ الجَماعَةِ كَما قِيلَ في رَضِيُوا: رَضُوا. وجاءَ عَنِ الزُّهْرِيِّ: لِيُواطِيُّوا بِتَشْدِيدِ الياءِ، هَكَذا التَّرْجَمَةُ عَنْهُ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: فَإنْ لَمْ يُرِدْ بِهِ شِدَّةَ بَيانِ الياءِ وتَخْلِيصِها مِنَ الهَمْزِ دُونَ التَّضْعِيفِ، فَلا أعْرِفُ وجْهَهُ انْتَهى. فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ؛ أيْ بِمُواطَأةِ العِدَّةِ وحْدَها مِن غَيْرِ تَخْصِيصِ ما حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى مِنَ القِتالِ، أوْ مِن تَرْكِ الِاخْتِصاصِ (p-٤١)لِلْأشْهُرِ بِعَيْنِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿زُيِّنَ لَهم سُوءُ أعْمالِهِمْ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. والأوْلى أنْ يَكُونَ المَنسُوبُ إلَيْهِ التَّزْيِينُ الشَّيْطانَ؛ لِأنَّ ما أُخْبِرَ بِهِ عَنْهم سِيقَ في المُبالَغَةِ في مَعْرِضِ الذَّمِّ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: زَيَّنَ لَهم سُوءُ بِفَتْحِ الزّايِ والياءِ والهَمْزَةِ، والأوْلى أنْ يَكُونَ زَيَّنَ لَهم ذَلِكَ الفِعْلَ سُوءُ أعْمالِهِمْ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: خَذَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى فَحَسِبُوا أعْمالَهُمُ القَبِيحَةَ حَسَنَةً. (واللَّهُ لا يَهْدِي)؛ أيْ: لا يَلْطُفُ بِهِمْ، بَلْ يَخْذُلُهُمُ انْتَهى. وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: لا يَهْدِيهِمْ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ والثَّوابِ. وقالَ الأصَمُّ: لا يَحْكُمُ لَهم بِالهِدايَةِ. وقِيلَ: لا يَفْعَلُ بِهِمْ خَيْرًا، والعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ خَيْرٍ هُدًى، وكُلَّ شَرٍّ ضَلالَةً انْتَهى. وهَذا إخْبارٌ عَمَّنْ سَبَقَ في عِلْمِهِ أنَّهم لا يَهْتَدُونَ.
التوبة 9:38
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا قَلِيلٌ﴾: لَمّا أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِغَزاةِ تَبُوكَ، وكانَ زَمانَ جَدْبٍ وحَرٍّ شَدِيدٍ وقَدْ طابَتِ الثِّمارُ، عَظُمَ ذَلِكَ عَلى النّاسِ وأحَبُّوا المُقامَ، نَزَلَتْ عِتابًا عَلى مَن تَخَلَّفَ عَنْ هَذِهِ الغَزْوَةِ، وكانَتْ سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ بَعْدَ الفَتْحِ بِعامٍ، غَزا فِيها الرُّومَ في عِشْرِينَ ألْفًا مِن راكِبٍ وراجِلٍ، وتَخَلَّفَ عَنْهُ قَبائِلُ مِنَ النّاسِ ورِجالٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ كَثِيرٌ ومُنافِقُونَ. وخَصَّ الثَّلاثَةَ بِالعِتابِ الشَّدِيدِ بِحَسَبِ مَكانِهِمْ مِنَ الصُّحْبَةِ؛ إذْ هم مِن أهْلِ بَدْرٍ ومِمَّنْ يُقْتَدى بِهِمْ، وكانَ تَخَلُّفُهم لِغَيْرِ عِلَّةٍ حَسْبَما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. ولَمّا شَرَحَ مَعاتِبَ الكُفّارِ رَغِبَ في مُقابَلَتِهِمْ. و(ما لَكم) اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإنْكارُ والتَّقْرِيعُ، وبُنِيَ (قِيلَ) لِلْمَفْعُولِ، والقائِلُ هو الرَّسُولُ ﷺ لَمْ يُذْكَرْ إغْلاظًا ومُخاشَنَةً لَهم وصَوْنًا لِذِكْرِهِ؛ إذْ أخْلَدَ إلى الهُوَيْنا والدَّعَةِ، مَن أخْلَدَ وخالَفَ أمْرَهُ ﷺ .
وقَرَأ الأعْمَشُ: تَثاقَلْتُمْ وهو أصْلُ قِراءَةِ الجُمْهُورِ اثّاقَلْتُمْ، وهو ماضٍ بِمَعْنى المُضارِعِ، وهو في مَوْضِعِ الحالِ، وهو عامِلٌ في (إذْ)؛ أيْ: ما لَكم تَتَثاقَلُونَ إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا. وقالَ أبُو البَقاءِ: الماضِي هُنا بِمَعْنى المُضارِعِ؛ أيْ: ما لَكم تَتَثاقَلُونَ، ومَوْضِعُهُ نَصْبٌ. أيْ: أيُّ شَيْءٍ لَكم في التَّثاقُلِ ؟ أوْ في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى مَذْهَبِ الخَلِيلِ. انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ حَذْفُ أنْ؛ لِأنَّهُ لا يَنْسَبِكُ مَصْدَرٌ إلّا مِن حَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلِ، وحَذْفُ أنْ في نَحْوِ هَذا قَلِيلٌ جِدًّا أوْ ضَرُورَةٌ. وإذا كانَ التَّقْدِيرُ في التَّثاقُلِ فَلا يُمْكِنُ عَمَلُهُ في إذا؛ لِأنَّ مَعْمُولَ المَصْدَرِ المَوْصُولِ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ فَيَكُونُ النّاصِبُ لِإذا، والمُتَعَلِّقُ بِهِ في التَّثاقُلِ ما هو مَعْلُومٌ لَكُمُ الواقِعُ خَبَرًا لِما. وقُرِئَ: اثّاقَلْتُمْ عَلى الِاسْتِفْهامِ الَّذِي مَعْناهُ الإنْكارُ والتَّوْبِيخُ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَعْمَلَ في إذا ما بَعْدَ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْمَلُ فِيهِ ما دَلَّ عَلَيْهِ، أوْ ما في (ما لَكم) مِن مَعْنى الفِعْلِ، كَأنَّهُ قالَ: ما تَصْنَعُونَ إذا قِيلَ لَكم، كَما تَعْمَلُهُ في الحالِ إذا قُلْتَ: ما لَكَ قائِمًا. والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ما لَكم تَتَثاقَلُونَ إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا، وحُذِفَ لِدَلالَةِ اثّاقَلْتُمْ عَلَيْهِ. ومَعْنى اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ: مِلْتُمْ إلى شَهَواتِ الدُّنْيا حِينَ أخْرَجَتِ الأرْضُ ثِمارَها، قالَهُ مُجاهِدٌ، وكَرِهْتُمْ مَشاقَّ السَّفَرِ. وقِيلَ: مِلْتُمْ إلى الإقامَةِ بِأرْضِكم، قالَهُ الزَّجّاجُ. ولَمّا ضُمِّنَ مَعْنى المَيْلِ والإخْلادِ عُدِّيَ بِإلى. وفي قَوْلِهِ: (أرَضِيتُمْ)، نَوْعٌ مِنَ الإنْكارِ والتَّعَجُّبِ؛ أيْ: أرَضِيتُمْ بِالنَّعِيمِ العاجِلِ في الدُّنْيا الزّائِلِ بَدَلَ النَّعِيمِ الباقِي ؟ . و(مِن) تَظافَرَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّها بِمَعْنى (بَدَلَ)؛ أيْ: بَدَلَ الآخِرَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً﴾ [الزخرف: ٦٠] أيْ بَدَلًا مِنكم، ومِنهُ (p-٤٢)قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَلَيْتَ لَنا مِن ماءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً مُبَرَّدَةً باتَتْ عَلى طَهَيانِ
أيْ بَدَلًا مِن ماءِ زَمْزَمَ، والطَّهَيانِ عُودٌ يُنْصَبُ في ناحِيَةِ الدّارِ لِلْهَواءِ تُعَلَّقُ فِيهِ أوْعِيَةُ الماءِ حَتّى تَبْرُدَ. وأصْحابُنا لا يُثْبِتُونَ أنْ تَكُونَ مِن لِلْبَدَلِ. ويَتَعَلَّقُ (في الآخِرَةِ) بِمَحْذُوفٍ؛ التَّقْدِيرُ: فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا مَحْسُوبًا في نَعِيمِ الآخِرَةِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: في الآخِرَةِ مُتَعَلِّقٌ بِقَلِيلٍ، وقَلِيلٌ خَبَرُ الِابْتِداءِ. وصَلُحَ أنْ يَعْمَلَ في الظَّرْفِ مُقَدَّمًا؛ لِأنَّ رائِحَةَ الفِعْلِ تَعْمَلُ في الظَّرْفِ. ولَوْ قُلْتَ: ما زَيْدٌ عَمْرًا إلّا يَضْرِبُ، لَمْ يَجُزْ.
﴿إلّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا ويَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ولا تَضُرُّوهُ شَيْئًا واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: هَذا سُخْطٌ عَلى المُتَثاقِلِينَ عَظِيمٌ، حَيْثُ أوْعَدَهم بِعَذابٍ ألِيمٍ مُطْلَقٍ يَتَناوَلُ عَذابَ الدّارَيْنِ، وأنَّهُ يُهْلِكُهم ويَسْتَبْدِلُ قَوْمًا آخَرِينَ خَيْرًا مِنهم وأطْوَعَ، وأنَّهُ غَنِيٌّ عَنْهم في نُصْرَةِ دِينِهِ، لا يَقْدَحُ تَثاقُلُهم فِيها شَيْئًا. وقِيلَ: يُعَذِّبُكم بِإمْساكِ المَطَرِ عَنْكم. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: «اسْتَنْفَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبِيلَةً فَقَعَدَتْ، فَأمْسَكَ اللَّهُ عَنْها المَطَرَ وعَذَّبَها بِهِ» . والمُسْتَبْدَلُ المَوْعُودُ بِهِمْ، قالَ جَماعَةٌ: أهْلُ اليَمَنِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: أبْناءُ فارِسَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ التّابِعُونَ، والظّاهِرُ مُسْتَغْنٍ عَنِ التَّخْصِيصِ. وقالَ الأصَمُّ: مَعْناهُ أنَّهُ تَعالى يُخْرِجُ رَسُولَهُ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ إلى المَدِينَةِ. قالَ القاضِي: وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّهُ يَنْتَقِلُ مِنَ المَدِينَةِ إلى غَيْرِها، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَظْهَرَ في المَدِينَةِ أقْوامًا يُعِينُونَهُ عَلى الغَزْوِ، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يُعِينَهُ بِأقْوامٍ مِنَ المَلائِكَةِ أيْضًا حالَ كَوْنِهِ هُناكَ. والضَّمِيرُ في: ﴿ولا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى؛ أيْ: ولا تَضُرُّوا دِينَهُ شَيْئًا. وقِيلَ: عَلى الرَّسُولِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قَدْ عَصَمَهُ ووَعَدَهُ بِالنَّصْرِ، ووَعْدُهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ. ولَمّا رَتَّبَ عَلى انْتِفاءِ نَفْرِهِمُ التَّعْذِيبَ والِاسْتِبْدالَ وانْتِفاءَ الضَّرَرِ، أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ تَتَعَلَّقُ إرادَتُهُ بِهِ قَدِيرٌ مِنَ التَّعْذِيبِ والتَّغْيِيرِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
﴿إلّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إذْ أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إذْ هُما في الغارِ إذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾: (إلّا تَنْصُرُوهُ) فِيهِ انْتِفاءُ النَّصْرِ بِأيِّ طَرِيقٍ كانَ مِن نَفْرٍ أوْ غَيْرِهِ. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَسَيَنْصُرُهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ (فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ)؛ أيْ: يَنْصُرُهُ في المُسْتَقْبَلِ كَما نَصَرَهُ في الماضِي (p-٤٣)وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: (فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ) جَوابًا لِلشَّرْطِ ؟ قُلْتُ: فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَسَيَنْصُرُهُ، وذَكَرَ مَعْنى ما قَدَّمْناهُ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى أوْجَبَ لَهُ النُّصْرَةَ وجَعَلَهُ مَنصُورًا في ذَلِكَ الوَقْتِ فَلَمْ يُخْذَلْ مِن بَعْدِهِ. انْتَهى. وهَذا لا يَظْهَرُ مِنهُ جَوابُ الشَّرْطِ؛ لِأنَّ إيجابَ النُّصْرَةِ لَهُ أمْرٌ سَبَقَ، والماضِي لا يَتَرَتَّبُ عَلى المُسْتَقْبَلِ، فالَّذِي يَظْهَرُ الوَجْهُ الأوَّلُ. ومَعْنى إخْراجِ الَّذِينَ كَفَرُوا إيّاهُ: فِعْلُهم بِهِ ما يُؤَدِّي إلى الخُرُوجِ، والإشارَةُ إلى خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ. ونُسِبَ الإخْراجُ إلَيْهِمْ مَجازًا، كَما نُسِبَ في قَوْلِهِ: (الَّتِي أخْرَجَتْكَ) . وقِصَّةُ خُرُوجِ الرَّسُولِ ﷺ وأبِي بَكْرٍ مَذْكُورَةٌ في السِّيَرِ.
وانْتَصَبَ (ثانِيَ اثْنَيْنِ) عَلى الحالِ؛ أيْ: أحَدَ اثْنَيْنِ وهُما: رَسُولُ اللَّهِ، وأبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا أُمِرَ بِالخُرُوجِ قالَ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”مَن يَخْرُجُ مَعِي ؟“ قالَ: أبُو بَكْرٍ. وقالَ اللَّيْثُ: ما صَحِبَ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِثْلُ أبِي بَكْرٍ. وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: خَرَجَ أبُو بَكْرٍ بِهَذِهِ الآيَةِ مِنَ المُعاتَبَةِ الَّتِي في قَوْلِهِ: (إلّا تَنْصُرُوهُ) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بَلْ خَرَجَ مِنها كُلُّ مَن شاهَدَ غَزْوَةَ تَبُوكَ، وإنَّما المُعاتَبَةُ لِمَن تَخَلَّفَ فَقَطْ، وهَذِهِ الآيَةُ مُنَوِّهَةٌ بِقَدْرِ أبِي بَكْرٍ وتَقَدُّمِهِ وسابِقَتِهِ في الإسْلامِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ تَرْغِيبُهم في الجِهادِ ونُصْرَةِ دِينِ اللَّهِ؛ إذْ بَيَّنَ فِيها أنَّ اللَّهَ يَنْصُرُهُ كَما نَصَرَهُ، إذْ كانَ في الغارِ ولَيْسَ مَعَهُ فِيهِ أحَدٌ سِوى أبِي بَكْرٍ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: ثانِي اثْنَيْنِ بِسُكُونِ ياءِ ثانِي. قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: حَكاها أبُو عَمْرٍو، ووَجْهُهُ أنَّهُ سَكَّنَ الياءَ تَشْبِيهًا لَها بِالألِفِ. والغارُ: نَقْبٌ في أعْلى ثَوْرٍ، وهو جَبَلٌ في يُمْنى مَكَّةَ عَلى مَسِيرَةِ ساعَةٍ، مَكَثَ فِيهِ ثَلاثًا. (إذْ هُما): بَدَلٌ، و(إذْ يَقُولُ): بَدَلٌ ثانٍ. وقالَ العُلَماءُ: مَن أنْكَرَ صُحْبَةَ أبِي بَكْرٍ فَقَدْ كَفَرَ لِإنْكارِهِ كَلامَ اللَّهِ تَعالى، ولَيْسَ ذَلِكَ لِسائِرِ الصَّحابَةِ. وكانَ سَبَبُ حَزْنِ أبِي بَكْرٍ خَوْفَهُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَهاهُ الرَّسُولُ تَسْكِينًا لِقَلْبِهِ، وأخْبَرَهُ بِقَوْلِهِ: إنَّ اللَّهَ مَعَنا، يَعْنِي: بِالمَعُونَةِ والنَّصْرِ. «وقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنْ قُتِلْتُ فَأنا رَجُلٌ واحِدٌ، وإنْ قُتِلْتَ هَلَكَتِ الأُمَّةُ وذَهَبَ دِينُ اللَّهِ، فَقالَ: ”ما ظَنَّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثالِثُهُما ؟“»، وقالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
؎قالَ النَّبِيُّ ولَمْ يَجْزَعْ يُوَقِّرُنِي ∗∗∗ ونَحْنُ في سَدَفٍ مِن ظُلْمَةِ الغارِ
؎لا تَخْشَ شَيْئًا فَإنَّ اللَّهَ ثالِثُنا ∗∗∗ وقَدْ تَكَفَّلَ لِي مِنهُ بِإظْهارِ
؎وإنَّما كَيْدُ مَن تَخْشى بَوادِرَهُ ∗∗∗ كَيْدُ الشَّياطِينِ قَدْ كادَتْ لِكُفّارِ
؎واللَّهُ مُهْلِكُهم طُرًّا بِما صَنَعُوا ∗∗∗ وجاعِلُ المُنْتَهى مِنهم إلى النّارِ
﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وأيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وكَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: السَّكِينَةُ الرَّحْمَةُ. وقالَ قَتادَةُ في آخَرِينَ: الوَقارُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الطُّمَأْنِينَةُ. وهَذِهِ الأقْوالُ مُتَقارِبَةٌ. والضَّمِيرُ في (عَلَيْهِ) عائِدٌ عَلى صاحِبِهِ، قالَهُ حَبِيبُ بْنُ أبِي ثابِتٍ، أوْ عَلى الرَّسُولِ، قالَهُ الجُمْهُورُ، أوْ عَلَيْهِما وأفْرَدَهُ لِتَلازُمِهِما، ويُؤَيِّدُهُ أنَّ في مُصْحَفِ حَفْصَةَ: فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِما وأيَّدَهُما. والجُنُودُ: المَلائِكَةُ يَوْمَ بَدْرٍ، والأحْزابِ، وحُنَيْنٍ. وقِيلَ: ذَلِكَ الوَقْتُ يُلْقُونَ البِشارَةَ في قَلْبِهِ، ويَصْرِفُونَ وُجُوهَ الكُفّارِ عَنْهُ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ (عَلَيْهِ) عائِدٌ عَلى أبِي بَكْرٍ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ كانَ ثابِتَ الجَأْشِ، ولِذَلِكَ قالَ: لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا. وأنَّ الضَّمِيرَ في (وأيَّدَهُ) عائِدٌ عَلى الرَّسُولِ ﷺ كَما جاءَ: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩] يَعْنِي الرَّسُولَ، وتُسَبِّحُوهُ: يَعْنِي اللَّهَ تَعالى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والسَّكِينَةُ عِنْدِي إنَّما هي ما يُنَزِّلُهُ اللَّهُ عَلى أنْبِيائِهِ مِنَ الحِياطَةِ لَهم، والخَصائِصِ الَّتِي لا تَصْلُحُ إلّا لَهم كَقَوْلِهِ: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٨]، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ (p-٤٤)إلى آخِرِ الآيَةِ يُرادُ بِهِ ما صَنَعَهُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ إلى وقْتِ تَبُوكَ مِنَ الظُّهُورِ والفُتُوحِ، لا أنْ يَكُونَ هَذا يَخْتَصُّ بِقِصَّةِ الغارِ. وكَلِمَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا هي الشِّرْكُ، وهي مَقْهُورَةٌ. وكَلِمَةُ اللَّهِ: هي التَّوْحِيدُ، وهي ظاهِرَةٌ. هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كَلِمَةُ الكافِرِينَ ما قَرَّرُوا بَيْنَهم مِنَ الكَيْدِ بِهِ لِيَقْتُلُوهُ، وكَلِمَةُ اللَّهِ: أنَّهُ ناصِرُهُ. وقِيلَ: كَلِمَةُ اللَّهِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وكَلِمَةُ الكُفّارِ قَوْلُهم في الحَرْبِ: يا لِبَنِي فُلانٍ، ويا لِفُلانٍ. وقِيلَ: كَلِمَةُ اللَّهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] وكَلِمَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا قَوْلُهم في الحَرْبِ: اعْلُ هُبَلَ؛ يَعْنُونَ صَنَمَهُمُ الأكْبَرَ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: وأيَدَهُ، والجُمْهُورُ: وأيَّدَهُ بِتَشْدِيدِ الياءِ. وقُرِئَ: وكَلِمَةُ اللَّهِ بِالنَّصْبِ؛ أيْ: وجَعَلَ. وقِراءَةُ الجُمْهُورِ بِالرَّفْعِ أثْبَتُ في الإخْبارِ. وعَنْ أنَسٍ رَأيْتُ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ: وجَعَلَ كَلِمَتَهُ هي العَلْياءَ، وناسَبَ الوَصْفُ بِالعِزَّةِ الدّالَّةِ عَلى القَهْرِ والغَلَبَةِ، والحِكْمَةِ الدّالَّةِ عَلى ما يَصْنَعُ مَعَ أنْبِيائِهِ وأوْلِيائِهِ، ومَن عاداهم مِن إعْزازِ دِينِهِ وإخْمادِ الكُفْرِ.
﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا وجاهِدُوا بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم في سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: لَمّا تَوَعَّدَ تَعالى مَن لا يَنْفِرُ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ وضَرَبَ لَهُ مِنَ الأمْثالِ ما ضَرَبَ، أتْبَعَهُ بِهَذا الأمْرِ الجَزْمَ. والمَعْنى: انْفِرُوا عَلى الوَصْفِ الَّذِي يَخِفُّ عَلَيْكم فِيهِ الجِهادُ، أوْ عَلى الوَصْفِ الَّذِي يَثْقُلُ. والخِفَّةُ والثِّقَلُ هُنا مُسْتَعارٌ لِمَن يُمْكِنُهُ السَّفَرُ بِسُهُولَةٍ، ومَن يُمْكِنُهُ بِصُعُوبَةٍ، وأمّا مَن لا يُمْكِنُهُ كالأعْمى ونَحْوِهِ فَخارِجٌ عَنْ هَذا. ورُوِيَ أنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: أعَلَيَّ أنْ أنْفِرَ ؟ قالَ: نَعَمْ، حَتّى نَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١] .
وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ مِن مَعانِي الخِفَّةِ والثِّقَلِ أشْياءَ لا عَلى وجْهِ التَّخْصِيصِ، بَعْضَها دُونَ بَعْضٍ، وإنَّما يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى التَّمْثِيلِ لا عَلى الحَصْرِ. قالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ: شَبابًا وشُيُوخًا. وقالَ أبُو صالِحٍ: أغْنِياءَ وفُقَراءَ في اليُسْرِ والعُسْرِ. وقالَ الأوْزاعِيُّ: رُكْبانًا ومُشاةً. وقِيلَ عَكْسُهُ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: عُزْبانًا ومُتَزَوِّجِينَ. وقالَ جُوَيْبِرٌ: أصِحّاءَ ومَرْضى. وقالَ جَماعَةٌ: خِفافًا مِنَ السِّلاحِ؛ أيْ مُقِلِّينَ فِيهِ، وثِقالًا؛ أيْ مُسْتَكْثِرِينَ مِنهُ. وقالَ الحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: خِفافًا مِنَ الأشْغالِ وثِقالًا بِها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خِفافًا مِنَ العِيالِ وثِقالًا بِهِمْ. وحَكى التَّبْرِيزِيُّ: خِفافًا مِنَ الأتْباعِ والحاشِيَةِ وثِقالًا بِهِمْ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: هو مِن خِفَّةِ اليَقِينِ وثِقَلِهِ عِنْدَ الكَراهَةِ. وحَكى الماوَرْدِيُّ: خِفافًا إلى الطّاعَةِ وثِقالًا عَنِ المُخالَفَةِ. وحَكى صاحِبُ الفِتْيانِ: خِفافًا إلى المُبارَزَةِ، وثِقالًا في المُصابَرَةِ. وحَكى أيْضًا: خِفافًا بِالمُسارَعَةِ والمُبادَرَةِ وثِقالًا بَعْدَ التَّرَوِّي والتَّفَكُّرِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: ذَوِي صَنْعَةٍ وهو الثَّقِيلُ، وغَيْرُ ذَوِي صَنْعَةٍ وهو الخَفِيفُ. وحَكى النَّقّاشُ: شُجْعانًا وجُبَناءَ. وقِيلَ: مَهازِيلَ وسِمانًا. وقِيلَ: سِباقًا إلى الحَرْبِ كالطَّلِيعَةِ وهو مُقَدَّمُ الجَيْشِ، والثِّقالُ الجَيْشُ بِأسْرِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: النَّشِيطُ والكَسْلانُ.
والجُمْهُورُ عَلى أنَّ الأمْرَ مَوْقُوفٌ عَلى فَرْضِ الكِفايَةِ، ولَمْ يُقْصَدْ بِهِ فَرْضُ الأعْيانِ. وقالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ: هو فَرْضٌ عَلى المُؤْمِنِينَ؛ عُنِيَ بِهِ فَرْضُ الأعْيانِ في تِلْكَ المُدَّةِ، ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] . وانْتَصَبَ ﴿خِفافًا وثِقالًا﴾ عَلى الحالِ. وذُكِرَ ﴿بِأمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ﴾ إذْ ذَلِكَ وصْفٌ لِأكْمَلِ ما يَكُونُ مِنَ الجِهادِ وأنْفَعِهِ عِنْدَ اللَّهِ، فَحَضَّ عَلى كَمالِ الأوْصافِ. وقُدِّمَتِ الأمْوالُ إذْ هي أوَّلُ مَصْرِفٍ وقْتَ التَّجْهِيزِ، وذُكِرَ ما المُجاهِدُ فِيهِ وهو سَبِيلُ اللَّهِ، والخَيْرِيَّةُ هي في الدُّنْيا بِغَلَبَةِ العَدُوِّ ووِراثَةِ الأرْضِ، وفي الآخِرَةِ بِالثَّوابِ ورِضْوانِ اللَّهِ. وقَدْ غَزا أبُو طَلْحَةَ حَتّى غَزا في البَحْرِ وماتَ فِيهِ، وغَزا المِقْدادُ عَلى ضَخامَتِهِ وسِمَنِهِ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ وقَدْ ذَهَبَتْ إحْدى عَيْنَيْهِ، وابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ مَعَ كَوْنِهِ أعْمى.
(p-٤٥)﴿لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا وسَفَرًا قاصِدًا لاتَّبَعُوكَ ولَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكم يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾: أيْ لَوْ كانَ ما دُعُوا إلَيْهِ غُنْمًا قَرِيبًا سَهْلَ المَنالِ، وسَفَرًا قاصِدًا وسَطًا مُقارِبًا. وهَذِهِ الآيَةُ في قِصَّةِ تَبُوكَ حِينَ اسْتَنْفَرَ المُؤْمِنِينَ فَنَفَرُوا، واعْتَذَرَ مِنهم فَرِيقٌ لِأصْحابِهِ، لا سِيَّما مِنَ القَبائِلِ المُجاوِرَةِ لِلْمَدِينَةِ. ولَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ﴾ خِطابًا لِلْمُنافِقِينَ خاصَّةً، بَلْ هو عامٌّ. واعْتَذَرَ المُنافِقُونَ بِأعْذارٍ كاذِبَةٍ، فابْتَدَأ تَعالى بِذِكْرِ المُنافِقِينَ وكَشْفِ ضَمائِرِهِمْ. (لاتَّبَعُوكَ): لَبادَرُوا إلَيْهِ، لا لِوَجْهِ اللَّهِ، ولا لِظُهُورِ كَلِمَتِهِ، ﴿ولَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾؛ أيْ: المَسافَةُ الطَّوِيلَةُ في غَزْوِ الرُّومِ. والشُّقَّةُ بِالضَّمِّ مِنَ الثِّيابِ، والشُّقَّةُ أيْضًا السَّفَرُ البَعِيدُ، ورُبَّما قالُوهُ بِالكَسْرِ، قالَهُ الجَوْهَرِيُّ. وقالَ الزَّجّاجُ: الشُّقَّةُ: الغايَةُ الَّتِي تُقْصَدُ. وقالَ ابْنُ عِيسى: الشُّقَّةُ القِطْعَةُ مِنَ الأرْضِ يَشُقُّ رُكُوبُها. وقالَ ابْنُ فارِسٍ: الشُّقَّةُ المَسِيرُ إلى أرْضٍ بَعِيدَةٍ، واشْتِقاقُها مِنَ الشَّقِّ، أوْ مِنَ المَشَقَّةِ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: بَعِدَتْ عَلَيْهِمُ الشِّقَّةُ بِكَسْرِ العَيْنِ والشِّينِ، وافَقَهُ الأعْرَجُ في بَعِدَتْ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: إنَّها لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ في اللَّفْظَيْنِ. انْتَهى. وحَكى الكِسائِيُّ: شُقَّةً وشِقَّةً. (وسَيَحْلِفُونَ)؛ أيِ المُنافِقُونَ، وهَذا إخْبارٌ بِغَيْبٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في قَوْلِهِ: وسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما نَصُّهُ، (بِاللَّهِ) مُتَعَلِّقٌ بِسَيَحْلِفُونَ، أوْ هو مِن كَلامِهِمْ. والقَوْلُ مُرادٌ في الوَجْهَيْنِ؛ أيْ: سَيَحْلِفُونَ مُتَخَلِّصِينَ عِنْدَ رُجُوعِكَ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ مُعْتَذِرِينَ، يَقُولُونَ: بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكم، أوْ وسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ يَقُولُونَ: لَوِ اسْتَطَعْنا. وقَوْلُهُ: لَخَرَجْنا سَدَّ مَسَدَّ جَوابِ القَسَمِ ولَوْ جَمِيعًا، والإخْبارُ بِما سَوْفَ يَكُونُ بَعْدَ القَوْلِ مِن حَلِفِهِمْ واعْتِذارِهِمْ، وقَدْ كانَ مِن جُمْلَةِ المُعْجِزاتِ. ومَعْنى الِاسْتِطاعَةِ اسْتِطاعَةُ العُدَّةِ، واسْتِطاعَةُ الأبْدانِ، كَأنَّهم تَمارَضُوا. انْتَهى. وما ذَهَبَ إلَيْهِ مِن أنَّ قَوْلَهُ لَخَرَجْنا سَدَّ مَسَدَّ جَوابِ القَسَمِ ولَوْ جَمِيعًا لَيْسَ بِجَيِّدٍ (p-٤٦)بَلْ لِلنَّحْوِيِّينَ في هَذا مَذْهَبانِ: أحَدُهُما: أنَّ (لَخَرَجْنا) هو جَوابُ القَسَمِ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ عَلى قاعِدَةِ اجْتِماعِ القَسَمِ والشَّرْطِ إذا تَقَدَّمَ القَسَمُ عَلى الشَّرْطِ، وهَذا اخْتِيارُ أبِي الحَسَنِ بْنِ عُصْفُورٍ. والآخَرُ: أنَّ (لَخَرَجْنا) هو جَوابُ لَوْ، وجَوابُ القَسَمِ هو لَوْ وجَوابُها، وهَذا اخْتِيارُ ابْنُ مالِكٍ أنَّ (لَخَرَجْنا) يَسُدُّ مَسَدَّهُما، ولا أعْلَمُ أحَدًا ذَهَبَ إلى ذَلِكَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُتَأوَّلَ كَلامُهُ عَلى أنَّهُ لَمّا حُذِفَ جَوابُ لَوْ، ودَلَّ عَلَيْهِ جَوابُ القَسَمِ جُعِلَ كَأنَّهُ سَدَّ مَسَدَّ جَوابِ القَسَمِ وجَوابِ لَوْ جَمِيعًا.
وقَرَأ الأعْمَشُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: لَوُ اسْتَطَعْنا بِضَمِّ الواوِ، وفَرَّ مِن ثِقَلِ الكَسْرَةِ عَلى الواوِ وشَبَّهَها بِواوِ الجَمْعِ عِنْدَ تَحْرِيكِها لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وقَرَأ الحَسَنُ: بِفَتْحِها كَما جاءَ: (اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ) بِالأوْجُهِ الثَّلاثَةِ. (يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم) بِالحَلِفِ الكاذِبِ؛ أيْ: يُوقِعُونَها في الهَلاكِ بِهِ. والظّاهِرُ أنَّها جُمْلَةُ اسْتِئْنافِ إخْبارٍ مِنهُ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم) إمّا أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (سَيَحْلِفُونَ)، أوْ حالًا بِمَعْنى مُهْلِكِينَ، والمَعْنى: أنَّهم يُوقِعُونَها في الهَلاكِ بِحَلِفِهِمُ الكاذِبِ، وما يَخْلُفُونَ عَلَيْهِ مِنَ التَّخَلُّفِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن قَوْلِهِ: (لَخَرَجْنا)؛ أيْ لَخَرَجْنا مَعَكم، وإنْ أهْلَكْنا أنْفُسَنا وألْقَيْناها في التَّهْلُكَةِ بِما يَحْمِلُها مِنَ المَسِيرِ في تِلْكَ الشُّقَّةِ. وجاءَ بِهِ عَلى لَفْظِ الغائِبِ؛ لِأنَّهُ مُخْبَرٌ عَنْهم، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ قِيلَ: سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطاعُوا لَخَرَجُوا لَكانَ سَدِيدًا ؟ يُقالُ: حَلَفَ بِاللَّهِ لَيَفْعَلَنَّ ولَأفْعَلَنَّ، فالغَيْبَةُ عَلى حُكْمِ الإخْبارِ والتَّكَلُّمُ عَلى الحِكايَةِ انْتَهى. أمّا كَوْنُ (يُهْلِكُونَ) بَدَلًا مِن (سَيَحْلِفُونَ) فَبَعِيدٌ؛ لِأنَّ الإهْلاكَ لَيْسَ مُرادِفًا لِلْحَلِفِ، ولا هو نَوْعٌ مِنَ الحَلِفِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُبْدَلَ فِعْلٌ مِن فِعْلٍ إلّا أنْ يَكُونَ مُرادِفًا لَهُ أوْ نَوْعًا مِنهُ. وأمّا كَوْنُهُ حالًا مِن قَوْلِهِ: (لَخَرَجْنا)، فالَّذِي يَظْهَرُ أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (لَخَرَجْنا) فِيهِ ضَمِيرُ التَّكَلُّمِ، فالَّذِي يَجْرِي عَلَيْهِ إنَّما يَكُونُ بِضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ. فَلَوْ كانَ حالًا مِن ضَمِيرِ (لَخَرَجْنا) لَكانَ التَّرْكِيبُ: نُهْلِكُ أنْفُسَنا؛ أيْ: مُهْلِكِي أنْفُسِنا. وأمّا قِياسُهُ ذَلِكَ عَلى حَلِفٍ بِاللَّهِ لَيَفْعَلَنَّ ولَأفْعَلَنَّ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأنَّهُ إذا أجْراهُ عَلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ لا يَخْرُجُ مِنهم إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، لَوْ قُلْتُ: حَلَفَ زَيْدٌ لَيَفْعَلَنَّ وأنا قائِمٌ، عَلى أنْ يَكُونَ وأنا قائِمٌ حالًا مِن ضَمِيرِ لَيَفْعَلَنَّ لَمْ يَجُزْ، وكَذا عَكْسُهُ نَحْوُ: حَلَفَ زَيْدٌ لَأفْعَلَنَّ يَقُومُ، تُرِيدُ قائِمًا لَمْ يَجُزْ. وأمّا قَوْلُهُ: وجاءَ بِهِ عَلى لَفْظِ الغائِبِ؛ لِأنَّهُ مُخْبَرٌ عَنْهم فَهي مُغالَطَةٌ لَيْسَ مُخْبَرًا عَنْهم بِقَوْلِهِ: لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكم، بَلْ هو حاكٍ لَفْظَ قَوْلِهِمْ، ثُمَّ قالَ: ألا تَرى لَوْ قِيلَ: لَوِ اسْتَطاعُوا لَخَرَجُوا لَكانَ سَدِيدًا إلى آخِرِهِ كَلامٌ صَحِيحٌ، لَكِنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ إخْبارًا عَنْهم، بَلْ حِكايَةً. والحالُ مِن جُمْلَةِ كَلامِهِمُ المَحْكِيِّ، فَلا يَجُوزُ أنْ يُخالِفَ بَيْنَ ذِي الحالِ وحالِهِ لِاشْتِراكِهِما في العامِلِ. لَوْ قُلْتَ: قالَ زَيْدٌ: خَرَجْتُ يَضْرِبُ خالِدًا؛ تُرِيدُ أضْرِبُ خالِدًا، لَمْ يَجُزْ. ولَوْ قُلْتَ: قالَتْ هِنْدُ: خَرَجَ زَيْدٌ (p-٤٧)أضْرِبُ خالِدًا، تُرِيدُ خَرَجَ زَيْدٌ ضارِبًا خالِدًا، لَمْ يَجُزْ.
﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهم حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وتَعْلَمَ الكاذِبِينَ﴾؛ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذِهِ الآيَةُ في صِنْفٍ مُبالِغٍ في النِّفاقِ. واسْتَأْذَنُوا دُونَ اعْتِذارٍ مِنهم: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، والجَدُّ بْنُ قَيْسٍ، ورِفاعَةُ بْنُ التّابُوتِ، ومَنِ اتَّبَعَهم. فَقالَ بَعْضُهم: ائْذَنَّ لِي ولا تَفْتِنِّي. وقالَ بَعْضُهم: ائْذَنَّ لَنا في الإقامَةِ، فَأذِنَ لَهُمُ اسْتِبْقاءً مِنهُ عَلَيْهِمْ، وأخْذًا بِالأسْهَلِ مِنَ الأُمُورِ، وتَوَكُّلًا عَلى اللَّهِ. قالَ مُجاهِدٌ: قالَ بَعْضُهم: نَسْتَأْذِنُهُ، فَإنْ أذِنَ في القُعُودِ قَعَدْنا، وإنْ لَمْ يَأْذَنْ قَعَدْنا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ. انْتَهى. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ إبْراهِيمُ بْنُ عَرَفَةَ النَّحْوِيُّ الدّاوُدِيُّ المَنبُوذُ بِنَفْطَوَيْهِ: ذَهَبَ ناسٌ إلى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مُعاتَبٌ بِهَذِهِ الآيَةِ، وحاشاهُ مِن ذَلِكَ، بَلْ كانَ لَهُ أنْ يَفْعَلَ وأنْ لا يَفْعَلَ حَتّى يَنْزِلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ كَما قالَ: (لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِن أمْرِي ما اسْتَدْبَرْتُ لَجَعَلْتُها عُمْرَةً)؛ لِأنَّهُ كانَ لَهُ أنْ يَفْعَلَ وأنْ لا يَفْعَلَ. وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١]؛ لِأنَّهُ كانَ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ مِمّا لَمْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ فِيهِ وحْيٌ. واسْتَأْذَنَهُ المُخَلَّفُونَ في التَّخَلُّفِ واعْتَذَرُوا، اخْتارَ أيْسَرَ الأمْرَيْنِ تَكَرُّمًا وتَفَضُّلًا مِنهُ ﷺ، فَأبانَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لَوْ لَمْ يَأْذَنْ لَهم لَأقامُوا لِلنِّفاقِ الَّذِي في قُلُوبِهِمْ، وأنَّهم كاذِبُونَ في إظْهارِ الطّاعَةِ والمُشاوَرَةِ، فَعَفا اللَّهُ عَنْكَ عِنْدَهُ افْتِتاحُ كَلامٍ أعْلَمَهُ اللَّهُ بِهِ أنَّهُ لا حَرَجَ عَلَيْهِ فِيما فَعَلَهُ مِنَ الإذْنِ، ولَيْسَ هو عَفْوًا عَنْ ذَنْبٍ، إنَّما هو أنَّهُ تَعالى أعْلَمَهُ أنَّهُ لا يَلْزَمُهُ تَرْكُ الإذْنِ لَهم كَما قالَ ﷺ: «عَفا اللَّهُ لَكم عَنْ صَدَقَةِ الخَيْلِ والرَّقِيقِ» وما وجَبَتا قَطُّ ومَعْناهُ: تَرَكَ أنْ يُلْزِمَكم ذَلِكَ. انْتَهى. ووافَقَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ فَقالُوا: ذِكْرُ العَفْوِ هُنا لَمْ يَكُنْ عَنْ تَقَدُّمِ ذَنْبٍ، وإنَّما هو اسْتِفْتاحُ كَلامٍ جَرَتْ عادَةُ العَرَبِ أنْ تُخاطِبَ بِمِثْلِهِ لِمَن تُعَظِّمُهُ وتَرْفَعُ مِن قَدْرِهِ، يَقْصِدُونَ بِذَلِكَ الدُّعاءَ لَهُ، فَيَقُولُونَ: أصْلَحَ اللَّهُ الأمِيرَ كانَ كَذا وكَذا، فَعَلى هَذا صِيغَتُهُ صِيغَةُ الخَبَرِ، ومَعْناهُ الدُّعاءُ. انْتَهى.
ولِمَ ولَهم مُتَعَلِّقانِ بِأذِنْتَ، لَكِنَّهُ اخْتَلَفَ مَدْلُولُ اللّامَيْنِ، إذْ لامُ لِمَ لِلتَّعْلِيلِ، ولامُ لَهم لِلتَّبْلِيغِ، فَجازَ ذَلِكَ لِاخْتِلافِ مَعْنَيَيْهِما، ومُتَعَلِّقُ الإذْنِ غَيْرُ مَذْكُورٍ، فَما قَدَّمْناهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ القُعُودُ؛ أيْ: لِمَ أذِنْتَ لَهم في القُعُودِ والتَّخَلُّفِ عَنِ الغَزْوِ حَتّى تَعْرِفَ ذَوِي العُذْرِ في التَّخَلُّفِ مِمَّنْ لا عُذْرَ لَهُ. وقِيلَ: مُتَعَلِّقُ الإذْنِ هو الخُرُوجُ مَعَهُ لِلْغَزْوِ، لِما تَرَتَّبَ عَلى خُرُوجِهِمْ مِنَ المَفاسِدِ؛ لِأنَّهم كانُوا عَيْنًا لِلْكُفّارِ عَلى المُسْلِمِينَ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وفِيكم سَمّاعُونَ لَهُمْ﴾ وكانُوا يَخْذُلُونَ المُؤْمِنِينَ ويَتَمَنَّوْنَ أنْ تَكُونَ الدّائِرَةُ عَلَيْهِمْ، فَقِيلَ: لِمَ أذِنْتَ لَهم في إخْراجِهِمْ وهم عَلى هَذِهِ الحالَةِ السَّيِّئَةِ ؟ وبَيَّنَ أنَّ خُرُوجَهم مَعَهُ لَيْسَ مَصْلَحَةً بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا﴾ . وحَتّى غايَةٌ لِما تَضَمَّنَهُ الِاسْتِفْهامُ؛ أيْ: ما كانَ أنْ تَأْذَنَ لَهم حَتّى يَتَبَيَّنَ مَن لَهُ العُذْرُ، هَكَذا قَدَّرَهُ الحَوْفِيُّ. وقالَ أبُو البَقاءِ: حَتّى يَتَبَيَّنَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، تَقْدِيرُهُ: هَلّا أخَّرْتَهم إلى أنْ يَتَبَيَّنَ أوْ لِيَتَبَيَّنَ. وقَوْلُهُ: لِمَ أذِنْتَ لَهم يَدُلُّ عَلى المَحْذُوفِ. ولا يَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ حَتّى بِأذِنْتَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ أذِنَ لَهم إلى هَذِهِ الغايَةِ، أوْ لِأجْلِ التَّبْيِينِ، وهَذا لا يُعاتَبُ عَلَيْهِ انْتَهى. وكَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾، مِمّا يَجِبُ اطِّراحُهُ، فَضْلًا عَنْ أنْ يُذْكَرَ فَيُرَدَّ عَلَيْهِ. وقَوْلُهُ: الَّذِينَ صَدَقُوا؛ أيْ: في اسْتِئْذانِكَ. وأنَّكَ لَوْ لَمْ تَأْذَنْ لَهم خَرَجُوا مَعَكَ. وتَعْلَمَ الكاذِبِينَ: تُرِيدُ في أنَّهُمُ اسْتَأْذَنُوكَ، يُظْهِرُونَ لَكَ أنَّهم يَقِفُونَ عِنْدَ حَدِّكَ وهم كَذَبَةٌ، وقَدْ عَزَمُوا عَلى العِصْيانِ، أذِنْتَ لَهم أوْ لَمْ تَأْذَنْ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: حَتّى تَعْلَمَ الصّادِقِينَ في أنَّ لَهم عُذْرًا، وتَعْلَمَ الكاذِبِينَ في أنْ لا عُذْرَ لَهم. وقالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ آيَةُ النُّورِ، ﴿فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهُمْ﴾ [النور: ٦٢] . وهَذا غَلَطٌ؛ لِأنَّ النُّورَ نَزَلَتْ سَنَةَ أرْبَعٍ مِنَ الهِجْرَةِ في غَزْوَةِ الخَنْدَقِ في اسْتِئْذانِ بَعْضِ المُؤْمِنِينَ الرَّسُولَ في بَعْضِ شَأْنِهِمْ في بُيُوتِهِمْ في بَعْضِ الأوْقاتِ، فَأباحَ اللَّهُ أنْ يَأْذَنَ، فَتَبايَنَتِ الآيَتانِ في الوَقْتِ والمَعْنى.
﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ (p-٤٨)قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (لا يَسْتَأْذِنُكَ)؛ أيْ بَعْدَ غَزْوَةِ تَبُوكَ. وقالَ الجُمْهُورُ: لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وما بَعْدَها ورَدَ في قِصَّةِ تَبُوكَ، والظّاهِرُ أنَّ مُتَعَلِّقَ الِاسْتِئْذانِ هو (أنْ يُجاهِدُوا)؛ أيْ: لَيْسَ مِن عادَةِ المُؤْمِنِينَ أنْ يَسْتَأْذِنُوكَ في أنْ يُجاهِدُوا، وكانَ الخُلَّصُ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ لا يَسْتَأْذِنُونَ النَّبِيَّ ﷺ أبَدًا، ويَقُولُونَ: لَنُجاهِدَنَّ مَعَهُ بِأمْوالِنا وأنْفُسِنا. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: لا يَسْتَأْذِنُكَ المُؤْمِنُونَ في الخُرُوجِ ولا القُعُودِ كَراهَةَ أنْ يُجاهِدُوا، بَلْ إذا أمَرْتَ بِشَيْءٍ ابْتَدَرُوا إلَيْهِ، وكانَ الِاسْتِئْذانُ في ذَلِكَ الوَقْتِ عَلامَةً عَلى النِّفاقِ. وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾، شَهادَةٌ لَهم بِالِانْتِظامِ في زُمْرَةِ المُتَّقِينَ، وعِدَةٌ لَهم بِأجْزَلِ الثَّوابِ.
﴿إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وارْتابَتْ قُلُوبُهم فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾؛ هُمُ المُنافِقُونَ وكانُوا تِسْعَةً وثَلاثِينَ رَجُلًا. ومَعْنى ارْتابَتْ: شَكَّتْ. ويَتَرَدَّدُونَ: يَتَحَيَّرُونَ، لا يَتَّجِهُ لَهم هُدًى فَتارَةً يَخْطُرُ لَهم صِحَّةُ أمْرِ الرَّسُولِ، وتارَةً يَخْطُرُ لَهم خِلافُ ذَلِكَ.
﴿ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لَأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهم فَثَبَّطَهم وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ﴾؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عُدَّةً مِنَ الزّادِ والماءِ والرّاحِلَةِ؛ لِأنَّ سَفَرَهم بَعِيدٌ في زَمانِ حَرٍّ شَدِيدٍ. وفي تَرْكِهِمُ العُدَّةَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم أرادُوا التَّخَلُّفَ. وقالَ قَوْمٌ: كانُوا قادِرِينَ عَلى تَحْصِيلِ العُدَّةِ والأُهْبَةِ. ورَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: العُدَّةُ النِّيَّةُ الخالِصَةُ في الجِهادِ. وحَكى الطَّبَرِيُّ: كُلُّ ما يُعَدُّ لِلْقِتالِ مِنَ الزّادِ والسِّلاحِ. وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ وابْنُهُ مُعاوِيَةُ: عُدَّ بِضَمِّ العَيْنِ مِن غَيْرِ تاءٍ، والفَرّاءُ يَقُولُ: تَسْقُطُ التّاءُ لِلْإضافَةِ، وجَعَلَ مِن ذَلِكَ وإقامِ الصَّلاةِ؛ أيْ وإقامَةِ الصَّلاةِ. ووَرَدَ ذَلِكَ في عِدَّةِ أبْياتٍ مِن لِسانِ العَرَبِ، ولَكِنْ لا يَقِيسُ ذَلِكَ، إنَّما نَقِفُ فِيهِ مَعَ مَوْرِدِ السَّماعِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: لَمّا أضافَ جَعَلَ الكِنايَةَ نائِبَةً عَنِ التّاءِ فَأسْقَطَها، وذَلِكَ لِأنَّ العَدَّ بِغَيْرِ تاءٍ، ولا تَقْدِيرُها هو البَثْرُ الَّذِي يَخْرُجُ في الوَجْهِ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: هو جَمْعُ عُدَّةٍ كَبُرَّةٍ وبُرٍّ ودُرَّةٍ ودُرٍّ، والوَجْهُ فِيهِ عُدَدٌ، ولَكِنْ لا يُوافِقُ خَطَّ المُصْحَفِ. وقَرَأ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: عِدَّهُ بِكَسْرِ العَيْنِ، وهاءِ إضْمارٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو عِنْدِي اسْمٌ لِما يُعَدُّ كالذَّبْحِ والقَتْلِ لِلْعَدِّ، وسُمِّيَ قَتْلًا إذْ حَقُّهُ أنْ يُقْتَلَ. وقُرِئَ أيْضًا: عِدَّةً بِكَسْرِ العَيْنِ، وبِالتّاءِ دُونَ إضافَةٍ؛ أيْ: عِدَّةً مِنَ الزّادِ والسِّلاحِ، أوْ مِمّا لَهم مَأْخُوذٌ مِنَ العَدَدِ. ولَمّا تَضَمَّنَتِ الجُمْلَةُ انْتِفاءَ الخُرُوجِ والِاسْتِعْدادِ، وجاءَ بَعْدَها ولَكِنْ، وكانَتْ لا تَقَعُ إلّا بَيْنَ نَقِيضَيْنِ أوْ ضِدَّيْنِ أوْ خِلافَيْنِ عَلى خِلافٍ فِيهِ، لا بَيْنَ مُتَّفِقَيْنِ، وكانَ ظاهِرُ ما بَعْدَ لَكِنْ مُوافِقًا لِما قَبْلَها.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ مَوْقِعُ حَرْفِ الِاسْتِدْراكِ ؟ قُلْتُ: لَمّا كانَ قَوْلُهُ: ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ مُعْطِيًا مَعْنى نَفْيِ خُرُوجِهِمْ واسْتِعْدادِهِمْ لِلْغَزْوِ قِيلَ: ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهم، كَأنَّهُ قِيلَ: ما خَرَجُوا ولَكِنْ تَثَبَّطُوا عَنِ الخُرُوجِ لِكَراهَةِ انْبِعاثِهِمْ، كَما تَقُولُ: ما أحْسَنَ إلَيَّ زِيدٌ ولَكِنْ أساءَ إلَيَّ. انْتَهى. ولَيْسَتِ الآيَةُ نَظِيرَ هَذا المِثالِ؛ لِأنَّ المِثالَ واقِعٌ فِيهِ لَكِنْ بَيْنَ ضِدَّيْنِ، والآيَةُ واقِعٌ فِيها، لَكِنْ بَيْنَ مُتَّفِقَيْنِ مِن جِهَةِ المَعْنى. والِانْبِعاثُ الِانْطِلاقُ والنُّهُوضُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَثَبَّطَهم كَسَلُهم وفَتْرُ نِيّاتِهِمْ. وبُنِيَ (وقِيلَ) لِلْمَفْعُولِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ القَوْلُ إذْنَ الرَّسُولِ لَهم في القُعُودِ، أوْ قَوْلَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ إمّا لَفْظًا وإمّا مَعْنًى، أوْ حِكايَةً عَنْ قَوْلِ اللَّهِ في سابِقِ قَضائِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَعَلَ إلْقاءَ اللَّهِ تَعالى في قُلُوبِهِمْ كَراهَةَ الخُرُوجِ أمْرًا بِالقُعُودِ. وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ الشَّيْطانِ بِالوَسْوَسَةِ. قالَ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ جازَ أنْ يُوقِعَ اللَّهُ تَعالى في نُفُوسِهِمْ كَراهَةَ الخُرُوجِ إلى الغَزْوِ وهي قَبِيحَةٌ، وتَعالى اللَّهُ عَنْ إلْهامِ القَبِيحِ ؟ قُلْتُ: خُرُوجُهم كانَ مَفْسَدَةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا﴾ (p-٤٩)فَكانَ إيقاعُ كَراهَةِ ذَلِكَ الخُرُوجِ في نُفُوسِهِمْ حَسَنًا ومَصْلَحَةً. انْتَهى.
وهَذا السُّؤالُ والجَوابُ عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ في المَفْسَدَةِ والمَصْلَحَةِ، وهَذا القَوْلُ هو ذَمٌّ لَهم وتَعْجِيزٌ، وإلْحاقٌ بِالنِّساءِ والصِّبْيانِ والزَّمْنى الَّذِينَ شَأْنُهُمُ القُعُودُ والجُثُومُ في البُيُوتِ، وهُمُ القاعِدُونَ والخالِفُونَ والخَوالِفُ، ويُبَيِّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ﴾ [التوبة: ٨٧] والقُعُودُ هُنا عِبارَةٌ عَنِ التَّخَلُّفِ والتَّراخِي كَما قالَ:
؎دَعِ المَكارِمَ لا تَرْحَلْ لِبُغْيَتِها ∗∗∗ واقْعُدْ فَإنَّكَ أنْتَ الطّاعِمُ الكاسِي
﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا ولَأوْضَعُوا خِلالَكم يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ وفِيكم سَمّاعُونَ لَهم واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾: لَمّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ضَرَبَ عَسْكَرَهُ عَلى ثَنِيَّةِ الوَداعِ، وضَرَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ عَسْكَرَهُ أسْفَلَ مِنها، ولَمْ يَكُنْ بِأقَلِّ العَسْكَرَيْنِ، فَلَمّا سارَ تَخَلَّفَ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ فِيمَن تَخَلَّفَ فَنَزَلَتْ بِعُرى. . . . اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى قَوْلِهِ: (وهم كارِهُونَ) . وفِيكم؛ أيْ: في جَيْشِكم أوْ في جُمْلَتِكم. وقِيلَ: في بِمَعْنى مَعَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الخَبالُ الفَسادُ ومُراعاةُ إخْمادِ الكَلِمَةِ. وقالَ الضَّحّاكُ: المَكْرُ والغَدْرُ. وقالَ ابْنُ عِيسى: الِاضْطِرابُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: الشَّرُّ، وقالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. وقِيلَ: إيقاعُ الِاخْتِلافِ والأراجِيفِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ الخَبالِ في آلِ عِمْرانَ. وهَذا الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ وهو مُفَرَّغٌ؛ إذِ المَفْعُولُ الثّانِي لِزادَ لَمْ يُذْكَرْ، وقَدْ كانَ في هَذِهِ الغَزْوَةِ مُنافِقُونَ كَثِيرٌ، ولَهم لا شَكَّ خَبالٌ، فَلَوْ خَرَجَ هَؤُلاءِ لَتَألَّبُوا فَزادَ الخَبالُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُسْتَثْنى مِنهُ غَيْرُ مَذْكُورٍ، فالِاسْتِثْناءُ مِن أعَمِّ العامِّ الَّذِي هو الشَّيْءُ، فَكانَ هو اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا؛ لِأنَّ الخَبالَ بَعْضُ أعَمِّ العامِّ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما زادُوكم شَيْئًا إلّا خَبالًا. وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، وهَذا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ لَمْ يَكُنْ في عَسْكَرِ الرَّسُولِ خَبالٌ. فالمَعْنى: ما زادُوكم قُوَّةً ولا شِدَّةً لَكِنْ خَبالًا. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ما زادُوكم بِغَيْرِ واوٍ؛ يَعْنِي: ما زادَكم خُرُوجُهم إلّا خَبالًا. والإيضاعُ الإسْراعُ، قالَ:
؎أُرانا مُوضِعِينَ لِأمْرِ غَيْبٍ ∗∗∗ ونُسْحَرُ بِالطَّعامِ وبِالشَّرابِ
ويُقالُ: وضَعَتِ النّاقَةُ تَضَعُ وضْعًا ووُضُوعًا، قالَ:
؎يا لَيْتَنِي فِيها جَذَعْ ∗∗∗ أخُبُّ فِيها وأضَعْ
قالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ لَأسْرَعُوا بِالنَّمِيمَةِ. وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ القاسِمِ: لَأسْرَعُوا بِالفِرارِ. ومَفْعُولُ أوْضَعُوا مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: ولَأوْضَعُوا رَكائِبَكم بَيْنَكم؛ لِأنَّ الرّاكِبَ أسْرَعُ مِنَ الماشِي. وقَرَأ مُجاهِدٌ ومُحَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ: ولَأوْفَضُوا؛ أيْ أسْرَعُوا كَقَوْلِهِ: ﴿إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: ٤٣] وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ: ولَأرْفَضُوا بِالرّاءِ مِن رَفَضَ أسْرَعَ في مَشْيِهِ رَفْضًا ورَفَضانًا، قالَ حَسّانُ:
؎بِزُجاجَةٍ رَفَضَتْ بِما في جَوْفِها ∗∗∗ رَفْضَ القَلُوصِ بِراكِبٍ مُسْتَعْجِلِ
(p-٥٠)وقالَ غَيْرُهُ:
؎والرّافِضاتُ إلى مِنًى فالقَبْقَبِ
والخِلالُ جَمْعُ الخَلَلِ، وهو الفُرْجَةُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: تَخَلَّلْتُ القَوْمَ دَخَلْتُ بَيْنَ خَلَلِهِمْ وخِلالِهِمْ، وجَلَسْنا خِلالَ البُيُوتِ وخِلالَ الدُّورِ؛ أيْ: بَيْنَها. ويَبْغُونَ حالٌ؛ أيْ: باغِينَ. قالَ الفَرّاءُ: يَبْغُونَها لَكم. والفِتْنَةُ هُنا الكُفْرُ قالَهُ مُقاتِلٌ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والضَّحّاكُ، أوِ العَيْبُ والشَّرُّ قالَهُ: الكَلْبِيُّ، أوْ تَفْرِيقُ الجَماعَةِ، أوِ المِحْنَةُ بِاخْتِلافِ الكَلِمَةِ، أوِ النَّمِيمَةُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُحاوِلُونَ أنْ يَفْتِنُوكم بِأنْ يُوقِعُوا الخِلافَ فِيما بَيْنَكم، ويُفْسِدُوا نِيّاتِكم في مَغْزاكم. وفِيكم سَمّاعُونَ لَهم؛ أيْ: نَمّامُونَ يَسْمَعُونَ حَدِيثَكم فَيَنْقُلُونَهُ إلَيْهِمْ، أوْ فِيكم قَوْمٌ يَسْتَمِعُونَ لِلْمُنافِقِينَ ويُطِيعُونَهم. انْتَهى. فاللّامُ في القَوْلِ الأوَّلِ لِلتَّعْلِيلِ، وفي الثّانِي لِتَقْوِيَةِ التَّعْدِيَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧] والقَوْلُ الأوَّلُ قالَهُ: سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، قالُوا: مَعْناهُ جَواسِيسُ يَسْتَمِعُونَ الأخْبارَ ويَنْقُلُونَها إلَيْهِمْ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ. والقَوْلُ الثّانِي قَوْلُ الجُمْهُورِ، قالُوا: مَعْناهُ وفِيكم مُطِيعُونَ سَمّاعُونَ لَهم. ومَعْنى وفِيكم في خِلالِكم مِنهم، أوْ مِنكم مِمَّنْ قَرُبَ عَهْدُهُ بِالإسْلامِ. واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ يَعُمُّ كُلَّ ظالِمٍ. ومَعْنى ذَلِكَ: أنَّهُ يُجازِيهِ عَلى ظُلْمِهِ. وانْدَرَجَ فِيهِ مَن يَقْبَلُ كَلامَ المُنافِقِينَ، ومَن يُؤَدِّي إلَيْهِمْ أخْبارَ المُؤْمِنِينَ، ومَن تَخَلَّفَ عَنْ هَذِهِ الغَزاةِ مِنَ المُنافِقِينَ.
التوبة 9:39
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا قَلِيلٌ﴾: لَمّا أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِغَزاةِ تَبُوكَ، وكانَ زَمانَ جَدْبٍ وحَرٍّ شَدِيدٍ وقَدْ طابَتِ الثِّمارُ، عَظُمَ ذَلِكَ عَلى النّاسِ وأحَبُّوا المُقامَ، نَزَلَتْ عِتابًا عَلى مَن تَخَلَّفَ عَنْ هَذِهِ الغَزْوَةِ، وكانَتْ سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ بَعْدَ الفَتْحِ بِعامٍ، غَزا فِيها الرُّومَ في عِشْرِينَ ألْفًا مِن راكِبٍ وراجِلٍ، وتَخَلَّفَ عَنْهُ قَبائِلُ مِنَ النّاسِ ورِجالٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ كَثِيرٌ ومُنافِقُونَ. وخَصَّ الثَّلاثَةَ بِالعِتابِ الشَّدِيدِ بِحَسَبِ مَكانِهِمْ مِنَ الصُّحْبَةِ؛ إذْ هم مِن أهْلِ بَدْرٍ ومِمَّنْ يُقْتَدى بِهِمْ، وكانَ تَخَلُّفُهم لِغَيْرِ عِلَّةٍ حَسْبَما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. ولَمّا شَرَحَ مَعاتِبَ الكُفّارِ رَغِبَ في مُقابَلَتِهِمْ. و(ما لَكم) اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإنْكارُ والتَّقْرِيعُ، وبُنِيَ (قِيلَ) لِلْمَفْعُولِ، والقائِلُ هو الرَّسُولُ ﷺ لَمْ يُذْكَرْ إغْلاظًا ومُخاشَنَةً لَهم وصَوْنًا لِذِكْرِهِ؛ إذْ أخْلَدَ إلى الهُوَيْنا والدَّعَةِ، مَن أخْلَدَ وخالَفَ أمْرَهُ ﷺ .
وقَرَأ الأعْمَشُ: تَثاقَلْتُمْ وهو أصْلُ قِراءَةِ الجُمْهُورِ اثّاقَلْتُمْ، وهو ماضٍ بِمَعْنى المُضارِعِ، وهو في مَوْضِعِ الحالِ، وهو عامِلٌ في (إذْ)؛ أيْ: ما لَكم تَتَثاقَلُونَ إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا. وقالَ أبُو البَقاءِ: الماضِي هُنا بِمَعْنى المُضارِعِ؛ أيْ: ما لَكم تَتَثاقَلُونَ، ومَوْضِعُهُ نَصْبٌ. أيْ: أيُّ شَيْءٍ لَكم في التَّثاقُلِ ؟ أوْ في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى مَذْهَبِ الخَلِيلِ. انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ حَذْفُ أنْ؛ لِأنَّهُ لا يَنْسَبِكُ مَصْدَرٌ إلّا مِن حَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلِ، وحَذْفُ أنْ في نَحْوِ هَذا قَلِيلٌ جِدًّا أوْ ضَرُورَةٌ. وإذا كانَ التَّقْدِيرُ في التَّثاقُلِ فَلا يُمْكِنُ عَمَلُهُ في إذا؛ لِأنَّ مَعْمُولَ المَصْدَرِ المَوْصُولِ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ فَيَكُونُ النّاصِبُ لِإذا، والمُتَعَلِّقُ بِهِ في التَّثاقُلِ ما هو مَعْلُومٌ لَكُمُ الواقِعُ خَبَرًا لِما. وقُرِئَ: اثّاقَلْتُمْ عَلى الِاسْتِفْهامِ الَّذِي مَعْناهُ الإنْكارُ والتَّوْبِيخُ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَعْمَلَ في إذا ما بَعْدَ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْمَلُ فِيهِ ما دَلَّ عَلَيْهِ، أوْ ما في (ما لَكم) مِن مَعْنى الفِعْلِ، كَأنَّهُ قالَ: ما تَصْنَعُونَ إذا قِيلَ لَكم، كَما تَعْمَلُهُ في الحالِ إذا قُلْتَ: ما لَكَ قائِمًا. والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ما لَكم تَتَثاقَلُونَ إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا، وحُذِفَ لِدَلالَةِ اثّاقَلْتُمْ عَلَيْهِ. ومَعْنى اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ: مِلْتُمْ إلى شَهَواتِ الدُّنْيا حِينَ أخْرَجَتِ الأرْضُ ثِمارَها، قالَهُ مُجاهِدٌ، وكَرِهْتُمْ مَشاقَّ السَّفَرِ. وقِيلَ: مِلْتُمْ إلى الإقامَةِ بِأرْضِكم، قالَهُ الزَّجّاجُ. ولَمّا ضُمِّنَ مَعْنى المَيْلِ والإخْلادِ عُدِّيَ بِإلى. وفي قَوْلِهِ: (أرَضِيتُمْ)، نَوْعٌ مِنَ الإنْكارِ والتَّعَجُّبِ؛ أيْ: أرَضِيتُمْ بِالنَّعِيمِ العاجِلِ في الدُّنْيا الزّائِلِ بَدَلَ النَّعِيمِ الباقِي ؟ . و(مِن) تَظافَرَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّها بِمَعْنى (بَدَلَ)؛ أيْ: بَدَلَ الآخِرَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً﴾ [الزخرف: ٦٠] أيْ بَدَلًا مِنكم، ومِنهُ (p-٤٢)قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَلَيْتَ لَنا مِن ماءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً مُبَرَّدَةً باتَتْ عَلى طَهَيانِ
أيْ بَدَلًا مِن ماءِ زَمْزَمَ، والطَّهَيانِ عُودٌ يُنْصَبُ في ناحِيَةِ الدّارِ لِلْهَواءِ تُعَلَّقُ فِيهِ أوْعِيَةُ الماءِ حَتّى تَبْرُدَ. وأصْحابُنا لا يُثْبِتُونَ أنْ تَكُونَ مِن لِلْبَدَلِ. ويَتَعَلَّقُ (في الآخِرَةِ) بِمَحْذُوفٍ؛ التَّقْدِيرُ: فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا مَحْسُوبًا في نَعِيمِ الآخِرَةِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: في الآخِرَةِ مُتَعَلِّقٌ بِقَلِيلٍ، وقَلِيلٌ خَبَرُ الِابْتِداءِ. وصَلُحَ أنْ يَعْمَلَ في الظَّرْفِ مُقَدَّمًا؛ لِأنَّ رائِحَةَ الفِعْلِ تَعْمَلُ في الظَّرْفِ. ولَوْ قُلْتَ: ما زَيْدٌ عَمْرًا إلّا يَضْرِبُ، لَمْ يَجُزْ.
﴿إلّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا ويَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ولا تَضُرُّوهُ شَيْئًا واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: هَذا سُخْطٌ عَلى المُتَثاقِلِينَ عَظِيمٌ، حَيْثُ أوْعَدَهم بِعَذابٍ ألِيمٍ مُطْلَقٍ يَتَناوَلُ عَذابَ الدّارَيْنِ، وأنَّهُ يُهْلِكُهم ويَسْتَبْدِلُ قَوْمًا آخَرِينَ خَيْرًا مِنهم وأطْوَعَ، وأنَّهُ غَنِيٌّ عَنْهم في نُصْرَةِ دِينِهِ، لا يَقْدَحُ تَثاقُلُهم فِيها شَيْئًا. وقِيلَ: يُعَذِّبُكم بِإمْساكِ المَطَرِ عَنْكم. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: «اسْتَنْفَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبِيلَةً فَقَعَدَتْ، فَأمْسَكَ اللَّهُ عَنْها المَطَرَ وعَذَّبَها بِهِ» . والمُسْتَبْدَلُ المَوْعُودُ بِهِمْ، قالَ جَماعَةٌ: أهْلُ اليَمَنِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: أبْناءُ فارِسَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ التّابِعُونَ، والظّاهِرُ مُسْتَغْنٍ عَنِ التَّخْصِيصِ. وقالَ الأصَمُّ: مَعْناهُ أنَّهُ تَعالى يُخْرِجُ رَسُولَهُ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ إلى المَدِينَةِ. قالَ القاضِي: وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّهُ يَنْتَقِلُ مِنَ المَدِينَةِ إلى غَيْرِها، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَظْهَرَ في المَدِينَةِ أقْوامًا يُعِينُونَهُ عَلى الغَزْوِ، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يُعِينَهُ بِأقْوامٍ مِنَ المَلائِكَةِ أيْضًا حالَ كَوْنِهِ هُناكَ. والضَّمِيرُ في: ﴿ولا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى؛ أيْ: ولا تَضُرُّوا دِينَهُ شَيْئًا. وقِيلَ: عَلى الرَّسُولِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قَدْ عَصَمَهُ ووَعَدَهُ بِالنَّصْرِ، ووَعْدُهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ. ولَمّا رَتَّبَ عَلى انْتِفاءِ نَفْرِهِمُ التَّعْذِيبَ والِاسْتِبْدالَ وانْتِفاءَ الضَّرَرِ، أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ تَتَعَلَّقُ إرادَتُهُ بِهِ قَدِيرٌ مِنَ التَّعْذِيبِ والتَّغْيِيرِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
﴿إلّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إذْ أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إذْ هُما في الغارِ إذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾: (إلّا تَنْصُرُوهُ) فِيهِ انْتِفاءُ النَّصْرِ بِأيِّ طَرِيقٍ كانَ مِن نَفْرٍ أوْ غَيْرِهِ. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَسَيَنْصُرُهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ (فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ)؛ أيْ: يَنْصُرُهُ في المُسْتَقْبَلِ كَما نَصَرَهُ في الماضِي (p-٤٣)وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: (فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ) جَوابًا لِلشَّرْطِ ؟ قُلْتُ: فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَسَيَنْصُرُهُ، وذَكَرَ مَعْنى ما قَدَّمْناهُ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى أوْجَبَ لَهُ النُّصْرَةَ وجَعَلَهُ مَنصُورًا في ذَلِكَ الوَقْتِ فَلَمْ يُخْذَلْ مِن بَعْدِهِ. انْتَهى. وهَذا لا يَظْهَرُ مِنهُ جَوابُ الشَّرْطِ؛ لِأنَّ إيجابَ النُّصْرَةِ لَهُ أمْرٌ سَبَقَ، والماضِي لا يَتَرَتَّبُ عَلى المُسْتَقْبَلِ، فالَّذِي يَظْهَرُ الوَجْهُ الأوَّلُ. ومَعْنى إخْراجِ الَّذِينَ كَفَرُوا إيّاهُ: فِعْلُهم بِهِ ما يُؤَدِّي إلى الخُرُوجِ، والإشارَةُ إلى خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ. ونُسِبَ الإخْراجُ إلَيْهِمْ مَجازًا، كَما نُسِبَ في قَوْلِهِ: (الَّتِي أخْرَجَتْكَ) . وقِصَّةُ خُرُوجِ الرَّسُولِ ﷺ وأبِي بَكْرٍ مَذْكُورَةٌ في السِّيَرِ.
وانْتَصَبَ (ثانِيَ اثْنَيْنِ) عَلى الحالِ؛ أيْ: أحَدَ اثْنَيْنِ وهُما: رَسُولُ اللَّهِ، وأبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا أُمِرَ بِالخُرُوجِ قالَ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”مَن يَخْرُجُ مَعِي ؟“ قالَ: أبُو بَكْرٍ. وقالَ اللَّيْثُ: ما صَحِبَ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِثْلُ أبِي بَكْرٍ. وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: خَرَجَ أبُو بَكْرٍ بِهَذِهِ الآيَةِ مِنَ المُعاتَبَةِ الَّتِي في قَوْلِهِ: (إلّا تَنْصُرُوهُ) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بَلْ خَرَجَ مِنها كُلُّ مَن شاهَدَ غَزْوَةَ تَبُوكَ، وإنَّما المُعاتَبَةُ لِمَن تَخَلَّفَ فَقَطْ، وهَذِهِ الآيَةُ مُنَوِّهَةٌ بِقَدْرِ أبِي بَكْرٍ وتَقَدُّمِهِ وسابِقَتِهِ في الإسْلامِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ تَرْغِيبُهم في الجِهادِ ونُصْرَةِ دِينِ اللَّهِ؛ إذْ بَيَّنَ فِيها أنَّ اللَّهَ يَنْصُرُهُ كَما نَصَرَهُ، إذْ كانَ في الغارِ ولَيْسَ مَعَهُ فِيهِ أحَدٌ سِوى أبِي بَكْرٍ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: ثانِي اثْنَيْنِ بِسُكُونِ ياءِ ثانِي. قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: حَكاها أبُو عَمْرٍو، ووَجْهُهُ أنَّهُ سَكَّنَ الياءَ تَشْبِيهًا لَها بِالألِفِ. والغارُ: نَقْبٌ في أعْلى ثَوْرٍ، وهو جَبَلٌ في يُمْنى مَكَّةَ عَلى مَسِيرَةِ ساعَةٍ، مَكَثَ فِيهِ ثَلاثًا. (إذْ هُما): بَدَلٌ، و(إذْ يَقُولُ): بَدَلٌ ثانٍ. وقالَ العُلَماءُ: مَن أنْكَرَ صُحْبَةَ أبِي بَكْرٍ فَقَدْ كَفَرَ لِإنْكارِهِ كَلامَ اللَّهِ تَعالى، ولَيْسَ ذَلِكَ لِسائِرِ الصَّحابَةِ. وكانَ سَبَبُ حَزْنِ أبِي بَكْرٍ خَوْفَهُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَهاهُ الرَّسُولُ تَسْكِينًا لِقَلْبِهِ، وأخْبَرَهُ بِقَوْلِهِ: إنَّ اللَّهَ مَعَنا، يَعْنِي: بِالمَعُونَةِ والنَّصْرِ. «وقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنْ قُتِلْتُ فَأنا رَجُلٌ واحِدٌ، وإنْ قُتِلْتَ هَلَكَتِ الأُمَّةُ وذَهَبَ دِينُ اللَّهِ، فَقالَ: ”ما ظَنَّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثالِثُهُما ؟“»، وقالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
؎قالَ النَّبِيُّ ولَمْ يَجْزَعْ يُوَقِّرُنِي ∗∗∗ ونَحْنُ في سَدَفٍ مِن ظُلْمَةِ الغارِ
؎لا تَخْشَ شَيْئًا فَإنَّ اللَّهَ ثالِثُنا ∗∗∗ وقَدْ تَكَفَّلَ لِي مِنهُ بِإظْهارِ
؎وإنَّما كَيْدُ مَن تَخْشى بَوادِرَهُ ∗∗∗ كَيْدُ الشَّياطِينِ قَدْ كادَتْ لِكُفّارِ
؎واللَّهُ مُهْلِكُهم طُرًّا بِما صَنَعُوا ∗∗∗ وجاعِلُ المُنْتَهى مِنهم إلى النّارِ
﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وأيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وكَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: السَّكِينَةُ الرَّحْمَةُ. وقالَ قَتادَةُ في آخَرِينَ: الوَقارُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الطُّمَأْنِينَةُ. وهَذِهِ الأقْوالُ مُتَقارِبَةٌ. والضَّمِيرُ في (عَلَيْهِ) عائِدٌ عَلى صاحِبِهِ، قالَهُ حَبِيبُ بْنُ أبِي ثابِتٍ، أوْ عَلى الرَّسُولِ، قالَهُ الجُمْهُورُ، أوْ عَلَيْهِما وأفْرَدَهُ لِتَلازُمِهِما، ويُؤَيِّدُهُ أنَّ في مُصْحَفِ حَفْصَةَ: فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِما وأيَّدَهُما. والجُنُودُ: المَلائِكَةُ يَوْمَ بَدْرٍ، والأحْزابِ، وحُنَيْنٍ. وقِيلَ: ذَلِكَ الوَقْتُ يُلْقُونَ البِشارَةَ في قَلْبِهِ، ويَصْرِفُونَ وُجُوهَ الكُفّارِ عَنْهُ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ (عَلَيْهِ) عائِدٌ عَلى أبِي بَكْرٍ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ كانَ ثابِتَ الجَأْشِ، ولِذَلِكَ قالَ: لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا. وأنَّ الضَّمِيرَ في (وأيَّدَهُ) عائِدٌ عَلى الرَّسُولِ ﷺ كَما جاءَ: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩] يَعْنِي الرَّسُولَ، وتُسَبِّحُوهُ: يَعْنِي اللَّهَ تَعالى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والسَّكِينَةُ عِنْدِي إنَّما هي ما يُنَزِّلُهُ اللَّهُ عَلى أنْبِيائِهِ مِنَ الحِياطَةِ لَهم، والخَصائِصِ الَّتِي لا تَصْلُحُ إلّا لَهم كَقَوْلِهِ: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٨]، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ (p-٤٤)إلى آخِرِ الآيَةِ يُرادُ بِهِ ما صَنَعَهُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ إلى وقْتِ تَبُوكَ مِنَ الظُّهُورِ والفُتُوحِ، لا أنْ يَكُونَ هَذا يَخْتَصُّ بِقِصَّةِ الغارِ. وكَلِمَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا هي الشِّرْكُ، وهي مَقْهُورَةٌ. وكَلِمَةُ اللَّهِ: هي التَّوْحِيدُ، وهي ظاهِرَةٌ. هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كَلِمَةُ الكافِرِينَ ما قَرَّرُوا بَيْنَهم مِنَ الكَيْدِ بِهِ لِيَقْتُلُوهُ، وكَلِمَةُ اللَّهِ: أنَّهُ ناصِرُهُ. وقِيلَ: كَلِمَةُ اللَّهِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وكَلِمَةُ الكُفّارِ قَوْلُهم في الحَرْبِ: يا لِبَنِي فُلانٍ، ويا لِفُلانٍ. وقِيلَ: كَلِمَةُ اللَّهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] وكَلِمَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا قَوْلُهم في الحَرْبِ: اعْلُ هُبَلَ؛ يَعْنُونَ صَنَمَهُمُ الأكْبَرَ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: وأيَدَهُ، والجُمْهُورُ: وأيَّدَهُ بِتَشْدِيدِ الياءِ. وقُرِئَ: وكَلِمَةُ اللَّهِ بِالنَّصْبِ؛ أيْ: وجَعَلَ. وقِراءَةُ الجُمْهُورِ بِالرَّفْعِ أثْبَتُ في الإخْبارِ. وعَنْ أنَسٍ رَأيْتُ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ: وجَعَلَ كَلِمَتَهُ هي العَلْياءَ، وناسَبَ الوَصْفُ بِالعِزَّةِ الدّالَّةِ عَلى القَهْرِ والغَلَبَةِ، والحِكْمَةِ الدّالَّةِ عَلى ما يَصْنَعُ مَعَ أنْبِيائِهِ وأوْلِيائِهِ، ومَن عاداهم مِن إعْزازِ دِينِهِ وإخْمادِ الكُفْرِ.
﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا وجاهِدُوا بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم في سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: لَمّا تَوَعَّدَ تَعالى مَن لا يَنْفِرُ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ وضَرَبَ لَهُ مِنَ الأمْثالِ ما ضَرَبَ، أتْبَعَهُ بِهَذا الأمْرِ الجَزْمَ. والمَعْنى: انْفِرُوا عَلى الوَصْفِ الَّذِي يَخِفُّ عَلَيْكم فِيهِ الجِهادُ، أوْ عَلى الوَصْفِ الَّذِي يَثْقُلُ. والخِفَّةُ والثِّقَلُ هُنا مُسْتَعارٌ لِمَن يُمْكِنُهُ السَّفَرُ بِسُهُولَةٍ، ومَن يُمْكِنُهُ بِصُعُوبَةٍ، وأمّا مَن لا يُمْكِنُهُ كالأعْمى ونَحْوِهِ فَخارِجٌ عَنْ هَذا. ورُوِيَ أنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: أعَلَيَّ أنْ أنْفِرَ ؟ قالَ: نَعَمْ، حَتّى نَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١] .
وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ مِن مَعانِي الخِفَّةِ والثِّقَلِ أشْياءَ لا عَلى وجْهِ التَّخْصِيصِ، بَعْضَها دُونَ بَعْضٍ، وإنَّما يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى التَّمْثِيلِ لا عَلى الحَصْرِ. قالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ: شَبابًا وشُيُوخًا. وقالَ أبُو صالِحٍ: أغْنِياءَ وفُقَراءَ في اليُسْرِ والعُسْرِ. وقالَ الأوْزاعِيُّ: رُكْبانًا ومُشاةً. وقِيلَ عَكْسُهُ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: عُزْبانًا ومُتَزَوِّجِينَ. وقالَ جُوَيْبِرٌ: أصِحّاءَ ومَرْضى. وقالَ جَماعَةٌ: خِفافًا مِنَ السِّلاحِ؛ أيْ مُقِلِّينَ فِيهِ، وثِقالًا؛ أيْ مُسْتَكْثِرِينَ مِنهُ. وقالَ الحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: خِفافًا مِنَ الأشْغالِ وثِقالًا بِها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خِفافًا مِنَ العِيالِ وثِقالًا بِهِمْ. وحَكى التَّبْرِيزِيُّ: خِفافًا مِنَ الأتْباعِ والحاشِيَةِ وثِقالًا بِهِمْ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: هو مِن خِفَّةِ اليَقِينِ وثِقَلِهِ عِنْدَ الكَراهَةِ. وحَكى الماوَرْدِيُّ: خِفافًا إلى الطّاعَةِ وثِقالًا عَنِ المُخالَفَةِ. وحَكى صاحِبُ الفِتْيانِ: خِفافًا إلى المُبارَزَةِ، وثِقالًا في المُصابَرَةِ. وحَكى أيْضًا: خِفافًا بِالمُسارَعَةِ والمُبادَرَةِ وثِقالًا بَعْدَ التَّرَوِّي والتَّفَكُّرِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: ذَوِي صَنْعَةٍ وهو الثَّقِيلُ، وغَيْرُ ذَوِي صَنْعَةٍ وهو الخَفِيفُ. وحَكى النَّقّاشُ: شُجْعانًا وجُبَناءَ. وقِيلَ: مَهازِيلَ وسِمانًا. وقِيلَ: سِباقًا إلى الحَرْبِ كالطَّلِيعَةِ وهو مُقَدَّمُ الجَيْشِ، والثِّقالُ الجَيْشُ بِأسْرِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: النَّشِيطُ والكَسْلانُ.
والجُمْهُورُ عَلى أنَّ الأمْرَ مَوْقُوفٌ عَلى فَرْضِ الكِفايَةِ، ولَمْ يُقْصَدْ بِهِ فَرْضُ الأعْيانِ. وقالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ: هو فَرْضٌ عَلى المُؤْمِنِينَ؛ عُنِيَ بِهِ فَرْضُ الأعْيانِ في تِلْكَ المُدَّةِ، ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] . وانْتَصَبَ ﴿خِفافًا وثِقالًا﴾ عَلى الحالِ. وذُكِرَ ﴿بِأمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ﴾ إذْ ذَلِكَ وصْفٌ لِأكْمَلِ ما يَكُونُ مِنَ الجِهادِ وأنْفَعِهِ عِنْدَ اللَّهِ، فَحَضَّ عَلى كَمالِ الأوْصافِ. وقُدِّمَتِ الأمْوالُ إذْ هي أوَّلُ مَصْرِفٍ وقْتَ التَّجْهِيزِ، وذُكِرَ ما المُجاهِدُ فِيهِ وهو سَبِيلُ اللَّهِ، والخَيْرِيَّةُ هي في الدُّنْيا بِغَلَبَةِ العَدُوِّ ووِراثَةِ الأرْضِ، وفي الآخِرَةِ بِالثَّوابِ ورِضْوانِ اللَّهِ. وقَدْ غَزا أبُو طَلْحَةَ حَتّى غَزا في البَحْرِ وماتَ فِيهِ، وغَزا المِقْدادُ عَلى ضَخامَتِهِ وسِمَنِهِ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ وقَدْ ذَهَبَتْ إحْدى عَيْنَيْهِ، وابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ مَعَ كَوْنِهِ أعْمى.
(p-٤٥)﴿لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا وسَفَرًا قاصِدًا لاتَّبَعُوكَ ولَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكم يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾: أيْ لَوْ كانَ ما دُعُوا إلَيْهِ غُنْمًا قَرِيبًا سَهْلَ المَنالِ، وسَفَرًا قاصِدًا وسَطًا مُقارِبًا. وهَذِهِ الآيَةُ في قِصَّةِ تَبُوكَ حِينَ اسْتَنْفَرَ المُؤْمِنِينَ فَنَفَرُوا، واعْتَذَرَ مِنهم فَرِيقٌ لِأصْحابِهِ، لا سِيَّما مِنَ القَبائِلِ المُجاوِرَةِ لِلْمَدِينَةِ. ولَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ﴾ خِطابًا لِلْمُنافِقِينَ خاصَّةً، بَلْ هو عامٌّ. واعْتَذَرَ المُنافِقُونَ بِأعْذارٍ كاذِبَةٍ، فابْتَدَأ تَعالى بِذِكْرِ المُنافِقِينَ وكَشْفِ ضَمائِرِهِمْ. (لاتَّبَعُوكَ): لَبادَرُوا إلَيْهِ، لا لِوَجْهِ اللَّهِ، ولا لِظُهُورِ كَلِمَتِهِ، ﴿ولَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾؛ أيْ: المَسافَةُ الطَّوِيلَةُ في غَزْوِ الرُّومِ. والشُّقَّةُ بِالضَّمِّ مِنَ الثِّيابِ، والشُّقَّةُ أيْضًا السَّفَرُ البَعِيدُ، ورُبَّما قالُوهُ بِالكَسْرِ، قالَهُ الجَوْهَرِيُّ. وقالَ الزَّجّاجُ: الشُّقَّةُ: الغايَةُ الَّتِي تُقْصَدُ. وقالَ ابْنُ عِيسى: الشُّقَّةُ القِطْعَةُ مِنَ الأرْضِ يَشُقُّ رُكُوبُها. وقالَ ابْنُ فارِسٍ: الشُّقَّةُ المَسِيرُ إلى أرْضٍ بَعِيدَةٍ، واشْتِقاقُها مِنَ الشَّقِّ، أوْ مِنَ المَشَقَّةِ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: بَعِدَتْ عَلَيْهِمُ الشِّقَّةُ بِكَسْرِ العَيْنِ والشِّينِ، وافَقَهُ الأعْرَجُ في بَعِدَتْ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: إنَّها لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ في اللَّفْظَيْنِ. انْتَهى. وحَكى الكِسائِيُّ: شُقَّةً وشِقَّةً. (وسَيَحْلِفُونَ)؛ أيِ المُنافِقُونَ، وهَذا إخْبارٌ بِغَيْبٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في قَوْلِهِ: وسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما نَصُّهُ، (بِاللَّهِ) مُتَعَلِّقٌ بِسَيَحْلِفُونَ، أوْ هو مِن كَلامِهِمْ. والقَوْلُ مُرادٌ في الوَجْهَيْنِ؛ أيْ: سَيَحْلِفُونَ مُتَخَلِّصِينَ عِنْدَ رُجُوعِكَ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ مُعْتَذِرِينَ، يَقُولُونَ: بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكم، أوْ وسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ يَقُولُونَ: لَوِ اسْتَطَعْنا. وقَوْلُهُ: لَخَرَجْنا سَدَّ مَسَدَّ جَوابِ القَسَمِ ولَوْ جَمِيعًا، والإخْبارُ بِما سَوْفَ يَكُونُ بَعْدَ القَوْلِ مِن حَلِفِهِمْ واعْتِذارِهِمْ، وقَدْ كانَ مِن جُمْلَةِ المُعْجِزاتِ. ومَعْنى الِاسْتِطاعَةِ اسْتِطاعَةُ العُدَّةِ، واسْتِطاعَةُ الأبْدانِ، كَأنَّهم تَمارَضُوا. انْتَهى. وما ذَهَبَ إلَيْهِ مِن أنَّ قَوْلَهُ لَخَرَجْنا سَدَّ مَسَدَّ جَوابِ القَسَمِ ولَوْ جَمِيعًا لَيْسَ بِجَيِّدٍ (p-٤٦)بَلْ لِلنَّحْوِيِّينَ في هَذا مَذْهَبانِ: أحَدُهُما: أنَّ (لَخَرَجْنا) هو جَوابُ القَسَمِ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ عَلى قاعِدَةِ اجْتِماعِ القَسَمِ والشَّرْطِ إذا تَقَدَّمَ القَسَمُ عَلى الشَّرْطِ، وهَذا اخْتِيارُ أبِي الحَسَنِ بْنِ عُصْفُورٍ. والآخَرُ: أنَّ (لَخَرَجْنا) هو جَوابُ لَوْ، وجَوابُ القَسَمِ هو لَوْ وجَوابُها، وهَذا اخْتِيارُ ابْنُ مالِكٍ أنَّ (لَخَرَجْنا) يَسُدُّ مَسَدَّهُما، ولا أعْلَمُ أحَدًا ذَهَبَ إلى ذَلِكَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُتَأوَّلَ كَلامُهُ عَلى أنَّهُ لَمّا حُذِفَ جَوابُ لَوْ، ودَلَّ عَلَيْهِ جَوابُ القَسَمِ جُعِلَ كَأنَّهُ سَدَّ مَسَدَّ جَوابِ القَسَمِ وجَوابِ لَوْ جَمِيعًا.
وقَرَأ الأعْمَشُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: لَوُ اسْتَطَعْنا بِضَمِّ الواوِ، وفَرَّ مِن ثِقَلِ الكَسْرَةِ عَلى الواوِ وشَبَّهَها بِواوِ الجَمْعِ عِنْدَ تَحْرِيكِها لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وقَرَأ الحَسَنُ: بِفَتْحِها كَما جاءَ: (اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ) بِالأوْجُهِ الثَّلاثَةِ. (يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم) بِالحَلِفِ الكاذِبِ؛ أيْ: يُوقِعُونَها في الهَلاكِ بِهِ. والظّاهِرُ أنَّها جُمْلَةُ اسْتِئْنافِ إخْبارٍ مِنهُ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم) إمّا أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (سَيَحْلِفُونَ)، أوْ حالًا بِمَعْنى مُهْلِكِينَ، والمَعْنى: أنَّهم يُوقِعُونَها في الهَلاكِ بِحَلِفِهِمُ الكاذِبِ، وما يَخْلُفُونَ عَلَيْهِ مِنَ التَّخَلُّفِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن قَوْلِهِ: (لَخَرَجْنا)؛ أيْ لَخَرَجْنا مَعَكم، وإنْ أهْلَكْنا أنْفُسَنا وألْقَيْناها في التَّهْلُكَةِ بِما يَحْمِلُها مِنَ المَسِيرِ في تِلْكَ الشُّقَّةِ. وجاءَ بِهِ عَلى لَفْظِ الغائِبِ؛ لِأنَّهُ مُخْبَرٌ عَنْهم، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ قِيلَ: سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطاعُوا لَخَرَجُوا لَكانَ سَدِيدًا ؟ يُقالُ: حَلَفَ بِاللَّهِ لَيَفْعَلَنَّ ولَأفْعَلَنَّ، فالغَيْبَةُ عَلى حُكْمِ الإخْبارِ والتَّكَلُّمُ عَلى الحِكايَةِ انْتَهى. أمّا كَوْنُ (يُهْلِكُونَ) بَدَلًا مِن (سَيَحْلِفُونَ) فَبَعِيدٌ؛ لِأنَّ الإهْلاكَ لَيْسَ مُرادِفًا لِلْحَلِفِ، ولا هو نَوْعٌ مِنَ الحَلِفِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُبْدَلَ فِعْلٌ مِن فِعْلٍ إلّا أنْ يَكُونَ مُرادِفًا لَهُ أوْ نَوْعًا مِنهُ. وأمّا كَوْنُهُ حالًا مِن قَوْلِهِ: (لَخَرَجْنا)، فالَّذِي يَظْهَرُ أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (لَخَرَجْنا) فِيهِ ضَمِيرُ التَّكَلُّمِ، فالَّذِي يَجْرِي عَلَيْهِ إنَّما يَكُونُ بِضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ. فَلَوْ كانَ حالًا مِن ضَمِيرِ (لَخَرَجْنا) لَكانَ التَّرْكِيبُ: نُهْلِكُ أنْفُسَنا؛ أيْ: مُهْلِكِي أنْفُسِنا. وأمّا قِياسُهُ ذَلِكَ عَلى حَلِفٍ بِاللَّهِ لَيَفْعَلَنَّ ولَأفْعَلَنَّ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأنَّهُ إذا أجْراهُ عَلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ لا يَخْرُجُ مِنهم إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، لَوْ قُلْتُ: حَلَفَ زَيْدٌ لَيَفْعَلَنَّ وأنا قائِمٌ، عَلى أنْ يَكُونَ وأنا قائِمٌ حالًا مِن ضَمِيرِ لَيَفْعَلَنَّ لَمْ يَجُزْ، وكَذا عَكْسُهُ نَحْوُ: حَلَفَ زَيْدٌ لَأفْعَلَنَّ يَقُومُ، تُرِيدُ قائِمًا لَمْ يَجُزْ. وأمّا قَوْلُهُ: وجاءَ بِهِ عَلى لَفْظِ الغائِبِ؛ لِأنَّهُ مُخْبَرٌ عَنْهم فَهي مُغالَطَةٌ لَيْسَ مُخْبَرًا عَنْهم بِقَوْلِهِ: لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكم، بَلْ هو حاكٍ لَفْظَ قَوْلِهِمْ، ثُمَّ قالَ: ألا تَرى لَوْ قِيلَ: لَوِ اسْتَطاعُوا لَخَرَجُوا لَكانَ سَدِيدًا إلى آخِرِهِ كَلامٌ صَحِيحٌ، لَكِنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ إخْبارًا عَنْهم، بَلْ حِكايَةً. والحالُ مِن جُمْلَةِ كَلامِهِمُ المَحْكِيِّ، فَلا يَجُوزُ أنْ يُخالِفَ بَيْنَ ذِي الحالِ وحالِهِ لِاشْتِراكِهِما في العامِلِ. لَوْ قُلْتَ: قالَ زَيْدٌ: خَرَجْتُ يَضْرِبُ خالِدًا؛ تُرِيدُ أضْرِبُ خالِدًا، لَمْ يَجُزْ. ولَوْ قُلْتَ: قالَتْ هِنْدُ: خَرَجَ زَيْدٌ (p-٤٧)أضْرِبُ خالِدًا، تُرِيدُ خَرَجَ زَيْدٌ ضارِبًا خالِدًا، لَمْ يَجُزْ.
﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهم حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وتَعْلَمَ الكاذِبِينَ﴾؛ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذِهِ الآيَةُ في صِنْفٍ مُبالِغٍ في النِّفاقِ. واسْتَأْذَنُوا دُونَ اعْتِذارٍ مِنهم: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، والجَدُّ بْنُ قَيْسٍ، ورِفاعَةُ بْنُ التّابُوتِ، ومَنِ اتَّبَعَهم. فَقالَ بَعْضُهم: ائْذَنَّ لِي ولا تَفْتِنِّي. وقالَ بَعْضُهم: ائْذَنَّ لَنا في الإقامَةِ، فَأذِنَ لَهُمُ اسْتِبْقاءً مِنهُ عَلَيْهِمْ، وأخْذًا بِالأسْهَلِ مِنَ الأُمُورِ، وتَوَكُّلًا عَلى اللَّهِ. قالَ مُجاهِدٌ: قالَ بَعْضُهم: نَسْتَأْذِنُهُ، فَإنْ أذِنَ في القُعُودِ قَعَدْنا، وإنْ لَمْ يَأْذَنْ قَعَدْنا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ. انْتَهى. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ إبْراهِيمُ بْنُ عَرَفَةَ النَّحْوِيُّ الدّاوُدِيُّ المَنبُوذُ بِنَفْطَوَيْهِ: ذَهَبَ ناسٌ إلى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مُعاتَبٌ بِهَذِهِ الآيَةِ، وحاشاهُ مِن ذَلِكَ، بَلْ كانَ لَهُ أنْ يَفْعَلَ وأنْ لا يَفْعَلَ حَتّى يَنْزِلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ كَما قالَ: (لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِن أمْرِي ما اسْتَدْبَرْتُ لَجَعَلْتُها عُمْرَةً)؛ لِأنَّهُ كانَ لَهُ أنْ يَفْعَلَ وأنْ لا يَفْعَلَ. وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١]؛ لِأنَّهُ كانَ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ مِمّا لَمْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ فِيهِ وحْيٌ. واسْتَأْذَنَهُ المُخَلَّفُونَ في التَّخَلُّفِ واعْتَذَرُوا، اخْتارَ أيْسَرَ الأمْرَيْنِ تَكَرُّمًا وتَفَضُّلًا مِنهُ ﷺ، فَأبانَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لَوْ لَمْ يَأْذَنْ لَهم لَأقامُوا لِلنِّفاقِ الَّذِي في قُلُوبِهِمْ، وأنَّهم كاذِبُونَ في إظْهارِ الطّاعَةِ والمُشاوَرَةِ، فَعَفا اللَّهُ عَنْكَ عِنْدَهُ افْتِتاحُ كَلامٍ أعْلَمَهُ اللَّهُ بِهِ أنَّهُ لا حَرَجَ عَلَيْهِ فِيما فَعَلَهُ مِنَ الإذْنِ، ولَيْسَ هو عَفْوًا عَنْ ذَنْبٍ، إنَّما هو أنَّهُ تَعالى أعْلَمَهُ أنَّهُ لا يَلْزَمُهُ تَرْكُ الإذْنِ لَهم كَما قالَ ﷺ: «عَفا اللَّهُ لَكم عَنْ صَدَقَةِ الخَيْلِ والرَّقِيقِ» وما وجَبَتا قَطُّ ومَعْناهُ: تَرَكَ أنْ يُلْزِمَكم ذَلِكَ. انْتَهى. ووافَقَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ فَقالُوا: ذِكْرُ العَفْوِ هُنا لَمْ يَكُنْ عَنْ تَقَدُّمِ ذَنْبٍ، وإنَّما هو اسْتِفْتاحُ كَلامٍ جَرَتْ عادَةُ العَرَبِ أنْ تُخاطِبَ بِمِثْلِهِ لِمَن تُعَظِّمُهُ وتَرْفَعُ مِن قَدْرِهِ، يَقْصِدُونَ بِذَلِكَ الدُّعاءَ لَهُ، فَيَقُولُونَ: أصْلَحَ اللَّهُ الأمِيرَ كانَ كَذا وكَذا، فَعَلى هَذا صِيغَتُهُ صِيغَةُ الخَبَرِ، ومَعْناهُ الدُّعاءُ. انْتَهى.
ولِمَ ولَهم مُتَعَلِّقانِ بِأذِنْتَ، لَكِنَّهُ اخْتَلَفَ مَدْلُولُ اللّامَيْنِ، إذْ لامُ لِمَ لِلتَّعْلِيلِ، ولامُ لَهم لِلتَّبْلِيغِ، فَجازَ ذَلِكَ لِاخْتِلافِ مَعْنَيَيْهِما، ومُتَعَلِّقُ الإذْنِ غَيْرُ مَذْكُورٍ، فَما قَدَّمْناهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ القُعُودُ؛ أيْ: لِمَ أذِنْتَ لَهم في القُعُودِ والتَّخَلُّفِ عَنِ الغَزْوِ حَتّى تَعْرِفَ ذَوِي العُذْرِ في التَّخَلُّفِ مِمَّنْ لا عُذْرَ لَهُ. وقِيلَ: مُتَعَلِّقُ الإذْنِ هو الخُرُوجُ مَعَهُ لِلْغَزْوِ، لِما تَرَتَّبَ عَلى خُرُوجِهِمْ مِنَ المَفاسِدِ؛ لِأنَّهم كانُوا عَيْنًا لِلْكُفّارِ عَلى المُسْلِمِينَ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وفِيكم سَمّاعُونَ لَهُمْ﴾ وكانُوا يَخْذُلُونَ المُؤْمِنِينَ ويَتَمَنَّوْنَ أنْ تَكُونَ الدّائِرَةُ عَلَيْهِمْ، فَقِيلَ: لِمَ أذِنْتَ لَهم في إخْراجِهِمْ وهم عَلى هَذِهِ الحالَةِ السَّيِّئَةِ ؟ وبَيَّنَ أنَّ خُرُوجَهم مَعَهُ لَيْسَ مَصْلَحَةً بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا﴾ . وحَتّى غايَةٌ لِما تَضَمَّنَهُ الِاسْتِفْهامُ؛ أيْ: ما كانَ أنْ تَأْذَنَ لَهم حَتّى يَتَبَيَّنَ مَن لَهُ العُذْرُ، هَكَذا قَدَّرَهُ الحَوْفِيُّ. وقالَ أبُو البَقاءِ: حَتّى يَتَبَيَّنَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، تَقْدِيرُهُ: هَلّا أخَّرْتَهم إلى أنْ يَتَبَيَّنَ أوْ لِيَتَبَيَّنَ. وقَوْلُهُ: لِمَ أذِنْتَ لَهم يَدُلُّ عَلى المَحْذُوفِ. ولا يَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ حَتّى بِأذِنْتَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ أذِنَ لَهم إلى هَذِهِ الغايَةِ، أوْ لِأجْلِ التَّبْيِينِ، وهَذا لا يُعاتَبُ عَلَيْهِ انْتَهى. وكَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾، مِمّا يَجِبُ اطِّراحُهُ، فَضْلًا عَنْ أنْ يُذْكَرَ فَيُرَدَّ عَلَيْهِ. وقَوْلُهُ: الَّذِينَ صَدَقُوا؛ أيْ: في اسْتِئْذانِكَ. وأنَّكَ لَوْ لَمْ تَأْذَنْ لَهم خَرَجُوا مَعَكَ. وتَعْلَمَ الكاذِبِينَ: تُرِيدُ في أنَّهُمُ اسْتَأْذَنُوكَ، يُظْهِرُونَ لَكَ أنَّهم يَقِفُونَ عِنْدَ حَدِّكَ وهم كَذَبَةٌ، وقَدْ عَزَمُوا عَلى العِصْيانِ، أذِنْتَ لَهم أوْ لَمْ تَأْذَنْ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: حَتّى تَعْلَمَ الصّادِقِينَ في أنَّ لَهم عُذْرًا، وتَعْلَمَ الكاذِبِينَ في أنْ لا عُذْرَ لَهم. وقالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ آيَةُ النُّورِ، ﴿فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهُمْ﴾ [النور: ٦٢] . وهَذا غَلَطٌ؛ لِأنَّ النُّورَ نَزَلَتْ سَنَةَ أرْبَعٍ مِنَ الهِجْرَةِ في غَزْوَةِ الخَنْدَقِ في اسْتِئْذانِ بَعْضِ المُؤْمِنِينَ الرَّسُولَ في بَعْضِ شَأْنِهِمْ في بُيُوتِهِمْ في بَعْضِ الأوْقاتِ، فَأباحَ اللَّهُ أنْ يَأْذَنَ، فَتَبايَنَتِ الآيَتانِ في الوَقْتِ والمَعْنى.
﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ (p-٤٨)قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (لا يَسْتَأْذِنُكَ)؛ أيْ بَعْدَ غَزْوَةِ تَبُوكَ. وقالَ الجُمْهُورُ: لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وما بَعْدَها ورَدَ في قِصَّةِ تَبُوكَ، والظّاهِرُ أنَّ مُتَعَلِّقَ الِاسْتِئْذانِ هو (أنْ يُجاهِدُوا)؛ أيْ: لَيْسَ مِن عادَةِ المُؤْمِنِينَ أنْ يَسْتَأْذِنُوكَ في أنْ يُجاهِدُوا، وكانَ الخُلَّصُ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ لا يَسْتَأْذِنُونَ النَّبِيَّ ﷺ أبَدًا، ويَقُولُونَ: لَنُجاهِدَنَّ مَعَهُ بِأمْوالِنا وأنْفُسِنا. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: لا يَسْتَأْذِنُكَ المُؤْمِنُونَ في الخُرُوجِ ولا القُعُودِ كَراهَةَ أنْ يُجاهِدُوا، بَلْ إذا أمَرْتَ بِشَيْءٍ ابْتَدَرُوا إلَيْهِ، وكانَ الِاسْتِئْذانُ في ذَلِكَ الوَقْتِ عَلامَةً عَلى النِّفاقِ. وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾، شَهادَةٌ لَهم بِالِانْتِظامِ في زُمْرَةِ المُتَّقِينَ، وعِدَةٌ لَهم بِأجْزَلِ الثَّوابِ.
﴿إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وارْتابَتْ قُلُوبُهم فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾؛ هُمُ المُنافِقُونَ وكانُوا تِسْعَةً وثَلاثِينَ رَجُلًا. ومَعْنى ارْتابَتْ: شَكَّتْ. ويَتَرَدَّدُونَ: يَتَحَيَّرُونَ، لا يَتَّجِهُ لَهم هُدًى فَتارَةً يَخْطُرُ لَهم صِحَّةُ أمْرِ الرَّسُولِ، وتارَةً يَخْطُرُ لَهم خِلافُ ذَلِكَ.
﴿ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لَأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهم فَثَبَّطَهم وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ﴾؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عُدَّةً مِنَ الزّادِ والماءِ والرّاحِلَةِ؛ لِأنَّ سَفَرَهم بَعِيدٌ في زَمانِ حَرٍّ شَدِيدٍ. وفي تَرْكِهِمُ العُدَّةَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم أرادُوا التَّخَلُّفَ. وقالَ قَوْمٌ: كانُوا قادِرِينَ عَلى تَحْصِيلِ العُدَّةِ والأُهْبَةِ. ورَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: العُدَّةُ النِّيَّةُ الخالِصَةُ في الجِهادِ. وحَكى الطَّبَرِيُّ: كُلُّ ما يُعَدُّ لِلْقِتالِ مِنَ الزّادِ والسِّلاحِ. وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ وابْنُهُ مُعاوِيَةُ: عُدَّ بِضَمِّ العَيْنِ مِن غَيْرِ تاءٍ، والفَرّاءُ يَقُولُ: تَسْقُطُ التّاءُ لِلْإضافَةِ، وجَعَلَ مِن ذَلِكَ وإقامِ الصَّلاةِ؛ أيْ وإقامَةِ الصَّلاةِ. ووَرَدَ ذَلِكَ في عِدَّةِ أبْياتٍ مِن لِسانِ العَرَبِ، ولَكِنْ لا يَقِيسُ ذَلِكَ، إنَّما نَقِفُ فِيهِ مَعَ مَوْرِدِ السَّماعِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: لَمّا أضافَ جَعَلَ الكِنايَةَ نائِبَةً عَنِ التّاءِ فَأسْقَطَها، وذَلِكَ لِأنَّ العَدَّ بِغَيْرِ تاءٍ، ولا تَقْدِيرُها هو البَثْرُ الَّذِي يَخْرُجُ في الوَجْهِ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: هو جَمْعُ عُدَّةٍ كَبُرَّةٍ وبُرٍّ ودُرَّةٍ ودُرٍّ، والوَجْهُ فِيهِ عُدَدٌ، ولَكِنْ لا يُوافِقُ خَطَّ المُصْحَفِ. وقَرَأ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: عِدَّهُ بِكَسْرِ العَيْنِ، وهاءِ إضْمارٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو عِنْدِي اسْمٌ لِما يُعَدُّ كالذَّبْحِ والقَتْلِ لِلْعَدِّ، وسُمِّيَ قَتْلًا إذْ حَقُّهُ أنْ يُقْتَلَ. وقُرِئَ أيْضًا: عِدَّةً بِكَسْرِ العَيْنِ، وبِالتّاءِ دُونَ إضافَةٍ؛ أيْ: عِدَّةً مِنَ الزّادِ والسِّلاحِ، أوْ مِمّا لَهم مَأْخُوذٌ مِنَ العَدَدِ. ولَمّا تَضَمَّنَتِ الجُمْلَةُ انْتِفاءَ الخُرُوجِ والِاسْتِعْدادِ، وجاءَ بَعْدَها ولَكِنْ، وكانَتْ لا تَقَعُ إلّا بَيْنَ نَقِيضَيْنِ أوْ ضِدَّيْنِ أوْ خِلافَيْنِ عَلى خِلافٍ فِيهِ، لا بَيْنَ مُتَّفِقَيْنِ، وكانَ ظاهِرُ ما بَعْدَ لَكِنْ مُوافِقًا لِما قَبْلَها.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ مَوْقِعُ حَرْفِ الِاسْتِدْراكِ ؟ قُلْتُ: لَمّا كانَ قَوْلُهُ: ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ مُعْطِيًا مَعْنى نَفْيِ خُرُوجِهِمْ واسْتِعْدادِهِمْ لِلْغَزْوِ قِيلَ: ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهم، كَأنَّهُ قِيلَ: ما خَرَجُوا ولَكِنْ تَثَبَّطُوا عَنِ الخُرُوجِ لِكَراهَةِ انْبِعاثِهِمْ، كَما تَقُولُ: ما أحْسَنَ إلَيَّ زِيدٌ ولَكِنْ أساءَ إلَيَّ. انْتَهى. ولَيْسَتِ الآيَةُ نَظِيرَ هَذا المِثالِ؛ لِأنَّ المِثالَ واقِعٌ فِيهِ لَكِنْ بَيْنَ ضِدَّيْنِ، والآيَةُ واقِعٌ فِيها، لَكِنْ بَيْنَ مُتَّفِقَيْنِ مِن جِهَةِ المَعْنى. والِانْبِعاثُ الِانْطِلاقُ والنُّهُوضُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَثَبَّطَهم كَسَلُهم وفَتْرُ نِيّاتِهِمْ. وبُنِيَ (وقِيلَ) لِلْمَفْعُولِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ القَوْلُ إذْنَ الرَّسُولِ لَهم في القُعُودِ، أوْ قَوْلَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ إمّا لَفْظًا وإمّا مَعْنًى، أوْ حِكايَةً عَنْ قَوْلِ اللَّهِ في سابِقِ قَضائِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَعَلَ إلْقاءَ اللَّهِ تَعالى في قُلُوبِهِمْ كَراهَةَ الخُرُوجِ أمْرًا بِالقُعُودِ. وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ الشَّيْطانِ بِالوَسْوَسَةِ. قالَ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ جازَ أنْ يُوقِعَ اللَّهُ تَعالى في نُفُوسِهِمْ كَراهَةَ الخُرُوجِ إلى الغَزْوِ وهي قَبِيحَةٌ، وتَعالى اللَّهُ عَنْ إلْهامِ القَبِيحِ ؟ قُلْتُ: خُرُوجُهم كانَ مَفْسَدَةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا﴾ (p-٤٩)فَكانَ إيقاعُ كَراهَةِ ذَلِكَ الخُرُوجِ في نُفُوسِهِمْ حَسَنًا ومَصْلَحَةً. انْتَهى.
وهَذا السُّؤالُ والجَوابُ عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ في المَفْسَدَةِ والمَصْلَحَةِ، وهَذا القَوْلُ هو ذَمٌّ لَهم وتَعْجِيزٌ، وإلْحاقٌ بِالنِّساءِ والصِّبْيانِ والزَّمْنى الَّذِينَ شَأْنُهُمُ القُعُودُ والجُثُومُ في البُيُوتِ، وهُمُ القاعِدُونَ والخالِفُونَ والخَوالِفُ، ويُبَيِّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ﴾ [التوبة: ٨٧] والقُعُودُ هُنا عِبارَةٌ عَنِ التَّخَلُّفِ والتَّراخِي كَما قالَ:
؎دَعِ المَكارِمَ لا تَرْحَلْ لِبُغْيَتِها ∗∗∗ واقْعُدْ فَإنَّكَ أنْتَ الطّاعِمُ الكاسِي
﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا ولَأوْضَعُوا خِلالَكم يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ وفِيكم سَمّاعُونَ لَهم واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾: لَمّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ضَرَبَ عَسْكَرَهُ عَلى ثَنِيَّةِ الوَداعِ، وضَرَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ عَسْكَرَهُ أسْفَلَ مِنها، ولَمْ يَكُنْ بِأقَلِّ العَسْكَرَيْنِ، فَلَمّا سارَ تَخَلَّفَ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ فِيمَن تَخَلَّفَ فَنَزَلَتْ بِعُرى. . . . اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى قَوْلِهِ: (وهم كارِهُونَ) . وفِيكم؛ أيْ: في جَيْشِكم أوْ في جُمْلَتِكم. وقِيلَ: في بِمَعْنى مَعَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الخَبالُ الفَسادُ ومُراعاةُ إخْمادِ الكَلِمَةِ. وقالَ الضَّحّاكُ: المَكْرُ والغَدْرُ. وقالَ ابْنُ عِيسى: الِاضْطِرابُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: الشَّرُّ، وقالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. وقِيلَ: إيقاعُ الِاخْتِلافِ والأراجِيفِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ الخَبالِ في آلِ عِمْرانَ. وهَذا الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ وهو مُفَرَّغٌ؛ إذِ المَفْعُولُ الثّانِي لِزادَ لَمْ يُذْكَرْ، وقَدْ كانَ في هَذِهِ الغَزْوَةِ مُنافِقُونَ كَثِيرٌ، ولَهم لا شَكَّ خَبالٌ، فَلَوْ خَرَجَ هَؤُلاءِ لَتَألَّبُوا فَزادَ الخَبالُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُسْتَثْنى مِنهُ غَيْرُ مَذْكُورٍ، فالِاسْتِثْناءُ مِن أعَمِّ العامِّ الَّذِي هو الشَّيْءُ، فَكانَ هو اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا؛ لِأنَّ الخَبالَ بَعْضُ أعَمِّ العامِّ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما زادُوكم شَيْئًا إلّا خَبالًا. وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، وهَذا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ لَمْ يَكُنْ في عَسْكَرِ الرَّسُولِ خَبالٌ. فالمَعْنى: ما زادُوكم قُوَّةً ولا شِدَّةً لَكِنْ خَبالًا. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ما زادُوكم بِغَيْرِ واوٍ؛ يَعْنِي: ما زادَكم خُرُوجُهم إلّا خَبالًا. والإيضاعُ الإسْراعُ، قالَ:
؎أُرانا مُوضِعِينَ لِأمْرِ غَيْبٍ ∗∗∗ ونُسْحَرُ بِالطَّعامِ وبِالشَّرابِ
ويُقالُ: وضَعَتِ النّاقَةُ تَضَعُ وضْعًا ووُضُوعًا، قالَ:
؎يا لَيْتَنِي فِيها جَذَعْ ∗∗∗ أخُبُّ فِيها وأضَعْ
قالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ لَأسْرَعُوا بِالنَّمِيمَةِ. وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ القاسِمِ: لَأسْرَعُوا بِالفِرارِ. ومَفْعُولُ أوْضَعُوا مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: ولَأوْضَعُوا رَكائِبَكم بَيْنَكم؛ لِأنَّ الرّاكِبَ أسْرَعُ مِنَ الماشِي. وقَرَأ مُجاهِدٌ ومُحَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ: ولَأوْفَضُوا؛ أيْ أسْرَعُوا كَقَوْلِهِ: ﴿إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: ٤٣] وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ: ولَأرْفَضُوا بِالرّاءِ مِن رَفَضَ أسْرَعَ في مَشْيِهِ رَفْضًا ورَفَضانًا، قالَ حَسّانُ:
؎بِزُجاجَةٍ رَفَضَتْ بِما في جَوْفِها ∗∗∗ رَفْضَ القَلُوصِ بِراكِبٍ مُسْتَعْجِلِ
(p-٥٠)وقالَ غَيْرُهُ:
؎والرّافِضاتُ إلى مِنًى فالقَبْقَبِ
والخِلالُ جَمْعُ الخَلَلِ، وهو الفُرْجَةُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: تَخَلَّلْتُ القَوْمَ دَخَلْتُ بَيْنَ خَلَلِهِمْ وخِلالِهِمْ، وجَلَسْنا خِلالَ البُيُوتِ وخِلالَ الدُّورِ؛ أيْ: بَيْنَها. ويَبْغُونَ حالٌ؛ أيْ: باغِينَ. قالَ الفَرّاءُ: يَبْغُونَها لَكم. والفِتْنَةُ هُنا الكُفْرُ قالَهُ مُقاتِلٌ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والضَّحّاكُ، أوِ العَيْبُ والشَّرُّ قالَهُ: الكَلْبِيُّ، أوْ تَفْرِيقُ الجَماعَةِ، أوِ المِحْنَةُ بِاخْتِلافِ الكَلِمَةِ، أوِ النَّمِيمَةُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُحاوِلُونَ أنْ يَفْتِنُوكم بِأنْ يُوقِعُوا الخِلافَ فِيما بَيْنَكم، ويُفْسِدُوا نِيّاتِكم في مَغْزاكم. وفِيكم سَمّاعُونَ لَهم؛ أيْ: نَمّامُونَ يَسْمَعُونَ حَدِيثَكم فَيَنْقُلُونَهُ إلَيْهِمْ، أوْ فِيكم قَوْمٌ يَسْتَمِعُونَ لِلْمُنافِقِينَ ويُطِيعُونَهم. انْتَهى. فاللّامُ في القَوْلِ الأوَّلِ لِلتَّعْلِيلِ، وفي الثّانِي لِتَقْوِيَةِ التَّعْدِيَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧] والقَوْلُ الأوَّلُ قالَهُ: سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، قالُوا: مَعْناهُ جَواسِيسُ يَسْتَمِعُونَ الأخْبارَ ويَنْقُلُونَها إلَيْهِمْ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ. والقَوْلُ الثّانِي قَوْلُ الجُمْهُورِ، قالُوا: مَعْناهُ وفِيكم مُطِيعُونَ سَمّاعُونَ لَهم. ومَعْنى وفِيكم في خِلالِكم مِنهم، أوْ مِنكم مِمَّنْ قَرُبَ عَهْدُهُ بِالإسْلامِ. واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ يَعُمُّ كُلَّ ظالِمٍ. ومَعْنى ذَلِكَ: أنَّهُ يُجازِيهِ عَلى ظُلْمِهِ. وانْدَرَجَ فِيهِ مَن يَقْبَلُ كَلامَ المُنافِقِينَ، ومَن يُؤَدِّي إلَيْهِمْ أخْبارَ المُؤْمِنِينَ، ومَن تَخَلَّفَ عَنْ هَذِهِ الغَزاةِ مِنَ المُنافِقِينَ.
التوبة 9:40
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا قَلِيلٌ﴾: لَمّا أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِغَزاةِ تَبُوكَ، وكانَ زَمانَ جَدْبٍ وحَرٍّ شَدِيدٍ وقَدْ طابَتِ الثِّمارُ، عَظُمَ ذَلِكَ عَلى النّاسِ وأحَبُّوا المُقامَ، نَزَلَتْ عِتابًا عَلى مَن تَخَلَّفَ عَنْ هَذِهِ الغَزْوَةِ، وكانَتْ سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ بَعْدَ الفَتْحِ بِعامٍ، غَزا فِيها الرُّومَ في عِشْرِينَ ألْفًا مِن راكِبٍ وراجِلٍ، وتَخَلَّفَ عَنْهُ قَبائِلُ مِنَ النّاسِ ورِجالٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ كَثِيرٌ ومُنافِقُونَ. وخَصَّ الثَّلاثَةَ بِالعِتابِ الشَّدِيدِ بِحَسَبِ مَكانِهِمْ مِنَ الصُّحْبَةِ؛ إذْ هم مِن أهْلِ بَدْرٍ ومِمَّنْ يُقْتَدى بِهِمْ، وكانَ تَخَلُّفُهم لِغَيْرِ عِلَّةٍ حَسْبَما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. ولَمّا شَرَحَ مَعاتِبَ الكُفّارِ رَغِبَ في مُقابَلَتِهِمْ. و(ما لَكم) اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإنْكارُ والتَّقْرِيعُ، وبُنِيَ (قِيلَ) لِلْمَفْعُولِ، والقائِلُ هو الرَّسُولُ ﷺ لَمْ يُذْكَرْ إغْلاظًا ومُخاشَنَةً لَهم وصَوْنًا لِذِكْرِهِ؛ إذْ أخْلَدَ إلى الهُوَيْنا والدَّعَةِ، مَن أخْلَدَ وخالَفَ أمْرَهُ ﷺ .
وقَرَأ الأعْمَشُ: تَثاقَلْتُمْ وهو أصْلُ قِراءَةِ الجُمْهُورِ اثّاقَلْتُمْ، وهو ماضٍ بِمَعْنى المُضارِعِ، وهو في مَوْضِعِ الحالِ، وهو عامِلٌ في (إذْ)؛ أيْ: ما لَكم تَتَثاقَلُونَ إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا. وقالَ أبُو البَقاءِ: الماضِي هُنا بِمَعْنى المُضارِعِ؛ أيْ: ما لَكم تَتَثاقَلُونَ، ومَوْضِعُهُ نَصْبٌ. أيْ: أيُّ شَيْءٍ لَكم في التَّثاقُلِ ؟ أوْ في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى مَذْهَبِ الخَلِيلِ. انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ حَذْفُ أنْ؛ لِأنَّهُ لا يَنْسَبِكُ مَصْدَرٌ إلّا مِن حَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلِ، وحَذْفُ أنْ في نَحْوِ هَذا قَلِيلٌ جِدًّا أوْ ضَرُورَةٌ. وإذا كانَ التَّقْدِيرُ في التَّثاقُلِ فَلا يُمْكِنُ عَمَلُهُ في إذا؛ لِأنَّ مَعْمُولَ المَصْدَرِ المَوْصُولِ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ فَيَكُونُ النّاصِبُ لِإذا، والمُتَعَلِّقُ بِهِ في التَّثاقُلِ ما هو مَعْلُومٌ لَكُمُ الواقِعُ خَبَرًا لِما. وقُرِئَ: اثّاقَلْتُمْ عَلى الِاسْتِفْهامِ الَّذِي مَعْناهُ الإنْكارُ والتَّوْبِيخُ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَعْمَلَ في إذا ما بَعْدَ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْمَلُ فِيهِ ما دَلَّ عَلَيْهِ، أوْ ما في (ما لَكم) مِن مَعْنى الفِعْلِ، كَأنَّهُ قالَ: ما تَصْنَعُونَ إذا قِيلَ لَكم، كَما تَعْمَلُهُ في الحالِ إذا قُلْتَ: ما لَكَ قائِمًا. والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ما لَكم تَتَثاقَلُونَ إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا، وحُذِفَ لِدَلالَةِ اثّاقَلْتُمْ عَلَيْهِ. ومَعْنى اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ: مِلْتُمْ إلى شَهَواتِ الدُّنْيا حِينَ أخْرَجَتِ الأرْضُ ثِمارَها، قالَهُ مُجاهِدٌ، وكَرِهْتُمْ مَشاقَّ السَّفَرِ. وقِيلَ: مِلْتُمْ إلى الإقامَةِ بِأرْضِكم، قالَهُ الزَّجّاجُ. ولَمّا ضُمِّنَ مَعْنى المَيْلِ والإخْلادِ عُدِّيَ بِإلى. وفي قَوْلِهِ: (أرَضِيتُمْ)، نَوْعٌ مِنَ الإنْكارِ والتَّعَجُّبِ؛ أيْ: أرَضِيتُمْ بِالنَّعِيمِ العاجِلِ في الدُّنْيا الزّائِلِ بَدَلَ النَّعِيمِ الباقِي ؟ . و(مِن) تَظافَرَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّها بِمَعْنى (بَدَلَ)؛ أيْ: بَدَلَ الآخِرَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً﴾ [الزخرف: ٦٠] أيْ بَدَلًا مِنكم، ومِنهُ (p-٤٢)قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَلَيْتَ لَنا مِن ماءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً مُبَرَّدَةً باتَتْ عَلى طَهَيانِ
أيْ بَدَلًا مِن ماءِ زَمْزَمَ، والطَّهَيانِ عُودٌ يُنْصَبُ في ناحِيَةِ الدّارِ لِلْهَواءِ تُعَلَّقُ فِيهِ أوْعِيَةُ الماءِ حَتّى تَبْرُدَ. وأصْحابُنا لا يُثْبِتُونَ أنْ تَكُونَ مِن لِلْبَدَلِ. ويَتَعَلَّقُ (في الآخِرَةِ) بِمَحْذُوفٍ؛ التَّقْدِيرُ: فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا مَحْسُوبًا في نَعِيمِ الآخِرَةِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: في الآخِرَةِ مُتَعَلِّقٌ بِقَلِيلٍ، وقَلِيلٌ خَبَرُ الِابْتِداءِ. وصَلُحَ أنْ يَعْمَلَ في الظَّرْفِ مُقَدَّمًا؛ لِأنَّ رائِحَةَ الفِعْلِ تَعْمَلُ في الظَّرْفِ. ولَوْ قُلْتَ: ما زَيْدٌ عَمْرًا إلّا يَضْرِبُ، لَمْ يَجُزْ.
﴿إلّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا ويَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ولا تَضُرُّوهُ شَيْئًا واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: هَذا سُخْطٌ عَلى المُتَثاقِلِينَ عَظِيمٌ، حَيْثُ أوْعَدَهم بِعَذابٍ ألِيمٍ مُطْلَقٍ يَتَناوَلُ عَذابَ الدّارَيْنِ، وأنَّهُ يُهْلِكُهم ويَسْتَبْدِلُ قَوْمًا آخَرِينَ خَيْرًا مِنهم وأطْوَعَ، وأنَّهُ غَنِيٌّ عَنْهم في نُصْرَةِ دِينِهِ، لا يَقْدَحُ تَثاقُلُهم فِيها شَيْئًا. وقِيلَ: يُعَذِّبُكم بِإمْساكِ المَطَرِ عَنْكم. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: «اسْتَنْفَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبِيلَةً فَقَعَدَتْ، فَأمْسَكَ اللَّهُ عَنْها المَطَرَ وعَذَّبَها بِهِ» . والمُسْتَبْدَلُ المَوْعُودُ بِهِمْ، قالَ جَماعَةٌ: أهْلُ اليَمَنِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: أبْناءُ فارِسَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ التّابِعُونَ، والظّاهِرُ مُسْتَغْنٍ عَنِ التَّخْصِيصِ. وقالَ الأصَمُّ: مَعْناهُ أنَّهُ تَعالى يُخْرِجُ رَسُولَهُ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ إلى المَدِينَةِ. قالَ القاضِي: وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّهُ يَنْتَقِلُ مِنَ المَدِينَةِ إلى غَيْرِها، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَظْهَرَ في المَدِينَةِ أقْوامًا يُعِينُونَهُ عَلى الغَزْوِ، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يُعِينَهُ بِأقْوامٍ مِنَ المَلائِكَةِ أيْضًا حالَ كَوْنِهِ هُناكَ. والضَّمِيرُ في: ﴿ولا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى؛ أيْ: ولا تَضُرُّوا دِينَهُ شَيْئًا. وقِيلَ: عَلى الرَّسُولِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قَدْ عَصَمَهُ ووَعَدَهُ بِالنَّصْرِ، ووَعْدُهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ. ولَمّا رَتَّبَ عَلى انْتِفاءِ نَفْرِهِمُ التَّعْذِيبَ والِاسْتِبْدالَ وانْتِفاءَ الضَّرَرِ، أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ تَتَعَلَّقُ إرادَتُهُ بِهِ قَدِيرٌ مِنَ التَّعْذِيبِ والتَّغْيِيرِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
﴿إلّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إذْ أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إذْ هُما في الغارِ إذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾: (إلّا تَنْصُرُوهُ) فِيهِ انْتِفاءُ النَّصْرِ بِأيِّ طَرِيقٍ كانَ مِن نَفْرٍ أوْ غَيْرِهِ. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَسَيَنْصُرُهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ (فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ)؛ أيْ: يَنْصُرُهُ في المُسْتَقْبَلِ كَما نَصَرَهُ في الماضِي (p-٤٣)وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: (فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ) جَوابًا لِلشَّرْطِ ؟ قُلْتُ: فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَسَيَنْصُرُهُ، وذَكَرَ مَعْنى ما قَدَّمْناهُ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى أوْجَبَ لَهُ النُّصْرَةَ وجَعَلَهُ مَنصُورًا في ذَلِكَ الوَقْتِ فَلَمْ يُخْذَلْ مِن بَعْدِهِ. انْتَهى. وهَذا لا يَظْهَرُ مِنهُ جَوابُ الشَّرْطِ؛ لِأنَّ إيجابَ النُّصْرَةِ لَهُ أمْرٌ سَبَقَ، والماضِي لا يَتَرَتَّبُ عَلى المُسْتَقْبَلِ، فالَّذِي يَظْهَرُ الوَجْهُ الأوَّلُ. ومَعْنى إخْراجِ الَّذِينَ كَفَرُوا إيّاهُ: فِعْلُهم بِهِ ما يُؤَدِّي إلى الخُرُوجِ، والإشارَةُ إلى خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ. ونُسِبَ الإخْراجُ إلَيْهِمْ مَجازًا، كَما نُسِبَ في قَوْلِهِ: (الَّتِي أخْرَجَتْكَ) . وقِصَّةُ خُرُوجِ الرَّسُولِ ﷺ وأبِي بَكْرٍ مَذْكُورَةٌ في السِّيَرِ.
وانْتَصَبَ (ثانِيَ اثْنَيْنِ) عَلى الحالِ؛ أيْ: أحَدَ اثْنَيْنِ وهُما: رَسُولُ اللَّهِ، وأبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا أُمِرَ بِالخُرُوجِ قالَ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”مَن يَخْرُجُ مَعِي ؟“ قالَ: أبُو بَكْرٍ. وقالَ اللَّيْثُ: ما صَحِبَ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِثْلُ أبِي بَكْرٍ. وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: خَرَجَ أبُو بَكْرٍ بِهَذِهِ الآيَةِ مِنَ المُعاتَبَةِ الَّتِي في قَوْلِهِ: (إلّا تَنْصُرُوهُ) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بَلْ خَرَجَ مِنها كُلُّ مَن شاهَدَ غَزْوَةَ تَبُوكَ، وإنَّما المُعاتَبَةُ لِمَن تَخَلَّفَ فَقَطْ، وهَذِهِ الآيَةُ مُنَوِّهَةٌ بِقَدْرِ أبِي بَكْرٍ وتَقَدُّمِهِ وسابِقَتِهِ في الإسْلامِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ تَرْغِيبُهم في الجِهادِ ونُصْرَةِ دِينِ اللَّهِ؛ إذْ بَيَّنَ فِيها أنَّ اللَّهَ يَنْصُرُهُ كَما نَصَرَهُ، إذْ كانَ في الغارِ ولَيْسَ مَعَهُ فِيهِ أحَدٌ سِوى أبِي بَكْرٍ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: ثانِي اثْنَيْنِ بِسُكُونِ ياءِ ثانِي. قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: حَكاها أبُو عَمْرٍو، ووَجْهُهُ أنَّهُ سَكَّنَ الياءَ تَشْبِيهًا لَها بِالألِفِ. والغارُ: نَقْبٌ في أعْلى ثَوْرٍ، وهو جَبَلٌ في يُمْنى مَكَّةَ عَلى مَسِيرَةِ ساعَةٍ، مَكَثَ فِيهِ ثَلاثًا. (إذْ هُما): بَدَلٌ، و(إذْ يَقُولُ): بَدَلٌ ثانٍ. وقالَ العُلَماءُ: مَن أنْكَرَ صُحْبَةَ أبِي بَكْرٍ فَقَدْ كَفَرَ لِإنْكارِهِ كَلامَ اللَّهِ تَعالى، ولَيْسَ ذَلِكَ لِسائِرِ الصَّحابَةِ. وكانَ سَبَبُ حَزْنِ أبِي بَكْرٍ خَوْفَهُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَهاهُ الرَّسُولُ تَسْكِينًا لِقَلْبِهِ، وأخْبَرَهُ بِقَوْلِهِ: إنَّ اللَّهَ مَعَنا، يَعْنِي: بِالمَعُونَةِ والنَّصْرِ. «وقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنْ قُتِلْتُ فَأنا رَجُلٌ واحِدٌ، وإنْ قُتِلْتَ هَلَكَتِ الأُمَّةُ وذَهَبَ دِينُ اللَّهِ، فَقالَ: ”ما ظَنَّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثالِثُهُما ؟“»، وقالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
؎قالَ النَّبِيُّ ولَمْ يَجْزَعْ يُوَقِّرُنِي ∗∗∗ ونَحْنُ في سَدَفٍ مِن ظُلْمَةِ الغارِ
؎لا تَخْشَ شَيْئًا فَإنَّ اللَّهَ ثالِثُنا ∗∗∗ وقَدْ تَكَفَّلَ لِي مِنهُ بِإظْهارِ
؎وإنَّما كَيْدُ مَن تَخْشى بَوادِرَهُ ∗∗∗ كَيْدُ الشَّياطِينِ قَدْ كادَتْ لِكُفّارِ
؎واللَّهُ مُهْلِكُهم طُرًّا بِما صَنَعُوا ∗∗∗ وجاعِلُ المُنْتَهى مِنهم إلى النّارِ
﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وأيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وكَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: السَّكِينَةُ الرَّحْمَةُ. وقالَ قَتادَةُ في آخَرِينَ: الوَقارُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الطُّمَأْنِينَةُ. وهَذِهِ الأقْوالُ مُتَقارِبَةٌ. والضَّمِيرُ في (عَلَيْهِ) عائِدٌ عَلى صاحِبِهِ، قالَهُ حَبِيبُ بْنُ أبِي ثابِتٍ، أوْ عَلى الرَّسُولِ، قالَهُ الجُمْهُورُ، أوْ عَلَيْهِما وأفْرَدَهُ لِتَلازُمِهِما، ويُؤَيِّدُهُ أنَّ في مُصْحَفِ حَفْصَةَ: فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِما وأيَّدَهُما. والجُنُودُ: المَلائِكَةُ يَوْمَ بَدْرٍ، والأحْزابِ، وحُنَيْنٍ. وقِيلَ: ذَلِكَ الوَقْتُ يُلْقُونَ البِشارَةَ في قَلْبِهِ، ويَصْرِفُونَ وُجُوهَ الكُفّارِ عَنْهُ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ (عَلَيْهِ) عائِدٌ عَلى أبِي بَكْرٍ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ كانَ ثابِتَ الجَأْشِ، ولِذَلِكَ قالَ: لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا. وأنَّ الضَّمِيرَ في (وأيَّدَهُ) عائِدٌ عَلى الرَّسُولِ ﷺ كَما جاءَ: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩] يَعْنِي الرَّسُولَ، وتُسَبِّحُوهُ: يَعْنِي اللَّهَ تَعالى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والسَّكِينَةُ عِنْدِي إنَّما هي ما يُنَزِّلُهُ اللَّهُ عَلى أنْبِيائِهِ مِنَ الحِياطَةِ لَهم، والخَصائِصِ الَّتِي لا تَصْلُحُ إلّا لَهم كَقَوْلِهِ: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٨]، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ (p-٤٤)إلى آخِرِ الآيَةِ يُرادُ بِهِ ما صَنَعَهُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ إلى وقْتِ تَبُوكَ مِنَ الظُّهُورِ والفُتُوحِ، لا أنْ يَكُونَ هَذا يَخْتَصُّ بِقِصَّةِ الغارِ. وكَلِمَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا هي الشِّرْكُ، وهي مَقْهُورَةٌ. وكَلِمَةُ اللَّهِ: هي التَّوْحِيدُ، وهي ظاهِرَةٌ. هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كَلِمَةُ الكافِرِينَ ما قَرَّرُوا بَيْنَهم مِنَ الكَيْدِ بِهِ لِيَقْتُلُوهُ، وكَلِمَةُ اللَّهِ: أنَّهُ ناصِرُهُ. وقِيلَ: كَلِمَةُ اللَّهِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وكَلِمَةُ الكُفّارِ قَوْلُهم في الحَرْبِ: يا لِبَنِي فُلانٍ، ويا لِفُلانٍ. وقِيلَ: كَلِمَةُ اللَّهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] وكَلِمَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا قَوْلُهم في الحَرْبِ: اعْلُ هُبَلَ؛ يَعْنُونَ صَنَمَهُمُ الأكْبَرَ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: وأيَدَهُ، والجُمْهُورُ: وأيَّدَهُ بِتَشْدِيدِ الياءِ. وقُرِئَ: وكَلِمَةُ اللَّهِ بِالنَّصْبِ؛ أيْ: وجَعَلَ. وقِراءَةُ الجُمْهُورِ بِالرَّفْعِ أثْبَتُ في الإخْبارِ. وعَنْ أنَسٍ رَأيْتُ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ: وجَعَلَ كَلِمَتَهُ هي العَلْياءَ، وناسَبَ الوَصْفُ بِالعِزَّةِ الدّالَّةِ عَلى القَهْرِ والغَلَبَةِ، والحِكْمَةِ الدّالَّةِ عَلى ما يَصْنَعُ مَعَ أنْبِيائِهِ وأوْلِيائِهِ، ومَن عاداهم مِن إعْزازِ دِينِهِ وإخْمادِ الكُفْرِ.
﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا وجاهِدُوا بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم في سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: لَمّا تَوَعَّدَ تَعالى مَن لا يَنْفِرُ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ وضَرَبَ لَهُ مِنَ الأمْثالِ ما ضَرَبَ، أتْبَعَهُ بِهَذا الأمْرِ الجَزْمَ. والمَعْنى: انْفِرُوا عَلى الوَصْفِ الَّذِي يَخِفُّ عَلَيْكم فِيهِ الجِهادُ، أوْ عَلى الوَصْفِ الَّذِي يَثْقُلُ. والخِفَّةُ والثِّقَلُ هُنا مُسْتَعارٌ لِمَن يُمْكِنُهُ السَّفَرُ بِسُهُولَةٍ، ومَن يُمْكِنُهُ بِصُعُوبَةٍ، وأمّا مَن لا يُمْكِنُهُ كالأعْمى ونَحْوِهِ فَخارِجٌ عَنْ هَذا. ورُوِيَ أنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: أعَلَيَّ أنْ أنْفِرَ ؟ قالَ: نَعَمْ، حَتّى نَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١] .
وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ مِن مَعانِي الخِفَّةِ والثِّقَلِ أشْياءَ لا عَلى وجْهِ التَّخْصِيصِ، بَعْضَها دُونَ بَعْضٍ، وإنَّما يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى التَّمْثِيلِ لا عَلى الحَصْرِ. قالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ: شَبابًا وشُيُوخًا. وقالَ أبُو صالِحٍ: أغْنِياءَ وفُقَراءَ في اليُسْرِ والعُسْرِ. وقالَ الأوْزاعِيُّ: رُكْبانًا ومُشاةً. وقِيلَ عَكْسُهُ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: عُزْبانًا ومُتَزَوِّجِينَ. وقالَ جُوَيْبِرٌ: أصِحّاءَ ومَرْضى. وقالَ جَماعَةٌ: خِفافًا مِنَ السِّلاحِ؛ أيْ مُقِلِّينَ فِيهِ، وثِقالًا؛ أيْ مُسْتَكْثِرِينَ مِنهُ. وقالَ الحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: خِفافًا مِنَ الأشْغالِ وثِقالًا بِها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خِفافًا مِنَ العِيالِ وثِقالًا بِهِمْ. وحَكى التَّبْرِيزِيُّ: خِفافًا مِنَ الأتْباعِ والحاشِيَةِ وثِقالًا بِهِمْ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: هو مِن خِفَّةِ اليَقِينِ وثِقَلِهِ عِنْدَ الكَراهَةِ. وحَكى الماوَرْدِيُّ: خِفافًا إلى الطّاعَةِ وثِقالًا عَنِ المُخالَفَةِ. وحَكى صاحِبُ الفِتْيانِ: خِفافًا إلى المُبارَزَةِ، وثِقالًا في المُصابَرَةِ. وحَكى أيْضًا: خِفافًا بِالمُسارَعَةِ والمُبادَرَةِ وثِقالًا بَعْدَ التَّرَوِّي والتَّفَكُّرِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: ذَوِي صَنْعَةٍ وهو الثَّقِيلُ، وغَيْرُ ذَوِي صَنْعَةٍ وهو الخَفِيفُ. وحَكى النَّقّاشُ: شُجْعانًا وجُبَناءَ. وقِيلَ: مَهازِيلَ وسِمانًا. وقِيلَ: سِباقًا إلى الحَرْبِ كالطَّلِيعَةِ وهو مُقَدَّمُ الجَيْشِ، والثِّقالُ الجَيْشُ بِأسْرِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: النَّشِيطُ والكَسْلانُ.
والجُمْهُورُ عَلى أنَّ الأمْرَ مَوْقُوفٌ عَلى فَرْضِ الكِفايَةِ، ولَمْ يُقْصَدْ بِهِ فَرْضُ الأعْيانِ. وقالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ: هو فَرْضٌ عَلى المُؤْمِنِينَ؛ عُنِيَ بِهِ فَرْضُ الأعْيانِ في تِلْكَ المُدَّةِ، ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] . وانْتَصَبَ ﴿خِفافًا وثِقالًا﴾ عَلى الحالِ. وذُكِرَ ﴿بِأمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ﴾ إذْ ذَلِكَ وصْفٌ لِأكْمَلِ ما يَكُونُ مِنَ الجِهادِ وأنْفَعِهِ عِنْدَ اللَّهِ، فَحَضَّ عَلى كَمالِ الأوْصافِ. وقُدِّمَتِ الأمْوالُ إذْ هي أوَّلُ مَصْرِفٍ وقْتَ التَّجْهِيزِ، وذُكِرَ ما المُجاهِدُ فِيهِ وهو سَبِيلُ اللَّهِ، والخَيْرِيَّةُ هي في الدُّنْيا بِغَلَبَةِ العَدُوِّ ووِراثَةِ الأرْضِ، وفي الآخِرَةِ بِالثَّوابِ ورِضْوانِ اللَّهِ. وقَدْ غَزا أبُو طَلْحَةَ حَتّى غَزا في البَحْرِ وماتَ فِيهِ، وغَزا المِقْدادُ عَلى ضَخامَتِهِ وسِمَنِهِ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ وقَدْ ذَهَبَتْ إحْدى عَيْنَيْهِ، وابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ مَعَ كَوْنِهِ أعْمى.
(p-٤٥)﴿لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا وسَفَرًا قاصِدًا لاتَّبَعُوكَ ولَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكم يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾: أيْ لَوْ كانَ ما دُعُوا إلَيْهِ غُنْمًا قَرِيبًا سَهْلَ المَنالِ، وسَفَرًا قاصِدًا وسَطًا مُقارِبًا. وهَذِهِ الآيَةُ في قِصَّةِ تَبُوكَ حِينَ اسْتَنْفَرَ المُؤْمِنِينَ فَنَفَرُوا، واعْتَذَرَ مِنهم فَرِيقٌ لِأصْحابِهِ، لا سِيَّما مِنَ القَبائِلِ المُجاوِرَةِ لِلْمَدِينَةِ. ولَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ﴾ خِطابًا لِلْمُنافِقِينَ خاصَّةً، بَلْ هو عامٌّ. واعْتَذَرَ المُنافِقُونَ بِأعْذارٍ كاذِبَةٍ، فابْتَدَأ تَعالى بِذِكْرِ المُنافِقِينَ وكَشْفِ ضَمائِرِهِمْ. (لاتَّبَعُوكَ): لَبادَرُوا إلَيْهِ، لا لِوَجْهِ اللَّهِ، ولا لِظُهُورِ كَلِمَتِهِ، ﴿ولَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾؛ أيْ: المَسافَةُ الطَّوِيلَةُ في غَزْوِ الرُّومِ. والشُّقَّةُ بِالضَّمِّ مِنَ الثِّيابِ، والشُّقَّةُ أيْضًا السَّفَرُ البَعِيدُ، ورُبَّما قالُوهُ بِالكَسْرِ، قالَهُ الجَوْهَرِيُّ. وقالَ الزَّجّاجُ: الشُّقَّةُ: الغايَةُ الَّتِي تُقْصَدُ. وقالَ ابْنُ عِيسى: الشُّقَّةُ القِطْعَةُ مِنَ الأرْضِ يَشُقُّ رُكُوبُها. وقالَ ابْنُ فارِسٍ: الشُّقَّةُ المَسِيرُ إلى أرْضٍ بَعِيدَةٍ، واشْتِقاقُها مِنَ الشَّقِّ، أوْ مِنَ المَشَقَّةِ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: بَعِدَتْ عَلَيْهِمُ الشِّقَّةُ بِكَسْرِ العَيْنِ والشِّينِ، وافَقَهُ الأعْرَجُ في بَعِدَتْ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: إنَّها لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ في اللَّفْظَيْنِ. انْتَهى. وحَكى الكِسائِيُّ: شُقَّةً وشِقَّةً. (وسَيَحْلِفُونَ)؛ أيِ المُنافِقُونَ، وهَذا إخْبارٌ بِغَيْبٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في قَوْلِهِ: وسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما نَصُّهُ، (بِاللَّهِ) مُتَعَلِّقٌ بِسَيَحْلِفُونَ، أوْ هو مِن كَلامِهِمْ. والقَوْلُ مُرادٌ في الوَجْهَيْنِ؛ أيْ: سَيَحْلِفُونَ مُتَخَلِّصِينَ عِنْدَ رُجُوعِكَ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ مُعْتَذِرِينَ، يَقُولُونَ: بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكم، أوْ وسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ يَقُولُونَ: لَوِ اسْتَطَعْنا. وقَوْلُهُ: لَخَرَجْنا سَدَّ مَسَدَّ جَوابِ القَسَمِ ولَوْ جَمِيعًا، والإخْبارُ بِما سَوْفَ يَكُونُ بَعْدَ القَوْلِ مِن حَلِفِهِمْ واعْتِذارِهِمْ، وقَدْ كانَ مِن جُمْلَةِ المُعْجِزاتِ. ومَعْنى الِاسْتِطاعَةِ اسْتِطاعَةُ العُدَّةِ، واسْتِطاعَةُ الأبْدانِ، كَأنَّهم تَمارَضُوا. انْتَهى. وما ذَهَبَ إلَيْهِ مِن أنَّ قَوْلَهُ لَخَرَجْنا سَدَّ مَسَدَّ جَوابِ القَسَمِ ولَوْ جَمِيعًا لَيْسَ بِجَيِّدٍ (p-٤٦)بَلْ لِلنَّحْوِيِّينَ في هَذا مَذْهَبانِ: أحَدُهُما: أنَّ (لَخَرَجْنا) هو جَوابُ القَسَمِ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ عَلى قاعِدَةِ اجْتِماعِ القَسَمِ والشَّرْطِ إذا تَقَدَّمَ القَسَمُ عَلى الشَّرْطِ، وهَذا اخْتِيارُ أبِي الحَسَنِ بْنِ عُصْفُورٍ. والآخَرُ: أنَّ (لَخَرَجْنا) هو جَوابُ لَوْ، وجَوابُ القَسَمِ هو لَوْ وجَوابُها، وهَذا اخْتِيارُ ابْنُ مالِكٍ أنَّ (لَخَرَجْنا) يَسُدُّ مَسَدَّهُما، ولا أعْلَمُ أحَدًا ذَهَبَ إلى ذَلِكَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُتَأوَّلَ كَلامُهُ عَلى أنَّهُ لَمّا حُذِفَ جَوابُ لَوْ، ودَلَّ عَلَيْهِ جَوابُ القَسَمِ جُعِلَ كَأنَّهُ سَدَّ مَسَدَّ جَوابِ القَسَمِ وجَوابِ لَوْ جَمِيعًا.
وقَرَأ الأعْمَشُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: لَوُ اسْتَطَعْنا بِضَمِّ الواوِ، وفَرَّ مِن ثِقَلِ الكَسْرَةِ عَلى الواوِ وشَبَّهَها بِواوِ الجَمْعِ عِنْدَ تَحْرِيكِها لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وقَرَأ الحَسَنُ: بِفَتْحِها كَما جاءَ: (اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ) بِالأوْجُهِ الثَّلاثَةِ. (يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم) بِالحَلِفِ الكاذِبِ؛ أيْ: يُوقِعُونَها في الهَلاكِ بِهِ. والظّاهِرُ أنَّها جُمْلَةُ اسْتِئْنافِ إخْبارٍ مِنهُ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم) إمّا أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (سَيَحْلِفُونَ)، أوْ حالًا بِمَعْنى مُهْلِكِينَ، والمَعْنى: أنَّهم يُوقِعُونَها في الهَلاكِ بِحَلِفِهِمُ الكاذِبِ، وما يَخْلُفُونَ عَلَيْهِ مِنَ التَّخَلُّفِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن قَوْلِهِ: (لَخَرَجْنا)؛ أيْ لَخَرَجْنا مَعَكم، وإنْ أهْلَكْنا أنْفُسَنا وألْقَيْناها في التَّهْلُكَةِ بِما يَحْمِلُها مِنَ المَسِيرِ في تِلْكَ الشُّقَّةِ. وجاءَ بِهِ عَلى لَفْظِ الغائِبِ؛ لِأنَّهُ مُخْبَرٌ عَنْهم، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ قِيلَ: سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطاعُوا لَخَرَجُوا لَكانَ سَدِيدًا ؟ يُقالُ: حَلَفَ بِاللَّهِ لَيَفْعَلَنَّ ولَأفْعَلَنَّ، فالغَيْبَةُ عَلى حُكْمِ الإخْبارِ والتَّكَلُّمُ عَلى الحِكايَةِ انْتَهى. أمّا كَوْنُ (يُهْلِكُونَ) بَدَلًا مِن (سَيَحْلِفُونَ) فَبَعِيدٌ؛ لِأنَّ الإهْلاكَ لَيْسَ مُرادِفًا لِلْحَلِفِ، ولا هو نَوْعٌ مِنَ الحَلِفِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُبْدَلَ فِعْلٌ مِن فِعْلٍ إلّا أنْ يَكُونَ مُرادِفًا لَهُ أوْ نَوْعًا مِنهُ. وأمّا كَوْنُهُ حالًا مِن قَوْلِهِ: (لَخَرَجْنا)، فالَّذِي يَظْهَرُ أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (لَخَرَجْنا) فِيهِ ضَمِيرُ التَّكَلُّمِ، فالَّذِي يَجْرِي عَلَيْهِ إنَّما يَكُونُ بِضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ. فَلَوْ كانَ حالًا مِن ضَمِيرِ (لَخَرَجْنا) لَكانَ التَّرْكِيبُ: نُهْلِكُ أنْفُسَنا؛ أيْ: مُهْلِكِي أنْفُسِنا. وأمّا قِياسُهُ ذَلِكَ عَلى حَلِفٍ بِاللَّهِ لَيَفْعَلَنَّ ولَأفْعَلَنَّ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأنَّهُ إذا أجْراهُ عَلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ لا يَخْرُجُ مِنهم إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، لَوْ قُلْتُ: حَلَفَ زَيْدٌ لَيَفْعَلَنَّ وأنا قائِمٌ، عَلى أنْ يَكُونَ وأنا قائِمٌ حالًا مِن ضَمِيرِ لَيَفْعَلَنَّ لَمْ يَجُزْ، وكَذا عَكْسُهُ نَحْوُ: حَلَفَ زَيْدٌ لَأفْعَلَنَّ يَقُومُ، تُرِيدُ قائِمًا لَمْ يَجُزْ. وأمّا قَوْلُهُ: وجاءَ بِهِ عَلى لَفْظِ الغائِبِ؛ لِأنَّهُ مُخْبَرٌ عَنْهم فَهي مُغالَطَةٌ لَيْسَ مُخْبَرًا عَنْهم بِقَوْلِهِ: لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكم، بَلْ هو حاكٍ لَفْظَ قَوْلِهِمْ، ثُمَّ قالَ: ألا تَرى لَوْ قِيلَ: لَوِ اسْتَطاعُوا لَخَرَجُوا لَكانَ سَدِيدًا إلى آخِرِهِ كَلامٌ صَحِيحٌ، لَكِنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ إخْبارًا عَنْهم، بَلْ حِكايَةً. والحالُ مِن جُمْلَةِ كَلامِهِمُ المَحْكِيِّ، فَلا يَجُوزُ أنْ يُخالِفَ بَيْنَ ذِي الحالِ وحالِهِ لِاشْتِراكِهِما في العامِلِ. لَوْ قُلْتَ: قالَ زَيْدٌ: خَرَجْتُ يَضْرِبُ خالِدًا؛ تُرِيدُ أضْرِبُ خالِدًا، لَمْ يَجُزْ. ولَوْ قُلْتَ: قالَتْ هِنْدُ: خَرَجَ زَيْدٌ (p-٤٧)أضْرِبُ خالِدًا، تُرِيدُ خَرَجَ زَيْدٌ ضارِبًا خالِدًا، لَمْ يَجُزْ.
﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهم حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وتَعْلَمَ الكاذِبِينَ﴾؛ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذِهِ الآيَةُ في صِنْفٍ مُبالِغٍ في النِّفاقِ. واسْتَأْذَنُوا دُونَ اعْتِذارٍ مِنهم: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، والجَدُّ بْنُ قَيْسٍ، ورِفاعَةُ بْنُ التّابُوتِ، ومَنِ اتَّبَعَهم. فَقالَ بَعْضُهم: ائْذَنَّ لِي ولا تَفْتِنِّي. وقالَ بَعْضُهم: ائْذَنَّ لَنا في الإقامَةِ، فَأذِنَ لَهُمُ اسْتِبْقاءً مِنهُ عَلَيْهِمْ، وأخْذًا بِالأسْهَلِ مِنَ الأُمُورِ، وتَوَكُّلًا عَلى اللَّهِ. قالَ مُجاهِدٌ: قالَ بَعْضُهم: نَسْتَأْذِنُهُ، فَإنْ أذِنَ في القُعُودِ قَعَدْنا، وإنْ لَمْ يَأْذَنْ قَعَدْنا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ. انْتَهى. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ إبْراهِيمُ بْنُ عَرَفَةَ النَّحْوِيُّ الدّاوُدِيُّ المَنبُوذُ بِنَفْطَوَيْهِ: ذَهَبَ ناسٌ إلى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مُعاتَبٌ بِهَذِهِ الآيَةِ، وحاشاهُ مِن ذَلِكَ، بَلْ كانَ لَهُ أنْ يَفْعَلَ وأنْ لا يَفْعَلَ حَتّى يَنْزِلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ كَما قالَ: (لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِن أمْرِي ما اسْتَدْبَرْتُ لَجَعَلْتُها عُمْرَةً)؛ لِأنَّهُ كانَ لَهُ أنْ يَفْعَلَ وأنْ لا يَفْعَلَ. وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١]؛ لِأنَّهُ كانَ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ مِمّا لَمْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ فِيهِ وحْيٌ. واسْتَأْذَنَهُ المُخَلَّفُونَ في التَّخَلُّفِ واعْتَذَرُوا، اخْتارَ أيْسَرَ الأمْرَيْنِ تَكَرُّمًا وتَفَضُّلًا مِنهُ ﷺ، فَأبانَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لَوْ لَمْ يَأْذَنْ لَهم لَأقامُوا لِلنِّفاقِ الَّذِي في قُلُوبِهِمْ، وأنَّهم كاذِبُونَ في إظْهارِ الطّاعَةِ والمُشاوَرَةِ، فَعَفا اللَّهُ عَنْكَ عِنْدَهُ افْتِتاحُ كَلامٍ أعْلَمَهُ اللَّهُ بِهِ أنَّهُ لا حَرَجَ عَلَيْهِ فِيما فَعَلَهُ مِنَ الإذْنِ، ولَيْسَ هو عَفْوًا عَنْ ذَنْبٍ، إنَّما هو أنَّهُ تَعالى أعْلَمَهُ أنَّهُ لا يَلْزَمُهُ تَرْكُ الإذْنِ لَهم كَما قالَ ﷺ: «عَفا اللَّهُ لَكم عَنْ صَدَقَةِ الخَيْلِ والرَّقِيقِ» وما وجَبَتا قَطُّ ومَعْناهُ: تَرَكَ أنْ يُلْزِمَكم ذَلِكَ. انْتَهى. ووافَقَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ فَقالُوا: ذِكْرُ العَفْوِ هُنا لَمْ يَكُنْ عَنْ تَقَدُّمِ ذَنْبٍ، وإنَّما هو اسْتِفْتاحُ كَلامٍ جَرَتْ عادَةُ العَرَبِ أنْ تُخاطِبَ بِمِثْلِهِ لِمَن تُعَظِّمُهُ وتَرْفَعُ مِن قَدْرِهِ، يَقْصِدُونَ بِذَلِكَ الدُّعاءَ لَهُ، فَيَقُولُونَ: أصْلَحَ اللَّهُ الأمِيرَ كانَ كَذا وكَذا، فَعَلى هَذا صِيغَتُهُ صِيغَةُ الخَبَرِ، ومَعْناهُ الدُّعاءُ. انْتَهى.
ولِمَ ولَهم مُتَعَلِّقانِ بِأذِنْتَ، لَكِنَّهُ اخْتَلَفَ مَدْلُولُ اللّامَيْنِ، إذْ لامُ لِمَ لِلتَّعْلِيلِ، ولامُ لَهم لِلتَّبْلِيغِ، فَجازَ ذَلِكَ لِاخْتِلافِ مَعْنَيَيْهِما، ومُتَعَلِّقُ الإذْنِ غَيْرُ مَذْكُورٍ، فَما قَدَّمْناهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ القُعُودُ؛ أيْ: لِمَ أذِنْتَ لَهم في القُعُودِ والتَّخَلُّفِ عَنِ الغَزْوِ حَتّى تَعْرِفَ ذَوِي العُذْرِ في التَّخَلُّفِ مِمَّنْ لا عُذْرَ لَهُ. وقِيلَ: مُتَعَلِّقُ الإذْنِ هو الخُرُوجُ مَعَهُ لِلْغَزْوِ، لِما تَرَتَّبَ عَلى خُرُوجِهِمْ مِنَ المَفاسِدِ؛ لِأنَّهم كانُوا عَيْنًا لِلْكُفّارِ عَلى المُسْلِمِينَ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وفِيكم سَمّاعُونَ لَهُمْ﴾ وكانُوا يَخْذُلُونَ المُؤْمِنِينَ ويَتَمَنَّوْنَ أنْ تَكُونَ الدّائِرَةُ عَلَيْهِمْ، فَقِيلَ: لِمَ أذِنْتَ لَهم في إخْراجِهِمْ وهم عَلى هَذِهِ الحالَةِ السَّيِّئَةِ ؟ وبَيَّنَ أنَّ خُرُوجَهم مَعَهُ لَيْسَ مَصْلَحَةً بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا﴾ . وحَتّى غايَةٌ لِما تَضَمَّنَهُ الِاسْتِفْهامُ؛ أيْ: ما كانَ أنْ تَأْذَنَ لَهم حَتّى يَتَبَيَّنَ مَن لَهُ العُذْرُ، هَكَذا قَدَّرَهُ الحَوْفِيُّ. وقالَ أبُو البَقاءِ: حَتّى يَتَبَيَّنَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، تَقْدِيرُهُ: هَلّا أخَّرْتَهم إلى أنْ يَتَبَيَّنَ أوْ لِيَتَبَيَّنَ. وقَوْلُهُ: لِمَ أذِنْتَ لَهم يَدُلُّ عَلى المَحْذُوفِ. ولا يَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ حَتّى بِأذِنْتَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ أذِنَ لَهم إلى هَذِهِ الغايَةِ، أوْ لِأجْلِ التَّبْيِينِ، وهَذا لا يُعاتَبُ عَلَيْهِ انْتَهى. وكَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾، مِمّا يَجِبُ اطِّراحُهُ، فَضْلًا عَنْ أنْ يُذْكَرَ فَيُرَدَّ عَلَيْهِ. وقَوْلُهُ: الَّذِينَ صَدَقُوا؛ أيْ: في اسْتِئْذانِكَ. وأنَّكَ لَوْ لَمْ تَأْذَنْ لَهم خَرَجُوا مَعَكَ. وتَعْلَمَ الكاذِبِينَ: تُرِيدُ في أنَّهُمُ اسْتَأْذَنُوكَ، يُظْهِرُونَ لَكَ أنَّهم يَقِفُونَ عِنْدَ حَدِّكَ وهم كَذَبَةٌ، وقَدْ عَزَمُوا عَلى العِصْيانِ، أذِنْتَ لَهم أوْ لَمْ تَأْذَنْ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: حَتّى تَعْلَمَ الصّادِقِينَ في أنَّ لَهم عُذْرًا، وتَعْلَمَ الكاذِبِينَ في أنْ لا عُذْرَ لَهم. وقالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ آيَةُ النُّورِ، ﴿فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهُمْ﴾ [النور: ٦٢] . وهَذا غَلَطٌ؛ لِأنَّ النُّورَ نَزَلَتْ سَنَةَ أرْبَعٍ مِنَ الهِجْرَةِ في غَزْوَةِ الخَنْدَقِ في اسْتِئْذانِ بَعْضِ المُؤْمِنِينَ الرَّسُولَ في بَعْضِ شَأْنِهِمْ في بُيُوتِهِمْ في بَعْضِ الأوْقاتِ، فَأباحَ اللَّهُ أنْ يَأْذَنَ، فَتَبايَنَتِ الآيَتانِ في الوَقْتِ والمَعْنى.
﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ (p-٤٨)قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (لا يَسْتَأْذِنُكَ)؛ أيْ بَعْدَ غَزْوَةِ تَبُوكَ. وقالَ الجُمْهُورُ: لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وما بَعْدَها ورَدَ في قِصَّةِ تَبُوكَ، والظّاهِرُ أنَّ مُتَعَلِّقَ الِاسْتِئْذانِ هو (أنْ يُجاهِدُوا)؛ أيْ: لَيْسَ مِن عادَةِ المُؤْمِنِينَ أنْ يَسْتَأْذِنُوكَ في أنْ يُجاهِدُوا، وكانَ الخُلَّصُ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ لا يَسْتَأْذِنُونَ النَّبِيَّ ﷺ أبَدًا، ويَقُولُونَ: لَنُجاهِدَنَّ مَعَهُ بِأمْوالِنا وأنْفُسِنا. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: لا يَسْتَأْذِنُكَ المُؤْمِنُونَ في الخُرُوجِ ولا القُعُودِ كَراهَةَ أنْ يُجاهِدُوا، بَلْ إذا أمَرْتَ بِشَيْءٍ ابْتَدَرُوا إلَيْهِ، وكانَ الِاسْتِئْذانُ في ذَلِكَ الوَقْتِ عَلامَةً عَلى النِّفاقِ. وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾، شَهادَةٌ لَهم بِالِانْتِظامِ في زُمْرَةِ المُتَّقِينَ، وعِدَةٌ لَهم بِأجْزَلِ الثَّوابِ.
﴿إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وارْتابَتْ قُلُوبُهم فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾؛ هُمُ المُنافِقُونَ وكانُوا تِسْعَةً وثَلاثِينَ رَجُلًا. ومَعْنى ارْتابَتْ: شَكَّتْ. ويَتَرَدَّدُونَ: يَتَحَيَّرُونَ، لا يَتَّجِهُ لَهم هُدًى فَتارَةً يَخْطُرُ لَهم صِحَّةُ أمْرِ الرَّسُولِ، وتارَةً يَخْطُرُ لَهم خِلافُ ذَلِكَ.
﴿ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لَأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهم فَثَبَّطَهم وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ﴾؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عُدَّةً مِنَ الزّادِ والماءِ والرّاحِلَةِ؛ لِأنَّ سَفَرَهم بَعِيدٌ في زَمانِ حَرٍّ شَدِيدٍ. وفي تَرْكِهِمُ العُدَّةَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم أرادُوا التَّخَلُّفَ. وقالَ قَوْمٌ: كانُوا قادِرِينَ عَلى تَحْصِيلِ العُدَّةِ والأُهْبَةِ. ورَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: العُدَّةُ النِّيَّةُ الخالِصَةُ في الجِهادِ. وحَكى الطَّبَرِيُّ: كُلُّ ما يُعَدُّ لِلْقِتالِ مِنَ الزّادِ والسِّلاحِ. وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ وابْنُهُ مُعاوِيَةُ: عُدَّ بِضَمِّ العَيْنِ مِن غَيْرِ تاءٍ، والفَرّاءُ يَقُولُ: تَسْقُطُ التّاءُ لِلْإضافَةِ، وجَعَلَ مِن ذَلِكَ وإقامِ الصَّلاةِ؛ أيْ وإقامَةِ الصَّلاةِ. ووَرَدَ ذَلِكَ في عِدَّةِ أبْياتٍ مِن لِسانِ العَرَبِ، ولَكِنْ لا يَقِيسُ ذَلِكَ، إنَّما نَقِفُ فِيهِ مَعَ مَوْرِدِ السَّماعِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: لَمّا أضافَ جَعَلَ الكِنايَةَ نائِبَةً عَنِ التّاءِ فَأسْقَطَها، وذَلِكَ لِأنَّ العَدَّ بِغَيْرِ تاءٍ، ولا تَقْدِيرُها هو البَثْرُ الَّذِي يَخْرُجُ في الوَجْهِ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: هو جَمْعُ عُدَّةٍ كَبُرَّةٍ وبُرٍّ ودُرَّةٍ ودُرٍّ، والوَجْهُ فِيهِ عُدَدٌ، ولَكِنْ لا يُوافِقُ خَطَّ المُصْحَفِ. وقَرَأ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: عِدَّهُ بِكَسْرِ العَيْنِ، وهاءِ إضْمارٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو عِنْدِي اسْمٌ لِما يُعَدُّ كالذَّبْحِ والقَتْلِ لِلْعَدِّ، وسُمِّيَ قَتْلًا إذْ حَقُّهُ أنْ يُقْتَلَ. وقُرِئَ أيْضًا: عِدَّةً بِكَسْرِ العَيْنِ، وبِالتّاءِ دُونَ إضافَةٍ؛ أيْ: عِدَّةً مِنَ الزّادِ والسِّلاحِ، أوْ مِمّا لَهم مَأْخُوذٌ مِنَ العَدَدِ. ولَمّا تَضَمَّنَتِ الجُمْلَةُ انْتِفاءَ الخُرُوجِ والِاسْتِعْدادِ، وجاءَ بَعْدَها ولَكِنْ، وكانَتْ لا تَقَعُ إلّا بَيْنَ نَقِيضَيْنِ أوْ ضِدَّيْنِ أوْ خِلافَيْنِ عَلى خِلافٍ فِيهِ، لا بَيْنَ مُتَّفِقَيْنِ، وكانَ ظاهِرُ ما بَعْدَ لَكِنْ مُوافِقًا لِما قَبْلَها.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ مَوْقِعُ حَرْفِ الِاسْتِدْراكِ ؟ قُلْتُ: لَمّا كانَ قَوْلُهُ: ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ مُعْطِيًا مَعْنى نَفْيِ خُرُوجِهِمْ واسْتِعْدادِهِمْ لِلْغَزْوِ قِيلَ: ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهم، كَأنَّهُ قِيلَ: ما خَرَجُوا ولَكِنْ تَثَبَّطُوا عَنِ الخُرُوجِ لِكَراهَةِ انْبِعاثِهِمْ، كَما تَقُولُ: ما أحْسَنَ إلَيَّ زِيدٌ ولَكِنْ أساءَ إلَيَّ. انْتَهى. ولَيْسَتِ الآيَةُ نَظِيرَ هَذا المِثالِ؛ لِأنَّ المِثالَ واقِعٌ فِيهِ لَكِنْ بَيْنَ ضِدَّيْنِ، والآيَةُ واقِعٌ فِيها، لَكِنْ بَيْنَ مُتَّفِقَيْنِ مِن جِهَةِ المَعْنى. والِانْبِعاثُ الِانْطِلاقُ والنُّهُوضُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَثَبَّطَهم كَسَلُهم وفَتْرُ نِيّاتِهِمْ. وبُنِيَ (وقِيلَ) لِلْمَفْعُولِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ القَوْلُ إذْنَ الرَّسُولِ لَهم في القُعُودِ، أوْ قَوْلَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ إمّا لَفْظًا وإمّا مَعْنًى، أوْ حِكايَةً عَنْ قَوْلِ اللَّهِ في سابِقِ قَضائِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَعَلَ إلْقاءَ اللَّهِ تَعالى في قُلُوبِهِمْ كَراهَةَ الخُرُوجِ أمْرًا بِالقُعُودِ. وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ الشَّيْطانِ بِالوَسْوَسَةِ. قالَ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ جازَ أنْ يُوقِعَ اللَّهُ تَعالى في نُفُوسِهِمْ كَراهَةَ الخُرُوجِ إلى الغَزْوِ وهي قَبِيحَةٌ، وتَعالى اللَّهُ عَنْ إلْهامِ القَبِيحِ ؟ قُلْتُ: خُرُوجُهم كانَ مَفْسَدَةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا﴾ (p-٤٩)فَكانَ إيقاعُ كَراهَةِ ذَلِكَ الخُرُوجِ في نُفُوسِهِمْ حَسَنًا ومَصْلَحَةً. انْتَهى.
وهَذا السُّؤالُ والجَوابُ عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ في المَفْسَدَةِ والمَصْلَحَةِ، وهَذا القَوْلُ هو ذَمٌّ لَهم وتَعْجِيزٌ، وإلْحاقٌ بِالنِّساءِ والصِّبْيانِ والزَّمْنى الَّذِينَ شَأْنُهُمُ القُعُودُ والجُثُومُ في البُيُوتِ، وهُمُ القاعِدُونَ والخالِفُونَ والخَوالِفُ، ويُبَيِّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ﴾ [التوبة: ٨٧] والقُعُودُ هُنا عِبارَةٌ عَنِ التَّخَلُّفِ والتَّراخِي كَما قالَ:
؎دَعِ المَكارِمَ لا تَرْحَلْ لِبُغْيَتِها ∗∗∗ واقْعُدْ فَإنَّكَ أنْتَ الطّاعِمُ الكاسِي
﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا ولَأوْضَعُوا خِلالَكم يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ وفِيكم سَمّاعُونَ لَهم واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾: لَمّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ضَرَبَ عَسْكَرَهُ عَلى ثَنِيَّةِ الوَداعِ، وضَرَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ عَسْكَرَهُ أسْفَلَ مِنها، ولَمْ يَكُنْ بِأقَلِّ العَسْكَرَيْنِ، فَلَمّا سارَ تَخَلَّفَ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ فِيمَن تَخَلَّفَ فَنَزَلَتْ بِعُرى. . . . اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى قَوْلِهِ: (وهم كارِهُونَ) . وفِيكم؛ أيْ: في جَيْشِكم أوْ في جُمْلَتِكم. وقِيلَ: في بِمَعْنى مَعَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الخَبالُ الفَسادُ ومُراعاةُ إخْمادِ الكَلِمَةِ. وقالَ الضَّحّاكُ: المَكْرُ والغَدْرُ. وقالَ ابْنُ عِيسى: الِاضْطِرابُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: الشَّرُّ، وقالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. وقِيلَ: إيقاعُ الِاخْتِلافِ والأراجِيفِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ الخَبالِ في آلِ عِمْرانَ. وهَذا الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ وهو مُفَرَّغٌ؛ إذِ المَفْعُولُ الثّانِي لِزادَ لَمْ يُذْكَرْ، وقَدْ كانَ في هَذِهِ الغَزْوَةِ مُنافِقُونَ كَثِيرٌ، ولَهم لا شَكَّ خَبالٌ، فَلَوْ خَرَجَ هَؤُلاءِ لَتَألَّبُوا فَزادَ الخَبالُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُسْتَثْنى مِنهُ غَيْرُ مَذْكُورٍ، فالِاسْتِثْناءُ مِن أعَمِّ العامِّ الَّذِي هو الشَّيْءُ، فَكانَ هو اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا؛ لِأنَّ الخَبالَ بَعْضُ أعَمِّ العامِّ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما زادُوكم شَيْئًا إلّا خَبالًا. وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، وهَذا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ لَمْ يَكُنْ في عَسْكَرِ الرَّسُولِ خَبالٌ. فالمَعْنى: ما زادُوكم قُوَّةً ولا شِدَّةً لَكِنْ خَبالًا. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ما زادُوكم بِغَيْرِ واوٍ؛ يَعْنِي: ما زادَكم خُرُوجُهم إلّا خَبالًا. والإيضاعُ الإسْراعُ، قالَ:
؎أُرانا مُوضِعِينَ لِأمْرِ غَيْبٍ ∗∗∗ ونُسْحَرُ بِالطَّعامِ وبِالشَّرابِ
ويُقالُ: وضَعَتِ النّاقَةُ تَضَعُ وضْعًا ووُضُوعًا، قالَ:
؎يا لَيْتَنِي فِيها جَذَعْ ∗∗∗ أخُبُّ فِيها وأضَعْ
قالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ لَأسْرَعُوا بِالنَّمِيمَةِ. وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ القاسِمِ: لَأسْرَعُوا بِالفِرارِ. ومَفْعُولُ أوْضَعُوا مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: ولَأوْضَعُوا رَكائِبَكم بَيْنَكم؛ لِأنَّ الرّاكِبَ أسْرَعُ مِنَ الماشِي. وقَرَأ مُجاهِدٌ ومُحَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ: ولَأوْفَضُوا؛ أيْ أسْرَعُوا كَقَوْلِهِ: ﴿إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: ٤٣] وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ: ولَأرْفَضُوا بِالرّاءِ مِن رَفَضَ أسْرَعَ في مَشْيِهِ رَفْضًا ورَفَضانًا، قالَ حَسّانُ:
؎بِزُجاجَةٍ رَفَضَتْ بِما في جَوْفِها ∗∗∗ رَفْضَ القَلُوصِ بِراكِبٍ مُسْتَعْجِلِ
(p-٥٠)وقالَ غَيْرُهُ:
؎والرّافِضاتُ إلى مِنًى فالقَبْقَبِ
والخِلالُ جَمْعُ الخَلَلِ، وهو الفُرْجَةُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: تَخَلَّلْتُ القَوْمَ دَخَلْتُ بَيْنَ خَلَلِهِمْ وخِلالِهِمْ، وجَلَسْنا خِلالَ البُيُوتِ وخِلالَ الدُّورِ؛ أيْ: بَيْنَها. ويَبْغُونَ حالٌ؛ أيْ: باغِينَ. قالَ الفَرّاءُ: يَبْغُونَها لَكم. والفِتْنَةُ هُنا الكُفْرُ قالَهُ مُقاتِلٌ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والضَّحّاكُ، أوِ العَيْبُ والشَّرُّ قالَهُ: الكَلْبِيُّ، أوْ تَفْرِيقُ الجَماعَةِ، أوِ المِحْنَةُ بِاخْتِلافِ الكَلِمَةِ، أوِ النَّمِيمَةُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُحاوِلُونَ أنْ يَفْتِنُوكم بِأنْ يُوقِعُوا الخِلافَ فِيما بَيْنَكم، ويُفْسِدُوا نِيّاتِكم في مَغْزاكم. وفِيكم سَمّاعُونَ لَهم؛ أيْ: نَمّامُونَ يَسْمَعُونَ حَدِيثَكم فَيَنْقُلُونَهُ إلَيْهِمْ، أوْ فِيكم قَوْمٌ يَسْتَمِعُونَ لِلْمُنافِقِينَ ويُطِيعُونَهم. انْتَهى. فاللّامُ في القَوْلِ الأوَّلِ لِلتَّعْلِيلِ، وفي الثّانِي لِتَقْوِيَةِ التَّعْدِيَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧] والقَوْلُ الأوَّلُ قالَهُ: سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، قالُوا: مَعْناهُ جَواسِيسُ يَسْتَمِعُونَ الأخْبارَ ويَنْقُلُونَها إلَيْهِمْ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ. والقَوْلُ الثّانِي قَوْلُ الجُمْهُورِ، قالُوا: مَعْناهُ وفِيكم مُطِيعُونَ سَمّاعُونَ لَهم. ومَعْنى وفِيكم في خِلالِكم مِنهم، أوْ مِنكم مِمَّنْ قَرُبَ عَهْدُهُ بِالإسْلامِ. واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ يَعُمُّ كُلَّ ظالِمٍ. ومَعْنى ذَلِكَ: أنَّهُ يُجازِيهِ عَلى ظُلْمِهِ. وانْدَرَجَ فِيهِ مَن يَقْبَلُ كَلامَ المُنافِقِينَ، ومَن يُؤَدِّي إلَيْهِمْ أخْبارَ المُؤْمِنِينَ، ومَن تَخَلَّفَ عَنْ هَذِهِ الغَزاةِ مِنَ المُنافِقِينَ.
التوبة 9:41
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا قَلِيلٌ﴾: لَمّا أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِغَزاةِ تَبُوكَ، وكانَ زَمانَ جَدْبٍ وحَرٍّ شَدِيدٍ وقَدْ طابَتِ الثِّمارُ، عَظُمَ ذَلِكَ عَلى النّاسِ وأحَبُّوا المُقامَ، نَزَلَتْ عِتابًا عَلى مَن تَخَلَّفَ عَنْ هَذِهِ الغَزْوَةِ، وكانَتْ سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ بَعْدَ الفَتْحِ بِعامٍ، غَزا فِيها الرُّومَ في عِشْرِينَ ألْفًا مِن راكِبٍ وراجِلٍ، وتَخَلَّفَ عَنْهُ قَبائِلُ مِنَ النّاسِ ورِجالٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ كَثِيرٌ ومُنافِقُونَ. وخَصَّ الثَّلاثَةَ بِالعِتابِ الشَّدِيدِ بِحَسَبِ مَكانِهِمْ مِنَ الصُّحْبَةِ؛ إذْ هم مِن أهْلِ بَدْرٍ ومِمَّنْ يُقْتَدى بِهِمْ، وكانَ تَخَلُّفُهم لِغَيْرِ عِلَّةٍ حَسْبَما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. ولَمّا شَرَحَ مَعاتِبَ الكُفّارِ رَغِبَ في مُقابَلَتِهِمْ. و(ما لَكم) اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإنْكارُ والتَّقْرِيعُ، وبُنِيَ (قِيلَ) لِلْمَفْعُولِ، والقائِلُ هو الرَّسُولُ ﷺ لَمْ يُذْكَرْ إغْلاظًا ومُخاشَنَةً لَهم وصَوْنًا لِذِكْرِهِ؛ إذْ أخْلَدَ إلى الهُوَيْنا والدَّعَةِ، مَن أخْلَدَ وخالَفَ أمْرَهُ ﷺ .
وقَرَأ الأعْمَشُ: تَثاقَلْتُمْ وهو أصْلُ قِراءَةِ الجُمْهُورِ اثّاقَلْتُمْ، وهو ماضٍ بِمَعْنى المُضارِعِ، وهو في مَوْضِعِ الحالِ، وهو عامِلٌ في (إذْ)؛ أيْ: ما لَكم تَتَثاقَلُونَ إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا. وقالَ أبُو البَقاءِ: الماضِي هُنا بِمَعْنى المُضارِعِ؛ أيْ: ما لَكم تَتَثاقَلُونَ، ومَوْضِعُهُ نَصْبٌ. أيْ: أيُّ شَيْءٍ لَكم في التَّثاقُلِ ؟ أوْ في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى مَذْهَبِ الخَلِيلِ. انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ حَذْفُ أنْ؛ لِأنَّهُ لا يَنْسَبِكُ مَصْدَرٌ إلّا مِن حَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلِ، وحَذْفُ أنْ في نَحْوِ هَذا قَلِيلٌ جِدًّا أوْ ضَرُورَةٌ. وإذا كانَ التَّقْدِيرُ في التَّثاقُلِ فَلا يُمْكِنُ عَمَلُهُ في إذا؛ لِأنَّ مَعْمُولَ المَصْدَرِ المَوْصُولِ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ فَيَكُونُ النّاصِبُ لِإذا، والمُتَعَلِّقُ بِهِ في التَّثاقُلِ ما هو مَعْلُومٌ لَكُمُ الواقِعُ خَبَرًا لِما. وقُرِئَ: اثّاقَلْتُمْ عَلى الِاسْتِفْهامِ الَّذِي مَعْناهُ الإنْكارُ والتَّوْبِيخُ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَعْمَلَ في إذا ما بَعْدَ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْمَلُ فِيهِ ما دَلَّ عَلَيْهِ، أوْ ما في (ما لَكم) مِن مَعْنى الفِعْلِ، كَأنَّهُ قالَ: ما تَصْنَعُونَ إذا قِيلَ لَكم، كَما تَعْمَلُهُ في الحالِ إذا قُلْتَ: ما لَكَ قائِمًا. والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ما لَكم تَتَثاقَلُونَ إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا، وحُذِفَ لِدَلالَةِ اثّاقَلْتُمْ عَلَيْهِ. ومَعْنى اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ: مِلْتُمْ إلى شَهَواتِ الدُّنْيا حِينَ أخْرَجَتِ الأرْضُ ثِمارَها، قالَهُ مُجاهِدٌ، وكَرِهْتُمْ مَشاقَّ السَّفَرِ. وقِيلَ: مِلْتُمْ إلى الإقامَةِ بِأرْضِكم، قالَهُ الزَّجّاجُ. ولَمّا ضُمِّنَ مَعْنى المَيْلِ والإخْلادِ عُدِّيَ بِإلى. وفي قَوْلِهِ: (أرَضِيتُمْ)، نَوْعٌ مِنَ الإنْكارِ والتَّعَجُّبِ؛ أيْ: أرَضِيتُمْ بِالنَّعِيمِ العاجِلِ في الدُّنْيا الزّائِلِ بَدَلَ النَّعِيمِ الباقِي ؟ . و(مِن) تَظافَرَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّها بِمَعْنى (بَدَلَ)؛ أيْ: بَدَلَ الآخِرَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً﴾ [الزخرف: ٦٠] أيْ بَدَلًا مِنكم، ومِنهُ (p-٤٢)قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَلَيْتَ لَنا مِن ماءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً مُبَرَّدَةً باتَتْ عَلى طَهَيانِ
أيْ بَدَلًا مِن ماءِ زَمْزَمَ، والطَّهَيانِ عُودٌ يُنْصَبُ في ناحِيَةِ الدّارِ لِلْهَواءِ تُعَلَّقُ فِيهِ أوْعِيَةُ الماءِ حَتّى تَبْرُدَ. وأصْحابُنا لا يُثْبِتُونَ أنْ تَكُونَ مِن لِلْبَدَلِ. ويَتَعَلَّقُ (في الآخِرَةِ) بِمَحْذُوفٍ؛ التَّقْدِيرُ: فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا مَحْسُوبًا في نَعِيمِ الآخِرَةِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: في الآخِرَةِ مُتَعَلِّقٌ بِقَلِيلٍ، وقَلِيلٌ خَبَرُ الِابْتِداءِ. وصَلُحَ أنْ يَعْمَلَ في الظَّرْفِ مُقَدَّمًا؛ لِأنَّ رائِحَةَ الفِعْلِ تَعْمَلُ في الظَّرْفِ. ولَوْ قُلْتَ: ما زَيْدٌ عَمْرًا إلّا يَضْرِبُ، لَمْ يَجُزْ.
﴿إلّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا ويَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ولا تَضُرُّوهُ شَيْئًا واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: هَذا سُخْطٌ عَلى المُتَثاقِلِينَ عَظِيمٌ، حَيْثُ أوْعَدَهم بِعَذابٍ ألِيمٍ مُطْلَقٍ يَتَناوَلُ عَذابَ الدّارَيْنِ، وأنَّهُ يُهْلِكُهم ويَسْتَبْدِلُ قَوْمًا آخَرِينَ خَيْرًا مِنهم وأطْوَعَ، وأنَّهُ غَنِيٌّ عَنْهم في نُصْرَةِ دِينِهِ، لا يَقْدَحُ تَثاقُلُهم فِيها شَيْئًا. وقِيلَ: يُعَذِّبُكم بِإمْساكِ المَطَرِ عَنْكم. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: «اسْتَنْفَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبِيلَةً فَقَعَدَتْ، فَأمْسَكَ اللَّهُ عَنْها المَطَرَ وعَذَّبَها بِهِ» . والمُسْتَبْدَلُ المَوْعُودُ بِهِمْ، قالَ جَماعَةٌ: أهْلُ اليَمَنِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: أبْناءُ فارِسَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ التّابِعُونَ، والظّاهِرُ مُسْتَغْنٍ عَنِ التَّخْصِيصِ. وقالَ الأصَمُّ: مَعْناهُ أنَّهُ تَعالى يُخْرِجُ رَسُولَهُ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ إلى المَدِينَةِ. قالَ القاضِي: وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّهُ يَنْتَقِلُ مِنَ المَدِينَةِ إلى غَيْرِها، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَظْهَرَ في المَدِينَةِ أقْوامًا يُعِينُونَهُ عَلى الغَزْوِ، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يُعِينَهُ بِأقْوامٍ مِنَ المَلائِكَةِ أيْضًا حالَ كَوْنِهِ هُناكَ. والضَّمِيرُ في: ﴿ولا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى؛ أيْ: ولا تَضُرُّوا دِينَهُ شَيْئًا. وقِيلَ: عَلى الرَّسُولِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قَدْ عَصَمَهُ ووَعَدَهُ بِالنَّصْرِ، ووَعْدُهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ. ولَمّا رَتَّبَ عَلى انْتِفاءِ نَفْرِهِمُ التَّعْذِيبَ والِاسْتِبْدالَ وانْتِفاءَ الضَّرَرِ، أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ تَتَعَلَّقُ إرادَتُهُ بِهِ قَدِيرٌ مِنَ التَّعْذِيبِ والتَّغْيِيرِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
﴿إلّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إذْ أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إذْ هُما في الغارِ إذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾: (إلّا تَنْصُرُوهُ) فِيهِ انْتِفاءُ النَّصْرِ بِأيِّ طَرِيقٍ كانَ مِن نَفْرٍ أوْ غَيْرِهِ. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَسَيَنْصُرُهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ (فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ)؛ أيْ: يَنْصُرُهُ في المُسْتَقْبَلِ كَما نَصَرَهُ في الماضِي (p-٤٣)وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: (فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ) جَوابًا لِلشَّرْطِ ؟ قُلْتُ: فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَسَيَنْصُرُهُ، وذَكَرَ مَعْنى ما قَدَّمْناهُ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى أوْجَبَ لَهُ النُّصْرَةَ وجَعَلَهُ مَنصُورًا في ذَلِكَ الوَقْتِ فَلَمْ يُخْذَلْ مِن بَعْدِهِ. انْتَهى. وهَذا لا يَظْهَرُ مِنهُ جَوابُ الشَّرْطِ؛ لِأنَّ إيجابَ النُّصْرَةِ لَهُ أمْرٌ سَبَقَ، والماضِي لا يَتَرَتَّبُ عَلى المُسْتَقْبَلِ، فالَّذِي يَظْهَرُ الوَجْهُ الأوَّلُ. ومَعْنى إخْراجِ الَّذِينَ كَفَرُوا إيّاهُ: فِعْلُهم بِهِ ما يُؤَدِّي إلى الخُرُوجِ، والإشارَةُ إلى خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ. ونُسِبَ الإخْراجُ إلَيْهِمْ مَجازًا، كَما نُسِبَ في قَوْلِهِ: (الَّتِي أخْرَجَتْكَ) . وقِصَّةُ خُرُوجِ الرَّسُولِ ﷺ وأبِي بَكْرٍ مَذْكُورَةٌ في السِّيَرِ.
وانْتَصَبَ (ثانِيَ اثْنَيْنِ) عَلى الحالِ؛ أيْ: أحَدَ اثْنَيْنِ وهُما: رَسُولُ اللَّهِ، وأبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا أُمِرَ بِالخُرُوجِ قالَ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”مَن يَخْرُجُ مَعِي ؟“ قالَ: أبُو بَكْرٍ. وقالَ اللَّيْثُ: ما صَحِبَ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِثْلُ أبِي بَكْرٍ. وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: خَرَجَ أبُو بَكْرٍ بِهَذِهِ الآيَةِ مِنَ المُعاتَبَةِ الَّتِي في قَوْلِهِ: (إلّا تَنْصُرُوهُ) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بَلْ خَرَجَ مِنها كُلُّ مَن شاهَدَ غَزْوَةَ تَبُوكَ، وإنَّما المُعاتَبَةُ لِمَن تَخَلَّفَ فَقَطْ، وهَذِهِ الآيَةُ مُنَوِّهَةٌ بِقَدْرِ أبِي بَكْرٍ وتَقَدُّمِهِ وسابِقَتِهِ في الإسْلامِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ تَرْغِيبُهم في الجِهادِ ونُصْرَةِ دِينِ اللَّهِ؛ إذْ بَيَّنَ فِيها أنَّ اللَّهَ يَنْصُرُهُ كَما نَصَرَهُ، إذْ كانَ في الغارِ ولَيْسَ مَعَهُ فِيهِ أحَدٌ سِوى أبِي بَكْرٍ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: ثانِي اثْنَيْنِ بِسُكُونِ ياءِ ثانِي. قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: حَكاها أبُو عَمْرٍو، ووَجْهُهُ أنَّهُ سَكَّنَ الياءَ تَشْبِيهًا لَها بِالألِفِ. والغارُ: نَقْبٌ في أعْلى ثَوْرٍ، وهو جَبَلٌ في يُمْنى مَكَّةَ عَلى مَسِيرَةِ ساعَةٍ، مَكَثَ فِيهِ ثَلاثًا. (إذْ هُما): بَدَلٌ، و(إذْ يَقُولُ): بَدَلٌ ثانٍ. وقالَ العُلَماءُ: مَن أنْكَرَ صُحْبَةَ أبِي بَكْرٍ فَقَدْ كَفَرَ لِإنْكارِهِ كَلامَ اللَّهِ تَعالى، ولَيْسَ ذَلِكَ لِسائِرِ الصَّحابَةِ. وكانَ سَبَبُ حَزْنِ أبِي بَكْرٍ خَوْفَهُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَهاهُ الرَّسُولُ تَسْكِينًا لِقَلْبِهِ، وأخْبَرَهُ بِقَوْلِهِ: إنَّ اللَّهَ مَعَنا، يَعْنِي: بِالمَعُونَةِ والنَّصْرِ. «وقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنْ قُتِلْتُ فَأنا رَجُلٌ واحِدٌ، وإنْ قُتِلْتَ هَلَكَتِ الأُمَّةُ وذَهَبَ دِينُ اللَّهِ، فَقالَ: ”ما ظَنَّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثالِثُهُما ؟“»، وقالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
؎قالَ النَّبِيُّ ولَمْ يَجْزَعْ يُوَقِّرُنِي ∗∗∗ ونَحْنُ في سَدَفٍ مِن ظُلْمَةِ الغارِ
؎لا تَخْشَ شَيْئًا فَإنَّ اللَّهَ ثالِثُنا ∗∗∗ وقَدْ تَكَفَّلَ لِي مِنهُ بِإظْهارِ
؎وإنَّما كَيْدُ مَن تَخْشى بَوادِرَهُ ∗∗∗ كَيْدُ الشَّياطِينِ قَدْ كادَتْ لِكُفّارِ
؎واللَّهُ مُهْلِكُهم طُرًّا بِما صَنَعُوا ∗∗∗ وجاعِلُ المُنْتَهى مِنهم إلى النّارِ
﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وأيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وكَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: السَّكِينَةُ الرَّحْمَةُ. وقالَ قَتادَةُ في آخَرِينَ: الوَقارُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الطُّمَأْنِينَةُ. وهَذِهِ الأقْوالُ مُتَقارِبَةٌ. والضَّمِيرُ في (عَلَيْهِ) عائِدٌ عَلى صاحِبِهِ، قالَهُ حَبِيبُ بْنُ أبِي ثابِتٍ، أوْ عَلى الرَّسُولِ، قالَهُ الجُمْهُورُ، أوْ عَلَيْهِما وأفْرَدَهُ لِتَلازُمِهِما، ويُؤَيِّدُهُ أنَّ في مُصْحَفِ حَفْصَةَ: فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِما وأيَّدَهُما. والجُنُودُ: المَلائِكَةُ يَوْمَ بَدْرٍ، والأحْزابِ، وحُنَيْنٍ. وقِيلَ: ذَلِكَ الوَقْتُ يُلْقُونَ البِشارَةَ في قَلْبِهِ، ويَصْرِفُونَ وُجُوهَ الكُفّارِ عَنْهُ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ (عَلَيْهِ) عائِدٌ عَلى أبِي بَكْرٍ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ كانَ ثابِتَ الجَأْشِ، ولِذَلِكَ قالَ: لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا. وأنَّ الضَّمِيرَ في (وأيَّدَهُ) عائِدٌ عَلى الرَّسُولِ ﷺ كَما جاءَ: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩] يَعْنِي الرَّسُولَ، وتُسَبِّحُوهُ: يَعْنِي اللَّهَ تَعالى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والسَّكِينَةُ عِنْدِي إنَّما هي ما يُنَزِّلُهُ اللَّهُ عَلى أنْبِيائِهِ مِنَ الحِياطَةِ لَهم، والخَصائِصِ الَّتِي لا تَصْلُحُ إلّا لَهم كَقَوْلِهِ: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٨]، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ (p-٤٤)إلى آخِرِ الآيَةِ يُرادُ بِهِ ما صَنَعَهُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ إلى وقْتِ تَبُوكَ مِنَ الظُّهُورِ والفُتُوحِ، لا أنْ يَكُونَ هَذا يَخْتَصُّ بِقِصَّةِ الغارِ. وكَلِمَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا هي الشِّرْكُ، وهي مَقْهُورَةٌ. وكَلِمَةُ اللَّهِ: هي التَّوْحِيدُ، وهي ظاهِرَةٌ. هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كَلِمَةُ الكافِرِينَ ما قَرَّرُوا بَيْنَهم مِنَ الكَيْدِ بِهِ لِيَقْتُلُوهُ، وكَلِمَةُ اللَّهِ: أنَّهُ ناصِرُهُ. وقِيلَ: كَلِمَةُ اللَّهِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وكَلِمَةُ الكُفّارِ قَوْلُهم في الحَرْبِ: يا لِبَنِي فُلانٍ، ويا لِفُلانٍ. وقِيلَ: كَلِمَةُ اللَّهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] وكَلِمَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا قَوْلُهم في الحَرْبِ: اعْلُ هُبَلَ؛ يَعْنُونَ صَنَمَهُمُ الأكْبَرَ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: وأيَدَهُ، والجُمْهُورُ: وأيَّدَهُ بِتَشْدِيدِ الياءِ. وقُرِئَ: وكَلِمَةُ اللَّهِ بِالنَّصْبِ؛ أيْ: وجَعَلَ. وقِراءَةُ الجُمْهُورِ بِالرَّفْعِ أثْبَتُ في الإخْبارِ. وعَنْ أنَسٍ رَأيْتُ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ: وجَعَلَ كَلِمَتَهُ هي العَلْياءَ، وناسَبَ الوَصْفُ بِالعِزَّةِ الدّالَّةِ عَلى القَهْرِ والغَلَبَةِ، والحِكْمَةِ الدّالَّةِ عَلى ما يَصْنَعُ مَعَ أنْبِيائِهِ وأوْلِيائِهِ، ومَن عاداهم مِن إعْزازِ دِينِهِ وإخْمادِ الكُفْرِ.
﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا وجاهِدُوا بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم في سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: لَمّا تَوَعَّدَ تَعالى مَن لا يَنْفِرُ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ وضَرَبَ لَهُ مِنَ الأمْثالِ ما ضَرَبَ، أتْبَعَهُ بِهَذا الأمْرِ الجَزْمَ. والمَعْنى: انْفِرُوا عَلى الوَصْفِ الَّذِي يَخِفُّ عَلَيْكم فِيهِ الجِهادُ، أوْ عَلى الوَصْفِ الَّذِي يَثْقُلُ. والخِفَّةُ والثِّقَلُ هُنا مُسْتَعارٌ لِمَن يُمْكِنُهُ السَّفَرُ بِسُهُولَةٍ، ومَن يُمْكِنُهُ بِصُعُوبَةٍ، وأمّا مَن لا يُمْكِنُهُ كالأعْمى ونَحْوِهِ فَخارِجٌ عَنْ هَذا. ورُوِيَ أنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: أعَلَيَّ أنْ أنْفِرَ ؟ قالَ: نَعَمْ، حَتّى نَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١] .
وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ مِن مَعانِي الخِفَّةِ والثِّقَلِ أشْياءَ لا عَلى وجْهِ التَّخْصِيصِ، بَعْضَها دُونَ بَعْضٍ، وإنَّما يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى التَّمْثِيلِ لا عَلى الحَصْرِ. قالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ: شَبابًا وشُيُوخًا. وقالَ أبُو صالِحٍ: أغْنِياءَ وفُقَراءَ في اليُسْرِ والعُسْرِ. وقالَ الأوْزاعِيُّ: رُكْبانًا ومُشاةً. وقِيلَ عَكْسُهُ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: عُزْبانًا ومُتَزَوِّجِينَ. وقالَ جُوَيْبِرٌ: أصِحّاءَ ومَرْضى. وقالَ جَماعَةٌ: خِفافًا مِنَ السِّلاحِ؛ أيْ مُقِلِّينَ فِيهِ، وثِقالًا؛ أيْ مُسْتَكْثِرِينَ مِنهُ. وقالَ الحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: خِفافًا مِنَ الأشْغالِ وثِقالًا بِها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خِفافًا مِنَ العِيالِ وثِقالًا بِهِمْ. وحَكى التَّبْرِيزِيُّ: خِفافًا مِنَ الأتْباعِ والحاشِيَةِ وثِقالًا بِهِمْ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: هو مِن خِفَّةِ اليَقِينِ وثِقَلِهِ عِنْدَ الكَراهَةِ. وحَكى الماوَرْدِيُّ: خِفافًا إلى الطّاعَةِ وثِقالًا عَنِ المُخالَفَةِ. وحَكى صاحِبُ الفِتْيانِ: خِفافًا إلى المُبارَزَةِ، وثِقالًا في المُصابَرَةِ. وحَكى أيْضًا: خِفافًا بِالمُسارَعَةِ والمُبادَرَةِ وثِقالًا بَعْدَ التَّرَوِّي والتَّفَكُّرِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: ذَوِي صَنْعَةٍ وهو الثَّقِيلُ، وغَيْرُ ذَوِي صَنْعَةٍ وهو الخَفِيفُ. وحَكى النَّقّاشُ: شُجْعانًا وجُبَناءَ. وقِيلَ: مَهازِيلَ وسِمانًا. وقِيلَ: سِباقًا إلى الحَرْبِ كالطَّلِيعَةِ وهو مُقَدَّمُ الجَيْشِ، والثِّقالُ الجَيْشُ بِأسْرِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: النَّشِيطُ والكَسْلانُ.
والجُمْهُورُ عَلى أنَّ الأمْرَ مَوْقُوفٌ عَلى فَرْضِ الكِفايَةِ، ولَمْ يُقْصَدْ بِهِ فَرْضُ الأعْيانِ. وقالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ: هو فَرْضٌ عَلى المُؤْمِنِينَ؛ عُنِيَ بِهِ فَرْضُ الأعْيانِ في تِلْكَ المُدَّةِ، ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] . وانْتَصَبَ ﴿خِفافًا وثِقالًا﴾ عَلى الحالِ. وذُكِرَ ﴿بِأمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ﴾ إذْ ذَلِكَ وصْفٌ لِأكْمَلِ ما يَكُونُ مِنَ الجِهادِ وأنْفَعِهِ عِنْدَ اللَّهِ، فَحَضَّ عَلى كَمالِ الأوْصافِ. وقُدِّمَتِ الأمْوالُ إذْ هي أوَّلُ مَصْرِفٍ وقْتَ التَّجْهِيزِ، وذُكِرَ ما المُجاهِدُ فِيهِ وهو سَبِيلُ اللَّهِ، والخَيْرِيَّةُ هي في الدُّنْيا بِغَلَبَةِ العَدُوِّ ووِراثَةِ الأرْضِ، وفي الآخِرَةِ بِالثَّوابِ ورِضْوانِ اللَّهِ. وقَدْ غَزا أبُو طَلْحَةَ حَتّى غَزا في البَحْرِ وماتَ فِيهِ، وغَزا المِقْدادُ عَلى ضَخامَتِهِ وسِمَنِهِ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ وقَدْ ذَهَبَتْ إحْدى عَيْنَيْهِ، وابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ مَعَ كَوْنِهِ أعْمى.
(p-٤٥)﴿لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا وسَفَرًا قاصِدًا لاتَّبَعُوكَ ولَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكم يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾: أيْ لَوْ كانَ ما دُعُوا إلَيْهِ غُنْمًا قَرِيبًا سَهْلَ المَنالِ، وسَفَرًا قاصِدًا وسَطًا مُقارِبًا. وهَذِهِ الآيَةُ في قِصَّةِ تَبُوكَ حِينَ اسْتَنْفَرَ المُؤْمِنِينَ فَنَفَرُوا، واعْتَذَرَ مِنهم فَرِيقٌ لِأصْحابِهِ، لا سِيَّما مِنَ القَبائِلِ المُجاوِرَةِ لِلْمَدِينَةِ. ولَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ﴾ خِطابًا لِلْمُنافِقِينَ خاصَّةً، بَلْ هو عامٌّ. واعْتَذَرَ المُنافِقُونَ بِأعْذارٍ كاذِبَةٍ، فابْتَدَأ تَعالى بِذِكْرِ المُنافِقِينَ وكَشْفِ ضَمائِرِهِمْ. (لاتَّبَعُوكَ): لَبادَرُوا إلَيْهِ، لا لِوَجْهِ اللَّهِ، ولا لِظُهُورِ كَلِمَتِهِ، ﴿ولَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾؛ أيْ: المَسافَةُ الطَّوِيلَةُ في غَزْوِ الرُّومِ. والشُّقَّةُ بِالضَّمِّ مِنَ الثِّيابِ، والشُّقَّةُ أيْضًا السَّفَرُ البَعِيدُ، ورُبَّما قالُوهُ بِالكَسْرِ، قالَهُ الجَوْهَرِيُّ. وقالَ الزَّجّاجُ: الشُّقَّةُ: الغايَةُ الَّتِي تُقْصَدُ. وقالَ ابْنُ عِيسى: الشُّقَّةُ القِطْعَةُ مِنَ الأرْضِ يَشُقُّ رُكُوبُها. وقالَ ابْنُ فارِسٍ: الشُّقَّةُ المَسِيرُ إلى أرْضٍ بَعِيدَةٍ، واشْتِقاقُها مِنَ الشَّقِّ، أوْ مِنَ المَشَقَّةِ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: بَعِدَتْ عَلَيْهِمُ الشِّقَّةُ بِكَسْرِ العَيْنِ والشِّينِ، وافَقَهُ الأعْرَجُ في بَعِدَتْ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: إنَّها لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ في اللَّفْظَيْنِ. انْتَهى. وحَكى الكِسائِيُّ: شُقَّةً وشِقَّةً. (وسَيَحْلِفُونَ)؛ أيِ المُنافِقُونَ، وهَذا إخْبارٌ بِغَيْبٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في قَوْلِهِ: وسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما نَصُّهُ، (بِاللَّهِ) مُتَعَلِّقٌ بِسَيَحْلِفُونَ، أوْ هو مِن كَلامِهِمْ. والقَوْلُ مُرادٌ في الوَجْهَيْنِ؛ أيْ: سَيَحْلِفُونَ مُتَخَلِّصِينَ عِنْدَ رُجُوعِكَ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ مُعْتَذِرِينَ، يَقُولُونَ: بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكم، أوْ وسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ يَقُولُونَ: لَوِ اسْتَطَعْنا. وقَوْلُهُ: لَخَرَجْنا سَدَّ مَسَدَّ جَوابِ القَسَمِ ولَوْ جَمِيعًا، والإخْبارُ بِما سَوْفَ يَكُونُ بَعْدَ القَوْلِ مِن حَلِفِهِمْ واعْتِذارِهِمْ، وقَدْ كانَ مِن جُمْلَةِ المُعْجِزاتِ. ومَعْنى الِاسْتِطاعَةِ اسْتِطاعَةُ العُدَّةِ، واسْتِطاعَةُ الأبْدانِ، كَأنَّهم تَمارَضُوا. انْتَهى. وما ذَهَبَ إلَيْهِ مِن أنَّ قَوْلَهُ لَخَرَجْنا سَدَّ مَسَدَّ جَوابِ القَسَمِ ولَوْ جَمِيعًا لَيْسَ بِجَيِّدٍ (p-٤٦)بَلْ لِلنَّحْوِيِّينَ في هَذا مَذْهَبانِ: أحَدُهُما: أنَّ (لَخَرَجْنا) هو جَوابُ القَسَمِ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ عَلى قاعِدَةِ اجْتِماعِ القَسَمِ والشَّرْطِ إذا تَقَدَّمَ القَسَمُ عَلى الشَّرْطِ، وهَذا اخْتِيارُ أبِي الحَسَنِ بْنِ عُصْفُورٍ. والآخَرُ: أنَّ (لَخَرَجْنا) هو جَوابُ لَوْ، وجَوابُ القَسَمِ هو لَوْ وجَوابُها، وهَذا اخْتِيارُ ابْنُ مالِكٍ أنَّ (لَخَرَجْنا) يَسُدُّ مَسَدَّهُما، ولا أعْلَمُ أحَدًا ذَهَبَ إلى ذَلِكَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُتَأوَّلَ كَلامُهُ عَلى أنَّهُ لَمّا حُذِفَ جَوابُ لَوْ، ودَلَّ عَلَيْهِ جَوابُ القَسَمِ جُعِلَ كَأنَّهُ سَدَّ مَسَدَّ جَوابِ القَسَمِ وجَوابِ لَوْ جَمِيعًا.
وقَرَأ الأعْمَشُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: لَوُ اسْتَطَعْنا بِضَمِّ الواوِ، وفَرَّ مِن ثِقَلِ الكَسْرَةِ عَلى الواوِ وشَبَّهَها بِواوِ الجَمْعِ عِنْدَ تَحْرِيكِها لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وقَرَأ الحَسَنُ: بِفَتْحِها كَما جاءَ: (اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ) بِالأوْجُهِ الثَّلاثَةِ. (يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم) بِالحَلِفِ الكاذِبِ؛ أيْ: يُوقِعُونَها في الهَلاكِ بِهِ. والظّاهِرُ أنَّها جُمْلَةُ اسْتِئْنافِ إخْبارٍ مِنهُ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم) إمّا أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (سَيَحْلِفُونَ)، أوْ حالًا بِمَعْنى مُهْلِكِينَ، والمَعْنى: أنَّهم يُوقِعُونَها في الهَلاكِ بِحَلِفِهِمُ الكاذِبِ، وما يَخْلُفُونَ عَلَيْهِ مِنَ التَّخَلُّفِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن قَوْلِهِ: (لَخَرَجْنا)؛ أيْ لَخَرَجْنا مَعَكم، وإنْ أهْلَكْنا أنْفُسَنا وألْقَيْناها في التَّهْلُكَةِ بِما يَحْمِلُها مِنَ المَسِيرِ في تِلْكَ الشُّقَّةِ. وجاءَ بِهِ عَلى لَفْظِ الغائِبِ؛ لِأنَّهُ مُخْبَرٌ عَنْهم، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ قِيلَ: سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطاعُوا لَخَرَجُوا لَكانَ سَدِيدًا ؟ يُقالُ: حَلَفَ بِاللَّهِ لَيَفْعَلَنَّ ولَأفْعَلَنَّ، فالغَيْبَةُ عَلى حُكْمِ الإخْبارِ والتَّكَلُّمُ عَلى الحِكايَةِ انْتَهى. أمّا كَوْنُ (يُهْلِكُونَ) بَدَلًا مِن (سَيَحْلِفُونَ) فَبَعِيدٌ؛ لِأنَّ الإهْلاكَ لَيْسَ مُرادِفًا لِلْحَلِفِ، ولا هو نَوْعٌ مِنَ الحَلِفِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُبْدَلَ فِعْلٌ مِن فِعْلٍ إلّا أنْ يَكُونَ مُرادِفًا لَهُ أوْ نَوْعًا مِنهُ. وأمّا كَوْنُهُ حالًا مِن قَوْلِهِ: (لَخَرَجْنا)، فالَّذِي يَظْهَرُ أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (لَخَرَجْنا) فِيهِ ضَمِيرُ التَّكَلُّمِ، فالَّذِي يَجْرِي عَلَيْهِ إنَّما يَكُونُ بِضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ. فَلَوْ كانَ حالًا مِن ضَمِيرِ (لَخَرَجْنا) لَكانَ التَّرْكِيبُ: نُهْلِكُ أنْفُسَنا؛ أيْ: مُهْلِكِي أنْفُسِنا. وأمّا قِياسُهُ ذَلِكَ عَلى حَلِفٍ بِاللَّهِ لَيَفْعَلَنَّ ولَأفْعَلَنَّ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأنَّهُ إذا أجْراهُ عَلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ لا يَخْرُجُ مِنهم إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، لَوْ قُلْتُ: حَلَفَ زَيْدٌ لَيَفْعَلَنَّ وأنا قائِمٌ، عَلى أنْ يَكُونَ وأنا قائِمٌ حالًا مِن ضَمِيرِ لَيَفْعَلَنَّ لَمْ يَجُزْ، وكَذا عَكْسُهُ نَحْوُ: حَلَفَ زَيْدٌ لَأفْعَلَنَّ يَقُومُ، تُرِيدُ قائِمًا لَمْ يَجُزْ. وأمّا قَوْلُهُ: وجاءَ بِهِ عَلى لَفْظِ الغائِبِ؛ لِأنَّهُ مُخْبَرٌ عَنْهم فَهي مُغالَطَةٌ لَيْسَ مُخْبَرًا عَنْهم بِقَوْلِهِ: لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكم، بَلْ هو حاكٍ لَفْظَ قَوْلِهِمْ، ثُمَّ قالَ: ألا تَرى لَوْ قِيلَ: لَوِ اسْتَطاعُوا لَخَرَجُوا لَكانَ سَدِيدًا إلى آخِرِهِ كَلامٌ صَحِيحٌ، لَكِنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ إخْبارًا عَنْهم، بَلْ حِكايَةً. والحالُ مِن جُمْلَةِ كَلامِهِمُ المَحْكِيِّ، فَلا يَجُوزُ أنْ يُخالِفَ بَيْنَ ذِي الحالِ وحالِهِ لِاشْتِراكِهِما في العامِلِ. لَوْ قُلْتَ: قالَ زَيْدٌ: خَرَجْتُ يَضْرِبُ خالِدًا؛ تُرِيدُ أضْرِبُ خالِدًا، لَمْ يَجُزْ. ولَوْ قُلْتَ: قالَتْ هِنْدُ: خَرَجَ زَيْدٌ (p-٤٧)أضْرِبُ خالِدًا، تُرِيدُ خَرَجَ زَيْدٌ ضارِبًا خالِدًا، لَمْ يَجُزْ.
﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهم حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وتَعْلَمَ الكاذِبِينَ﴾؛ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذِهِ الآيَةُ في صِنْفٍ مُبالِغٍ في النِّفاقِ. واسْتَأْذَنُوا دُونَ اعْتِذارٍ مِنهم: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، والجَدُّ بْنُ قَيْسٍ، ورِفاعَةُ بْنُ التّابُوتِ، ومَنِ اتَّبَعَهم. فَقالَ بَعْضُهم: ائْذَنَّ لِي ولا تَفْتِنِّي. وقالَ بَعْضُهم: ائْذَنَّ لَنا في الإقامَةِ، فَأذِنَ لَهُمُ اسْتِبْقاءً مِنهُ عَلَيْهِمْ، وأخْذًا بِالأسْهَلِ مِنَ الأُمُورِ، وتَوَكُّلًا عَلى اللَّهِ. قالَ مُجاهِدٌ: قالَ بَعْضُهم: نَسْتَأْذِنُهُ، فَإنْ أذِنَ في القُعُودِ قَعَدْنا، وإنْ لَمْ يَأْذَنْ قَعَدْنا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ. انْتَهى. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ إبْراهِيمُ بْنُ عَرَفَةَ النَّحْوِيُّ الدّاوُدِيُّ المَنبُوذُ بِنَفْطَوَيْهِ: ذَهَبَ ناسٌ إلى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مُعاتَبٌ بِهَذِهِ الآيَةِ، وحاشاهُ مِن ذَلِكَ، بَلْ كانَ لَهُ أنْ يَفْعَلَ وأنْ لا يَفْعَلَ حَتّى يَنْزِلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ كَما قالَ: (لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِن أمْرِي ما اسْتَدْبَرْتُ لَجَعَلْتُها عُمْرَةً)؛ لِأنَّهُ كانَ لَهُ أنْ يَفْعَلَ وأنْ لا يَفْعَلَ. وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١]؛ لِأنَّهُ كانَ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ مِمّا لَمْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ فِيهِ وحْيٌ. واسْتَأْذَنَهُ المُخَلَّفُونَ في التَّخَلُّفِ واعْتَذَرُوا، اخْتارَ أيْسَرَ الأمْرَيْنِ تَكَرُّمًا وتَفَضُّلًا مِنهُ ﷺ، فَأبانَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لَوْ لَمْ يَأْذَنْ لَهم لَأقامُوا لِلنِّفاقِ الَّذِي في قُلُوبِهِمْ، وأنَّهم كاذِبُونَ في إظْهارِ الطّاعَةِ والمُشاوَرَةِ، فَعَفا اللَّهُ عَنْكَ عِنْدَهُ افْتِتاحُ كَلامٍ أعْلَمَهُ اللَّهُ بِهِ أنَّهُ لا حَرَجَ عَلَيْهِ فِيما فَعَلَهُ مِنَ الإذْنِ، ولَيْسَ هو عَفْوًا عَنْ ذَنْبٍ، إنَّما هو أنَّهُ تَعالى أعْلَمَهُ أنَّهُ لا يَلْزَمُهُ تَرْكُ الإذْنِ لَهم كَما قالَ ﷺ: «عَفا اللَّهُ لَكم عَنْ صَدَقَةِ الخَيْلِ والرَّقِيقِ» وما وجَبَتا قَطُّ ومَعْناهُ: تَرَكَ أنْ يُلْزِمَكم ذَلِكَ. انْتَهى. ووافَقَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ فَقالُوا: ذِكْرُ العَفْوِ هُنا لَمْ يَكُنْ عَنْ تَقَدُّمِ ذَنْبٍ، وإنَّما هو اسْتِفْتاحُ كَلامٍ جَرَتْ عادَةُ العَرَبِ أنْ تُخاطِبَ بِمِثْلِهِ لِمَن تُعَظِّمُهُ وتَرْفَعُ مِن قَدْرِهِ، يَقْصِدُونَ بِذَلِكَ الدُّعاءَ لَهُ، فَيَقُولُونَ: أصْلَحَ اللَّهُ الأمِيرَ كانَ كَذا وكَذا، فَعَلى هَذا صِيغَتُهُ صِيغَةُ الخَبَرِ، ومَعْناهُ الدُّعاءُ. انْتَهى.
ولِمَ ولَهم مُتَعَلِّقانِ بِأذِنْتَ، لَكِنَّهُ اخْتَلَفَ مَدْلُولُ اللّامَيْنِ، إذْ لامُ لِمَ لِلتَّعْلِيلِ، ولامُ لَهم لِلتَّبْلِيغِ، فَجازَ ذَلِكَ لِاخْتِلافِ مَعْنَيَيْهِما، ومُتَعَلِّقُ الإذْنِ غَيْرُ مَذْكُورٍ، فَما قَدَّمْناهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ القُعُودُ؛ أيْ: لِمَ أذِنْتَ لَهم في القُعُودِ والتَّخَلُّفِ عَنِ الغَزْوِ حَتّى تَعْرِفَ ذَوِي العُذْرِ في التَّخَلُّفِ مِمَّنْ لا عُذْرَ لَهُ. وقِيلَ: مُتَعَلِّقُ الإذْنِ هو الخُرُوجُ مَعَهُ لِلْغَزْوِ، لِما تَرَتَّبَ عَلى خُرُوجِهِمْ مِنَ المَفاسِدِ؛ لِأنَّهم كانُوا عَيْنًا لِلْكُفّارِ عَلى المُسْلِمِينَ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وفِيكم سَمّاعُونَ لَهُمْ﴾ وكانُوا يَخْذُلُونَ المُؤْمِنِينَ ويَتَمَنَّوْنَ أنْ تَكُونَ الدّائِرَةُ عَلَيْهِمْ، فَقِيلَ: لِمَ أذِنْتَ لَهم في إخْراجِهِمْ وهم عَلى هَذِهِ الحالَةِ السَّيِّئَةِ ؟ وبَيَّنَ أنَّ خُرُوجَهم مَعَهُ لَيْسَ مَصْلَحَةً بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا﴾ . وحَتّى غايَةٌ لِما تَضَمَّنَهُ الِاسْتِفْهامُ؛ أيْ: ما كانَ أنْ تَأْذَنَ لَهم حَتّى يَتَبَيَّنَ مَن لَهُ العُذْرُ، هَكَذا قَدَّرَهُ الحَوْفِيُّ. وقالَ أبُو البَقاءِ: حَتّى يَتَبَيَّنَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، تَقْدِيرُهُ: هَلّا أخَّرْتَهم إلى أنْ يَتَبَيَّنَ أوْ لِيَتَبَيَّنَ. وقَوْلُهُ: لِمَ أذِنْتَ لَهم يَدُلُّ عَلى المَحْذُوفِ. ولا يَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ حَتّى بِأذِنْتَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ أذِنَ لَهم إلى هَذِهِ الغايَةِ، أوْ لِأجْلِ التَّبْيِينِ، وهَذا لا يُعاتَبُ عَلَيْهِ انْتَهى. وكَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾، مِمّا يَجِبُ اطِّراحُهُ، فَضْلًا عَنْ أنْ يُذْكَرَ فَيُرَدَّ عَلَيْهِ. وقَوْلُهُ: الَّذِينَ صَدَقُوا؛ أيْ: في اسْتِئْذانِكَ. وأنَّكَ لَوْ لَمْ تَأْذَنْ لَهم خَرَجُوا مَعَكَ. وتَعْلَمَ الكاذِبِينَ: تُرِيدُ في أنَّهُمُ اسْتَأْذَنُوكَ، يُظْهِرُونَ لَكَ أنَّهم يَقِفُونَ عِنْدَ حَدِّكَ وهم كَذَبَةٌ، وقَدْ عَزَمُوا عَلى العِصْيانِ، أذِنْتَ لَهم أوْ لَمْ تَأْذَنْ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: حَتّى تَعْلَمَ الصّادِقِينَ في أنَّ لَهم عُذْرًا، وتَعْلَمَ الكاذِبِينَ في أنْ لا عُذْرَ لَهم. وقالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ آيَةُ النُّورِ، ﴿فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهُمْ﴾ [النور: ٦٢] . وهَذا غَلَطٌ؛ لِأنَّ النُّورَ نَزَلَتْ سَنَةَ أرْبَعٍ مِنَ الهِجْرَةِ في غَزْوَةِ الخَنْدَقِ في اسْتِئْذانِ بَعْضِ المُؤْمِنِينَ الرَّسُولَ في بَعْضِ شَأْنِهِمْ في بُيُوتِهِمْ في بَعْضِ الأوْقاتِ، فَأباحَ اللَّهُ أنْ يَأْذَنَ، فَتَبايَنَتِ الآيَتانِ في الوَقْتِ والمَعْنى.
﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ (p-٤٨)قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (لا يَسْتَأْذِنُكَ)؛ أيْ بَعْدَ غَزْوَةِ تَبُوكَ. وقالَ الجُمْهُورُ: لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وما بَعْدَها ورَدَ في قِصَّةِ تَبُوكَ، والظّاهِرُ أنَّ مُتَعَلِّقَ الِاسْتِئْذانِ هو (أنْ يُجاهِدُوا)؛ أيْ: لَيْسَ مِن عادَةِ المُؤْمِنِينَ أنْ يَسْتَأْذِنُوكَ في أنْ يُجاهِدُوا، وكانَ الخُلَّصُ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ لا يَسْتَأْذِنُونَ النَّبِيَّ ﷺ أبَدًا، ويَقُولُونَ: لَنُجاهِدَنَّ مَعَهُ بِأمْوالِنا وأنْفُسِنا. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: لا يَسْتَأْذِنُكَ المُؤْمِنُونَ في الخُرُوجِ ولا القُعُودِ كَراهَةَ أنْ يُجاهِدُوا، بَلْ إذا أمَرْتَ بِشَيْءٍ ابْتَدَرُوا إلَيْهِ، وكانَ الِاسْتِئْذانُ في ذَلِكَ الوَقْتِ عَلامَةً عَلى النِّفاقِ. وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾، شَهادَةٌ لَهم بِالِانْتِظامِ في زُمْرَةِ المُتَّقِينَ، وعِدَةٌ لَهم بِأجْزَلِ الثَّوابِ.
﴿إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وارْتابَتْ قُلُوبُهم فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾؛ هُمُ المُنافِقُونَ وكانُوا تِسْعَةً وثَلاثِينَ رَجُلًا. ومَعْنى ارْتابَتْ: شَكَّتْ. ويَتَرَدَّدُونَ: يَتَحَيَّرُونَ، لا يَتَّجِهُ لَهم هُدًى فَتارَةً يَخْطُرُ لَهم صِحَّةُ أمْرِ الرَّسُولِ، وتارَةً يَخْطُرُ لَهم خِلافُ ذَلِكَ.
﴿ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لَأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهم فَثَبَّطَهم وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ﴾؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عُدَّةً مِنَ الزّادِ والماءِ والرّاحِلَةِ؛ لِأنَّ سَفَرَهم بَعِيدٌ في زَمانِ حَرٍّ شَدِيدٍ. وفي تَرْكِهِمُ العُدَّةَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم أرادُوا التَّخَلُّفَ. وقالَ قَوْمٌ: كانُوا قادِرِينَ عَلى تَحْصِيلِ العُدَّةِ والأُهْبَةِ. ورَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: العُدَّةُ النِّيَّةُ الخالِصَةُ في الجِهادِ. وحَكى الطَّبَرِيُّ: كُلُّ ما يُعَدُّ لِلْقِتالِ مِنَ الزّادِ والسِّلاحِ. وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ وابْنُهُ مُعاوِيَةُ: عُدَّ بِضَمِّ العَيْنِ مِن غَيْرِ تاءٍ، والفَرّاءُ يَقُولُ: تَسْقُطُ التّاءُ لِلْإضافَةِ، وجَعَلَ مِن ذَلِكَ وإقامِ الصَّلاةِ؛ أيْ وإقامَةِ الصَّلاةِ. ووَرَدَ ذَلِكَ في عِدَّةِ أبْياتٍ مِن لِسانِ العَرَبِ، ولَكِنْ لا يَقِيسُ ذَلِكَ، إنَّما نَقِفُ فِيهِ مَعَ مَوْرِدِ السَّماعِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: لَمّا أضافَ جَعَلَ الكِنايَةَ نائِبَةً عَنِ التّاءِ فَأسْقَطَها، وذَلِكَ لِأنَّ العَدَّ بِغَيْرِ تاءٍ، ولا تَقْدِيرُها هو البَثْرُ الَّذِي يَخْرُجُ في الوَجْهِ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: هو جَمْعُ عُدَّةٍ كَبُرَّةٍ وبُرٍّ ودُرَّةٍ ودُرٍّ، والوَجْهُ فِيهِ عُدَدٌ، ولَكِنْ لا يُوافِقُ خَطَّ المُصْحَفِ. وقَرَأ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: عِدَّهُ بِكَسْرِ العَيْنِ، وهاءِ إضْمارٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو عِنْدِي اسْمٌ لِما يُعَدُّ كالذَّبْحِ والقَتْلِ لِلْعَدِّ، وسُمِّيَ قَتْلًا إذْ حَقُّهُ أنْ يُقْتَلَ. وقُرِئَ أيْضًا: عِدَّةً بِكَسْرِ العَيْنِ، وبِالتّاءِ دُونَ إضافَةٍ؛ أيْ: عِدَّةً مِنَ الزّادِ والسِّلاحِ، أوْ مِمّا لَهم مَأْخُوذٌ مِنَ العَدَدِ. ولَمّا تَضَمَّنَتِ الجُمْلَةُ انْتِفاءَ الخُرُوجِ والِاسْتِعْدادِ، وجاءَ بَعْدَها ولَكِنْ، وكانَتْ لا تَقَعُ إلّا بَيْنَ نَقِيضَيْنِ أوْ ضِدَّيْنِ أوْ خِلافَيْنِ عَلى خِلافٍ فِيهِ، لا بَيْنَ مُتَّفِقَيْنِ، وكانَ ظاهِرُ ما بَعْدَ لَكِنْ مُوافِقًا لِما قَبْلَها.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ مَوْقِعُ حَرْفِ الِاسْتِدْراكِ ؟ قُلْتُ: لَمّا كانَ قَوْلُهُ: ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ مُعْطِيًا مَعْنى نَفْيِ خُرُوجِهِمْ واسْتِعْدادِهِمْ لِلْغَزْوِ قِيلَ: ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهم، كَأنَّهُ قِيلَ: ما خَرَجُوا ولَكِنْ تَثَبَّطُوا عَنِ الخُرُوجِ لِكَراهَةِ انْبِعاثِهِمْ، كَما تَقُولُ: ما أحْسَنَ إلَيَّ زِيدٌ ولَكِنْ أساءَ إلَيَّ. انْتَهى. ولَيْسَتِ الآيَةُ نَظِيرَ هَذا المِثالِ؛ لِأنَّ المِثالَ واقِعٌ فِيهِ لَكِنْ بَيْنَ ضِدَّيْنِ، والآيَةُ واقِعٌ فِيها، لَكِنْ بَيْنَ مُتَّفِقَيْنِ مِن جِهَةِ المَعْنى. والِانْبِعاثُ الِانْطِلاقُ والنُّهُوضُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَثَبَّطَهم كَسَلُهم وفَتْرُ نِيّاتِهِمْ. وبُنِيَ (وقِيلَ) لِلْمَفْعُولِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ القَوْلُ إذْنَ الرَّسُولِ لَهم في القُعُودِ، أوْ قَوْلَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ إمّا لَفْظًا وإمّا مَعْنًى، أوْ حِكايَةً عَنْ قَوْلِ اللَّهِ في سابِقِ قَضائِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَعَلَ إلْقاءَ اللَّهِ تَعالى في قُلُوبِهِمْ كَراهَةَ الخُرُوجِ أمْرًا بِالقُعُودِ. وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ الشَّيْطانِ بِالوَسْوَسَةِ. قالَ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ جازَ أنْ يُوقِعَ اللَّهُ تَعالى في نُفُوسِهِمْ كَراهَةَ الخُرُوجِ إلى الغَزْوِ وهي قَبِيحَةٌ، وتَعالى اللَّهُ عَنْ إلْهامِ القَبِيحِ ؟ قُلْتُ: خُرُوجُهم كانَ مَفْسَدَةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا﴾ (p-٤٩)فَكانَ إيقاعُ كَراهَةِ ذَلِكَ الخُرُوجِ في نُفُوسِهِمْ حَسَنًا ومَصْلَحَةً. انْتَهى.
وهَذا السُّؤالُ والجَوابُ عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ في المَفْسَدَةِ والمَصْلَحَةِ، وهَذا القَوْلُ هو ذَمٌّ لَهم وتَعْجِيزٌ، وإلْحاقٌ بِالنِّساءِ والصِّبْيانِ والزَّمْنى الَّذِينَ شَأْنُهُمُ القُعُودُ والجُثُومُ في البُيُوتِ، وهُمُ القاعِدُونَ والخالِفُونَ والخَوالِفُ، ويُبَيِّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ﴾ [التوبة: ٨٧] والقُعُودُ هُنا عِبارَةٌ عَنِ التَّخَلُّفِ والتَّراخِي كَما قالَ:
؎دَعِ المَكارِمَ لا تَرْحَلْ لِبُغْيَتِها ∗∗∗ واقْعُدْ فَإنَّكَ أنْتَ الطّاعِمُ الكاسِي
﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا ولَأوْضَعُوا خِلالَكم يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ وفِيكم سَمّاعُونَ لَهم واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾: لَمّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ضَرَبَ عَسْكَرَهُ عَلى ثَنِيَّةِ الوَداعِ، وضَرَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ عَسْكَرَهُ أسْفَلَ مِنها، ولَمْ يَكُنْ بِأقَلِّ العَسْكَرَيْنِ، فَلَمّا سارَ تَخَلَّفَ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ فِيمَن تَخَلَّفَ فَنَزَلَتْ بِعُرى. . . . اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى قَوْلِهِ: (وهم كارِهُونَ) . وفِيكم؛ أيْ: في جَيْشِكم أوْ في جُمْلَتِكم. وقِيلَ: في بِمَعْنى مَعَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الخَبالُ الفَسادُ ومُراعاةُ إخْمادِ الكَلِمَةِ. وقالَ الضَّحّاكُ: المَكْرُ والغَدْرُ. وقالَ ابْنُ عِيسى: الِاضْطِرابُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: الشَّرُّ، وقالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. وقِيلَ: إيقاعُ الِاخْتِلافِ والأراجِيفِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ الخَبالِ في آلِ عِمْرانَ. وهَذا الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ وهو مُفَرَّغٌ؛ إذِ المَفْعُولُ الثّانِي لِزادَ لَمْ يُذْكَرْ، وقَدْ كانَ في هَذِهِ الغَزْوَةِ مُنافِقُونَ كَثِيرٌ، ولَهم لا شَكَّ خَبالٌ، فَلَوْ خَرَجَ هَؤُلاءِ لَتَألَّبُوا فَزادَ الخَبالُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُسْتَثْنى مِنهُ غَيْرُ مَذْكُورٍ، فالِاسْتِثْناءُ مِن أعَمِّ العامِّ الَّذِي هو الشَّيْءُ، فَكانَ هو اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا؛ لِأنَّ الخَبالَ بَعْضُ أعَمِّ العامِّ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما زادُوكم شَيْئًا إلّا خَبالًا. وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، وهَذا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ لَمْ يَكُنْ في عَسْكَرِ الرَّسُولِ خَبالٌ. فالمَعْنى: ما زادُوكم قُوَّةً ولا شِدَّةً لَكِنْ خَبالًا. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ما زادُوكم بِغَيْرِ واوٍ؛ يَعْنِي: ما زادَكم خُرُوجُهم إلّا خَبالًا. والإيضاعُ الإسْراعُ، قالَ:
؎أُرانا مُوضِعِينَ لِأمْرِ غَيْبٍ ∗∗∗ ونُسْحَرُ بِالطَّعامِ وبِالشَّرابِ
ويُقالُ: وضَعَتِ النّاقَةُ تَضَعُ وضْعًا ووُضُوعًا، قالَ:
؎يا لَيْتَنِي فِيها جَذَعْ ∗∗∗ أخُبُّ فِيها وأضَعْ
قالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ لَأسْرَعُوا بِالنَّمِيمَةِ. وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ القاسِمِ: لَأسْرَعُوا بِالفِرارِ. ومَفْعُولُ أوْضَعُوا مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: ولَأوْضَعُوا رَكائِبَكم بَيْنَكم؛ لِأنَّ الرّاكِبَ أسْرَعُ مِنَ الماشِي. وقَرَأ مُجاهِدٌ ومُحَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ: ولَأوْفَضُوا؛ أيْ أسْرَعُوا كَقَوْلِهِ: ﴿إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: ٤٣] وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ: ولَأرْفَضُوا بِالرّاءِ مِن رَفَضَ أسْرَعَ في مَشْيِهِ رَفْضًا ورَفَضانًا، قالَ حَسّانُ:
؎بِزُجاجَةٍ رَفَضَتْ بِما في جَوْفِها ∗∗∗ رَفْضَ القَلُوصِ بِراكِبٍ مُسْتَعْجِلِ
(p-٥٠)وقالَ غَيْرُهُ:
؎والرّافِضاتُ إلى مِنًى فالقَبْقَبِ
والخِلالُ جَمْعُ الخَلَلِ، وهو الفُرْجَةُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: تَخَلَّلْتُ القَوْمَ دَخَلْتُ بَيْنَ خَلَلِهِمْ وخِلالِهِمْ، وجَلَسْنا خِلالَ البُيُوتِ وخِلالَ الدُّورِ؛ أيْ: بَيْنَها. ويَبْغُونَ حالٌ؛ أيْ: باغِينَ. قالَ الفَرّاءُ: يَبْغُونَها لَكم. والفِتْنَةُ هُنا الكُفْرُ قالَهُ مُقاتِلٌ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والضَّحّاكُ، أوِ العَيْبُ والشَّرُّ قالَهُ: الكَلْبِيُّ، أوْ تَفْرِيقُ الجَماعَةِ، أوِ المِحْنَةُ بِاخْتِلافِ الكَلِمَةِ، أوِ النَّمِيمَةُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُحاوِلُونَ أنْ يَفْتِنُوكم بِأنْ يُوقِعُوا الخِلافَ فِيما بَيْنَكم، ويُفْسِدُوا نِيّاتِكم في مَغْزاكم. وفِيكم سَمّاعُونَ لَهم؛ أيْ: نَمّامُونَ يَسْمَعُونَ حَدِيثَكم فَيَنْقُلُونَهُ إلَيْهِمْ، أوْ فِيكم قَوْمٌ يَسْتَمِعُونَ لِلْمُنافِقِينَ ويُطِيعُونَهم. انْتَهى. فاللّامُ في القَوْلِ الأوَّلِ لِلتَّعْلِيلِ، وفي الثّانِي لِتَقْوِيَةِ التَّعْدِيَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧] والقَوْلُ الأوَّلُ قالَهُ: سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، قالُوا: مَعْناهُ جَواسِيسُ يَسْتَمِعُونَ الأخْبارَ ويَنْقُلُونَها إلَيْهِمْ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ. والقَوْلُ الثّانِي قَوْلُ الجُمْهُورِ، قالُوا: مَعْناهُ وفِيكم مُطِيعُونَ سَمّاعُونَ لَهم. ومَعْنى وفِيكم في خِلالِكم مِنهم، أوْ مِنكم مِمَّنْ قَرُبَ عَهْدُهُ بِالإسْلامِ. واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ يَعُمُّ كُلَّ ظالِمٍ. ومَعْنى ذَلِكَ: أنَّهُ يُجازِيهِ عَلى ظُلْمِهِ. وانْدَرَجَ فِيهِ مَن يَقْبَلُ كَلامَ المُنافِقِينَ، ومَن يُؤَدِّي إلَيْهِمْ أخْبارَ المُؤْمِنِينَ، ومَن تَخَلَّفَ عَنْ هَذِهِ الغَزاةِ مِنَ المُنافِقِينَ.
التوبة 9:42
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا قَلِيلٌ﴾: لَمّا أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِغَزاةِ تَبُوكَ، وكانَ زَمانَ جَدْبٍ وحَرٍّ شَدِيدٍ وقَدْ طابَتِ الثِّمارُ، عَظُمَ ذَلِكَ عَلى النّاسِ وأحَبُّوا المُقامَ، نَزَلَتْ عِتابًا عَلى مَن تَخَلَّفَ عَنْ هَذِهِ الغَزْوَةِ، وكانَتْ سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ بَعْدَ الفَتْحِ بِعامٍ، غَزا فِيها الرُّومَ في عِشْرِينَ ألْفًا مِن راكِبٍ وراجِلٍ، وتَخَلَّفَ عَنْهُ قَبائِلُ مِنَ النّاسِ ورِجالٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ كَثِيرٌ ومُنافِقُونَ. وخَصَّ الثَّلاثَةَ بِالعِتابِ الشَّدِيدِ بِحَسَبِ مَكانِهِمْ مِنَ الصُّحْبَةِ؛ إذْ هم مِن أهْلِ بَدْرٍ ومِمَّنْ يُقْتَدى بِهِمْ، وكانَ تَخَلُّفُهم لِغَيْرِ عِلَّةٍ حَسْبَما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. ولَمّا شَرَحَ مَعاتِبَ الكُفّارِ رَغِبَ في مُقابَلَتِهِمْ. و(ما لَكم) اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإنْكارُ والتَّقْرِيعُ، وبُنِيَ (قِيلَ) لِلْمَفْعُولِ، والقائِلُ هو الرَّسُولُ ﷺ لَمْ يُذْكَرْ إغْلاظًا ومُخاشَنَةً لَهم وصَوْنًا لِذِكْرِهِ؛ إذْ أخْلَدَ إلى الهُوَيْنا والدَّعَةِ، مَن أخْلَدَ وخالَفَ أمْرَهُ ﷺ .
وقَرَأ الأعْمَشُ: تَثاقَلْتُمْ وهو أصْلُ قِراءَةِ الجُمْهُورِ اثّاقَلْتُمْ، وهو ماضٍ بِمَعْنى المُضارِعِ، وهو في مَوْضِعِ الحالِ، وهو عامِلٌ في (إذْ)؛ أيْ: ما لَكم تَتَثاقَلُونَ إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا. وقالَ أبُو البَقاءِ: الماضِي هُنا بِمَعْنى المُضارِعِ؛ أيْ: ما لَكم تَتَثاقَلُونَ، ومَوْضِعُهُ نَصْبٌ. أيْ: أيُّ شَيْءٍ لَكم في التَّثاقُلِ ؟ أوْ في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى مَذْهَبِ الخَلِيلِ. انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ حَذْفُ أنْ؛ لِأنَّهُ لا يَنْسَبِكُ مَصْدَرٌ إلّا مِن حَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلِ، وحَذْفُ أنْ في نَحْوِ هَذا قَلِيلٌ جِدًّا أوْ ضَرُورَةٌ. وإذا كانَ التَّقْدِيرُ في التَّثاقُلِ فَلا يُمْكِنُ عَمَلُهُ في إذا؛ لِأنَّ مَعْمُولَ المَصْدَرِ المَوْصُولِ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ فَيَكُونُ النّاصِبُ لِإذا، والمُتَعَلِّقُ بِهِ في التَّثاقُلِ ما هو مَعْلُومٌ لَكُمُ الواقِعُ خَبَرًا لِما. وقُرِئَ: اثّاقَلْتُمْ عَلى الِاسْتِفْهامِ الَّذِي مَعْناهُ الإنْكارُ والتَّوْبِيخُ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَعْمَلَ في إذا ما بَعْدَ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْمَلُ فِيهِ ما دَلَّ عَلَيْهِ، أوْ ما في (ما لَكم) مِن مَعْنى الفِعْلِ، كَأنَّهُ قالَ: ما تَصْنَعُونَ إذا قِيلَ لَكم، كَما تَعْمَلُهُ في الحالِ إذا قُلْتَ: ما لَكَ قائِمًا. والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ما لَكم تَتَثاقَلُونَ إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا، وحُذِفَ لِدَلالَةِ اثّاقَلْتُمْ عَلَيْهِ. ومَعْنى اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ: مِلْتُمْ إلى شَهَواتِ الدُّنْيا حِينَ أخْرَجَتِ الأرْضُ ثِمارَها، قالَهُ مُجاهِدٌ، وكَرِهْتُمْ مَشاقَّ السَّفَرِ. وقِيلَ: مِلْتُمْ إلى الإقامَةِ بِأرْضِكم، قالَهُ الزَّجّاجُ. ولَمّا ضُمِّنَ مَعْنى المَيْلِ والإخْلادِ عُدِّيَ بِإلى. وفي قَوْلِهِ: (أرَضِيتُمْ)، نَوْعٌ مِنَ الإنْكارِ والتَّعَجُّبِ؛ أيْ: أرَضِيتُمْ بِالنَّعِيمِ العاجِلِ في الدُّنْيا الزّائِلِ بَدَلَ النَّعِيمِ الباقِي ؟ . و(مِن) تَظافَرَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّها بِمَعْنى (بَدَلَ)؛ أيْ: بَدَلَ الآخِرَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً﴾ [الزخرف: ٦٠] أيْ بَدَلًا مِنكم، ومِنهُ (p-٤٢)قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَلَيْتَ لَنا مِن ماءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً مُبَرَّدَةً باتَتْ عَلى طَهَيانِ
أيْ بَدَلًا مِن ماءِ زَمْزَمَ، والطَّهَيانِ عُودٌ يُنْصَبُ في ناحِيَةِ الدّارِ لِلْهَواءِ تُعَلَّقُ فِيهِ أوْعِيَةُ الماءِ حَتّى تَبْرُدَ. وأصْحابُنا لا يُثْبِتُونَ أنْ تَكُونَ مِن لِلْبَدَلِ. ويَتَعَلَّقُ (في الآخِرَةِ) بِمَحْذُوفٍ؛ التَّقْدِيرُ: فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا مَحْسُوبًا في نَعِيمِ الآخِرَةِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: في الآخِرَةِ مُتَعَلِّقٌ بِقَلِيلٍ، وقَلِيلٌ خَبَرُ الِابْتِداءِ. وصَلُحَ أنْ يَعْمَلَ في الظَّرْفِ مُقَدَّمًا؛ لِأنَّ رائِحَةَ الفِعْلِ تَعْمَلُ في الظَّرْفِ. ولَوْ قُلْتَ: ما زَيْدٌ عَمْرًا إلّا يَضْرِبُ، لَمْ يَجُزْ.
﴿إلّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا ويَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ولا تَضُرُّوهُ شَيْئًا واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: هَذا سُخْطٌ عَلى المُتَثاقِلِينَ عَظِيمٌ، حَيْثُ أوْعَدَهم بِعَذابٍ ألِيمٍ مُطْلَقٍ يَتَناوَلُ عَذابَ الدّارَيْنِ، وأنَّهُ يُهْلِكُهم ويَسْتَبْدِلُ قَوْمًا آخَرِينَ خَيْرًا مِنهم وأطْوَعَ، وأنَّهُ غَنِيٌّ عَنْهم في نُصْرَةِ دِينِهِ، لا يَقْدَحُ تَثاقُلُهم فِيها شَيْئًا. وقِيلَ: يُعَذِّبُكم بِإمْساكِ المَطَرِ عَنْكم. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: «اسْتَنْفَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبِيلَةً فَقَعَدَتْ، فَأمْسَكَ اللَّهُ عَنْها المَطَرَ وعَذَّبَها بِهِ» . والمُسْتَبْدَلُ المَوْعُودُ بِهِمْ، قالَ جَماعَةٌ: أهْلُ اليَمَنِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: أبْناءُ فارِسَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ التّابِعُونَ، والظّاهِرُ مُسْتَغْنٍ عَنِ التَّخْصِيصِ. وقالَ الأصَمُّ: مَعْناهُ أنَّهُ تَعالى يُخْرِجُ رَسُولَهُ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ إلى المَدِينَةِ. قالَ القاضِي: وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّهُ يَنْتَقِلُ مِنَ المَدِينَةِ إلى غَيْرِها، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَظْهَرَ في المَدِينَةِ أقْوامًا يُعِينُونَهُ عَلى الغَزْوِ، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يُعِينَهُ بِأقْوامٍ مِنَ المَلائِكَةِ أيْضًا حالَ كَوْنِهِ هُناكَ. والضَّمِيرُ في: ﴿ولا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى؛ أيْ: ولا تَضُرُّوا دِينَهُ شَيْئًا. وقِيلَ: عَلى الرَّسُولِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قَدْ عَصَمَهُ ووَعَدَهُ بِالنَّصْرِ، ووَعْدُهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ. ولَمّا رَتَّبَ عَلى انْتِفاءِ نَفْرِهِمُ التَّعْذِيبَ والِاسْتِبْدالَ وانْتِفاءَ الضَّرَرِ، أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ تَتَعَلَّقُ إرادَتُهُ بِهِ قَدِيرٌ مِنَ التَّعْذِيبِ والتَّغْيِيرِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
﴿إلّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إذْ أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إذْ هُما في الغارِ إذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾: (إلّا تَنْصُرُوهُ) فِيهِ انْتِفاءُ النَّصْرِ بِأيِّ طَرِيقٍ كانَ مِن نَفْرٍ أوْ غَيْرِهِ. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَسَيَنْصُرُهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ (فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ)؛ أيْ: يَنْصُرُهُ في المُسْتَقْبَلِ كَما نَصَرَهُ في الماضِي (p-٤٣)وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: (فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ) جَوابًا لِلشَّرْطِ ؟ قُلْتُ: فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَسَيَنْصُرُهُ، وذَكَرَ مَعْنى ما قَدَّمْناهُ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى أوْجَبَ لَهُ النُّصْرَةَ وجَعَلَهُ مَنصُورًا في ذَلِكَ الوَقْتِ فَلَمْ يُخْذَلْ مِن بَعْدِهِ. انْتَهى. وهَذا لا يَظْهَرُ مِنهُ جَوابُ الشَّرْطِ؛ لِأنَّ إيجابَ النُّصْرَةِ لَهُ أمْرٌ سَبَقَ، والماضِي لا يَتَرَتَّبُ عَلى المُسْتَقْبَلِ، فالَّذِي يَظْهَرُ الوَجْهُ الأوَّلُ. ومَعْنى إخْراجِ الَّذِينَ كَفَرُوا إيّاهُ: فِعْلُهم بِهِ ما يُؤَدِّي إلى الخُرُوجِ، والإشارَةُ إلى خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ. ونُسِبَ الإخْراجُ إلَيْهِمْ مَجازًا، كَما نُسِبَ في قَوْلِهِ: (الَّتِي أخْرَجَتْكَ) . وقِصَّةُ خُرُوجِ الرَّسُولِ ﷺ وأبِي بَكْرٍ مَذْكُورَةٌ في السِّيَرِ.
وانْتَصَبَ (ثانِيَ اثْنَيْنِ) عَلى الحالِ؛ أيْ: أحَدَ اثْنَيْنِ وهُما: رَسُولُ اللَّهِ، وأبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا أُمِرَ بِالخُرُوجِ قالَ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”مَن يَخْرُجُ مَعِي ؟“ قالَ: أبُو بَكْرٍ. وقالَ اللَّيْثُ: ما صَحِبَ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِثْلُ أبِي بَكْرٍ. وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: خَرَجَ أبُو بَكْرٍ بِهَذِهِ الآيَةِ مِنَ المُعاتَبَةِ الَّتِي في قَوْلِهِ: (إلّا تَنْصُرُوهُ) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بَلْ خَرَجَ مِنها كُلُّ مَن شاهَدَ غَزْوَةَ تَبُوكَ، وإنَّما المُعاتَبَةُ لِمَن تَخَلَّفَ فَقَطْ، وهَذِهِ الآيَةُ مُنَوِّهَةٌ بِقَدْرِ أبِي بَكْرٍ وتَقَدُّمِهِ وسابِقَتِهِ في الإسْلامِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ تَرْغِيبُهم في الجِهادِ ونُصْرَةِ دِينِ اللَّهِ؛ إذْ بَيَّنَ فِيها أنَّ اللَّهَ يَنْصُرُهُ كَما نَصَرَهُ، إذْ كانَ في الغارِ ولَيْسَ مَعَهُ فِيهِ أحَدٌ سِوى أبِي بَكْرٍ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: ثانِي اثْنَيْنِ بِسُكُونِ ياءِ ثانِي. قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: حَكاها أبُو عَمْرٍو، ووَجْهُهُ أنَّهُ سَكَّنَ الياءَ تَشْبِيهًا لَها بِالألِفِ. والغارُ: نَقْبٌ في أعْلى ثَوْرٍ، وهو جَبَلٌ في يُمْنى مَكَّةَ عَلى مَسِيرَةِ ساعَةٍ، مَكَثَ فِيهِ ثَلاثًا. (إذْ هُما): بَدَلٌ، و(إذْ يَقُولُ): بَدَلٌ ثانٍ. وقالَ العُلَماءُ: مَن أنْكَرَ صُحْبَةَ أبِي بَكْرٍ فَقَدْ كَفَرَ لِإنْكارِهِ كَلامَ اللَّهِ تَعالى، ولَيْسَ ذَلِكَ لِسائِرِ الصَّحابَةِ. وكانَ سَبَبُ حَزْنِ أبِي بَكْرٍ خَوْفَهُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَهاهُ الرَّسُولُ تَسْكِينًا لِقَلْبِهِ، وأخْبَرَهُ بِقَوْلِهِ: إنَّ اللَّهَ مَعَنا، يَعْنِي: بِالمَعُونَةِ والنَّصْرِ. «وقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنْ قُتِلْتُ فَأنا رَجُلٌ واحِدٌ، وإنْ قُتِلْتَ هَلَكَتِ الأُمَّةُ وذَهَبَ دِينُ اللَّهِ، فَقالَ: ”ما ظَنَّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثالِثُهُما ؟“»، وقالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
؎قالَ النَّبِيُّ ولَمْ يَجْزَعْ يُوَقِّرُنِي ∗∗∗ ونَحْنُ في سَدَفٍ مِن ظُلْمَةِ الغارِ
؎لا تَخْشَ شَيْئًا فَإنَّ اللَّهَ ثالِثُنا ∗∗∗ وقَدْ تَكَفَّلَ لِي مِنهُ بِإظْهارِ
؎وإنَّما كَيْدُ مَن تَخْشى بَوادِرَهُ ∗∗∗ كَيْدُ الشَّياطِينِ قَدْ كادَتْ لِكُفّارِ
؎واللَّهُ مُهْلِكُهم طُرًّا بِما صَنَعُوا ∗∗∗ وجاعِلُ المُنْتَهى مِنهم إلى النّارِ
﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وأيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وكَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: السَّكِينَةُ الرَّحْمَةُ. وقالَ قَتادَةُ في آخَرِينَ: الوَقارُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الطُّمَأْنِينَةُ. وهَذِهِ الأقْوالُ مُتَقارِبَةٌ. والضَّمِيرُ في (عَلَيْهِ) عائِدٌ عَلى صاحِبِهِ، قالَهُ حَبِيبُ بْنُ أبِي ثابِتٍ، أوْ عَلى الرَّسُولِ، قالَهُ الجُمْهُورُ، أوْ عَلَيْهِما وأفْرَدَهُ لِتَلازُمِهِما، ويُؤَيِّدُهُ أنَّ في مُصْحَفِ حَفْصَةَ: فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِما وأيَّدَهُما. والجُنُودُ: المَلائِكَةُ يَوْمَ بَدْرٍ، والأحْزابِ، وحُنَيْنٍ. وقِيلَ: ذَلِكَ الوَقْتُ يُلْقُونَ البِشارَةَ في قَلْبِهِ، ويَصْرِفُونَ وُجُوهَ الكُفّارِ عَنْهُ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ (عَلَيْهِ) عائِدٌ عَلى أبِي بَكْرٍ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ كانَ ثابِتَ الجَأْشِ، ولِذَلِكَ قالَ: لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا. وأنَّ الضَّمِيرَ في (وأيَّدَهُ) عائِدٌ عَلى الرَّسُولِ ﷺ كَما جاءَ: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩] يَعْنِي الرَّسُولَ، وتُسَبِّحُوهُ: يَعْنِي اللَّهَ تَعالى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والسَّكِينَةُ عِنْدِي إنَّما هي ما يُنَزِّلُهُ اللَّهُ عَلى أنْبِيائِهِ مِنَ الحِياطَةِ لَهم، والخَصائِصِ الَّتِي لا تَصْلُحُ إلّا لَهم كَقَوْلِهِ: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٨]، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ (p-٤٤)إلى آخِرِ الآيَةِ يُرادُ بِهِ ما صَنَعَهُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ إلى وقْتِ تَبُوكَ مِنَ الظُّهُورِ والفُتُوحِ، لا أنْ يَكُونَ هَذا يَخْتَصُّ بِقِصَّةِ الغارِ. وكَلِمَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا هي الشِّرْكُ، وهي مَقْهُورَةٌ. وكَلِمَةُ اللَّهِ: هي التَّوْحِيدُ، وهي ظاهِرَةٌ. هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كَلِمَةُ الكافِرِينَ ما قَرَّرُوا بَيْنَهم مِنَ الكَيْدِ بِهِ لِيَقْتُلُوهُ، وكَلِمَةُ اللَّهِ: أنَّهُ ناصِرُهُ. وقِيلَ: كَلِمَةُ اللَّهِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وكَلِمَةُ الكُفّارِ قَوْلُهم في الحَرْبِ: يا لِبَنِي فُلانٍ، ويا لِفُلانٍ. وقِيلَ: كَلِمَةُ اللَّهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] وكَلِمَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا قَوْلُهم في الحَرْبِ: اعْلُ هُبَلَ؛ يَعْنُونَ صَنَمَهُمُ الأكْبَرَ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: وأيَدَهُ، والجُمْهُورُ: وأيَّدَهُ بِتَشْدِيدِ الياءِ. وقُرِئَ: وكَلِمَةُ اللَّهِ بِالنَّصْبِ؛ أيْ: وجَعَلَ. وقِراءَةُ الجُمْهُورِ بِالرَّفْعِ أثْبَتُ في الإخْبارِ. وعَنْ أنَسٍ رَأيْتُ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ: وجَعَلَ كَلِمَتَهُ هي العَلْياءَ، وناسَبَ الوَصْفُ بِالعِزَّةِ الدّالَّةِ عَلى القَهْرِ والغَلَبَةِ، والحِكْمَةِ الدّالَّةِ عَلى ما يَصْنَعُ مَعَ أنْبِيائِهِ وأوْلِيائِهِ، ومَن عاداهم مِن إعْزازِ دِينِهِ وإخْمادِ الكُفْرِ.
﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا وجاهِدُوا بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم في سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: لَمّا تَوَعَّدَ تَعالى مَن لا يَنْفِرُ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ وضَرَبَ لَهُ مِنَ الأمْثالِ ما ضَرَبَ، أتْبَعَهُ بِهَذا الأمْرِ الجَزْمَ. والمَعْنى: انْفِرُوا عَلى الوَصْفِ الَّذِي يَخِفُّ عَلَيْكم فِيهِ الجِهادُ، أوْ عَلى الوَصْفِ الَّذِي يَثْقُلُ. والخِفَّةُ والثِّقَلُ هُنا مُسْتَعارٌ لِمَن يُمْكِنُهُ السَّفَرُ بِسُهُولَةٍ، ومَن يُمْكِنُهُ بِصُعُوبَةٍ، وأمّا مَن لا يُمْكِنُهُ كالأعْمى ونَحْوِهِ فَخارِجٌ عَنْ هَذا. ورُوِيَ أنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: أعَلَيَّ أنْ أنْفِرَ ؟ قالَ: نَعَمْ، حَتّى نَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١] .
وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ مِن مَعانِي الخِفَّةِ والثِّقَلِ أشْياءَ لا عَلى وجْهِ التَّخْصِيصِ، بَعْضَها دُونَ بَعْضٍ، وإنَّما يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى التَّمْثِيلِ لا عَلى الحَصْرِ. قالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ: شَبابًا وشُيُوخًا. وقالَ أبُو صالِحٍ: أغْنِياءَ وفُقَراءَ في اليُسْرِ والعُسْرِ. وقالَ الأوْزاعِيُّ: رُكْبانًا ومُشاةً. وقِيلَ عَكْسُهُ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: عُزْبانًا ومُتَزَوِّجِينَ. وقالَ جُوَيْبِرٌ: أصِحّاءَ ومَرْضى. وقالَ جَماعَةٌ: خِفافًا مِنَ السِّلاحِ؛ أيْ مُقِلِّينَ فِيهِ، وثِقالًا؛ أيْ مُسْتَكْثِرِينَ مِنهُ. وقالَ الحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: خِفافًا مِنَ الأشْغالِ وثِقالًا بِها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خِفافًا مِنَ العِيالِ وثِقالًا بِهِمْ. وحَكى التَّبْرِيزِيُّ: خِفافًا مِنَ الأتْباعِ والحاشِيَةِ وثِقالًا بِهِمْ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: هو مِن خِفَّةِ اليَقِينِ وثِقَلِهِ عِنْدَ الكَراهَةِ. وحَكى الماوَرْدِيُّ: خِفافًا إلى الطّاعَةِ وثِقالًا عَنِ المُخالَفَةِ. وحَكى صاحِبُ الفِتْيانِ: خِفافًا إلى المُبارَزَةِ، وثِقالًا في المُصابَرَةِ. وحَكى أيْضًا: خِفافًا بِالمُسارَعَةِ والمُبادَرَةِ وثِقالًا بَعْدَ التَّرَوِّي والتَّفَكُّرِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: ذَوِي صَنْعَةٍ وهو الثَّقِيلُ، وغَيْرُ ذَوِي صَنْعَةٍ وهو الخَفِيفُ. وحَكى النَّقّاشُ: شُجْعانًا وجُبَناءَ. وقِيلَ: مَهازِيلَ وسِمانًا. وقِيلَ: سِباقًا إلى الحَرْبِ كالطَّلِيعَةِ وهو مُقَدَّمُ الجَيْشِ، والثِّقالُ الجَيْشُ بِأسْرِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: النَّشِيطُ والكَسْلانُ.
والجُمْهُورُ عَلى أنَّ الأمْرَ مَوْقُوفٌ عَلى فَرْضِ الكِفايَةِ، ولَمْ يُقْصَدْ بِهِ فَرْضُ الأعْيانِ. وقالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ: هو فَرْضٌ عَلى المُؤْمِنِينَ؛ عُنِيَ بِهِ فَرْضُ الأعْيانِ في تِلْكَ المُدَّةِ، ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] . وانْتَصَبَ ﴿خِفافًا وثِقالًا﴾ عَلى الحالِ. وذُكِرَ ﴿بِأمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ﴾ إذْ ذَلِكَ وصْفٌ لِأكْمَلِ ما يَكُونُ مِنَ الجِهادِ وأنْفَعِهِ عِنْدَ اللَّهِ، فَحَضَّ عَلى كَمالِ الأوْصافِ. وقُدِّمَتِ الأمْوالُ إذْ هي أوَّلُ مَصْرِفٍ وقْتَ التَّجْهِيزِ، وذُكِرَ ما المُجاهِدُ فِيهِ وهو سَبِيلُ اللَّهِ، والخَيْرِيَّةُ هي في الدُّنْيا بِغَلَبَةِ العَدُوِّ ووِراثَةِ الأرْضِ، وفي الآخِرَةِ بِالثَّوابِ ورِضْوانِ اللَّهِ. وقَدْ غَزا أبُو طَلْحَةَ حَتّى غَزا في البَحْرِ وماتَ فِيهِ، وغَزا المِقْدادُ عَلى ضَخامَتِهِ وسِمَنِهِ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ وقَدْ ذَهَبَتْ إحْدى عَيْنَيْهِ، وابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ مَعَ كَوْنِهِ أعْمى.
(p-٤٥)﴿لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا وسَفَرًا قاصِدًا لاتَّبَعُوكَ ولَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكم يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾: أيْ لَوْ كانَ ما دُعُوا إلَيْهِ غُنْمًا قَرِيبًا سَهْلَ المَنالِ، وسَفَرًا قاصِدًا وسَطًا مُقارِبًا. وهَذِهِ الآيَةُ في قِصَّةِ تَبُوكَ حِينَ اسْتَنْفَرَ المُؤْمِنِينَ فَنَفَرُوا، واعْتَذَرَ مِنهم فَرِيقٌ لِأصْحابِهِ، لا سِيَّما مِنَ القَبائِلِ المُجاوِرَةِ لِلْمَدِينَةِ. ولَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ﴾ خِطابًا لِلْمُنافِقِينَ خاصَّةً، بَلْ هو عامٌّ. واعْتَذَرَ المُنافِقُونَ بِأعْذارٍ كاذِبَةٍ، فابْتَدَأ تَعالى بِذِكْرِ المُنافِقِينَ وكَشْفِ ضَمائِرِهِمْ. (لاتَّبَعُوكَ): لَبادَرُوا إلَيْهِ، لا لِوَجْهِ اللَّهِ، ولا لِظُهُورِ كَلِمَتِهِ، ﴿ولَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾؛ أيْ: المَسافَةُ الطَّوِيلَةُ في غَزْوِ الرُّومِ. والشُّقَّةُ بِالضَّمِّ مِنَ الثِّيابِ، والشُّقَّةُ أيْضًا السَّفَرُ البَعِيدُ، ورُبَّما قالُوهُ بِالكَسْرِ، قالَهُ الجَوْهَرِيُّ. وقالَ الزَّجّاجُ: الشُّقَّةُ: الغايَةُ الَّتِي تُقْصَدُ. وقالَ ابْنُ عِيسى: الشُّقَّةُ القِطْعَةُ مِنَ الأرْضِ يَشُقُّ رُكُوبُها. وقالَ ابْنُ فارِسٍ: الشُّقَّةُ المَسِيرُ إلى أرْضٍ بَعِيدَةٍ، واشْتِقاقُها مِنَ الشَّقِّ، أوْ مِنَ المَشَقَّةِ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: بَعِدَتْ عَلَيْهِمُ الشِّقَّةُ بِكَسْرِ العَيْنِ والشِّينِ، وافَقَهُ الأعْرَجُ في بَعِدَتْ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: إنَّها لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ في اللَّفْظَيْنِ. انْتَهى. وحَكى الكِسائِيُّ: شُقَّةً وشِقَّةً. (وسَيَحْلِفُونَ)؛ أيِ المُنافِقُونَ، وهَذا إخْبارٌ بِغَيْبٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في قَوْلِهِ: وسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما نَصُّهُ، (بِاللَّهِ) مُتَعَلِّقٌ بِسَيَحْلِفُونَ، أوْ هو مِن كَلامِهِمْ. والقَوْلُ مُرادٌ في الوَجْهَيْنِ؛ أيْ: سَيَحْلِفُونَ مُتَخَلِّصِينَ عِنْدَ رُجُوعِكَ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ مُعْتَذِرِينَ، يَقُولُونَ: بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكم، أوْ وسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ يَقُولُونَ: لَوِ اسْتَطَعْنا. وقَوْلُهُ: لَخَرَجْنا سَدَّ مَسَدَّ جَوابِ القَسَمِ ولَوْ جَمِيعًا، والإخْبارُ بِما سَوْفَ يَكُونُ بَعْدَ القَوْلِ مِن حَلِفِهِمْ واعْتِذارِهِمْ، وقَدْ كانَ مِن جُمْلَةِ المُعْجِزاتِ. ومَعْنى الِاسْتِطاعَةِ اسْتِطاعَةُ العُدَّةِ، واسْتِطاعَةُ الأبْدانِ، كَأنَّهم تَمارَضُوا. انْتَهى. وما ذَهَبَ إلَيْهِ مِن أنَّ قَوْلَهُ لَخَرَجْنا سَدَّ مَسَدَّ جَوابِ القَسَمِ ولَوْ جَمِيعًا لَيْسَ بِجَيِّدٍ (p-٤٦)بَلْ لِلنَّحْوِيِّينَ في هَذا مَذْهَبانِ: أحَدُهُما: أنَّ (لَخَرَجْنا) هو جَوابُ القَسَمِ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ عَلى قاعِدَةِ اجْتِماعِ القَسَمِ والشَّرْطِ إذا تَقَدَّمَ القَسَمُ عَلى الشَّرْطِ، وهَذا اخْتِيارُ أبِي الحَسَنِ بْنِ عُصْفُورٍ. والآخَرُ: أنَّ (لَخَرَجْنا) هو جَوابُ لَوْ، وجَوابُ القَسَمِ هو لَوْ وجَوابُها، وهَذا اخْتِيارُ ابْنُ مالِكٍ أنَّ (لَخَرَجْنا) يَسُدُّ مَسَدَّهُما، ولا أعْلَمُ أحَدًا ذَهَبَ إلى ذَلِكَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُتَأوَّلَ كَلامُهُ عَلى أنَّهُ لَمّا حُذِفَ جَوابُ لَوْ، ودَلَّ عَلَيْهِ جَوابُ القَسَمِ جُعِلَ كَأنَّهُ سَدَّ مَسَدَّ جَوابِ القَسَمِ وجَوابِ لَوْ جَمِيعًا.
وقَرَأ الأعْمَشُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: لَوُ اسْتَطَعْنا بِضَمِّ الواوِ، وفَرَّ مِن ثِقَلِ الكَسْرَةِ عَلى الواوِ وشَبَّهَها بِواوِ الجَمْعِ عِنْدَ تَحْرِيكِها لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وقَرَأ الحَسَنُ: بِفَتْحِها كَما جاءَ: (اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ) بِالأوْجُهِ الثَّلاثَةِ. (يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم) بِالحَلِفِ الكاذِبِ؛ أيْ: يُوقِعُونَها في الهَلاكِ بِهِ. والظّاهِرُ أنَّها جُمْلَةُ اسْتِئْنافِ إخْبارٍ مِنهُ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم) إمّا أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (سَيَحْلِفُونَ)، أوْ حالًا بِمَعْنى مُهْلِكِينَ، والمَعْنى: أنَّهم يُوقِعُونَها في الهَلاكِ بِحَلِفِهِمُ الكاذِبِ، وما يَخْلُفُونَ عَلَيْهِ مِنَ التَّخَلُّفِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن قَوْلِهِ: (لَخَرَجْنا)؛ أيْ لَخَرَجْنا مَعَكم، وإنْ أهْلَكْنا أنْفُسَنا وألْقَيْناها في التَّهْلُكَةِ بِما يَحْمِلُها مِنَ المَسِيرِ في تِلْكَ الشُّقَّةِ. وجاءَ بِهِ عَلى لَفْظِ الغائِبِ؛ لِأنَّهُ مُخْبَرٌ عَنْهم، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ قِيلَ: سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطاعُوا لَخَرَجُوا لَكانَ سَدِيدًا ؟ يُقالُ: حَلَفَ بِاللَّهِ لَيَفْعَلَنَّ ولَأفْعَلَنَّ، فالغَيْبَةُ عَلى حُكْمِ الإخْبارِ والتَّكَلُّمُ عَلى الحِكايَةِ انْتَهى. أمّا كَوْنُ (يُهْلِكُونَ) بَدَلًا مِن (سَيَحْلِفُونَ) فَبَعِيدٌ؛ لِأنَّ الإهْلاكَ لَيْسَ مُرادِفًا لِلْحَلِفِ، ولا هو نَوْعٌ مِنَ الحَلِفِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُبْدَلَ فِعْلٌ مِن فِعْلٍ إلّا أنْ يَكُونَ مُرادِفًا لَهُ أوْ نَوْعًا مِنهُ. وأمّا كَوْنُهُ حالًا مِن قَوْلِهِ: (لَخَرَجْنا)، فالَّذِي يَظْهَرُ أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (لَخَرَجْنا) فِيهِ ضَمِيرُ التَّكَلُّمِ، فالَّذِي يَجْرِي عَلَيْهِ إنَّما يَكُونُ بِضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ. فَلَوْ كانَ حالًا مِن ضَمِيرِ (لَخَرَجْنا) لَكانَ التَّرْكِيبُ: نُهْلِكُ أنْفُسَنا؛ أيْ: مُهْلِكِي أنْفُسِنا. وأمّا قِياسُهُ ذَلِكَ عَلى حَلِفٍ بِاللَّهِ لَيَفْعَلَنَّ ولَأفْعَلَنَّ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأنَّهُ إذا أجْراهُ عَلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ لا يَخْرُجُ مِنهم إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، لَوْ قُلْتُ: حَلَفَ زَيْدٌ لَيَفْعَلَنَّ وأنا قائِمٌ، عَلى أنْ يَكُونَ وأنا قائِمٌ حالًا مِن ضَمِيرِ لَيَفْعَلَنَّ لَمْ يَجُزْ، وكَذا عَكْسُهُ نَحْوُ: حَلَفَ زَيْدٌ لَأفْعَلَنَّ يَقُومُ، تُرِيدُ قائِمًا لَمْ يَجُزْ. وأمّا قَوْلُهُ: وجاءَ بِهِ عَلى لَفْظِ الغائِبِ؛ لِأنَّهُ مُخْبَرٌ عَنْهم فَهي مُغالَطَةٌ لَيْسَ مُخْبَرًا عَنْهم بِقَوْلِهِ: لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكم، بَلْ هو حاكٍ لَفْظَ قَوْلِهِمْ، ثُمَّ قالَ: ألا تَرى لَوْ قِيلَ: لَوِ اسْتَطاعُوا لَخَرَجُوا لَكانَ سَدِيدًا إلى آخِرِهِ كَلامٌ صَحِيحٌ، لَكِنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ إخْبارًا عَنْهم، بَلْ حِكايَةً. والحالُ مِن جُمْلَةِ كَلامِهِمُ المَحْكِيِّ، فَلا يَجُوزُ أنْ يُخالِفَ بَيْنَ ذِي الحالِ وحالِهِ لِاشْتِراكِهِما في العامِلِ. لَوْ قُلْتَ: قالَ زَيْدٌ: خَرَجْتُ يَضْرِبُ خالِدًا؛ تُرِيدُ أضْرِبُ خالِدًا، لَمْ يَجُزْ. ولَوْ قُلْتَ: قالَتْ هِنْدُ: خَرَجَ زَيْدٌ (p-٤٧)أضْرِبُ خالِدًا، تُرِيدُ خَرَجَ زَيْدٌ ضارِبًا خالِدًا، لَمْ يَجُزْ.
﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهم حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وتَعْلَمَ الكاذِبِينَ﴾؛ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذِهِ الآيَةُ في صِنْفٍ مُبالِغٍ في النِّفاقِ. واسْتَأْذَنُوا دُونَ اعْتِذارٍ مِنهم: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، والجَدُّ بْنُ قَيْسٍ، ورِفاعَةُ بْنُ التّابُوتِ، ومَنِ اتَّبَعَهم. فَقالَ بَعْضُهم: ائْذَنَّ لِي ولا تَفْتِنِّي. وقالَ بَعْضُهم: ائْذَنَّ لَنا في الإقامَةِ، فَأذِنَ لَهُمُ اسْتِبْقاءً مِنهُ عَلَيْهِمْ، وأخْذًا بِالأسْهَلِ مِنَ الأُمُورِ، وتَوَكُّلًا عَلى اللَّهِ. قالَ مُجاهِدٌ: قالَ بَعْضُهم: نَسْتَأْذِنُهُ، فَإنْ أذِنَ في القُعُودِ قَعَدْنا، وإنْ لَمْ يَأْذَنْ قَعَدْنا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ. انْتَهى. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ إبْراهِيمُ بْنُ عَرَفَةَ النَّحْوِيُّ الدّاوُدِيُّ المَنبُوذُ بِنَفْطَوَيْهِ: ذَهَبَ ناسٌ إلى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مُعاتَبٌ بِهَذِهِ الآيَةِ، وحاشاهُ مِن ذَلِكَ، بَلْ كانَ لَهُ أنْ يَفْعَلَ وأنْ لا يَفْعَلَ حَتّى يَنْزِلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ كَما قالَ: (لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِن أمْرِي ما اسْتَدْبَرْتُ لَجَعَلْتُها عُمْرَةً)؛ لِأنَّهُ كانَ لَهُ أنْ يَفْعَلَ وأنْ لا يَفْعَلَ. وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١]؛ لِأنَّهُ كانَ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ مِمّا لَمْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ فِيهِ وحْيٌ. واسْتَأْذَنَهُ المُخَلَّفُونَ في التَّخَلُّفِ واعْتَذَرُوا، اخْتارَ أيْسَرَ الأمْرَيْنِ تَكَرُّمًا وتَفَضُّلًا مِنهُ ﷺ، فَأبانَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لَوْ لَمْ يَأْذَنْ لَهم لَأقامُوا لِلنِّفاقِ الَّذِي في قُلُوبِهِمْ، وأنَّهم كاذِبُونَ في إظْهارِ الطّاعَةِ والمُشاوَرَةِ، فَعَفا اللَّهُ عَنْكَ عِنْدَهُ افْتِتاحُ كَلامٍ أعْلَمَهُ اللَّهُ بِهِ أنَّهُ لا حَرَجَ عَلَيْهِ فِيما فَعَلَهُ مِنَ الإذْنِ، ولَيْسَ هو عَفْوًا عَنْ ذَنْبٍ، إنَّما هو أنَّهُ تَعالى أعْلَمَهُ أنَّهُ لا يَلْزَمُهُ تَرْكُ الإذْنِ لَهم كَما قالَ ﷺ: «عَفا اللَّهُ لَكم عَنْ صَدَقَةِ الخَيْلِ والرَّقِيقِ» وما وجَبَتا قَطُّ ومَعْناهُ: تَرَكَ أنْ يُلْزِمَكم ذَلِكَ. انْتَهى. ووافَقَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ فَقالُوا: ذِكْرُ العَفْوِ هُنا لَمْ يَكُنْ عَنْ تَقَدُّمِ ذَنْبٍ، وإنَّما هو اسْتِفْتاحُ كَلامٍ جَرَتْ عادَةُ العَرَبِ أنْ تُخاطِبَ بِمِثْلِهِ لِمَن تُعَظِّمُهُ وتَرْفَعُ مِن قَدْرِهِ، يَقْصِدُونَ بِذَلِكَ الدُّعاءَ لَهُ، فَيَقُولُونَ: أصْلَحَ اللَّهُ الأمِيرَ كانَ كَذا وكَذا، فَعَلى هَذا صِيغَتُهُ صِيغَةُ الخَبَرِ، ومَعْناهُ الدُّعاءُ. انْتَهى.
ولِمَ ولَهم مُتَعَلِّقانِ بِأذِنْتَ، لَكِنَّهُ اخْتَلَفَ مَدْلُولُ اللّامَيْنِ، إذْ لامُ لِمَ لِلتَّعْلِيلِ، ولامُ لَهم لِلتَّبْلِيغِ، فَجازَ ذَلِكَ لِاخْتِلافِ مَعْنَيَيْهِما، ومُتَعَلِّقُ الإذْنِ غَيْرُ مَذْكُورٍ، فَما قَدَّمْناهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ القُعُودُ؛ أيْ: لِمَ أذِنْتَ لَهم في القُعُودِ والتَّخَلُّفِ عَنِ الغَزْوِ حَتّى تَعْرِفَ ذَوِي العُذْرِ في التَّخَلُّفِ مِمَّنْ لا عُذْرَ لَهُ. وقِيلَ: مُتَعَلِّقُ الإذْنِ هو الخُرُوجُ مَعَهُ لِلْغَزْوِ، لِما تَرَتَّبَ عَلى خُرُوجِهِمْ مِنَ المَفاسِدِ؛ لِأنَّهم كانُوا عَيْنًا لِلْكُفّارِ عَلى المُسْلِمِينَ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وفِيكم سَمّاعُونَ لَهُمْ﴾ وكانُوا يَخْذُلُونَ المُؤْمِنِينَ ويَتَمَنَّوْنَ أنْ تَكُونَ الدّائِرَةُ عَلَيْهِمْ، فَقِيلَ: لِمَ أذِنْتَ لَهم في إخْراجِهِمْ وهم عَلى هَذِهِ الحالَةِ السَّيِّئَةِ ؟ وبَيَّنَ أنَّ خُرُوجَهم مَعَهُ لَيْسَ مَصْلَحَةً بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا﴾ . وحَتّى غايَةٌ لِما تَضَمَّنَهُ الِاسْتِفْهامُ؛ أيْ: ما كانَ أنْ تَأْذَنَ لَهم حَتّى يَتَبَيَّنَ مَن لَهُ العُذْرُ، هَكَذا قَدَّرَهُ الحَوْفِيُّ. وقالَ أبُو البَقاءِ: حَتّى يَتَبَيَّنَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، تَقْدِيرُهُ: هَلّا أخَّرْتَهم إلى أنْ يَتَبَيَّنَ أوْ لِيَتَبَيَّنَ. وقَوْلُهُ: لِمَ أذِنْتَ لَهم يَدُلُّ عَلى المَحْذُوفِ. ولا يَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ حَتّى بِأذِنْتَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ أذِنَ لَهم إلى هَذِهِ الغايَةِ، أوْ لِأجْلِ التَّبْيِينِ، وهَذا لا يُعاتَبُ عَلَيْهِ انْتَهى. وكَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾، مِمّا يَجِبُ اطِّراحُهُ، فَضْلًا عَنْ أنْ يُذْكَرَ فَيُرَدَّ عَلَيْهِ. وقَوْلُهُ: الَّذِينَ صَدَقُوا؛ أيْ: في اسْتِئْذانِكَ. وأنَّكَ لَوْ لَمْ تَأْذَنْ لَهم خَرَجُوا مَعَكَ. وتَعْلَمَ الكاذِبِينَ: تُرِيدُ في أنَّهُمُ اسْتَأْذَنُوكَ، يُظْهِرُونَ لَكَ أنَّهم يَقِفُونَ عِنْدَ حَدِّكَ وهم كَذَبَةٌ، وقَدْ عَزَمُوا عَلى العِصْيانِ، أذِنْتَ لَهم أوْ لَمْ تَأْذَنْ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: حَتّى تَعْلَمَ الصّادِقِينَ في أنَّ لَهم عُذْرًا، وتَعْلَمَ الكاذِبِينَ في أنْ لا عُذْرَ لَهم. وقالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ آيَةُ النُّورِ، ﴿فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهُمْ﴾ [النور: ٦٢] . وهَذا غَلَطٌ؛ لِأنَّ النُّورَ نَزَلَتْ سَنَةَ أرْبَعٍ مِنَ الهِجْرَةِ في غَزْوَةِ الخَنْدَقِ في اسْتِئْذانِ بَعْضِ المُؤْمِنِينَ الرَّسُولَ في بَعْضِ شَأْنِهِمْ في بُيُوتِهِمْ في بَعْضِ الأوْقاتِ، فَأباحَ اللَّهُ أنْ يَأْذَنَ، فَتَبايَنَتِ الآيَتانِ في الوَقْتِ والمَعْنى.
﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ (p-٤٨)قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (لا يَسْتَأْذِنُكَ)؛ أيْ بَعْدَ غَزْوَةِ تَبُوكَ. وقالَ الجُمْهُورُ: لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وما بَعْدَها ورَدَ في قِصَّةِ تَبُوكَ، والظّاهِرُ أنَّ مُتَعَلِّقَ الِاسْتِئْذانِ هو (أنْ يُجاهِدُوا)؛ أيْ: لَيْسَ مِن عادَةِ المُؤْمِنِينَ أنْ يَسْتَأْذِنُوكَ في أنْ يُجاهِدُوا، وكانَ الخُلَّصُ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ لا يَسْتَأْذِنُونَ النَّبِيَّ ﷺ أبَدًا، ويَقُولُونَ: لَنُجاهِدَنَّ مَعَهُ بِأمْوالِنا وأنْفُسِنا. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: لا يَسْتَأْذِنُكَ المُؤْمِنُونَ في الخُرُوجِ ولا القُعُودِ كَراهَةَ أنْ يُجاهِدُوا، بَلْ إذا أمَرْتَ بِشَيْءٍ ابْتَدَرُوا إلَيْهِ، وكانَ الِاسْتِئْذانُ في ذَلِكَ الوَقْتِ عَلامَةً عَلى النِّفاقِ. وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾، شَهادَةٌ لَهم بِالِانْتِظامِ في زُمْرَةِ المُتَّقِينَ، وعِدَةٌ لَهم بِأجْزَلِ الثَّوابِ.
﴿إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وارْتابَتْ قُلُوبُهم فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾؛ هُمُ المُنافِقُونَ وكانُوا تِسْعَةً وثَلاثِينَ رَجُلًا. ومَعْنى ارْتابَتْ: شَكَّتْ. ويَتَرَدَّدُونَ: يَتَحَيَّرُونَ، لا يَتَّجِهُ لَهم هُدًى فَتارَةً يَخْطُرُ لَهم صِحَّةُ أمْرِ الرَّسُولِ، وتارَةً يَخْطُرُ لَهم خِلافُ ذَلِكَ.
﴿ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لَأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهم فَثَبَّطَهم وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ﴾؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عُدَّةً مِنَ الزّادِ والماءِ والرّاحِلَةِ؛ لِأنَّ سَفَرَهم بَعِيدٌ في زَمانِ حَرٍّ شَدِيدٍ. وفي تَرْكِهِمُ العُدَّةَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم أرادُوا التَّخَلُّفَ. وقالَ قَوْمٌ: كانُوا قادِرِينَ عَلى تَحْصِيلِ العُدَّةِ والأُهْبَةِ. ورَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: العُدَّةُ النِّيَّةُ الخالِصَةُ في الجِهادِ. وحَكى الطَّبَرِيُّ: كُلُّ ما يُعَدُّ لِلْقِتالِ مِنَ الزّادِ والسِّلاحِ. وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ وابْنُهُ مُعاوِيَةُ: عُدَّ بِضَمِّ العَيْنِ مِن غَيْرِ تاءٍ، والفَرّاءُ يَقُولُ: تَسْقُطُ التّاءُ لِلْإضافَةِ، وجَعَلَ مِن ذَلِكَ وإقامِ الصَّلاةِ؛ أيْ وإقامَةِ الصَّلاةِ. ووَرَدَ ذَلِكَ في عِدَّةِ أبْياتٍ مِن لِسانِ العَرَبِ، ولَكِنْ لا يَقِيسُ ذَلِكَ، إنَّما نَقِفُ فِيهِ مَعَ مَوْرِدِ السَّماعِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: لَمّا أضافَ جَعَلَ الكِنايَةَ نائِبَةً عَنِ التّاءِ فَأسْقَطَها، وذَلِكَ لِأنَّ العَدَّ بِغَيْرِ تاءٍ، ولا تَقْدِيرُها هو البَثْرُ الَّذِي يَخْرُجُ في الوَجْهِ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: هو جَمْعُ عُدَّةٍ كَبُرَّةٍ وبُرٍّ ودُرَّةٍ ودُرٍّ، والوَجْهُ فِيهِ عُدَدٌ، ولَكِنْ لا يُوافِقُ خَطَّ المُصْحَفِ. وقَرَأ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: عِدَّهُ بِكَسْرِ العَيْنِ، وهاءِ إضْمارٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو عِنْدِي اسْمٌ لِما يُعَدُّ كالذَّبْحِ والقَتْلِ لِلْعَدِّ، وسُمِّيَ قَتْلًا إذْ حَقُّهُ أنْ يُقْتَلَ. وقُرِئَ أيْضًا: عِدَّةً بِكَسْرِ العَيْنِ، وبِالتّاءِ دُونَ إضافَةٍ؛ أيْ: عِدَّةً مِنَ الزّادِ والسِّلاحِ، أوْ مِمّا لَهم مَأْخُوذٌ مِنَ العَدَدِ. ولَمّا تَضَمَّنَتِ الجُمْلَةُ انْتِفاءَ الخُرُوجِ والِاسْتِعْدادِ، وجاءَ بَعْدَها ولَكِنْ، وكانَتْ لا تَقَعُ إلّا بَيْنَ نَقِيضَيْنِ أوْ ضِدَّيْنِ أوْ خِلافَيْنِ عَلى خِلافٍ فِيهِ، لا بَيْنَ مُتَّفِقَيْنِ، وكانَ ظاهِرُ ما بَعْدَ لَكِنْ مُوافِقًا لِما قَبْلَها.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ مَوْقِعُ حَرْفِ الِاسْتِدْراكِ ؟ قُلْتُ: لَمّا كانَ قَوْلُهُ: ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ مُعْطِيًا مَعْنى نَفْيِ خُرُوجِهِمْ واسْتِعْدادِهِمْ لِلْغَزْوِ قِيلَ: ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهم، كَأنَّهُ قِيلَ: ما خَرَجُوا ولَكِنْ تَثَبَّطُوا عَنِ الخُرُوجِ لِكَراهَةِ انْبِعاثِهِمْ، كَما تَقُولُ: ما أحْسَنَ إلَيَّ زِيدٌ ولَكِنْ أساءَ إلَيَّ. انْتَهى. ولَيْسَتِ الآيَةُ نَظِيرَ هَذا المِثالِ؛ لِأنَّ المِثالَ واقِعٌ فِيهِ لَكِنْ بَيْنَ ضِدَّيْنِ، والآيَةُ واقِعٌ فِيها، لَكِنْ بَيْنَ مُتَّفِقَيْنِ مِن جِهَةِ المَعْنى. والِانْبِعاثُ الِانْطِلاقُ والنُّهُوضُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَثَبَّطَهم كَسَلُهم وفَتْرُ نِيّاتِهِمْ. وبُنِيَ (وقِيلَ) لِلْمَفْعُولِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ القَوْلُ إذْنَ الرَّسُولِ لَهم في القُعُودِ، أوْ قَوْلَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ إمّا لَفْظًا وإمّا مَعْنًى، أوْ حِكايَةً عَنْ قَوْلِ اللَّهِ في سابِقِ قَضائِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَعَلَ إلْقاءَ اللَّهِ تَعالى في قُلُوبِهِمْ كَراهَةَ الخُرُوجِ أمْرًا بِالقُعُودِ. وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ الشَّيْطانِ بِالوَسْوَسَةِ. قالَ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ جازَ أنْ يُوقِعَ اللَّهُ تَعالى في نُفُوسِهِمْ كَراهَةَ الخُرُوجِ إلى الغَزْوِ وهي قَبِيحَةٌ، وتَعالى اللَّهُ عَنْ إلْهامِ القَبِيحِ ؟ قُلْتُ: خُرُوجُهم كانَ مَفْسَدَةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا﴾ (p-٤٩)فَكانَ إيقاعُ كَراهَةِ ذَلِكَ الخُرُوجِ في نُفُوسِهِمْ حَسَنًا ومَصْلَحَةً. انْتَهى.
وهَذا السُّؤالُ والجَوابُ عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ في المَفْسَدَةِ والمَصْلَحَةِ، وهَذا القَوْلُ هو ذَمٌّ لَهم وتَعْجِيزٌ، وإلْحاقٌ بِالنِّساءِ والصِّبْيانِ والزَّمْنى الَّذِينَ شَأْنُهُمُ القُعُودُ والجُثُومُ في البُيُوتِ، وهُمُ القاعِدُونَ والخالِفُونَ والخَوالِفُ، ويُبَيِّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ﴾ [التوبة: ٨٧] والقُعُودُ هُنا عِبارَةٌ عَنِ التَّخَلُّفِ والتَّراخِي كَما قالَ:
؎دَعِ المَكارِمَ لا تَرْحَلْ لِبُغْيَتِها ∗∗∗ واقْعُدْ فَإنَّكَ أنْتَ الطّاعِمُ الكاسِي
﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا ولَأوْضَعُوا خِلالَكم يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ وفِيكم سَمّاعُونَ لَهم واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾: لَمّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ضَرَبَ عَسْكَرَهُ عَلى ثَنِيَّةِ الوَداعِ، وضَرَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ عَسْكَرَهُ أسْفَلَ مِنها، ولَمْ يَكُنْ بِأقَلِّ العَسْكَرَيْنِ، فَلَمّا سارَ تَخَلَّفَ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ فِيمَن تَخَلَّفَ فَنَزَلَتْ بِعُرى. . . . اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى قَوْلِهِ: (وهم كارِهُونَ) . وفِيكم؛ أيْ: في جَيْشِكم أوْ في جُمْلَتِكم. وقِيلَ: في بِمَعْنى مَعَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الخَبالُ الفَسادُ ومُراعاةُ إخْمادِ الكَلِمَةِ. وقالَ الضَّحّاكُ: المَكْرُ والغَدْرُ. وقالَ ابْنُ عِيسى: الِاضْطِرابُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: الشَّرُّ، وقالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. وقِيلَ: إيقاعُ الِاخْتِلافِ والأراجِيفِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ الخَبالِ في آلِ عِمْرانَ. وهَذا الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ وهو مُفَرَّغٌ؛ إذِ المَفْعُولُ الثّانِي لِزادَ لَمْ يُذْكَرْ، وقَدْ كانَ في هَذِهِ الغَزْوَةِ مُنافِقُونَ كَثِيرٌ، ولَهم لا شَكَّ خَبالٌ، فَلَوْ خَرَجَ هَؤُلاءِ لَتَألَّبُوا فَزادَ الخَبالُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُسْتَثْنى مِنهُ غَيْرُ مَذْكُورٍ، فالِاسْتِثْناءُ مِن أعَمِّ العامِّ الَّذِي هو الشَّيْءُ، فَكانَ هو اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا؛ لِأنَّ الخَبالَ بَعْضُ أعَمِّ العامِّ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما زادُوكم شَيْئًا إلّا خَبالًا. وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، وهَذا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ لَمْ يَكُنْ في عَسْكَرِ الرَّسُولِ خَبالٌ. فالمَعْنى: ما زادُوكم قُوَّةً ولا شِدَّةً لَكِنْ خَبالًا. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ما زادُوكم بِغَيْرِ واوٍ؛ يَعْنِي: ما زادَكم خُرُوجُهم إلّا خَبالًا. والإيضاعُ الإسْراعُ، قالَ:
؎أُرانا مُوضِعِينَ لِأمْرِ غَيْبٍ ∗∗∗ ونُسْحَرُ بِالطَّعامِ وبِالشَّرابِ
ويُقالُ: وضَعَتِ النّاقَةُ تَضَعُ وضْعًا ووُضُوعًا، قالَ:
؎يا لَيْتَنِي فِيها جَذَعْ ∗∗∗ أخُبُّ فِيها وأضَعْ
قالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ لَأسْرَعُوا بِالنَّمِيمَةِ. وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ القاسِمِ: لَأسْرَعُوا بِالفِرارِ. ومَفْعُولُ أوْضَعُوا مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: ولَأوْضَعُوا رَكائِبَكم بَيْنَكم؛ لِأنَّ الرّاكِبَ أسْرَعُ مِنَ الماشِي. وقَرَأ مُجاهِدٌ ومُحَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ: ولَأوْفَضُوا؛ أيْ أسْرَعُوا كَقَوْلِهِ: ﴿إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: ٤٣] وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ: ولَأرْفَضُوا بِالرّاءِ مِن رَفَضَ أسْرَعَ في مَشْيِهِ رَفْضًا ورَفَضانًا، قالَ حَسّانُ:
؎بِزُجاجَةٍ رَفَضَتْ بِما في جَوْفِها ∗∗∗ رَفْضَ القَلُوصِ بِراكِبٍ مُسْتَعْجِلِ
(p-٥٠)وقالَ غَيْرُهُ:
؎والرّافِضاتُ إلى مِنًى فالقَبْقَبِ
والخِلالُ جَمْعُ الخَلَلِ، وهو الفُرْجَةُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: تَخَلَّلْتُ القَوْمَ دَخَلْتُ بَيْنَ خَلَلِهِمْ وخِلالِهِمْ، وجَلَسْنا خِلالَ البُيُوتِ وخِلالَ الدُّورِ؛ أيْ: بَيْنَها. ويَبْغُونَ حالٌ؛ أيْ: باغِينَ. قالَ الفَرّاءُ: يَبْغُونَها لَكم. والفِتْنَةُ هُنا الكُفْرُ قالَهُ مُقاتِلٌ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والضَّحّاكُ، أوِ العَيْبُ والشَّرُّ قالَهُ: الكَلْبِيُّ، أوْ تَفْرِيقُ الجَماعَةِ، أوِ المِحْنَةُ بِاخْتِلافِ الكَلِمَةِ، أوِ النَّمِيمَةُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُحاوِلُونَ أنْ يَفْتِنُوكم بِأنْ يُوقِعُوا الخِلافَ فِيما بَيْنَكم، ويُفْسِدُوا نِيّاتِكم في مَغْزاكم. وفِيكم سَمّاعُونَ لَهم؛ أيْ: نَمّامُونَ يَسْمَعُونَ حَدِيثَكم فَيَنْقُلُونَهُ إلَيْهِمْ، أوْ فِيكم قَوْمٌ يَسْتَمِعُونَ لِلْمُنافِقِينَ ويُطِيعُونَهم. انْتَهى. فاللّامُ في القَوْلِ الأوَّلِ لِلتَّعْلِيلِ، وفي الثّانِي لِتَقْوِيَةِ التَّعْدِيَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧] والقَوْلُ الأوَّلُ قالَهُ: سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، قالُوا: مَعْناهُ جَواسِيسُ يَسْتَمِعُونَ الأخْبارَ ويَنْقُلُونَها إلَيْهِمْ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ. والقَوْلُ الثّانِي قَوْلُ الجُمْهُورِ، قالُوا: مَعْناهُ وفِيكم مُطِيعُونَ سَمّاعُونَ لَهم. ومَعْنى وفِيكم في خِلالِكم مِنهم، أوْ مِنكم مِمَّنْ قَرُبَ عَهْدُهُ بِالإسْلامِ. واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ يَعُمُّ كُلَّ ظالِمٍ. ومَعْنى ذَلِكَ: أنَّهُ يُجازِيهِ عَلى ظُلْمِهِ. وانْدَرَجَ فِيهِ مَن يَقْبَلُ كَلامَ المُنافِقِينَ، ومَن يُؤَدِّي إلَيْهِمْ أخْبارَ المُؤْمِنِينَ، ومَن تَخَلَّفَ عَنْ هَذِهِ الغَزاةِ مِنَ المُنافِقِينَ.
التوبة 9:43
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا قَلِيلٌ﴾: لَمّا أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِغَزاةِ تَبُوكَ، وكانَ زَمانَ جَدْبٍ وحَرٍّ شَدِيدٍ وقَدْ طابَتِ الثِّمارُ، عَظُمَ ذَلِكَ عَلى النّاسِ وأحَبُّوا المُقامَ، نَزَلَتْ عِتابًا عَلى مَن تَخَلَّفَ عَنْ هَذِهِ الغَزْوَةِ، وكانَتْ سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ بَعْدَ الفَتْحِ بِعامٍ، غَزا فِيها الرُّومَ في عِشْرِينَ ألْفًا مِن راكِبٍ وراجِلٍ، وتَخَلَّفَ عَنْهُ قَبائِلُ مِنَ النّاسِ ورِجالٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ كَثِيرٌ ومُنافِقُونَ. وخَصَّ الثَّلاثَةَ بِالعِتابِ الشَّدِيدِ بِحَسَبِ مَكانِهِمْ مِنَ الصُّحْبَةِ؛ إذْ هم مِن أهْلِ بَدْرٍ ومِمَّنْ يُقْتَدى بِهِمْ، وكانَ تَخَلُّفُهم لِغَيْرِ عِلَّةٍ حَسْبَما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. ولَمّا شَرَحَ مَعاتِبَ الكُفّارِ رَغِبَ في مُقابَلَتِهِمْ. و(ما لَكم) اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإنْكارُ والتَّقْرِيعُ، وبُنِيَ (قِيلَ) لِلْمَفْعُولِ، والقائِلُ هو الرَّسُولُ ﷺ لَمْ يُذْكَرْ إغْلاظًا ومُخاشَنَةً لَهم وصَوْنًا لِذِكْرِهِ؛ إذْ أخْلَدَ إلى الهُوَيْنا والدَّعَةِ، مَن أخْلَدَ وخالَفَ أمْرَهُ ﷺ .
وقَرَأ الأعْمَشُ: تَثاقَلْتُمْ وهو أصْلُ قِراءَةِ الجُمْهُورِ اثّاقَلْتُمْ، وهو ماضٍ بِمَعْنى المُضارِعِ، وهو في مَوْضِعِ الحالِ، وهو عامِلٌ في (إذْ)؛ أيْ: ما لَكم تَتَثاقَلُونَ إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا. وقالَ أبُو البَقاءِ: الماضِي هُنا بِمَعْنى المُضارِعِ؛ أيْ: ما لَكم تَتَثاقَلُونَ، ومَوْضِعُهُ نَصْبٌ. أيْ: أيُّ شَيْءٍ لَكم في التَّثاقُلِ ؟ أوْ في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى مَذْهَبِ الخَلِيلِ. انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ حَذْفُ أنْ؛ لِأنَّهُ لا يَنْسَبِكُ مَصْدَرٌ إلّا مِن حَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلِ، وحَذْفُ أنْ في نَحْوِ هَذا قَلِيلٌ جِدًّا أوْ ضَرُورَةٌ. وإذا كانَ التَّقْدِيرُ في التَّثاقُلِ فَلا يُمْكِنُ عَمَلُهُ في إذا؛ لِأنَّ مَعْمُولَ المَصْدَرِ المَوْصُولِ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ فَيَكُونُ النّاصِبُ لِإذا، والمُتَعَلِّقُ بِهِ في التَّثاقُلِ ما هو مَعْلُومٌ لَكُمُ الواقِعُ خَبَرًا لِما. وقُرِئَ: اثّاقَلْتُمْ عَلى الِاسْتِفْهامِ الَّذِي مَعْناهُ الإنْكارُ والتَّوْبِيخُ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَعْمَلَ في إذا ما بَعْدَ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْمَلُ فِيهِ ما دَلَّ عَلَيْهِ، أوْ ما في (ما لَكم) مِن مَعْنى الفِعْلِ، كَأنَّهُ قالَ: ما تَصْنَعُونَ إذا قِيلَ لَكم، كَما تَعْمَلُهُ في الحالِ إذا قُلْتَ: ما لَكَ قائِمًا. والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ما لَكم تَتَثاقَلُونَ إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا، وحُذِفَ لِدَلالَةِ اثّاقَلْتُمْ عَلَيْهِ. ومَعْنى اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ: مِلْتُمْ إلى شَهَواتِ الدُّنْيا حِينَ أخْرَجَتِ الأرْضُ ثِمارَها، قالَهُ مُجاهِدٌ، وكَرِهْتُمْ مَشاقَّ السَّفَرِ. وقِيلَ: مِلْتُمْ إلى الإقامَةِ بِأرْضِكم، قالَهُ الزَّجّاجُ. ولَمّا ضُمِّنَ مَعْنى المَيْلِ والإخْلادِ عُدِّيَ بِإلى. وفي قَوْلِهِ: (أرَضِيتُمْ)، نَوْعٌ مِنَ الإنْكارِ والتَّعَجُّبِ؛ أيْ: أرَضِيتُمْ بِالنَّعِيمِ العاجِلِ في الدُّنْيا الزّائِلِ بَدَلَ النَّعِيمِ الباقِي ؟ . و(مِن) تَظافَرَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّها بِمَعْنى (بَدَلَ)؛ أيْ: بَدَلَ الآخِرَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً﴾ [الزخرف: ٦٠] أيْ بَدَلًا مِنكم، ومِنهُ (p-٤٢)قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَلَيْتَ لَنا مِن ماءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً مُبَرَّدَةً باتَتْ عَلى طَهَيانِ
أيْ بَدَلًا مِن ماءِ زَمْزَمَ، والطَّهَيانِ عُودٌ يُنْصَبُ في ناحِيَةِ الدّارِ لِلْهَواءِ تُعَلَّقُ فِيهِ أوْعِيَةُ الماءِ حَتّى تَبْرُدَ. وأصْحابُنا لا يُثْبِتُونَ أنْ تَكُونَ مِن لِلْبَدَلِ. ويَتَعَلَّقُ (في الآخِرَةِ) بِمَحْذُوفٍ؛ التَّقْدِيرُ: فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا مَحْسُوبًا في نَعِيمِ الآخِرَةِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: في الآخِرَةِ مُتَعَلِّقٌ بِقَلِيلٍ، وقَلِيلٌ خَبَرُ الِابْتِداءِ. وصَلُحَ أنْ يَعْمَلَ في الظَّرْفِ مُقَدَّمًا؛ لِأنَّ رائِحَةَ الفِعْلِ تَعْمَلُ في الظَّرْفِ. ولَوْ قُلْتَ: ما زَيْدٌ عَمْرًا إلّا يَضْرِبُ، لَمْ يَجُزْ.
﴿إلّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا ويَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ولا تَضُرُّوهُ شَيْئًا واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: هَذا سُخْطٌ عَلى المُتَثاقِلِينَ عَظِيمٌ، حَيْثُ أوْعَدَهم بِعَذابٍ ألِيمٍ مُطْلَقٍ يَتَناوَلُ عَذابَ الدّارَيْنِ، وأنَّهُ يُهْلِكُهم ويَسْتَبْدِلُ قَوْمًا آخَرِينَ خَيْرًا مِنهم وأطْوَعَ، وأنَّهُ غَنِيٌّ عَنْهم في نُصْرَةِ دِينِهِ، لا يَقْدَحُ تَثاقُلُهم فِيها شَيْئًا. وقِيلَ: يُعَذِّبُكم بِإمْساكِ المَطَرِ عَنْكم. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: «اسْتَنْفَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبِيلَةً فَقَعَدَتْ، فَأمْسَكَ اللَّهُ عَنْها المَطَرَ وعَذَّبَها بِهِ» . والمُسْتَبْدَلُ المَوْعُودُ بِهِمْ، قالَ جَماعَةٌ: أهْلُ اليَمَنِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: أبْناءُ فارِسَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ التّابِعُونَ، والظّاهِرُ مُسْتَغْنٍ عَنِ التَّخْصِيصِ. وقالَ الأصَمُّ: مَعْناهُ أنَّهُ تَعالى يُخْرِجُ رَسُولَهُ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ إلى المَدِينَةِ. قالَ القاضِي: وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّهُ يَنْتَقِلُ مِنَ المَدِينَةِ إلى غَيْرِها، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَظْهَرَ في المَدِينَةِ أقْوامًا يُعِينُونَهُ عَلى الغَزْوِ، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يُعِينَهُ بِأقْوامٍ مِنَ المَلائِكَةِ أيْضًا حالَ كَوْنِهِ هُناكَ. والضَّمِيرُ في: ﴿ولا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى؛ أيْ: ولا تَضُرُّوا دِينَهُ شَيْئًا. وقِيلَ: عَلى الرَّسُولِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قَدْ عَصَمَهُ ووَعَدَهُ بِالنَّصْرِ، ووَعْدُهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ. ولَمّا رَتَّبَ عَلى انْتِفاءِ نَفْرِهِمُ التَّعْذِيبَ والِاسْتِبْدالَ وانْتِفاءَ الضَّرَرِ، أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ تَتَعَلَّقُ إرادَتُهُ بِهِ قَدِيرٌ مِنَ التَّعْذِيبِ والتَّغْيِيرِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
﴿إلّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إذْ أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إذْ هُما في الغارِ إذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾: (إلّا تَنْصُرُوهُ) فِيهِ انْتِفاءُ النَّصْرِ بِأيِّ طَرِيقٍ كانَ مِن نَفْرٍ أوْ غَيْرِهِ. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَسَيَنْصُرُهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ (فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ)؛ أيْ: يَنْصُرُهُ في المُسْتَقْبَلِ كَما نَصَرَهُ في الماضِي (p-٤٣)وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: (فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ) جَوابًا لِلشَّرْطِ ؟ قُلْتُ: فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَسَيَنْصُرُهُ، وذَكَرَ مَعْنى ما قَدَّمْناهُ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى أوْجَبَ لَهُ النُّصْرَةَ وجَعَلَهُ مَنصُورًا في ذَلِكَ الوَقْتِ فَلَمْ يُخْذَلْ مِن بَعْدِهِ. انْتَهى. وهَذا لا يَظْهَرُ مِنهُ جَوابُ الشَّرْطِ؛ لِأنَّ إيجابَ النُّصْرَةِ لَهُ أمْرٌ سَبَقَ، والماضِي لا يَتَرَتَّبُ عَلى المُسْتَقْبَلِ، فالَّذِي يَظْهَرُ الوَجْهُ الأوَّلُ. ومَعْنى إخْراجِ الَّذِينَ كَفَرُوا إيّاهُ: فِعْلُهم بِهِ ما يُؤَدِّي إلى الخُرُوجِ، والإشارَةُ إلى خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ. ونُسِبَ الإخْراجُ إلَيْهِمْ مَجازًا، كَما نُسِبَ في قَوْلِهِ: (الَّتِي أخْرَجَتْكَ) . وقِصَّةُ خُرُوجِ الرَّسُولِ ﷺ وأبِي بَكْرٍ مَذْكُورَةٌ في السِّيَرِ.
وانْتَصَبَ (ثانِيَ اثْنَيْنِ) عَلى الحالِ؛ أيْ: أحَدَ اثْنَيْنِ وهُما: رَسُولُ اللَّهِ، وأبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا أُمِرَ بِالخُرُوجِ قالَ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”مَن يَخْرُجُ مَعِي ؟“ قالَ: أبُو بَكْرٍ. وقالَ اللَّيْثُ: ما صَحِبَ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِثْلُ أبِي بَكْرٍ. وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: خَرَجَ أبُو بَكْرٍ بِهَذِهِ الآيَةِ مِنَ المُعاتَبَةِ الَّتِي في قَوْلِهِ: (إلّا تَنْصُرُوهُ) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بَلْ خَرَجَ مِنها كُلُّ مَن شاهَدَ غَزْوَةَ تَبُوكَ، وإنَّما المُعاتَبَةُ لِمَن تَخَلَّفَ فَقَطْ، وهَذِهِ الآيَةُ مُنَوِّهَةٌ بِقَدْرِ أبِي بَكْرٍ وتَقَدُّمِهِ وسابِقَتِهِ في الإسْلامِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ تَرْغِيبُهم في الجِهادِ ونُصْرَةِ دِينِ اللَّهِ؛ إذْ بَيَّنَ فِيها أنَّ اللَّهَ يَنْصُرُهُ كَما نَصَرَهُ، إذْ كانَ في الغارِ ولَيْسَ مَعَهُ فِيهِ أحَدٌ سِوى أبِي بَكْرٍ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: ثانِي اثْنَيْنِ بِسُكُونِ ياءِ ثانِي. قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: حَكاها أبُو عَمْرٍو، ووَجْهُهُ أنَّهُ سَكَّنَ الياءَ تَشْبِيهًا لَها بِالألِفِ. والغارُ: نَقْبٌ في أعْلى ثَوْرٍ، وهو جَبَلٌ في يُمْنى مَكَّةَ عَلى مَسِيرَةِ ساعَةٍ، مَكَثَ فِيهِ ثَلاثًا. (إذْ هُما): بَدَلٌ، و(إذْ يَقُولُ): بَدَلٌ ثانٍ. وقالَ العُلَماءُ: مَن أنْكَرَ صُحْبَةَ أبِي بَكْرٍ فَقَدْ كَفَرَ لِإنْكارِهِ كَلامَ اللَّهِ تَعالى، ولَيْسَ ذَلِكَ لِسائِرِ الصَّحابَةِ. وكانَ سَبَبُ حَزْنِ أبِي بَكْرٍ خَوْفَهُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَهاهُ الرَّسُولُ تَسْكِينًا لِقَلْبِهِ، وأخْبَرَهُ بِقَوْلِهِ: إنَّ اللَّهَ مَعَنا، يَعْنِي: بِالمَعُونَةِ والنَّصْرِ. «وقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنْ قُتِلْتُ فَأنا رَجُلٌ واحِدٌ، وإنْ قُتِلْتَ هَلَكَتِ الأُمَّةُ وذَهَبَ دِينُ اللَّهِ، فَقالَ: ”ما ظَنَّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثالِثُهُما ؟“»، وقالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
؎قالَ النَّبِيُّ ولَمْ يَجْزَعْ يُوَقِّرُنِي ∗∗∗ ونَحْنُ في سَدَفٍ مِن ظُلْمَةِ الغارِ
؎لا تَخْشَ شَيْئًا فَإنَّ اللَّهَ ثالِثُنا ∗∗∗ وقَدْ تَكَفَّلَ لِي مِنهُ بِإظْهارِ
؎وإنَّما كَيْدُ مَن تَخْشى بَوادِرَهُ ∗∗∗ كَيْدُ الشَّياطِينِ قَدْ كادَتْ لِكُفّارِ
؎واللَّهُ مُهْلِكُهم طُرًّا بِما صَنَعُوا ∗∗∗ وجاعِلُ المُنْتَهى مِنهم إلى النّارِ
﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وأيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وكَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: السَّكِينَةُ الرَّحْمَةُ. وقالَ قَتادَةُ في آخَرِينَ: الوَقارُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الطُّمَأْنِينَةُ. وهَذِهِ الأقْوالُ مُتَقارِبَةٌ. والضَّمِيرُ في (عَلَيْهِ) عائِدٌ عَلى صاحِبِهِ، قالَهُ حَبِيبُ بْنُ أبِي ثابِتٍ، أوْ عَلى الرَّسُولِ، قالَهُ الجُمْهُورُ، أوْ عَلَيْهِما وأفْرَدَهُ لِتَلازُمِهِما، ويُؤَيِّدُهُ أنَّ في مُصْحَفِ حَفْصَةَ: فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِما وأيَّدَهُما. والجُنُودُ: المَلائِكَةُ يَوْمَ بَدْرٍ، والأحْزابِ، وحُنَيْنٍ. وقِيلَ: ذَلِكَ الوَقْتُ يُلْقُونَ البِشارَةَ في قَلْبِهِ، ويَصْرِفُونَ وُجُوهَ الكُفّارِ عَنْهُ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ (عَلَيْهِ) عائِدٌ عَلى أبِي بَكْرٍ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ كانَ ثابِتَ الجَأْشِ، ولِذَلِكَ قالَ: لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا. وأنَّ الضَّمِيرَ في (وأيَّدَهُ) عائِدٌ عَلى الرَّسُولِ ﷺ كَما جاءَ: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩] يَعْنِي الرَّسُولَ، وتُسَبِّحُوهُ: يَعْنِي اللَّهَ تَعالى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والسَّكِينَةُ عِنْدِي إنَّما هي ما يُنَزِّلُهُ اللَّهُ عَلى أنْبِيائِهِ مِنَ الحِياطَةِ لَهم، والخَصائِصِ الَّتِي لا تَصْلُحُ إلّا لَهم كَقَوْلِهِ: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٨]، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ (p-٤٤)إلى آخِرِ الآيَةِ يُرادُ بِهِ ما صَنَعَهُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ إلى وقْتِ تَبُوكَ مِنَ الظُّهُورِ والفُتُوحِ، لا أنْ يَكُونَ هَذا يَخْتَصُّ بِقِصَّةِ الغارِ. وكَلِمَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا هي الشِّرْكُ، وهي مَقْهُورَةٌ. وكَلِمَةُ اللَّهِ: هي التَّوْحِيدُ، وهي ظاهِرَةٌ. هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كَلِمَةُ الكافِرِينَ ما قَرَّرُوا بَيْنَهم مِنَ الكَيْدِ بِهِ لِيَقْتُلُوهُ، وكَلِمَةُ اللَّهِ: أنَّهُ ناصِرُهُ. وقِيلَ: كَلِمَةُ اللَّهِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وكَلِمَةُ الكُفّارِ قَوْلُهم في الحَرْبِ: يا لِبَنِي فُلانٍ، ويا لِفُلانٍ. وقِيلَ: كَلِمَةُ اللَّهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] وكَلِمَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا قَوْلُهم في الحَرْبِ: اعْلُ هُبَلَ؛ يَعْنُونَ صَنَمَهُمُ الأكْبَرَ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: وأيَدَهُ، والجُمْهُورُ: وأيَّدَهُ بِتَشْدِيدِ الياءِ. وقُرِئَ: وكَلِمَةُ اللَّهِ بِالنَّصْبِ؛ أيْ: وجَعَلَ. وقِراءَةُ الجُمْهُورِ بِالرَّفْعِ أثْبَتُ في الإخْبارِ. وعَنْ أنَسٍ رَأيْتُ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ: وجَعَلَ كَلِمَتَهُ هي العَلْياءَ، وناسَبَ الوَصْفُ بِالعِزَّةِ الدّالَّةِ عَلى القَهْرِ والغَلَبَةِ، والحِكْمَةِ الدّالَّةِ عَلى ما يَصْنَعُ مَعَ أنْبِيائِهِ وأوْلِيائِهِ، ومَن عاداهم مِن إعْزازِ دِينِهِ وإخْمادِ الكُفْرِ.
﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا وجاهِدُوا بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم في سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: لَمّا تَوَعَّدَ تَعالى مَن لا يَنْفِرُ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ وضَرَبَ لَهُ مِنَ الأمْثالِ ما ضَرَبَ، أتْبَعَهُ بِهَذا الأمْرِ الجَزْمَ. والمَعْنى: انْفِرُوا عَلى الوَصْفِ الَّذِي يَخِفُّ عَلَيْكم فِيهِ الجِهادُ، أوْ عَلى الوَصْفِ الَّذِي يَثْقُلُ. والخِفَّةُ والثِّقَلُ هُنا مُسْتَعارٌ لِمَن يُمْكِنُهُ السَّفَرُ بِسُهُولَةٍ، ومَن يُمْكِنُهُ بِصُعُوبَةٍ، وأمّا مَن لا يُمْكِنُهُ كالأعْمى ونَحْوِهِ فَخارِجٌ عَنْ هَذا. ورُوِيَ أنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: أعَلَيَّ أنْ أنْفِرَ ؟ قالَ: نَعَمْ، حَتّى نَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١] .
وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ مِن مَعانِي الخِفَّةِ والثِّقَلِ أشْياءَ لا عَلى وجْهِ التَّخْصِيصِ، بَعْضَها دُونَ بَعْضٍ، وإنَّما يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى التَّمْثِيلِ لا عَلى الحَصْرِ. قالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ: شَبابًا وشُيُوخًا. وقالَ أبُو صالِحٍ: أغْنِياءَ وفُقَراءَ في اليُسْرِ والعُسْرِ. وقالَ الأوْزاعِيُّ: رُكْبانًا ومُشاةً. وقِيلَ عَكْسُهُ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: عُزْبانًا ومُتَزَوِّجِينَ. وقالَ جُوَيْبِرٌ: أصِحّاءَ ومَرْضى. وقالَ جَماعَةٌ: خِفافًا مِنَ السِّلاحِ؛ أيْ مُقِلِّينَ فِيهِ، وثِقالًا؛ أيْ مُسْتَكْثِرِينَ مِنهُ. وقالَ الحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: خِفافًا مِنَ الأشْغالِ وثِقالًا بِها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خِفافًا مِنَ العِيالِ وثِقالًا بِهِمْ. وحَكى التَّبْرِيزِيُّ: خِفافًا مِنَ الأتْباعِ والحاشِيَةِ وثِقالًا بِهِمْ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: هو مِن خِفَّةِ اليَقِينِ وثِقَلِهِ عِنْدَ الكَراهَةِ. وحَكى الماوَرْدِيُّ: خِفافًا إلى الطّاعَةِ وثِقالًا عَنِ المُخالَفَةِ. وحَكى صاحِبُ الفِتْيانِ: خِفافًا إلى المُبارَزَةِ، وثِقالًا في المُصابَرَةِ. وحَكى أيْضًا: خِفافًا بِالمُسارَعَةِ والمُبادَرَةِ وثِقالًا بَعْدَ التَّرَوِّي والتَّفَكُّرِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: ذَوِي صَنْعَةٍ وهو الثَّقِيلُ، وغَيْرُ ذَوِي صَنْعَةٍ وهو الخَفِيفُ. وحَكى النَّقّاشُ: شُجْعانًا وجُبَناءَ. وقِيلَ: مَهازِيلَ وسِمانًا. وقِيلَ: سِباقًا إلى الحَرْبِ كالطَّلِيعَةِ وهو مُقَدَّمُ الجَيْشِ، والثِّقالُ الجَيْشُ بِأسْرِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: النَّشِيطُ والكَسْلانُ.
والجُمْهُورُ عَلى أنَّ الأمْرَ مَوْقُوفٌ عَلى فَرْضِ الكِفايَةِ، ولَمْ يُقْصَدْ بِهِ فَرْضُ الأعْيانِ. وقالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ: هو فَرْضٌ عَلى المُؤْمِنِينَ؛ عُنِيَ بِهِ فَرْضُ الأعْيانِ في تِلْكَ المُدَّةِ، ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] . وانْتَصَبَ ﴿خِفافًا وثِقالًا﴾ عَلى الحالِ. وذُكِرَ ﴿بِأمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ﴾ إذْ ذَلِكَ وصْفٌ لِأكْمَلِ ما يَكُونُ مِنَ الجِهادِ وأنْفَعِهِ عِنْدَ اللَّهِ، فَحَضَّ عَلى كَمالِ الأوْصافِ. وقُدِّمَتِ الأمْوالُ إذْ هي أوَّلُ مَصْرِفٍ وقْتَ التَّجْهِيزِ، وذُكِرَ ما المُجاهِدُ فِيهِ وهو سَبِيلُ اللَّهِ، والخَيْرِيَّةُ هي في الدُّنْيا بِغَلَبَةِ العَدُوِّ ووِراثَةِ الأرْضِ، وفي الآخِرَةِ بِالثَّوابِ ورِضْوانِ اللَّهِ. وقَدْ غَزا أبُو طَلْحَةَ حَتّى غَزا في البَحْرِ وماتَ فِيهِ، وغَزا المِقْدادُ عَلى ضَخامَتِهِ وسِمَنِهِ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ وقَدْ ذَهَبَتْ إحْدى عَيْنَيْهِ، وابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ مَعَ كَوْنِهِ أعْمى.
(p-٤٥)﴿لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا وسَفَرًا قاصِدًا لاتَّبَعُوكَ ولَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكم يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾: أيْ لَوْ كانَ ما دُعُوا إلَيْهِ غُنْمًا قَرِيبًا سَهْلَ المَنالِ، وسَفَرًا قاصِدًا وسَطًا مُقارِبًا. وهَذِهِ الآيَةُ في قِصَّةِ تَبُوكَ حِينَ اسْتَنْفَرَ المُؤْمِنِينَ فَنَفَرُوا، واعْتَذَرَ مِنهم فَرِيقٌ لِأصْحابِهِ، لا سِيَّما مِنَ القَبائِلِ المُجاوِرَةِ لِلْمَدِينَةِ. ولَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ﴾ خِطابًا لِلْمُنافِقِينَ خاصَّةً، بَلْ هو عامٌّ. واعْتَذَرَ المُنافِقُونَ بِأعْذارٍ كاذِبَةٍ، فابْتَدَأ تَعالى بِذِكْرِ المُنافِقِينَ وكَشْفِ ضَمائِرِهِمْ. (لاتَّبَعُوكَ): لَبادَرُوا إلَيْهِ، لا لِوَجْهِ اللَّهِ، ولا لِظُهُورِ كَلِمَتِهِ، ﴿ولَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾؛ أيْ: المَسافَةُ الطَّوِيلَةُ في غَزْوِ الرُّومِ. والشُّقَّةُ بِالضَّمِّ مِنَ الثِّيابِ، والشُّقَّةُ أيْضًا السَّفَرُ البَعِيدُ، ورُبَّما قالُوهُ بِالكَسْرِ، قالَهُ الجَوْهَرِيُّ. وقالَ الزَّجّاجُ: الشُّقَّةُ: الغايَةُ الَّتِي تُقْصَدُ. وقالَ ابْنُ عِيسى: الشُّقَّةُ القِطْعَةُ مِنَ الأرْضِ يَشُقُّ رُكُوبُها. وقالَ ابْنُ فارِسٍ: الشُّقَّةُ المَسِيرُ إلى أرْضٍ بَعِيدَةٍ، واشْتِقاقُها مِنَ الشَّقِّ، أوْ مِنَ المَشَقَّةِ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: بَعِدَتْ عَلَيْهِمُ الشِّقَّةُ بِكَسْرِ العَيْنِ والشِّينِ، وافَقَهُ الأعْرَجُ في بَعِدَتْ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: إنَّها لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ في اللَّفْظَيْنِ. انْتَهى. وحَكى الكِسائِيُّ: شُقَّةً وشِقَّةً. (وسَيَحْلِفُونَ)؛ أيِ المُنافِقُونَ، وهَذا إخْبارٌ بِغَيْبٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في قَوْلِهِ: وسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما نَصُّهُ، (بِاللَّهِ) مُتَعَلِّقٌ بِسَيَحْلِفُونَ، أوْ هو مِن كَلامِهِمْ. والقَوْلُ مُرادٌ في الوَجْهَيْنِ؛ أيْ: سَيَحْلِفُونَ مُتَخَلِّصِينَ عِنْدَ رُجُوعِكَ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ مُعْتَذِرِينَ، يَقُولُونَ: بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكم، أوْ وسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ يَقُولُونَ: لَوِ اسْتَطَعْنا. وقَوْلُهُ: لَخَرَجْنا سَدَّ مَسَدَّ جَوابِ القَسَمِ ولَوْ جَمِيعًا، والإخْبارُ بِما سَوْفَ يَكُونُ بَعْدَ القَوْلِ مِن حَلِفِهِمْ واعْتِذارِهِمْ، وقَدْ كانَ مِن جُمْلَةِ المُعْجِزاتِ. ومَعْنى الِاسْتِطاعَةِ اسْتِطاعَةُ العُدَّةِ، واسْتِطاعَةُ الأبْدانِ، كَأنَّهم تَمارَضُوا. انْتَهى. وما ذَهَبَ إلَيْهِ مِن أنَّ قَوْلَهُ لَخَرَجْنا سَدَّ مَسَدَّ جَوابِ القَسَمِ ولَوْ جَمِيعًا لَيْسَ بِجَيِّدٍ (p-٤٦)بَلْ لِلنَّحْوِيِّينَ في هَذا مَذْهَبانِ: أحَدُهُما: أنَّ (لَخَرَجْنا) هو جَوابُ القَسَمِ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ عَلى قاعِدَةِ اجْتِماعِ القَسَمِ والشَّرْطِ إذا تَقَدَّمَ القَسَمُ عَلى الشَّرْطِ، وهَذا اخْتِيارُ أبِي الحَسَنِ بْنِ عُصْفُورٍ. والآخَرُ: أنَّ (لَخَرَجْنا) هو جَوابُ لَوْ، وجَوابُ القَسَمِ هو لَوْ وجَوابُها، وهَذا اخْتِيارُ ابْنُ مالِكٍ أنَّ (لَخَرَجْنا) يَسُدُّ مَسَدَّهُما، ولا أعْلَمُ أحَدًا ذَهَبَ إلى ذَلِكَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُتَأوَّلَ كَلامُهُ عَلى أنَّهُ لَمّا حُذِفَ جَوابُ لَوْ، ودَلَّ عَلَيْهِ جَوابُ القَسَمِ جُعِلَ كَأنَّهُ سَدَّ مَسَدَّ جَوابِ القَسَمِ وجَوابِ لَوْ جَمِيعًا.
وقَرَأ الأعْمَشُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: لَوُ اسْتَطَعْنا بِضَمِّ الواوِ، وفَرَّ مِن ثِقَلِ الكَسْرَةِ عَلى الواوِ وشَبَّهَها بِواوِ الجَمْعِ عِنْدَ تَحْرِيكِها لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وقَرَأ الحَسَنُ: بِفَتْحِها كَما جاءَ: (اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ) بِالأوْجُهِ الثَّلاثَةِ. (يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم) بِالحَلِفِ الكاذِبِ؛ أيْ: يُوقِعُونَها في الهَلاكِ بِهِ. والظّاهِرُ أنَّها جُمْلَةُ اسْتِئْنافِ إخْبارٍ مِنهُ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم) إمّا أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (سَيَحْلِفُونَ)، أوْ حالًا بِمَعْنى مُهْلِكِينَ، والمَعْنى: أنَّهم يُوقِعُونَها في الهَلاكِ بِحَلِفِهِمُ الكاذِبِ، وما يَخْلُفُونَ عَلَيْهِ مِنَ التَّخَلُّفِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن قَوْلِهِ: (لَخَرَجْنا)؛ أيْ لَخَرَجْنا مَعَكم، وإنْ أهْلَكْنا أنْفُسَنا وألْقَيْناها في التَّهْلُكَةِ بِما يَحْمِلُها مِنَ المَسِيرِ في تِلْكَ الشُّقَّةِ. وجاءَ بِهِ عَلى لَفْظِ الغائِبِ؛ لِأنَّهُ مُخْبَرٌ عَنْهم، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ قِيلَ: سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطاعُوا لَخَرَجُوا لَكانَ سَدِيدًا ؟ يُقالُ: حَلَفَ بِاللَّهِ لَيَفْعَلَنَّ ولَأفْعَلَنَّ، فالغَيْبَةُ عَلى حُكْمِ الإخْبارِ والتَّكَلُّمُ عَلى الحِكايَةِ انْتَهى. أمّا كَوْنُ (يُهْلِكُونَ) بَدَلًا مِن (سَيَحْلِفُونَ) فَبَعِيدٌ؛ لِأنَّ الإهْلاكَ لَيْسَ مُرادِفًا لِلْحَلِفِ، ولا هو نَوْعٌ مِنَ الحَلِفِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُبْدَلَ فِعْلٌ مِن فِعْلٍ إلّا أنْ يَكُونَ مُرادِفًا لَهُ أوْ نَوْعًا مِنهُ. وأمّا كَوْنُهُ حالًا مِن قَوْلِهِ: (لَخَرَجْنا)، فالَّذِي يَظْهَرُ أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (لَخَرَجْنا) فِيهِ ضَمِيرُ التَّكَلُّمِ، فالَّذِي يَجْرِي عَلَيْهِ إنَّما يَكُونُ بِضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ. فَلَوْ كانَ حالًا مِن ضَمِيرِ (لَخَرَجْنا) لَكانَ التَّرْكِيبُ: نُهْلِكُ أنْفُسَنا؛ أيْ: مُهْلِكِي أنْفُسِنا. وأمّا قِياسُهُ ذَلِكَ عَلى حَلِفٍ بِاللَّهِ لَيَفْعَلَنَّ ولَأفْعَلَنَّ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأنَّهُ إذا أجْراهُ عَلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ لا يَخْرُجُ مِنهم إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، لَوْ قُلْتُ: حَلَفَ زَيْدٌ لَيَفْعَلَنَّ وأنا قائِمٌ، عَلى أنْ يَكُونَ وأنا قائِمٌ حالًا مِن ضَمِيرِ لَيَفْعَلَنَّ لَمْ يَجُزْ، وكَذا عَكْسُهُ نَحْوُ: حَلَفَ زَيْدٌ لَأفْعَلَنَّ يَقُومُ، تُرِيدُ قائِمًا لَمْ يَجُزْ. وأمّا قَوْلُهُ: وجاءَ بِهِ عَلى لَفْظِ الغائِبِ؛ لِأنَّهُ مُخْبَرٌ عَنْهم فَهي مُغالَطَةٌ لَيْسَ مُخْبَرًا عَنْهم بِقَوْلِهِ: لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكم، بَلْ هو حاكٍ لَفْظَ قَوْلِهِمْ، ثُمَّ قالَ: ألا تَرى لَوْ قِيلَ: لَوِ اسْتَطاعُوا لَخَرَجُوا لَكانَ سَدِيدًا إلى آخِرِهِ كَلامٌ صَحِيحٌ، لَكِنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ إخْبارًا عَنْهم، بَلْ حِكايَةً. والحالُ مِن جُمْلَةِ كَلامِهِمُ المَحْكِيِّ، فَلا يَجُوزُ أنْ يُخالِفَ بَيْنَ ذِي الحالِ وحالِهِ لِاشْتِراكِهِما في العامِلِ. لَوْ قُلْتَ: قالَ زَيْدٌ: خَرَجْتُ يَضْرِبُ خالِدًا؛ تُرِيدُ أضْرِبُ خالِدًا، لَمْ يَجُزْ. ولَوْ قُلْتَ: قالَتْ هِنْدُ: خَرَجَ زَيْدٌ (p-٤٧)أضْرِبُ خالِدًا، تُرِيدُ خَرَجَ زَيْدٌ ضارِبًا خالِدًا، لَمْ يَجُزْ.
﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهم حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وتَعْلَمَ الكاذِبِينَ﴾؛ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذِهِ الآيَةُ في صِنْفٍ مُبالِغٍ في النِّفاقِ. واسْتَأْذَنُوا دُونَ اعْتِذارٍ مِنهم: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، والجَدُّ بْنُ قَيْسٍ، ورِفاعَةُ بْنُ التّابُوتِ، ومَنِ اتَّبَعَهم. فَقالَ بَعْضُهم: ائْذَنَّ لِي ولا تَفْتِنِّي. وقالَ بَعْضُهم: ائْذَنَّ لَنا في الإقامَةِ، فَأذِنَ لَهُمُ اسْتِبْقاءً مِنهُ عَلَيْهِمْ، وأخْذًا بِالأسْهَلِ مِنَ الأُمُورِ، وتَوَكُّلًا عَلى اللَّهِ. قالَ مُجاهِدٌ: قالَ بَعْضُهم: نَسْتَأْذِنُهُ، فَإنْ أذِنَ في القُعُودِ قَعَدْنا، وإنْ لَمْ يَأْذَنْ قَعَدْنا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ. انْتَهى. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ إبْراهِيمُ بْنُ عَرَفَةَ النَّحْوِيُّ الدّاوُدِيُّ المَنبُوذُ بِنَفْطَوَيْهِ: ذَهَبَ ناسٌ إلى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مُعاتَبٌ بِهَذِهِ الآيَةِ، وحاشاهُ مِن ذَلِكَ، بَلْ كانَ لَهُ أنْ يَفْعَلَ وأنْ لا يَفْعَلَ حَتّى يَنْزِلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ كَما قالَ: (لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِن أمْرِي ما اسْتَدْبَرْتُ لَجَعَلْتُها عُمْرَةً)؛ لِأنَّهُ كانَ لَهُ أنْ يَفْعَلَ وأنْ لا يَفْعَلَ. وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١]؛ لِأنَّهُ كانَ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ مِمّا لَمْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ فِيهِ وحْيٌ. واسْتَأْذَنَهُ المُخَلَّفُونَ في التَّخَلُّفِ واعْتَذَرُوا، اخْتارَ أيْسَرَ الأمْرَيْنِ تَكَرُّمًا وتَفَضُّلًا مِنهُ ﷺ، فَأبانَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لَوْ لَمْ يَأْذَنْ لَهم لَأقامُوا لِلنِّفاقِ الَّذِي في قُلُوبِهِمْ، وأنَّهم كاذِبُونَ في إظْهارِ الطّاعَةِ والمُشاوَرَةِ، فَعَفا اللَّهُ عَنْكَ عِنْدَهُ افْتِتاحُ كَلامٍ أعْلَمَهُ اللَّهُ بِهِ أنَّهُ لا حَرَجَ عَلَيْهِ فِيما فَعَلَهُ مِنَ الإذْنِ، ولَيْسَ هو عَفْوًا عَنْ ذَنْبٍ، إنَّما هو أنَّهُ تَعالى أعْلَمَهُ أنَّهُ لا يَلْزَمُهُ تَرْكُ الإذْنِ لَهم كَما قالَ ﷺ: «عَفا اللَّهُ لَكم عَنْ صَدَقَةِ الخَيْلِ والرَّقِيقِ» وما وجَبَتا قَطُّ ومَعْناهُ: تَرَكَ أنْ يُلْزِمَكم ذَلِكَ. انْتَهى. ووافَقَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ فَقالُوا: ذِكْرُ العَفْوِ هُنا لَمْ يَكُنْ عَنْ تَقَدُّمِ ذَنْبٍ، وإنَّما هو اسْتِفْتاحُ كَلامٍ جَرَتْ عادَةُ العَرَبِ أنْ تُخاطِبَ بِمِثْلِهِ لِمَن تُعَظِّمُهُ وتَرْفَعُ مِن قَدْرِهِ، يَقْصِدُونَ بِذَلِكَ الدُّعاءَ لَهُ، فَيَقُولُونَ: أصْلَحَ اللَّهُ الأمِيرَ كانَ كَذا وكَذا، فَعَلى هَذا صِيغَتُهُ صِيغَةُ الخَبَرِ، ومَعْناهُ الدُّعاءُ. انْتَهى.
ولِمَ ولَهم مُتَعَلِّقانِ بِأذِنْتَ، لَكِنَّهُ اخْتَلَفَ مَدْلُولُ اللّامَيْنِ، إذْ لامُ لِمَ لِلتَّعْلِيلِ، ولامُ لَهم لِلتَّبْلِيغِ، فَجازَ ذَلِكَ لِاخْتِلافِ مَعْنَيَيْهِما، ومُتَعَلِّقُ الإذْنِ غَيْرُ مَذْكُورٍ، فَما قَدَّمْناهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ القُعُودُ؛ أيْ: لِمَ أذِنْتَ لَهم في القُعُودِ والتَّخَلُّفِ عَنِ الغَزْوِ حَتّى تَعْرِفَ ذَوِي العُذْرِ في التَّخَلُّفِ مِمَّنْ لا عُذْرَ لَهُ. وقِيلَ: مُتَعَلِّقُ الإذْنِ هو الخُرُوجُ مَعَهُ لِلْغَزْوِ، لِما تَرَتَّبَ عَلى خُرُوجِهِمْ مِنَ المَفاسِدِ؛ لِأنَّهم كانُوا عَيْنًا لِلْكُفّارِ عَلى المُسْلِمِينَ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وفِيكم سَمّاعُونَ لَهُمْ﴾ وكانُوا يَخْذُلُونَ المُؤْمِنِينَ ويَتَمَنَّوْنَ أنْ تَكُونَ الدّائِرَةُ عَلَيْهِمْ، فَقِيلَ: لِمَ أذِنْتَ لَهم في إخْراجِهِمْ وهم عَلى هَذِهِ الحالَةِ السَّيِّئَةِ ؟ وبَيَّنَ أنَّ خُرُوجَهم مَعَهُ لَيْسَ مَصْلَحَةً بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا﴾ . وحَتّى غايَةٌ لِما تَضَمَّنَهُ الِاسْتِفْهامُ؛ أيْ: ما كانَ أنْ تَأْذَنَ لَهم حَتّى يَتَبَيَّنَ مَن لَهُ العُذْرُ، هَكَذا قَدَّرَهُ الحَوْفِيُّ. وقالَ أبُو البَقاءِ: حَتّى يَتَبَيَّنَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، تَقْدِيرُهُ: هَلّا أخَّرْتَهم إلى أنْ يَتَبَيَّنَ أوْ لِيَتَبَيَّنَ. وقَوْلُهُ: لِمَ أذِنْتَ لَهم يَدُلُّ عَلى المَحْذُوفِ. ولا يَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ حَتّى بِأذِنْتَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ أذِنَ لَهم إلى هَذِهِ الغايَةِ، أوْ لِأجْلِ التَّبْيِينِ، وهَذا لا يُعاتَبُ عَلَيْهِ انْتَهى. وكَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾، مِمّا يَجِبُ اطِّراحُهُ، فَضْلًا عَنْ أنْ يُذْكَرَ فَيُرَدَّ عَلَيْهِ. وقَوْلُهُ: الَّذِينَ صَدَقُوا؛ أيْ: في اسْتِئْذانِكَ. وأنَّكَ لَوْ لَمْ تَأْذَنْ لَهم خَرَجُوا مَعَكَ. وتَعْلَمَ الكاذِبِينَ: تُرِيدُ في أنَّهُمُ اسْتَأْذَنُوكَ، يُظْهِرُونَ لَكَ أنَّهم يَقِفُونَ عِنْدَ حَدِّكَ وهم كَذَبَةٌ، وقَدْ عَزَمُوا عَلى العِصْيانِ، أذِنْتَ لَهم أوْ لَمْ تَأْذَنْ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: حَتّى تَعْلَمَ الصّادِقِينَ في أنَّ لَهم عُذْرًا، وتَعْلَمَ الكاذِبِينَ في أنْ لا عُذْرَ لَهم. وقالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ آيَةُ النُّورِ، ﴿فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهُمْ﴾ [النور: ٦٢] . وهَذا غَلَطٌ؛ لِأنَّ النُّورَ نَزَلَتْ سَنَةَ أرْبَعٍ مِنَ الهِجْرَةِ في غَزْوَةِ الخَنْدَقِ في اسْتِئْذانِ بَعْضِ المُؤْمِنِينَ الرَّسُولَ في بَعْضِ شَأْنِهِمْ في بُيُوتِهِمْ في بَعْضِ الأوْقاتِ، فَأباحَ اللَّهُ أنْ يَأْذَنَ، فَتَبايَنَتِ الآيَتانِ في الوَقْتِ والمَعْنى.
﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ (p-٤٨)قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (لا يَسْتَأْذِنُكَ)؛ أيْ بَعْدَ غَزْوَةِ تَبُوكَ. وقالَ الجُمْهُورُ: لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وما بَعْدَها ورَدَ في قِصَّةِ تَبُوكَ، والظّاهِرُ أنَّ مُتَعَلِّقَ الِاسْتِئْذانِ هو (أنْ يُجاهِدُوا)؛ أيْ: لَيْسَ مِن عادَةِ المُؤْمِنِينَ أنْ يَسْتَأْذِنُوكَ في أنْ يُجاهِدُوا، وكانَ الخُلَّصُ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ لا يَسْتَأْذِنُونَ النَّبِيَّ ﷺ أبَدًا، ويَقُولُونَ: لَنُجاهِدَنَّ مَعَهُ بِأمْوالِنا وأنْفُسِنا. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: لا يَسْتَأْذِنُكَ المُؤْمِنُونَ في الخُرُوجِ ولا القُعُودِ كَراهَةَ أنْ يُجاهِدُوا، بَلْ إذا أمَرْتَ بِشَيْءٍ ابْتَدَرُوا إلَيْهِ، وكانَ الِاسْتِئْذانُ في ذَلِكَ الوَقْتِ عَلامَةً عَلى النِّفاقِ. وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾، شَهادَةٌ لَهم بِالِانْتِظامِ في زُمْرَةِ المُتَّقِينَ، وعِدَةٌ لَهم بِأجْزَلِ الثَّوابِ.
﴿إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وارْتابَتْ قُلُوبُهم فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾؛ هُمُ المُنافِقُونَ وكانُوا تِسْعَةً وثَلاثِينَ رَجُلًا. ومَعْنى ارْتابَتْ: شَكَّتْ. ويَتَرَدَّدُونَ: يَتَحَيَّرُونَ، لا يَتَّجِهُ لَهم هُدًى فَتارَةً يَخْطُرُ لَهم صِحَّةُ أمْرِ الرَّسُولِ، وتارَةً يَخْطُرُ لَهم خِلافُ ذَلِكَ.
﴿ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لَأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهم فَثَبَّطَهم وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ﴾؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عُدَّةً مِنَ الزّادِ والماءِ والرّاحِلَةِ؛ لِأنَّ سَفَرَهم بَعِيدٌ في زَمانِ حَرٍّ شَدِيدٍ. وفي تَرْكِهِمُ العُدَّةَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم أرادُوا التَّخَلُّفَ. وقالَ قَوْمٌ: كانُوا قادِرِينَ عَلى تَحْصِيلِ العُدَّةِ والأُهْبَةِ. ورَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: العُدَّةُ النِّيَّةُ الخالِصَةُ في الجِهادِ. وحَكى الطَّبَرِيُّ: كُلُّ ما يُعَدُّ لِلْقِتالِ مِنَ الزّادِ والسِّلاحِ. وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ وابْنُهُ مُعاوِيَةُ: عُدَّ بِضَمِّ العَيْنِ مِن غَيْرِ تاءٍ، والفَرّاءُ يَقُولُ: تَسْقُطُ التّاءُ لِلْإضافَةِ، وجَعَلَ مِن ذَلِكَ وإقامِ الصَّلاةِ؛ أيْ وإقامَةِ الصَّلاةِ. ووَرَدَ ذَلِكَ في عِدَّةِ أبْياتٍ مِن لِسانِ العَرَبِ، ولَكِنْ لا يَقِيسُ ذَلِكَ، إنَّما نَقِفُ فِيهِ مَعَ مَوْرِدِ السَّماعِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: لَمّا أضافَ جَعَلَ الكِنايَةَ نائِبَةً عَنِ التّاءِ فَأسْقَطَها، وذَلِكَ لِأنَّ العَدَّ بِغَيْرِ تاءٍ، ولا تَقْدِيرُها هو البَثْرُ الَّذِي يَخْرُجُ في الوَجْهِ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: هو جَمْعُ عُدَّةٍ كَبُرَّةٍ وبُرٍّ ودُرَّةٍ ودُرٍّ، والوَجْهُ فِيهِ عُدَدٌ، ولَكِنْ لا يُوافِقُ خَطَّ المُصْحَفِ. وقَرَأ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: عِدَّهُ بِكَسْرِ العَيْنِ، وهاءِ إضْمارٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو عِنْدِي اسْمٌ لِما يُعَدُّ كالذَّبْحِ والقَتْلِ لِلْعَدِّ، وسُمِّيَ قَتْلًا إذْ حَقُّهُ أنْ يُقْتَلَ. وقُرِئَ أيْضًا: عِدَّةً بِكَسْرِ العَيْنِ، وبِالتّاءِ دُونَ إضافَةٍ؛ أيْ: عِدَّةً مِنَ الزّادِ والسِّلاحِ، أوْ مِمّا لَهم مَأْخُوذٌ مِنَ العَدَدِ. ولَمّا تَضَمَّنَتِ الجُمْلَةُ انْتِفاءَ الخُرُوجِ والِاسْتِعْدادِ، وجاءَ بَعْدَها ولَكِنْ، وكانَتْ لا تَقَعُ إلّا بَيْنَ نَقِيضَيْنِ أوْ ضِدَّيْنِ أوْ خِلافَيْنِ عَلى خِلافٍ فِيهِ، لا بَيْنَ مُتَّفِقَيْنِ، وكانَ ظاهِرُ ما بَعْدَ لَكِنْ مُوافِقًا لِما قَبْلَها.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ مَوْقِعُ حَرْفِ الِاسْتِدْراكِ ؟ قُلْتُ: لَمّا كانَ قَوْلُهُ: ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ مُعْطِيًا مَعْنى نَفْيِ خُرُوجِهِمْ واسْتِعْدادِهِمْ لِلْغَزْوِ قِيلَ: ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهم، كَأنَّهُ قِيلَ: ما خَرَجُوا ولَكِنْ تَثَبَّطُوا عَنِ الخُرُوجِ لِكَراهَةِ انْبِعاثِهِمْ، كَما تَقُولُ: ما أحْسَنَ إلَيَّ زِيدٌ ولَكِنْ أساءَ إلَيَّ. انْتَهى. ولَيْسَتِ الآيَةُ نَظِيرَ هَذا المِثالِ؛ لِأنَّ المِثالَ واقِعٌ فِيهِ لَكِنْ بَيْنَ ضِدَّيْنِ، والآيَةُ واقِعٌ فِيها، لَكِنْ بَيْنَ مُتَّفِقَيْنِ مِن جِهَةِ المَعْنى. والِانْبِعاثُ الِانْطِلاقُ والنُّهُوضُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَثَبَّطَهم كَسَلُهم وفَتْرُ نِيّاتِهِمْ. وبُنِيَ (وقِيلَ) لِلْمَفْعُولِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ القَوْلُ إذْنَ الرَّسُولِ لَهم في القُعُودِ، أوْ قَوْلَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ إمّا لَفْظًا وإمّا مَعْنًى، أوْ حِكايَةً عَنْ قَوْلِ اللَّهِ في سابِقِ قَضائِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَعَلَ إلْقاءَ اللَّهِ تَعالى في قُلُوبِهِمْ كَراهَةَ الخُرُوجِ أمْرًا بِالقُعُودِ. وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ الشَّيْطانِ بِالوَسْوَسَةِ. قالَ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ جازَ أنْ يُوقِعَ اللَّهُ تَعالى في نُفُوسِهِمْ كَراهَةَ الخُرُوجِ إلى الغَزْوِ وهي قَبِيحَةٌ، وتَعالى اللَّهُ عَنْ إلْهامِ القَبِيحِ ؟ قُلْتُ: خُرُوجُهم كانَ مَفْسَدَةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا﴾ (p-٤٩)فَكانَ إيقاعُ كَراهَةِ ذَلِكَ الخُرُوجِ في نُفُوسِهِمْ حَسَنًا ومَصْلَحَةً. انْتَهى.
وهَذا السُّؤالُ والجَوابُ عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ في المَفْسَدَةِ والمَصْلَحَةِ، وهَذا القَوْلُ هو ذَمٌّ لَهم وتَعْجِيزٌ، وإلْحاقٌ بِالنِّساءِ والصِّبْيانِ والزَّمْنى الَّذِينَ شَأْنُهُمُ القُعُودُ والجُثُومُ في البُيُوتِ، وهُمُ القاعِدُونَ والخالِفُونَ والخَوالِفُ، ويُبَيِّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ﴾ [التوبة: ٨٧] والقُعُودُ هُنا عِبارَةٌ عَنِ التَّخَلُّفِ والتَّراخِي كَما قالَ:
؎دَعِ المَكارِمَ لا تَرْحَلْ لِبُغْيَتِها ∗∗∗ واقْعُدْ فَإنَّكَ أنْتَ الطّاعِمُ الكاسِي
﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا ولَأوْضَعُوا خِلالَكم يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ وفِيكم سَمّاعُونَ لَهم واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾: لَمّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ضَرَبَ عَسْكَرَهُ عَلى ثَنِيَّةِ الوَداعِ، وضَرَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ عَسْكَرَهُ أسْفَلَ مِنها، ولَمْ يَكُنْ بِأقَلِّ العَسْكَرَيْنِ، فَلَمّا سارَ تَخَلَّفَ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ فِيمَن تَخَلَّفَ فَنَزَلَتْ بِعُرى. . . . اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى قَوْلِهِ: (وهم كارِهُونَ) . وفِيكم؛ أيْ: في جَيْشِكم أوْ في جُمْلَتِكم. وقِيلَ: في بِمَعْنى مَعَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الخَبالُ الفَسادُ ومُراعاةُ إخْمادِ الكَلِمَةِ. وقالَ الضَّحّاكُ: المَكْرُ والغَدْرُ. وقالَ ابْنُ عِيسى: الِاضْطِرابُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: الشَّرُّ، وقالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. وقِيلَ: إيقاعُ الِاخْتِلافِ والأراجِيفِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ الخَبالِ في آلِ عِمْرانَ. وهَذا الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ وهو مُفَرَّغٌ؛ إذِ المَفْعُولُ الثّانِي لِزادَ لَمْ يُذْكَرْ، وقَدْ كانَ في هَذِهِ الغَزْوَةِ مُنافِقُونَ كَثِيرٌ، ولَهم لا شَكَّ خَبالٌ، فَلَوْ خَرَجَ هَؤُلاءِ لَتَألَّبُوا فَزادَ الخَبالُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُسْتَثْنى مِنهُ غَيْرُ مَذْكُورٍ، فالِاسْتِثْناءُ مِن أعَمِّ العامِّ الَّذِي هو الشَّيْءُ، فَكانَ هو اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا؛ لِأنَّ الخَبالَ بَعْضُ أعَمِّ العامِّ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما زادُوكم شَيْئًا إلّا خَبالًا. وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، وهَذا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ لَمْ يَكُنْ في عَسْكَرِ الرَّسُولِ خَبالٌ. فالمَعْنى: ما زادُوكم قُوَّةً ولا شِدَّةً لَكِنْ خَبالًا. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ما زادُوكم بِغَيْرِ واوٍ؛ يَعْنِي: ما زادَكم خُرُوجُهم إلّا خَبالًا. والإيضاعُ الإسْراعُ، قالَ:
؎أُرانا مُوضِعِينَ لِأمْرِ غَيْبٍ ∗∗∗ ونُسْحَرُ بِالطَّعامِ وبِالشَّرابِ
ويُقالُ: وضَعَتِ النّاقَةُ تَضَعُ وضْعًا ووُضُوعًا، قالَ:
؎يا لَيْتَنِي فِيها جَذَعْ ∗∗∗ أخُبُّ فِيها وأضَعْ
قالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ لَأسْرَعُوا بِالنَّمِيمَةِ. وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ القاسِمِ: لَأسْرَعُوا بِالفِرارِ. ومَفْعُولُ أوْضَعُوا مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: ولَأوْضَعُوا رَكائِبَكم بَيْنَكم؛ لِأنَّ الرّاكِبَ أسْرَعُ مِنَ الماشِي. وقَرَأ مُجاهِدٌ ومُحَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ: ولَأوْفَضُوا؛ أيْ أسْرَعُوا كَقَوْلِهِ: ﴿إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: ٤٣] وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ: ولَأرْفَضُوا بِالرّاءِ مِن رَفَضَ أسْرَعَ في مَشْيِهِ رَفْضًا ورَفَضانًا، قالَ حَسّانُ:
؎بِزُجاجَةٍ رَفَضَتْ بِما في جَوْفِها ∗∗∗ رَفْضَ القَلُوصِ بِراكِبٍ مُسْتَعْجِلِ
(p-٥٠)وقالَ غَيْرُهُ:
؎والرّافِضاتُ إلى مِنًى فالقَبْقَبِ
والخِلالُ جَمْعُ الخَلَلِ، وهو الفُرْجَةُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: تَخَلَّلْتُ القَوْمَ دَخَلْتُ بَيْنَ خَلَلِهِمْ وخِلالِهِمْ، وجَلَسْنا خِلالَ البُيُوتِ وخِلالَ الدُّورِ؛ أيْ: بَيْنَها. ويَبْغُونَ حالٌ؛ أيْ: باغِينَ. قالَ الفَرّاءُ: يَبْغُونَها لَكم. والفِتْنَةُ هُنا الكُفْرُ قالَهُ مُقاتِلٌ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والضَّحّاكُ، أوِ العَيْبُ والشَّرُّ قالَهُ: الكَلْبِيُّ، أوْ تَفْرِيقُ الجَماعَةِ، أوِ المِحْنَةُ بِاخْتِلافِ الكَلِمَةِ، أوِ النَّمِيمَةُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُحاوِلُونَ أنْ يَفْتِنُوكم بِأنْ يُوقِعُوا الخِلافَ فِيما بَيْنَكم، ويُفْسِدُوا نِيّاتِكم في مَغْزاكم. وفِيكم سَمّاعُونَ لَهم؛ أيْ: نَمّامُونَ يَسْمَعُونَ حَدِيثَكم فَيَنْقُلُونَهُ إلَيْهِمْ، أوْ فِيكم قَوْمٌ يَسْتَمِعُونَ لِلْمُنافِقِينَ ويُطِيعُونَهم. انْتَهى. فاللّامُ في القَوْلِ الأوَّلِ لِلتَّعْلِيلِ، وفي الثّانِي لِتَقْوِيَةِ التَّعْدِيَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧] والقَوْلُ الأوَّلُ قالَهُ: سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، قالُوا: مَعْناهُ جَواسِيسُ يَسْتَمِعُونَ الأخْبارَ ويَنْقُلُونَها إلَيْهِمْ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ. والقَوْلُ الثّانِي قَوْلُ الجُمْهُورِ، قالُوا: مَعْناهُ وفِيكم مُطِيعُونَ سَمّاعُونَ لَهم. ومَعْنى وفِيكم في خِلالِكم مِنهم، أوْ مِنكم مِمَّنْ قَرُبَ عَهْدُهُ بِالإسْلامِ. واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ يَعُمُّ كُلَّ ظالِمٍ. ومَعْنى ذَلِكَ: أنَّهُ يُجازِيهِ عَلى ظُلْمِهِ. وانْدَرَجَ فِيهِ مَن يَقْبَلُ كَلامَ المُنافِقِينَ، ومَن يُؤَدِّي إلَيْهِمْ أخْبارَ المُؤْمِنِينَ، ومَن تَخَلَّفَ عَنْ هَذِهِ الغَزاةِ مِنَ المُنافِقِينَ.
التوبة 9:44
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا قَلِيلٌ﴾: لَمّا أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِغَزاةِ تَبُوكَ، وكانَ زَمانَ جَدْبٍ وحَرٍّ شَدِيدٍ وقَدْ طابَتِ الثِّمارُ، عَظُمَ ذَلِكَ عَلى النّاسِ وأحَبُّوا المُقامَ، نَزَلَتْ عِتابًا عَلى مَن تَخَلَّفَ عَنْ هَذِهِ الغَزْوَةِ، وكانَتْ سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ بَعْدَ الفَتْحِ بِعامٍ، غَزا فِيها الرُّومَ في عِشْرِينَ ألْفًا مِن راكِبٍ وراجِلٍ، وتَخَلَّفَ عَنْهُ قَبائِلُ مِنَ النّاسِ ورِجالٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ كَثِيرٌ ومُنافِقُونَ. وخَصَّ الثَّلاثَةَ بِالعِتابِ الشَّدِيدِ بِحَسَبِ مَكانِهِمْ مِنَ الصُّحْبَةِ؛ إذْ هم مِن أهْلِ بَدْرٍ ومِمَّنْ يُقْتَدى بِهِمْ، وكانَ تَخَلُّفُهم لِغَيْرِ عِلَّةٍ حَسْبَما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. ولَمّا شَرَحَ مَعاتِبَ الكُفّارِ رَغِبَ في مُقابَلَتِهِمْ. و(ما لَكم) اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإنْكارُ والتَّقْرِيعُ، وبُنِيَ (قِيلَ) لِلْمَفْعُولِ، والقائِلُ هو الرَّسُولُ ﷺ لَمْ يُذْكَرْ إغْلاظًا ومُخاشَنَةً لَهم وصَوْنًا لِذِكْرِهِ؛ إذْ أخْلَدَ إلى الهُوَيْنا والدَّعَةِ، مَن أخْلَدَ وخالَفَ أمْرَهُ ﷺ .
وقَرَأ الأعْمَشُ: تَثاقَلْتُمْ وهو أصْلُ قِراءَةِ الجُمْهُورِ اثّاقَلْتُمْ، وهو ماضٍ بِمَعْنى المُضارِعِ، وهو في مَوْضِعِ الحالِ، وهو عامِلٌ في (إذْ)؛ أيْ: ما لَكم تَتَثاقَلُونَ إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا. وقالَ أبُو البَقاءِ: الماضِي هُنا بِمَعْنى المُضارِعِ؛ أيْ: ما لَكم تَتَثاقَلُونَ، ومَوْضِعُهُ نَصْبٌ. أيْ: أيُّ شَيْءٍ لَكم في التَّثاقُلِ ؟ أوْ في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى مَذْهَبِ الخَلِيلِ. انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ حَذْفُ أنْ؛ لِأنَّهُ لا يَنْسَبِكُ مَصْدَرٌ إلّا مِن حَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلِ، وحَذْفُ أنْ في نَحْوِ هَذا قَلِيلٌ جِدًّا أوْ ضَرُورَةٌ. وإذا كانَ التَّقْدِيرُ في التَّثاقُلِ فَلا يُمْكِنُ عَمَلُهُ في إذا؛ لِأنَّ مَعْمُولَ المَصْدَرِ المَوْصُولِ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ فَيَكُونُ النّاصِبُ لِإذا، والمُتَعَلِّقُ بِهِ في التَّثاقُلِ ما هو مَعْلُومٌ لَكُمُ الواقِعُ خَبَرًا لِما. وقُرِئَ: اثّاقَلْتُمْ عَلى الِاسْتِفْهامِ الَّذِي مَعْناهُ الإنْكارُ والتَّوْبِيخُ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَعْمَلَ في إذا ما بَعْدَ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْمَلُ فِيهِ ما دَلَّ عَلَيْهِ، أوْ ما في (ما لَكم) مِن مَعْنى الفِعْلِ، كَأنَّهُ قالَ: ما تَصْنَعُونَ إذا قِيلَ لَكم، كَما تَعْمَلُهُ في الحالِ إذا قُلْتَ: ما لَكَ قائِمًا. والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ما لَكم تَتَثاقَلُونَ إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا، وحُذِفَ لِدَلالَةِ اثّاقَلْتُمْ عَلَيْهِ. ومَعْنى اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ: مِلْتُمْ إلى شَهَواتِ الدُّنْيا حِينَ أخْرَجَتِ الأرْضُ ثِمارَها، قالَهُ مُجاهِدٌ، وكَرِهْتُمْ مَشاقَّ السَّفَرِ. وقِيلَ: مِلْتُمْ إلى الإقامَةِ بِأرْضِكم، قالَهُ الزَّجّاجُ. ولَمّا ضُمِّنَ مَعْنى المَيْلِ والإخْلادِ عُدِّيَ بِإلى. وفي قَوْلِهِ: (أرَضِيتُمْ)، نَوْعٌ مِنَ الإنْكارِ والتَّعَجُّبِ؛ أيْ: أرَضِيتُمْ بِالنَّعِيمِ العاجِلِ في الدُّنْيا الزّائِلِ بَدَلَ النَّعِيمِ الباقِي ؟ . و(مِن) تَظافَرَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّها بِمَعْنى (بَدَلَ)؛ أيْ: بَدَلَ الآخِرَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً﴾ [الزخرف: ٦٠] أيْ بَدَلًا مِنكم، ومِنهُ (p-٤٢)قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَلَيْتَ لَنا مِن ماءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً مُبَرَّدَةً باتَتْ عَلى طَهَيانِ
أيْ بَدَلًا مِن ماءِ زَمْزَمَ، والطَّهَيانِ عُودٌ يُنْصَبُ في ناحِيَةِ الدّارِ لِلْهَواءِ تُعَلَّقُ فِيهِ أوْعِيَةُ الماءِ حَتّى تَبْرُدَ. وأصْحابُنا لا يُثْبِتُونَ أنْ تَكُونَ مِن لِلْبَدَلِ. ويَتَعَلَّقُ (في الآخِرَةِ) بِمَحْذُوفٍ؛ التَّقْدِيرُ: فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا مَحْسُوبًا في نَعِيمِ الآخِرَةِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: في الآخِرَةِ مُتَعَلِّقٌ بِقَلِيلٍ، وقَلِيلٌ خَبَرُ الِابْتِداءِ. وصَلُحَ أنْ يَعْمَلَ في الظَّرْفِ مُقَدَّمًا؛ لِأنَّ رائِحَةَ الفِعْلِ تَعْمَلُ في الظَّرْفِ. ولَوْ قُلْتَ: ما زَيْدٌ عَمْرًا إلّا يَضْرِبُ، لَمْ يَجُزْ.
﴿إلّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا ويَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ولا تَضُرُّوهُ شَيْئًا واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: هَذا سُخْطٌ عَلى المُتَثاقِلِينَ عَظِيمٌ، حَيْثُ أوْعَدَهم بِعَذابٍ ألِيمٍ مُطْلَقٍ يَتَناوَلُ عَذابَ الدّارَيْنِ، وأنَّهُ يُهْلِكُهم ويَسْتَبْدِلُ قَوْمًا آخَرِينَ خَيْرًا مِنهم وأطْوَعَ، وأنَّهُ غَنِيٌّ عَنْهم في نُصْرَةِ دِينِهِ، لا يَقْدَحُ تَثاقُلُهم فِيها شَيْئًا. وقِيلَ: يُعَذِّبُكم بِإمْساكِ المَطَرِ عَنْكم. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: «اسْتَنْفَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبِيلَةً فَقَعَدَتْ، فَأمْسَكَ اللَّهُ عَنْها المَطَرَ وعَذَّبَها بِهِ» . والمُسْتَبْدَلُ المَوْعُودُ بِهِمْ، قالَ جَماعَةٌ: أهْلُ اليَمَنِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: أبْناءُ فارِسَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ التّابِعُونَ، والظّاهِرُ مُسْتَغْنٍ عَنِ التَّخْصِيصِ. وقالَ الأصَمُّ: مَعْناهُ أنَّهُ تَعالى يُخْرِجُ رَسُولَهُ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ إلى المَدِينَةِ. قالَ القاضِي: وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّهُ يَنْتَقِلُ مِنَ المَدِينَةِ إلى غَيْرِها، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَظْهَرَ في المَدِينَةِ أقْوامًا يُعِينُونَهُ عَلى الغَزْوِ، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يُعِينَهُ بِأقْوامٍ مِنَ المَلائِكَةِ أيْضًا حالَ كَوْنِهِ هُناكَ. والضَّمِيرُ في: ﴿ولا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى؛ أيْ: ولا تَضُرُّوا دِينَهُ شَيْئًا. وقِيلَ: عَلى الرَّسُولِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قَدْ عَصَمَهُ ووَعَدَهُ بِالنَّصْرِ، ووَعْدُهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ. ولَمّا رَتَّبَ عَلى انْتِفاءِ نَفْرِهِمُ التَّعْذِيبَ والِاسْتِبْدالَ وانْتِفاءَ الضَّرَرِ، أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ تَتَعَلَّقُ إرادَتُهُ بِهِ قَدِيرٌ مِنَ التَّعْذِيبِ والتَّغْيِيرِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
﴿إلّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إذْ أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إذْ هُما في الغارِ إذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾: (إلّا تَنْصُرُوهُ) فِيهِ انْتِفاءُ النَّصْرِ بِأيِّ طَرِيقٍ كانَ مِن نَفْرٍ أوْ غَيْرِهِ. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَسَيَنْصُرُهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ (فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ)؛ أيْ: يَنْصُرُهُ في المُسْتَقْبَلِ كَما نَصَرَهُ في الماضِي (p-٤٣)وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: (فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ) جَوابًا لِلشَّرْطِ ؟ قُلْتُ: فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَسَيَنْصُرُهُ، وذَكَرَ مَعْنى ما قَدَّمْناهُ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى أوْجَبَ لَهُ النُّصْرَةَ وجَعَلَهُ مَنصُورًا في ذَلِكَ الوَقْتِ فَلَمْ يُخْذَلْ مِن بَعْدِهِ. انْتَهى. وهَذا لا يَظْهَرُ مِنهُ جَوابُ الشَّرْطِ؛ لِأنَّ إيجابَ النُّصْرَةِ لَهُ أمْرٌ سَبَقَ، والماضِي لا يَتَرَتَّبُ عَلى المُسْتَقْبَلِ، فالَّذِي يَظْهَرُ الوَجْهُ الأوَّلُ. ومَعْنى إخْراجِ الَّذِينَ كَفَرُوا إيّاهُ: فِعْلُهم بِهِ ما يُؤَدِّي إلى الخُرُوجِ، والإشارَةُ إلى خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ. ونُسِبَ الإخْراجُ إلَيْهِمْ مَجازًا، كَما نُسِبَ في قَوْلِهِ: (الَّتِي أخْرَجَتْكَ) . وقِصَّةُ خُرُوجِ الرَّسُولِ ﷺ وأبِي بَكْرٍ مَذْكُورَةٌ في السِّيَرِ.
وانْتَصَبَ (ثانِيَ اثْنَيْنِ) عَلى الحالِ؛ أيْ: أحَدَ اثْنَيْنِ وهُما: رَسُولُ اللَّهِ، وأبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا أُمِرَ بِالخُرُوجِ قالَ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”مَن يَخْرُجُ مَعِي ؟“ قالَ: أبُو بَكْرٍ. وقالَ اللَّيْثُ: ما صَحِبَ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِثْلُ أبِي بَكْرٍ. وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: خَرَجَ أبُو بَكْرٍ بِهَذِهِ الآيَةِ مِنَ المُعاتَبَةِ الَّتِي في قَوْلِهِ: (إلّا تَنْصُرُوهُ) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بَلْ خَرَجَ مِنها كُلُّ مَن شاهَدَ غَزْوَةَ تَبُوكَ، وإنَّما المُعاتَبَةُ لِمَن تَخَلَّفَ فَقَطْ، وهَذِهِ الآيَةُ مُنَوِّهَةٌ بِقَدْرِ أبِي بَكْرٍ وتَقَدُّمِهِ وسابِقَتِهِ في الإسْلامِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ تَرْغِيبُهم في الجِهادِ ونُصْرَةِ دِينِ اللَّهِ؛ إذْ بَيَّنَ فِيها أنَّ اللَّهَ يَنْصُرُهُ كَما نَصَرَهُ، إذْ كانَ في الغارِ ولَيْسَ مَعَهُ فِيهِ أحَدٌ سِوى أبِي بَكْرٍ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: ثانِي اثْنَيْنِ بِسُكُونِ ياءِ ثانِي. قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: حَكاها أبُو عَمْرٍو، ووَجْهُهُ أنَّهُ سَكَّنَ الياءَ تَشْبِيهًا لَها بِالألِفِ. والغارُ: نَقْبٌ في أعْلى ثَوْرٍ، وهو جَبَلٌ في يُمْنى مَكَّةَ عَلى مَسِيرَةِ ساعَةٍ، مَكَثَ فِيهِ ثَلاثًا. (إذْ هُما): بَدَلٌ، و(إذْ يَقُولُ): بَدَلٌ ثانٍ. وقالَ العُلَماءُ: مَن أنْكَرَ صُحْبَةَ أبِي بَكْرٍ فَقَدْ كَفَرَ لِإنْكارِهِ كَلامَ اللَّهِ تَعالى، ولَيْسَ ذَلِكَ لِسائِرِ الصَّحابَةِ. وكانَ سَبَبُ حَزْنِ أبِي بَكْرٍ خَوْفَهُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَهاهُ الرَّسُولُ تَسْكِينًا لِقَلْبِهِ، وأخْبَرَهُ بِقَوْلِهِ: إنَّ اللَّهَ مَعَنا، يَعْنِي: بِالمَعُونَةِ والنَّصْرِ. «وقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنْ قُتِلْتُ فَأنا رَجُلٌ واحِدٌ، وإنْ قُتِلْتَ هَلَكَتِ الأُمَّةُ وذَهَبَ دِينُ اللَّهِ، فَقالَ: ”ما ظَنَّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثالِثُهُما ؟“»، وقالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
؎قالَ النَّبِيُّ ولَمْ يَجْزَعْ يُوَقِّرُنِي ∗∗∗ ونَحْنُ في سَدَفٍ مِن ظُلْمَةِ الغارِ
؎لا تَخْشَ شَيْئًا فَإنَّ اللَّهَ ثالِثُنا ∗∗∗ وقَدْ تَكَفَّلَ لِي مِنهُ بِإظْهارِ
؎وإنَّما كَيْدُ مَن تَخْشى بَوادِرَهُ ∗∗∗ كَيْدُ الشَّياطِينِ قَدْ كادَتْ لِكُفّارِ
؎واللَّهُ مُهْلِكُهم طُرًّا بِما صَنَعُوا ∗∗∗ وجاعِلُ المُنْتَهى مِنهم إلى النّارِ
﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وأيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وكَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: السَّكِينَةُ الرَّحْمَةُ. وقالَ قَتادَةُ في آخَرِينَ: الوَقارُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الطُّمَأْنِينَةُ. وهَذِهِ الأقْوالُ مُتَقارِبَةٌ. والضَّمِيرُ في (عَلَيْهِ) عائِدٌ عَلى صاحِبِهِ، قالَهُ حَبِيبُ بْنُ أبِي ثابِتٍ، أوْ عَلى الرَّسُولِ، قالَهُ الجُمْهُورُ، أوْ عَلَيْهِما وأفْرَدَهُ لِتَلازُمِهِما، ويُؤَيِّدُهُ أنَّ في مُصْحَفِ حَفْصَةَ: فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِما وأيَّدَهُما. والجُنُودُ: المَلائِكَةُ يَوْمَ بَدْرٍ، والأحْزابِ، وحُنَيْنٍ. وقِيلَ: ذَلِكَ الوَقْتُ يُلْقُونَ البِشارَةَ في قَلْبِهِ، ويَصْرِفُونَ وُجُوهَ الكُفّارِ عَنْهُ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ (عَلَيْهِ) عائِدٌ عَلى أبِي بَكْرٍ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ كانَ ثابِتَ الجَأْشِ، ولِذَلِكَ قالَ: لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا. وأنَّ الضَّمِيرَ في (وأيَّدَهُ) عائِدٌ عَلى الرَّسُولِ ﷺ كَما جاءَ: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩] يَعْنِي الرَّسُولَ، وتُسَبِّحُوهُ: يَعْنِي اللَّهَ تَعالى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والسَّكِينَةُ عِنْدِي إنَّما هي ما يُنَزِّلُهُ اللَّهُ عَلى أنْبِيائِهِ مِنَ الحِياطَةِ لَهم، والخَصائِصِ الَّتِي لا تَصْلُحُ إلّا لَهم كَقَوْلِهِ: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٨]، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ (p-٤٤)إلى آخِرِ الآيَةِ يُرادُ بِهِ ما صَنَعَهُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ إلى وقْتِ تَبُوكَ مِنَ الظُّهُورِ والفُتُوحِ، لا أنْ يَكُونَ هَذا يَخْتَصُّ بِقِصَّةِ الغارِ. وكَلِمَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا هي الشِّرْكُ، وهي مَقْهُورَةٌ. وكَلِمَةُ اللَّهِ: هي التَّوْحِيدُ، وهي ظاهِرَةٌ. هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كَلِمَةُ الكافِرِينَ ما قَرَّرُوا بَيْنَهم مِنَ الكَيْدِ بِهِ لِيَقْتُلُوهُ، وكَلِمَةُ اللَّهِ: أنَّهُ ناصِرُهُ. وقِيلَ: كَلِمَةُ اللَّهِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وكَلِمَةُ الكُفّارِ قَوْلُهم في الحَرْبِ: يا لِبَنِي فُلانٍ، ويا لِفُلانٍ. وقِيلَ: كَلِمَةُ اللَّهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] وكَلِمَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا قَوْلُهم في الحَرْبِ: اعْلُ هُبَلَ؛ يَعْنُونَ صَنَمَهُمُ الأكْبَرَ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: وأيَدَهُ، والجُمْهُورُ: وأيَّدَهُ بِتَشْدِيدِ الياءِ. وقُرِئَ: وكَلِمَةُ اللَّهِ بِالنَّصْبِ؛ أيْ: وجَعَلَ. وقِراءَةُ الجُمْهُورِ بِالرَّفْعِ أثْبَتُ في الإخْبارِ. وعَنْ أنَسٍ رَأيْتُ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ: وجَعَلَ كَلِمَتَهُ هي العَلْياءَ، وناسَبَ الوَصْفُ بِالعِزَّةِ الدّالَّةِ عَلى القَهْرِ والغَلَبَةِ، والحِكْمَةِ الدّالَّةِ عَلى ما يَصْنَعُ مَعَ أنْبِيائِهِ وأوْلِيائِهِ، ومَن عاداهم مِن إعْزازِ دِينِهِ وإخْمادِ الكُفْرِ.
﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا وجاهِدُوا بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم في سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: لَمّا تَوَعَّدَ تَعالى مَن لا يَنْفِرُ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ وضَرَبَ لَهُ مِنَ الأمْثالِ ما ضَرَبَ، أتْبَعَهُ بِهَذا الأمْرِ الجَزْمَ. والمَعْنى: انْفِرُوا عَلى الوَصْفِ الَّذِي يَخِفُّ عَلَيْكم فِيهِ الجِهادُ، أوْ عَلى الوَصْفِ الَّذِي يَثْقُلُ. والخِفَّةُ والثِّقَلُ هُنا مُسْتَعارٌ لِمَن يُمْكِنُهُ السَّفَرُ بِسُهُولَةٍ، ومَن يُمْكِنُهُ بِصُعُوبَةٍ، وأمّا مَن لا يُمْكِنُهُ كالأعْمى ونَحْوِهِ فَخارِجٌ عَنْ هَذا. ورُوِيَ أنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: أعَلَيَّ أنْ أنْفِرَ ؟ قالَ: نَعَمْ، حَتّى نَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١] .
وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ مِن مَعانِي الخِفَّةِ والثِّقَلِ أشْياءَ لا عَلى وجْهِ التَّخْصِيصِ، بَعْضَها دُونَ بَعْضٍ، وإنَّما يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى التَّمْثِيلِ لا عَلى الحَصْرِ. قالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ: شَبابًا وشُيُوخًا. وقالَ أبُو صالِحٍ: أغْنِياءَ وفُقَراءَ في اليُسْرِ والعُسْرِ. وقالَ الأوْزاعِيُّ: رُكْبانًا ومُشاةً. وقِيلَ عَكْسُهُ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: عُزْبانًا ومُتَزَوِّجِينَ. وقالَ جُوَيْبِرٌ: أصِحّاءَ ومَرْضى. وقالَ جَماعَةٌ: خِفافًا مِنَ السِّلاحِ؛ أيْ مُقِلِّينَ فِيهِ، وثِقالًا؛ أيْ مُسْتَكْثِرِينَ مِنهُ. وقالَ الحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: خِفافًا مِنَ الأشْغالِ وثِقالًا بِها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خِفافًا مِنَ العِيالِ وثِقالًا بِهِمْ. وحَكى التَّبْرِيزِيُّ: خِفافًا مِنَ الأتْباعِ والحاشِيَةِ وثِقالًا بِهِمْ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: هو مِن خِفَّةِ اليَقِينِ وثِقَلِهِ عِنْدَ الكَراهَةِ. وحَكى الماوَرْدِيُّ: خِفافًا إلى الطّاعَةِ وثِقالًا عَنِ المُخالَفَةِ. وحَكى صاحِبُ الفِتْيانِ: خِفافًا إلى المُبارَزَةِ، وثِقالًا في المُصابَرَةِ. وحَكى أيْضًا: خِفافًا بِالمُسارَعَةِ والمُبادَرَةِ وثِقالًا بَعْدَ التَّرَوِّي والتَّفَكُّرِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: ذَوِي صَنْعَةٍ وهو الثَّقِيلُ، وغَيْرُ ذَوِي صَنْعَةٍ وهو الخَفِيفُ. وحَكى النَّقّاشُ: شُجْعانًا وجُبَناءَ. وقِيلَ: مَهازِيلَ وسِمانًا. وقِيلَ: سِباقًا إلى الحَرْبِ كالطَّلِيعَةِ وهو مُقَدَّمُ الجَيْشِ، والثِّقالُ الجَيْشُ بِأسْرِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: النَّشِيطُ والكَسْلانُ.
والجُمْهُورُ عَلى أنَّ الأمْرَ مَوْقُوفٌ عَلى فَرْضِ الكِفايَةِ، ولَمْ يُقْصَدْ بِهِ فَرْضُ الأعْيانِ. وقالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ: هو فَرْضٌ عَلى المُؤْمِنِينَ؛ عُنِيَ بِهِ فَرْضُ الأعْيانِ في تِلْكَ المُدَّةِ، ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] . وانْتَصَبَ ﴿خِفافًا وثِقالًا﴾ عَلى الحالِ. وذُكِرَ ﴿بِأمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ﴾ إذْ ذَلِكَ وصْفٌ لِأكْمَلِ ما يَكُونُ مِنَ الجِهادِ وأنْفَعِهِ عِنْدَ اللَّهِ، فَحَضَّ عَلى كَمالِ الأوْصافِ. وقُدِّمَتِ الأمْوالُ إذْ هي أوَّلُ مَصْرِفٍ وقْتَ التَّجْهِيزِ، وذُكِرَ ما المُجاهِدُ فِيهِ وهو سَبِيلُ اللَّهِ، والخَيْرِيَّةُ هي في الدُّنْيا بِغَلَبَةِ العَدُوِّ ووِراثَةِ الأرْضِ، وفي الآخِرَةِ بِالثَّوابِ ورِضْوانِ اللَّهِ. وقَدْ غَزا أبُو طَلْحَةَ حَتّى غَزا في البَحْرِ وماتَ فِيهِ، وغَزا المِقْدادُ عَلى ضَخامَتِهِ وسِمَنِهِ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ وقَدْ ذَهَبَتْ إحْدى عَيْنَيْهِ، وابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ مَعَ كَوْنِهِ أعْمى.
(p-٤٥)﴿لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا وسَفَرًا قاصِدًا لاتَّبَعُوكَ ولَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكم يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾: أيْ لَوْ كانَ ما دُعُوا إلَيْهِ غُنْمًا قَرِيبًا سَهْلَ المَنالِ، وسَفَرًا قاصِدًا وسَطًا مُقارِبًا. وهَذِهِ الآيَةُ في قِصَّةِ تَبُوكَ حِينَ اسْتَنْفَرَ المُؤْمِنِينَ فَنَفَرُوا، واعْتَذَرَ مِنهم فَرِيقٌ لِأصْحابِهِ، لا سِيَّما مِنَ القَبائِلِ المُجاوِرَةِ لِلْمَدِينَةِ. ولَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ﴾ خِطابًا لِلْمُنافِقِينَ خاصَّةً، بَلْ هو عامٌّ. واعْتَذَرَ المُنافِقُونَ بِأعْذارٍ كاذِبَةٍ، فابْتَدَأ تَعالى بِذِكْرِ المُنافِقِينَ وكَشْفِ ضَمائِرِهِمْ. (لاتَّبَعُوكَ): لَبادَرُوا إلَيْهِ، لا لِوَجْهِ اللَّهِ، ولا لِظُهُورِ كَلِمَتِهِ، ﴿ولَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾؛ أيْ: المَسافَةُ الطَّوِيلَةُ في غَزْوِ الرُّومِ. والشُّقَّةُ بِالضَّمِّ مِنَ الثِّيابِ، والشُّقَّةُ أيْضًا السَّفَرُ البَعِيدُ، ورُبَّما قالُوهُ بِالكَسْرِ، قالَهُ الجَوْهَرِيُّ. وقالَ الزَّجّاجُ: الشُّقَّةُ: الغايَةُ الَّتِي تُقْصَدُ. وقالَ ابْنُ عِيسى: الشُّقَّةُ القِطْعَةُ مِنَ الأرْضِ يَشُقُّ رُكُوبُها. وقالَ ابْنُ فارِسٍ: الشُّقَّةُ المَسِيرُ إلى أرْضٍ بَعِيدَةٍ، واشْتِقاقُها مِنَ الشَّقِّ، أوْ مِنَ المَشَقَّةِ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: بَعِدَتْ عَلَيْهِمُ الشِّقَّةُ بِكَسْرِ العَيْنِ والشِّينِ، وافَقَهُ الأعْرَجُ في بَعِدَتْ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: إنَّها لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ في اللَّفْظَيْنِ. انْتَهى. وحَكى الكِسائِيُّ: شُقَّةً وشِقَّةً. (وسَيَحْلِفُونَ)؛ أيِ المُنافِقُونَ، وهَذا إخْبارٌ بِغَيْبٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في قَوْلِهِ: وسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما نَصُّهُ، (بِاللَّهِ) مُتَعَلِّقٌ بِسَيَحْلِفُونَ، أوْ هو مِن كَلامِهِمْ. والقَوْلُ مُرادٌ في الوَجْهَيْنِ؛ أيْ: سَيَحْلِفُونَ مُتَخَلِّصِينَ عِنْدَ رُجُوعِكَ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ مُعْتَذِرِينَ، يَقُولُونَ: بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكم، أوْ وسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ يَقُولُونَ: لَوِ اسْتَطَعْنا. وقَوْلُهُ: لَخَرَجْنا سَدَّ مَسَدَّ جَوابِ القَسَمِ ولَوْ جَمِيعًا، والإخْبارُ بِما سَوْفَ يَكُونُ بَعْدَ القَوْلِ مِن حَلِفِهِمْ واعْتِذارِهِمْ، وقَدْ كانَ مِن جُمْلَةِ المُعْجِزاتِ. ومَعْنى الِاسْتِطاعَةِ اسْتِطاعَةُ العُدَّةِ، واسْتِطاعَةُ الأبْدانِ، كَأنَّهم تَمارَضُوا. انْتَهى. وما ذَهَبَ إلَيْهِ مِن أنَّ قَوْلَهُ لَخَرَجْنا سَدَّ مَسَدَّ جَوابِ القَسَمِ ولَوْ جَمِيعًا لَيْسَ بِجَيِّدٍ (p-٤٦)بَلْ لِلنَّحْوِيِّينَ في هَذا مَذْهَبانِ: أحَدُهُما: أنَّ (لَخَرَجْنا) هو جَوابُ القَسَمِ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ عَلى قاعِدَةِ اجْتِماعِ القَسَمِ والشَّرْطِ إذا تَقَدَّمَ القَسَمُ عَلى الشَّرْطِ، وهَذا اخْتِيارُ أبِي الحَسَنِ بْنِ عُصْفُورٍ. والآخَرُ: أنَّ (لَخَرَجْنا) هو جَوابُ لَوْ، وجَوابُ القَسَمِ هو لَوْ وجَوابُها، وهَذا اخْتِيارُ ابْنُ مالِكٍ أنَّ (لَخَرَجْنا) يَسُدُّ مَسَدَّهُما، ولا أعْلَمُ أحَدًا ذَهَبَ إلى ذَلِكَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُتَأوَّلَ كَلامُهُ عَلى أنَّهُ لَمّا حُذِفَ جَوابُ لَوْ، ودَلَّ عَلَيْهِ جَوابُ القَسَمِ جُعِلَ كَأنَّهُ سَدَّ مَسَدَّ جَوابِ القَسَمِ وجَوابِ لَوْ جَمِيعًا.
وقَرَأ الأعْمَشُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: لَوُ اسْتَطَعْنا بِضَمِّ الواوِ، وفَرَّ مِن ثِقَلِ الكَسْرَةِ عَلى الواوِ وشَبَّهَها بِواوِ الجَمْعِ عِنْدَ تَحْرِيكِها لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وقَرَأ الحَسَنُ: بِفَتْحِها كَما جاءَ: (اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ) بِالأوْجُهِ الثَّلاثَةِ. (يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم) بِالحَلِفِ الكاذِبِ؛ أيْ: يُوقِعُونَها في الهَلاكِ بِهِ. والظّاهِرُ أنَّها جُمْلَةُ اسْتِئْنافِ إخْبارٍ مِنهُ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم) إمّا أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (سَيَحْلِفُونَ)، أوْ حالًا بِمَعْنى مُهْلِكِينَ، والمَعْنى: أنَّهم يُوقِعُونَها في الهَلاكِ بِحَلِفِهِمُ الكاذِبِ، وما يَخْلُفُونَ عَلَيْهِ مِنَ التَّخَلُّفِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن قَوْلِهِ: (لَخَرَجْنا)؛ أيْ لَخَرَجْنا مَعَكم، وإنْ أهْلَكْنا أنْفُسَنا وألْقَيْناها في التَّهْلُكَةِ بِما يَحْمِلُها مِنَ المَسِيرِ في تِلْكَ الشُّقَّةِ. وجاءَ بِهِ عَلى لَفْظِ الغائِبِ؛ لِأنَّهُ مُخْبَرٌ عَنْهم، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ قِيلَ: سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطاعُوا لَخَرَجُوا لَكانَ سَدِيدًا ؟ يُقالُ: حَلَفَ بِاللَّهِ لَيَفْعَلَنَّ ولَأفْعَلَنَّ، فالغَيْبَةُ عَلى حُكْمِ الإخْبارِ والتَّكَلُّمُ عَلى الحِكايَةِ انْتَهى. أمّا كَوْنُ (يُهْلِكُونَ) بَدَلًا مِن (سَيَحْلِفُونَ) فَبَعِيدٌ؛ لِأنَّ الإهْلاكَ لَيْسَ مُرادِفًا لِلْحَلِفِ، ولا هو نَوْعٌ مِنَ الحَلِفِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُبْدَلَ فِعْلٌ مِن فِعْلٍ إلّا أنْ يَكُونَ مُرادِفًا لَهُ أوْ نَوْعًا مِنهُ. وأمّا كَوْنُهُ حالًا مِن قَوْلِهِ: (لَخَرَجْنا)، فالَّذِي يَظْهَرُ أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (لَخَرَجْنا) فِيهِ ضَمِيرُ التَّكَلُّمِ، فالَّذِي يَجْرِي عَلَيْهِ إنَّما يَكُونُ بِضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ. فَلَوْ كانَ حالًا مِن ضَمِيرِ (لَخَرَجْنا) لَكانَ التَّرْكِيبُ: نُهْلِكُ أنْفُسَنا؛ أيْ: مُهْلِكِي أنْفُسِنا. وأمّا قِياسُهُ ذَلِكَ عَلى حَلِفٍ بِاللَّهِ لَيَفْعَلَنَّ ولَأفْعَلَنَّ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأنَّهُ إذا أجْراهُ عَلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ لا يَخْرُجُ مِنهم إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، لَوْ قُلْتُ: حَلَفَ زَيْدٌ لَيَفْعَلَنَّ وأنا قائِمٌ، عَلى أنْ يَكُونَ وأنا قائِمٌ حالًا مِن ضَمِيرِ لَيَفْعَلَنَّ لَمْ يَجُزْ، وكَذا عَكْسُهُ نَحْوُ: حَلَفَ زَيْدٌ لَأفْعَلَنَّ يَقُومُ، تُرِيدُ قائِمًا لَمْ يَجُزْ. وأمّا قَوْلُهُ: وجاءَ بِهِ عَلى لَفْظِ الغائِبِ؛ لِأنَّهُ مُخْبَرٌ عَنْهم فَهي مُغالَطَةٌ لَيْسَ مُخْبَرًا عَنْهم بِقَوْلِهِ: لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكم، بَلْ هو حاكٍ لَفْظَ قَوْلِهِمْ، ثُمَّ قالَ: ألا تَرى لَوْ قِيلَ: لَوِ اسْتَطاعُوا لَخَرَجُوا لَكانَ سَدِيدًا إلى آخِرِهِ كَلامٌ صَحِيحٌ، لَكِنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ إخْبارًا عَنْهم، بَلْ حِكايَةً. والحالُ مِن جُمْلَةِ كَلامِهِمُ المَحْكِيِّ، فَلا يَجُوزُ أنْ يُخالِفَ بَيْنَ ذِي الحالِ وحالِهِ لِاشْتِراكِهِما في العامِلِ. لَوْ قُلْتَ: قالَ زَيْدٌ: خَرَجْتُ يَضْرِبُ خالِدًا؛ تُرِيدُ أضْرِبُ خالِدًا، لَمْ يَجُزْ. ولَوْ قُلْتَ: قالَتْ هِنْدُ: خَرَجَ زَيْدٌ (p-٤٧)أضْرِبُ خالِدًا، تُرِيدُ خَرَجَ زَيْدٌ ضارِبًا خالِدًا، لَمْ يَجُزْ.
﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهم حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وتَعْلَمَ الكاذِبِينَ﴾؛ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذِهِ الآيَةُ في صِنْفٍ مُبالِغٍ في النِّفاقِ. واسْتَأْذَنُوا دُونَ اعْتِذارٍ مِنهم: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، والجَدُّ بْنُ قَيْسٍ، ورِفاعَةُ بْنُ التّابُوتِ، ومَنِ اتَّبَعَهم. فَقالَ بَعْضُهم: ائْذَنَّ لِي ولا تَفْتِنِّي. وقالَ بَعْضُهم: ائْذَنَّ لَنا في الإقامَةِ، فَأذِنَ لَهُمُ اسْتِبْقاءً مِنهُ عَلَيْهِمْ، وأخْذًا بِالأسْهَلِ مِنَ الأُمُورِ، وتَوَكُّلًا عَلى اللَّهِ. قالَ مُجاهِدٌ: قالَ بَعْضُهم: نَسْتَأْذِنُهُ، فَإنْ أذِنَ في القُعُودِ قَعَدْنا، وإنْ لَمْ يَأْذَنْ قَعَدْنا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ. انْتَهى. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ إبْراهِيمُ بْنُ عَرَفَةَ النَّحْوِيُّ الدّاوُدِيُّ المَنبُوذُ بِنَفْطَوَيْهِ: ذَهَبَ ناسٌ إلى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مُعاتَبٌ بِهَذِهِ الآيَةِ، وحاشاهُ مِن ذَلِكَ، بَلْ كانَ لَهُ أنْ يَفْعَلَ وأنْ لا يَفْعَلَ حَتّى يَنْزِلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ كَما قالَ: (لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِن أمْرِي ما اسْتَدْبَرْتُ لَجَعَلْتُها عُمْرَةً)؛ لِأنَّهُ كانَ لَهُ أنْ يَفْعَلَ وأنْ لا يَفْعَلَ. وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١]؛ لِأنَّهُ كانَ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ مِمّا لَمْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ فِيهِ وحْيٌ. واسْتَأْذَنَهُ المُخَلَّفُونَ في التَّخَلُّفِ واعْتَذَرُوا، اخْتارَ أيْسَرَ الأمْرَيْنِ تَكَرُّمًا وتَفَضُّلًا مِنهُ ﷺ، فَأبانَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لَوْ لَمْ يَأْذَنْ لَهم لَأقامُوا لِلنِّفاقِ الَّذِي في قُلُوبِهِمْ، وأنَّهم كاذِبُونَ في إظْهارِ الطّاعَةِ والمُشاوَرَةِ، فَعَفا اللَّهُ عَنْكَ عِنْدَهُ افْتِتاحُ كَلامٍ أعْلَمَهُ اللَّهُ بِهِ أنَّهُ لا حَرَجَ عَلَيْهِ فِيما فَعَلَهُ مِنَ الإذْنِ، ولَيْسَ هو عَفْوًا عَنْ ذَنْبٍ، إنَّما هو أنَّهُ تَعالى أعْلَمَهُ أنَّهُ لا يَلْزَمُهُ تَرْكُ الإذْنِ لَهم كَما قالَ ﷺ: «عَفا اللَّهُ لَكم عَنْ صَدَقَةِ الخَيْلِ والرَّقِيقِ» وما وجَبَتا قَطُّ ومَعْناهُ: تَرَكَ أنْ يُلْزِمَكم ذَلِكَ. انْتَهى. ووافَقَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ فَقالُوا: ذِكْرُ العَفْوِ هُنا لَمْ يَكُنْ عَنْ تَقَدُّمِ ذَنْبٍ، وإنَّما هو اسْتِفْتاحُ كَلامٍ جَرَتْ عادَةُ العَرَبِ أنْ تُخاطِبَ بِمِثْلِهِ لِمَن تُعَظِّمُهُ وتَرْفَعُ مِن قَدْرِهِ، يَقْصِدُونَ بِذَلِكَ الدُّعاءَ لَهُ، فَيَقُولُونَ: أصْلَحَ اللَّهُ الأمِيرَ كانَ كَذا وكَذا، فَعَلى هَذا صِيغَتُهُ صِيغَةُ الخَبَرِ، ومَعْناهُ الدُّعاءُ. انْتَهى.
ولِمَ ولَهم مُتَعَلِّقانِ بِأذِنْتَ، لَكِنَّهُ اخْتَلَفَ مَدْلُولُ اللّامَيْنِ، إذْ لامُ لِمَ لِلتَّعْلِيلِ، ولامُ لَهم لِلتَّبْلِيغِ، فَجازَ ذَلِكَ لِاخْتِلافِ مَعْنَيَيْهِما، ومُتَعَلِّقُ الإذْنِ غَيْرُ مَذْكُورٍ، فَما قَدَّمْناهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ القُعُودُ؛ أيْ: لِمَ أذِنْتَ لَهم في القُعُودِ والتَّخَلُّفِ عَنِ الغَزْوِ حَتّى تَعْرِفَ ذَوِي العُذْرِ في التَّخَلُّفِ مِمَّنْ لا عُذْرَ لَهُ. وقِيلَ: مُتَعَلِّقُ الإذْنِ هو الخُرُوجُ مَعَهُ لِلْغَزْوِ، لِما تَرَتَّبَ عَلى خُرُوجِهِمْ مِنَ المَفاسِدِ؛ لِأنَّهم كانُوا عَيْنًا لِلْكُفّارِ عَلى المُسْلِمِينَ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وفِيكم سَمّاعُونَ لَهُمْ﴾ وكانُوا يَخْذُلُونَ المُؤْمِنِينَ ويَتَمَنَّوْنَ أنْ تَكُونَ الدّائِرَةُ عَلَيْهِمْ، فَقِيلَ: لِمَ أذِنْتَ لَهم في إخْراجِهِمْ وهم عَلى هَذِهِ الحالَةِ السَّيِّئَةِ ؟ وبَيَّنَ أنَّ خُرُوجَهم مَعَهُ لَيْسَ مَصْلَحَةً بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا﴾ . وحَتّى غايَةٌ لِما تَضَمَّنَهُ الِاسْتِفْهامُ؛ أيْ: ما كانَ أنْ تَأْذَنَ لَهم حَتّى يَتَبَيَّنَ مَن لَهُ العُذْرُ، هَكَذا قَدَّرَهُ الحَوْفِيُّ. وقالَ أبُو البَقاءِ: حَتّى يَتَبَيَّنَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، تَقْدِيرُهُ: هَلّا أخَّرْتَهم إلى أنْ يَتَبَيَّنَ أوْ لِيَتَبَيَّنَ. وقَوْلُهُ: لِمَ أذِنْتَ لَهم يَدُلُّ عَلى المَحْذُوفِ. ولا يَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ حَتّى بِأذِنْتَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ أذِنَ لَهم إلى هَذِهِ الغايَةِ، أوْ لِأجْلِ التَّبْيِينِ، وهَذا لا يُعاتَبُ عَلَيْهِ انْتَهى. وكَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾، مِمّا يَجِبُ اطِّراحُهُ، فَضْلًا عَنْ أنْ يُذْكَرَ فَيُرَدَّ عَلَيْهِ. وقَوْلُهُ: الَّذِينَ صَدَقُوا؛ أيْ: في اسْتِئْذانِكَ. وأنَّكَ لَوْ لَمْ تَأْذَنْ لَهم خَرَجُوا مَعَكَ. وتَعْلَمَ الكاذِبِينَ: تُرِيدُ في أنَّهُمُ اسْتَأْذَنُوكَ، يُظْهِرُونَ لَكَ أنَّهم يَقِفُونَ عِنْدَ حَدِّكَ وهم كَذَبَةٌ، وقَدْ عَزَمُوا عَلى العِصْيانِ، أذِنْتَ لَهم أوْ لَمْ تَأْذَنْ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: حَتّى تَعْلَمَ الصّادِقِينَ في أنَّ لَهم عُذْرًا، وتَعْلَمَ الكاذِبِينَ في أنْ لا عُذْرَ لَهم. وقالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ آيَةُ النُّورِ، ﴿فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهُمْ﴾ [النور: ٦٢] . وهَذا غَلَطٌ؛ لِأنَّ النُّورَ نَزَلَتْ سَنَةَ أرْبَعٍ مِنَ الهِجْرَةِ في غَزْوَةِ الخَنْدَقِ في اسْتِئْذانِ بَعْضِ المُؤْمِنِينَ الرَّسُولَ في بَعْضِ شَأْنِهِمْ في بُيُوتِهِمْ في بَعْضِ الأوْقاتِ، فَأباحَ اللَّهُ أنْ يَأْذَنَ، فَتَبايَنَتِ الآيَتانِ في الوَقْتِ والمَعْنى.
﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ (p-٤٨)قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (لا يَسْتَأْذِنُكَ)؛ أيْ بَعْدَ غَزْوَةِ تَبُوكَ. وقالَ الجُمْهُورُ: لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وما بَعْدَها ورَدَ في قِصَّةِ تَبُوكَ، والظّاهِرُ أنَّ مُتَعَلِّقَ الِاسْتِئْذانِ هو (أنْ يُجاهِدُوا)؛ أيْ: لَيْسَ مِن عادَةِ المُؤْمِنِينَ أنْ يَسْتَأْذِنُوكَ في أنْ يُجاهِدُوا، وكانَ الخُلَّصُ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ لا يَسْتَأْذِنُونَ النَّبِيَّ ﷺ أبَدًا، ويَقُولُونَ: لَنُجاهِدَنَّ مَعَهُ بِأمْوالِنا وأنْفُسِنا. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: لا يَسْتَأْذِنُكَ المُؤْمِنُونَ في الخُرُوجِ ولا القُعُودِ كَراهَةَ أنْ يُجاهِدُوا، بَلْ إذا أمَرْتَ بِشَيْءٍ ابْتَدَرُوا إلَيْهِ، وكانَ الِاسْتِئْذانُ في ذَلِكَ الوَقْتِ عَلامَةً عَلى النِّفاقِ. وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾، شَهادَةٌ لَهم بِالِانْتِظامِ في زُمْرَةِ المُتَّقِينَ، وعِدَةٌ لَهم بِأجْزَلِ الثَّوابِ.
﴿إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وارْتابَتْ قُلُوبُهم فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾؛ هُمُ المُنافِقُونَ وكانُوا تِسْعَةً وثَلاثِينَ رَجُلًا. ومَعْنى ارْتابَتْ: شَكَّتْ. ويَتَرَدَّدُونَ: يَتَحَيَّرُونَ، لا يَتَّجِهُ لَهم هُدًى فَتارَةً يَخْطُرُ لَهم صِحَّةُ أمْرِ الرَّسُولِ، وتارَةً يَخْطُرُ لَهم خِلافُ ذَلِكَ.
﴿ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لَأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهم فَثَبَّطَهم وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ﴾؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عُدَّةً مِنَ الزّادِ والماءِ والرّاحِلَةِ؛ لِأنَّ سَفَرَهم بَعِيدٌ في زَمانِ حَرٍّ شَدِيدٍ. وفي تَرْكِهِمُ العُدَّةَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم أرادُوا التَّخَلُّفَ. وقالَ قَوْمٌ: كانُوا قادِرِينَ عَلى تَحْصِيلِ العُدَّةِ والأُهْبَةِ. ورَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: العُدَّةُ النِّيَّةُ الخالِصَةُ في الجِهادِ. وحَكى الطَّبَرِيُّ: كُلُّ ما يُعَدُّ لِلْقِتالِ مِنَ الزّادِ والسِّلاحِ. وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ وابْنُهُ مُعاوِيَةُ: عُدَّ بِضَمِّ العَيْنِ مِن غَيْرِ تاءٍ، والفَرّاءُ يَقُولُ: تَسْقُطُ التّاءُ لِلْإضافَةِ، وجَعَلَ مِن ذَلِكَ وإقامِ الصَّلاةِ؛ أيْ وإقامَةِ الصَّلاةِ. ووَرَدَ ذَلِكَ في عِدَّةِ أبْياتٍ مِن لِسانِ العَرَبِ، ولَكِنْ لا يَقِيسُ ذَلِكَ، إنَّما نَقِفُ فِيهِ مَعَ مَوْرِدِ السَّماعِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: لَمّا أضافَ جَعَلَ الكِنايَةَ نائِبَةً عَنِ التّاءِ فَأسْقَطَها، وذَلِكَ لِأنَّ العَدَّ بِغَيْرِ تاءٍ، ولا تَقْدِيرُها هو البَثْرُ الَّذِي يَخْرُجُ في الوَجْهِ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: هو جَمْعُ عُدَّةٍ كَبُرَّةٍ وبُرٍّ ودُرَّةٍ ودُرٍّ، والوَجْهُ فِيهِ عُدَدٌ، ولَكِنْ لا يُوافِقُ خَطَّ المُصْحَفِ. وقَرَأ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: عِدَّهُ بِكَسْرِ العَيْنِ، وهاءِ إضْمارٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو عِنْدِي اسْمٌ لِما يُعَدُّ كالذَّبْحِ والقَتْلِ لِلْعَدِّ، وسُمِّيَ قَتْلًا إذْ حَقُّهُ أنْ يُقْتَلَ. وقُرِئَ أيْضًا: عِدَّةً بِكَسْرِ العَيْنِ، وبِالتّاءِ دُونَ إضافَةٍ؛ أيْ: عِدَّةً مِنَ الزّادِ والسِّلاحِ، أوْ مِمّا لَهم مَأْخُوذٌ مِنَ العَدَدِ. ولَمّا تَضَمَّنَتِ الجُمْلَةُ انْتِفاءَ الخُرُوجِ والِاسْتِعْدادِ، وجاءَ بَعْدَها ولَكِنْ، وكانَتْ لا تَقَعُ إلّا بَيْنَ نَقِيضَيْنِ أوْ ضِدَّيْنِ أوْ خِلافَيْنِ عَلى خِلافٍ فِيهِ، لا بَيْنَ مُتَّفِقَيْنِ، وكانَ ظاهِرُ ما بَعْدَ لَكِنْ مُوافِقًا لِما قَبْلَها.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ مَوْقِعُ حَرْفِ الِاسْتِدْراكِ ؟ قُلْتُ: لَمّا كانَ قَوْلُهُ: ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ مُعْطِيًا مَعْنى نَفْيِ خُرُوجِهِمْ واسْتِعْدادِهِمْ لِلْغَزْوِ قِيلَ: ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهم، كَأنَّهُ قِيلَ: ما خَرَجُوا ولَكِنْ تَثَبَّطُوا عَنِ الخُرُوجِ لِكَراهَةِ انْبِعاثِهِمْ، كَما تَقُولُ: ما أحْسَنَ إلَيَّ زِيدٌ ولَكِنْ أساءَ إلَيَّ. انْتَهى. ولَيْسَتِ الآيَةُ نَظِيرَ هَذا المِثالِ؛ لِأنَّ المِثالَ واقِعٌ فِيهِ لَكِنْ بَيْنَ ضِدَّيْنِ، والآيَةُ واقِعٌ فِيها، لَكِنْ بَيْنَ مُتَّفِقَيْنِ مِن جِهَةِ المَعْنى. والِانْبِعاثُ الِانْطِلاقُ والنُّهُوضُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَثَبَّطَهم كَسَلُهم وفَتْرُ نِيّاتِهِمْ. وبُنِيَ (وقِيلَ) لِلْمَفْعُولِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ القَوْلُ إذْنَ الرَّسُولِ لَهم في القُعُودِ، أوْ قَوْلَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ إمّا لَفْظًا وإمّا مَعْنًى، أوْ حِكايَةً عَنْ قَوْلِ اللَّهِ في سابِقِ قَضائِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَعَلَ إلْقاءَ اللَّهِ تَعالى في قُلُوبِهِمْ كَراهَةَ الخُرُوجِ أمْرًا بِالقُعُودِ. وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ الشَّيْطانِ بِالوَسْوَسَةِ. قالَ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ جازَ أنْ يُوقِعَ اللَّهُ تَعالى في نُفُوسِهِمْ كَراهَةَ الخُرُوجِ إلى الغَزْوِ وهي قَبِيحَةٌ، وتَعالى اللَّهُ عَنْ إلْهامِ القَبِيحِ ؟ قُلْتُ: خُرُوجُهم كانَ مَفْسَدَةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا﴾ (p-٤٩)فَكانَ إيقاعُ كَراهَةِ ذَلِكَ الخُرُوجِ في نُفُوسِهِمْ حَسَنًا ومَصْلَحَةً. انْتَهى.
وهَذا السُّؤالُ والجَوابُ عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ في المَفْسَدَةِ والمَصْلَحَةِ، وهَذا القَوْلُ هو ذَمٌّ لَهم وتَعْجِيزٌ، وإلْحاقٌ بِالنِّساءِ والصِّبْيانِ والزَّمْنى الَّذِينَ شَأْنُهُمُ القُعُودُ والجُثُومُ في البُيُوتِ، وهُمُ القاعِدُونَ والخالِفُونَ والخَوالِفُ، ويُبَيِّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ﴾ [التوبة: ٨٧] والقُعُودُ هُنا عِبارَةٌ عَنِ التَّخَلُّفِ والتَّراخِي كَما قالَ:
؎دَعِ المَكارِمَ لا تَرْحَلْ لِبُغْيَتِها ∗∗∗ واقْعُدْ فَإنَّكَ أنْتَ الطّاعِمُ الكاسِي
﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا ولَأوْضَعُوا خِلالَكم يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ وفِيكم سَمّاعُونَ لَهم واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾: لَمّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ضَرَبَ عَسْكَرَهُ عَلى ثَنِيَّةِ الوَداعِ، وضَرَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ عَسْكَرَهُ أسْفَلَ مِنها، ولَمْ يَكُنْ بِأقَلِّ العَسْكَرَيْنِ، فَلَمّا سارَ تَخَلَّفَ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ فِيمَن تَخَلَّفَ فَنَزَلَتْ بِعُرى. . . . اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى قَوْلِهِ: (وهم كارِهُونَ) . وفِيكم؛ أيْ: في جَيْشِكم أوْ في جُمْلَتِكم. وقِيلَ: في بِمَعْنى مَعَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الخَبالُ الفَسادُ ومُراعاةُ إخْمادِ الكَلِمَةِ. وقالَ الضَّحّاكُ: المَكْرُ والغَدْرُ. وقالَ ابْنُ عِيسى: الِاضْطِرابُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: الشَّرُّ، وقالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. وقِيلَ: إيقاعُ الِاخْتِلافِ والأراجِيفِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ الخَبالِ في آلِ عِمْرانَ. وهَذا الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ وهو مُفَرَّغٌ؛ إذِ المَفْعُولُ الثّانِي لِزادَ لَمْ يُذْكَرْ، وقَدْ كانَ في هَذِهِ الغَزْوَةِ مُنافِقُونَ كَثِيرٌ، ولَهم لا شَكَّ خَبالٌ، فَلَوْ خَرَجَ هَؤُلاءِ لَتَألَّبُوا فَزادَ الخَبالُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُسْتَثْنى مِنهُ غَيْرُ مَذْكُورٍ، فالِاسْتِثْناءُ مِن أعَمِّ العامِّ الَّذِي هو الشَّيْءُ، فَكانَ هو اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا؛ لِأنَّ الخَبالَ بَعْضُ أعَمِّ العامِّ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما زادُوكم شَيْئًا إلّا خَبالًا. وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، وهَذا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ لَمْ يَكُنْ في عَسْكَرِ الرَّسُولِ خَبالٌ. فالمَعْنى: ما زادُوكم قُوَّةً ولا شِدَّةً لَكِنْ خَبالًا. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ما زادُوكم بِغَيْرِ واوٍ؛ يَعْنِي: ما زادَكم خُرُوجُهم إلّا خَبالًا. والإيضاعُ الإسْراعُ، قالَ:
؎أُرانا مُوضِعِينَ لِأمْرِ غَيْبٍ ∗∗∗ ونُسْحَرُ بِالطَّعامِ وبِالشَّرابِ
ويُقالُ: وضَعَتِ النّاقَةُ تَضَعُ وضْعًا ووُضُوعًا، قالَ:
؎يا لَيْتَنِي فِيها جَذَعْ ∗∗∗ أخُبُّ فِيها وأضَعْ
قالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ لَأسْرَعُوا بِالنَّمِيمَةِ. وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ القاسِمِ: لَأسْرَعُوا بِالفِرارِ. ومَفْعُولُ أوْضَعُوا مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: ولَأوْضَعُوا رَكائِبَكم بَيْنَكم؛ لِأنَّ الرّاكِبَ أسْرَعُ مِنَ الماشِي. وقَرَأ مُجاهِدٌ ومُحَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ: ولَأوْفَضُوا؛ أيْ أسْرَعُوا كَقَوْلِهِ: ﴿إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: ٤٣] وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ: ولَأرْفَضُوا بِالرّاءِ مِن رَفَضَ أسْرَعَ في مَشْيِهِ رَفْضًا ورَفَضانًا، قالَ حَسّانُ:
؎بِزُجاجَةٍ رَفَضَتْ بِما في جَوْفِها ∗∗∗ رَفْضَ القَلُوصِ بِراكِبٍ مُسْتَعْجِلِ
(p-٥٠)وقالَ غَيْرُهُ:
؎والرّافِضاتُ إلى مِنًى فالقَبْقَبِ
والخِلالُ جَمْعُ الخَلَلِ، وهو الفُرْجَةُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: تَخَلَّلْتُ القَوْمَ دَخَلْتُ بَيْنَ خَلَلِهِمْ وخِلالِهِمْ، وجَلَسْنا خِلالَ البُيُوتِ وخِلالَ الدُّورِ؛ أيْ: بَيْنَها. ويَبْغُونَ حالٌ؛ أيْ: باغِينَ. قالَ الفَرّاءُ: يَبْغُونَها لَكم. والفِتْنَةُ هُنا الكُفْرُ قالَهُ مُقاتِلٌ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والضَّحّاكُ، أوِ العَيْبُ والشَّرُّ قالَهُ: الكَلْبِيُّ، أوْ تَفْرِيقُ الجَماعَةِ، أوِ المِحْنَةُ بِاخْتِلافِ الكَلِمَةِ، أوِ النَّمِيمَةُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُحاوِلُونَ أنْ يَفْتِنُوكم بِأنْ يُوقِعُوا الخِلافَ فِيما بَيْنَكم، ويُفْسِدُوا نِيّاتِكم في مَغْزاكم. وفِيكم سَمّاعُونَ لَهم؛ أيْ: نَمّامُونَ يَسْمَعُونَ حَدِيثَكم فَيَنْقُلُونَهُ إلَيْهِمْ، أوْ فِيكم قَوْمٌ يَسْتَمِعُونَ لِلْمُنافِقِينَ ويُطِيعُونَهم. انْتَهى. فاللّامُ في القَوْلِ الأوَّلِ لِلتَّعْلِيلِ، وفي الثّانِي لِتَقْوِيَةِ التَّعْدِيَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧] والقَوْلُ الأوَّلُ قالَهُ: سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، قالُوا: مَعْناهُ جَواسِيسُ يَسْتَمِعُونَ الأخْبارَ ويَنْقُلُونَها إلَيْهِمْ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ. والقَوْلُ الثّانِي قَوْلُ الجُمْهُورِ، قالُوا: مَعْناهُ وفِيكم مُطِيعُونَ سَمّاعُونَ لَهم. ومَعْنى وفِيكم في خِلالِكم مِنهم، أوْ مِنكم مِمَّنْ قَرُبَ عَهْدُهُ بِالإسْلامِ. واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ يَعُمُّ كُلَّ ظالِمٍ. ومَعْنى ذَلِكَ: أنَّهُ يُجازِيهِ عَلى ظُلْمِهِ. وانْدَرَجَ فِيهِ مَن يَقْبَلُ كَلامَ المُنافِقِينَ، ومَن يُؤَدِّي إلَيْهِمْ أخْبارَ المُؤْمِنِينَ، ومَن تَخَلَّفَ عَنْ هَذِهِ الغَزاةِ مِنَ المُنافِقِينَ.