Lafzullah

Al-Bahr Al-Muhit — يونس 10:73 – هود 11:16

المؤلف / المصدر: Al-Bahr Al-Muhit

المحتويات
  1. يونس 10:73
  2. يونس 10:74
  3. يونس 10:75
  4. يونس 10:76
  5. يونس 10:77
  6. يونس 10:78
  7. يونس 10:79
  8. يونس 10:80
  9. يونس 10:81
  10. يونس 10:82
  11. يونس 10:83
  12. يونس 10:84
  13. يونس 10:85
  14. يونس 10:86
  15. يونس 10:87
  16. يونس 10:88
  17. يونس 10:89
  18. يونس 10:90
  19. يونس 10:91
  20. يونس 10:92
  21. يونس 10:93
  22. يونس 10:94
  23. يونس 10:95
  24. يونس 10:96
  25. يونس 10:97
  26. يونس 10:98
  27. يونس 10:99
  28. يونس 10:100
  29. يونس 10:101
  30. يونس 10:102
  31. يونس 10:103
  32. يونس 10:104
  33. يونس 10:105
  34. يونس 10:106
  35. يونس 10:107
  36. يونس 10:108
  37. يونس 10:109
  38. هود 11:1
  39. هود 11:2
  40. هود 11:3
  41. هود 11:4
  42. هود 11:5
  43. هود 11:6
  44. هود 11:7
  45. هود 11:8
  46. هود 11:9
  47. هود 11:10
  48. هود 11:11
  49. هود 11:12
  50. هود 11:13
  51. هود 11:14
  52. هود 11:15
  53. هود 11:16

يونس 10:73

﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ نُوحٍ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ياقَوْمِ إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي وتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأجْمِعُوا أمْرَكم وشُرَكاءَكم ثُمَّ لا يَكُنْ أمْرُكم عَلَيْكم غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ ولا تُنْظِرُونِ﴾ ﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَألْتُكم مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ وجَعَلْناهم خَلائِفَ وأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِ رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ المُعْتَدِينَ﴾ ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى وهارُونَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ بِآياتِنا فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ [يونس: ٧٥] ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: ٧٦] ﴿قالَ مُوسى أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم أسِحْرٌ هَذا ولا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ﴾ [يونس: ٧٧] ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٧٨] لَفَتَ عُنُقَهُ: لَواها وصَرَفَها. وقالَ الأزْهَرِيُّ: لَفَتَ الشَّيْءَ وفَتَلَهُ: لَواهُ وهَذا مِنَ المَقْلُوبِ، انْتَهى. ومُطاوِعُ لَفَتَ: التَفَتَ، وقِيلَ: انْفَتَلَ. ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ نُوحٍ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي وتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأجْمِعُوا أمْرَكم وشُرَكاءَكم ثُمَّ لا يَكُنْ أمْرُكم عَلَيْكم غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ ولا تُنْظِرُونِ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى الدَّلائِلَ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، وذَكَرَ ما جَرى بَيْنَ الرَّسُولِ وبَيْنَ الكُفّارِ، ذَكَرَ قَصَصًا مِن قَصَصِ الأنْبِياءِ وما جَرى لَهم مَعَ قَوْمِهِمْ مِنَ الخِلافِ، وذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ ولِيَتَأسّى بِمَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ فَيَخِفَّ عَلَيْهِ ما يَلْقى مِنهم مِنَ التَّكْذِيبِ وقِلَّةِ الِاتِّباعِ، ولِيَعْلَمَ المَتْلُوُّ عَلَيْهِمْ هَذا القَصَصُ عاقِبَةَ مَن كَذَّبَ الأنْبِياءَ، وما مَنَحَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مِنَ العِلْمِ بِهَذا القَصَصِ وهو لَمْ يُطالِعْ كِتابًا ولا صَحِبَ عالِمًا، وأنَّها طِبْقُ ما أخْبَرَ بِهِ. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ اللَّهَ أوْحاهُ إلَيْهِ وأعْلَمَهُ بِهِ، وأنَّهُ نَبِيٌّ لا شَكَّ فِيهِ. والضَّمِيرُ في عَلَيْهِمْ عائِدٌ عَلى أهْلِ مَكَّةَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم. وكَبُرَ مَعْناهُ: عَظُمَ مَقامِي، أيْ: طُولُ مَقامِي فِيكم، أوْ قِيامِي لِلْوَعْظِ. كَما يُحْكى عَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ كانَ يَعِظُ الحَوارِيِّينَ قائِمًا لِيَرَوْهُ وهم قُعُودٌ، وكَقِيامِ الخَطِيبِ لِيَسْمَعَ النّاسُ ولِيَرَوْهُ، أوْ نَسَبَ ذَلِكَ إلى مَقامِهِ والمُرادُ نَفْسُهُ كَما تَقُولُ: فَعَلْتُ كَذا لِمَكانِ فُلانٍ، وفُلانٌ ثَقِيلُ الظِّلِّ تُرِيدُ لِأجْلِ فُلانٍ وفُلانٌ ثَقِيلٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَمْ يُقْرَأْ هُنا بِضَمِّ المِيمِ، انْتَهى. ولَيْسَ كَما ذَكَرَ، بَلْ قَرَأ مُقامِي بِضَمِّ المِيمِ أبُو مِجْلَزٍ وأبُو رَجاءٍ وأبُو الجَوْزاءِ. والمُقامُ الإقامَةُ بِالمَكانِ، والمَقامُ مَكانُ القِيامِ. والتَّذْكِيرُ وعْظُهُ إيّاهم وزَجْرُهم عَنِ المَعاصِي، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فافْعَلُوا ما شِئْتُمْ. وقِيلَ: الجَوابُ فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ. و(فَأجْمِعُوا) مَعْطُوفٌ عَلى الجَوابِ، وهو لا يَظْهَرُ لِأنَّهُ مُتَوَكِّلٌ عَلى اللَّهِ دائِمًا. وقالَ الأكْثَرُونَ: الجَوابُ فَأجْمِعُوا، وفَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ جُمْلَةُ اعْتِراضٍ بَيْنَ الشَّرْطِ وجَزائِهِ كَقَوْلِهِ: ؎أما تَرَيْنِي قَدْ نَحَلْتُ ومَن يَكُنْ غَرَضًا لِأطْرافِ الأسِنَّةِ يَنْحَلِ ؎فَلَرُبَّ أبْلَجَ مِثْلِ ثِقَلِكِ بادِنٍ ∗∗∗ ضَخْمٍ عَلى ظَهْرِ الجَوادِ مُهَبَّلِ وقَرَأ الجُمْهُورُ: فَأجْمِعُوا مِن أجْمَعَ الرَّجُلُ الشَّيْءَ عَزَمَ عَلَيْهِ ونَواهُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎أجْمَعُوا أمْرَهم بِلَيْلٍ فَلَمّا ∗∗∗ أصْبَحُوا أصْبَحَتْ لَهم ضَوْضاءُ وقالَ آخَرُ:(p-١٧٩) ؎يا لَيْتَ شِعْرِي والمُنى لا تَنْفَعُ ∗∗∗ هَلْ أعْذَرْتَ يَوْمًا وأمْرِي مُجْمَعُ وقالَ أبُو قَيْدٍ السَّدُوسِيُّ: أجْمَعْتُ الأمْرَ: أفْصَحُ مِن أجْمَعْتُ عَلَيْهِ. وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: أجْمَعَ أمْرَهُ: جَعَلَهُ مَجْمُوعًا بَعْدَما كانَ مُتَفَرِّقًا، قالَ: وتَفْرِقَتُهُ أنَّهُ يَقُولُ مَرَّةً أفْعَلُ كَذا، ومَرَّةً أفْعَلُ كَذا، فَإذا عَزَمَ عَلى أمْرٍ واحِدٍ قَدْ جَعَلَهُ، أيْ: جَعَلَهُ جَمِيعًا، فَهَذا هو الأصْلُ في الإجْماعِ، ثُمَّ صارَ بِمَعْنى العَزْمِ حَتّى وُصِلَ بِعَلى، فَقِيلَ: أجْمَعْتُ عَلى الأمْرِ، أيْ عَزَمْتُ عَلَيْهِ، والأصْلُ أجْمَعْتُ الأمْرَ، انْتَهى. وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُ، وشُرَكاءَكم عَطْفًا عَلى أمْرَكم عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: وأمْرُ شُرَكائِكم، أوْ عَلى أمْرِكم مِن غَيْرِ مُراعاةِ مَحْذُوفٍ. لِأنَّهُ يُقالُ أيْضًا: أجْمَعْتُ شُرَكائِي، أوْ مَنصُوبًا بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: وادْعُوا شُرَكاءَكم، وذَلِكَ بِناءً عَلى أنَّهُ لا يُقالُ أجْمَعْتُ شُرَكائِي يَعْنِي في الأكْثَرِ، فَيَكُونُ نَظِيرَ قَوْلِهِ: ؎فَعَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا ∗∗∗ حَتّى شَتَتْ هَمّالَةً عَيْناها فِي أحَدِ المَذْهَبَيْنِ، أيْ: وسَقَيْتُها ماءً بارِدًا، وكَذا هي في مُصْحَفِ أُبَيٍّ: وادْعُوا شُرَكاءَكم. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: وقَدْ تُنْصَبُ الشُّرَكاءُ بِواوِ مَعَ، كَما قالُوا: جاءَ البَرْدُ والطَّيالِسَةِ. ولَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ في نَصْبِ وشُرَكاءَكم غَيْرَ قَوْلِ أُبَيٍّ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِواوِ مَعَ، ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ هَذا التَّخْرِيجُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ مِنَ الفاعِلِ، وهو الضَّمِيرُ في فَأجْمِعُوا لا مِنَ المَفْعُولِ الَّذِي هو أمْرُكم، وذَلِكَ عَلى أشْهَرِ الِاسْتِعْمالَيْنِ. لِأنَّهُ يُقالُ: أجْمَعَ الشُّرَكاءُ، ولا يُقالُ جَمَعَ الشُّرَكاءُ أمْرَهم إلّا قَلِيلًا، ولا أجْمَعَتِ الشُّرَكاءُ إلّا قَلِيلًا. وفِي اشْتِراطِ صِحَّةِ جَوازِ العَطْفِ فِيما يَكُونُ مَفْعُولًا مَعَهُ خِلافٌ، فَإذا جَعَلْناهُ مِنَ الفاعِلِ كانَ أوْلى. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ والأعْمَشُ والجَحْدَرِيُّ وأبُو رَجاءٍ والأعْرَجُ والأصْمَعِيُّ عَنْ نافِعٍ ويَعْقُوبَ بِخِلافٍ عَنْهُ: فاجْمَعُوا بِوَصْلِ الألِفِ وفَتْحِ المِيمِ مِن جَمَعَ، وشُرَكاءَكم عَطْفٌ عَلى أمْرَكم لِأنَّهُ يُقالُ: شُرَكائِي، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ذَوِي الأمْرِ مِنكم، فَجَرى عَلى المُضافِ إلَيْهِ ما جَرى عَلى المُضافِ لَوْ ثَبَتَ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ. وفِي كِتابِ اللَّوامِحِ: أجْمَعْتُ الأمْرَ، أيْ جَعَلْتُهُ جَمِيعًا، وجَمَعْتُ الأمْوالَ جَمِيعًا، فَكانَ الإجْماعُ في الأحْداثِ والجَمْعُ في الأعْيانِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ كُلُّ واحِدٍ مَكانَ الآخَرِ. وفي التَّنْزِيلِ: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ [طه: ٦٠]، انْتَهى. وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ والحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى بْنُ عُمَرَ وسَلّامٌ و يَعْقُوبُ فِيما رُوِيَ عَنْهُ: وشُرَكاؤُكم بِالرَّفْعِ، ووُجِّهَ بِأنَّهُ عَطْفٌ عَلى الضَّمِيرِ في فَأجْمِعُوا وقَدْ وقَعَ الفَصْلُ بِالمَفْعُولِ فَحَسُنَ، وعَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ لِدِلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، أيْ: وشُرَكاؤُكم فَلْيُجْمِعُوا أمْرَهم. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: وشُرَكائِكم بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ في (أمْرَكم) أيْ: وأمْرَ شُرَكائِكم فَحُذِفَ كَقَوْلِ الآخَرِ: ؎أكُلِّ امْرِئٍ تَحْسَبِينَ امْرَءًا ∗∗∗ ونارٍ تُوَقَّدُ بِاللَّيْلِ نارا أيْ: وكُلُّ نارٍ، فَحَذَفَ كُلَّ لِدِلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ. والمُرادُ بِالشُّرَكاءِ الأنْدادُ مِن دُونِ اللَّهِ، أضافَهم إلَيْهِمْ إذْ هم يَجْعَلُونَهم شُرَكاءَ بِزَعْمِهِمْ، وأسْنَدَ الإجْماعَ إلى الشُّرَكاءِ عَلى وجْهِ التَّهَكُّمِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكم ثُمَّ كِيدُونِ﴾ [الأعراف: ١٩٥] أوْ يُرادُ بِالشُّرَكاءِ مَن كانَ عَلى دِينِهِمْ وطَرِيقَتِهِمْ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المُرادُ مِنَ الأمْرِ هُنا: وُجُودُ كَيْدِهِمْ ومَكْرِهِمْ، فالتَّقْدِيرُ: لا تَتْرُكُوا مِن أمْرِكم شَيْئًا إلّا أحْضَرْتُمُوهُ، انْتَهى. وأمْرُهُ إيّاهم بِإجْماعِ أمْرِهِمْ دَلِيلٌ عَلى عَدَمِ مُبالاتِهِ بِهِمْ، ثِقَةً بِما وعَدَهُ رَبُّهُ مِن كِلاءَتِهِ وعِصْمَتِهِ، ثُمَّ لا يَكُنْ أمْرُكم عَلَيْكم غُمَّةً، أيْ: حالُكم مَعِي وصُحْبَتُكم لِي غَمًّا وهَمًّا، أيْ: ثُمَّ أهْلِكُونِي لِئَلّا يَكُونَ عَيْشُكم بِسَبَبِي غُصَّةً، وحالُكم عَلَيْكم غُمَّةً. والغَمُّ والغُمَّةُ كالكَرْبِ والكُرْبَةِ، قالَ أبُو الهَيْثَمِ: هو مِن قَوْلِهِمْ: غَمَّ عَلَيْنا الهِلالُ فَهو مَغْمُومٌ إذا التُمِسَ فَلَمْ يُرَ. وقالَ طَرَفَةُ: ؎لَعَمْرُكَ ما أمْرِي عَلَيَّ بِغُمَّةٍ ∗∗∗ نَهارِي ولا لَيْلِي عَلَيَّ بِسَرْمَدِ (p-١٨٠)وقالَ اللَّيْثُ: يُقالُ: إنَّهُ لَفي غُمَّةٍ مِن أمْرِهِ إذا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: أمْرُكم ظاهِرٌ مَكْشُوفٌ، وحَسَّنَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: وقَدْ ذَكَرَ القَوْلَ الأوَّلَ الَّذِي يُرادُ بِالأمْرِ فَقالَ: والثّانِي أنْ يُرادَ بِهِ ما أُرِيدَ بِالأمْرِ الأوَّلِ. والغُمَّةُ: السُّتْرَةُ، مِن غَمَّهُ إذا سَتَرَهُ. ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: «ولا غُمَّةَ في فَرائِضِ اللَّهِ تَعالى» أيْ: لا تُسْتَرُ ولَكِنْ يُجاهَرُ بِها، يَعْنِي: ولا يَكُنْ قَصْدُكم إلى إهْلاكِي مَسْتُورًا عَلَيْكم، بَلْ مَكْشُوفًا مَشْهُورًا تُجاهِرُونَ بِهِ، انْتَهى. ومَعْنى اقْضُوا إلَيَّ: أنْفِذُوا قَضاءَكم نَحْوِي، ومَفْعُولُ اقْضُوا مَحْذُوفٌ، أيِ: اقْضُوا إلَيَّ ذَلِكَ الأمْرَ وامْضُوا في أنْفُسِكم، واقْطَعُوا ما بَيْنِي وبَيْنَكم. وقَرَأ السَّرِيُّ بْنُ يَنْعُمَ: ثُمَّ أفْضُوا بِالفاءِ وقَطْعِ الألْفِ، أيِ: انْتَهُوا إلَيَّ بِشَرِّكم، مِن أفْضى بِكَذا: انْتَهى إلَيْهِ. وقِيلَ: مَعْناهُ أسْرِعُوا. وقِيلَ: مِن أفْضى إذا خَرَجَ إلى الفَضاءِ، أيْ: فَأصْحِرُوا بِهِ إلَيَّ وأبْرِزُوهُ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أبى الضَّيْمَ والنُّعْمانُ يَحْرِقُ نابُهُ ∗∗∗ عَلَيْهِ فَأفْضى والسُّيُوفُ مَعاقِلُهْ ولا تُنْظِرُونِ أيْ: لا تُؤَخِّرُونِ، والنَّظِرَةُ التَّأْخِيرُ ﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَألْتُكم مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ وجَعَلْناهم خَلائِفَ وأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾:، أيْ: فَإنْ دامَ تَوَلِّيكم عَمّا جِئْتُ بِهِ إلَيْكم مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ ورَفْضِ آلِهَتِكم فَلَسْتُ أُبالِي بِكم، لِأنَّ تَوَلِّيَكم لا يَضُرُّنِي في خاصَّتِي، ولا قَطَعَ عَنِّي صِلَةً مِنكم، إذْ ما دَعَوْتُكم إلَيْهِ وذَكَّرْتُكم بِهِ ووَعَظْتُكم، لَمْ أسْألْكم عَلَيْهِ أجْرًا، إنَّما يُثِيبُنِي عَلَيْهِ اللَّهُ تَعالى، أيْ: ما نَصَحْتُكم إلّا لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى لا لِغَرَضٍ مِن أغْراضِ الدُّنْيا، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ أمَرَهُ أنْ يَكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ مِنَ المُنْقادِينَ لِأمْرِ اللَّهِ الطّائِعِينَ لَهُ، فَكَذَّبُوهُ فَتَمُّوا عَلى تَكْذِيبِهِ، وذَلِكَ عِنْدَ مُشارَفَةِ الهَلاكِ بِالطُّوفانِ. وفِي الفُلْكِ مُتَعَلِّقٌ بِالِاسْتِقْرارِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ مَعَهُ، أوْ بِـ (فَنَجَّيْناهُ) و(جَعَلْناهم): جُمِعُ ضَمِيرُ المَفْعُولِ عَلى مَعْنى مِن، و(خَلائِفَ) يَخْلُفُونَ الفارِقِينَ المُهْلَكِينَ. ثُمَّ أمَرَ بِالنَّظَرِ في عاقِبَةِ المُنْذَرِينَ بِالعَذابِ، وإلى ما صارَ إلَيْهِ حالُهم. وفي هَذا الإخْبارِ تَوَعُّدٌ لِلْكُفّارِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وضَرْبُ مِثالٍ لَهم في أنَّهم بِحالِ هَؤُلاءِ مِنَ التَّكْذِيبِ فَسَيَكُونُ حالُهم كَحالِهِمْ في التَّعْذِيبِ. والخِطابُ في فانْظُرْ لِلسّامِعِ لِهَذِهِ القِصَّةِ، وفي ذَلِكَ تَعْظِيمٌ لِما جَرى عَلَيْهِمْ، وتَحْذِيرٌ لِمَن أنْذَرَهُمُ الرَّسُولُ، وتَسْلِيَةٌ لَهُ ﷺ . ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِ رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ المُعْتَدِينَ﴾: مِن بَعْدِهِ، أيْ: مِن بَعْدِ نُوحٍ رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ، يَعْنِي هُودًا وصالِحًا ولُوطًا وإبْراهِيمَ وشُعَيْبًا. والبَيِّناتُ: المُعْجِزاتُ، والبَراهِينُ الواضِحَةُ المُثْبِتَةُ لِما جاءُوا بِهِ. وجاءَ النَّفْيُ مَصْحُوبًا بِلامِ الجُحُودِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ إيمانَهم في حَيِّزِ الِاسْتِحالَةِ والِامْتِناعِ، والضَّمِيرُ في كَذَّبُوا عائِدٌ عَلى مَن عادَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ كانُوا وهم قَوْمُ الرُّسُلِ. والمَعْنى: أنَّهم كانُوا قَبْلَ بِعْثَةِ الرُّسُلِ أهْلَ جاهِلِيَّةٍ وتَكْذِيبٍ لِلْحَقِّ، فَتَساوَتْ حالَتُهم قَبْلَ البِعْثَةِ وبَعْدُها، كَأنْ لَمْ يُبْعَثْ إلَيْهِمْ أحَدٌ. ومِن قَبْلُ مُتَعَلِّقٌ بِكَذَّبُوا، أيْ: مِن قَبْلِ بِعْثَةِ الرُّسُلِ. وقِيلَ: المَعْنى أنَّهم بادَرُوا رُسُلَهم بِالتَّكْذِيبِ كُلَّما جاءَ رَسُولٌ، ثُمَّ لَحُّوا في الكُفْرِ وتَمادَوْا، فَلَمْ يَكُونُوا لِيُؤْمِنُوا بِما سَبَقَ بِهِ تَكْذِيبُهم مِن قَبْلِ لَحِّهِمْ في الكُفْرِ وتَمادِيهِمْ. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: مِن (p-١٨١)قَبْلُ مَعْناهُ مِن قَبْلِ العَذابِ، وهَذا القَوْلُ فِيهِ بُعْدٌ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في كَذَّبُوا عائِدٌ عَلى قَوْمِ نُوحٍ، أيْ: فَما كانَ قَوْمُ الرُّسُلِ لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبَ بِهِ قَوْمُ نُوحٍ، يَعْنِي: أنَّ شِنْشِنَتَهم واحِدَةٌ في التَّكْذِيبِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ اللَّفْظُ عِنْدِي مَعْنًى آخَرَ وهو: أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً والمَعْنى: فَكَذَّبُوا رُسُلَهم فَكانَ عِقابُهم مِنَ اللَّهِ أنْ لَمْ يَكُونُوا لِيُؤْمِنُوا بِتَكْذِيبِهِمْ مِن قَبْلُ، أيْ: مِن سَبَبِهِ ومِن جَرّائِهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ كَذَلِكَ نَطْبَعُ، انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ ما مَوْصُولَةٌ، ولِذَلِكَ عادَ الضَّمِيرُ عَلَيْها في قَوْلِهِ: بِما كَذَّبُوا بِهِ. ولَوْ كانَتْ مَصْدَرِيَّةً بَقِيَ الضَّمِيرُ غَيْرَ عائِدٍ عَلى مَذْكُورٍ، فَتَحْتاجُ أنْ يُتَكَلَّفَ ما يَعُودُ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: نَطْبَعُ بِالنُّونِ، والعَبّاسُ بْنُ الفَضْلِ بِالياءِ، والكافُ لِلتَّشْبِيهِ، أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الطَّبْعِ المُحْكَمِ الَّذِي يَمْتَنِعُ زَوالُهُ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ المُعْتَدِينَ المُجاوِزِينَ طَوْرَهم والمُبالِغِينَ في الكُفْرِ.

يونس 10:74

﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ نُوحٍ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ياقَوْمِ إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي وتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأجْمِعُوا أمْرَكم وشُرَكاءَكم ثُمَّ لا يَكُنْ أمْرُكم عَلَيْكم غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ ولا تُنْظِرُونِ﴾ ﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَألْتُكم مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ وجَعَلْناهم خَلائِفَ وأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِ رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ المُعْتَدِينَ﴾ ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى وهارُونَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ بِآياتِنا فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ [يونس: ٧٥] ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: ٧٦] ﴿قالَ مُوسى أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم أسِحْرٌ هَذا ولا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ﴾ [يونس: ٧٧] ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٧٨] لَفَتَ عُنُقَهُ: لَواها وصَرَفَها. وقالَ الأزْهَرِيُّ: لَفَتَ الشَّيْءَ وفَتَلَهُ: لَواهُ وهَذا مِنَ المَقْلُوبِ، انْتَهى. ومُطاوِعُ لَفَتَ: التَفَتَ، وقِيلَ: انْفَتَلَ. ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ نُوحٍ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي وتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأجْمِعُوا أمْرَكم وشُرَكاءَكم ثُمَّ لا يَكُنْ أمْرُكم عَلَيْكم غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ ولا تُنْظِرُونِ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى الدَّلائِلَ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، وذَكَرَ ما جَرى بَيْنَ الرَّسُولِ وبَيْنَ الكُفّارِ، ذَكَرَ قَصَصًا مِن قَصَصِ الأنْبِياءِ وما جَرى لَهم مَعَ قَوْمِهِمْ مِنَ الخِلافِ، وذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ ولِيَتَأسّى بِمَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ فَيَخِفَّ عَلَيْهِ ما يَلْقى مِنهم مِنَ التَّكْذِيبِ وقِلَّةِ الِاتِّباعِ، ولِيَعْلَمَ المَتْلُوُّ عَلَيْهِمْ هَذا القَصَصُ عاقِبَةَ مَن كَذَّبَ الأنْبِياءَ، وما مَنَحَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مِنَ العِلْمِ بِهَذا القَصَصِ وهو لَمْ يُطالِعْ كِتابًا ولا صَحِبَ عالِمًا، وأنَّها طِبْقُ ما أخْبَرَ بِهِ. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ اللَّهَ أوْحاهُ إلَيْهِ وأعْلَمَهُ بِهِ، وأنَّهُ نَبِيٌّ لا شَكَّ فِيهِ. والضَّمِيرُ في عَلَيْهِمْ عائِدٌ عَلى أهْلِ مَكَّةَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم. وكَبُرَ مَعْناهُ: عَظُمَ مَقامِي، أيْ: طُولُ مَقامِي فِيكم، أوْ قِيامِي لِلْوَعْظِ. كَما يُحْكى عَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ كانَ يَعِظُ الحَوارِيِّينَ قائِمًا لِيَرَوْهُ وهم قُعُودٌ، وكَقِيامِ الخَطِيبِ لِيَسْمَعَ النّاسُ ولِيَرَوْهُ، أوْ نَسَبَ ذَلِكَ إلى مَقامِهِ والمُرادُ نَفْسُهُ كَما تَقُولُ: فَعَلْتُ كَذا لِمَكانِ فُلانٍ، وفُلانٌ ثَقِيلُ الظِّلِّ تُرِيدُ لِأجْلِ فُلانٍ وفُلانٌ ثَقِيلٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَمْ يُقْرَأْ هُنا بِضَمِّ المِيمِ، انْتَهى. ولَيْسَ كَما ذَكَرَ، بَلْ قَرَأ مُقامِي بِضَمِّ المِيمِ أبُو مِجْلَزٍ وأبُو رَجاءٍ وأبُو الجَوْزاءِ. والمُقامُ الإقامَةُ بِالمَكانِ، والمَقامُ مَكانُ القِيامِ. والتَّذْكِيرُ وعْظُهُ إيّاهم وزَجْرُهم عَنِ المَعاصِي، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فافْعَلُوا ما شِئْتُمْ. وقِيلَ: الجَوابُ فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ. و(فَأجْمِعُوا) مَعْطُوفٌ عَلى الجَوابِ، وهو لا يَظْهَرُ لِأنَّهُ مُتَوَكِّلٌ عَلى اللَّهِ دائِمًا. وقالَ الأكْثَرُونَ: الجَوابُ فَأجْمِعُوا، وفَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ جُمْلَةُ اعْتِراضٍ بَيْنَ الشَّرْطِ وجَزائِهِ كَقَوْلِهِ: ؎أما تَرَيْنِي قَدْ نَحَلْتُ ومَن يَكُنْ غَرَضًا لِأطْرافِ الأسِنَّةِ يَنْحَلِ ؎فَلَرُبَّ أبْلَجَ مِثْلِ ثِقَلِكِ بادِنٍ ∗∗∗ ضَخْمٍ عَلى ظَهْرِ الجَوادِ مُهَبَّلِ وقَرَأ الجُمْهُورُ: فَأجْمِعُوا مِن أجْمَعَ الرَّجُلُ الشَّيْءَ عَزَمَ عَلَيْهِ ونَواهُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎أجْمَعُوا أمْرَهم بِلَيْلٍ فَلَمّا ∗∗∗ أصْبَحُوا أصْبَحَتْ لَهم ضَوْضاءُ وقالَ آخَرُ:(p-١٧٩) ؎يا لَيْتَ شِعْرِي والمُنى لا تَنْفَعُ ∗∗∗ هَلْ أعْذَرْتَ يَوْمًا وأمْرِي مُجْمَعُ وقالَ أبُو قَيْدٍ السَّدُوسِيُّ: أجْمَعْتُ الأمْرَ: أفْصَحُ مِن أجْمَعْتُ عَلَيْهِ. وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: أجْمَعَ أمْرَهُ: جَعَلَهُ مَجْمُوعًا بَعْدَما كانَ مُتَفَرِّقًا، قالَ: وتَفْرِقَتُهُ أنَّهُ يَقُولُ مَرَّةً أفْعَلُ كَذا، ومَرَّةً أفْعَلُ كَذا، فَإذا عَزَمَ عَلى أمْرٍ واحِدٍ قَدْ جَعَلَهُ، أيْ: جَعَلَهُ جَمِيعًا، فَهَذا هو الأصْلُ في الإجْماعِ، ثُمَّ صارَ بِمَعْنى العَزْمِ حَتّى وُصِلَ بِعَلى، فَقِيلَ: أجْمَعْتُ عَلى الأمْرِ، أيْ عَزَمْتُ عَلَيْهِ، والأصْلُ أجْمَعْتُ الأمْرَ، انْتَهى. وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُ، وشُرَكاءَكم عَطْفًا عَلى أمْرَكم عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: وأمْرُ شُرَكائِكم، أوْ عَلى أمْرِكم مِن غَيْرِ مُراعاةِ مَحْذُوفٍ. لِأنَّهُ يُقالُ أيْضًا: أجْمَعْتُ شُرَكائِي، أوْ مَنصُوبًا بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: وادْعُوا شُرَكاءَكم، وذَلِكَ بِناءً عَلى أنَّهُ لا يُقالُ أجْمَعْتُ شُرَكائِي يَعْنِي في الأكْثَرِ، فَيَكُونُ نَظِيرَ قَوْلِهِ: ؎فَعَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا ∗∗∗ حَتّى شَتَتْ هَمّالَةً عَيْناها فِي أحَدِ المَذْهَبَيْنِ، أيْ: وسَقَيْتُها ماءً بارِدًا، وكَذا هي في مُصْحَفِ أُبَيٍّ: وادْعُوا شُرَكاءَكم. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: وقَدْ تُنْصَبُ الشُّرَكاءُ بِواوِ مَعَ، كَما قالُوا: جاءَ البَرْدُ والطَّيالِسَةِ. ولَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ في نَصْبِ وشُرَكاءَكم غَيْرَ قَوْلِ أُبَيٍّ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِواوِ مَعَ، ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ هَذا التَّخْرِيجُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ مِنَ الفاعِلِ، وهو الضَّمِيرُ في فَأجْمِعُوا لا مِنَ المَفْعُولِ الَّذِي هو أمْرُكم، وذَلِكَ عَلى أشْهَرِ الِاسْتِعْمالَيْنِ. لِأنَّهُ يُقالُ: أجْمَعَ الشُّرَكاءُ، ولا يُقالُ جَمَعَ الشُّرَكاءُ أمْرَهم إلّا قَلِيلًا، ولا أجْمَعَتِ الشُّرَكاءُ إلّا قَلِيلًا. وفِي اشْتِراطِ صِحَّةِ جَوازِ العَطْفِ فِيما يَكُونُ مَفْعُولًا مَعَهُ خِلافٌ، فَإذا جَعَلْناهُ مِنَ الفاعِلِ كانَ أوْلى. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ والأعْمَشُ والجَحْدَرِيُّ وأبُو رَجاءٍ والأعْرَجُ والأصْمَعِيُّ عَنْ نافِعٍ ويَعْقُوبَ بِخِلافٍ عَنْهُ: فاجْمَعُوا بِوَصْلِ الألِفِ وفَتْحِ المِيمِ مِن جَمَعَ، وشُرَكاءَكم عَطْفٌ عَلى أمْرَكم لِأنَّهُ يُقالُ: شُرَكائِي، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ذَوِي الأمْرِ مِنكم، فَجَرى عَلى المُضافِ إلَيْهِ ما جَرى عَلى المُضافِ لَوْ ثَبَتَ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ. وفِي كِتابِ اللَّوامِحِ: أجْمَعْتُ الأمْرَ، أيْ جَعَلْتُهُ جَمِيعًا، وجَمَعْتُ الأمْوالَ جَمِيعًا، فَكانَ الإجْماعُ في الأحْداثِ والجَمْعُ في الأعْيانِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ كُلُّ واحِدٍ مَكانَ الآخَرِ. وفي التَّنْزِيلِ: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ [طه: ٦٠]، انْتَهى. وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ والحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى بْنُ عُمَرَ وسَلّامٌ و يَعْقُوبُ فِيما رُوِيَ عَنْهُ: وشُرَكاؤُكم بِالرَّفْعِ، ووُجِّهَ بِأنَّهُ عَطْفٌ عَلى الضَّمِيرِ في فَأجْمِعُوا وقَدْ وقَعَ الفَصْلُ بِالمَفْعُولِ فَحَسُنَ، وعَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ لِدِلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، أيْ: وشُرَكاؤُكم فَلْيُجْمِعُوا أمْرَهم. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: وشُرَكائِكم بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ في (أمْرَكم) أيْ: وأمْرَ شُرَكائِكم فَحُذِفَ كَقَوْلِ الآخَرِ: ؎أكُلِّ امْرِئٍ تَحْسَبِينَ امْرَءًا ∗∗∗ ونارٍ تُوَقَّدُ بِاللَّيْلِ نارا أيْ: وكُلُّ نارٍ، فَحَذَفَ كُلَّ لِدِلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ. والمُرادُ بِالشُّرَكاءِ الأنْدادُ مِن دُونِ اللَّهِ، أضافَهم إلَيْهِمْ إذْ هم يَجْعَلُونَهم شُرَكاءَ بِزَعْمِهِمْ، وأسْنَدَ الإجْماعَ إلى الشُّرَكاءِ عَلى وجْهِ التَّهَكُّمِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكم ثُمَّ كِيدُونِ﴾ [الأعراف: ١٩٥] أوْ يُرادُ بِالشُّرَكاءِ مَن كانَ عَلى دِينِهِمْ وطَرِيقَتِهِمْ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المُرادُ مِنَ الأمْرِ هُنا: وُجُودُ كَيْدِهِمْ ومَكْرِهِمْ، فالتَّقْدِيرُ: لا تَتْرُكُوا مِن أمْرِكم شَيْئًا إلّا أحْضَرْتُمُوهُ، انْتَهى. وأمْرُهُ إيّاهم بِإجْماعِ أمْرِهِمْ دَلِيلٌ عَلى عَدَمِ مُبالاتِهِ بِهِمْ، ثِقَةً بِما وعَدَهُ رَبُّهُ مِن كِلاءَتِهِ وعِصْمَتِهِ، ثُمَّ لا يَكُنْ أمْرُكم عَلَيْكم غُمَّةً، أيْ: حالُكم مَعِي وصُحْبَتُكم لِي غَمًّا وهَمًّا، أيْ: ثُمَّ أهْلِكُونِي لِئَلّا يَكُونَ عَيْشُكم بِسَبَبِي غُصَّةً، وحالُكم عَلَيْكم غُمَّةً. والغَمُّ والغُمَّةُ كالكَرْبِ والكُرْبَةِ، قالَ أبُو الهَيْثَمِ: هو مِن قَوْلِهِمْ: غَمَّ عَلَيْنا الهِلالُ فَهو مَغْمُومٌ إذا التُمِسَ فَلَمْ يُرَ. وقالَ طَرَفَةُ: ؎لَعَمْرُكَ ما أمْرِي عَلَيَّ بِغُمَّةٍ ∗∗∗ نَهارِي ولا لَيْلِي عَلَيَّ بِسَرْمَدِ (p-١٨٠)وقالَ اللَّيْثُ: يُقالُ: إنَّهُ لَفي غُمَّةٍ مِن أمْرِهِ إذا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: أمْرُكم ظاهِرٌ مَكْشُوفٌ، وحَسَّنَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: وقَدْ ذَكَرَ القَوْلَ الأوَّلَ الَّذِي يُرادُ بِالأمْرِ فَقالَ: والثّانِي أنْ يُرادَ بِهِ ما أُرِيدَ بِالأمْرِ الأوَّلِ. والغُمَّةُ: السُّتْرَةُ، مِن غَمَّهُ إذا سَتَرَهُ. ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: «ولا غُمَّةَ في فَرائِضِ اللَّهِ تَعالى» أيْ: لا تُسْتَرُ ولَكِنْ يُجاهَرُ بِها، يَعْنِي: ولا يَكُنْ قَصْدُكم إلى إهْلاكِي مَسْتُورًا عَلَيْكم، بَلْ مَكْشُوفًا مَشْهُورًا تُجاهِرُونَ بِهِ، انْتَهى. ومَعْنى اقْضُوا إلَيَّ: أنْفِذُوا قَضاءَكم نَحْوِي، ومَفْعُولُ اقْضُوا مَحْذُوفٌ، أيِ: اقْضُوا إلَيَّ ذَلِكَ الأمْرَ وامْضُوا في أنْفُسِكم، واقْطَعُوا ما بَيْنِي وبَيْنَكم. وقَرَأ السَّرِيُّ بْنُ يَنْعُمَ: ثُمَّ أفْضُوا بِالفاءِ وقَطْعِ الألْفِ، أيِ: انْتَهُوا إلَيَّ بِشَرِّكم، مِن أفْضى بِكَذا: انْتَهى إلَيْهِ. وقِيلَ: مَعْناهُ أسْرِعُوا. وقِيلَ: مِن أفْضى إذا خَرَجَ إلى الفَضاءِ، أيْ: فَأصْحِرُوا بِهِ إلَيَّ وأبْرِزُوهُ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أبى الضَّيْمَ والنُّعْمانُ يَحْرِقُ نابُهُ ∗∗∗ عَلَيْهِ فَأفْضى والسُّيُوفُ مَعاقِلُهْ ولا تُنْظِرُونِ أيْ: لا تُؤَخِّرُونِ، والنَّظِرَةُ التَّأْخِيرُ ﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَألْتُكم مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ وجَعَلْناهم خَلائِفَ وأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾:، أيْ: فَإنْ دامَ تَوَلِّيكم عَمّا جِئْتُ بِهِ إلَيْكم مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ ورَفْضِ آلِهَتِكم فَلَسْتُ أُبالِي بِكم، لِأنَّ تَوَلِّيَكم لا يَضُرُّنِي في خاصَّتِي، ولا قَطَعَ عَنِّي صِلَةً مِنكم، إذْ ما دَعَوْتُكم إلَيْهِ وذَكَّرْتُكم بِهِ ووَعَظْتُكم، لَمْ أسْألْكم عَلَيْهِ أجْرًا، إنَّما يُثِيبُنِي عَلَيْهِ اللَّهُ تَعالى، أيْ: ما نَصَحْتُكم إلّا لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى لا لِغَرَضٍ مِن أغْراضِ الدُّنْيا، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ أمَرَهُ أنْ يَكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ مِنَ المُنْقادِينَ لِأمْرِ اللَّهِ الطّائِعِينَ لَهُ، فَكَذَّبُوهُ فَتَمُّوا عَلى تَكْذِيبِهِ، وذَلِكَ عِنْدَ مُشارَفَةِ الهَلاكِ بِالطُّوفانِ. وفِي الفُلْكِ مُتَعَلِّقٌ بِالِاسْتِقْرارِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ مَعَهُ، أوْ بِـ (فَنَجَّيْناهُ) و(جَعَلْناهم): جُمِعُ ضَمِيرُ المَفْعُولِ عَلى مَعْنى مِن، و(خَلائِفَ) يَخْلُفُونَ الفارِقِينَ المُهْلَكِينَ. ثُمَّ أمَرَ بِالنَّظَرِ في عاقِبَةِ المُنْذَرِينَ بِالعَذابِ، وإلى ما صارَ إلَيْهِ حالُهم. وفي هَذا الإخْبارِ تَوَعُّدٌ لِلْكُفّارِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وضَرْبُ مِثالٍ لَهم في أنَّهم بِحالِ هَؤُلاءِ مِنَ التَّكْذِيبِ فَسَيَكُونُ حالُهم كَحالِهِمْ في التَّعْذِيبِ. والخِطابُ في فانْظُرْ لِلسّامِعِ لِهَذِهِ القِصَّةِ، وفي ذَلِكَ تَعْظِيمٌ لِما جَرى عَلَيْهِمْ، وتَحْذِيرٌ لِمَن أنْذَرَهُمُ الرَّسُولُ، وتَسْلِيَةٌ لَهُ ﷺ . ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِ رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ المُعْتَدِينَ﴾: مِن بَعْدِهِ، أيْ: مِن بَعْدِ نُوحٍ رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ، يَعْنِي هُودًا وصالِحًا ولُوطًا وإبْراهِيمَ وشُعَيْبًا. والبَيِّناتُ: المُعْجِزاتُ، والبَراهِينُ الواضِحَةُ المُثْبِتَةُ لِما جاءُوا بِهِ. وجاءَ النَّفْيُ مَصْحُوبًا بِلامِ الجُحُودِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ إيمانَهم في حَيِّزِ الِاسْتِحالَةِ والِامْتِناعِ، والضَّمِيرُ في كَذَّبُوا عائِدٌ عَلى مَن عادَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ كانُوا وهم قَوْمُ الرُّسُلِ. والمَعْنى: أنَّهم كانُوا قَبْلَ بِعْثَةِ الرُّسُلِ أهْلَ جاهِلِيَّةٍ وتَكْذِيبٍ لِلْحَقِّ، فَتَساوَتْ حالَتُهم قَبْلَ البِعْثَةِ وبَعْدُها، كَأنْ لَمْ يُبْعَثْ إلَيْهِمْ أحَدٌ. ومِن قَبْلُ مُتَعَلِّقٌ بِكَذَّبُوا، أيْ: مِن قَبْلِ بِعْثَةِ الرُّسُلِ. وقِيلَ: المَعْنى أنَّهم بادَرُوا رُسُلَهم بِالتَّكْذِيبِ كُلَّما جاءَ رَسُولٌ، ثُمَّ لَحُّوا في الكُفْرِ وتَمادَوْا، فَلَمْ يَكُونُوا لِيُؤْمِنُوا بِما سَبَقَ بِهِ تَكْذِيبُهم مِن قَبْلِ لَحِّهِمْ في الكُفْرِ وتَمادِيهِمْ. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: مِن (p-١٨١)قَبْلُ مَعْناهُ مِن قَبْلِ العَذابِ، وهَذا القَوْلُ فِيهِ بُعْدٌ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في كَذَّبُوا عائِدٌ عَلى قَوْمِ نُوحٍ، أيْ: فَما كانَ قَوْمُ الرُّسُلِ لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبَ بِهِ قَوْمُ نُوحٍ، يَعْنِي: أنَّ شِنْشِنَتَهم واحِدَةٌ في التَّكْذِيبِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ اللَّفْظُ عِنْدِي مَعْنًى آخَرَ وهو: أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً والمَعْنى: فَكَذَّبُوا رُسُلَهم فَكانَ عِقابُهم مِنَ اللَّهِ أنْ لَمْ يَكُونُوا لِيُؤْمِنُوا بِتَكْذِيبِهِمْ مِن قَبْلُ، أيْ: مِن سَبَبِهِ ومِن جَرّائِهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ كَذَلِكَ نَطْبَعُ، انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ ما مَوْصُولَةٌ، ولِذَلِكَ عادَ الضَّمِيرُ عَلَيْها في قَوْلِهِ: بِما كَذَّبُوا بِهِ. ولَوْ كانَتْ مَصْدَرِيَّةً بَقِيَ الضَّمِيرُ غَيْرَ عائِدٍ عَلى مَذْكُورٍ، فَتَحْتاجُ أنْ يُتَكَلَّفَ ما يَعُودُ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: نَطْبَعُ بِالنُّونِ، والعَبّاسُ بْنُ الفَضْلِ بِالياءِ، والكافُ لِلتَّشْبِيهِ، أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الطَّبْعِ المُحْكَمِ الَّذِي يَمْتَنِعُ زَوالُهُ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ المُعْتَدِينَ المُجاوِزِينَ طَوْرَهم والمُبالِغِينَ في الكُفْرِ.

يونس 10:75

﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى وهارُونَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ بِآياتِنا فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قالَ مُوسى أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم أسِحْرٌ هَذا ولا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ أُولَئِكَ الرُّسُلِ بِآياتِنا وهي المُعْجِزاتُ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلى يَدَيْهِ، ولا يُخَصُّ قَوْلُهُ: ومَلْئِهِ بِالأشْرافِ، بَلْ هي عامَّةٌ لِقَوْمِ فِرْعَوْنَ شَرِيفِهِمْ ومَشْرُوفِهِمْ. فاسْتَكْبَرُوا تَعاظَمُوا عَنْ قَبُولِها، وأعْظَمُ الكِبْرِ أنْ يَتَعاظَمَ العَبِيدُ عَنْ قَبُولِ رِسالَةِ رَبِّهِمْ بَعْدَ تَبَيُّنِها واسْتِيضاحِها، وبِاجْتِرامِهِمُ الآثامَ العَظِيمَةَ اسْتَكْبَرُوا واجْتَرَءُوا عَلى رَدِّها. والحَقُّ هو: العَصا واليَدُ، قالُوا لِحُبِّهِمُ الشَّهَواتِ: ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ وهم يَعْلَمُونَ أنَّ الحَقَّ أبْعَدُ شَيْءٍ مِنَ السِّحْرِ الَّذِي لَيْسَ إلّا تَمْوِيهًا وباطِلًا، ولَمْ يَقُولُوا ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ إلّا عِنْدَ مُعايَنَةِ العَصا وانْقِلابِها، واليَدِ وخُرُوجِها بَيْضاءَ، ولَمْ يَتَعاطَوْا إلّا مُقاوَمَةَ العَصا وهي مُعْجِزَةُ مُوسى الَّذِي وقَعَ فِيها عَجْزُ المُعارِضِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ وابْنُ جُبَيْرٍ والأعْمَشُ: ﴿لَساحِرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: ٢]، جَعَلَ خَبَرَ إنَّ اسْمَ فاعِلٍ لا مَصْدَرًا كَقِراءَةِ الجَماعَةِ. ولَمّا كابَرُوا مُوسى فِيما جاءَ بِهِ مِنَ الحَقِّ أخْبَرُوا عَلى جِهَةِ الجَزْمِ بِأنَّ ما جاءَ بِهِ سِحْرٌ مُبِينٌ فَقالَ لَهم مُوسى: أتَقُولُونَ ؟ مُسْتَفْهِمًا عَلى جِهَةِ الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، حَيْثُ جَعَلُوا الحَقَّ سِحْرًا، أسِحْرٌ هَذا ؟ أيْ: مِثْلَ هَذا الحَقِّ لا يُدَّعى أنَّهُ سِحْرٌ. وأخْبَرَ أنَّهُ لا يُفْلِحُ مَن كانَ ساحِرًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أتى﴾ [طه: ٦٩] والظّاهِرُ أنَّ مَعْمُولَ أتَقُولُونَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وهو إنَّ هَذا لَسِحْرٌ، ويَجُوزُ أنْ يُحْذَفَ مَعْمُولُ القَوْلِ لِلدَّلالَةِ عَلَيْهِ نَحْوَ قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎لَنَحْنُ الأُلى قُلْتُمْ فَأنّى مُلِئْتُمُ بِرُؤْيَتِنا قَبْلَ اهْتِمامٍ بِكم رُعْبا ومَسْألَةُ الكِتابِ: مَتى رَأيْتَ أوْ قُلْتَ زَيْدًا مُنْطَلِقًا وقِيلَ: مَعْمُولُ أتَقُولُونَ هو أسِحْرٌ هَذا إلى آخِرِهِ، كَأنَّهم قالُوا: أجِئْتُما بِالسِّحْرِ تَطْلُبانِ بِهِ الفَلاحَ، ولا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ. كَما قالَ مُوسى لِلسَّحَرَةِ: ﴿ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ [يونس: ٨١] . والَّذِينَ قالُوا: بِأنَّ الجُمْلَةَ وأنَّ الِاسْتِفْهامَ هي مَحْكِيَّةٌ لِقَوْلِ اخْتَلَفُوا، فَقالَ بَعْضُهم: قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ لِلسِّحْرِ الَّذِي رَأوْهُ بِزَعْمِهِمْ، كَما تَقُولُ لِفَرَسٍ تَراهُ يُجِيدُ الجَرْيَ: أفَرَسٌ هَذا ؟ عَلى سَبِيلِ التَّعْجِيبِ والِاسْتِغْرابِ، وأنْتَ قَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ فَرَسٌ، فَهو اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَّعْجِيبُ والتَّعْظِيمُ. وقالَ بَعْضُهم: قالَ ذَلِكَ مِنهم كُلُّ جاهِلٍ بِالأمْرِ، فَهو يَسْألُ أهْوَ سِحْرٌ ؟ لِقَوْلِ بَعْضِهِمْ: إنَّ هَذا لَسِحْرٌ، وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِ: أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ: أتَعِيبُونَهُ وتَطْعَنُونَ فِيهِ، فَكانَ عَلَيْكم أنْ تُذْعِنُوا لَهُ وتُعَظِّمُوهُ، قالَ: مِن قَوْلِهِمْ فُلانٌ يَخافُ القالَةَ، وبَيْنَ النّاسِ تَقاوُلٌ إذا قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ما يَسُوءُ، ونَحْوُ القَوْلِ الذِّكْرُ في قَوْلِهِ: سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم ثُمَّ قالَ: أسِحْرٌ هَذا ؟ فَأنْكَرَ ما قالُوهُ في عَيْبِهِ والطَّعْنِ عَلَيْهِ.

يونس 10:76

﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى وهارُونَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ بِآياتِنا فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قالَ مُوسى أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم أسِحْرٌ هَذا ولا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ أُولَئِكَ الرُّسُلِ بِآياتِنا وهي المُعْجِزاتُ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلى يَدَيْهِ، ولا يُخَصُّ قَوْلُهُ: ومَلْئِهِ بِالأشْرافِ، بَلْ هي عامَّةٌ لِقَوْمِ فِرْعَوْنَ شَرِيفِهِمْ ومَشْرُوفِهِمْ. فاسْتَكْبَرُوا تَعاظَمُوا عَنْ قَبُولِها، وأعْظَمُ الكِبْرِ أنْ يَتَعاظَمَ العَبِيدُ عَنْ قَبُولِ رِسالَةِ رَبِّهِمْ بَعْدَ تَبَيُّنِها واسْتِيضاحِها، وبِاجْتِرامِهِمُ الآثامَ العَظِيمَةَ اسْتَكْبَرُوا واجْتَرَءُوا عَلى رَدِّها. والحَقُّ هو: العَصا واليَدُ، قالُوا لِحُبِّهِمُ الشَّهَواتِ: ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ وهم يَعْلَمُونَ أنَّ الحَقَّ أبْعَدُ شَيْءٍ مِنَ السِّحْرِ الَّذِي لَيْسَ إلّا تَمْوِيهًا وباطِلًا، ولَمْ يَقُولُوا ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ إلّا عِنْدَ مُعايَنَةِ العَصا وانْقِلابِها، واليَدِ وخُرُوجِها بَيْضاءَ، ولَمْ يَتَعاطَوْا إلّا مُقاوَمَةَ العَصا وهي مُعْجِزَةُ مُوسى الَّذِي وقَعَ فِيها عَجْزُ المُعارِضِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ وابْنُ جُبَيْرٍ والأعْمَشُ: ﴿لَساحِرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: ٢]، جَعَلَ خَبَرَ إنَّ اسْمَ فاعِلٍ لا مَصْدَرًا كَقِراءَةِ الجَماعَةِ. ولَمّا كابَرُوا مُوسى فِيما جاءَ بِهِ مِنَ الحَقِّ أخْبَرُوا عَلى جِهَةِ الجَزْمِ بِأنَّ ما جاءَ بِهِ سِحْرٌ مُبِينٌ فَقالَ لَهم مُوسى: أتَقُولُونَ ؟ مُسْتَفْهِمًا عَلى جِهَةِ الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، حَيْثُ جَعَلُوا الحَقَّ سِحْرًا، أسِحْرٌ هَذا ؟ أيْ: مِثْلَ هَذا الحَقِّ لا يُدَّعى أنَّهُ سِحْرٌ. وأخْبَرَ أنَّهُ لا يُفْلِحُ مَن كانَ ساحِرًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أتى﴾ [طه: ٦٩] والظّاهِرُ أنَّ مَعْمُولَ أتَقُولُونَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وهو إنَّ هَذا لَسِحْرٌ، ويَجُوزُ أنْ يُحْذَفَ مَعْمُولُ القَوْلِ لِلدَّلالَةِ عَلَيْهِ نَحْوَ قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎لَنَحْنُ الأُلى قُلْتُمْ فَأنّى مُلِئْتُمُ بِرُؤْيَتِنا قَبْلَ اهْتِمامٍ بِكم رُعْبا ومَسْألَةُ الكِتابِ: مَتى رَأيْتَ أوْ قُلْتَ زَيْدًا مُنْطَلِقًا وقِيلَ: مَعْمُولُ أتَقُولُونَ هو أسِحْرٌ هَذا إلى آخِرِهِ، كَأنَّهم قالُوا: أجِئْتُما بِالسِّحْرِ تَطْلُبانِ بِهِ الفَلاحَ، ولا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ. كَما قالَ مُوسى لِلسَّحَرَةِ: ﴿ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ [يونس: ٨١] . والَّذِينَ قالُوا: بِأنَّ الجُمْلَةَ وأنَّ الِاسْتِفْهامَ هي مَحْكِيَّةٌ لِقَوْلِ اخْتَلَفُوا، فَقالَ بَعْضُهم: قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ لِلسِّحْرِ الَّذِي رَأوْهُ بِزَعْمِهِمْ، كَما تَقُولُ لِفَرَسٍ تَراهُ يُجِيدُ الجَرْيَ: أفَرَسٌ هَذا ؟ عَلى سَبِيلِ التَّعْجِيبِ والِاسْتِغْرابِ، وأنْتَ قَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ فَرَسٌ، فَهو اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَّعْجِيبُ والتَّعْظِيمُ. وقالَ بَعْضُهم: قالَ ذَلِكَ مِنهم كُلُّ جاهِلٍ بِالأمْرِ، فَهو يَسْألُ أهْوَ سِحْرٌ ؟ لِقَوْلِ بَعْضِهِمْ: إنَّ هَذا لَسِحْرٌ، وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِ: أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ: أتَعِيبُونَهُ وتَطْعَنُونَ فِيهِ، فَكانَ عَلَيْكم أنْ تُذْعِنُوا لَهُ وتُعَظِّمُوهُ، قالَ: مِن قَوْلِهِمْ فُلانٌ يَخافُ القالَةَ، وبَيْنَ النّاسِ تَقاوُلٌ إذا قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ما يَسُوءُ، ونَحْوُ القَوْلِ الذِّكْرُ في قَوْلِهِ: سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم ثُمَّ قالَ: أسِحْرٌ هَذا ؟ فَأنْكَرَ ما قالُوهُ في عَيْبِهِ والطَّعْنِ عَلَيْهِ.

يونس 10:77

﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى وهارُونَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ بِآياتِنا فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قالَ مُوسى أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم أسِحْرٌ هَذا ولا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ أُولَئِكَ الرُّسُلِ بِآياتِنا وهي المُعْجِزاتُ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلى يَدَيْهِ، ولا يُخَصُّ قَوْلُهُ: ومَلْئِهِ بِالأشْرافِ، بَلْ هي عامَّةٌ لِقَوْمِ فِرْعَوْنَ شَرِيفِهِمْ ومَشْرُوفِهِمْ. فاسْتَكْبَرُوا تَعاظَمُوا عَنْ قَبُولِها، وأعْظَمُ الكِبْرِ أنْ يَتَعاظَمَ العَبِيدُ عَنْ قَبُولِ رِسالَةِ رَبِّهِمْ بَعْدَ تَبَيُّنِها واسْتِيضاحِها، وبِاجْتِرامِهِمُ الآثامَ العَظِيمَةَ اسْتَكْبَرُوا واجْتَرَءُوا عَلى رَدِّها. والحَقُّ هو: العَصا واليَدُ، قالُوا لِحُبِّهِمُ الشَّهَواتِ: ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ وهم يَعْلَمُونَ أنَّ الحَقَّ أبْعَدُ شَيْءٍ مِنَ السِّحْرِ الَّذِي لَيْسَ إلّا تَمْوِيهًا وباطِلًا، ولَمْ يَقُولُوا ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ إلّا عِنْدَ مُعايَنَةِ العَصا وانْقِلابِها، واليَدِ وخُرُوجِها بَيْضاءَ، ولَمْ يَتَعاطَوْا إلّا مُقاوَمَةَ العَصا وهي مُعْجِزَةُ مُوسى الَّذِي وقَعَ فِيها عَجْزُ المُعارِضِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ وابْنُ جُبَيْرٍ والأعْمَشُ: ﴿لَساحِرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: ٢]، جَعَلَ خَبَرَ إنَّ اسْمَ فاعِلٍ لا مَصْدَرًا كَقِراءَةِ الجَماعَةِ. ولَمّا كابَرُوا مُوسى فِيما جاءَ بِهِ مِنَ الحَقِّ أخْبَرُوا عَلى جِهَةِ الجَزْمِ بِأنَّ ما جاءَ بِهِ سِحْرٌ مُبِينٌ فَقالَ لَهم مُوسى: أتَقُولُونَ ؟ مُسْتَفْهِمًا عَلى جِهَةِ الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، حَيْثُ جَعَلُوا الحَقَّ سِحْرًا، أسِحْرٌ هَذا ؟ أيْ: مِثْلَ هَذا الحَقِّ لا يُدَّعى أنَّهُ سِحْرٌ. وأخْبَرَ أنَّهُ لا يُفْلِحُ مَن كانَ ساحِرًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أتى﴾ [طه: ٦٩] والظّاهِرُ أنَّ مَعْمُولَ أتَقُولُونَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وهو إنَّ هَذا لَسِحْرٌ، ويَجُوزُ أنْ يُحْذَفَ مَعْمُولُ القَوْلِ لِلدَّلالَةِ عَلَيْهِ نَحْوَ قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎لَنَحْنُ الأُلى قُلْتُمْ فَأنّى مُلِئْتُمُ بِرُؤْيَتِنا قَبْلَ اهْتِمامٍ بِكم رُعْبا ومَسْألَةُ الكِتابِ: مَتى رَأيْتَ أوْ قُلْتَ زَيْدًا مُنْطَلِقًا وقِيلَ: مَعْمُولُ أتَقُولُونَ هو أسِحْرٌ هَذا إلى آخِرِهِ، كَأنَّهم قالُوا: أجِئْتُما بِالسِّحْرِ تَطْلُبانِ بِهِ الفَلاحَ، ولا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ. كَما قالَ مُوسى لِلسَّحَرَةِ: ﴿ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ [يونس: ٨١] . والَّذِينَ قالُوا: بِأنَّ الجُمْلَةَ وأنَّ الِاسْتِفْهامَ هي مَحْكِيَّةٌ لِقَوْلِ اخْتَلَفُوا، فَقالَ بَعْضُهم: قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ لِلسِّحْرِ الَّذِي رَأوْهُ بِزَعْمِهِمْ، كَما تَقُولُ لِفَرَسٍ تَراهُ يُجِيدُ الجَرْيَ: أفَرَسٌ هَذا ؟ عَلى سَبِيلِ التَّعْجِيبِ والِاسْتِغْرابِ، وأنْتَ قَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ فَرَسٌ، فَهو اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَّعْجِيبُ والتَّعْظِيمُ. وقالَ بَعْضُهم: قالَ ذَلِكَ مِنهم كُلُّ جاهِلٍ بِالأمْرِ، فَهو يَسْألُ أهْوَ سِحْرٌ ؟ لِقَوْلِ بَعْضِهِمْ: إنَّ هَذا لَسِحْرٌ، وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِ: أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ: أتَعِيبُونَهُ وتَطْعَنُونَ فِيهِ، فَكانَ عَلَيْكم أنْ تُذْعِنُوا لَهُ وتُعَظِّمُوهُ، قالَ: مِن قَوْلِهِمْ فُلانٌ يَخافُ القالَةَ، وبَيْنَ النّاسِ تَقاوُلٌ إذا قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ما يَسُوءُ، ونَحْوُ القَوْلِ الذِّكْرُ في قَوْلِهِ: سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم ثُمَّ قالَ: أسِحْرٌ هَذا ؟ فَأنْكَرَ ما قالُوهُ في عَيْبِهِ والطَّعْنِ عَلَيْهِ.

يونس 10:78

(p-١٨٢)﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهم مُوسى ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ ﴿فَلَمّا ألْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿ويُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾: أجِئْتَنا: خِطابٌ لِـ مُوسى وحْدَهُ، لِأنَّهُ هو الَّذِي ظَهَرَتْ عَلى يَدَيْهِ مُعْجِزَةُ العَصا واليَدِ. لِتَصْرِفَنا وتَلْوِيَنا: عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا: مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، واتِّخاذِ إلَهٍ دُونَهُ. والكِبْرِياءُ مَصْدَرٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ وأكْثَرُ المُتَأوِّلِينَ: المُرادُ بِهِ هُنا: المُلْكُ، إذِ المُلُوكُ مَوْصُوفُونَ بِالكِبْرِ، ولِذَلِكَ قِيلَ لِلْمَلِكِ الجَبّارُ، ووُصِفَ بِالصَّدِّ والشَّرَسِ. وقالَ ابْنُ الرُّقَيّاتِ في مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ: ؎مُلْكُهُ مُلْكُ رَأْفَةٍ لَيْسَ فِيهِ جَبَرُوتٌ مِنهُ ولا كِبْرِياءُ يَعْنِي ما عَلَيْهِ المُلُوكُ مِن ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ الرِّقاعِ: ؎سُؤْدُدٌ غَيْرُ فاحِشٍ لا يُدانِي ∗∗∗ ـهِ تَجِبّارَةٌ ولا كِبْرِياءُ وقالَ الأعْمَشُ: الكِبْرِياءُ العَظَمَةُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: العُلُوُّ. وقالَ الضَّحّاكُ أيْضًا: الطّاعَةُ، والأرْضُ هُنا: أرْضُ مِصْرَ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وإسْماعِيلُ والحَسَنُ فِيما زَعَمَ خارِجَةُ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ بِخِلافٍ عَنْهُما، وتَكُونُ بِالتّاءِ لِمَجازِ تَأْنِيثِ الكِبْرِياءِ، والجُمْهُورُ بِالياءِ لِمُراعاةِ اللَّفْظِ، والمَعْنى أنَّهم قالُوا: مَقْصُودُكَ في مَجِيئِكَ إلَيْنا بِما جِئْتَ، هو أنْ نَنْتَقِلَ مِن دِينِ آبائِنا إلى ما تَأْمُرُ بِهِ ونُطِيعَكَ، ويَكُونَ لَكُما العُلُوُّ والمُلْكُ عَلَيْنا بِطاعَتِنا لَكَ، فَنَصِيرَ أتْباعًا لَكَ تارِكِينَ دِينَ آبائِنا، وهَذا مَقْصُودٌ لا نَراهُ، فَلا نُصَدِّقُكَ فِيما جِئْتَ بِهِ إذْ غَرَضُكُ إنَّما هو مُوافَقَتُكَ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ، واسْتِعْلاؤُكَ عَلَيْنا. فالسَّبَبُ الأوَّلُ هو: التَّقْلِيدُ، والثّانِي: الجِدُّ في الرِّئاسَةِ حَتّى لا تَكُونُوا تَبَعًا. واقْتَضى هَذانِ السَّبَبانِ اللَّذانِ تَوَهَّمُوهُما مَقْصُودا التَّصْرِيحِ بِانْتِفاءِ الإيمانِ الَّذِي هو سَبَبٌ لِحُصُولِ السَّبَبَيْنِ. ويَجُوزُ أنْ يَقْصِدُوا الذَّمَّ بِأنَّهُما إنْ مَلَكا أرْضَ مِصْرَ تَكَبَّرا وتَجَبَّرا كَما قالَ القِبْطِيُّ: ﴿إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ﴾ [القصص: ١٩] . ولَمّا ادَّعَوْا أنَّ ما جاءَ بِهِ مُوسى هو سِحْرٌ، أخَذُوا في مُعارَضَتِهِ بِأنْواعٍ مِنَ السِّحْرِ، لِيَظْهَرَ لِسائِرِ النّاسِ أنَّ ما أتى بِهِ مُوسى مِن بابِ السِّحْرِ. والمُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ائْتُونِي، خَدَمَةُ فِرْعَوْنَ والمُتَصَرِّفُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ. وقَرَأ ابْنُ مُصَرِّفٍ وابْنُ وثّابٍ وعِيسى وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: بِكُلِّ سَحّارٍ عَلى المُبالَغَةِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ اسْتِطالَةٌ عَلَيْهِمْ وعَدَمُ مُبالاةٍ بِهِمْ. وفِي إبْهامِ ما أنْتُمْ مُلْقُونَ تَخْسِيسٌ لَهُ وتَقْلِيلٌ، وإعْلامٌ أنَّهُ لا شَيْءَ يُلْتَفَتُ إلَيْهِ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: كَيْفَ أمَرَهم، فالكُفْرُ والسِّحْرُ والأمْرُ بِالكُفْرِ كُفْرٌ، قُلْنا: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أمَرَهم بِإلْقاءِ الحِبالِ والعِصِيِّ، لِيُظْهِرَ لِلْخَلْقِ أنَّ ما ألْقَوْا عَمَلٌ فاسِدٌ وسَعْىٌ باطِلٌ، لا عَلى طَرِيقِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَهم بِالسِّحْرِ، انْتَهى. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ومُجاهِدٌ وأصْحابُهُ وابْنُ القَعْقاعِ بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ في قَوْلِهِ: (p-١٨٣)آلسِّحْرُ مَمْدُودَةً، وباقِي السَّبْعَةِ والجُمْهُورُ بِهَمْزَةِ الوَصْلِ، فَعَلى الِاسْتِفْهامِ قالُوا: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما اسْتِفْهامِيَّةً مُبْتَدَأً، والسِّحْرُ بَدَلٌ مِنها، وأنْ تَكُونَ مَنصُوبَةً بِمُضْمَرٍ تَفْسِيرُهُ: جِئْتُمْ بِهِ، والسِّحْرُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. ويَجُوزُ عِنْدِي في هَذا الوَجْهِ أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً مُبْتَدَأةً، وجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ خَبَرٌ، إذِ التَّقْدِيرُ: أهْوَ السِّحْرُ أوْ آلسِّحْرُ هو ؟ فَهو الرّابِطُ كَما تَقُولُ: الَّذِي جاءَكَ أزْيَدٌ هو ؟ وعَلى هَمْزَةِ الوَصْلِ جازَ أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً مُبْتَدَأةً، والخَبَرُ السِّحْرُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ والأعْمَشِ: سِحْرٌ. وقِراءَةُ أُبَيٍّ: ما أتَيْتُمْ بِهِ سِحْرٌ. ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ تَكُونَ في هَذا الوَجْهِ اسْتِفْهامِيَّةً في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، أوْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الِاشْتِغالِ، وهو اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ التَّحْقِيرِ والتَّعْلِيلِ لِما جاءُوا بِهِ، والسِّحْرُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو السِّحْرُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والتَّعْرِيفُ هُنا في السِّحْرِ أرْتَبُ، لِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ مُنَكَّرًا في قَوْلِهِمْ: إنَّ هَذا لَسِحْرٌ، فَجاءَ هُنا بِلامِ العَهْدِ كَما يُقالُ أوَّلَ الرِّسالَةِ: سَلامٌ عَلَيْكَ، وفي آخِرِها والسَّلامُ عَلَيْكَ، انْتَهى. وهَذا أخَذَهُ مِنَ الفَرّاءِ. قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما قالَ السِّحْرُ بِالألِفِ واللّامِ، لِأنَّ النَّكِرَةَ إذا أُعِيدَتْ أُعِيدَتْ بِالألِفِ واللّامِ، ولَوْ قالَ لَهُ: مَن رَجُلٌ ؟ لَمْ يَقَعْ في وهْمِهِ أنَّهُ يَسْألُهُ عَنِ الرَّجُلِ الَّذِي ذَكَرَ لَهُ، انْتَهى. وما ذَكَراهُ هُنا في السِّحْرِ لَيْسَ هو مِن بابِ تَقَدُّمِ النَّكِرَةِ، ثُمَّ أُخْبِرَ عَنْها بَعْدَ ذَلِكَ، لِأنَّ شَرْطَ هَذا أنْ يَكُونَ المُعَرَّفُ بِالألِفِ واللّامِ هو النَّكِرَةُ المُتَقَدِّمُ، ولا يَكُونَ غَيْرَهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ [المزمل: ١٥] ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٦] وتَقُولُ: زارَنِي رَجُلٌ فَأكْرَمْتُ الرَّجُلَ، ولَمّا كانَ إيّاهُ جازَ أنْ يُأْتى بِالضَّمِيرِ بَدَلَهُ فَتَقُولُ: فَأكْرَمْتُهُ. والسِّحْرُ هُنا لَيْسَ هو السِّحْرُ الَّذِي هو في قَوْلِهِمْ: إنَّ هَذا لَسِحْرٌ، لِأنَّ الَّذِي أخْبَرُوا عَنْهُ بِأنَّهُ سِحْرٌ هو ما ظَهَرَ عَلى يَدَيْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن مُعْجِزَةِ العَصا، والسِّحْرُ الَّذِي في قَوْلِ مُوسى إنَّما هو سِحْرُهُمُ الَّذِي جاءُوا بِهِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ المَدْلُولانِ وقالُوا هم عَنْ مُعْجِزَةِ مُوسى وقالَ مُوسى عَمّا جاءُوا بِهِ، ولِذَلِكَ لا يَجُوزُ أنْ يُأْتى هُنا بِالضَّمِيرِ بَدَلَ السِّحْرِ، فَيَكُونُ عائِدًا عَلى قَوْلِهِمُ السِّحْرَ. والظّاهِرُ أنَّ الجُمَلَ بَعْدَهُ مِن كَلامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وسَيُبْطِلُهُ: يَمْحَقُهُ، بِحَيْثُ يَذْهَبُ أوْ يُظْهِرُ بُطْلانَهُ بِإظْهارِ المُعْجِزَةِ عَلى الشَّعْوَذَةِ. وقِيلَ: هَذِهِ الجُمَلُ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى. ومَعْنى بِكَلِماتِهِ: بِقَضاياهُ السّابِقَةِ في وعْدِهِ. وقالَ ابْنُ سَلّامٍ: بِكَلِماتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾ [طه: ٦٨] وقِيلَ بِكَلِماتِهِ: بِحُجَجِهِ وبَراهِينِهِ وقُرِئَ: بِكَلِمَتِهِ عَلى التَّوْحِيدِ، أيْ بِأمْرِهِ ومَشِيئَتِهِ.

يونس 10:79

(p-١٨٢)﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهم مُوسى ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ ﴿فَلَمّا ألْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿ويُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾: أجِئْتَنا: خِطابٌ لِـ مُوسى وحْدَهُ، لِأنَّهُ هو الَّذِي ظَهَرَتْ عَلى يَدَيْهِ مُعْجِزَةُ العَصا واليَدِ. لِتَصْرِفَنا وتَلْوِيَنا: عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا: مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، واتِّخاذِ إلَهٍ دُونَهُ. والكِبْرِياءُ مَصْدَرٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ وأكْثَرُ المُتَأوِّلِينَ: المُرادُ بِهِ هُنا: المُلْكُ، إذِ المُلُوكُ مَوْصُوفُونَ بِالكِبْرِ، ولِذَلِكَ قِيلَ لِلْمَلِكِ الجَبّارُ، ووُصِفَ بِالصَّدِّ والشَّرَسِ. وقالَ ابْنُ الرُّقَيّاتِ في مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ: ؎مُلْكُهُ مُلْكُ رَأْفَةٍ لَيْسَ فِيهِ جَبَرُوتٌ مِنهُ ولا كِبْرِياءُ يَعْنِي ما عَلَيْهِ المُلُوكُ مِن ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ الرِّقاعِ: ؎سُؤْدُدٌ غَيْرُ فاحِشٍ لا يُدانِي ∗∗∗ ـهِ تَجِبّارَةٌ ولا كِبْرِياءُ وقالَ الأعْمَشُ: الكِبْرِياءُ العَظَمَةُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: العُلُوُّ. وقالَ الضَّحّاكُ أيْضًا: الطّاعَةُ، والأرْضُ هُنا: أرْضُ مِصْرَ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وإسْماعِيلُ والحَسَنُ فِيما زَعَمَ خارِجَةُ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ بِخِلافٍ عَنْهُما، وتَكُونُ بِالتّاءِ لِمَجازِ تَأْنِيثِ الكِبْرِياءِ، والجُمْهُورُ بِالياءِ لِمُراعاةِ اللَّفْظِ، والمَعْنى أنَّهم قالُوا: مَقْصُودُكَ في مَجِيئِكَ إلَيْنا بِما جِئْتَ، هو أنْ نَنْتَقِلَ مِن دِينِ آبائِنا إلى ما تَأْمُرُ بِهِ ونُطِيعَكَ، ويَكُونَ لَكُما العُلُوُّ والمُلْكُ عَلَيْنا بِطاعَتِنا لَكَ، فَنَصِيرَ أتْباعًا لَكَ تارِكِينَ دِينَ آبائِنا، وهَذا مَقْصُودٌ لا نَراهُ، فَلا نُصَدِّقُكَ فِيما جِئْتَ بِهِ إذْ غَرَضُكُ إنَّما هو مُوافَقَتُكَ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ، واسْتِعْلاؤُكَ عَلَيْنا. فالسَّبَبُ الأوَّلُ هو: التَّقْلِيدُ، والثّانِي: الجِدُّ في الرِّئاسَةِ حَتّى لا تَكُونُوا تَبَعًا. واقْتَضى هَذانِ السَّبَبانِ اللَّذانِ تَوَهَّمُوهُما مَقْصُودا التَّصْرِيحِ بِانْتِفاءِ الإيمانِ الَّذِي هو سَبَبٌ لِحُصُولِ السَّبَبَيْنِ. ويَجُوزُ أنْ يَقْصِدُوا الذَّمَّ بِأنَّهُما إنْ مَلَكا أرْضَ مِصْرَ تَكَبَّرا وتَجَبَّرا كَما قالَ القِبْطِيُّ: ﴿إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ﴾ [القصص: ١٩] . ولَمّا ادَّعَوْا أنَّ ما جاءَ بِهِ مُوسى هو سِحْرٌ، أخَذُوا في مُعارَضَتِهِ بِأنْواعٍ مِنَ السِّحْرِ، لِيَظْهَرَ لِسائِرِ النّاسِ أنَّ ما أتى بِهِ مُوسى مِن بابِ السِّحْرِ. والمُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ائْتُونِي، خَدَمَةُ فِرْعَوْنَ والمُتَصَرِّفُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ. وقَرَأ ابْنُ مُصَرِّفٍ وابْنُ وثّابٍ وعِيسى وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: بِكُلِّ سَحّارٍ عَلى المُبالَغَةِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ اسْتِطالَةٌ عَلَيْهِمْ وعَدَمُ مُبالاةٍ بِهِمْ. وفِي إبْهامِ ما أنْتُمْ مُلْقُونَ تَخْسِيسٌ لَهُ وتَقْلِيلٌ، وإعْلامٌ أنَّهُ لا شَيْءَ يُلْتَفَتُ إلَيْهِ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: كَيْفَ أمَرَهم، فالكُفْرُ والسِّحْرُ والأمْرُ بِالكُفْرِ كُفْرٌ، قُلْنا: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أمَرَهم بِإلْقاءِ الحِبالِ والعِصِيِّ، لِيُظْهِرَ لِلْخَلْقِ أنَّ ما ألْقَوْا عَمَلٌ فاسِدٌ وسَعْىٌ باطِلٌ، لا عَلى طَرِيقِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَهم بِالسِّحْرِ، انْتَهى. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ومُجاهِدٌ وأصْحابُهُ وابْنُ القَعْقاعِ بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ في قَوْلِهِ: (p-١٨٣)آلسِّحْرُ مَمْدُودَةً، وباقِي السَّبْعَةِ والجُمْهُورُ بِهَمْزَةِ الوَصْلِ، فَعَلى الِاسْتِفْهامِ قالُوا: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما اسْتِفْهامِيَّةً مُبْتَدَأً، والسِّحْرُ بَدَلٌ مِنها، وأنْ تَكُونَ مَنصُوبَةً بِمُضْمَرٍ تَفْسِيرُهُ: جِئْتُمْ بِهِ، والسِّحْرُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. ويَجُوزُ عِنْدِي في هَذا الوَجْهِ أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً مُبْتَدَأةً، وجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ خَبَرٌ، إذِ التَّقْدِيرُ: أهْوَ السِّحْرُ أوْ آلسِّحْرُ هو ؟ فَهو الرّابِطُ كَما تَقُولُ: الَّذِي جاءَكَ أزْيَدٌ هو ؟ وعَلى هَمْزَةِ الوَصْلِ جازَ أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً مُبْتَدَأةً، والخَبَرُ السِّحْرُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ والأعْمَشِ: سِحْرٌ. وقِراءَةُ أُبَيٍّ: ما أتَيْتُمْ بِهِ سِحْرٌ. ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ تَكُونَ في هَذا الوَجْهِ اسْتِفْهامِيَّةً في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، أوْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الِاشْتِغالِ، وهو اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ التَّحْقِيرِ والتَّعْلِيلِ لِما جاءُوا بِهِ، والسِّحْرُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو السِّحْرُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والتَّعْرِيفُ هُنا في السِّحْرِ أرْتَبُ، لِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ مُنَكَّرًا في قَوْلِهِمْ: إنَّ هَذا لَسِحْرٌ، فَجاءَ هُنا بِلامِ العَهْدِ كَما يُقالُ أوَّلَ الرِّسالَةِ: سَلامٌ عَلَيْكَ، وفي آخِرِها والسَّلامُ عَلَيْكَ، انْتَهى. وهَذا أخَذَهُ مِنَ الفَرّاءِ. قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما قالَ السِّحْرُ بِالألِفِ واللّامِ، لِأنَّ النَّكِرَةَ إذا أُعِيدَتْ أُعِيدَتْ بِالألِفِ واللّامِ، ولَوْ قالَ لَهُ: مَن رَجُلٌ ؟ لَمْ يَقَعْ في وهْمِهِ أنَّهُ يَسْألُهُ عَنِ الرَّجُلِ الَّذِي ذَكَرَ لَهُ، انْتَهى. وما ذَكَراهُ هُنا في السِّحْرِ لَيْسَ هو مِن بابِ تَقَدُّمِ النَّكِرَةِ، ثُمَّ أُخْبِرَ عَنْها بَعْدَ ذَلِكَ، لِأنَّ شَرْطَ هَذا أنْ يَكُونَ المُعَرَّفُ بِالألِفِ واللّامِ هو النَّكِرَةُ المُتَقَدِّمُ، ولا يَكُونَ غَيْرَهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ [المزمل: ١٥] ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٦] وتَقُولُ: زارَنِي رَجُلٌ فَأكْرَمْتُ الرَّجُلَ، ولَمّا كانَ إيّاهُ جازَ أنْ يُأْتى بِالضَّمِيرِ بَدَلَهُ فَتَقُولُ: فَأكْرَمْتُهُ. والسِّحْرُ هُنا لَيْسَ هو السِّحْرُ الَّذِي هو في قَوْلِهِمْ: إنَّ هَذا لَسِحْرٌ، لِأنَّ الَّذِي أخْبَرُوا عَنْهُ بِأنَّهُ سِحْرٌ هو ما ظَهَرَ عَلى يَدَيْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن مُعْجِزَةِ العَصا، والسِّحْرُ الَّذِي في قَوْلِ مُوسى إنَّما هو سِحْرُهُمُ الَّذِي جاءُوا بِهِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ المَدْلُولانِ وقالُوا هم عَنْ مُعْجِزَةِ مُوسى وقالَ مُوسى عَمّا جاءُوا بِهِ، ولِذَلِكَ لا يَجُوزُ أنْ يُأْتى هُنا بِالضَّمِيرِ بَدَلَ السِّحْرِ، فَيَكُونُ عائِدًا عَلى قَوْلِهِمُ السِّحْرَ. والظّاهِرُ أنَّ الجُمَلَ بَعْدَهُ مِن كَلامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وسَيُبْطِلُهُ: يَمْحَقُهُ، بِحَيْثُ يَذْهَبُ أوْ يُظْهِرُ بُطْلانَهُ بِإظْهارِ المُعْجِزَةِ عَلى الشَّعْوَذَةِ. وقِيلَ: هَذِهِ الجُمَلُ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى. ومَعْنى بِكَلِماتِهِ: بِقَضاياهُ السّابِقَةِ في وعْدِهِ. وقالَ ابْنُ سَلّامٍ: بِكَلِماتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾ [طه: ٦٨] وقِيلَ بِكَلِماتِهِ: بِحُجَجِهِ وبَراهِينِهِ وقُرِئَ: بِكَلِمَتِهِ عَلى التَّوْحِيدِ، أيْ بِأمْرِهِ ومَشِيئَتِهِ.

يونس 10:80

(p-١٨٢)﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهم مُوسى ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ ﴿فَلَمّا ألْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿ويُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾: أجِئْتَنا: خِطابٌ لِـ مُوسى وحْدَهُ، لِأنَّهُ هو الَّذِي ظَهَرَتْ عَلى يَدَيْهِ مُعْجِزَةُ العَصا واليَدِ. لِتَصْرِفَنا وتَلْوِيَنا: عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا: مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، واتِّخاذِ إلَهٍ دُونَهُ. والكِبْرِياءُ مَصْدَرٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ وأكْثَرُ المُتَأوِّلِينَ: المُرادُ بِهِ هُنا: المُلْكُ، إذِ المُلُوكُ مَوْصُوفُونَ بِالكِبْرِ، ولِذَلِكَ قِيلَ لِلْمَلِكِ الجَبّارُ، ووُصِفَ بِالصَّدِّ والشَّرَسِ. وقالَ ابْنُ الرُّقَيّاتِ في مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ: ؎مُلْكُهُ مُلْكُ رَأْفَةٍ لَيْسَ فِيهِ جَبَرُوتٌ مِنهُ ولا كِبْرِياءُ يَعْنِي ما عَلَيْهِ المُلُوكُ مِن ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ الرِّقاعِ: ؎سُؤْدُدٌ غَيْرُ فاحِشٍ لا يُدانِي ∗∗∗ ـهِ تَجِبّارَةٌ ولا كِبْرِياءُ وقالَ الأعْمَشُ: الكِبْرِياءُ العَظَمَةُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: العُلُوُّ. وقالَ الضَّحّاكُ أيْضًا: الطّاعَةُ، والأرْضُ هُنا: أرْضُ مِصْرَ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وإسْماعِيلُ والحَسَنُ فِيما زَعَمَ خارِجَةُ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ بِخِلافٍ عَنْهُما، وتَكُونُ بِالتّاءِ لِمَجازِ تَأْنِيثِ الكِبْرِياءِ، والجُمْهُورُ بِالياءِ لِمُراعاةِ اللَّفْظِ، والمَعْنى أنَّهم قالُوا: مَقْصُودُكَ في مَجِيئِكَ إلَيْنا بِما جِئْتَ، هو أنْ نَنْتَقِلَ مِن دِينِ آبائِنا إلى ما تَأْمُرُ بِهِ ونُطِيعَكَ، ويَكُونَ لَكُما العُلُوُّ والمُلْكُ عَلَيْنا بِطاعَتِنا لَكَ، فَنَصِيرَ أتْباعًا لَكَ تارِكِينَ دِينَ آبائِنا، وهَذا مَقْصُودٌ لا نَراهُ، فَلا نُصَدِّقُكَ فِيما جِئْتَ بِهِ إذْ غَرَضُكُ إنَّما هو مُوافَقَتُكَ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ، واسْتِعْلاؤُكَ عَلَيْنا. فالسَّبَبُ الأوَّلُ هو: التَّقْلِيدُ، والثّانِي: الجِدُّ في الرِّئاسَةِ حَتّى لا تَكُونُوا تَبَعًا. واقْتَضى هَذانِ السَّبَبانِ اللَّذانِ تَوَهَّمُوهُما مَقْصُودا التَّصْرِيحِ بِانْتِفاءِ الإيمانِ الَّذِي هو سَبَبٌ لِحُصُولِ السَّبَبَيْنِ. ويَجُوزُ أنْ يَقْصِدُوا الذَّمَّ بِأنَّهُما إنْ مَلَكا أرْضَ مِصْرَ تَكَبَّرا وتَجَبَّرا كَما قالَ القِبْطِيُّ: ﴿إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ﴾ [القصص: ١٩] . ولَمّا ادَّعَوْا أنَّ ما جاءَ بِهِ مُوسى هو سِحْرٌ، أخَذُوا في مُعارَضَتِهِ بِأنْواعٍ مِنَ السِّحْرِ، لِيَظْهَرَ لِسائِرِ النّاسِ أنَّ ما أتى بِهِ مُوسى مِن بابِ السِّحْرِ. والمُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ائْتُونِي، خَدَمَةُ فِرْعَوْنَ والمُتَصَرِّفُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ. وقَرَأ ابْنُ مُصَرِّفٍ وابْنُ وثّابٍ وعِيسى وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: بِكُلِّ سَحّارٍ عَلى المُبالَغَةِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ اسْتِطالَةٌ عَلَيْهِمْ وعَدَمُ مُبالاةٍ بِهِمْ. وفِي إبْهامِ ما أنْتُمْ مُلْقُونَ تَخْسِيسٌ لَهُ وتَقْلِيلٌ، وإعْلامٌ أنَّهُ لا شَيْءَ يُلْتَفَتُ إلَيْهِ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: كَيْفَ أمَرَهم، فالكُفْرُ والسِّحْرُ والأمْرُ بِالكُفْرِ كُفْرٌ، قُلْنا: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أمَرَهم بِإلْقاءِ الحِبالِ والعِصِيِّ، لِيُظْهِرَ لِلْخَلْقِ أنَّ ما ألْقَوْا عَمَلٌ فاسِدٌ وسَعْىٌ باطِلٌ، لا عَلى طَرِيقِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَهم بِالسِّحْرِ، انْتَهى. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ومُجاهِدٌ وأصْحابُهُ وابْنُ القَعْقاعِ بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ في قَوْلِهِ: (p-١٨٣)آلسِّحْرُ مَمْدُودَةً، وباقِي السَّبْعَةِ والجُمْهُورُ بِهَمْزَةِ الوَصْلِ، فَعَلى الِاسْتِفْهامِ قالُوا: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما اسْتِفْهامِيَّةً مُبْتَدَأً، والسِّحْرُ بَدَلٌ مِنها، وأنْ تَكُونَ مَنصُوبَةً بِمُضْمَرٍ تَفْسِيرُهُ: جِئْتُمْ بِهِ، والسِّحْرُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. ويَجُوزُ عِنْدِي في هَذا الوَجْهِ أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً مُبْتَدَأةً، وجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ خَبَرٌ، إذِ التَّقْدِيرُ: أهْوَ السِّحْرُ أوْ آلسِّحْرُ هو ؟ فَهو الرّابِطُ كَما تَقُولُ: الَّذِي جاءَكَ أزْيَدٌ هو ؟ وعَلى هَمْزَةِ الوَصْلِ جازَ أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً مُبْتَدَأةً، والخَبَرُ السِّحْرُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ والأعْمَشِ: سِحْرٌ. وقِراءَةُ أُبَيٍّ: ما أتَيْتُمْ بِهِ سِحْرٌ. ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ تَكُونَ في هَذا الوَجْهِ اسْتِفْهامِيَّةً في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، أوْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الِاشْتِغالِ، وهو اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ التَّحْقِيرِ والتَّعْلِيلِ لِما جاءُوا بِهِ، والسِّحْرُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو السِّحْرُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والتَّعْرِيفُ هُنا في السِّحْرِ أرْتَبُ، لِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ مُنَكَّرًا في قَوْلِهِمْ: إنَّ هَذا لَسِحْرٌ، فَجاءَ هُنا بِلامِ العَهْدِ كَما يُقالُ أوَّلَ الرِّسالَةِ: سَلامٌ عَلَيْكَ، وفي آخِرِها والسَّلامُ عَلَيْكَ، انْتَهى. وهَذا أخَذَهُ مِنَ الفَرّاءِ. قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما قالَ السِّحْرُ بِالألِفِ واللّامِ، لِأنَّ النَّكِرَةَ إذا أُعِيدَتْ أُعِيدَتْ بِالألِفِ واللّامِ، ولَوْ قالَ لَهُ: مَن رَجُلٌ ؟ لَمْ يَقَعْ في وهْمِهِ أنَّهُ يَسْألُهُ عَنِ الرَّجُلِ الَّذِي ذَكَرَ لَهُ، انْتَهى. وما ذَكَراهُ هُنا في السِّحْرِ لَيْسَ هو مِن بابِ تَقَدُّمِ النَّكِرَةِ، ثُمَّ أُخْبِرَ عَنْها بَعْدَ ذَلِكَ، لِأنَّ شَرْطَ هَذا أنْ يَكُونَ المُعَرَّفُ بِالألِفِ واللّامِ هو النَّكِرَةُ المُتَقَدِّمُ، ولا يَكُونَ غَيْرَهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ [المزمل: ١٥] ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٦] وتَقُولُ: زارَنِي رَجُلٌ فَأكْرَمْتُ الرَّجُلَ، ولَمّا كانَ إيّاهُ جازَ أنْ يُأْتى بِالضَّمِيرِ بَدَلَهُ فَتَقُولُ: فَأكْرَمْتُهُ. والسِّحْرُ هُنا لَيْسَ هو السِّحْرُ الَّذِي هو في قَوْلِهِمْ: إنَّ هَذا لَسِحْرٌ، لِأنَّ الَّذِي أخْبَرُوا عَنْهُ بِأنَّهُ سِحْرٌ هو ما ظَهَرَ عَلى يَدَيْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن مُعْجِزَةِ العَصا، والسِّحْرُ الَّذِي في قَوْلِ مُوسى إنَّما هو سِحْرُهُمُ الَّذِي جاءُوا بِهِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ المَدْلُولانِ وقالُوا هم عَنْ مُعْجِزَةِ مُوسى وقالَ مُوسى عَمّا جاءُوا بِهِ، ولِذَلِكَ لا يَجُوزُ أنْ يُأْتى هُنا بِالضَّمِيرِ بَدَلَ السِّحْرِ، فَيَكُونُ عائِدًا عَلى قَوْلِهِمُ السِّحْرَ. والظّاهِرُ أنَّ الجُمَلَ بَعْدَهُ مِن كَلامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وسَيُبْطِلُهُ: يَمْحَقُهُ، بِحَيْثُ يَذْهَبُ أوْ يُظْهِرُ بُطْلانَهُ بِإظْهارِ المُعْجِزَةِ عَلى الشَّعْوَذَةِ. وقِيلَ: هَذِهِ الجُمَلُ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى. ومَعْنى بِكَلِماتِهِ: بِقَضاياهُ السّابِقَةِ في وعْدِهِ. وقالَ ابْنُ سَلّامٍ: بِكَلِماتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾ [طه: ٦٨] وقِيلَ بِكَلِماتِهِ: بِحُجَجِهِ وبَراهِينِهِ وقُرِئَ: بِكَلِمَتِهِ عَلى التَّوْحِيدِ، أيْ بِأمْرِهِ ومَشِيئَتِهِ.

يونس 10:81

(p-١٨٢)﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهم مُوسى ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ ﴿فَلَمّا ألْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿ويُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾: أجِئْتَنا: خِطابٌ لِـ مُوسى وحْدَهُ، لِأنَّهُ هو الَّذِي ظَهَرَتْ عَلى يَدَيْهِ مُعْجِزَةُ العَصا واليَدِ. لِتَصْرِفَنا وتَلْوِيَنا: عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا: مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، واتِّخاذِ إلَهٍ دُونَهُ. والكِبْرِياءُ مَصْدَرٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ وأكْثَرُ المُتَأوِّلِينَ: المُرادُ بِهِ هُنا: المُلْكُ، إذِ المُلُوكُ مَوْصُوفُونَ بِالكِبْرِ، ولِذَلِكَ قِيلَ لِلْمَلِكِ الجَبّارُ، ووُصِفَ بِالصَّدِّ والشَّرَسِ. وقالَ ابْنُ الرُّقَيّاتِ في مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ: ؎مُلْكُهُ مُلْكُ رَأْفَةٍ لَيْسَ فِيهِ جَبَرُوتٌ مِنهُ ولا كِبْرِياءُ يَعْنِي ما عَلَيْهِ المُلُوكُ مِن ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ الرِّقاعِ: ؎سُؤْدُدٌ غَيْرُ فاحِشٍ لا يُدانِي ∗∗∗ ـهِ تَجِبّارَةٌ ولا كِبْرِياءُ وقالَ الأعْمَشُ: الكِبْرِياءُ العَظَمَةُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: العُلُوُّ. وقالَ الضَّحّاكُ أيْضًا: الطّاعَةُ، والأرْضُ هُنا: أرْضُ مِصْرَ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وإسْماعِيلُ والحَسَنُ فِيما زَعَمَ خارِجَةُ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ بِخِلافٍ عَنْهُما، وتَكُونُ بِالتّاءِ لِمَجازِ تَأْنِيثِ الكِبْرِياءِ، والجُمْهُورُ بِالياءِ لِمُراعاةِ اللَّفْظِ، والمَعْنى أنَّهم قالُوا: مَقْصُودُكَ في مَجِيئِكَ إلَيْنا بِما جِئْتَ، هو أنْ نَنْتَقِلَ مِن دِينِ آبائِنا إلى ما تَأْمُرُ بِهِ ونُطِيعَكَ، ويَكُونَ لَكُما العُلُوُّ والمُلْكُ عَلَيْنا بِطاعَتِنا لَكَ، فَنَصِيرَ أتْباعًا لَكَ تارِكِينَ دِينَ آبائِنا، وهَذا مَقْصُودٌ لا نَراهُ، فَلا نُصَدِّقُكَ فِيما جِئْتَ بِهِ إذْ غَرَضُكُ إنَّما هو مُوافَقَتُكَ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ، واسْتِعْلاؤُكَ عَلَيْنا. فالسَّبَبُ الأوَّلُ هو: التَّقْلِيدُ، والثّانِي: الجِدُّ في الرِّئاسَةِ حَتّى لا تَكُونُوا تَبَعًا. واقْتَضى هَذانِ السَّبَبانِ اللَّذانِ تَوَهَّمُوهُما مَقْصُودا التَّصْرِيحِ بِانْتِفاءِ الإيمانِ الَّذِي هو سَبَبٌ لِحُصُولِ السَّبَبَيْنِ. ويَجُوزُ أنْ يَقْصِدُوا الذَّمَّ بِأنَّهُما إنْ مَلَكا أرْضَ مِصْرَ تَكَبَّرا وتَجَبَّرا كَما قالَ القِبْطِيُّ: ﴿إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ﴾ [القصص: ١٩] . ولَمّا ادَّعَوْا أنَّ ما جاءَ بِهِ مُوسى هو سِحْرٌ، أخَذُوا في مُعارَضَتِهِ بِأنْواعٍ مِنَ السِّحْرِ، لِيَظْهَرَ لِسائِرِ النّاسِ أنَّ ما أتى بِهِ مُوسى مِن بابِ السِّحْرِ. والمُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ائْتُونِي، خَدَمَةُ فِرْعَوْنَ والمُتَصَرِّفُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ. وقَرَأ ابْنُ مُصَرِّفٍ وابْنُ وثّابٍ وعِيسى وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: بِكُلِّ سَحّارٍ عَلى المُبالَغَةِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ اسْتِطالَةٌ عَلَيْهِمْ وعَدَمُ مُبالاةٍ بِهِمْ. وفِي إبْهامِ ما أنْتُمْ مُلْقُونَ تَخْسِيسٌ لَهُ وتَقْلِيلٌ، وإعْلامٌ أنَّهُ لا شَيْءَ يُلْتَفَتُ إلَيْهِ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: كَيْفَ أمَرَهم، فالكُفْرُ والسِّحْرُ والأمْرُ بِالكُفْرِ كُفْرٌ، قُلْنا: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أمَرَهم بِإلْقاءِ الحِبالِ والعِصِيِّ، لِيُظْهِرَ لِلْخَلْقِ أنَّ ما ألْقَوْا عَمَلٌ فاسِدٌ وسَعْىٌ باطِلٌ، لا عَلى طَرِيقِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَهم بِالسِّحْرِ، انْتَهى. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ومُجاهِدٌ وأصْحابُهُ وابْنُ القَعْقاعِ بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ في قَوْلِهِ: (p-١٨٣)آلسِّحْرُ مَمْدُودَةً، وباقِي السَّبْعَةِ والجُمْهُورُ بِهَمْزَةِ الوَصْلِ، فَعَلى الِاسْتِفْهامِ قالُوا: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما اسْتِفْهامِيَّةً مُبْتَدَأً، والسِّحْرُ بَدَلٌ مِنها، وأنْ تَكُونَ مَنصُوبَةً بِمُضْمَرٍ تَفْسِيرُهُ: جِئْتُمْ بِهِ، والسِّحْرُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. ويَجُوزُ عِنْدِي في هَذا الوَجْهِ أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً مُبْتَدَأةً، وجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ خَبَرٌ، إذِ التَّقْدِيرُ: أهْوَ السِّحْرُ أوْ آلسِّحْرُ هو ؟ فَهو الرّابِطُ كَما تَقُولُ: الَّذِي جاءَكَ أزْيَدٌ هو ؟ وعَلى هَمْزَةِ الوَصْلِ جازَ أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً مُبْتَدَأةً، والخَبَرُ السِّحْرُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ والأعْمَشِ: سِحْرٌ. وقِراءَةُ أُبَيٍّ: ما أتَيْتُمْ بِهِ سِحْرٌ. ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ تَكُونَ في هَذا الوَجْهِ اسْتِفْهامِيَّةً في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، أوْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الِاشْتِغالِ، وهو اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ التَّحْقِيرِ والتَّعْلِيلِ لِما جاءُوا بِهِ، والسِّحْرُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو السِّحْرُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والتَّعْرِيفُ هُنا في السِّحْرِ أرْتَبُ، لِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ مُنَكَّرًا في قَوْلِهِمْ: إنَّ هَذا لَسِحْرٌ، فَجاءَ هُنا بِلامِ العَهْدِ كَما يُقالُ أوَّلَ الرِّسالَةِ: سَلامٌ عَلَيْكَ، وفي آخِرِها والسَّلامُ عَلَيْكَ، انْتَهى. وهَذا أخَذَهُ مِنَ الفَرّاءِ. قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما قالَ السِّحْرُ بِالألِفِ واللّامِ، لِأنَّ النَّكِرَةَ إذا أُعِيدَتْ أُعِيدَتْ بِالألِفِ واللّامِ، ولَوْ قالَ لَهُ: مَن رَجُلٌ ؟ لَمْ يَقَعْ في وهْمِهِ أنَّهُ يَسْألُهُ عَنِ الرَّجُلِ الَّذِي ذَكَرَ لَهُ، انْتَهى. وما ذَكَراهُ هُنا في السِّحْرِ لَيْسَ هو مِن بابِ تَقَدُّمِ النَّكِرَةِ، ثُمَّ أُخْبِرَ عَنْها بَعْدَ ذَلِكَ، لِأنَّ شَرْطَ هَذا أنْ يَكُونَ المُعَرَّفُ بِالألِفِ واللّامِ هو النَّكِرَةُ المُتَقَدِّمُ، ولا يَكُونَ غَيْرَهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ [المزمل: ١٥] ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٦] وتَقُولُ: زارَنِي رَجُلٌ فَأكْرَمْتُ الرَّجُلَ، ولَمّا كانَ إيّاهُ جازَ أنْ يُأْتى بِالضَّمِيرِ بَدَلَهُ فَتَقُولُ: فَأكْرَمْتُهُ. والسِّحْرُ هُنا لَيْسَ هو السِّحْرُ الَّذِي هو في قَوْلِهِمْ: إنَّ هَذا لَسِحْرٌ، لِأنَّ الَّذِي أخْبَرُوا عَنْهُ بِأنَّهُ سِحْرٌ هو ما ظَهَرَ عَلى يَدَيْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن مُعْجِزَةِ العَصا، والسِّحْرُ الَّذِي في قَوْلِ مُوسى إنَّما هو سِحْرُهُمُ الَّذِي جاءُوا بِهِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ المَدْلُولانِ وقالُوا هم عَنْ مُعْجِزَةِ مُوسى وقالَ مُوسى عَمّا جاءُوا بِهِ، ولِذَلِكَ لا يَجُوزُ أنْ يُأْتى هُنا بِالضَّمِيرِ بَدَلَ السِّحْرِ، فَيَكُونُ عائِدًا عَلى قَوْلِهِمُ السِّحْرَ. والظّاهِرُ أنَّ الجُمَلَ بَعْدَهُ مِن كَلامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وسَيُبْطِلُهُ: يَمْحَقُهُ، بِحَيْثُ يَذْهَبُ أوْ يُظْهِرُ بُطْلانَهُ بِإظْهارِ المُعْجِزَةِ عَلى الشَّعْوَذَةِ. وقِيلَ: هَذِهِ الجُمَلُ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى. ومَعْنى بِكَلِماتِهِ: بِقَضاياهُ السّابِقَةِ في وعْدِهِ. وقالَ ابْنُ سَلّامٍ: بِكَلِماتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾ [طه: ٦٨] وقِيلَ بِكَلِماتِهِ: بِحُجَجِهِ وبَراهِينِهِ وقُرِئَ: بِكَلِمَتِهِ عَلى التَّوْحِيدِ، أيْ بِأمْرِهِ ومَشِيئَتِهِ.

يونس 10:82

(p-١٨٢)﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهم مُوسى ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ ﴿فَلَمّا ألْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿ويُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾: أجِئْتَنا: خِطابٌ لِـ مُوسى وحْدَهُ، لِأنَّهُ هو الَّذِي ظَهَرَتْ عَلى يَدَيْهِ مُعْجِزَةُ العَصا واليَدِ. لِتَصْرِفَنا وتَلْوِيَنا: عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا: مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، واتِّخاذِ إلَهٍ دُونَهُ. والكِبْرِياءُ مَصْدَرٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ وأكْثَرُ المُتَأوِّلِينَ: المُرادُ بِهِ هُنا: المُلْكُ، إذِ المُلُوكُ مَوْصُوفُونَ بِالكِبْرِ، ولِذَلِكَ قِيلَ لِلْمَلِكِ الجَبّارُ، ووُصِفَ بِالصَّدِّ والشَّرَسِ. وقالَ ابْنُ الرُّقَيّاتِ في مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ: ؎مُلْكُهُ مُلْكُ رَأْفَةٍ لَيْسَ فِيهِ جَبَرُوتٌ مِنهُ ولا كِبْرِياءُ يَعْنِي ما عَلَيْهِ المُلُوكُ مِن ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ الرِّقاعِ: ؎سُؤْدُدٌ غَيْرُ فاحِشٍ لا يُدانِي ∗∗∗ ـهِ تَجِبّارَةٌ ولا كِبْرِياءُ وقالَ الأعْمَشُ: الكِبْرِياءُ العَظَمَةُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: العُلُوُّ. وقالَ الضَّحّاكُ أيْضًا: الطّاعَةُ، والأرْضُ هُنا: أرْضُ مِصْرَ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وإسْماعِيلُ والحَسَنُ فِيما زَعَمَ خارِجَةُ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ بِخِلافٍ عَنْهُما، وتَكُونُ بِالتّاءِ لِمَجازِ تَأْنِيثِ الكِبْرِياءِ، والجُمْهُورُ بِالياءِ لِمُراعاةِ اللَّفْظِ، والمَعْنى أنَّهم قالُوا: مَقْصُودُكَ في مَجِيئِكَ إلَيْنا بِما جِئْتَ، هو أنْ نَنْتَقِلَ مِن دِينِ آبائِنا إلى ما تَأْمُرُ بِهِ ونُطِيعَكَ، ويَكُونَ لَكُما العُلُوُّ والمُلْكُ عَلَيْنا بِطاعَتِنا لَكَ، فَنَصِيرَ أتْباعًا لَكَ تارِكِينَ دِينَ آبائِنا، وهَذا مَقْصُودٌ لا نَراهُ، فَلا نُصَدِّقُكَ فِيما جِئْتَ بِهِ إذْ غَرَضُكُ إنَّما هو مُوافَقَتُكَ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ، واسْتِعْلاؤُكَ عَلَيْنا. فالسَّبَبُ الأوَّلُ هو: التَّقْلِيدُ، والثّانِي: الجِدُّ في الرِّئاسَةِ حَتّى لا تَكُونُوا تَبَعًا. واقْتَضى هَذانِ السَّبَبانِ اللَّذانِ تَوَهَّمُوهُما مَقْصُودا التَّصْرِيحِ بِانْتِفاءِ الإيمانِ الَّذِي هو سَبَبٌ لِحُصُولِ السَّبَبَيْنِ. ويَجُوزُ أنْ يَقْصِدُوا الذَّمَّ بِأنَّهُما إنْ مَلَكا أرْضَ مِصْرَ تَكَبَّرا وتَجَبَّرا كَما قالَ القِبْطِيُّ: ﴿إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ﴾ [القصص: ١٩] . ولَمّا ادَّعَوْا أنَّ ما جاءَ بِهِ مُوسى هو سِحْرٌ، أخَذُوا في مُعارَضَتِهِ بِأنْواعٍ مِنَ السِّحْرِ، لِيَظْهَرَ لِسائِرِ النّاسِ أنَّ ما أتى بِهِ مُوسى مِن بابِ السِّحْرِ. والمُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ائْتُونِي، خَدَمَةُ فِرْعَوْنَ والمُتَصَرِّفُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ. وقَرَأ ابْنُ مُصَرِّفٍ وابْنُ وثّابٍ وعِيسى وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: بِكُلِّ سَحّارٍ عَلى المُبالَغَةِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ اسْتِطالَةٌ عَلَيْهِمْ وعَدَمُ مُبالاةٍ بِهِمْ. وفِي إبْهامِ ما أنْتُمْ مُلْقُونَ تَخْسِيسٌ لَهُ وتَقْلِيلٌ، وإعْلامٌ أنَّهُ لا شَيْءَ يُلْتَفَتُ إلَيْهِ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: كَيْفَ أمَرَهم، فالكُفْرُ والسِّحْرُ والأمْرُ بِالكُفْرِ كُفْرٌ، قُلْنا: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أمَرَهم بِإلْقاءِ الحِبالِ والعِصِيِّ، لِيُظْهِرَ لِلْخَلْقِ أنَّ ما ألْقَوْا عَمَلٌ فاسِدٌ وسَعْىٌ باطِلٌ، لا عَلى طَرِيقِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَهم بِالسِّحْرِ، انْتَهى. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ومُجاهِدٌ وأصْحابُهُ وابْنُ القَعْقاعِ بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ في قَوْلِهِ: (p-١٨٣)آلسِّحْرُ مَمْدُودَةً، وباقِي السَّبْعَةِ والجُمْهُورُ بِهَمْزَةِ الوَصْلِ، فَعَلى الِاسْتِفْهامِ قالُوا: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما اسْتِفْهامِيَّةً مُبْتَدَأً، والسِّحْرُ بَدَلٌ مِنها، وأنْ تَكُونَ مَنصُوبَةً بِمُضْمَرٍ تَفْسِيرُهُ: جِئْتُمْ بِهِ، والسِّحْرُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. ويَجُوزُ عِنْدِي في هَذا الوَجْهِ أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً مُبْتَدَأةً، وجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ خَبَرٌ، إذِ التَّقْدِيرُ: أهْوَ السِّحْرُ أوْ آلسِّحْرُ هو ؟ فَهو الرّابِطُ كَما تَقُولُ: الَّذِي جاءَكَ أزْيَدٌ هو ؟ وعَلى هَمْزَةِ الوَصْلِ جازَ أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً مُبْتَدَأةً، والخَبَرُ السِّحْرُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ والأعْمَشِ: سِحْرٌ. وقِراءَةُ أُبَيٍّ: ما أتَيْتُمْ بِهِ سِحْرٌ. ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ تَكُونَ في هَذا الوَجْهِ اسْتِفْهامِيَّةً في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، أوْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الِاشْتِغالِ، وهو اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ التَّحْقِيرِ والتَّعْلِيلِ لِما جاءُوا بِهِ، والسِّحْرُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو السِّحْرُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والتَّعْرِيفُ هُنا في السِّحْرِ أرْتَبُ، لِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ مُنَكَّرًا في قَوْلِهِمْ: إنَّ هَذا لَسِحْرٌ، فَجاءَ هُنا بِلامِ العَهْدِ كَما يُقالُ أوَّلَ الرِّسالَةِ: سَلامٌ عَلَيْكَ، وفي آخِرِها والسَّلامُ عَلَيْكَ، انْتَهى. وهَذا أخَذَهُ مِنَ الفَرّاءِ. قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما قالَ السِّحْرُ بِالألِفِ واللّامِ، لِأنَّ النَّكِرَةَ إذا أُعِيدَتْ أُعِيدَتْ بِالألِفِ واللّامِ، ولَوْ قالَ لَهُ: مَن رَجُلٌ ؟ لَمْ يَقَعْ في وهْمِهِ أنَّهُ يَسْألُهُ عَنِ الرَّجُلِ الَّذِي ذَكَرَ لَهُ، انْتَهى. وما ذَكَراهُ هُنا في السِّحْرِ لَيْسَ هو مِن بابِ تَقَدُّمِ النَّكِرَةِ، ثُمَّ أُخْبِرَ عَنْها بَعْدَ ذَلِكَ، لِأنَّ شَرْطَ هَذا أنْ يَكُونَ المُعَرَّفُ بِالألِفِ واللّامِ هو النَّكِرَةُ المُتَقَدِّمُ، ولا يَكُونَ غَيْرَهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ [المزمل: ١٥] ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٦] وتَقُولُ: زارَنِي رَجُلٌ فَأكْرَمْتُ الرَّجُلَ، ولَمّا كانَ إيّاهُ جازَ أنْ يُأْتى بِالضَّمِيرِ بَدَلَهُ فَتَقُولُ: فَأكْرَمْتُهُ. والسِّحْرُ هُنا لَيْسَ هو السِّحْرُ الَّذِي هو في قَوْلِهِمْ: إنَّ هَذا لَسِحْرٌ، لِأنَّ الَّذِي أخْبَرُوا عَنْهُ بِأنَّهُ سِحْرٌ هو ما ظَهَرَ عَلى يَدَيْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن مُعْجِزَةِ العَصا، والسِّحْرُ الَّذِي في قَوْلِ مُوسى إنَّما هو سِحْرُهُمُ الَّذِي جاءُوا بِهِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ المَدْلُولانِ وقالُوا هم عَنْ مُعْجِزَةِ مُوسى وقالَ مُوسى عَمّا جاءُوا بِهِ، ولِذَلِكَ لا يَجُوزُ أنْ يُأْتى هُنا بِالضَّمِيرِ بَدَلَ السِّحْرِ، فَيَكُونُ عائِدًا عَلى قَوْلِهِمُ السِّحْرَ. والظّاهِرُ أنَّ الجُمَلَ بَعْدَهُ مِن كَلامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وسَيُبْطِلُهُ: يَمْحَقُهُ، بِحَيْثُ يَذْهَبُ أوْ يُظْهِرُ بُطْلانَهُ بِإظْهارِ المُعْجِزَةِ عَلى الشَّعْوَذَةِ. وقِيلَ: هَذِهِ الجُمَلُ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى. ومَعْنى بِكَلِماتِهِ: بِقَضاياهُ السّابِقَةِ في وعْدِهِ. وقالَ ابْنُ سَلّامٍ: بِكَلِماتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾ [طه: ٦٨] وقِيلَ بِكَلِماتِهِ: بِحُجَجِهِ وبَراهِينِهِ وقُرِئَ: بِكَلِمَتِهِ عَلى التَّوْحِيدِ، أيْ بِأمْرِهِ ومَشِيئَتِهِ.

يونس 10:83

﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ أنْ يَفْتِنَهم وإنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ في الأرْضِ وإنَّهُ لَمِنَ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿وقالَ مُوسى ياقَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ ﴿فَقالُوا عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ونَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ﴾: الظّاهِرُ في الفاءِ مِن حَيْثُ أنَّ مَدْلُولَها التَّعْقِيبُ: أنَّ هَذا الإيمانَ الصّادِرَ مِنَ الذُّرِّيَّةِ لَمْ يَتَأخَّرْ عَنْ قِصَّةِ الإلْقاءِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ (p-١٨٤)فِي قَوْمِهِ عائِدٌ عَلى مُوسى، وأنَّهُ لا يَعُودُ عَلى فِرْعَوْنَ، لِأنَّ مُوسى هو المُحَدَّثُ عَنْهُ في هَذِهِ الآيَةِ، وهو أقْرَبُ مَذْكُورٍ. ولِأنَّهُ لَوْ كانَ عائِدًا عَلى فِرْعَوْنَ لَمْ يَظْهَرْ لَفْظُ فِرْعَوْنَ، وكانَ التَّرْكِيبُ عَلى خَوْفٍ مِنهُ. ومِن مَلَئِهِمْ أنْ يَفْتِنَهم، وهَذا الإيمانُ مِنَ الذُّرِّيَّةِ كانَ أوَّلَ مَبْعَثِهِ إذْ قَدْ آمَنَ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ قَوْمُهُ كُلُّهم، كانَ أوَّلًا دَعا الآباءَ فَلَمْ يُجِيبُوهُ خَوْفًا مِن فِرْعَوْنَ، وأجابَتْهُ طائِفَةٌ مِن أبْنائِهِمْ مَعَ الخَوْفِ. وقالَ مُجاهِدٌ والأعْمَشُ: مَعْنى الآيَةِ أنَّ قَوْمًا أدْرَكَهم مُوسى ولَمْ يُؤْمِنُوا، وإنَّما آمَنَ ذَرارِيهِمْ بَعْدَ هَلاكِهِمْ لِطُولِ الزَّمَنِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلٌ غَيْرُ صَحِيحٍ، إذا آمَنَ قَوْمٌ بَعْدَ مَوْتِ آبائِهِمْ فَلا مَعْنى لِتَخْصِيصِهِمْ باسِمِ الذُّرِّيَّةِ. وأيْضًا فَما رُوِيَ مِن أخْبارِ بَنِي إسْرائِيلَ لا يُعْطِي هَذا ويَنْفِيهِ قَوْلُهُ: فَما آمَنَ، لِأنَّهُ يُعْطِي تَقْلِيلَ المُؤْمِنِينَ بِهِ، لِأنَّهُ نَفى الإيمانَ ثُمَّ أوْجَبَهُ لِبَعْضِهِمْ، ولَوْ كانَ الأكْثَرُ مُؤْمِنًا لَأوْجَبَ الإيمانَ أوَّلًا ثُمَّ نَفاهُ عَنِ الأقَلِّ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَتَخَرَّجُ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في الذُّرِّيَّةِ: أنَّهُ القَلِيلُ، لا أنَّهُ أرادَ أنَّ لَفْظَ الذُّرِّيَّةِ بِمَعْنى القَلِيلِ كَما ظَنَّ مَكِّيٌّ وغَيْرُهُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما سَمّاهم ذُرِّيَّةً لِأنَّ أُمَّهاتِهِمْ كانَتْ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وإماؤُهم مِنَ القِبْطِ. رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: فَكانَ يُقالُ لَهُمُ: الذُّرِّيَّةُ كَما قِيلَ لِفُرْسِ اليَمَنِ: الأبْناءُ، وهُمُ الفُرْسُ المُنْتَقِلُونَ مَعَ وهُوزَ بِسِعايَةِ سَيْفِ بْنِ ذِي يَزَنَ. ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْمِهِ عَلى مُوسى ابْنُ عَبّاسٍ قالَ: وكانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفٍ، وذَلِكَ أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ دَخَلَ مِصْرَ في اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ نُفْسًا، فَتَوالَدُوا بِـ مِصْرَ حَتّى صارُوا سِتَّمِائَةِ ألْفٍ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في قَوْمِهِ يَعُودُ عَلى فِرْعَوْنَ، رُوِيَ أنَّهُ آمَنَتْ زَوْجَةُ فِرْعَوْنَ وخازِنُهُ وامْرَأةُ خازِنِهِ وشَبابٌ مِن قَوْمِهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: والسَّحَرَةُ أيْضًا فَإنَّهم مَعْدُودُونَ في قَوْمِ فِرْعَوْنَ. وقالَ السُّدِّيُّ: كانُوا سَبْعِينَ أهْلَ بَيْتٍ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومِمّا يُضَعِّفُ عَوْدَ الضَّمِيرِ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ المَعْرُوفَ مِن أخْبارِ بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهم كانُوا قَوْمًا قَدْ فَشَتْ فِيهِمُ السَّوْآتُ، وكانُوا في مُدَّةِ فِرْعَوْنَ قَدْ نالَهم ذُلٌّ مُفْرِطٌ، وقَدْ رَجَوْا كَشْفَهُ عَلى يَدِ مَوْلُودٍ يَخْرُجُ فِيهِمْ يَكُونُ نَبِيًّا، فَلَمّا جاءَهم مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أصْفَقُوا عَلَيْهِ وبايَعُوهُ، ولَمْ يُحْفَظْ قَطُّ أنَّ طائِفَةً مِن بَنِي إسْرائِيلَ كَفَرَتْ بِهِ، فَكَيْفَ تُعْطِي هَذِهِ الآيَةُ أنَّ الأقَلَّ مِنهم كانَ الَّذِي آمَنَ، فالَّذِي يَتَرَجَّحُ بِحَسَبِ هَذا أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى فِرْعَوْنَ. ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أيْضًا ما تَقَدَّمَ مِن مُحاوَرَةِ مُوسى ورَدِّهِ عَلَيْهِمْ، وتَوْبِيخِهِمْ عَلى قَوْلِهِمْ هَذا سِحْرٌ، فَذَكَرَ اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهم ثُمَّ قالَ: فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ الَّذِي هَذِهِ أقْوالُهم. وتَكُونُ القِصَّةُ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ بَعْدَ ظُهُورِ الآيَةِ والتَّعْجِيزِ بِالعَصا، وتَكُونُ الفاءُ مُرَتِّبَةً لِلْمَعانِي الَّتِي عُطِفَتْ، انْتَهى. ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مَعْنى ﴿فَما آمَنَ﴾، أيْ: ما أظْهَرَ إيمانَهُ وأعْلَنَ بِهِ إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِ مُوسى، فَلا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّ طائِفَةً مِن بَنِي إسْرائِيلَ كَفَرَتْ بِهِ. والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ومَلَئِهِمْ، عَلى الذُّرِّيَّةِ وقالَهُ الأخْفَشُ واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ، أيْ: أخْوَفُ بَنِي إسْرائِيلَ الذَّرِّيَّةُ وهم أشْرافُ بَنِي إسْرائِيلَ إنْ كانَ الضَّمِيرُ في قَوْمِهِ عائِدًا عَلى مُوسى، لِأنَّهم كانُوا يَمْنَعُونَ أعْقابَهم خَوْفًا مِن فِرْعَوْنَ عَلى أنْفُسِهِمْ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ أيْ: يُعَذِّبَهم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أنْ يَقْتُلَهم. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى قَوْمِهِ، أيْ: ومَلَإ قَوْمِ مُوسى، أوْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المُضافِ المَحْذُوفِ تَقْدِيرُهُ: عَلى خَوْفٍ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، قالَهُ الفَرّاءُ. كَما حُذِفَ في ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] ورُدَّ عَلَيْهِ بِأنَّ الخَوْفَ يُمْكِنُ مِن فِرْعَوْنَ ولا يُمْكِنُ سُؤالُ القَرْيَةِ، فَلا يُحْذَفُ إلّا ما دَلَّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ. وقَدْ يُقالُ: ويَدُلُّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ جَمْعُ الضَّمِيرِ في ومَلَئِهِمْ. وقِيلَ: ثُمَّ مَعْطُوفٌ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ كَوْنُ المَلِكِ لا يَكُونُ وحْدَهُ، بَلْ لَهُ حاشِيَةٌ وأجْنادٌ، وكَأنَّهُ قِيلَ: عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ ومَلَئِهِمْ، أيْ: مَلَإ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ وقالَهُ الفَرّاءُ أيْضًا، وقِيلَ: لَمّا كانَ مَلِكًا جَبّارًا أُخْبِرَ عَنْهُ بِفِعْلِ الجَمِيعِ. وقِيلَ: سُمِّيَتِ (p-١٨٥)الجَماعَةُ بِـ فِرْعَوْنَ مِثْلُ هُودٍ. وأنْ يَفْتِنَهم بَدَلٌ مِن فِرْعَوْنَ بَدَلَ اشْتِمالٍ، أيْ: فِتْنَتِهِ، فَيَكُونُ في مَوْضِعِ جَرٍّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِخَوْفٍ إمّا عَلى التَّعْلِيلِ، وإمّا عَلى أنَّهُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِهِ، أيْ: عَلى خَوْفٍ لِأجْلِ فِتْنَتِهِ، أوْ عَلى خَوْفِ فِتْنَتِهِ. وقَرَأ الحَسَنُ وجَرّاحٌ ونُبَيْحٌ: ﴿يَفْتِنَهُمْ﴾ بِضَمِّ الياءِ مِن أفْتَنَ، ولَعالٍ مُتَجَبِّرٍ أوْ باغٍ ظالِمٍ، أوْ مُتَعالٍ أوْ قاهِرٍ كَما قالَ: ؎فاعْمَدْ لِما تَعْلُو فَما لَكَ بِالَّذِي لا تَسْتَطِيعُ مِنَ الأُمُورِ يَدانِ أيْ: لِما تَقْهَرُ أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ، وإسْرافُهُ كَوْنُهُ كَثِيرَ القَتْلِ والتَّعْذِيبِ. وقِيلَ: كَوْنُهُ مِن أخَسِّ العَبِيدِ فادَّعى الإلَهِيَّةَ، وهَذا الإخْبارُ مُبَيِّنٌ سَبَبَ خَوْفِ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ. وفِي الآيَةِ مَسْلاةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ بِقِلَّةِ مَن آمَنَ لِـ مُوسى ومَنِ اسْتَجابَ لَهُ مَعَ ظُهُورِ ذَلِكَ المُعْجِزِ الباهِرِ، ولَمْ يُؤْمِن لَهُ إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ، وخِطابُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِمَن آمَنَ بِقَوْلِهِ: (يا قَوْمِ)، دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُؤْمِنِينَ الذُّرِّيَّةُ كانُوا مِن قَوْمِهِ، وخاطَبَهم بِذَلِكَ حِينَ اشْتَدَّ خَوْفُهم مِمّا تَوَعَّدَهم بِهِ فِرْعَوْنُ مِن قَتْلِ الآباءِ وذَبْحِ الذُّرِّيَّةِ. وقِيلَ: قالَ لَهم ذَلِكَ حِينَ قالُوا: إنّا لَمُدْرَكُونَ. وقِيلَ: حِينَ قالُوا: ﴿أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا﴾ [الأعراف: ١٢٩]، قِيلَ: والأوَّلُ هو الصَّوابُ، لِأنَّ جَوابَ كُلٍّ مِنَ القَوْلَيْنِ مَذْكُورٌ بَعْدَهُ وهو: ﴿كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢] وقَوْلُهُ: ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٢٩] الآيَةَ، وعُلِّقَ تَوَكُّلُهم عَلى شَرْطَيْنِ: مُتَقَدِّمٍ ومُتَأخِّرٍ. ومَتى كانَ الشَّرْطانِ لا يَتَرَتَّبانِ في الوُجُودِ فالشَّرْطُ الثّانِي شَرْطٌ في الأوَّلِ، فَمِن حَيْثُ هو شَرْطٌ فِيهِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ. فالإسْلامُ هو الِانْقِيادُ لِلتَّكالِيفِ الصّادِرَةِ مِنَ اللَّهِ، وإظْهارُ الخُضُوعِ وتَرْكُ التَّمَرُّدِ، والإيمانُ: عِرْفانُ القَلْبِ بِاللَّهِ تَعالى ووَحْدانِيَّتُهُ وسائِرُ صِفاتِهِ، وأنَّ ما سِواهُ مُحْدَثٌ تَحْتَ قَهْرِهِ وتَدْبِيرِهِ. وإذا حَصَلَ هَذانِ الشَّرْطانِ فَوَّضَ العَبْدُ جَمِيعَ أُمُورِهِ إلى اللَّهِ تَعالى، واعْتَمَدَ عَلَيْهِ في كُلِّ الأحْوالِ. وأُدْخِلَ عَلى أنَّ فِعْلَيِّ الشَّرْطِ وإنْ كانَتْ في الأغْلَبِ إنَّما تَدْخُلُ عَلى غَيْرِ المُحَقَّقِ، مَعَ عِلْمِهِ بِإيمانِهِمْ عَلى وجْهِ إقامَةِ الحُجَّةِ وتَنْبِيهِ الأنْفُسِ وإثارَةِ الأنَفَةِ، كَما تَقُولُ: إنْ كُنْتَ رَجُلًا فَقاتِلْ، تُخاطِبُ بِذَلِكَ رَجُلًا تُرِيدُ إقامَةَ البَيِّنَةِ. وطَوَّلَ ابْنُ عَطِيَّةَ هُنا في مَسْألَةِ التَّوَكُّلِ بِما يُوقَفُ عَلَيْهِ في كِتابِهِ، وأجابُوا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِما أمَرَهم بِهِ مِنَ التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ لِأنَّهم كانُوا مُخْلِصِينَ في إيمانِهِمْ وإسْلامِهِمْ، ثُمَّ سَألُوا اللَّهَ تَعالى شَيْئَيْنِ، أحَدُهُما: أنْ لا يَجْعَلَهم فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ مَوْضِعَ فِتْنَةٍ لَهم، أيْ عَذابٍ تُعَذِّبُونَنا أوْ تَفْتِنُونَنا عَنْ دِينِنا، أوْ فِتْنَةً لَهم يُفْتَنُونَ بِها ويَقُولُونَ: لَوْ كانَ هَؤُلاءِ عَلى الحَقِّ ما أُصِيبُوا. وقالَ مُجاهِدٌ وأبُو مِجْلَزٍ وأبُو الضُّحى وغَيْرُهم: مَعْنى القَوْلِ الآخَرِ قالَ: المَعْنى لا يَنْزِلُ بِنا، مَلَأُنا بِأيْدِيهِمْ أوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مُدَّةَ مُحارَبَتِنا لَهم فَيُفْتَنُونَ ويَعْتَقِدُونَ أنَّ هَلاكَنا إنَّما هو بِقَصْدٍ مِنكَ لِسُوءِ دِينِنا وصَلاحِ دِينِهِمْ وأنَّهم أهْلُ الحَقِّ. وقالَتْ فِرْقَةٌ، المَعْنى: لا نَفْتِنُهم ونَبْتَلِيهِمْ بِقَتْلِنا وأذِيَّتِنا فَنُعَذِّبُهم عَلى ذَلِكَ في الآخِرَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي هَذا التَّأْوِيلِ قَلَقٌ. وقالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً بِتَقْتِيرِ الرِّزْقِ عَلَيْنا وبَسْطِهِ لَهم. والآخَرُ: يُنْجِيهِمْ مِنَ الكافِرِينَ، أيْ: مِن تَسْخِيرِهِمْ واسْتِعْبادِهِمْ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهم سَألُوا اللَّهَ تَعالى أنْ لا يُفْتَنُوا عَنْ دِينِهِمْ وأنْ يَخْلُصُوا مِنَ الكُفّارِ، فَقَدَّمُوا ما كانَ عِنْدَهم أهَمُّ وهو سَلامَةُ دِينِهِمْ لَهم، وأخَّرُوا سَلامَةَ أنْفُسِهِمْ، إذْ الِاهْتِمامُ بِمَصالِحِ الدِّينِ آكَدُ مِنَ الِاهْتِمامِ بِمَصالِحِ الأبْدانِ.

يونس 10:84

﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ أنْ يَفْتِنَهم وإنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ في الأرْضِ وإنَّهُ لَمِنَ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿وقالَ مُوسى ياقَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ ﴿فَقالُوا عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ونَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ﴾: الظّاهِرُ في الفاءِ مِن حَيْثُ أنَّ مَدْلُولَها التَّعْقِيبُ: أنَّ هَذا الإيمانَ الصّادِرَ مِنَ الذُّرِّيَّةِ لَمْ يَتَأخَّرْ عَنْ قِصَّةِ الإلْقاءِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ (p-١٨٤)فِي قَوْمِهِ عائِدٌ عَلى مُوسى، وأنَّهُ لا يَعُودُ عَلى فِرْعَوْنَ، لِأنَّ مُوسى هو المُحَدَّثُ عَنْهُ في هَذِهِ الآيَةِ، وهو أقْرَبُ مَذْكُورٍ. ولِأنَّهُ لَوْ كانَ عائِدًا عَلى فِرْعَوْنَ لَمْ يَظْهَرْ لَفْظُ فِرْعَوْنَ، وكانَ التَّرْكِيبُ عَلى خَوْفٍ مِنهُ. ومِن مَلَئِهِمْ أنْ يَفْتِنَهم، وهَذا الإيمانُ مِنَ الذُّرِّيَّةِ كانَ أوَّلَ مَبْعَثِهِ إذْ قَدْ آمَنَ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ قَوْمُهُ كُلُّهم، كانَ أوَّلًا دَعا الآباءَ فَلَمْ يُجِيبُوهُ خَوْفًا مِن فِرْعَوْنَ، وأجابَتْهُ طائِفَةٌ مِن أبْنائِهِمْ مَعَ الخَوْفِ. وقالَ مُجاهِدٌ والأعْمَشُ: مَعْنى الآيَةِ أنَّ قَوْمًا أدْرَكَهم مُوسى ولَمْ يُؤْمِنُوا، وإنَّما آمَنَ ذَرارِيهِمْ بَعْدَ هَلاكِهِمْ لِطُولِ الزَّمَنِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلٌ غَيْرُ صَحِيحٍ، إذا آمَنَ قَوْمٌ بَعْدَ مَوْتِ آبائِهِمْ فَلا مَعْنى لِتَخْصِيصِهِمْ باسِمِ الذُّرِّيَّةِ. وأيْضًا فَما رُوِيَ مِن أخْبارِ بَنِي إسْرائِيلَ لا يُعْطِي هَذا ويَنْفِيهِ قَوْلُهُ: فَما آمَنَ، لِأنَّهُ يُعْطِي تَقْلِيلَ المُؤْمِنِينَ بِهِ، لِأنَّهُ نَفى الإيمانَ ثُمَّ أوْجَبَهُ لِبَعْضِهِمْ، ولَوْ كانَ الأكْثَرُ مُؤْمِنًا لَأوْجَبَ الإيمانَ أوَّلًا ثُمَّ نَفاهُ عَنِ الأقَلِّ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَتَخَرَّجُ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في الذُّرِّيَّةِ: أنَّهُ القَلِيلُ، لا أنَّهُ أرادَ أنَّ لَفْظَ الذُّرِّيَّةِ بِمَعْنى القَلِيلِ كَما ظَنَّ مَكِّيٌّ وغَيْرُهُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما سَمّاهم ذُرِّيَّةً لِأنَّ أُمَّهاتِهِمْ كانَتْ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وإماؤُهم مِنَ القِبْطِ. رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: فَكانَ يُقالُ لَهُمُ: الذُّرِّيَّةُ كَما قِيلَ لِفُرْسِ اليَمَنِ: الأبْناءُ، وهُمُ الفُرْسُ المُنْتَقِلُونَ مَعَ وهُوزَ بِسِعايَةِ سَيْفِ بْنِ ذِي يَزَنَ. ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْمِهِ عَلى مُوسى ابْنُ عَبّاسٍ قالَ: وكانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفٍ، وذَلِكَ أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ دَخَلَ مِصْرَ في اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ نُفْسًا، فَتَوالَدُوا بِـ مِصْرَ حَتّى صارُوا سِتَّمِائَةِ ألْفٍ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في قَوْمِهِ يَعُودُ عَلى فِرْعَوْنَ، رُوِيَ أنَّهُ آمَنَتْ زَوْجَةُ فِرْعَوْنَ وخازِنُهُ وامْرَأةُ خازِنِهِ وشَبابٌ مِن قَوْمِهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: والسَّحَرَةُ أيْضًا فَإنَّهم مَعْدُودُونَ في قَوْمِ فِرْعَوْنَ. وقالَ السُّدِّيُّ: كانُوا سَبْعِينَ أهْلَ بَيْتٍ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومِمّا يُضَعِّفُ عَوْدَ الضَّمِيرِ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ المَعْرُوفَ مِن أخْبارِ بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهم كانُوا قَوْمًا قَدْ فَشَتْ فِيهِمُ السَّوْآتُ، وكانُوا في مُدَّةِ فِرْعَوْنَ قَدْ نالَهم ذُلٌّ مُفْرِطٌ، وقَدْ رَجَوْا كَشْفَهُ عَلى يَدِ مَوْلُودٍ يَخْرُجُ فِيهِمْ يَكُونُ نَبِيًّا، فَلَمّا جاءَهم مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أصْفَقُوا عَلَيْهِ وبايَعُوهُ، ولَمْ يُحْفَظْ قَطُّ أنَّ طائِفَةً مِن بَنِي إسْرائِيلَ كَفَرَتْ بِهِ، فَكَيْفَ تُعْطِي هَذِهِ الآيَةُ أنَّ الأقَلَّ مِنهم كانَ الَّذِي آمَنَ، فالَّذِي يَتَرَجَّحُ بِحَسَبِ هَذا أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى فِرْعَوْنَ. ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أيْضًا ما تَقَدَّمَ مِن مُحاوَرَةِ مُوسى ورَدِّهِ عَلَيْهِمْ، وتَوْبِيخِهِمْ عَلى قَوْلِهِمْ هَذا سِحْرٌ، فَذَكَرَ اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهم ثُمَّ قالَ: فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ الَّذِي هَذِهِ أقْوالُهم. وتَكُونُ القِصَّةُ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ بَعْدَ ظُهُورِ الآيَةِ والتَّعْجِيزِ بِالعَصا، وتَكُونُ الفاءُ مُرَتِّبَةً لِلْمَعانِي الَّتِي عُطِفَتْ، انْتَهى. ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مَعْنى ﴿فَما آمَنَ﴾، أيْ: ما أظْهَرَ إيمانَهُ وأعْلَنَ بِهِ إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِ مُوسى، فَلا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّ طائِفَةً مِن بَنِي إسْرائِيلَ كَفَرَتْ بِهِ. والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ومَلَئِهِمْ، عَلى الذُّرِّيَّةِ وقالَهُ الأخْفَشُ واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ، أيْ: أخْوَفُ بَنِي إسْرائِيلَ الذَّرِّيَّةُ وهم أشْرافُ بَنِي إسْرائِيلَ إنْ كانَ الضَّمِيرُ في قَوْمِهِ عائِدًا عَلى مُوسى، لِأنَّهم كانُوا يَمْنَعُونَ أعْقابَهم خَوْفًا مِن فِرْعَوْنَ عَلى أنْفُسِهِمْ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ أيْ: يُعَذِّبَهم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أنْ يَقْتُلَهم. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى قَوْمِهِ، أيْ: ومَلَإ قَوْمِ مُوسى، أوْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المُضافِ المَحْذُوفِ تَقْدِيرُهُ: عَلى خَوْفٍ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، قالَهُ الفَرّاءُ. كَما حُذِفَ في ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] ورُدَّ عَلَيْهِ بِأنَّ الخَوْفَ يُمْكِنُ مِن فِرْعَوْنَ ولا يُمْكِنُ سُؤالُ القَرْيَةِ، فَلا يُحْذَفُ إلّا ما دَلَّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ. وقَدْ يُقالُ: ويَدُلُّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ جَمْعُ الضَّمِيرِ في ومَلَئِهِمْ. وقِيلَ: ثُمَّ مَعْطُوفٌ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ كَوْنُ المَلِكِ لا يَكُونُ وحْدَهُ، بَلْ لَهُ حاشِيَةٌ وأجْنادٌ، وكَأنَّهُ قِيلَ: عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ ومَلَئِهِمْ، أيْ: مَلَإ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ وقالَهُ الفَرّاءُ أيْضًا، وقِيلَ: لَمّا كانَ مَلِكًا جَبّارًا أُخْبِرَ عَنْهُ بِفِعْلِ الجَمِيعِ. وقِيلَ: سُمِّيَتِ (p-١٨٥)الجَماعَةُ بِـ فِرْعَوْنَ مِثْلُ هُودٍ. وأنْ يَفْتِنَهم بَدَلٌ مِن فِرْعَوْنَ بَدَلَ اشْتِمالٍ، أيْ: فِتْنَتِهِ، فَيَكُونُ في مَوْضِعِ جَرٍّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِخَوْفٍ إمّا عَلى التَّعْلِيلِ، وإمّا عَلى أنَّهُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِهِ، أيْ: عَلى خَوْفٍ لِأجْلِ فِتْنَتِهِ، أوْ عَلى خَوْفِ فِتْنَتِهِ. وقَرَأ الحَسَنُ وجَرّاحٌ ونُبَيْحٌ: ﴿يَفْتِنَهُمْ﴾ بِضَمِّ الياءِ مِن أفْتَنَ، ولَعالٍ مُتَجَبِّرٍ أوْ باغٍ ظالِمٍ، أوْ مُتَعالٍ أوْ قاهِرٍ كَما قالَ: ؎فاعْمَدْ لِما تَعْلُو فَما لَكَ بِالَّذِي لا تَسْتَطِيعُ مِنَ الأُمُورِ يَدانِ أيْ: لِما تَقْهَرُ أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ، وإسْرافُهُ كَوْنُهُ كَثِيرَ القَتْلِ والتَّعْذِيبِ. وقِيلَ: كَوْنُهُ مِن أخَسِّ العَبِيدِ فادَّعى الإلَهِيَّةَ، وهَذا الإخْبارُ مُبَيِّنٌ سَبَبَ خَوْفِ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ. وفِي الآيَةِ مَسْلاةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ بِقِلَّةِ مَن آمَنَ لِـ مُوسى ومَنِ اسْتَجابَ لَهُ مَعَ ظُهُورِ ذَلِكَ المُعْجِزِ الباهِرِ، ولَمْ يُؤْمِن لَهُ إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ، وخِطابُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِمَن آمَنَ بِقَوْلِهِ: (يا قَوْمِ)، دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُؤْمِنِينَ الذُّرِّيَّةُ كانُوا مِن قَوْمِهِ، وخاطَبَهم بِذَلِكَ حِينَ اشْتَدَّ خَوْفُهم مِمّا تَوَعَّدَهم بِهِ فِرْعَوْنُ مِن قَتْلِ الآباءِ وذَبْحِ الذُّرِّيَّةِ. وقِيلَ: قالَ لَهم ذَلِكَ حِينَ قالُوا: إنّا لَمُدْرَكُونَ. وقِيلَ: حِينَ قالُوا: ﴿أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا﴾ [الأعراف: ١٢٩]، قِيلَ: والأوَّلُ هو الصَّوابُ، لِأنَّ جَوابَ كُلٍّ مِنَ القَوْلَيْنِ مَذْكُورٌ بَعْدَهُ وهو: ﴿كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢] وقَوْلُهُ: ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٢٩] الآيَةَ، وعُلِّقَ تَوَكُّلُهم عَلى شَرْطَيْنِ: مُتَقَدِّمٍ ومُتَأخِّرٍ. ومَتى كانَ الشَّرْطانِ لا يَتَرَتَّبانِ في الوُجُودِ فالشَّرْطُ الثّانِي شَرْطٌ في الأوَّلِ، فَمِن حَيْثُ هو شَرْطٌ فِيهِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ. فالإسْلامُ هو الِانْقِيادُ لِلتَّكالِيفِ الصّادِرَةِ مِنَ اللَّهِ، وإظْهارُ الخُضُوعِ وتَرْكُ التَّمَرُّدِ، والإيمانُ: عِرْفانُ القَلْبِ بِاللَّهِ تَعالى ووَحْدانِيَّتُهُ وسائِرُ صِفاتِهِ، وأنَّ ما سِواهُ مُحْدَثٌ تَحْتَ قَهْرِهِ وتَدْبِيرِهِ. وإذا حَصَلَ هَذانِ الشَّرْطانِ فَوَّضَ العَبْدُ جَمِيعَ أُمُورِهِ إلى اللَّهِ تَعالى، واعْتَمَدَ عَلَيْهِ في كُلِّ الأحْوالِ. وأُدْخِلَ عَلى أنَّ فِعْلَيِّ الشَّرْطِ وإنْ كانَتْ في الأغْلَبِ إنَّما تَدْخُلُ عَلى غَيْرِ المُحَقَّقِ، مَعَ عِلْمِهِ بِإيمانِهِمْ عَلى وجْهِ إقامَةِ الحُجَّةِ وتَنْبِيهِ الأنْفُسِ وإثارَةِ الأنَفَةِ، كَما تَقُولُ: إنْ كُنْتَ رَجُلًا فَقاتِلْ، تُخاطِبُ بِذَلِكَ رَجُلًا تُرِيدُ إقامَةَ البَيِّنَةِ. وطَوَّلَ ابْنُ عَطِيَّةَ هُنا في مَسْألَةِ التَّوَكُّلِ بِما يُوقَفُ عَلَيْهِ في كِتابِهِ، وأجابُوا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِما أمَرَهم بِهِ مِنَ التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ لِأنَّهم كانُوا مُخْلِصِينَ في إيمانِهِمْ وإسْلامِهِمْ، ثُمَّ سَألُوا اللَّهَ تَعالى شَيْئَيْنِ، أحَدُهُما: أنْ لا يَجْعَلَهم فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ مَوْضِعَ فِتْنَةٍ لَهم، أيْ عَذابٍ تُعَذِّبُونَنا أوْ تَفْتِنُونَنا عَنْ دِينِنا، أوْ فِتْنَةً لَهم يُفْتَنُونَ بِها ويَقُولُونَ: لَوْ كانَ هَؤُلاءِ عَلى الحَقِّ ما أُصِيبُوا. وقالَ مُجاهِدٌ وأبُو مِجْلَزٍ وأبُو الضُّحى وغَيْرُهم: مَعْنى القَوْلِ الآخَرِ قالَ: المَعْنى لا يَنْزِلُ بِنا، مَلَأُنا بِأيْدِيهِمْ أوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مُدَّةَ مُحارَبَتِنا لَهم فَيُفْتَنُونَ ويَعْتَقِدُونَ أنَّ هَلاكَنا إنَّما هو بِقَصْدٍ مِنكَ لِسُوءِ دِينِنا وصَلاحِ دِينِهِمْ وأنَّهم أهْلُ الحَقِّ. وقالَتْ فِرْقَةٌ، المَعْنى: لا نَفْتِنُهم ونَبْتَلِيهِمْ بِقَتْلِنا وأذِيَّتِنا فَنُعَذِّبُهم عَلى ذَلِكَ في الآخِرَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي هَذا التَّأْوِيلِ قَلَقٌ. وقالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً بِتَقْتِيرِ الرِّزْقِ عَلَيْنا وبَسْطِهِ لَهم. والآخَرُ: يُنْجِيهِمْ مِنَ الكافِرِينَ، أيْ: مِن تَسْخِيرِهِمْ واسْتِعْبادِهِمْ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهم سَألُوا اللَّهَ تَعالى أنْ لا يُفْتَنُوا عَنْ دِينِهِمْ وأنْ يَخْلُصُوا مِنَ الكُفّارِ، فَقَدَّمُوا ما كانَ عِنْدَهم أهَمُّ وهو سَلامَةُ دِينِهِمْ لَهم، وأخَّرُوا سَلامَةَ أنْفُسِهِمْ، إذْ الِاهْتِمامُ بِمَصالِحِ الدِّينِ آكَدُ مِنَ الِاهْتِمامِ بِمَصالِحِ الأبْدانِ.

يونس 10:85

﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ أنْ يَفْتِنَهم وإنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ في الأرْضِ وإنَّهُ لَمِنَ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿وقالَ مُوسى ياقَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ ﴿فَقالُوا عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ونَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ﴾: الظّاهِرُ في الفاءِ مِن حَيْثُ أنَّ مَدْلُولَها التَّعْقِيبُ: أنَّ هَذا الإيمانَ الصّادِرَ مِنَ الذُّرِّيَّةِ لَمْ يَتَأخَّرْ عَنْ قِصَّةِ الإلْقاءِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ (p-١٨٤)فِي قَوْمِهِ عائِدٌ عَلى مُوسى، وأنَّهُ لا يَعُودُ عَلى فِرْعَوْنَ، لِأنَّ مُوسى هو المُحَدَّثُ عَنْهُ في هَذِهِ الآيَةِ، وهو أقْرَبُ مَذْكُورٍ. ولِأنَّهُ لَوْ كانَ عائِدًا عَلى فِرْعَوْنَ لَمْ يَظْهَرْ لَفْظُ فِرْعَوْنَ، وكانَ التَّرْكِيبُ عَلى خَوْفٍ مِنهُ. ومِن مَلَئِهِمْ أنْ يَفْتِنَهم، وهَذا الإيمانُ مِنَ الذُّرِّيَّةِ كانَ أوَّلَ مَبْعَثِهِ إذْ قَدْ آمَنَ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ قَوْمُهُ كُلُّهم، كانَ أوَّلًا دَعا الآباءَ فَلَمْ يُجِيبُوهُ خَوْفًا مِن فِرْعَوْنَ، وأجابَتْهُ طائِفَةٌ مِن أبْنائِهِمْ مَعَ الخَوْفِ. وقالَ مُجاهِدٌ والأعْمَشُ: مَعْنى الآيَةِ أنَّ قَوْمًا أدْرَكَهم مُوسى ولَمْ يُؤْمِنُوا، وإنَّما آمَنَ ذَرارِيهِمْ بَعْدَ هَلاكِهِمْ لِطُولِ الزَّمَنِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلٌ غَيْرُ صَحِيحٍ، إذا آمَنَ قَوْمٌ بَعْدَ مَوْتِ آبائِهِمْ فَلا مَعْنى لِتَخْصِيصِهِمْ باسِمِ الذُّرِّيَّةِ. وأيْضًا فَما رُوِيَ مِن أخْبارِ بَنِي إسْرائِيلَ لا يُعْطِي هَذا ويَنْفِيهِ قَوْلُهُ: فَما آمَنَ، لِأنَّهُ يُعْطِي تَقْلِيلَ المُؤْمِنِينَ بِهِ، لِأنَّهُ نَفى الإيمانَ ثُمَّ أوْجَبَهُ لِبَعْضِهِمْ، ولَوْ كانَ الأكْثَرُ مُؤْمِنًا لَأوْجَبَ الإيمانَ أوَّلًا ثُمَّ نَفاهُ عَنِ الأقَلِّ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَتَخَرَّجُ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في الذُّرِّيَّةِ: أنَّهُ القَلِيلُ، لا أنَّهُ أرادَ أنَّ لَفْظَ الذُّرِّيَّةِ بِمَعْنى القَلِيلِ كَما ظَنَّ مَكِّيٌّ وغَيْرُهُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما سَمّاهم ذُرِّيَّةً لِأنَّ أُمَّهاتِهِمْ كانَتْ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وإماؤُهم مِنَ القِبْطِ. رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: فَكانَ يُقالُ لَهُمُ: الذُّرِّيَّةُ كَما قِيلَ لِفُرْسِ اليَمَنِ: الأبْناءُ، وهُمُ الفُرْسُ المُنْتَقِلُونَ مَعَ وهُوزَ بِسِعايَةِ سَيْفِ بْنِ ذِي يَزَنَ. ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْمِهِ عَلى مُوسى ابْنُ عَبّاسٍ قالَ: وكانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفٍ، وذَلِكَ أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ دَخَلَ مِصْرَ في اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ نُفْسًا، فَتَوالَدُوا بِـ مِصْرَ حَتّى صارُوا سِتَّمِائَةِ ألْفٍ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في قَوْمِهِ يَعُودُ عَلى فِرْعَوْنَ، رُوِيَ أنَّهُ آمَنَتْ زَوْجَةُ فِرْعَوْنَ وخازِنُهُ وامْرَأةُ خازِنِهِ وشَبابٌ مِن قَوْمِهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: والسَّحَرَةُ أيْضًا فَإنَّهم مَعْدُودُونَ في قَوْمِ فِرْعَوْنَ. وقالَ السُّدِّيُّ: كانُوا سَبْعِينَ أهْلَ بَيْتٍ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومِمّا يُضَعِّفُ عَوْدَ الضَّمِيرِ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ المَعْرُوفَ مِن أخْبارِ بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهم كانُوا قَوْمًا قَدْ فَشَتْ فِيهِمُ السَّوْآتُ، وكانُوا في مُدَّةِ فِرْعَوْنَ قَدْ نالَهم ذُلٌّ مُفْرِطٌ، وقَدْ رَجَوْا كَشْفَهُ عَلى يَدِ مَوْلُودٍ يَخْرُجُ فِيهِمْ يَكُونُ نَبِيًّا، فَلَمّا جاءَهم مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أصْفَقُوا عَلَيْهِ وبايَعُوهُ، ولَمْ يُحْفَظْ قَطُّ أنَّ طائِفَةً مِن بَنِي إسْرائِيلَ كَفَرَتْ بِهِ، فَكَيْفَ تُعْطِي هَذِهِ الآيَةُ أنَّ الأقَلَّ مِنهم كانَ الَّذِي آمَنَ، فالَّذِي يَتَرَجَّحُ بِحَسَبِ هَذا أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى فِرْعَوْنَ. ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أيْضًا ما تَقَدَّمَ مِن مُحاوَرَةِ مُوسى ورَدِّهِ عَلَيْهِمْ، وتَوْبِيخِهِمْ عَلى قَوْلِهِمْ هَذا سِحْرٌ، فَذَكَرَ اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهم ثُمَّ قالَ: فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ الَّذِي هَذِهِ أقْوالُهم. وتَكُونُ القِصَّةُ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ بَعْدَ ظُهُورِ الآيَةِ والتَّعْجِيزِ بِالعَصا، وتَكُونُ الفاءُ مُرَتِّبَةً لِلْمَعانِي الَّتِي عُطِفَتْ، انْتَهى. ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مَعْنى ﴿فَما آمَنَ﴾، أيْ: ما أظْهَرَ إيمانَهُ وأعْلَنَ بِهِ إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِ مُوسى، فَلا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّ طائِفَةً مِن بَنِي إسْرائِيلَ كَفَرَتْ بِهِ. والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ومَلَئِهِمْ، عَلى الذُّرِّيَّةِ وقالَهُ الأخْفَشُ واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ، أيْ: أخْوَفُ بَنِي إسْرائِيلَ الذَّرِّيَّةُ وهم أشْرافُ بَنِي إسْرائِيلَ إنْ كانَ الضَّمِيرُ في قَوْمِهِ عائِدًا عَلى مُوسى، لِأنَّهم كانُوا يَمْنَعُونَ أعْقابَهم خَوْفًا مِن فِرْعَوْنَ عَلى أنْفُسِهِمْ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ أيْ: يُعَذِّبَهم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أنْ يَقْتُلَهم. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى قَوْمِهِ، أيْ: ومَلَإ قَوْمِ مُوسى، أوْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المُضافِ المَحْذُوفِ تَقْدِيرُهُ: عَلى خَوْفٍ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، قالَهُ الفَرّاءُ. كَما حُذِفَ في ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] ورُدَّ عَلَيْهِ بِأنَّ الخَوْفَ يُمْكِنُ مِن فِرْعَوْنَ ولا يُمْكِنُ سُؤالُ القَرْيَةِ، فَلا يُحْذَفُ إلّا ما دَلَّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ. وقَدْ يُقالُ: ويَدُلُّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ جَمْعُ الضَّمِيرِ في ومَلَئِهِمْ. وقِيلَ: ثُمَّ مَعْطُوفٌ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ كَوْنُ المَلِكِ لا يَكُونُ وحْدَهُ، بَلْ لَهُ حاشِيَةٌ وأجْنادٌ، وكَأنَّهُ قِيلَ: عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ ومَلَئِهِمْ، أيْ: مَلَإ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ وقالَهُ الفَرّاءُ أيْضًا، وقِيلَ: لَمّا كانَ مَلِكًا جَبّارًا أُخْبِرَ عَنْهُ بِفِعْلِ الجَمِيعِ. وقِيلَ: سُمِّيَتِ (p-١٨٥)الجَماعَةُ بِـ فِرْعَوْنَ مِثْلُ هُودٍ. وأنْ يَفْتِنَهم بَدَلٌ مِن فِرْعَوْنَ بَدَلَ اشْتِمالٍ، أيْ: فِتْنَتِهِ، فَيَكُونُ في مَوْضِعِ جَرٍّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِخَوْفٍ إمّا عَلى التَّعْلِيلِ، وإمّا عَلى أنَّهُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِهِ، أيْ: عَلى خَوْفٍ لِأجْلِ فِتْنَتِهِ، أوْ عَلى خَوْفِ فِتْنَتِهِ. وقَرَأ الحَسَنُ وجَرّاحٌ ونُبَيْحٌ: ﴿يَفْتِنَهُمْ﴾ بِضَمِّ الياءِ مِن أفْتَنَ، ولَعالٍ مُتَجَبِّرٍ أوْ باغٍ ظالِمٍ، أوْ مُتَعالٍ أوْ قاهِرٍ كَما قالَ: ؎فاعْمَدْ لِما تَعْلُو فَما لَكَ بِالَّذِي لا تَسْتَطِيعُ مِنَ الأُمُورِ يَدانِ أيْ: لِما تَقْهَرُ أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ، وإسْرافُهُ كَوْنُهُ كَثِيرَ القَتْلِ والتَّعْذِيبِ. وقِيلَ: كَوْنُهُ مِن أخَسِّ العَبِيدِ فادَّعى الإلَهِيَّةَ، وهَذا الإخْبارُ مُبَيِّنٌ سَبَبَ خَوْفِ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ. وفِي الآيَةِ مَسْلاةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ بِقِلَّةِ مَن آمَنَ لِـ مُوسى ومَنِ اسْتَجابَ لَهُ مَعَ ظُهُورِ ذَلِكَ المُعْجِزِ الباهِرِ، ولَمْ يُؤْمِن لَهُ إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ، وخِطابُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِمَن آمَنَ بِقَوْلِهِ: (يا قَوْمِ)، دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُؤْمِنِينَ الذُّرِّيَّةُ كانُوا مِن قَوْمِهِ، وخاطَبَهم بِذَلِكَ حِينَ اشْتَدَّ خَوْفُهم مِمّا تَوَعَّدَهم بِهِ فِرْعَوْنُ مِن قَتْلِ الآباءِ وذَبْحِ الذُّرِّيَّةِ. وقِيلَ: قالَ لَهم ذَلِكَ حِينَ قالُوا: إنّا لَمُدْرَكُونَ. وقِيلَ: حِينَ قالُوا: ﴿أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا﴾ [الأعراف: ١٢٩]، قِيلَ: والأوَّلُ هو الصَّوابُ، لِأنَّ جَوابَ كُلٍّ مِنَ القَوْلَيْنِ مَذْكُورٌ بَعْدَهُ وهو: ﴿كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢] وقَوْلُهُ: ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٢٩] الآيَةَ، وعُلِّقَ تَوَكُّلُهم عَلى شَرْطَيْنِ: مُتَقَدِّمٍ ومُتَأخِّرٍ. ومَتى كانَ الشَّرْطانِ لا يَتَرَتَّبانِ في الوُجُودِ فالشَّرْطُ الثّانِي شَرْطٌ في الأوَّلِ، فَمِن حَيْثُ هو شَرْطٌ فِيهِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ. فالإسْلامُ هو الِانْقِيادُ لِلتَّكالِيفِ الصّادِرَةِ مِنَ اللَّهِ، وإظْهارُ الخُضُوعِ وتَرْكُ التَّمَرُّدِ، والإيمانُ: عِرْفانُ القَلْبِ بِاللَّهِ تَعالى ووَحْدانِيَّتُهُ وسائِرُ صِفاتِهِ، وأنَّ ما سِواهُ مُحْدَثٌ تَحْتَ قَهْرِهِ وتَدْبِيرِهِ. وإذا حَصَلَ هَذانِ الشَّرْطانِ فَوَّضَ العَبْدُ جَمِيعَ أُمُورِهِ إلى اللَّهِ تَعالى، واعْتَمَدَ عَلَيْهِ في كُلِّ الأحْوالِ. وأُدْخِلَ عَلى أنَّ فِعْلَيِّ الشَّرْطِ وإنْ كانَتْ في الأغْلَبِ إنَّما تَدْخُلُ عَلى غَيْرِ المُحَقَّقِ، مَعَ عِلْمِهِ بِإيمانِهِمْ عَلى وجْهِ إقامَةِ الحُجَّةِ وتَنْبِيهِ الأنْفُسِ وإثارَةِ الأنَفَةِ، كَما تَقُولُ: إنْ كُنْتَ رَجُلًا فَقاتِلْ، تُخاطِبُ بِذَلِكَ رَجُلًا تُرِيدُ إقامَةَ البَيِّنَةِ. وطَوَّلَ ابْنُ عَطِيَّةَ هُنا في مَسْألَةِ التَّوَكُّلِ بِما يُوقَفُ عَلَيْهِ في كِتابِهِ، وأجابُوا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِما أمَرَهم بِهِ مِنَ التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ لِأنَّهم كانُوا مُخْلِصِينَ في إيمانِهِمْ وإسْلامِهِمْ، ثُمَّ سَألُوا اللَّهَ تَعالى شَيْئَيْنِ، أحَدُهُما: أنْ لا يَجْعَلَهم فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ مَوْضِعَ فِتْنَةٍ لَهم، أيْ عَذابٍ تُعَذِّبُونَنا أوْ تَفْتِنُونَنا عَنْ دِينِنا، أوْ فِتْنَةً لَهم يُفْتَنُونَ بِها ويَقُولُونَ: لَوْ كانَ هَؤُلاءِ عَلى الحَقِّ ما أُصِيبُوا. وقالَ مُجاهِدٌ وأبُو مِجْلَزٍ وأبُو الضُّحى وغَيْرُهم: مَعْنى القَوْلِ الآخَرِ قالَ: المَعْنى لا يَنْزِلُ بِنا، مَلَأُنا بِأيْدِيهِمْ أوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مُدَّةَ مُحارَبَتِنا لَهم فَيُفْتَنُونَ ويَعْتَقِدُونَ أنَّ هَلاكَنا إنَّما هو بِقَصْدٍ مِنكَ لِسُوءِ دِينِنا وصَلاحِ دِينِهِمْ وأنَّهم أهْلُ الحَقِّ. وقالَتْ فِرْقَةٌ، المَعْنى: لا نَفْتِنُهم ونَبْتَلِيهِمْ بِقَتْلِنا وأذِيَّتِنا فَنُعَذِّبُهم عَلى ذَلِكَ في الآخِرَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي هَذا التَّأْوِيلِ قَلَقٌ. وقالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً بِتَقْتِيرِ الرِّزْقِ عَلَيْنا وبَسْطِهِ لَهم. والآخَرُ: يُنْجِيهِمْ مِنَ الكافِرِينَ، أيْ: مِن تَسْخِيرِهِمْ واسْتِعْبادِهِمْ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهم سَألُوا اللَّهَ تَعالى أنْ لا يُفْتَنُوا عَنْ دِينِهِمْ وأنْ يَخْلُصُوا مِنَ الكُفّارِ، فَقَدَّمُوا ما كانَ عِنْدَهم أهَمُّ وهو سَلامَةُ دِينِهِمْ لَهم، وأخَّرُوا سَلامَةَ أنْفُسِهِمْ، إذْ الِاهْتِمامُ بِمَصالِحِ الدِّينِ آكَدُ مِنَ الِاهْتِمامِ بِمَصالِحِ الأبْدانِ.

يونس 10:86

﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ أنْ يَفْتِنَهم وإنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ في الأرْضِ وإنَّهُ لَمِنَ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿وقالَ مُوسى ياقَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ ﴿فَقالُوا عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ونَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ﴾: الظّاهِرُ في الفاءِ مِن حَيْثُ أنَّ مَدْلُولَها التَّعْقِيبُ: أنَّ هَذا الإيمانَ الصّادِرَ مِنَ الذُّرِّيَّةِ لَمْ يَتَأخَّرْ عَنْ قِصَّةِ الإلْقاءِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ (p-١٨٤)فِي قَوْمِهِ عائِدٌ عَلى مُوسى، وأنَّهُ لا يَعُودُ عَلى فِرْعَوْنَ، لِأنَّ مُوسى هو المُحَدَّثُ عَنْهُ في هَذِهِ الآيَةِ، وهو أقْرَبُ مَذْكُورٍ. ولِأنَّهُ لَوْ كانَ عائِدًا عَلى فِرْعَوْنَ لَمْ يَظْهَرْ لَفْظُ فِرْعَوْنَ، وكانَ التَّرْكِيبُ عَلى خَوْفٍ مِنهُ. ومِن مَلَئِهِمْ أنْ يَفْتِنَهم، وهَذا الإيمانُ مِنَ الذُّرِّيَّةِ كانَ أوَّلَ مَبْعَثِهِ إذْ قَدْ آمَنَ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ قَوْمُهُ كُلُّهم، كانَ أوَّلًا دَعا الآباءَ فَلَمْ يُجِيبُوهُ خَوْفًا مِن فِرْعَوْنَ، وأجابَتْهُ طائِفَةٌ مِن أبْنائِهِمْ مَعَ الخَوْفِ. وقالَ مُجاهِدٌ والأعْمَشُ: مَعْنى الآيَةِ أنَّ قَوْمًا أدْرَكَهم مُوسى ولَمْ يُؤْمِنُوا، وإنَّما آمَنَ ذَرارِيهِمْ بَعْدَ هَلاكِهِمْ لِطُولِ الزَّمَنِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلٌ غَيْرُ صَحِيحٍ، إذا آمَنَ قَوْمٌ بَعْدَ مَوْتِ آبائِهِمْ فَلا مَعْنى لِتَخْصِيصِهِمْ باسِمِ الذُّرِّيَّةِ. وأيْضًا فَما رُوِيَ مِن أخْبارِ بَنِي إسْرائِيلَ لا يُعْطِي هَذا ويَنْفِيهِ قَوْلُهُ: فَما آمَنَ، لِأنَّهُ يُعْطِي تَقْلِيلَ المُؤْمِنِينَ بِهِ، لِأنَّهُ نَفى الإيمانَ ثُمَّ أوْجَبَهُ لِبَعْضِهِمْ، ولَوْ كانَ الأكْثَرُ مُؤْمِنًا لَأوْجَبَ الإيمانَ أوَّلًا ثُمَّ نَفاهُ عَنِ الأقَلِّ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَتَخَرَّجُ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في الذُّرِّيَّةِ: أنَّهُ القَلِيلُ، لا أنَّهُ أرادَ أنَّ لَفْظَ الذُّرِّيَّةِ بِمَعْنى القَلِيلِ كَما ظَنَّ مَكِّيٌّ وغَيْرُهُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما سَمّاهم ذُرِّيَّةً لِأنَّ أُمَّهاتِهِمْ كانَتْ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وإماؤُهم مِنَ القِبْطِ. رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: فَكانَ يُقالُ لَهُمُ: الذُّرِّيَّةُ كَما قِيلَ لِفُرْسِ اليَمَنِ: الأبْناءُ، وهُمُ الفُرْسُ المُنْتَقِلُونَ مَعَ وهُوزَ بِسِعايَةِ سَيْفِ بْنِ ذِي يَزَنَ. ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْمِهِ عَلى مُوسى ابْنُ عَبّاسٍ قالَ: وكانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفٍ، وذَلِكَ أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ دَخَلَ مِصْرَ في اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ نُفْسًا، فَتَوالَدُوا بِـ مِصْرَ حَتّى صارُوا سِتَّمِائَةِ ألْفٍ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في قَوْمِهِ يَعُودُ عَلى فِرْعَوْنَ، رُوِيَ أنَّهُ آمَنَتْ زَوْجَةُ فِرْعَوْنَ وخازِنُهُ وامْرَأةُ خازِنِهِ وشَبابٌ مِن قَوْمِهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: والسَّحَرَةُ أيْضًا فَإنَّهم مَعْدُودُونَ في قَوْمِ فِرْعَوْنَ. وقالَ السُّدِّيُّ: كانُوا سَبْعِينَ أهْلَ بَيْتٍ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومِمّا يُضَعِّفُ عَوْدَ الضَّمِيرِ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ المَعْرُوفَ مِن أخْبارِ بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهم كانُوا قَوْمًا قَدْ فَشَتْ فِيهِمُ السَّوْآتُ، وكانُوا في مُدَّةِ فِرْعَوْنَ قَدْ نالَهم ذُلٌّ مُفْرِطٌ، وقَدْ رَجَوْا كَشْفَهُ عَلى يَدِ مَوْلُودٍ يَخْرُجُ فِيهِمْ يَكُونُ نَبِيًّا، فَلَمّا جاءَهم مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أصْفَقُوا عَلَيْهِ وبايَعُوهُ، ولَمْ يُحْفَظْ قَطُّ أنَّ طائِفَةً مِن بَنِي إسْرائِيلَ كَفَرَتْ بِهِ، فَكَيْفَ تُعْطِي هَذِهِ الآيَةُ أنَّ الأقَلَّ مِنهم كانَ الَّذِي آمَنَ، فالَّذِي يَتَرَجَّحُ بِحَسَبِ هَذا أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى فِرْعَوْنَ. ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أيْضًا ما تَقَدَّمَ مِن مُحاوَرَةِ مُوسى ورَدِّهِ عَلَيْهِمْ، وتَوْبِيخِهِمْ عَلى قَوْلِهِمْ هَذا سِحْرٌ، فَذَكَرَ اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهم ثُمَّ قالَ: فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ الَّذِي هَذِهِ أقْوالُهم. وتَكُونُ القِصَّةُ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ بَعْدَ ظُهُورِ الآيَةِ والتَّعْجِيزِ بِالعَصا، وتَكُونُ الفاءُ مُرَتِّبَةً لِلْمَعانِي الَّتِي عُطِفَتْ، انْتَهى. ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مَعْنى ﴿فَما آمَنَ﴾، أيْ: ما أظْهَرَ إيمانَهُ وأعْلَنَ بِهِ إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِ مُوسى، فَلا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّ طائِفَةً مِن بَنِي إسْرائِيلَ كَفَرَتْ بِهِ. والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ومَلَئِهِمْ، عَلى الذُّرِّيَّةِ وقالَهُ الأخْفَشُ واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ، أيْ: أخْوَفُ بَنِي إسْرائِيلَ الذَّرِّيَّةُ وهم أشْرافُ بَنِي إسْرائِيلَ إنْ كانَ الضَّمِيرُ في قَوْمِهِ عائِدًا عَلى مُوسى، لِأنَّهم كانُوا يَمْنَعُونَ أعْقابَهم خَوْفًا مِن فِرْعَوْنَ عَلى أنْفُسِهِمْ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ أيْ: يُعَذِّبَهم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أنْ يَقْتُلَهم. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى قَوْمِهِ، أيْ: ومَلَإ قَوْمِ مُوسى، أوْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المُضافِ المَحْذُوفِ تَقْدِيرُهُ: عَلى خَوْفٍ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، قالَهُ الفَرّاءُ. كَما حُذِفَ في ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] ورُدَّ عَلَيْهِ بِأنَّ الخَوْفَ يُمْكِنُ مِن فِرْعَوْنَ ولا يُمْكِنُ سُؤالُ القَرْيَةِ، فَلا يُحْذَفُ إلّا ما دَلَّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ. وقَدْ يُقالُ: ويَدُلُّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ جَمْعُ الضَّمِيرِ في ومَلَئِهِمْ. وقِيلَ: ثُمَّ مَعْطُوفٌ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ كَوْنُ المَلِكِ لا يَكُونُ وحْدَهُ، بَلْ لَهُ حاشِيَةٌ وأجْنادٌ، وكَأنَّهُ قِيلَ: عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ ومَلَئِهِمْ، أيْ: مَلَإ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ وقالَهُ الفَرّاءُ أيْضًا، وقِيلَ: لَمّا كانَ مَلِكًا جَبّارًا أُخْبِرَ عَنْهُ بِفِعْلِ الجَمِيعِ. وقِيلَ: سُمِّيَتِ (p-١٨٥)الجَماعَةُ بِـ فِرْعَوْنَ مِثْلُ هُودٍ. وأنْ يَفْتِنَهم بَدَلٌ مِن فِرْعَوْنَ بَدَلَ اشْتِمالٍ، أيْ: فِتْنَتِهِ، فَيَكُونُ في مَوْضِعِ جَرٍّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِخَوْفٍ إمّا عَلى التَّعْلِيلِ، وإمّا عَلى أنَّهُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِهِ، أيْ: عَلى خَوْفٍ لِأجْلِ فِتْنَتِهِ، أوْ عَلى خَوْفِ فِتْنَتِهِ. وقَرَأ الحَسَنُ وجَرّاحٌ ونُبَيْحٌ: ﴿يَفْتِنَهُمْ﴾ بِضَمِّ الياءِ مِن أفْتَنَ، ولَعالٍ مُتَجَبِّرٍ أوْ باغٍ ظالِمٍ، أوْ مُتَعالٍ أوْ قاهِرٍ كَما قالَ: ؎فاعْمَدْ لِما تَعْلُو فَما لَكَ بِالَّذِي لا تَسْتَطِيعُ مِنَ الأُمُورِ يَدانِ أيْ: لِما تَقْهَرُ أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ، وإسْرافُهُ كَوْنُهُ كَثِيرَ القَتْلِ والتَّعْذِيبِ. وقِيلَ: كَوْنُهُ مِن أخَسِّ العَبِيدِ فادَّعى الإلَهِيَّةَ، وهَذا الإخْبارُ مُبَيِّنٌ سَبَبَ خَوْفِ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ. وفِي الآيَةِ مَسْلاةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ بِقِلَّةِ مَن آمَنَ لِـ مُوسى ومَنِ اسْتَجابَ لَهُ مَعَ ظُهُورِ ذَلِكَ المُعْجِزِ الباهِرِ، ولَمْ يُؤْمِن لَهُ إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ، وخِطابُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِمَن آمَنَ بِقَوْلِهِ: (يا قَوْمِ)، دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُؤْمِنِينَ الذُّرِّيَّةُ كانُوا مِن قَوْمِهِ، وخاطَبَهم بِذَلِكَ حِينَ اشْتَدَّ خَوْفُهم مِمّا تَوَعَّدَهم بِهِ فِرْعَوْنُ مِن قَتْلِ الآباءِ وذَبْحِ الذُّرِّيَّةِ. وقِيلَ: قالَ لَهم ذَلِكَ حِينَ قالُوا: إنّا لَمُدْرَكُونَ. وقِيلَ: حِينَ قالُوا: ﴿أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا﴾ [الأعراف: ١٢٩]، قِيلَ: والأوَّلُ هو الصَّوابُ، لِأنَّ جَوابَ كُلٍّ مِنَ القَوْلَيْنِ مَذْكُورٌ بَعْدَهُ وهو: ﴿كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢] وقَوْلُهُ: ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٢٩] الآيَةَ، وعُلِّقَ تَوَكُّلُهم عَلى شَرْطَيْنِ: مُتَقَدِّمٍ ومُتَأخِّرٍ. ومَتى كانَ الشَّرْطانِ لا يَتَرَتَّبانِ في الوُجُودِ فالشَّرْطُ الثّانِي شَرْطٌ في الأوَّلِ، فَمِن حَيْثُ هو شَرْطٌ فِيهِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ. فالإسْلامُ هو الِانْقِيادُ لِلتَّكالِيفِ الصّادِرَةِ مِنَ اللَّهِ، وإظْهارُ الخُضُوعِ وتَرْكُ التَّمَرُّدِ، والإيمانُ: عِرْفانُ القَلْبِ بِاللَّهِ تَعالى ووَحْدانِيَّتُهُ وسائِرُ صِفاتِهِ، وأنَّ ما سِواهُ مُحْدَثٌ تَحْتَ قَهْرِهِ وتَدْبِيرِهِ. وإذا حَصَلَ هَذانِ الشَّرْطانِ فَوَّضَ العَبْدُ جَمِيعَ أُمُورِهِ إلى اللَّهِ تَعالى، واعْتَمَدَ عَلَيْهِ في كُلِّ الأحْوالِ. وأُدْخِلَ عَلى أنَّ فِعْلَيِّ الشَّرْطِ وإنْ كانَتْ في الأغْلَبِ إنَّما تَدْخُلُ عَلى غَيْرِ المُحَقَّقِ، مَعَ عِلْمِهِ بِإيمانِهِمْ عَلى وجْهِ إقامَةِ الحُجَّةِ وتَنْبِيهِ الأنْفُسِ وإثارَةِ الأنَفَةِ، كَما تَقُولُ: إنْ كُنْتَ رَجُلًا فَقاتِلْ، تُخاطِبُ بِذَلِكَ رَجُلًا تُرِيدُ إقامَةَ البَيِّنَةِ. وطَوَّلَ ابْنُ عَطِيَّةَ هُنا في مَسْألَةِ التَّوَكُّلِ بِما يُوقَفُ عَلَيْهِ في كِتابِهِ، وأجابُوا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِما أمَرَهم بِهِ مِنَ التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ لِأنَّهم كانُوا مُخْلِصِينَ في إيمانِهِمْ وإسْلامِهِمْ، ثُمَّ سَألُوا اللَّهَ تَعالى شَيْئَيْنِ، أحَدُهُما: أنْ لا يَجْعَلَهم فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ مَوْضِعَ فِتْنَةٍ لَهم، أيْ عَذابٍ تُعَذِّبُونَنا أوْ تَفْتِنُونَنا عَنْ دِينِنا، أوْ فِتْنَةً لَهم يُفْتَنُونَ بِها ويَقُولُونَ: لَوْ كانَ هَؤُلاءِ عَلى الحَقِّ ما أُصِيبُوا. وقالَ مُجاهِدٌ وأبُو مِجْلَزٍ وأبُو الضُّحى وغَيْرُهم: مَعْنى القَوْلِ الآخَرِ قالَ: المَعْنى لا يَنْزِلُ بِنا، مَلَأُنا بِأيْدِيهِمْ أوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مُدَّةَ مُحارَبَتِنا لَهم فَيُفْتَنُونَ ويَعْتَقِدُونَ أنَّ هَلاكَنا إنَّما هو بِقَصْدٍ مِنكَ لِسُوءِ دِينِنا وصَلاحِ دِينِهِمْ وأنَّهم أهْلُ الحَقِّ. وقالَتْ فِرْقَةٌ، المَعْنى: لا نَفْتِنُهم ونَبْتَلِيهِمْ بِقَتْلِنا وأذِيَّتِنا فَنُعَذِّبُهم عَلى ذَلِكَ في الآخِرَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي هَذا التَّأْوِيلِ قَلَقٌ. وقالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً بِتَقْتِيرِ الرِّزْقِ عَلَيْنا وبَسْطِهِ لَهم. والآخَرُ: يُنْجِيهِمْ مِنَ الكافِرِينَ، أيْ: مِن تَسْخِيرِهِمْ واسْتِعْبادِهِمْ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهم سَألُوا اللَّهَ تَعالى أنْ لا يُفْتَنُوا عَنْ دِينِهِمْ وأنْ يَخْلُصُوا مِنَ الكُفّارِ، فَقَدَّمُوا ما كانَ عِنْدَهم أهَمُّ وهو سَلامَةُ دِينِهِمْ لَهم، وأخَّرُوا سَلامَةَ أنْفُسِهِمْ، إذْ الِاهْتِمامُ بِمَصالِحِ الدِّينِ آكَدُ مِنَ الِاهْتِمامِ بِمَصالِحِ الأبْدانِ.

يونس 10:87

﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى وأخِيهِ أنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً وأقِيمُوا الصَّلاةَ وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾: لَمْ يُصَرِّحْ بِاسْمِ أخِيهِ لِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ أوَّلًا في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى وهارُونَ﴾ [يونس: ٧٥] وتَبَوَّآ: اتِّخِذا مَباءَةً، أيْ: مَرْجِعًا لِلْعِبادَةِ والصَّلاةِ كَما تَقُولُ: تَوَطَّنَ: اتَّخَذَ مَوْطِنًا، والظّاهِرُ اتِّخاذُ البُيُوتِ بِـ مِصْرَ. قالَ الضَّحّاكُ: وهي مِصْرُ المَحْرُوسَةُ، ومِصْرُ مِنَ البَحْرِ إلى أسْوانَ، والأسْكَنْدَرِيَّةُ مِن أرْضِ مِصْرَ. وقالَ مُجاهِدٌ: هي (p-١٨٦)الأسْكَنْدَرِيَّةُ، وكانَ فِرْعَوْنُ قَدِ اسْتَوْلى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، خَرَّبَ مَساجِدَهم ومَواضِعَ عِباداتِهِمْ، ومَنَعَهم مِنَ الصَّلَواتِ، وكَلَّفَهُمُ الأعْمالَ الشّاقَّةَ. وكانُوا في أوَّلِ أمْرِهِمْ مَأْمُورِينَ بِأنْ يُصَلُّوا في بُيُوتِهِمْ في خُفْيَةٍ مِنَ الكَفَرَةِ لِئَلّا يَظْهَرُوا عَلَيْهِمْ، فَيَرُدُّوهم ويَفْتِنُوهم عَنْ دِينِهِمْ، كَما كانَ المُؤْمِنُونَ عَلى ذَلِكَ في أوَّلِ الإسْلامِ. وقَرَأ حَفْصٌ في رِوايَةِ هُبَيْرَةَ: تَبَوَّيا بِالياءِ، وهَذا تَسْهِيلٌ غَيْرُ قِياسِيٍّ، ولَوْ جَرى عَلى القِياسِ لَكانَ بَيْنَ الهَمْزَةِ والألِفِ، والظّاهِرُ أنَّ المَأْمُورَ بِأنْ يَجْعَلَ قِبْلَةً هي المَأْمُورُ بِتَبَوُّئِها. ومَعْنى قِبْلَةً: مَساجِدَ، أُمِرُوا بِأنْ يَتَّخِذُوا بُيُوتَهم مَساجِدَ، قالَهُ النَّخَعِيُّ وابْنُ زَيْدٍ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبَلَ القِبْلَةِ، وعَنْهُ أيْضًا: قِبَلَ مَكَّةَ. وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ ومُقاتِلٌ والفَرّاءُ: أُمِرُوا بِأنْ يَجْعَلُوها مُسْتَقْبِلَةَ الكَعْبَةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وابْنِ جُبَيْرٍ: قِبْلَةً يُقابِلُ بَعْضُها بَعْضًا. ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾: وهَذا قَبْلَ نُزُولِ التَّوْراةِ، لِأنَّها لَمْ تَنْزِلْ إلّا بَعْدَ إجارَةِ البَحْرِ. ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ يَعْنِي: بِالنَّصْرِ في الدُّنْيا وبِالجَنَّةِ في الآخِرَةِ، وهو أمْرٌ لِـ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَتَبَوَّآ لِقَوْمِهِما ويَخْتاراها لِلْعِبادَةِ، وذَلِكَ مِمّا يُفَوَّضُ إلى الأنْبِياءِ. ثُمَّ نَسَّقَ الخِطابَ عامًّا لَهُما ولِقَوْمِهِما بِاتِّخاذِ المَساجِدِ والصَّلاةِ فِيها، لِأنَّ ذَلِكَ واجِبٌ عَلى الجُمْهُورِ، ثُمَّ خَصَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالتَّبْشِيرِ الَّذِي هو الغَرَضُ، تَعْظِيمًا لَهُ ولِلْمُبَشَّرِ بِهِ.

يونس 10:88

﴿وقالَ مُوسى رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ زِينَةً وأمْوالًا في الحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ ﴿قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فاسْتَقِيما ولا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾: لَمّا بالَغَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في إظْهارِ المُعْجِزاتِ وهم مُصِرُّونَ عَلى العِنادِ، واشْتَدَّ أذاهم عَلَيْهِ وعَلى مَن آمَنَ مَعَهُ، وهم لا يَزِيدُونَ عَلى عَرْضِ الآياتِ إلّا كُفْرًا، وعَلى الإنْذارِ إلّا اسْتِكْبارًا، وعَلِمَ بِالتَّجْرِبَةِ وطُولِ الصُّحْبَةِ أنَّهُ لا يَجِيءُ مِنهم إلّا الغَيُّ والضَّلالُ، أوْ عَلِمَ ذَلِكَ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، دَعا اللَّهَ تَعالى عَلَيْهِمْ بِما عَلِمَ أنَّهُ لا يَكُونُ غَيْرُهُ كَما تَقُولُ: لَعَنَ اللَّهُ إبْلِيسَ وأخْزى الكَفَرَةَ. كَما دَعا نُوحٌ عَلى قَوْمِهِ حِينَ أُوحِيَ إلَيْهِ ﴿أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦] وقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيِ الدُّعاءِ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنَ النِّعْمَةِ في الدُّنْيا، وكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْإيمانِ بِهِ ولِشُكْرِ نِعَمِهِ، فَجَعَلُوا ذَلِكَ سَبَبًا لِجُحُودِهِ ولِكُفْرِ نِعَمِهِ. والزِّينَةُ: عِبارَةٌ عَمّا يُتَزَيَّنُ بِهِ ويُتَحَسَّنُ مِنَ المَلْبُوسِ والمَرْكُوبِ والأثاثِ، والمالُ: ما يَزِيدُ عَلى ذَلِكَ مِنَ الصّامِتِ والنّاطِقِ. قالَ المُؤَرِّخُونَ والمُفَسِّرُونَ: كانَ لَهم فُسْطاطُ مِصْرَ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ جِبالٌ فِيها مَعادِنُ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والزَّبَرْجَدِ والياقُوتِ. وفي تَكْرارِ رَبَّنا تَوْكِيدٌ لِلدُّعاءِ والِاسْتِغاثَةِ، واللّامُ في لِيُضِلُّوا الظّاهِرُ أنَّها لامُ كَيْ عَلى مَعْنى: آتَيْتَهم ما آتَيْتَهم عَلى سَبِيلِ الِاسْتِدْراجِ، فَكانَ الإتْيانُ لِكَيْ يُضِلُّوا. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لامَ الصَّيْرُورَةِ والعاقِبَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] وكَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ولِلْمَنايا تُرَبِّي كُلُّ مُرْضِعَةٍ ولِلْخَرابِ يَجِدُّ النّاسُ عُمْرانا وقالَ الحَسَنُ: هو دُعاءٌ عَلَيْهِمْ، وبِهَذا بَدَأ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: كَأنَّهُ قالَ لِيَثْبُتُوا عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالِ ولِيَكُونُوا ضُلّالًا، ولِيَطْبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا. ويَبْعُدُ أنْ يَكُونَ دُعاءً عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: (لِيُضِلُّوا) بِضَمِّ الياءِ، إذْ يَبْعُدُ أنْ يَدْعُوَ بِأنْ يَكُونُوا مُضِلِّينَ غَيْرَهم، وهي قِراءَةُ الكُوفِيِّينَ وقَتادَةَ والأعْمَشِ وعِيسى والحَسَنِ والأعْرَجِ بِخِلافٍ عَنْهُما. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ والعَرَبِيّانِ ومُجاهِدٌ وأبُو رَجاءٍ والأعْرَجُ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ وأهْلُ مَكَّةَ بِفَتْحِها. وقَرَأ الشَّعْبِيُّ بِكَسْرِها، والى بَيْنَ الكَسَراتِ (p-١٨٧)الثَّلاثِ. وقِيلَ: لا مَحْذُوفَةٌ، التَّقْدِيرُ: لِئَلّا يَضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ قالَهُ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ. وقَرَأ أبُو الفَضْلِ الرَّقاشِيُّ: (أإنَّكَ آتَيْتَ) عَلى الِاسْتِفْهامِ. ولَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ الأمْوالِ وهي أعَزُّ ما ادُّخِرَ، دَعا بِالطُّمُوسِ عَلَيْها وهي التَّعْفِيَةُ والتَّغْيِيرُ أوِ الإهْلاكُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: صارَتْ دَراهِمُهم حِجارَةً مَنقُوشَةً صِحاحًا وأثْلاثًا وأنْصافًا، ولَمْ يَبْقَ لَهم مَعْدِنٌ إلّا طَمَسَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَنْتَفِعْ بِها أحَدٌ بَعْدُ. وقالَ قَتادَةُ: بَلَغَنا أنَّ أمْوالَهم وزُرُوعَهم صارَتْ حِجارَةً. وقالَ مُجاهِدٌ وعَطِيَّةُ: أهْلَكَها حَتّى لا تُرى. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: صارَتْ دَنانِيرُهم ودَراهِمُهم وفُرُشُهم وكُلُّ شَيْءٍ لَهم حِجارَةً. قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: سَألَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَدَعا بِخَرِيطَةٍ أُصِيبَتْ بِـ مِصْرَ فَأخْرَجَ مِنها الفَواكِهَ والدَّراهِمَ والدَّنانِيرَ، وأنَّها الحِجارَةُ. وقالَ قَتادَةُ والضَّحّاكُ وأبُو صالِحٍ والقُرْطُبِيُّ: جَعَلَ سُكَّرَهم حِجارَةً. وقالَ السُّدِّيُّ: مَسَخَ اللَّهُ الثِّمارَ والنَّخْلَ والأطْعِمَةَ حِجارَةً. وقالَ شَيْخُنا أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمانَ المَقْدِسِيُّ عُرِفَ بِابْنِ النَّقِيبِ، وهو جامِعُ كِتابِ التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ في هَذا الكِتابِ: أخْبَرَنِي جَماعِةٌ مِنَ الصّالِحِينَ كانَ شُغْلُهُمُ السِّياحَةَ: أنَّهم عايَنُوا بِجِبالِ مِصْرَ وبَرارِيها حِجارَةً عَلى هَيْئَةِ الدَّنانِيرِ والدَّراهِمِ، وفِيها آثارُ النَّفْسِ وعَلى هَيْئَةِ الفُلُوسِ، وعَلى هَيْئَةِ البِطِّيخِ العَبْدَوِيِّ وهَيْئَةِ البِطِّيخِ الأخْضَرِ، وعَلى هَيْئَةِ الخِيارِ وعَلى هَيْئَةِ القِثّاءِ، وحِجارَةً مُطَوَّلَةً رَقِيقَةً مُعْوَجَّةً عَلى هَيْئَةِ النُّقُوشِ، ورُبَّما رَأوْا عَلى صُورَةِ الشَّجَرِ. واشْدُدْ: عَلى قُلُوبِهِمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُقاتِلٌ والفَرّاءُ والزَّجّاجُ: اطْبَعْ عَلَيْها وامْنَعْها مِنَ الإيمانِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا والضَّحّاكُ: أهْلِكْهم كُفّارًا. وقالَ مُجاهِدٌ: اشْدُدْ عَلَيْها بِالضَّلالَةِ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: قَسِّ قُلُوبَهم، وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: اشْدُدْ عَلَيْها بِالمَوْتِ، وقالَ الكِرْمانِيُّ: أيْ لا تَجِدُوا سَلْوًا عَنْ أمْوالِهِمْ، ولا صَبْرًا عَلى ذَهابِها. وقَرَأ الشَّعْبِيُّ وفِرْقَةٌ: اطْمُسْ بِضَمِّ المِيمِ، وهي لُغَةٌ مَشْهُورَةٌ. فَلا يُؤْمِنُوا مَجْزُومٌ عَلى أنَّهُ دُعاءٌ عِنْدَ الكِسائِيِّ والفَرّاءِ، كَما قالَ الأعْشى: ؎فَلا تَنْبَسِطْ مِن بَيْنِ عَيْنَيْكَ ما انْزَوى ∗∗∗ ولا تَلْقَنِي إلّا وأنْفُكَ راغِمُ ومَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ جَوابُ اشْدُدْ، بَدَأ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، ومَعْطُوفٌ عَلى لِيُضِلُّوا، عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ قالَهُ الأخْفَشُ وغَيْرُهُ. وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، أوْ عَلى أنَّهُ مَجْزُومٌ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: أنَّ لامَ لِيُضِلُّوا لامُ الدُّعاءِ، وكَأنَّ رُؤْيَةَ العَذابِ غايَةٌ ونِهايَةٌ، لِأنَّ الإيمانَ إذْ ذاكَ لا يَنْفَعُ ولا يُخْرِجُ مِنَ الكُفْرَ، وكانَ العَذابُ الألِيمُ: غَرَقَهم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: كانَ مُوسى يَدْعُو وهارُونُ يُؤْمِنُ، فَنُسِبَتِ الدَّعْوَةُ إلَيْهِما. ويُمْكِنُ أنْ يَكُونا دَعَوا، ويَبْعُدُ قَوْلُ مَن قالَ: كَنّى عَنِ الواحِدِ بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ، لِأنَّ الآيَةَ تَضَمَّنَتْ بُعْدَ مُخاطَبَتِهِما في غَيْرِ شَيْءٍ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ومُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ والضَّحّاكِ: أنَّ الدَّعْوَةَ لَمْ تَظْهَرْ إجابَتُها إلّا بَعْدَ أرْبَعِينَ سَنَةً، وأعْلَما أنَّ دُعاءَهُما صادَفَ مَقْدُورًا، وهَذا مَعْنى إجابَةِ الدُّعاءِ. وقِيلَ لَهُما: ﴿ولا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾، أيْ: في أنْ تَسْتَعْجِلا قَضائِيَ، فَإنَّ وعْدِيَ لا خُلْفَ لَهُ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ والضَّحّاكُ دَعَواتُكُما عَلى الجَمْعِ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ: قَدْ أجَبْتُ دَعْوَتَكُما خَبَرًا عَنِ اللَّهِ تَعالى ونَصَبَ دَعْوَةٍ، والرَّبِيعُ: دَعْوَتَيْكُما، وهَذا يُؤَكِّدُ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّ هارُونَ دَعا مَعَ مُوسى. وقِراءَةُ: (دَعْوَتَيْكُما) تَدُلُّ عَلى أنَّهُ قَرَأ: قَدْ أجَبْتُ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ وفاعِلٌ، ثُمَّ أُمِرا بِالِاسْتِقامَةِ والمَعْنى: الدَّيْمُومَةُ عَلَيْها وعَلى ما أُمِرْتُما بِهِ مِنَ الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ تَعالى، وإلْزامِ حُجَّةِ اللَّهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿تَتَّبِعانِّ﴾ بِتَشْدِيدِ التّاءِ والنُّونِ، وابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ ذَكْوانَ بِتَخْفِيفِ التّاءِ وشَدِّ النُّونِ، وابْنُ ذَكْوانَ أيْضًا بِتَشْدِيدِ التّاءِ وتَخْفِيفِ النُّونِ، وفِرْقَةٌ بِتَخْفِيفِ التّاءِ وسُكُونِ النُّونِ، ورَوى ذَلِكَ الأخْفَشُ الدِّمَشْقِيُّ عَنْ أصْحابِهِ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، فَأمّا شَدُّ النُّونِ فَعَلى أنَّها نُونُ التَّوْكِيدِ الشَّدِيدَةُ لَحِقَتْ فِعْلَ النَّهْيِ المُتَّصِلَ بِهِ ضَمِيرُ الِاثْنَيْنِ، وأمّا تَخْفِيفُها (p-١٨٨)مَكْسُورَةً فَقِيلَ: هي نُونُ التَّوْكِيدِ الخَفِيفَةُ، وكُسِرَتْ كَما كُسِرَتِ الشَّدِيدَةُ. وقَدْ حَكى النَّحْوِيُّونَ كَسْرَ النُّونِ الخَفِيفَةِ في مِثْلِ هَذا عَنِ العَرَبِ، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ والكِسائِيِّ أنَّها لا تَدْخُلُ هُنا الخَفِيفَةُ، ويُونُسُ والفَرّاءُ يَرَيانِ ذَلِكَ. وقِيلَ: النُّونُ المَكْسُورَةُ الخَفِيفَةُ هي عَلامَةُ الرَّفْعِ والفِعْلُ مَنفِيٌّ والمُرادُ مِنهُ النَّهْيُ، أوْ هو خَبَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: غَيْرُ مُتَّبِعِينَ قالَهُ الفارِسِيُّ. والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ. أوِ الَّذِينَ يَسْتَعْجِلُونَ القَضاءَ قَبْلَ مَجِيئِهِ، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ.

يونس 10:89

﴿وقالَ مُوسى رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ زِينَةً وأمْوالًا في الحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ ﴿قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فاسْتَقِيما ولا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾: لَمّا بالَغَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في إظْهارِ المُعْجِزاتِ وهم مُصِرُّونَ عَلى العِنادِ، واشْتَدَّ أذاهم عَلَيْهِ وعَلى مَن آمَنَ مَعَهُ، وهم لا يَزِيدُونَ عَلى عَرْضِ الآياتِ إلّا كُفْرًا، وعَلى الإنْذارِ إلّا اسْتِكْبارًا، وعَلِمَ بِالتَّجْرِبَةِ وطُولِ الصُّحْبَةِ أنَّهُ لا يَجِيءُ مِنهم إلّا الغَيُّ والضَّلالُ، أوْ عَلِمَ ذَلِكَ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، دَعا اللَّهَ تَعالى عَلَيْهِمْ بِما عَلِمَ أنَّهُ لا يَكُونُ غَيْرُهُ كَما تَقُولُ: لَعَنَ اللَّهُ إبْلِيسَ وأخْزى الكَفَرَةَ. كَما دَعا نُوحٌ عَلى قَوْمِهِ حِينَ أُوحِيَ إلَيْهِ ﴿أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦] وقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيِ الدُّعاءِ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنَ النِّعْمَةِ في الدُّنْيا، وكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْإيمانِ بِهِ ولِشُكْرِ نِعَمِهِ، فَجَعَلُوا ذَلِكَ سَبَبًا لِجُحُودِهِ ولِكُفْرِ نِعَمِهِ. والزِّينَةُ: عِبارَةٌ عَمّا يُتَزَيَّنُ بِهِ ويُتَحَسَّنُ مِنَ المَلْبُوسِ والمَرْكُوبِ والأثاثِ، والمالُ: ما يَزِيدُ عَلى ذَلِكَ مِنَ الصّامِتِ والنّاطِقِ. قالَ المُؤَرِّخُونَ والمُفَسِّرُونَ: كانَ لَهم فُسْطاطُ مِصْرَ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ جِبالٌ فِيها مَعادِنُ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والزَّبَرْجَدِ والياقُوتِ. وفي تَكْرارِ رَبَّنا تَوْكِيدٌ لِلدُّعاءِ والِاسْتِغاثَةِ، واللّامُ في لِيُضِلُّوا الظّاهِرُ أنَّها لامُ كَيْ عَلى مَعْنى: آتَيْتَهم ما آتَيْتَهم عَلى سَبِيلِ الِاسْتِدْراجِ، فَكانَ الإتْيانُ لِكَيْ يُضِلُّوا. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لامَ الصَّيْرُورَةِ والعاقِبَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] وكَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ولِلْمَنايا تُرَبِّي كُلُّ مُرْضِعَةٍ ولِلْخَرابِ يَجِدُّ النّاسُ عُمْرانا وقالَ الحَسَنُ: هو دُعاءٌ عَلَيْهِمْ، وبِهَذا بَدَأ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: كَأنَّهُ قالَ لِيَثْبُتُوا عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالِ ولِيَكُونُوا ضُلّالًا، ولِيَطْبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا. ويَبْعُدُ أنْ يَكُونَ دُعاءً عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: (لِيُضِلُّوا) بِضَمِّ الياءِ، إذْ يَبْعُدُ أنْ يَدْعُوَ بِأنْ يَكُونُوا مُضِلِّينَ غَيْرَهم، وهي قِراءَةُ الكُوفِيِّينَ وقَتادَةَ والأعْمَشِ وعِيسى والحَسَنِ والأعْرَجِ بِخِلافٍ عَنْهُما. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ والعَرَبِيّانِ ومُجاهِدٌ وأبُو رَجاءٍ والأعْرَجُ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ وأهْلُ مَكَّةَ بِفَتْحِها. وقَرَأ الشَّعْبِيُّ بِكَسْرِها، والى بَيْنَ الكَسَراتِ (p-١٨٧)الثَّلاثِ. وقِيلَ: لا مَحْذُوفَةٌ، التَّقْدِيرُ: لِئَلّا يَضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ قالَهُ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ. وقَرَأ أبُو الفَضْلِ الرَّقاشِيُّ: (أإنَّكَ آتَيْتَ) عَلى الِاسْتِفْهامِ. ولَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ الأمْوالِ وهي أعَزُّ ما ادُّخِرَ، دَعا بِالطُّمُوسِ عَلَيْها وهي التَّعْفِيَةُ والتَّغْيِيرُ أوِ الإهْلاكُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: صارَتْ دَراهِمُهم حِجارَةً مَنقُوشَةً صِحاحًا وأثْلاثًا وأنْصافًا، ولَمْ يَبْقَ لَهم مَعْدِنٌ إلّا طَمَسَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَنْتَفِعْ بِها أحَدٌ بَعْدُ. وقالَ قَتادَةُ: بَلَغَنا أنَّ أمْوالَهم وزُرُوعَهم صارَتْ حِجارَةً. وقالَ مُجاهِدٌ وعَطِيَّةُ: أهْلَكَها حَتّى لا تُرى. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: صارَتْ دَنانِيرُهم ودَراهِمُهم وفُرُشُهم وكُلُّ شَيْءٍ لَهم حِجارَةً. قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: سَألَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَدَعا بِخَرِيطَةٍ أُصِيبَتْ بِـ مِصْرَ فَأخْرَجَ مِنها الفَواكِهَ والدَّراهِمَ والدَّنانِيرَ، وأنَّها الحِجارَةُ. وقالَ قَتادَةُ والضَّحّاكُ وأبُو صالِحٍ والقُرْطُبِيُّ: جَعَلَ سُكَّرَهم حِجارَةً. وقالَ السُّدِّيُّ: مَسَخَ اللَّهُ الثِّمارَ والنَّخْلَ والأطْعِمَةَ حِجارَةً. وقالَ شَيْخُنا أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمانَ المَقْدِسِيُّ عُرِفَ بِابْنِ النَّقِيبِ، وهو جامِعُ كِتابِ التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ في هَذا الكِتابِ: أخْبَرَنِي جَماعِةٌ مِنَ الصّالِحِينَ كانَ شُغْلُهُمُ السِّياحَةَ: أنَّهم عايَنُوا بِجِبالِ مِصْرَ وبَرارِيها حِجارَةً عَلى هَيْئَةِ الدَّنانِيرِ والدَّراهِمِ، وفِيها آثارُ النَّفْسِ وعَلى هَيْئَةِ الفُلُوسِ، وعَلى هَيْئَةِ البِطِّيخِ العَبْدَوِيِّ وهَيْئَةِ البِطِّيخِ الأخْضَرِ، وعَلى هَيْئَةِ الخِيارِ وعَلى هَيْئَةِ القِثّاءِ، وحِجارَةً مُطَوَّلَةً رَقِيقَةً مُعْوَجَّةً عَلى هَيْئَةِ النُّقُوشِ، ورُبَّما رَأوْا عَلى صُورَةِ الشَّجَرِ. واشْدُدْ: عَلى قُلُوبِهِمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُقاتِلٌ والفَرّاءُ والزَّجّاجُ: اطْبَعْ عَلَيْها وامْنَعْها مِنَ الإيمانِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا والضَّحّاكُ: أهْلِكْهم كُفّارًا. وقالَ مُجاهِدٌ: اشْدُدْ عَلَيْها بِالضَّلالَةِ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: قَسِّ قُلُوبَهم، وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: اشْدُدْ عَلَيْها بِالمَوْتِ، وقالَ الكِرْمانِيُّ: أيْ لا تَجِدُوا سَلْوًا عَنْ أمْوالِهِمْ، ولا صَبْرًا عَلى ذَهابِها. وقَرَأ الشَّعْبِيُّ وفِرْقَةٌ: اطْمُسْ بِضَمِّ المِيمِ، وهي لُغَةٌ مَشْهُورَةٌ. فَلا يُؤْمِنُوا مَجْزُومٌ عَلى أنَّهُ دُعاءٌ عِنْدَ الكِسائِيِّ والفَرّاءِ، كَما قالَ الأعْشى: ؎فَلا تَنْبَسِطْ مِن بَيْنِ عَيْنَيْكَ ما انْزَوى ∗∗∗ ولا تَلْقَنِي إلّا وأنْفُكَ راغِمُ ومَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ جَوابُ اشْدُدْ، بَدَأ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، ومَعْطُوفٌ عَلى لِيُضِلُّوا، عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ قالَهُ الأخْفَشُ وغَيْرُهُ. وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، أوْ عَلى أنَّهُ مَجْزُومٌ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: أنَّ لامَ لِيُضِلُّوا لامُ الدُّعاءِ، وكَأنَّ رُؤْيَةَ العَذابِ غايَةٌ ونِهايَةٌ، لِأنَّ الإيمانَ إذْ ذاكَ لا يَنْفَعُ ولا يُخْرِجُ مِنَ الكُفْرَ، وكانَ العَذابُ الألِيمُ: غَرَقَهم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: كانَ مُوسى يَدْعُو وهارُونُ يُؤْمِنُ، فَنُسِبَتِ الدَّعْوَةُ إلَيْهِما. ويُمْكِنُ أنْ يَكُونا دَعَوا، ويَبْعُدُ قَوْلُ مَن قالَ: كَنّى عَنِ الواحِدِ بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ، لِأنَّ الآيَةَ تَضَمَّنَتْ بُعْدَ مُخاطَبَتِهِما في غَيْرِ شَيْءٍ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ومُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ والضَّحّاكِ: أنَّ الدَّعْوَةَ لَمْ تَظْهَرْ إجابَتُها إلّا بَعْدَ أرْبَعِينَ سَنَةً، وأعْلَما أنَّ دُعاءَهُما صادَفَ مَقْدُورًا، وهَذا مَعْنى إجابَةِ الدُّعاءِ. وقِيلَ لَهُما: ﴿ولا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾، أيْ: في أنْ تَسْتَعْجِلا قَضائِيَ، فَإنَّ وعْدِيَ لا خُلْفَ لَهُ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ والضَّحّاكُ دَعَواتُكُما عَلى الجَمْعِ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ: قَدْ أجَبْتُ دَعْوَتَكُما خَبَرًا عَنِ اللَّهِ تَعالى ونَصَبَ دَعْوَةٍ، والرَّبِيعُ: دَعْوَتَيْكُما، وهَذا يُؤَكِّدُ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّ هارُونَ دَعا مَعَ مُوسى. وقِراءَةُ: (دَعْوَتَيْكُما) تَدُلُّ عَلى أنَّهُ قَرَأ: قَدْ أجَبْتُ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ وفاعِلٌ، ثُمَّ أُمِرا بِالِاسْتِقامَةِ والمَعْنى: الدَّيْمُومَةُ عَلَيْها وعَلى ما أُمِرْتُما بِهِ مِنَ الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ تَعالى، وإلْزامِ حُجَّةِ اللَّهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿تَتَّبِعانِّ﴾ بِتَشْدِيدِ التّاءِ والنُّونِ، وابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ ذَكْوانَ بِتَخْفِيفِ التّاءِ وشَدِّ النُّونِ، وابْنُ ذَكْوانَ أيْضًا بِتَشْدِيدِ التّاءِ وتَخْفِيفِ النُّونِ، وفِرْقَةٌ بِتَخْفِيفِ التّاءِ وسُكُونِ النُّونِ، ورَوى ذَلِكَ الأخْفَشُ الدِّمَشْقِيُّ عَنْ أصْحابِهِ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، فَأمّا شَدُّ النُّونِ فَعَلى أنَّها نُونُ التَّوْكِيدِ الشَّدِيدَةُ لَحِقَتْ فِعْلَ النَّهْيِ المُتَّصِلَ بِهِ ضَمِيرُ الِاثْنَيْنِ، وأمّا تَخْفِيفُها (p-١٨٨)مَكْسُورَةً فَقِيلَ: هي نُونُ التَّوْكِيدِ الخَفِيفَةُ، وكُسِرَتْ كَما كُسِرَتِ الشَّدِيدَةُ. وقَدْ حَكى النَّحْوِيُّونَ كَسْرَ النُّونِ الخَفِيفَةِ في مِثْلِ هَذا عَنِ العَرَبِ، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ والكِسائِيِّ أنَّها لا تَدْخُلُ هُنا الخَفِيفَةُ، ويُونُسُ والفَرّاءُ يَرَيانِ ذَلِكَ. وقِيلَ: النُّونُ المَكْسُورَةُ الخَفِيفَةُ هي عَلامَةُ الرَّفْعِ والفِعْلُ مَنفِيٌّ والمُرادُ مِنهُ النَّهْيُ، أوْ هو خَبَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: غَيْرُ مُتَّبِعِينَ قالَهُ الفارِسِيُّ. والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ. أوِ الَّذِينَ يَسْتَعْجِلُونَ القَضاءَ قَبْلَ مَجِيئِهِ، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ.

يونس 10:90

﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ بَغْيًا وعَدْوًا حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ آيَةً وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ﴾: قَرَأ الحَسَنُ: وجَوَّزْنا بِتَشْدِيدِ الواوِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الباءِ في بَنِي إسْرائِيلَ، وكَمْ كانَ الَّذِينَ جازُوا مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في سُورَةِ الأعْرافِ. وقَرَأ الحَسَنُ وقَتادَةُ: فاتَّبَعَهم بِتَشْدِيدِ التّاءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وجاوَزْنا بِبَنِي﴾ رُباعِيًّا، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَيْسَ مَن جَوَّزَ الَّذِي في بَيْتِ الأعْشى: ؎وإذا تُجَوُّزُها حِبالَ قَبِيلَةٍ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مِنهُ لَكانَ حَقُّهُ أنْ يُقالَ: وجَوَّزْنا بِـ بَنِي إسْرائِيلَ في البَحْرِ كَما قالَ: ؎كَمّا جَوَّزَ السُّبْكِيُّ في البابِ فَيْنَقُ، انْتَهى وقالَ الحَوْفِيُّ: تَبِعَ واتَّبَعَ بِمَعْنًى واحِدٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَأتْبَعَهم: لَحِقَهم، يُقالُ: تَبِعَهُ حَتّى اتَّبَعَهُ. وفي اللَّوامِحِ: تَبِعَهُ إذا مَشى خَلْفَهُ واتَّبَعَهُ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ حاذاهُ في المَشْيِ واتَّبَعَهُ لَحِقَهُ، ومِنهُ العامَّةُ، يَعْنِي: ومِنهُ قِراءَةُ العامَّةِ: فَأتْبَعَهم وجُنُودُ فِرْعَوْنَ، قِيلَ: ألْفُ ألْفٍ وسِتُّمِائَةِ ألْفٍ. وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ. وقَرَأ الحَسَنُ: وعُدُوًّا عَلى وزْنِ عُلُوٍّ، وتَقَدَّمَتْ في الأنْعامِ. وعَدْوًا وعُدُوًّا مِنَ العُدْوانِ، واتِّباعُ فِرْعَوْنَ هو في مُجاوَزَةِ البَحْرِ. رُوِيَ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا انْتَهى إلى البَحْرِ فَوَجَدَهُ قَدِ انْفَرَقَ، ومَضى فِيهِ بَنُو إسْرائِيلَ قالَ لِقَوْمِهِ: إنَّما انْفَلَقَ بِأمْرِي، وكانَ عَلى فَرَسٍ ذَكَرٍ فَبَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى فَرَسٍ أُنْثى، ودَنَوْا فَدَخَلَ بِها البَحْرَ ولَجَّ فَرَسُ فِرْعَوْنَ وراءَهُ وجَنْبُ الجُيُوشِ خَلْفَهُ، فَلَمّا رَأى أنَّ الِانْفِراقَ ثَبَتَ لَهُ اسْتَمَرَّ، وبَعَثَ اللَّهُ مِيكائِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَسُوقُ النّاسَ حَتّى حَصَلَ جَمِيعُهم في البَحْرِ فانْطَبَقَ عَلَيْهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أنَّهُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى حَذْفِ الباءِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ وحَمْزَةُ: بِكَسْرِها عَلى الِاسْتِئْنافِ ابْتِداءَ كَلامٍ أوْ بَدَلًا مِن آمَنَتْ، أوْ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أيْ: قائِلًا أنَّهُ. ولَمّا لَحِقَهُ مِنَ الدَّهَشِ ما لَحِقَهُ كَرَّرَ المَعْنى بِثَلاثِ عِباراتٍ، إمّا عَلى سَبِيلِ التَّلَعْثُمِ إذْ ذَلِكَ مَقامٌ تَحارُ فِيهِ القُلُوبُ، أوْ حِرْصًا عَلى القَبُولِ ولَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ مِنهُ إذْ فاتَهُ وقْتُ القَبُولِ وهو حالَةُ الِاخْتِيارِ وبَقاءُ التَّكْلِيفِ، والتَّوْبَةُ بَعْدَ المُعايَنَةِ لا تَنْفَعُ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ في عِبادِهِ﴾ [غافر: ٨٥] وتَقَدَّمَ الخِلافُ في قِراءَةِ: (آلْآنَ) في قَوْلِهِ: ﴿آلْآنَ وقَدْ كُنْتُمْ﴾ [يونس: ٥١] والمَعْنى: أتُؤْمِنُ السّاعَةَ في حالِ الِاضْطِرارِ حِينَ أدْرَكَكَ الغَرَقُ وأيِسْتَ مِن نَفْسِكَ ؟ قِيلَ: قالَ ذَلِكَ حِينَ ألْجَمَهُ الغَرَقُ. وقِيلَ: بَعْدَ أنْ غَرِقَ في نَفْسِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والَّذِي يُحْكى أنَّهُ حِينَ قالَ: آمَنتُ، أخَذَ جِبْرِيلُ مِن جالِ البَحْرِ فَدَسَّهُ في فِيهِ، فَلِلْغَضَبِ في اللَّهِ تَعالى عَلى حالِ الكافِرِ في وقْتٍ قَدْ عَلِمَ (p-١٨٩)أنَّ إيمانَهُ لا يَنْفَعُهُ. وأمّا ما يُضَمُّ إلَيْهِ مِن قَوْلِهِمْ: خَشِيتُ أنْ تُدْرِكَهُ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى، فَمِن زِياداتِ الباهِتِينَ لِلَّهِ تَعالى ومَلائِكَتِهِ، وفِيهِ جَهالَتانِ: إحْداهُما: أنَّ الإيمانَ يَصِحُّ بِالقَلْبِ كَإيمانِ الأخْرَسِ، فَجالُ البَحْرِ لا يَمْنَعُهُ. والآخَرُ: أنَّ مَن كَرِهَ الإيمانِ لِلْكافِرِ وأحَبَّ بَقاءَهُ عَلى الكُفْرِ فَهو كافِرٌ، لِأنَّ الرِّضا بِالكُفْرِ كُفْرٌ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: آلْآنَ إلى آخِرِهِ مِن كَلامِ اللَّهِ لَهُ عَلى لِسانِ مَلَكٍ. فَقِيلَ: هو جِبْرِيلُ، وقِيلَ: مِيكائِيلُ، وقِيلَ: غَيْرُهُما لِخِطابِهِ ﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ﴾ . وقِيلَ: مِن قَوْلِ فِرْعَوْنَ في نَفْسِهِ وإفْسادِهِ وإضْلالِهِ النّاسَ، ودَعْواهُ الرُّبُوبِيَّةَ. ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل: ٨٨] فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ: الظّاهِرُ أنَّهُ خَبَرٌ. وقِيلَ: هو اسْتِفْهامُ فِيهِ تَهْدِيدٌ، أيْ: أفاليَوْمَ نُنَجِّيكَ ؟ فَهَلّا كانَ الإيمانُ قَبْلَ الإشْرافِ عَلى الهَلاكِ، وهَذا بَعِيدٌ لِحَذْفِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ ولِقَوْلِهِ: لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ آيَةً، لِأنَّ التَّعْلِيلَ لا يُناسِبُ هَذا الِاسْتِفْهامَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نُنَجِّيكَ: نُلْقِيكَ بِنَجْوَةٍ مِنَ الأرْضِ وهي المَكانُ المُرْتَفِعُ، وبِبَدَنِكَ: بِدِرْعِكَ، وكانَ مِن لُؤْلُؤٍ مَنظُومٍ لا مِثالَ لَهُ. وقِيلَ: مِن ذَهَبٍ. وقِيلَ: مِن حَدِيدٍ وفِيها سَلاسِلُ مِن ذَهَبٍ. والبَدَنُ: بَدَنُ الإنْسانِ، والبَدَنُ: الدِّرْعُ القَصِيرَةُ. قالَ: ؎تَرى الأبْدانَ فِيها مُسْبَغاتٍ ∗∗∗ عَلى الأبْطالِ والكَلْبِ الحَصِينا يَعْنِي: الدُّرُوعَ. وقالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِ يَكْرِبَ: ؎أعاذِلَ شَكَّتِي بَدَنِي وسَيْفِي ∗∗∗ وكُلُّ مُقَلِّصٍ سَلِسِ القِيادِ وكانَتْ لَهُ دِرْعٌ مِن ذَهَبٍ يُعْرَفُ بِها، وقِيلَ: نُلْقِيكَ بِبَدَنِكَ عُرْيانًا لَيْسَ عَلَيْكَ ثِيابٌ ولا سِلاحٌ، وذَلِكَ أبْلَغُ في إهانَتِهِ. وقِيلَ: نُخْرِجُكَ صَحِيحًا لَمْ يَأْكُلْكَ شَيْءٌ مِنَ الدَّوابِّ. وقِيلَ: بِدْنًا بِلا رُوحٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: نُخْرِجُكَ مِن مُلْكِكَ وحِيدًا فَرِيدًا. وقِيلَ: نُلْقِيكَ في البَحْرِ مِنَ النَّجاءِ، وهو ما سَلَخْتَهُ عَنِ الشّاةِ أوْ ألْقَيْتَهُ عَنْ نَفْسِكَ مِن ثِيابٍ أوْ سِلاحٍ. وقِيلَ: نَتْرُكُكَ حَتّى تَغْرَقَ، والنَّجاءُ: التَّرْكُ. وقِيلَ: نَجْعَلُكَ عَلامَةً، والنَّجاءُ: العَلامَةُ. وقِيلَ: نُغْرِقُكَ مِن قَوْلِهِمْ: نَجّى البَحْرُ أقْوامًا إذا أغْرَقَهم. وقالَ الكِرْمانِيُّ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ النَّجاةِ وهو الإسْراعُ، أيْ: نُسْرِعُ بِهَلاكِكَ. وقِيلَ: مَعْنى بِبَدَنِكَ: بِصُورَتِكَ الَّتِي تُعْرَفُ بِها، وكانَ قَصِيرًا أشْقَرَ أزْرَقَ قَرِيبَ اللِّحْيَةِ مِنَ القامَةِ، ولَمْ يَكُنْ في بَنِي إسْرائِيلَ شَبِيهٌ لَهُ يَعْرِفُونَهُ بِصُورَتِهِ، وبِبَدَنِكَ: إذا عُنِيَ بِهِ الجُثَّةُ: تَأْكِيدٌ كَما تَقُولُ: قالَ فُلانٌ بِلِسانِهِ وجاءَ بِنَفْسِهِ. وقَرَأ يَعْقُوبُ: نُنْجِيكَ مُخَفَّفًا مُضارِعُ أنْجى. وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ السَّمَيْقَعِ ويَزِيدُ البَرْبَرِيُّ: نُنَحِّيكَ بِالحاءِ المُهْمَلَةِ مِنَ التَّنْحِيَةِ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أيْ: نُلْقِيكَ بِناحِيَةٍ مِمّا يَلِي البَحْرَ. قالَ كَعْبٌ: رَماهُ البَحْرُ إلى السّاحِلِ كَأنَّهُ نُورٌ. وقَرَأ أبُو حَنِيفَةَ: بِأبْدانِكَ أيْ: بِدُرُوعِكَ، أوْ جُعِلَ كُلُّ جُزْءٍ مِنَ البَدَنِ بَدَنًا كَقَوْلِهِمْ: شابَتْ مَفارِقُهُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ السَّمَيْقَعِ: بِنِدائِكَ: مَكانَ بِبَدَنِكَ، أيْ: بِدُعائِكَ، أيْ: بِقَوْلِكَ آمَنتُ إلى آخِرِهِ. لِنَجْعَلَكَ آيَةً مَعَ نِدائِكَ الَّذِي لا يَنْفَعُ، أوْ بِما نادَيْتَ بِهِ في قَوْمِكَ. ونادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ ﴿فَحَشَرَ فَنادى﴾ [النازعات: ٢٣] ﴿فَقالَ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤]، و﴿ياأيُّها المَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] . ولَمّا كَذَّبَتْ بَنُو إسْرائِيلَ بِغَرَقِ فِرْعَوْنَ رَمى بِهِ البَحْرُ عَلى ساحِلِهِ حَتّى رَأوْهُ قَصِيرًا أحْمَرَ كَأنَّهُ ثَوْرٌ ﴿لِمَن خَلْفَكَ﴾: لِمَن وراءَكَ عَلامَةً وهم بَنُو إسْرائِيلَ، وكانَ في أنْفُسِهِمْ أنَّ فِرْعَوْنَ أعْظَمُ شَأْنًا مِن أنْ يَغْرَقَ، وكانَ مَطْرَحُهُ عَلى مَمَرِّ بَنِي إسْرائِيلَ حَتّى قِيلَ: ﴿لِمَن خَلْفَكَ آيَةً﴾ . وقِيلَ: لِمَن يَأْتِي بَعْدَكَ مِنَ القُرُونِ، وقِيلَ: لِمَن بَقِيَ مِن قِبْطِ مِصْرَ وغَيْرِهِمْ. وقُرِئَ: لِمَن خَلَفَكَ بِفَتْحِ اللّامِ، أيْ: مِنَ الجَبابِرَةِ والفَراعِنَةِ لِيَتَّعِظُوا بِذَلِكَ، ويَحْذَرُوا أنْ يُصِيبَهم ما أصابَكَ إذا فَعَلُوا فِعْلَكَ. ومَعْنى كَوْنِهِ آيَةً: أنْ يَظْهَرَ لِلنّاسِ عُبُودِيَّتُهُ ومَهانَتُهُ، أوْ لِيَكُونَ عِبْرَةً يَعْتَبِرُ بِها الأُمَمُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: لِمَن خَلَقَكَ مِنَ الخَلْقِ وهو اللَّهُ تَعالى، أيْ: لِيَجْعَلَكَ اللَّهُ آيَةً لَهُ (p-١٩٠)فِي عِبادِهِ. وقِيلَ: المَعْنى لِيَكُونَ طَرْحُكَ عَلى السّاحِلِ وحْدَكَ، وتَمْيِيزُكَ مِن بَيْنِ المُغْرَقِينَ لِئَلّا يَشْتَبِهَ عَلى النّاسِ أمْرُكَ، ولِئَلّا يَقُولُوا لِادِّعائِكَ العَظَمَةَ: إنَّ مِثْلَهُ لا يَغْرَقُ ولا يَمُوتُ آيَةً مِن آياتِ اللَّهِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرُهُ، ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ ظاهِرُهُ النّاسُ كافَّةً، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ مُقاتِلٌ: مِن أهْلِ مَكَّةَ (عَنْ آياتِنا) أيِ: العَلاماتِ الدّالَّةِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ وغَيْرِها مِن صِفاتِ العَلِيِّ، ﴿لَغافِلُونَ﴾: لا يَتَدَبَّرُونَ، وهَذا خَبَرٌ في ضِمْنِهِ تَوَعَّدٌ.

يونس 10:91

﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ بَغْيًا وعَدْوًا حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ آيَةً وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ﴾: قَرَأ الحَسَنُ: وجَوَّزْنا بِتَشْدِيدِ الواوِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الباءِ في بَنِي إسْرائِيلَ، وكَمْ كانَ الَّذِينَ جازُوا مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في سُورَةِ الأعْرافِ. وقَرَأ الحَسَنُ وقَتادَةُ: فاتَّبَعَهم بِتَشْدِيدِ التّاءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وجاوَزْنا بِبَنِي﴾ رُباعِيًّا، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَيْسَ مَن جَوَّزَ الَّذِي في بَيْتِ الأعْشى: ؎وإذا تُجَوُّزُها حِبالَ قَبِيلَةٍ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مِنهُ لَكانَ حَقُّهُ أنْ يُقالَ: وجَوَّزْنا بِـ بَنِي إسْرائِيلَ في البَحْرِ كَما قالَ: ؎كَمّا جَوَّزَ السُّبْكِيُّ في البابِ فَيْنَقُ، انْتَهى وقالَ الحَوْفِيُّ: تَبِعَ واتَّبَعَ بِمَعْنًى واحِدٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَأتْبَعَهم: لَحِقَهم، يُقالُ: تَبِعَهُ حَتّى اتَّبَعَهُ. وفي اللَّوامِحِ: تَبِعَهُ إذا مَشى خَلْفَهُ واتَّبَعَهُ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ حاذاهُ في المَشْيِ واتَّبَعَهُ لَحِقَهُ، ومِنهُ العامَّةُ، يَعْنِي: ومِنهُ قِراءَةُ العامَّةِ: فَأتْبَعَهم وجُنُودُ فِرْعَوْنَ، قِيلَ: ألْفُ ألْفٍ وسِتُّمِائَةِ ألْفٍ. وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ. وقَرَأ الحَسَنُ: وعُدُوًّا عَلى وزْنِ عُلُوٍّ، وتَقَدَّمَتْ في الأنْعامِ. وعَدْوًا وعُدُوًّا مِنَ العُدْوانِ، واتِّباعُ فِرْعَوْنَ هو في مُجاوَزَةِ البَحْرِ. رُوِيَ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا انْتَهى إلى البَحْرِ فَوَجَدَهُ قَدِ انْفَرَقَ، ومَضى فِيهِ بَنُو إسْرائِيلَ قالَ لِقَوْمِهِ: إنَّما انْفَلَقَ بِأمْرِي، وكانَ عَلى فَرَسٍ ذَكَرٍ فَبَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى فَرَسٍ أُنْثى، ودَنَوْا فَدَخَلَ بِها البَحْرَ ولَجَّ فَرَسُ فِرْعَوْنَ وراءَهُ وجَنْبُ الجُيُوشِ خَلْفَهُ، فَلَمّا رَأى أنَّ الِانْفِراقَ ثَبَتَ لَهُ اسْتَمَرَّ، وبَعَثَ اللَّهُ مِيكائِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَسُوقُ النّاسَ حَتّى حَصَلَ جَمِيعُهم في البَحْرِ فانْطَبَقَ عَلَيْهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أنَّهُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى حَذْفِ الباءِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ وحَمْزَةُ: بِكَسْرِها عَلى الِاسْتِئْنافِ ابْتِداءَ كَلامٍ أوْ بَدَلًا مِن آمَنَتْ، أوْ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أيْ: قائِلًا أنَّهُ. ولَمّا لَحِقَهُ مِنَ الدَّهَشِ ما لَحِقَهُ كَرَّرَ المَعْنى بِثَلاثِ عِباراتٍ، إمّا عَلى سَبِيلِ التَّلَعْثُمِ إذْ ذَلِكَ مَقامٌ تَحارُ فِيهِ القُلُوبُ، أوْ حِرْصًا عَلى القَبُولِ ولَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ مِنهُ إذْ فاتَهُ وقْتُ القَبُولِ وهو حالَةُ الِاخْتِيارِ وبَقاءُ التَّكْلِيفِ، والتَّوْبَةُ بَعْدَ المُعايَنَةِ لا تَنْفَعُ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ في عِبادِهِ﴾ [غافر: ٨٥] وتَقَدَّمَ الخِلافُ في قِراءَةِ: (آلْآنَ) في قَوْلِهِ: ﴿آلْآنَ وقَدْ كُنْتُمْ﴾ [يونس: ٥١] والمَعْنى: أتُؤْمِنُ السّاعَةَ في حالِ الِاضْطِرارِ حِينَ أدْرَكَكَ الغَرَقُ وأيِسْتَ مِن نَفْسِكَ ؟ قِيلَ: قالَ ذَلِكَ حِينَ ألْجَمَهُ الغَرَقُ. وقِيلَ: بَعْدَ أنْ غَرِقَ في نَفْسِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والَّذِي يُحْكى أنَّهُ حِينَ قالَ: آمَنتُ، أخَذَ جِبْرِيلُ مِن جالِ البَحْرِ فَدَسَّهُ في فِيهِ، فَلِلْغَضَبِ في اللَّهِ تَعالى عَلى حالِ الكافِرِ في وقْتٍ قَدْ عَلِمَ (p-١٨٩)أنَّ إيمانَهُ لا يَنْفَعُهُ. وأمّا ما يُضَمُّ إلَيْهِ مِن قَوْلِهِمْ: خَشِيتُ أنْ تُدْرِكَهُ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى، فَمِن زِياداتِ الباهِتِينَ لِلَّهِ تَعالى ومَلائِكَتِهِ، وفِيهِ جَهالَتانِ: إحْداهُما: أنَّ الإيمانَ يَصِحُّ بِالقَلْبِ كَإيمانِ الأخْرَسِ، فَجالُ البَحْرِ لا يَمْنَعُهُ. والآخَرُ: أنَّ مَن كَرِهَ الإيمانِ لِلْكافِرِ وأحَبَّ بَقاءَهُ عَلى الكُفْرِ فَهو كافِرٌ، لِأنَّ الرِّضا بِالكُفْرِ كُفْرٌ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: آلْآنَ إلى آخِرِهِ مِن كَلامِ اللَّهِ لَهُ عَلى لِسانِ مَلَكٍ. فَقِيلَ: هو جِبْرِيلُ، وقِيلَ: مِيكائِيلُ، وقِيلَ: غَيْرُهُما لِخِطابِهِ ﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ﴾ . وقِيلَ: مِن قَوْلِ فِرْعَوْنَ في نَفْسِهِ وإفْسادِهِ وإضْلالِهِ النّاسَ، ودَعْواهُ الرُّبُوبِيَّةَ. ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل: ٨٨] فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ: الظّاهِرُ أنَّهُ خَبَرٌ. وقِيلَ: هو اسْتِفْهامُ فِيهِ تَهْدِيدٌ، أيْ: أفاليَوْمَ نُنَجِّيكَ ؟ فَهَلّا كانَ الإيمانُ قَبْلَ الإشْرافِ عَلى الهَلاكِ، وهَذا بَعِيدٌ لِحَذْفِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ ولِقَوْلِهِ: لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ آيَةً، لِأنَّ التَّعْلِيلَ لا يُناسِبُ هَذا الِاسْتِفْهامَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نُنَجِّيكَ: نُلْقِيكَ بِنَجْوَةٍ مِنَ الأرْضِ وهي المَكانُ المُرْتَفِعُ، وبِبَدَنِكَ: بِدِرْعِكَ، وكانَ مِن لُؤْلُؤٍ مَنظُومٍ لا مِثالَ لَهُ. وقِيلَ: مِن ذَهَبٍ. وقِيلَ: مِن حَدِيدٍ وفِيها سَلاسِلُ مِن ذَهَبٍ. والبَدَنُ: بَدَنُ الإنْسانِ، والبَدَنُ: الدِّرْعُ القَصِيرَةُ. قالَ: ؎تَرى الأبْدانَ فِيها مُسْبَغاتٍ ∗∗∗ عَلى الأبْطالِ والكَلْبِ الحَصِينا يَعْنِي: الدُّرُوعَ. وقالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِ يَكْرِبَ: ؎أعاذِلَ شَكَّتِي بَدَنِي وسَيْفِي ∗∗∗ وكُلُّ مُقَلِّصٍ سَلِسِ القِيادِ وكانَتْ لَهُ دِرْعٌ مِن ذَهَبٍ يُعْرَفُ بِها، وقِيلَ: نُلْقِيكَ بِبَدَنِكَ عُرْيانًا لَيْسَ عَلَيْكَ ثِيابٌ ولا سِلاحٌ، وذَلِكَ أبْلَغُ في إهانَتِهِ. وقِيلَ: نُخْرِجُكَ صَحِيحًا لَمْ يَأْكُلْكَ شَيْءٌ مِنَ الدَّوابِّ. وقِيلَ: بِدْنًا بِلا رُوحٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: نُخْرِجُكَ مِن مُلْكِكَ وحِيدًا فَرِيدًا. وقِيلَ: نُلْقِيكَ في البَحْرِ مِنَ النَّجاءِ، وهو ما سَلَخْتَهُ عَنِ الشّاةِ أوْ ألْقَيْتَهُ عَنْ نَفْسِكَ مِن ثِيابٍ أوْ سِلاحٍ. وقِيلَ: نَتْرُكُكَ حَتّى تَغْرَقَ، والنَّجاءُ: التَّرْكُ. وقِيلَ: نَجْعَلُكَ عَلامَةً، والنَّجاءُ: العَلامَةُ. وقِيلَ: نُغْرِقُكَ مِن قَوْلِهِمْ: نَجّى البَحْرُ أقْوامًا إذا أغْرَقَهم. وقالَ الكِرْمانِيُّ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ النَّجاةِ وهو الإسْراعُ، أيْ: نُسْرِعُ بِهَلاكِكَ. وقِيلَ: مَعْنى بِبَدَنِكَ: بِصُورَتِكَ الَّتِي تُعْرَفُ بِها، وكانَ قَصِيرًا أشْقَرَ أزْرَقَ قَرِيبَ اللِّحْيَةِ مِنَ القامَةِ، ولَمْ يَكُنْ في بَنِي إسْرائِيلَ شَبِيهٌ لَهُ يَعْرِفُونَهُ بِصُورَتِهِ، وبِبَدَنِكَ: إذا عُنِيَ بِهِ الجُثَّةُ: تَأْكِيدٌ كَما تَقُولُ: قالَ فُلانٌ بِلِسانِهِ وجاءَ بِنَفْسِهِ. وقَرَأ يَعْقُوبُ: نُنْجِيكَ مُخَفَّفًا مُضارِعُ أنْجى. وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ السَّمَيْقَعِ ويَزِيدُ البَرْبَرِيُّ: نُنَحِّيكَ بِالحاءِ المُهْمَلَةِ مِنَ التَّنْحِيَةِ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أيْ: نُلْقِيكَ بِناحِيَةٍ مِمّا يَلِي البَحْرَ. قالَ كَعْبٌ: رَماهُ البَحْرُ إلى السّاحِلِ كَأنَّهُ نُورٌ. وقَرَأ أبُو حَنِيفَةَ: بِأبْدانِكَ أيْ: بِدُرُوعِكَ، أوْ جُعِلَ كُلُّ جُزْءٍ مِنَ البَدَنِ بَدَنًا كَقَوْلِهِمْ: شابَتْ مَفارِقُهُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ السَّمَيْقَعِ: بِنِدائِكَ: مَكانَ بِبَدَنِكَ، أيْ: بِدُعائِكَ، أيْ: بِقَوْلِكَ آمَنتُ إلى آخِرِهِ. لِنَجْعَلَكَ آيَةً مَعَ نِدائِكَ الَّذِي لا يَنْفَعُ، أوْ بِما نادَيْتَ بِهِ في قَوْمِكَ. ونادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ ﴿فَحَشَرَ فَنادى﴾ [النازعات: ٢٣] ﴿فَقالَ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤]، و﴿ياأيُّها المَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] . ولَمّا كَذَّبَتْ بَنُو إسْرائِيلَ بِغَرَقِ فِرْعَوْنَ رَمى بِهِ البَحْرُ عَلى ساحِلِهِ حَتّى رَأوْهُ قَصِيرًا أحْمَرَ كَأنَّهُ ثَوْرٌ ﴿لِمَن خَلْفَكَ﴾: لِمَن وراءَكَ عَلامَةً وهم بَنُو إسْرائِيلَ، وكانَ في أنْفُسِهِمْ أنَّ فِرْعَوْنَ أعْظَمُ شَأْنًا مِن أنْ يَغْرَقَ، وكانَ مَطْرَحُهُ عَلى مَمَرِّ بَنِي إسْرائِيلَ حَتّى قِيلَ: ﴿لِمَن خَلْفَكَ آيَةً﴾ . وقِيلَ: لِمَن يَأْتِي بَعْدَكَ مِنَ القُرُونِ، وقِيلَ: لِمَن بَقِيَ مِن قِبْطِ مِصْرَ وغَيْرِهِمْ. وقُرِئَ: لِمَن خَلَفَكَ بِفَتْحِ اللّامِ، أيْ: مِنَ الجَبابِرَةِ والفَراعِنَةِ لِيَتَّعِظُوا بِذَلِكَ، ويَحْذَرُوا أنْ يُصِيبَهم ما أصابَكَ إذا فَعَلُوا فِعْلَكَ. ومَعْنى كَوْنِهِ آيَةً: أنْ يَظْهَرَ لِلنّاسِ عُبُودِيَّتُهُ ومَهانَتُهُ، أوْ لِيَكُونَ عِبْرَةً يَعْتَبِرُ بِها الأُمَمُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: لِمَن خَلَقَكَ مِنَ الخَلْقِ وهو اللَّهُ تَعالى، أيْ: لِيَجْعَلَكَ اللَّهُ آيَةً لَهُ (p-١٩٠)فِي عِبادِهِ. وقِيلَ: المَعْنى لِيَكُونَ طَرْحُكَ عَلى السّاحِلِ وحْدَكَ، وتَمْيِيزُكَ مِن بَيْنِ المُغْرَقِينَ لِئَلّا يَشْتَبِهَ عَلى النّاسِ أمْرُكَ، ولِئَلّا يَقُولُوا لِادِّعائِكَ العَظَمَةَ: إنَّ مِثْلَهُ لا يَغْرَقُ ولا يَمُوتُ آيَةً مِن آياتِ اللَّهِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرُهُ، ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ ظاهِرُهُ النّاسُ كافَّةً، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ مُقاتِلٌ: مِن أهْلِ مَكَّةَ (عَنْ آياتِنا) أيِ: العَلاماتِ الدّالَّةِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ وغَيْرِها مِن صِفاتِ العَلِيِّ، ﴿لَغافِلُونَ﴾: لا يَتَدَبَّرُونَ، وهَذا خَبَرٌ في ضِمْنِهِ تَوَعَّدٌ.

يونس 10:92

﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ بَغْيًا وعَدْوًا حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ آيَةً وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ﴾: قَرَأ الحَسَنُ: وجَوَّزْنا بِتَشْدِيدِ الواوِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الباءِ في بَنِي إسْرائِيلَ، وكَمْ كانَ الَّذِينَ جازُوا مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في سُورَةِ الأعْرافِ. وقَرَأ الحَسَنُ وقَتادَةُ: فاتَّبَعَهم بِتَشْدِيدِ التّاءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وجاوَزْنا بِبَنِي﴾ رُباعِيًّا، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَيْسَ مَن جَوَّزَ الَّذِي في بَيْتِ الأعْشى: ؎وإذا تُجَوُّزُها حِبالَ قَبِيلَةٍ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مِنهُ لَكانَ حَقُّهُ أنْ يُقالَ: وجَوَّزْنا بِـ بَنِي إسْرائِيلَ في البَحْرِ كَما قالَ: ؎كَمّا جَوَّزَ السُّبْكِيُّ في البابِ فَيْنَقُ، انْتَهى وقالَ الحَوْفِيُّ: تَبِعَ واتَّبَعَ بِمَعْنًى واحِدٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَأتْبَعَهم: لَحِقَهم، يُقالُ: تَبِعَهُ حَتّى اتَّبَعَهُ. وفي اللَّوامِحِ: تَبِعَهُ إذا مَشى خَلْفَهُ واتَّبَعَهُ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ حاذاهُ في المَشْيِ واتَّبَعَهُ لَحِقَهُ، ومِنهُ العامَّةُ، يَعْنِي: ومِنهُ قِراءَةُ العامَّةِ: فَأتْبَعَهم وجُنُودُ فِرْعَوْنَ، قِيلَ: ألْفُ ألْفٍ وسِتُّمِائَةِ ألْفٍ. وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ. وقَرَأ الحَسَنُ: وعُدُوًّا عَلى وزْنِ عُلُوٍّ، وتَقَدَّمَتْ في الأنْعامِ. وعَدْوًا وعُدُوًّا مِنَ العُدْوانِ، واتِّباعُ فِرْعَوْنَ هو في مُجاوَزَةِ البَحْرِ. رُوِيَ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا انْتَهى إلى البَحْرِ فَوَجَدَهُ قَدِ انْفَرَقَ، ومَضى فِيهِ بَنُو إسْرائِيلَ قالَ لِقَوْمِهِ: إنَّما انْفَلَقَ بِأمْرِي، وكانَ عَلى فَرَسٍ ذَكَرٍ فَبَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى فَرَسٍ أُنْثى، ودَنَوْا فَدَخَلَ بِها البَحْرَ ولَجَّ فَرَسُ فِرْعَوْنَ وراءَهُ وجَنْبُ الجُيُوشِ خَلْفَهُ، فَلَمّا رَأى أنَّ الِانْفِراقَ ثَبَتَ لَهُ اسْتَمَرَّ، وبَعَثَ اللَّهُ مِيكائِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَسُوقُ النّاسَ حَتّى حَصَلَ جَمِيعُهم في البَحْرِ فانْطَبَقَ عَلَيْهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أنَّهُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى حَذْفِ الباءِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ وحَمْزَةُ: بِكَسْرِها عَلى الِاسْتِئْنافِ ابْتِداءَ كَلامٍ أوْ بَدَلًا مِن آمَنَتْ، أوْ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أيْ: قائِلًا أنَّهُ. ولَمّا لَحِقَهُ مِنَ الدَّهَشِ ما لَحِقَهُ كَرَّرَ المَعْنى بِثَلاثِ عِباراتٍ، إمّا عَلى سَبِيلِ التَّلَعْثُمِ إذْ ذَلِكَ مَقامٌ تَحارُ فِيهِ القُلُوبُ، أوْ حِرْصًا عَلى القَبُولِ ولَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ مِنهُ إذْ فاتَهُ وقْتُ القَبُولِ وهو حالَةُ الِاخْتِيارِ وبَقاءُ التَّكْلِيفِ، والتَّوْبَةُ بَعْدَ المُعايَنَةِ لا تَنْفَعُ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ في عِبادِهِ﴾ [غافر: ٨٥] وتَقَدَّمَ الخِلافُ في قِراءَةِ: (آلْآنَ) في قَوْلِهِ: ﴿آلْآنَ وقَدْ كُنْتُمْ﴾ [يونس: ٥١] والمَعْنى: أتُؤْمِنُ السّاعَةَ في حالِ الِاضْطِرارِ حِينَ أدْرَكَكَ الغَرَقُ وأيِسْتَ مِن نَفْسِكَ ؟ قِيلَ: قالَ ذَلِكَ حِينَ ألْجَمَهُ الغَرَقُ. وقِيلَ: بَعْدَ أنْ غَرِقَ في نَفْسِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والَّذِي يُحْكى أنَّهُ حِينَ قالَ: آمَنتُ، أخَذَ جِبْرِيلُ مِن جالِ البَحْرِ فَدَسَّهُ في فِيهِ، فَلِلْغَضَبِ في اللَّهِ تَعالى عَلى حالِ الكافِرِ في وقْتٍ قَدْ عَلِمَ (p-١٨٩)أنَّ إيمانَهُ لا يَنْفَعُهُ. وأمّا ما يُضَمُّ إلَيْهِ مِن قَوْلِهِمْ: خَشِيتُ أنْ تُدْرِكَهُ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى، فَمِن زِياداتِ الباهِتِينَ لِلَّهِ تَعالى ومَلائِكَتِهِ، وفِيهِ جَهالَتانِ: إحْداهُما: أنَّ الإيمانَ يَصِحُّ بِالقَلْبِ كَإيمانِ الأخْرَسِ، فَجالُ البَحْرِ لا يَمْنَعُهُ. والآخَرُ: أنَّ مَن كَرِهَ الإيمانِ لِلْكافِرِ وأحَبَّ بَقاءَهُ عَلى الكُفْرِ فَهو كافِرٌ، لِأنَّ الرِّضا بِالكُفْرِ كُفْرٌ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: آلْآنَ إلى آخِرِهِ مِن كَلامِ اللَّهِ لَهُ عَلى لِسانِ مَلَكٍ. فَقِيلَ: هو جِبْرِيلُ، وقِيلَ: مِيكائِيلُ، وقِيلَ: غَيْرُهُما لِخِطابِهِ ﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ﴾ . وقِيلَ: مِن قَوْلِ فِرْعَوْنَ في نَفْسِهِ وإفْسادِهِ وإضْلالِهِ النّاسَ، ودَعْواهُ الرُّبُوبِيَّةَ. ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل: ٨٨] فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ: الظّاهِرُ أنَّهُ خَبَرٌ. وقِيلَ: هو اسْتِفْهامُ فِيهِ تَهْدِيدٌ، أيْ: أفاليَوْمَ نُنَجِّيكَ ؟ فَهَلّا كانَ الإيمانُ قَبْلَ الإشْرافِ عَلى الهَلاكِ، وهَذا بَعِيدٌ لِحَذْفِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ ولِقَوْلِهِ: لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ آيَةً، لِأنَّ التَّعْلِيلَ لا يُناسِبُ هَذا الِاسْتِفْهامَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نُنَجِّيكَ: نُلْقِيكَ بِنَجْوَةٍ مِنَ الأرْضِ وهي المَكانُ المُرْتَفِعُ، وبِبَدَنِكَ: بِدِرْعِكَ، وكانَ مِن لُؤْلُؤٍ مَنظُومٍ لا مِثالَ لَهُ. وقِيلَ: مِن ذَهَبٍ. وقِيلَ: مِن حَدِيدٍ وفِيها سَلاسِلُ مِن ذَهَبٍ. والبَدَنُ: بَدَنُ الإنْسانِ، والبَدَنُ: الدِّرْعُ القَصِيرَةُ. قالَ: ؎تَرى الأبْدانَ فِيها مُسْبَغاتٍ ∗∗∗ عَلى الأبْطالِ والكَلْبِ الحَصِينا يَعْنِي: الدُّرُوعَ. وقالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِ يَكْرِبَ: ؎أعاذِلَ شَكَّتِي بَدَنِي وسَيْفِي ∗∗∗ وكُلُّ مُقَلِّصٍ سَلِسِ القِيادِ وكانَتْ لَهُ دِرْعٌ مِن ذَهَبٍ يُعْرَفُ بِها، وقِيلَ: نُلْقِيكَ بِبَدَنِكَ عُرْيانًا لَيْسَ عَلَيْكَ ثِيابٌ ولا سِلاحٌ، وذَلِكَ أبْلَغُ في إهانَتِهِ. وقِيلَ: نُخْرِجُكَ صَحِيحًا لَمْ يَأْكُلْكَ شَيْءٌ مِنَ الدَّوابِّ. وقِيلَ: بِدْنًا بِلا رُوحٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: نُخْرِجُكَ مِن مُلْكِكَ وحِيدًا فَرِيدًا. وقِيلَ: نُلْقِيكَ في البَحْرِ مِنَ النَّجاءِ، وهو ما سَلَخْتَهُ عَنِ الشّاةِ أوْ ألْقَيْتَهُ عَنْ نَفْسِكَ مِن ثِيابٍ أوْ سِلاحٍ. وقِيلَ: نَتْرُكُكَ حَتّى تَغْرَقَ، والنَّجاءُ: التَّرْكُ. وقِيلَ: نَجْعَلُكَ عَلامَةً، والنَّجاءُ: العَلامَةُ. وقِيلَ: نُغْرِقُكَ مِن قَوْلِهِمْ: نَجّى البَحْرُ أقْوامًا إذا أغْرَقَهم. وقالَ الكِرْمانِيُّ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ النَّجاةِ وهو الإسْراعُ، أيْ: نُسْرِعُ بِهَلاكِكَ. وقِيلَ: مَعْنى بِبَدَنِكَ: بِصُورَتِكَ الَّتِي تُعْرَفُ بِها، وكانَ قَصِيرًا أشْقَرَ أزْرَقَ قَرِيبَ اللِّحْيَةِ مِنَ القامَةِ، ولَمْ يَكُنْ في بَنِي إسْرائِيلَ شَبِيهٌ لَهُ يَعْرِفُونَهُ بِصُورَتِهِ، وبِبَدَنِكَ: إذا عُنِيَ بِهِ الجُثَّةُ: تَأْكِيدٌ كَما تَقُولُ: قالَ فُلانٌ بِلِسانِهِ وجاءَ بِنَفْسِهِ. وقَرَأ يَعْقُوبُ: نُنْجِيكَ مُخَفَّفًا مُضارِعُ أنْجى. وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ السَّمَيْقَعِ ويَزِيدُ البَرْبَرِيُّ: نُنَحِّيكَ بِالحاءِ المُهْمَلَةِ مِنَ التَّنْحِيَةِ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أيْ: نُلْقِيكَ بِناحِيَةٍ مِمّا يَلِي البَحْرَ. قالَ كَعْبٌ: رَماهُ البَحْرُ إلى السّاحِلِ كَأنَّهُ نُورٌ. وقَرَأ أبُو حَنِيفَةَ: بِأبْدانِكَ أيْ: بِدُرُوعِكَ، أوْ جُعِلَ كُلُّ جُزْءٍ مِنَ البَدَنِ بَدَنًا كَقَوْلِهِمْ: شابَتْ مَفارِقُهُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ السَّمَيْقَعِ: بِنِدائِكَ: مَكانَ بِبَدَنِكَ، أيْ: بِدُعائِكَ، أيْ: بِقَوْلِكَ آمَنتُ إلى آخِرِهِ. لِنَجْعَلَكَ آيَةً مَعَ نِدائِكَ الَّذِي لا يَنْفَعُ، أوْ بِما نادَيْتَ بِهِ في قَوْمِكَ. ونادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ ﴿فَحَشَرَ فَنادى﴾ [النازعات: ٢٣] ﴿فَقالَ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤]، و﴿ياأيُّها المَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] . ولَمّا كَذَّبَتْ بَنُو إسْرائِيلَ بِغَرَقِ فِرْعَوْنَ رَمى بِهِ البَحْرُ عَلى ساحِلِهِ حَتّى رَأوْهُ قَصِيرًا أحْمَرَ كَأنَّهُ ثَوْرٌ ﴿لِمَن خَلْفَكَ﴾: لِمَن وراءَكَ عَلامَةً وهم بَنُو إسْرائِيلَ، وكانَ في أنْفُسِهِمْ أنَّ فِرْعَوْنَ أعْظَمُ شَأْنًا مِن أنْ يَغْرَقَ، وكانَ مَطْرَحُهُ عَلى مَمَرِّ بَنِي إسْرائِيلَ حَتّى قِيلَ: ﴿لِمَن خَلْفَكَ آيَةً﴾ . وقِيلَ: لِمَن يَأْتِي بَعْدَكَ مِنَ القُرُونِ، وقِيلَ: لِمَن بَقِيَ مِن قِبْطِ مِصْرَ وغَيْرِهِمْ. وقُرِئَ: لِمَن خَلَفَكَ بِفَتْحِ اللّامِ، أيْ: مِنَ الجَبابِرَةِ والفَراعِنَةِ لِيَتَّعِظُوا بِذَلِكَ، ويَحْذَرُوا أنْ يُصِيبَهم ما أصابَكَ إذا فَعَلُوا فِعْلَكَ. ومَعْنى كَوْنِهِ آيَةً: أنْ يَظْهَرَ لِلنّاسِ عُبُودِيَّتُهُ ومَهانَتُهُ، أوْ لِيَكُونَ عِبْرَةً يَعْتَبِرُ بِها الأُمَمُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: لِمَن خَلَقَكَ مِنَ الخَلْقِ وهو اللَّهُ تَعالى، أيْ: لِيَجْعَلَكَ اللَّهُ آيَةً لَهُ (p-١٩٠)فِي عِبادِهِ. وقِيلَ: المَعْنى لِيَكُونَ طَرْحُكَ عَلى السّاحِلِ وحْدَكَ، وتَمْيِيزُكَ مِن بَيْنِ المُغْرَقِينَ لِئَلّا يَشْتَبِهَ عَلى النّاسِ أمْرُكَ، ولِئَلّا يَقُولُوا لِادِّعائِكَ العَظَمَةَ: إنَّ مِثْلَهُ لا يَغْرَقُ ولا يَمُوتُ آيَةً مِن آياتِ اللَّهِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرُهُ، ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ ظاهِرُهُ النّاسُ كافَّةً، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ مُقاتِلٌ: مِن أهْلِ مَكَّةَ (عَنْ آياتِنا) أيِ: العَلاماتِ الدّالَّةِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ وغَيْرِها مِن صِفاتِ العَلِيِّ، ﴿لَغافِلُونَ﴾: لا يَتَدَبَّرُونَ، وهَذا خَبَرٌ في ضِمْنِهِ تَوَعَّدٌ.

يونس 10:93

﴿ولَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إسْرائِيلَ مُبَوَّأ صِدْقٍ ورَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ فَما اخْتَلَفُوا حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى ما جَرى لِـ فِرْعَوْنَ وأتْباعِهِ مِنَ الهَلاكِ، ذَكَرَ ما أحْسَنَ بِهِ لِ بَنِي إسْرائِيلَ وما امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ، إذْ كانَ بَنُو إسْرائِيلَ قَدْ أُخْرِجُوا مِن مَساكِنِهِمْ خائِفِينَ مِن فِرْعَوْنَ، فَذَكَرَ تَعالى أنَّهُ اخْتارَ لَهم مِنَ الأماكِنِ أحْسَنَها. والظّاهِرُ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ هُمُ الَّذِينَ كانُوا آمَنُوا بِـ مُوسى ونَجَوْا مِنَ الغَرَقِ، وسِياقُ الآياتِ يَشْهَدُ لَهم. وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ كانُوا بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وبَنِي قَيْنُقاعَ، وانْتَصَبَ ﴿مُبَوَّأ صِدْقٍ﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لَبَوَّأْنا كَقَوْلِهِ: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهم مِنَ الجَنَّةِ غُرَفًا﴾ [العنكبوت: ٥٨] وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا. ومَعْنى صِدْقٍ، أيْ: فَضْلٍ وكَرامَةٍ ومِنَّةٍ ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ [القمر: ٥٥] . وقِيلَ: مَكانَ صِدْقِ الوَعْدِ، وكانَ وعَدَهم فَصَدَقَهم وعْدَهُ. وقِيلَ: (صِدْقٍ) تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِمْ، لِأنَّ الصَّدَقَةَ والبِرَّ مِنَ الصِّدْقِ. وقِيلَ: صَدَقَ فِيهِ ظَنُّ قاصِدِهِ وساكِنِهِ. وقِيلَ: مَنزِلًا صالِحًا مُرْضِيًا، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هو الأُرْدُنُّ وفِلَسْطِينُ. وقالَ الضَّحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ وقَتادَةُ: الشّامُ وبَيْتُ المَقْدِسِ. وقالَ مُقاتِلٌ: بَيْتُ المَقْدِسِ. وعَنِ الضَّحّاكِ أيْضًا: مِصْرُ، وعَنْهُ أيْضًا: مِصْرُ والشّامُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والأصَحُّ أنَّهُ الشّامُ وبَيْتُ المَقْدِسِ بِحَسَبِ ما حُفِظَ مِن أنَّهم لَمْ يَعُودُوا إلى مِصْرَ، عَلى أنَّهُ في القُرْآنِ كَذَلِكَ. ﴿وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٩] يَعْنِي ما تَرَكَ القِبْطُ مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وأوْرَثْناها مَعْناها: الحالَّةُ مِنَ النِّعْمَةِ وإنْ لَمْ تَكُنْ في قُطْرٍ واحِدٍ، انْتَهى. وقِيلَ: ما بَيْنَ المَدِينَةِ والشّامِ مِن أرْضِ يَثْرِبَ ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ، وهَذا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ هُمُ الَّذِينَ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ . ولَمّا ذَكَرَ أنَّهُ بَوَّأهم مُبَوَّأ صِدْقٍ ذَكَرَ امْتِنانَهُ عَلَيْهِمْ بِما رَزَقَهم مِنَ الطَّيِّباتِ، وهي: المَآكِلُ المُسْتَلَذّاتُ أوِ الحَلّالُ، فَما اخْتَلَفُوا أيْ: كانُوا عَلى مِلَّةٍ واحِدَةٍ وطَرِيقَةٍ واحِدَةٍ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في أوَّلِ حالِهِ، حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ أيْ: عِلْمُ التَّوْراةِ فاخْتَلَفُوا، وهَذا ذَمٌّ لَهم. أيْ أنَّ سَبَبَ الإيقافِ هو العِلْمُ، فَصارَ عِنْدَهم سَبَبُ الِاخْتِلافِ، فَتَشَعَّبُوا شُعَبًا بَعْدَما قَرَءُوا التَّوْراةَ. وقِيلَ: العِلْمُ بِمَعْنى المَعْلُومِ وهو مُحَمَّدٌ، لِأنَّ رِسالَتَهُ كانَتْ مَعْلُومَةً عِنْدَهم مَكْتُوبَةً في التَّوْراةِ، وكانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِهِ، أيْ: يَسْتَنْصِرُونَ، وكانُوا قَبْلَ مَجِيئِهِ إلى المَدِينَةِ مُجْمِعِينَ عَلى نُبُوَّتِهِ يَسْتَنْصِرُونَ بِهِ في الحُرُوبِ يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ بِحُرْمَةِ النَّبِيِّ المَبْعُوثِ في آخِرِ الزَّمانِ انْصُرْنا فَيُنْصَرُونَ، فَلَمّا جاءَ قالُوا: النَّبِيُّ المَوْعُودُ بِهِ مِن ولَدِ يَعْقُوبَ، وهَذا مِن ولَدِ إسْماعِيلَ، فَلَيْسَ هو ذاكَ، فَآمَنَ بِهِ بَعْضُهم كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأصْحابِهِ. وقِيلَ: العِلْمُ: القُرْآنُ، واخْتِلافُهم: قَوْلُ بَعْضِهِمْ: هو مِن كَلامِ مُحَمَّدٍ، وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: مِن كَلامِ اللَّهِ ولَيْسَ لَنا إنَّما هو لِلْعَرَبِ. وصَدَّقَ بِهِ قَوْمٌ فَآمَنُوا، وهَذا الِاخْتِلافُ لا يُمْكِنُ زَوالُهُ في الدُّنْيا، وأنَّهُ تَعالى يَقْضِي فِيهِ في الآخِرَةِ فَيُمَيِّزُ المُحِقَّ مِنَ المُبْطِلِ.

يونس 10:94

﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ (p-١٩١)الظّاهِرُ أنَّ (إنْ) شَرْطِيَّةٌ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ والحُسَيْنِ بْنِ الفَضْلِ أنَّ (إنْ) نافِيَةٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ مِمّا كُنْتَ في شَكٍّ فَسْألْ، يَعْنِي: لا نَأْمُرُكَ بِالسُّؤالِ لِأنَّكَ شاكٌّ، ولَكِنْ لِتَزْدادَ يَقِينًا كَما ازْدادَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِمُعايَنَةِ إحْياءِ المَوْتى، انْتَهى. وإذا كانَتْ إنْ شَرْطِيَّةً فَذَكَرُوا أنَّها تَدْخُلُ عَلى المُمْكِنِ وجُودُهُ، أوِ المُحَقَّقِ وُجُودُهُ المُنْبَهِمُ زَمانُ وُقُوعِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَإنْ مِتَّ فَهُمُ الخالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] والَّذِي أقُولُهُ: أنَّ إنِ الشَّرْطِيَّةَ تَقْتَضِي تَعْلِيقَ شَيْءٍ عَلى شَيْءٍ، ولا تَسْتَلْزِمُ تَحَتُّمَ وُقُوعِهِ ولا إمْكانِهِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ في المُسْتَحِيلِ عَقْلًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١] ومُسْتَحِيلٌ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ، فَكَذَلِكَ هَذا مُسْتَحِيلٌ أنْ يَكُونَ في شَكٍّ، وفي المُسْتَحِيلِ عادَةً كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ أوْ سُلَّمًا في السَّماءِ فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ﴾ [الأنعام: ٣٥]، أيْ: فافْعَلْ. لَكِنَّ وُقُوعَ إنْ لِلتَّعْلِيقِ عَلى المُسْتَحِيلِ قَلِيلٌ، وهَذِهِ الآيَةُ مِن ذَلِكَ. ولَمّا خَفِيَ هَذا الوَجْهُ عَلى أكْثَرِ النّاسِ اخْتَلَفُوا في تَخْرِيجِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الصَّوابُ أنَّها مُخاطَبَةٌ لِلنَّبِيِّ، والمُرادُ بِها سِواهُ مِن كُلِّ مَن يُمْكِنُ أنْ يَشُكَّ أوْ يُعارِضَ، انْتَهى. ولِذَلِكَ جاءَ: ﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينِي﴾ [يونس: ١٠٤] وقالَ قَوْمٌ: الكَلامُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: إنْ كُنْتَ ابْنِي فَبِرَّنِي، ولَيْسَ هَذا المِثالُ بِجَيِّدٍ، وإنَّما مِثالُ هَذِهِ قَوْلُهُ تَعالى لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦]، انْتَهى. وهَذا القَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنِ الفَرّاءِ. قالَ الكِرْمانِيُّ: واخْتارَهُ جَماعَةٌ، وضَعُفَ بِأنَّهُ يَصِيرُ تَقْدِيرُ الآيَةَ: أأنْتَ في شَكٍّ ؟ إذْ لَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الشَّكِّ. وقِيلَ: كَنّى هُنا بِالشَّكِّ عَنِ الضِّيقِ، أيْ: فَإنْ كُنْتَ في ضَيْقٍ مِنَ اخْتِلافِهِمْ فِيما أُنْزِلَ إلَيْكَ وتَعَنُّتِهِمْ عَلَيْكَ. وقِيلَ: كَنّى بِالشَّكِّ عَنِ العَجَبِ، أيْ: فَإنْ كُنْتَ في تَعَجُّبٍ مِن عِنادِ فِرْعَوْنَ. ومُناسَبَةُ المَجازِ أنَّ التَّعَجُّبَ فِيهِ تَرَدُّدٌ، كَما أنَّ الشَّكَّ تَرَدُّدٌ بَيْنَ أمْرَيْنِ. وقالَ الكِسائِيُّ: مَعْناهُ إنْ كُنْتَ في شَكٍّ أنَّ هَذا عادَتُهم مَعَ الأنْبِياءِ فَسَلْهم كَيْفَ كانَ صَبْرُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ اخْتَلَفُوا عَلَيْهِ ؟ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ بِمَعْنى: العَرْضِ والتَّمْثِيلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَإنْ وقَعَ لَكَ شَكٌّ مَثَلًا وخَيَّلَ لَكَ الشَّيْطانُ خَيالًا مِنهُ تَقْدِيرًا فَسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدَّمَ ذِكْرَ بَنِي إسْرائِيلَ وهم قَرَأةُ الكِتابِ، ووَصَفَهم بِأنَّ العِلْمَ قَدْ جاءَهم، لِأنَّ أمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَكْتُوبٌ عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وهم يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم، فَأرادَ أنْ يُؤَكِّدَ عَلَيْهِمْ بِصِحَّةِ القُرْآنِ وصِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ويُبالِغَ في ذَلِكَ فَقالَ تَعالى: فَإنْ وقَعَ لَكَ شَكٌّ فَرْضًا وتَقْدِيرًا، وسَبِيلُ مَن خالَجَتْهُ شُبْهَةٌ في الدِّينِ أنْ يُسارِعَ إلى حَلِّها وإماطَتِها، إمّا بِالرُّجُوعِ إلى قَوانِينِ الدِّينِ وأدِلَّتِهِ، وإمّا بِمُقادَحَةِ العُلَماءِ المُنَبِّهِينَ عَلى الحَقِّ، انْتَهى. وقِيلَ أقْوالٌ غَيْرُ هَذِهِ، وقَرَأ يَحْيى وإبْراهِيمُ: يَقْرَءُونَ الكُتُبَ عَلى الجَمْعِ. والحَقُّ هُنا: الإسْلامُ أوِ القُرْآنُ أوِ النُّبُوَّةُ أوِ الآياتُ والبَراهِينُ القاطِعَةُ، أقْوالٌ: فاثْبُتْ ودُمْ عَلى ما أنْتَ فِيهِ مِنَ انْتِفاءِ المِرْيَةِ والتَّكْذِيبِ. والخِطابُ لِلسّامِعِ غَيْرِ الرَّسُولِ. وكَثِيرًا ما يَأْتِي الخِطابُ في ظاهِرِهِ لِشَخْصٍ والمُرادُ غَيْرُهُ، ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: «لا أشُكُّ ولا أسْألُ بَلْ أشْهَدُ أنَّهُ الحَقُّ» وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: واللَّهِ ما شَكَّ طَرْفَةَ عَيْنٍ، ولا سَألَ أحَدًا مِنهم. والِامْتِراءُ: التَّوَقُّفُ في الشَّيْءِ والشَّكُّ فِيهِ، وأمْرُهُ أسْهَلُ مِن أمْرِ المُكَذِّبِ فَبُدِئَ بِهِ أوَّلًا فَنُهِيَ عَنْهُ، وأُتْبِعَ بِذِكْرِ المُكَذِّبِ ونُهِيَ أنْ يَكُونَ مِنهم.

يونس 10:95

﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ (p-١٩١)الظّاهِرُ أنَّ (إنْ) شَرْطِيَّةٌ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ والحُسَيْنِ بْنِ الفَضْلِ أنَّ (إنْ) نافِيَةٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ مِمّا كُنْتَ في شَكٍّ فَسْألْ، يَعْنِي: لا نَأْمُرُكَ بِالسُّؤالِ لِأنَّكَ شاكٌّ، ولَكِنْ لِتَزْدادَ يَقِينًا كَما ازْدادَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِمُعايَنَةِ إحْياءِ المَوْتى، انْتَهى. وإذا كانَتْ إنْ شَرْطِيَّةً فَذَكَرُوا أنَّها تَدْخُلُ عَلى المُمْكِنِ وجُودُهُ، أوِ المُحَقَّقِ وُجُودُهُ المُنْبَهِمُ زَمانُ وُقُوعِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَإنْ مِتَّ فَهُمُ الخالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] والَّذِي أقُولُهُ: أنَّ إنِ الشَّرْطِيَّةَ تَقْتَضِي تَعْلِيقَ شَيْءٍ عَلى شَيْءٍ، ولا تَسْتَلْزِمُ تَحَتُّمَ وُقُوعِهِ ولا إمْكانِهِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ في المُسْتَحِيلِ عَقْلًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١] ومُسْتَحِيلٌ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ، فَكَذَلِكَ هَذا مُسْتَحِيلٌ أنْ يَكُونَ في شَكٍّ، وفي المُسْتَحِيلِ عادَةً كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ أوْ سُلَّمًا في السَّماءِ فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ﴾ [الأنعام: ٣٥]، أيْ: فافْعَلْ. لَكِنَّ وُقُوعَ إنْ لِلتَّعْلِيقِ عَلى المُسْتَحِيلِ قَلِيلٌ، وهَذِهِ الآيَةُ مِن ذَلِكَ. ولَمّا خَفِيَ هَذا الوَجْهُ عَلى أكْثَرِ النّاسِ اخْتَلَفُوا في تَخْرِيجِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الصَّوابُ أنَّها مُخاطَبَةٌ لِلنَّبِيِّ، والمُرادُ بِها سِواهُ مِن كُلِّ مَن يُمْكِنُ أنْ يَشُكَّ أوْ يُعارِضَ، انْتَهى. ولِذَلِكَ جاءَ: ﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينِي﴾ [يونس: ١٠٤] وقالَ قَوْمٌ: الكَلامُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: إنْ كُنْتَ ابْنِي فَبِرَّنِي، ولَيْسَ هَذا المِثالُ بِجَيِّدٍ، وإنَّما مِثالُ هَذِهِ قَوْلُهُ تَعالى لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦]، انْتَهى. وهَذا القَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنِ الفَرّاءِ. قالَ الكِرْمانِيُّ: واخْتارَهُ جَماعَةٌ، وضَعُفَ بِأنَّهُ يَصِيرُ تَقْدِيرُ الآيَةَ: أأنْتَ في شَكٍّ ؟ إذْ لَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الشَّكِّ. وقِيلَ: كَنّى هُنا بِالشَّكِّ عَنِ الضِّيقِ، أيْ: فَإنْ كُنْتَ في ضَيْقٍ مِنَ اخْتِلافِهِمْ فِيما أُنْزِلَ إلَيْكَ وتَعَنُّتِهِمْ عَلَيْكَ. وقِيلَ: كَنّى بِالشَّكِّ عَنِ العَجَبِ، أيْ: فَإنْ كُنْتَ في تَعَجُّبٍ مِن عِنادِ فِرْعَوْنَ. ومُناسَبَةُ المَجازِ أنَّ التَّعَجُّبَ فِيهِ تَرَدُّدٌ، كَما أنَّ الشَّكَّ تَرَدُّدٌ بَيْنَ أمْرَيْنِ. وقالَ الكِسائِيُّ: مَعْناهُ إنْ كُنْتَ في شَكٍّ أنَّ هَذا عادَتُهم مَعَ الأنْبِياءِ فَسَلْهم كَيْفَ كانَ صَبْرُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ اخْتَلَفُوا عَلَيْهِ ؟ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ بِمَعْنى: العَرْضِ والتَّمْثِيلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَإنْ وقَعَ لَكَ شَكٌّ مَثَلًا وخَيَّلَ لَكَ الشَّيْطانُ خَيالًا مِنهُ تَقْدِيرًا فَسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدَّمَ ذِكْرَ بَنِي إسْرائِيلَ وهم قَرَأةُ الكِتابِ، ووَصَفَهم بِأنَّ العِلْمَ قَدْ جاءَهم، لِأنَّ أمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَكْتُوبٌ عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وهم يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم، فَأرادَ أنْ يُؤَكِّدَ عَلَيْهِمْ بِصِحَّةِ القُرْآنِ وصِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ويُبالِغَ في ذَلِكَ فَقالَ تَعالى: فَإنْ وقَعَ لَكَ شَكٌّ فَرْضًا وتَقْدِيرًا، وسَبِيلُ مَن خالَجَتْهُ شُبْهَةٌ في الدِّينِ أنْ يُسارِعَ إلى حَلِّها وإماطَتِها، إمّا بِالرُّجُوعِ إلى قَوانِينِ الدِّينِ وأدِلَّتِهِ، وإمّا بِمُقادَحَةِ العُلَماءِ المُنَبِّهِينَ عَلى الحَقِّ، انْتَهى. وقِيلَ أقْوالٌ غَيْرُ هَذِهِ، وقَرَأ يَحْيى وإبْراهِيمُ: يَقْرَءُونَ الكُتُبَ عَلى الجَمْعِ. والحَقُّ هُنا: الإسْلامُ أوِ القُرْآنُ أوِ النُّبُوَّةُ أوِ الآياتُ والبَراهِينُ القاطِعَةُ، أقْوالٌ: فاثْبُتْ ودُمْ عَلى ما أنْتَ فِيهِ مِنَ انْتِفاءِ المِرْيَةِ والتَّكْذِيبِ. والخِطابُ لِلسّامِعِ غَيْرِ الرَّسُولِ. وكَثِيرًا ما يَأْتِي الخِطابُ في ظاهِرِهِ لِشَخْصٍ والمُرادُ غَيْرُهُ، ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: «لا أشُكُّ ولا أسْألُ بَلْ أشْهَدُ أنَّهُ الحَقُّ» وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: واللَّهِ ما شَكَّ طَرْفَةَ عَيْنٍ، ولا سَألَ أحَدًا مِنهم. والِامْتِراءُ: التَّوَقُّفُ في الشَّيْءِ والشَّكُّ فِيهِ، وأمْرُهُ أسْهَلُ مِن أمْرِ المُكَذِّبِ فَبُدِئَ بِهِ أوَّلًا فَنُهِيَ عَنْهُ، وأُتْبِعَ بِذِكْرِ المُكَذِّبِ ونُهِيَ أنْ يَكُونَ مِنهم.

يونس 10:96

﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾: ذَكَرَ تَعالى عِبادًا قَضى عَلَيْهِمْ بِالشَّقاوَةِ فَلا تَتَغَيَّرُ، والكَلِمَةُ الَّتِي حَقَّتْ عَلَيْهِمْ قالَ قَتادَةُ: هي اللَّعْنَةُ والغَضَبُ. وقِيلَ: وعِيدُهُ أنَّهم يَصِيرُونَ إلى العَذابِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَوْلُ اللَّهِ تَعالى الَّذِي كَتَبَ في اللَّوْحِ، وأخْبَرَ بِهِ المَلائِكَةَ أنَّهم يَمُوتُونَ كُفّارًا فَلا يَكُونُ غَيْرُهُ، وتِلْكَ كِتابَةُ مَعْلُومٍ لا كِتابَةُ مُقَدَّرٍ (p-١٩٢)ومُرادُ اللَّهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ، انْتَهى. وكَلامُهُ أخِيرًا عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: المُرادُ مِن هَذِهِ الكَلِمَةِ: كَلِمُ اللَّهِ بِذَلِكَ وإخْبارُهُ عَنْهُ، وخَلْقُهُ في العَبْدِ مَجْمُوعَ القُدْرَةِ والدّاعِيَةَ، وهو مُوجِبٌ لِحُصُولِ ذَلِكَ الأمْرِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَعْنى أنَّ اللَّهَ أوْجَبَ لَهم سَخَطَهُ مِنَ الأزَلِ وخَلَقَهم لِعَذابِهِ، فَلا يُؤْمِنُونَ ولَوْ جاءَهم كُلُّ بَيانٍ وكُلُّ وُضُوحٍ، إلّا في الوَقْتِ الَّذِي لا يَنْفَعُهم فِيهِ الإيمانُ، كَما صَنَعَ فِرْعَوْنُ وأشْباهُهُ، وذَلِكَ وقْتَ المُعايَنَةِ. وفِي ضِمْنِ الألْفاظِ التَّحْذِيرُ مِن هَذِهِ الحالِ، وبَعْثُ كُلٍّ عَلى المُبادَرَةِ إلى الإيمانِ والفِرارِ مِن سَخَطِ اللَّهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَذابُ الألِيمُ عِنْدَ تَقَطُّعِ أسْبابِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، وتَقَدَّمَ الخِلافُ في قِراءَةِ (كَلِمَةٌ) بِالإفْرادِ وبِالجَمْعِ.

يونس 10:97

﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾: ذَكَرَ تَعالى عِبادًا قَضى عَلَيْهِمْ بِالشَّقاوَةِ فَلا تَتَغَيَّرُ، والكَلِمَةُ الَّتِي حَقَّتْ عَلَيْهِمْ قالَ قَتادَةُ: هي اللَّعْنَةُ والغَضَبُ. وقِيلَ: وعِيدُهُ أنَّهم يَصِيرُونَ إلى العَذابِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَوْلُ اللَّهِ تَعالى الَّذِي كَتَبَ في اللَّوْحِ، وأخْبَرَ بِهِ المَلائِكَةَ أنَّهم يَمُوتُونَ كُفّارًا فَلا يَكُونُ غَيْرُهُ، وتِلْكَ كِتابَةُ مَعْلُومٍ لا كِتابَةُ مُقَدَّرٍ (p-١٩٢)ومُرادُ اللَّهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ، انْتَهى. وكَلامُهُ أخِيرًا عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: المُرادُ مِن هَذِهِ الكَلِمَةِ: كَلِمُ اللَّهِ بِذَلِكَ وإخْبارُهُ عَنْهُ، وخَلْقُهُ في العَبْدِ مَجْمُوعَ القُدْرَةِ والدّاعِيَةَ، وهو مُوجِبٌ لِحُصُولِ ذَلِكَ الأمْرِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَعْنى أنَّ اللَّهَ أوْجَبَ لَهم سَخَطَهُ مِنَ الأزَلِ وخَلَقَهم لِعَذابِهِ، فَلا يُؤْمِنُونَ ولَوْ جاءَهم كُلُّ بَيانٍ وكُلُّ وُضُوحٍ، إلّا في الوَقْتِ الَّذِي لا يَنْفَعُهم فِيهِ الإيمانُ، كَما صَنَعَ فِرْعَوْنُ وأشْباهُهُ، وذَلِكَ وقْتَ المُعايَنَةِ. وفِي ضِمْنِ الألْفاظِ التَّحْذِيرُ مِن هَذِهِ الحالِ، وبَعْثُ كُلٍّ عَلى المُبادَرَةِ إلى الإيمانِ والفِرارِ مِن سَخَطِ اللَّهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَذابُ الألِيمُ عِنْدَ تَقَطُّعِ أسْبابِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، وتَقَدَّمَ الخِلافُ في قِراءَةِ (كَلِمَةٌ) بِالإفْرادِ وبِالجَمْعِ.

يونس 10:98

﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها إلّا قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا ومَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾: لَوْلا هُنا: هي التَّحْضِيضِيَّةُ الَّتِي صَحِبَها التَّوْبِيخُ، وكَثِيرًا ما جاءَتْ في القُرْآنِ لِلتَّحْضِيضِ، فَهي بِمَعْنى: هَلّا. وقَرَأ أُبَيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ: فَهَلّا وكَذا هو في مُصْحَفَيْهِما، والتَّحْضِيضُ: أنْ يُرِيدَ الإنْسانُ فِعْلَ الشَّيْءِ الَّذِي يَحُضُّ عَلَيْهِ، وإذا كانَتْ لِلتَّوْبِيخِ: فَلا يُرِيدُ المُتَكَلِّمُ الحَضَّ عَلى ذَلِكَ الشَّيْءِ، كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎تَعُدُّونَ عَقْرَ النِّيبِ أفْضَلَ مَجْدِكم بَنِي ضَوْطَرَيْ لَوْلا الكَمِيَّ المُقَنَّعا لَمْ يَقْصِدْ حَضَّهم عَلى عَقْرِ الكَمِيِّ المُقَنَّعِ، وهُنا وبَّخَهم عَلى تَرْكِ الإيمانِ النّافِعِ. والمَعْنى: فَهَلّا آمَنَ أهْلُ القَرْيَةِ وهم عَلى مَهَلٍ لَمْ يَلْتَبِسِ العَذابُ بِهِمْ، فَيَكُونُ الإيمانُ نافِعًا لَهم في هَذِهِ الحالِ. و(قَوْمَ) مَنصُوبٌ عَلى الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، وهو قَوْلُ سِيبَوَيْهِ والكِسائِيِّ والفَرّاءِ والأخْفَشِ، إذْ لَيْسُوا مُنْدَرِجِينَ تَحْتَ لَفْظِ قَرْيَةٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا والجُمْلَةُ في مَعْنى النَّفْيِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما آمَنَتْ قَرْيَةٌ مِنَ القُرى الهالِكَةِ إلّا قَوْمُ يُونُسَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو بِحَسَبِ اللَّفْظِ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، وكَذَلِكَ رَسَمَهُ النَّحْوِيُّونَ، وهو بِحَسَبِ المَعْنى مُتَّصِلٌ لِأنَّ تَقْدِيرَهُ: ما آمَنَ أهْلُ قَرْيَةٍ إلّا قَوْمُ يُونُسَ، والنَّصْبُ هو الوَجْهُ، ولِذَلِكَ أدْخَلَهُ سِيبَوَيْهِ في بابِ ما لا يَكُونُ فِيهِ إلّا النَّصْبُ، وذَلِكَ مَعَ انْقِطاعِ الِاسْتِثْناءِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: يَجُوزُ فِيهِ الرَّفْعُ، وهَذا مَعَ اتِّصالِ الِاسْتِثْناءِ. وقالَ المَهْدَوِيُّ: والرَّفْعُ عَلى البَدَلِ مِن (قَرْيَةٌ) وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى البَدَلِ عَنِ الحَرَمِيِّ والكِسائِيِّ، وتَقَدَّمَ الخِلافُ في قِراءَةِ (يُونُسَ) بِضَمِّ النُّونِ وكَسْرِها، وذُكِرَ جَوازُ فَتْحِها. وقَوْمُ يُونُسَ: هم أهْلُ نِينَوى مِن بِلادِ المَوْصِلِ، كانُوا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، فَبَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِمْ يُونُسَ فَأقامُوا عَلى تَكْذِيبِهِ سَبْعَ سِنِينَ، وتَوَعَّدَهُمُ العَذابَ بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ. وقِيلَ: بَعْدَ أرْبَعِينَ يَوْمًا. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ قِصَّةَ قَوْمِ يُونُسَ وتَفاصِيلَ فِيها وفي كَيْفِيَّةِ عَذابِهِمُ. اللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ ويُوقَفُ عَلى ذَلِكَ في كُتُبِهِمْ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: وذَكَرَهُ عَنْ جَماعَةٍ أنَّ قَوْمَ يُونُسَ خُصُّوا مِن بَيْنِ الأُمَمِ بِأنْ تِيبَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ. وقالَ الزَّجّاجُ: هَؤُلاءِ دَنا مِنهُمُ العَذابُ ولَمْ يُباشِرْهم كَما باشَرَ فِرْعَوْنَ، فَكانُوا كالمَرِيضِ الَّذِي يَخافُ المَوْتَ ويَرْجُو العافِيَةَ، فَأمّا الَّذِي يُباشِرُهُ العَذابُ فَلا تَوْبَةَ لَهُ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: عَلِمَ مِنهم صِدْقَ النِّيّاتِ بِخِلافِ مَن تَقَدَّمَهم مِنَ الهالِكِينَ. قالَ السُّدِّيُّ: (إلى حِينٍ): إلى وقْتِ انْقِضاءِ آجالِهِمْ. وقِيلَ: إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ولَعَلَّهُ لا يَصِحُّ، فَعَلى هَذا يَكُونُونَ باقِينَ أحْياءً، وسَتَرَهُمُ اللَّهُ عَنِ النّاسِ.

يونس 10:99

(p-١٩٣)﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تُؤْمِنَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ ويَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾: قِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ، لِأنَّهُ ﷺ أسِفَ بِمَوْتِهِ عَلى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ وكانَ حَرِيصًا عَلى إيمانِهِ. ولَمّا كانَ أحْرَصَ النّاسِ عَلى هِدايَتِهِمْ وأسْعى في وُصُولِ الخَيْرِ إلَيْهِمْ، والفَوْزِ بِالإيمانِ مِنهم وأكْثَرَ اجْتِهادًا في نَجاةِ العالَمِينَ مِنَ العَذابِ، أخْبَرَهُ تَعالى أنَّهُ خَلَقَ أهْلًا لِلسَّعادَةِ وأهْلًا لِلشَّقاوَةِ، وأنَّهُ لَوْ أرادَ إيمانَهم كُلِّهِمْ لَفَعَلَ، وأنَّهُ لا قُدْرَةَ لِأحَدٍ عَلى التَّصَرُّفِ في أحَدٍ. والمَقْصُودُ: بَيانُ أنَّ القُدْرَةَ القاهِرَةَ والمَشِيئَةَ النّافِذَةَ لَيْسَتْ إلّا لَهُ تَعالى. وتَقْدِيمُ الِاسْمِ في الِاسْتِفْهامِ عَلى الفِعْلِ يَدُلُّ عَلى إمْكانِ حُصُولِ الفِعْلِ، لَكِنْ مِن غَيْرِ ذَلِكَ الِاسْمِ، فَلِلَّهِ تَعالى أنْ يُكْرِهَ النّاسَ عَلى الإيمانِ لَوْ شاءَ، ولَيْسَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ﴾: مَشِيئَةَ القَسْرِ والإلْجاءِ ﴿لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهُمْ﴾ عَلى وجْهِ الإحاطَةِ والشُّمُولِ جَمِيعًا: مُجْتَمِعِينَ عَلى الإيمانِ مُطْبِقِينَ عَلَيْهِ، لا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ﴾ يَعْنِي: إنَّما يَقْدِرُ عَلى إكْراهِهِمْ واضْطِرارِهِمْ عَلى الإيمانِ هَؤُلاءِ أنْتَ ؟ . وإتْلاءُ الِاسْمِ حَرْفَ الِاسْتِفْهامِ لِلْإعْلامِ بِأنَّ الإكْراهَ مُمْكِنٌ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ، وإنَّما الشَّأْنُ في المُكْرِهِ مَن هو ؟ وما هو إلّا هو وحْدَهُ ولا يُشارَكُ فِيهِ، لِأنَّهُ تَعالى هو القادِرُ عَلى أنْ يَفْعَلَ في قُلُوبِهِمْ ما يَضْطَرُّونَ عِنْدَهُ إلى الإيمانِ، وذَلِكَ غَيْرُ مُسْتَطاعٍ لِلْبَشَرِ انْتَهى. وقَوْلُهُ: مَشِيئَةُ القَسْرِ والإلْجاءِ هو مَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَعْنى: أنَّ هَذا الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ إنَّما كانَ جَمِيعُهُ بِقَضاءِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ومَشِيئَتِهِ فِيهِمْ، ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَكانَ الجَمِيعُ مُؤْمِنًا، فَلا تَتَأسَّفْ أنْتَ يا مُحَمَّدُ عَلى كُفْرِ مَن لَمْ يُؤْمِن بِكَ، وادْعُ ولا عَلَيْكَ فالأمْرُ مَحْتُومٌ. أتُرِيدُ أنْتَ أنْ تُكْرِهَ النّاسَ بِإدْخالِ الإيمانِ في قُلُوبِهِمْ، وتَضْطَرَّهم إلى ذَلِكَ واللَّهُ عَزَّ وجَلَّ قَدْ شاءَ غَيْرَهُ ؟ فَهَذا التَّأْوِيلُ الآيَةُ عَلَيْهِ مَحْكَمَةٌ، أيِ: ادْعُ وقاتِلْ مَن خالَفَكَ. وإيمانُ مَن آمَنَ مَصْرُوفٌ إلى المَشِيئَةِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ بِالقِتالِ حَتّى يَدْخُلُوا في الإيمانِ ؟ وزَعَمَتْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في صَدْرِ الإسْلامِ وأنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، والآيَةُ عَلى كِلا التَّأْوِيلَيْنِ رادَّةٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ، انْتَهى. ولِذَلِكَ ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إلى تَفْسِيرِ المَشِيئَةِ بِمَشِيئَةِ القَسْرِ والإلْجاءِ، وهو تَفْسِيرُ الجُبّائِيِّ والقاضِي. ومَعْنى إلّا بِإذْنِ اللَّهِ أيْ: بِإرادَتِهِ وتَقْدِيرِهِ لِذَلِكَ والتَّمَكُّنِ مِنهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِتَسْهِيلِهِ وهو مَنحُ الإلْطافِ. ﴿ويَجْعَلُ الرِّجْسَ﴾ وهو الخِذْلانُ عَلى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ، وهُمُ المُصِرُّونَ عَلى الكُفْرِ. وسُمِّيَ الخِذْلانُ رِجْسًا وهو العَذابُ لِأنَّهُ سَبَبُهُ انْتَهى. وهُوَ عَلى طَرِيقِ الِاعْتِزالِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الرِّجْسُ: السَّخَطُ وعَنْهُ: الإثْمُ والعُدْوانُ. وقالَ مُجاهِدٌ: ما لا خَيْرَ فِيهِ. وقالَ الحَسَنُ وأبُو عُبَيْدَةَ والزَّجّاجُ: العَذابُ. وقالَ الفَرّاءُ: العَذابُ والغَضَبُ. وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: الكُفْرُ. وقالَ قَتادَةُ: الشَّيْطانُ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ، ولَكِنْ نَقَلْنا ما قالَهُ العُلَماءُ هُنا. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ونَجْعَلُ بِالنُّونِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: (ويَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْزَ) بِالزّايِ.

يونس 10:100

(p-١٩٣)﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تُؤْمِنَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ ويَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾: قِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ، لِأنَّهُ ﷺ أسِفَ بِمَوْتِهِ عَلى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ وكانَ حَرِيصًا عَلى إيمانِهِ. ولَمّا كانَ أحْرَصَ النّاسِ عَلى هِدايَتِهِمْ وأسْعى في وُصُولِ الخَيْرِ إلَيْهِمْ، والفَوْزِ بِالإيمانِ مِنهم وأكْثَرَ اجْتِهادًا في نَجاةِ العالَمِينَ مِنَ العَذابِ، أخْبَرَهُ تَعالى أنَّهُ خَلَقَ أهْلًا لِلسَّعادَةِ وأهْلًا لِلشَّقاوَةِ، وأنَّهُ لَوْ أرادَ إيمانَهم كُلِّهِمْ لَفَعَلَ، وأنَّهُ لا قُدْرَةَ لِأحَدٍ عَلى التَّصَرُّفِ في أحَدٍ. والمَقْصُودُ: بَيانُ أنَّ القُدْرَةَ القاهِرَةَ والمَشِيئَةَ النّافِذَةَ لَيْسَتْ إلّا لَهُ تَعالى. وتَقْدِيمُ الِاسْمِ في الِاسْتِفْهامِ عَلى الفِعْلِ يَدُلُّ عَلى إمْكانِ حُصُولِ الفِعْلِ، لَكِنْ مِن غَيْرِ ذَلِكَ الِاسْمِ، فَلِلَّهِ تَعالى أنْ يُكْرِهَ النّاسَ عَلى الإيمانِ لَوْ شاءَ، ولَيْسَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ﴾: مَشِيئَةَ القَسْرِ والإلْجاءِ ﴿لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهُمْ﴾ عَلى وجْهِ الإحاطَةِ والشُّمُولِ جَمِيعًا: مُجْتَمِعِينَ عَلى الإيمانِ مُطْبِقِينَ عَلَيْهِ، لا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ﴾ يَعْنِي: إنَّما يَقْدِرُ عَلى إكْراهِهِمْ واضْطِرارِهِمْ عَلى الإيمانِ هَؤُلاءِ أنْتَ ؟ . وإتْلاءُ الِاسْمِ حَرْفَ الِاسْتِفْهامِ لِلْإعْلامِ بِأنَّ الإكْراهَ مُمْكِنٌ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ، وإنَّما الشَّأْنُ في المُكْرِهِ مَن هو ؟ وما هو إلّا هو وحْدَهُ ولا يُشارَكُ فِيهِ، لِأنَّهُ تَعالى هو القادِرُ عَلى أنْ يَفْعَلَ في قُلُوبِهِمْ ما يَضْطَرُّونَ عِنْدَهُ إلى الإيمانِ، وذَلِكَ غَيْرُ مُسْتَطاعٍ لِلْبَشَرِ انْتَهى. وقَوْلُهُ: مَشِيئَةُ القَسْرِ والإلْجاءِ هو مَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَعْنى: أنَّ هَذا الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ إنَّما كانَ جَمِيعُهُ بِقَضاءِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ومَشِيئَتِهِ فِيهِمْ، ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَكانَ الجَمِيعُ مُؤْمِنًا، فَلا تَتَأسَّفْ أنْتَ يا مُحَمَّدُ عَلى كُفْرِ مَن لَمْ يُؤْمِن بِكَ، وادْعُ ولا عَلَيْكَ فالأمْرُ مَحْتُومٌ. أتُرِيدُ أنْتَ أنْ تُكْرِهَ النّاسَ بِإدْخالِ الإيمانِ في قُلُوبِهِمْ، وتَضْطَرَّهم إلى ذَلِكَ واللَّهُ عَزَّ وجَلَّ قَدْ شاءَ غَيْرَهُ ؟ فَهَذا التَّأْوِيلُ الآيَةُ عَلَيْهِ مَحْكَمَةٌ، أيِ: ادْعُ وقاتِلْ مَن خالَفَكَ. وإيمانُ مَن آمَنَ مَصْرُوفٌ إلى المَشِيئَةِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ بِالقِتالِ حَتّى يَدْخُلُوا في الإيمانِ ؟ وزَعَمَتْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في صَدْرِ الإسْلامِ وأنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، والآيَةُ عَلى كِلا التَّأْوِيلَيْنِ رادَّةٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ، انْتَهى. ولِذَلِكَ ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إلى تَفْسِيرِ المَشِيئَةِ بِمَشِيئَةِ القَسْرِ والإلْجاءِ، وهو تَفْسِيرُ الجُبّائِيِّ والقاضِي. ومَعْنى إلّا بِإذْنِ اللَّهِ أيْ: بِإرادَتِهِ وتَقْدِيرِهِ لِذَلِكَ والتَّمَكُّنِ مِنهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِتَسْهِيلِهِ وهو مَنحُ الإلْطافِ. ﴿ويَجْعَلُ الرِّجْسَ﴾ وهو الخِذْلانُ عَلى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ، وهُمُ المُصِرُّونَ عَلى الكُفْرِ. وسُمِّيَ الخِذْلانُ رِجْسًا وهو العَذابُ لِأنَّهُ سَبَبُهُ انْتَهى. وهُوَ عَلى طَرِيقِ الِاعْتِزالِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الرِّجْسُ: السَّخَطُ وعَنْهُ: الإثْمُ والعُدْوانُ. وقالَ مُجاهِدٌ: ما لا خَيْرَ فِيهِ. وقالَ الحَسَنُ وأبُو عُبَيْدَةَ والزَّجّاجُ: العَذابُ. وقالَ الفَرّاءُ: العَذابُ والغَضَبُ. وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: الكُفْرُ. وقالَ قَتادَةُ: الشَّيْطانُ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ، ولَكِنْ نَقَلْنا ما قالَهُ العُلَماءُ هُنا. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ونَجْعَلُ بِالنُّونِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: (ويَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْزَ) بِالزّايِ.

يونس 10:101

(p-١٩٤)﴿قُلِ انْظُرُوا ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾: أمَرَ تَعالى بِالفِكْرِ فِيما أوْدَعَهُ تَعالى في السَّماواتِ والأرْضِ، إذِ السَّبِيلُ إلى مَعْرِفَتِهِ تَعالى هو بِالتَّفَكُّرِ في مَصْنُوعاتِهِ، فَفي العالَمِ العُلْوِيِّ في حَرَكاتِ الأفْلاكِ ومَقادِيرِها وأوْضاعِها والكَواكِبِ، وما يَخْتَصُّ بِذَلِكَ مِنَ المَنافِعِ والفَوائِدِ، وفي العالَمِ السُّفْلِيِّ في أحْوالِ العَناصِرِ والمَعادِنِ والنَّباتِ والحَيَوانِ، وخُصُوصًا حالُ الإنْسانِ. وكَثِيرًا ما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ الحَضَّ عَلى الفِكْرِ في مَخْلُوقاتِهِ تَعالى وقالَ: ﴿ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ تَنْبِيهًا عَلى القاعِدَةِ الكُلِّيَّةِ، والعاقِلُ يَتَنَبَّهُ لِتَفاصِيلِها وأقْسامِها. ثُمَّ لَمّا أمَرَ بِالنَّظَرِ أخْبَرَ أنَّهُ مَن لا يُؤْمِنُ لا تُغْنِيهِ الآياتُ. والنُّذُرُ: جَمْعُ نَذِيرٍ، إمّا مَصْدَرٌ فَمَعْناهُ: الإنْذاراتُ، وإمّا بِمَعْنى: مُنْذِرٌ فَمَعْناهُ: المُنْذِرُونَ والرُّسُلُ. وما: الظّاهِرُ أنَّها لِلنَّفْيِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامًا، أيْ: وأيُّ شَيْءٍ تُغْنِي الآياتُ وهي الدَّلائِلُ ؟ وهو اسْتِفْهامٌ عَلى جِهَةِ التَّقْرِيرِ. وفي الآيَةِ تَوْبِيخٌ لِحاضِرِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ المُشْرِكِينَ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ والعَرَبِيّانِ والكِسائِيُّ: ﴿قُلِ انْظُرُوا﴾ بِضَمِّ اللّامِ، وقُرِئَ: ﴿وما تُغْنِي﴾ بِالتّاءِ وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وبِالياءِ. وماذا: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ: (في السَّماواتِ) . ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ: ذا بِمَعْنى الَّذِي، وصِلَتُهُ (في السَّماواتِ) . وانْظُرُوا مُعَلَّقَةٌ، فالجُمْلَةُ الِابْتِدائِيَّةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، ويَبْعُدُ أنْ تَكُونَ ماذا كُلُّهُ مَوْصُولًا بِمَعْنى الَّذِي، ويَكُونُ مَفْعُولًا لِقَوْلِهِ: انْظُرُوا؛ لِأنَّهُ إنْ كانَتْ بَصَرِيَّةً تَعَدَّتْ بِإلى، وإنْ كانَتْ قَلْبِيَّةً تَعَدَّتْ بِفي. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ما في قَوْلِهِ: وما تُغْنِي، مَفْعُولَةً لِقَوْلِهِ: (انْظُرُوا)، مَعْطُوفَةً عَلى قَوْلِهِ: ماذا، أيْ: تَأمَّلُوا نُذُرَ غِنى الآياتِ والنُّذُرِ عَنِ الكُفّارِ إذا قَبِلُوا ذَلِكَ كَفِعْلِ قَوْمِ يُونُسَ، فَإنَّهُ يَرْفَعُ العَذابَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ويُنْجِي مِنَ الهَلَكاتِ. والآيَةُ عَلى هَذا تَحْرِيضٌ عَلى الإيمانِ، وتَجَوُّزُ اللَّفْظِ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ إنَّما هو في قَوْلِهِ: لا يُؤْمِنُونَ، انْتَهى. وهَذا احْتِمالٌ فِيهِ ضَعْفٌ. وفي قَوْلِهِ: مَفْعُولَةً مَعْطُوفَةً عَلى قَوْلِهِ (ماذا) تَجَوُّزٌ يَعْنِي أنَّ الجُمْلَةَ الِاسْتِفْهامِيَّةَ الَّتِي هي ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ، لِأنَّ ماذا مَنصُوبٌ وحْدَهُ بِانْظُرُوا، فَيَكُونُ ماذا مَوْصُولَةً، وانْظُرُوا بَصَرِيَّةً لِما تَقَدَّمَ، والأيّامُ هُنا: وقائِعُ اللَّهِ فِيهِمْ، كَما يُقالُ أيّامُ العَرَبِ لِوَقائِعِها. وفِي الِاسْتِفْهامِ تَقْرِيرٌ وتَوَعَّدٌ وحَضٌّ عَلى الإيمانِ، والمَعْنى: إذا لَجُّوا في الكُفْرِ حَلَّ بِهِمُ العَذابُ، وإذا آمَنُوا نَجَوْا، هَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ في الأُمَمِ الخالِيَةِ. قُلْ فانْتَظِرُوا: أمْرُ تَهْدِيدٍ، أيِ: انْتَظِرُوا ما يَحِلُّ بِكم كَما حَلَّ بِمَن قَبْلَكم مِن مُكَذِّبِي الرُّسُلِ.

يونس 10:102

(p-١٩٤)﴿قُلِ انْظُرُوا ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾: أمَرَ تَعالى بِالفِكْرِ فِيما أوْدَعَهُ تَعالى في السَّماواتِ والأرْضِ، إذِ السَّبِيلُ إلى مَعْرِفَتِهِ تَعالى هو بِالتَّفَكُّرِ في مَصْنُوعاتِهِ، فَفي العالَمِ العُلْوِيِّ في حَرَكاتِ الأفْلاكِ ومَقادِيرِها وأوْضاعِها والكَواكِبِ، وما يَخْتَصُّ بِذَلِكَ مِنَ المَنافِعِ والفَوائِدِ، وفي العالَمِ السُّفْلِيِّ في أحْوالِ العَناصِرِ والمَعادِنِ والنَّباتِ والحَيَوانِ، وخُصُوصًا حالُ الإنْسانِ. وكَثِيرًا ما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ الحَضَّ عَلى الفِكْرِ في مَخْلُوقاتِهِ تَعالى وقالَ: ﴿ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ تَنْبِيهًا عَلى القاعِدَةِ الكُلِّيَّةِ، والعاقِلُ يَتَنَبَّهُ لِتَفاصِيلِها وأقْسامِها. ثُمَّ لَمّا أمَرَ بِالنَّظَرِ أخْبَرَ أنَّهُ مَن لا يُؤْمِنُ لا تُغْنِيهِ الآياتُ. والنُّذُرُ: جَمْعُ نَذِيرٍ، إمّا مَصْدَرٌ فَمَعْناهُ: الإنْذاراتُ، وإمّا بِمَعْنى: مُنْذِرٌ فَمَعْناهُ: المُنْذِرُونَ والرُّسُلُ. وما: الظّاهِرُ أنَّها لِلنَّفْيِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامًا، أيْ: وأيُّ شَيْءٍ تُغْنِي الآياتُ وهي الدَّلائِلُ ؟ وهو اسْتِفْهامٌ عَلى جِهَةِ التَّقْرِيرِ. وفي الآيَةِ تَوْبِيخٌ لِحاضِرِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ المُشْرِكِينَ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ والعَرَبِيّانِ والكِسائِيُّ: ﴿قُلِ انْظُرُوا﴾ بِضَمِّ اللّامِ، وقُرِئَ: ﴿وما تُغْنِي﴾ بِالتّاءِ وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وبِالياءِ. وماذا: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ: (في السَّماواتِ) . ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ: ذا بِمَعْنى الَّذِي، وصِلَتُهُ (في السَّماواتِ) . وانْظُرُوا مُعَلَّقَةٌ، فالجُمْلَةُ الِابْتِدائِيَّةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، ويَبْعُدُ أنْ تَكُونَ ماذا كُلُّهُ مَوْصُولًا بِمَعْنى الَّذِي، ويَكُونُ مَفْعُولًا لِقَوْلِهِ: انْظُرُوا؛ لِأنَّهُ إنْ كانَتْ بَصَرِيَّةً تَعَدَّتْ بِإلى، وإنْ كانَتْ قَلْبِيَّةً تَعَدَّتْ بِفي. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ما في قَوْلِهِ: وما تُغْنِي، مَفْعُولَةً لِقَوْلِهِ: (انْظُرُوا)، مَعْطُوفَةً عَلى قَوْلِهِ: ماذا، أيْ: تَأمَّلُوا نُذُرَ غِنى الآياتِ والنُّذُرِ عَنِ الكُفّارِ إذا قَبِلُوا ذَلِكَ كَفِعْلِ قَوْمِ يُونُسَ، فَإنَّهُ يَرْفَعُ العَذابَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ويُنْجِي مِنَ الهَلَكاتِ. والآيَةُ عَلى هَذا تَحْرِيضٌ عَلى الإيمانِ، وتَجَوُّزُ اللَّفْظِ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ إنَّما هو في قَوْلِهِ: لا يُؤْمِنُونَ، انْتَهى. وهَذا احْتِمالٌ فِيهِ ضَعْفٌ. وفي قَوْلِهِ: مَفْعُولَةً مَعْطُوفَةً عَلى قَوْلِهِ (ماذا) تَجَوُّزٌ يَعْنِي أنَّ الجُمْلَةَ الِاسْتِفْهامِيَّةَ الَّتِي هي ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ، لِأنَّ ماذا مَنصُوبٌ وحْدَهُ بِانْظُرُوا، فَيَكُونُ ماذا مَوْصُولَةً، وانْظُرُوا بَصَرِيَّةً لِما تَقَدَّمَ، والأيّامُ هُنا: وقائِعُ اللَّهِ فِيهِمْ، كَما يُقالُ أيّامُ العَرَبِ لِوَقائِعِها. وفِي الِاسْتِفْهامِ تَقْرِيرٌ وتَوَعَّدٌ وحَضٌّ عَلى الإيمانِ، والمَعْنى: إذا لَجُّوا في الكُفْرِ حَلَّ بِهِمُ العَذابُ، وإذا آمَنُوا نَجَوْا، هَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ في الأُمَمِ الخالِيَةِ. قُلْ فانْتَظِرُوا: أمْرُ تَهْدِيدٍ، أيِ: انْتَظِرُوا ما يَحِلُّ بِكم كَما حَلَّ بِمَن قَبْلَكم مِن مُكَذِّبِي الرُّسُلِ.

يونس 10:103

﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِي المُؤْمِنِينَ﴾: لَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ﴾ [يونس: ١٠٢] وكانَ ذَلِكَ مُشْعِرًا بِما حَلَّ بِالأُمَمِ الماضِيَةِ المُكَذِّبَةِ ومُصَرِّحًا بِهَلاكِهِمْ في غَيْرِ ما آيَةٍ، أخْبَرَ تَعالى عَنْ حِكايَةِ حالِهِمُ الماضِيَةِ فَقالَ: ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا، والمَعْنى: إنَّ الَّذِينَ خَلَوْا أهْلَكْناهم لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ، ثُمَّ نَجَّيْنا الرُّسُلَ والمُؤْمِنِينَ. ولِذَلِكَ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ثُمَّ نُنَجِّي مَعْطُوفٌ عَلى كَلامٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿إلّا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ﴾ [يونس: ١٠٢] كَأنَّهُ قِيلَ: نُهْلِكُ الأُمَمَ ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا عَلى مِثْلِ الحِكاياتِ الماضِيَةِ. والظّاهِرُ أنَّ كَذَلِكَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ تَقْدِيرُهُ: مِثْلَ ذَلِكَ الإنْجاءِ الَّذِي نَجَّيْنا الرُّسُلَ ومُؤْمِنِيهِمْ، نُنَجِّي مَن آمَنَ بِكَ يا مُحَمَّدُ، ويَكُونُ حَقًّا عَلى تَقْدِيرِ: حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا. وقالَ أبُو البَقاءِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حَقًّا بَدَلًا مِنَ المَحْذُوفِ النّائِبِ عَنْهُ الكافُ تَقْدِيرُهُ: إنْجاءُ مِثْلِ ذَلِكَ حَقًّا. وأجازَ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ وحَقًّا مَنصُوبَيْنِ (p-١٩٥)بِنُنْجِي الَّتِي بَعْدَهُما، وأنْ يَكُونَ كَذَلِكَ مَنصُوبًا بِـ (نُنَجِّي) الأُولى، وحَقًّا بِـ (نُنْجِي) الثّانِيَةِ، وأجازَ هو تابِعًا لِـ ابْنِ عَطِيَّةَ أنْ تَكُونَ الكافُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وقَدَّرَهُ الأمْرُ كَذَلِكَ، وحَقًّا مَنصُوبٌ بِما بَعْدَها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ مِثْلَ ذَلِكَ الإنْجاءِ نُنَجِّي المُؤْمِنِينَ مِنكم ونُهْلِكُ المُشْرِكِينَ، وحَقًّا عَلَيْنا: اعْتِراضٌ يَعْنِي: حَقَّ ذَلِكَ عَلَيْنا حَقًّا. قالَ القاضِي: حَقًّا عَلَيْنا المُرادُ بِهِ: الوُجُوبُ، لِأنَّ تَخْلِيصَ الرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ مِنَ العَذابِ إلى الثَّوابِ واجِبٌ، ولَوْلاهُ ما حَسُنَ مِنَ اللَّهِ أنْ يُلْزِمَهُمُ الأفْعالَ الشّاقَّةَ. وإذا ثَبَتَ لِهَذا السَّبَبِ جَرى مَجْرى قَضاءِ الدَّيْنِ لِلسَّبَبِ المُتَقَدِّمِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ حَقٌّ بِحَسَبِ الوَعْدِ والحُكْمِ لا بِحَسَبِ الِاسْتِحْقاقِ، لِما ثَبَتَ أنَّ العَبْدَ لا يَسْتَحِقُّ عَلى خالِقِهِ شَيْئًا. وقَرَأ الكِسائِيُّ وحَفْصٌ: ﴿نُنْجِي المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٨] بِالتَّخْفِيفِ مُضارِعُ أنْجى، وخَطُ المُصْحَفِ نُنْجِ بِغَيْرِ ياءٍ.

يونس 10:104

﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينِي فَلا أعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ أعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفّاكم وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وأنْ أقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿ولا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ فَإنْ فَعَلْتَ فَإنَّكَ إذًا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هو وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ وهو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾: خِطابٌ لِأهْلِ مَكَّةَ يَقُولُ: إنْ كُنْتُمْ لا تَعْرِفُونَ ما أنا عَلَيْهِ فَأنا أُبَيِّنُهُ لَكم، فَبَدَأ أوَّلًا بِالِانْتِفاءِ مِن عِبادَةِ ما يَعْبُدُونَ مِنَ الأصْنامِ تَسْفِيهًا لِآرائِهِمْ، وأثْبَتَ ثانِيًا مَنِ الَّذِي يَعْبُدُهُ وهو اللَّهُ الَّذِي يَتَوَفّاكم. وفِي ذِكْرِ هَذا الوَصْفِ الوَسَطِ الدّالِّ عَلى التَّوَفِّي دِلالَةٌ عَلى البَدْءِ وهو الخَلْقُ وعَلى الإعادَةِ، فَكَأنَّهُ أشارَ إلى أنَّهُ يَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَكم ويَتَوَفّاكم ويُعِيدُكم، وكَثِيرًا ما صُرِّحَ في القُرْآنِ بِهَذِهِ الأطْوارِ الثَّلاثَةِ، وكانَ التَّصْرِيحُ بِهَذا الوَصْفِ لِما فِيهِ مِنَ التَّذْكِيرِ بِالمَوْتِ، وإرْهابِ النُّفُوسِ بِهِ، وصَيْرُورَتِهِمْ إلى اللَّهِ بَعْدَهُ، فَهو الجَدِيرُ بِأنْ يُخافَ ويُتَّقى ويُعْبَدَ لا الحِجارَةَ الَّتِي تَعْبُدُونَها. ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾: لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ يَعْبُدُ اللَّهَ وكانَتِ العِبادَةُ أغْلَبَ ما عَلَيْها عَمَلُ الجَوارِحِ، أخْبَرَ أنَّهُ أُمِرَ بِأنْ يَكُونَ مِنَ المُصَدِّقِينَ بِاللَّهِ المُوَحِّدِينَ لَهُ، المُفْرِدُونَ لَهُ بِالعِبادَةِ، وانْتَقَلَ مِن عَمَلِ الجَوارِحِ إلى نُورِ المَعْرِفَةِ، وطابَقَ الباطِنُ الظّاهِرَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَنِي بِما رَكَّبَ فِيَّ مِنَ العَقْلِ، وبِما أوْحى إلَيَّ في كِتابِهِ. وقِيلَ مَعْناهُ: إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينِي ومِمّا أنا عَلَيْهِ، أأثْبُتُ أمْ أتْرُكُهُ وأُوافِقُكم ؟ فَلا تُحَدِّثُوا أنْفُسَكم بِالمُحالِ، ولا تَشُكُّوا في أمْرِي، واقْطَعُوا عَنِّي أطْماعَكم، واعْلَمُوا أنِّي لا أعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، ولا أخْتارُ الضَّلالَةَ عَلى الهُدى كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ﴾ [يونس: ٧٢]: أصْلُهُ بِأنْ أكُونَ، فَحُذِفَ الجارُ وهَذا الحَذْفُ (p-١٩٦)يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الحَذْفِ المُطَّرِدِ، الَّذِي هو حَذْفُ الحُرُوفِ الجارَّةِ مَعَ أنْ وأنَّ، وأنْ يَكُونَ مِنَ الحَذْفِ غَيْرِ المُطَّرِدِ وهو قَوْلُهُ: أمَرْتُكَ الخَيْرَ ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤] انْتَهى. يَعْنِي بِالحَذْفِ غَيْرِ المُطَّرِدِ وهو قَوْلُهُ: أمَرْتُكَ الخَيْرَ، إنَّهُ لا يُحْذَفُ حَرْفُ الجَرِّ مِنَ المَفْعُولِ الثّانِي إلّا في أفْعالٍ مَحْصُورَةٍ سَماعًا لا قِياسًا وهي: اخْتارَ واسْتَغْفَرَ وأمَرَ وسَمّى ولَبّى ودَعا بِمَعْنى: سَمّى وزَوَّجَ وصَدَّقَ خِلافًا لِمَن قاسَ الحَذْفَ بِحَرْفِ الجَرِّ مِنَ المَفْعُولِ الثّانِي، حَيْثُ يَعْنِي الحَرْفَ، ومَوْضِعُ الحَذْفِ نَحْوُ: بَرَيْتُ القَلَمَ بِالسِّكِّينِ، فَيُجِيزُ السِّكِّينَ بِالنَّصْبِ. وجَوابُ إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ قَوْلُهُ: فَلا أعْبُدُ، والتَّقْدِيرُ: فَأنا لا أعْبُدُ، لِأنَّ الفِعْلَ المَنفِيَّ بِلا إذا وقَعَ جَوابًا انْجَزَمَ، فَإذا دَخَلَتْ عَلَيْهِ الفاءُ عُلِمَ أنَّهُ عَلى إضْمارِ المُبْتَدَأِ. وكَذَلِكَ لَوِ ارْتَفَعَ دُونَ لا لِقَوْلِهِ. ﴿ومَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾ [المائدة: ٩٥]، أيْ: فَهو يَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ. وتَضَمَّنَ قَوْلُهُ: ﴿فَلا أعْبُدُ﴾ مَعْنى: فَأنا مُخالِفُكم. ﴿وأنْ أقِمْ﴾: يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مَعْمُولَةً لِقَوْلِهِ: (وأُمِرْتُ)، مُراعًى فِيها المَعْنى. لِأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: (أنْ أكُونَ): كُنْ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَتَكُونُ أنْ مَصْدَرِيَّةً صِلَتُها الأمْرُ. وقَدْ أجازَ ذَلِكَ النَّحْوِيُّونَ، فَلَمْ يَلْتَزِمُوا في صِلَتِها ما التُزِمَ في صِلاتِ الأسْماءِ المَوْصُولَةِ، مِن كَوْنِها لا تَكُونُ إلّا خَبَرِيَّةً بِشُرُوطِها المَذْكُورَةِ في النَّحْوِ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ أيْ: وأُوحِيَ إلَيَّ أنْ أقِمْ، فاحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، واحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ حَرْفَ تَفْسِيرٍ، لِأنَّ الجُمْلَةَ المُقَدَّرَةَ فِيها مَعْنى القَوْلِ، وإضْمارُ الفِعْلِ أوْلى، لِيَزُولَ قَلَقُ العَطْفِ لِوُجُودِ الكافِ، إذْ لَوْ كانَ: ﴿وأنْ أقِمْ﴾ عَطْفًا عَلى أنْ أكُونَ، لَكانَ التَّرْكِيبُ وجْهِي بِياءِ المُتَكَلِّمَ ومُراعاةُ المَعْنى فِيهِ ضَعْفٌ، وإضْمارُ الفِعْلِ أكْثَرُ مِن مُراعاةِ العَطْفِ عَلى المَعْنى. والوَجْهُ هُنا المَنحى والمَقْصِدُ، أيِ: اسْتَقِمْ لِلدِّينِ ولا تَحِدْ عَنْهُ، وكَنّى بِذَلِكَ عَنْ صَرْفِ العَقْلِ بِالكُلِّيَّةِ إلى طَلَبِ الدِّينِ. و(حَنِيفًا): حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في أقِمْ، أوْ مِنَ المَفْعُولِ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الدِّينِ. (ولا تَدْعُ): يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافَ نَهْيٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى أقِمْ، فَيَكُونُ في حَيِّزِ أنْ عَلى قِسْمَيْها مِن كَوْنِها مَصْدَرِيَّةً، وكَوْنِها حَرْفَ تَفْسِيرٍ. وإذا كانَ دُعاءُ الأصْنامِ مَنهِيًّا عَنْهُ فَأحْرى أنْ يُنْهى عَنْ عِبادَتِها ﴿فَإنْ فَعَلْتَ﴾ كَنّى بِالفِعْلِ عَنِ الدُّعاءِ إيجازًا أيْ: فَإنْ دَعَوْتَ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ. وجَوابُ الشَّرْطِ فَإنَّكَ وخَبَرُها، وتَوَسَّطَتْ إذا بَيْنَ اسْمِ إنَّ والخَبَرِ، ورُتْبَتُها بَعْدَ الخَبَرِ، لَكِنْ رُوعِيَ في ذَلِكَ الفاصِلَةُ. قالَ الحَوْفِيُّ: الفاءُ جَوابُ الشَّرْطِ، وإذا مُتَوَسِّطَةٌ لا عَمَلَ لَها يُرادُ بِها في هَذا: إذا كانَ ذَلِكَ، هَذا تَفْسِيرُ المَعْنى لا يَجِيءُ عَلى مَعْنى الجَوابِ، انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إذا جَوابُ الشَّرْطِ، وجَوابٌ لِجَوابٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّ سائِلًا سَألَ عَنْ تَبِعَةِ عِبادَةِ الأوْثانِ. وجُعِلَ مِنَ الظّالِمِينَ لِأنَّهُ لا ظُلْمَ أعْظَمُ مِنَ الشِّرْكِ، ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] انْتَهى. وكَلامُهُ في إذا يَحْتاجُ إلى تَأمُّلٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ فِيها مُشْبَعًا في سُورَةِ البَقَرَةِ. ولَمّا وقَعَ النَّهْيُ عَنْ دُعاءِ الأصْنامِ وهي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، ذَكَرَ أنَّ الحَوْلَ والقُوَّةَ والنَّفْعَ والضُّرَّ لَيْسَ ذَلِكَ إلّا لِلَّهِ، وأنَّهُ تَعالى هو المُنْفَرِدُ بِذَلِكَ، وأتى في الضُّرِّ بِلَفْظِ المَسِّ، وفي الخَيْرِ بِلَفْظِ الإرادَةِ، وطابَقَ بَيْنَ الضُّرِّ والخَيْرِ مُطابَقَةً مَعْنَوِيَّةً لا لَفْظِيَّةً، لِأنَّ مُقابِلَ الضُّرِّ النَّفْعُ، ومُقابِلَ الخَيْرِ الشَّرُّ، فَجاءَتْ لَفْظَةُ الضُّرِّ ألْطَفَ وأخَصَّ مِن لَفْظَةِ الشَّرِّ، وجاءَتْ لَفْظَةُ الخَيْرِ أتَمَّ مِن لَفْظَةِ النَّفْعِ، ولَفْظَةُ المَسِّ أوْجَزَ مِن لَفْظِ الإرادَةِ، وأنَصَّ عَلى الإصابَةِ وأنْسَبَ لِقَوْلِهِ: ﴿فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هُوَ﴾، ولَفْظُ الإرادَةِ أدَلُّ عَلى الحُصُولِ في وقْتِ الخِطابِ وفي غَيْرِهِ وأنْسَبُ لِلَفْظِ الخَيْرِ، وإنْ كانَ المَسُّ والإرادَةُ مَعْناهُما الإصابَةُ. وجاءَ جَوابُ ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ﴾ بِنَفْيٍ عامٍّ وإيجابٍ، وجاءَ جَوابُ ﴿وإنْ يُرِدْكَ﴾ بِنَفْيٍ عامٍّ، لِأنَّ ما أرادَهُ لا يَرُدُّهُ رادٌّ لا هو ولا غَيْرُهُ، لِأنَّ إرادَتَهُ قَدِيمَةٌ لا تَتَغَيَّرُ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَجِيءِ التَّرْكِيبُ فَلا رادَّ لَهُ إلّا هو. والمَسُّ مِن حَيْثُ هو فِعْلٌ هو صِفَةُ فِعْلٍ يُوقِعُهُ ويَرْفَعُهُ بِخِلافِ الإرادَةِ، فَإنَّها صِفَةُ ذاتٍ وجاءَ ﴿فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ﴾: سَمّى الخَيْرَ فَضْلًا إشْعارًا بِأنَّ الخُيُورَ (p-١٩٧)مِنَ اللَّهِ تَعالى، هي صادِرَةٌ عَلى سَبِيلِ الفَضْلِ والإحْسانِ والتَّفَضُّلِ. ثُمَّ اتَّسَعَ في الإخْبارِ عَنِ الفَضْلِ والخَيْرِ فَقالَ: ﴿يُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾، ثُمَّ أخْبَرَ بِالصِّفَتَيْنِ الدّالَّتَيْنِ عَلى عَدَمِ المُؤاخَذَةِ وهُما: الغَفُورُ الَّذِي يَسْتُرُ ويَصْفَحُ عَنِ الذُّنُوبِ، والرَّحِيمُ الَّذِي رَحْمَتُهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ. ولَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ﴾: فَأخَرَّ الضُّرَّ، ناسَبَ أنْ تَكُونَ البُداءَةُ بِجُمْلَةِ الشَّرْطِ المُتَعَلِّقَةِ بِالضُّرِّ. وأيْضًا فَإنَّهُ لَمّا كانَ الكُفّارُ يُتَوَقَّعُ مِنهُمُ الضُّرُّ لِلْمُؤْمِنِينَ، والنَّفْعُ لا يُرْجى مِنهم، كانَ تَقْدِيمُ جُمْلَةِ الضُّرِّ آكَدُ في الإخْبارِ فَبُدِئَ بِها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ ذَكَرَ المَسَّ في أحَدِهِما، والإرادَةَ في الثّانِي ؟ قُلْتُ: كَأنَّهُ أرادَ أنْ يَذْكُرَ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا: الإرادَةَ والإصابَةَ في كُلِّ واحِدٍ مِنَ الضُّرِّ والخَيْرِ، وأنَّهُ لا رادَّ لِما يُرِيدُ مِنهُما، ولا مُزِيلَ لِما يُصِيبُ بِهِ مِنهُما، فَأوْجَزَ الكَلامَ: بِأنْ ذَكَرَ المَسَّ وهو الإصابَةُ في أحَدِهِما، والإرادَةَ في الإنْجازِ، لِيَدُلَّ بِما ذَكَرَ عَلى ما تَرَكَ عَلى أنَّهُ قَدْ كَرَّرَ الإصابَةَ في الخَيْرِ في قَوْلِهِ: يُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، والمُرادُ بِالمَشِيئَةِ: المَصْلَحَةُ.

يونس 10:105

﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينِي فَلا أعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ أعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفّاكم وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وأنْ أقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿ولا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ فَإنْ فَعَلْتَ فَإنَّكَ إذًا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هو وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ وهو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾: خِطابٌ لِأهْلِ مَكَّةَ يَقُولُ: إنْ كُنْتُمْ لا تَعْرِفُونَ ما أنا عَلَيْهِ فَأنا أُبَيِّنُهُ لَكم، فَبَدَأ أوَّلًا بِالِانْتِفاءِ مِن عِبادَةِ ما يَعْبُدُونَ مِنَ الأصْنامِ تَسْفِيهًا لِآرائِهِمْ، وأثْبَتَ ثانِيًا مَنِ الَّذِي يَعْبُدُهُ وهو اللَّهُ الَّذِي يَتَوَفّاكم. وفِي ذِكْرِ هَذا الوَصْفِ الوَسَطِ الدّالِّ عَلى التَّوَفِّي دِلالَةٌ عَلى البَدْءِ وهو الخَلْقُ وعَلى الإعادَةِ، فَكَأنَّهُ أشارَ إلى أنَّهُ يَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَكم ويَتَوَفّاكم ويُعِيدُكم، وكَثِيرًا ما صُرِّحَ في القُرْآنِ بِهَذِهِ الأطْوارِ الثَّلاثَةِ، وكانَ التَّصْرِيحُ بِهَذا الوَصْفِ لِما فِيهِ مِنَ التَّذْكِيرِ بِالمَوْتِ، وإرْهابِ النُّفُوسِ بِهِ، وصَيْرُورَتِهِمْ إلى اللَّهِ بَعْدَهُ، فَهو الجَدِيرُ بِأنْ يُخافَ ويُتَّقى ويُعْبَدَ لا الحِجارَةَ الَّتِي تَعْبُدُونَها. ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾: لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ يَعْبُدُ اللَّهَ وكانَتِ العِبادَةُ أغْلَبَ ما عَلَيْها عَمَلُ الجَوارِحِ، أخْبَرَ أنَّهُ أُمِرَ بِأنْ يَكُونَ مِنَ المُصَدِّقِينَ بِاللَّهِ المُوَحِّدِينَ لَهُ، المُفْرِدُونَ لَهُ بِالعِبادَةِ، وانْتَقَلَ مِن عَمَلِ الجَوارِحِ إلى نُورِ المَعْرِفَةِ، وطابَقَ الباطِنُ الظّاهِرَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَنِي بِما رَكَّبَ فِيَّ مِنَ العَقْلِ، وبِما أوْحى إلَيَّ في كِتابِهِ. وقِيلَ مَعْناهُ: إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينِي ومِمّا أنا عَلَيْهِ، أأثْبُتُ أمْ أتْرُكُهُ وأُوافِقُكم ؟ فَلا تُحَدِّثُوا أنْفُسَكم بِالمُحالِ، ولا تَشُكُّوا في أمْرِي، واقْطَعُوا عَنِّي أطْماعَكم، واعْلَمُوا أنِّي لا أعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، ولا أخْتارُ الضَّلالَةَ عَلى الهُدى كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ﴾ [يونس: ٧٢]: أصْلُهُ بِأنْ أكُونَ، فَحُذِفَ الجارُ وهَذا الحَذْفُ (p-١٩٦)يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الحَذْفِ المُطَّرِدِ، الَّذِي هو حَذْفُ الحُرُوفِ الجارَّةِ مَعَ أنْ وأنَّ، وأنْ يَكُونَ مِنَ الحَذْفِ غَيْرِ المُطَّرِدِ وهو قَوْلُهُ: أمَرْتُكَ الخَيْرَ ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤] انْتَهى. يَعْنِي بِالحَذْفِ غَيْرِ المُطَّرِدِ وهو قَوْلُهُ: أمَرْتُكَ الخَيْرَ، إنَّهُ لا يُحْذَفُ حَرْفُ الجَرِّ مِنَ المَفْعُولِ الثّانِي إلّا في أفْعالٍ مَحْصُورَةٍ سَماعًا لا قِياسًا وهي: اخْتارَ واسْتَغْفَرَ وأمَرَ وسَمّى ولَبّى ودَعا بِمَعْنى: سَمّى وزَوَّجَ وصَدَّقَ خِلافًا لِمَن قاسَ الحَذْفَ بِحَرْفِ الجَرِّ مِنَ المَفْعُولِ الثّانِي، حَيْثُ يَعْنِي الحَرْفَ، ومَوْضِعُ الحَذْفِ نَحْوُ: بَرَيْتُ القَلَمَ بِالسِّكِّينِ، فَيُجِيزُ السِّكِّينَ بِالنَّصْبِ. وجَوابُ إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ قَوْلُهُ: فَلا أعْبُدُ، والتَّقْدِيرُ: فَأنا لا أعْبُدُ، لِأنَّ الفِعْلَ المَنفِيَّ بِلا إذا وقَعَ جَوابًا انْجَزَمَ، فَإذا دَخَلَتْ عَلَيْهِ الفاءُ عُلِمَ أنَّهُ عَلى إضْمارِ المُبْتَدَأِ. وكَذَلِكَ لَوِ ارْتَفَعَ دُونَ لا لِقَوْلِهِ. ﴿ومَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾ [المائدة: ٩٥]، أيْ: فَهو يَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ. وتَضَمَّنَ قَوْلُهُ: ﴿فَلا أعْبُدُ﴾ مَعْنى: فَأنا مُخالِفُكم. ﴿وأنْ أقِمْ﴾: يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مَعْمُولَةً لِقَوْلِهِ: (وأُمِرْتُ)، مُراعًى فِيها المَعْنى. لِأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: (أنْ أكُونَ): كُنْ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَتَكُونُ أنْ مَصْدَرِيَّةً صِلَتُها الأمْرُ. وقَدْ أجازَ ذَلِكَ النَّحْوِيُّونَ، فَلَمْ يَلْتَزِمُوا في صِلَتِها ما التُزِمَ في صِلاتِ الأسْماءِ المَوْصُولَةِ، مِن كَوْنِها لا تَكُونُ إلّا خَبَرِيَّةً بِشُرُوطِها المَذْكُورَةِ في النَّحْوِ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ أيْ: وأُوحِيَ إلَيَّ أنْ أقِمْ، فاحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، واحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ حَرْفَ تَفْسِيرٍ، لِأنَّ الجُمْلَةَ المُقَدَّرَةَ فِيها مَعْنى القَوْلِ، وإضْمارُ الفِعْلِ أوْلى، لِيَزُولَ قَلَقُ العَطْفِ لِوُجُودِ الكافِ، إذْ لَوْ كانَ: ﴿وأنْ أقِمْ﴾ عَطْفًا عَلى أنْ أكُونَ، لَكانَ التَّرْكِيبُ وجْهِي بِياءِ المُتَكَلِّمَ ومُراعاةُ المَعْنى فِيهِ ضَعْفٌ، وإضْمارُ الفِعْلِ أكْثَرُ مِن مُراعاةِ العَطْفِ عَلى المَعْنى. والوَجْهُ هُنا المَنحى والمَقْصِدُ، أيِ: اسْتَقِمْ لِلدِّينِ ولا تَحِدْ عَنْهُ، وكَنّى بِذَلِكَ عَنْ صَرْفِ العَقْلِ بِالكُلِّيَّةِ إلى طَلَبِ الدِّينِ. و(حَنِيفًا): حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في أقِمْ، أوْ مِنَ المَفْعُولِ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الدِّينِ. (ولا تَدْعُ): يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافَ نَهْيٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى أقِمْ، فَيَكُونُ في حَيِّزِ أنْ عَلى قِسْمَيْها مِن كَوْنِها مَصْدَرِيَّةً، وكَوْنِها حَرْفَ تَفْسِيرٍ. وإذا كانَ دُعاءُ الأصْنامِ مَنهِيًّا عَنْهُ فَأحْرى أنْ يُنْهى عَنْ عِبادَتِها ﴿فَإنْ فَعَلْتَ﴾ كَنّى بِالفِعْلِ عَنِ الدُّعاءِ إيجازًا أيْ: فَإنْ دَعَوْتَ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ. وجَوابُ الشَّرْطِ فَإنَّكَ وخَبَرُها، وتَوَسَّطَتْ إذا بَيْنَ اسْمِ إنَّ والخَبَرِ، ورُتْبَتُها بَعْدَ الخَبَرِ، لَكِنْ رُوعِيَ في ذَلِكَ الفاصِلَةُ. قالَ الحَوْفِيُّ: الفاءُ جَوابُ الشَّرْطِ، وإذا مُتَوَسِّطَةٌ لا عَمَلَ لَها يُرادُ بِها في هَذا: إذا كانَ ذَلِكَ، هَذا تَفْسِيرُ المَعْنى لا يَجِيءُ عَلى مَعْنى الجَوابِ، انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إذا جَوابُ الشَّرْطِ، وجَوابٌ لِجَوابٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّ سائِلًا سَألَ عَنْ تَبِعَةِ عِبادَةِ الأوْثانِ. وجُعِلَ مِنَ الظّالِمِينَ لِأنَّهُ لا ظُلْمَ أعْظَمُ مِنَ الشِّرْكِ، ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] انْتَهى. وكَلامُهُ في إذا يَحْتاجُ إلى تَأمُّلٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ فِيها مُشْبَعًا في سُورَةِ البَقَرَةِ. ولَمّا وقَعَ النَّهْيُ عَنْ دُعاءِ الأصْنامِ وهي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، ذَكَرَ أنَّ الحَوْلَ والقُوَّةَ والنَّفْعَ والضُّرَّ لَيْسَ ذَلِكَ إلّا لِلَّهِ، وأنَّهُ تَعالى هو المُنْفَرِدُ بِذَلِكَ، وأتى في الضُّرِّ بِلَفْظِ المَسِّ، وفي الخَيْرِ بِلَفْظِ الإرادَةِ، وطابَقَ بَيْنَ الضُّرِّ والخَيْرِ مُطابَقَةً مَعْنَوِيَّةً لا لَفْظِيَّةً، لِأنَّ مُقابِلَ الضُّرِّ النَّفْعُ، ومُقابِلَ الخَيْرِ الشَّرُّ، فَجاءَتْ لَفْظَةُ الضُّرِّ ألْطَفَ وأخَصَّ مِن لَفْظَةِ الشَّرِّ، وجاءَتْ لَفْظَةُ الخَيْرِ أتَمَّ مِن لَفْظَةِ النَّفْعِ، ولَفْظَةُ المَسِّ أوْجَزَ مِن لَفْظِ الإرادَةِ، وأنَصَّ عَلى الإصابَةِ وأنْسَبَ لِقَوْلِهِ: ﴿فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هُوَ﴾، ولَفْظُ الإرادَةِ أدَلُّ عَلى الحُصُولِ في وقْتِ الخِطابِ وفي غَيْرِهِ وأنْسَبُ لِلَفْظِ الخَيْرِ، وإنْ كانَ المَسُّ والإرادَةُ مَعْناهُما الإصابَةُ. وجاءَ جَوابُ ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ﴾ بِنَفْيٍ عامٍّ وإيجابٍ، وجاءَ جَوابُ ﴿وإنْ يُرِدْكَ﴾ بِنَفْيٍ عامٍّ، لِأنَّ ما أرادَهُ لا يَرُدُّهُ رادٌّ لا هو ولا غَيْرُهُ، لِأنَّ إرادَتَهُ قَدِيمَةٌ لا تَتَغَيَّرُ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَجِيءِ التَّرْكِيبُ فَلا رادَّ لَهُ إلّا هو. والمَسُّ مِن حَيْثُ هو فِعْلٌ هو صِفَةُ فِعْلٍ يُوقِعُهُ ويَرْفَعُهُ بِخِلافِ الإرادَةِ، فَإنَّها صِفَةُ ذاتٍ وجاءَ ﴿فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ﴾: سَمّى الخَيْرَ فَضْلًا إشْعارًا بِأنَّ الخُيُورَ (p-١٩٧)مِنَ اللَّهِ تَعالى، هي صادِرَةٌ عَلى سَبِيلِ الفَضْلِ والإحْسانِ والتَّفَضُّلِ. ثُمَّ اتَّسَعَ في الإخْبارِ عَنِ الفَضْلِ والخَيْرِ فَقالَ: ﴿يُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾، ثُمَّ أخْبَرَ بِالصِّفَتَيْنِ الدّالَّتَيْنِ عَلى عَدَمِ المُؤاخَذَةِ وهُما: الغَفُورُ الَّذِي يَسْتُرُ ويَصْفَحُ عَنِ الذُّنُوبِ، والرَّحِيمُ الَّذِي رَحْمَتُهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ. ولَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ﴾: فَأخَرَّ الضُّرَّ، ناسَبَ أنْ تَكُونَ البُداءَةُ بِجُمْلَةِ الشَّرْطِ المُتَعَلِّقَةِ بِالضُّرِّ. وأيْضًا فَإنَّهُ لَمّا كانَ الكُفّارُ يُتَوَقَّعُ مِنهُمُ الضُّرُّ لِلْمُؤْمِنِينَ، والنَّفْعُ لا يُرْجى مِنهم، كانَ تَقْدِيمُ جُمْلَةِ الضُّرِّ آكَدُ في الإخْبارِ فَبُدِئَ بِها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ ذَكَرَ المَسَّ في أحَدِهِما، والإرادَةَ في الثّانِي ؟ قُلْتُ: كَأنَّهُ أرادَ أنْ يَذْكُرَ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا: الإرادَةَ والإصابَةَ في كُلِّ واحِدٍ مِنَ الضُّرِّ والخَيْرِ، وأنَّهُ لا رادَّ لِما يُرِيدُ مِنهُما، ولا مُزِيلَ لِما يُصِيبُ بِهِ مِنهُما، فَأوْجَزَ الكَلامَ: بِأنْ ذَكَرَ المَسَّ وهو الإصابَةُ في أحَدِهِما، والإرادَةَ في الإنْجازِ، لِيَدُلَّ بِما ذَكَرَ عَلى ما تَرَكَ عَلى أنَّهُ قَدْ كَرَّرَ الإصابَةَ في الخَيْرِ في قَوْلِهِ: يُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، والمُرادُ بِالمَشِيئَةِ: المَصْلَحَةُ.

يونس 10:106

﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينِي فَلا أعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ أعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفّاكم وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وأنْ أقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿ولا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ فَإنْ فَعَلْتَ فَإنَّكَ إذًا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هو وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ وهو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾: خِطابٌ لِأهْلِ مَكَّةَ يَقُولُ: إنْ كُنْتُمْ لا تَعْرِفُونَ ما أنا عَلَيْهِ فَأنا أُبَيِّنُهُ لَكم، فَبَدَأ أوَّلًا بِالِانْتِفاءِ مِن عِبادَةِ ما يَعْبُدُونَ مِنَ الأصْنامِ تَسْفِيهًا لِآرائِهِمْ، وأثْبَتَ ثانِيًا مَنِ الَّذِي يَعْبُدُهُ وهو اللَّهُ الَّذِي يَتَوَفّاكم. وفِي ذِكْرِ هَذا الوَصْفِ الوَسَطِ الدّالِّ عَلى التَّوَفِّي دِلالَةٌ عَلى البَدْءِ وهو الخَلْقُ وعَلى الإعادَةِ، فَكَأنَّهُ أشارَ إلى أنَّهُ يَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَكم ويَتَوَفّاكم ويُعِيدُكم، وكَثِيرًا ما صُرِّحَ في القُرْآنِ بِهَذِهِ الأطْوارِ الثَّلاثَةِ، وكانَ التَّصْرِيحُ بِهَذا الوَصْفِ لِما فِيهِ مِنَ التَّذْكِيرِ بِالمَوْتِ، وإرْهابِ النُّفُوسِ بِهِ، وصَيْرُورَتِهِمْ إلى اللَّهِ بَعْدَهُ، فَهو الجَدِيرُ بِأنْ يُخافَ ويُتَّقى ويُعْبَدَ لا الحِجارَةَ الَّتِي تَعْبُدُونَها. ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾: لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ يَعْبُدُ اللَّهَ وكانَتِ العِبادَةُ أغْلَبَ ما عَلَيْها عَمَلُ الجَوارِحِ، أخْبَرَ أنَّهُ أُمِرَ بِأنْ يَكُونَ مِنَ المُصَدِّقِينَ بِاللَّهِ المُوَحِّدِينَ لَهُ، المُفْرِدُونَ لَهُ بِالعِبادَةِ، وانْتَقَلَ مِن عَمَلِ الجَوارِحِ إلى نُورِ المَعْرِفَةِ، وطابَقَ الباطِنُ الظّاهِرَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَنِي بِما رَكَّبَ فِيَّ مِنَ العَقْلِ، وبِما أوْحى إلَيَّ في كِتابِهِ. وقِيلَ مَعْناهُ: إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينِي ومِمّا أنا عَلَيْهِ، أأثْبُتُ أمْ أتْرُكُهُ وأُوافِقُكم ؟ فَلا تُحَدِّثُوا أنْفُسَكم بِالمُحالِ، ولا تَشُكُّوا في أمْرِي، واقْطَعُوا عَنِّي أطْماعَكم، واعْلَمُوا أنِّي لا أعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، ولا أخْتارُ الضَّلالَةَ عَلى الهُدى كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ﴾ [يونس: ٧٢]: أصْلُهُ بِأنْ أكُونَ، فَحُذِفَ الجارُ وهَذا الحَذْفُ (p-١٩٦)يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الحَذْفِ المُطَّرِدِ، الَّذِي هو حَذْفُ الحُرُوفِ الجارَّةِ مَعَ أنْ وأنَّ، وأنْ يَكُونَ مِنَ الحَذْفِ غَيْرِ المُطَّرِدِ وهو قَوْلُهُ: أمَرْتُكَ الخَيْرَ ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤] انْتَهى. يَعْنِي بِالحَذْفِ غَيْرِ المُطَّرِدِ وهو قَوْلُهُ: أمَرْتُكَ الخَيْرَ، إنَّهُ لا يُحْذَفُ حَرْفُ الجَرِّ مِنَ المَفْعُولِ الثّانِي إلّا في أفْعالٍ مَحْصُورَةٍ سَماعًا لا قِياسًا وهي: اخْتارَ واسْتَغْفَرَ وأمَرَ وسَمّى ولَبّى ودَعا بِمَعْنى: سَمّى وزَوَّجَ وصَدَّقَ خِلافًا لِمَن قاسَ الحَذْفَ بِحَرْفِ الجَرِّ مِنَ المَفْعُولِ الثّانِي، حَيْثُ يَعْنِي الحَرْفَ، ومَوْضِعُ الحَذْفِ نَحْوُ: بَرَيْتُ القَلَمَ بِالسِّكِّينِ، فَيُجِيزُ السِّكِّينَ بِالنَّصْبِ. وجَوابُ إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ قَوْلُهُ: فَلا أعْبُدُ، والتَّقْدِيرُ: فَأنا لا أعْبُدُ، لِأنَّ الفِعْلَ المَنفِيَّ بِلا إذا وقَعَ جَوابًا انْجَزَمَ، فَإذا دَخَلَتْ عَلَيْهِ الفاءُ عُلِمَ أنَّهُ عَلى إضْمارِ المُبْتَدَأِ. وكَذَلِكَ لَوِ ارْتَفَعَ دُونَ لا لِقَوْلِهِ. ﴿ومَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾ [المائدة: ٩٥]، أيْ: فَهو يَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ. وتَضَمَّنَ قَوْلُهُ: ﴿فَلا أعْبُدُ﴾ مَعْنى: فَأنا مُخالِفُكم. ﴿وأنْ أقِمْ﴾: يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مَعْمُولَةً لِقَوْلِهِ: (وأُمِرْتُ)، مُراعًى فِيها المَعْنى. لِأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: (أنْ أكُونَ): كُنْ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَتَكُونُ أنْ مَصْدَرِيَّةً صِلَتُها الأمْرُ. وقَدْ أجازَ ذَلِكَ النَّحْوِيُّونَ، فَلَمْ يَلْتَزِمُوا في صِلَتِها ما التُزِمَ في صِلاتِ الأسْماءِ المَوْصُولَةِ، مِن كَوْنِها لا تَكُونُ إلّا خَبَرِيَّةً بِشُرُوطِها المَذْكُورَةِ في النَّحْوِ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ أيْ: وأُوحِيَ إلَيَّ أنْ أقِمْ، فاحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، واحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ حَرْفَ تَفْسِيرٍ، لِأنَّ الجُمْلَةَ المُقَدَّرَةَ فِيها مَعْنى القَوْلِ، وإضْمارُ الفِعْلِ أوْلى، لِيَزُولَ قَلَقُ العَطْفِ لِوُجُودِ الكافِ، إذْ لَوْ كانَ: ﴿وأنْ أقِمْ﴾ عَطْفًا عَلى أنْ أكُونَ، لَكانَ التَّرْكِيبُ وجْهِي بِياءِ المُتَكَلِّمَ ومُراعاةُ المَعْنى فِيهِ ضَعْفٌ، وإضْمارُ الفِعْلِ أكْثَرُ مِن مُراعاةِ العَطْفِ عَلى المَعْنى. والوَجْهُ هُنا المَنحى والمَقْصِدُ، أيِ: اسْتَقِمْ لِلدِّينِ ولا تَحِدْ عَنْهُ، وكَنّى بِذَلِكَ عَنْ صَرْفِ العَقْلِ بِالكُلِّيَّةِ إلى طَلَبِ الدِّينِ. و(حَنِيفًا): حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في أقِمْ، أوْ مِنَ المَفْعُولِ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الدِّينِ. (ولا تَدْعُ): يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافَ نَهْيٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى أقِمْ، فَيَكُونُ في حَيِّزِ أنْ عَلى قِسْمَيْها مِن كَوْنِها مَصْدَرِيَّةً، وكَوْنِها حَرْفَ تَفْسِيرٍ. وإذا كانَ دُعاءُ الأصْنامِ مَنهِيًّا عَنْهُ فَأحْرى أنْ يُنْهى عَنْ عِبادَتِها ﴿فَإنْ فَعَلْتَ﴾ كَنّى بِالفِعْلِ عَنِ الدُّعاءِ إيجازًا أيْ: فَإنْ دَعَوْتَ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ. وجَوابُ الشَّرْطِ فَإنَّكَ وخَبَرُها، وتَوَسَّطَتْ إذا بَيْنَ اسْمِ إنَّ والخَبَرِ، ورُتْبَتُها بَعْدَ الخَبَرِ، لَكِنْ رُوعِيَ في ذَلِكَ الفاصِلَةُ. قالَ الحَوْفِيُّ: الفاءُ جَوابُ الشَّرْطِ، وإذا مُتَوَسِّطَةٌ لا عَمَلَ لَها يُرادُ بِها في هَذا: إذا كانَ ذَلِكَ، هَذا تَفْسِيرُ المَعْنى لا يَجِيءُ عَلى مَعْنى الجَوابِ، انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إذا جَوابُ الشَّرْطِ، وجَوابٌ لِجَوابٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّ سائِلًا سَألَ عَنْ تَبِعَةِ عِبادَةِ الأوْثانِ. وجُعِلَ مِنَ الظّالِمِينَ لِأنَّهُ لا ظُلْمَ أعْظَمُ مِنَ الشِّرْكِ، ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] انْتَهى. وكَلامُهُ في إذا يَحْتاجُ إلى تَأمُّلٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ فِيها مُشْبَعًا في سُورَةِ البَقَرَةِ. ولَمّا وقَعَ النَّهْيُ عَنْ دُعاءِ الأصْنامِ وهي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، ذَكَرَ أنَّ الحَوْلَ والقُوَّةَ والنَّفْعَ والضُّرَّ لَيْسَ ذَلِكَ إلّا لِلَّهِ، وأنَّهُ تَعالى هو المُنْفَرِدُ بِذَلِكَ، وأتى في الضُّرِّ بِلَفْظِ المَسِّ، وفي الخَيْرِ بِلَفْظِ الإرادَةِ، وطابَقَ بَيْنَ الضُّرِّ والخَيْرِ مُطابَقَةً مَعْنَوِيَّةً لا لَفْظِيَّةً، لِأنَّ مُقابِلَ الضُّرِّ النَّفْعُ، ومُقابِلَ الخَيْرِ الشَّرُّ، فَجاءَتْ لَفْظَةُ الضُّرِّ ألْطَفَ وأخَصَّ مِن لَفْظَةِ الشَّرِّ، وجاءَتْ لَفْظَةُ الخَيْرِ أتَمَّ مِن لَفْظَةِ النَّفْعِ، ولَفْظَةُ المَسِّ أوْجَزَ مِن لَفْظِ الإرادَةِ، وأنَصَّ عَلى الإصابَةِ وأنْسَبَ لِقَوْلِهِ: ﴿فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هُوَ﴾، ولَفْظُ الإرادَةِ أدَلُّ عَلى الحُصُولِ في وقْتِ الخِطابِ وفي غَيْرِهِ وأنْسَبُ لِلَفْظِ الخَيْرِ، وإنْ كانَ المَسُّ والإرادَةُ مَعْناهُما الإصابَةُ. وجاءَ جَوابُ ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ﴾ بِنَفْيٍ عامٍّ وإيجابٍ، وجاءَ جَوابُ ﴿وإنْ يُرِدْكَ﴾ بِنَفْيٍ عامٍّ، لِأنَّ ما أرادَهُ لا يَرُدُّهُ رادٌّ لا هو ولا غَيْرُهُ، لِأنَّ إرادَتَهُ قَدِيمَةٌ لا تَتَغَيَّرُ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَجِيءِ التَّرْكِيبُ فَلا رادَّ لَهُ إلّا هو. والمَسُّ مِن حَيْثُ هو فِعْلٌ هو صِفَةُ فِعْلٍ يُوقِعُهُ ويَرْفَعُهُ بِخِلافِ الإرادَةِ، فَإنَّها صِفَةُ ذاتٍ وجاءَ ﴿فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ﴾: سَمّى الخَيْرَ فَضْلًا إشْعارًا بِأنَّ الخُيُورَ (p-١٩٧)مِنَ اللَّهِ تَعالى، هي صادِرَةٌ عَلى سَبِيلِ الفَضْلِ والإحْسانِ والتَّفَضُّلِ. ثُمَّ اتَّسَعَ في الإخْبارِ عَنِ الفَضْلِ والخَيْرِ فَقالَ: ﴿يُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾، ثُمَّ أخْبَرَ بِالصِّفَتَيْنِ الدّالَّتَيْنِ عَلى عَدَمِ المُؤاخَذَةِ وهُما: الغَفُورُ الَّذِي يَسْتُرُ ويَصْفَحُ عَنِ الذُّنُوبِ، والرَّحِيمُ الَّذِي رَحْمَتُهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ. ولَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ﴾: فَأخَرَّ الضُّرَّ، ناسَبَ أنْ تَكُونَ البُداءَةُ بِجُمْلَةِ الشَّرْطِ المُتَعَلِّقَةِ بِالضُّرِّ. وأيْضًا فَإنَّهُ لَمّا كانَ الكُفّارُ يُتَوَقَّعُ مِنهُمُ الضُّرُّ لِلْمُؤْمِنِينَ، والنَّفْعُ لا يُرْجى مِنهم، كانَ تَقْدِيمُ جُمْلَةِ الضُّرِّ آكَدُ في الإخْبارِ فَبُدِئَ بِها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ ذَكَرَ المَسَّ في أحَدِهِما، والإرادَةَ في الثّانِي ؟ قُلْتُ: كَأنَّهُ أرادَ أنْ يَذْكُرَ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا: الإرادَةَ والإصابَةَ في كُلِّ واحِدٍ مِنَ الضُّرِّ والخَيْرِ، وأنَّهُ لا رادَّ لِما يُرِيدُ مِنهُما، ولا مُزِيلَ لِما يُصِيبُ بِهِ مِنهُما، فَأوْجَزَ الكَلامَ: بِأنْ ذَكَرَ المَسَّ وهو الإصابَةُ في أحَدِهِما، والإرادَةَ في الإنْجازِ، لِيَدُلَّ بِما ذَكَرَ عَلى ما تَرَكَ عَلى أنَّهُ قَدْ كَرَّرَ الإصابَةَ في الخَيْرِ في قَوْلِهِ: يُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، والمُرادُ بِالمَشِيئَةِ: المَصْلَحَةُ.

يونس 10:107

﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينِي فَلا أعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ أعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفّاكم وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وأنْ أقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿ولا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ فَإنْ فَعَلْتَ فَإنَّكَ إذًا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هو وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ وهو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾: خِطابٌ لِأهْلِ مَكَّةَ يَقُولُ: إنْ كُنْتُمْ لا تَعْرِفُونَ ما أنا عَلَيْهِ فَأنا أُبَيِّنُهُ لَكم، فَبَدَأ أوَّلًا بِالِانْتِفاءِ مِن عِبادَةِ ما يَعْبُدُونَ مِنَ الأصْنامِ تَسْفِيهًا لِآرائِهِمْ، وأثْبَتَ ثانِيًا مَنِ الَّذِي يَعْبُدُهُ وهو اللَّهُ الَّذِي يَتَوَفّاكم. وفِي ذِكْرِ هَذا الوَصْفِ الوَسَطِ الدّالِّ عَلى التَّوَفِّي دِلالَةٌ عَلى البَدْءِ وهو الخَلْقُ وعَلى الإعادَةِ، فَكَأنَّهُ أشارَ إلى أنَّهُ يَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَكم ويَتَوَفّاكم ويُعِيدُكم، وكَثِيرًا ما صُرِّحَ في القُرْآنِ بِهَذِهِ الأطْوارِ الثَّلاثَةِ، وكانَ التَّصْرِيحُ بِهَذا الوَصْفِ لِما فِيهِ مِنَ التَّذْكِيرِ بِالمَوْتِ، وإرْهابِ النُّفُوسِ بِهِ، وصَيْرُورَتِهِمْ إلى اللَّهِ بَعْدَهُ، فَهو الجَدِيرُ بِأنْ يُخافَ ويُتَّقى ويُعْبَدَ لا الحِجارَةَ الَّتِي تَعْبُدُونَها. ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾: لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ يَعْبُدُ اللَّهَ وكانَتِ العِبادَةُ أغْلَبَ ما عَلَيْها عَمَلُ الجَوارِحِ، أخْبَرَ أنَّهُ أُمِرَ بِأنْ يَكُونَ مِنَ المُصَدِّقِينَ بِاللَّهِ المُوَحِّدِينَ لَهُ، المُفْرِدُونَ لَهُ بِالعِبادَةِ، وانْتَقَلَ مِن عَمَلِ الجَوارِحِ إلى نُورِ المَعْرِفَةِ، وطابَقَ الباطِنُ الظّاهِرَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَنِي بِما رَكَّبَ فِيَّ مِنَ العَقْلِ، وبِما أوْحى إلَيَّ في كِتابِهِ. وقِيلَ مَعْناهُ: إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينِي ومِمّا أنا عَلَيْهِ، أأثْبُتُ أمْ أتْرُكُهُ وأُوافِقُكم ؟ فَلا تُحَدِّثُوا أنْفُسَكم بِالمُحالِ، ولا تَشُكُّوا في أمْرِي، واقْطَعُوا عَنِّي أطْماعَكم، واعْلَمُوا أنِّي لا أعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، ولا أخْتارُ الضَّلالَةَ عَلى الهُدى كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ﴾ [يونس: ٧٢]: أصْلُهُ بِأنْ أكُونَ، فَحُذِفَ الجارُ وهَذا الحَذْفُ (p-١٩٦)يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الحَذْفِ المُطَّرِدِ، الَّذِي هو حَذْفُ الحُرُوفِ الجارَّةِ مَعَ أنْ وأنَّ، وأنْ يَكُونَ مِنَ الحَذْفِ غَيْرِ المُطَّرِدِ وهو قَوْلُهُ: أمَرْتُكَ الخَيْرَ ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤] انْتَهى. يَعْنِي بِالحَذْفِ غَيْرِ المُطَّرِدِ وهو قَوْلُهُ: أمَرْتُكَ الخَيْرَ، إنَّهُ لا يُحْذَفُ حَرْفُ الجَرِّ مِنَ المَفْعُولِ الثّانِي إلّا في أفْعالٍ مَحْصُورَةٍ سَماعًا لا قِياسًا وهي: اخْتارَ واسْتَغْفَرَ وأمَرَ وسَمّى ولَبّى ودَعا بِمَعْنى: سَمّى وزَوَّجَ وصَدَّقَ خِلافًا لِمَن قاسَ الحَذْفَ بِحَرْفِ الجَرِّ مِنَ المَفْعُولِ الثّانِي، حَيْثُ يَعْنِي الحَرْفَ، ومَوْضِعُ الحَذْفِ نَحْوُ: بَرَيْتُ القَلَمَ بِالسِّكِّينِ، فَيُجِيزُ السِّكِّينَ بِالنَّصْبِ. وجَوابُ إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ قَوْلُهُ: فَلا أعْبُدُ، والتَّقْدِيرُ: فَأنا لا أعْبُدُ، لِأنَّ الفِعْلَ المَنفِيَّ بِلا إذا وقَعَ جَوابًا انْجَزَمَ، فَإذا دَخَلَتْ عَلَيْهِ الفاءُ عُلِمَ أنَّهُ عَلى إضْمارِ المُبْتَدَأِ. وكَذَلِكَ لَوِ ارْتَفَعَ دُونَ لا لِقَوْلِهِ. ﴿ومَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾ [المائدة: ٩٥]، أيْ: فَهو يَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ. وتَضَمَّنَ قَوْلُهُ: ﴿فَلا أعْبُدُ﴾ مَعْنى: فَأنا مُخالِفُكم. ﴿وأنْ أقِمْ﴾: يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مَعْمُولَةً لِقَوْلِهِ: (وأُمِرْتُ)، مُراعًى فِيها المَعْنى. لِأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: (أنْ أكُونَ): كُنْ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَتَكُونُ أنْ مَصْدَرِيَّةً صِلَتُها الأمْرُ. وقَدْ أجازَ ذَلِكَ النَّحْوِيُّونَ، فَلَمْ يَلْتَزِمُوا في صِلَتِها ما التُزِمَ في صِلاتِ الأسْماءِ المَوْصُولَةِ، مِن كَوْنِها لا تَكُونُ إلّا خَبَرِيَّةً بِشُرُوطِها المَذْكُورَةِ في النَّحْوِ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ أيْ: وأُوحِيَ إلَيَّ أنْ أقِمْ، فاحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، واحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ حَرْفَ تَفْسِيرٍ، لِأنَّ الجُمْلَةَ المُقَدَّرَةَ فِيها مَعْنى القَوْلِ، وإضْمارُ الفِعْلِ أوْلى، لِيَزُولَ قَلَقُ العَطْفِ لِوُجُودِ الكافِ، إذْ لَوْ كانَ: ﴿وأنْ أقِمْ﴾ عَطْفًا عَلى أنْ أكُونَ، لَكانَ التَّرْكِيبُ وجْهِي بِياءِ المُتَكَلِّمَ ومُراعاةُ المَعْنى فِيهِ ضَعْفٌ، وإضْمارُ الفِعْلِ أكْثَرُ مِن مُراعاةِ العَطْفِ عَلى المَعْنى. والوَجْهُ هُنا المَنحى والمَقْصِدُ، أيِ: اسْتَقِمْ لِلدِّينِ ولا تَحِدْ عَنْهُ، وكَنّى بِذَلِكَ عَنْ صَرْفِ العَقْلِ بِالكُلِّيَّةِ إلى طَلَبِ الدِّينِ. و(حَنِيفًا): حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في أقِمْ، أوْ مِنَ المَفْعُولِ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الدِّينِ. (ولا تَدْعُ): يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافَ نَهْيٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى أقِمْ، فَيَكُونُ في حَيِّزِ أنْ عَلى قِسْمَيْها مِن كَوْنِها مَصْدَرِيَّةً، وكَوْنِها حَرْفَ تَفْسِيرٍ. وإذا كانَ دُعاءُ الأصْنامِ مَنهِيًّا عَنْهُ فَأحْرى أنْ يُنْهى عَنْ عِبادَتِها ﴿فَإنْ فَعَلْتَ﴾ كَنّى بِالفِعْلِ عَنِ الدُّعاءِ إيجازًا أيْ: فَإنْ دَعَوْتَ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ. وجَوابُ الشَّرْطِ فَإنَّكَ وخَبَرُها، وتَوَسَّطَتْ إذا بَيْنَ اسْمِ إنَّ والخَبَرِ، ورُتْبَتُها بَعْدَ الخَبَرِ، لَكِنْ رُوعِيَ في ذَلِكَ الفاصِلَةُ. قالَ الحَوْفِيُّ: الفاءُ جَوابُ الشَّرْطِ، وإذا مُتَوَسِّطَةٌ لا عَمَلَ لَها يُرادُ بِها في هَذا: إذا كانَ ذَلِكَ، هَذا تَفْسِيرُ المَعْنى لا يَجِيءُ عَلى مَعْنى الجَوابِ، انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إذا جَوابُ الشَّرْطِ، وجَوابٌ لِجَوابٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّ سائِلًا سَألَ عَنْ تَبِعَةِ عِبادَةِ الأوْثانِ. وجُعِلَ مِنَ الظّالِمِينَ لِأنَّهُ لا ظُلْمَ أعْظَمُ مِنَ الشِّرْكِ، ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] انْتَهى. وكَلامُهُ في إذا يَحْتاجُ إلى تَأمُّلٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ فِيها مُشْبَعًا في سُورَةِ البَقَرَةِ. ولَمّا وقَعَ النَّهْيُ عَنْ دُعاءِ الأصْنامِ وهي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، ذَكَرَ أنَّ الحَوْلَ والقُوَّةَ والنَّفْعَ والضُّرَّ لَيْسَ ذَلِكَ إلّا لِلَّهِ، وأنَّهُ تَعالى هو المُنْفَرِدُ بِذَلِكَ، وأتى في الضُّرِّ بِلَفْظِ المَسِّ، وفي الخَيْرِ بِلَفْظِ الإرادَةِ، وطابَقَ بَيْنَ الضُّرِّ والخَيْرِ مُطابَقَةً مَعْنَوِيَّةً لا لَفْظِيَّةً، لِأنَّ مُقابِلَ الضُّرِّ النَّفْعُ، ومُقابِلَ الخَيْرِ الشَّرُّ، فَجاءَتْ لَفْظَةُ الضُّرِّ ألْطَفَ وأخَصَّ مِن لَفْظَةِ الشَّرِّ، وجاءَتْ لَفْظَةُ الخَيْرِ أتَمَّ مِن لَفْظَةِ النَّفْعِ، ولَفْظَةُ المَسِّ أوْجَزَ مِن لَفْظِ الإرادَةِ، وأنَصَّ عَلى الإصابَةِ وأنْسَبَ لِقَوْلِهِ: ﴿فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هُوَ﴾، ولَفْظُ الإرادَةِ أدَلُّ عَلى الحُصُولِ في وقْتِ الخِطابِ وفي غَيْرِهِ وأنْسَبُ لِلَفْظِ الخَيْرِ، وإنْ كانَ المَسُّ والإرادَةُ مَعْناهُما الإصابَةُ. وجاءَ جَوابُ ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ﴾ بِنَفْيٍ عامٍّ وإيجابٍ، وجاءَ جَوابُ ﴿وإنْ يُرِدْكَ﴾ بِنَفْيٍ عامٍّ، لِأنَّ ما أرادَهُ لا يَرُدُّهُ رادٌّ لا هو ولا غَيْرُهُ، لِأنَّ إرادَتَهُ قَدِيمَةٌ لا تَتَغَيَّرُ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَجِيءِ التَّرْكِيبُ فَلا رادَّ لَهُ إلّا هو. والمَسُّ مِن حَيْثُ هو فِعْلٌ هو صِفَةُ فِعْلٍ يُوقِعُهُ ويَرْفَعُهُ بِخِلافِ الإرادَةِ، فَإنَّها صِفَةُ ذاتٍ وجاءَ ﴿فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ﴾: سَمّى الخَيْرَ فَضْلًا إشْعارًا بِأنَّ الخُيُورَ (p-١٩٧)مِنَ اللَّهِ تَعالى، هي صادِرَةٌ عَلى سَبِيلِ الفَضْلِ والإحْسانِ والتَّفَضُّلِ. ثُمَّ اتَّسَعَ في الإخْبارِ عَنِ الفَضْلِ والخَيْرِ فَقالَ: ﴿يُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾، ثُمَّ أخْبَرَ بِالصِّفَتَيْنِ الدّالَّتَيْنِ عَلى عَدَمِ المُؤاخَذَةِ وهُما: الغَفُورُ الَّذِي يَسْتُرُ ويَصْفَحُ عَنِ الذُّنُوبِ، والرَّحِيمُ الَّذِي رَحْمَتُهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ. ولَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ﴾: فَأخَرَّ الضُّرَّ، ناسَبَ أنْ تَكُونَ البُداءَةُ بِجُمْلَةِ الشَّرْطِ المُتَعَلِّقَةِ بِالضُّرِّ. وأيْضًا فَإنَّهُ لَمّا كانَ الكُفّارُ يُتَوَقَّعُ مِنهُمُ الضُّرُّ لِلْمُؤْمِنِينَ، والنَّفْعُ لا يُرْجى مِنهم، كانَ تَقْدِيمُ جُمْلَةِ الضُّرِّ آكَدُ في الإخْبارِ فَبُدِئَ بِها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ ذَكَرَ المَسَّ في أحَدِهِما، والإرادَةَ في الثّانِي ؟ قُلْتُ: كَأنَّهُ أرادَ أنْ يَذْكُرَ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا: الإرادَةَ والإصابَةَ في كُلِّ واحِدٍ مِنَ الضُّرِّ والخَيْرِ، وأنَّهُ لا رادَّ لِما يُرِيدُ مِنهُما، ولا مُزِيلَ لِما يُصِيبُ بِهِ مِنهُما، فَأوْجَزَ الكَلامَ: بِأنْ ذَكَرَ المَسَّ وهو الإصابَةُ في أحَدِهِما، والإرادَةَ في الإنْجازِ، لِيَدُلَّ بِما ذَكَرَ عَلى ما تَرَكَ عَلى أنَّهُ قَدْ كَرَّرَ الإصابَةَ في الخَيْرِ في قَوْلِهِ: يُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، والمُرادُ بِالمَشِيئَةِ: المَصْلَحَةُ.

يونس 10:108

﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الحَقُّ مِن رَبِّكم فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وما أنا عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ ﴿واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ واصْبِرْ حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ الحَقُّ: القُرْآنُ، أوِ الرَّسُولُ، أوْ دِينُ الإسْلامِ، ثَلاثَةُ أقْوالٍ والمَعْنى: فَإنَّما ثَوابُ هِدايَتِهِ حاصِلٌ لَهُ، ووَبالُ ضَلالِهِ عَلَيْهِ، والهِدايَةُ والضَّلالُ واقِعانِ بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى مِنَ العَبْدِ، هَذا مَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ. وأنَّ مَن حُكِمَ لَهُ في الأزَلِ بِالِاهْتِداءِ فَسَيَقَعُ ذَلِكَ، وأنَّ مَن حُكِمَ لَهُ بِالضَّلالِ فَكَذَلِكَ، ولا حِيلَةَ في ذَلِكَ. وقالَ القاضِي: إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ أكْمَلَ الشَّرِيعَةَ وأزاحَ العِلَّةَ وقَطَعَ المَعْذِرَةَ: ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وما أنا عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ فَلا يَجِبُ عَلَيَّ مِنَ السَّعْيِ في إيصالِكم إلى الثَّوابِ العَظِيمِ، وفي تَخْلِيصِكم مِنَ العَذابِ الألِيمِ أزْيَدُ مِمّا فَعَلْتُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمْ يَبْقَ لَكم عُذْرٌ ولا عَلى اللَّهِ تَعالى حُجَّةٌ، فَمَنِ اخْتارَ الهُدى واتِّباعَ الحَقِّ فَما نَفَعَ بِاخْتِيارِهِ إلّا نَفْسَهُ، ومَن آثَرَ الضَّلالَ فَما ضَرَّ إلّا نَفْسَهُ. واللّامُ وعَلى: عَلى مَعْنى النَّفْعِ والضُّرِّ، وكَّلَ إلَيْهِمُ الأمْرَ بَعْدَ إزاحَةِ العِلَلِ وإبانَةِ الحَقِّ. وفِيهِ حَثٌّ عَلى إتْيانِ الهُدى واطِّراحِ الضَّلالِ مَعَ ذَلِكَ، ﴿وما أنا عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾: بِحَفِيظٍ مَوْكُولٍ إلَيَّ أمْرُكم وحَمْلُكم عَلى ما أُرِيدُ، إنَّما أنا بَشِيرٌ ونَذِيرٌ، انْتَهى. وكَلامُهُ تَذْيِيلُ كَلامِ القاضِي، وهو جارٍ عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ. وأمْرُهُ تَعالى نَبِيَّهُ بِاتِّباعٍ ما يُوحى إلَيْهِ أمْرٌ بِالدَّيْمُومَةِ وبِالصَّبْرِ عَلى ما يَنالُكَ في اللَّهِ مِن أذى الكُفّارِ وإعْراضِهِمْ، وغَيّا الأمْرَ بِالصَّبْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ﴾، وهو وعْدٌ مِنهُ تَعالى بِإعْلاءِ كَلِمَتِهِ ونَصْرِهِ عَلى أعْدائِهِ كَما وقَعَ. وذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما أنا عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ (اصْبِرْ): مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. وذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّهُ مُحْكَمٌ، وحَمَلُوا ﴿وما أنا عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾: عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِحَفِيظٍ عَلى أعْمالِهِمْ لِيُجازِيَهم عَلَيْها، بَلْ ذَلِكَ لِلَّهِ. وقَوْلُهُ: (واصْبِرْ): عَلى الصَّبْرِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ وحَمْلِ أثْقالِ النُّبُوَّةِ وأداءِ الرِّسالَةِ، وعَلى هَذا لا تَعارُضَ بَيْنَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ وبَيْنَ آيَةِ السَّيْفِ، وإلى هَذا مالَ المُحَقِّقُونَ. ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ: واصْبِرْ، جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الأنْصارَ فَقالَ: «إنَّكم سَتَجِدُونَ بِعْدِي أثَرَةً فاصْبِرُوا حَتّى تَلْقَوْنِي» قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنِّي أُمِرْتُ في هَذِهِ الآيَةِ بِالصَّبْرِ عَلى ما سامَنِي الكَفَرَةُ، فَصَبَرْتُ واصْبِرُوا أنْتُمْ عَلى ما يَسُومُكُمُ الأُمَراءُ الجَوَرَةُ. قالَ أنَسٌ: فَلَمْ نَصْبِرْ، ثُمَّ ذَكَرَ حِكايَةً جَرَتْ بَيْنَ أبِي قَتادَةَ ومُعاوِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - يُوقَفُ عَلَيْها مِن كِتابِهِ.

يونس 10:109

﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الحَقُّ مِن رَبِّكم فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وما أنا عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ ﴿واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ واصْبِرْ حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ الحَقُّ: القُرْآنُ، أوِ الرَّسُولُ، أوْ دِينُ الإسْلامِ، ثَلاثَةُ أقْوالٍ والمَعْنى: فَإنَّما ثَوابُ هِدايَتِهِ حاصِلٌ لَهُ، ووَبالُ ضَلالِهِ عَلَيْهِ، والهِدايَةُ والضَّلالُ واقِعانِ بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى مِنَ العَبْدِ، هَذا مَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ. وأنَّ مَن حُكِمَ لَهُ في الأزَلِ بِالِاهْتِداءِ فَسَيَقَعُ ذَلِكَ، وأنَّ مَن حُكِمَ لَهُ بِالضَّلالِ فَكَذَلِكَ، ولا حِيلَةَ في ذَلِكَ. وقالَ القاضِي: إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ أكْمَلَ الشَّرِيعَةَ وأزاحَ العِلَّةَ وقَطَعَ المَعْذِرَةَ: ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وما أنا عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ فَلا يَجِبُ عَلَيَّ مِنَ السَّعْيِ في إيصالِكم إلى الثَّوابِ العَظِيمِ، وفي تَخْلِيصِكم مِنَ العَذابِ الألِيمِ أزْيَدُ مِمّا فَعَلْتُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمْ يَبْقَ لَكم عُذْرٌ ولا عَلى اللَّهِ تَعالى حُجَّةٌ، فَمَنِ اخْتارَ الهُدى واتِّباعَ الحَقِّ فَما نَفَعَ بِاخْتِيارِهِ إلّا نَفْسَهُ، ومَن آثَرَ الضَّلالَ فَما ضَرَّ إلّا نَفْسَهُ. واللّامُ وعَلى: عَلى مَعْنى النَّفْعِ والضُّرِّ، وكَّلَ إلَيْهِمُ الأمْرَ بَعْدَ إزاحَةِ العِلَلِ وإبانَةِ الحَقِّ. وفِيهِ حَثٌّ عَلى إتْيانِ الهُدى واطِّراحِ الضَّلالِ مَعَ ذَلِكَ، ﴿وما أنا عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾: بِحَفِيظٍ مَوْكُولٍ إلَيَّ أمْرُكم وحَمْلُكم عَلى ما أُرِيدُ، إنَّما أنا بَشِيرٌ ونَذِيرٌ، انْتَهى. وكَلامُهُ تَذْيِيلُ كَلامِ القاضِي، وهو جارٍ عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ. وأمْرُهُ تَعالى نَبِيَّهُ بِاتِّباعٍ ما يُوحى إلَيْهِ أمْرٌ بِالدَّيْمُومَةِ وبِالصَّبْرِ عَلى ما يَنالُكَ في اللَّهِ مِن أذى الكُفّارِ وإعْراضِهِمْ، وغَيّا الأمْرَ بِالصَّبْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ﴾، وهو وعْدٌ مِنهُ تَعالى بِإعْلاءِ كَلِمَتِهِ ونَصْرِهِ عَلى أعْدائِهِ كَما وقَعَ. وذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما أنا عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ (اصْبِرْ): مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. وذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّهُ مُحْكَمٌ، وحَمَلُوا ﴿وما أنا عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾: عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِحَفِيظٍ عَلى أعْمالِهِمْ لِيُجازِيَهم عَلَيْها، بَلْ ذَلِكَ لِلَّهِ. وقَوْلُهُ: (واصْبِرْ): عَلى الصَّبْرِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ وحَمْلِ أثْقالِ النُّبُوَّةِ وأداءِ الرِّسالَةِ، وعَلى هَذا لا تَعارُضَ بَيْنَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ وبَيْنَ آيَةِ السَّيْفِ، وإلى هَذا مالَ المُحَقِّقُونَ. ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ: واصْبِرْ، جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الأنْصارَ فَقالَ: «إنَّكم سَتَجِدُونَ بِعْدِي أثَرَةً فاصْبِرُوا حَتّى تَلْقَوْنِي» قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنِّي أُمِرْتُ في هَذِهِ الآيَةِ بِالصَّبْرِ عَلى ما سامَنِي الكَفَرَةُ، فَصَبَرْتُ واصْبِرُوا أنْتُمْ عَلى ما يَسُومُكُمُ الأُمَراءُ الجَوَرَةُ. قالَ أنَسٌ: فَلَمْ نَصْبِرْ، ثُمَّ ذَكَرَ حِكايَةً جَرَتْ بَيْنَ أبِي قَتادَةَ ومُعاوِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - يُوقَفُ عَلَيْها مِن كِتابِهِ.

هود 11:1

(p-١٩٨)سُورَةُ هُودٍ مِائَةٌ وثَلاثٌ وعِشْرُونَ آيَةً مَكِّيَّةً (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ﴿الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إنَّنِي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ﴾ ﴿وأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا إلى أجَلٍ مُسَمًّى ويُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وإنْ تَوَلَّوْا فَإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ [هود: ٣] ﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [هود: ٤] ﴿ألا إنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهم لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [هود: ٥] ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلّا عَلى اللَّهِ رِزْقُها ويَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها ومُسْتَوْدَعَها كُلٌّ في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦] ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا ولَئِنْ قُلْتَ إنَّكم مَبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ المَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [هود: ٧] ﴿ولَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ ألا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهم وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [هود: ٨] ﴿ولَئِنْ أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنهُ إنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾ [هود: ٩] ﴿ولَئِنْ أذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ [هود: ١٠] ﴿إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [هود: ١١] ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ [هود: ١٢] ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [هود: ١٣] ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكم فاعْلَمُوا أنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وأنْ لا إلَهَ إلّا هو فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [هود: ١٤] ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها وهم فِيها لا يُبْخَسُونَ﴾ [هود: ١٥] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ وحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٦] ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ فالنّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِنهُ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [هود: ١٧] ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ ويَقُولُ الأشْهادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ [هود: ١٩] ﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما كانَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود: ٢٠] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [هود: ٢١] ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ [هود: ٢٢] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وأخْبَتُوا إلى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [هود: ٢٣] ﴿مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ كالأعْمى والأصَمِّ والبَصِيرِ والسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [هود: ٢٤] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [هود: ٢٥] ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ [هود: ٢٦] ﴿فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما نَراكَ إلّا بَشَرًا مِثْلَنا وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكم كاذِبِينَ﴾ [هود: ٢٧] ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي رَحْمَةً مِن عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكم أنُلْزِمُكُمُوها وأنْتُمْ لَها كارِهُونَ﴾ [هود: ٢٨] ﴿ويا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ وما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ [هود: ٢٩] ﴿ويا قَوْمِ مَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ طَرَدْتُهم أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [هود: ٣٠] ﴿ولا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ ولا أقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أعْيُنُكم لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ إنِّي إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ [هود: ٣١] ﴿قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [هود: ٣٢] ﴿قالَ إنَّما يَأْتِيكم بِهِ اللَّهُ إنْ شاءَ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [هود: ٣٣] ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم هو رَبُّكم وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [هود: ٣٤] ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إجْرامِي وأنا بَرِيءٌ مِمّا تُجْرِمُونَ﴾ [هود: ٣٥] ﴿وأُوحِيَ إلى نُوحٍ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [هود: ٣٦] ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ [هود: ٣٧] ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ وكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنهُ قالَ إنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم كَما تَسْخَرُونَ﴾ [هود: ٣٨] ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ [هود: ٣٩] ﴿حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ قُلْنا احْمِلْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ ومَن آمَنَ وما آمَنَ مَعَهُ إلّا قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠] (p-١٩٩)ثَنى الشَّيْءَ ثَنْيًا: طَواهُ، يُقالُ: ثَنى عِطْفَهُ، وثَنى صَدْرَهُ، وطَوى كَشْحَهُ. الحِزْبُ: جَماعَةٌ مِنَ النّاسِ يَجْتَمِعُونَ عَلى أمْرٍ يَتَعَصَّبُونَ فِيهِ. رَذُلَ الرَّجُلُ رَذالَةً فَهو رَذْلٌ: إذا كانَ سِفْلَةً لا خَلاقَ لَهُ، ولا يُبالِي بِما يَقُولُ وما يَفْعَلُ. الإخْباتُ: التَّواضُعُ والتَّذَلُّلُ، مَأْخُوذٌ مِنَ الخَبْتِ وهو المُطَمْئِنُّ مِنَ الأرْضِ. وقِيلَ: البَراحُ: القَفْرُ المُسْتَوِي، ويُقالُ: أخْبَتَ: دَخَلَ في الخَبْتِ، كَأنْجَدَ: دَخَلَ نَجْدًا، وأتْهَمَ: دَخَلَ تِهامَةَ، ثُمَّ تُوُسِّعَ فِيهِ فَقِيلَ: خَبَتَ ذِكْرُهُ: خَمَدَ. ويَتَعَدّى أخْبَتَ بِإلى وبِاللّامِ، ويُقالُ لِلشَّيْءِ الدَّنِيءِ: الخَبِيتُ قالَ الشّاعِرُ: ؎يَنْفَعُ الطَّيِّبُ الخَبِيتَ مِنَ الرِّزْ قِ ولا يَنْفَعُ الكَثِيرُ الخَبِيتَ لَزِمَ الشَّيْءَ: واظَبَ عَلَيْهِ لا يُفارِقُهُ، ومِنهُ اللِّزامُ. زَرى يَزْرِي: حَقُرَ، وأزْرى عَلَيْهِ: عابَهُ، وازْدَرى: افْتَعَلَ مِن زَرى، أيِ: احْتَقَرَ. التَّنُّورُ: مُسْتَوْقَدُ النّارِ، ووَزْنُهُ: فَعُّولٌ عِنْدَ أبِي عَلِيٍّ، وهو أعْجَمِيٌّ ولَيْسَ بِمُشْتَقٍّ وقالَ ثَعْلَبٌ: وزْنُهُ: تَفْعُولٌ مِنَ النُّورِ، وأصْلُهُ تَنُوُورٌ فَهُمِزَتِ الواوُ ثُمَّ خُفِّفَتْ، وشُدِّدَ الحَرْفُ الَّذِي قَبْلَهُ كَما قالَ: ؎رَأيْتُ عَرابَةَ اللَّوْسِيَّ يَسْمُو ∗∗∗ إلى الغاياتِ مُنْقَطِعَ القَرِينِ يُرِيدُ: عَرابَةَ الأوْسِيَّ. ولِلْمُفَسِّرِينَ أقْوالٌ في التَّنُّورِ سَتَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. * * ﴿الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إنَّنِي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ﴾ ﴿وأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا إلى أجَلٍ مُسَمًّى ويُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وإنْ تَوَلَّوْا فَإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ [هود: ٣] ﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [هود: ٤] (p-٢٠٠)قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ: هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ كُلُّها، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مَكِّيَّةٌ كُلُّها إلّا قَوْلَهُ: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ﴾ [هود: ١٢] الآيَةَ. وقالَ مُقاتِلٌ: مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ﴾ [هود: ١٢] الآيَةَ. وقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [هود: ١٧] نَزَلَتْ في ابْنِ سَلامٍ وأصْحابِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ [هود: ١١٤] نَزَلَتْ في نَبْهانَ التَّمّارِ. وكِتابٌ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ظُهُورُهُ بَعْدَ هَذِهِ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿الم﴾ [البقرة: ١] ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ [البقرة: ٢]، وأُحْكِمَتْ صِفَةٌ لَهُ. ومَعْنى الإحْكامِ: نَظَمَهُ نَظْمًا رَضِيًّا لا نَقْصَ فِيهِ ولا خَلَلَ، كالبِناءِ المُحْكَمِ. وهو المُوَثَّقُ في التَّرْصِيفِ، وعَلى هَذا فالهَمْزَةُ في أحُكِمَتْ لَيْسَتْ لِلنَّقْلِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلنَّقْلِ مِن حَكُمَ بِضَمِّ الكافِ إذا صارَ حَكِيمًا، فالمَعْنى: جُعِلَتْ حَكِيمَةً كَقَوْلِكَ: تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ عَلى أحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ [يونس: ١] وقِيلَ: مِن أحْكَمْتُ الدّابَّةَ إذا مَنَعَها مِنَ الجِماحِ بِوَضْعِ الحَكَمَةِ عَلَيْها، فالمَعْنى: مُنِعَتْ مِنَ النِّساءِ كَما قالَ جَرِيرٌ: ؎أبَنِي حَنِيفَةَ أحْكِمُوا سُفَهاءَكم إنِّي أخافُ عَلَيْكُمُ أنْ أغْضَبا وعَنْ قَتادَةَ: أُحْكِمَتْ مِنَ الباطِلِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ﴿أُحْكِمَتْ﴾: أُتْقِنَتْ شِبْهُ ما يُحْكَمُ مِنَ الأُمُورِ المُتْقَنَةِ الكامِلَةِ، وبِهَذِهِ الصِّفَةِ كانَ القُرْآنُ في الأوَّلِ، ثُمَّ فُصِّلَ بِتَقْطِيعِهِ وتَبْيِينِ أحْكامِهِ وأوامِرِهِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ فَثُمَّ عَلى بابِها، وهَذِهِ طَرِيقَةُ الإحْكامِ والتَّفْصِيلِ. إذِ الإحْكامُ: صِفَةٌ ذاتِيَّةٌ، والتَّفْصِيلُ: إنَّما هو بِحَسَبِ مَن يُفَصَّلُ لَهُ، والكِتابُ: أجْمَعُهُ، مُحْكَمٌ: مُفَصَّلٌ، والإحْكامُ: الَّذِي هو ضِدُّ النَّسْخِ، والتَّفْصِيلُ: الَّذِي هو خِلافُ الإجْمالِ، إنَّما يُقالانِ مَعَ ما ذَكَرْناهُ بِاشْتِراكٍ. وحَكى الطَّبَرِيُّ عَنْ بَعْضِ المُتَأوِّلِينَ: أُحْكِمَتْ بِالأمْرِ والنَّهْيِ، وفُصِّلَتْ بِالثَّوابِ والعِقابِ. وعَنْ بَعْضِهِمْ: أُحْكِمَتْ مِنَ الباطِلِ، وفُصِّلَتْ بِالحَلالِ والحَرامِ، ونَحْوِ هَذا مِنَ التَّخْصِيصِ الَّذِي هو صَحِيحُ المَعْنى، ولَكِنْ لا يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ. وقِيلَ: فُصِّلَتْ مَعْناهُ: فُسِّرَتْ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ثُمَّ فُصِّلَتْ كَما تُفَصَّلُ القَلائِدُ بِالدَّلائِلِ مِن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والأحْكامِ والمَواعِظِ والقَصَصِ، أوْ جُعِلَتْ فُصُولًا سُورَةً سُورَةً وآيَةً آيَةً، أوْ فُرِّقَتْ في التَّنْزِيلِ ولَمْ تَنْزِلْ جُمْلَةً واحِدَةً، أوْ فُصِّلَ بِها ما يَحْتاجُ إلَيْهِ العِبادُ، أيْ: بُيِّنَ ولُخِّصَ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ والجَحْدَرِيُّ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ: ثُمَّ (فَصَلَتْ) بِفَتْحَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ عَلى لُزُومِ الفِعْلِ لِلْآياتِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: يَعْنِي: انْفَصَلَتْ وصَدَرَتْ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَصَلَتْ بَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ مِنَ النّاسِ، أوْ نَزَلَتْ إلى النّاسِ كَما تَقُولُ: فَصَلَ فُلانٌ بِسَفَرِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ: ﴿أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾، أيْ: أحْكَمْتُها أنا ثُمَّ فَصَّلْتُها. (فَإنْ قُلْتَ): ما مَعْنى (ثُمَّ) ؟ (قُلْتُ): لَيْسَ مَعْناها التَّراخِي في الوَقْتِ ولَكِنْ في الحالِ، كَما تَقُولُ: هي مَحْكَمَةٌ أحْسَنَ الإحْكامِ، ثُمَّ مُفَصَّلَةٌ أحْسَنَ التَّفْصِيلِ، وفُلانٌ كَرِيمُ الأصْلِ، ثُمَّ كَرِيمُ الفِعْلِ، انْتَهى. يَعْنِي: أنَّ (ثُمَّ) جاءَتْ لِتَرْتِيبِ الإخْبارِ، لا لِتَرْتِيبِ الوُقُوعِ في الزَّمانِ، واحْتَمَلَ (مِن لَدُنْ) أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ. ومَن أجازَ تَعْدادَ الأخْبارِ إذا لَمْ تَكُنْ في مَعْنى خَبَرٍ واحِدٍ، أجازَ أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنْ يَكُونَ صِلَةَ أُحْكِمَتْ وفُصِّلَتْ، أيْ: مِن عِنْدِهِ أحْكامُها وتَفْصِيلُها. وفِيهِ طِباقٌ حَسَنٌ، لِأنَّ المَعْنى: أحْكَمَها حَكِيمٌ وفَصَّلَها، أيْ: بَيَّنَها وشَرَحَها خَبِيرٌ بِكَيْفِيّاتِ الأُمُورِ، انْتَهى. ولا يُرِيدُ أنَّ (مِن لَدُنْ) مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلَيْنِ مَعًا مِن حَيْثُ صِناعَةُ الإعْرابِ، بَلْ يُرِيدُ أنَّ ذَلِكَ مِن بابِ الإعْمالِ، فَهي مُتَعَلِّقَةٌ بِهِما مِن حَيْثُ المَعْنى. * * و﴿أنْ لا تَعْبُدُوا﴾ [هود: ٢٦] يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أنْ حَرْفَ تَفْسِيرٍ، لِأنَّ في تَفْصِيلِ الآياتِ مَعْنى القَوْلِ، وهَذا أظْهَرُ، لِأنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى إضْمارٍ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: لِأنْ لا تَعْبُدُوا، أوْ بِأنْ لا تَعْبُدُوا، فَيَكُونُ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ، ووُصِلَتْ (أنْ) بِالنَّهْيِ. وقِيلَ: (أنْ) نَصَبَتْ لا تَعْبُدُوا، فالفِعْلُ خَبَرٌ مَنفِيٌّ. وقِيلَ: (أنْ): هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وجُمْلَةُ النَّهْيِ (p-٢٠١)فِي مَوْضِعِ الخَبَرِ، وفي هَذِهِ الأقْوالِ العامِلُ: فُصِّلَتْ. وأمّا مَن أعْرَبَهُ أنَّهُ بَدَلٌ مِن لَفْظِ (آياتُ) أوْ مِن مَوْضِعِها، أوِ التَّقْدِيرُ: مِنَ النَّظَرِ أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ، أوْ: في الكِتابِ ألّا تَعْبُدُوا، أوْ هي: أنْ لا تَعْبُدُوا، أوْ: ضَمِنَ أنْ لا تَعْبُدُوا، أوْ: تَفْصِيلُهُ أنْ لا تَعْبُدُوا، فَهو بِمَعْزِلٍ عَنْ عِلْمِ الإعْرابِ. والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في مِنهُ إلى اللَّهِ، أيْ: إنِّي لَكم نَذِيرٌ مِن جِهَتِهِ وبَشِيرٌ، فَيَكُونُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، فَتُعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، أيْ: كائِنٌ مِن جِهَتِهِ. أوْ تُعَلَّقُ بِنَذِيرٍ، أيْ: أُنْذِرُكم مِن عَذابِهِ إنْ كَفَرْتُمْ، وأُبَشِّرُكم بِثَوابِهِ إنْ آمَنتُمْ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الكِتابَةِ، أيْ: نَذِيرٌ لَكم مِن مُخالَفَتِهِ، وبَشِيرٌ مِنهُ لِمَن آمَنَ وعَمِلَ بِهِ. وقُدِّمَ النَّذِيرُ لِأنَّ التَّخْوِيفَ هو الأهَمُّ.

هود 11:2

(p-١٩٨)سُورَةُ هُودٍ مِائَةٌ وثَلاثٌ وعِشْرُونَ آيَةً مَكِّيَّةً (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ﴿الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إنَّنِي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ﴾ ﴿وأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا إلى أجَلٍ مُسَمًّى ويُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وإنْ تَوَلَّوْا فَإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ [هود: ٣] ﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [هود: ٤] ﴿ألا إنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهم لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [هود: ٥] ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلّا عَلى اللَّهِ رِزْقُها ويَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها ومُسْتَوْدَعَها كُلٌّ في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦] ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا ولَئِنْ قُلْتَ إنَّكم مَبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ المَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [هود: ٧] ﴿ولَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ ألا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهم وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [هود: ٨] ﴿ولَئِنْ أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنهُ إنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾ [هود: ٩] ﴿ولَئِنْ أذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ [هود: ١٠] ﴿إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [هود: ١١] ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ [هود: ١٢] ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [هود: ١٣] ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكم فاعْلَمُوا أنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وأنْ لا إلَهَ إلّا هو فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [هود: ١٤] ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها وهم فِيها لا يُبْخَسُونَ﴾ [هود: ١٥] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ وحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٦] ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ فالنّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِنهُ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [هود: ١٧] ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ ويَقُولُ الأشْهادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ [هود: ١٩] ﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما كانَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود: ٢٠] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [هود: ٢١] ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ [هود: ٢٢] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وأخْبَتُوا إلى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [هود: ٢٣] ﴿مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ كالأعْمى والأصَمِّ والبَصِيرِ والسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [هود: ٢٤] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [هود: ٢٥] ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ [هود: ٢٦] ﴿فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما نَراكَ إلّا بَشَرًا مِثْلَنا وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكم كاذِبِينَ﴾ [هود: ٢٧] ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي رَحْمَةً مِن عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكم أنُلْزِمُكُمُوها وأنْتُمْ لَها كارِهُونَ﴾ [هود: ٢٨] ﴿ويا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ وما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ [هود: ٢٩] ﴿ويا قَوْمِ مَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ طَرَدْتُهم أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [هود: ٣٠] ﴿ولا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ ولا أقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أعْيُنُكم لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ إنِّي إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ [هود: ٣١] ﴿قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [هود: ٣٢] ﴿قالَ إنَّما يَأْتِيكم بِهِ اللَّهُ إنْ شاءَ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [هود: ٣٣] ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم هو رَبُّكم وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [هود: ٣٤] ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إجْرامِي وأنا بَرِيءٌ مِمّا تُجْرِمُونَ﴾ [هود: ٣٥] ﴿وأُوحِيَ إلى نُوحٍ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [هود: ٣٦] ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ [هود: ٣٧] ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ وكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنهُ قالَ إنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم كَما تَسْخَرُونَ﴾ [هود: ٣٨] ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ [هود: ٣٩] ﴿حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ قُلْنا احْمِلْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ ومَن آمَنَ وما آمَنَ مَعَهُ إلّا قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠] (p-١٩٩)ثَنى الشَّيْءَ ثَنْيًا: طَواهُ، يُقالُ: ثَنى عِطْفَهُ، وثَنى صَدْرَهُ، وطَوى كَشْحَهُ. الحِزْبُ: جَماعَةٌ مِنَ النّاسِ يَجْتَمِعُونَ عَلى أمْرٍ يَتَعَصَّبُونَ فِيهِ. رَذُلَ الرَّجُلُ رَذالَةً فَهو رَذْلٌ: إذا كانَ سِفْلَةً لا خَلاقَ لَهُ، ولا يُبالِي بِما يَقُولُ وما يَفْعَلُ. الإخْباتُ: التَّواضُعُ والتَّذَلُّلُ، مَأْخُوذٌ مِنَ الخَبْتِ وهو المُطَمْئِنُّ مِنَ الأرْضِ. وقِيلَ: البَراحُ: القَفْرُ المُسْتَوِي، ويُقالُ: أخْبَتَ: دَخَلَ في الخَبْتِ، كَأنْجَدَ: دَخَلَ نَجْدًا، وأتْهَمَ: دَخَلَ تِهامَةَ، ثُمَّ تُوُسِّعَ فِيهِ فَقِيلَ: خَبَتَ ذِكْرُهُ: خَمَدَ. ويَتَعَدّى أخْبَتَ بِإلى وبِاللّامِ، ويُقالُ لِلشَّيْءِ الدَّنِيءِ: الخَبِيتُ قالَ الشّاعِرُ: ؎يَنْفَعُ الطَّيِّبُ الخَبِيتَ مِنَ الرِّزْ قِ ولا يَنْفَعُ الكَثِيرُ الخَبِيتَ لَزِمَ الشَّيْءَ: واظَبَ عَلَيْهِ لا يُفارِقُهُ، ومِنهُ اللِّزامُ. زَرى يَزْرِي: حَقُرَ، وأزْرى عَلَيْهِ: عابَهُ، وازْدَرى: افْتَعَلَ مِن زَرى، أيِ: احْتَقَرَ. التَّنُّورُ: مُسْتَوْقَدُ النّارِ، ووَزْنُهُ: فَعُّولٌ عِنْدَ أبِي عَلِيٍّ، وهو أعْجَمِيٌّ ولَيْسَ بِمُشْتَقٍّ وقالَ ثَعْلَبٌ: وزْنُهُ: تَفْعُولٌ مِنَ النُّورِ، وأصْلُهُ تَنُوُورٌ فَهُمِزَتِ الواوُ ثُمَّ خُفِّفَتْ، وشُدِّدَ الحَرْفُ الَّذِي قَبْلَهُ كَما قالَ: ؎رَأيْتُ عَرابَةَ اللَّوْسِيَّ يَسْمُو ∗∗∗ إلى الغاياتِ مُنْقَطِعَ القَرِينِ يُرِيدُ: عَرابَةَ الأوْسِيَّ. ولِلْمُفَسِّرِينَ أقْوالٌ في التَّنُّورِ سَتَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. * * ﴿الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إنَّنِي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ﴾ ﴿وأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا إلى أجَلٍ مُسَمًّى ويُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وإنْ تَوَلَّوْا فَإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ [هود: ٣] ﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [هود: ٤] (p-٢٠٠)قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ: هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ كُلُّها، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مَكِّيَّةٌ كُلُّها إلّا قَوْلَهُ: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ﴾ [هود: ١٢] الآيَةَ. وقالَ مُقاتِلٌ: مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ﴾ [هود: ١٢] الآيَةَ. وقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [هود: ١٧] نَزَلَتْ في ابْنِ سَلامٍ وأصْحابِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ [هود: ١١٤] نَزَلَتْ في نَبْهانَ التَّمّارِ. وكِتابٌ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ظُهُورُهُ بَعْدَ هَذِهِ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿الم﴾ [البقرة: ١] ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ [البقرة: ٢]، وأُحْكِمَتْ صِفَةٌ لَهُ. ومَعْنى الإحْكامِ: نَظَمَهُ نَظْمًا رَضِيًّا لا نَقْصَ فِيهِ ولا خَلَلَ، كالبِناءِ المُحْكَمِ. وهو المُوَثَّقُ في التَّرْصِيفِ، وعَلى هَذا فالهَمْزَةُ في أحُكِمَتْ لَيْسَتْ لِلنَّقْلِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلنَّقْلِ مِن حَكُمَ بِضَمِّ الكافِ إذا صارَ حَكِيمًا، فالمَعْنى: جُعِلَتْ حَكِيمَةً كَقَوْلِكَ: تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ عَلى أحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ [يونس: ١] وقِيلَ: مِن أحْكَمْتُ الدّابَّةَ إذا مَنَعَها مِنَ الجِماحِ بِوَضْعِ الحَكَمَةِ عَلَيْها، فالمَعْنى: مُنِعَتْ مِنَ النِّساءِ كَما قالَ جَرِيرٌ: ؎أبَنِي حَنِيفَةَ أحْكِمُوا سُفَهاءَكم إنِّي أخافُ عَلَيْكُمُ أنْ أغْضَبا وعَنْ قَتادَةَ: أُحْكِمَتْ مِنَ الباطِلِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ﴿أُحْكِمَتْ﴾: أُتْقِنَتْ شِبْهُ ما يُحْكَمُ مِنَ الأُمُورِ المُتْقَنَةِ الكامِلَةِ، وبِهَذِهِ الصِّفَةِ كانَ القُرْآنُ في الأوَّلِ، ثُمَّ فُصِّلَ بِتَقْطِيعِهِ وتَبْيِينِ أحْكامِهِ وأوامِرِهِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ فَثُمَّ عَلى بابِها، وهَذِهِ طَرِيقَةُ الإحْكامِ والتَّفْصِيلِ. إذِ الإحْكامُ: صِفَةٌ ذاتِيَّةٌ، والتَّفْصِيلُ: إنَّما هو بِحَسَبِ مَن يُفَصَّلُ لَهُ، والكِتابُ: أجْمَعُهُ، مُحْكَمٌ: مُفَصَّلٌ، والإحْكامُ: الَّذِي هو ضِدُّ النَّسْخِ، والتَّفْصِيلُ: الَّذِي هو خِلافُ الإجْمالِ، إنَّما يُقالانِ مَعَ ما ذَكَرْناهُ بِاشْتِراكٍ. وحَكى الطَّبَرِيُّ عَنْ بَعْضِ المُتَأوِّلِينَ: أُحْكِمَتْ بِالأمْرِ والنَّهْيِ، وفُصِّلَتْ بِالثَّوابِ والعِقابِ. وعَنْ بَعْضِهِمْ: أُحْكِمَتْ مِنَ الباطِلِ، وفُصِّلَتْ بِالحَلالِ والحَرامِ، ونَحْوِ هَذا مِنَ التَّخْصِيصِ الَّذِي هو صَحِيحُ المَعْنى، ولَكِنْ لا يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ. وقِيلَ: فُصِّلَتْ مَعْناهُ: فُسِّرَتْ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ثُمَّ فُصِّلَتْ كَما تُفَصَّلُ القَلائِدُ بِالدَّلائِلِ مِن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والأحْكامِ والمَواعِظِ والقَصَصِ، أوْ جُعِلَتْ فُصُولًا سُورَةً سُورَةً وآيَةً آيَةً، أوْ فُرِّقَتْ في التَّنْزِيلِ ولَمْ تَنْزِلْ جُمْلَةً واحِدَةً، أوْ فُصِّلَ بِها ما يَحْتاجُ إلَيْهِ العِبادُ، أيْ: بُيِّنَ ولُخِّصَ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ والجَحْدَرِيُّ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ: ثُمَّ (فَصَلَتْ) بِفَتْحَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ عَلى لُزُومِ الفِعْلِ لِلْآياتِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: يَعْنِي: انْفَصَلَتْ وصَدَرَتْ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَصَلَتْ بَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ مِنَ النّاسِ، أوْ نَزَلَتْ إلى النّاسِ كَما تَقُولُ: فَصَلَ فُلانٌ بِسَفَرِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ: ﴿أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾، أيْ: أحْكَمْتُها أنا ثُمَّ فَصَّلْتُها. (فَإنْ قُلْتَ): ما مَعْنى (ثُمَّ) ؟ (قُلْتُ): لَيْسَ مَعْناها التَّراخِي في الوَقْتِ ولَكِنْ في الحالِ، كَما تَقُولُ: هي مَحْكَمَةٌ أحْسَنَ الإحْكامِ، ثُمَّ مُفَصَّلَةٌ أحْسَنَ التَّفْصِيلِ، وفُلانٌ كَرِيمُ الأصْلِ، ثُمَّ كَرِيمُ الفِعْلِ، انْتَهى. يَعْنِي: أنَّ (ثُمَّ) جاءَتْ لِتَرْتِيبِ الإخْبارِ، لا لِتَرْتِيبِ الوُقُوعِ في الزَّمانِ، واحْتَمَلَ (مِن لَدُنْ) أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ. ومَن أجازَ تَعْدادَ الأخْبارِ إذا لَمْ تَكُنْ في مَعْنى خَبَرٍ واحِدٍ، أجازَ أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنْ يَكُونَ صِلَةَ أُحْكِمَتْ وفُصِّلَتْ، أيْ: مِن عِنْدِهِ أحْكامُها وتَفْصِيلُها. وفِيهِ طِباقٌ حَسَنٌ، لِأنَّ المَعْنى: أحْكَمَها حَكِيمٌ وفَصَّلَها، أيْ: بَيَّنَها وشَرَحَها خَبِيرٌ بِكَيْفِيّاتِ الأُمُورِ، انْتَهى. ولا يُرِيدُ أنَّ (مِن لَدُنْ) مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلَيْنِ مَعًا مِن حَيْثُ صِناعَةُ الإعْرابِ، بَلْ يُرِيدُ أنَّ ذَلِكَ مِن بابِ الإعْمالِ، فَهي مُتَعَلِّقَةٌ بِهِما مِن حَيْثُ المَعْنى. * * و﴿أنْ لا تَعْبُدُوا﴾ [هود: ٢٦] يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أنْ حَرْفَ تَفْسِيرٍ، لِأنَّ في تَفْصِيلِ الآياتِ مَعْنى القَوْلِ، وهَذا أظْهَرُ، لِأنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى إضْمارٍ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: لِأنْ لا تَعْبُدُوا، أوْ بِأنْ لا تَعْبُدُوا، فَيَكُونُ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ، ووُصِلَتْ (أنْ) بِالنَّهْيِ. وقِيلَ: (أنْ) نَصَبَتْ لا تَعْبُدُوا، فالفِعْلُ خَبَرٌ مَنفِيٌّ. وقِيلَ: (أنْ): هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وجُمْلَةُ النَّهْيِ (p-٢٠١)فِي مَوْضِعِ الخَبَرِ، وفي هَذِهِ الأقْوالِ العامِلُ: فُصِّلَتْ. وأمّا مَن أعْرَبَهُ أنَّهُ بَدَلٌ مِن لَفْظِ (آياتُ) أوْ مِن مَوْضِعِها، أوِ التَّقْدِيرُ: مِنَ النَّظَرِ أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ، أوْ: في الكِتابِ ألّا تَعْبُدُوا، أوْ هي: أنْ لا تَعْبُدُوا، أوْ: ضَمِنَ أنْ لا تَعْبُدُوا، أوْ: تَفْصِيلُهُ أنْ لا تَعْبُدُوا، فَهو بِمَعْزِلٍ عَنْ عِلْمِ الإعْرابِ. والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في مِنهُ إلى اللَّهِ، أيْ: إنِّي لَكم نَذِيرٌ مِن جِهَتِهِ وبَشِيرٌ، فَيَكُونُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، فَتُعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، أيْ: كائِنٌ مِن جِهَتِهِ. أوْ تُعَلَّقُ بِنَذِيرٍ، أيْ: أُنْذِرُكم مِن عَذابِهِ إنْ كَفَرْتُمْ، وأُبَشِّرُكم بِثَوابِهِ إنْ آمَنتُمْ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الكِتابَةِ، أيْ: نَذِيرٌ لَكم مِن مُخالَفَتِهِ، وبَشِيرٌ مِنهُ لِمَن آمَنَ وعَمِلَ بِهِ. وقُدِّمَ النَّذِيرُ لِأنَّ التَّخْوِيفَ هو الأهَمُّ.

هود 11:3

﴿وأنِ اسْتَغْفِرُوا﴾: مَعْطُوفٌ عَلى ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا﴾ [هود: ٢٦]: نَهْيٌ أوْ نَفْيٌ: أيْ: لا يُعْبَدُ إلّا اللَّهُ. وأمْرٌ بِالِاسْتِغْفارِ مِنَ الذُّنُوبِ، ثُمَّ بِالتَّوْبَةِ، وهُما مَعْنَيانِ مُتَبايِنانِ، لِأنَّ الِاسْتِغْفارَ: طَلَبُ المَغْفِرَةَ وهي: السَّتْرُ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَبْقى لَها تَبِعَةٌ. والتَّوْبَةُ: الِانْسِلاخُ مِنَ المَعاصِي، والنَّدَمُ عَلى ما سَلَفَ مِنها، والعَزْمُ عَلى عَدَمِ العَوْدِ إلَيْها. ومَن قالَ: الِاسْتِغْفارُ: تَوْبَةٌ، جَعَلَ قَوْلَهُ: ثُمَّ تُوبُوا، بِمَعْنى: أخْلِصُوا التَّوْبَةَ واسْتَقِيمُوا عَلَيْها. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وثُمَّ مُرَتِّبَةٌ، لِأنَّ الكافِرَ أوَّلُ ما يُنِيبُ، فَإنَّهُ في طَلَبِ مَغْفِرَةِ رَبِّهِ، فَإذا تابَ وتَجَرَّدَ مِنَ الكُفْرِ تَمَّ إيمانُهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما مَعْنى ثُمَّ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ ؟ (قُلْتُ): مَعْناهُ: اسْتَغْفِرُوا مِنَ الشِّرْكِ، ثُمَّ ارْجِعُوا إلَيْهِ بِالطّاعَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ هُرْمُزَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: يُمْتِعْكم بِالتَّخْفِيفِ مِن أمْتَعَ، وانْتَصَبَ مَتاعًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ جازَ عَلى غَيْرِ الفِعْلِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِأنَّكَ تَقُولُ: مَتَّعْتُ زَيْدًا ثَوْبًا، والمَتاعُ الحَسَنُ: الرِّضا بِالمَيْسُورِ والصَّبْرُ عَلى المَقْدُورِ، أوْ: حُسْنُ العَمَلِ وقَطْعُ الأمَلِ، أوِ: النِّعْمَةُ الكافِيَةُ مَعَ الصِّحَّةِ والعافِيَةِ، أوِ: الحَلالُ الَّذِي لا طَلَبَ فِيهِ ولا تَعَبَ، أوْ: لُزُومُ القَناعَةِ وتَوْفِيقُ الطّاعَةِ أقْوالٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَطُولُ نَفْعُكم في الدُّنْيا بِمَنافِعَ حَسَنَةٍ مُرْضِيَةٍ، وعِيشَةٍ واسِعَةٍ، ونِعْمَةٍ مُتَتابِعَةٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقِيلَ هو فَوائِدُ الدُّنْيا وزِينَتُها، وهَذا ضَعِيفٌ. لِأنَّ الكُفّارَ يُشارِكُونَ في ذَلِكَ أعْظَمَ مُشارَكَةٍ، ورُبَّما زادُوا عَلى المُسْلِمِينَ في ذَلِكَ. قالَ: ووَصْفُ المَتاعِ بِالحُسْنِ إنَّما هو لِطِيبِ عَيْشِ المُؤْمِنِ بِرَجائِهِ في اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وفي ثَوابِهِ وفَرَحِهِ بِالتَّقَرُّبِ إلَيْهِ بِمَفْرُوضاتِهِ، والسُّرُورِ بِمَواعِيدِهِ، والكافِرُ لَيْسَ في شَيْءٍ مِن هَذا، والأجَلُ المُسَمّى: هو أجَلُ المَوْتِ، قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: يَوْمُ القِيامَةِ، والضَّمِيرُ في فَضْلِهِ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اللَّهِ تَعالى، أيْ: يُعْطِي في الآخِرَةِ كُلَّ مَن كانَ لَهُ فَضْلٌ في عَمَلِ الخَيْرِ، وزِيادَةً عَلى ما تَفَضَّلَ بِهِ تَعالى وزادَهُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى (كُلَّ) أيْ: جَزاءُ ذَلِكَ الفَضْلِ الَّذِي عَمَلَهُ في الدُّنْيا لا يُبْخَسُ مِنهُ شَيْءٌ، كَما قالَ: ﴿نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها﴾ [هود: ١٥] أيْ: جَزاءَها. والدَّرَجاتُ تَتَفاضَلُ في الجَنَّةِ بِتَفاضُلِ الطّاعاتِ، وتَقَدَّمَ أمْرانِ بَيْنَهُما تَراخٍ، ورُتِّبَ عَلَيْهِما جَوابانِ بَيْنَهُما تَراخٍ، تَرَتَّبَ عَلى الِاسْتِغْفارِ التَّمْتِيعُ: المَتاعُ الحَسَنُ في الدُّنْيا، كَما قالَ: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ [نوح: ١٠] ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ [هود: ٥٢] الآيَةَ، وتَرَتَّبَ عَلى التَّوْبَةِ: إيتاءُ الفَضْلِ في الآخِرَةِ، وناسَبَ كُلَّ جَوابٍ لِما وقَعَ جَوابًا لَهُ، لِأنَّ الِاسْتِغْفارَ مِنَ الذَّنْبِ أوَّلُ حالِ الرّاجِعِ إلى اللَّهِ، فَناسَبَ أنْ يُرَتَّبَ عَلَيْهِ حالُ الدُّنْيا. والتَّوْبَةُ هي المُنْجِيَةُ مِنَ النّارِ، والَّتِي تُدْخِلُ الجَنَّةَ، فَناسَبَ أنْ يُرَتَّبَ عَلَيْها حالُ الآخِرَةِ. والظّاهِرُ أنَّ (تَوَلَّوْا): مُضارِعٌ حُذِفَ مِنهُ التّاءُ، أيْ: وإنْ تَتَوَلَّوْا. وقِيلَ: هو ماضٍ لِلْغائِبِينَ، والتَّقْدِيرُ: قِيلَ لَهم: إنِّي أخافُ عَلَيْكم. وقَرَأ اليَمانِيُّ وعِيسى بْنُ عُمَرَ: ﴿وإنْ تَوَلَّوْا﴾ بِضَمِّ التّاءِ واللّامِ وفَتْحِ الواوِ، مُضارِعُ ولّى، والأُولى: مُضارِعُ تَوَلّى. وفي كِتابِ اللَّوامِحِ اليَمانِيُّ وعِيسى البَصْرَةِ: ﴿وإنْ تَوَلَّوْا﴾ بِثَلاثِ ضَمّاتٍ مُرَتَّبًا لِلْمَفْعُولِ بِهِ، وهو ضِدُّ التَّبَرِّي. وقَرَأ الأعْرَجُ: تُولُوا بِضَمِّ التّاءِ واللّامِ. وسُكُونِ الواوِ، مُضارِعُ أوْلى، ووُصِفَ يَوْمٌ بِكَبِيرٍ وهو يَوْمُ القِيامَةِ لِما يَقَعُ فِيهِ مِنَ الأهْوالِ. وقِيلَ: هو يَوْمُ بَدْرٍ وغَيْرِهِ مِنَ الأيّامِ الَّتِي يُرْمُوا فِيها بِالخِذْلانِ والقَتْلِ والسَّبْيِ والنَّهْبِ، (p-٢٠٢)وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ (كَبِيرٍ) صِفَةٌ لِعَذابٍ، وخُفِضَ عَلى الجِوارِ. وباقِي الآيَةِ تَضَمَّنَتْ تَهْدِيدًا عَظِيمًا وصَرَّحَتْ بِالبَعْثِ، وذَكَرَ أنَّ قُدْرَتَهُ عامَّةٌ لِجَمِيعِ ما يَشاءُ، ومِن ذَلِكَ: البَعْثُ، فَهو لا يُعْجِزُهُ ما شاءَ مِن عَذابِهِمْ.

هود 11:4

﴿وأنِ اسْتَغْفِرُوا﴾: مَعْطُوفٌ عَلى ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا﴾ [هود: ٢٦]: نَهْيٌ أوْ نَفْيٌ: أيْ: لا يُعْبَدُ إلّا اللَّهُ. وأمْرٌ بِالِاسْتِغْفارِ مِنَ الذُّنُوبِ، ثُمَّ بِالتَّوْبَةِ، وهُما مَعْنَيانِ مُتَبايِنانِ، لِأنَّ الِاسْتِغْفارَ: طَلَبُ المَغْفِرَةَ وهي: السَّتْرُ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَبْقى لَها تَبِعَةٌ. والتَّوْبَةُ: الِانْسِلاخُ مِنَ المَعاصِي، والنَّدَمُ عَلى ما سَلَفَ مِنها، والعَزْمُ عَلى عَدَمِ العَوْدِ إلَيْها. ومَن قالَ: الِاسْتِغْفارُ: تَوْبَةٌ، جَعَلَ قَوْلَهُ: ثُمَّ تُوبُوا، بِمَعْنى: أخْلِصُوا التَّوْبَةَ واسْتَقِيمُوا عَلَيْها. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وثُمَّ مُرَتِّبَةٌ، لِأنَّ الكافِرَ أوَّلُ ما يُنِيبُ، فَإنَّهُ في طَلَبِ مَغْفِرَةِ رَبِّهِ، فَإذا تابَ وتَجَرَّدَ مِنَ الكُفْرِ تَمَّ إيمانُهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما مَعْنى ثُمَّ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ ؟ (قُلْتُ): مَعْناهُ: اسْتَغْفِرُوا مِنَ الشِّرْكِ، ثُمَّ ارْجِعُوا إلَيْهِ بِالطّاعَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ هُرْمُزَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: يُمْتِعْكم بِالتَّخْفِيفِ مِن أمْتَعَ، وانْتَصَبَ مَتاعًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ جازَ عَلى غَيْرِ الفِعْلِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِأنَّكَ تَقُولُ: مَتَّعْتُ زَيْدًا ثَوْبًا، والمَتاعُ الحَسَنُ: الرِّضا بِالمَيْسُورِ والصَّبْرُ عَلى المَقْدُورِ، أوْ: حُسْنُ العَمَلِ وقَطْعُ الأمَلِ، أوِ: النِّعْمَةُ الكافِيَةُ مَعَ الصِّحَّةِ والعافِيَةِ، أوِ: الحَلالُ الَّذِي لا طَلَبَ فِيهِ ولا تَعَبَ، أوْ: لُزُومُ القَناعَةِ وتَوْفِيقُ الطّاعَةِ أقْوالٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَطُولُ نَفْعُكم في الدُّنْيا بِمَنافِعَ حَسَنَةٍ مُرْضِيَةٍ، وعِيشَةٍ واسِعَةٍ، ونِعْمَةٍ مُتَتابِعَةٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقِيلَ هو فَوائِدُ الدُّنْيا وزِينَتُها، وهَذا ضَعِيفٌ. لِأنَّ الكُفّارَ يُشارِكُونَ في ذَلِكَ أعْظَمَ مُشارَكَةٍ، ورُبَّما زادُوا عَلى المُسْلِمِينَ في ذَلِكَ. قالَ: ووَصْفُ المَتاعِ بِالحُسْنِ إنَّما هو لِطِيبِ عَيْشِ المُؤْمِنِ بِرَجائِهِ في اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وفي ثَوابِهِ وفَرَحِهِ بِالتَّقَرُّبِ إلَيْهِ بِمَفْرُوضاتِهِ، والسُّرُورِ بِمَواعِيدِهِ، والكافِرُ لَيْسَ في شَيْءٍ مِن هَذا، والأجَلُ المُسَمّى: هو أجَلُ المَوْتِ، قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: يَوْمُ القِيامَةِ، والضَّمِيرُ في فَضْلِهِ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اللَّهِ تَعالى، أيْ: يُعْطِي في الآخِرَةِ كُلَّ مَن كانَ لَهُ فَضْلٌ في عَمَلِ الخَيْرِ، وزِيادَةً عَلى ما تَفَضَّلَ بِهِ تَعالى وزادَهُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى (كُلَّ) أيْ: جَزاءُ ذَلِكَ الفَضْلِ الَّذِي عَمَلَهُ في الدُّنْيا لا يُبْخَسُ مِنهُ شَيْءٌ، كَما قالَ: ﴿نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها﴾ [هود: ١٥] أيْ: جَزاءَها. والدَّرَجاتُ تَتَفاضَلُ في الجَنَّةِ بِتَفاضُلِ الطّاعاتِ، وتَقَدَّمَ أمْرانِ بَيْنَهُما تَراخٍ، ورُتِّبَ عَلَيْهِما جَوابانِ بَيْنَهُما تَراخٍ، تَرَتَّبَ عَلى الِاسْتِغْفارِ التَّمْتِيعُ: المَتاعُ الحَسَنُ في الدُّنْيا، كَما قالَ: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ [نوح: ١٠] ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ [هود: ٥٢] الآيَةَ، وتَرَتَّبَ عَلى التَّوْبَةِ: إيتاءُ الفَضْلِ في الآخِرَةِ، وناسَبَ كُلَّ جَوابٍ لِما وقَعَ جَوابًا لَهُ، لِأنَّ الِاسْتِغْفارَ مِنَ الذَّنْبِ أوَّلُ حالِ الرّاجِعِ إلى اللَّهِ، فَناسَبَ أنْ يُرَتَّبَ عَلَيْهِ حالُ الدُّنْيا. والتَّوْبَةُ هي المُنْجِيَةُ مِنَ النّارِ، والَّتِي تُدْخِلُ الجَنَّةَ، فَناسَبَ أنْ يُرَتَّبَ عَلَيْها حالُ الآخِرَةِ. والظّاهِرُ أنَّ (تَوَلَّوْا): مُضارِعٌ حُذِفَ مِنهُ التّاءُ، أيْ: وإنْ تَتَوَلَّوْا. وقِيلَ: هو ماضٍ لِلْغائِبِينَ، والتَّقْدِيرُ: قِيلَ لَهم: إنِّي أخافُ عَلَيْكم. وقَرَأ اليَمانِيُّ وعِيسى بْنُ عُمَرَ: ﴿وإنْ تَوَلَّوْا﴾ بِضَمِّ التّاءِ واللّامِ وفَتْحِ الواوِ، مُضارِعُ ولّى، والأُولى: مُضارِعُ تَوَلّى. وفي كِتابِ اللَّوامِحِ اليَمانِيُّ وعِيسى البَصْرَةِ: ﴿وإنْ تَوَلَّوْا﴾ بِثَلاثِ ضَمّاتٍ مُرَتَّبًا لِلْمَفْعُولِ بِهِ، وهو ضِدُّ التَّبَرِّي. وقَرَأ الأعْرَجُ: تُولُوا بِضَمِّ التّاءِ واللّامِ. وسُكُونِ الواوِ، مُضارِعُ أوْلى، ووُصِفَ يَوْمٌ بِكَبِيرٍ وهو يَوْمُ القِيامَةِ لِما يَقَعُ فِيهِ مِنَ الأهْوالِ. وقِيلَ: هو يَوْمُ بَدْرٍ وغَيْرِهِ مِنَ الأيّامِ الَّتِي يُرْمُوا فِيها بِالخِذْلانِ والقَتْلِ والسَّبْيِ والنَّهْبِ، (p-٢٠٢)وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ (كَبِيرٍ) صِفَةٌ لِعَذابٍ، وخُفِضَ عَلى الجِوارِ. وباقِي الآيَةِ تَضَمَّنَتْ تَهْدِيدًا عَظِيمًا وصَرَّحَتْ بِالبَعْثِ، وذَكَرَ أنَّ قُدْرَتَهُ عامَّةٌ لِجَمِيعِ ما يَشاءُ، ومِن ذَلِكَ: البَعْثُ، فَهو لا يُعْجِزُهُ ما شاءَ مِن عَذابِهِمْ.

هود 11:5

﴿ألا إنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهم لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾: نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شُرَيْقٍ، كانَ يُجالِسُ - رَسُولَ اللَّهِ ﷺ - ويَحْلِفُ أنَّهُ لَيُحِبُّهُ ويُضْمِرُ خِلافَ ما يُظْهِرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وعَنْهُ أيْضًا: في ناسٍ كانُوا يَسْتَحْيُونَ أنْ يُفْضُوا إلى السَّماءِ في الخَلاءِ ومُجامَعَةِ النِّساءِ. وقِيلَ: في بَعْضِ المُنافِقِينَ، كانَ إذا مَرَّ بِالرَّسُولِ ﷺ ثَنى صَدْرَهُ وظَهْرَهُ وطَأْطَأ رَأْسَهُ وغَطّى وجْهَهُ، كَيْ لا يَرى الرَّسُولَ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدّادٍ. وقِيلَ: في طائِفَةٍ قالُوا إذا أغْلَقْنا أبْوابَنا، وأرْخَيْنا سُتُورَنا، واسْتَغْشَيْنا ثِيابَنا، وثَنَيْنا صُدُورَنا، عَلى عَداوَتِهِ كَيْفَ يَعْلَمُ بِنا ؟ ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ. وقِيلَ: فَعَلُوا ذَلِكَ لِيَبْعُدَ عَلَيْهِمْ صَوْتُ الرَّسُولِ ﷺ، ولا يَدْخُلُ أسْماعَهُمُ القُرْآنُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. و﴿يَثْنُونَ﴾: مُضارِعُ ثَنى، قِراءَةُ الجُمْهُورِ. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يُثْنُونَ بِضَمِّ الياءِ مُضارِعُ أثْنى. (صُدُورَهم): بِالنَّصْبِ، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: ولا يُعْرَفُ الإثْناءُ في هَذا البابِ إلّا أنْ يُرادَ بِهِ: وجَدْتُها مَثْنِيَّةً مِثْلَ أحْمَدْتُهُ وأمْجَدْتُهُ، ولَعَلَّهُ فَتَحَ النُّونَ وهَذا مِمّا فُعِلَ بِهِمْ، فَيَكُونُ نَصْبُ صُدُورَهم بِنَزْعِ الجارِ، ويَجُوزُ عَلى ذَلِكَ أنْ يَكُونَ صُدُورُهم رَفْعًا عَلى البَدَلِ، بَدَلِ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ. وقالَ أبُو البَقاءِ: ماضِيهِ أثْنى، ولا يُعْرَفُ في اللُّغَةِ إلّا أنْ يُقالَ: مَعْناهُ: عَرَّضُوها لِلْإثْناءِ، كَما يُقالُ: أبِعْتَ الفَرَسَ ؟ إذا عَرَضْتَهُ لِلْبَيْعِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ وابْناهُ زَيْدٌ ومُحَمَّدٌ وابْنُهُ جَعْفَرٌ، ومُجاهِدٌ وابْنُ يَعْمَرَ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبْزى والجَحْدَرِيُّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وأبُو الأسْوَدِ الدُّؤَلِيُّ وأبُو رَزِينٍ والضَّحّاكُ: تَثْنُونِي بِالتّاءِ مُضارِعُ أثْنَوْنِي عَلى وزْنِ: افْعَوْعَلَ، نَحْوَ: اعْشَوْشَبَ المَكانُ. صُدُورُهم: بِالرَّفْعِ بِمَعْنى: تَنْطَوِي صُدُورُهم. وقَرَأ أيْضًا ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وابْنُ يَعْمَرَ وابْنُ أبِي إسْحاقَ: يَثْنُونِي بِالياءِ، صُدُورُهم بِالرَّفْعِ، ذُكِرَ عَلى مَعْنى الجَمْعِ دُونَ الجَماعَةِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: لَيَثْنُونَ بِلامِ التَّأْكِيدِ في خَبَرِ إنَّ، وحَذْفِ الياءِ تَخْفِيفًا، وصُدُورُهم رُفِعَ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وعُرْوَةُ وابْنُ أبِي أبْزى والأعْشى: يَثَّنُّونَ ووَزْنُهُ: يَفْعَوْعَلَ مِنَ الثَّنِّ، بُنِيَ مِنهُ افْعَوْعَلَ وهو ما هَشَّ وضَعُفَ مِنَ الكَلَأِ، وأصْلُهُ: يَثْنَوْنَنَ يُرِيدُ: مُطاوَعَةَ نُفُوسِهِمْ لِلشَّيْءِ، كَما يَنْثَنِي الهَشُّ مِنَ النَّباتِ. أوْ أرادَ ضَعْفَ إيمانِهِمْ ومَرَضَ قُلُوبِهِمْ. وصُدُورُهم: بِالرَّفْعِ. وقَرَأ عُرْوَةُ ومُجاهِدٌ أيْضًا: كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ هَمَزَ فَقَرَأ: يَثْنَئِنُّ مِثْلَ: يَطْمَئِنُّ، وصُدُورُهم رُفِعَ، وهَذِهِ مِمّا اسْتُثْقِلَ فِيهِ الكَسْرُ عَلى الواوِ كَما قِيلَ: أشاحَ. وقَدْ قِيلَ أنَّ يَثْنَئِنُّ: يَفْعَئِلُّ مِنَ الثَّنِّ المُتَقَدِّمِ، مِثْلَ تَحْمارُّ وتَصْفارُّ، فَحُرِّكَتِ الألِفَ لِالتِقائِهِما بِالكَسْرِ، فانْقَلَبَتْ هَمْزَةً. وقَرَأ الأعْشى: يَثْنَؤُونَ مِثْلَ يَفْعَلُونَ مَهْمُوزُ اللّامِ، صُدُورَهم بِالنَّصْبِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: ولا أعْرِفُ وجْهَهُ لِأنَّهُ يُقالُ: ثَنَيْتُ، ولَمْ أسْمَعْ ثَنَأْتُ. ويَجُوزُ أنَّهُ قَلَبَ الياءَ ألِفًا عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: أعْطَأْتُ في: أعْطَيْتُ، ثُمَّ هَمَزَ عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: ﴿ولا الضّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: يَثْنَوِي بِتَقْدِيمِ الثّاءِ عَلى النُّونِ، وبِغَيْرِ نُونٍ بَعْدَ الواوِ عَلى وزْنِ: تَرْعَوِي. قالَ أبُو حاتِمٍ: وهَذِهِ القِراءَةُ غَلَطٌ لا تَتَّجِهُ، انْتَهى. وإنَّما قالَ ذَلِكَ لِأنَّهُ لاحَظَ الواوَ في هَذا الفِعْلِ لا يُقالُ: ثَنَوْتُهُ فانْثَوى كَما يُقالُ: رَعَوْتُهُ، أيْ: كَفَفْتُهُ فارْعَوى فانْكَفَّ، ووَزْنُهُ افْعَلَّ. وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وابْنُ يَعْمَرَ وابْنُ أبِي إسْحاقَ: يَنْثُونَ بِتَقْدِيمِ النُّونِ عَلى الثّاءِ، فَهَذِهِ عَشْرُ قِراءاتٍ في هَذِهِ الكَلِمَةِ. والضَّمِيرُ في إنَّهم عائِدٌ عَلى بَعْضِ مَن بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ ﷺ مِنَ الكُفّارِ، أيْ: يَطْوُونَ صُدُورَهم عَلى عَدَواتِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (p-٢٠٣)يَثْنُونَ صُدُورَهم: يَزْوَرُّونَ عَنِ الحَقِّ ويَنْحَرِفُونَ عَنْهُ، لِأنَّ مَن أقْبَلَ عَلى الشَّيْءِ: اسْتَقْبَلَهُ بِصَدْرِهِ، ومَنِ ازْوَرَّ عَنْهُ وانْحَرَفَ: ثَنى عَنْهُ صَدْرَهُ وطَوى عَنْهُ كَشْحَهُ، ﴿لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ﴾ يَعْنِي: ويُرِيدُونَ لِيَسْتَخْفُوا مِنَ اللَّهِ، فَلا يُطْلِعُ رَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ عَلى ازْوِرارِهِمْ. ونَظِيرُ إضْمارِ يُرِيدُونَ، لِعَوْدِ المَعْنى إلى إضْمارِهِ، الإضْمارُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣] مَعْناهُ: فَضَرَبَ فانْفَلَقَ. ومَعْنى ﴿ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ﴾ ويُرِيدُونَ الِاسْتِخْفاءَ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم، أيْضًا كَراهَةً لِاسْتِماعِ كَلامِ اللَّهِ كَقَوْلِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ واسْتَغْشَوْا ثِيابَهم وأصَرُّوا﴾ [نوح: ٧] انْتَهى. فالضَّمِيرُ في مِنهُ عَلى قَوْلِهِ: عائِدٌ عَلى اللَّهِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا هو الأفْصَحُ الأجْزَلُ في المَعْنى، انْتَهى. ويَظْهَرُ مِن بَعْضِ أسْبابِ النُّزُولِ أنَّهُ عائِدٌ عَلى الرَّسُولِ ﷺ كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ. قالَ: قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في الكُفّارِ الَّذِينَ كانُوا إذا لَقِيَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَطامَنُوا وثَنَوْا صُدُورَهم كالمُتَسَتِّرِ، ورَدُّوا إلَيْهِ ظُهُورَهم، وغَشُوا وُجُوهَهم بِثِيابِهِمْ: تَباعُدًا مِنهم وكَراهِيَةً لِلِقائِهِ، وهم يَظُنُّونَ أنَّ ذَلِكَ يَخْفى عَلَيْهِ أوْ عَنِ اللَّهِ تَعالى فَنَزَلَتِ الآيَةُ، انْتَهى. فَعَلى هَذا يَكُونُ لِيَسْتَخْفُوا مُتَعَلِقًا بُقُولِهِ ﴿يَثْنُونَ﴾، وكَذا قالَ الحَوْفِيُّ. وقِيلَ: هي اسْتِعارَةٌ لِلْغِلِّ والحِقْدِ الَّذِي كانُوا يَنْطَوُونَ عَلَيْهِ كَما تَقُولُ: فُلانٌ يَطْوِي كَشْحَهِ عَلى عَداوَتِهِ، ويَثْنِي صَدْرَهُ عَلَيْها، فَمَعْنى الآيَةِ: ألا إنَّهم يُسِرُّونَ العَداوَةَ ويَتَكَتَّمُونَ لَها، لِيَخْفى في ظَنِّهِمْ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وهو تَعالى حِينَ تَغَشِّيهِمْ بِثِيابِهِمْ وإبْلاغِهِمْ في التَّسَتُّرِ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ، انْتَهى. فَعَلى هَذا يَكُونُ حِينَ مَعْمُولًا لِقَوْلِهِ: (يَعْلَمُ)، وكَذا قالَهُ الحَوْفِيُّ لا لِلْمُضْمَرِ الَّذِي قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وهو قَوْلُهُ: ويُرِيدُونَ الِاسْتِخْفاءَ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم. وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿ألا حِينَ﴾: العامِلُ في الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ أيْ: ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم يَسْتَخْفُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِيَعْلَمُ. وقِيلَ: كانَ بَعْضُهم يَنْحَنِي عَلى بَعْضٍ لِيَسارِهِ في الطَّعْنِ عَلى المُسْلِمِينَ، وبَلَغَ مِن جَهْلِهِمْ أنَّ ذَلِكَ يَخْفى عَلى اللَّهِ تَعالى. قالَ قَتادَةُ: أخْفى ما يَكُونُ إذا حَنى ظَهْرَهُ واسْتَغْشى ثَوْبَهُ، وأضْمَرَ في نَفْسِهِ هِمَّتَهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَطْوُونَها عَلى الكُفْرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُخْفُونَ ما في صُدُورِهِمْ مِنَ الشَّحْناءِ. وقالَ قَتادَةُ: يُخْفُونَ لِيَسْمَعُوا كَلامَ اللَّهِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يَكْتُمُونَها إذا ناجى بَعْضُهم بَعْضًا في أمْرِ الرَّسُولِ ﷺ . وقِيلَ: يَثْنُونَها حَياءً مِنَ اللَّهِ تَعالى، ومَعْنى يَسْتَغْشُونَ: يَجْعَلُونَها أغْشِيَةً. ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ: ؎أرْعى النُّجُومَ وما كُلِّفْتُ رِعْيَتَها وتارَةً أتَغَشّى فَضْلَ أطْمارِي وقِيلَ: المُرادُ بِالثِّيابِ: اللَّيْلُ، واسْتُعِيرَتْ لَهُ لِما بَيْنَهُما مِنَ العَلاقَةِ بِالسَّتْرِ، لِأنَّ اللَّيْلَ يَسْتُرُ كَما تَسْتُرُ الثِّيابُ ومِنهُ قَوْلُهُمُ: اللَّيْلُ أخْفى لِلْوَيْلِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: (عَلى حِينِ يَسْتَغْشُونَ) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومِن هَذا الِاسْتِعْمالِ قَوْلُ النّابِغَةِ: ؎عَلى حِينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِّبا ∗∗∗ وقُلْتُ ألَمّا أصِحُّ والشَّيْبُ وازِعُ انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما يُسِرُّونَ بِقُلُوبِهِمْ وما يُعْلِنُونَ بِأفْواهِهِمْ. وقِيلَ: ما يُسِرُّونَ بِاللَّيْلِ وما يُعْلِنُونَ بِالنَّهارِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْناهُ: أنَّهُ يَعْلَمُ سَرائِرَهم كَما يَعْلَمُ مَظْهَرانِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنَّهُ لا تَفاوُتَ في عِلْمِهِ بَيْنَ إسْرارِهِمْ وإعْلانِهِمْ، فَلا وجْهَ لِتَوَصُّلِهِمْ إلى ما يُرِيدُونَ مِنَ الِاسْتِخْفاءِ واللَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى ثَنْيِهِمْ صُدُورَهم، واسْتِغْشائِهِمْ بِثِيابِهِمْ. ونِفاقُهم غَيْرُ نافِقٍ عِنْدَهُ. وقالَ صاحِبُ التَّحْرِيرِ: الَّذِي يَقْتَضِيهِ سِياقُ الآيَةِ أنَّهُ أرادَ بِما يُسِرُّونَ: ما انْطَوَتْ عَلَيْهِ صُدُورُهم مِنَ الشِّرْكِ والنِّفاقِ والغِلِّ والحَسَدِ والبُغْضِ لِلنَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ، لِأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِن أعْمالِ القُلُوبِ، وأعْمالُ القُلُوبِ خَفِيَّهٌ جِدًّا، وأرادَ بِما يُعْلِنُونَ: ما يُظْهِرُونَهُ مِنَ اسْتِدْبارِهِمُ النَّبِيَّ ﷺ وتَغْشِيَةِ ثِيابِهِمْ، وسَدِّ (p-٢٠٤)آذانِهِمْ وهَذِهِ كُلُّها أعْمالٌ ظاهِرَةٌ لا تَخْفى. ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلّا عَلى اللَّهِ رِزْقُها ويَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها ومُسْتَوْدَعَها كُلٌّ في كِتابٍ مُبِينٍ﴾: الدّابَّةُ هُنا: عامٌّ في كُلِّ حَيَوانٍ يَحْتاجُ إلى رِزْقٍ، و(عَلى اللَّهِ): ظاهِرٌ في الوُجُوبِ، وإنَّما هو تُفَضُّلٌ، ولَكِنَّهُ لَمّا ضَمِنَ تَعالى أنْ يَتَفَضَّلَ بِهِ عَلَيْهِمْ أبْرَزَهُ في حَيِّزِ الوُجُوبِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿مُسْتَقَرَّها﴾: حَيْثُ تَأْوِي إلَيْهِ مِنَ الأرْضِ، ﴿ومُسْتَوْدَعَها﴾: المَوْضِعَ الَّذِي تَمُوتُ فِيهِ فَتُدْفَنُ. وعَنْهُ أيْضًا: مُسْتَقَرَّها: في الرَّحِمِ، ومُسْتَوْدَعَها: في الصُّلْبِ. وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: مُسْتَقَرَّها: في أيّامِ حَياتِها، ومُسْتَوْدَعَها: حِينَ تَمُوتُ وحِينَ تُبْعَثُ. وقِيلَ: مُسْتَقَرَّها: في الجَنَّةِ أوْ: في النّارِ، ومُسْتَوْدَعَها: في القَبْرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٧٦] و﴿ساءَتْ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٦٦] وقِيلَ: ما يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ عَمَلُها، ومُسْتَوْدَعَها: ما تَصِيرُ إلَيْهِ. وقِيلَ: المُسْتَقَرُّ: ما حَصَلَ مَوْجُودًا مِنَ الحَيَوانِ، والمُسْتَوْدَعُ: ما سَيُوجَدُ بَعْدَ المُسْتَقَرِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُسْتَقَرُّ: مَكانُهُ مِنَ الأرْضِ ومَسْكَنُهُ، والمُسْتَوْدَعُ: حَيْثُ كانَ مَوْجُودًا قَبْلَ الِاسْتِقْرارِ مِن صُلْبٍ أوْ رَحِمٍ أوْ بَيْضَةٍ، انْتَهى. ومُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونا مَصْدَرَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونا اسْمَيْ مَكانٍ، ويَحْتَمِلُ مُسْتَوْدَعٌ أنْ يَكُونَ اسْمَ مَفْعُولٍ لِتَعَدِّي الفِعْلِ مِنهُ، ولا يَحْتَمِلُهُ مُسْتَقَرٌّ لِلُزُومِ فِعْلِهِ كُلٌّ، أيْ: كُلٌّ مِنَ الرِّزْقِ. والمُسْتَقَرُّ والمُسْتَوْدَعُ في اللَّوْحِ يَعْنِي: وذِكْرُها مَكْتُوبٌ فِيهِ مُبَيَّنٌ. وقِيلَ: الكِتابُ: هُنا مَجازٌ، وهو: إشارَةٌ إلى عِلْمِ اللَّهِ، وحَمْلُهُ عَلى الظّاهِرِ أوْلى. ﴿وهو الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا ولَئِنْ قُلْتَ إنَّكم مَبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ المَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿ولَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ ألا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهم وحاقَ هِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى ما يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا، ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ قادِرًا، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الجُمْلَةِ الأُولى في سُورَةِ يُونُسَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ﴾: تَقْدِيرُهُ: قَبْلَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ الماءَ والعَرْشَ كانا مَخْلُوقَيْنِ قَبْلُ. قالَ كَعْبٌ: خَلَقَ اللَّهُ ياقُوتَةً خَضْراءَ فَنَظَرَ إلَيْها بِالهَيْبَةِ فَصارَتْ ماءً، ثُمَّ خَلَقَ الرِّيحَ فَجَعَلَ الماءَ عَلى مَتْنِها، ثُمَّ وضَعَ العَرْشَ عَلى الماءِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ وقَدْ قِيلَ لَهُ: عَلى أيِّ شَيْءٍ كانَ الماءُ ؟ قالَ: كانَ عَلى مَتْنِ الرِّيحِ، والظّاهِرُ تَعْلِيقُ لِيَبْلُوَكم بِخَلَقَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ خَلَقَهُنَّ لِحِكْمَةٍ بالِغَةٍ، وهي أنْ يَجْعَلَها مَساكِنَ لِعِبادِهِ، ويُنْعِمَ عَلَيْهِمْ فِيها بِفُنُونِ النِّعَمِ، ويُكَلِّفَهم فِعْلَ الطّاعاتِ واجْتِنابَ المَعاصِي، فَمَن شَكَرَ وأطاعَ أثابَهُ، ومَن كَفَرَ وعَصى عاقَبَهُ. ولَمّا أشْبَهَ (p-٢٠٥)ذَلِكَ اخْتِبارَ المُخْتَبِرِ قالَ: لِيَبْلُوَكم، يُرِيدُ: لِيَفْعَلَ بِكم ما يَفْعَلُ المُبْتَلِي لِأحْوالِكم كَيْفَ تَعْمَلُونَ. (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ جازَ تَعْلِيقُ فِعْلِ البَلْوى ؟ (قُلْتُ): لِما في الِاخْتِبارِ مِن مَعْنى العِلْمِ، لِأنَّهُ طَرِيقُ اللَّهِ، فَهو مَلابِسٌ لَهُ كَما تَقُولُ: انْظُرْ أيُّهم أحْسَنُ وجْهًا، واسْتَمِعْ أيُّهم أحْسَنُ صَوْتًا، لِأنَّ النَّظَرَ والِاسْتِماعَ مِن طُرُقِ العِلْمِ، انْتَهى. وفي قَوْلِهِ: (ومَن كَفَرَ وعَصى): عاقَبَهُ دَسِيسَةَ الِاعْتِزالِ. وأمّا قَوْلُهُ: واسْتَمِعْ أيُّهم أحْسَنَ صَوْتًا، فَلا أعْلَمُ أحَدًا ذَكَرَ أنَّ اسْتَمِعْ: تُعَلَّقُ، وإنَّما ذَكَرُوا مِن غَيْرِ أفْعالِ القُلُوبِ: سَلْ وانْظُرْ، وفي جَوازِ تَعْلِيقِ رَأْيِ البَصَرِيَّةِ خِلافٌ. وقِيلَ: (لِيَبْلُوَكم) مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: أعْلَمَ بِذَلِكَ لِيَبْلُوَكم، ومَقْصِدُ هَذا التَّأْوِيلِ: أنَّ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ لَمْ تَكُنْ بِسَبَبِ البَشَرِ. وقِيلَ: تَقْدِيرُ الفِعْلِ: وخَلَقَكم لِيَبْلُوكم. وقِيلَ: في الكَلامِ جُمَلٌ مَحْذُوفَةٌ، التَّقْدِيرُ: وكانَ خَلْقُهُ لَهُما لِمَنافِعَ يَعُودُ عَلَيْكم نَفْعُها في الدُّنْيا دُونَ الأُخْرى، وفَعَلَ ذَلِكَ لِيَبْلُوَكم. ومَعْنى ﴿أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾: أهَذا أحْسَنُ أمْ هَذا. قالَ ابْنُ بَحْرٍ: رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أيُّكم أحْسَنُ عَقْلًا، وأوْرَعُ عَنْ مَحارِمِ اللَّهِ، وأسْرَعُ في طاعَةِ اللَّهِ» ولَوْ صَحَّ هَذا التَّفْسِيرُ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ لَمْ يُعْدَلْ عَنْهُ. وقالَ الحَسَنُ: أزْهَدُ في اللَّهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: أتْقى لِلَّهِ. وقالَ الضَّحّاكُ: أكْثَرُكم شُكْرًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَكَيْفَ قِيلَ: ﴿أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾، وأعْمالُ المُؤْمِنِينَ هي الَّتِي تَتَفاوَتُ إلى حَسَنٍ وأحْسَنَ، فَأمّا أعْمالُ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ فَتَفاوُتُهُما إلى حَسَنٍ وقَبِيحٍ (قُلْتُ): الَّذِينَ هم أحْسَنُ عَمَلًا هُمُ: المُتَّقُونَ، وهُمُ الَّذِينَ اسْتَبَقُوا إلى تَحْصِيلِ ما هو غَرَضُ اللَّهِ مِن عِبادِهِ، فَخَصَّهم بِالذِّكْرِ، واطَّرَحَ ذِكْرَ مَن وراءَهم تَشْرِيفًا لَهم وتَنْبِيهًا عَلى مَكانِهِمْ، ولِيَكُونَ ذَلِكَ تَيَقُّظًا لِلسّامِعِينَ وتَرْغِيبًا في حِيازَةِ فَضْلِهِمُ، انْتَهى. ولَئِنْ قُلْتَ: خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ . وقَرَأ عِيسى الثَّقَفِيُّ: ولَئِنْ قُلْتُ: بِضَمِّ التّاءِ إخْبارًا عَنْهُ تَعالى، والمَعْنى: ولَئِنْ قُلْتَ: مُسْتَدِلًا عَلى البَعْثِ مِن بَعْدِ المَوْتِ، إذْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ﴾ دِلالَةٌ عَلى القُدْرَةِ العَظِيمَةِ، فَمَتى أخْبَرَ بِوُقُوعِ مُمْكِنٍ وقَعَ لا مَحالَةَ، وقَدْ أخْبَرَ بِالبَعْثِ فَوَجَبَ قَبُولُهُ وتَيَقَّنَ وُقُوعِهِ. وقُرِئَ: أيُّكم بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ووَجْهُهُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِهِمُ: ائْتِ السُّوقَ إنَّكَ تَشْتَرِي لَحْمًا، بِمَعْنى عَلَّكَ، أيْ: ولَئِنْ قُلْتَ لَهم لَعَلَّكم مَبْعُوثُونَ بِمَعْنى: تَوَقَّعُوا بَعْثَكم وظُنُّوهُ، لَأثْبَتُوا القَوْلَ بِإنْكارِهِ لَقالُوا: ويَجُوزُ أنْ يُضَمَّنَ قُلْتَ مَعْنى: ذَكَرْتَ، انْتَهى. يَعْنِي: فَبِفَتْحِ الهَمْزَةِ لِأنَّها في مَوْضِعِ مَفْعُولِ ذَكَرْتَ، والظّاهِرُ الإشارَةُ بِهَذا إلى القَوْلِ، أيْ: إنَّ قَوْلَكَ: إنَّكم مَبْعُوثُونَ إلّا سِحْرٌ، أيْ: بُطْلانُ هَذا القَوْلِ كَبُطْلانِ السِّحْرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ مِنَ البَعْثِ. أيْ: إنَّ البَعْثَ. وقِيلَ: أشارُوا بِهَذا إلى القُرْآنِ، وهو النّاطِقُ بِالبَعْثِ، فَإذا جَعَلُوهُ سِحْرًا فَقَدِ انْدَرَجَ تَحْتَهُ إنْكارُ ما فِيهِ مِنَ البَعْثِ وغَيْرِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: كَذَّبُوا وقالُوا: هَذا سِحْرٌ، فَهَذا تَناقُضٌ مِنهم إنْ كانَ مَفْطُورًا بِقُرُباتِ اللَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ فَهو مِن جُمْلَةِ المُقَرَّبِ بِهَذا، وهم مَعَ ذَلِكَ يُنْكِرُونَ ما هو أيْسَرُ مِنهُ بِكَثِيرٍ وهو البَعْثُ مِنَ القُبُورِ، إذِ البَداءَةُ أعْسَرُ مِنَ الإعادَةِ، وإذْ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ، انْتَهى. وقَرَأ الحَسَنُ والأعْرَجُ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وفِرْقَةٌ مِنَ السَّبْعَةِ: سِحْرٌ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: ساحِرٌ، يُرِيدُونَ: والسّاحِرُ كاذِبٌ مُبْطِلٌ، ولَئِنْ أخَّرْنا، حَكى تَعالى نَوْعًا آخَرَ مِن أباطِيلِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ، والعَذابُ هُنا: عَذابُ القِيامَةِ. وقِيلَ: عَذابُ يَوْمِ بَدْرٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: قَتْلُ جِبْرِيلَ المُسْتَهْزِئِينَ، والظّاهِرُ: العَذابُ المَوْعُودُ بِهِ، والأُمَّةُ هُنا المُدَّةُ مِنَ الزَّمانِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ والجُمْهُورُ، ومَعْناهُ: إلى حِينٍ ووَقْتٍ مَعْلُومٍ ما يَحْبِسُهُ اسْتِفْهامٌ، قالُوهُ وهو عَلى سَبِيلِ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ. قالَ الطَّبَرِيُّ: سُمِّيَتِ المُدَّةُ: أُمَّةً، لِأنَّها يُقْضى فِيها أُمَّةٌ مِنَ النّاسِ وتَحْدُثُ أُخْرى، فَهي عَلى هَذا المُدَّةُ الطَّوِيلَةُ، ثُمَّ اسْتَفْتَحَ الأخْبارَ بِأنَّهُ يَوْمٌ لا يَرُدُّهُ شَيْءٌ (p-٢٠٦)ولا يَصْرِفُهُ. والظّاهِرُ أنَّ يَوْمَ مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: مَصْرُوفًا، فَهو مَعْمُولٌ لِخَبَرِ لَيْسَ. وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى جَوازِ تَقْدِيمِ خَبَرِ لَيْسَ عَلَيْها قالُوا: لِأنَّ تَقَدُّمَ المَعْمُولِ يُؤْذِنُ بِتَقَدُّمِ العامِلِ، ونُسِبَ هَذا المَذْهَبُ لِـ سِيبَوَيْهِ، وعَلَيْهِ أكْثَرُ البَصْرِيِّينَ. وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ والمُبَرِّدُ: إلى أنَّهُ لا يَجُوزُ ذَلِكَ، وقالُوا: لا يَدُلُّ جَوازُ تَقَدُّمِ المَعْمُولِ عَلى جَوازِ تَقَدُّمِ العامِلِ. وأيْضًا فَإنَّ الظَّرْفَ المَجْرُورَ يَتَّسِعُ فِيهِما ما لا يَتَّسِعُ في غَيْرِهِما، ويَقَعانِ حَيْثُ لا يَقَعُ العامِلُ فِيهِما نَحْوَ: إنَّ اليَوْمَ زَيْدًا مُسافِرٌ، وقَدْ تَتَبَّعْتُ جُمْلَةً مِن دَواوِينِ العَرَبِ فَلَمْ أظْفَرْ بِتَقَدُّمِ خَبَرِ لَيْسَ عَلَيْها، ولا بِمَعْمُولِهِ، إلّا ما دَلَّ عَلَيْهِ ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ، وقَوْلُ الشّاعِرِ: فَيَأْبى فَما يَزْدادُ إلّا لَجاجَةً وكُنْتُ أبِيًّا في الخَفا لَسْتُ أقْدُمُ وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ جُمْلَةِ ﴿وحاقَ بِهِمْ﴾ . ﴿ولَئِنْ أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنهُ إنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾ ﴿ولَئِنْ أذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى عَذابَ الكُفّارِ وإنْ تَأخَّرَ لا بُدَّ أنْ يَحِيقَ بِهِمْ، ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى كُفْرِهِمْ وكَوْنِهِمْ مُسْتَحِقِّينَ العَذابَ لِما جُبِلُوا عَلَيْهِ مِن كُفْرِ نَعْماءِ اللَّهِ، وما يَتَرَتَّبُ عَلى إحْسانِهِ تَعالى إلَيْهِمْ مِمّا لا يَلِيقُ بِهِمْ مِن فَخْرِهِمْ عَلى عِبادِ اللَّهِ. والظّاهِرُ أنَّ الإنْسانَ هُنا هو: جِنْسٌ، والمَعْنى: إنَّ هَذا الخُلُقَ في سَجايا النّاسِ، ثُمَّ اسْتَثْنى مِنهُمُ: الَّذِينَ رَدَّتْهُمُ الشَّرائِعُ والإيمانُ إلى الصَّبْرِ والعَمَلِ الصّالِحِ، ولِذَلِكَ جاءَ الِاسْتِثْناءُ مِنهُ في قَوْلِهِ: إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا مُتَّصِلًا. وقِيلَ: المُرادُ هُنا بِالإنْسانِ: الكافِرُ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ: إنْسانٌ مُعَيَّنٌ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وفِيهِ نَزَلَتْ. وقِيلَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمَيَّةَ المَخْزُومِيُّ، وذَكَرَهُ الواحِدِيُّ، وعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ يَكُونُ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، ومَعْنى (رَحْمَةً) نِعْمَةً مِن صِحَّةٍ وأمْنِ وجْدَةٍ. ﴿ثُمَّ نَزَعْناها﴾ أيْ: سَلَبْناها مِنهُ. و﴿لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾: صِفَتا مُبالَغَةٍ، والمَعْنى: إنَّهُ شَدِيدُ اليَأْسِ كَثِيرُهُ، يَيْأسُ أنْ يَعُودَ إلَيْهِ مِثْلُ تِلْكَ النِّعْمَةِ المَسْلُوبَةِ، ويَقْطَعُ رَجاءَهُ مِن فَضْلِ اللَّهِ مِن غَيْرِ صَبْرٍ ولا تَسْلِيمٍ لِقَضائِهِ. (كَفُورٌ): كَثِيرُ الكُفْرانِ لِما سَلَفَ لِلَّهِ عَلَيْهِ مِن نِعْمَةٍ، ذَكَرَ حالَةَ الإنْسانِ إذْ بُدِئَ بِالنِّعْمَةِ ولَمْ يَسْبِقْهُ الضُّرُّ، ثُمَّ ذَكَرَ حالَهُ إذا جاءَتْهُ النِّعْمَةُ بَعْدَ الضُّرِّ. ومَعْنى ذَهَبَ السَّيِّئاتُ أيِ: المَصائِبُ الَّتِي تَسُوءُنِي. وقَوْلُهُ هَذا يَقْتَضِي نَظَرًا وجَهْلًا، لِأنَّ ذَلِكَ بِإنْعامٍ مِنَ اللَّهِ، وهو يَعْتَقِدُ أنَّ ذَلِكَ اتِّفاقٌ أوْ يُسْعِدُ، وهو اعْتِقادٌ فاسِدٌ. إنَّهُ لَفَرِحٌ: أشِرٌ بَطِرٌ، وهَذا الفَرَحُ مُطْلَقٌ، فَلِذَلِكَ ذُمَّ المُتَّصِفُ بِهِ، ولَمْ يَأْتِ في القُرْآنِ لِلْمَدْحِ إلّا مُقَيَّدًا بِما فِيهِ خَيْرٌ كَقَوْلِهِ: ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠] وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لَفَرِحٌ﴾ بِكَسْرِ الرّاءِ، وهي قِياسُ اسْمِ الفاعِلِ مِن فَعِلَ اللّازِمِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: لَفَرُحٌ بِضَمِّ الرّاءِ، وهي كَما تَقُولُ: نَدُسٌ ونَطُسٌ. وفَخْرُهُ: هو تَعاظُمُهُ عَلى النّاسِ بِما أصابَهُ مِنَ النَّعْماءِ، واسْتَثْنى تَعالى الصّابِرِينَ يَعْنِي: عَلى الضَّرّاءِ وعامِلِي الصّالِحاتِ. ومِنها الشُّكْرُ عَلى النَّعْماءِ. أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ لِذُنُوبِهِمْ يَقْتَضِي زَوالَ العِقابِ والخَلاصَ مِنهُ، و﴿أجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الحديد: ٧] هو: الجَنَّةُ، فَيَقْتَضِي الفَوْزَ بِالثَّوابِ. ووَصَفَ الأجْرَ بِقَوْلِهِ: كَبِيرٌ، لِما احْتَوى عَلَيْهِ مِنَ النَّعِيمِ السَّرْمَدِيِّ ورَفْعِ التَّكالِيفِ، والأمْنِ مِنَ العَذابِ، ورِضا اللَّهِ عَنْهم، والنَّظَرِ إلى وجْهِهِ الكَرِيمِ.

هود 11:6

﴿ألا إنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهم لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾: نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شُرَيْقٍ، كانَ يُجالِسُ - رَسُولَ اللَّهِ ﷺ - ويَحْلِفُ أنَّهُ لَيُحِبُّهُ ويُضْمِرُ خِلافَ ما يُظْهِرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وعَنْهُ أيْضًا: في ناسٍ كانُوا يَسْتَحْيُونَ أنْ يُفْضُوا إلى السَّماءِ في الخَلاءِ ومُجامَعَةِ النِّساءِ. وقِيلَ: في بَعْضِ المُنافِقِينَ، كانَ إذا مَرَّ بِالرَّسُولِ ﷺ ثَنى صَدْرَهُ وظَهْرَهُ وطَأْطَأ رَأْسَهُ وغَطّى وجْهَهُ، كَيْ لا يَرى الرَّسُولَ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدّادٍ. وقِيلَ: في طائِفَةٍ قالُوا إذا أغْلَقْنا أبْوابَنا، وأرْخَيْنا سُتُورَنا، واسْتَغْشَيْنا ثِيابَنا، وثَنَيْنا صُدُورَنا، عَلى عَداوَتِهِ كَيْفَ يَعْلَمُ بِنا ؟ ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ. وقِيلَ: فَعَلُوا ذَلِكَ لِيَبْعُدَ عَلَيْهِمْ صَوْتُ الرَّسُولِ ﷺ، ولا يَدْخُلُ أسْماعَهُمُ القُرْآنُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. و﴿يَثْنُونَ﴾: مُضارِعُ ثَنى، قِراءَةُ الجُمْهُورِ. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يُثْنُونَ بِضَمِّ الياءِ مُضارِعُ أثْنى. (صُدُورَهم): بِالنَّصْبِ، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: ولا يُعْرَفُ الإثْناءُ في هَذا البابِ إلّا أنْ يُرادَ بِهِ: وجَدْتُها مَثْنِيَّةً مِثْلَ أحْمَدْتُهُ وأمْجَدْتُهُ، ولَعَلَّهُ فَتَحَ النُّونَ وهَذا مِمّا فُعِلَ بِهِمْ، فَيَكُونُ نَصْبُ صُدُورَهم بِنَزْعِ الجارِ، ويَجُوزُ عَلى ذَلِكَ أنْ يَكُونَ صُدُورُهم رَفْعًا عَلى البَدَلِ، بَدَلِ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ. وقالَ أبُو البَقاءِ: ماضِيهِ أثْنى، ولا يُعْرَفُ في اللُّغَةِ إلّا أنْ يُقالَ: مَعْناهُ: عَرَّضُوها لِلْإثْناءِ، كَما يُقالُ: أبِعْتَ الفَرَسَ ؟ إذا عَرَضْتَهُ لِلْبَيْعِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ وابْناهُ زَيْدٌ ومُحَمَّدٌ وابْنُهُ جَعْفَرٌ، ومُجاهِدٌ وابْنُ يَعْمَرَ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبْزى والجَحْدَرِيُّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وأبُو الأسْوَدِ الدُّؤَلِيُّ وأبُو رَزِينٍ والضَّحّاكُ: تَثْنُونِي بِالتّاءِ مُضارِعُ أثْنَوْنِي عَلى وزْنِ: افْعَوْعَلَ، نَحْوَ: اعْشَوْشَبَ المَكانُ. صُدُورُهم: بِالرَّفْعِ بِمَعْنى: تَنْطَوِي صُدُورُهم. وقَرَأ أيْضًا ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وابْنُ يَعْمَرَ وابْنُ أبِي إسْحاقَ: يَثْنُونِي بِالياءِ، صُدُورُهم بِالرَّفْعِ، ذُكِرَ عَلى مَعْنى الجَمْعِ دُونَ الجَماعَةِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: لَيَثْنُونَ بِلامِ التَّأْكِيدِ في خَبَرِ إنَّ، وحَذْفِ الياءِ تَخْفِيفًا، وصُدُورُهم رُفِعَ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وعُرْوَةُ وابْنُ أبِي أبْزى والأعْشى: يَثَّنُّونَ ووَزْنُهُ: يَفْعَوْعَلَ مِنَ الثَّنِّ، بُنِيَ مِنهُ افْعَوْعَلَ وهو ما هَشَّ وضَعُفَ مِنَ الكَلَأِ، وأصْلُهُ: يَثْنَوْنَنَ يُرِيدُ: مُطاوَعَةَ نُفُوسِهِمْ لِلشَّيْءِ، كَما يَنْثَنِي الهَشُّ مِنَ النَّباتِ. أوْ أرادَ ضَعْفَ إيمانِهِمْ ومَرَضَ قُلُوبِهِمْ. وصُدُورُهم: بِالرَّفْعِ. وقَرَأ عُرْوَةُ ومُجاهِدٌ أيْضًا: كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ هَمَزَ فَقَرَأ: يَثْنَئِنُّ مِثْلَ: يَطْمَئِنُّ، وصُدُورُهم رُفِعَ، وهَذِهِ مِمّا اسْتُثْقِلَ فِيهِ الكَسْرُ عَلى الواوِ كَما قِيلَ: أشاحَ. وقَدْ قِيلَ أنَّ يَثْنَئِنُّ: يَفْعَئِلُّ مِنَ الثَّنِّ المُتَقَدِّمِ، مِثْلَ تَحْمارُّ وتَصْفارُّ، فَحُرِّكَتِ الألِفَ لِالتِقائِهِما بِالكَسْرِ، فانْقَلَبَتْ هَمْزَةً. وقَرَأ الأعْشى: يَثْنَؤُونَ مِثْلَ يَفْعَلُونَ مَهْمُوزُ اللّامِ، صُدُورَهم بِالنَّصْبِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: ولا أعْرِفُ وجْهَهُ لِأنَّهُ يُقالُ: ثَنَيْتُ، ولَمْ أسْمَعْ ثَنَأْتُ. ويَجُوزُ أنَّهُ قَلَبَ الياءَ ألِفًا عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: أعْطَأْتُ في: أعْطَيْتُ، ثُمَّ هَمَزَ عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: ﴿ولا الضّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: يَثْنَوِي بِتَقْدِيمِ الثّاءِ عَلى النُّونِ، وبِغَيْرِ نُونٍ بَعْدَ الواوِ عَلى وزْنِ: تَرْعَوِي. قالَ أبُو حاتِمٍ: وهَذِهِ القِراءَةُ غَلَطٌ لا تَتَّجِهُ، انْتَهى. وإنَّما قالَ ذَلِكَ لِأنَّهُ لاحَظَ الواوَ في هَذا الفِعْلِ لا يُقالُ: ثَنَوْتُهُ فانْثَوى كَما يُقالُ: رَعَوْتُهُ، أيْ: كَفَفْتُهُ فارْعَوى فانْكَفَّ، ووَزْنُهُ افْعَلَّ. وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وابْنُ يَعْمَرَ وابْنُ أبِي إسْحاقَ: يَنْثُونَ بِتَقْدِيمِ النُّونِ عَلى الثّاءِ، فَهَذِهِ عَشْرُ قِراءاتٍ في هَذِهِ الكَلِمَةِ. والضَّمِيرُ في إنَّهم عائِدٌ عَلى بَعْضِ مَن بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ ﷺ مِنَ الكُفّارِ، أيْ: يَطْوُونَ صُدُورَهم عَلى عَدَواتِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (p-٢٠٣)يَثْنُونَ صُدُورَهم: يَزْوَرُّونَ عَنِ الحَقِّ ويَنْحَرِفُونَ عَنْهُ، لِأنَّ مَن أقْبَلَ عَلى الشَّيْءِ: اسْتَقْبَلَهُ بِصَدْرِهِ، ومَنِ ازْوَرَّ عَنْهُ وانْحَرَفَ: ثَنى عَنْهُ صَدْرَهُ وطَوى عَنْهُ كَشْحَهُ، ﴿لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ﴾ يَعْنِي: ويُرِيدُونَ لِيَسْتَخْفُوا مِنَ اللَّهِ، فَلا يُطْلِعُ رَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ عَلى ازْوِرارِهِمْ. ونَظِيرُ إضْمارِ يُرِيدُونَ، لِعَوْدِ المَعْنى إلى إضْمارِهِ، الإضْمارُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣] مَعْناهُ: فَضَرَبَ فانْفَلَقَ. ومَعْنى ﴿ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ﴾ ويُرِيدُونَ الِاسْتِخْفاءَ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم، أيْضًا كَراهَةً لِاسْتِماعِ كَلامِ اللَّهِ كَقَوْلِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ واسْتَغْشَوْا ثِيابَهم وأصَرُّوا﴾ [نوح: ٧] انْتَهى. فالضَّمِيرُ في مِنهُ عَلى قَوْلِهِ: عائِدٌ عَلى اللَّهِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا هو الأفْصَحُ الأجْزَلُ في المَعْنى، انْتَهى. ويَظْهَرُ مِن بَعْضِ أسْبابِ النُّزُولِ أنَّهُ عائِدٌ عَلى الرَّسُولِ ﷺ كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ. قالَ: قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في الكُفّارِ الَّذِينَ كانُوا إذا لَقِيَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَطامَنُوا وثَنَوْا صُدُورَهم كالمُتَسَتِّرِ، ورَدُّوا إلَيْهِ ظُهُورَهم، وغَشُوا وُجُوهَهم بِثِيابِهِمْ: تَباعُدًا مِنهم وكَراهِيَةً لِلِقائِهِ، وهم يَظُنُّونَ أنَّ ذَلِكَ يَخْفى عَلَيْهِ أوْ عَنِ اللَّهِ تَعالى فَنَزَلَتِ الآيَةُ، انْتَهى. فَعَلى هَذا يَكُونُ لِيَسْتَخْفُوا مُتَعَلِقًا بُقُولِهِ ﴿يَثْنُونَ﴾، وكَذا قالَ الحَوْفِيُّ. وقِيلَ: هي اسْتِعارَةٌ لِلْغِلِّ والحِقْدِ الَّذِي كانُوا يَنْطَوُونَ عَلَيْهِ كَما تَقُولُ: فُلانٌ يَطْوِي كَشْحَهِ عَلى عَداوَتِهِ، ويَثْنِي صَدْرَهُ عَلَيْها، فَمَعْنى الآيَةِ: ألا إنَّهم يُسِرُّونَ العَداوَةَ ويَتَكَتَّمُونَ لَها، لِيَخْفى في ظَنِّهِمْ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وهو تَعالى حِينَ تَغَشِّيهِمْ بِثِيابِهِمْ وإبْلاغِهِمْ في التَّسَتُّرِ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ، انْتَهى. فَعَلى هَذا يَكُونُ حِينَ مَعْمُولًا لِقَوْلِهِ: (يَعْلَمُ)، وكَذا قالَهُ الحَوْفِيُّ لا لِلْمُضْمَرِ الَّذِي قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وهو قَوْلُهُ: ويُرِيدُونَ الِاسْتِخْفاءَ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم. وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿ألا حِينَ﴾: العامِلُ في الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ أيْ: ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم يَسْتَخْفُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِيَعْلَمُ. وقِيلَ: كانَ بَعْضُهم يَنْحَنِي عَلى بَعْضٍ لِيَسارِهِ في الطَّعْنِ عَلى المُسْلِمِينَ، وبَلَغَ مِن جَهْلِهِمْ أنَّ ذَلِكَ يَخْفى عَلى اللَّهِ تَعالى. قالَ قَتادَةُ: أخْفى ما يَكُونُ إذا حَنى ظَهْرَهُ واسْتَغْشى ثَوْبَهُ، وأضْمَرَ في نَفْسِهِ هِمَّتَهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَطْوُونَها عَلى الكُفْرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُخْفُونَ ما في صُدُورِهِمْ مِنَ الشَّحْناءِ. وقالَ قَتادَةُ: يُخْفُونَ لِيَسْمَعُوا كَلامَ اللَّهِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يَكْتُمُونَها إذا ناجى بَعْضُهم بَعْضًا في أمْرِ الرَّسُولِ ﷺ . وقِيلَ: يَثْنُونَها حَياءً مِنَ اللَّهِ تَعالى، ومَعْنى يَسْتَغْشُونَ: يَجْعَلُونَها أغْشِيَةً. ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ: ؎أرْعى النُّجُومَ وما كُلِّفْتُ رِعْيَتَها وتارَةً أتَغَشّى فَضْلَ أطْمارِي وقِيلَ: المُرادُ بِالثِّيابِ: اللَّيْلُ، واسْتُعِيرَتْ لَهُ لِما بَيْنَهُما مِنَ العَلاقَةِ بِالسَّتْرِ، لِأنَّ اللَّيْلَ يَسْتُرُ كَما تَسْتُرُ الثِّيابُ ومِنهُ قَوْلُهُمُ: اللَّيْلُ أخْفى لِلْوَيْلِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: (عَلى حِينِ يَسْتَغْشُونَ) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومِن هَذا الِاسْتِعْمالِ قَوْلُ النّابِغَةِ: ؎عَلى حِينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِّبا ∗∗∗ وقُلْتُ ألَمّا أصِحُّ والشَّيْبُ وازِعُ انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما يُسِرُّونَ بِقُلُوبِهِمْ وما يُعْلِنُونَ بِأفْواهِهِمْ. وقِيلَ: ما يُسِرُّونَ بِاللَّيْلِ وما يُعْلِنُونَ بِالنَّهارِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْناهُ: أنَّهُ يَعْلَمُ سَرائِرَهم كَما يَعْلَمُ مَظْهَرانِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنَّهُ لا تَفاوُتَ في عِلْمِهِ بَيْنَ إسْرارِهِمْ وإعْلانِهِمْ، فَلا وجْهَ لِتَوَصُّلِهِمْ إلى ما يُرِيدُونَ مِنَ الِاسْتِخْفاءِ واللَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى ثَنْيِهِمْ صُدُورَهم، واسْتِغْشائِهِمْ بِثِيابِهِمْ. ونِفاقُهم غَيْرُ نافِقٍ عِنْدَهُ. وقالَ صاحِبُ التَّحْرِيرِ: الَّذِي يَقْتَضِيهِ سِياقُ الآيَةِ أنَّهُ أرادَ بِما يُسِرُّونَ: ما انْطَوَتْ عَلَيْهِ صُدُورُهم مِنَ الشِّرْكِ والنِّفاقِ والغِلِّ والحَسَدِ والبُغْضِ لِلنَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ، لِأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِن أعْمالِ القُلُوبِ، وأعْمالُ القُلُوبِ خَفِيَّهٌ جِدًّا، وأرادَ بِما يُعْلِنُونَ: ما يُظْهِرُونَهُ مِنَ اسْتِدْبارِهِمُ النَّبِيَّ ﷺ وتَغْشِيَةِ ثِيابِهِمْ، وسَدِّ (p-٢٠٤)آذانِهِمْ وهَذِهِ كُلُّها أعْمالٌ ظاهِرَةٌ لا تَخْفى. ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلّا عَلى اللَّهِ رِزْقُها ويَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها ومُسْتَوْدَعَها كُلٌّ في كِتابٍ مُبِينٍ﴾: الدّابَّةُ هُنا: عامٌّ في كُلِّ حَيَوانٍ يَحْتاجُ إلى رِزْقٍ، و(عَلى اللَّهِ): ظاهِرٌ في الوُجُوبِ، وإنَّما هو تُفَضُّلٌ، ولَكِنَّهُ لَمّا ضَمِنَ تَعالى أنْ يَتَفَضَّلَ بِهِ عَلَيْهِمْ أبْرَزَهُ في حَيِّزِ الوُجُوبِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿مُسْتَقَرَّها﴾: حَيْثُ تَأْوِي إلَيْهِ مِنَ الأرْضِ، ﴿ومُسْتَوْدَعَها﴾: المَوْضِعَ الَّذِي تَمُوتُ فِيهِ فَتُدْفَنُ. وعَنْهُ أيْضًا: مُسْتَقَرَّها: في الرَّحِمِ، ومُسْتَوْدَعَها: في الصُّلْبِ. وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: مُسْتَقَرَّها: في أيّامِ حَياتِها، ومُسْتَوْدَعَها: حِينَ تَمُوتُ وحِينَ تُبْعَثُ. وقِيلَ: مُسْتَقَرَّها: في الجَنَّةِ أوْ: في النّارِ، ومُسْتَوْدَعَها: في القَبْرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٧٦] و﴿ساءَتْ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٦٦] وقِيلَ: ما يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ عَمَلُها، ومُسْتَوْدَعَها: ما تَصِيرُ إلَيْهِ. وقِيلَ: المُسْتَقَرُّ: ما حَصَلَ مَوْجُودًا مِنَ الحَيَوانِ، والمُسْتَوْدَعُ: ما سَيُوجَدُ بَعْدَ المُسْتَقَرِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُسْتَقَرُّ: مَكانُهُ مِنَ الأرْضِ ومَسْكَنُهُ، والمُسْتَوْدَعُ: حَيْثُ كانَ مَوْجُودًا قَبْلَ الِاسْتِقْرارِ مِن صُلْبٍ أوْ رَحِمٍ أوْ بَيْضَةٍ، انْتَهى. ومُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونا مَصْدَرَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونا اسْمَيْ مَكانٍ، ويَحْتَمِلُ مُسْتَوْدَعٌ أنْ يَكُونَ اسْمَ مَفْعُولٍ لِتَعَدِّي الفِعْلِ مِنهُ، ولا يَحْتَمِلُهُ مُسْتَقَرٌّ لِلُزُومِ فِعْلِهِ كُلٌّ، أيْ: كُلٌّ مِنَ الرِّزْقِ. والمُسْتَقَرُّ والمُسْتَوْدَعُ في اللَّوْحِ يَعْنِي: وذِكْرُها مَكْتُوبٌ فِيهِ مُبَيَّنٌ. وقِيلَ: الكِتابُ: هُنا مَجازٌ، وهو: إشارَةٌ إلى عِلْمِ اللَّهِ، وحَمْلُهُ عَلى الظّاهِرِ أوْلى. ﴿وهو الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا ولَئِنْ قُلْتَ إنَّكم مَبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ المَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿ولَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ ألا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهم وحاقَ هِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى ما يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا، ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ قادِرًا، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الجُمْلَةِ الأُولى في سُورَةِ يُونُسَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ﴾: تَقْدِيرُهُ: قَبْلَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ الماءَ والعَرْشَ كانا مَخْلُوقَيْنِ قَبْلُ. قالَ كَعْبٌ: خَلَقَ اللَّهُ ياقُوتَةً خَضْراءَ فَنَظَرَ إلَيْها بِالهَيْبَةِ فَصارَتْ ماءً، ثُمَّ خَلَقَ الرِّيحَ فَجَعَلَ الماءَ عَلى مَتْنِها، ثُمَّ وضَعَ العَرْشَ عَلى الماءِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ وقَدْ قِيلَ لَهُ: عَلى أيِّ شَيْءٍ كانَ الماءُ ؟ قالَ: كانَ عَلى مَتْنِ الرِّيحِ، والظّاهِرُ تَعْلِيقُ لِيَبْلُوَكم بِخَلَقَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ خَلَقَهُنَّ لِحِكْمَةٍ بالِغَةٍ، وهي أنْ يَجْعَلَها مَساكِنَ لِعِبادِهِ، ويُنْعِمَ عَلَيْهِمْ فِيها بِفُنُونِ النِّعَمِ، ويُكَلِّفَهم فِعْلَ الطّاعاتِ واجْتِنابَ المَعاصِي، فَمَن شَكَرَ وأطاعَ أثابَهُ، ومَن كَفَرَ وعَصى عاقَبَهُ. ولَمّا أشْبَهَ (p-٢٠٥)ذَلِكَ اخْتِبارَ المُخْتَبِرِ قالَ: لِيَبْلُوَكم، يُرِيدُ: لِيَفْعَلَ بِكم ما يَفْعَلُ المُبْتَلِي لِأحْوالِكم كَيْفَ تَعْمَلُونَ. (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ جازَ تَعْلِيقُ فِعْلِ البَلْوى ؟ (قُلْتُ): لِما في الِاخْتِبارِ مِن مَعْنى العِلْمِ، لِأنَّهُ طَرِيقُ اللَّهِ، فَهو مَلابِسٌ لَهُ كَما تَقُولُ: انْظُرْ أيُّهم أحْسَنُ وجْهًا، واسْتَمِعْ أيُّهم أحْسَنُ صَوْتًا، لِأنَّ النَّظَرَ والِاسْتِماعَ مِن طُرُقِ العِلْمِ، انْتَهى. وفي قَوْلِهِ: (ومَن كَفَرَ وعَصى): عاقَبَهُ دَسِيسَةَ الِاعْتِزالِ. وأمّا قَوْلُهُ: واسْتَمِعْ أيُّهم أحْسَنَ صَوْتًا، فَلا أعْلَمُ أحَدًا ذَكَرَ أنَّ اسْتَمِعْ: تُعَلَّقُ، وإنَّما ذَكَرُوا مِن غَيْرِ أفْعالِ القُلُوبِ: سَلْ وانْظُرْ، وفي جَوازِ تَعْلِيقِ رَأْيِ البَصَرِيَّةِ خِلافٌ. وقِيلَ: (لِيَبْلُوَكم) مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: أعْلَمَ بِذَلِكَ لِيَبْلُوَكم، ومَقْصِدُ هَذا التَّأْوِيلِ: أنَّ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ لَمْ تَكُنْ بِسَبَبِ البَشَرِ. وقِيلَ: تَقْدِيرُ الفِعْلِ: وخَلَقَكم لِيَبْلُوكم. وقِيلَ: في الكَلامِ جُمَلٌ مَحْذُوفَةٌ، التَّقْدِيرُ: وكانَ خَلْقُهُ لَهُما لِمَنافِعَ يَعُودُ عَلَيْكم نَفْعُها في الدُّنْيا دُونَ الأُخْرى، وفَعَلَ ذَلِكَ لِيَبْلُوَكم. ومَعْنى ﴿أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾: أهَذا أحْسَنُ أمْ هَذا. قالَ ابْنُ بَحْرٍ: رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أيُّكم أحْسَنُ عَقْلًا، وأوْرَعُ عَنْ مَحارِمِ اللَّهِ، وأسْرَعُ في طاعَةِ اللَّهِ» ولَوْ صَحَّ هَذا التَّفْسِيرُ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ لَمْ يُعْدَلْ عَنْهُ. وقالَ الحَسَنُ: أزْهَدُ في اللَّهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: أتْقى لِلَّهِ. وقالَ الضَّحّاكُ: أكْثَرُكم شُكْرًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَكَيْفَ قِيلَ: ﴿أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾، وأعْمالُ المُؤْمِنِينَ هي الَّتِي تَتَفاوَتُ إلى حَسَنٍ وأحْسَنَ، فَأمّا أعْمالُ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ فَتَفاوُتُهُما إلى حَسَنٍ وقَبِيحٍ (قُلْتُ): الَّذِينَ هم أحْسَنُ عَمَلًا هُمُ: المُتَّقُونَ، وهُمُ الَّذِينَ اسْتَبَقُوا إلى تَحْصِيلِ ما هو غَرَضُ اللَّهِ مِن عِبادِهِ، فَخَصَّهم بِالذِّكْرِ، واطَّرَحَ ذِكْرَ مَن وراءَهم تَشْرِيفًا لَهم وتَنْبِيهًا عَلى مَكانِهِمْ، ولِيَكُونَ ذَلِكَ تَيَقُّظًا لِلسّامِعِينَ وتَرْغِيبًا في حِيازَةِ فَضْلِهِمُ، انْتَهى. ولَئِنْ قُلْتَ: خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ . وقَرَأ عِيسى الثَّقَفِيُّ: ولَئِنْ قُلْتُ: بِضَمِّ التّاءِ إخْبارًا عَنْهُ تَعالى، والمَعْنى: ولَئِنْ قُلْتَ: مُسْتَدِلًا عَلى البَعْثِ مِن بَعْدِ المَوْتِ، إذْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ﴾ دِلالَةٌ عَلى القُدْرَةِ العَظِيمَةِ، فَمَتى أخْبَرَ بِوُقُوعِ مُمْكِنٍ وقَعَ لا مَحالَةَ، وقَدْ أخْبَرَ بِالبَعْثِ فَوَجَبَ قَبُولُهُ وتَيَقَّنَ وُقُوعِهِ. وقُرِئَ: أيُّكم بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ووَجْهُهُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِهِمُ: ائْتِ السُّوقَ إنَّكَ تَشْتَرِي لَحْمًا، بِمَعْنى عَلَّكَ، أيْ: ولَئِنْ قُلْتَ لَهم لَعَلَّكم مَبْعُوثُونَ بِمَعْنى: تَوَقَّعُوا بَعْثَكم وظُنُّوهُ، لَأثْبَتُوا القَوْلَ بِإنْكارِهِ لَقالُوا: ويَجُوزُ أنْ يُضَمَّنَ قُلْتَ مَعْنى: ذَكَرْتَ، انْتَهى. يَعْنِي: فَبِفَتْحِ الهَمْزَةِ لِأنَّها في مَوْضِعِ مَفْعُولِ ذَكَرْتَ، والظّاهِرُ الإشارَةُ بِهَذا إلى القَوْلِ، أيْ: إنَّ قَوْلَكَ: إنَّكم مَبْعُوثُونَ إلّا سِحْرٌ، أيْ: بُطْلانُ هَذا القَوْلِ كَبُطْلانِ السِّحْرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ مِنَ البَعْثِ. أيْ: إنَّ البَعْثَ. وقِيلَ: أشارُوا بِهَذا إلى القُرْآنِ، وهو النّاطِقُ بِالبَعْثِ، فَإذا جَعَلُوهُ سِحْرًا فَقَدِ انْدَرَجَ تَحْتَهُ إنْكارُ ما فِيهِ مِنَ البَعْثِ وغَيْرِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: كَذَّبُوا وقالُوا: هَذا سِحْرٌ، فَهَذا تَناقُضٌ مِنهم إنْ كانَ مَفْطُورًا بِقُرُباتِ اللَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ فَهو مِن جُمْلَةِ المُقَرَّبِ بِهَذا، وهم مَعَ ذَلِكَ يُنْكِرُونَ ما هو أيْسَرُ مِنهُ بِكَثِيرٍ وهو البَعْثُ مِنَ القُبُورِ، إذِ البَداءَةُ أعْسَرُ مِنَ الإعادَةِ، وإذْ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ، انْتَهى. وقَرَأ الحَسَنُ والأعْرَجُ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وفِرْقَةٌ مِنَ السَّبْعَةِ: سِحْرٌ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: ساحِرٌ، يُرِيدُونَ: والسّاحِرُ كاذِبٌ مُبْطِلٌ، ولَئِنْ أخَّرْنا، حَكى تَعالى نَوْعًا آخَرَ مِن أباطِيلِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ، والعَذابُ هُنا: عَذابُ القِيامَةِ. وقِيلَ: عَذابُ يَوْمِ بَدْرٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: قَتْلُ جِبْرِيلَ المُسْتَهْزِئِينَ، والظّاهِرُ: العَذابُ المَوْعُودُ بِهِ، والأُمَّةُ هُنا المُدَّةُ مِنَ الزَّمانِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ والجُمْهُورُ، ومَعْناهُ: إلى حِينٍ ووَقْتٍ مَعْلُومٍ ما يَحْبِسُهُ اسْتِفْهامٌ، قالُوهُ وهو عَلى سَبِيلِ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ. قالَ الطَّبَرِيُّ: سُمِّيَتِ المُدَّةُ: أُمَّةً، لِأنَّها يُقْضى فِيها أُمَّةٌ مِنَ النّاسِ وتَحْدُثُ أُخْرى، فَهي عَلى هَذا المُدَّةُ الطَّوِيلَةُ، ثُمَّ اسْتَفْتَحَ الأخْبارَ بِأنَّهُ يَوْمٌ لا يَرُدُّهُ شَيْءٌ (p-٢٠٦)ولا يَصْرِفُهُ. والظّاهِرُ أنَّ يَوْمَ مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: مَصْرُوفًا، فَهو مَعْمُولٌ لِخَبَرِ لَيْسَ. وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى جَوازِ تَقْدِيمِ خَبَرِ لَيْسَ عَلَيْها قالُوا: لِأنَّ تَقَدُّمَ المَعْمُولِ يُؤْذِنُ بِتَقَدُّمِ العامِلِ، ونُسِبَ هَذا المَذْهَبُ لِـ سِيبَوَيْهِ، وعَلَيْهِ أكْثَرُ البَصْرِيِّينَ. وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ والمُبَرِّدُ: إلى أنَّهُ لا يَجُوزُ ذَلِكَ، وقالُوا: لا يَدُلُّ جَوازُ تَقَدُّمِ المَعْمُولِ عَلى جَوازِ تَقَدُّمِ العامِلِ. وأيْضًا فَإنَّ الظَّرْفَ المَجْرُورَ يَتَّسِعُ فِيهِما ما لا يَتَّسِعُ في غَيْرِهِما، ويَقَعانِ حَيْثُ لا يَقَعُ العامِلُ فِيهِما نَحْوَ: إنَّ اليَوْمَ زَيْدًا مُسافِرٌ، وقَدْ تَتَبَّعْتُ جُمْلَةً مِن دَواوِينِ العَرَبِ فَلَمْ أظْفَرْ بِتَقَدُّمِ خَبَرِ لَيْسَ عَلَيْها، ولا بِمَعْمُولِهِ، إلّا ما دَلَّ عَلَيْهِ ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ، وقَوْلُ الشّاعِرِ: فَيَأْبى فَما يَزْدادُ إلّا لَجاجَةً وكُنْتُ أبِيًّا في الخَفا لَسْتُ أقْدُمُ وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ جُمْلَةِ ﴿وحاقَ بِهِمْ﴾ . ﴿ولَئِنْ أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنهُ إنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾ ﴿ولَئِنْ أذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى عَذابَ الكُفّارِ وإنْ تَأخَّرَ لا بُدَّ أنْ يَحِيقَ بِهِمْ، ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى كُفْرِهِمْ وكَوْنِهِمْ مُسْتَحِقِّينَ العَذابَ لِما جُبِلُوا عَلَيْهِ مِن كُفْرِ نَعْماءِ اللَّهِ، وما يَتَرَتَّبُ عَلى إحْسانِهِ تَعالى إلَيْهِمْ مِمّا لا يَلِيقُ بِهِمْ مِن فَخْرِهِمْ عَلى عِبادِ اللَّهِ. والظّاهِرُ أنَّ الإنْسانَ هُنا هو: جِنْسٌ، والمَعْنى: إنَّ هَذا الخُلُقَ في سَجايا النّاسِ، ثُمَّ اسْتَثْنى مِنهُمُ: الَّذِينَ رَدَّتْهُمُ الشَّرائِعُ والإيمانُ إلى الصَّبْرِ والعَمَلِ الصّالِحِ، ولِذَلِكَ جاءَ الِاسْتِثْناءُ مِنهُ في قَوْلِهِ: إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا مُتَّصِلًا. وقِيلَ: المُرادُ هُنا بِالإنْسانِ: الكافِرُ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ: إنْسانٌ مُعَيَّنٌ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وفِيهِ نَزَلَتْ. وقِيلَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمَيَّةَ المَخْزُومِيُّ، وذَكَرَهُ الواحِدِيُّ، وعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ يَكُونُ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، ومَعْنى (رَحْمَةً) نِعْمَةً مِن صِحَّةٍ وأمْنِ وجْدَةٍ. ﴿ثُمَّ نَزَعْناها﴾ أيْ: سَلَبْناها مِنهُ. و﴿لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾: صِفَتا مُبالَغَةٍ، والمَعْنى: إنَّهُ شَدِيدُ اليَأْسِ كَثِيرُهُ، يَيْأسُ أنْ يَعُودَ إلَيْهِ مِثْلُ تِلْكَ النِّعْمَةِ المَسْلُوبَةِ، ويَقْطَعُ رَجاءَهُ مِن فَضْلِ اللَّهِ مِن غَيْرِ صَبْرٍ ولا تَسْلِيمٍ لِقَضائِهِ. (كَفُورٌ): كَثِيرُ الكُفْرانِ لِما سَلَفَ لِلَّهِ عَلَيْهِ مِن نِعْمَةٍ، ذَكَرَ حالَةَ الإنْسانِ إذْ بُدِئَ بِالنِّعْمَةِ ولَمْ يَسْبِقْهُ الضُّرُّ، ثُمَّ ذَكَرَ حالَهُ إذا جاءَتْهُ النِّعْمَةُ بَعْدَ الضُّرِّ. ومَعْنى ذَهَبَ السَّيِّئاتُ أيِ: المَصائِبُ الَّتِي تَسُوءُنِي. وقَوْلُهُ هَذا يَقْتَضِي نَظَرًا وجَهْلًا، لِأنَّ ذَلِكَ بِإنْعامٍ مِنَ اللَّهِ، وهو يَعْتَقِدُ أنَّ ذَلِكَ اتِّفاقٌ أوْ يُسْعِدُ، وهو اعْتِقادٌ فاسِدٌ. إنَّهُ لَفَرِحٌ: أشِرٌ بَطِرٌ، وهَذا الفَرَحُ مُطْلَقٌ، فَلِذَلِكَ ذُمَّ المُتَّصِفُ بِهِ، ولَمْ يَأْتِ في القُرْآنِ لِلْمَدْحِ إلّا مُقَيَّدًا بِما فِيهِ خَيْرٌ كَقَوْلِهِ: ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠] وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لَفَرِحٌ﴾ بِكَسْرِ الرّاءِ، وهي قِياسُ اسْمِ الفاعِلِ مِن فَعِلَ اللّازِمِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: لَفَرُحٌ بِضَمِّ الرّاءِ، وهي كَما تَقُولُ: نَدُسٌ ونَطُسٌ. وفَخْرُهُ: هو تَعاظُمُهُ عَلى النّاسِ بِما أصابَهُ مِنَ النَّعْماءِ، واسْتَثْنى تَعالى الصّابِرِينَ يَعْنِي: عَلى الضَّرّاءِ وعامِلِي الصّالِحاتِ. ومِنها الشُّكْرُ عَلى النَّعْماءِ. أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ لِذُنُوبِهِمْ يَقْتَضِي زَوالَ العِقابِ والخَلاصَ مِنهُ، و﴿أجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الحديد: ٧] هو: الجَنَّةُ، فَيَقْتَضِي الفَوْزَ بِالثَّوابِ. ووَصَفَ الأجْرَ بِقَوْلِهِ: كَبِيرٌ، لِما احْتَوى عَلَيْهِ مِنَ النَّعِيمِ السَّرْمَدِيِّ ورَفْعِ التَّكالِيفِ، والأمْنِ مِنَ العَذابِ، ورِضا اللَّهِ عَنْهم، والنَّظَرِ إلى وجْهِهِ الكَرِيمِ.

هود 11:7

﴿ألا إنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهم لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾: نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شُرَيْقٍ، كانَ يُجالِسُ - رَسُولَ اللَّهِ ﷺ - ويَحْلِفُ أنَّهُ لَيُحِبُّهُ ويُضْمِرُ خِلافَ ما يُظْهِرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وعَنْهُ أيْضًا: في ناسٍ كانُوا يَسْتَحْيُونَ أنْ يُفْضُوا إلى السَّماءِ في الخَلاءِ ومُجامَعَةِ النِّساءِ. وقِيلَ: في بَعْضِ المُنافِقِينَ، كانَ إذا مَرَّ بِالرَّسُولِ ﷺ ثَنى صَدْرَهُ وظَهْرَهُ وطَأْطَأ رَأْسَهُ وغَطّى وجْهَهُ، كَيْ لا يَرى الرَّسُولَ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدّادٍ. وقِيلَ: في طائِفَةٍ قالُوا إذا أغْلَقْنا أبْوابَنا، وأرْخَيْنا سُتُورَنا، واسْتَغْشَيْنا ثِيابَنا، وثَنَيْنا صُدُورَنا، عَلى عَداوَتِهِ كَيْفَ يَعْلَمُ بِنا ؟ ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ. وقِيلَ: فَعَلُوا ذَلِكَ لِيَبْعُدَ عَلَيْهِمْ صَوْتُ الرَّسُولِ ﷺ، ولا يَدْخُلُ أسْماعَهُمُ القُرْآنُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. و﴿يَثْنُونَ﴾: مُضارِعُ ثَنى، قِراءَةُ الجُمْهُورِ. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يُثْنُونَ بِضَمِّ الياءِ مُضارِعُ أثْنى. (صُدُورَهم): بِالنَّصْبِ، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: ولا يُعْرَفُ الإثْناءُ في هَذا البابِ إلّا أنْ يُرادَ بِهِ: وجَدْتُها مَثْنِيَّةً مِثْلَ أحْمَدْتُهُ وأمْجَدْتُهُ، ولَعَلَّهُ فَتَحَ النُّونَ وهَذا مِمّا فُعِلَ بِهِمْ، فَيَكُونُ نَصْبُ صُدُورَهم بِنَزْعِ الجارِ، ويَجُوزُ عَلى ذَلِكَ أنْ يَكُونَ صُدُورُهم رَفْعًا عَلى البَدَلِ، بَدَلِ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ. وقالَ أبُو البَقاءِ: ماضِيهِ أثْنى، ولا يُعْرَفُ في اللُّغَةِ إلّا أنْ يُقالَ: مَعْناهُ: عَرَّضُوها لِلْإثْناءِ، كَما يُقالُ: أبِعْتَ الفَرَسَ ؟ إذا عَرَضْتَهُ لِلْبَيْعِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ وابْناهُ زَيْدٌ ومُحَمَّدٌ وابْنُهُ جَعْفَرٌ، ومُجاهِدٌ وابْنُ يَعْمَرَ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبْزى والجَحْدَرِيُّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وأبُو الأسْوَدِ الدُّؤَلِيُّ وأبُو رَزِينٍ والضَّحّاكُ: تَثْنُونِي بِالتّاءِ مُضارِعُ أثْنَوْنِي عَلى وزْنِ: افْعَوْعَلَ، نَحْوَ: اعْشَوْشَبَ المَكانُ. صُدُورُهم: بِالرَّفْعِ بِمَعْنى: تَنْطَوِي صُدُورُهم. وقَرَأ أيْضًا ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وابْنُ يَعْمَرَ وابْنُ أبِي إسْحاقَ: يَثْنُونِي بِالياءِ، صُدُورُهم بِالرَّفْعِ، ذُكِرَ عَلى مَعْنى الجَمْعِ دُونَ الجَماعَةِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: لَيَثْنُونَ بِلامِ التَّأْكِيدِ في خَبَرِ إنَّ، وحَذْفِ الياءِ تَخْفِيفًا، وصُدُورُهم رُفِعَ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وعُرْوَةُ وابْنُ أبِي أبْزى والأعْشى: يَثَّنُّونَ ووَزْنُهُ: يَفْعَوْعَلَ مِنَ الثَّنِّ، بُنِيَ مِنهُ افْعَوْعَلَ وهو ما هَشَّ وضَعُفَ مِنَ الكَلَأِ، وأصْلُهُ: يَثْنَوْنَنَ يُرِيدُ: مُطاوَعَةَ نُفُوسِهِمْ لِلشَّيْءِ، كَما يَنْثَنِي الهَشُّ مِنَ النَّباتِ. أوْ أرادَ ضَعْفَ إيمانِهِمْ ومَرَضَ قُلُوبِهِمْ. وصُدُورُهم: بِالرَّفْعِ. وقَرَأ عُرْوَةُ ومُجاهِدٌ أيْضًا: كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ هَمَزَ فَقَرَأ: يَثْنَئِنُّ مِثْلَ: يَطْمَئِنُّ، وصُدُورُهم رُفِعَ، وهَذِهِ مِمّا اسْتُثْقِلَ فِيهِ الكَسْرُ عَلى الواوِ كَما قِيلَ: أشاحَ. وقَدْ قِيلَ أنَّ يَثْنَئِنُّ: يَفْعَئِلُّ مِنَ الثَّنِّ المُتَقَدِّمِ، مِثْلَ تَحْمارُّ وتَصْفارُّ، فَحُرِّكَتِ الألِفَ لِالتِقائِهِما بِالكَسْرِ، فانْقَلَبَتْ هَمْزَةً. وقَرَأ الأعْشى: يَثْنَؤُونَ مِثْلَ يَفْعَلُونَ مَهْمُوزُ اللّامِ، صُدُورَهم بِالنَّصْبِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: ولا أعْرِفُ وجْهَهُ لِأنَّهُ يُقالُ: ثَنَيْتُ، ولَمْ أسْمَعْ ثَنَأْتُ. ويَجُوزُ أنَّهُ قَلَبَ الياءَ ألِفًا عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: أعْطَأْتُ في: أعْطَيْتُ، ثُمَّ هَمَزَ عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: ﴿ولا الضّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: يَثْنَوِي بِتَقْدِيمِ الثّاءِ عَلى النُّونِ، وبِغَيْرِ نُونٍ بَعْدَ الواوِ عَلى وزْنِ: تَرْعَوِي. قالَ أبُو حاتِمٍ: وهَذِهِ القِراءَةُ غَلَطٌ لا تَتَّجِهُ، انْتَهى. وإنَّما قالَ ذَلِكَ لِأنَّهُ لاحَظَ الواوَ في هَذا الفِعْلِ لا يُقالُ: ثَنَوْتُهُ فانْثَوى كَما يُقالُ: رَعَوْتُهُ، أيْ: كَفَفْتُهُ فارْعَوى فانْكَفَّ، ووَزْنُهُ افْعَلَّ. وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وابْنُ يَعْمَرَ وابْنُ أبِي إسْحاقَ: يَنْثُونَ بِتَقْدِيمِ النُّونِ عَلى الثّاءِ، فَهَذِهِ عَشْرُ قِراءاتٍ في هَذِهِ الكَلِمَةِ. والضَّمِيرُ في إنَّهم عائِدٌ عَلى بَعْضِ مَن بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ ﷺ مِنَ الكُفّارِ، أيْ: يَطْوُونَ صُدُورَهم عَلى عَدَواتِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (p-٢٠٣)يَثْنُونَ صُدُورَهم: يَزْوَرُّونَ عَنِ الحَقِّ ويَنْحَرِفُونَ عَنْهُ، لِأنَّ مَن أقْبَلَ عَلى الشَّيْءِ: اسْتَقْبَلَهُ بِصَدْرِهِ، ومَنِ ازْوَرَّ عَنْهُ وانْحَرَفَ: ثَنى عَنْهُ صَدْرَهُ وطَوى عَنْهُ كَشْحَهُ، ﴿لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ﴾ يَعْنِي: ويُرِيدُونَ لِيَسْتَخْفُوا مِنَ اللَّهِ، فَلا يُطْلِعُ رَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ عَلى ازْوِرارِهِمْ. ونَظِيرُ إضْمارِ يُرِيدُونَ، لِعَوْدِ المَعْنى إلى إضْمارِهِ، الإضْمارُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣] مَعْناهُ: فَضَرَبَ فانْفَلَقَ. ومَعْنى ﴿ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ﴾ ويُرِيدُونَ الِاسْتِخْفاءَ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم، أيْضًا كَراهَةً لِاسْتِماعِ كَلامِ اللَّهِ كَقَوْلِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ واسْتَغْشَوْا ثِيابَهم وأصَرُّوا﴾ [نوح: ٧] انْتَهى. فالضَّمِيرُ في مِنهُ عَلى قَوْلِهِ: عائِدٌ عَلى اللَّهِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا هو الأفْصَحُ الأجْزَلُ في المَعْنى، انْتَهى. ويَظْهَرُ مِن بَعْضِ أسْبابِ النُّزُولِ أنَّهُ عائِدٌ عَلى الرَّسُولِ ﷺ كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ. قالَ: قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في الكُفّارِ الَّذِينَ كانُوا إذا لَقِيَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَطامَنُوا وثَنَوْا صُدُورَهم كالمُتَسَتِّرِ، ورَدُّوا إلَيْهِ ظُهُورَهم، وغَشُوا وُجُوهَهم بِثِيابِهِمْ: تَباعُدًا مِنهم وكَراهِيَةً لِلِقائِهِ، وهم يَظُنُّونَ أنَّ ذَلِكَ يَخْفى عَلَيْهِ أوْ عَنِ اللَّهِ تَعالى فَنَزَلَتِ الآيَةُ، انْتَهى. فَعَلى هَذا يَكُونُ لِيَسْتَخْفُوا مُتَعَلِقًا بُقُولِهِ ﴿يَثْنُونَ﴾، وكَذا قالَ الحَوْفِيُّ. وقِيلَ: هي اسْتِعارَةٌ لِلْغِلِّ والحِقْدِ الَّذِي كانُوا يَنْطَوُونَ عَلَيْهِ كَما تَقُولُ: فُلانٌ يَطْوِي كَشْحَهِ عَلى عَداوَتِهِ، ويَثْنِي صَدْرَهُ عَلَيْها، فَمَعْنى الآيَةِ: ألا إنَّهم يُسِرُّونَ العَداوَةَ ويَتَكَتَّمُونَ لَها، لِيَخْفى في ظَنِّهِمْ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وهو تَعالى حِينَ تَغَشِّيهِمْ بِثِيابِهِمْ وإبْلاغِهِمْ في التَّسَتُّرِ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ، انْتَهى. فَعَلى هَذا يَكُونُ حِينَ مَعْمُولًا لِقَوْلِهِ: (يَعْلَمُ)، وكَذا قالَهُ الحَوْفِيُّ لا لِلْمُضْمَرِ الَّذِي قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وهو قَوْلُهُ: ويُرِيدُونَ الِاسْتِخْفاءَ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم. وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿ألا حِينَ﴾: العامِلُ في الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ أيْ: ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم يَسْتَخْفُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِيَعْلَمُ. وقِيلَ: كانَ بَعْضُهم يَنْحَنِي عَلى بَعْضٍ لِيَسارِهِ في الطَّعْنِ عَلى المُسْلِمِينَ، وبَلَغَ مِن جَهْلِهِمْ أنَّ ذَلِكَ يَخْفى عَلى اللَّهِ تَعالى. قالَ قَتادَةُ: أخْفى ما يَكُونُ إذا حَنى ظَهْرَهُ واسْتَغْشى ثَوْبَهُ، وأضْمَرَ في نَفْسِهِ هِمَّتَهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَطْوُونَها عَلى الكُفْرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُخْفُونَ ما في صُدُورِهِمْ مِنَ الشَّحْناءِ. وقالَ قَتادَةُ: يُخْفُونَ لِيَسْمَعُوا كَلامَ اللَّهِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يَكْتُمُونَها إذا ناجى بَعْضُهم بَعْضًا في أمْرِ الرَّسُولِ ﷺ . وقِيلَ: يَثْنُونَها حَياءً مِنَ اللَّهِ تَعالى، ومَعْنى يَسْتَغْشُونَ: يَجْعَلُونَها أغْشِيَةً. ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ: ؎أرْعى النُّجُومَ وما كُلِّفْتُ رِعْيَتَها وتارَةً أتَغَشّى فَضْلَ أطْمارِي وقِيلَ: المُرادُ بِالثِّيابِ: اللَّيْلُ، واسْتُعِيرَتْ لَهُ لِما بَيْنَهُما مِنَ العَلاقَةِ بِالسَّتْرِ، لِأنَّ اللَّيْلَ يَسْتُرُ كَما تَسْتُرُ الثِّيابُ ومِنهُ قَوْلُهُمُ: اللَّيْلُ أخْفى لِلْوَيْلِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: (عَلى حِينِ يَسْتَغْشُونَ) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومِن هَذا الِاسْتِعْمالِ قَوْلُ النّابِغَةِ: ؎عَلى حِينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِّبا ∗∗∗ وقُلْتُ ألَمّا أصِحُّ والشَّيْبُ وازِعُ انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما يُسِرُّونَ بِقُلُوبِهِمْ وما يُعْلِنُونَ بِأفْواهِهِمْ. وقِيلَ: ما يُسِرُّونَ بِاللَّيْلِ وما يُعْلِنُونَ بِالنَّهارِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْناهُ: أنَّهُ يَعْلَمُ سَرائِرَهم كَما يَعْلَمُ مَظْهَرانِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنَّهُ لا تَفاوُتَ في عِلْمِهِ بَيْنَ إسْرارِهِمْ وإعْلانِهِمْ، فَلا وجْهَ لِتَوَصُّلِهِمْ إلى ما يُرِيدُونَ مِنَ الِاسْتِخْفاءِ واللَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى ثَنْيِهِمْ صُدُورَهم، واسْتِغْشائِهِمْ بِثِيابِهِمْ. ونِفاقُهم غَيْرُ نافِقٍ عِنْدَهُ. وقالَ صاحِبُ التَّحْرِيرِ: الَّذِي يَقْتَضِيهِ سِياقُ الآيَةِ أنَّهُ أرادَ بِما يُسِرُّونَ: ما انْطَوَتْ عَلَيْهِ صُدُورُهم مِنَ الشِّرْكِ والنِّفاقِ والغِلِّ والحَسَدِ والبُغْضِ لِلنَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ، لِأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِن أعْمالِ القُلُوبِ، وأعْمالُ القُلُوبِ خَفِيَّهٌ جِدًّا، وأرادَ بِما يُعْلِنُونَ: ما يُظْهِرُونَهُ مِنَ اسْتِدْبارِهِمُ النَّبِيَّ ﷺ وتَغْشِيَةِ ثِيابِهِمْ، وسَدِّ (p-٢٠٤)آذانِهِمْ وهَذِهِ كُلُّها أعْمالٌ ظاهِرَةٌ لا تَخْفى. ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلّا عَلى اللَّهِ رِزْقُها ويَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها ومُسْتَوْدَعَها كُلٌّ في كِتابٍ مُبِينٍ﴾: الدّابَّةُ هُنا: عامٌّ في كُلِّ حَيَوانٍ يَحْتاجُ إلى رِزْقٍ، و(عَلى اللَّهِ): ظاهِرٌ في الوُجُوبِ، وإنَّما هو تُفَضُّلٌ، ولَكِنَّهُ لَمّا ضَمِنَ تَعالى أنْ يَتَفَضَّلَ بِهِ عَلَيْهِمْ أبْرَزَهُ في حَيِّزِ الوُجُوبِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿مُسْتَقَرَّها﴾: حَيْثُ تَأْوِي إلَيْهِ مِنَ الأرْضِ، ﴿ومُسْتَوْدَعَها﴾: المَوْضِعَ الَّذِي تَمُوتُ فِيهِ فَتُدْفَنُ. وعَنْهُ أيْضًا: مُسْتَقَرَّها: في الرَّحِمِ، ومُسْتَوْدَعَها: في الصُّلْبِ. وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: مُسْتَقَرَّها: في أيّامِ حَياتِها، ومُسْتَوْدَعَها: حِينَ تَمُوتُ وحِينَ تُبْعَثُ. وقِيلَ: مُسْتَقَرَّها: في الجَنَّةِ أوْ: في النّارِ، ومُسْتَوْدَعَها: في القَبْرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٧٦] و﴿ساءَتْ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٦٦] وقِيلَ: ما يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ عَمَلُها، ومُسْتَوْدَعَها: ما تَصِيرُ إلَيْهِ. وقِيلَ: المُسْتَقَرُّ: ما حَصَلَ مَوْجُودًا مِنَ الحَيَوانِ، والمُسْتَوْدَعُ: ما سَيُوجَدُ بَعْدَ المُسْتَقَرِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُسْتَقَرُّ: مَكانُهُ مِنَ الأرْضِ ومَسْكَنُهُ، والمُسْتَوْدَعُ: حَيْثُ كانَ مَوْجُودًا قَبْلَ الِاسْتِقْرارِ مِن صُلْبٍ أوْ رَحِمٍ أوْ بَيْضَةٍ، انْتَهى. ومُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونا مَصْدَرَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونا اسْمَيْ مَكانٍ، ويَحْتَمِلُ مُسْتَوْدَعٌ أنْ يَكُونَ اسْمَ مَفْعُولٍ لِتَعَدِّي الفِعْلِ مِنهُ، ولا يَحْتَمِلُهُ مُسْتَقَرٌّ لِلُزُومِ فِعْلِهِ كُلٌّ، أيْ: كُلٌّ مِنَ الرِّزْقِ. والمُسْتَقَرُّ والمُسْتَوْدَعُ في اللَّوْحِ يَعْنِي: وذِكْرُها مَكْتُوبٌ فِيهِ مُبَيَّنٌ. وقِيلَ: الكِتابُ: هُنا مَجازٌ، وهو: إشارَةٌ إلى عِلْمِ اللَّهِ، وحَمْلُهُ عَلى الظّاهِرِ أوْلى. ﴿وهو الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا ولَئِنْ قُلْتَ إنَّكم مَبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ المَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿ولَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ ألا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهم وحاقَ هِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى ما يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا، ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ قادِرًا، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الجُمْلَةِ الأُولى في سُورَةِ يُونُسَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ﴾: تَقْدِيرُهُ: قَبْلَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ الماءَ والعَرْشَ كانا مَخْلُوقَيْنِ قَبْلُ. قالَ كَعْبٌ: خَلَقَ اللَّهُ ياقُوتَةً خَضْراءَ فَنَظَرَ إلَيْها بِالهَيْبَةِ فَصارَتْ ماءً، ثُمَّ خَلَقَ الرِّيحَ فَجَعَلَ الماءَ عَلى مَتْنِها، ثُمَّ وضَعَ العَرْشَ عَلى الماءِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ وقَدْ قِيلَ لَهُ: عَلى أيِّ شَيْءٍ كانَ الماءُ ؟ قالَ: كانَ عَلى مَتْنِ الرِّيحِ، والظّاهِرُ تَعْلِيقُ لِيَبْلُوَكم بِخَلَقَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ خَلَقَهُنَّ لِحِكْمَةٍ بالِغَةٍ، وهي أنْ يَجْعَلَها مَساكِنَ لِعِبادِهِ، ويُنْعِمَ عَلَيْهِمْ فِيها بِفُنُونِ النِّعَمِ، ويُكَلِّفَهم فِعْلَ الطّاعاتِ واجْتِنابَ المَعاصِي، فَمَن شَكَرَ وأطاعَ أثابَهُ، ومَن كَفَرَ وعَصى عاقَبَهُ. ولَمّا أشْبَهَ (p-٢٠٥)ذَلِكَ اخْتِبارَ المُخْتَبِرِ قالَ: لِيَبْلُوَكم، يُرِيدُ: لِيَفْعَلَ بِكم ما يَفْعَلُ المُبْتَلِي لِأحْوالِكم كَيْفَ تَعْمَلُونَ. (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ جازَ تَعْلِيقُ فِعْلِ البَلْوى ؟ (قُلْتُ): لِما في الِاخْتِبارِ مِن مَعْنى العِلْمِ، لِأنَّهُ طَرِيقُ اللَّهِ، فَهو مَلابِسٌ لَهُ كَما تَقُولُ: انْظُرْ أيُّهم أحْسَنُ وجْهًا، واسْتَمِعْ أيُّهم أحْسَنُ صَوْتًا، لِأنَّ النَّظَرَ والِاسْتِماعَ مِن طُرُقِ العِلْمِ، انْتَهى. وفي قَوْلِهِ: (ومَن كَفَرَ وعَصى): عاقَبَهُ دَسِيسَةَ الِاعْتِزالِ. وأمّا قَوْلُهُ: واسْتَمِعْ أيُّهم أحْسَنَ صَوْتًا، فَلا أعْلَمُ أحَدًا ذَكَرَ أنَّ اسْتَمِعْ: تُعَلَّقُ، وإنَّما ذَكَرُوا مِن غَيْرِ أفْعالِ القُلُوبِ: سَلْ وانْظُرْ، وفي جَوازِ تَعْلِيقِ رَأْيِ البَصَرِيَّةِ خِلافٌ. وقِيلَ: (لِيَبْلُوَكم) مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: أعْلَمَ بِذَلِكَ لِيَبْلُوَكم، ومَقْصِدُ هَذا التَّأْوِيلِ: أنَّ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ لَمْ تَكُنْ بِسَبَبِ البَشَرِ. وقِيلَ: تَقْدِيرُ الفِعْلِ: وخَلَقَكم لِيَبْلُوكم. وقِيلَ: في الكَلامِ جُمَلٌ مَحْذُوفَةٌ، التَّقْدِيرُ: وكانَ خَلْقُهُ لَهُما لِمَنافِعَ يَعُودُ عَلَيْكم نَفْعُها في الدُّنْيا دُونَ الأُخْرى، وفَعَلَ ذَلِكَ لِيَبْلُوَكم. ومَعْنى ﴿أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾: أهَذا أحْسَنُ أمْ هَذا. قالَ ابْنُ بَحْرٍ: رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أيُّكم أحْسَنُ عَقْلًا، وأوْرَعُ عَنْ مَحارِمِ اللَّهِ، وأسْرَعُ في طاعَةِ اللَّهِ» ولَوْ صَحَّ هَذا التَّفْسِيرُ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ لَمْ يُعْدَلْ عَنْهُ. وقالَ الحَسَنُ: أزْهَدُ في اللَّهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: أتْقى لِلَّهِ. وقالَ الضَّحّاكُ: أكْثَرُكم شُكْرًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَكَيْفَ قِيلَ: ﴿أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾، وأعْمالُ المُؤْمِنِينَ هي الَّتِي تَتَفاوَتُ إلى حَسَنٍ وأحْسَنَ، فَأمّا أعْمالُ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ فَتَفاوُتُهُما إلى حَسَنٍ وقَبِيحٍ (قُلْتُ): الَّذِينَ هم أحْسَنُ عَمَلًا هُمُ: المُتَّقُونَ، وهُمُ الَّذِينَ اسْتَبَقُوا إلى تَحْصِيلِ ما هو غَرَضُ اللَّهِ مِن عِبادِهِ، فَخَصَّهم بِالذِّكْرِ، واطَّرَحَ ذِكْرَ مَن وراءَهم تَشْرِيفًا لَهم وتَنْبِيهًا عَلى مَكانِهِمْ، ولِيَكُونَ ذَلِكَ تَيَقُّظًا لِلسّامِعِينَ وتَرْغِيبًا في حِيازَةِ فَضْلِهِمُ، انْتَهى. ولَئِنْ قُلْتَ: خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ . وقَرَأ عِيسى الثَّقَفِيُّ: ولَئِنْ قُلْتُ: بِضَمِّ التّاءِ إخْبارًا عَنْهُ تَعالى، والمَعْنى: ولَئِنْ قُلْتَ: مُسْتَدِلًا عَلى البَعْثِ مِن بَعْدِ المَوْتِ، إذْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ﴾ دِلالَةٌ عَلى القُدْرَةِ العَظِيمَةِ، فَمَتى أخْبَرَ بِوُقُوعِ مُمْكِنٍ وقَعَ لا مَحالَةَ، وقَدْ أخْبَرَ بِالبَعْثِ فَوَجَبَ قَبُولُهُ وتَيَقَّنَ وُقُوعِهِ. وقُرِئَ: أيُّكم بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ووَجْهُهُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِهِمُ: ائْتِ السُّوقَ إنَّكَ تَشْتَرِي لَحْمًا، بِمَعْنى عَلَّكَ، أيْ: ولَئِنْ قُلْتَ لَهم لَعَلَّكم مَبْعُوثُونَ بِمَعْنى: تَوَقَّعُوا بَعْثَكم وظُنُّوهُ، لَأثْبَتُوا القَوْلَ بِإنْكارِهِ لَقالُوا: ويَجُوزُ أنْ يُضَمَّنَ قُلْتَ مَعْنى: ذَكَرْتَ، انْتَهى. يَعْنِي: فَبِفَتْحِ الهَمْزَةِ لِأنَّها في مَوْضِعِ مَفْعُولِ ذَكَرْتَ، والظّاهِرُ الإشارَةُ بِهَذا إلى القَوْلِ، أيْ: إنَّ قَوْلَكَ: إنَّكم مَبْعُوثُونَ إلّا سِحْرٌ، أيْ: بُطْلانُ هَذا القَوْلِ كَبُطْلانِ السِّحْرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ مِنَ البَعْثِ. أيْ: إنَّ البَعْثَ. وقِيلَ: أشارُوا بِهَذا إلى القُرْآنِ، وهو النّاطِقُ بِالبَعْثِ، فَإذا جَعَلُوهُ سِحْرًا فَقَدِ انْدَرَجَ تَحْتَهُ إنْكارُ ما فِيهِ مِنَ البَعْثِ وغَيْرِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: كَذَّبُوا وقالُوا: هَذا سِحْرٌ، فَهَذا تَناقُضٌ مِنهم إنْ كانَ مَفْطُورًا بِقُرُباتِ اللَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ فَهو مِن جُمْلَةِ المُقَرَّبِ بِهَذا، وهم مَعَ ذَلِكَ يُنْكِرُونَ ما هو أيْسَرُ مِنهُ بِكَثِيرٍ وهو البَعْثُ مِنَ القُبُورِ، إذِ البَداءَةُ أعْسَرُ مِنَ الإعادَةِ، وإذْ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ، انْتَهى. وقَرَأ الحَسَنُ والأعْرَجُ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وفِرْقَةٌ مِنَ السَّبْعَةِ: سِحْرٌ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: ساحِرٌ، يُرِيدُونَ: والسّاحِرُ كاذِبٌ مُبْطِلٌ، ولَئِنْ أخَّرْنا، حَكى تَعالى نَوْعًا آخَرَ مِن أباطِيلِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ، والعَذابُ هُنا: عَذابُ القِيامَةِ. وقِيلَ: عَذابُ يَوْمِ بَدْرٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: قَتْلُ جِبْرِيلَ المُسْتَهْزِئِينَ، والظّاهِرُ: العَذابُ المَوْعُودُ بِهِ، والأُمَّةُ هُنا المُدَّةُ مِنَ الزَّمانِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ والجُمْهُورُ، ومَعْناهُ: إلى حِينٍ ووَقْتٍ مَعْلُومٍ ما يَحْبِسُهُ اسْتِفْهامٌ، قالُوهُ وهو عَلى سَبِيلِ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ. قالَ الطَّبَرِيُّ: سُمِّيَتِ المُدَّةُ: أُمَّةً، لِأنَّها يُقْضى فِيها أُمَّةٌ مِنَ النّاسِ وتَحْدُثُ أُخْرى، فَهي عَلى هَذا المُدَّةُ الطَّوِيلَةُ، ثُمَّ اسْتَفْتَحَ الأخْبارَ بِأنَّهُ يَوْمٌ لا يَرُدُّهُ شَيْءٌ (p-٢٠٦)ولا يَصْرِفُهُ. والظّاهِرُ أنَّ يَوْمَ مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: مَصْرُوفًا، فَهو مَعْمُولٌ لِخَبَرِ لَيْسَ. وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى جَوازِ تَقْدِيمِ خَبَرِ لَيْسَ عَلَيْها قالُوا: لِأنَّ تَقَدُّمَ المَعْمُولِ يُؤْذِنُ بِتَقَدُّمِ العامِلِ، ونُسِبَ هَذا المَذْهَبُ لِـ سِيبَوَيْهِ، وعَلَيْهِ أكْثَرُ البَصْرِيِّينَ. وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ والمُبَرِّدُ: إلى أنَّهُ لا يَجُوزُ ذَلِكَ، وقالُوا: لا يَدُلُّ جَوازُ تَقَدُّمِ المَعْمُولِ عَلى جَوازِ تَقَدُّمِ العامِلِ. وأيْضًا فَإنَّ الظَّرْفَ المَجْرُورَ يَتَّسِعُ فِيهِما ما لا يَتَّسِعُ في غَيْرِهِما، ويَقَعانِ حَيْثُ لا يَقَعُ العامِلُ فِيهِما نَحْوَ: إنَّ اليَوْمَ زَيْدًا مُسافِرٌ، وقَدْ تَتَبَّعْتُ جُمْلَةً مِن دَواوِينِ العَرَبِ فَلَمْ أظْفَرْ بِتَقَدُّمِ خَبَرِ لَيْسَ عَلَيْها، ولا بِمَعْمُولِهِ، إلّا ما دَلَّ عَلَيْهِ ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ، وقَوْلُ الشّاعِرِ: فَيَأْبى فَما يَزْدادُ إلّا لَجاجَةً وكُنْتُ أبِيًّا في الخَفا لَسْتُ أقْدُمُ وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ جُمْلَةِ ﴿وحاقَ بِهِمْ﴾ . ﴿ولَئِنْ أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنهُ إنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾ ﴿ولَئِنْ أذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى عَذابَ الكُفّارِ وإنْ تَأخَّرَ لا بُدَّ أنْ يَحِيقَ بِهِمْ، ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى كُفْرِهِمْ وكَوْنِهِمْ مُسْتَحِقِّينَ العَذابَ لِما جُبِلُوا عَلَيْهِ مِن كُفْرِ نَعْماءِ اللَّهِ، وما يَتَرَتَّبُ عَلى إحْسانِهِ تَعالى إلَيْهِمْ مِمّا لا يَلِيقُ بِهِمْ مِن فَخْرِهِمْ عَلى عِبادِ اللَّهِ. والظّاهِرُ أنَّ الإنْسانَ هُنا هو: جِنْسٌ، والمَعْنى: إنَّ هَذا الخُلُقَ في سَجايا النّاسِ، ثُمَّ اسْتَثْنى مِنهُمُ: الَّذِينَ رَدَّتْهُمُ الشَّرائِعُ والإيمانُ إلى الصَّبْرِ والعَمَلِ الصّالِحِ، ولِذَلِكَ جاءَ الِاسْتِثْناءُ مِنهُ في قَوْلِهِ: إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا مُتَّصِلًا. وقِيلَ: المُرادُ هُنا بِالإنْسانِ: الكافِرُ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ: إنْسانٌ مُعَيَّنٌ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وفِيهِ نَزَلَتْ. وقِيلَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمَيَّةَ المَخْزُومِيُّ، وذَكَرَهُ الواحِدِيُّ، وعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ يَكُونُ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، ومَعْنى (رَحْمَةً) نِعْمَةً مِن صِحَّةٍ وأمْنِ وجْدَةٍ. ﴿ثُمَّ نَزَعْناها﴾ أيْ: سَلَبْناها مِنهُ. و﴿لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾: صِفَتا مُبالَغَةٍ، والمَعْنى: إنَّهُ شَدِيدُ اليَأْسِ كَثِيرُهُ، يَيْأسُ أنْ يَعُودَ إلَيْهِ مِثْلُ تِلْكَ النِّعْمَةِ المَسْلُوبَةِ، ويَقْطَعُ رَجاءَهُ مِن فَضْلِ اللَّهِ مِن غَيْرِ صَبْرٍ ولا تَسْلِيمٍ لِقَضائِهِ. (كَفُورٌ): كَثِيرُ الكُفْرانِ لِما سَلَفَ لِلَّهِ عَلَيْهِ مِن نِعْمَةٍ، ذَكَرَ حالَةَ الإنْسانِ إذْ بُدِئَ بِالنِّعْمَةِ ولَمْ يَسْبِقْهُ الضُّرُّ، ثُمَّ ذَكَرَ حالَهُ إذا جاءَتْهُ النِّعْمَةُ بَعْدَ الضُّرِّ. ومَعْنى ذَهَبَ السَّيِّئاتُ أيِ: المَصائِبُ الَّتِي تَسُوءُنِي. وقَوْلُهُ هَذا يَقْتَضِي نَظَرًا وجَهْلًا، لِأنَّ ذَلِكَ بِإنْعامٍ مِنَ اللَّهِ، وهو يَعْتَقِدُ أنَّ ذَلِكَ اتِّفاقٌ أوْ يُسْعِدُ، وهو اعْتِقادٌ فاسِدٌ. إنَّهُ لَفَرِحٌ: أشِرٌ بَطِرٌ، وهَذا الفَرَحُ مُطْلَقٌ، فَلِذَلِكَ ذُمَّ المُتَّصِفُ بِهِ، ولَمْ يَأْتِ في القُرْآنِ لِلْمَدْحِ إلّا مُقَيَّدًا بِما فِيهِ خَيْرٌ كَقَوْلِهِ: ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠] وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لَفَرِحٌ﴾ بِكَسْرِ الرّاءِ، وهي قِياسُ اسْمِ الفاعِلِ مِن فَعِلَ اللّازِمِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: لَفَرُحٌ بِضَمِّ الرّاءِ، وهي كَما تَقُولُ: نَدُسٌ ونَطُسٌ. وفَخْرُهُ: هو تَعاظُمُهُ عَلى النّاسِ بِما أصابَهُ مِنَ النَّعْماءِ، واسْتَثْنى تَعالى الصّابِرِينَ يَعْنِي: عَلى الضَّرّاءِ وعامِلِي الصّالِحاتِ. ومِنها الشُّكْرُ عَلى النَّعْماءِ. أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ لِذُنُوبِهِمْ يَقْتَضِي زَوالَ العِقابِ والخَلاصَ مِنهُ، و﴿أجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الحديد: ٧] هو: الجَنَّةُ، فَيَقْتَضِي الفَوْزَ بِالثَّوابِ. ووَصَفَ الأجْرَ بِقَوْلِهِ: كَبِيرٌ، لِما احْتَوى عَلَيْهِ مِنَ النَّعِيمِ السَّرْمَدِيِّ ورَفْعِ التَّكالِيفِ، والأمْنِ مِنَ العَذابِ، ورِضا اللَّهِ عَنْهم، والنَّظَرِ إلى وجْهِهِ الكَرِيمِ.

هود 11:8

﴿ألا إنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهم لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾: نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شُرَيْقٍ، كانَ يُجالِسُ - رَسُولَ اللَّهِ ﷺ - ويَحْلِفُ أنَّهُ لَيُحِبُّهُ ويُضْمِرُ خِلافَ ما يُظْهِرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وعَنْهُ أيْضًا: في ناسٍ كانُوا يَسْتَحْيُونَ أنْ يُفْضُوا إلى السَّماءِ في الخَلاءِ ومُجامَعَةِ النِّساءِ. وقِيلَ: في بَعْضِ المُنافِقِينَ، كانَ إذا مَرَّ بِالرَّسُولِ ﷺ ثَنى صَدْرَهُ وظَهْرَهُ وطَأْطَأ رَأْسَهُ وغَطّى وجْهَهُ، كَيْ لا يَرى الرَّسُولَ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدّادٍ. وقِيلَ: في طائِفَةٍ قالُوا إذا أغْلَقْنا أبْوابَنا، وأرْخَيْنا سُتُورَنا، واسْتَغْشَيْنا ثِيابَنا، وثَنَيْنا صُدُورَنا، عَلى عَداوَتِهِ كَيْفَ يَعْلَمُ بِنا ؟ ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ. وقِيلَ: فَعَلُوا ذَلِكَ لِيَبْعُدَ عَلَيْهِمْ صَوْتُ الرَّسُولِ ﷺ، ولا يَدْخُلُ أسْماعَهُمُ القُرْآنُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. و﴿يَثْنُونَ﴾: مُضارِعُ ثَنى، قِراءَةُ الجُمْهُورِ. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يُثْنُونَ بِضَمِّ الياءِ مُضارِعُ أثْنى. (صُدُورَهم): بِالنَّصْبِ، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: ولا يُعْرَفُ الإثْناءُ في هَذا البابِ إلّا أنْ يُرادَ بِهِ: وجَدْتُها مَثْنِيَّةً مِثْلَ أحْمَدْتُهُ وأمْجَدْتُهُ، ولَعَلَّهُ فَتَحَ النُّونَ وهَذا مِمّا فُعِلَ بِهِمْ، فَيَكُونُ نَصْبُ صُدُورَهم بِنَزْعِ الجارِ، ويَجُوزُ عَلى ذَلِكَ أنْ يَكُونَ صُدُورُهم رَفْعًا عَلى البَدَلِ، بَدَلِ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ. وقالَ أبُو البَقاءِ: ماضِيهِ أثْنى، ولا يُعْرَفُ في اللُّغَةِ إلّا أنْ يُقالَ: مَعْناهُ: عَرَّضُوها لِلْإثْناءِ، كَما يُقالُ: أبِعْتَ الفَرَسَ ؟ إذا عَرَضْتَهُ لِلْبَيْعِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ وابْناهُ زَيْدٌ ومُحَمَّدٌ وابْنُهُ جَعْفَرٌ، ومُجاهِدٌ وابْنُ يَعْمَرَ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبْزى والجَحْدَرِيُّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وأبُو الأسْوَدِ الدُّؤَلِيُّ وأبُو رَزِينٍ والضَّحّاكُ: تَثْنُونِي بِالتّاءِ مُضارِعُ أثْنَوْنِي عَلى وزْنِ: افْعَوْعَلَ، نَحْوَ: اعْشَوْشَبَ المَكانُ. صُدُورُهم: بِالرَّفْعِ بِمَعْنى: تَنْطَوِي صُدُورُهم. وقَرَأ أيْضًا ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وابْنُ يَعْمَرَ وابْنُ أبِي إسْحاقَ: يَثْنُونِي بِالياءِ، صُدُورُهم بِالرَّفْعِ، ذُكِرَ عَلى مَعْنى الجَمْعِ دُونَ الجَماعَةِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: لَيَثْنُونَ بِلامِ التَّأْكِيدِ في خَبَرِ إنَّ، وحَذْفِ الياءِ تَخْفِيفًا، وصُدُورُهم رُفِعَ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وعُرْوَةُ وابْنُ أبِي أبْزى والأعْشى: يَثَّنُّونَ ووَزْنُهُ: يَفْعَوْعَلَ مِنَ الثَّنِّ، بُنِيَ مِنهُ افْعَوْعَلَ وهو ما هَشَّ وضَعُفَ مِنَ الكَلَأِ، وأصْلُهُ: يَثْنَوْنَنَ يُرِيدُ: مُطاوَعَةَ نُفُوسِهِمْ لِلشَّيْءِ، كَما يَنْثَنِي الهَشُّ مِنَ النَّباتِ. أوْ أرادَ ضَعْفَ إيمانِهِمْ ومَرَضَ قُلُوبِهِمْ. وصُدُورُهم: بِالرَّفْعِ. وقَرَأ عُرْوَةُ ومُجاهِدٌ أيْضًا: كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ هَمَزَ فَقَرَأ: يَثْنَئِنُّ مِثْلَ: يَطْمَئِنُّ، وصُدُورُهم رُفِعَ، وهَذِهِ مِمّا اسْتُثْقِلَ فِيهِ الكَسْرُ عَلى الواوِ كَما قِيلَ: أشاحَ. وقَدْ قِيلَ أنَّ يَثْنَئِنُّ: يَفْعَئِلُّ مِنَ الثَّنِّ المُتَقَدِّمِ، مِثْلَ تَحْمارُّ وتَصْفارُّ، فَحُرِّكَتِ الألِفَ لِالتِقائِهِما بِالكَسْرِ، فانْقَلَبَتْ هَمْزَةً. وقَرَأ الأعْشى: يَثْنَؤُونَ مِثْلَ يَفْعَلُونَ مَهْمُوزُ اللّامِ، صُدُورَهم بِالنَّصْبِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: ولا أعْرِفُ وجْهَهُ لِأنَّهُ يُقالُ: ثَنَيْتُ، ولَمْ أسْمَعْ ثَنَأْتُ. ويَجُوزُ أنَّهُ قَلَبَ الياءَ ألِفًا عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: أعْطَأْتُ في: أعْطَيْتُ، ثُمَّ هَمَزَ عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: ﴿ولا الضّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: يَثْنَوِي بِتَقْدِيمِ الثّاءِ عَلى النُّونِ، وبِغَيْرِ نُونٍ بَعْدَ الواوِ عَلى وزْنِ: تَرْعَوِي. قالَ أبُو حاتِمٍ: وهَذِهِ القِراءَةُ غَلَطٌ لا تَتَّجِهُ، انْتَهى. وإنَّما قالَ ذَلِكَ لِأنَّهُ لاحَظَ الواوَ في هَذا الفِعْلِ لا يُقالُ: ثَنَوْتُهُ فانْثَوى كَما يُقالُ: رَعَوْتُهُ، أيْ: كَفَفْتُهُ فارْعَوى فانْكَفَّ، ووَزْنُهُ افْعَلَّ. وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وابْنُ يَعْمَرَ وابْنُ أبِي إسْحاقَ: يَنْثُونَ بِتَقْدِيمِ النُّونِ عَلى الثّاءِ، فَهَذِهِ عَشْرُ قِراءاتٍ في هَذِهِ الكَلِمَةِ. والضَّمِيرُ في إنَّهم عائِدٌ عَلى بَعْضِ مَن بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ ﷺ مِنَ الكُفّارِ، أيْ: يَطْوُونَ صُدُورَهم عَلى عَدَواتِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (p-٢٠٣)يَثْنُونَ صُدُورَهم: يَزْوَرُّونَ عَنِ الحَقِّ ويَنْحَرِفُونَ عَنْهُ، لِأنَّ مَن أقْبَلَ عَلى الشَّيْءِ: اسْتَقْبَلَهُ بِصَدْرِهِ، ومَنِ ازْوَرَّ عَنْهُ وانْحَرَفَ: ثَنى عَنْهُ صَدْرَهُ وطَوى عَنْهُ كَشْحَهُ، ﴿لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ﴾ يَعْنِي: ويُرِيدُونَ لِيَسْتَخْفُوا مِنَ اللَّهِ، فَلا يُطْلِعُ رَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ عَلى ازْوِرارِهِمْ. ونَظِيرُ إضْمارِ يُرِيدُونَ، لِعَوْدِ المَعْنى إلى إضْمارِهِ، الإضْمارُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣] مَعْناهُ: فَضَرَبَ فانْفَلَقَ. ومَعْنى ﴿ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ﴾ ويُرِيدُونَ الِاسْتِخْفاءَ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم، أيْضًا كَراهَةً لِاسْتِماعِ كَلامِ اللَّهِ كَقَوْلِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ واسْتَغْشَوْا ثِيابَهم وأصَرُّوا﴾ [نوح: ٧] انْتَهى. فالضَّمِيرُ في مِنهُ عَلى قَوْلِهِ: عائِدٌ عَلى اللَّهِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا هو الأفْصَحُ الأجْزَلُ في المَعْنى، انْتَهى. ويَظْهَرُ مِن بَعْضِ أسْبابِ النُّزُولِ أنَّهُ عائِدٌ عَلى الرَّسُولِ ﷺ كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ. قالَ: قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في الكُفّارِ الَّذِينَ كانُوا إذا لَقِيَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَطامَنُوا وثَنَوْا صُدُورَهم كالمُتَسَتِّرِ، ورَدُّوا إلَيْهِ ظُهُورَهم، وغَشُوا وُجُوهَهم بِثِيابِهِمْ: تَباعُدًا مِنهم وكَراهِيَةً لِلِقائِهِ، وهم يَظُنُّونَ أنَّ ذَلِكَ يَخْفى عَلَيْهِ أوْ عَنِ اللَّهِ تَعالى فَنَزَلَتِ الآيَةُ، انْتَهى. فَعَلى هَذا يَكُونُ لِيَسْتَخْفُوا مُتَعَلِقًا بُقُولِهِ ﴿يَثْنُونَ﴾، وكَذا قالَ الحَوْفِيُّ. وقِيلَ: هي اسْتِعارَةٌ لِلْغِلِّ والحِقْدِ الَّذِي كانُوا يَنْطَوُونَ عَلَيْهِ كَما تَقُولُ: فُلانٌ يَطْوِي كَشْحَهِ عَلى عَداوَتِهِ، ويَثْنِي صَدْرَهُ عَلَيْها، فَمَعْنى الآيَةِ: ألا إنَّهم يُسِرُّونَ العَداوَةَ ويَتَكَتَّمُونَ لَها، لِيَخْفى في ظَنِّهِمْ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وهو تَعالى حِينَ تَغَشِّيهِمْ بِثِيابِهِمْ وإبْلاغِهِمْ في التَّسَتُّرِ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ، انْتَهى. فَعَلى هَذا يَكُونُ حِينَ مَعْمُولًا لِقَوْلِهِ: (يَعْلَمُ)، وكَذا قالَهُ الحَوْفِيُّ لا لِلْمُضْمَرِ الَّذِي قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وهو قَوْلُهُ: ويُرِيدُونَ الِاسْتِخْفاءَ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم. وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿ألا حِينَ﴾: العامِلُ في الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ أيْ: ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم يَسْتَخْفُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِيَعْلَمُ. وقِيلَ: كانَ بَعْضُهم يَنْحَنِي عَلى بَعْضٍ لِيَسارِهِ في الطَّعْنِ عَلى المُسْلِمِينَ، وبَلَغَ مِن جَهْلِهِمْ أنَّ ذَلِكَ يَخْفى عَلى اللَّهِ تَعالى. قالَ قَتادَةُ: أخْفى ما يَكُونُ إذا حَنى ظَهْرَهُ واسْتَغْشى ثَوْبَهُ، وأضْمَرَ في نَفْسِهِ هِمَّتَهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَطْوُونَها عَلى الكُفْرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُخْفُونَ ما في صُدُورِهِمْ مِنَ الشَّحْناءِ. وقالَ قَتادَةُ: يُخْفُونَ لِيَسْمَعُوا كَلامَ اللَّهِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يَكْتُمُونَها إذا ناجى بَعْضُهم بَعْضًا في أمْرِ الرَّسُولِ ﷺ . وقِيلَ: يَثْنُونَها حَياءً مِنَ اللَّهِ تَعالى، ومَعْنى يَسْتَغْشُونَ: يَجْعَلُونَها أغْشِيَةً. ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ: ؎أرْعى النُّجُومَ وما كُلِّفْتُ رِعْيَتَها وتارَةً أتَغَشّى فَضْلَ أطْمارِي وقِيلَ: المُرادُ بِالثِّيابِ: اللَّيْلُ، واسْتُعِيرَتْ لَهُ لِما بَيْنَهُما مِنَ العَلاقَةِ بِالسَّتْرِ، لِأنَّ اللَّيْلَ يَسْتُرُ كَما تَسْتُرُ الثِّيابُ ومِنهُ قَوْلُهُمُ: اللَّيْلُ أخْفى لِلْوَيْلِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: (عَلى حِينِ يَسْتَغْشُونَ) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومِن هَذا الِاسْتِعْمالِ قَوْلُ النّابِغَةِ: ؎عَلى حِينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِّبا ∗∗∗ وقُلْتُ ألَمّا أصِحُّ والشَّيْبُ وازِعُ انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما يُسِرُّونَ بِقُلُوبِهِمْ وما يُعْلِنُونَ بِأفْواهِهِمْ. وقِيلَ: ما يُسِرُّونَ بِاللَّيْلِ وما يُعْلِنُونَ بِالنَّهارِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْناهُ: أنَّهُ يَعْلَمُ سَرائِرَهم كَما يَعْلَمُ مَظْهَرانِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنَّهُ لا تَفاوُتَ في عِلْمِهِ بَيْنَ إسْرارِهِمْ وإعْلانِهِمْ، فَلا وجْهَ لِتَوَصُّلِهِمْ إلى ما يُرِيدُونَ مِنَ الِاسْتِخْفاءِ واللَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى ثَنْيِهِمْ صُدُورَهم، واسْتِغْشائِهِمْ بِثِيابِهِمْ. ونِفاقُهم غَيْرُ نافِقٍ عِنْدَهُ. وقالَ صاحِبُ التَّحْرِيرِ: الَّذِي يَقْتَضِيهِ سِياقُ الآيَةِ أنَّهُ أرادَ بِما يُسِرُّونَ: ما انْطَوَتْ عَلَيْهِ صُدُورُهم مِنَ الشِّرْكِ والنِّفاقِ والغِلِّ والحَسَدِ والبُغْضِ لِلنَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ، لِأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِن أعْمالِ القُلُوبِ، وأعْمالُ القُلُوبِ خَفِيَّهٌ جِدًّا، وأرادَ بِما يُعْلِنُونَ: ما يُظْهِرُونَهُ مِنَ اسْتِدْبارِهِمُ النَّبِيَّ ﷺ وتَغْشِيَةِ ثِيابِهِمْ، وسَدِّ (p-٢٠٤)آذانِهِمْ وهَذِهِ كُلُّها أعْمالٌ ظاهِرَةٌ لا تَخْفى. ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلّا عَلى اللَّهِ رِزْقُها ويَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها ومُسْتَوْدَعَها كُلٌّ في كِتابٍ مُبِينٍ﴾: الدّابَّةُ هُنا: عامٌّ في كُلِّ حَيَوانٍ يَحْتاجُ إلى رِزْقٍ، و(عَلى اللَّهِ): ظاهِرٌ في الوُجُوبِ، وإنَّما هو تُفَضُّلٌ، ولَكِنَّهُ لَمّا ضَمِنَ تَعالى أنْ يَتَفَضَّلَ بِهِ عَلَيْهِمْ أبْرَزَهُ في حَيِّزِ الوُجُوبِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿مُسْتَقَرَّها﴾: حَيْثُ تَأْوِي إلَيْهِ مِنَ الأرْضِ، ﴿ومُسْتَوْدَعَها﴾: المَوْضِعَ الَّذِي تَمُوتُ فِيهِ فَتُدْفَنُ. وعَنْهُ أيْضًا: مُسْتَقَرَّها: في الرَّحِمِ، ومُسْتَوْدَعَها: في الصُّلْبِ. وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: مُسْتَقَرَّها: في أيّامِ حَياتِها، ومُسْتَوْدَعَها: حِينَ تَمُوتُ وحِينَ تُبْعَثُ. وقِيلَ: مُسْتَقَرَّها: في الجَنَّةِ أوْ: في النّارِ، ومُسْتَوْدَعَها: في القَبْرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٧٦] و﴿ساءَتْ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٦٦] وقِيلَ: ما يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ عَمَلُها، ومُسْتَوْدَعَها: ما تَصِيرُ إلَيْهِ. وقِيلَ: المُسْتَقَرُّ: ما حَصَلَ مَوْجُودًا مِنَ الحَيَوانِ، والمُسْتَوْدَعُ: ما سَيُوجَدُ بَعْدَ المُسْتَقَرِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُسْتَقَرُّ: مَكانُهُ مِنَ الأرْضِ ومَسْكَنُهُ، والمُسْتَوْدَعُ: حَيْثُ كانَ مَوْجُودًا قَبْلَ الِاسْتِقْرارِ مِن صُلْبٍ أوْ رَحِمٍ أوْ بَيْضَةٍ، انْتَهى. ومُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونا مَصْدَرَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونا اسْمَيْ مَكانٍ، ويَحْتَمِلُ مُسْتَوْدَعٌ أنْ يَكُونَ اسْمَ مَفْعُولٍ لِتَعَدِّي الفِعْلِ مِنهُ، ولا يَحْتَمِلُهُ مُسْتَقَرٌّ لِلُزُومِ فِعْلِهِ كُلٌّ، أيْ: كُلٌّ مِنَ الرِّزْقِ. والمُسْتَقَرُّ والمُسْتَوْدَعُ في اللَّوْحِ يَعْنِي: وذِكْرُها مَكْتُوبٌ فِيهِ مُبَيَّنٌ. وقِيلَ: الكِتابُ: هُنا مَجازٌ، وهو: إشارَةٌ إلى عِلْمِ اللَّهِ، وحَمْلُهُ عَلى الظّاهِرِ أوْلى. ﴿وهو الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا ولَئِنْ قُلْتَ إنَّكم مَبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ المَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿ولَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ ألا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهم وحاقَ هِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى ما يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا، ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ قادِرًا، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الجُمْلَةِ الأُولى في سُورَةِ يُونُسَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ﴾: تَقْدِيرُهُ: قَبْلَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ الماءَ والعَرْشَ كانا مَخْلُوقَيْنِ قَبْلُ. قالَ كَعْبٌ: خَلَقَ اللَّهُ ياقُوتَةً خَضْراءَ فَنَظَرَ إلَيْها بِالهَيْبَةِ فَصارَتْ ماءً، ثُمَّ خَلَقَ الرِّيحَ فَجَعَلَ الماءَ عَلى مَتْنِها، ثُمَّ وضَعَ العَرْشَ عَلى الماءِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ وقَدْ قِيلَ لَهُ: عَلى أيِّ شَيْءٍ كانَ الماءُ ؟ قالَ: كانَ عَلى مَتْنِ الرِّيحِ، والظّاهِرُ تَعْلِيقُ لِيَبْلُوَكم بِخَلَقَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ خَلَقَهُنَّ لِحِكْمَةٍ بالِغَةٍ، وهي أنْ يَجْعَلَها مَساكِنَ لِعِبادِهِ، ويُنْعِمَ عَلَيْهِمْ فِيها بِفُنُونِ النِّعَمِ، ويُكَلِّفَهم فِعْلَ الطّاعاتِ واجْتِنابَ المَعاصِي، فَمَن شَكَرَ وأطاعَ أثابَهُ، ومَن كَفَرَ وعَصى عاقَبَهُ. ولَمّا أشْبَهَ (p-٢٠٥)ذَلِكَ اخْتِبارَ المُخْتَبِرِ قالَ: لِيَبْلُوَكم، يُرِيدُ: لِيَفْعَلَ بِكم ما يَفْعَلُ المُبْتَلِي لِأحْوالِكم كَيْفَ تَعْمَلُونَ. (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ جازَ تَعْلِيقُ فِعْلِ البَلْوى ؟ (قُلْتُ): لِما في الِاخْتِبارِ مِن مَعْنى العِلْمِ، لِأنَّهُ طَرِيقُ اللَّهِ، فَهو مَلابِسٌ لَهُ كَما تَقُولُ: انْظُرْ أيُّهم أحْسَنُ وجْهًا، واسْتَمِعْ أيُّهم أحْسَنُ صَوْتًا، لِأنَّ النَّظَرَ والِاسْتِماعَ مِن طُرُقِ العِلْمِ، انْتَهى. وفي قَوْلِهِ: (ومَن كَفَرَ وعَصى): عاقَبَهُ دَسِيسَةَ الِاعْتِزالِ. وأمّا قَوْلُهُ: واسْتَمِعْ أيُّهم أحْسَنَ صَوْتًا، فَلا أعْلَمُ أحَدًا ذَكَرَ أنَّ اسْتَمِعْ: تُعَلَّقُ، وإنَّما ذَكَرُوا مِن غَيْرِ أفْعالِ القُلُوبِ: سَلْ وانْظُرْ، وفي جَوازِ تَعْلِيقِ رَأْيِ البَصَرِيَّةِ خِلافٌ. وقِيلَ: (لِيَبْلُوَكم) مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: أعْلَمَ بِذَلِكَ لِيَبْلُوَكم، ومَقْصِدُ هَذا التَّأْوِيلِ: أنَّ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ لَمْ تَكُنْ بِسَبَبِ البَشَرِ. وقِيلَ: تَقْدِيرُ الفِعْلِ: وخَلَقَكم لِيَبْلُوكم. وقِيلَ: في الكَلامِ جُمَلٌ مَحْذُوفَةٌ، التَّقْدِيرُ: وكانَ خَلْقُهُ لَهُما لِمَنافِعَ يَعُودُ عَلَيْكم نَفْعُها في الدُّنْيا دُونَ الأُخْرى، وفَعَلَ ذَلِكَ لِيَبْلُوَكم. ومَعْنى ﴿أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾: أهَذا أحْسَنُ أمْ هَذا. قالَ ابْنُ بَحْرٍ: رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أيُّكم أحْسَنُ عَقْلًا، وأوْرَعُ عَنْ مَحارِمِ اللَّهِ، وأسْرَعُ في طاعَةِ اللَّهِ» ولَوْ صَحَّ هَذا التَّفْسِيرُ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ لَمْ يُعْدَلْ عَنْهُ. وقالَ الحَسَنُ: أزْهَدُ في اللَّهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: أتْقى لِلَّهِ. وقالَ الضَّحّاكُ: أكْثَرُكم شُكْرًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَكَيْفَ قِيلَ: ﴿أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾، وأعْمالُ المُؤْمِنِينَ هي الَّتِي تَتَفاوَتُ إلى حَسَنٍ وأحْسَنَ، فَأمّا أعْمالُ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ فَتَفاوُتُهُما إلى حَسَنٍ وقَبِيحٍ (قُلْتُ): الَّذِينَ هم أحْسَنُ عَمَلًا هُمُ: المُتَّقُونَ، وهُمُ الَّذِينَ اسْتَبَقُوا إلى تَحْصِيلِ ما هو غَرَضُ اللَّهِ مِن عِبادِهِ، فَخَصَّهم بِالذِّكْرِ، واطَّرَحَ ذِكْرَ مَن وراءَهم تَشْرِيفًا لَهم وتَنْبِيهًا عَلى مَكانِهِمْ، ولِيَكُونَ ذَلِكَ تَيَقُّظًا لِلسّامِعِينَ وتَرْغِيبًا في حِيازَةِ فَضْلِهِمُ، انْتَهى. ولَئِنْ قُلْتَ: خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ . وقَرَأ عِيسى الثَّقَفِيُّ: ولَئِنْ قُلْتُ: بِضَمِّ التّاءِ إخْبارًا عَنْهُ تَعالى، والمَعْنى: ولَئِنْ قُلْتَ: مُسْتَدِلًا عَلى البَعْثِ مِن بَعْدِ المَوْتِ، إذْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ﴾ دِلالَةٌ عَلى القُدْرَةِ العَظِيمَةِ، فَمَتى أخْبَرَ بِوُقُوعِ مُمْكِنٍ وقَعَ لا مَحالَةَ، وقَدْ أخْبَرَ بِالبَعْثِ فَوَجَبَ قَبُولُهُ وتَيَقَّنَ وُقُوعِهِ. وقُرِئَ: أيُّكم بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ووَجْهُهُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِهِمُ: ائْتِ السُّوقَ إنَّكَ تَشْتَرِي لَحْمًا، بِمَعْنى عَلَّكَ، أيْ: ولَئِنْ قُلْتَ لَهم لَعَلَّكم مَبْعُوثُونَ بِمَعْنى: تَوَقَّعُوا بَعْثَكم وظُنُّوهُ، لَأثْبَتُوا القَوْلَ بِإنْكارِهِ لَقالُوا: ويَجُوزُ أنْ يُضَمَّنَ قُلْتَ مَعْنى: ذَكَرْتَ، انْتَهى. يَعْنِي: فَبِفَتْحِ الهَمْزَةِ لِأنَّها في مَوْضِعِ مَفْعُولِ ذَكَرْتَ، والظّاهِرُ الإشارَةُ بِهَذا إلى القَوْلِ، أيْ: إنَّ قَوْلَكَ: إنَّكم مَبْعُوثُونَ إلّا سِحْرٌ، أيْ: بُطْلانُ هَذا القَوْلِ كَبُطْلانِ السِّحْرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ مِنَ البَعْثِ. أيْ: إنَّ البَعْثَ. وقِيلَ: أشارُوا بِهَذا إلى القُرْآنِ، وهو النّاطِقُ بِالبَعْثِ، فَإذا جَعَلُوهُ سِحْرًا فَقَدِ انْدَرَجَ تَحْتَهُ إنْكارُ ما فِيهِ مِنَ البَعْثِ وغَيْرِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: كَذَّبُوا وقالُوا: هَذا سِحْرٌ، فَهَذا تَناقُضٌ مِنهم إنْ كانَ مَفْطُورًا بِقُرُباتِ اللَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ فَهو مِن جُمْلَةِ المُقَرَّبِ بِهَذا، وهم مَعَ ذَلِكَ يُنْكِرُونَ ما هو أيْسَرُ مِنهُ بِكَثِيرٍ وهو البَعْثُ مِنَ القُبُورِ، إذِ البَداءَةُ أعْسَرُ مِنَ الإعادَةِ، وإذْ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ، انْتَهى. وقَرَأ الحَسَنُ والأعْرَجُ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وفِرْقَةٌ مِنَ السَّبْعَةِ: سِحْرٌ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: ساحِرٌ، يُرِيدُونَ: والسّاحِرُ كاذِبٌ مُبْطِلٌ، ولَئِنْ أخَّرْنا، حَكى تَعالى نَوْعًا آخَرَ مِن أباطِيلِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ، والعَذابُ هُنا: عَذابُ القِيامَةِ. وقِيلَ: عَذابُ يَوْمِ بَدْرٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: قَتْلُ جِبْرِيلَ المُسْتَهْزِئِينَ، والظّاهِرُ: العَذابُ المَوْعُودُ بِهِ، والأُمَّةُ هُنا المُدَّةُ مِنَ الزَّمانِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ والجُمْهُورُ، ومَعْناهُ: إلى حِينٍ ووَقْتٍ مَعْلُومٍ ما يَحْبِسُهُ اسْتِفْهامٌ، قالُوهُ وهو عَلى سَبِيلِ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ. قالَ الطَّبَرِيُّ: سُمِّيَتِ المُدَّةُ: أُمَّةً، لِأنَّها يُقْضى فِيها أُمَّةٌ مِنَ النّاسِ وتَحْدُثُ أُخْرى، فَهي عَلى هَذا المُدَّةُ الطَّوِيلَةُ، ثُمَّ اسْتَفْتَحَ الأخْبارَ بِأنَّهُ يَوْمٌ لا يَرُدُّهُ شَيْءٌ (p-٢٠٦)ولا يَصْرِفُهُ. والظّاهِرُ أنَّ يَوْمَ مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: مَصْرُوفًا، فَهو مَعْمُولٌ لِخَبَرِ لَيْسَ. وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى جَوازِ تَقْدِيمِ خَبَرِ لَيْسَ عَلَيْها قالُوا: لِأنَّ تَقَدُّمَ المَعْمُولِ يُؤْذِنُ بِتَقَدُّمِ العامِلِ، ونُسِبَ هَذا المَذْهَبُ لِـ سِيبَوَيْهِ، وعَلَيْهِ أكْثَرُ البَصْرِيِّينَ. وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ والمُبَرِّدُ: إلى أنَّهُ لا يَجُوزُ ذَلِكَ، وقالُوا: لا يَدُلُّ جَوازُ تَقَدُّمِ المَعْمُولِ عَلى جَوازِ تَقَدُّمِ العامِلِ. وأيْضًا فَإنَّ الظَّرْفَ المَجْرُورَ يَتَّسِعُ فِيهِما ما لا يَتَّسِعُ في غَيْرِهِما، ويَقَعانِ حَيْثُ لا يَقَعُ العامِلُ فِيهِما نَحْوَ: إنَّ اليَوْمَ زَيْدًا مُسافِرٌ، وقَدْ تَتَبَّعْتُ جُمْلَةً مِن دَواوِينِ العَرَبِ فَلَمْ أظْفَرْ بِتَقَدُّمِ خَبَرِ لَيْسَ عَلَيْها، ولا بِمَعْمُولِهِ، إلّا ما دَلَّ عَلَيْهِ ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ، وقَوْلُ الشّاعِرِ: فَيَأْبى فَما يَزْدادُ إلّا لَجاجَةً وكُنْتُ أبِيًّا في الخَفا لَسْتُ أقْدُمُ وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ جُمْلَةِ ﴿وحاقَ بِهِمْ﴾ . ﴿ولَئِنْ أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنهُ إنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾ ﴿ولَئِنْ أذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى عَذابَ الكُفّارِ وإنْ تَأخَّرَ لا بُدَّ أنْ يَحِيقَ بِهِمْ، ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى كُفْرِهِمْ وكَوْنِهِمْ مُسْتَحِقِّينَ العَذابَ لِما جُبِلُوا عَلَيْهِ مِن كُفْرِ نَعْماءِ اللَّهِ، وما يَتَرَتَّبُ عَلى إحْسانِهِ تَعالى إلَيْهِمْ مِمّا لا يَلِيقُ بِهِمْ مِن فَخْرِهِمْ عَلى عِبادِ اللَّهِ. والظّاهِرُ أنَّ الإنْسانَ هُنا هو: جِنْسٌ، والمَعْنى: إنَّ هَذا الخُلُقَ في سَجايا النّاسِ، ثُمَّ اسْتَثْنى مِنهُمُ: الَّذِينَ رَدَّتْهُمُ الشَّرائِعُ والإيمانُ إلى الصَّبْرِ والعَمَلِ الصّالِحِ، ولِذَلِكَ جاءَ الِاسْتِثْناءُ مِنهُ في قَوْلِهِ: إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا مُتَّصِلًا. وقِيلَ: المُرادُ هُنا بِالإنْسانِ: الكافِرُ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ: إنْسانٌ مُعَيَّنٌ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وفِيهِ نَزَلَتْ. وقِيلَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمَيَّةَ المَخْزُومِيُّ، وذَكَرَهُ الواحِدِيُّ، وعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ يَكُونُ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، ومَعْنى (رَحْمَةً) نِعْمَةً مِن صِحَّةٍ وأمْنِ وجْدَةٍ. ﴿ثُمَّ نَزَعْناها﴾ أيْ: سَلَبْناها مِنهُ. و﴿لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾: صِفَتا مُبالَغَةٍ، والمَعْنى: إنَّهُ شَدِيدُ اليَأْسِ كَثِيرُهُ، يَيْأسُ أنْ يَعُودَ إلَيْهِ مِثْلُ تِلْكَ النِّعْمَةِ المَسْلُوبَةِ، ويَقْطَعُ رَجاءَهُ مِن فَضْلِ اللَّهِ مِن غَيْرِ صَبْرٍ ولا تَسْلِيمٍ لِقَضائِهِ. (كَفُورٌ): كَثِيرُ الكُفْرانِ لِما سَلَفَ لِلَّهِ عَلَيْهِ مِن نِعْمَةٍ، ذَكَرَ حالَةَ الإنْسانِ إذْ بُدِئَ بِالنِّعْمَةِ ولَمْ يَسْبِقْهُ الضُّرُّ، ثُمَّ ذَكَرَ حالَهُ إذا جاءَتْهُ النِّعْمَةُ بَعْدَ الضُّرِّ. ومَعْنى ذَهَبَ السَّيِّئاتُ أيِ: المَصائِبُ الَّتِي تَسُوءُنِي. وقَوْلُهُ هَذا يَقْتَضِي نَظَرًا وجَهْلًا، لِأنَّ ذَلِكَ بِإنْعامٍ مِنَ اللَّهِ، وهو يَعْتَقِدُ أنَّ ذَلِكَ اتِّفاقٌ أوْ يُسْعِدُ، وهو اعْتِقادٌ فاسِدٌ. إنَّهُ لَفَرِحٌ: أشِرٌ بَطِرٌ، وهَذا الفَرَحُ مُطْلَقٌ، فَلِذَلِكَ ذُمَّ المُتَّصِفُ بِهِ، ولَمْ يَأْتِ في القُرْآنِ لِلْمَدْحِ إلّا مُقَيَّدًا بِما فِيهِ خَيْرٌ كَقَوْلِهِ: ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠] وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لَفَرِحٌ﴾ بِكَسْرِ الرّاءِ، وهي قِياسُ اسْمِ الفاعِلِ مِن فَعِلَ اللّازِمِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: لَفَرُحٌ بِضَمِّ الرّاءِ، وهي كَما تَقُولُ: نَدُسٌ ونَطُسٌ. وفَخْرُهُ: هو تَعاظُمُهُ عَلى النّاسِ بِما أصابَهُ مِنَ النَّعْماءِ، واسْتَثْنى تَعالى الصّابِرِينَ يَعْنِي: عَلى الضَّرّاءِ وعامِلِي الصّالِحاتِ. ومِنها الشُّكْرُ عَلى النَّعْماءِ. أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ لِذُنُوبِهِمْ يَقْتَضِي زَوالَ العِقابِ والخَلاصَ مِنهُ، و﴿أجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الحديد: ٧] هو: الجَنَّةُ، فَيَقْتَضِي الفَوْزَ بِالثَّوابِ. ووَصَفَ الأجْرَ بِقَوْلِهِ: كَبِيرٌ، لِما احْتَوى عَلَيْهِ مِنَ النَّعِيمِ السَّرْمَدِيِّ ورَفْعِ التَّكالِيفِ، والأمْنِ مِنَ العَذابِ، ورِضا اللَّهِ عَنْهم، والنَّظَرِ إلى وجْهِهِ الكَرِيمِ.

هود 11:9

﴿ألا إنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهم لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾: نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شُرَيْقٍ، كانَ يُجالِسُ - رَسُولَ اللَّهِ ﷺ - ويَحْلِفُ أنَّهُ لَيُحِبُّهُ ويُضْمِرُ خِلافَ ما يُظْهِرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وعَنْهُ أيْضًا: في ناسٍ كانُوا يَسْتَحْيُونَ أنْ يُفْضُوا إلى السَّماءِ في الخَلاءِ ومُجامَعَةِ النِّساءِ. وقِيلَ: في بَعْضِ المُنافِقِينَ، كانَ إذا مَرَّ بِالرَّسُولِ ﷺ ثَنى صَدْرَهُ وظَهْرَهُ وطَأْطَأ رَأْسَهُ وغَطّى وجْهَهُ، كَيْ لا يَرى الرَّسُولَ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدّادٍ. وقِيلَ: في طائِفَةٍ قالُوا إذا أغْلَقْنا أبْوابَنا، وأرْخَيْنا سُتُورَنا، واسْتَغْشَيْنا ثِيابَنا، وثَنَيْنا صُدُورَنا، عَلى عَداوَتِهِ كَيْفَ يَعْلَمُ بِنا ؟ ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ. وقِيلَ: فَعَلُوا ذَلِكَ لِيَبْعُدَ عَلَيْهِمْ صَوْتُ الرَّسُولِ ﷺ، ولا يَدْخُلُ أسْماعَهُمُ القُرْآنُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. و﴿يَثْنُونَ﴾: مُضارِعُ ثَنى، قِراءَةُ الجُمْهُورِ. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يُثْنُونَ بِضَمِّ الياءِ مُضارِعُ أثْنى. (صُدُورَهم): بِالنَّصْبِ، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: ولا يُعْرَفُ الإثْناءُ في هَذا البابِ إلّا أنْ يُرادَ بِهِ: وجَدْتُها مَثْنِيَّةً مِثْلَ أحْمَدْتُهُ وأمْجَدْتُهُ، ولَعَلَّهُ فَتَحَ النُّونَ وهَذا مِمّا فُعِلَ بِهِمْ، فَيَكُونُ نَصْبُ صُدُورَهم بِنَزْعِ الجارِ، ويَجُوزُ عَلى ذَلِكَ أنْ يَكُونَ صُدُورُهم رَفْعًا عَلى البَدَلِ، بَدَلِ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ. وقالَ أبُو البَقاءِ: ماضِيهِ أثْنى، ولا يُعْرَفُ في اللُّغَةِ إلّا أنْ يُقالَ: مَعْناهُ: عَرَّضُوها لِلْإثْناءِ، كَما يُقالُ: أبِعْتَ الفَرَسَ ؟ إذا عَرَضْتَهُ لِلْبَيْعِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ وابْناهُ زَيْدٌ ومُحَمَّدٌ وابْنُهُ جَعْفَرٌ، ومُجاهِدٌ وابْنُ يَعْمَرَ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبْزى والجَحْدَرِيُّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وأبُو الأسْوَدِ الدُّؤَلِيُّ وأبُو رَزِينٍ والضَّحّاكُ: تَثْنُونِي بِالتّاءِ مُضارِعُ أثْنَوْنِي عَلى وزْنِ: افْعَوْعَلَ، نَحْوَ: اعْشَوْشَبَ المَكانُ. صُدُورُهم: بِالرَّفْعِ بِمَعْنى: تَنْطَوِي صُدُورُهم. وقَرَأ أيْضًا ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وابْنُ يَعْمَرَ وابْنُ أبِي إسْحاقَ: يَثْنُونِي بِالياءِ، صُدُورُهم بِالرَّفْعِ، ذُكِرَ عَلى مَعْنى الجَمْعِ دُونَ الجَماعَةِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: لَيَثْنُونَ بِلامِ التَّأْكِيدِ في خَبَرِ إنَّ، وحَذْفِ الياءِ تَخْفِيفًا، وصُدُورُهم رُفِعَ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وعُرْوَةُ وابْنُ أبِي أبْزى والأعْشى: يَثَّنُّونَ ووَزْنُهُ: يَفْعَوْعَلَ مِنَ الثَّنِّ، بُنِيَ مِنهُ افْعَوْعَلَ وهو ما هَشَّ وضَعُفَ مِنَ الكَلَأِ، وأصْلُهُ: يَثْنَوْنَنَ يُرِيدُ: مُطاوَعَةَ نُفُوسِهِمْ لِلشَّيْءِ، كَما يَنْثَنِي الهَشُّ مِنَ النَّباتِ. أوْ أرادَ ضَعْفَ إيمانِهِمْ ومَرَضَ قُلُوبِهِمْ. وصُدُورُهم: بِالرَّفْعِ. وقَرَأ عُرْوَةُ ومُجاهِدٌ أيْضًا: كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ هَمَزَ فَقَرَأ: يَثْنَئِنُّ مِثْلَ: يَطْمَئِنُّ، وصُدُورُهم رُفِعَ، وهَذِهِ مِمّا اسْتُثْقِلَ فِيهِ الكَسْرُ عَلى الواوِ كَما قِيلَ: أشاحَ. وقَدْ قِيلَ أنَّ يَثْنَئِنُّ: يَفْعَئِلُّ مِنَ الثَّنِّ المُتَقَدِّمِ، مِثْلَ تَحْمارُّ وتَصْفارُّ، فَحُرِّكَتِ الألِفَ لِالتِقائِهِما بِالكَسْرِ، فانْقَلَبَتْ هَمْزَةً. وقَرَأ الأعْشى: يَثْنَؤُونَ مِثْلَ يَفْعَلُونَ مَهْمُوزُ اللّامِ، صُدُورَهم بِالنَّصْبِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: ولا أعْرِفُ وجْهَهُ لِأنَّهُ يُقالُ: ثَنَيْتُ، ولَمْ أسْمَعْ ثَنَأْتُ. ويَجُوزُ أنَّهُ قَلَبَ الياءَ ألِفًا عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: أعْطَأْتُ في: أعْطَيْتُ، ثُمَّ هَمَزَ عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: ﴿ولا الضّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: يَثْنَوِي بِتَقْدِيمِ الثّاءِ عَلى النُّونِ، وبِغَيْرِ نُونٍ بَعْدَ الواوِ عَلى وزْنِ: تَرْعَوِي. قالَ أبُو حاتِمٍ: وهَذِهِ القِراءَةُ غَلَطٌ لا تَتَّجِهُ، انْتَهى. وإنَّما قالَ ذَلِكَ لِأنَّهُ لاحَظَ الواوَ في هَذا الفِعْلِ لا يُقالُ: ثَنَوْتُهُ فانْثَوى كَما يُقالُ: رَعَوْتُهُ، أيْ: كَفَفْتُهُ فارْعَوى فانْكَفَّ، ووَزْنُهُ افْعَلَّ. وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وابْنُ يَعْمَرَ وابْنُ أبِي إسْحاقَ: يَنْثُونَ بِتَقْدِيمِ النُّونِ عَلى الثّاءِ، فَهَذِهِ عَشْرُ قِراءاتٍ في هَذِهِ الكَلِمَةِ. والضَّمِيرُ في إنَّهم عائِدٌ عَلى بَعْضِ مَن بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ ﷺ مِنَ الكُفّارِ، أيْ: يَطْوُونَ صُدُورَهم عَلى عَدَواتِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (p-٢٠٣)يَثْنُونَ صُدُورَهم: يَزْوَرُّونَ عَنِ الحَقِّ ويَنْحَرِفُونَ عَنْهُ، لِأنَّ مَن أقْبَلَ عَلى الشَّيْءِ: اسْتَقْبَلَهُ بِصَدْرِهِ، ومَنِ ازْوَرَّ عَنْهُ وانْحَرَفَ: ثَنى عَنْهُ صَدْرَهُ وطَوى عَنْهُ كَشْحَهُ، ﴿لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ﴾ يَعْنِي: ويُرِيدُونَ لِيَسْتَخْفُوا مِنَ اللَّهِ، فَلا يُطْلِعُ رَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ عَلى ازْوِرارِهِمْ. ونَظِيرُ إضْمارِ يُرِيدُونَ، لِعَوْدِ المَعْنى إلى إضْمارِهِ، الإضْمارُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣] مَعْناهُ: فَضَرَبَ فانْفَلَقَ. ومَعْنى ﴿ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ﴾ ويُرِيدُونَ الِاسْتِخْفاءَ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم، أيْضًا كَراهَةً لِاسْتِماعِ كَلامِ اللَّهِ كَقَوْلِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ واسْتَغْشَوْا ثِيابَهم وأصَرُّوا﴾ [نوح: ٧] انْتَهى. فالضَّمِيرُ في مِنهُ عَلى قَوْلِهِ: عائِدٌ عَلى اللَّهِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا هو الأفْصَحُ الأجْزَلُ في المَعْنى، انْتَهى. ويَظْهَرُ مِن بَعْضِ أسْبابِ النُّزُولِ أنَّهُ عائِدٌ عَلى الرَّسُولِ ﷺ كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ. قالَ: قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في الكُفّارِ الَّذِينَ كانُوا إذا لَقِيَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَطامَنُوا وثَنَوْا صُدُورَهم كالمُتَسَتِّرِ، ورَدُّوا إلَيْهِ ظُهُورَهم، وغَشُوا وُجُوهَهم بِثِيابِهِمْ: تَباعُدًا مِنهم وكَراهِيَةً لِلِقائِهِ، وهم يَظُنُّونَ أنَّ ذَلِكَ يَخْفى عَلَيْهِ أوْ عَنِ اللَّهِ تَعالى فَنَزَلَتِ الآيَةُ، انْتَهى. فَعَلى هَذا يَكُونُ لِيَسْتَخْفُوا مُتَعَلِقًا بُقُولِهِ ﴿يَثْنُونَ﴾، وكَذا قالَ الحَوْفِيُّ. وقِيلَ: هي اسْتِعارَةٌ لِلْغِلِّ والحِقْدِ الَّذِي كانُوا يَنْطَوُونَ عَلَيْهِ كَما تَقُولُ: فُلانٌ يَطْوِي كَشْحَهِ عَلى عَداوَتِهِ، ويَثْنِي صَدْرَهُ عَلَيْها، فَمَعْنى الآيَةِ: ألا إنَّهم يُسِرُّونَ العَداوَةَ ويَتَكَتَّمُونَ لَها، لِيَخْفى في ظَنِّهِمْ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وهو تَعالى حِينَ تَغَشِّيهِمْ بِثِيابِهِمْ وإبْلاغِهِمْ في التَّسَتُّرِ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ، انْتَهى. فَعَلى هَذا يَكُونُ حِينَ مَعْمُولًا لِقَوْلِهِ: (يَعْلَمُ)، وكَذا قالَهُ الحَوْفِيُّ لا لِلْمُضْمَرِ الَّذِي قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وهو قَوْلُهُ: ويُرِيدُونَ الِاسْتِخْفاءَ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم. وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿ألا حِينَ﴾: العامِلُ في الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ أيْ: ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم يَسْتَخْفُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِيَعْلَمُ. وقِيلَ: كانَ بَعْضُهم يَنْحَنِي عَلى بَعْضٍ لِيَسارِهِ في الطَّعْنِ عَلى المُسْلِمِينَ، وبَلَغَ مِن جَهْلِهِمْ أنَّ ذَلِكَ يَخْفى عَلى اللَّهِ تَعالى. قالَ قَتادَةُ: أخْفى ما يَكُونُ إذا حَنى ظَهْرَهُ واسْتَغْشى ثَوْبَهُ، وأضْمَرَ في نَفْسِهِ هِمَّتَهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَطْوُونَها عَلى الكُفْرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُخْفُونَ ما في صُدُورِهِمْ مِنَ الشَّحْناءِ. وقالَ قَتادَةُ: يُخْفُونَ لِيَسْمَعُوا كَلامَ اللَّهِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يَكْتُمُونَها إذا ناجى بَعْضُهم بَعْضًا في أمْرِ الرَّسُولِ ﷺ . وقِيلَ: يَثْنُونَها حَياءً مِنَ اللَّهِ تَعالى، ومَعْنى يَسْتَغْشُونَ: يَجْعَلُونَها أغْشِيَةً. ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ: ؎أرْعى النُّجُومَ وما كُلِّفْتُ رِعْيَتَها وتارَةً أتَغَشّى فَضْلَ أطْمارِي وقِيلَ: المُرادُ بِالثِّيابِ: اللَّيْلُ، واسْتُعِيرَتْ لَهُ لِما بَيْنَهُما مِنَ العَلاقَةِ بِالسَّتْرِ، لِأنَّ اللَّيْلَ يَسْتُرُ كَما تَسْتُرُ الثِّيابُ ومِنهُ قَوْلُهُمُ: اللَّيْلُ أخْفى لِلْوَيْلِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: (عَلى حِينِ يَسْتَغْشُونَ) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومِن هَذا الِاسْتِعْمالِ قَوْلُ النّابِغَةِ: ؎عَلى حِينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِّبا ∗∗∗ وقُلْتُ ألَمّا أصِحُّ والشَّيْبُ وازِعُ انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما يُسِرُّونَ بِقُلُوبِهِمْ وما يُعْلِنُونَ بِأفْواهِهِمْ. وقِيلَ: ما يُسِرُّونَ بِاللَّيْلِ وما يُعْلِنُونَ بِالنَّهارِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْناهُ: أنَّهُ يَعْلَمُ سَرائِرَهم كَما يَعْلَمُ مَظْهَرانِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنَّهُ لا تَفاوُتَ في عِلْمِهِ بَيْنَ إسْرارِهِمْ وإعْلانِهِمْ، فَلا وجْهَ لِتَوَصُّلِهِمْ إلى ما يُرِيدُونَ مِنَ الِاسْتِخْفاءِ واللَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى ثَنْيِهِمْ صُدُورَهم، واسْتِغْشائِهِمْ بِثِيابِهِمْ. ونِفاقُهم غَيْرُ نافِقٍ عِنْدَهُ. وقالَ صاحِبُ التَّحْرِيرِ: الَّذِي يَقْتَضِيهِ سِياقُ الآيَةِ أنَّهُ أرادَ بِما يُسِرُّونَ: ما انْطَوَتْ عَلَيْهِ صُدُورُهم مِنَ الشِّرْكِ والنِّفاقِ والغِلِّ والحَسَدِ والبُغْضِ لِلنَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ، لِأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِن أعْمالِ القُلُوبِ، وأعْمالُ القُلُوبِ خَفِيَّهٌ جِدًّا، وأرادَ بِما يُعْلِنُونَ: ما يُظْهِرُونَهُ مِنَ اسْتِدْبارِهِمُ النَّبِيَّ ﷺ وتَغْشِيَةِ ثِيابِهِمْ، وسَدِّ (p-٢٠٤)آذانِهِمْ وهَذِهِ كُلُّها أعْمالٌ ظاهِرَةٌ لا تَخْفى. ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلّا عَلى اللَّهِ رِزْقُها ويَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها ومُسْتَوْدَعَها كُلٌّ في كِتابٍ مُبِينٍ﴾: الدّابَّةُ هُنا: عامٌّ في كُلِّ حَيَوانٍ يَحْتاجُ إلى رِزْقٍ، و(عَلى اللَّهِ): ظاهِرٌ في الوُجُوبِ، وإنَّما هو تُفَضُّلٌ، ولَكِنَّهُ لَمّا ضَمِنَ تَعالى أنْ يَتَفَضَّلَ بِهِ عَلَيْهِمْ أبْرَزَهُ في حَيِّزِ الوُجُوبِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿مُسْتَقَرَّها﴾: حَيْثُ تَأْوِي إلَيْهِ مِنَ الأرْضِ، ﴿ومُسْتَوْدَعَها﴾: المَوْضِعَ الَّذِي تَمُوتُ فِيهِ فَتُدْفَنُ. وعَنْهُ أيْضًا: مُسْتَقَرَّها: في الرَّحِمِ، ومُسْتَوْدَعَها: في الصُّلْبِ. وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: مُسْتَقَرَّها: في أيّامِ حَياتِها، ومُسْتَوْدَعَها: حِينَ تَمُوتُ وحِينَ تُبْعَثُ. وقِيلَ: مُسْتَقَرَّها: في الجَنَّةِ أوْ: في النّارِ، ومُسْتَوْدَعَها: في القَبْرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٧٦] و﴿ساءَتْ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٦٦] وقِيلَ: ما يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ عَمَلُها، ومُسْتَوْدَعَها: ما تَصِيرُ إلَيْهِ. وقِيلَ: المُسْتَقَرُّ: ما حَصَلَ مَوْجُودًا مِنَ الحَيَوانِ، والمُسْتَوْدَعُ: ما سَيُوجَدُ بَعْدَ المُسْتَقَرِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُسْتَقَرُّ: مَكانُهُ مِنَ الأرْضِ ومَسْكَنُهُ، والمُسْتَوْدَعُ: حَيْثُ كانَ مَوْجُودًا قَبْلَ الِاسْتِقْرارِ مِن صُلْبٍ أوْ رَحِمٍ أوْ بَيْضَةٍ، انْتَهى. ومُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونا مَصْدَرَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونا اسْمَيْ مَكانٍ، ويَحْتَمِلُ مُسْتَوْدَعٌ أنْ يَكُونَ اسْمَ مَفْعُولٍ لِتَعَدِّي الفِعْلِ مِنهُ، ولا يَحْتَمِلُهُ مُسْتَقَرٌّ لِلُزُومِ فِعْلِهِ كُلٌّ، أيْ: كُلٌّ مِنَ الرِّزْقِ. والمُسْتَقَرُّ والمُسْتَوْدَعُ في اللَّوْحِ يَعْنِي: وذِكْرُها مَكْتُوبٌ فِيهِ مُبَيَّنٌ. وقِيلَ: الكِتابُ: هُنا مَجازٌ، وهو: إشارَةٌ إلى عِلْمِ اللَّهِ، وحَمْلُهُ عَلى الظّاهِرِ أوْلى. ﴿وهو الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا ولَئِنْ قُلْتَ إنَّكم مَبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ المَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿ولَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ ألا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهم وحاقَ هِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى ما يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا، ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ قادِرًا، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الجُمْلَةِ الأُولى في سُورَةِ يُونُسَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ﴾: تَقْدِيرُهُ: قَبْلَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ الماءَ والعَرْشَ كانا مَخْلُوقَيْنِ قَبْلُ. قالَ كَعْبٌ: خَلَقَ اللَّهُ ياقُوتَةً خَضْراءَ فَنَظَرَ إلَيْها بِالهَيْبَةِ فَصارَتْ ماءً، ثُمَّ خَلَقَ الرِّيحَ فَجَعَلَ الماءَ عَلى مَتْنِها، ثُمَّ وضَعَ العَرْشَ عَلى الماءِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ وقَدْ قِيلَ لَهُ: عَلى أيِّ شَيْءٍ كانَ الماءُ ؟ قالَ: كانَ عَلى مَتْنِ الرِّيحِ، والظّاهِرُ تَعْلِيقُ لِيَبْلُوَكم بِخَلَقَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ خَلَقَهُنَّ لِحِكْمَةٍ بالِغَةٍ، وهي أنْ يَجْعَلَها مَساكِنَ لِعِبادِهِ، ويُنْعِمَ عَلَيْهِمْ فِيها بِفُنُونِ النِّعَمِ، ويُكَلِّفَهم فِعْلَ الطّاعاتِ واجْتِنابَ المَعاصِي، فَمَن شَكَرَ وأطاعَ أثابَهُ، ومَن كَفَرَ وعَصى عاقَبَهُ. ولَمّا أشْبَهَ (p-٢٠٥)ذَلِكَ اخْتِبارَ المُخْتَبِرِ قالَ: لِيَبْلُوَكم، يُرِيدُ: لِيَفْعَلَ بِكم ما يَفْعَلُ المُبْتَلِي لِأحْوالِكم كَيْفَ تَعْمَلُونَ. (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ جازَ تَعْلِيقُ فِعْلِ البَلْوى ؟ (قُلْتُ): لِما في الِاخْتِبارِ مِن مَعْنى العِلْمِ، لِأنَّهُ طَرِيقُ اللَّهِ، فَهو مَلابِسٌ لَهُ كَما تَقُولُ: انْظُرْ أيُّهم أحْسَنُ وجْهًا، واسْتَمِعْ أيُّهم أحْسَنُ صَوْتًا، لِأنَّ النَّظَرَ والِاسْتِماعَ مِن طُرُقِ العِلْمِ، انْتَهى. وفي قَوْلِهِ: (ومَن كَفَرَ وعَصى): عاقَبَهُ دَسِيسَةَ الِاعْتِزالِ. وأمّا قَوْلُهُ: واسْتَمِعْ أيُّهم أحْسَنَ صَوْتًا، فَلا أعْلَمُ أحَدًا ذَكَرَ أنَّ اسْتَمِعْ: تُعَلَّقُ، وإنَّما ذَكَرُوا مِن غَيْرِ أفْعالِ القُلُوبِ: سَلْ وانْظُرْ، وفي جَوازِ تَعْلِيقِ رَأْيِ البَصَرِيَّةِ خِلافٌ. وقِيلَ: (لِيَبْلُوَكم) مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: أعْلَمَ بِذَلِكَ لِيَبْلُوَكم، ومَقْصِدُ هَذا التَّأْوِيلِ: أنَّ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ لَمْ تَكُنْ بِسَبَبِ البَشَرِ. وقِيلَ: تَقْدِيرُ الفِعْلِ: وخَلَقَكم لِيَبْلُوكم. وقِيلَ: في الكَلامِ جُمَلٌ مَحْذُوفَةٌ، التَّقْدِيرُ: وكانَ خَلْقُهُ لَهُما لِمَنافِعَ يَعُودُ عَلَيْكم نَفْعُها في الدُّنْيا دُونَ الأُخْرى، وفَعَلَ ذَلِكَ لِيَبْلُوَكم. ومَعْنى ﴿أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾: أهَذا أحْسَنُ أمْ هَذا. قالَ ابْنُ بَحْرٍ: رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أيُّكم أحْسَنُ عَقْلًا، وأوْرَعُ عَنْ مَحارِمِ اللَّهِ، وأسْرَعُ في طاعَةِ اللَّهِ» ولَوْ صَحَّ هَذا التَّفْسِيرُ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ لَمْ يُعْدَلْ عَنْهُ. وقالَ الحَسَنُ: أزْهَدُ في اللَّهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: أتْقى لِلَّهِ. وقالَ الضَّحّاكُ: أكْثَرُكم شُكْرًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَكَيْفَ قِيلَ: ﴿أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾، وأعْمالُ المُؤْمِنِينَ هي الَّتِي تَتَفاوَتُ إلى حَسَنٍ وأحْسَنَ، فَأمّا أعْمالُ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ فَتَفاوُتُهُما إلى حَسَنٍ وقَبِيحٍ (قُلْتُ): الَّذِينَ هم أحْسَنُ عَمَلًا هُمُ: المُتَّقُونَ، وهُمُ الَّذِينَ اسْتَبَقُوا إلى تَحْصِيلِ ما هو غَرَضُ اللَّهِ مِن عِبادِهِ، فَخَصَّهم بِالذِّكْرِ، واطَّرَحَ ذِكْرَ مَن وراءَهم تَشْرِيفًا لَهم وتَنْبِيهًا عَلى مَكانِهِمْ، ولِيَكُونَ ذَلِكَ تَيَقُّظًا لِلسّامِعِينَ وتَرْغِيبًا في حِيازَةِ فَضْلِهِمُ، انْتَهى. ولَئِنْ قُلْتَ: خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ . وقَرَأ عِيسى الثَّقَفِيُّ: ولَئِنْ قُلْتُ: بِضَمِّ التّاءِ إخْبارًا عَنْهُ تَعالى، والمَعْنى: ولَئِنْ قُلْتَ: مُسْتَدِلًا عَلى البَعْثِ مِن بَعْدِ المَوْتِ، إذْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ﴾ دِلالَةٌ عَلى القُدْرَةِ العَظِيمَةِ، فَمَتى أخْبَرَ بِوُقُوعِ مُمْكِنٍ وقَعَ لا مَحالَةَ، وقَدْ أخْبَرَ بِالبَعْثِ فَوَجَبَ قَبُولُهُ وتَيَقَّنَ وُقُوعِهِ. وقُرِئَ: أيُّكم بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ووَجْهُهُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِهِمُ: ائْتِ السُّوقَ إنَّكَ تَشْتَرِي لَحْمًا، بِمَعْنى عَلَّكَ، أيْ: ولَئِنْ قُلْتَ لَهم لَعَلَّكم مَبْعُوثُونَ بِمَعْنى: تَوَقَّعُوا بَعْثَكم وظُنُّوهُ، لَأثْبَتُوا القَوْلَ بِإنْكارِهِ لَقالُوا: ويَجُوزُ أنْ يُضَمَّنَ قُلْتَ مَعْنى: ذَكَرْتَ، انْتَهى. يَعْنِي: فَبِفَتْحِ الهَمْزَةِ لِأنَّها في مَوْضِعِ مَفْعُولِ ذَكَرْتَ، والظّاهِرُ الإشارَةُ بِهَذا إلى القَوْلِ، أيْ: إنَّ قَوْلَكَ: إنَّكم مَبْعُوثُونَ إلّا سِحْرٌ، أيْ: بُطْلانُ هَذا القَوْلِ كَبُطْلانِ السِّحْرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ مِنَ البَعْثِ. أيْ: إنَّ البَعْثَ. وقِيلَ: أشارُوا بِهَذا إلى القُرْآنِ، وهو النّاطِقُ بِالبَعْثِ، فَإذا جَعَلُوهُ سِحْرًا فَقَدِ انْدَرَجَ تَحْتَهُ إنْكارُ ما فِيهِ مِنَ البَعْثِ وغَيْرِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: كَذَّبُوا وقالُوا: هَذا سِحْرٌ، فَهَذا تَناقُضٌ مِنهم إنْ كانَ مَفْطُورًا بِقُرُباتِ اللَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ فَهو مِن جُمْلَةِ المُقَرَّبِ بِهَذا، وهم مَعَ ذَلِكَ يُنْكِرُونَ ما هو أيْسَرُ مِنهُ بِكَثِيرٍ وهو البَعْثُ مِنَ القُبُورِ، إذِ البَداءَةُ أعْسَرُ مِنَ الإعادَةِ، وإذْ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ، انْتَهى. وقَرَأ الحَسَنُ والأعْرَجُ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وفِرْقَةٌ مِنَ السَّبْعَةِ: سِحْرٌ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: ساحِرٌ، يُرِيدُونَ: والسّاحِرُ كاذِبٌ مُبْطِلٌ، ولَئِنْ أخَّرْنا، حَكى تَعالى نَوْعًا آخَرَ مِن أباطِيلِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ، والعَذابُ هُنا: عَذابُ القِيامَةِ. وقِيلَ: عَذابُ يَوْمِ بَدْرٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: قَتْلُ جِبْرِيلَ المُسْتَهْزِئِينَ، والظّاهِرُ: العَذابُ المَوْعُودُ بِهِ، والأُمَّةُ هُنا المُدَّةُ مِنَ الزَّمانِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ والجُمْهُورُ، ومَعْناهُ: إلى حِينٍ ووَقْتٍ مَعْلُومٍ ما يَحْبِسُهُ اسْتِفْهامٌ، قالُوهُ وهو عَلى سَبِيلِ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ. قالَ الطَّبَرِيُّ: سُمِّيَتِ المُدَّةُ: أُمَّةً، لِأنَّها يُقْضى فِيها أُمَّةٌ مِنَ النّاسِ وتَحْدُثُ أُخْرى، فَهي عَلى هَذا المُدَّةُ الطَّوِيلَةُ، ثُمَّ اسْتَفْتَحَ الأخْبارَ بِأنَّهُ يَوْمٌ لا يَرُدُّهُ شَيْءٌ (p-٢٠٦)ولا يَصْرِفُهُ. والظّاهِرُ أنَّ يَوْمَ مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: مَصْرُوفًا، فَهو مَعْمُولٌ لِخَبَرِ لَيْسَ. وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى جَوازِ تَقْدِيمِ خَبَرِ لَيْسَ عَلَيْها قالُوا: لِأنَّ تَقَدُّمَ المَعْمُولِ يُؤْذِنُ بِتَقَدُّمِ العامِلِ، ونُسِبَ هَذا المَذْهَبُ لِـ سِيبَوَيْهِ، وعَلَيْهِ أكْثَرُ البَصْرِيِّينَ. وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ والمُبَرِّدُ: إلى أنَّهُ لا يَجُوزُ ذَلِكَ، وقالُوا: لا يَدُلُّ جَوازُ تَقَدُّمِ المَعْمُولِ عَلى جَوازِ تَقَدُّمِ العامِلِ. وأيْضًا فَإنَّ الظَّرْفَ المَجْرُورَ يَتَّسِعُ فِيهِما ما لا يَتَّسِعُ في غَيْرِهِما، ويَقَعانِ حَيْثُ لا يَقَعُ العامِلُ فِيهِما نَحْوَ: إنَّ اليَوْمَ زَيْدًا مُسافِرٌ، وقَدْ تَتَبَّعْتُ جُمْلَةً مِن دَواوِينِ العَرَبِ فَلَمْ أظْفَرْ بِتَقَدُّمِ خَبَرِ لَيْسَ عَلَيْها، ولا بِمَعْمُولِهِ، إلّا ما دَلَّ عَلَيْهِ ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ، وقَوْلُ الشّاعِرِ: فَيَأْبى فَما يَزْدادُ إلّا لَجاجَةً وكُنْتُ أبِيًّا في الخَفا لَسْتُ أقْدُمُ وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ جُمْلَةِ ﴿وحاقَ بِهِمْ﴾ . ﴿ولَئِنْ أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنهُ إنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾ ﴿ولَئِنْ أذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى عَذابَ الكُفّارِ وإنْ تَأخَّرَ لا بُدَّ أنْ يَحِيقَ بِهِمْ، ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى كُفْرِهِمْ وكَوْنِهِمْ مُسْتَحِقِّينَ العَذابَ لِما جُبِلُوا عَلَيْهِ مِن كُفْرِ نَعْماءِ اللَّهِ، وما يَتَرَتَّبُ عَلى إحْسانِهِ تَعالى إلَيْهِمْ مِمّا لا يَلِيقُ بِهِمْ مِن فَخْرِهِمْ عَلى عِبادِ اللَّهِ. والظّاهِرُ أنَّ الإنْسانَ هُنا هو: جِنْسٌ، والمَعْنى: إنَّ هَذا الخُلُقَ في سَجايا النّاسِ، ثُمَّ اسْتَثْنى مِنهُمُ: الَّذِينَ رَدَّتْهُمُ الشَّرائِعُ والإيمانُ إلى الصَّبْرِ والعَمَلِ الصّالِحِ، ولِذَلِكَ جاءَ الِاسْتِثْناءُ مِنهُ في قَوْلِهِ: إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا مُتَّصِلًا. وقِيلَ: المُرادُ هُنا بِالإنْسانِ: الكافِرُ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ: إنْسانٌ مُعَيَّنٌ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وفِيهِ نَزَلَتْ. وقِيلَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمَيَّةَ المَخْزُومِيُّ، وذَكَرَهُ الواحِدِيُّ، وعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ يَكُونُ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، ومَعْنى (رَحْمَةً) نِعْمَةً مِن صِحَّةٍ وأمْنِ وجْدَةٍ. ﴿ثُمَّ نَزَعْناها﴾ أيْ: سَلَبْناها مِنهُ. و﴿لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾: صِفَتا مُبالَغَةٍ، والمَعْنى: إنَّهُ شَدِيدُ اليَأْسِ كَثِيرُهُ، يَيْأسُ أنْ يَعُودَ إلَيْهِ مِثْلُ تِلْكَ النِّعْمَةِ المَسْلُوبَةِ، ويَقْطَعُ رَجاءَهُ مِن فَضْلِ اللَّهِ مِن غَيْرِ صَبْرٍ ولا تَسْلِيمٍ لِقَضائِهِ. (كَفُورٌ): كَثِيرُ الكُفْرانِ لِما سَلَفَ لِلَّهِ عَلَيْهِ مِن نِعْمَةٍ، ذَكَرَ حالَةَ الإنْسانِ إذْ بُدِئَ بِالنِّعْمَةِ ولَمْ يَسْبِقْهُ الضُّرُّ، ثُمَّ ذَكَرَ حالَهُ إذا جاءَتْهُ النِّعْمَةُ بَعْدَ الضُّرِّ. ومَعْنى ذَهَبَ السَّيِّئاتُ أيِ: المَصائِبُ الَّتِي تَسُوءُنِي. وقَوْلُهُ هَذا يَقْتَضِي نَظَرًا وجَهْلًا، لِأنَّ ذَلِكَ بِإنْعامٍ مِنَ اللَّهِ، وهو يَعْتَقِدُ أنَّ ذَلِكَ اتِّفاقٌ أوْ يُسْعِدُ، وهو اعْتِقادٌ فاسِدٌ. إنَّهُ لَفَرِحٌ: أشِرٌ بَطِرٌ، وهَذا الفَرَحُ مُطْلَقٌ، فَلِذَلِكَ ذُمَّ المُتَّصِفُ بِهِ، ولَمْ يَأْتِ في القُرْآنِ لِلْمَدْحِ إلّا مُقَيَّدًا بِما فِيهِ خَيْرٌ كَقَوْلِهِ: ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠] وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لَفَرِحٌ﴾ بِكَسْرِ الرّاءِ، وهي قِياسُ اسْمِ الفاعِلِ مِن فَعِلَ اللّازِمِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: لَفَرُحٌ بِضَمِّ الرّاءِ، وهي كَما تَقُولُ: نَدُسٌ ونَطُسٌ. وفَخْرُهُ: هو تَعاظُمُهُ عَلى النّاسِ بِما أصابَهُ مِنَ النَّعْماءِ، واسْتَثْنى تَعالى الصّابِرِينَ يَعْنِي: عَلى الضَّرّاءِ وعامِلِي الصّالِحاتِ. ومِنها الشُّكْرُ عَلى النَّعْماءِ. أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ لِذُنُوبِهِمْ يَقْتَضِي زَوالَ العِقابِ والخَلاصَ مِنهُ، و﴿أجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الحديد: ٧] هو: الجَنَّةُ، فَيَقْتَضِي الفَوْزَ بِالثَّوابِ. ووَصَفَ الأجْرَ بِقَوْلِهِ: كَبِيرٌ، لِما احْتَوى عَلَيْهِ مِنَ النَّعِيمِ السَّرْمَدِيِّ ورَفْعِ التَّكالِيفِ، والأمْنِ مِنَ العَذابِ، ورِضا اللَّهِ عَنْهم، والنَّظَرِ إلى وجْهِهِ الكَرِيمِ.

هود 11:10

﴿ألا إنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهم لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾: نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شُرَيْقٍ، كانَ يُجالِسُ - رَسُولَ اللَّهِ ﷺ - ويَحْلِفُ أنَّهُ لَيُحِبُّهُ ويُضْمِرُ خِلافَ ما يُظْهِرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وعَنْهُ أيْضًا: في ناسٍ كانُوا يَسْتَحْيُونَ أنْ يُفْضُوا إلى السَّماءِ في الخَلاءِ ومُجامَعَةِ النِّساءِ. وقِيلَ: في بَعْضِ المُنافِقِينَ، كانَ إذا مَرَّ بِالرَّسُولِ ﷺ ثَنى صَدْرَهُ وظَهْرَهُ وطَأْطَأ رَأْسَهُ وغَطّى وجْهَهُ، كَيْ لا يَرى الرَّسُولَ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدّادٍ. وقِيلَ: في طائِفَةٍ قالُوا إذا أغْلَقْنا أبْوابَنا، وأرْخَيْنا سُتُورَنا، واسْتَغْشَيْنا ثِيابَنا، وثَنَيْنا صُدُورَنا، عَلى عَداوَتِهِ كَيْفَ يَعْلَمُ بِنا ؟ ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ. وقِيلَ: فَعَلُوا ذَلِكَ لِيَبْعُدَ عَلَيْهِمْ صَوْتُ الرَّسُولِ ﷺ، ولا يَدْخُلُ أسْماعَهُمُ القُرْآنُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. و﴿يَثْنُونَ﴾: مُضارِعُ ثَنى، قِراءَةُ الجُمْهُورِ. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يُثْنُونَ بِضَمِّ الياءِ مُضارِعُ أثْنى. (صُدُورَهم): بِالنَّصْبِ، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: ولا يُعْرَفُ الإثْناءُ في هَذا البابِ إلّا أنْ يُرادَ بِهِ: وجَدْتُها مَثْنِيَّةً مِثْلَ أحْمَدْتُهُ وأمْجَدْتُهُ، ولَعَلَّهُ فَتَحَ النُّونَ وهَذا مِمّا فُعِلَ بِهِمْ، فَيَكُونُ نَصْبُ صُدُورَهم بِنَزْعِ الجارِ، ويَجُوزُ عَلى ذَلِكَ أنْ يَكُونَ صُدُورُهم رَفْعًا عَلى البَدَلِ، بَدَلِ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ. وقالَ أبُو البَقاءِ: ماضِيهِ أثْنى، ولا يُعْرَفُ في اللُّغَةِ إلّا أنْ يُقالَ: مَعْناهُ: عَرَّضُوها لِلْإثْناءِ، كَما يُقالُ: أبِعْتَ الفَرَسَ ؟ إذا عَرَضْتَهُ لِلْبَيْعِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ وابْناهُ زَيْدٌ ومُحَمَّدٌ وابْنُهُ جَعْفَرٌ، ومُجاهِدٌ وابْنُ يَعْمَرَ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبْزى والجَحْدَرِيُّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وأبُو الأسْوَدِ الدُّؤَلِيُّ وأبُو رَزِينٍ والضَّحّاكُ: تَثْنُونِي بِالتّاءِ مُضارِعُ أثْنَوْنِي عَلى وزْنِ: افْعَوْعَلَ، نَحْوَ: اعْشَوْشَبَ المَكانُ. صُدُورُهم: بِالرَّفْعِ بِمَعْنى: تَنْطَوِي صُدُورُهم. وقَرَأ أيْضًا ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وابْنُ يَعْمَرَ وابْنُ أبِي إسْحاقَ: يَثْنُونِي بِالياءِ، صُدُورُهم بِالرَّفْعِ، ذُكِرَ عَلى مَعْنى الجَمْعِ دُونَ الجَماعَةِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: لَيَثْنُونَ بِلامِ التَّأْكِيدِ في خَبَرِ إنَّ، وحَذْفِ الياءِ تَخْفِيفًا، وصُدُورُهم رُفِعَ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وعُرْوَةُ وابْنُ أبِي أبْزى والأعْشى: يَثَّنُّونَ ووَزْنُهُ: يَفْعَوْعَلَ مِنَ الثَّنِّ، بُنِيَ مِنهُ افْعَوْعَلَ وهو ما هَشَّ وضَعُفَ مِنَ الكَلَأِ، وأصْلُهُ: يَثْنَوْنَنَ يُرِيدُ: مُطاوَعَةَ نُفُوسِهِمْ لِلشَّيْءِ، كَما يَنْثَنِي الهَشُّ مِنَ النَّباتِ. أوْ أرادَ ضَعْفَ إيمانِهِمْ ومَرَضَ قُلُوبِهِمْ. وصُدُورُهم: بِالرَّفْعِ. وقَرَأ عُرْوَةُ ومُجاهِدٌ أيْضًا: كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ هَمَزَ فَقَرَأ: يَثْنَئِنُّ مِثْلَ: يَطْمَئِنُّ، وصُدُورُهم رُفِعَ، وهَذِهِ مِمّا اسْتُثْقِلَ فِيهِ الكَسْرُ عَلى الواوِ كَما قِيلَ: أشاحَ. وقَدْ قِيلَ أنَّ يَثْنَئِنُّ: يَفْعَئِلُّ مِنَ الثَّنِّ المُتَقَدِّمِ، مِثْلَ تَحْمارُّ وتَصْفارُّ، فَحُرِّكَتِ الألِفَ لِالتِقائِهِما بِالكَسْرِ، فانْقَلَبَتْ هَمْزَةً. وقَرَأ الأعْشى: يَثْنَؤُونَ مِثْلَ يَفْعَلُونَ مَهْمُوزُ اللّامِ، صُدُورَهم بِالنَّصْبِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: ولا أعْرِفُ وجْهَهُ لِأنَّهُ يُقالُ: ثَنَيْتُ، ولَمْ أسْمَعْ ثَنَأْتُ. ويَجُوزُ أنَّهُ قَلَبَ الياءَ ألِفًا عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: أعْطَأْتُ في: أعْطَيْتُ، ثُمَّ هَمَزَ عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: ﴿ولا الضّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: يَثْنَوِي بِتَقْدِيمِ الثّاءِ عَلى النُّونِ، وبِغَيْرِ نُونٍ بَعْدَ الواوِ عَلى وزْنِ: تَرْعَوِي. قالَ أبُو حاتِمٍ: وهَذِهِ القِراءَةُ غَلَطٌ لا تَتَّجِهُ، انْتَهى. وإنَّما قالَ ذَلِكَ لِأنَّهُ لاحَظَ الواوَ في هَذا الفِعْلِ لا يُقالُ: ثَنَوْتُهُ فانْثَوى كَما يُقالُ: رَعَوْتُهُ، أيْ: كَفَفْتُهُ فارْعَوى فانْكَفَّ، ووَزْنُهُ افْعَلَّ. وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وابْنُ يَعْمَرَ وابْنُ أبِي إسْحاقَ: يَنْثُونَ بِتَقْدِيمِ النُّونِ عَلى الثّاءِ، فَهَذِهِ عَشْرُ قِراءاتٍ في هَذِهِ الكَلِمَةِ. والضَّمِيرُ في إنَّهم عائِدٌ عَلى بَعْضِ مَن بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ ﷺ مِنَ الكُفّارِ، أيْ: يَطْوُونَ صُدُورَهم عَلى عَدَواتِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (p-٢٠٣)يَثْنُونَ صُدُورَهم: يَزْوَرُّونَ عَنِ الحَقِّ ويَنْحَرِفُونَ عَنْهُ، لِأنَّ مَن أقْبَلَ عَلى الشَّيْءِ: اسْتَقْبَلَهُ بِصَدْرِهِ، ومَنِ ازْوَرَّ عَنْهُ وانْحَرَفَ: ثَنى عَنْهُ صَدْرَهُ وطَوى عَنْهُ كَشْحَهُ، ﴿لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ﴾ يَعْنِي: ويُرِيدُونَ لِيَسْتَخْفُوا مِنَ اللَّهِ، فَلا يُطْلِعُ رَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ عَلى ازْوِرارِهِمْ. ونَظِيرُ إضْمارِ يُرِيدُونَ، لِعَوْدِ المَعْنى إلى إضْمارِهِ، الإضْمارُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣] مَعْناهُ: فَضَرَبَ فانْفَلَقَ. ومَعْنى ﴿ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ﴾ ويُرِيدُونَ الِاسْتِخْفاءَ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم، أيْضًا كَراهَةً لِاسْتِماعِ كَلامِ اللَّهِ كَقَوْلِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ واسْتَغْشَوْا ثِيابَهم وأصَرُّوا﴾ [نوح: ٧] انْتَهى. فالضَّمِيرُ في مِنهُ عَلى قَوْلِهِ: عائِدٌ عَلى اللَّهِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا هو الأفْصَحُ الأجْزَلُ في المَعْنى، انْتَهى. ويَظْهَرُ مِن بَعْضِ أسْبابِ النُّزُولِ أنَّهُ عائِدٌ عَلى الرَّسُولِ ﷺ كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ. قالَ: قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في الكُفّارِ الَّذِينَ كانُوا إذا لَقِيَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَطامَنُوا وثَنَوْا صُدُورَهم كالمُتَسَتِّرِ، ورَدُّوا إلَيْهِ ظُهُورَهم، وغَشُوا وُجُوهَهم بِثِيابِهِمْ: تَباعُدًا مِنهم وكَراهِيَةً لِلِقائِهِ، وهم يَظُنُّونَ أنَّ ذَلِكَ يَخْفى عَلَيْهِ أوْ عَنِ اللَّهِ تَعالى فَنَزَلَتِ الآيَةُ، انْتَهى. فَعَلى هَذا يَكُونُ لِيَسْتَخْفُوا مُتَعَلِقًا بُقُولِهِ ﴿يَثْنُونَ﴾، وكَذا قالَ الحَوْفِيُّ. وقِيلَ: هي اسْتِعارَةٌ لِلْغِلِّ والحِقْدِ الَّذِي كانُوا يَنْطَوُونَ عَلَيْهِ كَما تَقُولُ: فُلانٌ يَطْوِي كَشْحَهِ عَلى عَداوَتِهِ، ويَثْنِي صَدْرَهُ عَلَيْها، فَمَعْنى الآيَةِ: ألا إنَّهم يُسِرُّونَ العَداوَةَ ويَتَكَتَّمُونَ لَها، لِيَخْفى في ظَنِّهِمْ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وهو تَعالى حِينَ تَغَشِّيهِمْ بِثِيابِهِمْ وإبْلاغِهِمْ في التَّسَتُّرِ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ، انْتَهى. فَعَلى هَذا يَكُونُ حِينَ مَعْمُولًا لِقَوْلِهِ: (يَعْلَمُ)، وكَذا قالَهُ الحَوْفِيُّ لا لِلْمُضْمَرِ الَّذِي قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وهو قَوْلُهُ: ويُرِيدُونَ الِاسْتِخْفاءَ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم. وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿ألا حِينَ﴾: العامِلُ في الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ أيْ: ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم يَسْتَخْفُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِيَعْلَمُ. وقِيلَ: كانَ بَعْضُهم يَنْحَنِي عَلى بَعْضٍ لِيَسارِهِ في الطَّعْنِ عَلى المُسْلِمِينَ، وبَلَغَ مِن جَهْلِهِمْ أنَّ ذَلِكَ يَخْفى عَلى اللَّهِ تَعالى. قالَ قَتادَةُ: أخْفى ما يَكُونُ إذا حَنى ظَهْرَهُ واسْتَغْشى ثَوْبَهُ، وأضْمَرَ في نَفْسِهِ هِمَّتَهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَطْوُونَها عَلى الكُفْرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُخْفُونَ ما في صُدُورِهِمْ مِنَ الشَّحْناءِ. وقالَ قَتادَةُ: يُخْفُونَ لِيَسْمَعُوا كَلامَ اللَّهِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يَكْتُمُونَها إذا ناجى بَعْضُهم بَعْضًا في أمْرِ الرَّسُولِ ﷺ . وقِيلَ: يَثْنُونَها حَياءً مِنَ اللَّهِ تَعالى، ومَعْنى يَسْتَغْشُونَ: يَجْعَلُونَها أغْشِيَةً. ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ: ؎أرْعى النُّجُومَ وما كُلِّفْتُ رِعْيَتَها وتارَةً أتَغَشّى فَضْلَ أطْمارِي وقِيلَ: المُرادُ بِالثِّيابِ: اللَّيْلُ، واسْتُعِيرَتْ لَهُ لِما بَيْنَهُما مِنَ العَلاقَةِ بِالسَّتْرِ، لِأنَّ اللَّيْلَ يَسْتُرُ كَما تَسْتُرُ الثِّيابُ ومِنهُ قَوْلُهُمُ: اللَّيْلُ أخْفى لِلْوَيْلِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: (عَلى حِينِ يَسْتَغْشُونَ) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومِن هَذا الِاسْتِعْمالِ قَوْلُ النّابِغَةِ: ؎عَلى حِينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِّبا ∗∗∗ وقُلْتُ ألَمّا أصِحُّ والشَّيْبُ وازِعُ انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما يُسِرُّونَ بِقُلُوبِهِمْ وما يُعْلِنُونَ بِأفْواهِهِمْ. وقِيلَ: ما يُسِرُّونَ بِاللَّيْلِ وما يُعْلِنُونَ بِالنَّهارِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْناهُ: أنَّهُ يَعْلَمُ سَرائِرَهم كَما يَعْلَمُ مَظْهَرانِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنَّهُ لا تَفاوُتَ في عِلْمِهِ بَيْنَ إسْرارِهِمْ وإعْلانِهِمْ، فَلا وجْهَ لِتَوَصُّلِهِمْ إلى ما يُرِيدُونَ مِنَ الِاسْتِخْفاءِ واللَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى ثَنْيِهِمْ صُدُورَهم، واسْتِغْشائِهِمْ بِثِيابِهِمْ. ونِفاقُهم غَيْرُ نافِقٍ عِنْدَهُ. وقالَ صاحِبُ التَّحْرِيرِ: الَّذِي يَقْتَضِيهِ سِياقُ الآيَةِ أنَّهُ أرادَ بِما يُسِرُّونَ: ما انْطَوَتْ عَلَيْهِ صُدُورُهم مِنَ الشِّرْكِ والنِّفاقِ والغِلِّ والحَسَدِ والبُغْضِ لِلنَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ، لِأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِن أعْمالِ القُلُوبِ، وأعْمالُ القُلُوبِ خَفِيَّهٌ جِدًّا، وأرادَ بِما يُعْلِنُونَ: ما يُظْهِرُونَهُ مِنَ اسْتِدْبارِهِمُ النَّبِيَّ ﷺ وتَغْشِيَةِ ثِيابِهِمْ، وسَدِّ (p-٢٠٤)آذانِهِمْ وهَذِهِ كُلُّها أعْمالٌ ظاهِرَةٌ لا تَخْفى. ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلّا عَلى اللَّهِ رِزْقُها ويَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها ومُسْتَوْدَعَها كُلٌّ في كِتابٍ مُبِينٍ﴾: الدّابَّةُ هُنا: عامٌّ في كُلِّ حَيَوانٍ يَحْتاجُ إلى رِزْقٍ، و(عَلى اللَّهِ): ظاهِرٌ في الوُجُوبِ، وإنَّما هو تُفَضُّلٌ، ولَكِنَّهُ لَمّا ضَمِنَ تَعالى أنْ يَتَفَضَّلَ بِهِ عَلَيْهِمْ أبْرَزَهُ في حَيِّزِ الوُجُوبِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿مُسْتَقَرَّها﴾: حَيْثُ تَأْوِي إلَيْهِ مِنَ الأرْضِ، ﴿ومُسْتَوْدَعَها﴾: المَوْضِعَ الَّذِي تَمُوتُ فِيهِ فَتُدْفَنُ. وعَنْهُ أيْضًا: مُسْتَقَرَّها: في الرَّحِمِ، ومُسْتَوْدَعَها: في الصُّلْبِ. وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: مُسْتَقَرَّها: في أيّامِ حَياتِها، ومُسْتَوْدَعَها: حِينَ تَمُوتُ وحِينَ تُبْعَثُ. وقِيلَ: مُسْتَقَرَّها: في الجَنَّةِ أوْ: في النّارِ، ومُسْتَوْدَعَها: في القَبْرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٧٦] و﴿ساءَتْ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٦٦] وقِيلَ: ما يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ عَمَلُها، ومُسْتَوْدَعَها: ما تَصِيرُ إلَيْهِ. وقِيلَ: المُسْتَقَرُّ: ما حَصَلَ مَوْجُودًا مِنَ الحَيَوانِ، والمُسْتَوْدَعُ: ما سَيُوجَدُ بَعْدَ المُسْتَقَرِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُسْتَقَرُّ: مَكانُهُ مِنَ الأرْضِ ومَسْكَنُهُ، والمُسْتَوْدَعُ: حَيْثُ كانَ مَوْجُودًا قَبْلَ الِاسْتِقْرارِ مِن صُلْبٍ أوْ رَحِمٍ أوْ بَيْضَةٍ، انْتَهى. ومُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونا مَصْدَرَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونا اسْمَيْ مَكانٍ، ويَحْتَمِلُ مُسْتَوْدَعٌ أنْ يَكُونَ اسْمَ مَفْعُولٍ لِتَعَدِّي الفِعْلِ مِنهُ، ولا يَحْتَمِلُهُ مُسْتَقَرٌّ لِلُزُومِ فِعْلِهِ كُلٌّ، أيْ: كُلٌّ مِنَ الرِّزْقِ. والمُسْتَقَرُّ والمُسْتَوْدَعُ في اللَّوْحِ يَعْنِي: وذِكْرُها مَكْتُوبٌ فِيهِ مُبَيَّنٌ. وقِيلَ: الكِتابُ: هُنا مَجازٌ، وهو: إشارَةٌ إلى عِلْمِ اللَّهِ، وحَمْلُهُ عَلى الظّاهِرِ أوْلى. ﴿وهو الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا ولَئِنْ قُلْتَ إنَّكم مَبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ المَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿ولَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ ألا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهم وحاقَ هِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى ما يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا، ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ قادِرًا، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الجُمْلَةِ الأُولى في سُورَةِ يُونُسَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ﴾: تَقْدِيرُهُ: قَبْلَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ الماءَ والعَرْشَ كانا مَخْلُوقَيْنِ قَبْلُ. قالَ كَعْبٌ: خَلَقَ اللَّهُ ياقُوتَةً خَضْراءَ فَنَظَرَ إلَيْها بِالهَيْبَةِ فَصارَتْ ماءً، ثُمَّ خَلَقَ الرِّيحَ فَجَعَلَ الماءَ عَلى مَتْنِها، ثُمَّ وضَعَ العَرْشَ عَلى الماءِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ وقَدْ قِيلَ لَهُ: عَلى أيِّ شَيْءٍ كانَ الماءُ ؟ قالَ: كانَ عَلى مَتْنِ الرِّيحِ، والظّاهِرُ تَعْلِيقُ لِيَبْلُوَكم بِخَلَقَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ خَلَقَهُنَّ لِحِكْمَةٍ بالِغَةٍ، وهي أنْ يَجْعَلَها مَساكِنَ لِعِبادِهِ، ويُنْعِمَ عَلَيْهِمْ فِيها بِفُنُونِ النِّعَمِ، ويُكَلِّفَهم فِعْلَ الطّاعاتِ واجْتِنابَ المَعاصِي، فَمَن شَكَرَ وأطاعَ أثابَهُ، ومَن كَفَرَ وعَصى عاقَبَهُ. ولَمّا أشْبَهَ (p-٢٠٥)ذَلِكَ اخْتِبارَ المُخْتَبِرِ قالَ: لِيَبْلُوَكم، يُرِيدُ: لِيَفْعَلَ بِكم ما يَفْعَلُ المُبْتَلِي لِأحْوالِكم كَيْفَ تَعْمَلُونَ. (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ جازَ تَعْلِيقُ فِعْلِ البَلْوى ؟ (قُلْتُ): لِما في الِاخْتِبارِ مِن مَعْنى العِلْمِ، لِأنَّهُ طَرِيقُ اللَّهِ، فَهو مَلابِسٌ لَهُ كَما تَقُولُ: انْظُرْ أيُّهم أحْسَنُ وجْهًا، واسْتَمِعْ أيُّهم أحْسَنُ صَوْتًا، لِأنَّ النَّظَرَ والِاسْتِماعَ مِن طُرُقِ العِلْمِ، انْتَهى. وفي قَوْلِهِ: (ومَن كَفَرَ وعَصى): عاقَبَهُ دَسِيسَةَ الِاعْتِزالِ. وأمّا قَوْلُهُ: واسْتَمِعْ أيُّهم أحْسَنَ صَوْتًا، فَلا أعْلَمُ أحَدًا ذَكَرَ أنَّ اسْتَمِعْ: تُعَلَّقُ، وإنَّما ذَكَرُوا مِن غَيْرِ أفْعالِ القُلُوبِ: سَلْ وانْظُرْ، وفي جَوازِ تَعْلِيقِ رَأْيِ البَصَرِيَّةِ خِلافٌ. وقِيلَ: (لِيَبْلُوَكم) مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: أعْلَمَ بِذَلِكَ لِيَبْلُوَكم، ومَقْصِدُ هَذا التَّأْوِيلِ: أنَّ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ لَمْ تَكُنْ بِسَبَبِ البَشَرِ. وقِيلَ: تَقْدِيرُ الفِعْلِ: وخَلَقَكم لِيَبْلُوكم. وقِيلَ: في الكَلامِ جُمَلٌ مَحْذُوفَةٌ، التَّقْدِيرُ: وكانَ خَلْقُهُ لَهُما لِمَنافِعَ يَعُودُ عَلَيْكم نَفْعُها في الدُّنْيا دُونَ الأُخْرى، وفَعَلَ ذَلِكَ لِيَبْلُوَكم. ومَعْنى ﴿أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾: أهَذا أحْسَنُ أمْ هَذا. قالَ ابْنُ بَحْرٍ: رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أيُّكم أحْسَنُ عَقْلًا، وأوْرَعُ عَنْ مَحارِمِ اللَّهِ، وأسْرَعُ في طاعَةِ اللَّهِ» ولَوْ صَحَّ هَذا التَّفْسِيرُ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ لَمْ يُعْدَلْ عَنْهُ. وقالَ الحَسَنُ: أزْهَدُ في اللَّهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: أتْقى لِلَّهِ. وقالَ الضَّحّاكُ: أكْثَرُكم شُكْرًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَكَيْفَ قِيلَ: ﴿أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾، وأعْمالُ المُؤْمِنِينَ هي الَّتِي تَتَفاوَتُ إلى حَسَنٍ وأحْسَنَ، فَأمّا أعْمالُ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ فَتَفاوُتُهُما إلى حَسَنٍ وقَبِيحٍ (قُلْتُ): الَّذِينَ هم أحْسَنُ عَمَلًا هُمُ: المُتَّقُونَ، وهُمُ الَّذِينَ اسْتَبَقُوا إلى تَحْصِيلِ ما هو غَرَضُ اللَّهِ مِن عِبادِهِ، فَخَصَّهم بِالذِّكْرِ، واطَّرَحَ ذِكْرَ مَن وراءَهم تَشْرِيفًا لَهم وتَنْبِيهًا عَلى مَكانِهِمْ، ولِيَكُونَ ذَلِكَ تَيَقُّظًا لِلسّامِعِينَ وتَرْغِيبًا في حِيازَةِ فَضْلِهِمُ، انْتَهى. ولَئِنْ قُلْتَ: خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ . وقَرَأ عِيسى الثَّقَفِيُّ: ولَئِنْ قُلْتُ: بِضَمِّ التّاءِ إخْبارًا عَنْهُ تَعالى، والمَعْنى: ولَئِنْ قُلْتَ: مُسْتَدِلًا عَلى البَعْثِ مِن بَعْدِ المَوْتِ، إذْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ﴾ دِلالَةٌ عَلى القُدْرَةِ العَظِيمَةِ، فَمَتى أخْبَرَ بِوُقُوعِ مُمْكِنٍ وقَعَ لا مَحالَةَ، وقَدْ أخْبَرَ بِالبَعْثِ فَوَجَبَ قَبُولُهُ وتَيَقَّنَ وُقُوعِهِ. وقُرِئَ: أيُّكم بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ووَجْهُهُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِهِمُ: ائْتِ السُّوقَ إنَّكَ تَشْتَرِي لَحْمًا، بِمَعْنى عَلَّكَ، أيْ: ولَئِنْ قُلْتَ لَهم لَعَلَّكم مَبْعُوثُونَ بِمَعْنى: تَوَقَّعُوا بَعْثَكم وظُنُّوهُ، لَأثْبَتُوا القَوْلَ بِإنْكارِهِ لَقالُوا: ويَجُوزُ أنْ يُضَمَّنَ قُلْتَ مَعْنى: ذَكَرْتَ، انْتَهى. يَعْنِي: فَبِفَتْحِ الهَمْزَةِ لِأنَّها في مَوْضِعِ مَفْعُولِ ذَكَرْتَ، والظّاهِرُ الإشارَةُ بِهَذا إلى القَوْلِ، أيْ: إنَّ قَوْلَكَ: إنَّكم مَبْعُوثُونَ إلّا سِحْرٌ، أيْ: بُطْلانُ هَذا القَوْلِ كَبُطْلانِ السِّحْرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ مِنَ البَعْثِ. أيْ: إنَّ البَعْثَ. وقِيلَ: أشارُوا بِهَذا إلى القُرْآنِ، وهو النّاطِقُ بِالبَعْثِ، فَإذا جَعَلُوهُ سِحْرًا فَقَدِ انْدَرَجَ تَحْتَهُ إنْكارُ ما فِيهِ مِنَ البَعْثِ وغَيْرِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: كَذَّبُوا وقالُوا: هَذا سِحْرٌ، فَهَذا تَناقُضٌ مِنهم إنْ كانَ مَفْطُورًا بِقُرُباتِ اللَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ فَهو مِن جُمْلَةِ المُقَرَّبِ بِهَذا، وهم مَعَ ذَلِكَ يُنْكِرُونَ ما هو أيْسَرُ مِنهُ بِكَثِيرٍ وهو البَعْثُ مِنَ القُبُورِ، إذِ البَداءَةُ أعْسَرُ مِنَ الإعادَةِ، وإذْ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ، انْتَهى. وقَرَأ الحَسَنُ والأعْرَجُ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وفِرْقَةٌ مِنَ السَّبْعَةِ: سِحْرٌ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: ساحِرٌ، يُرِيدُونَ: والسّاحِرُ كاذِبٌ مُبْطِلٌ، ولَئِنْ أخَّرْنا، حَكى تَعالى نَوْعًا آخَرَ مِن أباطِيلِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ، والعَذابُ هُنا: عَذابُ القِيامَةِ. وقِيلَ: عَذابُ يَوْمِ بَدْرٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: قَتْلُ جِبْرِيلَ المُسْتَهْزِئِينَ، والظّاهِرُ: العَذابُ المَوْعُودُ بِهِ، والأُمَّةُ هُنا المُدَّةُ مِنَ الزَّمانِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ والجُمْهُورُ، ومَعْناهُ: إلى حِينٍ ووَقْتٍ مَعْلُومٍ ما يَحْبِسُهُ اسْتِفْهامٌ، قالُوهُ وهو عَلى سَبِيلِ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ. قالَ الطَّبَرِيُّ: سُمِّيَتِ المُدَّةُ: أُمَّةً، لِأنَّها يُقْضى فِيها أُمَّةٌ مِنَ النّاسِ وتَحْدُثُ أُخْرى، فَهي عَلى هَذا المُدَّةُ الطَّوِيلَةُ، ثُمَّ اسْتَفْتَحَ الأخْبارَ بِأنَّهُ يَوْمٌ لا يَرُدُّهُ شَيْءٌ (p-٢٠٦)ولا يَصْرِفُهُ. والظّاهِرُ أنَّ يَوْمَ مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: مَصْرُوفًا، فَهو مَعْمُولٌ لِخَبَرِ لَيْسَ. وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى جَوازِ تَقْدِيمِ خَبَرِ لَيْسَ عَلَيْها قالُوا: لِأنَّ تَقَدُّمَ المَعْمُولِ يُؤْذِنُ بِتَقَدُّمِ العامِلِ، ونُسِبَ هَذا المَذْهَبُ لِـ سِيبَوَيْهِ، وعَلَيْهِ أكْثَرُ البَصْرِيِّينَ. وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ والمُبَرِّدُ: إلى أنَّهُ لا يَجُوزُ ذَلِكَ، وقالُوا: لا يَدُلُّ جَوازُ تَقَدُّمِ المَعْمُولِ عَلى جَوازِ تَقَدُّمِ العامِلِ. وأيْضًا فَإنَّ الظَّرْفَ المَجْرُورَ يَتَّسِعُ فِيهِما ما لا يَتَّسِعُ في غَيْرِهِما، ويَقَعانِ حَيْثُ لا يَقَعُ العامِلُ فِيهِما نَحْوَ: إنَّ اليَوْمَ زَيْدًا مُسافِرٌ، وقَدْ تَتَبَّعْتُ جُمْلَةً مِن دَواوِينِ العَرَبِ فَلَمْ أظْفَرْ بِتَقَدُّمِ خَبَرِ لَيْسَ عَلَيْها، ولا بِمَعْمُولِهِ، إلّا ما دَلَّ عَلَيْهِ ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ، وقَوْلُ الشّاعِرِ: فَيَأْبى فَما يَزْدادُ إلّا لَجاجَةً وكُنْتُ أبِيًّا في الخَفا لَسْتُ أقْدُمُ وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ جُمْلَةِ ﴿وحاقَ بِهِمْ﴾ . ﴿ولَئِنْ أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنهُ إنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾ ﴿ولَئِنْ أذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى عَذابَ الكُفّارِ وإنْ تَأخَّرَ لا بُدَّ أنْ يَحِيقَ بِهِمْ، ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى كُفْرِهِمْ وكَوْنِهِمْ مُسْتَحِقِّينَ العَذابَ لِما جُبِلُوا عَلَيْهِ مِن كُفْرِ نَعْماءِ اللَّهِ، وما يَتَرَتَّبُ عَلى إحْسانِهِ تَعالى إلَيْهِمْ مِمّا لا يَلِيقُ بِهِمْ مِن فَخْرِهِمْ عَلى عِبادِ اللَّهِ. والظّاهِرُ أنَّ الإنْسانَ هُنا هو: جِنْسٌ، والمَعْنى: إنَّ هَذا الخُلُقَ في سَجايا النّاسِ، ثُمَّ اسْتَثْنى مِنهُمُ: الَّذِينَ رَدَّتْهُمُ الشَّرائِعُ والإيمانُ إلى الصَّبْرِ والعَمَلِ الصّالِحِ، ولِذَلِكَ جاءَ الِاسْتِثْناءُ مِنهُ في قَوْلِهِ: إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا مُتَّصِلًا. وقِيلَ: المُرادُ هُنا بِالإنْسانِ: الكافِرُ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ: إنْسانٌ مُعَيَّنٌ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وفِيهِ نَزَلَتْ. وقِيلَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمَيَّةَ المَخْزُومِيُّ، وذَكَرَهُ الواحِدِيُّ، وعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ يَكُونُ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، ومَعْنى (رَحْمَةً) نِعْمَةً مِن صِحَّةٍ وأمْنِ وجْدَةٍ. ﴿ثُمَّ نَزَعْناها﴾ أيْ: سَلَبْناها مِنهُ. و﴿لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾: صِفَتا مُبالَغَةٍ، والمَعْنى: إنَّهُ شَدِيدُ اليَأْسِ كَثِيرُهُ، يَيْأسُ أنْ يَعُودَ إلَيْهِ مِثْلُ تِلْكَ النِّعْمَةِ المَسْلُوبَةِ، ويَقْطَعُ رَجاءَهُ مِن فَضْلِ اللَّهِ مِن غَيْرِ صَبْرٍ ولا تَسْلِيمٍ لِقَضائِهِ. (كَفُورٌ): كَثِيرُ الكُفْرانِ لِما سَلَفَ لِلَّهِ عَلَيْهِ مِن نِعْمَةٍ، ذَكَرَ حالَةَ الإنْسانِ إذْ بُدِئَ بِالنِّعْمَةِ ولَمْ يَسْبِقْهُ الضُّرُّ، ثُمَّ ذَكَرَ حالَهُ إذا جاءَتْهُ النِّعْمَةُ بَعْدَ الضُّرِّ. ومَعْنى ذَهَبَ السَّيِّئاتُ أيِ: المَصائِبُ الَّتِي تَسُوءُنِي. وقَوْلُهُ هَذا يَقْتَضِي نَظَرًا وجَهْلًا، لِأنَّ ذَلِكَ بِإنْعامٍ مِنَ اللَّهِ، وهو يَعْتَقِدُ أنَّ ذَلِكَ اتِّفاقٌ أوْ يُسْعِدُ، وهو اعْتِقادٌ فاسِدٌ. إنَّهُ لَفَرِحٌ: أشِرٌ بَطِرٌ، وهَذا الفَرَحُ مُطْلَقٌ، فَلِذَلِكَ ذُمَّ المُتَّصِفُ بِهِ، ولَمْ يَأْتِ في القُرْآنِ لِلْمَدْحِ إلّا مُقَيَّدًا بِما فِيهِ خَيْرٌ كَقَوْلِهِ: ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠] وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لَفَرِحٌ﴾ بِكَسْرِ الرّاءِ، وهي قِياسُ اسْمِ الفاعِلِ مِن فَعِلَ اللّازِمِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: لَفَرُحٌ بِضَمِّ الرّاءِ، وهي كَما تَقُولُ: نَدُسٌ ونَطُسٌ. وفَخْرُهُ: هو تَعاظُمُهُ عَلى النّاسِ بِما أصابَهُ مِنَ النَّعْماءِ، واسْتَثْنى تَعالى الصّابِرِينَ يَعْنِي: عَلى الضَّرّاءِ وعامِلِي الصّالِحاتِ. ومِنها الشُّكْرُ عَلى النَّعْماءِ. أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ لِذُنُوبِهِمْ يَقْتَضِي زَوالَ العِقابِ والخَلاصَ مِنهُ، و﴿أجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الحديد: ٧] هو: الجَنَّةُ، فَيَقْتَضِي الفَوْزَ بِالثَّوابِ. ووَصَفَ الأجْرَ بِقَوْلِهِ: كَبِيرٌ، لِما احْتَوى عَلَيْهِ مِنَ النَّعِيمِ السَّرْمَدِيِّ ورَفْعِ التَّكالِيفِ، والأمْنِ مِنَ العَذابِ، ورِضا اللَّهِ عَنْهم، والنَّظَرِ إلى وجْهِهِ الكَرِيمِ.

هود 11:11

﴿ألا إنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهم لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾: نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شُرَيْقٍ، كانَ يُجالِسُ - رَسُولَ اللَّهِ ﷺ - ويَحْلِفُ أنَّهُ لَيُحِبُّهُ ويُضْمِرُ خِلافَ ما يُظْهِرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وعَنْهُ أيْضًا: في ناسٍ كانُوا يَسْتَحْيُونَ أنْ يُفْضُوا إلى السَّماءِ في الخَلاءِ ومُجامَعَةِ النِّساءِ. وقِيلَ: في بَعْضِ المُنافِقِينَ، كانَ إذا مَرَّ بِالرَّسُولِ ﷺ ثَنى صَدْرَهُ وظَهْرَهُ وطَأْطَأ رَأْسَهُ وغَطّى وجْهَهُ، كَيْ لا يَرى الرَّسُولَ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدّادٍ. وقِيلَ: في طائِفَةٍ قالُوا إذا أغْلَقْنا أبْوابَنا، وأرْخَيْنا سُتُورَنا، واسْتَغْشَيْنا ثِيابَنا، وثَنَيْنا صُدُورَنا، عَلى عَداوَتِهِ كَيْفَ يَعْلَمُ بِنا ؟ ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ. وقِيلَ: فَعَلُوا ذَلِكَ لِيَبْعُدَ عَلَيْهِمْ صَوْتُ الرَّسُولِ ﷺ، ولا يَدْخُلُ أسْماعَهُمُ القُرْآنُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. و﴿يَثْنُونَ﴾: مُضارِعُ ثَنى، قِراءَةُ الجُمْهُورِ. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يُثْنُونَ بِضَمِّ الياءِ مُضارِعُ أثْنى. (صُدُورَهم): بِالنَّصْبِ، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: ولا يُعْرَفُ الإثْناءُ في هَذا البابِ إلّا أنْ يُرادَ بِهِ: وجَدْتُها مَثْنِيَّةً مِثْلَ أحْمَدْتُهُ وأمْجَدْتُهُ، ولَعَلَّهُ فَتَحَ النُّونَ وهَذا مِمّا فُعِلَ بِهِمْ، فَيَكُونُ نَصْبُ صُدُورَهم بِنَزْعِ الجارِ، ويَجُوزُ عَلى ذَلِكَ أنْ يَكُونَ صُدُورُهم رَفْعًا عَلى البَدَلِ، بَدَلِ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ. وقالَ أبُو البَقاءِ: ماضِيهِ أثْنى، ولا يُعْرَفُ في اللُّغَةِ إلّا أنْ يُقالَ: مَعْناهُ: عَرَّضُوها لِلْإثْناءِ، كَما يُقالُ: أبِعْتَ الفَرَسَ ؟ إذا عَرَضْتَهُ لِلْبَيْعِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ وابْناهُ زَيْدٌ ومُحَمَّدٌ وابْنُهُ جَعْفَرٌ، ومُجاهِدٌ وابْنُ يَعْمَرَ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبْزى والجَحْدَرِيُّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وأبُو الأسْوَدِ الدُّؤَلِيُّ وأبُو رَزِينٍ والضَّحّاكُ: تَثْنُونِي بِالتّاءِ مُضارِعُ أثْنَوْنِي عَلى وزْنِ: افْعَوْعَلَ، نَحْوَ: اعْشَوْشَبَ المَكانُ. صُدُورُهم: بِالرَّفْعِ بِمَعْنى: تَنْطَوِي صُدُورُهم. وقَرَأ أيْضًا ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وابْنُ يَعْمَرَ وابْنُ أبِي إسْحاقَ: يَثْنُونِي بِالياءِ، صُدُورُهم بِالرَّفْعِ، ذُكِرَ عَلى مَعْنى الجَمْعِ دُونَ الجَماعَةِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: لَيَثْنُونَ بِلامِ التَّأْكِيدِ في خَبَرِ إنَّ، وحَذْفِ الياءِ تَخْفِيفًا، وصُدُورُهم رُفِعَ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وعُرْوَةُ وابْنُ أبِي أبْزى والأعْشى: يَثَّنُّونَ ووَزْنُهُ: يَفْعَوْعَلَ مِنَ الثَّنِّ، بُنِيَ مِنهُ افْعَوْعَلَ وهو ما هَشَّ وضَعُفَ مِنَ الكَلَأِ، وأصْلُهُ: يَثْنَوْنَنَ يُرِيدُ: مُطاوَعَةَ نُفُوسِهِمْ لِلشَّيْءِ، كَما يَنْثَنِي الهَشُّ مِنَ النَّباتِ. أوْ أرادَ ضَعْفَ إيمانِهِمْ ومَرَضَ قُلُوبِهِمْ. وصُدُورُهم: بِالرَّفْعِ. وقَرَأ عُرْوَةُ ومُجاهِدٌ أيْضًا: كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ هَمَزَ فَقَرَأ: يَثْنَئِنُّ مِثْلَ: يَطْمَئِنُّ، وصُدُورُهم رُفِعَ، وهَذِهِ مِمّا اسْتُثْقِلَ فِيهِ الكَسْرُ عَلى الواوِ كَما قِيلَ: أشاحَ. وقَدْ قِيلَ أنَّ يَثْنَئِنُّ: يَفْعَئِلُّ مِنَ الثَّنِّ المُتَقَدِّمِ، مِثْلَ تَحْمارُّ وتَصْفارُّ، فَحُرِّكَتِ الألِفَ لِالتِقائِهِما بِالكَسْرِ، فانْقَلَبَتْ هَمْزَةً. وقَرَأ الأعْشى: يَثْنَؤُونَ مِثْلَ يَفْعَلُونَ مَهْمُوزُ اللّامِ، صُدُورَهم بِالنَّصْبِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: ولا أعْرِفُ وجْهَهُ لِأنَّهُ يُقالُ: ثَنَيْتُ، ولَمْ أسْمَعْ ثَنَأْتُ. ويَجُوزُ أنَّهُ قَلَبَ الياءَ ألِفًا عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: أعْطَأْتُ في: أعْطَيْتُ، ثُمَّ هَمَزَ عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: ﴿ولا الضّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: يَثْنَوِي بِتَقْدِيمِ الثّاءِ عَلى النُّونِ، وبِغَيْرِ نُونٍ بَعْدَ الواوِ عَلى وزْنِ: تَرْعَوِي. قالَ أبُو حاتِمٍ: وهَذِهِ القِراءَةُ غَلَطٌ لا تَتَّجِهُ، انْتَهى. وإنَّما قالَ ذَلِكَ لِأنَّهُ لاحَظَ الواوَ في هَذا الفِعْلِ لا يُقالُ: ثَنَوْتُهُ فانْثَوى كَما يُقالُ: رَعَوْتُهُ، أيْ: كَفَفْتُهُ فارْعَوى فانْكَفَّ، ووَزْنُهُ افْعَلَّ. وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وابْنُ يَعْمَرَ وابْنُ أبِي إسْحاقَ: يَنْثُونَ بِتَقْدِيمِ النُّونِ عَلى الثّاءِ، فَهَذِهِ عَشْرُ قِراءاتٍ في هَذِهِ الكَلِمَةِ. والضَّمِيرُ في إنَّهم عائِدٌ عَلى بَعْضِ مَن بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ ﷺ مِنَ الكُفّارِ، أيْ: يَطْوُونَ صُدُورَهم عَلى عَدَواتِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (p-٢٠٣)يَثْنُونَ صُدُورَهم: يَزْوَرُّونَ عَنِ الحَقِّ ويَنْحَرِفُونَ عَنْهُ، لِأنَّ مَن أقْبَلَ عَلى الشَّيْءِ: اسْتَقْبَلَهُ بِصَدْرِهِ، ومَنِ ازْوَرَّ عَنْهُ وانْحَرَفَ: ثَنى عَنْهُ صَدْرَهُ وطَوى عَنْهُ كَشْحَهُ، ﴿لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ﴾ يَعْنِي: ويُرِيدُونَ لِيَسْتَخْفُوا مِنَ اللَّهِ، فَلا يُطْلِعُ رَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ عَلى ازْوِرارِهِمْ. ونَظِيرُ إضْمارِ يُرِيدُونَ، لِعَوْدِ المَعْنى إلى إضْمارِهِ، الإضْمارُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣] مَعْناهُ: فَضَرَبَ فانْفَلَقَ. ومَعْنى ﴿ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ﴾ ويُرِيدُونَ الِاسْتِخْفاءَ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم، أيْضًا كَراهَةً لِاسْتِماعِ كَلامِ اللَّهِ كَقَوْلِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ واسْتَغْشَوْا ثِيابَهم وأصَرُّوا﴾ [نوح: ٧] انْتَهى. فالضَّمِيرُ في مِنهُ عَلى قَوْلِهِ: عائِدٌ عَلى اللَّهِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا هو الأفْصَحُ الأجْزَلُ في المَعْنى، انْتَهى. ويَظْهَرُ مِن بَعْضِ أسْبابِ النُّزُولِ أنَّهُ عائِدٌ عَلى الرَّسُولِ ﷺ كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ. قالَ: قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في الكُفّارِ الَّذِينَ كانُوا إذا لَقِيَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَطامَنُوا وثَنَوْا صُدُورَهم كالمُتَسَتِّرِ، ورَدُّوا إلَيْهِ ظُهُورَهم، وغَشُوا وُجُوهَهم بِثِيابِهِمْ: تَباعُدًا مِنهم وكَراهِيَةً لِلِقائِهِ، وهم يَظُنُّونَ أنَّ ذَلِكَ يَخْفى عَلَيْهِ أوْ عَنِ اللَّهِ تَعالى فَنَزَلَتِ الآيَةُ، انْتَهى. فَعَلى هَذا يَكُونُ لِيَسْتَخْفُوا مُتَعَلِقًا بُقُولِهِ ﴿يَثْنُونَ﴾، وكَذا قالَ الحَوْفِيُّ. وقِيلَ: هي اسْتِعارَةٌ لِلْغِلِّ والحِقْدِ الَّذِي كانُوا يَنْطَوُونَ عَلَيْهِ كَما تَقُولُ: فُلانٌ يَطْوِي كَشْحَهِ عَلى عَداوَتِهِ، ويَثْنِي صَدْرَهُ عَلَيْها، فَمَعْنى الآيَةِ: ألا إنَّهم يُسِرُّونَ العَداوَةَ ويَتَكَتَّمُونَ لَها، لِيَخْفى في ظَنِّهِمْ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وهو تَعالى حِينَ تَغَشِّيهِمْ بِثِيابِهِمْ وإبْلاغِهِمْ في التَّسَتُّرِ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ، انْتَهى. فَعَلى هَذا يَكُونُ حِينَ مَعْمُولًا لِقَوْلِهِ: (يَعْلَمُ)، وكَذا قالَهُ الحَوْفِيُّ لا لِلْمُضْمَرِ الَّذِي قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وهو قَوْلُهُ: ويُرِيدُونَ الِاسْتِخْفاءَ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم. وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿ألا حِينَ﴾: العامِلُ في الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ أيْ: ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم يَسْتَخْفُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِيَعْلَمُ. وقِيلَ: كانَ بَعْضُهم يَنْحَنِي عَلى بَعْضٍ لِيَسارِهِ في الطَّعْنِ عَلى المُسْلِمِينَ، وبَلَغَ مِن جَهْلِهِمْ أنَّ ذَلِكَ يَخْفى عَلى اللَّهِ تَعالى. قالَ قَتادَةُ: أخْفى ما يَكُونُ إذا حَنى ظَهْرَهُ واسْتَغْشى ثَوْبَهُ، وأضْمَرَ في نَفْسِهِ هِمَّتَهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَطْوُونَها عَلى الكُفْرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُخْفُونَ ما في صُدُورِهِمْ مِنَ الشَّحْناءِ. وقالَ قَتادَةُ: يُخْفُونَ لِيَسْمَعُوا كَلامَ اللَّهِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يَكْتُمُونَها إذا ناجى بَعْضُهم بَعْضًا في أمْرِ الرَّسُولِ ﷺ . وقِيلَ: يَثْنُونَها حَياءً مِنَ اللَّهِ تَعالى، ومَعْنى يَسْتَغْشُونَ: يَجْعَلُونَها أغْشِيَةً. ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ: ؎أرْعى النُّجُومَ وما كُلِّفْتُ رِعْيَتَها وتارَةً أتَغَشّى فَضْلَ أطْمارِي وقِيلَ: المُرادُ بِالثِّيابِ: اللَّيْلُ، واسْتُعِيرَتْ لَهُ لِما بَيْنَهُما مِنَ العَلاقَةِ بِالسَّتْرِ، لِأنَّ اللَّيْلَ يَسْتُرُ كَما تَسْتُرُ الثِّيابُ ومِنهُ قَوْلُهُمُ: اللَّيْلُ أخْفى لِلْوَيْلِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: (عَلى حِينِ يَسْتَغْشُونَ) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومِن هَذا الِاسْتِعْمالِ قَوْلُ النّابِغَةِ: ؎عَلى حِينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِّبا ∗∗∗ وقُلْتُ ألَمّا أصِحُّ والشَّيْبُ وازِعُ انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما يُسِرُّونَ بِقُلُوبِهِمْ وما يُعْلِنُونَ بِأفْواهِهِمْ. وقِيلَ: ما يُسِرُّونَ بِاللَّيْلِ وما يُعْلِنُونَ بِالنَّهارِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْناهُ: أنَّهُ يَعْلَمُ سَرائِرَهم كَما يَعْلَمُ مَظْهَرانِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنَّهُ لا تَفاوُتَ في عِلْمِهِ بَيْنَ إسْرارِهِمْ وإعْلانِهِمْ، فَلا وجْهَ لِتَوَصُّلِهِمْ إلى ما يُرِيدُونَ مِنَ الِاسْتِخْفاءِ واللَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى ثَنْيِهِمْ صُدُورَهم، واسْتِغْشائِهِمْ بِثِيابِهِمْ. ونِفاقُهم غَيْرُ نافِقٍ عِنْدَهُ. وقالَ صاحِبُ التَّحْرِيرِ: الَّذِي يَقْتَضِيهِ سِياقُ الآيَةِ أنَّهُ أرادَ بِما يُسِرُّونَ: ما انْطَوَتْ عَلَيْهِ صُدُورُهم مِنَ الشِّرْكِ والنِّفاقِ والغِلِّ والحَسَدِ والبُغْضِ لِلنَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ، لِأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِن أعْمالِ القُلُوبِ، وأعْمالُ القُلُوبِ خَفِيَّهٌ جِدًّا، وأرادَ بِما يُعْلِنُونَ: ما يُظْهِرُونَهُ مِنَ اسْتِدْبارِهِمُ النَّبِيَّ ﷺ وتَغْشِيَةِ ثِيابِهِمْ، وسَدِّ (p-٢٠٤)آذانِهِمْ وهَذِهِ كُلُّها أعْمالٌ ظاهِرَةٌ لا تَخْفى. ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلّا عَلى اللَّهِ رِزْقُها ويَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها ومُسْتَوْدَعَها كُلٌّ في كِتابٍ مُبِينٍ﴾: الدّابَّةُ هُنا: عامٌّ في كُلِّ حَيَوانٍ يَحْتاجُ إلى رِزْقٍ، و(عَلى اللَّهِ): ظاهِرٌ في الوُجُوبِ، وإنَّما هو تُفَضُّلٌ، ولَكِنَّهُ لَمّا ضَمِنَ تَعالى أنْ يَتَفَضَّلَ بِهِ عَلَيْهِمْ أبْرَزَهُ في حَيِّزِ الوُجُوبِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿مُسْتَقَرَّها﴾: حَيْثُ تَأْوِي إلَيْهِ مِنَ الأرْضِ، ﴿ومُسْتَوْدَعَها﴾: المَوْضِعَ الَّذِي تَمُوتُ فِيهِ فَتُدْفَنُ. وعَنْهُ أيْضًا: مُسْتَقَرَّها: في الرَّحِمِ، ومُسْتَوْدَعَها: في الصُّلْبِ. وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: مُسْتَقَرَّها: في أيّامِ حَياتِها، ومُسْتَوْدَعَها: حِينَ تَمُوتُ وحِينَ تُبْعَثُ. وقِيلَ: مُسْتَقَرَّها: في الجَنَّةِ أوْ: في النّارِ، ومُسْتَوْدَعَها: في القَبْرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٧٦] و﴿ساءَتْ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٦٦] وقِيلَ: ما يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ عَمَلُها، ومُسْتَوْدَعَها: ما تَصِيرُ إلَيْهِ. وقِيلَ: المُسْتَقَرُّ: ما حَصَلَ مَوْجُودًا مِنَ الحَيَوانِ، والمُسْتَوْدَعُ: ما سَيُوجَدُ بَعْدَ المُسْتَقَرِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُسْتَقَرُّ: مَكانُهُ مِنَ الأرْضِ ومَسْكَنُهُ، والمُسْتَوْدَعُ: حَيْثُ كانَ مَوْجُودًا قَبْلَ الِاسْتِقْرارِ مِن صُلْبٍ أوْ رَحِمٍ أوْ بَيْضَةٍ، انْتَهى. ومُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونا مَصْدَرَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونا اسْمَيْ مَكانٍ، ويَحْتَمِلُ مُسْتَوْدَعٌ أنْ يَكُونَ اسْمَ مَفْعُولٍ لِتَعَدِّي الفِعْلِ مِنهُ، ولا يَحْتَمِلُهُ مُسْتَقَرٌّ لِلُزُومِ فِعْلِهِ كُلٌّ، أيْ: كُلٌّ مِنَ الرِّزْقِ. والمُسْتَقَرُّ والمُسْتَوْدَعُ في اللَّوْحِ يَعْنِي: وذِكْرُها مَكْتُوبٌ فِيهِ مُبَيَّنٌ. وقِيلَ: الكِتابُ: هُنا مَجازٌ، وهو: إشارَةٌ إلى عِلْمِ اللَّهِ، وحَمْلُهُ عَلى الظّاهِرِ أوْلى. ﴿وهو الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا ولَئِنْ قُلْتَ إنَّكم مَبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ المَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿ولَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ ألا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهم وحاقَ هِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى ما يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا، ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ قادِرًا، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الجُمْلَةِ الأُولى في سُورَةِ يُونُسَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ﴾: تَقْدِيرُهُ: قَبْلَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ الماءَ والعَرْشَ كانا مَخْلُوقَيْنِ قَبْلُ. قالَ كَعْبٌ: خَلَقَ اللَّهُ ياقُوتَةً خَضْراءَ فَنَظَرَ إلَيْها بِالهَيْبَةِ فَصارَتْ ماءً، ثُمَّ خَلَقَ الرِّيحَ فَجَعَلَ الماءَ عَلى مَتْنِها، ثُمَّ وضَعَ العَرْشَ عَلى الماءِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ وقَدْ قِيلَ لَهُ: عَلى أيِّ شَيْءٍ كانَ الماءُ ؟ قالَ: كانَ عَلى مَتْنِ الرِّيحِ، والظّاهِرُ تَعْلِيقُ لِيَبْلُوَكم بِخَلَقَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ خَلَقَهُنَّ لِحِكْمَةٍ بالِغَةٍ، وهي أنْ يَجْعَلَها مَساكِنَ لِعِبادِهِ، ويُنْعِمَ عَلَيْهِمْ فِيها بِفُنُونِ النِّعَمِ، ويُكَلِّفَهم فِعْلَ الطّاعاتِ واجْتِنابَ المَعاصِي، فَمَن شَكَرَ وأطاعَ أثابَهُ، ومَن كَفَرَ وعَصى عاقَبَهُ. ولَمّا أشْبَهَ (p-٢٠٥)ذَلِكَ اخْتِبارَ المُخْتَبِرِ قالَ: لِيَبْلُوَكم، يُرِيدُ: لِيَفْعَلَ بِكم ما يَفْعَلُ المُبْتَلِي لِأحْوالِكم كَيْفَ تَعْمَلُونَ. (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ جازَ تَعْلِيقُ فِعْلِ البَلْوى ؟ (قُلْتُ): لِما في الِاخْتِبارِ مِن مَعْنى العِلْمِ، لِأنَّهُ طَرِيقُ اللَّهِ، فَهو مَلابِسٌ لَهُ كَما تَقُولُ: انْظُرْ أيُّهم أحْسَنُ وجْهًا، واسْتَمِعْ أيُّهم أحْسَنُ صَوْتًا، لِأنَّ النَّظَرَ والِاسْتِماعَ مِن طُرُقِ العِلْمِ، انْتَهى. وفي قَوْلِهِ: (ومَن كَفَرَ وعَصى): عاقَبَهُ دَسِيسَةَ الِاعْتِزالِ. وأمّا قَوْلُهُ: واسْتَمِعْ أيُّهم أحْسَنَ صَوْتًا، فَلا أعْلَمُ أحَدًا ذَكَرَ أنَّ اسْتَمِعْ: تُعَلَّقُ، وإنَّما ذَكَرُوا مِن غَيْرِ أفْعالِ القُلُوبِ: سَلْ وانْظُرْ، وفي جَوازِ تَعْلِيقِ رَأْيِ البَصَرِيَّةِ خِلافٌ. وقِيلَ: (لِيَبْلُوَكم) مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: أعْلَمَ بِذَلِكَ لِيَبْلُوَكم، ومَقْصِدُ هَذا التَّأْوِيلِ: أنَّ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ لَمْ تَكُنْ بِسَبَبِ البَشَرِ. وقِيلَ: تَقْدِيرُ الفِعْلِ: وخَلَقَكم لِيَبْلُوكم. وقِيلَ: في الكَلامِ جُمَلٌ مَحْذُوفَةٌ، التَّقْدِيرُ: وكانَ خَلْقُهُ لَهُما لِمَنافِعَ يَعُودُ عَلَيْكم نَفْعُها في الدُّنْيا دُونَ الأُخْرى، وفَعَلَ ذَلِكَ لِيَبْلُوَكم. ومَعْنى ﴿أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾: أهَذا أحْسَنُ أمْ هَذا. قالَ ابْنُ بَحْرٍ: رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أيُّكم أحْسَنُ عَقْلًا، وأوْرَعُ عَنْ مَحارِمِ اللَّهِ، وأسْرَعُ في طاعَةِ اللَّهِ» ولَوْ صَحَّ هَذا التَّفْسِيرُ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ لَمْ يُعْدَلْ عَنْهُ. وقالَ الحَسَنُ: أزْهَدُ في اللَّهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: أتْقى لِلَّهِ. وقالَ الضَّحّاكُ: أكْثَرُكم شُكْرًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَكَيْفَ قِيلَ: ﴿أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾، وأعْمالُ المُؤْمِنِينَ هي الَّتِي تَتَفاوَتُ إلى حَسَنٍ وأحْسَنَ، فَأمّا أعْمالُ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ فَتَفاوُتُهُما إلى حَسَنٍ وقَبِيحٍ (قُلْتُ): الَّذِينَ هم أحْسَنُ عَمَلًا هُمُ: المُتَّقُونَ، وهُمُ الَّذِينَ اسْتَبَقُوا إلى تَحْصِيلِ ما هو غَرَضُ اللَّهِ مِن عِبادِهِ، فَخَصَّهم بِالذِّكْرِ، واطَّرَحَ ذِكْرَ مَن وراءَهم تَشْرِيفًا لَهم وتَنْبِيهًا عَلى مَكانِهِمْ، ولِيَكُونَ ذَلِكَ تَيَقُّظًا لِلسّامِعِينَ وتَرْغِيبًا في حِيازَةِ فَضْلِهِمُ، انْتَهى. ولَئِنْ قُلْتَ: خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ . وقَرَأ عِيسى الثَّقَفِيُّ: ولَئِنْ قُلْتُ: بِضَمِّ التّاءِ إخْبارًا عَنْهُ تَعالى، والمَعْنى: ولَئِنْ قُلْتَ: مُسْتَدِلًا عَلى البَعْثِ مِن بَعْدِ المَوْتِ، إذْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ﴾ دِلالَةٌ عَلى القُدْرَةِ العَظِيمَةِ، فَمَتى أخْبَرَ بِوُقُوعِ مُمْكِنٍ وقَعَ لا مَحالَةَ، وقَدْ أخْبَرَ بِالبَعْثِ فَوَجَبَ قَبُولُهُ وتَيَقَّنَ وُقُوعِهِ. وقُرِئَ: أيُّكم بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ووَجْهُهُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِهِمُ: ائْتِ السُّوقَ إنَّكَ تَشْتَرِي لَحْمًا، بِمَعْنى عَلَّكَ، أيْ: ولَئِنْ قُلْتَ لَهم لَعَلَّكم مَبْعُوثُونَ بِمَعْنى: تَوَقَّعُوا بَعْثَكم وظُنُّوهُ، لَأثْبَتُوا القَوْلَ بِإنْكارِهِ لَقالُوا: ويَجُوزُ أنْ يُضَمَّنَ قُلْتَ مَعْنى: ذَكَرْتَ، انْتَهى. يَعْنِي: فَبِفَتْحِ الهَمْزَةِ لِأنَّها في مَوْضِعِ مَفْعُولِ ذَكَرْتَ، والظّاهِرُ الإشارَةُ بِهَذا إلى القَوْلِ، أيْ: إنَّ قَوْلَكَ: إنَّكم مَبْعُوثُونَ إلّا سِحْرٌ، أيْ: بُطْلانُ هَذا القَوْلِ كَبُطْلانِ السِّحْرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ مِنَ البَعْثِ. أيْ: إنَّ البَعْثَ. وقِيلَ: أشارُوا بِهَذا إلى القُرْآنِ، وهو النّاطِقُ بِالبَعْثِ، فَإذا جَعَلُوهُ سِحْرًا فَقَدِ انْدَرَجَ تَحْتَهُ إنْكارُ ما فِيهِ مِنَ البَعْثِ وغَيْرِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: كَذَّبُوا وقالُوا: هَذا سِحْرٌ، فَهَذا تَناقُضٌ مِنهم إنْ كانَ مَفْطُورًا بِقُرُباتِ اللَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ فَهو مِن جُمْلَةِ المُقَرَّبِ بِهَذا، وهم مَعَ ذَلِكَ يُنْكِرُونَ ما هو أيْسَرُ مِنهُ بِكَثِيرٍ وهو البَعْثُ مِنَ القُبُورِ، إذِ البَداءَةُ أعْسَرُ مِنَ الإعادَةِ، وإذْ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ، انْتَهى. وقَرَأ الحَسَنُ والأعْرَجُ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وفِرْقَةٌ مِنَ السَّبْعَةِ: سِحْرٌ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: ساحِرٌ، يُرِيدُونَ: والسّاحِرُ كاذِبٌ مُبْطِلٌ، ولَئِنْ أخَّرْنا، حَكى تَعالى نَوْعًا آخَرَ مِن أباطِيلِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ، والعَذابُ هُنا: عَذابُ القِيامَةِ. وقِيلَ: عَذابُ يَوْمِ بَدْرٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: قَتْلُ جِبْرِيلَ المُسْتَهْزِئِينَ، والظّاهِرُ: العَذابُ المَوْعُودُ بِهِ، والأُمَّةُ هُنا المُدَّةُ مِنَ الزَّمانِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ والجُمْهُورُ، ومَعْناهُ: إلى حِينٍ ووَقْتٍ مَعْلُومٍ ما يَحْبِسُهُ اسْتِفْهامٌ، قالُوهُ وهو عَلى سَبِيلِ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ. قالَ الطَّبَرِيُّ: سُمِّيَتِ المُدَّةُ: أُمَّةً، لِأنَّها يُقْضى فِيها أُمَّةٌ مِنَ النّاسِ وتَحْدُثُ أُخْرى، فَهي عَلى هَذا المُدَّةُ الطَّوِيلَةُ، ثُمَّ اسْتَفْتَحَ الأخْبارَ بِأنَّهُ يَوْمٌ لا يَرُدُّهُ شَيْءٌ (p-٢٠٦)ولا يَصْرِفُهُ. والظّاهِرُ أنَّ يَوْمَ مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: مَصْرُوفًا، فَهو مَعْمُولٌ لِخَبَرِ لَيْسَ. وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى جَوازِ تَقْدِيمِ خَبَرِ لَيْسَ عَلَيْها قالُوا: لِأنَّ تَقَدُّمَ المَعْمُولِ يُؤْذِنُ بِتَقَدُّمِ العامِلِ، ونُسِبَ هَذا المَذْهَبُ لِـ سِيبَوَيْهِ، وعَلَيْهِ أكْثَرُ البَصْرِيِّينَ. وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ والمُبَرِّدُ: إلى أنَّهُ لا يَجُوزُ ذَلِكَ، وقالُوا: لا يَدُلُّ جَوازُ تَقَدُّمِ المَعْمُولِ عَلى جَوازِ تَقَدُّمِ العامِلِ. وأيْضًا فَإنَّ الظَّرْفَ المَجْرُورَ يَتَّسِعُ فِيهِما ما لا يَتَّسِعُ في غَيْرِهِما، ويَقَعانِ حَيْثُ لا يَقَعُ العامِلُ فِيهِما نَحْوَ: إنَّ اليَوْمَ زَيْدًا مُسافِرٌ، وقَدْ تَتَبَّعْتُ جُمْلَةً مِن دَواوِينِ العَرَبِ فَلَمْ أظْفَرْ بِتَقَدُّمِ خَبَرِ لَيْسَ عَلَيْها، ولا بِمَعْمُولِهِ، إلّا ما دَلَّ عَلَيْهِ ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ، وقَوْلُ الشّاعِرِ: فَيَأْبى فَما يَزْدادُ إلّا لَجاجَةً وكُنْتُ أبِيًّا في الخَفا لَسْتُ أقْدُمُ وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ جُمْلَةِ ﴿وحاقَ بِهِمْ﴾ . ﴿ولَئِنْ أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنهُ إنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾ ﴿ولَئِنْ أذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى عَذابَ الكُفّارِ وإنْ تَأخَّرَ لا بُدَّ أنْ يَحِيقَ بِهِمْ، ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى كُفْرِهِمْ وكَوْنِهِمْ مُسْتَحِقِّينَ العَذابَ لِما جُبِلُوا عَلَيْهِ مِن كُفْرِ نَعْماءِ اللَّهِ، وما يَتَرَتَّبُ عَلى إحْسانِهِ تَعالى إلَيْهِمْ مِمّا لا يَلِيقُ بِهِمْ مِن فَخْرِهِمْ عَلى عِبادِ اللَّهِ. والظّاهِرُ أنَّ الإنْسانَ هُنا هو: جِنْسٌ، والمَعْنى: إنَّ هَذا الخُلُقَ في سَجايا النّاسِ، ثُمَّ اسْتَثْنى مِنهُمُ: الَّذِينَ رَدَّتْهُمُ الشَّرائِعُ والإيمانُ إلى الصَّبْرِ والعَمَلِ الصّالِحِ، ولِذَلِكَ جاءَ الِاسْتِثْناءُ مِنهُ في قَوْلِهِ: إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا مُتَّصِلًا. وقِيلَ: المُرادُ هُنا بِالإنْسانِ: الكافِرُ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ: إنْسانٌ مُعَيَّنٌ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وفِيهِ نَزَلَتْ. وقِيلَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمَيَّةَ المَخْزُومِيُّ، وذَكَرَهُ الواحِدِيُّ، وعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ يَكُونُ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، ومَعْنى (رَحْمَةً) نِعْمَةً مِن صِحَّةٍ وأمْنِ وجْدَةٍ. ﴿ثُمَّ نَزَعْناها﴾ أيْ: سَلَبْناها مِنهُ. و﴿لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾: صِفَتا مُبالَغَةٍ، والمَعْنى: إنَّهُ شَدِيدُ اليَأْسِ كَثِيرُهُ، يَيْأسُ أنْ يَعُودَ إلَيْهِ مِثْلُ تِلْكَ النِّعْمَةِ المَسْلُوبَةِ، ويَقْطَعُ رَجاءَهُ مِن فَضْلِ اللَّهِ مِن غَيْرِ صَبْرٍ ولا تَسْلِيمٍ لِقَضائِهِ. (كَفُورٌ): كَثِيرُ الكُفْرانِ لِما سَلَفَ لِلَّهِ عَلَيْهِ مِن نِعْمَةٍ، ذَكَرَ حالَةَ الإنْسانِ إذْ بُدِئَ بِالنِّعْمَةِ ولَمْ يَسْبِقْهُ الضُّرُّ، ثُمَّ ذَكَرَ حالَهُ إذا جاءَتْهُ النِّعْمَةُ بَعْدَ الضُّرِّ. ومَعْنى ذَهَبَ السَّيِّئاتُ أيِ: المَصائِبُ الَّتِي تَسُوءُنِي. وقَوْلُهُ هَذا يَقْتَضِي نَظَرًا وجَهْلًا، لِأنَّ ذَلِكَ بِإنْعامٍ مِنَ اللَّهِ، وهو يَعْتَقِدُ أنَّ ذَلِكَ اتِّفاقٌ أوْ يُسْعِدُ، وهو اعْتِقادٌ فاسِدٌ. إنَّهُ لَفَرِحٌ: أشِرٌ بَطِرٌ، وهَذا الفَرَحُ مُطْلَقٌ، فَلِذَلِكَ ذُمَّ المُتَّصِفُ بِهِ، ولَمْ يَأْتِ في القُرْآنِ لِلْمَدْحِ إلّا مُقَيَّدًا بِما فِيهِ خَيْرٌ كَقَوْلِهِ: ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠] وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لَفَرِحٌ﴾ بِكَسْرِ الرّاءِ، وهي قِياسُ اسْمِ الفاعِلِ مِن فَعِلَ اللّازِمِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: لَفَرُحٌ بِضَمِّ الرّاءِ، وهي كَما تَقُولُ: نَدُسٌ ونَطُسٌ. وفَخْرُهُ: هو تَعاظُمُهُ عَلى النّاسِ بِما أصابَهُ مِنَ النَّعْماءِ، واسْتَثْنى تَعالى الصّابِرِينَ يَعْنِي: عَلى الضَّرّاءِ وعامِلِي الصّالِحاتِ. ومِنها الشُّكْرُ عَلى النَّعْماءِ. أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ لِذُنُوبِهِمْ يَقْتَضِي زَوالَ العِقابِ والخَلاصَ مِنهُ، و﴿أجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الحديد: ٧] هو: الجَنَّةُ، فَيَقْتَضِي الفَوْزَ بِالثَّوابِ. ووَصَفَ الأجْرَ بِقَوْلِهِ: كَبِيرٌ، لِما احْتَوى عَلَيْهِ مِنَ النَّعِيمِ السَّرْمَدِيِّ ورَفْعِ التَّكالِيفِ، والأمْنِ مِنَ العَذابِ، ورِضا اللَّهِ عَنْهم، والنَّظَرِ إلى وجْهِهِ الكَرِيمِ.

هود 11:12

﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانُوا يَقْتَرِحُونَ عَلَيْهِ آياتٍ تَعَنُّتًا لا اسْتِرْشادًا، لِأنَّهم لَوْ كانُوا مُسْتَرْشِدِينَ لَكانَتْ آيَةٌ واحِدَةٌ مِمّا جاءَ بِهِ كافِيَةً في رَشادِهِمْ. ومِنَ اقْتِراحاتِهِمْ: لَوْلا أنْزِلُ عَلَيْهِ كَنْزٌ، أوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ، وكانُوا لا يَعْتَدُّونَ بِالقُرْآنِ، ويَتَهاوَنُونَ بِهِ وبِغَيْرِهِ مِمّا جاءَ بِهِ مِنَ البَيِّناتِ، فَكانَ يَضِيقُ صَدْرُ - رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - أنْ يُلْقِيَ إلَيْهِمْ ما لا يَقْبَلُونَهُ ويَضْحَكُونَ مِنهُ، فَحَرَّكَ اللَّهُ مِنهُ وهَيَّجَهُ لِأداءِ الرِّسالَةِ وطَرَحَ المُبالاةَ بِرَدِّهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ واقْتِراحِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ﴾ أيْ: (p-٢٠٧)لَعَلَّكَ تَتْرُكُ أنْ تُلْقِيَهُ إلَيْهِمْ، وتُبْلِغَهُ إيّاهم مَخافَةَ رَدِّهِمْ وتَهاوُنِهِمْ بِهِ، ﴿وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾: بِأنْ تَتْلُوَ عَلَيْهِمْ أنْ يَقُولُوا مَخافَةَ أنْ يَقُولُوا: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ، هَلّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ ما اقْتَرَحْنا نَحْنُ مِنَ الكَنْزِ والمَلائِكَةِ، ولَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ ما لا نُرِيدُهُ ولا نَقْتَرِحُهُ. ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ﴾ أيْ: لَيْسَ عَلَيْكَ إلّا أنْ تُنْذِرَهم بِما أُوحِيَ إلَيْكَ، وتُبْلِغَهم ما أُمِرْتَ بِتَبْلِيغِهِ، ولا عَلَيْكَ رَدُّوا أوْ تَهاوَنُوا أوِ اقْتَرَحُوا، ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾: يَحْفَظُ ما يَقُولُونَ، وهو فاعِلٌ بِهِمْ ما يُحِبُّ أنْ يَفْعَلَ، فَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وكِلْ أمْرَكَ إلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا: يا مُحَمَّدُ لَوْ تَرَكْتَ سَبَّ آلِهَتِنا وتَسْفِيهَ آبائِنا لَجالَسْناكَ واتَّبَعْناكَ، وقالُوا ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس: ١٥] ونَحْوَ هَذا مِنَ الأقْوالِ، فَخاطَبَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ عَلى هَذِهِ الصُّورَةِ مِنَ المُخاطَبَةِ، وقَّفَهُ بِها تَوْقِيفًا رادًّا عَلى أقْوالِهِمْ، ومُبْطِلًا لَها. ولَيْسَ المَعْنى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ هَمَّ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ ثُمَّ خَرَجَ عَنْهُ، فَإنَّهُ لَمْ يُرِدْ قَطُّ تَرْكَ شَيْءٍ مِمّا أُوحِيَ إلَيْهِ، ولا ضاقَ صَدْرُهُ بِهِ، وإنَّما كانَ يَضِيقُ صَدْرُهُ بِأقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ وبُعْدِهِمْ عَنِ الإيمانِ. ولَعَلَّكَ هاهُنا بِمَعْنى: التَّوْقِيفِ والتَّقْرِيرِ، وما يُوحى إلَيْهِ هو: القُرْآنُ والدُّعاءُ إلى اللَّهِ، كانَ في ذَلِكَ سَبُّ آلِهَتِهِمْ، وتَسْفِيهُ آبائِهِمْ أوْ غَيْرُهُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ عَظُمَ عَلَيْهِ ما يَلْقى مِنَ الشِّدَّةِ، فَمالَ إلى أنْ يَكُونَ مِنَ اللَّهِ إذْنٌ في مُساهَلَةِ الكُفّارِ بَعْضَ المُساهَلَةِ، ونَحْوَ هَذا مِنَ الِاعْتِقاداتِ الَّتِي تَلِيقُ بِهِ ﷺ كَما جاءَتْ آياتُ المُوادَعَةِ. وعَبَّرَ بِـ (ضائِقٌ) دُونَ ضَيِّقٍ: لِلْمُناسَبَةِ في اللَّفْظِ مَعَ ﴿تارِكٌ﴾، وإنْ كانَ ضَيِّقٌ أكْثَرَ اسْتِعْمالًا، لِأنَّهُ وصْفٌ لازِمٌ، وضائِقٌ وصْفٌ عارِضٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ عَدَلَ عَنْ ضِيقٍ إلى ضائِقٍ ؟ (قُلْتُ): لِيَدُلَّ عَلى أنَّ (ضَيِّقٌ) عارِضٌ غَيْرُ ثابِتٍ، لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ أفْسَحَ النّاسِ صَدْرًا. ومِثْلُهُ قَوْلُكَ: سَيِّدٌ وجَوادٌ، تُرِيدُ السِّيادَةَ والجُودَ الثّابِتَيْنِ المُسْتَقِرَّيْنِ، فَإذا أرَدْتَ الحُدُوثَ قُلْتَ: سائِدٌ وجائِدٌ، انْتَهى. ولَيْسَ هَذا الحُكْمُ مُخْتَصًّا بِهَذِهِ الألْفاظِ، بَلْ كُلُّ ما يُبْنى مِنَ الثُّلاثِيِّ لِلثُّبُوتِ والِاسْتِقْرارِ عَلى غَيْرِ وزْنِ فاعِلٍ رُدَّ إلَيْهِ إذا أُرِيدَ مَعْنى الحُدُوثِ، فَنَقُولُ: حاسِنٌ مِن حَسُنَ، وثاقِلٌ مِن ثَقُلَ، وفارِحٌ مِن فَرِحَ، وسامِنٌ مِن سَمِنَ، وقالَ بَعْضُ اللُّصُوصِ يَصِفُ السِّجْنَ ومَن سُجِنَ فِيهِ: بِمَنزِلَةٍ أمّا اللَّئِيمُ فَسامِنٌ بِها وكِرامُ النّاسِ بادٍ شُحُوبُها والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في بِهِ عَلى بَعْضٍ. وقِيلَ: عَلى ما، وقِيلَ: عَلى التَّبْلِيغِ، وقِيلَ: عَلى التَّكْذِيبِ، قِيلَ: ولَعَلَّ هُنا لِلِاسْتِفْهامِ بِمَعْنى هَلْ، والمَعْنى: هَلْ أنْتَ تارِكٌ ما فِيهِ تَسْفِيهُ أحْلامِهِمْ وسَبُّ آلِهَتِهِمْ كَما سَألُوكَ ؟ وقَدَّرُوا كَراهَتَهُ أنْ يَقُولُوا، ولِئَلّا يَقُولُوا، وبِأنْ يَقُولُوا، ثَلاثَةَ أقْوالٍ. والكَنْزُ: المالُ الكَثِيرُ. وقالُوا: أُنْزِلَ ولَمْ يَقُولُوا: أُعْطِيَ، لِأنَّ مُرادَهُمُ التَّعْجِيزُ، وأنَّهُمُ التَمَسُوا أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ السَّماءِ كَنْزٌ عَلى خِلافِ العادَةِ، فَإنَّ الكُنُوزَ إنَّما تَكُونُ في الأرْضِ. وطَلَبُهم آيَةً تَضْطَرُّ إلى الإيمانِ، واللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَمْ يَبْعَثِ الأنْبِياءَ بِآياتِ اضْطِرارٍ، إنَّما بَعَثَهم بِآياتِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، ولَمْ يَجْعَلْ آيَةَ الِاضْطِرارِ إلّا لِلْأُمَّةِ الَّتِي أرادَ تَعْذِيبَها لِكُفْرِها بَعْدَ آيَةِ الِاسْتِدْلالِ، كالنّاقَةِ لِثَمُودَ. وآنَسَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ﴾، أيِ: الَّذِي فُوِّضَ إلَيْكَ هو النِّذارَةُ لا تَحْصِيلُ هِدايَتِهِمْ، فَإنَّ ذَلِكَ إنَّما هو لِلَّهِ تَعالى. وقالَ مُقاتِلٌ: وقِيلَ: كافِلٌ بِالمَصالِحِ: قادِرٌ عَلَيْها. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المُحْصِي لِإيمانِ مَن شاءَ، وكُفْرِ مَن شاءَ. قِيلَ: وهَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ، وقِيلَ: مَحْكَمَةٌ.

هود 11:13

﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكم فاعْلَمُوا أنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وأنْ لا إلَهَ إلّا هو فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾: (p-٢٠٨)الظّاهِرُ أنَّ أمْ مُنْقَطِعَةٌ تَتَقَدَّرُ: بِبَلْ والهَمْزَةِ، أيْ: أيَقُولُونَ افْتَراهُ. وقالَ ابْنُ القُشَيْرِيِّ: أمِ اسْتِفْهامٌ تَوَسَّطَ الكَلامَ عَلى مَعْنى: أيَكْتَفُونَ بِما أوْحَيْتُ إلَيْكَ مِنَ القُرْآنِ، أمْ يَقُولُونَ إنَّهُ لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ؟ فَإنْ قالُوا: إنَّهُ لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَلْيَأْتُوا بِمِثْلِهِ، انْتَهى. فَجَعَلَ أمْ مُتَّصِلَةً، والظّاهِرُ الِانْقِطاعُ كَما قُلْنا، والضَّمِيرُ في (افْتَراهُ) عائِدٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ما يُوحى إلَيْكَ﴾ [هود: ١٢]، وهو: القُرْآنُ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّها لا تَتَعَلَّقُ أطْماعُهم بِأنْ يَتْرُكَ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْهِ إلّا لِدَعْواهم: أنَّهُ لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وأنَّهُ هو الَّذِي افْتَراهُ، وإنَّما تَحَدّاهم أوَّلًا بِعَشْرِ سُوَرٍ مُفْتَرَياتٍ قَبْلَ تَحَدِّيهِمْ بِسُورَةٍ، إذْ كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةً، والبَقَرَةُ مَدَنِيَّةً، وسُورَةُ يُونُسَ أيْضًا مَكِّيَّةً، ومُقْتَضى التَّحَدِّي بِعَشْرٍ أنْ يَكُونَ قَبْلَ طَلَبِ المُعارَضَةِ بِسُورَةٍ، فَلَمّا نَسَبُوهُ إلى الِافْتِراءِ طَلَبَ مِنهم أنْ يَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرِياتٍ إرْخاءً لِعِنانِهِمْ، وكَأنَّهُ يَقُولُ: هَبُوا إنِّي اخْتَلَقْتُهُ ولَمْ يُوحَ إلَيَّ فَأْتُوا أنْتُمْ بِكَلامٍ مِثْلِهِ مُخْتَلَقٍ مِن عِنْدِ أنْفُسِكم، فَأنْتُمْ عَرَبٌ فُصَحاءُ مِثْلِي، لا تَعْجِزُونَ عَنْ مِثْلِ ما أقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ الكَلامِ، وإنَّما عُيِّنَ بِقَوْلِهِ: (مِثْلِهِ) في حُسْنِ النَّظْمِ والبَيانِ، وإنْ كانَ مُفْتَرًى، وشَأْنُ مَن يُرِيدُ تَعْجِيزَ شَخْصٍ أنْ يُطالِبَهُ أوَّلًا: بِأنْ يَفْعَلَ أمْثالًا مِمّا فَعَلَ هو، ثُمَّ إذا تَبَيَّنَ عَجْزُهُ قالَ لَهُ: افْعَلْ مِثْلًا واحِدًا، ومِثْلُ: يُوصَفُ بِهِ المُفْرَدُ والمُثَنّى والمَجْمُوعُ كَما قالَ تَعالى: ﴿أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا﴾ [المؤمنون: ٤٧] وتَجُوزُ المُطابَقَةُ في التَّثْنِيَةِ والجَمْعِ كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٣] وإذا أُفْرِدَ وهو تابِعٌ لِمُثَنًّى أوْ مَجْمُوعٍ فَهو بِتَقْدِيرِ المُثَنّى والمَجْمُوعِ، أيْ: مِثْلَيْنِ وأمْثالٍ. والمَعْنى هُنا: بِعَشْرِ سُوَرٍ أمْثالِهِ ذَهابًا إلى مُماثَلَةِ كُلِّ سُورَةٍ مِنها لَهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَعَ التَّحَدِّي في هَذِهِ الآيَةِ بِعَشْرٍ لِأنَّهُ قَيَّدَها بِالِافْتِراءِ، فَوَسَّعَ عَلَيْهِمْ في القَدْرِ لِتَقُومَ الحُجَّةُ غايَةَ القِيامِ، إذْ قَدْ عَجَّزَهم في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ دُونَ تَقْيِيدٍ، فَهي مُماثَلَةٌ تامَّةٌ في غُيُوبِ القُرْآنِ ونَظْمِهِ ووَعْدِهِ ووَعِيدِهِ، وعُجِّزُوا في هَذِهِ الآيَةِ بِأنْ قِيلَ لَهم: عارِضُوا القَدْرَ مِنهُ بِعَشْرِ أمْثالِهِ في التَّقْدِيرِ، والغَرَضُ واحِدٌ، واجْعَلُوهُ مُفْتَرًى لا يَبْقى لَكم إلّا نَظْمُهُ، فَهَذِهِ غايَةُ التَّوْسِعَةِ. ولَيْسَ المَعْنى: عارِضُوا عَشْرَ سُوَرٍ بِعَشْرٍ، لِأنَّ هَذِهِ إنَّما كانَتْ تَجِيءُ مُعارَضَةَ سُورَةٍ بِسُورَةٍ مُفْتَراةٍ، ولا يُبالِي عَنْ تَقْدِيمِ نُزُولِ هَذِهِ عَلى هَذِهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا النَّظَرَ أنَّ التَّكْلِيفَ في آيَةِ البَقَرَةِ إنَّما هو بِسَبَبِ الرَّيْبِ، ولا يُزِيلُ الرَّيْبَ إلّا العِلْمُ بِأنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى المُماثَلَةِ التّامَّةِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ إنَّما التَّكْلِيفُ بِسَبَبِ قَوْلِهِمُ افْتَراهُ وكُلِّفُوا نَحْوَ ما قالُوا: ولا يَطَّرِدُ هَذا في آيَةِ يُونُسَ. وقالَ بَعْضُ النّاسِ: هَذِهِ مُقَدَّمَةٌ في النُّزُولِ عَلى تِلْكَ، ولا يَصِحُّ أنْ تَكُونَ السُّورَةُ الواحِدَةُ إلّا مُفْتَراةً، وآيَةُ سُورَةِ يُونُسَ في تَكْلِيفِ سُورَةٍ مُرَتَّبَةٍ عَلى قَوْلِهِمُ: افْتَراهُ، وكَذَلِكَ آيَةُ البَقَرَةِ إنَّما رَمَتْهم بِأنَّ القُرْآنَ مُفْتَرًى. وقائِلُ هَذا القَوْلِ لَمْ يَلْحَظِ الفَرْقَ بَيْنَ التَّكْلِيفَيْنِ في كَمالِ المُماثَلَةِ مَرَّةً، ووُقُوفِها عَلى النَّظْمِ مَرَّةً، انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (مِثْلِهِ)، لا يُرادُ بِهِ المِثْلِيَّةُ في كَوْنِ المُعارِضِ عَشْرَ سُورٍ، بَلْ مِثْلِهِ يَدُلُّ عَلى: مُماثَلَةٍ في مِقْدارٍ ما مِنَ القُرْآنِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ السُّوَرَ الَّتِي وقَعَ بِها طَلَبُ المُعارَضَةِ لَها هي مُعَيَّنَةٌ: البَقَرَةُ، وآلُ عِمْرانَ، والنِّساءُ، والمائِدَةُ، والأنْعامُ، والأعْرافُ، والأنْفالُ، والتَّوْبَةُ، ويُونُسُ، وهُودٌ. فَقَوْلُهُ: (مِثْلِهِ)، أيْ: مِثْلُ هَذِهِ عَشْرُ السُّوَرِ، وهَذِهِ السُّوَرُ أكْثَرُها مَدَنِيٌّ، فَكَيْفَ تَصِحُّ الحَوالَةُ بِـ مَكَّةَ عَلى ما لَمْ يَنْزِلْ بَعْدُ ؟ ولَعَلَّ هَذا لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والضَّمِيرُ في فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكم، عائِدٌ عَلى مَن طَلَبَ مِنهُمُ المُعارَضَةَ، ولَكم: الضَّمِيرُ جَمْعٌ يَشْمَلُ الرَّسُولَ والمُؤْمِنِينَ. وجازَ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلرَّسُولِ ﷺ عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ، كَما جاءَ ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾ [القصص: ٥٠] قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: ضَمِيرُ يَسْتَجِيبُوا عائِدٌ عَلى المَدْعُوِّينَ، ولَكم: خِطابٌ لِلْمَأْمُورِينَ بِدُعاءِ مَنِ اسْتَطاعُوا، قالَهُ الضَّحّاكُ، أيْ: فَإنْ لَمْ يَسْتَجِبْ مَن تَدْعُونَهُ إلى المُعارَضَةِ فَأذْعَنُوا حِينَئِذٍ، وعَلِمُوا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وأنَّهُ أُنْزِلَ مُلْتَبِسًا بِما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ مِن نَظْمٍ مُعْجِزٍ لِلْخَلْقِ، وإخْبارٍ بِغُيُوبٍ لا سَبِيلَ لَهم إلَيْهِ، (p-٢٠٩)وأعْلَمُوا عِنْدَ ذَلِكَ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو، وأنَّ تَوْحِيدَهُ واجِبٌ، ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أيْ: تابِعُونَ لِلْإسْلامِ بَعْدَ ظُهُورِ هَذِهِ الحُجَّةِ القاطِعَةِ ؟ وعَلى أنَّ الخِطابَ لِلْمُؤْمِنِينَ، مَعْنًى (فاعْلَمُوا): أيْ: دُومُوا عَلى العِلْمِ وازْدادُوا يَقِينًا وثَباتَ قَدَمٍ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ. ومَعْنى ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾: أيْ: مُخْلِصُوا الإسْلامِ، وقالَ مُقاتِلٌ: بِعِلْمِ اللَّهِ: بِإذْنِ اللَّهِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: بِأمْرِهِ. وقالَ القُتَبِيُّ: مِن عِنْدِ اللَّهِ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا﴾ عائِدٌ عَلى ﴿مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾، وفي لَكم عائِدٌ عَلى الكُفّارِ، لِعَوْدِ الضَّمِيرِ عَلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ، ولِكَوْنِ الخِطابِ يَكُونُ لِواحِدٍ، ولِتَرَتُّبِ الجَوابِ عَلى الشَّرْطِ تَرَتُّبًا حَقِيقِيًا مِنَ الأمْرِ بِالعِلْمِ، ولا يَتَحَرَّرُ بِأنَّهُ أرادَ بِهِ: فَدُومُوا عَلى العِلْمِ، ودُومُوا عَلى العِلْمِ بِأنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو، ولِأنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾: تَحْرِيضًا عَلى تَحْصِيلِ الإسْلامِ، لا أنَّهُ يُرادُ بِهِ: الإخْلاصُ. ولَمّا طُولِبُوا بِالمُعارَضَةِ وأُمِرُوا بِأنْ يَدْعُوا مَن يُساعِدُهم عَلى تَمَكُّنِ المُعارَضَةِ، ولا اسْتَجابَ أصْنامُهم ولا آلِهَتُهم لَهم، أُمِرُوا بِأنْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ ولَيْسَ مُفْتَرًى فَتُمْكِنُ مُعارَضَتُهُ، وأنَّهُ تَعالى هو المُخْتَصُّ بِالأُلُوهِيَّةِ لا يَشْرَكُهُ في شَيْءٍ مِنها آلِهَتُهم وأصْنامُهم، فَلا يُمْكِنُ أنْ يُجِيبُوا لِظُهُورِ عَجْزِهِمْ، وأنَّها لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ في شَيْءٍ مِنَ المَطالِبِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (إنَّما نَزَّلَ) بِفَتْحِ النُّونِ والزّايِ وتَشْدِيدِها، واحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، أيْ: إنَّ التَّنْزِيلَ، واحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى: الَّذِي، أيْ: إنَّ الَّذِي نَزَّلَهُ، وحُذِفَ الضَّمِيرُ المَنصُوبُ لِوُجُودِ جَوازِ الحَذْفِ.

هود 11:14

﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكم فاعْلَمُوا أنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وأنْ لا إلَهَ إلّا هو فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾: (p-٢٠٨)الظّاهِرُ أنَّ أمْ مُنْقَطِعَةٌ تَتَقَدَّرُ: بِبَلْ والهَمْزَةِ، أيْ: أيَقُولُونَ افْتَراهُ. وقالَ ابْنُ القُشَيْرِيِّ: أمِ اسْتِفْهامٌ تَوَسَّطَ الكَلامَ عَلى مَعْنى: أيَكْتَفُونَ بِما أوْحَيْتُ إلَيْكَ مِنَ القُرْآنِ، أمْ يَقُولُونَ إنَّهُ لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ؟ فَإنْ قالُوا: إنَّهُ لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَلْيَأْتُوا بِمِثْلِهِ، انْتَهى. فَجَعَلَ أمْ مُتَّصِلَةً، والظّاهِرُ الِانْقِطاعُ كَما قُلْنا، والضَّمِيرُ في (افْتَراهُ) عائِدٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ما يُوحى إلَيْكَ﴾ [هود: ١٢]، وهو: القُرْآنُ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّها لا تَتَعَلَّقُ أطْماعُهم بِأنْ يَتْرُكَ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْهِ إلّا لِدَعْواهم: أنَّهُ لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وأنَّهُ هو الَّذِي افْتَراهُ، وإنَّما تَحَدّاهم أوَّلًا بِعَشْرِ سُوَرٍ مُفْتَرَياتٍ قَبْلَ تَحَدِّيهِمْ بِسُورَةٍ، إذْ كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةً، والبَقَرَةُ مَدَنِيَّةً، وسُورَةُ يُونُسَ أيْضًا مَكِّيَّةً، ومُقْتَضى التَّحَدِّي بِعَشْرٍ أنْ يَكُونَ قَبْلَ طَلَبِ المُعارَضَةِ بِسُورَةٍ، فَلَمّا نَسَبُوهُ إلى الِافْتِراءِ طَلَبَ مِنهم أنْ يَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرِياتٍ إرْخاءً لِعِنانِهِمْ، وكَأنَّهُ يَقُولُ: هَبُوا إنِّي اخْتَلَقْتُهُ ولَمْ يُوحَ إلَيَّ فَأْتُوا أنْتُمْ بِكَلامٍ مِثْلِهِ مُخْتَلَقٍ مِن عِنْدِ أنْفُسِكم، فَأنْتُمْ عَرَبٌ فُصَحاءُ مِثْلِي، لا تَعْجِزُونَ عَنْ مِثْلِ ما أقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ الكَلامِ، وإنَّما عُيِّنَ بِقَوْلِهِ: (مِثْلِهِ) في حُسْنِ النَّظْمِ والبَيانِ، وإنْ كانَ مُفْتَرًى، وشَأْنُ مَن يُرِيدُ تَعْجِيزَ شَخْصٍ أنْ يُطالِبَهُ أوَّلًا: بِأنْ يَفْعَلَ أمْثالًا مِمّا فَعَلَ هو، ثُمَّ إذا تَبَيَّنَ عَجْزُهُ قالَ لَهُ: افْعَلْ مِثْلًا واحِدًا، ومِثْلُ: يُوصَفُ بِهِ المُفْرَدُ والمُثَنّى والمَجْمُوعُ كَما قالَ تَعالى: ﴿أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا﴾ [المؤمنون: ٤٧] وتَجُوزُ المُطابَقَةُ في التَّثْنِيَةِ والجَمْعِ كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٣] وإذا أُفْرِدَ وهو تابِعٌ لِمُثَنًّى أوْ مَجْمُوعٍ فَهو بِتَقْدِيرِ المُثَنّى والمَجْمُوعِ، أيْ: مِثْلَيْنِ وأمْثالٍ. والمَعْنى هُنا: بِعَشْرِ سُوَرٍ أمْثالِهِ ذَهابًا إلى مُماثَلَةِ كُلِّ سُورَةٍ مِنها لَهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَعَ التَّحَدِّي في هَذِهِ الآيَةِ بِعَشْرٍ لِأنَّهُ قَيَّدَها بِالِافْتِراءِ، فَوَسَّعَ عَلَيْهِمْ في القَدْرِ لِتَقُومَ الحُجَّةُ غايَةَ القِيامِ، إذْ قَدْ عَجَّزَهم في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ دُونَ تَقْيِيدٍ، فَهي مُماثَلَةٌ تامَّةٌ في غُيُوبِ القُرْآنِ ونَظْمِهِ ووَعْدِهِ ووَعِيدِهِ، وعُجِّزُوا في هَذِهِ الآيَةِ بِأنْ قِيلَ لَهم: عارِضُوا القَدْرَ مِنهُ بِعَشْرِ أمْثالِهِ في التَّقْدِيرِ، والغَرَضُ واحِدٌ، واجْعَلُوهُ مُفْتَرًى لا يَبْقى لَكم إلّا نَظْمُهُ، فَهَذِهِ غايَةُ التَّوْسِعَةِ. ولَيْسَ المَعْنى: عارِضُوا عَشْرَ سُوَرٍ بِعَشْرٍ، لِأنَّ هَذِهِ إنَّما كانَتْ تَجِيءُ مُعارَضَةَ سُورَةٍ بِسُورَةٍ مُفْتَراةٍ، ولا يُبالِي عَنْ تَقْدِيمِ نُزُولِ هَذِهِ عَلى هَذِهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا النَّظَرَ أنَّ التَّكْلِيفَ في آيَةِ البَقَرَةِ إنَّما هو بِسَبَبِ الرَّيْبِ، ولا يُزِيلُ الرَّيْبَ إلّا العِلْمُ بِأنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى المُماثَلَةِ التّامَّةِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ إنَّما التَّكْلِيفُ بِسَبَبِ قَوْلِهِمُ افْتَراهُ وكُلِّفُوا نَحْوَ ما قالُوا: ولا يَطَّرِدُ هَذا في آيَةِ يُونُسَ. وقالَ بَعْضُ النّاسِ: هَذِهِ مُقَدَّمَةٌ في النُّزُولِ عَلى تِلْكَ، ولا يَصِحُّ أنْ تَكُونَ السُّورَةُ الواحِدَةُ إلّا مُفْتَراةً، وآيَةُ سُورَةِ يُونُسَ في تَكْلِيفِ سُورَةٍ مُرَتَّبَةٍ عَلى قَوْلِهِمُ: افْتَراهُ، وكَذَلِكَ آيَةُ البَقَرَةِ إنَّما رَمَتْهم بِأنَّ القُرْآنَ مُفْتَرًى. وقائِلُ هَذا القَوْلِ لَمْ يَلْحَظِ الفَرْقَ بَيْنَ التَّكْلِيفَيْنِ في كَمالِ المُماثَلَةِ مَرَّةً، ووُقُوفِها عَلى النَّظْمِ مَرَّةً، انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (مِثْلِهِ)، لا يُرادُ بِهِ المِثْلِيَّةُ في كَوْنِ المُعارِضِ عَشْرَ سُورٍ، بَلْ مِثْلِهِ يَدُلُّ عَلى: مُماثَلَةٍ في مِقْدارٍ ما مِنَ القُرْآنِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ السُّوَرَ الَّتِي وقَعَ بِها طَلَبُ المُعارَضَةِ لَها هي مُعَيَّنَةٌ: البَقَرَةُ، وآلُ عِمْرانَ، والنِّساءُ، والمائِدَةُ، والأنْعامُ، والأعْرافُ، والأنْفالُ، والتَّوْبَةُ، ويُونُسُ، وهُودٌ. فَقَوْلُهُ: (مِثْلِهِ)، أيْ: مِثْلُ هَذِهِ عَشْرُ السُّوَرِ، وهَذِهِ السُّوَرُ أكْثَرُها مَدَنِيٌّ، فَكَيْفَ تَصِحُّ الحَوالَةُ بِـ مَكَّةَ عَلى ما لَمْ يَنْزِلْ بَعْدُ ؟ ولَعَلَّ هَذا لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والضَّمِيرُ في فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكم، عائِدٌ عَلى مَن طَلَبَ مِنهُمُ المُعارَضَةَ، ولَكم: الضَّمِيرُ جَمْعٌ يَشْمَلُ الرَّسُولَ والمُؤْمِنِينَ. وجازَ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلرَّسُولِ ﷺ عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ، كَما جاءَ ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾ [القصص: ٥٠] قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: ضَمِيرُ يَسْتَجِيبُوا عائِدٌ عَلى المَدْعُوِّينَ، ولَكم: خِطابٌ لِلْمَأْمُورِينَ بِدُعاءِ مَنِ اسْتَطاعُوا، قالَهُ الضَّحّاكُ، أيْ: فَإنْ لَمْ يَسْتَجِبْ مَن تَدْعُونَهُ إلى المُعارَضَةِ فَأذْعَنُوا حِينَئِذٍ، وعَلِمُوا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وأنَّهُ أُنْزِلَ مُلْتَبِسًا بِما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ مِن نَظْمٍ مُعْجِزٍ لِلْخَلْقِ، وإخْبارٍ بِغُيُوبٍ لا سَبِيلَ لَهم إلَيْهِ، (p-٢٠٩)وأعْلَمُوا عِنْدَ ذَلِكَ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو، وأنَّ تَوْحِيدَهُ واجِبٌ، ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أيْ: تابِعُونَ لِلْإسْلامِ بَعْدَ ظُهُورِ هَذِهِ الحُجَّةِ القاطِعَةِ ؟ وعَلى أنَّ الخِطابَ لِلْمُؤْمِنِينَ، مَعْنًى (فاعْلَمُوا): أيْ: دُومُوا عَلى العِلْمِ وازْدادُوا يَقِينًا وثَباتَ قَدَمٍ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ. ومَعْنى ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾: أيْ: مُخْلِصُوا الإسْلامِ، وقالَ مُقاتِلٌ: بِعِلْمِ اللَّهِ: بِإذْنِ اللَّهِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: بِأمْرِهِ. وقالَ القُتَبِيُّ: مِن عِنْدِ اللَّهِ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا﴾ عائِدٌ عَلى ﴿مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾، وفي لَكم عائِدٌ عَلى الكُفّارِ، لِعَوْدِ الضَّمِيرِ عَلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ، ولِكَوْنِ الخِطابِ يَكُونُ لِواحِدٍ، ولِتَرَتُّبِ الجَوابِ عَلى الشَّرْطِ تَرَتُّبًا حَقِيقِيًا مِنَ الأمْرِ بِالعِلْمِ، ولا يَتَحَرَّرُ بِأنَّهُ أرادَ بِهِ: فَدُومُوا عَلى العِلْمِ، ودُومُوا عَلى العِلْمِ بِأنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو، ولِأنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾: تَحْرِيضًا عَلى تَحْصِيلِ الإسْلامِ، لا أنَّهُ يُرادُ بِهِ: الإخْلاصُ. ولَمّا طُولِبُوا بِالمُعارَضَةِ وأُمِرُوا بِأنْ يَدْعُوا مَن يُساعِدُهم عَلى تَمَكُّنِ المُعارَضَةِ، ولا اسْتَجابَ أصْنامُهم ولا آلِهَتُهم لَهم، أُمِرُوا بِأنْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ ولَيْسَ مُفْتَرًى فَتُمْكِنُ مُعارَضَتُهُ، وأنَّهُ تَعالى هو المُخْتَصُّ بِالأُلُوهِيَّةِ لا يَشْرَكُهُ في شَيْءٍ مِنها آلِهَتُهم وأصْنامُهم، فَلا يُمْكِنُ أنْ يُجِيبُوا لِظُهُورِ عَجْزِهِمْ، وأنَّها لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ في شَيْءٍ مِنَ المَطالِبِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (إنَّما نَزَّلَ) بِفَتْحِ النُّونِ والزّايِ وتَشْدِيدِها، واحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، أيْ: إنَّ التَّنْزِيلَ، واحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى: الَّذِي، أيْ: إنَّ الَّذِي نَزَّلَهُ، وحُذِفَ الضَّمِيرُ المَنصُوبُ لِوُجُودِ جَوازِ الحَذْفِ.

هود 11:15

﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها وهم فِيها لا يُبْخَسُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ وحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾: مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها، أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ الكُفّارِ المُناقِضِينَ في القُرْآنِ، ذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ وما يَئُولُونَ إلَيْهِ في الآخِرَةِ. وظاهِرٌ مِنَ العُمُومِ في كُلِّ مَن يُرِيدُ زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا، والجَزاءُ مَقْرُونٌ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى كَما بَيَّنَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ﴾ [الإسراء: ١٨] الآيَةَ. وقالَ مُجاهِدٌ: في الكَفَرَةِ، وفي أهْلِ الرِّياءِ مِنَ المُؤْمِنِينَ. وإلى هَذا ذَهَبَ مَعُونَةُ حِينَ حُدِّثَ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في المُرائِينَ، فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ. وقالَ أنَسٌ: هي في اليَهُودِ والنَّصارى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومَعْنى هَذا: أنَّهم يَدْخُلُونَ في هَذِهِ الآيَةِ لا أنَّها لَيْسَتْ لِغَيْرِهِمْ. وقِيلَ: في المُنافِقِينَ الَّذِينَ جاهَدُوا مَعَ الرَّسُولِ فَأسْهَمَ لَهم، ومَعْنى ﴿يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ أيْ: يَقْصِدُ بِأعْمالِهِ الَّتِي يَظْهَرُ أنَّها صالِحَةٌ الدُّنْيا فَقَطْ، ولا يَعْتَقِدُ آخِرَةً، فَإنَّ اللَّهَ يُجازِيهِ عَلى حُسْنِ أعْمالِهِ كَما جاءَ، وأمّا الكافِرُ فَيُطْعِمُهُ في الدُّنْيا بِحَسَناتِهِ، وإنِ انْدَرَجَ في العُمُومِ المُراءُونَ مِن أهْلِ القِبْلَةِ، كَما تَرى أحَدَهم إذا صَلّى إمامًا يَتَنَغَّمُ بِألْفاظِ القُرْآنِ، ويُرَتِّلُهُ أحْسَنَ تَرْتِيلٍ، ويُطِيلُ رُكُوعَهُ وسُجُودَهُ، ويَتَباكى في قِراءَتِهِ، وإذا صَلّى وحْدَهُ اخْتَلَسَها اخْتِلاسًا، وإذا تَصَدَّقَ أظْهَرَ صَدَقَتَهُ أمامَ مَن يُثْنِي عَلَيْهِ، ودَفَعَها لِمَن لا يَسْتَحِقُّها حَتّى يُثْنِيَ عَلَيْهِ النّاسُ، وأهْلُ الرِّباطِ المُتَصَدَّقُ عَلَيْهِمْ. وأيْنَ هَذا مِن رَجُلٍ يَتَصَدَّقُ خُفْيَةً وعَلى مَن لا يَعْرِفُهُ، كَما جاءَ في: السَّبْعَةُ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلّا ظِلُّهُ، ورَجُلٍ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأخْفاها حَتّى لا تَعْلَمَ شِمالُهُ ما أنْفَقَتْ يَمِينُهُ وهَذِهِ مُبالَغَةٌ في إخْفاءِ الصَّدَقَةِ جِدًّا، وإذا تَعَلَّمَ عِلْمًا راءى بِهِ وتَبَجَّحَ، وطَلَبَ بِمُعْظَمِهِ يَسِيرَ حُطامٍ مِن عَرَضِ الدُّنْيا. وقَدْ فَشا الرِّياءُ في هَذِهِ الآيَةِ فُشُوًّا كَثِيرًا، حَتّى لا تَكادَ تَرى مُخْلِصًا لِلَّهِ لا في قَوْلٍ، ولا في فِعْلٍ، فَهَؤُلاءِ مِن أوَّلِ مَن تُسَعَّرُ بِهِمُ النّارُ يَوْمَ القِيامَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: نُوَفِّ بِنُونِ العَظَمَةِ، وطَلْحَةُ بْنُ مَيْمُونٍ: يُوَفِّ بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: يُوفِ بِالياءِ مُخَفَّفًا مُضارِعُ أوْفى. وقُرِئَ: تُوَفَّ بِالتّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، و(أعْمالُهم) بِالرَّفْعِ، وهو عَلى هَذِهِ القِراءاتِ مَجْزُومٌ جَوابُ الشَّرْطِ، كَما انْجَزَمَ في قَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ [الشورى: ٢٠] وحُكِيَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّ (p-٢١٠)كانَ زائِدَةٌ، ولِهَذا جُزِمَ الجَوابُ. ولَعَلَّهُ لا يَصِحُّ، إذْ لَوْ كانَتْ زائِدَةً لَكانَ فِعْلُ الشَّرْطِ يُرِيدُ، وكانَ يَكُونُ مَجْزُومًا، وهَذا التَّرْكِيبُ مِن مَجِيءِ فِعْلِ الشَّرْطِ ماضِيًا، والجَوابِ مُضارِعًا لَيْسَ مَخْصُوصًا بِكانَ، بَلْ هو جائِزٌ في غَيْرِها. كَما رُوِيَ في بَيْتِ زُهَيْرٍ: ؎ومَن هابَ أسْبابَ المَنايا يَنَلْنَهُ ولَوْ رامَ أنْ يَرْقى السَّماءَ بِسُلَّمِ وقَرَأ الحَسَنُ: تُوفى بِالتَّخْفِيفِ وإثْباتِ الياءِ، فاحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ مَجْزُومًا بِحَذْفِ الحَرَكَةِ المُقَدَّرَةِ عَلى لُغَةِ مَن قالَ: ألَمْ يَأْتِيكَ، وهي لُغَةٌ لِبَعْضِ العَرَبِ، واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا كَما ارْتَفَعَ في قَوْلِ الشّاعِرِ: يَقُولُ وإنْ شُلَّ رَيْعانُ الجَمِيعِ مَخافَةً جِهارًا ويْلَكم لا تُنَفِّرُوا والحَصْرُ في كَيْنُونَةِ النّارِ لَهم ظاهِرٌ في أنَّ الآيَةَ في الكُفّارِ، فَإنِ انْدَرَجَ أهْلُ الرِّياءِ فِيها فَيَكُونُ المَعْنى في حَقِّهِمْ: لَيْسَ يَجِبُ لَهم أوْ لا يَحِقُّ لَهم إلّا النّارُ كَقَوْلِهِ: ﴿فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] وجائِزٌ أنْ يَتَغَمَّدَهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ، وهو ظاهِرُ قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُبَيْرٍ. والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ما صَنَعُوا فِيها﴾، الظّاهِرُ أنَّهُ عائِدٌ عَلى الآخِرَةِ، والمَحْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِحَبِطَ، والمَعْنى: وظَهَرَ حُبُوطُ ما صَنَعُوا في الآخِرَةِ. ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: صَنَعُوا، فَيَكُونُ عائِدًا عَلى الحَياةِ الدُّنْيا، كَما عادَ عَلَيْها في فِيها قَبْلُ. وما في (ما صَنَعُوا) بِمَعْنى: الَّذِي. أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، وباطِلٌ وما بَعْدَهُ تَوْكِيدًا لِقَوْلِهِ: ﴿وحَبِطَ ما صَنَعُوا﴾، وباطِلٌ: خَبَرٌ مُقَدَّمٌ إنْ كانَ مِن عَطْفِ الجُمَلِ، وما كانُوا هو المُبْتَدَأُ، وإنْ كانَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ ارْتَفَعَ ما بِباطِلٍ عَلى الفاعِلِيَّةِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: وبَطَلَ جَعَلَهُ فِعْلًا ماضِيًا. وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ: وباطِلًا بِالنَّصْبِ، وخَرَّجَهُ صاحِبُ اللَّوامِحِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَيَعْمَلُونَ، فَهو مَعْمُولُ خَبَرِ كانَ مُتَقَدِّمًا. وما زائِدَةٌ أيْ: وكانُوا يَعْمَلُونَ باطِلًا، وفي جَوازِ هَذا التَّرْكِيبِ خِلافٌ بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ. وهو أنْ يَتَقَدَّمَ مَعْمُولُ الخَبَرِ عَلى الجُمْلَةِ بِأسْرِها مِن كانَ واسْمِها وخَبَرِها، ويَشْهَدُ لِلْجَوابِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبإ: ٤٠] ومَن مَنَعَ تَأوَّلَ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَنْتَصِبَ باطِلًا عَلى مَعْنى المَصْدَرِ عَلى بَطَلَ بُطْلانًا ما كانُوا يَعْمَلُونَ، فَتَكُونُ ما فاعِلَةً، وتَكُونُ مِن إعْمالِ المَصْدَرِ الَّذِي هو بَدَلٌ مِنَ الفِعْلِ في غَيْرِ الِاسْتِفْهامِ والأمْرِ، وحَقَّ أنْ يُبْطِلَ أعْمالَهم لِأنَّها لَمْ تُعْمَلْ لِوَجْهٍ صَحِيحٍ، والعَمَلُ الباطِلُ لا ثَوابَ لَهُ.

هود 11:16

﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها وهم فِيها لا يُبْخَسُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ وحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾: مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها، أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ الكُفّارِ المُناقِضِينَ في القُرْآنِ، ذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ وما يَئُولُونَ إلَيْهِ في الآخِرَةِ. وظاهِرٌ مِنَ العُمُومِ في كُلِّ مَن يُرِيدُ زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا، والجَزاءُ مَقْرُونٌ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى كَما بَيَّنَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ﴾ [الإسراء: ١٨] الآيَةَ. وقالَ مُجاهِدٌ: في الكَفَرَةِ، وفي أهْلِ الرِّياءِ مِنَ المُؤْمِنِينَ. وإلى هَذا ذَهَبَ مَعُونَةُ حِينَ حُدِّثَ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في المُرائِينَ، فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ. وقالَ أنَسٌ: هي في اليَهُودِ والنَّصارى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومَعْنى هَذا: أنَّهم يَدْخُلُونَ في هَذِهِ الآيَةِ لا أنَّها لَيْسَتْ لِغَيْرِهِمْ. وقِيلَ: في المُنافِقِينَ الَّذِينَ جاهَدُوا مَعَ الرَّسُولِ فَأسْهَمَ لَهم، ومَعْنى ﴿يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ أيْ: يَقْصِدُ بِأعْمالِهِ الَّتِي يَظْهَرُ أنَّها صالِحَةٌ الدُّنْيا فَقَطْ، ولا يَعْتَقِدُ آخِرَةً، فَإنَّ اللَّهَ يُجازِيهِ عَلى حُسْنِ أعْمالِهِ كَما جاءَ، وأمّا الكافِرُ فَيُطْعِمُهُ في الدُّنْيا بِحَسَناتِهِ، وإنِ انْدَرَجَ في العُمُومِ المُراءُونَ مِن أهْلِ القِبْلَةِ، كَما تَرى أحَدَهم إذا صَلّى إمامًا يَتَنَغَّمُ بِألْفاظِ القُرْآنِ، ويُرَتِّلُهُ أحْسَنَ تَرْتِيلٍ، ويُطِيلُ رُكُوعَهُ وسُجُودَهُ، ويَتَباكى في قِراءَتِهِ، وإذا صَلّى وحْدَهُ اخْتَلَسَها اخْتِلاسًا، وإذا تَصَدَّقَ أظْهَرَ صَدَقَتَهُ أمامَ مَن يُثْنِي عَلَيْهِ، ودَفَعَها لِمَن لا يَسْتَحِقُّها حَتّى يُثْنِيَ عَلَيْهِ النّاسُ، وأهْلُ الرِّباطِ المُتَصَدَّقُ عَلَيْهِمْ. وأيْنَ هَذا مِن رَجُلٍ يَتَصَدَّقُ خُفْيَةً وعَلى مَن لا يَعْرِفُهُ، كَما جاءَ في: السَّبْعَةُ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلّا ظِلُّهُ، ورَجُلٍ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأخْفاها حَتّى لا تَعْلَمَ شِمالُهُ ما أنْفَقَتْ يَمِينُهُ وهَذِهِ مُبالَغَةٌ في إخْفاءِ الصَّدَقَةِ جِدًّا، وإذا تَعَلَّمَ عِلْمًا راءى بِهِ وتَبَجَّحَ، وطَلَبَ بِمُعْظَمِهِ يَسِيرَ حُطامٍ مِن عَرَضِ الدُّنْيا. وقَدْ فَشا الرِّياءُ في هَذِهِ الآيَةِ فُشُوًّا كَثِيرًا، حَتّى لا تَكادَ تَرى مُخْلِصًا لِلَّهِ لا في قَوْلٍ، ولا في فِعْلٍ، فَهَؤُلاءِ مِن أوَّلِ مَن تُسَعَّرُ بِهِمُ النّارُ يَوْمَ القِيامَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: نُوَفِّ بِنُونِ العَظَمَةِ، وطَلْحَةُ بْنُ مَيْمُونٍ: يُوَفِّ بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: يُوفِ بِالياءِ مُخَفَّفًا مُضارِعُ أوْفى. وقُرِئَ: تُوَفَّ بِالتّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، و(أعْمالُهم) بِالرَّفْعِ، وهو عَلى هَذِهِ القِراءاتِ مَجْزُومٌ جَوابُ الشَّرْطِ، كَما انْجَزَمَ في قَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ [الشورى: ٢٠] وحُكِيَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّ (p-٢١٠)كانَ زائِدَةٌ، ولِهَذا جُزِمَ الجَوابُ. ولَعَلَّهُ لا يَصِحُّ، إذْ لَوْ كانَتْ زائِدَةً لَكانَ فِعْلُ الشَّرْطِ يُرِيدُ، وكانَ يَكُونُ مَجْزُومًا، وهَذا التَّرْكِيبُ مِن مَجِيءِ فِعْلِ الشَّرْطِ ماضِيًا، والجَوابِ مُضارِعًا لَيْسَ مَخْصُوصًا بِكانَ، بَلْ هو جائِزٌ في غَيْرِها. كَما رُوِيَ في بَيْتِ زُهَيْرٍ: ؎ومَن هابَ أسْبابَ المَنايا يَنَلْنَهُ ولَوْ رامَ أنْ يَرْقى السَّماءَ بِسُلَّمِ وقَرَأ الحَسَنُ: تُوفى بِالتَّخْفِيفِ وإثْباتِ الياءِ، فاحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ مَجْزُومًا بِحَذْفِ الحَرَكَةِ المُقَدَّرَةِ عَلى لُغَةِ مَن قالَ: ألَمْ يَأْتِيكَ، وهي لُغَةٌ لِبَعْضِ العَرَبِ، واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا كَما ارْتَفَعَ في قَوْلِ الشّاعِرِ: يَقُولُ وإنْ شُلَّ رَيْعانُ الجَمِيعِ مَخافَةً جِهارًا ويْلَكم لا تُنَفِّرُوا والحَصْرُ في كَيْنُونَةِ النّارِ لَهم ظاهِرٌ في أنَّ الآيَةَ في الكُفّارِ، فَإنِ انْدَرَجَ أهْلُ الرِّياءِ فِيها فَيَكُونُ المَعْنى في حَقِّهِمْ: لَيْسَ يَجِبُ لَهم أوْ لا يَحِقُّ لَهم إلّا النّارُ كَقَوْلِهِ: ﴿فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] وجائِزٌ أنْ يَتَغَمَّدَهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ، وهو ظاهِرُ قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُبَيْرٍ. والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ما صَنَعُوا فِيها﴾، الظّاهِرُ أنَّهُ عائِدٌ عَلى الآخِرَةِ، والمَحْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِحَبِطَ، والمَعْنى: وظَهَرَ حُبُوطُ ما صَنَعُوا في الآخِرَةِ. ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: صَنَعُوا، فَيَكُونُ عائِدًا عَلى الحَياةِ الدُّنْيا، كَما عادَ عَلَيْها في فِيها قَبْلُ. وما في (ما صَنَعُوا) بِمَعْنى: الَّذِي. أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، وباطِلٌ وما بَعْدَهُ تَوْكِيدًا لِقَوْلِهِ: ﴿وحَبِطَ ما صَنَعُوا﴾، وباطِلٌ: خَبَرٌ مُقَدَّمٌ إنْ كانَ مِن عَطْفِ الجُمَلِ، وما كانُوا هو المُبْتَدَأُ، وإنْ كانَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ ارْتَفَعَ ما بِباطِلٍ عَلى الفاعِلِيَّةِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: وبَطَلَ جَعَلَهُ فِعْلًا ماضِيًا. وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ: وباطِلًا بِالنَّصْبِ، وخَرَّجَهُ صاحِبُ اللَّوامِحِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَيَعْمَلُونَ، فَهو مَعْمُولُ خَبَرِ كانَ مُتَقَدِّمًا. وما زائِدَةٌ أيْ: وكانُوا يَعْمَلُونَ باطِلًا، وفي جَوازِ هَذا التَّرْكِيبِ خِلافٌ بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ. وهو أنْ يَتَقَدَّمَ مَعْمُولُ الخَبَرِ عَلى الجُمْلَةِ بِأسْرِها مِن كانَ واسْمِها وخَبَرِها، ويَشْهَدُ لِلْجَوابِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبإ: ٤٠] ومَن مَنَعَ تَأوَّلَ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَنْتَصِبَ باطِلًا عَلى مَعْنى المَصْدَرِ عَلى بَطَلَ بُطْلانًا ما كانُوا يَعْمَلُونَ، فَتَكُونُ ما فاعِلَةً، وتَكُونُ مِن إعْمالِ المَصْدَرِ الَّذِي هو بَدَلٌ مِنَ الفِعْلِ في غَيْرِ الِاسْتِفْهامِ والأمْرِ، وحَقَّ أنْ يُبْطِلَ أعْمالَهم لِأنَّها لَمْ تُعْمَلْ لِوَجْهٍ صَحِيحٍ، والعَمَلُ الباطِلُ لا ثَوابَ لَهُ.