Lafzullah

Al-Bahr Al-Muhit — يونس 10:48 – يونس 10:72

المؤلف / المصدر: Al-Bahr Al-Muhit

المحتويات
  1. يونس 10:48
  2. يونس 10:49
  3. يونس 10:50
  4. يونس 10:51
  5. يونس 10:52
  6. يونس 10:53
  7. يونس 10:54
  8. يونس 10:55
  9. يونس 10:56
  10. يونس 10:57
  11. يونس 10:58
  12. يونس 10:59
  13. يونس 10:60
  14. يونس 10:61
  15. يونس 10:62
  16. يونس 10:63
  17. يونس 10:64
  18. يونس 10:65
  19. يونس 10:66
  20. يونس 10:67
  21. يونس 10:68
  22. يونس 10:69
  23. يونس 10:70
  24. يونس 10:71
  25. يونس 10:72

يونس 10:48

﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾: لَمّا نَفى تَعالى أنْ يَكُونَ القُرْآنُ مُفْتَرًى، بَلْ جاءَ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكُتُبِ وبَيانًا لِما فِيها، ذَكَرَ أعْظَمَ دَلِيلٍ عَلى أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ وهو الإعْجازُ الَّذِي اشْتَمَلَ عَلَيْهِ، فَأبْطَلَ بِذَلِكَ دَعْواهُمُ افْتِراءَهُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ مُشْبَعًا في البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ﴾ [البقرة: ٢٣] الآيَةَ. وأمْ مُتَضَمِّنَةٌ مَعْنى بَلْ، والهَمْزَةُ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، أيْ: أيَقُولُونَ اخْتَلَقَهُ. والهَمْزَةُ تَقْرِيرٌ لِالتِزامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، أوْ إنْكارٌ لِقَوْلِهِمْ واسْتِبْعادٌ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: أمْ هَذِهِ بِمَنزِلَةِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أمْ بِمَعْنى الواوِ، ومَجازُهُ: ويَقُولُونَ افْتَراهُ. وقِيلَ: المِيمُ صِلَةٌ، والتَّقْدِيرُ: أيَقُولُونَ. وقِيلَ: أمْ هي المُعادِلَةُ لِلْهَمْزَةِ، وحُذِفَتِ الجُمْلَةُ قَبْلَها والتَّقْدِيرُ: أيُقِرُّونَ بِهِ أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ ؟ . وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ قُلْ فَأْتُوا جُمْلَةَ شَرْطٍ مَحْذُوفَةً فَقالَ: قُلْ إنْ كانَ الأمْرُ كَما تَزْعُمُونَ فَأْتُوا أنْتُمْ عَلى وجْهِ الِافْتِراءِ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ، فَأنْتُمْ مِثْلُهُ في العَرَبِيَّةِ والفَصاحَةِ والألْمَعِيَّةِ، فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ شَبِيهَةٍ بِهِ في البَلاغَةِ وحُسْنِ النَّظْمِ، انْتَهى. والضَّمِيرُ في مِثْلِهِ عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، أيْ: بِسُورَةٍ مُماثِلَةٍ لِلْقُرْآنِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ لَنا فِيما وقَعَ بِهِ الإعْجازُ. وقَرَأ عَمْرُو بْنُ قائِدٍ ﴿بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ عَلى الإضافَةِ أيْ: بِسُورَةِ كِتابٍ أوْ كَلامٍ مِثْلِهِ، أيْ: مِثْلِ القُرْآنِ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: هَذا مِمّا حُذِفَ المَوْصُوفُ مِنهُ وأُقِيمَتِ الصِّفَةُ مَقامَهُ، أيْ: بِصُورَةِ بَشَرٍ مِثْلِهِ، فالهاءُ في ذَلِكَ واقِعَةٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ وفي العامَّةِ إلى القُرْآنِ. وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَدْعُوهُ مِن خَلْقِ اللَّهِ إلى الِاسْتِعانَةِ عَلى الإتْيانِ بِمِثْلِهِ مِن دُونِ اللَّهِ، أيْ: مِن غَيْرِ اللَّهِ، لِأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ أحَدٌ إلّا اللَّهُ، فَلا تَسْتَعِينُوهُ وحْدَهُ، واسْتَعِينُوا بِكُلِّ مَن دُونَهُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في أنَّهُ افْتَراهُ. وقَدْ تَمَسَّكَ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى خَلْقِ القُرْآنِ، قالُوا: لِأنَّهُ تَحَدّى بِهِ وطَلَبَ الإتْيانَ بِمِثْلِهِ وعَجَزُوا، ولا يُمْكِنُ هَذا إلّا إذا كانَ الإتْيانُ بِمِثْلِهِ صَحِيحَ الوُجُودِ في الجُمْلَةِ، ولَوْ كانَ قَدِيمًا لَكانَ الإتْيانُ بِمِثْلِ القَدِيمِ مُحالًا في نَفْسِ الأمْرِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَصِحَّ التَّحَدِّي بِهِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: مَراتِبُ التَّحَدِّي بِالقُرْآنِ سِتٌّ: تَحَدٍّ بِكُلِّ القُرْآنِ في: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ﴾ [الإسراء: ٨٨] الآيَةَ، وتَحَدٍّ بِعَشْرِ سُوَرٍ، وتَحَدٍّ بِسُورَةٍ واحِدَةٍ، وتَحَدٍّ بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور: ٣٤] وفي هَذِهِ الأرْبَعِ طَلَبَ أنْ يُعارِضَ رَجُلٌ يُساوِي الرَّسُولَ في عَدَمِ التَّتَلْمُذِ والتَّعْلِيمِ، وتَحِدٍّ طَلَبَ مِنهم مُعارَضَةَ سُورَةٍ واحِدَةٍ مِن أيِّ إنْسانٍ كانَ، تَعَلَّمَ العُلُومَ أوْ لَمْ يَتَعَلَّمْها، وفي هَذِهِ المَراتِبِ الخَمْسِ تَحَدّى كُلَّ واحِدٍ مِنَ الخَلْقِ، وتَحِدٍّ طَلَبَ مِنَ المَجْمُوعِ اسْتِعانَةَ بَعْضٍ بِبَعْضٍ، انْتَهى مُلَخَّصًا. ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (بَلْ كَذَّبُوا)، بَلْ سارَعُوا إلى التَّكْذِيبِ بِالقُرْآنِ، وفاجَؤُوهُ في بَدِيهَةِ السَّماعِ قَبْلَ أنْ يَفْهَمُوهُ ويَعْلَمُوا كُنْهَ أمْرِهِ، وقَبْلَ أنْ يَتَدَبَّرُوهُ ويَفْقَهُوا تَأْوِيلَهُ ومَعانِيَهُ، وذَلِكَ لِفَرْطِ نُفُورِهِمْ عَمّا يُخالِفُ دِينَهَمْ، وشِرادِهِمْ عَنْ مُفارَقَةِ دِينِ آبائِهِمْ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا اللَّفْظُ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يُرِيدَ بِما: الوَعِيدُ الَّذِي تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ عَلى الكُفْرِ، وتَأْوِيلُهُ عَلى هَذا يُرِيدُ بِهِ ما يَئُولُ إلَيْهِ أمْرُهُ، كَما هو في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف: ٥٣] والآيَةُ مَحْمِلُها عَلى هَذا التَّأْوِيلِ يَتَضَمَّنُ وعِيدًا، والمَعْنى الثّانِي: أنَّهُ أرادَ بَلْ كَذَّبُوا بِهَذا القُرْآنِ العَظِيمِ المُنْبِئِ بِالغُيُوبِ الَّذِي لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهم بِهِ مَعْرِفَةٌ، ولا أحاطُوا بِمَعْرِفَةِ غُيُوبِهِ وحُسْنِ نَظْمِهِ، ولا جاءَهم تَفْسِيرُ ذَلِكَ وبَيانُهُ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: يَحْتَمِلُ وجُوهًا، الأوَّلُ: كُلَّما سَمِعُوا شَيْئًا مِنَ القَصَصِ قالُوا ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] ولَمْ يَعْرِفُوا أنَّ المَقْصُودَ مِنها لَيْسَ نَفْسَ الحِكايَةِ (p-١٥٩)بَلْ قُدْرَتُهُ تَعالى عَلى التَّصَرُّفِ في هَذا العالَمِ، ونَقْلِهِ أهْلَهُ مِن عِزٍّ إلى ذُلٍّ، ومِن ذُلٍّ إلى عِزٍّ، وبِفَناءِ الدُّنْيا، فَيَعْتَبِرُ بِذَلِكَ. وأنَّ ذَلِكَ القَصَصَ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ، إذْ أعْلَمَ بِذَلِكَ عَلى لِسانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن غَيْرِ تَحْرِيفٍ مَعَ كَوْنِهِ لَمْ يَتَعَلَّمْ ولَمْ يَتَتَلْمَذْ. الثّانِي: كُلَّما سَمِعُوا حُرُوفَ التَّهَجِّي ولَمْ يَفْهَمُوا مِنها شَيْئًا ساءَ ظَنُّهم، وقَدْ أجابَ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ﴾ [آل عمران: ٩٧] الآيَةَ. الثّالِثُ: ظُهُورُ القُرْآنِ شَيْئًا فَشَيْئًا، فَساءَ ظَنُّهم وقالُوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢] وقَدْ أجابَ تَعالى وشَرَحَ في مَكانِهِ. الرّابِعُ القُرْآنُ مَمْلُوءٌ مِنَ الحَشْرِ، وكانُوا ألِفُوا المَحْسُوساتِ، فاسْتَبْعَدُوا حُصُولَ الحَياةِ بَعْدَ المَوْتِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ صِحَّةَ المَعادِ بِالدَّلائِلِ الكَثِيرَةِ. الخامِسُ: أنَّهُ مَمْلُوءٌ مِنَ الأمْرِ بِالعِباداتِ، وكانُوا يَقُولُونَ: إلَهُ العالَمِ غَنِيٌّ عَنْ طاعَتِنا، وهو أجَلُّ أنْ يَأْمُرَنا بِما لا فائِدَةَ لَهُ فِيهِ. وأجابَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ﴾ [الإسراء: ٧] الآيَةَ، وبِالجُمْلَةِ فَشُبَهُ الكُفّارِ كَثِيرَةٌ، فَلَمّا رَأوُا القُرْآنَ مُشْتَمِلًا عَلى أُمُورٍ ما عَرَفُوا حَقِيقَتَها ولا اطَّلَعُوا عَلى وجْهِ الحِكْمَةِ فِيها كَذَّبُوا بِالقُرْآنِ فَقَوْلُهُ: بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ، إشارَةٌ إلى عَدَمِ عِلْمِهِمْ بِهَذِهِ الأشْياءِ وقَوْلُهُ: ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ، إشارَةٌ إلى عَدَمِ جُهْدِهِمْ واجْتِهادِهِمْ في طَلَبِ أسْرارِ ما تَضَمَّنَهُ القُرْآنُ، انْتَهى مُلَخَّصًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما مَعْنى التَّوَقُّعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ؟ (قُلْتُ): مَعْناهُ أنَّهم كَذَّبُوا بِهِ عَلى البَدِيهَةِ قَبْلَ التَّدَبُّرِ، ومَعْرِفَةِ التَّأْوِيلِ تَقْلِيدًا لِلْآباءِ، وكَذَّبُوهُ بَعْدَ التَّدَبُّرِ تَمَرُّدًا وعِنادًا فَذَمَّهم بِالتَّسَرُّعِ إلى التَّكْذِيبِ قَبْلَ العِلْمِ بِهِ، وجاءَ بِكَلِمَةِ التَّوَقُّعِ لِيُؤْذِنَ أنَّهم عَلِمُوا بَعْدَ عُلُوِّ شَأْنِهِ وإعْجازِهِ لَمّا كَرَّرَ عَلَيْهِمُ التَّحَدِّيَ ورازُوا قُواهم في المُعارَضَةِ، واسْتَيْقَنُوا عَجْزَهم عَنْ مَثَلِهِ، فَكَذَّبُوا بِهِ بَغْيًا وحَسَدًا، انْتَهى. ويَحْتاجُ كَلامُهُ هَذا إلى نَظَرٍ. وقالَ أيْضًا: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ، ولَمّا يَأْتِهِمْ بَعْدُ تَأْوِيلُ ما فِيهِ مِنَ الإخْبارِ بِالغُيُوبِ، أيْ: عاقِبَتُهُ، حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أكَذِبٌ هو أمْ صِدْقٌ ؟ يَعْنِي: أنَّهُ كِتابٌ مُعْجِزٌ مِن جِهَتَيْنِ: مِن جِهَةِ إعْجازِ نَظْمِهِ، ومِن جِهَةِ ما فِيهِ مِنَ الإخْبارِ بِالغُيُوبِ. فَتَسَرَّعُوا إلى التَّكْذِيبِ بِهِ قَبْلَ أنْ يَنْظُرُوا في نَظْمِهِ وبُلُوغِهِ حَدَّ الإعْجازِ، وقَبْلَ أنْ يُخْبَرُوا إخْبارَهُ بِالمَغِيباتِ وصِدْقَهُ وكَذِبَهُ، انْتَهى. وبَقِيَتْ جُمْلَةُ الإحاطَةِ بِلَمْ، وجُمْلَةُ إتْيانِ التَّأْوِيلِ بِلَمّا، ويُحْتاجُ في ذَلِكَ إلى فَرْقٍ دَقِيقٍ. والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، يَعْنِي: قَبْلَ النَّظَرِ في مُعْجِزاتِ الأنْبِياءِ وقَبْلَ تَدَبُّرِها مِن غَيْرِ إنْصافٍ مِن أنْفُسِهِمْ، ولَكِنْ قَلَّدُوا الآباءَ وعانَدُوا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قالَ الزُّجاجُ: كَيْفَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى خَبَرِ كانَ، لا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ انْظُرْ، لِأنَّ ما قَبْلَ الِاسْتِفْهامِ لا يَعْمَلُ فِيهِ، هَذا قانُونُ النَّحْوِيِّينَ لِأنَّهم عامَلُوا كَيْفَ في كُلِّ مَكانٍ مُعامَلَةَ الِاسْتِفْهامِ المَحْضِ. في قَوْلِكَ: كَيْفَ زَيْدٌ ؟ ولِكَيْفَ تَصَرُّفاتٌ غَيْرُ هَذا تَحُلُّ مَحَلَّ المَصْدَرِ الَّذِي هو كَيْفِيَّةٌ، ويَنْخَلِعُ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ، ويَحْتَمِلُ هَذا المَوْضِعُ أنْ يَكُونَ مِنها، ومِن تَصَرُّفاتِها قَوْلُهم: كُنْ كَيْفَ شِئْتَ، وانْظُرْ قَوْلَ البُخارِيِّ: كَيْفَ كانَ بَدْءُ الوَحْيِ، فَإنَّهُ لَمْ (p-١٦٠)يَسْتَقِمْ، انْتَهى. وقَوْلُ الزَّجّاجِ: لا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ انْظُرْ، وتَعْلِيلُهُ: يُرِيدُ لا يَجُوزُ أنْ تَعْمَلَ فِيهِ انْظُرْ لَفْظًا، لَكِنَّ الجُمْلَةَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لانْظُرْ مُعَلَّقَةً، وهي مِن نَظَرِ القَلْبِ. وقَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ: هَذا قانُونُ النَّحْوِيِّينَ إلى آخِرِ تَعْلِيلِهِ، لَيْسَ كَما ذَكَرَ، بَلْ لِكَيْفَ مَعْنَيانِ: أحَدُهُما: الِاسْتِفْهامُ المَحْضُ، وهو سُؤالٌ عَنِ الهَيْئَةِ، إلّا أنْ تُعَلِّقَ عَنْها العامِلَ فَمَعْناها مَعْنى الأسْماءِ الَّتِي يُسْتَفْهَمُ بِها إذا عُلِّقَ عَنْها العامِلُ. والثّانِي: الشَّرْطُ. لِقَوْلِ العَرَبِ: كَيْفَ تَكُونُ أكُونُ، وقَوْلُهُ: ولِكَيْفَ تَصَرُّفاتٌ إلى آخِرِهِ، لَيْسَ كَيْفَ تَحُلُّ مَحَلَّ المَصْدَرِ، ولا لَفْظُ كَيْفِيَّةٍ هو مَصْدَرٌ، إنَّما ذَلِكَ نِسْبَةٌ إلى كَيْفَ. وقَوْلُهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا المَوْضِعُ مِنها ومِن تَصَرُّفاتِها، قَوْلُهم: كُنْ كَيْفَ شِئْتَ، لا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنها، لِأنَّهُ لَمْ يُثْبِتْ لَها المَعْنى الَّذِي ذَكَرَ مِن كَوْنِ كَيْفَ بِمَعْنى كَيْفِيَّةٍ وادِّعاءِ مَصْدَرِ كَيْفِيَّةٍ. وأمّا كُنْ كَيْفَ شِئْتَ، فَكَيْفَ لَيْسَتْ بِمَعْنى كَيْفِيَّةٍ، وإنَّما هي شَرْطِيَّةٌ وهو المَعْنى الثّانِي الَّذِي لَها. وجَوابُها مَحْذُوفٌ التَّقْدِيرُ: كَيْفَ شِئْتَ فَكُنْ، كَما تَقُولُ: قُمْ مَتى شِئْتَ، فَمَتى اسْمُ شَرْطٍ ظَرْفٌ لا يَعْمَلُ فِيهِ قُمْ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: مَتى شِئْتَ فَقُمْ، وحُذِفَ الجَوابُ لِدِلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِمُ: اضْرِبْ زَيْدًا إنْ أساءَ إلَيْكَ، التَّقْدِيرُ: إنْ أساءَ إلَيْكَ فاضْرِبْهُ، وحُذِفَ فاضْرِبْهُ لِدِلالَةِ اضْرِبِ المُتَقَدِّمِ عَلَيْهِ. وأمّا قَوْلُ البُخارِيِّ: كَيْفَ كانَ بَدْءُ الوَحْيِ ؟ فَهو اسْتِفْهامٌ مَحْضٌ، إمّا عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ كَأنَّ قائِلًا سَألَهُ فَقالَ: كَيْفَ كانَ بَدْءُ الوَحْيِ ؟ فَأجابَ بِالحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ كَيْفِيَّةُ ذَلِكَ. والظّالِمِينَ: الظّاهِرُ أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ مَن عادَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ بَلْ كَذَّبُوا. ﴿ومِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ ورَبُّكَ أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ﴾: الظّاهِرُ أنَّهُ إخْبارٌ بِأنَّ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ مَن سَيُؤْمِنُ بِهِ وهو مَن سَبَقَتْ لَهُ السَّعادَةُ، ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ فَيُوافى عَلى الكُفْرِ. وقِيلَ: هو تَقْسِيمٌ في الكُفّارِ الباقِينَ عَلى كُفْرِهِمْ، فَمِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ باطِنًا ويَعْلَمُ أنَّهُ حَقٌّ ولَكِنَّهُ كَذَّبَ عِنادًا، ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ لا باطِنًا ولا ظاهِرًا، إمّا لِسُرْعَةِ تَكْذِيبِهِ وكَوْنِهِ لَمْ يَتَدَبَّرْهُ، وإمّا لِكَوْنِهِ نَظَرَ فِيهِ فَعارَضَتْهُ الشُّبُهاتُ ولَيْسَ عِنْدَهُ مِنَ الفَهْمِ ما يَدْفَعُها. وفِيهِ تَفْرِيقُ كَلِمَةِ الكُفّارِ، وأنَّهم لَيْسُوا مُسْتَوِينَ في اعْتِقاداتِهِمْ، بَلْ هم مُضْطَرِبُونَ وإنْ شَمِلَهُمُ التَّكْذِيبُ والكُفْرُ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ومِنهم عائِدٌ عَلى أهْلِ الكِتابِ، والظّاهِرُ عَوْدُهُ عَلى مَن عادَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ أمْ يَقُولُونَ، وتَعَلُّقُ العِلْمَ بِالمُفْسِدِينَ وحْدَهم تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ لَهم. ﴿وإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكم أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾: أيْ وإنْ تَمادَوْا عَلى تَكْذِيبِكَ فَتَبَرَّأْ مِنهم قَدْ أعْذَرْتَ وبَلَّغْتَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٦] ومَعْنى لِي عَمَلِي، أيْ: جَزاءُ عَمَلِي ولَكم جَزاءُ عَمَلِكم. ومَعْنى عَمَلِي الصّالِحُ المُشْتَمِلُ عَلى الإيمانِ والطّاعَةِ، ولَكم عَمَلُكُمُ المُشْتَمِلُ عَلى الشِّرْكِ والعِصْيانِ. والظّاهِرُ أنَّها آيَةُ مُنابَذَةٍ لَهم ومُوادَعَةٍ، وضَمَّنَها الوَعِيدَ كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] السُّورَةَ. وقِيلَ: المَقْصُودُ بِذَلِكَ اسْتِمالَتُهم وتَأْلِيفُ قُلُوبِهِمْ. وقالَ قَوْمٌ مِنهُمُ ابْنُ زَيْدٍ: هي مَنسُوخَةٌ بِالقِتالِ لِأنَّها مَكِّيَّةٌ، وهو قَوْلُ: مُجاهِدٍ والكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ. وقالَ المُحَقِّقُونَ: لَيْسَتْ بِمَنسُوخَةٍ، ومَدْلُولُها اخْتِصاصُ كُلِّ واحِدٍ بِأفْعالِهِ، وثَمَراتِها مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، ولَمْ تَرْفَعْ آيَةُ السَّيْفِ شَيْئًا مِن هَذا. وبَدَأ في المَأْمُورِ بِقَوْلِهِ: لِي عَمَلِي لِأنَّهُ آكَدُ في الِانْتِفاءِ مِنهم وفي البَراءَةِ بِقَوْلِهِ: أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ، لِأنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ جاءَتْ كالتَّوْكِيدِ والتَّتْمِيمِ لِما قَبْلَها، فَناسَبَ أنْ تَلِيَ قَوْلَهُ: ولَكم عَمَلُكم. ولِمُراعاةِ الفَواصِلِ، إذْ لَوْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ بَراءَةٍ كَما تَقَدَّمَ ذِكْرُ لِي عَمَلِي لَمْ تَقَعِ الجُمْلَةُ فاصِلَةً، إذْ كانَ يَكُونُ التَّرْكِيبُ وأنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ. (p-١٦١)﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ ولَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿ومِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ أفَأنْتَ تَهْدِي العُمْيَ ولَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا ولَكِنَّ النّاسَ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتِ الآيَتانِ في النَّضْرِ بْنِ الحَرْثِ وغَيْرِهِ مِنَ المُسْتَهْزِئِينَ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: في قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ، انْتَهى. وهَذِهِ الآيَةُ فِيها تَقْسِيمُ مَن لا يُؤْمِنُ مِنَ الكُفّارِ إلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ بَعْدَ تَقْسِيمِ المُكَذِّبِينَ إلى مَن يُؤْمِنُ ومَن لا يُؤْمِنُ، والضَّمِيرُ في يَسْتَمِعُونَ عائِدٌ عَلى مَعْنى مَن، والعَوْدِ عَلى المَعْنى دُونَ العَوْدِ عَلى اللَّفْظِ في الكَثْرَةِ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الشَّياطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ﴾ [الأنبياء: ٨٢] والمَعْنى: مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ إذا قَرَأْتَ القُرْآنَ وعَلِمْتَ الشَّرائِعَ، ثُمَّ نَفى جَدْوى ذَلِكَ الِاسْتِماعِ بِقَوْلِهِ: أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ، أيْ: هم، وإنِ اسْتَمَعُوا إلَيْكَ صُمٌّ عَنْ إدْراكِ ما تُلْقِيهِ إلَيْهِمْ لَيْسَ لَهم وعْيٌ ولا قَبُولٌ، ولا سِيَّما قَدِ انْضافَ إلى الصَّمَمِ انْتِفاءُ العَقْلِ، فَجُرَّ بِمِن عَدَمُ السَّمْعِ والعَقْلِ أنْ لا يَكُونَ لَهُ إدْراكٌ لِشَيْءٍ البَتَّةَ، بِخِلافِ أنْ لَوْ كانَ الأصَمُّ عاقِلًا فَإنَّهُ بِعَقْلِهِ يَهْتَدِي إلى أشْياءَ. وأعادَ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ﴾ الضَّمِيرَ مُفْرَدًا مُذَكَّرًا عَلى لَفْظِ مَن، وهو الأكْثَرُ في لِسانِ العَرَبِ. والمَعْنى: أنَّهم عُمْيٌ فَلا تَقْدِرُ عَلى هِدايَتِهِمْ، لِأنَّ السَّبَبَ الَّذِي يُهْتَدى بِهِ إلى رُؤْيَةِ الدَّلائِلِ فَقَدْ فَقَدُوهُ، هَذا وهم مَعَ فَقْدِ البَصَرِ قَدْ فَقَدُوا البَصِيرَةَ، إذْ مَن كانَ أعْمى فَإنَّهُ مُهْدِيهِ نُورُ بَصِيرَتِهِ إلى أشْياءَ بِالحَدْسِ، وهَذا قَدْ جَمَعَ بَيْنَ فِقْدانِ البَصَرِ والبَصِيرَةِ، وهَذا مُبالَغَةٌ عَظِيمَةٌ في انْتِفاءِ قَبُولِ ما يُلْقى إلى هَؤُلاءِ، إذْ جَمَعُوا بَيْنَ الصَّمَمِ وانْتِفاءِ العَقْلِ، وبَيْنَ العَمى وفَقْدِ البَصِيرَةِ. وقَوْلُهُ: (أفَأنْتَ): تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ وأنْ لا يَكْتَرِثَ بِعَدَمِ قَبُولِهِمْ، فَإنَّ الهِدايَةَ إنَّما هي لِلَّهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: جاءَ يَنْظُرُ عَلى لَفْظِ مَن، وإذا جاءَ الفِعْلُ عَلى لَفْظِها فَجائِزٌ أنْ يُعْطَفَ عَلَيْهِ آخَرُ عَلى المَعْنى، وإذا جاءَ أوَّلًا عَلى مَعْناها فَلا يَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ عَلَيْهِ بِآخَرَ عَلى اللَّفْظِ، لِأنَّ الكَلامَ يُلْبَسُ حِينَئِذٍ، انْتَهى. ولَيْسَ كَما قالَ، بَلْ يَجُوزُ أنْ تُراعِي المَعْنى أوَّلًا فَتُعِيدَ الضَّمِيرَ عَلى حَسَبِ ما تُرِيدُ مِنَ المَعْنى مِن تَأْنِيثٍ وتَثْنِيَةٍ وجَمْعٍ، ثُمَّ تُراعِي اللَّفْظَ فَتُعِيدُ الضَّمِيرَ مُفْرَدًا مُذَكَّرًا، وفي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ ذُكِرَ في عِلْمِ النَّحْوِ. والمَقْصُودُ مِنَ الآيَتَيْنِ: إعْلامُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ قَدِ انْتَهَوْا في النَّفْرَةِ والعَداوَةِ، والبُغْضِ الشَّدِيدِ في رُتْبَةِ مَن لا يَنْفَعُ فِيهِ عِلاجٌ البَتَّةَ، لِأنَّ مَن كانَ أصَمَّ أحْمَقَ وأعْمى فاقِدَ البَصِيرَةِ لا يُمْكِنُ ذَلِكَ أنْ يَقِفَ عَلى مَحاسِنِ الكَلامِ وما انْطَوى عَلَيْهِ مِنَ الإعْجازِ، ولا يُمْكِنُ هَذا أنْ يَرى ما أجْرى اللَّهُ عَلى يَدَيْ رَسُولِهِ مِنَ الخَوارِقِ، فَقَدْ أيِسَ مِن هِدايَةِ هَؤُلاءِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎وإذا خَفِيتُ عَلى الغَبِيَّ فَعاذِرٌ أنْ لا تَرانِي مُقْلَةٌ عَمْياءُ ولَمّا ذَكَرَ تَعالى هَؤُلاءِ الأشْقِياءَ، ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ لا يَظْلِمُهم شَيْئًا، إذْ قَدْ أزاحَ عِلَلَهم بِبِعْثَةِ الرُّسُلِ وتَحْذِيرِهِمْ مِن عِقابِهِ، ولَكِنَّهم ظالِمُوا أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ والتَّكْذِيبِ. واحْتَمَلَ هَذا النَّفْيُ لِلظُّلْمِ أنْ يَكُونَ في (p-١٦٢)الدُّنْيا، أيْ: لا يَظْلِمُهم شَيْئًا مِن مَصالِحِهِمْ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ في الآخِرَةِ وأنَّ ما يَلْحَقُهم مِنَ العِقابِ هو عَدْلٌ مِنهُ، لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ تَسَبَّبُوا فِيهِ بِاكْتِسابِ ذُنُوبِهِمْ كَما قَدَّرَ تَعالى عَلَيْهِمْ: لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ. وتَقَدَّمَ خِلافُ القُرّاءِ في (ولَكِنَّ النّاسَ) مِن تَشْدِيدِ النُّونِ ونَصْبِ النّاسِ وتَخْفِيفِها والرَّفْعِ. (ويَوْمَ يَحْشُرُهم كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهم قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وما كانُوا مُهْتَدِينَ): قَرَأ الأعْمَشُ وحَفْصٌ: يَحْشُرُهم بِالياءِ راجِعًا الضَّمِيرَ غائِبًا عائِدًا عَلى اللَّهِ، إذْ تَقَدَّمَ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا﴾ ولَمّا ذَكَرَ أُولَئِكَ الأشْقِياءَ أتْبَعَهُ بِالوَعِيدِ ووَصْفِ حالِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، والمَعْنى: كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا في الدُّنْيا أوْ في القُبُورِ، يَعْنِي: فَقَلِيلٌ لُبْثُهم، وذَلِكَ لِهَوْلِ ما يُعايِنُونَ مِن شَدائِدِ القِيامَةِ، أوْ لِطُولِ يَوْمِ القِيامَةِ ووُقُوفِهِمْ لِلْحِسابِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رَأوْا أنَّ طُولَ أعْمارِهِمْ في مُقابَلَةِ الخُلُودِ كَساعَةٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَوْمَ ظَرْفٌ، ونَصْبُهُ يَصِحُّ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ. ويَصِحُّ أنْ يَنْتَصِبَ بِالفِعْلِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ: كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ، ويَصِحُّ نَصْبُهُ بِيَتَعارَفُونَ، والكافُ مِن قَوْلِهِ: كَأنْ، يَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِلْيَوْمِ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَعْتٍ لِلْمَصْدَرِ كَأنَّهُ قالَ: ويَوْمَ نَحْشُرُهم حَشْرًا كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في نَحْشُرُهم، انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: ويَصِحُّ أنْ يَنْتَصِبَ بِالفِعْلِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا فَإنَّهُ كَلامٌ مُجْمَلٌ لَمْ يُبَيِّنِ الفِعْلَ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا، ولَعَلَّهُ أرادَ ما قالَهُ الحَوْفِيُّ: مِن أنَّ الكافَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِما تَضَمَّنَتْ مِن مَعْنى الكَلامِ وهو السُّرْعَةُ، انْتَهى. فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ويَوْمَ نَحْشُرُهم يُسْرِعُونَ كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا، وأمّا قَوْلُهُ: والكافُ مِن قَوْلِهِ كَأنْ، يَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِلْيَوْمِ، فَلا يَصِحُّ لِأنَّ يَوْمَ نَحْشُرُهم مَعْرِفَةٌ، والجُمَلُ نَكِراتٌ، ولا تُنْعَتُ المَعْرِفَةُ بِالنَّكِرَةِ. لا يُقالُ: إنَّ الجُمَلَ الَّذِي يُضافُ إلَيْها أسْماءُ الزَّمانِ نَكِرَةٌ عَلى الإطْلاقِ، لِأنَّها إنْ كانَتْ في التَّقْدِيرِ تُنْحَلُ إلى مَعْرِفَةٍ، فَإنَّ ما أُضِيفَ إلَيْها يَتَعَرَّفُ وإنْ كانَتْ تُنْحَلُ إلى نَكِرَةٍ كانَ ما أُضِيفَ إلَيْها نَكِرَةً، تَقُولُ: مَرَرْتُ في يَوْمِ قَدِمَ زَيْدٌ الماضِي، فَتَصِفُ يَوْمَ بِالمَعْرِفَةِ، وجِئْتُ لَيْلَةَ قَدِمَ زَيْدٌ المُبارَكَةُ عَلَيْنا. وأيْضًا فَكَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْيَوْمِ مِن (p-١٦٣)جِهَةِ المَعْنى، لِأنَّ ذَلِكَ مِن وصْفِ المَحْشُورِينَ لا مِن وصْفِ يَوْمِ حَشْرِهِمْ. وقَدْ تَكَلَّفَ بَعْضُهم تَقْدِيرَ مَحْذُوفٍ بِرَبْطٍ فَقَدَّرَهُ: كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا قَبْلَهُ، فَحُذِفَ قَبْلَهُ، أيْ قَبْلَ اليَوْمِ، وحَذْفُ مِثْلِ هَذا الرّابِطِ لا يَجُوزُ. فالظّاهِرُ أنَّها جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن مَفْعُولِ نَحْشُرُهم كَما قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ آخِرًا، وكَذا أعْرَبَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وأبُو البَقاءِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا ويَتَعارَفُونَ كَيْفَ مَوْقِعُهُما ؟ (قُلْتُ): أمّا الأُولى فَحالٌ مِنهم، أيْ: نَحْشُرُهم مُشَبَّهِينَ بِمَن لَمْ يَلْبَثْ إلّا ساعَةً. وأمّا الثّانِيَةُ فَإمّا أنْ تَتَعَلَّقَ بِالظَّرْفِ يَعْنِي: فَتَكُونُ حالًا، وإمّا أنْ تَكُونَ مُبَيِّنَةً لِقَوْلِهِ: كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً، لِأنَّ التَّعارُفَ يَبْقى مَعَ طُولِ العَهْدِ ويَنْقَلِبُ تَناكُرًا، انْتَهى. وقالَ الحَوْفِيُّ: يَتَعارَفُونَ فِعْلٌ مُسْتَقْبَلٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في يَلْبَثُوا وهو العامِلُ، كَأنَّهُ قالَ: مُتَعارِفِينَ، المَعْنى: اجْتَمَعُوا مُتَعارِفِينَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الهاءِ والمِيمِ في نَحْشُرُهم وهو العامِلُ، انْتَهى. وأمّا قَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لِلْمَصْدَرِ، كَأنَّهُ قالَ: ويَوْمَ نَحْشُرُهم حَشْرًا كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا، فَقَدْ حَكاهُ أبُو البَقاءِ فَقالَ: وقِيلَ هو نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ حَشْرًا كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا قَبْلَهُ، انْتَهى. وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ حَذْفَ مِثْلِ هَذا الرّابِطِ لا يَجُوزُ. وجَوَّزُوا في يَتَعارَفُونَ أنْ يَكُونَ حالًا عَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الخِلافِ في ذِي الحالِ والعامِلِ فِيها، وأنْ يَكُونَ جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً، أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يَقَعُ التَّعارُفُ بَيْنَهم. وقالَ الكَلْبِيُّ: يَعْرِفُ بَعْضُهم بَعْضًا كَمَعْرِفَتِهِمْ في الدُّنْيا إذا خَرَجُوا مِن قُبُورِهِمْ، وهو تَعارُفُ تَوْبِيخٍ وافْتِضاحٍ، يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أنْتَ أضْلَلْتَنِي وأغْوَيْتَنِي، ولَيْسَ تَعارُفَ شَفَقَةٍ وعَطْفٍ، ثُمَّ تَنْقَطِعُ المَعْرِفَةُ إذا عايَنُوا أهْوالَ القِيامَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج: ١٠] ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ [المعارج: ١١] . وقِيلَ: يُعَرِّفُ بَعْضُهم بَعْضًا ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الخَطَأِ والكُفْرِ. وقالَ الضَّحّاكُ: تَعارَفُ تَعاطُفِ المُؤْمِنِينَ، والكافِرُونَ لا أنْسابَ بَيْنَهم. وقِيلَ: القِيامَةُ مُواطِنُ، فَفي مَوْطِنٍ يَتَعارَفُونَ وفي مَوْطِنٍ لا يَتَعارَفُونَ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ إلى آخِرِهِ: جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، أخْبَرَ تَعالى بِخُسْرانِ المُكَذِّبِينَ بِلِقائِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو اسْتِئْنافٌ فِيهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما أخْسَرَهم. وقالَ أيْضًا: وابْتَدَأ بِهِ قَدْ خَسِرَ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، أيْ: يَتَعارَفُونَ بَيْنَهم قائِلِينَ ذَلِكَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقِيلَ إنَّهُ إخْبارُ المَحْشُورِينَ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ لِأنْفُسِهِمْ، انْتَهى. وهَذا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ كَقَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ: يَتَعارَفُونَ بَيْنَهم قائِلِينَ ذَلِكَ، وأنْ يَكُونَ كَقَوْلِ غَيْرِهِ: نَحْشُرُهم قائِلِينَ قَدْ خَسِرَ، فاحْتَمَلَ هَذا المُقَدَّرُ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لَيَتَعارَفُونَ، وأنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِنَحْشُرُهم، ونَبَّهَ عَلى العِلَّةِ المُوجِبَةِ لِلْخُسْرانِ وهو التَّكْذِيبُ بِلِقاءِ اللَّهِ. ﴿وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾: الظّاهِرُ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: قَدْ خَسِرَ، فَيَكُونُ مِن كَلامِ المَحْشُورِينَ إذا قُلْنا: إنَّ قَوْلَهُ قَدْ خَسِرَ مِن كَلامِهِمْ، أخْبَرُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ بِخُسْرانِهِمْ في الآخِرَةِ وبِانْتِفاءِ هِدايَتِهِمْ في الدُّنْيا. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى صِلَةِ الَّذِينَ، أيْ: كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ، وانْتَفَتْ هِدايَتُهم في الدُّنْيا. ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ كالتَّوْكِيدِ بِجُمْلَةِ الصِّلَةِ، لِأنَّ مَن كَذَّبَ بِلِقاءِ اللَّهِ هو غَيْرُ مُهْتَدٍ. وقِيلَ: وما كانُوا مُهْتَدِينَ إلى غايَةِ مَصالِحِ التِّجارَةِ. وقِيلَ: لِلْإيمانِ. وقِيلَ: في عِلْمِ اللَّهِ، بَلْ هم مِمَّنْ حَتَّمَ ضَلالَهم وقَضى بِهِ. ﴿وإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإلَيْنا مَرْجِعُهم ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾: إمّا هي إنِ الشَّرْطِيَّةُ، زِيدَ عَلَيْها ما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، ولِأجْلِها جازَ دُخُولُ النُّونِ الثَّقِيلَةِ. ولَوْ كانَتْ إنْ وحْدَها لَمْ يَجُزِ، انْتَهى. يَعْنِي أنَّ دُخُولَ النُّونِ لِلتَّأْكِيدِ إنَّما يَكُونُ (p-١٦٤)مَعَ زِيادَةِ ما بَعْدَ إنْ، وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ مُخالِفٌ لِظاهِرِ كَلامِ سِيبَوَيْهِ. قالَ ابْنُ خَرُوفٍ: أجازَ سِيبَوَيْهِ الإتْيانَ بِما، وأنْ لا يُؤْتى بِها، والإتْيانَ بِالنُّونِ مَعَ ما وأنْ لا يُؤْتى بِها، والإراءَةُ هُنا بَصَرِيَّةٌ، ولِذَلِكَ تَعَدّى الفِعْلُ إلى اثْنَيْنِ، والكافُ خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ . وبَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم يَعْنِي: مِنَ العَذابِ في الدُّنْيا. وقَدْ أراهُ اللَّهُ تَعالى أنْواعًا مِن عَذابِ الكُفّارِ في الدُّنْيا، قَتْلًا وأسْرًا ونَهْبًا لِلْأمْوالِ وسَبْيًا لِلذَّرارِي وضَرْبَ جِزْيَةٍ، وتَشْتِيتَ شَمْلٍ بِالجَلاءِ إلى غَيْرِ بِلادِهِمْ، وما يَحْصُلُ لَهم في الآخِرَةِ أعْظَمُ، لِأنَّهُ العَذابُ الدّائِمُ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ. والظّاهِرُ أنَّ جَوابَ الشَّرْطِ هو قَوْلُهُ: فَإلَيْنا مَرْجِعُهم، وكَذا قالَهُ الحَوْفِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ الوَعِيدُ بِالرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَبارَكَ وتَعالى، أيْ: إنْ أرَيْناكَ عُقُوبَتَهم أوْ لَمْ نُرِكَها فَهم عَلى كُلِّ حالٍ راجِعُونَ إلَيْنا إلى الحِسابِ والعَذابِ، ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ اللَّهُ شَهِيدٌ مِن أوَّلِ تَكْلِيفِهِمْ عَلى جَمِيعِ أعْمالِهِمْ. فَثُمَّ هاهُنا لِتَرْتِيبِ الأخْبارِ، لا لِتَرْتِيبِ القَصَصِ في أنْفُسِها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإلَيْنا مَرْجِعُهم جَوابُ نَتَوَفَّيَنَّكَ، وجَوابُ نُرِيَنَّكَ مَحْذُوفٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: وإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم فَذاكَ، أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قَبْلَ أنْ نُرِيَكَهُ، فَنَحْنُ نُرِيكَ في الآخِرَةِ، انْتَهى. فَجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ الكَلامَ شَرْطَيْنِ لَهُما جَوابانِ، ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ جَوابٍ مَحْذُوفٍ، لِأنَّ قَوْلَهُ: فَإلَيْنا مَرْجِعُهم صالِحٌ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِلشَّرْطِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ. وأيْضًا فَقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: فَذاكَ هو اسْمٌ مُفْرَدٌ لا يَنْعَقِدُ مِنهُ جَوابُ شَرْطٍ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يَأْتِيَ بِجُمْلَةٍ يَتَّضِحُ مِنها جَوابُ الشَّرْطِ، إذْ لا يُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ فَذاكَ الجُزْءُ الَّذِي حُذِفَ المُتَحَصِّلُ بِهِ فائِدَةُ الإسْنادِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ثَمَّ اللَّهُ بِفَتْحِ الثّاءِ، أيْ: هُنالِكَ. ومَعْنى شَهادَةِ اللَّهِ عَلى ما يَفْعَلُونَ مُقْتَضاها ونَتِيجَتُها وهو العِقابُ، كَأنَّهُ قالَ: ثُمَّ اللَّهُ مُعاقِبُهم، وإلّا فَهو تَعالى شَهِيدٌ عَلى أفْعالِهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّهُ تَعالى مُؤَدٍّ شَهادَتَهُ عَلى أفْعالِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ حَتّى تَنْطِقَ جُلُودُهم، وألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم شاهِدَةً عَلَيْهِمْ. ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإذا جاءَ رَسُولُهم قُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾: لَمّا بَيَّنَ حالَ الرَّسُولِ ﷺ في قَوْمِهِ بَيَّنَ حالَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ أقْوامِهِمْ، تَسْلِيَةً لَهُ وتَطْمِينًا لِقَلْبِهِ. ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى ما أهْمَلَ أُمَّةً، بَلْ بَعَثَ إلَيْها رَسُولًا كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنْ مِن أُمَّةٍ إلّا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] وقَوْلُهُ: ﴿فَإذا جاءَ رَسُولُهُمْ﴾، إمّا أنْ يَكُونَ إخْبارًا عَنْ حالَةٍ ماضِيَةٍ فَيَكُونُ ذَلِكَ في الدُّنْيا، ويَكُونُ المَعْنى: أنَّهُ بَعَثَ إلى كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا يَدْعُوهم إلى دِينِ اللَّهِ ويُنَبِّئُهم عَلى تَوْحِيدِهِ، فَلَمّا جاءَهم بِالبَيِّناتِ كَذَّبُوهُ، فَقُضِيَ بَيْنَهم، أيْ: بَيْنَ الرَّسُولِ وأُمَّتِهِ، فَأنْجى الرَّسُولَ وعُذِّبَ المُكَذِّبُونَ. وإمّا أنْ يَكُونَ عَلى حالَةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ، أيْ: فَإذا جاءَهم رَسُولُهم يَوْمَ القِيامَةِ لِلشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ قُضِيَ بَيْنَهم، أيْ: بَيْنَ الأُمَّةِ بِالعَدْلِ، فَصارَ قَوْمٌ إلى الجَنَّةِ وقَوْمٌ إلى النّارِ، فَهَذا هو القَضاءُ بَيْنَهم، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ. ويَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ وقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ [الزمر: ٦٩] . ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾: الضَّمِيرُ في ويَقُولُونَ، عائِدٌ عَلى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ ومَن تابَعَهم مِن مُنْكِرِي الحَشْرِ، اسْتَعْجَلُوا بِما وُعِدُوا بِهِ مِنَ العَذابِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِبْعادِ، أوْ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِخْفافِ، ولِذَلِكَ قالُوا: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، أيْ: لَسْتُمْ صادِقِينَ فِيما وعَدْتُمْ بِهِ فَلا يَقَعُ شَيْءٌ مِنهُ. وقَوْلُهم: هَذا يَشْهَدُ لِلْقَوْلِ الأوَّلِ في الآيَةِ قَبْلَها، وأنَّها حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ. وأنَّ مَعْنى ذَلِكَ: فَإذا جاءَهُمُ الرَّسُولُ وكَذَّبُوهُ قُضِيَ بَيْنَهم في الدُّنْيا، وأنَّ كُلَّ رَسُولٍ وعَدَ أُمَّتَهُ بِالعَذابِ في الدُّنْيا إنْ هي كَذَّبَتْ. (p-١٦٥)﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا إلّا ما شاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ إذا جاءَ أجَلُهم فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾: لَمّا التَمَسُوا تَعْجِيلَ العَذابِ أوْ تَعْجِيلَ السّاعَةِ، أمَرَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَقُولَ لَهم: لَيْسَ ذَلِكَ إلَيَّ، بَلْ ذَلِكَ إلى اللَّهِ تَعالى. وإذا كُنْتُ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا فَكَيْفَ أمْلِكُهُ لِغَيْرِي ؟ أوْ كَيْفَ أطَّلِعُ عَلى ما لَمْ يُطْلِعْنِي عَلَيْهِ اللَّهُ ؟ ولَكِنْ لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ انْفَرَدَ بِعِلْمِهِ تَعالى. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ قَوْلِهِ ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ في الأعْرافِ. وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ: آجالُهم عَلى الجَمْعِ. وإلّا ما شاءَ اللَّهُ ظاهِرُهُ أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ أمْلِكَهُ وأقْدِرَ عَلَيْهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، أيْ: ولَكِنْ ما شاءَ اللَّهُ مِن ذَلِكَ كائِنٌ، فَكَيْفَ أمْلِكُ لَكُمُ الضَّرَرَ وجَلْبَ العَذابِ. ولِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ، أيْ: إنَّ عَذابَكم لَهُ أجَلٌ مَضْرُوبٌ عِنْدَ اللَّهِ. ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ بَياتًا أوْ نَهارًا ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ﴾ ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ آلْآنَ وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ (p-١٦٦)تَقَدَّمَ الكَلامُ في أرَأيْتُمْ في سُورَةِ الأنْعامِ، وقَرَّرْنا هُناكَ أنَّ العَرَبَ تُضَمِّنُ أرَأيْتَ مَعْنى أخْبِرْنِي، وأنَّها تَتَعَدّى إذْ ذاكَ إلى مَفْعُولَيْنِ، وأنَّ المَفْعُولَ الثّانِي أكْثَرُ ما يَكُونُ جُمْلَةَ اسْتِفْهامٍ، يَنْعَقِدُ مِنها ما قَبْلَها مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ كَقَوْلِ العَرَبِ: أرَأيْتَ زَيْدًا ما صَنَعَ ؟ المَعْنى: أخْبِرْنِي عَنْ زَيْدٍ ما صَنَعَ. وقَبْلَ دُخُولِ أرَأيْتَ كانَ الكَلامُ: زَيْدٌ ما صَنَعَ ؟ وإذا تَقَرَّرَ هَذا فَأرَأيْتُمْ هُنا المَفْعُولُ الأوَّلُ لَها مَحْذُوفٌ، والمَسْألَةُ مِن بابِ الإعْمالِ. تَنازَعَ أرَأيْتَ وإنْ أتاكم عَلى قَوْلِهِ: عَذابُهُ، فَأُعْمِلَ الثّانِي إذْ هو المُخْتارُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، وهو الَّذِي ورَدَ بِهِ السَّماعُ أكْثَرَ مِن إعْمالِ الأوَّلِ. فَلَمّا أُعْمِلِ الثّانِي حُذِفَ مِنَ الأوَّلِ ولَمْ يُضْمَرْ، لِأنَّ إضْمارَهُ مُخْتَصٌّ بِالشِّعْرِ، أوْ قَلِيلٌ في الكَلامِ عَلى اخْتِلافِ النَّحْوِيِّينَ في ذَلِكَ. والمَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: أخْبِرُونِي عَنْ عَذابِ اللَّهِ إنْ أتاكم، أيُّ شَيْءٍ تَسْتَعْجِلُونَ مِنهُ، ولَيْسَ شَيْءٌ مِنَ العَذابِ يَسْتَعْجِلُهُ عاقِلٌ، إذِ العَذابُ كُلُّهُ مُرُّ المَذاقِ مُوجِبٌ لِنِفارِ الطَّبْعِ مِنهُ، فَتَكُونُ جُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ جاءَتْ عَلى سَبِيلِ التَّلَطُّفِ بِهِمْ، والتَّنْبِيهِ لَهم أنَّ العَذابَ لا يَنْبَغِي أنْ يَسْتَعْجِلَ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ جاءَتْ عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ والتَّهْوِيلِ لِلْعَذابِ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ شَدِيدٍ تَسْتَعْجِلُونَ مِنهُ ؟ أيْ: ما أشَدَّ وأهْوَلَ ما تَسْتَعْجِلُونَ مِنَ العَذابِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: الرُّؤْيَةُ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ الَّتِي بِمَعْنى العِلْمِ، لِأنَّها داخِلَةٌ عَلى الجُمْلَةِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ ومَعْناها التَّقْرِيرُ. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: أرَأيْتُمْ ما تَسْتَعْجِلُ مِنَ العَذابِ المُجْرِمُونَ إنْ أتاكم عَذابُهُ، انْتَهى. فَظاهِرُ كَلامِ الحَوْفِيِّ: أنَّ أرَأيْتُمْ باقِيَةٌ عَلى مَوْضُوعِها الأوَّلِ لَمْ تُضَمَّنْ مَعْنى أخْبِرُونِي، وأنَّها بِمَعْنى أعَلِمْتُمْ، وأنَّ جُمْلَةَ الِاسْتِفْهامِ سَدَّتْ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ، وأنَّهُ اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَّقْرِيرُ، ولَمْ يُبَيِّنِ الحَوْفِيُّ ما يُفِيدُ جَوابَ الشَّرْطِ المَحْذُوفَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): بِمَ يَتَعَلَّقُ الِاسْتِفْهامُ ؟ وأيْنَ جَوابُ الشَّرْطِ ؟ (قُلْتُ): تَعَلَّقَ بِأرَأيْتُمْ، لِأنَّ المَعْنى: أخْبِرُونِي ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ وهو: تَنْدَمُوا عَلى الِاسْتِعْجالِ وتَعْرِفُوا الخَطَأ فِيهِ، انْتَهى. وما قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرُ سائِغٍ، لِأنَّهُ لا يُقَدِّرُ الجَوابَ إلّا مِمّا تَقَدَّمَهُ لَفْظًا أوْ تَقْدِيرًا تَقُولُ: أنْتَ ظالِمٌ إنْ فَعَلْتَ، فالتَّقْدِيرُ إنْ فَعَلْتَ فَأنْتَ ظالِمٌ. وكَذَلِكَ ﴿وإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٧٠] (p-١٦٧)التَّقْدِيرُ: إنْ شاءَ اللَّهُ نَهْتَدِ. فالَّذِي يُسَوِّغُ أنْ يُقَدَّرَ: إنْ أتاكم عَذابُهُ فَأخْبِرُونِي ماذا يَسْتَعْجِلُ ؟ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ اعْتِراضًا، والمَعْنى: إنْ أتاكم عَذابُهُ أآمَنتُمْ بِهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ حِينَ لا يَنْفَعُكُمُ الإيمانُ ؟ انْتَهى. أمّا تَجْوِيزُهُ أنْ يَكُونَ ماذا جَوابًا لِلشَّرْطِ فَلا يَصِحُّ، لِأنَّ جَوابَ الشَّرْطِ إذا كانَ اسْتِفْهامًا فَلا بُدَّ فِيهِ مِنَ الفاءِ، تَقُولُ: إنْ زارَنا فُلانٌ فَأيُّ رَجُلٍ هو، وإنْ زارَنا فُلانٌ فَأيُّ يَدٍ لَهُ بِذَلِكَ، ولا يَجُوزُ حَذْفُها إلّا إنْ كانَ في ضَرُورَةٍ، والمِثالُ الَّذِي ذَكَرَهُ وهو: إنْ أتَيْتُكَ ماذا تُطْعِمُنِي ؟ هو مِن تَمْثِيلِهِ، لا مِن كَلامِ العَرَبِ. وأمّا قَوْلُهُ: ثُمَّ تَتَعَلَّقُ الجُمْلَةُ بِأرَأيْتُمْ، إنْ عُنِيَ بِالجُمْلَةِ: ماذا يَسْتَعْجِلُ ؟ فَلا يَصِحُّ ذَلِكَ لِأنَّهُ قَدْ جَعَلَها جَوابًا لِلشَّرْطِ، وإنْ عُنِيَ بِالجُمْلَةِ جُمْلَةُ الشَّرْطِ فَقَدْ فَسَّرَ هو أرَأيْتُمْ بِمَعْنى: أخْبِرْنِي، وأخْبِرْنِي تَطْلُبُ مُتَعَلِّقًا مَفْعُولًا، ولا تَقَعُ جُمْلَةُ الشَّرْطِ مَوْقِعَ مَفْعُولِ أخْبِرْنِي. وأمّا تَجْوِيزُهُ أنْ يَكُونَ ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ﴾ جَوابَ الشَّرْطِ، وماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ اعْتِراضًا فَلا يَصِحُّ أيْضًا، لِما ذَكَرْناهُ مِن أنَّ جُمْلَةَ الِاسْتِفْهامِ لا تَقَعُ جَوابًا لِلشَّرْطِ إلّا ومَعَها فاءُ الجَوابِ. وأيْضًا فَثُمَّ هُنا وهي حَرْفُ عَطْفٍ، تَعْطِفُ الجُمْلَةَ الَّتِي بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، فالجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ مَعْطُوفَةٌ، وإذا كانَتْ مَعْطُوفَةً لَمْ يَصِحَّ أنْ تَقَعَ جَوابَ شَرْطٍ. وأيْضًا فَأرَأيْتُمْ بِمَعْنى أخْبِرْنِي تَحْتاجُ إلى مَفْعُولٍ، ولا تَقَعُ جُمْلَةُ الشَّرْطِ مَوْقِعَهُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في قَوْلِهِ: (بَياتًا) في الأعْرافِ مَدْلُولًا وإعْرابًا. والمَعْنى إنْ أتاكم عَذابُهُ وأنْتُمْ ساهُونَ غافِلُونَ، إمّا بِنَوْمٍ وإمّا بِاشْتِغالٍ بِالمَعاشِ والكَسْبِ، وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ: (بَغْتَةً) لِأنَّ العَذابَ إذا فاجَأ مِن غَيْرِ شُعُورٍ بِهِ كانَ أشَدَّ وأصْعَبَ، بِخِلافِ أنْ يَكُونَ قَدِ اسْتَعَدَّ لَهُ وتَهَيَّأ لِحُلُولِهِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَياتًا وهم نائِمُونَ﴾ [الأعراف: ٩٧] ﴿ضُحًى وهم يَلْعَبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٨] . ويَجُوزُ في ماذا أنْ يَكُونَ ما مُبْتَدَأً وذا خَبَرَهُ، وهو بِمَعْنى الَّذِي ويَسْتَعْجِلُ صِلَتُهُ، وحُذِفَ الضَّمِيرُ العائِدُ عَلى المَوْصُولِ، التَّقْدِيرُ: أيُّ شَيْءٍ يَسْتَعْجِلُهُ مِنَ العَذابِ المُجْرِمُونَ. ويَجُوزُ في ماذا أنْ يَكُونَ كُلُّهُ مَفْعُولًا كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ شَيْءٍ يَسْتَعْجِلُهُ مِنَ العَذابِ المُجْرِمُونَ. وقَدْ جَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ ماذا كُلُّهُ مُبْتَدَأً، وخَبَرُهُ الجُمْلَةُ بَعْدَهُ. وضَعَّفَهُ أبُو عَلِيٍّ لِخُلُوِّ الجُمْلَةِ مِن ضَمِيرٍ يَعُودُ عَلى المُبْتَدَأِ. والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في مِنهُ عَلى العَذابِ، وبِهِ يَحْصُلُ الرَّبْطُ لِجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِ بِمَفْعُولِ أرَأيْتُمُ المَحْذُوفِ الَّذِي هو مُبْتَدَأٌ في الأصْلِ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى اللَّهِ تَعالى. والمُجْرِمُونَ هُمُ المُخاطَبُونَ في قَوْلِهِ: أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم. ونَبَّهَ عَلى الوَصْفِ المُوجِبِ لِتَرْكِ الِاسْتِعْجالِ وهو الإجْرامُ، لِأنَّ مِن حَقِّ المُجْرِمِ أنْ يَخافَ التَّعْذِيبَ عَلى إجْرامِهِ، ويَهْلَكَ فَزَعًا مِن مَجِيئِهِ وإنْ أبْطَأ، فَكَيْفَ يَسْتَعْجِلُهُ ؟ وثُمَّ حَرْفُ عَطْفٍ وتَقَدَّمَتْ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ عَلَيْها كَما تَقَدَّمَتْ عَلى الواوِ والفاءِ في: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ [يوسف: ١٠٩] وفي ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا﴾ [الروم: ٩] وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ. وخِلافُ الزَّمَخْشَرِيِّ لِلْجَماعَةِ في دَعْواهُ أنَّ بَيْنَ الهَمْزَةِ وحَرْفِ العَطْفِ جُمْلَةً مَحْذُوفَةً عُطِفَتْ عَلَيْها الجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَ حَرْفِ العَطْفِ. وقالَ الطَّبَرِيُّ في قَوْلِهِ: أثُمَّ بِضَمِّ الثّاءِ، أنَّ مَعْناهُ أهُنالِكَ قالَ: ولَيْسَتْ ثُمَّ هَذِهِ الَّتِي تَأْتِي بِمَعْنى العَطْفِ، انْتَهى. وما قالَهُ الطَّبَرِيُّ مِن أنَّ ثُمَّ هُنا لَيْسَتْ لِلْعَطْفِ دَعْوى، وأمّا قَوْلُهُ: إنَّ المَعْنى أهُنالِكَ، فالَّذِي يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَفْسِيرُ مَعْنًى، لا أنَّ ثُمَّ المَضْمُومَةَ الثّاءِ مَعْناها مَعْنى هُنالِكَ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: أثَمَّ بِفَتْحِ الثّاءِ، وهَذا يُناسِبُهُ تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ أهُنالِكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: آلْآنَ عَلى الِاسْتِفْهامِ بِالمَدِّ، وكَذا: آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ. وقَرَأ طَلْحَةُ والأعْرَجُ: بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ بِغَيْرِ مَدٍّ، وهو عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أيْ قِيلَ لَهم إذا آمَنُوا بَعْدَ وُقُوعِ العَذابِ: آلْآنَ آمَنتُمْ بِهِ، فالنّاصِبُ لِقَوْلِهِ: آلْآنَ هو آمَنتُمْ بِهِ وهو مَحْذُوفٌ، قِيلَ: تَقُولُ لَهم ذَلِكَ المَلائِكَةُ، وقِيلَ: اللَّهُ، والِاسْتِفْهامُ عَلى طَرِيقِ التَّوْبِيخِ. وفِي كِتابِ اللَّوامِحِ عِيسى البَصْرِيُّ وطَلْحَةُ: آمَنتُمْ بِهِ الآنَ بِوَصْلِ الهَمْزَةِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ، بَلْ عَلى الخَبَرِ، فَيَكُونُ نَصْبُهُ عَلى الظَّرْفِ مِن آمَنتُمْ بِهِ المَذْكُورِ. وأمّا في العامَّةِ فَنَصْبُهُ (p-١٦٨)بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ آمَنتُمْ بِهِ المَذْكُورُ، لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ قَدْ أخَذَ صَدْرَ الكَلامِ، فَيَمْنَعُ ما قَبْلُهُ أنْ يَعْمَلَ فِيما بَعْدَهُ، انْتَهى. وقَدْ كُنْتُمْ جُمْلَةً حالِيَّةً. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ يَعْنِي تُكَذِّبُونَ، لِأنَّ اسْتِعْجالَكم كانَ عَلى جِهَةِ التَّكْذِيبِ والإنْكارِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَسْتَعْجِلُونَ مُكَذِّبِينَ بِهِ. ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾: أيْ تَقُولُ لَهم خَزَنَةُ جَهَنَّمَ هَذا الكَلامَ. والظُّلْمُ ظُلْمُ الكُفْرِ لا ظُلْمُ المَعْصِيَةِ، لِأنَّ مَن دَخَلَ النّارَ مِن عُصاةِ المُؤْمِنِينَ لا يَخْلُدُ فِيها. وثُمَّ قِيلَ عَطْفٌ عَلى المُضْمَرِ قَبْلَ آلْآنَ. ومَن قَرَأ بِوَصْلِ ألَّفِ الآنَ فَهو اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَمّا يُقالُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ، وهَلْ تُجْزَوْنَ: تَوْبِيخٌ لَهم وتَوْضِيحٌ أنَّ الجَزاءَ هو عَلى كَسْبِ العَبْدِ.

يونس 10:49

﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾: لَمّا نَفى تَعالى أنْ يَكُونَ القُرْآنُ مُفْتَرًى، بَلْ جاءَ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكُتُبِ وبَيانًا لِما فِيها، ذَكَرَ أعْظَمَ دَلِيلٍ عَلى أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ وهو الإعْجازُ الَّذِي اشْتَمَلَ عَلَيْهِ، فَأبْطَلَ بِذَلِكَ دَعْواهُمُ افْتِراءَهُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ مُشْبَعًا في البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ﴾ [البقرة: ٢٣] الآيَةَ. وأمْ مُتَضَمِّنَةٌ مَعْنى بَلْ، والهَمْزَةُ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، أيْ: أيَقُولُونَ اخْتَلَقَهُ. والهَمْزَةُ تَقْرِيرٌ لِالتِزامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، أوْ إنْكارٌ لِقَوْلِهِمْ واسْتِبْعادٌ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: أمْ هَذِهِ بِمَنزِلَةِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أمْ بِمَعْنى الواوِ، ومَجازُهُ: ويَقُولُونَ افْتَراهُ. وقِيلَ: المِيمُ صِلَةٌ، والتَّقْدِيرُ: أيَقُولُونَ. وقِيلَ: أمْ هي المُعادِلَةُ لِلْهَمْزَةِ، وحُذِفَتِ الجُمْلَةُ قَبْلَها والتَّقْدِيرُ: أيُقِرُّونَ بِهِ أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ ؟ . وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ قُلْ فَأْتُوا جُمْلَةَ شَرْطٍ مَحْذُوفَةً فَقالَ: قُلْ إنْ كانَ الأمْرُ كَما تَزْعُمُونَ فَأْتُوا أنْتُمْ عَلى وجْهِ الِافْتِراءِ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ، فَأنْتُمْ مِثْلُهُ في العَرَبِيَّةِ والفَصاحَةِ والألْمَعِيَّةِ، فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ شَبِيهَةٍ بِهِ في البَلاغَةِ وحُسْنِ النَّظْمِ، انْتَهى. والضَّمِيرُ في مِثْلِهِ عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، أيْ: بِسُورَةٍ مُماثِلَةٍ لِلْقُرْآنِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ لَنا فِيما وقَعَ بِهِ الإعْجازُ. وقَرَأ عَمْرُو بْنُ قائِدٍ ﴿بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ عَلى الإضافَةِ أيْ: بِسُورَةِ كِتابٍ أوْ كَلامٍ مِثْلِهِ، أيْ: مِثْلِ القُرْآنِ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: هَذا مِمّا حُذِفَ المَوْصُوفُ مِنهُ وأُقِيمَتِ الصِّفَةُ مَقامَهُ، أيْ: بِصُورَةِ بَشَرٍ مِثْلِهِ، فالهاءُ في ذَلِكَ واقِعَةٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ وفي العامَّةِ إلى القُرْآنِ. وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَدْعُوهُ مِن خَلْقِ اللَّهِ إلى الِاسْتِعانَةِ عَلى الإتْيانِ بِمِثْلِهِ مِن دُونِ اللَّهِ، أيْ: مِن غَيْرِ اللَّهِ، لِأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ أحَدٌ إلّا اللَّهُ، فَلا تَسْتَعِينُوهُ وحْدَهُ، واسْتَعِينُوا بِكُلِّ مَن دُونَهُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في أنَّهُ افْتَراهُ. وقَدْ تَمَسَّكَ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى خَلْقِ القُرْآنِ، قالُوا: لِأنَّهُ تَحَدّى بِهِ وطَلَبَ الإتْيانَ بِمِثْلِهِ وعَجَزُوا، ولا يُمْكِنُ هَذا إلّا إذا كانَ الإتْيانُ بِمِثْلِهِ صَحِيحَ الوُجُودِ في الجُمْلَةِ، ولَوْ كانَ قَدِيمًا لَكانَ الإتْيانُ بِمِثْلِ القَدِيمِ مُحالًا في نَفْسِ الأمْرِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَصِحَّ التَّحَدِّي بِهِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: مَراتِبُ التَّحَدِّي بِالقُرْآنِ سِتٌّ: تَحَدٍّ بِكُلِّ القُرْآنِ في: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ﴾ [الإسراء: ٨٨] الآيَةَ، وتَحَدٍّ بِعَشْرِ سُوَرٍ، وتَحَدٍّ بِسُورَةٍ واحِدَةٍ، وتَحَدٍّ بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور: ٣٤] وفي هَذِهِ الأرْبَعِ طَلَبَ أنْ يُعارِضَ رَجُلٌ يُساوِي الرَّسُولَ في عَدَمِ التَّتَلْمُذِ والتَّعْلِيمِ، وتَحِدٍّ طَلَبَ مِنهم مُعارَضَةَ سُورَةٍ واحِدَةٍ مِن أيِّ إنْسانٍ كانَ، تَعَلَّمَ العُلُومَ أوْ لَمْ يَتَعَلَّمْها، وفي هَذِهِ المَراتِبِ الخَمْسِ تَحَدّى كُلَّ واحِدٍ مِنَ الخَلْقِ، وتَحِدٍّ طَلَبَ مِنَ المَجْمُوعِ اسْتِعانَةَ بَعْضٍ بِبَعْضٍ، انْتَهى مُلَخَّصًا. ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (بَلْ كَذَّبُوا)، بَلْ سارَعُوا إلى التَّكْذِيبِ بِالقُرْآنِ، وفاجَؤُوهُ في بَدِيهَةِ السَّماعِ قَبْلَ أنْ يَفْهَمُوهُ ويَعْلَمُوا كُنْهَ أمْرِهِ، وقَبْلَ أنْ يَتَدَبَّرُوهُ ويَفْقَهُوا تَأْوِيلَهُ ومَعانِيَهُ، وذَلِكَ لِفَرْطِ نُفُورِهِمْ عَمّا يُخالِفُ دِينَهَمْ، وشِرادِهِمْ عَنْ مُفارَقَةِ دِينِ آبائِهِمْ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا اللَّفْظُ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يُرِيدَ بِما: الوَعِيدُ الَّذِي تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ عَلى الكُفْرِ، وتَأْوِيلُهُ عَلى هَذا يُرِيدُ بِهِ ما يَئُولُ إلَيْهِ أمْرُهُ، كَما هو في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف: ٥٣] والآيَةُ مَحْمِلُها عَلى هَذا التَّأْوِيلِ يَتَضَمَّنُ وعِيدًا، والمَعْنى الثّانِي: أنَّهُ أرادَ بَلْ كَذَّبُوا بِهَذا القُرْآنِ العَظِيمِ المُنْبِئِ بِالغُيُوبِ الَّذِي لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهم بِهِ مَعْرِفَةٌ، ولا أحاطُوا بِمَعْرِفَةِ غُيُوبِهِ وحُسْنِ نَظْمِهِ، ولا جاءَهم تَفْسِيرُ ذَلِكَ وبَيانُهُ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: يَحْتَمِلُ وجُوهًا، الأوَّلُ: كُلَّما سَمِعُوا شَيْئًا مِنَ القَصَصِ قالُوا ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] ولَمْ يَعْرِفُوا أنَّ المَقْصُودَ مِنها لَيْسَ نَفْسَ الحِكايَةِ (p-١٥٩)بَلْ قُدْرَتُهُ تَعالى عَلى التَّصَرُّفِ في هَذا العالَمِ، ونَقْلِهِ أهْلَهُ مِن عِزٍّ إلى ذُلٍّ، ومِن ذُلٍّ إلى عِزٍّ، وبِفَناءِ الدُّنْيا، فَيَعْتَبِرُ بِذَلِكَ. وأنَّ ذَلِكَ القَصَصَ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ، إذْ أعْلَمَ بِذَلِكَ عَلى لِسانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن غَيْرِ تَحْرِيفٍ مَعَ كَوْنِهِ لَمْ يَتَعَلَّمْ ولَمْ يَتَتَلْمَذْ. الثّانِي: كُلَّما سَمِعُوا حُرُوفَ التَّهَجِّي ولَمْ يَفْهَمُوا مِنها شَيْئًا ساءَ ظَنُّهم، وقَدْ أجابَ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ﴾ [آل عمران: ٩٧] الآيَةَ. الثّالِثُ: ظُهُورُ القُرْآنِ شَيْئًا فَشَيْئًا، فَساءَ ظَنُّهم وقالُوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢] وقَدْ أجابَ تَعالى وشَرَحَ في مَكانِهِ. الرّابِعُ القُرْآنُ مَمْلُوءٌ مِنَ الحَشْرِ، وكانُوا ألِفُوا المَحْسُوساتِ، فاسْتَبْعَدُوا حُصُولَ الحَياةِ بَعْدَ المَوْتِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ صِحَّةَ المَعادِ بِالدَّلائِلِ الكَثِيرَةِ. الخامِسُ: أنَّهُ مَمْلُوءٌ مِنَ الأمْرِ بِالعِباداتِ، وكانُوا يَقُولُونَ: إلَهُ العالَمِ غَنِيٌّ عَنْ طاعَتِنا، وهو أجَلُّ أنْ يَأْمُرَنا بِما لا فائِدَةَ لَهُ فِيهِ. وأجابَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ﴾ [الإسراء: ٧] الآيَةَ، وبِالجُمْلَةِ فَشُبَهُ الكُفّارِ كَثِيرَةٌ، فَلَمّا رَأوُا القُرْآنَ مُشْتَمِلًا عَلى أُمُورٍ ما عَرَفُوا حَقِيقَتَها ولا اطَّلَعُوا عَلى وجْهِ الحِكْمَةِ فِيها كَذَّبُوا بِالقُرْآنِ فَقَوْلُهُ: بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ، إشارَةٌ إلى عَدَمِ عِلْمِهِمْ بِهَذِهِ الأشْياءِ وقَوْلُهُ: ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ، إشارَةٌ إلى عَدَمِ جُهْدِهِمْ واجْتِهادِهِمْ في طَلَبِ أسْرارِ ما تَضَمَّنَهُ القُرْآنُ، انْتَهى مُلَخَّصًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما مَعْنى التَّوَقُّعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ؟ (قُلْتُ): مَعْناهُ أنَّهم كَذَّبُوا بِهِ عَلى البَدِيهَةِ قَبْلَ التَّدَبُّرِ، ومَعْرِفَةِ التَّأْوِيلِ تَقْلِيدًا لِلْآباءِ، وكَذَّبُوهُ بَعْدَ التَّدَبُّرِ تَمَرُّدًا وعِنادًا فَذَمَّهم بِالتَّسَرُّعِ إلى التَّكْذِيبِ قَبْلَ العِلْمِ بِهِ، وجاءَ بِكَلِمَةِ التَّوَقُّعِ لِيُؤْذِنَ أنَّهم عَلِمُوا بَعْدَ عُلُوِّ شَأْنِهِ وإعْجازِهِ لَمّا كَرَّرَ عَلَيْهِمُ التَّحَدِّيَ ورازُوا قُواهم في المُعارَضَةِ، واسْتَيْقَنُوا عَجْزَهم عَنْ مَثَلِهِ، فَكَذَّبُوا بِهِ بَغْيًا وحَسَدًا، انْتَهى. ويَحْتاجُ كَلامُهُ هَذا إلى نَظَرٍ. وقالَ أيْضًا: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ، ولَمّا يَأْتِهِمْ بَعْدُ تَأْوِيلُ ما فِيهِ مِنَ الإخْبارِ بِالغُيُوبِ، أيْ: عاقِبَتُهُ، حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أكَذِبٌ هو أمْ صِدْقٌ ؟ يَعْنِي: أنَّهُ كِتابٌ مُعْجِزٌ مِن جِهَتَيْنِ: مِن جِهَةِ إعْجازِ نَظْمِهِ، ومِن جِهَةِ ما فِيهِ مِنَ الإخْبارِ بِالغُيُوبِ. فَتَسَرَّعُوا إلى التَّكْذِيبِ بِهِ قَبْلَ أنْ يَنْظُرُوا في نَظْمِهِ وبُلُوغِهِ حَدَّ الإعْجازِ، وقَبْلَ أنْ يُخْبَرُوا إخْبارَهُ بِالمَغِيباتِ وصِدْقَهُ وكَذِبَهُ، انْتَهى. وبَقِيَتْ جُمْلَةُ الإحاطَةِ بِلَمْ، وجُمْلَةُ إتْيانِ التَّأْوِيلِ بِلَمّا، ويُحْتاجُ في ذَلِكَ إلى فَرْقٍ دَقِيقٍ. والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، يَعْنِي: قَبْلَ النَّظَرِ في مُعْجِزاتِ الأنْبِياءِ وقَبْلَ تَدَبُّرِها مِن غَيْرِ إنْصافٍ مِن أنْفُسِهِمْ، ولَكِنْ قَلَّدُوا الآباءَ وعانَدُوا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قالَ الزُّجاجُ: كَيْفَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى خَبَرِ كانَ، لا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ انْظُرْ، لِأنَّ ما قَبْلَ الِاسْتِفْهامِ لا يَعْمَلُ فِيهِ، هَذا قانُونُ النَّحْوِيِّينَ لِأنَّهم عامَلُوا كَيْفَ في كُلِّ مَكانٍ مُعامَلَةَ الِاسْتِفْهامِ المَحْضِ. في قَوْلِكَ: كَيْفَ زَيْدٌ ؟ ولِكَيْفَ تَصَرُّفاتٌ غَيْرُ هَذا تَحُلُّ مَحَلَّ المَصْدَرِ الَّذِي هو كَيْفِيَّةٌ، ويَنْخَلِعُ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ، ويَحْتَمِلُ هَذا المَوْضِعُ أنْ يَكُونَ مِنها، ومِن تَصَرُّفاتِها قَوْلُهم: كُنْ كَيْفَ شِئْتَ، وانْظُرْ قَوْلَ البُخارِيِّ: كَيْفَ كانَ بَدْءُ الوَحْيِ، فَإنَّهُ لَمْ (p-١٦٠)يَسْتَقِمْ، انْتَهى. وقَوْلُ الزَّجّاجِ: لا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ انْظُرْ، وتَعْلِيلُهُ: يُرِيدُ لا يَجُوزُ أنْ تَعْمَلَ فِيهِ انْظُرْ لَفْظًا، لَكِنَّ الجُمْلَةَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لانْظُرْ مُعَلَّقَةً، وهي مِن نَظَرِ القَلْبِ. وقَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ: هَذا قانُونُ النَّحْوِيِّينَ إلى آخِرِ تَعْلِيلِهِ، لَيْسَ كَما ذَكَرَ، بَلْ لِكَيْفَ مَعْنَيانِ: أحَدُهُما: الِاسْتِفْهامُ المَحْضُ، وهو سُؤالٌ عَنِ الهَيْئَةِ، إلّا أنْ تُعَلِّقَ عَنْها العامِلَ فَمَعْناها مَعْنى الأسْماءِ الَّتِي يُسْتَفْهَمُ بِها إذا عُلِّقَ عَنْها العامِلُ. والثّانِي: الشَّرْطُ. لِقَوْلِ العَرَبِ: كَيْفَ تَكُونُ أكُونُ، وقَوْلُهُ: ولِكَيْفَ تَصَرُّفاتٌ إلى آخِرِهِ، لَيْسَ كَيْفَ تَحُلُّ مَحَلَّ المَصْدَرِ، ولا لَفْظُ كَيْفِيَّةٍ هو مَصْدَرٌ، إنَّما ذَلِكَ نِسْبَةٌ إلى كَيْفَ. وقَوْلُهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا المَوْضِعُ مِنها ومِن تَصَرُّفاتِها، قَوْلُهم: كُنْ كَيْفَ شِئْتَ، لا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنها، لِأنَّهُ لَمْ يُثْبِتْ لَها المَعْنى الَّذِي ذَكَرَ مِن كَوْنِ كَيْفَ بِمَعْنى كَيْفِيَّةٍ وادِّعاءِ مَصْدَرِ كَيْفِيَّةٍ. وأمّا كُنْ كَيْفَ شِئْتَ، فَكَيْفَ لَيْسَتْ بِمَعْنى كَيْفِيَّةٍ، وإنَّما هي شَرْطِيَّةٌ وهو المَعْنى الثّانِي الَّذِي لَها. وجَوابُها مَحْذُوفٌ التَّقْدِيرُ: كَيْفَ شِئْتَ فَكُنْ، كَما تَقُولُ: قُمْ مَتى شِئْتَ، فَمَتى اسْمُ شَرْطٍ ظَرْفٌ لا يَعْمَلُ فِيهِ قُمْ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: مَتى شِئْتَ فَقُمْ، وحُذِفَ الجَوابُ لِدِلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِمُ: اضْرِبْ زَيْدًا إنْ أساءَ إلَيْكَ، التَّقْدِيرُ: إنْ أساءَ إلَيْكَ فاضْرِبْهُ، وحُذِفَ فاضْرِبْهُ لِدِلالَةِ اضْرِبِ المُتَقَدِّمِ عَلَيْهِ. وأمّا قَوْلُ البُخارِيِّ: كَيْفَ كانَ بَدْءُ الوَحْيِ ؟ فَهو اسْتِفْهامٌ مَحْضٌ، إمّا عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ كَأنَّ قائِلًا سَألَهُ فَقالَ: كَيْفَ كانَ بَدْءُ الوَحْيِ ؟ فَأجابَ بِالحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ كَيْفِيَّةُ ذَلِكَ. والظّالِمِينَ: الظّاهِرُ أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ مَن عادَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ بَلْ كَذَّبُوا. ﴿ومِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ ورَبُّكَ أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ﴾: الظّاهِرُ أنَّهُ إخْبارٌ بِأنَّ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ مَن سَيُؤْمِنُ بِهِ وهو مَن سَبَقَتْ لَهُ السَّعادَةُ، ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ فَيُوافى عَلى الكُفْرِ. وقِيلَ: هو تَقْسِيمٌ في الكُفّارِ الباقِينَ عَلى كُفْرِهِمْ، فَمِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ باطِنًا ويَعْلَمُ أنَّهُ حَقٌّ ولَكِنَّهُ كَذَّبَ عِنادًا، ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ لا باطِنًا ولا ظاهِرًا، إمّا لِسُرْعَةِ تَكْذِيبِهِ وكَوْنِهِ لَمْ يَتَدَبَّرْهُ، وإمّا لِكَوْنِهِ نَظَرَ فِيهِ فَعارَضَتْهُ الشُّبُهاتُ ولَيْسَ عِنْدَهُ مِنَ الفَهْمِ ما يَدْفَعُها. وفِيهِ تَفْرِيقُ كَلِمَةِ الكُفّارِ، وأنَّهم لَيْسُوا مُسْتَوِينَ في اعْتِقاداتِهِمْ، بَلْ هم مُضْطَرِبُونَ وإنْ شَمِلَهُمُ التَّكْذِيبُ والكُفْرُ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ومِنهم عائِدٌ عَلى أهْلِ الكِتابِ، والظّاهِرُ عَوْدُهُ عَلى مَن عادَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ أمْ يَقُولُونَ، وتَعَلُّقُ العِلْمَ بِالمُفْسِدِينَ وحْدَهم تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ لَهم. ﴿وإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكم أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾: أيْ وإنْ تَمادَوْا عَلى تَكْذِيبِكَ فَتَبَرَّأْ مِنهم قَدْ أعْذَرْتَ وبَلَّغْتَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٦] ومَعْنى لِي عَمَلِي، أيْ: جَزاءُ عَمَلِي ولَكم جَزاءُ عَمَلِكم. ومَعْنى عَمَلِي الصّالِحُ المُشْتَمِلُ عَلى الإيمانِ والطّاعَةِ، ولَكم عَمَلُكُمُ المُشْتَمِلُ عَلى الشِّرْكِ والعِصْيانِ. والظّاهِرُ أنَّها آيَةُ مُنابَذَةٍ لَهم ومُوادَعَةٍ، وضَمَّنَها الوَعِيدَ كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] السُّورَةَ. وقِيلَ: المَقْصُودُ بِذَلِكَ اسْتِمالَتُهم وتَأْلِيفُ قُلُوبِهِمْ. وقالَ قَوْمٌ مِنهُمُ ابْنُ زَيْدٍ: هي مَنسُوخَةٌ بِالقِتالِ لِأنَّها مَكِّيَّةٌ، وهو قَوْلُ: مُجاهِدٍ والكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ. وقالَ المُحَقِّقُونَ: لَيْسَتْ بِمَنسُوخَةٍ، ومَدْلُولُها اخْتِصاصُ كُلِّ واحِدٍ بِأفْعالِهِ، وثَمَراتِها مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، ولَمْ تَرْفَعْ آيَةُ السَّيْفِ شَيْئًا مِن هَذا. وبَدَأ في المَأْمُورِ بِقَوْلِهِ: لِي عَمَلِي لِأنَّهُ آكَدُ في الِانْتِفاءِ مِنهم وفي البَراءَةِ بِقَوْلِهِ: أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ، لِأنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ جاءَتْ كالتَّوْكِيدِ والتَّتْمِيمِ لِما قَبْلَها، فَناسَبَ أنْ تَلِيَ قَوْلَهُ: ولَكم عَمَلُكم. ولِمُراعاةِ الفَواصِلِ، إذْ لَوْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ بَراءَةٍ كَما تَقَدَّمَ ذِكْرُ لِي عَمَلِي لَمْ تَقَعِ الجُمْلَةُ فاصِلَةً، إذْ كانَ يَكُونُ التَّرْكِيبُ وأنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ. (p-١٦١)﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ ولَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿ومِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ أفَأنْتَ تَهْدِي العُمْيَ ولَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا ولَكِنَّ النّاسَ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتِ الآيَتانِ في النَّضْرِ بْنِ الحَرْثِ وغَيْرِهِ مِنَ المُسْتَهْزِئِينَ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: في قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ، انْتَهى. وهَذِهِ الآيَةُ فِيها تَقْسِيمُ مَن لا يُؤْمِنُ مِنَ الكُفّارِ إلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ بَعْدَ تَقْسِيمِ المُكَذِّبِينَ إلى مَن يُؤْمِنُ ومَن لا يُؤْمِنُ، والضَّمِيرُ في يَسْتَمِعُونَ عائِدٌ عَلى مَعْنى مَن، والعَوْدِ عَلى المَعْنى دُونَ العَوْدِ عَلى اللَّفْظِ في الكَثْرَةِ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الشَّياطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ﴾ [الأنبياء: ٨٢] والمَعْنى: مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ إذا قَرَأْتَ القُرْآنَ وعَلِمْتَ الشَّرائِعَ، ثُمَّ نَفى جَدْوى ذَلِكَ الِاسْتِماعِ بِقَوْلِهِ: أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ، أيْ: هم، وإنِ اسْتَمَعُوا إلَيْكَ صُمٌّ عَنْ إدْراكِ ما تُلْقِيهِ إلَيْهِمْ لَيْسَ لَهم وعْيٌ ولا قَبُولٌ، ولا سِيَّما قَدِ انْضافَ إلى الصَّمَمِ انْتِفاءُ العَقْلِ، فَجُرَّ بِمِن عَدَمُ السَّمْعِ والعَقْلِ أنْ لا يَكُونَ لَهُ إدْراكٌ لِشَيْءٍ البَتَّةَ، بِخِلافِ أنْ لَوْ كانَ الأصَمُّ عاقِلًا فَإنَّهُ بِعَقْلِهِ يَهْتَدِي إلى أشْياءَ. وأعادَ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ﴾ الضَّمِيرَ مُفْرَدًا مُذَكَّرًا عَلى لَفْظِ مَن، وهو الأكْثَرُ في لِسانِ العَرَبِ. والمَعْنى: أنَّهم عُمْيٌ فَلا تَقْدِرُ عَلى هِدايَتِهِمْ، لِأنَّ السَّبَبَ الَّذِي يُهْتَدى بِهِ إلى رُؤْيَةِ الدَّلائِلِ فَقَدْ فَقَدُوهُ، هَذا وهم مَعَ فَقْدِ البَصَرِ قَدْ فَقَدُوا البَصِيرَةَ، إذْ مَن كانَ أعْمى فَإنَّهُ مُهْدِيهِ نُورُ بَصِيرَتِهِ إلى أشْياءَ بِالحَدْسِ، وهَذا قَدْ جَمَعَ بَيْنَ فِقْدانِ البَصَرِ والبَصِيرَةِ، وهَذا مُبالَغَةٌ عَظِيمَةٌ في انْتِفاءِ قَبُولِ ما يُلْقى إلى هَؤُلاءِ، إذْ جَمَعُوا بَيْنَ الصَّمَمِ وانْتِفاءِ العَقْلِ، وبَيْنَ العَمى وفَقْدِ البَصِيرَةِ. وقَوْلُهُ: (أفَأنْتَ): تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ وأنْ لا يَكْتَرِثَ بِعَدَمِ قَبُولِهِمْ، فَإنَّ الهِدايَةَ إنَّما هي لِلَّهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: جاءَ يَنْظُرُ عَلى لَفْظِ مَن، وإذا جاءَ الفِعْلُ عَلى لَفْظِها فَجائِزٌ أنْ يُعْطَفَ عَلَيْهِ آخَرُ عَلى المَعْنى، وإذا جاءَ أوَّلًا عَلى مَعْناها فَلا يَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ عَلَيْهِ بِآخَرَ عَلى اللَّفْظِ، لِأنَّ الكَلامَ يُلْبَسُ حِينَئِذٍ، انْتَهى. ولَيْسَ كَما قالَ، بَلْ يَجُوزُ أنْ تُراعِي المَعْنى أوَّلًا فَتُعِيدَ الضَّمِيرَ عَلى حَسَبِ ما تُرِيدُ مِنَ المَعْنى مِن تَأْنِيثٍ وتَثْنِيَةٍ وجَمْعٍ، ثُمَّ تُراعِي اللَّفْظَ فَتُعِيدُ الضَّمِيرَ مُفْرَدًا مُذَكَّرًا، وفي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ ذُكِرَ في عِلْمِ النَّحْوِ. والمَقْصُودُ مِنَ الآيَتَيْنِ: إعْلامُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ قَدِ انْتَهَوْا في النَّفْرَةِ والعَداوَةِ، والبُغْضِ الشَّدِيدِ في رُتْبَةِ مَن لا يَنْفَعُ فِيهِ عِلاجٌ البَتَّةَ، لِأنَّ مَن كانَ أصَمَّ أحْمَقَ وأعْمى فاقِدَ البَصِيرَةِ لا يُمْكِنُ ذَلِكَ أنْ يَقِفَ عَلى مَحاسِنِ الكَلامِ وما انْطَوى عَلَيْهِ مِنَ الإعْجازِ، ولا يُمْكِنُ هَذا أنْ يَرى ما أجْرى اللَّهُ عَلى يَدَيْ رَسُولِهِ مِنَ الخَوارِقِ، فَقَدْ أيِسَ مِن هِدايَةِ هَؤُلاءِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎وإذا خَفِيتُ عَلى الغَبِيَّ فَعاذِرٌ أنْ لا تَرانِي مُقْلَةٌ عَمْياءُ ولَمّا ذَكَرَ تَعالى هَؤُلاءِ الأشْقِياءَ، ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ لا يَظْلِمُهم شَيْئًا، إذْ قَدْ أزاحَ عِلَلَهم بِبِعْثَةِ الرُّسُلِ وتَحْذِيرِهِمْ مِن عِقابِهِ، ولَكِنَّهم ظالِمُوا أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ والتَّكْذِيبِ. واحْتَمَلَ هَذا النَّفْيُ لِلظُّلْمِ أنْ يَكُونَ في (p-١٦٢)الدُّنْيا، أيْ: لا يَظْلِمُهم شَيْئًا مِن مَصالِحِهِمْ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ في الآخِرَةِ وأنَّ ما يَلْحَقُهم مِنَ العِقابِ هو عَدْلٌ مِنهُ، لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ تَسَبَّبُوا فِيهِ بِاكْتِسابِ ذُنُوبِهِمْ كَما قَدَّرَ تَعالى عَلَيْهِمْ: لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ. وتَقَدَّمَ خِلافُ القُرّاءِ في (ولَكِنَّ النّاسَ) مِن تَشْدِيدِ النُّونِ ونَصْبِ النّاسِ وتَخْفِيفِها والرَّفْعِ. (ويَوْمَ يَحْشُرُهم كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهم قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وما كانُوا مُهْتَدِينَ): قَرَأ الأعْمَشُ وحَفْصٌ: يَحْشُرُهم بِالياءِ راجِعًا الضَّمِيرَ غائِبًا عائِدًا عَلى اللَّهِ، إذْ تَقَدَّمَ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا﴾ ولَمّا ذَكَرَ أُولَئِكَ الأشْقِياءَ أتْبَعَهُ بِالوَعِيدِ ووَصْفِ حالِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، والمَعْنى: كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا في الدُّنْيا أوْ في القُبُورِ، يَعْنِي: فَقَلِيلٌ لُبْثُهم، وذَلِكَ لِهَوْلِ ما يُعايِنُونَ مِن شَدائِدِ القِيامَةِ، أوْ لِطُولِ يَوْمِ القِيامَةِ ووُقُوفِهِمْ لِلْحِسابِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رَأوْا أنَّ طُولَ أعْمارِهِمْ في مُقابَلَةِ الخُلُودِ كَساعَةٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَوْمَ ظَرْفٌ، ونَصْبُهُ يَصِحُّ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ. ويَصِحُّ أنْ يَنْتَصِبَ بِالفِعْلِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ: كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ، ويَصِحُّ نَصْبُهُ بِيَتَعارَفُونَ، والكافُ مِن قَوْلِهِ: كَأنْ، يَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِلْيَوْمِ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَعْتٍ لِلْمَصْدَرِ كَأنَّهُ قالَ: ويَوْمَ نَحْشُرُهم حَشْرًا كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في نَحْشُرُهم، انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: ويَصِحُّ أنْ يَنْتَصِبَ بِالفِعْلِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا فَإنَّهُ كَلامٌ مُجْمَلٌ لَمْ يُبَيِّنِ الفِعْلَ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا، ولَعَلَّهُ أرادَ ما قالَهُ الحَوْفِيُّ: مِن أنَّ الكافَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِما تَضَمَّنَتْ مِن مَعْنى الكَلامِ وهو السُّرْعَةُ، انْتَهى. فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ويَوْمَ نَحْشُرُهم يُسْرِعُونَ كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا، وأمّا قَوْلُهُ: والكافُ مِن قَوْلِهِ كَأنْ، يَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِلْيَوْمِ، فَلا يَصِحُّ لِأنَّ يَوْمَ نَحْشُرُهم مَعْرِفَةٌ، والجُمَلُ نَكِراتٌ، ولا تُنْعَتُ المَعْرِفَةُ بِالنَّكِرَةِ. لا يُقالُ: إنَّ الجُمَلَ الَّذِي يُضافُ إلَيْها أسْماءُ الزَّمانِ نَكِرَةٌ عَلى الإطْلاقِ، لِأنَّها إنْ كانَتْ في التَّقْدِيرِ تُنْحَلُ إلى مَعْرِفَةٍ، فَإنَّ ما أُضِيفَ إلَيْها يَتَعَرَّفُ وإنْ كانَتْ تُنْحَلُ إلى نَكِرَةٍ كانَ ما أُضِيفَ إلَيْها نَكِرَةً، تَقُولُ: مَرَرْتُ في يَوْمِ قَدِمَ زَيْدٌ الماضِي، فَتَصِفُ يَوْمَ بِالمَعْرِفَةِ، وجِئْتُ لَيْلَةَ قَدِمَ زَيْدٌ المُبارَكَةُ عَلَيْنا. وأيْضًا فَكَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْيَوْمِ مِن (p-١٦٣)جِهَةِ المَعْنى، لِأنَّ ذَلِكَ مِن وصْفِ المَحْشُورِينَ لا مِن وصْفِ يَوْمِ حَشْرِهِمْ. وقَدْ تَكَلَّفَ بَعْضُهم تَقْدِيرَ مَحْذُوفٍ بِرَبْطٍ فَقَدَّرَهُ: كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا قَبْلَهُ، فَحُذِفَ قَبْلَهُ، أيْ قَبْلَ اليَوْمِ، وحَذْفُ مِثْلِ هَذا الرّابِطِ لا يَجُوزُ. فالظّاهِرُ أنَّها جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن مَفْعُولِ نَحْشُرُهم كَما قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ آخِرًا، وكَذا أعْرَبَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وأبُو البَقاءِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا ويَتَعارَفُونَ كَيْفَ مَوْقِعُهُما ؟ (قُلْتُ): أمّا الأُولى فَحالٌ مِنهم، أيْ: نَحْشُرُهم مُشَبَّهِينَ بِمَن لَمْ يَلْبَثْ إلّا ساعَةً. وأمّا الثّانِيَةُ فَإمّا أنْ تَتَعَلَّقَ بِالظَّرْفِ يَعْنِي: فَتَكُونُ حالًا، وإمّا أنْ تَكُونَ مُبَيِّنَةً لِقَوْلِهِ: كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً، لِأنَّ التَّعارُفَ يَبْقى مَعَ طُولِ العَهْدِ ويَنْقَلِبُ تَناكُرًا، انْتَهى. وقالَ الحَوْفِيُّ: يَتَعارَفُونَ فِعْلٌ مُسْتَقْبَلٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في يَلْبَثُوا وهو العامِلُ، كَأنَّهُ قالَ: مُتَعارِفِينَ، المَعْنى: اجْتَمَعُوا مُتَعارِفِينَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الهاءِ والمِيمِ في نَحْشُرُهم وهو العامِلُ، انْتَهى. وأمّا قَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لِلْمَصْدَرِ، كَأنَّهُ قالَ: ويَوْمَ نَحْشُرُهم حَشْرًا كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا، فَقَدْ حَكاهُ أبُو البَقاءِ فَقالَ: وقِيلَ هو نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ حَشْرًا كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا قَبْلَهُ، انْتَهى. وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ حَذْفَ مِثْلِ هَذا الرّابِطِ لا يَجُوزُ. وجَوَّزُوا في يَتَعارَفُونَ أنْ يَكُونَ حالًا عَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الخِلافِ في ذِي الحالِ والعامِلِ فِيها، وأنْ يَكُونَ جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً، أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يَقَعُ التَّعارُفُ بَيْنَهم. وقالَ الكَلْبِيُّ: يَعْرِفُ بَعْضُهم بَعْضًا كَمَعْرِفَتِهِمْ في الدُّنْيا إذا خَرَجُوا مِن قُبُورِهِمْ، وهو تَعارُفُ تَوْبِيخٍ وافْتِضاحٍ، يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أنْتَ أضْلَلْتَنِي وأغْوَيْتَنِي، ولَيْسَ تَعارُفَ شَفَقَةٍ وعَطْفٍ، ثُمَّ تَنْقَطِعُ المَعْرِفَةُ إذا عايَنُوا أهْوالَ القِيامَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج: ١٠] ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ [المعارج: ١١] . وقِيلَ: يُعَرِّفُ بَعْضُهم بَعْضًا ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الخَطَأِ والكُفْرِ. وقالَ الضَّحّاكُ: تَعارَفُ تَعاطُفِ المُؤْمِنِينَ، والكافِرُونَ لا أنْسابَ بَيْنَهم. وقِيلَ: القِيامَةُ مُواطِنُ، فَفي مَوْطِنٍ يَتَعارَفُونَ وفي مَوْطِنٍ لا يَتَعارَفُونَ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ إلى آخِرِهِ: جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، أخْبَرَ تَعالى بِخُسْرانِ المُكَذِّبِينَ بِلِقائِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو اسْتِئْنافٌ فِيهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما أخْسَرَهم. وقالَ أيْضًا: وابْتَدَأ بِهِ قَدْ خَسِرَ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، أيْ: يَتَعارَفُونَ بَيْنَهم قائِلِينَ ذَلِكَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقِيلَ إنَّهُ إخْبارُ المَحْشُورِينَ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ لِأنْفُسِهِمْ، انْتَهى. وهَذا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ كَقَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ: يَتَعارَفُونَ بَيْنَهم قائِلِينَ ذَلِكَ، وأنْ يَكُونَ كَقَوْلِ غَيْرِهِ: نَحْشُرُهم قائِلِينَ قَدْ خَسِرَ، فاحْتَمَلَ هَذا المُقَدَّرُ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لَيَتَعارَفُونَ، وأنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِنَحْشُرُهم، ونَبَّهَ عَلى العِلَّةِ المُوجِبَةِ لِلْخُسْرانِ وهو التَّكْذِيبُ بِلِقاءِ اللَّهِ. ﴿وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾: الظّاهِرُ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: قَدْ خَسِرَ، فَيَكُونُ مِن كَلامِ المَحْشُورِينَ إذا قُلْنا: إنَّ قَوْلَهُ قَدْ خَسِرَ مِن كَلامِهِمْ، أخْبَرُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ بِخُسْرانِهِمْ في الآخِرَةِ وبِانْتِفاءِ هِدايَتِهِمْ في الدُّنْيا. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى صِلَةِ الَّذِينَ، أيْ: كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ، وانْتَفَتْ هِدايَتُهم في الدُّنْيا. ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ كالتَّوْكِيدِ بِجُمْلَةِ الصِّلَةِ، لِأنَّ مَن كَذَّبَ بِلِقاءِ اللَّهِ هو غَيْرُ مُهْتَدٍ. وقِيلَ: وما كانُوا مُهْتَدِينَ إلى غايَةِ مَصالِحِ التِّجارَةِ. وقِيلَ: لِلْإيمانِ. وقِيلَ: في عِلْمِ اللَّهِ، بَلْ هم مِمَّنْ حَتَّمَ ضَلالَهم وقَضى بِهِ. ﴿وإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإلَيْنا مَرْجِعُهم ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾: إمّا هي إنِ الشَّرْطِيَّةُ، زِيدَ عَلَيْها ما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، ولِأجْلِها جازَ دُخُولُ النُّونِ الثَّقِيلَةِ. ولَوْ كانَتْ إنْ وحْدَها لَمْ يَجُزِ، انْتَهى. يَعْنِي أنَّ دُخُولَ النُّونِ لِلتَّأْكِيدِ إنَّما يَكُونُ (p-١٦٤)مَعَ زِيادَةِ ما بَعْدَ إنْ، وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ مُخالِفٌ لِظاهِرِ كَلامِ سِيبَوَيْهِ. قالَ ابْنُ خَرُوفٍ: أجازَ سِيبَوَيْهِ الإتْيانَ بِما، وأنْ لا يُؤْتى بِها، والإتْيانَ بِالنُّونِ مَعَ ما وأنْ لا يُؤْتى بِها، والإراءَةُ هُنا بَصَرِيَّةٌ، ولِذَلِكَ تَعَدّى الفِعْلُ إلى اثْنَيْنِ، والكافُ خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ . وبَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم يَعْنِي: مِنَ العَذابِ في الدُّنْيا. وقَدْ أراهُ اللَّهُ تَعالى أنْواعًا مِن عَذابِ الكُفّارِ في الدُّنْيا، قَتْلًا وأسْرًا ونَهْبًا لِلْأمْوالِ وسَبْيًا لِلذَّرارِي وضَرْبَ جِزْيَةٍ، وتَشْتِيتَ شَمْلٍ بِالجَلاءِ إلى غَيْرِ بِلادِهِمْ، وما يَحْصُلُ لَهم في الآخِرَةِ أعْظَمُ، لِأنَّهُ العَذابُ الدّائِمُ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ. والظّاهِرُ أنَّ جَوابَ الشَّرْطِ هو قَوْلُهُ: فَإلَيْنا مَرْجِعُهم، وكَذا قالَهُ الحَوْفِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ الوَعِيدُ بِالرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَبارَكَ وتَعالى، أيْ: إنْ أرَيْناكَ عُقُوبَتَهم أوْ لَمْ نُرِكَها فَهم عَلى كُلِّ حالٍ راجِعُونَ إلَيْنا إلى الحِسابِ والعَذابِ، ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ اللَّهُ شَهِيدٌ مِن أوَّلِ تَكْلِيفِهِمْ عَلى جَمِيعِ أعْمالِهِمْ. فَثُمَّ هاهُنا لِتَرْتِيبِ الأخْبارِ، لا لِتَرْتِيبِ القَصَصِ في أنْفُسِها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإلَيْنا مَرْجِعُهم جَوابُ نَتَوَفَّيَنَّكَ، وجَوابُ نُرِيَنَّكَ مَحْذُوفٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: وإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم فَذاكَ، أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قَبْلَ أنْ نُرِيَكَهُ، فَنَحْنُ نُرِيكَ في الآخِرَةِ، انْتَهى. فَجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ الكَلامَ شَرْطَيْنِ لَهُما جَوابانِ، ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ جَوابٍ مَحْذُوفٍ، لِأنَّ قَوْلَهُ: فَإلَيْنا مَرْجِعُهم صالِحٌ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِلشَّرْطِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ. وأيْضًا فَقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: فَذاكَ هو اسْمٌ مُفْرَدٌ لا يَنْعَقِدُ مِنهُ جَوابُ شَرْطٍ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يَأْتِيَ بِجُمْلَةٍ يَتَّضِحُ مِنها جَوابُ الشَّرْطِ، إذْ لا يُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ فَذاكَ الجُزْءُ الَّذِي حُذِفَ المُتَحَصِّلُ بِهِ فائِدَةُ الإسْنادِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ثَمَّ اللَّهُ بِفَتْحِ الثّاءِ، أيْ: هُنالِكَ. ومَعْنى شَهادَةِ اللَّهِ عَلى ما يَفْعَلُونَ مُقْتَضاها ونَتِيجَتُها وهو العِقابُ، كَأنَّهُ قالَ: ثُمَّ اللَّهُ مُعاقِبُهم، وإلّا فَهو تَعالى شَهِيدٌ عَلى أفْعالِهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّهُ تَعالى مُؤَدٍّ شَهادَتَهُ عَلى أفْعالِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ حَتّى تَنْطِقَ جُلُودُهم، وألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم شاهِدَةً عَلَيْهِمْ. ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإذا جاءَ رَسُولُهم قُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾: لَمّا بَيَّنَ حالَ الرَّسُولِ ﷺ في قَوْمِهِ بَيَّنَ حالَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ أقْوامِهِمْ، تَسْلِيَةً لَهُ وتَطْمِينًا لِقَلْبِهِ. ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى ما أهْمَلَ أُمَّةً، بَلْ بَعَثَ إلَيْها رَسُولًا كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنْ مِن أُمَّةٍ إلّا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] وقَوْلُهُ: ﴿فَإذا جاءَ رَسُولُهُمْ﴾، إمّا أنْ يَكُونَ إخْبارًا عَنْ حالَةٍ ماضِيَةٍ فَيَكُونُ ذَلِكَ في الدُّنْيا، ويَكُونُ المَعْنى: أنَّهُ بَعَثَ إلى كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا يَدْعُوهم إلى دِينِ اللَّهِ ويُنَبِّئُهم عَلى تَوْحِيدِهِ، فَلَمّا جاءَهم بِالبَيِّناتِ كَذَّبُوهُ، فَقُضِيَ بَيْنَهم، أيْ: بَيْنَ الرَّسُولِ وأُمَّتِهِ، فَأنْجى الرَّسُولَ وعُذِّبَ المُكَذِّبُونَ. وإمّا أنْ يَكُونَ عَلى حالَةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ، أيْ: فَإذا جاءَهم رَسُولُهم يَوْمَ القِيامَةِ لِلشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ قُضِيَ بَيْنَهم، أيْ: بَيْنَ الأُمَّةِ بِالعَدْلِ، فَصارَ قَوْمٌ إلى الجَنَّةِ وقَوْمٌ إلى النّارِ، فَهَذا هو القَضاءُ بَيْنَهم، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ. ويَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ وقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ [الزمر: ٦٩] . ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾: الضَّمِيرُ في ويَقُولُونَ، عائِدٌ عَلى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ ومَن تابَعَهم مِن مُنْكِرِي الحَشْرِ، اسْتَعْجَلُوا بِما وُعِدُوا بِهِ مِنَ العَذابِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِبْعادِ، أوْ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِخْفافِ، ولِذَلِكَ قالُوا: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، أيْ: لَسْتُمْ صادِقِينَ فِيما وعَدْتُمْ بِهِ فَلا يَقَعُ شَيْءٌ مِنهُ. وقَوْلُهم: هَذا يَشْهَدُ لِلْقَوْلِ الأوَّلِ في الآيَةِ قَبْلَها، وأنَّها حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ. وأنَّ مَعْنى ذَلِكَ: فَإذا جاءَهُمُ الرَّسُولُ وكَذَّبُوهُ قُضِيَ بَيْنَهم في الدُّنْيا، وأنَّ كُلَّ رَسُولٍ وعَدَ أُمَّتَهُ بِالعَذابِ في الدُّنْيا إنْ هي كَذَّبَتْ. (p-١٦٥)﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا إلّا ما شاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ إذا جاءَ أجَلُهم فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾: لَمّا التَمَسُوا تَعْجِيلَ العَذابِ أوْ تَعْجِيلَ السّاعَةِ، أمَرَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَقُولَ لَهم: لَيْسَ ذَلِكَ إلَيَّ، بَلْ ذَلِكَ إلى اللَّهِ تَعالى. وإذا كُنْتُ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا فَكَيْفَ أمْلِكُهُ لِغَيْرِي ؟ أوْ كَيْفَ أطَّلِعُ عَلى ما لَمْ يُطْلِعْنِي عَلَيْهِ اللَّهُ ؟ ولَكِنْ لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ انْفَرَدَ بِعِلْمِهِ تَعالى. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ قَوْلِهِ ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ في الأعْرافِ. وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ: آجالُهم عَلى الجَمْعِ. وإلّا ما شاءَ اللَّهُ ظاهِرُهُ أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ أمْلِكَهُ وأقْدِرَ عَلَيْهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، أيْ: ولَكِنْ ما شاءَ اللَّهُ مِن ذَلِكَ كائِنٌ، فَكَيْفَ أمْلِكُ لَكُمُ الضَّرَرَ وجَلْبَ العَذابِ. ولِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ، أيْ: إنَّ عَذابَكم لَهُ أجَلٌ مَضْرُوبٌ عِنْدَ اللَّهِ. ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ بَياتًا أوْ نَهارًا ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ﴾ ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ آلْآنَ وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ (p-١٦٦)تَقَدَّمَ الكَلامُ في أرَأيْتُمْ في سُورَةِ الأنْعامِ، وقَرَّرْنا هُناكَ أنَّ العَرَبَ تُضَمِّنُ أرَأيْتَ مَعْنى أخْبِرْنِي، وأنَّها تَتَعَدّى إذْ ذاكَ إلى مَفْعُولَيْنِ، وأنَّ المَفْعُولَ الثّانِي أكْثَرُ ما يَكُونُ جُمْلَةَ اسْتِفْهامٍ، يَنْعَقِدُ مِنها ما قَبْلَها مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ كَقَوْلِ العَرَبِ: أرَأيْتَ زَيْدًا ما صَنَعَ ؟ المَعْنى: أخْبِرْنِي عَنْ زَيْدٍ ما صَنَعَ. وقَبْلَ دُخُولِ أرَأيْتَ كانَ الكَلامُ: زَيْدٌ ما صَنَعَ ؟ وإذا تَقَرَّرَ هَذا فَأرَأيْتُمْ هُنا المَفْعُولُ الأوَّلُ لَها مَحْذُوفٌ، والمَسْألَةُ مِن بابِ الإعْمالِ. تَنازَعَ أرَأيْتَ وإنْ أتاكم عَلى قَوْلِهِ: عَذابُهُ، فَأُعْمِلَ الثّانِي إذْ هو المُخْتارُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، وهو الَّذِي ورَدَ بِهِ السَّماعُ أكْثَرَ مِن إعْمالِ الأوَّلِ. فَلَمّا أُعْمِلِ الثّانِي حُذِفَ مِنَ الأوَّلِ ولَمْ يُضْمَرْ، لِأنَّ إضْمارَهُ مُخْتَصٌّ بِالشِّعْرِ، أوْ قَلِيلٌ في الكَلامِ عَلى اخْتِلافِ النَّحْوِيِّينَ في ذَلِكَ. والمَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: أخْبِرُونِي عَنْ عَذابِ اللَّهِ إنْ أتاكم، أيُّ شَيْءٍ تَسْتَعْجِلُونَ مِنهُ، ولَيْسَ شَيْءٌ مِنَ العَذابِ يَسْتَعْجِلُهُ عاقِلٌ، إذِ العَذابُ كُلُّهُ مُرُّ المَذاقِ مُوجِبٌ لِنِفارِ الطَّبْعِ مِنهُ، فَتَكُونُ جُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ جاءَتْ عَلى سَبِيلِ التَّلَطُّفِ بِهِمْ، والتَّنْبِيهِ لَهم أنَّ العَذابَ لا يَنْبَغِي أنْ يَسْتَعْجِلَ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ جاءَتْ عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ والتَّهْوِيلِ لِلْعَذابِ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ شَدِيدٍ تَسْتَعْجِلُونَ مِنهُ ؟ أيْ: ما أشَدَّ وأهْوَلَ ما تَسْتَعْجِلُونَ مِنَ العَذابِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: الرُّؤْيَةُ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ الَّتِي بِمَعْنى العِلْمِ، لِأنَّها داخِلَةٌ عَلى الجُمْلَةِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ ومَعْناها التَّقْرِيرُ. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: أرَأيْتُمْ ما تَسْتَعْجِلُ مِنَ العَذابِ المُجْرِمُونَ إنْ أتاكم عَذابُهُ، انْتَهى. فَظاهِرُ كَلامِ الحَوْفِيِّ: أنَّ أرَأيْتُمْ باقِيَةٌ عَلى مَوْضُوعِها الأوَّلِ لَمْ تُضَمَّنْ مَعْنى أخْبِرُونِي، وأنَّها بِمَعْنى أعَلِمْتُمْ، وأنَّ جُمْلَةَ الِاسْتِفْهامِ سَدَّتْ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ، وأنَّهُ اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَّقْرِيرُ، ولَمْ يُبَيِّنِ الحَوْفِيُّ ما يُفِيدُ جَوابَ الشَّرْطِ المَحْذُوفَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): بِمَ يَتَعَلَّقُ الِاسْتِفْهامُ ؟ وأيْنَ جَوابُ الشَّرْطِ ؟ (قُلْتُ): تَعَلَّقَ بِأرَأيْتُمْ، لِأنَّ المَعْنى: أخْبِرُونِي ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ وهو: تَنْدَمُوا عَلى الِاسْتِعْجالِ وتَعْرِفُوا الخَطَأ فِيهِ، انْتَهى. وما قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرُ سائِغٍ، لِأنَّهُ لا يُقَدِّرُ الجَوابَ إلّا مِمّا تَقَدَّمَهُ لَفْظًا أوْ تَقْدِيرًا تَقُولُ: أنْتَ ظالِمٌ إنْ فَعَلْتَ، فالتَّقْدِيرُ إنْ فَعَلْتَ فَأنْتَ ظالِمٌ. وكَذَلِكَ ﴿وإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٧٠] (p-١٦٧)التَّقْدِيرُ: إنْ شاءَ اللَّهُ نَهْتَدِ. فالَّذِي يُسَوِّغُ أنْ يُقَدَّرَ: إنْ أتاكم عَذابُهُ فَأخْبِرُونِي ماذا يَسْتَعْجِلُ ؟ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ اعْتِراضًا، والمَعْنى: إنْ أتاكم عَذابُهُ أآمَنتُمْ بِهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ حِينَ لا يَنْفَعُكُمُ الإيمانُ ؟ انْتَهى. أمّا تَجْوِيزُهُ أنْ يَكُونَ ماذا جَوابًا لِلشَّرْطِ فَلا يَصِحُّ، لِأنَّ جَوابَ الشَّرْطِ إذا كانَ اسْتِفْهامًا فَلا بُدَّ فِيهِ مِنَ الفاءِ، تَقُولُ: إنْ زارَنا فُلانٌ فَأيُّ رَجُلٍ هو، وإنْ زارَنا فُلانٌ فَأيُّ يَدٍ لَهُ بِذَلِكَ، ولا يَجُوزُ حَذْفُها إلّا إنْ كانَ في ضَرُورَةٍ، والمِثالُ الَّذِي ذَكَرَهُ وهو: إنْ أتَيْتُكَ ماذا تُطْعِمُنِي ؟ هو مِن تَمْثِيلِهِ، لا مِن كَلامِ العَرَبِ. وأمّا قَوْلُهُ: ثُمَّ تَتَعَلَّقُ الجُمْلَةُ بِأرَأيْتُمْ، إنْ عُنِيَ بِالجُمْلَةِ: ماذا يَسْتَعْجِلُ ؟ فَلا يَصِحُّ ذَلِكَ لِأنَّهُ قَدْ جَعَلَها جَوابًا لِلشَّرْطِ، وإنْ عُنِيَ بِالجُمْلَةِ جُمْلَةُ الشَّرْطِ فَقَدْ فَسَّرَ هو أرَأيْتُمْ بِمَعْنى: أخْبِرْنِي، وأخْبِرْنِي تَطْلُبُ مُتَعَلِّقًا مَفْعُولًا، ولا تَقَعُ جُمْلَةُ الشَّرْطِ مَوْقِعَ مَفْعُولِ أخْبِرْنِي. وأمّا تَجْوِيزُهُ أنْ يَكُونَ ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ﴾ جَوابَ الشَّرْطِ، وماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ اعْتِراضًا فَلا يَصِحُّ أيْضًا، لِما ذَكَرْناهُ مِن أنَّ جُمْلَةَ الِاسْتِفْهامِ لا تَقَعُ جَوابًا لِلشَّرْطِ إلّا ومَعَها فاءُ الجَوابِ. وأيْضًا فَثُمَّ هُنا وهي حَرْفُ عَطْفٍ، تَعْطِفُ الجُمْلَةَ الَّتِي بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، فالجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ مَعْطُوفَةٌ، وإذا كانَتْ مَعْطُوفَةً لَمْ يَصِحَّ أنْ تَقَعَ جَوابَ شَرْطٍ. وأيْضًا فَأرَأيْتُمْ بِمَعْنى أخْبِرْنِي تَحْتاجُ إلى مَفْعُولٍ، ولا تَقَعُ جُمْلَةُ الشَّرْطِ مَوْقِعَهُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في قَوْلِهِ: (بَياتًا) في الأعْرافِ مَدْلُولًا وإعْرابًا. والمَعْنى إنْ أتاكم عَذابُهُ وأنْتُمْ ساهُونَ غافِلُونَ، إمّا بِنَوْمٍ وإمّا بِاشْتِغالٍ بِالمَعاشِ والكَسْبِ، وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ: (بَغْتَةً) لِأنَّ العَذابَ إذا فاجَأ مِن غَيْرِ شُعُورٍ بِهِ كانَ أشَدَّ وأصْعَبَ، بِخِلافِ أنْ يَكُونَ قَدِ اسْتَعَدَّ لَهُ وتَهَيَّأ لِحُلُولِهِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَياتًا وهم نائِمُونَ﴾ [الأعراف: ٩٧] ﴿ضُحًى وهم يَلْعَبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٨] . ويَجُوزُ في ماذا أنْ يَكُونَ ما مُبْتَدَأً وذا خَبَرَهُ، وهو بِمَعْنى الَّذِي ويَسْتَعْجِلُ صِلَتُهُ، وحُذِفَ الضَّمِيرُ العائِدُ عَلى المَوْصُولِ، التَّقْدِيرُ: أيُّ شَيْءٍ يَسْتَعْجِلُهُ مِنَ العَذابِ المُجْرِمُونَ. ويَجُوزُ في ماذا أنْ يَكُونَ كُلُّهُ مَفْعُولًا كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ شَيْءٍ يَسْتَعْجِلُهُ مِنَ العَذابِ المُجْرِمُونَ. وقَدْ جَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ ماذا كُلُّهُ مُبْتَدَأً، وخَبَرُهُ الجُمْلَةُ بَعْدَهُ. وضَعَّفَهُ أبُو عَلِيٍّ لِخُلُوِّ الجُمْلَةِ مِن ضَمِيرٍ يَعُودُ عَلى المُبْتَدَأِ. والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في مِنهُ عَلى العَذابِ، وبِهِ يَحْصُلُ الرَّبْطُ لِجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِ بِمَفْعُولِ أرَأيْتُمُ المَحْذُوفِ الَّذِي هو مُبْتَدَأٌ في الأصْلِ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى اللَّهِ تَعالى. والمُجْرِمُونَ هُمُ المُخاطَبُونَ في قَوْلِهِ: أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم. ونَبَّهَ عَلى الوَصْفِ المُوجِبِ لِتَرْكِ الِاسْتِعْجالِ وهو الإجْرامُ، لِأنَّ مِن حَقِّ المُجْرِمِ أنْ يَخافَ التَّعْذِيبَ عَلى إجْرامِهِ، ويَهْلَكَ فَزَعًا مِن مَجِيئِهِ وإنْ أبْطَأ، فَكَيْفَ يَسْتَعْجِلُهُ ؟ وثُمَّ حَرْفُ عَطْفٍ وتَقَدَّمَتْ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ عَلَيْها كَما تَقَدَّمَتْ عَلى الواوِ والفاءِ في: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ [يوسف: ١٠٩] وفي ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا﴾ [الروم: ٩] وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ. وخِلافُ الزَّمَخْشَرِيِّ لِلْجَماعَةِ في دَعْواهُ أنَّ بَيْنَ الهَمْزَةِ وحَرْفِ العَطْفِ جُمْلَةً مَحْذُوفَةً عُطِفَتْ عَلَيْها الجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَ حَرْفِ العَطْفِ. وقالَ الطَّبَرِيُّ في قَوْلِهِ: أثُمَّ بِضَمِّ الثّاءِ، أنَّ مَعْناهُ أهُنالِكَ قالَ: ولَيْسَتْ ثُمَّ هَذِهِ الَّتِي تَأْتِي بِمَعْنى العَطْفِ، انْتَهى. وما قالَهُ الطَّبَرِيُّ مِن أنَّ ثُمَّ هُنا لَيْسَتْ لِلْعَطْفِ دَعْوى، وأمّا قَوْلُهُ: إنَّ المَعْنى أهُنالِكَ، فالَّذِي يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَفْسِيرُ مَعْنًى، لا أنَّ ثُمَّ المَضْمُومَةَ الثّاءِ مَعْناها مَعْنى هُنالِكَ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: أثَمَّ بِفَتْحِ الثّاءِ، وهَذا يُناسِبُهُ تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ أهُنالِكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: آلْآنَ عَلى الِاسْتِفْهامِ بِالمَدِّ، وكَذا: آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ. وقَرَأ طَلْحَةُ والأعْرَجُ: بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ بِغَيْرِ مَدٍّ، وهو عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أيْ قِيلَ لَهم إذا آمَنُوا بَعْدَ وُقُوعِ العَذابِ: آلْآنَ آمَنتُمْ بِهِ، فالنّاصِبُ لِقَوْلِهِ: آلْآنَ هو آمَنتُمْ بِهِ وهو مَحْذُوفٌ، قِيلَ: تَقُولُ لَهم ذَلِكَ المَلائِكَةُ، وقِيلَ: اللَّهُ، والِاسْتِفْهامُ عَلى طَرِيقِ التَّوْبِيخِ. وفِي كِتابِ اللَّوامِحِ عِيسى البَصْرِيُّ وطَلْحَةُ: آمَنتُمْ بِهِ الآنَ بِوَصْلِ الهَمْزَةِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ، بَلْ عَلى الخَبَرِ، فَيَكُونُ نَصْبُهُ عَلى الظَّرْفِ مِن آمَنتُمْ بِهِ المَذْكُورِ. وأمّا في العامَّةِ فَنَصْبُهُ (p-١٦٨)بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ آمَنتُمْ بِهِ المَذْكُورُ، لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ قَدْ أخَذَ صَدْرَ الكَلامِ، فَيَمْنَعُ ما قَبْلُهُ أنْ يَعْمَلَ فِيما بَعْدَهُ، انْتَهى. وقَدْ كُنْتُمْ جُمْلَةً حالِيَّةً. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ يَعْنِي تُكَذِّبُونَ، لِأنَّ اسْتِعْجالَكم كانَ عَلى جِهَةِ التَّكْذِيبِ والإنْكارِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَسْتَعْجِلُونَ مُكَذِّبِينَ بِهِ. ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾: أيْ تَقُولُ لَهم خَزَنَةُ جَهَنَّمَ هَذا الكَلامَ. والظُّلْمُ ظُلْمُ الكُفْرِ لا ظُلْمُ المَعْصِيَةِ، لِأنَّ مَن دَخَلَ النّارَ مِن عُصاةِ المُؤْمِنِينَ لا يَخْلُدُ فِيها. وثُمَّ قِيلَ عَطْفٌ عَلى المُضْمَرِ قَبْلَ آلْآنَ. ومَن قَرَأ بِوَصْلِ ألَّفِ الآنَ فَهو اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَمّا يُقالُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ، وهَلْ تُجْزَوْنَ: تَوْبِيخٌ لَهم وتَوْضِيحٌ أنَّ الجَزاءَ هو عَلى كَسْبِ العَبْدِ.

يونس 10:50

﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾: لَمّا نَفى تَعالى أنْ يَكُونَ القُرْآنُ مُفْتَرًى، بَلْ جاءَ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكُتُبِ وبَيانًا لِما فِيها، ذَكَرَ أعْظَمَ دَلِيلٍ عَلى أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ وهو الإعْجازُ الَّذِي اشْتَمَلَ عَلَيْهِ، فَأبْطَلَ بِذَلِكَ دَعْواهُمُ افْتِراءَهُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ مُشْبَعًا في البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ﴾ [البقرة: ٢٣] الآيَةَ. وأمْ مُتَضَمِّنَةٌ مَعْنى بَلْ، والهَمْزَةُ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، أيْ: أيَقُولُونَ اخْتَلَقَهُ. والهَمْزَةُ تَقْرِيرٌ لِالتِزامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، أوْ إنْكارٌ لِقَوْلِهِمْ واسْتِبْعادٌ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: أمْ هَذِهِ بِمَنزِلَةِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أمْ بِمَعْنى الواوِ، ومَجازُهُ: ويَقُولُونَ افْتَراهُ. وقِيلَ: المِيمُ صِلَةٌ، والتَّقْدِيرُ: أيَقُولُونَ. وقِيلَ: أمْ هي المُعادِلَةُ لِلْهَمْزَةِ، وحُذِفَتِ الجُمْلَةُ قَبْلَها والتَّقْدِيرُ: أيُقِرُّونَ بِهِ أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ ؟ . وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ قُلْ فَأْتُوا جُمْلَةَ شَرْطٍ مَحْذُوفَةً فَقالَ: قُلْ إنْ كانَ الأمْرُ كَما تَزْعُمُونَ فَأْتُوا أنْتُمْ عَلى وجْهِ الِافْتِراءِ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ، فَأنْتُمْ مِثْلُهُ في العَرَبِيَّةِ والفَصاحَةِ والألْمَعِيَّةِ، فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ شَبِيهَةٍ بِهِ في البَلاغَةِ وحُسْنِ النَّظْمِ، انْتَهى. والضَّمِيرُ في مِثْلِهِ عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، أيْ: بِسُورَةٍ مُماثِلَةٍ لِلْقُرْآنِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ لَنا فِيما وقَعَ بِهِ الإعْجازُ. وقَرَأ عَمْرُو بْنُ قائِدٍ ﴿بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ عَلى الإضافَةِ أيْ: بِسُورَةِ كِتابٍ أوْ كَلامٍ مِثْلِهِ، أيْ: مِثْلِ القُرْآنِ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: هَذا مِمّا حُذِفَ المَوْصُوفُ مِنهُ وأُقِيمَتِ الصِّفَةُ مَقامَهُ، أيْ: بِصُورَةِ بَشَرٍ مِثْلِهِ، فالهاءُ في ذَلِكَ واقِعَةٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ وفي العامَّةِ إلى القُرْآنِ. وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَدْعُوهُ مِن خَلْقِ اللَّهِ إلى الِاسْتِعانَةِ عَلى الإتْيانِ بِمِثْلِهِ مِن دُونِ اللَّهِ، أيْ: مِن غَيْرِ اللَّهِ، لِأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ أحَدٌ إلّا اللَّهُ، فَلا تَسْتَعِينُوهُ وحْدَهُ، واسْتَعِينُوا بِكُلِّ مَن دُونَهُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في أنَّهُ افْتَراهُ. وقَدْ تَمَسَّكَ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى خَلْقِ القُرْآنِ، قالُوا: لِأنَّهُ تَحَدّى بِهِ وطَلَبَ الإتْيانَ بِمِثْلِهِ وعَجَزُوا، ولا يُمْكِنُ هَذا إلّا إذا كانَ الإتْيانُ بِمِثْلِهِ صَحِيحَ الوُجُودِ في الجُمْلَةِ، ولَوْ كانَ قَدِيمًا لَكانَ الإتْيانُ بِمِثْلِ القَدِيمِ مُحالًا في نَفْسِ الأمْرِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَصِحَّ التَّحَدِّي بِهِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: مَراتِبُ التَّحَدِّي بِالقُرْآنِ سِتٌّ: تَحَدٍّ بِكُلِّ القُرْآنِ في: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ﴾ [الإسراء: ٨٨] الآيَةَ، وتَحَدٍّ بِعَشْرِ سُوَرٍ، وتَحَدٍّ بِسُورَةٍ واحِدَةٍ، وتَحَدٍّ بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور: ٣٤] وفي هَذِهِ الأرْبَعِ طَلَبَ أنْ يُعارِضَ رَجُلٌ يُساوِي الرَّسُولَ في عَدَمِ التَّتَلْمُذِ والتَّعْلِيمِ، وتَحِدٍّ طَلَبَ مِنهم مُعارَضَةَ سُورَةٍ واحِدَةٍ مِن أيِّ إنْسانٍ كانَ، تَعَلَّمَ العُلُومَ أوْ لَمْ يَتَعَلَّمْها، وفي هَذِهِ المَراتِبِ الخَمْسِ تَحَدّى كُلَّ واحِدٍ مِنَ الخَلْقِ، وتَحِدٍّ طَلَبَ مِنَ المَجْمُوعِ اسْتِعانَةَ بَعْضٍ بِبَعْضٍ، انْتَهى مُلَخَّصًا. ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (بَلْ كَذَّبُوا)، بَلْ سارَعُوا إلى التَّكْذِيبِ بِالقُرْآنِ، وفاجَؤُوهُ في بَدِيهَةِ السَّماعِ قَبْلَ أنْ يَفْهَمُوهُ ويَعْلَمُوا كُنْهَ أمْرِهِ، وقَبْلَ أنْ يَتَدَبَّرُوهُ ويَفْقَهُوا تَأْوِيلَهُ ومَعانِيَهُ، وذَلِكَ لِفَرْطِ نُفُورِهِمْ عَمّا يُخالِفُ دِينَهَمْ، وشِرادِهِمْ عَنْ مُفارَقَةِ دِينِ آبائِهِمْ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا اللَّفْظُ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يُرِيدَ بِما: الوَعِيدُ الَّذِي تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ عَلى الكُفْرِ، وتَأْوِيلُهُ عَلى هَذا يُرِيدُ بِهِ ما يَئُولُ إلَيْهِ أمْرُهُ، كَما هو في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف: ٥٣] والآيَةُ مَحْمِلُها عَلى هَذا التَّأْوِيلِ يَتَضَمَّنُ وعِيدًا، والمَعْنى الثّانِي: أنَّهُ أرادَ بَلْ كَذَّبُوا بِهَذا القُرْآنِ العَظِيمِ المُنْبِئِ بِالغُيُوبِ الَّذِي لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهم بِهِ مَعْرِفَةٌ، ولا أحاطُوا بِمَعْرِفَةِ غُيُوبِهِ وحُسْنِ نَظْمِهِ، ولا جاءَهم تَفْسِيرُ ذَلِكَ وبَيانُهُ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: يَحْتَمِلُ وجُوهًا، الأوَّلُ: كُلَّما سَمِعُوا شَيْئًا مِنَ القَصَصِ قالُوا ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] ولَمْ يَعْرِفُوا أنَّ المَقْصُودَ مِنها لَيْسَ نَفْسَ الحِكايَةِ (p-١٥٩)بَلْ قُدْرَتُهُ تَعالى عَلى التَّصَرُّفِ في هَذا العالَمِ، ونَقْلِهِ أهْلَهُ مِن عِزٍّ إلى ذُلٍّ، ومِن ذُلٍّ إلى عِزٍّ، وبِفَناءِ الدُّنْيا، فَيَعْتَبِرُ بِذَلِكَ. وأنَّ ذَلِكَ القَصَصَ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ، إذْ أعْلَمَ بِذَلِكَ عَلى لِسانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن غَيْرِ تَحْرِيفٍ مَعَ كَوْنِهِ لَمْ يَتَعَلَّمْ ولَمْ يَتَتَلْمَذْ. الثّانِي: كُلَّما سَمِعُوا حُرُوفَ التَّهَجِّي ولَمْ يَفْهَمُوا مِنها شَيْئًا ساءَ ظَنُّهم، وقَدْ أجابَ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ﴾ [آل عمران: ٩٧] الآيَةَ. الثّالِثُ: ظُهُورُ القُرْآنِ شَيْئًا فَشَيْئًا، فَساءَ ظَنُّهم وقالُوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢] وقَدْ أجابَ تَعالى وشَرَحَ في مَكانِهِ. الرّابِعُ القُرْآنُ مَمْلُوءٌ مِنَ الحَشْرِ، وكانُوا ألِفُوا المَحْسُوساتِ، فاسْتَبْعَدُوا حُصُولَ الحَياةِ بَعْدَ المَوْتِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ صِحَّةَ المَعادِ بِالدَّلائِلِ الكَثِيرَةِ. الخامِسُ: أنَّهُ مَمْلُوءٌ مِنَ الأمْرِ بِالعِباداتِ، وكانُوا يَقُولُونَ: إلَهُ العالَمِ غَنِيٌّ عَنْ طاعَتِنا، وهو أجَلُّ أنْ يَأْمُرَنا بِما لا فائِدَةَ لَهُ فِيهِ. وأجابَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ﴾ [الإسراء: ٧] الآيَةَ، وبِالجُمْلَةِ فَشُبَهُ الكُفّارِ كَثِيرَةٌ، فَلَمّا رَأوُا القُرْآنَ مُشْتَمِلًا عَلى أُمُورٍ ما عَرَفُوا حَقِيقَتَها ولا اطَّلَعُوا عَلى وجْهِ الحِكْمَةِ فِيها كَذَّبُوا بِالقُرْآنِ فَقَوْلُهُ: بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ، إشارَةٌ إلى عَدَمِ عِلْمِهِمْ بِهَذِهِ الأشْياءِ وقَوْلُهُ: ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ، إشارَةٌ إلى عَدَمِ جُهْدِهِمْ واجْتِهادِهِمْ في طَلَبِ أسْرارِ ما تَضَمَّنَهُ القُرْآنُ، انْتَهى مُلَخَّصًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما مَعْنى التَّوَقُّعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ؟ (قُلْتُ): مَعْناهُ أنَّهم كَذَّبُوا بِهِ عَلى البَدِيهَةِ قَبْلَ التَّدَبُّرِ، ومَعْرِفَةِ التَّأْوِيلِ تَقْلِيدًا لِلْآباءِ، وكَذَّبُوهُ بَعْدَ التَّدَبُّرِ تَمَرُّدًا وعِنادًا فَذَمَّهم بِالتَّسَرُّعِ إلى التَّكْذِيبِ قَبْلَ العِلْمِ بِهِ، وجاءَ بِكَلِمَةِ التَّوَقُّعِ لِيُؤْذِنَ أنَّهم عَلِمُوا بَعْدَ عُلُوِّ شَأْنِهِ وإعْجازِهِ لَمّا كَرَّرَ عَلَيْهِمُ التَّحَدِّيَ ورازُوا قُواهم في المُعارَضَةِ، واسْتَيْقَنُوا عَجْزَهم عَنْ مَثَلِهِ، فَكَذَّبُوا بِهِ بَغْيًا وحَسَدًا، انْتَهى. ويَحْتاجُ كَلامُهُ هَذا إلى نَظَرٍ. وقالَ أيْضًا: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ، ولَمّا يَأْتِهِمْ بَعْدُ تَأْوِيلُ ما فِيهِ مِنَ الإخْبارِ بِالغُيُوبِ، أيْ: عاقِبَتُهُ، حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أكَذِبٌ هو أمْ صِدْقٌ ؟ يَعْنِي: أنَّهُ كِتابٌ مُعْجِزٌ مِن جِهَتَيْنِ: مِن جِهَةِ إعْجازِ نَظْمِهِ، ومِن جِهَةِ ما فِيهِ مِنَ الإخْبارِ بِالغُيُوبِ. فَتَسَرَّعُوا إلى التَّكْذِيبِ بِهِ قَبْلَ أنْ يَنْظُرُوا في نَظْمِهِ وبُلُوغِهِ حَدَّ الإعْجازِ، وقَبْلَ أنْ يُخْبَرُوا إخْبارَهُ بِالمَغِيباتِ وصِدْقَهُ وكَذِبَهُ، انْتَهى. وبَقِيَتْ جُمْلَةُ الإحاطَةِ بِلَمْ، وجُمْلَةُ إتْيانِ التَّأْوِيلِ بِلَمّا، ويُحْتاجُ في ذَلِكَ إلى فَرْقٍ دَقِيقٍ. والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، يَعْنِي: قَبْلَ النَّظَرِ في مُعْجِزاتِ الأنْبِياءِ وقَبْلَ تَدَبُّرِها مِن غَيْرِ إنْصافٍ مِن أنْفُسِهِمْ، ولَكِنْ قَلَّدُوا الآباءَ وعانَدُوا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قالَ الزُّجاجُ: كَيْفَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى خَبَرِ كانَ، لا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ انْظُرْ، لِأنَّ ما قَبْلَ الِاسْتِفْهامِ لا يَعْمَلُ فِيهِ، هَذا قانُونُ النَّحْوِيِّينَ لِأنَّهم عامَلُوا كَيْفَ في كُلِّ مَكانٍ مُعامَلَةَ الِاسْتِفْهامِ المَحْضِ. في قَوْلِكَ: كَيْفَ زَيْدٌ ؟ ولِكَيْفَ تَصَرُّفاتٌ غَيْرُ هَذا تَحُلُّ مَحَلَّ المَصْدَرِ الَّذِي هو كَيْفِيَّةٌ، ويَنْخَلِعُ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ، ويَحْتَمِلُ هَذا المَوْضِعُ أنْ يَكُونَ مِنها، ومِن تَصَرُّفاتِها قَوْلُهم: كُنْ كَيْفَ شِئْتَ، وانْظُرْ قَوْلَ البُخارِيِّ: كَيْفَ كانَ بَدْءُ الوَحْيِ، فَإنَّهُ لَمْ (p-١٦٠)يَسْتَقِمْ، انْتَهى. وقَوْلُ الزَّجّاجِ: لا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ انْظُرْ، وتَعْلِيلُهُ: يُرِيدُ لا يَجُوزُ أنْ تَعْمَلَ فِيهِ انْظُرْ لَفْظًا، لَكِنَّ الجُمْلَةَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لانْظُرْ مُعَلَّقَةً، وهي مِن نَظَرِ القَلْبِ. وقَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ: هَذا قانُونُ النَّحْوِيِّينَ إلى آخِرِ تَعْلِيلِهِ، لَيْسَ كَما ذَكَرَ، بَلْ لِكَيْفَ مَعْنَيانِ: أحَدُهُما: الِاسْتِفْهامُ المَحْضُ، وهو سُؤالٌ عَنِ الهَيْئَةِ، إلّا أنْ تُعَلِّقَ عَنْها العامِلَ فَمَعْناها مَعْنى الأسْماءِ الَّتِي يُسْتَفْهَمُ بِها إذا عُلِّقَ عَنْها العامِلُ. والثّانِي: الشَّرْطُ. لِقَوْلِ العَرَبِ: كَيْفَ تَكُونُ أكُونُ، وقَوْلُهُ: ولِكَيْفَ تَصَرُّفاتٌ إلى آخِرِهِ، لَيْسَ كَيْفَ تَحُلُّ مَحَلَّ المَصْدَرِ، ولا لَفْظُ كَيْفِيَّةٍ هو مَصْدَرٌ، إنَّما ذَلِكَ نِسْبَةٌ إلى كَيْفَ. وقَوْلُهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا المَوْضِعُ مِنها ومِن تَصَرُّفاتِها، قَوْلُهم: كُنْ كَيْفَ شِئْتَ، لا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنها، لِأنَّهُ لَمْ يُثْبِتْ لَها المَعْنى الَّذِي ذَكَرَ مِن كَوْنِ كَيْفَ بِمَعْنى كَيْفِيَّةٍ وادِّعاءِ مَصْدَرِ كَيْفِيَّةٍ. وأمّا كُنْ كَيْفَ شِئْتَ، فَكَيْفَ لَيْسَتْ بِمَعْنى كَيْفِيَّةٍ، وإنَّما هي شَرْطِيَّةٌ وهو المَعْنى الثّانِي الَّذِي لَها. وجَوابُها مَحْذُوفٌ التَّقْدِيرُ: كَيْفَ شِئْتَ فَكُنْ، كَما تَقُولُ: قُمْ مَتى شِئْتَ، فَمَتى اسْمُ شَرْطٍ ظَرْفٌ لا يَعْمَلُ فِيهِ قُمْ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: مَتى شِئْتَ فَقُمْ، وحُذِفَ الجَوابُ لِدِلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِمُ: اضْرِبْ زَيْدًا إنْ أساءَ إلَيْكَ، التَّقْدِيرُ: إنْ أساءَ إلَيْكَ فاضْرِبْهُ، وحُذِفَ فاضْرِبْهُ لِدِلالَةِ اضْرِبِ المُتَقَدِّمِ عَلَيْهِ. وأمّا قَوْلُ البُخارِيِّ: كَيْفَ كانَ بَدْءُ الوَحْيِ ؟ فَهو اسْتِفْهامٌ مَحْضٌ، إمّا عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ كَأنَّ قائِلًا سَألَهُ فَقالَ: كَيْفَ كانَ بَدْءُ الوَحْيِ ؟ فَأجابَ بِالحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ كَيْفِيَّةُ ذَلِكَ. والظّالِمِينَ: الظّاهِرُ أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ مَن عادَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ بَلْ كَذَّبُوا. ﴿ومِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ ورَبُّكَ أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ﴾: الظّاهِرُ أنَّهُ إخْبارٌ بِأنَّ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ مَن سَيُؤْمِنُ بِهِ وهو مَن سَبَقَتْ لَهُ السَّعادَةُ، ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ فَيُوافى عَلى الكُفْرِ. وقِيلَ: هو تَقْسِيمٌ في الكُفّارِ الباقِينَ عَلى كُفْرِهِمْ، فَمِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ باطِنًا ويَعْلَمُ أنَّهُ حَقٌّ ولَكِنَّهُ كَذَّبَ عِنادًا، ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ لا باطِنًا ولا ظاهِرًا، إمّا لِسُرْعَةِ تَكْذِيبِهِ وكَوْنِهِ لَمْ يَتَدَبَّرْهُ، وإمّا لِكَوْنِهِ نَظَرَ فِيهِ فَعارَضَتْهُ الشُّبُهاتُ ولَيْسَ عِنْدَهُ مِنَ الفَهْمِ ما يَدْفَعُها. وفِيهِ تَفْرِيقُ كَلِمَةِ الكُفّارِ، وأنَّهم لَيْسُوا مُسْتَوِينَ في اعْتِقاداتِهِمْ، بَلْ هم مُضْطَرِبُونَ وإنْ شَمِلَهُمُ التَّكْذِيبُ والكُفْرُ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ومِنهم عائِدٌ عَلى أهْلِ الكِتابِ، والظّاهِرُ عَوْدُهُ عَلى مَن عادَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ أمْ يَقُولُونَ، وتَعَلُّقُ العِلْمَ بِالمُفْسِدِينَ وحْدَهم تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ لَهم. ﴿وإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكم أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾: أيْ وإنْ تَمادَوْا عَلى تَكْذِيبِكَ فَتَبَرَّأْ مِنهم قَدْ أعْذَرْتَ وبَلَّغْتَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٦] ومَعْنى لِي عَمَلِي، أيْ: جَزاءُ عَمَلِي ولَكم جَزاءُ عَمَلِكم. ومَعْنى عَمَلِي الصّالِحُ المُشْتَمِلُ عَلى الإيمانِ والطّاعَةِ، ولَكم عَمَلُكُمُ المُشْتَمِلُ عَلى الشِّرْكِ والعِصْيانِ. والظّاهِرُ أنَّها آيَةُ مُنابَذَةٍ لَهم ومُوادَعَةٍ، وضَمَّنَها الوَعِيدَ كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] السُّورَةَ. وقِيلَ: المَقْصُودُ بِذَلِكَ اسْتِمالَتُهم وتَأْلِيفُ قُلُوبِهِمْ. وقالَ قَوْمٌ مِنهُمُ ابْنُ زَيْدٍ: هي مَنسُوخَةٌ بِالقِتالِ لِأنَّها مَكِّيَّةٌ، وهو قَوْلُ: مُجاهِدٍ والكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ. وقالَ المُحَقِّقُونَ: لَيْسَتْ بِمَنسُوخَةٍ، ومَدْلُولُها اخْتِصاصُ كُلِّ واحِدٍ بِأفْعالِهِ، وثَمَراتِها مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، ولَمْ تَرْفَعْ آيَةُ السَّيْفِ شَيْئًا مِن هَذا. وبَدَأ في المَأْمُورِ بِقَوْلِهِ: لِي عَمَلِي لِأنَّهُ آكَدُ في الِانْتِفاءِ مِنهم وفي البَراءَةِ بِقَوْلِهِ: أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ، لِأنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ جاءَتْ كالتَّوْكِيدِ والتَّتْمِيمِ لِما قَبْلَها، فَناسَبَ أنْ تَلِيَ قَوْلَهُ: ولَكم عَمَلُكم. ولِمُراعاةِ الفَواصِلِ، إذْ لَوْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ بَراءَةٍ كَما تَقَدَّمَ ذِكْرُ لِي عَمَلِي لَمْ تَقَعِ الجُمْلَةُ فاصِلَةً، إذْ كانَ يَكُونُ التَّرْكِيبُ وأنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ. (p-١٦١)﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ ولَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿ومِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ أفَأنْتَ تَهْدِي العُمْيَ ولَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا ولَكِنَّ النّاسَ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتِ الآيَتانِ في النَّضْرِ بْنِ الحَرْثِ وغَيْرِهِ مِنَ المُسْتَهْزِئِينَ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: في قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ، انْتَهى. وهَذِهِ الآيَةُ فِيها تَقْسِيمُ مَن لا يُؤْمِنُ مِنَ الكُفّارِ إلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ بَعْدَ تَقْسِيمِ المُكَذِّبِينَ إلى مَن يُؤْمِنُ ومَن لا يُؤْمِنُ، والضَّمِيرُ في يَسْتَمِعُونَ عائِدٌ عَلى مَعْنى مَن، والعَوْدِ عَلى المَعْنى دُونَ العَوْدِ عَلى اللَّفْظِ في الكَثْرَةِ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الشَّياطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ﴾ [الأنبياء: ٨٢] والمَعْنى: مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ إذا قَرَأْتَ القُرْآنَ وعَلِمْتَ الشَّرائِعَ، ثُمَّ نَفى جَدْوى ذَلِكَ الِاسْتِماعِ بِقَوْلِهِ: أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ، أيْ: هم، وإنِ اسْتَمَعُوا إلَيْكَ صُمٌّ عَنْ إدْراكِ ما تُلْقِيهِ إلَيْهِمْ لَيْسَ لَهم وعْيٌ ولا قَبُولٌ، ولا سِيَّما قَدِ انْضافَ إلى الصَّمَمِ انْتِفاءُ العَقْلِ، فَجُرَّ بِمِن عَدَمُ السَّمْعِ والعَقْلِ أنْ لا يَكُونَ لَهُ إدْراكٌ لِشَيْءٍ البَتَّةَ، بِخِلافِ أنْ لَوْ كانَ الأصَمُّ عاقِلًا فَإنَّهُ بِعَقْلِهِ يَهْتَدِي إلى أشْياءَ. وأعادَ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ﴾ الضَّمِيرَ مُفْرَدًا مُذَكَّرًا عَلى لَفْظِ مَن، وهو الأكْثَرُ في لِسانِ العَرَبِ. والمَعْنى: أنَّهم عُمْيٌ فَلا تَقْدِرُ عَلى هِدايَتِهِمْ، لِأنَّ السَّبَبَ الَّذِي يُهْتَدى بِهِ إلى رُؤْيَةِ الدَّلائِلِ فَقَدْ فَقَدُوهُ، هَذا وهم مَعَ فَقْدِ البَصَرِ قَدْ فَقَدُوا البَصِيرَةَ، إذْ مَن كانَ أعْمى فَإنَّهُ مُهْدِيهِ نُورُ بَصِيرَتِهِ إلى أشْياءَ بِالحَدْسِ، وهَذا قَدْ جَمَعَ بَيْنَ فِقْدانِ البَصَرِ والبَصِيرَةِ، وهَذا مُبالَغَةٌ عَظِيمَةٌ في انْتِفاءِ قَبُولِ ما يُلْقى إلى هَؤُلاءِ، إذْ جَمَعُوا بَيْنَ الصَّمَمِ وانْتِفاءِ العَقْلِ، وبَيْنَ العَمى وفَقْدِ البَصِيرَةِ. وقَوْلُهُ: (أفَأنْتَ): تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ وأنْ لا يَكْتَرِثَ بِعَدَمِ قَبُولِهِمْ، فَإنَّ الهِدايَةَ إنَّما هي لِلَّهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: جاءَ يَنْظُرُ عَلى لَفْظِ مَن، وإذا جاءَ الفِعْلُ عَلى لَفْظِها فَجائِزٌ أنْ يُعْطَفَ عَلَيْهِ آخَرُ عَلى المَعْنى، وإذا جاءَ أوَّلًا عَلى مَعْناها فَلا يَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ عَلَيْهِ بِآخَرَ عَلى اللَّفْظِ، لِأنَّ الكَلامَ يُلْبَسُ حِينَئِذٍ، انْتَهى. ولَيْسَ كَما قالَ، بَلْ يَجُوزُ أنْ تُراعِي المَعْنى أوَّلًا فَتُعِيدَ الضَّمِيرَ عَلى حَسَبِ ما تُرِيدُ مِنَ المَعْنى مِن تَأْنِيثٍ وتَثْنِيَةٍ وجَمْعٍ، ثُمَّ تُراعِي اللَّفْظَ فَتُعِيدُ الضَّمِيرَ مُفْرَدًا مُذَكَّرًا، وفي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ ذُكِرَ في عِلْمِ النَّحْوِ. والمَقْصُودُ مِنَ الآيَتَيْنِ: إعْلامُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ قَدِ انْتَهَوْا في النَّفْرَةِ والعَداوَةِ، والبُغْضِ الشَّدِيدِ في رُتْبَةِ مَن لا يَنْفَعُ فِيهِ عِلاجٌ البَتَّةَ، لِأنَّ مَن كانَ أصَمَّ أحْمَقَ وأعْمى فاقِدَ البَصِيرَةِ لا يُمْكِنُ ذَلِكَ أنْ يَقِفَ عَلى مَحاسِنِ الكَلامِ وما انْطَوى عَلَيْهِ مِنَ الإعْجازِ، ولا يُمْكِنُ هَذا أنْ يَرى ما أجْرى اللَّهُ عَلى يَدَيْ رَسُولِهِ مِنَ الخَوارِقِ، فَقَدْ أيِسَ مِن هِدايَةِ هَؤُلاءِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎وإذا خَفِيتُ عَلى الغَبِيَّ فَعاذِرٌ أنْ لا تَرانِي مُقْلَةٌ عَمْياءُ ولَمّا ذَكَرَ تَعالى هَؤُلاءِ الأشْقِياءَ، ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ لا يَظْلِمُهم شَيْئًا، إذْ قَدْ أزاحَ عِلَلَهم بِبِعْثَةِ الرُّسُلِ وتَحْذِيرِهِمْ مِن عِقابِهِ، ولَكِنَّهم ظالِمُوا أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ والتَّكْذِيبِ. واحْتَمَلَ هَذا النَّفْيُ لِلظُّلْمِ أنْ يَكُونَ في (p-١٦٢)الدُّنْيا، أيْ: لا يَظْلِمُهم شَيْئًا مِن مَصالِحِهِمْ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ في الآخِرَةِ وأنَّ ما يَلْحَقُهم مِنَ العِقابِ هو عَدْلٌ مِنهُ، لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ تَسَبَّبُوا فِيهِ بِاكْتِسابِ ذُنُوبِهِمْ كَما قَدَّرَ تَعالى عَلَيْهِمْ: لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ. وتَقَدَّمَ خِلافُ القُرّاءِ في (ولَكِنَّ النّاسَ) مِن تَشْدِيدِ النُّونِ ونَصْبِ النّاسِ وتَخْفِيفِها والرَّفْعِ. (ويَوْمَ يَحْشُرُهم كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهم قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وما كانُوا مُهْتَدِينَ): قَرَأ الأعْمَشُ وحَفْصٌ: يَحْشُرُهم بِالياءِ راجِعًا الضَّمِيرَ غائِبًا عائِدًا عَلى اللَّهِ، إذْ تَقَدَّمَ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا﴾ ولَمّا ذَكَرَ أُولَئِكَ الأشْقِياءَ أتْبَعَهُ بِالوَعِيدِ ووَصْفِ حالِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، والمَعْنى: كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا في الدُّنْيا أوْ في القُبُورِ، يَعْنِي: فَقَلِيلٌ لُبْثُهم، وذَلِكَ لِهَوْلِ ما يُعايِنُونَ مِن شَدائِدِ القِيامَةِ، أوْ لِطُولِ يَوْمِ القِيامَةِ ووُقُوفِهِمْ لِلْحِسابِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رَأوْا أنَّ طُولَ أعْمارِهِمْ في مُقابَلَةِ الخُلُودِ كَساعَةٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَوْمَ ظَرْفٌ، ونَصْبُهُ يَصِحُّ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ. ويَصِحُّ أنْ يَنْتَصِبَ بِالفِعْلِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ: كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ، ويَصِحُّ نَصْبُهُ بِيَتَعارَفُونَ، والكافُ مِن قَوْلِهِ: كَأنْ، يَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِلْيَوْمِ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَعْتٍ لِلْمَصْدَرِ كَأنَّهُ قالَ: ويَوْمَ نَحْشُرُهم حَشْرًا كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في نَحْشُرُهم، انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: ويَصِحُّ أنْ يَنْتَصِبَ بِالفِعْلِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا فَإنَّهُ كَلامٌ مُجْمَلٌ لَمْ يُبَيِّنِ الفِعْلَ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا، ولَعَلَّهُ أرادَ ما قالَهُ الحَوْفِيُّ: مِن أنَّ الكافَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِما تَضَمَّنَتْ مِن مَعْنى الكَلامِ وهو السُّرْعَةُ، انْتَهى. فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ويَوْمَ نَحْشُرُهم يُسْرِعُونَ كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا، وأمّا قَوْلُهُ: والكافُ مِن قَوْلِهِ كَأنْ، يَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِلْيَوْمِ، فَلا يَصِحُّ لِأنَّ يَوْمَ نَحْشُرُهم مَعْرِفَةٌ، والجُمَلُ نَكِراتٌ، ولا تُنْعَتُ المَعْرِفَةُ بِالنَّكِرَةِ. لا يُقالُ: إنَّ الجُمَلَ الَّذِي يُضافُ إلَيْها أسْماءُ الزَّمانِ نَكِرَةٌ عَلى الإطْلاقِ، لِأنَّها إنْ كانَتْ في التَّقْدِيرِ تُنْحَلُ إلى مَعْرِفَةٍ، فَإنَّ ما أُضِيفَ إلَيْها يَتَعَرَّفُ وإنْ كانَتْ تُنْحَلُ إلى نَكِرَةٍ كانَ ما أُضِيفَ إلَيْها نَكِرَةً، تَقُولُ: مَرَرْتُ في يَوْمِ قَدِمَ زَيْدٌ الماضِي، فَتَصِفُ يَوْمَ بِالمَعْرِفَةِ، وجِئْتُ لَيْلَةَ قَدِمَ زَيْدٌ المُبارَكَةُ عَلَيْنا. وأيْضًا فَكَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْيَوْمِ مِن (p-١٦٣)جِهَةِ المَعْنى، لِأنَّ ذَلِكَ مِن وصْفِ المَحْشُورِينَ لا مِن وصْفِ يَوْمِ حَشْرِهِمْ. وقَدْ تَكَلَّفَ بَعْضُهم تَقْدِيرَ مَحْذُوفٍ بِرَبْطٍ فَقَدَّرَهُ: كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا قَبْلَهُ، فَحُذِفَ قَبْلَهُ، أيْ قَبْلَ اليَوْمِ، وحَذْفُ مِثْلِ هَذا الرّابِطِ لا يَجُوزُ. فالظّاهِرُ أنَّها جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن مَفْعُولِ نَحْشُرُهم كَما قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ آخِرًا، وكَذا أعْرَبَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وأبُو البَقاءِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا ويَتَعارَفُونَ كَيْفَ مَوْقِعُهُما ؟ (قُلْتُ): أمّا الأُولى فَحالٌ مِنهم، أيْ: نَحْشُرُهم مُشَبَّهِينَ بِمَن لَمْ يَلْبَثْ إلّا ساعَةً. وأمّا الثّانِيَةُ فَإمّا أنْ تَتَعَلَّقَ بِالظَّرْفِ يَعْنِي: فَتَكُونُ حالًا، وإمّا أنْ تَكُونَ مُبَيِّنَةً لِقَوْلِهِ: كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً، لِأنَّ التَّعارُفَ يَبْقى مَعَ طُولِ العَهْدِ ويَنْقَلِبُ تَناكُرًا، انْتَهى. وقالَ الحَوْفِيُّ: يَتَعارَفُونَ فِعْلٌ مُسْتَقْبَلٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في يَلْبَثُوا وهو العامِلُ، كَأنَّهُ قالَ: مُتَعارِفِينَ، المَعْنى: اجْتَمَعُوا مُتَعارِفِينَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الهاءِ والمِيمِ في نَحْشُرُهم وهو العامِلُ، انْتَهى. وأمّا قَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لِلْمَصْدَرِ، كَأنَّهُ قالَ: ويَوْمَ نَحْشُرُهم حَشْرًا كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا، فَقَدْ حَكاهُ أبُو البَقاءِ فَقالَ: وقِيلَ هو نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ حَشْرًا كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا قَبْلَهُ، انْتَهى. وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ حَذْفَ مِثْلِ هَذا الرّابِطِ لا يَجُوزُ. وجَوَّزُوا في يَتَعارَفُونَ أنْ يَكُونَ حالًا عَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الخِلافِ في ذِي الحالِ والعامِلِ فِيها، وأنْ يَكُونَ جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً، أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يَقَعُ التَّعارُفُ بَيْنَهم. وقالَ الكَلْبِيُّ: يَعْرِفُ بَعْضُهم بَعْضًا كَمَعْرِفَتِهِمْ في الدُّنْيا إذا خَرَجُوا مِن قُبُورِهِمْ، وهو تَعارُفُ تَوْبِيخٍ وافْتِضاحٍ، يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أنْتَ أضْلَلْتَنِي وأغْوَيْتَنِي، ولَيْسَ تَعارُفَ شَفَقَةٍ وعَطْفٍ، ثُمَّ تَنْقَطِعُ المَعْرِفَةُ إذا عايَنُوا أهْوالَ القِيامَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج: ١٠] ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ [المعارج: ١١] . وقِيلَ: يُعَرِّفُ بَعْضُهم بَعْضًا ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الخَطَأِ والكُفْرِ. وقالَ الضَّحّاكُ: تَعارَفُ تَعاطُفِ المُؤْمِنِينَ، والكافِرُونَ لا أنْسابَ بَيْنَهم. وقِيلَ: القِيامَةُ مُواطِنُ، فَفي مَوْطِنٍ يَتَعارَفُونَ وفي مَوْطِنٍ لا يَتَعارَفُونَ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ إلى آخِرِهِ: جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، أخْبَرَ تَعالى بِخُسْرانِ المُكَذِّبِينَ بِلِقائِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو اسْتِئْنافٌ فِيهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما أخْسَرَهم. وقالَ أيْضًا: وابْتَدَأ بِهِ قَدْ خَسِرَ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، أيْ: يَتَعارَفُونَ بَيْنَهم قائِلِينَ ذَلِكَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقِيلَ إنَّهُ إخْبارُ المَحْشُورِينَ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ لِأنْفُسِهِمْ، انْتَهى. وهَذا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ كَقَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ: يَتَعارَفُونَ بَيْنَهم قائِلِينَ ذَلِكَ، وأنْ يَكُونَ كَقَوْلِ غَيْرِهِ: نَحْشُرُهم قائِلِينَ قَدْ خَسِرَ، فاحْتَمَلَ هَذا المُقَدَّرُ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لَيَتَعارَفُونَ، وأنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِنَحْشُرُهم، ونَبَّهَ عَلى العِلَّةِ المُوجِبَةِ لِلْخُسْرانِ وهو التَّكْذِيبُ بِلِقاءِ اللَّهِ. ﴿وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾: الظّاهِرُ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: قَدْ خَسِرَ، فَيَكُونُ مِن كَلامِ المَحْشُورِينَ إذا قُلْنا: إنَّ قَوْلَهُ قَدْ خَسِرَ مِن كَلامِهِمْ، أخْبَرُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ بِخُسْرانِهِمْ في الآخِرَةِ وبِانْتِفاءِ هِدايَتِهِمْ في الدُّنْيا. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى صِلَةِ الَّذِينَ، أيْ: كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ، وانْتَفَتْ هِدايَتُهم في الدُّنْيا. ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ كالتَّوْكِيدِ بِجُمْلَةِ الصِّلَةِ، لِأنَّ مَن كَذَّبَ بِلِقاءِ اللَّهِ هو غَيْرُ مُهْتَدٍ. وقِيلَ: وما كانُوا مُهْتَدِينَ إلى غايَةِ مَصالِحِ التِّجارَةِ. وقِيلَ: لِلْإيمانِ. وقِيلَ: في عِلْمِ اللَّهِ، بَلْ هم مِمَّنْ حَتَّمَ ضَلالَهم وقَضى بِهِ. ﴿وإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإلَيْنا مَرْجِعُهم ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾: إمّا هي إنِ الشَّرْطِيَّةُ، زِيدَ عَلَيْها ما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، ولِأجْلِها جازَ دُخُولُ النُّونِ الثَّقِيلَةِ. ولَوْ كانَتْ إنْ وحْدَها لَمْ يَجُزِ، انْتَهى. يَعْنِي أنَّ دُخُولَ النُّونِ لِلتَّأْكِيدِ إنَّما يَكُونُ (p-١٦٤)مَعَ زِيادَةِ ما بَعْدَ إنْ، وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ مُخالِفٌ لِظاهِرِ كَلامِ سِيبَوَيْهِ. قالَ ابْنُ خَرُوفٍ: أجازَ سِيبَوَيْهِ الإتْيانَ بِما، وأنْ لا يُؤْتى بِها، والإتْيانَ بِالنُّونِ مَعَ ما وأنْ لا يُؤْتى بِها، والإراءَةُ هُنا بَصَرِيَّةٌ، ولِذَلِكَ تَعَدّى الفِعْلُ إلى اثْنَيْنِ، والكافُ خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ . وبَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم يَعْنِي: مِنَ العَذابِ في الدُّنْيا. وقَدْ أراهُ اللَّهُ تَعالى أنْواعًا مِن عَذابِ الكُفّارِ في الدُّنْيا، قَتْلًا وأسْرًا ونَهْبًا لِلْأمْوالِ وسَبْيًا لِلذَّرارِي وضَرْبَ جِزْيَةٍ، وتَشْتِيتَ شَمْلٍ بِالجَلاءِ إلى غَيْرِ بِلادِهِمْ، وما يَحْصُلُ لَهم في الآخِرَةِ أعْظَمُ، لِأنَّهُ العَذابُ الدّائِمُ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ. والظّاهِرُ أنَّ جَوابَ الشَّرْطِ هو قَوْلُهُ: فَإلَيْنا مَرْجِعُهم، وكَذا قالَهُ الحَوْفِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ الوَعِيدُ بِالرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَبارَكَ وتَعالى، أيْ: إنْ أرَيْناكَ عُقُوبَتَهم أوْ لَمْ نُرِكَها فَهم عَلى كُلِّ حالٍ راجِعُونَ إلَيْنا إلى الحِسابِ والعَذابِ، ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ اللَّهُ شَهِيدٌ مِن أوَّلِ تَكْلِيفِهِمْ عَلى جَمِيعِ أعْمالِهِمْ. فَثُمَّ هاهُنا لِتَرْتِيبِ الأخْبارِ، لا لِتَرْتِيبِ القَصَصِ في أنْفُسِها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإلَيْنا مَرْجِعُهم جَوابُ نَتَوَفَّيَنَّكَ، وجَوابُ نُرِيَنَّكَ مَحْذُوفٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: وإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم فَذاكَ، أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قَبْلَ أنْ نُرِيَكَهُ، فَنَحْنُ نُرِيكَ في الآخِرَةِ، انْتَهى. فَجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ الكَلامَ شَرْطَيْنِ لَهُما جَوابانِ، ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ جَوابٍ مَحْذُوفٍ، لِأنَّ قَوْلَهُ: فَإلَيْنا مَرْجِعُهم صالِحٌ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِلشَّرْطِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ. وأيْضًا فَقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: فَذاكَ هو اسْمٌ مُفْرَدٌ لا يَنْعَقِدُ مِنهُ جَوابُ شَرْطٍ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يَأْتِيَ بِجُمْلَةٍ يَتَّضِحُ مِنها جَوابُ الشَّرْطِ، إذْ لا يُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ فَذاكَ الجُزْءُ الَّذِي حُذِفَ المُتَحَصِّلُ بِهِ فائِدَةُ الإسْنادِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ثَمَّ اللَّهُ بِفَتْحِ الثّاءِ، أيْ: هُنالِكَ. ومَعْنى شَهادَةِ اللَّهِ عَلى ما يَفْعَلُونَ مُقْتَضاها ونَتِيجَتُها وهو العِقابُ، كَأنَّهُ قالَ: ثُمَّ اللَّهُ مُعاقِبُهم، وإلّا فَهو تَعالى شَهِيدٌ عَلى أفْعالِهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّهُ تَعالى مُؤَدٍّ شَهادَتَهُ عَلى أفْعالِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ حَتّى تَنْطِقَ جُلُودُهم، وألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم شاهِدَةً عَلَيْهِمْ. ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإذا جاءَ رَسُولُهم قُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾: لَمّا بَيَّنَ حالَ الرَّسُولِ ﷺ في قَوْمِهِ بَيَّنَ حالَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ أقْوامِهِمْ، تَسْلِيَةً لَهُ وتَطْمِينًا لِقَلْبِهِ. ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى ما أهْمَلَ أُمَّةً، بَلْ بَعَثَ إلَيْها رَسُولًا كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنْ مِن أُمَّةٍ إلّا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] وقَوْلُهُ: ﴿فَإذا جاءَ رَسُولُهُمْ﴾، إمّا أنْ يَكُونَ إخْبارًا عَنْ حالَةٍ ماضِيَةٍ فَيَكُونُ ذَلِكَ في الدُّنْيا، ويَكُونُ المَعْنى: أنَّهُ بَعَثَ إلى كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا يَدْعُوهم إلى دِينِ اللَّهِ ويُنَبِّئُهم عَلى تَوْحِيدِهِ، فَلَمّا جاءَهم بِالبَيِّناتِ كَذَّبُوهُ، فَقُضِيَ بَيْنَهم، أيْ: بَيْنَ الرَّسُولِ وأُمَّتِهِ، فَأنْجى الرَّسُولَ وعُذِّبَ المُكَذِّبُونَ. وإمّا أنْ يَكُونَ عَلى حالَةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ، أيْ: فَإذا جاءَهم رَسُولُهم يَوْمَ القِيامَةِ لِلشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ قُضِيَ بَيْنَهم، أيْ: بَيْنَ الأُمَّةِ بِالعَدْلِ، فَصارَ قَوْمٌ إلى الجَنَّةِ وقَوْمٌ إلى النّارِ، فَهَذا هو القَضاءُ بَيْنَهم، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ. ويَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ وقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ [الزمر: ٦٩] . ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾: الضَّمِيرُ في ويَقُولُونَ، عائِدٌ عَلى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ ومَن تابَعَهم مِن مُنْكِرِي الحَشْرِ، اسْتَعْجَلُوا بِما وُعِدُوا بِهِ مِنَ العَذابِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِبْعادِ، أوْ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِخْفافِ، ولِذَلِكَ قالُوا: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، أيْ: لَسْتُمْ صادِقِينَ فِيما وعَدْتُمْ بِهِ فَلا يَقَعُ شَيْءٌ مِنهُ. وقَوْلُهم: هَذا يَشْهَدُ لِلْقَوْلِ الأوَّلِ في الآيَةِ قَبْلَها، وأنَّها حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ. وأنَّ مَعْنى ذَلِكَ: فَإذا جاءَهُمُ الرَّسُولُ وكَذَّبُوهُ قُضِيَ بَيْنَهم في الدُّنْيا، وأنَّ كُلَّ رَسُولٍ وعَدَ أُمَّتَهُ بِالعَذابِ في الدُّنْيا إنْ هي كَذَّبَتْ. (p-١٦٥)﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا إلّا ما شاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ إذا جاءَ أجَلُهم فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾: لَمّا التَمَسُوا تَعْجِيلَ العَذابِ أوْ تَعْجِيلَ السّاعَةِ، أمَرَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَقُولَ لَهم: لَيْسَ ذَلِكَ إلَيَّ، بَلْ ذَلِكَ إلى اللَّهِ تَعالى. وإذا كُنْتُ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا فَكَيْفَ أمْلِكُهُ لِغَيْرِي ؟ أوْ كَيْفَ أطَّلِعُ عَلى ما لَمْ يُطْلِعْنِي عَلَيْهِ اللَّهُ ؟ ولَكِنْ لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ انْفَرَدَ بِعِلْمِهِ تَعالى. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ قَوْلِهِ ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ في الأعْرافِ. وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ: آجالُهم عَلى الجَمْعِ. وإلّا ما شاءَ اللَّهُ ظاهِرُهُ أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ أمْلِكَهُ وأقْدِرَ عَلَيْهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، أيْ: ولَكِنْ ما شاءَ اللَّهُ مِن ذَلِكَ كائِنٌ، فَكَيْفَ أمْلِكُ لَكُمُ الضَّرَرَ وجَلْبَ العَذابِ. ولِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ، أيْ: إنَّ عَذابَكم لَهُ أجَلٌ مَضْرُوبٌ عِنْدَ اللَّهِ. ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ بَياتًا أوْ نَهارًا ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ﴾ ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ آلْآنَ وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ (p-١٦٦)تَقَدَّمَ الكَلامُ في أرَأيْتُمْ في سُورَةِ الأنْعامِ، وقَرَّرْنا هُناكَ أنَّ العَرَبَ تُضَمِّنُ أرَأيْتَ مَعْنى أخْبِرْنِي، وأنَّها تَتَعَدّى إذْ ذاكَ إلى مَفْعُولَيْنِ، وأنَّ المَفْعُولَ الثّانِي أكْثَرُ ما يَكُونُ جُمْلَةَ اسْتِفْهامٍ، يَنْعَقِدُ مِنها ما قَبْلَها مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ كَقَوْلِ العَرَبِ: أرَأيْتَ زَيْدًا ما صَنَعَ ؟ المَعْنى: أخْبِرْنِي عَنْ زَيْدٍ ما صَنَعَ. وقَبْلَ دُخُولِ أرَأيْتَ كانَ الكَلامُ: زَيْدٌ ما صَنَعَ ؟ وإذا تَقَرَّرَ هَذا فَأرَأيْتُمْ هُنا المَفْعُولُ الأوَّلُ لَها مَحْذُوفٌ، والمَسْألَةُ مِن بابِ الإعْمالِ. تَنازَعَ أرَأيْتَ وإنْ أتاكم عَلى قَوْلِهِ: عَذابُهُ، فَأُعْمِلَ الثّانِي إذْ هو المُخْتارُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، وهو الَّذِي ورَدَ بِهِ السَّماعُ أكْثَرَ مِن إعْمالِ الأوَّلِ. فَلَمّا أُعْمِلِ الثّانِي حُذِفَ مِنَ الأوَّلِ ولَمْ يُضْمَرْ، لِأنَّ إضْمارَهُ مُخْتَصٌّ بِالشِّعْرِ، أوْ قَلِيلٌ في الكَلامِ عَلى اخْتِلافِ النَّحْوِيِّينَ في ذَلِكَ. والمَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: أخْبِرُونِي عَنْ عَذابِ اللَّهِ إنْ أتاكم، أيُّ شَيْءٍ تَسْتَعْجِلُونَ مِنهُ، ولَيْسَ شَيْءٌ مِنَ العَذابِ يَسْتَعْجِلُهُ عاقِلٌ، إذِ العَذابُ كُلُّهُ مُرُّ المَذاقِ مُوجِبٌ لِنِفارِ الطَّبْعِ مِنهُ، فَتَكُونُ جُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ جاءَتْ عَلى سَبِيلِ التَّلَطُّفِ بِهِمْ، والتَّنْبِيهِ لَهم أنَّ العَذابَ لا يَنْبَغِي أنْ يَسْتَعْجِلَ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ جاءَتْ عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ والتَّهْوِيلِ لِلْعَذابِ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ شَدِيدٍ تَسْتَعْجِلُونَ مِنهُ ؟ أيْ: ما أشَدَّ وأهْوَلَ ما تَسْتَعْجِلُونَ مِنَ العَذابِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: الرُّؤْيَةُ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ الَّتِي بِمَعْنى العِلْمِ، لِأنَّها داخِلَةٌ عَلى الجُمْلَةِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ ومَعْناها التَّقْرِيرُ. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: أرَأيْتُمْ ما تَسْتَعْجِلُ مِنَ العَذابِ المُجْرِمُونَ إنْ أتاكم عَذابُهُ، انْتَهى. فَظاهِرُ كَلامِ الحَوْفِيِّ: أنَّ أرَأيْتُمْ باقِيَةٌ عَلى مَوْضُوعِها الأوَّلِ لَمْ تُضَمَّنْ مَعْنى أخْبِرُونِي، وأنَّها بِمَعْنى أعَلِمْتُمْ، وأنَّ جُمْلَةَ الِاسْتِفْهامِ سَدَّتْ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ، وأنَّهُ اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَّقْرِيرُ، ولَمْ يُبَيِّنِ الحَوْفِيُّ ما يُفِيدُ جَوابَ الشَّرْطِ المَحْذُوفَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): بِمَ يَتَعَلَّقُ الِاسْتِفْهامُ ؟ وأيْنَ جَوابُ الشَّرْطِ ؟ (قُلْتُ): تَعَلَّقَ بِأرَأيْتُمْ، لِأنَّ المَعْنى: أخْبِرُونِي ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ وهو: تَنْدَمُوا عَلى الِاسْتِعْجالِ وتَعْرِفُوا الخَطَأ فِيهِ، انْتَهى. وما قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرُ سائِغٍ، لِأنَّهُ لا يُقَدِّرُ الجَوابَ إلّا مِمّا تَقَدَّمَهُ لَفْظًا أوْ تَقْدِيرًا تَقُولُ: أنْتَ ظالِمٌ إنْ فَعَلْتَ، فالتَّقْدِيرُ إنْ فَعَلْتَ فَأنْتَ ظالِمٌ. وكَذَلِكَ ﴿وإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٧٠] (p-١٦٧)التَّقْدِيرُ: إنْ شاءَ اللَّهُ نَهْتَدِ. فالَّذِي يُسَوِّغُ أنْ يُقَدَّرَ: إنْ أتاكم عَذابُهُ فَأخْبِرُونِي ماذا يَسْتَعْجِلُ ؟ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ اعْتِراضًا، والمَعْنى: إنْ أتاكم عَذابُهُ أآمَنتُمْ بِهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ حِينَ لا يَنْفَعُكُمُ الإيمانُ ؟ انْتَهى. أمّا تَجْوِيزُهُ أنْ يَكُونَ ماذا جَوابًا لِلشَّرْطِ فَلا يَصِحُّ، لِأنَّ جَوابَ الشَّرْطِ إذا كانَ اسْتِفْهامًا فَلا بُدَّ فِيهِ مِنَ الفاءِ، تَقُولُ: إنْ زارَنا فُلانٌ فَأيُّ رَجُلٍ هو، وإنْ زارَنا فُلانٌ فَأيُّ يَدٍ لَهُ بِذَلِكَ، ولا يَجُوزُ حَذْفُها إلّا إنْ كانَ في ضَرُورَةٍ، والمِثالُ الَّذِي ذَكَرَهُ وهو: إنْ أتَيْتُكَ ماذا تُطْعِمُنِي ؟ هو مِن تَمْثِيلِهِ، لا مِن كَلامِ العَرَبِ. وأمّا قَوْلُهُ: ثُمَّ تَتَعَلَّقُ الجُمْلَةُ بِأرَأيْتُمْ، إنْ عُنِيَ بِالجُمْلَةِ: ماذا يَسْتَعْجِلُ ؟ فَلا يَصِحُّ ذَلِكَ لِأنَّهُ قَدْ جَعَلَها جَوابًا لِلشَّرْطِ، وإنْ عُنِيَ بِالجُمْلَةِ جُمْلَةُ الشَّرْطِ فَقَدْ فَسَّرَ هو أرَأيْتُمْ بِمَعْنى: أخْبِرْنِي، وأخْبِرْنِي تَطْلُبُ مُتَعَلِّقًا مَفْعُولًا، ولا تَقَعُ جُمْلَةُ الشَّرْطِ مَوْقِعَ مَفْعُولِ أخْبِرْنِي. وأمّا تَجْوِيزُهُ أنْ يَكُونَ ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ﴾ جَوابَ الشَّرْطِ، وماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ اعْتِراضًا فَلا يَصِحُّ أيْضًا، لِما ذَكَرْناهُ مِن أنَّ جُمْلَةَ الِاسْتِفْهامِ لا تَقَعُ جَوابًا لِلشَّرْطِ إلّا ومَعَها فاءُ الجَوابِ. وأيْضًا فَثُمَّ هُنا وهي حَرْفُ عَطْفٍ، تَعْطِفُ الجُمْلَةَ الَّتِي بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، فالجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ مَعْطُوفَةٌ، وإذا كانَتْ مَعْطُوفَةً لَمْ يَصِحَّ أنْ تَقَعَ جَوابَ شَرْطٍ. وأيْضًا فَأرَأيْتُمْ بِمَعْنى أخْبِرْنِي تَحْتاجُ إلى مَفْعُولٍ، ولا تَقَعُ جُمْلَةُ الشَّرْطِ مَوْقِعَهُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في قَوْلِهِ: (بَياتًا) في الأعْرافِ مَدْلُولًا وإعْرابًا. والمَعْنى إنْ أتاكم عَذابُهُ وأنْتُمْ ساهُونَ غافِلُونَ، إمّا بِنَوْمٍ وإمّا بِاشْتِغالٍ بِالمَعاشِ والكَسْبِ، وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ: (بَغْتَةً) لِأنَّ العَذابَ إذا فاجَأ مِن غَيْرِ شُعُورٍ بِهِ كانَ أشَدَّ وأصْعَبَ، بِخِلافِ أنْ يَكُونَ قَدِ اسْتَعَدَّ لَهُ وتَهَيَّأ لِحُلُولِهِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَياتًا وهم نائِمُونَ﴾ [الأعراف: ٩٧] ﴿ضُحًى وهم يَلْعَبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٨] . ويَجُوزُ في ماذا أنْ يَكُونَ ما مُبْتَدَأً وذا خَبَرَهُ، وهو بِمَعْنى الَّذِي ويَسْتَعْجِلُ صِلَتُهُ، وحُذِفَ الضَّمِيرُ العائِدُ عَلى المَوْصُولِ، التَّقْدِيرُ: أيُّ شَيْءٍ يَسْتَعْجِلُهُ مِنَ العَذابِ المُجْرِمُونَ. ويَجُوزُ في ماذا أنْ يَكُونَ كُلُّهُ مَفْعُولًا كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ شَيْءٍ يَسْتَعْجِلُهُ مِنَ العَذابِ المُجْرِمُونَ. وقَدْ جَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ ماذا كُلُّهُ مُبْتَدَأً، وخَبَرُهُ الجُمْلَةُ بَعْدَهُ. وضَعَّفَهُ أبُو عَلِيٍّ لِخُلُوِّ الجُمْلَةِ مِن ضَمِيرٍ يَعُودُ عَلى المُبْتَدَأِ. والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في مِنهُ عَلى العَذابِ، وبِهِ يَحْصُلُ الرَّبْطُ لِجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِ بِمَفْعُولِ أرَأيْتُمُ المَحْذُوفِ الَّذِي هو مُبْتَدَأٌ في الأصْلِ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى اللَّهِ تَعالى. والمُجْرِمُونَ هُمُ المُخاطَبُونَ في قَوْلِهِ: أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم. ونَبَّهَ عَلى الوَصْفِ المُوجِبِ لِتَرْكِ الِاسْتِعْجالِ وهو الإجْرامُ، لِأنَّ مِن حَقِّ المُجْرِمِ أنْ يَخافَ التَّعْذِيبَ عَلى إجْرامِهِ، ويَهْلَكَ فَزَعًا مِن مَجِيئِهِ وإنْ أبْطَأ، فَكَيْفَ يَسْتَعْجِلُهُ ؟ وثُمَّ حَرْفُ عَطْفٍ وتَقَدَّمَتْ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ عَلَيْها كَما تَقَدَّمَتْ عَلى الواوِ والفاءِ في: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ [يوسف: ١٠٩] وفي ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا﴾ [الروم: ٩] وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ. وخِلافُ الزَّمَخْشَرِيِّ لِلْجَماعَةِ في دَعْواهُ أنَّ بَيْنَ الهَمْزَةِ وحَرْفِ العَطْفِ جُمْلَةً مَحْذُوفَةً عُطِفَتْ عَلَيْها الجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَ حَرْفِ العَطْفِ. وقالَ الطَّبَرِيُّ في قَوْلِهِ: أثُمَّ بِضَمِّ الثّاءِ، أنَّ مَعْناهُ أهُنالِكَ قالَ: ولَيْسَتْ ثُمَّ هَذِهِ الَّتِي تَأْتِي بِمَعْنى العَطْفِ، انْتَهى. وما قالَهُ الطَّبَرِيُّ مِن أنَّ ثُمَّ هُنا لَيْسَتْ لِلْعَطْفِ دَعْوى، وأمّا قَوْلُهُ: إنَّ المَعْنى أهُنالِكَ، فالَّذِي يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَفْسِيرُ مَعْنًى، لا أنَّ ثُمَّ المَضْمُومَةَ الثّاءِ مَعْناها مَعْنى هُنالِكَ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: أثَمَّ بِفَتْحِ الثّاءِ، وهَذا يُناسِبُهُ تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ أهُنالِكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: آلْآنَ عَلى الِاسْتِفْهامِ بِالمَدِّ، وكَذا: آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ. وقَرَأ طَلْحَةُ والأعْرَجُ: بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ بِغَيْرِ مَدٍّ، وهو عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أيْ قِيلَ لَهم إذا آمَنُوا بَعْدَ وُقُوعِ العَذابِ: آلْآنَ آمَنتُمْ بِهِ، فالنّاصِبُ لِقَوْلِهِ: آلْآنَ هو آمَنتُمْ بِهِ وهو مَحْذُوفٌ، قِيلَ: تَقُولُ لَهم ذَلِكَ المَلائِكَةُ، وقِيلَ: اللَّهُ، والِاسْتِفْهامُ عَلى طَرِيقِ التَّوْبِيخِ. وفِي كِتابِ اللَّوامِحِ عِيسى البَصْرِيُّ وطَلْحَةُ: آمَنتُمْ بِهِ الآنَ بِوَصْلِ الهَمْزَةِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ، بَلْ عَلى الخَبَرِ، فَيَكُونُ نَصْبُهُ عَلى الظَّرْفِ مِن آمَنتُمْ بِهِ المَذْكُورِ. وأمّا في العامَّةِ فَنَصْبُهُ (p-١٦٨)بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ آمَنتُمْ بِهِ المَذْكُورُ، لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ قَدْ أخَذَ صَدْرَ الكَلامِ، فَيَمْنَعُ ما قَبْلُهُ أنْ يَعْمَلَ فِيما بَعْدَهُ، انْتَهى. وقَدْ كُنْتُمْ جُمْلَةً حالِيَّةً. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ يَعْنِي تُكَذِّبُونَ، لِأنَّ اسْتِعْجالَكم كانَ عَلى جِهَةِ التَّكْذِيبِ والإنْكارِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَسْتَعْجِلُونَ مُكَذِّبِينَ بِهِ. ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾: أيْ تَقُولُ لَهم خَزَنَةُ جَهَنَّمَ هَذا الكَلامَ. والظُّلْمُ ظُلْمُ الكُفْرِ لا ظُلْمُ المَعْصِيَةِ، لِأنَّ مَن دَخَلَ النّارَ مِن عُصاةِ المُؤْمِنِينَ لا يَخْلُدُ فِيها. وثُمَّ قِيلَ عَطْفٌ عَلى المُضْمَرِ قَبْلَ آلْآنَ. ومَن قَرَأ بِوَصْلِ ألَّفِ الآنَ فَهو اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَمّا يُقالُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ، وهَلْ تُجْزَوْنَ: تَوْبِيخٌ لَهم وتَوْضِيحٌ أنَّ الجَزاءَ هو عَلى كَسْبِ العَبْدِ.

يونس 10:51

﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾: لَمّا نَفى تَعالى أنْ يَكُونَ القُرْآنُ مُفْتَرًى، بَلْ جاءَ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكُتُبِ وبَيانًا لِما فِيها، ذَكَرَ أعْظَمَ دَلِيلٍ عَلى أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ وهو الإعْجازُ الَّذِي اشْتَمَلَ عَلَيْهِ، فَأبْطَلَ بِذَلِكَ دَعْواهُمُ افْتِراءَهُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ مُشْبَعًا في البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ﴾ [البقرة: ٢٣] الآيَةَ. وأمْ مُتَضَمِّنَةٌ مَعْنى بَلْ، والهَمْزَةُ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، أيْ: أيَقُولُونَ اخْتَلَقَهُ. والهَمْزَةُ تَقْرِيرٌ لِالتِزامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، أوْ إنْكارٌ لِقَوْلِهِمْ واسْتِبْعادٌ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: أمْ هَذِهِ بِمَنزِلَةِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أمْ بِمَعْنى الواوِ، ومَجازُهُ: ويَقُولُونَ افْتَراهُ. وقِيلَ: المِيمُ صِلَةٌ، والتَّقْدِيرُ: أيَقُولُونَ. وقِيلَ: أمْ هي المُعادِلَةُ لِلْهَمْزَةِ، وحُذِفَتِ الجُمْلَةُ قَبْلَها والتَّقْدِيرُ: أيُقِرُّونَ بِهِ أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ ؟ . وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ قُلْ فَأْتُوا جُمْلَةَ شَرْطٍ مَحْذُوفَةً فَقالَ: قُلْ إنْ كانَ الأمْرُ كَما تَزْعُمُونَ فَأْتُوا أنْتُمْ عَلى وجْهِ الِافْتِراءِ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ، فَأنْتُمْ مِثْلُهُ في العَرَبِيَّةِ والفَصاحَةِ والألْمَعِيَّةِ، فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ شَبِيهَةٍ بِهِ في البَلاغَةِ وحُسْنِ النَّظْمِ، انْتَهى. والضَّمِيرُ في مِثْلِهِ عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، أيْ: بِسُورَةٍ مُماثِلَةٍ لِلْقُرْآنِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ لَنا فِيما وقَعَ بِهِ الإعْجازُ. وقَرَأ عَمْرُو بْنُ قائِدٍ ﴿بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ عَلى الإضافَةِ أيْ: بِسُورَةِ كِتابٍ أوْ كَلامٍ مِثْلِهِ، أيْ: مِثْلِ القُرْآنِ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: هَذا مِمّا حُذِفَ المَوْصُوفُ مِنهُ وأُقِيمَتِ الصِّفَةُ مَقامَهُ، أيْ: بِصُورَةِ بَشَرٍ مِثْلِهِ، فالهاءُ في ذَلِكَ واقِعَةٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ وفي العامَّةِ إلى القُرْآنِ. وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَدْعُوهُ مِن خَلْقِ اللَّهِ إلى الِاسْتِعانَةِ عَلى الإتْيانِ بِمِثْلِهِ مِن دُونِ اللَّهِ، أيْ: مِن غَيْرِ اللَّهِ، لِأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ أحَدٌ إلّا اللَّهُ، فَلا تَسْتَعِينُوهُ وحْدَهُ، واسْتَعِينُوا بِكُلِّ مَن دُونَهُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في أنَّهُ افْتَراهُ. وقَدْ تَمَسَّكَ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى خَلْقِ القُرْآنِ، قالُوا: لِأنَّهُ تَحَدّى بِهِ وطَلَبَ الإتْيانَ بِمِثْلِهِ وعَجَزُوا، ولا يُمْكِنُ هَذا إلّا إذا كانَ الإتْيانُ بِمِثْلِهِ صَحِيحَ الوُجُودِ في الجُمْلَةِ، ولَوْ كانَ قَدِيمًا لَكانَ الإتْيانُ بِمِثْلِ القَدِيمِ مُحالًا في نَفْسِ الأمْرِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَصِحَّ التَّحَدِّي بِهِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: مَراتِبُ التَّحَدِّي بِالقُرْآنِ سِتٌّ: تَحَدٍّ بِكُلِّ القُرْآنِ في: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ﴾ [الإسراء: ٨٨] الآيَةَ، وتَحَدٍّ بِعَشْرِ سُوَرٍ، وتَحَدٍّ بِسُورَةٍ واحِدَةٍ، وتَحَدٍّ بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور: ٣٤] وفي هَذِهِ الأرْبَعِ طَلَبَ أنْ يُعارِضَ رَجُلٌ يُساوِي الرَّسُولَ في عَدَمِ التَّتَلْمُذِ والتَّعْلِيمِ، وتَحِدٍّ طَلَبَ مِنهم مُعارَضَةَ سُورَةٍ واحِدَةٍ مِن أيِّ إنْسانٍ كانَ، تَعَلَّمَ العُلُومَ أوْ لَمْ يَتَعَلَّمْها، وفي هَذِهِ المَراتِبِ الخَمْسِ تَحَدّى كُلَّ واحِدٍ مِنَ الخَلْقِ، وتَحِدٍّ طَلَبَ مِنَ المَجْمُوعِ اسْتِعانَةَ بَعْضٍ بِبَعْضٍ، انْتَهى مُلَخَّصًا. ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (بَلْ كَذَّبُوا)، بَلْ سارَعُوا إلى التَّكْذِيبِ بِالقُرْآنِ، وفاجَؤُوهُ في بَدِيهَةِ السَّماعِ قَبْلَ أنْ يَفْهَمُوهُ ويَعْلَمُوا كُنْهَ أمْرِهِ، وقَبْلَ أنْ يَتَدَبَّرُوهُ ويَفْقَهُوا تَأْوِيلَهُ ومَعانِيَهُ، وذَلِكَ لِفَرْطِ نُفُورِهِمْ عَمّا يُخالِفُ دِينَهَمْ، وشِرادِهِمْ عَنْ مُفارَقَةِ دِينِ آبائِهِمْ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا اللَّفْظُ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يُرِيدَ بِما: الوَعِيدُ الَّذِي تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ عَلى الكُفْرِ، وتَأْوِيلُهُ عَلى هَذا يُرِيدُ بِهِ ما يَئُولُ إلَيْهِ أمْرُهُ، كَما هو في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف: ٥٣] والآيَةُ مَحْمِلُها عَلى هَذا التَّأْوِيلِ يَتَضَمَّنُ وعِيدًا، والمَعْنى الثّانِي: أنَّهُ أرادَ بَلْ كَذَّبُوا بِهَذا القُرْآنِ العَظِيمِ المُنْبِئِ بِالغُيُوبِ الَّذِي لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهم بِهِ مَعْرِفَةٌ، ولا أحاطُوا بِمَعْرِفَةِ غُيُوبِهِ وحُسْنِ نَظْمِهِ، ولا جاءَهم تَفْسِيرُ ذَلِكَ وبَيانُهُ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: يَحْتَمِلُ وجُوهًا، الأوَّلُ: كُلَّما سَمِعُوا شَيْئًا مِنَ القَصَصِ قالُوا ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] ولَمْ يَعْرِفُوا أنَّ المَقْصُودَ مِنها لَيْسَ نَفْسَ الحِكايَةِ (p-١٥٩)بَلْ قُدْرَتُهُ تَعالى عَلى التَّصَرُّفِ في هَذا العالَمِ، ونَقْلِهِ أهْلَهُ مِن عِزٍّ إلى ذُلٍّ، ومِن ذُلٍّ إلى عِزٍّ، وبِفَناءِ الدُّنْيا، فَيَعْتَبِرُ بِذَلِكَ. وأنَّ ذَلِكَ القَصَصَ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ، إذْ أعْلَمَ بِذَلِكَ عَلى لِسانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن غَيْرِ تَحْرِيفٍ مَعَ كَوْنِهِ لَمْ يَتَعَلَّمْ ولَمْ يَتَتَلْمَذْ. الثّانِي: كُلَّما سَمِعُوا حُرُوفَ التَّهَجِّي ولَمْ يَفْهَمُوا مِنها شَيْئًا ساءَ ظَنُّهم، وقَدْ أجابَ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ﴾ [آل عمران: ٩٧] الآيَةَ. الثّالِثُ: ظُهُورُ القُرْآنِ شَيْئًا فَشَيْئًا، فَساءَ ظَنُّهم وقالُوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢] وقَدْ أجابَ تَعالى وشَرَحَ في مَكانِهِ. الرّابِعُ القُرْآنُ مَمْلُوءٌ مِنَ الحَشْرِ، وكانُوا ألِفُوا المَحْسُوساتِ، فاسْتَبْعَدُوا حُصُولَ الحَياةِ بَعْدَ المَوْتِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ صِحَّةَ المَعادِ بِالدَّلائِلِ الكَثِيرَةِ. الخامِسُ: أنَّهُ مَمْلُوءٌ مِنَ الأمْرِ بِالعِباداتِ، وكانُوا يَقُولُونَ: إلَهُ العالَمِ غَنِيٌّ عَنْ طاعَتِنا، وهو أجَلُّ أنْ يَأْمُرَنا بِما لا فائِدَةَ لَهُ فِيهِ. وأجابَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ﴾ [الإسراء: ٧] الآيَةَ، وبِالجُمْلَةِ فَشُبَهُ الكُفّارِ كَثِيرَةٌ، فَلَمّا رَأوُا القُرْآنَ مُشْتَمِلًا عَلى أُمُورٍ ما عَرَفُوا حَقِيقَتَها ولا اطَّلَعُوا عَلى وجْهِ الحِكْمَةِ فِيها كَذَّبُوا بِالقُرْآنِ فَقَوْلُهُ: بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ، إشارَةٌ إلى عَدَمِ عِلْمِهِمْ بِهَذِهِ الأشْياءِ وقَوْلُهُ: ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ، إشارَةٌ إلى عَدَمِ جُهْدِهِمْ واجْتِهادِهِمْ في طَلَبِ أسْرارِ ما تَضَمَّنَهُ القُرْآنُ، انْتَهى مُلَخَّصًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما مَعْنى التَّوَقُّعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ؟ (قُلْتُ): مَعْناهُ أنَّهم كَذَّبُوا بِهِ عَلى البَدِيهَةِ قَبْلَ التَّدَبُّرِ، ومَعْرِفَةِ التَّأْوِيلِ تَقْلِيدًا لِلْآباءِ، وكَذَّبُوهُ بَعْدَ التَّدَبُّرِ تَمَرُّدًا وعِنادًا فَذَمَّهم بِالتَّسَرُّعِ إلى التَّكْذِيبِ قَبْلَ العِلْمِ بِهِ، وجاءَ بِكَلِمَةِ التَّوَقُّعِ لِيُؤْذِنَ أنَّهم عَلِمُوا بَعْدَ عُلُوِّ شَأْنِهِ وإعْجازِهِ لَمّا كَرَّرَ عَلَيْهِمُ التَّحَدِّيَ ورازُوا قُواهم في المُعارَضَةِ، واسْتَيْقَنُوا عَجْزَهم عَنْ مَثَلِهِ، فَكَذَّبُوا بِهِ بَغْيًا وحَسَدًا، انْتَهى. ويَحْتاجُ كَلامُهُ هَذا إلى نَظَرٍ. وقالَ أيْضًا: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ، ولَمّا يَأْتِهِمْ بَعْدُ تَأْوِيلُ ما فِيهِ مِنَ الإخْبارِ بِالغُيُوبِ، أيْ: عاقِبَتُهُ، حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أكَذِبٌ هو أمْ صِدْقٌ ؟ يَعْنِي: أنَّهُ كِتابٌ مُعْجِزٌ مِن جِهَتَيْنِ: مِن جِهَةِ إعْجازِ نَظْمِهِ، ومِن جِهَةِ ما فِيهِ مِنَ الإخْبارِ بِالغُيُوبِ. فَتَسَرَّعُوا إلى التَّكْذِيبِ بِهِ قَبْلَ أنْ يَنْظُرُوا في نَظْمِهِ وبُلُوغِهِ حَدَّ الإعْجازِ، وقَبْلَ أنْ يُخْبَرُوا إخْبارَهُ بِالمَغِيباتِ وصِدْقَهُ وكَذِبَهُ، انْتَهى. وبَقِيَتْ جُمْلَةُ الإحاطَةِ بِلَمْ، وجُمْلَةُ إتْيانِ التَّأْوِيلِ بِلَمّا، ويُحْتاجُ في ذَلِكَ إلى فَرْقٍ دَقِيقٍ. والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، يَعْنِي: قَبْلَ النَّظَرِ في مُعْجِزاتِ الأنْبِياءِ وقَبْلَ تَدَبُّرِها مِن غَيْرِ إنْصافٍ مِن أنْفُسِهِمْ، ولَكِنْ قَلَّدُوا الآباءَ وعانَدُوا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قالَ الزُّجاجُ: كَيْفَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى خَبَرِ كانَ، لا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ انْظُرْ، لِأنَّ ما قَبْلَ الِاسْتِفْهامِ لا يَعْمَلُ فِيهِ، هَذا قانُونُ النَّحْوِيِّينَ لِأنَّهم عامَلُوا كَيْفَ في كُلِّ مَكانٍ مُعامَلَةَ الِاسْتِفْهامِ المَحْضِ. في قَوْلِكَ: كَيْفَ زَيْدٌ ؟ ولِكَيْفَ تَصَرُّفاتٌ غَيْرُ هَذا تَحُلُّ مَحَلَّ المَصْدَرِ الَّذِي هو كَيْفِيَّةٌ، ويَنْخَلِعُ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ، ويَحْتَمِلُ هَذا المَوْضِعُ أنْ يَكُونَ مِنها، ومِن تَصَرُّفاتِها قَوْلُهم: كُنْ كَيْفَ شِئْتَ، وانْظُرْ قَوْلَ البُخارِيِّ: كَيْفَ كانَ بَدْءُ الوَحْيِ، فَإنَّهُ لَمْ (p-١٦٠)يَسْتَقِمْ، انْتَهى. وقَوْلُ الزَّجّاجِ: لا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ انْظُرْ، وتَعْلِيلُهُ: يُرِيدُ لا يَجُوزُ أنْ تَعْمَلَ فِيهِ انْظُرْ لَفْظًا، لَكِنَّ الجُمْلَةَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لانْظُرْ مُعَلَّقَةً، وهي مِن نَظَرِ القَلْبِ. وقَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ: هَذا قانُونُ النَّحْوِيِّينَ إلى آخِرِ تَعْلِيلِهِ، لَيْسَ كَما ذَكَرَ، بَلْ لِكَيْفَ مَعْنَيانِ: أحَدُهُما: الِاسْتِفْهامُ المَحْضُ، وهو سُؤالٌ عَنِ الهَيْئَةِ، إلّا أنْ تُعَلِّقَ عَنْها العامِلَ فَمَعْناها مَعْنى الأسْماءِ الَّتِي يُسْتَفْهَمُ بِها إذا عُلِّقَ عَنْها العامِلُ. والثّانِي: الشَّرْطُ. لِقَوْلِ العَرَبِ: كَيْفَ تَكُونُ أكُونُ، وقَوْلُهُ: ولِكَيْفَ تَصَرُّفاتٌ إلى آخِرِهِ، لَيْسَ كَيْفَ تَحُلُّ مَحَلَّ المَصْدَرِ، ولا لَفْظُ كَيْفِيَّةٍ هو مَصْدَرٌ، إنَّما ذَلِكَ نِسْبَةٌ إلى كَيْفَ. وقَوْلُهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا المَوْضِعُ مِنها ومِن تَصَرُّفاتِها، قَوْلُهم: كُنْ كَيْفَ شِئْتَ، لا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنها، لِأنَّهُ لَمْ يُثْبِتْ لَها المَعْنى الَّذِي ذَكَرَ مِن كَوْنِ كَيْفَ بِمَعْنى كَيْفِيَّةٍ وادِّعاءِ مَصْدَرِ كَيْفِيَّةٍ. وأمّا كُنْ كَيْفَ شِئْتَ، فَكَيْفَ لَيْسَتْ بِمَعْنى كَيْفِيَّةٍ، وإنَّما هي شَرْطِيَّةٌ وهو المَعْنى الثّانِي الَّذِي لَها. وجَوابُها مَحْذُوفٌ التَّقْدِيرُ: كَيْفَ شِئْتَ فَكُنْ، كَما تَقُولُ: قُمْ مَتى شِئْتَ، فَمَتى اسْمُ شَرْطٍ ظَرْفٌ لا يَعْمَلُ فِيهِ قُمْ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: مَتى شِئْتَ فَقُمْ، وحُذِفَ الجَوابُ لِدِلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِمُ: اضْرِبْ زَيْدًا إنْ أساءَ إلَيْكَ، التَّقْدِيرُ: إنْ أساءَ إلَيْكَ فاضْرِبْهُ، وحُذِفَ فاضْرِبْهُ لِدِلالَةِ اضْرِبِ المُتَقَدِّمِ عَلَيْهِ. وأمّا قَوْلُ البُخارِيِّ: كَيْفَ كانَ بَدْءُ الوَحْيِ ؟ فَهو اسْتِفْهامٌ مَحْضٌ، إمّا عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ كَأنَّ قائِلًا سَألَهُ فَقالَ: كَيْفَ كانَ بَدْءُ الوَحْيِ ؟ فَأجابَ بِالحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ كَيْفِيَّةُ ذَلِكَ. والظّالِمِينَ: الظّاهِرُ أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ مَن عادَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ بَلْ كَذَّبُوا. ﴿ومِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ ورَبُّكَ أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ﴾: الظّاهِرُ أنَّهُ إخْبارٌ بِأنَّ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ مَن سَيُؤْمِنُ بِهِ وهو مَن سَبَقَتْ لَهُ السَّعادَةُ، ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ فَيُوافى عَلى الكُفْرِ. وقِيلَ: هو تَقْسِيمٌ في الكُفّارِ الباقِينَ عَلى كُفْرِهِمْ، فَمِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ باطِنًا ويَعْلَمُ أنَّهُ حَقٌّ ولَكِنَّهُ كَذَّبَ عِنادًا، ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ لا باطِنًا ولا ظاهِرًا، إمّا لِسُرْعَةِ تَكْذِيبِهِ وكَوْنِهِ لَمْ يَتَدَبَّرْهُ، وإمّا لِكَوْنِهِ نَظَرَ فِيهِ فَعارَضَتْهُ الشُّبُهاتُ ولَيْسَ عِنْدَهُ مِنَ الفَهْمِ ما يَدْفَعُها. وفِيهِ تَفْرِيقُ كَلِمَةِ الكُفّارِ، وأنَّهم لَيْسُوا مُسْتَوِينَ في اعْتِقاداتِهِمْ، بَلْ هم مُضْطَرِبُونَ وإنْ شَمِلَهُمُ التَّكْذِيبُ والكُفْرُ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ومِنهم عائِدٌ عَلى أهْلِ الكِتابِ، والظّاهِرُ عَوْدُهُ عَلى مَن عادَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ أمْ يَقُولُونَ، وتَعَلُّقُ العِلْمَ بِالمُفْسِدِينَ وحْدَهم تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ لَهم. ﴿وإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكم أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾: أيْ وإنْ تَمادَوْا عَلى تَكْذِيبِكَ فَتَبَرَّأْ مِنهم قَدْ أعْذَرْتَ وبَلَّغْتَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٦] ومَعْنى لِي عَمَلِي، أيْ: جَزاءُ عَمَلِي ولَكم جَزاءُ عَمَلِكم. ومَعْنى عَمَلِي الصّالِحُ المُشْتَمِلُ عَلى الإيمانِ والطّاعَةِ، ولَكم عَمَلُكُمُ المُشْتَمِلُ عَلى الشِّرْكِ والعِصْيانِ. والظّاهِرُ أنَّها آيَةُ مُنابَذَةٍ لَهم ومُوادَعَةٍ، وضَمَّنَها الوَعِيدَ كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] السُّورَةَ. وقِيلَ: المَقْصُودُ بِذَلِكَ اسْتِمالَتُهم وتَأْلِيفُ قُلُوبِهِمْ. وقالَ قَوْمٌ مِنهُمُ ابْنُ زَيْدٍ: هي مَنسُوخَةٌ بِالقِتالِ لِأنَّها مَكِّيَّةٌ، وهو قَوْلُ: مُجاهِدٍ والكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ. وقالَ المُحَقِّقُونَ: لَيْسَتْ بِمَنسُوخَةٍ، ومَدْلُولُها اخْتِصاصُ كُلِّ واحِدٍ بِأفْعالِهِ، وثَمَراتِها مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، ولَمْ تَرْفَعْ آيَةُ السَّيْفِ شَيْئًا مِن هَذا. وبَدَأ في المَأْمُورِ بِقَوْلِهِ: لِي عَمَلِي لِأنَّهُ آكَدُ في الِانْتِفاءِ مِنهم وفي البَراءَةِ بِقَوْلِهِ: أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ، لِأنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ جاءَتْ كالتَّوْكِيدِ والتَّتْمِيمِ لِما قَبْلَها، فَناسَبَ أنْ تَلِيَ قَوْلَهُ: ولَكم عَمَلُكم. ولِمُراعاةِ الفَواصِلِ، إذْ لَوْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ بَراءَةٍ كَما تَقَدَّمَ ذِكْرُ لِي عَمَلِي لَمْ تَقَعِ الجُمْلَةُ فاصِلَةً، إذْ كانَ يَكُونُ التَّرْكِيبُ وأنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ. (p-١٦١)﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ ولَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿ومِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ أفَأنْتَ تَهْدِي العُمْيَ ولَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا ولَكِنَّ النّاسَ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتِ الآيَتانِ في النَّضْرِ بْنِ الحَرْثِ وغَيْرِهِ مِنَ المُسْتَهْزِئِينَ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: في قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ، انْتَهى. وهَذِهِ الآيَةُ فِيها تَقْسِيمُ مَن لا يُؤْمِنُ مِنَ الكُفّارِ إلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ بَعْدَ تَقْسِيمِ المُكَذِّبِينَ إلى مَن يُؤْمِنُ ومَن لا يُؤْمِنُ، والضَّمِيرُ في يَسْتَمِعُونَ عائِدٌ عَلى مَعْنى مَن، والعَوْدِ عَلى المَعْنى دُونَ العَوْدِ عَلى اللَّفْظِ في الكَثْرَةِ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الشَّياطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ﴾ [الأنبياء: ٨٢] والمَعْنى: مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ إذا قَرَأْتَ القُرْآنَ وعَلِمْتَ الشَّرائِعَ، ثُمَّ نَفى جَدْوى ذَلِكَ الِاسْتِماعِ بِقَوْلِهِ: أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ، أيْ: هم، وإنِ اسْتَمَعُوا إلَيْكَ صُمٌّ عَنْ إدْراكِ ما تُلْقِيهِ إلَيْهِمْ لَيْسَ لَهم وعْيٌ ولا قَبُولٌ، ولا سِيَّما قَدِ انْضافَ إلى الصَّمَمِ انْتِفاءُ العَقْلِ، فَجُرَّ بِمِن عَدَمُ السَّمْعِ والعَقْلِ أنْ لا يَكُونَ لَهُ إدْراكٌ لِشَيْءٍ البَتَّةَ، بِخِلافِ أنْ لَوْ كانَ الأصَمُّ عاقِلًا فَإنَّهُ بِعَقْلِهِ يَهْتَدِي إلى أشْياءَ. وأعادَ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ﴾ الضَّمِيرَ مُفْرَدًا مُذَكَّرًا عَلى لَفْظِ مَن، وهو الأكْثَرُ في لِسانِ العَرَبِ. والمَعْنى: أنَّهم عُمْيٌ فَلا تَقْدِرُ عَلى هِدايَتِهِمْ، لِأنَّ السَّبَبَ الَّذِي يُهْتَدى بِهِ إلى رُؤْيَةِ الدَّلائِلِ فَقَدْ فَقَدُوهُ، هَذا وهم مَعَ فَقْدِ البَصَرِ قَدْ فَقَدُوا البَصِيرَةَ، إذْ مَن كانَ أعْمى فَإنَّهُ مُهْدِيهِ نُورُ بَصِيرَتِهِ إلى أشْياءَ بِالحَدْسِ، وهَذا قَدْ جَمَعَ بَيْنَ فِقْدانِ البَصَرِ والبَصِيرَةِ، وهَذا مُبالَغَةٌ عَظِيمَةٌ في انْتِفاءِ قَبُولِ ما يُلْقى إلى هَؤُلاءِ، إذْ جَمَعُوا بَيْنَ الصَّمَمِ وانْتِفاءِ العَقْلِ، وبَيْنَ العَمى وفَقْدِ البَصِيرَةِ. وقَوْلُهُ: (أفَأنْتَ): تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ وأنْ لا يَكْتَرِثَ بِعَدَمِ قَبُولِهِمْ، فَإنَّ الهِدايَةَ إنَّما هي لِلَّهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: جاءَ يَنْظُرُ عَلى لَفْظِ مَن، وإذا جاءَ الفِعْلُ عَلى لَفْظِها فَجائِزٌ أنْ يُعْطَفَ عَلَيْهِ آخَرُ عَلى المَعْنى، وإذا جاءَ أوَّلًا عَلى مَعْناها فَلا يَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ عَلَيْهِ بِآخَرَ عَلى اللَّفْظِ، لِأنَّ الكَلامَ يُلْبَسُ حِينَئِذٍ، انْتَهى. ولَيْسَ كَما قالَ، بَلْ يَجُوزُ أنْ تُراعِي المَعْنى أوَّلًا فَتُعِيدَ الضَّمِيرَ عَلى حَسَبِ ما تُرِيدُ مِنَ المَعْنى مِن تَأْنِيثٍ وتَثْنِيَةٍ وجَمْعٍ، ثُمَّ تُراعِي اللَّفْظَ فَتُعِيدُ الضَّمِيرَ مُفْرَدًا مُذَكَّرًا، وفي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ ذُكِرَ في عِلْمِ النَّحْوِ. والمَقْصُودُ مِنَ الآيَتَيْنِ: إعْلامُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ قَدِ انْتَهَوْا في النَّفْرَةِ والعَداوَةِ، والبُغْضِ الشَّدِيدِ في رُتْبَةِ مَن لا يَنْفَعُ فِيهِ عِلاجٌ البَتَّةَ، لِأنَّ مَن كانَ أصَمَّ أحْمَقَ وأعْمى فاقِدَ البَصِيرَةِ لا يُمْكِنُ ذَلِكَ أنْ يَقِفَ عَلى مَحاسِنِ الكَلامِ وما انْطَوى عَلَيْهِ مِنَ الإعْجازِ، ولا يُمْكِنُ هَذا أنْ يَرى ما أجْرى اللَّهُ عَلى يَدَيْ رَسُولِهِ مِنَ الخَوارِقِ، فَقَدْ أيِسَ مِن هِدايَةِ هَؤُلاءِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎وإذا خَفِيتُ عَلى الغَبِيَّ فَعاذِرٌ أنْ لا تَرانِي مُقْلَةٌ عَمْياءُ ولَمّا ذَكَرَ تَعالى هَؤُلاءِ الأشْقِياءَ، ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ لا يَظْلِمُهم شَيْئًا، إذْ قَدْ أزاحَ عِلَلَهم بِبِعْثَةِ الرُّسُلِ وتَحْذِيرِهِمْ مِن عِقابِهِ، ولَكِنَّهم ظالِمُوا أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ والتَّكْذِيبِ. واحْتَمَلَ هَذا النَّفْيُ لِلظُّلْمِ أنْ يَكُونَ في (p-١٦٢)الدُّنْيا، أيْ: لا يَظْلِمُهم شَيْئًا مِن مَصالِحِهِمْ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ في الآخِرَةِ وأنَّ ما يَلْحَقُهم مِنَ العِقابِ هو عَدْلٌ مِنهُ، لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ تَسَبَّبُوا فِيهِ بِاكْتِسابِ ذُنُوبِهِمْ كَما قَدَّرَ تَعالى عَلَيْهِمْ: لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ. وتَقَدَّمَ خِلافُ القُرّاءِ في (ولَكِنَّ النّاسَ) مِن تَشْدِيدِ النُّونِ ونَصْبِ النّاسِ وتَخْفِيفِها والرَّفْعِ. (ويَوْمَ يَحْشُرُهم كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهم قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وما كانُوا مُهْتَدِينَ): قَرَأ الأعْمَشُ وحَفْصٌ: يَحْشُرُهم بِالياءِ راجِعًا الضَّمِيرَ غائِبًا عائِدًا عَلى اللَّهِ، إذْ تَقَدَّمَ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا﴾ ولَمّا ذَكَرَ أُولَئِكَ الأشْقِياءَ أتْبَعَهُ بِالوَعِيدِ ووَصْفِ حالِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، والمَعْنى: كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا في الدُّنْيا أوْ في القُبُورِ، يَعْنِي: فَقَلِيلٌ لُبْثُهم، وذَلِكَ لِهَوْلِ ما يُعايِنُونَ مِن شَدائِدِ القِيامَةِ، أوْ لِطُولِ يَوْمِ القِيامَةِ ووُقُوفِهِمْ لِلْحِسابِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رَأوْا أنَّ طُولَ أعْمارِهِمْ في مُقابَلَةِ الخُلُودِ كَساعَةٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَوْمَ ظَرْفٌ، ونَصْبُهُ يَصِحُّ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ. ويَصِحُّ أنْ يَنْتَصِبَ بِالفِعْلِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ: كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ، ويَصِحُّ نَصْبُهُ بِيَتَعارَفُونَ، والكافُ مِن قَوْلِهِ: كَأنْ، يَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِلْيَوْمِ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَعْتٍ لِلْمَصْدَرِ كَأنَّهُ قالَ: ويَوْمَ نَحْشُرُهم حَشْرًا كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في نَحْشُرُهم، انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: ويَصِحُّ أنْ يَنْتَصِبَ بِالفِعْلِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا فَإنَّهُ كَلامٌ مُجْمَلٌ لَمْ يُبَيِّنِ الفِعْلَ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا، ولَعَلَّهُ أرادَ ما قالَهُ الحَوْفِيُّ: مِن أنَّ الكافَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِما تَضَمَّنَتْ مِن مَعْنى الكَلامِ وهو السُّرْعَةُ، انْتَهى. فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ويَوْمَ نَحْشُرُهم يُسْرِعُونَ كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا، وأمّا قَوْلُهُ: والكافُ مِن قَوْلِهِ كَأنْ، يَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِلْيَوْمِ، فَلا يَصِحُّ لِأنَّ يَوْمَ نَحْشُرُهم مَعْرِفَةٌ، والجُمَلُ نَكِراتٌ، ولا تُنْعَتُ المَعْرِفَةُ بِالنَّكِرَةِ. لا يُقالُ: إنَّ الجُمَلَ الَّذِي يُضافُ إلَيْها أسْماءُ الزَّمانِ نَكِرَةٌ عَلى الإطْلاقِ، لِأنَّها إنْ كانَتْ في التَّقْدِيرِ تُنْحَلُ إلى مَعْرِفَةٍ، فَإنَّ ما أُضِيفَ إلَيْها يَتَعَرَّفُ وإنْ كانَتْ تُنْحَلُ إلى نَكِرَةٍ كانَ ما أُضِيفَ إلَيْها نَكِرَةً، تَقُولُ: مَرَرْتُ في يَوْمِ قَدِمَ زَيْدٌ الماضِي، فَتَصِفُ يَوْمَ بِالمَعْرِفَةِ، وجِئْتُ لَيْلَةَ قَدِمَ زَيْدٌ المُبارَكَةُ عَلَيْنا. وأيْضًا فَكَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْيَوْمِ مِن (p-١٦٣)جِهَةِ المَعْنى، لِأنَّ ذَلِكَ مِن وصْفِ المَحْشُورِينَ لا مِن وصْفِ يَوْمِ حَشْرِهِمْ. وقَدْ تَكَلَّفَ بَعْضُهم تَقْدِيرَ مَحْذُوفٍ بِرَبْطٍ فَقَدَّرَهُ: كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا قَبْلَهُ، فَحُذِفَ قَبْلَهُ، أيْ قَبْلَ اليَوْمِ، وحَذْفُ مِثْلِ هَذا الرّابِطِ لا يَجُوزُ. فالظّاهِرُ أنَّها جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن مَفْعُولِ نَحْشُرُهم كَما قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ آخِرًا، وكَذا أعْرَبَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وأبُو البَقاءِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا ويَتَعارَفُونَ كَيْفَ مَوْقِعُهُما ؟ (قُلْتُ): أمّا الأُولى فَحالٌ مِنهم، أيْ: نَحْشُرُهم مُشَبَّهِينَ بِمَن لَمْ يَلْبَثْ إلّا ساعَةً. وأمّا الثّانِيَةُ فَإمّا أنْ تَتَعَلَّقَ بِالظَّرْفِ يَعْنِي: فَتَكُونُ حالًا، وإمّا أنْ تَكُونَ مُبَيِّنَةً لِقَوْلِهِ: كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً، لِأنَّ التَّعارُفَ يَبْقى مَعَ طُولِ العَهْدِ ويَنْقَلِبُ تَناكُرًا، انْتَهى. وقالَ الحَوْفِيُّ: يَتَعارَفُونَ فِعْلٌ مُسْتَقْبَلٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في يَلْبَثُوا وهو العامِلُ، كَأنَّهُ قالَ: مُتَعارِفِينَ، المَعْنى: اجْتَمَعُوا مُتَعارِفِينَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الهاءِ والمِيمِ في نَحْشُرُهم وهو العامِلُ، انْتَهى. وأمّا قَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لِلْمَصْدَرِ، كَأنَّهُ قالَ: ويَوْمَ نَحْشُرُهم حَشْرًا كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا، فَقَدْ حَكاهُ أبُو البَقاءِ فَقالَ: وقِيلَ هو نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ حَشْرًا كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا قَبْلَهُ، انْتَهى. وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ حَذْفَ مِثْلِ هَذا الرّابِطِ لا يَجُوزُ. وجَوَّزُوا في يَتَعارَفُونَ أنْ يَكُونَ حالًا عَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الخِلافِ في ذِي الحالِ والعامِلِ فِيها، وأنْ يَكُونَ جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً، أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يَقَعُ التَّعارُفُ بَيْنَهم. وقالَ الكَلْبِيُّ: يَعْرِفُ بَعْضُهم بَعْضًا كَمَعْرِفَتِهِمْ في الدُّنْيا إذا خَرَجُوا مِن قُبُورِهِمْ، وهو تَعارُفُ تَوْبِيخٍ وافْتِضاحٍ، يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أنْتَ أضْلَلْتَنِي وأغْوَيْتَنِي، ولَيْسَ تَعارُفَ شَفَقَةٍ وعَطْفٍ، ثُمَّ تَنْقَطِعُ المَعْرِفَةُ إذا عايَنُوا أهْوالَ القِيامَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج: ١٠] ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ [المعارج: ١١] . وقِيلَ: يُعَرِّفُ بَعْضُهم بَعْضًا ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الخَطَأِ والكُفْرِ. وقالَ الضَّحّاكُ: تَعارَفُ تَعاطُفِ المُؤْمِنِينَ، والكافِرُونَ لا أنْسابَ بَيْنَهم. وقِيلَ: القِيامَةُ مُواطِنُ، فَفي مَوْطِنٍ يَتَعارَفُونَ وفي مَوْطِنٍ لا يَتَعارَفُونَ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ إلى آخِرِهِ: جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، أخْبَرَ تَعالى بِخُسْرانِ المُكَذِّبِينَ بِلِقائِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو اسْتِئْنافٌ فِيهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما أخْسَرَهم. وقالَ أيْضًا: وابْتَدَأ بِهِ قَدْ خَسِرَ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، أيْ: يَتَعارَفُونَ بَيْنَهم قائِلِينَ ذَلِكَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقِيلَ إنَّهُ إخْبارُ المَحْشُورِينَ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ لِأنْفُسِهِمْ، انْتَهى. وهَذا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ كَقَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ: يَتَعارَفُونَ بَيْنَهم قائِلِينَ ذَلِكَ، وأنْ يَكُونَ كَقَوْلِ غَيْرِهِ: نَحْشُرُهم قائِلِينَ قَدْ خَسِرَ، فاحْتَمَلَ هَذا المُقَدَّرُ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لَيَتَعارَفُونَ، وأنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِنَحْشُرُهم، ونَبَّهَ عَلى العِلَّةِ المُوجِبَةِ لِلْخُسْرانِ وهو التَّكْذِيبُ بِلِقاءِ اللَّهِ. ﴿وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾: الظّاهِرُ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: قَدْ خَسِرَ، فَيَكُونُ مِن كَلامِ المَحْشُورِينَ إذا قُلْنا: إنَّ قَوْلَهُ قَدْ خَسِرَ مِن كَلامِهِمْ، أخْبَرُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ بِخُسْرانِهِمْ في الآخِرَةِ وبِانْتِفاءِ هِدايَتِهِمْ في الدُّنْيا. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى صِلَةِ الَّذِينَ، أيْ: كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ، وانْتَفَتْ هِدايَتُهم في الدُّنْيا. ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ كالتَّوْكِيدِ بِجُمْلَةِ الصِّلَةِ، لِأنَّ مَن كَذَّبَ بِلِقاءِ اللَّهِ هو غَيْرُ مُهْتَدٍ. وقِيلَ: وما كانُوا مُهْتَدِينَ إلى غايَةِ مَصالِحِ التِّجارَةِ. وقِيلَ: لِلْإيمانِ. وقِيلَ: في عِلْمِ اللَّهِ، بَلْ هم مِمَّنْ حَتَّمَ ضَلالَهم وقَضى بِهِ. ﴿وإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإلَيْنا مَرْجِعُهم ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾: إمّا هي إنِ الشَّرْطِيَّةُ، زِيدَ عَلَيْها ما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، ولِأجْلِها جازَ دُخُولُ النُّونِ الثَّقِيلَةِ. ولَوْ كانَتْ إنْ وحْدَها لَمْ يَجُزِ، انْتَهى. يَعْنِي أنَّ دُخُولَ النُّونِ لِلتَّأْكِيدِ إنَّما يَكُونُ (p-١٦٤)مَعَ زِيادَةِ ما بَعْدَ إنْ، وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ مُخالِفٌ لِظاهِرِ كَلامِ سِيبَوَيْهِ. قالَ ابْنُ خَرُوفٍ: أجازَ سِيبَوَيْهِ الإتْيانَ بِما، وأنْ لا يُؤْتى بِها، والإتْيانَ بِالنُّونِ مَعَ ما وأنْ لا يُؤْتى بِها، والإراءَةُ هُنا بَصَرِيَّةٌ، ولِذَلِكَ تَعَدّى الفِعْلُ إلى اثْنَيْنِ، والكافُ خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ . وبَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم يَعْنِي: مِنَ العَذابِ في الدُّنْيا. وقَدْ أراهُ اللَّهُ تَعالى أنْواعًا مِن عَذابِ الكُفّارِ في الدُّنْيا، قَتْلًا وأسْرًا ونَهْبًا لِلْأمْوالِ وسَبْيًا لِلذَّرارِي وضَرْبَ جِزْيَةٍ، وتَشْتِيتَ شَمْلٍ بِالجَلاءِ إلى غَيْرِ بِلادِهِمْ، وما يَحْصُلُ لَهم في الآخِرَةِ أعْظَمُ، لِأنَّهُ العَذابُ الدّائِمُ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ. والظّاهِرُ أنَّ جَوابَ الشَّرْطِ هو قَوْلُهُ: فَإلَيْنا مَرْجِعُهم، وكَذا قالَهُ الحَوْفِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ الوَعِيدُ بِالرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَبارَكَ وتَعالى، أيْ: إنْ أرَيْناكَ عُقُوبَتَهم أوْ لَمْ نُرِكَها فَهم عَلى كُلِّ حالٍ راجِعُونَ إلَيْنا إلى الحِسابِ والعَذابِ، ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ اللَّهُ شَهِيدٌ مِن أوَّلِ تَكْلِيفِهِمْ عَلى جَمِيعِ أعْمالِهِمْ. فَثُمَّ هاهُنا لِتَرْتِيبِ الأخْبارِ، لا لِتَرْتِيبِ القَصَصِ في أنْفُسِها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإلَيْنا مَرْجِعُهم جَوابُ نَتَوَفَّيَنَّكَ، وجَوابُ نُرِيَنَّكَ مَحْذُوفٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: وإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم فَذاكَ، أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قَبْلَ أنْ نُرِيَكَهُ، فَنَحْنُ نُرِيكَ في الآخِرَةِ، انْتَهى. فَجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ الكَلامَ شَرْطَيْنِ لَهُما جَوابانِ، ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ جَوابٍ مَحْذُوفٍ، لِأنَّ قَوْلَهُ: فَإلَيْنا مَرْجِعُهم صالِحٌ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِلشَّرْطِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ. وأيْضًا فَقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: فَذاكَ هو اسْمٌ مُفْرَدٌ لا يَنْعَقِدُ مِنهُ جَوابُ شَرْطٍ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يَأْتِيَ بِجُمْلَةٍ يَتَّضِحُ مِنها جَوابُ الشَّرْطِ، إذْ لا يُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ فَذاكَ الجُزْءُ الَّذِي حُذِفَ المُتَحَصِّلُ بِهِ فائِدَةُ الإسْنادِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ثَمَّ اللَّهُ بِفَتْحِ الثّاءِ، أيْ: هُنالِكَ. ومَعْنى شَهادَةِ اللَّهِ عَلى ما يَفْعَلُونَ مُقْتَضاها ونَتِيجَتُها وهو العِقابُ، كَأنَّهُ قالَ: ثُمَّ اللَّهُ مُعاقِبُهم، وإلّا فَهو تَعالى شَهِيدٌ عَلى أفْعالِهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّهُ تَعالى مُؤَدٍّ شَهادَتَهُ عَلى أفْعالِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ حَتّى تَنْطِقَ جُلُودُهم، وألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم شاهِدَةً عَلَيْهِمْ. ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإذا جاءَ رَسُولُهم قُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾: لَمّا بَيَّنَ حالَ الرَّسُولِ ﷺ في قَوْمِهِ بَيَّنَ حالَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ أقْوامِهِمْ، تَسْلِيَةً لَهُ وتَطْمِينًا لِقَلْبِهِ. ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى ما أهْمَلَ أُمَّةً، بَلْ بَعَثَ إلَيْها رَسُولًا كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنْ مِن أُمَّةٍ إلّا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] وقَوْلُهُ: ﴿فَإذا جاءَ رَسُولُهُمْ﴾، إمّا أنْ يَكُونَ إخْبارًا عَنْ حالَةٍ ماضِيَةٍ فَيَكُونُ ذَلِكَ في الدُّنْيا، ويَكُونُ المَعْنى: أنَّهُ بَعَثَ إلى كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا يَدْعُوهم إلى دِينِ اللَّهِ ويُنَبِّئُهم عَلى تَوْحِيدِهِ، فَلَمّا جاءَهم بِالبَيِّناتِ كَذَّبُوهُ، فَقُضِيَ بَيْنَهم، أيْ: بَيْنَ الرَّسُولِ وأُمَّتِهِ، فَأنْجى الرَّسُولَ وعُذِّبَ المُكَذِّبُونَ. وإمّا أنْ يَكُونَ عَلى حالَةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ، أيْ: فَإذا جاءَهم رَسُولُهم يَوْمَ القِيامَةِ لِلشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ قُضِيَ بَيْنَهم، أيْ: بَيْنَ الأُمَّةِ بِالعَدْلِ، فَصارَ قَوْمٌ إلى الجَنَّةِ وقَوْمٌ إلى النّارِ، فَهَذا هو القَضاءُ بَيْنَهم، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ. ويَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ وقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ [الزمر: ٦٩] . ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾: الضَّمِيرُ في ويَقُولُونَ، عائِدٌ عَلى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ ومَن تابَعَهم مِن مُنْكِرِي الحَشْرِ، اسْتَعْجَلُوا بِما وُعِدُوا بِهِ مِنَ العَذابِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِبْعادِ، أوْ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِخْفافِ، ولِذَلِكَ قالُوا: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، أيْ: لَسْتُمْ صادِقِينَ فِيما وعَدْتُمْ بِهِ فَلا يَقَعُ شَيْءٌ مِنهُ. وقَوْلُهم: هَذا يَشْهَدُ لِلْقَوْلِ الأوَّلِ في الآيَةِ قَبْلَها، وأنَّها حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ. وأنَّ مَعْنى ذَلِكَ: فَإذا جاءَهُمُ الرَّسُولُ وكَذَّبُوهُ قُضِيَ بَيْنَهم في الدُّنْيا، وأنَّ كُلَّ رَسُولٍ وعَدَ أُمَّتَهُ بِالعَذابِ في الدُّنْيا إنْ هي كَذَّبَتْ. (p-١٦٥)﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا إلّا ما شاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ إذا جاءَ أجَلُهم فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾: لَمّا التَمَسُوا تَعْجِيلَ العَذابِ أوْ تَعْجِيلَ السّاعَةِ، أمَرَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَقُولَ لَهم: لَيْسَ ذَلِكَ إلَيَّ، بَلْ ذَلِكَ إلى اللَّهِ تَعالى. وإذا كُنْتُ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا فَكَيْفَ أمْلِكُهُ لِغَيْرِي ؟ أوْ كَيْفَ أطَّلِعُ عَلى ما لَمْ يُطْلِعْنِي عَلَيْهِ اللَّهُ ؟ ولَكِنْ لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ انْفَرَدَ بِعِلْمِهِ تَعالى. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ قَوْلِهِ ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ في الأعْرافِ. وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ: آجالُهم عَلى الجَمْعِ. وإلّا ما شاءَ اللَّهُ ظاهِرُهُ أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ أمْلِكَهُ وأقْدِرَ عَلَيْهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، أيْ: ولَكِنْ ما شاءَ اللَّهُ مِن ذَلِكَ كائِنٌ، فَكَيْفَ أمْلِكُ لَكُمُ الضَّرَرَ وجَلْبَ العَذابِ. ولِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ، أيْ: إنَّ عَذابَكم لَهُ أجَلٌ مَضْرُوبٌ عِنْدَ اللَّهِ. ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ بَياتًا أوْ نَهارًا ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ﴾ ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ آلْآنَ وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ (p-١٦٦)تَقَدَّمَ الكَلامُ في أرَأيْتُمْ في سُورَةِ الأنْعامِ، وقَرَّرْنا هُناكَ أنَّ العَرَبَ تُضَمِّنُ أرَأيْتَ مَعْنى أخْبِرْنِي، وأنَّها تَتَعَدّى إذْ ذاكَ إلى مَفْعُولَيْنِ، وأنَّ المَفْعُولَ الثّانِي أكْثَرُ ما يَكُونُ جُمْلَةَ اسْتِفْهامٍ، يَنْعَقِدُ مِنها ما قَبْلَها مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ كَقَوْلِ العَرَبِ: أرَأيْتَ زَيْدًا ما صَنَعَ ؟ المَعْنى: أخْبِرْنِي عَنْ زَيْدٍ ما صَنَعَ. وقَبْلَ دُخُولِ أرَأيْتَ كانَ الكَلامُ: زَيْدٌ ما صَنَعَ ؟ وإذا تَقَرَّرَ هَذا فَأرَأيْتُمْ هُنا المَفْعُولُ الأوَّلُ لَها مَحْذُوفٌ، والمَسْألَةُ مِن بابِ الإعْمالِ. تَنازَعَ أرَأيْتَ وإنْ أتاكم عَلى قَوْلِهِ: عَذابُهُ، فَأُعْمِلَ الثّانِي إذْ هو المُخْتارُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، وهو الَّذِي ورَدَ بِهِ السَّماعُ أكْثَرَ مِن إعْمالِ الأوَّلِ. فَلَمّا أُعْمِلِ الثّانِي حُذِفَ مِنَ الأوَّلِ ولَمْ يُضْمَرْ، لِأنَّ إضْمارَهُ مُخْتَصٌّ بِالشِّعْرِ، أوْ قَلِيلٌ في الكَلامِ عَلى اخْتِلافِ النَّحْوِيِّينَ في ذَلِكَ. والمَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: أخْبِرُونِي عَنْ عَذابِ اللَّهِ إنْ أتاكم، أيُّ شَيْءٍ تَسْتَعْجِلُونَ مِنهُ، ولَيْسَ شَيْءٌ مِنَ العَذابِ يَسْتَعْجِلُهُ عاقِلٌ، إذِ العَذابُ كُلُّهُ مُرُّ المَذاقِ مُوجِبٌ لِنِفارِ الطَّبْعِ مِنهُ، فَتَكُونُ جُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ جاءَتْ عَلى سَبِيلِ التَّلَطُّفِ بِهِمْ، والتَّنْبِيهِ لَهم أنَّ العَذابَ لا يَنْبَغِي أنْ يَسْتَعْجِلَ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ جاءَتْ عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ والتَّهْوِيلِ لِلْعَذابِ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ شَدِيدٍ تَسْتَعْجِلُونَ مِنهُ ؟ أيْ: ما أشَدَّ وأهْوَلَ ما تَسْتَعْجِلُونَ مِنَ العَذابِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: الرُّؤْيَةُ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ الَّتِي بِمَعْنى العِلْمِ، لِأنَّها داخِلَةٌ عَلى الجُمْلَةِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ ومَعْناها التَّقْرِيرُ. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: أرَأيْتُمْ ما تَسْتَعْجِلُ مِنَ العَذابِ المُجْرِمُونَ إنْ أتاكم عَذابُهُ، انْتَهى. فَظاهِرُ كَلامِ الحَوْفِيِّ: أنَّ أرَأيْتُمْ باقِيَةٌ عَلى مَوْضُوعِها الأوَّلِ لَمْ تُضَمَّنْ مَعْنى أخْبِرُونِي، وأنَّها بِمَعْنى أعَلِمْتُمْ، وأنَّ جُمْلَةَ الِاسْتِفْهامِ سَدَّتْ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ، وأنَّهُ اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَّقْرِيرُ، ولَمْ يُبَيِّنِ الحَوْفِيُّ ما يُفِيدُ جَوابَ الشَّرْطِ المَحْذُوفَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): بِمَ يَتَعَلَّقُ الِاسْتِفْهامُ ؟ وأيْنَ جَوابُ الشَّرْطِ ؟ (قُلْتُ): تَعَلَّقَ بِأرَأيْتُمْ، لِأنَّ المَعْنى: أخْبِرُونِي ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ وهو: تَنْدَمُوا عَلى الِاسْتِعْجالِ وتَعْرِفُوا الخَطَأ فِيهِ، انْتَهى. وما قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرُ سائِغٍ، لِأنَّهُ لا يُقَدِّرُ الجَوابَ إلّا مِمّا تَقَدَّمَهُ لَفْظًا أوْ تَقْدِيرًا تَقُولُ: أنْتَ ظالِمٌ إنْ فَعَلْتَ، فالتَّقْدِيرُ إنْ فَعَلْتَ فَأنْتَ ظالِمٌ. وكَذَلِكَ ﴿وإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٧٠] (p-١٦٧)التَّقْدِيرُ: إنْ شاءَ اللَّهُ نَهْتَدِ. فالَّذِي يُسَوِّغُ أنْ يُقَدَّرَ: إنْ أتاكم عَذابُهُ فَأخْبِرُونِي ماذا يَسْتَعْجِلُ ؟ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ اعْتِراضًا، والمَعْنى: إنْ أتاكم عَذابُهُ أآمَنتُمْ بِهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ حِينَ لا يَنْفَعُكُمُ الإيمانُ ؟ انْتَهى. أمّا تَجْوِيزُهُ أنْ يَكُونَ ماذا جَوابًا لِلشَّرْطِ فَلا يَصِحُّ، لِأنَّ جَوابَ الشَّرْطِ إذا كانَ اسْتِفْهامًا فَلا بُدَّ فِيهِ مِنَ الفاءِ، تَقُولُ: إنْ زارَنا فُلانٌ فَأيُّ رَجُلٍ هو، وإنْ زارَنا فُلانٌ فَأيُّ يَدٍ لَهُ بِذَلِكَ، ولا يَجُوزُ حَذْفُها إلّا إنْ كانَ في ضَرُورَةٍ، والمِثالُ الَّذِي ذَكَرَهُ وهو: إنْ أتَيْتُكَ ماذا تُطْعِمُنِي ؟ هو مِن تَمْثِيلِهِ، لا مِن كَلامِ العَرَبِ. وأمّا قَوْلُهُ: ثُمَّ تَتَعَلَّقُ الجُمْلَةُ بِأرَأيْتُمْ، إنْ عُنِيَ بِالجُمْلَةِ: ماذا يَسْتَعْجِلُ ؟ فَلا يَصِحُّ ذَلِكَ لِأنَّهُ قَدْ جَعَلَها جَوابًا لِلشَّرْطِ، وإنْ عُنِيَ بِالجُمْلَةِ جُمْلَةُ الشَّرْطِ فَقَدْ فَسَّرَ هو أرَأيْتُمْ بِمَعْنى: أخْبِرْنِي، وأخْبِرْنِي تَطْلُبُ مُتَعَلِّقًا مَفْعُولًا، ولا تَقَعُ جُمْلَةُ الشَّرْطِ مَوْقِعَ مَفْعُولِ أخْبِرْنِي. وأمّا تَجْوِيزُهُ أنْ يَكُونَ ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ﴾ جَوابَ الشَّرْطِ، وماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ اعْتِراضًا فَلا يَصِحُّ أيْضًا، لِما ذَكَرْناهُ مِن أنَّ جُمْلَةَ الِاسْتِفْهامِ لا تَقَعُ جَوابًا لِلشَّرْطِ إلّا ومَعَها فاءُ الجَوابِ. وأيْضًا فَثُمَّ هُنا وهي حَرْفُ عَطْفٍ، تَعْطِفُ الجُمْلَةَ الَّتِي بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، فالجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ مَعْطُوفَةٌ، وإذا كانَتْ مَعْطُوفَةً لَمْ يَصِحَّ أنْ تَقَعَ جَوابَ شَرْطٍ. وأيْضًا فَأرَأيْتُمْ بِمَعْنى أخْبِرْنِي تَحْتاجُ إلى مَفْعُولٍ، ولا تَقَعُ جُمْلَةُ الشَّرْطِ مَوْقِعَهُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في قَوْلِهِ: (بَياتًا) في الأعْرافِ مَدْلُولًا وإعْرابًا. والمَعْنى إنْ أتاكم عَذابُهُ وأنْتُمْ ساهُونَ غافِلُونَ، إمّا بِنَوْمٍ وإمّا بِاشْتِغالٍ بِالمَعاشِ والكَسْبِ، وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ: (بَغْتَةً) لِأنَّ العَذابَ إذا فاجَأ مِن غَيْرِ شُعُورٍ بِهِ كانَ أشَدَّ وأصْعَبَ، بِخِلافِ أنْ يَكُونَ قَدِ اسْتَعَدَّ لَهُ وتَهَيَّأ لِحُلُولِهِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَياتًا وهم نائِمُونَ﴾ [الأعراف: ٩٧] ﴿ضُحًى وهم يَلْعَبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٨] . ويَجُوزُ في ماذا أنْ يَكُونَ ما مُبْتَدَأً وذا خَبَرَهُ، وهو بِمَعْنى الَّذِي ويَسْتَعْجِلُ صِلَتُهُ، وحُذِفَ الضَّمِيرُ العائِدُ عَلى المَوْصُولِ، التَّقْدِيرُ: أيُّ شَيْءٍ يَسْتَعْجِلُهُ مِنَ العَذابِ المُجْرِمُونَ. ويَجُوزُ في ماذا أنْ يَكُونَ كُلُّهُ مَفْعُولًا كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ شَيْءٍ يَسْتَعْجِلُهُ مِنَ العَذابِ المُجْرِمُونَ. وقَدْ جَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ ماذا كُلُّهُ مُبْتَدَأً، وخَبَرُهُ الجُمْلَةُ بَعْدَهُ. وضَعَّفَهُ أبُو عَلِيٍّ لِخُلُوِّ الجُمْلَةِ مِن ضَمِيرٍ يَعُودُ عَلى المُبْتَدَأِ. والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في مِنهُ عَلى العَذابِ، وبِهِ يَحْصُلُ الرَّبْطُ لِجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِ بِمَفْعُولِ أرَأيْتُمُ المَحْذُوفِ الَّذِي هو مُبْتَدَأٌ في الأصْلِ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى اللَّهِ تَعالى. والمُجْرِمُونَ هُمُ المُخاطَبُونَ في قَوْلِهِ: أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم. ونَبَّهَ عَلى الوَصْفِ المُوجِبِ لِتَرْكِ الِاسْتِعْجالِ وهو الإجْرامُ، لِأنَّ مِن حَقِّ المُجْرِمِ أنْ يَخافَ التَّعْذِيبَ عَلى إجْرامِهِ، ويَهْلَكَ فَزَعًا مِن مَجِيئِهِ وإنْ أبْطَأ، فَكَيْفَ يَسْتَعْجِلُهُ ؟ وثُمَّ حَرْفُ عَطْفٍ وتَقَدَّمَتْ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ عَلَيْها كَما تَقَدَّمَتْ عَلى الواوِ والفاءِ في: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ [يوسف: ١٠٩] وفي ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا﴾ [الروم: ٩] وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ. وخِلافُ الزَّمَخْشَرِيِّ لِلْجَماعَةِ في دَعْواهُ أنَّ بَيْنَ الهَمْزَةِ وحَرْفِ العَطْفِ جُمْلَةً مَحْذُوفَةً عُطِفَتْ عَلَيْها الجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَ حَرْفِ العَطْفِ. وقالَ الطَّبَرِيُّ في قَوْلِهِ: أثُمَّ بِضَمِّ الثّاءِ، أنَّ مَعْناهُ أهُنالِكَ قالَ: ولَيْسَتْ ثُمَّ هَذِهِ الَّتِي تَأْتِي بِمَعْنى العَطْفِ، انْتَهى. وما قالَهُ الطَّبَرِيُّ مِن أنَّ ثُمَّ هُنا لَيْسَتْ لِلْعَطْفِ دَعْوى، وأمّا قَوْلُهُ: إنَّ المَعْنى أهُنالِكَ، فالَّذِي يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَفْسِيرُ مَعْنًى، لا أنَّ ثُمَّ المَضْمُومَةَ الثّاءِ مَعْناها مَعْنى هُنالِكَ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: أثَمَّ بِفَتْحِ الثّاءِ، وهَذا يُناسِبُهُ تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ أهُنالِكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: آلْآنَ عَلى الِاسْتِفْهامِ بِالمَدِّ، وكَذا: آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ. وقَرَأ طَلْحَةُ والأعْرَجُ: بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ بِغَيْرِ مَدٍّ، وهو عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أيْ قِيلَ لَهم إذا آمَنُوا بَعْدَ وُقُوعِ العَذابِ: آلْآنَ آمَنتُمْ بِهِ، فالنّاصِبُ لِقَوْلِهِ: آلْآنَ هو آمَنتُمْ بِهِ وهو مَحْذُوفٌ، قِيلَ: تَقُولُ لَهم ذَلِكَ المَلائِكَةُ، وقِيلَ: اللَّهُ، والِاسْتِفْهامُ عَلى طَرِيقِ التَّوْبِيخِ. وفِي كِتابِ اللَّوامِحِ عِيسى البَصْرِيُّ وطَلْحَةُ: آمَنتُمْ بِهِ الآنَ بِوَصْلِ الهَمْزَةِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ، بَلْ عَلى الخَبَرِ، فَيَكُونُ نَصْبُهُ عَلى الظَّرْفِ مِن آمَنتُمْ بِهِ المَذْكُورِ. وأمّا في العامَّةِ فَنَصْبُهُ (p-١٦٨)بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ آمَنتُمْ بِهِ المَذْكُورُ، لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ قَدْ أخَذَ صَدْرَ الكَلامِ، فَيَمْنَعُ ما قَبْلُهُ أنْ يَعْمَلَ فِيما بَعْدَهُ، انْتَهى. وقَدْ كُنْتُمْ جُمْلَةً حالِيَّةً. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ يَعْنِي تُكَذِّبُونَ، لِأنَّ اسْتِعْجالَكم كانَ عَلى جِهَةِ التَّكْذِيبِ والإنْكارِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَسْتَعْجِلُونَ مُكَذِّبِينَ بِهِ. ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾: أيْ تَقُولُ لَهم خَزَنَةُ جَهَنَّمَ هَذا الكَلامَ. والظُّلْمُ ظُلْمُ الكُفْرِ لا ظُلْمُ المَعْصِيَةِ، لِأنَّ مَن دَخَلَ النّارَ مِن عُصاةِ المُؤْمِنِينَ لا يَخْلُدُ فِيها. وثُمَّ قِيلَ عَطْفٌ عَلى المُضْمَرِ قَبْلَ آلْآنَ. ومَن قَرَأ بِوَصْلِ ألَّفِ الآنَ فَهو اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَمّا يُقالُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ، وهَلْ تُجْزَوْنَ: تَوْبِيخٌ لَهم وتَوْضِيحٌ أنَّ الجَزاءَ هو عَلى كَسْبِ العَبْدِ.

يونس 10:52

﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾: لَمّا نَفى تَعالى أنْ يَكُونَ القُرْآنُ مُفْتَرًى، بَلْ جاءَ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكُتُبِ وبَيانًا لِما فِيها، ذَكَرَ أعْظَمَ دَلِيلٍ عَلى أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ وهو الإعْجازُ الَّذِي اشْتَمَلَ عَلَيْهِ، فَأبْطَلَ بِذَلِكَ دَعْواهُمُ افْتِراءَهُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ مُشْبَعًا في البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ﴾ [البقرة: ٢٣] الآيَةَ. وأمْ مُتَضَمِّنَةٌ مَعْنى بَلْ، والهَمْزَةُ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، أيْ: أيَقُولُونَ اخْتَلَقَهُ. والهَمْزَةُ تَقْرِيرٌ لِالتِزامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، أوْ إنْكارٌ لِقَوْلِهِمْ واسْتِبْعادٌ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: أمْ هَذِهِ بِمَنزِلَةِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أمْ بِمَعْنى الواوِ، ومَجازُهُ: ويَقُولُونَ افْتَراهُ. وقِيلَ: المِيمُ صِلَةٌ، والتَّقْدِيرُ: أيَقُولُونَ. وقِيلَ: أمْ هي المُعادِلَةُ لِلْهَمْزَةِ، وحُذِفَتِ الجُمْلَةُ قَبْلَها والتَّقْدِيرُ: أيُقِرُّونَ بِهِ أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ ؟ . وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ قُلْ فَأْتُوا جُمْلَةَ شَرْطٍ مَحْذُوفَةً فَقالَ: قُلْ إنْ كانَ الأمْرُ كَما تَزْعُمُونَ فَأْتُوا أنْتُمْ عَلى وجْهِ الِافْتِراءِ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ، فَأنْتُمْ مِثْلُهُ في العَرَبِيَّةِ والفَصاحَةِ والألْمَعِيَّةِ، فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ شَبِيهَةٍ بِهِ في البَلاغَةِ وحُسْنِ النَّظْمِ، انْتَهى. والضَّمِيرُ في مِثْلِهِ عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، أيْ: بِسُورَةٍ مُماثِلَةٍ لِلْقُرْآنِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ لَنا فِيما وقَعَ بِهِ الإعْجازُ. وقَرَأ عَمْرُو بْنُ قائِدٍ ﴿بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ عَلى الإضافَةِ أيْ: بِسُورَةِ كِتابٍ أوْ كَلامٍ مِثْلِهِ، أيْ: مِثْلِ القُرْآنِ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: هَذا مِمّا حُذِفَ المَوْصُوفُ مِنهُ وأُقِيمَتِ الصِّفَةُ مَقامَهُ، أيْ: بِصُورَةِ بَشَرٍ مِثْلِهِ، فالهاءُ في ذَلِكَ واقِعَةٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ وفي العامَّةِ إلى القُرْآنِ. وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَدْعُوهُ مِن خَلْقِ اللَّهِ إلى الِاسْتِعانَةِ عَلى الإتْيانِ بِمِثْلِهِ مِن دُونِ اللَّهِ، أيْ: مِن غَيْرِ اللَّهِ، لِأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ أحَدٌ إلّا اللَّهُ، فَلا تَسْتَعِينُوهُ وحْدَهُ، واسْتَعِينُوا بِكُلِّ مَن دُونَهُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في أنَّهُ افْتَراهُ. وقَدْ تَمَسَّكَ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى خَلْقِ القُرْآنِ، قالُوا: لِأنَّهُ تَحَدّى بِهِ وطَلَبَ الإتْيانَ بِمِثْلِهِ وعَجَزُوا، ولا يُمْكِنُ هَذا إلّا إذا كانَ الإتْيانُ بِمِثْلِهِ صَحِيحَ الوُجُودِ في الجُمْلَةِ، ولَوْ كانَ قَدِيمًا لَكانَ الإتْيانُ بِمِثْلِ القَدِيمِ مُحالًا في نَفْسِ الأمْرِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَصِحَّ التَّحَدِّي بِهِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: مَراتِبُ التَّحَدِّي بِالقُرْآنِ سِتٌّ: تَحَدٍّ بِكُلِّ القُرْآنِ في: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ﴾ [الإسراء: ٨٨] الآيَةَ، وتَحَدٍّ بِعَشْرِ سُوَرٍ، وتَحَدٍّ بِسُورَةٍ واحِدَةٍ، وتَحَدٍّ بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور: ٣٤] وفي هَذِهِ الأرْبَعِ طَلَبَ أنْ يُعارِضَ رَجُلٌ يُساوِي الرَّسُولَ في عَدَمِ التَّتَلْمُذِ والتَّعْلِيمِ، وتَحِدٍّ طَلَبَ مِنهم مُعارَضَةَ سُورَةٍ واحِدَةٍ مِن أيِّ إنْسانٍ كانَ، تَعَلَّمَ العُلُومَ أوْ لَمْ يَتَعَلَّمْها، وفي هَذِهِ المَراتِبِ الخَمْسِ تَحَدّى كُلَّ واحِدٍ مِنَ الخَلْقِ، وتَحِدٍّ طَلَبَ مِنَ المَجْمُوعِ اسْتِعانَةَ بَعْضٍ بِبَعْضٍ، انْتَهى مُلَخَّصًا. ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (بَلْ كَذَّبُوا)، بَلْ سارَعُوا إلى التَّكْذِيبِ بِالقُرْآنِ، وفاجَؤُوهُ في بَدِيهَةِ السَّماعِ قَبْلَ أنْ يَفْهَمُوهُ ويَعْلَمُوا كُنْهَ أمْرِهِ، وقَبْلَ أنْ يَتَدَبَّرُوهُ ويَفْقَهُوا تَأْوِيلَهُ ومَعانِيَهُ، وذَلِكَ لِفَرْطِ نُفُورِهِمْ عَمّا يُخالِفُ دِينَهَمْ، وشِرادِهِمْ عَنْ مُفارَقَةِ دِينِ آبائِهِمْ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا اللَّفْظُ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يُرِيدَ بِما: الوَعِيدُ الَّذِي تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ عَلى الكُفْرِ، وتَأْوِيلُهُ عَلى هَذا يُرِيدُ بِهِ ما يَئُولُ إلَيْهِ أمْرُهُ، كَما هو في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف: ٥٣] والآيَةُ مَحْمِلُها عَلى هَذا التَّأْوِيلِ يَتَضَمَّنُ وعِيدًا، والمَعْنى الثّانِي: أنَّهُ أرادَ بَلْ كَذَّبُوا بِهَذا القُرْآنِ العَظِيمِ المُنْبِئِ بِالغُيُوبِ الَّذِي لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهم بِهِ مَعْرِفَةٌ، ولا أحاطُوا بِمَعْرِفَةِ غُيُوبِهِ وحُسْنِ نَظْمِهِ، ولا جاءَهم تَفْسِيرُ ذَلِكَ وبَيانُهُ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: يَحْتَمِلُ وجُوهًا، الأوَّلُ: كُلَّما سَمِعُوا شَيْئًا مِنَ القَصَصِ قالُوا ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] ولَمْ يَعْرِفُوا أنَّ المَقْصُودَ مِنها لَيْسَ نَفْسَ الحِكايَةِ (p-١٥٩)بَلْ قُدْرَتُهُ تَعالى عَلى التَّصَرُّفِ في هَذا العالَمِ، ونَقْلِهِ أهْلَهُ مِن عِزٍّ إلى ذُلٍّ، ومِن ذُلٍّ إلى عِزٍّ، وبِفَناءِ الدُّنْيا، فَيَعْتَبِرُ بِذَلِكَ. وأنَّ ذَلِكَ القَصَصَ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ، إذْ أعْلَمَ بِذَلِكَ عَلى لِسانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن غَيْرِ تَحْرِيفٍ مَعَ كَوْنِهِ لَمْ يَتَعَلَّمْ ولَمْ يَتَتَلْمَذْ. الثّانِي: كُلَّما سَمِعُوا حُرُوفَ التَّهَجِّي ولَمْ يَفْهَمُوا مِنها شَيْئًا ساءَ ظَنُّهم، وقَدْ أجابَ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ﴾ [آل عمران: ٩٧] الآيَةَ. الثّالِثُ: ظُهُورُ القُرْآنِ شَيْئًا فَشَيْئًا، فَساءَ ظَنُّهم وقالُوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢] وقَدْ أجابَ تَعالى وشَرَحَ في مَكانِهِ. الرّابِعُ القُرْآنُ مَمْلُوءٌ مِنَ الحَشْرِ، وكانُوا ألِفُوا المَحْسُوساتِ، فاسْتَبْعَدُوا حُصُولَ الحَياةِ بَعْدَ المَوْتِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ صِحَّةَ المَعادِ بِالدَّلائِلِ الكَثِيرَةِ. الخامِسُ: أنَّهُ مَمْلُوءٌ مِنَ الأمْرِ بِالعِباداتِ، وكانُوا يَقُولُونَ: إلَهُ العالَمِ غَنِيٌّ عَنْ طاعَتِنا، وهو أجَلُّ أنْ يَأْمُرَنا بِما لا فائِدَةَ لَهُ فِيهِ. وأجابَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ﴾ [الإسراء: ٧] الآيَةَ، وبِالجُمْلَةِ فَشُبَهُ الكُفّارِ كَثِيرَةٌ، فَلَمّا رَأوُا القُرْآنَ مُشْتَمِلًا عَلى أُمُورٍ ما عَرَفُوا حَقِيقَتَها ولا اطَّلَعُوا عَلى وجْهِ الحِكْمَةِ فِيها كَذَّبُوا بِالقُرْآنِ فَقَوْلُهُ: بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ، إشارَةٌ إلى عَدَمِ عِلْمِهِمْ بِهَذِهِ الأشْياءِ وقَوْلُهُ: ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ، إشارَةٌ إلى عَدَمِ جُهْدِهِمْ واجْتِهادِهِمْ في طَلَبِ أسْرارِ ما تَضَمَّنَهُ القُرْآنُ، انْتَهى مُلَخَّصًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما مَعْنى التَّوَقُّعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ؟ (قُلْتُ): مَعْناهُ أنَّهم كَذَّبُوا بِهِ عَلى البَدِيهَةِ قَبْلَ التَّدَبُّرِ، ومَعْرِفَةِ التَّأْوِيلِ تَقْلِيدًا لِلْآباءِ، وكَذَّبُوهُ بَعْدَ التَّدَبُّرِ تَمَرُّدًا وعِنادًا فَذَمَّهم بِالتَّسَرُّعِ إلى التَّكْذِيبِ قَبْلَ العِلْمِ بِهِ، وجاءَ بِكَلِمَةِ التَّوَقُّعِ لِيُؤْذِنَ أنَّهم عَلِمُوا بَعْدَ عُلُوِّ شَأْنِهِ وإعْجازِهِ لَمّا كَرَّرَ عَلَيْهِمُ التَّحَدِّيَ ورازُوا قُواهم في المُعارَضَةِ، واسْتَيْقَنُوا عَجْزَهم عَنْ مَثَلِهِ، فَكَذَّبُوا بِهِ بَغْيًا وحَسَدًا، انْتَهى. ويَحْتاجُ كَلامُهُ هَذا إلى نَظَرٍ. وقالَ أيْضًا: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ، ولَمّا يَأْتِهِمْ بَعْدُ تَأْوِيلُ ما فِيهِ مِنَ الإخْبارِ بِالغُيُوبِ، أيْ: عاقِبَتُهُ، حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أكَذِبٌ هو أمْ صِدْقٌ ؟ يَعْنِي: أنَّهُ كِتابٌ مُعْجِزٌ مِن جِهَتَيْنِ: مِن جِهَةِ إعْجازِ نَظْمِهِ، ومِن جِهَةِ ما فِيهِ مِنَ الإخْبارِ بِالغُيُوبِ. فَتَسَرَّعُوا إلى التَّكْذِيبِ بِهِ قَبْلَ أنْ يَنْظُرُوا في نَظْمِهِ وبُلُوغِهِ حَدَّ الإعْجازِ، وقَبْلَ أنْ يُخْبَرُوا إخْبارَهُ بِالمَغِيباتِ وصِدْقَهُ وكَذِبَهُ، انْتَهى. وبَقِيَتْ جُمْلَةُ الإحاطَةِ بِلَمْ، وجُمْلَةُ إتْيانِ التَّأْوِيلِ بِلَمّا، ويُحْتاجُ في ذَلِكَ إلى فَرْقٍ دَقِيقٍ. والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، يَعْنِي: قَبْلَ النَّظَرِ في مُعْجِزاتِ الأنْبِياءِ وقَبْلَ تَدَبُّرِها مِن غَيْرِ إنْصافٍ مِن أنْفُسِهِمْ، ولَكِنْ قَلَّدُوا الآباءَ وعانَدُوا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قالَ الزُّجاجُ: كَيْفَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى خَبَرِ كانَ، لا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ انْظُرْ، لِأنَّ ما قَبْلَ الِاسْتِفْهامِ لا يَعْمَلُ فِيهِ، هَذا قانُونُ النَّحْوِيِّينَ لِأنَّهم عامَلُوا كَيْفَ في كُلِّ مَكانٍ مُعامَلَةَ الِاسْتِفْهامِ المَحْضِ. في قَوْلِكَ: كَيْفَ زَيْدٌ ؟ ولِكَيْفَ تَصَرُّفاتٌ غَيْرُ هَذا تَحُلُّ مَحَلَّ المَصْدَرِ الَّذِي هو كَيْفِيَّةٌ، ويَنْخَلِعُ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ، ويَحْتَمِلُ هَذا المَوْضِعُ أنْ يَكُونَ مِنها، ومِن تَصَرُّفاتِها قَوْلُهم: كُنْ كَيْفَ شِئْتَ، وانْظُرْ قَوْلَ البُخارِيِّ: كَيْفَ كانَ بَدْءُ الوَحْيِ، فَإنَّهُ لَمْ (p-١٦٠)يَسْتَقِمْ، انْتَهى. وقَوْلُ الزَّجّاجِ: لا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ انْظُرْ، وتَعْلِيلُهُ: يُرِيدُ لا يَجُوزُ أنْ تَعْمَلَ فِيهِ انْظُرْ لَفْظًا، لَكِنَّ الجُمْلَةَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لانْظُرْ مُعَلَّقَةً، وهي مِن نَظَرِ القَلْبِ. وقَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ: هَذا قانُونُ النَّحْوِيِّينَ إلى آخِرِ تَعْلِيلِهِ، لَيْسَ كَما ذَكَرَ، بَلْ لِكَيْفَ مَعْنَيانِ: أحَدُهُما: الِاسْتِفْهامُ المَحْضُ، وهو سُؤالٌ عَنِ الهَيْئَةِ، إلّا أنْ تُعَلِّقَ عَنْها العامِلَ فَمَعْناها مَعْنى الأسْماءِ الَّتِي يُسْتَفْهَمُ بِها إذا عُلِّقَ عَنْها العامِلُ. والثّانِي: الشَّرْطُ. لِقَوْلِ العَرَبِ: كَيْفَ تَكُونُ أكُونُ، وقَوْلُهُ: ولِكَيْفَ تَصَرُّفاتٌ إلى آخِرِهِ، لَيْسَ كَيْفَ تَحُلُّ مَحَلَّ المَصْدَرِ، ولا لَفْظُ كَيْفِيَّةٍ هو مَصْدَرٌ، إنَّما ذَلِكَ نِسْبَةٌ إلى كَيْفَ. وقَوْلُهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا المَوْضِعُ مِنها ومِن تَصَرُّفاتِها، قَوْلُهم: كُنْ كَيْفَ شِئْتَ، لا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنها، لِأنَّهُ لَمْ يُثْبِتْ لَها المَعْنى الَّذِي ذَكَرَ مِن كَوْنِ كَيْفَ بِمَعْنى كَيْفِيَّةٍ وادِّعاءِ مَصْدَرِ كَيْفِيَّةٍ. وأمّا كُنْ كَيْفَ شِئْتَ، فَكَيْفَ لَيْسَتْ بِمَعْنى كَيْفِيَّةٍ، وإنَّما هي شَرْطِيَّةٌ وهو المَعْنى الثّانِي الَّذِي لَها. وجَوابُها مَحْذُوفٌ التَّقْدِيرُ: كَيْفَ شِئْتَ فَكُنْ، كَما تَقُولُ: قُمْ مَتى شِئْتَ، فَمَتى اسْمُ شَرْطٍ ظَرْفٌ لا يَعْمَلُ فِيهِ قُمْ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: مَتى شِئْتَ فَقُمْ، وحُذِفَ الجَوابُ لِدِلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِمُ: اضْرِبْ زَيْدًا إنْ أساءَ إلَيْكَ، التَّقْدِيرُ: إنْ أساءَ إلَيْكَ فاضْرِبْهُ، وحُذِفَ فاضْرِبْهُ لِدِلالَةِ اضْرِبِ المُتَقَدِّمِ عَلَيْهِ. وأمّا قَوْلُ البُخارِيِّ: كَيْفَ كانَ بَدْءُ الوَحْيِ ؟ فَهو اسْتِفْهامٌ مَحْضٌ، إمّا عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ كَأنَّ قائِلًا سَألَهُ فَقالَ: كَيْفَ كانَ بَدْءُ الوَحْيِ ؟ فَأجابَ بِالحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ كَيْفِيَّةُ ذَلِكَ. والظّالِمِينَ: الظّاهِرُ أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ مَن عادَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ بَلْ كَذَّبُوا. ﴿ومِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ ورَبُّكَ أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ﴾: الظّاهِرُ أنَّهُ إخْبارٌ بِأنَّ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ مَن سَيُؤْمِنُ بِهِ وهو مَن سَبَقَتْ لَهُ السَّعادَةُ، ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ فَيُوافى عَلى الكُفْرِ. وقِيلَ: هو تَقْسِيمٌ في الكُفّارِ الباقِينَ عَلى كُفْرِهِمْ، فَمِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ باطِنًا ويَعْلَمُ أنَّهُ حَقٌّ ولَكِنَّهُ كَذَّبَ عِنادًا، ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ لا باطِنًا ولا ظاهِرًا، إمّا لِسُرْعَةِ تَكْذِيبِهِ وكَوْنِهِ لَمْ يَتَدَبَّرْهُ، وإمّا لِكَوْنِهِ نَظَرَ فِيهِ فَعارَضَتْهُ الشُّبُهاتُ ولَيْسَ عِنْدَهُ مِنَ الفَهْمِ ما يَدْفَعُها. وفِيهِ تَفْرِيقُ كَلِمَةِ الكُفّارِ، وأنَّهم لَيْسُوا مُسْتَوِينَ في اعْتِقاداتِهِمْ، بَلْ هم مُضْطَرِبُونَ وإنْ شَمِلَهُمُ التَّكْذِيبُ والكُفْرُ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ومِنهم عائِدٌ عَلى أهْلِ الكِتابِ، والظّاهِرُ عَوْدُهُ عَلى مَن عادَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ أمْ يَقُولُونَ، وتَعَلُّقُ العِلْمَ بِالمُفْسِدِينَ وحْدَهم تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ لَهم. ﴿وإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكم أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾: أيْ وإنْ تَمادَوْا عَلى تَكْذِيبِكَ فَتَبَرَّأْ مِنهم قَدْ أعْذَرْتَ وبَلَّغْتَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٦] ومَعْنى لِي عَمَلِي، أيْ: جَزاءُ عَمَلِي ولَكم جَزاءُ عَمَلِكم. ومَعْنى عَمَلِي الصّالِحُ المُشْتَمِلُ عَلى الإيمانِ والطّاعَةِ، ولَكم عَمَلُكُمُ المُشْتَمِلُ عَلى الشِّرْكِ والعِصْيانِ. والظّاهِرُ أنَّها آيَةُ مُنابَذَةٍ لَهم ومُوادَعَةٍ، وضَمَّنَها الوَعِيدَ كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] السُّورَةَ. وقِيلَ: المَقْصُودُ بِذَلِكَ اسْتِمالَتُهم وتَأْلِيفُ قُلُوبِهِمْ. وقالَ قَوْمٌ مِنهُمُ ابْنُ زَيْدٍ: هي مَنسُوخَةٌ بِالقِتالِ لِأنَّها مَكِّيَّةٌ، وهو قَوْلُ: مُجاهِدٍ والكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ. وقالَ المُحَقِّقُونَ: لَيْسَتْ بِمَنسُوخَةٍ، ومَدْلُولُها اخْتِصاصُ كُلِّ واحِدٍ بِأفْعالِهِ، وثَمَراتِها مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، ولَمْ تَرْفَعْ آيَةُ السَّيْفِ شَيْئًا مِن هَذا. وبَدَأ في المَأْمُورِ بِقَوْلِهِ: لِي عَمَلِي لِأنَّهُ آكَدُ في الِانْتِفاءِ مِنهم وفي البَراءَةِ بِقَوْلِهِ: أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ، لِأنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ جاءَتْ كالتَّوْكِيدِ والتَّتْمِيمِ لِما قَبْلَها، فَناسَبَ أنْ تَلِيَ قَوْلَهُ: ولَكم عَمَلُكم. ولِمُراعاةِ الفَواصِلِ، إذْ لَوْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ بَراءَةٍ كَما تَقَدَّمَ ذِكْرُ لِي عَمَلِي لَمْ تَقَعِ الجُمْلَةُ فاصِلَةً، إذْ كانَ يَكُونُ التَّرْكِيبُ وأنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ. (p-١٦١)﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ ولَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿ومِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ أفَأنْتَ تَهْدِي العُمْيَ ولَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا ولَكِنَّ النّاسَ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتِ الآيَتانِ في النَّضْرِ بْنِ الحَرْثِ وغَيْرِهِ مِنَ المُسْتَهْزِئِينَ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: في قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ، انْتَهى. وهَذِهِ الآيَةُ فِيها تَقْسِيمُ مَن لا يُؤْمِنُ مِنَ الكُفّارِ إلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ بَعْدَ تَقْسِيمِ المُكَذِّبِينَ إلى مَن يُؤْمِنُ ومَن لا يُؤْمِنُ، والضَّمِيرُ في يَسْتَمِعُونَ عائِدٌ عَلى مَعْنى مَن، والعَوْدِ عَلى المَعْنى دُونَ العَوْدِ عَلى اللَّفْظِ في الكَثْرَةِ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الشَّياطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ﴾ [الأنبياء: ٨٢] والمَعْنى: مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ إذا قَرَأْتَ القُرْآنَ وعَلِمْتَ الشَّرائِعَ، ثُمَّ نَفى جَدْوى ذَلِكَ الِاسْتِماعِ بِقَوْلِهِ: أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ، أيْ: هم، وإنِ اسْتَمَعُوا إلَيْكَ صُمٌّ عَنْ إدْراكِ ما تُلْقِيهِ إلَيْهِمْ لَيْسَ لَهم وعْيٌ ولا قَبُولٌ، ولا سِيَّما قَدِ انْضافَ إلى الصَّمَمِ انْتِفاءُ العَقْلِ، فَجُرَّ بِمِن عَدَمُ السَّمْعِ والعَقْلِ أنْ لا يَكُونَ لَهُ إدْراكٌ لِشَيْءٍ البَتَّةَ، بِخِلافِ أنْ لَوْ كانَ الأصَمُّ عاقِلًا فَإنَّهُ بِعَقْلِهِ يَهْتَدِي إلى أشْياءَ. وأعادَ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ﴾ الضَّمِيرَ مُفْرَدًا مُذَكَّرًا عَلى لَفْظِ مَن، وهو الأكْثَرُ في لِسانِ العَرَبِ. والمَعْنى: أنَّهم عُمْيٌ فَلا تَقْدِرُ عَلى هِدايَتِهِمْ، لِأنَّ السَّبَبَ الَّذِي يُهْتَدى بِهِ إلى رُؤْيَةِ الدَّلائِلِ فَقَدْ فَقَدُوهُ، هَذا وهم مَعَ فَقْدِ البَصَرِ قَدْ فَقَدُوا البَصِيرَةَ، إذْ مَن كانَ أعْمى فَإنَّهُ مُهْدِيهِ نُورُ بَصِيرَتِهِ إلى أشْياءَ بِالحَدْسِ، وهَذا قَدْ جَمَعَ بَيْنَ فِقْدانِ البَصَرِ والبَصِيرَةِ، وهَذا مُبالَغَةٌ عَظِيمَةٌ في انْتِفاءِ قَبُولِ ما يُلْقى إلى هَؤُلاءِ، إذْ جَمَعُوا بَيْنَ الصَّمَمِ وانْتِفاءِ العَقْلِ، وبَيْنَ العَمى وفَقْدِ البَصِيرَةِ. وقَوْلُهُ: (أفَأنْتَ): تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ وأنْ لا يَكْتَرِثَ بِعَدَمِ قَبُولِهِمْ، فَإنَّ الهِدايَةَ إنَّما هي لِلَّهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: جاءَ يَنْظُرُ عَلى لَفْظِ مَن، وإذا جاءَ الفِعْلُ عَلى لَفْظِها فَجائِزٌ أنْ يُعْطَفَ عَلَيْهِ آخَرُ عَلى المَعْنى، وإذا جاءَ أوَّلًا عَلى مَعْناها فَلا يَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ عَلَيْهِ بِآخَرَ عَلى اللَّفْظِ، لِأنَّ الكَلامَ يُلْبَسُ حِينَئِذٍ، انْتَهى. ولَيْسَ كَما قالَ، بَلْ يَجُوزُ أنْ تُراعِي المَعْنى أوَّلًا فَتُعِيدَ الضَّمِيرَ عَلى حَسَبِ ما تُرِيدُ مِنَ المَعْنى مِن تَأْنِيثٍ وتَثْنِيَةٍ وجَمْعٍ، ثُمَّ تُراعِي اللَّفْظَ فَتُعِيدُ الضَّمِيرَ مُفْرَدًا مُذَكَّرًا، وفي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ ذُكِرَ في عِلْمِ النَّحْوِ. والمَقْصُودُ مِنَ الآيَتَيْنِ: إعْلامُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ قَدِ انْتَهَوْا في النَّفْرَةِ والعَداوَةِ، والبُغْضِ الشَّدِيدِ في رُتْبَةِ مَن لا يَنْفَعُ فِيهِ عِلاجٌ البَتَّةَ، لِأنَّ مَن كانَ أصَمَّ أحْمَقَ وأعْمى فاقِدَ البَصِيرَةِ لا يُمْكِنُ ذَلِكَ أنْ يَقِفَ عَلى مَحاسِنِ الكَلامِ وما انْطَوى عَلَيْهِ مِنَ الإعْجازِ، ولا يُمْكِنُ هَذا أنْ يَرى ما أجْرى اللَّهُ عَلى يَدَيْ رَسُولِهِ مِنَ الخَوارِقِ، فَقَدْ أيِسَ مِن هِدايَةِ هَؤُلاءِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎وإذا خَفِيتُ عَلى الغَبِيَّ فَعاذِرٌ أنْ لا تَرانِي مُقْلَةٌ عَمْياءُ ولَمّا ذَكَرَ تَعالى هَؤُلاءِ الأشْقِياءَ، ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ لا يَظْلِمُهم شَيْئًا، إذْ قَدْ أزاحَ عِلَلَهم بِبِعْثَةِ الرُّسُلِ وتَحْذِيرِهِمْ مِن عِقابِهِ، ولَكِنَّهم ظالِمُوا أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ والتَّكْذِيبِ. واحْتَمَلَ هَذا النَّفْيُ لِلظُّلْمِ أنْ يَكُونَ في (p-١٦٢)الدُّنْيا، أيْ: لا يَظْلِمُهم شَيْئًا مِن مَصالِحِهِمْ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ في الآخِرَةِ وأنَّ ما يَلْحَقُهم مِنَ العِقابِ هو عَدْلٌ مِنهُ، لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ تَسَبَّبُوا فِيهِ بِاكْتِسابِ ذُنُوبِهِمْ كَما قَدَّرَ تَعالى عَلَيْهِمْ: لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ. وتَقَدَّمَ خِلافُ القُرّاءِ في (ولَكِنَّ النّاسَ) مِن تَشْدِيدِ النُّونِ ونَصْبِ النّاسِ وتَخْفِيفِها والرَّفْعِ. (ويَوْمَ يَحْشُرُهم كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهم قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وما كانُوا مُهْتَدِينَ): قَرَأ الأعْمَشُ وحَفْصٌ: يَحْشُرُهم بِالياءِ راجِعًا الضَّمِيرَ غائِبًا عائِدًا عَلى اللَّهِ، إذْ تَقَدَّمَ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا﴾ ولَمّا ذَكَرَ أُولَئِكَ الأشْقِياءَ أتْبَعَهُ بِالوَعِيدِ ووَصْفِ حالِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، والمَعْنى: كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا في الدُّنْيا أوْ في القُبُورِ، يَعْنِي: فَقَلِيلٌ لُبْثُهم، وذَلِكَ لِهَوْلِ ما يُعايِنُونَ مِن شَدائِدِ القِيامَةِ، أوْ لِطُولِ يَوْمِ القِيامَةِ ووُقُوفِهِمْ لِلْحِسابِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رَأوْا أنَّ طُولَ أعْمارِهِمْ في مُقابَلَةِ الخُلُودِ كَساعَةٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَوْمَ ظَرْفٌ، ونَصْبُهُ يَصِحُّ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ. ويَصِحُّ أنْ يَنْتَصِبَ بِالفِعْلِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ: كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ، ويَصِحُّ نَصْبُهُ بِيَتَعارَفُونَ، والكافُ مِن قَوْلِهِ: كَأنْ، يَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِلْيَوْمِ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَعْتٍ لِلْمَصْدَرِ كَأنَّهُ قالَ: ويَوْمَ نَحْشُرُهم حَشْرًا كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في نَحْشُرُهم، انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: ويَصِحُّ أنْ يَنْتَصِبَ بِالفِعْلِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا فَإنَّهُ كَلامٌ مُجْمَلٌ لَمْ يُبَيِّنِ الفِعْلَ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا، ولَعَلَّهُ أرادَ ما قالَهُ الحَوْفِيُّ: مِن أنَّ الكافَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِما تَضَمَّنَتْ مِن مَعْنى الكَلامِ وهو السُّرْعَةُ، انْتَهى. فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ويَوْمَ نَحْشُرُهم يُسْرِعُونَ كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا، وأمّا قَوْلُهُ: والكافُ مِن قَوْلِهِ كَأنْ، يَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِلْيَوْمِ، فَلا يَصِحُّ لِأنَّ يَوْمَ نَحْشُرُهم مَعْرِفَةٌ، والجُمَلُ نَكِراتٌ، ولا تُنْعَتُ المَعْرِفَةُ بِالنَّكِرَةِ. لا يُقالُ: إنَّ الجُمَلَ الَّذِي يُضافُ إلَيْها أسْماءُ الزَّمانِ نَكِرَةٌ عَلى الإطْلاقِ، لِأنَّها إنْ كانَتْ في التَّقْدِيرِ تُنْحَلُ إلى مَعْرِفَةٍ، فَإنَّ ما أُضِيفَ إلَيْها يَتَعَرَّفُ وإنْ كانَتْ تُنْحَلُ إلى نَكِرَةٍ كانَ ما أُضِيفَ إلَيْها نَكِرَةً، تَقُولُ: مَرَرْتُ في يَوْمِ قَدِمَ زَيْدٌ الماضِي، فَتَصِفُ يَوْمَ بِالمَعْرِفَةِ، وجِئْتُ لَيْلَةَ قَدِمَ زَيْدٌ المُبارَكَةُ عَلَيْنا. وأيْضًا فَكَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْيَوْمِ مِن (p-١٦٣)جِهَةِ المَعْنى، لِأنَّ ذَلِكَ مِن وصْفِ المَحْشُورِينَ لا مِن وصْفِ يَوْمِ حَشْرِهِمْ. وقَدْ تَكَلَّفَ بَعْضُهم تَقْدِيرَ مَحْذُوفٍ بِرَبْطٍ فَقَدَّرَهُ: كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا قَبْلَهُ، فَحُذِفَ قَبْلَهُ، أيْ قَبْلَ اليَوْمِ، وحَذْفُ مِثْلِ هَذا الرّابِطِ لا يَجُوزُ. فالظّاهِرُ أنَّها جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن مَفْعُولِ نَحْشُرُهم كَما قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ آخِرًا، وكَذا أعْرَبَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وأبُو البَقاءِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا ويَتَعارَفُونَ كَيْفَ مَوْقِعُهُما ؟ (قُلْتُ): أمّا الأُولى فَحالٌ مِنهم، أيْ: نَحْشُرُهم مُشَبَّهِينَ بِمَن لَمْ يَلْبَثْ إلّا ساعَةً. وأمّا الثّانِيَةُ فَإمّا أنْ تَتَعَلَّقَ بِالظَّرْفِ يَعْنِي: فَتَكُونُ حالًا، وإمّا أنْ تَكُونَ مُبَيِّنَةً لِقَوْلِهِ: كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً، لِأنَّ التَّعارُفَ يَبْقى مَعَ طُولِ العَهْدِ ويَنْقَلِبُ تَناكُرًا، انْتَهى. وقالَ الحَوْفِيُّ: يَتَعارَفُونَ فِعْلٌ مُسْتَقْبَلٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في يَلْبَثُوا وهو العامِلُ، كَأنَّهُ قالَ: مُتَعارِفِينَ، المَعْنى: اجْتَمَعُوا مُتَعارِفِينَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الهاءِ والمِيمِ في نَحْشُرُهم وهو العامِلُ، انْتَهى. وأمّا قَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لِلْمَصْدَرِ، كَأنَّهُ قالَ: ويَوْمَ نَحْشُرُهم حَشْرًا كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا، فَقَدْ حَكاهُ أبُو البَقاءِ فَقالَ: وقِيلَ هو نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ حَشْرًا كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا قَبْلَهُ، انْتَهى. وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ حَذْفَ مِثْلِ هَذا الرّابِطِ لا يَجُوزُ. وجَوَّزُوا في يَتَعارَفُونَ أنْ يَكُونَ حالًا عَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الخِلافِ في ذِي الحالِ والعامِلِ فِيها، وأنْ يَكُونَ جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً، أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يَقَعُ التَّعارُفُ بَيْنَهم. وقالَ الكَلْبِيُّ: يَعْرِفُ بَعْضُهم بَعْضًا كَمَعْرِفَتِهِمْ في الدُّنْيا إذا خَرَجُوا مِن قُبُورِهِمْ، وهو تَعارُفُ تَوْبِيخٍ وافْتِضاحٍ، يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أنْتَ أضْلَلْتَنِي وأغْوَيْتَنِي، ولَيْسَ تَعارُفَ شَفَقَةٍ وعَطْفٍ، ثُمَّ تَنْقَطِعُ المَعْرِفَةُ إذا عايَنُوا أهْوالَ القِيامَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج: ١٠] ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ [المعارج: ١١] . وقِيلَ: يُعَرِّفُ بَعْضُهم بَعْضًا ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الخَطَأِ والكُفْرِ. وقالَ الضَّحّاكُ: تَعارَفُ تَعاطُفِ المُؤْمِنِينَ، والكافِرُونَ لا أنْسابَ بَيْنَهم. وقِيلَ: القِيامَةُ مُواطِنُ، فَفي مَوْطِنٍ يَتَعارَفُونَ وفي مَوْطِنٍ لا يَتَعارَفُونَ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ إلى آخِرِهِ: جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، أخْبَرَ تَعالى بِخُسْرانِ المُكَذِّبِينَ بِلِقائِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو اسْتِئْنافٌ فِيهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما أخْسَرَهم. وقالَ أيْضًا: وابْتَدَأ بِهِ قَدْ خَسِرَ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، أيْ: يَتَعارَفُونَ بَيْنَهم قائِلِينَ ذَلِكَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقِيلَ إنَّهُ إخْبارُ المَحْشُورِينَ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ لِأنْفُسِهِمْ، انْتَهى. وهَذا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ كَقَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ: يَتَعارَفُونَ بَيْنَهم قائِلِينَ ذَلِكَ، وأنْ يَكُونَ كَقَوْلِ غَيْرِهِ: نَحْشُرُهم قائِلِينَ قَدْ خَسِرَ، فاحْتَمَلَ هَذا المُقَدَّرُ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لَيَتَعارَفُونَ، وأنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِنَحْشُرُهم، ونَبَّهَ عَلى العِلَّةِ المُوجِبَةِ لِلْخُسْرانِ وهو التَّكْذِيبُ بِلِقاءِ اللَّهِ. ﴿وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾: الظّاهِرُ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: قَدْ خَسِرَ، فَيَكُونُ مِن كَلامِ المَحْشُورِينَ إذا قُلْنا: إنَّ قَوْلَهُ قَدْ خَسِرَ مِن كَلامِهِمْ، أخْبَرُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ بِخُسْرانِهِمْ في الآخِرَةِ وبِانْتِفاءِ هِدايَتِهِمْ في الدُّنْيا. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى صِلَةِ الَّذِينَ، أيْ: كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ، وانْتَفَتْ هِدايَتُهم في الدُّنْيا. ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ كالتَّوْكِيدِ بِجُمْلَةِ الصِّلَةِ، لِأنَّ مَن كَذَّبَ بِلِقاءِ اللَّهِ هو غَيْرُ مُهْتَدٍ. وقِيلَ: وما كانُوا مُهْتَدِينَ إلى غايَةِ مَصالِحِ التِّجارَةِ. وقِيلَ: لِلْإيمانِ. وقِيلَ: في عِلْمِ اللَّهِ، بَلْ هم مِمَّنْ حَتَّمَ ضَلالَهم وقَضى بِهِ. ﴿وإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإلَيْنا مَرْجِعُهم ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾: إمّا هي إنِ الشَّرْطِيَّةُ، زِيدَ عَلَيْها ما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، ولِأجْلِها جازَ دُخُولُ النُّونِ الثَّقِيلَةِ. ولَوْ كانَتْ إنْ وحْدَها لَمْ يَجُزِ، انْتَهى. يَعْنِي أنَّ دُخُولَ النُّونِ لِلتَّأْكِيدِ إنَّما يَكُونُ (p-١٦٤)مَعَ زِيادَةِ ما بَعْدَ إنْ، وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ مُخالِفٌ لِظاهِرِ كَلامِ سِيبَوَيْهِ. قالَ ابْنُ خَرُوفٍ: أجازَ سِيبَوَيْهِ الإتْيانَ بِما، وأنْ لا يُؤْتى بِها، والإتْيانَ بِالنُّونِ مَعَ ما وأنْ لا يُؤْتى بِها، والإراءَةُ هُنا بَصَرِيَّةٌ، ولِذَلِكَ تَعَدّى الفِعْلُ إلى اثْنَيْنِ، والكافُ خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ . وبَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم يَعْنِي: مِنَ العَذابِ في الدُّنْيا. وقَدْ أراهُ اللَّهُ تَعالى أنْواعًا مِن عَذابِ الكُفّارِ في الدُّنْيا، قَتْلًا وأسْرًا ونَهْبًا لِلْأمْوالِ وسَبْيًا لِلذَّرارِي وضَرْبَ جِزْيَةٍ، وتَشْتِيتَ شَمْلٍ بِالجَلاءِ إلى غَيْرِ بِلادِهِمْ، وما يَحْصُلُ لَهم في الآخِرَةِ أعْظَمُ، لِأنَّهُ العَذابُ الدّائِمُ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ. والظّاهِرُ أنَّ جَوابَ الشَّرْطِ هو قَوْلُهُ: فَإلَيْنا مَرْجِعُهم، وكَذا قالَهُ الحَوْفِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ الوَعِيدُ بِالرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَبارَكَ وتَعالى، أيْ: إنْ أرَيْناكَ عُقُوبَتَهم أوْ لَمْ نُرِكَها فَهم عَلى كُلِّ حالٍ راجِعُونَ إلَيْنا إلى الحِسابِ والعَذابِ، ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ اللَّهُ شَهِيدٌ مِن أوَّلِ تَكْلِيفِهِمْ عَلى جَمِيعِ أعْمالِهِمْ. فَثُمَّ هاهُنا لِتَرْتِيبِ الأخْبارِ، لا لِتَرْتِيبِ القَصَصِ في أنْفُسِها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإلَيْنا مَرْجِعُهم جَوابُ نَتَوَفَّيَنَّكَ، وجَوابُ نُرِيَنَّكَ مَحْذُوفٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: وإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم فَذاكَ، أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قَبْلَ أنْ نُرِيَكَهُ، فَنَحْنُ نُرِيكَ في الآخِرَةِ، انْتَهى. فَجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ الكَلامَ شَرْطَيْنِ لَهُما جَوابانِ، ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ جَوابٍ مَحْذُوفٍ، لِأنَّ قَوْلَهُ: فَإلَيْنا مَرْجِعُهم صالِحٌ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِلشَّرْطِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ. وأيْضًا فَقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: فَذاكَ هو اسْمٌ مُفْرَدٌ لا يَنْعَقِدُ مِنهُ جَوابُ شَرْطٍ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يَأْتِيَ بِجُمْلَةٍ يَتَّضِحُ مِنها جَوابُ الشَّرْطِ، إذْ لا يُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ فَذاكَ الجُزْءُ الَّذِي حُذِفَ المُتَحَصِّلُ بِهِ فائِدَةُ الإسْنادِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ثَمَّ اللَّهُ بِفَتْحِ الثّاءِ، أيْ: هُنالِكَ. ومَعْنى شَهادَةِ اللَّهِ عَلى ما يَفْعَلُونَ مُقْتَضاها ونَتِيجَتُها وهو العِقابُ، كَأنَّهُ قالَ: ثُمَّ اللَّهُ مُعاقِبُهم، وإلّا فَهو تَعالى شَهِيدٌ عَلى أفْعالِهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّهُ تَعالى مُؤَدٍّ شَهادَتَهُ عَلى أفْعالِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ حَتّى تَنْطِقَ جُلُودُهم، وألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم شاهِدَةً عَلَيْهِمْ. ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإذا جاءَ رَسُولُهم قُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾: لَمّا بَيَّنَ حالَ الرَّسُولِ ﷺ في قَوْمِهِ بَيَّنَ حالَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ أقْوامِهِمْ، تَسْلِيَةً لَهُ وتَطْمِينًا لِقَلْبِهِ. ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى ما أهْمَلَ أُمَّةً، بَلْ بَعَثَ إلَيْها رَسُولًا كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنْ مِن أُمَّةٍ إلّا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] وقَوْلُهُ: ﴿فَإذا جاءَ رَسُولُهُمْ﴾، إمّا أنْ يَكُونَ إخْبارًا عَنْ حالَةٍ ماضِيَةٍ فَيَكُونُ ذَلِكَ في الدُّنْيا، ويَكُونُ المَعْنى: أنَّهُ بَعَثَ إلى كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا يَدْعُوهم إلى دِينِ اللَّهِ ويُنَبِّئُهم عَلى تَوْحِيدِهِ، فَلَمّا جاءَهم بِالبَيِّناتِ كَذَّبُوهُ، فَقُضِيَ بَيْنَهم، أيْ: بَيْنَ الرَّسُولِ وأُمَّتِهِ، فَأنْجى الرَّسُولَ وعُذِّبَ المُكَذِّبُونَ. وإمّا أنْ يَكُونَ عَلى حالَةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ، أيْ: فَإذا جاءَهم رَسُولُهم يَوْمَ القِيامَةِ لِلشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ قُضِيَ بَيْنَهم، أيْ: بَيْنَ الأُمَّةِ بِالعَدْلِ، فَصارَ قَوْمٌ إلى الجَنَّةِ وقَوْمٌ إلى النّارِ، فَهَذا هو القَضاءُ بَيْنَهم، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ. ويَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ وقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ [الزمر: ٦٩] . ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾: الضَّمِيرُ في ويَقُولُونَ، عائِدٌ عَلى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ ومَن تابَعَهم مِن مُنْكِرِي الحَشْرِ، اسْتَعْجَلُوا بِما وُعِدُوا بِهِ مِنَ العَذابِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِبْعادِ، أوْ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِخْفافِ، ولِذَلِكَ قالُوا: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، أيْ: لَسْتُمْ صادِقِينَ فِيما وعَدْتُمْ بِهِ فَلا يَقَعُ شَيْءٌ مِنهُ. وقَوْلُهم: هَذا يَشْهَدُ لِلْقَوْلِ الأوَّلِ في الآيَةِ قَبْلَها، وأنَّها حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ. وأنَّ مَعْنى ذَلِكَ: فَإذا جاءَهُمُ الرَّسُولُ وكَذَّبُوهُ قُضِيَ بَيْنَهم في الدُّنْيا، وأنَّ كُلَّ رَسُولٍ وعَدَ أُمَّتَهُ بِالعَذابِ في الدُّنْيا إنْ هي كَذَّبَتْ. (p-١٦٥)﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا إلّا ما شاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ إذا جاءَ أجَلُهم فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾: لَمّا التَمَسُوا تَعْجِيلَ العَذابِ أوْ تَعْجِيلَ السّاعَةِ، أمَرَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَقُولَ لَهم: لَيْسَ ذَلِكَ إلَيَّ، بَلْ ذَلِكَ إلى اللَّهِ تَعالى. وإذا كُنْتُ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا فَكَيْفَ أمْلِكُهُ لِغَيْرِي ؟ أوْ كَيْفَ أطَّلِعُ عَلى ما لَمْ يُطْلِعْنِي عَلَيْهِ اللَّهُ ؟ ولَكِنْ لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ انْفَرَدَ بِعِلْمِهِ تَعالى. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ قَوْلِهِ ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ في الأعْرافِ. وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ: آجالُهم عَلى الجَمْعِ. وإلّا ما شاءَ اللَّهُ ظاهِرُهُ أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ أمْلِكَهُ وأقْدِرَ عَلَيْهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، أيْ: ولَكِنْ ما شاءَ اللَّهُ مِن ذَلِكَ كائِنٌ، فَكَيْفَ أمْلِكُ لَكُمُ الضَّرَرَ وجَلْبَ العَذابِ. ولِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ، أيْ: إنَّ عَذابَكم لَهُ أجَلٌ مَضْرُوبٌ عِنْدَ اللَّهِ. ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ بَياتًا أوْ نَهارًا ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ﴾ ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ آلْآنَ وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ (p-١٦٦)تَقَدَّمَ الكَلامُ في أرَأيْتُمْ في سُورَةِ الأنْعامِ، وقَرَّرْنا هُناكَ أنَّ العَرَبَ تُضَمِّنُ أرَأيْتَ مَعْنى أخْبِرْنِي، وأنَّها تَتَعَدّى إذْ ذاكَ إلى مَفْعُولَيْنِ، وأنَّ المَفْعُولَ الثّانِي أكْثَرُ ما يَكُونُ جُمْلَةَ اسْتِفْهامٍ، يَنْعَقِدُ مِنها ما قَبْلَها مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ كَقَوْلِ العَرَبِ: أرَأيْتَ زَيْدًا ما صَنَعَ ؟ المَعْنى: أخْبِرْنِي عَنْ زَيْدٍ ما صَنَعَ. وقَبْلَ دُخُولِ أرَأيْتَ كانَ الكَلامُ: زَيْدٌ ما صَنَعَ ؟ وإذا تَقَرَّرَ هَذا فَأرَأيْتُمْ هُنا المَفْعُولُ الأوَّلُ لَها مَحْذُوفٌ، والمَسْألَةُ مِن بابِ الإعْمالِ. تَنازَعَ أرَأيْتَ وإنْ أتاكم عَلى قَوْلِهِ: عَذابُهُ، فَأُعْمِلَ الثّانِي إذْ هو المُخْتارُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، وهو الَّذِي ورَدَ بِهِ السَّماعُ أكْثَرَ مِن إعْمالِ الأوَّلِ. فَلَمّا أُعْمِلِ الثّانِي حُذِفَ مِنَ الأوَّلِ ولَمْ يُضْمَرْ، لِأنَّ إضْمارَهُ مُخْتَصٌّ بِالشِّعْرِ، أوْ قَلِيلٌ في الكَلامِ عَلى اخْتِلافِ النَّحْوِيِّينَ في ذَلِكَ. والمَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: أخْبِرُونِي عَنْ عَذابِ اللَّهِ إنْ أتاكم، أيُّ شَيْءٍ تَسْتَعْجِلُونَ مِنهُ، ولَيْسَ شَيْءٌ مِنَ العَذابِ يَسْتَعْجِلُهُ عاقِلٌ، إذِ العَذابُ كُلُّهُ مُرُّ المَذاقِ مُوجِبٌ لِنِفارِ الطَّبْعِ مِنهُ، فَتَكُونُ جُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ جاءَتْ عَلى سَبِيلِ التَّلَطُّفِ بِهِمْ، والتَّنْبِيهِ لَهم أنَّ العَذابَ لا يَنْبَغِي أنْ يَسْتَعْجِلَ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ جاءَتْ عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ والتَّهْوِيلِ لِلْعَذابِ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ شَدِيدٍ تَسْتَعْجِلُونَ مِنهُ ؟ أيْ: ما أشَدَّ وأهْوَلَ ما تَسْتَعْجِلُونَ مِنَ العَذابِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: الرُّؤْيَةُ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ الَّتِي بِمَعْنى العِلْمِ، لِأنَّها داخِلَةٌ عَلى الجُمْلَةِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ ومَعْناها التَّقْرِيرُ. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: أرَأيْتُمْ ما تَسْتَعْجِلُ مِنَ العَذابِ المُجْرِمُونَ إنْ أتاكم عَذابُهُ، انْتَهى. فَظاهِرُ كَلامِ الحَوْفِيِّ: أنَّ أرَأيْتُمْ باقِيَةٌ عَلى مَوْضُوعِها الأوَّلِ لَمْ تُضَمَّنْ مَعْنى أخْبِرُونِي، وأنَّها بِمَعْنى أعَلِمْتُمْ، وأنَّ جُمْلَةَ الِاسْتِفْهامِ سَدَّتْ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ، وأنَّهُ اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَّقْرِيرُ، ولَمْ يُبَيِّنِ الحَوْفِيُّ ما يُفِيدُ جَوابَ الشَّرْطِ المَحْذُوفَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): بِمَ يَتَعَلَّقُ الِاسْتِفْهامُ ؟ وأيْنَ جَوابُ الشَّرْطِ ؟ (قُلْتُ): تَعَلَّقَ بِأرَأيْتُمْ، لِأنَّ المَعْنى: أخْبِرُونِي ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ وهو: تَنْدَمُوا عَلى الِاسْتِعْجالِ وتَعْرِفُوا الخَطَأ فِيهِ، انْتَهى. وما قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرُ سائِغٍ، لِأنَّهُ لا يُقَدِّرُ الجَوابَ إلّا مِمّا تَقَدَّمَهُ لَفْظًا أوْ تَقْدِيرًا تَقُولُ: أنْتَ ظالِمٌ إنْ فَعَلْتَ، فالتَّقْدِيرُ إنْ فَعَلْتَ فَأنْتَ ظالِمٌ. وكَذَلِكَ ﴿وإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٧٠] (p-١٦٧)التَّقْدِيرُ: إنْ شاءَ اللَّهُ نَهْتَدِ. فالَّذِي يُسَوِّغُ أنْ يُقَدَّرَ: إنْ أتاكم عَذابُهُ فَأخْبِرُونِي ماذا يَسْتَعْجِلُ ؟ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ اعْتِراضًا، والمَعْنى: إنْ أتاكم عَذابُهُ أآمَنتُمْ بِهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ حِينَ لا يَنْفَعُكُمُ الإيمانُ ؟ انْتَهى. أمّا تَجْوِيزُهُ أنْ يَكُونَ ماذا جَوابًا لِلشَّرْطِ فَلا يَصِحُّ، لِأنَّ جَوابَ الشَّرْطِ إذا كانَ اسْتِفْهامًا فَلا بُدَّ فِيهِ مِنَ الفاءِ، تَقُولُ: إنْ زارَنا فُلانٌ فَأيُّ رَجُلٍ هو، وإنْ زارَنا فُلانٌ فَأيُّ يَدٍ لَهُ بِذَلِكَ، ولا يَجُوزُ حَذْفُها إلّا إنْ كانَ في ضَرُورَةٍ، والمِثالُ الَّذِي ذَكَرَهُ وهو: إنْ أتَيْتُكَ ماذا تُطْعِمُنِي ؟ هو مِن تَمْثِيلِهِ، لا مِن كَلامِ العَرَبِ. وأمّا قَوْلُهُ: ثُمَّ تَتَعَلَّقُ الجُمْلَةُ بِأرَأيْتُمْ، إنْ عُنِيَ بِالجُمْلَةِ: ماذا يَسْتَعْجِلُ ؟ فَلا يَصِحُّ ذَلِكَ لِأنَّهُ قَدْ جَعَلَها جَوابًا لِلشَّرْطِ، وإنْ عُنِيَ بِالجُمْلَةِ جُمْلَةُ الشَّرْطِ فَقَدْ فَسَّرَ هو أرَأيْتُمْ بِمَعْنى: أخْبِرْنِي، وأخْبِرْنِي تَطْلُبُ مُتَعَلِّقًا مَفْعُولًا، ولا تَقَعُ جُمْلَةُ الشَّرْطِ مَوْقِعَ مَفْعُولِ أخْبِرْنِي. وأمّا تَجْوِيزُهُ أنْ يَكُونَ ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ﴾ جَوابَ الشَّرْطِ، وماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ اعْتِراضًا فَلا يَصِحُّ أيْضًا، لِما ذَكَرْناهُ مِن أنَّ جُمْلَةَ الِاسْتِفْهامِ لا تَقَعُ جَوابًا لِلشَّرْطِ إلّا ومَعَها فاءُ الجَوابِ. وأيْضًا فَثُمَّ هُنا وهي حَرْفُ عَطْفٍ، تَعْطِفُ الجُمْلَةَ الَّتِي بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، فالجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ مَعْطُوفَةٌ، وإذا كانَتْ مَعْطُوفَةً لَمْ يَصِحَّ أنْ تَقَعَ جَوابَ شَرْطٍ. وأيْضًا فَأرَأيْتُمْ بِمَعْنى أخْبِرْنِي تَحْتاجُ إلى مَفْعُولٍ، ولا تَقَعُ جُمْلَةُ الشَّرْطِ مَوْقِعَهُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في قَوْلِهِ: (بَياتًا) في الأعْرافِ مَدْلُولًا وإعْرابًا. والمَعْنى إنْ أتاكم عَذابُهُ وأنْتُمْ ساهُونَ غافِلُونَ، إمّا بِنَوْمٍ وإمّا بِاشْتِغالٍ بِالمَعاشِ والكَسْبِ، وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ: (بَغْتَةً) لِأنَّ العَذابَ إذا فاجَأ مِن غَيْرِ شُعُورٍ بِهِ كانَ أشَدَّ وأصْعَبَ، بِخِلافِ أنْ يَكُونَ قَدِ اسْتَعَدَّ لَهُ وتَهَيَّأ لِحُلُولِهِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَياتًا وهم نائِمُونَ﴾ [الأعراف: ٩٧] ﴿ضُحًى وهم يَلْعَبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٨] . ويَجُوزُ في ماذا أنْ يَكُونَ ما مُبْتَدَأً وذا خَبَرَهُ، وهو بِمَعْنى الَّذِي ويَسْتَعْجِلُ صِلَتُهُ، وحُذِفَ الضَّمِيرُ العائِدُ عَلى المَوْصُولِ، التَّقْدِيرُ: أيُّ شَيْءٍ يَسْتَعْجِلُهُ مِنَ العَذابِ المُجْرِمُونَ. ويَجُوزُ في ماذا أنْ يَكُونَ كُلُّهُ مَفْعُولًا كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ شَيْءٍ يَسْتَعْجِلُهُ مِنَ العَذابِ المُجْرِمُونَ. وقَدْ جَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ ماذا كُلُّهُ مُبْتَدَأً، وخَبَرُهُ الجُمْلَةُ بَعْدَهُ. وضَعَّفَهُ أبُو عَلِيٍّ لِخُلُوِّ الجُمْلَةِ مِن ضَمِيرٍ يَعُودُ عَلى المُبْتَدَأِ. والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في مِنهُ عَلى العَذابِ، وبِهِ يَحْصُلُ الرَّبْطُ لِجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِ بِمَفْعُولِ أرَأيْتُمُ المَحْذُوفِ الَّذِي هو مُبْتَدَأٌ في الأصْلِ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى اللَّهِ تَعالى. والمُجْرِمُونَ هُمُ المُخاطَبُونَ في قَوْلِهِ: أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم. ونَبَّهَ عَلى الوَصْفِ المُوجِبِ لِتَرْكِ الِاسْتِعْجالِ وهو الإجْرامُ، لِأنَّ مِن حَقِّ المُجْرِمِ أنْ يَخافَ التَّعْذِيبَ عَلى إجْرامِهِ، ويَهْلَكَ فَزَعًا مِن مَجِيئِهِ وإنْ أبْطَأ، فَكَيْفَ يَسْتَعْجِلُهُ ؟ وثُمَّ حَرْفُ عَطْفٍ وتَقَدَّمَتْ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ عَلَيْها كَما تَقَدَّمَتْ عَلى الواوِ والفاءِ في: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ [يوسف: ١٠٩] وفي ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا﴾ [الروم: ٩] وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ. وخِلافُ الزَّمَخْشَرِيِّ لِلْجَماعَةِ في دَعْواهُ أنَّ بَيْنَ الهَمْزَةِ وحَرْفِ العَطْفِ جُمْلَةً مَحْذُوفَةً عُطِفَتْ عَلَيْها الجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَ حَرْفِ العَطْفِ. وقالَ الطَّبَرِيُّ في قَوْلِهِ: أثُمَّ بِضَمِّ الثّاءِ، أنَّ مَعْناهُ أهُنالِكَ قالَ: ولَيْسَتْ ثُمَّ هَذِهِ الَّتِي تَأْتِي بِمَعْنى العَطْفِ، انْتَهى. وما قالَهُ الطَّبَرِيُّ مِن أنَّ ثُمَّ هُنا لَيْسَتْ لِلْعَطْفِ دَعْوى، وأمّا قَوْلُهُ: إنَّ المَعْنى أهُنالِكَ، فالَّذِي يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَفْسِيرُ مَعْنًى، لا أنَّ ثُمَّ المَضْمُومَةَ الثّاءِ مَعْناها مَعْنى هُنالِكَ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: أثَمَّ بِفَتْحِ الثّاءِ، وهَذا يُناسِبُهُ تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ أهُنالِكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: آلْآنَ عَلى الِاسْتِفْهامِ بِالمَدِّ، وكَذا: آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ. وقَرَأ طَلْحَةُ والأعْرَجُ: بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ بِغَيْرِ مَدٍّ، وهو عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أيْ قِيلَ لَهم إذا آمَنُوا بَعْدَ وُقُوعِ العَذابِ: آلْآنَ آمَنتُمْ بِهِ، فالنّاصِبُ لِقَوْلِهِ: آلْآنَ هو آمَنتُمْ بِهِ وهو مَحْذُوفٌ، قِيلَ: تَقُولُ لَهم ذَلِكَ المَلائِكَةُ، وقِيلَ: اللَّهُ، والِاسْتِفْهامُ عَلى طَرِيقِ التَّوْبِيخِ. وفِي كِتابِ اللَّوامِحِ عِيسى البَصْرِيُّ وطَلْحَةُ: آمَنتُمْ بِهِ الآنَ بِوَصْلِ الهَمْزَةِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ، بَلْ عَلى الخَبَرِ، فَيَكُونُ نَصْبُهُ عَلى الظَّرْفِ مِن آمَنتُمْ بِهِ المَذْكُورِ. وأمّا في العامَّةِ فَنَصْبُهُ (p-١٦٨)بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ آمَنتُمْ بِهِ المَذْكُورُ، لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ قَدْ أخَذَ صَدْرَ الكَلامِ، فَيَمْنَعُ ما قَبْلُهُ أنْ يَعْمَلَ فِيما بَعْدَهُ، انْتَهى. وقَدْ كُنْتُمْ جُمْلَةً حالِيَّةً. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ يَعْنِي تُكَذِّبُونَ، لِأنَّ اسْتِعْجالَكم كانَ عَلى جِهَةِ التَّكْذِيبِ والإنْكارِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَسْتَعْجِلُونَ مُكَذِّبِينَ بِهِ. ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾: أيْ تَقُولُ لَهم خَزَنَةُ جَهَنَّمَ هَذا الكَلامَ. والظُّلْمُ ظُلْمُ الكُفْرِ لا ظُلْمُ المَعْصِيَةِ، لِأنَّ مَن دَخَلَ النّارَ مِن عُصاةِ المُؤْمِنِينَ لا يَخْلُدُ فِيها. وثُمَّ قِيلَ عَطْفٌ عَلى المُضْمَرِ قَبْلَ آلْآنَ. ومَن قَرَأ بِوَصْلِ ألَّفِ الآنَ فَهو اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَمّا يُقالُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ، وهَلْ تُجْزَوْنَ: تَوْبِيخٌ لَهم وتَوْضِيحٌ أنَّ الجَزاءَ هو عَلى كَسْبِ العَبْدِ.

يونس 10:53

﴿ويَسْتَنْبِئُونَكَ أحَقٌّ هو قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾:، أيْ يَسْتَخْبِرُونَكَ. وأحَقٌّ هو الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى العَذابِ. وقِيلَ: عَلى الشَّرْعِ والقُرْآنِ. وقِيلَ: عَلى الوَعِيدِ، وقِيلَ: عَلى أمْرِ السّاعَةِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِيَقُولُونَ أحَقٌّ هو فَجَعَلَ يَسْتَنْبِئُونَكَ تَتَعَدّى إلى واحِدٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْناهُ يَسْتَخْبِرُونَكَ، وهي عَلى هَذا تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ: أحَدُهُما الكافُ، والآخَرُ في الِابْتِداءِ والخَبَرِ، فَعَلى ما قالَ يَكُونُ يَسْتَنْبِئُونَكَ مُعَلَّقَةً. وأصْلُ اسْتَنْبَأ أنْ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ: أحَدُهُما بِعَنْ، تَقُولُ: اسْتَنْبَأْتُ زَيْدًا عَنْ عَمْرٍو، أيْ: طَلَبْتُ مِنهُ أنْ يُنْبِئَنِي عَنْ عَمْرٍو، والظّاهِرُ أنَّها مُعَلَّقَةٌ عَنِ المَفْعُولِ الثّانِي. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقِيلَ هي بِمَعْنى يَسْتَعْلِمُونَكَ. قالَ: فَهي عَلى هَذا تَحْتاجُ إلى مَفاعِيلَ ثَلاثَةٍ، أحَدُها: الكافُ والِابْتِداءُ، والخَبَرُ سَدَّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ، انْتَهى. ولَيْسَ كَما ذَكَرَ، لِأنَّ اسْتَعْلَمَ لا يُحْفَظُ كَوْنُها مُتَعَدِّيَةً إلى مَفاعِيلَ ثَلاثَةٍ، لا يُحْفَظُ اسْتَعْلَمْتُ زَيْدًا عَمْرًا قائِمًا فَتَكُونُ جُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ سَدَّتْ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ، ولا يَلْزَمُ مِن كَوْنِها بِمَعْنى يَسْتَعْلِمُونَكَ أنْ تَتَعَدّى إلى ثَلاثَةٍ، لِأنَّ اسْتَعْلَمَ لا يَتَعَدّى إلى ثَلاثَةٍ كَما ذَكَرْنا. وارْتَفَعَ هو عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وحَقٌّ خَبَرُهُ. وأجازَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ حَقٌّ مُبْتَدَأً وهو فاعِلٌ بِهِ سُدَّ مَسَدُّ الخَبَرِ، وحَقٌّ لَيْسَ اسْمَ فاعِلٍ ولا مَفْعُولٍ، وإنَّما هو مَصْدَرٌ في الأصْلِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُرْفَعَ لِأنَّهُ بِمَعْنًى ثابِتٍ. وهَذا الِاسْتِفْهامُ مِنهم عَلى جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ والإنْكارِ. وقَرَأ الأعْمَشُ: الحَقُّ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهو أدْخَلُ في الِاسْتِهْزاءِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى التَّعْرِيضِ بِأنَّهُ باطِلٌ، وذَلِكَ أنَّ اللّامَ لِلْجِنْسِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أهْوَ الحَقُّ لا الباطِلُ، أوْ: أهْوَ الَّذِي سَمَّيْتُمُوهُ الحَقَّ ؟ انْتَهى. وأمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يَقُولَ مُجِيبًا لَهم: ﴿قُلْ إي ورَبِّي﴾، أيْ: نَعَمْ ورَبِّي. وإي تُسْتَعْمَلُ في القَسَمِ خاصَّةً، كَما تُسْتَعْمَلُ هَلْ بِمَعْنى قَدْ فِيهِ خاصَّةً. قالَ مَعْناهُ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: وسَمِعْتُهم يَقُولُونَ في التَّصْدِيقِ: إي فَيَصِلُونَهُ بِواوِ القَسَمِ ولا يَنْطِقُونَ بِهِ وحْدَهُ، انْتَهى. ولا حُجَّةَ فِيما سَمِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن ذَلِكَ لِعَدَمِ الحُجِّيَّةِ في كَلامِهِ لِفَسادِ كَلامِ (p-١٦٩)العَرَبِ إذْ ذاكَ وقَبْلَهُ بِأزْمانٍ كَثِيرَةٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي لَفْظَةٌ تَتَقَدَّمُ القَسَمَ، وهي بِمَعْنى نَعَمْ، ويَجِيءُ بَعْدَها حَرْفُ القَسَمِ وقَدْ لا يَجِيءُ، تَقُولُ: إي رَبِّي، إي ورَبِّي، انْتَهى. وقَدْ كانَ يُكْتَفى في الجَوابِ بِقَوْلِهِ: إي ورَبِّي، إلّا أنَّهُ أُكِّدَ بِإظْهارِ الجُمْلَةِ الَّتِي كانَتْ تُضْمَرُ بَعْدَ قَوْلِهِ: (إي ورَبِّي) مَسُوقَةً مُؤَكَّدَةً بِإنَّ واللّامِ مُبالَغَةً في التَّوْكِيدِ في الجَوابِ، ولَمّا تَضَمَّنَ قَوْلُهم أحَقٌّ هو السُّؤالَ عَنِ العَذابِ، وكانَ سُؤالًا عَنِ العَذابِ اللّاحِقِ بِهِمْ لا عَنْ مُطْلَقِ عَذابٍ يَقَعُ بِمَن يَقَعُ. قِيلَ: وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ، أيْ: فائِتِينَ العَذابَ المَسْئُولَ عَنْهُ، بَلْ هو لاحِقٌ بِكم. واحْتَمَلَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ أنْ تَكُونَ داخِلَةً في جَوابِ القَسَمِ، فَتَكُونُ مَعْطُوفَةً عَلى الجَوابِ قَبْلَها. واحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ إخْبارًا، مَعْطُوفًا عَلى الجُمْلَةِ المَقُولَةِ لا عَلى جَوابِ القَسَمِ. وأعْجَزَ الهَمْزَةُ فِيهِ لِلتَّعْدِيَةِ كَما قالَ: ﴿ولَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ [الجن: ١٢]، لَكِنَّهُ كَثُرَ فِيهِ حَذْفُ المَفْعُولِ حَتّى قالَتِ العَرَبُ: أعْجَزَ فُلانٌ إذا ذَهَبَ في الأرْضِ فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ، وقالَ الزَّجّاجُ: أيْ ما أنْتُمْ مِمَّنْ يُعْجِزُ مَن يُعَذِّبُكم. ﴿ولَوْ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما في الأرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وأسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ ولَمّا ذَكَرَ العَذابَ وأقْسَمَ عَلى حَقِيقَتِهِ، وأنَّهم لا يُفْلِتُونَ مِنهُ، ذَكَرَ بَعْضَ أحْوالِ الظّالِمِينَ في الآخِرَةِ. وظَلَمَتْ صِفَةٌ لِنَفْسٍ. والظُّلْمُ هُنا: الشِّرْكُ والكُفْرُ، وافْتَدى يَأْتِي مُطاوِعًا لَفَدى، فَلا يَتَعَدّى تَقُولُ: فَدَيْتُهُ فافْتَدى، وبِمَعْنى فَدى فَيَتَعَدّى، وهُنا يَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ. وما في الأرْضِ أيْ: ما كانَ لَها في الدُّنْيا مِنَ الخَزائِنِ والأمْوالِ والمَنافِعِ، وأسَرُّوا مِنَ الأضْدادِ تَأْتِي بِمَعْنى أظْهَرَ. قالَ الفَرَزْدَقُ: ؎ولَمّا رَأى الحَجّاجَ جَرَّدَ سَيْفَهُ أسَرَّ الحَرُورِيُّ الَّذِي كانَ أظْهَرا وقالَ آخَرُ: ؎فَأسْرَرْتُ النَّدامَةَ يَوْمَ نادى ∗∗∗ بِرَدِّ جِمالِ غاضِرَةَ المُنادِي وتَأْتِي بِمَعْنى أخْفى وهو المَشْهُورُ فِيها كَقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ [هود: ٥] ويَحْتَمِلُ هُنا الوَجْهَيْنِ. أمّا الإظْهارُ فَإنَّهُ لَيْسَ بِيَوْمِ تَصَبُّرٍ ولا تَجَلُّدٍ، ولا يَقْدِرُ فِيهِ الكافِرُ عَلى كِتْمانِ ما نالَهُ، ولِأنَّ حالَةَ رُؤْيَةِ العَذابِ يَتَحَسَّرُ الإنْسانُ عَلى اقْتِرافِهِ ما أوْجَبَهُ، ويُظْهِرُ النَّدامَةَ عَلى ما فاتَهُ مِنَ الفَوْزِ ومِنَ الخَلاصِ مِنَ العَذابِ وقَدْ قالُوا: ﴿رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا﴾ [المؤمنون: ١٠٦]، وأمّا إخْفاءُ النَّدامَةِ فَقِيلَ: أخْفى رُؤَساؤُهُمُ النَّدامَةَ مِن سَفَلَتِهِمْ حَياءً مِنهم وخَوْفًا مِن تَوْبِيخِهِمْ وهَذا فِيهِ بُعْدٌ، لِأنَّ مَن عايَنَ العَذابَ هو مَشْغُولٌ بِما يُقاسِيهِ مِنهُ، فَكَيْفَ لَهُ فِكْرٌ في الحَياءِ وفي التَّوْبِيخِ الوارِدِ مِنَ السَّفَلَةِ. وأيْضًا وأسَرُّوا عائِدٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ عَلى المَعْنى، وهو عامٌّ في الرُّؤَساءِ والسَّفَلَةِ. وقِيلَ: إخْفاءُ النَّدامَةِ هو مِن كَوْنِهِمْ بُهِتُوا لِرُؤْيَتِهِمْ ما لَمْ يَحْسَبُوهُ ولا خَطَرَ بِبالِهِمْ، ومُعايَنَتُهم ما أوْهى قُواهم فَلَمْ يُطِيقُوا عِنْدَ ذَلِكَ بُكاءً ولا صُراخًا، ولا ما يَفْعَلُهُ الجازِعُ سِوى إسْرارِ النَّدَمِ والحَسْرَةِ في القُلُوبِ، كَما يَعْرِضُ لِمَن يُقَدَّمُ لِلصَّلْبِ لا يَكادُ يَنْبِسُ بِكَلِمَةٍ، ويَبْقى مَبْهُوتًا جامِدًا. وأمّا مَن قالَ: إنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: وأسَرُّوا النَّدامَةَ، أخْلَصُوا لِلَّهِ في تِلْكَ النَّدامَةِ، أوْ بَدَتْ بِالنَّدامَةِ أسِرَّةُ وُجُوهِهِمْ، أيْ: تَكاسِيرُ جِباهِهِمْ فَفِيهِ بُعْدٌ عَنْ سِياقِ الآيَةِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وقُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ﴾، جُمْلَةُ أخْبارٍ مُسْتَأْنَفَةٍ، ولَيْسَتْ مَعْطُوفَةً عَلى ما في حَيِّزِ لَمّا، وأنَّ الضَّمِيرَ في بَيْنَهم عائِدٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَيْنَ الظّالِمِينَ والمَظْلُومِينَ دَلَّ عَلى ذَلِكَ ذِكْرُ الظُّلْمِ، انْتَهى. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المُؤْمِنِ والكافِرِ. وقِيلَ: عَلى الرُّؤَساءِ والأتْباعِ. ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ألا إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿هُوَ يُحْيِي ويُمِيتُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ قِيلَ: تَعَلُّقُ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها مِن جِهَةِ أنَّهُ فَرَضَ أنَّ النَّفْسَ الظّالِمَةَ لَوْ كانَ لَها ما في الأرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ، وهي لا شَيْءَ لَها البَتَّةَ لِأنَّ جَمِيعَ الأشْياءِ إنَّما هي بِأسْرِها مِلْكٌ لِلَّهِ تَعالى وهو المُتَصَرِّفُ فِيها، إذْ لَهُ المُلْكُ والمِلْكُ. ويَظْهَرُ أنَّ مُناسَبَتَها (p-١٧٠)لِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا سَألُوا عَمّا وُعِدُوا بِهِ مِنَ العَذابِ أحَقٌّ هو ؟ وأجِيبُوا بِأنَّهُ حَقٌّ لا مَحالَةَ، وكانَ ذَلِكَ جَوابًا كافِيًا لِمَن وفَّقَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْإيمانِ، كَما كانَ جَوابًا لِلْأعْرابِيِّ حِينَ سَألَ الرَّسُولَ ﷺ: آللَّهُ أرْسَلَكَ ؟ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ» فَقَنِعَ مِنهُ بِإخْبارِهِ ﷺ إذْ عَلِمَ أنَّهُ لا يَقُولُ إلّا الحَقَّ والصِّدْقَ، كَما قالَ هِرَقْلُ: لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ الكَذِبَ عَلى النّاسِ ويَكْذِبَ عَلى اللَّهِ انْتَقَلَ مِن هَذا الجَوابِ إلى ذِكْرِ البُرْهانِ القاطِعِ عَلى حُجَّتِهِ وتَقْرِيرِهِ بِأنَّ القَوْلَ بِالنُّبُوَّةِ والمَعادِ يَتَفَرَّعانِ عَلى إثْباتِ الإلَهِ القادِرِ الحَكِيمِ، وأنَّ ما سِواهُ فَهو مُلْكُهُ ومِلْكُهُ ؟ وعَنْ هَذا بِهَذِهِ الآيَةِ، وكانَ قَدِ اسْتَقْصى الدَّلائِلَ عَلى ذَلِكَ في هَذِهِ السُّورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [يونس: ٦] الآيَةَ وقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً﴾ [يونس: ٥] فاكْتَفى هُنا عَنْ ذِكْرِها. وإذا كانَ جَمِيعُ ما في العالَمِ مُلْكَهُ ومِلْكَهُ كانَ قادِرًا عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، غَنِيًّا عَنْ جَمِيعِ الحاجاتِ، مُنَزَّهًا عَنِ النَّقائِصِ والآفاتِ، وبِكَوْنِهِ قادِرًا عَلى المُمْكِناتِ كانَ قادِرًا عَلى إنْزالِ العَذابِ عَلى الكُفّارِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقادِرًا عَلى تَأْيِيدِ رَسُولِهِ بِالدَّلائِلِ وإعْلاءِ دِينِهِ، فَبَطَلَ الِاسْتِهْزاءُ والتَّعْجِيزُ. وبِتَنْزِيهِهِ عَنِ النَّقائِصِ كانَ مُنَزَّهًا عَنِ الخُلْفِ والكَذِبِ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مُقَدِّمَةٌ تُوجِبُ الجَزْمَ بِصِحَّةِ قَوْلِهِ: ألا إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ. وألا كَلِمَةُ تَنْبِيهٍ دَخَلَتْ عَلى الجُمْلَتَيْنِ تَنْبِيهًا لِلْغافِلِ، إذْ كانُوا مَشْغُولِينَ بِالنَّظَرِ إلى الأسْبابِ الظّاهِرَةِ مِن نِسْبَةِ أشْياءَ إلى أنَّها مَمْلُوكَةٌ لِمَن جُعِلَ لَهُ بَعْضُ تَصَرُّفٍ فِيها واسْتِخْلافٍ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي: لِغَفْلَتِهِمْ عَنْ هَذِهِ الدَّلائِلِ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ قُدْرَتِهِ عَلى الإحْياءِ والإماتَةِ. فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى إحْيائِهِ مَرَّةً ثانِيَةً، ولِذَلِكَ قالَ: وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ، فَتَرَوْنَ ما وعَدَ بِهِ. وقَرَأ الحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ، وعِيسى ابْنُ عُمَرَ: يُرْجَعُونَ بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ. ﴿ياأيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكم وشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: قِيلَ: نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ الَّذِينَ سَألُوا الرَّسُولَ ﷺ أحَقٌّ هو ؟ فالنّاسُ هم كُفّارُ قُرَيْشٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو خِطابٌ لِجَمِيعِ العالَمِ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الأدِلَّةَ عَلى الأُلُوهِيَّةِ والوَحْدانِيَّةِ والقُدْرَةِ، ذَكَرَ الدَّلائِلَ الدّالَّةَ عَلى صِحَّةِ النُّبُوَّةِ والطَّرِيقَ المُؤَدِّي إلَيْها وهو القُرْآنُ، والمُتَّصِفُ بِهَذِهِ الأوْصافِ الشَّرِيفَةِ هو القُرْآنُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ قَدْ جاءَكم كِتابٌ جامِعٌ لِهَذِهِ الفَوائِدِ مِن مَوْعِظَةٍ وتَنْبِيهٍ عَلى التَّوْحِيدِ، هو شِفاءٌ، أيْ: دَواءٌ لِما في صُدُورِكم مِنَ العَقائِدِ الفاسِدَةِ، ودُعاءٌ إلى الحَقِّ ورَحْمَةٌ لِمَن آمَنَ بِهِ مِنكُمُ، انْتَهى. ومِن رَبِّكم يُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِجاءَتْكم، فَمِن لِابْتِداءِ الغايَةِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ أيْ: مِن مَواعِظِ رَبِّكم فَتَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، فَمِن لِلتَّبْعِيضِ. وفي قَوْلِهِ: مِن رَبِّكم تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ لَيْسَ مِن عِنْدِ أحَدٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وجَعَلَهُ مَوْعِظَةً بِحَسَبِ النّاسِ أجْمَعَ، وجَعَلَهُ هُدًى ورَحْمَةً بِحَسَبِ المُؤْمِنِينَ، وهَذا تَقْسِيمٌ صَحِيحُ المَعْنى إذا تَأوَّلَ بِأنْ وجَّهَهُ، انْتَهى. وذَكَرَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ هُنا كَلامًا كَثِيرًا مَمْزُوجًا بِما يُسَمُّونَهُ حِكْمَةً: نَعْلَمُ قَطْعًا أنَّ العَرَبَ لا تَفْهَمُ ذَلِكَ الَّذِي قَرَّرَهُ مِن ألْفاظِ القُرْآنِ، وطَوَّلَ في ذَلِكَ، وضَرَبَ أمْثِلَةً حِسِّيَّةً يُوقَفُ عَلَيْها مِن تَفْسِيرِهِ، ثُمَّ قالَ آخِرَ كَلامِهِ: فالحاصِلُ أنَّ المَوْعِظَةَ إشارَةٌ إلى تَطْهِيرِ ظَواهِرِ الخَلْقِ عَمّا لا يَنْبَغِي وهو الشَّرِيعَةُ، والشِّفاءُ إشارَةٌ إلى تَطْهِيرِ الأرْواحِ عَنِ العَقائِدِ الفاسِدَةِ والأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ وهو الطَّرِيقَةُ، والهُدى إشارَةٌ إلى ظُهُورِ نُورِ الحَقِّ في قُلُوبِ الصِّدِّيقِينَ وهو الحَقِيقَةُ، والرَّحْمَةُ إشارَةٌ إلى كَوْنِها بالِغَةً في الكَمالِ، والإشْراقِ إلى حَيْثُ تَصِيرُ تُكْمِلُ النّاقِصِينَ وهي النُّبُوَّةُ. فَهَذِهِ دَرَجاتٌ عَقْلِيَّةٌ ومَراتِبُ بُرْهانِيَّةٌ مَدْلُولٌ عَلَيْها بِهَذِهِ الألْفاظِ القُرْآنِيَّةِ، لا يُمْكِنُ تَأخُّرُ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، ولا تَقَدُّمُ ما تَأخَّرَ ذِكْرُهُ. (p-١٧١)﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ﴾ فَقالَ: بِكِتابِ اللَّهِ والإسْلامِ، فَضْلُهُ الإسْلامُ، ورَحْمَتُهُ ما وعَدَ عَلَيْهِ»، انْتَهى. ولَوْ صَحَّ هَذا الحَدِيثُ لَمْ يُمْكِنْ خِلافُهُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ وهِلالُ بْنُ يَسافٍ: فَضْلُ اللَّهِ الإسْلامُ ورَحْمَتُهُ القُرْآنُ. وقالَ الضَّحّاكُ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ عَكْسَ هَذا، وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: الفَضْلُ القُرْآنُ، والرَّحْمَةُ أنْ جَعَلَهم مِن أهْلِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما رَوى الضَّحّاكُ عَنْهُ: الفَضْلُ العِلْمُ والرَّحْمَةُ مُحَمَّدٌ ﷺ . وقالَ ابْنُ عُمَرَ: الفَضْلُ الإسْلامُ، والرَّحْمَةُ تَزْيِينُهُ في القُلُوبِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الفَضْلُ والرَّحْمَةُ القُرْآنُ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ خالِدُ بْنُ مَعْدانَ: الفَضْلُ القُرْآنُ، والرَّحْمَةُ السُّنَّةُ. وعَنْهُ أيْضًا أنَّ الفَضْلَ الإسْلامُ، والرَّحْمَةَ السَّتْرُ. وقالَ عَمْرُو بْنُ عُثْمانَ: فَضْلُ اللَّهِ كَشْفُ الغِطاءِ، ورَحْمَتُهُ الرُّؤْيَةُ واللِّقاءُ. وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ فَضْلٍ: الفَضْلُ الإيمانُ، والرَّحْمَةُ الجَنَّةُ. وقِيلَ: الفَضْلُ التَّوْفِيقُ، والرَّحْمَةُ العِصْمَةُ. وقِيلَ: الفَضْلُ نِعَمُهُ الظّاهِرَةُ، والرَّحْمَةُ نِعَمُهُ الباطِنَةُ. وقالَ الصّادِقُ: الفَضْلُ المَغْفِرَةُ، والرَّحْمَةُ التَّوْفِيقُ. وقالَ ذُو النُّونِ: الفَضْلُ الجِنانُ، ورَحْمَتُهُ النَّجاةُ مِنَ النِّيرانِ. وهَذِهِ تَخْصِيصاتٌ تَحْتاجُ إلى دَلائِلَ، ويَنْبَغِي أنْ يُعْتَقَدَ أنَّها تَمْثِيلاتٌ، لِأنَّ الفَضْلَ والرَّحْمَةَ أُرِيدَ بِهِما تَعْيِينُ ما ذُكِرَ وحَصْرُهُما فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإنَّما الَّذِي يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ ويَلْزَمُ مِنهُ أنَّ الفَضْلَ هو هِدايَةُ اللَّهِ إلى دِينِهِ والتَّوْفِيقُ إلى اتِّباعِ الشَّرْعِ، والرَّحْمَةَ هي عَفْوُهُ وسُكْنى جَنَّتِهِ الَّتِي جَعَلَها جَزاءً عَلى اتِّباعِ الإسْلامِ والإيمانِ. ومَعْنى الآيَةِ: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِجَمِيعِ النّاسِ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَلْيَقَعِ الفَرَحُ مِنكم، لا بِأُمُورِ الدُّنْيا وما يُجْمَعُ مِن حُطامِها، فالمُؤْمِنُونَ يُقالُ لَهم: فَلْيَفْرَحُوا وهم مُلْتَبِسُونَ بِعِلَّةِ الفَرَحِ وسَبَبِهِ، ومُخْلِصُونَ لِفَضْلِ اللَّهِ مُنْتَظِرُونَ لِرَحْمَتِهِ، والكافِرُونَ يُقالُ لَهم: بِفَضْلِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ فَلْيَفْرَحُوا عَلى مَعْنى أنْ لَوِ اتَّفَقَ لَكم أوْ لَوْ سَعِدْتُمْ بِالهِدايَةِ إلى تَحْصِيلِ ذَلِكَ، انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ، فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا: جُمْلَتانِ، وحُذِفَ ما تَتَعَلَّقُ بِهِ الباءُ والتَّقْدِيرُ: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ لِيَفْرَحُوا، ثُمَّ عُطِفَتِ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ عَلى الأُولى عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ. قالالزَّمَخْشَرِيُّ: والتَّكْرِيرُ لِلتَّقْرِيرِ والتَّأْكِيدِ، وإيجابُ اخْتِصاصِ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ بِالفَرَحِ دُونَ ما عَداهُما مِن فَوائِدِ الدُّنْيا، فَحُذِفَ أحَدُ الفِعْلَيْنِ لِدِلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ، والفاءُ داخِلَةٌ لِمَعْنى الشَّرْطِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَلْيَخُصُّوهُما بِالفَرَحِ، فَإنَّهُ لا مَفْرُوحَ بِهِ أحَقُّ مِنهُما. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَلْيَعْتَنُوا بِذَلِكَ، فَلْيَفْرَحُوا. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ، أيْ: فَبِمَجِيئِهِما فَلْيَفْرَحُوا، انْتَهى. أمّا إضْمارُ فَلْيَعْنَتُوا فَلا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وأمّا تَعْلِيقُهُ بِقَوْلِهِ: قَدْ جاءَتْكم، فَيَنْبَغِي أنْ يُقَدِّرَ ذَلِكَ مَحْذُوفًا بَعْدَ قُلْ، ولا يَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِـ (جاءَتْكم) الأُولى لِلْفَصْلِ بَيْنَهُما بِقُلْ. وقالَ الحَوْفِيُّ: الباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِما دَلَّ عَلى المَعْنى، أيْ: قَدْ جاءَتْكُمُ المَوْعِظَةُ بِفَضْلِ اللَّهِ. وقِيلَ: الفاءُ الأُولى زائِدَةٌ، ويَكُونُ بِذَلِكَ بَدَلًا قَبْلَهُ، وأُشِيرَ بِهِ إلى الِاثْنَيْنِ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ. وقِيلَ: كُرِّرَتِ الفاءُ الثّانِيَةُ لِلتَّوْكِيدِ، فَعَلى هَذا لا تَكُونُ الأُولى زائِدَةً، ويَكُونُ أصْلُ التَّرْكِيبِ فَبِذَلِكَ لِيَفْرَحُوا، وفي القَوْلِ قَبْلَهُ يَكُونُ أصْلُ التَّرْكِيبِ بِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا، ولا تَنافِيَ بَيْنَ الأمْرِ بِالفَرَحِ هُنا وبَيْنَ النَّهْيِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] لِاخْتِلافِ المُتَعَلِّقِ، فالمَأْمُورُ بِهِ هُنا الفَرَحُ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ، والمَنهِيُّ هُناكَ الفَرَحُ بِجَمْعِ الأمْوالِ لِرِئاسَةِ الدُّنْيا وإرادَةِ العُلُوِّ بِها والفَسادِ، ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ: ﴿وابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدّارَ الآخِرَةَ ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ [القصص: ٧٧] وقَبْلَهُ: ﴿إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ﴾ [القصص: ٧٦] وقَوْلُهُ: ﴿لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ [هود: ١٠] جاءَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الذَّمِّ لِفَرَحِهِ بِإذاقَةِ النَّعْماءِ بَعْدَ الضَّرّاءِ، ويَأْسِهِ وكُفْرانِهِ لِلنَّعْماءِ إذا نُزِعَتْ مِنهُ، وهَذِهِ صِفَةٌ مَذْمُومَةٌ، ولَيْسَ ذَلِكَ مِن أفْعالِ الآخِرَةِ. وقَوْلُ مَن قالَ: إذا أُطْلِقَ (p-١٧٢)الفَرَحُ كانَ مَذْمُومًا، وإذا قُيِّدَ لَمْ يَكُنْ مَذْمُومًا كَما قالَ: ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠] لَيْسَ بِمُطَّرِدٍ، إذْ جاءَ مُقَيَّدًا في الذَّمِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً﴾ [الأنعام: ٤٤] وإنَّما يُمْدَحُ الفَرَحَ ويُذَمُّ بِحَسَبِ مُتَعَلِّقِهِ، فَإذا كانَ بِنَيْلِ ثَوابِ الآخِرَةِ وأعْمالِ البِرِّ كانَ مَحْمُودًا، وإذا كانَ بِنَيْلِ لَذّاتِ الدُّنْيا وحُطامِها كانَ مَذْمُومًا. وقَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ وأُبَيٌّ وأنَسٌ والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ وابْنُ هُرْمُزَ وابْنُ سِيرِينَ وأبُو جَعْفَرٍ المَدَنِيُّ والسُّلَمِيُّ وقَتادَةُ والجَحْدَرِيُّ وهِلالُ بْنُ يَسافٍ والأعْمَشُ وعَمْرُو بْنُ قائِدٍ والعَبّاسُ بْنُ الفَضْلِ الأنْصارِيُّ: فَلْتَفْرَحُوا بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، ورُوِيَتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وقالَ وقَدْ جاءَ عَنْ يَعْقُوبَ كَذَلِكَ، انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ القَعْقاعِ وابْنُ عامِرٍ والحَسَنُ عَلى ما زَعَمَ هارُونُ. ورُوِيَتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: فَلْتَفْرَحُوا وتَجْمَعُونَ بِالتّاءِ فِيهِما عَلى المُخاطَبَةِ، وهي قِراءَةُ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ كَثِيرَةٍ، وعَنْ أكْثَرِهِمْ خِلافٌ، انْتَهى. والجُمْهُورُ بِالياءِ عَلى أمْرِ الغائِبِ. وما نَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ ابْنَ عامِرٍ قَرَأ فَلْتَفْرَحُوا بِالتّاءِ لَيْسَ هو المَشْهُورُ عَنْهُ، إنَّما قِراءَتُهُ في مَشْهُورِ السَّبْعَةِ بِالياءِ أمْرًا لِلْغائِبِ، لَكِنَّهُ قَرَأ تَجْمَعُونَ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ. وفِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: فَبِذَلِكَ فافْرَحُوا، وهَذِهِ هي اللُّغَةُ الكَثِيرَةُ الشَّهِيرَةُ في أمْرِ المُخاطَبِ. وأمّا فَلْيَفْرَحُوا بِالياءِ فَهي لُغَةٌ قَلِيلَةٌ. وفي الحَدِيثِ: (لِتَأْخُذُوا مَصافَّكم) وقَرَأ أبُو التَّيّاحِ والحَسَنُ: فَلْيَفْرَحُوا بِكَسْرِ اللّامِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ أُشِيرَ بِهِ إلى واحِدٍ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَيْهِ مُوَحَّدًا في قَوْلِهِ: هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ، فالَّذِي يَنْبَغِي أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ، عَلى أنَّهُما شَيْءٌ واحِدٌ عُبِّرَ عَنْهُ بِاسْمَيْنِ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ، ولِذَلِكَ أُشِيرَ إلَيْهِ بِذَلِكَ، وعادَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِ مُفْرَدًا. وقَوْلُهُ: مِمّا يَجْمَعُونَ يَعْنِي مِن حُطامِ الدُّنْيا ومَتاعِها. ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالًا قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكم أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾: مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها هي أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ وكانَ المُرادُ بِذَلِكَ كِتابَ اللَّهِ المُشْتَمِلَ عَلى التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ، بَيَّنَ فَسادَ شَرائِعِهِمْ وأحْكامِهِمْ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ مِن غَيْرِ مُسْتَنَدٍ في ذَلِكَ إلى وحْيٍ. وأرَأيْتُمْ هُنا بِمَعْنى أخْبِرُونِي. وجَوَّزُوا في ما أنْزَلَ: أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً مَفْعُولًا أوَّلَ لِأرَأيْتُمْ، والعائِدُ عَلَيْها مَحْذُوفٌ، والمَفْعُولُ الثّانِي قَوْلُهُ: آللَّهُ أذِنَ لَكم، والعائِدُ عَلى المُبْتَدَأِ مِنَ الخَبَرِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: آللَّهُ أذِنَ لَكم فِيهِ، وكُرِّرَ قُلْ قَبْلَ الخَبَرِ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ. وأنْ تَكُونَ ما اسْتِفْهامِيَّةً مَنصُوبَةً بِأنْزَلَ، قالَهُ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ. وقِيلَ: ما اسْتِفْهامِيَّةٌ مُبْتَدَأةٌ، والضَّمِيرُ مِنَ الخَبَرِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: آللَّهُ أذِنَ لَكم فِيهِ أوْ بِهِ، وهَذا ضَعِيفٌ لِحَذْفِ هَذا العائِدِ. وجَعْلُ ما مَوْصُولَةً هو الوَجْهُ، لِأنَّ فِيهِ إبْقاءَ أرَأيْتَ عَلى بابِها مِن كَوْنِها تَتَعَدّى إلى الأوَّلِ فَتُؤَثِّرُ فِيهِ، بِخِلافِ جَعْلِها اسْتِفْهامِيَّةً، فَإنَّ أرَأيْتَ إذْ ذاكَ تَكُونُ مُعَلَّقَةً، ويَكُونُ ما قَدْ سَدَّتْ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ، والظّاهِرُ أنَّ أمْ مُتَّصِلَةٌ والمَعْنى: أخْبِرُونِي آللَّهُ أذِنَ لَكم في التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ ؟، فَأنْتُمْ تَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِأِذْنِهِ أمْ تَكْذِبُونَ عَلى اللَّهِ في نِسْبَةِ ذَلِكَ إلَيْهِ ؟ فَنَبَّهَ بِتَوْقِيفِهِمْ عَلى أحَدِ القِسْمَيْنِ، وهم لا يُمْكِنُهُمُ ادِّعاءُ إذْنِ اللَّهِ في ذَلِكَ فَثَبَتَ افْتِراؤُهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، وأمْ مُنْقَطِعَةً بِمَعْنى بَلْ، أتَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ تَقْرِيرًا لِلِافْتِراءِ، انْتَهى. وأنْزَلَ هُنا قِيلَ مَعْناهُ: خَلَقَ كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلْنا الحَدِيدَ﴾ [الحديد: ٢٥] ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الزمر: ٦] . وقِيلَ: أنْزَلَ عَلى بابِها وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: مِن سَبَبِ رِزْقٍ وهو المَطَرُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أنْزَلَ لَفْظَةٌ فِيها تَجَوُّزٌ، وإنْزالُ الرِّزْقِ إمّا أنْ يَكُونَ في ضِمْنِ إنْزالِ المَطَرِ بِالمَآلِ، ونُزُولِ الأمْرِ بِهِ الَّذِي هو ظُهُورُ الأثَرِ في المَخْلُوقِ مِنهُ المُخْتَرَعِ والمَجْعُولِ حَرامًا وحَلالًا. قالَ مُجاهِدٌ: هو ما حَكَمُوا بِهِ مِن تَحْرِيمِ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ والوَصِيلَةِ والِحامِ. وقالَ الضَّحّاكُ: هو إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ: (p-١٧٣)﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام: ١٣٦] . ﴿وما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾: ما اسْتِفْهامِيَّةٌ مُبْتَدَأةٌ خَبَرُها ظَنُّ، والمَعْنى: أيُّ شَيٍّ ظَنَّ المُفْتَرِينَ يَوْمَ القِيامَةِ، أُبْهِمَ الأمْرُ عَلى سَبِيلِ التَّهْدِيدِ، والإبْعادِ يَوْمَ يَكُونُ الجَزاءُ بِالإحْسانِ والإساءَةِ. ويَوْمَ مَنصُوبٌ بِظَنُّ، ومَعْمُولُ الظَّنِّ قِيلَ تَقْدِيرُهُ: ما ظَنُّهم أنَّ اللَّهَ فاعِلٌ بِهِمْ، أيُنَجِّيهِمْ أمْ يُعَذِّبُهم ؟ وقَرَأ عِيسى بْنُ عَمْرٍو: ما ظَنَّ جَعَلَهُ فِعْلًا ماضِيًا، أيْ: أيُّ ظَنٍّ ظَنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ، فَما في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَصْدَرِ، وما الِاسْتِفْهامِيَّةُ قَدْ تَنُوبُ عَنِ المَصْدَرِ تَقُولُ: ما تَضْرِبُ زَيْدًا ؟ تُرِيدُ: أيُّ ضَرْبٍ تَضْرِبُ زَيْدًا. وقالَ الشّاعِرُ: ؎ماذا يَغِيرُ ابْنَتَيْ رِبْعٍ عَوِيلُهُما ∗∗∗ لا تَرْقُدانِ ولا بُؤْسى لِمَن رَقَدا وجِيءَ بِلَفْظِ ظَنَّ ماضِيًا لِأنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ فَكَأنْ قَدْ كانَ، والأوْلى أنْ يَكُونَ ظَنَّ في مَعْنى يَظُنُّ، لِكَوْنِهِ عامِلًا في يَوْمِ القِيامَةِ. وهو ظَرْفٌ مُسْتَقْبَلٌ، وفَضْلُهُ تَعالى عَلى النّاسِ حَيْثُ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ ورَحِمَهم، فَأرْسَلَ إلَيْهِمُ الرُّسُلَ، وفَصَّلَ لَهُمُ الحَلالَ والحَرامَ، وأكْثَرُهم لا يَشْكُرُ هَذِهِ النِّعْمَةَ.

يونس 10:54

﴿ويَسْتَنْبِئُونَكَ أحَقٌّ هو قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾:، أيْ يَسْتَخْبِرُونَكَ. وأحَقٌّ هو الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى العَذابِ. وقِيلَ: عَلى الشَّرْعِ والقُرْآنِ. وقِيلَ: عَلى الوَعِيدِ، وقِيلَ: عَلى أمْرِ السّاعَةِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِيَقُولُونَ أحَقٌّ هو فَجَعَلَ يَسْتَنْبِئُونَكَ تَتَعَدّى إلى واحِدٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْناهُ يَسْتَخْبِرُونَكَ، وهي عَلى هَذا تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ: أحَدُهُما الكافُ، والآخَرُ في الِابْتِداءِ والخَبَرِ، فَعَلى ما قالَ يَكُونُ يَسْتَنْبِئُونَكَ مُعَلَّقَةً. وأصْلُ اسْتَنْبَأ أنْ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ: أحَدُهُما بِعَنْ، تَقُولُ: اسْتَنْبَأْتُ زَيْدًا عَنْ عَمْرٍو، أيْ: طَلَبْتُ مِنهُ أنْ يُنْبِئَنِي عَنْ عَمْرٍو، والظّاهِرُ أنَّها مُعَلَّقَةٌ عَنِ المَفْعُولِ الثّانِي. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقِيلَ هي بِمَعْنى يَسْتَعْلِمُونَكَ. قالَ: فَهي عَلى هَذا تَحْتاجُ إلى مَفاعِيلَ ثَلاثَةٍ، أحَدُها: الكافُ والِابْتِداءُ، والخَبَرُ سَدَّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ، انْتَهى. ولَيْسَ كَما ذَكَرَ، لِأنَّ اسْتَعْلَمَ لا يُحْفَظُ كَوْنُها مُتَعَدِّيَةً إلى مَفاعِيلَ ثَلاثَةٍ، لا يُحْفَظُ اسْتَعْلَمْتُ زَيْدًا عَمْرًا قائِمًا فَتَكُونُ جُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ سَدَّتْ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ، ولا يَلْزَمُ مِن كَوْنِها بِمَعْنى يَسْتَعْلِمُونَكَ أنْ تَتَعَدّى إلى ثَلاثَةٍ، لِأنَّ اسْتَعْلَمَ لا يَتَعَدّى إلى ثَلاثَةٍ كَما ذَكَرْنا. وارْتَفَعَ هو عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وحَقٌّ خَبَرُهُ. وأجازَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ حَقٌّ مُبْتَدَأً وهو فاعِلٌ بِهِ سُدَّ مَسَدُّ الخَبَرِ، وحَقٌّ لَيْسَ اسْمَ فاعِلٍ ولا مَفْعُولٍ، وإنَّما هو مَصْدَرٌ في الأصْلِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُرْفَعَ لِأنَّهُ بِمَعْنًى ثابِتٍ. وهَذا الِاسْتِفْهامُ مِنهم عَلى جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ والإنْكارِ. وقَرَأ الأعْمَشُ: الحَقُّ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهو أدْخَلُ في الِاسْتِهْزاءِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى التَّعْرِيضِ بِأنَّهُ باطِلٌ، وذَلِكَ أنَّ اللّامَ لِلْجِنْسِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أهْوَ الحَقُّ لا الباطِلُ، أوْ: أهْوَ الَّذِي سَمَّيْتُمُوهُ الحَقَّ ؟ انْتَهى. وأمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يَقُولَ مُجِيبًا لَهم: ﴿قُلْ إي ورَبِّي﴾، أيْ: نَعَمْ ورَبِّي. وإي تُسْتَعْمَلُ في القَسَمِ خاصَّةً، كَما تُسْتَعْمَلُ هَلْ بِمَعْنى قَدْ فِيهِ خاصَّةً. قالَ مَعْناهُ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: وسَمِعْتُهم يَقُولُونَ في التَّصْدِيقِ: إي فَيَصِلُونَهُ بِواوِ القَسَمِ ولا يَنْطِقُونَ بِهِ وحْدَهُ، انْتَهى. ولا حُجَّةَ فِيما سَمِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن ذَلِكَ لِعَدَمِ الحُجِّيَّةِ في كَلامِهِ لِفَسادِ كَلامِ (p-١٦٩)العَرَبِ إذْ ذاكَ وقَبْلَهُ بِأزْمانٍ كَثِيرَةٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي لَفْظَةٌ تَتَقَدَّمُ القَسَمَ، وهي بِمَعْنى نَعَمْ، ويَجِيءُ بَعْدَها حَرْفُ القَسَمِ وقَدْ لا يَجِيءُ، تَقُولُ: إي رَبِّي، إي ورَبِّي، انْتَهى. وقَدْ كانَ يُكْتَفى في الجَوابِ بِقَوْلِهِ: إي ورَبِّي، إلّا أنَّهُ أُكِّدَ بِإظْهارِ الجُمْلَةِ الَّتِي كانَتْ تُضْمَرُ بَعْدَ قَوْلِهِ: (إي ورَبِّي) مَسُوقَةً مُؤَكَّدَةً بِإنَّ واللّامِ مُبالَغَةً في التَّوْكِيدِ في الجَوابِ، ولَمّا تَضَمَّنَ قَوْلُهم أحَقٌّ هو السُّؤالَ عَنِ العَذابِ، وكانَ سُؤالًا عَنِ العَذابِ اللّاحِقِ بِهِمْ لا عَنْ مُطْلَقِ عَذابٍ يَقَعُ بِمَن يَقَعُ. قِيلَ: وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ، أيْ: فائِتِينَ العَذابَ المَسْئُولَ عَنْهُ، بَلْ هو لاحِقٌ بِكم. واحْتَمَلَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ أنْ تَكُونَ داخِلَةً في جَوابِ القَسَمِ، فَتَكُونُ مَعْطُوفَةً عَلى الجَوابِ قَبْلَها. واحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ إخْبارًا، مَعْطُوفًا عَلى الجُمْلَةِ المَقُولَةِ لا عَلى جَوابِ القَسَمِ. وأعْجَزَ الهَمْزَةُ فِيهِ لِلتَّعْدِيَةِ كَما قالَ: ﴿ولَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ [الجن: ١٢]، لَكِنَّهُ كَثُرَ فِيهِ حَذْفُ المَفْعُولِ حَتّى قالَتِ العَرَبُ: أعْجَزَ فُلانٌ إذا ذَهَبَ في الأرْضِ فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ، وقالَ الزَّجّاجُ: أيْ ما أنْتُمْ مِمَّنْ يُعْجِزُ مَن يُعَذِّبُكم. ﴿ولَوْ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما في الأرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وأسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ ولَمّا ذَكَرَ العَذابَ وأقْسَمَ عَلى حَقِيقَتِهِ، وأنَّهم لا يُفْلِتُونَ مِنهُ، ذَكَرَ بَعْضَ أحْوالِ الظّالِمِينَ في الآخِرَةِ. وظَلَمَتْ صِفَةٌ لِنَفْسٍ. والظُّلْمُ هُنا: الشِّرْكُ والكُفْرُ، وافْتَدى يَأْتِي مُطاوِعًا لَفَدى، فَلا يَتَعَدّى تَقُولُ: فَدَيْتُهُ فافْتَدى، وبِمَعْنى فَدى فَيَتَعَدّى، وهُنا يَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ. وما في الأرْضِ أيْ: ما كانَ لَها في الدُّنْيا مِنَ الخَزائِنِ والأمْوالِ والمَنافِعِ، وأسَرُّوا مِنَ الأضْدادِ تَأْتِي بِمَعْنى أظْهَرَ. قالَ الفَرَزْدَقُ: ؎ولَمّا رَأى الحَجّاجَ جَرَّدَ سَيْفَهُ أسَرَّ الحَرُورِيُّ الَّذِي كانَ أظْهَرا وقالَ آخَرُ: ؎فَأسْرَرْتُ النَّدامَةَ يَوْمَ نادى ∗∗∗ بِرَدِّ جِمالِ غاضِرَةَ المُنادِي وتَأْتِي بِمَعْنى أخْفى وهو المَشْهُورُ فِيها كَقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ [هود: ٥] ويَحْتَمِلُ هُنا الوَجْهَيْنِ. أمّا الإظْهارُ فَإنَّهُ لَيْسَ بِيَوْمِ تَصَبُّرٍ ولا تَجَلُّدٍ، ولا يَقْدِرُ فِيهِ الكافِرُ عَلى كِتْمانِ ما نالَهُ، ولِأنَّ حالَةَ رُؤْيَةِ العَذابِ يَتَحَسَّرُ الإنْسانُ عَلى اقْتِرافِهِ ما أوْجَبَهُ، ويُظْهِرُ النَّدامَةَ عَلى ما فاتَهُ مِنَ الفَوْزِ ومِنَ الخَلاصِ مِنَ العَذابِ وقَدْ قالُوا: ﴿رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا﴾ [المؤمنون: ١٠٦]، وأمّا إخْفاءُ النَّدامَةِ فَقِيلَ: أخْفى رُؤَساؤُهُمُ النَّدامَةَ مِن سَفَلَتِهِمْ حَياءً مِنهم وخَوْفًا مِن تَوْبِيخِهِمْ وهَذا فِيهِ بُعْدٌ، لِأنَّ مَن عايَنَ العَذابَ هو مَشْغُولٌ بِما يُقاسِيهِ مِنهُ، فَكَيْفَ لَهُ فِكْرٌ في الحَياءِ وفي التَّوْبِيخِ الوارِدِ مِنَ السَّفَلَةِ. وأيْضًا وأسَرُّوا عائِدٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ عَلى المَعْنى، وهو عامٌّ في الرُّؤَساءِ والسَّفَلَةِ. وقِيلَ: إخْفاءُ النَّدامَةِ هو مِن كَوْنِهِمْ بُهِتُوا لِرُؤْيَتِهِمْ ما لَمْ يَحْسَبُوهُ ولا خَطَرَ بِبالِهِمْ، ومُعايَنَتُهم ما أوْهى قُواهم فَلَمْ يُطِيقُوا عِنْدَ ذَلِكَ بُكاءً ولا صُراخًا، ولا ما يَفْعَلُهُ الجازِعُ سِوى إسْرارِ النَّدَمِ والحَسْرَةِ في القُلُوبِ، كَما يَعْرِضُ لِمَن يُقَدَّمُ لِلصَّلْبِ لا يَكادُ يَنْبِسُ بِكَلِمَةٍ، ويَبْقى مَبْهُوتًا جامِدًا. وأمّا مَن قالَ: إنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: وأسَرُّوا النَّدامَةَ، أخْلَصُوا لِلَّهِ في تِلْكَ النَّدامَةِ، أوْ بَدَتْ بِالنَّدامَةِ أسِرَّةُ وُجُوهِهِمْ، أيْ: تَكاسِيرُ جِباهِهِمْ فَفِيهِ بُعْدٌ عَنْ سِياقِ الآيَةِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وقُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ﴾، جُمْلَةُ أخْبارٍ مُسْتَأْنَفَةٍ، ولَيْسَتْ مَعْطُوفَةً عَلى ما في حَيِّزِ لَمّا، وأنَّ الضَّمِيرَ في بَيْنَهم عائِدٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَيْنَ الظّالِمِينَ والمَظْلُومِينَ دَلَّ عَلى ذَلِكَ ذِكْرُ الظُّلْمِ، انْتَهى. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المُؤْمِنِ والكافِرِ. وقِيلَ: عَلى الرُّؤَساءِ والأتْباعِ. ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ألا إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿هُوَ يُحْيِي ويُمِيتُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ قِيلَ: تَعَلُّقُ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها مِن جِهَةِ أنَّهُ فَرَضَ أنَّ النَّفْسَ الظّالِمَةَ لَوْ كانَ لَها ما في الأرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ، وهي لا شَيْءَ لَها البَتَّةَ لِأنَّ جَمِيعَ الأشْياءِ إنَّما هي بِأسْرِها مِلْكٌ لِلَّهِ تَعالى وهو المُتَصَرِّفُ فِيها، إذْ لَهُ المُلْكُ والمِلْكُ. ويَظْهَرُ أنَّ مُناسَبَتَها (p-١٧٠)لِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا سَألُوا عَمّا وُعِدُوا بِهِ مِنَ العَذابِ أحَقٌّ هو ؟ وأجِيبُوا بِأنَّهُ حَقٌّ لا مَحالَةَ، وكانَ ذَلِكَ جَوابًا كافِيًا لِمَن وفَّقَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْإيمانِ، كَما كانَ جَوابًا لِلْأعْرابِيِّ حِينَ سَألَ الرَّسُولَ ﷺ: آللَّهُ أرْسَلَكَ ؟ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ» فَقَنِعَ مِنهُ بِإخْبارِهِ ﷺ إذْ عَلِمَ أنَّهُ لا يَقُولُ إلّا الحَقَّ والصِّدْقَ، كَما قالَ هِرَقْلُ: لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ الكَذِبَ عَلى النّاسِ ويَكْذِبَ عَلى اللَّهِ انْتَقَلَ مِن هَذا الجَوابِ إلى ذِكْرِ البُرْهانِ القاطِعِ عَلى حُجَّتِهِ وتَقْرِيرِهِ بِأنَّ القَوْلَ بِالنُّبُوَّةِ والمَعادِ يَتَفَرَّعانِ عَلى إثْباتِ الإلَهِ القادِرِ الحَكِيمِ، وأنَّ ما سِواهُ فَهو مُلْكُهُ ومِلْكُهُ ؟ وعَنْ هَذا بِهَذِهِ الآيَةِ، وكانَ قَدِ اسْتَقْصى الدَّلائِلَ عَلى ذَلِكَ في هَذِهِ السُّورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [يونس: ٦] الآيَةَ وقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً﴾ [يونس: ٥] فاكْتَفى هُنا عَنْ ذِكْرِها. وإذا كانَ جَمِيعُ ما في العالَمِ مُلْكَهُ ومِلْكَهُ كانَ قادِرًا عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، غَنِيًّا عَنْ جَمِيعِ الحاجاتِ، مُنَزَّهًا عَنِ النَّقائِصِ والآفاتِ، وبِكَوْنِهِ قادِرًا عَلى المُمْكِناتِ كانَ قادِرًا عَلى إنْزالِ العَذابِ عَلى الكُفّارِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقادِرًا عَلى تَأْيِيدِ رَسُولِهِ بِالدَّلائِلِ وإعْلاءِ دِينِهِ، فَبَطَلَ الِاسْتِهْزاءُ والتَّعْجِيزُ. وبِتَنْزِيهِهِ عَنِ النَّقائِصِ كانَ مُنَزَّهًا عَنِ الخُلْفِ والكَذِبِ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مُقَدِّمَةٌ تُوجِبُ الجَزْمَ بِصِحَّةِ قَوْلِهِ: ألا إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ. وألا كَلِمَةُ تَنْبِيهٍ دَخَلَتْ عَلى الجُمْلَتَيْنِ تَنْبِيهًا لِلْغافِلِ، إذْ كانُوا مَشْغُولِينَ بِالنَّظَرِ إلى الأسْبابِ الظّاهِرَةِ مِن نِسْبَةِ أشْياءَ إلى أنَّها مَمْلُوكَةٌ لِمَن جُعِلَ لَهُ بَعْضُ تَصَرُّفٍ فِيها واسْتِخْلافٍ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي: لِغَفْلَتِهِمْ عَنْ هَذِهِ الدَّلائِلِ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ قُدْرَتِهِ عَلى الإحْياءِ والإماتَةِ. فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى إحْيائِهِ مَرَّةً ثانِيَةً، ولِذَلِكَ قالَ: وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ، فَتَرَوْنَ ما وعَدَ بِهِ. وقَرَأ الحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ، وعِيسى ابْنُ عُمَرَ: يُرْجَعُونَ بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ. ﴿ياأيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكم وشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: قِيلَ: نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ الَّذِينَ سَألُوا الرَّسُولَ ﷺ أحَقٌّ هو ؟ فالنّاسُ هم كُفّارُ قُرَيْشٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو خِطابٌ لِجَمِيعِ العالَمِ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الأدِلَّةَ عَلى الأُلُوهِيَّةِ والوَحْدانِيَّةِ والقُدْرَةِ، ذَكَرَ الدَّلائِلَ الدّالَّةَ عَلى صِحَّةِ النُّبُوَّةِ والطَّرِيقَ المُؤَدِّي إلَيْها وهو القُرْآنُ، والمُتَّصِفُ بِهَذِهِ الأوْصافِ الشَّرِيفَةِ هو القُرْآنُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ قَدْ جاءَكم كِتابٌ جامِعٌ لِهَذِهِ الفَوائِدِ مِن مَوْعِظَةٍ وتَنْبِيهٍ عَلى التَّوْحِيدِ، هو شِفاءٌ، أيْ: دَواءٌ لِما في صُدُورِكم مِنَ العَقائِدِ الفاسِدَةِ، ودُعاءٌ إلى الحَقِّ ورَحْمَةٌ لِمَن آمَنَ بِهِ مِنكُمُ، انْتَهى. ومِن رَبِّكم يُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِجاءَتْكم، فَمِن لِابْتِداءِ الغايَةِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ أيْ: مِن مَواعِظِ رَبِّكم فَتَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، فَمِن لِلتَّبْعِيضِ. وفي قَوْلِهِ: مِن رَبِّكم تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ لَيْسَ مِن عِنْدِ أحَدٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وجَعَلَهُ مَوْعِظَةً بِحَسَبِ النّاسِ أجْمَعَ، وجَعَلَهُ هُدًى ورَحْمَةً بِحَسَبِ المُؤْمِنِينَ، وهَذا تَقْسِيمٌ صَحِيحُ المَعْنى إذا تَأوَّلَ بِأنْ وجَّهَهُ، انْتَهى. وذَكَرَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ هُنا كَلامًا كَثِيرًا مَمْزُوجًا بِما يُسَمُّونَهُ حِكْمَةً: نَعْلَمُ قَطْعًا أنَّ العَرَبَ لا تَفْهَمُ ذَلِكَ الَّذِي قَرَّرَهُ مِن ألْفاظِ القُرْآنِ، وطَوَّلَ في ذَلِكَ، وضَرَبَ أمْثِلَةً حِسِّيَّةً يُوقَفُ عَلَيْها مِن تَفْسِيرِهِ، ثُمَّ قالَ آخِرَ كَلامِهِ: فالحاصِلُ أنَّ المَوْعِظَةَ إشارَةٌ إلى تَطْهِيرِ ظَواهِرِ الخَلْقِ عَمّا لا يَنْبَغِي وهو الشَّرِيعَةُ، والشِّفاءُ إشارَةٌ إلى تَطْهِيرِ الأرْواحِ عَنِ العَقائِدِ الفاسِدَةِ والأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ وهو الطَّرِيقَةُ، والهُدى إشارَةٌ إلى ظُهُورِ نُورِ الحَقِّ في قُلُوبِ الصِّدِّيقِينَ وهو الحَقِيقَةُ، والرَّحْمَةُ إشارَةٌ إلى كَوْنِها بالِغَةً في الكَمالِ، والإشْراقِ إلى حَيْثُ تَصِيرُ تُكْمِلُ النّاقِصِينَ وهي النُّبُوَّةُ. فَهَذِهِ دَرَجاتٌ عَقْلِيَّةٌ ومَراتِبُ بُرْهانِيَّةٌ مَدْلُولٌ عَلَيْها بِهَذِهِ الألْفاظِ القُرْآنِيَّةِ، لا يُمْكِنُ تَأخُّرُ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، ولا تَقَدُّمُ ما تَأخَّرَ ذِكْرُهُ. (p-١٧١)﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ﴾ فَقالَ: بِكِتابِ اللَّهِ والإسْلامِ، فَضْلُهُ الإسْلامُ، ورَحْمَتُهُ ما وعَدَ عَلَيْهِ»، انْتَهى. ولَوْ صَحَّ هَذا الحَدِيثُ لَمْ يُمْكِنْ خِلافُهُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ وهِلالُ بْنُ يَسافٍ: فَضْلُ اللَّهِ الإسْلامُ ورَحْمَتُهُ القُرْآنُ. وقالَ الضَّحّاكُ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ عَكْسَ هَذا، وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: الفَضْلُ القُرْآنُ، والرَّحْمَةُ أنْ جَعَلَهم مِن أهْلِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما رَوى الضَّحّاكُ عَنْهُ: الفَضْلُ العِلْمُ والرَّحْمَةُ مُحَمَّدٌ ﷺ . وقالَ ابْنُ عُمَرَ: الفَضْلُ الإسْلامُ، والرَّحْمَةُ تَزْيِينُهُ في القُلُوبِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الفَضْلُ والرَّحْمَةُ القُرْآنُ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ خالِدُ بْنُ مَعْدانَ: الفَضْلُ القُرْآنُ، والرَّحْمَةُ السُّنَّةُ. وعَنْهُ أيْضًا أنَّ الفَضْلَ الإسْلامُ، والرَّحْمَةَ السَّتْرُ. وقالَ عَمْرُو بْنُ عُثْمانَ: فَضْلُ اللَّهِ كَشْفُ الغِطاءِ، ورَحْمَتُهُ الرُّؤْيَةُ واللِّقاءُ. وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ فَضْلٍ: الفَضْلُ الإيمانُ، والرَّحْمَةُ الجَنَّةُ. وقِيلَ: الفَضْلُ التَّوْفِيقُ، والرَّحْمَةُ العِصْمَةُ. وقِيلَ: الفَضْلُ نِعَمُهُ الظّاهِرَةُ، والرَّحْمَةُ نِعَمُهُ الباطِنَةُ. وقالَ الصّادِقُ: الفَضْلُ المَغْفِرَةُ، والرَّحْمَةُ التَّوْفِيقُ. وقالَ ذُو النُّونِ: الفَضْلُ الجِنانُ، ورَحْمَتُهُ النَّجاةُ مِنَ النِّيرانِ. وهَذِهِ تَخْصِيصاتٌ تَحْتاجُ إلى دَلائِلَ، ويَنْبَغِي أنْ يُعْتَقَدَ أنَّها تَمْثِيلاتٌ، لِأنَّ الفَضْلَ والرَّحْمَةَ أُرِيدَ بِهِما تَعْيِينُ ما ذُكِرَ وحَصْرُهُما فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإنَّما الَّذِي يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ ويَلْزَمُ مِنهُ أنَّ الفَضْلَ هو هِدايَةُ اللَّهِ إلى دِينِهِ والتَّوْفِيقُ إلى اتِّباعِ الشَّرْعِ، والرَّحْمَةَ هي عَفْوُهُ وسُكْنى جَنَّتِهِ الَّتِي جَعَلَها جَزاءً عَلى اتِّباعِ الإسْلامِ والإيمانِ. ومَعْنى الآيَةِ: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِجَمِيعِ النّاسِ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَلْيَقَعِ الفَرَحُ مِنكم، لا بِأُمُورِ الدُّنْيا وما يُجْمَعُ مِن حُطامِها، فالمُؤْمِنُونَ يُقالُ لَهم: فَلْيَفْرَحُوا وهم مُلْتَبِسُونَ بِعِلَّةِ الفَرَحِ وسَبَبِهِ، ومُخْلِصُونَ لِفَضْلِ اللَّهِ مُنْتَظِرُونَ لِرَحْمَتِهِ، والكافِرُونَ يُقالُ لَهم: بِفَضْلِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ فَلْيَفْرَحُوا عَلى مَعْنى أنْ لَوِ اتَّفَقَ لَكم أوْ لَوْ سَعِدْتُمْ بِالهِدايَةِ إلى تَحْصِيلِ ذَلِكَ، انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ، فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا: جُمْلَتانِ، وحُذِفَ ما تَتَعَلَّقُ بِهِ الباءُ والتَّقْدِيرُ: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ لِيَفْرَحُوا، ثُمَّ عُطِفَتِ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ عَلى الأُولى عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ. قالالزَّمَخْشَرِيُّ: والتَّكْرِيرُ لِلتَّقْرِيرِ والتَّأْكِيدِ، وإيجابُ اخْتِصاصِ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ بِالفَرَحِ دُونَ ما عَداهُما مِن فَوائِدِ الدُّنْيا، فَحُذِفَ أحَدُ الفِعْلَيْنِ لِدِلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ، والفاءُ داخِلَةٌ لِمَعْنى الشَّرْطِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَلْيَخُصُّوهُما بِالفَرَحِ، فَإنَّهُ لا مَفْرُوحَ بِهِ أحَقُّ مِنهُما. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَلْيَعْتَنُوا بِذَلِكَ، فَلْيَفْرَحُوا. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ، أيْ: فَبِمَجِيئِهِما فَلْيَفْرَحُوا، انْتَهى. أمّا إضْمارُ فَلْيَعْنَتُوا فَلا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وأمّا تَعْلِيقُهُ بِقَوْلِهِ: قَدْ جاءَتْكم، فَيَنْبَغِي أنْ يُقَدِّرَ ذَلِكَ مَحْذُوفًا بَعْدَ قُلْ، ولا يَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِـ (جاءَتْكم) الأُولى لِلْفَصْلِ بَيْنَهُما بِقُلْ. وقالَ الحَوْفِيُّ: الباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِما دَلَّ عَلى المَعْنى، أيْ: قَدْ جاءَتْكُمُ المَوْعِظَةُ بِفَضْلِ اللَّهِ. وقِيلَ: الفاءُ الأُولى زائِدَةٌ، ويَكُونُ بِذَلِكَ بَدَلًا قَبْلَهُ، وأُشِيرَ بِهِ إلى الِاثْنَيْنِ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ. وقِيلَ: كُرِّرَتِ الفاءُ الثّانِيَةُ لِلتَّوْكِيدِ، فَعَلى هَذا لا تَكُونُ الأُولى زائِدَةً، ويَكُونُ أصْلُ التَّرْكِيبِ فَبِذَلِكَ لِيَفْرَحُوا، وفي القَوْلِ قَبْلَهُ يَكُونُ أصْلُ التَّرْكِيبِ بِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا، ولا تَنافِيَ بَيْنَ الأمْرِ بِالفَرَحِ هُنا وبَيْنَ النَّهْيِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] لِاخْتِلافِ المُتَعَلِّقِ، فالمَأْمُورُ بِهِ هُنا الفَرَحُ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ، والمَنهِيُّ هُناكَ الفَرَحُ بِجَمْعِ الأمْوالِ لِرِئاسَةِ الدُّنْيا وإرادَةِ العُلُوِّ بِها والفَسادِ، ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ: ﴿وابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدّارَ الآخِرَةَ ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ [القصص: ٧٧] وقَبْلَهُ: ﴿إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ﴾ [القصص: ٧٦] وقَوْلُهُ: ﴿لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ [هود: ١٠] جاءَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الذَّمِّ لِفَرَحِهِ بِإذاقَةِ النَّعْماءِ بَعْدَ الضَّرّاءِ، ويَأْسِهِ وكُفْرانِهِ لِلنَّعْماءِ إذا نُزِعَتْ مِنهُ، وهَذِهِ صِفَةٌ مَذْمُومَةٌ، ولَيْسَ ذَلِكَ مِن أفْعالِ الآخِرَةِ. وقَوْلُ مَن قالَ: إذا أُطْلِقَ (p-١٧٢)الفَرَحُ كانَ مَذْمُومًا، وإذا قُيِّدَ لَمْ يَكُنْ مَذْمُومًا كَما قالَ: ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠] لَيْسَ بِمُطَّرِدٍ، إذْ جاءَ مُقَيَّدًا في الذَّمِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً﴾ [الأنعام: ٤٤] وإنَّما يُمْدَحُ الفَرَحَ ويُذَمُّ بِحَسَبِ مُتَعَلِّقِهِ، فَإذا كانَ بِنَيْلِ ثَوابِ الآخِرَةِ وأعْمالِ البِرِّ كانَ مَحْمُودًا، وإذا كانَ بِنَيْلِ لَذّاتِ الدُّنْيا وحُطامِها كانَ مَذْمُومًا. وقَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ وأُبَيٌّ وأنَسٌ والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ وابْنُ هُرْمُزَ وابْنُ سِيرِينَ وأبُو جَعْفَرٍ المَدَنِيُّ والسُّلَمِيُّ وقَتادَةُ والجَحْدَرِيُّ وهِلالُ بْنُ يَسافٍ والأعْمَشُ وعَمْرُو بْنُ قائِدٍ والعَبّاسُ بْنُ الفَضْلِ الأنْصارِيُّ: فَلْتَفْرَحُوا بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، ورُوِيَتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وقالَ وقَدْ جاءَ عَنْ يَعْقُوبَ كَذَلِكَ، انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ القَعْقاعِ وابْنُ عامِرٍ والحَسَنُ عَلى ما زَعَمَ هارُونُ. ورُوِيَتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: فَلْتَفْرَحُوا وتَجْمَعُونَ بِالتّاءِ فِيهِما عَلى المُخاطَبَةِ، وهي قِراءَةُ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ كَثِيرَةٍ، وعَنْ أكْثَرِهِمْ خِلافٌ، انْتَهى. والجُمْهُورُ بِالياءِ عَلى أمْرِ الغائِبِ. وما نَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ ابْنَ عامِرٍ قَرَأ فَلْتَفْرَحُوا بِالتّاءِ لَيْسَ هو المَشْهُورُ عَنْهُ، إنَّما قِراءَتُهُ في مَشْهُورِ السَّبْعَةِ بِالياءِ أمْرًا لِلْغائِبِ، لَكِنَّهُ قَرَأ تَجْمَعُونَ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ. وفِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: فَبِذَلِكَ فافْرَحُوا، وهَذِهِ هي اللُّغَةُ الكَثِيرَةُ الشَّهِيرَةُ في أمْرِ المُخاطَبِ. وأمّا فَلْيَفْرَحُوا بِالياءِ فَهي لُغَةٌ قَلِيلَةٌ. وفي الحَدِيثِ: (لِتَأْخُذُوا مَصافَّكم) وقَرَأ أبُو التَّيّاحِ والحَسَنُ: فَلْيَفْرَحُوا بِكَسْرِ اللّامِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ أُشِيرَ بِهِ إلى واحِدٍ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَيْهِ مُوَحَّدًا في قَوْلِهِ: هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ، فالَّذِي يَنْبَغِي أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ، عَلى أنَّهُما شَيْءٌ واحِدٌ عُبِّرَ عَنْهُ بِاسْمَيْنِ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ، ولِذَلِكَ أُشِيرَ إلَيْهِ بِذَلِكَ، وعادَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِ مُفْرَدًا. وقَوْلُهُ: مِمّا يَجْمَعُونَ يَعْنِي مِن حُطامِ الدُّنْيا ومَتاعِها. ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالًا قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكم أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾: مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها هي أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ وكانَ المُرادُ بِذَلِكَ كِتابَ اللَّهِ المُشْتَمِلَ عَلى التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ، بَيَّنَ فَسادَ شَرائِعِهِمْ وأحْكامِهِمْ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ مِن غَيْرِ مُسْتَنَدٍ في ذَلِكَ إلى وحْيٍ. وأرَأيْتُمْ هُنا بِمَعْنى أخْبِرُونِي. وجَوَّزُوا في ما أنْزَلَ: أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً مَفْعُولًا أوَّلَ لِأرَأيْتُمْ، والعائِدُ عَلَيْها مَحْذُوفٌ، والمَفْعُولُ الثّانِي قَوْلُهُ: آللَّهُ أذِنَ لَكم، والعائِدُ عَلى المُبْتَدَأِ مِنَ الخَبَرِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: آللَّهُ أذِنَ لَكم فِيهِ، وكُرِّرَ قُلْ قَبْلَ الخَبَرِ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ. وأنْ تَكُونَ ما اسْتِفْهامِيَّةً مَنصُوبَةً بِأنْزَلَ، قالَهُ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ. وقِيلَ: ما اسْتِفْهامِيَّةٌ مُبْتَدَأةٌ، والضَّمِيرُ مِنَ الخَبَرِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: آللَّهُ أذِنَ لَكم فِيهِ أوْ بِهِ، وهَذا ضَعِيفٌ لِحَذْفِ هَذا العائِدِ. وجَعْلُ ما مَوْصُولَةً هو الوَجْهُ، لِأنَّ فِيهِ إبْقاءَ أرَأيْتَ عَلى بابِها مِن كَوْنِها تَتَعَدّى إلى الأوَّلِ فَتُؤَثِّرُ فِيهِ، بِخِلافِ جَعْلِها اسْتِفْهامِيَّةً، فَإنَّ أرَأيْتَ إذْ ذاكَ تَكُونُ مُعَلَّقَةً، ويَكُونُ ما قَدْ سَدَّتْ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ، والظّاهِرُ أنَّ أمْ مُتَّصِلَةٌ والمَعْنى: أخْبِرُونِي آللَّهُ أذِنَ لَكم في التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ ؟، فَأنْتُمْ تَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِأِذْنِهِ أمْ تَكْذِبُونَ عَلى اللَّهِ في نِسْبَةِ ذَلِكَ إلَيْهِ ؟ فَنَبَّهَ بِتَوْقِيفِهِمْ عَلى أحَدِ القِسْمَيْنِ، وهم لا يُمْكِنُهُمُ ادِّعاءُ إذْنِ اللَّهِ في ذَلِكَ فَثَبَتَ افْتِراؤُهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، وأمْ مُنْقَطِعَةً بِمَعْنى بَلْ، أتَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ تَقْرِيرًا لِلِافْتِراءِ، انْتَهى. وأنْزَلَ هُنا قِيلَ مَعْناهُ: خَلَقَ كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلْنا الحَدِيدَ﴾ [الحديد: ٢٥] ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الزمر: ٦] . وقِيلَ: أنْزَلَ عَلى بابِها وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: مِن سَبَبِ رِزْقٍ وهو المَطَرُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أنْزَلَ لَفْظَةٌ فِيها تَجَوُّزٌ، وإنْزالُ الرِّزْقِ إمّا أنْ يَكُونَ في ضِمْنِ إنْزالِ المَطَرِ بِالمَآلِ، ونُزُولِ الأمْرِ بِهِ الَّذِي هو ظُهُورُ الأثَرِ في المَخْلُوقِ مِنهُ المُخْتَرَعِ والمَجْعُولِ حَرامًا وحَلالًا. قالَ مُجاهِدٌ: هو ما حَكَمُوا بِهِ مِن تَحْرِيمِ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ والوَصِيلَةِ والِحامِ. وقالَ الضَّحّاكُ: هو إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ: (p-١٧٣)﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام: ١٣٦] . ﴿وما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾: ما اسْتِفْهامِيَّةٌ مُبْتَدَأةٌ خَبَرُها ظَنُّ، والمَعْنى: أيُّ شَيٍّ ظَنَّ المُفْتَرِينَ يَوْمَ القِيامَةِ، أُبْهِمَ الأمْرُ عَلى سَبِيلِ التَّهْدِيدِ، والإبْعادِ يَوْمَ يَكُونُ الجَزاءُ بِالإحْسانِ والإساءَةِ. ويَوْمَ مَنصُوبٌ بِظَنُّ، ومَعْمُولُ الظَّنِّ قِيلَ تَقْدِيرُهُ: ما ظَنُّهم أنَّ اللَّهَ فاعِلٌ بِهِمْ، أيُنَجِّيهِمْ أمْ يُعَذِّبُهم ؟ وقَرَأ عِيسى بْنُ عَمْرٍو: ما ظَنَّ جَعَلَهُ فِعْلًا ماضِيًا، أيْ: أيُّ ظَنٍّ ظَنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ، فَما في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَصْدَرِ، وما الِاسْتِفْهامِيَّةُ قَدْ تَنُوبُ عَنِ المَصْدَرِ تَقُولُ: ما تَضْرِبُ زَيْدًا ؟ تُرِيدُ: أيُّ ضَرْبٍ تَضْرِبُ زَيْدًا. وقالَ الشّاعِرُ: ؎ماذا يَغِيرُ ابْنَتَيْ رِبْعٍ عَوِيلُهُما ∗∗∗ لا تَرْقُدانِ ولا بُؤْسى لِمَن رَقَدا وجِيءَ بِلَفْظِ ظَنَّ ماضِيًا لِأنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ فَكَأنْ قَدْ كانَ، والأوْلى أنْ يَكُونَ ظَنَّ في مَعْنى يَظُنُّ، لِكَوْنِهِ عامِلًا في يَوْمِ القِيامَةِ. وهو ظَرْفٌ مُسْتَقْبَلٌ، وفَضْلُهُ تَعالى عَلى النّاسِ حَيْثُ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ ورَحِمَهم، فَأرْسَلَ إلَيْهِمُ الرُّسُلَ، وفَصَّلَ لَهُمُ الحَلالَ والحَرامَ، وأكْثَرُهم لا يَشْكُرُ هَذِهِ النِّعْمَةَ.

يونس 10:55

﴿ويَسْتَنْبِئُونَكَ أحَقٌّ هو قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾:، أيْ يَسْتَخْبِرُونَكَ. وأحَقٌّ هو الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى العَذابِ. وقِيلَ: عَلى الشَّرْعِ والقُرْآنِ. وقِيلَ: عَلى الوَعِيدِ، وقِيلَ: عَلى أمْرِ السّاعَةِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِيَقُولُونَ أحَقٌّ هو فَجَعَلَ يَسْتَنْبِئُونَكَ تَتَعَدّى إلى واحِدٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْناهُ يَسْتَخْبِرُونَكَ، وهي عَلى هَذا تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ: أحَدُهُما الكافُ، والآخَرُ في الِابْتِداءِ والخَبَرِ، فَعَلى ما قالَ يَكُونُ يَسْتَنْبِئُونَكَ مُعَلَّقَةً. وأصْلُ اسْتَنْبَأ أنْ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ: أحَدُهُما بِعَنْ، تَقُولُ: اسْتَنْبَأْتُ زَيْدًا عَنْ عَمْرٍو، أيْ: طَلَبْتُ مِنهُ أنْ يُنْبِئَنِي عَنْ عَمْرٍو، والظّاهِرُ أنَّها مُعَلَّقَةٌ عَنِ المَفْعُولِ الثّانِي. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقِيلَ هي بِمَعْنى يَسْتَعْلِمُونَكَ. قالَ: فَهي عَلى هَذا تَحْتاجُ إلى مَفاعِيلَ ثَلاثَةٍ، أحَدُها: الكافُ والِابْتِداءُ، والخَبَرُ سَدَّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ، انْتَهى. ولَيْسَ كَما ذَكَرَ، لِأنَّ اسْتَعْلَمَ لا يُحْفَظُ كَوْنُها مُتَعَدِّيَةً إلى مَفاعِيلَ ثَلاثَةٍ، لا يُحْفَظُ اسْتَعْلَمْتُ زَيْدًا عَمْرًا قائِمًا فَتَكُونُ جُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ سَدَّتْ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ، ولا يَلْزَمُ مِن كَوْنِها بِمَعْنى يَسْتَعْلِمُونَكَ أنْ تَتَعَدّى إلى ثَلاثَةٍ، لِأنَّ اسْتَعْلَمَ لا يَتَعَدّى إلى ثَلاثَةٍ كَما ذَكَرْنا. وارْتَفَعَ هو عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وحَقٌّ خَبَرُهُ. وأجازَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ حَقٌّ مُبْتَدَأً وهو فاعِلٌ بِهِ سُدَّ مَسَدُّ الخَبَرِ، وحَقٌّ لَيْسَ اسْمَ فاعِلٍ ولا مَفْعُولٍ، وإنَّما هو مَصْدَرٌ في الأصْلِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُرْفَعَ لِأنَّهُ بِمَعْنًى ثابِتٍ. وهَذا الِاسْتِفْهامُ مِنهم عَلى جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ والإنْكارِ. وقَرَأ الأعْمَشُ: الحَقُّ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهو أدْخَلُ في الِاسْتِهْزاءِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى التَّعْرِيضِ بِأنَّهُ باطِلٌ، وذَلِكَ أنَّ اللّامَ لِلْجِنْسِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أهْوَ الحَقُّ لا الباطِلُ، أوْ: أهْوَ الَّذِي سَمَّيْتُمُوهُ الحَقَّ ؟ انْتَهى. وأمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يَقُولَ مُجِيبًا لَهم: ﴿قُلْ إي ورَبِّي﴾، أيْ: نَعَمْ ورَبِّي. وإي تُسْتَعْمَلُ في القَسَمِ خاصَّةً، كَما تُسْتَعْمَلُ هَلْ بِمَعْنى قَدْ فِيهِ خاصَّةً. قالَ مَعْناهُ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: وسَمِعْتُهم يَقُولُونَ في التَّصْدِيقِ: إي فَيَصِلُونَهُ بِواوِ القَسَمِ ولا يَنْطِقُونَ بِهِ وحْدَهُ، انْتَهى. ولا حُجَّةَ فِيما سَمِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن ذَلِكَ لِعَدَمِ الحُجِّيَّةِ في كَلامِهِ لِفَسادِ كَلامِ (p-١٦٩)العَرَبِ إذْ ذاكَ وقَبْلَهُ بِأزْمانٍ كَثِيرَةٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي لَفْظَةٌ تَتَقَدَّمُ القَسَمَ، وهي بِمَعْنى نَعَمْ، ويَجِيءُ بَعْدَها حَرْفُ القَسَمِ وقَدْ لا يَجِيءُ، تَقُولُ: إي رَبِّي، إي ورَبِّي، انْتَهى. وقَدْ كانَ يُكْتَفى في الجَوابِ بِقَوْلِهِ: إي ورَبِّي، إلّا أنَّهُ أُكِّدَ بِإظْهارِ الجُمْلَةِ الَّتِي كانَتْ تُضْمَرُ بَعْدَ قَوْلِهِ: (إي ورَبِّي) مَسُوقَةً مُؤَكَّدَةً بِإنَّ واللّامِ مُبالَغَةً في التَّوْكِيدِ في الجَوابِ، ولَمّا تَضَمَّنَ قَوْلُهم أحَقٌّ هو السُّؤالَ عَنِ العَذابِ، وكانَ سُؤالًا عَنِ العَذابِ اللّاحِقِ بِهِمْ لا عَنْ مُطْلَقِ عَذابٍ يَقَعُ بِمَن يَقَعُ. قِيلَ: وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ، أيْ: فائِتِينَ العَذابَ المَسْئُولَ عَنْهُ، بَلْ هو لاحِقٌ بِكم. واحْتَمَلَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ أنْ تَكُونَ داخِلَةً في جَوابِ القَسَمِ، فَتَكُونُ مَعْطُوفَةً عَلى الجَوابِ قَبْلَها. واحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ إخْبارًا، مَعْطُوفًا عَلى الجُمْلَةِ المَقُولَةِ لا عَلى جَوابِ القَسَمِ. وأعْجَزَ الهَمْزَةُ فِيهِ لِلتَّعْدِيَةِ كَما قالَ: ﴿ولَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ [الجن: ١٢]، لَكِنَّهُ كَثُرَ فِيهِ حَذْفُ المَفْعُولِ حَتّى قالَتِ العَرَبُ: أعْجَزَ فُلانٌ إذا ذَهَبَ في الأرْضِ فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ، وقالَ الزَّجّاجُ: أيْ ما أنْتُمْ مِمَّنْ يُعْجِزُ مَن يُعَذِّبُكم. ﴿ولَوْ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما في الأرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وأسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ ولَمّا ذَكَرَ العَذابَ وأقْسَمَ عَلى حَقِيقَتِهِ، وأنَّهم لا يُفْلِتُونَ مِنهُ، ذَكَرَ بَعْضَ أحْوالِ الظّالِمِينَ في الآخِرَةِ. وظَلَمَتْ صِفَةٌ لِنَفْسٍ. والظُّلْمُ هُنا: الشِّرْكُ والكُفْرُ، وافْتَدى يَأْتِي مُطاوِعًا لَفَدى، فَلا يَتَعَدّى تَقُولُ: فَدَيْتُهُ فافْتَدى، وبِمَعْنى فَدى فَيَتَعَدّى، وهُنا يَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ. وما في الأرْضِ أيْ: ما كانَ لَها في الدُّنْيا مِنَ الخَزائِنِ والأمْوالِ والمَنافِعِ، وأسَرُّوا مِنَ الأضْدادِ تَأْتِي بِمَعْنى أظْهَرَ. قالَ الفَرَزْدَقُ: ؎ولَمّا رَأى الحَجّاجَ جَرَّدَ سَيْفَهُ أسَرَّ الحَرُورِيُّ الَّذِي كانَ أظْهَرا وقالَ آخَرُ: ؎فَأسْرَرْتُ النَّدامَةَ يَوْمَ نادى ∗∗∗ بِرَدِّ جِمالِ غاضِرَةَ المُنادِي وتَأْتِي بِمَعْنى أخْفى وهو المَشْهُورُ فِيها كَقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ [هود: ٥] ويَحْتَمِلُ هُنا الوَجْهَيْنِ. أمّا الإظْهارُ فَإنَّهُ لَيْسَ بِيَوْمِ تَصَبُّرٍ ولا تَجَلُّدٍ، ولا يَقْدِرُ فِيهِ الكافِرُ عَلى كِتْمانِ ما نالَهُ، ولِأنَّ حالَةَ رُؤْيَةِ العَذابِ يَتَحَسَّرُ الإنْسانُ عَلى اقْتِرافِهِ ما أوْجَبَهُ، ويُظْهِرُ النَّدامَةَ عَلى ما فاتَهُ مِنَ الفَوْزِ ومِنَ الخَلاصِ مِنَ العَذابِ وقَدْ قالُوا: ﴿رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا﴾ [المؤمنون: ١٠٦]، وأمّا إخْفاءُ النَّدامَةِ فَقِيلَ: أخْفى رُؤَساؤُهُمُ النَّدامَةَ مِن سَفَلَتِهِمْ حَياءً مِنهم وخَوْفًا مِن تَوْبِيخِهِمْ وهَذا فِيهِ بُعْدٌ، لِأنَّ مَن عايَنَ العَذابَ هو مَشْغُولٌ بِما يُقاسِيهِ مِنهُ، فَكَيْفَ لَهُ فِكْرٌ في الحَياءِ وفي التَّوْبِيخِ الوارِدِ مِنَ السَّفَلَةِ. وأيْضًا وأسَرُّوا عائِدٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ عَلى المَعْنى، وهو عامٌّ في الرُّؤَساءِ والسَّفَلَةِ. وقِيلَ: إخْفاءُ النَّدامَةِ هو مِن كَوْنِهِمْ بُهِتُوا لِرُؤْيَتِهِمْ ما لَمْ يَحْسَبُوهُ ولا خَطَرَ بِبالِهِمْ، ومُعايَنَتُهم ما أوْهى قُواهم فَلَمْ يُطِيقُوا عِنْدَ ذَلِكَ بُكاءً ولا صُراخًا، ولا ما يَفْعَلُهُ الجازِعُ سِوى إسْرارِ النَّدَمِ والحَسْرَةِ في القُلُوبِ، كَما يَعْرِضُ لِمَن يُقَدَّمُ لِلصَّلْبِ لا يَكادُ يَنْبِسُ بِكَلِمَةٍ، ويَبْقى مَبْهُوتًا جامِدًا. وأمّا مَن قالَ: إنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: وأسَرُّوا النَّدامَةَ، أخْلَصُوا لِلَّهِ في تِلْكَ النَّدامَةِ، أوْ بَدَتْ بِالنَّدامَةِ أسِرَّةُ وُجُوهِهِمْ، أيْ: تَكاسِيرُ جِباهِهِمْ فَفِيهِ بُعْدٌ عَنْ سِياقِ الآيَةِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وقُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ﴾، جُمْلَةُ أخْبارٍ مُسْتَأْنَفَةٍ، ولَيْسَتْ مَعْطُوفَةً عَلى ما في حَيِّزِ لَمّا، وأنَّ الضَّمِيرَ في بَيْنَهم عائِدٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَيْنَ الظّالِمِينَ والمَظْلُومِينَ دَلَّ عَلى ذَلِكَ ذِكْرُ الظُّلْمِ، انْتَهى. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المُؤْمِنِ والكافِرِ. وقِيلَ: عَلى الرُّؤَساءِ والأتْباعِ. ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ألا إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿هُوَ يُحْيِي ويُمِيتُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ قِيلَ: تَعَلُّقُ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها مِن جِهَةِ أنَّهُ فَرَضَ أنَّ النَّفْسَ الظّالِمَةَ لَوْ كانَ لَها ما في الأرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ، وهي لا شَيْءَ لَها البَتَّةَ لِأنَّ جَمِيعَ الأشْياءِ إنَّما هي بِأسْرِها مِلْكٌ لِلَّهِ تَعالى وهو المُتَصَرِّفُ فِيها، إذْ لَهُ المُلْكُ والمِلْكُ. ويَظْهَرُ أنَّ مُناسَبَتَها (p-١٧٠)لِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا سَألُوا عَمّا وُعِدُوا بِهِ مِنَ العَذابِ أحَقٌّ هو ؟ وأجِيبُوا بِأنَّهُ حَقٌّ لا مَحالَةَ، وكانَ ذَلِكَ جَوابًا كافِيًا لِمَن وفَّقَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْإيمانِ، كَما كانَ جَوابًا لِلْأعْرابِيِّ حِينَ سَألَ الرَّسُولَ ﷺ: آللَّهُ أرْسَلَكَ ؟ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ» فَقَنِعَ مِنهُ بِإخْبارِهِ ﷺ إذْ عَلِمَ أنَّهُ لا يَقُولُ إلّا الحَقَّ والصِّدْقَ، كَما قالَ هِرَقْلُ: لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ الكَذِبَ عَلى النّاسِ ويَكْذِبَ عَلى اللَّهِ انْتَقَلَ مِن هَذا الجَوابِ إلى ذِكْرِ البُرْهانِ القاطِعِ عَلى حُجَّتِهِ وتَقْرِيرِهِ بِأنَّ القَوْلَ بِالنُّبُوَّةِ والمَعادِ يَتَفَرَّعانِ عَلى إثْباتِ الإلَهِ القادِرِ الحَكِيمِ، وأنَّ ما سِواهُ فَهو مُلْكُهُ ومِلْكُهُ ؟ وعَنْ هَذا بِهَذِهِ الآيَةِ، وكانَ قَدِ اسْتَقْصى الدَّلائِلَ عَلى ذَلِكَ في هَذِهِ السُّورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [يونس: ٦] الآيَةَ وقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً﴾ [يونس: ٥] فاكْتَفى هُنا عَنْ ذِكْرِها. وإذا كانَ جَمِيعُ ما في العالَمِ مُلْكَهُ ومِلْكَهُ كانَ قادِرًا عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، غَنِيًّا عَنْ جَمِيعِ الحاجاتِ، مُنَزَّهًا عَنِ النَّقائِصِ والآفاتِ، وبِكَوْنِهِ قادِرًا عَلى المُمْكِناتِ كانَ قادِرًا عَلى إنْزالِ العَذابِ عَلى الكُفّارِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقادِرًا عَلى تَأْيِيدِ رَسُولِهِ بِالدَّلائِلِ وإعْلاءِ دِينِهِ، فَبَطَلَ الِاسْتِهْزاءُ والتَّعْجِيزُ. وبِتَنْزِيهِهِ عَنِ النَّقائِصِ كانَ مُنَزَّهًا عَنِ الخُلْفِ والكَذِبِ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مُقَدِّمَةٌ تُوجِبُ الجَزْمَ بِصِحَّةِ قَوْلِهِ: ألا إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ. وألا كَلِمَةُ تَنْبِيهٍ دَخَلَتْ عَلى الجُمْلَتَيْنِ تَنْبِيهًا لِلْغافِلِ، إذْ كانُوا مَشْغُولِينَ بِالنَّظَرِ إلى الأسْبابِ الظّاهِرَةِ مِن نِسْبَةِ أشْياءَ إلى أنَّها مَمْلُوكَةٌ لِمَن جُعِلَ لَهُ بَعْضُ تَصَرُّفٍ فِيها واسْتِخْلافٍ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي: لِغَفْلَتِهِمْ عَنْ هَذِهِ الدَّلائِلِ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ قُدْرَتِهِ عَلى الإحْياءِ والإماتَةِ. فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى إحْيائِهِ مَرَّةً ثانِيَةً، ولِذَلِكَ قالَ: وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ، فَتَرَوْنَ ما وعَدَ بِهِ. وقَرَأ الحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ، وعِيسى ابْنُ عُمَرَ: يُرْجَعُونَ بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ. ﴿ياأيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكم وشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: قِيلَ: نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ الَّذِينَ سَألُوا الرَّسُولَ ﷺ أحَقٌّ هو ؟ فالنّاسُ هم كُفّارُ قُرَيْشٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو خِطابٌ لِجَمِيعِ العالَمِ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الأدِلَّةَ عَلى الأُلُوهِيَّةِ والوَحْدانِيَّةِ والقُدْرَةِ، ذَكَرَ الدَّلائِلَ الدّالَّةَ عَلى صِحَّةِ النُّبُوَّةِ والطَّرِيقَ المُؤَدِّي إلَيْها وهو القُرْآنُ، والمُتَّصِفُ بِهَذِهِ الأوْصافِ الشَّرِيفَةِ هو القُرْآنُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ قَدْ جاءَكم كِتابٌ جامِعٌ لِهَذِهِ الفَوائِدِ مِن مَوْعِظَةٍ وتَنْبِيهٍ عَلى التَّوْحِيدِ، هو شِفاءٌ، أيْ: دَواءٌ لِما في صُدُورِكم مِنَ العَقائِدِ الفاسِدَةِ، ودُعاءٌ إلى الحَقِّ ورَحْمَةٌ لِمَن آمَنَ بِهِ مِنكُمُ، انْتَهى. ومِن رَبِّكم يُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِجاءَتْكم، فَمِن لِابْتِداءِ الغايَةِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ أيْ: مِن مَواعِظِ رَبِّكم فَتَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، فَمِن لِلتَّبْعِيضِ. وفي قَوْلِهِ: مِن رَبِّكم تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ لَيْسَ مِن عِنْدِ أحَدٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وجَعَلَهُ مَوْعِظَةً بِحَسَبِ النّاسِ أجْمَعَ، وجَعَلَهُ هُدًى ورَحْمَةً بِحَسَبِ المُؤْمِنِينَ، وهَذا تَقْسِيمٌ صَحِيحُ المَعْنى إذا تَأوَّلَ بِأنْ وجَّهَهُ، انْتَهى. وذَكَرَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ هُنا كَلامًا كَثِيرًا مَمْزُوجًا بِما يُسَمُّونَهُ حِكْمَةً: نَعْلَمُ قَطْعًا أنَّ العَرَبَ لا تَفْهَمُ ذَلِكَ الَّذِي قَرَّرَهُ مِن ألْفاظِ القُرْآنِ، وطَوَّلَ في ذَلِكَ، وضَرَبَ أمْثِلَةً حِسِّيَّةً يُوقَفُ عَلَيْها مِن تَفْسِيرِهِ، ثُمَّ قالَ آخِرَ كَلامِهِ: فالحاصِلُ أنَّ المَوْعِظَةَ إشارَةٌ إلى تَطْهِيرِ ظَواهِرِ الخَلْقِ عَمّا لا يَنْبَغِي وهو الشَّرِيعَةُ، والشِّفاءُ إشارَةٌ إلى تَطْهِيرِ الأرْواحِ عَنِ العَقائِدِ الفاسِدَةِ والأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ وهو الطَّرِيقَةُ، والهُدى إشارَةٌ إلى ظُهُورِ نُورِ الحَقِّ في قُلُوبِ الصِّدِّيقِينَ وهو الحَقِيقَةُ، والرَّحْمَةُ إشارَةٌ إلى كَوْنِها بالِغَةً في الكَمالِ، والإشْراقِ إلى حَيْثُ تَصِيرُ تُكْمِلُ النّاقِصِينَ وهي النُّبُوَّةُ. فَهَذِهِ دَرَجاتٌ عَقْلِيَّةٌ ومَراتِبُ بُرْهانِيَّةٌ مَدْلُولٌ عَلَيْها بِهَذِهِ الألْفاظِ القُرْآنِيَّةِ، لا يُمْكِنُ تَأخُّرُ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، ولا تَقَدُّمُ ما تَأخَّرَ ذِكْرُهُ. (p-١٧١)﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ﴾ فَقالَ: بِكِتابِ اللَّهِ والإسْلامِ، فَضْلُهُ الإسْلامُ، ورَحْمَتُهُ ما وعَدَ عَلَيْهِ»، انْتَهى. ولَوْ صَحَّ هَذا الحَدِيثُ لَمْ يُمْكِنْ خِلافُهُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ وهِلالُ بْنُ يَسافٍ: فَضْلُ اللَّهِ الإسْلامُ ورَحْمَتُهُ القُرْآنُ. وقالَ الضَّحّاكُ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ عَكْسَ هَذا، وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: الفَضْلُ القُرْآنُ، والرَّحْمَةُ أنْ جَعَلَهم مِن أهْلِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما رَوى الضَّحّاكُ عَنْهُ: الفَضْلُ العِلْمُ والرَّحْمَةُ مُحَمَّدٌ ﷺ . وقالَ ابْنُ عُمَرَ: الفَضْلُ الإسْلامُ، والرَّحْمَةُ تَزْيِينُهُ في القُلُوبِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الفَضْلُ والرَّحْمَةُ القُرْآنُ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ خالِدُ بْنُ مَعْدانَ: الفَضْلُ القُرْآنُ، والرَّحْمَةُ السُّنَّةُ. وعَنْهُ أيْضًا أنَّ الفَضْلَ الإسْلامُ، والرَّحْمَةَ السَّتْرُ. وقالَ عَمْرُو بْنُ عُثْمانَ: فَضْلُ اللَّهِ كَشْفُ الغِطاءِ، ورَحْمَتُهُ الرُّؤْيَةُ واللِّقاءُ. وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ فَضْلٍ: الفَضْلُ الإيمانُ، والرَّحْمَةُ الجَنَّةُ. وقِيلَ: الفَضْلُ التَّوْفِيقُ، والرَّحْمَةُ العِصْمَةُ. وقِيلَ: الفَضْلُ نِعَمُهُ الظّاهِرَةُ، والرَّحْمَةُ نِعَمُهُ الباطِنَةُ. وقالَ الصّادِقُ: الفَضْلُ المَغْفِرَةُ، والرَّحْمَةُ التَّوْفِيقُ. وقالَ ذُو النُّونِ: الفَضْلُ الجِنانُ، ورَحْمَتُهُ النَّجاةُ مِنَ النِّيرانِ. وهَذِهِ تَخْصِيصاتٌ تَحْتاجُ إلى دَلائِلَ، ويَنْبَغِي أنْ يُعْتَقَدَ أنَّها تَمْثِيلاتٌ، لِأنَّ الفَضْلَ والرَّحْمَةَ أُرِيدَ بِهِما تَعْيِينُ ما ذُكِرَ وحَصْرُهُما فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإنَّما الَّذِي يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ ويَلْزَمُ مِنهُ أنَّ الفَضْلَ هو هِدايَةُ اللَّهِ إلى دِينِهِ والتَّوْفِيقُ إلى اتِّباعِ الشَّرْعِ، والرَّحْمَةَ هي عَفْوُهُ وسُكْنى جَنَّتِهِ الَّتِي جَعَلَها جَزاءً عَلى اتِّباعِ الإسْلامِ والإيمانِ. ومَعْنى الآيَةِ: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِجَمِيعِ النّاسِ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَلْيَقَعِ الفَرَحُ مِنكم، لا بِأُمُورِ الدُّنْيا وما يُجْمَعُ مِن حُطامِها، فالمُؤْمِنُونَ يُقالُ لَهم: فَلْيَفْرَحُوا وهم مُلْتَبِسُونَ بِعِلَّةِ الفَرَحِ وسَبَبِهِ، ومُخْلِصُونَ لِفَضْلِ اللَّهِ مُنْتَظِرُونَ لِرَحْمَتِهِ، والكافِرُونَ يُقالُ لَهم: بِفَضْلِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ فَلْيَفْرَحُوا عَلى مَعْنى أنْ لَوِ اتَّفَقَ لَكم أوْ لَوْ سَعِدْتُمْ بِالهِدايَةِ إلى تَحْصِيلِ ذَلِكَ، انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ، فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا: جُمْلَتانِ، وحُذِفَ ما تَتَعَلَّقُ بِهِ الباءُ والتَّقْدِيرُ: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ لِيَفْرَحُوا، ثُمَّ عُطِفَتِ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ عَلى الأُولى عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ. قالالزَّمَخْشَرِيُّ: والتَّكْرِيرُ لِلتَّقْرِيرِ والتَّأْكِيدِ، وإيجابُ اخْتِصاصِ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ بِالفَرَحِ دُونَ ما عَداهُما مِن فَوائِدِ الدُّنْيا، فَحُذِفَ أحَدُ الفِعْلَيْنِ لِدِلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ، والفاءُ داخِلَةٌ لِمَعْنى الشَّرْطِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَلْيَخُصُّوهُما بِالفَرَحِ، فَإنَّهُ لا مَفْرُوحَ بِهِ أحَقُّ مِنهُما. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَلْيَعْتَنُوا بِذَلِكَ، فَلْيَفْرَحُوا. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ، أيْ: فَبِمَجِيئِهِما فَلْيَفْرَحُوا، انْتَهى. أمّا إضْمارُ فَلْيَعْنَتُوا فَلا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وأمّا تَعْلِيقُهُ بِقَوْلِهِ: قَدْ جاءَتْكم، فَيَنْبَغِي أنْ يُقَدِّرَ ذَلِكَ مَحْذُوفًا بَعْدَ قُلْ، ولا يَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِـ (جاءَتْكم) الأُولى لِلْفَصْلِ بَيْنَهُما بِقُلْ. وقالَ الحَوْفِيُّ: الباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِما دَلَّ عَلى المَعْنى، أيْ: قَدْ جاءَتْكُمُ المَوْعِظَةُ بِفَضْلِ اللَّهِ. وقِيلَ: الفاءُ الأُولى زائِدَةٌ، ويَكُونُ بِذَلِكَ بَدَلًا قَبْلَهُ، وأُشِيرَ بِهِ إلى الِاثْنَيْنِ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ. وقِيلَ: كُرِّرَتِ الفاءُ الثّانِيَةُ لِلتَّوْكِيدِ، فَعَلى هَذا لا تَكُونُ الأُولى زائِدَةً، ويَكُونُ أصْلُ التَّرْكِيبِ فَبِذَلِكَ لِيَفْرَحُوا، وفي القَوْلِ قَبْلَهُ يَكُونُ أصْلُ التَّرْكِيبِ بِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا، ولا تَنافِيَ بَيْنَ الأمْرِ بِالفَرَحِ هُنا وبَيْنَ النَّهْيِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] لِاخْتِلافِ المُتَعَلِّقِ، فالمَأْمُورُ بِهِ هُنا الفَرَحُ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ، والمَنهِيُّ هُناكَ الفَرَحُ بِجَمْعِ الأمْوالِ لِرِئاسَةِ الدُّنْيا وإرادَةِ العُلُوِّ بِها والفَسادِ، ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ: ﴿وابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدّارَ الآخِرَةَ ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ [القصص: ٧٧] وقَبْلَهُ: ﴿إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ﴾ [القصص: ٧٦] وقَوْلُهُ: ﴿لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ [هود: ١٠] جاءَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الذَّمِّ لِفَرَحِهِ بِإذاقَةِ النَّعْماءِ بَعْدَ الضَّرّاءِ، ويَأْسِهِ وكُفْرانِهِ لِلنَّعْماءِ إذا نُزِعَتْ مِنهُ، وهَذِهِ صِفَةٌ مَذْمُومَةٌ، ولَيْسَ ذَلِكَ مِن أفْعالِ الآخِرَةِ. وقَوْلُ مَن قالَ: إذا أُطْلِقَ (p-١٧٢)الفَرَحُ كانَ مَذْمُومًا، وإذا قُيِّدَ لَمْ يَكُنْ مَذْمُومًا كَما قالَ: ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠] لَيْسَ بِمُطَّرِدٍ، إذْ جاءَ مُقَيَّدًا في الذَّمِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً﴾ [الأنعام: ٤٤] وإنَّما يُمْدَحُ الفَرَحَ ويُذَمُّ بِحَسَبِ مُتَعَلِّقِهِ، فَإذا كانَ بِنَيْلِ ثَوابِ الآخِرَةِ وأعْمالِ البِرِّ كانَ مَحْمُودًا، وإذا كانَ بِنَيْلِ لَذّاتِ الدُّنْيا وحُطامِها كانَ مَذْمُومًا. وقَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ وأُبَيٌّ وأنَسٌ والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ وابْنُ هُرْمُزَ وابْنُ سِيرِينَ وأبُو جَعْفَرٍ المَدَنِيُّ والسُّلَمِيُّ وقَتادَةُ والجَحْدَرِيُّ وهِلالُ بْنُ يَسافٍ والأعْمَشُ وعَمْرُو بْنُ قائِدٍ والعَبّاسُ بْنُ الفَضْلِ الأنْصارِيُّ: فَلْتَفْرَحُوا بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، ورُوِيَتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وقالَ وقَدْ جاءَ عَنْ يَعْقُوبَ كَذَلِكَ، انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ القَعْقاعِ وابْنُ عامِرٍ والحَسَنُ عَلى ما زَعَمَ هارُونُ. ورُوِيَتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: فَلْتَفْرَحُوا وتَجْمَعُونَ بِالتّاءِ فِيهِما عَلى المُخاطَبَةِ، وهي قِراءَةُ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ كَثِيرَةٍ، وعَنْ أكْثَرِهِمْ خِلافٌ، انْتَهى. والجُمْهُورُ بِالياءِ عَلى أمْرِ الغائِبِ. وما نَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ ابْنَ عامِرٍ قَرَأ فَلْتَفْرَحُوا بِالتّاءِ لَيْسَ هو المَشْهُورُ عَنْهُ، إنَّما قِراءَتُهُ في مَشْهُورِ السَّبْعَةِ بِالياءِ أمْرًا لِلْغائِبِ، لَكِنَّهُ قَرَأ تَجْمَعُونَ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ. وفِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: فَبِذَلِكَ فافْرَحُوا، وهَذِهِ هي اللُّغَةُ الكَثِيرَةُ الشَّهِيرَةُ في أمْرِ المُخاطَبِ. وأمّا فَلْيَفْرَحُوا بِالياءِ فَهي لُغَةٌ قَلِيلَةٌ. وفي الحَدِيثِ: (لِتَأْخُذُوا مَصافَّكم) وقَرَأ أبُو التَّيّاحِ والحَسَنُ: فَلْيَفْرَحُوا بِكَسْرِ اللّامِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ أُشِيرَ بِهِ إلى واحِدٍ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَيْهِ مُوَحَّدًا في قَوْلِهِ: هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ، فالَّذِي يَنْبَغِي أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ، عَلى أنَّهُما شَيْءٌ واحِدٌ عُبِّرَ عَنْهُ بِاسْمَيْنِ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ، ولِذَلِكَ أُشِيرَ إلَيْهِ بِذَلِكَ، وعادَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِ مُفْرَدًا. وقَوْلُهُ: مِمّا يَجْمَعُونَ يَعْنِي مِن حُطامِ الدُّنْيا ومَتاعِها. ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالًا قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكم أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾: مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها هي أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ وكانَ المُرادُ بِذَلِكَ كِتابَ اللَّهِ المُشْتَمِلَ عَلى التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ، بَيَّنَ فَسادَ شَرائِعِهِمْ وأحْكامِهِمْ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ مِن غَيْرِ مُسْتَنَدٍ في ذَلِكَ إلى وحْيٍ. وأرَأيْتُمْ هُنا بِمَعْنى أخْبِرُونِي. وجَوَّزُوا في ما أنْزَلَ: أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً مَفْعُولًا أوَّلَ لِأرَأيْتُمْ، والعائِدُ عَلَيْها مَحْذُوفٌ، والمَفْعُولُ الثّانِي قَوْلُهُ: آللَّهُ أذِنَ لَكم، والعائِدُ عَلى المُبْتَدَأِ مِنَ الخَبَرِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: آللَّهُ أذِنَ لَكم فِيهِ، وكُرِّرَ قُلْ قَبْلَ الخَبَرِ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ. وأنْ تَكُونَ ما اسْتِفْهامِيَّةً مَنصُوبَةً بِأنْزَلَ، قالَهُ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ. وقِيلَ: ما اسْتِفْهامِيَّةٌ مُبْتَدَأةٌ، والضَّمِيرُ مِنَ الخَبَرِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: آللَّهُ أذِنَ لَكم فِيهِ أوْ بِهِ، وهَذا ضَعِيفٌ لِحَذْفِ هَذا العائِدِ. وجَعْلُ ما مَوْصُولَةً هو الوَجْهُ، لِأنَّ فِيهِ إبْقاءَ أرَأيْتَ عَلى بابِها مِن كَوْنِها تَتَعَدّى إلى الأوَّلِ فَتُؤَثِّرُ فِيهِ، بِخِلافِ جَعْلِها اسْتِفْهامِيَّةً، فَإنَّ أرَأيْتَ إذْ ذاكَ تَكُونُ مُعَلَّقَةً، ويَكُونُ ما قَدْ سَدَّتْ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ، والظّاهِرُ أنَّ أمْ مُتَّصِلَةٌ والمَعْنى: أخْبِرُونِي آللَّهُ أذِنَ لَكم في التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ ؟، فَأنْتُمْ تَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِأِذْنِهِ أمْ تَكْذِبُونَ عَلى اللَّهِ في نِسْبَةِ ذَلِكَ إلَيْهِ ؟ فَنَبَّهَ بِتَوْقِيفِهِمْ عَلى أحَدِ القِسْمَيْنِ، وهم لا يُمْكِنُهُمُ ادِّعاءُ إذْنِ اللَّهِ في ذَلِكَ فَثَبَتَ افْتِراؤُهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، وأمْ مُنْقَطِعَةً بِمَعْنى بَلْ، أتَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ تَقْرِيرًا لِلِافْتِراءِ، انْتَهى. وأنْزَلَ هُنا قِيلَ مَعْناهُ: خَلَقَ كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلْنا الحَدِيدَ﴾ [الحديد: ٢٥] ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الزمر: ٦] . وقِيلَ: أنْزَلَ عَلى بابِها وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: مِن سَبَبِ رِزْقٍ وهو المَطَرُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أنْزَلَ لَفْظَةٌ فِيها تَجَوُّزٌ، وإنْزالُ الرِّزْقِ إمّا أنْ يَكُونَ في ضِمْنِ إنْزالِ المَطَرِ بِالمَآلِ، ونُزُولِ الأمْرِ بِهِ الَّذِي هو ظُهُورُ الأثَرِ في المَخْلُوقِ مِنهُ المُخْتَرَعِ والمَجْعُولِ حَرامًا وحَلالًا. قالَ مُجاهِدٌ: هو ما حَكَمُوا بِهِ مِن تَحْرِيمِ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ والوَصِيلَةِ والِحامِ. وقالَ الضَّحّاكُ: هو إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ: (p-١٧٣)﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام: ١٣٦] . ﴿وما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾: ما اسْتِفْهامِيَّةٌ مُبْتَدَأةٌ خَبَرُها ظَنُّ، والمَعْنى: أيُّ شَيٍّ ظَنَّ المُفْتَرِينَ يَوْمَ القِيامَةِ، أُبْهِمَ الأمْرُ عَلى سَبِيلِ التَّهْدِيدِ، والإبْعادِ يَوْمَ يَكُونُ الجَزاءُ بِالإحْسانِ والإساءَةِ. ويَوْمَ مَنصُوبٌ بِظَنُّ، ومَعْمُولُ الظَّنِّ قِيلَ تَقْدِيرُهُ: ما ظَنُّهم أنَّ اللَّهَ فاعِلٌ بِهِمْ، أيُنَجِّيهِمْ أمْ يُعَذِّبُهم ؟ وقَرَأ عِيسى بْنُ عَمْرٍو: ما ظَنَّ جَعَلَهُ فِعْلًا ماضِيًا، أيْ: أيُّ ظَنٍّ ظَنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ، فَما في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَصْدَرِ، وما الِاسْتِفْهامِيَّةُ قَدْ تَنُوبُ عَنِ المَصْدَرِ تَقُولُ: ما تَضْرِبُ زَيْدًا ؟ تُرِيدُ: أيُّ ضَرْبٍ تَضْرِبُ زَيْدًا. وقالَ الشّاعِرُ: ؎ماذا يَغِيرُ ابْنَتَيْ رِبْعٍ عَوِيلُهُما ∗∗∗ لا تَرْقُدانِ ولا بُؤْسى لِمَن رَقَدا وجِيءَ بِلَفْظِ ظَنَّ ماضِيًا لِأنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ فَكَأنْ قَدْ كانَ، والأوْلى أنْ يَكُونَ ظَنَّ في مَعْنى يَظُنُّ، لِكَوْنِهِ عامِلًا في يَوْمِ القِيامَةِ. وهو ظَرْفٌ مُسْتَقْبَلٌ، وفَضْلُهُ تَعالى عَلى النّاسِ حَيْثُ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ ورَحِمَهم، فَأرْسَلَ إلَيْهِمُ الرُّسُلَ، وفَصَّلَ لَهُمُ الحَلالَ والحَرامَ، وأكْثَرُهم لا يَشْكُرُ هَذِهِ النِّعْمَةَ.

يونس 10:56

﴿ويَسْتَنْبِئُونَكَ أحَقٌّ هو قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾:، أيْ يَسْتَخْبِرُونَكَ. وأحَقٌّ هو الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى العَذابِ. وقِيلَ: عَلى الشَّرْعِ والقُرْآنِ. وقِيلَ: عَلى الوَعِيدِ، وقِيلَ: عَلى أمْرِ السّاعَةِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِيَقُولُونَ أحَقٌّ هو فَجَعَلَ يَسْتَنْبِئُونَكَ تَتَعَدّى إلى واحِدٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْناهُ يَسْتَخْبِرُونَكَ، وهي عَلى هَذا تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ: أحَدُهُما الكافُ، والآخَرُ في الِابْتِداءِ والخَبَرِ، فَعَلى ما قالَ يَكُونُ يَسْتَنْبِئُونَكَ مُعَلَّقَةً. وأصْلُ اسْتَنْبَأ أنْ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ: أحَدُهُما بِعَنْ، تَقُولُ: اسْتَنْبَأْتُ زَيْدًا عَنْ عَمْرٍو، أيْ: طَلَبْتُ مِنهُ أنْ يُنْبِئَنِي عَنْ عَمْرٍو، والظّاهِرُ أنَّها مُعَلَّقَةٌ عَنِ المَفْعُولِ الثّانِي. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقِيلَ هي بِمَعْنى يَسْتَعْلِمُونَكَ. قالَ: فَهي عَلى هَذا تَحْتاجُ إلى مَفاعِيلَ ثَلاثَةٍ، أحَدُها: الكافُ والِابْتِداءُ، والخَبَرُ سَدَّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ، انْتَهى. ولَيْسَ كَما ذَكَرَ، لِأنَّ اسْتَعْلَمَ لا يُحْفَظُ كَوْنُها مُتَعَدِّيَةً إلى مَفاعِيلَ ثَلاثَةٍ، لا يُحْفَظُ اسْتَعْلَمْتُ زَيْدًا عَمْرًا قائِمًا فَتَكُونُ جُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ سَدَّتْ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ، ولا يَلْزَمُ مِن كَوْنِها بِمَعْنى يَسْتَعْلِمُونَكَ أنْ تَتَعَدّى إلى ثَلاثَةٍ، لِأنَّ اسْتَعْلَمَ لا يَتَعَدّى إلى ثَلاثَةٍ كَما ذَكَرْنا. وارْتَفَعَ هو عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وحَقٌّ خَبَرُهُ. وأجازَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ حَقٌّ مُبْتَدَأً وهو فاعِلٌ بِهِ سُدَّ مَسَدُّ الخَبَرِ، وحَقٌّ لَيْسَ اسْمَ فاعِلٍ ولا مَفْعُولٍ، وإنَّما هو مَصْدَرٌ في الأصْلِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُرْفَعَ لِأنَّهُ بِمَعْنًى ثابِتٍ. وهَذا الِاسْتِفْهامُ مِنهم عَلى جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ والإنْكارِ. وقَرَأ الأعْمَشُ: الحَقُّ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهو أدْخَلُ في الِاسْتِهْزاءِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى التَّعْرِيضِ بِأنَّهُ باطِلٌ، وذَلِكَ أنَّ اللّامَ لِلْجِنْسِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أهْوَ الحَقُّ لا الباطِلُ، أوْ: أهْوَ الَّذِي سَمَّيْتُمُوهُ الحَقَّ ؟ انْتَهى. وأمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يَقُولَ مُجِيبًا لَهم: ﴿قُلْ إي ورَبِّي﴾، أيْ: نَعَمْ ورَبِّي. وإي تُسْتَعْمَلُ في القَسَمِ خاصَّةً، كَما تُسْتَعْمَلُ هَلْ بِمَعْنى قَدْ فِيهِ خاصَّةً. قالَ مَعْناهُ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: وسَمِعْتُهم يَقُولُونَ في التَّصْدِيقِ: إي فَيَصِلُونَهُ بِواوِ القَسَمِ ولا يَنْطِقُونَ بِهِ وحْدَهُ، انْتَهى. ولا حُجَّةَ فِيما سَمِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن ذَلِكَ لِعَدَمِ الحُجِّيَّةِ في كَلامِهِ لِفَسادِ كَلامِ (p-١٦٩)العَرَبِ إذْ ذاكَ وقَبْلَهُ بِأزْمانٍ كَثِيرَةٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي لَفْظَةٌ تَتَقَدَّمُ القَسَمَ، وهي بِمَعْنى نَعَمْ، ويَجِيءُ بَعْدَها حَرْفُ القَسَمِ وقَدْ لا يَجِيءُ، تَقُولُ: إي رَبِّي، إي ورَبِّي، انْتَهى. وقَدْ كانَ يُكْتَفى في الجَوابِ بِقَوْلِهِ: إي ورَبِّي، إلّا أنَّهُ أُكِّدَ بِإظْهارِ الجُمْلَةِ الَّتِي كانَتْ تُضْمَرُ بَعْدَ قَوْلِهِ: (إي ورَبِّي) مَسُوقَةً مُؤَكَّدَةً بِإنَّ واللّامِ مُبالَغَةً في التَّوْكِيدِ في الجَوابِ، ولَمّا تَضَمَّنَ قَوْلُهم أحَقٌّ هو السُّؤالَ عَنِ العَذابِ، وكانَ سُؤالًا عَنِ العَذابِ اللّاحِقِ بِهِمْ لا عَنْ مُطْلَقِ عَذابٍ يَقَعُ بِمَن يَقَعُ. قِيلَ: وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ، أيْ: فائِتِينَ العَذابَ المَسْئُولَ عَنْهُ، بَلْ هو لاحِقٌ بِكم. واحْتَمَلَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ أنْ تَكُونَ داخِلَةً في جَوابِ القَسَمِ، فَتَكُونُ مَعْطُوفَةً عَلى الجَوابِ قَبْلَها. واحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ إخْبارًا، مَعْطُوفًا عَلى الجُمْلَةِ المَقُولَةِ لا عَلى جَوابِ القَسَمِ. وأعْجَزَ الهَمْزَةُ فِيهِ لِلتَّعْدِيَةِ كَما قالَ: ﴿ولَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ [الجن: ١٢]، لَكِنَّهُ كَثُرَ فِيهِ حَذْفُ المَفْعُولِ حَتّى قالَتِ العَرَبُ: أعْجَزَ فُلانٌ إذا ذَهَبَ في الأرْضِ فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ، وقالَ الزَّجّاجُ: أيْ ما أنْتُمْ مِمَّنْ يُعْجِزُ مَن يُعَذِّبُكم. ﴿ولَوْ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما في الأرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وأسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ ولَمّا ذَكَرَ العَذابَ وأقْسَمَ عَلى حَقِيقَتِهِ، وأنَّهم لا يُفْلِتُونَ مِنهُ، ذَكَرَ بَعْضَ أحْوالِ الظّالِمِينَ في الآخِرَةِ. وظَلَمَتْ صِفَةٌ لِنَفْسٍ. والظُّلْمُ هُنا: الشِّرْكُ والكُفْرُ، وافْتَدى يَأْتِي مُطاوِعًا لَفَدى، فَلا يَتَعَدّى تَقُولُ: فَدَيْتُهُ فافْتَدى، وبِمَعْنى فَدى فَيَتَعَدّى، وهُنا يَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ. وما في الأرْضِ أيْ: ما كانَ لَها في الدُّنْيا مِنَ الخَزائِنِ والأمْوالِ والمَنافِعِ، وأسَرُّوا مِنَ الأضْدادِ تَأْتِي بِمَعْنى أظْهَرَ. قالَ الفَرَزْدَقُ: ؎ولَمّا رَأى الحَجّاجَ جَرَّدَ سَيْفَهُ أسَرَّ الحَرُورِيُّ الَّذِي كانَ أظْهَرا وقالَ آخَرُ: ؎فَأسْرَرْتُ النَّدامَةَ يَوْمَ نادى ∗∗∗ بِرَدِّ جِمالِ غاضِرَةَ المُنادِي وتَأْتِي بِمَعْنى أخْفى وهو المَشْهُورُ فِيها كَقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ [هود: ٥] ويَحْتَمِلُ هُنا الوَجْهَيْنِ. أمّا الإظْهارُ فَإنَّهُ لَيْسَ بِيَوْمِ تَصَبُّرٍ ولا تَجَلُّدٍ، ولا يَقْدِرُ فِيهِ الكافِرُ عَلى كِتْمانِ ما نالَهُ، ولِأنَّ حالَةَ رُؤْيَةِ العَذابِ يَتَحَسَّرُ الإنْسانُ عَلى اقْتِرافِهِ ما أوْجَبَهُ، ويُظْهِرُ النَّدامَةَ عَلى ما فاتَهُ مِنَ الفَوْزِ ومِنَ الخَلاصِ مِنَ العَذابِ وقَدْ قالُوا: ﴿رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا﴾ [المؤمنون: ١٠٦]، وأمّا إخْفاءُ النَّدامَةِ فَقِيلَ: أخْفى رُؤَساؤُهُمُ النَّدامَةَ مِن سَفَلَتِهِمْ حَياءً مِنهم وخَوْفًا مِن تَوْبِيخِهِمْ وهَذا فِيهِ بُعْدٌ، لِأنَّ مَن عايَنَ العَذابَ هو مَشْغُولٌ بِما يُقاسِيهِ مِنهُ، فَكَيْفَ لَهُ فِكْرٌ في الحَياءِ وفي التَّوْبِيخِ الوارِدِ مِنَ السَّفَلَةِ. وأيْضًا وأسَرُّوا عائِدٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ عَلى المَعْنى، وهو عامٌّ في الرُّؤَساءِ والسَّفَلَةِ. وقِيلَ: إخْفاءُ النَّدامَةِ هو مِن كَوْنِهِمْ بُهِتُوا لِرُؤْيَتِهِمْ ما لَمْ يَحْسَبُوهُ ولا خَطَرَ بِبالِهِمْ، ومُعايَنَتُهم ما أوْهى قُواهم فَلَمْ يُطِيقُوا عِنْدَ ذَلِكَ بُكاءً ولا صُراخًا، ولا ما يَفْعَلُهُ الجازِعُ سِوى إسْرارِ النَّدَمِ والحَسْرَةِ في القُلُوبِ، كَما يَعْرِضُ لِمَن يُقَدَّمُ لِلصَّلْبِ لا يَكادُ يَنْبِسُ بِكَلِمَةٍ، ويَبْقى مَبْهُوتًا جامِدًا. وأمّا مَن قالَ: إنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: وأسَرُّوا النَّدامَةَ، أخْلَصُوا لِلَّهِ في تِلْكَ النَّدامَةِ، أوْ بَدَتْ بِالنَّدامَةِ أسِرَّةُ وُجُوهِهِمْ، أيْ: تَكاسِيرُ جِباهِهِمْ فَفِيهِ بُعْدٌ عَنْ سِياقِ الآيَةِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وقُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ﴾، جُمْلَةُ أخْبارٍ مُسْتَأْنَفَةٍ، ولَيْسَتْ مَعْطُوفَةً عَلى ما في حَيِّزِ لَمّا، وأنَّ الضَّمِيرَ في بَيْنَهم عائِدٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَيْنَ الظّالِمِينَ والمَظْلُومِينَ دَلَّ عَلى ذَلِكَ ذِكْرُ الظُّلْمِ، انْتَهى. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المُؤْمِنِ والكافِرِ. وقِيلَ: عَلى الرُّؤَساءِ والأتْباعِ. ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ألا إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿هُوَ يُحْيِي ويُمِيتُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ قِيلَ: تَعَلُّقُ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها مِن جِهَةِ أنَّهُ فَرَضَ أنَّ النَّفْسَ الظّالِمَةَ لَوْ كانَ لَها ما في الأرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ، وهي لا شَيْءَ لَها البَتَّةَ لِأنَّ جَمِيعَ الأشْياءِ إنَّما هي بِأسْرِها مِلْكٌ لِلَّهِ تَعالى وهو المُتَصَرِّفُ فِيها، إذْ لَهُ المُلْكُ والمِلْكُ. ويَظْهَرُ أنَّ مُناسَبَتَها (p-١٧٠)لِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا سَألُوا عَمّا وُعِدُوا بِهِ مِنَ العَذابِ أحَقٌّ هو ؟ وأجِيبُوا بِأنَّهُ حَقٌّ لا مَحالَةَ، وكانَ ذَلِكَ جَوابًا كافِيًا لِمَن وفَّقَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْإيمانِ، كَما كانَ جَوابًا لِلْأعْرابِيِّ حِينَ سَألَ الرَّسُولَ ﷺ: آللَّهُ أرْسَلَكَ ؟ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ» فَقَنِعَ مِنهُ بِإخْبارِهِ ﷺ إذْ عَلِمَ أنَّهُ لا يَقُولُ إلّا الحَقَّ والصِّدْقَ، كَما قالَ هِرَقْلُ: لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ الكَذِبَ عَلى النّاسِ ويَكْذِبَ عَلى اللَّهِ انْتَقَلَ مِن هَذا الجَوابِ إلى ذِكْرِ البُرْهانِ القاطِعِ عَلى حُجَّتِهِ وتَقْرِيرِهِ بِأنَّ القَوْلَ بِالنُّبُوَّةِ والمَعادِ يَتَفَرَّعانِ عَلى إثْباتِ الإلَهِ القادِرِ الحَكِيمِ، وأنَّ ما سِواهُ فَهو مُلْكُهُ ومِلْكُهُ ؟ وعَنْ هَذا بِهَذِهِ الآيَةِ، وكانَ قَدِ اسْتَقْصى الدَّلائِلَ عَلى ذَلِكَ في هَذِهِ السُّورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [يونس: ٦] الآيَةَ وقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً﴾ [يونس: ٥] فاكْتَفى هُنا عَنْ ذِكْرِها. وإذا كانَ جَمِيعُ ما في العالَمِ مُلْكَهُ ومِلْكَهُ كانَ قادِرًا عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، غَنِيًّا عَنْ جَمِيعِ الحاجاتِ، مُنَزَّهًا عَنِ النَّقائِصِ والآفاتِ، وبِكَوْنِهِ قادِرًا عَلى المُمْكِناتِ كانَ قادِرًا عَلى إنْزالِ العَذابِ عَلى الكُفّارِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقادِرًا عَلى تَأْيِيدِ رَسُولِهِ بِالدَّلائِلِ وإعْلاءِ دِينِهِ، فَبَطَلَ الِاسْتِهْزاءُ والتَّعْجِيزُ. وبِتَنْزِيهِهِ عَنِ النَّقائِصِ كانَ مُنَزَّهًا عَنِ الخُلْفِ والكَذِبِ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مُقَدِّمَةٌ تُوجِبُ الجَزْمَ بِصِحَّةِ قَوْلِهِ: ألا إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ. وألا كَلِمَةُ تَنْبِيهٍ دَخَلَتْ عَلى الجُمْلَتَيْنِ تَنْبِيهًا لِلْغافِلِ، إذْ كانُوا مَشْغُولِينَ بِالنَّظَرِ إلى الأسْبابِ الظّاهِرَةِ مِن نِسْبَةِ أشْياءَ إلى أنَّها مَمْلُوكَةٌ لِمَن جُعِلَ لَهُ بَعْضُ تَصَرُّفٍ فِيها واسْتِخْلافٍ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي: لِغَفْلَتِهِمْ عَنْ هَذِهِ الدَّلائِلِ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ قُدْرَتِهِ عَلى الإحْياءِ والإماتَةِ. فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى إحْيائِهِ مَرَّةً ثانِيَةً، ولِذَلِكَ قالَ: وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ، فَتَرَوْنَ ما وعَدَ بِهِ. وقَرَأ الحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ، وعِيسى ابْنُ عُمَرَ: يُرْجَعُونَ بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ. ﴿ياأيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكم وشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: قِيلَ: نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ الَّذِينَ سَألُوا الرَّسُولَ ﷺ أحَقٌّ هو ؟ فالنّاسُ هم كُفّارُ قُرَيْشٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو خِطابٌ لِجَمِيعِ العالَمِ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الأدِلَّةَ عَلى الأُلُوهِيَّةِ والوَحْدانِيَّةِ والقُدْرَةِ، ذَكَرَ الدَّلائِلَ الدّالَّةَ عَلى صِحَّةِ النُّبُوَّةِ والطَّرِيقَ المُؤَدِّي إلَيْها وهو القُرْآنُ، والمُتَّصِفُ بِهَذِهِ الأوْصافِ الشَّرِيفَةِ هو القُرْآنُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ قَدْ جاءَكم كِتابٌ جامِعٌ لِهَذِهِ الفَوائِدِ مِن مَوْعِظَةٍ وتَنْبِيهٍ عَلى التَّوْحِيدِ، هو شِفاءٌ، أيْ: دَواءٌ لِما في صُدُورِكم مِنَ العَقائِدِ الفاسِدَةِ، ودُعاءٌ إلى الحَقِّ ورَحْمَةٌ لِمَن آمَنَ بِهِ مِنكُمُ، انْتَهى. ومِن رَبِّكم يُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِجاءَتْكم، فَمِن لِابْتِداءِ الغايَةِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ أيْ: مِن مَواعِظِ رَبِّكم فَتَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، فَمِن لِلتَّبْعِيضِ. وفي قَوْلِهِ: مِن رَبِّكم تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ لَيْسَ مِن عِنْدِ أحَدٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وجَعَلَهُ مَوْعِظَةً بِحَسَبِ النّاسِ أجْمَعَ، وجَعَلَهُ هُدًى ورَحْمَةً بِحَسَبِ المُؤْمِنِينَ، وهَذا تَقْسِيمٌ صَحِيحُ المَعْنى إذا تَأوَّلَ بِأنْ وجَّهَهُ، انْتَهى. وذَكَرَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ هُنا كَلامًا كَثِيرًا مَمْزُوجًا بِما يُسَمُّونَهُ حِكْمَةً: نَعْلَمُ قَطْعًا أنَّ العَرَبَ لا تَفْهَمُ ذَلِكَ الَّذِي قَرَّرَهُ مِن ألْفاظِ القُرْآنِ، وطَوَّلَ في ذَلِكَ، وضَرَبَ أمْثِلَةً حِسِّيَّةً يُوقَفُ عَلَيْها مِن تَفْسِيرِهِ، ثُمَّ قالَ آخِرَ كَلامِهِ: فالحاصِلُ أنَّ المَوْعِظَةَ إشارَةٌ إلى تَطْهِيرِ ظَواهِرِ الخَلْقِ عَمّا لا يَنْبَغِي وهو الشَّرِيعَةُ، والشِّفاءُ إشارَةٌ إلى تَطْهِيرِ الأرْواحِ عَنِ العَقائِدِ الفاسِدَةِ والأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ وهو الطَّرِيقَةُ، والهُدى إشارَةٌ إلى ظُهُورِ نُورِ الحَقِّ في قُلُوبِ الصِّدِّيقِينَ وهو الحَقِيقَةُ، والرَّحْمَةُ إشارَةٌ إلى كَوْنِها بالِغَةً في الكَمالِ، والإشْراقِ إلى حَيْثُ تَصِيرُ تُكْمِلُ النّاقِصِينَ وهي النُّبُوَّةُ. فَهَذِهِ دَرَجاتٌ عَقْلِيَّةٌ ومَراتِبُ بُرْهانِيَّةٌ مَدْلُولٌ عَلَيْها بِهَذِهِ الألْفاظِ القُرْآنِيَّةِ، لا يُمْكِنُ تَأخُّرُ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، ولا تَقَدُّمُ ما تَأخَّرَ ذِكْرُهُ. (p-١٧١)﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ﴾ فَقالَ: بِكِتابِ اللَّهِ والإسْلامِ، فَضْلُهُ الإسْلامُ، ورَحْمَتُهُ ما وعَدَ عَلَيْهِ»، انْتَهى. ولَوْ صَحَّ هَذا الحَدِيثُ لَمْ يُمْكِنْ خِلافُهُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ وهِلالُ بْنُ يَسافٍ: فَضْلُ اللَّهِ الإسْلامُ ورَحْمَتُهُ القُرْآنُ. وقالَ الضَّحّاكُ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ عَكْسَ هَذا، وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: الفَضْلُ القُرْآنُ، والرَّحْمَةُ أنْ جَعَلَهم مِن أهْلِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما رَوى الضَّحّاكُ عَنْهُ: الفَضْلُ العِلْمُ والرَّحْمَةُ مُحَمَّدٌ ﷺ . وقالَ ابْنُ عُمَرَ: الفَضْلُ الإسْلامُ، والرَّحْمَةُ تَزْيِينُهُ في القُلُوبِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الفَضْلُ والرَّحْمَةُ القُرْآنُ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ خالِدُ بْنُ مَعْدانَ: الفَضْلُ القُرْآنُ، والرَّحْمَةُ السُّنَّةُ. وعَنْهُ أيْضًا أنَّ الفَضْلَ الإسْلامُ، والرَّحْمَةَ السَّتْرُ. وقالَ عَمْرُو بْنُ عُثْمانَ: فَضْلُ اللَّهِ كَشْفُ الغِطاءِ، ورَحْمَتُهُ الرُّؤْيَةُ واللِّقاءُ. وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ فَضْلٍ: الفَضْلُ الإيمانُ، والرَّحْمَةُ الجَنَّةُ. وقِيلَ: الفَضْلُ التَّوْفِيقُ، والرَّحْمَةُ العِصْمَةُ. وقِيلَ: الفَضْلُ نِعَمُهُ الظّاهِرَةُ، والرَّحْمَةُ نِعَمُهُ الباطِنَةُ. وقالَ الصّادِقُ: الفَضْلُ المَغْفِرَةُ، والرَّحْمَةُ التَّوْفِيقُ. وقالَ ذُو النُّونِ: الفَضْلُ الجِنانُ، ورَحْمَتُهُ النَّجاةُ مِنَ النِّيرانِ. وهَذِهِ تَخْصِيصاتٌ تَحْتاجُ إلى دَلائِلَ، ويَنْبَغِي أنْ يُعْتَقَدَ أنَّها تَمْثِيلاتٌ، لِأنَّ الفَضْلَ والرَّحْمَةَ أُرِيدَ بِهِما تَعْيِينُ ما ذُكِرَ وحَصْرُهُما فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإنَّما الَّذِي يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ ويَلْزَمُ مِنهُ أنَّ الفَضْلَ هو هِدايَةُ اللَّهِ إلى دِينِهِ والتَّوْفِيقُ إلى اتِّباعِ الشَّرْعِ، والرَّحْمَةَ هي عَفْوُهُ وسُكْنى جَنَّتِهِ الَّتِي جَعَلَها جَزاءً عَلى اتِّباعِ الإسْلامِ والإيمانِ. ومَعْنى الآيَةِ: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِجَمِيعِ النّاسِ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَلْيَقَعِ الفَرَحُ مِنكم، لا بِأُمُورِ الدُّنْيا وما يُجْمَعُ مِن حُطامِها، فالمُؤْمِنُونَ يُقالُ لَهم: فَلْيَفْرَحُوا وهم مُلْتَبِسُونَ بِعِلَّةِ الفَرَحِ وسَبَبِهِ، ومُخْلِصُونَ لِفَضْلِ اللَّهِ مُنْتَظِرُونَ لِرَحْمَتِهِ، والكافِرُونَ يُقالُ لَهم: بِفَضْلِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ فَلْيَفْرَحُوا عَلى مَعْنى أنْ لَوِ اتَّفَقَ لَكم أوْ لَوْ سَعِدْتُمْ بِالهِدايَةِ إلى تَحْصِيلِ ذَلِكَ، انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ، فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا: جُمْلَتانِ، وحُذِفَ ما تَتَعَلَّقُ بِهِ الباءُ والتَّقْدِيرُ: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ لِيَفْرَحُوا، ثُمَّ عُطِفَتِ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ عَلى الأُولى عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ. قالالزَّمَخْشَرِيُّ: والتَّكْرِيرُ لِلتَّقْرِيرِ والتَّأْكِيدِ، وإيجابُ اخْتِصاصِ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ بِالفَرَحِ دُونَ ما عَداهُما مِن فَوائِدِ الدُّنْيا، فَحُذِفَ أحَدُ الفِعْلَيْنِ لِدِلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ، والفاءُ داخِلَةٌ لِمَعْنى الشَّرْطِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَلْيَخُصُّوهُما بِالفَرَحِ، فَإنَّهُ لا مَفْرُوحَ بِهِ أحَقُّ مِنهُما. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَلْيَعْتَنُوا بِذَلِكَ، فَلْيَفْرَحُوا. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ، أيْ: فَبِمَجِيئِهِما فَلْيَفْرَحُوا، انْتَهى. أمّا إضْمارُ فَلْيَعْنَتُوا فَلا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وأمّا تَعْلِيقُهُ بِقَوْلِهِ: قَدْ جاءَتْكم، فَيَنْبَغِي أنْ يُقَدِّرَ ذَلِكَ مَحْذُوفًا بَعْدَ قُلْ، ولا يَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِـ (جاءَتْكم) الأُولى لِلْفَصْلِ بَيْنَهُما بِقُلْ. وقالَ الحَوْفِيُّ: الباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِما دَلَّ عَلى المَعْنى، أيْ: قَدْ جاءَتْكُمُ المَوْعِظَةُ بِفَضْلِ اللَّهِ. وقِيلَ: الفاءُ الأُولى زائِدَةٌ، ويَكُونُ بِذَلِكَ بَدَلًا قَبْلَهُ، وأُشِيرَ بِهِ إلى الِاثْنَيْنِ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ. وقِيلَ: كُرِّرَتِ الفاءُ الثّانِيَةُ لِلتَّوْكِيدِ، فَعَلى هَذا لا تَكُونُ الأُولى زائِدَةً، ويَكُونُ أصْلُ التَّرْكِيبِ فَبِذَلِكَ لِيَفْرَحُوا، وفي القَوْلِ قَبْلَهُ يَكُونُ أصْلُ التَّرْكِيبِ بِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا، ولا تَنافِيَ بَيْنَ الأمْرِ بِالفَرَحِ هُنا وبَيْنَ النَّهْيِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] لِاخْتِلافِ المُتَعَلِّقِ، فالمَأْمُورُ بِهِ هُنا الفَرَحُ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ، والمَنهِيُّ هُناكَ الفَرَحُ بِجَمْعِ الأمْوالِ لِرِئاسَةِ الدُّنْيا وإرادَةِ العُلُوِّ بِها والفَسادِ، ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ: ﴿وابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدّارَ الآخِرَةَ ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ [القصص: ٧٧] وقَبْلَهُ: ﴿إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ﴾ [القصص: ٧٦] وقَوْلُهُ: ﴿لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ [هود: ١٠] جاءَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الذَّمِّ لِفَرَحِهِ بِإذاقَةِ النَّعْماءِ بَعْدَ الضَّرّاءِ، ويَأْسِهِ وكُفْرانِهِ لِلنَّعْماءِ إذا نُزِعَتْ مِنهُ، وهَذِهِ صِفَةٌ مَذْمُومَةٌ، ولَيْسَ ذَلِكَ مِن أفْعالِ الآخِرَةِ. وقَوْلُ مَن قالَ: إذا أُطْلِقَ (p-١٧٢)الفَرَحُ كانَ مَذْمُومًا، وإذا قُيِّدَ لَمْ يَكُنْ مَذْمُومًا كَما قالَ: ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠] لَيْسَ بِمُطَّرِدٍ، إذْ جاءَ مُقَيَّدًا في الذَّمِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً﴾ [الأنعام: ٤٤] وإنَّما يُمْدَحُ الفَرَحَ ويُذَمُّ بِحَسَبِ مُتَعَلِّقِهِ، فَإذا كانَ بِنَيْلِ ثَوابِ الآخِرَةِ وأعْمالِ البِرِّ كانَ مَحْمُودًا، وإذا كانَ بِنَيْلِ لَذّاتِ الدُّنْيا وحُطامِها كانَ مَذْمُومًا. وقَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ وأُبَيٌّ وأنَسٌ والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ وابْنُ هُرْمُزَ وابْنُ سِيرِينَ وأبُو جَعْفَرٍ المَدَنِيُّ والسُّلَمِيُّ وقَتادَةُ والجَحْدَرِيُّ وهِلالُ بْنُ يَسافٍ والأعْمَشُ وعَمْرُو بْنُ قائِدٍ والعَبّاسُ بْنُ الفَضْلِ الأنْصارِيُّ: فَلْتَفْرَحُوا بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، ورُوِيَتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وقالَ وقَدْ جاءَ عَنْ يَعْقُوبَ كَذَلِكَ، انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ القَعْقاعِ وابْنُ عامِرٍ والحَسَنُ عَلى ما زَعَمَ هارُونُ. ورُوِيَتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: فَلْتَفْرَحُوا وتَجْمَعُونَ بِالتّاءِ فِيهِما عَلى المُخاطَبَةِ، وهي قِراءَةُ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ كَثِيرَةٍ، وعَنْ أكْثَرِهِمْ خِلافٌ، انْتَهى. والجُمْهُورُ بِالياءِ عَلى أمْرِ الغائِبِ. وما نَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ ابْنَ عامِرٍ قَرَأ فَلْتَفْرَحُوا بِالتّاءِ لَيْسَ هو المَشْهُورُ عَنْهُ، إنَّما قِراءَتُهُ في مَشْهُورِ السَّبْعَةِ بِالياءِ أمْرًا لِلْغائِبِ، لَكِنَّهُ قَرَأ تَجْمَعُونَ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ. وفِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: فَبِذَلِكَ فافْرَحُوا، وهَذِهِ هي اللُّغَةُ الكَثِيرَةُ الشَّهِيرَةُ في أمْرِ المُخاطَبِ. وأمّا فَلْيَفْرَحُوا بِالياءِ فَهي لُغَةٌ قَلِيلَةٌ. وفي الحَدِيثِ: (لِتَأْخُذُوا مَصافَّكم) وقَرَأ أبُو التَّيّاحِ والحَسَنُ: فَلْيَفْرَحُوا بِكَسْرِ اللّامِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ أُشِيرَ بِهِ إلى واحِدٍ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَيْهِ مُوَحَّدًا في قَوْلِهِ: هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ، فالَّذِي يَنْبَغِي أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ، عَلى أنَّهُما شَيْءٌ واحِدٌ عُبِّرَ عَنْهُ بِاسْمَيْنِ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ، ولِذَلِكَ أُشِيرَ إلَيْهِ بِذَلِكَ، وعادَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِ مُفْرَدًا. وقَوْلُهُ: مِمّا يَجْمَعُونَ يَعْنِي مِن حُطامِ الدُّنْيا ومَتاعِها. ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالًا قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكم أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾: مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها هي أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ وكانَ المُرادُ بِذَلِكَ كِتابَ اللَّهِ المُشْتَمِلَ عَلى التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ، بَيَّنَ فَسادَ شَرائِعِهِمْ وأحْكامِهِمْ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ مِن غَيْرِ مُسْتَنَدٍ في ذَلِكَ إلى وحْيٍ. وأرَأيْتُمْ هُنا بِمَعْنى أخْبِرُونِي. وجَوَّزُوا في ما أنْزَلَ: أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً مَفْعُولًا أوَّلَ لِأرَأيْتُمْ، والعائِدُ عَلَيْها مَحْذُوفٌ، والمَفْعُولُ الثّانِي قَوْلُهُ: آللَّهُ أذِنَ لَكم، والعائِدُ عَلى المُبْتَدَأِ مِنَ الخَبَرِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: آللَّهُ أذِنَ لَكم فِيهِ، وكُرِّرَ قُلْ قَبْلَ الخَبَرِ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ. وأنْ تَكُونَ ما اسْتِفْهامِيَّةً مَنصُوبَةً بِأنْزَلَ، قالَهُ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ. وقِيلَ: ما اسْتِفْهامِيَّةٌ مُبْتَدَأةٌ، والضَّمِيرُ مِنَ الخَبَرِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: آللَّهُ أذِنَ لَكم فِيهِ أوْ بِهِ، وهَذا ضَعِيفٌ لِحَذْفِ هَذا العائِدِ. وجَعْلُ ما مَوْصُولَةً هو الوَجْهُ، لِأنَّ فِيهِ إبْقاءَ أرَأيْتَ عَلى بابِها مِن كَوْنِها تَتَعَدّى إلى الأوَّلِ فَتُؤَثِّرُ فِيهِ، بِخِلافِ جَعْلِها اسْتِفْهامِيَّةً، فَإنَّ أرَأيْتَ إذْ ذاكَ تَكُونُ مُعَلَّقَةً، ويَكُونُ ما قَدْ سَدَّتْ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ، والظّاهِرُ أنَّ أمْ مُتَّصِلَةٌ والمَعْنى: أخْبِرُونِي آللَّهُ أذِنَ لَكم في التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ ؟، فَأنْتُمْ تَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِأِذْنِهِ أمْ تَكْذِبُونَ عَلى اللَّهِ في نِسْبَةِ ذَلِكَ إلَيْهِ ؟ فَنَبَّهَ بِتَوْقِيفِهِمْ عَلى أحَدِ القِسْمَيْنِ، وهم لا يُمْكِنُهُمُ ادِّعاءُ إذْنِ اللَّهِ في ذَلِكَ فَثَبَتَ افْتِراؤُهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، وأمْ مُنْقَطِعَةً بِمَعْنى بَلْ، أتَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ تَقْرِيرًا لِلِافْتِراءِ، انْتَهى. وأنْزَلَ هُنا قِيلَ مَعْناهُ: خَلَقَ كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلْنا الحَدِيدَ﴾ [الحديد: ٢٥] ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الزمر: ٦] . وقِيلَ: أنْزَلَ عَلى بابِها وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: مِن سَبَبِ رِزْقٍ وهو المَطَرُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أنْزَلَ لَفْظَةٌ فِيها تَجَوُّزٌ، وإنْزالُ الرِّزْقِ إمّا أنْ يَكُونَ في ضِمْنِ إنْزالِ المَطَرِ بِالمَآلِ، ونُزُولِ الأمْرِ بِهِ الَّذِي هو ظُهُورُ الأثَرِ في المَخْلُوقِ مِنهُ المُخْتَرَعِ والمَجْعُولِ حَرامًا وحَلالًا. قالَ مُجاهِدٌ: هو ما حَكَمُوا بِهِ مِن تَحْرِيمِ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ والوَصِيلَةِ والِحامِ. وقالَ الضَّحّاكُ: هو إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ: (p-١٧٣)﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام: ١٣٦] . ﴿وما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾: ما اسْتِفْهامِيَّةٌ مُبْتَدَأةٌ خَبَرُها ظَنُّ، والمَعْنى: أيُّ شَيٍّ ظَنَّ المُفْتَرِينَ يَوْمَ القِيامَةِ، أُبْهِمَ الأمْرُ عَلى سَبِيلِ التَّهْدِيدِ، والإبْعادِ يَوْمَ يَكُونُ الجَزاءُ بِالإحْسانِ والإساءَةِ. ويَوْمَ مَنصُوبٌ بِظَنُّ، ومَعْمُولُ الظَّنِّ قِيلَ تَقْدِيرُهُ: ما ظَنُّهم أنَّ اللَّهَ فاعِلٌ بِهِمْ، أيُنَجِّيهِمْ أمْ يُعَذِّبُهم ؟ وقَرَأ عِيسى بْنُ عَمْرٍو: ما ظَنَّ جَعَلَهُ فِعْلًا ماضِيًا، أيْ: أيُّ ظَنٍّ ظَنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ، فَما في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَصْدَرِ، وما الِاسْتِفْهامِيَّةُ قَدْ تَنُوبُ عَنِ المَصْدَرِ تَقُولُ: ما تَضْرِبُ زَيْدًا ؟ تُرِيدُ: أيُّ ضَرْبٍ تَضْرِبُ زَيْدًا. وقالَ الشّاعِرُ: ؎ماذا يَغِيرُ ابْنَتَيْ رِبْعٍ عَوِيلُهُما ∗∗∗ لا تَرْقُدانِ ولا بُؤْسى لِمَن رَقَدا وجِيءَ بِلَفْظِ ظَنَّ ماضِيًا لِأنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ فَكَأنْ قَدْ كانَ، والأوْلى أنْ يَكُونَ ظَنَّ في مَعْنى يَظُنُّ، لِكَوْنِهِ عامِلًا في يَوْمِ القِيامَةِ. وهو ظَرْفٌ مُسْتَقْبَلٌ، وفَضْلُهُ تَعالى عَلى النّاسِ حَيْثُ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ ورَحِمَهم، فَأرْسَلَ إلَيْهِمُ الرُّسُلَ، وفَصَّلَ لَهُمُ الحَلالَ والحَرامَ، وأكْثَرُهم لا يَشْكُرُ هَذِهِ النِّعْمَةَ.

يونس 10:57

﴿ويَسْتَنْبِئُونَكَ أحَقٌّ هو قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾:، أيْ يَسْتَخْبِرُونَكَ. وأحَقٌّ هو الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى العَذابِ. وقِيلَ: عَلى الشَّرْعِ والقُرْآنِ. وقِيلَ: عَلى الوَعِيدِ، وقِيلَ: عَلى أمْرِ السّاعَةِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِيَقُولُونَ أحَقٌّ هو فَجَعَلَ يَسْتَنْبِئُونَكَ تَتَعَدّى إلى واحِدٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْناهُ يَسْتَخْبِرُونَكَ، وهي عَلى هَذا تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ: أحَدُهُما الكافُ، والآخَرُ في الِابْتِداءِ والخَبَرِ، فَعَلى ما قالَ يَكُونُ يَسْتَنْبِئُونَكَ مُعَلَّقَةً. وأصْلُ اسْتَنْبَأ أنْ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ: أحَدُهُما بِعَنْ، تَقُولُ: اسْتَنْبَأْتُ زَيْدًا عَنْ عَمْرٍو، أيْ: طَلَبْتُ مِنهُ أنْ يُنْبِئَنِي عَنْ عَمْرٍو، والظّاهِرُ أنَّها مُعَلَّقَةٌ عَنِ المَفْعُولِ الثّانِي. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقِيلَ هي بِمَعْنى يَسْتَعْلِمُونَكَ. قالَ: فَهي عَلى هَذا تَحْتاجُ إلى مَفاعِيلَ ثَلاثَةٍ، أحَدُها: الكافُ والِابْتِداءُ، والخَبَرُ سَدَّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ، انْتَهى. ولَيْسَ كَما ذَكَرَ، لِأنَّ اسْتَعْلَمَ لا يُحْفَظُ كَوْنُها مُتَعَدِّيَةً إلى مَفاعِيلَ ثَلاثَةٍ، لا يُحْفَظُ اسْتَعْلَمْتُ زَيْدًا عَمْرًا قائِمًا فَتَكُونُ جُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ سَدَّتْ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ، ولا يَلْزَمُ مِن كَوْنِها بِمَعْنى يَسْتَعْلِمُونَكَ أنْ تَتَعَدّى إلى ثَلاثَةٍ، لِأنَّ اسْتَعْلَمَ لا يَتَعَدّى إلى ثَلاثَةٍ كَما ذَكَرْنا. وارْتَفَعَ هو عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وحَقٌّ خَبَرُهُ. وأجازَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ حَقٌّ مُبْتَدَأً وهو فاعِلٌ بِهِ سُدَّ مَسَدُّ الخَبَرِ، وحَقٌّ لَيْسَ اسْمَ فاعِلٍ ولا مَفْعُولٍ، وإنَّما هو مَصْدَرٌ في الأصْلِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُرْفَعَ لِأنَّهُ بِمَعْنًى ثابِتٍ. وهَذا الِاسْتِفْهامُ مِنهم عَلى جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ والإنْكارِ. وقَرَأ الأعْمَشُ: الحَقُّ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهو أدْخَلُ في الِاسْتِهْزاءِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى التَّعْرِيضِ بِأنَّهُ باطِلٌ، وذَلِكَ أنَّ اللّامَ لِلْجِنْسِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أهْوَ الحَقُّ لا الباطِلُ، أوْ: أهْوَ الَّذِي سَمَّيْتُمُوهُ الحَقَّ ؟ انْتَهى. وأمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يَقُولَ مُجِيبًا لَهم: ﴿قُلْ إي ورَبِّي﴾، أيْ: نَعَمْ ورَبِّي. وإي تُسْتَعْمَلُ في القَسَمِ خاصَّةً، كَما تُسْتَعْمَلُ هَلْ بِمَعْنى قَدْ فِيهِ خاصَّةً. قالَ مَعْناهُ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: وسَمِعْتُهم يَقُولُونَ في التَّصْدِيقِ: إي فَيَصِلُونَهُ بِواوِ القَسَمِ ولا يَنْطِقُونَ بِهِ وحْدَهُ، انْتَهى. ولا حُجَّةَ فِيما سَمِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن ذَلِكَ لِعَدَمِ الحُجِّيَّةِ في كَلامِهِ لِفَسادِ كَلامِ (p-١٦٩)العَرَبِ إذْ ذاكَ وقَبْلَهُ بِأزْمانٍ كَثِيرَةٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي لَفْظَةٌ تَتَقَدَّمُ القَسَمَ، وهي بِمَعْنى نَعَمْ، ويَجِيءُ بَعْدَها حَرْفُ القَسَمِ وقَدْ لا يَجِيءُ، تَقُولُ: إي رَبِّي، إي ورَبِّي، انْتَهى. وقَدْ كانَ يُكْتَفى في الجَوابِ بِقَوْلِهِ: إي ورَبِّي، إلّا أنَّهُ أُكِّدَ بِإظْهارِ الجُمْلَةِ الَّتِي كانَتْ تُضْمَرُ بَعْدَ قَوْلِهِ: (إي ورَبِّي) مَسُوقَةً مُؤَكَّدَةً بِإنَّ واللّامِ مُبالَغَةً في التَّوْكِيدِ في الجَوابِ، ولَمّا تَضَمَّنَ قَوْلُهم أحَقٌّ هو السُّؤالَ عَنِ العَذابِ، وكانَ سُؤالًا عَنِ العَذابِ اللّاحِقِ بِهِمْ لا عَنْ مُطْلَقِ عَذابٍ يَقَعُ بِمَن يَقَعُ. قِيلَ: وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ، أيْ: فائِتِينَ العَذابَ المَسْئُولَ عَنْهُ، بَلْ هو لاحِقٌ بِكم. واحْتَمَلَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ أنْ تَكُونَ داخِلَةً في جَوابِ القَسَمِ، فَتَكُونُ مَعْطُوفَةً عَلى الجَوابِ قَبْلَها. واحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ إخْبارًا، مَعْطُوفًا عَلى الجُمْلَةِ المَقُولَةِ لا عَلى جَوابِ القَسَمِ. وأعْجَزَ الهَمْزَةُ فِيهِ لِلتَّعْدِيَةِ كَما قالَ: ﴿ولَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ [الجن: ١٢]، لَكِنَّهُ كَثُرَ فِيهِ حَذْفُ المَفْعُولِ حَتّى قالَتِ العَرَبُ: أعْجَزَ فُلانٌ إذا ذَهَبَ في الأرْضِ فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ، وقالَ الزَّجّاجُ: أيْ ما أنْتُمْ مِمَّنْ يُعْجِزُ مَن يُعَذِّبُكم. ﴿ولَوْ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما في الأرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وأسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ ولَمّا ذَكَرَ العَذابَ وأقْسَمَ عَلى حَقِيقَتِهِ، وأنَّهم لا يُفْلِتُونَ مِنهُ، ذَكَرَ بَعْضَ أحْوالِ الظّالِمِينَ في الآخِرَةِ. وظَلَمَتْ صِفَةٌ لِنَفْسٍ. والظُّلْمُ هُنا: الشِّرْكُ والكُفْرُ، وافْتَدى يَأْتِي مُطاوِعًا لَفَدى، فَلا يَتَعَدّى تَقُولُ: فَدَيْتُهُ فافْتَدى، وبِمَعْنى فَدى فَيَتَعَدّى، وهُنا يَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ. وما في الأرْضِ أيْ: ما كانَ لَها في الدُّنْيا مِنَ الخَزائِنِ والأمْوالِ والمَنافِعِ، وأسَرُّوا مِنَ الأضْدادِ تَأْتِي بِمَعْنى أظْهَرَ. قالَ الفَرَزْدَقُ: ؎ولَمّا رَأى الحَجّاجَ جَرَّدَ سَيْفَهُ أسَرَّ الحَرُورِيُّ الَّذِي كانَ أظْهَرا وقالَ آخَرُ: ؎فَأسْرَرْتُ النَّدامَةَ يَوْمَ نادى ∗∗∗ بِرَدِّ جِمالِ غاضِرَةَ المُنادِي وتَأْتِي بِمَعْنى أخْفى وهو المَشْهُورُ فِيها كَقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ [هود: ٥] ويَحْتَمِلُ هُنا الوَجْهَيْنِ. أمّا الإظْهارُ فَإنَّهُ لَيْسَ بِيَوْمِ تَصَبُّرٍ ولا تَجَلُّدٍ، ولا يَقْدِرُ فِيهِ الكافِرُ عَلى كِتْمانِ ما نالَهُ، ولِأنَّ حالَةَ رُؤْيَةِ العَذابِ يَتَحَسَّرُ الإنْسانُ عَلى اقْتِرافِهِ ما أوْجَبَهُ، ويُظْهِرُ النَّدامَةَ عَلى ما فاتَهُ مِنَ الفَوْزِ ومِنَ الخَلاصِ مِنَ العَذابِ وقَدْ قالُوا: ﴿رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا﴾ [المؤمنون: ١٠٦]، وأمّا إخْفاءُ النَّدامَةِ فَقِيلَ: أخْفى رُؤَساؤُهُمُ النَّدامَةَ مِن سَفَلَتِهِمْ حَياءً مِنهم وخَوْفًا مِن تَوْبِيخِهِمْ وهَذا فِيهِ بُعْدٌ، لِأنَّ مَن عايَنَ العَذابَ هو مَشْغُولٌ بِما يُقاسِيهِ مِنهُ، فَكَيْفَ لَهُ فِكْرٌ في الحَياءِ وفي التَّوْبِيخِ الوارِدِ مِنَ السَّفَلَةِ. وأيْضًا وأسَرُّوا عائِدٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ عَلى المَعْنى، وهو عامٌّ في الرُّؤَساءِ والسَّفَلَةِ. وقِيلَ: إخْفاءُ النَّدامَةِ هو مِن كَوْنِهِمْ بُهِتُوا لِرُؤْيَتِهِمْ ما لَمْ يَحْسَبُوهُ ولا خَطَرَ بِبالِهِمْ، ومُعايَنَتُهم ما أوْهى قُواهم فَلَمْ يُطِيقُوا عِنْدَ ذَلِكَ بُكاءً ولا صُراخًا، ولا ما يَفْعَلُهُ الجازِعُ سِوى إسْرارِ النَّدَمِ والحَسْرَةِ في القُلُوبِ، كَما يَعْرِضُ لِمَن يُقَدَّمُ لِلصَّلْبِ لا يَكادُ يَنْبِسُ بِكَلِمَةٍ، ويَبْقى مَبْهُوتًا جامِدًا. وأمّا مَن قالَ: إنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: وأسَرُّوا النَّدامَةَ، أخْلَصُوا لِلَّهِ في تِلْكَ النَّدامَةِ، أوْ بَدَتْ بِالنَّدامَةِ أسِرَّةُ وُجُوهِهِمْ، أيْ: تَكاسِيرُ جِباهِهِمْ فَفِيهِ بُعْدٌ عَنْ سِياقِ الآيَةِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وقُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ﴾، جُمْلَةُ أخْبارٍ مُسْتَأْنَفَةٍ، ولَيْسَتْ مَعْطُوفَةً عَلى ما في حَيِّزِ لَمّا، وأنَّ الضَّمِيرَ في بَيْنَهم عائِدٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَيْنَ الظّالِمِينَ والمَظْلُومِينَ دَلَّ عَلى ذَلِكَ ذِكْرُ الظُّلْمِ، انْتَهى. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المُؤْمِنِ والكافِرِ. وقِيلَ: عَلى الرُّؤَساءِ والأتْباعِ. ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ألا إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿هُوَ يُحْيِي ويُمِيتُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ قِيلَ: تَعَلُّقُ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها مِن جِهَةِ أنَّهُ فَرَضَ أنَّ النَّفْسَ الظّالِمَةَ لَوْ كانَ لَها ما في الأرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ، وهي لا شَيْءَ لَها البَتَّةَ لِأنَّ جَمِيعَ الأشْياءِ إنَّما هي بِأسْرِها مِلْكٌ لِلَّهِ تَعالى وهو المُتَصَرِّفُ فِيها، إذْ لَهُ المُلْكُ والمِلْكُ. ويَظْهَرُ أنَّ مُناسَبَتَها (p-١٧٠)لِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا سَألُوا عَمّا وُعِدُوا بِهِ مِنَ العَذابِ أحَقٌّ هو ؟ وأجِيبُوا بِأنَّهُ حَقٌّ لا مَحالَةَ، وكانَ ذَلِكَ جَوابًا كافِيًا لِمَن وفَّقَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْإيمانِ، كَما كانَ جَوابًا لِلْأعْرابِيِّ حِينَ سَألَ الرَّسُولَ ﷺ: آللَّهُ أرْسَلَكَ ؟ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ» فَقَنِعَ مِنهُ بِإخْبارِهِ ﷺ إذْ عَلِمَ أنَّهُ لا يَقُولُ إلّا الحَقَّ والصِّدْقَ، كَما قالَ هِرَقْلُ: لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ الكَذِبَ عَلى النّاسِ ويَكْذِبَ عَلى اللَّهِ انْتَقَلَ مِن هَذا الجَوابِ إلى ذِكْرِ البُرْهانِ القاطِعِ عَلى حُجَّتِهِ وتَقْرِيرِهِ بِأنَّ القَوْلَ بِالنُّبُوَّةِ والمَعادِ يَتَفَرَّعانِ عَلى إثْباتِ الإلَهِ القادِرِ الحَكِيمِ، وأنَّ ما سِواهُ فَهو مُلْكُهُ ومِلْكُهُ ؟ وعَنْ هَذا بِهَذِهِ الآيَةِ، وكانَ قَدِ اسْتَقْصى الدَّلائِلَ عَلى ذَلِكَ في هَذِهِ السُّورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [يونس: ٦] الآيَةَ وقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً﴾ [يونس: ٥] فاكْتَفى هُنا عَنْ ذِكْرِها. وإذا كانَ جَمِيعُ ما في العالَمِ مُلْكَهُ ومِلْكَهُ كانَ قادِرًا عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، غَنِيًّا عَنْ جَمِيعِ الحاجاتِ، مُنَزَّهًا عَنِ النَّقائِصِ والآفاتِ، وبِكَوْنِهِ قادِرًا عَلى المُمْكِناتِ كانَ قادِرًا عَلى إنْزالِ العَذابِ عَلى الكُفّارِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقادِرًا عَلى تَأْيِيدِ رَسُولِهِ بِالدَّلائِلِ وإعْلاءِ دِينِهِ، فَبَطَلَ الِاسْتِهْزاءُ والتَّعْجِيزُ. وبِتَنْزِيهِهِ عَنِ النَّقائِصِ كانَ مُنَزَّهًا عَنِ الخُلْفِ والكَذِبِ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مُقَدِّمَةٌ تُوجِبُ الجَزْمَ بِصِحَّةِ قَوْلِهِ: ألا إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ. وألا كَلِمَةُ تَنْبِيهٍ دَخَلَتْ عَلى الجُمْلَتَيْنِ تَنْبِيهًا لِلْغافِلِ، إذْ كانُوا مَشْغُولِينَ بِالنَّظَرِ إلى الأسْبابِ الظّاهِرَةِ مِن نِسْبَةِ أشْياءَ إلى أنَّها مَمْلُوكَةٌ لِمَن جُعِلَ لَهُ بَعْضُ تَصَرُّفٍ فِيها واسْتِخْلافٍ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي: لِغَفْلَتِهِمْ عَنْ هَذِهِ الدَّلائِلِ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ قُدْرَتِهِ عَلى الإحْياءِ والإماتَةِ. فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى إحْيائِهِ مَرَّةً ثانِيَةً، ولِذَلِكَ قالَ: وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ، فَتَرَوْنَ ما وعَدَ بِهِ. وقَرَأ الحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ، وعِيسى ابْنُ عُمَرَ: يُرْجَعُونَ بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ. ﴿ياأيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكم وشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: قِيلَ: نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ الَّذِينَ سَألُوا الرَّسُولَ ﷺ أحَقٌّ هو ؟ فالنّاسُ هم كُفّارُ قُرَيْشٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو خِطابٌ لِجَمِيعِ العالَمِ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الأدِلَّةَ عَلى الأُلُوهِيَّةِ والوَحْدانِيَّةِ والقُدْرَةِ، ذَكَرَ الدَّلائِلَ الدّالَّةَ عَلى صِحَّةِ النُّبُوَّةِ والطَّرِيقَ المُؤَدِّي إلَيْها وهو القُرْآنُ، والمُتَّصِفُ بِهَذِهِ الأوْصافِ الشَّرِيفَةِ هو القُرْآنُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ قَدْ جاءَكم كِتابٌ جامِعٌ لِهَذِهِ الفَوائِدِ مِن مَوْعِظَةٍ وتَنْبِيهٍ عَلى التَّوْحِيدِ، هو شِفاءٌ، أيْ: دَواءٌ لِما في صُدُورِكم مِنَ العَقائِدِ الفاسِدَةِ، ودُعاءٌ إلى الحَقِّ ورَحْمَةٌ لِمَن آمَنَ بِهِ مِنكُمُ، انْتَهى. ومِن رَبِّكم يُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِجاءَتْكم، فَمِن لِابْتِداءِ الغايَةِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ أيْ: مِن مَواعِظِ رَبِّكم فَتَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، فَمِن لِلتَّبْعِيضِ. وفي قَوْلِهِ: مِن رَبِّكم تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ لَيْسَ مِن عِنْدِ أحَدٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وجَعَلَهُ مَوْعِظَةً بِحَسَبِ النّاسِ أجْمَعَ، وجَعَلَهُ هُدًى ورَحْمَةً بِحَسَبِ المُؤْمِنِينَ، وهَذا تَقْسِيمٌ صَحِيحُ المَعْنى إذا تَأوَّلَ بِأنْ وجَّهَهُ، انْتَهى. وذَكَرَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ هُنا كَلامًا كَثِيرًا مَمْزُوجًا بِما يُسَمُّونَهُ حِكْمَةً: نَعْلَمُ قَطْعًا أنَّ العَرَبَ لا تَفْهَمُ ذَلِكَ الَّذِي قَرَّرَهُ مِن ألْفاظِ القُرْآنِ، وطَوَّلَ في ذَلِكَ، وضَرَبَ أمْثِلَةً حِسِّيَّةً يُوقَفُ عَلَيْها مِن تَفْسِيرِهِ، ثُمَّ قالَ آخِرَ كَلامِهِ: فالحاصِلُ أنَّ المَوْعِظَةَ إشارَةٌ إلى تَطْهِيرِ ظَواهِرِ الخَلْقِ عَمّا لا يَنْبَغِي وهو الشَّرِيعَةُ، والشِّفاءُ إشارَةٌ إلى تَطْهِيرِ الأرْواحِ عَنِ العَقائِدِ الفاسِدَةِ والأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ وهو الطَّرِيقَةُ، والهُدى إشارَةٌ إلى ظُهُورِ نُورِ الحَقِّ في قُلُوبِ الصِّدِّيقِينَ وهو الحَقِيقَةُ، والرَّحْمَةُ إشارَةٌ إلى كَوْنِها بالِغَةً في الكَمالِ، والإشْراقِ إلى حَيْثُ تَصِيرُ تُكْمِلُ النّاقِصِينَ وهي النُّبُوَّةُ. فَهَذِهِ دَرَجاتٌ عَقْلِيَّةٌ ومَراتِبُ بُرْهانِيَّةٌ مَدْلُولٌ عَلَيْها بِهَذِهِ الألْفاظِ القُرْآنِيَّةِ، لا يُمْكِنُ تَأخُّرُ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، ولا تَقَدُّمُ ما تَأخَّرَ ذِكْرُهُ. (p-١٧١)﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ﴾ فَقالَ: بِكِتابِ اللَّهِ والإسْلامِ، فَضْلُهُ الإسْلامُ، ورَحْمَتُهُ ما وعَدَ عَلَيْهِ»، انْتَهى. ولَوْ صَحَّ هَذا الحَدِيثُ لَمْ يُمْكِنْ خِلافُهُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ وهِلالُ بْنُ يَسافٍ: فَضْلُ اللَّهِ الإسْلامُ ورَحْمَتُهُ القُرْآنُ. وقالَ الضَّحّاكُ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ عَكْسَ هَذا، وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: الفَضْلُ القُرْآنُ، والرَّحْمَةُ أنْ جَعَلَهم مِن أهْلِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما رَوى الضَّحّاكُ عَنْهُ: الفَضْلُ العِلْمُ والرَّحْمَةُ مُحَمَّدٌ ﷺ . وقالَ ابْنُ عُمَرَ: الفَضْلُ الإسْلامُ، والرَّحْمَةُ تَزْيِينُهُ في القُلُوبِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الفَضْلُ والرَّحْمَةُ القُرْآنُ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ خالِدُ بْنُ مَعْدانَ: الفَضْلُ القُرْآنُ، والرَّحْمَةُ السُّنَّةُ. وعَنْهُ أيْضًا أنَّ الفَضْلَ الإسْلامُ، والرَّحْمَةَ السَّتْرُ. وقالَ عَمْرُو بْنُ عُثْمانَ: فَضْلُ اللَّهِ كَشْفُ الغِطاءِ، ورَحْمَتُهُ الرُّؤْيَةُ واللِّقاءُ. وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ فَضْلٍ: الفَضْلُ الإيمانُ، والرَّحْمَةُ الجَنَّةُ. وقِيلَ: الفَضْلُ التَّوْفِيقُ، والرَّحْمَةُ العِصْمَةُ. وقِيلَ: الفَضْلُ نِعَمُهُ الظّاهِرَةُ، والرَّحْمَةُ نِعَمُهُ الباطِنَةُ. وقالَ الصّادِقُ: الفَضْلُ المَغْفِرَةُ، والرَّحْمَةُ التَّوْفِيقُ. وقالَ ذُو النُّونِ: الفَضْلُ الجِنانُ، ورَحْمَتُهُ النَّجاةُ مِنَ النِّيرانِ. وهَذِهِ تَخْصِيصاتٌ تَحْتاجُ إلى دَلائِلَ، ويَنْبَغِي أنْ يُعْتَقَدَ أنَّها تَمْثِيلاتٌ، لِأنَّ الفَضْلَ والرَّحْمَةَ أُرِيدَ بِهِما تَعْيِينُ ما ذُكِرَ وحَصْرُهُما فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإنَّما الَّذِي يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ ويَلْزَمُ مِنهُ أنَّ الفَضْلَ هو هِدايَةُ اللَّهِ إلى دِينِهِ والتَّوْفِيقُ إلى اتِّباعِ الشَّرْعِ، والرَّحْمَةَ هي عَفْوُهُ وسُكْنى جَنَّتِهِ الَّتِي جَعَلَها جَزاءً عَلى اتِّباعِ الإسْلامِ والإيمانِ. ومَعْنى الآيَةِ: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِجَمِيعِ النّاسِ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَلْيَقَعِ الفَرَحُ مِنكم، لا بِأُمُورِ الدُّنْيا وما يُجْمَعُ مِن حُطامِها، فالمُؤْمِنُونَ يُقالُ لَهم: فَلْيَفْرَحُوا وهم مُلْتَبِسُونَ بِعِلَّةِ الفَرَحِ وسَبَبِهِ، ومُخْلِصُونَ لِفَضْلِ اللَّهِ مُنْتَظِرُونَ لِرَحْمَتِهِ، والكافِرُونَ يُقالُ لَهم: بِفَضْلِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ فَلْيَفْرَحُوا عَلى مَعْنى أنْ لَوِ اتَّفَقَ لَكم أوْ لَوْ سَعِدْتُمْ بِالهِدايَةِ إلى تَحْصِيلِ ذَلِكَ، انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ، فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا: جُمْلَتانِ، وحُذِفَ ما تَتَعَلَّقُ بِهِ الباءُ والتَّقْدِيرُ: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ لِيَفْرَحُوا، ثُمَّ عُطِفَتِ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ عَلى الأُولى عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ. قالالزَّمَخْشَرِيُّ: والتَّكْرِيرُ لِلتَّقْرِيرِ والتَّأْكِيدِ، وإيجابُ اخْتِصاصِ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ بِالفَرَحِ دُونَ ما عَداهُما مِن فَوائِدِ الدُّنْيا، فَحُذِفَ أحَدُ الفِعْلَيْنِ لِدِلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ، والفاءُ داخِلَةٌ لِمَعْنى الشَّرْطِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَلْيَخُصُّوهُما بِالفَرَحِ، فَإنَّهُ لا مَفْرُوحَ بِهِ أحَقُّ مِنهُما. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَلْيَعْتَنُوا بِذَلِكَ، فَلْيَفْرَحُوا. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ، أيْ: فَبِمَجِيئِهِما فَلْيَفْرَحُوا، انْتَهى. أمّا إضْمارُ فَلْيَعْنَتُوا فَلا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وأمّا تَعْلِيقُهُ بِقَوْلِهِ: قَدْ جاءَتْكم، فَيَنْبَغِي أنْ يُقَدِّرَ ذَلِكَ مَحْذُوفًا بَعْدَ قُلْ، ولا يَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِـ (جاءَتْكم) الأُولى لِلْفَصْلِ بَيْنَهُما بِقُلْ. وقالَ الحَوْفِيُّ: الباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِما دَلَّ عَلى المَعْنى، أيْ: قَدْ جاءَتْكُمُ المَوْعِظَةُ بِفَضْلِ اللَّهِ. وقِيلَ: الفاءُ الأُولى زائِدَةٌ، ويَكُونُ بِذَلِكَ بَدَلًا قَبْلَهُ، وأُشِيرَ بِهِ إلى الِاثْنَيْنِ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ. وقِيلَ: كُرِّرَتِ الفاءُ الثّانِيَةُ لِلتَّوْكِيدِ، فَعَلى هَذا لا تَكُونُ الأُولى زائِدَةً، ويَكُونُ أصْلُ التَّرْكِيبِ فَبِذَلِكَ لِيَفْرَحُوا، وفي القَوْلِ قَبْلَهُ يَكُونُ أصْلُ التَّرْكِيبِ بِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا، ولا تَنافِيَ بَيْنَ الأمْرِ بِالفَرَحِ هُنا وبَيْنَ النَّهْيِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] لِاخْتِلافِ المُتَعَلِّقِ، فالمَأْمُورُ بِهِ هُنا الفَرَحُ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ، والمَنهِيُّ هُناكَ الفَرَحُ بِجَمْعِ الأمْوالِ لِرِئاسَةِ الدُّنْيا وإرادَةِ العُلُوِّ بِها والفَسادِ، ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ: ﴿وابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدّارَ الآخِرَةَ ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ [القصص: ٧٧] وقَبْلَهُ: ﴿إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ﴾ [القصص: ٧٦] وقَوْلُهُ: ﴿لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ [هود: ١٠] جاءَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الذَّمِّ لِفَرَحِهِ بِإذاقَةِ النَّعْماءِ بَعْدَ الضَّرّاءِ، ويَأْسِهِ وكُفْرانِهِ لِلنَّعْماءِ إذا نُزِعَتْ مِنهُ، وهَذِهِ صِفَةٌ مَذْمُومَةٌ، ولَيْسَ ذَلِكَ مِن أفْعالِ الآخِرَةِ. وقَوْلُ مَن قالَ: إذا أُطْلِقَ (p-١٧٢)الفَرَحُ كانَ مَذْمُومًا، وإذا قُيِّدَ لَمْ يَكُنْ مَذْمُومًا كَما قالَ: ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠] لَيْسَ بِمُطَّرِدٍ، إذْ جاءَ مُقَيَّدًا في الذَّمِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً﴾ [الأنعام: ٤٤] وإنَّما يُمْدَحُ الفَرَحَ ويُذَمُّ بِحَسَبِ مُتَعَلِّقِهِ، فَإذا كانَ بِنَيْلِ ثَوابِ الآخِرَةِ وأعْمالِ البِرِّ كانَ مَحْمُودًا، وإذا كانَ بِنَيْلِ لَذّاتِ الدُّنْيا وحُطامِها كانَ مَذْمُومًا. وقَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ وأُبَيٌّ وأنَسٌ والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ وابْنُ هُرْمُزَ وابْنُ سِيرِينَ وأبُو جَعْفَرٍ المَدَنِيُّ والسُّلَمِيُّ وقَتادَةُ والجَحْدَرِيُّ وهِلالُ بْنُ يَسافٍ والأعْمَشُ وعَمْرُو بْنُ قائِدٍ والعَبّاسُ بْنُ الفَضْلِ الأنْصارِيُّ: فَلْتَفْرَحُوا بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، ورُوِيَتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وقالَ وقَدْ جاءَ عَنْ يَعْقُوبَ كَذَلِكَ، انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ القَعْقاعِ وابْنُ عامِرٍ والحَسَنُ عَلى ما زَعَمَ هارُونُ. ورُوِيَتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: فَلْتَفْرَحُوا وتَجْمَعُونَ بِالتّاءِ فِيهِما عَلى المُخاطَبَةِ، وهي قِراءَةُ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ كَثِيرَةٍ، وعَنْ أكْثَرِهِمْ خِلافٌ، انْتَهى. والجُمْهُورُ بِالياءِ عَلى أمْرِ الغائِبِ. وما نَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ ابْنَ عامِرٍ قَرَأ فَلْتَفْرَحُوا بِالتّاءِ لَيْسَ هو المَشْهُورُ عَنْهُ، إنَّما قِراءَتُهُ في مَشْهُورِ السَّبْعَةِ بِالياءِ أمْرًا لِلْغائِبِ، لَكِنَّهُ قَرَأ تَجْمَعُونَ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ. وفِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: فَبِذَلِكَ فافْرَحُوا، وهَذِهِ هي اللُّغَةُ الكَثِيرَةُ الشَّهِيرَةُ في أمْرِ المُخاطَبِ. وأمّا فَلْيَفْرَحُوا بِالياءِ فَهي لُغَةٌ قَلِيلَةٌ. وفي الحَدِيثِ: (لِتَأْخُذُوا مَصافَّكم) وقَرَأ أبُو التَّيّاحِ والحَسَنُ: فَلْيَفْرَحُوا بِكَسْرِ اللّامِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ أُشِيرَ بِهِ إلى واحِدٍ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَيْهِ مُوَحَّدًا في قَوْلِهِ: هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ، فالَّذِي يَنْبَغِي أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ، عَلى أنَّهُما شَيْءٌ واحِدٌ عُبِّرَ عَنْهُ بِاسْمَيْنِ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ، ولِذَلِكَ أُشِيرَ إلَيْهِ بِذَلِكَ، وعادَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِ مُفْرَدًا. وقَوْلُهُ: مِمّا يَجْمَعُونَ يَعْنِي مِن حُطامِ الدُّنْيا ومَتاعِها. ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالًا قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكم أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾: مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها هي أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ وكانَ المُرادُ بِذَلِكَ كِتابَ اللَّهِ المُشْتَمِلَ عَلى التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ، بَيَّنَ فَسادَ شَرائِعِهِمْ وأحْكامِهِمْ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ مِن غَيْرِ مُسْتَنَدٍ في ذَلِكَ إلى وحْيٍ. وأرَأيْتُمْ هُنا بِمَعْنى أخْبِرُونِي. وجَوَّزُوا في ما أنْزَلَ: أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً مَفْعُولًا أوَّلَ لِأرَأيْتُمْ، والعائِدُ عَلَيْها مَحْذُوفٌ، والمَفْعُولُ الثّانِي قَوْلُهُ: آللَّهُ أذِنَ لَكم، والعائِدُ عَلى المُبْتَدَأِ مِنَ الخَبَرِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: آللَّهُ أذِنَ لَكم فِيهِ، وكُرِّرَ قُلْ قَبْلَ الخَبَرِ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ. وأنْ تَكُونَ ما اسْتِفْهامِيَّةً مَنصُوبَةً بِأنْزَلَ، قالَهُ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ. وقِيلَ: ما اسْتِفْهامِيَّةٌ مُبْتَدَأةٌ، والضَّمِيرُ مِنَ الخَبَرِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: آللَّهُ أذِنَ لَكم فِيهِ أوْ بِهِ، وهَذا ضَعِيفٌ لِحَذْفِ هَذا العائِدِ. وجَعْلُ ما مَوْصُولَةً هو الوَجْهُ، لِأنَّ فِيهِ إبْقاءَ أرَأيْتَ عَلى بابِها مِن كَوْنِها تَتَعَدّى إلى الأوَّلِ فَتُؤَثِّرُ فِيهِ، بِخِلافِ جَعْلِها اسْتِفْهامِيَّةً، فَإنَّ أرَأيْتَ إذْ ذاكَ تَكُونُ مُعَلَّقَةً، ويَكُونُ ما قَدْ سَدَّتْ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ، والظّاهِرُ أنَّ أمْ مُتَّصِلَةٌ والمَعْنى: أخْبِرُونِي آللَّهُ أذِنَ لَكم في التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ ؟، فَأنْتُمْ تَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِأِذْنِهِ أمْ تَكْذِبُونَ عَلى اللَّهِ في نِسْبَةِ ذَلِكَ إلَيْهِ ؟ فَنَبَّهَ بِتَوْقِيفِهِمْ عَلى أحَدِ القِسْمَيْنِ، وهم لا يُمْكِنُهُمُ ادِّعاءُ إذْنِ اللَّهِ في ذَلِكَ فَثَبَتَ افْتِراؤُهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، وأمْ مُنْقَطِعَةً بِمَعْنى بَلْ، أتَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ تَقْرِيرًا لِلِافْتِراءِ، انْتَهى. وأنْزَلَ هُنا قِيلَ مَعْناهُ: خَلَقَ كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلْنا الحَدِيدَ﴾ [الحديد: ٢٥] ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الزمر: ٦] . وقِيلَ: أنْزَلَ عَلى بابِها وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: مِن سَبَبِ رِزْقٍ وهو المَطَرُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أنْزَلَ لَفْظَةٌ فِيها تَجَوُّزٌ، وإنْزالُ الرِّزْقِ إمّا أنْ يَكُونَ في ضِمْنِ إنْزالِ المَطَرِ بِالمَآلِ، ونُزُولِ الأمْرِ بِهِ الَّذِي هو ظُهُورُ الأثَرِ في المَخْلُوقِ مِنهُ المُخْتَرَعِ والمَجْعُولِ حَرامًا وحَلالًا. قالَ مُجاهِدٌ: هو ما حَكَمُوا بِهِ مِن تَحْرِيمِ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ والوَصِيلَةِ والِحامِ. وقالَ الضَّحّاكُ: هو إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ: (p-١٧٣)﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام: ١٣٦] . ﴿وما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾: ما اسْتِفْهامِيَّةٌ مُبْتَدَأةٌ خَبَرُها ظَنُّ، والمَعْنى: أيُّ شَيٍّ ظَنَّ المُفْتَرِينَ يَوْمَ القِيامَةِ، أُبْهِمَ الأمْرُ عَلى سَبِيلِ التَّهْدِيدِ، والإبْعادِ يَوْمَ يَكُونُ الجَزاءُ بِالإحْسانِ والإساءَةِ. ويَوْمَ مَنصُوبٌ بِظَنُّ، ومَعْمُولُ الظَّنِّ قِيلَ تَقْدِيرُهُ: ما ظَنُّهم أنَّ اللَّهَ فاعِلٌ بِهِمْ، أيُنَجِّيهِمْ أمْ يُعَذِّبُهم ؟ وقَرَأ عِيسى بْنُ عَمْرٍو: ما ظَنَّ جَعَلَهُ فِعْلًا ماضِيًا، أيْ: أيُّ ظَنٍّ ظَنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ، فَما في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَصْدَرِ، وما الِاسْتِفْهامِيَّةُ قَدْ تَنُوبُ عَنِ المَصْدَرِ تَقُولُ: ما تَضْرِبُ زَيْدًا ؟ تُرِيدُ: أيُّ ضَرْبٍ تَضْرِبُ زَيْدًا. وقالَ الشّاعِرُ: ؎ماذا يَغِيرُ ابْنَتَيْ رِبْعٍ عَوِيلُهُما ∗∗∗ لا تَرْقُدانِ ولا بُؤْسى لِمَن رَقَدا وجِيءَ بِلَفْظِ ظَنَّ ماضِيًا لِأنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ فَكَأنْ قَدْ كانَ، والأوْلى أنْ يَكُونَ ظَنَّ في مَعْنى يَظُنُّ، لِكَوْنِهِ عامِلًا في يَوْمِ القِيامَةِ. وهو ظَرْفٌ مُسْتَقْبَلٌ، وفَضْلُهُ تَعالى عَلى النّاسِ حَيْثُ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ ورَحِمَهم، فَأرْسَلَ إلَيْهِمُ الرُّسُلَ، وفَصَّلَ لَهُمُ الحَلالَ والحَرامَ، وأكْثَرُهم لا يَشْكُرُ هَذِهِ النِّعْمَةَ.

يونس 10:58

﴿ويَسْتَنْبِئُونَكَ أحَقٌّ هو قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾:، أيْ يَسْتَخْبِرُونَكَ. وأحَقٌّ هو الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى العَذابِ. وقِيلَ: عَلى الشَّرْعِ والقُرْآنِ. وقِيلَ: عَلى الوَعِيدِ، وقِيلَ: عَلى أمْرِ السّاعَةِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِيَقُولُونَ أحَقٌّ هو فَجَعَلَ يَسْتَنْبِئُونَكَ تَتَعَدّى إلى واحِدٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْناهُ يَسْتَخْبِرُونَكَ، وهي عَلى هَذا تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ: أحَدُهُما الكافُ، والآخَرُ في الِابْتِداءِ والخَبَرِ، فَعَلى ما قالَ يَكُونُ يَسْتَنْبِئُونَكَ مُعَلَّقَةً. وأصْلُ اسْتَنْبَأ أنْ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ: أحَدُهُما بِعَنْ، تَقُولُ: اسْتَنْبَأْتُ زَيْدًا عَنْ عَمْرٍو، أيْ: طَلَبْتُ مِنهُ أنْ يُنْبِئَنِي عَنْ عَمْرٍو، والظّاهِرُ أنَّها مُعَلَّقَةٌ عَنِ المَفْعُولِ الثّانِي. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقِيلَ هي بِمَعْنى يَسْتَعْلِمُونَكَ. قالَ: فَهي عَلى هَذا تَحْتاجُ إلى مَفاعِيلَ ثَلاثَةٍ، أحَدُها: الكافُ والِابْتِداءُ، والخَبَرُ سَدَّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ، انْتَهى. ولَيْسَ كَما ذَكَرَ، لِأنَّ اسْتَعْلَمَ لا يُحْفَظُ كَوْنُها مُتَعَدِّيَةً إلى مَفاعِيلَ ثَلاثَةٍ، لا يُحْفَظُ اسْتَعْلَمْتُ زَيْدًا عَمْرًا قائِمًا فَتَكُونُ جُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ سَدَّتْ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ، ولا يَلْزَمُ مِن كَوْنِها بِمَعْنى يَسْتَعْلِمُونَكَ أنْ تَتَعَدّى إلى ثَلاثَةٍ، لِأنَّ اسْتَعْلَمَ لا يَتَعَدّى إلى ثَلاثَةٍ كَما ذَكَرْنا. وارْتَفَعَ هو عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وحَقٌّ خَبَرُهُ. وأجازَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ حَقٌّ مُبْتَدَأً وهو فاعِلٌ بِهِ سُدَّ مَسَدُّ الخَبَرِ، وحَقٌّ لَيْسَ اسْمَ فاعِلٍ ولا مَفْعُولٍ، وإنَّما هو مَصْدَرٌ في الأصْلِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُرْفَعَ لِأنَّهُ بِمَعْنًى ثابِتٍ. وهَذا الِاسْتِفْهامُ مِنهم عَلى جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ والإنْكارِ. وقَرَأ الأعْمَشُ: الحَقُّ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهو أدْخَلُ في الِاسْتِهْزاءِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى التَّعْرِيضِ بِأنَّهُ باطِلٌ، وذَلِكَ أنَّ اللّامَ لِلْجِنْسِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أهْوَ الحَقُّ لا الباطِلُ، أوْ: أهْوَ الَّذِي سَمَّيْتُمُوهُ الحَقَّ ؟ انْتَهى. وأمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يَقُولَ مُجِيبًا لَهم: ﴿قُلْ إي ورَبِّي﴾، أيْ: نَعَمْ ورَبِّي. وإي تُسْتَعْمَلُ في القَسَمِ خاصَّةً، كَما تُسْتَعْمَلُ هَلْ بِمَعْنى قَدْ فِيهِ خاصَّةً. قالَ مَعْناهُ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: وسَمِعْتُهم يَقُولُونَ في التَّصْدِيقِ: إي فَيَصِلُونَهُ بِواوِ القَسَمِ ولا يَنْطِقُونَ بِهِ وحْدَهُ، انْتَهى. ولا حُجَّةَ فِيما سَمِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن ذَلِكَ لِعَدَمِ الحُجِّيَّةِ في كَلامِهِ لِفَسادِ كَلامِ (p-١٦٩)العَرَبِ إذْ ذاكَ وقَبْلَهُ بِأزْمانٍ كَثِيرَةٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي لَفْظَةٌ تَتَقَدَّمُ القَسَمَ، وهي بِمَعْنى نَعَمْ، ويَجِيءُ بَعْدَها حَرْفُ القَسَمِ وقَدْ لا يَجِيءُ، تَقُولُ: إي رَبِّي، إي ورَبِّي، انْتَهى. وقَدْ كانَ يُكْتَفى في الجَوابِ بِقَوْلِهِ: إي ورَبِّي، إلّا أنَّهُ أُكِّدَ بِإظْهارِ الجُمْلَةِ الَّتِي كانَتْ تُضْمَرُ بَعْدَ قَوْلِهِ: (إي ورَبِّي) مَسُوقَةً مُؤَكَّدَةً بِإنَّ واللّامِ مُبالَغَةً في التَّوْكِيدِ في الجَوابِ، ولَمّا تَضَمَّنَ قَوْلُهم أحَقٌّ هو السُّؤالَ عَنِ العَذابِ، وكانَ سُؤالًا عَنِ العَذابِ اللّاحِقِ بِهِمْ لا عَنْ مُطْلَقِ عَذابٍ يَقَعُ بِمَن يَقَعُ. قِيلَ: وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ، أيْ: فائِتِينَ العَذابَ المَسْئُولَ عَنْهُ، بَلْ هو لاحِقٌ بِكم. واحْتَمَلَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ أنْ تَكُونَ داخِلَةً في جَوابِ القَسَمِ، فَتَكُونُ مَعْطُوفَةً عَلى الجَوابِ قَبْلَها. واحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ إخْبارًا، مَعْطُوفًا عَلى الجُمْلَةِ المَقُولَةِ لا عَلى جَوابِ القَسَمِ. وأعْجَزَ الهَمْزَةُ فِيهِ لِلتَّعْدِيَةِ كَما قالَ: ﴿ولَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ [الجن: ١٢]، لَكِنَّهُ كَثُرَ فِيهِ حَذْفُ المَفْعُولِ حَتّى قالَتِ العَرَبُ: أعْجَزَ فُلانٌ إذا ذَهَبَ في الأرْضِ فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ، وقالَ الزَّجّاجُ: أيْ ما أنْتُمْ مِمَّنْ يُعْجِزُ مَن يُعَذِّبُكم. ﴿ولَوْ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما في الأرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وأسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ ولَمّا ذَكَرَ العَذابَ وأقْسَمَ عَلى حَقِيقَتِهِ، وأنَّهم لا يُفْلِتُونَ مِنهُ، ذَكَرَ بَعْضَ أحْوالِ الظّالِمِينَ في الآخِرَةِ. وظَلَمَتْ صِفَةٌ لِنَفْسٍ. والظُّلْمُ هُنا: الشِّرْكُ والكُفْرُ، وافْتَدى يَأْتِي مُطاوِعًا لَفَدى، فَلا يَتَعَدّى تَقُولُ: فَدَيْتُهُ فافْتَدى، وبِمَعْنى فَدى فَيَتَعَدّى، وهُنا يَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ. وما في الأرْضِ أيْ: ما كانَ لَها في الدُّنْيا مِنَ الخَزائِنِ والأمْوالِ والمَنافِعِ، وأسَرُّوا مِنَ الأضْدادِ تَأْتِي بِمَعْنى أظْهَرَ. قالَ الفَرَزْدَقُ: ؎ولَمّا رَأى الحَجّاجَ جَرَّدَ سَيْفَهُ أسَرَّ الحَرُورِيُّ الَّذِي كانَ أظْهَرا وقالَ آخَرُ: ؎فَأسْرَرْتُ النَّدامَةَ يَوْمَ نادى ∗∗∗ بِرَدِّ جِمالِ غاضِرَةَ المُنادِي وتَأْتِي بِمَعْنى أخْفى وهو المَشْهُورُ فِيها كَقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ [هود: ٥] ويَحْتَمِلُ هُنا الوَجْهَيْنِ. أمّا الإظْهارُ فَإنَّهُ لَيْسَ بِيَوْمِ تَصَبُّرٍ ولا تَجَلُّدٍ، ولا يَقْدِرُ فِيهِ الكافِرُ عَلى كِتْمانِ ما نالَهُ، ولِأنَّ حالَةَ رُؤْيَةِ العَذابِ يَتَحَسَّرُ الإنْسانُ عَلى اقْتِرافِهِ ما أوْجَبَهُ، ويُظْهِرُ النَّدامَةَ عَلى ما فاتَهُ مِنَ الفَوْزِ ومِنَ الخَلاصِ مِنَ العَذابِ وقَدْ قالُوا: ﴿رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا﴾ [المؤمنون: ١٠٦]، وأمّا إخْفاءُ النَّدامَةِ فَقِيلَ: أخْفى رُؤَساؤُهُمُ النَّدامَةَ مِن سَفَلَتِهِمْ حَياءً مِنهم وخَوْفًا مِن تَوْبِيخِهِمْ وهَذا فِيهِ بُعْدٌ، لِأنَّ مَن عايَنَ العَذابَ هو مَشْغُولٌ بِما يُقاسِيهِ مِنهُ، فَكَيْفَ لَهُ فِكْرٌ في الحَياءِ وفي التَّوْبِيخِ الوارِدِ مِنَ السَّفَلَةِ. وأيْضًا وأسَرُّوا عائِدٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ عَلى المَعْنى، وهو عامٌّ في الرُّؤَساءِ والسَّفَلَةِ. وقِيلَ: إخْفاءُ النَّدامَةِ هو مِن كَوْنِهِمْ بُهِتُوا لِرُؤْيَتِهِمْ ما لَمْ يَحْسَبُوهُ ولا خَطَرَ بِبالِهِمْ، ومُعايَنَتُهم ما أوْهى قُواهم فَلَمْ يُطِيقُوا عِنْدَ ذَلِكَ بُكاءً ولا صُراخًا، ولا ما يَفْعَلُهُ الجازِعُ سِوى إسْرارِ النَّدَمِ والحَسْرَةِ في القُلُوبِ، كَما يَعْرِضُ لِمَن يُقَدَّمُ لِلصَّلْبِ لا يَكادُ يَنْبِسُ بِكَلِمَةٍ، ويَبْقى مَبْهُوتًا جامِدًا. وأمّا مَن قالَ: إنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: وأسَرُّوا النَّدامَةَ، أخْلَصُوا لِلَّهِ في تِلْكَ النَّدامَةِ، أوْ بَدَتْ بِالنَّدامَةِ أسِرَّةُ وُجُوهِهِمْ، أيْ: تَكاسِيرُ جِباهِهِمْ فَفِيهِ بُعْدٌ عَنْ سِياقِ الآيَةِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وقُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ﴾، جُمْلَةُ أخْبارٍ مُسْتَأْنَفَةٍ، ولَيْسَتْ مَعْطُوفَةً عَلى ما في حَيِّزِ لَمّا، وأنَّ الضَّمِيرَ في بَيْنَهم عائِدٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَيْنَ الظّالِمِينَ والمَظْلُومِينَ دَلَّ عَلى ذَلِكَ ذِكْرُ الظُّلْمِ، انْتَهى. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المُؤْمِنِ والكافِرِ. وقِيلَ: عَلى الرُّؤَساءِ والأتْباعِ. ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ألا إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿هُوَ يُحْيِي ويُمِيتُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ قِيلَ: تَعَلُّقُ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها مِن جِهَةِ أنَّهُ فَرَضَ أنَّ النَّفْسَ الظّالِمَةَ لَوْ كانَ لَها ما في الأرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ، وهي لا شَيْءَ لَها البَتَّةَ لِأنَّ جَمِيعَ الأشْياءِ إنَّما هي بِأسْرِها مِلْكٌ لِلَّهِ تَعالى وهو المُتَصَرِّفُ فِيها، إذْ لَهُ المُلْكُ والمِلْكُ. ويَظْهَرُ أنَّ مُناسَبَتَها (p-١٧٠)لِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا سَألُوا عَمّا وُعِدُوا بِهِ مِنَ العَذابِ أحَقٌّ هو ؟ وأجِيبُوا بِأنَّهُ حَقٌّ لا مَحالَةَ، وكانَ ذَلِكَ جَوابًا كافِيًا لِمَن وفَّقَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْإيمانِ، كَما كانَ جَوابًا لِلْأعْرابِيِّ حِينَ سَألَ الرَّسُولَ ﷺ: آللَّهُ أرْسَلَكَ ؟ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ» فَقَنِعَ مِنهُ بِإخْبارِهِ ﷺ إذْ عَلِمَ أنَّهُ لا يَقُولُ إلّا الحَقَّ والصِّدْقَ، كَما قالَ هِرَقْلُ: لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ الكَذِبَ عَلى النّاسِ ويَكْذِبَ عَلى اللَّهِ انْتَقَلَ مِن هَذا الجَوابِ إلى ذِكْرِ البُرْهانِ القاطِعِ عَلى حُجَّتِهِ وتَقْرِيرِهِ بِأنَّ القَوْلَ بِالنُّبُوَّةِ والمَعادِ يَتَفَرَّعانِ عَلى إثْباتِ الإلَهِ القادِرِ الحَكِيمِ، وأنَّ ما سِواهُ فَهو مُلْكُهُ ومِلْكُهُ ؟ وعَنْ هَذا بِهَذِهِ الآيَةِ، وكانَ قَدِ اسْتَقْصى الدَّلائِلَ عَلى ذَلِكَ في هَذِهِ السُّورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [يونس: ٦] الآيَةَ وقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً﴾ [يونس: ٥] فاكْتَفى هُنا عَنْ ذِكْرِها. وإذا كانَ جَمِيعُ ما في العالَمِ مُلْكَهُ ومِلْكَهُ كانَ قادِرًا عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، غَنِيًّا عَنْ جَمِيعِ الحاجاتِ، مُنَزَّهًا عَنِ النَّقائِصِ والآفاتِ، وبِكَوْنِهِ قادِرًا عَلى المُمْكِناتِ كانَ قادِرًا عَلى إنْزالِ العَذابِ عَلى الكُفّارِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقادِرًا عَلى تَأْيِيدِ رَسُولِهِ بِالدَّلائِلِ وإعْلاءِ دِينِهِ، فَبَطَلَ الِاسْتِهْزاءُ والتَّعْجِيزُ. وبِتَنْزِيهِهِ عَنِ النَّقائِصِ كانَ مُنَزَّهًا عَنِ الخُلْفِ والكَذِبِ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مُقَدِّمَةٌ تُوجِبُ الجَزْمَ بِصِحَّةِ قَوْلِهِ: ألا إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ. وألا كَلِمَةُ تَنْبِيهٍ دَخَلَتْ عَلى الجُمْلَتَيْنِ تَنْبِيهًا لِلْغافِلِ، إذْ كانُوا مَشْغُولِينَ بِالنَّظَرِ إلى الأسْبابِ الظّاهِرَةِ مِن نِسْبَةِ أشْياءَ إلى أنَّها مَمْلُوكَةٌ لِمَن جُعِلَ لَهُ بَعْضُ تَصَرُّفٍ فِيها واسْتِخْلافٍ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي: لِغَفْلَتِهِمْ عَنْ هَذِهِ الدَّلائِلِ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ قُدْرَتِهِ عَلى الإحْياءِ والإماتَةِ. فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى إحْيائِهِ مَرَّةً ثانِيَةً، ولِذَلِكَ قالَ: وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ، فَتَرَوْنَ ما وعَدَ بِهِ. وقَرَأ الحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ، وعِيسى ابْنُ عُمَرَ: يُرْجَعُونَ بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ. ﴿ياأيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكم وشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: قِيلَ: نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ الَّذِينَ سَألُوا الرَّسُولَ ﷺ أحَقٌّ هو ؟ فالنّاسُ هم كُفّارُ قُرَيْشٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو خِطابٌ لِجَمِيعِ العالَمِ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الأدِلَّةَ عَلى الأُلُوهِيَّةِ والوَحْدانِيَّةِ والقُدْرَةِ، ذَكَرَ الدَّلائِلَ الدّالَّةَ عَلى صِحَّةِ النُّبُوَّةِ والطَّرِيقَ المُؤَدِّي إلَيْها وهو القُرْآنُ، والمُتَّصِفُ بِهَذِهِ الأوْصافِ الشَّرِيفَةِ هو القُرْآنُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ قَدْ جاءَكم كِتابٌ جامِعٌ لِهَذِهِ الفَوائِدِ مِن مَوْعِظَةٍ وتَنْبِيهٍ عَلى التَّوْحِيدِ، هو شِفاءٌ، أيْ: دَواءٌ لِما في صُدُورِكم مِنَ العَقائِدِ الفاسِدَةِ، ودُعاءٌ إلى الحَقِّ ورَحْمَةٌ لِمَن آمَنَ بِهِ مِنكُمُ، انْتَهى. ومِن رَبِّكم يُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِجاءَتْكم، فَمِن لِابْتِداءِ الغايَةِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ أيْ: مِن مَواعِظِ رَبِّكم فَتَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، فَمِن لِلتَّبْعِيضِ. وفي قَوْلِهِ: مِن رَبِّكم تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ لَيْسَ مِن عِنْدِ أحَدٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وجَعَلَهُ مَوْعِظَةً بِحَسَبِ النّاسِ أجْمَعَ، وجَعَلَهُ هُدًى ورَحْمَةً بِحَسَبِ المُؤْمِنِينَ، وهَذا تَقْسِيمٌ صَحِيحُ المَعْنى إذا تَأوَّلَ بِأنْ وجَّهَهُ، انْتَهى. وذَكَرَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ هُنا كَلامًا كَثِيرًا مَمْزُوجًا بِما يُسَمُّونَهُ حِكْمَةً: نَعْلَمُ قَطْعًا أنَّ العَرَبَ لا تَفْهَمُ ذَلِكَ الَّذِي قَرَّرَهُ مِن ألْفاظِ القُرْآنِ، وطَوَّلَ في ذَلِكَ، وضَرَبَ أمْثِلَةً حِسِّيَّةً يُوقَفُ عَلَيْها مِن تَفْسِيرِهِ، ثُمَّ قالَ آخِرَ كَلامِهِ: فالحاصِلُ أنَّ المَوْعِظَةَ إشارَةٌ إلى تَطْهِيرِ ظَواهِرِ الخَلْقِ عَمّا لا يَنْبَغِي وهو الشَّرِيعَةُ، والشِّفاءُ إشارَةٌ إلى تَطْهِيرِ الأرْواحِ عَنِ العَقائِدِ الفاسِدَةِ والأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ وهو الطَّرِيقَةُ، والهُدى إشارَةٌ إلى ظُهُورِ نُورِ الحَقِّ في قُلُوبِ الصِّدِّيقِينَ وهو الحَقِيقَةُ، والرَّحْمَةُ إشارَةٌ إلى كَوْنِها بالِغَةً في الكَمالِ، والإشْراقِ إلى حَيْثُ تَصِيرُ تُكْمِلُ النّاقِصِينَ وهي النُّبُوَّةُ. فَهَذِهِ دَرَجاتٌ عَقْلِيَّةٌ ومَراتِبُ بُرْهانِيَّةٌ مَدْلُولٌ عَلَيْها بِهَذِهِ الألْفاظِ القُرْآنِيَّةِ، لا يُمْكِنُ تَأخُّرُ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، ولا تَقَدُّمُ ما تَأخَّرَ ذِكْرُهُ. (p-١٧١)﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ﴾ فَقالَ: بِكِتابِ اللَّهِ والإسْلامِ، فَضْلُهُ الإسْلامُ، ورَحْمَتُهُ ما وعَدَ عَلَيْهِ»، انْتَهى. ولَوْ صَحَّ هَذا الحَدِيثُ لَمْ يُمْكِنْ خِلافُهُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ وهِلالُ بْنُ يَسافٍ: فَضْلُ اللَّهِ الإسْلامُ ورَحْمَتُهُ القُرْآنُ. وقالَ الضَّحّاكُ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ عَكْسَ هَذا، وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: الفَضْلُ القُرْآنُ، والرَّحْمَةُ أنْ جَعَلَهم مِن أهْلِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما رَوى الضَّحّاكُ عَنْهُ: الفَضْلُ العِلْمُ والرَّحْمَةُ مُحَمَّدٌ ﷺ . وقالَ ابْنُ عُمَرَ: الفَضْلُ الإسْلامُ، والرَّحْمَةُ تَزْيِينُهُ في القُلُوبِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الفَضْلُ والرَّحْمَةُ القُرْآنُ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ خالِدُ بْنُ مَعْدانَ: الفَضْلُ القُرْآنُ، والرَّحْمَةُ السُّنَّةُ. وعَنْهُ أيْضًا أنَّ الفَضْلَ الإسْلامُ، والرَّحْمَةَ السَّتْرُ. وقالَ عَمْرُو بْنُ عُثْمانَ: فَضْلُ اللَّهِ كَشْفُ الغِطاءِ، ورَحْمَتُهُ الرُّؤْيَةُ واللِّقاءُ. وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ فَضْلٍ: الفَضْلُ الإيمانُ، والرَّحْمَةُ الجَنَّةُ. وقِيلَ: الفَضْلُ التَّوْفِيقُ، والرَّحْمَةُ العِصْمَةُ. وقِيلَ: الفَضْلُ نِعَمُهُ الظّاهِرَةُ، والرَّحْمَةُ نِعَمُهُ الباطِنَةُ. وقالَ الصّادِقُ: الفَضْلُ المَغْفِرَةُ، والرَّحْمَةُ التَّوْفِيقُ. وقالَ ذُو النُّونِ: الفَضْلُ الجِنانُ، ورَحْمَتُهُ النَّجاةُ مِنَ النِّيرانِ. وهَذِهِ تَخْصِيصاتٌ تَحْتاجُ إلى دَلائِلَ، ويَنْبَغِي أنْ يُعْتَقَدَ أنَّها تَمْثِيلاتٌ، لِأنَّ الفَضْلَ والرَّحْمَةَ أُرِيدَ بِهِما تَعْيِينُ ما ذُكِرَ وحَصْرُهُما فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإنَّما الَّذِي يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ ويَلْزَمُ مِنهُ أنَّ الفَضْلَ هو هِدايَةُ اللَّهِ إلى دِينِهِ والتَّوْفِيقُ إلى اتِّباعِ الشَّرْعِ، والرَّحْمَةَ هي عَفْوُهُ وسُكْنى جَنَّتِهِ الَّتِي جَعَلَها جَزاءً عَلى اتِّباعِ الإسْلامِ والإيمانِ. ومَعْنى الآيَةِ: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِجَمِيعِ النّاسِ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَلْيَقَعِ الفَرَحُ مِنكم، لا بِأُمُورِ الدُّنْيا وما يُجْمَعُ مِن حُطامِها، فالمُؤْمِنُونَ يُقالُ لَهم: فَلْيَفْرَحُوا وهم مُلْتَبِسُونَ بِعِلَّةِ الفَرَحِ وسَبَبِهِ، ومُخْلِصُونَ لِفَضْلِ اللَّهِ مُنْتَظِرُونَ لِرَحْمَتِهِ، والكافِرُونَ يُقالُ لَهم: بِفَضْلِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ فَلْيَفْرَحُوا عَلى مَعْنى أنْ لَوِ اتَّفَقَ لَكم أوْ لَوْ سَعِدْتُمْ بِالهِدايَةِ إلى تَحْصِيلِ ذَلِكَ، انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ، فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا: جُمْلَتانِ، وحُذِفَ ما تَتَعَلَّقُ بِهِ الباءُ والتَّقْدِيرُ: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ لِيَفْرَحُوا، ثُمَّ عُطِفَتِ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ عَلى الأُولى عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ. قالالزَّمَخْشَرِيُّ: والتَّكْرِيرُ لِلتَّقْرِيرِ والتَّأْكِيدِ، وإيجابُ اخْتِصاصِ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ بِالفَرَحِ دُونَ ما عَداهُما مِن فَوائِدِ الدُّنْيا، فَحُذِفَ أحَدُ الفِعْلَيْنِ لِدِلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ، والفاءُ داخِلَةٌ لِمَعْنى الشَّرْطِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَلْيَخُصُّوهُما بِالفَرَحِ، فَإنَّهُ لا مَفْرُوحَ بِهِ أحَقُّ مِنهُما. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَلْيَعْتَنُوا بِذَلِكَ، فَلْيَفْرَحُوا. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ، أيْ: فَبِمَجِيئِهِما فَلْيَفْرَحُوا، انْتَهى. أمّا إضْمارُ فَلْيَعْنَتُوا فَلا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وأمّا تَعْلِيقُهُ بِقَوْلِهِ: قَدْ جاءَتْكم، فَيَنْبَغِي أنْ يُقَدِّرَ ذَلِكَ مَحْذُوفًا بَعْدَ قُلْ، ولا يَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِـ (جاءَتْكم) الأُولى لِلْفَصْلِ بَيْنَهُما بِقُلْ. وقالَ الحَوْفِيُّ: الباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِما دَلَّ عَلى المَعْنى، أيْ: قَدْ جاءَتْكُمُ المَوْعِظَةُ بِفَضْلِ اللَّهِ. وقِيلَ: الفاءُ الأُولى زائِدَةٌ، ويَكُونُ بِذَلِكَ بَدَلًا قَبْلَهُ، وأُشِيرَ بِهِ إلى الِاثْنَيْنِ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ. وقِيلَ: كُرِّرَتِ الفاءُ الثّانِيَةُ لِلتَّوْكِيدِ، فَعَلى هَذا لا تَكُونُ الأُولى زائِدَةً، ويَكُونُ أصْلُ التَّرْكِيبِ فَبِذَلِكَ لِيَفْرَحُوا، وفي القَوْلِ قَبْلَهُ يَكُونُ أصْلُ التَّرْكِيبِ بِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا، ولا تَنافِيَ بَيْنَ الأمْرِ بِالفَرَحِ هُنا وبَيْنَ النَّهْيِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] لِاخْتِلافِ المُتَعَلِّقِ، فالمَأْمُورُ بِهِ هُنا الفَرَحُ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ، والمَنهِيُّ هُناكَ الفَرَحُ بِجَمْعِ الأمْوالِ لِرِئاسَةِ الدُّنْيا وإرادَةِ العُلُوِّ بِها والفَسادِ، ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ: ﴿وابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدّارَ الآخِرَةَ ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ [القصص: ٧٧] وقَبْلَهُ: ﴿إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ﴾ [القصص: ٧٦] وقَوْلُهُ: ﴿لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ [هود: ١٠] جاءَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الذَّمِّ لِفَرَحِهِ بِإذاقَةِ النَّعْماءِ بَعْدَ الضَّرّاءِ، ويَأْسِهِ وكُفْرانِهِ لِلنَّعْماءِ إذا نُزِعَتْ مِنهُ، وهَذِهِ صِفَةٌ مَذْمُومَةٌ، ولَيْسَ ذَلِكَ مِن أفْعالِ الآخِرَةِ. وقَوْلُ مَن قالَ: إذا أُطْلِقَ (p-١٧٢)الفَرَحُ كانَ مَذْمُومًا، وإذا قُيِّدَ لَمْ يَكُنْ مَذْمُومًا كَما قالَ: ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠] لَيْسَ بِمُطَّرِدٍ، إذْ جاءَ مُقَيَّدًا في الذَّمِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً﴾ [الأنعام: ٤٤] وإنَّما يُمْدَحُ الفَرَحَ ويُذَمُّ بِحَسَبِ مُتَعَلِّقِهِ، فَإذا كانَ بِنَيْلِ ثَوابِ الآخِرَةِ وأعْمالِ البِرِّ كانَ مَحْمُودًا، وإذا كانَ بِنَيْلِ لَذّاتِ الدُّنْيا وحُطامِها كانَ مَذْمُومًا. وقَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ وأُبَيٌّ وأنَسٌ والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ وابْنُ هُرْمُزَ وابْنُ سِيرِينَ وأبُو جَعْفَرٍ المَدَنِيُّ والسُّلَمِيُّ وقَتادَةُ والجَحْدَرِيُّ وهِلالُ بْنُ يَسافٍ والأعْمَشُ وعَمْرُو بْنُ قائِدٍ والعَبّاسُ بْنُ الفَضْلِ الأنْصارِيُّ: فَلْتَفْرَحُوا بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، ورُوِيَتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وقالَ وقَدْ جاءَ عَنْ يَعْقُوبَ كَذَلِكَ، انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ القَعْقاعِ وابْنُ عامِرٍ والحَسَنُ عَلى ما زَعَمَ هارُونُ. ورُوِيَتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: فَلْتَفْرَحُوا وتَجْمَعُونَ بِالتّاءِ فِيهِما عَلى المُخاطَبَةِ، وهي قِراءَةُ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ كَثِيرَةٍ، وعَنْ أكْثَرِهِمْ خِلافٌ، انْتَهى. والجُمْهُورُ بِالياءِ عَلى أمْرِ الغائِبِ. وما نَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ ابْنَ عامِرٍ قَرَأ فَلْتَفْرَحُوا بِالتّاءِ لَيْسَ هو المَشْهُورُ عَنْهُ، إنَّما قِراءَتُهُ في مَشْهُورِ السَّبْعَةِ بِالياءِ أمْرًا لِلْغائِبِ، لَكِنَّهُ قَرَأ تَجْمَعُونَ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ. وفِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: فَبِذَلِكَ فافْرَحُوا، وهَذِهِ هي اللُّغَةُ الكَثِيرَةُ الشَّهِيرَةُ في أمْرِ المُخاطَبِ. وأمّا فَلْيَفْرَحُوا بِالياءِ فَهي لُغَةٌ قَلِيلَةٌ. وفي الحَدِيثِ: (لِتَأْخُذُوا مَصافَّكم) وقَرَأ أبُو التَّيّاحِ والحَسَنُ: فَلْيَفْرَحُوا بِكَسْرِ اللّامِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ أُشِيرَ بِهِ إلى واحِدٍ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَيْهِ مُوَحَّدًا في قَوْلِهِ: هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ، فالَّذِي يَنْبَغِي أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ، عَلى أنَّهُما شَيْءٌ واحِدٌ عُبِّرَ عَنْهُ بِاسْمَيْنِ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ، ولِذَلِكَ أُشِيرَ إلَيْهِ بِذَلِكَ، وعادَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِ مُفْرَدًا. وقَوْلُهُ: مِمّا يَجْمَعُونَ يَعْنِي مِن حُطامِ الدُّنْيا ومَتاعِها. ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالًا قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكم أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾: مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها هي أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ وكانَ المُرادُ بِذَلِكَ كِتابَ اللَّهِ المُشْتَمِلَ عَلى التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ، بَيَّنَ فَسادَ شَرائِعِهِمْ وأحْكامِهِمْ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ مِن غَيْرِ مُسْتَنَدٍ في ذَلِكَ إلى وحْيٍ. وأرَأيْتُمْ هُنا بِمَعْنى أخْبِرُونِي. وجَوَّزُوا في ما أنْزَلَ: أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً مَفْعُولًا أوَّلَ لِأرَأيْتُمْ، والعائِدُ عَلَيْها مَحْذُوفٌ، والمَفْعُولُ الثّانِي قَوْلُهُ: آللَّهُ أذِنَ لَكم، والعائِدُ عَلى المُبْتَدَأِ مِنَ الخَبَرِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: آللَّهُ أذِنَ لَكم فِيهِ، وكُرِّرَ قُلْ قَبْلَ الخَبَرِ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ. وأنْ تَكُونَ ما اسْتِفْهامِيَّةً مَنصُوبَةً بِأنْزَلَ، قالَهُ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ. وقِيلَ: ما اسْتِفْهامِيَّةٌ مُبْتَدَأةٌ، والضَّمِيرُ مِنَ الخَبَرِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: آللَّهُ أذِنَ لَكم فِيهِ أوْ بِهِ، وهَذا ضَعِيفٌ لِحَذْفِ هَذا العائِدِ. وجَعْلُ ما مَوْصُولَةً هو الوَجْهُ، لِأنَّ فِيهِ إبْقاءَ أرَأيْتَ عَلى بابِها مِن كَوْنِها تَتَعَدّى إلى الأوَّلِ فَتُؤَثِّرُ فِيهِ، بِخِلافِ جَعْلِها اسْتِفْهامِيَّةً، فَإنَّ أرَأيْتَ إذْ ذاكَ تَكُونُ مُعَلَّقَةً، ويَكُونُ ما قَدْ سَدَّتْ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ، والظّاهِرُ أنَّ أمْ مُتَّصِلَةٌ والمَعْنى: أخْبِرُونِي آللَّهُ أذِنَ لَكم في التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ ؟، فَأنْتُمْ تَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِأِذْنِهِ أمْ تَكْذِبُونَ عَلى اللَّهِ في نِسْبَةِ ذَلِكَ إلَيْهِ ؟ فَنَبَّهَ بِتَوْقِيفِهِمْ عَلى أحَدِ القِسْمَيْنِ، وهم لا يُمْكِنُهُمُ ادِّعاءُ إذْنِ اللَّهِ في ذَلِكَ فَثَبَتَ افْتِراؤُهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، وأمْ مُنْقَطِعَةً بِمَعْنى بَلْ، أتَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ تَقْرِيرًا لِلِافْتِراءِ، انْتَهى. وأنْزَلَ هُنا قِيلَ مَعْناهُ: خَلَقَ كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلْنا الحَدِيدَ﴾ [الحديد: ٢٥] ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الزمر: ٦] . وقِيلَ: أنْزَلَ عَلى بابِها وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: مِن سَبَبِ رِزْقٍ وهو المَطَرُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أنْزَلَ لَفْظَةٌ فِيها تَجَوُّزٌ، وإنْزالُ الرِّزْقِ إمّا أنْ يَكُونَ في ضِمْنِ إنْزالِ المَطَرِ بِالمَآلِ، ونُزُولِ الأمْرِ بِهِ الَّذِي هو ظُهُورُ الأثَرِ في المَخْلُوقِ مِنهُ المُخْتَرَعِ والمَجْعُولِ حَرامًا وحَلالًا. قالَ مُجاهِدٌ: هو ما حَكَمُوا بِهِ مِن تَحْرِيمِ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ والوَصِيلَةِ والِحامِ. وقالَ الضَّحّاكُ: هو إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ: (p-١٧٣)﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام: ١٣٦] . ﴿وما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾: ما اسْتِفْهامِيَّةٌ مُبْتَدَأةٌ خَبَرُها ظَنُّ، والمَعْنى: أيُّ شَيٍّ ظَنَّ المُفْتَرِينَ يَوْمَ القِيامَةِ، أُبْهِمَ الأمْرُ عَلى سَبِيلِ التَّهْدِيدِ، والإبْعادِ يَوْمَ يَكُونُ الجَزاءُ بِالإحْسانِ والإساءَةِ. ويَوْمَ مَنصُوبٌ بِظَنُّ، ومَعْمُولُ الظَّنِّ قِيلَ تَقْدِيرُهُ: ما ظَنُّهم أنَّ اللَّهَ فاعِلٌ بِهِمْ، أيُنَجِّيهِمْ أمْ يُعَذِّبُهم ؟ وقَرَأ عِيسى بْنُ عَمْرٍو: ما ظَنَّ جَعَلَهُ فِعْلًا ماضِيًا، أيْ: أيُّ ظَنٍّ ظَنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ، فَما في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَصْدَرِ، وما الِاسْتِفْهامِيَّةُ قَدْ تَنُوبُ عَنِ المَصْدَرِ تَقُولُ: ما تَضْرِبُ زَيْدًا ؟ تُرِيدُ: أيُّ ضَرْبٍ تَضْرِبُ زَيْدًا. وقالَ الشّاعِرُ: ؎ماذا يَغِيرُ ابْنَتَيْ رِبْعٍ عَوِيلُهُما ∗∗∗ لا تَرْقُدانِ ولا بُؤْسى لِمَن رَقَدا وجِيءَ بِلَفْظِ ظَنَّ ماضِيًا لِأنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ فَكَأنْ قَدْ كانَ، والأوْلى أنْ يَكُونَ ظَنَّ في مَعْنى يَظُنُّ، لِكَوْنِهِ عامِلًا في يَوْمِ القِيامَةِ. وهو ظَرْفٌ مُسْتَقْبَلٌ، وفَضْلُهُ تَعالى عَلى النّاسِ حَيْثُ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ ورَحِمَهم، فَأرْسَلَ إلَيْهِمُ الرُّسُلَ، وفَصَّلَ لَهُمُ الحَلالَ والحَرامَ، وأكْثَرُهم لا يَشْكُرُ هَذِهِ النِّعْمَةَ.

يونس 10:59

﴿ويَسْتَنْبِئُونَكَ أحَقٌّ هو قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾:، أيْ يَسْتَخْبِرُونَكَ. وأحَقٌّ هو الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى العَذابِ. وقِيلَ: عَلى الشَّرْعِ والقُرْآنِ. وقِيلَ: عَلى الوَعِيدِ، وقِيلَ: عَلى أمْرِ السّاعَةِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِيَقُولُونَ أحَقٌّ هو فَجَعَلَ يَسْتَنْبِئُونَكَ تَتَعَدّى إلى واحِدٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْناهُ يَسْتَخْبِرُونَكَ، وهي عَلى هَذا تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ: أحَدُهُما الكافُ، والآخَرُ في الِابْتِداءِ والخَبَرِ، فَعَلى ما قالَ يَكُونُ يَسْتَنْبِئُونَكَ مُعَلَّقَةً. وأصْلُ اسْتَنْبَأ أنْ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ: أحَدُهُما بِعَنْ، تَقُولُ: اسْتَنْبَأْتُ زَيْدًا عَنْ عَمْرٍو، أيْ: طَلَبْتُ مِنهُ أنْ يُنْبِئَنِي عَنْ عَمْرٍو، والظّاهِرُ أنَّها مُعَلَّقَةٌ عَنِ المَفْعُولِ الثّانِي. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقِيلَ هي بِمَعْنى يَسْتَعْلِمُونَكَ. قالَ: فَهي عَلى هَذا تَحْتاجُ إلى مَفاعِيلَ ثَلاثَةٍ، أحَدُها: الكافُ والِابْتِداءُ، والخَبَرُ سَدَّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ، انْتَهى. ولَيْسَ كَما ذَكَرَ، لِأنَّ اسْتَعْلَمَ لا يُحْفَظُ كَوْنُها مُتَعَدِّيَةً إلى مَفاعِيلَ ثَلاثَةٍ، لا يُحْفَظُ اسْتَعْلَمْتُ زَيْدًا عَمْرًا قائِمًا فَتَكُونُ جُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ سَدَّتْ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ، ولا يَلْزَمُ مِن كَوْنِها بِمَعْنى يَسْتَعْلِمُونَكَ أنْ تَتَعَدّى إلى ثَلاثَةٍ، لِأنَّ اسْتَعْلَمَ لا يَتَعَدّى إلى ثَلاثَةٍ كَما ذَكَرْنا. وارْتَفَعَ هو عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وحَقٌّ خَبَرُهُ. وأجازَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ حَقٌّ مُبْتَدَأً وهو فاعِلٌ بِهِ سُدَّ مَسَدُّ الخَبَرِ، وحَقٌّ لَيْسَ اسْمَ فاعِلٍ ولا مَفْعُولٍ، وإنَّما هو مَصْدَرٌ في الأصْلِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُرْفَعَ لِأنَّهُ بِمَعْنًى ثابِتٍ. وهَذا الِاسْتِفْهامُ مِنهم عَلى جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ والإنْكارِ. وقَرَأ الأعْمَشُ: الحَقُّ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهو أدْخَلُ في الِاسْتِهْزاءِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى التَّعْرِيضِ بِأنَّهُ باطِلٌ، وذَلِكَ أنَّ اللّامَ لِلْجِنْسِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أهْوَ الحَقُّ لا الباطِلُ، أوْ: أهْوَ الَّذِي سَمَّيْتُمُوهُ الحَقَّ ؟ انْتَهى. وأمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يَقُولَ مُجِيبًا لَهم: ﴿قُلْ إي ورَبِّي﴾، أيْ: نَعَمْ ورَبِّي. وإي تُسْتَعْمَلُ في القَسَمِ خاصَّةً، كَما تُسْتَعْمَلُ هَلْ بِمَعْنى قَدْ فِيهِ خاصَّةً. قالَ مَعْناهُ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: وسَمِعْتُهم يَقُولُونَ في التَّصْدِيقِ: إي فَيَصِلُونَهُ بِواوِ القَسَمِ ولا يَنْطِقُونَ بِهِ وحْدَهُ، انْتَهى. ولا حُجَّةَ فِيما سَمِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن ذَلِكَ لِعَدَمِ الحُجِّيَّةِ في كَلامِهِ لِفَسادِ كَلامِ (p-١٦٩)العَرَبِ إذْ ذاكَ وقَبْلَهُ بِأزْمانٍ كَثِيرَةٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي لَفْظَةٌ تَتَقَدَّمُ القَسَمَ، وهي بِمَعْنى نَعَمْ، ويَجِيءُ بَعْدَها حَرْفُ القَسَمِ وقَدْ لا يَجِيءُ، تَقُولُ: إي رَبِّي، إي ورَبِّي، انْتَهى. وقَدْ كانَ يُكْتَفى في الجَوابِ بِقَوْلِهِ: إي ورَبِّي، إلّا أنَّهُ أُكِّدَ بِإظْهارِ الجُمْلَةِ الَّتِي كانَتْ تُضْمَرُ بَعْدَ قَوْلِهِ: (إي ورَبِّي) مَسُوقَةً مُؤَكَّدَةً بِإنَّ واللّامِ مُبالَغَةً في التَّوْكِيدِ في الجَوابِ، ولَمّا تَضَمَّنَ قَوْلُهم أحَقٌّ هو السُّؤالَ عَنِ العَذابِ، وكانَ سُؤالًا عَنِ العَذابِ اللّاحِقِ بِهِمْ لا عَنْ مُطْلَقِ عَذابٍ يَقَعُ بِمَن يَقَعُ. قِيلَ: وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ، أيْ: فائِتِينَ العَذابَ المَسْئُولَ عَنْهُ، بَلْ هو لاحِقٌ بِكم. واحْتَمَلَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ أنْ تَكُونَ داخِلَةً في جَوابِ القَسَمِ، فَتَكُونُ مَعْطُوفَةً عَلى الجَوابِ قَبْلَها. واحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ إخْبارًا، مَعْطُوفًا عَلى الجُمْلَةِ المَقُولَةِ لا عَلى جَوابِ القَسَمِ. وأعْجَزَ الهَمْزَةُ فِيهِ لِلتَّعْدِيَةِ كَما قالَ: ﴿ولَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ [الجن: ١٢]، لَكِنَّهُ كَثُرَ فِيهِ حَذْفُ المَفْعُولِ حَتّى قالَتِ العَرَبُ: أعْجَزَ فُلانٌ إذا ذَهَبَ في الأرْضِ فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ، وقالَ الزَّجّاجُ: أيْ ما أنْتُمْ مِمَّنْ يُعْجِزُ مَن يُعَذِّبُكم. ﴿ولَوْ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما في الأرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وأسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ ولَمّا ذَكَرَ العَذابَ وأقْسَمَ عَلى حَقِيقَتِهِ، وأنَّهم لا يُفْلِتُونَ مِنهُ، ذَكَرَ بَعْضَ أحْوالِ الظّالِمِينَ في الآخِرَةِ. وظَلَمَتْ صِفَةٌ لِنَفْسٍ. والظُّلْمُ هُنا: الشِّرْكُ والكُفْرُ، وافْتَدى يَأْتِي مُطاوِعًا لَفَدى، فَلا يَتَعَدّى تَقُولُ: فَدَيْتُهُ فافْتَدى، وبِمَعْنى فَدى فَيَتَعَدّى، وهُنا يَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ. وما في الأرْضِ أيْ: ما كانَ لَها في الدُّنْيا مِنَ الخَزائِنِ والأمْوالِ والمَنافِعِ، وأسَرُّوا مِنَ الأضْدادِ تَأْتِي بِمَعْنى أظْهَرَ. قالَ الفَرَزْدَقُ: ؎ولَمّا رَأى الحَجّاجَ جَرَّدَ سَيْفَهُ أسَرَّ الحَرُورِيُّ الَّذِي كانَ أظْهَرا وقالَ آخَرُ: ؎فَأسْرَرْتُ النَّدامَةَ يَوْمَ نادى ∗∗∗ بِرَدِّ جِمالِ غاضِرَةَ المُنادِي وتَأْتِي بِمَعْنى أخْفى وهو المَشْهُورُ فِيها كَقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ [هود: ٥] ويَحْتَمِلُ هُنا الوَجْهَيْنِ. أمّا الإظْهارُ فَإنَّهُ لَيْسَ بِيَوْمِ تَصَبُّرٍ ولا تَجَلُّدٍ، ولا يَقْدِرُ فِيهِ الكافِرُ عَلى كِتْمانِ ما نالَهُ، ولِأنَّ حالَةَ رُؤْيَةِ العَذابِ يَتَحَسَّرُ الإنْسانُ عَلى اقْتِرافِهِ ما أوْجَبَهُ، ويُظْهِرُ النَّدامَةَ عَلى ما فاتَهُ مِنَ الفَوْزِ ومِنَ الخَلاصِ مِنَ العَذابِ وقَدْ قالُوا: ﴿رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا﴾ [المؤمنون: ١٠٦]، وأمّا إخْفاءُ النَّدامَةِ فَقِيلَ: أخْفى رُؤَساؤُهُمُ النَّدامَةَ مِن سَفَلَتِهِمْ حَياءً مِنهم وخَوْفًا مِن تَوْبِيخِهِمْ وهَذا فِيهِ بُعْدٌ، لِأنَّ مَن عايَنَ العَذابَ هو مَشْغُولٌ بِما يُقاسِيهِ مِنهُ، فَكَيْفَ لَهُ فِكْرٌ في الحَياءِ وفي التَّوْبِيخِ الوارِدِ مِنَ السَّفَلَةِ. وأيْضًا وأسَرُّوا عائِدٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ عَلى المَعْنى، وهو عامٌّ في الرُّؤَساءِ والسَّفَلَةِ. وقِيلَ: إخْفاءُ النَّدامَةِ هو مِن كَوْنِهِمْ بُهِتُوا لِرُؤْيَتِهِمْ ما لَمْ يَحْسَبُوهُ ولا خَطَرَ بِبالِهِمْ، ومُعايَنَتُهم ما أوْهى قُواهم فَلَمْ يُطِيقُوا عِنْدَ ذَلِكَ بُكاءً ولا صُراخًا، ولا ما يَفْعَلُهُ الجازِعُ سِوى إسْرارِ النَّدَمِ والحَسْرَةِ في القُلُوبِ، كَما يَعْرِضُ لِمَن يُقَدَّمُ لِلصَّلْبِ لا يَكادُ يَنْبِسُ بِكَلِمَةٍ، ويَبْقى مَبْهُوتًا جامِدًا. وأمّا مَن قالَ: إنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: وأسَرُّوا النَّدامَةَ، أخْلَصُوا لِلَّهِ في تِلْكَ النَّدامَةِ، أوْ بَدَتْ بِالنَّدامَةِ أسِرَّةُ وُجُوهِهِمْ، أيْ: تَكاسِيرُ جِباهِهِمْ فَفِيهِ بُعْدٌ عَنْ سِياقِ الآيَةِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وقُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ﴾، جُمْلَةُ أخْبارٍ مُسْتَأْنَفَةٍ، ولَيْسَتْ مَعْطُوفَةً عَلى ما في حَيِّزِ لَمّا، وأنَّ الضَّمِيرَ في بَيْنَهم عائِدٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَيْنَ الظّالِمِينَ والمَظْلُومِينَ دَلَّ عَلى ذَلِكَ ذِكْرُ الظُّلْمِ، انْتَهى. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المُؤْمِنِ والكافِرِ. وقِيلَ: عَلى الرُّؤَساءِ والأتْباعِ. ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ألا إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿هُوَ يُحْيِي ويُمِيتُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ قِيلَ: تَعَلُّقُ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها مِن جِهَةِ أنَّهُ فَرَضَ أنَّ النَّفْسَ الظّالِمَةَ لَوْ كانَ لَها ما في الأرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ، وهي لا شَيْءَ لَها البَتَّةَ لِأنَّ جَمِيعَ الأشْياءِ إنَّما هي بِأسْرِها مِلْكٌ لِلَّهِ تَعالى وهو المُتَصَرِّفُ فِيها، إذْ لَهُ المُلْكُ والمِلْكُ. ويَظْهَرُ أنَّ مُناسَبَتَها (p-١٧٠)لِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا سَألُوا عَمّا وُعِدُوا بِهِ مِنَ العَذابِ أحَقٌّ هو ؟ وأجِيبُوا بِأنَّهُ حَقٌّ لا مَحالَةَ، وكانَ ذَلِكَ جَوابًا كافِيًا لِمَن وفَّقَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْإيمانِ، كَما كانَ جَوابًا لِلْأعْرابِيِّ حِينَ سَألَ الرَّسُولَ ﷺ: آللَّهُ أرْسَلَكَ ؟ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ» فَقَنِعَ مِنهُ بِإخْبارِهِ ﷺ إذْ عَلِمَ أنَّهُ لا يَقُولُ إلّا الحَقَّ والصِّدْقَ، كَما قالَ هِرَقْلُ: لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ الكَذِبَ عَلى النّاسِ ويَكْذِبَ عَلى اللَّهِ انْتَقَلَ مِن هَذا الجَوابِ إلى ذِكْرِ البُرْهانِ القاطِعِ عَلى حُجَّتِهِ وتَقْرِيرِهِ بِأنَّ القَوْلَ بِالنُّبُوَّةِ والمَعادِ يَتَفَرَّعانِ عَلى إثْباتِ الإلَهِ القادِرِ الحَكِيمِ، وأنَّ ما سِواهُ فَهو مُلْكُهُ ومِلْكُهُ ؟ وعَنْ هَذا بِهَذِهِ الآيَةِ، وكانَ قَدِ اسْتَقْصى الدَّلائِلَ عَلى ذَلِكَ في هَذِهِ السُّورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [يونس: ٦] الآيَةَ وقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً﴾ [يونس: ٥] فاكْتَفى هُنا عَنْ ذِكْرِها. وإذا كانَ جَمِيعُ ما في العالَمِ مُلْكَهُ ومِلْكَهُ كانَ قادِرًا عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، غَنِيًّا عَنْ جَمِيعِ الحاجاتِ، مُنَزَّهًا عَنِ النَّقائِصِ والآفاتِ، وبِكَوْنِهِ قادِرًا عَلى المُمْكِناتِ كانَ قادِرًا عَلى إنْزالِ العَذابِ عَلى الكُفّارِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقادِرًا عَلى تَأْيِيدِ رَسُولِهِ بِالدَّلائِلِ وإعْلاءِ دِينِهِ، فَبَطَلَ الِاسْتِهْزاءُ والتَّعْجِيزُ. وبِتَنْزِيهِهِ عَنِ النَّقائِصِ كانَ مُنَزَّهًا عَنِ الخُلْفِ والكَذِبِ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مُقَدِّمَةٌ تُوجِبُ الجَزْمَ بِصِحَّةِ قَوْلِهِ: ألا إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ. وألا كَلِمَةُ تَنْبِيهٍ دَخَلَتْ عَلى الجُمْلَتَيْنِ تَنْبِيهًا لِلْغافِلِ، إذْ كانُوا مَشْغُولِينَ بِالنَّظَرِ إلى الأسْبابِ الظّاهِرَةِ مِن نِسْبَةِ أشْياءَ إلى أنَّها مَمْلُوكَةٌ لِمَن جُعِلَ لَهُ بَعْضُ تَصَرُّفٍ فِيها واسْتِخْلافٍ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي: لِغَفْلَتِهِمْ عَنْ هَذِهِ الدَّلائِلِ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ قُدْرَتِهِ عَلى الإحْياءِ والإماتَةِ. فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى إحْيائِهِ مَرَّةً ثانِيَةً، ولِذَلِكَ قالَ: وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ، فَتَرَوْنَ ما وعَدَ بِهِ. وقَرَأ الحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ، وعِيسى ابْنُ عُمَرَ: يُرْجَعُونَ بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ. ﴿ياأيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكم وشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: قِيلَ: نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ الَّذِينَ سَألُوا الرَّسُولَ ﷺ أحَقٌّ هو ؟ فالنّاسُ هم كُفّارُ قُرَيْشٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو خِطابٌ لِجَمِيعِ العالَمِ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الأدِلَّةَ عَلى الأُلُوهِيَّةِ والوَحْدانِيَّةِ والقُدْرَةِ، ذَكَرَ الدَّلائِلَ الدّالَّةَ عَلى صِحَّةِ النُّبُوَّةِ والطَّرِيقَ المُؤَدِّي إلَيْها وهو القُرْآنُ، والمُتَّصِفُ بِهَذِهِ الأوْصافِ الشَّرِيفَةِ هو القُرْآنُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ قَدْ جاءَكم كِتابٌ جامِعٌ لِهَذِهِ الفَوائِدِ مِن مَوْعِظَةٍ وتَنْبِيهٍ عَلى التَّوْحِيدِ، هو شِفاءٌ، أيْ: دَواءٌ لِما في صُدُورِكم مِنَ العَقائِدِ الفاسِدَةِ، ودُعاءٌ إلى الحَقِّ ورَحْمَةٌ لِمَن آمَنَ بِهِ مِنكُمُ، انْتَهى. ومِن رَبِّكم يُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِجاءَتْكم، فَمِن لِابْتِداءِ الغايَةِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ أيْ: مِن مَواعِظِ رَبِّكم فَتَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، فَمِن لِلتَّبْعِيضِ. وفي قَوْلِهِ: مِن رَبِّكم تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ لَيْسَ مِن عِنْدِ أحَدٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وجَعَلَهُ مَوْعِظَةً بِحَسَبِ النّاسِ أجْمَعَ، وجَعَلَهُ هُدًى ورَحْمَةً بِحَسَبِ المُؤْمِنِينَ، وهَذا تَقْسِيمٌ صَحِيحُ المَعْنى إذا تَأوَّلَ بِأنْ وجَّهَهُ، انْتَهى. وذَكَرَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ هُنا كَلامًا كَثِيرًا مَمْزُوجًا بِما يُسَمُّونَهُ حِكْمَةً: نَعْلَمُ قَطْعًا أنَّ العَرَبَ لا تَفْهَمُ ذَلِكَ الَّذِي قَرَّرَهُ مِن ألْفاظِ القُرْآنِ، وطَوَّلَ في ذَلِكَ، وضَرَبَ أمْثِلَةً حِسِّيَّةً يُوقَفُ عَلَيْها مِن تَفْسِيرِهِ، ثُمَّ قالَ آخِرَ كَلامِهِ: فالحاصِلُ أنَّ المَوْعِظَةَ إشارَةٌ إلى تَطْهِيرِ ظَواهِرِ الخَلْقِ عَمّا لا يَنْبَغِي وهو الشَّرِيعَةُ، والشِّفاءُ إشارَةٌ إلى تَطْهِيرِ الأرْواحِ عَنِ العَقائِدِ الفاسِدَةِ والأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ وهو الطَّرِيقَةُ، والهُدى إشارَةٌ إلى ظُهُورِ نُورِ الحَقِّ في قُلُوبِ الصِّدِّيقِينَ وهو الحَقِيقَةُ، والرَّحْمَةُ إشارَةٌ إلى كَوْنِها بالِغَةً في الكَمالِ، والإشْراقِ إلى حَيْثُ تَصِيرُ تُكْمِلُ النّاقِصِينَ وهي النُّبُوَّةُ. فَهَذِهِ دَرَجاتٌ عَقْلِيَّةٌ ومَراتِبُ بُرْهانِيَّةٌ مَدْلُولٌ عَلَيْها بِهَذِهِ الألْفاظِ القُرْآنِيَّةِ، لا يُمْكِنُ تَأخُّرُ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، ولا تَقَدُّمُ ما تَأخَّرَ ذِكْرُهُ. (p-١٧١)﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ﴾ فَقالَ: بِكِتابِ اللَّهِ والإسْلامِ، فَضْلُهُ الإسْلامُ، ورَحْمَتُهُ ما وعَدَ عَلَيْهِ»، انْتَهى. ولَوْ صَحَّ هَذا الحَدِيثُ لَمْ يُمْكِنْ خِلافُهُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ وهِلالُ بْنُ يَسافٍ: فَضْلُ اللَّهِ الإسْلامُ ورَحْمَتُهُ القُرْآنُ. وقالَ الضَّحّاكُ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ عَكْسَ هَذا، وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: الفَضْلُ القُرْآنُ، والرَّحْمَةُ أنْ جَعَلَهم مِن أهْلِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما رَوى الضَّحّاكُ عَنْهُ: الفَضْلُ العِلْمُ والرَّحْمَةُ مُحَمَّدٌ ﷺ . وقالَ ابْنُ عُمَرَ: الفَضْلُ الإسْلامُ، والرَّحْمَةُ تَزْيِينُهُ في القُلُوبِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الفَضْلُ والرَّحْمَةُ القُرْآنُ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ خالِدُ بْنُ مَعْدانَ: الفَضْلُ القُرْآنُ، والرَّحْمَةُ السُّنَّةُ. وعَنْهُ أيْضًا أنَّ الفَضْلَ الإسْلامُ، والرَّحْمَةَ السَّتْرُ. وقالَ عَمْرُو بْنُ عُثْمانَ: فَضْلُ اللَّهِ كَشْفُ الغِطاءِ، ورَحْمَتُهُ الرُّؤْيَةُ واللِّقاءُ. وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ فَضْلٍ: الفَضْلُ الإيمانُ، والرَّحْمَةُ الجَنَّةُ. وقِيلَ: الفَضْلُ التَّوْفِيقُ، والرَّحْمَةُ العِصْمَةُ. وقِيلَ: الفَضْلُ نِعَمُهُ الظّاهِرَةُ، والرَّحْمَةُ نِعَمُهُ الباطِنَةُ. وقالَ الصّادِقُ: الفَضْلُ المَغْفِرَةُ، والرَّحْمَةُ التَّوْفِيقُ. وقالَ ذُو النُّونِ: الفَضْلُ الجِنانُ، ورَحْمَتُهُ النَّجاةُ مِنَ النِّيرانِ. وهَذِهِ تَخْصِيصاتٌ تَحْتاجُ إلى دَلائِلَ، ويَنْبَغِي أنْ يُعْتَقَدَ أنَّها تَمْثِيلاتٌ، لِأنَّ الفَضْلَ والرَّحْمَةَ أُرِيدَ بِهِما تَعْيِينُ ما ذُكِرَ وحَصْرُهُما فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإنَّما الَّذِي يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ ويَلْزَمُ مِنهُ أنَّ الفَضْلَ هو هِدايَةُ اللَّهِ إلى دِينِهِ والتَّوْفِيقُ إلى اتِّباعِ الشَّرْعِ، والرَّحْمَةَ هي عَفْوُهُ وسُكْنى جَنَّتِهِ الَّتِي جَعَلَها جَزاءً عَلى اتِّباعِ الإسْلامِ والإيمانِ. ومَعْنى الآيَةِ: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِجَمِيعِ النّاسِ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَلْيَقَعِ الفَرَحُ مِنكم، لا بِأُمُورِ الدُّنْيا وما يُجْمَعُ مِن حُطامِها، فالمُؤْمِنُونَ يُقالُ لَهم: فَلْيَفْرَحُوا وهم مُلْتَبِسُونَ بِعِلَّةِ الفَرَحِ وسَبَبِهِ، ومُخْلِصُونَ لِفَضْلِ اللَّهِ مُنْتَظِرُونَ لِرَحْمَتِهِ، والكافِرُونَ يُقالُ لَهم: بِفَضْلِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ فَلْيَفْرَحُوا عَلى مَعْنى أنْ لَوِ اتَّفَقَ لَكم أوْ لَوْ سَعِدْتُمْ بِالهِدايَةِ إلى تَحْصِيلِ ذَلِكَ، انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ، فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا: جُمْلَتانِ، وحُذِفَ ما تَتَعَلَّقُ بِهِ الباءُ والتَّقْدِيرُ: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ لِيَفْرَحُوا، ثُمَّ عُطِفَتِ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ عَلى الأُولى عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ. قالالزَّمَخْشَرِيُّ: والتَّكْرِيرُ لِلتَّقْرِيرِ والتَّأْكِيدِ، وإيجابُ اخْتِصاصِ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ بِالفَرَحِ دُونَ ما عَداهُما مِن فَوائِدِ الدُّنْيا، فَحُذِفَ أحَدُ الفِعْلَيْنِ لِدِلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ، والفاءُ داخِلَةٌ لِمَعْنى الشَّرْطِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَلْيَخُصُّوهُما بِالفَرَحِ، فَإنَّهُ لا مَفْرُوحَ بِهِ أحَقُّ مِنهُما. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَلْيَعْتَنُوا بِذَلِكَ، فَلْيَفْرَحُوا. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ، أيْ: فَبِمَجِيئِهِما فَلْيَفْرَحُوا، انْتَهى. أمّا إضْمارُ فَلْيَعْنَتُوا فَلا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وأمّا تَعْلِيقُهُ بِقَوْلِهِ: قَدْ جاءَتْكم، فَيَنْبَغِي أنْ يُقَدِّرَ ذَلِكَ مَحْذُوفًا بَعْدَ قُلْ، ولا يَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِـ (جاءَتْكم) الأُولى لِلْفَصْلِ بَيْنَهُما بِقُلْ. وقالَ الحَوْفِيُّ: الباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِما دَلَّ عَلى المَعْنى، أيْ: قَدْ جاءَتْكُمُ المَوْعِظَةُ بِفَضْلِ اللَّهِ. وقِيلَ: الفاءُ الأُولى زائِدَةٌ، ويَكُونُ بِذَلِكَ بَدَلًا قَبْلَهُ، وأُشِيرَ بِهِ إلى الِاثْنَيْنِ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ. وقِيلَ: كُرِّرَتِ الفاءُ الثّانِيَةُ لِلتَّوْكِيدِ، فَعَلى هَذا لا تَكُونُ الأُولى زائِدَةً، ويَكُونُ أصْلُ التَّرْكِيبِ فَبِذَلِكَ لِيَفْرَحُوا، وفي القَوْلِ قَبْلَهُ يَكُونُ أصْلُ التَّرْكِيبِ بِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا، ولا تَنافِيَ بَيْنَ الأمْرِ بِالفَرَحِ هُنا وبَيْنَ النَّهْيِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] لِاخْتِلافِ المُتَعَلِّقِ، فالمَأْمُورُ بِهِ هُنا الفَرَحُ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ، والمَنهِيُّ هُناكَ الفَرَحُ بِجَمْعِ الأمْوالِ لِرِئاسَةِ الدُّنْيا وإرادَةِ العُلُوِّ بِها والفَسادِ، ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ: ﴿وابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدّارَ الآخِرَةَ ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ [القصص: ٧٧] وقَبْلَهُ: ﴿إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ﴾ [القصص: ٧٦] وقَوْلُهُ: ﴿لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ [هود: ١٠] جاءَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الذَّمِّ لِفَرَحِهِ بِإذاقَةِ النَّعْماءِ بَعْدَ الضَّرّاءِ، ويَأْسِهِ وكُفْرانِهِ لِلنَّعْماءِ إذا نُزِعَتْ مِنهُ، وهَذِهِ صِفَةٌ مَذْمُومَةٌ، ولَيْسَ ذَلِكَ مِن أفْعالِ الآخِرَةِ. وقَوْلُ مَن قالَ: إذا أُطْلِقَ (p-١٧٢)الفَرَحُ كانَ مَذْمُومًا، وإذا قُيِّدَ لَمْ يَكُنْ مَذْمُومًا كَما قالَ: ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠] لَيْسَ بِمُطَّرِدٍ، إذْ جاءَ مُقَيَّدًا في الذَّمِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً﴾ [الأنعام: ٤٤] وإنَّما يُمْدَحُ الفَرَحَ ويُذَمُّ بِحَسَبِ مُتَعَلِّقِهِ، فَإذا كانَ بِنَيْلِ ثَوابِ الآخِرَةِ وأعْمالِ البِرِّ كانَ مَحْمُودًا، وإذا كانَ بِنَيْلِ لَذّاتِ الدُّنْيا وحُطامِها كانَ مَذْمُومًا. وقَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ وأُبَيٌّ وأنَسٌ والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ وابْنُ هُرْمُزَ وابْنُ سِيرِينَ وأبُو جَعْفَرٍ المَدَنِيُّ والسُّلَمِيُّ وقَتادَةُ والجَحْدَرِيُّ وهِلالُ بْنُ يَسافٍ والأعْمَشُ وعَمْرُو بْنُ قائِدٍ والعَبّاسُ بْنُ الفَضْلِ الأنْصارِيُّ: فَلْتَفْرَحُوا بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، ورُوِيَتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وقالَ وقَدْ جاءَ عَنْ يَعْقُوبَ كَذَلِكَ، انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ القَعْقاعِ وابْنُ عامِرٍ والحَسَنُ عَلى ما زَعَمَ هارُونُ. ورُوِيَتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: فَلْتَفْرَحُوا وتَجْمَعُونَ بِالتّاءِ فِيهِما عَلى المُخاطَبَةِ، وهي قِراءَةُ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ كَثِيرَةٍ، وعَنْ أكْثَرِهِمْ خِلافٌ، انْتَهى. والجُمْهُورُ بِالياءِ عَلى أمْرِ الغائِبِ. وما نَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ ابْنَ عامِرٍ قَرَأ فَلْتَفْرَحُوا بِالتّاءِ لَيْسَ هو المَشْهُورُ عَنْهُ، إنَّما قِراءَتُهُ في مَشْهُورِ السَّبْعَةِ بِالياءِ أمْرًا لِلْغائِبِ، لَكِنَّهُ قَرَأ تَجْمَعُونَ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ. وفِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: فَبِذَلِكَ فافْرَحُوا، وهَذِهِ هي اللُّغَةُ الكَثِيرَةُ الشَّهِيرَةُ في أمْرِ المُخاطَبِ. وأمّا فَلْيَفْرَحُوا بِالياءِ فَهي لُغَةٌ قَلِيلَةٌ. وفي الحَدِيثِ: (لِتَأْخُذُوا مَصافَّكم) وقَرَأ أبُو التَّيّاحِ والحَسَنُ: فَلْيَفْرَحُوا بِكَسْرِ اللّامِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ أُشِيرَ بِهِ إلى واحِدٍ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَيْهِ مُوَحَّدًا في قَوْلِهِ: هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ، فالَّذِي يَنْبَغِي أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ، عَلى أنَّهُما شَيْءٌ واحِدٌ عُبِّرَ عَنْهُ بِاسْمَيْنِ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ، ولِذَلِكَ أُشِيرَ إلَيْهِ بِذَلِكَ، وعادَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِ مُفْرَدًا. وقَوْلُهُ: مِمّا يَجْمَعُونَ يَعْنِي مِن حُطامِ الدُّنْيا ومَتاعِها. ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالًا قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكم أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾: مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها هي أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ وكانَ المُرادُ بِذَلِكَ كِتابَ اللَّهِ المُشْتَمِلَ عَلى التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ، بَيَّنَ فَسادَ شَرائِعِهِمْ وأحْكامِهِمْ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ مِن غَيْرِ مُسْتَنَدٍ في ذَلِكَ إلى وحْيٍ. وأرَأيْتُمْ هُنا بِمَعْنى أخْبِرُونِي. وجَوَّزُوا في ما أنْزَلَ: أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً مَفْعُولًا أوَّلَ لِأرَأيْتُمْ، والعائِدُ عَلَيْها مَحْذُوفٌ، والمَفْعُولُ الثّانِي قَوْلُهُ: آللَّهُ أذِنَ لَكم، والعائِدُ عَلى المُبْتَدَأِ مِنَ الخَبَرِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: آللَّهُ أذِنَ لَكم فِيهِ، وكُرِّرَ قُلْ قَبْلَ الخَبَرِ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ. وأنْ تَكُونَ ما اسْتِفْهامِيَّةً مَنصُوبَةً بِأنْزَلَ، قالَهُ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ. وقِيلَ: ما اسْتِفْهامِيَّةٌ مُبْتَدَأةٌ، والضَّمِيرُ مِنَ الخَبَرِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: آللَّهُ أذِنَ لَكم فِيهِ أوْ بِهِ، وهَذا ضَعِيفٌ لِحَذْفِ هَذا العائِدِ. وجَعْلُ ما مَوْصُولَةً هو الوَجْهُ، لِأنَّ فِيهِ إبْقاءَ أرَأيْتَ عَلى بابِها مِن كَوْنِها تَتَعَدّى إلى الأوَّلِ فَتُؤَثِّرُ فِيهِ، بِخِلافِ جَعْلِها اسْتِفْهامِيَّةً، فَإنَّ أرَأيْتَ إذْ ذاكَ تَكُونُ مُعَلَّقَةً، ويَكُونُ ما قَدْ سَدَّتْ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ، والظّاهِرُ أنَّ أمْ مُتَّصِلَةٌ والمَعْنى: أخْبِرُونِي آللَّهُ أذِنَ لَكم في التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ ؟، فَأنْتُمْ تَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِأِذْنِهِ أمْ تَكْذِبُونَ عَلى اللَّهِ في نِسْبَةِ ذَلِكَ إلَيْهِ ؟ فَنَبَّهَ بِتَوْقِيفِهِمْ عَلى أحَدِ القِسْمَيْنِ، وهم لا يُمْكِنُهُمُ ادِّعاءُ إذْنِ اللَّهِ في ذَلِكَ فَثَبَتَ افْتِراؤُهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، وأمْ مُنْقَطِعَةً بِمَعْنى بَلْ، أتَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ تَقْرِيرًا لِلِافْتِراءِ، انْتَهى. وأنْزَلَ هُنا قِيلَ مَعْناهُ: خَلَقَ كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلْنا الحَدِيدَ﴾ [الحديد: ٢٥] ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الزمر: ٦] . وقِيلَ: أنْزَلَ عَلى بابِها وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: مِن سَبَبِ رِزْقٍ وهو المَطَرُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أنْزَلَ لَفْظَةٌ فِيها تَجَوُّزٌ، وإنْزالُ الرِّزْقِ إمّا أنْ يَكُونَ في ضِمْنِ إنْزالِ المَطَرِ بِالمَآلِ، ونُزُولِ الأمْرِ بِهِ الَّذِي هو ظُهُورُ الأثَرِ في المَخْلُوقِ مِنهُ المُخْتَرَعِ والمَجْعُولِ حَرامًا وحَلالًا. قالَ مُجاهِدٌ: هو ما حَكَمُوا بِهِ مِن تَحْرِيمِ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ والوَصِيلَةِ والِحامِ. وقالَ الضَّحّاكُ: هو إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ: (p-١٧٣)﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام: ١٣٦] . ﴿وما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾: ما اسْتِفْهامِيَّةٌ مُبْتَدَأةٌ خَبَرُها ظَنُّ، والمَعْنى: أيُّ شَيٍّ ظَنَّ المُفْتَرِينَ يَوْمَ القِيامَةِ، أُبْهِمَ الأمْرُ عَلى سَبِيلِ التَّهْدِيدِ، والإبْعادِ يَوْمَ يَكُونُ الجَزاءُ بِالإحْسانِ والإساءَةِ. ويَوْمَ مَنصُوبٌ بِظَنُّ، ومَعْمُولُ الظَّنِّ قِيلَ تَقْدِيرُهُ: ما ظَنُّهم أنَّ اللَّهَ فاعِلٌ بِهِمْ، أيُنَجِّيهِمْ أمْ يُعَذِّبُهم ؟ وقَرَأ عِيسى بْنُ عَمْرٍو: ما ظَنَّ جَعَلَهُ فِعْلًا ماضِيًا، أيْ: أيُّ ظَنٍّ ظَنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ، فَما في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَصْدَرِ، وما الِاسْتِفْهامِيَّةُ قَدْ تَنُوبُ عَنِ المَصْدَرِ تَقُولُ: ما تَضْرِبُ زَيْدًا ؟ تُرِيدُ: أيُّ ضَرْبٍ تَضْرِبُ زَيْدًا. وقالَ الشّاعِرُ: ؎ماذا يَغِيرُ ابْنَتَيْ رِبْعٍ عَوِيلُهُما ∗∗∗ لا تَرْقُدانِ ولا بُؤْسى لِمَن رَقَدا وجِيءَ بِلَفْظِ ظَنَّ ماضِيًا لِأنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ فَكَأنْ قَدْ كانَ، والأوْلى أنْ يَكُونَ ظَنَّ في مَعْنى يَظُنُّ، لِكَوْنِهِ عامِلًا في يَوْمِ القِيامَةِ. وهو ظَرْفٌ مُسْتَقْبَلٌ، وفَضْلُهُ تَعالى عَلى النّاسِ حَيْثُ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ ورَحِمَهم، فَأرْسَلَ إلَيْهِمُ الرُّسُلَ، وفَصَّلَ لَهُمُ الحَلالَ والحَرامَ، وأكْثَرُهم لا يَشْكُرُ هَذِهِ النِّعْمَةَ.

يونس 10:60

﴿ويَسْتَنْبِئُونَكَ أحَقٌّ هو قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾:، أيْ يَسْتَخْبِرُونَكَ. وأحَقٌّ هو الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى العَذابِ. وقِيلَ: عَلى الشَّرْعِ والقُرْآنِ. وقِيلَ: عَلى الوَعِيدِ، وقِيلَ: عَلى أمْرِ السّاعَةِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِيَقُولُونَ أحَقٌّ هو فَجَعَلَ يَسْتَنْبِئُونَكَ تَتَعَدّى إلى واحِدٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْناهُ يَسْتَخْبِرُونَكَ، وهي عَلى هَذا تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ: أحَدُهُما الكافُ، والآخَرُ في الِابْتِداءِ والخَبَرِ، فَعَلى ما قالَ يَكُونُ يَسْتَنْبِئُونَكَ مُعَلَّقَةً. وأصْلُ اسْتَنْبَأ أنْ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ: أحَدُهُما بِعَنْ، تَقُولُ: اسْتَنْبَأْتُ زَيْدًا عَنْ عَمْرٍو، أيْ: طَلَبْتُ مِنهُ أنْ يُنْبِئَنِي عَنْ عَمْرٍو، والظّاهِرُ أنَّها مُعَلَّقَةٌ عَنِ المَفْعُولِ الثّانِي. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقِيلَ هي بِمَعْنى يَسْتَعْلِمُونَكَ. قالَ: فَهي عَلى هَذا تَحْتاجُ إلى مَفاعِيلَ ثَلاثَةٍ، أحَدُها: الكافُ والِابْتِداءُ، والخَبَرُ سَدَّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ، انْتَهى. ولَيْسَ كَما ذَكَرَ، لِأنَّ اسْتَعْلَمَ لا يُحْفَظُ كَوْنُها مُتَعَدِّيَةً إلى مَفاعِيلَ ثَلاثَةٍ، لا يُحْفَظُ اسْتَعْلَمْتُ زَيْدًا عَمْرًا قائِمًا فَتَكُونُ جُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ سَدَّتْ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ، ولا يَلْزَمُ مِن كَوْنِها بِمَعْنى يَسْتَعْلِمُونَكَ أنْ تَتَعَدّى إلى ثَلاثَةٍ، لِأنَّ اسْتَعْلَمَ لا يَتَعَدّى إلى ثَلاثَةٍ كَما ذَكَرْنا. وارْتَفَعَ هو عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وحَقٌّ خَبَرُهُ. وأجازَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ حَقٌّ مُبْتَدَأً وهو فاعِلٌ بِهِ سُدَّ مَسَدُّ الخَبَرِ، وحَقٌّ لَيْسَ اسْمَ فاعِلٍ ولا مَفْعُولٍ، وإنَّما هو مَصْدَرٌ في الأصْلِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُرْفَعَ لِأنَّهُ بِمَعْنًى ثابِتٍ. وهَذا الِاسْتِفْهامُ مِنهم عَلى جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ والإنْكارِ. وقَرَأ الأعْمَشُ: الحَقُّ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهو أدْخَلُ في الِاسْتِهْزاءِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى التَّعْرِيضِ بِأنَّهُ باطِلٌ، وذَلِكَ أنَّ اللّامَ لِلْجِنْسِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أهْوَ الحَقُّ لا الباطِلُ، أوْ: أهْوَ الَّذِي سَمَّيْتُمُوهُ الحَقَّ ؟ انْتَهى. وأمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يَقُولَ مُجِيبًا لَهم: ﴿قُلْ إي ورَبِّي﴾، أيْ: نَعَمْ ورَبِّي. وإي تُسْتَعْمَلُ في القَسَمِ خاصَّةً، كَما تُسْتَعْمَلُ هَلْ بِمَعْنى قَدْ فِيهِ خاصَّةً. قالَ مَعْناهُ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: وسَمِعْتُهم يَقُولُونَ في التَّصْدِيقِ: إي فَيَصِلُونَهُ بِواوِ القَسَمِ ولا يَنْطِقُونَ بِهِ وحْدَهُ، انْتَهى. ولا حُجَّةَ فِيما سَمِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن ذَلِكَ لِعَدَمِ الحُجِّيَّةِ في كَلامِهِ لِفَسادِ كَلامِ (p-١٦٩)العَرَبِ إذْ ذاكَ وقَبْلَهُ بِأزْمانٍ كَثِيرَةٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي لَفْظَةٌ تَتَقَدَّمُ القَسَمَ، وهي بِمَعْنى نَعَمْ، ويَجِيءُ بَعْدَها حَرْفُ القَسَمِ وقَدْ لا يَجِيءُ، تَقُولُ: إي رَبِّي، إي ورَبِّي، انْتَهى. وقَدْ كانَ يُكْتَفى في الجَوابِ بِقَوْلِهِ: إي ورَبِّي، إلّا أنَّهُ أُكِّدَ بِإظْهارِ الجُمْلَةِ الَّتِي كانَتْ تُضْمَرُ بَعْدَ قَوْلِهِ: (إي ورَبِّي) مَسُوقَةً مُؤَكَّدَةً بِإنَّ واللّامِ مُبالَغَةً في التَّوْكِيدِ في الجَوابِ، ولَمّا تَضَمَّنَ قَوْلُهم أحَقٌّ هو السُّؤالَ عَنِ العَذابِ، وكانَ سُؤالًا عَنِ العَذابِ اللّاحِقِ بِهِمْ لا عَنْ مُطْلَقِ عَذابٍ يَقَعُ بِمَن يَقَعُ. قِيلَ: وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ، أيْ: فائِتِينَ العَذابَ المَسْئُولَ عَنْهُ، بَلْ هو لاحِقٌ بِكم. واحْتَمَلَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ أنْ تَكُونَ داخِلَةً في جَوابِ القَسَمِ، فَتَكُونُ مَعْطُوفَةً عَلى الجَوابِ قَبْلَها. واحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ إخْبارًا، مَعْطُوفًا عَلى الجُمْلَةِ المَقُولَةِ لا عَلى جَوابِ القَسَمِ. وأعْجَزَ الهَمْزَةُ فِيهِ لِلتَّعْدِيَةِ كَما قالَ: ﴿ولَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ [الجن: ١٢]، لَكِنَّهُ كَثُرَ فِيهِ حَذْفُ المَفْعُولِ حَتّى قالَتِ العَرَبُ: أعْجَزَ فُلانٌ إذا ذَهَبَ في الأرْضِ فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ، وقالَ الزَّجّاجُ: أيْ ما أنْتُمْ مِمَّنْ يُعْجِزُ مَن يُعَذِّبُكم. ﴿ولَوْ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما في الأرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وأسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ ولَمّا ذَكَرَ العَذابَ وأقْسَمَ عَلى حَقِيقَتِهِ، وأنَّهم لا يُفْلِتُونَ مِنهُ، ذَكَرَ بَعْضَ أحْوالِ الظّالِمِينَ في الآخِرَةِ. وظَلَمَتْ صِفَةٌ لِنَفْسٍ. والظُّلْمُ هُنا: الشِّرْكُ والكُفْرُ، وافْتَدى يَأْتِي مُطاوِعًا لَفَدى، فَلا يَتَعَدّى تَقُولُ: فَدَيْتُهُ فافْتَدى، وبِمَعْنى فَدى فَيَتَعَدّى، وهُنا يَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ. وما في الأرْضِ أيْ: ما كانَ لَها في الدُّنْيا مِنَ الخَزائِنِ والأمْوالِ والمَنافِعِ، وأسَرُّوا مِنَ الأضْدادِ تَأْتِي بِمَعْنى أظْهَرَ. قالَ الفَرَزْدَقُ: ؎ولَمّا رَأى الحَجّاجَ جَرَّدَ سَيْفَهُ أسَرَّ الحَرُورِيُّ الَّذِي كانَ أظْهَرا وقالَ آخَرُ: ؎فَأسْرَرْتُ النَّدامَةَ يَوْمَ نادى ∗∗∗ بِرَدِّ جِمالِ غاضِرَةَ المُنادِي وتَأْتِي بِمَعْنى أخْفى وهو المَشْهُورُ فِيها كَقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ [هود: ٥] ويَحْتَمِلُ هُنا الوَجْهَيْنِ. أمّا الإظْهارُ فَإنَّهُ لَيْسَ بِيَوْمِ تَصَبُّرٍ ولا تَجَلُّدٍ، ولا يَقْدِرُ فِيهِ الكافِرُ عَلى كِتْمانِ ما نالَهُ، ولِأنَّ حالَةَ رُؤْيَةِ العَذابِ يَتَحَسَّرُ الإنْسانُ عَلى اقْتِرافِهِ ما أوْجَبَهُ، ويُظْهِرُ النَّدامَةَ عَلى ما فاتَهُ مِنَ الفَوْزِ ومِنَ الخَلاصِ مِنَ العَذابِ وقَدْ قالُوا: ﴿رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا﴾ [المؤمنون: ١٠٦]، وأمّا إخْفاءُ النَّدامَةِ فَقِيلَ: أخْفى رُؤَساؤُهُمُ النَّدامَةَ مِن سَفَلَتِهِمْ حَياءً مِنهم وخَوْفًا مِن تَوْبِيخِهِمْ وهَذا فِيهِ بُعْدٌ، لِأنَّ مَن عايَنَ العَذابَ هو مَشْغُولٌ بِما يُقاسِيهِ مِنهُ، فَكَيْفَ لَهُ فِكْرٌ في الحَياءِ وفي التَّوْبِيخِ الوارِدِ مِنَ السَّفَلَةِ. وأيْضًا وأسَرُّوا عائِدٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ عَلى المَعْنى، وهو عامٌّ في الرُّؤَساءِ والسَّفَلَةِ. وقِيلَ: إخْفاءُ النَّدامَةِ هو مِن كَوْنِهِمْ بُهِتُوا لِرُؤْيَتِهِمْ ما لَمْ يَحْسَبُوهُ ولا خَطَرَ بِبالِهِمْ، ومُعايَنَتُهم ما أوْهى قُواهم فَلَمْ يُطِيقُوا عِنْدَ ذَلِكَ بُكاءً ولا صُراخًا، ولا ما يَفْعَلُهُ الجازِعُ سِوى إسْرارِ النَّدَمِ والحَسْرَةِ في القُلُوبِ، كَما يَعْرِضُ لِمَن يُقَدَّمُ لِلصَّلْبِ لا يَكادُ يَنْبِسُ بِكَلِمَةٍ، ويَبْقى مَبْهُوتًا جامِدًا. وأمّا مَن قالَ: إنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: وأسَرُّوا النَّدامَةَ، أخْلَصُوا لِلَّهِ في تِلْكَ النَّدامَةِ، أوْ بَدَتْ بِالنَّدامَةِ أسِرَّةُ وُجُوهِهِمْ، أيْ: تَكاسِيرُ جِباهِهِمْ فَفِيهِ بُعْدٌ عَنْ سِياقِ الآيَةِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وقُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ﴾، جُمْلَةُ أخْبارٍ مُسْتَأْنَفَةٍ، ولَيْسَتْ مَعْطُوفَةً عَلى ما في حَيِّزِ لَمّا، وأنَّ الضَّمِيرَ في بَيْنَهم عائِدٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَيْنَ الظّالِمِينَ والمَظْلُومِينَ دَلَّ عَلى ذَلِكَ ذِكْرُ الظُّلْمِ، انْتَهى. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المُؤْمِنِ والكافِرِ. وقِيلَ: عَلى الرُّؤَساءِ والأتْباعِ. ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ألا إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿هُوَ يُحْيِي ويُمِيتُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ قِيلَ: تَعَلُّقُ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها مِن جِهَةِ أنَّهُ فَرَضَ أنَّ النَّفْسَ الظّالِمَةَ لَوْ كانَ لَها ما في الأرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ، وهي لا شَيْءَ لَها البَتَّةَ لِأنَّ جَمِيعَ الأشْياءِ إنَّما هي بِأسْرِها مِلْكٌ لِلَّهِ تَعالى وهو المُتَصَرِّفُ فِيها، إذْ لَهُ المُلْكُ والمِلْكُ. ويَظْهَرُ أنَّ مُناسَبَتَها (p-١٧٠)لِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا سَألُوا عَمّا وُعِدُوا بِهِ مِنَ العَذابِ أحَقٌّ هو ؟ وأجِيبُوا بِأنَّهُ حَقٌّ لا مَحالَةَ، وكانَ ذَلِكَ جَوابًا كافِيًا لِمَن وفَّقَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْإيمانِ، كَما كانَ جَوابًا لِلْأعْرابِيِّ حِينَ سَألَ الرَّسُولَ ﷺ: آللَّهُ أرْسَلَكَ ؟ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ» فَقَنِعَ مِنهُ بِإخْبارِهِ ﷺ إذْ عَلِمَ أنَّهُ لا يَقُولُ إلّا الحَقَّ والصِّدْقَ، كَما قالَ هِرَقْلُ: لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ الكَذِبَ عَلى النّاسِ ويَكْذِبَ عَلى اللَّهِ انْتَقَلَ مِن هَذا الجَوابِ إلى ذِكْرِ البُرْهانِ القاطِعِ عَلى حُجَّتِهِ وتَقْرِيرِهِ بِأنَّ القَوْلَ بِالنُّبُوَّةِ والمَعادِ يَتَفَرَّعانِ عَلى إثْباتِ الإلَهِ القادِرِ الحَكِيمِ، وأنَّ ما سِواهُ فَهو مُلْكُهُ ومِلْكُهُ ؟ وعَنْ هَذا بِهَذِهِ الآيَةِ، وكانَ قَدِ اسْتَقْصى الدَّلائِلَ عَلى ذَلِكَ في هَذِهِ السُّورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [يونس: ٦] الآيَةَ وقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً﴾ [يونس: ٥] فاكْتَفى هُنا عَنْ ذِكْرِها. وإذا كانَ جَمِيعُ ما في العالَمِ مُلْكَهُ ومِلْكَهُ كانَ قادِرًا عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، غَنِيًّا عَنْ جَمِيعِ الحاجاتِ، مُنَزَّهًا عَنِ النَّقائِصِ والآفاتِ، وبِكَوْنِهِ قادِرًا عَلى المُمْكِناتِ كانَ قادِرًا عَلى إنْزالِ العَذابِ عَلى الكُفّارِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقادِرًا عَلى تَأْيِيدِ رَسُولِهِ بِالدَّلائِلِ وإعْلاءِ دِينِهِ، فَبَطَلَ الِاسْتِهْزاءُ والتَّعْجِيزُ. وبِتَنْزِيهِهِ عَنِ النَّقائِصِ كانَ مُنَزَّهًا عَنِ الخُلْفِ والكَذِبِ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مُقَدِّمَةٌ تُوجِبُ الجَزْمَ بِصِحَّةِ قَوْلِهِ: ألا إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ. وألا كَلِمَةُ تَنْبِيهٍ دَخَلَتْ عَلى الجُمْلَتَيْنِ تَنْبِيهًا لِلْغافِلِ، إذْ كانُوا مَشْغُولِينَ بِالنَّظَرِ إلى الأسْبابِ الظّاهِرَةِ مِن نِسْبَةِ أشْياءَ إلى أنَّها مَمْلُوكَةٌ لِمَن جُعِلَ لَهُ بَعْضُ تَصَرُّفٍ فِيها واسْتِخْلافٍ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي: لِغَفْلَتِهِمْ عَنْ هَذِهِ الدَّلائِلِ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ قُدْرَتِهِ عَلى الإحْياءِ والإماتَةِ. فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى إحْيائِهِ مَرَّةً ثانِيَةً، ولِذَلِكَ قالَ: وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ، فَتَرَوْنَ ما وعَدَ بِهِ. وقَرَأ الحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ، وعِيسى ابْنُ عُمَرَ: يُرْجَعُونَ بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ. ﴿ياأيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكم وشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: قِيلَ: نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ الَّذِينَ سَألُوا الرَّسُولَ ﷺ أحَقٌّ هو ؟ فالنّاسُ هم كُفّارُ قُرَيْشٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو خِطابٌ لِجَمِيعِ العالَمِ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الأدِلَّةَ عَلى الأُلُوهِيَّةِ والوَحْدانِيَّةِ والقُدْرَةِ، ذَكَرَ الدَّلائِلَ الدّالَّةَ عَلى صِحَّةِ النُّبُوَّةِ والطَّرِيقَ المُؤَدِّي إلَيْها وهو القُرْآنُ، والمُتَّصِفُ بِهَذِهِ الأوْصافِ الشَّرِيفَةِ هو القُرْآنُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ قَدْ جاءَكم كِتابٌ جامِعٌ لِهَذِهِ الفَوائِدِ مِن مَوْعِظَةٍ وتَنْبِيهٍ عَلى التَّوْحِيدِ، هو شِفاءٌ، أيْ: دَواءٌ لِما في صُدُورِكم مِنَ العَقائِدِ الفاسِدَةِ، ودُعاءٌ إلى الحَقِّ ورَحْمَةٌ لِمَن آمَنَ بِهِ مِنكُمُ، انْتَهى. ومِن رَبِّكم يُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِجاءَتْكم، فَمِن لِابْتِداءِ الغايَةِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ أيْ: مِن مَواعِظِ رَبِّكم فَتَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، فَمِن لِلتَّبْعِيضِ. وفي قَوْلِهِ: مِن رَبِّكم تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ لَيْسَ مِن عِنْدِ أحَدٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وجَعَلَهُ مَوْعِظَةً بِحَسَبِ النّاسِ أجْمَعَ، وجَعَلَهُ هُدًى ورَحْمَةً بِحَسَبِ المُؤْمِنِينَ، وهَذا تَقْسِيمٌ صَحِيحُ المَعْنى إذا تَأوَّلَ بِأنْ وجَّهَهُ، انْتَهى. وذَكَرَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ هُنا كَلامًا كَثِيرًا مَمْزُوجًا بِما يُسَمُّونَهُ حِكْمَةً: نَعْلَمُ قَطْعًا أنَّ العَرَبَ لا تَفْهَمُ ذَلِكَ الَّذِي قَرَّرَهُ مِن ألْفاظِ القُرْآنِ، وطَوَّلَ في ذَلِكَ، وضَرَبَ أمْثِلَةً حِسِّيَّةً يُوقَفُ عَلَيْها مِن تَفْسِيرِهِ، ثُمَّ قالَ آخِرَ كَلامِهِ: فالحاصِلُ أنَّ المَوْعِظَةَ إشارَةٌ إلى تَطْهِيرِ ظَواهِرِ الخَلْقِ عَمّا لا يَنْبَغِي وهو الشَّرِيعَةُ، والشِّفاءُ إشارَةٌ إلى تَطْهِيرِ الأرْواحِ عَنِ العَقائِدِ الفاسِدَةِ والأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ وهو الطَّرِيقَةُ، والهُدى إشارَةٌ إلى ظُهُورِ نُورِ الحَقِّ في قُلُوبِ الصِّدِّيقِينَ وهو الحَقِيقَةُ، والرَّحْمَةُ إشارَةٌ إلى كَوْنِها بالِغَةً في الكَمالِ، والإشْراقِ إلى حَيْثُ تَصِيرُ تُكْمِلُ النّاقِصِينَ وهي النُّبُوَّةُ. فَهَذِهِ دَرَجاتٌ عَقْلِيَّةٌ ومَراتِبُ بُرْهانِيَّةٌ مَدْلُولٌ عَلَيْها بِهَذِهِ الألْفاظِ القُرْآنِيَّةِ، لا يُمْكِنُ تَأخُّرُ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، ولا تَقَدُّمُ ما تَأخَّرَ ذِكْرُهُ. (p-١٧١)﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ﴾ فَقالَ: بِكِتابِ اللَّهِ والإسْلامِ، فَضْلُهُ الإسْلامُ، ورَحْمَتُهُ ما وعَدَ عَلَيْهِ»، انْتَهى. ولَوْ صَحَّ هَذا الحَدِيثُ لَمْ يُمْكِنْ خِلافُهُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ وهِلالُ بْنُ يَسافٍ: فَضْلُ اللَّهِ الإسْلامُ ورَحْمَتُهُ القُرْآنُ. وقالَ الضَّحّاكُ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ عَكْسَ هَذا، وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: الفَضْلُ القُرْآنُ، والرَّحْمَةُ أنْ جَعَلَهم مِن أهْلِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما رَوى الضَّحّاكُ عَنْهُ: الفَضْلُ العِلْمُ والرَّحْمَةُ مُحَمَّدٌ ﷺ . وقالَ ابْنُ عُمَرَ: الفَضْلُ الإسْلامُ، والرَّحْمَةُ تَزْيِينُهُ في القُلُوبِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الفَضْلُ والرَّحْمَةُ القُرْآنُ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ خالِدُ بْنُ مَعْدانَ: الفَضْلُ القُرْآنُ، والرَّحْمَةُ السُّنَّةُ. وعَنْهُ أيْضًا أنَّ الفَضْلَ الإسْلامُ، والرَّحْمَةَ السَّتْرُ. وقالَ عَمْرُو بْنُ عُثْمانَ: فَضْلُ اللَّهِ كَشْفُ الغِطاءِ، ورَحْمَتُهُ الرُّؤْيَةُ واللِّقاءُ. وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ فَضْلٍ: الفَضْلُ الإيمانُ، والرَّحْمَةُ الجَنَّةُ. وقِيلَ: الفَضْلُ التَّوْفِيقُ، والرَّحْمَةُ العِصْمَةُ. وقِيلَ: الفَضْلُ نِعَمُهُ الظّاهِرَةُ، والرَّحْمَةُ نِعَمُهُ الباطِنَةُ. وقالَ الصّادِقُ: الفَضْلُ المَغْفِرَةُ، والرَّحْمَةُ التَّوْفِيقُ. وقالَ ذُو النُّونِ: الفَضْلُ الجِنانُ، ورَحْمَتُهُ النَّجاةُ مِنَ النِّيرانِ. وهَذِهِ تَخْصِيصاتٌ تَحْتاجُ إلى دَلائِلَ، ويَنْبَغِي أنْ يُعْتَقَدَ أنَّها تَمْثِيلاتٌ، لِأنَّ الفَضْلَ والرَّحْمَةَ أُرِيدَ بِهِما تَعْيِينُ ما ذُكِرَ وحَصْرُهُما فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإنَّما الَّذِي يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ ويَلْزَمُ مِنهُ أنَّ الفَضْلَ هو هِدايَةُ اللَّهِ إلى دِينِهِ والتَّوْفِيقُ إلى اتِّباعِ الشَّرْعِ، والرَّحْمَةَ هي عَفْوُهُ وسُكْنى جَنَّتِهِ الَّتِي جَعَلَها جَزاءً عَلى اتِّباعِ الإسْلامِ والإيمانِ. ومَعْنى الآيَةِ: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِجَمِيعِ النّاسِ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَلْيَقَعِ الفَرَحُ مِنكم، لا بِأُمُورِ الدُّنْيا وما يُجْمَعُ مِن حُطامِها، فالمُؤْمِنُونَ يُقالُ لَهم: فَلْيَفْرَحُوا وهم مُلْتَبِسُونَ بِعِلَّةِ الفَرَحِ وسَبَبِهِ، ومُخْلِصُونَ لِفَضْلِ اللَّهِ مُنْتَظِرُونَ لِرَحْمَتِهِ، والكافِرُونَ يُقالُ لَهم: بِفَضْلِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ فَلْيَفْرَحُوا عَلى مَعْنى أنْ لَوِ اتَّفَقَ لَكم أوْ لَوْ سَعِدْتُمْ بِالهِدايَةِ إلى تَحْصِيلِ ذَلِكَ، انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ، فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا: جُمْلَتانِ، وحُذِفَ ما تَتَعَلَّقُ بِهِ الباءُ والتَّقْدِيرُ: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ لِيَفْرَحُوا، ثُمَّ عُطِفَتِ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ عَلى الأُولى عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ. قالالزَّمَخْشَرِيُّ: والتَّكْرِيرُ لِلتَّقْرِيرِ والتَّأْكِيدِ، وإيجابُ اخْتِصاصِ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ بِالفَرَحِ دُونَ ما عَداهُما مِن فَوائِدِ الدُّنْيا، فَحُذِفَ أحَدُ الفِعْلَيْنِ لِدِلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ، والفاءُ داخِلَةٌ لِمَعْنى الشَّرْطِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَلْيَخُصُّوهُما بِالفَرَحِ، فَإنَّهُ لا مَفْرُوحَ بِهِ أحَقُّ مِنهُما. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَلْيَعْتَنُوا بِذَلِكَ، فَلْيَفْرَحُوا. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ، أيْ: فَبِمَجِيئِهِما فَلْيَفْرَحُوا، انْتَهى. أمّا إضْمارُ فَلْيَعْنَتُوا فَلا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وأمّا تَعْلِيقُهُ بِقَوْلِهِ: قَدْ جاءَتْكم، فَيَنْبَغِي أنْ يُقَدِّرَ ذَلِكَ مَحْذُوفًا بَعْدَ قُلْ، ولا يَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِـ (جاءَتْكم) الأُولى لِلْفَصْلِ بَيْنَهُما بِقُلْ. وقالَ الحَوْفِيُّ: الباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِما دَلَّ عَلى المَعْنى، أيْ: قَدْ جاءَتْكُمُ المَوْعِظَةُ بِفَضْلِ اللَّهِ. وقِيلَ: الفاءُ الأُولى زائِدَةٌ، ويَكُونُ بِذَلِكَ بَدَلًا قَبْلَهُ، وأُشِيرَ بِهِ إلى الِاثْنَيْنِ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ. وقِيلَ: كُرِّرَتِ الفاءُ الثّانِيَةُ لِلتَّوْكِيدِ، فَعَلى هَذا لا تَكُونُ الأُولى زائِدَةً، ويَكُونُ أصْلُ التَّرْكِيبِ فَبِذَلِكَ لِيَفْرَحُوا، وفي القَوْلِ قَبْلَهُ يَكُونُ أصْلُ التَّرْكِيبِ بِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا، ولا تَنافِيَ بَيْنَ الأمْرِ بِالفَرَحِ هُنا وبَيْنَ النَّهْيِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] لِاخْتِلافِ المُتَعَلِّقِ، فالمَأْمُورُ بِهِ هُنا الفَرَحُ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ، والمَنهِيُّ هُناكَ الفَرَحُ بِجَمْعِ الأمْوالِ لِرِئاسَةِ الدُّنْيا وإرادَةِ العُلُوِّ بِها والفَسادِ، ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ: ﴿وابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدّارَ الآخِرَةَ ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ [القصص: ٧٧] وقَبْلَهُ: ﴿إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ﴾ [القصص: ٧٦] وقَوْلُهُ: ﴿لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ [هود: ١٠] جاءَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الذَّمِّ لِفَرَحِهِ بِإذاقَةِ النَّعْماءِ بَعْدَ الضَّرّاءِ، ويَأْسِهِ وكُفْرانِهِ لِلنَّعْماءِ إذا نُزِعَتْ مِنهُ، وهَذِهِ صِفَةٌ مَذْمُومَةٌ، ولَيْسَ ذَلِكَ مِن أفْعالِ الآخِرَةِ. وقَوْلُ مَن قالَ: إذا أُطْلِقَ (p-١٧٢)الفَرَحُ كانَ مَذْمُومًا، وإذا قُيِّدَ لَمْ يَكُنْ مَذْمُومًا كَما قالَ: ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠] لَيْسَ بِمُطَّرِدٍ، إذْ جاءَ مُقَيَّدًا في الذَّمِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً﴾ [الأنعام: ٤٤] وإنَّما يُمْدَحُ الفَرَحَ ويُذَمُّ بِحَسَبِ مُتَعَلِّقِهِ، فَإذا كانَ بِنَيْلِ ثَوابِ الآخِرَةِ وأعْمالِ البِرِّ كانَ مَحْمُودًا، وإذا كانَ بِنَيْلِ لَذّاتِ الدُّنْيا وحُطامِها كانَ مَذْمُومًا. وقَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ وأُبَيٌّ وأنَسٌ والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ وابْنُ هُرْمُزَ وابْنُ سِيرِينَ وأبُو جَعْفَرٍ المَدَنِيُّ والسُّلَمِيُّ وقَتادَةُ والجَحْدَرِيُّ وهِلالُ بْنُ يَسافٍ والأعْمَشُ وعَمْرُو بْنُ قائِدٍ والعَبّاسُ بْنُ الفَضْلِ الأنْصارِيُّ: فَلْتَفْرَحُوا بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، ورُوِيَتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وقالَ وقَدْ جاءَ عَنْ يَعْقُوبَ كَذَلِكَ، انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ القَعْقاعِ وابْنُ عامِرٍ والحَسَنُ عَلى ما زَعَمَ هارُونُ. ورُوِيَتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: فَلْتَفْرَحُوا وتَجْمَعُونَ بِالتّاءِ فِيهِما عَلى المُخاطَبَةِ، وهي قِراءَةُ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ كَثِيرَةٍ، وعَنْ أكْثَرِهِمْ خِلافٌ، انْتَهى. والجُمْهُورُ بِالياءِ عَلى أمْرِ الغائِبِ. وما نَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ ابْنَ عامِرٍ قَرَأ فَلْتَفْرَحُوا بِالتّاءِ لَيْسَ هو المَشْهُورُ عَنْهُ، إنَّما قِراءَتُهُ في مَشْهُورِ السَّبْعَةِ بِالياءِ أمْرًا لِلْغائِبِ، لَكِنَّهُ قَرَأ تَجْمَعُونَ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ. وفِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: فَبِذَلِكَ فافْرَحُوا، وهَذِهِ هي اللُّغَةُ الكَثِيرَةُ الشَّهِيرَةُ في أمْرِ المُخاطَبِ. وأمّا فَلْيَفْرَحُوا بِالياءِ فَهي لُغَةٌ قَلِيلَةٌ. وفي الحَدِيثِ: (لِتَأْخُذُوا مَصافَّكم) وقَرَأ أبُو التَّيّاحِ والحَسَنُ: فَلْيَفْرَحُوا بِكَسْرِ اللّامِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ أُشِيرَ بِهِ إلى واحِدٍ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَيْهِ مُوَحَّدًا في قَوْلِهِ: هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ، فالَّذِي يَنْبَغِي أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ، عَلى أنَّهُما شَيْءٌ واحِدٌ عُبِّرَ عَنْهُ بِاسْمَيْنِ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ، ولِذَلِكَ أُشِيرَ إلَيْهِ بِذَلِكَ، وعادَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِ مُفْرَدًا. وقَوْلُهُ: مِمّا يَجْمَعُونَ يَعْنِي مِن حُطامِ الدُّنْيا ومَتاعِها. ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالًا قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكم أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾: مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها هي أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ وكانَ المُرادُ بِذَلِكَ كِتابَ اللَّهِ المُشْتَمِلَ عَلى التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ، بَيَّنَ فَسادَ شَرائِعِهِمْ وأحْكامِهِمْ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ مِن غَيْرِ مُسْتَنَدٍ في ذَلِكَ إلى وحْيٍ. وأرَأيْتُمْ هُنا بِمَعْنى أخْبِرُونِي. وجَوَّزُوا في ما أنْزَلَ: أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً مَفْعُولًا أوَّلَ لِأرَأيْتُمْ، والعائِدُ عَلَيْها مَحْذُوفٌ، والمَفْعُولُ الثّانِي قَوْلُهُ: آللَّهُ أذِنَ لَكم، والعائِدُ عَلى المُبْتَدَأِ مِنَ الخَبَرِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: آللَّهُ أذِنَ لَكم فِيهِ، وكُرِّرَ قُلْ قَبْلَ الخَبَرِ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ. وأنْ تَكُونَ ما اسْتِفْهامِيَّةً مَنصُوبَةً بِأنْزَلَ، قالَهُ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ. وقِيلَ: ما اسْتِفْهامِيَّةٌ مُبْتَدَأةٌ، والضَّمِيرُ مِنَ الخَبَرِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: آللَّهُ أذِنَ لَكم فِيهِ أوْ بِهِ، وهَذا ضَعِيفٌ لِحَذْفِ هَذا العائِدِ. وجَعْلُ ما مَوْصُولَةً هو الوَجْهُ، لِأنَّ فِيهِ إبْقاءَ أرَأيْتَ عَلى بابِها مِن كَوْنِها تَتَعَدّى إلى الأوَّلِ فَتُؤَثِّرُ فِيهِ، بِخِلافِ جَعْلِها اسْتِفْهامِيَّةً، فَإنَّ أرَأيْتَ إذْ ذاكَ تَكُونُ مُعَلَّقَةً، ويَكُونُ ما قَدْ سَدَّتْ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ، والظّاهِرُ أنَّ أمْ مُتَّصِلَةٌ والمَعْنى: أخْبِرُونِي آللَّهُ أذِنَ لَكم في التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ ؟، فَأنْتُمْ تَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِأِذْنِهِ أمْ تَكْذِبُونَ عَلى اللَّهِ في نِسْبَةِ ذَلِكَ إلَيْهِ ؟ فَنَبَّهَ بِتَوْقِيفِهِمْ عَلى أحَدِ القِسْمَيْنِ، وهم لا يُمْكِنُهُمُ ادِّعاءُ إذْنِ اللَّهِ في ذَلِكَ فَثَبَتَ افْتِراؤُهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، وأمْ مُنْقَطِعَةً بِمَعْنى بَلْ، أتَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ تَقْرِيرًا لِلِافْتِراءِ، انْتَهى. وأنْزَلَ هُنا قِيلَ مَعْناهُ: خَلَقَ كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلْنا الحَدِيدَ﴾ [الحديد: ٢٥] ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الزمر: ٦] . وقِيلَ: أنْزَلَ عَلى بابِها وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: مِن سَبَبِ رِزْقٍ وهو المَطَرُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أنْزَلَ لَفْظَةٌ فِيها تَجَوُّزٌ، وإنْزالُ الرِّزْقِ إمّا أنْ يَكُونَ في ضِمْنِ إنْزالِ المَطَرِ بِالمَآلِ، ونُزُولِ الأمْرِ بِهِ الَّذِي هو ظُهُورُ الأثَرِ في المَخْلُوقِ مِنهُ المُخْتَرَعِ والمَجْعُولِ حَرامًا وحَلالًا. قالَ مُجاهِدٌ: هو ما حَكَمُوا بِهِ مِن تَحْرِيمِ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ والوَصِيلَةِ والِحامِ. وقالَ الضَّحّاكُ: هو إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ: (p-١٧٣)﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام: ١٣٦] . ﴿وما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾: ما اسْتِفْهامِيَّةٌ مُبْتَدَأةٌ خَبَرُها ظَنُّ، والمَعْنى: أيُّ شَيٍّ ظَنَّ المُفْتَرِينَ يَوْمَ القِيامَةِ، أُبْهِمَ الأمْرُ عَلى سَبِيلِ التَّهْدِيدِ، والإبْعادِ يَوْمَ يَكُونُ الجَزاءُ بِالإحْسانِ والإساءَةِ. ويَوْمَ مَنصُوبٌ بِظَنُّ، ومَعْمُولُ الظَّنِّ قِيلَ تَقْدِيرُهُ: ما ظَنُّهم أنَّ اللَّهَ فاعِلٌ بِهِمْ، أيُنَجِّيهِمْ أمْ يُعَذِّبُهم ؟ وقَرَأ عِيسى بْنُ عَمْرٍو: ما ظَنَّ جَعَلَهُ فِعْلًا ماضِيًا، أيْ: أيُّ ظَنٍّ ظَنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ، فَما في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَصْدَرِ، وما الِاسْتِفْهامِيَّةُ قَدْ تَنُوبُ عَنِ المَصْدَرِ تَقُولُ: ما تَضْرِبُ زَيْدًا ؟ تُرِيدُ: أيُّ ضَرْبٍ تَضْرِبُ زَيْدًا. وقالَ الشّاعِرُ: ؎ماذا يَغِيرُ ابْنَتَيْ رِبْعٍ عَوِيلُهُما ∗∗∗ لا تَرْقُدانِ ولا بُؤْسى لِمَن رَقَدا وجِيءَ بِلَفْظِ ظَنَّ ماضِيًا لِأنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ فَكَأنْ قَدْ كانَ، والأوْلى أنْ يَكُونَ ظَنَّ في مَعْنى يَظُنُّ، لِكَوْنِهِ عامِلًا في يَوْمِ القِيامَةِ. وهو ظَرْفٌ مُسْتَقْبَلٌ، وفَضْلُهُ تَعالى عَلى النّاسِ حَيْثُ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ ورَحِمَهم، فَأرْسَلَ إلَيْهِمُ الرُّسُلَ، وفَصَّلَ لَهُمُ الحَلالَ والحَرامَ، وأكْثَرُهم لا يَشْكُرُ هَذِهِ النِّعْمَةَ.

يونس 10:61

﴿وما تَكُونُ في شَأْنٍ وما تَتْلُو مِنهُ مِن قُرْآنٍ ولا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ إلّا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾: مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ جُمْلَةً مِن أحْوالِ الكُفّارِ ومَذاهِبِهِمْ والرَّدَّ عَلَيْهِمْ، ومُحاوَرَةَ الرَّسُولِ ﷺ لَهم، وذَكَرَ فَضْلَهُ تَعالى عَلى النّاسِ وأنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُهُ عَلى فَضْلِهِ، ذَكَرَ تَعالى اطِّلاعَهُ عَلى أحْوالِهِمْ وحالِ الرَّسُولِ مَعَهم في مُجاهَدَتِهِ لَهم، وتِلاوَةِ القُرْآنِ عَلَيْهِمْ، وأنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِجَمِيعِ أعْمالِهِمْ، واسْتَطْرَدَ مِن ذَلِكَ إلى ذِكْرِ أوْلِياءِ اللَّهِ تَعالى، لِيُظْهِرَ التَّفاوُتَ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ (p-١٧٤)فَرِيقِ الشَّيْطانِ وفَرِيقِ الرَّحْمَنِ. والخِطابُ في قَوْلِهِ تَعالى: وما تَكُونُ في شَأْنٍ، وما تَتْلُو لِلرَّسُولِ ﷺ وهو عامٌّ بِجَمِيعٍ شُئُونِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ. وما تَتْلُو مُنْدَرِجٌ تَحْتَ عُمُومِ شَأْنٍ، وانْدَرَجَ مِن حَيْثُ المَعْنى في الخِطابِ كُلُّ ذِي شَأْنٍ. وما في الجُمْلَتَيْنِ نافِيَةٌ، والضَّمِيرُ في مِنهُ عائِدٌ عَلى شَأْنٍ، ومِن قُرْآنٍ تَفْسِيرٌ لِلضَّمِيرِ، وخُصَّ مِنَ العُمُومِ لِأنَّ القُرْآنَ هو أعْظَمُ شُئُونِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى التَّنْزِيلِ، وفُسِّرَ بِالقُرْآنِ لِأنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنهُ قُرْآنٌ، وأُضْمِرَ قَبْلَ الذِّكْرِ عَلى سَبِيلِ التَّفْخِيمِ لَهُ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى اللَّهِ تَعالى، أيْ: وما تَتْلُو مِن عِنْدِ اللَّهِ مِن قُرْآنٍ. والخِطابُ في قَوْلِهِ: ولا تَعْمَلُونَ عامٌّ، وكَذا إلّا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا. ووَلِيَ إلّا هُنا الفِعْلُ غَيْرَ مَصْحُوبٍ بِقَدْ، لِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ إلّا فِعْلٌ. والجُمْلَةُ بَعْدَ إلّا حالٌ وشُهُودًا رُقَباءَ نُحْصِي عَلَيْكم، وإذْ مَعْمُولَةٌ لِقَوْلِهِ: شُهُودًا. ولَمّا كانَتِ الأفْعالُ السّابِقَةُ المُرادُ بِها الحالَةُ الدّائِمَةُ وتَنْسَحِبُ عَلى الأفْعالِ الماضِيَةِ كانَ الظَّرْفُ ماضِيًا، وكانَ المَعْنى: وما كُنْتَ في شَأْنٍ وما تَلَوْتَ مِن قُرْآنٍ ولا عَمِلْتُمْ مِن عَمَلٍ إلّا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا إذْ أفَضْتُمْ فِيهِ. وإذْ تُخَلِّصُ المُضارِعَ لِمَعْنى الماضِي، ولَمّا كانَ قَوْلُهُ: إلّا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا فِيهِ تَحْذِيرٌ وتَنْبِيهٌ عَدَلَ عَنْ خِطابِهِ ﷺ إلى خِطابِ أُمَّتِهِ بِقَوْلِهِ: ولا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ، وإنْ كانَ اللَّهُ شَهِيدًا عَلى أعْمالِ الخَلْقِ كُلِّهِمْ. و(تُفِيضُونَ): تَخُوضُونَ أوْ تَنْشُرُونَ أوْ تَدْفَعُونَ أوْ تَنْهَضُونَ أوْ تَأْخُذُونَ أوْ تَنْقُلُونَ أوْ تَتَكَلَّمُونَ أوْ تَسْعَوْنَ أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ، ثُمَّ واجَهَهُ تَعالى بِالخِطابِ وحْدَهُ في قَوْلِهِ: وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ، تَشْرِيفًا لَهُ وتَعْظِيمًا. ولَمّا ذَكَرَ شَهادَتَهُ تَعالى عَلى أعْمالِ الخَلْقِ ناسَبَ تَقْدِيمُ الأرْضِ الَّذِي هي مَحَلُّ المُخاطَبِينَ عَلى السَّماءِ، بِخِلافِ ما في سُورَةِ سَبَأٍ، وإنْ كانَ الأكْثَرُ تَقْدِيمَها عَلى الأرْضِ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ وابْنُ مُصَرِّفٍ والكِسائِيُّ: يَعْزِبُ بِكَسْرِ الزّايِ، وكَذا في سَبَأٍ. والمِثْقالُ: اسْمٌ لا صِفَةٌ، ومَعْناهُ هُنا: وزْنُ ذَرَّةٍ. والذَّرُّ: صِغارُ النَّمْلِ، ولَمّا كانَتِ الذَّرَّةُ أصْغَرَ الحَيَوانِ المُتَناسِلِ المَشْهُورِ النَّوْعِ عِنْدَنا، جَعَلَها اللَّهُ مِثالًا لِأقَلِّ الأشْياءِ وأحْقَرِها، إذْ هي أحْقَرُ ما نُشاهِدُ. ثُمَّ قالَ: ﴿ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ﴾ أيْ: مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ لا يَغِيبُ عَنْ عِلْمِهِ أدَقُّ الأشْياءِ الَّتِي نُشاهِدُها، ناسَبَ تَقْدِيمُ ﴿ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ﴾، ثُمَّ أتى بِقَوْلِهِ: (ولا أكْبَرَ) عَلى سَبِيلِ إحاطَةِ عِلْمِهِ بِجَمِيعِ الأشْياءِ. ومَعْلُومٌ أنَّ مَن عَلِمَ أدَقَّ الأشْياءِ وأخْفاها كانَ عِلْمُهُ مُتَعَلِّقًا بِأكْبَرِ الأشْياءِ وأظْهَرِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ) بِفَتْحِ الرّاءِ فِيهِما، ووُجِّهَ عَلى أنَّهُ عَطْفٌ عَلى ذَرَّةٍ أوْ عَلى مِثْقالِ عَلى اللَّفْظِ. وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: بِرَفْعِ الرّاءِ فِيهِما، ووُجِّهَ عَلى أنَّهُ عَطْفٌ عَلى مَوْضِعِ (مِثْقالِ) لِأنَّ مِن زائِدَةٌ فَهو مَرْفُوعٌ بِـ (يَعْزُبُ)، هَكَذا وجَّهَهُ الحَوْفِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ تابِعًا لِاخْتِيارِ الزَّجّاجِ: والوَجْهُ النَّصْبُ عَلى نَفْيِ الجِنْسِ، والرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، يَكُونُ كَلامًا مُبْتَدَأً. وفي العَطْفِ عَلى مَحَلِّ (مِثْقالِ ذَرَّةٍ) أوْ لَفْظِهِ فَتْحًا في مَوْضِعِ الجَرِّ إشْكالٌ، لِأنَّ قَوْلَكَ: لا يَعْزُبُ عَنْهُ شَيْءٌ إلّا في كِتابٍ، مُشْكِلٌ انْتَهى. وإنَّما أشْكَلَ عِنْدَهُ، لِأنَّ التَّقْدِيرَ يَصِيرُ: إلّا في كِتابٍ فَيَعْزُبُ، وهَذا كَلامٌ لا يَصِحُّ. وخَرَّجَهُ أبُو البَقاءِ عَلى أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ تَقْدِيرُهُ: لَكِنْ هو في كِتابٍ مُبِينٍ، ويَزُولُ بِهَذا التَّقْدِيرِ الإشْكالُ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: أجابَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ، والآخَرُ: أنَّ العُزُوبَ: عِبارَةٌ عَنْ مُطْلَقِ البُعْدِ، والمَخْلُوقاتُ قِسْمٌ أوْجَدَهُ اللَّهُ ابْتِداءً مِن غَيْرِ واسِطَةٍ كالمَلائِكَةِ والسَّماواتِ والأرْضِ، وقِسْمٌ أوْجَدَهُ بِواسِطَةِ القِسْمِ الأوَّلِ، مِثْلَ الحَوادِثِ الحادِثَةِ في عالَمِ الكَوْنِ والفَسادِ، وهَذا قَدْ يَتَباعَدُ في سِلْسِلَةِ العِلِيَّةِ والمَمْلُوكِيَّةِ عَنْ مَرْتَبَةِ وُجُودِ واجِبِ الوُجُودِ، فالمَعْنى: لا يَبْعُدُ عَنْ مَرْتَبَةِ وُجُودِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ إلّا وهو في كِتابٍ مُبِينٍ، كَتَبَهُ اللَّهُ، وأثْبَتَ صُوَرَ تِلْكَ المَعْلُوماتِ فِيها انْتَهى. وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. وقالَ الجُرْجانِيُّ صاحِبُ النَّظْمِ (p-١٧٥)إلّا بِمَعْنى الواوِ أيْ: وهو في كِتابٍ مُبِينٍ. والعَرَبُ تَضَعُ إلّا مَوْضِعَ واوِ النَّسَقِ كَقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨] ﴿إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠] انْتَهى. وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ، لَمْ يَثْبُتْ مِن لِسانِ العَرَبِ وُضِعَ إلّا مَوْضِعَ الواوِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠] وسَيَأْتِي عَلى قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨] إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

يونس 10:62

﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾: أوْلِياءُ اللَّهِ هُمُ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ بِالطّاعَةِ ويَتَوَلّاهم بِالكَرامَةِ. وقَدْ فَسَّرَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ أوْلِياءِ اللَّهِ فَقالَ: «هُمُ الَّذِينَ يُذَكِّرُونَ اللَّهَ بِرُؤْيَتِهِمْ» يَعْنِي السَّمْتَ والهَيْئَةَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الإخْباتُ والسَّكِينَةُ. وقِيلَ: هُمُ المُتَحابُّونَ في اللَّهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ الآيَةُ يُعْطِي ظاهِرُها أنَّ: مَن آمَنَ واتَّقى فَهو داخِلٌ في أوْلِياءِ اللَّهِ، وهَذا هو الَّذِي تَقْتَضِيهِ الشَّرِيعَةُ في الوَلِيِّ، وإنَّما نَبَّهْنا هَذا التَّنْبِيهَ حَذَرًا مِن مَذْهَبِ الصُّوفِيَّةِ وبَعْضِ المُلْحِدِينَ في الوَلِيِّ، انْتَهى. وإنَّما قالَ: حَذَرًا مِن مَذْهَبِ الصُّوفِيَّةِ، لِأنَّ بَعْضَهم نُقِلَ عَنْهُ أنَّ الوَلِيَّ أفْضَلُ مِنَ النَّبِيِّ، وهَذا لا يَكادُ يَخْطُرُ في قَلْبِ مُسْلِمٍ. ولِابْنِ العَرَبِيِّ الطّائِيِّ كَلامٌ في الوَلِيِّ وفي غَيْرِهِ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنهُ. وعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ”«إنَّ مِن عِبادِ اللَّهِ عِبادًا ما هم بِأنْبِياءَ ولا شُهَداءَ، يَغْبِطُهُمُ الأنْبِياءُ والشُّهَداءُ بِمَكانِهِمْ مِنَ اللَّهِ“ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ ومَن هم ؟ قالَ: ”قَوْمٌ تَحابُّوا بِرَوْحِ اللَّهِ عَلى غَيْرِ أرْحامٍ ولا أمْوالٍ يَتَعاطَوْنَها، فَواللَّهِ إنَّ وُجُوهَهم لَتَنُّورٌ، وإنَّهم لَعَلى مَنابِرَ مِن نُورٍ، لا يَخافُونَ إذا خافَ النّاسُ، ولا يَحْزَنُونَ إذا حَزِنَ النّاسُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ»، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ والَّذِينَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الصِّفَةِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، أوْ عَلى البَدَلِ قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، أوْ بِإضْمارِ أمْدَحُ، ومَرْفُوعًا عَلى إضْمارِ هم، أوْ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ لَهُمُ البُشْرى. وأجازَ الكُوفِيُّونَ رَفْعَهُ عَلى مَوْضِعِ أوْلِياءَ نَعْتًا أوْ بَدَلًا، وأُجِيزَ فِيهِ الخَبَرُ بَدَلًا مِن ضَمِيرِ عَلَيْهِمْ. وفي قَوْلِهِ: ﴿وكانُوا يَتَّقُونَ﴾: إشْعارٌ بِمُصاحَبَتِهِمْ لِلتَّقْوى مُدَّةَ حَياتِهِمْ، فَحالُهم في المُسْتَقْبَلِ كَحالِهِمْ في الماضِي. وبُشْراهم في الحَياةِ الدُّنْيا تَظاهَرَتِ الرِّواياتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «أنَّها الرُّؤْيا الصّالِحَةُ يَراها المُؤْمِنُ“ أوْ ”تُرى لَهُ» فَسَّرَها بِذَلِكَ وقَدْ سُئِلَ. وعَنْهُ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ:“ لَمْ يَبْقَ مِنَ المُبَشِّراتِ إلّا الرُّؤْيا الصّالِحَةُ ”وقالَ قَتادَةُ والضَّحّاكُ: هي ما يُبَشَّرُ بِهِ المُؤْمِنُ عِنْدَ مَوْتِهِ وهو حَيٌّ عِنْدَ المُعايَنَةِ. وقِيلَ: هي مَحَبَّةُ النّاسِ لَهُ، والذِّكْرُ الحَسَنُ. وسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الرَّجُلِ يَعْمَلُ العَمَلَ لِلَّهِ ويُحِبُّهُ النّاسُ فَقالَ: «“ تِلْكَ عاجِلُ بُشْرى المُؤْمِنِ ”» وعَنْ عَطاءٍ: لَهُمُ البُشْرى عِنْدَ المَوْتِ تَأْتِيهِمُ المَلائِكَةُ بِالرَّحْمَةِ. قالَ تَعالى: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ﴾ [فصلت: ٣٠] الآيَةَ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَصِحُّ أنَّ تَكُونَ بُشْرى الدُّنْيا في القُرْآنِ مِنَ الآياتِ المُبَشِّراتِ، ويُقَوِّي ذَلِكَ قَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ كُلُّهُ يُعارِضُهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ:“ هي الرُّؤْيا " إلّا إنْ قُلْنا: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ أعْطى مِثالًا مِنَ البُشْرى وهي تَعُمُّ جَمِيعَ البَشَرِ. وبُشْراهم في الآخِرَةِ تَلَقِّى المَلائِكَةِ إيّاهم مُسَلِّمِينَ مُبَشِّرِينَ بِالنُّورِ والكَرامَةِ، وما يَرَوْنَ مِن بَياضِ وُجُوهِهِمْ، وإعْطاءِ الصُّحُفِ بِأيْمانِهِمْ، وما يَقْرَءُونَ مِنها، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ البِشاراتِ. لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ، لا تَغْيِيرَ لِأقْوالِهِ، ولا خُلْفَ في مَواعِيدِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٩] والظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى التَّبْشِيرِ والبُشْرى في مَعْناهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وذَلِكَ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِمْ مُبَشَّرِينَ في الدّارَيْنِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إشارَةٌ إلى النَّعِيمِ الَّذِي (p-١٧٦)وقَعَتْ بِهِ البُشْرى.

يونس 10:63

﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾: أوْلِياءُ اللَّهِ هُمُ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ بِالطّاعَةِ ويَتَوَلّاهم بِالكَرامَةِ. وقَدْ فَسَّرَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ أوْلِياءِ اللَّهِ فَقالَ: «هُمُ الَّذِينَ يُذَكِّرُونَ اللَّهَ بِرُؤْيَتِهِمْ» يَعْنِي السَّمْتَ والهَيْئَةَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الإخْباتُ والسَّكِينَةُ. وقِيلَ: هُمُ المُتَحابُّونَ في اللَّهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ الآيَةُ يُعْطِي ظاهِرُها أنَّ: مَن آمَنَ واتَّقى فَهو داخِلٌ في أوْلِياءِ اللَّهِ، وهَذا هو الَّذِي تَقْتَضِيهِ الشَّرِيعَةُ في الوَلِيِّ، وإنَّما نَبَّهْنا هَذا التَّنْبِيهَ حَذَرًا مِن مَذْهَبِ الصُّوفِيَّةِ وبَعْضِ المُلْحِدِينَ في الوَلِيِّ، انْتَهى. وإنَّما قالَ: حَذَرًا مِن مَذْهَبِ الصُّوفِيَّةِ، لِأنَّ بَعْضَهم نُقِلَ عَنْهُ أنَّ الوَلِيَّ أفْضَلُ مِنَ النَّبِيِّ، وهَذا لا يَكادُ يَخْطُرُ في قَلْبِ مُسْلِمٍ. ولِابْنِ العَرَبِيِّ الطّائِيِّ كَلامٌ في الوَلِيِّ وفي غَيْرِهِ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنهُ. وعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ”«إنَّ مِن عِبادِ اللَّهِ عِبادًا ما هم بِأنْبِياءَ ولا شُهَداءَ، يَغْبِطُهُمُ الأنْبِياءُ والشُّهَداءُ بِمَكانِهِمْ مِنَ اللَّهِ“ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ ومَن هم ؟ قالَ: ”قَوْمٌ تَحابُّوا بِرَوْحِ اللَّهِ عَلى غَيْرِ أرْحامٍ ولا أمْوالٍ يَتَعاطَوْنَها، فَواللَّهِ إنَّ وُجُوهَهم لَتَنُّورٌ، وإنَّهم لَعَلى مَنابِرَ مِن نُورٍ، لا يَخافُونَ إذا خافَ النّاسُ، ولا يَحْزَنُونَ إذا حَزِنَ النّاسُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ»، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ والَّذِينَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الصِّفَةِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، أوْ عَلى البَدَلِ قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، أوْ بِإضْمارِ أمْدَحُ، ومَرْفُوعًا عَلى إضْمارِ هم، أوْ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ لَهُمُ البُشْرى. وأجازَ الكُوفِيُّونَ رَفْعَهُ عَلى مَوْضِعِ أوْلِياءَ نَعْتًا أوْ بَدَلًا، وأُجِيزَ فِيهِ الخَبَرُ بَدَلًا مِن ضَمِيرِ عَلَيْهِمْ. وفي قَوْلِهِ: ﴿وكانُوا يَتَّقُونَ﴾: إشْعارٌ بِمُصاحَبَتِهِمْ لِلتَّقْوى مُدَّةَ حَياتِهِمْ، فَحالُهم في المُسْتَقْبَلِ كَحالِهِمْ في الماضِي. وبُشْراهم في الحَياةِ الدُّنْيا تَظاهَرَتِ الرِّواياتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «أنَّها الرُّؤْيا الصّالِحَةُ يَراها المُؤْمِنُ“ أوْ ”تُرى لَهُ» فَسَّرَها بِذَلِكَ وقَدْ سُئِلَ. وعَنْهُ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ:“ لَمْ يَبْقَ مِنَ المُبَشِّراتِ إلّا الرُّؤْيا الصّالِحَةُ ”وقالَ قَتادَةُ والضَّحّاكُ: هي ما يُبَشَّرُ بِهِ المُؤْمِنُ عِنْدَ مَوْتِهِ وهو حَيٌّ عِنْدَ المُعايَنَةِ. وقِيلَ: هي مَحَبَّةُ النّاسِ لَهُ، والذِّكْرُ الحَسَنُ. وسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الرَّجُلِ يَعْمَلُ العَمَلَ لِلَّهِ ويُحِبُّهُ النّاسُ فَقالَ: «“ تِلْكَ عاجِلُ بُشْرى المُؤْمِنِ ”» وعَنْ عَطاءٍ: لَهُمُ البُشْرى عِنْدَ المَوْتِ تَأْتِيهِمُ المَلائِكَةُ بِالرَّحْمَةِ. قالَ تَعالى: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ﴾ [فصلت: ٣٠] الآيَةَ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَصِحُّ أنَّ تَكُونَ بُشْرى الدُّنْيا في القُرْآنِ مِنَ الآياتِ المُبَشِّراتِ، ويُقَوِّي ذَلِكَ قَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ كُلُّهُ يُعارِضُهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ:“ هي الرُّؤْيا " إلّا إنْ قُلْنا: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ أعْطى مِثالًا مِنَ البُشْرى وهي تَعُمُّ جَمِيعَ البَشَرِ. وبُشْراهم في الآخِرَةِ تَلَقِّى المَلائِكَةِ إيّاهم مُسَلِّمِينَ مُبَشِّرِينَ بِالنُّورِ والكَرامَةِ، وما يَرَوْنَ مِن بَياضِ وُجُوهِهِمْ، وإعْطاءِ الصُّحُفِ بِأيْمانِهِمْ، وما يَقْرَءُونَ مِنها، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ البِشاراتِ. لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ، لا تَغْيِيرَ لِأقْوالِهِ، ولا خُلْفَ في مَواعِيدِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٩] والظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى التَّبْشِيرِ والبُشْرى في مَعْناهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وذَلِكَ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِمْ مُبَشَّرِينَ في الدّارَيْنِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إشارَةٌ إلى النَّعِيمِ الَّذِي (p-١٧٦)وقَعَتْ بِهِ البُشْرى.

يونس 10:64

﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾: أوْلِياءُ اللَّهِ هُمُ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ بِالطّاعَةِ ويَتَوَلّاهم بِالكَرامَةِ. وقَدْ فَسَّرَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ أوْلِياءِ اللَّهِ فَقالَ: «هُمُ الَّذِينَ يُذَكِّرُونَ اللَّهَ بِرُؤْيَتِهِمْ» يَعْنِي السَّمْتَ والهَيْئَةَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الإخْباتُ والسَّكِينَةُ. وقِيلَ: هُمُ المُتَحابُّونَ في اللَّهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ الآيَةُ يُعْطِي ظاهِرُها أنَّ: مَن آمَنَ واتَّقى فَهو داخِلٌ في أوْلِياءِ اللَّهِ، وهَذا هو الَّذِي تَقْتَضِيهِ الشَّرِيعَةُ في الوَلِيِّ، وإنَّما نَبَّهْنا هَذا التَّنْبِيهَ حَذَرًا مِن مَذْهَبِ الصُّوفِيَّةِ وبَعْضِ المُلْحِدِينَ في الوَلِيِّ، انْتَهى. وإنَّما قالَ: حَذَرًا مِن مَذْهَبِ الصُّوفِيَّةِ، لِأنَّ بَعْضَهم نُقِلَ عَنْهُ أنَّ الوَلِيَّ أفْضَلُ مِنَ النَّبِيِّ، وهَذا لا يَكادُ يَخْطُرُ في قَلْبِ مُسْلِمٍ. ولِابْنِ العَرَبِيِّ الطّائِيِّ كَلامٌ في الوَلِيِّ وفي غَيْرِهِ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنهُ. وعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ”«إنَّ مِن عِبادِ اللَّهِ عِبادًا ما هم بِأنْبِياءَ ولا شُهَداءَ، يَغْبِطُهُمُ الأنْبِياءُ والشُّهَداءُ بِمَكانِهِمْ مِنَ اللَّهِ“ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ ومَن هم ؟ قالَ: ”قَوْمٌ تَحابُّوا بِرَوْحِ اللَّهِ عَلى غَيْرِ أرْحامٍ ولا أمْوالٍ يَتَعاطَوْنَها، فَواللَّهِ إنَّ وُجُوهَهم لَتَنُّورٌ، وإنَّهم لَعَلى مَنابِرَ مِن نُورٍ، لا يَخافُونَ إذا خافَ النّاسُ، ولا يَحْزَنُونَ إذا حَزِنَ النّاسُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ»، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ والَّذِينَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الصِّفَةِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، أوْ عَلى البَدَلِ قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، أوْ بِإضْمارِ أمْدَحُ، ومَرْفُوعًا عَلى إضْمارِ هم، أوْ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ لَهُمُ البُشْرى. وأجازَ الكُوفِيُّونَ رَفْعَهُ عَلى مَوْضِعِ أوْلِياءَ نَعْتًا أوْ بَدَلًا، وأُجِيزَ فِيهِ الخَبَرُ بَدَلًا مِن ضَمِيرِ عَلَيْهِمْ. وفي قَوْلِهِ: ﴿وكانُوا يَتَّقُونَ﴾: إشْعارٌ بِمُصاحَبَتِهِمْ لِلتَّقْوى مُدَّةَ حَياتِهِمْ، فَحالُهم في المُسْتَقْبَلِ كَحالِهِمْ في الماضِي. وبُشْراهم في الحَياةِ الدُّنْيا تَظاهَرَتِ الرِّواياتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «أنَّها الرُّؤْيا الصّالِحَةُ يَراها المُؤْمِنُ“ أوْ ”تُرى لَهُ» فَسَّرَها بِذَلِكَ وقَدْ سُئِلَ. وعَنْهُ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ:“ لَمْ يَبْقَ مِنَ المُبَشِّراتِ إلّا الرُّؤْيا الصّالِحَةُ ”وقالَ قَتادَةُ والضَّحّاكُ: هي ما يُبَشَّرُ بِهِ المُؤْمِنُ عِنْدَ مَوْتِهِ وهو حَيٌّ عِنْدَ المُعايَنَةِ. وقِيلَ: هي مَحَبَّةُ النّاسِ لَهُ، والذِّكْرُ الحَسَنُ. وسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الرَّجُلِ يَعْمَلُ العَمَلَ لِلَّهِ ويُحِبُّهُ النّاسُ فَقالَ: «“ تِلْكَ عاجِلُ بُشْرى المُؤْمِنِ ”» وعَنْ عَطاءٍ: لَهُمُ البُشْرى عِنْدَ المَوْتِ تَأْتِيهِمُ المَلائِكَةُ بِالرَّحْمَةِ. قالَ تَعالى: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ﴾ [فصلت: ٣٠] الآيَةَ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَصِحُّ أنَّ تَكُونَ بُشْرى الدُّنْيا في القُرْآنِ مِنَ الآياتِ المُبَشِّراتِ، ويُقَوِّي ذَلِكَ قَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ كُلُّهُ يُعارِضُهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ:“ هي الرُّؤْيا " إلّا إنْ قُلْنا: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ أعْطى مِثالًا مِنَ البُشْرى وهي تَعُمُّ جَمِيعَ البَشَرِ. وبُشْراهم في الآخِرَةِ تَلَقِّى المَلائِكَةِ إيّاهم مُسَلِّمِينَ مُبَشِّرِينَ بِالنُّورِ والكَرامَةِ، وما يَرَوْنَ مِن بَياضِ وُجُوهِهِمْ، وإعْطاءِ الصُّحُفِ بِأيْمانِهِمْ، وما يَقْرَءُونَ مِنها، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ البِشاراتِ. لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ، لا تَغْيِيرَ لِأقْوالِهِ، ولا خُلْفَ في مَواعِيدِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٩] والظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى التَّبْشِيرِ والبُشْرى في مَعْناهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وذَلِكَ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِمْ مُبَشَّرِينَ في الدّارَيْنِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إشارَةٌ إلى النَّعِيمِ الَّذِي (p-١٧٦)وقَعَتْ بِهِ البُشْرى.

يونس 10:65

﴿ولا يَحْزُنْكَ قَوْلُهم إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ وما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾: إمّا أنْ يَكُونَ قَوْلُهم أُرِيدَ بِهِ بَعْضُ أفْرادِهِ وهو التَّكْذِيبُ والتَّهْدِيدُ، وما يَتَشاوَرُونَ بِهِ في أمْرِ الرَّسُولِ ﷺ، فَيَكُونُ مِن إطْلاقِ العامِّ وأُرِيدَ بِهِ الخاصُّ. وإمّا أنْ يَكُونَ مِمّا حُذِفَتْ مِنهُ الصِّفَةُ المُخَصِّصَةُ، أيْ: قَوْلُهُمُ الدّالُّ عَلى تَكْذِيبِكَ ومُعانَدَتِكَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ بِقَوْلِهِ: إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا، أيْ: لا عِزَّةَ لَهم ولا مَنَعَةَ، فَهم لا يَقْدِرُونَ لَكَ عَلى شَيْءٍ ولا يُؤْذُونَكَ، إنَّ الغَلَبَةَ والقَهْرَ لِلَّهِ، وهو القادِرُ عَلى الِانْتِقامِ مِنهم، فَلا يُعازُّهُ شَيْءٌ ولا يُغالِبُهُ. وكَأنَّ قائِلًا قالَ: لِمَ لا يُحْزِنْهُ قَوْلُهم وهو مِمّا يُحْزِنُ ؟ فَقِيلَ: ﴿إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾، لَيْسَ لَهم مِنها شَيْءٌ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: (أنَّ العِزَّةَ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ ولَيْسَ مَعْمُولًا لِقَوْلِهِمْ: لِأنَّ ذَلِكَ لا يُحْزِنُ الرَّسُولَ ﷺ، إذْ هو قَوْلٌ حَقٌّ. وخُرِّجَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى التَّعْلِيلِ، أيْ: لا يَقَعُ مِنكَ حُزْنٌ لِما يَقُولُونَ، لِأجْلِ أنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا. ووُجِّهَتْ أيْضًا عَلى أنْ يَكُونَ ﴿إنَّ العِزَّةَ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِمْ، ولا يَظْهَرُ هَذا التَّوْجِيهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَن جَعَلَهُ بَدَلًا مِن قَوْلِهِمْ ثُمَّ أنْكَرَهُ، فالمُنْكَرُ هو تَخْرِيجُهُ لا ما أنْكَرَهُ مِنَ القُرْآنِ. وقالَ القاضِي: فَتْحُها شاذٌّ يُقارِبُ الكُفْرَ، وإذا كُسِرَتْ كانَ اسْتِئْنافًا، وهَذا يَدُلُّ عَلى فَضِيلَةِ عِلْمِ الإعْرابِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا يَجُوزُ فَتْحُ إنَّ في هَذا المَوْضِعِ وهو كُفْرٌ وغُلُوٌّ، وإنَّما قالَ القاضِي وابْنُ قُتَيْبَةَ بِناءً مِنهُما عَلى أنَّ (إنَّ) مَعْمُولَةٌ لِقَوْلِهِمْ، وقَدْ ذَكَرْنا تَوْجِيهَ ذَلِكَ عَلى التَّعْلِيلِ وهو تَوْجِيهٌ صَحِيحٌ. (هو السَّمِيعُ): لِما يَقُولُونَ، (العَلِيمُ): لِما يُرِيدُونَ. وفِي هَذِهِ الآيَةِ تَأْمِينٌ لِلرَّسُولِ ﷺ مِن إضْرارِ الكُفّارِ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى يُدِيلُهُ عَلَيْهِمْ ويَنْصُرُهُ. ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾ [غافر: ٥١] وقالَ الأصَمُّ: كانُوا يَتَعَزَّزُونَ بِكَثْرَةِ خَدَمِهِمْ وأمْوالِهِمْ، فَأخْبَرَ أنَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يَسْلُبَ مِنهم مِلْكَ الأشْياءِ، وأنْ يَنْصُرَكَ ويَنْقُلَ إلَيْكَ أمْوالَهم ودِيارَهُمُ انْتَهى. ولا تَضادَّ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾، وقَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] لِأنَّ عِزَّتَهم إنَّما هي بِاللَّهِ، فَهي كُلُّها لِلَّهِ. ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ وما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ . المُناسَبَةُ ظاهِرَةٌ في هَذِهِ الآيَةِ لَمّا ذَكَرَ أنَّ العِزَّةَ لَهُ تَعالى وهي: القَهْرُ والغَلَبَةُ، ذَكَرَ ما يُناسِبُ القَهْرَ وهو كَوْنُ المَخْلُوقاتِ مِلْكًا لَهُ تَعالى، ومِنَ الأصْلِ فِيها أنْ تَكُونَ لِلْعُقَلاءِ، وهُنا هي شامِلَةٌ لَهم ولِغَيْرِهِمْ عَلى حُكْمِ التَّغْلِيبِ، وحَيْثُ جِيءَ بِما كانَ تَغْلِيبًا لِلْكَثْرَةِ إذْ أكْثَرُ المَخْلُوقاتِ لا تَعْقِلُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي العُقَلاءَ المُمَيِّزِينَ وهُمُ المَلائِكَةُ والثَّقَلانِ، وإنَّما خَصَّهم لِيُؤْذِنَ أنَّ هَؤُلاءِ إذا كانُوا لَهُ في مِلْكِهِ فَهم عَبِيدٌ كُلُّهم، لا يَصْلُحُ أحَدٌ مِنهم لِلرُّبُوبِيَّةِ، ولا أنْ يَكُونَ شَرِيكًا فِيها، فَما دُونَهم مِمّا لا يَعْقِلُ أحَقُّ أنْ لا يَكُونَ نِدًّا وشَرِيكًا. ويَدُلُّ عَلى أنَّ مَنِ اتَّخَذَ غَيْرَهُ رَبًّا مِن مَلَكٍ أوْ إنْسِيٍّ فَضْلًا عَنْ صَنَمٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَهو مُبْطِلٌ تابِعٌ لِما أدّى إلَيْهِ التَّقْلِيدُ وتَرْكُ النَّظَرِ. والظّاهِرُ أنَّ (ما) نافِيَةٌ، و(شُرَكاءَ) مَفْعُولُ يَتَّبِعُ، ومَفْعُولُ (يَدْعُونَ) مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى تَقْدِيرُهُ: آلِهَةً أوْ شُرَكاءَ أيْ: أنَّ الَّذِينَ جَعَلُوهم آلِهَةً وأشْرَكُوهم مَعَ اللَّهِ في الرُّبُوبِيَّةِ لَيْسُوا شُرَكاءَ حَقِيقَةً، إذِ الشَّرِكَةُ في الأُلُوهِيَّةِ مُسْتَحِيلَةٌ، وإنْ كانُوا قَدْ أطْلَقُوا عَلَيْهِمُ اسْمَ الشُّرَكاءِ. وجَوَّزُوا أنْ تَكُونَ (ما) اسْتِفْهامِيَّةً في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ (يَتَّبِعُ)، وشُرَكاءَ مَنصُوبٌ بِيَدْعُونَ أيْ: وأيُّ شَيْءٍ يَتَّبِعُ عَلى تَحْقِيرِ المُتَّبَعِ، كَأنَّهُ قِيلَ: مَن يَدْعُو شَرِيكًا لِلَّهِ لا يَتَّبِعُ شَيْئًا. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ تَكُونَ (p-١٧٧)(ما) مَوْصُولَةً عَطْفًا عَلى مِن، والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ: والَّذِي يَتَّبِعُهُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ، أيْ: ولَهُ شُرَكاؤُهم. وأجازَ غَيْرُهُ أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: والَّذِي يَتَّبِعُهُ المُشْرِكُونَ باطِلٌ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ: (تَدْعُونَ) بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي قِراءَةٌ غَيْرُ مُتَّجِهَةٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: تَدْعُونَ بِالتّاءِ، ووَجْهُهُ أنْ يُحْمَلَ (وما يَتَّبِعُ) عَلى الِاسْتِفْهامِ أيْ: وأيُّ شَيْءٍ يَتَّبِعُ الَّذِينَ تَدْعُونَهم شُرَكاءَ مِنَ المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ، يَعْنِي: أنَّهم يَتَّبِعُونَ اللَّهَ تَعالى ويُطِيعُونَهُ، فَما لَكَمَ لا تَفْعَلُونَ مِثْلَ فِعْلِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء: ٥٧] انْتَهى. وإنْ نافِيَةٌ أيْ: ما يَتَّبِعُونَ إلّا ظَنَّهم أنَّهم شُرَكاءُ. و(يَخْرُصُونَ): يَقْدِرُونَ. ومَن قَرَأ تَدْعُونَ بِالتّاءِ كانَ قَوْلُهُ: (إنْ يَتَّبِعُونَ): التِفاتًا، إذْ هو خُرُوجٌ مِن خِطابٍ إلى غَيْبَةٍ.

يونس 10:66

﴿ولا يَحْزُنْكَ قَوْلُهم إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ وما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾: إمّا أنْ يَكُونَ قَوْلُهم أُرِيدَ بِهِ بَعْضُ أفْرادِهِ وهو التَّكْذِيبُ والتَّهْدِيدُ، وما يَتَشاوَرُونَ بِهِ في أمْرِ الرَّسُولِ ﷺ، فَيَكُونُ مِن إطْلاقِ العامِّ وأُرِيدَ بِهِ الخاصُّ. وإمّا أنْ يَكُونَ مِمّا حُذِفَتْ مِنهُ الصِّفَةُ المُخَصِّصَةُ، أيْ: قَوْلُهُمُ الدّالُّ عَلى تَكْذِيبِكَ ومُعانَدَتِكَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ بِقَوْلِهِ: إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا، أيْ: لا عِزَّةَ لَهم ولا مَنَعَةَ، فَهم لا يَقْدِرُونَ لَكَ عَلى شَيْءٍ ولا يُؤْذُونَكَ، إنَّ الغَلَبَةَ والقَهْرَ لِلَّهِ، وهو القادِرُ عَلى الِانْتِقامِ مِنهم، فَلا يُعازُّهُ شَيْءٌ ولا يُغالِبُهُ. وكَأنَّ قائِلًا قالَ: لِمَ لا يُحْزِنْهُ قَوْلُهم وهو مِمّا يُحْزِنُ ؟ فَقِيلَ: ﴿إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾، لَيْسَ لَهم مِنها شَيْءٌ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: (أنَّ العِزَّةَ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ ولَيْسَ مَعْمُولًا لِقَوْلِهِمْ: لِأنَّ ذَلِكَ لا يُحْزِنُ الرَّسُولَ ﷺ، إذْ هو قَوْلٌ حَقٌّ. وخُرِّجَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى التَّعْلِيلِ، أيْ: لا يَقَعُ مِنكَ حُزْنٌ لِما يَقُولُونَ، لِأجْلِ أنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا. ووُجِّهَتْ أيْضًا عَلى أنْ يَكُونَ ﴿إنَّ العِزَّةَ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِمْ، ولا يَظْهَرُ هَذا التَّوْجِيهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَن جَعَلَهُ بَدَلًا مِن قَوْلِهِمْ ثُمَّ أنْكَرَهُ، فالمُنْكَرُ هو تَخْرِيجُهُ لا ما أنْكَرَهُ مِنَ القُرْآنِ. وقالَ القاضِي: فَتْحُها شاذٌّ يُقارِبُ الكُفْرَ، وإذا كُسِرَتْ كانَ اسْتِئْنافًا، وهَذا يَدُلُّ عَلى فَضِيلَةِ عِلْمِ الإعْرابِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا يَجُوزُ فَتْحُ إنَّ في هَذا المَوْضِعِ وهو كُفْرٌ وغُلُوٌّ، وإنَّما قالَ القاضِي وابْنُ قُتَيْبَةَ بِناءً مِنهُما عَلى أنَّ (إنَّ) مَعْمُولَةٌ لِقَوْلِهِمْ، وقَدْ ذَكَرْنا تَوْجِيهَ ذَلِكَ عَلى التَّعْلِيلِ وهو تَوْجِيهٌ صَحِيحٌ. (هو السَّمِيعُ): لِما يَقُولُونَ، (العَلِيمُ): لِما يُرِيدُونَ. وفِي هَذِهِ الآيَةِ تَأْمِينٌ لِلرَّسُولِ ﷺ مِن إضْرارِ الكُفّارِ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى يُدِيلُهُ عَلَيْهِمْ ويَنْصُرُهُ. ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾ [غافر: ٥١] وقالَ الأصَمُّ: كانُوا يَتَعَزَّزُونَ بِكَثْرَةِ خَدَمِهِمْ وأمْوالِهِمْ، فَأخْبَرَ أنَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يَسْلُبَ مِنهم مِلْكَ الأشْياءِ، وأنْ يَنْصُرَكَ ويَنْقُلَ إلَيْكَ أمْوالَهم ودِيارَهُمُ انْتَهى. ولا تَضادَّ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾، وقَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] لِأنَّ عِزَّتَهم إنَّما هي بِاللَّهِ، فَهي كُلُّها لِلَّهِ. ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ وما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ . المُناسَبَةُ ظاهِرَةٌ في هَذِهِ الآيَةِ لَمّا ذَكَرَ أنَّ العِزَّةَ لَهُ تَعالى وهي: القَهْرُ والغَلَبَةُ، ذَكَرَ ما يُناسِبُ القَهْرَ وهو كَوْنُ المَخْلُوقاتِ مِلْكًا لَهُ تَعالى، ومِنَ الأصْلِ فِيها أنْ تَكُونَ لِلْعُقَلاءِ، وهُنا هي شامِلَةٌ لَهم ولِغَيْرِهِمْ عَلى حُكْمِ التَّغْلِيبِ، وحَيْثُ جِيءَ بِما كانَ تَغْلِيبًا لِلْكَثْرَةِ إذْ أكْثَرُ المَخْلُوقاتِ لا تَعْقِلُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي العُقَلاءَ المُمَيِّزِينَ وهُمُ المَلائِكَةُ والثَّقَلانِ، وإنَّما خَصَّهم لِيُؤْذِنَ أنَّ هَؤُلاءِ إذا كانُوا لَهُ في مِلْكِهِ فَهم عَبِيدٌ كُلُّهم، لا يَصْلُحُ أحَدٌ مِنهم لِلرُّبُوبِيَّةِ، ولا أنْ يَكُونَ شَرِيكًا فِيها، فَما دُونَهم مِمّا لا يَعْقِلُ أحَقُّ أنْ لا يَكُونَ نِدًّا وشَرِيكًا. ويَدُلُّ عَلى أنَّ مَنِ اتَّخَذَ غَيْرَهُ رَبًّا مِن مَلَكٍ أوْ إنْسِيٍّ فَضْلًا عَنْ صَنَمٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَهو مُبْطِلٌ تابِعٌ لِما أدّى إلَيْهِ التَّقْلِيدُ وتَرْكُ النَّظَرِ. والظّاهِرُ أنَّ (ما) نافِيَةٌ، و(شُرَكاءَ) مَفْعُولُ يَتَّبِعُ، ومَفْعُولُ (يَدْعُونَ) مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى تَقْدِيرُهُ: آلِهَةً أوْ شُرَكاءَ أيْ: أنَّ الَّذِينَ جَعَلُوهم آلِهَةً وأشْرَكُوهم مَعَ اللَّهِ في الرُّبُوبِيَّةِ لَيْسُوا شُرَكاءَ حَقِيقَةً، إذِ الشَّرِكَةُ في الأُلُوهِيَّةِ مُسْتَحِيلَةٌ، وإنْ كانُوا قَدْ أطْلَقُوا عَلَيْهِمُ اسْمَ الشُّرَكاءِ. وجَوَّزُوا أنْ تَكُونَ (ما) اسْتِفْهامِيَّةً في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ (يَتَّبِعُ)، وشُرَكاءَ مَنصُوبٌ بِيَدْعُونَ أيْ: وأيُّ شَيْءٍ يَتَّبِعُ عَلى تَحْقِيرِ المُتَّبَعِ، كَأنَّهُ قِيلَ: مَن يَدْعُو شَرِيكًا لِلَّهِ لا يَتَّبِعُ شَيْئًا. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ تَكُونَ (p-١٧٧)(ما) مَوْصُولَةً عَطْفًا عَلى مِن، والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ: والَّذِي يَتَّبِعُهُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ، أيْ: ولَهُ شُرَكاؤُهم. وأجازَ غَيْرُهُ أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: والَّذِي يَتَّبِعُهُ المُشْرِكُونَ باطِلٌ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ: (تَدْعُونَ) بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي قِراءَةٌ غَيْرُ مُتَّجِهَةٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: تَدْعُونَ بِالتّاءِ، ووَجْهُهُ أنْ يُحْمَلَ (وما يَتَّبِعُ) عَلى الِاسْتِفْهامِ أيْ: وأيُّ شَيْءٍ يَتَّبِعُ الَّذِينَ تَدْعُونَهم شُرَكاءَ مِنَ المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ، يَعْنِي: أنَّهم يَتَّبِعُونَ اللَّهَ تَعالى ويُطِيعُونَهُ، فَما لَكَمَ لا تَفْعَلُونَ مِثْلَ فِعْلِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء: ٥٧] انْتَهى. وإنْ نافِيَةٌ أيْ: ما يَتَّبِعُونَ إلّا ظَنَّهم أنَّهم شُرَكاءُ. و(يَخْرُصُونَ): يَقْدِرُونَ. ومَن قَرَأ تَدْعُونَ بِالتّاءِ كانَ قَوْلُهُ: (إنْ يَتَّبِعُونَ): التِفاتًا، إذْ هو خُرُوجٌ مِن خِطابٍ إلى غَيْبَةٍ.

يونس 10:67

﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾: هَذا تَنْبِيهٌ مِنهُ تَعالى عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ وشُمُولِ نِعْمَتِهِ لِعِبادِهِ، فَهو المُسْتَحَقُّ لِأنْ يُفْرَدَ بِالعِبادَةِ لِتَسْكُنُوا فِيهِ مِمّا تُقاسُونَ مِنَ الحَرَكَةِ والتَّرَدُّدِ في طَلَبِ المَعاشِ وغَيْرِهِ بِالنَّهارِ، وأضافَ الأبْصارَ إلى النَّهارِ مَجازًا، لِأنَّ الأبْصارَ تَقَعُ فِيهِ كَما قالَ: ؎ونِمْتُ وما لَيْلُ المَطِيِّ بِنائِمِ أيْ: يُبْصِرُونَ فِيهِ مَطالِبَ مَعايِشِهِمْ. وقالَ قُطْرُبٌ: يُقالُ: أظْلَمَ اللَّيْلُ: صارَ ذا ظُلْمَةٍ، وأضاءَ النَّهارُ وأبْصَرَ، أيْ: صارَ ذا ضِياءٍ وبَصَرٍ، انْتَهى. وذَكَرَ عِلَّةَ خَلْقِ اللَّيْلِ وهي قَوْلُهُ: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾، وحَذَفَها مِنَ النَّهارِ، وذَكَرَ وصْفَ النَّهارِ وحَذَفَهُ مِنَ اللَّيْلِ، وكُلٌّ مِنَ المَحْذُوفِ يَدُلُّ عَلى مُقابِلِهِ، والتَّقْدِيرُ: جَعَلَ اللَّيْلَ مُظْلِمًا لِتَسْكُنُوا فِيهِ، والنَّهارَ مُبْصِرًا لِتَتَحَرَّكُوا فِيهِ في مَكاسِبِكم وما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ بِالحَرَكَةِ، ومَعْنى (يَسْمَعُونَ): سَماعٌ مُعْتَبَرٌ.

يونس 10:68

﴿قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ هو الغَنِيُّ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ إنْ عِنْدَكم مِن سُلْطانٍ بِهَذا أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿قُلْ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ ﴿مَتاعٌ في الدُّنْيا ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُهم ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾: الضَّمِيرُ في (قالُوا) عائِدٌ عَلى مَن نَسَبَ إلى اللَّهِ الوَلَدَ، مِمَّنْ قالَ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، أوْ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، أوِ المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، و(سُبْحانَهُ): تَنْزِيهٌ مِنَ اتِّخاذِ الوَلَدِ وتَعَجُّبٌ مِمَّنْ يَقُولُ ذَلِكَ. (هو الغَنِيُّ): عِلَّةٌ لِنَفْيِ الوَلَدِ، لِأنَّ اتِّخاذَ الوَلَدِ إنَّما يَكُونُ لِلْحاجَةِ إلَيْهِ، واللَّهُ تَعالى غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى شَيْءٍ، فالوَلَدُ مُنْتَفٍ عَنْهُ، وكُلُّ ما في السَّماواتِ والأرْضِ مِلْكُهُ فَهو غَنِيٌّ عَنِ اتِّخاذِ الوَلَدِ. و(إنْ): نافِيَةٌ، والسُّلْطانُ: الحُجَّةُ، أيْ: ما عِنْدَكم مِن حُجَّةٍ بِهَذا القَوْلِ. قالَ الحَوْفِيُّ: وبِهَذا مُتَعَلِّقٌ بِمَعْنى الِاسْتِقْرارِ يَعْنِي: الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الظَّرْفُ. وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: الباءُ حَقُّها أنْ تَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ عِنْدَكُمْ﴾ عَلى أنْ يُجْعَلَ القَوْلُ مَكانًا لِلسُّلْطانِ كَقَوْلِكَ: ما عِنْدَكم بِأرْضِكم نُورٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ عِنْدَكم فِيما تَقُولُونَ سُلْطانٌ. وقالَ أبُو البَقاءِ: وبِهَذا مُتَعَلِّقٌ بِسُلْطانٍ أوْ نَعْتٌ لَهُ، وأتَقُولُونَ: اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ لِمَنِ اتَّبَعَ ما لا يَعْلَمُ، ويُحْتَجُّ بِذَلِكَ في إبْطالِ التَّقْلِيدِ في أُصُولِ الدِّينِ، واسْتَدَلَّ بِها نُفاةُ القِياسِ وأخْبارِ الآحادِ. ولَمّا نَفى البُرْهانَ عَنْهم جَعَلَهم غَيْرَ عالِمِينَ، فَدَلَّ عَلى أنَّ كُلَّ قَوْلٍ لا بُرْهانَ عَلَيْهِ لِقائِلِهِ فَذَلِكَ جَهْلٌ ولَيْسَ بِعِلْمٍ. و﴿الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [يونس: ٦٠]: عامٌّ يَشْمَلُ مَن نَسَبَ إلى اللَّهِ الوَلَدَ، ومَن قالَ في اللَّهِ وفي صِفاتِهِ قَوْلًا بِغَيْرِ عِلْمٍ، وهو داخِلٌ في الوَعِيدِ بِانْتِفاءِ الإفْلاحِ، ولَمّا نَفى عَنْهُمُ الفَلاحَ وكانَ لَهم حَظٌّ مِن إفْلاحِهِمْ في الدُّنْيا، لِحُظُوظٍ فِيها مِن مالٍ وجاهٍ وغَيْرِ ذَلِكَ قِيلَ: ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ [آل عمران: ١٩٧]: جَوابٌ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالٍ، كَأنَّ قائِلًا قالَ: كَيْفَ لا يُفْلِحُونَ وهم في الدُّنْيا مُفْلِحُونَ بِأنْواعٍ مِمّا يَتَلَذَّذُونَ بِهِ، فَقِيلَ: ذَلِكَ مَتاعٌ في الدُّنْيا، أوْ لَهم مَتاعٌ في الدُّنْيا زائِلٌ لا بَقاءَ لَهُ، ثُمَّ يَلْقَوْنَ (p-١٧٨)الشَّقاءَ المُؤَبَّدَ في الآخِرَةِ.

يونس 10:69

﴿قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ هو الغَنِيُّ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ إنْ عِنْدَكم مِن سُلْطانٍ بِهَذا أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿قُلْ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ ﴿مَتاعٌ في الدُّنْيا ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُهم ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾: الضَّمِيرُ في (قالُوا) عائِدٌ عَلى مَن نَسَبَ إلى اللَّهِ الوَلَدَ، مِمَّنْ قالَ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، أوْ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، أوِ المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، و(سُبْحانَهُ): تَنْزِيهٌ مِنَ اتِّخاذِ الوَلَدِ وتَعَجُّبٌ مِمَّنْ يَقُولُ ذَلِكَ. (هو الغَنِيُّ): عِلَّةٌ لِنَفْيِ الوَلَدِ، لِأنَّ اتِّخاذَ الوَلَدِ إنَّما يَكُونُ لِلْحاجَةِ إلَيْهِ، واللَّهُ تَعالى غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى شَيْءٍ، فالوَلَدُ مُنْتَفٍ عَنْهُ، وكُلُّ ما في السَّماواتِ والأرْضِ مِلْكُهُ فَهو غَنِيٌّ عَنِ اتِّخاذِ الوَلَدِ. و(إنْ): نافِيَةٌ، والسُّلْطانُ: الحُجَّةُ، أيْ: ما عِنْدَكم مِن حُجَّةٍ بِهَذا القَوْلِ. قالَ الحَوْفِيُّ: وبِهَذا مُتَعَلِّقٌ بِمَعْنى الِاسْتِقْرارِ يَعْنِي: الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الظَّرْفُ. وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: الباءُ حَقُّها أنْ تَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ عِنْدَكُمْ﴾ عَلى أنْ يُجْعَلَ القَوْلُ مَكانًا لِلسُّلْطانِ كَقَوْلِكَ: ما عِنْدَكم بِأرْضِكم نُورٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ عِنْدَكم فِيما تَقُولُونَ سُلْطانٌ. وقالَ أبُو البَقاءِ: وبِهَذا مُتَعَلِّقٌ بِسُلْطانٍ أوْ نَعْتٌ لَهُ، وأتَقُولُونَ: اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ لِمَنِ اتَّبَعَ ما لا يَعْلَمُ، ويُحْتَجُّ بِذَلِكَ في إبْطالِ التَّقْلِيدِ في أُصُولِ الدِّينِ، واسْتَدَلَّ بِها نُفاةُ القِياسِ وأخْبارِ الآحادِ. ولَمّا نَفى البُرْهانَ عَنْهم جَعَلَهم غَيْرَ عالِمِينَ، فَدَلَّ عَلى أنَّ كُلَّ قَوْلٍ لا بُرْهانَ عَلَيْهِ لِقائِلِهِ فَذَلِكَ جَهْلٌ ولَيْسَ بِعِلْمٍ. و﴿الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [يونس: ٦٠]: عامٌّ يَشْمَلُ مَن نَسَبَ إلى اللَّهِ الوَلَدَ، ومَن قالَ في اللَّهِ وفي صِفاتِهِ قَوْلًا بِغَيْرِ عِلْمٍ، وهو داخِلٌ في الوَعِيدِ بِانْتِفاءِ الإفْلاحِ، ولَمّا نَفى عَنْهُمُ الفَلاحَ وكانَ لَهم حَظٌّ مِن إفْلاحِهِمْ في الدُّنْيا، لِحُظُوظٍ فِيها مِن مالٍ وجاهٍ وغَيْرِ ذَلِكَ قِيلَ: ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ [آل عمران: ١٩٧]: جَوابٌ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالٍ، كَأنَّ قائِلًا قالَ: كَيْفَ لا يُفْلِحُونَ وهم في الدُّنْيا مُفْلِحُونَ بِأنْواعٍ مِمّا يَتَلَذَّذُونَ بِهِ، فَقِيلَ: ذَلِكَ مَتاعٌ في الدُّنْيا، أوْ لَهم مَتاعٌ في الدُّنْيا زائِلٌ لا بَقاءَ لَهُ، ثُمَّ يَلْقَوْنَ (p-١٧٨)الشَّقاءَ المُؤَبَّدَ في الآخِرَةِ.

يونس 10:70

﴿قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ هو الغَنِيُّ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ إنْ عِنْدَكم مِن سُلْطانٍ بِهَذا أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿قُلْ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ ﴿مَتاعٌ في الدُّنْيا ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُهم ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾: الضَّمِيرُ في (قالُوا) عائِدٌ عَلى مَن نَسَبَ إلى اللَّهِ الوَلَدَ، مِمَّنْ قالَ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، أوْ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، أوِ المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، و(سُبْحانَهُ): تَنْزِيهٌ مِنَ اتِّخاذِ الوَلَدِ وتَعَجُّبٌ مِمَّنْ يَقُولُ ذَلِكَ. (هو الغَنِيُّ): عِلَّةٌ لِنَفْيِ الوَلَدِ، لِأنَّ اتِّخاذَ الوَلَدِ إنَّما يَكُونُ لِلْحاجَةِ إلَيْهِ، واللَّهُ تَعالى غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى شَيْءٍ، فالوَلَدُ مُنْتَفٍ عَنْهُ، وكُلُّ ما في السَّماواتِ والأرْضِ مِلْكُهُ فَهو غَنِيٌّ عَنِ اتِّخاذِ الوَلَدِ. و(إنْ): نافِيَةٌ، والسُّلْطانُ: الحُجَّةُ، أيْ: ما عِنْدَكم مِن حُجَّةٍ بِهَذا القَوْلِ. قالَ الحَوْفِيُّ: وبِهَذا مُتَعَلِّقٌ بِمَعْنى الِاسْتِقْرارِ يَعْنِي: الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الظَّرْفُ. وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: الباءُ حَقُّها أنْ تَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ عِنْدَكُمْ﴾ عَلى أنْ يُجْعَلَ القَوْلُ مَكانًا لِلسُّلْطانِ كَقَوْلِكَ: ما عِنْدَكم بِأرْضِكم نُورٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ عِنْدَكم فِيما تَقُولُونَ سُلْطانٌ. وقالَ أبُو البَقاءِ: وبِهَذا مُتَعَلِّقٌ بِسُلْطانٍ أوْ نَعْتٌ لَهُ، وأتَقُولُونَ: اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ لِمَنِ اتَّبَعَ ما لا يَعْلَمُ، ويُحْتَجُّ بِذَلِكَ في إبْطالِ التَّقْلِيدِ في أُصُولِ الدِّينِ، واسْتَدَلَّ بِها نُفاةُ القِياسِ وأخْبارِ الآحادِ. ولَمّا نَفى البُرْهانَ عَنْهم جَعَلَهم غَيْرَ عالِمِينَ، فَدَلَّ عَلى أنَّ كُلَّ قَوْلٍ لا بُرْهانَ عَلَيْهِ لِقائِلِهِ فَذَلِكَ جَهْلٌ ولَيْسَ بِعِلْمٍ. و﴿الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [يونس: ٦٠]: عامٌّ يَشْمَلُ مَن نَسَبَ إلى اللَّهِ الوَلَدَ، ومَن قالَ في اللَّهِ وفي صِفاتِهِ قَوْلًا بِغَيْرِ عِلْمٍ، وهو داخِلٌ في الوَعِيدِ بِانْتِفاءِ الإفْلاحِ، ولَمّا نَفى عَنْهُمُ الفَلاحَ وكانَ لَهم حَظٌّ مِن إفْلاحِهِمْ في الدُّنْيا، لِحُظُوظٍ فِيها مِن مالٍ وجاهٍ وغَيْرِ ذَلِكَ قِيلَ: ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ [آل عمران: ١٩٧]: جَوابٌ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالٍ، كَأنَّ قائِلًا قالَ: كَيْفَ لا يُفْلِحُونَ وهم في الدُّنْيا مُفْلِحُونَ بِأنْواعٍ مِمّا يَتَلَذَّذُونَ بِهِ، فَقِيلَ: ذَلِكَ مَتاعٌ في الدُّنْيا، أوْ لَهم مَتاعٌ في الدُّنْيا زائِلٌ لا بَقاءَ لَهُ، ثُمَّ يَلْقَوْنَ (p-١٧٨)الشَّقاءَ المُؤَبَّدَ في الآخِرَةِ.

يونس 10:71

﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ نُوحٍ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ياقَوْمِ إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي وتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأجْمِعُوا أمْرَكم وشُرَكاءَكم ثُمَّ لا يَكُنْ أمْرُكم عَلَيْكم غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ ولا تُنْظِرُونِ﴾ ﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَألْتُكم مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ وجَعَلْناهم خَلائِفَ وأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِ رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ المُعْتَدِينَ﴾ ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى وهارُونَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ بِآياتِنا فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ [يونس: ٧٥] ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: ٧٦] ﴿قالَ مُوسى أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم أسِحْرٌ هَذا ولا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ﴾ [يونس: ٧٧] ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٧٨] لَفَتَ عُنُقَهُ: لَواها وصَرَفَها. وقالَ الأزْهَرِيُّ: لَفَتَ الشَّيْءَ وفَتَلَهُ: لَواهُ وهَذا مِنَ المَقْلُوبِ، انْتَهى. ومُطاوِعُ لَفَتَ: التَفَتَ، وقِيلَ: انْفَتَلَ. ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ نُوحٍ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي وتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأجْمِعُوا أمْرَكم وشُرَكاءَكم ثُمَّ لا يَكُنْ أمْرُكم عَلَيْكم غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ ولا تُنْظِرُونِ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى الدَّلائِلَ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، وذَكَرَ ما جَرى بَيْنَ الرَّسُولِ وبَيْنَ الكُفّارِ، ذَكَرَ قَصَصًا مِن قَصَصِ الأنْبِياءِ وما جَرى لَهم مَعَ قَوْمِهِمْ مِنَ الخِلافِ، وذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ ولِيَتَأسّى بِمَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ فَيَخِفَّ عَلَيْهِ ما يَلْقى مِنهم مِنَ التَّكْذِيبِ وقِلَّةِ الِاتِّباعِ، ولِيَعْلَمَ المَتْلُوُّ عَلَيْهِمْ هَذا القَصَصُ عاقِبَةَ مَن كَذَّبَ الأنْبِياءَ، وما مَنَحَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مِنَ العِلْمِ بِهَذا القَصَصِ وهو لَمْ يُطالِعْ كِتابًا ولا صَحِبَ عالِمًا، وأنَّها طِبْقُ ما أخْبَرَ بِهِ. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ اللَّهَ أوْحاهُ إلَيْهِ وأعْلَمَهُ بِهِ، وأنَّهُ نَبِيٌّ لا شَكَّ فِيهِ. والضَّمِيرُ في عَلَيْهِمْ عائِدٌ عَلى أهْلِ مَكَّةَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم. وكَبُرَ مَعْناهُ: عَظُمَ مَقامِي، أيْ: طُولُ مَقامِي فِيكم، أوْ قِيامِي لِلْوَعْظِ. كَما يُحْكى عَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ كانَ يَعِظُ الحَوارِيِّينَ قائِمًا لِيَرَوْهُ وهم قُعُودٌ، وكَقِيامِ الخَطِيبِ لِيَسْمَعَ النّاسُ ولِيَرَوْهُ، أوْ نَسَبَ ذَلِكَ إلى مَقامِهِ والمُرادُ نَفْسُهُ كَما تَقُولُ: فَعَلْتُ كَذا لِمَكانِ فُلانٍ، وفُلانٌ ثَقِيلُ الظِّلِّ تُرِيدُ لِأجْلِ فُلانٍ وفُلانٌ ثَقِيلٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَمْ يُقْرَأْ هُنا بِضَمِّ المِيمِ، انْتَهى. ولَيْسَ كَما ذَكَرَ، بَلْ قَرَأ مُقامِي بِضَمِّ المِيمِ أبُو مِجْلَزٍ وأبُو رَجاءٍ وأبُو الجَوْزاءِ. والمُقامُ الإقامَةُ بِالمَكانِ، والمَقامُ مَكانُ القِيامِ. والتَّذْكِيرُ وعْظُهُ إيّاهم وزَجْرُهم عَنِ المَعاصِي، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فافْعَلُوا ما شِئْتُمْ. وقِيلَ: الجَوابُ فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ. و(فَأجْمِعُوا) مَعْطُوفٌ عَلى الجَوابِ، وهو لا يَظْهَرُ لِأنَّهُ مُتَوَكِّلٌ عَلى اللَّهِ دائِمًا. وقالَ الأكْثَرُونَ: الجَوابُ فَأجْمِعُوا، وفَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ جُمْلَةُ اعْتِراضٍ بَيْنَ الشَّرْطِ وجَزائِهِ كَقَوْلِهِ: ؎أما تَرَيْنِي قَدْ نَحَلْتُ ومَن يَكُنْ غَرَضًا لِأطْرافِ الأسِنَّةِ يَنْحَلِ ؎فَلَرُبَّ أبْلَجَ مِثْلِ ثِقَلِكِ بادِنٍ ∗∗∗ ضَخْمٍ عَلى ظَهْرِ الجَوادِ مُهَبَّلِ وقَرَأ الجُمْهُورُ: فَأجْمِعُوا مِن أجْمَعَ الرَّجُلُ الشَّيْءَ عَزَمَ عَلَيْهِ ونَواهُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎أجْمَعُوا أمْرَهم بِلَيْلٍ فَلَمّا ∗∗∗ أصْبَحُوا أصْبَحَتْ لَهم ضَوْضاءُ وقالَ آخَرُ:(p-١٧٩) ؎يا لَيْتَ شِعْرِي والمُنى لا تَنْفَعُ ∗∗∗ هَلْ أعْذَرْتَ يَوْمًا وأمْرِي مُجْمَعُ وقالَ أبُو قَيْدٍ السَّدُوسِيُّ: أجْمَعْتُ الأمْرَ: أفْصَحُ مِن أجْمَعْتُ عَلَيْهِ. وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: أجْمَعَ أمْرَهُ: جَعَلَهُ مَجْمُوعًا بَعْدَما كانَ مُتَفَرِّقًا، قالَ: وتَفْرِقَتُهُ أنَّهُ يَقُولُ مَرَّةً أفْعَلُ كَذا، ومَرَّةً أفْعَلُ كَذا، فَإذا عَزَمَ عَلى أمْرٍ واحِدٍ قَدْ جَعَلَهُ، أيْ: جَعَلَهُ جَمِيعًا، فَهَذا هو الأصْلُ في الإجْماعِ، ثُمَّ صارَ بِمَعْنى العَزْمِ حَتّى وُصِلَ بِعَلى، فَقِيلَ: أجْمَعْتُ عَلى الأمْرِ، أيْ عَزَمْتُ عَلَيْهِ، والأصْلُ أجْمَعْتُ الأمْرَ، انْتَهى. وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُ، وشُرَكاءَكم عَطْفًا عَلى أمْرَكم عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: وأمْرُ شُرَكائِكم، أوْ عَلى أمْرِكم مِن غَيْرِ مُراعاةِ مَحْذُوفٍ. لِأنَّهُ يُقالُ أيْضًا: أجْمَعْتُ شُرَكائِي، أوْ مَنصُوبًا بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: وادْعُوا شُرَكاءَكم، وذَلِكَ بِناءً عَلى أنَّهُ لا يُقالُ أجْمَعْتُ شُرَكائِي يَعْنِي في الأكْثَرِ، فَيَكُونُ نَظِيرَ قَوْلِهِ: ؎فَعَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا ∗∗∗ حَتّى شَتَتْ هَمّالَةً عَيْناها فِي أحَدِ المَذْهَبَيْنِ، أيْ: وسَقَيْتُها ماءً بارِدًا، وكَذا هي في مُصْحَفِ أُبَيٍّ: وادْعُوا شُرَكاءَكم. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: وقَدْ تُنْصَبُ الشُّرَكاءُ بِواوِ مَعَ، كَما قالُوا: جاءَ البَرْدُ والطَّيالِسَةِ. ولَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ في نَصْبِ وشُرَكاءَكم غَيْرَ قَوْلِ أُبَيٍّ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِواوِ مَعَ، ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ هَذا التَّخْرِيجُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ مِنَ الفاعِلِ، وهو الضَّمِيرُ في فَأجْمِعُوا لا مِنَ المَفْعُولِ الَّذِي هو أمْرُكم، وذَلِكَ عَلى أشْهَرِ الِاسْتِعْمالَيْنِ. لِأنَّهُ يُقالُ: أجْمَعَ الشُّرَكاءُ، ولا يُقالُ جَمَعَ الشُّرَكاءُ أمْرَهم إلّا قَلِيلًا، ولا أجْمَعَتِ الشُّرَكاءُ إلّا قَلِيلًا. وفِي اشْتِراطِ صِحَّةِ جَوازِ العَطْفِ فِيما يَكُونُ مَفْعُولًا مَعَهُ خِلافٌ، فَإذا جَعَلْناهُ مِنَ الفاعِلِ كانَ أوْلى. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ والأعْمَشُ والجَحْدَرِيُّ وأبُو رَجاءٍ والأعْرَجُ والأصْمَعِيُّ عَنْ نافِعٍ ويَعْقُوبَ بِخِلافٍ عَنْهُ: فاجْمَعُوا بِوَصْلِ الألِفِ وفَتْحِ المِيمِ مِن جَمَعَ، وشُرَكاءَكم عَطْفٌ عَلى أمْرَكم لِأنَّهُ يُقالُ: شُرَكائِي، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ذَوِي الأمْرِ مِنكم، فَجَرى عَلى المُضافِ إلَيْهِ ما جَرى عَلى المُضافِ لَوْ ثَبَتَ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ. وفِي كِتابِ اللَّوامِحِ: أجْمَعْتُ الأمْرَ، أيْ جَعَلْتُهُ جَمِيعًا، وجَمَعْتُ الأمْوالَ جَمِيعًا، فَكانَ الإجْماعُ في الأحْداثِ والجَمْعُ في الأعْيانِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ كُلُّ واحِدٍ مَكانَ الآخَرِ. وفي التَّنْزِيلِ: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ [طه: ٦٠]، انْتَهى. وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ والحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى بْنُ عُمَرَ وسَلّامٌ و يَعْقُوبُ فِيما رُوِيَ عَنْهُ: وشُرَكاؤُكم بِالرَّفْعِ، ووُجِّهَ بِأنَّهُ عَطْفٌ عَلى الضَّمِيرِ في فَأجْمِعُوا وقَدْ وقَعَ الفَصْلُ بِالمَفْعُولِ فَحَسُنَ، وعَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ لِدِلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، أيْ: وشُرَكاؤُكم فَلْيُجْمِعُوا أمْرَهم. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: وشُرَكائِكم بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ في (أمْرَكم) أيْ: وأمْرَ شُرَكائِكم فَحُذِفَ كَقَوْلِ الآخَرِ: ؎أكُلِّ امْرِئٍ تَحْسَبِينَ امْرَءًا ∗∗∗ ونارٍ تُوَقَّدُ بِاللَّيْلِ نارا أيْ: وكُلُّ نارٍ، فَحَذَفَ كُلَّ لِدِلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ. والمُرادُ بِالشُّرَكاءِ الأنْدادُ مِن دُونِ اللَّهِ، أضافَهم إلَيْهِمْ إذْ هم يَجْعَلُونَهم شُرَكاءَ بِزَعْمِهِمْ، وأسْنَدَ الإجْماعَ إلى الشُّرَكاءِ عَلى وجْهِ التَّهَكُّمِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكم ثُمَّ كِيدُونِ﴾ [الأعراف: ١٩٥] أوْ يُرادُ بِالشُّرَكاءِ مَن كانَ عَلى دِينِهِمْ وطَرِيقَتِهِمْ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المُرادُ مِنَ الأمْرِ هُنا: وُجُودُ كَيْدِهِمْ ومَكْرِهِمْ، فالتَّقْدِيرُ: لا تَتْرُكُوا مِن أمْرِكم شَيْئًا إلّا أحْضَرْتُمُوهُ، انْتَهى. وأمْرُهُ إيّاهم بِإجْماعِ أمْرِهِمْ دَلِيلٌ عَلى عَدَمِ مُبالاتِهِ بِهِمْ، ثِقَةً بِما وعَدَهُ رَبُّهُ مِن كِلاءَتِهِ وعِصْمَتِهِ، ثُمَّ لا يَكُنْ أمْرُكم عَلَيْكم غُمَّةً، أيْ: حالُكم مَعِي وصُحْبَتُكم لِي غَمًّا وهَمًّا، أيْ: ثُمَّ أهْلِكُونِي لِئَلّا يَكُونَ عَيْشُكم بِسَبَبِي غُصَّةً، وحالُكم عَلَيْكم غُمَّةً. والغَمُّ والغُمَّةُ كالكَرْبِ والكُرْبَةِ، قالَ أبُو الهَيْثَمِ: هو مِن قَوْلِهِمْ: غَمَّ عَلَيْنا الهِلالُ فَهو مَغْمُومٌ إذا التُمِسَ فَلَمْ يُرَ. وقالَ طَرَفَةُ: ؎لَعَمْرُكَ ما أمْرِي عَلَيَّ بِغُمَّةٍ ∗∗∗ نَهارِي ولا لَيْلِي عَلَيَّ بِسَرْمَدِ (p-١٨٠)وقالَ اللَّيْثُ: يُقالُ: إنَّهُ لَفي غُمَّةٍ مِن أمْرِهِ إذا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: أمْرُكم ظاهِرٌ مَكْشُوفٌ، وحَسَّنَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: وقَدْ ذَكَرَ القَوْلَ الأوَّلَ الَّذِي يُرادُ بِالأمْرِ فَقالَ: والثّانِي أنْ يُرادَ بِهِ ما أُرِيدَ بِالأمْرِ الأوَّلِ. والغُمَّةُ: السُّتْرَةُ، مِن غَمَّهُ إذا سَتَرَهُ. ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: «ولا غُمَّةَ في فَرائِضِ اللَّهِ تَعالى» أيْ: لا تُسْتَرُ ولَكِنْ يُجاهَرُ بِها، يَعْنِي: ولا يَكُنْ قَصْدُكم إلى إهْلاكِي مَسْتُورًا عَلَيْكم، بَلْ مَكْشُوفًا مَشْهُورًا تُجاهِرُونَ بِهِ، انْتَهى. ومَعْنى اقْضُوا إلَيَّ: أنْفِذُوا قَضاءَكم نَحْوِي، ومَفْعُولُ اقْضُوا مَحْذُوفٌ، أيِ: اقْضُوا إلَيَّ ذَلِكَ الأمْرَ وامْضُوا في أنْفُسِكم، واقْطَعُوا ما بَيْنِي وبَيْنَكم. وقَرَأ السَّرِيُّ بْنُ يَنْعُمَ: ثُمَّ أفْضُوا بِالفاءِ وقَطْعِ الألْفِ، أيِ: انْتَهُوا إلَيَّ بِشَرِّكم، مِن أفْضى بِكَذا: انْتَهى إلَيْهِ. وقِيلَ: مَعْناهُ أسْرِعُوا. وقِيلَ: مِن أفْضى إذا خَرَجَ إلى الفَضاءِ، أيْ: فَأصْحِرُوا بِهِ إلَيَّ وأبْرِزُوهُ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أبى الضَّيْمَ والنُّعْمانُ يَحْرِقُ نابُهُ ∗∗∗ عَلَيْهِ فَأفْضى والسُّيُوفُ مَعاقِلُهْ ولا تُنْظِرُونِ أيْ: لا تُؤَخِّرُونِ، والنَّظِرَةُ التَّأْخِيرُ ﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَألْتُكم مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ وجَعَلْناهم خَلائِفَ وأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾:، أيْ: فَإنْ دامَ تَوَلِّيكم عَمّا جِئْتُ بِهِ إلَيْكم مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ ورَفْضِ آلِهَتِكم فَلَسْتُ أُبالِي بِكم، لِأنَّ تَوَلِّيَكم لا يَضُرُّنِي في خاصَّتِي، ولا قَطَعَ عَنِّي صِلَةً مِنكم، إذْ ما دَعَوْتُكم إلَيْهِ وذَكَّرْتُكم بِهِ ووَعَظْتُكم، لَمْ أسْألْكم عَلَيْهِ أجْرًا، إنَّما يُثِيبُنِي عَلَيْهِ اللَّهُ تَعالى، أيْ: ما نَصَحْتُكم إلّا لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى لا لِغَرَضٍ مِن أغْراضِ الدُّنْيا، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ أمَرَهُ أنْ يَكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ مِنَ المُنْقادِينَ لِأمْرِ اللَّهِ الطّائِعِينَ لَهُ، فَكَذَّبُوهُ فَتَمُّوا عَلى تَكْذِيبِهِ، وذَلِكَ عِنْدَ مُشارَفَةِ الهَلاكِ بِالطُّوفانِ. وفِي الفُلْكِ مُتَعَلِّقٌ بِالِاسْتِقْرارِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ مَعَهُ، أوْ بِـ (فَنَجَّيْناهُ) و(جَعَلْناهم): جُمِعُ ضَمِيرُ المَفْعُولِ عَلى مَعْنى مِن، و(خَلائِفَ) يَخْلُفُونَ الفارِقِينَ المُهْلَكِينَ. ثُمَّ أمَرَ بِالنَّظَرِ في عاقِبَةِ المُنْذَرِينَ بِالعَذابِ، وإلى ما صارَ إلَيْهِ حالُهم. وفي هَذا الإخْبارِ تَوَعُّدٌ لِلْكُفّارِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وضَرْبُ مِثالٍ لَهم في أنَّهم بِحالِ هَؤُلاءِ مِنَ التَّكْذِيبِ فَسَيَكُونُ حالُهم كَحالِهِمْ في التَّعْذِيبِ. والخِطابُ في فانْظُرْ لِلسّامِعِ لِهَذِهِ القِصَّةِ، وفي ذَلِكَ تَعْظِيمٌ لِما جَرى عَلَيْهِمْ، وتَحْذِيرٌ لِمَن أنْذَرَهُمُ الرَّسُولُ، وتَسْلِيَةٌ لَهُ ﷺ . ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِ رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ المُعْتَدِينَ﴾: مِن بَعْدِهِ، أيْ: مِن بَعْدِ نُوحٍ رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ، يَعْنِي هُودًا وصالِحًا ولُوطًا وإبْراهِيمَ وشُعَيْبًا. والبَيِّناتُ: المُعْجِزاتُ، والبَراهِينُ الواضِحَةُ المُثْبِتَةُ لِما جاءُوا بِهِ. وجاءَ النَّفْيُ مَصْحُوبًا بِلامِ الجُحُودِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ إيمانَهم في حَيِّزِ الِاسْتِحالَةِ والِامْتِناعِ، والضَّمِيرُ في كَذَّبُوا عائِدٌ عَلى مَن عادَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ كانُوا وهم قَوْمُ الرُّسُلِ. والمَعْنى: أنَّهم كانُوا قَبْلَ بِعْثَةِ الرُّسُلِ أهْلَ جاهِلِيَّةٍ وتَكْذِيبٍ لِلْحَقِّ، فَتَساوَتْ حالَتُهم قَبْلَ البِعْثَةِ وبَعْدُها، كَأنْ لَمْ يُبْعَثْ إلَيْهِمْ أحَدٌ. ومِن قَبْلُ مُتَعَلِّقٌ بِكَذَّبُوا، أيْ: مِن قَبْلِ بِعْثَةِ الرُّسُلِ. وقِيلَ: المَعْنى أنَّهم بادَرُوا رُسُلَهم بِالتَّكْذِيبِ كُلَّما جاءَ رَسُولٌ، ثُمَّ لَحُّوا في الكُفْرِ وتَمادَوْا، فَلَمْ يَكُونُوا لِيُؤْمِنُوا بِما سَبَقَ بِهِ تَكْذِيبُهم مِن قَبْلِ لَحِّهِمْ في الكُفْرِ وتَمادِيهِمْ. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: مِن (p-١٨١)قَبْلُ مَعْناهُ مِن قَبْلِ العَذابِ، وهَذا القَوْلُ فِيهِ بُعْدٌ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في كَذَّبُوا عائِدٌ عَلى قَوْمِ نُوحٍ، أيْ: فَما كانَ قَوْمُ الرُّسُلِ لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبَ بِهِ قَوْمُ نُوحٍ، يَعْنِي: أنَّ شِنْشِنَتَهم واحِدَةٌ في التَّكْذِيبِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ اللَّفْظُ عِنْدِي مَعْنًى آخَرَ وهو: أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً والمَعْنى: فَكَذَّبُوا رُسُلَهم فَكانَ عِقابُهم مِنَ اللَّهِ أنْ لَمْ يَكُونُوا لِيُؤْمِنُوا بِتَكْذِيبِهِمْ مِن قَبْلُ، أيْ: مِن سَبَبِهِ ومِن جَرّائِهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ كَذَلِكَ نَطْبَعُ، انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ ما مَوْصُولَةٌ، ولِذَلِكَ عادَ الضَّمِيرُ عَلَيْها في قَوْلِهِ: بِما كَذَّبُوا بِهِ. ولَوْ كانَتْ مَصْدَرِيَّةً بَقِيَ الضَّمِيرُ غَيْرَ عائِدٍ عَلى مَذْكُورٍ، فَتَحْتاجُ أنْ يُتَكَلَّفَ ما يَعُودُ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: نَطْبَعُ بِالنُّونِ، والعَبّاسُ بْنُ الفَضْلِ بِالياءِ، والكافُ لِلتَّشْبِيهِ، أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الطَّبْعِ المُحْكَمِ الَّذِي يَمْتَنِعُ زَوالُهُ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ المُعْتَدِينَ المُجاوِزِينَ طَوْرَهم والمُبالِغِينَ في الكُفْرِ.

يونس 10:72

﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ نُوحٍ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ياقَوْمِ إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي وتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأجْمِعُوا أمْرَكم وشُرَكاءَكم ثُمَّ لا يَكُنْ أمْرُكم عَلَيْكم غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ ولا تُنْظِرُونِ﴾ ﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَألْتُكم مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ وجَعَلْناهم خَلائِفَ وأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِ رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ المُعْتَدِينَ﴾ ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى وهارُونَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ بِآياتِنا فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ [يونس: ٧٥] ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: ٧٦] ﴿قالَ مُوسى أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم أسِحْرٌ هَذا ولا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ﴾ [يونس: ٧٧] ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٧٨] لَفَتَ عُنُقَهُ: لَواها وصَرَفَها. وقالَ الأزْهَرِيُّ: لَفَتَ الشَّيْءَ وفَتَلَهُ: لَواهُ وهَذا مِنَ المَقْلُوبِ، انْتَهى. ومُطاوِعُ لَفَتَ: التَفَتَ، وقِيلَ: انْفَتَلَ. ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ نُوحٍ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي وتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأجْمِعُوا أمْرَكم وشُرَكاءَكم ثُمَّ لا يَكُنْ أمْرُكم عَلَيْكم غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ ولا تُنْظِرُونِ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى الدَّلائِلَ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، وذَكَرَ ما جَرى بَيْنَ الرَّسُولِ وبَيْنَ الكُفّارِ، ذَكَرَ قَصَصًا مِن قَصَصِ الأنْبِياءِ وما جَرى لَهم مَعَ قَوْمِهِمْ مِنَ الخِلافِ، وذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ ولِيَتَأسّى بِمَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ فَيَخِفَّ عَلَيْهِ ما يَلْقى مِنهم مِنَ التَّكْذِيبِ وقِلَّةِ الِاتِّباعِ، ولِيَعْلَمَ المَتْلُوُّ عَلَيْهِمْ هَذا القَصَصُ عاقِبَةَ مَن كَذَّبَ الأنْبِياءَ، وما مَنَحَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مِنَ العِلْمِ بِهَذا القَصَصِ وهو لَمْ يُطالِعْ كِتابًا ولا صَحِبَ عالِمًا، وأنَّها طِبْقُ ما أخْبَرَ بِهِ. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ اللَّهَ أوْحاهُ إلَيْهِ وأعْلَمَهُ بِهِ، وأنَّهُ نَبِيٌّ لا شَكَّ فِيهِ. والضَّمِيرُ في عَلَيْهِمْ عائِدٌ عَلى أهْلِ مَكَّةَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم. وكَبُرَ مَعْناهُ: عَظُمَ مَقامِي، أيْ: طُولُ مَقامِي فِيكم، أوْ قِيامِي لِلْوَعْظِ. كَما يُحْكى عَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ كانَ يَعِظُ الحَوارِيِّينَ قائِمًا لِيَرَوْهُ وهم قُعُودٌ، وكَقِيامِ الخَطِيبِ لِيَسْمَعَ النّاسُ ولِيَرَوْهُ، أوْ نَسَبَ ذَلِكَ إلى مَقامِهِ والمُرادُ نَفْسُهُ كَما تَقُولُ: فَعَلْتُ كَذا لِمَكانِ فُلانٍ، وفُلانٌ ثَقِيلُ الظِّلِّ تُرِيدُ لِأجْلِ فُلانٍ وفُلانٌ ثَقِيلٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَمْ يُقْرَأْ هُنا بِضَمِّ المِيمِ، انْتَهى. ولَيْسَ كَما ذَكَرَ، بَلْ قَرَأ مُقامِي بِضَمِّ المِيمِ أبُو مِجْلَزٍ وأبُو رَجاءٍ وأبُو الجَوْزاءِ. والمُقامُ الإقامَةُ بِالمَكانِ، والمَقامُ مَكانُ القِيامِ. والتَّذْكِيرُ وعْظُهُ إيّاهم وزَجْرُهم عَنِ المَعاصِي، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فافْعَلُوا ما شِئْتُمْ. وقِيلَ: الجَوابُ فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ. و(فَأجْمِعُوا) مَعْطُوفٌ عَلى الجَوابِ، وهو لا يَظْهَرُ لِأنَّهُ مُتَوَكِّلٌ عَلى اللَّهِ دائِمًا. وقالَ الأكْثَرُونَ: الجَوابُ فَأجْمِعُوا، وفَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ جُمْلَةُ اعْتِراضٍ بَيْنَ الشَّرْطِ وجَزائِهِ كَقَوْلِهِ: ؎أما تَرَيْنِي قَدْ نَحَلْتُ ومَن يَكُنْ غَرَضًا لِأطْرافِ الأسِنَّةِ يَنْحَلِ ؎فَلَرُبَّ أبْلَجَ مِثْلِ ثِقَلِكِ بادِنٍ ∗∗∗ ضَخْمٍ عَلى ظَهْرِ الجَوادِ مُهَبَّلِ وقَرَأ الجُمْهُورُ: فَأجْمِعُوا مِن أجْمَعَ الرَّجُلُ الشَّيْءَ عَزَمَ عَلَيْهِ ونَواهُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎أجْمَعُوا أمْرَهم بِلَيْلٍ فَلَمّا ∗∗∗ أصْبَحُوا أصْبَحَتْ لَهم ضَوْضاءُ وقالَ آخَرُ:(p-١٧٩) ؎يا لَيْتَ شِعْرِي والمُنى لا تَنْفَعُ ∗∗∗ هَلْ أعْذَرْتَ يَوْمًا وأمْرِي مُجْمَعُ وقالَ أبُو قَيْدٍ السَّدُوسِيُّ: أجْمَعْتُ الأمْرَ: أفْصَحُ مِن أجْمَعْتُ عَلَيْهِ. وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: أجْمَعَ أمْرَهُ: جَعَلَهُ مَجْمُوعًا بَعْدَما كانَ مُتَفَرِّقًا، قالَ: وتَفْرِقَتُهُ أنَّهُ يَقُولُ مَرَّةً أفْعَلُ كَذا، ومَرَّةً أفْعَلُ كَذا، فَإذا عَزَمَ عَلى أمْرٍ واحِدٍ قَدْ جَعَلَهُ، أيْ: جَعَلَهُ جَمِيعًا، فَهَذا هو الأصْلُ في الإجْماعِ، ثُمَّ صارَ بِمَعْنى العَزْمِ حَتّى وُصِلَ بِعَلى، فَقِيلَ: أجْمَعْتُ عَلى الأمْرِ، أيْ عَزَمْتُ عَلَيْهِ، والأصْلُ أجْمَعْتُ الأمْرَ، انْتَهى. وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُ، وشُرَكاءَكم عَطْفًا عَلى أمْرَكم عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: وأمْرُ شُرَكائِكم، أوْ عَلى أمْرِكم مِن غَيْرِ مُراعاةِ مَحْذُوفٍ. لِأنَّهُ يُقالُ أيْضًا: أجْمَعْتُ شُرَكائِي، أوْ مَنصُوبًا بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: وادْعُوا شُرَكاءَكم، وذَلِكَ بِناءً عَلى أنَّهُ لا يُقالُ أجْمَعْتُ شُرَكائِي يَعْنِي في الأكْثَرِ، فَيَكُونُ نَظِيرَ قَوْلِهِ: ؎فَعَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا ∗∗∗ حَتّى شَتَتْ هَمّالَةً عَيْناها فِي أحَدِ المَذْهَبَيْنِ، أيْ: وسَقَيْتُها ماءً بارِدًا، وكَذا هي في مُصْحَفِ أُبَيٍّ: وادْعُوا شُرَكاءَكم. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: وقَدْ تُنْصَبُ الشُّرَكاءُ بِواوِ مَعَ، كَما قالُوا: جاءَ البَرْدُ والطَّيالِسَةِ. ولَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ في نَصْبِ وشُرَكاءَكم غَيْرَ قَوْلِ أُبَيٍّ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِواوِ مَعَ، ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ هَذا التَّخْرِيجُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ مِنَ الفاعِلِ، وهو الضَّمِيرُ في فَأجْمِعُوا لا مِنَ المَفْعُولِ الَّذِي هو أمْرُكم، وذَلِكَ عَلى أشْهَرِ الِاسْتِعْمالَيْنِ. لِأنَّهُ يُقالُ: أجْمَعَ الشُّرَكاءُ، ولا يُقالُ جَمَعَ الشُّرَكاءُ أمْرَهم إلّا قَلِيلًا، ولا أجْمَعَتِ الشُّرَكاءُ إلّا قَلِيلًا. وفِي اشْتِراطِ صِحَّةِ جَوازِ العَطْفِ فِيما يَكُونُ مَفْعُولًا مَعَهُ خِلافٌ، فَإذا جَعَلْناهُ مِنَ الفاعِلِ كانَ أوْلى. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ والأعْمَشُ والجَحْدَرِيُّ وأبُو رَجاءٍ والأعْرَجُ والأصْمَعِيُّ عَنْ نافِعٍ ويَعْقُوبَ بِخِلافٍ عَنْهُ: فاجْمَعُوا بِوَصْلِ الألِفِ وفَتْحِ المِيمِ مِن جَمَعَ، وشُرَكاءَكم عَطْفٌ عَلى أمْرَكم لِأنَّهُ يُقالُ: شُرَكائِي، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ذَوِي الأمْرِ مِنكم، فَجَرى عَلى المُضافِ إلَيْهِ ما جَرى عَلى المُضافِ لَوْ ثَبَتَ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ. وفِي كِتابِ اللَّوامِحِ: أجْمَعْتُ الأمْرَ، أيْ جَعَلْتُهُ جَمِيعًا، وجَمَعْتُ الأمْوالَ جَمِيعًا، فَكانَ الإجْماعُ في الأحْداثِ والجَمْعُ في الأعْيانِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ كُلُّ واحِدٍ مَكانَ الآخَرِ. وفي التَّنْزِيلِ: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ [طه: ٦٠]، انْتَهى. وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ والحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى بْنُ عُمَرَ وسَلّامٌ و يَعْقُوبُ فِيما رُوِيَ عَنْهُ: وشُرَكاؤُكم بِالرَّفْعِ، ووُجِّهَ بِأنَّهُ عَطْفٌ عَلى الضَّمِيرِ في فَأجْمِعُوا وقَدْ وقَعَ الفَصْلُ بِالمَفْعُولِ فَحَسُنَ، وعَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ لِدِلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، أيْ: وشُرَكاؤُكم فَلْيُجْمِعُوا أمْرَهم. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: وشُرَكائِكم بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ في (أمْرَكم) أيْ: وأمْرَ شُرَكائِكم فَحُذِفَ كَقَوْلِ الآخَرِ: ؎أكُلِّ امْرِئٍ تَحْسَبِينَ امْرَءًا ∗∗∗ ونارٍ تُوَقَّدُ بِاللَّيْلِ نارا أيْ: وكُلُّ نارٍ، فَحَذَفَ كُلَّ لِدِلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ. والمُرادُ بِالشُّرَكاءِ الأنْدادُ مِن دُونِ اللَّهِ، أضافَهم إلَيْهِمْ إذْ هم يَجْعَلُونَهم شُرَكاءَ بِزَعْمِهِمْ، وأسْنَدَ الإجْماعَ إلى الشُّرَكاءِ عَلى وجْهِ التَّهَكُّمِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكم ثُمَّ كِيدُونِ﴾ [الأعراف: ١٩٥] أوْ يُرادُ بِالشُّرَكاءِ مَن كانَ عَلى دِينِهِمْ وطَرِيقَتِهِمْ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المُرادُ مِنَ الأمْرِ هُنا: وُجُودُ كَيْدِهِمْ ومَكْرِهِمْ، فالتَّقْدِيرُ: لا تَتْرُكُوا مِن أمْرِكم شَيْئًا إلّا أحْضَرْتُمُوهُ، انْتَهى. وأمْرُهُ إيّاهم بِإجْماعِ أمْرِهِمْ دَلِيلٌ عَلى عَدَمِ مُبالاتِهِ بِهِمْ، ثِقَةً بِما وعَدَهُ رَبُّهُ مِن كِلاءَتِهِ وعِصْمَتِهِ، ثُمَّ لا يَكُنْ أمْرُكم عَلَيْكم غُمَّةً، أيْ: حالُكم مَعِي وصُحْبَتُكم لِي غَمًّا وهَمًّا، أيْ: ثُمَّ أهْلِكُونِي لِئَلّا يَكُونَ عَيْشُكم بِسَبَبِي غُصَّةً، وحالُكم عَلَيْكم غُمَّةً. والغَمُّ والغُمَّةُ كالكَرْبِ والكُرْبَةِ، قالَ أبُو الهَيْثَمِ: هو مِن قَوْلِهِمْ: غَمَّ عَلَيْنا الهِلالُ فَهو مَغْمُومٌ إذا التُمِسَ فَلَمْ يُرَ. وقالَ طَرَفَةُ: ؎لَعَمْرُكَ ما أمْرِي عَلَيَّ بِغُمَّةٍ ∗∗∗ نَهارِي ولا لَيْلِي عَلَيَّ بِسَرْمَدِ (p-١٨٠)وقالَ اللَّيْثُ: يُقالُ: إنَّهُ لَفي غُمَّةٍ مِن أمْرِهِ إذا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: أمْرُكم ظاهِرٌ مَكْشُوفٌ، وحَسَّنَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: وقَدْ ذَكَرَ القَوْلَ الأوَّلَ الَّذِي يُرادُ بِالأمْرِ فَقالَ: والثّانِي أنْ يُرادَ بِهِ ما أُرِيدَ بِالأمْرِ الأوَّلِ. والغُمَّةُ: السُّتْرَةُ، مِن غَمَّهُ إذا سَتَرَهُ. ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: «ولا غُمَّةَ في فَرائِضِ اللَّهِ تَعالى» أيْ: لا تُسْتَرُ ولَكِنْ يُجاهَرُ بِها، يَعْنِي: ولا يَكُنْ قَصْدُكم إلى إهْلاكِي مَسْتُورًا عَلَيْكم، بَلْ مَكْشُوفًا مَشْهُورًا تُجاهِرُونَ بِهِ، انْتَهى. ومَعْنى اقْضُوا إلَيَّ: أنْفِذُوا قَضاءَكم نَحْوِي، ومَفْعُولُ اقْضُوا مَحْذُوفٌ، أيِ: اقْضُوا إلَيَّ ذَلِكَ الأمْرَ وامْضُوا في أنْفُسِكم، واقْطَعُوا ما بَيْنِي وبَيْنَكم. وقَرَأ السَّرِيُّ بْنُ يَنْعُمَ: ثُمَّ أفْضُوا بِالفاءِ وقَطْعِ الألْفِ، أيِ: انْتَهُوا إلَيَّ بِشَرِّكم، مِن أفْضى بِكَذا: انْتَهى إلَيْهِ. وقِيلَ: مَعْناهُ أسْرِعُوا. وقِيلَ: مِن أفْضى إذا خَرَجَ إلى الفَضاءِ، أيْ: فَأصْحِرُوا بِهِ إلَيَّ وأبْرِزُوهُ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أبى الضَّيْمَ والنُّعْمانُ يَحْرِقُ نابُهُ ∗∗∗ عَلَيْهِ فَأفْضى والسُّيُوفُ مَعاقِلُهْ ولا تُنْظِرُونِ أيْ: لا تُؤَخِّرُونِ، والنَّظِرَةُ التَّأْخِيرُ ﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَألْتُكم مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ وجَعَلْناهم خَلائِفَ وأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾:، أيْ: فَإنْ دامَ تَوَلِّيكم عَمّا جِئْتُ بِهِ إلَيْكم مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ ورَفْضِ آلِهَتِكم فَلَسْتُ أُبالِي بِكم، لِأنَّ تَوَلِّيَكم لا يَضُرُّنِي في خاصَّتِي، ولا قَطَعَ عَنِّي صِلَةً مِنكم، إذْ ما دَعَوْتُكم إلَيْهِ وذَكَّرْتُكم بِهِ ووَعَظْتُكم، لَمْ أسْألْكم عَلَيْهِ أجْرًا، إنَّما يُثِيبُنِي عَلَيْهِ اللَّهُ تَعالى، أيْ: ما نَصَحْتُكم إلّا لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى لا لِغَرَضٍ مِن أغْراضِ الدُّنْيا، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ أمَرَهُ أنْ يَكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ مِنَ المُنْقادِينَ لِأمْرِ اللَّهِ الطّائِعِينَ لَهُ، فَكَذَّبُوهُ فَتَمُّوا عَلى تَكْذِيبِهِ، وذَلِكَ عِنْدَ مُشارَفَةِ الهَلاكِ بِالطُّوفانِ. وفِي الفُلْكِ مُتَعَلِّقٌ بِالِاسْتِقْرارِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ مَعَهُ، أوْ بِـ (فَنَجَّيْناهُ) و(جَعَلْناهم): جُمِعُ ضَمِيرُ المَفْعُولِ عَلى مَعْنى مِن، و(خَلائِفَ) يَخْلُفُونَ الفارِقِينَ المُهْلَكِينَ. ثُمَّ أمَرَ بِالنَّظَرِ في عاقِبَةِ المُنْذَرِينَ بِالعَذابِ، وإلى ما صارَ إلَيْهِ حالُهم. وفي هَذا الإخْبارِ تَوَعُّدٌ لِلْكُفّارِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وضَرْبُ مِثالٍ لَهم في أنَّهم بِحالِ هَؤُلاءِ مِنَ التَّكْذِيبِ فَسَيَكُونُ حالُهم كَحالِهِمْ في التَّعْذِيبِ. والخِطابُ في فانْظُرْ لِلسّامِعِ لِهَذِهِ القِصَّةِ، وفي ذَلِكَ تَعْظِيمٌ لِما جَرى عَلَيْهِمْ، وتَحْذِيرٌ لِمَن أنْذَرَهُمُ الرَّسُولُ، وتَسْلِيَةٌ لَهُ ﷺ . ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِ رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ المُعْتَدِينَ﴾: مِن بَعْدِهِ، أيْ: مِن بَعْدِ نُوحٍ رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ، يَعْنِي هُودًا وصالِحًا ولُوطًا وإبْراهِيمَ وشُعَيْبًا. والبَيِّناتُ: المُعْجِزاتُ، والبَراهِينُ الواضِحَةُ المُثْبِتَةُ لِما جاءُوا بِهِ. وجاءَ النَّفْيُ مَصْحُوبًا بِلامِ الجُحُودِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ إيمانَهم في حَيِّزِ الِاسْتِحالَةِ والِامْتِناعِ، والضَّمِيرُ في كَذَّبُوا عائِدٌ عَلى مَن عادَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ كانُوا وهم قَوْمُ الرُّسُلِ. والمَعْنى: أنَّهم كانُوا قَبْلَ بِعْثَةِ الرُّسُلِ أهْلَ جاهِلِيَّةٍ وتَكْذِيبٍ لِلْحَقِّ، فَتَساوَتْ حالَتُهم قَبْلَ البِعْثَةِ وبَعْدُها، كَأنْ لَمْ يُبْعَثْ إلَيْهِمْ أحَدٌ. ومِن قَبْلُ مُتَعَلِّقٌ بِكَذَّبُوا، أيْ: مِن قَبْلِ بِعْثَةِ الرُّسُلِ. وقِيلَ: المَعْنى أنَّهم بادَرُوا رُسُلَهم بِالتَّكْذِيبِ كُلَّما جاءَ رَسُولٌ، ثُمَّ لَحُّوا في الكُفْرِ وتَمادَوْا، فَلَمْ يَكُونُوا لِيُؤْمِنُوا بِما سَبَقَ بِهِ تَكْذِيبُهم مِن قَبْلِ لَحِّهِمْ في الكُفْرِ وتَمادِيهِمْ. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: مِن (p-١٨١)قَبْلُ مَعْناهُ مِن قَبْلِ العَذابِ، وهَذا القَوْلُ فِيهِ بُعْدٌ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في كَذَّبُوا عائِدٌ عَلى قَوْمِ نُوحٍ، أيْ: فَما كانَ قَوْمُ الرُّسُلِ لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبَ بِهِ قَوْمُ نُوحٍ، يَعْنِي: أنَّ شِنْشِنَتَهم واحِدَةٌ في التَّكْذِيبِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ اللَّفْظُ عِنْدِي مَعْنًى آخَرَ وهو: أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً والمَعْنى: فَكَذَّبُوا رُسُلَهم فَكانَ عِقابُهم مِنَ اللَّهِ أنْ لَمْ يَكُونُوا لِيُؤْمِنُوا بِتَكْذِيبِهِمْ مِن قَبْلُ، أيْ: مِن سَبَبِهِ ومِن جَرّائِهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ كَذَلِكَ نَطْبَعُ، انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ ما مَوْصُولَةٌ، ولِذَلِكَ عادَ الضَّمِيرُ عَلَيْها في قَوْلِهِ: بِما كَذَّبُوا بِهِ. ولَوْ كانَتْ مَصْدَرِيَّةً بَقِيَ الضَّمِيرُ غَيْرَ عائِدٍ عَلى مَذْكُورٍ، فَتَحْتاجُ أنْ يُتَكَلَّفَ ما يَعُودُ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: نَطْبَعُ بِالنُّونِ، والعَبّاسُ بْنُ الفَضْلِ بِالياءِ، والكافُ لِلتَّشْبِيهِ، أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الطَّبْعِ المُحْكَمِ الَّذِي يَمْتَنِعُ زَوالُهُ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ المُعْتَدِينَ المُجاوِزِينَ طَوْرَهم والمُبالِغِينَ في الكُفْرِ.