Lafzullah

Al-Bahr Al-Muhit — التوبة 9:45 – التوبة 9:80

المؤلف / المصدر: Al-Bahr Al-Muhit

المحتويات
  1. التوبة 9:45
  2. التوبة 9:46
  3. التوبة 9:47
  4. التوبة 9:48
  5. التوبة 9:49
  6. التوبة 9:50
  7. التوبة 9:51
  8. التوبة 9:52
  9. التوبة 9:53
  10. التوبة 9:54
  11. التوبة 9:55
  12. التوبة 9:56
  13. التوبة 9:57
  14. التوبة 9:58
  15. التوبة 9:59
  16. التوبة 9:60
  17. التوبة 9:61
  18. التوبة 9:62
  19. التوبة 9:63
  20. التوبة 9:64
  21. التوبة 9:65
  22. التوبة 9:66
  23. التوبة 9:67
  24. التوبة 9:68
  25. التوبة 9:69
  26. التوبة 9:70
  27. التوبة 9:71
  28. التوبة 9:72
  29. التوبة 9:73
  30. التوبة 9:74
  31. التوبة 9:75
  32. التوبة 9:76
  33. التوبة 9:77
  34. التوبة 9:78
  35. التوبة 9:79
  36. التوبة 9:80

التوبة 9:45

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا قَلِيلٌ﴾: لَمّا أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِغَزاةِ تَبُوكَ، وكانَ زَمانَ جَدْبٍ وحَرٍّ شَدِيدٍ وقَدْ طابَتِ الثِّمارُ، عَظُمَ ذَلِكَ عَلى النّاسِ وأحَبُّوا المُقامَ، نَزَلَتْ عِتابًا عَلى مَن تَخَلَّفَ عَنْ هَذِهِ الغَزْوَةِ، وكانَتْ سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ بَعْدَ الفَتْحِ بِعامٍ، غَزا فِيها الرُّومَ في عِشْرِينَ ألْفًا مِن راكِبٍ وراجِلٍ، وتَخَلَّفَ عَنْهُ قَبائِلُ مِنَ النّاسِ ورِجالٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ كَثِيرٌ ومُنافِقُونَ. وخَصَّ الثَّلاثَةَ بِالعِتابِ الشَّدِيدِ بِحَسَبِ مَكانِهِمْ مِنَ الصُّحْبَةِ؛ إذْ هم مِن أهْلِ بَدْرٍ ومِمَّنْ يُقْتَدى بِهِمْ، وكانَ تَخَلُّفُهم لِغَيْرِ عِلَّةٍ حَسْبَما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. ولَمّا شَرَحَ مَعاتِبَ الكُفّارِ رَغِبَ في مُقابَلَتِهِمْ. و(ما لَكم) اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإنْكارُ والتَّقْرِيعُ، وبُنِيَ (قِيلَ) لِلْمَفْعُولِ، والقائِلُ هو الرَّسُولُ ﷺ لَمْ يُذْكَرْ إغْلاظًا ومُخاشَنَةً لَهم وصَوْنًا لِذِكْرِهِ؛ إذْ أخْلَدَ إلى الهُوَيْنا والدَّعَةِ، مَن أخْلَدَ وخالَفَ أمْرَهُ ﷺ . وقَرَأ الأعْمَشُ: تَثاقَلْتُمْ وهو أصْلُ قِراءَةِ الجُمْهُورِ اثّاقَلْتُمْ، وهو ماضٍ بِمَعْنى المُضارِعِ، وهو في مَوْضِعِ الحالِ، وهو عامِلٌ في (إذْ)؛ أيْ: ما لَكم تَتَثاقَلُونَ إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا. وقالَ أبُو البَقاءِ: الماضِي هُنا بِمَعْنى المُضارِعِ؛ أيْ: ما لَكم تَتَثاقَلُونَ، ومَوْضِعُهُ نَصْبٌ. أيْ: أيُّ شَيْءٍ لَكم في التَّثاقُلِ ؟ أوْ في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى مَذْهَبِ الخَلِيلِ. انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ حَذْفُ أنْ؛ لِأنَّهُ لا يَنْسَبِكُ مَصْدَرٌ إلّا مِن حَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلِ، وحَذْفُ أنْ في نَحْوِ هَذا قَلِيلٌ جِدًّا أوْ ضَرُورَةٌ. وإذا كانَ التَّقْدِيرُ في التَّثاقُلِ فَلا يُمْكِنُ عَمَلُهُ في إذا؛ لِأنَّ مَعْمُولَ المَصْدَرِ المَوْصُولِ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ فَيَكُونُ النّاصِبُ لِإذا، والمُتَعَلِّقُ بِهِ في التَّثاقُلِ ما هو مَعْلُومٌ لَكُمُ الواقِعُ خَبَرًا لِما. وقُرِئَ: اثّاقَلْتُمْ عَلى الِاسْتِفْهامِ الَّذِي مَعْناهُ الإنْكارُ والتَّوْبِيخُ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَعْمَلَ في إذا ما بَعْدَ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْمَلُ فِيهِ ما دَلَّ عَلَيْهِ، أوْ ما في (ما لَكم) مِن مَعْنى الفِعْلِ، كَأنَّهُ قالَ: ما تَصْنَعُونَ إذا قِيلَ لَكم، كَما تَعْمَلُهُ في الحالِ إذا قُلْتَ: ما لَكَ قائِمًا. والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ما لَكم تَتَثاقَلُونَ إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا، وحُذِفَ لِدَلالَةِ اثّاقَلْتُمْ عَلَيْهِ. ومَعْنى اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ: مِلْتُمْ إلى شَهَواتِ الدُّنْيا حِينَ أخْرَجَتِ الأرْضُ ثِمارَها، قالَهُ مُجاهِدٌ، وكَرِهْتُمْ مَشاقَّ السَّفَرِ. وقِيلَ: مِلْتُمْ إلى الإقامَةِ بِأرْضِكم، قالَهُ الزَّجّاجُ. ولَمّا ضُمِّنَ مَعْنى المَيْلِ والإخْلادِ عُدِّيَ بِإلى. وفي قَوْلِهِ: (أرَضِيتُمْ)، نَوْعٌ مِنَ الإنْكارِ والتَّعَجُّبِ؛ أيْ: أرَضِيتُمْ بِالنَّعِيمِ العاجِلِ في الدُّنْيا الزّائِلِ بَدَلَ النَّعِيمِ الباقِي ؟ . و(مِن) تَظافَرَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّها بِمَعْنى (بَدَلَ)؛ أيْ: بَدَلَ الآخِرَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً﴾ [الزخرف: ٦٠] أيْ بَدَلًا مِنكم، ومِنهُ (p-٤٢)قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَلَيْتَ لَنا مِن ماءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً مُبَرَّدَةً باتَتْ عَلى طَهَيانِ أيْ بَدَلًا مِن ماءِ زَمْزَمَ، والطَّهَيانِ عُودٌ يُنْصَبُ في ناحِيَةِ الدّارِ لِلْهَواءِ تُعَلَّقُ فِيهِ أوْعِيَةُ الماءِ حَتّى تَبْرُدَ. وأصْحابُنا لا يُثْبِتُونَ أنْ تَكُونَ مِن لِلْبَدَلِ. ويَتَعَلَّقُ (في الآخِرَةِ) بِمَحْذُوفٍ؛ التَّقْدِيرُ: فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا مَحْسُوبًا في نَعِيمِ الآخِرَةِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: في الآخِرَةِ مُتَعَلِّقٌ بِقَلِيلٍ، وقَلِيلٌ خَبَرُ الِابْتِداءِ. وصَلُحَ أنْ يَعْمَلَ في الظَّرْفِ مُقَدَّمًا؛ لِأنَّ رائِحَةَ الفِعْلِ تَعْمَلُ في الظَّرْفِ. ولَوْ قُلْتَ: ما زَيْدٌ عَمْرًا إلّا يَضْرِبُ، لَمْ يَجُزْ. ﴿إلّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا ويَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ولا تَضُرُّوهُ شَيْئًا واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: هَذا سُخْطٌ عَلى المُتَثاقِلِينَ عَظِيمٌ، حَيْثُ أوْعَدَهم بِعَذابٍ ألِيمٍ مُطْلَقٍ يَتَناوَلُ عَذابَ الدّارَيْنِ، وأنَّهُ يُهْلِكُهم ويَسْتَبْدِلُ قَوْمًا آخَرِينَ خَيْرًا مِنهم وأطْوَعَ، وأنَّهُ غَنِيٌّ عَنْهم في نُصْرَةِ دِينِهِ، لا يَقْدَحُ تَثاقُلُهم فِيها شَيْئًا. وقِيلَ: يُعَذِّبُكم بِإمْساكِ المَطَرِ عَنْكم. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: «اسْتَنْفَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبِيلَةً فَقَعَدَتْ، فَأمْسَكَ اللَّهُ عَنْها المَطَرَ وعَذَّبَها بِهِ» . والمُسْتَبْدَلُ المَوْعُودُ بِهِمْ، قالَ جَماعَةٌ: أهْلُ اليَمَنِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: أبْناءُ فارِسَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ التّابِعُونَ، والظّاهِرُ مُسْتَغْنٍ عَنِ التَّخْصِيصِ. وقالَ الأصَمُّ: مَعْناهُ أنَّهُ تَعالى يُخْرِجُ رَسُولَهُ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ إلى المَدِينَةِ. قالَ القاضِي: وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّهُ يَنْتَقِلُ مِنَ المَدِينَةِ إلى غَيْرِها، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَظْهَرَ في المَدِينَةِ أقْوامًا يُعِينُونَهُ عَلى الغَزْوِ، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يُعِينَهُ بِأقْوامٍ مِنَ المَلائِكَةِ أيْضًا حالَ كَوْنِهِ هُناكَ. والضَّمِيرُ في: ﴿ولا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى؛ أيْ: ولا تَضُرُّوا دِينَهُ شَيْئًا. وقِيلَ: عَلى الرَّسُولِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قَدْ عَصَمَهُ ووَعَدَهُ بِالنَّصْرِ، ووَعْدُهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ. ولَمّا رَتَّبَ عَلى انْتِفاءِ نَفْرِهِمُ التَّعْذِيبَ والِاسْتِبْدالَ وانْتِفاءَ الضَّرَرِ، أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ تَتَعَلَّقُ إرادَتُهُ بِهِ قَدِيرٌ مِنَ التَّعْذِيبِ والتَّغْيِيرِ وغَيْرِ ذَلِكَ. ﴿إلّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إذْ أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إذْ هُما في الغارِ إذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾: (إلّا تَنْصُرُوهُ) فِيهِ انْتِفاءُ النَّصْرِ بِأيِّ طَرِيقٍ كانَ مِن نَفْرٍ أوْ غَيْرِهِ. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَسَيَنْصُرُهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ (فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ)؛ أيْ: يَنْصُرُهُ في المُسْتَقْبَلِ كَما نَصَرَهُ في الماضِي (p-٤٣)وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: (فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ) جَوابًا لِلشَّرْطِ ؟ قُلْتُ: فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَسَيَنْصُرُهُ، وذَكَرَ مَعْنى ما قَدَّمْناهُ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى أوْجَبَ لَهُ النُّصْرَةَ وجَعَلَهُ مَنصُورًا في ذَلِكَ الوَقْتِ فَلَمْ يُخْذَلْ مِن بَعْدِهِ. انْتَهى. وهَذا لا يَظْهَرُ مِنهُ جَوابُ الشَّرْطِ؛ لِأنَّ إيجابَ النُّصْرَةِ لَهُ أمْرٌ سَبَقَ، والماضِي لا يَتَرَتَّبُ عَلى المُسْتَقْبَلِ، فالَّذِي يَظْهَرُ الوَجْهُ الأوَّلُ. ومَعْنى إخْراجِ الَّذِينَ كَفَرُوا إيّاهُ: فِعْلُهم بِهِ ما يُؤَدِّي إلى الخُرُوجِ، والإشارَةُ إلى خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ. ونُسِبَ الإخْراجُ إلَيْهِمْ مَجازًا، كَما نُسِبَ في قَوْلِهِ: (الَّتِي أخْرَجَتْكَ) . وقِصَّةُ خُرُوجِ الرَّسُولِ ﷺ وأبِي بَكْرٍ مَذْكُورَةٌ في السِّيَرِ. وانْتَصَبَ (ثانِيَ اثْنَيْنِ) عَلى الحالِ؛ أيْ: أحَدَ اثْنَيْنِ وهُما: رَسُولُ اللَّهِ، وأبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا أُمِرَ بِالخُرُوجِ قالَ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”مَن يَخْرُجُ مَعِي ؟“ قالَ: أبُو بَكْرٍ. وقالَ اللَّيْثُ: ما صَحِبَ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِثْلُ أبِي بَكْرٍ. وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: خَرَجَ أبُو بَكْرٍ بِهَذِهِ الآيَةِ مِنَ المُعاتَبَةِ الَّتِي في قَوْلِهِ: (إلّا تَنْصُرُوهُ) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بَلْ خَرَجَ مِنها كُلُّ مَن شاهَدَ غَزْوَةَ تَبُوكَ، وإنَّما المُعاتَبَةُ لِمَن تَخَلَّفَ فَقَطْ، وهَذِهِ الآيَةُ مُنَوِّهَةٌ بِقَدْرِ أبِي بَكْرٍ وتَقَدُّمِهِ وسابِقَتِهِ في الإسْلامِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ تَرْغِيبُهم في الجِهادِ ونُصْرَةِ دِينِ اللَّهِ؛ إذْ بَيَّنَ فِيها أنَّ اللَّهَ يَنْصُرُهُ كَما نَصَرَهُ، إذْ كانَ في الغارِ ولَيْسَ مَعَهُ فِيهِ أحَدٌ سِوى أبِي بَكْرٍ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: ثانِي اثْنَيْنِ بِسُكُونِ ياءِ ثانِي. قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: حَكاها أبُو عَمْرٍو، ووَجْهُهُ أنَّهُ سَكَّنَ الياءَ تَشْبِيهًا لَها بِالألِفِ. والغارُ: نَقْبٌ في أعْلى ثَوْرٍ، وهو جَبَلٌ في يُمْنى مَكَّةَ عَلى مَسِيرَةِ ساعَةٍ، مَكَثَ فِيهِ ثَلاثًا. (إذْ هُما): بَدَلٌ، و(إذْ يَقُولُ): بَدَلٌ ثانٍ. وقالَ العُلَماءُ: مَن أنْكَرَ صُحْبَةَ أبِي بَكْرٍ فَقَدْ كَفَرَ لِإنْكارِهِ كَلامَ اللَّهِ تَعالى، ولَيْسَ ذَلِكَ لِسائِرِ الصَّحابَةِ. وكانَ سَبَبُ حَزْنِ أبِي بَكْرٍ خَوْفَهُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَهاهُ الرَّسُولُ تَسْكِينًا لِقَلْبِهِ، وأخْبَرَهُ بِقَوْلِهِ: إنَّ اللَّهَ مَعَنا، يَعْنِي: بِالمَعُونَةِ والنَّصْرِ. «وقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنْ قُتِلْتُ فَأنا رَجُلٌ واحِدٌ، وإنْ قُتِلْتَ هَلَكَتِ الأُمَّةُ وذَهَبَ دِينُ اللَّهِ، فَقالَ: ”ما ظَنَّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثالِثُهُما ؟“»، وقالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ؎قالَ النَّبِيُّ ولَمْ يَجْزَعْ يُوَقِّرُنِي ∗∗∗ ونَحْنُ في سَدَفٍ مِن ظُلْمَةِ الغارِ ؎لا تَخْشَ شَيْئًا فَإنَّ اللَّهَ ثالِثُنا ∗∗∗ وقَدْ تَكَفَّلَ لِي مِنهُ بِإظْهارِ ؎وإنَّما كَيْدُ مَن تَخْشى بَوادِرَهُ ∗∗∗ كَيْدُ الشَّياطِينِ قَدْ كادَتْ لِكُفّارِ ؎واللَّهُ مُهْلِكُهم طُرًّا بِما صَنَعُوا ∗∗∗ وجاعِلُ المُنْتَهى مِنهم إلى النّارِ ﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وأيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وكَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: السَّكِينَةُ الرَّحْمَةُ. وقالَ قَتادَةُ في آخَرِينَ: الوَقارُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الطُّمَأْنِينَةُ. وهَذِهِ الأقْوالُ مُتَقارِبَةٌ. والضَّمِيرُ في (عَلَيْهِ) عائِدٌ عَلى صاحِبِهِ، قالَهُ حَبِيبُ بْنُ أبِي ثابِتٍ، أوْ عَلى الرَّسُولِ، قالَهُ الجُمْهُورُ، أوْ عَلَيْهِما وأفْرَدَهُ لِتَلازُمِهِما، ويُؤَيِّدُهُ أنَّ في مُصْحَفِ حَفْصَةَ: فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِما وأيَّدَهُما. والجُنُودُ: المَلائِكَةُ يَوْمَ بَدْرٍ، والأحْزابِ، وحُنَيْنٍ. وقِيلَ: ذَلِكَ الوَقْتُ يُلْقُونَ البِشارَةَ في قَلْبِهِ، ويَصْرِفُونَ وُجُوهَ الكُفّارِ عَنْهُ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ (عَلَيْهِ) عائِدٌ عَلى أبِي بَكْرٍ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ كانَ ثابِتَ الجَأْشِ، ولِذَلِكَ قالَ: لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا. وأنَّ الضَّمِيرَ في (وأيَّدَهُ) عائِدٌ عَلى الرَّسُولِ ﷺ كَما جاءَ: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩] يَعْنِي الرَّسُولَ، وتُسَبِّحُوهُ: يَعْنِي اللَّهَ تَعالى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والسَّكِينَةُ عِنْدِي إنَّما هي ما يُنَزِّلُهُ اللَّهُ عَلى أنْبِيائِهِ مِنَ الحِياطَةِ لَهم، والخَصائِصِ الَّتِي لا تَصْلُحُ إلّا لَهم كَقَوْلِهِ: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٨]، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ (p-٤٤)إلى آخِرِ الآيَةِ يُرادُ بِهِ ما صَنَعَهُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ إلى وقْتِ تَبُوكَ مِنَ الظُّهُورِ والفُتُوحِ، لا أنْ يَكُونَ هَذا يَخْتَصُّ بِقِصَّةِ الغارِ. وكَلِمَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا هي الشِّرْكُ، وهي مَقْهُورَةٌ. وكَلِمَةُ اللَّهِ: هي التَّوْحِيدُ، وهي ظاهِرَةٌ. هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كَلِمَةُ الكافِرِينَ ما قَرَّرُوا بَيْنَهم مِنَ الكَيْدِ بِهِ لِيَقْتُلُوهُ، وكَلِمَةُ اللَّهِ: أنَّهُ ناصِرُهُ. وقِيلَ: كَلِمَةُ اللَّهِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وكَلِمَةُ الكُفّارِ قَوْلُهم في الحَرْبِ: يا لِبَنِي فُلانٍ، ويا لِفُلانٍ. وقِيلَ: كَلِمَةُ اللَّهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] وكَلِمَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا قَوْلُهم في الحَرْبِ: اعْلُ هُبَلَ؛ يَعْنُونَ صَنَمَهُمُ الأكْبَرَ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: وأيَدَهُ، والجُمْهُورُ: وأيَّدَهُ بِتَشْدِيدِ الياءِ. وقُرِئَ: وكَلِمَةُ اللَّهِ بِالنَّصْبِ؛ أيْ: وجَعَلَ. وقِراءَةُ الجُمْهُورِ بِالرَّفْعِ أثْبَتُ في الإخْبارِ. وعَنْ أنَسٍ رَأيْتُ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ: وجَعَلَ كَلِمَتَهُ هي العَلْياءَ، وناسَبَ الوَصْفُ بِالعِزَّةِ الدّالَّةِ عَلى القَهْرِ والغَلَبَةِ، والحِكْمَةِ الدّالَّةِ عَلى ما يَصْنَعُ مَعَ أنْبِيائِهِ وأوْلِيائِهِ، ومَن عاداهم مِن إعْزازِ دِينِهِ وإخْمادِ الكُفْرِ. ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا وجاهِدُوا بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم في سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: لَمّا تَوَعَّدَ تَعالى مَن لا يَنْفِرُ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ وضَرَبَ لَهُ مِنَ الأمْثالِ ما ضَرَبَ، أتْبَعَهُ بِهَذا الأمْرِ الجَزْمَ. والمَعْنى: انْفِرُوا عَلى الوَصْفِ الَّذِي يَخِفُّ عَلَيْكم فِيهِ الجِهادُ، أوْ عَلى الوَصْفِ الَّذِي يَثْقُلُ. والخِفَّةُ والثِّقَلُ هُنا مُسْتَعارٌ لِمَن يُمْكِنُهُ السَّفَرُ بِسُهُولَةٍ، ومَن يُمْكِنُهُ بِصُعُوبَةٍ، وأمّا مَن لا يُمْكِنُهُ كالأعْمى ونَحْوِهِ فَخارِجٌ عَنْ هَذا. ورُوِيَ أنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: أعَلَيَّ أنْ أنْفِرَ ؟ قالَ: نَعَمْ، حَتّى نَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١] . وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ مِن مَعانِي الخِفَّةِ والثِّقَلِ أشْياءَ لا عَلى وجْهِ التَّخْصِيصِ، بَعْضَها دُونَ بَعْضٍ، وإنَّما يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى التَّمْثِيلِ لا عَلى الحَصْرِ. قالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ: شَبابًا وشُيُوخًا. وقالَ أبُو صالِحٍ: أغْنِياءَ وفُقَراءَ في اليُسْرِ والعُسْرِ. وقالَ الأوْزاعِيُّ: رُكْبانًا ومُشاةً. وقِيلَ عَكْسُهُ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: عُزْبانًا ومُتَزَوِّجِينَ. وقالَ جُوَيْبِرٌ: أصِحّاءَ ومَرْضى. وقالَ جَماعَةٌ: خِفافًا مِنَ السِّلاحِ؛ أيْ مُقِلِّينَ فِيهِ، وثِقالًا؛ أيْ مُسْتَكْثِرِينَ مِنهُ. وقالَ الحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: خِفافًا مِنَ الأشْغالِ وثِقالًا بِها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خِفافًا مِنَ العِيالِ وثِقالًا بِهِمْ. وحَكى التَّبْرِيزِيُّ: خِفافًا مِنَ الأتْباعِ والحاشِيَةِ وثِقالًا بِهِمْ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: هو مِن خِفَّةِ اليَقِينِ وثِقَلِهِ عِنْدَ الكَراهَةِ. وحَكى الماوَرْدِيُّ: خِفافًا إلى الطّاعَةِ وثِقالًا عَنِ المُخالَفَةِ. وحَكى صاحِبُ الفِتْيانِ: خِفافًا إلى المُبارَزَةِ، وثِقالًا في المُصابَرَةِ. وحَكى أيْضًا: خِفافًا بِالمُسارَعَةِ والمُبادَرَةِ وثِقالًا بَعْدَ التَّرَوِّي والتَّفَكُّرِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: ذَوِي صَنْعَةٍ وهو الثَّقِيلُ، وغَيْرُ ذَوِي صَنْعَةٍ وهو الخَفِيفُ. وحَكى النَّقّاشُ: شُجْعانًا وجُبَناءَ. وقِيلَ: مَهازِيلَ وسِمانًا. وقِيلَ: سِباقًا إلى الحَرْبِ كالطَّلِيعَةِ وهو مُقَدَّمُ الجَيْشِ، والثِّقالُ الجَيْشُ بِأسْرِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: النَّشِيطُ والكَسْلانُ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّ الأمْرَ مَوْقُوفٌ عَلى فَرْضِ الكِفايَةِ، ولَمْ يُقْصَدْ بِهِ فَرْضُ الأعْيانِ. وقالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ: هو فَرْضٌ عَلى المُؤْمِنِينَ؛ عُنِيَ بِهِ فَرْضُ الأعْيانِ في تِلْكَ المُدَّةِ، ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] . وانْتَصَبَ ﴿خِفافًا وثِقالًا﴾ عَلى الحالِ. وذُكِرَ ﴿بِأمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ﴾ إذْ ذَلِكَ وصْفٌ لِأكْمَلِ ما يَكُونُ مِنَ الجِهادِ وأنْفَعِهِ عِنْدَ اللَّهِ، فَحَضَّ عَلى كَمالِ الأوْصافِ. وقُدِّمَتِ الأمْوالُ إذْ هي أوَّلُ مَصْرِفٍ وقْتَ التَّجْهِيزِ، وذُكِرَ ما المُجاهِدُ فِيهِ وهو سَبِيلُ اللَّهِ، والخَيْرِيَّةُ هي في الدُّنْيا بِغَلَبَةِ العَدُوِّ ووِراثَةِ الأرْضِ، وفي الآخِرَةِ بِالثَّوابِ ورِضْوانِ اللَّهِ. وقَدْ غَزا أبُو طَلْحَةَ حَتّى غَزا في البَحْرِ وماتَ فِيهِ، وغَزا المِقْدادُ عَلى ضَخامَتِهِ وسِمَنِهِ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ وقَدْ ذَهَبَتْ إحْدى عَيْنَيْهِ، وابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ مَعَ كَوْنِهِ أعْمى. (p-٤٥)﴿لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا وسَفَرًا قاصِدًا لاتَّبَعُوكَ ولَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكم يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾: أيْ لَوْ كانَ ما دُعُوا إلَيْهِ غُنْمًا قَرِيبًا سَهْلَ المَنالِ، وسَفَرًا قاصِدًا وسَطًا مُقارِبًا. وهَذِهِ الآيَةُ في قِصَّةِ تَبُوكَ حِينَ اسْتَنْفَرَ المُؤْمِنِينَ فَنَفَرُوا، واعْتَذَرَ مِنهم فَرِيقٌ لِأصْحابِهِ، لا سِيَّما مِنَ القَبائِلِ المُجاوِرَةِ لِلْمَدِينَةِ. ولَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ﴾ خِطابًا لِلْمُنافِقِينَ خاصَّةً، بَلْ هو عامٌّ. واعْتَذَرَ المُنافِقُونَ بِأعْذارٍ كاذِبَةٍ، فابْتَدَأ تَعالى بِذِكْرِ المُنافِقِينَ وكَشْفِ ضَمائِرِهِمْ. (لاتَّبَعُوكَ): لَبادَرُوا إلَيْهِ، لا لِوَجْهِ اللَّهِ، ولا لِظُهُورِ كَلِمَتِهِ، ﴿ولَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾؛ أيْ: المَسافَةُ الطَّوِيلَةُ في غَزْوِ الرُّومِ. والشُّقَّةُ بِالضَّمِّ مِنَ الثِّيابِ، والشُّقَّةُ أيْضًا السَّفَرُ البَعِيدُ، ورُبَّما قالُوهُ بِالكَسْرِ، قالَهُ الجَوْهَرِيُّ. وقالَ الزَّجّاجُ: الشُّقَّةُ: الغايَةُ الَّتِي تُقْصَدُ. وقالَ ابْنُ عِيسى: الشُّقَّةُ القِطْعَةُ مِنَ الأرْضِ يَشُقُّ رُكُوبُها. وقالَ ابْنُ فارِسٍ: الشُّقَّةُ المَسِيرُ إلى أرْضٍ بَعِيدَةٍ، واشْتِقاقُها مِنَ الشَّقِّ، أوْ مِنَ المَشَقَّةِ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: بَعِدَتْ عَلَيْهِمُ الشِّقَّةُ بِكَسْرِ العَيْنِ والشِّينِ، وافَقَهُ الأعْرَجُ في بَعِدَتْ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: إنَّها لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ في اللَّفْظَيْنِ. انْتَهى. وحَكى الكِسائِيُّ: شُقَّةً وشِقَّةً. (وسَيَحْلِفُونَ)؛ أيِ المُنافِقُونَ، وهَذا إخْبارٌ بِغَيْبٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في قَوْلِهِ: وسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما نَصُّهُ، (بِاللَّهِ) مُتَعَلِّقٌ بِسَيَحْلِفُونَ، أوْ هو مِن كَلامِهِمْ. والقَوْلُ مُرادٌ في الوَجْهَيْنِ؛ أيْ: سَيَحْلِفُونَ مُتَخَلِّصِينَ عِنْدَ رُجُوعِكَ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ مُعْتَذِرِينَ، يَقُولُونَ: بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكم، أوْ وسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ يَقُولُونَ: لَوِ اسْتَطَعْنا. وقَوْلُهُ: لَخَرَجْنا سَدَّ مَسَدَّ جَوابِ القَسَمِ ولَوْ جَمِيعًا، والإخْبارُ بِما سَوْفَ يَكُونُ بَعْدَ القَوْلِ مِن حَلِفِهِمْ واعْتِذارِهِمْ، وقَدْ كانَ مِن جُمْلَةِ المُعْجِزاتِ. ومَعْنى الِاسْتِطاعَةِ اسْتِطاعَةُ العُدَّةِ، واسْتِطاعَةُ الأبْدانِ، كَأنَّهم تَمارَضُوا. انْتَهى. وما ذَهَبَ إلَيْهِ مِن أنَّ قَوْلَهُ لَخَرَجْنا سَدَّ مَسَدَّ جَوابِ القَسَمِ ولَوْ جَمِيعًا لَيْسَ بِجَيِّدٍ (p-٤٦)بَلْ لِلنَّحْوِيِّينَ في هَذا مَذْهَبانِ: أحَدُهُما: أنَّ (لَخَرَجْنا) هو جَوابُ القَسَمِ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ عَلى قاعِدَةِ اجْتِماعِ القَسَمِ والشَّرْطِ إذا تَقَدَّمَ القَسَمُ عَلى الشَّرْطِ، وهَذا اخْتِيارُ أبِي الحَسَنِ بْنِ عُصْفُورٍ. والآخَرُ: أنَّ (لَخَرَجْنا) هو جَوابُ لَوْ، وجَوابُ القَسَمِ هو لَوْ وجَوابُها، وهَذا اخْتِيارُ ابْنُ مالِكٍ أنَّ (لَخَرَجْنا) يَسُدُّ مَسَدَّهُما، ولا أعْلَمُ أحَدًا ذَهَبَ إلى ذَلِكَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُتَأوَّلَ كَلامُهُ عَلى أنَّهُ لَمّا حُذِفَ جَوابُ لَوْ، ودَلَّ عَلَيْهِ جَوابُ القَسَمِ جُعِلَ كَأنَّهُ سَدَّ مَسَدَّ جَوابِ القَسَمِ وجَوابِ لَوْ جَمِيعًا. وقَرَأ الأعْمَشُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: لَوُ اسْتَطَعْنا بِضَمِّ الواوِ، وفَرَّ مِن ثِقَلِ الكَسْرَةِ عَلى الواوِ وشَبَّهَها بِواوِ الجَمْعِ عِنْدَ تَحْرِيكِها لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وقَرَأ الحَسَنُ: بِفَتْحِها كَما جاءَ: (اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ) بِالأوْجُهِ الثَّلاثَةِ. (يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم) بِالحَلِفِ الكاذِبِ؛ أيْ: يُوقِعُونَها في الهَلاكِ بِهِ. والظّاهِرُ أنَّها جُمْلَةُ اسْتِئْنافِ إخْبارٍ مِنهُ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم) إمّا أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (سَيَحْلِفُونَ)، أوْ حالًا بِمَعْنى مُهْلِكِينَ، والمَعْنى: أنَّهم يُوقِعُونَها في الهَلاكِ بِحَلِفِهِمُ الكاذِبِ، وما يَخْلُفُونَ عَلَيْهِ مِنَ التَّخَلُّفِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن قَوْلِهِ: (لَخَرَجْنا)؛ أيْ لَخَرَجْنا مَعَكم، وإنْ أهْلَكْنا أنْفُسَنا وألْقَيْناها في التَّهْلُكَةِ بِما يَحْمِلُها مِنَ المَسِيرِ في تِلْكَ الشُّقَّةِ. وجاءَ بِهِ عَلى لَفْظِ الغائِبِ؛ لِأنَّهُ مُخْبَرٌ عَنْهم، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ قِيلَ: سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطاعُوا لَخَرَجُوا لَكانَ سَدِيدًا ؟ يُقالُ: حَلَفَ بِاللَّهِ لَيَفْعَلَنَّ ولَأفْعَلَنَّ، فالغَيْبَةُ عَلى حُكْمِ الإخْبارِ والتَّكَلُّمُ عَلى الحِكايَةِ انْتَهى. أمّا كَوْنُ (يُهْلِكُونَ) بَدَلًا مِن (سَيَحْلِفُونَ) فَبَعِيدٌ؛ لِأنَّ الإهْلاكَ لَيْسَ مُرادِفًا لِلْحَلِفِ، ولا هو نَوْعٌ مِنَ الحَلِفِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُبْدَلَ فِعْلٌ مِن فِعْلٍ إلّا أنْ يَكُونَ مُرادِفًا لَهُ أوْ نَوْعًا مِنهُ. وأمّا كَوْنُهُ حالًا مِن قَوْلِهِ: (لَخَرَجْنا)، فالَّذِي يَظْهَرُ أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (لَخَرَجْنا) فِيهِ ضَمِيرُ التَّكَلُّمِ، فالَّذِي يَجْرِي عَلَيْهِ إنَّما يَكُونُ بِضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ. فَلَوْ كانَ حالًا مِن ضَمِيرِ (لَخَرَجْنا) لَكانَ التَّرْكِيبُ: نُهْلِكُ أنْفُسَنا؛ أيْ: مُهْلِكِي أنْفُسِنا. وأمّا قِياسُهُ ذَلِكَ عَلى حَلِفٍ بِاللَّهِ لَيَفْعَلَنَّ ولَأفْعَلَنَّ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأنَّهُ إذا أجْراهُ عَلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ لا يَخْرُجُ مِنهم إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، لَوْ قُلْتُ: حَلَفَ زَيْدٌ لَيَفْعَلَنَّ وأنا قائِمٌ، عَلى أنْ يَكُونَ وأنا قائِمٌ حالًا مِن ضَمِيرِ لَيَفْعَلَنَّ لَمْ يَجُزْ، وكَذا عَكْسُهُ نَحْوُ: حَلَفَ زَيْدٌ لَأفْعَلَنَّ يَقُومُ، تُرِيدُ قائِمًا لَمْ يَجُزْ. وأمّا قَوْلُهُ: وجاءَ بِهِ عَلى لَفْظِ الغائِبِ؛ لِأنَّهُ مُخْبَرٌ عَنْهم فَهي مُغالَطَةٌ لَيْسَ مُخْبَرًا عَنْهم بِقَوْلِهِ: لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكم، بَلْ هو حاكٍ لَفْظَ قَوْلِهِمْ، ثُمَّ قالَ: ألا تَرى لَوْ قِيلَ: لَوِ اسْتَطاعُوا لَخَرَجُوا لَكانَ سَدِيدًا إلى آخِرِهِ كَلامٌ صَحِيحٌ، لَكِنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ إخْبارًا عَنْهم، بَلْ حِكايَةً. والحالُ مِن جُمْلَةِ كَلامِهِمُ المَحْكِيِّ، فَلا يَجُوزُ أنْ يُخالِفَ بَيْنَ ذِي الحالِ وحالِهِ لِاشْتِراكِهِما في العامِلِ. لَوْ قُلْتَ: قالَ زَيْدٌ: خَرَجْتُ يَضْرِبُ خالِدًا؛ تُرِيدُ أضْرِبُ خالِدًا، لَمْ يَجُزْ. ولَوْ قُلْتَ: قالَتْ هِنْدُ: خَرَجَ زَيْدٌ (p-٤٧)أضْرِبُ خالِدًا، تُرِيدُ خَرَجَ زَيْدٌ ضارِبًا خالِدًا، لَمْ يَجُزْ. ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهم حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وتَعْلَمَ الكاذِبِينَ﴾؛ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذِهِ الآيَةُ في صِنْفٍ مُبالِغٍ في النِّفاقِ. واسْتَأْذَنُوا دُونَ اعْتِذارٍ مِنهم: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، والجَدُّ بْنُ قَيْسٍ، ورِفاعَةُ بْنُ التّابُوتِ، ومَنِ اتَّبَعَهم. فَقالَ بَعْضُهم: ائْذَنَّ لِي ولا تَفْتِنِّي. وقالَ بَعْضُهم: ائْذَنَّ لَنا في الإقامَةِ، فَأذِنَ لَهُمُ اسْتِبْقاءً مِنهُ عَلَيْهِمْ، وأخْذًا بِالأسْهَلِ مِنَ الأُمُورِ، وتَوَكُّلًا عَلى اللَّهِ. قالَ مُجاهِدٌ: قالَ بَعْضُهم: نَسْتَأْذِنُهُ، فَإنْ أذِنَ في القُعُودِ قَعَدْنا، وإنْ لَمْ يَأْذَنْ قَعَدْنا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ. انْتَهى. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ إبْراهِيمُ بْنُ عَرَفَةَ النَّحْوِيُّ الدّاوُدِيُّ المَنبُوذُ بِنَفْطَوَيْهِ: ذَهَبَ ناسٌ إلى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مُعاتَبٌ بِهَذِهِ الآيَةِ، وحاشاهُ مِن ذَلِكَ، بَلْ كانَ لَهُ أنْ يَفْعَلَ وأنْ لا يَفْعَلَ حَتّى يَنْزِلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ كَما قالَ: (لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِن أمْرِي ما اسْتَدْبَرْتُ لَجَعَلْتُها عُمْرَةً)؛ لِأنَّهُ كانَ لَهُ أنْ يَفْعَلَ وأنْ لا يَفْعَلَ. وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١]؛ لِأنَّهُ كانَ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ مِمّا لَمْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ فِيهِ وحْيٌ. واسْتَأْذَنَهُ المُخَلَّفُونَ في التَّخَلُّفِ واعْتَذَرُوا، اخْتارَ أيْسَرَ الأمْرَيْنِ تَكَرُّمًا وتَفَضُّلًا مِنهُ ﷺ، فَأبانَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لَوْ لَمْ يَأْذَنْ لَهم لَأقامُوا لِلنِّفاقِ الَّذِي في قُلُوبِهِمْ، وأنَّهم كاذِبُونَ في إظْهارِ الطّاعَةِ والمُشاوَرَةِ، فَعَفا اللَّهُ عَنْكَ عِنْدَهُ افْتِتاحُ كَلامٍ أعْلَمَهُ اللَّهُ بِهِ أنَّهُ لا حَرَجَ عَلَيْهِ فِيما فَعَلَهُ مِنَ الإذْنِ، ولَيْسَ هو عَفْوًا عَنْ ذَنْبٍ، إنَّما هو أنَّهُ تَعالى أعْلَمَهُ أنَّهُ لا يَلْزَمُهُ تَرْكُ الإذْنِ لَهم كَما قالَ ﷺ: «عَفا اللَّهُ لَكم عَنْ صَدَقَةِ الخَيْلِ والرَّقِيقِ» وما وجَبَتا قَطُّ ومَعْناهُ: تَرَكَ أنْ يُلْزِمَكم ذَلِكَ. انْتَهى. ووافَقَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ فَقالُوا: ذِكْرُ العَفْوِ هُنا لَمْ يَكُنْ عَنْ تَقَدُّمِ ذَنْبٍ، وإنَّما هو اسْتِفْتاحُ كَلامٍ جَرَتْ عادَةُ العَرَبِ أنْ تُخاطِبَ بِمِثْلِهِ لِمَن تُعَظِّمُهُ وتَرْفَعُ مِن قَدْرِهِ، يَقْصِدُونَ بِذَلِكَ الدُّعاءَ لَهُ، فَيَقُولُونَ: أصْلَحَ اللَّهُ الأمِيرَ كانَ كَذا وكَذا، فَعَلى هَذا صِيغَتُهُ صِيغَةُ الخَبَرِ، ومَعْناهُ الدُّعاءُ. انْتَهى. ولِمَ ولَهم مُتَعَلِّقانِ بِأذِنْتَ، لَكِنَّهُ اخْتَلَفَ مَدْلُولُ اللّامَيْنِ، إذْ لامُ لِمَ لِلتَّعْلِيلِ، ولامُ لَهم لِلتَّبْلِيغِ، فَجازَ ذَلِكَ لِاخْتِلافِ مَعْنَيَيْهِما، ومُتَعَلِّقُ الإذْنِ غَيْرُ مَذْكُورٍ، فَما قَدَّمْناهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ القُعُودُ؛ أيْ: لِمَ أذِنْتَ لَهم في القُعُودِ والتَّخَلُّفِ عَنِ الغَزْوِ حَتّى تَعْرِفَ ذَوِي العُذْرِ في التَّخَلُّفِ مِمَّنْ لا عُذْرَ لَهُ. وقِيلَ: مُتَعَلِّقُ الإذْنِ هو الخُرُوجُ مَعَهُ لِلْغَزْوِ، لِما تَرَتَّبَ عَلى خُرُوجِهِمْ مِنَ المَفاسِدِ؛ لِأنَّهم كانُوا عَيْنًا لِلْكُفّارِ عَلى المُسْلِمِينَ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وفِيكم سَمّاعُونَ لَهُمْ﴾ وكانُوا يَخْذُلُونَ المُؤْمِنِينَ ويَتَمَنَّوْنَ أنْ تَكُونَ الدّائِرَةُ عَلَيْهِمْ، فَقِيلَ: لِمَ أذِنْتَ لَهم في إخْراجِهِمْ وهم عَلى هَذِهِ الحالَةِ السَّيِّئَةِ ؟ وبَيَّنَ أنَّ خُرُوجَهم مَعَهُ لَيْسَ مَصْلَحَةً بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا﴾ . وحَتّى غايَةٌ لِما تَضَمَّنَهُ الِاسْتِفْهامُ؛ أيْ: ما كانَ أنْ تَأْذَنَ لَهم حَتّى يَتَبَيَّنَ مَن لَهُ العُذْرُ، هَكَذا قَدَّرَهُ الحَوْفِيُّ. وقالَ أبُو البَقاءِ: حَتّى يَتَبَيَّنَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، تَقْدِيرُهُ: هَلّا أخَّرْتَهم إلى أنْ يَتَبَيَّنَ أوْ لِيَتَبَيَّنَ. وقَوْلُهُ: لِمَ أذِنْتَ لَهم يَدُلُّ عَلى المَحْذُوفِ. ولا يَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ حَتّى بِأذِنْتَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ أذِنَ لَهم إلى هَذِهِ الغايَةِ، أوْ لِأجْلِ التَّبْيِينِ، وهَذا لا يُعاتَبُ عَلَيْهِ انْتَهى. وكَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾، مِمّا يَجِبُ اطِّراحُهُ، فَضْلًا عَنْ أنْ يُذْكَرَ فَيُرَدَّ عَلَيْهِ. وقَوْلُهُ: الَّذِينَ صَدَقُوا؛ أيْ: في اسْتِئْذانِكَ. وأنَّكَ لَوْ لَمْ تَأْذَنْ لَهم خَرَجُوا مَعَكَ. وتَعْلَمَ الكاذِبِينَ: تُرِيدُ في أنَّهُمُ اسْتَأْذَنُوكَ، يُظْهِرُونَ لَكَ أنَّهم يَقِفُونَ عِنْدَ حَدِّكَ وهم كَذَبَةٌ، وقَدْ عَزَمُوا عَلى العِصْيانِ، أذِنْتَ لَهم أوْ لَمْ تَأْذَنْ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: حَتّى تَعْلَمَ الصّادِقِينَ في أنَّ لَهم عُذْرًا، وتَعْلَمَ الكاذِبِينَ في أنْ لا عُذْرَ لَهم. وقالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ آيَةُ النُّورِ، ﴿فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهُمْ﴾ [النور: ٦٢] . وهَذا غَلَطٌ؛ لِأنَّ النُّورَ نَزَلَتْ سَنَةَ أرْبَعٍ مِنَ الهِجْرَةِ في غَزْوَةِ الخَنْدَقِ في اسْتِئْذانِ بَعْضِ المُؤْمِنِينَ الرَّسُولَ في بَعْضِ شَأْنِهِمْ في بُيُوتِهِمْ في بَعْضِ الأوْقاتِ، فَأباحَ اللَّهُ أنْ يَأْذَنَ، فَتَبايَنَتِ الآيَتانِ في الوَقْتِ والمَعْنى. ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ (p-٤٨)قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (لا يَسْتَأْذِنُكَ)؛ أيْ بَعْدَ غَزْوَةِ تَبُوكَ. وقالَ الجُمْهُورُ: لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وما بَعْدَها ورَدَ في قِصَّةِ تَبُوكَ، والظّاهِرُ أنَّ مُتَعَلِّقَ الِاسْتِئْذانِ هو (أنْ يُجاهِدُوا)؛ أيْ: لَيْسَ مِن عادَةِ المُؤْمِنِينَ أنْ يَسْتَأْذِنُوكَ في أنْ يُجاهِدُوا، وكانَ الخُلَّصُ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ لا يَسْتَأْذِنُونَ النَّبِيَّ ﷺ أبَدًا، ويَقُولُونَ: لَنُجاهِدَنَّ مَعَهُ بِأمْوالِنا وأنْفُسِنا. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: لا يَسْتَأْذِنُكَ المُؤْمِنُونَ في الخُرُوجِ ولا القُعُودِ كَراهَةَ أنْ يُجاهِدُوا، بَلْ إذا أمَرْتَ بِشَيْءٍ ابْتَدَرُوا إلَيْهِ، وكانَ الِاسْتِئْذانُ في ذَلِكَ الوَقْتِ عَلامَةً عَلى النِّفاقِ. وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾، شَهادَةٌ لَهم بِالِانْتِظامِ في زُمْرَةِ المُتَّقِينَ، وعِدَةٌ لَهم بِأجْزَلِ الثَّوابِ. ﴿إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وارْتابَتْ قُلُوبُهم فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾؛ هُمُ المُنافِقُونَ وكانُوا تِسْعَةً وثَلاثِينَ رَجُلًا. ومَعْنى ارْتابَتْ: شَكَّتْ. ويَتَرَدَّدُونَ: يَتَحَيَّرُونَ، لا يَتَّجِهُ لَهم هُدًى فَتارَةً يَخْطُرُ لَهم صِحَّةُ أمْرِ الرَّسُولِ، وتارَةً يَخْطُرُ لَهم خِلافُ ذَلِكَ. ﴿ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لَأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهم فَثَبَّطَهم وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ﴾؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عُدَّةً مِنَ الزّادِ والماءِ والرّاحِلَةِ؛ لِأنَّ سَفَرَهم بَعِيدٌ في زَمانِ حَرٍّ شَدِيدٍ. وفي تَرْكِهِمُ العُدَّةَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم أرادُوا التَّخَلُّفَ. وقالَ قَوْمٌ: كانُوا قادِرِينَ عَلى تَحْصِيلِ العُدَّةِ والأُهْبَةِ. ورَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: العُدَّةُ النِّيَّةُ الخالِصَةُ في الجِهادِ. وحَكى الطَّبَرِيُّ: كُلُّ ما يُعَدُّ لِلْقِتالِ مِنَ الزّادِ والسِّلاحِ. وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ وابْنُهُ مُعاوِيَةُ: عُدَّ بِضَمِّ العَيْنِ مِن غَيْرِ تاءٍ، والفَرّاءُ يَقُولُ: تَسْقُطُ التّاءُ لِلْإضافَةِ، وجَعَلَ مِن ذَلِكَ وإقامِ الصَّلاةِ؛ أيْ وإقامَةِ الصَّلاةِ. ووَرَدَ ذَلِكَ في عِدَّةِ أبْياتٍ مِن لِسانِ العَرَبِ، ولَكِنْ لا يَقِيسُ ذَلِكَ، إنَّما نَقِفُ فِيهِ مَعَ مَوْرِدِ السَّماعِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: لَمّا أضافَ جَعَلَ الكِنايَةَ نائِبَةً عَنِ التّاءِ فَأسْقَطَها، وذَلِكَ لِأنَّ العَدَّ بِغَيْرِ تاءٍ، ولا تَقْدِيرُها هو البَثْرُ الَّذِي يَخْرُجُ في الوَجْهِ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: هو جَمْعُ عُدَّةٍ كَبُرَّةٍ وبُرٍّ ودُرَّةٍ ودُرٍّ، والوَجْهُ فِيهِ عُدَدٌ، ولَكِنْ لا يُوافِقُ خَطَّ المُصْحَفِ. وقَرَأ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: عِدَّهُ بِكَسْرِ العَيْنِ، وهاءِ إضْمارٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو عِنْدِي اسْمٌ لِما يُعَدُّ كالذَّبْحِ والقَتْلِ لِلْعَدِّ، وسُمِّيَ قَتْلًا إذْ حَقُّهُ أنْ يُقْتَلَ. وقُرِئَ أيْضًا: عِدَّةً بِكَسْرِ العَيْنِ، وبِالتّاءِ دُونَ إضافَةٍ؛ أيْ: عِدَّةً مِنَ الزّادِ والسِّلاحِ، أوْ مِمّا لَهم مَأْخُوذٌ مِنَ العَدَدِ. ولَمّا تَضَمَّنَتِ الجُمْلَةُ انْتِفاءَ الخُرُوجِ والِاسْتِعْدادِ، وجاءَ بَعْدَها ولَكِنْ، وكانَتْ لا تَقَعُ إلّا بَيْنَ نَقِيضَيْنِ أوْ ضِدَّيْنِ أوْ خِلافَيْنِ عَلى خِلافٍ فِيهِ، لا بَيْنَ مُتَّفِقَيْنِ، وكانَ ظاهِرُ ما بَعْدَ لَكِنْ مُوافِقًا لِما قَبْلَها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ مَوْقِعُ حَرْفِ الِاسْتِدْراكِ ؟ قُلْتُ: لَمّا كانَ قَوْلُهُ: ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ مُعْطِيًا مَعْنى نَفْيِ خُرُوجِهِمْ واسْتِعْدادِهِمْ لِلْغَزْوِ قِيلَ: ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهم، كَأنَّهُ قِيلَ: ما خَرَجُوا ولَكِنْ تَثَبَّطُوا عَنِ الخُرُوجِ لِكَراهَةِ انْبِعاثِهِمْ، كَما تَقُولُ: ما أحْسَنَ إلَيَّ زِيدٌ ولَكِنْ أساءَ إلَيَّ. انْتَهى. ولَيْسَتِ الآيَةُ نَظِيرَ هَذا المِثالِ؛ لِأنَّ المِثالَ واقِعٌ فِيهِ لَكِنْ بَيْنَ ضِدَّيْنِ، والآيَةُ واقِعٌ فِيها، لَكِنْ بَيْنَ مُتَّفِقَيْنِ مِن جِهَةِ المَعْنى. والِانْبِعاثُ الِانْطِلاقُ والنُّهُوضُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَثَبَّطَهم كَسَلُهم وفَتْرُ نِيّاتِهِمْ. وبُنِيَ (وقِيلَ) لِلْمَفْعُولِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ القَوْلُ إذْنَ الرَّسُولِ لَهم في القُعُودِ، أوْ قَوْلَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ إمّا لَفْظًا وإمّا مَعْنًى، أوْ حِكايَةً عَنْ قَوْلِ اللَّهِ في سابِقِ قَضائِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَعَلَ إلْقاءَ اللَّهِ تَعالى في قُلُوبِهِمْ كَراهَةَ الخُرُوجِ أمْرًا بِالقُعُودِ. وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ الشَّيْطانِ بِالوَسْوَسَةِ. قالَ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ جازَ أنْ يُوقِعَ اللَّهُ تَعالى في نُفُوسِهِمْ كَراهَةَ الخُرُوجِ إلى الغَزْوِ وهي قَبِيحَةٌ، وتَعالى اللَّهُ عَنْ إلْهامِ القَبِيحِ ؟ قُلْتُ: خُرُوجُهم كانَ مَفْسَدَةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا﴾ (p-٤٩)فَكانَ إيقاعُ كَراهَةِ ذَلِكَ الخُرُوجِ في نُفُوسِهِمْ حَسَنًا ومَصْلَحَةً. انْتَهى. وهَذا السُّؤالُ والجَوابُ عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ في المَفْسَدَةِ والمَصْلَحَةِ، وهَذا القَوْلُ هو ذَمٌّ لَهم وتَعْجِيزٌ، وإلْحاقٌ بِالنِّساءِ والصِّبْيانِ والزَّمْنى الَّذِينَ شَأْنُهُمُ القُعُودُ والجُثُومُ في البُيُوتِ، وهُمُ القاعِدُونَ والخالِفُونَ والخَوالِفُ، ويُبَيِّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ﴾ [التوبة: ٨٧] والقُعُودُ هُنا عِبارَةٌ عَنِ التَّخَلُّفِ والتَّراخِي كَما قالَ: ؎دَعِ المَكارِمَ لا تَرْحَلْ لِبُغْيَتِها ∗∗∗ واقْعُدْ فَإنَّكَ أنْتَ الطّاعِمُ الكاسِي ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا ولَأوْضَعُوا خِلالَكم يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ وفِيكم سَمّاعُونَ لَهم واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾: لَمّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ضَرَبَ عَسْكَرَهُ عَلى ثَنِيَّةِ الوَداعِ، وضَرَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ عَسْكَرَهُ أسْفَلَ مِنها، ولَمْ يَكُنْ بِأقَلِّ العَسْكَرَيْنِ، فَلَمّا سارَ تَخَلَّفَ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ فِيمَن تَخَلَّفَ فَنَزَلَتْ بِعُرى. . . . اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى قَوْلِهِ: (وهم كارِهُونَ) . وفِيكم؛ أيْ: في جَيْشِكم أوْ في جُمْلَتِكم. وقِيلَ: في بِمَعْنى مَعَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الخَبالُ الفَسادُ ومُراعاةُ إخْمادِ الكَلِمَةِ. وقالَ الضَّحّاكُ: المَكْرُ والغَدْرُ. وقالَ ابْنُ عِيسى: الِاضْطِرابُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: الشَّرُّ، وقالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. وقِيلَ: إيقاعُ الِاخْتِلافِ والأراجِيفِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ الخَبالِ في آلِ عِمْرانَ. وهَذا الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ وهو مُفَرَّغٌ؛ إذِ المَفْعُولُ الثّانِي لِزادَ لَمْ يُذْكَرْ، وقَدْ كانَ في هَذِهِ الغَزْوَةِ مُنافِقُونَ كَثِيرٌ، ولَهم لا شَكَّ خَبالٌ، فَلَوْ خَرَجَ هَؤُلاءِ لَتَألَّبُوا فَزادَ الخَبالُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُسْتَثْنى مِنهُ غَيْرُ مَذْكُورٍ، فالِاسْتِثْناءُ مِن أعَمِّ العامِّ الَّذِي هو الشَّيْءُ، فَكانَ هو اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا؛ لِأنَّ الخَبالَ بَعْضُ أعَمِّ العامِّ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما زادُوكم شَيْئًا إلّا خَبالًا. وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، وهَذا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ لَمْ يَكُنْ في عَسْكَرِ الرَّسُولِ خَبالٌ. فالمَعْنى: ما زادُوكم قُوَّةً ولا شِدَّةً لَكِنْ خَبالًا. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ما زادُوكم بِغَيْرِ واوٍ؛ يَعْنِي: ما زادَكم خُرُوجُهم إلّا خَبالًا. والإيضاعُ الإسْراعُ، قالَ: ؎أُرانا مُوضِعِينَ لِأمْرِ غَيْبٍ ∗∗∗ ونُسْحَرُ بِالطَّعامِ وبِالشَّرابِ ويُقالُ: وضَعَتِ النّاقَةُ تَضَعُ وضْعًا ووُضُوعًا، قالَ: ؎يا لَيْتَنِي فِيها جَذَعْ ∗∗∗ أخُبُّ فِيها وأضَعْ قالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ لَأسْرَعُوا بِالنَّمِيمَةِ. وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ القاسِمِ: لَأسْرَعُوا بِالفِرارِ. ومَفْعُولُ أوْضَعُوا مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: ولَأوْضَعُوا رَكائِبَكم بَيْنَكم؛ لِأنَّ الرّاكِبَ أسْرَعُ مِنَ الماشِي. وقَرَأ مُجاهِدٌ ومُحَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ: ولَأوْفَضُوا؛ أيْ أسْرَعُوا كَقَوْلِهِ: ﴿إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: ٤٣] وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ: ولَأرْفَضُوا بِالرّاءِ مِن رَفَضَ أسْرَعَ في مَشْيِهِ رَفْضًا ورَفَضانًا، قالَ حَسّانُ: ؎بِزُجاجَةٍ رَفَضَتْ بِما في جَوْفِها ∗∗∗ رَفْضَ القَلُوصِ بِراكِبٍ مُسْتَعْجِلِ (p-٥٠)وقالَ غَيْرُهُ: ؎والرّافِضاتُ إلى مِنًى فالقَبْقَبِ والخِلالُ جَمْعُ الخَلَلِ، وهو الفُرْجَةُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: تَخَلَّلْتُ القَوْمَ دَخَلْتُ بَيْنَ خَلَلِهِمْ وخِلالِهِمْ، وجَلَسْنا خِلالَ البُيُوتِ وخِلالَ الدُّورِ؛ أيْ: بَيْنَها. ويَبْغُونَ حالٌ؛ أيْ: باغِينَ. قالَ الفَرّاءُ: يَبْغُونَها لَكم. والفِتْنَةُ هُنا الكُفْرُ قالَهُ مُقاتِلٌ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والضَّحّاكُ، أوِ العَيْبُ والشَّرُّ قالَهُ: الكَلْبِيُّ، أوْ تَفْرِيقُ الجَماعَةِ، أوِ المِحْنَةُ بِاخْتِلافِ الكَلِمَةِ، أوِ النَّمِيمَةُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُحاوِلُونَ أنْ يَفْتِنُوكم بِأنْ يُوقِعُوا الخِلافَ فِيما بَيْنَكم، ويُفْسِدُوا نِيّاتِكم في مَغْزاكم. وفِيكم سَمّاعُونَ لَهم؛ أيْ: نَمّامُونَ يَسْمَعُونَ حَدِيثَكم فَيَنْقُلُونَهُ إلَيْهِمْ، أوْ فِيكم قَوْمٌ يَسْتَمِعُونَ لِلْمُنافِقِينَ ويُطِيعُونَهم. انْتَهى. فاللّامُ في القَوْلِ الأوَّلِ لِلتَّعْلِيلِ، وفي الثّانِي لِتَقْوِيَةِ التَّعْدِيَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧] والقَوْلُ الأوَّلُ قالَهُ: سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، قالُوا: مَعْناهُ جَواسِيسُ يَسْتَمِعُونَ الأخْبارَ ويَنْقُلُونَها إلَيْهِمْ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ. والقَوْلُ الثّانِي قَوْلُ الجُمْهُورِ، قالُوا: مَعْناهُ وفِيكم مُطِيعُونَ سَمّاعُونَ لَهم. ومَعْنى وفِيكم في خِلالِكم مِنهم، أوْ مِنكم مِمَّنْ قَرُبَ عَهْدُهُ بِالإسْلامِ. واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ يَعُمُّ كُلَّ ظالِمٍ. ومَعْنى ذَلِكَ: أنَّهُ يُجازِيهِ عَلى ظُلْمِهِ. وانْدَرَجَ فِيهِ مَن يَقْبَلُ كَلامَ المُنافِقِينَ، ومَن يُؤَدِّي إلَيْهِمْ أخْبارَ المُؤْمِنِينَ، ومَن تَخَلَّفَ عَنْ هَذِهِ الغَزاةِ مِنَ المُنافِقِينَ.

التوبة 9:46

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا قَلِيلٌ﴾: لَمّا أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِغَزاةِ تَبُوكَ، وكانَ زَمانَ جَدْبٍ وحَرٍّ شَدِيدٍ وقَدْ طابَتِ الثِّمارُ، عَظُمَ ذَلِكَ عَلى النّاسِ وأحَبُّوا المُقامَ، نَزَلَتْ عِتابًا عَلى مَن تَخَلَّفَ عَنْ هَذِهِ الغَزْوَةِ، وكانَتْ سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ بَعْدَ الفَتْحِ بِعامٍ، غَزا فِيها الرُّومَ في عِشْرِينَ ألْفًا مِن راكِبٍ وراجِلٍ، وتَخَلَّفَ عَنْهُ قَبائِلُ مِنَ النّاسِ ورِجالٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ كَثِيرٌ ومُنافِقُونَ. وخَصَّ الثَّلاثَةَ بِالعِتابِ الشَّدِيدِ بِحَسَبِ مَكانِهِمْ مِنَ الصُّحْبَةِ؛ إذْ هم مِن أهْلِ بَدْرٍ ومِمَّنْ يُقْتَدى بِهِمْ، وكانَ تَخَلُّفُهم لِغَيْرِ عِلَّةٍ حَسْبَما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. ولَمّا شَرَحَ مَعاتِبَ الكُفّارِ رَغِبَ في مُقابَلَتِهِمْ. و(ما لَكم) اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإنْكارُ والتَّقْرِيعُ، وبُنِيَ (قِيلَ) لِلْمَفْعُولِ، والقائِلُ هو الرَّسُولُ ﷺ لَمْ يُذْكَرْ إغْلاظًا ومُخاشَنَةً لَهم وصَوْنًا لِذِكْرِهِ؛ إذْ أخْلَدَ إلى الهُوَيْنا والدَّعَةِ، مَن أخْلَدَ وخالَفَ أمْرَهُ ﷺ . وقَرَأ الأعْمَشُ: تَثاقَلْتُمْ وهو أصْلُ قِراءَةِ الجُمْهُورِ اثّاقَلْتُمْ، وهو ماضٍ بِمَعْنى المُضارِعِ، وهو في مَوْضِعِ الحالِ، وهو عامِلٌ في (إذْ)؛ أيْ: ما لَكم تَتَثاقَلُونَ إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا. وقالَ أبُو البَقاءِ: الماضِي هُنا بِمَعْنى المُضارِعِ؛ أيْ: ما لَكم تَتَثاقَلُونَ، ومَوْضِعُهُ نَصْبٌ. أيْ: أيُّ شَيْءٍ لَكم في التَّثاقُلِ ؟ أوْ في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى مَذْهَبِ الخَلِيلِ. انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ حَذْفُ أنْ؛ لِأنَّهُ لا يَنْسَبِكُ مَصْدَرٌ إلّا مِن حَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلِ، وحَذْفُ أنْ في نَحْوِ هَذا قَلِيلٌ جِدًّا أوْ ضَرُورَةٌ. وإذا كانَ التَّقْدِيرُ في التَّثاقُلِ فَلا يُمْكِنُ عَمَلُهُ في إذا؛ لِأنَّ مَعْمُولَ المَصْدَرِ المَوْصُولِ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ فَيَكُونُ النّاصِبُ لِإذا، والمُتَعَلِّقُ بِهِ في التَّثاقُلِ ما هو مَعْلُومٌ لَكُمُ الواقِعُ خَبَرًا لِما. وقُرِئَ: اثّاقَلْتُمْ عَلى الِاسْتِفْهامِ الَّذِي مَعْناهُ الإنْكارُ والتَّوْبِيخُ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَعْمَلَ في إذا ما بَعْدَ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْمَلُ فِيهِ ما دَلَّ عَلَيْهِ، أوْ ما في (ما لَكم) مِن مَعْنى الفِعْلِ، كَأنَّهُ قالَ: ما تَصْنَعُونَ إذا قِيلَ لَكم، كَما تَعْمَلُهُ في الحالِ إذا قُلْتَ: ما لَكَ قائِمًا. والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ما لَكم تَتَثاقَلُونَ إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا، وحُذِفَ لِدَلالَةِ اثّاقَلْتُمْ عَلَيْهِ. ومَعْنى اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ: مِلْتُمْ إلى شَهَواتِ الدُّنْيا حِينَ أخْرَجَتِ الأرْضُ ثِمارَها، قالَهُ مُجاهِدٌ، وكَرِهْتُمْ مَشاقَّ السَّفَرِ. وقِيلَ: مِلْتُمْ إلى الإقامَةِ بِأرْضِكم، قالَهُ الزَّجّاجُ. ولَمّا ضُمِّنَ مَعْنى المَيْلِ والإخْلادِ عُدِّيَ بِإلى. وفي قَوْلِهِ: (أرَضِيتُمْ)، نَوْعٌ مِنَ الإنْكارِ والتَّعَجُّبِ؛ أيْ: أرَضِيتُمْ بِالنَّعِيمِ العاجِلِ في الدُّنْيا الزّائِلِ بَدَلَ النَّعِيمِ الباقِي ؟ . و(مِن) تَظافَرَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّها بِمَعْنى (بَدَلَ)؛ أيْ: بَدَلَ الآخِرَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً﴾ [الزخرف: ٦٠] أيْ بَدَلًا مِنكم، ومِنهُ (p-٤٢)قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَلَيْتَ لَنا مِن ماءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً مُبَرَّدَةً باتَتْ عَلى طَهَيانِ أيْ بَدَلًا مِن ماءِ زَمْزَمَ، والطَّهَيانِ عُودٌ يُنْصَبُ في ناحِيَةِ الدّارِ لِلْهَواءِ تُعَلَّقُ فِيهِ أوْعِيَةُ الماءِ حَتّى تَبْرُدَ. وأصْحابُنا لا يُثْبِتُونَ أنْ تَكُونَ مِن لِلْبَدَلِ. ويَتَعَلَّقُ (في الآخِرَةِ) بِمَحْذُوفٍ؛ التَّقْدِيرُ: فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا مَحْسُوبًا في نَعِيمِ الآخِرَةِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: في الآخِرَةِ مُتَعَلِّقٌ بِقَلِيلٍ، وقَلِيلٌ خَبَرُ الِابْتِداءِ. وصَلُحَ أنْ يَعْمَلَ في الظَّرْفِ مُقَدَّمًا؛ لِأنَّ رائِحَةَ الفِعْلِ تَعْمَلُ في الظَّرْفِ. ولَوْ قُلْتَ: ما زَيْدٌ عَمْرًا إلّا يَضْرِبُ، لَمْ يَجُزْ. ﴿إلّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا ويَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ولا تَضُرُّوهُ شَيْئًا واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: هَذا سُخْطٌ عَلى المُتَثاقِلِينَ عَظِيمٌ، حَيْثُ أوْعَدَهم بِعَذابٍ ألِيمٍ مُطْلَقٍ يَتَناوَلُ عَذابَ الدّارَيْنِ، وأنَّهُ يُهْلِكُهم ويَسْتَبْدِلُ قَوْمًا آخَرِينَ خَيْرًا مِنهم وأطْوَعَ، وأنَّهُ غَنِيٌّ عَنْهم في نُصْرَةِ دِينِهِ، لا يَقْدَحُ تَثاقُلُهم فِيها شَيْئًا. وقِيلَ: يُعَذِّبُكم بِإمْساكِ المَطَرِ عَنْكم. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: «اسْتَنْفَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبِيلَةً فَقَعَدَتْ، فَأمْسَكَ اللَّهُ عَنْها المَطَرَ وعَذَّبَها بِهِ» . والمُسْتَبْدَلُ المَوْعُودُ بِهِمْ، قالَ جَماعَةٌ: أهْلُ اليَمَنِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: أبْناءُ فارِسَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ التّابِعُونَ، والظّاهِرُ مُسْتَغْنٍ عَنِ التَّخْصِيصِ. وقالَ الأصَمُّ: مَعْناهُ أنَّهُ تَعالى يُخْرِجُ رَسُولَهُ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ إلى المَدِينَةِ. قالَ القاضِي: وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّهُ يَنْتَقِلُ مِنَ المَدِينَةِ إلى غَيْرِها، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَظْهَرَ في المَدِينَةِ أقْوامًا يُعِينُونَهُ عَلى الغَزْوِ، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يُعِينَهُ بِأقْوامٍ مِنَ المَلائِكَةِ أيْضًا حالَ كَوْنِهِ هُناكَ. والضَّمِيرُ في: ﴿ولا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى؛ أيْ: ولا تَضُرُّوا دِينَهُ شَيْئًا. وقِيلَ: عَلى الرَّسُولِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قَدْ عَصَمَهُ ووَعَدَهُ بِالنَّصْرِ، ووَعْدُهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ. ولَمّا رَتَّبَ عَلى انْتِفاءِ نَفْرِهِمُ التَّعْذِيبَ والِاسْتِبْدالَ وانْتِفاءَ الضَّرَرِ، أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ تَتَعَلَّقُ إرادَتُهُ بِهِ قَدِيرٌ مِنَ التَّعْذِيبِ والتَّغْيِيرِ وغَيْرِ ذَلِكَ. ﴿إلّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إذْ أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إذْ هُما في الغارِ إذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾: (إلّا تَنْصُرُوهُ) فِيهِ انْتِفاءُ النَّصْرِ بِأيِّ طَرِيقٍ كانَ مِن نَفْرٍ أوْ غَيْرِهِ. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَسَيَنْصُرُهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ (فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ)؛ أيْ: يَنْصُرُهُ في المُسْتَقْبَلِ كَما نَصَرَهُ في الماضِي (p-٤٣)وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: (فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ) جَوابًا لِلشَّرْطِ ؟ قُلْتُ: فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَسَيَنْصُرُهُ، وذَكَرَ مَعْنى ما قَدَّمْناهُ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى أوْجَبَ لَهُ النُّصْرَةَ وجَعَلَهُ مَنصُورًا في ذَلِكَ الوَقْتِ فَلَمْ يُخْذَلْ مِن بَعْدِهِ. انْتَهى. وهَذا لا يَظْهَرُ مِنهُ جَوابُ الشَّرْطِ؛ لِأنَّ إيجابَ النُّصْرَةِ لَهُ أمْرٌ سَبَقَ، والماضِي لا يَتَرَتَّبُ عَلى المُسْتَقْبَلِ، فالَّذِي يَظْهَرُ الوَجْهُ الأوَّلُ. ومَعْنى إخْراجِ الَّذِينَ كَفَرُوا إيّاهُ: فِعْلُهم بِهِ ما يُؤَدِّي إلى الخُرُوجِ، والإشارَةُ إلى خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ. ونُسِبَ الإخْراجُ إلَيْهِمْ مَجازًا، كَما نُسِبَ في قَوْلِهِ: (الَّتِي أخْرَجَتْكَ) . وقِصَّةُ خُرُوجِ الرَّسُولِ ﷺ وأبِي بَكْرٍ مَذْكُورَةٌ في السِّيَرِ. وانْتَصَبَ (ثانِيَ اثْنَيْنِ) عَلى الحالِ؛ أيْ: أحَدَ اثْنَيْنِ وهُما: رَسُولُ اللَّهِ، وأبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا أُمِرَ بِالخُرُوجِ قالَ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”مَن يَخْرُجُ مَعِي ؟“ قالَ: أبُو بَكْرٍ. وقالَ اللَّيْثُ: ما صَحِبَ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِثْلُ أبِي بَكْرٍ. وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: خَرَجَ أبُو بَكْرٍ بِهَذِهِ الآيَةِ مِنَ المُعاتَبَةِ الَّتِي في قَوْلِهِ: (إلّا تَنْصُرُوهُ) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بَلْ خَرَجَ مِنها كُلُّ مَن شاهَدَ غَزْوَةَ تَبُوكَ، وإنَّما المُعاتَبَةُ لِمَن تَخَلَّفَ فَقَطْ، وهَذِهِ الآيَةُ مُنَوِّهَةٌ بِقَدْرِ أبِي بَكْرٍ وتَقَدُّمِهِ وسابِقَتِهِ في الإسْلامِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ تَرْغِيبُهم في الجِهادِ ونُصْرَةِ دِينِ اللَّهِ؛ إذْ بَيَّنَ فِيها أنَّ اللَّهَ يَنْصُرُهُ كَما نَصَرَهُ، إذْ كانَ في الغارِ ولَيْسَ مَعَهُ فِيهِ أحَدٌ سِوى أبِي بَكْرٍ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: ثانِي اثْنَيْنِ بِسُكُونِ ياءِ ثانِي. قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: حَكاها أبُو عَمْرٍو، ووَجْهُهُ أنَّهُ سَكَّنَ الياءَ تَشْبِيهًا لَها بِالألِفِ. والغارُ: نَقْبٌ في أعْلى ثَوْرٍ، وهو جَبَلٌ في يُمْنى مَكَّةَ عَلى مَسِيرَةِ ساعَةٍ، مَكَثَ فِيهِ ثَلاثًا. (إذْ هُما): بَدَلٌ، و(إذْ يَقُولُ): بَدَلٌ ثانٍ. وقالَ العُلَماءُ: مَن أنْكَرَ صُحْبَةَ أبِي بَكْرٍ فَقَدْ كَفَرَ لِإنْكارِهِ كَلامَ اللَّهِ تَعالى، ولَيْسَ ذَلِكَ لِسائِرِ الصَّحابَةِ. وكانَ سَبَبُ حَزْنِ أبِي بَكْرٍ خَوْفَهُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَهاهُ الرَّسُولُ تَسْكِينًا لِقَلْبِهِ، وأخْبَرَهُ بِقَوْلِهِ: إنَّ اللَّهَ مَعَنا، يَعْنِي: بِالمَعُونَةِ والنَّصْرِ. «وقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنْ قُتِلْتُ فَأنا رَجُلٌ واحِدٌ، وإنْ قُتِلْتَ هَلَكَتِ الأُمَّةُ وذَهَبَ دِينُ اللَّهِ، فَقالَ: ”ما ظَنَّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثالِثُهُما ؟“»، وقالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ؎قالَ النَّبِيُّ ولَمْ يَجْزَعْ يُوَقِّرُنِي ∗∗∗ ونَحْنُ في سَدَفٍ مِن ظُلْمَةِ الغارِ ؎لا تَخْشَ شَيْئًا فَإنَّ اللَّهَ ثالِثُنا ∗∗∗ وقَدْ تَكَفَّلَ لِي مِنهُ بِإظْهارِ ؎وإنَّما كَيْدُ مَن تَخْشى بَوادِرَهُ ∗∗∗ كَيْدُ الشَّياطِينِ قَدْ كادَتْ لِكُفّارِ ؎واللَّهُ مُهْلِكُهم طُرًّا بِما صَنَعُوا ∗∗∗ وجاعِلُ المُنْتَهى مِنهم إلى النّارِ ﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وأيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وكَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: السَّكِينَةُ الرَّحْمَةُ. وقالَ قَتادَةُ في آخَرِينَ: الوَقارُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الطُّمَأْنِينَةُ. وهَذِهِ الأقْوالُ مُتَقارِبَةٌ. والضَّمِيرُ في (عَلَيْهِ) عائِدٌ عَلى صاحِبِهِ، قالَهُ حَبِيبُ بْنُ أبِي ثابِتٍ، أوْ عَلى الرَّسُولِ، قالَهُ الجُمْهُورُ، أوْ عَلَيْهِما وأفْرَدَهُ لِتَلازُمِهِما، ويُؤَيِّدُهُ أنَّ في مُصْحَفِ حَفْصَةَ: فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِما وأيَّدَهُما. والجُنُودُ: المَلائِكَةُ يَوْمَ بَدْرٍ، والأحْزابِ، وحُنَيْنٍ. وقِيلَ: ذَلِكَ الوَقْتُ يُلْقُونَ البِشارَةَ في قَلْبِهِ، ويَصْرِفُونَ وُجُوهَ الكُفّارِ عَنْهُ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ (عَلَيْهِ) عائِدٌ عَلى أبِي بَكْرٍ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ كانَ ثابِتَ الجَأْشِ، ولِذَلِكَ قالَ: لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا. وأنَّ الضَّمِيرَ في (وأيَّدَهُ) عائِدٌ عَلى الرَّسُولِ ﷺ كَما جاءَ: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩] يَعْنِي الرَّسُولَ، وتُسَبِّحُوهُ: يَعْنِي اللَّهَ تَعالى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والسَّكِينَةُ عِنْدِي إنَّما هي ما يُنَزِّلُهُ اللَّهُ عَلى أنْبِيائِهِ مِنَ الحِياطَةِ لَهم، والخَصائِصِ الَّتِي لا تَصْلُحُ إلّا لَهم كَقَوْلِهِ: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٨]، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ (p-٤٤)إلى آخِرِ الآيَةِ يُرادُ بِهِ ما صَنَعَهُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ إلى وقْتِ تَبُوكَ مِنَ الظُّهُورِ والفُتُوحِ، لا أنْ يَكُونَ هَذا يَخْتَصُّ بِقِصَّةِ الغارِ. وكَلِمَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا هي الشِّرْكُ، وهي مَقْهُورَةٌ. وكَلِمَةُ اللَّهِ: هي التَّوْحِيدُ، وهي ظاهِرَةٌ. هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كَلِمَةُ الكافِرِينَ ما قَرَّرُوا بَيْنَهم مِنَ الكَيْدِ بِهِ لِيَقْتُلُوهُ، وكَلِمَةُ اللَّهِ: أنَّهُ ناصِرُهُ. وقِيلَ: كَلِمَةُ اللَّهِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وكَلِمَةُ الكُفّارِ قَوْلُهم في الحَرْبِ: يا لِبَنِي فُلانٍ، ويا لِفُلانٍ. وقِيلَ: كَلِمَةُ اللَّهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] وكَلِمَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا قَوْلُهم في الحَرْبِ: اعْلُ هُبَلَ؛ يَعْنُونَ صَنَمَهُمُ الأكْبَرَ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: وأيَدَهُ، والجُمْهُورُ: وأيَّدَهُ بِتَشْدِيدِ الياءِ. وقُرِئَ: وكَلِمَةُ اللَّهِ بِالنَّصْبِ؛ أيْ: وجَعَلَ. وقِراءَةُ الجُمْهُورِ بِالرَّفْعِ أثْبَتُ في الإخْبارِ. وعَنْ أنَسٍ رَأيْتُ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ: وجَعَلَ كَلِمَتَهُ هي العَلْياءَ، وناسَبَ الوَصْفُ بِالعِزَّةِ الدّالَّةِ عَلى القَهْرِ والغَلَبَةِ، والحِكْمَةِ الدّالَّةِ عَلى ما يَصْنَعُ مَعَ أنْبِيائِهِ وأوْلِيائِهِ، ومَن عاداهم مِن إعْزازِ دِينِهِ وإخْمادِ الكُفْرِ. ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا وجاهِدُوا بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم في سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: لَمّا تَوَعَّدَ تَعالى مَن لا يَنْفِرُ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ وضَرَبَ لَهُ مِنَ الأمْثالِ ما ضَرَبَ، أتْبَعَهُ بِهَذا الأمْرِ الجَزْمَ. والمَعْنى: انْفِرُوا عَلى الوَصْفِ الَّذِي يَخِفُّ عَلَيْكم فِيهِ الجِهادُ، أوْ عَلى الوَصْفِ الَّذِي يَثْقُلُ. والخِفَّةُ والثِّقَلُ هُنا مُسْتَعارٌ لِمَن يُمْكِنُهُ السَّفَرُ بِسُهُولَةٍ، ومَن يُمْكِنُهُ بِصُعُوبَةٍ، وأمّا مَن لا يُمْكِنُهُ كالأعْمى ونَحْوِهِ فَخارِجٌ عَنْ هَذا. ورُوِيَ أنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: أعَلَيَّ أنْ أنْفِرَ ؟ قالَ: نَعَمْ، حَتّى نَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١] . وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ مِن مَعانِي الخِفَّةِ والثِّقَلِ أشْياءَ لا عَلى وجْهِ التَّخْصِيصِ، بَعْضَها دُونَ بَعْضٍ، وإنَّما يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى التَّمْثِيلِ لا عَلى الحَصْرِ. قالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ: شَبابًا وشُيُوخًا. وقالَ أبُو صالِحٍ: أغْنِياءَ وفُقَراءَ في اليُسْرِ والعُسْرِ. وقالَ الأوْزاعِيُّ: رُكْبانًا ومُشاةً. وقِيلَ عَكْسُهُ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: عُزْبانًا ومُتَزَوِّجِينَ. وقالَ جُوَيْبِرٌ: أصِحّاءَ ومَرْضى. وقالَ جَماعَةٌ: خِفافًا مِنَ السِّلاحِ؛ أيْ مُقِلِّينَ فِيهِ، وثِقالًا؛ أيْ مُسْتَكْثِرِينَ مِنهُ. وقالَ الحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: خِفافًا مِنَ الأشْغالِ وثِقالًا بِها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خِفافًا مِنَ العِيالِ وثِقالًا بِهِمْ. وحَكى التَّبْرِيزِيُّ: خِفافًا مِنَ الأتْباعِ والحاشِيَةِ وثِقالًا بِهِمْ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: هو مِن خِفَّةِ اليَقِينِ وثِقَلِهِ عِنْدَ الكَراهَةِ. وحَكى الماوَرْدِيُّ: خِفافًا إلى الطّاعَةِ وثِقالًا عَنِ المُخالَفَةِ. وحَكى صاحِبُ الفِتْيانِ: خِفافًا إلى المُبارَزَةِ، وثِقالًا في المُصابَرَةِ. وحَكى أيْضًا: خِفافًا بِالمُسارَعَةِ والمُبادَرَةِ وثِقالًا بَعْدَ التَّرَوِّي والتَّفَكُّرِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: ذَوِي صَنْعَةٍ وهو الثَّقِيلُ، وغَيْرُ ذَوِي صَنْعَةٍ وهو الخَفِيفُ. وحَكى النَّقّاشُ: شُجْعانًا وجُبَناءَ. وقِيلَ: مَهازِيلَ وسِمانًا. وقِيلَ: سِباقًا إلى الحَرْبِ كالطَّلِيعَةِ وهو مُقَدَّمُ الجَيْشِ، والثِّقالُ الجَيْشُ بِأسْرِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: النَّشِيطُ والكَسْلانُ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّ الأمْرَ مَوْقُوفٌ عَلى فَرْضِ الكِفايَةِ، ولَمْ يُقْصَدْ بِهِ فَرْضُ الأعْيانِ. وقالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ: هو فَرْضٌ عَلى المُؤْمِنِينَ؛ عُنِيَ بِهِ فَرْضُ الأعْيانِ في تِلْكَ المُدَّةِ، ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] . وانْتَصَبَ ﴿خِفافًا وثِقالًا﴾ عَلى الحالِ. وذُكِرَ ﴿بِأمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ﴾ إذْ ذَلِكَ وصْفٌ لِأكْمَلِ ما يَكُونُ مِنَ الجِهادِ وأنْفَعِهِ عِنْدَ اللَّهِ، فَحَضَّ عَلى كَمالِ الأوْصافِ. وقُدِّمَتِ الأمْوالُ إذْ هي أوَّلُ مَصْرِفٍ وقْتَ التَّجْهِيزِ، وذُكِرَ ما المُجاهِدُ فِيهِ وهو سَبِيلُ اللَّهِ، والخَيْرِيَّةُ هي في الدُّنْيا بِغَلَبَةِ العَدُوِّ ووِراثَةِ الأرْضِ، وفي الآخِرَةِ بِالثَّوابِ ورِضْوانِ اللَّهِ. وقَدْ غَزا أبُو طَلْحَةَ حَتّى غَزا في البَحْرِ وماتَ فِيهِ، وغَزا المِقْدادُ عَلى ضَخامَتِهِ وسِمَنِهِ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ وقَدْ ذَهَبَتْ إحْدى عَيْنَيْهِ، وابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ مَعَ كَوْنِهِ أعْمى. (p-٤٥)﴿لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا وسَفَرًا قاصِدًا لاتَّبَعُوكَ ولَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكم يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾: أيْ لَوْ كانَ ما دُعُوا إلَيْهِ غُنْمًا قَرِيبًا سَهْلَ المَنالِ، وسَفَرًا قاصِدًا وسَطًا مُقارِبًا. وهَذِهِ الآيَةُ في قِصَّةِ تَبُوكَ حِينَ اسْتَنْفَرَ المُؤْمِنِينَ فَنَفَرُوا، واعْتَذَرَ مِنهم فَرِيقٌ لِأصْحابِهِ، لا سِيَّما مِنَ القَبائِلِ المُجاوِرَةِ لِلْمَدِينَةِ. ولَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ﴾ خِطابًا لِلْمُنافِقِينَ خاصَّةً، بَلْ هو عامٌّ. واعْتَذَرَ المُنافِقُونَ بِأعْذارٍ كاذِبَةٍ، فابْتَدَأ تَعالى بِذِكْرِ المُنافِقِينَ وكَشْفِ ضَمائِرِهِمْ. (لاتَّبَعُوكَ): لَبادَرُوا إلَيْهِ، لا لِوَجْهِ اللَّهِ، ولا لِظُهُورِ كَلِمَتِهِ، ﴿ولَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾؛ أيْ: المَسافَةُ الطَّوِيلَةُ في غَزْوِ الرُّومِ. والشُّقَّةُ بِالضَّمِّ مِنَ الثِّيابِ، والشُّقَّةُ أيْضًا السَّفَرُ البَعِيدُ، ورُبَّما قالُوهُ بِالكَسْرِ، قالَهُ الجَوْهَرِيُّ. وقالَ الزَّجّاجُ: الشُّقَّةُ: الغايَةُ الَّتِي تُقْصَدُ. وقالَ ابْنُ عِيسى: الشُّقَّةُ القِطْعَةُ مِنَ الأرْضِ يَشُقُّ رُكُوبُها. وقالَ ابْنُ فارِسٍ: الشُّقَّةُ المَسِيرُ إلى أرْضٍ بَعِيدَةٍ، واشْتِقاقُها مِنَ الشَّقِّ، أوْ مِنَ المَشَقَّةِ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: بَعِدَتْ عَلَيْهِمُ الشِّقَّةُ بِكَسْرِ العَيْنِ والشِّينِ، وافَقَهُ الأعْرَجُ في بَعِدَتْ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: إنَّها لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ في اللَّفْظَيْنِ. انْتَهى. وحَكى الكِسائِيُّ: شُقَّةً وشِقَّةً. (وسَيَحْلِفُونَ)؛ أيِ المُنافِقُونَ، وهَذا إخْبارٌ بِغَيْبٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في قَوْلِهِ: وسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما نَصُّهُ، (بِاللَّهِ) مُتَعَلِّقٌ بِسَيَحْلِفُونَ، أوْ هو مِن كَلامِهِمْ. والقَوْلُ مُرادٌ في الوَجْهَيْنِ؛ أيْ: سَيَحْلِفُونَ مُتَخَلِّصِينَ عِنْدَ رُجُوعِكَ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ مُعْتَذِرِينَ، يَقُولُونَ: بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكم، أوْ وسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ يَقُولُونَ: لَوِ اسْتَطَعْنا. وقَوْلُهُ: لَخَرَجْنا سَدَّ مَسَدَّ جَوابِ القَسَمِ ولَوْ جَمِيعًا، والإخْبارُ بِما سَوْفَ يَكُونُ بَعْدَ القَوْلِ مِن حَلِفِهِمْ واعْتِذارِهِمْ، وقَدْ كانَ مِن جُمْلَةِ المُعْجِزاتِ. ومَعْنى الِاسْتِطاعَةِ اسْتِطاعَةُ العُدَّةِ، واسْتِطاعَةُ الأبْدانِ، كَأنَّهم تَمارَضُوا. انْتَهى. وما ذَهَبَ إلَيْهِ مِن أنَّ قَوْلَهُ لَخَرَجْنا سَدَّ مَسَدَّ جَوابِ القَسَمِ ولَوْ جَمِيعًا لَيْسَ بِجَيِّدٍ (p-٤٦)بَلْ لِلنَّحْوِيِّينَ في هَذا مَذْهَبانِ: أحَدُهُما: أنَّ (لَخَرَجْنا) هو جَوابُ القَسَمِ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ عَلى قاعِدَةِ اجْتِماعِ القَسَمِ والشَّرْطِ إذا تَقَدَّمَ القَسَمُ عَلى الشَّرْطِ، وهَذا اخْتِيارُ أبِي الحَسَنِ بْنِ عُصْفُورٍ. والآخَرُ: أنَّ (لَخَرَجْنا) هو جَوابُ لَوْ، وجَوابُ القَسَمِ هو لَوْ وجَوابُها، وهَذا اخْتِيارُ ابْنُ مالِكٍ أنَّ (لَخَرَجْنا) يَسُدُّ مَسَدَّهُما، ولا أعْلَمُ أحَدًا ذَهَبَ إلى ذَلِكَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُتَأوَّلَ كَلامُهُ عَلى أنَّهُ لَمّا حُذِفَ جَوابُ لَوْ، ودَلَّ عَلَيْهِ جَوابُ القَسَمِ جُعِلَ كَأنَّهُ سَدَّ مَسَدَّ جَوابِ القَسَمِ وجَوابِ لَوْ جَمِيعًا. وقَرَأ الأعْمَشُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: لَوُ اسْتَطَعْنا بِضَمِّ الواوِ، وفَرَّ مِن ثِقَلِ الكَسْرَةِ عَلى الواوِ وشَبَّهَها بِواوِ الجَمْعِ عِنْدَ تَحْرِيكِها لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وقَرَأ الحَسَنُ: بِفَتْحِها كَما جاءَ: (اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ) بِالأوْجُهِ الثَّلاثَةِ. (يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم) بِالحَلِفِ الكاذِبِ؛ أيْ: يُوقِعُونَها في الهَلاكِ بِهِ. والظّاهِرُ أنَّها جُمْلَةُ اسْتِئْنافِ إخْبارٍ مِنهُ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم) إمّا أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (سَيَحْلِفُونَ)، أوْ حالًا بِمَعْنى مُهْلِكِينَ، والمَعْنى: أنَّهم يُوقِعُونَها في الهَلاكِ بِحَلِفِهِمُ الكاذِبِ، وما يَخْلُفُونَ عَلَيْهِ مِنَ التَّخَلُّفِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن قَوْلِهِ: (لَخَرَجْنا)؛ أيْ لَخَرَجْنا مَعَكم، وإنْ أهْلَكْنا أنْفُسَنا وألْقَيْناها في التَّهْلُكَةِ بِما يَحْمِلُها مِنَ المَسِيرِ في تِلْكَ الشُّقَّةِ. وجاءَ بِهِ عَلى لَفْظِ الغائِبِ؛ لِأنَّهُ مُخْبَرٌ عَنْهم، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ قِيلَ: سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطاعُوا لَخَرَجُوا لَكانَ سَدِيدًا ؟ يُقالُ: حَلَفَ بِاللَّهِ لَيَفْعَلَنَّ ولَأفْعَلَنَّ، فالغَيْبَةُ عَلى حُكْمِ الإخْبارِ والتَّكَلُّمُ عَلى الحِكايَةِ انْتَهى. أمّا كَوْنُ (يُهْلِكُونَ) بَدَلًا مِن (سَيَحْلِفُونَ) فَبَعِيدٌ؛ لِأنَّ الإهْلاكَ لَيْسَ مُرادِفًا لِلْحَلِفِ، ولا هو نَوْعٌ مِنَ الحَلِفِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُبْدَلَ فِعْلٌ مِن فِعْلٍ إلّا أنْ يَكُونَ مُرادِفًا لَهُ أوْ نَوْعًا مِنهُ. وأمّا كَوْنُهُ حالًا مِن قَوْلِهِ: (لَخَرَجْنا)، فالَّذِي يَظْهَرُ أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (لَخَرَجْنا) فِيهِ ضَمِيرُ التَّكَلُّمِ، فالَّذِي يَجْرِي عَلَيْهِ إنَّما يَكُونُ بِضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ. فَلَوْ كانَ حالًا مِن ضَمِيرِ (لَخَرَجْنا) لَكانَ التَّرْكِيبُ: نُهْلِكُ أنْفُسَنا؛ أيْ: مُهْلِكِي أنْفُسِنا. وأمّا قِياسُهُ ذَلِكَ عَلى حَلِفٍ بِاللَّهِ لَيَفْعَلَنَّ ولَأفْعَلَنَّ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأنَّهُ إذا أجْراهُ عَلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ لا يَخْرُجُ مِنهم إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، لَوْ قُلْتُ: حَلَفَ زَيْدٌ لَيَفْعَلَنَّ وأنا قائِمٌ، عَلى أنْ يَكُونَ وأنا قائِمٌ حالًا مِن ضَمِيرِ لَيَفْعَلَنَّ لَمْ يَجُزْ، وكَذا عَكْسُهُ نَحْوُ: حَلَفَ زَيْدٌ لَأفْعَلَنَّ يَقُومُ، تُرِيدُ قائِمًا لَمْ يَجُزْ. وأمّا قَوْلُهُ: وجاءَ بِهِ عَلى لَفْظِ الغائِبِ؛ لِأنَّهُ مُخْبَرٌ عَنْهم فَهي مُغالَطَةٌ لَيْسَ مُخْبَرًا عَنْهم بِقَوْلِهِ: لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكم، بَلْ هو حاكٍ لَفْظَ قَوْلِهِمْ، ثُمَّ قالَ: ألا تَرى لَوْ قِيلَ: لَوِ اسْتَطاعُوا لَخَرَجُوا لَكانَ سَدِيدًا إلى آخِرِهِ كَلامٌ صَحِيحٌ، لَكِنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ إخْبارًا عَنْهم، بَلْ حِكايَةً. والحالُ مِن جُمْلَةِ كَلامِهِمُ المَحْكِيِّ، فَلا يَجُوزُ أنْ يُخالِفَ بَيْنَ ذِي الحالِ وحالِهِ لِاشْتِراكِهِما في العامِلِ. لَوْ قُلْتَ: قالَ زَيْدٌ: خَرَجْتُ يَضْرِبُ خالِدًا؛ تُرِيدُ أضْرِبُ خالِدًا، لَمْ يَجُزْ. ولَوْ قُلْتَ: قالَتْ هِنْدُ: خَرَجَ زَيْدٌ (p-٤٧)أضْرِبُ خالِدًا، تُرِيدُ خَرَجَ زَيْدٌ ضارِبًا خالِدًا، لَمْ يَجُزْ. ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهم حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وتَعْلَمَ الكاذِبِينَ﴾؛ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذِهِ الآيَةُ في صِنْفٍ مُبالِغٍ في النِّفاقِ. واسْتَأْذَنُوا دُونَ اعْتِذارٍ مِنهم: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، والجَدُّ بْنُ قَيْسٍ، ورِفاعَةُ بْنُ التّابُوتِ، ومَنِ اتَّبَعَهم. فَقالَ بَعْضُهم: ائْذَنَّ لِي ولا تَفْتِنِّي. وقالَ بَعْضُهم: ائْذَنَّ لَنا في الإقامَةِ، فَأذِنَ لَهُمُ اسْتِبْقاءً مِنهُ عَلَيْهِمْ، وأخْذًا بِالأسْهَلِ مِنَ الأُمُورِ، وتَوَكُّلًا عَلى اللَّهِ. قالَ مُجاهِدٌ: قالَ بَعْضُهم: نَسْتَأْذِنُهُ، فَإنْ أذِنَ في القُعُودِ قَعَدْنا، وإنْ لَمْ يَأْذَنْ قَعَدْنا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ. انْتَهى. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ إبْراهِيمُ بْنُ عَرَفَةَ النَّحْوِيُّ الدّاوُدِيُّ المَنبُوذُ بِنَفْطَوَيْهِ: ذَهَبَ ناسٌ إلى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مُعاتَبٌ بِهَذِهِ الآيَةِ، وحاشاهُ مِن ذَلِكَ، بَلْ كانَ لَهُ أنْ يَفْعَلَ وأنْ لا يَفْعَلَ حَتّى يَنْزِلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ كَما قالَ: (لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِن أمْرِي ما اسْتَدْبَرْتُ لَجَعَلْتُها عُمْرَةً)؛ لِأنَّهُ كانَ لَهُ أنْ يَفْعَلَ وأنْ لا يَفْعَلَ. وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١]؛ لِأنَّهُ كانَ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ مِمّا لَمْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ فِيهِ وحْيٌ. واسْتَأْذَنَهُ المُخَلَّفُونَ في التَّخَلُّفِ واعْتَذَرُوا، اخْتارَ أيْسَرَ الأمْرَيْنِ تَكَرُّمًا وتَفَضُّلًا مِنهُ ﷺ، فَأبانَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لَوْ لَمْ يَأْذَنْ لَهم لَأقامُوا لِلنِّفاقِ الَّذِي في قُلُوبِهِمْ، وأنَّهم كاذِبُونَ في إظْهارِ الطّاعَةِ والمُشاوَرَةِ، فَعَفا اللَّهُ عَنْكَ عِنْدَهُ افْتِتاحُ كَلامٍ أعْلَمَهُ اللَّهُ بِهِ أنَّهُ لا حَرَجَ عَلَيْهِ فِيما فَعَلَهُ مِنَ الإذْنِ، ولَيْسَ هو عَفْوًا عَنْ ذَنْبٍ، إنَّما هو أنَّهُ تَعالى أعْلَمَهُ أنَّهُ لا يَلْزَمُهُ تَرْكُ الإذْنِ لَهم كَما قالَ ﷺ: «عَفا اللَّهُ لَكم عَنْ صَدَقَةِ الخَيْلِ والرَّقِيقِ» وما وجَبَتا قَطُّ ومَعْناهُ: تَرَكَ أنْ يُلْزِمَكم ذَلِكَ. انْتَهى. ووافَقَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ فَقالُوا: ذِكْرُ العَفْوِ هُنا لَمْ يَكُنْ عَنْ تَقَدُّمِ ذَنْبٍ، وإنَّما هو اسْتِفْتاحُ كَلامٍ جَرَتْ عادَةُ العَرَبِ أنْ تُخاطِبَ بِمِثْلِهِ لِمَن تُعَظِّمُهُ وتَرْفَعُ مِن قَدْرِهِ، يَقْصِدُونَ بِذَلِكَ الدُّعاءَ لَهُ، فَيَقُولُونَ: أصْلَحَ اللَّهُ الأمِيرَ كانَ كَذا وكَذا، فَعَلى هَذا صِيغَتُهُ صِيغَةُ الخَبَرِ، ومَعْناهُ الدُّعاءُ. انْتَهى. ولِمَ ولَهم مُتَعَلِّقانِ بِأذِنْتَ، لَكِنَّهُ اخْتَلَفَ مَدْلُولُ اللّامَيْنِ، إذْ لامُ لِمَ لِلتَّعْلِيلِ، ولامُ لَهم لِلتَّبْلِيغِ، فَجازَ ذَلِكَ لِاخْتِلافِ مَعْنَيَيْهِما، ومُتَعَلِّقُ الإذْنِ غَيْرُ مَذْكُورٍ، فَما قَدَّمْناهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ القُعُودُ؛ أيْ: لِمَ أذِنْتَ لَهم في القُعُودِ والتَّخَلُّفِ عَنِ الغَزْوِ حَتّى تَعْرِفَ ذَوِي العُذْرِ في التَّخَلُّفِ مِمَّنْ لا عُذْرَ لَهُ. وقِيلَ: مُتَعَلِّقُ الإذْنِ هو الخُرُوجُ مَعَهُ لِلْغَزْوِ، لِما تَرَتَّبَ عَلى خُرُوجِهِمْ مِنَ المَفاسِدِ؛ لِأنَّهم كانُوا عَيْنًا لِلْكُفّارِ عَلى المُسْلِمِينَ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وفِيكم سَمّاعُونَ لَهُمْ﴾ وكانُوا يَخْذُلُونَ المُؤْمِنِينَ ويَتَمَنَّوْنَ أنْ تَكُونَ الدّائِرَةُ عَلَيْهِمْ، فَقِيلَ: لِمَ أذِنْتَ لَهم في إخْراجِهِمْ وهم عَلى هَذِهِ الحالَةِ السَّيِّئَةِ ؟ وبَيَّنَ أنَّ خُرُوجَهم مَعَهُ لَيْسَ مَصْلَحَةً بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا﴾ . وحَتّى غايَةٌ لِما تَضَمَّنَهُ الِاسْتِفْهامُ؛ أيْ: ما كانَ أنْ تَأْذَنَ لَهم حَتّى يَتَبَيَّنَ مَن لَهُ العُذْرُ، هَكَذا قَدَّرَهُ الحَوْفِيُّ. وقالَ أبُو البَقاءِ: حَتّى يَتَبَيَّنَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، تَقْدِيرُهُ: هَلّا أخَّرْتَهم إلى أنْ يَتَبَيَّنَ أوْ لِيَتَبَيَّنَ. وقَوْلُهُ: لِمَ أذِنْتَ لَهم يَدُلُّ عَلى المَحْذُوفِ. ولا يَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ حَتّى بِأذِنْتَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ أذِنَ لَهم إلى هَذِهِ الغايَةِ، أوْ لِأجْلِ التَّبْيِينِ، وهَذا لا يُعاتَبُ عَلَيْهِ انْتَهى. وكَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾، مِمّا يَجِبُ اطِّراحُهُ، فَضْلًا عَنْ أنْ يُذْكَرَ فَيُرَدَّ عَلَيْهِ. وقَوْلُهُ: الَّذِينَ صَدَقُوا؛ أيْ: في اسْتِئْذانِكَ. وأنَّكَ لَوْ لَمْ تَأْذَنْ لَهم خَرَجُوا مَعَكَ. وتَعْلَمَ الكاذِبِينَ: تُرِيدُ في أنَّهُمُ اسْتَأْذَنُوكَ، يُظْهِرُونَ لَكَ أنَّهم يَقِفُونَ عِنْدَ حَدِّكَ وهم كَذَبَةٌ، وقَدْ عَزَمُوا عَلى العِصْيانِ، أذِنْتَ لَهم أوْ لَمْ تَأْذَنْ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: حَتّى تَعْلَمَ الصّادِقِينَ في أنَّ لَهم عُذْرًا، وتَعْلَمَ الكاذِبِينَ في أنْ لا عُذْرَ لَهم. وقالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ آيَةُ النُّورِ، ﴿فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهُمْ﴾ [النور: ٦٢] . وهَذا غَلَطٌ؛ لِأنَّ النُّورَ نَزَلَتْ سَنَةَ أرْبَعٍ مِنَ الهِجْرَةِ في غَزْوَةِ الخَنْدَقِ في اسْتِئْذانِ بَعْضِ المُؤْمِنِينَ الرَّسُولَ في بَعْضِ شَأْنِهِمْ في بُيُوتِهِمْ في بَعْضِ الأوْقاتِ، فَأباحَ اللَّهُ أنْ يَأْذَنَ، فَتَبايَنَتِ الآيَتانِ في الوَقْتِ والمَعْنى. ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ (p-٤٨)قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (لا يَسْتَأْذِنُكَ)؛ أيْ بَعْدَ غَزْوَةِ تَبُوكَ. وقالَ الجُمْهُورُ: لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وما بَعْدَها ورَدَ في قِصَّةِ تَبُوكَ، والظّاهِرُ أنَّ مُتَعَلِّقَ الِاسْتِئْذانِ هو (أنْ يُجاهِدُوا)؛ أيْ: لَيْسَ مِن عادَةِ المُؤْمِنِينَ أنْ يَسْتَأْذِنُوكَ في أنْ يُجاهِدُوا، وكانَ الخُلَّصُ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ لا يَسْتَأْذِنُونَ النَّبِيَّ ﷺ أبَدًا، ويَقُولُونَ: لَنُجاهِدَنَّ مَعَهُ بِأمْوالِنا وأنْفُسِنا. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: لا يَسْتَأْذِنُكَ المُؤْمِنُونَ في الخُرُوجِ ولا القُعُودِ كَراهَةَ أنْ يُجاهِدُوا، بَلْ إذا أمَرْتَ بِشَيْءٍ ابْتَدَرُوا إلَيْهِ، وكانَ الِاسْتِئْذانُ في ذَلِكَ الوَقْتِ عَلامَةً عَلى النِّفاقِ. وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾، شَهادَةٌ لَهم بِالِانْتِظامِ في زُمْرَةِ المُتَّقِينَ، وعِدَةٌ لَهم بِأجْزَلِ الثَّوابِ. ﴿إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وارْتابَتْ قُلُوبُهم فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾؛ هُمُ المُنافِقُونَ وكانُوا تِسْعَةً وثَلاثِينَ رَجُلًا. ومَعْنى ارْتابَتْ: شَكَّتْ. ويَتَرَدَّدُونَ: يَتَحَيَّرُونَ، لا يَتَّجِهُ لَهم هُدًى فَتارَةً يَخْطُرُ لَهم صِحَّةُ أمْرِ الرَّسُولِ، وتارَةً يَخْطُرُ لَهم خِلافُ ذَلِكَ. ﴿ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لَأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهم فَثَبَّطَهم وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ﴾؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عُدَّةً مِنَ الزّادِ والماءِ والرّاحِلَةِ؛ لِأنَّ سَفَرَهم بَعِيدٌ في زَمانِ حَرٍّ شَدِيدٍ. وفي تَرْكِهِمُ العُدَّةَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم أرادُوا التَّخَلُّفَ. وقالَ قَوْمٌ: كانُوا قادِرِينَ عَلى تَحْصِيلِ العُدَّةِ والأُهْبَةِ. ورَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: العُدَّةُ النِّيَّةُ الخالِصَةُ في الجِهادِ. وحَكى الطَّبَرِيُّ: كُلُّ ما يُعَدُّ لِلْقِتالِ مِنَ الزّادِ والسِّلاحِ. وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ وابْنُهُ مُعاوِيَةُ: عُدَّ بِضَمِّ العَيْنِ مِن غَيْرِ تاءٍ، والفَرّاءُ يَقُولُ: تَسْقُطُ التّاءُ لِلْإضافَةِ، وجَعَلَ مِن ذَلِكَ وإقامِ الصَّلاةِ؛ أيْ وإقامَةِ الصَّلاةِ. ووَرَدَ ذَلِكَ في عِدَّةِ أبْياتٍ مِن لِسانِ العَرَبِ، ولَكِنْ لا يَقِيسُ ذَلِكَ، إنَّما نَقِفُ فِيهِ مَعَ مَوْرِدِ السَّماعِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: لَمّا أضافَ جَعَلَ الكِنايَةَ نائِبَةً عَنِ التّاءِ فَأسْقَطَها، وذَلِكَ لِأنَّ العَدَّ بِغَيْرِ تاءٍ، ولا تَقْدِيرُها هو البَثْرُ الَّذِي يَخْرُجُ في الوَجْهِ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: هو جَمْعُ عُدَّةٍ كَبُرَّةٍ وبُرٍّ ودُرَّةٍ ودُرٍّ، والوَجْهُ فِيهِ عُدَدٌ، ولَكِنْ لا يُوافِقُ خَطَّ المُصْحَفِ. وقَرَأ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: عِدَّهُ بِكَسْرِ العَيْنِ، وهاءِ إضْمارٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو عِنْدِي اسْمٌ لِما يُعَدُّ كالذَّبْحِ والقَتْلِ لِلْعَدِّ، وسُمِّيَ قَتْلًا إذْ حَقُّهُ أنْ يُقْتَلَ. وقُرِئَ أيْضًا: عِدَّةً بِكَسْرِ العَيْنِ، وبِالتّاءِ دُونَ إضافَةٍ؛ أيْ: عِدَّةً مِنَ الزّادِ والسِّلاحِ، أوْ مِمّا لَهم مَأْخُوذٌ مِنَ العَدَدِ. ولَمّا تَضَمَّنَتِ الجُمْلَةُ انْتِفاءَ الخُرُوجِ والِاسْتِعْدادِ، وجاءَ بَعْدَها ولَكِنْ، وكانَتْ لا تَقَعُ إلّا بَيْنَ نَقِيضَيْنِ أوْ ضِدَّيْنِ أوْ خِلافَيْنِ عَلى خِلافٍ فِيهِ، لا بَيْنَ مُتَّفِقَيْنِ، وكانَ ظاهِرُ ما بَعْدَ لَكِنْ مُوافِقًا لِما قَبْلَها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ مَوْقِعُ حَرْفِ الِاسْتِدْراكِ ؟ قُلْتُ: لَمّا كانَ قَوْلُهُ: ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ مُعْطِيًا مَعْنى نَفْيِ خُرُوجِهِمْ واسْتِعْدادِهِمْ لِلْغَزْوِ قِيلَ: ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهم، كَأنَّهُ قِيلَ: ما خَرَجُوا ولَكِنْ تَثَبَّطُوا عَنِ الخُرُوجِ لِكَراهَةِ انْبِعاثِهِمْ، كَما تَقُولُ: ما أحْسَنَ إلَيَّ زِيدٌ ولَكِنْ أساءَ إلَيَّ. انْتَهى. ولَيْسَتِ الآيَةُ نَظِيرَ هَذا المِثالِ؛ لِأنَّ المِثالَ واقِعٌ فِيهِ لَكِنْ بَيْنَ ضِدَّيْنِ، والآيَةُ واقِعٌ فِيها، لَكِنْ بَيْنَ مُتَّفِقَيْنِ مِن جِهَةِ المَعْنى. والِانْبِعاثُ الِانْطِلاقُ والنُّهُوضُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَثَبَّطَهم كَسَلُهم وفَتْرُ نِيّاتِهِمْ. وبُنِيَ (وقِيلَ) لِلْمَفْعُولِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ القَوْلُ إذْنَ الرَّسُولِ لَهم في القُعُودِ، أوْ قَوْلَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ إمّا لَفْظًا وإمّا مَعْنًى، أوْ حِكايَةً عَنْ قَوْلِ اللَّهِ في سابِقِ قَضائِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَعَلَ إلْقاءَ اللَّهِ تَعالى في قُلُوبِهِمْ كَراهَةَ الخُرُوجِ أمْرًا بِالقُعُودِ. وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ الشَّيْطانِ بِالوَسْوَسَةِ. قالَ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ جازَ أنْ يُوقِعَ اللَّهُ تَعالى في نُفُوسِهِمْ كَراهَةَ الخُرُوجِ إلى الغَزْوِ وهي قَبِيحَةٌ، وتَعالى اللَّهُ عَنْ إلْهامِ القَبِيحِ ؟ قُلْتُ: خُرُوجُهم كانَ مَفْسَدَةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا﴾ (p-٤٩)فَكانَ إيقاعُ كَراهَةِ ذَلِكَ الخُرُوجِ في نُفُوسِهِمْ حَسَنًا ومَصْلَحَةً. انْتَهى. وهَذا السُّؤالُ والجَوابُ عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ في المَفْسَدَةِ والمَصْلَحَةِ، وهَذا القَوْلُ هو ذَمٌّ لَهم وتَعْجِيزٌ، وإلْحاقٌ بِالنِّساءِ والصِّبْيانِ والزَّمْنى الَّذِينَ شَأْنُهُمُ القُعُودُ والجُثُومُ في البُيُوتِ، وهُمُ القاعِدُونَ والخالِفُونَ والخَوالِفُ، ويُبَيِّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ﴾ [التوبة: ٨٧] والقُعُودُ هُنا عِبارَةٌ عَنِ التَّخَلُّفِ والتَّراخِي كَما قالَ: ؎دَعِ المَكارِمَ لا تَرْحَلْ لِبُغْيَتِها ∗∗∗ واقْعُدْ فَإنَّكَ أنْتَ الطّاعِمُ الكاسِي ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا ولَأوْضَعُوا خِلالَكم يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ وفِيكم سَمّاعُونَ لَهم واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾: لَمّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ضَرَبَ عَسْكَرَهُ عَلى ثَنِيَّةِ الوَداعِ، وضَرَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ عَسْكَرَهُ أسْفَلَ مِنها، ولَمْ يَكُنْ بِأقَلِّ العَسْكَرَيْنِ، فَلَمّا سارَ تَخَلَّفَ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ فِيمَن تَخَلَّفَ فَنَزَلَتْ بِعُرى. . . . اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى قَوْلِهِ: (وهم كارِهُونَ) . وفِيكم؛ أيْ: في جَيْشِكم أوْ في جُمْلَتِكم. وقِيلَ: في بِمَعْنى مَعَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الخَبالُ الفَسادُ ومُراعاةُ إخْمادِ الكَلِمَةِ. وقالَ الضَّحّاكُ: المَكْرُ والغَدْرُ. وقالَ ابْنُ عِيسى: الِاضْطِرابُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: الشَّرُّ، وقالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. وقِيلَ: إيقاعُ الِاخْتِلافِ والأراجِيفِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ الخَبالِ في آلِ عِمْرانَ. وهَذا الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ وهو مُفَرَّغٌ؛ إذِ المَفْعُولُ الثّانِي لِزادَ لَمْ يُذْكَرْ، وقَدْ كانَ في هَذِهِ الغَزْوَةِ مُنافِقُونَ كَثِيرٌ، ولَهم لا شَكَّ خَبالٌ، فَلَوْ خَرَجَ هَؤُلاءِ لَتَألَّبُوا فَزادَ الخَبالُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُسْتَثْنى مِنهُ غَيْرُ مَذْكُورٍ، فالِاسْتِثْناءُ مِن أعَمِّ العامِّ الَّذِي هو الشَّيْءُ، فَكانَ هو اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا؛ لِأنَّ الخَبالَ بَعْضُ أعَمِّ العامِّ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما زادُوكم شَيْئًا إلّا خَبالًا. وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، وهَذا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ لَمْ يَكُنْ في عَسْكَرِ الرَّسُولِ خَبالٌ. فالمَعْنى: ما زادُوكم قُوَّةً ولا شِدَّةً لَكِنْ خَبالًا. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ما زادُوكم بِغَيْرِ واوٍ؛ يَعْنِي: ما زادَكم خُرُوجُهم إلّا خَبالًا. والإيضاعُ الإسْراعُ، قالَ: ؎أُرانا مُوضِعِينَ لِأمْرِ غَيْبٍ ∗∗∗ ونُسْحَرُ بِالطَّعامِ وبِالشَّرابِ ويُقالُ: وضَعَتِ النّاقَةُ تَضَعُ وضْعًا ووُضُوعًا، قالَ: ؎يا لَيْتَنِي فِيها جَذَعْ ∗∗∗ أخُبُّ فِيها وأضَعْ قالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ لَأسْرَعُوا بِالنَّمِيمَةِ. وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ القاسِمِ: لَأسْرَعُوا بِالفِرارِ. ومَفْعُولُ أوْضَعُوا مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: ولَأوْضَعُوا رَكائِبَكم بَيْنَكم؛ لِأنَّ الرّاكِبَ أسْرَعُ مِنَ الماشِي. وقَرَأ مُجاهِدٌ ومُحَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ: ولَأوْفَضُوا؛ أيْ أسْرَعُوا كَقَوْلِهِ: ﴿إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: ٤٣] وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ: ولَأرْفَضُوا بِالرّاءِ مِن رَفَضَ أسْرَعَ في مَشْيِهِ رَفْضًا ورَفَضانًا، قالَ حَسّانُ: ؎بِزُجاجَةٍ رَفَضَتْ بِما في جَوْفِها ∗∗∗ رَفْضَ القَلُوصِ بِراكِبٍ مُسْتَعْجِلِ (p-٥٠)وقالَ غَيْرُهُ: ؎والرّافِضاتُ إلى مِنًى فالقَبْقَبِ والخِلالُ جَمْعُ الخَلَلِ، وهو الفُرْجَةُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: تَخَلَّلْتُ القَوْمَ دَخَلْتُ بَيْنَ خَلَلِهِمْ وخِلالِهِمْ، وجَلَسْنا خِلالَ البُيُوتِ وخِلالَ الدُّورِ؛ أيْ: بَيْنَها. ويَبْغُونَ حالٌ؛ أيْ: باغِينَ. قالَ الفَرّاءُ: يَبْغُونَها لَكم. والفِتْنَةُ هُنا الكُفْرُ قالَهُ مُقاتِلٌ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والضَّحّاكُ، أوِ العَيْبُ والشَّرُّ قالَهُ: الكَلْبِيُّ، أوْ تَفْرِيقُ الجَماعَةِ، أوِ المِحْنَةُ بِاخْتِلافِ الكَلِمَةِ، أوِ النَّمِيمَةُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُحاوِلُونَ أنْ يَفْتِنُوكم بِأنْ يُوقِعُوا الخِلافَ فِيما بَيْنَكم، ويُفْسِدُوا نِيّاتِكم في مَغْزاكم. وفِيكم سَمّاعُونَ لَهم؛ أيْ: نَمّامُونَ يَسْمَعُونَ حَدِيثَكم فَيَنْقُلُونَهُ إلَيْهِمْ، أوْ فِيكم قَوْمٌ يَسْتَمِعُونَ لِلْمُنافِقِينَ ويُطِيعُونَهم. انْتَهى. فاللّامُ في القَوْلِ الأوَّلِ لِلتَّعْلِيلِ، وفي الثّانِي لِتَقْوِيَةِ التَّعْدِيَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧] والقَوْلُ الأوَّلُ قالَهُ: سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، قالُوا: مَعْناهُ جَواسِيسُ يَسْتَمِعُونَ الأخْبارَ ويَنْقُلُونَها إلَيْهِمْ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ. والقَوْلُ الثّانِي قَوْلُ الجُمْهُورِ، قالُوا: مَعْناهُ وفِيكم مُطِيعُونَ سَمّاعُونَ لَهم. ومَعْنى وفِيكم في خِلالِكم مِنهم، أوْ مِنكم مِمَّنْ قَرُبَ عَهْدُهُ بِالإسْلامِ. واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ يَعُمُّ كُلَّ ظالِمٍ. ومَعْنى ذَلِكَ: أنَّهُ يُجازِيهِ عَلى ظُلْمِهِ. وانْدَرَجَ فِيهِ مَن يَقْبَلُ كَلامَ المُنافِقِينَ، ومَن يُؤَدِّي إلَيْهِمْ أخْبارَ المُؤْمِنِينَ، ومَن تَخَلَّفَ عَنْ هَذِهِ الغَزاةِ مِنَ المُنافِقِينَ.

التوبة 9:47

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا قَلِيلٌ﴾: لَمّا أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِغَزاةِ تَبُوكَ، وكانَ زَمانَ جَدْبٍ وحَرٍّ شَدِيدٍ وقَدْ طابَتِ الثِّمارُ، عَظُمَ ذَلِكَ عَلى النّاسِ وأحَبُّوا المُقامَ، نَزَلَتْ عِتابًا عَلى مَن تَخَلَّفَ عَنْ هَذِهِ الغَزْوَةِ، وكانَتْ سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ بَعْدَ الفَتْحِ بِعامٍ، غَزا فِيها الرُّومَ في عِشْرِينَ ألْفًا مِن راكِبٍ وراجِلٍ، وتَخَلَّفَ عَنْهُ قَبائِلُ مِنَ النّاسِ ورِجالٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ كَثِيرٌ ومُنافِقُونَ. وخَصَّ الثَّلاثَةَ بِالعِتابِ الشَّدِيدِ بِحَسَبِ مَكانِهِمْ مِنَ الصُّحْبَةِ؛ إذْ هم مِن أهْلِ بَدْرٍ ومِمَّنْ يُقْتَدى بِهِمْ، وكانَ تَخَلُّفُهم لِغَيْرِ عِلَّةٍ حَسْبَما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. ولَمّا شَرَحَ مَعاتِبَ الكُفّارِ رَغِبَ في مُقابَلَتِهِمْ. و(ما لَكم) اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإنْكارُ والتَّقْرِيعُ، وبُنِيَ (قِيلَ) لِلْمَفْعُولِ، والقائِلُ هو الرَّسُولُ ﷺ لَمْ يُذْكَرْ إغْلاظًا ومُخاشَنَةً لَهم وصَوْنًا لِذِكْرِهِ؛ إذْ أخْلَدَ إلى الهُوَيْنا والدَّعَةِ، مَن أخْلَدَ وخالَفَ أمْرَهُ ﷺ . وقَرَأ الأعْمَشُ: تَثاقَلْتُمْ وهو أصْلُ قِراءَةِ الجُمْهُورِ اثّاقَلْتُمْ، وهو ماضٍ بِمَعْنى المُضارِعِ، وهو في مَوْضِعِ الحالِ، وهو عامِلٌ في (إذْ)؛ أيْ: ما لَكم تَتَثاقَلُونَ إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا. وقالَ أبُو البَقاءِ: الماضِي هُنا بِمَعْنى المُضارِعِ؛ أيْ: ما لَكم تَتَثاقَلُونَ، ومَوْضِعُهُ نَصْبٌ. أيْ: أيُّ شَيْءٍ لَكم في التَّثاقُلِ ؟ أوْ في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى مَذْهَبِ الخَلِيلِ. انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ حَذْفُ أنْ؛ لِأنَّهُ لا يَنْسَبِكُ مَصْدَرٌ إلّا مِن حَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلِ، وحَذْفُ أنْ في نَحْوِ هَذا قَلِيلٌ جِدًّا أوْ ضَرُورَةٌ. وإذا كانَ التَّقْدِيرُ في التَّثاقُلِ فَلا يُمْكِنُ عَمَلُهُ في إذا؛ لِأنَّ مَعْمُولَ المَصْدَرِ المَوْصُولِ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ فَيَكُونُ النّاصِبُ لِإذا، والمُتَعَلِّقُ بِهِ في التَّثاقُلِ ما هو مَعْلُومٌ لَكُمُ الواقِعُ خَبَرًا لِما. وقُرِئَ: اثّاقَلْتُمْ عَلى الِاسْتِفْهامِ الَّذِي مَعْناهُ الإنْكارُ والتَّوْبِيخُ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَعْمَلَ في إذا ما بَعْدَ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْمَلُ فِيهِ ما دَلَّ عَلَيْهِ، أوْ ما في (ما لَكم) مِن مَعْنى الفِعْلِ، كَأنَّهُ قالَ: ما تَصْنَعُونَ إذا قِيلَ لَكم، كَما تَعْمَلُهُ في الحالِ إذا قُلْتَ: ما لَكَ قائِمًا. والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ما لَكم تَتَثاقَلُونَ إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا، وحُذِفَ لِدَلالَةِ اثّاقَلْتُمْ عَلَيْهِ. ومَعْنى اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ: مِلْتُمْ إلى شَهَواتِ الدُّنْيا حِينَ أخْرَجَتِ الأرْضُ ثِمارَها، قالَهُ مُجاهِدٌ، وكَرِهْتُمْ مَشاقَّ السَّفَرِ. وقِيلَ: مِلْتُمْ إلى الإقامَةِ بِأرْضِكم، قالَهُ الزَّجّاجُ. ولَمّا ضُمِّنَ مَعْنى المَيْلِ والإخْلادِ عُدِّيَ بِإلى. وفي قَوْلِهِ: (أرَضِيتُمْ)، نَوْعٌ مِنَ الإنْكارِ والتَّعَجُّبِ؛ أيْ: أرَضِيتُمْ بِالنَّعِيمِ العاجِلِ في الدُّنْيا الزّائِلِ بَدَلَ النَّعِيمِ الباقِي ؟ . و(مِن) تَظافَرَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّها بِمَعْنى (بَدَلَ)؛ أيْ: بَدَلَ الآخِرَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً﴾ [الزخرف: ٦٠] أيْ بَدَلًا مِنكم، ومِنهُ (p-٤٢)قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَلَيْتَ لَنا مِن ماءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً مُبَرَّدَةً باتَتْ عَلى طَهَيانِ أيْ بَدَلًا مِن ماءِ زَمْزَمَ، والطَّهَيانِ عُودٌ يُنْصَبُ في ناحِيَةِ الدّارِ لِلْهَواءِ تُعَلَّقُ فِيهِ أوْعِيَةُ الماءِ حَتّى تَبْرُدَ. وأصْحابُنا لا يُثْبِتُونَ أنْ تَكُونَ مِن لِلْبَدَلِ. ويَتَعَلَّقُ (في الآخِرَةِ) بِمَحْذُوفٍ؛ التَّقْدِيرُ: فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا مَحْسُوبًا في نَعِيمِ الآخِرَةِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: في الآخِرَةِ مُتَعَلِّقٌ بِقَلِيلٍ، وقَلِيلٌ خَبَرُ الِابْتِداءِ. وصَلُحَ أنْ يَعْمَلَ في الظَّرْفِ مُقَدَّمًا؛ لِأنَّ رائِحَةَ الفِعْلِ تَعْمَلُ في الظَّرْفِ. ولَوْ قُلْتَ: ما زَيْدٌ عَمْرًا إلّا يَضْرِبُ، لَمْ يَجُزْ. ﴿إلّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا ويَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ولا تَضُرُّوهُ شَيْئًا واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: هَذا سُخْطٌ عَلى المُتَثاقِلِينَ عَظِيمٌ، حَيْثُ أوْعَدَهم بِعَذابٍ ألِيمٍ مُطْلَقٍ يَتَناوَلُ عَذابَ الدّارَيْنِ، وأنَّهُ يُهْلِكُهم ويَسْتَبْدِلُ قَوْمًا آخَرِينَ خَيْرًا مِنهم وأطْوَعَ، وأنَّهُ غَنِيٌّ عَنْهم في نُصْرَةِ دِينِهِ، لا يَقْدَحُ تَثاقُلُهم فِيها شَيْئًا. وقِيلَ: يُعَذِّبُكم بِإمْساكِ المَطَرِ عَنْكم. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: «اسْتَنْفَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبِيلَةً فَقَعَدَتْ، فَأمْسَكَ اللَّهُ عَنْها المَطَرَ وعَذَّبَها بِهِ» . والمُسْتَبْدَلُ المَوْعُودُ بِهِمْ، قالَ جَماعَةٌ: أهْلُ اليَمَنِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: أبْناءُ فارِسَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ التّابِعُونَ، والظّاهِرُ مُسْتَغْنٍ عَنِ التَّخْصِيصِ. وقالَ الأصَمُّ: مَعْناهُ أنَّهُ تَعالى يُخْرِجُ رَسُولَهُ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ إلى المَدِينَةِ. قالَ القاضِي: وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّهُ يَنْتَقِلُ مِنَ المَدِينَةِ إلى غَيْرِها، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَظْهَرَ في المَدِينَةِ أقْوامًا يُعِينُونَهُ عَلى الغَزْوِ، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يُعِينَهُ بِأقْوامٍ مِنَ المَلائِكَةِ أيْضًا حالَ كَوْنِهِ هُناكَ. والضَّمِيرُ في: ﴿ولا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى؛ أيْ: ولا تَضُرُّوا دِينَهُ شَيْئًا. وقِيلَ: عَلى الرَّسُولِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قَدْ عَصَمَهُ ووَعَدَهُ بِالنَّصْرِ، ووَعْدُهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ. ولَمّا رَتَّبَ عَلى انْتِفاءِ نَفْرِهِمُ التَّعْذِيبَ والِاسْتِبْدالَ وانْتِفاءَ الضَّرَرِ، أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ تَتَعَلَّقُ إرادَتُهُ بِهِ قَدِيرٌ مِنَ التَّعْذِيبِ والتَّغْيِيرِ وغَيْرِ ذَلِكَ. ﴿إلّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إذْ أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إذْ هُما في الغارِ إذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾: (إلّا تَنْصُرُوهُ) فِيهِ انْتِفاءُ النَّصْرِ بِأيِّ طَرِيقٍ كانَ مِن نَفْرٍ أوْ غَيْرِهِ. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَسَيَنْصُرُهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ (فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ)؛ أيْ: يَنْصُرُهُ في المُسْتَقْبَلِ كَما نَصَرَهُ في الماضِي (p-٤٣)وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: (فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ) جَوابًا لِلشَّرْطِ ؟ قُلْتُ: فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَسَيَنْصُرُهُ، وذَكَرَ مَعْنى ما قَدَّمْناهُ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى أوْجَبَ لَهُ النُّصْرَةَ وجَعَلَهُ مَنصُورًا في ذَلِكَ الوَقْتِ فَلَمْ يُخْذَلْ مِن بَعْدِهِ. انْتَهى. وهَذا لا يَظْهَرُ مِنهُ جَوابُ الشَّرْطِ؛ لِأنَّ إيجابَ النُّصْرَةِ لَهُ أمْرٌ سَبَقَ، والماضِي لا يَتَرَتَّبُ عَلى المُسْتَقْبَلِ، فالَّذِي يَظْهَرُ الوَجْهُ الأوَّلُ. ومَعْنى إخْراجِ الَّذِينَ كَفَرُوا إيّاهُ: فِعْلُهم بِهِ ما يُؤَدِّي إلى الخُرُوجِ، والإشارَةُ إلى خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ. ونُسِبَ الإخْراجُ إلَيْهِمْ مَجازًا، كَما نُسِبَ في قَوْلِهِ: (الَّتِي أخْرَجَتْكَ) . وقِصَّةُ خُرُوجِ الرَّسُولِ ﷺ وأبِي بَكْرٍ مَذْكُورَةٌ في السِّيَرِ. وانْتَصَبَ (ثانِيَ اثْنَيْنِ) عَلى الحالِ؛ أيْ: أحَدَ اثْنَيْنِ وهُما: رَسُولُ اللَّهِ، وأبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا أُمِرَ بِالخُرُوجِ قالَ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”مَن يَخْرُجُ مَعِي ؟“ قالَ: أبُو بَكْرٍ. وقالَ اللَّيْثُ: ما صَحِبَ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِثْلُ أبِي بَكْرٍ. وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: خَرَجَ أبُو بَكْرٍ بِهَذِهِ الآيَةِ مِنَ المُعاتَبَةِ الَّتِي في قَوْلِهِ: (إلّا تَنْصُرُوهُ) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بَلْ خَرَجَ مِنها كُلُّ مَن شاهَدَ غَزْوَةَ تَبُوكَ، وإنَّما المُعاتَبَةُ لِمَن تَخَلَّفَ فَقَطْ، وهَذِهِ الآيَةُ مُنَوِّهَةٌ بِقَدْرِ أبِي بَكْرٍ وتَقَدُّمِهِ وسابِقَتِهِ في الإسْلامِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ تَرْغِيبُهم في الجِهادِ ونُصْرَةِ دِينِ اللَّهِ؛ إذْ بَيَّنَ فِيها أنَّ اللَّهَ يَنْصُرُهُ كَما نَصَرَهُ، إذْ كانَ في الغارِ ولَيْسَ مَعَهُ فِيهِ أحَدٌ سِوى أبِي بَكْرٍ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: ثانِي اثْنَيْنِ بِسُكُونِ ياءِ ثانِي. قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: حَكاها أبُو عَمْرٍو، ووَجْهُهُ أنَّهُ سَكَّنَ الياءَ تَشْبِيهًا لَها بِالألِفِ. والغارُ: نَقْبٌ في أعْلى ثَوْرٍ، وهو جَبَلٌ في يُمْنى مَكَّةَ عَلى مَسِيرَةِ ساعَةٍ، مَكَثَ فِيهِ ثَلاثًا. (إذْ هُما): بَدَلٌ، و(إذْ يَقُولُ): بَدَلٌ ثانٍ. وقالَ العُلَماءُ: مَن أنْكَرَ صُحْبَةَ أبِي بَكْرٍ فَقَدْ كَفَرَ لِإنْكارِهِ كَلامَ اللَّهِ تَعالى، ولَيْسَ ذَلِكَ لِسائِرِ الصَّحابَةِ. وكانَ سَبَبُ حَزْنِ أبِي بَكْرٍ خَوْفَهُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَهاهُ الرَّسُولُ تَسْكِينًا لِقَلْبِهِ، وأخْبَرَهُ بِقَوْلِهِ: إنَّ اللَّهَ مَعَنا، يَعْنِي: بِالمَعُونَةِ والنَّصْرِ. «وقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنْ قُتِلْتُ فَأنا رَجُلٌ واحِدٌ، وإنْ قُتِلْتَ هَلَكَتِ الأُمَّةُ وذَهَبَ دِينُ اللَّهِ، فَقالَ: ”ما ظَنَّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثالِثُهُما ؟“»، وقالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ؎قالَ النَّبِيُّ ولَمْ يَجْزَعْ يُوَقِّرُنِي ∗∗∗ ونَحْنُ في سَدَفٍ مِن ظُلْمَةِ الغارِ ؎لا تَخْشَ شَيْئًا فَإنَّ اللَّهَ ثالِثُنا ∗∗∗ وقَدْ تَكَفَّلَ لِي مِنهُ بِإظْهارِ ؎وإنَّما كَيْدُ مَن تَخْشى بَوادِرَهُ ∗∗∗ كَيْدُ الشَّياطِينِ قَدْ كادَتْ لِكُفّارِ ؎واللَّهُ مُهْلِكُهم طُرًّا بِما صَنَعُوا ∗∗∗ وجاعِلُ المُنْتَهى مِنهم إلى النّارِ ﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وأيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وكَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: السَّكِينَةُ الرَّحْمَةُ. وقالَ قَتادَةُ في آخَرِينَ: الوَقارُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الطُّمَأْنِينَةُ. وهَذِهِ الأقْوالُ مُتَقارِبَةٌ. والضَّمِيرُ في (عَلَيْهِ) عائِدٌ عَلى صاحِبِهِ، قالَهُ حَبِيبُ بْنُ أبِي ثابِتٍ، أوْ عَلى الرَّسُولِ، قالَهُ الجُمْهُورُ، أوْ عَلَيْهِما وأفْرَدَهُ لِتَلازُمِهِما، ويُؤَيِّدُهُ أنَّ في مُصْحَفِ حَفْصَةَ: فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِما وأيَّدَهُما. والجُنُودُ: المَلائِكَةُ يَوْمَ بَدْرٍ، والأحْزابِ، وحُنَيْنٍ. وقِيلَ: ذَلِكَ الوَقْتُ يُلْقُونَ البِشارَةَ في قَلْبِهِ، ويَصْرِفُونَ وُجُوهَ الكُفّارِ عَنْهُ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ (عَلَيْهِ) عائِدٌ عَلى أبِي بَكْرٍ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ كانَ ثابِتَ الجَأْشِ، ولِذَلِكَ قالَ: لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا. وأنَّ الضَّمِيرَ في (وأيَّدَهُ) عائِدٌ عَلى الرَّسُولِ ﷺ كَما جاءَ: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩] يَعْنِي الرَّسُولَ، وتُسَبِّحُوهُ: يَعْنِي اللَّهَ تَعالى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والسَّكِينَةُ عِنْدِي إنَّما هي ما يُنَزِّلُهُ اللَّهُ عَلى أنْبِيائِهِ مِنَ الحِياطَةِ لَهم، والخَصائِصِ الَّتِي لا تَصْلُحُ إلّا لَهم كَقَوْلِهِ: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٨]، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ (p-٤٤)إلى آخِرِ الآيَةِ يُرادُ بِهِ ما صَنَعَهُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ إلى وقْتِ تَبُوكَ مِنَ الظُّهُورِ والفُتُوحِ، لا أنْ يَكُونَ هَذا يَخْتَصُّ بِقِصَّةِ الغارِ. وكَلِمَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا هي الشِّرْكُ، وهي مَقْهُورَةٌ. وكَلِمَةُ اللَّهِ: هي التَّوْحِيدُ، وهي ظاهِرَةٌ. هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كَلِمَةُ الكافِرِينَ ما قَرَّرُوا بَيْنَهم مِنَ الكَيْدِ بِهِ لِيَقْتُلُوهُ، وكَلِمَةُ اللَّهِ: أنَّهُ ناصِرُهُ. وقِيلَ: كَلِمَةُ اللَّهِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وكَلِمَةُ الكُفّارِ قَوْلُهم في الحَرْبِ: يا لِبَنِي فُلانٍ، ويا لِفُلانٍ. وقِيلَ: كَلِمَةُ اللَّهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] وكَلِمَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا قَوْلُهم في الحَرْبِ: اعْلُ هُبَلَ؛ يَعْنُونَ صَنَمَهُمُ الأكْبَرَ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: وأيَدَهُ، والجُمْهُورُ: وأيَّدَهُ بِتَشْدِيدِ الياءِ. وقُرِئَ: وكَلِمَةُ اللَّهِ بِالنَّصْبِ؛ أيْ: وجَعَلَ. وقِراءَةُ الجُمْهُورِ بِالرَّفْعِ أثْبَتُ في الإخْبارِ. وعَنْ أنَسٍ رَأيْتُ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ: وجَعَلَ كَلِمَتَهُ هي العَلْياءَ، وناسَبَ الوَصْفُ بِالعِزَّةِ الدّالَّةِ عَلى القَهْرِ والغَلَبَةِ، والحِكْمَةِ الدّالَّةِ عَلى ما يَصْنَعُ مَعَ أنْبِيائِهِ وأوْلِيائِهِ، ومَن عاداهم مِن إعْزازِ دِينِهِ وإخْمادِ الكُفْرِ. ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا وجاهِدُوا بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم في سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: لَمّا تَوَعَّدَ تَعالى مَن لا يَنْفِرُ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ وضَرَبَ لَهُ مِنَ الأمْثالِ ما ضَرَبَ، أتْبَعَهُ بِهَذا الأمْرِ الجَزْمَ. والمَعْنى: انْفِرُوا عَلى الوَصْفِ الَّذِي يَخِفُّ عَلَيْكم فِيهِ الجِهادُ، أوْ عَلى الوَصْفِ الَّذِي يَثْقُلُ. والخِفَّةُ والثِّقَلُ هُنا مُسْتَعارٌ لِمَن يُمْكِنُهُ السَّفَرُ بِسُهُولَةٍ، ومَن يُمْكِنُهُ بِصُعُوبَةٍ، وأمّا مَن لا يُمْكِنُهُ كالأعْمى ونَحْوِهِ فَخارِجٌ عَنْ هَذا. ورُوِيَ أنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: أعَلَيَّ أنْ أنْفِرَ ؟ قالَ: نَعَمْ، حَتّى نَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١] . وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ مِن مَعانِي الخِفَّةِ والثِّقَلِ أشْياءَ لا عَلى وجْهِ التَّخْصِيصِ، بَعْضَها دُونَ بَعْضٍ، وإنَّما يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى التَّمْثِيلِ لا عَلى الحَصْرِ. قالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ: شَبابًا وشُيُوخًا. وقالَ أبُو صالِحٍ: أغْنِياءَ وفُقَراءَ في اليُسْرِ والعُسْرِ. وقالَ الأوْزاعِيُّ: رُكْبانًا ومُشاةً. وقِيلَ عَكْسُهُ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: عُزْبانًا ومُتَزَوِّجِينَ. وقالَ جُوَيْبِرٌ: أصِحّاءَ ومَرْضى. وقالَ جَماعَةٌ: خِفافًا مِنَ السِّلاحِ؛ أيْ مُقِلِّينَ فِيهِ، وثِقالًا؛ أيْ مُسْتَكْثِرِينَ مِنهُ. وقالَ الحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: خِفافًا مِنَ الأشْغالِ وثِقالًا بِها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خِفافًا مِنَ العِيالِ وثِقالًا بِهِمْ. وحَكى التَّبْرِيزِيُّ: خِفافًا مِنَ الأتْباعِ والحاشِيَةِ وثِقالًا بِهِمْ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: هو مِن خِفَّةِ اليَقِينِ وثِقَلِهِ عِنْدَ الكَراهَةِ. وحَكى الماوَرْدِيُّ: خِفافًا إلى الطّاعَةِ وثِقالًا عَنِ المُخالَفَةِ. وحَكى صاحِبُ الفِتْيانِ: خِفافًا إلى المُبارَزَةِ، وثِقالًا في المُصابَرَةِ. وحَكى أيْضًا: خِفافًا بِالمُسارَعَةِ والمُبادَرَةِ وثِقالًا بَعْدَ التَّرَوِّي والتَّفَكُّرِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: ذَوِي صَنْعَةٍ وهو الثَّقِيلُ، وغَيْرُ ذَوِي صَنْعَةٍ وهو الخَفِيفُ. وحَكى النَّقّاشُ: شُجْعانًا وجُبَناءَ. وقِيلَ: مَهازِيلَ وسِمانًا. وقِيلَ: سِباقًا إلى الحَرْبِ كالطَّلِيعَةِ وهو مُقَدَّمُ الجَيْشِ، والثِّقالُ الجَيْشُ بِأسْرِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: النَّشِيطُ والكَسْلانُ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّ الأمْرَ مَوْقُوفٌ عَلى فَرْضِ الكِفايَةِ، ولَمْ يُقْصَدْ بِهِ فَرْضُ الأعْيانِ. وقالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ: هو فَرْضٌ عَلى المُؤْمِنِينَ؛ عُنِيَ بِهِ فَرْضُ الأعْيانِ في تِلْكَ المُدَّةِ، ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] . وانْتَصَبَ ﴿خِفافًا وثِقالًا﴾ عَلى الحالِ. وذُكِرَ ﴿بِأمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ﴾ إذْ ذَلِكَ وصْفٌ لِأكْمَلِ ما يَكُونُ مِنَ الجِهادِ وأنْفَعِهِ عِنْدَ اللَّهِ، فَحَضَّ عَلى كَمالِ الأوْصافِ. وقُدِّمَتِ الأمْوالُ إذْ هي أوَّلُ مَصْرِفٍ وقْتَ التَّجْهِيزِ، وذُكِرَ ما المُجاهِدُ فِيهِ وهو سَبِيلُ اللَّهِ، والخَيْرِيَّةُ هي في الدُّنْيا بِغَلَبَةِ العَدُوِّ ووِراثَةِ الأرْضِ، وفي الآخِرَةِ بِالثَّوابِ ورِضْوانِ اللَّهِ. وقَدْ غَزا أبُو طَلْحَةَ حَتّى غَزا في البَحْرِ وماتَ فِيهِ، وغَزا المِقْدادُ عَلى ضَخامَتِهِ وسِمَنِهِ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ وقَدْ ذَهَبَتْ إحْدى عَيْنَيْهِ، وابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ مَعَ كَوْنِهِ أعْمى. (p-٤٥)﴿لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا وسَفَرًا قاصِدًا لاتَّبَعُوكَ ولَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكم يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾: أيْ لَوْ كانَ ما دُعُوا إلَيْهِ غُنْمًا قَرِيبًا سَهْلَ المَنالِ، وسَفَرًا قاصِدًا وسَطًا مُقارِبًا. وهَذِهِ الآيَةُ في قِصَّةِ تَبُوكَ حِينَ اسْتَنْفَرَ المُؤْمِنِينَ فَنَفَرُوا، واعْتَذَرَ مِنهم فَرِيقٌ لِأصْحابِهِ، لا سِيَّما مِنَ القَبائِلِ المُجاوِرَةِ لِلْمَدِينَةِ. ولَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ﴾ خِطابًا لِلْمُنافِقِينَ خاصَّةً، بَلْ هو عامٌّ. واعْتَذَرَ المُنافِقُونَ بِأعْذارٍ كاذِبَةٍ، فابْتَدَأ تَعالى بِذِكْرِ المُنافِقِينَ وكَشْفِ ضَمائِرِهِمْ. (لاتَّبَعُوكَ): لَبادَرُوا إلَيْهِ، لا لِوَجْهِ اللَّهِ، ولا لِظُهُورِ كَلِمَتِهِ، ﴿ولَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾؛ أيْ: المَسافَةُ الطَّوِيلَةُ في غَزْوِ الرُّومِ. والشُّقَّةُ بِالضَّمِّ مِنَ الثِّيابِ، والشُّقَّةُ أيْضًا السَّفَرُ البَعِيدُ، ورُبَّما قالُوهُ بِالكَسْرِ، قالَهُ الجَوْهَرِيُّ. وقالَ الزَّجّاجُ: الشُّقَّةُ: الغايَةُ الَّتِي تُقْصَدُ. وقالَ ابْنُ عِيسى: الشُّقَّةُ القِطْعَةُ مِنَ الأرْضِ يَشُقُّ رُكُوبُها. وقالَ ابْنُ فارِسٍ: الشُّقَّةُ المَسِيرُ إلى أرْضٍ بَعِيدَةٍ، واشْتِقاقُها مِنَ الشَّقِّ، أوْ مِنَ المَشَقَّةِ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: بَعِدَتْ عَلَيْهِمُ الشِّقَّةُ بِكَسْرِ العَيْنِ والشِّينِ، وافَقَهُ الأعْرَجُ في بَعِدَتْ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: إنَّها لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ في اللَّفْظَيْنِ. انْتَهى. وحَكى الكِسائِيُّ: شُقَّةً وشِقَّةً. (وسَيَحْلِفُونَ)؛ أيِ المُنافِقُونَ، وهَذا إخْبارٌ بِغَيْبٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في قَوْلِهِ: وسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما نَصُّهُ، (بِاللَّهِ) مُتَعَلِّقٌ بِسَيَحْلِفُونَ، أوْ هو مِن كَلامِهِمْ. والقَوْلُ مُرادٌ في الوَجْهَيْنِ؛ أيْ: سَيَحْلِفُونَ مُتَخَلِّصِينَ عِنْدَ رُجُوعِكَ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ مُعْتَذِرِينَ، يَقُولُونَ: بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكم، أوْ وسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ يَقُولُونَ: لَوِ اسْتَطَعْنا. وقَوْلُهُ: لَخَرَجْنا سَدَّ مَسَدَّ جَوابِ القَسَمِ ولَوْ جَمِيعًا، والإخْبارُ بِما سَوْفَ يَكُونُ بَعْدَ القَوْلِ مِن حَلِفِهِمْ واعْتِذارِهِمْ، وقَدْ كانَ مِن جُمْلَةِ المُعْجِزاتِ. ومَعْنى الِاسْتِطاعَةِ اسْتِطاعَةُ العُدَّةِ، واسْتِطاعَةُ الأبْدانِ، كَأنَّهم تَمارَضُوا. انْتَهى. وما ذَهَبَ إلَيْهِ مِن أنَّ قَوْلَهُ لَخَرَجْنا سَدَّ مَسَدَّ جَوابِ القَسَمِ ولَوْ جَمِيعًا لَيْسَ بِجَيِّدٍ (p-٤٦)بَلْ لِلنَّحْوِيِّينَ في هَذا مَذْهَبانِ: أحَدُهُما: أنَّ (لَخَرَجْنا) هو جَوابُ القَسَمِ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ عَلى قاعِدَةِ اجْتِماعِ القَسَمِ والشَّرْطِ إذا تَقَدَّمَ القَسَمُ عَلى الشَّرْطِ، وهَذا اخْتِيارُ أبِي الحَسَنِ بْنِ عُصْفُورٍ. والآخَرُ: أنَّ (لَخَرَجْنا) هو جَوابُ لَوْ، وجَوابُ القَسَمِ هو لَوْ وجَوابُها، وهَذا اخْتِيارُ ابْنُ مالِكٍ أنَّ (لَخَرَجْنا) يَسُدُّ مَسَدَّهُما، ولا أعْلَمُ أحَدًا ذَهَبَ إلى ذَلِكَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُتَأوَّلَ كَلامُهُ عَلى أنَّهُ لَمّا حُذِفَ جَوابُ لَوْ، ودَلَّ عَلَيْهِ جَوابُ القَسَمِ جُعِلَ كَأنَّهُ سَدَّ مَسَدَّ جَوابِ القَسَمِ وجَوابِ لَوْ جَمِيعًا. وقَرَأ الأعْمَشُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: لَوُ اسْتَطَعْنا بِضَمِّ الواوِ، وفَرَّ مِن ثِقَلِ الكَسْرَةِ عَلى الواوِ وشَبَّهَها بِواوِ الجَمْعِ عِنْدَ تَحْرِيكِها لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وقَرَأ الحَسَنُ: بِفَتْحِها كَما جاءَ: (اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ) بِالأوْجُهِ الثَّلاثَةِ. (يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم) بِالحَلِفِ الكاذِبِ؛ أيْ: يُوقِعُونَها في الهَلاكِ بِهِ. والظّاهِرُ أنَّها جُمْلَةُ اسْتِئْنافِ إخْبارٍ مِنهُ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم) إمّا أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (سَيَحْلِفُونَ)، أوْ حالًا بِمَعْنى مُهْلِكِينَ، والمَعْنى: أنَّهم يُوقِعُونَها في الهَلاكِ بِحَلِفِهِمُ الكاذِبِ، وما يَخْلُفُونَ عَلَيْهِ مِنَ التَّخَلُّفِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن قَوْلِهِ: (لَخَرَجْنا)؛ أيْ لَخَرَجْنا مَعَكم، وإنْ أهْلَكْنا أنْفُسَنا وألْقَيْناها في التَّهْلُكَةِ بِما يَحْمِلُها مِنَ المَسِيرِ في تِلْكَ الشُّقَّةِ. وجاءَ بِهِ عَلى لَفْظِ الغائِبِ؛ لِأنَّهُ مُخْبَرٌ عَنْهم، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ قِيلَ: سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطاعُوا لَخَرَجُوا لَكانَ سَدِيدًا ؟ يُقالُ: حَلَفَ بِاللَّهِ لَيَفْعَلَنَّ ولَأفْعَلَنَّ، فالغَيْبَةُ عَلى حُكْمِ الإخْبارِ والتَّكَلُّمُ عَلى الحِكايَةِ انْتَهى. أمّا كَوْنُ (يُهْلِكُونَ) بَدَلًا مِن (سَيَحْلِفُونَ) فَبَعِيدٌ؛ لِأنَّ الإهْلاكَ لَيْسَ مُرادِفًا لِلْحَلِفِ، ولا هو نَوْعٌ مِنَ الحَلِفِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُبْدَلَ فِعْلٌ مِن فِعْلٍ إلّا أنْ يَكُونَ مُرادِفًا لَهُ أوْ نَوْعًا مِنهُ. وأمّا كَوْنُهُ حالًا مِن قَوْلِهِ: (لَخَرَجْنا)، فالَّذِي يَظْهَرُ أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (لَخَرَجْنا) فِيهِ ضَمِيرُ التَّكَلُّمِ، فالَّذِي يَجْرِي عَلَيْهِ إنَّما يَكُونُ بِضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ. فَلَوْ كانَ حالًا مِن ضَمِيرِ (لَخَرَجْنا) لَكانَ التَّرْكِيبُ: نُهْلِكُ أنْفُسَنا؛ أيْ: مُهْلِكِي أنْفُسِنا. وأمّا قِياسُهُ ذَلِكَ عَلى حَلِفٍ بِاللَّهِ لَيَفْعَلَنَّ ولَأفْعَلَنَّ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأنَّهُ إذا أجْراهُ عَلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ لا يَخْرُجُ مِنهم إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، لَوْ قُلْتُ: حَلَفَ زَيْدٌ لَيَفْعَلَنَّ وأنا قائِمٌ، عَلى أنْ يَكُونَ وأنا قائِمٌ حالًا مِن ضَمِيرِ لَيَفْعَلَنَّ لَمْ يَجُزْ، وكَذا عَكْسُهُ نَحْوُ: حَلَفَ زَيْدٌ لَأفْعَلَنَّ يَقُومُ، تُرِيدُ قائِمًا لَمْ يَجُزْ. وأمّا قَوْلُهُ: وجاءَ بِهِ عَلى لَفْظِ الغائِبِ؛ لِأنَّهُ مُخْبَرٌ عَنْهم فَهي مُغالَطَةٌ لَيْسَ مُخْبَرًا عَنْهم بِقَوْلِهِ: لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكم، بَلْ هو حاكٍ لَفْظَ قَوْلِهِمْ، ثُمَّ قالَ: ألا تَرى لَوْ قِيلَ: لَوِ اسْتَطاعُوا لَخَرَجُوا لَكانَ سَدِيدًا إلى آخِرِهِ كَلامٌ صَحِيحٌ، لَكِنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ إخْبارًا عَنْهم، بَلْ حِكايَةً. والحالُ مِن جُمْلَةِ كَلامِهِمُ المَحْكِيِّ، فَلا يَجُوزُ أنْ يُخالِفَ بَيْنَ ذِي الحالِ وحالِهِ لِاشْتِراكِهِما في العامِلِ. لَوْ قُلْتَ: قالَ زَيْدٌ: خَرَجْتُ يَضْرِبُ خالِدًا؛ تُرِيدُ أضْرِبُ خالِدًا، لَمْ يَجُزْ. ولَوْ قُلْتَ: قالَتْ هِنْدُ: خَرَجَ زَيْدٌ (p-٤٧)أضْرِبُ خالِدًا، تُرِيدُ خَرَجَ زَيْدٌ ضارِبًا خالِدًا، لَمْ يَجُزْ. ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهم حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وتَعْلَمَ الكاذِبِينَ﴾؛ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذِهِ الآيَةُ في صِنْفٍ مُبالِغٍ في النِّفاقِ. واسْتَأْذَنُوا دُونَ اعْتِذارٍ مِنهم: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، والجَدُّ بْنُ قَيْسٍ، ورِفاعَةُ بْنُ التّابُوتِ، ومَنِ اتَّبَعَهم. فَقالَ بَعْضُهم: ائْذَنَّ لِي ولا تَفْتِنِّي. وقالَ بَعْضُهم: ائْذَنَّ لَنا في الإقامَةِ، فَأذِنَ لَهُمُ اسْتِبْقاءً مِنهُ عَلَيْهِمْ، وأخْذًا بِالأسْهَلِ مِنَ الأُمُورِ، وتَوَكُّلًا عَلى اللَّهِ. قالَ مُجاهِدٌ: قالَ بَعْضُهم: نَسْتَأْذِنُهُ، فَإنْ أذِنَ في القُعُودِ قَعَدْنا، وإنْ لَمْ يَأْذَنْ قَعَدْنا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ. انْتَهى. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ إبْراهِيمُ بْنُ عَرَفَةَ النَّحْوِيُّ الدّاوُدِيُّ المَنبُوذُ بِنَفْطَوَيْهِ: ذَهَبَ ناسٌ إلى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مُعاتَبٌ بِهَذِهِ الآيَةِ، وحاشاهُ مِن ذَلِكَ، بَلْ كانَ لَهُ أنْ يَفْعَلَ وأنْ لا يَفْعَلَ حَتّى يَنْزِلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ كَما قالَ: (لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِن أمْرِي ما اسْتَدْبَرْتُ لَجَعَلْتُها عُمْرَةً)؛ لِأنَّهُ كانَ لَهُ أنْ يَفْعَلَ وأنْ لا يَفْعَلَ. وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١]؛ لِأنَّهُ كانَ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ مِمّا لَمْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ فِيهِ وحْيٌ. واسْتَأْذَنَهُ المُخَلَّفُونَ في التَّخَلُّفِ واعْتَذَرُوا، اخْتارَ أيْسَرَ الأمْرَيْنِ تَكَرُّمًا وتَفَضُّلًا مِنهُ ﷺ، فَأبانَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لَوْ لَمْ يَأْذَنْ لَهم لَأقامُوا لِلنِّفاقِ الَّذِي في قُلُوبِهِمْ، وأنَّهم كاذِبُونَ في إظْهارِ الطّاعَةِ والمُشاوَرَةِ، فَعَفا اللَّهُ عَنْكَ عِنْدَهُ افْتِتاحُ كَلامٍ أعْلَمَهُ اللَّهُ بِهِ أنَّهُ لا حَرَجَ عَلَيْهِ فِيما فَعَلَهُ مِنَ الإذْنِ، ولَيْسَ هو عَفْوًا عَنْ ذَنْبٍ، إنَّما هو أنَّهُ تَعالى أعْلَمَهُ أنَّهُ لا يَلْزَمُهُ تَرْكُ الإذْنِ لَهم كَما قالَ ﷺ: «عَفا اللَّهُ لَكم عَنْ صَدَقَةِ الخَيْلِ والرَّقِيقِ» وما وجَبَتا قَطُّ ومَعْناهُ: تَرَكَ أنْ يُلْزِمَكم ذَلِكَ. انْتَهى. ووافَقَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ فَقالُوا: ذِكْرُ العَفْوِ هُنا لَمْ يَكُنْ عَنْ تَقَدُّمِ ذَنْبٍ، وإنَّما هو اسْتِفْتاحُ كَلامٍ جَرَتْ عادَةُ العَرَبِ أنْ تُخاطِبَ بِمِثْلِهِ لِمَن تُعَظِّمُهُ وتَرْفَعُ مِن قَدْرِهِ، يَقْصِدُونَ بِذَلِكَ الدُّعاءَ لَهُ، فَيَقُولُونَ: أصْلَحَ اللَّهُ الأمِيرَ كانَ كَذا وكَذا، فَعَلى هَذا صِيغَتُهُ صِيغَةُ الخَبَرِ، ومَعْناهُ الدُّعاءُ. انْتَهى. ولِمَ ولَهم مُتَعَلِّقانِ بِأذِنْتَ، لَكِنَّهُ اخْتَلَفَ مَدْلُولُ اللّامَيْنِ، إذْ لامُ لِمَ لِلتَّعْلِيلِ، ولامُ لَهم لِلتَّبْلِيغِ، فَجازَ ذَلِكَ لِاخْتِلافِ مَعْنَيَيْهِما، ومُتَعَلِّقُ الإذْنِ غَيْرُ مَذْكُورٍ، فَما قَدَّمْناهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ القُعُودُ؛ أيْ: لِمَ أذِنْتَ لَهم في القُعُودِ والتَّخَلُّفِ عَنِ الغَزْوِ حَتّى تَعْرِفَ ذَوِي العُذْرِ في التَّخَلُّفِ مِمَّنْ لا عُذْرَ لَهُ. وقِيلَ: مُتَعَلِّقُ الإذْنِ هو الخُرُوجُ مَعَهُ لِلْغَزْوِ، لِما تَرَتَّبَ عَلى خُرُوجِهِمْ مِنَ المَفاسِدِ؛ لِأنَّهم كانُوا عَيْنًا لِلْكُفّارِ عَلى المُسْلِمِينَ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وفِيكم سَمّاعُونَ لَهُمْ﴾ وكانُوا يَخْذُلُونَ المُؤْمِنِينَ ويَتَمَنَّوْنَ أنْ تَكُونَ الدّائِرَةُ عَلَيْهِمْ، فَقِيلَ: لِمَ أذِنْتَ لَهم في إخْراجِهِمْ وهم عَلى هَذِهِ الحالَةِ السَّيِّئَةِ ؟ وبَيَّنَ أنَّ خُرُوجَهم مَعَهُ لَيْسَ مَصْلَحَةً بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا﴾ . وحَتّى غايَةٌ لِما تَضَمَّنَهُ الِاسْتِفْهامُ؛ أيْ: ما كانَ أنْ تَأْذَنَ لَهم حَتّى يَتَبَيَّنَ مَن لَهُ العُذْرُ، هَكَذا قَدَّرَهُ الحَوْفِيُّ. وقالَ أبُو البَقاءِ: حَتّى يَتَبَيَّنَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، تَقْدِيرُهُ: هَلّا أخَّرْتَهم إلى أنْ يَتَبَيَّنَ أوْ لِيَتَبَيَّنَ. وقَوْلُهُ: لِمَ أذِنْتَ لَهم يَدُلُّ عَلى المَحْذُوفِ. ولا يَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ حَتّى بِأذِنْتَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ أذِنَ لَهم إلى هَذِهِ الغايَةِ، أوْ لِأجْلِ التَّبْيِينِ، وهَذا لا يُعاتَبُ عَلَيْهِ انْتَهى. وكَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾، مِمّا يَجِبُ اطِّراحُهُ، فَضْلًا عَنْ أنْ يُذْكَرَ فَيُرَدَّ عَلَيْهِ. وقَوْلُهُ: الَّذِينَ صَدَقُوا؛ أيْ: في اسْتِئْذانِكَ. وأنَّكَ لَوْ لَمْ تَأْذَنْ لَهم خَرَجُوا مَعَكَ. وتَعْلَمَ الكاذِبِينَ: تُرِيدُ في أنَّهُمُ اسْتَأْذَنُوكَ، يُظْهِرُونَ لَكَ أنَّهم يَقِفُونَ عِنْدَ حَدِّكَ وهم كَذَبَةٌ، وقَدْ عَزَمُوا عَلى العِصْيانِ، أذِنْتَ لَهم أوْ لَمْ تَأْذَنْ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: حَتّى تَعْلَمَ الصّادِقِينَ في أنَّ لَهم عُذْرًا، وتَعْلَمَ الكاذِبِينَ في أنْ لا عُذْرَ لَهم. وقالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ آيَةُ النُّورِ، ﴿فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهُمْ﴾ [النور: ٦٢] . وهَذا غَلَطٌ؛ لِأنَّ النُّورَ نَزَلَتْ سَنَةَ أرْبَعٍ مِنَ الهِجْرَةِ في غَزْوَةِ الخَنْدَقِ في اسْتِئْذانِ بَعْضِ المُؤْمِنِينَ الرَّسُولَ في بَعْضِ شَأْنِهِمْ في بُيُوتِهِمْ في بَعْضِ الأوْقاتِ، فَأباحَ اللَّهُ أنْ يَأْذَنَ، فَتَبايَنَتِ الآيَتانِ في الوَقْتِ والمَعْنى. ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ (p-٤٨)قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (لا يَسْتَأْذِنُكَ)؛ أيْ بَعْدَ غَزْوَةِ تَبُوكَ. وقالَ الجُمْهُورُ: لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وما بَعْدَها ورَدَ في قِصَّةِ تَبُوكَ، والظّاهِرُ أنَّ مُتَعَلِّقَ الِاسْتِئْذانِ هو (أنْ يُجاهِدُوا)؛ أيْ: لَيْسَ مِن عادَةِ المُؤْمِنِينَ أنْ يَسْتَأْذِنُوكَ في أنْ يُجاهِدُوا، وكانَ الخُلَّصُ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ لا يَسْتَأْذِنُونَ النَّبِيَّ ﷺ أبَدًا، ويَقُولُونَ: لَنُجاهِدَنَّ مَعَهُ بِأمْوالِنا وأنْفُسِنا. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: لا يَسْتَأْذِنُكَ المُؤْمِنُونَ في الخُرُوجِ ولا القُعُودِ كَراهَةَ أنْ يُجاهِدُوا، بَلْ إذا أمَرْتَ بِشَيْءٍ ابْتَدَرُوا إلَيْهِ، وكانَ الِاسْتِئْذانُ في ذَلِكَ الوَقْتِ عَلامَةً عَلى النِّفاقِ. وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾، شَهادَةٌ لَهم بِالِانْتِظامِ في زُمْرَةِ المُتَّقِينَ، وعِدَةٌ لَهم بِأجْزَلِ الثَّوابِ. ﴿إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وارْتابَتْ قُلُوبُهم فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾؛ هُمُ المُنافِقُونَ وكانُوا تِسْعَةً وثَلاثِينَ رَجُلًا. ومَعْنى ارْتابَتْ: شَكَّتْ. ويَتَرَدَّدُونَ: يَتَحَيَّرُونَ، لا يَتَّجِهُ لَهم هُدًى فَتارَةً يَخْطُرُ لَهم صِحَّةُ أمْرِ الرَّسُولِ، وتارَةً يَخْطُرُ لَهم خِلافُ ذَلِكَ. ﴿ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لَأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهم فَثَبَّطَهم وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ﴾؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عُدَّةً مِنَ الزّادِ والماءِ والرّاحِلَةِ؛ لِأنَّ سَفَرَهم بَعِيدٌ في زَمانِ حَرٍّ شَدِيدٍ. وفي تَرْكِهِمُ العُدَّةَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم أرادُوا التَّخَلُّفَ. وقالَ قَوْمٌ: كانُوا قادِرِينَ عَلى تَحْصِيلِ العُدَّةِ والأُهْبَةِ. ورَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: العُدَّةُ النِّيَّةُ الخالِصَةُ في الجِهادِ. وحَكى الطَّبَرِيُّ: كُلُّ ما يُعَدُّ لِلْقِتالِ مِنَ الزّادِ والسِّلاحِ. وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ وابْنُهُ مُعاوِيَةُ: عُدَّ بِضَمِّ العَيْنِ مِن غَيْرِ تاءٍ، والفَرّاءُ يَقُولُ: تَسْقُطُ التّاءُ لِلْإضافَةِ، وجَعَلَ مِن ذَلِكَ وإقامِ الصَّلاةِ؛ أيْ وإقامَةِ الصَّلاةِ. ووَرَدَ ذَلِكَ في عِدَّةِ أبْياتٍ مِن لِسانِ العَرَبِ، ولَكِنْ لا يَقِيسُ ذَلِكَ، إنَّما نَقِفُ فِيهِ مَعَ مَوْرِدِ السَّماعِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: لَمّا أضافَ جَعَلَ الكِنايَةَ نائِبَةً عَنِ التّاءِ فَأسْقَطَها، وذَلِكَ لِأنَّ العَدَّ بِغَيْرِ تاءٍ، ولا تَقْدِيرُها هو البَثْرُ الَّذِي يَخْرُجُ في الوَجْهِ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: هو جَمْعُ عُدَّةٍ كَبُرَّةٍ وبُرٍّ ودُرَّةٍ ودُرٍّ، والوَجْهُ فِيهِ عُدَدٌ، ولَكِنْ لا يُوافِقُ خَطَّ المُصْحَفِ. وقَرَأ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: عِدَّهُ بِكَسْرِ العَيْنِ، وهاءِ إضْمارٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو عِنْدِي اسْمٌ لِما يُعَدُّ كالذَّبْحِ والقَتْلِ لِلْعَدِّ، وسُمِّيَ قَتْلًا إذْ حَقُّهُ أنْ يُقْتَلَ. وقُرِئَ أيْضًا: عِدَّةً بِكَسْرِ العَيْنِ، وبِالتّاءِ دُونَ إضافَةٍ؛ أيْ: عِدَّةً مِنَ الزّادِ والسِّلاحِ، أوْ مِمّا لَهم مَأْخُوذٌ مِنَ العَدَدِ. ولَمّا تَضَمَّنَتِ الجُمْلَةُ انْتِفاءَ الخُرُوجِ والِاسْتِعْدادِ، وجاءَ بَعْدَها ولَكِنْ، وكانَتْ لا تَقَعُ إلّا بَيْنَ نَقِيضَيْنِ أوْ ضِدَّيْنِ أوْ خِلافَيْنِ عَلى خِلافٍ فِيهِ، لا بَيْنَ مُتَّفِقَيْنِ، وكانَ ظاهِرُ ما بَعْدَ لَكِنْ مُوافِقًا لِما قَبْلَها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ مَوْقِعُ حَرْفِ الِاسْتِدْراكِ ؟ قُلْتُ: لَمّا كانَ قَوْلُهُ: ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ مُعْطِيًا مَعْنى نَفْيِ خُرُوجِهِمْ واسْتِعْدادِهِمْ لِلْغَزْوِ قِيلَ: ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهم، كَأنَّهُ قِيلَ: ما خَرَجُوا ولَكِنْ تَثَبَّطُوا عَنِ الخُرُوجِ لِكَراهَةِ انْبِعاثِهِمْ، كَما تَقُولُ: ما أحْسَنَ إلَيَّ زِيدٌ ولَكِنْ أساءَ إلَيَّ. انْتَهى. ولَيْسَتِ الآيَةُ نَظِيرَ هَذا المِثالِ؛ لِأنَّ المِثالَ واقِعٌ فِيهِ لَكِنْ بَيْنَ ضِدَّيْنِ، والآيَةُ واقِعٌ فِيها، لَكِنْ بَيْنَ مُتَّفِقَيْنِ مِن جِهَةِ المَعْنى. والِانْبِعاثُ الِانْطِلاقُ والنُّهُوضُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَثَبَّطَهم كَسَلُهم وفَتْرُ نِيّاتِهِمْ. وبُنِيَ (وقِيلَ) لِلْمَفْعُولِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ القَوْلُ إذْنَ الرَّسُولِ لَهم في القُعُودِ، أوْ قَوْلَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ إمّا لَفْظًا وإمّا مَعْنًى، أوْ حِكايَةً عَنْ قَوْلِ اللَّهِ في سابِقِ قَضائِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَعَلَ إلْقاءَ اللَّهِ تَعالى في قُلُوبِهِمْ كَراهَةَ الخُرُوجِ أمْرًا بِالقُعُودِ. وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ الشَّيْطانِ بِالوَسْوَسَةِ. قالَ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ جازَ أنْ يُوقِعَ اللَّهُ تَعالى في نُفُوسِهِمْ كَراهَةَ الخُرُوجِ إلى الغَزْوِ وهي قَبِيحَةٌ، وتَعالى اللَّهُ عَنْ إلْهامِ القَبِيحِ ؟ قُلْتُ: خُرُوجُهم كانَ مَفْسَدَةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا﴾ (p-٤٩)فَكانَ إيقاعُ كَراهَةِ ذَلِكَ الخُرُوجِ في نُفُوسِهِمْ حَسَنًا ومَصْلَحَةً. انْتَهى. وهَذا السُّؤالُ والجَوابُ عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ في المَفْسَدَةِ والمَصْلَحَةِ، وهَذا القَوْلُ هو ذَمٌّ لَهم وتَعْجِيزٌ، وإلْحاقٌ بِالنِّساءِ والصِّبْيانِ والزَّمْنى الَّذِينَ شَأْنُهُمُ القُعُودُ والجُثُومُ في البُيُوتِ، وهُمُ القاعِدُونَ والخالِفُونَ والخَوالِفُ، ويُبَيِّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ﴾ [التوبة: ٨٧] والقُعُودُ هُنا عِبارَةٌ عَنِ التَّخَلُّفِ والتَّراخِي كَما قالَ: ؎دَعِ المَكارِمَ لا تَرْحَلْ لِبُغْيَتِها ∗∗∗ واقْعُدْ فَإنَّكَ أنْتَ الطّاعِمُ الكاسِي ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا ولَأوْضَعُوا خِلالَكم يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ وفِيكم سَمّاعُونَ لَهم واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾: لَمّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ضَرَبَ عَسْكَرَهُ عَلى ثَنِيَّةِ الوَداعِ، وضَرَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ عَسْكَرَهُ أسْفَلَ مِنها، ولَمْ يَكُنْ بِأقَلِّ العَسْكَرَيْنِ، فَلَمّا سارَ تَخَلَّفَ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ فِيمَن تَخَلَّفَ فَنَزَلَتْ بِعُرى. . . . اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى قَوْلِهِ: (وهم كارِهُونَ) . وفِيكم؛ أيْ: في جَيْشِكم أوْ في جُمْلَتِكم. وقِيلَ: في بِمَعْنى مَعَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الخَبالُ الفَسادُ ومُراعاةُ إخْمادِ الكَلِمَةِ. وقالَ الضَّحّاكُ: المَكْرُ والغَدْرُ. وقالَ ابْنُ عِيسى: الِاضْطِرابُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: الشَّرُّ، وقالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. وقِيلَ: إيقاعُ الِاخْتِلافِ والأراجِيفِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ الخَبالِ في آلِ عِمْرانَ. وهَذا الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ وهو مُفَرَّغٌ؛ إذِ المَفْعُولُ الثّانِي لِزادَ لَمْ يُذْكَرْ، وقَدْ كانَ في هَذِهِ الغَزْوَةِ مُنافِقُونَ كَثِيرٌ، ولَهم لا شَكَّ خَبالٌ، فَلَوْ خَرَجَ هَؤُلاءِ لَتَألَّبُوا فَزادَ الخَبالُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُسْتَثْنى مِنهُ غَيْرُ مَذْكُورٍ، فالِاسْتِثْناءُ مِن أعَمِّ العامِّ الَّذِي هو الشَّيْءُ، فَكانَ هو اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا؛ لِأنَّ الخَبالَ بَعْضُ أعَمِّ العامِّ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما زادُوكم شَيْئًا إلّا خَبالًا. وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، وهَذا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ لَمْ يَكُنْ في عَسْكَرِ الرَّسُولِ خَبالٌ. فالمَعْنى: ما زادُوكم قُوَّةً ولا شِدَّةً لَكِنْ خَبالًا. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ما زادُوكم بِغَيْرِ واوٍ؛ يَعْنِي: ما زادَكم خُرُوجُهم إلّا خَبالًا. والإيضاعُ الإسْراعُ، قالَ: ؎أُرانا مُوضِعِينَ لِأمْرِ غَيْبٍ ∗∗∗ ونُسْحَرُ بِالطَّعامِ وبِالشَّرابِ ويُقالُ: وضَعَتِ النّاقَةُ تَضَعُ وضْعًا ووُضُوعًا، قالَ: ؎يا لَيْتَنِي فِيها جَذَعْ ∗∗∗ أخُبُّ فِيها وأضَعْ قالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ لَأسْرَعُوا بِالنَّمِيمَةِ. وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ القاسِمِ: لَأسْرَعُوا بِالفِرارِ. ومَفْعُولُ أوْضَعُوا مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: ولَأوْضَعُوا رَكائِبَكم بَيْنَكم؛ لِأنَّ الرّاكِبَ أسْرَعُ مِنَ الماشِي. وقَرَأ مُجاهِدٌ ومُحَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ: ولَأوْفَضُوا؛ أيْ أسْرَعُوا كَقَوْلِهِ: ﴿إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: ٤٣] وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ: ولَأرْفَضُوا بِالرّاءِ مِن رَفَضَ أسْرَعَ في مَشْيِهِ رَفْضًا ورَفَضانًا، قالَ حَسّانُ: ؎بِزُجاجَةٍ رَفَضَتْ بِما في جَوْفِها ∗∗∗ رَفْضَ القَلُوصِ بِراكِبٍ مُسْتَعْجِلِ (p-٥٠)وقالَ غَيْرُهُ: ؎والرّافِضاتُ إلى مِنًى فالقَبْقَبِ والخِلالُ جَمْعُ الخَلَلِ، وهو الفُرْجَةُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: تَخَلَّلْتُ القَوْمَ دَخَلْتُ بَيْنَ خَلَلِهِمْ وخِلالِهِمْ، وجَلَسْنا خِلالَ البُيُوتِ وخِلالَ الدُّورِ؛ أيْ: بَيْنَها. ويَبْغُونَ حالٌ؛ أيْ: باغِينَ. قالَ الفَرّاءُ: يَبْغُونَها لَكم. والفِتْنَةُ هُنا الكُفْرُ قالَهُ مُقاتِلٌ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والضَّحّاكُ، أوِ العَيْبُ والشَّرُّ قالَهُ: الكَلْبِيُّ، أوْ تَفْرِيقُ الجَماعَةِ، أوِ المِحْنَةُ بِاخْتِلافِ الكَلِمَةِ، أوِ النَّمِيمَةُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُحاوِلُونَ أنْ يَفْتِنُوكم بِأنْ يُوقِعُوا الخِلافَ فِيما بَيْنَكم، ويُفْسِدُوا نِيّاتِكم في مَغْزاكم. وفِيكم سَمّاعُونَ لَهم؛ أيْ: نَمّامُونَ يَسْمَعُونَ حَدِيثَكم فَيَنْقُلُونَهُ إلَيْهِمْ، أوْ فِيكم قَوْمٌ يَسْتَمِعُونَ لِلْمُنافِقِينَ ويُطِيعُونَهم. انْتَهى. فاللّامُ في القَوْلِ الأوَّلِ لِلتَّعْلِيلِ، وفي الثّانِي لِتَقْوِيَةِ التَّعْدِيَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧] والقَوْلُ الأوَّلُ قالَهُ: سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، قالُوا: مَعْناهُ جَواسِيسُ يَسْتَمِعُونَ الأخْبارَ ويَنْقُلُونَها إلَيْهِمْ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ. والقَوْلُ الثّانِي قَوْلُ الجُمْهُورِ، قالُوا: مَعْناهُ وفِيكم مُطِيعُونَ سَمّاعُونَ لَهم. ومَعْنى وفِيكم في خِلالِكم مِنهم، أوْ مِنكم مِمَّنْ قَرُبَ عَهْدُهُ بِالإسْلامِ. واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ يَعُمُّ كُلَّ ظالِمٍ. ومَعْنى ذَلِكَ: أنَّهُ يُجازِيهِ عَلى ظُلْمِهِ. وانْدَرَجَ فِيهِ مَن يَقْبَلُ كَلامَ المُنافِقِينَ، ومَن يُؤَدِّي إلَيْهِمْ أخْبارَ المُؤْمِنِينَ، ومَن تَخَلَّفَ عَنْ هَذِهِ الغَزاةِ مِنَ المُنافِقِينَ.

التوبة 9:48

﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتّى جاءَ الحَقُّ وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ وهم كارِهُونَ﴾ تَقَدَّمَ ذِكْرُ السَّبَبِ في نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ والَّتِي قَبْلَها مِن قِصَّةِ رُجُوعِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ في هَذِهِ الغَزاةِ، حَقَّرَ شَأْنَهم في هَذِهِ الآيَةِ، وأخْبَرَ أنَّهم قَدِيمًا سَعَوْا عَلى الإسْلامِ فَأبْطَلَ اللَّهُ سَعْيَهم. وفي الأُمُورِ المُقَلَّبَةِ أقْوالٌ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَغَوْا لَكَ الغَوائِلَ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وقَفَ اثْنا عَشَرَ مِنَ المُنافِقِينَ عَلى الثَّنِيَّةِ لَيْلَةَ العَقَبَةِ كَيْ يَفْتِكُوا بِهِ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: احْتالُوا في تَشْتِيتِ أمْرِكَ وإبْطالِ دِينِكَ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانْصِرافِ ابْنِ أُبَيٍّ يَوْمَ أُحُدٍ بِأصْحابِهِ. ومَعْنى مِن قَبْلُ أيْ: مِن قَبْلِ هَذِهِ الغَزاةِ، وذَلِكَ ما كانَ مِن حالِهِمْ وقْتَ هِجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ورُجُوعِهِمْ عَنْهُ في أُحُدٍ وغَيْرِها. وتَقْلِيبُ الأُمُورِ: هو تَدْبِيرُها ظَهْرًا لِبَطْنٍ، والنَّظَرُ في نَواحِيها وأقْسامِها، والسَّعْيُ بِكُلِّ حِيلَةٍ. وقِيلَ: طَلَبُ المَكِيدَةِ مِن قَوْلِهِمْ: هو حُوَّلٌ قُلَّبٌ. وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ: وقَلَبُوا بِتَخْفِيفِ اللّامِ. (حَتّى جاءَ الحَقُّ)؛ أيْ: القُرْآنُ وشَرِيعَةُ الرَّسُولِ ﷺ . ولَفْظَةُ (جاءَ) مُشْعِرَةٌ بِأنَّهُ كانَ قَدْ ذَهَبَ. (وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ) وصَفَهُ بِالظُّهُورِ؛ لِأنَّهُ كانَ كالمَسْتُورِ؛ أيْ: غَلَبَ وعَلا دِينُ اللَّهِ، وهم كارِهُونَ لِمَجِيءِ الحَقِّ وظُهُورِ دِينِ اللَّهِ. وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِمَكْرِهِمْ وكَيْدِهِمْ، ومُبالَغَتِهِمْ في إثارَةِ الشَّرِّ فَإنَّهم مُذْ رامُوا ذَلِكَ رَدَّهُ اللَّهُ في نَحْرِهِمْ، وقَلَبَ مُرادَهم، وأتى بِضِدِّ مَقْصُودِهِمْ، فَكَما كانَ ذَلِكَ في الماضِي كَذا يَكُونُ في المُسْتَقْبَلِ. ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾: نَزَلَتْ في الجَدِّ بْنِ قَيْسٍ، وذُكِرَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ (p-٥١)ﷺ لَمّا أمَرَ بِالغَزْوِ إلى بِلادِ الرُّومِ حَرَّضَ النّاسَ فَقالَ لِلْجَدِّ بْنِ قَيْسٍ: ”هَلْ لَكَ العامَ في جِلادِ بَنِي الأصْفَرِ“، وقالَ لَهُ ولِلنّاسِ: ”اغْزُوا تَغْنَمُوا بَناتِ الأصْفَرِ“، فَقالَ الجَدُّ: ائْذَنْ لِي في التَّخَلُّفِ ولا تَفْتِنِّي بِذِكْرِ بَناتِ الأصْفَرِ، فَقَدْ عَلِمَ قَوْمِي أنِّي لا أتَمالَكُ عَنِ النِّساءِ إذا رَأيْتُهُنَّ وتَفْتِنَنِّي، ولا تَفْتِنِّي بِالنِّساءِ»، هو قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وابْنِ زَيْدٍ. وقِيلَ: ولا تَفْتِنِّي؛ أيْ ولا تُصَعِّبْ عَلَيَّ حَتّى أحْتاجَ إلى مُواقَعَةِ مَعْصِيَتِكَ فَسَهِّلْ عَلَيَّ، ودَعْنِي غَيْرَ مُخْتَلِجٍ. وقالَ قَرِيبًا مِنهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ والزَّجّاجُ، قالُوا: لا تُكْسِبُنِي الإثْمَ بِأمْرِكَ إيّايَ بِالخُرُوجِ وهو غَيْرُ مُتَيَسِّرٍ لِي، فَآثَمُ بِمُخالَفَتِكَ. وقالَ الضَّحّاكُ: لا تُكَفِّرْنِي بِإلْزامِكَ الخُرُوجَ مَعَكَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: لا تَصْرِفْنِي عَنْ شُغْلِي فَتُفَوِّتْ عَلَيَّ مَصالِحِي ويَذْهَبْ أكْثَرُ ثِمارِي. وقِيلَ: وتَفْتِنِّي في الهَلَكَةِ فَإنِّي إذا خَرَجْتُ مَعَكَ هَلَكَ مالِي وعِيالِي. وقِيلَ: إنَّهُ قالَ: ولَكِنْ أُعِينُكَ بِمالِي. ومُتَعَلَّقُ الإذْنِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: في القُعُودِ وفي مُجاوَرَتِهِ الرَّسُولَ ﷺ عَلى نِفاقِهِ. وقَرَأ ورْشٌ: بِتَخْفِيفِ هَمْزَةِ ائْذَنْ لِي بِإبْدالِها واوًا لِضَمَّةِ ما قَبْلَها. وقالَ النَّحّاسُ ما مَعْناهُ: إذا دَخَلَتِ الواوُ أوِ الفاءُ عَلى ائْذَنْ، فَهِجاؤُها في الخَطِّ ألِفٌ وذالٌ ونُونٌ بِغَيْرِ ياءٍ، أوْ ثُمَّ فالهِجاءُ ألِفٌ وياءٌ وذالٌ ونُونٌ، والفَرْقُ أنَّ ثُمَّ يُوقَفُ عَلَيْها وتَنْفَصِلُ بِخِلافِهِما. وقَرَأ عِيسى بْنُ عَمْرٍو: لا تُفْتِنِّي بِضَمِّ التّاءِ الأُولى مِن أفْتَنَ. قالَ أبُو حاتِمٍ هي لُغَةُ تَمِيمٍ، وهي أيْضًا قِراءَةُ ابْنُ السَّمَيْقَعِ، ونَسَبَها ابْنُ مُجاهِدٍ إلى إسْماعِيلَ المَكِّيِّ. وجَمَعَ الشّاعِرُ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ فَقالَ: ؎لَئِنْ فَتَنَتْنِي فَهي بِالأمْسِ أفْتَنَتْ سَعِيدًا فَأمْسى قَدْ قَلا كُلَّ مُسْلِمِ والفِتْنَةُ الَّتِي سَقَطُوا فِيها هي فِتْنَةُ التَّخَلُّفِ، وظُهُورُ كُفْرِهِمْ ونِفاقِهِمْ. ولَفْظَةُ سَقَطُوا تُنْبِئُ عَنْ تَمَكُّنِ وُقُوعِهِمْ فِيها. وقالَ قَتادَةُ: الإثْمُ بِخِلافِهِمُ الرَّسُولَ في أمْرِهِ، وإحاطَةُ جَهَنَّمَ بِهِمْ إمّا يَوْمَ القِيامَةِ، أوِ الآنَ عَلى سَبِيلِ المَجازِ؛ لِأنَّ أسْبابَ الإحاطَةِ مَعَهم فَكَأنَّهم في وسَطِها، أوْ لِأنَّ مَصِيرَهم إلَيْها. ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أخَذْنا أمْرَنا مِن قَبْلُ ويَتَوَلَّوْا وهم فَرِحُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الحَسَنَةُ في يَوْمِ بَدْرٍ، والمُصِيبَةُ يَوْمَ أُحُدٍ. ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ عَلى التَّمْثِيلِ، واللَّفْظُ عامٌّ في كُلِّ مَحْبُوبٍ ومَكْرُوهٍ، وسِياقُ الحَمْلِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في الغَزْوِ، ولِذَلِكَ قالُوا: الحَسَنَةُ الظَّفَرُ والغَنِيمَةُ، والمُصِيبَةُ الخَيْبَةُ والهَزِيمَةُ، مِثْلُ ما جَرى في أوَّلِ غَزْوَةِ أُحُدٍ. ومَعْنى (أمْرَنا) الَّذِي نَحْنُ مُتَّسِمُونَ بِهِ مِنَ الحَذَرِ والتَّيَقُّظِ والعَمَلِ بِالحَزْمِ في التَّخَلُّفِ عَنِ الغَزْوِ، مِن قَبْلِ ما وقَعَ مِنَ المُصِيبَةِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّوَلِّي حَقِيقَةً؛ أيْ: ويَتَوَلَّوْا عَنْ مَقامِ التَّحْدِيثَ بِذَلِكَ، والِاجْتِماعِ لَهُ إلى أهْلِيهِمْ وهم مَسْرُورُونَ. وقِيلَ: أعْرَضُوا عَنِ الإيمانِ. وقِيلَ: عَنِ الرَّسُولِ، فَيَكُونُ التَّوَلِّي مَجازًا. ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هو مَوْلانا وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾: قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ مُصَرِّفٍ: هَلْ يُصِيبُنا مَكانَ لَنْ يُصِيبَنا. وقَرَأ ابْنُ مُصَرِّفٍ أيْضًا وأعْيَنُ قاضِي الرَّيِّ: هَلْ يُصَيِّبُنا بِتَشْدِيدِ الياءِ، وهو مُضارِعُ فَيْعَلَ نَحْوُ: بَيْطَرَ، لا مُضارِعَ فَعَلَ؛ إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ صَوَّبَ مُضاعَفَ العَيْنِ. قالُوا: صَوَّبَ رَأْيَهُ لَمّا بَناهُ عَلى فَعَّلَ؛ لِأنَّهُ مِن ذَواتِ الواوِ. وقالُوا: صابَ يَصُوبُ ومَصاوِبُ جَمْعُ مُصِيبَةٍ، وبَعْضُ العَرَبِ يَقُولُ: صابَ السَّهْمُ يُصِيبُ، جَعَلَهُ مِن ذَواتِ الياءِ، فَعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ يُصِيبُنا مُضارِعَ صَيَبَ عَلى وزْنِ فَعَلَ، والصَّيِّبُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَسَيِّدٍ وكَلَيِّنٍ. وقالَ عَمْرُو بْنُ شَقِيقٍ: سَمِعْتُ أعْيَنَ قاضِي الرَّيِّ يَقُولُ: قُلْ لَنْ يُصِيبَنّا بِتَشْدِيدِ النُّونِ. قالَ أبُو حاتِمٍ: ولا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ النُّونَ لا تَدْخُلُ مَعَ لَنْ، ولَوْ كانَتْ لِطَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ لَحارَتْ؛ لِأنَّها مَعَ هَلْ، قالَ تَعالى: ﴿هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ﴾ [الحج: ١٥] . انْتَهى. ووَجْهُ هَذِهِ القِراءَةِ تَشْبِيهُ لَنْ بِلا وبِلَمْ، وقَدْ سُمِعَ لَحاقُ هَذِهِ النُّونِ بِلا وبِلَمْ، فَلَمّا شارَكَتْهُما لَنْ في النَّفْيِ لَحِقَتْ مَعَها نُونُ التَّوْكِيدِ، وهَذا (p-٥٢)تَوْجِيهُ شُذُوذٍ؛ أيْ: ما أصابَنا فَلَيْسَ مِنكم ولا بِكم، بَلِ اللَّهُ هو الَّذِي أصابَنا وكَتَبَ - أيْ: في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أوْ في القُرْآنِ - مِنَ الوَعْدِ بِالنَّصْرِ ومُضاعَفَةِ الأجْرِ عَلى المُصِيبَةِ، أوْ ما قَضى وحَكَمَ، ثَلاثَةُ أقْوالٍ. (هو مَوْلانا)؛ أيْ ناصِرُنا وحافِظُنا، قالَهُ الجُمْهُورُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: أوْلى بِنا مِن أنْفُسِنا في المَوْتِ والحَياةِ. وقِيلَ: مالِكُنا وسَيِّدُنا، فَلِهَذا يَتَصَرَّفُ كَيْفَ شاءَ. فَيَجِبُ الرِّضا بِما يَصْدُرُ مِن جِهَتِهِ. وقالَ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١]، فَهو مَوْلانا الَّذِي يَتَوَلّانا ونَتَوَلّاهُ. ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلّا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ ونَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكم أنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ أوْ بِأيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ﴾؛ أيْ ما يَنْتَظِرُونَ بِنا إلّا إحْدى العاقِبَتَيْنِ، كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما هي الحُسْنى مِنَ العَواقِبِ: إمّا النُّصْرَةُ، وإمّا الشَّهادَةُ. فالنُّصْرَةُ مَآلُها إلى الغَلَبَةِ والِاسْتِيلاءِ، والشَّهادَةُ مَآلُها إلى الجَنَّةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ الحُسْنَيَيْنِ الغَنِيمَةُ والشَّهادَةُ. وقِيلَ: الأجْرُ والغَنِيمَةُ. وقِيلَ: الشَّهادَةُ والمَغْفِرَةُ. وفي الحَدِيثِ: «تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَن جاهَدَ في سَبِيلِهِ لا يُخْرِجُهُ مِن بَيْتِهِ إلّا الجِهادُ في سَبِيلِهِ، وتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ أنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ، أوْ يُرْجِعَهُ إلى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنهُ مَعَ ما نالَ مِن أجْرٍ وغَنِيمَةٍ» . والعَذابُ مِن عِنْدِ اللَّهِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو هُنا الصَّواعِقُ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المَوْتُ. وقِيلَ: قارِعَةٌ مِنَ السَّماءِ تُهْلِكُهم كَما نَزَلَتْ عَلى عادٍ وثَمُودَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَوَعُّدًا بِعَذابِ الآخِرَةِ. (أوْ بِأيْدِينا) بِالقَتْلِ عَلى الكُفْرِ. فَتَرَبَّصُوا مَواعِيدَ الشَّيْطانِ، إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ إظْهارَ دِينِهِ واسْتِئْصالَ مَن خالَفَهُ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَتَرَبَّصُوا بِنا ما ذَكَرْنا مِن عَواقِبِنا إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ ما هو عاقِبَتُكم، فَلا بُدَّ أنْ نَلْقى كُلُّنا ما نَتَرَبَّصَهُ لا نَتَجاوَزُهُ. انْتَهى. وهو أمْرٌ يَتَضَمَّنُ التَّهْدِيدَ والوَعِيدَ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ إلّا حْدى: بِإسْقاطِ الهَمْزَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَوَصَلَ ألِفَ إحْدى، وهَذِهِ لُغَةٌ ولَيْسَتْ بِالقِياسِ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎يا با المُغِيرَةِ رُبَّ أمْرٍ مُعْضِلٍ ونَحْوُ قَوْلِ الآخَرِ: ؎إنْ لَمْ أُقاتِلْ فالبِسْنِي بُرْقُعًا انْتَهى. ﴿قُلْ أنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكم إنَّكم كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ﴾؛ قَرَأ الأعْمَشُ وابْنُ وثّابٍ: كُرْهًا بِضَمِّ الكافِ، ويَعْنِي: في سَبِيلِ اللَّهِ ووُجُوهِ البِرِّ. قِيلَ: وهو أمْرٌ ومَعْناهُ التَّهْدِيدُ والتَّوْبِيخُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو أمْرٌ في مَعْنى الخَبَرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ مَن كانَ في الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥] ومَعْناهُ لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكم أنْفَقْتُمْ طَوْعًا أوْ كَرْهًا. ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] وقَوْلُهُ: ؎أسِيئِي بِنا أوْ أحْسِنِي لا مَلُومَةَ أيْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمُ اسْتَغْفَرْتَ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرُ لَهم، ولا نَلُومَكِ أسَأْتِ إلَيْنا أمْ أحْسَنْتِ. انْتَهى. وعَنْ بَعْضِهِمْ غَيْرُ هَذا بِأنَّ مَعْناهُ الجَزاءُ والشَّرْطُ؛ أيْ: إنْ تُنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنكم، وذَكَرَ الآيَةَ، وبَيَّتَ كَثِيرٌ عَلى هَذا المَعْنى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أنْفِقُوا أمْرٌ في ضِمْنِهِ جَزاءٌ، وهَذا مُسْتَمِرٌّ في كُلِّ أمْرٍ مَعَهُ جَزاءٌ، والتَّقْدِيرُ: إنْ تُنْفِقُوا لَنْ نَتَقَبَّلَ مِنكم. وأمّا إذا عُرِّيَ الأمْرُ مِنَ الجَوابِ فَلَيْسَ يَصْحَبُهُ تَضَمُّنُ الشَّرْطِ. انْتَهى. ويَقْدَحُ في هَذا التَّخْرِيجِ أنَّ الأمْرَ إذا كانَ فِيهِ مَعْنى (p-٥٣)الشَّرْطِ كانَ الجَوابُ كَجَوابِ الشَّرْطِ، فَعَلى هَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ التَّرْكِيبُ: فَلَنْ يُتَقَبَّلَ بِالفاءِ؛ لِأنَّ لَنْ لا تَقَعُ جَوابًا لِلشَّرْطِ إلّا بِالفاءِ، فَكَذَلِكَ ما ضُمِّنَ مَعْناهُ. ألا تَرى جَزْمَهُ الجَوابَ في مِثْلِ: اقْصِدْ زَيْدًا يُحْسِنْ إلَيْكَ. وانْتَصَبَ (طَوْعًا أوْ كَرْهًا) عَلى الحالِ، والطَّوْعُ أنْ يَكُونَ مِن غَيْرِ إلْزامِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، والكَرْهُ إلْزامُ ذَلِكَ. وسُمِّيَ الإلْزامُ كَرْهًا؛ لِأنَّهم مُنافِقُونَ، فَصارَ الإلْزامُ شاقًّا عَلَيْهِمْ كالإكْراهِ. أوْ يَكُونُ مِن غَيْرِ إلْزامٍ مِن رُؤَسائِكم، أوْ إلْزامٍ مِنهم؛ لِأنَّهم كانُوا يَحْمِلُونَهم عَلى الإنْفاقِ لِما يَرَوْنَ فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّ هَذِهِ نَزَلَتْ بِسَبَبِ الجَدِّ بْنِ قَيْسٍ حِينَ اسْتَأْذَنَ في القُعُودِ وقالَ: هَذا مالِي أُعِينُكَ بِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَيَكُونُ مِن إطْلاقِ الجَمْعِ عَلى الواحِدِ أوَّلُهُ ولِمَن فَعَلَ فِعْلَهُ. فَقَدْ نَقَلَ البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ الأئِمَّةِ أنَّهم كانُوا ثَلاثَةً وثَمانِينَ رَجُلًا، اسْتَثْنى مِنهُمُ الثَّلاثَةَ الَّذِينَ خُلِّفُوا وأهْلَكَ الباقُونَ، ونَفى التَّقَبُّلَ إمّا كَوْنُ الرَّسُولِ لَمْ يَقْبَلْهُ مِنهم ورَدَّهُ، وإمّا كَوْنُ اللَّهِ لا يُثِيبُ عَلَيْهِ، وعَلَّلَ انْتِفاءَ التَّقَبُّلِ بِالفِسْقِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهو التَّمَرُّدُ والعُتُوُّ، والأوْلى أنْ يُحْمَلَ عَلى الكُفْرِ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: هَذِهِ إشارَةٌ إلى أنَّ عَدَمَ القَبُولِ مُعَلَّلٌ بِكَوْنِهِمْ فاسِقِينَ، فَدَلَّ عَلى أنَّ الفِسْقَ يُؤَثِّرُ في إزالَةِ هَذا المَعْنى. وأكَّدَ الجُبّائِيُّ ذَلِكَ بِدَلِيلِهِ المَشْهُورِ في هَذِهِ المَسْألَةِ، وهو أنَّ الفِسْقَ يُوجِبُ الذَّمَّ والعِقابَ الدّائِمَيْنِ، والطّاعَةَ تُوجِبُ المَدْحَ والثَّوابَ الدّائِمَيْنِ، والجَمْعُ بَيْنَهُما مُحالٌ. فَكانَ الجَمْعُ بَيْنَ اسْتِحْقاقِهِما مُحالًا، وقَدْ أزالَ اللَّهُ هَذِهِ الشُّبْهَةَ بِقَوْلِهِ: (وما مَنَعَهم) الآيَةَ، وأنَّ تَصْرِيحَ هَذا اللَّفْظِ لا يُؤَثِّرُ في القَبُولِ إلّا الكُفْرُ. ودَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ مُطْلَقَ الفِسْقِ لا يُحْبِطُ الطّاعاتِ، فَنَفى تَعالى أنَّ عَدَمَ القَبُولِ لَيْسَ مُعَلَّلًا بِعُمُومِ كَوْنِهِ فِسْقًا، بَلْ بِخُصُوصِ وصْفِهِ وهو كَوْنُ ذَلِكَ الفِسْقُ كُفْرًا، فَثَبَتَ أنَّ اسْتِدْلالَ الجُبّائِيِّ باطِلٌ. انْتَهى. وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. ﴿وما مَنَعَهم أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهم إلّا أنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ ولا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إلّا وهم كُسالى ولا يُنْفِقُونَ إلّا وهم كارِهُونَ﴾، ذَكَرَ السَّبَبَ الَّذِي هو بِمُفْرَدِهِ مانِعٌ مِن قَبُولِ نَفَقاتِهِمْ وهو الكُفْرُ، وأتْبَعَهُ بِما هو ناشِئٌ عَنِ الكُفْرِ ومُسْتَلْزِمٌ لَهُ وهو دَلِيلٌ عَلَيْهِ. وذَلِكَ هو إتْيانُ الصَّلاةِ وهم كُسالى، وإيتاءُ النَّفَقَةِ وهم كارِهُونَ. فالكَسَلُ في الصَّلاةِ وتَرْكُ النَّشاطَ إلَيْها وأخْذُها بِالإقْبالِ مِن ثَمَراتِ الكُفْرِ، فَإيقاعُها عِنْدَهم لا يَرْجُونَ بِهِ ثَوابًا، ولا يَخافُونَ بِالتَّفْرِيطِ فِيها عِقابًا. وكَذَلِكَ الإنْفاقُ لِلْأمْوالِ لا يَكْرَهُونَ ذَلِكَ إلّا وهم لا يَرْجُونَ بِهِ ثَوابًا. وذَكَرَ مِن أعْمالِ البِرِّ هَذَيْنِ العَمَلَيْنِ الجَلِيلَيْنِ وهُما الصَّلاةُ والنَّفَقَةُ، واكْتَفى بِهِما وإنْ كانُوا أفْسَدَ حالًا في سائِرِ أعْمالِ البِرِّ؛ لِأنَّ الصَّلاةَ أشْرَفُ الأعْمالِ البَدَنِيَّةِ، والنَّفَقَةَ في سَبِيلِ اللَّهِ أشْرَفُ الأعْمالِ المالِيَّةِ، وهُما وصْفانِ المَطْلُوبُ إظْهارُهُما في الإسْلامِ، ويُسْتَدَلُّ بِهِما عَلى الإيمانِ، وتَعْدادُ القَبائِحِ يَزِيدُ المَوْصُوفَ بِها ذَمًّا وتَقْبِيحًا. وقَرَأ الأخَوانِ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: أنْ يُقْبَلَ بِالياءِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالتّاءِ، ونَفَقاتُهم بِالجَمِيعِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِالإفْرادِ. وقَرَأ الأعْرَجُ بِخِلافٍ عَنْهُ: أنْ تُقْبَلَ بِالتّاءِ مِن فَوْقِ نَفَقَتِهِمْ بِالإفْرادِ. وفي هَذِهِ القِراءاتِ الفِعْلُ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: أنْ نَقْبَلَ مِنهم نَفَقَتَهم بِالنُّونِ ونَصْبِ النَّفَقَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقِراءَةُ السُّلَمِيِّ أنْ نَقْبَلَ مِنهم نَفَقاتِهِمْ عَلى أنَّ الفِعْلَ لِلَّهِ تَعالى. انْتَهى. والأوْلى أنْ يَكُونَ فاعِلُ مَنَعَ قَوْلَهُ: إلّا أنَّهم؛ أيْ كُفْرُهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لَفْظَ الجَلالَةِ؛ أيْ: وما مَنَعَهُمُ اللَّهُ، ويَكُونُ إلّا أنَّهم تَقْدِيرُهُ: إلّا لِأنَّهم كَفَرُوا. وأنْ تُقْبَلَ مَفْعُولٌ ثانٍ إمّا لِوُصُولِ مَنَعَ إلَيْهِ بِنَفْسِهِ، وإمّا عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ، فَوَصَلَ الفِعْلُ إلَيْهِ.

التوبة 9:49

﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتّى جاءَ الحَقُّ وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ وهم كارِهُونَ﴾ تَقَدَّمَ ذِكْرُ السَّبَبِ في نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ والَّتِي قَبْلَها مِن قِصَّةِ رُجُوعِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ في هَذِهِ الغَزاةِ، حَقَّرَ شَأْنَهم في هَذِهِ الآيَةِ، وأخْبَرَ أنَّهم قَدِيمًا سَعَوْا عَلى الإسْلامِ فَأبْطَلَ اللَّهُ سَعْيَهم. وفي الأُمُورِ المُقَلَّبَةِ أقْوالٌ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَغَوْا لَكَ الغَوائِلَ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وقَفَ اثْنا عَشَرَ مِنَ المُنافِقِينَ عَلى الثَّنِيَّةِ لَيْلَةَ العَقَبَةِ كَيْ يَفْتِكُوا بِهِ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: احْتالُوا في تَشْتِيتِ أمْرِكَ وإبْطالِ دِينِكَ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانْصِرافِ ابْنِ أُبَيٍّ يَوْمَ أُحُدٍ بِأصْحابِهِ. ومَعْنى مِن قَبْلُ أيْ: مِن قَبْلِ هَذِهِ الغَزاةِ، وذَلِكَ ما كانَ مِن حالِهِمْ وقْتَ هِجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ورُجُوعِهِمْ عَنْهُ في أُحُدٍ وغَيْرِها. وتَقْلِيبُ الأُمُورِ: هو تَدْبِيرُها ظَهْرًا لِبَطْنٍ، والنَّظَرُ في نَواحِيها وأقْسامِها، والسَّعْيُ بِكُلِّ حِيلَةٍ. وقِيلَ: طَلَبُ المَكِيدَةِ مِن قَوْلِهِمْ: هو حُوَّلٌ قُلَّبٌ. وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ: وقَلَبُوا بِتَخْفِيفِ اللّامِ. (حَتّى جاءَ الحَقُّ)؛ أيْ: القُرْآنُ وشَرِيعَةُ الرَّسُولِ ﷺ . ولَفْظَةُ (جاءَ) مُشْعِرَةٌ بِأنَّهُ كانَ قَدْ ذَهَبَ. (وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ) وصَفَهُ بِالظُّهُورِ؛ لِأنَّهُ كانَ كالمَسْتُورِ؛ أيْ: غَلَبَ وعَلا دِينُ اللَّهِ، وهم كارِهُونَ لِمَجِيءِ الحَقِّ وظُهُورِ دِينِ اللَّهِ. وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِمَكْرِهِمْ وكَيْدِهِمْ، ومُبالَغَتِهِمْ في إثارَةِ الشَّرِّ فَإنَّهم مُذْ رامُوا ذَلِكَ رَدَّهُ اللَّهُ في نَحْرِهِمْ، وقَلَبَ مُرادَهم، وأتى بِضِدِّ مَقْصُودِهِمْ، فَكَما كانَ ذَلِكَ في الماضِي كَذا يَكُونُ في المُسْتَقْبَلِ. ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾: نَزَلَتْ في الجَدِّ بْنِ قَيْسٍ، وذُكِرَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ (p-٥١)ﷺ لَمّا أمَرَ بِالغَزْوِ إلى بِلادِ الرُّومِ حَرَّضَ النّاسَ فَقالَ لِلْجَدِّ بْنِ قَيْسٍ: ”هَلْ لَكَ العامَ في جِلادِ بَنِي الأصْفَرِ“، وقالَ لَهُ ولِلنّاسِ: ”اغْزُوا تَغْنَمُوا بَناتِ الأصْفَرِ“، فَقالَ الجَدُّ: ائْذَنْ لِي في التَّخَلُّفِ ولا تَفْتِنِّي بِذِكْرِ بَناتِ الأصْفَرِ، فَقَدْ عَلِمَ قَوْمِي أنِّي لا أتَمالَكُ عَنِ النِّساءِ إذا رَأيْتُهُنَّ وتَفْتِنَنِّي، ولا تَفْتِنِّي بِالنِّساءِ»، هو قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وابْنِ زَيْدٍ. وقِيلَ: ولا تَفْتِنِّي؛ أيْ ولا تُصَعِّبْ عَلَيَّ حَتّى أحْتاجَ إلى مُواقَعَةِ مَعْصِيَتِكَ فَسَهِّلْ عَلَيَّ، ودَعْنِي غَيْرَ مُخْتَلِجٍ. وقالَ قَرِيبًا مِنهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ والزَّجّاجُ، قالُوا: لا تُكْسِبُنِي الإثْمَ بِأمْرِكَ إيّايَ بِالخُرُوجِ وهو غَيْرُ مُتَيَسِّرٍ لِي، فَآثَمُ بِمُخالَفَتِكَ. وقالَ الضَّحّاكُ: لا تُكَفِّرْنِي بِإلْزامِكَ الخُرُوجَ مَعَكَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: لا تَصْرِفْنِي عَنْ شُغْلِي فَتُفَوِّتْ عَلَيَّ مَصالِحِي ويَذْهَبْ أكْثَرُ ثِمارِي. وقِيلَ: وتَفْتِنِّي في الهَلَكَةِ فَإنِّي إذا خَرَجْتُ مَعَكَ هَلَكَ مالِي وعِيالِي. وقِيلَ: إنَّهُ قالَ: ولَكِنْ أُعِينُكَ بِمالِي. ومُتَعَلَّقُ الإذْنِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: في القُعُودِ وفي مُجاوَرَتِهِ الرَّسُولَ ﷺ عَلى نِفاقِهِ. وقَرَأ ورْشٌ: بِتَخْفِيفِ هَمْزَةِ ائْذَنْ لِي بِإبْدالِها واوًا لِضَمَّةِ ما قَبْلَها. وقالَ النَّحّاسُ ما مَعْناهُ: إذا دَخَلَتِ الواوُ أوِ الفاءُ عَلى ائْذَنْ، فَهِجاؤُها في الخَطِّ ألِفٌ وذالٌ ونُونٌ بِغَيْرِ ياءٍ، أوْ ثُمَّ فالهِجاءُ ألِفٌ وياءٌ وذالٌ ونُونٌ، والفَرْقُ أنَّ ثُمَّ يُوقَفُ عَلَيْها وتَنْفَصِلُ بِخِلافِهِما. وقَرَأ عِيسى بْنُ عَمْرٍو: لا تُفْتِنِّي بِضَمِّ التّاءِ الأُولى مِن أفْتَنَ. قالَ أبُو حاتِمٍ هي لُغَةُ تَمِيمٍ، وهي أيْضًا قِراءَةُ ابْنُ السَّمَيْقَعِ، ونَسَبَها ابْنُ مُجاهِدٍ إلى إسْماعِيلَ المَكِّيِّ. وجَمَعَ الشّاعِرُ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ فَقالَ: ؎لَئِنْ فَتَنَتْنِي فَهي بِالأمْسِ أفْتَنَتْ سَعِيدًا فَأمْسى قَدْ قَلا كُلَّ مُسْلِمِ والفِتْنَةُ الَّتِي سَقَطُوا فِيها هي فِتْنَةُ التَّخَلُّفِ، وظُهُورُ كُفْرِهِمْ ونِفاقِهِمْ. ولَفْظَةُ سَقَطُوا تُنْبِئُ عَنْ تَمَكُّنِ وُقُوعِهِمْ فِيها. وقالَ قَتادَةُ: الإثْمُ بِخِلافِهِمُ الرَّسُولَ في أمْرِهِ، وإحاطَةُ جَهَنَّمَ بِهِمْ إمّا يَوْمَ القِيامَةِ، أوِ الآنَ عَلى سَبِيلِ المَجازِ؛ لِأنَّ أسْبابَ الإحاطَةِ مَعَهم فَكَأنَّهم في وسَطِها، أوْ لِأنَّ مَصِيرَهم إلَيْها. ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أخَذْنا أمْرَنا مِن قَبْلُ ويَتَوَلَّوْا وهم فَرِحُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الحَسَنَةُ في يَوْمِ بَدْرٍ، والمُصِيبَةُ يَوْمَ أُحُدٍ. ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ عَلى التَّمْثِيلِ، واللَّفْظُ عامٌّ في كُلِّ مَحْبُوبٍ ومَكْرُوهٍ، وسِياقُ الحَمْلِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في الغَزْوِ، ولِذَلِكَ قالُوا: الحَسَنَةُ الظَّفَرُ والغَنِيمَةُ، والمُصِيبَةُ الخَيْبَةُ والهَزِيمَةُ، مِثْلُ ما جَرى في أوَّلِ غَزْوَةِ أُحُدٍ. ومَعْنى (أمْرَنا) الَّذِي نَحْنُ مُتَّسِمُونَ بِهِ مِنَ الحَذَرِ والتَّيَقُّظِ والعَمَلِ بِالحَزْمِ في التَّخَلُّفِ عَنِ الغَزْوِ، مِن قَبْلِ ما وقَعَ مِنَ المُصِيبَةِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّوَلِّي حَقِيقَةً؛ أيْ: ويَتَوَلَّوْا عَنْ مَقامِ التَّحْدِيثَ بِذَلِكَ، والِاجْتِماعِ لَهُ إلى أهْلِيهِمْ وهم مَسْرُورُونَ. وقِيلَ: أعْرَضُوا عَنِ الإيمانِ. وقِيلَ: عَنِ الرَّسُولِ، فَيَكُونُ التَّوَلِّي مَجازًا. ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هو مَوْلانا وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾: قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ مُصَرِّفٍ: هَلْ يُصِيبُنا مَكانَ لَنْ يُصِيبَنا. وقَرَأ ابْنُ مُصَرِّفٍ أيْضًا وأعْيَنُ قاضِي الرَّيِّ: هَلْ يُصَيِّبُنا بِتَشْدِيدِ الياءِ، وهو مُضارِعُ فَيْعَلَ نَحْوُ: بَيْطَرَ، لا مُضارِعَ فَعَلَ؛ إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ صَوَّبَ مُضاعَفَ العَيْنِ. قالُوا: صَوَّبَ رَأْيَهُ لَمّا بَناهُ عَلى فَعَّلَ؛ لِأنَّهُ مِن ذَواتِ الواوِ. وقالُوا: صابَ يَصُوبُ ومَصاوِبُ جَمْعُ مُصِيبَةٍ، وبَعْضُ العَرَبِ يَقُولُ: صابَ السَّهْمُ يُصِيبُ، جَعَلَهُ مِن ذَواتِ الياءِ، فَعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ يُصِيبُنا مُضارِعَ صَيَبَ عَلى وزْنِ فَعَلَ، والصَّيِّبُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَسَيِّدٍ وكَلَيِّنٍ. وقالَ عَمْرُو بْنُ شَقِيقٍ: سَمِعْتُ أعْيَنَ قاضِي الرَّيِّ يَقُولُ: قُلْ لَنْ يُصِيبَنّا بِتَشْدِيدِ النُّونِ. قالَ أبُو حاتِمٍ: ولا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ النُّونَ لا تَدْخُلُ مَعَ لَنْ، ولَوْ كانَتْ لِطَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ لَحارَتْ؛ لِأنَّها مَعَ هَلْ، قالَ تَعالى: ﴿هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ﴾ [الحج: ١٥] . انْتَهى. ووَجْهُ هَذِهِ القِراءَةِ تَشْبِيهُ لَنْ بِلا وبِلَمْ، وقَدْ سُمِعَ لَحاقُ هَذِهِ النُّونِ بِلا وبِلَمْ، فَلَمّا شارَكَتْهُما لَنْ في النَّفْيِ لَحِقَتْ مَعَها نُونُ التَّوْكِيدِ، وهَذا (p-٥٢)تَوْجِيهُ شُذُوذٍ؛ أيْ: ما أصابَنا فَلَيْسَ مِنكم ولا بِكم، بَلِ اللَّهُ هو الَّذِي أصابَنا وكَتَبَ - أيْ: في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أوْ في القُرْآنِ - مِنَ الوَعْدِ بِالنَّصْرِ ومُضاعَفَةِ الأجْرِ عَلى المُصِيبَةِ، أوْ ما قَضى وحَكَمَ، ثَلاثَةُ أقْوالٍ. (هو مَوْلانا)؛ أيْ ناصِرُنا وحافِظُنا، قالَهُ الجُمْهُورُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: أوْلى بِنا مِن أنْفُسِنا في المَوْتِ والحَياةِ. وقِيلَ: مالِكُنا وسَيِّدُنا، فَلِهَذا يَتَصَرَّفُ كَيْفَ شاءَ. فَيَجِبُ الرِّضا بِما يَصْدُرُ مِن جِهَتِهِ. وقالَ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١]، فَهو مَوْلانا الَّذِي يَتَوَلّانا ونَتَوَلّاهُ. ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلّا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ ونَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكم أنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ أوْ بِأيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ﴾؛ أيْ ما يَنْتَظِرُونَ بِنا إلّا إحْدى العاقِبَتَيْنِ، كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما هي الحُسْنى مِنَ العَواقِبِ: إمّا النُّصْرَةُ، وإمّا الشَّهادَةُ. فالنُّصْرَةُ مَآلُها إلى الغَلَبَةِ والِاسْتِيلاءِ، والشَّهادَةُ مَآلُها إلى الجَنَّةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ الحُسْنَيَيْنِ الغَنِيمَةُ والشَّهادَةُ. وقِيلَ: الأجْرُ والغَنِيمَةُ. وقِيلَ: الشَّهادَةُ والمَغْفِرَةُ. وفي الحَدِيثِ: «تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَن جاهَدَ في سَبِيلِهِ لا يُخْرِجُهُ مِن بَيْتِهِ إلّا الجِهادُ في سَبِيلِهِ، وتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ أنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ، أوْ يُرْجِعَهُ إلى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنهُ مَعَ ما نالَ مِن أجْرٍ وغَنِيمَةٍ» . والعَذابُ مِن عِنْدِ اللَّهِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو هُنا الصَّواعِقُ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المَوْتُ. وقِيلَ: قارِعَةٌ مِنَ السَّماءِ تُهْلِكُهم كَما نَزَلَتْ عَلى عادٍ وثَمُودَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَوَعُّدًا بِعَذابِ الآخِرَةِ. (أوْ بِأيْدِينا) بِالقَتْلِ عَلى الكُفْرِ. فَتَرَبَّصُوا مَواعِيدَ الشَّيْطانِ، إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ إظْهارَ دِينِهِ واسْتِئْصالَ مَن خالَفَهُ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَتَرَبَّصُوا بِنا ما ذَكَرْنا مِن عَواقِبِنا إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ ما هو عاقِبَتُكم، فَلا بُدَّ أنْ نَلْقى كُلُّنا ما نَتَرَبَّصَهُ لا نَتَجاوَزُهُ. انْتَهى. وهو أمْرٌ يَتَضَمَّنُ التَّهْدِيدَ والوَعِيدَ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ إلّا حْدى: بِإسْقاطِ الهَمْزَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَوَصَلَ ألِفَ إحْدى، وهَذِهِ لُغَةٌ ولَيْسَتْ بِالقِياسِ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎يا با المُغِيرَةِ رُبَّ أمْرٍ مُعْضِلٍ ونَحْوُ قَوْلِ الآخَرِ: ؎إنْ لَمْ أُقاتِلْ فالبِسْنِي بُرْقُعًا انْتَهى. ﴿قُلْ أنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكم إنَّكم كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ﴾؛ قَرَأ الأعْمَشُ وابْنُ وثّابٍ: كُرْهًا بِضَمِّ الكافِ، ويَعْنِي: في سَبِيلِ اللَّهِ ووُجُوهِ البِرِّ. قِيلَ: وهو أمْرٌ ومَعْناهُ التَّهْدِيدُ والتَّوْبِيخُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو أمْرٌ في مَعْنى الخَبَرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ مَن كانَ في الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥] ومَعْناهُ لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكم أنْفَقْتُمْ طَوْعًا أوْ كَرْهًا. ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] وقَوْلُهُ: ؎أسِيئِي بِنا أوْ أحْسِنِي لا مَلُومَةَ أيْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمُ اسْتَغْفَرْتَ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرُ لَهم، ولا نَلُومَكِ أسَأْتِ إلَيْنا أمْ أحْسَنْتِ. انْتَهى. وعَنْ بَعْضِهِمْ غَيْرُ هَذا بِأنَّ مَعْناهُ الجَزاءُ والشَّرْطُ؛ أيْ: إنْ تُنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنكم، وذَكَرَ الآيَةَ، وبَيَّتَ كَثِيرٌ عَلى هَذا المَعْنى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أنْفِقُوا أمْرٌ في ضِمْنِهِ جَزاءٌ، وهَذا مُسْتَمِرٌّ في كُلِّ أمْرٍ مَعَهُ جَزاءٌ، والتَّقْدِيرُ: إنْ تُنْفِقُوا لَنْ نَتَقَبَّلَ مِنكم. وأمّا إذا عُرِّيَ الأمْرُ مِنَ الجَوابِ فَلَيْسَ يَصْحَبُهُ تَضَمُّنُ الشَّرْطِ. انْتَهى. ويَقْدَحُ في هَذا التَّخْرِيجِ أنَّ الأمْرَ إذا كانَ فِيهِ مَعْنى (p-٥٣)الشَّرْطِ كانَ الجَوابُ كَجَوابِ الشَّرْطِ، فَعَلى هَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ التَّرْكِيبُ: فَلَنْ يُتَقَبَّلَ بِالفاءِ؛ لِأنَّ لَنْ لا تَقَعُ جَوابًا لِلشَّرْطِ إلّا بِالفاءِ، فَكَذَلِكَ ما ضُمِّنَ مَعْناهُ. ألا تَرى جَزْمَهُ الجَوابَ في مِثْلِ: اقْصِدْ زَيْدًا يُحْسِنْ إلَيْكَ. وانْتَصَبَ (طَوْعًا أوْ كَرْهًا) عَلى الحالِ، والطَّوْعُ أنْ يَكُونَ مِن غَيْرِ إلْزامِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، والكَرْهُ إلْزامُ ذَلِكَ. وسُمِّيَ الإلْزامُ كَرْهًا؛ لِأنَّهم مُنافِقُونَ، فَصارَ الإلْزامُ شاقًّا عَلَيْهِمْ كالإكْراهِ. أوْ يَكُونُ مِن غَيْرِ إلْزامٍ مِن رُؤَسائِكم، أوْ إلْزامٍ مِنهم؛ لِأنَّهم كانُوا يَحْمِلُونَهم عَلى الإنْفاقِ لِما يَرَوْنَ فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّ هَذِهِ نَزَلَتْ بِسَبَبِ الجَدِّ بْنِ قَيْسٍ حِينَ اسْتَأْذَنَ في القُعُودِ وقالَ: هَذا مالِي أُعِينُكَ بِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَيَكُونُ مِن إطْلاقِ الجَمْعِ عَلى الواحِدِ أوَّلُهُ ولِمَن فَعَلَ فِعْلَهُ. فَقَدْ نَقَلَ البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ الأئِمَّةِ أنَّهم كانُوا ثَلاثَةً وثَمانِينَ رَجُلًا، اسْتَثْنى مِنهُمُ الثَّلاثَةَ الَّذِينَ خُلِّفُوا وأهْلَكَ الباقُونَ، ونَفى التَّقَبُّلَ إمّا كَوْنُ الرَّسُولِ لَمْ يَقْبَلْهُ مِنهم ورَدَّهُ، وإمّا كَوْنُ اللَّهِ لا يُثِيبُ عَلَيْهِ، وعَلَّلَ انْتِفاءَ التَّقَبُّلِ بِالفِسْقِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهو التَّمَرُّدُ والعُتُوُّ، والأوْلى أنْ يُحْمَلَ عَلى الكُفْرِ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: هَذِهِ إشارَةٌ إلى أنَّ عَدَمَ القَبُولِ مُعَلَّلٌ بِكَوْنِهِمْ فاسِقِينَ، فَدَلَّ عَلى أنَّ الفِسْقَ يُؤَثِّرُ في إزالَةِ هَذا المَعْنى. وأكَّدَ الجُبّائِيُّ ذَلِكَ بِدَلِيلِهِ المَشْهُورِ في هَذِهِ المَسْألَةِ، وهو أنَّ الفِسْقَ يُوجِبُ الذَّمَّ والعِقابَ الدّائِمَيْنِ، والطّاعَةَ تُوجِبُ المَدْحَ والثَّوابَ الدّائِمَيْنِ، والجَمْعُ بَيْنَهُما مُحالٌ. فَكانَ الجَمْعُ بَيْنَ اسْتِحْقاقِهِما مُحالًا، وقَدْ أزالَ اللَّهُ هَذِهِ الشُّبْهَةَ بِقَوْلِهِ: (وما مَنَعَهم) الآيَةَ، وأنَّ تَصْرِيحَ هَذا اللَّفْظِ لا يُؤَثِّرُ في القَبُولِ إلّا الكُفْرُ. ودَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ مُطْلَقَ الفِسْقِ لا يُحْبِطُ الطّاعاتِ، فَنَفى تَعالى أنَّ عَدَمَ القَبُولِ لَيْسَ مُعَلَّلًا بِعُمُومِ كَوْنِهِ فِسْقًا، بَلْ بِخُصُوصِ وصْفِهِ وهو كَوْنُ ذَلِكَ الفِسْقُ كُفْرًا، فَثَبَتَ أنَّ اسْتِدْلالَ الجُبّائِيِّ باطِلٌ. انْتَهى. وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. ﴿وما مَنَعَهم أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهم إلّا أنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ ولا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إلّا وهم كُسالى ولا يُنْفِقُونَ إلّا وهم كارِهُونَ﴾، ذَكَرَ السَّبَبَ الَّذِي هو بِمُفْرَدِهِ مانِعٌ مِن قَبُولِ نَفَقاتِهِمْ وهو الكُفْرُ، وأتْبَعَهُ بِما هو ناشِئٌ عَنِ الكُفْرِ ومُسْتَلْزِمٌ لَهُ وهو دَلِيلٌ عَلَيْهِ. وذَلِكَ هو إتْيانُ الصَّلاةِ وهم كُسالى، وإيتاءُ النَّفَقَةِ وهم كارِهُونَ. فالكَسَلُ في الصَّلاةِ وتَرْكُ النَّشاطَ إلَيْها وأخْذُها بِالإقْبالِ مِن ثَمَراتِ الكُفْرِ، فَإيقاعُها عِنْدَهم لا يَرْجُونَ بِهِ ثَوابًا، ولا يَخافُونَ بِالتَّفْرِيطِ فِيها عِقابًا. وكَذَلِكَ الإنْفاقُ لِلْأمْوالِ لا يَكْرَهُونَ ذَلِكَ إلّا وهم لا يَرْجُونَ بِهِ ثَوابًا. وذَكَرَ مِن أعْمالِ البِرِّ هَذَيْنِ العَمَلَيْنِ الجَلِيلَيْنِ وهُما الصَّلاةُ والنَّفَقَةُ، واكْتَفى بِهِما وإنْ كانُوا أفْسَدَ حالًا في سائِرِ أعْمالِ البِرِّ؛ لِأنَّ الصَّلاةَ أشْرَفُ الأعْمالِ البَدَنِيَّةِ، والنَّفَقَةَ في سَبِيلِ اللَّهِ أشْرَفُ الأعْمالِ المالِيَّةِ، وهُما وصْفانِ المَطْلُوبُ إظْهارُهُما في الإسْلامِ، ويُسْتَدَلُّ بِهِما عَلى الإيمانِ، وتَعْدادُ القَبائِحِ يَزِيدُ المَوْصُوفَ بِها ذَمًّا وتَقْبِيحًا. وقَرَأ الأخَوانِ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: أنْ يُقْبَلَ بِالياءِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالتّاءِ، ونَفَقاتُهم بِالجَمِيعِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِالإفْرادِ. وقَرَأ الأعْرَجُ بِخِلافٍ عَنْهُ: أنْ تُقْبَلَ بِالتّاءِ مِن فَوْقِ نَفَقَتِهِمْ بِالإفْرادِ. وفي هَذِهِ القِراءاتِ الفِعْلُ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: أنْ نَقْبَلَ مِنهم نَفَقَتَهم بِالنُّونِ ونَصْبِ النَّفَقَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقِراءَةُ السُّلَمِيِّ أنْ نَقْبَلَ مِنهم نَفَقاتِهِمْ عَلى أنَّ الفِعْلَ لِلَّهِ تَعالى. انْتَهى. والأوْلى أنْ يَكُونَ فاعِلُ مَنَعَ قَوْلَهُ: إلّا أنَّهم؛ أيْ كُفْرُهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لَفْظَ الجَلالَةِ؛ أيْ: وما مَنَعَهُمُ اللَّهُ، ويَكُونُ إلّا أنَّهم تَقْدِيرُهُ: إلّا لِأنَّهم كَفَرُوا. وأنْ تُقْبَلَ مَفْعُولٌ ثانٍ إمّا لِوُصُولِ مَنَعَ إلَيْهِ بِنَفْسِهِ، وإمّا عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ، فَوَصَلَ الفِعْلُ إلَيْهِ.

التوبة 9:50

﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتّى جاءَ الحَقُّ وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ وهم كارِهُونَ﴾ تَقَدَّمَ ذِكْرُ السَّبَبِ في نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ والَّتِي قَبْلَها مِن قِصَّةِ رُجُوعِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ في هَذِهِ الغَزاةِ، حَقَّرَ شَأْنَهم في هَذِهِ الآيَةِ، وأخْبَرَ أنَّهم قَدِيمًا سَعَوْا عَلى الإسْلامِ فَأبْطَلَ اللَّهُ سَعْيَهم. وفي الأُمُورِ المُقَلَّبَةِ أقْوالٌ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَغَوْا لَكَ الغَوائِلَ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وقَفَ اثْنا عَشَرَ مِنَ المُنافِقِينَ عَلى الثَّنِيَّةِ لَيْلَةَ العَقَبَةِ كَيْ يَفْتِكُوا بِهِ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: احْتالُوا في تَشْتِيتِ أمْرِكَ وإبْطالِ دِينِكَ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانْصِرافِ ابْنِ أُبَيٍّ يَوْمَ أُحُدٍ بِأصْحابِهِ. ومَعْنى مِن قَبْلُ أيْ: مِن قَبْلِ هَذِهِ الغَزاةِ، وذَلِكَ ما كانَ مِن حالِهِمْ وقْتَ هِجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ورُجُوعِهِمْ عَنْهُ في أُحُدٍ وغَيْرِها. وتَقْلِيبُ الأُمُورِ: هو تَدْبِيرُها ظَهْرًا لِبَطْنٍ، والنَّظَرُ في نَواحِيها وأقْسامِها، والسَّعْيُ بِكُلِّ حِيلَةٍ. وقِيلَ: طَلَبُ المَكِيدَةِ مِن قَوْلِهِمْ: هو حُوَّلٌ قُلَّبٌ. وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ: وقَلَبُوا بِتَخْفِيفِ اللّامِ. (حَتّى جاءَ الحَقُّ)؛ أيْ: القُرْآنُ وشَرِيعَةُ الرَّسُولِ ﷺ . ولَفْظَةُ (جاءَ) مُشْعِرَةٌ بِأنَّهُ كانَ قَدْ ذَهَبَ. (وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ) وصَفَهُ بِالظُّهُورِ؛ لِأنَّهُ كانَ كالمَسْتُورِ؛ أيْ: غَلَبَ وعَلا دِينُ اللَّهِ، وهم كارِهُونَ لِمَجِيءِ الحَقِّ وظُهُورِ دِينِ اللَّهِ. وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِمَكْرِهِمْ وكَيْدِهِمْ، ومُبالَغَتِهِمْ في إثارَةِ الشَّرِّ فَإنَّهم مُذْ رامُوا ذَلِكَ رَدَّهُ اللَّهُ في نَحْرِهِمْ، وقَلَبَ مُرادَهم، وأتى بِضِدِّ مَقْصُودِهِمْ، فَكَما كانَ ذَلِكَ في الماضِي كَذا يَكُونُ في المُسْتَقْبَلِ. ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾: نَزَلَتْ في الجَدِّ بْنِ قَيْسٍ، وذُكِرَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ (p-٥١)ﷺ لَمّا أمَرَ بِالغَزْوِ إلى بِلادِ الرُّومِ حَرَّضَ النّاسَ فَقالَ لِلْجَدِّ بْنِ قَيْسٍ: ”هَلْ لَكَ العامَ في جِلادِ بَنِي الأصْفَرِ“، وقالَ لَهُ ولِلنّاسِ: ”اغْزُوا تَغْنَمُوا بَناتِ الأصْفَرِ“، فَقالَ الجَدُّ: ائْذَنْ لِي في التَّخَلُّفِ ولا تَفْتِنِّي بِذِكْرِ بَناتِ الأصْفَرِ، فَقَدْ عَلِمَ قَوْمِي أنِّي لا أتَمالَكُ عَنِ النِّساءِ إذا رَأيْتُهُنَّ وتَفْتِنَنِّي، ولا تَفْتِنِّي بِالنِّساءِ»، هو قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وابْنِ زَيْدٍ. وقِيلَ: ولا تَفْتِنِّي؛ أيْ ولا تُصَعِّبْ عَلَيَّ حَتّى أحْتاجَ إلى مُواقَعَةِ مَعْصِيَتِكَ فَسَهِّلْ عَلَيَّ، ودَعْنِي غَيْرَ مُخْتَلِجٍ. وقالَ قَرِيبًا مِنهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ والزَّجّاجُ، قالُوا: لا تُكْسِبُنِي الإثْمَ بِأمْرِكَ إيّايَ بِالخُرُوجِ وهو غَيْرُ مُتَيَسِّرٍ لِي، فَآثَمُ بِمُخالَفَتِكَ. وقالَ الضَّحّاكُ: لا تُكَفِّرْنِي بِإلْزامِكَ الخُرُوجَ مَعَكَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: لا تَصْرِفْنِي عَنْ شُغْلِي فَتُفَوِّتْ عَلَيَّ مَصالِحِي ويَذْهَبْ أكْثَرُ ثِمارِي. وقِيلَ: وتَفْتِنِّي في الهَلَكَةِ فَإنِّي إذا خَرَجْتُ مَعَكَ هَلَكَ مالِي وعِيالِي. وقِيلَ: إنَّهُ قالَ: ولَكِنْ أُعِينُكَ بِمالِي. ومُتَعَلَّقُ الإذْنِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: في القُعُودِ وفي مُجاوَرَتِهِ الرَّسُولَ ﷺ عَلى نِفاقِهِ. وقَرَأ ورْشٌ: بِتَخْفِيفِ هَمْزَةِ ائْذَنْ لِي بِإبْدالِها واوًا لِضَمَّةِ ما قَبْلَها. وقالَ النَّحّاسُ ما مَعْناهُ: إذا دَخَلَتِ الواوُ أوِ الفاءُ عَلى ائْذَنْ، فَهِجاؤُها في الخَطِّ ألِفٌ وذالٌ ونُونٌ بِغَيْرِ ياءٍ، أوْ ثُمَّ فالهِجاءُ ألِفٌ وياءٌ وذالٌ ونُونٌ، والفَرْقُ أنَّ ثُمَّ يُوقَفُ عَلَيْها وتَنْفَصِلُ بِخِلافِهِما. وقَرَأ عِيسى بْنُ عَمْرٍو: لا تُفْتِنِّي بِضَمِّ التّاءِ الأُولى مِن أفْتَنَ. قالَ أبُو حاتِمٍ هي لُغَةُ تَمِيمٍ، وهي أيْضًا قِراءَةُ ابْنُ السَّمَيْقَعِ، ونَسَبَها ابْنُ مُجاهِدٍ إلى إسْماعِيلَ المَكِّيِّ. وجَمَعَ الشّاعِرُ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ فَقالَ: ؎لَئِنْ فَتَنَتْنِي فَهي بِالأمْسِ أفْتَنَتْ سَعِيدًا فَأمْسى قَدْ قَلا كُلَّ مُسْلِمِ والفِتْنَةُ الَّتِي سَقَطُوا فِيها هي فِتْنَةُ التَّخَلُّفِ، وظُهُورُ كُفْرِهِمْ ونِفاقِهِمْ. ولَفْظَةُ سَقَطُوا تُنْبِئُ عَنْ تَمَكُّنِ وُقُوعِهِمْ فِيها. وقالَ قَتادَةُ: الإثْمُ بِخِلافِهِمُ الرَّسُولَ في أمْرِهِ، وإحاطَةُ جَهَنَّمَ بِهِمْ إمّا يَوْمَ القِيامَةِ، أوِ الآنَ عَلى سَبِيلِ المَجازِ؛ لِأنَّ أسْبابَ الإحاطَةِ مَعَهم فَكَأنَّهم في وسَطِها، أوْ لِأنَّ مَصِيرَهم إلَيْها. ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أخَذْنا أمْرَنا مِن قَبْلُ ويَتَوَلَّوْا وهم فَرِحُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الحَسَنَةُ في يَوْمِ بَدْرٍ، والمُصِيبَةُ يَوْمَ أُحُدٍ. ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ عَلى التَّمْثِيلِ، واللَّفْظُ عامٌّ في كُلِّ مَحْبُوبٍ ومَكْرُوهٍ، وسِياقُ الحَمْلِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في الغَزْوِ، ولِذَلِكَ قالُوا: الحَسَنَةُ الظَّفَرُ والغَنِيمَةُ، والمُصِيبَةُ الخَيْبَةُ والهَزِيمَةُ، مِثْلُ ما جَرى في أوَّلِ غَزْوَةِ أُحُدٍ. ومَعْنى (أمْرَنا) الَّذِي نَحْنُ مُتَّسِمُونَ بِهِ مِنَ الحَذَرِ والتَّيَقُّظِ والعَمَلِ بِالحَزْمِ في التَّخَلُّفِ عَنِ الغَزْوِ، مِن قَبْلِ ما وقَعَ مِنَ المُصِيبَةِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّوَلِّي حَقِيقَةً؛ أيْ: ويَتَوَلَّوْا عَنْ مَقامِ التَّحْدِيثَ بِذَلِكَ، والِاجْتِماعِ لَهُ إلى أهْلِيهِمْ وهم مَسْرُورُونَ. وقِيلَ: أعْرَضُوا عَنِ الإيمانِ. وقِيلَ: عَنِ الرَّسُولِ، فَيَكُونُ التَّوَلِّي مَجازًا. ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هو مَوْلانا وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾: قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ مُصَرِّفٍ: هَلْ يُصِيبُنا مَكانَ لَنْ يُصِيبَنا. وقَرَأ ابْنُ مُصَرِّفٍ أيْضًا وأعْيَنُ قاضِي الرَّيِّ: هَلْ يُصَيِّبُنا بِتَشْدِيدِ الياءِ، وهو مُضارِعُ فَيْعَلَ نَحْوُ: بَيْطَرَ، لا مُضارِعَ فَعَلَ؛ إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ صَوَّبَ مُضاعَفَ العَيْنِ. قالُوا: صَوَّبَ رَأْيَهُ لَمّا بَناهُ عَلى فَعَّلَ؛ لِأنَّهُ مِن ذَواتِ الواوِ. وقالُوا: صابَ يَصُوبُ ومَصاوِبُ جَمْعُ مُصِيبَةٍ، وبَعْضُ العَرَبِ يَقُولُ: صابَ السَّهْمُ يُصِيبُ، جَعَلَهُ مِن ذَواتِ الياءِ، فَعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ يُصِيبُنا مُضارِعَ صَيَبَ عَلى وزْنِ فَعَلَ، والصَّيِّبُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَسَيِّدٍ وكَلَيِّنٍ. وقالَ عَمْرُو بْنُ شَقِيقٍ: سَمِعْتُ أعْيَنَ قاضِي الرَّيِّ يَقُولُ: قُلْ لَنْ يُصِيبَنّا بِتَشْدِيدِ النُّونِ. قالَ أبُو حاتِمٍ: ولا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ النُّونَ لا تَدْخُلُ مَعَ لَنْ، ولَوْ كانَتْ لِطَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ لَحارَتْ؛ لِأنَّها مَعَ هَلْ، قالَ تَعالى: ﴿هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ﴾ [الحج: ١٥] . انْتَهى. ووَجْهُ هَذِهِ القِراءَةِ تَشْبِيهُ لَنْ بِلا وبِلَمْ، وقَدْ سُمِعَ لَحاقُ هَذِهِ النُّونِ بِلا وبِلَمْ، فَلَمّا شارَكَتْهُما لَنْ في النَّفْيِ لَحِقَتْ مَعَها نُونُ التَّوْكِيدِ، وهَذا (p-٥٢)تَوْجِيهُ شُذُوذٍ؛ أيْ: ما أصابَنا فَلَيْسَ مِنكم ولا بِكم، بَلِ اللَّهُ هو الَّذِي أصابَنا وكَتَبَ - أيْ: في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أوْ في القُرْآنِ - مِنَ الوَعْدِ بِالنَّصْرِ ومُضاعَفَةِ الأجْرِ عَلى المُصِيبَةِ، أوْ ما قَضى وحَكَمَ، ثَلاثَةُ أقْوالٍ. (هو مَوْلانا)؛ أيْ ناصِرُنا وحافِظُنا، قالَهُ الجُمْهُورُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: أوْلى بِنا مِن أنْفُسِنا في المَوْتِ والحَياةِ. وقِيلَ: مالِكُنا وسَيِّدُنا، فَلِهَذا يَتَصَرَّفُ كَيْفَ شاءَ. فَيَجِبُ الرِّضا بِما يَصْدُرُ مِن جِهَتِهِ. وقالَ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١]، فَهو مَوْلانا الَّذِي يَتَوَلّانا ونَتَوَلّاهُ. ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلّا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ ونَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكم أنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ أوْ بِأيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ﴾؛ أيْ ما يَنْتَظِرُونَ بِنا إلّا إحْدى العاقِبَتَيْنِ، كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما هي الحُسْنى مِنَ العَواقِبِ: إمّا النُّصْرَةُ، وإمّا الشَّهادَةُ. فالنُّصْرَةُ مَآلُها إلى الغَلَبَةِ والِاسْتِيلاءِ، والشَّهادَةُ مَآلُها إلى الجَنَّةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ الحُسْنَيَيْنِ الغَنِيمَةُ والشَّهادَةُ. وقِيلَ: الأجْرُ والغَنِيمَةُ. وقِيلَ: الشَّهادَةُ والمَغْفِرَةُ. وفي الحَدِيثِ: «تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَن جاهَدَ في سَبِيلِهِ لا يُخْرِجُهُ مِن بَيْتِهِ إلّا الجِهادُ في سَبِيلِهِ، وتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ أنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ، أوْ يُرْجِعَهُ إلى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنهُ مَعَ ما نالَ مِن أجْرٍ وغَنِيمَةٍ» . والعَذابُ مِن عِنْدِ اللَّهِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو هُنا الصَّواعِقُ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المَوْتُ. وقِيلَ: قارِعَةٌ مِنَ السَّماءِ تُهْلِكُهم كَما نَزَلَتْ عَلى عادٍ وثَمُودَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَوَعُّدًا بِعَذابِ الآخِرَةِ. (أوْ بِأيْدِينا) بِالقَتْلِ عَلى الكُفْرِ. فَتَرَبَّصُوا مَواعِيدَ الشَّيْطانِ، إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ إظْهارَ دِينِهِ واسْتِئْصالَ مَن خالَفَهُ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَتَرَبَّصُوا بِنا ما ذَكَرْنا مِن عَواقِبِنا إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ ما هو عاقِبَتُكم، فَلا بُدَّ أنْ نَلْقى كُلُّنا ما نَتَرَبَّصَهُ لا نَتَجاوَزُهُ. انْتَهى. وهو أمْرٌ يَتَضَمَّنُ التَّهْدِيدَ والوَعِيدَ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ إلّا حْدى: بِإسْقاطِ الهَمْزَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَوَصَلَ ألِفَ إحْدى، وهَذِهِ لُغَةٌ ولَيْسَتْ بِالقِياسِ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎يا با المُغِيرَةِ رُبَّ أمْرٍ مُعْضِلٍ ونَحْوُ قَوْلِ الآخَرِ: ؎إنْ لَمْ أُقاتِلْ فالبِسْنِي بُرْقُعًا انْتَهى. ﴿قُلْ أنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكم إنَّكم كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ﴾؛ قَرَأ الأعْمَشُ وابْنُ وثّابٍ: كُرْهًا بِضَمِّ الكافِ، ويَعْنِي: في سَبِيلِ اللَّهِ ووُجُوهِ البِرِّ. قِيلَ: وهو أمْرٌ ومَعْناهُ التَّهْدِيدُ والتَّوْبِيخُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو أمْرٌ في مَعْنى الخَبَرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ مَن كانَ في الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥] ومَعْناهُ لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكم أنْفَقْتُمْ طَوْعًا أوْ كَرْهًا. ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] وقَوْلُهُ: ؎أسِيئِي بِنا أوْ أحْسِنِي لا مَلُومَةَ أيْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمُ اسْتَغْفَرْتَ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرُ لَهم، ولا نَلُومَكِ أسَأْتِ إلَيْنا أمْ أحْسَنْتِ. انْتَهى. وعَنْ بَعْضِهِمْ غَيْرُ هَذا بِأنَّ مَعْناهُ الجَزاءُ والشَّرْطُ؛ أيْ: إنْ تُنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنكم، وذَكَرَ الآيَةَ، وبَيَّتَ كَثِيرٌ عَلى هَذا المَعْنى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أنْفِقُوا أمْرٌ في ضِمْنِهِ جَزاءٌ، وهَذا مُسْتَمِرٌّ في كُلِّ أمْرٍ مَعَهُ جَزاءٌ، والتَّقْدِيرُ: إنْ تُنْفِقُوا لَنْ نَتَقَبَّلَ مِنكم. وأمّا إذا عُرِّيَ الأمْرُ مِنَ الجَوابِ فَلَيْسَ يَصْحَبُهُ تَضَمُّنُ الشَّرْطِ. انْتَهى. ويَقْدَحُ في هَذا التَّخْرِيجِ أنَّ الأمْرَ إذا كانَ فِيهِ مَعْنى (p-٥٣)الشَّرْطِ كانَ الجَوابُ كَجَوابِ الشَّرْطِ، فَعَلى هَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ التَّرْكِيبُ: فَلَنْ يُتَقَبَّلَ بِالفاءِ؛ لِأنَّ لَنْ لا تَقَعُ جَوابًا لِلشَّرْطِ إلّا بِالفاءِ، فَكَذَلِكَ ما ضُمِّنَ مَعْناهُ. ألا تَرى جَزْمَهُ الجَوابَ في مِثْلِ: اقْصِدْ زَيْدًا يُحْسِنْ إلَيْكَ. وانْتَصَبَ (طَوْعًا أوْ كَرْهًا) عَلى الحالِ، والطَّوْعُ أنْ يَكُونَ مِن غَيْرِ إلْزامِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، والكَرْهُ إلْزامُ ذَلِكَ. وسُمِّيَ الإلْزامُ كَرْهًا؛ لِأنَّهم مُنافِقُونَ، فَصارَ الإلْزامُ شاقًّا عَلَيْهِمْ كالإكْراهِ. أوْ يَكُونُ مِن غَيْرِ إلْزامٍ مِن رُؤَسائِكم، أوْ إلْزامٍ مِنهم؛ لِأنَّهم كانُوا يَحْمِلُونَهم عَلى الإنْفاقِ لِما يَرَوْنَ فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّ هَذِهِ نَزَلَتْ بِسَبَبِ الجَدِّ بْنِ قَيْسٍ حِينَ اسْتَأْذَنَ في القُعُودِ وقالَ: هَذا مالِي أُعِينُكَ بِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَيَكُونُ مِن إطْلاقِ الجَمْعِ عَلى الواحِدِ أوَّلُهُ ولِمَن فَعَلَ فِعْلَهُ. فَقَدْ نَقَلَ البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ الأئِمَّةِ أنَّهم كانُوا ثَلاثَةً وثَمانِينَ رَجُلًا، اسْتَثْنى مِنهُمُ الثَّلاثَةَ الَّذِينَ خُلِّفُوا وأهْلَكَ الباقُونَ، ونَفى التَّقَبُّلَ إمّا كَوْنُ الرَّسُولِ لَمْ يَقْبَلْهُ مِنهم ورَدَّهُ، وإمّا كَوْنُ اللَّهِ لا يُثِيبُ عَلَيْهِ، وعَلَّلَ انْتِفاءَ التَّقَبُّلِ بِالفِسْقِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهو التَّمَرُّدُ والعُتُوُّ، والأوْلى أنْ يُحْمَلَ عَلى الكُفْرِ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: هَذِهِ إشارَةٌ إلى أنَّ عَدَمَ القَبُولِ مُعَلَّلٌ بِكَوْنِهِمْ فاسِقِينَ، فَدَلَّ عَلى أنَّ الفِسْقَ يُؤَثِّرُ في إزالَةِ هَذا المَعْنى. وأكَّدَ الجُبّائِيُّ ذَلِكَ بِدَلِيلِهِ المَشْهُورِ في هَذِهِ المَسْألَةِ، وهو أنَّ الفِسْقَ يُوجِبُ الذَّمَّ والعِقابَ الدّائِمَيْنِ، والطّاعَةَ تُوجِبُ المَدْحَ والثَّوابَ الدّائِمَيْنِ، والجَمْعُ بَيْنَهُما مُحالٌ. فَكانَ الجَمْعُ بَيْنَ اسْتِحْقاقِهِما مُحالًا، وقَدْ أزالَ اللَّهُ هَذِهِ الشُّبْهَةَ بِقَوْلِهِ: (وما مَنَعَهم) الآيَةَ، وأنَّ تَصْرِيحَ هَذا اللَّفْظِ لا يُؤَثِّرُ في القَبُولِ إلّا الكُفْرُ. ودَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ مُطْلَقَ الفِسْقِ لا يُحْبِطُ الطّاعاتِ، فَنَفى تَعالى أنَّ عَدَمَ القَبُولِ لَيْسَ مُعَلَّلًا بِعُمُومِ كَوْنِهِ فِسْقًا، بَلْ بِخُصُوصِ وصْفِهِ وهو كَوْنُ ذَلِكَ الفِسْقُ كُفْرًا، فَثَبَتَ أنَّ اسْتِدْلالَ الجُبّائِيِّ باطِلٌ. انْتَهى. وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. ﴿وما مَنَعَهم أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهم إلّا أنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ ولا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إلّا وهم كُسالى ولا يُنْفِقُونَ إلّا وهم كارِهُونَ﴾، ذَكَرَ السَّبَبَ الَّذِي هو بِمُفْرَدِهِ مانِعٌ مِن قَبُولِ نَفَقاتِهِمْ وهو الكُفْرُ، وأتْبَعَهُ بِما هو ناشِئٌ عَنِ الكُفْرِ ومُسْتَلْزِمٌ لَهُ وهو دَلِيلٌ عَلَيْهِ. وذَلِكَ هو إتْيانُ الصَّلاةِ وهم كُسالى، وإيتاءُ النَّفَقَةِ وهم كارِهُونَ. فالكَسَلُ في الصَّلاةِ وتَرْكُ النَّشاطَ إلَيْها وأخْذُها بِالإقْبالِ مِن ثَمَراتِ الكُفْرِ، فَإيقاعُها عِنْدَهم لا يَرْجُونَ بِهِ ثَوابًا، ولا يَخافُونَ بِالتَّفْرِيطِ فِيها عِقابًا. وكَذَلِكَ الإنْفاقُ لِلْأمْوالِ لا يَكْرَهُونَ ذَلِكَ إلّا وهم لا يَرْجُونَ بِهِ ثَوابًا. وذَكَرَ مِن أعْمالِ البِرِّ هَذَيْنِ العَمَلَيْنِ الجَلِيلَيْنِ وهُما الصَّلاةُ والنَّفَقَةُ، واكْتَفى بِهِما وإنْ كانُوا أفْسَدَ حالًا في سائِرِ أعْمالِ البِرِّ؛ لِأنَّ الصَّلاةَ أشْرَفُ الأعْمالِ البَدَنِيَّةِ، والنَّفَقَةَ في سَبِيلِ اللَّهِ أشْرَفُ الأعْمالِ المالِيَّةِ، وهُما وصْفانِ المَطْلُوبُ إظْهارُهُما في الإسْلامِ، ويُسْتَدَلُّ بِهِما عَلى الإيمانِ، وتَعْدادُ القَبائِحِ يَزِيدُ المَوْصُوفَ بِها ذَمًّا وتَقْبِيحًا. وقَرَأ الأخَوانِ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: أنْ يُقْبَلَ بِالياءِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالتّاءِ، ونَفَقاتُهم بِالجَمِيعِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِالإفْرادِ. وقَرَأ الأعْرَجُ بِخِلافٍ عَنْهُ: أنْ تُقْبَلَ بِالتّاءِ مِن فَوْقِ نَفَقَتِهِمْ بِالإفْرادِ. وفي هَذِهِ القِراءاتِ الفِعْلُ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: أنْ نَقْبَلَ مِنهم نَفَقَتَهم بِالنُّونِ ونَصْبِ النَّفَقَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقِراءَةُ السُّلَمِيِّ أنْ نَقْبَلَ مِنهم نَفَقاتِهِمْ عَلى أنَّ الفِعْلَ لِلَّهِ تَعالى. انْتَهى. والأوْلى أنْ يَكُونَ فاعِلُ مَنَعَ قَوْلَهُ: إلّا أنَّهم؛ أيْ كُفْرُهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لَفْظَ الجَلالَةِ؛ أيْ: وما مَنَعَهُمُ اللَّهُ، ويَكُونُ إلّا أنَّهم تَقْدِيرُهُ: إلّا لِأنَّهم كَفَرُوا. وأنْ تُقْبَلَ مَفْعُولٌ ثانٍ إمّا لِوُصُولِ مَنَعَ إلَيْهِ بِنَفْسِهِ، وإمّا عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ، فَوَصَلَ الفِعْلُ إلَيْهِ.

التوبة 9:51

﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتّى جاءَ الحَقُّ وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ وهم كارِهُونَ﴾ تَقَدَّمَ ذِكْرُ السَّبَبِ في نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ والَّتِي قَبْلَها مِن قِصَّةِ رُجُوعِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ في هَذِهِ الغَزاةِ، حَقَّرَ شَأْنَهم في هَذِهِ الآيَةِ، وأخْبَرَ أنَّهم قَدِيمًا سَعَوْا عَلى الإسْلامِ فَأبْطَلَ اللَّهُ سَعْيَهم. وفي الأُمُورِ المُقَلَّبَةِ أقْوالٌ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَغَوْا لَكَ الغَوائِلَ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وقَفَ اثْنا عَشَرَ مِنَ المُنافِقِينَ عَلى الثَّنِيَّةِ لَيْلَةَ العَقَبَةِ كَيْ يَفْتِكُوا بِهِ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: احْتالُوا في تَشْتِيتِ أمْرِكَ وإبْطالِ دِينِكَ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانْصِرافِ ابْنِ أُبَيٍّ يَوْمَ أُحُدٍ بِأصْحابِهِ. ومَعْنى مِن قَبْلُ أيْ: مِن قَبْلِ هَذِهِ الغَزاةِ، وذَلِكَ ما كانَ مِن حالِهِمْ وقْتَ هِجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ورُجُوعِهِمْ عَنْهُ في أُحُدٍ وغَيْرِها. وتَقْلِيبُ الأُمُورِ: هو تَدْبِيرُها ظَهْرًا لِبَطْنٍ، والنَّظَرُ في نَواحِيها وأقْسامِها، والسَّعْيُ بِكُلِّ حِيلَةٍ. وقِيلَ: طَلَبُ المَكِيدَةِ مِن قَوْلِهِمْ: هو حُوَّلٌ قُلَّبٌ. وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ: وقَلَبُوا بِتَخْفِيفِ اللّامِ. (حَتّى جاءَ الحَقُّ)؛ أيْ: القُرْآنُ وشَرِيعَةُ الرَّسُولِ ﷺ . ولَفْظَةُ (جاءَ) مُشْعِرَةٌ بِأنَّهُ كانَ قَدْ ذَهَبَ. (وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ) وصَفَهُ بِالظُّهُورِ؛ لِأنَّهُ كانَ كالمَسْتُورِ؛ أيْ: غَلَبَ وعَلا دِينُ اللَّهِ، وهم كارِهُونَ لِمَجِيءِ الحَقِّ وظُهُورِ دِينِ اللَّهِ. وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِمَكْرِهِمْ وكَيْدِهِمْ، ومُبالَغَتِهِمْ في إثارَةِ الشَّرِّ فَإنَّهم مُذْ رامُوا ذَلِكَ رَدَّهُ اللَّهُ في نَحْرِهِمْ، وقَلَبَ مُرادَهم، وأتى بِضِدِّ مَقْصُودِهِمْ، فَكَما كانَ ذَلِكَ في الماضِي كَذا يَكُونُ في المُسْتَقْبَلِ. ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾: نَزَلَتْ في الجَدِّ بْنِ قَيْسٍ، وذُكِرَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ (p-٥١)ﷺ لَمّا أمَرَ بِالغَزْوِ إلى بِلادِ الرُّومِ حَرَّضَ النّاسَ فَقالَ لِلْجَدِّ بْنِ قَيْسٍ: ”هَلْ لَكَ العامَ في جِلادِ بَنِي الأصْفَرِ“، وقالَ لَهُ ولِلنّاسِ: ”اغْزُوا تَغْنَمُوا بَناتِ الأصْفَرِ“، فَقالَ الجَدُّ: ائْذَنْ لِي في التَّخَلُّفِ ولا تَفْتِنِّي بِذِكْرِ بَناتِ الأصْفَرِ، فَقَدْ عَلِمَ قَوْمِي أنِّي لا أتَمالَكُ عَنِ النِّساءِ إذا رَأيْتُهُنَّ وتَفْتِنَنِّي، ولا تَفْتِنِّي بِالنِّساءِ»، هو قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وابْنِ زَيْدٍ. وقِيلَ: ولا تَفْتِنِّي؛ أيْ ولا تُصَعِّبْ عَلَيَّ حَتّى أحْتاجَ إلى مُواقَعَةِ مَعْصِيَتِكَ فَسَهِّلْ عَلَيَّ، ودَعْنِي غَيْرَ مُخْتَلِجٍ. وقالَ قَرِيبًا مِنهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ والزَّجّاجُ، قالُوا: لا تُكْسِبُنِي الإثْمَ بِأمْرِكَ إيّايَ بِالخُرُوجِ وهو غَيْرُ مُتَيَسِّرٍ لِي، فَآثَمُ بِمُخالَفَتِكَ. وقالَ الضَّحّاكُ: لا تُكَفِّرْنِي بِإلْزامِكَ الخُرُوجَ مَعَكَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: لا تَصْرِفْنِي عَنْ شُغْلِي فَتُفَوِّتْ عَلَيَّ مَصالِحِي ويَذْهَبْ أكْثَرُ ثِمارِي. وقِيلَ: وتَفْتِنِّي في الهَلَكَةِ فَإنِّي إذا خَرَجْتُ مَعَكَ هَلَكَ مالِي وعِيالِي. وقِيلَ: إنَّهُ قالَ: ولَكِنْ أُعِينُكَ بِمالِي. ومُتَعَلَّقُ الإذْنِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: في القُعُودِ وفي مُجاوَرَتِهِ الرَّسُولَ ﷺ عَلى نِفاقِهِ. وقَرَأ ورْشٌ: بِتَخْفِيفِ هَمْزَةِ ائْذَنْ لِي بِإبْدالِها واوًا لِضَمَّةِ ما قَبْلَها. وقالَ النَّحّاسُ ما مَعْناهُ: إذا دَخَلَتِ الواوُ أوِ الفاءُ عَلى ائْذَنْ، فَهِجاؤُها في الخَطِّ ألِفٌ وذالٌ ونُونٌ بِغَيْرِ ياءٍ، أوْ ثُمَّ فالهِجاءُ ألِفٌ وياءٌ وذالٌ ونُونٌ، والفَرْقُ أنَّ ثُمَّ يُوقَفُ عَلَيْها وتَنْفَصِلُ بِخِلافِهِما. وقَرَأ عِيسى بْنُ عَمْرٍو: لا تُفْتِنِّي بِضَمِّ التّاءِ الأُولى مِن أفْتَنَ. قالَ أبُو حاتِمٍ هي لُغَةُ تَمِيمٍ، وهي أيْضًا قِراءَةُ ابْنُ السَّمَيْقَعِ، ونَسَبَها ابْنُ مُجاهِدٍ إلى إسْماعِيلَ المَكِّيِّ. وجَمَعَ الشّاعِرُ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ فَقالَ: ؎لَئِنْ فَتَنَتْنِي فَهي بِالأمْسِ أفْتَنَتْ سَعِيدًا فَأمْسى قَدْ قَلا كُلَّ مُسْلِمِ والفِتْنَةُ الَّتِي سَقَطُوا فِيها هي فِتْنَةُ التَّخَلُّفِ، وظُهُورُ كُفْرِهِمْ ونِفاقِهِمْ. ولَفْظَةُ سَقَطُوا تُنْبِئُ عَنْ تَمَكُّنِ وُقُوعِهِمْ فِيها. وقالَ قَتادَةُ: الإثْمُ بِخِلافِهِمُ الرَّسُولَ في أمْرِهِ، وإحاطَةُ جَهَنَّمَ بِهِمْ إمّا يَوْمَ القِيامَةِ، أوِ الآنَ عَلى سَبِيلِ المَجازِ؛ لِأنَّ أسْبابَ الإحاطَةِ مَعَهم فَكَأنَّهم في وسَطِها، أوْ لِأنَّ مَصِيرَهم إلَيْها. ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أخَذْنا أمْرَنا مِن قَبْلُ ويَتَوَلَّوْا وهم فَرِحُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الحَسَنَةُ في يَوْمِ بَدْرٍ، والمُصِيبَةُ يَوْمَ أُحُدٍ. ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ عَلى التَّمْثِيلِ، واللَّفْظُ عامٌّ في كُلِّ مَحْبُوبٍ ومَكْرُوهٍ، وسِياقُ الحَمْلِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في الغَزْوِ، ولِذَلِكَ قالُوا: الحَسَنَةُ الظَّفَرُ والغَنِيمَةُ، والمُصِيبَةُ الخَيْبَةُ والهَزِيمَةُ، مِثْلُ ما جَرى في أوَّلِ غَزْوَةِ أُحُدٍ. ومَعْنى (أمْرَنا) الَّذِي نَحْنُ مُتَّسِمُونَ بِهِ مِنَ الحَذَرِ والتَّيَقُّظِ والعَمَلِ بِالحَزْمِ في التَّخَلُّفِ عَنِ الغَزْوِ، مِن قَبْلِ ما وقَعَ مِنَ المُصِيبَةِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّوَلِّي حَقِيقَةً؛ أيْ: ويَتَوَلَّوْا عَنْ مَقامِ التَّحْدِيثَ بِذَلِكَ، والِاجْتِماعِ لَهُ إلى أهْلِيهِمْ وهم مَسْرُورُونَ. وقِيلَ: أعْرَضُوا عَنِ الإيمانِ. وقِيلَ: عَنِ الرَّسُولِ، فَيَكُونُ التَّوَلِّي مَجازًا. ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هو مَوْلانا وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾: قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ مُصَرِّفٍ: هَلْ يُصِيبُنا مَكانَ لَنْ يُصِيبَنا. وقَرَأ ابْنُ مُصَرِّفٍ أيْضًا وأعْيَنُ قاضِي الرَّيِّ: هَلْ يُصَيِّبُنا بِتَشْدِيدِ الياءِ، وهو مُضارِعُ فَيْعَلَ نَحْوُ: بَيْطَرَ، لا مُضارِعَ فَعَلَ؛ إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ صَوَّبَ مُضاعَفَ العَيْنِ. قالُوا: صَوَّبَ رَأْيَهُ لَمّا بَناهُ عَلى فَعَّلَ؛ لِأنَّهُ مِن ذَواتِ الواوِ. وقالُوا: صابَ يَصُوبُ ومَصاوِبُ جَمْعُ مُصِيبَةٍ، وبَعْضُ العَرَبِ يَقُولُ: صابَ السَّهْمُ يُصِيبُ، جَعَلَهُ مِن ذَواتِ الياءِ، فَعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ يُصِيبُنا مُضارِعَ صَيَبَ عَلى وزْنِ فَعَلَ، والصَّيِّبُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَسَيِّدٍ وكَلَيِّنٍ. وقالَ عَمْرُو بْنُ شَقِيقٍ: سَمِعْتُ أعْيَنَ قاضِي الرَّيِّ يَقُولُ: قُلْ لَنْ يُصِيبَنّا بِتَشْدِيدِ النُّونِ. قالَ أبُو حاتِمٍ: ولا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ النُّونَ لا تَدْخُلُ مَعَ لَنْ، ولَوْ كانَتْ لِطَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ لَحارَتْ؛ لِأنَّها مَعَ هَلْ، قالَ تَعالى: ﴿هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ﴾ [الحج: ١٥] . انْتَهى. ووَجْهُ هَذِهِ القِراءَةِ تَشْبِيهُ لَنْ بِلا وبِلَمْ، وقَدْ سُمِعَ لَحاقُ هَذِهِ النُّونِ بِلا وبِلَمْ، فَلَمّا شارَكَتْهُما لَنْ في النَّفْيِ لَحِقَتْ مَعَها نُونُ التَّوْكِيدِ، وهَذا (p-٥٢)تَوْجِيهُ شُذُوذٍ؛ أيْ: ما أصابَنا فَلَيْسَ مِنكم ولا بِكم، بَلِ اللَّهُ هو الَّذِي أصابَنا وكَتَبَ - أيْ: في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أوْ في القُرْآنِ - مِنَ الوَعْدِ بِالنَّصْرِ ومُضاعَفَةِ الأجْرِ عَلى المُصِيبَةِ، أوْ ما قَضى وحَكَمَ، ثَلاثَةُ أقْوالٍ. (هو مَوْلانا)؛ أيْ ناصِرُنا وحافِظُنا، قالَهُ الجُمْهُورُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: أوْلى بِنا مِن أنْفُسِنا في المَوْتِ والحَياةِ. وقِيلَ: مالِكُنا وسَيِّدُنا، فَلِهَذا يَتَصَرَّفُ كَيْفَ شاءَ. فَيَجِبُ الرِّضا بِما يَصْدُرُ مِن جِهَتِهِ. وقالَ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١]، فَهو مَوْلانا الَّذِي يَتَوَلّانا ونَتَوَلّاهُ. ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلّا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ ونَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكم أنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ أوْ بِأيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ﴾؛ أيْ ما يَنْتَظِرُونَ بِنا إلّا إحْدى العاقِبَتَيْنِ، كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما هي الحُسْنى مِنَ العَواقِبِ: إمّا النُّصْرَةُ، وإمّا الشَّهادَةُ. فالنُّصْرَةُ مَآلُها إلى الغَلَبَةِ والِاسْتِيلاءِ، والشَّهادَةُ مَآلُها إلى الجَنَّةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ الحُسْنَيَيْنِ الغَنِيمَةُ والشَّهادَةُ. وقِيلَ: الأجْرُ والغَنِيمَةُ. وقِيلَ: الشَّهادَةُ والمَغْفِرَةُ. وفي الحَدِيثِ: «تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَن جاهَدَ في سَبِيلِهِ لا يُخْرِجُهُ مِن بَيْتِهِ إلّا الجِهادُ في سَبِيلِهِ، وتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ أنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ، أوْ يُرْجِعَهُ إلى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنهُ مَعَ ما نالَ مِن أجْرٍ وغَنِيمَةٍ» . والعَذابُ مِن عِنْدِ اللَّهِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو هُنا الصَّواعِقُ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المَوْتُ. وقِيلَ: قارِعَةٌ مِنَ السَّماءِ تُهْلِكُهم كَما نَزَلَتْ عَلى عادٍ وثَمُودَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَوَعُّدًا بِعَذابِ الآخِرَةِ. (أوْ بِأيْدِينا) بِالقَتْلِ عَلى الكُفْرِ. فَتَرَبَّصُوا مَواعِيدَ الشَّيْطانِ، إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ إظْهارَ دِينِهِ واسْتِئْصالَ مَن خالَفَهُ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَتَرَبَّصُوا بِنا ما ذَكَرْنا مِن عَواقِبِنا إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ ما هو عاقِبَتُكم، فَلا بُدَّ أنْ نَلْقى كُلُّنا ما نَتَرَبَّصَهُ لا نَتَجاوَزُهُ. انْتَهى. وهو أمْرٌ يَتَضَمَّنُ التَّهْدِيدَ والوَعِيدَ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ إلّا حْدى: بِإسْقاطِ الهَمْزَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَوَصَلَ ألِفَ إحْدى، وهَذِهِ لُغَةٌ ولَيْسَتْ بِالقِياسِ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎يا با المُغِيرَةِ رُبَّ أمْرٍ مُعْضِلٍ ونَحْوُ قَوْلِ الآخَرِ: ؎إنْ لَمْ أُقاتِلْ فالبِسْنِي بُرْقُعًا انْتَهى. ﴿قُلْ أنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكم إنَّكم كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ﴾؛ قَرَأ الأعْمَشُ وابْنُ وثّابٍ: كُرْهًا بِضَمِّ الكافِ، ويَعْنِي: في سَبِيلِ اللَّهِ ووُجُوهِ البِرِّ. قِيلَ: وهو أمْرٌ ومَعْناهُ التَّهْدِيدُ والتَّوْبِيخُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو أمْرٌ في مَعْنى الخَبَرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ مَن كانَ في الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥] ومَعْناهُ لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكم أنْفَقْتُمْ طَوْعًا أوْ كَرْهًا. ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] وقَوْلُهُ: ؎أسِيئِي بِنا أوْ أحْسِنِي لا مَلُومَةَ أيْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمُ اسْتَغْفَرْتَ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرُ لَهم، ولا نَلُومَكِ أسَأْتِ إلَيْنا أمْ أحْسَنْتِ. انْتَهى. وعَنْ بَعْضِهِمْ غَيْرُ هَذا بِأنَّ مَعْناهُ الجَزاءُ والشَّرْطُ؛ أيْ: إنْ تُنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنكم، وذَكَرَ الآيَةَ، وبَيَّتَ كَثِيرٌ عَلى هَذا المَعْنى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أنْفِقُوا أمْرٌ في ضِمْنِهِ جَزاءٌ، وهَذا مُسْتَمِرٌّ في كُلِّ أمْرٍ مَعَهُ جَزاءٌ، والتَّقْدِيرُ: إنْ تُنْفِقُوا لَنْ نَتَقَبَّلَ مِنكم. وأمّا إذا عُرِّيَ الأمْرُ مِنَ الجَوابِ فَلَيْسَ يَصْحَبُهُ تَضَمُّنُ الشَّرْطِ. انْتَهى. ويَقْدَحُ في هَذا التَّخْرِيجِ أنَّ الأمْرَ إذا كانَ فِيهِ مَعْنى (p-٥٣)الشَّرْطِ كانَ الجَوابُ كَجَوابِ الشَّرْطِ، فَعَلى هَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ التَّرْكِيبُ: فَلَنْ يُتَقَبَّلَ بِالفاءِ؛ لِأنَّ لَنْ لا تَقَعُ جَوابًا لِلشَّرْطِ إلّا بِالفاءِ، فَكَذَلِكَ ما ضُمِّنَ مَعْناهُ. ألا تَرى جَزْمَهُ الجَوابَ في مِثْلِ: اقْصِدْ زَيْدًا يُحْسِنْ إلَيْكَ. وانْتَصَبَ (طَوْعًا أوْ كَرْهًا) عَلى الحالِ، والطَّوْعُ أنْ يَكُونَ مِن غَيْرِ إلْزامِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، والكَرْهُ إلْزامُ ذَلِكَ. وسُمِّيَ الإلْزامُ كَرْهًا؛ لِأنَّهم مُنافِقُونَ، فَصارَ الإلْزامُ شاقًّا عَلَيْهِمْ كالإكْراهِ. أوْ يَكُونُ مِن غَيْرِ إلْزامٍ مِن رُؤَسائِكم، أوْ إلْزامٍ مِنهم؛ لِأنَّهم كانُوا يَحْمِلُونَهم عَلى الإنْفاقِ لِما يَرَوْنَ فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّ هَذِهِ نَزَلَتْ بِسَبَبِ الجَدِّ بْنِ قَيْسٍ حِينَ اسْتَأْذَنَ في القُعُودِ وقالَ: هَذا مالِي أُعِينُكَ بِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَيَكُونُ مِن إطْلاقِ الجَمْعِ عَلى الواحِدِ أوَّلُهُ ولِمَن فَعَلَ فِعْلَهُ. فَقَدْ نَقَلَ البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ الأئِمَّةِ أنَّهم كانُوا ثَلاثَةً وثَمانِينَ رَجُلًا، اسْتَثْنى مِنهُمُ الثَّلاثَةَ الَّذِينَ خُلِّفُوا وأهْلَكَ الباقُونَ، ونَفى التَّقَبُّلَ إمّا كَوْنُ الرَّسُولِ لَمْ يَقْبَلْهُ مِنهم ورَدَّهُ، وإمّا كَوْنُ اللَّهِ لا يُثِيبُ عَلَيْهِ، وعَلَّلَ انْتِفاءَ التَّقَبُّلِ بِالفِسْقِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهو التَّمَرُّدُ والعُتُوُّ، والأوْلى أنْ يُحْمَلَ عَلى الكُفْرِ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: هَذِهِ إشارَةٌ إلى أنَّ عَدَمَ القَبُولِ مُعَلَّلٌ بِكَوْنِهِمْ فاسِقِينَ، فَدَلَّ عَلى أنَّ الفِسْقَ يُؤَثِّرُ في إزالَةِ هَذا المَعْنى. وأكَّدَ الجُبّائِيُّ ذَلِكَ بِدَلِيلِهِ المَشْهُورِ في هَذِهِ المَسْألَةِ، وهو أنَّ الفِسْقَ يُوجِبُ الذَّمَّ والعِقابَ الدّائِمَيْنِ، والطّاعَةَ تُوجِبُ المَدْحَ والثَّوابَ الدّائِمَيْنِ، والجَمْعُ بَيْنَهُما مُحالٌ. فَكانَ الجَمْعُ بَيْنَ اسْتِحْقاقِهِما مُحالًا، وقَدْ أزالَ اللَّهُ هَذِهِ الشُّبْهَةَ بِقَوْلِهِ: (وما مَنَعَهم) الآيَةَ، وأنَّ تَصْرِيحَ هَذا اللَّفْظِ لا يُؤَثِّرُ في القَبُولِ إلّا الكُفْرُ. ودَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ مُطْلَقَ الفِسْقِ لا يُحْبِطُ الطّاعاتِ، فَنَفى تَعالى أنَّ عَدَمَ القَبُولِ لَيْسَ مُعَلَّلًا بِعُمُومِ كَوْنِهِ فِسْقًا، بَلْ بِخُصُوصِ وصْفِهِ وهو كَوْنُ ذَلِكَ الفِسْقُ كُفْرًا، فَثَبَتَ أنَّ اسْتِدْلالَ الجُبّائِيِّ باطِلٌ. انْتَهى. وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. ﴿وما مَنَعَهم أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهم إلّا أنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ ولا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إلّا وهم كُسالى ولا يُنْفِقُونَ إلّا وهم كارِهُونَ﴾، ذَكَرَ السَّبَبَ الَّذِي هو بِمُفْرَدِهِ مانِعٌ مِن قَبُولِ نَفَقاتِهِمْ وهو الكُفْرُ، وأتْبَعَهُ بِما هو ناشِئٌ عَنِ الكُفْرِ ومُسْتَلْزِمٌ لَهُ وهو دَلِيلٌ عَلَيْهِ. وذَلِكَ هو إتْيانُ الصَّلاةِ وهم كُسالى، وإيتاءُ النَّفَقَةِ وهم كارِهُونَ. فالكَسَلُ في الصَّلاةِ وتَرْكُ النَّشاطَ إلَيْها وأخْذُها بِالإقْبالِ مِن ثَمَراتِ الكُفْرِ، فَإيقاعُها عِنْدَهم لا يَرْجُونَ بِهِ ثَوابًا، ولا يَخافُونَ بِالتَّفْرِيطِ فِيها عِقابًا. وكَذَلِكَ الإنْفاقُ لِلْأمْوالِ لا يَكْرَهُونَ ذَلِكَ إلّا وهم لا يَرْجُونَ بِهِ ثَوابًا. وذَكَرَ مِن أعْمالِ البِرِّ هَذَيْنِ العَمَلَيْنِ الجَلِيلَيْنِ وهُما الصَّلاةُ والنَّفَقَةُ، واكْتَفى بِهِما وإنْ كانُوا أفْسَدَ حالًا في سائِرِ أعْمالِ البِرِّ؛ لِأنَّ الصَّلاةَ أشْرَفُ الأعْمالِ البَدَنِيَّةِ، والنَّفَقَةَ في سَبِيلِ اللَّهِ أشْرَفُ الأعْمالِ المالِيَّةِ، وهُما وصْفانِ المَطْلُوبُ إظْهارُهُما في الإسْلامِ، ويُسْتَدَلُّ بِهِما عَلى الإيمانِ، وتَعْدادُ القَبائِحِ يَزِيدُ المَوْصُوفَ بِها ذَمًّا وتَقْبِيحًا. وقَرَأ الأخَوانِ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: أنْ يُقْبَلَ بِالياءِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالتّاءِ، ونَفَقاتُهم بِالجَمِيعِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِالإفْرادِ. وقَرَأ الأعْرَجُ بِخِلافٍ عَنْهُ: أنْ تُقْبَلَ بِالتّاءِ مِن فَوْقِ نَفَقَتِهِمْ بِالإفْرادِ. وفي هَذِهِ القِراءاتِ الفِعْلُ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: أنْ نَقْبَلَ مِنهم نَفَقَتَهم بِالنُّونِ ونَصْبِ النَّفَقَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقِراءَةُ السُّلَمِيِّ أنْ نَقْبَلَ مِنهم نَفَقاتِهِمْ عَلى أنَّ الفِعْلَ لِلَّهِ تَعالى. انْتَهى. والأوْلى أنْ يَكُونَ فاعِلُ مَنَعَ قَوْلَهُ: إلّا أنَّهم؛ أيْ كُفْرُهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لَفْظَ الجَلالَةِ؛ أيْ: وما مَنَعَهُمُ اللَّهُ، ويَكُونُ إلّا أنَّهم تَقْدِيرُهُ: إلّا لِأنَّهم كَفَرُوا. وأنْ تُقْبَلَ مَفْعُولٌ ثانٍ إمّا لِوُصُولِ مَنَعَ إلَيْهِ بِنَفْسِهِ، وإمّا عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ، فَوَصَلَ الفِعْلُ إلَيْهِ.

التوبة 9:52

﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتّى جاءَ الحَقُّ وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ وهم كارِهُونَ﴾ تَقَدَّمَ ذِكْرُ السَّبَبِ في نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ والَّتِي قَبْلَها مِن قِصَّةِ رُجُوعِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ في هَذِهِ الغَزاةِ، حَقَّرَ شَأْنَهم في هَذِهِ الآيَةِ، وأخْبَرَ أنَّهم قَدِيمًا سَعَوْا عَلى الإسْلامِ فَأبْطَلَ اللَّهُ سَعْيَهم. وفي الأُمُورِ المُقَلَّبَةِ أقْوالٌ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَغَوْا لَكَ الغَوائِلَ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وقَفَ اثْنا عَشَرَ مِنَ المُنافِقِينَ عَلى الثَّنِيَّةِ لَيْلَةَ العَقَبَةِ كَيْ يَفْتِكُوا بِهِ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: احْتالُوا في تَشْتِيتِ أمْرِكَ وإبْطالِ دِينِكَ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانْصِرافِ ابْنِ أُبَيٍّ يَوْمَ أُحُدٍ بِأصْحابِهِ. ومَعْنى مِن قَبْلُ أيْ: مِن قَبْلِ هَذِهِ الغَزاةِ، وذَلِكَ ما كانَ مِن حالِهِمْ وقْتَ هِجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ورُجُوعِهِمْ عَنْهُ في أُحُدٍ وغَيْرِها. وتَقْلِيبُ الأُمُورِ: هو تَدْبِيرُها ظَهْرًا لِبَطْنٍ، والنَّظَرُ في نَواحِيها وأقْسامِها، والسَّعْيُ بِكُلِّ حِيلَةٍ. وقِيلَ: طَلَبُ المَكِيدَةِ مِن قَوْلِهِمْ: هو حُوَّلٌ قُلَّبٌ. وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ: وقَلَبُوا بِتَخْفِيفِ اللّامِ. (حَتّى جاءَ الحَقُّ)؛ أيْ: القُرْآنُ وشَرِيعَةُ الرَّسُولِ ﷺ . ولَفْظَةُ (جاءَ) مُشْعِرَةٌ بِأنَّهُ كانَ قَدْ ذَهَبَ. (وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ) وصَفَهُ بِالظُّهُورِ؛ لِأنَّهُ كانَ كالمَسْتُورِ؛ أيْ: غَلَبَ وعَلا دِينُ اللَّهِ، وهم كارِهُونَ لِمَجِيءِ الحَقِّ وظُهُورِ دِينِ اللَّهِ. وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِمَكْرِهِمْ وكَيْدِهِمْ، ومُبالَغَتِهِمْ في إثارَةِ الشَّرِّ فَإنَّهم مُذْ رامُوا ذَلِكَ رَدَّهُ اللَّهُ في نَحْرِهِمْ، وقَلَبَ مُرادَهم، وأتى بِضِدِّ مَقْصُودِهِمْ، فَكَما كانَ ذَلِكَ في الماضِي كَذا يَكُونُ في المُسْتَقْبَلِ. ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾: نَزَلَتْ في الجَدِّ بْنِ قَيْسٍ، وذُكِرَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ (p-٥١)ﷺ لَمّا أمَرَ بِالغَزْوِ إلى بِلادِ الرُّومِ حَرَّضَ النّاسَ فَقالَ لِلْجَدِّ بْنِ قَيْسٍ: ”هَلْ لَكَ العامَ في جِلادِ بَنِي الأصْفَرِ“، وقالَ لَهُ ولِلنّاسِ: ”اغْزُوا تَغْنَمُوا بَناتِ الأصْفَرِ“، فَقالَ الجَدُّ: ائْذَنْ لِي في التَّخَلُّفِ ولا تَفْتِنِّي بِذِكْرِ بَناتِ الأصْفَرِ، فَقَدْ عَلِمَ قَوْمِي أنِّي لا أتَمالَكُ عَنِ النِّساءِ إذا رَأيْتُهُنَّ وتَفْتِنَنِّي، ولا تَفْتِنِّي بِالنِّساءِ»، هو قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وابْنِ زَيْدٍ. وقِيلَ: ولا تَفْتِنِّي؛ أيْ ولا تُصَعِّبْ عَلَيَّ حَتّى أحْتاجَ إلى مُواقَعَةِ مَعْصِيَتِكَ فَسَهِّلْ عَلَيَّ، ودَعْنِي غَيْرَ مُخْتَلِجٍ. وقالَ قَرِيبًا مِنهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ والزَّجّاجُ، قالُوا: لا تُكْسِبُنِي الإثْمَ بِأمْرِكَ إيّايَ بِالخُرُوجِ وهو غَيْرُ مُتَيَسِّرٍ لِي، فَآثَمُ بِمُخالَفَتِكَ. وقالَ الضَّحّاكُ: لا تُكَفِّرْنِي بِإلْزامِكَ الخُرُوجَ مَعَكَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: لا تَصْرِفْنِي عَنْ شُغْلِي فَتُفَوِّتْ عَلَيَّ مَصالِحِي ويَذْهَبْ أكْثَرُ ثِمارِي. وقِيلَ: وتَفْتِنِّي في الهَلَكَةِ فَإنِّي إذا خَرَجْتُ مَعَكَ هَلَكَ مالِي وعِيالِي. وقِيلَ: إنَّهُ قالَ: ولَكِنْ أُعِينُكَ بِمالِي. ومُتَعَلَّقُ الإذْنِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: في القُعُودِ وفي مُجاوَرَتِهِ الرَّسُولَ ﷺ عَلى نِفاقِهِ. وقَرَأ ورْشٌ: بِتَخْفِيفِ هَمْزَةِ ائْذَنْ لِي بِإبْدالِها واوًا لِضَمَّةِ ما قَبْلَها. وقالَ النَّحّاسُ ما مَعْناهُ: إذا دَخَلَتِ الواوُ أوِ الفاءُ عَلى ائْذَنْ، فَهِجاؤُها في الخَطِّ ألِفٌ وذالٌ ونُونٌ بِغَيْرِ ياءٍ، أوْ ثُمَّ فالهِجاءُ ألِفٌ وياءٌ وذالٌ ونُونٌ، والفَرْقُ أنَّ ثُمَّ يُوقَفُ عَلَيْها وتَنْفَصِلُ بِخِلافِهِما. وقَرَأ عِيسى بْنُ عَمْرٍو: لا تُفْتِنِّي بِضَمِّ التّاءِ الأُولى مِن أفْتَنَ. قالَ أبُو حاتِمٍ هي لُغَةُ تَمِيمٍ، وهي أيْضًا قِراءَةُ ابْنُ السَّمَيْقَعِ، ونَسَبَها ابْنُ مُجاهِدٍ إلى إسْماعِيلَ المَكِّيِّ. وجَمَعَ الشّاعِرُ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ فَقالَ: ؎لَئِنْ فَتَنَتْنِي فَهي بِالأمْسِ أفْتَنَتْ سَعِيدًا فَأمْسى قَدْ قَلا كُلَّ مُسْلِمِ والفِتْنَةُ الَّتِي سَقَطُوا فِيها هي فِتْنَةُ التَّخَلُّفِ، وظُهُورُ كُفْرِهِمْ ونِفاقِهِمْ. ولَفْظَةُ سَقَطُوا تُنْبِئُ عَنْ تَمَكُّنِ وُقُوعِهِمْ فِيها. وقالَ قَتادَةُ: الإثْمُ بِخِلافِهِمُ الرَّسُولَ في أمْرِهِ، وإحاطَةُ جَهَنَّمَ بِهِمْ إمّا يَوْمَ القِيامَةِ، أوِ الآنَ عَلى سَبِيلِ المَجازِ؛ لِأنَّ أسْبابَ الإحاطَةِ مَعَهم فَكَأنَّهم في وسَطِها، أوْ لِأنَّ مَصِيرَهم إلَيْها. ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أخَذْنا أمْرَنا مِن قَبْلُ ويَتَوَلَّوْا وهم فَرِحُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الحَسَنَةُ في يَوْمِ بَدْرٍ، والمُصِيبَةُ يَوْمَ أُحُدٍ. ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ عَلى التَّمْثِيلِ، واللَّفْظُ عامٌّ في كُلِّ مَحْبُوبٍ ومَكْرُوهٍ، وسِياقُ الحَمْلِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في الغَزْوِ، ولِذَلِكَ قالُوا: الحَسَنَةُ الظَّفَرُ والغَنِيمَةُ، والمُصِيبَةُ الخَيْبَةُ والهَزِيمَةُ، مِثْلُ ما جَرى في أوَّلِ غَزْوَةِ أُحُدٍ. ومَعْنى (أمْرَنا) الَّذِي نَحْنُ مُتَّسِمُونَ بِهِ مِنَ الحَذَرِ والتَّيَقُّظِ والعَمَلِ بِالحَزْمِ في التَّخَلُّفِ عَنِ الغَزْوِ، مِن قَبْلِ ما وقَعَ مِنَ المُصِيبَةِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّوَلِّي حَقِيقَةً؛ أيْ: ويَتَوَلَّوْا عَنْ مَقامِ التَّحْدِيثَ بِذَلِكَ، والِاجْتِماعِ لَهُ إلى أهْلِيهِمْ وهم مَسْرُورُونَ. وقِيلَ: أعْرَضُوا عَنِ الإيمانِ. وقِيلَ: عَنِ الرَّسُولِ، فَيَكُونُ التَّوَلِّي مَجازًا. ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هو مَوْلانا وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾: قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ مُصَرِّفٍ: هَلْ يُصِيبُنا مَكانَ لَنْ يُصِيبَنا. وقَرَأ ابْنُ مُصَرِّفٍ أيْضًا وأعْيَنُ قاضِي الرَّيِّ: هَلْ يُصَيِّبُنا بِتَشْدِيدِ الياءِ، وهو مُضارِعُ فَيْعَلَ نَحْوُ: بَيْطَرَ، لا مُضارِعَ فَعَلَ؛ إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ صَوَّبَ مُضاعَفَ العَيْنِ. قالُوا: صَوَّبَ رَأْيَهُ لَمّا بَناهُ عَلى فَعَّلَ؛ لِأنَّهُ مِن ذَواتِ الواوِ. وقالُوا: صابَ يَصُوبُ ومَصاوِبُ جَمْعُ مُصِيبَةٍ، وبَعْضُ العَرَبِ يَقُولُ: صابَ السَّهْمُ يُصِيبُ، جَعَلَهُ مِن ذَواتِ الياءِ، فَعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ يُصِيبُنا مُضارِعَ صَيَبَ عَلى وزْنِ فَعَلَ، والصَّيِّبُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَسَيِّدٍ وكَلَيِّنٍ. وقالَ عَمْرُو بْنُ شَقِيقٍ: سَمِعْتُ أعْيَنَ قاضِي الرَّيِّ يَقُولُ: قُلْ لَنْ يُصِيبَنّا بِتَشْدِيدِ النُّونِ. قالَ أبُو حاتِمٍ: ولا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ النُّونَ لا تَدْخُلُ مَعَ لَنْ، ولَوْ كانَتْ لِطَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ لَحارَتْ؛ لِأنَّها مَعَ هَلْ، قالَ تَعالى: ﴿هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ﴾ [الحج: ١٥] . انْتَهى. ووَجْهُ هَذِهِ القِراءَةِ تَشْبِيهُ لَنْ بِلا وبِلَمْ، وقَدْ سُمِعَ لَحاقُ هَذِهِ النُّونِ بِلا وبِلَمْ، فَلَمّا شارَكَتْهُما لَنْ في النَّفْيِ لَحِقَتْ مَعَها نُونُ التَّوْكِيدِ، وهَذا (p-٥٢)تَوْجِيهُ شُذُوذٍ؛ أيْ: ما أصابَنا فَلَيْسَ مِنكم ولا بِكم، بَلِ اللَّهُ هو الَّذِي أصابَنا وكَتَبَ - أيْ: في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أوْ في القُرْآنِ - مِنَ الوَعْدِ بِالنَّصْرِ ومُضاعَفَةِ الأجْرِ عَلى المُصِيبَةِ، أوْ ما قَضى وحَكَمَ، ثَلاثَةُ أقْوالٍ. (هو مَوْلانا)؛ أيْ ناصِرُنا وحافِظُنا، قالَهُ الجُمْهُورُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: أوْلى بِنا مِن أنْفُسِنا في المَوْتِ والحَياةِ. وقِيلَ: مالِكُنا وسَيِّدُنا، فَلِهَذا يَتَصَرَّفُ كَيْفَ شاءَ. فَيَجِبُ الرِّضا بِما يَصْدُرُ مِن جِهَتِهِ. وقالَ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١]، فَهو مَوْلانا الَّذِي يَتَوَلّانا ونَتَوَلّاهُ. ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلّا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ ونَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكم أنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ أوْ بِأيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ﴾؛ أيْ ما يَنْتَظِرُونَ بِنا إلّا إحْدى العاقِبَتَيْنِ، كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما هي الحُسْنى مِنَ العَواقِبِ: إمّا النُّصْرَةُ، وإمّا الشَّهادَةُ. فالنُّصْرَةُ مَآلُها إلى الغَلَبَةِ والِاسْتِيلاءِ، والشَّهادَةُ مَآلُها إلى الجَنَّةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ الحُسْنَيَيْنِ الغَنِيمَةُ والشَّهادَةُ. وقِيلَ: الأجْرُ والغَنِيمَةُ. وقِيلَ: الشَّهادَةُ والمَغْفِرَةُ. وفي الحَدِيثِ: «تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَن جاهَدَ في سَبِيلِهِ لا يُخْرِجُهُ مِن بَيْتِهِ إلّا الجِهادُ في سَبِيلِهِ، وتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ أنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ، أوْ يُرْجِعَهُ إلى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنهُ مَعَ ما نالَ مِن أجْرٍ وغَنِيمَةٍ» . والعَذابُ مِن عِنْدِ اللَّهِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو هُنا الصَّواعِقُ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المَوْتُ. وقِيلَ: قارِعَةٌ مِنَ السَّماءِ تُهْلِكُهم كَما نَزَلَتْ عَلى عادٍ وثَمُودَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَوَعُّدًا بِعَذابِ الآخِرَةِ. (أوْ بِأيْدِينا) بِالقَتْلِ عَلى الكُفْرِ. فَتَرَبَّصُوا مَواعِيدَ الشَّيْطانِ، إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ إظْهارَ دِينِهِ واسْتِئْصالَ مَن خالَفَهُ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَتَرَبَّصُوا بِنا ما ذَكَرْنا مِن عَواقِبِنا إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ ما هو عاقِبَتُكم، فَلا بُدَّ أنْ نَلْقى كُلُّنا ما نَتَرَبَّصَهُ لا نَتَجاوَزُهُ. انْتَهى. وهو أمْرٌ يَتَضَمَّنُ التَّهْدِيدَ والوَعِيدَ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ إلّا حْدى: بِإسْقاطِ الهَمْزَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَوَصَلَ ألِفَ إحْدى، وهَذِهِ لُغَةٌ ولَيْسَتْ بِالقِياسِ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎يا با المُغِيرَةِ رُبَّ أمْرٍ مُعْضِلٍ ونَحْوُ قَوْلِ الآخَرِ: ؎إنْ لَمْ أُقاتِلْ فالبِسْنِي بُرْقُعًا انْتَهى. ﴿قُلْ أنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكم إنَّكم كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ﴾؛ قَرَأ الأعْمَشُ وابْنُ وثّابٍ: كُرْهًا بِضَمِّ الكافِ، ويَعْنِي: في سَبِيلِ اللَّهِ ووُجُوهِ البِرِّ. قِيلَ: وهو أمْرٌ ومَعْناهُ التَّهْدِيدُ والتَّوْبِيخُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو أمْرٌ في مَعْنى الخَبَرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ مَن كانَ في الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥] ومَعْناهُ لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكم أنْفَقْتُمْ طَوْعًا أوْ كَرْهًا. ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] وقَوْلُهُ: ؎أسِيئِي بِنا أوْ أحْسِنِي لا مَلُومَةَ أيْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمُ اسْتَغْفَرْتَ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرُ لَهم، ولا نَلُومَكِ أسَأْتِ إلَيْنا أمْ أحْسَنْتِ. انْتَهى. وعَنْ بَعْضِهِمْ غَيْرُ هَذا بِأنَّ مَعْناهُ الجَزاءُ والشَّرْطُ؛ أيْ: إنْ تُنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنكم، وذَكَرَ الآيَةَ، وبَيَّتَ كَثِيرٌ عَلى هَذا المَعْنى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أنْفِقُوا أمْرٌ في ضِمْنِهِ جَزاءٌ، وهَذا مُسْتَمِرٌّ في كُلِّ أمْرٍ مَعَهُ جَزاءٌ، والتَّقْدِيرُ: إنْ تُنْفِقُوا لَنْ نَتَقَبَّلَ مِنكم. وأمّا إذا عُرِّيَ الأمْرُ مِنَ الجَوابِ فَلَيْسَ يَصْحَبُهُ تَضَمُّنُ الشَّرْطِ. انْتَهى. ويَقْدَحُ في هَذا التَّخْرِيجِ أنَّ الأمْرَ إذا كانَ فِيهِ مَعْنى (p-٥٣)الشَّرْطِ كانَ الجَوابُ كَجَوابِ الشَّرْطِ، فَعَلى هَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ التَّرْكِيبُ: فَلَنْ يُتَقَبَّلَ بِالفاءِ؛ لِأنَّ لَنْ لا تَقَعُ جَوابًا لِلشَّرْطِ إلّا بِالفاءِ، فَكَذَلِكَ ما ضُمِّنَ مَعْناهُ. ألا تَرى جَزْمَهُ الجَوابَ في مِثْلِ: اقْصِدْ زَيْدًا يُحْسِنْ إلَيْكَ. وانْتَصَبَ (طَوْعًا أوْ كَرْهًا) عَلى الحالِ، والطَّوْعُ أنْ يَكُونَ مِن غَيْرِ إلْزامِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، والكَرْهُ إلْزامُ ذَلِكَ. وسُمِّيَ الإلْزامُ كَرْهًا؛ لِأنَّهم مُنافِقُونَ، فَصارَ الإلْزامُ شاقًّا عَلَيْهِمْ كالإكْراهِ. أوْ يَكُونُ مِن غَيْرِ إلْزامٍ مِن رُؤَسائِكم، أوْ إلْزامٍ مِنهم؛ لِأنَّهم كانُوا يَحْمِلُونَهم عَلى الإنْفاقِ لِما يَرَوْنَ فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّ هَذِهِ نَزَلَتْ بِسَبَبِ الجَدِّ بْنِ قَيْسٍ حِينَ اسْتَأْذَنَ في القُعُودِ وقالَ: هَذا مالِي أُعِينُكَ بِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَيَكُونُ مِن إطْلاقِ الجَمْعِ عَلى الواحِدِ أوَّلُهُ ولِمَن فَعَلَ فِعْلَهُ. فَقَدْ نَقَلَ البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ الأئِمَّةِ أنَّهم كانُوا ثَلاثَةً وثَمانِينَ رَجُلًا، اسْتَثْنى مِنهُمُ الثَّلاثَةَ الَّذِينَ خُلِّفُوا وأهْلَكَ الباقُونَ، ونَفى التَّقَبُّلَ إمّا كَوْنُ الرَّسُولِ لَمْ يَقْبَلْهُ مِنهم ورَدَّهُ، وإمّا كَوْنُ اللَّهِ لا يُثِيبُ عَلَيْهِ، وعَلَّلَ انْتِفاءَ التَّقَبُّلِ بِالفِسْقِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهو التَّمَرُّدُ والعُتُوُّ، والأوْلى أنْ يُحْمَلَ عَلى الكُفْرِ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: هَذِهِ إشارَةٌ إلى أنَّ عَدَمَ القَبُولِ مُعَلَّلٌ بِكَوْنِهِمْ فاسِقِينَ، فَدَلَّ عَلى أنَّ الفِسْقَ يُؤَثِّرُ في إزالَةِ هَذا المَعْنى. وأكَّدَ الجُبّائِيُّ ذَلِكَ بِدَلِيلِهِ المَشْهُورِ في هَذِهِ المَسْألَةِ، وهو أنَّ الفِسْقَ يُوجِبُ الذَّمَّ والعِقابَ الدّائِمَيْنِ، والطّاعَةَ تُوجِبُ المَدْحَ والثَّوابَ الدّائِمَيْنِ، والجَمْعُ بَيْنَهُما مُحالٌ. فَكانَ الجَمْعُ بَيْنَ اسْتِحْقاقِهِما مُحالًا، وقَدْ أزالَ اللَّهُ هَذِهِ الشُّبْهَةَ بِقَوْلِهِ: (وما مَنَعَهم) الآيَةَ، وأنَّ تَصْرِيحَ هَذا اللَّفْظِ لا يُؤَثِّرُ في القَبُولِ إلّا الكُفْرُ. ودَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ مُطْلَقَ الفِسْقِ لا يُحْبِطُ الطّاعاتِ، فَنَفى تَعالى أنَّ عَدَمَ القَبُولِ لَيْسَ مُعَلَّلًا بِعُمُومِ كَوْنِهِ فِسْقًا، بَلْ بِخُصُوصِ وصْفِهِ وهو كَوْنُ ذَلِكَ الفِسْقُ كُفْرًا، فَثَبَتَ أنَّ اسْتِدْلالَ الجُبّائِيِّ باطِلٌ. انْتَهى. وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. ﴿وما مَنَعَهم أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهم إلّا أنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ ولا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إلّا وهم كُسالى ولا يُنْفِقُونَ إلّا وهم كارِهُونَ﴾، ذَكَرَ السَّبَبَ الَّذِي هو بِمُفْرَدِهِ مانِعٌ مِن قَبُولِ نَفَقاتِهِمْ وهو الكُفْرُ، وأتْبَعَهُ بِما هو ناشِئٌ عَنِ الكُفْرِ ومُسْتَلْزِمٌ لَهُ وهو دَلِيلٌ عَلَيْهِ. وذَلِكَ هو إتْيانُ الصَّلاةِ وهم كُسالى، وإيتاءُ النَّفَقَةِ وهم كارِهُونَ. فالكَسَلُ في الصَّلاةِ وتَرْكُ النَّشاطَ إلَيْها وأخْذُها بِالإقْبالِ مِن ثَمَراتِ الكُفْرِ، فَإيقاعُها عِنْدَهم لا يَرْجُونَ بِهِ ثَوابًا، ولا يَخافُونَ بِالتَّفْرِيطِ فِيها عِقابًا. وكَذَلِكَ الإنْفاقُ لِلْأمْوالِ لا يَكْرَهُونَ ذَلِكَ إلّا وهم لا يَرْجُونَ بِهِ ثَوابًا. وذَكَرَ مِن أعْمالِ البِرِّ هَذَيْنِ العَمَلَيْنِ الجَلِيلَيْنِ وهُما الصَّلاةُ والنَّفَقَةُ، واكْتَفى بِهِما وإنْ كانُوا أفْسَدَ حالًا في سائِرِ أعْمالِ البِرِّ؛ لِأنَّ الصَّلاةَ أشْرَفُ الأعْمالِ البَدَنِيَّةِ، والنَّفَقَةَ في سَبِيلِ اللَّهِ أشْرَفُ الأعْمالِ المالِيَّةِ، وهُما وصْفانِ المَطْلُوبُ إظْهارُهُما في الإسْلامِ، ويُسْتَدَلُّ بِهِما عَلى الإيمانِ، وتَعْدادُ القَبائِحِ يَزِيدُ المَوْصُوفَ بِها ذَمًّا وتَقْبِيحًا. وقَرَأ الأخَوانِ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: أنْ يُقْبَلَ بِالياءِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالتّاءِ، ونَفَقاتُهم بِالجَمِيعِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِالإفْرادِ. وقَرَأ الأعْرَجُ بِخِلافٍ عَنْهُ: أنْ تُقْبَلَ بِالتّاءِ مِن فَوْقِ نَفَقَتِهِمْ بِالإفْرادِ. وفي هَذِهِ القِراءاتِ الفِعْلُ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: أنْ نَقْبَلَ مِنهم نَفَقَتَهم بِالنُّونِ ونَصْبِ النَّفَقَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقِراءَةُ السُّلَمِيِّ أنْ نَقْبَلَ مِنهم نَفَقاتِهِمْ عَلى أنَّ الفِعْلَ لِلَّهِ تَعالى. انْتَهى. والأوْلى أنْ يَكُونَ فاعِلُ مَنَعَ قَوْلَهُ: إلّا أنَّهم؛ أيْ كُفْرُهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لَفْظَ الجَلالَةِ؛ أيْ: وما مَنَعَهُمُ اللَّهُ، ويَكُونُ إلّا أنَّهم تَقْدِيرُهُ: إلّا لِأنَّهم كَفَرُوا. وأنْ تُقْبَلَ مَفْعُولٌ ثانٍ إمّا لِوُصُولِ مَنَعَ إلَيْهِ بِنَفْسِهِ، وإمّا عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ، فَوَصَلَ الفِعْلُ إلَيْهِ.

التوبة 9:53

﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتّى جاءَ الحَقُّ وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ وهم كارِهُونَ﴾ تَقَدَّمَ ذِكْرُ السَّبَبِ في نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ والَّتِي قَبْلَها مِن قِصَّةِ رُجُوعِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ في هَذِهِ الغَزاةِ، حَقَّرَ شَأْنَهم في هَذِهِ الآيَةِ، وأخْبَرَ أنَّهم قَدِيمًا سَعَوْا عَلى الإسْلامِ فَأبْطَلَ اللَّهُ سَعْيَهم. وفي الأُمُورِ المُقَلَّبَةِ أقْوالٌ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَغَوْا لَكَ الغَوائِلَ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وقَفَ اثْنا عَشَرَ مِنَ المُنافِقِينَ عَلى الثَّنِيَّةِ لَيْلَةَ العَقَبَةِ كَيْ يَفْتِكُوا بِهِ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: احْتالُوا في تَشْتِيتِ أمْرِكَ وإبْطالِ دِينِكَ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانْصِرافِ ابْنِ أُبَيٍّ يَوْمَ أُحُدٍ بِأصْحابِهِ. ومَعْنى مِن قَبْلُ أيْ: مِن قَبْلِ هَذِهِ الغَزاةِ، وذَلِكَ ما كانَ مِن حالِهِمْ وقْتَ هِجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ورُجُوعِهِمْ عَنْهُ في أُحُدٍ وغَيْرِها. وتَقْلِيبُ الأُمُورِ: هو تَدْبِيرُها ظَهْرًا لِبَطْنٍ، والنَّظَرُ في نَواحِيها وأقْسامِها، والسَّعْيُ بِكُلِّ حِيلَةٍ. وقِيلَ: طَلَبُ المَكِيدَةِ مِن قَوْلِهِمْ: هو حُوَّلٌ قُلَّبٌ. وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ: وقَلَبُوا بِتَخْفِيفِ اللّامِ. (حَتّى جاءَ الحَقُّ)؛ أيْ: القُرْآنُ وشَرِيعَةُ الرَّسُولِ ﷺ . ولَفْظَةُ (جاءَ) مُشْعِرَةٌ بِأنَّهُ كانَ قَدْ ذَهَبَ. (وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ) وصَفَهُ بِالظُّهُورِ؛ لِأنَّهُ كانَ كالمَسْتُورِ؛ أيْ: غَلَبَ وعَلا دِينُ اللَّهِ، وهم كارِهُونَ لِمَجِيءِ الحَقِّ وظُهُورِ دِينِ اللَّهِ. وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِمَكْرِهِمْ وكَيْدِهِمْ، ومُبالَغَتِهِمْ في إثارَةِ الشَّرِّ فَإنَّهم مُذْ رامُوا ذَلِكَ رَدَّهُ اللَّهُ في نَحْرِهِمْ، وقَلَبَ مُرادَهم، وأتى بِضِدِّ مَقْصُودِهِمْ، فَكَما كانَ ذَلِكَ في الماضِي كَذا يَكُونُ في المُسْتَقْبَلِ. ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾: نَزَلَتْ في الجَدِّ بْنِ قَيْسٍ، وذُكِرَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ (p-٥١)ﷺ لَمّا أمَرَ بِالغَزْوِ إلى بِلادِ الرُّومِ حَرَّضَ النّاسَ فَقالَ لِلْجَدِّ بْنِ قَيْسٍ: ”هَلْ لَكَ العامَ في جِلادِ بَنِي الأصْفَرِ“، وقالَ لَهُ ولِلنّاسِ: ”اغْزُوا تَغْنَمُوا بَناتِ الأصْفَرِ“، فَقالَ الجَدُّ: ائْذَنْ لِي في التَّخَلُّفِ ولا تَفْتِنِّي بِذِكْرِ بَناتِ الأصْفَرِ، فَقَدْ عَلِمَ قَوْمِي أنِّي لا أتَمالَكُ عَنِ النِّساءِ إذا رَأيْتُهُنَّ وتَفْتِنَنِّي، ولا تَفْتِنِّي بِالنِّساءِ»، هو قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وابْنِ زَيْدٍ. وقِيلَ: ولا تَفْتِنِّي؛ أيْ ولا تُصَعِّبْ عَلَيَّ حَتّى أحْتاجَ إلى مُواقَعَةِ مَعْصِيَتِكَ فَسَهِّلْ عَلَيَّ، ودَعْنِي غَيْرَ مُخْتَلِجٍ. وقالَ قَرِيبًا مِنهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ والزَّجّاجُ، قالُوا: لا تُكْسِبُنِي الإثْمَ بِأمْرِكَ إيّايَ بِالخُرُوجِ وهو غَيْرُ مُتَيَسِّرٍ لِي، فَآثَمُ بِمُخالَفَتِكَ. وقالَ الضَّحّاكُ: لا تُكَفِّرْنِي بِإلْزامِكَ الخُرُوجَ مَعَكَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: لا تَصْرِفْنِي عَنْ شُغْلِي فَتُفَوِّتْ عَلَيَّ مَصالِحِي ويَذْهَبْ أكْثَرُ ثِمارِي. وقِيلَ: وتَفْتِنِّي في الهَلَكَةِ فَإنِّي إذا خَرَجْتُ مَعَكَ هَلَكَ مالِي وعِيالِي. وقِيلَ: إنَّهُ قالَ: ولَكِنْ أُعِينُكَ بِمالِي. ومُتَعَلَّقُ الإذْنِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: في القُعُودِ وفي مُجاوَرَتِهِ الرَّسُولَ ﷺ عَلى نِفاقِهِ. وقَرَأ ورْشٌ: بِتَخْفِيفِ هَمْزَةِ ائْذَنْ لِي بِإبْدالِها واوًا لِضَمَّةِ ما قَبْلَها. وقالَ النَّحّاسُ ما مَعْناهُ: إذا دَخَلَتِ الواوُ أوِ الفاءُ عَلى ائْذَنْ، فَهِجاؤُها في الخَطِّ ألِفٌ وذالٌ ونُونٌ بِغَيْرِ ياءٍ، أوْ ثُمَّ فالهِجاءُ ألِفٌ وياءٌ وذالٌ ونُونٌ، والفَرْقُ أنَّ ثُمَّ يُوقَفُ عَلَيْها وتَنْفَصِلُ بِخِلافِهِما. وقَرَأ عِيسى بْنُ عَمْرٍو: لا تُفْتِنِّي بِضَمِّ التّاءِ الأُولى مِن أفْتَنَ. قالَ أبُو حاتِمٍ هي لُغَةُ تَمِيمٍ، وهي أيْضًا قِراءَةُ ابْنُ السَّمَيْقَعِ، ونَسَبَها ابْنُ مُجاهِدٍ إلى إسْماعِيلَ المَكِّيِّ. وجَمَعَ الشّاعِرُ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ فَقالَ: ؎لَئِنْ فَتَنَتْنِي فَهي بِالأمْسِ أفْتَنَتْ سَعِيدًا فَأمْسى قَدْ قَلا كُلَّ مُسْلِمِ والفِتْنَةُ الَّتِي سَقَطُوا فِيها هي فِتْنَةُ التَّخَلُّفِ، وظُهُورُ كُفْرِهِمْ ونِفاقِهِمْ. ولَفْظَةُ سَقَطُوا تُنْبِئُ عَنْ تَمَكُّنِ وُقُوعِهِمْ فِيها. وقالَ قَتادَةُ: الإثْمُ بِخِلافِهِمُ الرَّسُولَ في أمْرِهِ، وإحاطَةُ جَهَنَّمَ بِهِمْ إمّا يَوْمَ القِيامَةِ، أوِ الآنَ عَلى سَبِيلِ المَجازِ؛ لِأنَّ أسْبابَ الإحاطَةِ مَعَهم فَكَأنَّهم في وسَطِها، أوْ لِأنَّ مَصِيرَهم إلَيْها. ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أخَذْنا أمْرَنا مِن قَبْلُ ويَتَوَلَّوْا وهم فَرِحُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الحَسَنَةُ في يَوْمِ بَدْرٍ، والمُصِيبَةُ يَوْمَ أُحُدٍ. ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ عَلى التَّمْثِيلِ، واللَّفْظُ عامٌّ في كُلِّ مَحْبُوبٍ ومَكْرُوهٍ، وسِياقُ الحَمْلِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في الغَزْوِ، ولِذَلِكَ قالُوا: الحَسَنَةُ الظَّفَرُ والغَنِيمَةُ، والمُصِيبَةُ الخَيْبَةُ والهَزِيمَةُ، مِثْلُ ما جَرى في أوَّلِ غَزْوَةِ أُحُدٍ. ومَعْنى (أمْرَنا) الَّذِي نَحْنُ مُتَّسِمُونَ بِهِ مِنَ الحَذَرِ والتَّيَقُّظِ والعَمَلِ بِالحَزْمِ في التَّخَلُّفِ عَنِ الغَزْوِ، مِن قَبْلِ ما وقَعَ مِنَ المُصِيبَةِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّوَلِّي حَقِيقَةً؛ أيْ: ويَتَوَلَّوْا عَنْ مَقامِ التَّحْدِيثَ بِذَلِكَ، والِاجْتِماعِ لَهُ إلى أهْلِيهِمْ وهم مَسْرُورُونَ. وقِيلَ: أعْرَضُوا عَنِ الإيمانِ. وقِيلَ: عَنِ الرَّسُولِ، فَيَكُونُ التَّوَلِّي مَجازًا. ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هو مَوْلانا وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾: قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ مُصَرِّفٍ: هَلْ يُصِيبُنا مَكانَ لَنْ يُصِيبَنا. وقَرَأ ابْنُ مُصَرِّفٍ أيْضًا وأعْيَنُ قاضِي الرَّيِّ: هَلْ يُصَيِّبُنا بِتَشْدِيدِ الياءِ، وهو مُضارِعُ فَيْعَلَ نَحْوُ: بَيْطَرَ، لا مُضارِعَ فَعَلَ؛ إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ صَوَّبَ مُضاعَفَ العَيْنِ. قالُوا: صَوَّبَ رَأْيَهُ لَمّا بَناهُ عَلى فَعَّلَ؛ لِأنَّهُ مِن ذَواتِ الواوِ. وقالُوا: صابَ يَصُوبُ ومَصاوِبُ جَمْعُ مُصِيبَةٍ، وبَعْضُ العَرَبِ يَقُولُ: صابَ السَّهْمُ يُصِيبُ، جَعَلَهُ مِن ذَواتِ الياءِ، فَعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ يُصِيبُنا مُضارِعَ صَيَبَ عَلى وزْنِ فَعَلَ، والصَّيِّبُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَسَيِّدٍ وكَلَيِّنٍ. وقالَ عَمْرُو بْنُ شَقِيقٍ: سَمِعْتُ أعْيَنَ قاضِي الرَّيِّ يَقُولُ: قُلْ لَنْ يُصِيبَنّا بِتَشْدِيدِ النُّونِ. قالَ أبُو حاتِمٍ: ولا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ النُّونَ لا تَدْخُلُ مَعَ لَنْ، ولَوْ كانَتْ لِطَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ لَحارَتْ؛ لِأنَّها مَعَ هَلْ، قالَ تَعالى: ﴿هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ﴾ [الحج: ١٥] . انْتَهى. ووَجْهُ هَذِهِ القِراءَةِ تَشْبِيهُ لَنْ بِلا وبِلَمْ، وقَدْ سُمِعَ لَحاقُ هَذِهِ النُّونِ بِلا وبِلَمْ، فَلَمّا شارَكَتْهُما لَنْ في النَّفْيِ لَحِقَتْ مَعَها نُونُ التَّوْكِيدِ، وهَذا (p-٥٢)تَوْجِيهُ شُذُوذٍ؛ أيْ: ما أصابَنا فَلَيْسَ مِنكم ولا بِكم، بَلِ اللَّهُ هو الَّذِي أصابَنا وكَتَبَ - أيْ: في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أوْ في القُرْآنِ - مِنَ الوَعْدِ بِالنَّصْرِ ومُضاعَفَةِ الأجْرِ عَلى المُصِيبَةِ، أوْ ما قَضى وحَكَمَ، ثَلاثَةُ أقْوالٍ. (هو مَوْلانا)؛ أيْ ناصِرُنا وحافِظُنا، قالَهُ الجُمْهُورُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: أوْلى بِنا مِن أنْفُسِنا في المَوْتِ والحَياةِ. وقِيلَ: مالِكُنا وسَيِّدُنا، فَلِهَذا يَتَصَرَّفُ كَيْفَ شاءَ. فَيَجِبُ الرِّضا بِما يَصْدُرُ مِن جِهَتِهِ. وقالَ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١]، فَهو مَوْلانا الَّذِي يَتَوَلّانا ونَتَوَلّاهُ. ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلّا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ ونَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكم أنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ أوْ بِأيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ﴾؛ أيْ ما يَنْتَظِرُونَ بِنا إلّا إحْدى العاقِبَتَيْنِ، كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما هي الحُسْنى مِنَ العَواقِبِ: إمّا النُّصْرَةُ، وإمّا الشَّهادَةُ. فالنُّصْرَةُ مَآلُها إلى الغَلَبَةِ والِاسْتِيلاءِ، والشَّهادَةُ مَآلُها إلى الجَنَّةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ الحُسْنَيَيْنِ الغَنِيمَةُ والشَّهادَةُ. وقِيلَ: الأجْرُ والغَنِيمَةُ. وقِيلَ: الشَّهادَةُ والمَغْفِرَةُ. وفي الحَدِيثِ: «تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَن جاهَدَ في سَبِيلِهِ لا يُخْرِجُهُ مِن بَيْتِهِ إلّا الجِهادُ في سَبِيلِهِ، وتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ أنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ، أوْ يُرْجِعَهُ إلى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنهُ مَعَ ما نالَ مِن أجْرٍ وغَنِيمَةٍ» . والعَذابُ مِن عِنْدِ اللَّهِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو هُنا الصَّواعِقُ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المَوْتُ. وقِيلَ: قارِعَةٌ مِنَ السَّماءِ تُهْلِكُهم كَما نَزَلَتْ عَلى عادٍ وثَمُودَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَوَعُّدًا بِعَذابِ الآخِرَةِ. (أوْ بِأيْدِينا) بِالقَتْلِ عَلى الكُفْرِ. فَتَرَبَّصُوا مَواعِيدَ الشَّيْطانِ، إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ إظْهارَ دِينِهِ واسْتِئْصالَ مَن خالَفَهُ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَتَرَبَّصُوا بِنا ما ذَكَرْنا مِن عَواقِبِنا إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ ما هو عاقِبَتُكم، فَلا بُدَّ أنْ نَلْقى كُلُّنا ما نَتَرَبَّصَهُ لا نَتَجاوَزُهُ. انْتَهى. وهو أمْرٌ يَتَضَمَّنُ التَّهْدِيدَ والوَعِيدَ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ إلّا حْدى: بِإسْقاطِ الهَمْزَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَوَصَلَ ألِفَ إحْدى، وهَذِهِ لُغَةٌ ولَيْسَتْ بِالقِياسِ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎يا با المُغِيرَةِ رُبَّ أمْرٍ مُعْضِلٍ ونَحْوُ قَوْلِ الآخَرِ: ؎إنْ لَمْ أُقاتِلْ فالبِسْنِي بُرْقُعًا انْتَهى. ﴿قُلْ أنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكم إنَّكم كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ﴾؛ قَرَأ الأعْمَشُ وابْنُ وثّابٍ: كُرْهًا بِضَمِّ الكافِ، ويَعْنِي: في سَبِيلِ اللَّهِ ووُجُوهِ البِرِّ. قِيلَ: وهو أمْرٌ ومَعْناهُ التَّهْدِيدُ والتَّوْبِيخُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو أمْرٌ في مَعْنى الخَبَرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ مَن كانَ في الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥] ومَعْناهُ لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكم أنْفَقْتُمْ طَوْعًا أوْ كَرْهًا. ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] وقَوْلُهُ: ؎أسِيئِي بِنا أوْ أحْسِنِي لا مَلُومَةَ أيْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمُ اسْتَغْفَرْتَ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرُ لَهم، ولا نَلُومَكِ أسَأْتِ إلَيْنا أمْ أحْسَنْتِ. انْتَهى. وعَنْ بَعْضِهِمْ غَيْرُ هَذا بِأنَّ مَعْناهُ الجَزاءُ والشَّرْطُ؛ أيْ: إنْ تُنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنكم، وذَكَرَ الآيَةَ، وبَيَّتَ كَثِيرٌ عَلى هَذا المَعْنى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أنْفِقُوا أمْرٌ في ضِمْنِهِ جَزاءٌ، وهَذا مُسْتَمِرٌّ في كُلِّ أمْرٍ مَعَهُ جَزاءٌ، والتَّقْدِيرُ: إنْ تُنْفِقُوا لَنْ نَتَقَبَّلَ مِنكم. وأمّا إذا عُرِّيَ الأمْرُ مِنَ الجَوابِ فَلَيْسَ يَصْحَبُهُ تَضَمُّنُ الشَّرْطِ. انْتَهى. ويَقْدَحُ في هَذا التَّخْرِيجِ أنَّ الأمْرَ إذا كانَ فِيهِ مَعْنى (p-٥٣)الشَّرْطِ كانَ الجَوابُ كَجَوابِ الشَّرْطِ، فَعَلى هَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ التَّرْكِيبُ: فَلَنْ يُتَقَبَّلَ بِالفاءِ؛ لِأنَّ لَنْ لا تَقَعُ جَوابًا لِلشَّرْطِ إلّا بِالفاءِ، فَكَذَلِكَ ما ضُمِّنَ مَعْناهُ. ألا تَرى جَزْمَهُ الجَوابَ في مِثْلِ: اقْصِدْ زَيْدًا يُحْسِنْ إلَيْكَ. وانْتَصَبَ (طَوْعًا أوْ كَرْهًا) عَلى الحالِ، والطَّوْعُ أنْ يَكُونَ مِن غَيْرِ إلْزامِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، والكَرْهُ إلْزامُ ذَلِكَ. وسُمِّيَ الإلْزامُ كَرْهًا؛ لِأنَّهم مُنافِقُونَ، فَصارَ الإلْزامُ شاقًّا عَلَيْهِمْ كالإكْراهِ. أوْ يَكُونُ مِن غَيْرِ إلْزامٍ مِن رُؤَسائِكم، أوْ إلْزامٍ مِنهم؛ لِأنَّهم كانُوا يَحْمِلُونَهم عَلى الإنْفاقِ لِما يَرَوْنَ فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّ هَذِهِ نَزَلَتْ بِسَبَبِ الجَدِّ بْنِ قَيْسٍ حِينَ اسْتَأْذَنَ في القُعُودِ وقالَ: هَذا مالِي أُعِينُكَ بِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَيَكُونُ مِن إطْلاقِ الجَمْعِ عَلى الواحِدِ أوَّلُهُ ولِمَن فَعَلَ فِعْلَهُ. فَقَدْ نَقَلَ البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ الأئِمَّةِ أنَّهم كانُوا ثَلاثَةً وثَمانِينَ رَجُلًا، اسْتَثْنى مِنهُمُ الثَّلاثَةَ الَّذِينَ خُلِّفُوا وأهْلَكَ الباقُونَ، ونَفى التَّقَبُّلَ إمّا كَوْنُ الرَّسُولِ لَمْ يَقْبَلْهُ مِنهم ورَدَّهُ، وإمّا كَوْنُ اللَّهِ لا يُثِيبُ عَلَيْهِ، وعَلَّلَ انْتِفاءَ التَّقَبُّلِ بِالفِسْقِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهو التَّمَرُّدُ والعُتُوُّ، والأوْلى أنْ يُحْمَلَ عَلى الكُفْرِ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: هَذِهِ إشارَةٌ إلى أنَّ عَدَمَ القَبُولِ مُعَلَّلٌ بِكَوْنِهِمْ فاسِقِينَ، فَدَلَّ عَلى أنَّ الفِسْقَ يُؤَثِّرُ في إزالَةِ هَذا المَعْنى. وأكَّدَ الجُبّائِيُّ ذَلِكَ بِدَلِيلِهِ المَشْهُورِ في هَذِهِ المَسْألَةِ، وهو أنَّ الفِسْقَ يُوجِبُ الذَّمَّ والعِقابَ الدّائِمَيْنِ، والطّاعَةَ تُوجِبُ المَدْحَ والثَّوابَ الدّائِمَيْنِ، والجَمْعُ بَيْنَهُما مُحالٌ. فَكانَ الجَمْعُ بَيْنَ اسْتِحْقاقِهِما مُحالًا، وقَدْ أزالَ اللَّهُ هَذِهِ الشُّبْهَةَ بِقَوْلِهِ: (وما مَنَعَهم) الآيَةَ، وأنَّ تَصْرِيحَ هَذا اللَّفْظِ لا يُؤَثِّرُ في القَبُولِ إلّا الكُفْرُ. ودَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ مُطْلَقَ الفِسْقِ لا يُحْبِطُ الطّاعاتِ، فَنَفى تَعالى أنَّ عَدَمَ القَبُولِ لَيْسَ مُعَلَّلًا بِعُمُومِ كَوْنِهِ فِسْقًا، بَلْ بِخُصُوصِ وصْفِهِ وهو كَوْنُ ذَلِكَ الفِسْقُ كُفْرًا، فَثَبَتَ أنَّ اسْتِدْلالَ الجُبّائِيِّ باطِلٌ. انْتَهى. وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. ﴿وما مَنَعَهم أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهم إلّا أنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ ولا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إلّا وهم كُسالى ولا يُنْفِقُونَ إلّا وهم كارِهُونَ﴾، ذَكَرَ السَّبَبَ الَّذِي هو بِمُفْرَدِهِ مانِعٌ مِن قَبُولِ نَفَقاتِهِمْ وهو الكُفْرُ، وأتْبَعَهُ بِما هو ناشِئٌ عَنِ الكُفْرِ ومُسْتَلْزِمٌ لَهُ وهو دَلِيلٌ عَلَيْهِ. وذَلِكَ هو إتْيانُ الصَّلاةِ وهم كُسالى، وإيتاءُ النَّفَقَةِ وهم كارِهُونَ. فالكَسَلُ في الصَّلاةِ وتَرْكُ النَّشاطَ إلَيْها وأخْذُها بِالإقْبالِ مِن ثَمَراتِ الكُفْرِ، فَإيقاعُها عِنْدَهم لا يَرْجُونَ بِهِ ثَوابًا، ولا يَخافُونَ بِالتَّفْرِيطِ فِيها عِقابًا. وكَذَلِكَ الإنْفاقُ لِلْأمْوالِ لا يَكْرَهُونَ ذَلِكَ إلّا وهم لا يَرْجُونَ بِهِ ثَوابًا. وذَكَرَ مِن أعْمالِ البِرِّ هَذَيْنِ العَمَلَيْنِ الجَلِيلَيْنِ وهُما الصَّلاةُ والنَّفَقَةُ، واكْتَفى بِهِما وإنْ كانُوا أفْسَدَ حالًا في سائِرِ أعْمالِ البِرِّ؛ لِأنَّ الصَّلاةَ أشْرَفُ الأعْمالِ البَدَنِيَّةِ، والنَّفَقَةَ في سَبِيلِ اللَّهِ أشْرَفُ الأعْمالِ المالِيَّةِ، وهُما وصْفانِ المَطْلُوبُ إظْهارُهُما في الإسْلامِ، ويُسْتَدَلُّ بِهِما عَلى الإيمانِ، وتَعْدادُ القَبائِحِ يَزِيدُ المَوْصُوفَ بِها ذَمًّا وتَقْبِيحًا. وقَرَأ الأخَوانِ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: أنْ يُقْبَلَ بِالياءِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالتّاءِ، ونَفَقاتُهم بِالجَمِيعِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِالإفْرادِ. وقَرَأ الأعْرَجُ بِخِلافٍ عَنْهُ: أنْ تُقْبَلَ بِالتّاءِ مِن فَوْقِ نَفَقَتِهِمْ بِالإفْرادِ. وفي هَذِهِ القِراءاتِ الفِعْلُ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: أنْ نَقْبَلَ مِنهم نَفَقَتَهم بِالنُّونِ ونَصْبِ النَّفَقَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقِراءَةُ السُّلَمِيِّ أنْ نَقْبَلَ مِنهم نَفَقاتِهِمْ عَلى أنَّ الفِعْلَ لِلَّهِ تَعالى. انْتَهى. والأوْلى أنْ يَكُونَ فاعِلُ مَنَعَ قَوْلَهُ: إلّا أنَّهم؛ أيْ كُفْرُهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لَفْظَ الجَلالَةِ؛ أيْ: وما مَنَعَهُمُ اللَّهُ، ويَكُونُ إلّا أنَّهم تَقْدِيرُهُ: إلّا لِأنَّهم كَفَرُوا. وأنْ تُقْبَلَ مَفْعُولٌ ثانٍ إمّا لِوُصُولِ مَنَعَ إلَيْهِ بِنَفْسِهِ، وإمّا عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ، فَوَصَلَ الفِعْلُ إلَيْهِ.

التوبة 9:54

﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتّى جاءَ الحَقُّ وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ وهم كارِهُونَ﴾ تَقَدَّمَ ذِكْرُ السَّبَبِ في نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ والَّتِي قَبْلَها مِن قِصَّةِ رُجُوعِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ في هَذِهِ الغَزاةِ، حَقَّرَ شَأْنَهم في هَذِهِ الآيَةِ، وأخْبَرَ أنَّهم قَدِيمًا سَعَوْا عَلى الإسْلامِ فَأبْطَلَ اللَّهُ سَعْيَهم. وفي الأُمُورِ المُقَلَّبَةِ أقْوالٌ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَغَوْا لَكَ الغَوائِلَ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وقَفَ اثْنا عَشَرَ مِنَ المُنافِقِينَ عَلى الثَّنِيَّةِ لَيْلَةَ العَقَبَةِ كَيْ يَفْتِكُوا بِهِ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: احْتالُوا في تَشْتِيتِ أمْرِكَ وإبْطالِ دِينِكَ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانْصِرافِ ابْنِ أُبَيٍّ يَوْمَ أُحُدٍ بِأصْحابِهِ. ومَعْنى مِن قَبْلُ أيْ: مِن قَبْلِ هَذِهِ الغَزاةِ، وذَلِكَ ما كانَ مِن حالِهِمْ وقْتَ هِجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ورُجُوعِهِمْ عَنْهُ في أُحُدٍ وغَيْرِها. وتَقْلِيبُ الأُمُورِ: هو تَدْبِيرُها ظَهْرًا لِبَطْنٍ، والنَّظَرُ في نَواحِيها وأقْسامِها، والسَّعْيُ بِكُلِّ حِيلَةٍ. وقِيلَ: طَلَبُ المَكِيدَةِ مِن قَوْلِهِمْ: هو حُوَّلٌ قُلَّبٌ. وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ: وقَلَبُوا بِتَخْفِيفِ اللّامِ. (حَتّى جاءَ الحَقُّ)؛ أيْ: القُرْآنُ وشَرِيعَةُ الرَّسُولِ ﷺ . ولَفْظَةُ (جاءَ) مُشْعِرَةٌ بِأنَّهُ كانَ قَدْ ذَهَبَ. (وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ) وصَفَهُ بِالظُّهُورِ؛ لِأنَّهُ كانَ كالمَسْتُورِ؛ أيْ: غَلَبَ وعَلا دِينُ اللَّهِ، وهم كارِهُونَ لِمَجِيءِ الحَقِّ وظُهُورِ دِينِ اللَّهِ. وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِمَكْرِهِمْ وكَيْدِهِمْ، ومُبالَغَتِهِمْ في إثارَةِ الشَّرِّ فَإنَّهم مُذْ رامُوا ذَلِكَ رَدَّهُ اللَّهُ في نَحْرِهِمْ، وقَلَبَ مُرادَهم، وأتى بِضِدِّ مَقْصُودِهِمْ، فَكَما كانَ ذَلِكَ في الماضِي كَذا يَكُونُ في المُسْتَقْبَلِ. ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾: نَزَلَتْ في الجَدِّ بْنِ قَيْسٍ، وذُكِرَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ (p-٥١)ﷺ لَمّا أمَرَ بِالغَزْوِ إلى بِلادِ الرُّومِ حَرَّضَ النّاسَ فَقالَ لِلْجَدِّ بْنِ قَيْسٍ: ”هَلْ لَكَ العامَ في جِلادِ بَنِي الأصْفَرِ“، وقالَ لَهُ ولِلنّاسِ: ”اغْزُوا تَغْنَمُوا بَناتِ الأصْفَرِ“، فَقالَ الجَدُّ: ائْذَنْ لِي في التَّخَلُّفِ ولا تَفْتِنِّي بِذِكْرِ بَناتِ الأصْفَرِ، فَقَدْ عَلِمَ قَوْمِي أنِّي لا أتَمالَكُ عَنِ النِّساءِ إذا رَأيْتُهُنَّ وتَفْتِنَنِّي، ولا تَفْتِنِّي بِالنِّساءِ»، هو قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وابْنِ زَيْدٍ. وقِيلَ: ولا تَفْتِنِّي؛ أيْ ولا تُصَعِّبْ عَلَيَّ حَتّى أحْتاجَ إلى مُواقَعَةِ مَعْصِيَتِكَ فَسَهِّلْ عَلَيَّ، ودَعْنِي غَيْرَ مُخْتَلِجٍ. وقالَ قَرِيبًا مِنهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ والزَّجّاجُ، قالُوا: لا تُكْسِبُنِي الإثْمَ بِأمْرِكَ إيّايَ بِالخُرُوجِ وهو غَيْرُ مُتَيَسِّرٍ لِي، فَآثَمُ بِمُخالَفَتِكَ. وقالَ الضَّحّاكُ: لا تُكَفِّرْنِي بِإلْزامِكَ الخُرُوجَ مَعَكَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: لا تَصْرِفْنِي عَنْ شُغْلِي فَتُفَوِّتْ عَلَيَّ مَصالِحِي ويَذْهَبْ أكْثَرُ ثِمارِي. وقِيلَ: وتَفْتِنِّي في الهَلَكَةِ فَإنِّي إذا خَرَجْتُ مَعَكَ هَلَكَ مالِي وعِيالِي. وقِيلَ: إنَّهُ قالَ: ولَكِنْ أُعِينُكَ بِمالِي. ومُتَعَلَّقُ الإذْنِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: في القُعُودِ وفي مُجاوَرَتِهِ الرَّسُولَ ﷺ عَلى نِفاقِهِ. وقَرَأ ورْشٌ: بِتَخْفِيفِ هَمْزَةِ ائْذَنْ لِي بِإبْدالِها واوًا لِضَمَّةِ ما قَبْلَها. وقالَ النَّحّاسُ ما مَعْناهُ: إذا دَخَلَتِ الواوُ أوِ الفاءُ عَلى ائْذَنْ، فَهِجاؤُها في الخَطِّ ألِفٌ وذالٌ ونُونٌ بِغَيْرِ ياءٍ، أوْ ثُمَّ فالهِجاءُ ألِفٌ وياءٌ وذالٌ ونُونٌ، والفَرْقُ أنَّ ثُمَّ يُوقَفُ عَلَيْها وتَنْفَصِلُ بِخِلافِهِما. وقَرَأ عِيسى بْنُ عَمْرٍو: لا تُفْتِنِّي بِضَمِّ التّاءِ الأُولى مِن أفْتَنَ. قالَ أبُو حاتِمٍ هي لُغَةُ تَمِيمٍ، وهي أيْضًا قِراءَةُ ابْنُ السَّمَيْقَعِ، ونَسَبَها ابْنُ مُجاهِدٍ إلى إسْماعِيلَ المَكِّيِّ. وجَمَعَ الشّاعِرُ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ فَقالَ: ؎لَئِنْ فَتَنَتْنِي فَهي بِالأمْسِ أفْتَنَتْ سَعِيدًا فَأمْسى قَدْ قَلا كُلَّ مُسْلِمِ والفِتْنَةُ الَّتِي سَقَطُوا فِيها هي فِتْنَةُ التَّخَلُّفِ، وظُهُورُ كُفْرِهِمْ ونِفاقِهِمْ. ولَفْظَةُ سَقَطُوا تُنْبِئُ عَنْ تَمَكُّنِ وُقُوعِهِمْ فِيها. وقالَ قَتادَةُ: الإثْمُ بِخِلافِهِمُ الرَّسُولَ في أمْرِهِ، وإحاطَةُ جَهَنَّمَ بِهِمْ إمّا يَوْمَ القِيامَةِ، أوِ الآنَ عَلى سَبِيلِ المَجازِ؛ لِأنَّ أسْبابَ الإحاطَةِ مَعَهم فَكَأنَّهم في وسَطِها، أوْ لِأنَّ مَصِيرَهم إلَيْها. ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أخَذْنا أمْرَنا مِن قَبْلُ ويَتَوَلَّوْا وهم فَرِحُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الحَسَنَةُ في يَوْمِ بَدْرٍ، والمُصِيبَةُ يَوْمَ أُحُدٍ. ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ عَلى التَّمْثِيلِ، واللَّفْظُ عامٌّ في كُلِّ مَحْبُوبٍ ومَكْرُوهٍ، وسِياقُ الحَمْلِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في الغَزْوِ، ولِذَلِكَ قالُوا: الحَسَنَةُ الظَّفَرُ والغَنِيمَةُ، والمُصِيبَةُ الخَيْبَةُ والهَزِيمَةُ، مِثْلُ ما جَرى في أوَّلِ غَزْوَةِ أُحُدٍ. ومَعْنى (أمْرَنا) الَّذِي نَحْنُ مُتَّسِمُونَ بِهِ مِنَ الحَذَرِ والتَّيَقُّظِ والعَمَلِ بِالحَزْمِ في التَّخَلُّفِ عَنِ الغَزْوِ، مِن قَبْلِ ما وقَعَ مِنَ المُصِيبَةِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّوَلِّي حَقِيقَةً؛ أيْ: ويَتَوَلَّوْا عَنْ مَقامِ التَّحْدِيثَ بِذَلِكَ، والِاجْتِماعِ لَهُ إلى أهْلِيهِمْ وهم مَسْرُورُونَ. وقِيلَ: أعْرَضُوا عَنِ الإيمانِ. وقِيلَ: عَنِ الرَّسُولِ، فَيَكُونُ التَّوَلِّي مَجازًا. ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هو مَوْلانا وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾: قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ مُصَرِّفٍ: هَلْ يُصِيبُنا مَكانَ لَنْ يُصِيبَنا. وقَرَأ ابْنُ مُصَرِّفٍ أيْضًا وأعْيَنُ قاضِي الرَّيِّ: هَلْ يُصَيِّبُنا بِتَشْدِيدِ الياءِ، وهو مُضارِعُ فَيْعَلَ نَحْوُ: بَيْطَرَ، لا مُضارِعَ فَعَلَ؛ إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ صَوَّبَ مُضاعَفَ العَيْنِ. قالُوا: صَوَّبَ رَأْيَهُ لَمّا بَناهُ عَلى فَعَّلَ؛ لِأنَّهُ مِن ذَواتِ الواوِ. وقالُوا: صابَ يَصُوبُ ومَصاوِبُ جَمْعُ مُصِيبَةٍ، وبَعْضُ العَرَبِ يَقُولُ: صابَ السَّهْمُ يُصِيبُ، جَعَلَهُ مِن ذَواتِ الياءِ، فَعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ يُصِيبُنا مُضارِعَ صَيَبَ عَلى وزْنِ فَعَلَ، والصَّيِّبُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَسَيِّدٍ وكَلَيِّنٍ. وقالَ عَمْرُو بْنُ شَقِيقٍ: سَمِعْتُ أعْيَنَ قاضِي الرَّيِّ يَقُولُ: قُلْ لَنْ يُصِيبَنّا بِتَشْدِيدِ النُّونِ. قالَ أبُو حاتِمٍ: ولا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ النُّونَ لا تَدْخُلُ مَعَ لَنْ، ولَوْ كانَتْ لِطَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ لَحارَتْ؛ لِأنَّها مَعَ هَلْ، قالَ تَعالى: ﴿هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ﴾ [الحج: ١٥] . انْتَهى. ووَجْهُ هَذِهِ القِراءَةِ تَشْبِيهُ لَنْ بِلا وبِلَمْ، وقَدْ سُمِعَ لَحاقُ هَذِهِ النُّونِ بِلا وبِلَمْ، فَلَمّا شارَكَتْهُما لَنْ في النَّفْيِ لَحِقَتْ مَعَها نُونُ التَّوْكِيدِ، وهَذا (p-٥٢)تَوْجِيهُ شُذُوذٍ؛ أيْ: ما أصابَنا فَلَيْسَ مِنكم ولا بِكم، بَلِ اللَّهُ هو الَّذِي أصابَنا وكَتَبَ - أيْ: في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أوْ في القُرْآنِ - مِنَ الوَعْدِ بِالنَّصْرِ ومُضاعَفَةِ الأجْرِ عَلى المُصِيبَةِ، أوْ ما قَضى وحَكَمَ، ثَلاثَةُ أقْوالٍ. (هو مَوْلانا)؛ أيْ ناصِرُنا وحافِظُنا، قالَهُ الجُمْهُورُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: أوْلى بِنا مِن أنْفُسِنا في المَوْتِ والحَياةِ. وقِيلَ: مالِكُنا وسَيِّدُنا، فَلِهَذا يَتَصَرَّفُ كَيْفَ شاءَ. فَيَجِبُ الرِّضا بِما يَصْدُرُ مِن جِهَتِهِ. وقالَ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١]، فَهو مَوْلانا الَّذِي يَتَوَلّانا ونَتَوَلّاهُ. ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلّا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ ونَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكم أنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ أوْ بِأيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ﴾؛ أيْ ما يَنْتَظِرُونَ بِنا إلّا إحْدى العاقِبَتَيْنِ، كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما هي الحُسْنى مِنَ العَواقِبِ: إمّا النُّصْرَةُ، وإمّا الشَّهادَةُ. فالنُّصْرَةُ مَآلُها إلى الغَلَبَةِ والِاسْتِيلاءِ، والشَّهادَةُ مَآلُها إلى الجَنَّةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ الحُسْنَيَيْنِ الغَنِيمَةُ والشَّهادَةُ. وقِيلَ: الأجْرُ والغَنِيمَةُ. وقِيلَ: الشَّهادَةُ والمَغْفِرَةُ. وفي الحَدِيثِ: «تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَن جاهَدَ في سَبِيلِهِ لا يُخْرِجُهُ مِن بَيْتِهِ إلّا الجِهادُ في سَبِيلِهِ، وتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ أنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ، أوْ يُرْجِعَهُ إلى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنهُ مَعَ ما نالَ مِن أجْرٍ وغَنِيمَةٍ» . والعَذابُ مِن عِنْدِ اللَّهِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو هُنا الصَّواعِقُ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المَوْتُ. وقِيلَ: قارِعَةٌ مِنَ السَّماءِ تُهْلِكُهم كَما نَزَلَتْ عَلى عادٍ وثَمُودَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَوَعُّدًا بِعَذابِ الآخِرَةِ. (أوْ بِأيْدِينا) بِالقَتْلِ عَلى الكُفْرِ. فَتَرَبَّصُوا مَواعِيدَ الشَّيْطانِ، إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ إظْهارَ دِينِهِ واسْتِئْصالَ مَن خالَفَهُ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَتَرَبَّصُوا بِنا ما ذَكَرْنا مِن عَواقِبِنا إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ ما هو عاقِبَتُكم، فَلا بُدَّ أنْ نَلْقى كُلُّنا ما نَتَرَبَّصَهُ لا نَتَجاوَزُهُ. انْتَهى. وهو أمْرٌ يَتَضَمَّنُ التَّهْدِيدَ والوَعِيدَ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ إلّا حْدى: بِإسْقاطِ الهَمْزَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَوَصَلَ ألِفَ إحْدى، وهَذِهِ لُغَةٌ ولَيْسَتْ بِالقِياسِ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎يا با المُغِيرَةِ رُبَّ أمْرٍ مُعْضِلٍ ونَحْوُ قَوْلِ الآخَرِ: ؎إنْ لَمْ أُقاتِلْ فالبِسْنِي بُرْقُعًا انْتَهى. ﴿قُلْ أنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكم إنَّكم كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ﴾؛ قَرَأ الأعْمَشُ وابْنُ وثّابٍ: كُرْهًا بِضَمِّ الكافِ، ويَعْنِي: في سَبِيلِ اللَّهِ ووُجُوهِ البِرِّ. قِيلَ: وهو أمْرٌ ومَعْناهُ التَّهْدِيدُ والتَّوْبِيخُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو أمْرٌ في مَعْنى الخَبَرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ مَن كانَ في الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥] ومَعْناهُ لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكم أنْفَقْتُمْ طَوْعًا أوْ كَرْهًا. ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] وقَوْلُهُ: ؎أسِيئِي بِنا أوْ أحْسِنِي لا مَلُومَةَ أيْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمُ اسْتَغْفَرْتَ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرُ لَهم، ولا نَلُومَكِ أسَأْتِ إلَيْنا أمْ أحْسَنْتِ. انْتَهى. وعَنْ بَعْضِهِمْ غَيْرُ هَذا بِأنَّ مَعْناهُ الجَزاءُ والشَّرْطُ؛ أيْ: إنْ تُنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنكم، وذَكَرَ الآيَةَ، وبَيَّتَ كَثِيرٌ عَلى هَذا المَعْنى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أنْفِقُوا أمْرٌ في ضِمْنِهِ جَزاءٌ، وهَذا مُسْتَمِرٌّ في كُلِّ أمْرٍ مَعَهُ جَزاءٌ، والتَّقْدِيرُ: إنْ تُنْفِقُوا لَنْ نَتَقَبَّلَ مِنكم. وأمّا إذا عُرِّيَ الأمْرُ مِنَ الجَوابِ فَلَيْسَ يَصْحَبُهُ تَضَمُّنُ الشَّرْطِ. انْتَهى. ويَقْدَحُ في هَذا التَّخْرِيجِ أنَّ الأمْرَ إذا كانَ فِيهِ مَعْنى (p-٥٣)الشَّرْطِ كانَ الجَوابُ كَجَوابِ الشَّرْطِ، فَعَلى هَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ التَّرْكِيبُ: فَلَنْ يُتَقَبَّلَ بِالفاءِ؛ لِأنَّ لَنْ لا تَقَعُ جَوابًا لِلشَّرْطِ إلّا بِالفاءِ، فَكَذَلِكَ ما ضُمِّنَ مَعْناهُ. ألا تَرى جَزْمَهُ الجَوابَ في مِثْلِ: اقْصِدْ زَيْدًا يُحْسِنْ إلَيْكَ. وانْتَصَبَ (طَوْعًا أوْ كَرْهًا) عَلى الحالِ، والطَّوْعُ أنْ يَكُونَ مِن غَيْرِ إلْزامِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، والكَرْهُ إلْزامُ ذَلِكَ. وسُمِّيَ الإلْزامُ كَرْهًا؛ لِأنَّهم مُنافِقُونَ، فَصارَ الإلْزامُ شاقًّا عَلَيْهِمْ كالإكْراهِ. أوْ يَكُونُ مِن غَيْرِ إلْزامٍ مِن رُؤَسائِكم، أوْ إلْزامٍ مِنهم؛ لِأنَّهم كانُوا يَحْمِلُونَهم عَلى الإنْفاقِ لِما يَرَوْنَ فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّ هَذِهِ نَزَلَتْ بِسَبَبِ الجَدِّ بْنِ قَيْسٍ حِينَ اسْتَأْذَنَ في القُعُودِ وقالَ: هَذا مالِي أُعِينُكَ بِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَيَكُونُ مِن إطْلاقِ الجَمْعِ عَلى الواحِدِ أوَّلُهُ ولِمَن فَعَلَ فِعْلَهُ. فَقَدْ نَقَلَ البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ الأئِمَّةِ أنَّهم كانُوا ثَلاثَةً وثَمانِينَ رَجُلًا، اسْتَثْنى مِنهُمُ الثَّلاثَةَ الَّذِينَ خُلِّفُوا وأهْلَكَ الباقُونَ، ونَفى التَّقَبُّلَ إمّا كَوْنُ الرَّسُولِ لَمْ يَقْبَلْهُ مِنهم ورَدَّهُ، وإمّا كَوْنُ اللَّهِ لا يُثِيبُ عَلَيْهِ، وعَلَّلَ انْتِفاءَ التَّقَبُّلِ بِالفِسْقِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهو التَّمَرُّدُ والعُتُوُّ، والأوْلى أنْ يُحْمَلَ عَلى الكُفْرِ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: هَذِهِ إشارَةٌ إلى أنَّ عَدَمَ القَبُولِ مُعَلَّلٌ بِكَوْنِهِمْ فاسِقِينَ، فَدَلَّ عَلى أنَّ الفِسْقَ يُؤَثِّرُ في إزالَةِ هَذا المَعْنى. وأكَّدَ الجُبّائِيُّ ذَلِكَ بِدَلِيلِهِ المَشْهُورِ في هَذِهِ المَسْألَةِ، وهو أنَّ الفِسْقَ يُوجِبُ الذَّمَّ والعِقابَ الدّائِمَيْنِ، والطّاعَةَ تُوجِبُ المَدْحَ والثَّوابَ الدّائِمَيْنِ، والجَمْعُ بَيْنَهُما مُحالٌ. فَكانَ الجَمْعُ بَيْنَ اسْتِحْقاقِهِما مُحالًا، وقَدْ أزالَ اللَّهُ هَذِهِ الشُّبْهَةَ بِقَوْلِهِ: (وما مَنَعَهم) الآيَةَ، وأنَّ تَصْرِيحَ هَذا اللَّفْظِ لا يُؤَثِّرُ في القَبُولِ إلّا الكُفْرُ. ودَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ مُطْلَقَ الفِسْقِ لا يُحْبِطُ الطّاعاتِ، فَنَفى تَعالى أنَّ عَدَمَ القَبُولِ لَيْسَ مُعَلَّلًا بِعُمُومِ كَوْنِهِ فِسْقًا، بَلْ بِخُصُوصِ وصْفِهِ وهو كَوْنُ ذَلِكَ الفِسْقُ كُفْرًا، فَثَبَتَ أنَّ اسْتِدْلالَ الجُبّائِيِّ باطِلٌ. انْتَهى. وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. ﴿وما مَنَعَهم أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهم إلّا أنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ ولا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إلّا وهم كُسالى ولا يُنْفِقُونَ إلّا وهم كارِهُونَ﴾، ذَكَرَ السَّبَبَ الَّذِي هو بِمُفْرَدِهِ مانِعٌ مِن قَبُولِ نَفَقاتِهِمْ وهو الكُفْرُ، وأتْبَعَهُ بِما هو ناشِئٌ عَنِ الكُفْرِ ومُسْتَلْزِمٌ لَهُ وهو دَلِيلٌ عَلَيْهِ. وذَلِكَ هو إتْيانُ الصَّلاةِ وهم كُسالى، وإيتاءُ النَّفَقَةِ وهم كارِهُونَ. فالكَسَلُ في الصَّلاةِ وتَرْكُ النَّشاطَ إلَيْها وأخْذُها بِالإقْبالِ مِن ثَمَراتِ الكُفْرِ، فَإيقاعُها عِنْدَهم لا يَرْجُونَ بِهِ ثَوابًا، ولا يَخافُونَ بِالتَّفْرِيطِ فِيها عِقابًا. وكَذَلِكَ الإنْفاقُ لِلْأمْوالِ لا يَكْرَهُونَ ذَلِكَ إلّا وهم لا يَرْجُونَ بِهِ ثَوابًا. وذَكَرَ مِن أعْمالِ البِرِّ هَذَيْنِ العَمَلَيْنِ الجَلِيلَيْنِ وهُما الصَّلاةُ والنَّفَقَةُ، واكْتَفى بِهِما وإنْ كانُوا أفْسَدَ حالًا في سائِرِ أعْمالِ البِرِّ؛ لِأنَّ الصَّلاةَ أشْرَفُ الأعْمالِ البَدَنِيَّةِ، والنَّفَقَةَ في سَبِيلِ اللَّهِ أشْرَفُ الأعْمالِ المالِيَّةِ، وهُما وصْفانِ المَطْلُوبُ إظْهارُهُما في الإسْلامِ، ويُسْتَدَلُّ بِهِما عَلى الإيمانِ، وتَعْدادُ القَبائِحِ يَزِيدُ المَوْصُوفَ بِها ذَمًّا وتَقْبِيحًا. وقَرَأ الأخَوانِ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: أنْ يُقْبَلَ بِالياءِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالتّاءِ، ونَفَقاتُهم بِالجَمِيعِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِالإفْرادِ. وقَرَأ الأعْرَجُ بِخِلافٍ عَنْهُ: أنْ تُقْبَلَ بِالتّاءِ مِن فَوْقِ نَفَقَتِهِمْ بِالإفْرادِ. وفي هَذِهِ القِراءاتِ الفِعْلُ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: أنْ نَقْبَلَ مِنهم نَفَقَتَهم بِالنُّونِ ونَصْبِ النَّفَقَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقِراءَةُ السُّلَمِيِّ أنْ نَقْبَلَ مِنهم نَفَقاتِهِمْ عَلى أنَّ الفِعْلَ لِلَّهِ تَعالى. انْتَهى. والأوْلى أنْ يَكُونَ فاعِلُ مَنَعَ قَوْلَهُ: إلّا أنَّهم؛ أيْ كُفْرُهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لَفْظَ الجَلالَةِ؛ أيْ: وما مَنَعَهُمُ اللَّهُ، ويَكُونُ إلّا أنَّهم تَقْدِيرُهُ: إلّا لِأنَّهم كَفَرُوا. وأنْ تُقْبَلَ مَفْعُولٌ ثانٍ إمّا لِوُصُولِ مَنَعَ إلَيْهِ بِنَفْسِهِ، وإمّا عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ، فَوَصَلَ الفِعْلُ إلَيْهِ.

التوبة 9:55

﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهم إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الحَياةِ الدُّنْيا وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾ لَمّا قَطَعَ رَجاءَ المُنافِقِينَ عَنْ جَمِيعِ مَنافِعَ الآخِرَةِ، بَيَّنَ أنَّ الأشْياءَ الَّتِي يَظُنُّونَها مِن بابِ مَنافِعِ الدُّنْيا جَعَلَها اللَّهُ تَعالى أسْبابًا لِيُعَذِّبَهم بِها في الدُّنْيا؛ أيْ: ولا يُعْجِبُكَ أيُّها السّامِعُ بِمَعْنًى لا يُسْتَحْسَنُ ولا يُفْتَتَنُ بِما أُوتُوا مِن (p-٥٤)زِينَةِ الدُّنْيا كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ [طه: ١٣١] وفي هَذا تَحْقِيرٌ لِشَأْنِ المُنافِقِينَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ وابْنُ قُتَيْبَةَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والمَعْنى: فَلا تُعْجِبُكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهم في الحَياةِ الدُّنْيا، إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الآخِرَةِ. انْتَهى. ويَكُونُ إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها جُمْلَةَ اعْتِراضِ فِيها تَشْدِيدٌ لِلْكَلامِ وتَقْوِيَةٌ لِانْتِفاءِ الإعْجابِ؛ لِأنَّ مَن كانَ مَآلُ إتْيانِهِ المالَ والوَلَدَ لِلتَّعْذِيبِ لا يَنْبَغِي أنْ تُسْتَحْسَنَ حالُهُ ولا يُفْتَتَنَ بِها، إلّا أنَّ تَقْيِيدَ الإيجابِ المَنهِيِّ عَنْهُ الَّذِي يَكُونُ ناشِئًا عَنْ أمْوالِهِمْ وأوْلادِهِمْ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا يَكُونُ إلّا في الحَياةِ الدُّنْيا، فَنَفْيُ ذَلِكَ كَأنَّهُ زِيادَةُ تَأْكِيدٍ بِخِلافِ التَّعْذِيبِ، فَإنَّهُ قَدْ يَكُونُ في الدُّنْيا كَما يَكُونُ في الآخِرَةِ، ومَعَ أنَّ التَّقْدِيمَ والتَّأْخِيرَ لَخَّصَهُ أصْحابُنا بِالضَّرُورَةِ. وقالَ الحَسَنُ: الوَجْهُ في التَّعْذِيبِ أنَّهُ بِما ألْزَمَهم فِيها مِن أداءِ الزَّكاةِ والنَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ، فالضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: بِها عائِدٌ في هَذا القَوْلِ عَلى الأمْوالِ فَقَطْ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: التَّعْذِيبُ هو مَصائِبُ الدُّنْيا ورَزاياها هي لَهم عَذابٌ، إذْ لا يُؤْجَرُونَ عَلَيْها. انْتَهى. ويَتَقَوّى هَذا القَوْلُ بِأنَّ تَعْذِيبَهم بِإلْزامِ الشَّرِيعَةِ أعْظَمُ مِن تَعْذِيبِهِمْ بِسائِرِ الرَّزايا؛ وذَلِكَ لِاقْتِرانِ الذِّلَّةِ والغَلَبَةِ وأمْرِ الشَّرِيعَةِ لَهم، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وقَدْ جَمَعَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا كُلَّهُ فَقالَ: إنَّما أعْطاهم ما أعْطاهم لِلْعَذابِ بِأنْ عَرَّضَهم لِلْمَغْنَمِ والسَّبْيِ، وبَلاهم فِيهِ بِالآفاتِ والمَصائِبِ، وكَلَّفَهُمُ الإنْفاقَ مِنهُ في أبْوابِ الخَيْرِ وهم كارِهُونَ لَهُ عَلى رَغْمِ أُنُوفِهِمْ، وأذاقَهم أنْواعَ الكُلَفِ والمَجاشِمِ في جَمْعِهِ واكْتِسابِهِ وفي تَرْبِيَةِ أوْلادِهِمْ. وقِيلَ: أمْوالُهُمُ الَّتِي يُنْفِقُونَها فَإنَّها لا تُقْبَلُ مِنهم ولا أوْلادُهُمُ المُسْلِمُونَ مِثْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وغَيْرِهِ، فَإنَّهم لا يَنْفَعُونَ آباءَهُمُ المُنافِقِينَ، حَكاهُ القُشَيْرِيُّ. وقِيلَ: يَتَمَكَّنُ حُبُّ المالِ مِن قُلُوبِهِمْ، والتَّعَبُ في جَمْعِهِ، والوَصْلُ في حِفْظِهِ، والحَسْرَةُ عَلى تَخْلِفَتِهِ عِنْدَ مَن لا يَحْمَدُهُ، ثُمَّ يَقْدُمُ عَلى مَلِكٍ لا يَعْذُرُهُ. وقَدَّمَ الأمْوالَ عَلى الأوْلادِ؛ لِأنَّها كانَتْ أعْلَقَ بِقُلُوبِهِمْ، ونُفُوسُهم أمْيَلُ إلَيْها، فَإنَّهم كانُوا يَقْتُلُونَ أوْلادَهم خَشْيَةَ ذَهابِ أمْوالِهِمْ. قالَ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: إنْ صَحَّ تَعْلِيقُ العَذابِ بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى، فَما بالُ زُهُوقِ أنْفُسِهِمْ وهم كافِرُونَ ؟ قُلْتُ: المُرادُ الِاسْتِدْراجُ بِالنِّعَمِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨] كَأنَّهُ قِيلَ: ويُرِيدُ أنْ يُدِيمَ عَلَيْهِمْ نِعْمَتَهُ إلى أنْ يَمُوتُوا وهم كافِرُونَ مُلْتَهُونَ بِالتَّمَتُّعِ عَنِ النَّظَرِ لِلْعاقِبَةِ. انْتَهى. وهو بَسْطُ كَلامِ ابْنِ عِيسى وهو الرُّمّانِيُّ، وهُما كِلاهُما مُعْتَزِلِيّانِ. قالَ ابْنُ عِيسى: المَعْنى: إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُمْلِيَ لَهم ويَسْتَدْرِجَهم لِيُعَذِّبَهُمُ انْتَهى. وهي نَزْعَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ. والَّذِي يَظْهَرُ مِن حَيْثُ عَطَفَ وتَزْهَقَ عَلى لِيُعَذِّبَ أنَّ المَعْنى لِيُعَذِّبَهم بِها في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، ونَبَّهَ عَلى عَذابِ الآخِرَةِ بِعِلَّتِهِ وهو زُهُوقُ أنْفُسِهِمْ عَلى الكُفْرِ؛ لِأنَّ مَن ماتَ كافِرًا عُذِّبَ في الآخِرَةِ لا مَحالَةَ. والظّاهِرُ أنَّ زُهُوقَ النَّفْسِ هُنا كِنايَةٌ عَنِ المَوْتِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ وتَزْهَقَ أنْفُسُهم مِن شِدَّةِ التَّعْذِيبِ الَّذِي يَنالُهم.

التوبة 9:56

﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكم وما هم مِنكم ولَكِنَّهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾؛ أيْ لَمِن جُمْلَةِ المُسْلِمِينَ. وأكْذَبَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: وما هم مِنكم. ومَعْنى يَفْرَقُونَ: يَخافُونَ القَتْلَ وما يُفْعَلُ بِالمُشْرِكِينَ، فَيَتَظاهَرُونَ بِالإسْلامِ تَقِيَّةً، وهم يُبْطِنُونَ النِّفاقَ، أوْ يَخافُونَ إطْلاعَ اللَّهِ المُؤْمِنِينَ عَلى بَواطِنِهِمْ فَيَحِلُّ بِهِمْ ما يَحِلُّ بِالكُفّارِ. ولَمّا حَقَّرَ تَعالى شَأْنَ المُنافِقِينَ وأمْوالَهم وأوْلادَهم عادَ إلى ذِكْرِ مَصالِحِهِمْ وما هم عَلَيْهِ مِن خُبْثِ السَّرِيرَةِ فَقالَ: ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ عَلى الجُمْلَةِ لا عَلى التَّعْيِينِ، وهي عادَةُ اللَّهِ في سَتْرِ أشْخاصِ العُصاةِ. ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أوْ مَغاراتٍ أوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إلَيْهِ وهم يَجْمَحُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ فَرْقَ المُنافِقِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ أخْبَرَ بِما هم عَلَيْهِ مَعَهم مِمّا يُوجِبُهُ الفَرْقُ؛ وهو أنَّهم لَوْ أمْكَنَهُمُ الهُرُوبُ مِنهم لَهَرَبُوا، ولَكِنْ صُحْبَتُهم لَهم صُحْبَةُ اضْطِرارٍ لا اخْتِيارٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (p-٥٥)المَلْجَأُ الحِرْزُ. وقالَ قَتادَةُ: الحِصْنُ. وقالَ السُّدِّيُّ: المَهْرَبُ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: المَكانُ الَّذِي يَتَحَصَّنُ فِيهِ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: القَوْمُ يَأْمَنُونَ مِنهم. والمَغاراتُ جَمْعُ مَغارَةٍ وهي الغارُ، ويُجْمَعُ عَلى غِيرانٍ، بُنِيَ مِن غارَ يَغُورُ إذا دَخَلَ، مَفْعَلَةٌ لِلْمَكانِ كَقَوْلِهِمْ: مَزْرَعَةٌ. وقِيلَ: المَغارَةُ السِّرْبُ تَحْتَ الأرْضِ كَنَفَقِ اليَرْبُوعِ. وقَرَأ سَعْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: مُغاراتٍ بِضَمِّ المِيمِ، فَيَكُونُ مِن أغارَ. قِيلَ: وتَقُولُ العَرَبُ: غارَ الرَّجُلُ وأغارَ بِمَعْنى دَخَلَ، فَعَلى هَذا يَكُونُ (مَغاراتٍ) مِن أغارَ اللّازِمِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن أغارَ المَنقُولِ بِالهَمْزَةِ مِن غارَ؛ أيْ أماكِنَ في الجِبالِ يُغِيرُونَ فِيها أنْفُسَهم. وقالَ الزَّجّاجُ: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِهِمْ: جَبَلٌ مَغارٌ؛ أيْ مَفْتُولٌ. ثُمَّ يُسْتَعارُ ذَلِكَ في الأمْرِ المُحْكَمِ المُبْرَمِ، فَيَجِيءُ التَّأْوِيلُ عَلى هَذا: لَوْ يَجِدُونَ نُصْرَةً أوْ أُمُورًا مُرْتَبِطَةً مُشَدَّدَةً تَعْصِمُهم مِنكم أوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إلَيْهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن أغارَ الثَّعْلَبُ إذا أسْرَعَ، بِمَعْنى مَهارِبٍ ومَغارٍ. انْتَهى. والمُدَّخَلُ قالَ مُجاهِدٌ: المَعْقِلُ يَمْنَعُهم مِنَ المُؤْمِنِينَ. وقالَ قَتادَةُ: السِّرْبُ يَسِيرُونَ فِيهِ عَلى خَفاءٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: نَفَقًا كَنَفَقِ اليَرْبُوعِ. وقالَ الحَسَنُ: وجْهًا يَدْخُلُونَ فِيهِ عَلى خِلافِ الرَّسُولِ. وقِيلَ: قَبِيلَةٌ يَدْخُلُونَ فِيها تَحْمِيهِمْ مِنَ الرَّسُولِ ومِنَ المُؤْمِنِينَ. وقالَ الجُمْهُورُ: مُدَّخَلًا، وأصْلُهُ مُدْتَخَلٌ، مُفْتَعَلٌ مِنِ ادَّخَلَ، وهو بِناءُ تَأْكِيدٍ ومُبالَغَةٍ، ومَعْناهُ السِّرْبُ والنَّفَقُ في الأرْضِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. بُدِئَ أوَّلًا بِالأعَمِّ وهو المَلْجَأُ؛ إذْ يَنْطَلِقُ عَلى كُلِّ ما يَلْجَأُ إلَيْهِ الإنْسانُ، ثُمَّ ثَنّى بِالمَغاراتِ وهي الغِيرانُ في الجِبالِ، ثُمَّ أتى ثالِثًا بِالمُدَّخَلِ وهو النَّفَقُ باطِنُ الأرْضِ. وقالَ الزَّجّاجُ: المُدَّخَلُ قَوْمٌ يُدْخِلُونَهم في جُمْلَتِهِمْ. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، ومَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ويَعْقُوبُ، وابْنُ كَثِيرٍ بِخِلافٍ عَنْهُ: مَدْخَلًا بِفَتْحِ المِيمِ مِن دَخَلَ. وقَرَأ مَحْبُوبٌ عَنِ الحَسَنِ: مُدْخَلًا بِضَمِّ المِيمِ مِن أدْخَلَ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الأعْمَشِ وعِيسى بْنِ عُمَرَ. وقَرَأ قَتادَةُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، والأعْمَشُ: مُدَّخَّلًا بِتَشْدِيدِ الدّالِ والخاءِ مَعًا، أصْلُهُ مُتَدَخِّلٌ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ. وقَرَأ أُبَيٌّ مُنْدَخَلًا بِالنُّونِ مَنِ انْدَخَلَ. قالَ: ؎ولا يَدِي في حَمِيتِ السَّكْنِ تَنْدَخِلُ وقالَ أبُو حاتِمٍ: قِراءَةُ أُبِيٍّ مُتْدَخَلًا بِالتّاءِ. وقَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ: لَوالَوْا إلَيْهِ أيْ لَتابَعُوا إلَيْهِ وسارَعُوا. ورَوى ابْنُ أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُعاوِيَةَ بْنِ نَوْفَلٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ وكانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ أنَّهُ قَرَأ: لَوالَوْا إلَيْهِ مِنَ المُوالاةِ، وأنْكَرَها سَعِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، وقالَ: أظُنُّها لَوَألُوا بِمَعْنى لَلَجَئُوا. وقالَ أبُو الفَضْلِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أحْمَدَ الرّازِيُّ: وهَذا مِمّا جاءَ فِيهِ فاعَلَ وفَعُلَ بِمَعْنًى واحِدٍ، ومِثْلُهُ ضاعَفَ وضَعُفَ. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ مُتْدَخَلًا لَوالَوْا إلَيْهِ لالتَجَئُوا إلَيْهِ. انْتَهى. وعَنْ أُبَيٍّ لَوَلَّوْا وُجُوهَهم إلَيْهِ. ولَمّا كانَ العَطْفُ بَأوْ عادَ الضَّمِيرُ إلَيْهِ مُفْرَدًا عَلى قاعِدَةِ النَّحْوِ في أوْ، فاحْتَمَلَ مِن حَيْثُ الصِّناعَةُ أنْ يَعُودَ عَلى المَلْجَأِ، أوْ عَلى المُدَّخَلِ، فَلا يَحْتَمِلُ عَلى أنْ يَعُودَ في الظّاهِرِ عَلى المَغاراتِ لِتَذْكِيرِهِ، وأمّا بِالتَّأْوِيلِ فَيَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلَيْها. وهم يَجْمَحُونَ: يُسْرِعُونَ إسْراعًا لا يَرُدُّهم شَيْءٌ. وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ والأعْمَشُ: وهم يَجْمَزُونَ. قِيلَ: يَجْمَحُونَ، ويَجْمَزُونَ، ويَشْتَدُّونَ واحِدٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَجْمَزُونَ: يُهَرْوِلُونَ، ومِنهُ قَوْلُهم في حَدِيثِ الرَّجْمِ: فَلَمّا أذْلَقَتْهُ الحِجارَةُ جَمَزَ.

التوبة 9:57

﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكم وما هم مِنكم ولَكِنَّهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾؛ أيْ لَمِن جُمْلَةِ المُسْلِمِينَ. وأكْذَبَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: وما هم مِنكم. ومَعْنى يَفْرَقُونَ: يَخافُونَ القَتْلَ وما يُفْعَلُ بِالمُشْرِكِينَ، فَيَتَظاهَرُونَ بِالإسْلامِ تَقِيَّةً، وهم يُبْطِنُونَ النِّفاقَ، أوْ يَخافُونَ إطْلاعَ اللَّهِ المُؤْمِنِينَ عَلى بَواطِنِهِمْ فَيَحِلُّ بِهِمْ ما يَحِلُّ بِالكُفّارِ. ولَمّا حَقَّرَ تَعالى شَأْنَ المُنافِقِينَ وأمْوالَهم وأوْلادَهم عادَ إلى ذِكْرِ مَصالِحِهِمْ وما هم عَلَيْهِ مِن خُبْثِ السَّرِيرَةِ فَقالَ: ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ عَلى الجُمْلَةِ لا عَلى التَّعْيِينِ، وهي عادَةُ اللَّهِ في سَتْرِ أشْخاصِ العُصاةِ. ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أوْ مَغاراتٍ أوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إلَيْهِ وهم يَجْمَحُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ فَرْقَ المُنافِقِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ أخْبَرَ بِما هم عَلَيْهِ مَعَهم مِمّا يُوجِبُهُ الفَرْقُ؛ وهو أنَّهم لَوْ أمْكَنَهُمُ الهُرُوبُ مِنهم لَهَرَبُوا، ولَكِنْ صُحْبَتُهم لَهم صُحْبَةُ اضْطِرارٍ لا اخْتِيارٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (p-٥٥)المَلْجَأُ الحِرْزُ. وقالَ قَتادَةُ: الحِصْنُ. وقالَ السُّدِّيُّ: المَهْرَبُ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: المَكانُ الَّذِي يَتَحَصَّنُ فِيهِ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: القَوْمُ يَأْمَنُونَ مِنهم. والمَغاراتُ جَمْعُ مَغارَةٍ وهي الغارُ، ويُجْمَعُ عَلى غِيرانٍ، بُنِيَ مِن غارَ يَغُورُ إذا دَخَلَ، مَفْعَلَةٌ لِلْمَكانِ كَقَوْلِهِمْ: مَزْرَعَةٌ. وقِيلَ: المَغارَةُ السِّرْبُ تَحْتَ الأرْضِ كَنَفَقِ اليَرْبُوعِ. وقَرَأ سَعْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: مُغاراتٍ بِضَمِّ المِيمِ، فَيَكُونُ مِن أغارَ. قِيلَ: وتَقُولُ العَرَبُ: غارَ الرَّجُلُ وأغارَ بِمَعْنى دَخَلَ، فَعَلى هَذا يَكُونُ (مَغاراتٍ) مِن أغارَ اللّازِمِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن أغارَ المَنقُولِ بِالهَمْزَةِ مِن غارَ؛ أيْ أماكِنَ في الجِبالِ يُغِيرُونَ فِيها أنْفُسَهم. وقالَ الزَّجّاجُ: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِهِمْ: جَبَلٌ مَغارٌ؛ أيْ مَفْتُولٌ. ثُمَّ يُسْتَعارُ ذَلِكَ في الأمْرِ المُحْكَمِ المُبْرَمِ، فَيَجِيءُ التَّأْوِيلُ عَلى هَذا: لَوْ يَجِدُونَ نُصْرَةً أوْ أُمُورًا مُرْتَبِطَةً مُشَدَّدَةً تَعْصِمُهم مِنكم أوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إلَيْهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن أغارَ الثَّعْلَبُ إذا أسْرَعَ، بِمَعْنى مَهارِبٍ ومَغارٍ. انْتَهى. والمُدَّخَلُ قالَ مُجاهِدٌ: المَعْقِلُ يَمْنَعُهم مِنَ المُؤْمِنِينَ. وقالَ قَتادَةُ: السِّرْبُ يَسِيرُونَ فِيهِ عَلى خَفاءٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: نَفَقًا كَنَفَقِ اليَرْبُوعِ. وقالَ الحَسَنُ: وجْهًا يَدْخُلُونَ فِيهِ عَلى خِلافِ الرَّسُولِ. وقِيلَ: قَبِيلَةٌ يَدْخُلُونَ فِيها تَحْمِيهِمْ مِنَ الرَّسُولِ ومِنَ المُؤْمِنِينَ. وقالَ الجُمْهُورُ: مُدَّخَلًا، وأصْلُهُ مُدْتَخَلٌ، مُفْتَعَلٌ مِنِ ادَّخَلَ، وهو بِناءُ تَأْكِيدٍ ومُبالَغَةٍ، ومَعْناهُ السِّرْبُ والنَّفَقُ في الأرْضِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. بُدِئَ أوَّلًا بِالأعَمِّ وهو المَلْجَأُ؛ إذْ يَنْطَلِقُ عَلى كُلِّ ما يَلْجَأُ إلَيْهِ الإنْسانُ، ثُمَّ ثَنّى بِالمَغاراتِ وهي الغِيرانُ في الجِبالِ، ثُمَّ أتى ثالِثًا بِالمُدَّخَلِ وهو النَّفَقُ باطِنُ الأرْضِ. وقالَ الزَّجّاجُ: المُدَّخَلُ قَوْمٌ يُدْخِلُونَهم في جُمْلَتِهِمْ. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، ومَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ويَعْقُوبُ، وابْنُ كَثِيرٍ بِخِلافٍ عَنْهُ: مَدْخَلًا بِفَتْحِ المِيمِ مِن دَخَلَ. وقَرَأ مَحْبُوبٌ عَنِ الحَسَنِ: مُدْخَلًا بِضَمِّ المِيمِ مِن أدْخَلَ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الأعْمَشِ وعِيسى بْنِ عُمَرَ. وقَرَأ قَتادَةُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، والأعْمَشُ: مُدَّخَّلًا بِتَشْدِيدِ الدّالِ والخاءِ مَعًا، أصْلُهُ مُتَدَخِّلٌ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ. وقَرَأ أُبَيٌّ مُنْدَخَلًا بِالنُّونِ مَنِ انْدَخَلَ. قالَ: ؎ولا يَدِي في حَمِيتِ السَّكْنِ تَنْدَخِلُ وقالَ أبُو حاتِمٍ: قِراءَةُ أُبِيٍّ مُتْدَخَلًا بِالتّاءِ. وقَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ: لَوالَوْا إلَيْهِ أيْ لَتابَعُوا إلَيْهِ وسارَعُوا. ورَوى ابْنُ أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُعاوِيَةَ بْنِ نَوْفَلٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ وكانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ أنَّهُ قَرَأ: لَوالَوْا إلَيْهِ مِنَ المُوالاةِ، وأنْكَرَها سَعِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، وقالَ: أظُنُّها لَوَألُوا بِمَعْنى لَلَجَئُوا. وقالَ أبُو الفَضْلِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أحْمَدَ الرّازِيُّ: وهَذا مِمّا جاءَ فِيهِ فاعَلَ وفَعُلَ بِمَعْنًى واحِدٍ، ومِثْلُهُ ضاعَفَ وضَعُفَ. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ مُتْدَخَلًا لَوالَوْا إلَيْهِ لالتَجَئُوا إلَيْهِ. انْتَهى. وعَنْ أُبَيٍّ لَوَلَّوْا وُجُوهَهم إلَيْهِ. ولَمّا كانَ العَطْفُ بَأوْ عادَ الضَّمِيرُ إلَيْهِ مُفْرَدًا عَلى قاعِدَةِ النَّحْوِ في أوْ، فاحْتَمَلَ مِن حَيْثُ الصِّناعَةُ أنْ يَعُودَ عَلى المَلْجَأِ، أوْ عَلى المُدَّخَلِ، فَلا يَحْتَمِلُ عَلى أنْ يَعُودَ في الظّاهِرِ عَلى المَغاراتِ لِتَذْكِيرِهِ، وأمّا بِالتَّأْوِيلِ فَيَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلَيْها. وهم يَجْمَحُونَ: يُسْرِعُونَ إسْراعًا لا يَرُدُّهم شَيْءٌ. وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ والأعْمَشُ: وهم يَجْمَزُونَ. قِيلَ: يَجْمَحُونَ، ويَجْمَزُونَ، ويَشْتَدُّونَ واحِدٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَجْمَزُونَ: يُهَرْوِلُونَ، ومِنهُ قَوْلُهم في حَدِيثِ الرَّجْمِ: فَلَمّا أذْلَقَتْهُ الحِجارَةُ جَمَزَ.

التوبة 9:58

﴿ومِنهم مَن يَلْمِزُكَ في الصَّدَقاتِ فَإنْ أُعْطُوا مِنها رَضُوا وإنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنها إذا هم يَسْخَطُونَ﴾؛ اللّامِزُ حُرْقُوصُ بْنُ زُهَيْرٍ التَّمِيمِيُّ، وهو ابْنُ ذِي الخُوَيْصِرَةِ رَأْسِ الخَوارِجِ، كانَ الرَّسُولُ ﷺ (p-٥٦)يُقَسِّمُ غَنائِمَ حُنَيْنٍفَقالَ: اعْدِلْ يا رَسُولَ اللَّهِ. الحَدِيثَ. وقِيلَ: هو ابْنُ الجَوّاظِ المُنافِقُ، قالَ: ألا تَرَوْنَ إلى صاحِبِكم إنَّما يُقَسِّمُ صَدَقاتِكم في رُعاةِ الغَنَمِ. وقِيلَ: ثَعْلَبَةُ بْنُ حاطِبٍ كانَ يَقُولُ: إنَّما يُعْطِي مُحَمَّدٌ قُرَيْشًا. وقِيلَ: رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ أتى الرَّسُولَ بِصَدَقَةٍ يُقَسِّمُها، فَقالَ: ما هَذا بِالعَدْلِ ؟ وهَذِهِ نَزْغَةُ مُنافِقٍ. والمَعْنى: مَن يَعِيبُكَ في قَسْمِ الصَّدَقاتِ. وضَمِيرُ (ومِنهم) لِلْمُنافِقِينَ، والكافُ لِلرَّسُولِ. وهَذا التَّرْدِيدُ بَيْنَ الشَّرْطَيْنِ يَدُلُّ عَلى دَناءَةِ طِباعِهِمْ ونَجاسَةِ أخْلاقِهِمْ، وأنَّ لَمْزَهُمُ الرَّسُولَ إنَّما هو لِشَرَهِهِمْ في تَحْصِيلِ الدُّنْيا ومَحَبَّةِ المالِ، وأنَّ رِضاهم وسُخْطَهم إنَّما مُتَعَلَّقُهُ العَطاءُ. والظّاهِرُ حُصُولُ مُطْلَقِ الإعْطاءِ أوْ نَفْيِهِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ فَإنْ أُعْطُوا مِنها كَثِيرًا يَرْضَوْا، وإنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنها كَثِيرًا بَلْ قَلِيلًا، وما أحْسَنَ مَجِيءَ جَوابِ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ؛ لِأنَّ الأوَّلَ لا يَلْزَمُ أنْ يُقارِنَهُ ولا أنْ يَعْتَقِبَهُ، بَلْ قَدْ يَجُوزُ أنْ يَتَأخَّرَ نَحْوُ: إنْ أسْلَمْتَ دَخَلْتَ الجَنَّةَ، فَإنَّما يَقْتَضِي مُطْلَقُ التَّرَتُّبِ. وأمّا جَوابُ الشَّرْطِ الثّانِي فَجاءَ بِإذا الفُجائِيَّةِ، وأنَّهُ إذا لَمْ يُعْطَوْا فاجَأ سُخْطُهم، ولَمْ يُمْكِنْ تَأخُّرُهُ لِما جُبِلُوا عَلَيْهِ مِن مَحَبَّةِ الدُّنْيا والشَّرَهِ في تَحْصِيلِها. ومَفْعُولُ رَضُوا مَحْذُوفٌ؛ أيْ: رَضُوا ما أُعْطُوهُ. ولَيْسَ المَعْنى رَضُوا عَنِ الرَّسُولِ؛ لِأنَّهم مُنافِقُونَ، ولِأنَّ رِضاهم وسُخْطَهم لَمْ يَكُنْ لِأجْلِ الدِّينِ، بَلْ لِلدُّنْيا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَلْمِزُكَ بِكَسْرِ المِيمِ. وقَرَأ يَعْقُوبُ وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ وغَيْرُهم بِضَمِّها، وهي قِراءَةُ المَكِّيِّينَ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عَمْرٍو. وقَرَأ الأعْمَشُ: يَلْمَزُكَ. ورَوى أيْضًا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: يُلامِزُكَ، وهي مُفاعَلَةٌ مِن واحِدٍ. وقِيلَ: وفَّرَ الرَّسُولُ ﷺ قَسْمَ أهْلِ مَكَّةَ في الغَنائِمِ اسْتِعْطافًا لِقُلُوبِهِمْ، فَضَجَّ المُنافِقُونَ. ﴿ولَوْ أنَّهم رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ سَيُؤْتِينا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ورَسُولُهُ إنّا إلى اللَّهِ راغِبُونَ﴾: هَذا وصْفٌ لِحالِ المُسْتَقِيمِينَ في دِينِهِمْ؛ أيْ رَضُوا قِسْمَةَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وقالُوا: كَفانا فَضْلُ اللَّهُ، وعَلَّقُوا آمالَهم بِما سَيُؤْتِيهِ اللَّهُ إيّاهم، وكانَتْ رَغْبَتُهم إلى اللَّهِ لا إلى غَيْرِهِ. وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَكانَ خَيْرًا لَهم في دِينِهِمْ ودُنْياهم. وكانَ ذَلِكَ الفِعْلُ دَلِيلًا عَلى انْتِقالِهِمْ مِنَ النِّفاقِ إلى مَحْضِ الإيمانِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ تَضَمَّنَ الرِّضا بِقَسْمِ اللَّهِ والإقْرارَ بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ؛ إذْ كانُوا يَقُولُونَ: سَيُؤْتِينا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ورَسُولُهُ. وقِيلَ: جَوابُ لَوْ هو قَوْلُهُ: وقالُوا عَلى زِيادَةِ الواوِ، وهو قَوْلٌ كُوفِيٌّ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى: ولَوْ أنَّهم رَضُوا ما أصابَهم بِهِ الرَّسُولُ مِنَ الغَنِيمَةِ وطابَتْ بِهِ نُفُوسُهم وإنْ قَلَّ نَصِيبُهم، وقالُوا: كَفانا فَضْلُ اللَّهِ تَعالى وصُنْعُهُ، وحَسْبُنا ما قَسَمَ لَنا سَيَرْزُقُنا غَنِيمَةً أُخْرى، فَسَيُؤْتِينا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أكْثَرَ مِمّا آتانا اليَوْمَ، إنّا إلى اللَّهِ في أنْ يُغَنِّمَنا ويُخَوِّلَنا فَضْلَهُ راغِبُونَ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: راغِبُونَ فِيما يَمْنَحُنا مِنَ الثَّوابِ ويَصْرِفُ عَنّا مِنَ العِقابِ. وقالَ التَّبْرِيزِيُّ: راغِبُونَ في أنْ يُوَسِّعَ عَلَيْنا مِن فَضْلِهِ، فَيُغْنِينا عَنِ الصَّدَقَةِ وغَيْرِها مِمّا في أيْدِي النّاسِ. وقِيلَ: ما آتاهُمُ اللَّهُ بِالتَّقْدِيرِ ورَسُولُهُ بِالقَسْمِ. انْتَهى. وأتى أوَّلًا بِمَقامِ الرِّضا وهو فِعْلٌ قَلْبِيٌّ يَصْدُرُ عَمَّنْ عَلِمَ أنَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ العَتَبِ والخَطَأِ عَلِيمٌ بِالعَواقِبِ، فَكُلُّ قَضائِهِ صَوابٌ وحَقٌّ، لا اعْتِراضَ عَلَيْهِ. ثُمَّ ثَنّى بِإظْهارِ آثارِ الوَصْفِ القَلْبِيِّ وهو الإقْرارُ بِاللِّسانِ، فَحَسْبُنا ما رَضِيَ بِهِ. ثُمَّ أتى ثالِثًا بِأنَّهُ تَعالى ما دامُوا في الحَياةِ الدُّنْيا مادٌّ لَهم بِنِعَمِهِ وإحْسانِهِ، فَهو إخْبارٌ حَسَنٌ إذْ ما مِن مُؤْمِنٍ إلّا ونِعَمُ اللَّهِ مُتَرادِفَةٌ عَلَيْهِ حالًا ومَآلًا، إمّا في الدُّنْيا، وإمّا في الآخِرَةِ. ثُمَّ أتى رابِعًا بِالجُمْلَةِ المُقْتَضِيَةِ الِالتِجاءَ إلى اللَّهِ لا إلى غَيْرِهِ، والرَّغْبَةَ إلَيْهِ، فَلا يُطْلَبُ بِالإيمانِ أخْذُ الأمْوالِ والرِّئاسَةِ في الدُّنْيا، ولَمّا كانَتِ الجُمْلَتانِ مُتَغايِرَتَيْنِ وهُما ما تَضَمَّنَ الرِّضا بِالقَلْبِ، وما تَضَمَّنَ الإقْرارَ بِاللِّسانِ، تَعاطَفَتا. ولَمّا كانَتِ الجُمْلَتانِ الأخِيرَتانِ مِن آثارِ قَوْلِهِمْ: حَسْبُنا اللَّهُ لَمْ تَتَعاطَفا، إذْ هُما كالشَّرْحِ (p-٥٧)لِقَوْلِهِمْ: حَسْبُنا اللَّهُ، فَلا تَغايُرَ بَيْنَهُما.

التوبة 9:59

﴿ومِنهم مَن يَلْمِزُكَ في الصَّدَقاتِ فَإنْ أُعْطُوا مِنها رَضُوا وإنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنها إذا هم يَسْخَطُونَ﴾؛ اللّامِزُ حُرْقُوصُ بْنُ زُهَيْرٍ التَّمِيمِيُّ، وهو ابْنُ ذِي الخُوَيْصِرَةِ رَأْسِ الخَوارِجِ، كانَ الرَّسُولُ ﷺ (p-٥٦)يُقَسِّمُ غَنائِمَ حُنَيْنٍفَقالَ: اعْدِلْ يا رَسُولَ اللَّهِ. الحَدِيثَ. وقِيلَ: هو ابْنُ الجَوّاظِ المُنافِقُ، قالَ: ألا تَرَوْنَ إلى صاحِبِكم إنَّما يُقَسِّمُ صَدَقاتِكم في رُعاةِ الغَنَمِ. وقِيلَ: ثَعْلَبَةُ بْنُ حاطِبٍ كانَ يَقُولُ: إنَّما يُعْطِي مُحَمَّدٌ قُرَيْشًا. وقِيلَ: رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ أتى الرَّسُولَ بِصَدَقَةٍ يُقَسِّمُها، فَقالَ: ما هَذا بِالعَدْلِ ؟ وهَذِهِ نَزْغَةُ مُنافِقٍ. والمَعْنى: مَن يَعِيبُكَ في قَسْمِ الصَّدَقاتِ. وضَمِيرُ (ومِنهم) لِلْمُنافِقِينَ، والكافُ لِلرَّسُولِ. وهَذا التَّرْدِيدُ بَيْنَ الشَّرْطَيْنِ يَدُلُّ عَلى دَناءَةِ طِباعِهِمْ ونَجاسَةِ أخْلاقِهِمْ، وأنَّ لَمْزَهُمُ الرَّسُولَ إنَّما هو لِشَرَهِهِمْ في تَحْصِيلِ الدُّنْيا ومَحَبَّةِ المالِ، وأنَّ رِضاهم وسُخْطَهم إنَّما مُتَعَلَّقُهُ العَطاءُ. والظّاهِرُ حُصُولُ مُطْلَقِ الإعْطاءِ أوْ نَفْيِهِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ فَإنْ أُعْطُوا مِنها كَثِيرًا يَرْضَوْا، وإنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنها كَثِيرًا بَلْ قَلِيلًا، وما أحْسَنَ مَجِيءَ جَوابِ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ؛ لِأنَّ الأوَّلَ لا يَلْزَمُ أنْ يُقارِنَهُ ولا أنْ يَعْتَقِبَهُ، بَلْ قَدْ يَجُوزُ أنْ يَتَأخَّرَ نَحْوُ: إنْ أسْلَمْتَ دَخَلْتَ الجَنَّةَ، فَإنَّما يَقْتَضِي مُطْلَقُ التَّرَتُّبِ. وأمّا جَوابُ الشَّرْطِ الثّانِي فَجاءَ بِإذا الفُجائِيَّةِ، وأنَّهُ إذا لَمْ يُعْطَوْا فاجَأ سُخْطُهم، ولَمْ يُمْكِنْ تَأخُّرُهُ لِما جُبِلُوا عَلَيْهِ مِن مَحَبَّةِ الدُّنْيا والشَّرَهِ في تَحْصِيلِها. ومَفْعُولُ رَضُوا مَحْذُوفٌ؛ أيْ: رَضُوا ما أُعْطُوهُ. ولَيْسَ المَعْنى رَضُوا عَنِ الرَّسُولِ؛ لِأنَّهم مُنافِقُونَ، ولِأنَّ رِضاهم وسُخْطَهم لَمْ يَكُنْ لِأجْلِ الدِّينِ، بَلْ لِلدُّنْيا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَلْمِزُكَ بِكَسْرِ المِيمِ. وقَرَأ يَعْقُوبُ وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ وغَيْرُهم بِضَمِّها، وهي قِراءَةُ المَكِّيِّينَ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عَمْرٍو. وقَرَأ الأعْمَشُ: يَلْمَزُكَ. ورَوى أيْضًا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: يُلامِزُكَ، وهي مُفاعَلَةٌ مِن واحِدٍ. وقِيلَ: وفَّرَ الرَّسُولُ ﷺ قَسْمَ أهْلِ مَكَّةَ في الغَنائِمِ اسْتِعْطافًا لِقُلُوبِهِمْ، فَضَجَّ المُنافِقُونَ. ﴿ولَوْ أنَّهم رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ سَيُؤْتِينا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ورَسُولُهُ إنّا إلى اللَّهِ راغِبُونَ﴾: هَذا وصْفٌ لِحالِ المُسْتَقِيمِينَ في دِينِهِمْ؛ أيْ رَضُوا قِسْمَةَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وقالُوا: كَفانا فَضْلُ اللَّهُ، وعَلَّقُوا آمالَهم بِما سَيُؤْتِيهِ اللَّهُ إيّاهم، وكانَتْ رَغْبَتُهم إلى اللَّهِ لا إلى غَيْرِهِ. وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَكانَ خَيْرًا لَهم في دِينِهِمْ ودُنْياهم. وكانَ ذَلِكَ الفِعْلُ دَلِيلًا عَلى انْتِقالِهِمْ مِنَ النِّفاقِ إلى مَحْضِ الإيمانِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ تَضَمَّنَ الرِّضا بِقَسْمِ اللَّهِ والإقْرارَ بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ؛ إذْ كانُوا يَقُولُونَ: سَيُؤْتِينا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ورَسُولُهُ. وقِيلَ: جَوابُ لَوْ هو قَوْلُهُ: وقالُوا عَلى زِيادَةِ الواوِ، وهو قَوْلٌ كُوفِيٌّ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى: ولَوْ أنَّهم رَضُوا ما أصابَهم بِهِ الرَّسُولُ مِنَ الغَنِيمَةِ وطابَتْ بِهِ نُفُوسُهم وإنْ قَلَّ نَصِيبُهم، وقالُوا: كَفانا فَضْلُ اللَّهِ تَعالى وصُنْعُهُ، وحَسْبُنا ما قَسَمَ لَنا سَيَرْزُقُنا غَنِيمَةً أُخْرى، فَسَيُؤْتِينا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أكْثَرَ مِمّا آتانا اليَوْمَ، إنّا إلى اللَّهِ في أنْ يُغَنِّمَنا ويُخَوِّلَنا فَضْلَهُ راغِبُونَ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: راغِبُونَ فِيما يَمْنَحُنا مِنَ الثَّوابِ ويَصْرِفُ عَنّا مِنَ العِقابِ. وقالَ التَّبْرِيزِيُّ: راغِبُونَ في أنْ يُوَسِّعَ عَلَيْنا مِن فَضْلِهِ، فَيُغْنِينا عَنِ الصَّدَقَةِ وغَيْرِها مِمّا في أيْدِي النّاسِ. وقِيلَ: ما آتاهُمُ اللَّهُ بِالتَّقْدِيرِ ورَسُولُهُ بِالقَسْمِ. انْتَهى. وأتى أوَّلًا بِمَقامِ الرِّضا وهو فِعْلٌ قَلْبِيٌّ يَصْدُرُ عَمَّنْ عَلِمَ أنَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ العَتَبِ والخَطَأِ عَلِيمٌ بِالعَواقِبِ، فَكُلُّ قَضائِهِ صَوابٌ وحَقٌّ، لا اعْتِراضَ عَلَيْهِ. ثُمَّ ثَنّى بِإظْهارِ آثارِ الوَصْفِ القَلْبِيِّ وهو الإقْرارُ بِاللِّسانِ، فَحَسْبُنا ما رَضِيَ بِهِ. ثُمَّ أتى ثالِثًا بِأنَّهُ تَعالى ما دامُوا في الحَياةِ الدُّنْيا مادٌّ لَهم بِنِعَمِهِ وإحْسانِهِ، فَهو إخْبارٌ حَسَنٌ إذْ ما مِن مُؤْمِنٍ إلّا ونِعَمُ اللَّهِ مُتَرادِفَةٌ عَلَيْهِ حالًا ومَآلًا، إمّا في الدُّنْيا، وإمّا في الآخِرَةِ. ثُمَّ أتى رابِعًا بِالجُمْلَةِ المُقْتَضِيَةِ الِالتِجاءَ إلى اللَّهِ لا إلى غَيْرِهِ، والرَّغْبَةَ إلَيْهِ، فَلا يُطْلَبُ بِالإيمانِ أخْذُ الأمْوالِ والرِّئاسَةِ في الدُّنْيا، ولَمّا كانَتِ الجُمْلَتانِ مُتَغايِرَتَيْنِ وهُما ما تَضَمَّنَ الرِّضا بِالقَلْبِ، وما تَضَمَّنَ الإقْرارَ بِاللِّسانِ، تَعاطَفَتا. ولَمّا كانَتِ الجُمْلَتانِ الأخِيرَتانِ مِن آثارِ قَوْلِهِمْ: حَسْبُنا اللَّهُ لَمْ تَتَعاطَفا، إذْ هُما كالشَّرْحِ (p-٥٧)لِقَوْلِهِمْ: حَسْبُنا اللَّهُ، فَلا تَغايُرَ بَيْنَهُما.

التوبة 9:60

﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ والعامِلِينَ عَلَيْها والمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهم وفي الرِّقابِ والغارِمِينَ وفي سَبِيلِ اللَّهِ وابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى مَن يَعِيبُ الرَّسُولَ في قَسْمِ الصَّدَقاتِ بِأنَّهُ يُعْطِي مَن يَشاءُ ويَحْرِمُ مَن يَشاءُ، أوْ يَخُصُّ أقارِبَهُ، أوْ يَأْخُذُ لِنَفْسِهِ ما بَقِيَ، وكانُوا يَسْألُونَ فَوْقَ ما يَسْتَحِقُّونَ، بَيَّنَ تَعالى مَصْرِفَ الصَّدَقاتِ، وأنَّهُ إنَّما قَسَمَ عَلى ما فَرَضَهُ اللَّهُ تَعالى. ولَفْظَةُ (إنَّما) إنْ كانَتْ وُضِعَتْ لِلْحَصْرِ فالحَصْرُ مُسْتَفادٌ مِن لَفْظِها، وإنْ كانَتْ لَمْ تُوضَعْ لِلْحَصْرِ فالحَصْرُ مُسْتَفادٌ مِنَ الأوْصافِ؛ إذْ مَناطُ الحُكْمِ بِالوَصْفِ يَقْتَضِي التَّعْلِيلَ بِهِ، والتَّعْلِيلُ بِالشَّيْءِ يَقْتَضِي الِاقْتِصارَ عَلَيْهِ. والظّاهِرُ أنَّ مَصْرِفَ الصَّدَقاتِ هَؤُلاءِ الأصْنافُ. والظّاهِرُ أنَّ العَطْفَ مُشْعِرٌ بِالتَّغايُرِ، فَتَكُونُ الفُقَراءُ غَيْرَ المَساكِينِ. والظّاهِرُ بَقاءُ هَذا الحُكْمِ لِلْأصْنافِ الثَّمانِيَةِ دائِمًا؛ إذْ لَمْ يَرِدْ نَصٌّ في نَسْخِ شَيْءٍ مِنها. والظّاهِرُ أنَّهُ يُعْتَبَرُ في كُلِّ صِنْفٍ مِنها ما دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظُهُ إنْ كانَ مَوْجُودًا، والخِلافُ في كُلِّ شَيْءٍ مِن هَذِهِ الظَّواهِرِ. فَأمّا أنَّ مَصْرِفَ الصَّدَقاتِ هَؤُلاءِ الأصْنافُ، فَذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ إلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَقْتَصِرَ عَلى بَعْضِ هَؤُلاءِ الأصْنافِ، ويَجُوزَ أنْ يُصْرَفَ إلى جَمِيعِها. فَمِنَ الصَّحابَةِ: عُمَرُ، وعَلِيٌّ، ومُعاذٌ، وحُذَيْفَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومِنَ التّابِعِينَ النَّخَعِيُّ، وعُمَرُ بْنُ (p-٥٨)عَبْدِ العَزِيزِ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ جُبَيْرٍ، قالُوا: في أيِّ صِنْفٍ مِنها وضَعْتَها أجْزَأتْكَ. قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: لَوْ نَظَرْتَ إلى أهْلِ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ فُقَراءَ مُتَعَفِّفِينَ فَخَيَّرْتَهم بِها كانَ أحَبَّ إلَيَّ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعَلَيْهِ مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ. قالَ غَيْرُهُ: وأبِي يُوسُفَ، ومُحَمَّدٍ، وزُفَرَ، ومالِكٍ. وقالَ جَماعَةٌ مِنَ التّابِعِينَ: لا يَجُوزُ الِاقْتِصارُ عَلى أحَدِ هَذِهِ الأصْنافِ، مِنهم: زَيْنُ العابِدِينَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، وعِكْرِمَةُ، والزُّهْرِيُّ، بَلْ يُصْرَفُ إلى الأصْنافِ الثَّمانِيَةِ. وقَدْ كَتَبَ الزُّهْرِيُّ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ: يُفَرِّقُها عَلى الأصْنافِ الثَّمانِيَةِ، وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ، قالَ: إلّا المُؤَلِّفَةَ، فَإنَّهُمُ انْقَطَعُوا. وأمّا أنَّ الفُقَراءَ غَيْرُ المَساكِينِ، فَذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ إلى أنَّ الفَقِيرَ والمِسْكِينَ سَواءٌ، لا فَرْقَ بَيْنَهُما في المَعْنى، وإنِ افْتَرَقا في الِاسْمِ، وهُما صِنْفٌ واحِدٌ سُمِّيَ بِاسْمَيْنِ لِيُعْطى سَهْمَيْنِ نَظَرًا لَهم ورَحْمَةً. قالَ في التَّحْرِيرِ: وهَذا هو أحَدُ قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ. وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّهُما صِنْفانِ يَجْمَعُهُما الإقْلالُ والفاقَةُ، واخْتَلَفُوا فِيما بِهِ الفَرْقُ. فَقالَ الأصْمَعِيُّ وغَيْرُهُ، مِنهم أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وأحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ: الفَقِيرُ أبْلَغُ فاقَةً. وقالَ غَيْرُهُ، مِنهم أبُو حَنِيفَةَ، ويُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، وابْنُ السِّكِّيتِ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: المِسْكِينُ أبْلَغَ فاقَةً؛ لِأنَّهُ لا شَيْءَ لَهُ. والفَقِيرُ مَن لَهُ بُلْغَةٌ مِنَ الشَّيْءِ. وقالَ الضَّحّاكُ: الفُقَراءُ هم مِنَ المُهاجِرِينَ، والمَساكِينُ مَن لَمْ يُهاجِرْ. وقالَ النَّخَعِيُّ نَحْوَهُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: الفُقَراءُ مِنَ المُسْلِمِينَ، والمَساكِينُ مِن أهْلِ الذِّمَّةِ. لا نَقُولُ لِفُقَراءِ المُسْلِمِينَ مَساكِينُ. ورُوِيَ عَنْهُ بِالعَكْسِ حَكاهُ مَكِّيٌّ. وقالَ الشّافِعِيُّ في كِتابِ ابْنِ المُنْذِرِ: الفَقِيرُ مَن لا مالَ لَهُ ولا حِرْفَةَ، سائِلًا كانَ أوْ مُتَعَفِّفًا، والمِسْكِينُ الَّذِي لَهُ حِرْفَةٌ أوْ مالٌ ولَكِنْ لا يُغْنِيهِ ذَلِكَ سائِلًا كانَ أوْ غَيْرَ سائِلٍ. وقالَ قَتادَةُ: الفَقِيرُ الزَّمِنُ المُحْتاجُ، والمِسْكِينُ الصَّحِيحُ المُحْتاجُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، والحَكَمُ، ومُقاتِلٌ، ومُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: المَساكِينُ الَّذِينَ يَسْعَوْنَ ويَسْألُونَ، والفُقَراءُ هُمُ الَّذِينَ يَتَعاوَنُونَ. وأمّا بَقاءُ الحُكْمِ لِلْأصْنافِ الثَّمانِيَةِ فَذَهَبَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، والحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ، وجَماعَةٌ: إلى أنَّهُ انْقَطَعَ صِنْفُ المُؤَلَّفَةِ بِعِزَّةِ الإسْلامِ وظُهُورِهِ، وهَذا مَشْهُورُ مَذْهَبِ مالِكٍ، وأبِي حَنِيفَةَ، قالَ بَعْضُ الحَنَفِيِّينَ: أجْمَعَتِ الصَّحابَةُ عَلى سُقُوطِ سَهْمِهِمْ في خِلافَةِ أبِي بَكْرٍ لَمّا أعَزَّ اللَّهُ الإسْلامَ وقَطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ. وقالَ القاضِي عَبْدُ الوَهّابِ: إنِ احْتِيجَ إلَيْهِمْ في بَعْضِ الأوْقاتِ أُعْطُوا مِنَ الصَّدَقاتِ. وقالَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: المُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهم مَوْجُودُونَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإذا تَأمَّلْتَ الثُّغُورَ وجَدْتَ فِيها الحاجَةَ إلى الِائْتِلافِ. انْتَهى. وقالَ يُونُسُ: سَألْتُ الزُّهْرِيَّ عَنْهم فَقالَ: لا أعْلَمُ نَسْخًا في ذَلِكَ. قالَ أبُو جَعْفَرٍ النَّحّاسُ: فَعَلى هَذا الحُكْمُ فِيهِمْ ثابِتٌ، فَإنْ كانَ أحَدٌ يُحْتاجُ إلى تَألُّفِهِ ويُخافُ أنْ تَلْحَقَ المُسْلِمِينَ مِنهُ آفَةٌ أوْ يُرْجى حُسْنُ إسْلامِهِ بَعْدَ دَفْعٍ إلَيْهِ. وقالَ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: الَّذِي عِنْدِي أنَّهُ إنْ قَوِيَ الإسْلامُ زالُوا، وإنِ احْتِيجَ إلَيْهِمْ أُعْطُوا سَهْمَهم، كَما كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْطِيهِمْ. فَإنَّ في الصَّحِيحِ: «بَدَأ الإسْلامُ غَرِيبًا وسَيَعُودُ كَما بَدَأ» . وفي كِتابِ التَّحْرِيرِ قالَ الشّافِعِيُّ: العامِلُ والمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهم مَفْقُودانِ في هَذا الزَّمانِ. بَقِيَتِ الأصْنافُ السِّتَّةُ، فالأوْلى صَرْفُها إلى السِّتَّةِ. وأمّا أنَّهُ يُعْتَبَرُ في كُلِّ صِنْفٍ مِنها ما دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظُهُ إنْ كانَ مَوْجُودًا فَهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ، ذَهَبَ إلى أنَّهُ لا بُدَّ في كُلِّ صِنْفٍ مِن ثَلاثَةٍ؛ لِأنَّ أقَلَّ الجَمْعِ ثَلاثَةٌ، فَإنْ دَفَعَ سَهْمَ الفُقَراءِ إلى فَقِيرَيْنِ ضَمِنَ نَصِيبَ الثّالِثِ وهو ثُلْثُ سَهْمٍ. وقالَ أصْحابُ أبِي حَنِيفَةَ: يَجُوزُ أنْ يُعْطِيَ جَمِيعَ زَكاتِهِ مِسْكِينًا واحِدًا. وقالَ مالِكٌ: لا بَأْسَ أنْ يُعْطِيَ الرَّجُلُ زَكاةَ الفِطْرِ عَنْ نَفْسِهِ وعِيالِهِ واحِدًا، واللّامُ في لِلْفُقَراءِ، قِيلَ: لِلْمِلْكِ، وقِيلَ: لِلِاخْتِصاصِ. والظّاهِرُ عُمُومُ الفُقَراءِ والمَساكِينِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الأقارِبُ والأجانِبُ وكُلُّ مَنِ اتَّصَفَ بِالفَقْرِ والمَسْكَنَةِ. فَأمّا ذَوُو قُرْبى الرَّسُولِ ﷺ فَقالَ أصْحابُ أبِي حَنِيفَةَ: تَحْرُمُ عَلَيْهِمْ (p-٥٩)الصَّدَقَةُ؛ مِنهم آلُ العَبّاسِ، وآلُ عَلِيٍّ، وآلُ جَعْفَرٍ، وآلُ عَقِيلٍ، وآلُ الحَرْثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ. ورُوِيَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ ولَيْسَ بِالمَشْهُورِ أنَّ فُقَراءَ بَنِي هاشِمٍ يَدْخُلُونَ في آيَةِ الصَّدَقَةِ. وقالَ أبُو يُوسُفَ: لا يَدْخُلُونَ. قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: المَشْهُورُ عَنْ أصْحابِنا أنَّهم مَن تَقَدَّمَ مِن آلِ العَبّاسِ ومَن ذُكِرَ مَعَهم، ويَخُصُّ التَّحْرِيمُ الفَرْضَ لا صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ. وقالَ مالِكٌ: لا تَحِلُّ الزَّكاةُ لِآلِ مُحَمَّدٍ، ويَحِلُّ التَّطَوُّعُ. وقالَ الثَّوْرِيُّ: لا تَحِلُّ لِبَنِي هاشِمٍ، ولَمْ يَذْكُرْ فَرْقًا بَيْنَ النَّفْلِ والفَرْضِ. وقالَ الشّافِعِيُّ: تَحْرُمُ صَدَقَةُ الفَرْضِ عَلى بَنِي هاشِمٍ وبَنِي المُطَّلِبِ، وتَجُوزُ صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ عَلى كُلِّ أحَدٍ إلّا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَإنَّهُ كانَ لا يَأْخُذُها. وقالَ ابْنُ الماجِشُونِ، ومُطَرِّفٌ، وأصْبَغُ، وابْنُ حَبِيبٍ: لا يُعْطى بَنُو هاشِمٍ مِنَ الصَّدَقَةِ المَفْرُوضَةِ، ولا مِنَ التَّطَوُّعِ. وقالَ مالِكٌ في الواضِحَةِ: لا يُعْطى آلُ مُحَمَّدٍ مِنَ التَّطَوُّعِ. وأمّا أقارِبُ المُزَكِّي فَقالَ أصْحابُ أبِي حَنِيفَةَ: لا يُعْطى مِنها والِدٌ وإنْ عَلا، ولا ابْنٌ وإنْ سَفَلَ، ولا زَوْجَةٌ. وقالَ مالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ، واللَّيْثُ: لا يُعْطِي مَن تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ. وقالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: لا يُعْطِي قَرابَتَهُ الَّذِينَ يَرِثُونَهُ، وإنَّما يُعْطِي مَن لا يَرِثُهُ ولَيْسَ في عِيالِهِ. وقالَ الأوْزاعِيُّ: لا يَتَخَطّى بِزَكاةِ مالِهِ فُقَراءَ أقارِبِهِ إذا لَمْ يَكُونُوا مِن عِيالِهِ، ويَتَصَدَّقُ عَلى مَوالِيهِ مِن غَيْرِ زَكاةِ مالِهِ. وقالَمالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، وابْنُ شُبْرُمَةٍ، والشّافِعِيُّ، وأصْحابُ أبِي حَنِيفَةَ: لا يُعْطى الفَرْضُ مِنَ الزَّكاةِ. وقالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الحَسَنِ: إذا لَمْ يَجِدْ مُسْلِمًا أعْطى الذِّمِّيَّ، فَكَأنَّهُ يَعْنِي الذِّمِّيَّ الَّذِي هو بَيْنَ ظَهْرانِيهِمْ. وقالَ مالِكٌ وأبُو حَنِيفَةَ: لا تُعْطِي الزَّوْجَةُ زَوْجَها مِنَ الزَّكاةِ. وقالَ الثَّوْرِيُّ والشّافِعِيُّ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ: تُعْطِيهِ، واخْتَلَفُوا في المِقْدارِ الَّذِي إذا مَلَكَهُ الإنْسانُ دَخَلَ بِهِ في حَدِّ الغِنى وخَرَجَ عَنْ حَدِّ الفَقْرِ وحَرُمَتْ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ. فَقالَ قَوْمٌ: إذا كانَ عِنْدَ أهْلِهِ ما يُغَدِّيهِمْ ويُعَشِّيهِمْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ، ومَن كانَ عِنْدَهُ دُونَ ذَلِكَ حَلَّتْ لَهُ. وقالَ قَوْمٌ: حَتّى يَمْلِكَ أرْبَعِينَ دِرْهَمًا، أوْ عِدْلَها مِنَ الذَّهَبِ. وقالَ قَوْمٌ: حَتّى تَمْلِكَ خَمْسِينَ دِرْهَمًا أوْ عِدْلَها مِنَ الذَّهَبِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ، وعَبْدِ اللَّهِ، والشَّعْبِيِّ. قالَ مالِكٌ: حَتّى تَمْلِكَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ أوْ عِدْلَها مِن عَرَضٍ أوْ غَيْرِهِ فاضِلًا عَمّا يَحْتاجُ إلَيْهِ مِن مَسْكَنٍ وخادِمٍ وأثاثٍ وفَرْشٍ، وهو قَوْلُ أصْحابِ أبِي حَنِيفَةَ. فَلَوْ دَفَعَها إلى مَن ظَنَّ أنَّهُ فَقِيرٌ فَتَبَيَّنَ أنَّهُ غَنِيٌّ، أوْ تَبَيَّنَ أنَّ المَدْفُوعَ إلَيْهِ أبُوهُ أوْ ذِمِّيٌّ، ولَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ وقْتَ الدَّفْعِ فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ ومُحَمَّدٌ: يُجْزِئُهُ. وقالَ أبُو يُوسُفَ: لا يُجْزِئُهُ. والعامِلُ هو الَّذِي يَسْتَنِيبُهُ الإمامُ في السَّعْيِ في جَمِيعِ الصَّدَقاتِ، وكُلُّ مَن يَصْرِفُ مِمَّنْ لا يُسْتَغْنى عَنْهُ فِيها فَهو مِنَ العامِلِينَ، ويُسَمّى جابِيَ الصَّدَقَةَ والسّاعِيَ، قالَ: ؎إنَّ السُّعاةَ عَصَوْكَ حِينَ بَعَثْتَهم لَمْ يَفْعَلُوا مِمّا أمَرْتَ فَتِيلًا وقالَ: ؎سَعى عِقالًا فَلَمْ يَتْرُكْ لَنا سَيِّدًا ∗∗∗ فَكَيْفَ لَوْ قَدْ سَعى عَمْرٌو عِقالَيْنِ أرادَ بِالعِقالِ هُنا زَكاةَ السَّنَةِ، وتَعَدّى بِعَلى ولَمْ يَقُلْ فِيها؛ لِأنَّ عَلى لِلِاسْتِعْلاءِ المُشْعِرِ بِالوِلايَةِ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّ لِلْعامِلِ قَدْرَ سَعْيِهِ، ومُؤْنَتَهُ مِن مالِ الصَّدَقَةِ. وبِهِ قالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ في كِتابِ ابْنِ المُنْذِرِ، وأبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ. فَلَوْ تَجاوَزَ ذَلِكَ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقِيلَ: يَتِمُّ لَهُ مِن سائِرِ الأنْصِباءِ. وقِيلَ: مِن خُمْسِ الغَنِيمَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، والشّافِعِيُّ: هو الثَّمَنُ عَلى قَسْمِ القُرْآنِ. وقالَ مالِكٌ مِن رِوايَةِ ابْنِ أبِي أُوَيْسٍ، وداوُدُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْهُ: يُعْطَوْنَ مِن بَيْتِ المالِ. واخْتُلِفَ في الإمامِ، هَلْ لَهُ حَقٌّ في الصَّدَقاتِ ؟ فَمِنهم مَن قالَ: هو العامِلُ في الحَقِيقَةِ، ومِنهم مَن قالَ: لا حَقَّ لَهُ فِيها. والجُمْهُورُ عَلى أنَّ أخْذَها مُفَوَّضٌ لِلْإمامِ ومَنِ اسْتَنابَهُ، فَلَوْ فَرَّقَها المُزَكِّي بِنَفْسِهِ دُونَ إذْنِ الإمامِ أخَذَها مِنهُ ثانِيًا. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ عَلى الصَّدَقَةِ أحَدٌ مِن بَنِي هاشِمٍ ويَأْخُذَ عَمالَتَهُ مِنها، فَإنْ تَبَرَّعَ فَلا خِلافَ بَيْنِ أهْلِ (p-٦٠)العِلْمِ في جَوازِهِ. وقالَ آخَرُونَ: لا بَأْسَ لَهم بِالعَمالَةِ مِنَ الصَّدَقَةِ. وقِيلَ: إنْ عَمِلَ أُعْطِيها مِنَ الخُمُسِ. والمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهم أشْرافُ العَرَبِ، مُسْلِمُونَ لَمْ يَتَمَكَّنِ الإيمانُ مِن قُلُوبِهِمْ، أعْطاهم لِيَتَمَكَّنَ الإيمانُ مِن قُلُوبِهِمْ، أوْ كُفّارٌ لَهم أتْباعٌ أعْطاهم لِيَتَألَّفَهم وأتْباعَهم عَلى الإسْلامِ. قالَ الزُّهْرِيُّ: المُؤَلِّفَةُ مَن أسْلَمَ مِن يَهُودِيٍّ أوْ نَصْرانِيٍّ وإنْ كانَ غَنِيًّا، فَمِنَ المُؤَلِّفَةِ: أبُو سُفْيانُ بْنُ حَرْبٍ، وسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، والحَرْثُ بْنُ هِشامٍ، وحُوَيْطِبُ بْنُ عَبْدِ العُزّى، وصَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ، ومالِكُ بْنُ عَوْفٍ النَّضْرِيُّ، والعَلاءُ بْنُ حارِثَةَ الثَّقَفِيُّ، فَهَؤُلاءِ أعْطاهُمُ الرَّسُولُ ﷺ مِائَةَ بَعِيرٍ مِائَةَ بَعِيرٍ. ومَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلٍ الزُّهْرِيُّ، وعُمَيْرُ بْنُ وهَبٍ الجُمَحِيُّ، وهِشامُ بْنُ عَمْرٍو العابِدِيُّ، أعْطاهم دُونَ المِائَةِ. ومِنَ المُؤَلَّفَةِ: سَعِيدُ بْنُ يَرْبُوعٍ، والعَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ، وزَيْدُ الخَيْلِ، وعَلْقَمَةُ بْنُ عُلاثَةَ، وأبُو سُفْيانَ الحَرْثُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وحَكِيمُ بْنُ حِزامٍ، وعِكْرِمَةُ بْنُ أبِي جَهْلٍ، وسَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو، وعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ. وحَسُنَ إسْلامُ المُؤَلَّفَةِ حاشا عُيَيْنَةَ فَلَمْ يَزَلْ مَغْمُوصًا عَلَيْهِ. وأمّا قَوْلُهُ ﴿وفِي الرِّقابِ﴾ فالتَّقْدِيرُ: وفي فَكِّ الرِّقابِ فَيُعْطِي ما حَصَلَ بِهِ فَكُّ الرِّقابِ مِنِ ابْتِداءِ عِتْقٍ يَشْتَرِي مِنهُ العَبْدَ فَيُعْتَقُ، أوْ تَخْلِيصِ مُكاتَبٍ أوْ أسِيرٍ. وقالَ النَّخَعِيُّ، والشَّعْبِيُّ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ سِيرِينَ: لا يُجْزِئُ أنْ يُعْتِقَ مِنَ الزَّكاةِ رَقَبَةً كامِلَةً، وهو قَوْلُ أصْحابِ أبِي حَنِيفَةَ، واللَّيْثِ، والشّافِعِيِّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ عُمَرَ: أعْتِقْ مِن زَكاتِكَ. وقالَ ابْنُ عُمَرَ، والحَسَنُ، وأحْمَدُ، وإسْحاقُ: يُعْتِقُ مِنَ الزَّكاةِ، ووَلاؤُهُ لِجَماعَةِ المُسْلِمِينَ لا لِلْمُعَتَقِ. وعَنْ مالِكٍ، والأوْزاعِيِّ: لا يُعْطى المُكاتَبُ مِنَ الزَّكاةِ شَيْئًا، ولا عَبْدٌ كانَ مَوْلاهُ مُوسِرًا أوْ مُعْسِرًا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، ومالِكٍ: هو ابْتِداءُ العِتْقِ وعَوْنِ المُكاتَبِ بِما يَأْتِي عَلى حُرِّيَّتِهِ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّ المُكاتَبِينَ يُعانُونَ في فَكِّ رِقابِهِمْ مِنَ الزَّكاةِ. ومَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ وابْنِ حَبِيبٍ: أنَّ فَكَّ رِقابِ الأُسارى يَدْخُلُ في قَوْلِهِ: ﴿وفِي الرِّقابِ﴾، فَيُصْرَفُ في فِكاكِها مِنَ الزَّكاةِ. وقالَ الزُّهْرِيُّ: سَهْمُ الرِّقابِ نِصْفانِ: نِصْفٌ لِلْمُكاتَبِينَ، ونِصْفٌ يُعْتَقُ مِنهُ رِقابٌ مُسْلِمُونَ مِمَّنْ صَلّى. والغارِمُ: مَن عَلَيْهِ دَيْنٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وزادَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: في غَيْرِ مَعْصِيَةٍ ولا إسْرافٍ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ يَقْضِي مِنها دَيْنُ المَيِّتِ إذْ هو غارِمٌ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وابْنُ المَوّازِ: لا يُقْضى مِنها. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: ولا يُقْضى مِنها كَفّارَةٌ ونَحْوُها مِن صُنُوفِ اللَّهِ تَعالى، وإنَّما الغارِمُ مَن عَلَيْهِ دَيْنٌ يُحْبَسُ فِيهِ. وقِيلَ: يَدْخُلُ في الغارِمِينَ مَن تَحَمَّلَ حَمالاتٍ في إصْلاحٍ وبِرٍّ وإنْ كانَ غَنِيًّا إذا كانَ ذَلِكَ يُجْحِفُ بِمالِهِ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ، وأصْحابِهِ، وأحْمَدَ. ﴿وفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هو المُجاهِدُ يُعْطى مِنها إذا كانَ فَقِيرًا. والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ يُعْطى مِنها وإنْ كانَ غَنِيًّا ما يُنْفِقُ في غَزْوَتِهِ. وقالَ الشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ، وعِيسى بْنُ دِينارٍ، وجَماعَةٌ: لا يُعْطى الغَنِيُّ إلّا إنِ احْتاجَ في غَزْوَتِهِ، وغابَ عَنْهُ وفْرُهُ. قالَ أبُو حَنِيفَةَ، وصاحَباهُ: لا يُعْطى إلّا إذا كانَ فَقِيرًا أوْ مُنْقَطِعًا بِهِ، وإذا أُعْطِيَ مَلَكَ، وإنْ لَمْ يَصْرِفْهُ في غَزْوَتِهِ. وقالَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ: ويُجْعَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ في الكُراعِ والسِّلاحِ وما يَحْتاجُ إلَيْهِ مِن آلاتِ الحَرْبِ وكَفِّ العَدُوِّ عَنِ الحَوْزَةِ؛ لِأنَّهُ كُلَّهُ مِن سَبِيلِ الغَزْوِ ومَنفَعَتِهِ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ الصَّرْفُ مِنها إلى الحُجّاجِ والمُعْتَمِرِينَ وإنْ كانُوا أغْنِياءَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي سَبِيلِ اللَّهِ فُقَراءُ الغُزاةِ والحَجِيجِ المُنْقَطَعِ بِهِمُ انْتَهى. والَّذِي يَقْتَضِيهِ تَعْدادُ هَذِهِ الأوْصافِ أنَّها لا تَتَداخَلُ، واشْتِراطُ الفَقْرِ في بَعْضِها يَقْضِي بِالتَّداخُلِ. فَإنْ كانَ الغازِي أوِ الحاجُّ شَرْطُ إعْطائِهِ الفَقْرَ، فَلا حاجَةَ لِذِكْرِهِ؛ لِأنَّهُ مُنْدَرِجٌ في عُمُومِ الفُقَراءِ، بَلْ كُلُّ مَن كانَ بِوَصْفٍ مِن هَذِهِ الأوْصافِ جازَ الصَّرْفُ إلَيْهِ عَلى أيِّ حالٍ كانَ مِن فَقْرٍ أوْ غِنًى؛ لِأنَّهُ قامَ بِهِ الوَصْفُ الَّذِي اقْتَضى الصَّرْفَ إلَيْهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولا يُعْطى مِنها في بِناءِ مَسْجِدٍ، ولا قَنْطَرَةٍ، ولا شِراءِ مُصْحَفٍ انْتَهى. وابْنُ السَّبِيلِ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو عابِرُ السَّبِيلِ. وقالَ قَتادَةُ في آخَرِينَ: هو الضَّيْفُ. وقالَ جَماعَةٌ: (p-٦١)هُوَ المُسافِرُ المُنْقَطَعُ بِهِ وإنْ كانَ لَهُ مالٌ في بَلَدِهِ. وقالَتْ جَماعَةٌ: هو الحاجُّ المُنْقَطِعُ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو الَّذِي قُطِعَ عَلَيْهِ الطَّرِيقُ. وفي كِتابِ سَحْنُونَ قالَ مالِكٌ: إذا وُجِدَ المُسافِرُ المُنْقَطَعُ بِهِ مَن يُسْلِفُهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ أنْ يَأْخُذَ مِنَ الصَّدَقَةِ، والظّاهِرُ الصَّرْفُ إلَيْهِ. وإنْ كانَ لَهُ ما يُغْنِيهِ في طَرِيقِهِ؛ لِأنَّهُ ابْنُ سَبِيلٍ، والمَشْهُورُ أنَّهُ إذا كانَ بِهَذا الوَصْفِ لا يُعْطى. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ عَدَلَ عَنِ اللّامِ إلى (في) في الأرْبَعَةِ الأخِيرَةِ ؟ (قُلْتُ): لِلْإيذانِ بِأنَّهم أرْسَخُ في اسْتِحْقاقِ التَّصَدُّقِ عَلَيْهِمْ مِمَّنْ سَبَقَ ذِكْرُهُ؛ لِأنَّ (في) لِلْوِعاءِ، فَنَبَّهَ عَلى أنَّهم أحِقّاءُ بِأنْ تُوضَعَ فِيهِمُ الصَّدَقاتُ ويُجْعَلُوا مَظِنَّةً لَها ومَصَبًّا، وذَلِكَ لِما في فَكِّ الرِّقابِ مِنَ الكِتابَةِ أوالرِّقِّ أوِ الأسْرِ، وفي فَكِّ الغارِمِينَ مِنَ الغُرْمِ مِنَ التَّخْلِيصِ والإنْقاذِ، ولِجَمْعِ الغازِي الفَقِيرِ أوِ المُنْقَطِعِ في الحَجِّ بَيْنَ الفَقْرِ والعِبادَةِ، وكَذَلِكَ ابْنُ السَّبِيلِ جامِعٌ بَيْنَ الفَقْرِ والغُرْبَةِ عَنِ الأهْلِ والمالِ. وتَكْرِيرُ (في) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفِي سَبِيلِ اللَّهِ واِبْنِ السَّبِيلِ﴾، فِيهِ فَضْلُ تَرْجِيحٍ لِهَذَيْنِ عَلى الرِّقابِ والغارِمِينَ. (فَإنْ قُلْتَ): فَكَيْفَ وقَعَتْ هَذِهِ الآيَةُ في تَضاعِيفِ ذِكْرِ المُنافِقِينَ ومَكائِدِهِمْ ؟ (قُلْتُ): دَلَّ بِكَوْنِ هَذِهِ الأوْصافِ مَصارِفَ الصَّدَقاتِ خاصَّةً دُونَ غَيْرِهِمْ عَلى أنَّهم لَيْسُوا مِنهم حَسْمًا لِإطْعامِهِمْ وإشْعارًا بِاسْتِيجابِهِمُ الحِرْمانَ، وأنَّهم بُعَداءُ عَنْها وعَنْ مَصارِفِها، فَما لَهم ولَها، وما سَلَّطَهم عَلى الكَلامِ لَها ولِمَن قاسَمَها، وانْتَصَبَ (فَرِيضَةً)؛ لِأنَّهُ في مَعْنى المَصْدَرِ المُؤَكِّدِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ﴾، مَعْناهُ فَرْضٌ مِنَ اللَّهِ الصَّدَقاتُ لَهم. وقُرِئَ فَرِيضَةٌ بِالرَّفْعِ عَلى: تِلْكَ فَرِيضَةٌ انْتَهى. وقالَ الكَرْمانِيُّ، وأبُو البَقاءِ: (فَرِيضَةً) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (لِلْفُقَراءِ)؛ أيْ مَفْرُوضَةً. قالَ الكَرْمانِيُّ: كَما تَقُولُ: هي لَكَ طَلَقًا انْتَهى. وذُكِرَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّها مَصْدَرٌ، والتَّقْدِيرُ: فَرَضَ اللَّهُ الصَّدَقاتِ فَرِيضَةً. وقالَ الفَرّاءُ: هي مَنصُوبَةٌ عَلى القَطْعِ. ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾؛ لِأنَّ ما صَدَرَ عَنْهُ هو عَنْ عِلْمٍ مِنهُ بِخَلْقِهِ وحِكْمَةٍ مِنهُ في القِسْمَةِ، أوْ عَلِيمٌ بِمَقادِيرِ المَصالِحِ، حَكِيمٌ لا يَشْرَعُ إلّا ما هو الأصْلَحُ.

التوبة 9:61

﴿ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ ويَقُولُونَ هو أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكم يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ورَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم لِيُرْضُوكم واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدًا فِيها ذَلِكَ الخِزْيُ العَظِيمُ﴾ ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهم بِما في قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ٦٤] ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ قُلْ أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة: ٦٥] ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكم إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنكم نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [التوبة: ٦٦] ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ ويَقْبِضُونَ أيْدِيَهم نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهم إنَّ المُنافِقِينَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٦٧] ﴿وعَدَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والكُفّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هي حَسْبُهم ولَعَنَهُمُ اللَّهُ ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٨] ﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكم كانُوا أشَدَّ مِنكم قُوَّةً وأكْثَرَ أمْوالًا وأوْلادًا فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكم كَما اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم بِخَلاقِهِمْ وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ وأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [التوبة: ٦٩] ﴿ألَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ إبْراهِيمَ وأصْحابِ مَدْيَنَ والمُؤْتَفِكاتِ أتَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ [التوبة: ٧٠] ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ ويُطِيعُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٧١] ﴿وعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [التوبة: ٧٢] الِاعْتِذارُ: (p-٦٢)التَّنَصُّلُ مِنَ الذَّنْبِ، فَقِيلَ: أصْلُهُ المَحْوُ، مِن قَوْلِهِمْ: اعْتَذَرَتِ المَنازِلُ ودَرَسَتْ، فالمُعْتَذِرُ يُحاوِلُ إزالَةَ ذَنْبِهِ. قالَ ابْنُ أحْمَرَ: ؎قَدْ كُنْتَ تَعْرِفُ آياتٍ فَقَدْ جَعَلَتْ إطْلالَ إلْفِكَ بِالوَعْساءِ تَعْتَذِرُ وعَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ: أنَّ الِاعْتِذارَ هو القَطْعُ، ومِنهُ عُذْرَةُ الجارِيَةِ لِأنَّها تُعْذَرُ أيْ تُقْطَعُ، واعْتَذَرَتِ المِياهُ انْقَطَعَتْ، والعُذْرُ سَبَبٌ لِقَطْعِ الذَّمِّ. عَدَنَ بِالمَكانِ يَعْدِنُ عُدُونًا أقامَ، قالَهُ أبُو زَيْدٍ وابْنُ الأعْرابِيِّ. قالَ الأعْشى: ؎وإنْ يَسْتَضِيفُوا إلى حِلْمِهِ ∗∗∗ يُضافُوا إلى راجِحٍ قَدْ عَدَنَ وتَقُولُ العَرَبُ: تُرِكَتِ إبِلُ فُلانٍ عَوادِنَ بِمَكانِ كَذا، وهو أنْ تَلْزَمَ الإبِلُ المَكانَ فَتَأْلَفَهُ ولا تَبْرَحَهُ. وسُمِّيَ المَعْدِنُ مَعْدِنًا لِإنْباتِ اللَّهِ الجَوْهَرَ فِيهِ وإثْباتِهِ إيّاهُ في الأرْضِ حَتّى عَدَنَ فِيها أيْ ثَبَتَ. وعَدَنٌ مَدِينَةٌ بِاليَمَنِ لِأنَّها أكْثَرُ مَدائِنِ اليَمَنِ قُطّانًا ودُورًا. ﴿ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ ويَقُولُونَ هو أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكم يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ورَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾: كانَ قُدّامُ بْنُ خالِدٍ وعُبَيْدُ بْنُ هِلالٍ والجُلاسُ بْنُ سُوَيْدٍ في آخَرِينَ يُؤْذُونَ الرَّسُولَ فَقالَ بَعْضُهم: لا تَفْعَلُوا فَإنّا نَخافُ أنْ يَبْلُغَهُ فَيُوقِعَ بِنا. فَقالَ الجُلاسُ: بَلْ نَقُولُ بِما شِئْنا، فَإنَّ مُحَمَّدًا أُذُنٌ سامِعَةٌ، ثُمَّ نَأْتِيهِ فَيُصَدِّقُنا فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في نَبْتَلَ بْنِ الحارِثِ كانَ يَنُمُّ حَدِيثَ الرَّسُولِ إلى المُنافِقِينَ، فَقِيلَ لَهُ: لا تَفْعَلْ، فَقالَ ذَلِكَ القَوْلَ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في الجُلاسِ وزَمْعَةَ بْنِ ثابِتٍ في آخَرِينَ أرادُوا أنْ يَقَعُوا في الرَّسُولِ وعِنْدَهم غُلامٌ مِنَ الأنْصارِ يُدْعى عامِرُ بْنُ قَيْسٍ فَحَقَرُوهُ، فَقالُوا: لَئِنْ كانَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا لَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ، فَغَضِبَ الغُلامُ فَقالَ: واللَّهِ إنَّ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقٌّ، وأنْتُمْ لَشَرُّ مِنَ الحَمِيرِ، ثُمَّ أتى رَسُولَ اللَّهِ فَأخْبَرَهُ فَدَعاهم، فَسَألَهم، فَحَلَفُوا إنَّ عامِرًا كاذِبٌ، وحَلَفَ عامِرٌ إنَّهم كَذَبَةٌ وقالَ: اللَّهُمَّ لا تُفَرِّقُ بَيْنَنا حَتّى يَتَبَيَّنَ صِدْقُ الصّادِقِ وكَذِبُ الكاذِبِ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم لِيُرْضُوكُمْ﴾، فَقالَ: رَجُلٌ أُذُنٌ إذا كانَ يَسْمَعُ مَقالَ كُلِّ أحَدٍ، يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ، قالَهُ الجَوْهَرِيُّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الأُذُنُ الرَّجُلُ الَّذِي يُصَدِّقُ كُلَّ ما يَسْمَعُ، ويَقْبَلُ قَوْلَ كُلِّ أحَدٍ، سُمِّيَ بِالجارِحَةِ الَّتِي هي آلَةُ السَّماعِ، كَأنَّ جُمْلَتَهُ أُذُنٌ سامِعَةٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهم لِلرِّئْيَةِ: عَيْنٌ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎قَدْ صِرْتُ أُذُنًا لِلْوُشاةِ سَمِيعَةً ∗∗∗ يَنالُونَ مِن عِرْضِي ولَوْ شِئْتُ ما نالُوا وهَذا مِنهم تَنْقِيصٌ لِلرَّسُولِ، إذْ وصَفُوهُ بِقِلَّةِ الحَزامَةِ والِانْخِداعِ. وقِيلَ: المَعْنى ذُو أُذُنٍ، فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: أُذُنٌ حَدِيدُ السَّمْعِ، رُبَّما سَمِعَ مَقالَتَنا. وقِيلَ: أُذُنٌ وصْفٌ بُنِيَ عَلى فَعَلَ مِن أذَنَ يَأْذَنُ أُذُنًا إذا اسْتَمَعَ، نَحْوَ أنَفَ وشَلَلَ وارْتَفَعَ. أُذُنٌ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ؛ أيْ: قُلْ هو أُذُنُ خَيْرٍ لَكم. وهَذِهِ الإضافَةُ نَظِيرُها قَوْلُهم: رَجُلُ صِدْقٍ، تُرِيدُ الجَوْدَةَ والصَّلاحَ. كَأنَّهُ قِيلَ: نَعَمْ هو أُذُنٌ، ولَكِنْ نِعْمَ الأُذُنُ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ هو أُذُنٌ في الخَيْرِ والحَقِّ وما يَجِبُ سَماعُهُ وقَبُولُهُ، ولَيْسَ بِأُذُنٍ في غَيْرِ ذَلِكَ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ (خَيْرٍ) و(رَحْمَةٍ) في قِراءَةِ مَن جَرَّها عَطْفًا عَلى (خَيْرٍ) أيْ: هو أُذُنُ خَيْرٍ ورَحْمَةٍ لا يَسْمَعُ غَيْرَهُما ولا يَقْبَلُهُ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقَرَأ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ في (p-٦٣)رِوايَةٍ: (قُلْ أُذُنٌ) بِالتَّنْوِينِ (خَيْرٌ) بِالرَّفْعِ. وجَوَّزُوا في (أُذُنٌ) أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، و”خَيْرٌ“ خَبَرٌ ثانٍ لِذَلِكَ المَحْذُوفِ، أيْ: هو أُذُنٌ هو خَيْرٌ لَكم، لِأنَّهُ ﷺ يَقْبَلُ مَعاذِيرَكم ولا يُكافِئُكم عَلى سُوءِ خَلَّتِكم. وأنْ يَكُونَ (خَيْرٌ) صِفَةً لِـ (أُذُنٌ)، أيْ: أُذُنٌ ذُو خَيْرٍ لَكم. أوْ عَلى أنَّ (خَيْرًا) أفْعَلُ تَفْضِيلٍ، أيْ: أكْثَرُ خَيْرًا لَكم، وأنْ يَكُونَ (أُذُنٌ) مُبْتَدَأً، خَبَرُهُ (خَيْرٌ) . وجازَ أنْ يُخْبَرَ بِالنَّكِرَةِ عَنِ النَّكِرَةِ مَعَ حُصُولِ الفائِدَةِ فِيهِ، قالَهُ صاحِبُ اللَّوامِحِ، وهو جائِزٌ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ وصْفٍ، أيْ: أُذُنٌ لا يُؤاخِذُكم خَيْرٌ لَكم، ثُمَّ وصَفَهُ تَعالى بِأنَّهُ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ، ومَن آمَنَ بِاللَّهِ كانَ خائِفًا مِنهُ لا يُقْدِمُ عَلى الإيذاءِ بِالباطِلِ، ﴿ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، أيْ: يَسْمَعُ مِنَ المُؤْمِنِينَ ويُسَلِّمُ لَهم ما يَقُولُونَ، ويُصَدِّقُهم لِكَوْنِهِمْ مُؤْمِنِينَ، فَهم صادِقُونَ. و﴿ورَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾، وخَصَّ المُؤْمِنِينَ وإنْ كانَ رَحْمَةً لِلْعالِمِينَ؛ لِأنَّ ما حَصَلَ لَهم بِالإيمانِ بِسَبَبِ الرَّسُولِ لَمْ يَحْصُلْ لِغَيْرِهِمْ، وخُصُّوا هُنا بِالذِّكْرِ وإنْ كانُوا قَدْ دَخَلُوا في العالَمِينَ لِحُصُولِ مَزِيَّتِهِمْ. وهَذِهِ الأوْصافُ الثَّلاثَةُ مُبَيِّنَةٌ جِهَةَ الخَيْرِيَّةِ، ومُظْهِرَةٌ كَوْنِهِ أُذُنَ خَيْرٍ. وتَعَدِّيَةُ (يُؤْمِنُ) أوَّلًا بِالباءِ، وثانِيًا بِاللّامِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هُما زائِدانِ، والمَعْنى: يُصَدِّقُ اللَّهَ، ويُصَدِّقُ المُؤْمِنِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَصَدَ التَّصْدِيقَ بِاللَّهِ الَّذِي هو نَقِيضُ الكُفْرِ، فَعُدِّيَ بِالباءِ، وقَصَدَ الِاسْتِماعَ لِلْمُؤْمِنِينَ، وأنْ يُسَلِّمَ لَهم ما يَقُولُونَ فَعُدِّيَ بِاللّامِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا ولَوْ كُنّا صادِقِينَ﴾ [يوسف: ١٧] ما أغْناهُ عَنِ الباءِ، ونَحْوُهُ ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ﴾ [يونس: ٨٣]، ﴿أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١] ﴿آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ [طه: ٧١] . انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ يُصَدِّقُ بِاللَّهِ، ﴿ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ قِيلَ: مَعْناهُ ويُصَدِّقُ المُؤْمِنِينَ، واللّامُ زائِدَةٌ كَما هي في ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: ٧٢] وقالَ المُبَرِّدُ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ مِنَ الفِعْلِ، كَأنَّهُ قالَ: وإيمانُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ، أيْ: وتَصْدِيقُهُ. وقِيلَ: يُقالُ آمَنتُ لَكَ بِمَعْنى صَدَّقْتُكَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا﴾ [يوسف: ١٧] وعِنْدِي أنَّ هَذِهِ الَّتِي مَعَها اللّامُ في ضِمْنِها باءٌ، فالمَعْنى: ويُصَدِّقُ لِلْمُؤْمِنِينَ فِيما يُخْبِرُونَهُ بِهِ، وكَذَلِكَ ﴿وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا﴾ [يوسف: ١٧] بِما نَقُولُهُ لَكَ. انْتَهى. وقَرَأ أُبَيٌّ، وعَبْدُ اللَّهِ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ: (ورَحْمَةٍ) بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى (خَيْرٍ)، فالجُمْلَةُ مِن (يُؤْمِنُ) اعْتِراضٌ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى (يُؤْمِنُ)، و(يُؤْمِنُ) صِفَةٌ لِـ ﴿أُذُنُ خَيْرٍ﴾ . وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِالنَّصْبِ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ حُذِفَ مُتَعَلَّقُهُ، التَّقْدِيرُ: ورَحْمَةً يَأْذَنُ لَكم، فَحُذِفَ لِدَلالَةِ ﴿أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ عَلَيْهِ. وأبْرَزَ اسْمَ الرَّسُولِ ولَمْ يَأْتِ بِهِ ضَمِيرًا عَلى نَسَقِ (يُؤْمِنُ) بِلَفْظِ الرَّسُولِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وجَمْعًا لَهُ في الآيَةِ بَيْنَ الرُّتْبَتَيْنِ العَظِيمَتَيْنِ مِنَ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، وإضافَتُهُ إلَيْهِ زِيادَةٌ في تَشْرِيفِهِ، وحَتَمَ عَلى مَن أذاهُ بِالعَذابِ الألِيمِ، وحُقَّ لَهم ذَلِكَ ﴿والَّذِينَ يُؤْذُونَ﴾ عامٌّ يَنْدَرِجُ فِيهِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أذَوْا هَذا الإيذاءَ الخاصَّ وغَيْرُهم. ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم لِيُرْضُوكم واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾: الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (يَحْلِفُونَ) عائِدٌ عَلى الَّذِينَ يَقُولُونَ: (هو أُذُنٌ) أنْكَرُوهُ وحَلَفُوا أنَّهم ما قالُوهُ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الَّذِينَ قالُوا: إنْ كانَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا، فَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَلَمّا رَجَعَ الرَّسُولُ والمُؤْمِنُونَ اعْتَذَرُوا وحَلَفُوا واعْتَلُّوا، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، واخْتارَهُ البَيْهَقِيُّ. وكانُوا ثَلاثَةً وثَمانِينَ، حَلَفَ مِنهم ثَمانُونَ، فَقَبِلَ الرَّسُولُ أعْذارَهم واعْتَرَفَ (p-٦٤)مِنهم بِالحَقِّ ثَلاثَةٌ، فَأطْلَعَ اللَّهُ رَسُولَهُ عَلى كَذِبِهِمْ ونِفاقِهِمْ، وهَلَكُوا جَمِيعًا بِآفاتٍ، ونَجا الَّذِينَ صَدَقُوا. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ومَن مَعَهُ حَلَفُوا ألّا يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ولِيَكُونُوا مَعَهُ عَلى عَدُوِّهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المُرادُ جَمِيعُ المُنافِقِينَ الَّذِينَ يَحْلِفُونَ لِلرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ إنَّهم مَعَهم في الدِّينِ وفي كُلِّ أمْرٍ وحَرْبٍ، وهم يُبْطِنُونَ النِّفاقَ، ويَتَرَبَّصُونَ بِالمُؤْمِنِينَ الدَّوائِرَ، وهَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِن أهْلِ التَّأْوِيلِ. واللّامُ في (لِيُرْضُوكم) لامُ كَيْ، وأخْطَأ مَن ذَهَبَ إلى أنَّها جَوابُ القَسَمِ، وأُفْرِدَ الضَّمِيرُ في (أنْ يُرْضُوهُ) لِأنَّهُما في حُكْمِ مَرْضِيٍّ واحِدٍ، إذْ رِضا اللَّهِ هو رِضا الرَّسُولِ، أوْ يَكُونُ في الكَلامِ حَذْفٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُما جُمْلَتانِ، حُذِفَتِ الأُولى لِدَلالَةِ الثّانِيَةِ عَلَيْها، والتَّقْدِيرُ عِنْدَهُ: واللَّهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ، ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ. وهَذا كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما ∗∗∗ عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ ومَذْهَبُ المُبَرِّدِ: أنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، وتَقْدِيرُهُ: واللَّهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ ورَسُولُهُ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى المَذْكُورِ كَما قالَ رُؤْبَةُ: ؎فِيها خُطُوطٌ مِن سَوادٍ وبَلَقْ ∗∗∗ كَأنَّها في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ انْتَهى. فَقَوْلُهُ: ”مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُما جُمْلَتانِ حُذِفَتِ الأُولى لِدَلالَةِ الثّانِيَةِ عَلَيْها“ إنْ كانَ الضَّمِيرُ في ”أنَّهُما“ عائِدًا عَلى كُلِّ واحِدَةٍ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ - فَكَيْفَ تَقُولُ: حُذِفَتِ الأُولى، ولَمْ تُحْذَفِ الأُولى إنَّما حُذِفَ خَبَرُها ؟ وإنْ كانَ الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى الخَبَرِ، وهو ﴿أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾، فَلا يَكُونُ جُمْلَةً إلّا بِاعْتِقادِ كَوْنِ (أنْ يُرْضُوهُ) مُبْتَدَأً و(أحَقُّ) المُتَقَدِّمُ خَبَرَهُ، لَكِنْ لا يَتَعَيَّنُ هَذا القَوْلُ، إذْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ مُفْرَدًا بِأنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: أحَقُّ بِأنْ يُرْضُوهُ. وعَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: واللَّهُ إرْضاؤُهُ أحَقُّ. وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: واللَّهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ ورَسُولُهُ كَذَلِكَ. ﴿إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ كَما يَزْعُمُونَ، فَأحَقُّ مَن يُرْضُونَهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ بِالطّاعَةِ والوِفاقِ. ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدًا فِيها ذَلِكَ الخِزْيُ العَظِيمُ﴾؛ أيْ: ألَمْ يَعْلَمِ المُنافِقُونَ ؟ وهو اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَّوْبِيخُ والإنْكارُ. وقَرَأ الحَسَنُ والأعْرَجُ: بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، فالظّاهِرُ أنَّهُ التِفاتٌ، فَهو خِطابٌ لِلْمُنافِقِينَ. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ، فَيَكُونُ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرَ. وإنْ كانَ خِطابًا لِلرَّسُولِ فَهو خِطابُ تَعْظِيمٍ، والِاسْتِفْهامُ فِيهِ لِلتَّعَجُّبِ، والتَّقْدِيرُ: ألا تَعْجَبَ مِن جَهْلِهِمْ في مُحادَّةِ اللَّهِ تَعالى، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: ”ألَمْ يَعْلَمْ“ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَلى خِطابِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ. انْتَهى. والأوْلى أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلسّامِعِ، قالَ أهْلُ المَعانِي: ألَمْ تَعْلَمْ، الخِطابُ لِمَن حاوَلَ تَعْلِيمَ إنْسانٍ شَيْئًا مُدَّةً وبالَغَ في ذَلِكَ التَّعْلِيمِ فَلَمْ يَعْلَمْ فَقالَ لَهُ: ألَمْ تَعْلَمْ بَعْدَ المَباحِثِ (p-٦٥)الظّاهِرَةِ والمُدَّةِ المَدِيدَةِ ؟ ! وحَسُنَ ذَلِكَ لِأنَّهُ طالَ مُكْثُ النَّبِيِّ ﷺ مَعَهُ، وكَثُرَ مِنهُ التَّحْذِيرُ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ والتَّرْغِيبُ في طاعَةِ اللَّهِ. قالَ بَعْضُهم: المُحادَّةُ المُخالَفَةُ، حادَدْتُهُ خالَفْتُهُ، واشْتِقاقُهُ مِنَ الحَدِّ أيْ كانَ عَلى حَدٍّ غَيْرِ حادَّةٍ كَقَوْلِكَ: شاقَّهُ، كانَ في شِقٍّ غَيْرِ شِقِّهِ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُحادَّةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الحَدِيدِ، حَدِيدِ السِّلاحِ. والمُحادَّةُ هُنا، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُخالَفَةُ. وقِيلَ: المُحارَبَةُ. وقِيلَ: المُعانَدَةُ. وقِيلَ: المُعاداةُ. وقِيلَ: مُجاوَزَةُ الحَدِّ في المُخالَفَةِ. وهَذِهِ أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (فَأنَّ لَهُ) بِالفَتْحِ، والفاءُ جَوابُ الشَّرْطِ، فَتَقْتَضِي جُمْلَةً، و(أنَّ لَهُ) مُفْرَدٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مُقَدَّمًا نَكِرَةً، أيْ: فَحُقَّ أنْ يَكُونَ، وقَدَّرَهُ غَيْرُهُ مُتَأخِّرًا، أيْ: فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ واجِبٌ، قالَهُ الأخْفَشُ، ورَدَّ عَلَيْهِ بِأنَّ (أنَّ) لا يُبْتَدَأُ بِها مُتَقَدِّمَةً عَلى الخَبَرِ، وهَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ والجُمْهُورِ. وأجازَ الأخْفَشُ والفَرّاءُ وأبُو حاتِمٍ الِابْتِداءَ بِها مُتَقَدِّمَةً عَلى الخَبَرِ، فالأخْفَشُ خَرَجَ ذَلِكَ عَلى أصْلِهِ، أوْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: فالواجِبُ أنَّ لَهُ النّارَ. قالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: وقالَ الجَرْمِيُّ والمُبَرَّدُ: (أنَّ) الثّانِيَةُ مُكَرَّرَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، كَأنَّ التَّقْدِيرَ: فَلَهُ نارُ جَهَنَّمَ، وكَرَّرَ (أنَّ) تَوْكِيدًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (فَأنَّ لَهُ) مَعْطُوفًا عَلى ”أنَّهُ“، عَلى أنَّ جَوابَ ”مَن“ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ يَهْلَكْ فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ. انْتَهى. فَيَكُونُ ﴿فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ. وهَذا الَّذِي قَدَّرَهُ لا يَصِحُّ، لِأنَّهم نَصُّوا عَلى أنَّهُ إذا حُذِفَ الجَوابُ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ كانَ فِعْلُ الشَّرْطِ ماضِيًا في اللَّفْظِ، أوْ مُضارِعًا مَجْزُومًا بِـ ”لَمْ“، فَمِن كَلامِهِمْ: ”أنْتَ ظالِمٌ إنْ فَعَلْتَ“، ولا يَجُوزُ ”إنْ تَفْعَلْ“، وهُنا حُذِفَ جَوابُ الشَّرْطِ، وفِعْلُ الشَّرْطِ لَيْسَ ماضِيَ اللَّفْظِ ولا مُضارِعًا مَقْرُونًا بِـ ”لَمْ“، وذَلِكَ إنْ جاءَ في كَلامِهِمْ فَمَخْصُوصٌ بِالضَّرُورَةِ. وأيْضًا فَتَجِدُ الكَلامَ تامًّا دُونَ تَقْدِيرِ هَذا الجَوابِ. ونَقَلُوا عَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّ ”أنَّ“ بَدَلٌ مِن ”أنَّهُ“ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا مُعْتَرَضٌ بِأنَّ الشَّيْءَ لا يُبْدَلُ مِنهُ حَتّى يُسْتَوْفى. والأوْلى في هَذا المَوْضِعِ: لَمْ يَأْتِ خَبَرُها بَعْدَ أنْ لَمْ يَتِمَّ جَوابُ الشَّرْطِ، وتِلْكَ الجُمْلَةُ هي الخَبَرُ. وأيْضًا فَإنَّ الفاءَ مانِعُ البَدَلِ، وأيْضًا فَهي مَعْنًى آخَرُ غَيْرُ الأوَّلِ، فَيَقْلَقُ البَدَلُ، وإذا تُلُطِّفَ لِلْبَدَلِ فَهو بَدَلُ اشْتِمالٍ. انْتَهى. وقالَ أبُو البَقاءِ: وهَذا - يَعْنِي البَدَلَ - ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الفاءَ الَّتِي مَعَها تَمْنَعُ مِن ذَلِكَ، والحُكْمُ بِزِيادَتِها ضَعِيفٌ. والثّانِي: أنَّ جَعْلَها بَدَلًا يُوجِبُ سُقُوطَ جَوابِ الكَلامِ. انْتَهى. وقِيلَ: هو عَلى إسْقاطِ اللّامِ، أيْ: فَلِأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ، فالفاءُ جَوابُ الشَّرْطِ، ويَحْتاجُ إلى إضْمارِ ما يَتِمُّ بِهِ جَوابُ الشَّرْطِ جُمْلَةً، أيْ: فَمُحادَّتُهُ؛ لِأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ”فَإنَّ لَهُ“ بِالكَسْرِ في الهَمْزَةِ، حَكاها عَنْهُ أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ، وهي قِراءَةُ مَحْبُوبٍ عَنِ الحَسَنِ، ورِوايَةُ أبِي عُبَيْدَةَ عَنْ أبِي عَمْرٍو، ووَجْهُهُ في العَرَبِيَّةِ قَوِيٌّ؛ لِأنَّ الفاءَ تَقْتَضِي الِاسْتِئْنافَ، والكَسْرُ مُخْتارٌ لِأنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى إضْمارٍ، بِخِلافِ الفَتْحِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎فَمَن يَكُ سائِلًا عَنِّي فَإنِّي ∗∗∗ وجِرْوَةَ لا تَرُودُ ولا تُعارُ وعَلى هَذا يَجُوزُ في ”أنَّ“ بَعْدَ فاءِ الجَزاءِ وجْهانِ: الفَتْحُ، والكَسْرُ. ذَلِكَ لِأنَّ كَيْنُونَةَ النّارِ لَهُ خالِدًا فِيها هو الهَوانُ العَظِيمُ كَما قالَ رَبُّنا: ﴿إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢] .

التوبة 9:62

﴿ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ ويَقُولُونَ هو أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكم يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ورَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم لِيُرْضُوكم واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدًا فِيها ذَلِكَ الخِزْيُ العَظِيمُ﴾ ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهم بِما في قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ٦٤] ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ قُلْ أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة: ٦٥] ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكم إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنكم نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [التوبة: ٦٦] ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ ويَقْبِضُونَ أيْدِيَهم نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهم إنَّ المُنافِقِينَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٦٧] ﴿وعَدَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والكُفّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هي حَسْبُهم ولَعَنَهُمُ اللَّهُ ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٨] ﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكم كانُوا أشَدَّ مِنكم قُوَّةً وأكْثَرَ أمْوالًا وأوْلادًا فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكم كَما اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم بِخَلاقِهِمْ وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ وأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [التوبة: ٦٩] ﴿ألَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ إبْراهِيمَ وأصْحابِ مَدْيَنَ والمُؤْتَفِكاتِ أتَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ [التوبة: ٧٠] ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ ويُطِيعُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٧١] ﴿وعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [التوبة: ٧٢] الِاعْتِذارُ: (p-٦٢)التَّنَصُّلُ مِنَ الذَّنْبِ، فَقِيلَ: أصْلُهُ المَحْوُ، مِن قَوْلِهِمْ: اعْتَذَرَتِ المَنازِلُ ودَرَسَتْ، فالمُعْتَذِرُ يُحاوِلُ إزالَةَ ذَنْبِهِ. قالَ ابْنُ أحْمَرَ: ؎قَدْ كُنْتَ تَعْرِفُ آياتٍ فَقَدْ جَعَلَتْ إطْلالَ إلْفِكَ بِالوَعْساءِ تَعْتَذِرُ وعَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ: أنَّ الِاعْتِذارَ هو القَطْعُ، ومِنهُ عُذْرَةُ الجارِيَةِ لِأنَّها تُعْذَرُ أيْ تُقْطَعُ، واعْتَذَرَتِ المِياهُ انْقَطَعَتْ، والعُذْرُ سَبَبٌ لِقَطْعِ الذَّمِّ. عَدَنَ بِالمَكانِ يَعْدِنُ عُدُونًا أقامَ، قالَهُ أبُو زَيْدٍ وابْنُ الأعْرابِيِّ. قالَ الأعْشى: ؎وإنْ يَسْتَضِيفُوا إلى حِلْمِهِ ∗∗∗ يُضافُوا إلى راجِحٍ قَدْ عَدَنَ وتَقُولُ العَرَبُ: تُرِكَتِ إبِلُ فُلانٍ عَوادِنَ بِمَكانِ كَذا، وهو أنْ تَلْزَمَ الإبِلُ المَكانَ فَتَأْلَفَهُ ولا تَبْرَحَهُ. وسُمِّيَ المَعْدِنُ مَعْدِنًا لِإنْباتِ اللَّهِ الجَوْهَرَ فِيهِ وإثْباتِهِ إيّاهُ في الأرْضِ حَتّى عَدَنَ فِيها أيْ ثَبَتَ. وعَدَنٌ مَدِينَةٌ بِاليَمَنِ لِأنَّها أكْثَرُ مَدائِنِ اليَمَنِ قُطّانًا ودُورًا. ﴿ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ ويَقُولُونَ هو أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكم يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ورَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾: كانَ قُدّامُ بْنُ خالِدٍ وعُبَيْدُ بْنُ هِلالٍ والجُلاسُ بْنُ سُوَيْدٍ في آخَرِينَ يُؤْذُونَ الرَّسُولَ فَقالَ بَعْضُهم: لا تَفْعَلُوا فَإنّا نَخافُ أنْ يَبْلُغَهُ فَيُوقِعَ بِنا. فَقالَ الجُلاسُ: بَلْ نَقُولُ بِما شِئْنا، فَإنَّ مُحَمَّدًا أُذُنٌ سامِعَةٌ، ثُمَّ نَأْتِيهِ فَيُصَدِّقُنا فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في نَبْتَلَ بْنِ الحارِثِ كانَ يَنُمُّ حَدِيثَ الرَّسُولِ إلى المُنافِقِينَ، فَقِيلَ لَهُ: لا تَفْعَلْ، فَقالَ ذَلِكَ القَوْلَ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في الجُلاسِ وزَمْعَةَ بْنِ ثابِتٍ في آخَرِينَ أرادُوا أنْ يَقَعُوا في الرَّسُولِ وعِنْدَهم غُلامٌ مِنَ الأنْصارِ يُدْعى عامِرُ بْنُ قَيْسٍ فَحَقَرُوهُ، فَقالُوا: لَئِنْ كانَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا لَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ، فَغَضِبَ الغُلامُ فَقالَ: واللَّهِ إنَّ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقٌّ، وأنْتُمْ لَشَرُّ مِنَ الحَمِيرِ، ثُمَّ أتى رَسُولَ اللَّهِ فَأخْبَرَهُ فَدَعاهم، فَسَألَهم، فَحَلَفُوا إنَّ عامِرًا كاذِبٌ، وحَلَفَ عامِرٌ إنَّهم كَذَبَةٌ وقالَ: اللَّهُمَّ لا تُفَرِّقُ بَيْنَنا حَتّى يَتَبَيَّنَ صِدْقُ الصّادِقِ وكَذِبُ الكاذِبِ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم لِيُرْضُوكُمْ﴾، فَقالَ: رَجُلٌ أُذُنٌ إذا كانَ يَسْمَعُ مَقالَ كُلِّ أحَدٍ، يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ، قالَهُ الجَوْهَرِيُّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الأُذُنُ الرَّجُلُ الَّذِي يُصَدِّقُ كُلَّ ما يَسْمَعُ، ويَقْبَلُ قَوْلَ كُلِّ أحَدٍ، سُمِّيَ بِالجارِحَةِ الَّتِي هي آلَةُ السَّماعِ، كَأنَّ جُمْلَتَهُ أُذُنٌ سامِعَةٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهم لِلرِّئْيَةِ: عَيْنٌ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎قَدْ صِرْتُ أُذُنًا لِلْوُشاةِ سَمِيعَةً ∗∗∗ يَنالُونَ مِن عِرْضِي ولَوْ شِئْتُ ما نالُوا وهَذا مِنهم تَنْقِيصٌ لِلرَّسُولِ، إذْ وصَفُوهُ بِقِلَّةِ الحَزامَةِ والِانْخِداعِ. وقِيلَ: المَعْنى ذُو أُذُنٍ، فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: أُذُنٌ حَدِيدُ السَّمْعِ، رُبَّما سَمِعَ مَقالَتَنا. وقِيلَ: أُذُنٌ وصْفٌ بُنِيَ عَلى فَعَلَ مِن أذَنَ يَأْذَنُ أُذُنًا إذا اسْتَمَعَ، نَحْوَ أنَفَ وشَلَلَ وارْتَفَعَ. أُذُنٌ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ؛ أيْ: قُلْ هو أُذُنُ خَيْرٍ لَكم. وهَذِهِ الإضافَةُ نَظِيرُها قَوْلُهم: رَجُلُ صِدْقٍ، تُرِيدُ الجَوْدَةَ والصَّلاحَ. كَأنَّهُ قِيلَ: نَعَمْ هو أُذُنٌ، ولَكِنْ نِعْمَ الأُذُنُ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ هو أُذُنٌ في الخَيْرِ والحَقِّ وما يَجِبُ سَماعُهُ وقَبُولُهُ، ولَيْسَ بِأُذُنٍ في غَيْرِ ذَلِكَ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ (خَيْرٍ) و(رَحْمَةٍ) في قِراءَةِ مَن جَرَّها عَطْفًا عَلى (خَيْرٍ) أيْ: هو أُذُنُ خَيْرٍ ورَحْمَةٍ لا يَسْمَعُ غَيْرَهُما ولا يَقْبَلُهُ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقَرَأ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ في (p-٦٣)رِوايَةٍ: (قُلْ أُذُنٌ) بِالتَّنْوِينِ (خَيْرٌ) بِالرَّفْعِ. وجَوَّزُوا في (أُذُنٌ) أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، و”خَيْرٌ“ خَبَرٌ ثانٍ لِذَلِكَ المَحْذُوفِ، أيْ: هو أُذُنٌ هو خَيْرٌ لَكم، لِأنَّهُ ﷺ يَقْبَلُ مَعاذِيرَكم ولا يُكافِئُكم عَلى سُوءِ خَلَّتِكم. وأنْ يَكُونَ (خَيْرٌ) صِفَةً لِـ (أُذُنٌ)، أيْ: أُذُنٌ ذُو خَيْرٍ لَكم. أوْ عَلى أنَّ (خَيْرًا) أفْعَلُ تَفْضِيلٍ، أيْ: أكْثَرُ خَيْرًا لَكم، وأنْ يَكُونَ (أُذُنٌ) مُبْتَدَأً، خَبَرُهُ (خَيْرٌ) . وجازَ أنْ يُخْبَرَ بِالنَّكِرَةِ عَنِ النَّكِرَةِ مَعَ حُصُولِ الفائِدَةِ فِيهِ، قالَهُ صاحِبُ اللَّوامِحِ، وهو جائِزٌ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ وصْفٍ، أيْ: أُذُنٌ لا يُؤاخِذُكم خَيْرٌ لَكم، ثُمَّ وصَفَهُ تَعالى بِأنَّهُ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ، ومَن آمَنَ بِاللَّهِ كانَ خائِفًا مِنهُ لا يُقْدِمُ عَلى الإيذاءِ بِالباطِلِ، ﴿ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، أيْ: يَسْمَعُ مِنَ المُؤْمِنِينَ ويُسَلِّمُ لَهم ما يَقُولُونَ، ويُصَدِّقُهم لِكَوْنِهِمْ مُؤْمِنِينَ، فَهم صادِقُونَ. و﴿ورَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾، وخَصَّ المُؤْمِنِينَ وإنْ كانَ رَحْمَةً لِلْعالِمِينَ؛ لِأنَّ ما حَصَلَ لَهم بِالإيمانِ بِسَبَبِ الرَّسُولِ لَمْ يَحْصُلْ لِغَيْرِهِمْ، وخُصُّوا هُنا بِالذِّكْرِ وإنْ كانُوا قَدْ دَخَلُوا في العالَمِينَ لِحُصُولِ مَزِيَّتِهِمْ. وهَذِهِ الأوْصافُ الثَّلاثَةُ مُبَيِّنَةٌ جِهَةَ الخَيْرِيَّةِ، ومُظْهِرَةٌ كَوْنِهِ أُذُنَ خَيْرٍ. وتَعَدِّيَةُ (يُؤْمِنُ) أوَّلًا بِالباءِ، وثانِيًا بِاللّامِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هُما زائِدانِ، والمَعْنى: يُصَدِّقُ اللَّهَ، ويُصَدِّقُ المُؤْمِنِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَصَدَ التَّصْدِيقَ بِاللَّهِ الَّذِي هو نَقِيضُ الكُفْرِ، فَعُدِّيَ بِالباءِ، وقَصَدَ الِاسْتِماعَ لِلْمُؤْمِنِينَ، وأنْ يُسَلِّمَ لَهم ما يَقُولُونَ فَعُدِّيَ بِاللّامِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا ولَوْ كُنّا صادِقِينَ﴾ [يوسف: ١٧] ما أغْناهُ عَنِ الباءِ، ونَحْوُهُ ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ﴾ [يونس: ٨٣]، ﴿أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١] ﴿آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ [طه: ٧١] . انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ يُصَدِّقُ بِاللَّهِ، ﴿ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ قِيلَ: مَعْناهُ ويُصَدِّقُ المُؤْمِنِينَ، واللّامُ زائِدَةٌ كَما هي في ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: ٧٢] وقالَ المُبَرِّدُ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ مِنَ الفِعْلِ، كَأنَّهُ قالَ: وإيمانُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ، أيْ: وتَصْدِيقُهُ. وقِيلَ: يُقالُ آمَنتُ لَكَ بِمَعْنى صَدَّقْتُكَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا﴾ [يوسف: ١٧] وعِنْدِي أنَّ هَذِهِ الَّتِي مَعَها اللّامُ في ضِمْنِها باءٌ، فالمَعْنى: ويُصَدِّقُ لِلْمُؤْمِنِينَ فِيما يُخْبِرُونَهُ بِهِ، وكَذَلِكَ ﴿وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا﴾ [يوسف: ١٧] بِما نَقُولُهُ لَكَ. انْتَهى. وقَرَأ أُبَيٌّ، وعَبْدُ اللَّهِ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ: (ورَحْمَةٍ) بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى (خَيْرٍ)، فالجُمْلَةُ مِن (يُؤْمِنُ) اعْتِراضٌ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى (يُؤْمِنُ)، و(يُؤْمِنُ) صِفَةٌ لِـ ﴿أُذُنُ خَيْرٍ﴾ . وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِالنَّصْبِ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ حُذِفَ مُتَعَلَّقُهُ، التَّقْدِيرُ: ورَحْمَةً يَأْذَنُ لَكم، فَحُذِفَ لِدَلالَةِ ﴿أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ عَلَيْهِ. وأبْرَزَ اسْمَ الرَّسُولِ ولَمْ يَأْتِ بِهِ ضَمِيرًا عَلى نَسَقِ (يُؤْمِنُ) بِلَفْظِ الرَّسُولِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وجَمْعًا لَهُ في الآيَةِ بَيْنَ الرُّتْبَتَيْنِ العَظِيمَتَيْنِ مِنَ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، وإضافَتُهُ إلَيْهِ زِيادَةٌ في تَشْرِيفِهِ، وحَتَمَ عَلى مَن أذاهُ بِالعَذابِ الألِيمِ، وحُقَّ لَهم ذَلِكَ ﴿والَّذِينَ يُؤْذُونَ﴾ عامٌّ يَنْدَرِجُ فِيهِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أذَوْا هَذا الإيذاءَ الخاصَّ وغَيْرُهم. ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم لِيُرْضُوكم واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾: الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (يَحْلِفُونَ) عائِدٌ عَلى الَّذِينَ يَقُولُونَ: (هو أُذُنٌ) أنْكَرُوهُ وحَلَفُوا أنَّهم ما قالُوهُ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الَّذِينَ قالُوا: إنْ كانَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا، فَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَلَمّا رَجَعَ الرَّسُولُ والمُؤْمِنُونَ اعْتَذَرُوا وحَلَفُوا واعْتَلُّوا، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، واخْتارَهُ البَيْهَقِيُّ. وكانُوا ثَلاثَةً وثَمانِينَ، حَلَفَ مِنهم ثَمانُونَ، فَقَبِلَ الرَّسُولُ أعْذارَهم واعْتَرَفَ (p-٦٤)مِنهم بِالحَقِّ ثَلاثَةٌ، فَأطْلَعَ اللَّهُ رَسُولَهُ عَلى كَذِبِهِمْ ونِفاقِهِمْ، وهَلَكُوا جَمِيعًا بِآفاتٍ، ونَجا الَّذِينَ صَدَقُوا. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ومَن مَعَهُ حَلَفُوا ألّا يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ولِيَكُونُوا مَعَهُ عَلى عَدُوِّهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المُرادُ جَمِيعُ المُنافِقِينَ الَّذِينَ يَحْلِفُونَ لِلرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ إنَّهم مَعَهم في الدِّينِ وفي كُلِّ أمْرٍ وحَرْبٍ، وهم يُبْطِنُونَ النِّفاقَ، ويَتَرَبَّصُونَ بِالمُؤْمِنِينَ الدَّوائِرَ، وهَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِن أهْلِ التَّأْوِيلِ. واللّامُ في (لِيُرْضُوكم) لامُ كَيْ، وأخْطَأ مَن ذَهَبَ إلى أنَّها جَوابُ القَسَمِ، وأُفْرِدَ الضَّمِيرُ في (أنْ يُرْضُوهُ) لِأنَّهُما في حُكْمِ مَرْضِيٍّ واحِدٍ، إذْ رِضا اللَّهِ هو رِضا الرَّسُولِ، أوْ يَكُونُ في الكَلامِ حَذْفٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُما جُمْلَتانِ، حُذِفَتِ الأُولى لِدَلالَةِ الثّانِيَةِ عَلَيْها، والتَّقْدِيرُ عِنْدَهُ: واللَّهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ، ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ. وهَذا كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما ∗∗∗ عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ ومَذْهَبُ المُبَرِّدِ: أنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، وتَقْدِيرُهُ: واللَّهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ ورَسُولُهُ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى المَذْكُورِ كَما قالَ رُؤْبَةُ: ؎فِيها خُطُوطٌ مِن سَوادٍ وبَلَقْ ∗∗∗ كَأنَّها في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ انْتَهى. فَقَوْلُهُ: ”مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُما جُمْلَتانِ حُذِفَتِ الأُولى لِدَلالَةِ الثّانِيَةِ عَلَيْها“ إنْ كانَ الضَّمِيرُ في ”أنَّهُما“ عائِدًا عَلى كُلِّ واحِدَةٍ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ - فَكَيْفَ تَقُولُ: حُذِفَتِ الأُولى، ولَمْ تُحْذَفِ الأُولى إنَّما حُذِفَ خَبَرُها ؟ وإنْ كانَ الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى الخَبَرِ، وهو ﴿أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾، فَلا يَكُونُ جُمْلَةً إلّا بِاعْتِقادِ كَوْنِ (أنْ يُرْضُوهُ) مُبْتَدَأً و(أحَقُّ) المُتَقَدِّمُ خَبَرَهُ، لَكِنْ لا يَتَعَيَّنُ هَذا القَوْلُ، إذْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ مُفْرَدًا بِأنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: أحَقُّ بِأنْ يُرْضُوهُ. وعَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: واللَّهُ إرْضاؤُهُ أحَقُّ. وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: واللَّهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ ورَسُولُهُ كَذَلِكَ. ﴿إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ كَما يَزْعُمُونَ، فَأحَقُّ مَن يُرْضُونَهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ بِالطّاعَةِ والوِفاقِ. ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدًا فِيها ذَلِكَ الخِزْيُ العَظِيمُ﴾؛ أيْ: ألَمْ يَعْلَمِ المُنافِقُونَ ؟ وهو اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَّوْبِيخُ والإنْكارُ. وقَرَأ الحَسَنُ والأعْرَجُ: بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، فالظّاهِرُ أنَّهُ التِفاتٌ، فَهو خِطابٌ لِلْمُنافِقِينَ. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ، فَيَكُونُ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرَ. وإنْ كانَ خِطابًا لِلرَّسُولِ فَهو خِطابُ تَعْظِيمٍ، والِاسْتِفْهامُ فِيهِ لِلتَّعَجُّبِ، والتَّقْدِيرُ: ألا تَعْجَبَ مِن جَهْلِهِمْ في مُحادَّةِ اللَّهِ تَعالى، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: ”ألَمْ يَعْلَمْ“ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَلى خِطابِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ. انْتَهى. والأوْلى أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلسّامِعِ، قالَ أهْلُ المَعانِي: ألَمْ تَعْلَمْ، الخِطابُ لِمَن حاوَلَ تَعْلِيمَ إنْسانٍ شَيْئًا مُدَّةً وبالَغَ في ذَلِكَ التَّعْلِيمِ فَلَمْ يَعْلَمْ فَقالَ لَهُ: ألَمْ تَعْلَمْ بَعْدَ المَباحِثِ (p-٦٥)الظّاهِرَةِ والمُدَّةِ المَدِيدَةِ ؟ ! وحَسُنَ ذَلِكَ لِأنَّهُ طالَ مُكْثُ النَّبِيِّ ﷺ مَعَهُ، وكَثُرَ مِنهُ التَّحْذِيرُ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ والتَّرْغِيبُ في طاعَةِ اللَّهِ. قالَ بَعْضُهم: المُحادَّةُ المُخالَفَةُ، حادَدْتُهُ خالَفْتُهُ، واشْتِقاقُهُ مِنَ الحَدِّ أيْ كانَ عَلى حَدٍّ غَيْرِ حادَّةٍ كَقَوْلِكَ: شاقَّهُ، كانَ في شِقٍّ غَيْرِ شِقِّهِ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُحادَّةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الحَدِيدِ، حَدِيدِ السِّلاحِ. والمُحادَّةُ هُنا، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُخالَفَةُ. وقِيلَ: المُحارَبَةُ. وقِيلَ: المُعانَدَةُ. وقِيلَ: المُعاداةُ. وقِيلَ: مُجاوَزَةُ الحَدِّ في المُخالَفَةِ. وهَذِهِ أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (فَأنَّ لَهُ) بِالفَتْحِ، والفاءُ جَوابُ الشَّرْطِ، فَتَقْتَضِي جُمْلَةً، و(أنَّ لَهُ) مُفْرَدٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مُقَدَّمًا نَكِرَةً، أيْ: فَحُقَّ أنْ يَكُونَ، وقَدَّرَهُ غَيْرُهُ مُتَأخِّرًا، أيْ: فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ واجِبٌ، قالَهُ الأخْفَشُ، ورَدَّ عَلَيْهِ بِأنَّ (أنَّ) لا يُبْتَدَأُ بِها مُتَقَدِّمَةً عَلى الخَبَرِ، وهَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ والجُمْهُورِ. وأجازَ الأخْفَشُ والفَرّاءُ وأبُو حاتِمٍ الِابْتِداءَ بِها مُتَقَدِّمَةً عَلى الخَبَرِ، فالأخْفَشُ خَرَجَ ذَلِكَ عَلى أصْلِهِ، أوْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: فالواجِبُ أنَّ لَهُ النّارَ. قالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: وقالَ الجَرْمِيُّ والمُبَرَّدُ: (أنَّ) الثّانِيَةُ مُكَرَّرَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، كَأنَّ التَّقْدِيرَ: فَلَهُ نارُ جَهَنَّمَ، وكَرَّرَ (أنَّ) تَوْكِيدًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (فَأنَّ لَهُ) مَعْطُوفًا عَلى ”أنَّهُ“، عَلى أنَّ جَوابَ ”مَن“ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ يَهْلَكْ فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ. انْتَهى. فَيَكُونُ ﴿فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ. وهَذا الَّذِي قَدَّرَهُ لا يَصِحُّ، لِأنَّهم نَصُّوا عَلى أنَّهُ إذا حُذِفَ الجَوابُ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ كانَ فِعْلُ الشَّرْطِ ماضِيًا في اللَّفْظِ، أوْ مُضارِعًا مَجْزُومًا بِـ ”لَمْ“، فَمِن كَلامِهِمْ: ”أنْتَ ظالِمٌ إنْ فَعَلْتَ“، ولا يَجُوزُ ”إنْ تَفْعَلْ“، وهُنا حُذِفَ جَوابُ الشَّرْطِ، وفِعْلُ الشَّرْطِ لَيْسَ ماضِيَ اللَّفْظِ ولا مُضارِعًا مَقْرُونًا بِـ ”لَمْ“، وذَلِكَ إنْ جاءَ في كَلامِهِمْ فَمَخْصُوصٌ بِالضَّرُورَةِ. وأيْضًا فَتَجِدُ الكَلامَ تامًّا دُونَ تَقْدِيرِ هَذا الجَوابِ. ونَقَلُوا عَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّ ”أنَّ“ بَدَلٌ مِن ”أنَّهُ“ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا مُعْتَرَضٌ بِأنَّ الشَّيْءَ لا يُبْدَلُ مِنهُ حَتّى يُسْتَوْفى. والأوْلى في هَذا المَوْضِعِ: لَمْ يَأْتِ خَبَرُها بَعْدَ أنْ لَمْ يَتِمَّ جَوابُ الشَّرْطِ، وتِلْكَ الجُمْلَةُ هي الخَبَرُ. وأيْضًا فَإنَّ الفاءَ مانِعُ البَدَلِ، وأيْضًا فَهي مَعْنًى آخَرُ غَيْرُ الأوَّلِ، فَيَقْلَقُ البَدَلُ، وإذا تُلُطِّفَ لِلْبَدَلِ فَهو بَدَلُ اشْتِمالٍ. انْتَهى. وقالَ أبُو البَقاءِ: وهَذا - يَعْنِي البَدَلَ - ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الفاءَ الَّتِي مَعَها تَمْنَعُ مِن ذَلِكَ، والحُكْمُ بِزِيادَتِها ضَعِيفٌ. والثّانِي: أنَّ جَعْلَها بَدَلًا يُوجِبُ سُقُوطَ جَوابِ الكَلامِ. انْتَهى. وقِيلَ: هو عَلى إسْقاطِ اللّامِ، أيْ: فَلِأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ، فالفاءُ جَوابُ الشَّرْطِ، ويَحْتاجُ إلى إضْمارِ ما يَتِمُّ بِهِ جَوابُ الشَّرْطِ جُمْلَةً، أيْ: فَمُحادَّتُهُ؛ لِأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ”فَإنَّ لَهُ“ بِالكَسْرِ في الهَمْزَةِ، حَكاها عَنْهُ أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ، وهي قِراءَةُ مَحْبُوبٍ عَنِ الحَسَنِ، ورِوايَةُ أبِي عُبَيْدَةَ عَنْ أبِي عَمْرٍو، ووَجْهُهُ في العَرَبِيَّةِ قَوِيٌّ؛ لِأنَّ الفاءَ تَقْتَضِي الِاسْتِئْنافَ، والكَسْرُ مُخْتارٌ لِأنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى إضْمارٍ، بِخِلافِ الفَتْحِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎فَمَن يَكُ سائِلًا عَنِّي فَإنِّي ∗∗∗ وجِرْوَةَ لا تَرُودُ ولا تُعارُ وعَلى هَذا يَجُوزُ في ”أنَّ“ بَعْدَ فاءِ الجَزاءِ وجْهانِ: الفَتْحُ، والكَسْرُ. ذَلِكَ لِأنَّ كَيْنُونَةَ النّارِ لَهُ خالِدًا فِيها هو الهَوانُ العَظِيمُ كَما قالَ رَبُّنا: ﴿إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢] .

التوبة 9:63

﴿ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ ويَقُولُونَ هو أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكم يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ورَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم لِيُرْضُوكم واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدًا فِيها ذَلِكَ الخِزْيُ العَظِيمُ﴾ ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهم بِما في قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ٦٤] ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ قُلْ أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة: ٦٥] ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكم إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنكم نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [التوبة: ٦٦] ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ ويَقْبِضُونَ أيْدِيَهم نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهم إنَّ المُنافِقِينَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٦٧] ﴿وعَدَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والكُفّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هي حَسْبُهم ولَعَنَهُمُ اللَّهُ ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٨] ﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكم كانُوا أشَدَّ مِنكم قُوَّةً وأكْثَرَ أمْوالًا وأوْلادًا فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكم كَما اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم بِخَلاقِهِمْ وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ وأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [التوبة: ٦٩] ﴿ألَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ إبْراهِيمَ وأصْحابِ مَدْيَنَ والمُؤْتَفِكاتِ أتَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ [التوبة: ٧٠] ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ ويُطِيعُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٧١] ﴿وعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [التوبة: ٧٢] الِاعْتِذارُ: (p-٦٢)التَّنَصُّلُ مِنَ الذَّنْبِ، فَقِيلَ: أصْلُهُ المَحْوُ، مِن قَوْلِهِمْ: اعْتَذَرَتِ المَنازِلُ ودَرَسَتْ، فالمُعْتَذِرُ يُحاوِلُ إزالَةَ ذَنْبِهِ. قالَ ابْنُ أحْمَرَ: ؎قَدْ كُنْتَ تَعْرِفُ آياتٍ فَقَدْ جَعَلَتْ إطْلالَ إلْفِكَ بِالوَعْساءِ تَعْتَذِرُ وعَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ: أنَّ الِاعْتِذارَ هو القَطْعُ، ومِنهُ عُذْرَةُ الجارِيَةِ لِأنَّها تُعْذَرُ أيْ تُقْطَعُ، واعْتَذَرَتِ المِياهُ انْقَطَعَتْ، والعُذْرُ سَبَبٌ لِقَطْعِ الذَّمِّ. عَدَنَ بِالمَكانِ يَعْدِنُ عُدُونًا أقامَ، قالَهُ أبُو زَيْدٍ وابْنُ الأعْرابِيِّ. قالَ الأعْشى: ؎وإنْ يَسْتَضِيفُوا إلى حِلْمِهِ ∗∗∗ يُضافُوا إلى راجِحٍ قَدْ عَدَنَ وتَقُولُ العَرَبُ: تُرِكَتِ إبِلُ فُلانٍ عَوادِنَ بِمَكانِ كَذا، وهو أنْ تَلْزَمَ الإبِلُ المَكانَ فَتَأْلَفَهُ ولا تَبْرَحَهُ. وسُمِّيَ المَعْدِنُ مَعْدِنًا لِإنْباتِ اللَّهِ الجَوْهَرَ فِيهِ وإثْباتِهِ إيّاهُ في الأرْضِ حَتّى عَدَنَ فِيها أيْ ثَبَتَ. وعَدَنٌ مَدِينَةٌ بِاليَمَنِ لِأنَّها أكْثَرُ مَدائِنِ اليَمَنِ قُطّانًا ودُورًا. ﴿ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ ويَقُولُونَ هو أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكم يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ورَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾: كانَ قُدّامُ بْنُ خالِدٍ وعُبَيْدُ بْنُ هِلالٍ والجُلاسُ بْنُ سُوَيْدٍ في آخَرِينَ يُؤْذُونَ الرَّسُولَ فَقالَ بَعْضُهم: لا تَفْعَلُوا فَإنّا نَخافُ أنْ يَبْلُغَهُ فَيُوقِعَ بِنا. فَقالَ الجُلاسُ: بَلْ نَقُولُ بِما شِئْنا، فَإنَّ مُحَمَّدًا أُذُنٌ سامِعَةٌ، ثُمَّ نَأْتِيهِ فَيُصَدِّقُنا فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في نَبْتَلَ بْنِ الحارِثِ كانَ يَنُمُّ حَدِيثَ الرَّسُولِ إلى المُنافِقِينَ، فَقِيلَ لَهُ: لا تَفْعَلْ، فَقالَ ذَلِكَ القَوْلَ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في الجُلاسِ وزَمْعَةَ بْنِ ثابِتٍ في آخَرِينَ أرادُوا أنْ يَقَعُوا في الرَّسُولِ وعِنْدَهم غُلامٌ مِنَ الأنْصارِ يُدْعى عامِرُ بْنُ قَيْسٍ فَحَقَرُوهُ، فَقالُوا: لَئِنْ كانَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا لَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ، فَغَضِبَ الغُلامُ فَقالَ: واللَّهِ إنَّ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقٌّ، وأنْتُمْ لَشَرُّ مِنَ الحَمِيرِ، ثُمَّ أتى رَسُولَ اللَّهِ فَأخْبَرَهُ فَدَعاهم، فَسَألَهم، فَحَلَفُوا إنَّ عامِرًا كاذِبٌ، وحَلَفَ عامِرٌ إنَّهم كَذَبَةٌ وقالَ: اللَّهُمَّ لا تُفَرِّقُ بَيْنَنا حَتّى يَتَبَيَّنَ صِدْقُ الصّادِقِ وكَذِبُ الكاذِبِ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم لِيُرْضُوكُمْ﴾، فَقالَ: رَجُلٌ أُذُنٌ إذا كانَ يَسْمَعُ مَقالَ كُلِّ أحَدٍ، يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ، قالَهُ الجَوْهَرِيُّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الأُذُنُ الرَّجُلُ الَّذِي يُصَدِّقُ كُلَّ ما يَسْمَعُ، ويَقْبَلُ قَوْلَ كُلِّ أحَدٍ، سُمِّيَ بِالجارِحَةِ الَّتِي هي آلَةُ السَّماعِ، كَأنَّ جُمْلَتَهُ أُذُنٌ سامِعَةٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهم لِلرِّئْيَةِ: عَيْنٌ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎قَدْ صِرْتُ أُذُنًا لِلْوُشاةِ سَمِيعَةً ∗∗∗ يَنالُونَ مِن عِرْضِي ولَوْ شِئْتُ ما نالُوا وهَذا مِنهم تَنْقِيصٌ لِلرَّسُولِ، إذْ وصَفُوهُ بِقِلَّةِ الحَزامَةِ والِانْخِداعِ. وقِيلَ: المَعْنى ذُو أُذُنٍ، فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: أُذُنٌ حَدِيدُ السَّمْعِ، رُبَّما سَمِعَ مَقالَتَنا. وقِيلَ: أُذُنٌ وصْفٌ بُنِيَ عَلى فَعَلَ مِن أذَنَ يَأْذَنُ أُذُنًا إذا اسْتَمَعَ، نَحْوَ أنَفَ وشَلَلَ وارْتَفَعَ. أُذُنٌ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ؛ أيْ: قُلْ هو أُذُنُ خَيْرٍ لَكم. وهَذِهِ الإضافَةُ نَظِيرُها قَوْلُهم: رَجُلُ صِدْقٍ، تُرِيدُ الجَوْدَةَ والصَّلاحَ. كَأنَّهُ قِيلَ: نَعَمْ هو أُذُنٌ، ولَكِنْ نِعْمَ الأُذُنُ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ هو أُذُنٌ في الخَيْرِ والحَقِّ وما يَجِبُ سَماعُهُ وقَبُولُهُ، ولَيْسَ بِأُذُنٍ في غَيْرِ ذَلِكَ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ (خَيْرٍ) و(رَحْمَةٍ) في قِراءَةِ مَن جَرَّها عَطْفًا عَلى (خَيْرٍ) أيْ: هو أُذُنُ خَيْرٍ ورَحْمَةٍ لا يَسْمَعُ غَيْرَهُما ولا يَقْبَلُهُ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقَرَأ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ في (p-٦٣)رِوايَةٍ: (قُلْ أُذُنٌ) بِالتَّنْوِينِ (خَيْرٌ) بِالرَّفْعِ. وجَوَّزُوا في (أُذُنٌ) أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، و”خَيْرٌ“ خَبَرٌ ثانٍ لِذَلِكَ المَحْذُوفِ، أيْ: هو أُذُنٌ هو خَيْرٌ لَكم، لِأنَّهُ ﷺ يَقْبَلُ مَعاذِيرَكم ولا يُكافِئُكم عَلى سُوءِ خَلَّتِكم. وأنْ يَكُونَ (خَيْرٌ) صِفَةً لِـ (أُذُنٌ)، أيْ: أُذُنٌ ذُو خَيْرٍ لَكم. أوْ عَلى أنَّ (خَيْرًا) أفْعَلُ تَفْضِيلٍ، أيْ: أكْثَرُ خَيْرًا لَكم، وأنْ يَكُونَ (أُذُنٌ) مُبْتَدَأً، خَبَرُهُ (خَيْرٌ) . وجازَ أنْ يُخْبَرَ بِالنَّكِرَةِ عَنِ النَّكِرَةِ مَعَ حُصُولِ الفائِدَةِ فِيهِ، قالَهُ صاحِبُ اللَّوامِحِ، وهو جائِزٌ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ وصْفٍ، أيْ: أُذُنٌ لا يُؤاخِذُكم خَيْرٌ لَكم، ثُمَّ وصَفَهُ تَعالى بِأنَّهُ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ، ومَن آمَنَ بِاللَّهِ كانَ خائِفًا مِنهُ لا يُقْدِمُ عَلى الإيذاءِ بِالباطِلِ، ﴿ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، أيْ: يَسْمَعُ مِنَ المُؤْمِنِينَ ويُسَلِّمُ لَهم ما يَقُولُونَ، ويُصَدِّقُهم لِكَوْنِهِمْ مُؤْمِنِينَ، فَهم صادِقُونَ. و﴿ورَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾، وخَصَّ المُؤْمِنِينَ وإنْ كانَ رَحْمَةً لِلْعالِمِينَ؛ لِأنَّ ما حَصَلَ لَهم بِالإيمانِ بِسَبَبِ الرَّسُولِ لَمْ يَحْصُلْ لِغَيْرِهِمْ، وخُصُّوا هُنا بِالذِّكْرِ وإنْ كانُوا قَدْ دَخَلُوا في العالَمِينَ لِحُصُولِ مَزِيَّتِهِمْ. وهَذِهِ الأوْصافُ الثَّلاثَةُ مُبَيِّنَةٌ جِهَةَ الخَيْرِيَّةِ، ومُظْهِرَةٌ كَوْنِهِ أُذُنَ خَيْرٍ. وتَعَدِّيَةُ (يُؤْمِنُ) أوَّلًا بِالباءِ، وثانِيًا بِاللّامِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هُما زائِدانِ، والمَعْنى: يُصَدِّقُ اللَّهَ، ويُصَدِّقُ المُؤْمِنِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَصَدَ التَّصْدِيقَ بِاللَّهِ الَّذِي هو نَقِيضُ الكُفْرِ، فَعُدِّيَ بِالباءِ، وقَصَدَ الِاسْتِماعَ لِلْمُؤْمِنِينَ، وأنْ يُسَلِّمَ لَهم ما يَقُولُونَ فَعُدِّيَ بِاللّامِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا ولَوْ كُنّا صادِقِينَ﴾ [يوسف: ١٧] ما أغْناهُ عَنِ الباءِ، ونَحْوُهُ ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ﴾ [يونس: ٨٣]، ﴿أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١] ﴿آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ [طه: ٧١] . انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ يُصَدِّقُ بِاللَّهِ، ﴿ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ قِيلَ: مَعْناهُ ويُصَدِّقُ المُؤْمِنِينَ، واللّامُ زائِدَةٌ كَما هي في ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: ٧٢] وقالَ المُبَرِّدُ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ مِنَ الفِعْلِ، كَأنَّهُ قالَ: وإيمانُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ، أيْ: وتَصْدِيقُهُ. وقِيلَ: يُقالُ آمَنتُ لَكَ بِمَعْنى صَدَّقْتُكَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا﴾ [يوسف: ١٧] وعِنْدِي أنَّ هَذِهِ الَّتِي مَعَها اللّامُ في ضِمْنِها باءٌ، فالمَعْنى: ويُصَدِّقُ لِلْمُؤْمِنِينَ فِيما يُخْبِرُونَهُ بِهِ، وكَذَلِكَ ﴿وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا﴾ [يوسف: ١٧] بِما نَقُولُهُ لَكَ. انْتَهى. وقَرَأ أُبَيٌّ، وعَبْدُ اللَّهِ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ: (ورَحْمَةٍ) بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى (خَيْرٍ)، فالجُمْلَةُ مِن (يُؤْمِنُ) اعْتِراضٌ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى (يُؤْمِنُ)، و(يُؤْمِنُ) صِفَةٌ لِـ ﴿أُذُنُ خَيْرٍ﴾ . وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِالنَّصْبِ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ حُذِفَ مُتَعَلَّقُهُ، التَّقْدِيرُ: ورَحْمَةً يَأْذَنُ لَكم، فَحُذِفَ لِدَلالَةِ ﴿أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ عَلَيْهِ. وأبْرَزَ اسْمَ الرَّسُولِ ولَمْ يَأْتِ بِهِ ضَمِيرًا عَلى نَسَقِ (يُؤْمِنُ) بِلَفْظِ الرَّسُولِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وجَمْعًا لَهُ في الآيَةِ بَيْنَ الرُّتْبَتَيْنِ العَظِيمَتَيْنِ مِنَ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، وإضافَتُهُ إلَيْهِ زِيادَةٌ في تَشْرِيفِهِ، وحَتَمَ عَلى مَن أذاهُ بِالعَذابِ الألِيمِ، وحُقَّ لَهم ذَلِكَ ﴿والَّذِينَ يُؤْذُونَ﴾ عامٌّ يَنْدَرِجُ فِيهِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أذَوْا هَذا الإيذاءَ الخاصَّ وغَيْرُهم. ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم لِيُرْضُوكم واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾: الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (يَحْلِفُونَ) عائِدٌ عَلى الَّذِينَ يَقُولُونَ: (هو أُذُنٌ) أنْكَرُوهُ وحَلَفُوا أنَّهم ما قالُوهُ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الَّذِينَ قالُوا: إنْ كانَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا، فَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَلَمّا رَجَعَ الرَّسُولُ والمُؤْمِنُونَ اعْتَذَرُوا وحَلَفُوا واعْتَلُّوا، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، واخْتارَهُ البَيْهَقِيُّ. وكانُوا ثَلاثَةً وثَمانِينَ، حَلَفَ مِنهم ثَمانُونَ، فَقَبِلَ الرَّسُولُ أعْذارَهم واعْتَرَفَ (p-٦٤)مِنهم بِالحَقِّ ثَلاثَةٌ، فَأطْلَعَ اللَّهُ رَسُولَهُ عَلى كَذِبِهِمْ ونِفاقِهِمْ، وهَلَكُوا جَمِيعًا بِآفاتٍ، ونَجا الَّذِينَ صَدَقُوا. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ومَن مَعَهُ حَلَفُوا ألّا يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ولِيَكُونُوا مَعَهُ عَلى عَدُوِّهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المُرادُ جَمِيعُ المُنافِقِينَ الَّذِينَ يَحْلِفُونَ لِلرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ إنَّهم مَعَهم في الدِّينِ وفي كُلِّ أمْرٍ وحَرْبٍ، وهم يُبْطِنُونَ النِّفاقَ، ويَتَرَبَّصُونَ بِالمُؤْمِنِينَ الدَّوائِرَ، وهَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِن أهْلِ التَّأْوِيلِ. واللّامُ في (لِيُرْضُوكم) لامُ كَيْ، وأخْطَأ مَن ذَهَبَ إلى أنَّها جَوابُ القَسَمِ، وأُفْرِدَ الضَّمِيرُ في (أنْ يُرْضُوهُ) لِأنَّهُما في حُكْمِ مَرْضِيٍّ واحِدٍ، إذْ رِضا اللَّهِ هو رِضا الرَّسُولِ، أوْ يَكُونُ في الكَلامِ حَذْفٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُما جُمْلَتانِ، حُذِفَتِ الأُولى لِدَلالَةِ الثّانِيَةِ عَلَيْها، والتَّقْدِيرُ عِنْدَهُ: واللَّهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ، ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ. وهَذا كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما ∗∗∗ عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ ومَذْهَبُ المُبَرِّدِ: أنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، وتَقْدِيرُهُ: واللَّهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ ورَسُولُهُ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى المَذْكُورِ كَما قالَ رُؤْبَةُ: ؎فِيها خُطُوطٌ مِن سَوادٍ وبَلَقْ ∗∗∗ كَأنَّها في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ انْتَهى. فَقَوْلُهُ: ”مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُما جُمْلَتانِ حُذِفَتِ الأُولى لِدَلالَةِ الثّانِيَةِ عَلَيْها“ إنْ كانَ الضَّمِيرُ في ”أنَّهُما“ عائِدًا عَلى كُلِّ واحِدَةٍ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ - فَكَيْفَ تَقُولُ: حُذِفَتِ الأُولى، ولَمْ تُحْذَفِ الأُولى إنَّما حُذِفَ خَبَرُها ؟ وإنْ كانَ الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى الخَبَرِ، وهو ﴿أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾، فَلا يَكُونُ جُمْلَةً إلّا بِاعْتِقادِ كَوْنِ (أنْ يُرْضُوهُ) مُبْتَدَأً و(أحَقُّ) المُتَقَدِّمُ خَبَرَهُ، لَكِنْ لا يَتَعَيَّنُ هَذا القَوْلُ، إذْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ مُفْرَدًا بِأنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: أحَقُّ بِأنْ يُرْضُوهُ. وعَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: واللَّهُ إرْضاؤُهُ أحَقُّ. وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: واللَّهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ ورَسُولُهُ كَذَلِكَ. ﴿إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ كَما يَزْعُمُونَ، فَأحَقُّ مَن يُرْضُونَهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ بِالطّاعَةِ والوِفاقِ. ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدًا فِيها ذَلِكَ الخِزْيُ العَظِيمُ﴾؛ أيْ: ألَمْ يَعْلَمِ المُنافِقُونَ ؟ وهو اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَّوْبِيخُ والإنْكارُ. وقَرَأ الحَسَنُ والأعْرَجُ: بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، فالظّاهِرُ أنَّهُ التِفاتٌ، فَهو خِطابٌ لِلْمُنافِقِينَ. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ، فَيَكُونُ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرَ. وإنْ كانَ خِطابًا لِلرَّسُولِ فَهو خِطابُ تَعْظِيمٍ، والِاسْتِفْهامُ فِيهِ لِلتَّعَجُّبِ، والتَّقْدِيرُ: ألا تَعْجَبَ مِن جَهْلِهِمْ في مُحادَّةِ اللَّهِ تَعالى، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: ”ألَمْ يَعْلَمْ“ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَلى خِطابِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ. انْتَهى. والأوْلى أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلسّامِعِ، قالَ أهْلُ المَعانِي: ألَمْ تَعْلَمْ، الخِطابُ لِمَن حاوَلَ تَعْلِيمَ إنْسانٍ شَيْئًا مُدَّةً وبالَغَ في ذَلِكَ التَّعْلِيمِ فَلَمْ يَعْلَمْ فَقالَ لَهُ: ألَمْ تَعْلَمْ بَعْدَ المَباحِثِ (p-٦٥)الظّاهِرَةِ والمُدَّةِ المَدِيدَةِ ؟ ! وحَسُنَ ذَلِكَ لِأنَّهُ طالَ مُكْثُ النَّبِيِّ ﷺ مَعَهُ، وكَثُرَ مِنهُ التَّحْذِيرُ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ والتَّرْغِيبُ في طاعَةِ اللَّهِ. قالَ بَعْضُهم: المُحادَّةُ المُخالَفَةُ، حادَدْتُهُ خالَفْتُهُ، واشْتِقاقُهُ مِنَ الحَدِّ أيْ كانَ عَلى حَدٍّ غَيْرِ حادَّةٍ كَقَوْلِكَ: شاقَّهُ، كانَ في شِقٍّ غَيْرِ شِقِّهِ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُحادَّةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الحَدِيدِ، حَدِيدِ السِّلاحِ. والمُحادَّةُ هُنا، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُخالَفَةُ. وقِيلَ: المُحارَبَةُ. وقِيلَ: المُعانَدَةُ. وقِيلَ: المُعاداةُ. وقِيلَ: مُجاوَزَةُ الحَدِّ في المُخالَفَةِ. وهَذِهِ أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (فَأنَّ لَهُ) بِالفَتْحِ، والفاءُ جَوابُ الشَّرْطِ، فَتَقْتَضِي جُمْلَةً، و(أنَّ لَهُ) مُفْرَدٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مُقَدَّمًا نَكِرَةً، أيْ: فَحُقَّ أنْ يَكُونَ، وقَدَّرَهُ غَيْرُهُ مُتَأخِّرًا، أيْ: فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ واجِبٌ، قالَهُ الأخْفَشُ، ورَدَّ عَلَيْهِ بِأنَّ (أنَّ) لا يُبْتَدَأُ بِها مُتَقَدِّمَةً عَلى الخَبَرِ، وهَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ والجُمْهُورِ. وأجازَ الأخْفَشُ والفَرّاءُ وأبُو حاتِمٍ الِابْتِداءَ بِها مُتَقَدِّمَةً عَلى الخَبَرِ، فالأخْفَشُ خَرَجَ ذَلِكَ عَلى أصْلِهِ، أوْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: فالواجِبُ أنَّ لَهُ النّارَ. قالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: وقالَ الجَرْمِيُّ والمُبَرَّدُ: (أنَّ) الثّانِيَةُ مُكَرَّرَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، كَأنَّ التَّقْدِيرَ: فَلَهُ نارُ جَهَنَّمَ، وكَرَّرَ (أنَّ) تَوْكِيدًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (فَأنَّ لَهُ) مَعْطُوفًا عَلى ”أنَّهُ“، عَلى أنَّ جَوابَ ”مَن“ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ يَهْلَكْ فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ. انْتَهى. فَيَكُونُ ﴿فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ. وهَذا الَّذِي قَدَّرَهُ لا يَصِحُّ، لِأنَّهم نَصُّوا عَلى أنَّهُ إذا حُذِفَ الجَوابُ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ كانَ فِعْلُ الشَّرْطِ ماضِيًا في اللَّفْظِ، أوْ مُضارِعًا مَجْزُومًا بِـ ”لَمْ“، فَمِن كَلامِهِمْ: ”أنْتَ ظالِمٌ إنْ فَعَلْتَ“، ولا يَجُوزُ ”إنْ تَفْعَلْ“، وهُنا حُذِفَ جَوابُ الشَّرْطِ، وفِعْلُ الشَّرْطِ لَيْسَ ماضِيَ اللَّفْظِ ولا مُضارِعًا مَقْرُونًا بِـ ”لَمْ“، وذَلِكَ إنْ جاءَ في كَلامِهِمْ فَمَخْصُوصٌ بِالضَّرُورَةِ. وأيْضًا فَتَجِدُ الكَلامَ تامًّا دُونَ تَقْدِيرِ هَذا الجَوابِ. ونَقَلُوا عَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّ ”أنَّ“ بَدَلٌ مِن ”أنَّهُ“ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا مُعْتَرَضٌ بِأنَّ الشَّيْءَ لا يُبْدَلُ مِنهُ حَتّى يُسْتَوْفى. والأوْلى في هَذا المَوْضِعِ: لَمْ يَأْتِ خَبَرُها بَعْدَ أنْ لَمْ يَتِمَّ جَوابُ الشَّرْطِ، وتِلْكَ الجُمْلَةُ هي الخَبَرُ. وأيْضًا فَإنَّ الفاءَ مانِعُ البَدَلِ، وأيْضًا فَهي مَعْنًى آخَرُ غَيْرُ الأوَّلِ، فَيَقْلَقُ البَدَلُ، وإذا تُلُطِّفَ لِلْبَدَلِ فَهو بَدَلُ اشْتِمالٍ. انْتَهى. وقالَ أبُو البَقاءِ: وهَذا - يَعْنِي البَدَلَ - ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الفاءَ الَّتِي مَعَها تَمْنَعُ مِن ذَلِكَ، والحُكْمُ بِزِيادَتِها ضَعِيفٌ. والثّانِي: أنَّ جَعْلَها بَدَلًا يُوجِبُ سُقُوطَ جَوابِ الكَلامِ. انْتَهى. وقِيلَ: هو عَلى إسْقاطِ اللّامِ، أيْ: فَلِأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ، فالفاءُ جَوابُ الشَّرْطِ، ويَحْتاجُ إلى إضْمارِ ما يَتِمُّ بِهِ جَوابُ الشَّرْطِ جُمْلَةً، أيْ: فَمُحادَّتُهُ؛ لِأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ”فَإنَّ لَهُ“ بِالكَسْرِ في الهَمْزَةِ، حَكاها عَنْهُ أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ، وهي قِراءَةُ مَحْبُوبٍ عَنِ الحَسَنِ، ورِوايَةُ أبِي عُبَيْدَةَ عَنْ أبِي عَمْرٍو، ووَجْهُهُ في العَرَبِيَّةِ قَوِيٌّ؛ لِأنَّ الفاءَ تَقْتَضِي الِاسْتِئْنافَ، والكَسْرُ مُخْتارٌ لِأنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى إضْمارٍ، بِخِلافِ الفَتْحِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎فَمَن يَكُ سائِلًا عَنِّي فَإنِّي ∗∗∗ وجِرْوَةَ لا تَرُودُ ولا تُعارُ وعَلى هَذا يَجُوزُ في ”أنَّ“ بَعْدَ فاءِ الجَزاءِ وجْهانِ: الفَتْحُ، والكَسْرُ. ذَلِكَ لِأنَّ كَيْنُونَةَ النّارِ لَهُ خالِدًا فِيها هو الهَوانُ العَظِيمُ كَما قالَ رَبُّنا: ﴿إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢] .

التوبة 9:64

﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهم بِما في قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ﴾: كانَ المُنافِقُونَ يَعِيبُونَ الرَّسُولَ (p-٦٦)ويَقُولُونَ: عَسى اللَّهُ ألّا يُفْشِيَ سِرَّنا، فَنَزَلَتْ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ السُّدِّيُّ: قالَ بَعْضُهم: ودِدْتُ أنِّي جُلِدْتُ مِائَةً ولا يَنْزِلُ فِينا شَيْءٌ يَفْضَحُنا، فَنَزَلَتْ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: وقَفَ جَماعَةٌ مِنهم لِلرَّسُولِ ﷺ في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ عِنْدَ مَرْجِعِهِ مِن تَبُوكَ لِيَفْتِكُوا بِهِ فَأخْبَرَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَنَزَلَتْ. وقِيلَ قالُوا في غَزْوَةِ تَبُوكَ: أيَرْجُو هَذا الرَّجُلُ أنْ يُفْتَحَ لَهُ قُصُورُ الشّامِ وحُصُونُها، هَيْهاتَ هَيْهاتَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا﴾ . والظّاهِرُ أنَّ (يَحْذَرُ) خَبَرٌ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿إنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ﴾ . فَقِيلَ: هو واقِعٌ مِنهم حَقِيقَةً لَمّا شاهَدُوا الرَّسُولَ يُخْبِرُهم بِما يَكْتُمُونَهُ، وقَعَ الحَذَرُ والخَوْفُ في قُلُوبِهِمْ. وقالَ الأصَمُّ: كانُوا يَعْرِفُونَهُ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ فَكَفَرُوا حَسَدًا، واسْتَبْعَدَ القاضِي في العالِمِ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وصِحَّةِ دِينِهِ أنْ يَكُونَ مُحادًّا لَهُما، ولَيْسَ بِبَعِيدٍ، فَإنَّهُ إذا اسْتَحْكَمَ الحَسَدُ نازَعَ الحاسِدُ في المَحْسُوساتِ. وقِيلَ: هو حَذَرٌ أظْهَرُوهُ عَلى وجْهِ الِاسْتِهْزاءِ حِينَ رَأوُا الرَّسُولَ يَذْكُرُ أشْياءَ وأنَّها عَنِ الوَحْيِ وكانُوا يُكَذِّبُونَ بِذَلِكَ، فَأخْبَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِذَلِكَ، وأعْلَمَ أنَّهُ مُظْهِرٌ سِرَّهم، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا﴾ . وقالَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ مِمَّنْ ذَهَبَ إلى التَّحَرُّزِ مِن أنْ يَكُونَ كُفْرُهم عِنادًا: هو مُضارِعٌ في مَعْنى الأمْرِ، أيْ: لِيَحْذَرَ المُنافِقُونَ، ويُبْعِدُهُ ﴿مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ﴾، و(أنْ تُنَزَّلَ) مَفْعُولُ (يَحْذَرُ)، وهو مُتَعَدٍّ. قالَ الشّاعِرُ: ؎حَذَرَ أُمُورًا لا تَضُرُّ وآمَنَ ما لَيْسَ يُنْجِيهِ مِنَ الأقْدارِ وقالَ تَعالى: ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] لَمّا كانَ قَبْلَ التَّضْعِيفِ مُتَعَدِّيًا إلى واحِدٍ، عَدّاهُ بِالتَّضْعِيفِ إلى اثْنَيْنِ. وقالَ المُبَرِّدُ: حَذَرَ إنَّما هي مِن هَيْئاتِ الأنْفُسِ الَّتِي لا تَتَعَدّى مِثْلُ فَزَعَ، والتَّقْدِيرُ: يَحْذَرُ المُنافِقُونَ مِن أنْ تُنَزَّلَ، ولا يَلْزَمُ ذَلِكَ، ألا تَرى أنَّ (خافَ) مِن هَيْئاتِ النَّفْسِ وتَتَعَدّى ؟ والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ (عَلَيْهِمْ) و( تُنَبِّئُهم الضَّمِيرانِ فِيهِما عائِدانِ عَلى المُنافِقِينَ، وجاءَ عَلَيْهِمْ لِأنَّ السُّورَةَ إذا نَزَلَتْ في مَعْناهم فَهي نازِلَةٌ عَلَيْهِمْ، قالَهُ الكَرْمانِيُّ، والزَّمَخْشَرِيُّ. قالَ الكَرْمانِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنَّهُ مِن قَوْلِكَ: هَذا عَلَيْكَ لا لَكَ. ومَعْنى ﴿تُنَبِّئُهم بِما في قُلُوبِهِمْ﴾: تُذِيعُ أسْرارَهم حَتّى يَسْمَعُوها مُذاعَةً مُنْتَشِرَةً، فَكَأنَّها تُخْبِرُهم بِها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والضَّمِيرُ في (عَلَيْهِمْ) و(تُنَبِّئُهم) لِلْمُؤْمِنِينَ، و(في قُلُوبِهِمْ) لِلْمُنافِقِينَ، وصَحَّ ذَلِكَ لِأنَّ المَعْنى يَعُودُ إلَيْهِ. انْتَهى. والأمْرُ بِالِاسْتِهْزاءِ أمْرُ تَهْدِيدٍ ووَعِيدٍ كَقَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] ومَعْنى ﴿مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ﴾ مُبْرِزٌ إلى حَيِّزِ الوُجُودِ ما تَحْذَرُونَهُ مِن إنْزالِ السُّورَةِ، أوْ مُظْهِرٌ ما كُنْتُمْ تَحْذَرُونَهُ مِن إظْهارِ نِفاقِكم. وفَعَلَ ذَلِكَ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ، فَهي تُسَمّى الفاضِحَةَ؛ لِأنَّها فَضَحَتِ المُنافِقِينَ. قِيلَ: كانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا أنْزَلَ اللَّهُ أسْماءَهم وأسْماءَ آبائِهِمْ في القُرْآنِ، ثُمَّ رُفِعَ ذَلِكَ ونُسِخَ رَحْمَةً ورَأْفَةً مِنهُ عَلى خَلْقِهِ، لِأنَّ أبْناءَهم كانُوا مُسْلِمِينَ. ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ قُلْ أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾؛ أيْ: ولَئِنْ سَألْتَهم عَمّا قالُوا مِنَ القَبِيحِ في حَقِّكَ وحَقِّ أصْحابِكَ مِن قَوْلِ بَعْضِهِمْ: انْظُرُوا إلى هَذا الرَّجُلِ يُرِيدُ أنْ يَفْتَتِحَ قُصُورَ الشّامِ، وقَوْلِ بَعْضِهِمْ: كَأنَّكم غَدًا في الجِبالِ أسْرى لِبَنِي الأصْفَرِ، وقَوْلِ بَعْضِهِمْ: ما رَأيْتُ كَهَؤُلاءِ لا أرْغَبَ بُطُونًا ولا أكْثَرَ كَذِبًا ولا أجْبَنَ عِنْدَ اللِّقاءِ، فَأطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلى ذَلِكَ فَعَنَّفَهم، فَقالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ ما كُنّا في شَيْءٍ مِن أمْرِكَ ولا أمْرِ أصْحابِكَ، إنَّما كُنّا في شَيْءٍ مِمّا (p-٦٧)يَخُوضُ فِيهِ الرَّكْبُ، كُنّا في غَيْرِ جِدٍّ. قُلْ: (أبِاللَّهِ) تَقْرِيرٌ عَلى اسْتِهْزائِهِمْ، وضَمَّنَهُ الوَعِيدَ، ولَمْ يَعْبَأْ بِاعْتِذارِهِمْ لِأنَّهم كانُوا كاذِبِينَ فِيهِ، فَجُعِلُوا كَأنَّهم مُعْتَرِفُونَ بِاسْتِهْزائِهِمْ وبِأنَّهُ مَوْجُودٌ مِنهم، حَتّى وُبِّخُوا بِأخْطائِهِمْ مَوْضِعَ الِاسْتِهْزاءِ، حَيْثُ جُعِلَ المُسْتَهْزَأُ بِهِ عَلى حَرْفِ التَّقْرِيرِ. وذَلِكَ إنَّما يَسْتَقِيمُ بَعْدَ وُقُوعِ الِاسْتِهْزاءِ وثُبُوتِهِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهو حَسَنٌ. وتَقْدِيمُ (بِاللَّهِ) وهو مَعْمُولُ خَبَرِ كانَ عَلَيْها، يَدُلُّ عَلى جَوازِ تَقْدِيمِهِ عَلَيْها. «وعَنِ ابْنِ عُمَرَ: رَأيْتُ قائِلَ هَذِهِ المَقالَةِ - يَعْنِي: إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ - ودِيعَةَ بْنَ ثابِتٍ مُتَعَلِّقًا بِحَقَبِ ناقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُماشِيها والحِجارَةُ تَنْكُتُهُ وهو يَقُولُ: ﴿إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ﴾، والنَّبِيُّ يَقُولُ: ﴿أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾» وذُكِرَ أنَّ هَذا المُتَعَلِّقَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بْنِ سَلُولَ، وذَلِكَ خَطَأٌ لِأنَّهُ لَمْ يَشْهَدْ تَبُوكَ. ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكم إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنكم نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ﴾: نُهُوا عَنِ الِاعْتِذارِ؛ لِأنَّها اعْتِذاراتٌ كاذِبَةٌ فَهي لا تَنْفَعُ. (قَدْ كَفَرْتُمْ) أظْهَرْتُمُ الكُفْرَ بَعْدَ إيمانِكم، أيْ: بَعْدَ إظْهارِ إيمانِكم، لِأنَّهم كانُوا يُسِرُّونَ الكُفْرَ فَأظْهَرُوهُ بِاسْتِهْزائِهِمْ، وجاءَ التَّقْسِيمُ بِالعَفْوِ عَنْ طائِفَةٍ، والتَّعْذِيبِ لِطائِفَةٍ. وكانَ المُنافِقُونَ صِنْفَيْنِ: صِنْفٌ أُمِرَ بِجِهادِهِمْ: ﴿جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ﴾ [التوبة: ٧٣] وهم رُؤَساؤُهُمُ المُعْلِنُونَ بِالأراجِيفِ، فَعُذِّبُوا بِإخْراجِهِمْ مِنَ المَسْجِدِ، وانْكِشافِ مُعْظَمِ أحْوالِهِمْ، وصِنْفٌ ضَعَفَةٌ مُظْهِرُونَ الإيمانَ وإنْ أبْطَنُوا الكُفْرَ، لَمْ يُؤْذُوا الرَّسُولَ فَعَفا عَنْهم، وهَذا العَذابُ والعَفْوُ في الدُّنْيا. وقِيلَ: المَعْفُوُّ عَنْها مَن عَلِمَ اللَّهُ أنَّهم سَيُخْلِصُونَ مِنَ النِّفاقِ ويُخْلِصُونَ الإيمانَ، والمُعَذَّبُونَ مَن ماتَ مِنهم عَلى نِفاقِهِ. وقِيلَ: المَعْفُوُّ عَنْهُ رَجُلٌ واحِدٌ اسْمُهُ مَخْشِيُّ بْنُ حُمَيْرٍ بِضَمِّ الحاءِ وفَتْحِ المِيمِ وسُكُونِ الياءِ، كانَ مَعَ الَّذِينَ قالُوا: ﴿إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ﴾ وقِيلَ: كانَ مُنافِقًا ثُمَّ تابَ تَوْبَةً صَحِيحَةً. وقِيلَ: إنَّهُ كانَ مُسْلِمًا مُخْلِصًا، إلّا أنَّهُ سَمِعَ كَلامَ المُنافِقِينَ فَضَحِكَ لَهم ولَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ، فَعَفا اللَّهُ عَنْهُ، واسْتُشْهِدَ بِاليَمامَةِ وقَدْ كانَ تابَ، ويُسَمّى عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَدَعا اللَّهُ أنْ يُسْتَشْهَدَ ويُجْهَلَ أمْرُهُ، فَكانَ ذَلِكَ بِاليَمامَةِ ولَمْ يُوجَدْ جَسَدُهُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعاصِمُ مِنَ السَّبْعَةِ: (إنْ نَعْفُ) بِالنُّونِ، (نُعَذِّبْ) بِالنُّونِ (طائِفَةً) . ولَقِيَنِي شَيْخُنا الأدِيبُ الحامِلُ أبُو الحَكَمِ مالِكُ بْنُ المُرَحِّلِ المالِقِيُّ بِغَرْناطَةَ فَسَألَنِي: قِراءَةُ مَن تَقْرَأُ اليَوْمَ عَلى الشَّيْخِ أبِي جَعْفَرِ بْنِ الطَّبّاعِ ؟ فَقُلْتُ: قِراءَةُ عاصِمٍ، فَأنْشَدَنِي: ؎لِعاصِمٍ قِراءَةْ ∗∗∗ لِغَيْرِها مُخالِفَةْ ؎إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةْ ∗∗∗ مِنكم نُعَذِّبْ طائِفَةْ وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: (إنْ تَعْفُ تُعَذَّبْ طائِفَةٌ)، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: (إنْ يَعْفُ يُعَذِّبُ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ فِيهِما، أيْ: إنْ يَعْفُ اللَّهُ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: (إنْ تُعْفَ) بِالتّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، (تُعَذَّبْ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ بِالتّاءِ أيْضًا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَلى تَقْدِيرِ: إنْ تُعْفَ هَذِهِ الذُّنُوبُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الوَجْهُ التَّذْكِيرُ لِأنَّ المُسْنَدَ إلَيْهِ الظَّرْفُ كَما تَقُولُ: سِيَرَ بِالدّابَّةِ، ولا تَقُولُ: سِيرَتْ بِالدّابَّةِ، ولَكِنَّهُ ذَهَبَ إلى المَعْنى، كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ تُرْحَمْ طائِفَةٌ، فَأنَّثَ لِذَلِكَ، وهو غَرِيبٌ. والجَيِّدُ قِراءَةُ العامَّةِ (إنْ يَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ) بِالتَّذْكِيرِ، و”تُعَذَّبْ طائِفَةٌ“ بِالتَّأْنِيثِ. انْتَهى. (مُجْرِمِينَ): مُصِرِّينَ عَلى النِّفاقِ غَيْرَ تائِبِينَ.

التوبة 9:65

﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهم بِما في قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ﴾: كانَ المُنافِقُونَ يَعِيبُونَ الرَّسُولَ (p-٦٦)ويَقُولُونَ: عَسى اللَّهُ ألّا يُفْشِيَ سِرَّنا، فَنَزَلَتْ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ السُّدِّيُّ: قالَ بَعْضُهم: ودِدْتُ أنِّي جُلِدْتُ مِائَةً ولا يَنْزِلُ فِينا شَيْءٌ يَفْضَحُنا، فَنَزَلَتْ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: وقَفَ جَماعَةٌ مِنهم لِلرَّسُولِ ﷺ في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ عِنْدَ مَرْجِعِهِ مِن تَبُوكَ لِيَفْتِكُوا بِهِ فَأخْبَرَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَنَزَلَتْ. وقِيلَ قالُوا في غَزْوَةِ تَبُوكَ: أيَرْجُو هَذا الرَّجُلُ أنْ يُفْتَحَ لَهُ قُصُورُ الشّامِ وحُصُونُها، هَيْهاتَ هَيْهاتَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا﴾ . والظّاهِرُ أنَّ (يَحْذَرُ) خَبَرٌ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿إنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ﴾ . فَقِيلَ: هو واقِعٌ مِنهم حَقِيقَةً لَمّا شاهَدُوا الرَّسُولَ يُخْبِرُهم بِما يَكْتُمُونَهُ، وقَعَ الحَذَرُ والخَوْفُ في قُلُوبِهِمْ. وقالَ الأصَمُّ: كانُوا يَعْرِفُونَهُ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ فَكَفَرُوا حَسَدًا، واسْتَبْعَدَ القاضِي في العالِمِ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وصِحَّةِ دِينِهِ أنْ يَكُونَ مُحادًّا لَهُما، ولَيْسَ بِبَعِيدٍ، فَإنَّهُ إذا اسْتَحْكَمَ الحَسَدُ نازَعَ الحاسِدُ في المَحْسُوساتِ. وقِيلَ: هو حَذَرٌ أظْهَرُوهُ عَلى وجْهِ الِاسْتِهْزاءِ حِينَ رَأوُا الرَّسُولَ يَذْكُرُ أشْياءَ وأنَّها عَنِ الوَحْيِ وكانُوا يُكَذِّبُونَ بِذَلِكَ، فَأخْبَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِذَلِكَ، وأعْلَمَ أنَّهُ مُظْهِرٌ سِرَّهم، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا﴾ . وقالَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ مِمَّنْ ذَهَبَ إلى التَّحَرُّزِ مِن أنْ يَكُونَ كُفْرُهم عِنادًا: هو مُضارِعٌ في مَعْنى الأمْرِ، أيْ: لِيَحْذَرَ المُنافِقُونَ، ويُبْعِدُهُ ﴿مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ﴾، و(أنْ تُنَزَّلَ) مَفْعُولُ (يَحْذَرُ)، وهو مُتَعَدٍّ. قالَ الشّاعِرُ: ؎حَذَرَ أُمُورًا لا تَضُرُّ وآمَنَ ما لَيْسَ يُنْجِيهِ مِنَ الأقْدارِ وقالَ تَعالى: ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] لَمّا كانَ قَبْلَ التَّضْعِيفِ مُتَعَدِّيًا إلى واحِدٍ، عَدّاهُ بِالتَّضْعِيفِ إلى اثْنَيْنِ. وقالَ المُبَرِّدُ: حَذَرَ إنَّما هي مِن هَيْئاتِ الأنْفُسِ الَّتِي لا تَتَعَدّى مِثْلُ فَزَعَ، والتَّقْدِيرُ: يَحْذَرُ المُنافِقُونَ مِن أنْ تُنَزَّلَ، ولا يَلْزَمُ ذَلِكَ، ألا تَرى أنَّ (خافَ) مِن هَيْئاتِ النَّفْسِ وتَتَعَدّى ؟ والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ (عَلَيْهِمْ) و( تُنَبِّئُهم الضَّمِيرانِ فِيهِما عائِدانِ عَلى المُنافِقِينَ، وجاءَ عَلَيْهِمْ لِأنَّ السُّورَةَ إذا نَزَلَتْ في مَعْناهم فَهي نازِلَةٌ عَلَيْهِمْ، قالَهُ الكَرْمانِيُّ، والزَّمَخْشَرِيُّ. قالَ الكَرْمانِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنَّهُ مِن قَوْلِكَ: هَذا عَلَيْكَ لا لَكَ. ومَعْنى ﴿تُنَبِّئُهم بِما في قُلُوبِهِمْ﴾: تُذِيعُ أسْرارَهم حَتّى يَسْمَعُوها مُذاعَةً مُنْتَشِرَةً، فَكَأنَّها تُخْبِرُهم بِها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والضَّمِيرُ في (عَلَيْهِمْ) و(تُنَبِّئُهم) لِلْمُؤْمِنِينَ، و(في قُلُوبِهِمْ) لِلْمُنافِقِينَ، وصَحَّ ذَلِكَ لِأنَّ المَعْنى يَعُودُ إلَيْهِ. انْتَهى. والأمْرُ بِالِاسْتِهْزاءِ أمْرُ تَهْدِيدٍ ووَعِيدٍ كَقَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] ومَعْنى ﴿مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ﴾ مُبْرِزٌ إلى حَيِّزِ الوُجُودِ ما تَحْذَرُونَهُ مِن إنْزالِ السُّورَةِ، أوْ مُظْهِرٌ ما كُنْتُمْ تَحْذَرُونَهُ مِن إظْهارِ نِفاقِكم. وفَعَلَ ذَلِكَ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ، فَهي تُسَمّى الفاضِحَةَ؛ لِأنَّها فَضَحَتِ المُنافِقِينَ. قِيلَ: كانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا أنْزَلَ اللَّهُ أسْماءَهم وأسْماءَ آبائِهِمْ في القُرْآنِ، ثُمَّ رُفِعَ ذَلِكَ ونُسِخَ رَحْمَةً ورَأْفَةً مِنهُ عَلى خَلْقِهِ، لِأنَّ أبْناءَهم كانُوا مُسْلِمِينَ. ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ قُلْ أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾؛ أيْ: ولَئِنْ سَألْتَهم عَمّا قالُوا مِنَ القَبِيحِ في حَقِّكَ وحَقِّ أصْحابِكَ مِن قَوْلِ بَعْضِهِمْ: انْظُرُوا إلى هَذا الرَّجُلِ يُرِيدُ أنْ يَفْتَتِحَ قُصُورَ الشّامِ، وقَوْلِ بَعْضِهِمْ: كَأنَّكم غَدًا في الجِبالِ أسْرى لِبَنِي الأصْفَرِ، وقَوْلِ بَعْضِهِمْ: ما رَأيْتُ كَهَؤُلاءِ لا أرْغَبَ بُطُونًا ولا أكْثَرَ كَذِبًا ولا أجْبَنَ عِنْدَ اللِّقاءِ، فَأطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلى ذَلِكَ فَعَنَّفَهم، فَقالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ ما كُنّا في شَيْءٍ مِن أمْرِكَ ولا أمْرِ أصْحابِكَ، إنَّما كُنّا في شَيْءٍ مِمّا (p-٦٧)يَخُوضُ فِيهِ الرَّكْبُ، كُنّا في غَيْرِ جِدٍّ. قُلْ: (أبِاللَّهِ) تَقْرِيرٌ عَلى اسْتِهْزائِهِمْ، وضَمَّنَهُ الوَعِيدَ، ولَمْ يَعْبَأْ بِاعْتِذارِهِمْ لِأنَّهم كانُوا كاذِبِينَ فِيهِ، فَجُعِلُوا كَأنَّهم مُعْتَرِفُونَ بِاسْتِهْزائِهِمْ وبِأنَّهُ مَوْجُودٌ مِنهم، حَتّى وُبِّخُوا بِأخْطائِهِمْ مَوْضِعَ الِاسْتِهْزاءِ، حَيْثُ جُعِلَ المُسْتَهْزَأُ بِهِ عَلى حَرْفِ التَّقْرِيرِ. وذَلِكَ إنَّما يَسْتَقِيمُ بَعْدَ وُقُوعِ الِاسْتِهْزاءِ وثُبُوتِهِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهو حَسَنٌ. وتَقْدِيمُ (بِاللَّهِ) وهو مَعْمُولُ خَبَرِ كانَ عَلَيْها، يَدُلُّ عَلى جَوازِ تَقْدِيمِهِ عَلَيْها. «وعَنِ ابْنِ عُمَرَ: رَأيْتُ قائِلَ هَذِهِ المَقالَةِ - يَعْنِي: إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ - ودِيعَةَ بْنَ ثابِتٍ مُتَعَلِّقًا بِحَقَبِ ناقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُماشِيها والحِجارَةُ تَنْكُتُهُ وهو يَقُولُ: ﴿إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ﴾، والنَّبِيُّ يَقُولُ: ﴿أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾» وذُكِرَ أنَّ هَذا المُتَعَلِّقَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بْنِ سَلُولَ، وذَلِكَ خَطَأٌ لِأنَّهُ لَمْ يَشْهَدْ تَبُوكَ. ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكم إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنكم نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ﴾: نُهُوا عَنِ الِاعْتِذارِ؛ لِأنَّها اعْتِذاراتٌ كاذِبَةٌ فَهي لا تَنْفَعُ. (قَدْ كَفَرْتُمْ) أظْهَرْتُمُ الكُفْرَ بَعْدَ إيمانِكم، أيْ: بَعْدَ إظْهارِ إيمانِكم، لِأنَّهم كانُوا يُسِرُّونَ الكُفْرَ فَأظْهَرُوهُ بِاسْتِهْزائِهِمْ، وجاءَ التَّقْسِيمُ بِالعَفْوِ عَنْ طائِفَةٍ، والتَّعْذِيبِ لِطائِفَةٍ. وكانَ المُنافِقُونَ صِنْفَيْنِ: صِنْفٌ أُمِرَ بِجِهادِهِمْ: ﴿جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ﴾ [التوبة: ٧٣] وهم رُؤَساؤُهُمُ المُعْلِنُونَ بِالأراجِيفِ، فَعُذِّبُوا بِإخْراجِهِمْ مِنَ المَسْجِدِ، وانْكِشافِ مُعْظَمِ أحْوالِهِمْ، وصِنْفٌ ضَعَفَةٌ مُظْهِرُونَ الإيمانَ وإنْ أبْطَنُوا الكُفْرَ، لَمْ يُؤْذُوا الرَّسُولَ فَعَفا عَنْهم، وهَذا العَذابُ والعَفْوُ في الدُّنْيا. وقِيلَ: المَعْفُوُّ عَنْها مَن عَلِمَ اللَّهُ أنَّهم سَيُخْلِصُونَ مِنَ النِّفاقِ ويُخْلِصُونَ الإيمانَ، والمُعَذَّبُونَ مَن ماتَ مِنهم عَلى نِفاقِهِ. وقِيلَ: المَعْفُوُّ عَنْهُ رَجُلٌ واحِدٌ اسْمُهُ مَخْشِيُّ بْنُ حُمَيْرٍ بِضَمِّ الحاءِ وفَتْحِ المِيمِ وسُكُونِ الياءِ، كانَ مَعَ الَّذِينَ قالُوا: ﴿إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ﴾ وقِيلَ: كانَ مُنافِقًا ثُمَّ تابَ تَوْبَةً صَحِيحَةً. وقِيلَ: إنَّهُ كانَ مُسْلِمًا مُخْلِصًا، إلّا أنَّهُ سَمِعَ كَلامَ المُنافِقِينَ فَضَحِكَ لَهم ولَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ، فَعَفا اللَّهُ عَنْهُ، واسْتُشْهِدَ بِاليَمامَةِ وقَدْ كانَ تابَ، ويُسَمّى عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَدَعا اللَّهُ أنْ يُسْتَشْهَدَ ويُجْهَلَ أمْرُهُ، فَكانَ ذَلِكَ بِاليَمامَةِ ولَمْ يُوجَدْ جَسَدُهُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعاصِمُ مِنَ السَّبْعَةِ: (إنْ نَعْفُ) بِالنُّونِ، (نُعَذِّبْ) بِالنُّونِ (طائِفَةً) . ولَقِيَنِي شَيْخُنا الأدِيبُ الحامِلُ أبُو الحَكَمِ مالِكُ بْنُ المُرَحِّلِ المالِقِيُّ بِغَرْناطَةَ فَسَألَنِي: قِراءَةُ مَن تَقْرَأُ اليَوْمَ عَلى الشَّيْخِ أبِي جَعْفَرِ بْنِ الطَّبّاعِ ؟ فَقُلْتُ: قِراءَةُ عاصِمٍ، فَأنْشَدَنِي: ؎لِعاصِمٍ قِراءَةْ ∗∗∗ لِغَيْرِها مُخالِفَةْ ؎إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةْ ∗∗∗ مِنكم نُعَذِّبْ طائِفَةْ وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: (إنْ تَعْفُ تُعَذَّبْ طائِفَةٌ)، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: (إنْ يَعْفُ يُعَذِّبُ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ فِيهِما، أيْ: إنْ يَعْفُ اللَّهُ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: (إنْ تُعْفَ) بِالتّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، (تُعَذَّبْ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ بِالتّاءِ أيْضًا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَلى تَقْدِيرِ: إنْ تُعْفَ هَذِهِ الذُّنُوبُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الوَجْهُ التَّذْكِيرُ لِأنَّ المُسْنَدَ إلَيْهِ الظَّرْفُ كَما تَقُولُ: سِيَرَ بِالدّابَّةِ، ولا تَقُولُ: سِيرَتْ بِالدّابَّةِ، ولَكِنَّهُ ذَهَبَ إلى المَعْنى، كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ تُرْحَمْ طائِفَةٌ، فَأنَّثَ لِذَلِكَ، وهو غَرِيبٌ. والجَيِّدُ قِراءَةُ العامَّةِ (إنْ يَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ) بِالتَّذْكِيرِ، و”تُعَذَّبْ طائِفَةٌ“ بِالتَّأْنِيثِ. انْتَهى. (مُجْرِمِينَ): مُصِرِّينَ عَلى النِّفاقِ غَيْرَ تائِبِينَ.

التوبة 9:66

﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهم بِما في قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ﴾: كانَ المُنافِقُونَ يَعِيبُونَ الرَّسُولَ (p-٦٦)ويَقُولُونَ: عَسى اللَّهُ ألّا يُفْشِيَ سِرَّنا، فَنَزَلَتْ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ السُّدِّيُّ: قالَ بَعْضُهم: ودِدْتُ أنِّي جُلِدْتُ مِائَةً ولا يَنْزِلُ فِينا شَيْءٌ يَفْضَحُنا، فَنَزَلَتْ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: وقَفَ جَماعَةٌ مِنهم لِلرَّسُولِ ﷺ في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ عِنْدَ مَرْجِعِهِ مِن تَبُوكَ لِيَفْتِكُوا بِهِ فَأخْبَرَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَنَزَلَتْ. وقِيلَ قالُوا في غَزْوَةِ تَبُوكَ: أيَرْجُو هَذا الرَّجُلُ أنْ يُفْتَحَ لَهُ قُصُورُ الشّامِ وحُصُونُها، هَيْهاتَ هَيْهاتَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا﴾ . والظّاهِرُ أنَّ (يَحْذَرُ) خَبَرٌ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿إنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ﴾ . فَقِيلَ: هو واقِعٌ مِنهم حَقِيقَةً لَمّا شاهَدُوا الرَّسُولَ يُخْبِرُهم بِما يَكْتُمُونَهُ، وقَعَ الحَذَرُ والخَوْفُ في قُلُوبِهِمْ. وقالَ الأصَمُّ: كانُوا يَعْرِفُونَهُ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ فَكَفَرُوا حَسَدًا، واسْتَبْعَدَ القاضِي في العالِمِ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وصِحَّةِ دِينِهِ أنْ يَكُونَ مُحادًّا لَهُما، ولَيْسَ بِبَعِيدٍ، فَإنَّهُ إذا اسْتَحْكَمَ الحَسَدُ نازَعَ الحاسِدُ في المَحْسُوساتِ. وقِيلَ: هو حَذَرٌ أظْهَرُوهُ عَلى وجْهِ الِاسْتِهْزاءِ حِينَ رَأوُا الرَّسُولَ يَذْكُرُ أشْياءَ وأنَّها عَنِ الوَحْيِ وكانُوا يُكَذِّبُونَ بِذَلِكَ، فَأخْبَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِذَلِكَ، وأعْلَمَ أنَّهُ مُظْهِرٌ سِرَّهم، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا﴾ . وقالَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ مِمَّنْ ذَهَبَ إلى التَّحَرُّزِ مِن أنْ يَكُونَ كُفْرُهم عِنادًا: هو مُضارِعٌ في مَعْنى الأمْرِ، أيْ: لِيَحْذَرَ المُنافِقُونَ، ويُبْعِدُهُ ﴿مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ﴾، و(أنْ تُنَزَّلَ) مَفْعُولُ (يَحْذَرُ)، وهو مُتَعَدٍّ. قالَ الشّاعِرُ: ؎حَذَرَ أُمُورًا لا تَضُرُّ وآمَنَ ما لَيْسَ يُنْجِيهِ مِنَ الأقْدارِ وقالَ تَعالى: ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] لَمّا كانَ قَبْلَ التَّضْعِيفِ مُتَعَدِّيًا إلى واحِدٍ، عَدّاهُ بِالتَّضْعِيفِ إلى اثْنَيْنِ. وقالَ المُبَرِّدُ: حَذَرَ إنَّما هي مِن هَيْئاتِ الأنْفُسِ الَّتِي لا تَتَعَدّى مِثْلُ فَزَعَ، والتَّقْدِيرُ: يَحْذَرُ المُنافِقُونَ مِن أنْ تُنَزَّلَ، ولا يَلْزَمُ ذَلِكَ، ألا تَرى أنَّ (خافَ) مِن هَيْئاتِ النَّفْسِ وتَتَعَدّى ؟ والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ (عَلَيْهِمْ) و( تُنَبِّئُهم الضَّمِيرانِ فِيهِما عائِدانِ عَلى المُنافِقِينَ، وجاءَ عَلَيْهِمْ لِأنَّ السُّورَةَ إذا نَزَلَتْ في مَعْناهم فَهي نازِلَةٌ عَلَيْهِمْ، قالَهُ الكَرْمانِيُّ، والزَّمَخْشَرِيُّ. قالَ الكَرْمانِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنَّهُ مِن قَوْلِكَ: هَذا عَلَيْكَ لا لَكَ. ومَعْنى ﴿تُنَبِّئُهم بِما في قُلُوبِهِمْ﴾: تُذِيعُ أسْرارَهم حَتّى يَسْمَعُوها مُذاعَةً مُنْتَشِرَةً، فَكَأنَّها تُخْبِرُهم بِها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والضَّمِيرُ في (عَلَيْهِمْ) و(تُنَبِّئُهم) لِلْمُؤْمِنِينَ، و(في قُلُوبِهِمْ) لِلْمُنافِقِينَ، وصَحَّ ذَلِكَ لِأنَّ المَعْنى يَعُودُ إلَيْهِ. انْتَهى. والأمْرُ بِالِاسْتِهْزاءِ أمْرُ تَهْدِيدٍ ووَعِيدٍ كَقَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] ومَعْنى ﴿مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ﴾ مُبْرِزٌ إلى حَيِّزِ الوُجُودِ ما تَحْذَرُونَهُ مِن إنْزالِ السُّورَةِ، أوْ مُظْهِرٌ ما كُنْتُمْ تَحْذَرُونَهُ مِن إظْهارِ نِفاقِكم. وفَعَلَ ذَلِكَ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ، فَهي تُسَمّى الفاضِحَةَ؛ لِأنَّها فَضَحَتِ المُنافِقِينَ. قِيلَ: كانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا أنْزَلَ اللَّهُ أسْماءَهم وأسْماءَ آبائِهِمْ في القُرْآنِ، ثُمَّ رُفِعَ ذَلِكَ ونُسِخَ رَحْمَةً ورَأْفَةً مِنهُ عَلى خَلْقِهِ، لِأنَّ أبْناءَهم كانُوا مُسْلِمِينَ. ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ قُلْ أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾؛ أيْ: ولَئِنْ سَألْتَهم عَمّا قالُوا مِنَ القَبِيحِ في حَقِّكَ وحَقِّ أصْحابِكَ مِن قَوْلِ بَعْضِهِمْ: انْظُرُوا إلى هَذا الرَّجُلِ يُرِيدُ أنْ يَفْتَتِحَ قُصُورَ الشّامِ، وقَوْلِ بَعْضِهِمْ: كَأنَّكم غَدًا في الجِبالِ أسْرى لِبَنِي الأصْفَرِ، وقَوْلِ بَعْضِهِمْ: ما رَأيْتُ كَهَؤُلاءِ لا أرْغَبَ بُطُونًا ولا أكْثَرَ كَذِبًا ولا أجْبَنَ عِنْدَ اللِّقاءِ، فَأطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلى ذَلِكَ فَعَنَّفَهم، فَقالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ ما كُنّا في شَيْءٍ مِن أمْرِكَ ولا أمْرِ أصْحابِكَ، إنَّما كُنّا في شَيْءٍ مِمّا (p-٦٧)يَخُوضُ فِيهِ الرَّكْبُ، كُنّا في غَيْرِ جِدٍّ. قُلْ: (أبِاللَّهِ) تَقْرِيرٌ عَلى اسْتِهْزائِهِمْ، وضَمَّنَهُ الوَعِيدَ، ولَمْ يَعْبَأْ بِاعْتِذارِهِمْ لِأنَّهم كانُوا كاذِبِينَ فِيهِ، فَجُعِلُوا كَأنَّهم مُعْتَرِفُونَ بِاسْتِهْزائِهِمْ وبِأنَّهُ مَوْجُودٌ مِنهم، حَتّى وُبِّخُوا بِأخْطائِهِمْ مَوْضِعَ الِاسْتِهْزاءِ، حَيْثُ جُعِلَ المُسْتَهْزَأُ بِهِ عَلى حَرْفِ التَّقْرِيرِ. وذَلِكَ إنَّما يَسْتَقِيمُ بَعْدَ وُقُوعِ الِاسْتِهْزاءِ وثُبُوتِهِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهو حَسَنٌ. وتَقْدِيمُ (بِاللَّهِ) وهو مَعْمُولُ خَبَرِ كانَ عَلَيْها، يَدُلُّ عَلى جَوازِ تَقْدِيمِهِ عَلَيْها. «وعَنِ ابْنِ عُمَرَ: رَأيْتُ قائِلَ هَذِهِ المَقالَةِ - يَعْنِي: إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ - ودِيعَةَ بْنَ ثابِتٍ مُتَعَلِّقًا بِحَقَبِ ناقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُماشِيها والحِجارَةُ تَنْكُتُهُ وهو يَقُولُ: ﴿إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ﴾، والنَّبِيُّ يَقُولُ: ﴿أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾» وذُكِرَ أنَّ هَذا المُتَعَلِّقَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بْنِ سَلُولَ، وذَلِكَ خَطَأٌ لِأنَّهُ لَمْ يَشْهَدْ تَبُوكَ. ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكم إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنكم نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ﴾: نُهُوا عَنِ الِاعْتِذارِ؛ لِأنَّها اعْتِذاراتٌ كاذِبَةٌ فَهي لا تَنْفَعُ. (قَدْ كَفَرْتُمْ) أظْهَرْتُمُ الكُفْرَ بَعْدَ إيمانِكم، أيْ: بَعْدَ إظْهارِ إيمانِكم، لِأنَّهم كانُوا يُسِرُّونَ الكُفْرَ فَأظْهَرُوهُ بِاسْتِهْزائِهِمْ، وجاءَ التَّقْسِيمُ بِالعَفْوِ عَنْ طائِفَةٍ، والتَّعْذِيبِ لِطائِفَةٍ. وكانَ المُنافِقُونَ صِنْفَيْنِ: صِنْفٌ أُمِرَ بِجِهادِهِمْ: ﴿جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ﴾ [التوبة: ٧٣] وهم رُؤَساؤُهُمُ المُعْلِنُونَ بِالأراجِيفِ، فَعُذِّبُوا بِإخْراجِهِمْ مِنَ المَسْجِدِ، وانْكِشافِ مُعْظَمِ أحْوالِهِمْ، وصِنْفٌ ضَعَفَةٌ مُظْهِرُونَ الإيمانَ وإنْ أبْطَنُوا الكُفْرَ، لَمْ يُؤْذُوا الرَّسُولَ فَعَفا عَنْهم، وهَذا العَذابُ والعَفْوُ في الدُّنْيا. وقِيلَ: المَعْفُوُّ عَنْها مَن عَلِمَ اللَّهُ أنَّهم سَيُخْلِصُونَ مِنَ النِّفاقِ ويُخْلِصُونَ الإيمانَ، والمُعَذَّبُونَ مَن ماتَ مِنهم عَلى نِفاقِهِ. وقِيلَ: المَعْفُوُّ عَنْهُ رَجُلٌ واحِدٌ اسْمُهُ مَخْشِيُّ بْنُ حُمَيْرٍ بِضَمِّ الحاءِ وفَتْحِ المِيمِ وسُكُونِ الياءِ، كانَ مَعَ الَّذِينَ قالُوا: ﴿إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ﴾ وقِيلَ: كانَ مُنافِقًا ثُمَّ تابَ تَوْبَةً صَحِيحَةً. وقِيلَ: إنَّهُ كانَ مُسْلِمًا مُخْلِصًا، إلّا أنَّهُ سَمِعَ كَلامَ المُنافِقِينَ فَضَحِكَ لَهم ولَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ، فَعَفا اللَّهُ عَنْهُ، واسْتُشْهِدَ بِاليَمامَةِ وقَدْ كانَ تابَ، ويُسَمّى عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَدَعا اللَّهُ أنْ يُسْتَشْهَدَ ويُجْهَلَ أمْرُهُ، فَكانَ ذَلِكَ بِاليَمامَةِ ولَمْ يُوجَدْ جَسَدُهُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعاصِمُ مِنَ السَّبْعَةِ: (إنْ نَعْفُ) بِالنُّونِ، (نُعَذِّبْ) بِالنُّونِ (طائِفَةً) . ولَقِيَنِي شَيْخُنا الأدِيبُ الحامِلُ أبُو الحَكَمِ مالِكُ بْنُ المُرَحِّلِ المالِقِيُّ بِغَرْناطَةَ فَسَألَنِي: قِراءَةُ مَن تَقْرَأُ اليَوْمَ عَلى الشَّيْخِ أبِي جَعْفَرِ بْنِ الطَّبّاعِ ؟ فَقُلْتُ: قِراءَةُ عاصِمٍ، فَأنْشَدَنِي: ؎لِعاصِمٍ قِراءَةْ ∗∗∗ لِغَيْرِها مُخالِفَةْ ؎إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةْ ∗∗∗ مِنكم نُعَذِّبْ طائِفَةْ وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: (إنْ تَعْفُ تُعَذَّبْ طائِفَةٌ)، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: (إنْ يَعْفُ يُعَذِّبُ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ فِيهِما، أيْ: إنْ يَعْفُ اللَّهُ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: (إنْ تُعْفَ) بِالتّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، (تُعَذَّبْ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ بِالتّاءِ أيْضًا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَلى تَقْدِيرِ: إنْ تُعْفَ هَذِهِ الذُّنُوبُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الوَجْهُ التَّذْكِيرُ لِأنَّ المُسْنَدَ إلَيْهِ الظَّرْفُ كَما تَقُولُ: سِيَرَ بِالدّابَّةِ، ولا تَقُولُ: سِيرَتْ بِالدّابَّةِ، ولَكِنَّهُ ذَهَبَ إلى المَعْنى، كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ تُرْحَمْ طائِفَةٌ، فَأنَّثَ لِذَلِكَ، وهو غَرِيبٌ. والجَيِّدُ قِراءَةُ العامَّةِ (إنْ يَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ) بِالتَّذْكِيرِ، و”تُعَذَّبْ طائِفَةٌ“ بِالتَّأْنِيثِ. انْتَهى. (مُجْرِمِينَ): مُصِرِّينَ عَلى النِّفاقِ غَيْرَ تائِبِينَ.

التوبة 9:67

(p-٦٨)﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ ويَقْبِضُونَ أيْدِيَهم نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهم إنَّ المُنافِقِينَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾: بَيَّنَ تَعالى أنَّ ذُكُورَهم وإناثَهم لَيْسُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ كَما قالَ تَعالى: ﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكم وما هم مِنكُمْ﴾ [التوبة: ٥٦] بَلْ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ في الحُكْمِ والمَنزِلَةِ والنِّفاقِ، فَهم عَلى دِينٍ واحِدٍ. ولَيْسَ المَعْنى عَلى التَّبْعِيضِ حَقِيقَةً؛ لِأنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ ووَصَفَهم بِخِلافِ ما عَلَيْهِ المُؤْمِنُونَ مِن أنَّهم يَأْمُرُونَ بِالمُنْكِرِ وهو الكُفْرُ وعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ والمَعاصِي، ويَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ؛ لِأنَّ الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمْ لَمْ يَكُونُوا أهْلَ قُدْرَةٍ ولا أفْعالٍ ظاهِرَةٍ، وذَلِكَ بِظُهُورِ الإسْلامِ وعِزَّتِهِ. وقَبْضُ الأيْدِي عِبارَةٌ عَنْ عَدَمِ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ قَتادَةُ: عَنْ كُلِّ خَيْرٍ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: عَنِ الجِهادِ وحَمْلِ السِّلاحِ في قِتالِ أعْداءِ الدِّينِ. وقالَ سُفْيانُ: عَنِ الرَّفْعِ في الدُّعاءِ. وقِيلَ: ذَلِكَ كِنايَةٌ عَنِ الشُّحِّ في النَّفَقاتِ في المَبارِّ والواجِباتِ، والنِّسْيانُ هُنا التَّرْكُ. قالَ قَتادَةُ: تَرَكُوا طاعَةَ اللَّهِ وطاعَةَ رَسُولِهِ فَنَسِيَهم، أيْ: تَرَكَهم مِنَ الخَيْرِ، أمّا مِنَ الشَّرِّ فَلَمْ يَنْسَهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أغْفَلُوا ذِكْرَهُ فَنَسِيَهم، تَرَكَهم مِن رَحْمَتِهِ وفَضْلِهِ، ويُعَبَّرُ بِالنِّسْيانِ عَنِ التَّرْكِ مُبالَغَةً في أنَّهُ لا يَخْطُرُ ذَلِكَ بِبالٍ. (هُمُ الفاسِقُونَ)، أيْ: هُمُ الكامِلُونَ في الفِسْقِ الَّذِي هو التَّمَرُّدُ في الكُفْرِ والِانْسِلاخُ مِن كُلِّ خَيْرٍ، وكَفى المُسْلِمَ زاجِرًا أنْ يُلِمَّ بِما يُكْسِبُ هَذا الِاسْمَ الفاحِشَ الَّذِي وصَفَ اللَّهُ بِهِ المُنافِقِينَ. ﴿وعَدَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والكُفّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هي حَسْبُهم ولَعَنَهُمُ اللَّهُ ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾: الكُفّارُ هُنا المُعْلِنُونَ بِالكُفْرِ، و(خالِدِينَ فِيها) حالٌ مُقَدَّرَةٌ؛ لِأنَّ الخُلُودَ لَمْ يُقارِنِ الوَعْدَ. و(حَسْبُهم) كافِيهم، وذَلِكَ مُبالَغَةٌ في عَذابِهِمْ، إذْ عَذابُهم شَيْءٌ لا يُزادُ عَلَيْهِ، و(لَعَنَهم) أهانَهم مَعَ التَّعْذِيبِ وجَعَلَهم مَذْمُومِينَ مُلْحَقِينَ بِالشَّياطِينِ المَلاعِينِ، كَما عَظَّمَ أهْلَ الجَنَّةِ وألْحَقَهم بِالمَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ. (مُقِيمٌ): مُؤَبَّدٌ لا نَقْلَةَ فِيهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ: ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ مَعَهم في العاجِلِ لا يَنْفَكُّونَ عَنْهُ، وهو ما يُقاسُونَهُ مِن تَعَبِ النِّفاقِ. والظّاهِرُ المُخالِفُ لِلْباطِنِ خَوْفًا مِنَ المُسْلِمِينَ، وما يَحْذَرُونَهُ أبَدًا مِنَ الفَضِيحَةِ ونُزُولِ العَذابِ إنِ اطُّلِعَ عَلى أسْرارِهِمْ. ﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكم كانُوا أشَدَّ مِنكم قُوَّةً وأكْثَرَ أمْوالًا وأوْلادًا فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكم كَما اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم بِخَلاقِهِمْ وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ وأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾: هَذا التِفاتٌ مِن ضَمِيرِ الغَيْبَةِ إلى ضَمِيرِ الخِطابِ. قالَ الفَرّاءُ: التَّشْبِيهُ مِن جِهَةِ الفِعْلِ، أيْ: فَعَلْتُمْ كَأفْعالِ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم، فَتَكُونُ الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى وعَدَ كَما وعَدَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم، فَهو مُتَعَلِّقٌ بِوَعَدَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي هَذا قَلَقٌ. وقالَ أبُو البَقاءِ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِـ (يَسْتَهْزِئُونَ)، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ. وقِيلَ: في مَوْضِعِ رَفْعٍ، التَّقْدِيرُ: أنْتُمْ كالَّذِينَ. والتَّشْبِيهُ وقَعَ في الِاسْتِمْتاعِ والخَوْضِ. وقَوْلُهُ: (كانُوا أشَدَّ) تَفْسِيرٌ لِشَبَهِهِمْ بِهِمْ، وتَمْثِيلٌ لِفِعْلِهِمْ بِفِعْلِهِمْ. والخَلاقُ: النَّصِيبُ، أيْ: ما قُدِّرَ لَهم. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: أيُّ فائِدَةٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿كَما اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم بِخَلاقِهِمْ﴾ (p-٦٩)مُغْنٍ عَنْهُ، كَما أغْنى ﴿كالَّذِي خاضُوا﴾ ؟ قُلْتُ: فائِدَتُهُ أنْ قَدَّمَ الأوَّلِينَ بِالِاسْتِمْتاعِ ما أُوتُوا مِن حُظُوظِ الدُّنْيا ورِضاهم بِها، والتِهائِهِمْ، فَشَبَّهُوا بِهِمُ الفانِيَةَ عَنِ النَّظَرِ في العاقِبَةِ وطَلَبِ الفَلاحِ في الآخِرَةِ، وأنْ يُخَسَّسَ أمْرُ الِاسْتِمْتاعِ ويُهَجَّنَ أمْرَ الرّاضِي بِهِ، ثُمَّ شَبَّهَ بَعْدَ ذَلِكَ حالَ المُخاطَبِينَ بِحالِهِمْ؛ كَما يُرِيدُ أنْ يُنَبِّهَ بَعْضَ الظَّلَمَةِ عَلى سَماجَةِ فِعْلِهِ فَيَقُولُ: أنْتَ مِثْلُ فِرْعَوْنَ كانَ يَقْتُلُ بِغَيْرِ جُرْمٍ ويُعَذِّبُ ويَعْسِفُ، وأنْتَ تَفْعَلُ مِثْلَ فِعْلِهِ. وأمّا ﴿وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾ فَمَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلُهُ مُسْتَنِدٌ إلَيْهِ مُسْتَغْنٍ بِإسْنادِهِ إلَيْهِ عَنْ تِلْكَ المُقَدِّمَةِ. انْتَهى. يَعْنِي: اسْتَغْنى عَنْ أنْ يَكُونَ التَّرْكِيبُ: وخاضُوا فَخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: كانُوا أشَدَّ مِنكم وأعْظَمَ فَعَصَوْا فَهَلَكُوا، فَأنْتُمْ أحْرى بِالإهْلاكِ لِمَعْصِيَتِكم وضَعْفِكم، والمَعْنى: عَجَّلُوا حَظَّهم في دُنْياهم، وتَرَكُوا بابَ الآخِرَةِ، فاتَّبَعْتُمُوهم أنْتُمْ. انْتَهى. ولَمّا ذَكَرَ تَشْبِيهَهم بِمَن قَبْلَهم وذَكَرَ ما كانُوا فِيهِ مِن شِدَّةِ القُوَّةِ وكَثْرَةِ الأوْلادِ، واسْتِمْتاعِهِمْ بِما قُدِّرَ لَهم مِنَ الأنْصِباءِ؛ شَبَّهَ اسْتِمْتاعَ المُنافِقِينَ بِاسْتِمْتاعِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، وأبْرَزَهم بِالِاسْمِ الظّاهِرِ فَقالَ: ﴿كَما اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم بِخَلاقِهِمْ﴾، ولَمْ يَكُنِ التَّرْكِيبُ (كَما اسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ) لِيَدُلَّ بِذَلِكَ عَلى التَّحْقِيرِ، لِأنَّهُ كَما يَدُلُّ بِإعادَةِ الظّاهِرِ مَكانَ المُضْمَرِ عَلى التَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ، كَذَلِكَ يَدُلُّ بِإعادَتِهِ عَلى التَّحْقِيرِ والتَّصْغِيرِ لِشَأْنِ المَذْكُورِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ [مريم: ٤٤] وكَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ: إنَّهُ كانَ، ولا: إنَّهم هم. و(خُضْتُمْ): أيْ دَخَلْتُمْ في اللَّهْوِ والباطِلِ، وهو مُسْتَعارٌ مِنَ الخَوْضِ في الماءِ، ولا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الباطِلِ؛ لِأنَّ التَّصَرُّفَ في الحَقِّ إنَّما هو عَلى تَرْتِيبٍ ونِظامٍ، وأُمُورُ الباطِلِ إنَّما هي خَوْضٌ. ومِنهُ: رُبَّ مُتَخَوِّضٍ في مالِ اللَّهِ لَهُ النّارُ يَوْمَ القِيامَةِ. ﴿كالَّذِي خاضُوا﴾ أيْ: كالخَوْضِ الَّذِي خاضُوا، قالَهُ الفَرّاءُ. وقِيلَ: كالخَوْضِ الَّذِينَ خاضُوا. وقِيلَ: النُّونُ مَحْذُوفَةٌ، أيْ: كالَّذِينَ خاضُوا، أيْ كَخَوْضِ الَّذِينَ. وقِيلَ: الَّذِي مَعَ ما بَعْدَها يُسْبَكُ مِنهُما مَصْدَرٌ، أيْ: كَخَوْضِهِمْ. والظّاهِرُ أنَّ (أُولَئِكَ) إشارَةٌ إلى الَّذِينَ وصَفَهم بِالشِّدَّةِ وكَثْرَةِ الأمْوالِ والأوْلادِ، والمَعْنى: وأنْتُمْ كَذَلِكَ يُحْبِطُ أعْمالَكم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِأُولَئِكَ المُنافِقِينَ المُعاصِرِينَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، ويَكُونُ الخِطابُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وفي ذَلِكَ خُرُوجٌ مِن خِطابٍ إلى خِطابٍ غَيْرِ الأوَّلِ. وقَوْلُهُ: (في الدُّنْيا) ما يُصِيبُهم في الدُّنْيا مِنَ التَّعَبِ وفَسادِ أعْمالِهِمْ، وفي الآخِرَةِ نارٌ لا تَنْفَعُ ولا يَقَعُ عَلَيْها جَزاءٌ. ويُقَوِّي الإشارَةَ بِـ (أُولَئِكَ) إلى المُنافِقِينَ - قَوْلُهُ في الآيَةِ المُسْتَقْبَلَةِ (ألَمْ يَأْتِهِمْ) فَتَأمَّلْهُ. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾، نَقِيضُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] . ﴿ألَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ إبْراهِيمَ وأصْحابِ مَدْيَنَ والمُؤْتَفِكاتِ أتَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾: لَمّا شَبَّهَ المُنافِقِينَ بِالكُفّارِ المُتَقَدِّمِينَ في الرَّغْبَةِ في الدُّنْيا وتَكْذِيبِ الأنْبِياءِ، وكانَ لَفْظُ ﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ فِيهِ إبْهامٌ؛ نَصَّ عَلى طَوائِفَ بِأعْيانِها سِتَّةٍ؛ لِأنَّهم كانَ عِنْدَهم شَيْءٌ مِن أنْبائِهِمْ، وكانَتْ بِلادُهم قَرِيبَةً مِن بِلادِ العَرَبِ، وكانُوا أكْثَرَ الأُمَمِ عَدَدًا، وأنْبِياؤُهم أعْظَمَ الأنْبِياءِ: نُوحٌ أوَّلُ الرُّسُلِ، وإبْراهِيمُ الأبُ الأقْرَبُ لِلْعَرَبِ، وما يَلِيها مِنَ الأُمَمِ مُقارِبُونَ لَهم في الشِّدَّةِ وكَثْرَةِ المالِ والوَلَدِ. فَقَوْمُ نُوحٍ أُهْلِكُوا بِالغَرَقِ، وعادٌ بِالرِّيحِ، وثَمُودُ بِالصَّيْحَةِ، وقَوْمُ إبْراهِيمَ بِسَلْبِ النِّعْمَةِ عَنْهم، حَتّى سُلِّطَتِ البَعُوضَةُ عَلى نَمْرُودَ مَلِكِهِمْ، وأصْحابُ مَدْيَنَ بِعَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ، والمُؤْتَفِكاتُ بِجَعْلِ أعالِي أرْضِها أسافِلَ وإمْطارِ الحِجارَةِ عَلَيْهِمْ. قالَ الواحِدِيُّ: مَعْنى الِائْتِفاكِ الِانْقِلابُ، أفَكْتُهُ فائْتَفَكَ، أيْ: قَلَبْتُهُ فانْقَلَبَ. والمُؤْتَفِكاتُ صِفَةٌ لِلْقُرى الَّتِي ائْتَفَكَتْ بِأهْلِها، فَجُعِلَ أعْلاها أسْفَلَها. والمُؤْتَفِكاتُ مَدائِنُ قَوْمِ لُوطٍ. (p-٧٠)وقِيلَ: قَرْياتُ قَوْمِ لُوطٍ وهُودٍ وصالِحٍ. وائْتِفاكُهُنَّ: انْقِلابُ أحْوالِهِنَّ عَنِ الخَيْرِ إلى الشَّرِّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والمُؤْتَفِكاتُ أهْلُ القُرى الأرْبَعَةِ. وقِيلَ: التِّسْعَةُ الَّتِي بُعِثَ إلَيْهِمْ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ جاءَتْ في القُرْآنِ مُفْرَدَةً تَدُلُّ عَلى الجَمْعِ، ومِن هَذِهِ اللَّفْظَةِ قَوْلُ عِمْرانَ بْنِ حِطّانَ: ؎لِمَنطِقٍ مُسْتَبِينٍ غَيْرِ مُلْتَبِسٍ بِهِ اللِّسانُ ورَأْيٍ غَيْرِ مُؤْتَفِكِ أيْ غَيْرِ مُنْقَلِبٍ مُتَصَرِّفٍ مُضْطَرِبٍ. ومِنهُ يُقالُ لِلرِّيحِ: مُؤْتَفِكَةٌ؛ لِتَصَرُّفِها، ومِنهُ ﴿أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠] والإفْكُ صَرْفُ القَوْلِ مِنَ الحَقِّ إلى الكَذِبِ. انْتَهى. وفِي قَوْلِهِ: (ألَمْ يَأْتِهِمْ) تَذْكِيرٌ بِأنْباءِ الماضِينَ وتَخْوِيفٌ أنْ يُصِيبَهم مِثْلُ ما أصابَهم، وكانَ أكْثَرُهم عالِمِينَ بِأحْوالِ هَذِهِ الأُمَمِ، وقَدْ ذُكِرَ شَيْءٌ مِنها في أشْعارِ جاهِلِيَّتِهِمْ كالأفْوَهِ الأزْدِيِّ، وعَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدَةَ، وغَيْرِهِما. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (ألَمْ يَأْتِهِمْ) تَذْكِيرًا بِما قَصَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في القُرْآنِ مِن أحْوالِ هَؤُلاءِ وتَفاصِيلِها. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿أتَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ عائِدٌ عَلى الأُمَمِ السِّتَّةِ المَذْكُورَةِ، والجُمْلَةُ شَرْحٌ لِلنَّبَأِ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المُؤْتَفِكاتِ خاصَّةً، وأتى بِلَفْظِ رُسُلٍ وإنْ كانَ نَبِيُّهم واحِدًا؛ لِأنَّهُ كانَ يُرْسِلُ إلى كُلِّ قَرْيَةٍ رَسُولًا داعِيًا، فَهم رُسُلُ رَسُولِ اللَّهِ، ذَكَرَهُ الطَّبَرِيُّ. وقالَ الكَرْمانِيُّ: قِيلَ: يَعُودُ عَلى المُؤْتَفِكاتِ، أيْ: أتاهم رَسُولٌ بَعْدَ رَسُولٍ. والبَيِّناتُ المُعْجِزاتُ، وهي (وأصْحابُ) بِالنِّسْبَةِ إلى الحَقِّ، لا بِالنِّسْبَةِ إلى المُكَذِّبِينَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (لِيَظْلِمَهم) لِيُهْلِكَهم حَتّى يَبْعَثَ فِيهِمْ نَبِيًّا يُنْذِرُهم. والمَعْنى: أنَّهم أُهْلِكُوا بِاسْتِحْقاقِهِمْ. وقالَ مَكِّيٌّ: فَما كانَ اللَّهَ لِيَضَعَ عُقُوبَتَهُ في غَيْرِ مُسْتَحِقِّها، إذِ الظُّلْمُ وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ إذْ عَصَوُا اللَّهَ وكَذَّبُوا رُسُلَهُ حَتّى أسْخَطُوا رَبَّهم واسْتَوْجَبُوا العُقُوبَةَ، فَظَلَمُوا بِذَلِكَ أنْفُسَهم. وقالَ الكَرْمانِيُّ: لِيَظْلِمَهم بِإهْلاكِهِمْ، يَظْلِمُونَ بِالكُفْرِ والتَّكْذِيبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَما صَحَّ مِنهُ أنْ يَظْلِمَهم وهو حَكِيمٌ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ القَبِيحُ، وأنْ يُعاقِبَهم بِغَيْرِ جُرْمٍ، ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم حَيْثُ كَفَرُوا بِهِ فاسْتَحَقُّوا عِقابَهُ. انْتَهى. وذَلِكَ عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. ويَظْهَرُ أنَّ بَيْنَ قَوْلِهِ (بِالبَيِّناتِ) وقَوْلِهِ: (فَما كانَ) كَلامًا مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ، واللَّهُ أعْلَمُ: فَكَذَّبُوا فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ، فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم.

التوبة 9:68

(p-٦٨)﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ ويَقْبِضُونَ أيْدِيَهم نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهم إنَّ المُنافِقِينَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾: بَيَّنَ تَعالى أنَّ ذُكُورَهم وإناثَهم لَيْسُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ كَما قالَ تَعالى: ﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكم وما هم مِنكُمْ﴾ [التوبة: ٥٦] بَلْ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ في الحُكْمِ والمَنزِلَةِ والنِّفاقِ، فَهم عَلى دِينٍ واحِدٍ. ولَيْسَ المَعْنى عَلى التَّبْعِيضِ حَقِيقَةً؛ لِأنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ ووَصَفَهم بِخِلافِ ما عَلَيْهِ المُؤْمِنُونَ مِن أنَّهم يَأْمُرُونَ بِالمُنْكِرِ وهو الكُفْرُ وعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ والمَعاصِي، ويَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ؛ لِأنَّ الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمْ لَمْ يَكُونُوا أهْلَ قُدْرَةٍ ولا أفْعالٍ ظاهِرَةٍ، وذَلِكَ بِظُهُورِ الإسْلامِ وعِزَّتِهِ. وقَبْضُ الأيْدِي عِبارَةٌ عَنْ عَدَمِ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ قَتادَةُ: عَنْ كُلِّ خَيْرٍ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: عَنِ الجِهادِ وحَمْلِ السِّلاحِ في قِتالِ أعْداءِ الدِّينِ. وقالَ سُفْيانُ: عَنِ الرَّفْعِ في الدُّعاءِ. وقِيلَ: ذَلِكَ كِنايَةٌ عَنِ الشُّحِّ في النَّفَقاتِ في المَبارِّ والواجِباتِ، والنِّسْيانُ هُنا التَّرْكُ. قالَ قَتادَةُ: تَرَكُوا طاعَةَ اللَّهِ وطاعَةَ رَسُولِهِ فَنَسِيَهم، أيْ: تَرَكَهم مِنَ الخَيْرِ، أمّا مِنَ الشَّرِّ فَلَمْ يَنْسَهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أغْفَلُوا ذِكْرَهُ فَنَسِيَهم، تَرَكَهم مِن رَحْمَتِهِ وفَضْلِهِ، ويُعَبَّرُ بِالنِّسْيانِ عَنِ التَّرْكِ مُبالَغَةً في أنَّهُ لا يَخْطُرُ ذَلِكَ بِبالٍ. (هُمُ الفاسِقُونَ)، أيْ: هُمُ الكامِلُونَ في الفِسْقِ الَّذِي هو التَّمَرُّدُ في الكُفْرِ والِانْسِلاخُ مِن كُلِّ خَيْرٍ، وكَفى المُسْلِمَ زاجِرًا أنْ يُلِمَّ بِما يُكْسِبُ هَذا الِاسْمَ الفاحِشَ الَّذِي وصَفَ اللَّهُ بِهِ المُنافِقِينَ. ﴿وعَدَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والكُفّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هي حَسْبُهم ولَعَنَهُمُ اللَّهُ ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾: الكُفّارُ هُنا المُعْلِنُونَ بِالكُفْرِ، و(خالِدِينَ فِيها) حالٌ مُقَدَّرَةٌ؛ لِأنَّ الخُلُودَ لَمْ يُقارِنِ الوَعْدَ. و(حَسْبُهم) كافِيهم، وذَلِكَ مُبالَغَةٌ في عَذابِهِمْ، إذْ عَذابُهم شَيْءٌ لا يُزادُ عَلَيْهِ، و(لَعَنَهم) أهانَهم مَعَ التَّعْذِيبِ وجَعَلَهم مَذْمُومِينَ مُلْحَقِينَ بِالشَّياطِينِ المَلاعِينِ، كَما عَظَّمَ أهْلَ الجَنَّةِ وألْحَقَهم بِالمَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ. (مُقِيمٌ): مُؤَبَّدٌ لا نَقْلَةَ فِيهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ: ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ مَعَهم في العاجِلِ لا يَنْفَكُّونَ عَنْهُ، وهو ما يُقاسُونَهُ مِن تَعَبِ النِّفاقِ. والظّاهِرُ المُخالِفُ لِلْباطِنِ خَوْفًا مِنَ المُسْلِمِينَ، وما يَحْذَرُونَهُ أبَدًا مِنَ الفَضِيحَةِ ونُزُولِ العَذابِ إنِ اطُّلِعَ عَلى أسْرارِهِمْ. ﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكم كانُوا أشَدَّ مِنكم قُوَّةً وأكْثَرَ أمْوالًا وأوْلادًا فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكم كَما اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم بِخَلاقِهِمْ وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ وأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾: هَذا التِفاتٌ مِن ضَمِيرِ الغَيْبَةِ إلى ضَمِيرِ الخِطابِ. قالَ الفَرّاءُ: التَّشْبِيهُ مِن جِهَةِ الفِعْلِ، أيْ: فَعَلْتُمْ كَأفْعالِ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم، فَتَكُونُ الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى وعَدَ كَما وعَدَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم، فَهو مُتَعَلِّقٌ بِوَعَدَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي هَذا قَلَقٌ. وقالَ أبُو البَقاءِ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِـ (يَسْتَهْزِئُونَ)، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ. وقِيلَ: في مَوْضِعِ رَفْعٍ، التَّقْدِيرُ: أنْتُمْ كالَّذِينَ. والتَّشْبِيهُ وقَعَ في الِاسْتِمْتاعِ والخَوْضِ. وقَوْلُهُ: (كانُوا أشَدَّ) تَفْسِيرٌ لِشَبَهِهِمْ بِهِمْ، وتَمْثِيلٌ لِفِعْلِهِمْ بِفِعْلِهِمْ. والخَلاقُ: النَّصِيبُ، أيْ: ما قُدِّرَ لَهم. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: أيُّ فائِدَةٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿كَما اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم بِخَلاقِهِمْ﴾ (p-٦٩)مُغْنٍ عَنْهُ، كَما أغْنى ﴿كالَّذِي خاضُوا﴾ ؟ قُلْتُ: فائِدَتُهُ أنْ قَدَّمَ الأوَّلِينَ بِالِاسْتِمْتاعِ ما أُوتُوا مِن حُظُوظِ الدُّنْيا ورِضاهم بِها، والتِهائِهِمْ، فَشَبَّهُوا بِهِمُ الفانِيَةَ عَنِ النَّظَرِ في العاقِبَةِ وطَلَبِ الفَلاحِ في الآخِرَةِ، وأنْ يُخَسَّسَ أمْرُ الِاسْتِمْتاعِ ويُهَجَّنَ أمْرَ الرّاضِي بِهِ، ثُمَّ شَبَّهَ بَعْدَ ذَلِكَ حالَ المُخاطَبِينَ بِحالِهِمْ؛ كَما يُرِيدُ أنْ يُنَبِّهَ بَعْضَ الظَّلَمَةِ عَلى سَماجَةِ فِعْلِهِ فَيَقُولُ: أنْتَ مِثْلُ فِرْعَوْنَ كانَ يَقْتُلُ بِغَيْرِ جُرْمٍ ويُعَذِّبُ ويَعْسِفُ، وأنْتَ تَفْعَلُ مِثْلَ فِعْلِهِ. وأمّا ﴿وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾ فَمَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلُهُ مُسْتَنِدٌ إلَيْهِ مُسْتَغْنٍ بِإسْنادِهِ إلَيْهِ عَنْ تِلْكَ المُقَدِّمَةِ. انْتَهى. يَعْنِي: اسْتَغْنى عَنْ أنْ يَكُونَ التَّرْكِيبُ: وخاضُوا فَخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: كانُوا أشَدَّ مِنكم وأعْظَمَ فَعَصَوْا فَهَلَكُوا، فَأنْتُمْ أحْرى بِالإهْلاكِ لِمَعْصِيَتِكم وضَعْفِكم، والمَعْنى: عَجَّلُوا حَظَّهم في دُنْياهم، وتَرَكُوا بابَ الآخِرَةِ، فاتَّبَعْتُمُوهم أنْتُمْ. انْتَهى. ولَمّا ذَكَرَ تَشْبِيهَهم بِمَن قَبْلَهم وذَكَرَ ما كانُوا فِيهِ مِن شِدَّةِ القُوَّةِ وكَثْرَةِ الأوْلادِ، واسْتِمْتاعِهِمْ بِما قُدِّرَ لَهم مِنَ الأنْصِباءِ؛ شَبَّهَ اسْتِمْتاعَ المُنافِقِينَ بِاسْتِمْتاعِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، وأبْرَزَهم بِالِاسْمِ الظّاهِرِ فَقالَ: ﴿كَما اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم بِخَلاقِهِمْ﴾، ولَمْ يَكُنِ التَّرْكِيبُ (كَما اسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ) لِيَدُلَّ بِذَلِكَ عَلى التَّحْقِيرِ، لِأنَّهُ كَما يَدُلُّ بِإعادَةِ الظّاهِرِ مَكانَ المُضْمَرِ عَلى التَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ، كَذَلِكَ يَدُلُّ بِإعادَتِهِ عَلى التَّحْقِيرِ والتَّصْغِيرِ لِشَأْنِ المَذْكُورِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ [مريم: ٤٤] وكَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ: إنَّهُ كانَ، ولا: إنَّهم هم. و(خُضْتُمْ): أيْ دَخَلْتُمْ في اللَّهْوِ والباطِلِ، وهو مُسْتَعارٌ مِنَ الخَوْضِ في الماءِ، ولا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الباطِلِ؛ لِأنَّ التَّصَرُّفَ في الحَقِّ إنَّما هو عَلى تَرْتِيبٍ ونِظامٍ، وأُمُورُ الباطِلِ إنَّما هي خَوْضٌ. ومِنهُ: رُبَّ مُتَخَوِّضٍ في مالِ اللَّهِ لَهُ النّارُ يَوْمَ القِيامَةِ. ﴿كالَّذِي خاضُوا﴾ أيْ: كالخَوْضِ الَّذِي خاضُوا، قالَهُ الفَرّاءُ. وقِيلَ: كالخَوْضِ الَّذِينَ خاضُوا. وقِيلَ: النُّونُ مَحْذُوفَةٌ، أيْ: كالَّذِينَ خاضُوا، أيْ كَخَوْضِ الَّذِينَ. وقِيلَ: الَّذِي مَعَ ما بَعْدَها يُسْبَكُ مِنهُما مَصْدَرٌ، أيْ: كَخَوْضِهِمْ. والظّاهِرُ أنَّ (أُولَئِكَ) إشارَةٌ إلى الَّذِينَ وصَفَهم بِالشِّدَّةِ وكَثْرَةِ الأمْوالِ والأوْلادِ، والمَعْنى: وأنْتُمْ كَذَلِكَ يُحْبِطُ أعْمالَكم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِأُولَئِكَ المُنافِقِينَ المُعاصِرِينَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، ويَكُونُ الخِطابُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وفي ذَلِكَ خُرُوجٌ مِن خِطابٍ إلى خِطابٍ غَيْرِ الأوَّلِ. وقَوْلُهُ: (في الدُّنْيا) ما يُصِيبُهم في الدُّنْيا مِنَ التَّعَبِ وفَسادِ أعْمالِهِمْ، وفي الآخِرَةِ نارٌ لا تَنْفَعُ ولا يَقَعُ عَلَيْها جَزاءٌ. ويُقَوِّي الإشارَةَ بِـ (أُولَئِكَ) إلى المُنافِقِينَ - قَوْلُهُ في الآيَةِ المُسْتَقْبَلَةِ (ألَمْ يَأْتِهِمْ) فَتَأمَّلْهُ. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾، نَقِيضُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] . ﴿ألَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ إبْراهِيمَ وأصْحابِ مَدْيَنَ والمُؤْتَفِكاتِ أتَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾: لَمّا شَبَّهَ المُنافِقِينَ بِالكُفّارِ المُتَقَدِّمِينَ في الرَّغْبَةِ في الدُّنْيا وتَكْذِيبِ الأنْبِياءِ، وكانَ لَفْظُ ﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ فِيهِ إبْهامٌ؛ نَصَّ عَلى طَوائِفَ بِأعْيانِها سِتَّةٍ؛ لِأنَّهم كانَ عِنْدَهم شَيْءٌ مِن أنْبائِهِمْ، وكانَتْ بِلادُهم قَرِيبَةً مِن بِلادِ العَرَبِ، وكانُوا أكْثَرَ الأُمَمِ عَدَدًا، وأنْبِياؤُهم أعْظَمَ الأنْبِياءِ: نُوحٌ أوَّلُ الرُّسُلِ، وإبْراهِيمُ الأبُ الأقْرَبُ لِلْعَرَبِ، وما يَلِيها مِنَ الأُمَمِ مُقارِبُونَ لَهم في الشِّدَّةِ وكَثْرَةِ المالِ والوَلَدِ. فَقَوْمُ نُوحٍ أُهْلِكُوا بِالغَرَقِ، وعادٌ بِالرِّيحِ، وثَمُودُ بِالصَّيْحَةِ، وقَوْمُ إبْراهِيمَ بِسَلْبِ النِّعْمَةِ عَنْهم، حَتّى سُلِّطَتِ البَعُوضَةُ عَلى نَمْرُودَ مَلِكِهِمْ، وأصْحابُ مَدْيَنَ بِعَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ، والمُؤْتَفِكاتُ بِجَعْلِ أعالِي أرْضِها أسافِلَ وإمْطارِ الحِجارَةِ عَلَيْهِمْ. قالَ الواحِدِيُّ: مَعْنى الِائْتِفاكِ الِانْقِلابُ، أفَكْتُهُ فائْتَفَكَ، أيْ: قَلَبْتُهُ فانْقَلَبَ. والمُؤْتَفِكاتُ صِفَةٌ لِلْقُرى الَّتِي ائْتَفَكَتْ بِأهْلِها، فَجُعِلَ أعْلاها أسْفَلَها. والمُؤْتَفِكاتُ مَدائِنُ قَوْمِ لُوطٍ. (p-٧٠)وقِيلَ: قَرْياتُ قَوْمِ لُوطٍ وهُودٍ وصالِحٍ. وائْتِفاكُهُنَّ: انْقِلابُ أحْوالِهِنَّ عَنِ الخَيْرِ إلى الشَّرِّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والمُؤْتَفِكاتُ أهْلُ القُرى الأرْبَعَةِ. وقِيلَ: التِّسْعَةُ الَّتِي بُعِثَ إلَيْهِمْ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ جاءَتْ في القُرْآنِ مُفْرَدَةً تَدُلُّ عَلى الجَمْعِ، ومِن هَذِهِ اللَّفْظَةِ قَوْلُ عِمْرانَ بْنِ حِطّانَ: ؎لِمَنطِقٍ مُسْتَبِينٍ غَيْرِ مُلْتَبِسٍ بِهِ اللِّسانُ ورَأْيٍ غَيْرِ مُؤْتَفِكِ أيْ غَيْرِ مُنْقَلِبٍ مُتَصَرِّفٍ مُضْطَرِبٍ. ومِنهُ يُقالُ لِلرِّيحِ: مُؤْتَفِكَةٌ؛ لِتَصَرُّفِها، ومِنهُ ﴿أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠] والإفْكُ صَرْفُ القَوْلِ مِنَ الحَقِّ إلى الكَذِبِ. انْتَهى. وفِي قَوْلِهِ: (ألَمْ يَأْتِهِمْ) تَذْكِيرٌ بِأنْباءِ الماضِينَ وتَخْوِيفٌ أنْ يُصِيبَهم مِثْلُ ما أصابَهم، وكانَ أكْثَرُهم عالِمِينَ بِأحْوالِ هَذِهِ الأُمَمِ، وقَدْ ذُكِرَ شَيْءٌ مِنها في أشْعارِ جاهِلِيَّتِهِمْ كالأفْوَهِ الأزْدِيِّ، وعَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدَةَ، وغَيْرِهِما. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (ألَمْ يَأْتِهِمْ) تَذْكِيرًا بِما قَصَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في القُرْآنِ مِن أحْوالِ هَؤُلاءِ وتَفاصِيلِها. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿أتَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ عائِدٌ عَلى الأُمَمِ السِّتَّةِ المَذْكُورَةِ، والجُمْلَةُ شَرْحٌ لِلنَّبَأِ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المُؤْتَفِكاتِ خاصَّةً، وأتى بِلَفْظِ رُسُلٍ وإنْ كانَ نَبِيُّهم واحِدًا؛ لِأنَّهُ كانَ يُرْسِلُ إلى كُلِّ قَرْيَةٍ رَسُولًا داعِيًا، فَهم رُسُلُ رَسُولِ اللَّهِ، ذَكَرَهُ الطَّبَرِيُّ. وقالَ الكَرْمانِيُّ: قِيلَ: يَعُودُ عَلى المُؤْتَفِكاتِ، أيْ: أتاهم رَسُولٌ بَعْدَ رَسُولٍ. والبَيِّناتُ المُعْجِزاتُ، وهي (وأصْحابُ) بِالنِّسْبَةِ إلى الحَقِّ، لا بِالنِّسْبَةِ إلى المُكَذِّبِينَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (لِيَظْلِمَهم) لِيُهْلِكَهم حَتّى يَبْعَثَ فِيهِمْ نَبِيًّا يُنْذِرُهم. والمَعْنى: أنَّهم أُهْلِكُوا بِاسْتِحْقاقِهِمْ. وقالَ مَكِّيٌّ: فَما كانَ اللَّهَ لِيَضَعَ عُقُوبَتَهُ في غَيْرِ مُسْتَحِقِّها، إذِ الظُّلْمُ وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ إذْ عَصَوُا اللَّهَ وكَذَّبُوا رُسُلَهُ حَتّى أسْخَطُوا رَبَّهم واسْتَوْجَبُوا العُقُوبَةَ، فَظَلَمُوا بِذَلِكَ أنْفُسَهم. وقالَ الكَرْمانِيُّ: لِيَظْلِمَهم بِإهْلاكِهِمْ، يَظْلِمُونَ بِالكُفْرِ والتَّكْذِيبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَما صَحَّ مِنهُ أنْ يَظْلِمَهم وهو حَكِيمٌ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ القَبِيحُ، وأنْ يُعاقِبَهم بِغَيْرِ جُرْمٍ، ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم حَيْثُ كَفَرُوا بِهِ فاسْتَحَقُّوا عِقابَهُ. انْتَهى. وذَلِكَ عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. ويَظْهَرُ أنَّ بَيْنَ قَوْلِهِ (بِالبَيِّناتِ) وقَوْلِهِ: (فَما كانَ) كَلامًا مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ، واللَّهُ أعْلَمُ: فَكَذَّبُوا فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ، فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم.

التوبة 9:69

(p-٦٨)﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ ويَقْبِضُونَ أيْدِيَهم نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهم إنَّ المُنافِقِينَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾: بَيَّنَ تَعالى أنَّ ذُكُورَهم وإناثَهم لَيْسُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ كَما قالَ تَعالى: ﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكم وما هم مِنكُمْ﴾ [التوبة: ٥٦] بَلْ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ في الحُكْمِ والمَنزِلَةِ والنِّفاقِ، فَهم عَلى دِينٍ واحِدٍ. ولَيْسَ المَعْنى عَلى التَّبْعِيضِ حَقِيقَةً؛ لِأنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ ووَصَفَهم بِخِلافِ ما عَلَيْهِ المُؤْمِنُونَ مِن أنَّهم يَأْمُرُونَ بِالمُنْكِرِ وهو الكُفْرُ وعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ والمَعاصِي، ويَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ؛ لِأنَّ الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمْ لَمْ يَكُونُوا أهْلَ قُدْرَةٍ ولا أفْعالٍ ظاهِرَةٍ، وذَلِكَ بِظُهُورِ الإسْلامِ وعِزَّتِهِ. وقَبْضُ الأيْدِي عِبارَةٌ عَنْ عَدَمِ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ قَتادَةُ: عَنْ كُلِّ خَيْرٍ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: عَنِ الجِهادِ وحَمْلِ السِّلاحِ في قِتالِ أعْداءِ الدِّينِ. وقالَ سُفْيانُ: عَنِ الرَّفْعِ في الدُّعاءِ. وقِيلَ: ذَلِكَ كِنايَةٌ عَنِ الشُّحِّ في النَّفَقاتِ في المَبارِّ والواجِباتِ، والنِّسْيانُ هُنا التَّرْكُ. قالَ قَتادَةُ: تَرَكُوا طاعَةَ اللَّهِ وطاعَةَ رَسُولِهِ فَنَسِيَهم، أيْ: تَرَكَهم مِنَ الخَيْرِ، أمّا مِنَ الشَّرِّ فَلَمْ يَنْسَهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أغْفَلُوا ذِكْرَهُ فَنَسِيَهم، تَرَكَهم مِن رَحْمَتِهِ وفَضْلِهِ، ويُعَبَّرُ بِالنِّسْيانِ عَنِ التَّرْكِ مُبالَغَةً في أنَّهُ لا يَخْطُرُ ذَلِكَ بِبالٍ. (هُمُ الفاسِقُونَ)، أيْ: هُمُ الكامِلُونَ في الفِسْقِ الَّذِي هو التَّمَرُّدُ في الكُفْرِ والِانْسِلاخُ مِن كُلِّ خَيْرٍ، وكَفى المُسْلِمَ زاجِرًا أنْ يُلِمَّ بِما يُكْسِبُ هَذا الِاسْمَ الفاحِشَ الَّذِي وصَفَ اللَّهُ بِهِ المُنافِقِينَ. ﴿وعَدَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والكُفّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هي حَسْبُهم ولَعَنَهُمُ اللَّهُ ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾: الكُفّارُ هُنا المُعْلِنُونَ بِالكُفْرِ، و(خالِدِينَ فِيها) حالٌ مُقَدَّرَةٌ؛ لِأنَّ الخُلُودَ لَمْ يُقارِنِ الوَعْدَ. و(حَسْبُهم) كافِيهم، وذَلِكَ مُبالَغَةٌ في عَذابِهِمْ، إذْ عَذابُهم شَيْءٌ لا يُزادُ عَلَيْهِ، و(لَعَنَهم) أهانَهم مَعَ التَّعْذِيبِ وجَعَلَهم مَذْمُومِينَ مُلْحَقِينَ بِالشَّياطِينِ المَلاعِينِ، كَما عَظَّمَ أهْلَ الجَنَّةِ وألْحَقَهم بِالمَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ. (مُقِيمٌ): مُؤَبَّدٌ لا نَقْلَةَ فِيهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ: ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ مَعَهم في العاجِلِ لا يَنْفَكُّونَ عَنْهُ، وهو ما يُقاسُونَهُ مِن تَعَبِ النِّفاقِ. والظّاهِرُ المُخالِفُ لِلْباطِنِ خَوْفًا مِنَ المُسْلِمِينَ، وما يَحْذَرُونَهُ أبَدًا مِنَ الفَضِيحَةِ ونُزُولِ العَذابِ إنِ اطُّلِعَ عَلى أسْرارِهِمْ. ﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكم كانُوا أشَدَّ مِنكم قُوَّةً وأكْثَرَ أمْوالًا وأوْلادًا فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكم كَما اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم بِخَلاقِهِمْ وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ وأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾: هَذا التِفاتٌ مِن ضَمِيرِ الغَيْبَةِ إلى ضَمِيرِ الخِطابِ. قالَ الفَرّاءُ: التَّشْبِيهُ مِن جِهَةِ الفِعْلِ، أيْ: فَعَلْتُمْ كَأفْعالِ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم، فَتَكُونُ الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى وعَدَ كَما وعَدَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم، فَهو مُتَعَلِّقٌ بِوَعَدَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي هَذا قَلَقٌ. وقالَ أبُو البَقاءِ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِـ (يَسْتَهْزِئُونَ)، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ. وقِيلَ: في مَوْضِعِ رَفْعٍ، التَّقْدِيرُ: أنْتُمْ كالَّذِينَ. والتَّشْبِيهُ وقَعَ في الِاسْتِمْتاعِ والخَوْضِ. وقَوْلُهُ: (كانُوا أشَدَّ) تَفْسِيرٌ لِشَبَهِهِمْ بِهِمْ، وتَمْثِيلٌ لِفِعْلِهِمْ بِفِعْلِهِمْ. والخَلاقُ: النَّصِيبُ، أيْ: ما قُدِّرَ لَهم. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: أيُّ فائِدَةٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿كَما اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم بِخَلاقِهِمْ﴾ (p-٦٩)مُغْنٍ عَنْهُ، كَما أغْنى ﴿كالَّذِي خاضُوا﴾ ؟ قُلْتُ: فائِدَتُهُ أنْ قَدَّمَ الأوَّلِينَ بِالِاسْتِمْتاعِ ما أُوتُوا مِن حُظُوظِ الدُّنْيا ورِضاهم بِها، والتِهائِهِمْ، فَشَبَّهُوا بِهِمُ الفانِيَةَ عَنِ النَّظَرِ في العاقِبَةِ وطَلَبِ الفَلاحِ في الآخِرَةِ، وأنْ يُخَسَّسَ أمْرُ الِاسْتِمْتاعِ ويُهَجَّنَ أمْرَ الرّاضِي بِهِ، ثُمَّ شَبَّهَ بَعْدَ ذَلِكَ حالَ المُخاطَبِينَ بِحالِهِمْ؛ كَما يُرِيدُ أنْ يُنَبِّهَ بَعْضَ الظَّلَمَةِ عَلى سَماجَةِ فِعْلِهِ فَيَقُولُ: أنْتَ مِثْلُ فِرْعَوْنَ كانَ يَقْتُلُ بِغَيْرِ جُرْمٍ ويُعَذِّبُ ويَعْسِفُ، وأنْتَ تَفْعَلُ مِثْلَ فِعْلِهِ. وأمّا ﴿وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾ فَمَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلُهُ مُسْتَنِدٌ إلَيْهِ مُسْتَغْنٍ بِإسْنادِهِ إلَيْهِ عَنْ تِلْكَ المُقَدِّمَةِ. انْتَهى. يَعْنِي: اسْتَغْنى عَنْ أنْ يَكُونَ التَّرْكِيبُ: وخاضُوا فَخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: كانُوا أشَدَّ مِنكم وأعْظَمَ فَعَصَوْا فَهَلَكُوا، فَأنْتُمْ أحْرى بِالإهْلاكِ لِمَعْصِيَتِكم وضَعْفِكم، والمَعْنى: عَجَّلُوا حَظَّهم في دُنْياهم، وتَرَكُوا بابَ الآخِرَةِ، فاتَّبَعْتُمُوهم أنْتُمْ. انْتَهى. ولَمّا ذَكَرَ تَشْبِيهَهم بِمَن قَبْلَهم وذَكَرَ ما كانُوا فِيهِ مِن شِدَّةِ القُوَّةِ وكَثْرَةِ الأوْلادِ، واسْتِمْتاعِهِمْ بِما قُدِّرَ لَهم مِنَ الأنْصِباءِ؛ شَبَّهَ اسْتِمْتاعَ المُنافِقِينَ بِاسْتِمْتاعِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، وأبْرَزَهم بِالِاسْمِ الظّاهِرِ فَقالَ: ﴿كَما اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم بِخَلاقِهِمْ﴾، ولَمْ يَكُنِ التَّرْكِيبُ (كَما اسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ) لِيَدُلَّ بِذَلِكَ عَلى التَّحْقِيرِ، لِأنَّهُ كَما يَدُلُّ بِإعادَةِ الظّاهِرِ مَكانَ المُضْمَرِ عَلى التَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ، كَذَلِكَ يَدُلُّ بِإعادَتِهِ عَلى التَّحْقِيرِ والتَّصْغِيرِ لِشَأْنِ المَذْكُورِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ [مريم: ٤٤] وكَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ: إنَّهُ كانَ، ولا: إنَّهم هم. و(خُضْتُمْ): أيْ دَخَلْتُمْ في اللَّهْوِ والباطِلِ، وهو مُسْتَعارٌ مِنَ الخَوْضِ في الماءِ، ولا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الباطِلِ؛ لِأنَّ التَّصَرُّفَ في الحَقِّ إنَّما هو عَلى تَرْتِيبٍ ونِظامٍ، وأُمُورُ الباطِلِ إنَّما هي خَوْضٌ. ومِنهُ: رُبَّ مُتَخَوِّضٍ في مالِ اللَّهِ لَهُ النّارُ يَوْمَ القِيامَةِ. ﴿كالَّذِي خاضُوا﴾ أيْ: كالخَوْضِ الَّذِي خاضُوا، قالَهُ الفَرّاءُ. وقِيلَ: كالخَوْضِ الَّذِينَ خاضُوا. وقِيلَ: النُّونُ مَحْذُوفَةٌ، أيْ: كالَّذِينَ خاضُوا، أيْ كَخَوْضِ الَّذِينَ. وقِيلَ: الَّذِي مَعَ ما بَعْدَها يُسْبَكُ مِنهُما مَصْدَرٌ، أيْ: كَخَوْضِهِمْ. والظّاهِرُ أنَّ (أُولَئِكَ) إشارَةٌ إلى الَّذِينَ وصَفَهم بِالشِّدَّةِ وكَثْرَةِ الأمْوالِ والأوْلادِ، والمَعْنى: وأنْتُمْ كَذَلِكَ يُحْبِطُ أعْمالَكم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِأُولَئِكَ المُنافِقِينَ المُعاصِرِينَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، ويَكُونُ الخِطابُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وفي ذَلِكَ خُرُوجٌ مِن خِطابٍ إلى خِطابٍ غَيْرِ الأوَّلِ. وقَوْلُهُ: (في الدُّنْيا) ما يُصِيبُهم في الدُّنْيا مِنَ التَّعَبِ وفَسادِ أعْمالِهِمْ، وفي الآخِرَةِ نارٌ لا تَنْفَعُ ولا يَقَعُ عَلَيْها جَزاءٌ. ويُقَوِّي الإشارَةَ بِـ (أُولَئِكَ) إلى المُنافِقِينَ - قَوْلُهُ في الآيَةِ المُسْتَقْبَلَةِ (ألَمْ يَأْتِهِمْ) فَتَأمَّلْهُ. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾، نَقِيضُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] . ﴿ألَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ إبْراهِيمَ وأصْحابِ مَدْيَنَ والمُؤْتَفِكاتِ أتَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾: لَمّا شَبَّهَ المُنافِقِينَ بِالكُفّارِ المُتَقَدِّمِينَ في الرَّغْبَةِ في الدُّنْيا وتَكْذِيبِ الأنْبِياءِ، وكانَ لَفْظُ ﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ فِيهِ إبْهامٌ؛ نَصَّ عَلى طَوائِفَ بِأعْيانِها سِتَّةٍ؛ لِأنَّهم كانَ عِنْدَهم شَيْءٌ مِن أنْبائِهِمْ، وكانَتْ بِلادُهم قَرِيبَةً مِن بِلادِ العَرَبِ، وكانُوا أكْثَرَ الأُمَمِ عَدَدًا، وأنْبِياؤُهم أعْظَمَ الأنْبِياءِ: نُوحٌ أوَّلُ الرُّسُلِ، وإبْراهِيمُ الأبُ الأقْرَبُ لِلْعَرَبِ، وما يَلِيها مِنَ الأُمَمِ مُقارِبُونَ لَهم في الشِّدَّةِ وكَثْرَةِ المالِ والوَلَدِ. فَقَوْمُ نُوحٍ أُهْلِكُوا بِالغَرَقِ، وعادٌ بِالرِّيحِ، وثَمُودُ بِالصَّيْحَةِ، وقَوْمُ إبْراهِيمَ بِسَلْبِ النِّعْمَةِ عَنْهم، حَتّى سُلِّطَتِ البَعُوضَةُ عَلى نَمْرُودَ مَلِكِهِمْ، وأصْحابُ مَدْيَنَ بِعَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ، والمُؤْتَفِكاتُ بِجَعْلِ أعالِي أرْضِها أسافِلَ وإمْطارِ الحِجارَةِ عَلَيْهِمْ. قالَ الواحِدِيُّ: مَعْنى الِائْتِفاكِ الِانْقِلابُ، أفَكْتُهُ فائْتَفَكَ، أيْ: قَلَبْتُهُ فانْقَلَبَ. والمُؤْتَفِكاتُ صِفَةٌ لِلْقُرى الَّتِي ائْتَفَكَتْ بِأهْلِها، فَجُعِلَ أعْلاها أسْفَلَها. والمُؤْتَفِكاتُ مَدائِنُ قَوْمِ لُوطٍ. (p-٧٠)وقِيلَ: قَرْياتُ قَوْمِ لُوطٍ وهُودٍ وصالِحٍ. وائْتِفاكُهُنَّ: انْقِلابُ أحْوالِهِنَّ عَنِ الخَيْرِ إلى الشَّرِّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والمُؤْتَفِكاتُ أهْلُ القُرى الأرْبَعَةِ. وقِيلَ: التِّسْعَةُ الَّتِي بُعِثَ إلَيْهِمْ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ جاءَتْ في القُرْآنِ مُفْرَدَةً تَدُلُّ عَلى الجَمْعِ، ومِن هَذِهِ اللَّفْظَةِ قَوْلُ عِمْرانَ بْنِ حِطّانَ: ؎لِمَنطِقٍ مُسْتَبِينٍ غَيْرِ مُلْتَبِسٍ بِهِ اللِّسانُ ورَأْيٍ غَيْرِ مُؤْتَفِكِ أيْ غَيْرِ مُنْقَلِبٍ مُتَصَرِّفٍ مُضْطَرِبٍ. ومِنهُ يُقالُ لِلرِّيحِ: مُؤْتَفِكَةٌ؛ لِتَصَرُّفِها، ومِنهُ ﴿أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠] والإفْكُ صَرْفُ القَوْلِ مِنَ الحَقِّ إلى الكَذِبِ. انْتَهى. وفِي قَوْلِهِ: (ألَمْ يَأْتِهِمْ) تَذْكِيرٌ بِأنْباءِ الماضِينَ وتَخْوِيفٌ أنْ يُصِيبَهم مِثْلُ ما أصابَهم، وكانَ أكْثَرُهم عالِمِينَ بِأحْوالِ هَذِهِ الأُمَمِ، وقَدْ ذُكِرَ شَيْءٌ مِنها في أشْعارِ جاهِلِيَّتِهِمْ كالأفْوَهِ الأزْدِيِّ، وعَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدَةَ، وغَيْرِهِما. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (ألَمْ يَأْتِهِمْ) تَذْكِيرًا بِما قَصَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في القُرْآنِ مِن أحْوالِ هَؤُلاءِ وتَفاصِيلِها. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿أتَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ عائِدٌ عَلى الأُمَمِ السِّتَّةِ المَذْكُورَةِ، والجُمْلَةُ شَرْحٌ لِلنَّبَأِ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المُؤْتَفِكاتِ خاصَّةً، وأتى بِلَفْظِ رُسُلٍ وإنْ كانَ نَبِيُّهم واحِدًا؛ لِأنَّهُ كانَ يُرْسِلُ إلى كُلِّ قَرْيَةٍ رَسُولًا داعِيًا، فَهم رُسُلُ رَسُولِ اللَّهِ، ذَكَرَهُ الطَّبَرِيُّ. وقالَ الكَرْمانِيُّ: قِيلَ: يَعُودُ عَلى المُؤْتَفِكاتِ، أيْ: أتاهم رَسُولٌ بَعْدَ رَسُولٍ. والبَيِّناتُ المُعْجِزاتُ، وهي (وأصْحابُ) بِالنِّسْبَةِ إلى الحَقِّ، لا بِالنِّسْبَةِ إلى المُكَذِّبِينَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (لِيَظْلِمَهم) لِيُهْلِكَهم حَتّى يَبْعَثَ فِيهِمْ نَبِيًّا يُنْذِرُهم. والمَعْنى: أنَّهم أُهْلِكُوا بِاسْتِحْقاقِهِمْ. وقالَ مَكِّيٌّ: فَما كانَ اللَّهَ لِيَضَعَ عُقُوبَتَهُ في غَيْرِ مُسْتَحِقِّها، إذِ الظُّلْمُ وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ إذْ عَصَوُا اللَّهَ وكَذَّبُوا رُسُلَهُ حَتّى أسْخَطُوا رَبَّهم واسْتَوْجَبُوا العُقُوبَةَ، فَظَلَمُوا بِذَلِكَ أنْفُسَهم. وقالَ الكَرْمانِيُّ: لِيَظْلِمَهم بِإهْلاكِهِمْ، يَظْلِمُونَ بِالكُفْرِ والتَّكْذِيبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَما صَحَّ مِنهُ أنْ يَظْلِمَهم وهو حَكِيمٌ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ القَبِيحُ، وأنْ يُعاقِبَهم بِغَيْرِ جُرْمٍ، ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم حَيْثُ كَفَرُوا بِهِ فاسْتَحَقُّوا عِقابَهُ. انْتَهى. وذَلِكَ عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. ويَظْهَرُ أنَّ بَيْنَ قَوْلِهِ (بِالبَيِّناتِ) وقَوْلِهِ: (فَما كانَ) كَلامًا مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ، واللَّهُ أعْلَمُ: فَكَذَّبُوا فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ، فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم.

التوبة 9:70

(p-٦٨)﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ ويَقْبِضُونَ أيْدِيَهم نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهم إنَّ المُنافِقِينَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾: بَيَّنَ تَعالى أنَّ ذُكُورَهم وإناثَهم لَيْسُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ كَما قالَ تَعالى: ﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكم وما هم مِنكُمْ﴾ [التوبة: ٥٦] بَلْ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ في الحُكْمِ والمَنزِلَةِ والنِّفاقِ، فَهم عَلى دِينٍ واحِدٍ. ولَيْسَ المَعْنى عَلى التَّبْعِيضِ حَقِيقَةً؛ لِأنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ ووَصَفَهم بِخِلافِ ما عَلَيْهِ المُؤْمِنُونَ مِن أنَّهم يَأْمُرُونَ بِالمُنْكِرِ وهو الكُفْرُ وعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ والمَعاصِي، ويَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ؛ لِأنَّ الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمْ لَمْ يَكُونُوا أهْلَ قُدْرَةٍ ولا أفْعالٍ ظاهِرَةٍ، وذَلِكَ بِظُهُورِ الإسْلامِ وعِزَّتِهِ. وقَبْضُ الأيْدِي عِبارَةٌ عَنْ عَدَمِ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ قَتادَةُ: عَنْ كُلِّ خَيْرٍ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: عَنِ الجِهادِ وحَمْلِ السِّلاحِ في قِتالِ أعْداءِ الدِّينِ. وقالَ سُفْيانُ: عَنِ الرَّفْعِ في الدُّعاءِ. وقِيلَ: ذَلِكَ كِنايَةٌ عَنِ الشُّحِّ في النَّفَقاتِ في المَبارِّ والواجِباتِ، والنِّسْيانُ هُنا التَّرْكُ. قالَ قَتادَةُ: تَرَكُوا طاعَةَ اللَّهِ وطاعَةَ رَسُولِهِ فَنَسِيَهم، أيْ: تَرَكَهم مِنَ الخَيْرِ، أمّا مِنَ الشَّرِّ فَلَمْ يَنْسَهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أغْفَلُوا ذِكْرَهُ فَنَسِيَهم، تَرَكَهم مِن رَحْمَتِهِ وفَضْلِهِ، ويُعَبَّرُ بِالنِّسْيانِ عَنِ التَّرْكِ مُبالَغَةً في أنَّهُ لا يَخْطُرُ ذَلِكَ بِبالٍ. (هُمُ الفاسِقُونَ)، أيْ: هُمُ الكامِلُونَ في الفِسْقِ الَّذِي هو التَّمَرُّدُ في الكُفْرِ والِانْسِلاخُ مِن كُلِّ خَيْرٍ، وكَفى المُسْلِمَ زاجِرًا أنْ يُلِمَّ بِما يُكْسِبُ هَذا الِاسْمَ الفاحِشَ الَّذِي وصَفَ اللَّهُ بِهِ المُنافِقِينَ. ﴿وعَدَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والكُفّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هي حَسْبُهم ولَعَنَهُمُ اللَّهُ ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾: الكُفّارُ هُنا المُعْلِنُونَ بِالكُفْرِ، و(خالِدِينَ فِيها) حالٌ مُقَدَّرَةٌ؛ لِأنَّ الخُلُودَ لَمْ يُقارِنِ الوَعْدَ. و(حَسْبُهم) كافِيهم، وذَلِكَ مُبالَغَةٌ في عَذابِهِمْ، إذْ عَذابُهم شَيْءٌ لا يُزادُ عَلَيْهِ، و(لَعَنَهم) أهانَهم مَعَ التَّعْذِيبِ وجَعَلَهم مَذْمُومِينَ مُلْحَقِينَ بِالشَّياطِينِ المَلاعِينِ، كَما عَظَّمَ أهْلَ الجَنَّةِ وألْحَقَهم بِالمَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ. (مُقِيمٌ): مُؤَبَّدٌ لا نَقْلَةَ فِيهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ: ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ مَعَهم في العاجِلِ لا يَنْفَكُّونَ عَنْهُ، وهو ما يُقاسُونَهُ مِن تَعَبِ النِّفاقِ. والظّاهِرُ المُخالِفُ لِلْباطِنِ خَوْفًا مِنَ المُسْلِمِينَ، وما يَحْذَرُونَهُ أبَدًا مِنَ الفَضِيحَةِ ونُزُولِ العَذابِ إنِ اطُّلِعَ عَلى أسْرارِهِمْ. ﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكم كانُوا أشَدَّ مِنكم قُوَّةً وأكْثَرَ أمْوالًا وأوْلادًا فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكم كَما اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم بِخَلاقِهِمْ وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ وأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾: هَذا التِفاتٌ مِن ضَمِيرِ الغَيْبَةِ إلى ضَمِيرِ الخِطابِ. قالَ الفَرّاءُ: التَّشْبِيهُ مِن جِهَةِ الفِعْلِ، أيْ: فَعَلْتُمْ كَأفْعالِ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم، فَتَكُونُ الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى وعَدَ كَما وعَدَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم، فَهو مُتَعَلِّقٌ بِوَعَدَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي هَذا قَلَقٌ. وقالَ أبُو البَقاءِ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِـ (يَسْتَهْزِئُونَ)، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ. وقِيلَ: في مَوْضِعِ رَفْعٍ، التَّقْدِيرُ: أنْتُمْ كالَّذِينَ. والتَّشْبِيهُ وقَعَ في الِاسْتِمْتاعِ والخَوْضِ. وقَوْلُهُ: (كانُوا أشَدَّ) تَفْسِيرٌ لِشَبَهِهِمْ بِهِمْ، وتَمْثِيلٌ لِفِعْلِهِمْ بِفِعْلِهِمْ. والخَلاقُ: النَّصِيبُ، أيْ: ما قُدِّرَ لَهم. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: أيُّ فائِدَةٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿كَما اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم بِخَلاقِهِمْ﴾ (p-٦٩)مُغْنٍ عَنْهُ، كَما أغْنى ﴿كالَّذِي خاضُوا﴾ ؟ قُلْتُ: فائِدَتُهُ أنْ قَدَّمَ الأوَّلِينَ بِالِاسْتِمْتاعِ ما أُوتُوا مِن حُظُوظِ الدُّنْيا ورِضاهم بِها، والتِهائِهِمْ، فَشَبَّهُوا بِهِمُ الفانِيَةَ عَنِ النَّظَرِ في العاقِبَةِ وطَلَبِ الفَلاحِ في الآخِرَةِ، وأنْ يُخَسَّسَ أمْرُ الِاسْتِمْتاعِ ويُهَجَّنَ أمْرَ الرّاضِي بِهِ، ثُمَّ شَبَّهَ بَعْدَ ذَلِكَ حالَ المُخاطَبِينَ بِحالِهِمْ؛ كَما يُرِيدُ أنْ يُنَبِّهَ بَعْضَ الظَّلَمَةِ عَلى سَماجَةِ فِعْلِهِ فَيَقُولُ: أنْتَ مِثْلُ فِرْعَوْنَ كانَ يَقْتُلُ بِغَيْرِ جُرْمٍ ويُعَذِّبُ ويَعْسِفُ، وأنْتَ تَفْعَلُ مِثْلَ فِعْلِهِ. وأمّا ﴿وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾ فَمَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلُهُ مُسْتَنِدٌ إلَيْهِ مُسْتَغْنٍ بِإسْنادِهِ إلَيْهِ عَنْ تِلْكَ المُقَدِّمَةِ. انْتَهى. يَعْنِي: اسْتَغْنى عَنْ أنْ يَكُونَ التَّرْكِيبُ: وخاضُوا فَخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: كانُوا أشَدَّ مِنكم وأعْظَمَ فَعَصَوْا فَهَلَكُوا، فَأنْتُمْ أحْرى بِالإهْلاكِ لِمَعْصِيَتِكم وضَعْفِكم، والمَعْنى: عَجَّلُوا حَظَّهم في دُنْياهم، وتَرَكُوا بابَ الآخِرَةِ، فاتَّبَعْتُمُوهم أنْتُمْ. انْتَهى. ولَمّا ذَكَرَ تَشْبِيهَهم بِمَن قَبْلَهم وذَكَرَ ما كانُوا فِيهِ مِن شِدَّةِ القُوَّةِ وكَثْرَةِ الأوْلادِ، واسْتِمْتاعِهِمْ بِما قُدِّرَ لَهم مِنَ الأنْصِباءِ؛ شَبَّهَ اسْتِمْتاعَ المُنافِقِينَ بِاسْتِمْتاعِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، وأبْرَزَهم بِالِاسْمِ الظّاهِرِ فَقالَ: ﴿كَما اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم بِخَلاقِهِمْ﴾، ولَمْ يَكُنِ التَّرْكِيبُ (كَما اسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ) لِيَدُلَّ بِذَلِكَ عَلى التَّحْقِيرِ، لِأنَّهُ كَما يَدُلُّ بِإعادَةِ الظّاهِرِ مَكانَ المُضْمَرِ عَلى التَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ، كَذَلِكَ يَدُلُّ بِإعادَتِهِ عَلى التَّحْقِيرِ والتَّصْغِيرِ لِشَأْنِ المَذْكُورِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ [مريم: ٤٤] وكَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ: إنَّهُ كانَ، ولا: إنَّهم هم. و(خُضْتُمْ): أيْ دَخَلْتُمْ في اللَّهْوِ والباطِلِ، وهو مُسْتَعارٌ مِنَ الخَوْضِ في الماءِ، ولا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الباطِلِ؛ لِأنَّ التَّصَرُّفَ في الحَقِّ إنَّما هو عَلى تَرْتِيبٍ ونِظامٍ، وأُمُورُ الباطِلِ إنَّما هي خَوْضٌ. ومِنهُ: رُبَّ مُتَخَوِّضٍ في مالِ اللَّهِ لَهُ النّارُ يَوْمَ القِيامَةِ. ﴿كالَّذِي خاضُوا﴾ أيْ: كالخَوْضِ الَّذِي خاضُوا، قالَهُ الفَرّاءُ. وقِيلَ: كالخَوْضِ الَّذِينَ خاضُوا. وقِيلَ: النُّونُ مَحْذُوفَةٌ، أيْ: كالَّذِينَ خاضُوا، أيْ كَخَوْضِ الَّذِينَ. وقِيلَ: الَّذِي مَعَ ما بَعْدَها يُسْبَكُ مِنهُما مَصْدَرٌ، أيْ: كَخَوْضِهِمْ. والظّاهِرُ أنَّ (أُولَئِكَ) إشارَةٌ إلى الَّذِينَ وصَفَهم بِالشِّدَّةِ وكَثْرَةِ الأمْوالِ والأوْلادِ، والمَعْنى: وأنْتُمْ كَذَلِكَ يُحْبِطُ أعْمالَكم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِأُولَئِكَ المُنافِقِينَ المُعاصِرِينَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، ويَكُونُ الخِطابُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وفي ذَلِكَ خُرُوجٌ مِن خِطابٍ إلى خِطابٍ غَيْرِ الأوَّلِ. وقَوْلُهُ: (في الدُّنْيا) ما يُصِيبُهم في الدُّنْيا مِنَ التَّعَبِ وفَسادِ أعْمالِهِمْ، وفي الآخِرَةِ نارٌ لا تَنْفَعُ ولا يَقَعُ عَلَيْها جَزاءٌ. ويُقَوِّي الإشارَةَ بِـ (أُولَئِكَ) إلى المُنافِقِينَ - قَوْلُهُ في الآيَةِ المُسْتَقْبَلَةِ (ألَمْ يَأْتِهِمْ) فَتَأمَّلْهُ. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾، نَقِيضُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] . ﴿ألَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ إبْراهِيمَ وأصْحابِ مَدْيَنَ والمُؤْتَفِكاتِ أتَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾: لَمّا شَبَّهَ المُنافِقِينَ بِالكُفّارِ المُتَقَدِّمِينَ في الرَّغْبَةِ في الدُّنْيا وتَكْذِيبِ الأنْبِياءِ، وكانَ لَفْظُ ﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ فِيهِ إبْهامٌ؛ نَصَّ عَلى طَوائِفَ بِأعْيانِها سِتَّةٍ؛ لِأنَّهم كانَ عِنْدَهم شَيْءٌ مِن أنْبائِهِمْ، وكانَتْ بِلادُهم قَرِيبَةً مِن بِلادِ العَرَبِ، وكانُوا أكْثَرَ الأُمَمِ عَدَدًا، وأنْبِياؤُهم أعْظَمَ الأنْبِياءِ: نُوحٌ أوَّلُ الرُّسُلِ، وإبْراهِيمُ الأبُ الأقْرَبُ لِلْعَرَبِ، وما يَلِيها مِنَ الأُمَمِ مُقارِبُونَ لَهم في الشِّدَّةِ وكَثْرَةِ المالِ والوَلَدِ. فَقَوْمُ نُوحٍ أُهْلِكُوا بِالغَرَقِ، وعادٌ بِالرِّيحِ، وثَمُودُ بِالصَّيْحَةِ، وقَوْمُ إبْراهِيمَ بِسَلْبِ النِّعْمَةِ عَنْهم، حَتّى سُلِّطَتِ البَعُوضَةُ عَلى نَمْرُودَ مَلِكِهِمْ، وأصْحابُ مَدْيَنَ بِعَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ، والمُؤْتَفِكاتُ بِجَعْلِ أعالِي أرْضِها أسافِلَ وإمْطارِ الحِجارَةِ عَلَيْهِمْ. قالَ الواحِدِيُّ: مَعْنى الِائْتِفاكِ الِانْقِلابُ، أفَكْتُهُ فائْتَفَكَ، أيْ: قَلَبْتُهُ فانْقَلَبَ. والمُؤْتَفِكاتُ صِفَةٌ لِلْقُرى الَّتِي ائْتَفَكَتْ بِأهْلِها، فَجُعِلَ أعْلاها أسْفَلَها. والمُؤْتَفِكاتُ مَدائِنُ قَوْمِ لُوطٍ. (p-٧٠)وقِيلَ: قَرْياتُ قَوْمِ لُوطٍ وهُودٍ وصالِحٍ. وائْتِفاكُهُنَّ: انْقِلابُ أحْوالِهِنَّ عَنِ الخَيْرِ إلى الشَّرِّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والمُؤْتَفِكاتُ أهْلُ القُرى الأرْبَعَةِ. وقِيلَ: التِّسْعَةُ الَّتِي بُعِثَ إلَيْهِمْ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ جاءَتْ في القُرْآنِ مُفْرَدَةً تَدُلُّ عَلى الجَمْعِ، ومِن هَذِهِ اللَّفْظَةِ قَوْلُ عِمْرانَ بْنِ حِطّانَ: ؎لِمَنطِقٍ مُسْتَبِينٍ غَيْرِ مُلْتَبِسٍ بِهِ اللِّسانُ ورَأْيٍ غَيْرِ مُؤْتَفِكِ أيْ غَيْرِ مُنْقَلِبٍ مُتَصَرِّفٍ مُضْطَرِبٍ. ومِنهُ يُقالُ لِلرِّيحِ: مُؤْتَفِكَةٌ؛ لِتَصَرُّفِها، ومِنهُ ﴿أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠] والإفْكُ صَرْفُ القَوْلِ مِنَ الحَقِّ إلى الكَذِبِ. انْتَهى. وفِي قَوْلِهِ: (ألَمْ يَأْتِهِمْ) تَذْكِيرٌ بِأنْباءِ الماضِينَ وتَخْوِيفٌ أنْ يُصِيبَهم مِثْلُ ما أصابَهم، وكانَ أكْثَرُهم عالِمِينَ بِأحْوالِ هَذِهِ الأُمَمِ، وقَدْ ذُكِرَ شَيْءٌ مِنها في أشْعارِ جاهِلِيَّتِهِمْ كالأفْوَهِ الأزْدِيِّ، وعَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدَةَ، وغَيْرِهِما. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (ألَمْ يَأْتِهِمْ) تَذْكِيرًا بِما قَصَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في القُرْآنِ مِن أحْوالِ هَؤُلاءِ وتَفاصِيلِها. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿أتَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ عائِدٌ عَلى الأُمَمِ السِّتَّةِ المَذْكُورَةِ، والجُمْلَةُ شَرْحٌ لِلنَّبَأِ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المُؤْتَفِكاتِ خاصَّةً، وأتى بِلَفْظِ رُسُلٍ وإنْ كانَ نَبِيُّهم واحِدًا؛ لِأنَّهُ كانَ يُرْسِلُ إلى كُلِّ قَرْيَةٍ رَسُولًا داعِيًا، فَهم رُسُلُ رَسُولِ اللَّهِ، ذَكَرَهُ الطَّبَرِيُّ. وقالَ الكَرْمانِيُّ: قِيلَ: يَعُودُ عَلى المُؤْتَفِكاتِ، أيْ: أتاهم رَسُولٌ بَعْدَ رَسُولٍ. والبَيِّناتُ المُعْجِزاتُ، وهي (وأصْحابُ) بِالنِّسْبَةِ إلى الحَقِّ، لا بِالنِّسْبَةِ إلى المُكَذِّبِينَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (لِيَظْلِمَهم) لِيُهْلِكَهم حَتّى يَبْعَثَ فِيهِمْ نَبِيًّا يُنْذِرُهم. والمَعْنى: أنَّهم أُهْلِكُوا بِاسْتِحْقاقِهِمْ. وقالَ مَكِّيٌّ: فَما كانَ اللَّهَ لِيَضَعَ عُقُوبَتَهُ في غَيْرِ مُسْتَحِقِّها، إذِ الظُّلْمُ وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ إذْ عَصَوُا اللَّهَ وكَذَّبُوا رُسُلَهُ حَتّى أسْخَطُوا رَبَّهم واسْتَوْجَبُوا العُقُوبَةَ، فَظَلَمُوا بِذَلِكَ أنْفُسَهم. وقالَ الكَرْمانِيُّ: لِيَظْلِمَهم بِإهْلاكِهِمْ، يَظْلِمُونَ بِالكُفْرِ والتَّكْذِيبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَما صَحَّ مِنهُ أنْ يَظْلِمَهم وهو حَكِيمٌ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ القَبِيحُ، وأنْ يُعاقِبَهم بِغَيْرِ جُرْمٍ، ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم حَيْثُ كَفَرُوا بِهِ فاسْتَحَقُّوا عِقابَهُ. انْتَهى. وذَلِكَ عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. ويَظْهَرُ أنَّ بَيْنَ قَوْلِهِ (بِالبَيِّناتِ) وقَوْلِهِ: (فَما كانَ) كَلامًا مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ، واللَّهُ أعْلَمُ: فَكَذَّبُوا فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ، فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم.

التوبة 9:71

﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ ويُطِيعُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾: لَمّا ذَكَرَ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ وما هم عَلَيْهِ مِنَ الأوْصافِ القَبِيحَةِ والأعْمالِ الفاسِدَةِ؛ ذَكَرَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ، وقالَ في أُولَئِكَ: ﴿بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧]، وفي هَؤُلاءِ: ﴿بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إذْ لا وِلايَةَ بَيْنَ المُنافِقِينَ ولا شَفاعَةَ لَهم، ولا يَدْعُو بَعْضُهم لِبَعْضٍ، فَكانَ المُرادُ هُنا الوِلايَةَ في اللَّهِ خاصَّةً. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: ﴿بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧] يَدُلُّ عَلى أنَّ نِفاقَ الأتْباعِ وكُفْرَهم حَصَلَ بِسَبَبِ التَّقْلِيدِ لِأُولَئِكَ الأكابِرِ، وسَبَبِ مُقْتَضى الطَّبِيعَةِ والعادَةِ. أمّا المُوافَقَةُ الحاصِلَةُ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ فَإنَّما حَصَلَتْ، لا بِسَبَبِ المَيْلِ والعادَةِ، بَلْ بِسَبَبِ المُشارَكَةِ في الِاسْتِدْلالِ والتَّوْفِيقِ والهِدايَةِ، والوِلايَةُ ضِدُّ العَداوَةِ. ولَمّا وصَفَ المُؤْمِنِينَ بِكَوْنِ بَعْضِهِمْ أوْلِياءَ بَعْضٍ ذَكَرَ بَعْدَهُ ما يَجْرِي كالتَّفْسِيرِ والشَّرْحِ لَهُ، وهي الخَمْسَةُ الَّتِي يُمَيَّزُ بِها المُؤْمِنُ عَلى المُنافِقِ: فالمُنافِقُ يَأْمُرُ بِالمُنْكِرِ، ويَنْهى عَنِ المَعْرُوفِ، ولا يَقُومُ إلى الصَّلاةِ إلّا وهو كَسْلانُ، ويَبْخَلُ بِالزَّكاةِ، ويَتَخَلَّفُ بِنَفْسِهِ عَنِ الجِهادِ، وإذا أمَرَهُ اللَّهُ تَثَبَّطَ وثَبَّطَ غَيْرَهُ. والمُؤْمِنُ بِضِدِّ ذَلِكَ كُلِّهِ مِنَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، وإقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، والجِهادِ. وهو المُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويُطِيعُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ . انْتَهى، وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: كُلُّ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ في القُرْآنِ مِنَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ فَهو دُعاءٌ مِنَ الشِّرْكِ إلى الإسْلامِ، وما ذُكِرَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ فَهو النَّهْيُ عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ والشَّياطِينِ. (p-٧١)وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ هي الصَّلَواتُ الخَمْسُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وبِحَسَبِ هَذا تَكُونُ الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ، والمَدْحُ عِنْدِي بِالنَّوافِلِ أبْلَغُ، إذْ مَن يُقِيمُ النَّوافِلَ أجْدى بِإقامَةِ الفُرُوضِ، ﴿ويُطِيعُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ جامِعٌ لِلْمَندُوباتِ. انْتَهى. ﴿سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: السِّينُ مُدْخِلَةٌ في الوَعْدِ مُهْلَةً، لِتَكُونَ النُّفُوسُ تَتَنَعَّمُ بِرَجائِهِ وفَضْلِهِ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: السِّينُ مُفِيدَةٌ وُجُوبَ الرَّحْمَةِ لا مَحالَةَ، فَهي تُؤَكِّدُ الوَعْدَ كَما تُؤَكِّدُ الوَعِيدَ في قَوْلِكَ: سَأنْتَقِمُ مِنكَ يَوْمًا، يَعْنِي: أنَّكَ لا تَفُوتُنِي وإنْ تَبَطَّأ ذَلِكَ. ونَحْوُهُ: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦] ﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ﴾ [الضحى: ٥] ﴿سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٢] . انْتَهى. وفِيهِ دَفِينَةٌ خَفِيَّةٌ مِنَ الِاعْتِزالِ بِقَوْلِهِ: السِّينُ مُفِيدَةٌ وُجُوبَ الرَّحْمَةِ لا مَحالَةَ، يُشِيرُ إلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى إثابَةُ الطّائِعِ، كَما تَجِبُ عُقُوبَةُ العاصِي. ولَيْسَ مَدْلُولُ السِّينِ تَوْكِيدُ ما دَخَلَتْ عَلَيْهِ، إنَّما تَدُلُّ عَلى تَخْلِيصِ المُضارِعِ لِلِاسْتِقْبالِ فَقَطْ. ولَمّا كانَتِ الرَّحْمَةُ هُنا عِبارَةً عَمّا يَتَرَتَّبُ عَلى تِلْكَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ في الآخِرَةِ؛ أتى بِالسِّينِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى اسْتِقْبالِ الفِعْلِ (إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ) غالِبٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، قادِرٌ عَلَيْهِ، (حَكِيمٌ) واضِعٌ كُلًّا مَوْضِعَهُ. ﴿وعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾: لَمّا أعْقَبَ المُنافِقِينَ بِذِكْرِ ما وعَدَهم بِهِ مِن نارِ جَهَنَّمَ؛ أعْقَبَ المُؤْمِنِينَ بِذِكْرِ ما وعَدَهم بِهِ مِن نَعِيمِ الجِنانِ، ولَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ وعْدًا إجْمالِيًّا فَصَّلَهُ هُنا تَنْبِيهًا عَلى أنَّ تِلْكَ الرَّحْمَةَ هي هَذِهِ الأشْياءُ. ﴿ومَساكِنَ طَيِّبَةً﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي دُورُ المُقَرَّبِينَ. وقِيلَ: دُورٌ في جَنّاتِ عَدْنٍ مُخْتَلِفَةٌ في الصِّفاتِ بِاخْتِلافِ حالِ الحالَيْنِ بِها. وقِيلَ: قُصُورُ زَبَرْجَدٍ ودُرٍّ وياقُوتٍ يَفُوحُ طِيبُها مِن مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عامٍ في أماكِنِ إقامَتِهِمْ. وفي الحَدِيثِ «: ”قَصْرٌ في الجَنَّةِ مِنَ اللُّؤْلُؤِ فِيهِ سَبْعُونَ دارًا مِن ياقُوتَةٍ حَمْراءَ، وفي كُلِّ دارٍ سَبْعُونَ بَيْتًا مِن زُمُرُدَةٍ خَضْراءَ، في كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ سَرِيرًا“» وذُكِرَ في آخِرِ هَذا الحَدِيثِ أشْياءُ، وإنْ صَحَّ هَذا النَّقْلُ عَنِ الرَّسُولِ وجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ. ﴿فِي جَنّاتِ عَدْنٍ﴾، أيْ: إقامَةٍ. وقالَ كَعْبُ الأحْبارِ: هي بِالفارِسِيَّةِ الكُرُومِ والأعْنابِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأظُنُّ هَذا ما اخْتَلَطَ بِالفِرْدَوْسِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: عَدْنٌ بُطْنانُ الجَنَّةِ وشَرْقُها، وعَنْهُ: وسَطُ الجَنَّةِ. وقالَ عَطاءٌ: نَهْرٌ في الجَنَّةِ، جِنانُهُ عَلى حافِيَتِهِ. وقالَ الضَّحّاكُ وأبُو عُبَيْدَةَ: مَدِينَةُ الجَنَّةِ وعِظَمُها فِيها الأنْبِياءُ والعُلَماءُ والشُّهَداءُ وأئِمَّةُ العَدْلِ والنّاسُ حَوْلَهم بَعْدُ، والجَنّاتُ حَوْلَها. وقالَ الحَسَنُ: قَصْرٌ في الجَنَّةِ لا يَدْخُلُهُ إلّا نَبِيٌّ أوْ صِدِّيقٌ أوْ شَهِيدٌ أوْ حَكَمٌ عَدْلٌ، ومَدَّ بِها صَوْتَهُ. وعَنْهُ: قُصُورٌ مِنَ اللُّؤْلُؤِ والياقُوتِ الأحْمَرِ والزَّبَرْجَدِ. «ورَوى أبُو الدَّرْداءِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ”عَدْنٌ دارُ اللَّهِ الَّتِي لَمْ تَرَها عَيْنٌ ولَمْ تَخْطُرْ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، ولا يَسْكُنْها غَيْرُ ثَلاثَةٍ: النَّبِيُّونَ، والصِّدِّيقُونَ، والشُّهَداءُ، يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: طُوبى لِمَن دَخَلَكِ“» وإنْ صَحَّ هَذا عَنِ الرَّسُولِ وجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: هي أعْلى دَرَجَةٍ في الجَنَّةِ. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: قَصْرٌ حَوْلَهُ البُرُوجُ والمُرُوجُ، لَهُ خَمْسَةُ آلافِ بابٍ، عَلى كُلِّ بابٍ خِيرَةٌ لا يَدْخُلُهُ إلّا نَبِيٌّ أوْ صِدِّيقٌ أوْ شَهِيدٌ. وقِيلَ: قَصَّتُهُ الجَنَّةُ فِيها نَهْرٌ عَلى حافَّتَيْهِ بَساتِينُ. وقِيلَ: التَّسْنِيمُ، وفِيهِ قُصُورُ الدُّرِّ والياقُوتِ والذَّهَبِ، والأرائِكُ، عَلَيْها الخَيِّراتُ الحِسانُ، سَقْفُها عَرْشُ الرَّحْمَنِ، لا يَنْزِلُها إلّا الأنْبِياءُ والصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ والصّالِحُونَ، يَفُوحُ رِيحُها مِن مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عامٍ. وهَذِهِ أقْوالٌ عَنِ السَّلَفِ كَثِيرَةُ الِاخْتِلافِ والِاضْطِرابِ، وبَعْضُها يَدُلُّ عَلى التَّخْصِيصِ، وهو مُخالِفٌ لِظاهِرِ الآيَةِ، إذْ وعَدَ اللَّهُ بِها المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعَدْنٌ عَلَمٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ عِبادَهُ﴾ [مريم: ٦١] (p-٧٢)ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما رَوى أبُو الدَّرْداءِ، وساقَ الحَدِيثَ المُتَقَدِّمَ الذِّكْرِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ، وإنَّما اسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ عَدْنًا عَلَمٌ؛ لِأنَّ المُضافَ إلَيْها وُصِفَ بِـ ”الَّتِي“، وهي مَعْرِفَةٌ، فَلَوْ لَمْ تَكُنْ (جَنّاتُ) مُضافَةً لِمَعْرِفَةٍ لَمْ تُوصَفْ بِالمَعْرِفَةِ ولا يَتَعَيَّنْ ذَلِكَ، إذْ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”الَّتِي“ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مَنصُوبًا بِإضْمارِ أعْنِي أوْ أمْدَحُ، أوْ بَدَلًا مِن (جَنّاتُ) . ويَبْعُدُ أنْ تَكُونَ صِفَةً لِقَوْلِهِ: (الجَنَّةَ) لِلْفَصْلِ بِالبَدَلِ الَّذِي هو (جَنّاتٍ)، والحُكْمُ أنَّهُ إذا اجْتَمَعَ النَّعْتُ والبَدَلُ قُدِّمَ النَّعْتُ، وجِيءَ بَعْدَهُ بِالبَدَلِ. وقَرَأ الأعْمَشُ ورِضْوانٌ: بِضَمَّتَيْنِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وهي لُغَةٌ، ورِضْوانٌ مُبْتَدَأٌ. وجازَ الِابْتِداءُ بِهِ لِأنَّهُ مَوْصُوفٌ بِقَوْلِهِ: (مِنَ اللَّهِ)، وأتى بِهِ نَكِرَةً لِيَدُلَّ عَلى مُطْلَقٍ، أيْ: وشَيْءٌ مِن رِضْوانِهِ أكْبَرُ مِن كُلِّ ما ذُكِرَ. والعَبْدُ إذا عَلِمَ بِرِضا مَوْلاهُ عَنْهُ كانَ أكْبَرَ في نَفْسِهِ مِمّا وراءَهُ مِنَ النَّعِيمِ، وإنَّما يَتَهَيَّأُ لَهُ النَّعِيمُ بِعِلْمِهِ بِرِضاهُ عَنْهُ. كَما أنَّهُ إذا عَلِمَ بِسُخْطِهِ تَنَغَّصَتْ حالُهُ، ولَمْ يَجِدْ لَها لَذَّةً. ومَعْنى هَذِهِ الجُمْلَةِ مُوافِقٌ لِما رُوِيَ في الحَدِيثِ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ لِعِبادِهِ إذا اسْتَقَرُّوا في الجَنَّةِ: هَلْ رَضِيتُمْ ؟ فَيَقُولُونَ: وكَيْفَ لا نَرْضى يا رَبَّنا ؟ فَيَقُولُ: إنِّي سَأُعْطِيكم أفْضَلَ مِن هَذا كُلِّهِ رِضْوانِي، أرْضى عَنْكم فَلا أسْخَطُ عَلَيْكم أبَدًا» وقالَ الحَسَنُ: وصَلَ إلى قُلُوبِهِمْ بِرِضْوانِ اللَّهِ مِنَ اللَّذَّةِ والسُّرُورِ ما هو ألَذُّ عِنْدَهم وأقَرُّ لِأعْيُنِهِمْ مِن كُلِّ شَيْءٍ أصابُوهُ مِن لَذَّةِ الجَنَّةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَظْهَرُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ إشارَةٌ إلى مَنازِلِ المُقَرَّبِينَ الشّارِبِينَ مِن تَسْنِيمٍ، والَّذِينَ يُرَوْنَ كَما يُرى النَّجْمُ الغائِرُ في الأُفُقِ، وجَمِيعُ مَن في الجَنَّةِ راضٍ، والمَنازِلُ مُخْتَلِفَةٌ، وفَضْلُ اللَّهِ تَعالى مُتَّسِعٌ انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: رِضاهُ تَعالى هو سَبَبُ كُلِّ فَوْزٍ وسَعادَةٍ. انْتَهى. والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى جَمِيعِ ما سَبَقَ أوْ إلى الرِّضْوانِ قَوْلانِ، والأظْهَرُ الأوَّلُ.

التوبة 9:72

﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ ويُطِيعُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾: لَمّا ذَكَرَ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ وما هم عَلَيْهِ مِنَ الأوْصافِ القَبِيحَةِ والأعْمالِ الفاسِدَةِ؛ ذَكَرَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ، وقالَ في أُولَئِكَ: ﴿بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧]، وفي هَؤُلاءِ: ﴿بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إذْ لا وِلايَةَ بَيْنَ المُنافِقِينَ ولا شَفاعَةَ لَهم، ولا يَدْعُو بَعْضُهم لِبَعْضٍ، فَكانَ المُرادُ هُنا الوِلايَةَ في اللَّهِ خاصَّةً. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: ﴿بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧] يَدُلُّ عَلى أنَّ نِفاقَ الأتْباعِ وكُفْرَهم حَصَلَ بِسَبَبِ التَّقْلِيدِ لِأُولَئِكَ الأكابِرِ، وسَبَبِ مُقْتَضى الطَّبِيعَةِ والعادَةِ. أمّا المُوافَقَةُ الحاصِلَةُ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ فَإنَّما حَصَلَتْ، لا بِسَبَبِ المَيْلِ والعادَةِ، بَلْ بِسَبَبِ المُشارَكَةِ في الِاسْتِدْلالِ والتَّوْفِيقِ والهِدايَةِ، والوِلايَةُ ضِدُّ العَداوَةِ. ولَمّا وصَفَ المُؤْمِنِينَ بِكَوْنِ بَعْضِهِمْ أوْلِياءَ بَعْضٍ ذَكَرَ بَعْدَهُ ما يَجْرِي كالتَّفْسِيرِ والشَّرْحِ لَهُ، وهي الخَمْسَةُ الَّتِي يُمَيَّزُ بِها المُؤْمِنُ عَلى المُنافِقِ: فالمُنافِقُ يَأْمُرُ بِالمُنْكِرِ، ويَنْهى عَنِ المَعْرُوفِ، ولا يَقُومُ إلى الصَّلاةِ إلّا وهو كَسْلانُ، ويَبْخَلُ بِالزَّكاةِ، ويَتَخَلَّفُ بِنَفْسِهِ عَنِ الجِهادِ، وإذا أمَرَهُ اللَّهُ تَثَبَّطَ وثَبَّطَ غَيْرَهُ. والمُؤْمِنُ بِضِدِّ ذَلِكَ كُلِّهِ مِنَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، وإقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، والجِهادِ. وهو المُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويُطِيعُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ . انْتَهى، وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: كُلُّ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ في القُرْآنِ مِنَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ فَهو دُعاءٌ مِنَ الشِّرْكِ إلى الإسْلامِ، وما ذُكِرَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ فَهو النَّهْيُ عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ والشَّياطِينِ. (p-٧١)وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ هي الصَّلَواتُ الخَمْسُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وبِحَسَبِ هَذا تَكُونُ الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ، والمَدْحُ عِنْدِي بِالنَّوافِلِ أبْلَغُ، إذْ مَن يُقِيمُ النَّوافِلَ أجْدى بِإقامَةِ الفُرُوضِ، ﴿ويُطِيعُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ جامِعٌ لِلْمَندُوباتِ. انْتَهى. ﴿سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: السِّينُ مُدْخِلَةٌ في الوَعْدِ مُهْلَةً، لِتَكُونَ النُّفُوسُ تَتَنَعَّمُ بِرَجائِهِ وفَضْلِهِ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: السِّينُ مُفِيدَةٌ وُجُوبَ الرَّحْمَةِ لا مَحالَةَ، فَهي تُؤَكِّدُ الوَعْدَ كَما تُؤَكِّدُ الوَعِيدَ في قَوْلِكَ: سَأنْتَقِمُ مِنكَ يَوْمًا، يَعْنِي: أنَّكَ لا تَفُوتُنِي وإنْ تَبَطَّأ ذَلِكَ. ونَحْوُهُ: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦] ﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ﴾ [الضحى: ٥] ﴿سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٢] . انْتَهى. وفِيهِ دَفِينَةٌ خَفِيَّةٌ مِنَ الِاعْتِزالِ بِقَوْلِهِ: السِّينُ مُفِيدَةٌ وُجُوبَ الرَّحْمَةِ لا مَحالَةَ، يُشِيرُ إلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى إثابَةُ الطّائِعِ، كَما تَجِبُ عُقُوبَةُ العاصِي. ولَيْسَ مَدْلُولُ السِّينِ تَوْكِيدُ ما دَخَلَتْ عَلَيْهِ، إنَّما تَدُلُّ عَلى تَخْلِيصِ المُضارِعِ لِلِاسْتِقْبالِ فَقَطْ. ولَمّا كانَتِ الرَّحْمَةُ هُنا عِبارَةً عَمّا يَتَرَتَّبُ عَلى تِلْكَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ في الآخِرَةِ؛ أتى بِالسِّينِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى اسْتِقْبالِ الفِعْلِ (إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ) غالِبٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، قادِرٌ عَلَيْهِ، (حَكِيمٌ) واضِعٌ كُلًّا مَوْضِعَهُ. ﴿وعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾: لَمّا أعْقَبَ المُنافِقِينَ بِذِكْرِ ما وعَدَهم بِهِ مِن نارِ جَهَنَّمَ؛ أعْقَبَ المُؤْمِنِينَ بِذِكْرِ ما وعَدَهم بِهِ مِن نَعِيمِ الجِنانِ، ولَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ وعْدًا إجْمالِيًّا فَصَّلَهُ هُنا تَنْبِيهًا عَلى أنَّ تِلْكَ الرَّحْمَةَ هي هَذِهِ الأشْياءُ. ﴿ومَساكِنَ طَيِّبَةً﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي دُورُ المُقَرَّبِينَ. وقِيلَ: دُورٌ في جَنّاتِ عَدْنٍ مُخْتَلِفَةٌ في الصِّفاتِ بِاخْتِلافِ حالِ الحالَيْنِ بِها. وقِيلَ: قُصُورُ زَبَرْجَدٍ ودُرٍّ وياقُوتٍ يَفُوحُ طِيبُها مِن مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عامٍ في أماكِنِ إقامَتِهِمْ. وفي الحَدِيثِ «: ”قَصْرٌ في الجَنَّةِ مِنَ اللُّؤْلُؤِ فِيهِ سَبْعُونَ دارًا مِن ياقُوتَةٍ حَمْراءَ، وفي كُلِّ دارٍ سَبْعُونَ بَيْتًا مِن زُمُرُدَةٍ خَضْراءَ، في كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ سَرِيرًا“» وذُكِرَ في آخِرِ هَذا الحَدِيثِ أشْياءُ، وإنْ صَحَّ هَذا النَّقْلُ عَنِ الرَّسُولِ وجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ. ﴿فِي جَنّاتِ عَدْنٍ﴾، أيْ: إقامَةٍ. وقالَ كَعْبُ الأحْبارِ: هي بِالفارِسِيَّةِ الكُرُومِ والأعْنابِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأظُنُّ هَذا ما اخْتَلَطَ بِالفِرْدَوْسِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: عَدْنٌ بُطْنانُ الجَنَّةِ وشَرْقُها، وعَنْهُ: وسَطُ الجَنَّةِ. وقالَ عَطاءٌ: نَهْرٌ في الجَنَّةِ، جِنانُهُ عَلى حافِيَتِهِ. وقالَ الضَّحّاكُ وأبُو عُبَيْدَةَ: مَدِينَةُ الجَنَّةِ وعِظَمُها فِيها الأنْبِياءُ والعُلَماءُ والشُّهَداءُ وأئِمَّةُ العَدْلِ والنّاسُ حَوْلَهم بَعْدُ، والجَنّاتُ حَوْلَها. وقالَ الحَسَنُ: قَصْرٌ في الجَنَّةِ لا يَدْخُلُهُ إلّا نَبِيٌّ أوْ صِدِّيقٌ أوْ شَهِيدٌ أوْ حَكَمٌ عَدْلٌ، ومَدَّ بِها صَوْتَهُ. وعَنْهُ: قُصُورٌ مِنَ اللُّؤْلُؤِ والياقُوتِ الأحْمَرِ والزَّبَرْجَدِ. «ورَوى أبُو الدَّرْداءِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ”عَدْنٌ دارُ اللَّهِ الَّتِي لَمْ تَرَها عَيْنٌ ولَمْ تَخْطُرْ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، ولا يَسْكُنْها غَيْرُ ثَلاثَةٍ: النَّبِيُّونَ، والصِّدِّيقُونَ، والشُّهَداءُ، يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: طُوبى لِمَن دَخَلَكِ“» وإنْ صَحَّ هَذا عَنِ الرَّسُولِ وجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: هي أعْلى دَرَجَةٍ في الجَنَّةِ. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: قَصْرٌ حَوْلَهُ البُرُوجُ والمُرُوجُ، لَهُ خَمْسَةُ آلافِ بابٍ، عَلى كُلِّ بابٍ خِيرَةٌ لا يَدْخُلُهُ إلّا نَبِيٌّ أوْ صِدِّيقٌ أوْ شَهِيدٌ. وقِيلَ: قَصَّتُهُ الجَنَّةُ فِيها نَهْرٌ عَلى حافَّتَيْهِ بَساتِينُ. وقِيلَ: التَّسْنِيمُ، وفِيهِ قُصُورُ الدُّرِّ والياقُوتِ والذَّهَبِ، والأرائِكُ، عَلَيْها الخَيِّراتُ الحِسانُ، سَقْفُها عَرْشُ الرَّحْمَنِ، لا يَنْزِلُها إلّا الأنْبِياءُ والصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ والصّالِحُونَ، يَفُوحُ رِيحُها مِن مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عامٍ. وهَذِهِ أقْوالٌ عَنِ السَّلَفِ كَثِيرَةُ الِاخْتِلافِ والِاضْطِرابِ، وبَعْضُها يَدُلُّ عَلى التَّخْصِيصِ، وهو مُخالِفٌ لِظاهِرِ الآيَةِ، إذْ وعَدَ اللَّهُ بِها المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعَدْنٌ عَلَمٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ عِبادَهُ﴾ [مريم: ٦١] (p-٧٢)ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما رَوى أبُو الدَّرْداءِ، وساقَ الحَدِيثَ المُتَقَدِّمَ الذِّكْرِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ، وإنَّما اسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ عَدْنًا عَلَمٌ؛ لِأنَّ المُضافَ إلَيْها وُصِفَ بِـ ”الَّتِي“، وهي مَعْرِفَةٌ، فَلَوْ لَمْ تَكُنْ (جَنّاتُ) مُضافَةً لِمَعْرِفَةٍ لَمْ تُوصَفْ بِالمَعْرِفَةِ ولا يَتَعَيَّنْ ذَلِكَ، إذْ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”الَّتِي“ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مَنصُوبًا بِإضْمارِ أعْنِي أوْ أمْدَحُ، أوْ بَدَلًا مِن (جَنّاتُ) . ويَبْعُدُ أنْ تَكُونَ صِفَةً لِقَوْلِهِ: (الجَنَّةَ) لِلْفَصْلِ بِالبَدَلِ الَّذِي هو (جَنّاتٍ)، والحُكْمُ أنَّهُ إذا اجْتَمَعَ النَّعْتُ والبَدَلُ قُدِّمَ النَّعْتُ، وجِيءَ بَعْدَهُ بِالبَدَلِ. وقَرَأ الأعْمَشُ ورِضْوانٌ: بِضَمَّتَيْنِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وهي لُغَةٌ، ورِضْوانٌ مُبْتَدَأٌ. وجازَ الِابْتِداءُ بِهِ لِأنَّهُ مَوْصُوفٌ بِقَوْلِهِ: (مِنَ اللَّهِ)، وأتى بِهِ نَكِرَةً لِيَدُلَّ عَلى مُطْلَقٍ، أيْ: وشَيْءٌ مِن رِضْوانِهِ أكْبَرُ مِن كُلِّ ما ذُكِرَ. والعَبْدُ إذا عَلِمَ بِرِضا مَوْلاهُ عَنْهُ كانَ أكْبَرَ في نَفْسِهِ مِمّا وراءَهُ مِنَ النَّعِيمِ، وإنَّما يَتَهَيَّأُ لَهُ النَّعِيمُ بِعِلْمِهِ بِرِضاهُ عَنْهُ. كَما أنَّهُ إذا عَلِمَ بِسُخْطِهِ تَنَغَّصَتْ حالُهُ، ولَمْ يَجِدْ لَها لَذَّةً. ومَعْنى هَذِهِ الجُمْلَةِ مُوافِقٌ لِما رُوِيَ في الحَدِيثِ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ لِعِبادِهِ إذا اسْتَقَرُّوا في الجَنَّةِ: هَلْ رَضِيتُمْ ؟ فَيَقُولُونَ: وكَيْفَ لا نَرْضى يا رَبَّنا ؟ فَيَقُولُ: إنِّي سَأُعْطِيكم أفْضَلَ مِن هَذا كُلِّهِ رِضْوانِي، أرْضى عَنْكم فَلا أسْخَطُ عَلَيْكم أبَدًا» وقالَ الحَسَنُ: وصَلَ إلى قُلُوبِهِمْ بِرِضْوانِ اللَّهِ مِنَ اللَّذَّةِ والسُّرُورِ ما هو ألَذُّ عِنْدَهم وأقَرُّ لِأعْيُنِهِمْ مِن كُلِّ شَيْءٍ أصابُوهُ مِن لَذَّةِ الجَنَّةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَظْهَرُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ إشارَةٌ إلى مَنازِلِ المُقَرَّبِينَ الشّارِبِينَ مِن تَسْنِيمٍ، والَّذِينَ يُرَوْنَ كَما يُرى النَّجْمُ الغائِرُ في الأُفُقِ، وجَمِيعُ مَن في الجَنَّةِ راضٍ، والمَنازِلُ مُخْتَلِفَةٌ، وفَضْلُ اللَّهِ تَعالى مُتَّسِعٌ انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: رِضاهُ تَعالى هو سَبَبُ كُلِّ فَوْزٍ وسَعادَةٍ. انْتَهى. والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى جَمِيعِ ما سَبَقَ أوْ إلى الرِّضْوانِ قَوْلانِ، والأظْهَرُ الأوَّلُ.

التوبة 9:73

﴿يا أيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ ومَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾: لَمّا ذَكَرَ وعِيدَ غَيْرِ المُؤْمِنِينَ وكانَتِ السُّورَةُ قَدْ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ بَدَأ بِهِمْ في ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وعَدَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والكُفّارَ نارَ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: ٦٨] ولَمّا ذُكِرَ أمْرُ الجِهادِ، وكانَ الكُفّارُ غَيْرُ المُنافِقِينَ أشَدَّ شَكِيمَةً وأقْوى أسْبابًا في القِتالِ وإنْكاءً بِتَصَدِّيهِمْ لِلْقِتالِ، قالَ: ﴿جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ﴾ فَبَدَأ بِهِمْ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: جاهِدِ الكُفّارَ بِالسَّيْفِ، والمُنافِقِينَ بِاللِّسانِ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: والمُنافِقِينَ بِإقامَةِ الحُدُودِ عَلَيْهِمْ إذا تَعاطَوْا أسْبابَها. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: جاهِدْهم بِاليَدِ، فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَبِاللِّسانِ، فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَبِالقَلْبِ، والِاكْفِرارِ في وُجُوهِهِمْ، وأغْلِظْ عَلَيْهِمْ في الجِهادَيْنِ. والغِلَظُ ضِدُّ الرِّقَّةِ، والمُرادُ خُشُونَةُ الكَلامِ وتَعْجِيلُ الِانْتِقامِ عَلى خِلافِ ما أمَرَ بِهِ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٨]، وكُلُّ مَن وقَفَ مِنهُ عَلى فَسادٍ في العَقائِدِ فَهَذا حُكْمُهُ يُجاهَدُ بِالحُجَّةِ، ويُسْتَعْمَلُ مَعَهُ الغِلَظُ ما أمْكَنَ.

التوبة 9:74

﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ وكَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ وهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وما نَقَمُوا إلّا أنْ أغْناهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهم وإنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذابًا ألِيمًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ وما لَهم في الأرْضِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى المُنافِقِينَ. فَقِيلَ: هو حَلِفُ الجُلاسِ، وتَقَدَّمَتْ قِصَّتُهُ مَعَ عامِرِ بْنِ قَيْسٍ، وقِيلَ: حَلِفُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ أنَّهُ ما قالَ ﴿لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ﴾ [المنافقون: ٨] الآيَةَ. وقالَ الضَّحّاكُ: حَلِفُهم حِينَ نَقَلَ حُذَيْفَةُ إلى الرَّسُولِ ﷺ سَبَّهم أصْحابَهُ وإيّاهُ في خَلْوَتِهِمْ، وأمّا ﴿وهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾ فَنَزَلَتْ، قِيلَ: في ابْنِ أُبَيٍّ في قَوْلِهِ: (لَيُخْرِجَنَّ)، قالَهُ قَتادَةُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقِيلَ: بِقَتْلِ الرَّسُولِ، والَّذِي هَمَّ بِهِ رَجُلٌ يُقالُ لَهُ الأسْوَدُ مِن قُرَيْشٍ، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في خَمْسَةَ (p-٧٣)عَشَرَ هَمُّوا بِقَتْلِهِ وتَوافَقُوا عَلى أنْ يَدْفَعُوهُ عَنْ راحِلَتِهِ إلى الوادِي إذا تَسَنَّمَ العَقَبَةَ، فَأخَذَ عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ بِخِطامِ راحِلَتَهُ يَقُودُها، وحُذَيْفَةُ خَلْفَها يَسُوقُها، فَبَيْنَما هُما كَذَلِكَ إذْ سَمِعَ حُذَيْفَةُ بِوَقْعِ أخْفافِ الإبِلِ وقَعْقَعَةِ السِّلاحِ، فالتَفَتَ فَإذا قَوْمٌ مُتَلَثِّمُونَ، فَقالَ: إلَيْكم يا أعْداءَ اللَّهِ، فَهَرَبُوا، وكانَ مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ، وطُعَيْمَةُ بْنُ أُبَيْرِقٍ، والجُلاسُ بْنُ سُوَيْدٍ، وأبُو عامِرِ بْنُ نُعْمانَ، وأبُو الأحْوَصِ. وقِيلَ: هَمُّهم بِما لَمْ يَنالُوا هو أنْ يُتَوِّجُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ إذا رَجَعُوا مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ يُباهُونَ بِهِ الرَّسُولَ ﷺ، فَلَمْ يَنالُوا ما هَمُّوا بِهِ، فَنَزَلَتْ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كانَ الرَّسُولُ ﷺ جالِسًا في ظِلِّ شَجَرَةٍ، فَقالَ: إنَّهُ سَيَأْتِيكم إنْسانٌ فَيَنْظُرُ إلَيْكم شَيْطانٌ، فَإذا جاءَ فَلا تُكَلِّمُوهُ، فَلَمْ يَلْبَثُوا أنْ طَلَعَ رَجُلٌ أزْرَقُ فَدَعاهُ، فَقالَ: عَلامَ تَشْتُمُنِي أنْتَ وأصْحابُكَ ؟ فانْطَلَقَ الرَّجُلُ فَجاءَ بِأصْحابِهِ، فَحَلَفُوا بِاللَّهِ ما قالُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ. وكَلِمَةُ الكُفْرِ: قَوْلُ ابْنِ أُبَيٍّ لَمّا شاوَرَ الجَهْجاهَ الغِفارِيَّ وسِنانَ بْنَ وبَرَةَ الجُهَنِيَّ، وقَدْ كَسَعَ أحَدُهُما رِجْلَ الآخَرِ في غَزْوَةِ المُرَيْسِيعِ، فَصاحَ الجَهْجاهُ: يا لَلْأنْصارِ، وصاحَ سِنانٌ: يا لَلْمُهاجِرِينَ، فَثارَ النّاسُ، وهَدَّأهُمُ الرَّسُولُ، فَقالَ ابْنُ أُبَيٍّ: ما أرى هَؤُلاءِ إلّا قَدْ تَداعَوْا عَلَيْنا، ما مَثَلُنا ومَثَلُهم إلّا كَما قالَ الأوَّلُ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ - أوِ الِاسْتِهْزاءُ، أوْ قَوْلُ الجُلاسِ المُتَقَدِّمُ، أوْ قَوْلُهم: نَعْقِدُ التّاجَ، أوْ قَوْلُهم: لَيْسَ بِنَبِيٍّ، أوِ القَوْلُ: ”لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ“ أقْوالٌ. (وكَفَرُوا): أيْ أظْهَرُوا الكُفْرَ بَعْدَ إسْلامِهِمْ أيْ إظْهارِ إسْلامِهِمْ. ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ: بَعْدَ إيمانِهِمْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لَمْ يَتَجاوَزْ ألْسِنَتَهم. والهَمُّ دُونَ العَزْمِ، وتَقَدَّمَ الخِلافُ في الهامِّ والمَهْمُومِ بِهِ. وقِيلَ: هو هَمُّ المُنافِقِينَ أوِ الجُلاسِ بِقَتْلِ ناقِلِ حَدِيثِ الجُلاسِ إلى الرَّسُولِ، وفي تَعْيِينِ اسْمِ النّاقِلِ خِلافٌ، فَقِيلَ: عاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ. وقِيلَ: حُذَيْفَةُ. وقِيلَ: ابْنُ امْرَأةِ الجُلاسِ عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ. وقِيلَ: اسْمُهُ مُصْعَبٌ. وقِيلَ: هَمُّوا بِالرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ أشْياءَ لَمْ يَنالُوها. ﴿وما نَقَمُوا إلّا أنْ أغْناهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾ هَذا مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا﴾ [المائدة: ٥٩] ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلّا أنْ يُؤْمِنُوا﴾ [البروج: ٨] وكانَ حَقُّ الغَنِيِّ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ أنْ يَشْكُرَ لا أنْ يَنْقِمَ، جَعَلُوا الغِنى سَبَبًا يَنْتَقِمُ بِهِ، فَهو كَقَوْلِهِ: ؎ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ وكانَ الرَّسُولُ قَدْ أعْطى لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ دِيَةً، كانَتْ قَدْ تَغَلَّظَتْ لَهُ، قالَ عِكْرِمَةُ: اثْنا عَشَرَ ألْفًا. وقِيلَ: بَلْ كانَتْ لِلْجُلاسِ. وكانَتِ الأنْصارُ حِينَ قَدِمَ الرَّسُولُ ﷺ المَدِينَةَ في ضَنْكٍ مِنَ العَيْشِ لا يَرْكَبُونَ الخَيْلَ، ولا يَحُوزُونَ الغَنِيمَةَ، فَأُثِرُوا، وقالَ الرَّسُولُ لِلْأنْصارِ: «وكُنْتُمْ عالَةً فَأغْناكُمُ اللَّهُ بِي» وقِيلَ: كانَ عَلى الجُلاسِ دَيْنٌ كَثِيرٌ فَقَضاهُ الرَّسُولُ، وحَصَلَ لَهُ مِنَ الغَنائِمِ مالٌ كَثِيرٌ. وقَوْلُهُ: ﴿وما نَقَمُوا﴾ الجُمْلَةُ كَلامٌ أُجْرِيَ مَجْرى التَّهَكُّمِ بِهِ، كَما تَقُولُ: ما لِي عِنْدَكَ ذَنْبٌ إلّا أنِّي أحْسَنْتُ إلَيْكَ، فَإنَّ فِعْلَهم يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا لِئامًا. وقالَ الشّاعِرُ: ؎ما نَقَمُوا مِن بَنِي أُمَيَّةَ إلّا ∗∗∗ أنَّهُم يَحْلُمُونَ إنْ غَضِبُوا ؎وأنَّهم سادَةُ المُلُوكِ ولا ∗∗∗ يَصْلُحُ إلّا عَلَيْهِمُ العَرَبُ وقالَ الآخَرُ وهو نَظِيرُ البَيْتِ السّابِقِ: ؎ولا عَيْبَ فِينا غَيْرَ عِرْقٍ لِمَعْشَرٍ ∗∗∗ كِرامٍ وأنّا لا نَحُطُّ عَلى النَّمْلِ (فَإنْ يَتُوبُوا) هَذا إحْسانٌ مِنهُ تَعالى ورِفْقٌ ولُطْفٌ بِهِمْ، حَيْثُ فَتَحَ لَهم بابَ التَّوْبَةِ بَعْدَ ارْتِكابِ تِلْكَ الجَرائِمِ العَظِيمَةِ. وكانَ الجُلاسُ بَعْدَ حَلِفِهِ وإنْكارِهِ أنْ قالَ ما نُقِلَ عَنْهُ - قَدِ اعْتَرَفَ وصَدَّقَ النّاقِلَ عَنْهُ وتابَ وحَسُنَتْ تَوْبَتُهُ، ولَمْ يَرِدْ أنَّ أحَدًا قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ مِنهم غَيْرَ الجُلاسِ. قِيلَ: وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى قَبُولِ (p-٧٤)تَوْبَةِ الزِّنْدِيقِ المُسِرِّ الكُفْرَ المُظْهِرِ لِلْإيمانِ، وهو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ والشّافِعِيِّ. وقالَ مالِكٌ: لا تُقْبَلُ فَإنْ جاءَ تائِبًا مِن قِبَلِ نَفْسِهِ قَبْلَ أنْ يُعْثَرَ عَلَيْهِ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ بِلا خِلافٍ، (وإنْ يَتَوَلَّوْا)، أيْ: عَنِ التَّوْبَةِ، أوِ الإيمانِ، أوِ الإخْلاصِ، أوِ الرَّسُولِ. والمَعْنى: وإنْ يُدِيمُوا التَّوَلِّي إذْ هم مُتَوَلُّونَ في الدُّنْيا بِإلْحاقِهِمْ بِالحَرْبِيِّينَ إذْ أظْهَرُوا الكُفْرَ، فَيَحِلُّ قِتالُهم وقَتْلُهم وسَبْيُ أوْلادِهِمْ وأزْواجِهِمْ، وغَنْمُ أمْوالِهِمْ. وقِيلَ: ما يُصِيبُهم عِنْدَ المَوْتِ ومُعايَنَةِ مَلائِكَةِ العَذابِ. وقِيلَ: عَذابُ القَبْرِ. وقِيلَ: التَّعَبُ والخَوْفُ والهُجْنَةُ عِنْدَ المُؤْمِنِينَ، وفي الآخِرَةِ بِالنّارِ.

التوبة 9:75

﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿فَلَمّا آتاهم مِن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهم وأنَّ اللَّهَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾: قالَ الضَّحّاكُ: هم نَبْتَلُ بْنُ الحارِثِ، وجَدُّ بْنُ قَيْسٍ، ومُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، وثَعْلَبَةُ بْنُ حاطِبٍ، وفِيهِمْ نَزَلَتِ الآيَةُ. وقالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ: في مُعَتِّبٍ وثَعْلَبَةَ، خَرَجا عَلى مَلَأٍ فَقالا ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ في رَجُلٍ مِن بَنِي عَمْرٍو بْنِ عَوْفٍ كانَ لَهُ مالٌ بِالشّامِ فَأبْطَأ عَنْهُ، فَجَهِدَ لِذَلِكَ جَهْدًا شَدِيدًا، فَحَلَفَ بِاللَّهِ ﴿لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ﴾، أيْ: مِن ذَلِكَ المالِ، لَأصَّدَّقَنَّ مِنهُ ولَأصِلَنَّ، فَآتاهُ فَلَمْ يَفْعَلْ. والأكْثَرُ عَلى أنَّها نَزَلَتْ في ثَعْلَبَةَ، وذَكَرُوا لَهُ حَدِيثًا طَوِيلًا، وقَدْ لَخَّصْتُ مِنهُ: أنَّهُ سَألَ الرَّسُولَ ﷺ أنْ يَدْعُوَ اللَّهَ أنْ يَرْزُقَهُ مالًا فَقِيلَ لَهُ: قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِن كَثِيرٍ لا تُطِيقُهُ، فَألَحَّ عَلَيْهِ، فَدَعا اللَّهَ، فاتَّخَذَ غَنَمًا كَثُرَتْ حَتّى ضاقَتْ عَنْها المَدِينَةُ، فَنَزَلَ وادِيًا وما زالَتْ تَنْمُو، واشْتَغَلَ بِها حَتّى تَرَكَ الصَّلَواتِ، وبَعَثَ إلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ المُصَدِّقَ، فَقالَ: ما هَذِهِ إلّا جِزْيَةٌ، ما هَذِهِ إلّا أُخْتُ الجِزْيَةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. فَأخْبَرَهُ قَرِيبٌ لَهُ بِها، فَجاءَ بِصَدَقَتِهِ إلى الرَّسُولِ فَلَمْ يَقْبَلْها، فَلَمّا قُبِضَ الرَّسُولُ أتى أبا بَكْرٍ فَلَمْ يَقْبَلْها، ثُمَّ عُمَرَ فَلَمْ يَقْبَلْها، ثُمَّ عُثْمانَ فَلَمْ يَقْبَلْها، وهَلَكَ في أيّامِ عُثْمانَ. وقَرَأ الأعْمَشُ: ”لَنَصَّدَّقَنْ ولَنَكُونَنْ“ بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ فِيهِما، والظّاهِرُ والمُسْتَفِيضُ مِن أسْبابِ النُّزُولِ أنَّهم نَطَقُوا بِذَلِكَ ولَفَظُوا بِهِ. وقالَ مَعْبَدُ بْنُ ثابِتٍ وفِرْقَةٌ: لَمْ يَتَلَفَّظُوا بِهِ، وإنَّما هو شَيْءٌ نَوَوْهُ في أنْفُسِهِمْ ولَمْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ، ألَمْ تَسْمَعْ إلى قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهُمْ﴾ مِنَ الصّالِحِينَ، أيْ مِن أهْلِ الصَّلاحِ في أمْوالِهِمْ بِصِلَةِ الرَّحِمِ والإنْفاقِ في الخَيْرِ والحَجِّ وأعْمالِ البِرِّ. وقِيلَ: مِنَ المُؤْمِنِينَ في طَلَبِ الآخِرَةِ. (بَخِلُوا بِهِ)، أيْ: بِإخْراجِ حَقِّهِ مِنهُ، وكُلُّ بُخْلٍ أُعْقِبَ بِوَعِيدٍ فَهو عِبارَةٌ عَنْ مَنعِ الحَقِّ الواجِبِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (فَأعْقَبَهم) هو عائِدٌ عَلى اللَّهِ، عاقَبَهم عَلى الذَّنْبِ بِما هو أشَدُّ مِنهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: خَذَلَهم حِينَ نافَقُوا، وتَمَكَّنَ مِن قُلُوبِهِمْ نِفاقُهم فَلا يَنْفَكُّ عَنْها إلى أنْ يَمُوتُوا بِسَبَبِ إخْلافِهِمْ ما وعَدُوا اللَّهَ مِنَ التَّصَدُّقِ والصَّلاحِ وكَوْنِهِمْ كاذِبِينَ، ومِنهُ: خُلْفُ المَوْعِدِ ثُلُثُ النِّفاقِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ: ”خَذَلَهم“ هو لَفْظُ المُعْتَزِلَةِ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: الضَّمِيرُ في (فَأعْقَبَهم) لِلْبُخْلِ، أيْ: فَأوْرَثَهُمُ البُخْلَ نِفاقًا مُتَمَكِّنًا في قُلُوبِهِمْ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: (فَأعْقَبَهم) أيِ البُخْلُ والتَّوَلِّي والإعْراضُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نِفاقَ كُفْرٍ، ويَكُونَ تَقْرِيرُ ثَعْلَبَةَ بَعْدَ هَذا النَّصِّ والإبْقاءِ عَلَيْهِ لِمَكانِ إظْهارِهِ الإسْلامَ وتَعَلُّقِهِ بِما فِيهِ احْتِمالٌ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نِفاقَ مَعْصِيَةٍ وقِلَّةِ اسْتِقامَةٍ، فَيَكُونَ تَقْرِيرُهُ صَحِيحًا، ويَكُونُ تَرْكُ قَبُولِ الزَّكاةِ مِنهُ عِقابًا لَهُ ونَكالًا. وهَذا نَحْوُ ما رُوِيَ أنَّ عامِلًا كَتَبَ إلى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ أنَّ فُلانًا يَمْنَعُ الزَّكاةَ، فَكَتَبَ إلَيْهِ أنْ دَعْهُ واجْعَلْ عُقُوبَتَهُ أنْ لا يُؤَدِّيَ الزَّكاةَ مَعَ المُسْلِمِينَ، يُرِيدُ لِما يَلْحَقُهُ مِنَ المَقْتِ في ذَلِكَ. والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في: (يَلْقَوْنَهُ)، عَلى اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ: يَلْقَوْنَ الجَزاءَ. فَقِيلَ: جَزاءَ بُخْلِهِمْ. وقِيلَ: جَزاءَ أفْعالِهِمْ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: (يُكَذِّبُونَ) بِالتَّشْدِيدِ. ولَفْظَةُ (فَأعْقَبَهم نِفاقًا) لا تَدُلُّ ولا تُشْعِرُ بِأنَّهُ كانَ مُسْلِمًا، ثُمَّ لَمّا بَخِلَ ولَمْ يَفِ (p-٧٥)بِالعَهْدِ صارَ مُنافِقًا، كَما قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ؛ لِأنَّ المُعَقَّبَ نِفاقٌ مُتَّصِلٌ إلى وقْتِ المُوافاةِ، فَهو نِفاقٌ مُقَيَّدٌ بِغايَةٍ، ولا يَدُلُّ المُقَيَّدُ عَلى انْتِفاءِ المُطْلَقِ قَبْلَهُ. وإذا كانَ الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى اللَّهِ فَلا يَكُونُ اللِّقاءُ مُتَضَمِّنًا رُؤْيَةَ اللَّهِ؛ لِإجْماعِ العُلَماءِ عَلى أنَّ الكُفّارَ لا يَرَوْنَ اللَّهَ، فالِاسْتِدْلالُ بِاللِّقاءِ عَلى الرُّؤْيَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤] لَيْسَ بِظاهِرٍ، ولِقَوْلِهِ «مَن حَلَفَ عَلى يَمِينِ كاذِبَةٍ لِيَقْتَطِعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ وهو عَلَيْهِ غَضْبانُ» وأجْمَعُوا عَلى أنَّ المُرادَ هُنا: لَقِيَ ما عِنْدَ اللَّهِ مِنَ العِقابِ. (ألَمْ يَعْلَمُوا) هَذا اسْتِفْهامٌ تَضَمَّنَ التَّوْبِيخَ والتَّقْرِيعَ. وقَرَأ عَلِيٌّ وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ والحَسَنُ: ”تَعْلَمُوا“ بِالتّاءِ، وهو خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيرِ. وأنَّهُ تَعالى فاضِحُ المُنافِقِينَ، ومُعْلِمُ المُؤْمِنِينَ أحْوالَهُمُ الَّتِي يَكْتُمُونَها شَيْئًا فَشَيْئًا سِرَّهم ونَجْواهم. هَذا التَّقْسِيمُ عِبارَةٌ عَنْ إحاطَةِ عِلْمِ اللَّهِ بِهِمْ. والظّاهِرُ أنَّ الآيَةَ في جَمِيعِ المُنافِقِينَ مَن عاهَدَ وأخْلَفَ وغَيْرِهِمْ، وخَصَّتْها فِرْقَةٌ بِمَن عاهَدَ وأخْلَفَ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ما أسَرُّوهُ مِنَ النِّفاقِ والعَزْمِ عَلى إخْلافِ ما وعَدُوهُ، وما يَتَناجَوْنَ بِهِ فِيما بَيْنَهم مِنَ المَطاعِنِ في الدِّينِ، وتَسْمِيَةِ الصَّدَقَةِ جِزْيَةً، وتَدْبِيرِ مَنعِها. وقِيلَ: أشارَ بِسِرِّهِمْ إلى ما يُخْفُونَهُ مِنَ النِّفاقِ، وبِنَجْواهم إلى ما يُفِيضُونَ بِهِ بَيْنَهم مِن تَنْقِيصِ الرَّسُولِ، وتَعْيِيبِ المُؤْمِنِينَ. وقِيلَ: سِرُّهم ما يُسارُّ بِهِ بَعْضُهم بَعْضًا، ونَجْواهم ما تَحَدَّثُوا بِهِ جَهْرًا بَيْنَهم، وهَذِهِ أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ مُتَّفِقَةٌ في المَعْنى.

التوبة 9:76

﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿فَلَمّا آتاهم مِن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهم وأنَّ اللَّهَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾: قالَ الضَّحّاكُ: هم نَبْتَلُ بْنُ الحارِثِ، وجَدُّ بْنُ قَيْسٍ، ومُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، وثَعْلَبَةُ بْنُ حاطِبٍ، وفِيهِمْ نَزَلَتِ الآيَةُ. وقالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ: في مُعَتِّبٍ وثَعْلَبَةَ، خَرَجا عَلى مَلَأٍ فَقالا ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ في رَجُلٍ مِن بَنِي عَمْرٍو بْنِ عَوْفٍ كانَ لَهُ مالٌ بِالشّامِ فَأبْطَأ عَنْهُ، فَجَهِدَ لِذَلِكَ جَهْدًا شَدِيدًا، فَحَلَفَ بِاللَّهِ ﴿لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ﴾، أيْ: مِن ذَلِكَ المالِ، لَأصَّدَّقَنَّ مِنهُ ولَأصِلَنَّ، فَآتاهُ فَلَمْ يَفْعَلْ. والأكْثَرُ عَلى أنَّها نَزَلَتْ في ثَعْلَبَةَ، وذَكَرُوا لَهُ حَدِيثًا طَوِيلًا، وقَدْ لَخَّصْتُ مِنهُ: أنَّهُ سَألَ الرَّسُولَ ﷺ أنْ يَدْعُوَ اللَّهَ أنْ يَرْزُقَهُ مالًا فَقِيلَ لَهُ: قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِن كَثِيرٍ لا تُطِيقُهُ، فَألَحَّ عَلَيْهِ، فَدَعا اللَّهَ، فاتَّخَذَ غَنَمًا كَثُرَتْ حَتّى ضاقَتْ عَنْها المَدِينَةُ، فَنَزَلَ وادِيًا وما زالَتْ تَنْمُو، واشْتَغَلَ بِها حَتّى تَرَكَ الصَّلَواتِ، وبَعَثَ إلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ المُصَدِّقَ، فَقالَ: ما هَذِهِ إلّا جِزْيَةٌ، ما هَذِهِ إلّا أُخْتُ الجِزْيَةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. فَأخْبَرَهُ قَرِيبٌ لَهُ بِها، فَجاءَ بِصَدَقَتِهِ إلى الرَّسُولِ فَلَمْ يَقْبَلْها، فَلَمّا قُبِضَ الرَّسُولُ أتى أبا بَكْرٍ فَلَمْ يَقْبَلْها، ثُمَّ عُمَرَ فَلَمْ يَقْبَلْها، ثُمَّ عُثْمانَ فَلَمْ يَقْبَلْها، وهَلَكَ في أيّامِ عُثْمانَ. وقَرَأ الأعْمَشُ: ”لَنَصَّدَّقَنْ ولَنَكُونَنْ“ بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ فِيهِما، والظّاهِرُ والمُسْتَفِيضُ مِن أسْبابِ النُّزُولِ أنَّهم نَطَقُوا بِذَلِكَ ولَفَظُوا بِهِ. وقالَ مَعْبَدُ بْنُ ثابِتٍ وفِرْقَةٌ: لَمْ يَتَلَفَّظُوا بِهِ، وإنَّما هو شَيْءٌ نَوَوْهُ في أنْفُسِهِمْ ولَمْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ، ألَمْ تَسْمَعْ إلى قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهُمْ﴾ مِنَ الصّالِحِينَ، أيْ مِن أهْلِ الصَّلاحِ في أمْوالِهِمْ بِصِلَةِ الرَّحِمِ والإنْفاقِ في الخَيْرِ والحَجِّ وأعْمالِ البِرِّ. وقِيلَ: مِنَ المُؤْمِنِينَ في طَلَبِ الآخِرَةِ. (بَخِلُوا بِهِ)، أيْ: بِإخْراجِ حَقِّهِ مِنهُ، وكُلُّ بُخْلٍ أُعْقِبَ بِوَعِيدٍ فَهو عِبارَةٌ عَنْ مَنعِ الحَقِّ الواجِبِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (فَأعْقَبَهم) هو عائِدٌ عَلى اللَّهِ، عاقَبَهم عَلى الذَّنْبِ بِما هو أشَدُّ مِنهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: خَذَلَهم حِينَ نافَقُوا، وتَمَكَّنَ مِن قُلُوبِهِمْ نِفاقُهم فَلا يَنْفَكُّ عَنْها إلى أنْ يَمُوتُوا بِسَبَبِ إخْلافِهِمْ ما وعَدُوا اللَّهَ مِنَ التَّصَدُّقِ والصَّلاحِ وكَوْنِهِمْ كاذِبِينَ، ومِنهُ: خُلْفُ المَوْعِدِ ثُلُثُ النِّفاقِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ: ”خَذَلَهم“ هو لَفْظُ المُعْتَزِلَةِ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: الضَّمِيرُ في (فَأعْقَبَهم) لِلْبُخْلِ، أيْ: فَأوْرَثَهُمُ البُخْلَ نِفاقًا مُتَمَكِّنًا في قُلُوبِهِمْ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: (فَأعْقَبَهم) أيِ البُخْلُ والتَّوَلِّي والإعْراضُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نِفاقَ كُفْرٍ، ويَكُونَ تَقْرِيرُ ثَعْلَبَةَ بَعْدَ هَذا النَّصِّ والإبْقاءِ عَلَيْهِ لِمَكانِ إظْهارِهِ الإسْلامَ وتَعَلُّقِهِ بِما فِيهِ احْتِمالٌ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نِفاقَ مَعْصِيَةٍ وقِلَّةِ اسْتِقامَةٍ، فَيَكُونَ تَقْرِيرُهُ صَحِيحًا، ويَكُونُ تَرْكُ قَبُولِ الزَّكاةِ مِنهُ عِقابًا لَهُ ونَكالًا. وهَذا نَحْوُ ما رُوِيَ أنَّ عامِلًا كَتَبَ إلى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ أنَّ فُلانًا يَمْنَعُ الزَّكاةَ، فَكَتَبَ إلَيْهِ أنْ دَعْهُ واجْعَلْ عُقُوبَتَهُ أنْ لا يُؤَدِّيَ الزَّكاةَ مَعَ المُسْلِمِينَ، يُرِيدُ لِما يَلْحَقُهُ مِنَ المَقْتِ في ذَلِكَ. والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في: (يَلْقَوْنَهُ)، عَلى اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ: يَلْقَوْنَ الجَزاءَ. فَقِيلَ: جَزاءَ بُخْلِهِمْ. وقِيلَ: جَزاءَ أفْعالِهِمْ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: (يُكَذِّبُونَ) بِالتَّشْدِيدِ. ولَفْظَةُ (فَأعْقَبَهم نِفاقًا) لا تَدُلُّ ولا تُشْعِرُ بِأنَّهُ كانَ مُسْلِمًا، ثُمَّ لَمّا بَخِلَ ولَمْ يَفِ (p-٧٥)بِالعَهْدِ صارَ مُنافِقًا، كَما قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ؛ لِأنَّ المُعَقَّبَ نِفاقٌ مُتَّصِلٌ إلى وقْتِ المُوافاةِ، فَهو نِفاقٌ مُقَيَّدٌ بِغايَةٍ، ولا يَدُلُّ المُقَيَّدُ عَلى انْتِفاءِ المُطْلَقِ قَبْلَهُ. وإذا كانَ الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى اللَّهِ فَلا يَكُونُ اللِّقاءُ مُتَضَمِّنًا رُؤْيَةَ اللَّهِ؛ لِإجْماعِ العُلَماءِ عَلى أنَّ الكُفّارَ لا يَرَوْنَ اللَّهَ، فالِاسْتِدْلالُ بِاللِّقاءِ عَلى الرُّؤْيَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤] لَيْسَ بِظاهِرٍ، ولِقَوْلِهِ «مَن حَلَفَ عَلى يَمِينِ كاذِبَةٍ لِيَقْتَطِعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ وهو عَلَيْهِ غَضْبانُ» وأجْمَعُوا عَلى أنَّ المُرادَ هُنا: لَقِيَ ما عِنْدَ اللَّهِ مِنَ العِقابِ. (ألَمْ يَعْلَمُوا) هَذا اسْتِفْهامٌ تَضَمَّنَ التَّوْبِيخَ والتَّقْرِيعَ. وقَرَأ عَلِيٌّ وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ والحَسَنُ: ”تَعْلَمُوا“ بِالتّاءِ، وهو خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيرِ. وأنَّهُ تَعالى فاضِحُ المُنافِقِينَ، ومُعْلِمُ المُؤْمِنِينَ أحْوالَهُمُ الَّتِي يَكْتُمُونَها شَيْئًا فَشَيْئًا سِرَّهم ونَجْواهم. هَذا التَّقْسِيمُ عِبارَةٌ عَنْ إحاطَةِ عِلْمِ اللَّهِ بِهِمْ. والظّاهِرُ أنَّ الآيَةَ في جَمِيعِ المُنافِقِينَ مَن عاهَدَ وأخْلَفَ وغَيْرِهِمْ، وخَصَّتْها فِرْقَةٌ بِمَن عاهَدَ وأخْلَفَ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ما أسَرُّوهُ مِنَ النِّفاقِ والعَزْمِ عَلى إخْلافِ ما وعَدُوهُ، وما يَتَناجَوْنَ بِهِ فِيما بَيْنَهم مِنَ المَطاعِنِ في الدِّينِ، وتَسْمِيَةِ الصَّدَقَةِ جِزْيَةً، وتَدْبِيرِ مَنعِها. وقِيلَ: أشارَ بِسِرِّهِمْ إلى ما يُخْفُونَهُ مِنَ النِّفاقِ، وبِنَجْواهم إلى ما يُفِيضُونَ بِهِ بَيْنَهم مِن تَنْقِيصِ الرَّسُولِ، وتَعْيِيبِ المُؤْمِنِينَ. وقِيلَ: سِرُّهم ما يُسارُّ بِهِ بَعْضُهم بَعْضًا، ونَجْواهم ما تَحَدَّثُوا بِهِ جَهْرًا بَيْنَهم، وهَذِهِ أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ مُتَّفِقَةٌ في المَعْنى.

التوبة 9:77

﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿فَلَمّا آتاهم مِن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهم وأنَّ اللَّهَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾: قالَ الضَّحّاكُ: هم نَبْتَلُ بْنُ الحارِثِ، وجَدُّ بْنُ قَيْسٍ، ومُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، وثَعْلَبَةُ بْنُ حاطِبٍ، وفِيهِمْ نَزَلَتِ الآيَةُ. وقالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ: في مُعَتِّبٍ وثَعْلَبَةَ، خَرَجا عَلى مَلَأٍ فَقالا ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ في رَجُلٍ مِن بَنِي عَمْرٍو بْنِ عَوْفٍ كانَ لَهُ مالٌ بِالشّامِ فَأبْطَأ عَنْهُ، فَجَهِدَ لِذَلِكَ جَهْدًا شَدِيدًا، فَحَلَفَ بِاللَّهِ ﴿لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ﴾، أيْ: مِن ذَلِكَ المالِ، لَأصَّدَّقَنَّ مِنهُ ولَأصِلَنَّ، فَآتاهُ فَلَمْ يَفْعَلْ. والأكْثَرُ عَلى أنَّها نَزَلَتْ في ثَعْلَبَةَ، وذَكَرُوا لَهُ حَدِيثًا طَوِيلًا، وقَدْ لَخَّصْتُ مِنهُ: أنَّهُ سَألَ الرَّسُولَ ﷺ أنْ يَدْعُوَ اللَّهَ أنْ يَرْزُقَهُ مالًا فَقِيلَ لَهُ: قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِن كَثِيرٍ لا تُطِيقُهُ، فَألَحَّ عَلَيْهِ، فَدَعا اللَّهَ، فاتَّخَذَ غَنَمًا كَثُرَتْ حَتّى ضاقَتْ عَنْها المَدِينَةُ، فَنَزَلَ وادِيًا وما زالَتْ تَنْمُو، واشْتَغَلَ بِها حَتّى تَرَكَ الصَّلَواتِ، وبَعَثَ إلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ المُصَدِّقَ، فَقالَ: ما هَذِهِ إلّا جِزْيَةٌ، ما هَذِهِ إلّا أُخْتُ الجِزْيَةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. فَأخْبَرَهُ قَرِيبٌ لَهُ بِها، فَجاءَ بِصَدَقَتِهِ إلى الرَّسُولِ فَلَمْ يَقْبَلْها، فَلَمّا قُبِضَ الرَّسُولُ أتى أبا بَكْرٍ فَلَمْ يَقْبَلْها، ثُمَّ عُمَرَ فَلَمْ يَقْبَلْها، ثُمَّ عُثْمانَ فَلَمْ يَقْبَلْها، وهَلَكَ في أيّامِ عُثْمانَ. وقَرَأ الأعْمَشُ: ”لَنَصَّدَّقَنْ ولَنَكُونَنْ“ بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ فِيهِما، والظّاهِرُ والمُسْتَفِيضُ مِن أسْبابِ النُّزُولِ أنَّهم نَطَقُوا بِذَلِكَ ولَفَظُوا بِهِ. وقالَ مَعْبَدُ بْنُ ثابِتٍ وفِرْقَةٌ: لَمْ يَتَلَفَّظُوا بِهِ، وإنَّما هو شَيْءٌ نَوَوْهُ في أنْفُسِهِمْ ولَمْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ، ألَمْ تَسْمَعْ إلى قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهُمْ﴾ مِنَ الصّالِحِينَ، أيْ مِن أهْلِ الصَّلاحِ في أمْوالِهِمْ بِصِلَةِ الرَّحِمِ والإنْفاقِ في الخَيْرِ والحَجِّ وأعْمالِ البِرِّ. وقِيلَ: مِنَ المُؤْمِنِينَ في طَلَبِ الآخِرَةِ. (بَخِلُوا بِهِ)، أيْ: بِإخْراجِ حَقِّهِ مِنهُ، وكُلُّ بُخْلٍ أُعْقِبَ بِوَعِيدٍ فَهو عِبارَةٌ عَنْ مَنعِ الحَقِّ الواجِبِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (فَأعْقَبَهم) هو عائِدٌ عَلى اللَّهِ، عاقَبَهم عَلى الذَّنْبِ بِما هو أشَدُّ مِنهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: خَذَلَهم حِينَ نافَقُوا، وتَمَكَّنَ مِن قُلُوبِهِمْ نِفاقُهم فَلا يَنْفَكُّ عَنْها إلى أنْ يَمُوتُوا بِسَبَبِ إخْلافِهِمْ ما وعَدُوا اللَّهَ مِنَ التَّصَدُّقِ والصَّلاحِ وكَوْنِهِمْ كاذِبِينَ، ومِنهُ: خُلْفُ المَوْعِدِ ثُلُثُ النِّفاقِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ: ”خَذَلَهم“ هو لَفْظُ المُعْتَزِلَةِ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: الضَّمِيرُ في (فَأعْقَبَهم) لِلْبُخْلِ، أيْ: فَأوْرَثَهُمُ البُخْلَ نِفاقًا مُتَمَكِّنًا في قُلُوبِهِمْ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: (فَأعْقَبَهم) أيِ البُخْلُ والتَّوَلِّي والإعْراضُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نِفاقَ كُفْرٍ، ويَكُونَ تَقْرِيرُ ثَعْلَبَةَ بَعْدَ هَذا النَّصِّ والإبْقاءِ عَلَيْهِ لِمَكانِ إظْهارِهِ الإسْلامَ وتَعَلُّقِهِ بِما فِيهِ احْتِمالٌ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نِفاقَ مَعْصِيَةٍ وقِلَّةِ اسْتِقامَةٍ، فَيَكُونَ تَقْرِيرُهُ صَحِيحًا، ويَكُونُ تَرْكُ قَبُولِ الزَّكاةِ مِنهُ عِقابًا لَهُ ونَكالًا. وهَذا نَحْوُ ما رُوِيَ أنَّ عامِلًا كَتَبَ إلى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ أنَّ فُلانًا يَمْنَعُ الزَّكاةَ، فَكَتَبَ إلَيْهِ أنْ دَعْهُ واجْعَلْ عُقُوبَتَهُ أنْ لا يُؤَدِّيَ الزَّكاةَ مَعَ المُسْلِمِينَ، يُرِيدُ لِما يَلْحَقُهُ مِنَ المَقْتِ في ذَلِكَ. والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في: (يَلْقَوْنَهُ)، عَلى اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ: يَلْقَوْنَ الجَزاءَ. فَقِيلَ: جَزاءَ بُخْلِهِمْ. وقِيلَ: جَزاءَ أفْعالِهِمْ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: (يُكَذِّبُونَ) بِالتَّشْدِيدِ. ولَفْظَةُ (فَأعْقَبَهم نِفاقًا) لا تَدُلُّ ولا تُشْعِرُ بِأنَّهُ كانَ مُسْلِمًا، ثُمَّ لَمّا بَخِلَ ولَمْ يَفِ (p-٧٥)بِالعَهْدِ صارَ مُنافِقًا، كَما قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ؛ لِأنَّ المُعَقَّبَ نِفاقٌ مُتَّصِلٌ إلى وقْتِ المُوافاةِ، فَهو نِفاقٌ مُقَيَّدٌ بِغايَةٍ، ولا يَدُلُّ المُقَيَّدُ عَلى انْتِفاءِ المُطْلَقِ قَبْلَهُ. وإذا كانَ الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى اللَّهِ فَلا يَكُونُ اللِّقاءُ مُتَضَمِّنًا رُؤْيَةَ اللَّهِ؛ لِإجْماعِ العُلَماءِ عَلى أنَّ الكُفّارَ لا يَرَوْنَ اللَّهَ، فالِاسْتِدْلالُ بِاللِّقاءِ عَلى الرُّؤْيَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤] لَيْسَ بِظاهِرٍ، ولِقَوْلِهِ «مَن حَلَفَ عَلى يَمِينِ كاذِبَةٍ لِيَقْتَطِعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ وهو عَلَيْهِ غَضْبانُ» وأجْمَعُوا عَلى أنَّ المُرادَ هُنا: لَقِيَ ما عِنْدَ اللَّهِ مِنَ العِقابِ. (ألَمْ يَعْلَمُوا) هَذا اسْتِفْهامٌ تَضَمَّنَ التَّوْبِيخَ والتَّقْرِيعَ. وقَرَأ عَلِيٌّ وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ والحَسَنُ: ”تَعْلَمُوا“ بِالتّاءِ، وهو خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيرِ. وأنَّهُ تَعالى فاضِحُ المُنافِقِينَ، ومُعْلِمُ المُؤْمِنِينَ أحْوالَهُمُ الَّتِي يَكْتُمُونَها شَيْئًا فَشَيْئًا سِرَّهم ونَجْواهم. هَذا التَّقْسِيمُ عِبارَةٌ عَنْ إحاطَةِ عِلْمِ اللَّهِ بِهِمْ. والظّاهِرُ أنَّ الآيَةَ في جَمِيعِ المُنافِقِينَ مَن عاهَدَ وأخْلَفَ وغَيْرِهِمْ، وخَصَّتْها فِرْقَةٌ بِمَن عاهَدَ وأخْلَفَ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ما أسَرُّوهُ مِنَ النِّفاقِ والعَزْمِ عَلى إخْلافِ ما وعَدُوهُ، وما يَتَناجَوْنَ بِهِ فِيما بَيْنَهم مِنَ المَطاعِنِ في الدِّينِ، وتَسْمِيَةِ الصَّدَقَةِ جِزْيَةً، وتَدْبِيرِ مَنعِها. وقِيلَ: أشارَ بِسِرِّهِمْ إلى ما يُخْفُونَهُ مِنَ النِّفاقِ، وبِنَجْواهم إلى ما يُفِيضُونَ بِهِ بَيْنَهم مِن تَنْقِيصِ الرَّسُولِ، وتَعْيِيبِ المُؤْمِنِينَ. وقِيلَ: سِرُّهم ما يُسارُّ بِهِ بَعْضُهم بَعْضًا، ونَجْواهم ما تَحَدَّثُوا بِهِ جَهْرًا بَيْنَهم، وهَذِهِ أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ مُتَّفِقَةٌ في المَعْنى.

التوبة 9:78

﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿فَلَمّا آتاهم مِن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهم وأنَّ اللَّهَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾: قالَ الضَّحّاكُ: هم نَبْتَلُ بْنُ الحارِثِ، وجَدُّ بْنُ قَيْسٍ، ومُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، وثَعْلَبَةُ بْنُ حاطِبٍ، وفِيهِمْ نَزَلَتِ الآيَةُ. وقالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ: في مُعَتِّبٍ وثَعْلَبَةَ، خَرَجا عَلى مَلَأٍ فَقالا ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ في رَجُلٍ مِن بَنِي عَمْرٍو بْنِ عَوْفٍ كانَ لَهُ مالٌ بِالشّامِ فَأبْطَأ عَنْهُ، فَجَهِدَ لِذَلِكَ جَهْدًا شَدِيدًا، فَحَلَفَ بِاللَّهِ ﴿لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ﴾، أيْ: مِن ذَلِكَ المالِ، لَأصَّدَّقَنَّ مِنهُ ولَأصِلَنَّ، فَآتاهُ فَلَمْ يَفْعَلْ. والأكْثَرُ عَلى أنَّها نَزَلَتْ في ثَعْلَبَةَ، وذَكَرُوا لَهُ حَدِيثًا طَوِيلًا، وقَدْ لَخَّصْتُ مِنهُ: أنَّهُ سَألَ الرَّسُولَ ﷺ أنْ يَدْعُوَ اللَّهَ أنْ يَرْزُقَهُ مالًا فَقِيلَ لَهُ: قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِن كَثِيرٍ لا تُطِيقُهُ، فَألَحَّ عَلَيْهِ، فَدَعا اللَّهَ، فاتَّخَذَ غَنَمًا كَثُرَتْ حَتّى ضاقَتْ عَنْها المَدِينَةُ، فَنَزَلَ وادِيًا وما زالَتْ تَنْمُو، واشْتَغَلَ بِها حَتّى تَرَكَ الصَّلَواتِ، وبَعَثَ إلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ المُصَدِّقَ، فَقالَ: ما هَذِهِ إلّا جِزْيَةٌ، ما هَذِهِ إلّا أُخْتُ الجِزْيَةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. فَأخْبَرَهُ قَرِيبٌ لَهُ بِها، فَجاءَ بِصَدَقَتِهِ إلى الرَّسُولِ فَلَمْ يَقْبَلْها، فَلَمّا قُبِضَ الرَّسُولُ أتى أبا بَكْرٍ فَلَمْ يَقْبَلْها، ثُمَّ عُمَرَ فَلَمْ يَقْبَلْها، ثُمَّ عُثْمانَ فَلَمْ يَقْبَلْها، وهَلَكَ في أيّامِ عُثْمانَ. وقَرَأ الأعْمَشُ: ”لَنَصَّدَّقَنْ ولَنَكُونَنْ“ بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ فِيهِما، والظّاهِرُ والمُسْتَفِيضُ مِن أسْبابِ النُّزُولِ أنَّهم نَطَقُوا بِذَلِكَ ولَفَظُوا بِهِ. وقالَ مَعْبَدُ بْنُ ثابِتٍ وفِرْقَةٌ: لَمْ يَتَلَفَّظُوا بِهِ، وإنَّما هو شَيْءٌ نَوَوْهُ في أنْفُسِهِمْ ولَمْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ، ألَمْ تَسْمَعْ إلى قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهُمْ﴾ مِنَ الصّالِحِينَ، أيْ مِن أهْلِ الصَّلاحِ في أمْوالِهِمْ بِصِلَةِ الرَّحِمِ والإنْفاقِ في الخَيْرِ والحَجِّ وأعْمالِ البِرِّ. وقِيلَ: مِنَ المُؤْمِنِينَ في طَلَبِ الآخِرَةِ. (بَخِلُوا بِهِ)، أيْ: بِإخْراجِ حَقِّهِ مِنهُ، وكُلُّ بُخْلٍ أُعْقِبَ بِوَعِيدٍ فَهو عِبارَةٌ عَنْ مَنعِ الحَقِّ الواجِبِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (فَأعْقَبَهم) هو عائِدٌ عَلى اللَّهِ، عاقَبَهم عَلى الذَّنْبِ بِما هو أشَدُّ مِنهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: خَذَلَهم حِينَ نافَقُوا، وتَمَكَّنَ مِن قُلُوبِهِمْ نِفاقُهم فَلا يَنْفَكُّ عَنْها إلى أنْ يَمُوتُوا بِسَبَبِ إخْلافِهِمْ ما وعَدُوا اللَّهَ مِنَ التَّصَدُّقِ والصَّلاحِ وكَوْنِهِمْ كاذِبِينَ، ومِنهُ: خُلْفُ المَوْعِدِ ثُلُثُ النِّفاقِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ: ”خَذَلَهم“ هو لَفْظُ المُعْتَزِلَةِ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: الضَّمِيرُ في (فَأعْقَبَهم) لِلْبُخْلِ، أيْ: فَأوْرَثَهُمُ البُخْلَ نِفاقًا مُتَمَكِّنًا في قُلُوبِهِمْ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: (فَأعْقَبَهم) أيِ البُخْلُ والتَّوَلِّي والإعْراضُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نِفاقَ كُفْرٍ، ويَكُونَ تَقْرِيرُ ثَعْلَبَةَ بَعْدَ هَذا النَّصِّ والإبْقاءِ عَلَيْهِ لِمَكانِ إظْهارِهِ الإسْلامَ وتَعَلُّقِهِ بِما فِيهِ احْتِمالٌ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نِفاقَ مَعْصِيَةٍ وقِلَّةِ اسْتِقامَةٍ، فَيَكُونَ تَقْرِيرُهُ صَحِيحًا، ويَكُونُ تَرْكُ قَبُولِ الزَّكاةِ مِنهُ عِقابًا لَهُ ونَكالًا. وهَذا نَحْوُ ما رُوِيَ أنَّ عامِلًا كَتَبَ إلى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ أنَّ فُلانًا يَمْنَعُ الزَّكاةَ، فَكَتَبَ إلَيْهِ أنْ دَعْهُ واجْعَلْ عُقُوبَتَهُ أنْ لا يُؤَدِّيَ الزَّكاةَ مَعَ المُسْلِمِينَ، يُرِيدُ لِما يَلْحَقُهُ مِنَ المَقْتِ في ذَلِكَ. والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في: (يَلْقَوْنَهُ)، عَلى اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ: يَلْقَوْنَ الجَزاءَ. فَقِيلَ: جَزاءَ بُخْلِهِمْ. وقِيلَ: جَزاءَ أفْعالِهِمْ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: (يُكَذِّبُونَ) بِالتَّشْدِيدِ. ولَفْظَةُ (فَأعْقَبَهم نِفاقًا) لا تَدُلُّ ولا تُشْعِرُ بِأنَّهُ كانَ مُسْلِمًا، ثُمَّ لَمّا بَخِلَ ولَمْ يَفِ (p-٧٥)بِالعَهْدِ صارَ مُنافِقًا، كَما قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ؛ لِأنَّ المُعَقَّبَ نِفاقٌ مُتَّصِلٌ إلى وقْتِ المُوافاةِ، فَهو نِفاقٌ مُقَيَّدٌ بِغايَةٍ، ولا يَدُلُّ المُقَيَّدُ عَلى انْتِفاءِ المُطْلَقِ قَبْلَهُ. وإذا كانَ الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى اللَّهِ فَلا يَكُونُ اللِّقاءُ مُتَضَمِّنًا رُؤْيَةَ اللَّهِ؛ لِإجْماعِ العُلَماءِ عَلى أنَّ الكُفّارَ لا يَرَوْنَ اللَّهَ، فالِاسْتِدْلالُ بِاللِّقاءِ عَلى الرُّؤْيَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤] لَيْسَ بِظاهِرٍ، ولِقَوْلِهِ «مَن حَلَفَ عَلى يَمِينِ كاذِبَةٍ لِيَقْتَطِعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ وهو عَلَيْهِ غَضْبانُ» وأجْمَعُوا عَلى أنَّ المُرادَ هُنا: لَقِيَ ما عِنْدَ اللَّهِ مِنَ العِقابِ. (ألَمْ يَعْلَمُوا) هَذا اسْتِفْهامٌ تَضَمَّنَ التَّوْبِيخَ والتَّقْرِيعَ. وقَرَأ عَلِيٌّ وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ والحَسَنُ: ”تَعْلَمُوا“ بِالتّاءِ، وهو خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيرِ. وأنَّهُ تَعالى فاضِحُ المُنافِقِينَ، ومُعْلِمُ المُؤْمِنِينَ أحْوالَهُمُ الَّتِي يَكْتُمُونَها شَيْئًا فَشَيْئًا سِرَّهم ونَجْواهم. هَذا التَّقْسِيمُ عِبارَةٌ عَنْ إحاطَةِ عِلْمِ اللَّهِ بِهِمْ. والظّاهِرُ أنَّ الآيَةَ في جَمِيعِ المُنافِقِينَ مَن عاهَدَ وأخْلَفَ وغَيْرِهِمْ، وخَصَّتْها فِرْقَةٌ بِمَن عاهَدَ وأخْلَفَ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ما أسَرُّوهُ مِنَ النِّفاقِ والعَزْمِ عَلى إخْلافِ ما وعَدُوهُ، وما يَتَناجَوْنَ بِهِ فِيما بَيْنَهم مِنَ المَطاعِنِ في الدِّينِ، وتَسْمِيَةِ الصَّدَقَةِ جِزْيَةً، وتَدْبِيرِ مَنعِها. وقِيلَ: أشارَ بِسِرِّهِمْ إلى ما يُخْفُونَهُ مِنَ النِّفاقِ، وبِنَجْواهم إلى ما يُفِيضُونَ بِهِ بَيْنَهم مِن تَنْقِيصِ الرَّسُولِ، وتَعْيِيبِ المُؤْمِنِينَ. وقِيلَ: سِرُّهم ما يُسارُّ بِهِ بَعْضُهم بَعْضًا، ونَجْواهم ما تَحَدَّثُوا بِهِ جَهْرًا بَيْنَهم، وهَذِهِ أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ مُتَّفِقَةٌ في المَعْنى.

التوبة 9:79

﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في الصَّدَقاتِ والَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلّا جُهْدَهم فَيَسْخَرُونَ مِنهم سَخِرَ اللَّهُ مِنهم ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾: نَزَلَتْ فِيمَن عابَ المُتَصَدِّقِينَ. «وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَثَّ عَلى الصَّدَقَةِ، فَتَصَدَّقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ بِأرْبَعَةِ آلافٍ وأمْسَكَ مِثْلَها، فَبارَكَ لَهُ الرَّسُولُ ﷺ فِيما أمْسَكَ وفِيما أعْطى. وتَصَدَّقَ عُمَرُ بِنِصْفِ مالِهِ، وعاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ بِمِائَةِ وسْقٍ، وعُثْمانُ بِصَدَقَةٍ عَظِيمَةٍ، وأبُو عَقِيلٍ الأرْلَشِيُّ بِصاعِ تَمْرٍ، وتَرَكَ لِعِيالِهِ صاعًا، وكانَ آجَرَ نَفْسَهُ لِسَقْيِ نَخِيلٍ بِهِما، ورَجُلٌ بِناقَةٍ عَظِيمَةٍ قالَ: هي وذُو بَطْنِها صَدَقَةٌ يا رَسُولَ اللَّهِ، وألْقى إلى الرَّسُولِ خِطامُها، فَقالَ المُنافِقُونَ: ما تَصَدَّقَ هَؤُلاءِ إلّا رِياءً وسُمْعَةً، وما تَصَدَّقَ أبُو عَقِيلٍ إلّا لِيُذْكَرَ مَعَ الأكابِرِ، أوْ لِيُذَكِّرَ بِنَفْسِهِ فَيُعْطى مِنَ الصَّدَقاتِ، واللَّهُ غَنِيٌّ عَنْ صاعِهِ. وقالَ بَعْضُهم: تَصَدَّقَ بِالنّاقَةِ وهي خَيْرٌ مِنهُ. وكانَ الرَّجُلُ أقْصَرَ النّاسِ قامَةً وأشَدَّهم سَوادًا، فَنَظَرَ إلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ وقالَ: قُلْ هو خَيْرٌ مِنكَ ومِنها، يَقُولُها ثَلاثًا» . وأصْلُ (المُطَّوِّعِينَ) المُتَطَوِّعِينَ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الطّاءِ، وهُمُ المُتَبَرِّكُونَ كَعَبْدِ الرَّحْمَنِ وغَيْرِهِ. ﴿والَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلّا جُهْدَهُمْ﴾ هم مُنْدَرِجُونَ في المُطَّوِّعِينَ، ذُكِرُوا تَشْرِيفًا لَهم، حَيْثُ ما فاتَتْهُمُ الصَّدَقَةُ بَلْ تَصَدَّقُوا بِالشَّيْءِ، وإنْ كانُوا أشَدَّ النّاسِ حاجَةً إلَيْهِ، وأتْعَبَهم في تَحْصِيلِ ما تَصَدَّقُوا بِهِ كَأبِي عَقِيلٍ، وأبِي خَيْثَمَةَ، وكانَ قَدْ لُمِزَ في التَّصَدُّقِ بِالقَلِيلِ ونُظِرَ أيُّهُما. وكانَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ يَذْهَبُ إلى أنَّ المَعْطُوفَ في هَذا وشَبَهِهِ لَمْ يَنْدَرِجْ فِيما عُطِفَ عَلَيْهِ، قالَ: لِأنَّهُ لا يَسُوغُ عَطْفُ الشَّيْءِ عَلى مِثْلِهِ. وكَذَلِكَ كانَ يَقُولُ في: ﴿ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البقرة: ٩٨]، وفي قَوْلِهِ: ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] وإلى هَذا كانَ يَذْهَبُ تِلْمِيذُهُ ابْنُ جِنِّيٍّ، وأكْثَرُ النّاسِ عَلى خِلافِهِما. وتَسْمِيَةُ بَعْضِهِمُ التَّجْرِيدَ، جُرِّدُوا بِالذِّكْرِ عَلى سَبِيلِ التَّشْرِيفِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البقرة: ٩٨] . وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ وجَماعَةٌ: (جَهْدَهم) بِالفَتْحِ. فَقِيلَ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ. وقالَ القُتَبِيُّ: بِالضَّمِّ الطّاقَةُ، وبِالفَتْحِ (p-٧٦)المَشَقَّةُ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: بِالضَّمِّ القُوتُ، وبِالفَتْحِ في العَمَلِ. وقِيلَ: بِالضَّمِّ شَيْءٌ قَلِيلٌ يُعاشُ بِهِ. والأحْسَنُ في الإعْرابِ أنْ يَكُونَ ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾ مُبْتَدَأٌ، و﴿فِي الصَّدَقاتِ﴾ [التوبة: ٥٨] مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَلْمِزُونَ)، و﴿الَّذِينَ لا يَجِدُونَ﴾ [التوبة: ٩١] مَعْطُوفٌ عَلى (المُطَّوِّعِينَ)، كَأنَّهُ قِيلَ: يَلْمِزُونَ الأغْنِياءَ وغَيْرَهم. و(فَيَسْخَرُونَ) مَعْطُوفٌ عَلى (يَلْمِزُونَ)، و﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنهُمْ﴾ وما بَعْدَهُ خَبَرٌ عَنْ ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾ . وذَكَرَ أبُو البَقاءِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ لا يَجِدُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾، وهَذا غَيْرُ مُمْكِنٍ؛ لِأنَّ المَعْطُوفَ عَلى المُبْتَدَأِ مُشارِكٌ لَهُ في الخَبَرِ، ولا يُمْكِنُ مُشارَكَةُ ﴿والَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلّا جُهْدَهُمْ﴾ مَعَ ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾ إلّا إنْ كانُوا مِثْلَهم مُنافِقِينَ. قالَ: وقِيلَ: و﴿الَّذِينَ لا يَجِدُونَ﴾ [التوبة: ٩١] مَعْطُوفٌ عَلى (المُؤْمِنِينَ)، وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا. قالَ: وخَبَرُ الأوَّلِ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: (فَيَسْخَرُونَ) . ودَخَلَتِ الفاءُ لِما في الَّذِينَ مِنَ التَّشْبِيهِ بِالشَّرْطِ. انْتَهى هَذا الوَجْهُ. وهَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ إذْ ذاكَ يَكُونُ الخَبَرُ كَأنَّهُ مَفْهُومٌ مِنَ المُبْتَدَأِ؛ لِأنَّ مَن عابَ وغَمَزَ أحَدًا هو ساخِرٌ مِنهُ، فَقَرُبَ أنْ يَكُونَ مِثْلَ: سَيِّدُ الجارِيَةِ مالِكُها، وهو لا يَجُوزُ. قالَ: والثّانِي: أنَّ الخَبَرَ ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنهُمْ﴾، قالَ: وعَلى هَذا المَعْنى يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ (سَخِرَ)، تَقْدِيرُهُ: عابَ الَّذِينَ يَلْمِزُونَ. وقِيلَ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: مِنهُمُ الَّذِينَ يَلْمِزُونَ. وقالَ أبُو البَقاءِ أيْضًا: (مِنَ المُؤْمِنِينَ) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (المُطَّوِّعِينَ)، و(في الصَّدَقاتِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَلْمِزُونَ)، ولا يَتَعَلَّقُ بِـ (المُطَّوِّعِينَ) لِئَلّا يُفْصَلَ بَيْنَهُما بِأجْنَبِيٍّ. انْتَهى. ولَيْسَ بِأجْنَبِيٍّ لِأنَّهُ حالٌ كَما قُرِّرَ، وإذا كانَ حالًا؛ جازَ الفَصْلُ بِها بَيْنَ العامِلِ فِيها وبَيْنَ المَعْمُولِ، أُخِّرَ لِذَلِكَ العامِلُ، نَحْوُ: جاءَنِي الَّذِي يَمُرُّ راكِبًا بِزَيْدٍ. والسُّخْرِيَةُ: الِاسْتِهْزاءُ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنهُمْ﴾ خَبَرٌ لَفْظًا ومَعْنًى، ويُرَجِّحُهُ عَطْفُ الخَبَرِ عَلَيْهِ. وقِيلَ: صِيغَتُهُ خَبَرٌ، ومَعْناهُ الدُّعاءُ. ولَمّا قالَ: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنهُمْ﴾ قالَ ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنهُمْ﴾ عَلى سَبِيلِ المُقابَلَةِ، ومَعْناهُ: أمْهَلَهم حَتّى ظَنُّوا أنَّهُ أهْمَلَهم. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وكانَ هَذا في الخُرُوجِ إلى غَزْوَةِ تَبُوكَ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنهُمْ﴾ جازاهم عَلى سُخْرِيَتِهِمْ، وجَزاءُ الشَّيْءِ قَدْ يُسَمّى باسِمِ الشَّيْءِ كَقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَسْمِيَةٌ لِلْعُقُوبَةِ بِاسْمِ الذَّنْبِ، وهي عِبارَةٌ عَمّا حَلَّ بِهِمْ مِنَ المَقْتِ والذُّلِّ في نُفُوسِهِمْ. انْتَهى. وهو قَرِيبٌ مِنَ القَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ. وقالَ الأصَمُّ: أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يَقْبَلَ مَعاذِيرَهُمُ الكاذِبَةَ في الظّاهِرِ، ووَبالُ فِعْلِهِمْ عَلَيْهِمْ كَما هو، فَكَأنَّهُ سَخِرَ مِنهم، ولِهَذا قالَ: ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾، وهو عَذابُ الآخِرَةِ المُقِيمُ. انْتَهى. وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ لَمْزَ المُؤْمِنِ والسُّخْرِيَةَ مِنهُ مِنَ الكَبائِرِ، لِما يَعْقُبُهُما مِنَ الوَعِيدِ.

التوبة 9:80

﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهم إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهم ذَلِكَ بِأنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾: «سَألَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وكانَ رَجُلًا صالِحًا، أنْ يَسْتَغْفِرَ لِأبِيهِ في مَرَضِهِ فَفَعَلَ، فَنَزَلَتْ، فَقالَ: ”قَدْ رُخِّصَ لِي فَأزِيدُ عَلى السَّبْعِينَ“ فَنَزَلَتْ: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦]» . وقِيلَ: لَمّا نَزَلَ ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنهم ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [التوبة: ٧٩]، سَألُوا الرَّسُولَ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهم فَنَزَلَتْ. وعَلى هَذا فالضَّمائِرُ عائِدَةٌ عَلى الَّذِينَ سَبَقَ ذِكْرُهم، أوْ عَلى جَمِيعِ المُنافِقِينَ، قَوْلانِ. والخِطابُ بِالأمْرِ لِلرَّسُولِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهَذا الكَلامِ التَّخْيِيرُ، وهو الَّذِي رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقَدْ قالَ لَهُ عُمَرُ: كَيْفَ تَسْتَغْفِرُ لِعَدُوِّ اللَّهِ وقَدْ نَهاكَ اللَّهُ عَنِ الِاسْتِغْفارِ لَهم ؟ فَقالَ ﷺ: ”ما نَهانِي ولَكِنَّهُ خَيَّرَنِي“ فَكَأنَّهُ قالَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنْ شِئْتَ فاسْتَغْفِرْ، وإنْ شِئْتَ فَلا تَسْتَغْفِرْ، ثُمَّ أعْلَمَهُ أنَّهُ لا يُغْفَرُ لَهم وإنِ اسْتَغْفَرَ سَبْعِينَ مَرَّةً. وقِيلَ: لَفْظُهُ أمْرٌ ومَعْناهُ الشَّرْطُ، بِمَعْنى إنِ اسْتَغْفَرْتَ أوْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ، فَيَكُونُ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ﴾ [التوبة: ٥٣] وبِمَنزِلَةِ قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎أسِيئِي بِنا أوْ أحْسِنِي لا مَلُومَةً لَدَيْنا ولا مَقْلِيَّةً إنْ تَقَلَّتِ (p-٧٧)ومَرَّ الكَلامُ في هَذا في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ [التوبة: ٥٣] وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ الطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُ، وهو اخْتِيارُ الزَّمَخْشَرِيِّ قالَ: وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ هَذا الأمْرَ في مَعْنى الخَبَرِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمُ اسْتَغْفَرْتَ أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ، وأنَّ فِيهِ مَعْنى الشَّرْطِ، وذَكَرْنا النُّكْتَةَ في المَجِيءِ بِهِ عَلى لَفْظِ الأمْرِ. انْتَهى. يَعْنِي في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: (قُلْ أنْفِقُوا) وكانَ قالَ هُناكَ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ أمَرَهم بِالإنْفاقِ ثُمَّ قالَ: (لَنْ يُتَقَبَّلَ) ؟ قُلْتُ: هو أمْرٌ في مَعْنى الخَبَرِ كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَن كانَ في الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥] ومَعْناهُ: لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكم أنْفَقْتُمْ طَوْعًا أوْ كَرْهًا، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾، وقَوْلُهُ: ؎أسِيئِي بِنا أوْ أحْسِنِي لا مَلُومَةً أيْ: لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمُ اسْتَغْفَرْتَ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرُ لَهم، ولا نَلُومُكَ أحْسَنْتِ إلَيْنا أوْ أسَأْتِ. فَإنْ قِيلَ: مَتى يَجُوزُ نَحْوُ هَذا ؟ قُلْتُ: إذا دَلَّ الكَلامُ عَلَيْهِ كَما كانَ في قَوْلِكَ: غَفَرَ اللَّهُ لِزَيْدٍ ورَحِمَهُ. فَإنْ قُلْتَ: لِمَ فَعَلَ ذَلِكَ ؟ قُلْتُ: لِنُكْتَةٍ، وهي أنَّ كَثِيرًا كَأنَّهُ يَقُولُ لِعَزَّةَ: امْتَحِنِي لُطْفَ مَحَلِّكِ عِنْدِي، وقُوَّةَ مَحَبَّتِي لَكِ، وعامِلِينِي بِالإساءَةِ والإحْسانِ، وانْظُرِي هَلْ تَتَفاوَتُ حالِي مَعَكِ مُسِيئَةً كُنْتِ أوْ مُحْسِنَةً. وفي مَعْناهُ قَوْلُ القائِلِ: ؎أُحَوِّلُ الَّذِي إنْ قُمْتَ بِالسَّيْفِ عامِدًا ∗∗∗ لِتَضْرِبَهُ لَمْ يَسْتَغْشِكَ في الوُدِّ وكَذَلِكَ المَعْنى: أنْفِقُوا وانْظُرُوا هَلْ يُتَقَبَّلُ مِنكم، واسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرُ لَهم، وانْظُرْ هَلْ تَرى خِلافًا بَيْنَ حالَيِ الِاسْتِغْفارِ وتَرْكِهِ ؟ انْتَهى. وقِيلَ: هو أمْرُ مُبالَغَةٍ في الإياسِ ومَعْناهُ: أنَّكَ لَوْ طَلَبْتَ الِاسْتِغْفارَ لَهم طَلَبَ المَأْمُورِ، أوْ تَرَكْتَهُ تَرْكَ المَنهِيِّ عَنْهُ؛ لَمْ يُغْفَرْ لَهم. وقِيلَ: مَعْناهُ الِاسْتِواءُ، أيْ: اسْتِغْفارُكَ لَهم وتَرْكُ الِاسْتِغْفارِ سَواءٌ. فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ جازَ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهم وقَدْ أخْبَرَ أنَّهم كَفَرُوا ؟ فالجَوابُ: قالُوا مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ كانَ عَلى سَبِيلِ التَّأْلِيفِ لِيَخْلُصَ إيمانُ كَثِيرٍ مِنهم. وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ لَمّا اسْتَغْفَرَ لِابْنِ سَلُولَ وكَساهُ ثَوْبَهُ، وصَلّى عَلَيْهِ، أسْلَمَ ألْفٌ مِنَ الخَزْرَجِ لَمّا رَأوْهُ يَطْلُبُ الِاسْتِشْفاءَ بِثَوْبِ الرَّسُولِ، وكانَ رَأْسَ المُنافِقِينَ وسَيِّدَهم. وقِيلَ: فَعَلَ ذَلِكَ تَطْيِيبًا لِقَلْبِ ولَدِهِ ومَن أسْلَمَ مِنهم، وهَذا قَرِيبٌ مِمّا قَبْلَهُ. وقِيلَ: كانَ المُؤْمِنُونَ يَسْألُونَ الرَّسُولَ ﷺ أنْ يَسْتَغْفِرَ لِقَوْمِهِمُ المُنافِقِينَ في حَياتِهِمْ رَجاءَ أنْ يُخْلِصُوا في إيمانِهِمْ، وبَعْدَ مَماتِهِمْ رَجاءَ الغُفْرانِ، فَنَهاهُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ وأيْأسَهم مِنهُ، وقَدْ سَألَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرَّسُولَ أنْ يَسْتَغْفِرَ لِأبِيهِ رَجاءَ أنْ يُخَفَّفَ عَنْهُ. وقِيلَ: إنَّما اسْتَغْفَرَ لِقَوْمٍ مِنهم عَلى ظاهِرِ إسْلامِهِمْ مِن غَيْرِ أنْ يُحَقِّقَ خُرُوجَهم عَنِ الإسْلامِ، ورُدَّ هَذا القَوْلُ بِأنَّهُ تَعالى أخْبَرَ بِأنَّهم كَفَرُوا فَلا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّهُ غَيْرُ عالِمٍ بِكُفْرِهِمْ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: الأقْرَبُ في تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها ما ذَكَرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: أنَّ الَّذِينَ كانُوا يَلْمِزُونَ هُمُ الَّذِينَ طَلَبُوا الِاسْتِغْفارَ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ ﷺ اشْتَغَلَ بِالِاسْتِغْفارِ فَنَهاهُ عَنْهُ لِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ المُنافِقَ كافِرٌ، وقَدْ ظَهَرَ في شَرْعِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ الِاسْتِغْفارَ لِلْكافِرِ لا يَجُوزُ، فَلِهَذا السَّبَبِ أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِالِاقْتِداءِ بِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - إلّا في قَوْلِهِ: ﴿لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة: ٤] وإذا كانَ هَذا مَشْهُورًا في الشَّرْعِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ الإقْدامُ عَلَيْهِ ؟ الثّانِي: أنَّ اسْتِغْفارَ الغَيْرِ لِلْغَيْرِ لا يَنْفَعُهُ إذا كانَ ذَلِكَ الغَيْرُ مُصِرًّا عَلى القَبِيحِ والمَعْصِيَةِ. الثّالِثُ: أنَّ إقْدامَهُ عَلى الِاسْتِغْفارِ لِمُنافِقِينَ يَجْرِي مَجْرى إغْرائِهِمْ بِالإقْدامِ عَلى الذَّنْبِ. الرّابِعُ: أنَّهُ إذا كانَ لا يُجِيبُهُ بَقِيَ دُعاءُ الرَّسُولِ مَرْدُودًا عِنْدَ اللَّهِ، وذَلِكَ يُوجِبُ نُقْصانَ مَنصِبِهِ ﷺ . الخامِسُ: أنَّ هَذا الدُّعاءَ لَوْ كانَ مَقْبُولًا مِنَ الرَّسُولِ لَكانَ قَلِيلُهُ مِثْلَ كَثِيرِهِ في حُصُولِ الإجابَةِ. فَثَبَتَ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الكَلامِ أنَّ القَوْمَ لَمّا طَلَبُوا مِنهُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهم مَنَعَهُ اللَّهُ مِنهُ، ولَيْسَ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذا العَدَدِ تَحْدِيدَ المَنعِ، بَلْ هو كَما يَقُولُ القائِلُ إنْ سَألَهُ حاجَةً: لَوْ سَألْتَنِي سَبْعِينَ مَرَّةً لَمْ أقْضِها لَكَ (p-٧٨)لا يُرِيدُ بِذَلِكَ أنَّهُ إذا زادَ قَضاها، فَكَذا هاهُنا. والَّذِي يُؤَكِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في الآيَةِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كَفَرُوا﴾ . فَبَيَّنَ أنَّ العِلَّةَ الَّتِي لِأجْلِها لا يَنْفَعُهُمُ اسْتِغْفارُ الرَّسُولِ لَهم، وإنْ بَلَغَ سَبْعِينَ مَرَّةً - هي كُفْرُهم وفِسْقُهم. وهَذا المَعْنى قائِمٌ في الزِّيادَةِ عَلى السَّبْعِينَ، فَصارَ هَذا القَلِيلُ شاهِدًا بِأنَّ المُرادَ إزالَةُ الطَّمَعِ أنْ يَنْفَعَهُمُ اسْتِغْفارُ الرَّسُولِ مَعَ إصْرارِهِمْ عَلى كُفْرِهِمْ، ويُؤَكِّدُ: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ . والمَعْنى: أنَّ فِسْقَهم مانِعٌ مِنَ الهِدايَةِ، فَثَبَتَ أنَّ الحَقَّ ما ذَكَرْناهُ. وقالَ الأزْهَرِيُّ في جَماعَةٍ مِن أهْلِ اللُّغَةِ: السَّبْعُونَ هُنا جَمْعُ السَّبْعَةِ المُسْتَعْمَلَةِ لِلْكَثْرَةِ، لا السَّبْعَةِ الَّتِي فَوْقَ السِّتَّةِ. انْتَهى. والعَرَبُ تَسْتَكْثِرُ في الآحادِ بِالسَّبْعَةِ، وفي العَشَراتِ بِالسَّبْعِينَ، وفي المِئِينَ بِسَبْعِمِائَةٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والسَّبْعُونَ جارٍ مَجْرى المَثَلِ في كَلامِهِمْ لِلتَّكْثِيرِ. قالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: ؎لَأُصَبِّحَنَّ العاصِ وابْنَ العاصِي ∗∗∗ سَبْعِينَ ألْفًا عاقِدِي النَّواصِي قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأمّا تَمْثِيلُهُ بِالسَّبْعِينَ دُونَ غَيْرِها مِنَ الأعْدادِ فَلِأنَّهُ عَدَدٌ، كَثِيرًا ما يَجِيءُ غايَةً ومُقْنِعًا في الكَثْرَةِ. ألا تَرى إلى القَوْمِ الَّذِينَ اخْتارَهم مُوسى، وإلى أصْحابِ العَقَبَةِ ؟ وقَدْ قالَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ: إنَّ التَّصْرِيفَ الَّذِي يَكُونُ مِنَ السِّينِ والباءِ والعَيْنِ هو شَدِيدُ الأمْرِ مِن ذَلِكَ السَّبْعَةِ، فَإنَّها عَدَدٌ مُقْنِعٌ، هي في السَّماواتِ وفي الأرْضِ، وفي خَلْقِ الإنْسانِ، وفي بَدَنِهِ، وفي أعْضائِهِ الَّتِي بِها يُطِيعُ اللَّهَ، وبِها يَعْصِيهِ، وبِها تَرْتِيبُ أبْوابِ جَهَنَّمَ فِيما ذَكَرَ بَعْضُ النّاسِ، وهي: عَيْناهُ، وأُذُناهُ، وأسْنانُهُ، وبَطْنُهُ، وفَرْجُهُ، ويَداهُ، ورِجْلاهُ. وفي سِهامِ المَيْسِرِ، وفي الأقالِيمِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، ومِن ذَلِكَ السَّبْعِ العُبُوسُ، والعَنْبَسُ، ونَحْوُ هَذا مِنَ القَوْلِ. انْتَهى. واسْتَدَلَّ القائِلُونَ بِدَلِيلِ الخِطابِ وأنَّ التَّخْصِيصَ بِالعَدَدِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الحُكْمَ فِيما وراءَ ذَلِكَ بِخِلافِهِ - بِما رَوِيَ أنَّهُ قالَ: «واللَّهِ لَأزِيدَنَّ عَلى السَّبْعِينَ» ولَمْ يَنْصَرِفْ حَتّى نَزَلَ: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهم لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦] فَكَفَّ عَنْهُ. قِيلَ: ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا الِاسْتِدْلالُ بِالعَكْسِ أوْلى؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ لا يَغْفِرُ لَهُمُ ألْبَتَّةَ ثَبَتَ أنَّ الحالَ فِيما وراءَ العَدَدِ مُساوٍ لِلْحالِ في العَدَدِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّقْيِيدَ بِالعَدَدِ لا يُوجِبُ أنْ يَكُونَ الحَكَمُ فِيما رَآهُ بِخِلافِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ خَفِيَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو أفْصَحُ العَرَبِ وأخْبَرُهم بِأسالِيبِ الكَلامِ وتَمْثِيلاتِهِ، والَّذِي يُفْهَمُ مِن ذِكْرِ هَذا العَدَدِ كَثْرَةُ الِاسْتِغْفارِ، كَيْفَ وقَدْ تَلاهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كَفَرُوا﴾ الآيَةَ، فَبَيَّنَ الصّارِفَ عَنِ المَغْفِرَةِ لَهم حَتّى قالَ: «رَخَّصَ لِي رَبِّي فَأزِيدُ عَلى السَّبْعِينَ» ؟ قُلْتُ: لَمْ يَخْفِ عَلَيْهِ ذَلِكَ، ولَكِنَّهُ خُيِّلَ بِما قالَ إظْهارًا لِغايَةِ رَحْمَتِهِ ورَأْفَتِهِ عَلى مَن بُعِثَ إلَيْهِ كَما قالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] وفي إظْهارِ النَّبِيِّ ﷺ الرَّأْفَةَ والرَّحْمَةَ لُطْفٌ لِأُمَّتِهِ، ودُعاءٌ لَهم إلى تَرَحُّمِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ. انْتَهى. وفي هَذا السُّؤالِ والجَوابِ غَضٌّ مِن مَنصِبِ النُّبُوَّةِ، وسُوءُ أدَبٍ عَلى الأنْبِياءِ، ونِسْبَتُهُ إلَيْهِمْ ما لا يَلِيقُ بِهِمْ. وإذا كانَ ﷺ يَقُولُ: «لَمْ يَكُنْ لِنَبِيٍّ خائِنَةُ الأعْيُنِ» أوْ كَما قالَ، وهي الإشارَةُ، فَكَيْفَ يَكُونُ لَهُ النُّطْقُ بِشَيْءٍ عَلى سَبِيلِ التَّحْيِيلِ ؟ حاشا مَنصِبَ الأنْبِياءِ عَنْ ذَلِكَ، ولَكِنَّ هَذا الرَّجُلَ مُسَرِّحُ الألْفاظِ في حَقِّ الأنْبِياءِ بِما لا يَلِيقُ بِحالِهِمْ، ولَقَدْ تَكَلَّمَ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] بِكَلامٍ في حَقِّ الرَّسُولِ نَزَّهْتُ كِتابِي هَذا أنْ أنْقُلَهُ فِيهِ، واللَّهَ تَعالى يَعْصِمُنا مِنَ الزَّلَلِ في القَوْلِ والعَمَلِ، ذَلِكَ إشارَةٌ إلى انْتِفاءِ الغُفْرانِ وتَبْيِينُ العِلَّةِ المُوجِبَةِ لِذَلِكَ، وانْتِفاءُ هِدايَةِ اللَّهِ الفاسِقِينَ هو لِلَّذِينَ حَتَمَ لَهم بِذَلِكَ، فَهو عامٌّ مَخْصُوصٌ.